موسوعة أسئلة الإمامیة فی العقائد والمسائل الخلافیة إشکالات على المخالفین لمذهب أهل البیت علیهم السلام

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

مَوسُوعَةُ أسئلة الإماميّة في العقائدِ وَالمَسائلِ الخِلافِيَّةِ

إشكالات عَلَى المُخالفين لمَذهَب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

المُجَلَّدُ الأَوَّلُ

ابنُ تيميّة وآراؤُهُ فِي العَقائد والتأريخ

تأليف

الشَيخ عَلىّ الحَسُّون

مَركز الأبحاث العقائديّة

إيران - قم المقدسة - صفائية - ممتاز - رقم 34

محرّر الرقمي: محمد رادمرد

اشارة

مركز الأبحاث العقائدية

إيران - قم المقدسة - صفائية - ممتاز - رقم 34

ص. ب: 3331 / 37185

الهاتف: 37742088 (25) (98+)

فاكس: 37742056 (25) (98)

البريد الإلكتروني: info@aqaed.com

الموقع على الإنترنت: www.aqaed.com

العراق - النجف الأشرف - شارع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)

شارع السور جنب مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)

الهاتف: 332679 (33) 964+)

ص - ب 729

شابك (ردمك):

موسو عة أسئلة الإماميّة في العقائد والمسائل الخلافيّة

تأليف: الشيخ علي الحسّون (تبريزيان)

الناشر : مركز الأبحاث العقائديّة

المجلّد الأوّل

الطبعة الأولى. 2000 نسخة

سنة الطبع: 1437هـ

المطبعة:

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة المركز:

الجدال والحوار في الشريعة الإسلاميّة

بقلم: سماحة الشيخ محمّد الحسون

بسم اللّه الرحمن الرَّحيم

الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على حبيب قلوبنا وأنيس نفوسنا، النبيّ المصطفى محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وعلى أهل بيته الأطهار (سلام اللّه عليهم أجمعين).

«الجدال» و«الحوار و الاحتجاج» و «المناظرة»، كلمات متقاربة في معناها، ومؤداها - تقريباً - واحد؛ وهو: بيان رأي الإنسان وإقامة الحجة عليه، وردَّ ما يخالفه من آراء.

ومن حقّ أي شخص أن ينشر ما يعتقده ويراه ويقيم عليه الحجّة الصحيحة، ويدافع عنه، ويردّ الشبهات الواردة عليه، ويذكر إشكالاته على الفكر المقابل ويدحضه ويبين بطلانه.

وهذا الأمر لا يختص بمسألة دون أخرى، ولا بمطلب دون آخر، بل

هو شامل لكل المسائل الخلافية من علوم إسلامية وغيرها.

وفي مقدّمتنا لهذه الموسوعة، نحاول التعرّض لمصطلحين - لهما علاقة بها - هما: الجدال، والحوار.. ثمّ نعرّج على ذكر مختصر لابن تيميّة؛ لأنّ الجزء الأوّل منها مختصّ به، ثم نشير إلى هذه الموسوعة المباركة.

الجدال

معنى الجدال :

قال إسماعيل بن حمّاد الجوهري (393 هـ) في كتابه (الصحاح تاج اللغة وصحاح العربيّة) «وجادَلَهُ.. أي: خاصَمَه، مُجادَلَةً وجدالاً، والاسم الجَدَل؛ وهو: شدة الخصومة.. وجَدَلتُ الحبلَ أجدلُهُ جَدلاً.. أي: فَتَلْتُه فَتلاً محكماً» (1).

وقال أبو القاسم الحسين بن محمّد، المعروف بالراغب الأصفهاني (502 هـ) في كتابه (المفردات في غريب القرآن): «الجدال: المفاوضةُ على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من جَدَلْتُ الحبل؛ أي: أحكمت فتله، ومنه: «الجدال، فكأن المتجادلين يفتلُ كلّ واحد الآخَرَ عن رأيه..


1) الصحاح 4: 1653 «جدل».

وقيل: الأصل في الجدال: الصراع وإسقاط الإنسان صاحبة على الجدالة؛ وهي: الأرض الصلبة» (1).

الجدال حقيقة قرآنية:

لم يقرّ الدين الإسلامي الجدال فقط، بل اتّخذه طريقاً للدعوة أيضاً، بل كافة الأديان السماوية اعترفت به كوسيلة صحيحة للتفاهم مع الآخر، وإيصال العقيدة والحجّة له، وورود عدّة آيات في القرآن الكريم تذكر الجدال، يدلّ على أنه حقيقة قرآنية؛ منها:

1- (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ اللّه)(2).

2- (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللّه بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللّه وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا) (3).

3 - وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللّه أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (4).)4- (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ(5).)


1) المفردات في غريب القرآن : 97 «جدل».

2) سورة النحل (16): 125.

3) سورة غافر (40): 35.

4) سورة الحج (22): 68.

5) سورة هود(11): 32.

5 – (وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (1).)6 – (وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّه وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (2).)7 – (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (3).)8- (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (4). 9 – (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللّه بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كلّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) (5).

10 – (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللّه بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ) (6)

11- (وَمَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللّه إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) (7).

12- وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (8).)#### مرتبة الجدال :إنّ اللّه سبحانه وتعالى بعد أن أرسل نبيّه الحبيب المصطفى ليبشّر بالدين الحنيف، ويدعو قومه للإيمان باللّه تعالى وينذرهم من عصيانه بقوله:


1) سورة الكهف (18): 54.

2) سورة الرعد (13): 13.

3) سورة هود (11): 74.

4) سورة غافر (40): 5.

5) سورة الحج (22): 3.

6) سورة الحج (22): 8.

7) سورة غافر (40) : 4.

8) سورة العنكبوت (29): 46.

(يَا أَيُّهَا النبيّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللّه بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنيراً (1).)فقد رسم له معالم دعوته وكيفيتها ومراحلها، فأمره أولاً أن يعرض عليهم الرسالة ويبلّغهم الدعوة الإلهيّة بالحكمة والدليل والحجة القاطعة، وأن يعظهم وينصحهم نصيحة مشفق عليهم، فإن لم يؤمنوا به ووقفوا أمامه؛ فعندئذ يجب عليه أن يجادلهم بالتي هي أحسن؛ أي: بالرفق والأخلاق العالية، لا بالسب والشتم والاعتداء عليهم، فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (2).)ومن هذا يتضح أن مرتبة الجدال متأخّرة عن مرتبة الإبلاغ بعرض الرسالة السماوية على كافة البشر، وعن مرتبة الوعظ والنصيحة أيضاً. فالناس عموماً يختلفون في استجابتهم وإيمانهم بالرسالة السماوية، فمنهم من يؤمن بمجرد سماعه للدعوة المحمّديّة المباركة، ومنهم من يستجيب لها بعد النصح والوعظ والإرشاد، ومنهم من لا يؤمن إلا بعد الجدال وإقامة الحجج والبراهين، ومنهم من لا يُعلن إسلامه إلا إذا علا السيف رأسه، ومنهم من لم يسلم أبداً ومات أو قتل كافراً.#### الجدال بالباطل:ليس بالضرورة أن يكون الجدال بالحق دائماً، فربّما يكون باطلاً أيضاً؛


1) سورة الأحزاب (33): 45 و 46.

2) سورة النحل (16): 125.

لأن صاحب كلّ رأي يعتقد صحّة ما يعتقده، وإلا لما اعتقده ودافع عنه وحاول إقامة الأدلّة والحجج على صحته؛ وإليه أشار الباري عزّ وجلّ بقوله:(وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْخِضُوا بِهِ الحق (1).)وعبر القرآن الكريم في موضع آخر عن «الجدال بالباطل» بـ : «الجدال بغير سلطان» بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللّه بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدورهم إلا كبرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ (2).)والسلطان هو الحجّة، سُمّيت به لسيطرتها وتسلّطها على القلوب (3.)ومنه يُفهم أنّ المراد من «الجدال بالحق»؛ هو: «الجدال بالحجّة»، لكن الحجة إنّما يحصل لها السلطان على القلوب إذا كانت (بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (4)، فلذا أمر اللّه تعالى بذلك.)وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد منها - أي: بالتي هي أحسن - الطريقة التي هي أصلح وأقرب للنتيجة والنفع (5، وهو تفسير يناسب المواضع المختلفة التي استعملت فيها الكلمة في القرآن الكريم؛ كقوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) (6)، أي: بالطريقة التي)


1) سورة الكهف (18): 56.

2) سورة غافر (40) : 56.

3) المفردات في غريب القرآن : 244 «سلط».

4) سورة النحل (16): 125.

5) انظر: تفسير الكشاف 2: 435 تفسير البحر المحيط 5: 549، تفسير الطبري 10: 141.

6) سورة الأنعام (6): 152.

هي أعود وأنفع له.وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَعُ بَينهم (1).)أي: بأن يتكلموا مع المشركين بالطريقة التي لا تعود بالفائدة على الشيطان في تحصيل مقاصده من الوقيعة بين المؤمنين وبين المشركين، فاللّه سبحانه يريد من المؤمنين أن يكون جدالهم مقروناً بما يعينهم في إقامة الحجّة وإفحام الخصوم، وظهور الحق على الباطل.#### صور من الجدال في القرآن الكريم:لم يكتف القرآن الكريم أن أقر الجدال وجعله وسيلةً للدعوة الحقة، كما بيناه قبل قليل بذكر مجموعة من الآيات القرآنية بل علم نبيه وكافة المسلمين أسلوب الجدال الصحيح؛ إذ ذكر له صوراً من الجدال مع الكافرين؛ استطاع بها إسكات خصومه وإقامة الأدلّة والحجج القوية عليهم؛ نذكر بعضها:(1 إذا قال الكافر: (مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)؟)نجيبه: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (2)؛ إذ من الواضح أن إيجاد الشيء من العدم أصعب من إعادته بعد اندراسه.)(2 إذا ادعى اليهود والنصارى بأنه لا يدخل الجنّة غيرهم، (وَقَالُوا لَنْ)


1) سورة الإسراء (17): 53.

2) سورة يس (36) : 78 و 79.

يَدْخُلَ الجنّة إلا مَنْ كَانَ هُودًا أَو نَصَارَى.)فطالبهم بالدليل على مدعاهم وأمنياتهم، (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (1).)(3 وإذا قالوا: إن الآخرة لهم، فهم في النعيم فقط..)فطالبهم أن يتمنوا الموت حتّى يذهبوا للنعيم المزعوم، (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللّه خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الموت (2)، لكنهم لا يتمنوه؛ لأنهم في شكّ من أمرهم.)(4 وعندما ادعى اليهود والنصارى بأنهم أبناء اللّه وأحباؤه، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللّه وَأَحِبَّاؤُهُ).)أوحى اللّه إلى نبيه بأن يقول لهم: (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ مَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ (3).)فهل يصحّ أن يعذب الأب أبناءه وأحباءه؟!(5 اتخذ المشركون عدّة آلهة يعبدونهم في الأرض، ﴿أَمِ اتَّخَذُوا أَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ)، فأوحى اللّه تعالى إلى نبيه أن يبطل عقيدتهم هذه بقوله: (لو كَانَ فِيهِمَا أَلِةٌ إِلَّا اللّه لَفَسَدَتَا) (4).)


1) سورة البقرة (2) : 111.

2) سورة البقرة (2) : 94.

3) سورة المائدة (5) : 18.

4) سورة الأنبياء (21) : 21 - 22.

(6 حينما قال إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) لنمرود: إن اللّه بيده الخلق وهو يُحيي ويميت؛ (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ).)فأجابه نمرود: (قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ.)فأوحى اللّه تعالى لإبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ أن يجيبه: ﴿فَإِنَّ اللّه يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المُشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ).)فعند ذلك سكت نمرود وأفحم، (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّه لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمينَ (1).)(7 وعندما حطم النبيّ إبراهيم الالة الأصنام، وعلّق الفأس برقبة كبيرهم، قال المشركون له: ﴿أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِأَهِتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ).)فأجابهم (عَلَيهِ السَّلَامُ: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ).)وبهذا أقام إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ الحجّة عليهم (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (2).)(8 ما جرى بين نبي اللّه نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبين قومه من جدال، ذكره القرآن السلام الكريم بقوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّ وَأَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ)


1) سورة البقرة (2) : 258.

2) سورة الأنبياء (21) : 62 - 67.

عَلَيْكُمْ أَنْلزمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ فَا كَارِهُونَ... قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتُنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا... (1).)#### الأسس والقواعد الصحيحة للجدال:للجدل والمناظرة قواعد وأسس وآداب خاصة، ذكرها العلماء في كتبهم، ويجب على المتجادلين رعايتها إن كانوا يطلبون الحق ويسعون للوصول إلى الحقيقة.وفي أيامنا هذه، ومع الأسف الشديد، نرى في وسائل إعلامية معادية للإسلام الأصيل - تلفاز ومواقع الكترونية، وغرف المحادثة على الإنترنت، وبرامج التواصل الاجتماعي، وغيرها - مجموعة من الشباب، وكذلك ممن تسموا باسم الدين والدين منهم براء، قد حشروا أنفسهم في مناظرات وحوارات عقديّة، لم يراعوا فيها أبسط قواعد هذه الفنون، ولذلك لم تصل هذه الحوارات إلى نتائج إيجابية، بل أدت إلى التنافر والتباغض والعداء بين المسلمين عموماً.ومن القواعد التي أقرها العلماء في علم الجدل وفن الحوار والمناظرة:أولاً: أن يكون الهدف معرفة الحق والوصول إلى الحقيقة، مع تجنب العناد واللجاج، والإصرار على الخطأ.ثانياً: الاستدلال بدليل يعترف به الطرف الآخر، حسب قاعدة: «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم».


1) سورة هود (11) : 28 - 32.

ثالثاً: أن يُدلي المحاور برأيه وأدلته المعتبرة بكل رفق، وسكينة، ووقار.رابعاً: أن يختار لمطلبه الألفاظ الواضحة، والعبارات الجميلة.خامساً: أن ي- يحترم الطرف الآخر، ويتجنب السب والشتم.سادساً: أن يجتنب الأساليب الملتوية، والخروج عن البحث؛ بما يشوّش على الخصم فكره.سابعاً: أن يكون أميناً في نقله للمطالب العلميّة، ولا يتصرف في كلام الخصم بزيادة أو نقصان، ولا ينسب إليه شيئاً لم يقله أو حجّة لا يعتبرها.ثامناً: أن لا يقاطع كلام المحاور ولا يرفع صوته عليه.***### الحوار#### معنى الحوار:قال إسماعيل بن حمّاد الجوهري (393 هـ في كتابه (الصحاح تاج اللغة وصحاح العربيّة): «المُحاوَرَةُ المُجَاوَبَةُ، والتَحَاوُرُ: التجاوب. ويقال: كلمته فما أحَارَ إلى جَواباً، وما رجع إلي خويراً ولا حويرةً ولا مَحُورةً ولا حوَاراً؛ أي: ما ردَّ جواباً» (1).)


1) الصحاح 2: 640 «حور».

وقال أبو القاسم حسين بن محمّد، المعروف بالراغب الأصفهاني (502 هـ في كتابه (المفردات في غريب القرآن): «والمُحَاوَرَةُ والحوار: المُرَاودَةُ في الكلام، ومنه التَّحاوُرُ ؛ قال اللّه تعالى: ﴿وَاللّه يَسْمَعُ تَحَاوُرَ كُمَا) (1).. وكلّمتُهُ فما رجع إليَّ حَوَارٍ أو حَوير أو مَحْوَرَة» (2).)#### الحوار القرآني :إن المتمعّن في آيات القرآن المجيد، يقف على حوارات قرآنية متعدّدة مختلفة المعاني، يصعب احتواؤها بتعريف يجمع كلّ معانيها وأشكالها؛ لأنها ليست على نمط واحد، لكنّها من حيث المغزى والمرمى تؤدّي أهدافاً مشتركة من أجل طرح خبر السماء وتثبيت العقيدة الحقة، وردّ إشكالات المشركين.ونجد صوراً متعددة للحوار في القرآن الكريم بين جماعات مختلفة: بین الأنبياء وأممهم، وبين أهل الجنّة أنفسهم، وبين أهل النار، وبين أهل الجنّة وأهل النار، وبين أصحاب الأعراف، وغيرها.#### أنواع الحوار القرآني :##### إشارة:نستطيع أن نقسم الحوار القرآني إلى عدّة أقسام:


1) سورة المجادلة (58): 1.

2) المفردات في غريب القرآن : 142 «حور».

##### الأوّل: الحوار البرهاني.وهو عبارة عن مجموعة من الأسئلة وأجوبتها، تؤلّف بمجموعها برهاناً منطقياً يلزم المخاطب أو المخاطبين الإقرار بالأمر الذي صيغ الحوار من أجل إقناعهم به وهدايتهم إليه، انظر مثلاً : سورة يونس (10: 31 - 32.)##### الثاني: الحوار الوصفي.وهو حوار بين طرفين أو أكثر، يصف الحالة النفسية لبعض المتحاورين، أو يُشعر السامع والقارىء بها بقصد هدايته إلى الاقتداء بالصالحين، والابتعاد عن سلوك الشريرين الذي أودى بهم وأوصلهم إلى هذا الندم والعذاب النفسي والجسدي.انظر مثلاً: الحوار الذي جرى بين أهل النار أنفسهم، وبين أهل الجنّة أيضاً، في سورة الصافات (37 الآية 15 وما بعدها.)وانظر الحوار الذي جرى بين أهل الجنّة وأهل النار وأصحاب الأعراف في سورة الأعراف (7 الآية 40 وما بعدها.)##### الثالث: الحوار القصصي.وهو حوار يجري على شكل سؤال وجواب بين شخصيات القصّة الذين يقومون بأهم أحداثها، أو تتمثل فيهم تلك الأحداث والمفاجآت، أو تجري عليهم المآسي والآلام؛ التي تتميّز بها القصة.وهذا النوع من الحوار - القصصي - يزيد في جماليّة القصّة، وإقبال

القارئ عليها، وتأثره بأبطالها، خصوصاً إذا كانوا صادقين في وصف مشاعرهم، ممّا يزيد في رغبة القارئ في تتبع القصة؛ ليتابع الأحداث التي تدور فيها؛ ليرى أيَّ الطرفين سينتصر وتكون له الغلبة والعاقبة في نهاية الأمر.انظر مثلاً: الحوار، بل الحوارات في القصة الطويلة في سورة يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ ؛ التي تحتوي على عدّة مشاهد قصصيّة رائعة.)وانظر مثلاً: الحوار بين أهل مدين ورسولهم نبي اللّه شعيب (عَلَيهِ السَّلَامُ، في سورة هود (11) الآية 84 - 95.)#### الرابع: الحوار الخطابي.وهو كلّ خطاب، أو نداء، أو سؤال يوجّهه القرآن إلى عباد اللّه، أو إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، أو غيرهم من الناس؛ ليحضّهم على تلبيته، أو الإجابة عليه، أو ليلفت أنظارهم ويوجه عقولهم وأفئدتهم إلى أمر يهمهم، أو لينبههم إلى سلوك شائن يقوم به المنحرفون ليجتنبه المؤمنون، أو ليذكرهم بفضل اللّه ونعمه عليهم فيشكروه، أو ليوقظ عواطفهم ووجدانهم.)انظر لصور من هذا الحوار مثلاً في سورة التحريم (66: 6، وسورة النساء (4): 94، وسورة الحجرات (49) 11، وسورة البقرة (2):264.)#### الخامس: الحوار التعليمي.وهو الحوار الذي يطرح فيه المربّي على المتعلمين سؤالاً، وهو يعلم أن إجابتهم ستأتي وفق خبراتهم الناقصة في موضوع الجواب؛ الذي يريد شرحه لهم، ثمّ يعرض عليهم الجواب الصحيح.

ويمكن أن نطلق على هذا النوع من الحوار: الحوار التنبيهي أيضاً.انظر: سورة النبأ من أولها، فإنّها تمثل صورة واضحة لهذا الحوار التنبيهي.وقد استعمل الرسول الكريم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ هذا النوع من الحوار؛ لتعليم أصحابه الأحكام الشرعيّة، فسألهم ذات يوم: «أتدرون ما المفلّس»؟)قالوا: المفلَّس فينا من لا درهم له ولا متاع.فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «إنّ المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا.. فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته.. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه؛ أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثمّ يُطرح في النار» (1).)وعندما سألهم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «أتدرون ما الغيبة»؟)قالوا: اللّه ورسوله أعلم.فقال لهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «ذكرك أخاك بما يكره».)فقام أحد الصحابة وقال للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟)فأجابه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ قائلاً: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» (2).)


1) انظر: رياض الصالحين للنوري : 96؛ إذ ذكر مصادره بشكل مفصل.

2) انظر: ریاض الصالحين للنوري : 612؛ إذ ذكر مصادره بشكل مفصل.

ونكتفي هنا بهذا القدر من الكلام عن الجدال والحوار، ولا نطيل البحث فيه؛ لأنه متشعب وإن كان لا يخلو من فوائد جمة، بحثها العلماء في مقالات وكتب متعددة.***### ابن تيميّةولد يوم العاشر من ربيع الأول سنة (661هـ في حرّان (1).)لم يُعرف أصله ونسبه، أهو عربي أم لا، ولا يوجد ما يدلّ على عروبته، ويرجّح الدكتور محمّد أبو زهرة كونه كردياً (2.)وعلى كلّ حال، لا يهمنا أصل الرجل عربيّاً كان أو كردياً، وإنما نذكر ذلك لإصرار بعض أنصاره على عروبته.وفي سنة (667هـ أغار التتار على بلده، ففرّت عائلته إلى دمشق، وهناك بدأ بالدرس.)كان ابن تيميّة حاد الطبع، حديد الذهن، قوي الحافظة، ولم يتزوج إلى أن مات، وبقي هذا الأمر سراً من أسرارهعُرف عن ابن تيميّة أنه خالف علماء عصره في آرائه ونظرياته، خصوصاً


1) الوافي بالوفيات 7: 11 وفوات الوفيات 1: 124.

2) ابن تيميّة.. حياته وعصره.. آراؤه وفقهه: 18.

ما يتعلّق بصفات اللّه تعالى، ومسألة التجسيم، وقام علماء المذاهب الأربعة السنيّة منذ عصر ابن تيميّة حتّى يومنا هذا بالردّ على أفكاره وعقيدته الباطلة، وإذا أردنا سرد كلّ كلماتهم لطال بنا المقام، وخرجنا عن المرام في هذه المقدمة المختصرة، لكن نكتفي بذكر ما قاله ابن حجر العسقلاني عنه؛ إذ قال:«... ومن ثم نسب أصحابه إلى الغلو فيه، واقتضي له ذلك العجب بنفسه حتّى زها على أبناء جنسه، واستشعر أنه مجتهد، فصار يرد على صغير العلماء وكبيرهم، قديمهم وجديدهم، حتّى انتهى إلى عُمر، فخطأه في شيء، فبلغ ذلك الشيخ إبراهيم الرقّي، فأنكر عليه، فذهب إليه واعتذر واستغفر، وقال في حق علي: أخطأ في سبعة عشر شيئاً...ومنهم من ينسبه إلى النفاق ؛ لقوله في علي ما تقدم، ولقوله: إنه كان مخذولاً حيثما توجّه، وإنه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها، وإنما قاتل للرئاسة لا للديانة، ولقوله: إنّه كان يحب الرئاسة... (1.)وقال عنه: «... لكنّه ردّ في ردّه :[ أي كتابه منهاج السنّة] كثيراً من الأحاديث الجياد؛ التي لم يستحضر حالة التصنيف مظانّها؛ لأنه كان لاتساعه في الحفظ يتكل على ما في صدره، والإنسان عامد للنسيان... وكم من مبالغة لتوهين كلام الرافضي أدته أحياناً إلى تنقيص علي رضي اللّه عنه» (2.)وقال في مخالفة العلماء لابن تيميّة: «فمنهم من نسبه إلى التجسيم؛ لما


1) الدرر الكامنة 1: 179 – 181.

2) لسان الميزان 6: 319.

ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك؛ كقوله: إن اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقة لله، وأنه مستو على العرش بذاته.فقيل له: يلزم من ذلك التحيّز والانقسام.فقال: أنا لا أسلّم أن التحيّز والانقسام من خواص الأجسام، فألزم بأنه يقول بتحيُّز في ذات اللّه.ومنهم من ينسبه إلى الزندقة؛ لقوله: إن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم لا يُستغاث به، وإن في ذلك تنقيصاً ومنعاً من تعظيم النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم).)وكان أشد الناس عليه في ذلك النور البكري؛ فإنّه لما عقد له المجلس بسبب ذلك، قال بعض الحاضرين يُعذر، فقال البكري: لا معنى لهذا القول؛ فإنّه إن كان تنقيصاً يُقتل، وإن لم يكن تنقيصاً لا يُعذر...ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله : أبو بكر أسلم شيخاً يدري ما يقول، وعلي أسلم صبيّاً، والصبي لا يصحّ إسلامه على قول.وبكلامه في قصة خطبة بنت أبي جهل، وقصة أبي العاص ابن الربيع وما يؤخذ من مفهومها؛ فإنّه شنّع في ذلك، فألزموه بالنفاق؛ لقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: (لا يبغضك إلا منافق).)ونسبه قوم إلى أنه يسعى في الإمامة الكبرى؛ فإنه كان يلهج بذكر ابن تومرت ويطريه، فكان ذلك مؤكداً لطول سجنه، وله وقائع شهيرة.وكان إذا حوقق وألزم، يقول : لم أرد هذا؛ إنّما أردت كذا، فيذكر

احتمالاً بعيداً» (1.)وقام مجموعة من أعلام المسلمين والباحثين - على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم - من سنة وشيعة - بكتابة كتب ورسائل خاصة في الردّ على ابن تيميّة؛ أشار مؤلّف هذه الموسوعة إلى بعضها.### موقف ابن تيميّة من الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ :)يُعد ابن تيميّة من المخالفين، بل من النواصب؛ الذين يتدينون بنصب العداء لعلي بن أبي طالب وأهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ، لأنه لم يدع كرامة ومنقبة لهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) إلّا أنكرها، أو شكك بها، أو قلّل من أهميتها..)قال الشيخ عبد اللّه الغماري في معرض رده على الألباني: «وحاله في هذا كحال ابن تيميّة، تطاول على الناس، فأكفر طائفة من العلماء، وبدع طائفة أخرى، ثم اعتنق هو بدعتين، لا يوجد أقبح منهما:إحداهما قوله بقدم العالم، وهي بدعة كفرية - والعياذ باللّه تعالى.والأُخرى: انحرافه عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ، ولذلك وسمه علماء عصره بالنفاق؛ لقول النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) لعلي: (لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلّا منافق) (2).)


1) الدرر الكامنة 1: 180 – 182.

2) إرغام المبتدع الغبي: 22.

ومن يراجع كتبه ورسائله يجدها مليئة بالطعون الخبيثة؛ التي تدل على خبث ونصب قائلها لأهل بيت النبوة (عَلَيهِم السَّلَامُ، وسيجد القارئ الكريم الردّ على كثير منها في هذه الموسوعة.)### هذه الموسوعة:من حقّ أي شخص صاحب فكرة معينة وعقيدة خاصة، أن يعرض ما لديه من أفكار، وأن يُقيم الحجج والبراهين على صحّة معتقده، بل من حقه أيضاً - وكدليل على صحّة وكمال عقيدته - أن يُبيّن بطلان الرأي الآخر، وذلك بطرح عدّة إشكالات وأسئلة على المخالف له؛ منتظراً منه الجواب عليها، وكلّ ذلك لا بد أن يجري في جو علمي هادئ، بعيداً عن المشاحنات وأساليب التنقيص والسب والشتم ونحوها؛ التي تفرّق الأمة وتبعدها عن دينها أكثر ممّا تجمعها وتوحدها.وقد قام علماء مدرسة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ، وطيلة قرون ماضية، برد الشبهات التي أثارها المخالفون، وإقامة الحجج والبراهين الساطعة على أحقية هذا المذهب المظلوم، مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وأجابوا على جميع الأسئلة التي طرحها المخالفون، أو المعاندون الذين نصبوا العداء لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأولاده المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ).)إلا أن هذا العمل - أي: ردّ شبهات المخالفين – لوحده لا يكفي في إحقاق الحق وإزهاق الباطل، فلا بد من بيان نقصان رأي المخالف وعدم تماميته، وعدم إمكانيته معالجة كافة المسائل العقدية..

فجاءت هذه الموسوعة لتسدّ هذا الفراغ، مبيّنة كمال وتمام وصحة مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ، وأنه المذهب الوحيد الذي يمكنه وضع الحلول الصحيحة لكافة المشاكل العقديّة؛ التي يعانيها مجتمعنا الإسلامي الآن.)تحتوي هذه الموسوعة على عدّة أسئلة وإشكالات عقدية، وجهها مؤلّفها القدير للمخالفين لمذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ، بأسلوب علمي رصين، نابع من أخلاق مدرسة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وعملاً بالدعوة للمذهب الحق بالحكمة والموعظة الحسنة.)وهي مرتبةً حسب المواضيع العلميّة المهمة المطروحة في الساحة الإسلاميّة؛ التي تناولتها وسائل الإعلام المختلفة للطرفين، والتي تعتبر من أساسيات مسائل الخلاف بين المدرستين.ولأهمية (ابن تيميّة عند المخالفين؛ إذ اعتبره بعضهم شيخاً للإسلام ومجدداً، ولكون أكثر الشبهات المثارة علينا الآن نابعة من فكره الهدام ونصبه العداء لمولانا أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، خصه المؤلّف بالمجلد الأوّل من موسوعته المباركة هذه.)ولا يخفى أن إكمال هذه الموسوعة المهمة، وبهذا المنهج الحديث، كي تشمل كافة الأبحاث العقدية المطروحة في الساحة العلميّة، يستوجب تظافر الجهود، وتقديم الدعم المناسب للمؤلّف؛ الذي قضى من عمره المبارك - وهو لازال في أوّل مشواره العلمي - سنوات عدّة يعمل بمفرده في تأليفها وإخراجها.

وختاماً أشكر اللّه سبحانه وتعالى أن وفّق ولدي العزيز وقرة عيني لهذا العمل الرصين؛ دفاعاً عن مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ، وأوصيه أن يستمر به ويعمل على إكماله، رغم الصعوبات الكثيرة التي واجهها ويواجهها، فالأجر على قدر المشقة، وأفضل الأعمال أحمزها، والحمد للّه أولاً وآخراً، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا النبيّ الأمي وعلى أهل بيته الأطهار، صلوات اللّه عليهم أجمعين.)محمّد الحسون12/ ربيع الأول 1437هـالموقع على الإنترنت: www.alhasun.comالبريد الإلكتروني: muhammad@aqaed.com

## الإهداء..إلى الصدّيقة الشهيدةالرضيّة المرضيّة، الفاضلة الزكيّة، الحوراء الإنسيّة، التقيّة النقية، المحدّثة العليمة، المظلومة المغصوبة، المضطهدة المقهورة.. أُمّ المحسن الشهيد...أهدي هذا الجهد المتواضع. سيّدتي ومولاتي.. أشهد اللّه ورسله وملائكته أَنِّي راض عَمِّن رضيت عنه، ساخِطٌ على من سخطتِ عليه، متبرّى ممن تبرأت منه، مُوال لمن واليتِ، مُعادٍ لمن عاديتِ، مُبغِضٌ لمن أبغضتِ، مُحِبُّ لمن أحببت، وكفى باللّه شهيداً وحسيباً وجازياً ومثيباً.

## مقدّمة المؤلف:بسم اللّه الرَّحمن الرَّحيمالحمد للّه الذي لا يبلغ. مدحته القائلون، ولا يحصي نعمه العادّون، ولا يؤدي حقه المجتهدون؛ الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن.. الذي ليس لصفته حدّ محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود. وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدم؛ من عموم نعم ابتدأها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن أولاها.وأفضل الصلاة وأزكى السلام على عبده ورسوله، وأمينه وصفيه، وخيرته من خلقه، حبيب قلوبنا، وشفيع ذنوبنا، أبي الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ، محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).. وعلى أخيه ووصيّه، وخليفته من بعده أمير المؤمنين، وإمام المتّقين، ومولى الموحدين، ويعسوب الدين، وقائد الغر المحجلين، أسد اللّه الغالب، عليّ بن أبي طالب اللّه.. والصديقة الشهيدة، الرضيّة المرضية، المحدثة العليمة، عصمة اللّه الكبرى، فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ).. والإمامين البرّين التقيَّين، الرضيَّين)

الزكيَّين، سيّدي شباب أهل الجنّة، الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ الي.. والتسعة المعصومين من ذرية الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الطاهرة: عليّ بن الحسين، ومحمّد بن علي، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمّد بن علي، وعلي بن محمّد، والحسن بن علي، وصاحب الأمر وإمام العصر المهدي المنتظر (صلوات اللّه عليهم) الأئمّة الراشدين، المهديّين المعصومين، المكرّمين المقرّبين، المتّقين، المصطفين، المطيعين للّه القوامين بأمره العاملين بإرادته، الفائزين بكرامته.)واللعنة الدائمة المؤبدة على أعدائهم ومبغضيهم، ومخالفيهم، وظالميهم، وقتلتهم، ومنكري فضائلهم، وغاصبي حقوقهم، وناصبي العداء لشيعتهم ومحبّيهم، ومن رضي بذلك إلى يوم الدين.## الحرب الإعلامية ضد مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ:)لا يخفى على المتتّبع لوسائل الإعلام المرئية والسمعية والمقروءة في هذه الأيام، ما يتعرّض له مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ ؛ من إثارة الشبهات، وتوجيه الافتراءات تجاه أصول مرتكزاته العقدية وفروعها، مضافاً إلى الجرائم البشعة التي يرتكبها أعداء الإسلام؛ من سفك دماء محبّي العترة الطاهرة (عَلَيهِم السَّلَامُ) وشيعتهم على أرض الواقع، في شتّى البلدان، ومهما سنحت لهم الفرصة؛ لأسباب سياسيّة، بتحريض من فقهاء التكفير ودعاة الإرهاب، على حساب العقيدة..)وقد ضاعف هؤلاء الجناة من الضجيج الإعلامي المفتعل - الناضح بالحقد واللؤم والتعصب المقيت - ضدّ الشيعة الإماميّة وعقائدهم، لأنهم يرون كيف أن الإسلام الحق المتمثل بمذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ، ونهجهم القائم على التمسك بحبل ولايتهم ومودتهم، والاعتقاد بعصمتهم وإمامتهم، يزيد تألّقاً)

وسطوعاً وإشراقاً في مختلف أرجاء العالم؛ ليعمر القلوب بالهدى والنور، ويغمرها بالمحبة والسلام.وكانت لهم الأساليب الماكرة في ذلك، فقد تفننوا في اختراع وسائل الخداع والتزوير للحق في ما يثيرونه من شبهات، وما يطرحونه من أفكار، وما يروجون له من أكاذيب، في وسائل إعلامهم التقليدية وغيرها من المواعظ والخطب المنبرية، والقنوات الفضائية والمجلات والمنشورات الدعوية، والإصدارات السمعية والمرئية، ومواقع ومنتديات شبكة المعلومات العالميّة (الإنترنت، والدروس والمحاضرات والمؤتمرات والندوات والحوارات المصطنعة، والمسلسلات، ومختلف برامجهم المشبوهة، حتّى الترفيهية منها، فضلاً عما يزعمون أنها ثقافية، فأصبح كلّ همهم التسويق للباطل بطريقة التجنّي وتزوير الحقيقة؛ لافتقارهم إلى البراهين الساطعة والأدلّة المقنعة؛ لإثبات معتقداتهم الباطلة.)## تصدّي علماء الإماميّة للدفاع عن مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ:)وفي المقابل تصدى علماء مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ المعاصرون، بكل قوة وصلابة للإجابة على جميع شبهات المخالفين – الثابتة في مضامينها والمتغيرة في ظاهرها - بالاعتماد على مصنفات متكلمي السلف الصالح وفقهائهم (رحمة اللّه) ؛ طبقاً لقواعد معرفية متينة، من أجل صيانة أبناء الأمة الإسلاميّة من الوقوع في أودية الضلال والجهل والضياع.)وكان من الطبيعي في السنوات الأخيرة أن تكرس جهود علماء الإماميّة في مجال الدفاع عن مذهب الطائفة الحقة والفرقة المحقة؛ نظراً إلى توسع

حركة العداء للشيعة والتشيّع.. فألفت الكتب والمقالات، وتأسست المؤسسات، و تسرعت حركة المقاومة العلميّة؛ حتّى أثمرت تلك الجهود المباركة كمّاً هائلاً من الدراسات والبحوث القيمة لسدّ حاجة الباحثين في هذا المجال، والسير بهم نحو التمييز بين الحق والباطل في سبيل التعرف على الحقيقة، والانتماء إلى الفرقة الناجية.## أسئلة تطرح نفسها:* هل يكفي استمرار العاملين في مجال نشر عقائد الإماميّة على النهج الدفاعي، وتحديد نشاطاتهم العلميّة بالإجابة على الأسئلة، وردّ الشبهات؟* لماذا لا نتحرك إلى الأمام في مجال العمل العقائدي، ونخطوا خطوة أخرى نحو المرحلة الجديدة؛ المتمثلة بحركة عرض الإشكالات والتساؤلات لأتباع الرأي الآخر، ومطالبتهم بالأدلّة والبراهين على ما يدعون؟* هل تقتصر قوة مذهب أهل البيت اللّه على إقناع الآخرين بالإجابة عن الاستفسارات، وحل الإشكالات، ودرء الشبهات؛ أم لنا قدرة استجواب الآخر ومناقشته، وسرد الإشكالات العلميّة على مذهبه؟## قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين:إن مطالبتنا المخالف بالدليل والبرهان هو المنهج الذي دعا إليه الإسلام في الكتاب العزيز..قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجنّة الآ مَن كَانَ هُوداً أو نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيهُمْ

قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (1).)وقال عزّ وجلّ: (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الحَقِّ فَهُم مُّعْرِضُونَ (2).)وقال سبحانه: ﴿أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَاهٌ مَّعَ اللّه قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِين (3).) وقال عزّ من قائل: ﴿وَنَزَعْنَا مِن كلّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقِّ للّه وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (4).

وعلى هذا الأساس انطلقت فكرة تأليف هذه الموسوعة؛ إذ تكفلت: «جمع وإعداد الأسئلة والإشكالات على المخالفين لمذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ، في العقائد والمسائل الخلافية» (5)، كخطوة أولى للتمكن من غربلة العقيدة الإسلاميّة وتطهيرها من الشوائب العالقة بها على مر العصور، بأسلوب علمي معتدل، لا يخرج عن إطار الاحترام المتبادل، ولا يتنازل عن العقيدة الصحيحة القطعية قيد شعرة أو أقل، مجاملة لأتباع الرأي الآخر.)


1) سورة البقرة: 111.

2) سورة الأنبياء: 24.

3) سورة النمل: 64.

4) سورة القصص: 75.

5) تنبيه: نعرض في هذا الكتاب النصوص والأبحاث أولاً، ثم نأتي بالتساؤلات المتعلقة بها، وربما نشير في بعض المواضع إلى شواهد ومؤيّدات ونحوها - بعد إيراد الأسئلة والإشكالات- ؛ للمناسبة.

## منهجية التأليف:تتلخّص الخطوات التي قمنا بها لإنجاز هذا العمل المتواضع في ما يلي:1- اختيار مواضيع الأسئلة وترتيبها حسب الأهمّية (1.)2- مراجعة المصادر والكتب المتقدمة، والمتأخرة، والحديثة؛ لجمع المعلومات بشأن الموضوع.تصحيح وتحديث المعلومات والتعليق عليها، وإضافة بعض التنبيهات لها؛ وذلك بعد البحث الشامل، و الدراسة المعمقة، والتدقيق بشأنها (2.)


1) على هذا الأساس كان موضوع: ابن تيميّة» الأول بين جميع مواضيع الموسوعة؛ التي بلغ عددها أكثر من سبعين موضوعاً.

2) اتّبعنا في هذا الكتاب المنهج الإلزامي.)والمراد منه: «الحكم على الخصم بما اعتبر في مذهبه، فهو إلزام عليه، وإن كان غير موافق لمذهبنا».ولا يخفى أن هذا الأسلوب العقلي استعمل في الكتاب العزيز في آيتين كريمتين – على الأقل - قد تدلان على شمولية قاعدة الإلزام، وصحة استعمالها في عامة الأبواب شرعاً، مضافاً إلى الموارد الفقهيّة التي دلّت عليها الأخبار..قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّه الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أَحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّه يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأَتِ بهَا مِنَ الْمَغْرِب فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّه لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالمين. سورة البقرة:258.)وقال عزّ وجلّ: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسَنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافرين. سورة الأنعام: 130..)تنبيه: ربما نأتي في بعض بحوث الكتاب بما لا يلتزم به المخالف؛ كأحاديث أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ من طرق الإماميّة، وذلك من باب ذكر الشواهد والمؤيدات، أو لاشتمالها على البراهين العقلية المستقلة.

4- ترتيب الأبحاث حسب المواضيع، وصياغة الأسئلة المتعلّقة بها، وضبط النصوص والمصادر.

## شكر وتقدير :لا يسعني في الختام إلا أن أشكر كلّ من ساهم في إعداد أو مراجعة المجلد الأوّل من هذه الموسوعة، وأخص بالذكر سماحة الشيخ الوالد (حفظه اللّه، وأسأل اللّه تعالى أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتنا، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى اللّه بقلب سليم.)والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.علي الحسّونربيع الأول/ 1437هـ - قم المقدسةalialhassoon@gmail.com

## الفصل الأوّل التعريف بابن تيميّة### إشارة:ترجمة ابن تيميّةعقائد ابن تيميّةمحن ابن تيميّة، وتوبته، وسجنهموقف علماء أهل السنّة من ابن تيميّةمؤلّفات في الردّ على آراء ابن تيميّة

### ترجمة ابن تيميّةأحمد، تقي الدين، أبو العباس بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد اللّه بن أبي القاسم الخضر بن محمّد بن الخضر بن عليّ بن عبد اللّه بن تيميّة الحراني.ولد يوم الاثنين العاشر، وقيل الثاني عشر، من ربيع الأوّل عام (661هـ في حرّان (1)، وفي عام (667هـ) أغار التتار على بلده، ففرت عائلته إلى دمشق، وبها كان مستقرها.)مات في ليلة الاثنين، العشرين من ذي القعدة لسنة (728هـ، بسجن قلعة دمشق (2).)### ابن تيميّة والانتساب إلى العرب:أجمع علماء الأمة الإسلاميّة على ضرورة احترام كلّ مسلم، وعدم التفريق بين أتباع النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بلون، أو جنس، أو حسب، أو نسب(3)،)


1) مدينة قديمة على طريق الموصل والشام والروم في بلاد ما بين النهرين، تقع حالياً في جنوب شرق تركيا عند منبع نهر البليخ، أحد روافد نهر الفرات.)معجم البلدان 2: 235 (3586.

2) راجع ترجمته المفصلة في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 2: 428، شذرات الذهب في أخبار من ذهب 6: 339 ذيل طبقات الحنابلة 2: 387.

3) راجع التصريح بالإجماع في الميزان في تفسير القرآن 4: 135 تفسير القرآن العظيم 4: 232، وغيرها من كتب الفريقين؛ في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّه أَتْقَاكُمْ).

ومن البديهي عند كلّ مؤمن باللّه ورسوله واليوم الآخر؛ أن تكون التقوى هي المعيار في التفاضل بين المسلمين لا غير؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّه أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللّه عَلِيمٌ خَبِيرٌ (1).)وقد دلت الأحاديث الصحيحة المتضافرة عن النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ على وجوب الالتزام بهذا الحكم الإلهي، والمبدأ السامي، كمقولته المشهورة في خطبته يوم الحج الأكبر: «يا أيها الناس إنّ ربّكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّه أَتْقَاكُمْ»» (2).وصحّ عنه في ذمّ العصبيّة والعنصريّة الباطلة بشتى أشكالها قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: من قاتل تحت رآية عميّة، يغضب للعصبيّة، أو يدعو إلى عصبيّة، أو ينصر عصبيّة، فقتل، فقتلة جاهلية» (3).


1) سورة الحجرات: 13.

2) مسند أحمد بن حنبل 4: 411، شعب الإيمان 4: 289، مسند عبد اللّه بن المبارك: 106، المعجم الأوسط 5: 86 الترغيب والترهيب من الحديث الشريف 3: 612، حلية الأولياء و طبقات الأصفياء 3: 100.)قال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 3: 266 رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 3: 375.

3) )صحیح مسلم :6 22، مسند أحمد بن حنبل 2: 306، سنن ابن ماجة 2: 1302، سنن النسائي 7: 123، السنن الكبرى للبيهقي 8: 156، المصنف للصنعاني 11: 339، صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان 10: 440.صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة باختصار السند 2: 351، سلسلة الأحاديث الصحيحة 1 :795.

أما ابن تيميّة فإنه قد خالف الكتاب والسنّة في هذه المسألة؛ كغيرها من الأمور المسلَّمة عند الفريقين، عندما نسب إلى الإسلام زوراً تفضيل العرب على غيرهم مطلقاً؛ إذ قال: «إنّ الذي عليه أهل السنّة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم: عبرانيهم وسريانيهم، رومهم وفرسهم، وغيرهم» (1.)وقال أيضا: «إنّ جنس العرب يستحق من المحبّة والموالاة ما لا يستحقه سائر أجناس بني آدم»(2.ثم نسب ابن تيميّة من يخالفه في هذا الرأي إلى النفاق والابتداع؛ فقال: «ذهبت طائفة إلى عدم التفضيل بين هذه الأجناس، وهذا قول طائفة من أهل الكلام، كالقاضي أبي بكر ابن الطيب وغيره، وهو الذي ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد، وهذا القول يقال له: مذهب الشعوبية، وهو قول ضعيف من أقوال أهل البدع» (3.)وأصر ابن تيميّة على معتقده في مسألة التفاضل بنقله لكلام تلميذ أحمد بن


1) اقتضاء الصراط المستقيم 1: 419.

2) منهاج السنّة 4: 599.)قال الأصمعي (216هـ بشأن مصطلح «الجنس» عند المناطقة والفلاسفة: «ليس بعربي صحيح، إنه مولد، وقول المتكلمين: (الأنواع مَجْنُوسَةٌ للأَجْناس) كلام مولد؛ لأن مثل هذا ليس من كلام العرب.. وقول المتكلمين: (تجانس الشيئان) ليس بعربي أيضاً؛ إنما هو توسع».)معجم مقاييس اللغة 1: 486، لسان العرب 6: 43.

3) منهاج السنّة 4: 600.

حنبل، أبي محمّد حرب بن إسماعيل الكرماني (280هـ من كتابه: (السُنّة) مؤيداً ذلك؛ إذ قال: «فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب [التي تقول بالتفضيل] أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو مبتدع خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنّة وسبيل الحق».. ثمّ قال الحراني معقباً: «الغالب إن مثل هذا الكلام [أي: عدم تفضيل العرب على غيرهم] لا يصدر إلا عن نوع نفاق، إما في الاعتقادات، وإما في العمل المنبعث عن هوى النفس، مع شبهات اقتضت ذلك» (1).)ودفع هذا الرأي بابن تيميّة إلى أن يجزم بأن العرب هم أذكى الناس على الإطلاق، فوجه كلامه إلى الفيلسوف ابن سينا قائلاً: «... ثم يقال لهذا الأحمق [أي: ابن سينا] : لا ريب أن كلّ أُمّة فيها ذكي وبليد بالنسبة إليها، لكن هل رأى في أجناس الأمم أمة أذكى من العرب؟» (2.)الأسئلة :* ما هو السبب الحقيقي لالتزام ابن تيميّة وأتباعه بالعادات والتقاليد الجاهليّة المرفوضة في الإسلام، كتفضيل العربي على الأعجمي؟* هل كانت الآحاد المرويّة في كتب أهل السنّة موجبة لالتزام ابن تيميّة بهذه العقيدة الباطلة، كمقولة : «حبّ العرب إيمان، وبغضهم نفاق»؛ التي استشهد بها الكرماني في كلامه.. وهي ضعيفة عند الذهبي وضعفها


1) اقتضاء الصراط المستقيم 1: 420، 422.

2) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 3: 37.

الألباني، كجميع الأحاديث الصريحة بذكر تفضيل العرب على غيرهم (1؟)* ما يقول أعلام أهل السنّة الأعاجم (2في الخبر الذي رواه إمام المذهب المالكي بسنده - الذي صرّح باعتباره - عن سعيد بن المسيب ؛ إذ


1) انظر تضعيف الألباني لتلك الأحاديث في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 1: 293، 301، 298 و 3: 339، 340.

2) منهم: أبو حنيفة، ومالك، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والليث بن سعد، وربيعة الرأي، والبيهقي، ومكحول بن عبد اللّه، ومحمّد بن سيرين، والحسن البصري، والحاكم (صاحب المستدرك)، وعبد العزيز الماجشون الأصفهاني، وعاصم بن علي (من شيوخ البخاري)، وعبد الحق سيف الدين الدهلوي (صاحب المقدمة في مصطلح الحديث)، وعبد الحكيم القندهاري (شارح البخاري في حاشيته)، وعبد الحميد الخسروشاهي (صاحب اختصار المذاهب على مذهب الأوزاعي)، وعبد الرحمن الإيجي صاحب كتاب المواقف)، وعبد الرحمن الجامي (صاحب الفصوص)، وعبد الرحمن الكرماني (صاحب شرح التجريد)، وشيخي زاده (صاحب مجمع الأنهار)، وسهيل بن محمّد السجستاني (صاحب إعراب القرآن)، ومحمّد بن ادريس أبو حاتم الرازي - الذي يعد بمستوى البخاري - وأبو إسحاق الشيرازي (صاحب التشبيه)، وعبد بن ذكوان أبو الزناد - عالم المدينة بالفرائض والفقه؛ الذي روى عنه مالك، والليث - وأحمد بن الحسين شهاب الدين الأصبهاني (صاحب غاية الاختصار)، ويعقوب بن إسحاق النيسابوري (صاحب المسند الصحيح المخرج على كتاب مسلم بن الحجاج)، وأحمد بن عبد اللّه أبو نعيم (صاحب الحلية)، وابن خلكان (صاحب وفيات الأعيان)، وأحمد بن محمّد الثعلبي المفسّر، وغيرهم كثر.)راجع تراجمهم في مناقب أبي حنيفة، للموفّق بن أحمد 16:1، وفيات الأعيان 1: 21، الكني والألقاب 3: 207، معجم المؤلفين 12: 115، فجر الإسلام: 191، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 1: 488، 2: 177، هوية التشيّع: 95.

قال: «أبي عمر بن الخطاب أن يورث أحداً من الأعاجم إلا أحداً ولد في العرب»، فأفتى مالك بعد ذكر الخبر: إن جاءت امرأة حامل من أرض العدو فوضعته في أرض العرب، فهو ولدها، يرثها إن ماتت، وترثه إن مات، ميراثها في كتاب اللّه»(1؟)* ماذا يصنع علماء أهل السنّة بالأخبار الواردة في كتبهم في ذمّ أجناس من البشر ؛ كالسودان والزنج والحبش والبربر ؟روى الهيثمي في مجمع الزوائد كثيراً من هذه الأخبار؛ منها:(1 عن أبي هريرة، قال: جلس إلى النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) رجل، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): من أين أنت؟)قال: بربري.فقال له (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: قم عنّي، قال بمرفقه هكذا، فلما قام عنه، أقبل علينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، فقال: إن الإيمان لا يجاوز حناجرهم. (رواه أحمد).)(2 وعن عبد اللّه بن عمرو: أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم))قال: من أخرج صدقة فلم يجد إلا بربرياً، فليردها. (رواه أحمد.)(3 وعن عثمان بن عفان، قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) يقول: الخبث سبعون جزءاً، فجزء في الجن والإنس، وتسعة)


1) الموطأ 2: 12.

وستّون في البربر.(4 عن ابن عبّاس، قال: ذكر السودان عند النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، فقال: دعوني من السودان، فإن الأسود لبطنه وفرجه.)(5 وعن أم أيمن، قالت: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) يقول: إنما الأسود لفرجه وبطنه.)(6 عن ابن عبّاس، قال: قيل يا رسول اللّه ما يمنع حبش بني المغيرة أن يأتوك إلا أنهم يخشون أن تردّهم؟)قال (صلى اللّه عليه وآله وسلّم لا خير في الحبش، إذا جاعوا سرقوا، وإن شبعوا زنوا...، وذكر له طريقاً صحيحاً آخر.)(7 عن عائشة قالت: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) يقول: إن الأسود إذا جاع سرق، وإذا شبع زنى.)(8 وروى الدارقطني في (سننه)، والهندي في (كنز عماله) عائشة أن عن النبيّ (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) قال: لا تزوجوا الزنج، فإنه خلق مشوه(1).)### عدم انتماء ابن تيميّة إلى قبيلة عربيّة:أراد بعض أنصار ابن تيميّة أن يجعلوه عربيّاً بشتّى المحاولات الفاشلة، من منطلق تقديمهم الحسب والنسب على الدين والتقوى، فتمسّكوا بقول


1) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 4: 235.

فرد (1لابن ناصر الدين الدمشقي (842هـ) (2)، أشار إليه الدكتور بكر بن عبد اللّه أبو زيد (3، في مقدمته لكتاب (المداخل إلى آثار شيخ الإسلام ابن تيميّة، قائلاً: «نسبته [أي: ابن تيميّة ] النميري من إفادات تلميذ تلامذته ابن ناصر الدين(4)، وتابعه عليها العدوي في الزيارات» (5.)الأسئلة :* لماذا لم يذكر ابن ناصر الدين نسبة ابن تيميّة المزعومة إلى بني


1) القول الفرد: ما ينفرد به صاحبه.

2) شمس الدين، محمّد بن عبد اللّه (أبي بكر) بن محمّد بن أحمد بن مجاهد القيسي الدمشقي الشافعي، الشهير بـ : «ابن ناصر الدين»، حافظ للحديث، مؤرّخ، أصله من حماة، ولد في دمشق، ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية سنة (837) هـ)، قتل في إحدى قرى دمشق.)انظر ترجمته في: المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي 1: 136، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع 1: 143.

3) ممثّل المملكة العربيّة السعوديّة في مجمع الفقه الإسلامي الدولي، عضو المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي، إمام المسجد النبوي الشريف، الوكيل العام لوزارة العدل، من قضاة المدينة المنورة، درّس في المسجد النبوي، لديه نحو عشرين إجازة من علماء الحرمين، والرياض، والمغرب، والشام، والهند، وإفريقيا، وغيرها.)انظر ترجمته في صفحته على النت : s.sunnahway.net/bakrabozaid

4) وصف – ابن ناصر الدين في (التبيان لبديعة البيان) - ابن تيميّة بـ : «النميري الحراني، ثمّ الدمشقي».)التبيان لبديعة البيان 1: 299.

5) المداخل إلى آثار شيخ الإسلام ابن تيميّة وما لحقها من أعمال مقدمة بكر بن عبد اللّه أبو زيد، الصفحة س.

نمير (1، في كتابه الذي ألفه دفاعاً عنه وسمّاه: (الردّ الوافر على من زعم أن من سمّى ابن تيميّة شيخ الإسلام كافر (2)، وهو كتاب مشتمل على تراجم كثيرة لابن تيميّة - جمعها من عدّة مصادر - (3)، لا يرى فيه كلمة واحدة تدلّ على عربيته (4)؟)* لماذا اكتفى ابن ناصر الدين بذكر مدعاه وما انفرد به، خلافاً لجميع من ترجم لابن تيميّة، دون التصريح بأي كلمة أُخرى تعدّ دليلاً على صحّة رأيه، أو تشير إلى تأييد ذلك من قبل مترجم آخر؟* هل يصحّ أن يقال في مثل ابن ناصر الدين أنه كان غافلاً عن أهمية إثبات عروبة شيخه عند أتباعه، وهو من أشدّهم؟فلماذا لم يذكر مستند رأيه وأبقاه ادّعاء من دون دليل؟


1) بنو نمير بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.)جمهرة أنساب العرب 1: 195.

2) تحقيق: زهير الشاويش. الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1393 هـ.

3) ذكر المؤلّف فيه خمسة وثمانين شخصاً ترجموا لابن تيميّة.

4) تنبيه: استقصى محمّد بن إبراهيم الشيباني في كتابه: (أوراق مجموعة من حياة شيخ الإسلام ابن تيميّة) أسماء من ترجم للحراني، فأوصل عددهم إلى ستة وأربعين مترجما في القديم وستين في الحديث، والملفت أنّ جلّهم لم يذكر شيئاً في نسبة ابن تيميّة إلى قبيلة عربيّة، إلاّ من كرّر ادعاء ابن ناصر الدين.

* ألم يعلم انفراده في ما ذهب إليه من نسبة ابن تيميّة إلى قبيلة عربيّة، وهو الذي جمع تراجم ابن تيميّة في كتابه (الردّ الوافر؟)* هل كان يروم الاختصار، ولأجله حرم أتباع شيخ إسلامه من الدليل الذي خفي عن جميع من ترجم لابن تيميّة؟ولماذا لم يراع الاختصار في شرح منشأ كلمة احران» بل ذكر الأقوال في أصلها «هاران»، وأتى بالأقوال المفصلة والحكايات في معنى «تيميّة» (1، وتغافل عن الإتيان بدليل صريح، بل إشارة خفية، بل تأييد منقول، أو احتمال)ضعيف، ينتصر به لرأيه ؟* هل علم الدكتور بكر بن عبد اللّه أبو زيد بما أثبته الشيخ محمّد العربي التباني (1390هـ (2)في كتابه (براءة الأشعريّين من عقائد المخالفين من حصول التلاعب في نسخة كتاب ابن ناصر الدين المخطوطة التي تم الاعتماد)


1) التبيان لبديعة البيان 1: 299.

2) اشتهر بـ : «أبي حامد بن مرزوق». درس بالمسجد الحرام، وبمدرسة المطوفين، وبمدرسة الفلاح، وبالمسجد النبوي، من عام 1338 هـ إلى عام 1390 هـ تتلمذ على يده أغلب علماء الحرمين الشريفين؛ مثل: السيّد محمّد أمين كتبي، والسيد علوي المالكي، والشيخ محمّد نور سيف، والشيخ عبد اللّه اللحجي، والشيخ عبد اللّه دردوم، والشيخ محمّد أمين ميرداد، والشيخ إسماعيل الزين، والشيخ أحمد جابر جبران، وغيرهم. له مصنفات كثيرة؛ منها: (إتحاف ذوي النجابة) و(إسعاف المسلمين).)انظر ترجمته في: جريدة الندوة، العدد 9411 في: 7 / 6 / 1410 هـ مجلة الحج، العدد 28، ربيع الأول 1394 هـ.

عليها في طباعة الكتاب (1؟)* هل يصحّ الاستشهاد بما جاء في كتاب (الزيارات بدمشق(2)للقاضي نور الدين العدوي (1032هـ(3)، أو باقي الكتب؛ التي أُعتمد فيها على كلام ابن ناصر الدين، بعد ثبوت بطلان رأيه؟* ما هو رأيكم بكلام الشيخ محمّد أبي زهرة والدكتور أحمد خليل في إثبات انتماء أُسرة ابن تيميّة إلى منطقة كرديّة؟يقول الدكتور أحمد محمود الخليل (4: «لم يذكر المؤرخون القبيلة التي تنتمي إليها أسرة ابن تيميّة، ولم يشيروا إلى أصله، فالمعروف أن غالبية سكان منطقة جنوب شرقي تركيا هم من الكُرد، وقد وفد إليها قليل من


1) راجع كلام الشيخ التباني في براءة الأشعريين من عقائد المخالفين 2: 61.

2) کتاب الزيارات يؤرخ المزارات والقبور والمقامات التي كان يزورها ويتبرك بها أكثر أهل دمشق في القرن الحادي عشر ويترجم لعدد كبير من أصحاب تلك المزارات كابن تيميّة!)انظر التعريف بالكتاب في مقدمة تحقيق الكتاب بقلم صلاح الدين المنجد: 7.

3) القاضي نور الدين محمود بن محمّد بن محمّد بن موسى بن عيسى، العدوي الصالحي الشافعي، المعروف بـ : «الزوكاري»، ولد بدمشق، وولي نيابة القضاء، وتوفي بدمشق.)معجم المؤلفين 12: 199.

4) متخصص في تأريخ الأكراد وثقافتهم وقضاياهم، حاصل على درجة الدكتوراه في الأدب والنقد، درّس في جامعة حلب، ثمّ في جامعة الإمارات العربيّة المتحدة، له كتب ومقالات كثيرة؛ أشهرها: سلسلة قضايا كُردستانية، ودراسات في التأريخ الكردي القديم في عهد الخلافة والعهد الأموي والعبّاسي، ودراسات في الفكر القومي الكردستاني.)انظر ترجمته فى موقعه على النت ahmedalkhalil.wordpress.com.

العرب مع الفتوحات الإسلاميّة في القرن الأوّل الهجري، ثمّ وفد إليها بعض التركمان في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي مع الغزو السلجوقي، وهكذا.. فنحن أمام ثلاثة احتمالات لأصل ابن تيميّة:)الاحتمال الأول: أن يكون ابن تيميّة عربياً..لكننا لا نجد في سلسلة نسبه أية إشارة إلى انتمائه العربي، ولو كان عربياً لما تردّد هو أو أحد أفراد أسرته في ذكر قبيلته، ولا سيما أن الانتماء إلى قبيلة عربيّة كان يعد في ذلك الوقت مفخرة، وشكلاً من أشكال التميز الاجتماعي.ولو كان ابن تيميّة عربي النسب، لما تردّد من كتب سيرته، قديماً وحديثاً، في الإشارة إلى ذلك.. هذا، مع العلم أن الإشارة إلى الأصل العربي للأعلام كان أمراً معهوداً في كتب التراجم القديمة، حتّى إذا كان العلم من سكان بلاد بعيدة جداً من بلاد العرب.وأكتفي في هذا المجال بذكر علمين اثنين، الأول هو: إسحاق بن راهويه؛ فقد أشير إلى نسبه الحنظلي التميمي، رغم أن اسمه (راهويه فارسي، وأنه كان في خراسان، والثاني هو : أبو عبد اللّه بن مسلم القشيري، صاحب (الرسالة) القشيريّة)؛ إذ رغم أنه كان من سكان بلاد فارس فقد ورد اسم قبيلته بني قُشَير في ترجمته.)الاحتمال الثاني: أن يكون ابن تيميّة تركمانياً..وهذا ما لم تحصل الإشارة إليه، لا من قريب ولا من بعيد، ولا ظنّاً ولا ترجيحاً، وعدا ذلك فإنّ التركمان وفدوا إلى مناطق غرب آسيا، ومنها

کردستان في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي، وكانوا رجال حرب وغزو، وحديثي عهد بالعلم.. ثم إننا لا نجد في سلسلة نسب ابن تيميّة ما يشعر بتركمانيته، بخلاف ما هو معهود في سلسلة نسب الأعلام التركمان، ومنهم: الحافظ الذهبي (شمس الدين أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد بن عثمان بن قايماز) وقايماز اسم تركماني صرف، وكذلك الصفدي (صلاح الدين خليل بن أيْبَك)، وأيبك اسم تركماني صرف.)الاحتمال الثالث: أن يكون ابن تيميّة كردي النسب..وهذا ما نرجّحه، معتمدين على ثلاثة أدلّة:أولها: أنه ليس عربياً أو تركمانياً.ثانيها: أن أسرته تنتمي إلى منطقة كردية، منذ العهد الميتاني على أقل تقدير.ثالثها: أن طباعه هي طباع معظم علماء الكُرد.ومن بين الباحثين الذين كتبوا سيرة ابن تيميّة (وهم كثر كان للشيخ محمّد أبي زهرة (1394هـ) (1)الفضل في احتمالية نسبه الكردي؛ فقد قال في كتابه


1) الحافظ، الفقيه، المؤرّخ محمّد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بـ: «أبي زهرة»، خريج مدرسة محمّد عاطف تولى مناصب القضاء الشرعي في المحاكم المصرية، ودار العلوم. درس الخطابة في كلية أصول الدين، ومادة الشريعة الإسلاميّة في كلية الحقوق، وترأس قسم الشريعة، وشغل منصب الوكالة فيها، واختير عضواً في مجمع البحوث الإسلاميّة. له مؤلّفات كثيرة، أبرزها ما تناول فيها أئمة وعلماء أهل السنّة، وهم: أبو حنيفة، ومالك والشافعي، وأحمد بن حنبل، وابن حزم، وابن تيميّة.)ألف ما يزيد عن ثلاثين كتاباً غير بحوثه، ومقالاته، من أشهرها: (تأريخ المذاهب الإسلاميّة، (العقوبة في الفقه الإسلامي)، و(الجريمة في الفقه الإسلامي)، (علم أصول الفقه) (محاضرات في النصرانية)، (زهرة التفاسير)، (مقارنات الأديان).)انظر ترجمته في: المعجم الجامع في تراجم العلماء وطلبة العلم المعاصرين 3: 157، مقدمة زهرة التفاسير: 14.

(ابن تيميّة.. حياته وعصره.. آراؤه وفقهه (1): لم يذكر المؤرّخون الذين قرأت لهم القبيلة التي تنتمي إليها أسرة ابن تيميّة؛ فلم يذكروا له نسبة إلا أنه الحراني، فنسبوه إلى بلدة حرّان، موطن أسرته الأوّل، ولم ينسبوه إلى قبيلة من قبائل العرب، وإن هذا يشير إلى أنه لم يكن عربياً، أو لم يعرف أنه عربيّ منسوب إلى قبيلة من القبائل العربيّة، ولذلك نستطيع أن نفهم، أو أن نعلم علماً ظنياً أنه لم يكن عربياً، ولعله كان كرديّاً، وهم قوم ذو همة ونجدة، وبأس شديد، وفي أخلاقهم قوّة وحدة، وإن تلك الصفات كانت واضحة جليّة فيه» (2).)***


1) ابن تيميّة.. حياته وعصره.. آراؤه وفقهه: 18.

2) مشاهير الكورد في التأريخ الإسلامي: 113.

### عقائد ابن تيميّةخالف ابن تيميّة جمهور علماء المسلمين بآرائه الشاذة، وتصريحاته الشنيعة، وأحدوثاته البدعيّة؛ التي صرّح بها في مؤلّفاته؛ منها:أولاً: تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبيّة، وتوحيد ألوهيّة، وتوحيد الأسماء والصفات، وإنكار المجاز في اللغة العربيّة، والقول بابتداع مثبتيه (1.)ثانياً: الاعتقاد بالتجسيم، والالتزام بالتشبيه في إثباته الجسمانية، والحد، والثقل والوزن، والجهة والمكان والحركة والنزول، والصورة، والتكلّم؛ للّه تعالى.. والقول بقيام الحوادث بالذات الإلهيّة، وأزلية نوع العالم، وصدور حوادث لا أوّل لها عن اللّه تعالى، وفناء النار، وتعلّق المشيئة الإلهيّة بالقبائح، والجهة العدمية، وقدم القرآن، ورؤية الباري؛ استناداً إلى أوهام الفلاسفة، واعتماداً على أحاديث موضوعة؛ منها: حديث الشاب الأمرد، وحديث النزول، وحديث الصورة، وحديث الأطيط، وغيرها من الأباطيل(2.)


1) راجع كلامه في مجموع الفتاوى 1: 34 بيان تلبيس الجهميّة 2: 118.

2) راجع كلامه في بيان تلبيس الجهميّة،1: 72، 372، 2: 114، 154، 184، 251، 274، درء تعارض العقل والنقل 2: 147، 405 شرح الأصبهانيّة : 34، مجموع الفتاوى 6: 241، 12: 220، منهاج السنّة 2: 642، 3: 29، 369، 5: 421 شرح حديث النزول: 28، 225، شرح حدیث عمران بن حصین: 193.

ثالثاً: القول بكفر أبوي النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وتكفير عامة المسلمين؛ المتوسلين بالأنبياء والأولياء (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وإنكار شفاعتهم (1).)رابعاً: التحامل على الشيعة وأعلامهم؛ بنسبته التشيع إلى عبد اللّه بن سبأ، وتشبيههم باليهود والنواصب وافترائه عليهم القول بتحريف الكت- وترك الجمعة والجماعة (2.)خامساً: نصب العداء للنبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، والتقيات من أزواجه أمهات المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والإمام عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والسيدة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وأئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، بالنيل منهم، وإنكار الحقائق الجلية في فضلهم، وتوجيه أنواع التهم والافتراءات لهم؛ حيث يُفهم ذلك من أمور عديدة، صرح بها في كتبه؛ منها:)اعتقاده بأشرفية بناء الكعبة على نفس النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وعدم ترتب الفائدة من زيارته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وعدم استجابة الدعاء عند مرقده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وعدم إيمانه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قبل البعثة، ونقص إيمان أمّ المؤمنين خديجة (عَلَيهَا السَّلَامُ).)وقوله بغضب السيّدة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتشبيهها (عَلَيهَا السَّلَامُ) بالمنافقين (والعياذ باللّه)..)وقوله بأفضلية مشايخ أهل السنّة الثلاثة وبعض الصحابة على أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ، وطعنه في إسلامه، وعلمه بالكتاب والسنّة، وجهاده، وشجاعته،)


1) راجع كلامه في: منهاج السنّة 2: 247، 3: 159.

2) راجع كلامه في منهاج السنّة 1 : 211، 248، 2: 147، 215، 3: 258.

وخصائصه ؛ كحديث: أنت مني وأنا منك»، وحديث صعوده (عَلَيهِ السَّلَامُ على منكب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وحديث الراية..)وطعنه في عدالته (عَلَيهِ السَّلَامُ، وصحة خلافته، واتهامه بالفساد وحب الدنيا، وإشاعة الفتنة والنفاق (والعياذ باللّه)..)ودفاعه عن قتلة الصديقة الشهيدة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ، واعتذاره لهم، و تكذيبه حديث: «إنّ فاطمة أحصنت...»، وحديث : «إن اللّه يغضب لغضبها...».)و تكذيبه حديث جهاد الإمامين الحسنين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ، وإنكاره لزهدهما، واعتقاده بمخالفة الإمام الحسن لأبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وعدم وجود أي مصلحة، بل وجود المفسدة العظمى في قيام الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).)ونسبته العقائد الباطلة لأئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ؛ كرؤية الباري، والقدر، وقدم القرآن، وقولهم بعدم النص على ولاية أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعدم عصمتهم (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وذهابهم إلى الرأي، والقياس، والاستحسان (1).)سادساً: نفي مناقب أمير المؤمنين اللّه(عَلَيهِ السَّلَامُ وفضائل أهل البيت، وعصمتهم، وإمامتهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) ؛ بإنكار دلالات النصوص الصريحة بها في الكتاب والسنّة، مضافاً إلى تكذيبها، وتأويلها ك: آية الولاية، وآية الإنفاق، وآية:)


1) راجع كلامه في مجموع الفتاوى 11: 15،57: 354، 27: 388، 29: 410، الجواب الصحيح 3: 351، منهاج السنّة 1: 27، 48، 57، 64، 73، 74، 90، 98، 150، 279، 2: 14، 22، 59، 78، 79، 85، 145، 247، 249، 279، 341، 279، 341، 369، 3: 18، 154، 180، 195، 247، 4: 117، 301، 311، 364، 6: 217.

(وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (1)، وآية الإيثار، وآية التطهير، وآية المباهلة، وآية المودّة، وآية الإنذار، وحديث الثقلين، وحديث الغدير، وحديث المؤاخاة، وحديث عمار، وحديث الولاية، وحديث ردّ الشمس، وحديث سدّ الأبواب، وحديث باب مدينة العلم، وحديث: «أقضاكم علي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ]»، وحديث قتال الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الناكثين والقاسطين والمارقين، وحديث المحبة والبغض، وحديث : «علي مع الحق...»، وحديث الأشباه، وحديث: «...، هو ولي كلّ مؤمن بعدي»، وحديث: «...، اللّهم وال من والاه...»، وحديث يوم الدار، وحديث: «... هذا فاروق أمتي...»، وحديث معرفة المنافقين ببغضهم عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وحديث السفينة، وحديث الطير، وغيرها (2).)سابعاً: الدفاع عن أعداء أهل بيت النبوة (عَلَيهِم السَّلَامُ، والتمجيد بقتلتهم؛ أمثال: ابن ملجم المرادي، ومعاوية بن أبي سفيان، وابنه يزيد، وخالد بن الوليد، والحجاج بن يوسف، والمنافقين، والخوارج، والنواصب، وبني أمية، وبني العباس، وغيرهم (لعنهم اللّه) (3).)ثامناً: تحريم الصلاة والدعاء جنب القبور، والبناء عليها، ورثاء الأموات، وإقامة العزاء، والبكاء عليهم، والاستعانة، والاستعاذة بالنبيّ الأكرم، والاحتفال


1) سورة الحاقة : 12.

2) راجع كلامه في منهاج السنّة 1: 65، 98، 110، 211، 311، 2: 16، 24، 25، 74، 98، 116، 145، 212، 215، 241، 258، 3: 47، 49، 58، 145، 180، 211، 224، 4: 21، 68، 157، 220.

3) راجع كلامه في منهاج السنّة 1: 18، 2، 3، 2: 74 17:3، 47، 178، 4: 18، 42، 96.

بمولده، والقسم به، وشد الرحال إلى زيارته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏(1).)تاسعاً: قوله بوجوب قتل جار المسجد؛ الذي لم يصل فيه، وتكفير مؤخر الصلاة، ووجوب قتل من ترك صلاة، واعتقاده بعدم عصمة الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ قبل البعثة، ونفيه حياة النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في البرزخ (2).)عاشراً: إنكار الضرورات التأريخية؛ كتفاصيل واقعة الطف الأليمة؛ من أمر يزيد بن معاوية (لعمنهما اللّه بقتل سيد شباب أهل الجنّة (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ونقل رأسه الشريف إلى الشام، وسبي عائلة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحرائر بيت الرسالة.. وواقعة الحرّة، وقيام أهل المدينة، وأمر يزيد بن معاوية (لعنهما اللّه) بهدم الكعبة المشرفة(3)...)وغير ذلك ممّا سيأتيك تفصيل بعضه والردّ عليه، في البحوث الآتية.الأسئلة :* كيف يصحّ تلقيب ابن تيميّة بـ : ((شيخ الإسلام) وهو لا يلتزم بضرورياته.. كتنزيه اللّه سبحانه عن النقص، ووجوب مودّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ؟)***


1) راجع كلامه في مجموع الفتاوى 7: 47، 128، 11: 58، 14: 67، 144، 15: 295، 20: 214، 28: 348، 30: 28.

2) راجع كلامه في مجموع الفتاوى 5: 311، 6: 149، 9: 395، 14: 158، 341.

3) راجع كلامه في: منهاج السنّة 1: 265، 2: 85، 147 ، 258، 3: 219، 4: 184.

### محن ابن تيميّة، وتوبته وسجنهبدأت محن ابن تيميّة عام (698هـ عندما أرسل إليه أهل مدينة حماة السورية يسألونه عن الصفات التي وصف اللّه تعالى نفسه بها في القرآن الكريم..)فأجابهم بـ : (الرسالة الحموية، وفيها خالف الأشاعرة، وأقر بالتجسيم، فتصدى له العلماء بالمناقضة، وناقشوه في آرائه، وأبطلوا عقائده.)ثمّ سُجن في سنة (705هـ اعتقاده أن اللّه عزّ وجلّ فوق عرشه بسبب حقيقة، وأن اللّه يتكلم بصوت وحرف.)ثم أخرج وضيق عليه حتّى حبس ثانية في عام (707هـ إلى أن أخرج من السجن بشفاعة مهنا بن عيسى الطائي، أمير عرب الفضل في بادية الشام؛ فأحضر إلى قلعة دمشق، وتباحث مع بعض الفقهاء، فكتب عليه محضر لاستتابته واعترافه بأخطائه، ووجد خطّه بما نصّه:)«أنا أعتقد أنّ القرآن معنى قائم بذات اللّه، وهو صفة من صفات ذاته القديمة، وهو غير مخلوق، وليس بحرف ولا صوت، وأن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (1)ليس على ظاهره، ولا أعلم كنه المراد به، بل لا يعلمه)


1) سورة طه: 5.

إلا اللّه، والقول في النزول كالقول في الاستواء كتبه أحمد بن تيميّة»، ثم أشهد عليه جماعة أنه تاب ممّا ينافي ذلك مختاراً، وشهد عليه بذلك جمع من العلماء وغيرهم.وبعد أن خرج من السجن عاد ثانية إلى مخالفة منهج علماء عصره؛ فأفتى بحرمة الاستغاثة بالنبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، فنقل إلى الإسكندرية، ثم أكد عليه المنع من الإفتاء في شهر رمضان عام (719هـ)، واعتقل بقلعة دمشق في شهر شعبان عام (726هـ)؛ بسبب فتواه بمنع شد الرحال إلى زيارة النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فلم يزل مسجوناً إلى أن مات في الحبس سنة (728هـ)(1).)


1) انظر تفصيل ذلك في الوافي بالوفيات : 15 الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 1: 171، المختصر في أخبار البشر 1: 495، البداية والنهاية لابن كثير 14: 45، ذيل طبقات الحنابلة 1: 343 البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع 1: 69، نهاية الإرب في فنون الأدب 32: 85، تحفة النظار في غرائب الأمصار 1: 95.

### موقف علماء أهل السنّة من ابن تيميّةردّ كثير من أعلام أهل السنّة، وجماعة من أتباع المنهج السلفي على ابن تيميّة، وناقشوا معظم آرائه الشاذة، منذ عصره إلى أيامنا هذه؛ حتّى وصل بهم الأمر إلى تكفيره وتفسيقه.. فمنهم من اتهمه بالابتداع ومخالفة الإجماع والمكر والمراوغة والتلبيس، ومنهم من وصفه بالعمى والجهل والضلال والخذلان، ومنهم من نسب إليه الخلل في العقل.. إلى غير ذلك من الكلام الكثير الذي نأتي ببعضه نموذجاً.### موقف علماء المذهب الحنبلي من ابن تيميّة وآرائه:1 شرف الدين عبد الغني بن يحيي الحراني الحنبلي (709هـ (1).ذكره ابن حجر العسقلاني (852هـ ضمن العلماء الذين عارضوا ابن تيميّة، وكتب مع بعض العلماء المخالفين له، فأدّى ذلك إلى سجن ابن تيميّة في عام (705هـ)(2).)


1) قال فيه ابن حجر العسقلاني: أجاز له المجد ابن تيميّة، وعيسى الخياط، وعثمان بن أحمد، وغيرهم، روى عنه أبو حيان، والبرزالي وابن رافع، وذكراه في معجميهما.)الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 1: 236.

2) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 1: 147.

2 - زين الدين عبد الرحمن بن رجب الحنبلي (795هـ(1).قال أبو بكر الحصني الشافعي (829هـ فيه : «كان الشيخ زين الدين بن رجب الحنبلي ممّن يعتقد كفر ابن تيميّة وله عليه الردّ، وكان يقول بأعلى صوته في بعض المجالس: «معذور الشبكي، يعني في تكفيره» (2).)3- شهاب الدين، أحمد بن محمّد بن عمر الخفاجي الحنبلي (1069هـ (3).قال في الردّ على ابن تيميّة بشأن مسألة زيارة قبر النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «زيارة قبره (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم) سُنّة مأثورة، مستحبّة [مرّة كلّ] سنة، ولا عبرة بمن خالف فيها كابن تيميّة...، واعلم أن هذا الحديث هو الذي دعا ابن تيميّة ومن تبعه كابن القيم إلى مقالته الشنيعة التي كفّروه بها، وصنّف فيها السبكي مصنفاً مستقلاً؛ وهي: منعه من زيارة قبر النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) وشدّ الرحال إليه... توهم أنه حمى جانب التوحيد بخرافات لا ينبغي)


1) قال السيوطي فيه: «هو الإمام الحافظ، المحدّث الفقيه، الواعظ»، وقال ابن حجر العسقلاني: «مهر في فنون الحديث أسماء ورجالاً وعللاً وطرقاً واطلاعاً على معانيه»، وقال ابن العماد الحنبلي: «اجتمعت الفرق عليه».)طبقات الحفاظ 114 الطبقة 23.

2) دفع شبه من شبه وتمرد: 401.

3) قال المحبّي فيه: «صاحب التصانيف السائرة، وأحد أفراد الدنيا المجمع على تفوقه وبراعته... وكل من رأيناه أو سمعنا به ممن أدرك وقته معترفون له بالتفرد في التقرير والتحرير وحسن الإنشاء، وليس فيهم من يلحق شأنه ولا يدعى ذلك».)خلاصة الأثر 1: 331، ريحانة الأدباء 1: 272.

ذكرها، فإنّها لا تصدر عن عاقل، فضلاً عن فاضل»(1.)وقال في ردّ استدلال ابن تيميّة بحديث: «لا تجعلوا قبري عيداً»(2: «لا حجّة فيه...، فإنّه نزعة شيطانية» (3.)### موقف علماء المذهب الحنفي من ابن تيميّة وآرائه:4 - شمس الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم السروجي الحنفي (710هـ(4).


1) نسيم الرياض 5: 17.

2) أخرجه أحمد في مسنده 2: 367، وأبوداود في سننه 1: 453، وغيرهما. صححه الألباني في غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام: 95، وصحيح سنن أبي داود باختصار السند 1: 383.)أقول: قال الخفاجي في نسيم الرياض 3: 502: «قال القاضي عياض وابن حجر: المراد لا تتخذوها كالعيد في العام مرة، بل أكثروا من زيارتها – أي القبور -»، ويؤيد ذلك ما ورد من قوله (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: «لا تتخذوا بيتي عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً، وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني».)رواه أبو يعلى في مسنده 12: 131، وقال القاري في شرح الشفا 3: 502: «رواه أبو يعلى بسند حسن».قال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 2: 247: «فيه عبد اللّه بن نافع، وهو ضعيف».قلت: هذا الإسناد حسن لذاته؛ لأن رجاله ثقات عندهم سوى عبد اللّه بن نافع الصائغ المخزومي، فهو صدوق يخطئ، ولكنّه فقيه مدني، والحديث سنة مدنية، والفقيه يحتاج إليه في فقهه، ومثل هذا يضبطه الفقيه، فينتفي خطوه في هذا الحديث حسب ما يلتزم به علماء أهل السنّة.للمزيد راجع كلام ابن عبد الهادي في: الصارم المنكي: 199 بشان عبد اللّه بن نافع.

3) نسيم الرياض 5: 113.

4) قال الذهبي فيه: «الإمام الأوحد القاضي، شيخ المذهب، صاحب التصانيف المفيدة، كان أحد الفقهاء الأذكياء، وتواليفه دالّة على ذلك، كان نبيلاً وقوراً، كثير المحاسن».)المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي 1: 37.

قال يوسف بن تغري بردي (874هـ فيه: «كان بارعاً في علوم شتّى، وله اعتراضات على ابن تيميّة في علم الكلام» (1).)وقال ابن حجر العسقلاني (852هـ: «من تصنيفاته: الردّ على ابن تيميّة، وهو فيه منصف، متأدب، صحيح البحث» (2).)5 - محمّد بن محمّد علاء الدين البخاري الحنفي (841هـ(3).قال الشوكاني (1250هـ فيه: «كان يُسأل عن مقالات ابن تيميّة؛ التي انفرد بها، فيجيب بما ظهر له من الخطأ، وينفر عنه قلبه، إلى أن استحكم ذلك عليه فصرّح بتبديعه، ثمّ تكفيره، ثم صار يصرح في مجلسه أن من أطلق على ابن تيميّة أنه شيخ الإسلام فهو بهذا الإطلاق كافر...» (4).)6 - الملا علي ابن سلطان محمّد القاري الهروي الحنفي (1014هـ(5).


1) النجوم الزاهرة 9: 213.

2) رفع الإصر عن قضاة مصر: 42.

3) من كبار فقهاء الحنفيّة.. قال ابن طولون كان إمام عصره له رسالة في الردّ على ابن عربي؛ سمّاها: فاضحة الملحدين وناصحة الموحدين و[له] نزهة النظر في كشف حقيقة الإنشاء والخبر.)انظر ترجمته في الضوء اللامع لأهل القرن التاسع 9:257، شذرات الذهب في أخبار من ذهب 9: 351.

4) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع 9: 275.

5) قال العصامي: الجامع للعلوم النقلية والعقليّة، والمتضلع من السنّة النبويّة... لكنّه امتحن بالاعتراض على الأئمّة لاسيما الشافعي وأصحابه، واعترض على الإمام مالك في إرسال يديه.. قال الشوكاني: هذا دليل على علو منزلته، فإن المجتهد شأنه أن يبين ما يخالف الأدلّة الصحيحة، ويعترضه، سواء كان قائله عظيماً أو حقيراً.)البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع 1: 445.

قال: «...، وقد فرّط ابن تيميّة من الحنابلة؛ حيث حرّم السفر لزيارة النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم...» (1).)وقال أيضاً: «...، وقد أفرط ابن تيميّة من الحنابلة حيث حرّم السفر لزيارة النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، كما أفرط غيره... [إن] كون الزيارة قربة معلوم من الدين بالضرورة، وجاحده محكوم عليه بالكفر، ولعلّ الثاني [أي: الحكم بكفر ابن تيميّة ] أقرب إلى الصواب؛ لأن تحريم ما أجمع العلماء فيه بالاستحباب يكون كفراً؛ لأنه فوق تحريم المباح المتفق عليه في هذا الباب» (2).)7 - أبو الحسنات، محمّد عبد الحي اللكنوي الحنفي (1304هـ(3).قال في الردّ على ابن تيميّة: «مسألة زيارة خير الأنام عليه الصلاة والسلام، كلام ابن تيميّة فيها من أفاحش الكلام؛ فانّه يحرّم السفر لزيارة قبر


1) شرح الشفا 2: 152.

2) شواهد الحق: 177.

3) قال الكتاني الإدريسي فخر المتأخرين، ونادرة المحقّقين المنصفين، والمحدث، الفقيه، الأصولي، المنطقي، المتكلم، المؤرخ، النظّار، البحاثة، النقادة.)الرسالة المستطرفة 12: 217.

الرسول (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم، ويجعله معصية، ويحرم نفس زيارة القبر النبوي أيضاً» (1).)8 - محمّد عبد الرحمن السلهتي الهندي الفاروقي الحنفي (1320هـ (2).قال: «ابن تيميّة هو كبير الوهابيين، وما هو شيخ الإسلام، بل هو شيخ البدعة والآثام، وهو أوّل من تكلم بجملة عقائدهم الفاسدة، وفي الحقيقة هو المحدّث لهذه الفرقة الضالة، ثمّ خملت تذكرته وعقائده بين الناس إلى سنة سبعمائة وست وأربعين من ميلاد خير البشر عليه التحية والثناء..فبعد ذلك السنّة في عهد السلطان محمود خان الثاني ظهر ببلاد العرب رجل يدعى بمحمّد بن عبد الوهاب، وأظهر العقائد الفاسدة التي كانت قد ماتت واندرست بموت ابن تيميّة مقيداً مغلولاً في بلاد الإسلام واستحدث شرعاً جديداً...، وسمّوا الوهابيّة باسم كبيرهم محمّد بن عبد الوهاب، وكان ابن السعود كبير الوهابيّة ملحداً، قد سولت له نفسه، فكان يقلق الحجاج، ويزعج العباد، ويقطع الطرق... ومن ذلك الزمان زقت جمعهم، وشتت شملهم، وتفرقوا في البلاد، وسموا بأهل الحديث، ولا يليق لهم ما لقبوا به، بل هم أهل البدعة والضلالة...» (3.)


1) سعادة الدارين في الردّ علي الفرقتين: 173.

2) من تلاميذ الشيخ عبد القادر محمّد اسحق بن محمّد أفضل بن عبد العزيز الدهلوي.)سيف الأبرار المسلول على الفجار: 11.

3) سيف الأبرار المسلول على الفجار: 11.

9- شاه فضل الرسول القادري البدايوني الهندي العثماني الحنفي (1330 هـ (1).قال: «الشقي ابن تيميّة، أجمع علماء عصره على ضلاله وحبسه، ونودي: من كان على عقيدة ابن تيميّة حل ماله ودمه» (2.)10- أحمد رضا خان البريلوي الهندي الحنفي القادري (1340هـ(3).قال في ابن تيميّة: «إن ابن تيميّة كان يهذي جزافاً» (4.)وقال أيضاً: «ابن تيميّة كان فاسد المذهب» (5)11- خليل أحمد السهارنفوري الحنفي (1346هـ(6).


1) قال محمّد مجيد السعيد: تاج الفحول والسيف المسلول على أعداء الرسول، كان رجلاً مملوء بالإيمان والتقوى، وموصوفاً بالزهد والورع، أنموذجاً يقتدى به.)راجع قصيدتان رائعتان للإمام أحمد رضا خان الحنفي القادري البريلوي في مدح العلامة فضل الرسول البدايوني: 1.

2) سيف الجبار المسلول على أعداء الأبرار: 42.

3) قال الشيخ عبد الحي اللكهنوى: «إنّه كان عالماً، رُزق التبحر في شتى العلوم والفنون، واسع الاطلاع إلى الغاية، قلمه سيّال، وفكره عميق في التأليف، أما علمه بالفقه الحنفي فلا نعرف له نداً يشبهه أو يقاربه في إحاطته به...».)راجع: الإمام أحمد رضا خان القادري وجهوده في مجال العقيدة الإسلاميّة في شبه القارة الهندية : 74، رسالة ماجستير، جامعة الأزهر، سيد محمّد جلال الدين، 2006م.

4) الفتاوى الرضوية: 198.

5) المصدر السابق: 199.

6) عالم من أهل الهند.. أخذ عن يعقوب النانوتوي، ومحمّد مظهر النانوتوي، والحسن السهارنفوري، ورشيد الكنكوهي، وأحمد دحلان، وعبد القيوم البرهانوي، وأحمد البرزنجي، وعبد الغني المجددي.. وممن أخذ عنه : محمّد يحيى الكاندهلوي، وعبد اللّه الكنكوهي، وعاشق إلهي الميرتهي، وفخر الدين غازي، ومحمّد إلياس الكاندهلوي، وفيض الحسن الكنكوهي، ومحمّد حسين الحبشي.. توفّي في المدينة، ودفن في البقيع.. له: (بذل المجهود في حل أبي داود).)انظر ترجمته في الديوبندية: 21.

سئل عنه: ما قولكم في شد الرحال إلى سيّد الكائنات عليه أفضل الصلوات والتحيّات، وعلى آله وأصحابه؟أي الأمرين أحب إليكم وأفضل لدى أكابر كم وللزائر.. هل ينوي وقت الارتحال للزيارة زيارته – (عليه السلام، أو ينوي المسجد أيضاً، وقد قال الوهابيّة: إنّ المسافر إلى المدينة لا ينوي إلا المسجد النبوي؟)فأجاب: عندنا وعند مشايخنا زيارة قبر سيّد المرسلين – روحي فداه - من أعظم القُربات، وأهم المثوبات، وأنجح لنيل الدرجات، بل قريبة من الواجبات، وإن كان حصوله بشد الرحال، وبذل المهج والأموال، وينوي وقت الارتحال زيارته عليه ألف ألف تحية وسلام..وينوي معها زيارة مسجده (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، وغيره من البقاع والمشاهد الشريفة، بل الأولى ما قال العلامة الهمام ابن الهمام [(861هـ)] أن يجرّد النية لزيارة قبره عليه الصلاة والسلام، ثمّ يحصل له إذا قدم زيارة المسجد لأن في ذلك زيادة تعظيمه وإجلاله (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)..)ويوافقه قوله (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: (من جاءني زائراً لا تحمله)

حاجة إلا زيارتي كان حقاً على أن أكون شفيعاً له يوم القيامة، وكذا نقل عن العارف السامي الملا الجامي [(898هـ)] أنه أفرز الزيارة عن الحج، وهو أقرب إلى مذهب المحبّين...» (1).)وقال السهارنفوري في ردّ ابن تيميّة: «عندنا وعند مشايخنا يجوز التوسّل في الدعوات بالأنبياء والصالحين من الأولياء والشهداء والصديقين في حياتهم وبعد وفاتهم؛ بأن يقول في دعائه: اللّهم إنّي أتوسل إليك بفلان أن تجيب دعوتي، وتقضي حاجتي، إلى غير ذلك، كما صرح به شيخنا ومولانا الشاه محمّد إسحاق الدهلوي [(1262هـ]...»(2).)وقال: «عندنا وعند مشايخنا حضرة الرسالة (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم حي في قبره الشريف، وحياته دنيوية من غير تكليف، وهي مختصة به (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، وبجميع الأنبياء صلوات اللّه عليهم والشهداء، لا برزخيّة كما هي حاصلة لسائر المؤمنين، بل حاصلة لسائر المؤمنين، بل جميع الناس، كما نص عليه العلامة السيوطي [(911هـ)] في رسالته: (أنباء الأذكياء بحياة الأنبياء)، حيث قال: (قال الشيخ تقي الدين السبكي [(756هـ)]: حياة الأنبياء والشهداء في القبر كحياتهم في الدنيا، ويشهد له صلاة موسى (عليه السلام) في قبره؛ فإن الصلاة تستدعي جسداً حياً)...» (3).)


1) عقائد أهل السنّة والجماعة: 82.

2) المصدر السابق: 86.

3) المصدر السابق: 89.

وقال أيضاً: «إنّ ذكر الولادة الشريفة لسيدنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم بروايات صحيحة، في أوقات خالية عن وظائف العبادات الواجبات، وبكيفيات لم تكن مخالفة عن طريقة الصحابة وأهل القرون الثلاثة؛ المشهود لها بالخير وبالاعتقادات ؛ التي لم تكن موهمة بالشرك والبدعة، وبالآداب التي لم تكن مخالفة عن سيرة الصحابة؛ التي هي مصداق قوله (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «أنا عليه وأصحابي» (1)، وفي مجالس خالية عن المنكرات الشرعيّة، موجب للخير والبركة...» (2).)وقال في إجابته على سؤال بشأن أتباع محمّد بن عبد الوهاب: «.... أتباع محمّد بن عبد الوهاب الذين خرجوا من نجد وتغلبوا على الحرمين، و كانوا ينتحلون مذهب الحنابلة، لكنّهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون، وأن


1) سنن الترمذي 5: 26 شرح السنّة 1: 213، مشكاة المصابيح 1: 61، المستدرك على الصحيحين 1: 128.)أقول: الظاهر كون هذا الحديث - الذي يستدلون به في باب تعيين الفرقة الناجية - موضوعاً؛ لاضطراب مضامينه بحد يمنع تواتره المعنوي ويزيل إمكانية الوثوق به، مع وجود الأدلّة المعتبرة الكثيرة من الكتاب والسنّة المعارضة له.وإن فُرضت الصحة تنزلاً، فنقول : لا يصحّ الإلزام بهذا العموم مصداقاً، لأنه يوجب التناقض؛ للأمر بالاختلاف عملاً، لوضوح اختلاف الصحابة في الأحكام الشرعيّة في أيام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وبعدها في كلّ صغيرة وكبيرة، وعلى أي حال فإنّه لا يدل على عدالة جميعهم، أو حجيّة سنّتهم بشكل مطلق، أو غير ذلك ممّا يعتقده القوم فيهم؛ لاختصاص النجاة باتباعه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إجماعاً.

2) عقائد أهل السنّة والجماعة: 125.

من خالف اعتقادهم مشركون، واستباحوا بذلك قتل أهل السنّة، وقتل علمائهم، حتّى كسر اللّه شوكتهم...» (1.)12- محمّد بخيت المطيعي الحنفي (1354هـ(2).قال: «...، ولما أن تظاهر قوم في هذا العصر بتقليد ابن تيميّة في عقائده الكاسدة، وتعضيد أقواله الفاسدة، وبتها بين العامة والخاصة، واستعانوا على ذلك بطبع كتابه المسمى بالواسطية ونشره، وقد اشتمل هذا الكتاب على كثير ممّا ابتدعه ابن تيميّة مخالفاً في ذلك الكتاب والسنّة وجماعة المسلمين، فأيقظوا فتنة كانت نائمة» (3.)وقال أيضاً: «ألّف [ ابن تيميّة] كتابه المسمّى بالواسطية؛ وقد ابتدع ما خرق به إجماع المسلمين، وخالف فيه الكتاب والسنّة الصريحة، والسلف الصالح، واسترسل مع عقله الفاسد، وأضله اللّه على علم، فكان إلهه هواه، ظناً منه أنّ ما قاله حق، وما هو بالحق، وإنما هو منكر من القول الزور»(4.)


1) المصدر السابق: 99.

2) مفتي الديار المصرية عام 1333 هـ ومن كبار فقهائها.. تتلمذ على كبار الشيوخ في الأزهر وخارجه، أمثال الدمنهوري والمهدي والشربيني، والملواني، والرفاعي، وجمال الدين الأفغاني، وحسن الطويل.. له: (إرشاد الأمة إلى أحكام أهل الذمة).)انظر ترجمته في محمّد بخيت المطيعي الفقيه الأصولي المفتي: 12.

3) تطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد 13.

4) المصدر السابق : 9.

وقال في ابن تيميّة: «... تمالا عليه أهل عصره، ففسقوه وبدعوه، بل كفره كثير منهم...» (1.)13- نعيم الدين المرادآبادي البريلوي الحنفي (1367هـ(2).قال في ابن تيميّة: «إنّ ابن تيميّة أفسد نظم الشريعة»(3.)وكرّر وأقرّ قول ابن حجر الهيتمي [(974هـ] في الفتاوى الحديثية بشأن ابن تيميّة؛ إذ قال: «ابن تيميّة عبد خذله اللّه، وأضله، وأعماه، وأصمه، وأذلّه، وإنّه مبتدع، ضالّ ومضلّ، وجاهل غال»(4).)14- محمّد زاهد الكوثري الحنفي (1371هـ(5).


1) المصدر السابق: 10.

2) من كبار البريلوية، صاحب المدرسة التي سمّاها: الجامعة النعيمية، ويلقب بصدر الأفاضل، ومن كتبه الكلمة العليا في عقيدة علم الغيب.)انظر ترجمته في: dawateislami.net

3) دعوة شيخ الإسلام ابن تيميّة 2: 611.

4) المصدر السابق 2: 611.

5) ترأس جامع الفاتح بالآستانة، وعُيّن وكيلاً للمشيخة الإسلاميّة في دار الخلافة العثمانية، كان من مؤسسي جمعية التعاون الشركسية عام 1908م في اسطنبول.. كان مرجعاً لأهل السنّة في الحديث الشريف ورجاله، وحُجّة في المراجع والمكتبات العامة والخاصة، في العالم العربي والإسلامي.. له نحو مائة مقالة طبعت باسم: (مقالات الكوثري)؛ جمع بعضها الشيخ عبد اللّه بن عثمان الحمصي الجركسي (أقول: قال الزركلي: «جمعها السيّد أحمد خيري».. وكلامه غير صحيح).)انظر ترجمته في الأعلام 6: 129، وتشنيف الأسماع: 205.

قال: «...، لو قلنا لم يبل الإسلام في الأدوار الأخيرة بمن هو أضر من ابن تيميّة في تفريق كلمة المسلمين، لما كنا مبالغين في ذلك، وهو سهل متسامح مع اليهود والنصارى، يقول عن كتبهم: إنّها لم تحرَّف تحريفاً لفظياً، فاكتسب بذلك إطراء المستشرقين له.... إنّه شديد غليظ الحملات على فرق المسلمين لا سيما الشيعة...، ولولا شدّة ابن تيميّة في رده على ابن المطهر في منهاجه – إلى أن بلغ به الأمر أن يتعرض لعلي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه على الوجه الذي تراه في أوائل الجزء الثالث منه، بطريق يأباه كثير من أقحاح الخوارج، مع توهين الأحاديث الجيّدة في هذا السبيل - لما قامت دولة الغلاة...» (1.)وقال بشأن ابن تيميّة: «وقع الاتفاق على تضليله، وتبديعه، وزندقته»(2.)وقال: «إن كان ابن تيميّة لا يزال شيخ الإسلام، فعلى الإسلام سلام» (3.)وقال: «...، ومن أحاط علماً بما نقلناه...، واستمر على مشايعته، وعلى عدّه شيخ الإسلام، فعليه مقت اللّه وغضبه» (4.)وقال: «قد جرى عمل الأمة على التوسّل والزيارة، إلى أن ابتدع إنكار ذلك الحراني...» (5.)


1) الإشفاق: 268.

2) تبديد الظلام: 81.

3) الإشفاق: 89.

4) تبديد الظلام: 118.

5) مقالات الكوثري: 468.

15- أبو حامد ابن مرزوق الحنفي (الشيخ محمّد العربي التباني (1390هـ) (1).)قال بشأن الحراني: «إنّه مسارع في تكفير من خالفه، سواء أقام الدليل على التكفير أم لم يقم عليه دليل، وأن كلّ من خالفه ولم ينقد إلى رأيه وقوله ماله إلى التكفير والتشهير والتحقير» (2)وقال في أتباعه: «قد اعتقدوا أنّ كلّ ما فيه إجلاله (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم من قول، أو فعل، فهو: شرك، وعبادة له من قائله، فسجّلوه على أنفسهم للعالم الإسلامي أنهم موتورون منه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، يسوءهم ما فيه توقيره، ويسرهم ما فيه انتهاك حرمته (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) (3).)### موقف علماء المذهب المالكي من ابن تيميّة وآرائه:16- تاج الدين، أحمد بن محمّد بن عطاء اللّه الاسكندري المالكي (709ھ (4).


1) مرّت ترجمته في الصفحة: 52 من هذا المجلّد.

2) براءة الأشعريين من عقائد المخالفين: 254، شفاء السقام : 132، المقالات السنية: 133.

3) التوسّل بالنبيّ : 113.

4) نشأ كجده فقيهاً، أخذ عنه الكثير مثل : ابن المبلق السكندري، وتقي الدين السبكي. قال أحمد زروق: كان جامعاً لأنواع العلوم؛ من: تفسير، وحديث، وفقه، ونحو، وأصول، وغير ذلك.. وقال الذهبي: كانت له جلالة عظيمة، ووقع في النفوس، ومشاركة في الفضائل.)انظر ترجمته في شذرات الذهب في أخبار من ذهب 6: 20.

قال الذهبي (748هـ فيه: «كان من كبار القائمين على الشيخ تقي الدين ابن تيميّة» (1).)17- عمر ابن أبي اليمن اللخمي الفاكهي المالكي (734هـ(2).له كتاب: (التحفة المختارة في الردّ على منكر الزيارة في الردّ على ابن تيميّة (3).)18- تقي الدين محمّد ابن أبي بكر بن عيسي السعدي الإخنائي المالكي (750هـ (4).


1) معجم الشيوخ : 127.

2) قال الذهبي: الإمام النحوي، المتقن. وقال ابن كثير : الشيخ الإمام، ذوالفنون.. وقال الصفدي: كان شيخاً، فقيهاً، مالكياً، نحوياً، له ديانة وتصوّن.. وقال ابن الجزري مثل كلام الصفدي.. وقال ابن فرحون كان فقيهاً، فاضلاً، متفنّنا في الحديث، والفقه، والأصول، والعربيّة، والأدب.)انظر ترجمته في أعيان العصر وأعوان النصر 3: 644، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 4: 209، شذرات الذهب في أخبار من ذهب 6: 96.

3) السلفية الوهابيّة: 136.

4) قاضي قضاة المالكية بمصر.. له عدّة تصانيف، انتقد ابن تيميّة أحدها في كتابه: (الرد على الأخنائي) في زيارة القبور.. قيل فيه: أنه كان فقيهاً فاضلاً صالحاً، خيراً، صادقاً، سليم الصدر، سمع من ابن عساكر بمكة.)أقول: لم يصحّ أن يكون ابن عساكر هذا هو صاحب تأريخ دمشق كما زعم البعض، لأنه متقدم الوفاة عن ولادة صاحب الترجمة بمائة وسبع سنوات..قال ابن فرحون كان من عدول القضاة وأخيارهم، وقال ابن حجر اشتغل بالفقه على مذهب مالك... وتقدم وتميز.انظر ترجمته في النجوم الزاهرة 10: 247، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 4: 27.

ألف كتاباً باسم: (المقالة المرضيّة.. في الردّ على من ينكر الزيارة المحمّدية؛ ردّ فيه على ابن تيميّة (1).)قال ابن حجر العسقلاني (852هـ فيه: «كان كثير الحط على الشيخ ابن تيميّة، وأتباعه وهو الذي عزّر الشهاب ابن مري؛ وكان على طريقة الشيخ تقي الدين» (2).)قال الإخنائي في ردّ ابن تيميّة: «...، لما أحدث ابن تيميّة ما أحدث في أصول العقائد، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنّة، مظهراً أنه داع إلى الحق هاد إلى الجنّة، فخرج عن الإتباع إلى الابتداع، وشدّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع»(3.)19- ضياء الدين، خليل بن إسحاق المالكي (776هـ (4).قال في ردّ ابن تيميّة: «... ويُسأل اللّه تعالى بجاهه (صلى اللّه عليه


1) السلفية الوهابيّة: 136.

2) رفع الإصر عن قضاة مصر: 353.

3) الدرة المضيّة: 3.

4) يعرف بالجندي، وكان يسمّى محمّداً، ويلقب بضياء الدين.. سمع من ابن عبد الهادي، وقرأ على الرشيدي في العربيّة والأصول، وعلى الشيخ عبد اللّه المنوفي في فقه المالكية، وشرع في الإشغال بعد شيخه وتخرّج به جماعة، ثم درس بالشيخونية، وأفتى وأفاد ولم يغير زي الجندية، وكان صيناً، عفيفاً، نزهاً، شرح مختصر ابن الحاجب في ست مجلدات، وله مختصر في الفقه مفيد، نسج فيه على منوال الحاوي.)انظر ترجمته في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 2: 175 النجوم الزاهرة 11: 92، تأريخ ابن قاضي شهبة 3: 281.

[وآله] وسلّم في التوسّل به؛ إذ هو محط جبال الأوزار، وأثقال الذنوب؛ لأن بركة شفاعته وعظمها عند ربّه لا يتعاظمها ذنب، ومن اعتقد خلاف ذلك فهو المحروم الذي طمس اللّه بصيرته، وأضل سريرته.. ألم يسمع قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولِ الاّ لِيُطَاعَ ِبإِذْنِ اللّه وَلَو أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّه وَاسْتَغْفَرَ هُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّه تَوَّاباً رَّحِيماً؟ (1)» (2).)20- أحمد زروق البرلسي الرشيدي المالكي (899هـ(3).قال بشأن ابن تيميّة: «...، وقد تجاسر ابن تيميّة وادعى أن السفر لزيارة النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم محرّم بالإجماع، وأن الصلاة لا تقصر فيه لعصيان المسافر به، وأن سائر الأحاديث الواردة في فضل الزيارة موضوعة، وأطال بذلك بما تمجّه الأسماع، وتنفر منه الطباع، وقد عاد شؤم)


1) سورة النساء: 64.

2) شرح المواهب اللدنية 12: 219.

3) أبو الفضل، شهاب الدين أحمد بن أحمد بن محمّد بن عيسى البرنسي (البرنوسي، البرنوصي البرلسي).. قال فيه ابن غازي صاحبنا الأود، الخلاصة الصفي، الفقيه، المحدث.. وقال عنه في نيل الابتهاج: الإمام العالم الفقيه المحدث.. وقال في توشيح الديباج الإمام، العالم، الصالح، الجامع بين الشريعة والأخبار، صاحب التصانيف المفيدة.. وقال صاحب البستان الشيخ الإمام العالم الفقيه المحدث، العلامة، الولي، الصالح.. وقال في دوحة الناشر : الشيخ العالم المحقق.. وقال عنه في سلوة الأنفاس: الشيخ الإمام العارف، الأشهر، والقطب الأكبر.)انظر ترجمته في نيل الابتهاج بتطريز الديباج 1: 138، البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان: 55، توشيح الديباج وحلية الابتهاج : 38، سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس 3: 225، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع 1: 184.

كلامه عليه حتّى تجاوز إلى الجناب الأقدس المستحق لكل كمال أنفس، وحاول ما ينافي العظمة والكمال بادعائه الجهة والتجسيم، وأظهر هذا الأمر على المنابر، وشاع وذاع ذكره في الأصاغر والأكابر، وخالف الأئمّة في مسائل كثيرة، واستدرك على الخلفاء الراشدين باعتراضات سخيفة حقيرة، فسقط من عين أعيان علماء الأمة، وصار مثلة بين العام فضلا عن الأئمّة، وتعقب العلماء كلماته الفاسدة، وزيفوا حججه الكاسدة، وأظهروا عوار سقطاته، وبينوا قبائح أوهامه وغلطاته، حتّى قال في حقه العز بن جماعة [(767]: إن هو إلا عبد أضله اللّه وأغواه، وألبسه رداء الخزي وأرداه...» (1).)وقال فيه أيضاً :.... مطعون عليه في عقائد الإيمان، مثلوب بنقص العقل فضلاً عن العرفان...» (2.)21- أحمد بن محمّد الصديق الغماري المالكي (1380هـ(3).قال في ابن تيميّة:...، بلغت العداوة من ابن تيميّة إلى درجة المكابرة،


1) شواهد الحق: 15.

2) المصدر السابق : 453.

3) قال ابن الحاج السلمي فيه: «فقيه علامة، له تخصص و تبريز وتفوق في حلبة علوم الحديث على طريقة الحفّاظ الأقدمين، متناً وسنداً، ومعرفة تراجم الرواة، وطرق الجرح والتعديل.. وقال الشيخ عبد السلام بن عبد القادر بن سودة: «يعد من أكبر المحدثين اليوم بالديار المغربية».. وقال الشيخ أحمد بن محمّد مرسي النقشبندي المصري: «إنه بلغ درجة إمارة المؤمنين في علم الحديث».)انظر ترجمته في: سبيل التوفيق في ترجمة عبد اللّه بن الصديق : 55، إسعاف الإخوان الراغبين بتراجم ثلة من علماء المغرب المعاصرين: 34.

وإنكار المحسوس، فصرّح بكل جرأة، ووقاحة، ولؤم، ونذالة، ونفاق، وجهالة: أنه لم يصحّ في فضل علي (عليه السلام حديث أصلاً...، بل أضاف ابن تيميّة إلى ذلك من قبيح القول في عليّ وآل بيته الأطهار [(عَلَيهِم السَّلَامُ)] ما دلّ على أنه رأس المنافقين في عصره؛ لقول النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) في الحديث الصحيح المخرج في صحيح مسلم مخاطباً لعلي (عليه السلام): (لا يحبّك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق).. كما ألزم ابن تيميّة بذلك أهل عصره وحكموا بنفاقه.... وكيف لا يلزم بالنفاق مع نطقه - قبحه اللّه - بما لا ينطق به مؤمن في حق فاطمة سيدة نساء العالمين [(عَلَيهَا السَّلَامُ) ]، وحق زوجها أخي رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) وسيد المؤمنين، فقد قال في السيدة فاطمة البتول [(عَلَيهَا السَّلَامُ)]: (إن فيها شبها من المنافقين؛ الذين وصفهم اللّه بقوله: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) (1).. قال - لعنة اللّه عليه - : فكذلك فعلت هي؛ إذ لم يعطها أبو بكر من ميراث والدها...)..)وأمثال هذه المثالب لا يجوز أن يتهم بها مطلق المؤمنين، فضلاً عن سادات الصحابة، فضلاً عن أفضل الأمة بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، فقبّح اللّه ابن تيميّة وأخزاه وجزاه بما يستحق، وقد فعل والحمد لله؛ إذ جعله إمام كلّ ضال مضل بعده، وجعل كتبه هادية إلى الضلال، فما أقبل عليها أحد واعتنى بشأنها إلا وصار إمام ضلالة في عصره...» (2).)


1) سورة التوبة: 58.

2) البرهان الجلي: 53.

22- عبد اللّه بن محمّد الصديق الغماري المالكي (1413هـ(1).قال في الردّ على ابن تيميّة :....، إن علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ كان ميمون النقيبة، سعيد الحظ، على نقيض ما قال ابن تيميّة في منهاجه عنه: إنّه كان مشئوماً، مخذولاً.. وتلك كلمة فاجرة، تُنبئ عمّا في قلب قائلها من حقد على وصي النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) وأخيه»(2).)### موقف علماء المذهب الشافعي من ابن تيميّة وآرائه:23- علاء الدين عليّ بن أسمح اليعقوبي الشافعي (710هـ(3).قال ابن حجر العسقلاني (852هـ فيه: «كان شديداً، يحطّ على ابن تيميّة» (4).)


1) هو: ابن الشيخ محمّد الصديق الغماري الطنجي، حفظ القرآن والمتون، والتحق بجامعة القرويين، وحضر عدّة شروح منها: شرح الخرشي، وحاشية أحمد بن الخياط، وشرح البخاري للقسطلاني، وجمع الجوامع شرح المحلى من أوله إلى كتاب السنّة، وأجازه السيّد مهدي العزوزي)إسعاف الإخوان الراغبين بتراجم ثلة من علماء المغرب المعاصرين: 98.

2) سمير الصالحين: 77.

3) قال ابن حجر فيه: «سكن الروم، وولي مشيخة الحديث بها، ثم تزهد ولبس دلفا، ولف- رأسه بمئزر صغير، وقصد دمشق من سنة بضع وثمانين، فاقتات من النسخ، وتصدى للإفادة، وكان شديداً يحط على ابن تيميّة، وكان ديناً خيراً، وخرج قاصدا للحج فمات باللجون».)الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 3:29.

4) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 3: 29.

24 - صفي الدين محمّد بن عبد الرحيم الأرموي الهندي الشافعي (715هـ (1).ذكر تاج الدين السبكي (771هـ في طبقاته مناظرته مع ابن تيميّة (2).)25- صدر الدين، محمّد بن عمر بن مكي الشافعي (716هـ(3).قال تاج الدين السبكي فيه: «له مع ابن تيميّة المناظرات الحسنة، وبها حصل عليه التعصب من أتباع ابن تيميّة..» (4.)وقال ابن كثير (774هـ: «كان ينصب العداوة للشيخ تقي الدين ابن تيميّة ويناظره في كثير من المحافل والمجالس» (5).)


1) قال الصفدي فيه: «كان قيماً لفن الكلام، عارفاً بغوامضه التي خفيت عن السيف والإمام، لو رآه ابن فُورَك لانفرك، أو الباقلاني لقلا معرفته ووقع معه في الدرك، أو إمام الحرمين لتأخر عن مقامه، أو الغزالي لما نسج المستصفى إلا على منواله،... قرأ في أصول الدين على الشيخ صفي الدين الهندي أكثر الأربعين، والمحصل، وقال ابن كثير: «كان فاضلاً».)أعيان العصر وأعوان النصر 4: 502.

2) طبقات الشافعية الكبرى 5: 92.

3) قال تاج الدين السبكي فيه: «الشيخ الإمام، كان إماماً كبيراً، بارعاً في المذهب والأصلين، يُضرب المثل باسمه، فارساً في البحث، نظاراً، مفرط الذكاء، عجيب الحافظة، كثير الاشتغال، حسن العقيدة.)طبقات الشافعية الكبرى 5: 141

4) المصدر السابق 5: 141.

5) البداية والنهاية لابن كثير 2: 2146.

26 - نور الدين عليّ بن يعقوب البكري الشافعي (724هـ(1).قال ابن قاضي شهبة (851هـ فيه: «اشتغل وأفتى ودرس، ولما دخل ابن تيميّة إلى مصر قام عليه وأنكر ما يقوله وآذاه» (2).)وقال بشأنه الذهبي (748هـ : «الإمام، المفتي، الزاهد، نور الدين، علي ابن يعقوب بن جبرائيل... كان ديناً متعففاً، مطرحاً للتجمل، نهاء عن المنكر؛ حتّى نفاه السلطان بعد أن هم بقطع لسانه، وكان قد وثب مرة على الشيخ تقي الدين، ونال منه»(3).)27- كمال الدين محمّد بن عليّ بن عبد الواحد الزملكاني الأنصاري الشافعي (727ھ(4).ألف كتاباً في الردّ على ابن تيميّة باسم (العمل المقبول في زيارة الرسول [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ ]) (5).)


1) قال تاج الدين السبكي فيه: «كان رجلاً خيراً، آمرا بالمعروف، ناهياً عن المنكر، توفّي في مولده».)طبقات الشافعية الكبرى 10: 370.

2) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 3: 127.

3) ذيل تأريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام 5: 216.

4) قال السبكي فيه: «قاضي القضاة الإمام العلامة المناظر، ذكره شيخنا الذهبي في المعجم المختص ؛ فقال شيخنا عالم العصر، وكان من بقايا المجتهدين، ومن أذكياء أهل زمانه، درس، وأفتى، وصنف، وتخرج به الأصحاب».)طبقات الشافعية الكبرى 9: 190.

5) المصدر السابق 5: 106.

28- أبو المحاسن جمال الدين يوسف بن إبراهيم المحجي الشافعي (738هـ (1).قال الذهبي فيه: «كان يبالغ في أذى ابن تيميّة وجماعته» (2.)29 - أبو عبد اللّه شمس الدين، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748هـ (3).قال بشأن ابن تيميّة: «.... وقد تعبت في وزنه وفتشه حتّى مللت في سنين متطاولة، فما وجدت ما قد أخره بين أهل مصر والشام ومقتته نفوسهم وازدروا به وكذبوه وكفّروه إلا الكبر، والعجب، وفرط العزام في رئاسة المشيخة، والازدراء بالكبار...» (4.)


1) قال الصفدي فيه: «قاضي قضاة الشام، الإمام الفاضل العالم العلامة، الأصولي، الفقيه، النحوي، قام قياماً عظيماً في توبة الشيخ تقي الدين بن تيميّة في مسألة الزيارة، وعمل عملاً بالغاً إلى أن حبس، ولما مات لم يصل عليه، وكان فصيحاً، لسناً، شديد العارضة في البحث».)الوافي بالوفيات 29: 38.

2) ذيل تأريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام: 342.

3) قال ابن العماد الحنبلي فيه: «قال التاج السبكي في طبقاته الكبرى: شيخنا، وأستاذنا، محدث العصر، اشتمل عصرنا على أربعة من الحفّاظ وبينهم عموم وخصوص، المزي، والبرزالي، والذهبي، والشيخ الوالد لا خامس لهم في عصرهم، فأما أستاذنا أبو عبد اللّه فبصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة أمام الوجود حفظاً، وذهب العصر معنى ولفظاً، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كلّ سبيل... هو الذي خرجنا في هذه الصناعة، وأدخلنا في عداد الجماعة...».)شذرات الذهب في أخبار من ذهب 3: 153.

4) بيان زغل العلم والطلب: 17.

ونقل ابن حجر العسقلاني (852هـ عن الذهبي أنه قال في ابن تيميّة: «...، وأنا لا اعتقد فيه عصمة، بل أنا مخالف له في مسائل أصلية، وفرعيّة» (1).)أقول: ألف الذهبي رسالة في الردّ على ابن تيميّة تعرف باسم: (النصيحة الذهبيّة إلى ابن تيميّة (2)قال فيها:


1) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 1:151.

2) كلمات العلماء في ثوثيق النصيحة الذهبية:)1۔ صلاح الدين، أبو سعيد، خليل بن كيكلدي بن عبد اللّه الدمشقي العلائي (761هـ، المحدث، الفاضل، البحاث، الرحالة له: (المجموع المذهب في قواعد المذهب)، و (كشف النقاب عمّا روى الشيخان للأصحاب).)قال بشأن النصيحة الذهبية: «رسالة نصيحة من الذهبي لابن تيميّة، عفا اللّه عنهما».تنزيه الحق المعبود: هامش 1392۔ شمس الدين، محمّد بن عبد الرحمن بن محمّد بن أبي بكر بن عثمان بن محمّد السخاوي (902 هـ، المحدث، المؤرّخ.. برع في علوم كثيرة، مثل: الفقه، والنحو، والحديث، والتأريخ.. أخذ من ابن حجر العسقلاني، وقد سَمّى صاحب هدية العارفين نحواً من مئة وثلاثين كتاباً من مؤلّفاته، وذكر الزركلي أن مؤلّفاته تبلغ نحواً من مئتي كتاب، من أهمها: (الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع).)انظر: مقدمة الضوء اللامع: 12. قال في ثوثيق النصيحة الذهبية : «وقد رأيت له [أي للذهبي] عقيدة مجيدة، ورسالة كتبها لابن تيميّة، هي لدفع نسبته، لمزيد تعصبه، مفيدة».الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التأريخ 136.وقال محقق الإعلان (المستشرق فرانز روزنثال في الهامش: «إنّ النصيحة الذهبية لابن تيميّة التي نشرها مع بيان زغل العلم، هي نفس الرسالة التي أشار إليها السخاوي».)الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التأريخ: هامش 136.3 - المحقق بشار عواد، أستاذ، ومحقق، ورئيس قسم التأريخ بكلية الآداب في جامعة بغداد.قال في ثوثيق النصيحة الذهبيّة: «هي رسالة بعث بها الذهبي إلى شيخه ورفيقه أبي العباس ابن تيميّة الحراني؛ ينصحه فيها، ويعاتبه في بعض تصرفاته، وهي رسالة مفيدة في تبيان عقيدة الذهبي، وقد ذكرها السخاوي في الإعلان... وذهب بعضهم إلى القول بأنها مزوّرة، ولا عبرة بذلك».الذهبي ومنهجه في كتابه تأريخ الإسلام: 146.وقال أيضاً: «ومع أنّ الذهبي قد خالف رفيقه وشيخه [ ابن تيميّة]، في مسائل أصلية وفرعيّة، وأرسل إليه نصيحته الذهبيّة التي يلومه وينتقد بعض آرائه وآراء أصحابه بها، إلا أنه بلا ریب قد تأثر به تأثراً عظيماً».مقدمة سیر أعلام النبلاء 1: 38.ثم أشار إلى نُسخ الرسالة قائلاً: «منها نسخة في دار الكتب المصرية بخط تقي الدين ابن قاضي شهبة الأسدي المتوفى سنة (851هـ رقم (18823)، ومنها نسخة بدار الكتب الظاهرية برقم (1347)، وقد نشرها حسام الدين القدسي بمصر سنة (1347 هـ هـ) مع كتاب زغل العلم».)الذهبي ومنهجه في كتابه تأريخ الإسلام: 1464- الدكتور صلاح الدين المنجد، أستاذ القانون الدولي والتأريخ، عمل مديراً لمعهد المخطوطات العربيّة بجامعة الدول العربيّة، ثم مستشاراً به، حاضر في كثير من المعاهد والجامعات، مثل: معهد الدراسات العربيّة العليا، وجامعة فرانكفورت، وجامعة برنستون.قال في ثوثيق النصيحة الذهبيّة: «شك بعضهم في نسبة هذه النصيحة للذهبي، ولا شك عندنا أنها له، فقد نقلت مخطوطاتها من خط الذهبي، ولم ينكرها أحد من العلماء الذين نقلوها كتقي الدين بن قاضي شهبة وغيره».شيخ الإسلام ابن تيميّة سيرته وأخباره عند المؤرخين: 14.أقول: ينفي بعض أتباع ابن تيميّة وثاقة هذه الرسالة لأنها رويت بطريق: «الوجادة».. متغافلين عن اعتبار هذا الطريق عند أعلامهم..قال ابن القيم: «العمل بخط المفتي وما يشبه ذلك.. الفائدة التاسعة والستون: يجوز له العمل بخط المفتي وإن لم يسمع الفتوى من لفظه، إذا عرف أنه خطه، أو أعلمه به من يسكن إلى قوله، ويجوز له قبول قول الرسول إن هذا خطه وإن كان عبداً، أو امرأة، أو صبياً، أو فاسقاً...كما يقبل قوله في الهديّة، والإذن في دخول الدار اعتماداً على القرائن والعرف، وكذا يجوز اعتماد الرجل على ما يجده من كتابة الوقف على كتاب أو رباط، أو خان، أو نحوه، فيدخله وينتفع به، وكذلك يجوز له الاعتماد على ما يجده بخط أبيه في برنامجه أن له على فلان كذا وكذا، فيحلف على الاستحقاق..وكذا يجوز للمرأة الاعتماد على خط الزوج أنه أبانها، فلها أن تتزوج بناء على الخط، وكذا الوصي والوارث يعتمد على خط الموصي فينفذ ما فيه وإن لم يشهد شاهدان، وكذا إذا كتب الراوي إلى غيره حديثاً جاز له أن يعتمد عليه ويعمل به، ويرويه بناء على الخط إذا تيقن ذلك كله، هذا عمل الأمة قديماً وحديثاً من عهد نبينا (صلى اللّه عليه [ وآله] وسلّم وإلى الآن، وإن أنكره من أنكره».)إعلام الموقعين عن رب العالمين 3: 112.هذا وقد ذهب الكثير من أعلام أهل السنّة إلى جواز الرواية بالوجادة، وحدثوا بهذا الطريق؛ منهم: الحسن البصري، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وأبوالزبير المكي، وأبوسفيان طلحة بن نافع، وقتادة بن دعامة السدوسي والحكم بن عتيبة، والليث بن سعد، وغيرهم.انظر كلماتهم في شرح فتح المغيث بشرح ألفية الحديث 3: 115.وعقد الخطيب البغدادي في كفايته باباً بعنوان: «ذكر بعض أخبار من كان من المتقدمين يروي عن الصحف وجادةً، ما ليس بسماع له، ولا إجازة».الكفاية في علم الرواية: 391.وقال النووي: «أما العمل بالوجادة فنقل عن معظم المحدثين المالكيين وغيرهم أنه لا يجوز، وعن الشافعي ونظار أصحابه جوازه، وقطع بعض المحقيقين الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة، وهذا الصحيح الذي لا يتجه هذه الأزمان غيره».تدريب الراوي 2: 62.وقال ابن الصلاح: «فإنّه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسد باب العمل بالمنقول لتعذر شرط الرواية».مقدمة ابن الصلاح: 119.

«بسم اللّه الرحمن الرحيم.. الحمد للّه على ذلّتي، يا رب ارحمني وأقلني عثرتي، واحفظ عليّ إيماني، واحزناه على قلة حزني، واأسفاه على السنّة وذهاب أهلها، واشوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونونني على البكاء، واحزناه على فقد أناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى، وكنوز الخيرات، آه على وجود درهم حلال، وأخ مؤنس.طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وتباً لمن شغله عيوب الناس عن عيبه..إلى كم ترى القذاة في عين أخيك، وتنسى الجذع في عينك؟إلى كم تمدح نفسك، وشقاشقك، وعباراتك، وتذم العلماء، وتتبع عورات الناس، مع علمك بنهي الرسول (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: لا تذكروا موتاكم إلا بخير فإنّهم قد أفضوا إلى ما قدموا؟)بلى أعرف إنك تقول لي لتنصر نفسك: إنّما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شموا رائحة الإسلام، ولا عرفوا ما جاء به محمّد (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، وهو جهاد.)بلى واللّه.. عرفوا خيراً ممّا إذا عمل به العبد فقد فاز، وجهلوا شيئاً كثيراً ممّا لا يعنيهم، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.يا رجل، باللّه عليك كف عنا فإنك محجاج عليم اللسان، لا تقرّ ولا تنام، إيّاكم والأغلوطات في الدين.. كره نبيّك (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم المسائل، وعابها، ونهى عن كثرة السؤال ؛ وقال: إن أخوف ما أخاف)

على أمتي كلّ منافق عليم اللسان، وكثرة الكلام بغير دليل تقسي القلب إذا كان في الحلال والحرام، فكيف إذا كان في العبارات اليونسية، والفلاسفة، وتلك الكفريات التي تعمي القلوب؟واللّه قد صرنا ضحكة في الوجود، فإلى كم تنبش دقائق الكفريات الفلسفية لنردّ عليها بعقولنا؟يا رجل قد بلعت سموم الفلاسفة ومصنفاتهم مرات، وبكثرة استعمال السموم يُدمن عليها الجسم، وتكمن واللّه في البدن.واشوقاه إلى مجلس فيه تلاوة بتدبّر، وخشية بتذكر، وصمت بتفكر، واها لمجلس يُذكر فيه الأبرار، فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، لا عند ذكر الصالحين يُذكرون بالازدراء واللعنة..كان سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقين فواخيتهما.. باللّه خلونا من ذكر بدعة الخميس وأكل الحبوب، وجدوا في ذكر بدع كنا نعدها رأساً من الضلال؛ قد صارت هي محض السنّة، وأساس التوحيد، ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار، ومن لم يكفّر فهو أكفر من فرعون.. وتعد النصارى مثلنا، واللّه في القلوب شكوك إن سَلمَ لك إيمانك بالشهادتين فأنت سعيد.يا خيبة من اتبعك فإنّه مُعَرَّضٌ للزندقة والانحلال، ولاسيما إذا كان قليل العلم والدين، باطولياً شهوانياً، لكنه ينفعك ويجاهد عنك بيده ولسانه، وفي الباطن عدولك بحاله وقلبه، فهل معظم أتباعك إلا قعيد مربوط خفيف العقل، أو عامي كذاب بليد الذهن، أو غريب واجم قوي المكر، أو ناشف

صالح عديم الفهم، فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل.يا مسلم أقدم حمار شهوتك لمدح نفسك.. إلى كم تصادقها وتعادي الأخيار؟إلى كم تصدقها وتزدري بالأبرار، إلى كم تعظمها وتصغر العباد، إلى متى تُخاللّها وتمقت الزهاد، إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح بها واللّه أحاديث الصحيحين؟يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك، بل في كلّ وقت تُغير عليها بالتضعيف والإهدار، أو بالتأويل والإنكار.أما آن لك أن ترعوي؟أما حان لك أن تتوب وتنيب؟أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل؟بلى واللّه ما أذكر أنك تذكر الموت، بل تزدري بمن يذكر الموت، فما أظنك تقبل على قولي ولا تصغي إلى وعظي، بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات، وتقطع لي أذناب الكلام، ولا تزال تنتصر حتّى أقول لك: والبتة سكتت.فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الواد، فكيف يكون حالك عند أعدائك، وأعداؤك واللّه فيهم صلحاء، وعقلاء، وفضلاء، كما أنّ أولياءك فيهم فجرة، وكذبة، وجهلة، وبطلة، وعور وبقر.قد رضيتُ منك بأن تسبني علانية وتنتفع بمقالتي سراً..

رحم اللّه امرئ أهدى إلي عيوبي، فإني كثير العيوب غزير الذنوب، الويل لي إن أنا لا أتوب، ووافضيحتي من علام الغيوب، ودوائي عفو اللّه ومسامحته وتوفيقه وهدايته والحمد للّه رب العالمين وصلى اللّه على سيّدنا محمّد [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ ] خاتم النبيين، وعلى آله [(عَلَيهِم السَّلَامُ)]، وصحبه أجمعين» (1).)30- تقي الدين السبكي الشافعي (756هـ(2).قال في الردّ على ابن تيميّة: اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل، والاستغاثة، والتشفّع بالنبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم إلى ربه سبحانه وتعالى، وجواز ذلك وحسنه من الأمور المعلومة لكلّ ذي دين، المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين، وسير سلف الصالحين، والعلماء، والعام من المسلمين، ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان، ولا سمع به في زمن من الأزمان، حتّى جاء ابن تيميّة، فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار، وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار...، وحسبك أن إنكار ابن)


1) راجع خاتمة السيف الصقيل: 190، بيان زغل العلم والطلب: 52.

2) قال الذهبي: القاضي، الإمام، العلّامة، الفقيه، المحدث، الحافظ، فخر العلماء، تقي الدين أبو الحسن السبكي... كان صادقاً، متثبتاً، خيراً، ديناً، متواضعاً، حسن السمت، من أوعية العلم، يدري الفقه ويقرره، وعلم الحديث ويحرّره، والأصول ويقرئها، والعربيّة ويحققها... وصنّف التصانيف المتقنة، وقد بقي في زمانه الملحوظ إليه بالتحقيق والفضل، سمعت منه وسمع مني، وحكم بالشام وحمدت أحكامه، واللّه يؤيده ويسدده..)وقال صلاح الدين العلائي: الناس يقولون ما جاء بعد الغزالي مثله، وعندي أنهم يظلمونه بهذا، ما هو عندي إلا مثل سفيان الثوري.انظر ترجمته في المعجم المختص بمحدثي أهل العصر: 116.

تيميّة للاستغاثة والتوسل، قول لم يقله عالم قبله، وصار به بين أهل الإسلام مثلة... (1.)وقال أيضاً: «ومن المعلوم أن الزيارة بقصد التبرك، والتعظيم، لا تنتهي في التعظيم إلى درجة الربوبيّة، ولا تزيد على ما نص عليه في القرآن، والسنّة، وفعل الصحابة، من تعظيمه [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ ] في حياته، وبعد وفاته، فكيف يتخيل [ ابن تيميّة] امتناعها؟» (2).)31- صلاح الدين، خليل بن أيبك الصفدي (764هـ(3).)قال: «انفرد ابن تيميّة بمسائل غريبة، ورجّح فيها أقوالاً ضعيفة، عند الجمهور معيبة كاد منها يقع في هوة...» (4.)32 عفيف الدين عبد اللّه بن أسعد بن عليّ بن سليمان اليافعي، الشافعي (768ھ(5).


1) شفاء السقام: 171.

2) المصدر السابق : 132.

3) كان متمكنا في العربيّة، غزير العلم، فقيهاً فاضلاً، أديباً شاعراً، قرأ على الزمخشري، وله خطب، وشعر، ومناقب طبقات الشافعية الكبرى 10: 32.

4) أعيان العصر وأعوان النصر 1:66.

5) قال ابن تغري بردي: كان الشيخ عبد اللّه اليافعي إماماً، فقيهاً، عارفاً بالعربيّة، واللغة، والأصلين، والفرائض، والحساب، والتصوّف، والتسليك، وغير ذلك من فنون العلم، وكان كبير الشأن، كثير العبادة والورع وافر الصلاح والبركة، والإيثار للفقراء.)المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي 7: 74.

قال ابن رافع (774هـ فيه : «له كلام في ذمّ ابن تيميّة، ولذلك غمزه بعض من تعصب لابن تيميّة من الحنابلة، وغيرهم»(1).)قال اليافعي بشأن ابن تيميّة: «...، وله مسائل غريبة أنكر عليه فيها، وحُبس بسببها، مباينة لمذهب أهل السنّة، ومن أقبحها: نهيه عن زيارة النبيّ عليه [وآله] الصلاة والسلام...» (2.)33- أبو عبد اللّه، محمّد بن عبد اللّه ابن بطوطة الشافعي (779هـ(3).قال: «...، وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين بن تيميّة، كبير الشام، يتكلّم في الفنون؛ إلا أن في عقله شيئاً...، وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرته يوم الجمعة، وهو يعظ الناس على منبر يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إن اللّه ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه، وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتّى سقطت عمامته، وظهر على رأسه شاشية حرير، فأنكروا عليه لباسها واحتملوه إلى دار عز الدين بن مسلم قاضي الحنابلة، فأمر بسجنه، وعزره بعد ذلك...» (4.)


1) طبقات الشافعية الكبرى 3: 246.

2) مرآة الجنان 4: 24.

3) الرحالة المشهور، كان مؤرخاً، وقاضياً، وفقيها، ولقب بأمير الرحالين المسلمين.)انظر ترجمته في مقدمة تحفة النظار في غرائب الأمصار: 1. تحقيق عبد الهادي التازي.

4) تحفة النظار في غرائب الأمصار: 52.

34- تقي الدين، أبو بكر ابن محمّد الحسيني الحصني الشافعي (829هـ (1).قال بشأن ابن تيميّة: «إنّ ابن تيميّة - الذي كان يوصف بأنه بحر من العلم – لا يستغرب فيه ما قاله بعض الأئمّة عنه من أنه: زنديق مطلق، وسبب قوله ذلك أنه تتبع كلامه فلم يقف له على اعتقاد، حتّى أنه في مواضع عديدة يكفّر فرقة ويضلّلها، وفي آخر يعتقد ما قالته أو بعضه، مع أن كتبه مشحونة بالتشبيه، والتجسيم، والإشارة إلى الازدراء بالنبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، والشيخين، وتكفير عبد اللّه بن عبّاس، وأنه من الملحدين، وجعل عبد اللّه بن عمر من المجرمين، وأنه ضال مبتدع...» (2).)وقال أيضاً:.... والحاصل أنه وأتباعه من الغلاة في التشبيه، والتجسيم، والازدراء بالنبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، وبغض الشيخين، وبإنكار الأبدال الذين هم خلفوا الأنبياء، ولهم دواهي أخر لو نطقوا بها لأحرقهم الناس في لحظة واحدة...» (3).)


1) أخذ عن: الزهري، وابن الجابي، والصَّرْخَدي، والغَزّي، وابن عنوم، والصدر اليَاسُوفي.. حط على ابن تيميّة، وتلقى ذلك عنه الطلبة بدمشق.. كان يبالغ في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكان للناس فيه اعتقاد.)انظر ترجمته في: إنباء الغمر 8: 110، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع 1: 81، درر العقود الفريدة 1: 190.

2) دفع شبهة من شبه وتمرد: 343.

3) المصدر السابق: 401.

وقال في ردّ ابن تيميّة: «لا أحد من الخلق أعظم بركة منه (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم، ولا أوجب حقاً علينا منه، فالمعنى الذي في زيارة قبره لا يوجد في غيره، ولا يقوم غيره مقامه، كما أن المسجد الحرام لا يقوم غيره مقامه، ومن ههنا شُرّع قصده بخصوصه، ويتعين، بخلاف غيره من القبور»(1).)وقال أيضاً: «...، فزيارة قبره (صلى اللّه عليه [وآله ]وسلّم مستحبة بعينها، لما ثبت فيها من الأدلّة الخاصّة» (2).)وقد أكد كلام التقيّ السُّبكي قائلاً: «اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل، والاستغاثة، والتشفّع بالنبيّ (صلى اللّه عليه وآله وسلّم إلى ربّه...، ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان، ولا سمع به في زمن من الأزمان، حتّى جاء ابن تيميّة فتكلّم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء»(3).)وقال أيضاً: «هذا الرجل [يعني: ابن تيميّة]، كنت رددت عليه في حياته في إنكاره السفر لزيارة المصطفى (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، وفي إنكاره وقوع الطلاق إذا حلف به، ثمّ ظهر لي من حاله ما يقتضي أنه ليس ممّن يعتمد عليه في نقل ينفرد به لمسارعته إلى النقل» (4).)


1) شفاء السقام: 87.

2) المصدر السابق: 88.

3) المصدر السابق : 153.

4) فتاوى السبكي 2: 210.

وقد كرّر كلام الإخنائي (750هـ؛ إذ قال: «لما أحدث ابن تيميّة ما أحدث في أصول العقائد، ونقض من دعائم الإسلام والأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعيّة الكتاب والسنّة، مظهراً أنه داع إلى الحق هاد إلى الجنّة، فخرج عن الإتباع إلى الابتداع، وشدّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع..» (1).)وقال في أتباع ابن تيميّة: «والرأي السخيف الذي أخذ به هؤلاء المبتدعة منالتحاقه (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم بالعدم، حاشاه من ذلك، يلزمه أن يقال: إنّه ليس رسول اللّه اليوم» (2).)وقال في ردّ آراء ابن تيميّة : «...، بيان زندقة من قال: إن روحه عليه [وآله] الصلاة والسلام فنيت، وان جسده صار تراباً، وبيان زيغ ابن تيميّة، وحزبه...» (3.)وقال فيه: «إنّ هذا شأنه إذا وجد شيئاً لا مساس فيه لما ابتدعه قال به وقبله ولم يطعن، وإذا وجد شيئاً على خلاف بدعته طعن فيه وإن اتفق على صحته، ولا يذكر شيئاً على خلاف هواه وإن اتفق على صحته...» (4.)وقال أيضاً: «...، وهذا شأنه إن وجد شيئاً يوافق هواه وخبث طويته ذكره ووسع الكلام فيه وزخرفه، وإن وجد شيئاً عليه أهمله، أو حمله على


1) مقدمه الدرّة المضيئة: 1.

2) دفع شبهة من شبه وتمرد: 65.

3) المصدر السابق: 67.

4) المصدر السابق: 74.

محمل يعرف به أهل النقل حمله وتدليسه عند تأمله...» (1.)35 - نجم الدين عمر بن حجي بن أحمد السعدي الشافعي (1830هـ (2).قال في إجابته على سؤال بشأن ابن تيميّة: «هذا الرجل المسؤول عنه في الاستفتاء كان عالماً متعبداً، ولكنه ضلّ في مسائل عديدة عن الطريق المستقيم، والمنهج القويم...» (3.)36 ابن حجر العسقلاني الشافعي (852هـ(4).


1) المصدر السابق: 113.

2) أخذ العلم عن أخيه، وابن الشريشي، والزهري، وابن الملقن، وابن جماعة، والبدر الزركشي الأنطاكي، ولي إفتاء دار العدل سنة اثنتين وتسعين، وولي قضاء حماة مرتين، ثمّ ولي قضاء الشام في ربيع الآخر سنة تسع وثمانمائة.)إنباء الغمر بأبناء العمر 2: 49.

3) الفتاوى السهمية: 45.

4) لقب بأمير المؤمنين في الحديث، تفرّد من بين أهل عصره في علم الحديث مطالعة، وقراءة، وتصنيفاً، وإفتاء، حتّى شهد له بالحفظ والإتقان القريب والبعيد، والعدو والصديق، حتّى كان إطلاق لفظ الحافظ» عليه كلمة إجماع بين العلماء..)قال السخاوي: شهد له شيخه العراقي بأنه أعلم أصحابه بالحديث. وقال السيوطي: إمام هذا الفن للمقتدين، ومقدم عساكر المحدثين، وعمدة الوجود في التوهية والتصحيح، وأعظم الشهود والحكام في بابي التعديل والتجريح.. وقال عبد الحي العكبري: انتهى إليه معرفة الرجال، واستحضارهم، ومعرفة العالي والنازل، وعلل الأحاديث، وغير ذلك، وصار هو المعوّل عليه في هذا الشأن في سائر الأقطار.انظر ترجمته في الضوء اللامع لأهل القرن التاسع 2: 36 حسن المحاضرة 1: 363، شذرات الذهب في أخبار من ذهب : 270.

قال في ترجمة ابن تيميّة: «...، ثمّ نسب أصحابه إلى الغلو فيه، واقتضى له ذلك العُجب بنفسه، حتّى زهى على أبناء جنسه، واستشعر أنه مجتهد، فصار يردّ على صغير العلماء وكبيرهم، قديمهم وجديدهم، حتّى انتهى إلى عمر فخطأه في شيء، فبلغ ذلك الشيخ إبراهيم الرقي [(703هـ]، فأنكر عليه، فذهب إليه واعتذر، واستغفر..)وقال في حق عليّ [(عَلَيهِ السَّلَامُ ]: «أخطأ في سبعة عشر شيئاً»...، ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في علي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] ما تقدم، ولقوله: أنه [اللّه(عَلَيهِ السَّلَامُ) كان مخذولاً حيثما توجّه، وأنه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها، وإنما قاتل للرياسة لا للديانة، ولقوله : أنه [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] كان يحب الرياسة... (1).)وقال بشأنه: «ردّ في ردّه كثيراً من الأحاديث الجياد، التي لم يستحضر حالة التصنيف مظانّها؛ لأنه كان لاتساعه في الحفظ يتكل على ما في صدره، والإنسان عامد للنسيان، وكم من مبالغة لتوهين كلام الرافضي أدته أحياناً إلى تنقيص علي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ ]» (2).)وقال في مخالفة العلماء لابن تيميّة:.... فمنهم من نسبه إلى التجسيم لما ذكر في العقيدة الحموية، والواسطية، وغيرهما من ذلك، كقوله: إن اليد، والقدم، والساق، والوجه صفات حقيقية اللّه [سبحانه]، وأنه مستو على العرش بذاته.. فقيل له: يلزم من ذلك التحيز والانقسام.. فقال: أنا لا أسلّم أن التحيز


1) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 1: 144.

2) لسان الميزان 6: 319.

والانقسام من خواص الأجسام، فدم بأنه يقول بتحيّز في ذات اللّه [تعالى]..ومنهم من ينسبه إلى الزندقة لقوله: إن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم لا يستغاث به، وإن في ذلك تنقيصاً ومنعاً من تعظيم النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، وكان أشد الناس عليه في ذلك النور البكري [(724هـ)]، فإنّه لما عقد المجلس بسبب ذلك قال بعض الحاضرين : يعذر، فقال البكري: لا معنى لهذا القول، فإنه إن كان تنقيصاً يقتل، وإن لم يكن تنقيصاً لا يعذر...)ولقوله: أبو بكر أسلم شيخاً يدري ما يقول، وعلي [(عَلَيهِ السَّلَامُ] أسلم صبياً، والصبي لا يصحّ إسلامه على قول..)وبكلامه في قصة خطبة بنت أبي جهل.... وقصة أبي العاص ابن الربيع وما يؤخذ من مفهومها، فإنّه شنّع في ذلك، فألزموه بالنفاق لقوله (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: «ولا يبغضك إلا منافق»..)ونسبه قوم إلى أنه يسعى في الإمامة الكبرى، فإنّه كان يلهج بذكر ابن تومرت [(522هـ] ويطريه، فكان ذلك مؤكداً لطول سجنه، وله وقائع شهيرة، وكان إذا حوقق وألزم يقول: لم أر هذا إنما أردت كذا، فيذكر احتمالاً بعيداً» (1).)37- أحمد بن عمر بن عثمان الخوارزمي الدمشقي الشافعي (868(2).


1) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 1: 155.

2) المعروف بابن قرا، من صلحاء الشافعية، له اشتغال بالتراجم، من أهل دمشق.)الأعلام 1: 187.

قال شمس الدين السخاوي (902هـ فيه: «كان عالماً صالحاً، ديناً، مصرحاً بالحط على الطائفية العربيّة، بل وأتباع ابن تيميّة، بحيث أنه قال مجيباً لمن سأله عن اعتقاده من المخالفين له اعتقادي زيتونة مباركة لا غربية ابن عربي، ولا شرقية ابن تيميّة...»(1).)38 - شهاب الدين أحمد بن محمّد القسطلاني الشافعي (923هـ(2).قال: «...، وللشيخ تقي الدين ابن تيميّة هنا كلام شنيع عج- عجيب يتضمن منع شد الرحال للزيارة النبويّة المحمّديّة، وأنه ليس من القرب بل بضد ذلك، وردّ عليه الشيخ تقي الدين السبكي في (شفاء السقام فشفي صدور المؤمنين» (3).)وقال في ردّ ابن تيميّة: «...، وقد روي أن مالكاً لما سأله أبو جعفر المنصور العباسي: يا أبا عبد اللّه أأستقبل رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم وأدعو أم استقبل القبلة وأدعو؟)


1) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع 2: 54.

2) تلميذ شمس الدين السخاوي، والشيخ خالد الأزهري، وفخر الدين المقدسي، وجلال الدين البكري، ونجم الدين ابن فهد المكي، ولي مشيخة مقام الشيخ أحمد بن أبي العباس الحرار بالقرافة الصغرى بمصر.. قال ابن إياس كان علامة في الحديث، وله شهرة طائلة بين الناس، ترك عدداً كبيراً من المؤلّفات منها: (إرشاد الساري لشرح صحيح للبخاري)، و(الإسعاد في تلخيص الإرشاد).)البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع 3: 377.

3) المواهب اللدنية 4: 574.

فقال له مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك، ووسيلة أبيك آدم (عليه السلام إلى اللّه عزّ وجلّ يوم القيامة؟»(1).)وقال: «...، ولكن هذا الرجل [ يعني: ابن تيميّة] ابتدع له مذهباً وهو عدم تعظيم القبور، وأنها إنما تزار للترحم والاعتبار، بشرط أن لا يُشدّ إليها رحل، فصار كلّ ما خالفه عنده كالصائل لا يبالي بما يدفعه، فإذا لم يجد له شبهة واهية يدفعه بها بزعمه انتقل إلى دعوى أنه كذب على من نُسب إليه مجازفة، وقد أنصف من قال فيه: «علمه أكبر من عقله..» (2...» (3.)39 - ابن حجر الهيتمي الشافعي (974هـ(4).


1) شرح المواهب اللدنية 12: 194.

2) يبدو أن أوّل من قال بشأن ابن تيميّة: «علمه أكبر من عقله» أو «علمه أرجح من عقله» هو: ركن الدين محمّد بن القويع (738 هـ)، ثم تبعه كلّ من: تقي الدين السبكي (756 هـ)، وابن بطوطة (779 هـ)، وولي الدين ابن العراقي (826 هـ)، وابن الجزري (833) هـ)، وابن حجر الهيتمي (974 هـ)، وأحمد الغماري (1380 هـ)، وسليمان القليوبي (1388هـ)، وعبد اللّه الغماري (1413هـ)، وغيرهم.)انظر كلماتهم في تحفة النظار في غرائب الأمصار: 112، السيف الصقيل: 21، ذيل طبقات الحنابلة 2: 392، الجوهر المنظم :28، فيض الوهاب 4: 120، الردّ المحكم المبين: 50، البرهان الجلي : 56، الجامع في سيرة ابن تيميّة 1: 341.

3) شرح المواهب اللدنيّة 12: 194.

4) قال الشوكاني: «كان زاهداً، متقلّلاً على طريقة السلف آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، واستمر على ذلك حتّى مات.. قال فيه تلميذه الشهاب الخفاجي: كان شيخنا علامة الدهر، خصوصاً في الحجاز، فكم حجّت وفود الفضلاء لكعبته، وتوجهت وجوه الطلب إلى قبلته، إن حدث عن الفقه والحديث لم تتقرط الآذان بمثل أخباره في القديم والحديث».)البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع 1: 169.

قال: «ابن تيميّة عبد خذله اللّه، وأضلّه وأعماه، وأصمه، وأذله، وبذلك صرّح الأئمّة الذين بينوا فساد أحواله، وكذب أقواله.... ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد، المتفق على إمامته وجلالته، وبلوغه مرتبة الاجتهاد، أبي الحسن السبكي، وولده التاج، والشيخ الإمام العز بن عبد السلام بن جماعة...ولم يقصر [ ابن تيميّة ] اعتراضه على متأخّري الصوفية، بل اعترض على مثل عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب [(عَلَيهِ السَّلَامُ]، والحاصل أن لا يقام لكلامه وزن، بل يرمى في كلّ وعر وحزن، ويُعتقد فيه أنه مبتدع ضال مضل جاهل غال عامله اللّه بعدله وأجارنا مثل طريقته، وعقيدته، وفعله...)وأخبر عنه بعض السلف أنه ذكر عليّ بن أبي طالب [ (عَلَيهِ السَّلَامُ ] في مجلس آخر فقال: إنّ علياً أخطأ فى أكثر من ثلاثمائة مكان، فيا ليت شعري من أين يحصل لك الصواب إذا أخطأ عليّ [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] بزعمك...» (1).)وقال بشأن الحراني، وتلميذه ابن قيم، وغيرهما من أتباع المنهج التيموي: «...، إيّاك أن تصغي إلى ما كتب ابن تيميّة، وتلميذه ابن قيم الجوزية، وغيرهما مـ (مَن اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللّه عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللّه (2)..)وكيف تجاوز هؤلاء الملحدون الحدود، وتعدوا الرسول [ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏])


1) الفتاوى الحديثية 144.

2) سورة الجاثية: 23.

وخرقوا سياج الشريعة والحقيقة، فظنوا بذلك أنّهم على هدى من ربهم، وليسوا كذلك» (1.)وقال بشأن ابن تيميّة: «...، ولا يُغترّ بإنكار ابن تيميّة لسن زيارته (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، فإنه عبد أضله اللّه، كما قال العز بن جماعة، وأطال في الردّ عليه التقي الشبكي في تصنيف مستقل..» (2).)وقال أيضاً: «...، من خرافات ابن تيميّة التي لم يقلها عالم قبله، وصار بها بين أهل الإسلام مثله أنه : أنكر الاستغاثة والتوسل به (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم (3).)وقال في رد آراء ابن تيميّة: «... وجه شمول الزيارة للسفر، أنها تستدعيالانتقال من مكان الزائر إلى مكان المزور، كلفظ المجيء الذي نصت عليه الآية الكريمة.... وإذا كانت كلّ زيارة قربة، كان كلّ سفر إليها قربة.... والقاعدة المتفق عليها أنّ وسيلة القربة المتوقفة عليها، قربة» (4.)40- أبو نعيم، رضوان العدل، بيبرس الخلوتي الشاذلي الشافعي (1303ھ (5).)


1) الفتاوى الحديثية: 203.

2) حاشية الإيضاح : 443.

3) الجوهر المنظم: 148.

4) المصدر السابق : 23.

5) من كبار علماء الشافعيّة بمصر، صاحب كتاب (روضة المحتاجين لمعرفة قواعد الدين). طبقات الصوفية : 210.

قال: «... ثم ظهر بعد ابن تيميّة محمّد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر، وتبع ابن تيميّة، وزاد عليه سخفاً وقبحاً، وهو رئيس الطائفة الوهابيّة قبحهم اللّه، وتبرأ منه أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب، وكان من أهل العلم...» (1.)41- يوسف بن إسماعيل النبهاني الشافعي (1350هـ(2).قال: «إنّي أعتقد في ابن تيميّة وتلميذه ابن القيم، وابن عبد الهادي، أنهم من أئمة الدين، وأكابر علماء المسلمين، وقد نفعوا الأُمة المحمّدية بعلمهم نفعاً عظيماً، وإن أساؤوا غاية الإساءة في بدعة منع الزيارة والاستغاثة، وأضروا بها الإسلام والمسلمين أضراراً عظيمة..وأقسم باللّه العظيم أني قبل الإطلاع على كلامهم في هذا الباب، في شئون النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، لم أكن اعتقد أن مسلماً يجترئ على ذلك، وأني منذ أشهر أتفكر في ذكر عباراتهم فلا أتجاسر على ذكرها، ولو للرد عليها، خوفاً من أن يكون سبباً في زيادة نشرها لشدة فظاعتها..» (3).)42- الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي (1376هـ (4).


1) السلفية الوهابيّة: 41.

2) قال البيطار : هذا الإمام، والشهم الأديب الهمام، قد طلعت فضائل محاسنه طلوع النجوم الزواهر، وسعدت مطالع شمائله بآدابه المعجبة البواهر، فهو الألمعي المشهود له بقوة الإدراك، واللوذعي المستوي مقامه على ذروة الأفلاك، وله ذكاء أحد من السيف إذا تجرد من قرابة...)حلية البشر في تأريخ القرن الثالث عشر: 1613، جامع كرامات الأولياء 2: 52.

3) شواهد الحق: 62.

4) مؤرّخ، مفسّر، من كبار أهل التصوف.. له كتاب (فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان)، قد قدّم له وامتدحه الكوثري فيه.)مقدمة فرقان القرآن:3.

قال بشأن ابن تيميّة: «.... والعجب أنك ترى إمام المدافعين عن بيضة أهل التشبيه، وشيخ إسلام أهل التجسيم، ممن سبقه من الكرامية وجهلة المحدثين، الذين يحفظون وليس لهم فقه في ما يحفظون، أحمد بن عبد الحليم المعروف بابن تيميّة، يرمي إمام الحرمين، وحجة الإسلام الغزالي بأنهما أشدّ كفراً من اليهود والنصارى...» (1.)43 نجم الدين محمّد أمين الكردي الشافعي (1400هـ(2).قال: «نجمت في القرون الماضية بين أهل الإسلام بدع يهودية، من القول بالتشبيه، والتجسيم، والجهة، والمكان، في حق اللّه تعالى، ممّا عملته أيدي أعداء الإسلام تنفيذاً لحقدهم عليه، ودخلت الغفلة على بعض أهل الإسلام.... حتّى إذا كان أوائل القرن الثامن أخذت هذه البدع تنتعش إلى أخوات لها لا تقل عنها خطراً، على يد رجل يدعى أحمد بن عبد الحليم ابن تيميّة الحراني، فقام العلماء من أهل السنّة والجماعة في دفعها، حتّى لم


1) فرقان القرآن: 61.

2) تربّى على يديه كبار علماء عصره کالشيخ سلامة العزامي القضاعي، والشيخ يوسف السقا، والعلامة محمّد راضي الحنفي، والعلامة محمّد عطية الشافعي، وأخذ منه الشيخ سليم البشري، ويعتبر إماماً من أئمة أهل السنّة الذين يرجع إليهم في المذهب السنّي كله، ويعد كتابه: (تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب) أهم ما ترك من مؤلّفات.)انظر ترجمته في أعلام الشافعية في ايران 3 :311.

يبق في عصره من يناصره إلا من كان له غرض، أو في قلبه مرض...» (1.)44- حسن بن علي السقاف الشافعي (معاصر(2).قال في الردّ على طعن ابن تيميّة بسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ: «...، بعض ذلك ذكره في منهاج سنته (3)، وذكره بطريقة ملتوية عرجاء، وتظاهر في بعض تلك الجمل بمدحها، وأنها سيدة نساء العالمين، وليس وراء قوله - عامله اللّه بما يستحق - إلا الطعن، والذم، وليس له مخرج عندنا من هذه الورطة، ولا نقبل الدفاع عنه، وتأويل بعض كلماته هناك بأي وجه، فهو ناصبي خبيث، ومجسّم بغيض، شاء المخالفون أم أبوا»(4).)45 - طارق بن محمّد بن عبد الرحمن الجباوي السعدي الشافعي (معاصر (5).


1) مقدمه کتاب فرقان القرآن: 2.

2) عالم أردني يعود أصله إلى محافظة حضرموت باليمن.. رحل إلى دمشق سنة 1978م، فحضر على الشيخ هاشم المجذوب، والشيخ محمّد سعيد رمضان البوطي، والشيخ حسين خطاب، والشيخ أسعد الصاغرجي، وقرأ في الأردن على الشيخ القاضي مطيع الحمامي، والشيخ محمّد هليل، والشيخ أحمد الخضري، ثم رحل إلى المغرب وتلقى عن المحدّث عبد اللّه بن الصديق الغماري.. له نحو ثمانين مؤلفاً غالبها في الردّ والمناقشة لأفكار السلفيين والوهابيين، وبعضها في الحديث، والفقه، والتوحيد، وغيرها.)راجع موقعه على النت: hasan-alsaqqaf.tripod.com

3) منهاج السنّة 4: 244 - 256.

4) مجموع رسائل السقاف: 737.

5) من علماء فلسطين المعاصرين.)راجع موقعه على النت: tarek-alsaadi.info

قال في مقدمة أحد مؤلّفاته: فهذا كتاب أسميته: (كشف المين، أي الكذب، بيّنت فيه بهتان ابن تيميّة الحراني، وافتراءه على العقل والنقل... وذلك بعد اطلاعي المفصل على كتبه كمجموع الفتاوى، ودرء التعارض، ومنهاج السنّة، والصفديّة، وغيرها، ممّا نقلنا بعض نصوصه فيها على قدم نوع العالم، في كتاب (كشف الزلل)، الذي فصلنا فيه مذهبه، ورددنا عليه...» (1).)وقال بشأن ابن تيميّة وأتباعه: «...، فأسأل اللّه تعالى كشف بصيرة أتباعه، فضلاً عن المغبونين والمغترين به إلى الحق، ليعرفوا مكانة هذا المبتدع على التحقيق، وأنه ليس إلا مارق زنديق، ليس في ما انفرد فيه إلاّ بدعة الضلالة، وفرقة الجماعة» (2.)46- محمود سعيد ممدوح الشافعي (معاصر(3).قال في رده على ابن تيميّة... وقد بلغ بابن تيميّة الشطط في فضائل آل البيت [(عَلَيهِم السَّلَامُ] إلى أن ضعف حديث (الموالاة)، وهو متواتر، وقال عن حديث: (أنت ولي كلّ مؤمن): كذب، وهو على شرط مسلم، وأخرجه إمامه أحمد بن حنبل في مسنده، والطيالسي، والترمذي وصححه ابن حبّان، والحاكم..)


1) مقدمه كشف المين: 3.

2) خاتمة كشف المين: 392.

3) من علماء مصر المعاصرين.)راجع صفحته الشخصيّة على النت العلامة المحدّث الدكتور محمود سعيد محمّد ممدوح .facebook.com/Mahmood - Said/13499

وقال عن حديث ابن عمر: (ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم إلا ببغضهم علياً) : (هذا الحديث لا يستريب أهل المعرفة بالحديث أنه موضوع مكذوب)..)وهو حديث صحيح؛ ففي صحيح مسلم وغيره: (أنه لعهد النبيّ الأمي (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم لا يحبّني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق)، وأخرج إمامه أحمد بن حنبل في الفضائل بإسناد على شرط البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: (إنما كنا نعرف منافقي) الأنصار ببغضهم علياً)، وفي مسند البزار بإسناد حسن عن جابر، قال: (ما كنا نعرف منافقينا معشر الأنصار إلا ببغضهم لعلي)، وقال رجل لسلمان: ما أشد حبك لعلي؟..)قال: سمعت نبي اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم يقول: (من أحبه فقد أحبني)...)قال ابن تيميّة: كذب.. قلت بل صحيح لغيره، فله طريق حسن في المستدرك، وآخر في المعجم الكبير للطبراني، عن أم سلمة، قال عنه الهيثمي في المجمع: وإسناده حسن..وحديث: (يا علي حربي حربك، وسلمي سلمك، قال ابن تيميّة: (هذا كذب موضوع على رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) وليس في شيء من كتب الحديث المعروفة، ولا روي بإسناد معروف).. قلت: هذه جرأة، وأخرجه إمامه أحمد في فضائل الصحابة، وأخرجه الحاكم من طريق الإمام أحمد، وله شاهد حسن أخرجه الترمذي، والحاكم والطبراني..)

وحديث: (إن اللّه أوحى إلي أنه يحب أربعة من أصحابي، وأمرني بحبّهم، فقيل: من هم يا رسول اللّه؟..قال: علي سيدهم، وسلمان، والمقداد، وأبو ذر.. قال ابن تيميّة: (ضعيف بل موضوع، وليس له إسناد يقوم به). قلت: أخرجه إمامه أحمد ابن حنبل في المسند، والترمذي وابن ماجه، وحسنه الترمذي، وله شاهد... (1).)### موقف علماء أهل السنّة المعاصرين (غير السلفيين من ابن تيميّة وآرائه:)47 - الدكتور محمود السيّد صبيح (2.قال بشأن الحراني: «...، وقد تتبعت كثيراً من أقوال مبتدعة هذا العصر، فوجدت أكثر استدلالهم بابن تيميّة، فتتبعت بحول اللّه وقوته كلام ابن تيميّة في ما يقرب من أربعين ألف صفحة، أو يزيد، فوجدته قد أخطأ أخطاء شنيعة في حق رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، وأهل بيته، وصحابته، وأنت خبير أن جناب رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) وأهل بيته أهم عندنا أجمعين من جناب ابن تيميّة...» (3).)


1) رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسّل والزيارة: 20.

2) من علماء مصر المعاصرين.)راجع موقعه على النت: msobieh.com

3) أخطاء ابن تيميّة في حق رسول اللّه وأهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ) : 6.

وقال: «...، درج المسلمون على تعظيم قرابة ونسب رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، حتّى خرج ابن تيميّة في القرن الثامن الهجري؛ وكأن بينه وبين النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) وأهل بيته ثأراً، فما وجد من خصيصة من خصائصهم إلا نفاها، أو قلّلها، أو صرف معناها، فضلاً عن سوء عن سوء أدبه في التعبير، والكلام عليهم.... وما وجد من أمر قد يختلط على العامة إلا وتكلّم وزاده تخليطاً، وفي سبيل ذلك نفى ابن تيميّة كثيراً جداً من خصائص النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، وفضله، وفضائل أهل بيته [(عَلَيهِم السَّلَامُ)]» (1).)وقال أيضاً: «...، وكان ابن تيميّة أحد جنود يزيد بن معاوية [لعنهما اللّه ] الذين استهتروا بفضيلة أهل البيت [(عَلَيهِم السَّلَامُ]، وانتقصوهم، وقتلوا الإمام الحسين [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]، سيد شباب أهل الجنّة أمام عينيه، وكم من مبغض لأهل البيت [(عَلَيهِم السَّلَامُ)] يريد قتل الحسين [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] وأهل بيته حيا وبعد شهادته، ولا يطيق سماع حتّى أسمائهم، فما بالكم بفضيلتهم..» (2).)48- الدكتور محمّد سعيد رمضان البوطي (3.قال: «...، وها قد رأينا أن ابن تيميّة لم يبال أن يخالف السلف كلّهم، ممثلين في أصحاب مالك، وأحمد، والشافعي، وأبي حنيفة...» (4.)


1) المصدر السابق : 69.

2) المصدر السابق: 123.

3) من علماء سوريا المعاصرين، اغتيل عام 1434هـ.)راجع موقعه على النت: bouti.net

4) السلفية: 186.

وقال في الردّ على رأي ابن تيميّة بشأن زيارة النبيّ الأكرم م (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «... واعلم أن زيارة مسجده وقبره (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) من أعظم القربات إلى اللّه عزّ وجلّ، أجمع على ذلك جماهير المسلمين في كلّ عصر إلى يومنا هذا، [و] لم يخالف في ذلك إلا ابن تيميّة غفر اللّه له، فقد ذهب إلى أن زيارة قبره (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم) غير مشروعة...» (1).)49 - الدكتور عمر عبد اللّه كامل (2.قال في مقدمة كتابه : (نقض قواعد التشبيه من أقوال السلف ممن قالوا بالإمرار والتفويض والتنزيه: «هذا الكتاب ردّ مختصر على أهم ما ورد من أفكار، وكذا المنطلقات التي بنيت عليها في الكتاب الموسوم بالعقيدة التدمُريّة، والمنسوب للشيخ ابن تيميّة، وكلّ يؤخذ من كلامه ويرد، خاصة وأن هذه الأفكار والآراء تعارض ما يعتقده جمهور الأُمّة المعصومة، وهنا مكمن الخطر»(3).)وقال في الردّ على ابن تيميّة: «...، ولازم استحباب زيارة قبره (صلّی اللّه عليه [وآله] وسلّم، استحباب شد الرحال إليها؛ لأن زيارته للحاج بعد حجه لا تمكن بدون شد الرحل، فهذا كالتصريح باستحباب شد الرحل لزيارته)


1) فقه السيرة النبويّة: 560.

2) من علماء مكة المكرمة المعاصرين.)راجع موقعه على النت: okamel.com

3) نقض قواعد التشبيه من أقوال السلف: 8.

(صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم..)وقد درج علماء الإسلام وفي مقدمتهم الحنابلة على هذا الفهم، واتفقوا على جواز شد الرحال، واستحباب زيارة قبر النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، إلى أن جاء ابن تيميّة في القرن الثامن، وخالف عامة المسلمين وقال: لا تستحب زيارة قبر النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)...)وقد نقلنا إجماع المسلمين على مشروعية زيارة قبر النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم في مختلف الأزمنة، وأنه لم يخالف في ذلك غير ابن تيميّة، ومن تبعه، فهل من الحكمة أن نأخذ بقوله وفهمه للمسألة، وندع إجماع أئمة المسلمين في عصور ما قبل ابن تيميّة؟.)مع أن إجماعهم في عصر واحد حجّة ملزمة، فضلاً عن أقوال أكثر أئمة المسلمين بعد عصر ابن تيميّة» (1.)50 أبو محمّد، محيي الدين حسين بن يوسف الإسنوي (2.قال: «إنّ لابن تيميّة في مسألة زيارة قبر الرسول (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم رأي شاذ، وكلام كثير فيه تضارب، وتناقض، وتعميم، وتهويل، ومن قرأ له (الجواب الباهر في زوّار المقابر)، أو (الردّ على الإخنائي)، أو قرأ له فتاواه أو ما نقله بعض تلاميذه عنه، كابن عبد الهادي في (الصارم)


1) كلمة هادئة في الزيارة وشد الرحال: 44.

2) من علماء مصر المعاصرين، تلميذ محمّد زكي إبراهيم، ومن خريجي الأزهر.)انظر ترجمته في مقدمة ترجمة وسيرة الإمام محمّد زكي إبراهيم: 1.

المنكي.. من قرأ ذلك كله يعرف مدى التشتت الموجود في كلام الرجل، وقد قام عليه علماء عصره في هذه المسألة، وغيرها، وردوا عليه...» (1).)51- أبو الفداء، سعيد عبد اللطيف فوده (2.قال بشأن ابن تيميّة «...، وأمّا عندنا فما كتبه واضح في مذهب الضلال، ونص صريح في نصرة مذهب المجسمة، والكرامية المبتدعة، ونحن في ردّنا عليه، ونقضنا لكلامه، لا يتوقف هجومنا لصد أفكاره وتوهماته على موافقة الناس لنا، بل أننا نعلم إن كثيراً منهم على عينيه غشاوة، نرجو من اللّه تعالى إزالتها، بما نقوم به من الردود، والتنبيهات» (3.)52- عبد الغني حمادة (4.قال بشأن أتباع الفرقة الوهابيّة: «أنّ شيخهم ابن تيميّة قال عنه علامة زمانه علاء الدين البخاري [(841هـ ]: إنّ ابن تيميّة كافر، كما قاله علامة زمانه زين الدين الحنبلي [(795هـ)] أنه يعتقد كفر ابن تيميّة، وقال: إن الإمام الشبكي [(756هـ)] معذور بتكفير ابن تيميّة؛ لأنه كفّر الأمة الإسلاميّة وشبهها باليهود والنصارى في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً)


1) الإفهام والإفحام: 150.

2) من علماء مكة المكرمة المعاصرين.)راجع موقعه على النت: al-razi.net

3) نقض الرسالة التدمرية: 6.

4) من علماء مكة المكرمة المعاصرين.)انظر ترجمته في مقدمة فضل الذاكرين والردّ على المنكرين: 1.

مِنْ دُونِ اللّه (1)، وقال علماء المذهب: إن كتبه مشحونة بالتشبيه والتجسيم للّه تعالى» (2).)53 - الشيخ يوسف حسن الشراح (3.قال بشأن الحراني: «...، يراه الكثير من المتطرفين المخالفين لأهل السنّة والجماعة بمثابة المرجع الديني، الذي عصم اللّه كلامه من الخطأ، مع أنه ليس نبياً معصوماً، كما أن رأيه ليس هو رأي علماء الأمة جميعاً، حتّى نعتبره إجماعاً، وحجّة شرعيّة...» (4.)54- الشيخ شعيب الأرنؤوط(5.قال معلقاً على قول الذهبي حول زيارة قبر النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «قصد المؤلّف بهذا الاستطراد الردّ على شيخه ابن تيميّة؛ الذي يقول بعدم جواز)


1) سورة التوبة: 31.

2) فضل الذاكرين والردّ علي المنكرين: 23.

3) أستاذ الفقه والأصول بكلية الشريعة والدراسات الإسلاميّة في جامعة الكويت.. له مقال عنوانه: (عذراً شيخ الإسلام فكل بدعة ضلالة).)انظر ترجمته في صحيفة الوطن الكويتية، 29 أغسطس 2004م.

4) صحيفة الوطن الكويتية، 29 أغسطس 2004م.

5) محدّث، محقق معاصر مشهور، بلغ ما حققه أو أشرف على تحقيقه نيفاً وأربعين ومئتي مجلد، شملت كتب السنّة النبويّة، والفقه، وتفسير القرآن والتراجم، والعقيدة، ومصطلح الحديث والأدب وما إلى ذلك.. ترأس قسم التحقيق والتصحيح في المكتب الإسلامي بدمشق سنة 1958م مدة عشرين عاماً، ثمّ ترأس قسم تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة بعمان سنة 1982م.)للمزيد راجع : 0/893/alukah.net/culture

شد الرحل لزيارة قبر النبيّ (صلى اللّه عليه وآله وسلّم، ويرى أن على الحاج أن ينوي زيارة المسجد النبوي كما هو مبين في محله..» (1).)55 - محمّد زكي إبراهيم (2.قال في مسألة التوسل: «الخلاف هو على التوسّل بالميت الصالح، ولم يكن يختلف على جوازه أحدٌ من السلف إلى القرن السابع، حيث ابتدع ابن تيميّة هذا الخلاف الفتّان» (3.)56- الشيخ عبد اللّه الهروي الحبشي (4.قال بشأن ابن تيميّة: «إنّه يحتج بالحديث الموضوع الذي يوافق هواه، ويحاول أن يصححه، ويضعف الأحاديث والأخبار الثابتة المتواترة التي تخالف رأيه وعقيدته... وهذا لا يستغرب صدوره من رجل بلغ سموم الفلاسفة، ومصنفاتهم»(5.)


1) هامش سير أعلام النبلاء 4: 485.

2) أثنى عليه الشيخ عبد اللّه بن الصديق الغماري في: (سبيل التوفيق)، و(بدع التفاسير)، وأثنى عليه الشيخ أبو الحسن الندوي في (مذكرات سائح في الشرق)، وكان الشيخ محمّد الغزالي دائم الثناء عليه إذ سجل ذلك في كتابه: (الجانب العاطفي في الإسلام).. ترك أكثر من مائة كتاب ورسالة في العلوم الدينية.)انظر ترجمته في الموسوعة الإسلاميّة الصوفية 241:4.

3) الإفهام والإفحام.

4) من علماء أثيوبيا (الحبشة) المعاصرين.)راجع موقعه على النت: harariyy.com

5) المقالات السنية: 206.

### موقف علماء السلفية المعاصرين من ابن تيميّة وآرائه:57- الدكتور عيسى بن مانع الحميري السلفي (1.قال في ردّ آراء ابن تيميّة: «...، وهذا ترك من ابن تيميّة لمذهب السلف بالكلية، وادعاء عليهم بمذهب غير مذهبهم، ودخول في مضايق وعرة، وشنائع أمور استبشعها العلماء واستبعدوها، وقد رأينا لهذا المخالف ومن شايعه ألفاظاً شنيعة، لم ترد في الكتاب والسنّة، ولم ينطق بها أحد من السلف، فأثبتوا الجسمية صراحة، وأثبتوا الجهة والحد، والتحيز، والحركة، والصوت، والانتقال، والكيف، وغير ذلك من التجسيم الصريح» (2.)وقال أيضاً: «...، فالحاصل من هذا أنّه يتبيّن لك أن ابن تيميّة عشوائي في فهمه، ولا يمشي على قاعدة مستقيمة، بل يتبع ما يبدو له، إذا استطاع بذلك أن ينصر مذهبه» (3.)58- الشيخ حسن بن فرحان المالكي السلفي (4.


1) داعية إسلامي سلفي، متخصص في علم الحديث، المدير العام لدائرة الأوقاف والشئون الإسلاميّة بدبي.. لديه مجموعة من الكتب المطبوعة؛ منها: (ديوان معراج الوصول إلى باب الرسول). راجع صفحته الشخصية:)300612233390204/facebook.com/pages، عيسى - الحميري.

2) تصحيح المفاهيم العقدية: 131.

3) المصدر السابق : 135.

4) داعية إسلامي سلفي، متخصص في علم الحديث لديه مجموعة من الكتب المطبوعة منها: (داعية وليس نبياً)، و(الصحبة والصحابة بين الإطلاق اللغوي والتخصيص الشرعي)، و(بيعة عليّ بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة مع نقد الدراسات الجامعية)، و (قراءة في كتب العقائد المذهب الحنبلي نموذجا)، و(مع الدكتور سليمان العودة حول عبد اللّه بن سبأ)، و(مع الشيخ عبد اللّه السعد في الصحبة والصحابة)، و(مع سليمان العلوان في كتابه الاستنفار)، و(نحو إنقاذ التأريخ الإسلامي).)راجع موقعه على النت: al-maliky.com

قال: «ابن كثير كان فيه نصب إلى حدّ كبير، والذهبي إلى حدّ ما، أما ابن تيميّة إلى حدّ لا ينكره باحث منصف، فاشتهر عنه النصب وكتبه تشهد بذلك، ولذلك حاكمه علماء عصره على جملة أمور منها بغض عليّ [(عَلَيهِ السَّلَامُ]، ولم يحاكموا غيره من الحنابلة، مع أن فيهم نصباً ورثوه عن ابن بطة، وابن حامد، والبربهاري، وابن أبي يعلى وغيرهم، والتيار الشامي العثماني له أثر بالغ على الحياة العلميّة عندنا في الخليج، وهذا من أسرار حساسيتنا من الثناء على الإمام علي أو الحسين [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]، وميلنا الشديد لبني أمية [ لعنهم اللّه]، فتنبّه...)ثم تتابع علماء الشام كابن تيميّة وابن كثير، وابن القيم - وأشدهم ابن تيميّة - على التوجس من فضائل علي وأهل بيته [(عَلَيهِم السَّلَامُ]، وتضعيف الأحاديث الصحيحة في فضلهم، مع المبالغة في مدح غيرهم، وعلماء الشام – مع فضلهم وإجلالهم ورفعة منزلتهم وما ورد فيهم من أحاديث ترفع من قدرهم – هم بشر لا ينجون من تأثير البيئة الشامية التي كانت أقوى من محاولات الإنصاف، خاصة مع استئناس هؤلاء بالتراث الحنبلي...» (1).)وقال المالكي: «حُوكم ابن تيميّة في عصره على بغض علي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ ] واتهمه مخالفوه من علماء عصره بالنفاق، وخطئوه في ذلك، واتهموه)


1) داعية وليس نبياً: 176.

بالنصب، وأصابوا في كثير من ذلك، لقوله : إن علياً [(عَلَيهِ السَّلَامُ] قاتل للرئاسة لا للديانة، وزعمه أن إسلام عليّ [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] مشكك فيه لصغر سنه، وأن تواتر إسلام معاوية ويزيد بن معاوية، أعظم من تواتر إسلام علي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]، وأنه كان مخذولاً، وغير ذلك من الشناعات التي بقي منها ما بقي في كتابه منهاج السنة، وإن لم تكن هذه الأقوال نصباً فليس في الدنيا نصب» (1).)59 - محمّد بن علوي المالكي الحسني السلفي (2.قال بشأن ابن تيميّة وأتباعه: «لقد ابتلينا بجماعة تخصصت في توزيع الكفر، والشرك، وإصدار الأحكام بألقاب وأوصاف لا يصحّ ولا يليق أن تطلق على مسلم يشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمّداً [ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏] رسول اللّه، كقول بعضهم فيمن يختلف في الرأي والمذهب معه: محرف.. دجال.. مشعوذ.. مبتدع.. وفي النهاية مشرك.. وكافر..، ولقد سمعنا كثيراً من السفهاء الذين ينسبون أنفسهم إلى العقيدة يكيلون مثل هذه الألفاظ جُزافاً، ويزيد بعض جهلتهم بقوله : داعية الشرك والضلال في هذه الأزمان، ومجدد)


1) قراءة في كتب العقائد: 176.

2) من أهم فقهاء الحجاز على المذهب المالكي، كانت له حلقة شهيرة في المسجد الحرام بمكة المكرمة؛ تعتبر امتداداً لأكثر من 600 سنة من تدريس أجداده، ويعتقد البعض أن سبب توقفها يرجع إلى إقصائه من قبل المؤسسة الدينية الرسمية، لكونه لا يتفق مع منهجهم، وقد تعرّض للتحقيق والمتابعة أكثر من مرة من قبل هذه الجهة، وربما يؤكد هذا أن أغلب مؤلّفاته طبعت خارج السعوديّة.. توفّي سنة 1425 هـ. وصلي عليه صلاة الجنازة في المسجد الحرام، ودفن في مقبرة المعلاة في جنازة مهيبة.)انظر ترجمته في مقدمة الزيارة النبويّة بين الشرعيّة والبدعيّة: 3.

ملّة عمرو بن لحي المدعو بفلان...، هكذا نسمع بعض السفهاء يكيل مثل هذا السب والشتم وبمثل هذه الألفاظ القبيحة، التي لا تصدر إلا عن السوقة، الذين لم يجيدوا أسلوب الدعوة، وطريقة الأدب في النقاش... (1.)وقال في مقدمة كتابه (الزيارة النبويّة بين الشرعيّة والبدعية: «أنه قد ظهر في موسم الحج هذا العام (1419) كتاب أساء إلى المسلمين، وكدر عليهم صفوهم؛ وهم في زيارة رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، فكان أكبر إيذاء لهم وجرح لشعورهم، وهم حجاج زوّار قاصدون وجه اللّه سبحانه وتعالى؛ إذ يقول هذا المتعدي: إن زيارة رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بعد موته مفسدة راجحة لا خير فيها، فأزعجنا هذا الافتراء، والتعدي، وسوء الأدب، على مقام رسول اللّه (صلى اللّه عليه [ وآله] وسلّم).. [و] لذلك أحببت أن أشارك بهذه الرسالة فى الدفاع عن مقام رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) والذبّ عنه، وهو أقل ما يقدمه الحبيب لحبيبه، والمؤمن لنبيه، وهو ليس غلوّاً ممقوتاً...» (2).)الأسئلة :* كيف يصحّ تلقيب ابن تيميّة بشيخ الإسلام؛ وقد ثبت أن أكابر علماء أهل السنّة في عصره كانوا يخالفونه؛ حتّى انحرف كثير من أصدقائه عنه، ووصل بهم الأمر إلى تكفيره واعتقاله واستتابته، إلى أن مات في السجن؟


1) التحذير من المجازفة بالتكفير: 8.

2) الزيارة النبويّة: 2.

قال أبو هشام الشريف(1في كتابه (ابن تيميّة ذلك الوهم الكبير: «لقد اختصر التيميّة الوهابيّة واختزلوا دين الإسلام في شخص ابن تيميّة، ومن بعده ابن عبد الوهاب حتّى أنك إذا طالعت كتبهم، أو سمعت دروسهم، وخطبهم، لا تقرأ ولا تسمع إلا : «قال شيخ الإسلام»، «قال ابن تيميّة»، وكأن ابن تيميّة هذا صار رسولاً آخر للمسلمين، لا يؤخذ الدين إلا منه، ولا تعتمد الأحكام إلا بتقريره.... والكلام على معتقد ابن تيميّة ومخالفاته ليس أمراً مبتدعاً، ولا مستحدثاً، بل إنه قد ردّ عليه وانتقده الكثيرون في عصره، وحتى يوم الناس هذا..)ومن هؤلاء نذكر: الحافظ شمس الدين الذهبي، وابن جهبل الحلبي، وتقي الدين السبكي، وابنه تاج الدين، وابن شاكر الكتبي، والقاضي صفي الدين الهندي وجلال الدين القزويني، وعلاء الدين البخاري، وكمال الدين ابن الزملكاني، والحافظ صلاح الدين العلائي، والحافظ ابن رجب الحنبلي، وبدر الدين بن جماعة، وأبا حيّان الأندلسي المفسّر، وعفيف الدين اليافعي، والفرغاني الحنفي، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والحافظ ابن حجر الهيتمي، والإمام الحصني، والحافظ العراقي، والحافظ السخاوي، وزيد الدين المناوي، والجلال الدواني، ومحمّد بن عليّ بن علان الصديقي، وملا علي القاري، والشهاب الخفاجي والعلامة الزرقاني، والعلامة محمّد زاهد


1) من علماء مصر المعاصرين.)راجع موقعه على النت noornabi.com.

الكوثري، وغيرهم.. وبعد، فإنّه لا عداوة بيننا وبين ابن تيميّة» (1.)* هل يعتقد أتباع ابن تيميّة بكفر كلّ من كفّر شيخهم، أم يحترمون الكافر والمكفّر، أم يطبقون قاعدة عدم الخوض في ما شجر بين الصحابة في هذه المسألة أيضاً؟


1) دعاوي المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيميّة 139.

### مؤلّفات في الردّ على آراء ابن تيميّةألّف علماء الفريقين أكثر من ألفي كتاب ورسالة في الردّ على آراء ابن تيميّة - حسب تتبعي -، وربما يصل عدد تلك المؤلّفات الى أكثر من ذلك، بمراجعة أدق للمعاجم، وكتب التراجم كـ: كشف الظنون، وهدية العارفين، ومعجم المؤلفين، والوافي بالوفيات، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع، والبدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب، وطبقات الشافعية الكبرى، وغيرها من المصادر.واليك التعريف باليسير من تلك المؤلّفات نموذجاً، حسب الترتيب الزمني:1- اعتراضات على ابن تيميّة في علم الكلام، شمس الدين السروجي الحنفي (710هـ(1).2- رسالة في الردّ على ابن تيميّة في مسألة الطلاق، محمّد بن علي المازني (721ھ (2).)


1) البداية والنهاية لابن كثير :14 52 الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 1: 91.)أقول: ذكر بلقب «السروطي» في معجم المؤلفين 1: 140 وفي موسوعة الغدير 5: 155 نقلاً عن الديباج المذهب.11:31.

2) معجم المؤلفين 11:31.

3 - رسالة في الردّ على ابن تيميّة في مسألة الزيارة، محمّد بن علي المازني (1.)4- نجم المهتدي ورجم المعتدي، فخر الدين القرشي المصري المعروف بـ : ابن المعلم (725هـ (2).)5- ردّ على ابن تيميّة، كمال الدين أحمد بن محمّد الشيرازي (733هـ(3).)6- خبر الجهة، شهاب الدين الكلابي المعروف بـ: ابن جبریل (733ھ (4).)7- رسالة في الردّ على ابن تيميّة في التجسيم والاستواء، شهاب الدين الكلابي المعروف بـ : ابن جبريل (5.)8 - التحفة المختارة في الردّ على من أنكر الزيارة، تاج الدين الفاكهاني (734ھ (6).)9- الردّ على ابن تيميّة في مسألة الطلاق، شرف الدين المنجلاتي الحميري المالكي (743هـ(7).


1) المصدر السابق 11: 31.

2) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 4: 197.

3) معجم المؤلفين 2: 150.

4) هديّة العارفين 1:108.

5) شذرات الذهب في أخبار من ذهب 6: 104 طبقات الشافعية الكبرى 5: 181، معجم المؤلفين 2: 201.

6) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 3: 254.

7) يلقب بالمنكلاني، والمنكلاتي ايضاً.)الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 1: 414.

10- المقالة المرضيّة في الردّ على من ينكر الزيارة المحمّدية، أبو عبد اللّه الإخنائي المالكي (750هـ (1).)11 - شفاء السقام في زيارة خير الأنام، تقي الدين السبكي المصري الشافعي (756هـ (2).)12 - الدرة المضيّة في الردّ على ابن تيميّة، تقي الدين السبكي المصري الشافعي (3.)13 - السيف الصقيل في الردّ على ابن زفيل، تقي الدين السبكي المصري الشافعي (4.14 - رسالة في الردّ على ابن تيميّة بهاء الدين الاخميمي الشافعي المعروف بـ : المصري (764هـ(5).)15 - الإنصاف في الانتصاف لأهل الحق من أهل الإسراف، لأحد أعلام الإماميّة في القرن الثامن (6.


1) المصدر السابق 4: 247.

2) طبقات الشافعية الكبرى 10: 168.

3) المصدر السابق 10: 168.

4) ردَّ فيه على نونية ابن القيم.)طبقات الشافعية الكبرى 10: 168.

5) المصدر السابق 10: 123، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 2: 425، شذرات الذهب في أخبار من ذهب 6: 201.

6) الذريعة 11: 122.)قال محقق الكتاب الشيخ طاهر السلامي : أجمع أهل التحقيق والتراجم على مجهولية اسم مؤلف هذا الكتاب بسبب عدم ذكر المؤلف اسمه فيه، وعدم إعطاء أي إشارة على ذلك. مقدمة تحقيق الإنصاف في الانتصاف: 17.

16- وسيلة الإسلام بالنبيّ عليه الصلاة والسلام، أبو العباس القسنطيني (810هـ (1).)17- دفع شبهة من شبه وتمرد، تقي الدين ابن أبي بكر الحصني (829هـ(2).)18- الردّ على ابن تيميّة في الاعتقادات حميد الدين الفرغاني الدمشقي الحنفي (867هـ (3).)19 - شرح العقائد العضدية، جلال الدين الصديقي الدوّاني (918هـ (4).)20 - ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر، شمس الدين الدمشقي الصالحي الحنفي (953هـ(5).)21- الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم، أحمد بن حجر الهيتمي المكي (974هـ (6).)22 - الأجوبة النجدية عن الأسئلة النجدية، شمس الدين المعروف بـ :


1) فهرس الفهارس 2: 975.

2) شذرات الذهب في أخبار من ذهب 7: 188، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع 156:1

3) كشف الظنون 1: 744، إيضاح المكنون 1: 662.

4) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع 7: 133، النور السافر عن أخبار القرن العاشر: 133، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع 2: 130.

5) فهرس الفهارس 1: 473.

6) كشف الظنون 620: 1، هدية العارفين 5:146

ابن السفاريني النابلسي (1188هـ(1).)23- السيوف المشرقية لقطع أعناق القائلين بالجهة والجسمية، عليّ بن محمّد الميلي الجمالي (1248هـ (2).)24 - إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان أحمد بن أبي الضياف (1291هـ(3).)25 صلح الإخوان من أهل الإيمان وبيان الدين القيم في تبرئة ابن تيميّة وابن القيم، داود بن سليمان بن جرجيس البغدادي الخالدي (1299هـ(4).)26- المنحة الوهبية، داود بن سليمان بن جرجيس البغدادي الخالدي (5.)27۔ جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، خير الدين الألوسي البغدادي (1317 هـ (6).)28- الأجوبة النعمانية عن الأسئلة الهنديّة في العقائد، خير الدين الألوسي البغدادي (7.)


1) فهرس الفهارس 2: 1022.

2) هديّة العارفين 1: 774، إيضاح المكنون 2: 37.

3) عبد السلام أحمد ابن أبي الضياف: حياته ومنزلته ومنتخبات من آثاره، الدار العربي للكتاب، تونس - ليبيا 1984.

4) الأعلام 2: 332، معجم المؤلّفين 4: 236.

5) المصدر السابق.

6) البغداديون أخبارهم ومجالسهم: 233.

7) إيضاح المكنون 3: 29.

29 - شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق، ناصر الدين النبهاني الشافعي (1350هـ(1).)30 - الأنوار المحمّديّة، ناصر الدين النبهاني الشافعي (2.)31- القصيدة الرائية الصغرى في ذم البدعة ومدح السنّة الغراء، ناصر الدين النبهاني الشافعي (3.)32- إكمال المنة في نقض منهاج السنّة، سراج الدين اللكهنوي الشهير بـ : الشيخ فدا حسین (1353هـ (4).)33- تطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد، محمّد بخيت المطيعي الحنفي (1354هـ(5).34- منهاج الشريعة في الردّ على ابن تيميّة، السيّد محمّد مهدي الكشوان الكاظمي القزويني (1358هـ(6).)


1) حلية البشر : 1613، الأعلام الشرقية في المائة الرابعة عشرة الهجرية: 600، جامع كراماد الأولياء 2: 52.

2) اختصر به «المواهب اللدنيّة» للقسطلاني. المصدر السابق.

3) المصدر السابق.

4) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 283:2 برقم 1148.

5) كتبه كالمقدمة على شفاء السقام لتقي الدين السبكي.. طبع في المطبعة الأميرية، بولاق، 1318هـ.)انظر التعريف به في الفكر السامي في تأريخ الفقه الإسلامي لمحمّد بن الحسن الحجوي 4: 38، مجلة الأزهر 7: 73.

6) معجم المطبوعات النجفية: 349.

35- فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان، القاضي سلامة القضاعي (1376هـ(1).)36- البراهين الساطعة في ردّ بعض البدع الشائعة، القاضي سلامة القضاعي(2.)37- الإمامة الكبرى والخلافة العظمى السيّد محمّد حسن آغا میر القزويني (1380هـ(3))38- إحياء المقبور من أدلّة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور، أحمد الصديق الغماري (1380هـ(4).)39- البصائر لمنكري التوسّل بأهل المقابر، حمد اللّه الداجوي الحنفي الهندي (5.)40- ردّ على الشيخ ابن تيميّة، نجم الدين بن أبي الدر البغدادي (6.


1) التوسّل بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): 253، المقالات السنيّة: 493.

2) المصدر السابق.

3) تراث كربلاء: 298.

4) إتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث عشر والرابع :574.

5) لم أعثر على ترجمته.. فرغ من تأليفه في غرة ربيع الثاني يوم الثلاثاء 1381هـ، وهو ردّ على كتاب طاهر البنجشيري المرداني الباكستاني، رئيس الفرقة الوهابيّة في بلاد الهند، نشره الأستاذ حسين حلمي الاسطنبولي بالأوفست عام (1978 م) بتركيا، وأعاد نشره للمرة الثانية عام (1984 م) باسطنبول - تركيا. انظر: مقدمة الكتاب: 256.

6) قيل : إنّه ردُّ على ابن تيميّة في إثبات الكيمياء.)كشف الظنون 2: 1527.

41 - التوفيق الرباني في الردّ على ابن تيميّة الحراني، مجموعة من العلماء (1.)42 - شمس الحقيقة والبداية على أهل الضلالة والغواية، أحمد البلصفوري المالكي الأشعري الخلوتي (2.43- مقدمة الرسائل السبكية، كمال أبو المنى (3.44۔ ابن تيميّة ليس سلفياً، منصور محمّد محمّد عويس (4.)45- دراسات في منهاج السنّة لمعرفة ابن تيميّة، السيّد علي الحسيني الميلاني (5.)


1) يحتوي كتاب التوفيق الرباني على ست رسائل في الردّ على ابن تيميّة، أربع منها للتقي السبكي وهي : (الدرّة المضيّة في الردّ على ابن تيميّة) و (نقد الاجتماع والافتراق في مسائل الأيمان والطلاق)، و (النظر المحقق في الحلف بالطلاق المعلق)، و(الاعتبار ببقاء الجنّة والنار)، وفيه: (رسالة في نفي الجهة) لشهاب الدين أحمد الكلابي، و(النصيحة الذهبية)، للذهبي.

2) تم تأليفه عام 1328هـ، وطبع عام 1346هـ بمطبعة السماح بمصر.)انظر التعريف به في: nooonbooks.com رسالة شمس الحقيقة والهداية.

3) طبعت الرسائل السبكية ضمن مجموعة: «التوفيق الرباني في الردّ على ابن تيميّة الحراني»، وصاحب المقدّمة هو: كمال يوسف الحوت الحسيني، رئيس جمعية السادة الأشراف في لبنان.)انظر التعريف بها في: مقدمة جامع الدرر البهيّة لأنساب القرشيين في البلاد الشامية: 2.

4) متخرّج من الأزهر، ومبعوثه إلى ليبيا، ومدير معهد التوغار الثانوي في طرابلس.. تأريخ التأليف : 1382 هـ طبع في دار النهظة العربيّة، 1971 م.

5) راجع : موقع سماحة العلامة السيّد علي الميلاني: al-milani.com. وقد طبع ضمن موسوعة نفحات الأزهار.

46 - ابن تيميّة حياته.. عقائده، صائب عبد الحميد (1.47- من أقطاب الكذابين أحمد بن تيميّة الحراني، السيّد محمّد الرضي الرضوي (2.)48 - المقالات السنيّة في كشف ضلالات أحمد بن تيميّة، أبو عبد الرحمن الهرري المعروف بـ : الحبشي (3.)49- إتحاف الكرام في جواز التوسّل والاستغاثة بالأنبياء الكرام، الشيخ محمّد بن الشدي (4.)50- أجوبة في زيارة القبور، الشيخ العيدروس (5.)السؤال :* كيف يمكن تصديق ما يروّج له أتباع الفرقة الوهابيّة؛ من تطابق آراء ابن تيميّة مع عقيدة جمهور علماء الإسلام - وأن الحراني يمثل جميع هؤلاء - مع امتلاء المكتبات الإسلاميّة بالكتب والرسائل في الردّ على معتقداته الشاذّة؟


1) انظر ترجمته في موقع مركز الأبحاث العقائدية:).aqaed.info/mostabser/biography/115

2) مؤلف كتاب: «لماذا نحن شيعة».

3) مقدمة التحقيق: 4، سبائك الذهب : 68. طبع في دار المشاريع، بيروت 1419.

4) مخطوط في الخزانة الكتانية بالرباط برقم: 1143 ك مجموعة.

5) مخطوط في الخزانة العامة بالرباط برقم 4: 2577 د مجموعة.

## الفصل الثاني التوحيد عند ابن تيميّة### إشارة:التقسيم الثلاثي لمفهوم التوحيد عند ابن تيميّةمعتقد ابن تيميّة في التجسيممعتقد ابن تيميّة في ثبوت الحدّ اللّه تعالىمعتقد ابن تيميّة في ثبوت الثقل والوزن اللّه تعالىمعتقد ابن تيميّة في ثبوت الجهة والمكان اللّه تعالىمعتقد ابن تيميّة في ثبوت الحركة والنزول اللّه تعالىمعتقد ابن تيميّة في ثبوت الصورة اللّه تعالىمعتقد ابن تيميّة في ثبوت التكلّم للّه تعالىمعتقد ابن تيميّة في صدور حوادث لا أوّل لها عن اللّه تعالىمعتقد ابن تيميّة في قيام الحوادث بذات اللّه تعالىالتوحيد عند مذهب أهل البيت ليلا

### التقسيم الثلاثي لمفهوم التوحيد عند ابن تيميّةصرّح ابن تيميّة في كثير من مؤلّفاته بتقسيم مفهوم التوحيد إلى: توحيد الربوبيّة، وتوحيد الألوهيّة (1، وتوحيد الأسماء والصفات (2).)قال في (العقيدة الواسطيّة: «الأصول الثلاثة: توحيد الربوبيّة، وتوحيد الألوهيّة، وتوحيد الأسماء والصفات.. هذه الأصول الثلاثة تدور عليها أديان الرسل وما أنزل إليهم، وهي الأصول الكبار التي دلّت عليها وشهدت بها العقول والفطر» (3).)وقال في (شرح الأصبهانيّة: «الكلام في التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع، أحدها الكلام في الصفات.. والثاني: توحيد الربوبيّة، وبيان أنّ اللّه خالق كلّ شيء.. والثالث: توحيد الألوهيّة، وهو: عبادة اللّه وحده لا شريك له» (4).)


1) الصحيح هو: (الإلوهيّة) كما سيتضح لاحقاً.

2) راجع كلامه في الصفدية 2: 228، بيان تلبيس الجهميّة 1: 479 : مجموع الفتاوى 15: 164، الفتاوى الكبرى 5: 250، الاستقامة 2: 31، العقيدة الواسطية: 9، شرح الأصبهانيّة: 107، الرسالة التدمرية : 7، منهاج السنّة 3: 289.

3) العقيدة الواسطية: 9.

4) شرح الأصبهانيّة: 107.

### ملاحظات بشأن التقسيم:#### الملاحظة الأولى: حادثية التقسيم وبطلانهلم يذكر اللّه تعالى في آيات كتابه، ولا النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ في حديثه الشريف، ولا أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ولا أحد من علماء أهل السنّة قبل ابن تيميّة أن التوحيد ينقسم إلى هذه الأقسام (1)..


1) أقول: حاول بعض أنصار ابن تيميّة؛ مثل: بكر بن عبد اللّه أبي زيد في (التحذير من مختصرات الصابوني في التفسير): 30، وغيره، أن ينفوا حادثية هذا التقسيم بنقل كلام من استعمل ألفاظ (الألوهيّة) و(الربوبيّة) قبل ابن تيميّة.. فذكروا كلاماً لأبي حنيفة استعمل فيه الألوهيّة والربوبيّة؛ اذ قال: «... واللّه تعالى يُدعى من أعلى لا من أسفل؛ لأن الأسفل ليس من وصف الربوبيّة والألوهيّة في شيء».)الفقه الأبسط : 51.وبذلك غفلوا أو تغافلوا عن عدم وقوع النزاع في مجرد استعمال التعابير الثلاثة أو معانيها في نفسها، بل النزاع في استخدامها على سبيل التقسيم والحصر.وذكروا كذلك كلاماً في التقسيم نسبوه إلى الطحاوي (321هـ، وهو ليس منه بل من شراح عقيدته، كابن أبي العز (792هـ)، تلميذ ابن تيميّة.. والملا علي القاري (1014هـ)، كما يظهر من مخطوطة الكتاب؛ إذ يقول فيها الطحاوي: «إنّ اللّه واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره».. دون أي إشارة إلى التقسيم، وقد أشار إلى ذلك العلامة السقاف، وسيأتي كلامه في المتن..)وذكروا كلاماً لابن بطة العكبري، وفيه لفظي: «الوحدانية» و«الربانية».. وكلاما لابن حبان البستي، وفيه تعبيري وحدانية الألوهيّة وعظمة الربوبيّة».. وكلاما لابن أبي زيد القيرواني، قال فيه: «ربّ العباد وربّ أعمالهم والمقدر لحركاتهم وآجالهم»..ومن الواضح عدم دلالة ما ذكروه على صحّة رأيهم في التقسيم؛ لنفس الإشكال الذي ذكرناه على ما نقلوه من كلام أبي حنيفة، ولعدم تصريح أعلامهم بألفاظ التقسيم.. فإن قالوا: ليست المشاحنة في الألفاظ بل في المفاهيم.. قلنا: لا دلالة في ما نقلتم على الحصر والتقسيم، في المفاهيم الثلاثة.

قال العلامة حسن بن علي السقّاف (1في كتابه (التنديد بمن عدد التوحيد): «.... هذا التقسيم لا يُعرف عند السلف البتة، وإنّما اخترع هذا التقسيم وانتشر بعد القرن السابع الهجري [أي: بعد ابن تيميّة]...)ولم يذكر اللّه تعالى في كتابه ولا النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم في سنته أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام توحيد ربوبيّة، وتوحيد ألوهيّة، وتوحيد أسماء وصفات، بل لم ينطق بهذا التقسيم أحد من الصحابة، بل ولا أحدٌ من التابعين، بل ولا أحد من السلف الصالح...)هذا التقسيم بدعة خَلَفيّة مذمومة، حدثت في القرن الثامن الهجري؛ أي: بعد زمن النبيّ (صلى اللّه عليه [و آله] وسلّم بنحو ثمانمائة سنة، ولم يقل بهذا التقسيم أحد من قبل.... ابن تيميّة الذي اخترع تقسيم التوحيد إلى ألوهيّة وربوبيّة...» (2).)وقال أيضاً: «فاعلم أن تقسيم التوحيد إلى هذه الأقسام الثلاثة تقسيم غیر صحیح، تكلّم به بعض متأخري المصنّفين منهم: صاحب شرح العقيدة


1) ذكرت ترجمته في الصفحة: 110 من هذا المجلّد.

2) التنديد بمن عدد التوحيد 6.

الطحاوية ابن أبي العزّ [(792هـ] المنسوب للحنفية خطأ؛ الذي ردّ على صاحب الكتاب الأصلي الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي [(321هـ)] أثناء شرحه على كتابه متن الطحاوية في التوحيد، فزيف ابن أبي العز بعض كلام الإمام أبي جعفر الطحاوي، وظهر بثوب الدعوة إلى مذهب السلف الصالح، فخالف صريح الكتاب والسنّة والإجماع وعقيدة أهل السنّة والجماعة الوارد في كلام الإمام أبي جعفر الطحاوي...)إن صاحب المتن - الطحاوي - ينفي الحدّ عن اللّه سبحانه، والشارح يردّ عليه، فيثبت الحدّ.. ومنها: أن صاحب المتن ينفي الجهة وينزه اللّه سبحانه أن يُوصف بها، والشارح يردّ عليه، فيثبتها.. حتّى قال العلامة علي القاري [(1014هـ] عن شارحها ابن أبي العز في شرح الفقه الأكبر (1)بأنه: (صاحب مذهب باطل، تابع لطائفه من المبتدعة)» (2).)وبناءً على ما ذكر، يظهر عدم جواز التعامل مع هذا التقسيم كمصطلح شرعي، ابتعاداً عن الابتداع في الدين، بل يصحّ أن يعد من الأمور الاعتبارية الوضعية النظرية، المستنتجة من الاستقراء (3في الأدلّة حسب مدعى قائلها.)


1) شرح الفقه الأكبر: 172.

2) التنديد بمن عدد التوحيد: 6.

3) صرح كثير من أعلام المنهج التيموي، مثل: ابن القيم في: مدارج السالكين 3: 449، والنعمي في معارج الألباب: 226، ومحمّد أمين الشنقيطي، في أضواء البيان 3: 410، وبكر بن عبد اللّه أبي زيد في التحذير من مختصرات الصابوني في التفسير: 30، وأبي غدة، في كلمات في كشف أباطيل وافتراءات 37، وغيرهم أن هذا التقسيم قد بني على الاستقراء لعدم وجوده في النصوص الشرعيّة.

وبهذا ينتفي الحصر في التقسيم؛ لعدم حجّية الاستقراء في نفسه، وإن ادعي تمامه؛ بسبب مدخليّة فهم المستقرئ واجتهاده في التقسيم من جهة، وعدم صحّة الأخذ بخصوص اجتهاده في مسائل العقيدة من جهة أخرى.هذا وقد ذكر علماء الفريقين أقساماً كثيرة لمفهوم التوحيد فهمهم لظاهر نصوص الكتاب والسنّة؛ منها:#### التوحيد في الذات:والمراد منه: أن اللّه سبحانه واحد لا نظير له، فرد لا مثيل له، بل يمتنع أن يكون له نظير، أو مثيل.قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(1).)وقال عزّ وجلّ: (قُل هو اللّه أَحَدٌ * اللّه الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ (2).)#### التوحيد في الخالقية:والمراد منه: أنه ليس في الوجود خالق غير اللّه تعالى، ولا مؤثر مستقل سواه، وأن ما في الكون من السماوات والأرض، والجبال، والبحار، والعناصر، والمعادن، والنباتات والأشجار، كلّها من مخلوقات اللّه سبحانه،فوجودها، وأفعالها، وآثارها كلّها مخلوقة للّه تبارك وتعالى.


1) سورة الشورى: 11.

2) سورة الإخلاص.

فالشمس وحرارتها، والقمر وإنارته والنار وإحراقها، وغير ذلك من الفواعل والأسباب، كلها مخلوقة للّه تبارك وتعالى، مع آثارها، ومسبباتها.قال تعالى: ﴿قُلِ اللّه خَالِقُ كلّ شَيْءٍ وَهوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (1).)وقال عزّ وجلّ: (اللّه خَالِقُ كلّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (2).)وقال سبحانه: ﴿ ذلِكُمُ اللّه رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إلا هو خَالِقُ كلّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهو عَلَى كلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. (3).)#### التوحيد في الربوبيّة:والمراد منه أن للكون مدبّراً واحداً متصرفاً، لا يشاركه في التدبير شيء، فهو سبحانه المدبّر الوحيد للكون، على الإطلاق.قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّه الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعِ إِلا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّه رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (4).)وقال عزّ وجلّ: (اللّه الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كلّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ


1) سورة الرعد: 16.

2) سورة الزمر: 62.

3) سورة الأنعام: 102.

4) سورة يونس: 3.

لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (1).)#### التوحيد في التشريع والتقنين:والمراد منه: أن التشريع، والتقنين، حق مختص باللّه تبارك وتعالى، فهو المشرع الوحيد للمجتمع الإنساني، ولا يحق لأحد التقنين.قال تعالى: (إنِ الْحُكْمُ إِلا للّه أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذُلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (2).)والمراد من حصر الحاكمية باللّه هو: حصر الحاكمية باللّه هو: حصر الحاكمية التشريعية، فالآية تهدف إلى أنه لا يحق لأحد أن يأمر وينهى، ويحرم ويحلّل، سوى اللّه سبحانه.قال عزّ وجلّ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّه حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (3).)إن هذه الآية تقسم القوانين إلى إلهيّة وجاهلية، وبما أن ما كان من صنع الفكر البشري المستقل لم يكن إلهيّاً؛ فيكون حكماً جاهليّاً البتة.#### التوحيد في الطاعة:والمراد منه: أنه لا يجب طاعة سوی اللّه تعالى، فهو وحده يجب أن يُطاع، وأن تُمتثل أوامره ونواهيه، وأما طاعة غيره فتجب بإذنه وأمره، وإلاّ


1) سورة الرعد: 2.

2) سورة يوسف: 40.

3) سورة المائدة: 50.

كانت محرمة، موجبة للشرك في الطاعة.قال تعالى: (مَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذُلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (1).)والدين في الآية بمعنى الطاعة، أي مخلصين الطاعة له، ولا يطيعون غيره.#### التوحيد في الحاكميّة:والمراد منه: أن الحكم على الناس حق مختص باللّه تبارك وتعالى، وحكومة غيره يجب أن تنتهي إليه تعالى، وذلك لأن الحكومة والحاكمية في المجتمع لا تنفك عن التصرف في النفوس والأموال، وتحديد الحريات، وذلك فرع ولاية الحاكم على المحكوم، ولولاها لعد التصرف عدواناً.ومما لا شك فيه أن الولاية للّه تعالى المالك الحقيقي للإنسان، والخالق له، والمدبّر له، فلا يحق لأحد الإمرة على العباد إلا بإذنه سبحانه.قال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلا للّه يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (2).)وقال عزّ وجلّ: (أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (3).)فالحكومة على الناس حق اللّه تعالى، وغيره يمارسها بإذنه، وإلا فيكون من الطواغيت.


1) سورة البينة: 5.

2) سورة الأنعام: 57.

3) سورة الأنعام: 62.

#### التوحيد في العبادة :والمراد منه: حصر العبادة باللّه سبحانه، وهذا هو الأصل المتفق عليه بين جميع طوائف المسلمين، فلا يكون المسلم مسلماً إلا بعد الاعتراف بهذا الأصل.وهذا هو شعار المسلمين الذي يردّدونه كلّ يوم، وهو قوله سبحانه: (إيَّاكَ نَعْبُدُ (1).)ومن الواضح أن عبادة غيره إشراك للغير مع اللّه عزّ وجلّ في العبادة، وموجب للخروج عن ربقة الإسلام (2.)قال أبو حامد بن مرزوق (3: «لم يقل أحمد بن حنبل لأصحابه: أن التوحيد قسمان: توحيد الربوبيّة، وتوحيد الألوهيّة، وإن من يعرف توحيد الألوهيّة لا تعتبر معرفته لتوحيد الربوبيّة؛ لأن هذا كان يعرفه المشركون..)هذه عقيدة الإمام أحمد مدوّنة في مصنّفات أتباعه، في مناقبه لابن الجوزي، وفي غيره، ليس فيه هذا الهذيان..وكذا لم يقل أي واحد من أتباع التابعين لأصحابه، ولا أي صحابي من أصحاب النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم...، أن التوحيد ينقسم إلى توحيد الربوبيّة، وتوحيد الألوهيّة، وأن من لم يعرف توحيد الألوهيّة لا يعتد بمعرفته لتوحيد الربوبيّة؛ لأن هذا يعرفه المشركون..)


1) سورة الفاتحة 5.

2) للمزيد راجع بحوث قرآنية في التوحيد والشرك للشيخ جعفر السبحاني: 23.

3) ذكرت ترجمته في الصفحة: 52 من هذا المجلّد.

فلو اجتمع الثقلان مع ابن تيميّة على إثبات هذا التقسيم عند أي واحد منهم لا يستطيعون، وإنّي أتحدى كلّ من له إلمام بالعلم أن ينقل لنا هذا التقسيم المخترع، ولو برواية واهية» (1.الأسئلة :* هل يتمكن أنصار ابن تيميّة من الاستدلال بدليل واحد من الكتاب أو السنّة، أو كلمات الصحابة والتابعين، بل تابعي التابعين، على صحّة التثليث التيموي في التوحيد؟* كيف يجتمع القول بعدم صحّة التقليد في أساسيات أُصول العقيدة، مع جمود أتباع ابن تيميّة على رأيه بشأن أقسام مفهوم التوحيد ؟* هل يصحّ الاعتماد على دعوى الاستقراء، في التأسيس لمباني الأصول العقديّة ؟***### الملاحظة الثانية : توظيف التقسيم لتكفير المسلمين#### إشارة:حكم ابن تيميّة على كثير من المسلمين بالكفر، بمثل ما حكم به على المشركين في جاهليتهم؛ لاعتقاده باجتماع توحيد الربوبيّة مع الشرك في


1) براءة الأشعريين من عقائد المخالفين 1: 96.)وللمزيد راجع ردود على شبهات السلفية: 240، السلفية بين أهل السنّة والإماميّة: 561.

الألوهيّة، وأن المشركين كانوا في جاهليتهم يوحدون اللّه تعالى توحيد ربوبيّة، ولكنّهم لم يكونوا يوحدونه توحيد ألوهيّة (1.)قال السقاف: «ابن تيميّة الذي اخترع تقسيم التوحيد إلى ألوهيّة وربوبيّة يقول : إن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبيّة دون توحيد الألوهيّة، وأن المسلمين الذين يخالفونه في آرائه كذلك وحدوا ربوبيّة ولم يوحدوا ألوهيّة، فهو يكفّرهم بذلك، وهذا مراده من هذا التقسيم...الهدف من قال هذا التقسيم عند من به هو تشبيه المؤمنين الذين لا يسيرون على منهج هذا التقسيم بالكفّار، بل تكفيرهم بدعوى أنهم وحدوا توحيد ربوبيّة كسائر الكفّار بزعمهم، ولم يوحدوا توحيد ألوهيّة، وهو توحيد العبادة الذي يدعونه، وبذلك كفّروا المتوسّلين بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو بالأولياء، وكفّروا أيضاً كثيراً ممّن يخالفهم في أمور كثيرة يرون الصواب أو الحق على خلافها، وكل ذلك سببه الحراني» (2.)وقد ظهرت هذه النتيجة بشكل جلي في كلمات مؤسس الفرقة الوهابيّة


1) راجع بعض فتاويه التكفيرية بشأن هذه المسألة في مجموع الفتاوی 1: 88، 91، 92، 126، 336، 357، 359، 390:3، 11: 437، 501، 17: 471، 27: 72، 96، 338، التأسيس في الردّ على أساس التقديس : 6، الردّ على الأخنائي: 6، 60، 211، الردّ على البكري: 2، 326، اقتضاء الصراط المستقيم: 672.)وللمزيد انظر : (منهج ابن تيميّة في مسألة التكفير، تأليف: الدكتور عبد المجيد بن سالم بن عبد اللّه المشعبي.

2) التتنديد بمن عدد التوحيد : 10.

«محمّد بن عبد الوهاب»؛ إذ قال في المتوسلين: «إن كفرهم أشنع من كفر عباد الأوثان... [و] إن إقرارهم بتوحيد الربوبيّة لم يدخلهم في الإسلام»(1.)قال أبو زهرة: «قد بنى ابن تيميّة على رأيه في وحدانيّة الألوهيّة والعبادة كلامه في التوسّل والوسيلة، فمنع على هذا ثلاثة أمور:أولها: التقرب إلى اللّه بالصالحين..وثانيها: الاستعانة والتوسل بالموتى..وثالثها: زيارة قبور الصالحين والأنبياء للتيمن ونحوه، وزيارة قبر نبينا (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم..)وقد خاض ابن تيميّة في هذه الأمور الثلاثة وخالف فيها أهل عصره، واصطدمت أفكاره بأفكارهم اصطداماً عنيفاً، وشدد عليه في معتقله بسببها»(2.)وقال أيضاً: «إذا كان خوف ابن تيميّة من أن يؤدي ذلك إلى الوثنية بمضي الأعصار والدهور، فإنّه خوف من غير مخاف؛ لأن الناس كانوا يزورون قبر الرسول [ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏] إلى أوّل القرن الثامن، ثم بالتوالي إلى يومنا هذا، ومع ذلك لم ينظر إليه نظرة عبادة أو وثنية...)ولم تمنع تلك الذكريات العطرة لأجل عبارات من العوام يحسن إرشادهم لا منعهم من الزيارة، وتفهيمهم لا تكفيرهم، وإن اللّه قد صان


1) کشف الشبهات: 4.

2) ابن تيميّة.. حياته وعصره.. آراؤه وفقهه: 267.

التوحيد إلى يوم القيامة» (1.)#### مفهوم الربوبيّة والألوهيّة عند ابن تيميّة:إن مسألة اعتقاد المشركين بالربوبيّة، وعدم تحقق توحيد الألوهيّة عند أهل التوسّل من المسلمين، تعد من الأركان الأساسية لنظرية التكفير التيمويّة، ولهذا لا بد من تسليط الضوء على التفسير المغلوط لمفهومي: «الربوبيّة» و«الألوهيّة» عند ابن تيميّة، كسبب رئيسي أدى إلى هذه الرؤية الخاطئة.قال ابن تيميّة في (الاستقامة: «التوحيد الذي بعث اللّه به رسله، وأنزل به كتبه هو: أن يعبد اللّه وحده لا شريك له، فهو توحيد الألوهيّة، وهو مستلزم لتوحيد الربوبيّة، وهو: أن يعبد الحق ربّ كلّ شيء، فأما مجرد توحيد الربوبيّة، وهو: شهود ربوبيّة الحق لكلّ شيء، فهذا التوحيد كان في المشركين»(2).)وفي (شرح الأصبهانيّة فسّر توحيد الربوبيّة بأنه: «بيان أن اللّه خالق كل شيء»، وفسّر توحيد الألوهيّة بأنه: «عبادة اللّه وحده لا شريك له)له»(3.)وقال في (مجموع الفتاوى: «الشرك إن كان شركاً يكفر به صاحبه هو نوعان: شرك في الإلهيّة، وشرك في الربوبيّة.. فأما الشرك في الإلهيّة فهو أن يجعل اللّه نداً، أي: مثلاً في عبادته، أو محبّته، أو خوفه، أو رجائه، أو)


1) المصدر السابق: 275.

2) الاستقامة 2: 31.

3) شرح الأصبهانيّة: 107.

إنابته، فهذا هو الشرك الذي لا يغفره اللّه إلا بالتوبة منه...وأما الربوبيّة فكانوا مقرين بها؛ قال اللّه تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّه (1)..)وقال: (قُل لمنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ، إِلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) (2).)وما اعتقد أحد منهم قط أن الأصنام هي التي تنزل الغيث، وترزق العالم، وتدبّره، وإنما كان شركهم كما ذكرنا أنهم: اتخذوا (مِن دُونِ اللَّه أَندَاداً تُحبُّونَهُمْ كَحُبُّ اللّه (3)» (4).)


1) سورة لقمان: 25.

2) سورة المؤمنون: 84 – 89.

3) سورة البقرة: 165.

4) مجموع الفتاوی 1: 117.

#### مناقشة تعريف ابن تيميّة للمصطلحين##### الإشكال الأول: تفسير الربوبيّة ببعض لوازمها:عرّف ابن تيميّة في كثير من مؤلّفاته مفهوم الربوبيّة ببعض لوازمه، كالخالقية، ثم استدل بآيات يظهر منها إقرار المشركين بتلك اللوازم، فحكم أنهم كانوا يوحدون توحيد ربوبيّة بشكل كامل، وبذلك بين غفلته أو تغافله عن اشتمال مفهوم الربوبيّة على غير ما ذكره من المفاهيم التوحيدية؛ ممّا ثبت في الكتاب والسنّة عدم اعتقاد المشركين بها بالنسبة للّه تعالى، وبذلك كان استظهاره من الآيات إن صح لا يدل إلا على النقص في إيمانهم بالربوبيّة، وشركهم فيها.##### شرك أهل الجاهلية بالربوبيّة:قال ابن تيميّة في تعريف الشرك بالربوبيّة: «من شهد أن المعطي أو المانع، أو الضار أو النافع، أو المعز أو المذلّ، غيره، فقد أشرك بربوبيته»(1.)وبهذا الكلام نقض رأيه في توحيد الربوبيّة عند المشركين؛ إذ صرّحت آيات كثيرة في الكتاب العزيز بأن المشركين كانوا لا يرون اختصاص اللّه تعالى بتلك المفاهيم.. كقوله تعالى حكاية عن كلامهم:


1) المصدر السابق 1: 92.

(إِن نَّقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلهتنَا بِسُوء (1)، فهذه الآية صريحة الدلالة على اعتقاد المشركين بأن آلهتهم ضرت نبي اللّه هوداً (عَلَيهِ السَّلَامُ).)وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللّه آلهة ليَكُونُوا هُمْ عِزّاً (2)، والآية ظاهرة الدلالة على أن المشركين عبدوا غير اللّه ؛ لأنهم كانوا يزعمون أن آلهتهم المعبودة تحقق العز والنصر، بنفسها، وذلك لما تملك من قدرة خارقة، وفق عقيدتهم الباطلة.)وقال تعالى: ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّه أَوْثَانَاً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّه لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللّه الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (3)، وهذه الآية تشير إلى أنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ترزق؛ إذ من غير المعقول أن يقال لمن يعتقد أن الرزق بيد اللّه، وأن الآلهة ليست إلا وسيطاً في رزق اللّه: (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّه لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللّه الرِّزْقَ)؛ لأنّ ردّ ذلك سيكون واضحاً؛ إذ سيقولون: نحن نعرف أنها لا ترزق، والذي يرزق هو اللّه، ونبتغي الرزق من اللّه، وهذه الآلهة ليست إلا واسطة في الرزق.)وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللّه بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللّه فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ اللّه فَمَا لَهُ مِن مُّضِلَّ أَلَيْسَ اللّه بِعَزِيزِ ذِي انتِقَامٍ *


1) سورة هود: 54.

2) سورة مريم: 81.

3) سورة العنكبوت: 17.

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّه قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّه إِنْ أَرَادَيَ اللّه بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أو أَرَادَنيِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُل حَسْبيَ اللّه عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكَّلُونَ (1).)ووجه الاستدلال بالآية أنها تصرّح بأن المشركين كانوا يخوفون الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بآلهتهم.)قال البغوي (516هـ في تفسير الآية: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ..): «وذلك أنهم خوفوا النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) معرة معاداة الأوثان، وقالوا: لتكفّن عن شتم آلهتنا، أو ليصيبنك منهم خبل، أو جنون» (2).)وكلامهم هذا صريح بنسبة الإضرار إلى آلهتهم.وقال ابن هشام (213هـ في سيرته: حدثني بعض أهل العلم أن عمرو ابن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق...، رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟)قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا.فقال لهم: ألا تعطوني منها صنماً فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه، فأعطوه صنماً يقال له هبل، فقدم به مكة فنصبه، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه»(3.)


1) سورة الزمر: 36 – 38.

2) تفسير البغوي 4: 69.

3) السيرة النبويّة لابن هشام 1: 94.

إن قولهم: «فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا»، صريح في الدلالة على أنهم ينسبون تلك الأفعال إلى آلهتهم، وليس ذلك إلا لأنهم اعتقدوا بوجود قدرة ذاتية لها على ذلك.وروى الطبري (310هـ عن قتادة في تفسير قوله تعالى ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ...)، أنه قال: «بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) خالد بن الوليد إلى شعب بسقام ليكسر العزى، فقال سادنها، وهو قيمها: يا خالد أنا أحذركها، إنّ لها شدة لا يقوم إليها شيء، فمشى إليها خالد بالفأس فهشم أنفها» (1).)فعبارتهم صريحة في أن لها شدة بنفسها، لا من خلال الاستعانة بقوة أخرى.وقال السهيلي (581هـ عند الحديث عن مبدأ قصة الأوثان في قوم نوح، ورواية البخاري لذلك: «وذكر الطبري هذا المعنى وزاد أن سواعاً كان ابن شيث، وأن يغوث كان ابن سواع، وكذلك يعوق ونسر، كلما هلك الأوّل صُورت صورته وعظمت، لموضعه من الدين، ولما عهدوا في دعائه من الإجابة، فلم يزالوا هكذا حتّى خَلَفت الخُلوف وقالوا: ما عظم هؤلاء آباؤنا إلا لأنها ترزق، وتنفع، وتضر، واتخذوها آلهة»(2).)


1) جامع البيان عن تأويل آي القرآن 12: 9.

2) الروض الأنف 1: 168.

أقول: إن تنافي هذه النصوص مع توحيد المشركين في الربوبيّة واضح؛ إذ أنهم لو كانوا موحدين في الربوبيّة لما اعتقدوا بأن آلهتهم تضر، وتنفع؛ فإن وجود آلهة مستقلة في النفع والضر، يتنافى مع وحدة المدبّر لهذا العالم..قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللّه وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلّ لَهُ قَانِتُونَ (1)..)وقال عزّ وجلّ: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا الخَذ اللّه ولدا (2).)ألم يعتبر القرآن ادعاء الولد للّه أقبح مقالات المشركين في قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِذَا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدَاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إِن كلّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً (3)؟)ألا تعني الآية الأخيرة أنّهم اعتقدوا بأن هناك في السماوات والأرض أبناء اللّه ليسوا عبيداً له؟لقد حددت آيات سورة النجم أسماء آلهتهم التي اعتقدوا أنها بنات اللّه؛ فقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا


1) سورة البقرة: 116.

2) سورة الكهف: 4.

3) سورة مريم: 88 - 93.

أَنزَلَ اللّه بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهُدَى (1).)فهل هؤلاء الأولاد مجرد شفعاء ولم يكن لهم أي تأثير في الكون؟إن كان هذا هو المراد، فلماذا عُنونوا بعنوان أبناء اللّه وبناته؟ألا يدل ذلك على اعتقادهم بوجود نوع اتحاد وتجانس بين الأب الإله، والأبناء الآلهة؟إن الابن له بعض قدرات الأب، وإن الاعتقاد بوجود أبناء اللّه يعني شرك الربوبيّة، فالآلهة الأولاد هم أرباب كما أنّ الإله الأب رب، ولا معنى للتجانس بين الابن والأب إلا ذلك.وهذا ما صرح به القرطبي (671هـ بقوله: «ومن أجاز أن تكون الملائكة بنات اللّه فقد جعل الملائكة شبها اللّه ؛ لأنّ الولد من جنس الوالد وشبهه»(2).)وإن القرآن واجه عقيدة المشركين بتعدد الآلهة بدليل التمانع في موارد متعددة، ومفاده أنه لو كان في السماوات والأرض آلهة غير اللّه لبطلتا وفسدتا؛ لما سيقع بينهم من الاختلاف، والتضاد، والتمانع، ومنها: قوله تعالى: (لو کان فيهما آلةٌ إِلَّا اللّه لَفَسَدَنَا فَسُبْحَانَ اللّه رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (3).)


1) سورة النجم: 19 - 23.

2) تفسير القرطبي 16: 66.

3) سورة الأنبياء: 22.

وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللّه مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَه إذاً لذهَبَ كلّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللّه عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1).)وهذا يعني بشكل واضح أن المشركين كانوا يعتقدون بوجود مؤثرين في الكون؛ إذ كان الردّ القرآني صريحاً أنه لو كان هناك موجودان يؤثران في الكون، وكل منهما إله لفسدت السماوات والأرض، ولانهار نظام الكون المتّسق..فهل يعقل أن يكون هذا الردّ القرآني لعقيدة المشركين؛ رداً على من يعتقد أنّ الخالق المالك المدبّر واحد؟لو كان المشركون موحدين في الربوبيّة لأجابوا وبكل سهولة: نحن لا نقول بوجود إلهين لهما تأثير في الكون، بل نعتقد بأن المؤثر واحد، والآخر مجرد إله للعبادة، والشفاعة.هذا وقد ذكرت آيات سورة المؤمنون دليل التمانع لكنها أضافت الحديث عن أمرين آخرين هما: إقرارهم بخالقية اللّه تعالى، وزعمهم وجود أبناء له، بما يكشف أن عقيدة هؤلاء المشركين المقرّين بأن اللّه هو الخالق المدبّر، تتضمن وتترافق مع الاعتقاد بوجود أبناء له مستقلين في التأثير ببعض جوانب الكون..


1) سورة المؤمنون: 91 و 92.

قال تعالى في سورة المؤمنون: (قُل من الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ للّه قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ للّه قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كلّ شَيْءٍ وَهُو يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ للّه قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * مَا اتَّخَذَ اللّه مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذا لَّذَهَبَ كلّ إِلَهِ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللّه عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1).)فكما ترى قد بدأت الآيات بذكر إقرارهم باللّه وخالقيته، ثم كشفت عن التناقض بين ادعائهم بربوبيّة اللّه وبين ادّعاء الولد له، والذي مقتضاه تعدد المؤثرين في تسيير شؤون الكون وإدارته، لذا ردّت عليهم بدليل التمانع القائم على فرضيّة وجود قدرتين مستقلتين في التأثير، معتبرة اعتقادهم بوجود ولد لله، عين القول بتعدد الآلهة المستقلة في التأثير.وهناك كلمة لابن كثير (774هـ في هذا المقام، تؤكد ما نقوله هنا؛ إذ قال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذاً لَّذَهَبَ كلّ إِلَهِ بِمَا خَلَقَ): «ينزه تعالى نفسه عن أن يكون له ولد أو شريك في الملك، والتصرف، والعبادة، فقال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللّه مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهِ إِذَا لَّذَهَبَ كلّ إِلَهِ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض)...)


1) سورة المؤمنون: 84 - 92.

أي: لو قدر تعدد الآلهة لانفرد كلّ منهم بما خلق، فما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم متسق، وكل من العالم العلوي والسفلي مرتبط بعضه ببعض، في غاية الكمال، (ما تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُت (1)، ثمّ لكان كلّ منهم يطلب قهر الآخر وخلافه، فيعلو بعضهم على بعض..)والمتكلمون ذكروا هذا المعنى، وعبّروا عنه بدليل التمانع، وهو أنه: لو فرض صانعان فصاعداً، فأراد واحد تحريك جسم والآخر أراد سكونه، فإن لم يحصل مراد كلّ منهما كانا عاجزين، والواجب لا يكون عاجزاً، ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد.وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد، فيكون محالاً..فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان الغالب هو الواجب والآخر المغلوب ممكناً؛ لأنه لا يليق بصفة الواجب أن يكون مقهوراً.ولهذا قال تعالى: (وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللّه عَمَّا يَصِفُونَ، أي: عمّا يقول الظالمون في دعواهم الولد أو الشريك علوّاً كبيرا.)(عالمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، أي: يعلم ما يغيب عن المخلوقات وما يشاهدونه..)(فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ، أي: تقدس وتنزه وتعالى وعزّ وجلّ عمّا يقول)


1) سورة الملك: 3.

الظالمون والجاحدون» (1.)وأضف إلى ذلك أن المشركين لم يعتقدوا بتوحيد الربوبيّة؛ لأنهم قد نقضوا ذلك بإنكارهم البعث والنشور، والآخرة، والرحمن، واتخاذهم الآلهة، كما صرّح بذلك القرآن الكريم..قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (2).)وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا هُم بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ (3).)وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ هُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ مَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً (4).)قال ابن كثير (774هـ: «وَإِذَا قِيلَ هُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحمَن قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ)، أي: لا نعرف الرحمن، وكانوا ينكرون أن يسمّى اللّه باسمه الرحمن، كما أنكروا ذلك يوم الحديبية حين قال النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) للكاتب: (أكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم)؛ فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم، ولكن اكتب كما كنت تكتب: (باسمك اللّهم).)


1) تفسير القرآن العظيم 3: 264.

2) سورة الإسراء: 49، 98.

3) سورة الجاثية: 24.

4) سورة الفرقان : 60.

ولهذا أنزل اللّه تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللّه أو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيَّاً مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (1)، أي: هو اللّه وهو الرحمن.)وقال في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ هُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَن قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ، أي: لا نعرفه، ولا نقرّ به..)(أَنَسْجُدُ مَا تَأْمُرُنَا، أي: لمجرد قولك ﴿وَزَادَهُمْ نُفُوراً)..)فأما المؤمنون، فإنّهم يعبدون اللّه الذي هو الرحمن الرحيم، ويفردونه بالإلهيّة، ويسجدون له، وقد اتفق العلماء رحمهم اللّه على أن هذه السجدة التي في الفرقان مشروع السجود عندها لقارئها ومستمعها، كما هو مقرر في موضعه، واللّه سبحانه وتعالى أعلم» (2.)قال الدكتور عمر بن عبد اللّه كامل (3: «إنّ الإله الحق هو الرب الحق، والإله الباطل هو الرب الباطل، ولا يستحق العبادة والتأليه إلا من كان ربّاً، ولا معنى لأن نعبد من لا نعتقد فيه أنه رب ينفع ويضر، فهذا مرتب على ذلك.واللّه تعالى هو الرب، والرب هو الإله، فهما متلازمان يقع كلّ منهما موضع الآخر في الكتاب والسنّة، وكلام علماء الإسلام..وقد أومأ القرآن الكريم والسنّة المستفيضة إلى تلازم توحيد الربوبيّة


1) سورة الإسراء: 110.

2) تفسير القرآن العظيم 3: 336.

3) كاتب ومفكر إسلامي سعودي معاصر، له عدّة مؤلّفات في الدراسات الإسلاميّة.)راجع موقعه على النت: okamel.com

والألوهيّة؛ قال تعالى: ﴿أَلَا يَسْجُدُوا للّه الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (1).. فهو يشير إلى أنه لا ينبغي السجود إلا لمن ثبت اقتداره التام، ولا معنى لأن نسجد لغيره..

وقال تعالى: وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنبيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ(2)، فصرّح بتعدد الأرباب عند المشركين.

وعلى الرغم من تصريح القرآن بأنهم جعلوا الملائكة أرباباً، فإن أصحاب بدعة تقسيم التوحيد يقولون: إن المشركين موحدون توحيد الربوبيّة، وليس عندهم إلا رب واحد، وإنّما أشركوا في توحيد الألوهيّة..

وانظر إلى قول الكفار يوم القيامة: تَاللّه إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (3)، أي: في جعلكم أرباباً، كما هو ظاهر» (4).)


1) سورة النمل: 25.

2) سورة آل عمران : 80.

3) سورة الشعراء : 97 و 98.

4) بيان خطأ التقسيم الثلاثي للتوحيد: 8.

##### حقيقة إقرار المشركين بالربوبيّة###### الرأي الأول: إنه جواب الفطرةيرى أصحاب هذا الرأي: أن الإقرار المذكور في الآية ليس اعتقاداً للمشركين، وإنّما هو إقرار بلسان الفطرة، أو لوضوحه للعقل وضوحاً لا يمكن معه الإنكار، أو هو معلّق على الإنصاف.* قال القرطبي (671هـ في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّه فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (1)«...، فسيقولون: هو اللّه إن فكروا، وأنصفوا» (2).)* وقال ابن عطية (542هـ : «لا مندوحة لهم عن ذلك، ولا تمكنهم المباهتة بسواه» (3).)* وقال البيضاوي (691هـ: «إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك؛ لفرط وضوحه»..)


1) سورة يونس 31.

2) تفسير القرطبي 8: 247.

3) المحرر الوجيز 9: 38.

وقال في تفسير قوله تعالى في سورة المؤمنون: (سَيَقُولُونَ اللّه قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ....، سَيَقُولُونَ اللّه قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ....، سَيَقُولُونَ اللّه قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ:«لأن العقل الصريح قد اضطرهم بأدنى نظر إلى الإقرار بأنه خالقها» (1).) وكرر الثعالبي (876هـ قول ابن عطية بشأن قوله تعالى في سورة يونس (فَسَيَقُولُونَ اللّه) قائلاً: «أي: لامندوحة لهم عن ذلك، ولا تمكنهم المباهتة بسواه»..)وقال في تفسير آيات سورة المؤمنون: «أمر اللّه تعالى نبيه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم بتوقيفهم على هذه الأشياء التي لا يمكنهم إلا الإقرار بها، ويلزم من الإقرار بها توحيد اللّه» (2).) وقال الشوكاني (1250هـ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللّه)، في سورة يونس: «أي: سيكون قولهم في جواب هذا الاستفهام: إن الفاعل لهذه الأمور هو اللّه سبحانه، إن أنصفوا وعملوا ما يوجبه الفكر الصحيح، والعقل السليم»..)وقال بشأن آيات سورة المؤمنون: «أي: لا بد لهم أن يقولوا ذلك؛ لأنه معلوم ببديهة العقل» (3.)


1) أنوار التنزيل 1 : 434، 2: 110.

2) الجواهر الحسان في تفسير القرآن 2: 96، 431.

3) فتح القدير 2: 504، 3: 586.

###### الرأي الثاني: إنّه إقرار بالربوبيّة دون التوحيد بذلكوهذا ما قرره الطباطبائي (رَحمهُ اللّه في تفسيره لآيات سورة يونس، حينما عدّ إقرارهم بأنّ اللّه هو المدبّر، إقراراً حقيقياً باعتبار عدم تنافيه في نظرهم مع تدبير الآلهة الصغيرة لبعض شؤون الكون..)قال الطباطبائي: «فالحجة الأُولى تسلك من الطريق الذي يعتبره الوثنيون وعبدة الأصنام، فإنّهم إنّما يعبدون أرباب الأصنام بأصنامهم من جهة تدبيرهم للكون.... فاللّه سبحانه يلقن نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ الحجّة على توحيده بالربوبيّة، فأمر بقوله: (قُلْ) أن يقول لهم في سياق الاستفهام: ﴿مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ.... فَسَيَقُولُونَ اللّه)، اعترافاً بأنه الذي ينتهي إليه جميع هذه التدبيرات في الإنسان وغيره؛ لأن الوثنيين يعتقدون ذلك» (1).)##### الإشكال الثاني: تفسير الألوهيّة بالعبادةاستعمل ابن تيميّة لفظ الألوهيّة في كلامه عن التوحيد مراراً وتكراراً، وقد أخطأ في هذا الاستعمال عندما أراد به اتصاف الرب بكونه إلهاً في نفسه.فالصحيح أن يقول: «الإلهيّة»، بدلاً عن «الألوهيّة»؛ التي هي من لوازم الربوبيّة. وفسر ابن تيميّة الألوهيّة بالعبادة في أكثر كتبه معتقداً الترادف بين لفظ الإله ولفظ المعبود، لكنه أخطأ أيضاً؛ لأنّ المعبوديّة هي لازم الإله، وليست معناه البدوي، ولو كان المقصود من الإله: «المعبود»، لكانت كلمة «لا إله


1) الميزان في تفسير القرآن 11: 47.

إلا اللّه» كذباً صراحاً؛ لبداهة وجود آلاف المعبودات في الدنيا غير اللّه تعالى، ولكانت مجموعة من آيات الكتاب باطلة، وناقضة للغرض..مثل: قوله تعالى : (لو كَانَ فِيهِمَا آلهةٌ إلا اللّه لَفَسَدَتَا (1)، وقوله عزّ وجلّ: (مَا اتَّخَذَ اللّه مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهِ إِذا لَذَهَبَ كلّ إِلَهِ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض) (2)، وقوله عزّ من قائل: (قُل لو كَانَ مَعَهُ آهِةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذا لَّا بْتَغَوا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً) (3)، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّه حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لو كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلِّ فِيهَا خَالِدُونَ) (4)،.. وغيرها كثير.)الأسئلة :* ما هي النتيجة المترتبة على القسمة الثلاثية للتوحيد عند ابن تيميّة، غير تكفير عامة المسلمين، لا سيّما من يعتقد بالتوسل بالأنبياء والأولياء ؟* هل يصحّ أخذ ابن تيميّة بمعنى واحد من المعاني اللغوية للفظ الربّ، دون الالتفات إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة؛ التي تنفي ذلك وتثبت غيره ؟


1) سورة الأنبياء: 22.

2) سورة المؤمنون: 91.

3) سورة الإسراء: 42.

4) سورة الأنبياء: 98 و 99.

* كيف يصحّ القول بأن المشركين كان لهم حظ من التوحيد في الربوبيّة؛ وفي الواقع أنهم كانوا لا يقولون (لا إله إلا اللّه، ولا يؤمنون بيوم القيامة، ولا البعث ولا الجنّة، ولا النار، وكانوا لا يؤمنون بأي نبي، ويعبدون الأصنام، (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةٌ) (1)؟)

• كيف يتساوى من يؤمن بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) نبياً ورسولاً، مع من يكذبه، ويظنّه ساحراً، أو كاهناً.. ومن يؤمن باليوم الآخر، والجنّة، والنار، مع من يقول: (إنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (2).. ومن قال: (لا إله إلّا اللّه)، مع من قال : (أَجَعَلَ الْآيَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٍ عُجَابٌ) (3)؟

* ما الدليل على صدق اعترافات المشركين وعدم كونها من بـاب الإفحام والانقطاع (4؟)* ما الدليل على عدم صحّة حمل إجابات المشركين على بيان ما خالفوه من نداء فطرتهم بشأن التوحيد؟ألا يدلّ قوله تعالى للمشركين: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّه أَوْثَانَاً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّه لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللّه الرِّزْقَ


1) سورة الأنفال: 35.

2) سورة المؤمنون: 37.

3) سورة ص: 5.

4) إشارة الى الآية 25 من سورة لقمان، وأمثالها.

وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (1)، على عدم اعتقادهم بانحصار الرازقية في اللّه سبحانه؟)* لماذا قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ لهؤلاء المشركين: ﴿أَغَيْرَ اللّه أَبْغِي رَبِّاً وهو رَبُّ كلّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كلّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فينبئكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (2)؟)* ماذا يصنع أتباع ابن تيميّة بالآيات النافية لاعتقاد مشركي قريش بتوحيد الخالقية؛ وهي من لوازم التوحيد في الربوبيّة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللّه قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا للّه شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّه خَالِقُ كلّ شَيْءٍ وَهو الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (3)...)وقوله عزّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَل فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّه لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلو اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمُطْلُوبُ (4)..)


1) سورة العنكبوت: 17.

2) سورة الأنعام: 164.

3) سورة الرعد: 16.

4) سورة الحج: 73.

وقوله سبحانه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كلّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللّه رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (1)؟)* لماذا لم ينطق المشركون بالشهادتين، ويلتزموا بلوازم اعترافاتهم (2من ممارسة العبادات والالتزام بالأحكام، إن كانوا صادقين؟)***### الملاحظة الثالثة: بطلان دعوى اتفاق أهل السنّة على التقسيمادعى أتباع ابن تيميّة ومحمّد عبد الوهاب اتفاق علماء أهل السنّة على التقسيم الثلاثي المذكور (3كما قال عبد الرحيم بن صمايل العلياني السلمي (4): «... وهذه المعاني، أي: أقسام التوحيد، متفق على حقيقتها عند أهل السنّة والجماعة، وأدلتها مستفيضة في القرآن، والسنّة، وحياة الرسول (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم العملية» (5).)


1) سورة فاطر: 13.

2) إشارة الى الآية 25 من سورة لقمان، وأمثالها.

3) راجع مزاعم الاتفاق في دعاوى الإجماع عند المتكلمين في أصول الدين: 297.

4) عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة والأديان والمذاهب المعاصرة بجامعة أم القرى.)راجع: 4280114/uqu.edu.sa/staff/ar

5) حقيقة التوحيد بين أهل السنّة والمتكلمين : 87.

وقال عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر (1: «إن الأدلّة من الكتاب والسنّة على هذا التقسيم كثيرة لا تحصر، يعرفها من لديه أدنى إلمام بنصوص الكتاب والسنّة» (2.)وفي المقابل أنكر كثير من العلماء هذا التقسيم وعدوه مخالفاً لمعتقد أهل السنّة والجماعة، فضلاً عن اتفاقهم عليه.


1) عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلاميّة في المدينة المنوّرة.)راجع: al- badr.net :

2) القول السديد في الردّ على من أنكر تقسيم التوحيد:13.

### كلمة العلامة يوسف الدجوي المالكي في الردّ على التقسيم التيموي للتوحيدقال العلامة يوسف الدجوي المالكي (1: «جاء تنا رسائل كثيرة يسأل مرسلوها عن توحيد الألوهيّة، وتوحيد الربوبيّة، ما معناهما؟ وما الذي يترتب عليهما ؟ ومن ذا الذي فرّق بينهما ؟ وما هو البرهان على صحّة ذلك أو بطلانه؟فنقول وباللّه التوفيق: إنّ صاحب هذا الرأي هو: ابن تيميّة، (الذي شاد بذكره، قال: إن الرسل لم يُبعثوا إلا لتوحيد الألوهيّة، وهو: إفراد اللّه بالعبادة.. وأمّا توحيد الربوبيّة، وهو: اعتقاد أنّ اللّه رب العالمين، المتصرف في أمورهم، فلم يخالف فيه أحدٌ من المشركين والمسلمين، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّه) (2).)


1) يوسف بن أحمد بن نصر بن سويلم الدجوي (1365هـ) ؛ قال العلامة محمّد زاهد الكوثري في ترجمته: «... العلامة الأوحد، والنحرير المفرد...آية في الذكاء، وسرعة الخاطر، وجودة البيان، وقوة الذاكرة، وسعة العلم، يحضر حلقات دروسه في الأزهر مئات تناهز الألف العلماء من وطلبة العلوم، ويصغون إصغاء كلياً إلى بيانه الساحر، وإلقائه الجذاب، وينهلون من هذا المنهل العذب، وكان هو مفسّر الأزهر، ومحدثه، وفيلسوفه، وكاتبه، وخطيبه بحق بين أهل طبقته من العلماء، وكان موضع ثقة الجماهير من الشعوب الإسلاميّة في شتى الأقطار؛ اعترافاً منهم بسعة علمه، وعظم إخلاصه، وبالغ ورعه».)الأعلام 8: 216.

2) سورة الزمر: 38.

ثم قالوا: إن الذين يتوسلون بالأنبياء، والأولياء، ويتشفّعون بهم، وينادونهم عند الشدائد، هم عابدون لهم، قد كفروا باعتقادهم الربوبيّة في تلك الأوثان، والملائكة، والمسيح، سواء بسواء؛ فإنهم لم يكفروا باعتقادهم الربوبيّة في تلك الأوثان وما معها، بل بتركهم توحيد الألوهيّة بعبادتها..وهذا ينطبق على زوّار القبور، المتوسلين بالأولياء، المنادين لهم، المستغيثين بهم الطالبين منهم ما لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى..بل قال محمّد بن عبد الوهاب: إن كفرهم أشنع من كفر عباد الأوثان ! وإن شئت ذكرت لك عبارته المحزنة الجريئة..فهذا ملخص مذهبهم مع الإيضاح، وفيه عدّة دعاوى، فلنعرض لها على سبيل الاختصار، ولنجعل الكلام في مقامين، فنتحاكم إلى العقل، ثمّ نتحاكم إلى النقل.فنقول: قولهم: إن التوحيد ينقسم إلى: توحيد الربوبيّة، وتوحيد الألوهيّة، تقسيم غير معروف لأحد قبل ابن تيميّة، وغير معقول أيضاً، كما ستعرفه.. وما كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم يقول لأحد دخل في الإسلام: إن هناك توحيدين، وإنك لا تكون مسلماً حتّى توحد توحيد الألوهيّة..)ولا أشار إلى ذلك بكلمة واحدة، ولا شمع ذلك عن أحد من السلف، الذين يتبجحون باتباعهم في كلّ شيء.ولا معنى لهذا التقسيم، فإنّ الإله الحق هو الربّ الحق، والإله الباطل هو الربّ الباطل، ولا يستحق العبادة والتأليه إلا من كان ربّاً، ولا معنى لأن نعبد

من لا نعتقد فيه أنه رب ينفع ويضر، فهذا مرتب على ذلك كما قال تعالى: (رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيا (1).)فرتب العبادة على الربوبيّة، فإننا إذا لم نعتقد أنه رب ينفع ويضر، فلا معنى لأن نعبده - كما قلنا -...ويقول تعالى: أَلَّا يَسْجُدُوا للّه الَّذِي يُخْرِجُ الحبة في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (2).. يشير إلى أنه لا ينبغي السجود إلا لمن ثبت اقتداره التام، ولا معنى لأن نسجد لغيره، هذا هو المعقول، ويدل عليه القرآن والسنّة..)أما القرآن، فقد قال: ﴿ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا المَلَائِكَةَ وَالنبيِّينَ أَرْبَاباً (3)، فصرح بتعدد الأرباب عندهم، وعلى الرغم من تصريح القرآن بأنهم جعلوا الملائكة أرباباً؛ يقول ابن تيميّة ومحمّد بن عبد الوهاب: إنهم موحدون توحيد الربوبيّة، وليس عندهم إلا رب واحد، وإنّما أشركوا في توحيد الألوهيّة... ويقول يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ) لصاحبي السجن ؛ وهو يدعوهما إلى التوحيد: (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّه الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (4)، ويقول اللّه تعالى أيضاً: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرَّحْمَن قُل هو رَبِّي(5).. وأما هم فلم يجعلوه رباً.)


1) سورة مريم: 65.

2) سورة النمل: 25.

3) سورة آل عمران: 80.

4) سورة يوسف: 39.

5) سورة الرعد: 30.

ومثل ذلك قوله تعالى: (لَكِنَّا هو اللّه رَبِّي (1)، خطاباً لمن أنكر ربوبيته تعالى..)وانظر إلى قولهم يوم القيامة: (تَاللّه إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (2)، أي: في جعلكم أرباباً - كما هو ظاهر - وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ هُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا..) (3)..)فهل ترى صاحب هذا الكلام موحداً أو معترفاً؟ثم انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّه (4)، إلى غير ذلك.. وهو كثير لا نطيل بذكره..)فإذاً ليس عند هؤلاء الكفار توحيد الربوبيّة كما قال ابن تيميّة.. وما كان يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ يدعوهم إلا إلى توحيد الربوبيّة؛ لأنه ليس هناك شيء يسمّى توحيد الربوبيّة، وشيء آخر يسمّى توحيد الألوهيّة عند يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهل هم أعرف بالتوحيد منه ؛ ويجعلونه مخطئاً فى التعبير بالأرباب دون الآلهة؟)ويقول اللّه في أخذ الميثاق : ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى (5)، فلو كان الإقرار بالربوبيّة غير كاف، وكان متحققاً عند المشركين ولكنه لا ينفعهم كما)


1) سورة الكهف: 38.

2) سورة الشعراء: 97 و 98.

3) سورة الفرقان: 60.

4) سورة الرعد: 13.

5) سورة الاعراف: 172.

يقول ابن تيميّة؛ ما صح أن يؤخذ عليهم الميثاق بهذا، ولا صح أن يقولوا يوم القيامة: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هذَا غَافِلِينَ (1)، وكان الواجب أن يغير اللّه [سبحانه ] عبارة الميثاق إلى ما يوجب اعترافهم بتوحيد الألوهيّة؛ حيث أن توحيد الربوبيّة غير كاف كما يقول هؤلاء.. إلى آخر ما يمكننا أن نتوسع فيه، وهو لا يخفى عليك.. وعلى كلّ حال، فقد اكتفى منهم بتوحيد الربوبيّة، ولو لم يكونا متلازمين، لطلب إقرارهم بتوحيد الألوهيّة أيضاً.)ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَهو الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَاهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلاهُ (2)، فإنّه إله في الأرض، ولو لم يكن فيها من يعبده، كما في آخر الزمان.)فإن قالوا: إنه معبود فيها، أي: مستحق للعبادة..قلنا: إذن لا فرق بين الإله والرب، فإنّ المستحق للعبادة هو الرب لا غير، [و] ما كانت محاورة فرعون لموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ إلا في الربوبيّة؛ وقد قال: (أنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) (3)، ثم قال: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَها غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ) (4)، ولا داعي للتطويل في هذا.)وأما السنّة فسؤال الملكين للميت عن ربه، لا عن إلهه؛ لأنهم لا يفرقون بين الربّ والإله، فإنّهم ليسوا بتيميين، ولا متخبطين..


1) سورة الاعراف: 172.

2) سورة الزخرف: 84.

3) سورة النازعات: 24.

4) سورة الشعراء: 29.

وكان الواجب على مذهب هؤلاء أن يقولوا للميت: من إلهك، لا: من ربّك؟ أو يسألوه عن هذا وذاك.وأما قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّه، فهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، إجابة لحكم الوقت، مضطرين لذلك بالحجج القاطعات، والآيات البينات، ولعلّهم نطقوا بما لا يكاد يستقر في قلوبهم، أو يصل إلى نفوسهم..)بدليل أنهم يقرنون ذلك القول بما يدلّ على كذبهم، وأنهم ينسبون الضر والنفع إلى غيره، وبدليل أنهم يجهلون اللّه تمام الجهل، ويقدمون غيره عليه، حتّى في صغائر الأمور.وإن شئت فانظر إلى قولهم لهود (عليه السلام: ﴿وَإِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آهلتنا بسُوءٍ) (1).)فكيف يقول ابن تيميّة: إنّهم معتقدون أن الأصنام لا تضر ولا تنفع.. إلى آخر ما يقول؟ثم انظر بعد ذلك في زرعهم وأنعامهم: هذَا للّه بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَاتِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللّه وَمَا كَانَ للّه فَهو يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ (2)، فإنّهم قدموا شركاءهم على اللّه تعالى في أصغر الأمور وأحقرها.)


1) سورة هود: 54.

2) سورة الأنعام: 136.

وقال تعالى في بيان اعتقادهم في الأصنام: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ (1)، فذكر أنهم يعتقدون أنهم شركاء فيهم، ومن ذلك قول أبي سفيان يوم أحد أعل هُبَل»، فأجابه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بقوله: «اللّه أعلى وأجلّ».)فانظر إلى هذا ثم قل لي ماذا ترى في ذلك من التوحيد الذي ينسبه إليهم ابن تيميّة ويقول: إنهم فيه مثل المسلمين، سواء بسواء، وإنما افترقوا بتوحيد الألوهيّة؟وأدل من ذلك كله قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّه فَيَسُبُّوا اللّه عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ (2)، إلى غير ذلك ممّا يطول شرحه..)فهل ترى لهم توحيداً بعد ذلك يصحّ أن يقال فيه إنه عقيدة؟أما التيميون فيقولون بعد هذا كله إنهم موحدون توحيد الربوبيّة، وإنّ الرسل لم يقاتلوهم إلا على توحيد الألوهيّة الذي لم يكفروا إلا بتركه!ولا أدري ما معنى هذا الحصر، مع أنهم كذبوا الأنبياء، وردوا ما أنزل عليهم، واستحلوا المحرمات، وأنكروا البعث، واليوم الآخر، وزعموا أن اللّه صاحبة وولداً، وأن الملائكة بنات اللّه (أَلا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللّه وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (3)؟!)


1) سورة الأنعام: 94.

2) سورة الأنعام: 108.

3) سورة الصافات: 151 و 152.

وذلك كله لم يقاتلهم عليه الرسل - في رأي هؤلاء - وإنّما قاتلوهم على عدم توحيد الألوهيّة - كما يزعمون - وهم بعد ذلك مثل المسلمين سواء بسواء!أو المسلمون أكفر منهم في رأي ابن عبد الوهاب..» (1.)


1) مجلة نور الإسلام - تصدرها مشيخة الأزهر – (ربيع الثاني سنة 1352 هـ): 255، نقد تقسيم التوحيد إلى ألوهيّة وربوبيّة - فضيلة العلامة يوسف الدجوي الأزهري.

### فتوى شيخ الأزهر ببطلان رأي ابن تيميّة في أقسام التوحيدنصّ الفتوى: «اطّلعنا على الطلب المقيد برقم 184 لسنة 2007م، والمتضمّن:السؤال: هناك شاب في إحدى قرى محافظة البحيرة، يقوم بتكفير كلّ أهل القرية، بحجة أنهم يتوسلون بالنبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم في الدعاء إلى اللّه تعالى، ويتبركون بزيارة مقام سيّدنا الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويدعي أن كلّ مَن يفعل ذلك يكون من المشركين الذين كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبيّة، ولا يؤمنون بتوحيد الألوهيّة، فهل هناك أنواع للتوحيد؟)وهل كان المشركون مُقرين بتوحيد الربوبيّة؟الجواب لفضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمّد (1:)يجب على المسلم أن يحذر من المجازفة في التكفير؛ حتّى لا يقع تحت طائلة الوعيد المذكور في قول النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: لا يَرمي رَجُلٌ رَجُلاً بالفسق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك». رواه البخاري من حديث أبي ذر..)وقوله (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: «إذا كَفَّر الرَّجُل أخاه فقد باء بها)


1) راجع موقعه على النت: alimamalallama.com

أحَدُهما». رواه مسلم من حديث عبد اللّه بن عمر..وقوله (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: «لَعنُ المُؤمن كقتله، ومَن رَمى مؤمناً بكفر فهو كقتله». رواه البخاري من حديث ثابت بن الضحاك.)وتقسيم التوحيد إلى ألوهيّة وربوبيّة، هو من التقسيمات المحدثات، التي لم ترد عن السلف الصالح، وأوّل من أحدثها – على ما هو المشهور – هو الشيخ ابن تيميّة، ثم أخذه عنه من تكلّم به بعد ذلك..وحاصل قوله في ذلك: أن الربوبيّة هي توحيد اللّه بأفعاله، والألوهيّة هي توحيد اللّه بأفعال العباد، وأنهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، أي: إنّ أحدهما يتضمن الآخر عند الانفراد، ويختص بمعناه عند الاقتران؛ فالألوهيّة تتضمن الربوبيّة، والربوبيّة تستلزم الإلهيّة، وهذا الكلام إلى هذا القدر لا إشكال فيه، إلا أنه تجاوزه إلى الزعم بأن هذا التوحيد وحده لا يكفي في الإيمان، وأن المشركين مقرون بتوحيد الربوبيّة، وأن كثيراً من طوائف الأمة - من المتكلمين وغيرهم - قد اقتصروا عليه، وأهملوا توحيد الألوهيّة.والقول بأن توحيد الربوبيّة لا يكفي وحده في الإيمان هو قول مبتدع، مخالف لإجماع المسلمين قبل ابن تيميّة، بل ومخالف لكلامه نفسه من أن توحيد الألوهيّة متضمن لتوحيد الربوبيّة، وأن توحيد الربوبيّة مستلزم لتوحيد الألوهيّة؛ فإن بطلان اللازم يدلّ على بطلان الملزوم، فإذا لم يكن المشركون مُقرِّين بتوحيد الألوهيّة فلا يصحّ الزعم بعد ذلك أنهم كانوا مقرين بتوحيد الربوبيّة؛ ضرورة انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم، وإذا صح إقرار

المسلمين بتوحيد الربوبيّة فلا يجوز أن يُدعى أنهم لا يؤمنون بتوحيد الألوهيّة؛ لأن الفرض أنهما متلازمان، فكيف يثبت الملزوم مع انتفاء اللازم؟وقد تصدى أهل العلم لردّ هذا القول وبينوا فساده، وأنه قول باطل لا دليل عليه، وأن كلّ أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم...» (1).)السؤال :* كيف يدعي أتباع الحراني اتفاق علماء أهل السنّة مع ابن تيميّة بشأن تقسيم مفهوم التوحيد؛ بعد أن أثبتنا بطلان ذلك من خلال مراجعة كلامهم؟


1) الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد : 18، وراجع: موقع دار الافتاء: .dar-alifta.org/ViewFatwa.aspx?ID=3748)رقم تسلسل الفتوى: (3748 تحت عنوان: تقسيم التوحيد وحكم تكفير المسلمين. تأريخ الإجابة: 2007/02/03.

### معتقد ابن تيميّة في التجسيملم يقرر ابن تيميّة القاعدة التي تبنّاها في مسائل الأسماء والصفات، واكتفى بذكر المدعى والمؤيدات في كتبه من دون بيان الأدلّة، ولم يطبق رأيه في هذه المفاهيم على كثير ممّا أطلق على اللّه تعالى في الكتاب والسنّة؛ مثل: صفة «النسيان»، الواردة في قوله تعالى: (نَسُوا اللّه فَنَسِيَهُمْ (1)..)وكذلك الصفات الواردة في الأحاديث من طرق أهل السنّة؛ مثل: «الهرولة»، و«الضحك»، و«المرض»، و«الجوع»، للّه سبحانه – وإن أثبتها بعض من ينتسب إليه – وذلك يوضح جلياً اعتقاده أن هذه الإطلاقات إنما وردت على سبيل المجاز، لا على سبيل الحقيقة لاعتقاده استحالة ثبوت هذه الأمور اللّه تعالى على سبيل الحقيقة، وإن كان يصرّ على نفي المجاز في كلامه دائماً.وصرّح ابن تيميّة في مؤلّفاته بثبوت صفات لم ترد في الكتاب ولا في السنّة، مثل: «الحد»، و«الوزن»، و«الجهة»، و«المكان»، و«الصورة»، و«الجسمانية»..وتطرق إلى إثبات أمور ورد إطلاقها على اللّه تعالى في الكتاب والسنّة


1) سورة التوبة : 67.

مجازاً، أو كناية، فأثبتها على سبيل الحقيقة، وأدّى به ذلك إلى التشبيه الصريح.وقد حاول بعض أتباع ابن تيميّة أن يوهموا الآخرين بأنه كان في زمانه رافعاً لرآية التوحيد الحق، وأنه كان إماماً لأهل السنّة والجماعة، وأن هناك افتراءات من قبل الشيعة وغيرهم، وجهت له ؛ ومنها: نسبة القول له بالتجسيم..لكننا عندما نرجع إلى مؤلّفات ابن تيميّة، ومن نقل عنه، نجد أنه كان معتقداً بالتجسيم حقيقة، وسُجن بسبب ذلك.. وقد بين الحراني اعتقاده بالتجسيم صريحاً في مواضع عديدة ؛ نذكر بعضها:(1 قال ابن تيميّة في (منهاج السنّة): «قد يُراد بالجسم ما يشار إليه أو ما يُرى، أو ما تقوم به الصفات، واللّه تعالى يرى في الآخرة، وتقوم به الصفات، ويشير إليه الناس عند الدعاء بأيديهم، وقلوبهم، ووجوههم، وأعينهم، فإن أراد [أي: العلامة الحلي (قدّس سِرُّه)] بقوله: (ليس بجسم)، هذا المعنى، قيل له هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ، معنى ثابت بصحيح المنقول، وصريح المعقول، وأنت لم تقيّد دليلاً على نفيه» (1).)(2 وقال: «... وأما ما ذكره [ أي: العلامة الحلي (قدّس سِرُّه)] من لفظ الجسم، وما يتبع ذلك، فإنّ هذا اللفظ لم يُنطق به في صفات اللّه، لا كتاب ولا سُنّة، لا نفياً ولا إثباتاً، ولا تكلّم به أحد [من ] الصحابة والتابعين وتابعيهم، لا أهل البيت، ولا غيرهم» (2).)


1) منهاج السنّة 2: 134.

2) المصدر السابق 2: 192.

(3 وقال: «...، وأمّا القول الثالث - وهو القول الثابت عن أئمة السنّة المحضة، كالإمام أحمد وذويه - فلا يطلقون لفظ الجسم لا نفياً ولا إثباتاً، لوجهين: أحدهما: أنه ليس مأثوراً لا في كتاب ولا سُنّة، ولا أثر عن أحد من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، ولا غيرهم من أئمة المسلمين، فصار من البدع المذمومة» (1).)(4 قال في (شرح حديث النزول): «... فمن قال: إن اللّه جسم، وأراد بالجسم هذا المركب، فهو مخطئ، ومن قصد نفي هذا التركيب عن اللّه: فقد أصاب في نفيه عن اللّه»(2).)(5 وقال: «...، وأمّا الشرع فمعلوم أنه لم ينقل عن أحد من الأنبياء، ولا الصحابة، ولا التابعين، ولا سلف الأمة؛ أن اللّه جسم، أو أن اللّه ليس بجسم، بل النفي والإثبات بدعة في الشرع» (3).)(6 قال في (بيان تلبيس الجهميّة): «إن لفظ الجسم والعرض والمتحيّز ونحو ذلك، ألفاظ اصطلاحيّة، وقد قدمنا غير مرة أن السلف والأئمّة لم يتكلّموا في ذلك بحق اللّه، لا بنفي ولا بإثبات، بل بدعوا أهل الكلام بذلك، وذمّوهم غاية الذم، والمتكلمون بذلك من النفاة أشهر..)ولم يذم أحد من السلف أحداً بأنه مجسم، ولا ذم المجسمة، وإنما


1) المصدر السابق 2: 224.

2) شرح حديث النزول : 237.

3) المصدر السابق : 80.

ذمّوا الجهميّة النفاة لذلك، وغيره، وذمّوا أيضاً المشبهة الذين يقولون: صفاته كصفات المخلوقين..ومن أسباب ذمّهم للفظ الجسم، والعرض، ونحو ذلك، ما في هذه الألفاظ من الاشتباه، ولبس الحق، كما قال الإمام أحمد: يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يشبهون عليهم.وإنّما النزاع المحقق أن السلف والأئمّة آمنوا بأن اللّه موصوف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله من أن له علماً، وقدرة، وسمعاً، وبصراً، ويدين، ووجهاً، وغير ذلك، والجهميّة أنكرت ذلك من المعتزلة وغيرهم.ثم المتكلمون من أهل الإثبات لما ناظروا المعتزلة تنازعوا في الألفاظ الاصطلاحية، فقال قوم: العلم والقدرة ونحوهما، لا تكون إلا عرضاً وصفة حيث كان، فعلم اللّه وقدرته عرض..وقالوا أيضاً: إنّ اليد والوجه لا تكون إلا جسماً، فيد اللّه ووجهه كذلك، والموصوف بهذه الصفات لا يكون إلا جسماً، فاللّه تعالى جسم لا كالأجسام. قالوا: هذا ممّا لا يمكن النزاع فيه، إذا فهم المعنى المراد بذلك..لكن أي محذور في ذلك؟ وليس في كتاب اللّه، ولا سُنّة رسوله، ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها أنه ليس بجسم، وأن صفاته ليست أجساماً وأعراضاً، فنفي المعاني الثابتة بالشرع والعقل بنفي ألفاظ لم ينف معناها شرع ولا عقل، جهل وضلال» (1.)


1) بیان تلبيس الجهميّة 1: 372.

(7 وقال: «إن أردت أنهم وصفوه بالصفات الخبرية، مثل: الوجه واليد، وذلك يقتضي التجزئة والتبعيض، أو أنهم وصفوه بما يقتضي أن يكون جسماً، والجسم متبعض ومتجزئ، وإن لم يقولوا: هو جسم.. فيقال لهم: لا اختصاص للحنابلة بذلك، بل هو مذهب جماهير أهل الإسلام، بل وسائر الملل وسلف الأمة وأئمتها» (1).)(8 وقال:.... ومعلوم أن كون البارئ ليس جسماً، ليس هو ممّا تعرفه الفطرة بالبديهة، ولا بمقدمات قريبة من الفطرة، ولا بمقدمات بينة في الفطرة، بل بمقدّمات فيها خفاء وطول وليست مقدمات بيّنة، ولا متفقاً على قبولها بين العقلاء...)ويقولون: بل قامت القواطع العقليّة على نقيض هذا المطلوب، وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسماً، وما لا يكون جسماً لا يكون إلا معدوماً، ومن المعلوم أن هذا أقرب إلى الفطرة والعقول من الأول الذي هو نفي الجسميّة» (2.)(9 وقال: «من المعلوم أن طوائف كثيرة من المسلمين، وسائر أهل الملل، لا يقولون بحدوث كلّ جسم؛ اذ الجسم عندهم هو: القائم بنفسه، أو الموجود أو الموصوف، فالقول بحدوث ذلك يستلزم القول بحدوث كلّ موجود، وموصوف، وقائم، وذلك يستلزم بأن اللّه محدث.)فأقول: إذا كانت هذه الحجّة التي عارضتموني بها مستلزمة لكون


1) المصدر السابق 1: 251.

2) المصدر السابق 1: 359.

بعض الأجسام قديمة، من غير أن تعيّن جسماً، أمكن أن يكون ذلك الذي يعنونه بأنه الجسم القديم هو اللّه سبحانه، كما يقوله المثبتون...» (1.)(10 قال في (مجموع الفتاوى): «...، ثم لفظ التجسيم لا يوجد في كلام أحد من السلف، لا نفياً ولا إثباتاً، فكيف يحل أن يقال: مذهب السلف نفي التجسيم أو إثباته؟» (2).)(11 قال في (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) (3): وكذلك قوله: ﴿وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (4)، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) (5)، ونحو ذلك، فإنه لا يدل على نفي الصفات بوجه من الوجوه، بل ولا على نفي ما يسمّيه أهل الاصطلاح جسماً، بوجه من الوجوه» (6).)(12 وقال: «وأما ذكر التجسيم وذمّ المجسّمة، فهذا لا يُعرف في كلام أحد من السلف والأئمّة، كما لا يعرف في كلامهم أيضاً القول بأن اللّه جسم أو ليس بجسم» (7).)(13 وقال: «... وإن قال لكم [الخصم في النقاش]: (فليكن هذا لازماً)


1) المصدر السابق 1: 399.

2) مجموع الفتاوى 4: 152.

3) المعروف بـ : درء تعارض العقل والنقل.

4) سورة الشورى: 11.

5) سورة مريم: 65.

6) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1: 100.

7) المصدر السابق 1: 189.

للرؤية، وليكن هو جسماً، أو قال لكم: (...، أنا أقول: إنه جسم)، لم يكن لكم أن تقولوا له: (أنت مبتدع في إثبات الجسمية)؛ فإنه يقول لكم: (وأنتم مبتدعون في نفيه).. فالبدعة في نفيه كالبدعة في إثباته، إن لم تكن أعظم، بل النافي أحق بالبدعة من المثبت؛ لأن المثبت أثبت ما أثبتته النصوص، وذكر هذا معاضدة للنصوص، وتأييداً لها، وموافقة لها...)فإن قدر أنه ابتدع في ذلك، كانت بدعته أخف من بدعة من نفى ذلك نفياً عارض به النصوص.... قال الشافعي: البدعة بدعتان: بدعة خالفت كتاباً، أو سُنّة، أو إجماعاً، أو أثراً عن بعض أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، فهذه بدعة ضلالة.. وبدعة لم تخالف شيئاً من ذلك، فهذه قد تكون حسنة، لقولة عمر : (نعمت البدعة هذه. هذا الكلام ونحوه رواه البيهقي بإسناده الصحيح في المدخل...)إن ظواهر النصوص تجسيم عندهم [أي نفاة الجسمانية]، وليس عندهم بالنفي نص، فهم معترفون بأن قولهم بدعة، وقول منازعيهم [أي: المجسمة] أقرب إلى السنّة» (1.)(14 قال أبو الفداء (732هـ) في (المختصر في أخبار البشر): «فيها [أي: في سنة 706هـ ] استدعي تقي الدين أحمد بن تيميّة في دمشق إلى مصر، وعقد له مجلس، وأمسك وأودع الاعتقال بسبب عقيدته؛ فإنّه كان يقول بالتجسيم» (2).)


1) المصدر السابق 1: 248.

2) المختصر في أخبار البشر 2: 392.

(15 هاجم ابن حجر الهيتمي المكي (974هـ) في مقدمة كتابه (الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرّم) ابن تيميّة لأجل قوله بالتجسيم؛ قائلا: «من هو ابن تيميّة حتّى يُنظر إليه، أو يعوّل في شيء من أمور الدين عليه ؟..)وهل هو إلا (كما قال [ابن] جماعة [(733هـ ]: - من الأئمّة الذين تعقبوا كلماته الفاسدة، وحججه الكاسدة، حتّى أظهروا عوار سقطاته، وقبائح أوهامه وغلطاته -) عبد أضله اللّه وأغواه، وألبسه رداء الخزي وأرداه، وبوأه من قوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان...» (1).)(16 أشار الهيتمي في الكتاب نفسه إلى اعتقاد ابن تيميّة بالتجسيم، إذ قال: «نسب [أي: ابن تيميّة ] إليه [أي إلى اللّه تعالى] العظائم والكبار، وخرق سياج عظمته، وكبرياء جلالته؛ بما أظهر للعامة على المنابر من دعوى الجهة، والتجسيم»(2).)(17 قال عبد الحي الكتاني الإدريسي (1382هـ) في (فهرس الفهارس): «...، وهو [أي: ابن تيميّة ] مطعون عليه في العقائد، وذكر غيره: أنه ظاهري، يقول بالتجسيم» (3).)(18 قال محمّد أبو زهرة (1394هـ) في ابن تيميّة.. حياته وعصره..)


1) الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم: 29.

2) المصدر السابق : 35.

3) فهرس الفهارس 1: 277.

آراؤه وفقهه: «...، وننتهي من هذا إلى أن ابن تيميّة يرى الألفاظ في اليد، والنزول، والقدم، والوجه، والاستواء على ظاهرها، ولكن بمعان تليق بذاته الكريمة، وهنا نقف وقفة: إنّ هذه الألفاظ وضعت في أصل معناها لهذه المعاني الحسيّة.... وإذا أطلقت على غيرها - سواء أكان معلوماً أو مجهولاً - فإنها قد استعملت في غير معناها» (1).(19 وقال أيضاً: «...، هذا كلام ابن تيميّة بنصّه، ولا تتسع عقولنا لإدراك الجمع بين الإشارة الحسية بالأصابع والإقرار بأنه في السماء وأنه يستوي على العرش، وبين التنزيه المطلق عن الجسميّة والمشابهة للحوادث» (2).)


1) أي: استعملت مجازاً، وهذا ممّا ينكره ابن تيميّة، وسيأتي تفصيله.)ابن تيميّة.. حياته وعصره.. آراؤه وفقهه: 233.

2) المصدر السابق: 288.

### مناقشة أهم مرتكزات نظرية التجسيم عند ابن تيميّةبعد هذا العرض التفصيلي لما قاله ابن تيميّة في مسألة التجسيم، يمكن تلخيص كلماته في ثمانية نقاط؛ وهي: اعتقاده بالتلازم بين القيومية والجسمانية، نفي الملازمة المطلقة بین الجسمانية والحدوث، اعتقاده بجسم لا كالأجسام، ملازمة نفي التجسيم ونفي التشبيه، عدم نفي العقل والفطرة للتجسيم، بدعيّة نفي أو إثبات التجسيم دلالة ظواهر النصوص على الجسمانية، ونسبته التجسيم إلى جماهير أهل الإسلام.### دراسة النقطة الأولى: التلازم بين القيومية والجسمانيةيظهر ممّا سبق نقله من كلام الحرّاني أنه يعتقد بأن كلّ موجود إذا كان قائماً بنفسه فهو جسم، وإن لم يكن جسماً فهو معدوم، واللّه سبحانه وتعالى موجود قائم بنفسه، لا بغيره؛ لأنه حي قيوم، ومعنى القيوم هو: القائم بنفسه وبذاته، والمقوّم لغيره، فالنتيجة هي: أن اللّه سبحانه وتعالى جسم.يرد عليه :أولاً: عدم بيان أدلّة مدعى التلازم بين القيومية والجسمانية في جميع مؤلّفات ابن تيميّة (1.)


1) للمزيد راجع: متشابه الصفات بين التأويل والإثبات: 114.

ثانياً: إقرار ابن تيميّة بالملازمة بين القيومية والقدم.فقد أقر بعدم إمكان الملازمة بين القيوميّة والجسمانية؛ وذلك لدلالة مفهوم الجسمانية على الحدوث، وثبوت الملازمة بين القيومية والقدم.قال في (جامع المسائل: «الحي القيوم سبحانه وتعالى الذي لا يزول ولا يأفل، فإن الآفل قد زال قطعاً، واسم «القيوم» تضمّن أنه لا يزول، ولا ينقص شيء من صفات كماله، ولا يفنى ولا يُعدَم، بل هو الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال موصوفاً بصفات الكمال، وهذا يتضمن كونه قديماً، فالقيوم يتضمن معنى القديم...» (1).)الأسئلة :* هل يُعقل التلازم التام بين القيومية والجسمانية، مع وضوح التباين بين المفهومين عقلاً؟* هل يُعقل القول بوجود القديم الحادث المحدود؟***### دراسة النقطة الثانية: نفي الملازمة المطلقة بين الجسمانية والحدوثانتبه ابن تيميّة إلى عدم إمكان الملازمة بين القيومية والجسمانية؛ لدلالة مفهوم الجسمانية على الحدوث، في كتابه (بيان تلبيس الجهميّة)


1) جامع المسائل 1: 58.

عند مناقشته للرازي (606هـ (1)، فحاول التخلّص من هذا الإشكال بتقسيم الأجسام إلى قسمين: أجسام حادثة - وهي: السماوات والأرض وغيرها - وجسم قديم؛ وهو: اللّه سبحانه وتعالى.)يرد عليه :أوّلاً: عدم بيان أدلّة مدعى نفي الملازمة المطلقة بين الجسمانية والحدوث في جميع مؤلّفات ابن تيميّة (2.)ثانياً: التناقض مع تعريف الجسم عند ابن تيميّة.فقد قال ابن تيميّة في تعريف الجسم : «الجسم: هو كلّ جوهر مادي قابل للأبعاد الثلاثة، وهي: الطول والعرض والعمق، ويتميز بالثقل والامتداد» (3.)ومن الواضح أن القول بالطول والعرض والعمق والثقل والامتداد يعني: القول بالحدّ والحيّز والحجم والجهة والوزن وغيرها من صفات الحوادث؛ التي لا يمكن أن يتصف بها القديم.. وسنشير إلى أدلة تنزيه اللّه تعالى عن تلك الصفات لاحقاً.


1) راجع المناقشة في بيان تلبيس الجهميّة: 1: 376.

2) للمزيد راجع متشابه الصفات بين التأويل والإثبات: 124.

3) بیان تلبيس الجهميّة 1: 287.

السؤال :* ما هي أدلة ابن تيميّة في إثبات إمكانية قدم الجوهر المادي؛ القابل للأبعاد الثلاثة ؟***### دراسة النقطة الثالثة : قوله بجسم لا كالأجسامإن مناقشة ابن تيميّة مع الرازي تصوّر لنا محاولات ابن تيميّة للفرار من التصريح بمعتقده في التجسيم ؛ ومنها قوله بجسم لا كالأجسام إجابةً على إشكال الملازمة بين الجسمانية والقول بالحد؛ الذي ينافي القدم، فإنه يؤكد في كلامه هذا على جوهر رأيه في إثبات الجسمانية من جهة، وينفي نحواً خاصاً من الجسمانية بنفي خصائصها الحادثة من من جهة أخرى..وبذلك أثبت جسماً قديماً غير حادث، وأثبت الأعضاء والأجزاء وظواهر الصفات الخبرية، واعتقد أن اللّه تعالى له يد لا كالأيدي، ورجل لا كالأرجل، وإصبع لا كالأصابع، ووجة لا كالوجوه...ثم بعد ذلك أشار إلى أن الحق تعالى فيه قدر مشترك، وهو: «الجسمانية»، وفيه قدر يمتاز به عن غيره.. وبهذا الكلام يتبيّن أن ابن تيميّة يرى الجسمانية بلا ريب، ولكن الجسمانية التي ينسبها إلى اللّه سبحانه هي بمعنى: عدم جواز الفناء، وعدم وقوع الآفات والأمراض، وهذا معنى قوله جسم لا كالأجسام.

يرد عليه :أولاً: عدم صحّة الالتزام بمفهوم وإنكار لوازمهإن الجسم يدل على الخصوصيات المقومة له، وهي: الطول والعرض والعمق، وقد أقرّ ذلك ابن تيميّة، كما ذكرنا سابقاً (1، فالقول بالجسمانية يعني: إثبات هذه الخصوصيات، وتعقيب الكلام بـ : (لا كالأجسام) هو نفيها، وهذا تناقض بيّن (2).قال القاضي أبو بكر الباقلاني (403هـ: «إن قالوا: ولم أنكرتم أن يكون الباري سبحانه جسماً لا كالأجسام، كما أنه عندكم شيء لا كالأشياء؟)قيل لهم: لأن قولنا: (شيء، لم يُبن لجنس دون جنس، ولا لإفادة التأليف، فجاز وجود شيء ليس بجنس من أجناس الحوادث وليس مؤلف، ولم يكن ذلك نقضاً لمعنى تسميته بأنه: (شيء)..)


1) راجع كلامه في المصدر السابق 1: 287.

2) ربما يقول بعض أتباع ابن تيميّة : إن قولنا: «جسم لا كالأجسام»، نظير قول الإماميّة: «شيء لا كالأشياء»، فكما أن الثاني صحيح، فالأول صحيح أيضاً.)أقول: الجواب عنه واضح، وهو: أن الشيء لا يدل على خصوصية خاصة، بل يدل على نفس الوجود والتحقق، فلا مانع من أن يقال: إنه شيء لا كالأشياء، أي: له وجود لا كوجود الأشياء.وأما الجسم، فإنّه يدلّ على خصوصية مقومة له، وهو كونه ذا عرض وطول وارتفاع، فالقول بأنه: جسم، يلازم ثبوت هذه الصفات، فتعقيبه بـ : «لا كالأجسام» ينفي هذه الخصوصيات، فيكون الكلام حاملاً للتناقض.

وقولنا: (جسمٌ، موضوع في اللغة للمؤلف دون ما ليس بمؤلف، كما أن قولنا: (إنسان)، و(محدث)، اسم لما وجد من عدم، ولما له هذه الصورة دون غيرها، فكما لم يجز أن نثبت القديم سبحانه محدثاً لا كالمحدثات، وإنساناً لا كالناس، قياساً على أنه شيء لا كالأشياء، لم يجز أن نثبته جسماً لا كالأجسام؛ لأنه نقض لمعنى الكلام، وإخراج له عن موضوعه وفائدته» (1).)ثانياً: الملازمة بين الجسمانية والحدوث والعجزإن القول بالجسمانية ملازم للعجز والحدوث عقلاً، ومجرد أن يثبت عند ابن تيميّة أن اللّه تعالى جسم حتّى بإضافة «لا كالأجسام» فهذا إثبات للتشبيه أيضاً.وهذا ما أشار إليه الدكتور جابر بن إدريس بن علي أمير في كتاب (مقالة التشبيه وموقف أهل السنّة منها (2)؛ إذ قال: «ويدخل في معنى التشبيه أيضاً: وصف اللّه تعالى بصفات النقص الخاصة بالمخلوق» (3).)ومعنى ذلك أنه إذا ثبت أن هناك صفة خاصة بالمخلوق، فلا يلزم من نسبتها إلى اللّه تعالى التجسيم فقط، بل يلزم التشبيه أيضاً.


1) تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل:113.

2) رسالة دكتوراه منح بها المؤلّف عام (1421هـ) من قسم العقيدة في الجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنورة.

3) مقالة التشبيه وموقف أهل السنّة منها 1: 82.

السؤال :* هل يتمكن أتباع ابن تيميّة أن يفرّوا عن الوقوع في وادي التشبيه بمعالجة التعارض الموجود في عبارة شيخهم: «جسم لا كالأجسام»؟***### دراسة النقطة الرابعة: ملازمة نفي التجسيم ونفي التشبيهتُعد مسألة الملازمة بين نفي التجسيم ونفي التشبيه من الأساليب المهمة التي ابتدعها ابن تيميّة، وروّج لها أتباعه للدفاع عنه في مسألة التجسيم؛ إذ قالوا: إن منهج ابن تيميّة ومن تبعه هو نفي التشبيه، أو التكييف والتمثيل عن اللّه تعالى، وهذا يتضمّن نفي التجسيم أيضاً (1.)وسنكتفي في معرض الاستشكال على أقوالهم بذكر ما قاله ابن تيميّة وأتباعه من عدم وجود الملازمة بين نفي التشبيه والتمثيل من جهة، ونفي التجسيم من جهة أخرى، وبالتالي فليس كلّ من نفى التمثيل والتشبيه عنه سبحانه، ينفي الجسمانية عنه، فقد ينفي البعض التشبيه والتمثيل، ولكنّه يلتزم بالتجسيم.


1) راجع كلامهم في دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيميّة: 161.

### كلام ابن تيميّة وأتباعه بشأن عدم وجود الملازمة بين نفي التشبيه والتمثيل، ونفي التجسيم(1 قال ابن تيميّة في (درء تعارض العقل والنقل): «وفي الجملة الكلام في التمثيل والتشبيه ونفيه عن اللّه مقام والكلام في التجسيم ونفيه مقام آخر»(1).)(2 وقال في (مجموع الفتاوى) و (شرح الأصبهانيّة): «فالذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها أن يوصف اللّه بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل» (2).)تنبيه: لم يذكر ابن تيميّة في كلامه هذا مفهوم «التجسيم»، مع كونه في مقام البيان الذي يستوجب فيه اشتمال الخطاب على جميع القيود، سواء كان الإطلاق حكمياً أو مقامياً.(3 قال ابن باز: «... والواجب على المسلم أن يسلك في هذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحيحة الدالة على أسماء اللّه وصفاته، مسلك أهل السنّة، وهو: الإيمان بها...، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف،)


1) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 2: 405.

2) شرح الأصبهانيّة: 34، مجموع الفتاوی 11: 139.

ولا تمثيل»(1.)(4 وقال أيضاً: «...، وإنّما يُمرُّون آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت بغير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل....» (2).)(5 جاء في (فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة والإفتاء) بعد الإشارة إلى نصوص الصفات الخبرية: «...، ولا شك أن الحق مع السلف ومن تبعهم؛ في إثبات معاني النصوص حقيقة من غير تكييف، ولا تمثيل له بخلقه، ولا تأويل، ولا تعطيل؛ لأن الأصل الحقيقة، ولا دليل على العدول عنها، فكان السلف بذلك أسعد بالدليل، وباللّه التوفيق.. اللجنة الدائمة: عبد اللّه بن قعود، وعبد اللّه بن غديان، وعبد الرزاق العفيفي، وابن باز» (3).)أقول: يرد عليهم جميعاً ما أوردناه على شيخ إسلامهم.. وما نقلناه من بعض كلام الحراني وأتباعه صريح في إصرارهم على عدم نفي الجسمانية.السؤال :* كيف يمكن التفريق بين التجسيم والتشبيه في مقام إثبات الجسمانية، والجمع بينهما في مقام نفي التمثيل بشكل مطلق ؟***


1) مجموعة فتاوى ومقالات متنوعة 1: 137.

2) فتاوى نور على الدرب 1: 50.

3) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة والإفتاء 39: 126.

### دراسة النقطة الخامسة : عدم نفي العقل والفطرة للتجسيمصرّح ابن تيميّة في كلماته التي ذكرناها سابقاً، أن إثبات الجسمانية أقرب إلى الفطرة والعقل، وأن نفي الجسمانية لا تثبته العقول، ولا أي شيء آخر.يرد عليه :أولاً: دلالة العقل على نفي التجسيمذكر علماء الإماميّة وغيرهم، في مصنّفاتهم الكلامية، أدلة عقلية متينة على نفي التجسيم؛ منها:الدليل الأول: الجسم بطبيعته يحتاج إلى مكان، وبما أن اللّه سبحانه منزه عن جميع أنواع الاحتياج، فلهذا يثبت تنزيهه تعالى عن الجسمانية.الدليل الثاني: الجسم بطبيعته يتأثر بالحوادث، فلو كان اللّه سبحانه جسماً لما انفك عن الأمور الحادثة من قبيل الحركة، والسكون، وكل ما لا ينفك عن هذه الأمور فهو حادث، ولكنه عزّ وجلّ أزلي قديم، فيثبت تنزیهه تعالى عن الجسمانية.الدليل الثالث: الجسم بطبيعته محدود، فلو كان اللّه عزّ وجلّ جسماً لكان محدوداً، وبما أنه سبحانه منزه عن المحدوديّة، فلهذا يثبت تنزيهه تعالى عن الجسمانية.الدليل الرابع: الجسم بطبيعته مركب، فلو كان اللّه عزّ وجلّ جسماً لكان مركباً، وبما أنه سبحانه منزّه عن التركيب فلهذا يثبت تنزيهه تعالى

عن الجسمانية(1.)ثانيا: عدم استقلال الفطرة عن العقل في معرفة اللّهتُعدّ الفطرة الدافع الابتدائي، والأرضيّة المناسبة للاعتقاد باللّه ومعرفة صفاته سبحانه، ثمّ يتكامل هذا الإيمان بمساعدة العقل، وبعبارة أخرى: إنّ «الفطرة» تقوم بعملية الاستعداد والتوجه نحو اللّه تعالى، أما الطريق الإثباتي إلى معرفته عزّ وجلّ فهو «طريق العقل»، و«دور الأنبياء» هو: التنبيه ومخاطبة العقل بالدليل والبرهان.ولهذا لا ينفع الاستدلال بالفطرة لوحدها على الأمر الفطري في مقام إثبات مسائل التوحيد، بل لا بد من الإتيان بالدليل العقلي في هذا المجال؛ لأن الفطرة ليست من الأمور التي يتحد ويتساوى جميع البشر في فهم مؤداها، ويتفق على قبول جميع دلالاتها..هذا مضافاً إلى عدم حجيّة نوع الدليل الفطري عموماً؛ لإمكان تأثر الفطرة بالعوامل المختلفة.ثالثاً: انحصار المعرفة الفطرية بالمحسوسات عند ابن تيميّةقال ابن تيميّة في (التسعينيّة: «...، ومعلوم أن الخلق كلّهم ولدوا على الفطرة، ومعلوم بالفطرة أنّ ما لا يمكن إحساسه لا باطناً ولا ظاهراً،)


1) للمزيد انظر: الباب الحادي عشر : 51، ارشاد الطالبين: 237، نهج الحق وكشف الصدق : 56، مناهج اليقين : 202، تلخيص المحصل : 256، قواعد المرام: 69.

لا وجود له»(1.)ولابن تيميّة تناقضات في تعريف الفطرة.. فتارة يعبّر عنها بـ : «الفطرة العقلية»(2، بمعنى البديهيات، وتارة بـ : «ملة الإسلام» (3)، وفي موضع آخر يعترف بإمكان تأثير الجهل بالأحاديث السمعية على تغيّر الفطرة (4).الأسئلة :* لماذا اختلف الناس في ثبوت جسمانية اللّه سبحانه، بل رفضه جلهم إن كان ذلك معلوم ببداهة العقل المستقل، وبساطة الفطرة السليمة؟* هل يمكن إحساس جسمانيّة اللّه ظاهراً أو باطناً عند ابن تيميّة ؟***### دراسة النقطة السادسة: بدعية نفي أو إثبات التجسيمصرح ابن تيميّة في مواضع عديدة بأنّ إثبات الجسمانية بدعة، وكذلك نفيها، ولكنه خرج عن هذا المبدأ وأثبت الجسمانيّة بشكل واضح وصريح في كتابه (بيان تلبيس الجهميّة (5)، وعندما التفت إلى ذلك - مع كونه يثبت الجسمانية –)


1) التسعينية : 46.

2) مجموع الفتاوی 13: 90.

3) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 4: 391.

4) مجموع الفتاوى 87:4.)وللمزيد راجع نقد الخطاب السلفي: 177.

5) مر كلامه من بیان تلبيس الجهميّة 1: 372.

حاول حل هذه الإشكالية في كتابه (درء تعارض العقل والنقل (1)من خلال تقسيم مفهوم البدعة الى بدعة ضلالة، وبدعة حسنة.. ثمّ قال: إن إثبات الجسمانية ليس بدعة ضلالة، بل بدعة حسنة.)يرد عليه :أولاً: المعنى الشرعي للبدعة لا يقبل الانقسام عقلاًإن الضرورة العقليّة تقضي وتحكم بعدم إمكانيّة عروض هذا التقسيم على مفهوم «البدعة»، فمن خلال التدقيق في المعنى الاصطلاحي الوارد لتحديد مفهوم البدعة في النصوص الشرعيّة، نلاحظ أن هذا المفهوم غير قابل للتقسيم بحد ذاته أصلاً، ولا يمكن أن يعتريه أي استثناء أو استدراك أساساً؛ إذ أن معنى البدعة في الاصطلاح الشرعي هو: «إدخال ما ليس من الدين فيه» (2، وهذا يعني أن البدعة تشريع بشري وضعي ينصب نفسه في مقابل التشريع الإلهي المقدّس، ويضاهي السنّة الشريفة، ويتحدى تعاليم السماء.)ثانياً: حديث «كل بدعة ضلالة» ينافي التقسيمورد في الحديث الصحيح أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ قال: «شر الأمور محدثاتها، وكلُّ محدثة بدعة، وكلُّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» (3).)


1) مرّ كلامه من موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1: 248.

2) رسائل الشريف المرتضى 3 : 83.

3) سنن الترمذي، الرقم : 2676، سنن أبي داود الرقم: 4607 سنن ابن ماجة، المقدمة: 42، مسند أحمد بن حنبل 4: 126، سنن الدارمي المقدمة: 95.)أقول: صححه الألباني في خطبة الحاجة التي كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ يعلمها أصحابه: 10، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 5: 79، صحيح سنن ابن ماجة باختصار السند 1: 14 تمام المنّة في التعليق على فقه السنّة: 65.

ومن الواضح أن دلالة هذا الحديث على استيعاب جميع أنواع البدع بالذم والضلال، لا تحتاج منا إلى مزيد بيان ولا تقبل الجدل والإنكار.ثالثاً: النصوص الشرعيّة تنافي تقسيم البدعةإن اللغة التي تحدثت بها النصوص المستفيضة بشأن مفهوم «البدعة» تأبى التقسيم المذكور؛ لأنها جعلت من البدعة نداً مقابلاً للسنة، وضداً لا يلتقي معها أبداً..إنها ذمَّت المبتدع، وأكالت له أنواع الذم والتوبيخ والتقريع، وأوعدته بأقسى أنواع العقوبات الدنيوية والأخروية، ودعت إلى مقاطعته وهجرانه، وأطلقت القول بعدم قبول توبته.كما أن المعنى الوحيد الذي تناولته النصوص الشرعيّة – على اختلاف مضامينها، وتنوع مداليلها - في هذا اللفظ هو المعنى المذموم، الذي يعد البدعة خصوص الأمر الحادث الذي يقابل الكتاب والسنّة، والتشريع الإلهي المقطوع.. ولهذا فقد تعرّض هذا اللفظ إلى الذم والانتقاد الشديد..ولو كان هناك نحو من أنحاء الاستثناء في موارد معيّنة مفترضة، وحتى لو كانت تلك الموارد المستثناة موارد جزئيّة ومحدودة، لما كان بوسع

الشريعة المقدسة أن تتجاهلها، وتغض النظر عنها بشكل من الأشكال؛ في الوقت الذي نترقب حصول مثل هذا الاستثناء من قبل الشريعة فيما لو وجد أمر من هذا القبيل، باعتبار أن لسان بيان التشريع يتحدث من موقع استيفاء جميع شؤون الأحكام والتعاليم.فمفهوم «الكذب» مثلاً، وردت في شأنه نصوص صريحة وقاطعة، تناولته بالذم الشديد، حتّى أصبح الإيمان بقبحه من مسلّمات الاعتقاد، وضروريات الدين، إلا أن الشريعة لم تتجاهل في نفس الوقت بعض الموارد التي يرتفع فيها موضوع الذم ولا تسير في نفس الاتجاه الأصلي المذكور، وإنّما نرى أن هناك نصوصاً شرعيّة مماثلة في الصراحة، وقوة الدلالة على استثناء بعض أنواع الكذب من أصل التحريم، إذ قد يخرج من دائرة التحريم إلى دائرة الوجوب، فيما لو توقف عليه حفظ نفس مؤمنة من القتل والهلاك مثلاً.ومفهوم «الغيبة» كذلك، يخضع لنفس التعامل الذي صدر من الشريعة بشأن الكذب، فهو مذموم ممقوت في نظر الشريعة، ويُعد من كبائر الذنوب، إلا أن هناك موارد ذكرتها النصوص تحت عنوان «جواز الاغتياب»، يتم الانتقال بموجبها من الحكم الأولي بالتحريم، إلى أحكام أخرى كالجواز مثلاً، فيما لو كان المغتاب متجاهراً بالفسق، ومعلناً له مثلاً.وهكذا الأمر في كثير من المفاهيم المذمومة الأخرى؛ إذ يرد الاستثناء صريحاً فيها، فتتحوّل بواسطة هذا الاستثناء من الحكم الأولي المحرم إلى أحكام ثانوية أخرى، كـ: الإباحة أو الندب أو الوجوب أو الكراهة، بحسب

مقدار دائرة وحدود ذلك الاستثناء، ونوع القيود التي وضعتها الشريعة له.وما دمنا نتفق على أنه لا يوجد أي لون من ألوان الاستثناء الشرعي الصريح في خصوص الأدلّة التي تناولت بأجمعها ذمّ الابتداع وانتقاده الشديد، وما دام لا يمكن لأي أحد أن يدعي ذلك، وحتى أولئك الذين يقولون بالتقسيم؛ إذ أنهم لا يبنونه على أساس النص الشرعي الصريح وإنما على التنظير العقلي المحض، أو على استنباطات بعيدة المنال من بعض النصوص الشرعيّة..فلا بد أن نتفق أيضاً على أن مفهوم «البدعة» لا يمتلك إلا قسماً واحداً مذموماً، ولو وجد لهذا المفهوم قسم آخر ممدوح لأعربت عنه الشريعة، ولما تجاهلته وأهملته، كما هو الشأن في جميع المفردات التشريعية الأخرى (1.)الأسئلة :* كيف يعالج أتباع ابن تيميّة تناقضه في قوله بالتجسيم من جهة، والقول ببدعية نفي أو إثبات الجسمانية من جهة أخرى؟* هل هناك دليل على صحّة اتصاف مفهوم الابتداع بالمدح والإطراء شرعاً؟إنّ شأن الابتداع في المصطلح الشرعي شأن الكذب على اللّه تعالى ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، فهل يوجد دليل على أن يكون هناك قسم ممدوح لهذا اللون من الكذب؟)


1) للمزيد راجع صلاة التراويح سُنّة مشروعة أو بدعة محدثة: 97.

* هل يقول أحد بأن هناك كذباً وافتراء على اللّه تعالى ورسوله الأمين (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ يتصف بالمدح، أو الإباحة، أو حتّى بالكراهة؟)* كيف يمكن مع كلّ هذا أن يكون هناك قسم ممدوح للابتداع ؟* كيف يمكن لهذا القسم أن يتخطى الجم الغفير من النصوص الصريحة، ويحيد عنها نحو اتجاه آخر؛ لا أثر له ولا دليل عليه؟

### كلمات علماء أهل السنّة بشأن عدم جواز تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة(1 قال ابن رجب الحنبلي (795هـ) : «المراد بالبدعة: ما أحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه، أما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعاً، وإن كان بدعة لغة» (1).)وقال أيضاً: «قوله (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: (كل بدعة ضلالة).. من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد)، فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء من ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة» (2).)(2 قال ابن حجر العسقلاني (852هـ): «المحدثات، جمع محدثة والمراد بها ما أحدث وليس له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع: (بدعة)، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة.. فالبدعة في عرف)


1) الأساس في السنّة وفقهها: 361، جوامع العلوم والحكم : 333.

2) المصدر السابق: 160.

الشرع مذمومة بخلاف اللغة، فإنّ كلّ شيء أحدث على غير مثال يسمّى بدعة، سواء كان محموداً أو مذموماً، وكذا القول في المحدثة وفي الأمر المحدّث الذي ورد في حديث عائشة: (ما أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (1).)(31 قال أبو إسحاق الشاطبي (790هـ) بشأن النصوص الشرعيّة التي تناولت مفهوم البدعة بالذم: «إنّها جاءت مطلقة عامة، على كثرتها، لم يقع فيها استثناء البته، ولم يأت فيها ممّا يقتضي أن منها ما هو هدى..)ولا جاء فيها: كلّ بدعة ضلالة إلا كذا وكذا، ولا شيء من هذه المعاني.. فلو كان هنالك مُحدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان، أو أنها لاحقة بالمشروعات، لذكر ذلك في آية أو حديث، لكنه لا يوجد، فدل على أن تلك الأدلّة بأسرها على حقيقة ظاهرها في الكلية التي لا يتخلّف عن مقتضاها فرد من الأفراد...إن متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه؛ لأنه من باب مضادة الشارع وإطراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يمدح وما يُذم» (2.)وقال بشأن تقسيم البدعة طبقاً للأحكام الخمسة: «إن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدلّ عليه دليل شرعي، بل هو في نفسه متدافع؛ لأن من حقيقة


1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 4: 252.

2) الاعتصام لأبي اسحاق الشاطبي 1: 141.

البدعة أن لا يدلّ عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده؛ إذ لو كان هنالك ما يدلّ من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة، لما كان ثُمَّ بدعة، ولكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها أو المخيّر فيها، فالجمع بين تلك الأشياء بدعاً، وبين كون الأدلّة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها، جمع بين متنافيين» (1.)(4 سئل الشيخ السلفي صالح بن فوزان بن عبد اللّه (2): ما حكم تقسيم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة؟فأجاب: «ليس مع من قسّم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة دليل، لأن البدع كلّها سيّئة؛ لقوله (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار). رواه النسائي في سننه من حديث جابر بن عبد اللّه بنحوه، ورواه الإمام مسلم في صحيحه بدون ذكر: (وكل ضلالة في النار) من حديث جابر بن عبد اللّه..)وأما قوله (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم: (من سن في الإسلام سُنّة حسنة)، رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد اللّه.. فالمراد به: من أحيى سنة؛ لأنه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) قال ذلك بمناسبة ما)


1) المصدر السابق 1: 191.

2) من أعضاء هيئة كبار العلماء، والمجمع الفقهي بمكة المكرمة التابع للرابطة، ولجنة الإشراف على الدعاة في الحج، إلى جانب عمله عضواً في اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة والإفتاء.)راجع موقعه على النت alfawzan.af.org.sa

فعله أحد الصحابة من مجيئه بالصدقة في أزمة من الأزمات، حتّى اقتدى به الناس وتتابعوا في تقديم الصدقات..وأما قول عُمر: (نعمت البدعة هذه، رواه البخاري في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن عبد القاري.. فالمراد بذلك: البدعة اللغوية لا البدعة الشرعيّة، لأنّ عُمر قال ذلك بمناسبة جمعه الناس على إمام واحد في صلاة التراويح، وصلاة التراويح جماعة قد شرعها الرسول (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، حيث صلاها بأصحابه ليالي، ثم تخلف عنهم خشية أن تفرض عليهم. من حديث عائشة..)وبقي الناس يصلّونها فرادى وجماعات متفرقة، فجمعهم عُمر على إمام واحد، كما كان على عهد النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم في تلك الليالي التي صلاها بهم، فأحيى عُمر تلك السنّة، فيكون قد أعاد شيئاً قد انقطع، فيعتبر فعله هذا بدعة لغوية لا شرعيّة، لأنّ البدعة الشرعيّة محرمة، لا يمكن لعمر ولا لغيره أن يفعلها، وهم يعلمون تحذير النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) من البدع» (1).)


1) المنتقى من فتاوى الفوزان 1: 171.)أقول: لا يصحّ قوله: «قد شرعها الرسول (صلى اللّه عليه وآله وسلّم»؛ لأن الوارد المعتبر في مصادر أهل السنّة هو: أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد نهى عنها، ولم يشرع الاجتماع لها..كما في رواية البخاري في صحيحه؛ اذ قال: حدّثنا عبد الأعلى بن حمّاد ؛ قال حدّثنا وهيب؛ قال: حدّثنا موسى بن عقبة عن سالم أبي النضر، عن يسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت: أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) اتخذ حجرة – قال: حسبت إنّه قال: من حصير - في رمضان، فصلّى فيها ليالي، فصلّى بصلاته ناس من أصحابه، فلما علم بهم جعل يقعد فخرج إليهم فقال: «قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة».)صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب صلاة الليل 186:1.قال العيني: «إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلّم لم يسنّها لهم، ولا كانت في زمن أبي بكر، ثم اعتمد في شرعيته إلى اجتهاد عُمر واستنباطه من إقرار الشارع الناس يصلّون خلفه ليلتين».)عمدة القاري شرح صحيح البخاري 11: 126.وقال البخاري: «توفّي رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلّم والناس على ذلك - يعني: ترك إقامة التراويح جماعة - ثمّ كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر».)صحيح البخاري، باب فضل من قام رمضان: الحديث: 2010.وقال القسطلاني: «سماها عمر بدعة؛ لأنه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم لم يسن لهم الاجتماع لها، ولا كانت في زمن الصديق، ولا أوّل الليل، ولا كلّ ليلة، ولا هذا العدد..».)إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 3: 425.وقال ابن سعد في ترجمة عُمر: «هو أول من سن قيام شهر رمضان بالتراويح، وجمع الناس على ذلك، وكتب به إلى البلدان، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشر..».الطبقات الكبرى لابن سعد 3: 218.وقد نص الباجي والسيوطي والكتواري وغيرهم على أن أول من سن التراويح هو: عُمر بن الخطاب، وذلك في سنة أربع عشر.راجع كلامهم في: محاضرة الأوائل: 149.وأن أول من جمع الناس على التراويح عُمر.المصدر السابق: 98.وأن إقامة النوافل بالجماعات في شهر رمضان من محدثات عُمر، وأنها بدعة.للمزيد راجع: طرح التثريب 3: 92.وراجع كذلك بشأن كون صلاة التراويح ليست سُنّة نبويّة بل بدعة عُمرية: الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر 2: 460، تأريخ الخلفاء: 137، الأوائل للعسكري: 112، الطبقات الكبرى لابن سعد 3: 281، صحيح مسلم 1: 523 حديث 759 كتاب الصلاة، باب الترغيب في قيام رمضان.نعم، هناك رواية رواها أحمد عن أبي هريرة تشير إلى أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أقرّ صلاة التراويح؛ حيث أنه خرج يوماً في رمضان والناس يصلّون بصلاة أبي بن كعب، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «أصابوا ونعم ما صنعوا».. لكن هذه الرواية ضعفها كبار أئمة أهل السنّة في الجرح والتعديل.. فقد حكم أبو داود بضعفها في السنن، وضعفها ابـن حجر العسقلاني في الفتح، وذكر لتضعيفها سببين:)الأول: إن في السند «مسلم بن خالد» وقد ضعفه البخاري، والنسائي، وأبوحاتم، وعلي بن المدني، وغيرهم.الثاني: إن الحديث ينص أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ قد جمع الناس على أبي بن كعب، بينما المشهور من الروايات أن عُمر هو الذي صنع الذي صنع ذلك.

السؤال :* هل كان ابن تيميّة يرى ثبوت الجسمانية اللّه سبحانه كنظرية عقدية أساسية، أم كان كلامه مجرّد بيان حكم لغوي، أم كان محاولة تبرير لما وقع فيه؛ من التناقض بين القول ببدعيّة إثبات أو نفي الجسمانية من جهة، واعتقاده بالتجسيم من جهة أخرى؟

### دراسة النقطة السابعة : دلالة ظواهر النصوص على الجسمانيةاستدل ابن تيميّة بظاهر بعض الآيات لإثبات الجسمانية؛ نذكر بعضها من (العقيدة الواسطية (1)نموذجاً:)1- قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللّه فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ دَوَإِلَى اللّه تُرْجَعُ الْأُمُورُ (2).


1) العقيدة الواسطية: 40، 45، 46،47.

2) سورة البقرة : 210.)نقول: يفسّر «الإتيان» في الآية بالإحاطة بهم للقضاء في حقهم؛ لضرورة تنزيه اللّه سبحانه وتعالى عن صفات الأجسام ونعوت الممكنات، ممّا يقتضي الحدوث، ويلازم الفقر والحاجة والنقص؛ لوجوب عرض المتشابهات كالآيات المشتملة على نسبة المجيء أو الإتيان إليه سبحانه؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا الفجر: 22، وقوله تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللّه مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) الحشر: 2، وقوله تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّه بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعد) النحل : (26) على المحكمات (كقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْله شَيْء) الشورى: 11، وقوله تعالى: (وَاللّه هو الْغَني) فاطر: 15، وقوله تعالى: ﴿اللّه خَالِقُ كلّ شَيْء) الزمر: (62)؛ ليؤخذ فيها معنى يلائم ساحة قدسه..)وعلى هذا نجده سبحانه في موارد من كلامه إذا سلب نسبة من النسب وفعلاً من الأفعال عن استقلال الأسباب ووساطة الأوساط، فربما نسبها إلى نفسه وربما نسبها إلى أمره كقوله تعالى: ﴿اللّه يَتَوَفَّى الْأَنفُس الزمر: 42، وقوله تعالى: ﴿يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ) السجدة: 11، وقوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) الأنعام: 61.)فنسب التوفّي تارة إلى نفسه، وتارة إلى الملائكة.. ثم قال تعالى: في أمر الملائكة (بأَمْرِه يَعْمَلُونَ الأنبياء : 27، وكذلك قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ) يونس: 93، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللّه قُضِيَ بِالْحَقِّ) المؤمن : 78، وكذلك في هذه الآية: (أَن يَأْتِيَهُمُ اللّه فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ...)، وفي قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أو يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ) النحل: 33. وهذا يوجب صحّة تقدير «الأمر» في موارد تشتمل على نسبة أمور إليه لا تلائم كبرياء ذاته تعالى؛ نظير: «جاء ربّك»، و«يأتيهم اللّه».. فالتقدير: جاء أمر ربك، ويأتيهم أمر اللّه تعالى. للمزيد راجع الميزان في تفسير القرآن 2: 105.

قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أو يَأْتِيَ رَبُّكَ أو يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أو كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُل انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (1).)3 - قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكَاً دَكَّاً * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلكُ صَفّاً صفّاً (2).)4- قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (3).


1) سورة الأنعام : 158.

2) سورة الفجر : 21 و 22.

3) سورة الرحمن : 27.)نقول: إن وجه الشيء هو ما يستقبل به غيره ويقصده به غيره، وهو فيه سبحانه: صفاته الكريمة التي تتوسط بينه وبين خلقه، فتنزل بها عليهم البركات من خلق وتدبير كالعلم والقدرة، والسمع والبصر والرحمة والمغفرة والرزق، وذوالجلال والاكرام اسم من الأسماء الحسنى، جامع بمفهومه بين أسماء الجمال وأسماء الجلال جميعاً، والمسمى به بالحقيقة هو الذات المقدسة؛ كما في قوله تعالى: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإكْرَامِ، لكن أجري في هذه الآية - ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام – على الوجه، وهو: إما لكونه وصفاً مقطوعاً عن الوصفية للمدح، والتقدير : هو ذو الجلال والإكرام، وإما لأن المراد بالوجه كما تقدم هو صفته الكريمة، واسمه المقدس، وإجراء الاسم على الاسم مآله إلى إجراء الاسم على الذات.)ومعنى الآية على تقدير أن يراد بالوجه ما يستقبل به الشيء غيره وهو: الاسم - ومن المعلوم أن بقاء الاسم فرع بقاء المسمّى - يكون: ويبقى ربك عزّ اسمه بما له من الجلال والإكرام، من غير أن يؤثر فناؤهم فيه أثراً أو يغيّر منه شيئاً.وعلى تقدير أن يراد بالوجه ما يقصده به غيره - ومصداقه كلّ ما ينتسب إليه تعالى – فيكون مقصوداً بنحو للمتوجه إليه كأنبيائه وأوليائه ودينه، وثوابه وقربه، وسائر ما هو من هذا القبيل؛ فالمعنى: ويبقى بعد فناء أهل الدنيا ما هو عنده تعالى، وهو من ناحيته كانواع الجزاء والثواب والقرب منه، قال تعالى: (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّه بَاق النحل: 96.)للمزيد راجع الميزان في تفسير القرآن 19: 93، 16: 86.

5 - قوله تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (1).وكذلك ذكر في (العقيدة الواسطية (2)بعض الأحاديث التي زعم أنها)


1) سورة طه : 5.)نقول: إن الاستواء على العرش كناية عن الاحتواء على الملك، والأخذ بزمام تدبير الأمور، وهو فيه تعالى - على ما يناسب ساحة كبريائه وقدسه - ظهور سلطنته على الكون واستقرار ملكه على الأشياء بتدبير أمورها، وإصلاح شؤونها.فاستواؤه على العرش يستلزم إحاطة ملكه بكل شيء، وانبساط تدبيره على الأشياء، سماويها وأرضيها، جليلها ودقيقها، خطيرها ويسيرها، فهو تعالى رب كلّ شيء، المتوحد بالربوبيّة؛ إذ لا نعني بالرب إلا المالك للشيء، المدبّر لأمره، ولذلك عقب حديث الاستواء على العرش بحديث ملكه لكلّ شي، وعلمه بكلّ شي، وذلك في معنى التعليل والاحتجاج على الاستواء المذكور.ومعلوم أن «الرحمن» - وهو: مبالغة من الرحمة؛ التي هي الإفاضة بالإيجاد والتدبير، وهو يفيد الكثرة – أنسب بالنسبة إلى الاستواء من سائر الأسماء والصفات، ولذلك اختص من بينها بالذكر.للمزيد راجع : الميزان في تفسير القرآن 14: 120.

2) العقيدة الواسطية: 19.

تدل على معتقده؛ منها:1 - «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كلّ ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له؟»(1.)


1) قال السقاف في شرح العقيدة الطحاوية: 343 - 344: «إنما المعنى الصحيح للحديث، والتوجيه السديد أن النازل هو ملك من الملائكة؛ يأمره اللّه تعالى بأن ينادي في السماء الدنيا في وقت السحر، فيما يوازي كلّ جزء من الكرة الأرضية طوال الأربع والعشرين ساعة، ويصح في اللغة العربيّة أن ينسب الفعل إلى الأمر به، فتقول العرب مثلاً: غزا الملك البلدة الفلانية، أي أمر وأرسل قائد جيشه بذلك، مع أنه لم يفارق قصره، واللّه المثل الأعلى.)والذي يثبت هذا المعنى وينفي ما تتوهّمه المجسّمة وتدعوا إليه، هو: أنه ورد الحديث أيضاً بروايتين صحيحتين في الدلالة على ذلك.أما الرواية الأولى : فقد روى النسائي في السنن الكبرى 6: 124: بإسناد صحيح – وهو: في عمل اليوم والليلة له المطبوع ص 340 برقم 482 - عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة؛ أنهما قالا: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: «إنّ اللّه عزّ وجلّ يمهل حتّى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر منادياً ينادي؛ يقول هل من داع فيستجاب له، هل من مستغفر يغفر له، هل من سائل يعطى».)وأما الرواية الثانية : فعن عثمان بن أبي العاص الثقفي قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [و آله] وسلّم: «تفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي مناد: هل من داع فيستجاب له، هل من سائل فيعطى، هل من مكروب فيفرج عنه، فلا يبقى مسلم يدعو بدعوة إلاّ استجاب اللّه عزّ وجلّ له إلا زانية تسعى بفرجها، أو عشاراً». رواه أحمد 4: 22 و 217 والبزار 4: 44 كشف الأستار والطبراني 9: 51 وغيرهم بأسانيد صحيحة.)فهذه الأحاديث الواضحة تقرّر بلا شك ولا ريب بأنّ النازل إلى السماء الدنيا هو : ملك من الملائكة، يأمره اللّه تعالى أن ينادي بذلك، على أن الحافظ ابن حجر حكى الفتح 3: 30 في شرح الحديث الأول الذي في الصحيحين أن بعض المشايخ ضبط الحديث بضم الياء في (ينزل فيكون اللفظ هكذا ينزل اللّه تعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا، أي: ينزل ملكاً كما تقدم».

2- «اللّه أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم براحلته» (1.)3- «يضحك اللّه إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخلان الجنّة» (2.)4- «عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره ينظر إليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب».5 - «لا تزال جهنّم يلقى فيها وهي تقول هل من مزيد؟ حتّى يضع رب العزة فيها رجله - وفي رواية عليها قدمه - فينزوي بعضها إلى بعض، فتقول: قط قط» (3.)


1) قال المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير 5:321: «أشد فرحاً) أي: رضى (بتوبة عبده)، فإطلاق الفرح في حق اللّه مجاز عن رضاه وبسط رحمته، ومزيد إقباله على عبده وإكرامه له... والمراد: أن التوبة تقع من اللّه في القبول والرضى موقعا يقع في مثله ما يوجب فرط الفرح ممّن يتصوّر في حقه ذلك، فعبّر بالرضى عن الفرح تأكيداً للمعنى في ذهن السامع، ومبالغة في تقديره، وحقيقة الفرح لغة: انشراح الصدر بلذة عاجلة، وهو محال في حقه تقدس... [ ومعنى اللفظ ] كقوله تعالى: (كلّ حزب بمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) أي: راضون...».

2) قال ابن عبد البر في التمهيد 18: 345: «(يضحك اللّه) فمعناه يرحم عبده عند ذاك، ويتلقاها بالروح والراحة والرحمة والرأفة، وهذا مجاز مفهوم».

3) قال ابن حبان في صحيحه 1: 502 بشأن هذا الحديث: «هذا الخبر من الأخبار التي أطلقت بتمثيل المجاورة، وذلك أن يوم القيامة يلقى في النار من الأمم والأمكنة التي يعصى اللّه فيها، فلا تزال تستزيد حتّى يضع الرب جل وعلا موضعاً من الكفار والأمكنة فتمتلئ فتقول: قط قط، تريد: حسبي حسبي، لأن العرب تطلق في لغتها اسم القدم على الموضع، قال اللّه جل وعلا: (وَلَهُمْ قَدَمَ صدق) يريد: موضع صدق، لا أن اللّه جل وعلا يضع قدمه في النار، جلّ ربنا وتعالى عن مثل هذا وأشباهه».

6- «العرش فوق الماء، واللّه فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه» (1.)وذكر أيضاً في كتابه (درء تعارض العقل والنقل (2)آثاراً تدل على عقيدته ؛ منها:)1- قال مالك وربيعة وغيرهما: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول»، فبيّن أن كيفية استوائه مجهولة للعباد، فلم ينفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر، ولكن نفوا علم الخلق به (3.)2 - عن إسحاق بن إبراهيم قال: «قال لي الأمير عبد اللّه بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي ترويه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم [أي ينزل ربنا كلّ ليلة إلى السماء الدنيا] كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز اللّه الأمير.. لا يقال لأمر الرب كيف؟ إنما ينزل بلا كيف.)3- ورد بإسناد عن عبد اللّه بن المبارك: أنه سأله سائل عن النزول ليلة النصف من شعبان، فقال عبد اللّه: يا ضعيف! ليلة النصف؟ ينزل في كلّ ليلة، فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن كيف ينزل؟ أليس يخلو ذلك المكان؟ فقال عبد اللّه بن المبارك: ينزل كيف شاء».وصحح حديث الشاب الأمرد في (بيان تلبيس الجهميّة (4).)


1) سيوافيك البحث السندي والدلالي بشأن هذا الحديث وغيره من الأخبار التي استند إليها ابن تيميّة في تقرير مسائل الصفات.

2) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 2: 35.

3) سيأتي البحث بشأنه قريباً.

4) بيان تلبيس الجهميّة 7: 294 وسيأتي البحث بشأنه لاحقاً.

### إشكالات على كلماته وآرائه:#### الإشكال الأول: نفي التجسيم في النصوص الشرعيّةورد نفي التجسيم في محكم كتاب اللّه ضمن آيات عديدة لا يمكن الشك في دلالتها؛ منها:1- قوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَام أَزْوَاجاً يَذْرَأَكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئ وَهوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1).)2- وقوله سبحانه: ﴿قُل هو اللّه أَحَدٌ. اللّه الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (2).)وزعم ابن تيميّة أن نفي التجسيم لم يوجد في السنّة كما ذكرنا سابقاً، لكن يتبيّن بطلان كلامه بوضوح عند الرجوع إلى كلمات خليفة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ و حامل علمه الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأبنائه الأئمّة الأطهار (عَلَيهِم السَّلَامُ) ؛ المتضافرة بشأن تنزيه اللّه تعالى عن الجسمانية، في مصادر الفريقين.)قال القاضي عبد الجبار: «وأما أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ فخطبه في بيان نفي التشبيه وفي إثبات العدل أكثر من أن تحصى»(3).)وروى المبرّد في الكامل: «قال قائل لعلي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ: أين كان ربنا)


1) سورة الشورى: 11.

2) سورة الإخلاص.

3) فضل الاعتزال: 163.

قبل أن يخلق السماوات والأرض ؟ فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ : أين.. سؤال عن مكان، وكان اللّه ولا مكان»(1).)وقال أبو منصور البغدادي: قال أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إن اللّه تعالى خلق العرش إظهاراً لقدرته، لا مكاناً لذاته»، وقال أيضاً: «قد كان ولا مكان، وهو الآن على ما كان» (2).)ورويت عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ أحاديث كثيرة في هذا الباب؛ منها:)«من زعم أن إلهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود» (3.)«سيرجع قوم من هذه الأمة عند اقتراب الساعة كفاراً، ينكرون خالقهم فيصفونه بالجسم والأعضاء» (4.)«إن الذي كيف الكيف لا كيف له» (5.)«لا يوصف بشيء من الأجزاء، ولا بالجوارح والأعضاء، ولا بعرض من الأعراض، ولا بالغيرية والأبعاض.ولا يقال: له حدّ ولا نهاية، ولا انقطاع ولا غاية، ولا أن الأشياء تحويهفتقله أو تهويه، أو أن شيئاً يحمله فيميله أو يعدله، ليس في الأشياء بوالج


1) الكامل في اللغة والأدب 2: 59.

2) الفرق بين الفرق: 333.

3) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 1: 73.

4) نجم المهتدي ورجم المعتدي: 588.

5) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 1: 73.

ولا عنها بخارج» (1.)وروي عن الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «أنت اللّه الذي لا يحويك مكان»(2).)وروي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «من زعم أن اللّه في شيء، أو من شيء، أو على شيء، فقد أشرك.. إذ لو كان على شيء لكان محمولاً، ولو كان في شيء لكان محصوراً، ولو كان من شيء ء لكان محدثاً أي: مخلوقاً» (3).)وقد ورد من طرق الإماميّة: جاء رجل إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وقال: ما رأس العلم؟، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): معرفة اللّه حق معرفته.)قال : وما حقّ معرفته ؟قال: أن تعرفه بلا مثال ولا شبيه وتعرفه إلهاً واحداً خالقاً قادراً، أوّلاً وآخراً ظاهراً وباطناً، لا كفو له، ولا مثل له، وذلك معرفة اللّه حق معرفته» (4.)وجاء في الغارات: «قد بلغ بالإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ من الأمر أنه كان يراقب العوام والسوقة في محاضراتهم وما يصدر منهم، فدخل (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوماً سوق اللحامين، وقال: «يا معشر اللحامين من نفخ منكم في اللحم فليس منا..)


1) نهج البلاغة 2: 122، الخطبة: 186.

2) إتحاف السادة المتقين 4: 380.

3) الرسالة القشيرية : 6.

4) التوحيد 285.

فإذا هو برجل موليه ظهره؛ فقال: كلاً.. والذي احتجب بالسبع.. فضربه على ظهره، ثمّ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ : يا لحام.. ومن الذي احتجب بالسبع؟)قال: رب العالمين يا أمير المؤمنين.. فقال اللّه : أخطأت.. ثكلتك أمك، إن اللّه ليس بينه وبين خلقه حجاب؛ لأنه معهم أينما كانوا..فقال الرجل: ما كفارة ما قلت يا أمير المؤمنين؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: أن تعلم أنَّ اللّه معك حيث كنت.. قال : أطعم المساكين ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لا، إنما حلفت بغير ربك» (1).)وجاء في نهج البلاغة: قال الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ في وصيته للإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) :...، واعلم يا بني أنه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله ولرأیت آثار ملکه وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته، ولكنّه إله واحد كما وصف نفسه..)لا يضاده في ملكه أحد، ولا يزول أبداً، ولم يزل أول قبل الأشياء بلا أولية، وآخر بعد الأشياء بلا نهاية.. عظم عن أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصر» (2.)وروي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ أيضاً: «الحمد للّه الذي لا يبلغ مدحته القائلون...، أوّل الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به وكمال التصديق به توحيده وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه؛ لشهادة كلّ صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنه غير الصفة..)فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد


1) الغارات 3: 112.

2) نهج البلاغة 3: 44، الكتاب: 31.

جزاه، ومن جزأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن قال فيم؟ فقد ضمنه، ومن قال على م؟ فقد أخلى منه..كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة، بصير؛ إذ لا منظور إليه من خلقه، متوحد؛ إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده..» (1.)وجاء في خطبة الأشباح ؛ حين سأله (عَلَيهِ السَّلَامُ سائل أن يصف اللّه تعالى كأنه يراه عياناً:)«الحمد للّه الذي لا يَفِرْهُ المنع والجمود، ولا يكديه الإعطاء والجود، إذ كلّ معط منتقص سواه، وكل مانع مذموم ما خلاه، وهو المنان بفوائد النعم، وعوائد المزيد والقسم.. عياله الخلق، ضمن أرزاقهم وقدر أقواتهم، ونهج سبيل الراغبين إليه، والطالبين ما لديه، وليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل...الأوّل الذي لم يكن له قبل فيكون شيء قبله، والآخر الذي ليس له بعد فيكون شيء بعده، والرادع أناسي الأبصار عن أن تناله أو تدركه..ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال، ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال، ولو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال وضحكت عنه أصداف البحار، من فلز اللجين والعقيان، ونثارة الدر وحصيد المرجان؛ ما أثر ذلك في


1) المصدر السابق 1: 14، الخطبة: 1.

جوده، ولا أنفد سعة ما عنده، ولكان عنده من ذخائر الأنعام ما لا تنفده مطالب الأنام؛ لأنه الجواد الذي لا يغيضه سؤال السائلين، ولا يبخله إلحاح الملحين...كذب العادلون بك إذ شبّهوك بأصنامهم، ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم، وجزأوك تجزئة المجسمات بخواطرهم، وقدروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم..وأشهد أن من ساواك بشيء من خلقك فقد عدل بك، والعادل بك کافر بما تنزلت به محکمات آياتك، ونطقت عنه شواهد حجج بيناتك، وأنك أنت اللّه الذي لم تتناه في العقول فتكون في مهب فكرها مكيفاً، ولا في رويات خواطرها فتكون محدوداً مصرفاً» (1.)وروي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «إن الجسم محدود متناه، والصورة محدودة متناهية فإذا احتمل الحدّ احتمل الزيادة والنقصان، وإذا احتمل الزيادة والنقصان كان مخلوقاً.... لا جسم ولا صورة، وهو مجسّم الأجسام ومصور الصور، لم يتجزأ ولم يتناه ولم يتزايد ولم يتناقص، لو كان كما يقولون لم يكن بين الخالق والمخلوق فرق ولا بين المُنشئ والمنشأ» (2).)وروي عن محمّد بن عبد اللّه الخراساني خادم الإمام عليّ بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «دخل رجل من الزنادقة على الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعنده جماعة،)


1) المصدر السابق :1 164، الخطبة: 91.

2) أصول الكافي 1: 81.

فقال له أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ : أيها الرجل أرأيت إن كان القول قولكم – وليس هو كما تقولون – ألسنا وإياكم شرعاً سواء، ولا يضرنا ما صلينا وصمنا وزكينا وأقررنا؟ فسكت..)فقال أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ: «وإن يكن القول قولنا – وهو كما نقول – ألستم قد هلكتم ونجونا»؟)فقال: رحمك اللّه.. فأوجدني كيف هو وأين هو؟قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ويلك إن الذي ذهبت إليه غلط.. هو أين الأين وكان ولا أين، وهو كيف الكيف وكان ولا كيف ولا يُعرف بكيفوفية ولا بأينونية، ولا يدرك بحاسة ولا يقاس بشيء».)قال الرجل: فإذن إنّه لا شيء؛ إذ لم يدرك بحاسة من الحواس..فقال أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ويلك.. لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته، ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا خلاف الأشياء».)قال الرجل: فأخبرني متى كان؟فقال أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ : «أخبرني متى لم يكن فأخبرك متى كان».)قال الرجل: فما الدليل عليه؟قال أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ : «إني لما نظرت إلى جسدي فلم يمكنّي فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول، ودفع المكاره عنه وجرّ المنفعة إليه؛ علمت أن لهذا البنيان بانياً، فأقررت به؛ مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته، وإنشاء السحاب، وتصريف الرياح ومجرى الشمس والقمر والنجوم، وغير ذلك)

من الآيات العجيبات المتقنات علمت أن لهذا مقدراً ومنشئا».قال الرجل: فلم احتجب؟فقال أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ : إن الاحتجاب عن الخلق لكثرة ذنوبهم، فأما هو فلا يخفى عليه خافية في آناء الليل والنهار.)قال: فلم لا تدركه حاسة البصر؟قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «للفرق بينه وبين خلقه الذين تدركهم حاسة الأبصار منهم ومن غيرهم، ثمّ هو أجل من أن يدركه بصر، أو يحيط به وهم، أو يضبطه عقل».)قال: فحده لي..قال (عَلَيهِ السَّلَامُ : «لا حدّ له».)قال: ولم؟قال (عَلَيهِ السَّلَامُ : «لأنّ كلّ محدود متناه إلى حد، وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان، فهو غير محدود، ولا متزايد ولا متناقص، ولا متجزئ، ولا متوهم».)قال الرجل: فأخبرني عن قولكم إنه لطيف سميع بصير عليم حكيم، أيكون السميع إلا بالأذن والبصير إلا بالعين، واللطيف إلا بعمل اليدين، والحكيم إلا بالصنعة؟فقال أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ : «إنّ اللطيف منا على حدّ اتخاذ الصنعة، أوما رأيت الرجل منا يتخذ شيئاً يلطف في اتخاذه، فيقال: ما ألطف فلاناً.. فكيف)

لا يقال للخالق الجليل : لطيف؛ إذ خلق خلقا لطيفاً وجليلاً، وركب في الحيوان أرواحاً، وخلق كلّ جنس متبائناً عن جنسه في الصورة؛ لا يشبه بعضه بعضاً، فكلّ له لطف من الخالق اللطيف الخبير في تركيب صورته، ثمّ نظرنا إلى الأشجار وحملها، أطائبها المأكولة منها وغير المأكولة، فقلنا عند ذلك: إن خالقنا لطيف لا كلطف خلقه في صنعتهم..وقلنا: إنه سميع لا يخفى عليه أصوات خلقه ما بين العرش إلى الثرى، من الذرة إلى أكبر مناه في برّها وبحرها، ولا تشتبه عليه لغاتها، فقلنا عند ذلك: إنه سميع لا بإذن..وقلنا: إنه بصير لا ببصر؛ لأنه يرى أثر الذرة السحماء في الليلة الظلماء على الصخرة السوداء، ويرى دبيب النمل في الليلة الدجية، ويرى مضارها ومنافعها، وأثر سفادها، وفراخها ونسلها، فقلنا عند ذلك: إنه بصير لا كبصر خلقه...قال [الراوي]: فما برح حتّى أسلم.. وفيه كلام غير هذا» (1.)إلى غير ذلك ممّا ورد عن أهل بيت النبوة (عَلَيهِم السَّلَامُ في نفي التشبيه والتكييف والتجسيم في الجوامع الحديثية (2).)


1) التوحيد: 254.

2) للمزيد راجع توحيد الصدوق باب التوحيد ونفي التشبيه.. فقد نقل فيه (27) حديثاً.)وبحار الأنوار 3: باب نفي الجسم والصورة.. فقد نقل فيه (47 حديثاً. وأيضاً: الجزء الرابع منه، كتاب التوحيد.

الأسئلة :* ألا يُعدّ تجنّب ابن تيميّة وأتباعه الأخذ بأحاديث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ، السبب الأساسي لتخبّطهم في مسائل التوحيد ؟)* لماذا رفض ابن تيميّة وأنصاره الرجوع إلى حملة علم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، لتعلم معالم الدين؟)* ألا تقع مسؤولية حرمان علماء أهل السنّة من تلقي أحاديث أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ العظيمة، على الأوائل الذين غَصبوا حقوقهم، وأسّسوا أساس الظلم والجور عليهم؟)***#### الإشكال الثاني: خروج ابن تيميّة عن منهج أهل الحديث في تعامله مع روايات التجسيم(رواية الاستواء معلوم والكيف مجهول، نموذجاً:)خالف ابن تيميّة منهج أهل الحديث في تصحيحه لأخبار التجسيم، وهذا ما نراه في تصحيحه لرواية: «الاستواء معلوم والكيف مجهول» (1،)


1) رويت بألفاظ مختلفة غير هذا اللفظ.. رواها: عثمان بن سعيد الدارمي (280هـ)، وعبد اللّه ابن جعفر بن حيان (369هـ)، وهبة اللّه اللالكائي (418هـ)، وأبونعيم الأصبهاني (430هـ)، والبيهقي (458 هـ)، وابن عبد البر (463هـ) في التمهيد، وعبد اللّه بن قدامة المقدسي (620هـ)، والذهبي(748هـ).

وذلك في مجموعة من كتبه (1.)قال الدكتور يحيى عبد الحسن الدوخي: «إنّ الاستدلال بهذه الرواية مردود من عدّة جهات:الجهة الأولى: أغلب طرق هذه الرواية ضعيف سنداًإذا تتّبعنا جميع أسانيد هذه الرواية، سنرى أن أغلب طرق هذه الرواية ضعيف، لاسيما الرواية الأولى التي رواها الدارمي (280هـ فهو الأصل لأكثر الطرق لهذه الرواية، والرواية مرسلة؛ لأنه نقلها عن: (رجل سماه لي)، ولا نعلم من هو هذا الرجل..)أضف إلى ذلك [أنه] وقع في سندها (مهدي بن جعفر الرملي، وهذا الرجل لم يخرج له البخاري ومسلم فضلاً عن المجاميع الأربعة الباقية، ولعل السبب في ذلك أنه صاحب أوهام (2)، ويروي عن الثقات أشياء لا يتابعه عليها أحد (3).)ونعتقد أن المسقط لحديثه قول البخاري عنه: «حديثه منكر» (4لذا قال عبد الرزاق البدر: «وقد اضطرب في روايته لهذه القصة، فرواها مرة عن)


1) صحح ابن تيميّة الرواية المذكورة في: موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1 : 162، مجموع الفتاوى 3: 25، 5: 348 الرسالة التدمُريّة 1 : 29، الصفدية 1: 289، وكتب ورسائل وفتاوى ابن تيميّة في التفسير 16: 473.

2) كما جاء في تهذيب الكمال في أسماء الرجال 28: 590.

3) كما جاء في تقريب التهذيب 28: 118.

4) ميزان الاعتدال 4: 195.

شیخه جعفر بن عبد اللّه عن مالك، ورواها مرة أخرى عن شيخه جعفر، عن رجل عن مالك، ورواها مرّة ثالثة عن مالك مباشرة» (1.)الجهة الثانية: الرواية أثر مقطوع لا يحتج بهلو تنزلنا وقلنا بصحة الرواية، ولكنّها أثر مقطوع لم يروعن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، بل الراوي لها هو: مالك بن أنس، وهو: رجل تابعي..)والحديث المقطوع كما هو واضح هو ما جاء عن التابعين موقوفاً عليهم من أقوالهم وأفعالهم، ولم يرفع لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏.)ولا يحتج به في شيء من الأحكام الشرعيّة، فضلاً عن العقدية؛ لأنه كلام أو فعل أحد المسلمين ليس إلا، وهو معرض للخطأ والصواب..نعم لو كانت هناك قرينة تدلّ على رفعه لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ لكان صحيحاً، ولكن لا قرينة في البين.)قال صاحب التقريرات السنية: «المتن الذي أضيف لتابع وكذا من دونه، قولاً أو فعلاً حيث خلا عن قرينة الرفع والوقف هو : المقطوع، وهو: ليس بحجة» (2.)لذا فكلام الذهبي والألباني في تصحيح هذا الأثر مردود؛ لانقطاعه..فكلامهما لا يجدي نفعاً؛ لأنه أثر مقطوع - كما تقدم - لم يروعن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، أو عن الصحابي، - على فرض حجيته - نعم وردت رواية موقوفة عن)


1) الأثر المشهور عن مالك: 40.

2) التقريرات السنيّة في شرح المنظومة البيقونية 1: 21.

أم سلمة؛ ولكن هذه الرواية ضعفها المحدثون ومنهم ابن تيميّة نفسه.الجهة الثالثة: عدم ثبوت الصفة اللّه تعالى بقول صحابي أو تابعيذكر الخطيب البغدادي قاعدة نافعة في كتابه الفقيه والمتفقه، وهي: «لا تثبت الصفة اللّه بقول صحابي أو تابعي إلا بما صح من الأحاديث النبويّة المتفق على توثيق رواتها، فلا يحتج بالضعيف، ولا بالمختلف في توثيق رواته، حتّى لو ورد إسناد مختلف فيه وجاء حديث آخر يعضده، فلا يحتج به»(1.)فالخطيب يشدد على عدم قبول إثبات صفة اللّه من دون ورودها وصدورها القطعي عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، ولو ورد حديث عنه ضعيف وله طرق كثيرة تعضده، فلا عبرة به.. فما بالك لو كان الحديث مقطوعاً كما ورد عن مالك.)الجهة الرابعة دلالة الرواية تغاير ما نقله ابن تيميّة.. فالكيف غير معقول، لا أنّه غير مجهول، وفرق كبير بين المفهومينثمّ أنه لم يرد هذا النص الذي نقله ابن تيميّة بقوله: «الاستواء معلوم والكيف مجهول».. بل الصيغة التي تتبعناها في كلماتهم هي: «الكيف غير معقول والاستواء منه غير مجهول».. وفي بعضها: «وكيف عنه مرفوع»..، والفرق بينهما كبير (2.)***


1) غاية البيان في تنزيه اللّه عن الجهة والمكان: 7.

2) منهج ابن تيميّة في التوحيد : 137. بتصرّف.

### الإشكال الثالث: بطلان نظرية ابن تيميّة في المجازلجأ ابن تيميّة لأجل إضفاء صبغة علميّة على ما زعمه من عدم وجود ما لا يفهمه أحد في القرآن، وضرورة حمل ألفاظه على ظواهرها، إلى إنكار المجاز في اللغة العربيّة، وأنه ليس فيها إلا الحقيقة.. وعلى هذا فلا يوجد في الكتاب والسنّة مجاز أصلاً عند الحراني وأتباعه.قال ابن تيميّة بشأن تقسيم الكلام إلى الحقيقة والمجاز: «هذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمّة المشهورين في العلم، كمالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي...، أوّل من غرف أنه تكلّم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثني» (1.)وقال: «تقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم مبتدع محدث، لم ينطق به السلف، والخلف فيه على قولين.. وليس النزاع فيه لفظياً، بل يقال: نفس هذا التقسيم باطل، لا يتميّز هذا عن هذا، ولهذا كان كلّ ما يذكرونه من الفروق يبيّن أنها فروق باطلة.... وقولهم: اللفظ إن دل بلا قرينة فهو حقيقة، وإن لم يدل إلا معها فهو مجاز.. فقد تبين بطلانه»(2.)وقال: «هذا التقسيم لا حقيقة له، وليس لمن فرّق بينهما حدّ صحيح یمیز به بین هذا وهذا، فعلم أن هذا التقسيم باطل، وهو تقسيم من لم يتصوّر


1) الإيمان: 72.

2) المصدر السابق: 94.

ما يقول، بل يتكلم بلا علم، فهؤلاء مبتدعة في الشرع، مخالفون للعقل» (1.)يرد عليه :أولاً: بطلان قول ابن تيميّة بحادثية التقسيم بعد القرون الثلاثة الأولىقال الأستاذ عبد المحسن العسكر (2: «المجاز معروف في كلام العرب، وهو موجود في أشعار الجاهليين وفي خطبهم..والقرآن اشتمل على المجاز؛ لأنه نزل بلغة العرب، وقد اكتشف العلماء منذ بدايات التصنيف أساليب المجاز في كلام العرب، وفي كلام اللّه - جل وعلا -، وفي كلام رسوله – (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم -، وتجد ذلك مبثوثاً في كتب اللغة، وفي كتب التفسير، وفي كتب شراح الأدب، وغيرهم، لكن الذين سجلوا المجاز في بدايات عهد التصنيف لم يسموه باسمه، ولكنهم سموه: (اتساعاً)، وسموه: (استعارة)، وسموه (اختصاراً)، وسموه: (طريقا من طرائق الكلام)..)وعندكم - مثلاً - أقدم كتاب وصل إلينا، وأجلّ كتاب وصل في علم العربيّة، وهو: كتاب سيبويه؛ فإن هذا الكتاب - كما قال ابن تيميّة: «لا يقدر أكثر الناس على أن يصنّف مثله»، وقال: «لا يوجد في العالم من يقدر على


1) المصدر السابق: 80.

2) الأستاذ المشارك في قسم البلاغة والنقد والأدب الإسلامي بكلية اللغة العربيّة بجامعة محمّد بن سعود.)راجع: alquran.org.sa

تصنيف مثل کتاب سیبویه»، هذا الكتاب الذي يظن كثير من الناس أنه وضع في علم اللغة وأصول مفرداتها - ليس كما يظن هؤلاء، بل إن كتاب سيبويه وضعت فيه أصول علوم اللغة من نحو، ولغة، وفقه لغة، وبيان، ومعان؛ حتّى قال الشاطبي في كتاب (الموافقات: «إن سيبويه لم يُعن بأصول اللغة فقط، بل إنه تحدث عن سائر أساليب العرب، وتكلّم عن علوم المعاني والبيان».. ولهذا فإنّ بعض مؤرّخي البلاغيين يذكرون أن أوّل من كتب في علم البلاغة هو: سيبويه، كما ذكر ذلك المراغي في: (تأريخ علوم البلاغة ورجالها).)إن سيبويه تعرض للمجاز في أماكن مختلفة من كتابه، وسأنقل إليكم بضعة أسطر منه لتقفوا على كلام الرجل ؛ قال: «ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى : (واسْأَلِ الْقَرْيَةَ، إنّما يريد: (أهل القرية)، ومثله: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)، ومثله: (بنو فلان يطؤهم الطريق) يريدون: (أهل الطريق)»..)وقال مرة: «ومثله في سعة الكلام:لَقَدْ لُمتِنا يا أُمَّ غَيلان في السرى ***ونمت وما ليل المطي بنائم»وهكذا عبّر في مواضع متفرقة من كتابه، ويسمّي: (السعة، و(التوع).)وأمثلة سيبويه التي تعرض لها في المجاز هي عينها التي دارت في كتب البلاغيين، حتّى إنّ الشواهد التي ساقها من أشعار العرب ومن القرآن هي التي أوردها عبد القاهر الجرجاني في كتابه: (أسرار البلاغة.)

هذا الذي يتحدث عنه سيبويه باسم: (التوسُّع هو: المجاز؛ ولذلك نبه الشراح - شرّاح سيبويه - إلى أن هذا الذي سماه: (السعة، والتوسّع) هو: المجاز، وممن نبه على ذلك من الشراح السيرافي، والنحاس، والأعلم الشنتمري في كتابه، فكل هؤلاء قالوا: أن هذا التوسع هو الذي سمي فيما بعد بالمجاز.)ومما يدلّنا على أنّ هذا (التوسُّع عند سيبويه هو: (المجاز)، أن هذه الشواهد والأمثلة هي عينها الموجودة في كتب البلاغة، وكذلك علمنا أن هذا مجاز من واقع من سمّى المجاز بعد ذلك من علماء الإسلام في كتبهم، وهم كثير لا يحصيهم العد، فإنّهم يقولون عند أساليب المجاز: (توسُّع ومجاز.. توسع ومجاز.. توسع ومجاز).)وقد وقفت على أكثر من ثلاثين موضعاً من كتب العلماء يقولون: (هذا توسع ومجاز.. هذا توسع ومجاز، وهذا دليل على أن المجاز الذي سماه سيبويه توسعاً هو المجاز، وهذا الذي يقولون أنه توسع ومجاز، هو من قبيل عطف التفسير، أو هو من قبيل العطف بالمرادف، فليكن هذا على علم.)سيبويه (180هـ على أرجح الأقوال كتابه أوّل كتاب وصل إلينا في علوم اللغة، وفي القرن الثاني هذا - الذي هو بداية عهد التصنيف - وجدنا المجاز مبثوثاً في كتابات العلماء يسمونه: (توسعاً)، ويسمونه: (استعارة)، فممن سمّاه توسعاً الشافعي في كتابه: (الرسالة)؛ فإنّه ذكر جملة من أساليب المجاز، وقال: «هذا على سعة اللسان العربي»، وعندي نصوص هنا أوردتها من كلامه، لكنّي أتركها اختصاراً للوقت.)

وممّن سمّى المجاز في عصر سيبويه (استعارة أبو عمرو بن العلاء (154هـ)؛ فإنه قد سمّى المجاز (استعارةً)، ونقل له شواهد على ذلك ابن رشيق في: (العمدة).. وممّن سمّى المجاز استعارة من أهل القرن الثاني أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه (شرح النقائض)، وغير هؤلاء.)ووقفت في القرن الثاني على نصوص مجازية سميت (مجازاً.. ممن سمّى المجاز (مجازاً) من أهل القرن الثاني الأخفش (215هـ) في: (معاني القرآن)؛ فإنه في كتابه جاء عند قول اللّه - جل وعلا – (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ)، قال: هذا من المجاز؛ حيث عبر بالمفرد عن الكل في قوله: (السَّماء)؛ فإن السماء عنده مفرد، بدليل قوله: ﴿فَسَوَّاهُنَّ)، قال: «ومن أهل العلم من قال إن هذا جنس»، والذي يهمنا هنا أنه سمّى (المجاز).)وممن سمّى (المجاز - أيضاً - في ذلك العصر أبو عبيدة معمر بن المثنى، ولنا معه سبح طويل، أبو عبيدة سمّى كتابه (مجاز القرآن)، وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أنه عنى بالمجاز: ما يجوز في اللغة، فكأنه تفسير لما يجوز في اللغة، ولكن - أيها الأخوة – كتاب أبي عبيدة من الهضم له أن يقال إنّه تفسير لغوي محض؛ فإنّ هذا الكتاب حفل بشرح أساليب العرب، وذكر كثيراً ممّا ذكره البلاغيون في كتبهم، وحلّل صوراً كثيرة من المجازات والاستعارات والكنايات وشواهده التي حلّلها ذكرها من بعده البلاغيون..)وقد أعجبني من بحث بحثاً موسعاً في هذا الكتاب، وهو: الشيخ

مصطفى هرموش في كتابه القاعدة الكلية: إعمال الكلام أولى من إهماله وأثرها في الأصول، فإنّه حلّل كتاب أبي عبيدة وخلص إلى أنّ كثيراً من الأساليب المجازية التي تناولها البلاغيون قد عرض لها أبو عبيدة وسمّاها : (المجاز)، فكيف يقال إن أبا عبيدة لم يرد إلا المجاز اللغوي؟!)إن أبا عبيدة - أيها الأخوة - سمّى كتابه بـ : (المجاز، وحوى هذا الكتاب تفسيراً لغويّاً، وبياناً للمعاني، وشروحاً للمفردات، لكنه تناول مجازات كثيرة على اصطلاح البلاغيين، ولا أزعم أن أبا عبيدة هو الذي ابتكر اصطلاح المجاز، فإنّ هذا أمر لا أقول به أنا، ولا يستطيع أن يجزم به أحد بدلائل صريحة، ولكنّه سمّى المجاز (مجازاً).)إن الشاعر أبو تمام - معروف - هذا من كبار شعراء العربيّة، ويمكن [أن] يأتي في المرتبة الثانية بعد المتنبي – تقريباً، له بيت يقول فيه:لقد تركتني كأسها وحقيقتي*** مَجاز وصبح من يقيني كالظنفأورد المجاز في مقابل الحقيقة.أبو تمام (232هـ ولد سنة ثمانين ومائة فورود هذا المصطلح على لسانه ممّا يدلل على أن هذا المجاز بمعناه الاصطلاحي كان معروفاً إذ ذاك، ولا يمكن أن يقال : هو الذي ابتكره؛ لأن الشعراء ليسوا ممن يضعون المصطلحات، هذا في القرن الثاني، وأبو تمام عاش طائفة من القرن الثالث.)لا نكاد نأتي إلى القرن الثالث حتّى نجد المجاز مشتهراً بمعناه الاصطلاحي الذي هو يقابل الحقيقة عند العلماء، فبحثوه وتردّد في ساحات العلم، وأذكر

لكم ثلاثة من العلماء الكبار الذين يعد كلّ واحد منهم رأساً في جماعته..فابن قتيبة (276هـ عرض في كتابه: (تأويل المشكل) باباً سماه: (القول في المجاز)، ثمّ تكلّم عمّن يطعن في القرآن بالمجاز، ثمّ تكلّم أيضاً على الذين يردّون على من نفى المجاز وناقشهم نقاشاً كثيراً، وابن قتيبة - في نظري – يعد أول رجل بوب للمجاز التبويب الاصطلاحي المعروف عند المجازيين.)وهنالك أيضاً شيخه الجاحظ (255هـ، له كتابات في المجاز منتشرة)في: (الحيوان، فتناوله وسماه: (المجاز)، والجاحظ معدود في طائفة الأدباء.. وابن قتيبة إلى اللغويين أقرب منه إلى غيرهم.)كذلك ممن عرض للمجاز من أهل القرن الثالث: الدارمي في كتابه: (النقض على بشر المريسي؛ فإنّه عرض للمجاز في صفحات متعددة من كتابه، وهو معدود في علماء الإسلام.)البخاري (256هـ في كتابه (خلق أفعال العباد) تكلّم عن المجاز في مقابل لفظ (الحقيقة).)وهذا الإيراد للمجاز بمعناه الاصطلاحي في هذه البيئات المختلفة.. الأدباء، واللغويون، والمحدثون، وعلماء الشريعة يدلّ على أنه كان مشهوراً في القرن الثالث، لاسيما في المنتصف الأول منه..أما ما بعد هذا القرن الثالث...» (1.)


1) محاضرة للأستاذ عبد المحسن العسكر تحت عنوان: (المجاز في اللغة والقرآن)، ألقاها بعد مغرب يوم الأحد 1429/12/2هـ بقاعة المقصورة بالرياض، قامت بتنظيمها الجمعية العلميّة السعوديّة للقرآن وعلومه :.alquran.org.sa

ثانياً: إنكار ابن تيميّة المجاز بمعناهيقول صالح الجبرين (1في رسالته حول المجاز: «ينكر ابن تيميّة المجاز في اللغة بمعناه في كتابه: (الإيمان، وأما ما جاء في: (المسودة) من إقرار بصحة التقسيم إلى الحقيقة والمجاز بقوله: «مسألة: اللغة مشتملة على الحقيقة وكذا المجاز في قول الكافّة خلافاً للإسفراييني...»، فهذا ليس لابن تيميّة وإنّما لجده، وهو: مجد الدين ابن تيميّة، فالمسودة كتاب جمعه أحد تلامذة ابن تيميّة فاشترك فيه كلام الجد والابن والحفيد، فما كان يرمز له بقوله: «قال شيخنا»، فهذا يقصد به تقي الدين، وما كان يرمز له بقوله: «قال والد شيخنا»، فهذا يقصد به شهاب الدين وما لم يرمز له بشيء فهو من كلام مجد الدين فكلّ مسألة تبدأ ليس فيها رمز فهى للجد.)وأما ابن تيميّة فهو يقول بأن ما كان يسمّى مجازاً، فهو على الصحيح عنده لا يطلق عليه أنه مجاز، ولكن يقال أنه لفظ مشترك اقترن بقرينة.. ثم قسم القرينة إلى لفظية وحالية، ثمّ قسم القرينة الحالية إلى ما يختص بالنوع وما يختص بالشخص، ولا شك أن هذا دليل على تناقض ابن تيميّة في هذه المسألة، فتقسيمه هذا بالتحديد، هو تقسيم حادث!


1) من علماء السعودية المعاصرين.)راجع موقعه على النت salehaljibreen.blogspot.com

وإذا كان اصطلاحه اصطلاحاً سائغاً، فاصطلاح الجمهور من باب أولى، ولكن اصطلاحه ليس اصطلاحاً سائغاً البتة.. فقد وجد فيه الكثير من الأخطاء، ممّا يقوّي اعتقادنا بأنه لم يفهم سبب التقسيم إلى حقيقة ومجاز...قال ابن تيميّة في المسودة عن اللفظ المشترك الموضوع بقرينة لفظية للنوع - وهو يعني المجاز - : «... شيخنا: فصل: إذا استعمل اللفظ في معنى ثم استعمل في غيره لعلاقة مشتركة، فإما أن يقال: كان موضوعاً لما به الاشتراك فقط، أو لما به الامتياز، وامتياز الأوّل عن الثاني لم يستفد من نفس اللفظ المفرد فقط، بل بقرينة تعريف أو إضافة ونحو ذلك، فهذا يكون حقيقة فيها كما قلنا في أسماء اللّه التي يسمّى بها غيره..وإما أن يقال: بل كان موضوعاً لما به الاشتراك والامتياز أو لما به الامتياز فقط، كلفظ الأسد والحمار والبحر ونحو ذلك، لكن إذا استعمل في الثاني، فإما أن يكون بقرينة لفظية أو حالية، فإن كان بقرينة لفظية، فإما أن يكون للنوع أو للشخص، فأما النوع فهذا كثير كما يقال: إبرة الذراع وإبرة القرن ورأس الذكر ورأس المال ورأس الدرب ونحو ذلك، فهذا قد قيل: إنه مجاز، والأصوب أنه حقيقة، وهو وضع ثان لهذا المضاف، لكن الموضوع هو الأول وغيره، وإنما كان يدل على ذلك المعنى بدون تركيب، فإذا وضع المركب صار وضعاً جديداً لم يوضع قبل ذلك لمعنى أصلا...»(1.)أقول: ولنا وقفة مع قوله السابق ذكره، فلازم قوله هنا أن اللغات


1) المسوَّدة : 387.

اصطلاحيّة، وهذا لا شك في أنه تناقض مع ما قرره ابن تيميّة نفسه في كتابه: (الإيمان حيث إنّه انتصر للقول الذي يقول بأنّ اللغات توقيفية من اللّه عزّ وجل - وهو القول الصحيح المأثور عن السلف – ولكنه هنا يشير إلى أن من الألفاظ ما كان وضعها اصطلاحي، وذلك في قوله السابق ذكره: «وإنّما كان يدل على ذلك المعنى بدون تركيب، فإذا وضع المركب صار وضعاً جديداً لم يوضع قبل ذلك لمعنى أصلاً... واللازم الذي ذكرته هنا الآن، يثبت أيضاً بطلان قول من يقول: إن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز تقسيم باطل، أليس هذا ما قاله ابن تيميّة؟)الذي يفهم من كلامه أنه يرى أنّ من الألفاظ ما استعمل لمعنى أوّل، ومنها ما استعمل في غير موضوعه الأصلي، مع أنه كان من الأحرى بابن تيميّة أن يقول: (استعمال، ولا يقول: (وضع)، فلفظ (الوضع) في کلامه يفهم منه اللازم الذي ذكرت لك، وهو: أن اللغات اصطلاحيّة، فقولنا: «استعمال اللفظ في غير ما وضع له على وجه يصح»، غير قولنا: «وضع اللفظ في غير موضوعه الذي وضع له»، هذا الفرق لمن تأمله من الحذاق، يبين تناقض ابن تيميّة في هذه المسألة..)فإن جادل مجادل وقال: الحقيقة ثلاثة أقسام:القسم الأول: الحقيقة اللغوية: وهي الأصل.القسم الثاني: الحقيقة العرفيّة وهي ما وضع عرفاً، أو ما وضعه أهل كل فن لشيء من مصطلحاتهم.

القسم الثالث: الحقيقة الشرعيّة المنقولة: وهي ما استعمله الشرع كالصلاة للأقوال والأفعال المخصوصة، والإيمان للعقد بالجنان ونطق باللسان وعمل بالأركان، ونحو ذلك.وابن تيميّة يقصد بالوضع قطعاً وضع الحقيقة العرفيّة، فإنك ترى العرب يغيرون المسمّى في بعض الحقائق، فمثلاً قولنا: الدابة»، فهي في أصل اللغة لكلّ ما يدب على الأرض، ثمّ هجرتها العرب وصارت عرفاً حقيقة للفرس ولكلّ ذات حافر، وهذا ذكره أهل الأصول في كتبهم، وابن تيميّة يقصد بالوضع هنا الوضع العرفي.فنقول رداً على هذا المجادل: يرد على هذا الكلام الباطل بأمرين:الأوّل: إن ابن تيميّة لا يؤمن أصلاً بالتقسيم، وهو: تقسيم اللفظ إلى: حقيقة ومجاز، وتقسيم الحقيقة إلى لغويّة وعرقية وشرعيّة، فكيف يجادل عنه به؟ثانياً: لم يقل ابن تيميّة أصلاً في كلامه أنه يقصد الحقيقة العرفيّة عند کلامه عن اللفظ المركب الذي صار بتركيبه وضعاً ثانياً حقيقياً، وكلامنا أصلاً عن المجاز وكونه استعمال اللفظ في غير موضوعه، فابن تيميّة يقول بأنه لا يوجد استعمال اللفظ في غير موضوعه بل كلّ الكلام حقيقة، فهو لا يؤمن بالحقيقة العرفيّة أو اللغويّة أو الشرعيّة أصلاً، بل يعتبر اللفظ كله حقيقة، وله تقسيمات أخرى لحقيقته التي ذهب إليها وقد توسّع فيها.ثم لنا وقفةً أخرى: فأهل اللغة يجعلون المجاز أنواعاً، كالتشبيه والاستعارة.. فأين يذهب ابن تيميّة بالاستعارة؟ بل أين يذهب بالمقلوب؟ أو

الحذف والاختصار؟فكل هذه لا تنفع أن تكون وضعاً جديداً عند التركيب، فهذه الأمور لا تدخل ضمن اصطلاح ابن تيميّة فإن أنكرها فأين تذهب حقائقها؟» (1.)ثالثاً: كفر القائل بالمجاز عند ابن تيميّةيقول صالح الجبرين أيضاً: «إن ابن تيميّة لم يقل بأن التقسيم حادث فحسب، ولم ينكر المجاز بمعناه فحسب، فلو كان ذلك كذلك لهان الأمر وصار خلافاً سائغاً يناقش بالأدلّة، ولكن ابن تيميّة رتب على قوله أموراً لا ينبغي للمسلم المنصف أن يوافقه عليها فضلاً عن طالب العلم أو العالم الفقيه، فقد أهان شيخنا ابن تيميّة علماء الإسلام ممن صحت عقيدتهم، ونزل من مكانتهم بغير حق؛ فقال: إن من قال بهذا التقسيم فهو مبتدع في الشرع، وأنه يتكلّم بغير علم وبغير تصوّر لما يقول، بل قال بان من قال بتقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز مخالف للعقل !حيث إنّه قال بنصّه: «ونحن نجيب بجوابين: أحدهما: كلام عام في لفظ الحقيقة والمجاز.. والثاني: ما يختص بهذا الموضع.. فبتقدير أن يكون أحدهما مجازاً، ما هو الحقيقة من ذلك من المجاز؟ هل الحقيقة هو المطلق أو المقيّد، أو كلاهما حقيقة حتّى يعرف أن لفظ الإيمان إذا أطلق على ماذا يحمل ؟..


1) أرشيف منتدى الألوكة - 2 محرّم 1432 هـ = ديسمبر 2010م هذا الجزء يضم مجلس العقيدة والقضايا majles.alukah.net

فيقال أوّلاً: تقسيم الألفاظ الدالة على معانيها إلى حقيقة ومجاز، وتقسيم دلالتها أو المعاني المدلول عليها، إن استعمل لفظ الحقيقة والمجاز في المدلول أو في الدلالة، فإنّ هذا كله يقع في كلام المتأخرين، ولكن المشهور أن الحقيقة والمجاز من عوارض الألفاظ، وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من الأئمّة المشهورين في العلم كمالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي، بل ولا تكلّم به أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم.. وأول من عرف أنه تكلّم بلفظ «المجاز» أبو عبيدة معمر بن المثنى....» (1.)أقول: لا شك في أن هذه كبيرةً من الإمام ابن تيميّة في حق الأئمّة الأعلام الذين قالوا بهذا التقسيم من أصحابنا الحنابلة، الذين عرفوا بحسن العقيدة وصفائها، كأمثال الإمام القاضي أبي يعلى شيخ المذهب ومنقحه، والإمام البحر العلامة ابن قدامة المقدسي، وغيرهم من الأئمّة في المذاهب الأخرى كالشافعيّة والمالكية ممن عرفوا بحسن العقيدة.فإن جادل صاحبنا المجادل بقوله: إنّ ابن تيميّة لما ذكر الجواب الثاني وقال ما قال من أمور أنت استعظمتها، فإنّه لا يقصد الأئمّة المعروفين المشهود لهم بحسن العقيدة وصفائها، بل هو يقصد المبتدعة في باب الإيمان، فاقتصاصك الكلام من سياقه الصحيح يشعرك بأنه كان يقصد


1) الإيمان 73، مجموع فتاوى ابن تيميّة 7: 87.

أولئك الأئمّة الفحول، والأمر ليس كذلك، يدلّ على هذا بداية الكلام حين قال بنصه قبل ذكر الجوابين «ونحن نجيب بجوابين: أحدهما: كلام عام في لفظ الحقيقة والمجاز. والثاني: ما يختص بهذا الموضع...»، فهو يصرح بأن الجواب الثاني - وهو الذي أنت استعظمته – إنما هو مختص بهذا الموضع، وهو موضع الردّ على المرجئة والجهميّة..فنقول نحن ردّاً على جهل هذا المجادل: هذا هو ادعاء العصمة بعينه! والتحريف والتلفيق على الأئمّة، فكلام ابن تيميّة واضح جلي لا خفاء فيه، فظاهر جوابه الثاني عام في كلّ من قال بالتقسيم، ولم يوجه ذلك لطائفة معيّنة، فإن أنكرت أنّ ظاهر جوابه العموم فأنت جويهل لا تعرف ما هو الظاهر من الباطن.وأما كلامه في البداية بقوله: «ونحن نجيب بجوابين: أحدهما: كلام عام في لفظ الحقيقة والمجاز.. والثاني: ما يختص بهذا الموضع...»، فهو يقصد بقوله: «الموضع»: موضع التقسيم وليس موضع الردّ على المرجئة والجهميّة، وهذا ظاهر واضح، فابن تيميّة قد قال بنصّه: «أحدهما: كلام عام في لفظ الحقيقة والمجاز...»، فماذا يقصد بقوله (في لفظ؟)لا شك أنه يقصد بذلك لفظ الاصطلاح، والدليل على ذلك أنه ناقش في الجواب الأول كون الاصطلاح حادث. وأما قوله: «والثاني: ما يختص بهذا الموضع...»، فهو يقصد موضع التقسيم، والدليل على ذلك أنه ناقش في الجواب الثاني حكم هذا الاصطلاح وهل هو اصطلاح باطل أم صحيح في معناه ولم يتعرّض للجهمية بالرد، فدل على أنه عام.

إذاً: الجواب الأوّل كان في لفظ الاصطلاح وكونه حادثاً، والجواب الثاني في حكمه وكونه صالحاً أم غير صالح، ولا دليل البتة على أنه يقصد الجهميّة والمرجئة، ومن حملها على هذا فهو متقعر مختلق للأعذار، مدع للعصمة والعياذ باللّه من هذا.ثم لو سلمنا جدلاً وتنزلاً أن الجواب الثاني قد قصد به الجهميّة، فإنّ من الأشاعرة أئمة أعلام لهم جهود في خدمة هذا الدين، وابن تيميّة يسمّي الأشاعرة جهميّة، ومن استقرأ كلامه يعرف هذا، ومن الأشاعرة كما قلنا أئمة أعلام، صلاحهم وتقواهم وعلمهم يمنع من انتقاصهم فضلاً عن سبّهم، فلا ينبغي أن يقال في حقهم ما قاله شيخنا ابن تيميّة..» (1.)رابعاً اتفاق جمهور علماء أهل السنّة على ثبوت المجازأكد علماء أهل السنّة على ثبوت المجاز في اللغة والشرع في كثير من كلماتهم، وقد جمع جملة منها الدكتور عبد العظيم المطعني (2 في كتابه: (المجاز في اللغة والقرآن بين الإجازة والمنع، ونكتفي هنا بذكر أسماء هؤلاء للاختصار:)* أبو حنيفة النعمان بن ثابت (150هـ، مالك بن أنس (179هـ)،)


1) أرشيف مجلس العقيدة والقضايا 2 محرم 12 majles.alukah.net

2) أستاذ البلاغة والنقد بكلية اللغة العربيّة بجامعة الأزهر، وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة بمصر، له: الجامع في دفع الشبهات المثارة حول السنّة النبويّة، والإسلام في مواجهة الايديولوجيات المعاصرة، وبحوث في بلاغة القرآن والمجاز في القرآن.)للمزيد راجع كتاب عبد العظيم المطعني في عيون معاصريه.

(180هـ، محمّد بن ادريس الشافعي (204هـ)، الفراء (207هـ)، أبو عُبيدة مَعْمَر ابن المثنى (208هـ)، الأخفش الأوسط (215هـ)، أحمد بن حنبل (241هـ)، الحارث بن أسد المحاسبي (243هـ)، ابن قتيبة (276هـ)، ابن المعتز(296هـ)، ابن جرير الطبري (310هـ)، النحاس (338هـ)، عليّ بن عبد العزيز الجرجاني (366هـ أو 392هـ)، الجصاص (370هـ)، أبو الفتح عثمان بن جنّي (392هـ)، أحمد بن فارس (395هـ)، ابن حزم الظاهري (456هـ)، عبد القاهر الجرجاني (471هـ)، أبو حامد الغزالي (505هـ)، الزمخشري (538هـ)، السكاكي (626هـ)، النووي (676هـ)، الخطيب القزويني (739هـ)، ابن حجر العسقلاني (852هـ)، السيوطي (911هـ)، مصطفى صادق الرافعي (1356هـ).)***### الإشكال الرابع: الأخذ بظواهر الصفات الخبرية وعدم تأويل المتشابهات عند ابن تيميّةتنقسم الصفات الذاتية إلى ما يثبت من خلال العقل المستقل كـ : الحياة، والوجود، والعلم، والقدرة، وما لا يدركه العقل كـ : الوجه، والصورة، واليد، والأصابع، والجنب، والرجل، والقدم وغيرها من الصفات الخبرية..ومن الأصول والقواعد القرآنية التي في ضوئها نتمكن من فهم معاني الصفات الخبرية ومصاديقها؛ هي: مسألة عرض المتشابه على المحكم، على أساس كون هذه الصفات واردة في الآيات المتشابهة..فإن الآية إذا كانت محكمة، فتبقى على ظاهرها ولا تحتاج إلى شيء، وإذا كانت متشابهة فمن أجل فهمها لا بد من إرجاعها إلى المحكمات،

ومن اتبع المتشابهات دون إرجاعها إلى المحكمات كان هدفه ابتغاء الفتنة، ووقع في الزيغ؛ كما قال تعالى: (هو الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللّه وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كلّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الْأَلْبَاب (1).)والأمر المهم هنا هو تأكيد ابن تيميّة على كون جميع آيات الصفات الخبرية محكمة، وأنه لا بد من حملها على الظاهر والإيمان بها كما ورد في ظاهرها (2، دون أن يذكر لنا دليلاً واحداً على مدعاه، مضافاً إلى عدم التزامه بضابطة اتباع حكم العقل المستقل في التمييز بين الصفات المحكمة والمتشابهة؛ كالمنع من نسبة الجهل، أو النقص والحدوث إلى اللّه تعالى..)فلو أخذنا مثال الجسمانية، نرى أنّ ابن تيميّة وفقاً لمبناه يعدها صفة كمال اللّه تعالى، فيثبت لوازمها من قبيل المكان والحيز، والجهة، ونحو ذلك، ولذلك يصل إلى تلك النتيجة التي مفادها: أن اللّه سبحانه وتعالى له صورة الإنسانية.. وسيأتي تفصيل الكلام في ذلك عند دراسة حديث: «خلق اللّه آدم على صورة الرحمن».قال أبو زهرة بشأن رأي ابن تيميّة في الأخذ بظواهر النصوص وعدم


1) سورة آل عمران: 7.

2) راجع كلامه في العقيدة الحموية الكبرى، الرسالة الحادية عشرة من مجموع الرسائل الكبرى لابن تيميّة 429 العقيدة الواسطيّة، الرسالة التاسعة من مجموع الرسائل الكبرى: 398، مجموعة الرسائل والمسائل 1: 297،209، 203.

صرفها عن ظاهرها: «... ويخوض ابن تيميّة في الموضوع على أساس وجهة نظره في رأي السلف، وهو أنهم لم يتوقفوا بل أخذوا بظواهرها في الجملة غير باحثين عن الكيفيّة، وإن اتباع الكيفية زيغ...، وإن ابن تيميّة بلا شك يختار – كما ترى – أن الصحابة يحملون معاني الآيات المتشابهات على ظاهرها ولا يسألون عن كيفها، كما لا يسألون عن حقيقة الذات الإلهيّة»(1.)***


1) ابن تيميّة.. حياته وعصره.. آراؤه وفقهه : 236.

### موقف علماء أهل السنّة من تأويل الصفات الخبريةأنكر كثير من علماء أهل السنّة رأي ابن تيميّة في آيات الصفات الخبرية، ووافقوا رأي الإماميّة في كونها من المتشابهات، ومن الشواهد والمؤيدات على ذلك:1- قال القرطبي (578هـ (1)بشأن عبارة: «وكلتا يديه يمين»: «... وكذلك قال في حديث آخر والقصور في حقه تعالى، وكذلك كلّ ما أطلق على اللّه تعالى أي الصفات الخبرية ممّا يدل على الجوارح والأعضاء، كالأعين، والأيدي، والجنب، والإصبع، وغير ذلك ممّا يلزم من ظاهره التجسيم الذي تدلّ العقولُ بأوائلها على استحالته، فهي كلّها متأوّلة في حقه؛ لاستحالة حملها على ظواهرها» (2).)2- وقال أيضاً في الأخذ بالمتشابهات: «... يتبعونه ويجمعونه طلبا للتشكيك في القرآن، وإضلالاً للعوام، كما فعلته الزنادقة، والقرامطة الطاعنون في القرآن، أو طلباً لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة، الذين جمعوا ما وقع في الكتاب والسنّة ممّا يوهم ظاهره الجسمانية، حتّى اعتقدوا أن الباري تعالى جسم مُجسَّم وصورةٌ مُصوّرة ذات وجه، وعين، ويد، وجنب، ورجل، وإصبع، تعالى اللّه عن ذلك...، وقد عُرف أن مذهب


1) هو غير صاحب كتاب التفسير المشهور.

2) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 3: 37.

السلف ترك التعرّض لتأويلاتها مع قطعهم باستحالة ظواهرها» (1.)3- وقال أيضاً: «قال شيخنا أبو العباس: متبعوا المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلباً للتشكيك، أو طلباً لاعتقاد ظواهر المتشابه»(2.)4- قال ابن سعيد الطوفي (716هـ: «... وأما معنى المحكم فاجود ما قيل فيه: أن المحكم المتضح المعنى كالنصوص والظواهر...، والمتشابه مقابله، وهو غير المتضح المعنى، فتشتبه بعض محتملاته ببعض للاشتراك...، أو لظهور تشبيه في صفات اللّه تعالى كآيات الصفات وأخبارها، نحو (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) (3)، و(لَما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (4)، و (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (5)»، «يد اللّه ملأى لا تغيضها النفقة»، و«فيضع الجبار قدمه»، و«يظهر لهم في الصورة التي يعرفونها»، و«خلق اللّه آدم على صورة الرحمن»، ونحو ذلك ممّا هو كثير في الكتاب والسنّة؛ لأنّ هذا اشتبه المراد منه على الناس، فلذلك قال قوم بظاهره، فجسّموا وشبّهوا، وفرّ قوم من التشبيه فتأوّلوا وحرّفوا، فعطّلوا، و توسط قوم فسلَّموا وأمروه كما جاء..» (6).)5- قال العيني (855هـ: «يتنزّل في باب التفعل، وهذا من باب)


1) المصدر السابق 6: 697.

2) الجامع لأحكام القرآن 5: 22.

3) سورة الرحمن: 27.

4) سورة ص : 75.

5) سورة المائدة: 64.

6) شرح مختصر الروضة 2: 43.

المتشابهات، والأمر فيها قد علم، إما التفويض وإما التأويل بنزول ملك الرحمة، ومن القائلين...، فعلى هذا الأساس وأمثاله، وليس في هذا الباب وأمثاله إلاّ التسليم والتفويض إلى ما أراد اللّه من ذلك، فإن الأخذ بظاهره يؤدي إلى التجسيم» (1.)6- قال السمعاني (489هـ في ذيل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَل امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ) (2): «وهذا الخبر إشارة إلى الرواية: لا تزال جهنّم تقول: هل من مزيد حتّى يضع الجبار فيها قدمه...، يؤيد القول الثاني، والخبر من المتشابه...» (3).)7- ذهب شعيب الأرنؤوط في تعليقه على مسند أحمد أن الصفات الذاتية الخبرية من المتشابهات؛ إذ قال: «(قدمه و (رجله) هو من المتشابه، وقيل: تأويل الرجل بالجماعة، والقدم بالذين قدّمهم لها من شرار خلقه، كما أن المسلمين قدمه إلى الجنّة...» (4).)قال أبو زهرة: إن الكلام في تأويل المتشابه له اتصال وثيق بالكلام في


1) عمدة القاري شرح صحيح البخاري 7: 291.

2) سورة ق: 30.

3) تفسير القرآن 5: 245.

4) مسند أحمد بن حنبل 13 : 152، ذیل حدیث رقم: 7718.)ولأجل ما قاله الأرنؤوط كتبوا كتاباً للردّ عليه بعنوان: (استدراك وتعقيب على الشيخ شعيب الأرنؤوط في تأويله بعض أحاديث الصفات، تأليف: خالد بن عبد الرحمن ابن حمد الشايع، وبتعليق: عبد العزيز بن باز.

الصفات والوحدانية، فالكلام في أحدهما يلازمه الكلام في الآخر، والأساس في هذا الموضوع هو أن كلمة (متشابه قد وردت في القرآن الكريم في مقابل آيات محكمات...، وأن جمهور المفسرين على أن الآيات المتشابهات في كتابه الكريم هي الآيات المتعلقة بالصفات والأفعال المضافة إليه سبحانه وتعالى...» (1).)وقال أيضاً: «... وننتهي من هذا إلى أن ابن تيميّة يرى الألفاظ في اليد والنزول والقدَم والوجه والاستواء على ظاهرها...، وهنا نقف وقفة: إن هذه الألفاظ وضعت في أصل معناها لهذه المعاني الحسيّة، ولا تطلق على وجه الحقيقة على سواها، وإذا أطلقت على غيرها، سواء أكان معلوماً أم مجهولاً، فإنها قد استعملت في غير معناها»(2.)فإن قال الحراني: أنها استعملت حقيقةً.. نقول: هذا هو التجسيم بعينه. وإن قال مجازاً، فإذن ليس على الظاهر، وهذا هو المطلوب، ولا يوجد أمامه خيار ثالث؛ إذ أنها لا تكون بحال من الأحوال مستعملة في ظواهرها، بل تكون مؤوّلة إذا لم يحملها على الحقيقة، وعلى ذلك يكون ابن تيميّة قد فرَّ من التأويل ليقع في تأويل آخر، وفرَّ من التفسير المجازي ليقع في تفسير مجازي آخر، ولذلك استشكل أبو زهرة على ابن تيميّة بأنه يحمل الصفات الخبرية اللّه تعالى على حقائقها ويقول: جسم لا كالأجسام، ولكنّه [أي ابن


1) ابن تيميّة.. حياته وعصره.. آراؤه وفقهه: 236.

2) المصدر السابق : 233.

تيميّة ] يعترض على أولئك الذين يذكرون ملاذ الجنّة ويصفونها على حقيقتها، ويقول: ليس المراد حقائق الجنّة، بل هي استعمالات مجازية..قال أبو زهرة: «... وفي الوقت الذي يغضب فيه الغضب الشديد، ويستنكر ذلك الاستنكار الشديد في من يحمل هذه الألفاظ ويرجعها إلى محكماتها في الصفات الخبرية، نراه يعتبر كلّ الأسماء الواردة في نعيم الجنّة مجازية» (1.)


1) المصدر السابق : 233.

### نصوص التأويل في كلمات أعلام أهل السنّةلا يمكن حصر نصوص التأويل عند أئمة أهل السنّة وعلمائهم في مجلّدات فضلاً عن بحثنا المختصر، فلهذا نكتفي بذكر أسماء بعض من أثبت التأويل واستعمله (1وهم:سفيان الثوري (161هـ، ومالك بن انس (179هـ)، وأحمد بن حنبل (241هـ)، والبخاري (256هـ)، والطبري (310هـ)، والبغوي (317هـ)، وابن المنذر النيسابوري (319هـ)، وابن حبان (354هـ)، وأبو بكر البيهقي (458هـ)، وأبو حامد الغزالي (505هـ)، والزمخشري (538هـ)، وابن الجوزي الحنبلي (597هـ)، والفخر الرازي (606هـ)، والقرطبي (671هـ)، والنووي (676هـ)، و ناصر الدين البيضاوي (685 هـ أو 691هـ)، وبدر الدين بن جماعة (733هـ)، والخطيب القزويني (739هـ)، وأبو حيان الأندلسي (745هـ)، وإبن كثير (774هـ)، وابن حجر العسقلاني (852هـ)، والسيوطي (911هـ)(2).)


1) للاطلاع على كتب التأويل ونصوصه عند علماء أهل السنّة راجع:)/ تأويل / ketabpedia.com/search/bookname

2) للمزيد راجع: تأويلات أهل السنّة لمؤلفه: أبي منصور محمّد بن محمّد السمرقندي.

### تأويل ابن تيميّة لحديث: ((إنّ اللّه هو الدهر))أول ابن تيميّة حديث: «إن اللّه هو الدهر»؛ قائلاً: «لا يتوهم عاقل أن اللّه هو الزمان، فإنّ الزمان مقدار الحركة والحركة مقدارها من باب الأعراض والصفات القائمة بغيرها كالحركة والسكون والسواد والبياض، ولا يقول عاقل: إن خالق العالم هو من باب الأعراض والصفات المفتقرة إلى الجواهر والأعيان؛ فإنّ الأعراض لاتقوم بنفسها بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به، والمفتقر إلى ما يغايره لا يوجد بنفسه بل بذلك الغير، فهو محتاج إلى ما به في نفسه من غيره، فكيف يكون هو الخالق، ثم أن يستغني بنفسه وأن يحتاج إليه ماسواه، وهذه صفة الخالق سبحانه؟فكيف يتوهم أنه من النوع الأوّل، وأهل الإلحاد القائلون بالوحدة أو الحلول أو الاتحاد لا يقولون : إنّه هو الزمان ولا أنه من جنس الأعراض والصفات، بل يقولون: هو مجموع العالم أو حال في مجموع العالم.. فليس في الحديث شبهة لهم لو لم يكن قد بيّن فيه أنه سبحانه مقلب الليل والنهار، فكيف وفي نفس الحديث أنه بيده الأمر يقلب الليل والنهار؟إذا تبين هذا، فللناس في الحديث قولان معروفان لأصحاب أحمد وغيرهم؛ أحدهما، وهو قول أبي عبيد وأكثر العلماء: إن هذا الحديث خرج الكلام فيه لردّ ما يقوله أهل الجاهلية ومن أشبههم، فإنهم إذا أصابتهم مصيبة أو منعوا أغراضهم أخذوا يسبون الدهر والزمان؛ يقول أحدهم: قبح

اللّه الدهر الذي شتّت شملنا، ولعن اللّه الزمان الذي جرى فيه كذا وكذا، وكثيراً ماجرى من كلام الشعراء وأمثالهم...، والتقدير: أن ابن آدم يسب من فعل هذه الأمور وأنا فعلتها، فإذا سب الدهر فمقصوده سب الفاعل، وإن أضاف الفعل إلى الدهر فالدهر لا فعل له، وإنما الفاعل هو اللّه وحده...والقول الثاني، قول نعيم بن حمّاد وطائفة معه من أهل الحديث والصوفية: إن الدهر من أسماء اللّه تعالى، ومعناه القديم الأزلي.. ورووا في ذلك بعض الأدعية: يا دهر يا ديهور يا ديهار.. وهذا المعنى صحيح؛ لأن اللّه سبحانه هو الأوّل ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء، فهذا المعنى صحيح، إنما النزاع في كونه يسمّى دهراً بكل حال.. فقد أجمع المسلمون وهو ممّا علم بالعقل الصريح أن اللّه سبحانه وتعالى ليس هو الدهر الذي هو الزمان أو ما يجري مجرى الزمان، فإنّ الناس متفقون على أن الزمان الذي هو الليل والنهار» (1.)أقول: هذا تأويل واضح وصريح من ابن تيميّة؛ إذ قال: «لا يتوهم عاقل أن اللّه هو الزمان»، وقال أيضاً: «فقد أجمع المسلمون – وهو مما علم بالعقل الصريح - أن اللّه سبحانه وتعالى ليس هو الدهر الذي هو الزمان»، مع أن لفظ الحديث: «إن اللّه هو اللدهر» وابن تيميّة صرف المعنى عن ظاهره في تفسيره لهذا الحديث.


1) مجموع الفتاوى 2: 492.

### تأويل آخر من ابن تيميّة لحديث النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)سُئل ابن تيميّة عن الحديث القدسي: «ما وسعني لا سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن»..فأجاب: «هذا ما ذكروه في الإسرائليات ليس له إسناد معروف عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، ومعناه وسع قلبه محبتي ومعرفتي، وما يروى القلب بيت الرب، هذا من جنس الأوّل، فإن القلب بيت الإيمان باللّه تعالى ومعرفته ومحبته» (1).الأسئلة :* كيف يفسّر أتباع ابن تيميّة التزامه بالنصوص الظاهرة في إثبات الجسمانية؛ وتركه النصوص النافية لها ؟* هل يمتلك ابن تيميّة أدلة قاطعة على نفيه المجاز في اللغة العربيّة؟* ما هو وجه إصرار الحرّاني على الأخذ بالظاهر فيما يؤوّله الآخرون من أعلام أهل السنّة؟* ما هو دليل ابن تيميّة على كون الآيات التي يستدل بها من


1) المصدر السابق 18: 122.)وللمزيد راجع: نقد الخطاب السلفي 217.

المحكمات، لا من المتشابهات؟* ما هو المعيار في تمييز النصوص المحكمة عن المتشابهة عند ابن تيميّة ؟* هل يرتضي الألباني والعثيمين أن نطلق على ابن تيميّة بأنه : معطل ومحرّف، وعلى غير ما كان عليه السلف؛ لأنه خرج عن منهجه مرات عديدة وأول بعض الآيات؟### النقطة الثامنة : نسبة التجسيم إلى جماهير أهل الإسلامالسؤال :* كيف ينسب ابن تيميّة القول بالتجسيم أو عدم نفي الجسمانية إلى جماهير أهل الإسلام، وقد ورد في كثير من كتب علماء أهل السنّة وأتباع مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ التصريح بتنزيه اللّه سبحانه عن ذلك ؟)ذكر يونس العامري في رسالة: (الأقوال المرضية في تنزيه اللّه عن الجسم والكيفيّة كلمات كثيرة لعلماء الفريقين في نفي التجسيم؛ لم نذكرها للاختصار، ويمكنكم الاطلاع عليها من خلال زيارة مكتبة موقع: «موسوعة أسئلة الشيعة لأهل السنّة» (1).)***


1) راجع : alsoal.com/books.

### معتقد ابن تيميّة في ثبوت الحدّ للّه تعالى1- كرّر ابن تيميّة في: (الموافقة نص ما قاله أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي (280هـ)؛ مؤيداً له دون أن يردّ عليه بكلمة؛ إذ قال:... فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد، ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل اللّه، وجحد آيات اللّه» (1).)2- قال في (بيان تلبيس الجهميّة عند ردّه على الفخر الرازي (606هـ): «... وأمّا وصفه بالحدّ والنهاية الذي تقول أنت في معنى الجسم، فهم فيه كسائر أهل الإثبات على ثلاثة أقوال منهم من يثبت ذلك، كما هو المنقول عن السلف والأئمّة...» (2).)3- وقال: «... وهذا المحفوظ عن السلف والأئمّة من إثبات حدّ اللّه في نفسه...» (3.)4- ونقل كلمات سلفه من باب ذكر المؤيد لمعتقده؛ فقال: «قال عثمان بن سعيد الدارمي: وللّه تعالى حدّ لا يعلمه أحد غيره، ولا يجوز لأحد


1) درء تعارض العقل والنقل 2: 58.

2) بیان تلبيس الجهميّة 1: 52.

3) المصدر السابق 2: 163.

أن يتوهم لحده غاية في نفسه، ولكن نؤمن بالحدّ ونكل علم ذلك إلى اللّه. و لمكانه أيضاً حد، وهو على عرشه فوق سماواته، فهذان حدان اثنان...، فهذا كله شواهد ودلائل على الحد، ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل اللّه، وجحد آيات اللّه (1.)5- وقال أيضاً: «سئل عبد اللّه بن المبارك [ (181هـ]: بم يعرف ربنا ؟ قال: بأنه على عرشه بائن من خلقه.. قيل: بحدٍّ؟ قال: بحدٍّ» (2).)6- وقال: «الجهميّة كانوا يقولون ليس له حد، وما لا حدّ له لا يباين المخلوقات، ولا يكون فوق العالم؛ لأن ذلك مستلزم للحد، فلما سألوا أمير المؤمنين في كلّ شيء عبد اللّه بن المبارك: بماذا نعرفه؟قال: بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه فذكروا لازم ذلك الذي تنفيه الجهميّة، وبنفيهم له ينفون ملزومه الذي هو: موجود فوق العرش، ومباينته للمخلوقات.. فقالوا له: بحدّ ؟ قال : بحدٍّ. وهذا يفهمه كلّ من عرف ما بين قول المؤمنين أهل السنّة والجماعة وبين الجهميّة الملاحدة من الفرق (3.)7- وقال: «ثمّ من كان من السلف أخبر بحال الجهميّة مثل الذين كانوا يباشرونهم من السلف والأئمّة الذين بالعراق وخراسان إذ ذاك؟ فإنّهم كانوا أخبر بحقيقة أمرهم لمجاورتهم لهم، فإنهم قد يتكلمون بنقيض ما نفوه،


1) المصدر السابق 2: 158.

2) المصدر السابق 1: 472.

3) المصدر السابق 1: 443.

وقد يتوقف بعضهم عن إطلاق اللفظ، مثل لفظ الحد، فان المشاهير بالإمامة في السنّة أثبتوه، كما ذكره عثمان بن سعيد عنهم، وسمّى ابن المبارك..وذكر شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتاب (ذمّ الكلام بإسناده ما ذكره حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب أحمد وإسحاق في مسائلة عنهما وعن غيرهما.. قال: قلت لإسحاق بن إبراهيم: ما تقول في قوله (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ) (1)الآية... قال: حيث ما كنت هو أقرب إليك من حبل الوريد، وهو بائن من خلقه.. قلت لإسحاق: على العرش بحدّ ؟ قال : نعم بحد، وذكره عن ابن المبارك ؛ قال : هو على عرشه بائن من خلقه...» (2).)


1) سورة المجادلة: 7.

2) بیان تلبيس الجهميّة 2: 160.

### تناقض ابن تيميّة وأتباعه في مسألة الحدّ بين التوقّف والإثباتحاول ابن تيميّة وأتباعه الهروب من بعض المحذورات في مسألة الحدّ بالتوقف في الأمر، مدعين عدم تطرّق الكتاب والسنّة لهذه المسألة بالنفي والإثبات فقالوا: إن الكلام فيها بدأ على يد عبد اللّه بن المبارك (181هـ، كما قال الدشتي (665هـ) في كتابه: (إثبات الحدّ وبأنه قاعد وجالس على عرشه): «أوّل من صرّح بإثبات الحدّ اللّه تعالى - كما يذكر أهل السنّة - هو: عبد اللّه بن المبارك، ثمّ تتابع إجماع أهل السنّة من بعده على ذلك»(1).)ومن الذين قالوا بأن المسألة لم تكن مطروحة لا في الكتاب ولا في السنة، هو: الشيخ محمّد بن صالح العثيمين في كتابه: (شرح العقيدة السفارينية؛ إذ قال: «... وكلمة الحدّ من الألفاظ التي لم ترد في الكتاب ولا في السنّة، فليس في الكتاب أن اللّه يحدّ ولا أنه لا يحدّ، ولا في السنّة أنّ اللّه يحدّ ولا أنّه لا يحدّ، فلا ضرورة أن نقول: إنّه يحدّ أو لا يحدّ، ولو كان من الضروري أن نعتقد أنّ اللّه يحدّ أو لا يحدّ لبيّنه اللّه تعالى أو بيّنته السنّة؛ لأن اللّه تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ) (2)» (3).)


1) إثبات الحدّ اللّه تعالى : 114.

2) سورة النحل: 89.

3) شرح العقيدة السفارينية : 236.

وهكذا الحال بالنسبة إلى ابن تيميّة في جوابه على من اعترض بأن مسألة الحدّ لم ترد في الكتاب والسنّة، فلم يذكر أنها وردت في كتاب أو سُنّة، وإنّما ذكر أسباب القول بالحدّ، وأنه لولا القول بالحدّ لما تميّز الخالق عن المخلوق(1، فهو إذن لم يستند إلى الكتاب والسنّة لطرح هذه المسألة، وإنّما استند إلى نظرية عقلية فقط.)ومن الذين أشاروا إلى ذلك أيضاً الدارمي في كتاب: (ردّ الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد؛ إذ قال في الحاشية: «كلمة الحدّ لم ترد في الكتاب ولا السنّة، ونحن لا ننسب إلى اللّه صفة ولا لفظاً، إلا ما ورد نصاً عن اللّه ورسوله، مع أنا لا نقول فيها بالرأي ولا القياس، وإنما نرد علم حقيقتها إلى اللّه» (2).)يرد عليهم :إن مسألة إثبات الحدّ ليست من القضايا المرتبطة بالمتقدمين، وإن تصریح أصحاب هذا الرأي بأنه لا يوجد فيها نص من الكتاب والسنّة، وأنه لا يوجد لها أثر إلا في كلمات ابن المبارك، لم يمنع من وقوعهم في وادي التهافت والتناقض، ففي الوقت الذي ينفون وجود نص في المسألة يعودون إلى القول بوجود نصّ فيها..ومن الشواهد على ذلك ما ورد في كتاب «عبد العزيز بن فيصل


1) راجع كلامه في بيان تلبيس الجهميّة 3: 42.

2) ردّ الإمام الدارمي على بشر العنيد: 23.

الراجحي» (1... المسمى: (قمع الدجاجلة الطاعنين في معتقد أئمة الإسلام الحنابلة)، وهو ردُّ على آراء حسن بن فرحان المالكي».. في كتابه: (قراءة في كتب العقائد)، إذ يقول فيه: «بل صنف الإمام محمود بن أبي القاسم بن بدران الدشتي جزءاً في ذلك سماه إثبات الحدّ للّه تعالى، وساق فيه ما ورد في الباب من أحاديث وآثار ومنها أثر ابن المبارك، فإذا عرفت ذلك علمت أنه قد دلّ عليه الكتاب والسنّة الصحيحة، بل المتواترة وآثار السلف وإجماعهم في المسألة» (2).)


1) درس على يد عبد العزيز بن باز وابن جبرين وصالح الفوزان، وعبد الرحمن البراك وغيرهم. مسؤول في: (مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلاميّة – إداراة المجموعات الخاصة) له: (ذخيرة المعاد في حجيّة خبر الآحاد في الاعتقاد)، و(قدوم كتائب الجهاد لغزو أهل الزندقة والإلحاد)، و(مجانبة أهل الثبور المصلين).

2) قمع الدجاجلة: 420.

### أقوال مجموعة من علماء أهل السنّة القائلين بأنّ اللّه سبحانه له حدّ1- جاء في (مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: «خلق اللّه سبع سماوات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض، وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، والماء فوق السماء السابعة، وعرش الرحمن فوق الماء، واللّه تبارك وتعالى على العرش، والكرسي موضع قدميه، فإن احتج مبتدع أو مخالف أو زنديق فقال: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، وهو معكم أينما كنتم، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، الرحمن على العرش استوى، ونحو ذلك من متشابه القرآن، فقُل: إنما يعني بذلك العلم، لأن اللّه تبارك وتعالى على العرش...، وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان واللّه عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حدّ...»(1).2- قال الدارمي في (الردّ على الجهميّة في باب: استواء الرب تبارك وتعالى على العرش وارتفاعه إلى السماء: «ولو كان على ما يدعي هؤلاء الزائغة أنه تحت الأرض وفوقها كما هو على العرش فوق السماء السابعة، لقال جل)


1) مسائل الإمام أحمد بن حنبل وابن راهويه، رواية حرب بن إسماعيل الكرماني: 359.)أقول: وهل هذا إلا تأويل خلاف الظاهر؟

ذكره في بعض الآيات إنا أطلعناه إليك، ورفعناه إليك، وما أشبهه.. وقال: ﴿وَمَا تتنزل إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ (1)، و(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (2)...)فظاهر القرآن وباطنه يدلّ على ما وصفناه من ذلك [أي: الحدّ]...فمن لم يقصد بإيمانه وعبادته إلى اللّه الذي استوى على العرش فوق سماواته، وبان من خلقه، فإنّما يعبد غير اللّه، ولا يدري أين اللّه...ثمّ ما ما قد رُوي في قبض الأرواح، وصعود الملائكة بها إلى اللّه تعالى من السماء، وما ذكر رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم من قصته حين أسري به فَعُرج به إلى سماء بعد سماء، حتّى انتهى إلى السدرة التي ينتهي إليها علم الخلائق.... ولو كان في كلّ مكان كما يزعم هؤلاء، ما كان للإسراء والبراق والمعراج إذاً من معنى»(3).)3- قال ابن بطة العكبري الحنبلي (387هـ: «قال حرب: قلت لإسحاق ابن راهويه العرش بحد؟ قال: نعم، وذكر عن ابن المبارك قال: هو على عرشه بائن من خلقه بحدّ» (4).)4- جاء في (السُنّة لأبي عبد الرحمن عبد اللّه ابن إمام أهل السنّة أحمد بن محمّد بن حنبل (290هـ): «سمعت عبد اللّه بن المبارك يقول:)


1) سورة مريم: 64.

2) سورة الشعراء: 193.

3) الردّ على الجهميّة 54.

4) الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية 3: 161.

نعرف ربنا فوق سبع سماوات على العرش بائن من خلقه بحدّ»(1.)5- جاء في (الموافقة لابن تيميّة و(العلو للعلي العظيم) للذهبي الشافعي الأثري (748هـ)، و(اجتماع الجيوش الإسلاميّة) لابن القيم (751هـ): «روى الأثرم عن محمّد بن إبراهيم القيسي، قال: قلت لأحمد بن حنبل: يحكى عن ابن المبارك أنه قيل له: كيف نعرف ربنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه بحدّ، فقال أحمد : هكذا هو عندنا» (2).)6- جاء في (إثبات الحدّ للّه عزّ وجلّ وبأنه قاعد وجالس على عرشه وملحقاته إحصاء لأسماء من صرّح بإثبات الحدّ للّه تعالى من عام (181هـ) إلى وقتنا الحاضر؛ وهم:)عبد اللّه بن المبارك، الحميدي عبد اللّه بن الزبير سعيد بن منصور، أحمد بن حنبل، إسحاق بن راهويه، حرب بن إسماعيل الكرماني، الأثرم ابن محمّد بن هانئ عثمان بن سعيد الدارمي، عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، الخلال أبو بكر أحمد بن محمّد أبو عبد اللّه بن بطة العكبري، يحيى بن عمار السجستاني، أبو القاسم ابن منده، أبو إسماعيل الأنصاري الهروي، أبو الحسن الجزري، القاضي أبو يعلى، أبو العلاء الهمداني، أبو القاسم التيمي، ابن الزاغوني، الدشتي ابن تيميّة ابن القيم ابن أبي العز الحنفي، يوسف


1) السنّة 1: 175.

2) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 2: 34، العلو للعلي العظيم 2: 1122، اجتماع الجيوش الإسلاميّة: 226.

ابن عبد الهادي، الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى النجدي، الشيخ سليمان ابن سحمان النجدي، الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ الفوزان»(1.)الأسئلة :* إن كانت مسألة الحدّ غير مذكورة في الكتاب والسنّة، فلماذا هذا الإصرار من قبل القائلين بالحدّ - كابن تيميّة وأتباعه – في إثباته؟* كيف يزعم ابن تيميّة أنّ الحدّ من الصفات المشتركة بين الخلق والخالق، مع وضوح دلالة البراهين العقليّة على اختصاصه بالمخلوقات؟


1) إثبات الحدّ اللّه تعالى: 31.

### مفهوم الحدّ بين المفاهيم المختصة والمشتركة بين الخالق والمخلوقمعنى الحدّ للشيء أن له انتهاء، ومن قال بأن اللّه له حد، يعني أنه موجود في ظرف، ومعدوم في ظرف آخر، ولهذا اعتقد أتباع الفرقة الوهابيّة: «أنّ من اعتقد أن اللّه في الأرض فهو ضال؛ لأن مكانه في السماء، وأنه ليس بموجود على الأرض بل هو فيها معدوم» (1.)ثم إننا إذا نظرنا إلى الجسم المحدود سنجد له نهايات من جهات متعددة، ولهذا يعبّر أتباع التوحيد التيموي: «أن اللّه محدود من جهات ست كأي جسم مادّي آخر»(2.)ومن اللوازم المهمّة لهذا الرأي أن يكون له سبحانه حجماً، وطولا وعرضاً، وعمقاً، ووزناً من الصفات المختصة بالمخلوقات..وبهذا ترتكز المدرسة التيموية على الاعتقاد بأن مفهوم الحدّ من المفاهيم والصفات المشتركة بين الخلق والخالق، مخالفة الاتجاه العام لعلماء المسلمين المنكرين للقول بإثبات الحدّ اللّه تعالى كـ : ابن حبّان البستي (354هـ كما أشار إلى ذلك الشيخ شعيب الأرنؤوط في مقدمة)


1) مجموع فتاوی ورسائل العثيمين: 2460.

2) المصدر السابق : 2485.

تحقيق (صحيح ابن حبّان؛ إذ قال: «... وفذلكة ابن حبّان أوقعته في حبال مشكلة أخرى، وذاك أنه اقتحم في متاهة لا علم فيها ولا دليل، وخاض في أمر كان البعد عن خوض لجاجه أسلم لدينه ونفسه، فقد أنكر الحدّ اللّه، وصرّح بذلك في مقدمة كتابه (الثقات)، فثارت ثائرة الذين أثبتوا للّه الحد، واستشاطوا غضباً، ولم تسترح نفوسهم إلا حين رأوه مطروداً وحيداً يغادر بلدته سجستان، ويفتخر بطرده يحيى بن عمار [(422هـ)] ذاك الواعظ في سجستان حين سأله أبو إسماعيل الهروي [(481هـ): هل رأيت ابن حبّان؟ فيجيبه منتفخاً متعظّماً رافعاً رأسه وكيف لم أره؟ نحن أخرجناه من سجستان..)ويعلل ابن عمار سبب طرده، وأنه تقرّب بذلك إلى اللّه، وانتصر بزعمه للدين...، وفوق اتهامه بالبدعة والزندقة ذكره بعضهم في الكذابين...، فلا يسمع منه ما شدّ فيه، وليس من شأن ما هو شاذ أن يثبت أمام الحقائق الساطعة، أي بقي ابن حبّان علماً فهي التي تمكث في الأرض ويذهب الزبد جفاء، فقد ظل ابن حبّان متألقاً في حياته، بل وبعد وفاته، حتّى أن الناس كانوا يزورون قبره رغم أنف الحاسدين»(1.)ويرى ابن حجر أن الحق مع ابن حبّان في إنكاره للحد؛ اذ يقول: «قال الحاكم: وأبو حاتم.... وكان يحسَد لفضله.... إن أراد القصة الأولى التي صدر بها كلامه، فليست هذه بهفوة، والحق أن الحق مع ابن حبّان» (2.)


1) مقدمة صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان 1: 23.

2) لسان المیزان : 50.

### حكم العقل بكون مفهوم الحدّ من الصفات الخاصة بالمخلوقاتيستطيع العقل المستقل أن يدرك المعارف الدينية القطعية ويحكم عليها بالنفي والإثبات، فكل مسألة عقليّة حكم فيها العقل المستقل بحكم، لا يمكن للنقل أن يعارضه فيها، وكذلك إذا نفى العقل المستقل مسألة فلا يمكن للنقل أن يحكم بخلافها، وهذا هو رأي المحقّقين، حتّى أولئك الذين عارضوا الأدلّة العقلية في بحوثهم مثل ابن تيميّة؛ الذي يصرّح في بعض المواضع بأنّه عند تصادم النقل مع العقل يسقط النقل، ويعتبر بان النصارى الذين قالوا بأنّ اللّه ثالث ثلاثة؛ إن قالوا بذلك معتمدين على النقل، فقولهم باطل لمعارضته للعقل.يقول ابن تيميّة في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: «ولا يميزون [أي: النصارى] بين ما يحيله العقل ويبطله، ويعلم أنه ممتنع كالتثليث، وبين ما يعجز عنه العقل فلا يعرفه، ولا يحكم فيه بنفي ولا إثبات، وأن الرسل أخبرت بالنوع الثاني، ولا يجوز أن تخبر بالنوع الأول، فلم يفرقوا [أي النصارى] بين محالات العقول ومحارات العقول، وقد ضاهوا في ذلك من قبلهم من المشركين الذين جعلوا اللّه ولداً شريكاً» (1).)


1) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 3: 185.

ويقول أيضاً في كتابه (درء تعارض العقل والنقل: «القطعي المقدّم مطلقاً على الظني...»(1).)وعليه نقول: إن مرادنا من القضيّة العقليّة هو: القضية الوجدانية التي يدركها العقل المستقل، فقولنا بأن كلّ موجود محدود، يعني: أنه موجود قابل للعد والحساب، وله حد، وإذا ما وضعنا موجوداً إلى جانب موجود آخر أصبح لدينا محدودان، وهكذا إذا أضفنا إليهما ثالثاً صاروا ثلاثة وهكذا إلى الأربعة والخمسة..وهذا هو العد الذي يعني انتهاء وجود الشيء، ومحدودية الشيء تكون بجعله قابلاً للعد، سواء كان موجوداً أو أنه سيوجد، وهذا وصف للمخلوقات، واللّه تعالى منزه عن ذلك كله.قال الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ: «من حدّه فقد عدّه، و من عده فقد أبطل أزله» (2).)وفي يوم من الأيام طلب شخص من الإمام عليّ بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ أن يحدّ اللّه تعالى له..)فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ : لا حدّ له.)قال ذلك الشخص: ولم؟قال (عَلَيهِ السَّلَامُ : لأن كلّ محدود متناه إلى حدّ..)


1) درء تعارض العقل والنقل 1: 131.

2) نهج البلاغة 2: 40، الخطبة 152.

وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة..وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان..فهو غير محدود ولا متزايد ولا متناقص ولا متجزء...» (1.)هذا وقد تقرر في محله (2أن المحدودية مساوقة للإمكان والافتقار، وكل محدود مفتقر بالذات، وكل مفتقر بالذات محتاج إلى علّة، وعليه: لا يصحّ وصف وجوده (3)سبحانه بالوجوب، ولا يمكن أن ينتهي إليه الوجود، والخالق تبارك وتعالى واجب الوجود وغني بالذات، فلا بد وأن يكون غير محدود..)


1) التوحيد: 246.

2) راجع: النكت الاعتقاديّة: 31 عجالة المعرفة في أصول الدين 30، كشف المراد: 480، مناهج اليقين: 219، إرشاد الطالبين: 239، شرح جمل العلم والعمل: 71، تقريب المعارف: 87، الاقتصاد: 74، المسلك في أصول الدين: 54، قواعد العقائد: 68.

3) أقول: ليس المقصود بالوجود هنا ما توهمه أكثر الفلاسفة من كون حقيقة وجود الخالق والمخلوق جنس واحد وسنخ فارد بمعنى عدم الفرق بينهما إلا بالتناهي وعدمه؛ لأن وجود الخلق حقيقة مقدارية عددية متجزئة، واللّه تعالى يباين خلقه تمام التباين حقيقة لا أن يكون التفاوت بينهما بأمور اعتبارية – كأن يكون أحدهما جزءاً أو مرتبة أو حصة من وجود الآخر - مع الاتحاد في الوجود العيني، بل يكون بينهما غاية التباين والافتراق الواقعي في سنخ الوجود، فلا يحكم على اللّه تعالى بالوجود الذي يحكم به على خلقه ولا يكون مشتركاً معنوياً تاماً، كما أنه لا يكون مشتركاً لفظيّاً أيضاً، إلا أن المقسم لهذين القسمين هو الوجود بمعناه العام الشائع الشامل.

ويرشدك لذلك أيضاً بطلان معنى العَدَم – بالحمل الشائع لا الأولي (1-المأخوذ في تحقق الحد؛ لأن العدم بطلان محض، ولا يصحّ أن يُحكم عليه بشيء من الأحكام الثبوتية عقلاً.)الأسئلة :* هل يمكن أن يثبت الحدّ لشيء لا يمكن عده؟* هل يستطيع أنصار ابن تيميّة إثبات عدم تلازم المعدودية والنقص؟* هل يرى السلفيّة والوهابيّة أنّ اللّه يتصف بنقص يليق به ؟* لماذا يصر ابن تيميّة وأتباعه على إثبات الحدّ اللّه تعالى، وقد ثبت بالأدلّة العقلية المستقلة أنّ اللّه تعالى منزّه عن ذلك؟***


1) لأن الأولي له وجود ذهني.

### إنكار الحدّ في كلمات أعلام أهل السنّةسعى ابن تيميّة سعياً حثيثاً للادعاء بأن قوله بإثبات الحدّ اللّه تعالى هو رأي أهل السنّة والجماعة، وبالتالي رتب نتائج خطيرة على ذلك؛ منها: تكفير المخالف واتهامه والافتراء عليه بالابتداع والشرك، وما شابه ذلك.قال ابن تيميّة في (بيا تلبيس الجهميّة: «هذه الصفات السلبية وإبطال نقيضها، مثل قولهم: ليس فوق العالم، ولا هو داخل العالم، ولا خارجه، وليس في مكان دون مكان وليس بمتحيّز، ولا جوهر، ولا جسم، ولا له نهاية، ولا حَدَّ، ونحو هذه العبارات، فإنّ هذه العبارات جميعها وما أشبهها لا تؤثر عن أحد من الصحابة والتابعين، ولا من أئمة الدين المعروفين، ولا يروى بها حديث عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، ولا توجد في شيء من كتب اللّه المنزلة من عنده..)بل هذه هي من أقوال الجهميّة، ومن الكلام الذي اتفق السلف على ذمه؛ لما أحدثه من أحدثه، فحيث ورد في كلام السلف ذمّ الجهميّة كان أهل هذه العبارات داخلين في ذلك، وحيث ورد عنهم ذم الكلام والمتكلمين كان أهل هذه العبارات داخلين في ذلك؛ فإن ذلك لما أحدثه المبتدعون كثر ذم أئمة الدين لهم، وكلامهم في ذلك كثير قد صنف فيه مصنفات، حتّى إن أعيان هذه العبارات وأمثالها ذكرها السلف والأئمّة فيما

أنكروه على الجهميّة وأهل الكلام المحدّث» (1.)إذن يعتبر ابن تيميّة أن نفي الحدّ لم يؤثر، بل هو من أقوال الجهميّة، وأنّ أئمة سلفه اتفقوا على ذمّ كلام الجهميّة وما أبدعوه.يرد عليه :إن المؤيدات والشواهد على الاختلاف بين سلف أهل السنّة وابن تيميّة في مسألة الحدّ مسألة الحدّ كثيرة؛ نكتفي بذكر بعضها:1- قال أبو جعفر الطحاوي (321هـ (2): «...، وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء، لا تحويه الجهات كسائر المبتدعات» (3).)2- ذكر ابن حجر العسقلاني (852هـ تعليق الذهبي على قصة إخراج ابن حبّان من سجستان بسبب إنكاره الحدّ اللّه تعالى؛ فقال: «...، وقال)


1) بیان تلبيس الجهميّة 6: 683.

2) يقول المحققان التركي والأرنؤوط : «أما بعد، فقد ألف الإمام أبو جعفر أحمد الطحاوي رسالة ضمنها ما يحتاج المكلف إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من أصول الدين کمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد في قضايا الاعتقاد، ومسائله وما يمتّ إليها بسبب، على طريقة أهل السنّة والجماعة من السلف الصالح».)شرح العقيدة الطحاوية: 7.ثم يقولان في موضع آخر: «العقيدة الطحاوية وهي أصل هذا الشرح، وقد حظيت بشهرة ونالت قبول أهل السنّة وإعجابهم على اختلاف مذاهبهم فتناولوها بالشرح والبيان».شرح العقيدة الطحاوية: 35.إذن ما ورد في نفس رسالة الطحاوي (لا في شروحها هو رأي أهل السنّة والجماعة وأئمتهم وسلفهم.

3) شرح العقيدة الطحاوية: 211.

[المثبت للحدّ، للنافي]: ساويت ربّك بالشيء المعدوم، إذ المعدوم لا حدّ له»، ثمّ عقب على قول الذهبي بقوله: «قوله: (ساويت ربَّك بالشيء المعدوم، إذ المعدوم لا حدّ له، نازل، فإنّا لا نُسلّم أن القول بعدم الحدّ يُفضي إلى مساواته بالمعدوم بعد تحقيق وجوده» (1).)3- وعلّق ابن حجر أيضاً على قول الذهبي: «بدت من ابن حبّان هفوة طعنوا فيه بها»؛ قائلاً: «إن أراد القصة الأولى التي صدر كلامه بها - أي إخراجه من سجستان بسبب إنكاره للحدّ - فليست هذه بهفوة، والحق أن الحق مع ابن حبان فيها، وإن أراد الثانية - أي: قول ابن حبّان: النبوة والعلم – فقد اعتذر هو عنها أولا، فكيف يحكم عليه بأنه هفا؟ ما هذا إلا تعصب زائد على المتأوّلين! وابن حبّان قد كان صاحب فنون وذكاء مُفرط وحفظ واسع...» (2.)4- اعترف الدشتي في كتابه (إثبات الحدّ اللّه تعالى بإنكار الحدّ عند جمع كبير من علماء أهل السنّة؛ إذ قال: وممن ذكر عنه نفى الحدّ اللّه تعالى من الجهميّة وغيرهم من الطوائف إمام الجهميّة: الجهم بن صفوان (128هـ)، وبشر المريسي (218هـ)، وأحمد بن أبي داود القاضي (240هـ)، وأحمد بن الحسين البيهقي (468هـ) الذي أنكر الحدّ في كتابه: (الأسماء والصفات)، وابن حبان (354هـ) الذي بسبب إنكاره للحد أخرج وطرد من سجستان، والطحاوي (321هـ) الذي قال في عقيدته الطحاوية: (وتعالى عن الحدود، والغايات، والأركان، والأعضاء،)


1) لسان الميزان 5: 114.

2) إثبات الحدّ اللّه تعالى: 48.

والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، والخطابي (388هـ) الذي أنكر الحدّ اللّه تعالى في رسالته التي سمّاها (الرسالة الناصحة)؛ فقال: (ومن هذا الباب أن قوماً منهم زعموا أن اللّه حداً، وكان أعلى ما احتجوا به في ذلك، حكاية عن ابن المبارك...،) وصاحب كتاب: (البدء والتأريخ) المنسوب للمطهر بن طاهر المقدسي(355هـ)، والقاضي عياض (544هـ) الذي تبعه النووي كعادته في: (شرح صحیح مسلم)، وعبد الوهاب بن علي السبكي (771هـ) في كتابه: (طبقات الشافعيّة)، وابن حجر العسقلاني[(852هـ)]...، ومنهم: السفاريني [(1188هـ)] قال في (الدرة المضيّة): (سُبحانه قد استوى كما ورد من غير كيف قد تعالى أن يُحدّ...،) ومنهم: محمّد حامد الفقي [(1378هـ)] مؤسس جمعية أنصار السنّة بمصر والسودان في حاشية تحقيقه على (طبقات الحنابلة)، ومنهم: شعيب الأرنؤوط في: (مقدمة ترتيب صحيح ابن حبان)» (1).)الأسئلة :* هل تعدّ مسألة إثبات الحدّ نظريّة جمهور علماء أهل السنّة ؟* هل يحق لأتباع ابن تيميّة أن يدلّسوا، ويكذبوا على جمهور الأُمّة، هموهم بأنّ هذا الرأي هو معتقد جميع أهل السنّة؟* ماذا يفعل ابن تيميّة بأقوال سلفه الذين أنكروا إثبات الحدّ اللّه تعالى؟


1) المصدر السابق: 44.

### تكفير المنكرين عند المثبتينكفّر دعاة التجسيم كلّ من خالفهم في الرأي، لاسيما من أنكر الحدّ اللّه تعالى، كما نقل الدشتي في كتاب (إثبات الحدّ اللّه تعالى حكم من أنكر الحدّ اللّه تعالى، وموقف أهل السنّة منهم بحسب دعواه؛ فقال: «أنكر أئمة أهل السنّة على الجهميّة نفيهم الحدّ للّه تعالى؛ ومنهم:)1- قال عثمان الدارمي في النقض على المريسي: «من ادعى أن ليس اللّه حدّ فقد رد القرآن، وادعى أنه لا شيء، لأنّ اللّه وصف حدّ مكانه في مواضع كثيرة في كتابه؛ فقال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (1)، و(أأمِنتُم من في السَّمَاءِ) (2)، و(رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ) (3).)فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحدّ، ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل اللّه، وجَحَد آياته» (4.)2- قال أبو القاسم عبد الرحمن ابن الحافظ أبي عبد اللّه بن منده [(470هـ] : «ولا دين لمن لا يرى اللّه الحد؛ لأنه يُسقط من بينه وبين اللّه)


1) سورة طه: 5.

2) سورة الملك: 16.

3) سورة النحل: 50.

4) ردّ الإمام الدارمي على بشر العنيد: 24.

الحاجز والحجاب والإشارات والخطاب» (1.)3 - قال الدشتي: «فمن مذهب أصحاب الحديث الذين هم أهل السنّة وأئمة المسلمين وعلماؤهم؛ يعتقدون ويشهدون أن من قال: (ليس للّه حدّ يعني بذلك أن اللّه في كلّ مكان... فقد ارتد عن دين الإسلام، ولحق بالمشركين، وكفر باللّه وآياته»(2).)السؤال :* هل يرضى أهل السنّة أن يكفّرهم ابن تيميّة ومن على شاكلته بسبب تنزيههم اللّه سبحانه عن الحدّ ؟***


1) إثبات الحدّ اللّه تعالى: 42.

2) المصدر السابق.

### أسباب الاعتقاد بالحدّ وآثارههناك دوافع وأسباب أدت إلى القول بالحدّ- بحسب أقوال أصحاب هذا الرأي - وهي: التمييز وتحقيق التباين بين الخالق والمخلوق؛ لعدم الوقوع في وادي الحلول..وهذا ما صرّح به أعلام القائلين بالحد، ومنهم الدارمي (280هـ؛ إذ يقول: «حدثنا البزاز البغدادي، حدّثنا عليّ بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك أنه سئل : بما نعرف ربّنا ؟ قال بأنه فوق العرش، فوق السماء السابعة على العرش بائن من خلقه، قال: قلت بحد؟ قال: فبأي شيء إذن؟» (1).)وقال ابن تيميّة في (بيان تلبيس الجهميّة : «... لما كان الجهميّة يقولون ما مضمونه: إن الخالق لا يتميَّز عن الخلق، فيجحدون صفاته التي تميّز بها، ويجحدون قدره، حتّى يقول المعتزلة: إذا عرفوا أنه حي، عالم قدير، قد عرفنا حقيقته وماهيته..)ويقولون: إنّه لا يُباين غيره، بل إمّا أن يصفوه بصفة المعدوم فيقولون: لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا كذا، ولا كذا، أو يجعلوه حالاً في المخلوقات، أو وجود المخلوقات.. فبيّن ابن المبارك أن الرب سبحانه وتعالى على عرشه مباين لخلقه، منفصل عنه، وذكر الحد، لأن الجهميّة


1) الردّ على الجهميّة 1: 98.

كانوا يقولون : ليس له حَدٌ، وما لا حدّ له لا يُباين المخلوقات، ولا يكون فوق العالم، لأن ذلك مستلزم للحد..فلما سألوا عبد اللّه بن المبارك: بماذا نعرفه؟قال: بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه..فذكروا لازم ذلك الذي تنفيه الجهميّة، وبنفيهم له ينفون ملزومه الذي هو موجود فوق العرش ومباينته للمخلوقات.. فقالوا له بحدّ ؟ قال بحدّ»(1.)وممن صرّح بذلك أيضاً الشيخ العثيمين في (شرح العقيدة السفارينية؛ إذ قال: «فمن قال: إنّ اللّه محدود أراد أنّه بائن من خلقه» (2).)أما الدشتي فقد علّل سبب ذكر أهل السنّة الحدّ للّه تعالى؛ بقوله: «لما كانت الجهميّة ينفون عُلو اللّه تعالى على خلقه واستواءه على عرشه،ويقولون: إن اللّه تعالى لا يباين خلقه، وليس بينه وبينهم حد، ولا يتميز عنهم، أنكر عليهم أهل السنّة من السلف الصالح، واشتد نكيرهم عليهم، حتّى كفّروهم، وحذروا منهم، وبينوا للناس أمرهم وتلبيسهم» (3.)وخلاصة ما ذكره أن سبب القول بالحد؛ هو: الردّ على الجهميّة..بينما نرى أن أصحاب القول بالحدّ فروا من محذور إلى محاذير؛ منها: الخلط بين اللازم والملزوم؛ لأن الحدّ لا يعني البينونة، وفرق كبير بين


1) بیان تلبيس الجهميّة 43:3.

2) شرح العقيدة السفارينية: 237.

3) إثبات الحدّ اللّه تعالى: 28.

المفهومين، فإنّ اللازم شيء والملزوم شيء آخر.إن أتباع هذا المنهج تصوّروا أنه لا طريق لإثبات البينونة بين اللّه وبين خلقه إلا بالحدّ، وأنهم إن لم يلتزموا بذلك سيكون سبحانه حالاً في خلقه، وحيث إنه يستحيل أن يكون حالاً في خلقه، فإذن لا بدّ من الالتزام بالحدّ..وقد وقع هؤلاء في اشتباه كبير؛ لأنهم لو تأملوا وحققوا وراجعوا أحاديث أهل بيت النبوة (عَلَيهِم السَّلَامُ لما وصلوا إلى أن طريق المباينة والمزايلة لا يتحقق إلا بإثبات الحدّ.)روي عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «داخل في الأشياء لا بالممازجة، وخارج عنها لا بمزايلة» (1).)وبذلك تتّضح حقيقة التمايز بين الخالق والمخلوق وعدم المشابهة بينهما.. وقد ورد عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ في تبيين تلك الحقيقة أنه قال: «حدّ الأشياء كلها عند خلقه إياها إبانة له في شبهها، فلا هي تشبهه ولا هو شبهها، فلم يحلل فيها فيقال: هو فيها كائن، ولم ينأ عنها فيقال: هو منها بائن، داخل في الأشياء لا كدخول شيء في شيء، وبائن من الأشياء لا كمباينة شيء لشيء، سبحانه هو هكذا ولا هكذا غيره...» (2).)إذن ليست بينونته عن خلقه كبينونة المخلوقات عن بعضها، أو كبينونة كتاب عن کتاب آخر، حيث يبين أحدهما عن الآخر بحده الذي ينتهي عنده.


1) التوحيد : 43.

2) أصول الكافي 1: 214.

إن أتباع أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ يعتقدون بالبينونة بين اللّه تعالى وخلقه بشكل قاطع، ومع ذلك لا يقولون بأن البينونة لا تتحقق إلا بالحد، وإلا لصار (كمثله شيء)، وهذا خلاف محكم الكتاب.)روي عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «... ومباينته إياهم مفارقته إنيتهم» (1).)وورد عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ : «...، ولا إبانته عن الخلق ضيم إلا بامتناع الأزلي أن يثنی» (2).)وبحسب ما روي عن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ يمكن فهم منشأ القول بإثبات الحدّ بأنه نتيجة طبيعية للجهل وعدم المعرفة باللّه سبحانه وتعالى.)فقد ورد عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «أوّل الدين معرفة اللّه تعالى، وكمال معرفته)التصديق به و کمال التصديق به توحید و کمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزاه، ومن جزأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدَّه...» (3.)السؤال :* ما هي آثار القول بالحدّ ؛ غير اتساع دائرة التكفير بين المسلمين؟


1) المصدر السابق : 37.

2) المصدر السابق : 42.

3) نهج البلاغة 1: 14، الخطبة 1.

### معتقد ابن تيميّة في ثبوت الثقل والوزن للّه تعالىنقل ابن تيميّة في (بيان تلبيس الجهميّة خبر القعود والأطيط، قائلاً: «أتى رجل كعباً وهو في نفر، فقال: (يا أبا إسحاق حدثني عن الجبّار).. فأعظم القوم قوله، فقال كعب: (دعوا الرجل فإن كان جاهلا تعلم، وإن كان عالماً ازداد علماً)..)ثم قال كعب: (أخبرك أن اللّه خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن، ثم جعل ما بين كلّ سمائين كما بين السماء الدنيا والأرض، وكشفهن مثل ذلك، وجعل بين كلّ أرضين كما بين السماء الدنيا والأرض..... ثم رفع العرش فاستوى عليه، فما في السماوات سماء إلا لها أطيط كأطيط الرّحل العلافي أوّل ما يرتحل من ثقل الجبار فوقهن..)وهذا الأثر وإن كان هو رواية كعب فيحتمل أن يكون من علوم أهل الكتاب، ويحتمل أن يكون ممّا تلقاه عن الصحابة، ورواية أهل الكتاب التي ليس عندنا شاهد هو لا دافعها ولا يصدقها ولا يكذبها، فهؤلاء الأئمّة المذكورة في إسناده هم من أجل الأئمّة، وقد حدثوا به هم وغيرهم، ولم ينكروا ما فيه من قوله: (من ثقل الجبّار فوقهن.. فلو كان هذا القول منكراً في دين الإسلام عندهم لم يحدثوا به على هذا الوجه» (1).)


1) بیان تلبيس الجهميّة 1: 570.

ثم ذكر ابن تيميّة رأي عبد العزيز البغدادي الأزجي (444هـ بأنه يجري الثقل على ظاهره، مؤيدا له قائلا: «وذكر الخبر القاضي؛ فقال: أعلم أنّه غير ممتنع حمل الخبر على ظاهره، وأن ثقله يحصل بذات الرحمن؛ إذ ليس في ذلك ما يحيل صفاته...» (1).)ثم قال بشأن الخبر المتقدم: «إنّ هذا الحديث وأمثاله وفيما يشبهه في اللفظ والمعنى لم يزل متداولاً بين أهل العلم، خالفاً عن سالف، ولم يزل سلف الأئمّة وأئمتها يروون ذلك رواية مصدق به، راد به علی من خالفه من الجهميّة، متلقين لذلك بالقبول» (2.)هذا وقد أشار الدكتور محمّد بن سعيد بن سالم القحطاني (3إلى اعتقاد ابن تيميّة بثبوت الثقل والوزن اللّه تعالى معتمداً على حديث الأطيط، في تعليقه على حديث كعب في حاشية كتاب: (السنّة) لأبي عبد الرحمن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، ثمّ قال: «في سنده عبدة بنت خالد لم أقف لها على ترجمة...، والذي أراه أنّ هذا كلام في كيفية الصفة لا يدعمه دليلٌ)


1) المصدر السابق 1: 574.

2) المصدر السابق 1: 574.

3) حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة أم القرى عام 1405 هـ، إمام مسجد الفرقان بمكة المكرمة. ألف: (الولاء والبراء في الإسلام)، و(الاستهزاء بالدين وأهله.. عادات وألفاظ تخالف دين اللّه الحق)، و(ويكون الدين كله اللّه)، و(الإعلام بنقد كتاب نشأة الفكر الإسلام)، وحقق: (السنّة) لعبد اللّه بن أحمد، و(شرح السنّة) للبربهاري، الفلسفي في و (تزكية النفس) لابن تيميّة.

صحيح، وما صحّ في كتاب اللّه وسنة رسوله يُغنينا عن هذا» (1.)لكن المغالين في آراء ابن تيميّة لم يتقبلوا ما قاله الدكتور القحطاني، ولذا علّق «أبو معاذ مسلط بن بندر العتيبي» على كلام القحطاني في حاشية كتاب (إثبات الحدّ، قائلاً: «قلت: إن كان مراده إنكار ما دلّ عليه هذا الأثر من نسبة الثقل اللّه تعالى، فهو كلام مردود مخالف لما عليه السلف الصالح، والحمد للّه فقد أراحنا ونسب هذا القول إلى محض رأيه، أما ما دلّ عليه هذا الأثر من نسبة الثقل اللّه تعالى فقد شهدت له النصوص، وتواردت عليه عبارات السلف وأهل العلم من غير نكير، ومن ذلك...» (2)، ثم عدد أولئك الذين قبلوا أن اللّه صفة الثقل فقال: «...، ومنهم ابن تيميّة في بيان تلبيس الجهميّة» (3).)


1) السنّة 2: هامش 455.

2) إثبات الحدّ اللّه تعالى : 164.

3) المصدر السابق.

### بدعية التطرق إلى ما لا يوجد في الكتاب والسنّةلم يتحمّل بعض أعلام الوهابيّة كلام ابن تيميّة في الثقل والوزن، فأشاروا إلى ضرورة عدم نفي وإثبات ما لا يوجد عند اللّه ورسوله، واعتبار المثبت لذلك مبتدع في الدين، وهذا الكلام يلازمه القول بأن ابن تيميّة مبتدع ؛ لأنه كان من الذين أثبتوا القول بمثل هذه القضايا..ولما ذكرنا شواهد كثيرة؛ منها: قول محمّد بن عبد الوهاب: «إن مذهب الإمام أحمد، وغيره من السلف أنهم لا يتكلمون في هذا النوع إلا بما تكلّم اللّه به ورسوله، فما أثبته اللّه لنفسه، أو أثبته رسوله، أثبتوه؛ مثل: الفوقية، والاستواء، والكلام، والمجيء، وغير ذلك؛ وما نفاه اللّه عن نفسه، ونفاه عنه رسوله، نفوه؛ مثل: المثل، والند، والسمي، وغير ذلك، وأما ما لا يوجد عن اللّه ورسوله إثباته ولا نفيه مثل الجوهر، والجسم، والعرض، والجهة، وغير ذلك، لا يثبتونه، فمن نفاه... فهو عند أحمد والسلف مبتدع...، والواجب عندهم: السكوت عن هذا النوع...» (1.)وجاء في كتاب: (فتاوى الأستاذ الدكتور العلامة محمّد خليل الهراس في جوابه عن سؤال السائل: ما هو التفسير الصحيح لقوله تعالى: (الرحمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)؟)


1) الدرر السنية في الأجوبة النجدية 3: 6.

قال: «لا تفسير لقوله تعالى (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ إِلا أَنه علا وارتفع، وكل ما قيل بخلاف ذلك فهو تفسير باطل، وتحريف لكلام اللّه عزّ وجلّ» (1).)وبالملازمة فإنّ هذا الكلام يثبت أنّ ابن تيميّة وأتباعه فسّروا كلام اللّه بتفسير باطل ومحرف.السؤال :* كيف يعالج السلفيّة والوهابيّة تناقض ابن تيميّة بين إثبات الثقل والوزن اللّه تعالى من جهة، وقوله ببدعيّة التطرق إلى ما لا يوجد في الكتاب والسنّة من جهة أخرى؟***


1) فتاوى الأستاذ الدكتور العلامة محمّد خليل الهراس: 27.

### دلالات حديث الأطيط الفاسدةهذا الخبر من أبشع روايات المجسمة؛ إذ يشير إلى أن اللّه عزّ وجلّ يجلس على العرش، ولثقله يئطّ العرش منه أطيطاً (1، وهذا المعنى فاسد


1) معنى لفظ الأطيط:)قال الخليل بن أحمد الفراهيدي: «أط: أطيط الأط والأطيط صوت تقبض المحامل، أط أطيطاً، وكل شيء ثقيل يحمل بعضه على بعض يئط، والأطاط: الصياح، وأطيط الإبل: أنينها من ثقل الحمل، أو صوت هزة عليها».كتاب العين 7: 470.قال الجوهري: «الأطيط : صوت الرحل والإبل من ثقل أحمالها.. يقال: لا آتيك ما أطت الإبل».الصحاح 3: 1115.قال ابن منظور: «... والأطُّ والأطيط: نقيضُ صوت المحامل والرحال إذا ثقل عليها الركبان، وأطّ الرَّحْلُ والنسّعُ يئط أطَّاً وأطيطاً: صوّت، وكذلك كلّ شيء أشبه صوت الرحل الجديد. وأطيط الإبل: صوتُها. وأَطَّت الإبلُ تَئطّ أطيطاً أنت تَعَباً أو حنيناً أو رَزَمة، وقد يكون من الحقل ومن الأبديات. الجوهري: الأطيط صوت الرحل والإبل من ثقل أحمالها».لسان العرب 7: 257.قال ابن الأثير في مادة (أطط: أطّت السماء وحق لها أن تئط، الأطيط صوت الأقتاب التي تحمل على الجمال وأطيط الإبل أصواتها وحنينها، أي أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتّى أطّت أي صدر منها هذه الأصوات هذا مثل، وإيذان بكثرة الملائكة وإن يكن ثم أطيط».)النهاية في غريب الحديث والأثر 1: 54.

حتماً، لا يقول به إلا المجسمة.ويظهر فساده عند الالتفات إلى عدّة نقاط :الأولى: أن الثقل الذي يسبب ضغطاً حقيقياً إنما يكون من تشكل كثافة المادة، وقد ثبت عند علماء الفريقين أن اللّه سبحانه ليس مادة.قال محمّد بن يعقوب الفيروز آبادی (817هـ: «اعلم أن الثقل والخفة متقابلان، فكل ما يترجّح على ما يوزن أو يقدر به؛ يقال : هو ثقيل، وأصله في الأجسام» (1).)الثانية: أن الثقل والوزن من الكيفيات المحسوسة الحادثة؛ التي تختص بالجسم، واللّه تعالى منزّه عن الجسمانية والحدوث.الثالثة: أنّ الجلوس على العرش وكون الرب محمولاً ليس من صفات الكمال، واللّه غني عن هذا العبث، وهو قائم غني بذاته، لا يحتاج إلى عرش أو كرسي.هذا وقد أشار أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ إلى براهين متعددة في تنزيه اللّه سبحانه عن الاتّصاف بهذه الصفات؛ منها ما جاء في الكافي الشريف عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرّة المحدّث أن أدخله على أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأستأذنته، فأذن لي، فدخل فسأله عن الحلال والحرام، ثم قال له: أفتقر أنّ اللّه محمول؟)


1) بصائر ذوي التمييز فى لطائف الكتاب العزيز 2: 334.

فقال أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ: «كلّ محمول مفعول به مضاف إلى غيره محتاج، والمحمول اسم نقص في اللفظ، والحامل فاعل وهو في اللفظ مدحة، وكذلك قول القائل: فوق وتحت وأعلى وأسفل؛ وقد قال اللّه: ﴿ وَللّه الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (1)، ولم يقل في كتبه: إنه المحمول، بل قال: إنه الحامل في البر والبحر، والممسك السماوات والأرض أن تزولا، والمحمول ما سوى اللّه ولم يسمع ولم يسمع أحد آمن باللّه وعظمته قط قال في دعائه: يا محمول»..)قال أبو قرّة: فإنّه قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (2)، وقال: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ) (3)؟)فقال أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ: «العرش ليس هو اللّه، والعرش اسم علم وقدرة، وعرشه فيه كلّ شيء، ثم أضاف الحمل إلى غيره: خلق من خلقه؛ لأنه استعبد خلقه بحمل عرشه، وهم حملة علمه، وخلقاً يسبحون حول عرشه وهم يعملون بعلمه، وملائكة يكتبون أعمال عباده، واستعبد أهل الأرض بالطواف حول بيته، واللّه (عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (4)كما قال، والعرش ومن يحمله ومن حول العرش اللّه الحامل لهم، الحافظ لهم، الممسك القائم على كلّ نفس، وفوق كلّ شيء، وعلى كلّ شيء، ولا يقال: محمول ولا أسفل، قولاً مفرداً لا يوصل بشيء فيفسد اللفظ والمعنى»..)


1) سورة الأعراف: 180.

2) سورة الحاقة: 17.

3) سورة غافر: 7.

4) سورة طه 5.

قال أبو قرة: فتكذب بالرواية التي جاءت أن اللّه إذا غضب إنما يعرف غضبه [و] أنّ الملائكة الذين يحملون العرش يجدون ثقله على كواهلهم، فيخرون سجداً، فإذا ذهب الغضب خف ورجعوا إلى مواقفهم؟فقال أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ: «أخبرني عن اللّه تبارك وتعالى منذ لعن إبليس إلى يومك هذا هو غضبان عليه، فمتى رضي ؟ وهو في صفتك لم يزل غضبان عليه وعلى أوليائه وعلى أتباعه كيف تجترئ أن تصف ربّك بالتغيير من حال إلى حال، وأنه يجري عليه ما يجري على المخلوقين؟)سبحانه وتعالى، لم يزل مع الزائلين، ولم يتغير مع المتغيرين، ولم يتبدّل مع المتبدلين، ومن دونه يده وتدبيره، وكلّهم إليه محتاج، وهو غني عمّن سواه» (1.)


1) أصول الكافي 1: 13.

### موقف أكابر علماء أهل السنّة من خبر الأطيطلقد تبرّأ أعلام أهل السنّة من هذه العقيدة الفاسدة وبينوا بطلان هذه الرواية؛ منهم:1 - البيهقي (458هـ ؛ قال: «هذا حديث ينفرد به محمّد بن إسحاق بن يسار عن يعقوب بن عتبة، وصاحبا الصحيح لم يحتجّا به، إنما استشهد مسلم بن الحجاج بمحمّد بن إسحاق في أحاديث معدودة... (1).)2- قال شمس الدين الذهبي (748هـ: «هذا حديث غريب جداً، فرد، وابن إسحاق حجّةٌ في المغازي إذا أسند، وله مناكير وعجائب، فاللّه أعلم أقال النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) هذا أم لا، واللّه ليس كمثله شيء»(2).)3 - قال ناصر الدين الألباني في (سلسلة الأحاديث الضعيفة: «إن كرسيه وسع السماوات والأرض وإنه ليقعد عليه ما يفضل منه مقدار أربع أصابع...، منكر، وما قاله، وكذلك رواه أبو محمّد الدشتي من طريق الطبراني وغيره عن أبي بكير، ولكنّه قال: هذا حديث صحيح ورواته على شرط البخاري ومسلم، كذا قال، وهو خطأ بين مزدوج، فليس الحديث بصحيح، ولا رواته على شرطهما، فإن عبد اللّه بن خليفة لم يوثقه غير ابن حبان، وتوثيقه لا يعتد به،)


1) الأسماء والصفات: 528.

2) العلو للعلي العظيم 1: 413.

ولذلك قال الذهبي في ابن خليفة: لا يكاد يُعرف، فأنى للحديث الصحة، بل هو حديث منكر عندي، ومثله حديث ابن إسحاق في المسند وغيره...» (1.)4- وقال في تعليقه على كتاب (السُنّة لابن أبي عاصم الشيباني (287ھ) بعد نقل الخبر: «إسناده ضعيف ورجاله ثقات، لكن ابن إسحاق مدلس، ومثله لا يحتج به إلا إذا صرّح بالتحديث، وهذا ما لم يفعله في ما وقفت عليه من الطرق، ولذلك استغربه الحافظ ابن كثير في تفسير آية الكرسي في تفسيره، ثم إن في إسناده اختلافاً»(2).)5- وقال في (سلسلة الأحاديث الصحيحة في ذيل جميع ألفاظ هذا الخبر (3): «هذا كله لا يصحّ مرفوعاً عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم،)


1) سلسلة الأحاديث الضعيفة: 258.

2) كتاب السنّة، ومعه ظلال الجنّة: 263.

3) وهي: «سلوا اللّه الفردوس؛ فإنّها سرة الجنّة، وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش». قال الألباني: (ضعيف).)سلسلة الأحاديث الضعيفة: 3705.«ويحك لا يستشفع باللّه على أحد من خلقه، شأن اللّه أعظم من ذلك، ويحك تدري ما اللّه عزّ وجلّ؟ إن عرشه على سماواته وأرضيه هكذا - وقال بأصبعه مثل القبة – وإنّه ليئط به أطيط الرحل بالراكب». قال الألباني: (ضعيف.)سلسلة الأحاديث الضعيفة: 2639.«إن كرسيه وسع السماوات والأرض، وإنّه يقعد عليه، ما يفضل منه مقدار أربع أصابع - ثم قال بأصابعه فجمعها - وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله». قال الألباني:(منكر.)سلسلة الأحاديث الضعيفة : 866.«ويحك أتدري ما تقول؟ وسبّح رسول اللّه، فما زال يسبّح حتّى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك ! إنه لا يستشفع باللّه على أحد من خلقه، شأن اللّه أعظم من ذلك، ويحك! أتدري ما اللّه؟ إنّ اللّه فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته، وقال بأصابعه! مثل القبة (عليه، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب». قال الألباني: (ضعيف).)شرح الطحاوية : 311.«أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم أعرابي فقال: يا رسول اللّه جهدت الأنفس وضاعت العيال ونهكت الأموال وهلكت الأنعام فاستسق اللّه لنا فإنا نستشفع بك على اللّه ونستشفع باللّه عليك.. قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): ويحك أتدري ما تقول، وسبّح رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) فما زال يسبّح حتّى عرف ذلك في وجوه أصحابه.. ثم قال: ويحك إنّه لا يستشفع باللّه على أحد من خلقه، شأن اللّه أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما اللّه ؟ إنّ عرشه على سماواته لهكذا، وقال بأصابعه مثل القبة عليه، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب». قال الألباني: (ضعيف).)ضعيف أبي داود: 1017.«ويحك! إنه لا يستشفع باللّه على أحد من خلقه إن شأن اللّه أعظم من ذلك، ويحك! أتدري ما اللّه؟ إن اللّه فوق عرشه، وعرشه على سماواته وأرضه مثل القبة، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب». قال الألباني: (ضعيف.)ضعيف الجامع: 6137.«سلوا اللّه الفردوس، فإنّها سرة الجنّة، وإنّ أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش». قال الألباني: (ضعيف.)ضعيف الجامع: 3273.«إن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش». قال الألباني: (ضعيف.)ضعيف الجامع: 1837.«أن امرأة أتت النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم فقالت: ادع اللّه أن يدخلني الجنّة، فقال: فعظم الرب تبارك وتعالى وقال: إن عرشه فوق سبع سماوات وإن به لأطيطا كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله». قال الألباني: (ضعيف).)كتاب السنّة لابن أبي عاصم: 574.«أتى رسول اللّه أعرابي فقال: يا رسول اللّه جهدت الأنفس وضاع العيال ونهكت الأبدان وهلكت الأموال فاستسق اللّه لنا فإنا نستشفع بك على اللّه تبارك وتعالى ونستشفع باللّه عليك، قال: قال رسول اللّه: ويحك تدري ما تقول؟! فسبّح رسول اللّه فما زال يسبّح حتّى عرف ذلك في وجوه أصحابه فقال: ويحك لا تستشفع باللّه على أحد من خلقه فإن شأن اللّه أعظم من ذلك، ويحك تدري ما اللّه؟! إن عرشه على سماواته وأرضيه لهكذا مثل القبة وإنه ليئط أطيط الرحل بالراكب». قال الألباني: (ضعيف.)كتاب السنّة: 575.«أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم أعرابي، فقال: وجهدت الأنفس، وجاع العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام؛ فاستسق اللّه لنا؛ فإنا نستشفع باللّه عليك! فقال النبي(صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): سبحان اللّه سبحان اللّه!، فما زال يسبّح حتّى عرف ذلك في وجوه جوه أصحابه، ثم قال: ويحك! إنه لا يستشفع باللّه على أحد، شأن اللّه أعظم من ذلك، ويحك! أتدري ما اللّه؟! إن عرشه على سماواته لهكذا - وقال بأصابعه مثل القبة عليه - وإنّه ليئط به أطيط الرحل بالراكب».)قال الألباني: (ضعيف ولا يصحّ في الأطيط حديث.)مشكاة المصابيح: 5660.

وبعضه أشدّ ضعفاً من بعض...» (1.)6- قال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على الخبر في حاشية سنن أبي داود (275هـ: «إسناده ضعيف، ثمّ قال المنذري ومحمّد بن إسحاق مدلس، وإذا قال المدلّس: (عن فلان) ولم يقل : (حدثنا)، أو (سمعت)، أو (أخبرنا) لا يحتج بحديثه. إلى هذا أشار البزار مع أن ابن إسحاق إذا صرح بالسماع)


1) سلسلة الأحاديث الصحيحة 1: 226.

اختلف الحفاظ في الاحتجاج بحديثه، فكيف إذا لم يصرح بالسماع» (1.)7- قال رضاء اللّه بن محمّد بن إدريس المباركفوري في حاشية كتاب العظمة لأبي محمّد عبد اللّه بن محمّد بن جعفر بن حيان الأنصاري المعروف بأبي الشيخ الأصبهاني (369هـ: «وإن له أطيطا كأطيط الرحّل.... ولهذا الاختلاف في السند والمتن قد رمي الحديث بالاضطراب، فقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصحّ عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) وإسناده مضطرب جدّاً...)وتارةً يرويه ابن خليفة عن عمر عن رسول اللّه [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ ]، وتارةً يوقفه على عمر ولا يرويه عن رسول اللّه [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ]، وتارةً يوقف على ابن خليفة، وتارةً يأتي: فما يفضل منه إلا أربع أصابع، وتارة يأتي: فما يفضل منه مقدار أربع أصابع، وكل هذا تخليط من الرواة فلا يعوّل عليه...)وقال ابن كثير: ثم منهم من يرويه عن عمر موقوفاً، ومنهم من يرويه عن عمر مرسلاً، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة، ومنهم من يحذفها.. هذا بالإضافة إلى أن عبد اللّه بن خليفة الذي عليه مدار الحديث لم يوثقه غير ابن حبّان وقال فيه: لا يكاد يُعرف، وقال ابن كثير: ليس بذلك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر أصلاً» (2.)8 - قال عبد اللّه الدميجي في تعليقه على الخبر في هامش الشريعة


1) سنن أبي داود : 107.

2) العظمة 2: 549.

للآجري (360هـ: «إسناده ضعيف؛ فيه علتان» (1).)9- قال الدكتور باسم بن فيصل الجوابرة في حاشية (السنة لابن أبي عاصم (287هـ): «إسناده ضعيف»(2).)10- قال الدكتور بشار عواد معروف في تعليقه على الخبر في حاشية (تأريخ مدينة السلام للخطيب البغدادي (463هـ): «إسناده ضعيف»(3).)11 - قال الشيخ عبد اللّه ابن الصديق في هامش (التمهيد في شرح الموطأ: «هذا الحديث يُعرف بحديث الأطيط، وهو ضعيف السند كما تقدم، منكر المعنى، ولابن عساكر الحافظ جزء حديث الأطيط، تكلم فيه على علله، وأبان بطلانه..)وأجهد ابن القيم نفسه في تصحيح الحديث، والدفاع عن ابن إسحاق، وغاب عنه قول إمامه [أحمد] فيه تكتب عنه هذه الأحاديث، هذه الأحاديث، يعني المغازي ونحوها، فإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوماً هكذا، يريد أقوى منه..قال البيهقي: فإذا كان لا يحتج به في الحلال والحرام فأولى أن لا يحتج به في صفات اللّه تعالى، والعجيب أن ابن القيم أيّد هذا الحديث المنكر بحديث أشد نكارة منه، وهو ما رواه مطين عن عمر؛ قال: أتت امرأة... الحديث.. وهو ولو كان مروياً برجال الصحيحين لوجب ردّه، كيف وفي


1) الشريعة 3: 1090.

2) السنّة 1: 393.

3) تأريخ مدينة السلام 5: 67.

سنده عبد اللّه بن خليفة، مجهول، وفيه عنعنة أبي إسحاق، وهو مدلّس (1.)12- قال الشهرستاني (548هـ بشأن المشبهة: «وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبيّ (عليه السلام)، وأكثرها مقتبسة من اليهود، فإن التشبيه فيهم طباع، حتّى قالوا...، أن العرش ليئط من تحته كأطيط الرحل الحديد، وأنه ليفضل من كلّ جانب أربع أصابع» (2).)13 - قال القاضي بدر الدين بن جماعة (733هـ بشان الخبر: «ولعله من وضع بعض المبتدعة أو الزنادقة»، وذلك تحت عنوان: «فصل في الأحاديث الضعيفة التي وضعتها الزنادقة أعداء الدين وأرباب البدع المضلين ليلبسوا على الناس دينهم» (3).)14- قال عضد الدين الإيجي (756هـ: «أنه تعالى ليس في جهة ولا في مكان.. وخالف فيه المشبهة وخصصوه بجهة الفوق، ثم اختلفوا؛ فذهب محمّد بن كرام إلى أن كونه في الجهة ككون الأجسام فيها، وهو مماس للصفحة العليا من العرش، ويجوز عليه الحركة والانتقال وتبدل الجهات وعليه اليهود؛ حتّى قالوا: العرش يئط من تحته أطيط الرحل الجديد، وأنه يفضل على العرش من كلّ جهة أربعة أصابع..)وزاد بعض المشبهة كمضر وكهمس وأحمد الهجيمي: أن المخلصين


1) التمهيد في شرح الموطأ 7: هامش 141.

2) الملل والنحل 1: 106.

3) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل : 265.

يعانقونه في الدنيا والآخرة»(1.)أقول: لو فرض وجود أجل أئمة أهل السنّة ضمن رواة الخبر كما يدعي ابن تيميّة، فإن ذلك لا يجوز الأخذ به أيضاً؛ لأنه روي عن كعب الأحبار..يقول شمس الأئمّة أحمد محمّد شاكر (1377هـ (2): «ومهما كان سنده صحيحاً، فإن روايته كعب الأحبار إنّما هي لا شيء، ولا يحتج بها، وصدق معاوية في قوله في كعب الأحبار : «إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب»، رواه البخاري» (3.)ومن الجدير بالذكر هنا أنّ الذهبي أراد التستر على معتقد كعب الأحبار اليهودي لبشاعته وفظاعته فحذف قوله: (من ثقل الجبار فوقهن» من الرواية لما نقلها في كتابه (العلو، لكن العلامة السقاف أثبتها في تحقيقه للكتاب وقال: «والكلمة التي حذفها الذهبي فلم يذكرها هي: «من ثقل الجبار فوقهن».. وكان على سامعيه أن يضعوا حجراً في فيه لئلا ينطق بهذا الهراء.. وأستغرب هنا كيف كانوا يسمحون في ذلك المجتمع لكعب أن ينطق بهذا الهذيان ولا يسمحون بالترضي عن سيّدنا علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وآله)


1) المواقف 3: 29.

2) عالم مصري من أئمة الحديث المعاصرين، درس العلوم الإسلاميّة وبرع في كثير منها، فهو: فقيه ومحقق وأديب وناقد، لكنه برز في علم الحديث حتّى انتهت إليه رئاسة أهل الحديث في عصره، كما اشتغل بالقضاء الشر اشتغل بالقضاء الشرعي حتّى نال عضوية محكمته العليا.)الموسوعة الذهبية للعلوم الإسلاميّة: 687.

3) هامش جامع البيان عن تأويل آي القرآن 6: 457.

الأطهار.. وقد حذفها كذلك لما نقلها في كتابه (العرش أيضاً لما روى الخبر عن كعب الأحبار من كتاب أبي الشيخ الأصفهاني» (1))ولا بد هنا من الإشارة الى أنّ هذه المفاهيم التي يأخذ بها ابن تيميّة، مذكورة بعينها في متون أهل الكتاب؛ منها:جاء في العهد القديم: فكان صوتُ مَنْ فوق المُقَبَّب(2 الذي على رؤوسها إذا وقفت أرخت أجنحتها، وفوق المقبب الذي على رؤوسها شبه عرش کمنظر حجر العقيق الأزرق وعلى شبه العرش شبه كمنظر إنسان عليه من فوق» (3.)ويعلّق الأب أنطونيوس فكري على النص شارحاً: «أرخت أجنحتها، سكتت عن الصوت ليسمع النبيّ صوت اللّه (كما حدث مع إيليا لذلك نسمع بعد ذلك مباشرة: فكان صوت من فوق المقبب، أي صوت من يجلس على العرش» (4).)السؤال :* كيف يعد ابن تيميّة وأتباعه خبر الأطيط من النصوص المحكمة، مع تصريح أعلام أهل السنّة بعدم صحته سنداً ودلالةً؟


1) هامش العلو للعلي الغفار، بتحقيق السقاف: 367.

2) قال ابن تيميّة في صفة العرش: «وأما العرش فإنه مقبب...».)انظر: مجموع الفتاوى 5: 150.

3) العهد القديم، سفر حزقيال، الإصحاح الأول، 25-26.

4) تفسير الكتاب المقدس، شرح سفر حزقيال: 14.

### معتقد ابن تيميّة في ثبوت الجهة والمكان للّه تعالىصرّح ابن تيميّة بثبوت الجهة والمكان اللّه تعالى في العديد من كتبه؛ منها:(1 قال في (منهاج السنّة): «وجمهور الخلق على أن اللّه فوق العالم، وإن كان أحدهم لا يلفظ بلفظ «الجهة»، فهم يعتقدون بقلوبهم، ويقولون بألسنتهم ربهم فوق» (1).)(2 وقال: «...، إن قال [المخالف ]: يستلزم أن يكون الرب يشار إليه برفع الأيدي في الدعاء، وتعرج الملائكة والروح إليه، ويعرج محمّد (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) إليه، وتنزل الملائكة من عنده، وينزل منه القرآن ونحو ذلك من اللوازم التي نطق بهم الكتاب والسنّة وما كان في معناها، قيل له: لا نسلّم انتفاء هذه اللوازم» (2).)(2 وقال في تعليقه على كلام الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) دون أن يذكر اسمه الشريف: «فأنت تقول: إنّه موجود قائم بنفسه وليس بداخل في العالم ولا خارج عنه ولا مباين له ولا محايث (مجانب) له، وأنه لا يقرب منه شيء ولا يبعد منه شيء، وأمثال ذلك من النفي الذي لو عُرض على الفطرة السليمة جزمت جزماً قاطعاً أن هذا باطل وأن وجود مثل هذا ممتنع، وكان)


1) منهاج السنّة 2: 642.

2) المصدر السابق : 250.

جزمها ببطلان هذا أقوى من جزمها ببطلان كونه فوق العالم وليس بجسم» (1.)(4 وقال في موضع آخر: وأما الأحكام الكلّية فهي عقليّة، فحكم الفطرة بأنّ كلّ موجودين إما متحايثان (متجانبان) وإما متباينان، وبأن ما لا يكون داخل العالم ولا خارجه لا يكون إلا معدوماً.. وأنه يمتنع وجود ما هو كذلك» (2).)(5 قال في (بيان تلبيس الجهميّة): «إنّ كون اللّه يرى بجهة من الرائي، ثبت بإجماع السلف والأئمّة» (3).)(6 وقال: «واللّه تعالى قد أخبر عن فرعون أنه طلب أن يصعد ليطلع إلى إله موسى، فلو لم يكن موسى أخبره أنّ إلهه فوق، لم يقصد ذلك، فإنّه لو لم يكن مقراً به فإذا لم يخبره موسى به لم يكن إثبات العلو لا منه ولا من موسى (عليه السلام)، فموسى صدق محمّداً في أن ربه فوق، وفرعون كذب موسى موسى في أن ربه فوق.. فالمقرون بذلك متبعون لموسى ولمحمّد والمكذبون بذلك موافقون لفرعون»(4).)(7 وقال: «والبارئ سبحانه وتعالى فوق العالم فوقية حقيقية وليست)


1) المصدر السابق 2: 147.

2) المصدر السابق 2: 149.

3) بیان تلبيس الجهميّة 2: 415.

4) المصدر السابق 1: 526.

فوقية الرتبة» (1.)(8 وقال: «إنّ العرش في اللغة السرير بالنسبة إلى ما فوقه، وكالسقف إلى ما تحته، فإذا كان القرآن قد جعل اللّه عرشاً، وليس هو بالنسبة إليه كالسقف، علم أنه بالنسبة إليه كالسرير بالنسبة إلى غيره، وذلك يقتضي أنه فوق العرش» (2).)(9 وقال: «الوجه الرابع: أنه إذا كان قد خلق العرش قبل أن يخلق السموات والأرض، وكان ذلك مناسباً فى العقل لأن يكون العرش مكاناً له والسموات مكان عبيده، كان الثابت بالآية التي تلاها وبغيرها من الآيات والأحاديث واتفاق المسلمين دليل على مذهب منازعه دون مذهبه»(3).)(10 وقال: «الجهة في الأصل هي الجانب والناحية، والموضع الذي تتوجه إليه وتقصده، والجهة والحيّز متلازمان في الوجود؛ لأن كلاً منهما مقصد للمتحرك الأيني.. والمراد من الأين: ما يُسأل به عن المكان إلا أن الحيّز مقصد للمتحرك بالحصول فيه، والجهة مقصد له بالوصول إليها والقُرب منها» (4).)(11 ونقل كلام القاضي أبي يعلى ابن الفرّاء (458هـ) مؤيداً له؛ إذ قال:)


1) المصدر السابق 1: 111.

2) المصدر السابق 1: 576.

3) المصدر السابق: 579.

4) المصدر السابق: 14.

«فإذا ثبت أنه تعالى على العرش، فالعرش في جهة وهو على عرشه، وقد منعنا في كتابنا هذا في غير موضع إطلاق الجهة عليه، والصواب جواز القول بذلك؛ لأنّ أحمد قد أثبت هذه الصفة التي هي الاستواء على العرش، وأثبت أنه في السماء، وكلّ من أثبت هذا أثبت الجهة...، والدلالة عليه أن العرش في جهة بلا خلاف، وقد ثبت بنص القرآن أنه مستو على العرش، فاقتضى أنه في جهة، ولأن كلّ عاقل من مسلم وكافر إذا دعا اللّه تعالى فإنما يرفع يديه ووجهه إلى نحو السماء...واحتج ابن مندة على إثبات الجهة بأنّه لمّا نطق القرآن بأن اللّه تعالى على العرش، وأنه في السماء، وجاءت السنّة بمثل ذلك، وبأن الجنّة مسكنه، وأنه في ذلك، وهذه الأشياء أمكنة في أنفسها، فدل على أنه في مكان» (1.)(12 قال جلال الدين الدوّاني (918هـ) في شرحه على العقائد العضدية: «ولابن تيميّة أبي العباس أحمد وأصحابه، ميل عظيم إلى إثبات الجهة، ومبالغة في القدح في نفيها.. ورأيت في بعض تصانيفه: أنه لا فرق عند بديهة العقل بين أن يقال: هو معدوم، أو يقال: طلبته في جميع الأمكنة فلم أجده.. ونسب النافين إلى التعطيل» (2).)(13 قال في (العقيدة الواسطيّة): «وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان)


1) المصدر السابق 3: 19.

2) التعليقات على شرح الدواني للعقائد العضدية : 94 (المتن)، للسيد جمال الدين الحسيني الأفعاني ومحمّد عبده، طبع مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، 1423هـ.

باللّه الإيمان بما أخبر اللّه به في كتابه وتواتر عن رسوله (صلى اللّه عليه [وآله] وسلم وأجمع عليه سلف الأمة، من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه، علي على خلقه، وهو معهم سبحانه أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون كما جمع بين ذلك في قوله : (هو الذي خَلَقَ السَّمواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللّه بما تَعْمَلُونَ بَصِير) (1)..)وليس معنى قوله : (وهو مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُم : أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر اللّه عليه الخلق، بل القمر آية من آيات اللّه من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر أينما كان، وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته» (2).)(14 قال في (درء تعارض العقل والنقل): «وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين على أن اللّه في السماء وحَدُّوه بذلك» (3).)(15 قال أبو حيان الأندلسي (745هـ): وقرأت في كتاب لأحمد بن تيميّة، هذا الذي عاصرناه، وهو بخطّه، سمّاه (كتاب العرش): «إنّ اللّه يجلس على الكرسي وقد أخلى منه مكاناً يقعد معه فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله])


1) سورة الحديد: 4.

2) مجموعة الرسائل الكبرى 1: 400.

3) موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول 2: 29.

وسلّم».. تحيَّل عليه التاج محمّد بن عليّ بن عبد الحق البارنباري، وكان من تحيله عليه أنه أظهر أنه داعية له حتّى أخذ منه الكتاب وقرأنا ذلك فيه» (1).(16 قال في (مجموع الفتاوى): ولم يقل أحد من سلف الأمة ولا من الصحابة والتابعين: إن اللّه ليس في السماء، ولا إنّه ليس على العرش، ولا إنّه في كلّ مكان، ولا إن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا إنّه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها»(2).)(17 وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (3): «الاستواء من اللّه على عرشه المجيد على الحقيقة، لا على المجاز».)واستدلوا بقول اللّه (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ (4)، وبقوله:)


1) النهر المادّ من البحر المحيط 1: 254.)أقول: لم أجد ما نقله أبو حَيَّانَ في النسخة المطبوعة للرسالة العرشيّة، وقد بين سبب ذلك الزَّاهد الكوثري في كتابه الذي عَلَّقَ فيه على (السيف الصقيل؛ قائلا: «وقد أخبرني مصحح طبعه بمطبعة السعادة أنه استفظعها جداً فحذفها عند الطبع لكيلا يستغلها أعداء الدين، ورجاني أن أسجل ذلك هنا استدراكاً لما كان منه ونصيحة للمسلمين».)تعليق الكوثري على السيف الصقيل : 85.

2) مجموع الفتاوى 5: 15.

3) سورة طه: 5.

4) سورة المؤمنون: 28.

(تَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ (1)، وبقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيّ) (2)، وقال عبد اللّه بن المبارك ومن تابعه من أهل العلم وهم كثير: إن معنى (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (3)استقر» (4).)(18 وقال: «قد حدث العلماء المرضيّون وأولياؤه المقربون أن محمّداً رسول اللّه [ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)] يجلسه ربّه على العرش معه» (5).)(19 وذكر ابن قيم الجوزية (751هـ) جميع آراء أستاذه ابن تيميّة في قصيدته النونية، فجاءت مشحونة بالتجسيم، كالقول بأن اللّه فوق سماواته، على عرشه، وأنه ينزل ويهبط ويصعد..)وإليك بعض أبيات قصيدته هذه؛ التي أخذ يستهزئ فيها بعقيدة التنزيه:فأسر قول معطّل ومكذب ***في قالب التنزيه للرحمنإذ قال ليس بداخل فينا ولا ***هو خارج عن جملة الأكوانبل قال ليس ببائن عنها ولا فيها ولا هو عينها ببيانكلا ولا فوق السماوات العلى والعرش من رب ولا رحمان


1) سورة الزخرف: 13.

2) سورة هود: 44.

3) سورة يونس: 3.

4) مجموع الفتاوى 5: 309.

5) المصدر السابق 5: 519.

بل حظه من ربه حظ الثرى*** منه وحظ قواعد البنيانلو كان فوق العرش كان كهذه*** أجسام سبحان العظيم الشأن (1)(20 قال في الرسالة الحموية): «ومن قول أهل السنّة أن الكرسيبين يدي العرش وإنّه موضع القدمين» (2).)(21 قال في (شرح الرسالة التدمُريّة): «ويقال لمن قال إن اللّه تعالى في جهة: أتريد بذلك أن اللّه فوق العالم، أم تريد بالجهة شيئاً موجوداً فيكون اللّه تعالى داخلاً في المخلوقات؟ فإن أردت الأوّل فحق، وإن أردت الثاني فباطل» (3).)


1) السيف الصقيل فى الردّ على ابن زفيل : 35.

2) الرسالة الحَموية: 121.

3) شرح الرسالة التدمرية : 207.

### مناقشة أهم مرتكزات نظرية ابن تيميّة في إثباته الجهة والمكان للّه تعالىبعد هذا العرض التفصيلي لما قاله ابن تيميّة بشأن مسألة الجهة والمكان يمكن تلخيص كلماته في خمسة نقاط ؛ وهي عقيدة جمهور الخلق بوجود اللّه تعالى فوق العالم؛ لرفع اليد إلى السماء في الدعاء، وعدم صحّة الاعتقاد بأن اللّه تعالى ليس بداخل في العالم ولا خارج عنه، ودلالة العقل والنقل والإجماع على ثبوت الجهة والمكان، وثبوت الجهة العدمية اللّه تعالى، واتفاق أئمة أهل السنّة وعلمائهم على ثبوت الجهة والمكان.### دراسة النقطة الأولى: عقيدة جمهور الخلق بوجود اللّه تعالى فوق العالم؛ لرفع اليد إلى السماء في الدعاءإن رفع اليد إلى السماء عند الدعاء، هو من آداب الدعاء ولا يعارض أو يثبت عقيدة تخالف عقيدة التوحيد، أو تخالف معنى أن اللّه سبحانه موجود في كلّ مكان وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، وإنّما هذا من أدب الدعاء؛ بالتوجه إلى الجهة الشريفة من الجهات التي تحيط بالإنسان، وهي جهة العلو..ولوجود خزائن الرزق في السماء.

قال تعالى في كتابة الكريم:* (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (1).)* (وهو الَّذِي يُريكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنيبُ (2).)* (وَاخْتِلَافِ اللَّيْل وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللّه مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الارْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (3).

•

(قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللّهمَّ رَبَّنَا أُنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (4).

•

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّه عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقِ غَيْرُ اللّه يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إلا هو فَأَنَّى تُؤفَكُونَ) (5).

•

(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا للّه أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (6)

•

قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن


1) سورة الذاريات: 22.

2) سورة غافر: 13.

3) سورة الجاثية: 5.

4) سورة المائدة: 114.

5) سورة فاطر: 3.

6) سورة البقرة: 22.

يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّه فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (1).)* (اللّه الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (2).)* (أمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهُ مَّعَ اللّه قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (3).)* (للَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذُلِكُمُ اللّه رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللّه رَبُّ الْعَالَمِينَ (4).)قال أبو سعيد المتولي الشافعي (478هـ : «...، فرفع اليد إلى السماء ليس لأنّ اللّه تعالى فى مكان، ولكن لأنّ السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة في حال القيام، والأرض قبلة في حال الركوع والسجود، وليعلم أن اللّه تعالى ليس في الكعبة ولا في الأرض» (5).)وقال أبو حامد الغزالي (505هـ: «فإن قيل: فإن لم يكن مخصوصاً بجهة)


1) سورة يونس: 31.

2) سورة ابراهيم: 32.

3) سورة النمل: 64.

4) سورة غافر: 64.

5) الغنية في أصول الدين: 102.

فوق؛ فما بال الوجوه والأيدي ترفع إلى السماء في الأدعية شرعاً وطبعاً؟وما باله (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال للجارية – التي قصد إعتاقها فأراد أن يستيقن إيمانها - : «أين اللّه؟»..)فأشارت إلى السماء فقال: إنها مؤمنة؟فالجواب عن الأوّل: أن هذا يضاهي قول القائل: إن لم يكن اللّه تعالى الكعبة وهو بيته؛ فما بالنا نحجّه ونزوه؟ وما بالنا نستقبله في الصلاة؟وإن لم يكن في الأرض؛ فما بالنا نتذلل بوضع وجوهنا على الأرض في السجود؟وهذا هذيان.بل يقال: قصد الشرع من تعبّد الخلق بالكعبة في الصلاة ملازمة الثبوت في جهة واحدة، فإن ذلك لا محالة أقرب إلى الخشوع وحضور القلب من التردّد على الجهات.ثم لما كانت الجهات متساوية من حيث إمكان الاستقبال، خصّص اللّه بقعة مخصوصة بالتشريف والتعظيم، وشرفها بالإضافة إلى نفسه، واستمال القلوب إليها بتشريفه ليثيب على استقبالها، فكذلك السماء قبلة الدعاء، كما أن البيت قبلة الصلاة، والمعبود بالصلاة والمقصود بالدعاء منزه عن الحلول في البيت والسماء..ثمّ في الإشارة بالدعاء إلى السماء سر لطيف؛ يعزّ من ينتبه وهو: أن نجاة العبد وفوزه في الآخرة بأن يتواضع اللّه تعالى ويعتقد التعظيملأمثاله،

لربه، والتواضع والتعظيم عمل القلب وآلته العقل، والجوارح إنما استعملت لتطهير القلب وتزكيته، فإن القلب خُلق خلقةً يتأثر بالمواظبة على أعمال الجوارح، كما خُلقت الجوارح متأثرة بمعتقدات القلوب..ولما كان المقصود أن يتواضع في نفسه بعقله وقلبه؛ بأن يعرف قدره ليعرف بخسة رتبته في الوجود لجلال اللّه تعالى وعلوه، وكان من أعظم الأدلّة على خسته الموجبة لتواضعه أنه مخلوق من تراب؛ كلّف أن يضع على التراب – الذي هو أذل الأشياء – وجهه الذي هو أعز الأعضاء؛ ليستشعر قلبه التواضع بفعل الجبهة في مماستها الأرض، فيكون البدن متواضعاً في جسمه وشخصه وصورته بالوجه الممكن فيه، وهو معانقة التراب الوضيع الخسيس، ويكون العقل متواضعاً لربه بما يليق به، وهو معرفة الضعة وسقوط الرتبة، وخسة المنزلة عند الالتفات إلى ما خلق منه..فكذلك التعظيم اللّه تعالى وظيفة على القلب فيها نجاته، وذلك أيضاً ينبغي أن تشترك فيه الجوارح وبالقدر الذي يمكنه أن تحمل الجوارح وتعظيم القلب بالإشارة إلى علوّ الرتبة على طريق المعرفة والاعتقاد وتعظيم الجوارح بالإشارة إلى جهة العلو الذي هو أعلى الجهات وأرفعها في الاعتقادات، فإن غاية تعظيم الجارحة استعمالها في الجهات..حتى أن من المعتاد المفهوم في المحاورات أن يفصح الإنسان عن علوّ رتبة غيره وعظيم ولايته فيقول: أمره في السماء السابعة، وهو إنما ينبه على علوّ الرتبة، ولكن يستعير له علوّ المكان، وقد يشير برأسه إلى السماء في تعظيم من يريد تعظيم أمره أن أمره في السماء، أي: في العلو وتكون السماء

عبارة عن العلوّ..فانظر كيف تلطّف الشرع بقلوب الخلق وجوارحهم في سياقهم إلى تعظيم اللّه، وكيف جهل من قلت بصيرته ولم يلتفت إلا إلى ظواهر الجوارح والأجسام، وغفل عن أسرار القلوب واستغنائها في التعظيم عن تقدير الجهات، وظنّ أن الأصل ما يشار إليه بالجوارح، ولم يعرف أن المظنة الأولى لتعظيم القلب، وأن تعظيمه باعتقاد علو الرتبة لا باعتقاد علو المكان، وأن الجوارح في ذلك خدم وأتباع يخدمون القلب على الموافقة في التعظيم بقدر الممكن فيها، ولا يمكن في الجوارح إلا الإشارة إلى الجهات، فهذا هو السر في رفع الوجوه إلى السماء عند قصد التعظيم» (1.)وقال الطرطوشي (520هـ : «أنها لما كانت مهبط الرزق والوحي وموضع الرحمة والبركة، على معنى أن المطر ينزل منها إلى الأرض فيخرج نباتاً، وهي مسكن الملأ الأعلى، فإذا قضى اللّه أمراً ألقاه إليهم فيلقونه إلى أهل الأرض، وكذلك الأعمال ترفع اليها، وفيها غير واحد من الأنبياء، وفيها الجنّة التي هي غاية الأماني.. فلما كانت معدن لهذه الأمور العظام ومعرفة القضاء والقدر، تصرّفت الهمم إليها وتوفّرت الدواعي عليها»(2).)وقال القرطبي (671هـ: «وإنّما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء؛ لأن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة)


1) الاقتصاد في الاعتقاد: 314.

2) نقل كلامه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين : 120.

وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل اللّه الكعبة قبلة للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان، ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان» (1.)وقال النووي (676هـ : «اللّه هو الخالق المدبّر الفعّال لما يريد، وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلّى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصراً في جهة الكعبة، بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين» (2).)وقال النسفي (710هـ: ورفع الأيدي والوجوه عند الدعاء تعبّد محض كالتوجه إلى الكعبة في الصلاة، فالسماء قبلة الدعاء كالبيت قبلة الصلاة» (3).)وقال ابن جهبل الحلبي (733هـ في ردّه على (العقيدة الحمويّة) لابن تيميّة: «ورفع الأيدي إلى السماء لأجل أن السماء منزل البركات والخيرات، ولأن الأنوار إنّما تتنزل منها والأمطار، وإذا ألف الإنسان حصول الخيرات من جانب مال طبعه إليه، فهذا المعنى هو الذي أوجب رفع الأيدي إلى السماء؛ قال اللّه تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)» (4).)وقال تقي الدين السبكي (756هـ : «إنّ القلب متوجه إلى الرب العالي)


1) الجامع لأحكام القرآن 1: 214.

2) شرح النووي على مسلم 4: 191.

3) إظهار العقيدة السنيّة: 128.

4) ردّ الشيخ ابن جهبل على ابن تيميه الحراني: 241.

قدراً وقهراً على كلّ شيء، والإشارة إلى جهة العلو التي هي محل ملكه وسلطانه وملائكته والعليين عن خلقه وقبلة دعائه ومنزل وحيه، وهكذا رفع الأيدي في الدعاء»(1.)وقال كمال الدين ابن أبي شريف المقدسي (905هـ: «فإن قيل: فما بال الأيدي ترفع إلى السماء وهي جهة العلوّ.. أجيب بأن السماء قبلة الدعاء تستقبل بالأيدي، كما أن البيت قبلة الصلاة يستقبل بالصدر والوجه، والمعبود بالصلاة والمقصود بالدعاء منزه عن الحلول بالبيت والسماء» (2).)وقال البياضي الحنفي (1098هـ في شرحه المزجي لكلمات أبي حنيفة: «(هو أنه تعالى يُدعى من أعلى) للإشارة إلى ما هو وصف للمدعو تعالى من نعوت الجلال وصفات الكبرياء، والألوهيّة والاستغناء (لا من أسفل، لأنّ الأسفل) أي: الإشارة إليه (ليس من وصف الربوبيّة والألوهيّة) والكبرياء والفوقية بالاستيلاء (في شيء)، فأشار إلى الجواب بأن رفع الأيدي عند الدعاء إلى جهة السماء ليس لكونه تعالى فوق السموات العلى، بل لكونها قبلة الدعاء؛ إذ منها يتوقع الخيرات ويستنزل البركات؛ لقوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) مع الإشارة إلى اتصافه تعالى بنعوت الجلال وصفات الكبرياء، وكونه تعالى فوق عباده بالقهر والاستيلاء» (3).)


1) السيف الصقيل فى الردّ على ابن زفيل:52.

2) المسامرة في شرح المسايرة: 310.

3) إشارات المرام: 204.

وقال محمّد مرتضى الزبيدي (1205هـ: «واللّه تعالى منزه عن الجسمانية، ولا يحل فيه شيء، تعالى وتقدس عن أن يحويه مكان فيشار إليه، أو تضمّه جهة، وإنما اختصت السماء برفع الأيدي إليها عند الدعاء؛ لأنها جعلت قبلة الأدعية، كما أن الكعبة جعلت قبلة للمصلّي؛ يستقبلها في الصلاة، ولا يقال: إن اللّه في جهة الكعبة» (1).)وقال أيضاً: «فإن قيل : فما بال الأيدي ترفع إلى السماء وهي جهة العلو؟.. فأشار المصنف - أي الغزالي - إلى الجواب بقوله: فأما رفع الأيدي عند السؤال والدعاء إلى جهة السماء؛ فهو: لأنها قبلة الدعاء» (2.)وقال أحمد بن صديق الغماري (1380هـ: «فإن قيل: إذا كان الحق سبحانه ليس في جهة، فما معنى رفع اليدين بالدعاء نحو السماء؟)فالجواب: أنه محل التعبّد، كاستقبال القبلة في الصلاة، وإلصاق الجبهة في الأرض في السجود، مع تنزهه سبحانه عن محل البيت ومحل السجود، فكأن السماء قبلة الدعاء»(3.)وقال الشيخ إحسان محمّد دحلان الجمفسي الكديري: «واللّه تبارك وتعالى مُقدس عن أن يحويه مكان فيشار إليه أو تضمه جهة، وإنما اختصت السماء برفع الأيدي إليها عند الدعاء؛ لأنها جعلت قبلة الأدعية، كما أن


1) إتحاف السادة المتقين : 25.

2) المصدر السابق : 104.

3) المنح المطلوبة في استحباب رفع اليدين في الدعاء بعد الصلوات المكتوبة: 251.

الكعبة جعلت قبلة للمصلّي يستقبلها في الصلاة» (1.)الأسئلة :* لماذا أهمل الحراني نصوص التعليل الواردة في الكتاب والسنّة بشأن رفع اليد إلى السماء عند الدعاء، وذهب إلى القول بدلالتها على الفوقية الحقيقية للّه سبحانه وتعالى؟* لماذا فسّر ابن تيميّة هذه الظاهرة حسب رأيه، وتغافل عن تصريح العلماء بتنزيه اللّه سبحانه عن الجهة والمكان؟***### دراسة النقطة الثانية: عدم صحّة الاعتقاد بأن اللّه تعالى ليس بداخل في العالم ولا خارج عنهيعتقد ابن تيميّة أن الاتصاف بعدم الوجود لا خارج العالم ولا داخله، يعني: العدمية المحضة؛ لامتناع تصوّر وجود الشيء لا داخل العالم ولا خارجه عقلاً..وعليه زعم أن اللّه تعالى يجب أن يكون إما داخل العالم وإما خارجه، وحيث أنه لا يقول بالدخول ؛ فذهب إلى كونه خارجه، ولهذا قال بالجهة؛ لأن وجوده في الخارج يلازم كونه في جهة معينة..


1) سراج الطالبين على منهاج العابدين: 41.

لكن الجهات متعدّدة، فهو في أي جهة عند ابن تيميّة؟لقد اختار الحرّاني جهة الفوق لإلهه؛ لأنه يرى عدم صحّة كونه تحت العالم أو يمينه إلى آخره.. فوجب عنده أن يكون فوقه حقيقة.يرد عليه :أولاً: إن وصف اللّه تعالى بالخروج أو الدخول في العالم يستوجب القول بالحد، وهو باطل كما ذكرنا سابقاً.ثانياً: لا يصحّ وصف الشيء بالدخول في شيء آخر أو الخروج عنه إلا مع وجود المماثلة الحقيقية بينهما، واللّه تعالى منزه عن ذلك.### أدلّة استحالة مماثلته تعالى لغيرهالدليل الأوّل: إنّ «المثل» هو الشيء الذي يتوافق مع غيره في الماهية، والمماثلة تكون في: «الماهية»، واللّه تعالى ليس له ماهيّة، فلا مثل له.الدليل الثاني: المماثلة تستلزم اشتراك المتماثلين في لوازمهما الذاتية، كقدم الواجب وحدوث الممكن، فيصبح الحادث قديماً، والقديم حادثاً، وهذا خلف (1.)الدليل الثالث: كلّ ذاتين تماثلا في أمر ذاتي فلا بد أن يتميّز أحدهما عن الآخر بأمر عرضي ليكون ما به الامتياز جزء لكل واحد منهما، وعليه: لو ماثل


1) للمزيد راجع كشف المراد 405 نهج الحق وكشف الصدق: 54، ارشاد الطالبين: 224.

اللّه سبحانه غيره في شيء من الأشياء؛ لكان مركباً، واللّه منزّه عن التركيب (1.)هذا وقد صرّحت آيات الكتاب بنفي المثيل عنه سبحانه؛ إذ قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ (2).)وأرشدنا أئمة أهل البيت ع(عَلَيهِم السَّلَامُ في أحاديثهم العظيمة إلى الأدلّة العقلية على ذلك؛ منها:)1- روي عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «... فلا شبه له من المخلوقين، وإنّما يُشبّه الشيء بعديله، فأما ما لا عديل له فكيف يُشبّه بغير مثاله...» (3).)2- وورد عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «كل ما في الخلق لا يوجد في خالقه» (4).)وروي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «كل شيء وقع عليه اسم شيء سواه فهو مخلوق» (5).)4- وروي عن الإمام محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «ما وقع همك عليه من شيء فهو خلافه، لا يشبهه شيء...» (6).)


1) مناهج اليقين: 211.

2) سورة الشورى: 11.

3) التوحيد: 52.

4) المصدر السابق: 41.

5) المصدر السابق : 58.

6) أصول الكافي 1: 82.

الأسئلة :* هل يرى ابن تيميّة أنه سبحانه خارج وداخل ؟إن قال: نعم.. فقد خالف رأيه، وأقرّ على نفسه بالتشبيه.* هل يمكن أن يتصوّر العقل وجود جهات وأبعاد قبل الخلق؟إن قال الحرّاني: نعم.. فقد خالف رأيه، وتناقض أيضاً.* كيف يقول ابن تيميّة: إنّه سبحانه علا علوّاً مكانيّاً حقيقياً لما خلق العالم، فهل كان سبحانه تحته ثم صار فوقه؟* هل جعل اللّه سبحانه نفسه محدوداً بعد أن لم يكن محدوداً؟* هل صار له سبحانه تحت بعد أن لم يكن له تحت؟* هل خلق سبحانه لنفسه جهة بعد أن لم يكن له جهة؟* هل خلق سبحانه لنفسه مكاناً بعد أن لم يكن له مكان؟* هل تأثر سبحانه بمخلوقاته بعد أن خلقها؛ فصار محدوداً وفي مكان وفي جهة، ولم يكن قبل خلقها كذلك؟* كيف يزعم ابن تيميّة وأتباعه بأنّهم ينزهون اللّه تعالى عن كلّ صفة تتناقض مع ألوهيته وربوبيته؛ بعد أن جعلوه متأثراً بخلقه؟* هل يعتقد أتباع الفرقة التيمويّة أنّ انفصاله سبحانه عن العالم بمسافة، أم الانفصال محقق بدون مسافة؟

* إن قالوا: بدون مسافة.. فقد جعلوه مماساً للعالم، واعترفوا بالتجسيم.إن كان الانفصال بمسافة - أي: بغير مماسة - فإما أن تكون تلك المسافة وجوديّة أو عدميّة.. فإن كانت عدميّة رجعنا إلى المماسة، وإن كانت وجودية؛ فهل هي من العالم أو غير العالم؟إن قالوا: أنها غير العالم، تبيّن جهلهم؛ لأن كلّ ما سوى اللّه فمن العالم، وهو مخلوق.. وإن قالوا: هي من العالم، فيلزمهم القول بان اللّه تعالى منفصل عن العالم بشيء من العالم، وهذا تناقض، ويلزمهم أيضاً أن اللّه مماسّ للعالم.* هل كان اللّه سبحانه خارج العالم أو داخله؛ قبل أن يخلق اللّه العالم؟إن قالوا: داخل العالم.. فيقال لهم: فالعالم غير موجود بعد.. وإن قالوا: خارج العالم.. فكذلك العالم غير موجود، فكيف يكون خارجه أو داخله؟وإذا قالوا: لا خارج العالم ولا داخله، أقروا على أنفسهم.فإن قالوا: هذا الكلام صحيح قبل أن يخلق اللّه العالم، ولكن بعد خلقه فإما أن يكون خارجه أو داخله!نقول: هذا يلزمكم أن تقولوا: إن اللّه تعالى تغير وطرأ عليه وصف المخلوقات، وهذا تشبيه باطل.* لماذا أنكر ابن تيميّة كلام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ ؛ إذ نفى وصف اللّه تعالى بالدخول في العالم أو الخروج عنه، من دون إقامة أي دليل؟)* كيف تجرأ ابن تيميّة أن يصف الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ بأنه لم يكن)

صاحباً لفطرة سليمة تميّز الحق من الباطل؛ عندما ردّ حديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ، وادعى وضوح النفي عند أصحاب الفطر السليمة؟)* هل كان ذلك نتيجة عدم استيعابه لكلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ، أم كان من آثار تعصبه المقيت ونصبه العداء لوصي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟)***

### دفاع ابن أبي الحديد والفخر الرازي عن رواية : ((ليس بداخل في العالم ولا خارج عنه))قال ابن أبي الحديد (656هـ: «... وتاسعها: أنه ليس في الأشياء بوالج، أي: داخل، ولا عنها بخارج.. هذا مذهب الموحدين، والخلاف فيه مع الكرامية والمجسمة، وينبغي أن يفهم قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ولا عنها بخارج»، أنه لا يريد سلب الولوج فيكون قد خلا من النقيضين لأن ذلك محال..)بل المراد بكونه ليس خارجاً عنها: أنه ليس كما يعتقده كثير من الناس أن الفلك الأعلى المحيط له يحتوي عليه، ولكنّه ذات موجودة متميزة بنفسها، قائمة بذاتها خارجة عن الفلك في الجهة العليا، بينها وبين الفلك بعد، إما غير متناه على ما يحكى عن ابن الهيصم، أو متناه على ما يذهب إليه أصحابه..وذلك أن هذه القضيّة، وهي قولنا الباري خارج عن الموجودات كلها، على هذا التفسير ليست مناقضة للقضيّة الأولى، وهي قولنا: الباري داخل العالم؛ ليكون القول بخلوّه عنهما قولاً بخلوه عن النقيضين.. ألا ترى أنّه يجوز أن تكون القضيّتان كاذبتين معاً؛ بألاً يكون الفلك المحيط محتوياً عليه، ولا يكون حاصلاً في جهة خارج الفلك؟ ولو كانت القضيتان متناقضتين لما استقام ذلك..

وهذا كما تقول: زيد في الدار، زيد في المسجد.. فإن هاتين القضيّتين ليستا متناقضتين؛ لجواز ألا يكون زيد في الدار ولا في المسجد.. فإن هاتين لو تناقضتا لاستحال الخروج عن النقيضين، لكن المتناقض زيد في الدار زيد ليس في الدار، والذي يستشنعه العوام من قولنا: الباري لا داخل العالم ولا خارج العالم غلط مبني على اعتقادهم وتصوّرهم أن القضيتين تتناقضان..وإذا فهم ما ذكرناه بأن هذا القول ليس بشنيع بل هو سهل وحق أيضاً، فإنه تعالى لا متحيّز ولا حال في المتحيّز، وما كان كذلك استحال أن يحصل في جهة لا داخل العالم ولا خارج العالم، وقد ثبت كونه غير متحيّز ولا حال في المتحيز من حيث كان واجب الوجود؛ فإذن القول بأنه ليس في الأشياء بوالج ولا عنها بخارج صواب وحق»(1.)وقال الفخر الرازي (606هـ: «فأي استبعاد في وجود موجود غير حال في العالم ولا مباين بالجهة للعالم؟ وإن كان الوهم والخيال لا يمكنهما إدراك هذا الموجود..)وأيضاً فعمدة مذهب الحنابلة أنّهم متى تمسكوا بآية أو بخبر يوهم ظاهره شيئاً من الأعضاء والجوارح، صرحوا بأنا نثبت هذا المعنى اللّه تعالى، على خلاف ما هو ثابت للخلق، فأثبتوا اللّه تعالى وجهاً بخلاف وجوه الخلق، ويداً بخلاف أيدي الخلق، ومعلوم أنّ اليد والوجه بالمعنى الذي ذكروه ممّا


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 115.

لا يقبله الخيال والوهم..فإذا عقل إثبات ذلك على خلاف الوهم والخيال، فأي استبعاد في القول بأنه تعالى موجود وليس داخل العالم ولا خارج العالم؟ وإن كان الوهم والخيال قاصرين عن إدراك هذا الوجود» (1.)### دراسة النقطة الثالثة: دلالة العقل والنقل والإجماع على ثبوت الجهة والمكان اللّه تعالىيعتقد ابن تيميّة أن دليل العقل والنقل والإجماع يعضد زعمه في ثبوت الجهة والمكان اللّه تعالى، وهو ادعاء أوهن من بيت العنكبوت؛ أمام ما ذكره علماء الفريقين من الأدلّة العقلية والنقلية، ونقولات الإجماع في تنزيه اللّه تعالى عن ذلك.### أدلة نفي الجهة عن اللّه تعالى:الدليل الأوّل: الجهة لا تعقل إلا في المكان، والمكان منفي عنه تعالى.الدليل الثاني: لا بد للشيء الكائن في الجهة أن يكون لابثاً فيها أم متحركاً عنها، وعليه لا يمكن له الانفكاك عن الحوادث في كلتا الحالتين


1) بیان تلبيس الجهميّة 1: 148.

فيكون حادثاً، واللّه سبحانه منزه عن الحوادث.الدليل الثالث: إن وجود الذات في الجهة المعينة يستلزم الحد، واللّه تعالى منزه عن ذلك.ولهذا ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «من أشار إليه فقد حدّه» (1).)الدليل الرابع: الذات الموجودة في الجهة المعينة مفتقرة إليها، واللّه عز وجل منزه عن الافتقار.الدليل الخامس: إن وجود الذات في الجهة المعينة يعني عدمه في الجهات الأخرى، وهذا يستلزم خلوّه عنها، وذلك باطل لاستلزامه النقص (2.)### أدلة تنزيه اللّه تعالى عن وجوده في مكان:الدليل الأوّل: إن وجود الشيء في المكان يستلزم الاحتياج إليه، واللّه تعالى هو الغني الذي لا يحتاج إلى أيّ شيء (3.)روى الصدوق أنه سئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ : هل يجوز أن نقول: إن اللّه عزّ وجلّ في مكان؟)


1) نهج البلاغة 1: 14، الخطبة: 1.

2) للمزيد راجع: مناهج اليقين: 204، الباب الحادي عشر : 52، قواعد العقائد:69، كشف الفوائد: 215.

3) للمزيد راجع النكت الاعتقادية: 29، قواعد العقائد: 69، قواعد المرام: 71، الباب الحادي عشر: 52.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «سبحان اللّه وتعالى عن ذلك، إنه لو كان في مكان لكان محدثاً؛ لأن الكائن في مكان محتاج إلى المكان، والاحتياج من صفات المحدّث لا من صفات القديم» (1).)الدليل الثاني: إن المكان الذي يكون اللّه سبحانه فيه إما أن يكون قديماً فيستلزم ذلك تعدّد القدماء، وإما أن يكون حادثا محدوداً فيستلزم إحاطة المحدود بغير المحدود (2.)هذا وقد أشار أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ إلى الأدلّة العقلية بشأن تنزيه اللّه تعالى عن الوجود في المكان في كثير من أحاديثهم العظيمة؛ منها:)1- ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «...، إن اللّه جل وعزّ أين الأين فلا أين له، وجلّ عن أن يحويه مكان...» (3).)2- وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ أيضاً: «كان اللّه ولا مكان» (4).)3- روي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «... ولا يوصف [عزّ وجلّ] بكيف ولا أين... كيف أصفه بأين وهو الذي أين الأين حتّى صار أيناً، فعرفت الأين بما أينه لنا من الأين...» (5).)


1) التوحيد: 174.

2) للمزيد راجع كنز الفوائد: 104، إرشاد الطالبين: 227.

3) بحار الأنوار 57: 83.

4) الإرشاد: 201.

5) أصول الكافي 1: 103.

4- وورد أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ سُئل: أين كان ربّنا قبل أن يخلق سماء أو أرضاً؟)فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «أين سؤال عن مكان، وكان اللّه ولا مكان» (1).)***### كلمات علماء أهل السنّة في بيان الأدلّة العقلية على تنزيه اللّه تعالى عن الجهة والمكان:(1 قال أبو سعيد المتولي الشافعي الأشعري (478هـ): «الدليل على أنه مستغن عن المحلّ، أنه لو افتقر إلى المحل لزم أن يكون المحل قديماً؛ لأنه قديم، أو يكون حادثاً كما أن المحل حادث، وكلاهما كفر، والدليل عليه أنه لو كان على العرش على ما زعموا، لكان لا يخلو إما أن يكون مثل العرش أو أصغر منه أو أكبر، وفي جميع ذلك إثبات التقدير والحد والنهاية وهو كفر، والدليل عليه أنه لو كان في جهة وقدرنا شخصاً أعطاه اللّه تعالى قوة عظيمة واشتغل بقطع المسافة والصعود إلى فوق، لا يخلو إما أن يصل إليه وقتاً ما أو لا يصل إليه..)فإن قالوا: لا يصل إليه، فهو قول بنفي الصانع؛ لأن كلّ موجودين بينهما مسافة معلومة، وأحدهما لا يزال يقطع تلك المسافة ولا يصل إليه يدل على أنه ليس بموجود.فإن قالوا: يجوز أن يصل إليه ويحاذيه فيجوز أن يماسه أيضاً، ويلزم


1) المصدر السابق 1: 89.

من ذلك كفران: أحدهما: قدم العالم؛ لأنا نستدل على حدوث العالم بالافتراق والاجتماع.. والثاني: إثبات الولد والزوجة» (1.)(2 قال أبو حامد الغزالي الشافعي الأشعري (505هـ): «الأصل الرابع: العلم بأنه تعالى ليس بجوهر يتحيّز، بل يتعالى ويتقدس عن مناسبة الحيّز، وبرهانه: أن كلّ جوهر متحيّز فهو مختص بحيّزه، ولا يخلو من أن يكون ساكناً فيه أو متحركاً عنه، فلا يخلو عن الحركة أو السكون وهما حادثان، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث» (2).)(3 قال أبو المعين النسفي الحنفي (508هـ): «للمجسّمة شبه ثلاثة: الأولى قولهم إن الموجودين القائمين بالذات لا يخلوان من أن يكون كلّ واحد منهما بجهة من صاحبه.. فنقول وباللّه التوفيق الموجودان القائمان بالذات كلّ واحد منهما في الشاهد يجوز أن يكون فوق صاحبه والآخر تحته، أتجوزون هذا في الحق تعالى؟)فإن قالوا: نعم.. تركوا مذهبهم، فإنّهم لا يجوزون أن يكون البارئ جل وعلا تحت العالم.. وإن قالوا: لا.. أبطلوا دليلهم..فإن قالوا: إنّما لم نجوّز هذا في الحق تعالى لأن جهة تحت جهة ذمّ ونقيصة، والبارئ جل وعلا منزّه عن النقائص وأوصاف الذم..قيل لهم: فإذاً أثبتم التفرقة بين الشاهد والحق عند وجود دليل التفرقة؛


1) الغنية في أصول الدين: 73.

2) إحياء علوم الدين 1: 127.

حيث لم تجوزوا أن يكون الحق تعالى بجهة تحت، وإن كان ذلك في الشاهد جائزاً لثبوت دليل التفرقة، وهو استحالة النقيصة، ووصف الذم على الحق وجواز ذلك على الشاهد فلم قلتم إن دليل التفرقة فيما نحن فيه لم يوجد؟ بل وجد لما مرّ أنه يوجب الحدوث وهو ممتنع على الحق، جائز بل واجب على الشاهد..ثم نقول لهم: كون جهة تحت جهة ذمّ ونقيصة غير مسلم؛ إذ لا نقيصة في ذلك ولا رفعة في علوّ المكان؛ إذ كم من حارس فوق السطح وأمير في البيت، وطليعة على ما ارتفع من الأماكن وسلطان في ما انهبط من الأمكنة..ثم نقول لهم: كلّ قائم بالذات في الشاهد جوهر وكل جوهر قائم بالذات، أفتستدلّون بذلك على أن الحق تعالى جوهر؟ فإن قالوا: نعم فقد تركوا مذهبهم ووافقوا النصارى، وإن قالوا: لا، نقضوا دليلهم.ثم نقول لهم: إنما يجب التعدية من الشاهد إلى الحق إذا تعلّق أحد الأمرين بالآخر تعلّق العلة بالمعلول، كما في العلم والعالم والحركة والمتحرك، وذلك ممّا لا يقتصر على مجرد الوجود، بل يشترط فيه زيادة شرط، وهو أن يستحيل إضافته إلى غيره..ألا يرى أن العالم كما لا ينفك عن العلم والعلم عن العالم؛ يستحيل إضافة كونه عالماً إلى شيء وراء العلم؟ فعلم أنه كان عالماً لأن له علما، فوجبت التعدية إلى الحق والجوهرية مع القيام بالذات وإن كانا لا ينفكان في الشاهد، ولكن لما لم يكن جوهراً؛ لقيامه بالذات، بل لكونه أصلاً

يتركب منه الجسم، لم يجب تعدية كونه جوهراً بتعدي كونه قائماً بالذات..وإذا كان الأمر كذلك فلم قلتم إنهما كانا في الشاهد موجودين قائمين بالذات؛ لأنّ كلّ واحد منهما بجهة من صاحبه، أو كان كلّ واحد منهما بجهة صاحبه؛ لأنهما موجودان قائمان بالذات؟ثم نقول لهم: لو كانا موجودين قائمين بالذات لأن كلّ واحد منهما بجهة من صاحبه، لكان الموجود لكان الموجود القائم بالذات بالجهة وإن لم يكن معه غيره، ولكان البارئ جلّ وعلا في الأزل بجهة؛ لأنه كان موجوداً قائماً بالذات وهذا محال، إذ الجهة لا تثبت إلا باعتبار غير..ألا يرى أن الجهات كلّها محصورة على الست؛ وهي فوق وتحت وخلف وقدام وعن يمين وعن يسار، وكلّ جهة منها لن يتصوّر ثبوتها إلاّ بمقابلة غيرها، والكلّ يتركب من الفرد، فإذا كان كلّ فرد من الجهات لن يتصوّر إلا بين اثنين، فكان حكم كلية الجهات كذلك لما مر من حصول المعرفة بالكليات بواسطة الجزئيات، وإذا كان الأمر كذلك كان تعليق الجهة بالوجود والقيام بالذات، مع أن كلّ واحد منهما يثبت باعتبار النفس دون الغير، والجهة لا تثبت إلا باعتبار الغير، جهلاً بالحقائق..ثم يقال لهم: أتزعمون أن القائمين بالذات يكون كلّ واحد منهما بجهة من صاحبه على الإطلاق، أم بشريطة كون كلّ واحد منهما محدوداً متناهياً؟ فإن قالوا: نعم على الإطلاق، فلا نسلّم، وما استدلوا به من الشاهد فهما محدودان متناهيان.

وإن قالوا: نقول ذلك بشريطة كون كلّ واحد منهما محدوداً متناهياً، فمسلّم، ولكن لم قلتم إن البارئ محدود متناه! ثم إنا قد أقمنا الدلالة على استحالة كونه محدوداً متناهياً، واللّه الموفق.وأما الشبهة الثانية التي تعلّقوا بها: أنه تعالى كان ولا عالم ثم خلقه، أخلقه في ذاته أم خارج ذاته؟ وكيفما كان فقد تحققت الجهة..فنقول وباللّه التوفيق: إن هذا شيء بنيتم على ما تضمرون من عقيدتكم الفاسدة أنه تعالى متبعض متجزئ، وإن كنتم تتبرءون منه عند قيام الدلالة على بطلان تلك المقالة، وتزعمون أنا نعني بالجسم القائم بالذات، وهذه المسألة بنفس المقالة.. وما تتمسكون به من الدلالة يهتك عليكم ما أسْبَلتم من أستاركم ويبدي عن مكنون أسراركم، أما بنفس المقالة؛ فلأن شغل جميع العرش مع عظمته لن يكون إلا بمتبعض متجزئ على ما قررنا، وأما بالدلالة؛ فلأن الداخل والخارج لن يكون إلا ما هو متبعض متجزئ، وقيام الدلالة وانضمام ظاهر إجماعكم على بطلان ذلك يغنينا عن الإطالة في إفساد هذه الشبهة واللّه الموفق.وربّما يقلبون هذا الكلام ويقولون بأنه تعالى لما كان موجوداً، إما أن يكون داخل العالم، وإما أن يكون خارج العالم، وليس بداخل العالم فكان خارجاً منه منه، وهذا يوجب كونه بجهة منه..والجواب عن هذا الكلام على نحو ما أجبنا عن الشبهة المتقدمة أن الموصوف بالدخول والخروج هو الجسم المتبعض المتجزئ، فأما ما لا

تبعض له ولا تجزؤ فلا يوصف بكونه داخلاً ولا خارجاً، ألا ترى أن العرض القائم بجوهر لا يوصف بكونه داخلاً فيه ولا خارجاً منه؟ فكذا القديم لَمّا لم يكن جسماً لا يوصف بذلك، فكان هذا الكلام أيضا مبنيا على ما يضمرون من عقيدتهم الفاسدة..وكذا الجواب عما يتعلق به بعضهم أنه تعالى لما كان موجوداً إما أن يكون مماساً للعالم أو مبايناً عنه، وأيهما كان ففيه إثبات الجهة، أن ما ذكره من وصف الجسم، وقد قامت الدلالة على بطلان كونه جسماً، ألا ترى أن العَرَض لا يوصف بكونه مماساً للجوهر ولا مبايناً له؟وهذا كلّه لبيان أنّ ما يزعمون ليس من لواحق الوجود، بل هو من لواحق التبعض والتجزؤ والتناهي، وهي كلّها محال على القديم تعالى، واللّه الموفق.وأما حلّ الشبهة الثالثة، وهي أنّ الموجودين لا يعقلان موجودين إلا وأن يكون أحدهما بجهة صاحبه أو بحيث هو.. قلنا: هذا منكم تقسيم للموجودين، وليس من ضرورة الوجود أحد الأمرين؛ لأنهما إن كانا موجودین لأن أحدهما بجهة صاحبه، ينبغي ألا يكون الجوهر وما قام به من العرض موجودَين؛ لأن أحدهما ليس بجهة صاحبه، وإن كانا موجودين لأن أحدهما بحيث صاحبه، ينبغي ألا يكون الجوهران موجودين لأنّ أحدهما ليس بحيث صاحبه..وقد مَرّ ما يوجب بطلان هذا في إبطال قول النصارى: إن الموجود إما

أن يكون جوهراً، وإما أن يكون جسماً، وإما أن يكون عرضاً، والبارئ جل وعلا ليس بجسم ولا عَرَض، فدل أنه جوهر، فإن بطل ذاك بطل هذا، وإن صح هذا صح ذاك، بل كلا الأمرين باطل لما مر. واللّه الموفق.وما يزعمون أنه لا عَدَمَ أشد تحققاً من نفي المذكور من الجهات الست، وما لا جهة له لا يتصور وجوده.. فنقول: ذكر أبو إسحق الإسفرايني أن السلطان - يعني به السلطان محمود بن سبكتكين - قبل هذا السؤال من القوم من الكراميّة وألقاه على ابن فورك، قال: وكتب به ابن فورك إلي ولم يكتب بماذا أجاب، ثم اشتغل أبو إسحق بالجواب، ولم يأت بما هو انفصال عن هذا السؤال، بل أتى بما هو ابتداء دليل فى المسألة من أنه لو كان بجهة لكان محدوداً، وما جاز عليه التحديد جاز عليه الانقسام والتجزؤ، ولأن ما جاز عليه الجهة جاز عليه الوصل والتركيب وهو أن تتصل به الأجسام، وذا باطل بالإجماع..ولأنه لو جازت عليه الجهة لجازت إحاطة الأجسام به على نحو ما قررنا، وهذا كله ابتداء الدليل وليس بدفع للسؤال..وللكرامي أن يقول: لو كان ما ذكرت من الأدلّة يوجب بطلان القول بالجهة لما في إثباتها من إثبات أمارات الحدث، فما ذكرت من الدليل يوجب القول بالجهة لما في الامتناع عن القول به إثبات عدمه، فكما لا يجوز إثبات حدوث ما ثبت قدمه بالدليل لا يجوز نفي ما ثبت وجوده بالدليل..

وحل هذا الإشكال أن يقال: إن النفي عن الجهات كلّها يوجب عدم ما هو بجهة من النافي أم عدم ما ليس بجهة منه؟ فإن قال: عدم ما هو بجهة منه، قلنا: نعم، ولكن لم قلتم : إن البارئ جل وعلا بجهة من النافي؟فإن قال: لأنه لو لم يكن بجهة منه لكان معدوماً، فقد عاد إلى ما تقدم من الشبهة، وقد فرغنا بحمد اللّه عن حلها..وإن قال: النفي عن الجهات يوجب عدم ما ليس بجهة منه، فقد أحال، لأن ذلك لا يوجب عدم النافي وما قام به من الأعراض لما لم يكن بجهة من نفسه، فكذا لا يوجب عدم البارئ جل وعلا؛ لأنه ليس بجهة من النافي..فإن قالوا: إذا لم يكن بجهة منه ولا قائماً به يكون معدوماً، فقد عادوا إلى الشبهة الثالثة، وقد فرغنا من حلّها بتوفيق اللّه تعالى..والأصل في هذا كلّه أن ثبوت الصانع جلّ وعلا وقدمه علم بما لا مدفَعَ له من الدلائل ولا مجال للريب فيه، فقلنا بثبوته وقدمه وعرفنا استحالة ثبوت أمارات الحدث في القديم، فنفينا ذلك عنه لما في إثباتها من إثبات حدوث القديم أو بطلان دلائل الحدث، وذلك باطل كله على ما قرّرنا، وفي إثبات المكان والجهة إثبات دلالة الحدث على ما مر.وليس من ضرورة الوجود إثبات الجهة، لأن نفسي وما قام بها من الأعراض ليست مني بجهة، وهي موجودة، وما كان مني بجهة ليس بقائم بي وهو موجود، وكذا ليس من ضرورة الوجود أن يكون فوقي؛ لوجود ما ليس فوقي، ولا أن يكون تحتي لوجود ما ليس تحتي، وكذا قدامي وخلفي

وعن يميني وعن يساري، وإذا ثبت هذا في كلّ جهة على التعيين ثبت في الجهات كلها، إذ هي متركبة من الأفراد..فإذا ليس من ضرورة الموجود أن يكون منّي بجهة لوجود ما ليس منّي بجهة، ولا أن يكون قائماً بي لوجود ما ليس بقائم بي..وظهر أن قيام الشيء بي وكونه بجهة منّي ليسا من لواحق الوجود وضروراته على ما قررنا هذا الكلام في نفي كونه تعالى عرضاً أو جوهراً أو جسماً، وخروج الموجود عن هذه المعاني كلها معقول لما بينا من الدلائل أن ليس من ضرورة الوجود ثبوت معنى من هذه المعاني كلها لما مر من ثبوت موجود ليس فيه كلّ معنى من هذه المعاني على التعيين، غير أنه ليس بموهوم لما لم يُحس موجود تعرّى عن هذه المعاني كلها، إذ ما يُشاهد في المحسوسات كلها محدثة وارتفاع دلالة الحدث عن المحدّث محال، وفي الحق تعالى الأمر بخلافه..وليس من ضرورة الارتفاع عن الوهم العدم لما ثبت من الدلائل العقليّة على الحدوث، وظهور التفرقة بين المعقول والموهوم على ما تقدم ذكره على وجه لا يبقى للمنصف فيه ريبة..ثم إن اللّه تعالى أثبت في نفس كلّ عاقل معاني خارجة عن الوهم لخروجها عن درك الحواس، ويعلم وجودها على وجه لم يكن للشك فيه مدخل لثبوت آثارها، كالعقل والروح والبصر والسمع والشم والذوق، فإن ثبوت هذه المعاني متحقق، والأوهام عن الإحاطة بماهيتها قاصرة؛ لخروجها

عن الحواس المؤدّية المدركة صور محسوساتها إلى الفكرة، ليصير ذلك حجة على كلّ من أنكر الصانع مع ظهور الآيات الدالة عليه لخروجه عن التصور في الوهم..ويعلم أن لا مدخل للوهم في معرفة ثبوت الأشياء الغائبة عن الحواس، ومن أراد الوصول إلى ذلك بالوهم ونفي ما لم يتصور فيه مع ظهور آيات ثبوته فقد عطّل الدليل القائم لانعدام ما ليس يصلح دليلاً، فيصير كمن أنكر وجود البياض في جسم مع معاينته ذلك لعدم استدراك ذلك بالسمع، وجهالةً مَن هذا فعله لا يخفى عن الناس، فكذا هذا.ثم لا فرق بين من أنكر الشيء لخروجه عن الوهم وبين من جعل خروج الشيء عن الوهم دليلاً للعدم لما فيهما جميعاً [ممن] قصر ثبوت الشيء ووجوده على الوهم، وخروج الموجود عن جميع أمارات الحدث غير موهوم لما لم نعاين موجوداً ليس بمحدث، وإثبات أمارات الحدث في القديم محال ونفيها عن القديم إخراجه عن الوهم، وبخروجه عن الوهم يلتحق بالعدم فإذاً لا وجود للقديم..فصارت المجسّمة والقائلون بالجهة والجاعلون ما لا يجوز عليه الجهة في حيز العدم قائلين بعدم القديم، فضاهوا الدهريّة في نفي الصانع الذي ليس فيه شيء من أمارات الحدث، وساعدوهم بإثبات قدم من هو متمكن في المكان أو متحيز إلى جهة في إثبات قدم من تحققت أمارات حدوثه، وبإثبات القدم للعالم نفي الصانع..

فإذاً عند الوقوف على هذه الحقائق علم أنهم هم النافون للصانع في الحقيقة دون من أثبته ونفى عنه الجهة والتمكن اللذين هما من أمارات الحدث. واللّه الموفق.وهذا هو الجواب عن قولهم: إن الناس مجبولون على العلم بأنه تعالى في جهة العلو، حتّى إنهم لو تركوا وما هم عليه جبلوا لاعتقدوا أن صانعهم في جهة العلوّ..فإنا نقول لهم: إن عنيتم بهذا من لم يرض عقله بالتدبر والتفكر ولم يتمهر في معرفة الحقائق بإدمان النظر والتأمل، فمسلّم أنه بهواه يعتقد أنّ صانعه بجهة منه، لما أنه لا يعرف أن التحيز بجهة من أمارات الحدث منفية عن القديم، ولما يرى أن ما ليس بقائم به يكون منه بجهة، ثم يرى صفاء الأجرام العلوية وشرف الأجسام النيرة في الحس فظن جهلاً منه أنه تعالى لا بد من كونه بتلك الجهة منه لخروج ما ليس بقائم به ولا بجهة منه عن الوهم، وفضيلة تلك الجهة على سائر الجهات عنده.وإن عنيتم به الحذاق من العلماء العارفين بالفرق بين الجائز والممتنع والممكن والمحال فغير مسلّم، إذ هؤلاء يبنون الأمر على الدليل دون الوهم، وقد قام الدليل عندهم على استحالة كونه تعالى في جهة.. واللّه الموفّق» (1.)(4 قال أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم، المعروف بابن القشيري (514هـ) في تأويل الاستواء بـ : القهر : «يقال: كان مقهوراً قبل خلق)


1) تبصرة الأدلّة في أصول الدين 1: 174.

العباد، هيهات، إذ لم يكن للعباد وجود قبل خلقه إياهم، بل لو كان الأمر على ما توهمه الجهلة من أنه استواء بالذات لأشعر ذلك بالتغيّر واعوجاج سابق على وقت الاستواء، فإن البارئ تعالى كان موجوداً قبل العرش، ومن أنصف علم أن قول من يقول: العرش بالرب استوى أمثل من قول من يقول: الربِّ بالعرش استوى، فالرب إذاً موصوف بالعلو وفوقية الرتبة والعظمة منزة عن الكون في المكان وعن المحاذاة» (1.)(5 ردّ المفسر عبد الرحمن ابن الجوزي الحنبلي (597هـ) في كتابه: (الباز الأشهب) على ابن الزاغوني (552هـ) المجسّم الذي قال: «فلما قال تعالى (ثمّ اسْتَوَى) علمنا اختصاصه بتلك الجهة.... ولا بد أن يكون لذاته نهاية وغاية يعلمها»؛ قائلا: «قلت: هذا رجلٌ لا يدري ما يقول؛ لأنه إذا قَدر غايةً وفصلاً بين الخالق والمخلوق فقد حدده وأقر بأنه جسم، وهو يقول في كتابه: إنه ليس بجوهر؛ لأن الجوهر ما يتحيز، ثم يثبت له مكانا يتحيز فيه، وهذا كلام جهل من قائله وتشبيه محض، فما عرف هذا الشيخ ما يجب للخالق تعالى وما يستحيل عليه، فإن وجوده تعالى ليس كوجود الجواهر والأجسام التي لا بد لها من حيّز، والتحت والفوق إنما يكون فيما يُقابل ويحاذى، ومن ضرورة المحاذي أن يكون أكبر من المحاذي أو أصغر أو مثله، وأن هذا ومثله إنما يكون في الأجسام، وكل ما يحاذي الأجسام يجوز أن يمسها، وما جاز عليه مماسة الأجسام ومباينتها فهو حادث..)


1) إتحاف السادة المتقين 2: 108.

إذ قد ثبت أنّ الدليل على حدوث الجواهر قبولها المماسة والمباينة، فإن أجازوا هذا عليه قالوا بجواز حدوثه، وإن منعوا هذا عليه لم يبق لنا طريق لإثبات حدوث الجواهر، ومتى قدرنا مستغنياً عن المحل ومحتاجاً إلى الحيّز، ثمّ قلنا: إما أن يكونا متجاورين أو متباينين؛ كان ذلك محالاً، فإنّ التجاور والتباين من لوازم التحيّز في المتحيّزات.وقد ثبت أن الاجتماع والافتراق من لوازم التحيز، والحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالتحيز؛ لأنه لو كان متحيّزاً لم يخل إما أن يكون ساكناً في حيزه أو متحركاً عنه، ولا يجوز أن يوصف بحركة ولا سكون ولا اجتماع ولا افتراق، ومن جاور أو باين فقد تناهى ذاتاً، والتناهي إذا اختص بمقدار استدعى مخصصاً، وكذا ينبغي أن يقال: ليس بداخل في العالم وليس بخارج منه؛ لأن الدخول والخروج من لوازم المتحيزات، فهما كالحركة والسكون وسائر الأعراض التي تختص بالأجرام..وأما قولهم: خلق الأماكن لا في ذاته، فثبت انفصاله عنها؛ قلنا: ذاته المقدس لا يقبل أن يُخلَق فيه شيء، ولا أن يحلّ فيه شيء، وقد حملهم الحسُّ على التشبيه والتخليط حتّى قال بعضهم: إنما ذكر الاستواء على العرش لأنه أقرب الموجودات إليه، وهذا جهل أيضاً؛ لأن قرب المسافة لا يتصوّر إلا في جسم، ويَعزُّ علينا كيف يُنْسَبُ هذا القائل إلى مذهبنا؟!» (1.)(6 قال فخر الدين الرازي (606هـ): «لو كان علوّ اللّه تعالى بسبب)


1) الباز الأشهب: 156.

المكان؛ لكان علوّ المكان الذي بسببه حصل هذا العلوّ اللّه تعالى صفة ذاتيّة، ولكان حصول هذا العلوّ اللّه تعالى حصولاً بتبعية حصوله في المكان، فكان علوّ المكان أتم وأكمل من علوّ ذات اللّه تعالى، فيكون علوّ اللّه ناقصاً وعلو غیره كاملاً، وذلك محال» (1.)(7 وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (2): «المسألة الثانية: المشبهة تعلّقت بهذه الآية في أن معبودهم جالس على العرش، وهذا باطل بالعقل والنقل من وجوه:)أحدها: أنه سبحانه وتعالى كان ولا عرش ولا مكان، ولما خلق الخلق لم يحتج إلى مكان بل كان غنياً عنه، فهو بالصفة التي لم يزل عليها إلا أن يزعم زاعم أنه لم يزل مع أنه لم يزل مع اللّه عرش..وثانيها: أن الجالس على العرش لا بد وأن يكون الجزء الحاصل منه في يمين العرش غير الحاصل في يسار العرش فيكون في نفسه مؤلّفاً مركباً، وكلّ ما كان كذلك احتاج إلى المؤلف والمركب، وذلك محال..وثالثها: أن الجالس على العرش إما أن يكون متمكناً من الانتقال والحركة، أو لا يُمكنه ذلك، فإن كان الأوّل فقد صار محل الحركة والسكون فيكون مُحْدَثاً لا محالة، وإن كان الثاني كان كالمربوط، بل كان كالزّمن بل أسوأ حالاً منه، فإن الزمن إذا شاء الحركة في رأسه وحدقته


1) التفسير الكبير 2: 254.

2) سورة طه 5.

أمكنه ذلك، وهو غير ممكن على معبودهم..ورابعها: هو أن معبودهم إما أن يحصل في كلّ مكان أو في مكان دون مكان، فإن حصل في كلّ مكان لزمهم أن يحصل في مكان النجاسات والقاذورات، وذلك لا يقوله عاقل، وإن حصل في مكان دون مكان افتقر إلى مخصص يخصصه بذلك المكان، فيكون محتاجاً، وهو على اللّه محال» (1.)(8 قال سيف الدين الآمدي (631هـ): «إن قيل ما نشاهده من الموجودات ليس إلا أجساماً وأعراضاً، وإثبات قسم ثالث ممّا لا نعقله.. وإذا كانت الموجودات منحصرة فيما ذكرناه فلا جائز أن يكون البارئ عرضاً؛ لأنّ العرض مفتقر إلى الجسم والبارئ لا يفتقر إلى شيء، وإلا كان المفتقر إليه أشرف منه وهو محال، وإذا بطل أن يكون عرضاً بقي أن يكون جسماً..)قلنا: منشأ الخبط هاهنا إنما هو من الوهم لإعطاء الحق حكم الشاهد، والحكم على غير المحسوس بما حكم به على المحسوس، وهو كاذب غير صادق، فإنّ الوهم قد يرتمي إلى أنه لا جسم إلا في مكان بناء على الشاهد، وإن شهد العقل بأن العالم لا في مكان لكون البرهان قد دلّ على نهايته، بل وقد يشتد وهم بعض الناس بحيث يقضي به على العقل..وذلك كمن ينفر عن المبيت في بيت فيه ميت لتوهمه أنه يتحرك أو يقوم، وإن كان عقله يقضي بانتفاء ذلك، فإذا اللبيب من ترك الوهم جانباً ولم يتخذ غير البرهان والدليل صاحباً..


1) التفسير الكبير 2: 410.

وإذا عرف أن مستند ذلك ليس إلا مجرد الوهم، فطريق كشف الخيال إنّما هو بالنظر في البرهان فإنا قد بيّنا أنه لا بد من موجود هو مبدىء الكائنات، وبيّنا أنه لا جائز أن يكون له مثل من الموجودات شاهداً ولا غائباً، ومع تسليم هاتين القاعدتين يتبيّن أن ما يقضي به الوهم لا حاصل له..ثم لو لزم أن يكون جسماً كما في الشاهد للزم أن يكون حادثاً كما في الشاهد، وهو ممتنع لما سبق، وليس هو عرضاً وإلا لافتقر إلى مقوم يقومه لوجوده؛ إذ العرض لا معنى له إلا ما وجوده في موضوع، وذلك أيضاً محال» (1.)(9 وقال أيضاً: «لو كان في جهة لم يخل: إما أن يكون في كلّ جهة، أو في جهة واحدة، فإن كان في كلّ جهة فلا جهة لنا إلا والرب فيها، وهو محال، وإن كان في جهة مخصوصة، فإما أن يستحقها لذاته أو لمخصص، لا جائز أن يستحقها لذاته، إذ نسبة سائر الجهات إليه على وتيرة واحدة، فإذاً لا بد من مخصص، وإذ ذاك فالمحال لازم من وجهين:)الأول: أن المخصص إما أن يكون قديماً أو حادثاً، فإن كان قديماً لزم منه اجتماع قديمين وهو محال، وإن كان حادثاً استدعى في نفسه مخصصاً آخر، وذلك يفضي إلى التسلسل وهو ممتنع..الوجه الثاني: هو أن الاختصاص بالجهة صفة للرب تعالى قائمة بذاته، أي على قول معتقد الجهة في اللّه، ولو افتقرت إلى مخصص لكانت في


1) غاية المرام 1: 148.

نفسها ممكنة، لأنّ كلّ ما افتقر في وجوده إلى غيره فهو باعتبار ذاته ممكن، وذلك يوجب كون البارئ ممكناً بالنسبة إلى بعض جهاته، والواجب بذاته يجب أن يكون واجباً من جميع جهاته» (1.)(10 قال السبكي الشافعي (756هـ): «صانع العالم لا يكون في جهة؛ لأنه لو كان في جهة لكان في مكان ضرورة أنها المكان أو المستلزمة له، ولو كان في مكان لكان متحيّزاً، ولو كان متحيزاً لكان مفتقراً إلى حيزه ومكانه، فلا يكون واجب الوجود، وثبت أنه واجب الوجود، وهذا خلف، وأيضاً فلو كان في جهة فإما في كلّ الجهات وهو محال وشنيع، وإما في البعض فيلزم الاختصاص المستلزم للافتقار إلى المخصص المنافي للوجوب» (2).)(11 قال البياضي الحنفي (1098هـ) : «الخامس: ما أشار إليه أبو حنيفة في الفقه الأبسط: كان اللّه تعالى ولا مكان كان قبل أن يخلق الخلق، كان ولم يكن أي مكان ولا خلق ولا شيء، وهو خالق كلّ شيء، موجد له بعد العدم، فلا يكون شيء من المكان والجهة قديماً، وفيه إشارات:)الأولى: الاستدلال بأنه تعالى لو كان في مكان وجهة لزم قدمهما، وأن يكون تعالى جسماً، لأنّ المكان هو الفراغ الذي يشغله الجسم، والجهة اسم لمنتهى مأخذ الإشارة ومقصد المتحرك، فلا يكونان إلا للجسم والجسماني، وكل ذلك مستحيل كما مرّ بيانه، وإليه أشار بقوله: «كان ولم يكن أين، ولا


1) المصدر السابق 304:1.

2) إتحاف السادة المتقين 2: 104.

خلق ولا شيء، وهو خالق كلّ شيء»..وبطل ما ظنّه ابن تيميّة منهم من قدم العرش كما في شرح العضدية..الثانية: الجواب بأن لا يكون البارئ تعالى داخل العالم؛ لامتناع أن يكون الخالق داخلاً في الأشياء المخلوقة، ولا خارجاً عنه بان يكون في جهة منه؛ لوجوده تعالى قبل خلق المخلوقات وتحقق الأمكنة والجهات» (1.)(12 قال الفخر ابن المعلم القرشي الدمشقي (725هـ): «قال الإمام أبو عبد اللّه محمّد بن عمر الأنصاري القرطبي: والذي يقتضي بطلان الجهة والمكان مع ما قرّرناه من كلام شيخنا وغيره من العلماء؛ وجهان:)أحدهما: أن الجهة لو قدرت لكان فيها نفي الكمال، وخالق الخلق مستغن بكمال ذاته عمّا لا يكون به كاملاً.. والثاني: أن الجهة إما أن تكون قديمة أو حادثة، فإن كانت قديمة أدى إلى محالين، أحدهما: أن يكون مع البارئ في الأزل غيره، والقديمان ليس أحدهما بأن يكون مكاناً للثاني بأولى من الآخر، فافتقر إلى مخصص يُنقَلُ الكلام إليه، وما يُفضي إلى المحال محال» (2.)(13 قال محمّد مرتضى الزَّبيدي الحنفي (1205هـ) في شرح كلام الغزالي: «الاستواء لو ترك على الاستقرار والتمكن لزم منه كون المتمكن جسماً مماساً للعرش إما مثله أو أكبر منه أو أصغر، وذلك محال، وما يؤدّي)


1) إشارات المرام 1: 108.

2) نجم المهتدي ورجم المعتدي: 158.

إلى المحال فهو محال»..ما نصّه: «...، وتحقيقه أنه تعالى لو استقرّ على مكان أو حاذى مكاناً لم يخل من أن يكون مثل المكان أو أكبر منه أو أصغر منه، فإن كان مثل المكان فهو إذاً متشكّل بأشكال المكان حتّى إذا كان المكان مربّعاً كان هو مربعاً، أو كان مثلثاً كان هو مثلثاً، وذلك محال، وإن كان أكبر من المكان فبعضه على المكان، ويُشْعرُ ذلك بأنه متجزئ وله كلّ ينطوي على بعض، وكان بحيث ينتسب إليه المكان بأنه ربعه أو خمسه..وإن كان أصغر من ذلك المكان بقدر لم يتميز عن ذلك المكان إلاّ بتحديد وتتطرق إليه المساحة والتقدير، وكلّ ما يؤدي إلى جواز التقدير على البارئ تعالى فتجوّزه في حقه كفر من معتقده، وكل من جاز عليه الكون بذاته على محل لم يتميّز عن ذلك المحل إلا بكون، وقبيح وصف البارئ بالكون، ومتى جاز عليه موازاة مكان أو مماسته جاز عليه مباينته، ومن جاز عليه المباينة والمماسة لم يكن إلا حادثاً..وهل علمنا حدوث العالم إلا بجواز المماسة والمباينة على أجزائه؟وقصارى الجهلة قولهم: كيف يتصوّر موجود لا في محل؟وهذه الكلمة تصدر عن بدع وغوائل لا يَعْرِفُ غورها وقعرها إلا كلّ غوّاص على بحار الحقائق وهيهات طلب الكيفية حيث يستحيل محال..والذي يدحض شبههم أن يقال لهم: قبل أن يخلق العالم أو المكان هل كان موجوداً أم لا؟

فمن ضرورة العقل أن يقول: بلى.. فيلزمه لو صح قوله: لا يعلم موجود إلا فى مكان أحد أمرين: إما أن يقول : المكان والعرش والعالم قديم، وإما أن يقول : الرب تعالى محدث، وهذا مآل الجهلة والحشوية، ليس القديم بالمحدث، والمحدث بالقديم. ونعوذ باللّه من الحيرة في الدين» (1.)(14 وقال أيضاً: «إن قيل: نفيه عن الجهات الست إخبار عن عدمه؛ إذ لا عدم أشد تحقيقاً من نفي المذكور عن الجهات الست.. قلت النفي عن الجهات الست لا يكون ذلك إخباراً عن عدم ما لو كان لكان في جهة من النافي، لا نفي ما يستحيل أن يكون في جهة منه، ألا ترى أن من نفى نفسه عن الجهات الست لا يكون ذلك إخباراً عن عدمه لأن نفسه ليست بجهة منه..)وأما قول المعتزلة: القائمان بالذات يكون [كلّ] واحد منهما بجهة صاحبه لا محالة، فالجواب عنه: هذا على الإطلاق أم بشريطة أن يكون كلّ واحد منهما محدوداً متناهياً؟الأوّل ممنوع.. والثاني مُسَلّم، ولكن البارئ تعالى يستحيل أن يكون محدوداً متناهياً (2.)(15 قال الشيخ عبد اللّه الهرري: «والدليل على ذلك أنه لو تحيّز فإما في الأزل فيلزم قدم الحيّز، أو لا فيكون محلاً للحوادث، وكلا ذلك مستحيل، وأيضاً إمّا أن يساوي الحيّز أو ينقص عنه فيكون متناهياً أو يزيد)


1) إتحاف السادة المتقين 2: 24.

2) المصدر السابق: 27.

عليه فيكون متجزئاً، وإذا لم يكن في مكان لم يكن في جهة لا غلو ولا سفل ولا غيرهما؛ لأنها إما حدود وأطراف للأمكنة أو نفس الأمكنة باعتبار عروض الإضافة إلى شيء..ثم إن بعض المجسمة إذا أثبت لهم برهان وجوب تن-زهه تعالى عن المكان؛ يقول : جهة العلوّ غير جهة السفل جهة السفل نقص عليه يجب تنزيهه عنها، وأمّا جهة العلوّ فكمال، ولا يدل العقل على نفيها عن اللّه»..فالجواب أن يقال لهم: الجهات كلّها لا تقتضي الكمال في حدّ ذاتها؛ لأن الشأن ليس في علوّ المكان، بل الشأن في علوّ القدر، بل قد يختص الشخص من البشر بالمكان العالي ومن هو أعلى منه قدراً يكون في المكان المنخفض، ويحصل ذلك للسلاطين فإن حرسهم يكونون في مكان عال وهم أسفل منهم، فلم يكن في علوّ الجهة وعلو المكان شأن، ثم الأنبياء مستقرهم في الدنيا: الأرض، وفي الآخرة: الجنّة، وهم أعلى قدراً من الملائكة الحافين حول العرش والذين هم في أعلى من مستقر الأنبياء من حيث الجهة، وكون مستقر أولئك حملة العرش فوق مستقر الأنبياء من حيث الجهة لم يكن دليلاً على أنهم أكمل من الأنبياء بل ولا يساوونهم..ثم الخلاء – وهو هذا الفراغ عند أهل الحق – يتناهي، ليس وراء العالم فراغ لا نهاية له فهو مستحيل، وكذلك القول بأن وراء العالم أجراماً متواصلة بلا نهاية مستحيل أيضاً، وإن أهل الحق لا يثبتون هذا ولا يثبتون هذا، بل يقولون: وراء العالم لا يوجد فراغ لا متناه ولا أجرام لا متناهية،

انتهت الأجسام والأعراض بانتهاء حدّ العالم، انتهى الخلاء والملاء.. والملاء هو الجرم المتواصل» (1.)(16 وقال أيضاً: «لو كان له مكان لكان له أمثال، وأبعاد طول وعرض وعمق، ومن كان كذلك كان محدثاً محتاجاً لمن حده بهذا الطول وبهذا العرض وبهذا العمق...)وليس محور الاعتقاد على الوهم بل على ما يقتضيه العقل الصحيح السليم الذي هو شاهد للشرع؛ وذلك أن المحدود محتاج إلى من بذلك الحدّ فلا يكون إلها، فكما صح وجود اللّه تعالى بلا مكان وجهة قبل خلق الأماكن والجهات، فكذلك يصحّ وجوده بعد خلق الأماكن بلا مكان وجهة، وهذا لا يكون نفياً لوجوده تعالى» (2.)(17 وقال أيضاً: «واللّه تعالى متنزه أيضاً عن الجهات والأماكن؛ إذ الجهات والأماكن خلقه، أحدثها بعد أن لم تكن، فلا يوصف تعالى بالفوقية بالحيّز والمكان، فلو كان فوق العالم بالحيّز والمكان لكان محاذيا له، والمحاذي للجسم إمّا أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر منه مساحة، وما يقدر بالمساحة محتاج لمن خصّه بها، والمحتاج حادث، ولو كان مُقَدَّراً بالمساحة لصحّت الألوهيّة للشمس ونحوها من الكواكب» (3).)


1) مختصر عبد اللّه الهرري 2: 58.

2) المصدر السابق 2: 62.

3) المصدر السابق 2: 95.

بعض الأدلّة النقلية التي استدل بها علماء أهل السنّة على تنزيه اللّه تعالى عن الجهة والمكان:جاء في مختصر الهرري: وردت عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم أحاديث تتضمن تنزيه اللّه عن المكان والجهة، وقد استدل بها العلماء لتقرير هذه العقيدة؛ منها: قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم): (كان اللّه ولم يكن شيء غيره). رواه البخاري والبيهقي..)ومعناه أن اللّه لم يزل موجوداً في الأزل، ليس معه غيره، لا ماء ولا هواء، ولا أرض ولا سماء، ولا كرسي ولا عرش، ولا إنس ولا جن ولا ملائكة، ولا زمان ولا مكان فهو تعالى موجود قبل المكان بلا مكان، وهو الذي خلق المكان فليس بحاجة إليه..واللّه تعالى لا يوصف بالتغيّر من حالة إلى أخرى؛ لأن التغير من صفات المخلوقين، فلا يقال كما تقول المشبهة : إن اللّه كان في الأزل ولا مكان، ثم بعد أن خلق المكان صار هو في مكان وجهة فوق والعياذ باللّه تعالى..وما أحسن قول المنزّهين: (سبحان الذي يُغيّر ولا يتغير.. وهذه عبارة سليمة عند أهل التنزيه غير أنّ المشبِّهة المجسِّمة وأدعياء السلفيّة تشمئز نفوسهم منها؛ لأنها تهدم عليهم عقيدة التشبيه.)وقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: (اللّهم أنت الأوَّلُ فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء). رواه مسلم.)

قال البيهقي الشافعي الأشعري استدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه - أي عن اللّه - بقول النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: (أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء)، وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان.)أما ما رُوي عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم؛ أنه قال: (لو أنكم دَلَّيْتُم رجُلاً بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على اللّه). رواه الترمذي.. هو حديث ضعيف، لكن تأوَّله علماء الحديث على أن علم اللّه شامل لجميع الأقطار، وأنّه منزّه عن المكان، فالشاهد هو في استدلال العلماء به على نفي المكان عن اللّه.)قال ابن حجر العسقلاني: معناه أن علم اللّه يشمل جميع الأقطار، فالتقدير: لهبط على علم اللّه، واللّه سبحانه وتعالى تنزه عن الحلول في الأماكن، فاللّه سبحانه وتعالى كان قبل أن تحدث الأماكن.وقال أبو بكر البيهقي الشافعي الأشعري بعد أن ذكر هذه الرواية: والذي رُوي في آخر هذا الحديث إشارة إلى نفي المكان عن اللّه تعالى، وأن العبد أينما كان فهو في القرب والبعد من اللّه تعالى سواء، وأنه الظاهر، فيصح إدراكه بالأدلّة والباطن، فلا يصحّ إدراكه بالكون في مكان.وكذلك استدل به أبو بكر ابن العربي المالكي في شرحه على سنن الترمذي على أنّ اللّه موجود بلا مكان؛ فقال ما نصّه: والمقصود من الخبر أن نسبة البارئ من الجهات إلى فوق كنسبته إلى تحت ؛ إذ لا ينسب إلى

الكون في واحدة منهما بذاته.أي: أنّ اللّه منزّه عن الجهة، فلا يسكن فوق العرش كما تقول المجسمة، ولا هو بجهة أسفل ؛ لأنّ اللّه تعالى كان قبل الجهات الست، ومن استحال عليه الجهة استحال عليه المكان، فاللّه تعالى لا يحل في شيء ولا يشبه شيئاً، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.ومن الأحاديث الدالة على تنزيه اللّه عن الجهة، ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء).)قال الحافظ جلال الدين السيوطي الشافعي قال البدر بن الصاحب في تذكرته: في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن اللّه تعالى.ويدل أيضاً على ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس، عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم؛ قال: (ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى). واللفظ للبخاري.)قال الحافظ المحدّث الفقيه الحنفي مرتضى الزبيدي: «ذكر الإمام قاضي القضاة ناصر الدين بن المُنير الإسكندري المالكي في كتابه: (المنتقى في شرف المصطفى؛ لما تكلّم على الجهة وقرر نفيها قال: ولهذا أشار مالك في قوله (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): (لا تفضّلوني على يونس بن متى)، فقال مالك: إنما خص يونس للتنبيه على التنزيه؛ لأنه (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم) رفع إلى العرش ويونس (عَلَيهِ السَّلَامُ) هبط إلى قاموس البحر،)

ونسبتهما مع ذلك من حيث الجهة إلى الحق جل جلاله نسبة واحدة، ولو كان الفضل بالمكان لكان (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم أقرب من يونس ابن متى وأفضل ولما نهى عن ذلك..)ثم أخذ الإمام ناصر الدين يبدي أن الفضل بالمكانة لا بالمكان، هكذا نقله السبكي في رسالة الردّ على ابن زفيل. وابن زفيل هو: ابن قيم الجوزية المبتدع، تلميذ الفيلسوف المجسِّم ابن تيميّة؛ الذي قال مؤيداً لعقيدة متأخري الفلاسفة: إنّ اللّه لم يخلق نوع العالم، وهذا كفر بإجماع المسلمين، كما ذكر العلامة الشيخ بدر الدين الزركشي في كتابه: (تشنيف المسامع.)وقال المفسّر أبو عبد اللّه القرطبي في تفسيره: قال أبو المعالي: قوله (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: (لا تفضّلوني على يونس بن متى)، المعنى: فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى اللّه منه وهو في قعر البحر في بطن الحوت، وهذا يدل على أن البارئ سبحانه وتعالى ليس في جهة.)ومما استدل به أهل السنّة على أن العروج بالنبيّ [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ ] إلى ذلك المستوى (الذي لما وصل إليه سمع كلام اللّه) لم يكن؛ لأن اللّه تعالى متحيز في تلك الجهة: أن موسى [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] لم يسمع كلامه وهو عارج في السموات إلى محل كالمحل الذي وصل إليه الرسول محمّد [ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)]، بل سمع وهو في الطور، والطور من هذه الأرض؛ فيُعلَمُ من هذا أن اللّه موجود بلا مكان، وأن سماع كلامه ليس مشروطاً بالمكان، وأن صفاته ليست متحيزة بالمكان..)جعل سماع محمّد [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏] لكلامه الأزلي الأبدي في وقت كان فيه)

محمّد [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ ] في مستوى فوق السموات السبع حيث يعلم اللّه، وموسى كان سماعه في الطور، وأن نبينا (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) صار مشرفاً بجميع أقسام التكليم الإلهي المذكور في تلك الآية، ولم يجتمع هذا لنبي سواه».)ومما يدل أيضاً على تنزيهه تعالى عن الجهة ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك: «أن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم استسقى فأشار بظهر كَفَّيْه إلى السماء» أي أن النبيّ [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ] جعل بطون كفيه إلى جهة الأرض، وفي ذلك إشارة إلى أن اللّه عزّ وجلّ ليس متحيزاً في جهة العلوّ، كما أنه ليس في جهة السُّفل (1).)وأضاف الهرري في بيان الأدلّة القرآنية على تنزيه اللّه تعالى من الجهة والمكان؛ قائلاً:قال اللّه تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٍ (2)، أي: أن اللّه تعالى لا يشبه شيئاً من خلقه بوجه من الوجوه، ففي هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة، فلا يحتاج إلى مكان يحل فيه ولا إلى جهة يتحيّز فيها، بل الأمر كما قال سيّدنا علي رضي اللّه عنه: (كان اللّه ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان). رواه أبو منصور البغدادي.)وفي هذه الآية دليل لأهل السنّة والجماعة على مخالفة اللّه للحوادث، ومعنى مخالفة اللّه للحوادث أنّه لا يشبه المخلوقات، وهذه الصفة من


1) المصدر السابق 2: 57.

2) سورة الشورى: 11.

الصفات السلبيّة الخمسة، أي التي تدل على نفي ما لا يليق باللّه.والدليل العقلي على ذلك أنه لو كان يُشبه شيئاً من خلقه لجاز عليه ما يجوز على الخلق من التغيّر والتطوّر، ولو جاز عليه ذلك لاحتاج إلى من يُغيّره، والمحتاج إلى غيره لا يكون إلها، فثبت له أنه لا يُشبه شيئا.والبرهان النقلي لوجوب مخالفته تعالى للحوادث قوله تعالى: (لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وهو أوضح دليل نقلي في ذلك جاء في القرآن؛ لأن هذه الآية تفهم التنزيه الكلّي؛ لأن اللّه تبارك وتعالى ذكر فيها لفظ شيء في سياق النفي، والنكرة إذا أوردت في سياق النفي فهي للشمول..)فاللّه تبارك وتعالى نفى بهذه الجملة عن نفسه مشابهة الأجرام والأجسام والأعراض، فهو تبارك وتعالى كما لا يُشبه ذوي الأرواح من إنس وجن وملائكة وغيرهم، لا يُشبه الجمادات من الأجرام العلوية والسفلية أيضاً، فاللّه تبارك وتعالى لم يُقيّد نفي الشبه عنه من أنواع الحوادث بل شمل نفي مشابهته لكل أفراد الحادثات، ويشمل نفي مشابهة اللّه لخلقه تنزيهه تعالى عن المكان والجهة والكميّة والكيفية..فالكميّة هي: مقدار الجرم، فهو تبارك وتعالى ليس كالجرم الذي يدخله المقدار والمساحة والحد، فهو تبارك وتعالى ليس بمحدود ذي مقدار ومسافة، فلو كان اللّه فوق العرش بذاته - كما يقول المشبهة - لكان محاذياً للعرش، ومن ضرورة المحاذي أن يكون أكبر من المحاذى أو أصغر منه أو مثله، وأن هذا ومثله إنّما يكون فى الأجسام التي تقبل المقدار

والمساحة والحد، وهذا محال على اللّه تعالى، وما أدى إلى المحال فهو محال، وبطل قولهم إنّ اللّه متحيّز فوق العرش بذاته.ومن قال في اللّه تعالى: إنّ له حد، فقد شبهه بخلقه؛ لأن ذلك ينافي الألوهيّة، واللّه تبارك وتعالى لو كان ذا حدّ ومقدار لاحتاج إلى من جعله بذلك الحدّ والمقدار كما تحتاج الأجرام إلى من جعلها بحدودها ومقاديرها؛ لأنّ الشيء لا يخلق نفسه بمقداه، فاللّه تبارك وتعالى لو كان ذا حدّ ومقدار كالأجرام لاحتاج إلى من جعله بذلك الحد؛ لأنه لا يصحّ في العقل أن يكون هو جعل نفسه بذلك الحد، والمحتاج إلى غيره لا يكون إلها؛ لأنّ من شَرْط الإله الاستغناء عن كلّ شيء.وقال اللّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المُثَلُ الْأَعْلَى (1)، أي: الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف اللّه ربّنا عزّ وجلّ بصفات المخلوقين من التغير والتطوّر والحلول في الأماكن والسُّكني فوق العرش، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيرا. وقال المفسر اللغوي أبو حيان الأندلسي في تفسيره النهر الماد: (وَلِلَّهِ المُثَلُ الْأَعْلَى)، أي الصفة العليا من تنزيهه تعالى عن الولد والصاحبة وجميع ما تنسب الكفرة إليه، ممّا لا يليق به تعالى كـ : التشبيه والانتقال وظهوره تعالى في صورة.)ومما يدل على ما قدمنا قول اللّه تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا للّه الْأَمْثَالَ (2)، أَي:)


1) سورة النحل: 60.

2) سورة النحل: 74.

لا تجعلوا اللّه الشبيه والمثل فإنّ اللّه تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فلا ذاته يشبه الذوات ولا صفاته تشبه الصفات.وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللّه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (1)، أي: أنَّ اللّه مستغن عن العرش وما دونه وما فوقه، فهو لا يحتاج العرش ولا الكرسي سكناً له كما زعمت المشبهة.)وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللّه خَالِقُ كلّ شَيْءٍ (2)، وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كلّ شَيْءٍ) (3)، فهاتين الآيتين فيهما الدليل القطعي على وجود اللّه تعالى بلا مكان ولا جهة؛ إذ أن الجهة والمكان أشياء، واللّه قال: ﴿وَخَلَقَ كلّ شَيْءٍ) فدخل بذلك العرش والكرسي والمكان والجهة والفوق والتحت واليمين والشمال والأمام والخلف والجنّة والنار...)ومن المعلوم لدى أهل الحق أنّ اللّه لا يتغيّر؛ لأن التغير دليل الحدوث، فاللّه كان قبل المكان بلا مكان وهو الآن على ما عليه كان.وقال اللّه تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً (4)، أي مثلاً، فاللّه لا مثيل ولا نظير له أبداً، فوصف اللّه بصفات البشر كالقعود والقيام والجلوس والاسقرار يكون تشبيهه بهم، ومن شبّه اللّه بخلقه كفر والعياذ باللّه، وذلك لتكذيبه كثيراً)


1) سورة آل عمران: 97.

2) سورة الرعد 16.

3) سورة الأنعام: 101.

4) سورة مريم: 65.

من الآيات في القرآن كقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.)وكذلك ممّا يدل على تنزيه اللّه تعالى عن المكان والحيّز قوله تعالى (هو الأَوَّل وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ (1).)قال الطبري في تفسيره جامع البيان: فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (2)، أي: أن الطبري نفى القرب الحسّي الذي تقول به المجسمة الوهابيّة، أما القرب المعنوي فلا ينفيه، وهذا فيه دليل على تنزيه اللّه عن الجهة والمكان.)فاللّه كان ولا مكان ولا زمان، ولا يزال موجوداً بلا مكان كما كان، ولا يطرأ عليه تغير لا في ذاته ولا في صفاته. وقال اللّه تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ) (3)، أي: لا نظير له بوجه من الوجوه، وهذه الآية فسرتها الآية: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).

وقال اللّه تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّه (4)، قال المفسر اللغوي الشيخ أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط ما نصه: وفي قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّه) ردُّ على من يقول إنه في حيّز وجهة؛ لأنه لما خير في استقبال جميع الجهات دل على أنه ليس في جهة وحيّز، ولو كان في حيّز لكان استقباله)


1) سورة الحديد: 3.

2) سورة ق 16.

3) سورة الإخلاص: 4.

4) سورة البقرة: 115.

والتوجه إليه أحق من جميع الأماكن، فحيث لم يُخصص مكاناً علمنا أنه لا في جهة ولا حيّز، بل جميع الجهات في ملكه وتحت ملكه، فأي جهة توجهنا إليه فيها على وجه الخضوع كنا معظمين له ممتثلين لأمره» (1.)السؤال :* كيف جزم ابن تيميّة بدلالة البراهين العقلية والآيات والأحاديث على ثبوت الجهة والمكان اللّه تعالى؛ مع تصريح أكثر علماء العقيدة في كتبهم بالأدلّة العقلية والنقلية النافية لذلك؟***### كلمات علماء أهل السنّة في ذكر الإجماع على تنزيه اللّه تعالى عن الجهة والمكان:أشار الهرري في مختصره إلى أقوال علماء أهل السنّة في ذكر الإجماع على تنزيه اللّه تعالى عن الجهة والمكان؛ قائلاً: «قال الشيخ عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي (429هـ: وأجمعوا - أي أهل السنّة والجماعة - على أنه - أي اللّه - لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، وقال الشيخ إمام الحرمين عبد الملك بن عبد اللّه الجويني الشافعي (478هـ): ومذهب أهل الحق قاطبة أنّ اللّه سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيّز والتخصص بالجهات.)وقال المفسر الشيخ فخر الدين الرازي (606هـ: انعقد الإجماع على أنه)


1) مختصر عبد اللّه الهرري 2: 86.

سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيّز.وقال الشيخ إسماعيل الشيباني الحنفي (629هـ: قال أهل الحق: إن اللّه تعالى متعال عن المكان غيرُ متمكّن في مكان، ولا متحيّز إلى جهة خلافا للكرامية والمجسمة.)وقال سيف الدين الآمدي (631هـ؛ ما نصه: (وما يُروى عن السلف من ألفاظ يوهم ظاهرها إثبات الجهة والمكان، فهو محمول على هذا الذي ذكرنا من امتناعهم عن إجرائها على ظواهرها والإيمان بتنزيلها وتلاوة كلّ آية على ما ذكرنا عنهم، وبين السلف الاختلاف في الألفاظ التي يطلقون فيها، كلّ ذلك اختلاف منهم في العبارة، مع اتفاقهم جميعاً في المعنى أنه تعالى ليس بمتمكن في مكان ولا متحيّز بجهة).)وللشيخ ابن جَهْبَل الحلبي الشافعي (733هـ رسالة ألفَها في نفي الجهة ردَّ بها على المجسّم الفيلسوف ابن تيميّة الحرَّاني الذي سَفّه عقيدة أهل السنّة، وطعن بأكابر صحابة رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) كعمر وعلي، وقال ابن جَهْبَل وها نحن نذكر عقيدة أهل السنّة، فنقول: عقيدتنا أن اللّه قديم أزلي، لا يُشبه شيئاً ولا يشبهه شيء، ليس له جهة ولا مكان.)ونقل الشيخ تاج الدين السبكي الشافعي الأشعري (771هـ عن الشيخ فخر الدين بن عساكر أنه كان يقرئ العقيدة المرشدة التي فيها: (إن اللّه تعالى موجود قبل الخلق ليس له قَبْل ولا بَعْد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خَلْفٌ).)

ثم قال ابن السبكي بعد أن ذكر هذه العقيدة؛ ما نصه: (هذا آخر العقيدة وليس فيها ما ينكره سُنّي.)ووافقه على ذلك الحافظ المحدّث صلاح الدين العلائي (761هـ أحد أكابر علماء الحديث، فقال: (وهذه [العقيدة المرشدة ] جرى قائلها على المنهاج القويم، والعقد المستقيم، وأصاب فيما نره به العلي العظيم).)وقال الشيخ محمّد ميَّارة المالكي (1072هـ: أجمع أهل الحق قاطبة على أنّ اللّه تعالى لا جهة له، فلا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف.)وقال شيخ الجامع الأزهر سليم البشري (1335هـ: مذهب الفرقة الناجية وما عليه أجمع السنيون أن اللّه تعالى منزّه عن مشابهة الحوادث، مخالف لها في جميع سمات الحدوث، ومن ذلك تنزهه عن الجهة والمكان. ذكره القضاعي في: (فرقان القرءان).)وقال الشيخ يوسف الدجوي المصري (1365هـ عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر في مصر؛ ما نصه: واعلم أن السلف قائلون باستحالة العلو المكاني عليه تعالى، خلافاً لبعض الجهلة الذين يخبطون خبط عشواء في هذا المقام، فإن السلف والخلف متفقان على التنزيه. وقال أيضاً: هذا إجماع من السلف والخلف.)وقال الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي (1376هـ: أجمع أهل الحق من علماء السلف والخلف على تنزه الحق - سبحانه - عن الجهة وتقدسه عن المكان.)وقال المحدّث الشيخ محمّد عربي التباني المالكي المدرس بمدرسة

الفلاح وبالمسجد المكي (1390هـ : اتفق العقلاء من أهل السنّة الشافعية والحنفية والمالكية وفضلاء الحنابلة وغيرهم على أن اللّه تبارك وتعالى منزه عن الجهة والجسمانية والحدّ والمكان ومشابهة مخلوقاته (1).)السؤال :* هل يمكن الاعتماد على كلام ابن تيميّة في نقل الإجماعات، بعد أن تبين عدم مطابقة كلامه للواقع في مسائل مختلفة؛ كمسألة ثبوت الجهة والمكان اللّه تعالى عندهم؟***### دراسة النقطة الرابعة: ثبوت الجهة العدمية اللّه تعالىمن البدع المنكرة التي ابتدعها ابن تيميّة هي بدعة وجود اللّه تعالى في جهة عدميّة، وهي بدعة تيموية خالصة، لم ترد لا في كتاب ولا في سُنّة، ولا على لسان سلف أهل سُنّة الجماعة، فهو مبتدعها ومخترعها، ولازال أتباعه إلى اليوم يكرّرون هذه البدعة، ناشرين لها، مع زعمهم أنها عقيدة السلف، وهم يعلمون أن هذه العقيدة ليست عقيدة سلفهم، بل هي عقيدة ابن تيميّة.. ونحن نطالبهم بأمر بسيط غاية في البساطة، أن يذكروا لنا آية واحدة أو حديثاً واحداً - ولو ضعيفاً - ورد فيه التصريح بوجود اللّه تعالى في الجهة العدمية.وقد كان الحشوية قبل ابن تيميّة يقولون أن اللّه في السماء أو فوق


1) المصدر السابق 2: 214.

العرش أو على الكرسي، ولكن جاءهم ابن تيميّة ببدعة أن اللّه ليس فوق العرش ولا في جوف السماء ولا على الكرسي، وإنما هو في جهة عدمية تقع فوق السماء، وهذه الجهة ليست مخلوقة..نعم لا أحد يمكنه فهم هذه البدعة ولكنه قائل بها، ومقلدوه قائلون بها أيضاً..قال ابن تيميّة في (الجواب الفاصل بتمييز الحق من الباطل: «...، فإذا قال ذلك القائل: إن اللّه في جهة، قيل له: ما تريد بذلك؟ أتريد بذلك أن اللّه في جهة موجودة تحصره وتحيط به مثل أن يكون في جوف السماء، أم تريد بالجهة أمراً عدميّاً وهو ما فوق العلم، فإنه ليس فوق العلم شيء من المخلوقات؟)فإذا أردت بالجهة الوجودية وجعلت اللّه محصوراً في المخلوقات فهذا باطل، وإن أردت بالجهة العدميّة وأردت أنّ اللّه وحده فوق المخلوقات بائناً عنها فهذا حق» (1.)وقال في (الرسالة التدمُريّة: «...، فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فاللّه ليس داخلاً في المخلوقات.. أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن اللّه فوق العالم مباين للمخلوقات» (2).)وقد زعم ابن تيميّة أنّ هذه الجهة العدميّة موجودة فوق العالم، وهي جهة حقيقية يوجد فيها اللّه تعالى؛ لكنها غير مخلوقة؛ لأنها عدمية! فهي


1) الجواب الفاصل بتمييز الحق من الباطل : 23.

2) الرسالة التدمرية: 46.

جهة خالية من الجهة!قال في منهاج سنته: «وإن أريد بالجهة أمر عدمي وهو ما فوق العالم، فليس هناك إلا اللّه وحده» (1.)وقال أيضاً: «وإذا كان الخالق بائناً عن المخلوق امتنع أن يكون الخالق في المخلوق، وامتنع أن يكون متحيّزاً بهذا الاعتبار، وإن أراد بالحيّز أمراً عدميّاً فالأمر العدمي لا شيء، وهو سبحانه بائن عن خلقه، فإذا سمّي العدم الذي فوق العالم حيّزا وقال: يمتنع أن يكون فوق العالم لئلا يكون متحيّزاً، فهذا معنى باطل؛ لأنه ليس هناك موجود غيره حتّى يكون فيه» (2.)وقال: «...، وكذلك الكلام في لفظ الجهة فإن مسمّى لفظ الجهة يراد به أمر وجودي كالفلك الأعلى، ويراد به أمر عدمي كما وراء العالم، فإذا أريد الثاني أمكن أن يقال كلّ جسم في جهة، وإذا أريد الأول امتنع أن يكون كلّ جسم في جسم آخر، فمن قال الباري في جهة، وأراد بالجهة أمراً موجوداً فكل ما سواه مخلوق له في جهة بهذا التفسير فهو مخطئ، وإن أراد بالجهة أمراً عدميّاً وهو ما فوق العالم، وقال: إن اللّه فوق العالم فقد أصاب، وليس فوق العالم موجود غيره فلا يكون سبحانه في شيء من الموجودات» (3.)


1) منهاج السنّة 1: 217.

2) المصدر السابق 1: 249.

3) المصدر السابق 1: 250.

وقال: «لفظ الجهة قد يراد به ما هو موجود وقد يراد به ما هو معدوم، ومن المعلوم ألاً موجود إلا الخالق والمخلوق، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير اللّه تعالى كان مخلوقاً، واللّه تعالى لا يحصره ولا يحيط به شيء من المخلوقات، وإن أريد بالجهة أمر عدمي، وهو ما فوق العالم، فليس هناك إلا اللّه وحده، فإذا قيل إنه في جهة كان معنى الكلام: أنه هناك فوق العالم حيث انتهت المخلوقات، فهو فوق الجميع عال عليه»(1.)وسار أنصار ابن تيميّة على نهجه في الانتصار لبدعته؛ فقال ابن قيم:كل الجهات بأسرها عدمية ***في حقه هو فوقها ببيان(2)وحاول الدكتور الغامدي في تعليقه على كتاب: (إثبات صفة العلو أن يشرح لنا هذه البدعة، فقال: «فاللّه سبحانه في السماء على العرش كما أخبر عن نفسه، وكما أخبر عنه نبيّه (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، والعلو ممّا تقتضيه الضرورة، والفطرة وبداهة العقول، إلا أن ذلك لا يعني أنّه سبحانه حال في مخلوقاته، لأن الجهة التي أثبتناها للّه تعالى إنما هي جهة عدميّة لا وجوديّة، فالجهة إنما هي ثابتة اللّه تعالى بهذا المعنى، وهكذا نرى أن الحق في مسألة الجهة والمكان هو اعتقاد أن اللّه على مخلوقاته بائن منها منفصل عنها، وهذا يعني الجهة العدمية لا الوجودية»(3).)


1) المصدر السابق 1: 261.

2) شرح نونية ابن القيم 2: 18.

3) إثبات صفة العلو 64.

وقال الدكتور خليل هراس في شرحه على (القصيدة النونية: «لا شك أن اللّه في هذه الجهة، فله العلوّ المطلق على سائر المخلوقات؛ بحيث لا يكون شيء منها حاصراً له ولا محيطاً به، فهو سبحانه ليس في جهة وجودية من هذه الجهات الواقعة داخل هذا العالم، ولكن الجهات كلّها بالنسبة إليه عدميّة» (1).)وقال العثيمين في (شرح العقيدة السفارينية: «كذلك أيضاً: الجهة، هل اللّه في جهة؟ نقول: أما اللفظ فإنّنا نتوقف فيه ومالنا وله، ولكن المعنى نستفصل: ماذا تريد في جهة ؟)إن أردت اللّه تعالى في جهة تحيط به إحاطة الظرف بالمظروف، فهذا ممتنع وباطل، وإن أردت بذلك سفل ومخالطة للمخلوقات، فهذا أيضاً باطل ممتنع على اللّه، فليس اللّه تعالى في جهة السفل، وليس في جهة تحيط به إحاطة الظرف بالمظروف، وإن أردت أنه في جهة عليا عدميّة لا تحيط به، ما ثم إلا هو عزّ وجلّ فهذا حق» (2.)وقد ذكر هذه البدعة الدكتور محمّد بن عبد الرحمن الخميس في: (التنبيهات السنيّة في معرض تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ) (3)قائلاً: «... أي: أن اللّه تعالى فوق خلقه عال على عرشه، وجهة العلوّ على هذا أمر عدمي، فلا يلزم من هذا كون اللّه تعالى)


1) شرح نونية ابن القيم 1: 215.

2) شرح العقيدة السفارينية: 101.

3) سورة الملك: 16.

حالاً في شيء مخلوق»(1.)وقال محمّد صدیق خان القنوجي في (قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر: «فإن قال القائل: إن اللّه في جهة، قيل له: ما تريد بذلك؟ أتريد أنه سبحانه في جهة موجودة تحصره وتحيط به، مثل أن يكون في جوف السموات، أم تريد بالجهة أمراً عدميّاً وهو ما فوق العلم فإنه ليس فوق العالم شيء من المخلوقات، فإن أردت الجهة الوجودية، وجعلت اللّه محصوراً في المخلوقات فهذا باطل، وإن أردت الجهة العدميّة وأردت أنّ اللّه وحده فوق المخلوقات بائن عنها، فهذا حق» (2).)هكذا اتفق أنصار ابن تيميّة على هذه البدعة الكلاميّة المذمومة وهكذا أوردت الفلسفة اليونانيّة التيمويّة صاحبها المهالك.. ويكفي في فضح هذه البدعة المنكرة أن نسأل القائلين بها بعض الأسئلة؛ فنقول:* هل قال اللّه تعالى في كتابه العزيز إنّه في المكان العدمي؟* هل قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ إن اللّه تعالى في المكان العدمي؟)* هل قال أحد الصحابة إنّ اللّه تعالى في جهة عدمية ؟* هل قال تابعي إنّ اللّه تعالى في جهة عدميّة؟* هل قال علماء أهل السنّة - وعلى رأسهم أئمة مذاهبهم المتعدّدة -


1) التنبيهات السنية: 67.

2) قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر: 52.

بالجهة العدمية؟* كيف يكون سلفيّاً من يثبت اللّه تعالى ما لم يثبته اللّه عزّ وجلّ لنفسه؟* هل يكفّر أتباع المنهج التيموي من ينكر الجهة العدمية؛ متمسكاً بقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء (1)؟)*اتحاد الجهة العدمية مع ذات اللّه تعالى عند ابن تيميّة:قال ابن تيميّة: «ليس فوق العالم شيء غير نفسه، فهو جهة نفسه سبحانه، لا يتوجّه منها إلى شيء موجود خارج العالم، ولا يتوجه إليها من شيء موجود خارج العالم، وليس هناك شيء موجود غير نفسه يتوجه منه ولا يتوجه إليه» (2.)الأسئلة : كيف يصرّح ابن تيميّة بهذا الاتحاد؛ وهو يقول في (بيان تلبيس الجهميّة: «إنّ الجهة أمر اعتباري» (3)، ومن الواضح أن الأمر الاعتباري معنى إضافي لا يوجد في نفس الذات؟) هل يتناسب رأي ابن تيميّة مع معنى الجهة في اللغة والاصطلاح ؟


1) سورة الشورى: 11.

2) بیان تلبيس الجهميّة 2: 118.

3) المصدر السابق 2: 118.

«الجهة» هي: الموضع الذي تتوجّه إليه وتقصده (1، فهي نهاية للبعد؛ الذي هو المكان، ومعنى كون الجسم في جهة، أي: أنه متمكن في مكان يلي تلك الجهة، وقد يسمّى المكان الذي يلي جهة ما باسمها؛ كما يقال: فوق الأرض وتحتها، فتكون الجهة عبارة عن نفس المكان باعتبار الإضافة [لا حقيقة ]... فلا يصحّ أن يقال: إن الجهة هي نفس الجسم الموجود في ذلك المكان، لأنك إذا قلت جهة الكعبة، فلا تكون الكعبة هي نفس الجهة، بل هو أمر حاصل في جهة، وهذا هو الأصل في معنى الجهة الاصطلاحي (2).)* كيف يمكن تفسير مخالفة ابن تيميّة للبديهيات العقلية عندما ابتدع مفهوم الجهة العدميّة؛ الدال على إمكان اجتماع الموجود والمعدوم في رتبة واحدة، خلافاً لما يفهمه جميع العقلاء؟***### دراسة النقطة الخامسة: اتفاق أئمة أهل السنّة وعلمائهم على ثبوت الجهة والمكانصرّح ابن تيميّة كعادته في بيان الأمور المختلف فيها – باتّفاق جميع علماء أهل السنّة، بل اتفاق جميع الخلق على ثبوت الجهة والمكان اللّه تعالى، ولكن يتبيّن عدم صحّة كلامه في هذه المسألة كغيرها بأدنى تأمل


1) لسان العرب 556:13.

2) منهج ابن تيميّة في التوحيد 126.

كلمات أئمة أهل السنّة وعلمائهم..وقد ذكر خليل دريان المصري أكثر تلك النصوص في رسالة: (غاية البيان في تنزيه اللّه عن الجهة والمكان؛ لم نذكرها هنا رعايةً للاختصار، فيمكنكم الاطلاع عليها من خلال تصفّح مكتبة موقع: (موسوعة أسئلة الشيعة لأهل السنّة) (1).)***


1) راجع: 18/alsoal.com/books.

### معتقد ابن تيميّة في ثبوت الحركة والنزول للّه تعالىصرّح ابن تيميّة بثبوت الحركة والنزول اللّه تعالى في العديد من كتبه؛ منها:1- قال في (درء تعارض العقل والنقل في تعليقه على كلمات «بشر المريسي» (1): «أما دعواك أي دعوى بشر المريسي أن تفسير القيّوم: (الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرك، فلا يقبل منك هذا التفسير إلا بأثر صحيح مأثور عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) أو بعض أصحابه أو التابعين، لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء ويتحرك إذا شاء، ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن أمارة ما بين الحي والميت)


1) صنف عثمان بن سعيد الدارمي المجسّم (280هـ)، كتاباً في الردّ على كتاب بشر بن غياث المريسي الجهمي (218هـ) اشتمل على ألفاظ منكرة أطلقها على اللّه، كـ : والحركة والمكان والحيّز..)قال الذهبي بشأن هذا الكتاب فيه بحوث عجيبة مع المريسي، يبالغ فيها في الإثبات، والسكوت عنها أشبه بمنهج السلف في القديم والحديث».سير أعلام النبلاء 13: 320.وقال الشيخ محمّد حامد الفقي: «إنّه أتى فيه ببعض ألفاظ دعاه إليها عنف الرد...، مثل: الجسم والمكان والحيّز، فإنّني لا أوافقه عليها، ولا أستجيز إطلاقها...».المصدر السابق 10: 202.

التحرّك، كلّ حيّ متحرك لا محالة، وكل ميت غير متحرك لا محالة» (1.2- وقال: «...، وأئمة السنّة والحديث على إثبات النوعين، وهو الذي ذكره عنهم من نقل مذهبهم كـ: حرب الكرماني وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما، بل صرّح هؤلاء بلفظ الحركة، وأن ذلك هو مذهب أئمة السنّة والحديث، من المتقدمين والمتأخرين، وذكر حرب الكرماني أنه قول من لقيه من أئمة السنّة كـ: أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبد اللّه بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور، وقال عثمان بن سعيد وغيره: إن الحركة من لوازم الحياة، فكلّ حيّ متحرك، وجعلوا نفي هذا من أقوال الجهميّة نفاة الصفات، الذين اتفق السلف والأئمّة على تضليلهم وتبديعهم (2.)3- قال في (منهاج السنّة : «إنّ جمهور أهل السنّة يقولون: إنّه ينزل ولا يخلو منه العرش، كما نقل مثل ذلك عن إسحاق بن راهويه وحماد بن زيد وغيرهما، ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدّد»(3).)4- وقال: «فإنا نقول: إنّه يتحرّك وتقوم به الحوادث والأعراض، فما


1) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1: 333.)قال الشيخ السبحاني: «ما نقله من المريسي وما ردّ به عليه فهو من مصاديق ضعف الطالب والمطلوب، فليس معنى القيوم هو الذي لا يزول عن مكانه، بل معناه القائم بنفسه في مقابل الممكن القائم بغيره، وأما ما رُدَّ به فهو من الفضاحة بمكان وأن نقله يغني عن نقده ورده».ابن تيميّة فكراً ومنهجاً: 48.

2) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1: 309.

3) منهاج السنّة 2: 638.

الدليل على بطلان قولنا؟»(1.)5 - وقال: «وأما أحاديث النزول إلى السماء الدنيا كلّ ليلة، فهي الأحاديث المعروفة الثابتة عند أهل العلم بالحديث، وكذلك حديث دنوه عشيّة عرم عرفة رواه رواه مسلم في صحيحه..وأما النزول ليلة النصف من شعبان، ففيه حديث اختلف فيه إسناده.. ثمّ إن جمهور أهل السنّة يقولون: إنّه ينزل ولا يخلو منه العرش، كما نقل مثل ذلك عن إسحاق بن راهويه وحمّاد بن زيد وغيرهما، ونقلوه عن أحمد ابن حنبل في رسالته إلى مسدّد» (2.)6- قال في (شرح حديث النزول: «والقول الثالث - وهو الصواب وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها - : أنه لا يزال فوق العرش ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه» (3).)7 - كرر في (شرح الأصبهانيّة قوله فى (الموافقة) قائلاً: «وأما دعواك أن تفسير القيوم الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرك، فلا يقبل منك هذا التفسير إلا بأثر صحيح مأثور عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، أو عن بعض الصحابة، أو التابعين؛ لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء، ويتحرك إذا يشاء، ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء؛)


1) المصدر السابق 1: 210.

2) المصدر السابق 2: 637.

3) شرح حديث النزول: 66.

لأن ذلك إمارة ما بين الحيّ والميّت، لأن كلّ متحرك لا محالة حي، وكل ميّت غير متحرك لا محالة، ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبيّ الرحمة ورسول ربّ العزّة، إذ فسّر نزوله مشروطاً منصوصاً، ووقّت له وقتاً موضوحاً، لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لبساً ولا عويصاً» (1.)8 - وأكد رأيه في موضع آخر من (شرح الأصبهانيّة؛ فقال: «وكلام أهل الحديث والسنّة فى هذا الأصل كثير جداً، وأما الآيات والأحاديث الدالة على هذا الأصل فكثيرة جدّاً» (2).)9- ولا يكتفي ابن تيميّة بأن يثبت الحركة فقط، بل يعتبر نفيها من ابتداع الجهميّة؛ إذ يقول في (مجموع الفتاوى: «فهذا لا يصحّ إلا بما ابتدعته الجهميّة من قولهم: لا يتحرك، ولا تحل به الحوادث، وبذلك نفوا أن يكون استوى على العرش بعد أن لم يكن مستوياً، وأن يجيء يوم القيامة، وغير ذلك...» (3).)


1) شرح العقيدة الأصبهانيّة: 79.

2) المصدر السابق: 81.

3) مجموع الفتاوى 6: 447.

### مناقشة رأي ابن تيميّة في ثبوت الحركة والنزول للّه تعالىركز ابن تيميّة على ثلاث نقاط في إثبات معتقده هذا؛ وهي: الملازمة المطلقة بين الحياة والحركة، وحديث النزول، واتفاق جمهور علماء أهل السنة على معتقده.### دراسة النقطة الأولى : الملازمة المطلقة بين الحياة والحركة:إن القول بهذه الملازمة ناشئ من زعم ابن تيميّة بوحدة سنخ صفات الخالق والمخلوق حقيقة، فلهذا نراه يطبق أحكام المفاهيم الممكنة والقواعد الملزمة لها على صفات الواجب ويقول بها على سبيل الحقيقة، كقوله بالتلازم بين حياة اللّه تعالى وحركته سبحانه ؛ الذي يستلزم القول بالإمكان والحدوث والنقص والاحتياج، ويتضح ذلك من خلال التدقيق في معنى الحياة والحركة.### معنى الحياة والحركة وأدلة نفي الحركة عنه تعالى:إن مفهوم «الحياة» واضح وبديهي يدركه الإنسان بالوجدان إدراكاً فطرياً، ويمكن القول بأن كثرة وضوح وظهور هذا المفهوم أدى إلى عسر تعريفه بالبيان..وقد ذكر العلماء في بيان مفهوم الحياة عدّة معان؛ فقالوا: «الحياة صفة تجعل المتصف بها مبدءاً للآثار المتوقّع صدورها منه»، مثل: حياة الأرض

كونها نابتة ومخضرة، وموتها خلافه، وحياة العمل التي هي انتهائه إلى الغرض المبتغى منه وموته خلافه، وحياة القلب عبارة عن ازدهار الفضائل الأخلاقيّة فيه، وموته خلافه..وقالوا: «الحياة صفة توجب صحّة الاتصاف بالعلم والقدرة».. أي: لا تتصف أيّة ذات بصفة العلم والقدرة إلا بعد اتصافها بصفة الحياة، والضرورة تقضي بأن كلّ عالم وقادر حيّ.وذكر البعض أن الحي هو : «المدرك الفاعل»، أو «الدراك الفعال»، أو «الفعّال المدبّر»، ولكن لا يخفى أن نسبة هذا المعنى من الحياة إلى اللّه تعالى يستلزم القول بقدم العالم، لأنّ «الحياة» من صفات اللّه الذاتية، و«الفعل والتدبير» من صفات اللّه الفعليّة، فما نتصوّره بصورة عامة من «الحياة» هي الحياة المرتبطة بالمخلوقات الحيّة، وحياة اللّه سبحانه مغايرة ومباينة لحياة المخلوقات فلهذا يلزم علينا عند نسبة صفة الحياة إلى اللّه أن نقوم بتنزيه هذه الصفة عن كلّ نقص وشائبة؛ ليكون ما ننسبه إلى اللّه تعالى لائقاً بمقامه ومنزلته.أما مفهوم «الحركة» فقد عرف بتعاريف مختلفة أصحها وأسدها هو أن الحركة هي: خروج الشيء من القوة إلى الفعل على سبيل التدرّج، والقوة عبارة عن الاستعداد، ووجود المستعد له يلازم خروجها من القوة إلى الفعليّة، فهذا النوع من التعريف يشمل كلّ أنواع الحركة..وعليه إذا كانت الحركة هي الخروج من القوة إلى الفعل، فلازم ذلك

إمكان وجود الشيء المترقب في المتحرّك، ومن المعلوم أن واجب الوجود بريء عن الإمكان، فهو فعليّة محضة لا ينسجم مع الإمكان (1.)روي عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «لا تجري عليه الحركة والسكون، وكيف يجرى عليه ما هو أجراه أو يعود إليه ما هو ابتدأه، إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزا كنهه، ولامتنع من الأزل معناه...» (2).)وورد في الكافي الشريف أن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ سُئل: «ألم يزل اللّه متحرّكاً؟)فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: تعالى اللّه، إنّ الحركة صفة محدثة بالفعل» (3).)وروي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «إنّ اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بزمان ولا مكان، ولا حركة ولا انتقال ولا سكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً» (4).)وورد عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «كل متحرك)


1) للمزيد راجع النكت الاعتقادية: 24 شرح جمل العلم والعمل: 51، تقريب المعارف: 74، المسلك في أصول الدين: 45، قواعد العقائد : 55، المنقذ من التقليد:41، كشف المراد: 401، الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد: 60.

2) التوحيد: 41.

3) أصول الكافي 1: 107.

4) بحار الأنوار 3: 330.

محتاج إلى من يحرّكه أو يتحرك به، فمن ظن باللّه الظنون هلك» (1.)الأسئلة :* كيف يمكن أن يقال: إنّ في اللّه سبحانه قوّة ناقصة تتكامل بالخروج عنها إلى الفعلية؛ وهو تعالى كمال مطلق وغني من عامة الجهات؟* كلّ حركة لا بد لها من غاية فما هي الغاية من حركة الباري؟هل هي الحركة من النقص إلى الكمال؟أو من الكمال إلى النقص؟أو لا هذا ولا ذاك؟أمّا الأوّل فيلازم وجود النقص في اللّه سبحانه مع أنه الغني المطلق والكمال التام.وأما الثاني فهو يلازم خروج الواجب من الكمال المطلق إلى النقص (أي: الكمال النسبي.)وأمّا الثالث فهو يلازم العبث.. تعالى اللّه عن جميع ذلك علواً كبيراً.ثمّ إنّ الحركة تستلزم خلوّ الذات المتحرّكة من المكان التي كانت فيه واستقرارها في مكان غير المكان السابق، وهذا باطل بالنسبة إلى اللّه تعالى؛ لأنه تعالى منزه عن المكان.


1) أصول الكافي 1: 125.

* كيف يدعي ابن تيميّة أنه يعتقد بثبوت الحياة اللّه تعالى كصفة كمال؛ مع أنّ كلامه في مسألة الحركة يستلزم إثبات النقص؟* كيف يجزم الحرّاني بالملازمة بين المفهومين؛ مع أنّ كلّ واحد منهما يدلّ على لوازم لا يمكن اجتماعها معاً في موجود واحد إلا بنفي امتناع اجتماع النقيضين؟**### دراسة النقطة الثانية : حديث النزولإن السبب الرئيسي لذهاب ابن تيميّة وأسلافه المجسمة إلى إثبات الحركة والنزول اللّه سبحانه هو ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة، عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏؛ أنه قال: «يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، مَنْ يسألني فأعطيه، مَنْ يستغفرني فأغفر له» (1).)الأسئلة : إن اللّه سبحانه هو الغفور الرحيم، وإنّه أقرب إلينا من حبل الوريد، فأي حاجة إلى نزول الرب الجليل من عرشه إلى السماء الدنيا وندائه بقوله:


1) صحيح البخاري 4: 215، كتاب التوحيد: باب قول اللّه تعالى يريدون أن يبدلوا كلام اللّه، وصحيح مسلم 2: 102، کتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب الترغيب في الدعاء والذكر في ءاخر الليل والإجابة فيه.

مَن يدعوني فأستجيب له؟قال عز اسمه: ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّه يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّه غَفُورٌ رَحِيمٌ (1).)وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللّه وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّه غَفُورٌ رَحِيمٌ (2).)وقال عزّ وجلّ: (قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّه إنَّ اللّه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعاً (3).)إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف عن سعة رحمته لعموم عباده.كما أنه سبحانه وعد باستجابة دعاء من دعاه من عباده، فقال: (ادْعُوني أسْتَجِبْ لَكُمْ (4).)إلى غير ذلك من الآيات الدالة على قُرب المغفرة من المستغفرين، والإجابة من اللّه سبحانه للسائلين آناء الليل والنهار.* كيف يتناسب القول بالنزول والصعود، والمجيء والذهاب، والحركة والانتقال، وسائر العوارض والحوادث؛ التي تفضي إلى الجسمية والتحيّز، مع تنزيه اللّه تعالى عن الصفات المختصة بالمخلوقات؟


1) سورة المائدة: 39.

2) سورة المائدة: 74.

3) سورة الزمر : 53.

4) سورة غافر: 60.

* هل يلتزم ابن تيميّة بلازم قوله وهو: أن يكون اللّه سبحانه دائم النزول والصعود؛ لتعاقب الليل والنهار ؟ربما يكون نصف النهار في بلد هو نصف الليل في بلد آخر، أو أوّل النهار في بلد هو أول الليل في بلد آخر، وكل بلد له نصف ليل، فحينئذ يلزم أن يكون سبحانه طول الليل والنهار بين النزول والصعود، ومعنى ذلك أنّه يتحرّك في عامة الليل الذي يكون نهاراً في بلد آخر، وعامة النهار الذي يكون ليلاً في بلد آخر.. سبحانه وتعالى عما يصفون.* كيف يجيب ابن تيميّة ومقلّدوه عن مسألة خلق السماء من الرب عند نزوله إلى الأرض، وخلو الأرض منه عند الصعود؟* هل وردت رواية في مصادر أهل السنّة تثبت الصعود بعد النزول، أم يعتقدون ببقاء الرب في الأرض؟* ما هو رأي أتباع المنهج التيموي بكلمات أعلام أهل السنّة؛ الذين ينزهون اللّه تعالى عن الحركة والنزول ؟يقول الفخر الرازي (606هـ: «الرابع: أنه تعالى حكى عن الخليل (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه طعن في إلهيّة الكواكب والقمر والشمس بقوله: (لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) (1)، ولا معنى للأفول إلا الغيبة والحضور، فمن جوز الغيبة والحضور على الإله تعالى، فقد طعن في دليل الخليل، وكذب اللّه تعالى في تصديق الخليل في)


1) سورة الأنعام:76.

ذلك؛ حيث قال: ﴿وَتِلكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ (1)» (2).)ويقول الغزالي (505هـ : «إذا قرع سمعه النزول في قوله (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): (ينزل اللّه تعالى في كلّ ليلة إلى السماء الدنيا)، فالواجب عليه أن يعلم: أن النزول اسم مشترك، قد يطلق إطلاقاً يفتقر فيه إلى ثلاثة أجسام، جسم عال هو مكان لساكنه، وجسم سافل كذلك، وجسم متنقل من السافل إلى العالي، ومن العالي إلى السافل.. فإن كان من أسفل إلى علو سمي: صعوداً وعروجاً ورقياً، وإن كان من علو إلى أسفل سمي: نزولاً وهبوطاً...)وقد يطلق على معنى آخر ولا يفتقر فيه إلى تقدير انتقال وحركة في جسم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ (3)، وما رؤي البعير والبقر نازلاً من السماء بالانتقال بلى مخلوقة في الأرحام، ولإنزالها معنى لا محالة.. كما قال الشافعي: (دخلت مصر فلم يفهموا كلامي، فنزلت، ثم نزلت ثم نزلت)، فلم يرد به انتقال جسده إلى أسفل..)فتحقق للمؤمن أن النزول في حق اللّه تعالى ليس بالمعنى الأول، وهو انتقال شخص وجسد من علوّ إلى أسفل.. فإن الشخص والجسد أجسام، والرب جل جلاله ليس بجسم، فإن خطر له أنه لم يرد هذا فما الذي أراد؟فيقال له: أنت إذا عجزت عن فهم نزول البعير، فأنت عن فهم نزول اللّه


1) سورة الأنعام:83.

2) أساس التقديس في علم الكلام: 83.

3) سورة الزمر : 6.

تعالى أعجز، (فليس هذا بعشك فأدرجي، واشتغل بعبادتك أو حرفتك واسكت، واعلم أنه أريد به معنى من المعاني التي يجوز أن تراد بالنزول في لغة العرب، ويليق ذلك المعنى بجلال اللّه تعالى وعظمته وإن كنت لا تعلم حقيقته وكيفيته» (1).)ويقول الشيخ محمّد عبد العظيم الزرقاني (1367هـ: «فكيف تأخذون بظاهر هذا الخبر، مع أن الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق والمغارب؟! وإذا كان ينزل لأهل كلّ أفق نزولاً حقيقياً في ثلث ليلهم الأخير، فمتى يستوي على عرشه حقيقة كما تقولون؟! ومتى يكون في السماء حقيقة كما تقولون؟! مع أن الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات، ولا ساعة من الساعات، كما هو ثابت مسطور لا يماري فيه إلا جهول مأفون» (2).)هذا.. ومن ناحية أخرى يقال لهؤلاء : إن حديث النزول قد فسره الحديث الذي رواه النسائي بسند صحيح من حديث أبي هريرة: أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم قال: «إنّ اللّه يمهل حتّى إذا مضى شطر من الليل الأوّل أمر منادياً فينادى هل من داع فيستجاب له...» (3) الحديث.)وعلى هذا يكون النزول معناه: نزول الملك بأمر اللّه. وهذا التفسير أولى من تفسير مالك وغيره للنزول بأنه: نزول رحمة، لا نزول نقلة(4... وغير)


1) إلجام العوام: 57.

2) مناهل العرفان في علوم القرآن 2: 233.

3) السنن الكبرى للنسائي 6: 124.

4) فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان: 92.

ذلك.. لأن خير ما يفسّر به الحديث هو ما ورد من الحديث.. يقول الحافظ العراقي في ألفيته في المصطلح: «وخير ما فسرته بالوارد»(1.)أما ما نسبه ابن تيميّة إلى الأئمّة بإثبات الحركة اللّه تعالى، فحسبنا ما رواه البيهقي في (مناقب أحمد بإسناده عن أحمد، أنه قال: «احتجوا علي يومئذ – يعني: يوم نوظر في دار أمير المؤمنين - فقالوا: تجيء سورة البقرة يوم القيامة، وتجيء سورة تبارك ؟ فقلت لهم: إنما هو الثواب؛ قال اللّه تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ) (2): إنما تأتي قدرته، وإنّما القرآن أمثال ومواعظ». قال البيهقي: (وهذا إسناد صحيح، لا غبار عليه)»(3).)وروى البيهقي فيه أيضاً، نقلاً عن إمام الحنابلة أبي الفضل التميمي، ما نصه: «أنكر أحمد على من قال بالجسم.. وقال: إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف، واللّه خارج عن ذلك كله، فلم يجز أن يسمّى جسماً لخروجه عن معنى الجسمية.. ولم يجئ في الشريعة ذلك، فبطل» (4.)ومن العجيب أن ابن تيميّة نسب رأيه في حديث النزول إلى سلف أهل السنّة، وكثيرهم بريئون منه؛ لأنهم يعلمون بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ


1) فتح المغيث شرح ألفية الحديث 3: 43.

2) سورة الفجر : 22.

3) الأسماء والصفات للبيهقي (بتعليق الكوثري): 9.

4) المصدر السابق: 9.

شَيْء (1)، ومن الواضح لديهم أن إثبات الحركة والنزول والصعود اللّه تعالى هو التشبيه والتمثيل بعينه..)ومن يرجع إلى كلمات هؤلاء يجد أنهم قد أوّلوا حديث أبي هريرة عملاً بضرورة التنزيه.كلمات علماء أهل السنّة في تأويل حديث النزول:(1 قال بدر الدين بن جماعة (727هـ): اعلم أن النزول الذي هو الانتقال من علوّ إلى سفل، لا يجوز حمل الحديث عليه؛ لوجوه: الأول:)النزول من صفات الأجسام والمحدثات ويحتاج إلى ثلاثة: منتقل، ومنتقل عنه ومنتقل إليه، وذلك على اللّه تعالى محال..الثاني: لو كان النزول لذاته حقيقة لتجددت له في كلّ يوم وليلة حركات عديدة تستوعب الليل كلّه، وتنقلات كثيرة، لأن ثلث الليل يتجدد على أهل الأرض مع اللحظات شيئاً فشيئاً، فيلزم انتقاله في السماء الدنيا ليلاً نهاراً، من قوم إلى قوم، وعوده إلى العرش في كلّ لحظة على قولهم، ونزوله فيها إلى سماء الدنيا، ولا يقول ذلك ذولب وتحصيل..الثالث: أنّ القائل بأنه فوق العرش، وأنه ملأه، كيف تسعه سماء الدنيا؛ وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة؟ فيلزم عليه أحد أمرين: إما اتساع سماء الدنيا كلّ ساعة حتّى تسعه، أو تضاؤل الذات المقدس عن ذلك حتّى


1) سورة الشورى: 11.

تسعه، ونحن نقطع بانتفاء الأمرين»(1.)(2 قال عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي (597ھ) بعد ذكر حديث النزول: «إنّه يستحيل على اللّه عزّ وجلّ الحركة والنقلة والتغيير.. وواجب على الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلى مكان يفتقر إلى ثلاثة أجسام جسم عال وهو: مكان الساكن، وجسم سافل، وجسم ينتقل من علوّ إلى أسفل.. وهذا لا يجوز على اللّه قطعاً» (2).) (3) قال القاضي محمّد الباقلاني (403هـ): «ويجب أن يعلم أن كلّ ما يدل على الحدوث أو على سمة النقص فالرب تعالى يتقدس عنه، فمن ذلك : أنه تعالى متقدّس عن الاختصاص بالجهات، والاتصاف بصفات المحدثات، وكذلك لا يوصف بالتحوّل والانتقال، ولا القيام ولا القعود لقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (3)، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ) (4)؛ ولأن هذه الصفات تدل على الحدوث، واللّه تعالى يتقدس عن ذلك» (5).

(4 قال محمّد بن أحمد الأنصاري القرطبي (671هـ): «واللّه جل ثناؤه لا يوصف بالتحوّل من مكان إلى مكان، وأنّى له التحول والانتقال ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان، لأن في جريان الوقت)


1) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل: 164.

2) الباز الأشهب: 211.

3) سورة الشورى: 11.

4) سورة الإخلاص: 4.

5) الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به: 64.

على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز..وليس محور الاعتقاد على الوهم، بل على ما يقتضيه العقل الصحيح السليم الذي هو شاهد للشرع؛ ذلك لأنه لو كان اللّه تعالى مكان لكان له مقدار، أبعاد وحدود، ومن كان كذلك كان مُحدثاً، أي: مخلوقاً ولم يكن إلها.. وكما صح وجود اللّه تعالى بلا مكان قبل خلق الأماكن والجهات، يصحّ وجوده بعد خلق الأماكن بلا مكان.. وهذا لا يكون نفياً لو جوده تعالى.. قال الإمام ذوالنون المصري: (مهما تصوّرت ببالك فاللّه خلاف ذلك (1).)(5 قال ابن حجر العسقلاني (852هـ): «قوله: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، استدل به من أثبت الجهة وقال: هي جهة العلو، وأنكر ذلك الجمهور؛ لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز، تعالى اللّه عن ذلك، وقد اختلف في معنى النزول على أقوال : فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته، وهم المشبهة، تعالى اللّه عن قولهم..)ومنهم من أنكر صحّة الأحاديث الواردة في ذلك جملة، وهم: الخوارج والمعتزلة، وهو مكابرة، والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك وأنكروا ما في الحديث، إما جهلاً وإما عناداً..ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمناً به على طريق الإجمال، منزهاً اللّه تعالى عن الكيفية والتشبيه، وهم جمهور السلف ونقله البيهقي وغيره عن الأئمّة الأربعة والسفيانين والحمادين والأوزاعي والليث وغيرهم..


1) الجامع لأحكام القرآن 4: 214.

ومنهم من أوله على وجه يليق مستعمل في كلام العرب، ومنهم من أفرط في التأويل حتّى كاد أن يخرج إلى نوع من أنواع التحريف، ومنهم من فصّل بين ما يكون تأويله قريباً مستعملاً في كلام العرب، وبين ما يكون بعيداً مهجوراً، فأوّل في بعض، وفوّض في بعض، وهو منقول عن مالك، وجزم به من المتأخرين : ابن دقيق العيد ؛ قال البيهقي: وأسلمها الإيمان بلا كيف والسكوت عن المراد إلا أن يرد ذلك عن الصادق فيصار إليه، من الدليل على ذلك اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب فحينئذ التفويض أسلم» (1.)(6 قال أبو بكر البيهقي (458هـ): «أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ؛ قال: سمعت أبا محمّد أحمد بن عبد اللّه المزني؛ يقول: حديث النزول قد ثبت عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) من وجوه صحيحة، وورد في التنزيل ما يصدقه وهو قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمُلَكُ صَفًّا صَفًّا) (2)، والنزول والمجيء صفتان منفيتان عن اللّه تعالى من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال، بل هما صفتان من صفات اللّه تعالى بلا تشبيه، جل اللّه تعالى عما تقول المعطّلة لصفاته والمشبهة بها علوّاً كبيراً..)قلت: وكان أبو سليمان الخطابي رحمه اللّه يقول: إنما ينكر هذا وما أشبهه من الحديث من يقيس الأمور في ذلك بما يشاهده من النزول؛ الذي هو تدلّ


1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 3: 114.

2) سورة الفجر: 22.

من أعلى إلى أسفل وانتقال من فوق إلى تحت، وهذه صفة الأجسام والأشباح، فأما نزول من لا تستولي عليه صفات الأجسام؛ فإنّ هذه المعاني غير متوهمة فيه، وإنما هو خبر عن قدرته ورأفته بعباده وعطفه عليهم، واستجابته دعاءهم ومغفرته لهم، يفعل ما يشاء، لا يتوجّه على صفاته كيفية ولا على أفعاله كمية سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» (1.)(7 وقال أيضاً: «وأما الإتيان والمجيء.. فعلى قول أبي الحسن الأشعري يُحدث اللّه تعالى يوم القيامة فعلاً يسمّيه إتياناً ومجيئاً، لا بأن يتحرك أو ينتقل، فإن الحركة والسكون والاستقرار من صفات الأجسام، واللّه تعالى أحد صمد ليس كمثله شيء، وهذا كقوله عزّ وجلّ: (فَأَتَى اللّه بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ) (2)، ولم يُرد به إتياناً من حيث النقلة، وإنّما أراد إحداث الفعل الذي به خرب بنيانهم وخر عليهم السقف من فوقهم، فسمّى ذلك الفعل إتياناً، وهكذا قال في أخبار النزول: إن المراد به فعل يُحدثه اللّه عزّ وجلّ في سماء الدنيا كلّ ليلة؛ يسمّيه نزولاً بلا حركة ولا نقلة، تعالى اللّه عن صفات المخلوقين» (3).)(8 قال أبو سليمان حمد بن محمّد الخطابي (883هـ): «إن الحركة والانتقال من نعوت الحدث، وتعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً...، واللّه سبحانه لا)


1) السنن الكبرى للبيهقي 2: 310.

2) سورة النحل: 26.

3) الأسماء والصفات: 124.

يوصف بالحركة؛ لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، وإنّما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون، وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين، واللّه عزّ وجلّ متعال عنهما؛ ليس كمثله شيء»(1.)***### دراسة النقطة الثالثة: اتّفاق جمهور علماء أهل السنّة على ثبوت الحركة والنزول اللّه تعالىرغم إصرار ابن تيميّة وأتباعه على القول بالحركة والنزول، وأنه من المعتقدات الأساسيّة لأهل السنّة، ورغم تكفيرهم لمن خالفهم، فقد أنكر القول به عدد كبير من علماء السنّة؛ منهم:(1 قال أبو حاتم محمّد بن حبّان (354هـ): «صفات اللّه جل وعلا لا تكيف ولا تقاس إلى صفات المخلوقين، فكما أنّ اللّه جل وعلا متكلّم مر غير آلة بأسنان ولهوات ولسان وشفة كالمخلوقين جل ربنا تعالى عن مثل هذا وأشباهه، ولم يجز أن يُقاس كلامه إلى كلامنا، لأن كلام المخلوقين لا يوجد إلا بآلات واللّه جل وعلا يتكلّم كما شاء بلا آلة، كذلك ينزل بلا آلة ولا تحرّك، ولا انتقال من مكان إلى مكان، وكذلك السمع والبصر، فكما لم يجز أن يُقال: اللّه يبصر كبصرنا بالأشفار والحدق والبياض، بل يبصر كيف يشاء بلا آلة من غير أن يُقاس نزوله إلى نزول المخلوقين، كما)


1) شرح الخطابي على سنن أبي داود 1: 102.

يكيف نزولهم، جل ربّنا وتقدس من أن تُشبه صفاته بشيء من صفات المخلوقين(1.)(2 قال ابن حجر العسقلاني (852هـ): «وقد اختلف في معنى النزول على أقوال، فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته؛ وهم المشبهة، تعالى اللّه عن قولهم» (2).)(3 قال أبو بكر ابن العربي (543هـ) : «النزول راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته، بل ذلك عبارة عن ملكه الذي ينزل بأمره ونهيه، فالنزول الحسّي صفة الملك المبعوث بذلك، أو معنوي بمعنى: لم يفعل ثمّ فعل، فسمّي ذلك نزولاً عن مرتبة إلى مرتبة، فهي عربيّة صحيحة»(3).)(4 قال جلال الدين السيوطي (911هـ) أثناء كلامه عن حديث النزول: «... فالمراد إذن نزول أمره أو الملك بأمره، وذكر ابن فورك أن بعض المشايخ ضبطه: «يُنزل»، بضم أوله، على حذف المفعول، أي: يُنزل ملكاً» (4).)(5 قال عبد الملك الشافعي (478هـ) : «أما الأحاديث التي يتمسكون بها، فآحاد لا تفضي إلى العلم، ولو أضربنا عن جميعها لكان سائغاً، لكنّا نوميء إلى تأويل ما دوّن منها في الصحاح، فمنها حديث النزول، وهو ما)


1) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 3: 200.

2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 3: 30.

3) شرح الزرقاني 2: 49.

4) تنوير الحوالك 1: 167.

روي عن النبيّ (صلى اللّه عليه وآله وسلّم؛ أنه قال: «ينزل اللّه تعالى إلى السماء الدنيا كلّ ليلة جمعة ويقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيب له»... الحديث..)ولا وجه لحمل النزول على التحوّل، وتفريغ مكان وشغل غيره، فإنّ ذلك من صفات الأجسام ونعوت الأجرام، وتجويز ذلك يؤدي إلى طرفي نقيض، أحدهما: الحكم بحدوث الإله، والثاني: القدح في الدليل على حدوث الأجسام، والوجه حمل النزول - وإن كان مضافاً إلى اللّه تعالى - على نزول ملائكته المقربين، وذلك سائغ غير بعيد، ونظير ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّه وَرَسُولَهُ (1)، معناه: إنما جزاء الذين يحاربون أولياء اللّه، ولا يبعد حذف المضاف وإقامة المضاف إليه تخصيصاً (2).)(6 قال شهاب الدين القسطلاني (923هـ) في شرح عبارة: «ينزل ربنا تبارك وتعالى: «من الحديث المروي المتقدم نزول رحمة ومزيد لطف وإجابة دعوة وقبول معذرة، كما هو ديدن الملوك الكرماء والسادة الرحماء؛ إذا نزلوا بقرب قوم محتاجين ملهوفين فقراء مستضعفين، لا نزول حركة وانتقال ؛ لاستحالة ذلك على اللّه تعالى، فهو نزول معنوي، نعم يجوز حمله على الحسّي ويكون راجعاً إلى أفعاله لا إلى ذاته، بل هو عبارة عن ملكه الذي ينزل بأمره ونهيه، وقد حكى ابن فورك أن بعض المشايخ ضبطه)


1) سورة المائدة: 33.

2) كتاب الإرشاد: 150.

بضم الياء من يُنزل، قال القرطبي: وكذا قيده بعضهم، فيكون معدى إلى مفعول محذوف، أي: يُنزل اللّه ملكاً...» (1.)(7 قال بدر الدين العَيْني (855هـ) : وقال ابن فورك: ضبط لنا بعض أهل النقل هذا الخبر عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بضم الياء من يُنزل يعني من الإنزال، وذكر أنه ضبط عمّن سمع منه من الثقات الضابطين، وكذا قال القرطبي: قد قيّده بعض الناس بذلك، فيكون معدى إلى مفعول محذوف، أي: يُنزل اللّه ملكاً..)قال: والدليل على صحّة هذا ما رواه النسائي من حديث الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: (إنَّ اللّه عزّ وجلّ يمهل حتّى يأتي شطر الليل الأول، ثم يأمر منادياً يقول: هل من داع فيستجاب له)، وصححه عبد الحق، وحمل صاحب المفهم على النزول المعنوي على رواية مالك عنه عند مسلم، فإنه قال فيه: (يتنزل ربنا)، بزيادة تاء بعد ياء المضارعة، فقال: كذا صحت الرواية هنا، وهي ظاهرة في النزول المعنوي، وإليها يُرد «ينزل» على أحد التأويلات، ومعنى ذلك أن مقتضى عظمة اللّه وجلاله واستغنائه عن خلقه أن لا يعبأ بحقير ذليل، لكن ينزل بمقتضى كرمه ولطفه؛ لأن يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم.. ويكون قوله «إلى السماء الدنيا عبارة عن الحالة القريبة إلينا والدنيا، واللّه أعلم (2).)


1) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 3: 323.

2) المصدر السابق 7: 199، نقلاً عنه.

(8 قال القاضي ناصر الدين البيضاوي (685هـ أو 691هـ): «لما ثبت بالقواطع العقلية أنه منزه عن الجسمانيّة والتحيّز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع أعلى إلى ما هو أخفض منه، فالمراد دنوّ رحمته، وقد روي: (يهبط اللّه من السماء العليا إلى السماء الدنيا) أي: ينتقل من مقتضى صفات الجلال التي تقتضي الأنفة من الأرذال، وقهر الأعداء، والانتقام من العصاة، إلى مقتضى صفات الإكرام للرأفة والرحمة..)ويقال: لا فرق بين المجيء والإتيان والنزول إذا أضيف إلى جسم يجوز عليه الحركة والسكون والنقلة؛ التي هي تفريغ مكان وشغل غيره، فإذا أضيف ذلك إلى من لا يليق به الانتقال والحركة، كان تأويل ذلك على حسب ما يليق بنعته وصفته تعالى(1.)(9 قال أبو عبد اللّه محمّد بن يوسف السنوسي (895هـ): «لما ثبت بالقواطع العقلية والنقليّة أنّه تبارك وتعالى منزّه عن الجسميّة والتحيز والحلول، امتنع عليه النزول بمعنى الانتقال من موضع أعلى إلى ما هو أخفض منه، بل المعني به إذا لم نقدّر حذف المضاف على ما ذكره أهل الحق دنو رحمته ومزيد لطفه على العباد، وإجابة دعوتهم، وقبول معذرتهم، كما هو ديدن الملوك الكرماء والسادة الرحماء إذا نزلوا بقوم في مكان، ينزل يأمر منادياً ينادي يقول: هل من داع. الحديث ذكره النسائي.. وهذا يرفع الإشكال، وقيده بعض الناس بضم الياء من أنزل، أي: يُنزل ملكاً،)


1) المصدر السابق 2007.

ويشهد للثاني ما في الحديث من قوله: «يبسط يديه»، فإنّه استعارة لكثرة إعطائه وإجابة دعائه، ولا يعترض هذا بأن يُقال فعله وأمره ونهيه في كلّ حين، فلا يختص بوقت؛ لأنه لا يمتنع أن يُخصص ذلك ببعض الأوقات، وقد يكون المراد بالأمر هاهنا ما يختص بقائم الليل، كما اختص رمضان، ويوم عرفة، وليلة القدر، وليلة النصف من شعبان؛ بأوامر من أوامره، وقضايا من قضاياه، لا تكون في سائر الأوقات.... (1.)(10 قال المُلا علي القاري الحنفي (1014هـ) في (مرقاة المفاتيح) بعد نقل كلام النووي بشأن معنى حديث النزول: «وبكلامه، وبكلام الشيخ الرباني أبي إسحاق الشيرازي، وإمام الحرمين، والغزالي، وغيرهم من أئمتنا يعلم أنّ المذهبين متفقان على صرف تلك الظواهر، كالمجيء والصورة، والشخص، والرجل، والقدم واليد والوجه، والغضب، والرحمة، والاستواء على العرش، والكون في السماء، وغير ذلك ممّا يفهمه ظاهرها؛ لما يلزم عليه من محالات قطعيّة البطلان تستلزم أشياء يُحكم بكفرها بالإجماع، فاضطر ذلك جميع الخلف والسلف إلى صرف اللفظ عن ظاهره، وإنما اختلفوا، هل نصرفه عن ظاهره معتقدین اتصافه سبحانه بما يليق بجلاله وعظمته من غير أن نؤوله بشيء آخر، وهو مذهب أكثر أهل السلف، وفيه تأويل إجمالي أو مع تأويله بشيء آخر، وهو مذهب أكثر أهل الخلف وهو تأويل تفصيلي...، بل قال جمع منهم ومن الخلف: أن معتقد الجهة)


1) مكمّل إكمال الإكمال 2: 385.

كافر؛ كما صرّح به العراقي، وقال: إنه قول لأبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري والباقلاني (1.)(11 قال الألباني ناقلاً كلام الكوثري مقراً به: «ويقولون في اللّه ما لا يجوزه الشرع، ولا العقل؛ من إثبات الحركة له تعالى والنقلة، ويعني بهما النزول.. والحد، والجهة يعني العلوّ والقعود والإقعاد، فيعني هذا الذي نحن في صدد بيان عدم ثبوته» (2).)السؤال :* هل كان ابن تيميّة مطلعاً على كلمات علماء أهل السنّة في تنزيه اللّه تعالى عن الحركة والنزول، أم كان لا يعترف بأنهم من الجمهور؛ عندما صرّح باتّفاق الجمهور على ما يراه؟***


1) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 3: 299.

2) مقدمة كتاب مختصر العلو للعلي الغفار: 16.

### معتقد ابن تيميّة في ثبوت الصورة للّه تعالىاعتقد ابن تيميّة بثبوت الصورة اللّه تعالى؛ طبقاً لبعض الأخبار (1، كما صرّح بذلك في مواضع عديدة من كتبه؛ منها:)1- قال في (مجموع الفتاوى: «إن حديث خلق آدم على صورته أو على صورة الرحمن، قد رواه هؤلاء الأئمّة.... فإذا كان هؤلاء الأئمّة يروون)


1) بعض ألفاظ حديث الصورة: روى البخاري (6227) ومسلم (2841) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) ؛ أَنه قَالَ: خَلَقَ اللّه آدَمَ عَلَى صُورَته طُولُهُ ستُّون ذِرَاعاً، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ الْمَلائِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ فَإِنَّهَا تَحيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللّه، فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللّه، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجنّة عَلَى صُورَةِ آدَمَ فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَ حتّى الآن».)وروى مسلم (2612 عَنْ أَبِي هُرَيْرَة؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «إذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ فَإِنَّ اللّه خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ».)وروى ابن أبي عاصم في السنّة (517 عن ابن عمر ؛ قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «لا تُقَبِّحوا الوجوة فإنّ ابن آدمَ خُلق على صورة الرحمن».)وروى ابن أبي عاصم (516 أيضاً عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «إذا قاتل أحدكم فليجنّب الوجه فإنَّ اللّه تعالى خلق آدم على صورة وجهه».)وروى الترمذي (3234 عن ابن عباس أن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) قال: «أتاني ربّي في أحسن صورة فقال: يا محمّد.. قلتُ لبيك ربي وسعديك.. قال: فيم يختصم الملأ الأعلى...،». الحديث.

مثل هذا الحديث وأمثاله مرسلاً، فكيف يُقال: إنهم كانوا يمتنعون عن روایتها؟» (1.)2- قال في (بيان تلبيس الجهميّة بعد نقله لألفاظ خبر الصورة: «إنّ هذه الروايات المتنوعة في مظنة الاشتهار، دليل على أن علماء الأُمة لم تنكر إطلاق القول بأن اللّه خلق آدم على صورة الرحمن، بل كانوا متفقين على إطلاق مثل هذا» (2).)3- وقال بشأن عود الضمير في الخبر إلى اللّه تعالى، تحت عنوان: (نقل اتفاق السلف في القرون الثلاثة على أنّ الضمير في حديث الصورة يعود إلى اللّه: «الكلام على ذلك أن يقال: هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أنّ الضمير عائد إلى اللّه، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلّها يدل على ذلك» (3).)4- وقال: «فقد ثبت عن الصحابة أنهم تكلّموا بمعناه؛ كما في قول ابن عباس: تعمد إلى خلق من خلقي على صورتي» (4.)5 - وكرّر الحراني نفس المضمون السابق عند تكلمه عن خبر: «لا تقبحوا الوجه فإنّ اللّه خلق آدم على صورة الرحمن» (5.)


1) مجموع الفتاوى 5: 302.

2) بیان تلبيس الجهميّة 6: 445.

3) المصدر السابق 6: 373.

4) المصدر السابق 6: 447.

5) المصدر السابق 6: 367.

6- وذكر أيضاً كلاماً طويلاً في إثبات كون المراد من الصورة هي: الشكليّة الخارجيّة المخلوقة، لا المعنويّة المقدّرة؛ وذلك عند مناقشته لتأويلات الرازي الثلاثة للخبر؛ حيث نفى فيها تفسير الصورة بالصفة أوبالصورة المعنوية، ثمّ قال: «وأيضاً فقوله: (خلق آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً إلى قوله: (فكل من يدخل الجنّة يدخلها على صورة آدم) صريح في أنه أراد صورة آدم المخلوقة لا المقدّرة (1).)7 - وصرّح ابن تيميّة بكيفية صورة ربّه وشكله الخارجي، وإمكان حصول رؤيته بالبصر، عندما تحدث عن خبر الشاب الأمرد؛ قائلاً: «... وهذا يدلّ على أنه رآه، وأخبر أنه رآه في صورة شاب دونه ستر، وقدميه في خضرة، وإن هذه الرؤية هي المعارضة بالآية، والمجاب عنها بما تقدم، فيقتضي أنها رؤية عين كما في الحديث الصحيح المرفوع عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس ؛ قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: (رأيت ربي في صورة شاب أمرد له وفرة، جعد قطط، في روضة خضراء)» (2).)


1) المصدر السابق 6: 471.

2) المصدر السابق 7: 290، التأسيس في الردّ على أساس التقديس 3: 241، نقض تأسيس الجهميّة 3: 216، 241.

### مناقشة رأي ابن تيميّة في مسألة الصورة:#### الإشكال الأول: التشبيه الصريحقال ابن تيميّة في (درء تعارض العقل والنقل: «ومما يوضح هذا أن السلف والأئمّة كثُرَ كلامهم في ذمّ الجهميّة النفاة للصفات وذم المشبهة أيضاً» (1).)وهذا تصريح منه بنفي التشبيه.. لكن الواضح ممّا نقلنا من صريح كلامه بشأن خبر الصورة هو التشبيه بعينه بلا ريب، ولأجل هذا ذهب الحرّاني إلى القول بجواز التشبيه من بعض الوجوه؛ لرفع الإشكال، فقال في (بيان تلبيس الجهميّة تحت عنوان: (نفي التشبيه من كلّ وجه هو الجحود والتعطيل لرب العالمين): «إن نفي التشبيه من كلّ وجه هو التعطيل والجحود لربّ العالمين، كما عليه المسلمون متفقون، كما أن إثباته مطلقاً هو جعل الأنداد لربّ العالمين، لكن من الناس من لا يفهم هذا...)ولهذا لما عرف الأئمّة ذلك وعرفوا حقيقة الجهميّة وأن نفيهم لذلك من كلّ وجه مستلزم لتعطيل الصانع ووجوده، كانوا يبينون ما في كلامهم من النفاق والتعطيل ويمنعون عن إطلاق لفظهم العليل، لما فهموه من مقصودهم وإن لم يفهمه أهل الجهل والتضليل». (2)


1) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 1: 249.

2) بیان تلبيس الجهميّة 6: 490

وقال في موضع آخر: «كذلك ثبوت ذات – يعني اللّه – لا تشبه الموجودات بوجه من الوجوه ممتنع في العقل، وثبوت المشابهة من بعض الوجوه في الأمور الكمالية معلوم بالشرع والعقل» (1.)وقال أيضاً: «اسم (المشبه ليس له ذكر بذم في الكتاب والسنّة، وكلام أحد من الصحابة والتابعين، ولكن تكلّم طائفة من السلف مثل: عبد الرحمن ابن مهدي، ويزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ونعيم بن حماد، وغيرهم بذم المشبهة، وبينوا المشبهة الذين ذمّوهم؛ أنهم الذين يمثلون صفات اللّه بصفات خلقه، فكان ذمّهم لما في قولهم من مخالفة الكتاب والسنّة، إذ دخلوا في التمثيل، إذ لفظ التشبيه فيه إجمال واشتراك وإيهام، بخلاف لفظ التمثيل الذي دل عليه القرآن، ونفى مُوجَبَه عن اللّه عزّ وجلّ» (2).)يرد عليه :أنّ الصفات التي تطلق على الخالق والمخلوق تختلف في ذاتها، وإن كانت من قبيل المشترك اللفظي الإطلاقي المستعمل لضيق التعبير وعدم الإدراك ؛ لأنها تتضمّن معنى الإمكان والافتقار الذاتي إذا أطلقت على المخلوق، ويؤخذ في معناها الغنى المطلق بذاته إذا أضيفت إلى الخالق، فأي شبه حقيقي يمكن أن يوجد بين سنخي الصفات، مع وجود البينونة المطلقة بينهما ضرورة؟


1) المصدر السابق 6: 525.

2) المصدر السابق 6: 387.

الأسئلة :* هل ينفي أتباع ابن تيميّة المماثلة والتشبيه من كلّ الجهات، أم ينفون المماثلة فقط؛ فيقولون: أنه ليس كمثله شيء، ولكنّه يمكن أن يشبهه شيء من بعض الوجوه، لا من كلّ الوجوه؟* ألا يعدّ القول بصحة التشبيه الجزئي، مخالفاً لتفسير مفهوم المماثلة المطلق عند ابن تيميّة ؟* أين نجد ما يدعيه ابن تيميّة من اتفاق المسلمين على بطلان نفي التشبيه من كلّ الوجوه، وأنه جحود لربّ العالمين ودخول في إطار التعطيل؟* أليس هذا كله يكشف عن جهل ابن تيميّة بالقضايا العقلية التوحيديّة، وعدم اعتنائه بإجماع المسلمين على ضرورة نفي مطلق التشبيه، وإصراره على إثبات آرائه ولو بطريقة التدليس والتلبيس؟#### الإشكال الثاني: بطلان دعوى الاتفاق على ثبوت الصورةيكمن الخلاف الكبير بين ابن تيميّة وعلماء المسلمين بشأن مسألة الصورة، في مسألة إرجاع ضمير خبر الصورة إلى اللّه تعالى وعدمه، وفي مقابل دعوی ابن تيميّة بإرجاع الضمير إلى اللّه تعالى؛ نظراً لما ورد في الخبر: «على صورة الرحمن، نجد أن أكثر علماء أهل السنّة لم يوافقوه على ذلك وأنكروه؛ منهم:(1 قال الألباني: «(إذا قاتل أحدكم...): منكر، أخرجه ابن الإمام أحمد)

في كتاب السنّة...، وقد صح الحديث من طرف بنحوه، ولكن ليس فيه ذكر (على صورة الرحمن سبحانه وتعالى، فهي زيادة منكرة؛ لمخالفتها لتلك الطرق...، وقد أنكرها جماعة مع ورودها في طريق آخر» (1).)(2 وقال بشأن حديث: «لا تقبّحوا الوجه...»: «منكر. أخرجه الآجري في الشريعة...، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، ولكن له أربع علل، ذكر ابن خزيمة ثلاث منها؛ فقال:)إحداها: أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده، فأرسله الثوري ولم يقل: (عن ابن عمر.)والثانية: أن الأعمش مدلس، لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت.والثالثة: أن حبيب بن أبي ثابت أيضاً مدلّس، لم يعلم أنه سمعه من عطاء، ثم قال: (فمعنى الخبر إن صح من طريق النقل مسنداً أن ابن آدم خلق على الصورة التي خلقها الرحمن حين صوّر آدم ثمّ نفخ فيه الروح..)قلت: والعلة الرابعة هي جرير بن عبد الحميد، فإنه وإن كان ثقة كما تقدم، فقد ذكر الذهبي في ترجمته من (الميزان أن البيهقي ذكر في (سننه) في ثلاثين حديثاً لجرير بن عبد الحميد؛ قال: (قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ)..)وإن ممّا يؤكّد ذلك أنه رواه مرّةً عند أبي عاصم رقم 518 بلفظ:


1) سلسلة الأحاديث الضعيفة 3: 315.

(على صورته، ولم يذكر (الرحمن).. وهذا الصحيح المحفوظ عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) من الطرق الصحيحة عن أبي هريرة...» (1).)(3 قال الألباني: قال ابن خزيمة (311هـ) قبل أن يذكر علل الحديث: «قال ابن عمر: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): (لا تقبّحوا....) وقد افتتن بهذه اللفظة التي في خبر عطاء عالم ممن لم يتحرّى العلم وتوهموا أنّ إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر من إضافة صفات الذات، فغلطوا في هذا غلطاً بيناً وقالوا مقالة شنيعة مضاهية لقول المشبهة، أعاذنا اللّه وكل المسلمين من قولهم..)فالذي عندي في تأويل الخبر إن صح من جهة النقل موصولا، فإن في الخبر عللاً ثلاثة...، قال أبو بكر ومثل هذا الخبر لا يكاد يحتج به علماؤنا من أهل الأثر، فإن صح هذا الخبر مسنداً فمعناه: إضافة الصورة إلى الرحمن من باب إضافة الخلق إليه ؛ (هذَا خَلْقُ اللّه فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ (2)فأضافه إلى نفسه، وكذلك قوله عزّ وجلّ: (هذهِ نَاقَةُ اللّه لَكُمْ آيَةً) (3)فَأَضاف اللّه الناقة إلى نفسه» (4).)(4 وقال الألباني في مسألة عود الضمير: «والتأويل طريقة الخلف، وإمراره كما جاء طريقة السلف، وهو المذهب، ولكن ذلك موقوف على)


1) المصدر السابق 3: 315.

2) سورة لقمان: 11.

3) سورة هود: 64.

4) سلسلة الأحاديث الضعيفة 3: 315.

صحة الحديث عن الرسول (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، وقد علمت أنه لا يصحّ كما بينا آنفاً... وخلاصة القول أن الحديث ضعيف بلفظيه وطريقيه، وأنّه إلى ذلك مخالف للأحاديث الصحيحة بألفاظ متقاربة» (1).)(5 وقال أيضاً: «تنبيه هامّ: بعد تحرير الكلام وقفتُ على مقال طويل لأخينا الفاضل الشيخ حمّاد الأنصاري أوهم القرّاء أن ابن خزيمة تفرد من بین الأئمّة في إنكاره لحديث: (صورة الرحمن)، وهذا التوهم منشأه ابن تيميّة...» (2).)(6 قال النووي (676هـ) : «(خلق اللّه آدم صورته): هذا الحديث سبق شرحه وبيان تأويله، وهذه الرواية ظاهرة في أنّ الضمير في (صورته) عائد إلى آدم، وأن المراد أنه خلق في أوّل نشأته على صورته التي كان عليها في الأرض وتوفّي عليها، وهي طولها ستون ذراعاً ولم ينتقل أطواراً كذريته وكانت صورته في الجنّة هي صورته في الأرض، لم تتغيّر» (3).)(7 قال ابن حجر (852هـ) بعد ذكر الحديث: «وزعم بعضهم أن الضمير يعود على آدم، أي: على صفته، أي خلقه موصوفاً بالعلم...، وهذا محتمل، وقد قال المازري: غلط ابن قتيبة، فأجرى هذا الحديث على ظاهره، وقال: صورة لا كالصور...، وهو ظاهر في عود الضمير على المقولة له...» (4).)


1) المصدر السابق 3: 315.

2) المصدر السابق 3: 315.

3) شرح صحیح مسلم 17: 178.

4) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 5: 133.

(8 وقال في موضع آخر: «وهذه الرواية تؤيد قول من قال: إن الضمير لآدم، والمعنى: أنّ اللّه تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها، لم ينتقل في النشأة أحوالاً، ولا تردد في الأرحام أطواراً كذريته، بل خلقه اللّه رجلاً كاملاً سوياً من أوّل ما نفخ فيه الروح...، وطوله ستون ذراعاً، فعاد الضمير أيضاً على آدم، وقيل: معنى قوله: (على صورته) أي: لم يشاركه في خلقه أحد؛ إبطالاً لقول أهل الطبائع، وخص بالذكر تنبيهاً بالأعلى على الأدنى، واللّه أعلم» (1).)(9 قال بدر الدين العيني (855هـ): «قوله: (على صورته)، أي: على صورة آدم؛ لأنه أقرب.. أي خلقه في أوّل الأمر بشراً سوياً كامل الخلقة، طويلاً ستين ذراعاً، كما هو المشاهد، بخلاف غيره، فإنه يكون أولا نطفة، ثم علقةً، ثمّ مضغة، ثمّ جنيناً، ثمّ طفلاً، ثم رجلاً، حتّى يتم طوله، فله أطوار...» (2).)(10 قال السيوطي (911هـ): «(خلق اللّه آدم على صورته)، قال النووي: هذه الرواية ظاهرة في أن الضمير لآدم وأن المراد: أنه خُلق في أوّل نشأته على صورته التي كان عليها في الأرض، وتوفّي عليها...» (3).)(11 قال ابن حبّان (354هـ): «هذا الخبر تعلّق به من لم يحكم صناعة العلم.... فمعنى الخبر عندنا بقوله: (خلق اللّه آدم صورته) إبانة فضل آدم)


1) المصدر السابق 6: 260.

2) عمدة القاري شرح صحيح البخاري 22: 229.

3) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج 6: 187.

على سائر الخلق، والهاء راجعة إلى آدم والفائدة في رجوع الهاء إلى آدم دون إضافتها إلى الباري جلّ وعلا، جل ربّنا وتعالى عن أن يشبه بشيء من المخلوقين» (1.)(12 قال ابن الجوزي (597هـ) بعد الإشارة إلى الاختلاف الواقع بشأن عود الضمير: «قلت: هذا الحديث فيه ثلاث علل...» (2).)(13 قال المناوي (1031هـ): «خلق اللّه آدم صورته، أي: على صورة آدم التي كان عليها من مبدأ فطرته إلى موته، لم تتفاوت قامته ولم تتغير هيئته، بخلاف بنيه، فإن كلاً منهم يكون نطفة، ثم علقة، ثمّ مضغة، ثمّ عظاماً وأعصاباً عارية، ثم مكسوة لحماً، ثمّ حيواناً مجننا، لا يأكل ولا يشرب، ثمّ يكون مولوداً رضيعاً، ثمّ طفلاً مترعرعاً، ثمّ مراهقاً، ثمّ شاباً، ثم كهلاً، ثمّ شيخاً، خلقه على صورة حال يختص به، لا يشاركه أنواع أخر من المخلوقات...»(3).)السؤال :* هل يدل انحراف ابن تيميّة عن رأي أعلام أهل السنّة في تفسير حديث الصورة، على جهله بقواعد اللغة والحديث، أم هي نتيجة طبيعية لالتزامه بالتشبيه والتجسيم؟


1) صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان 14: 34.

2) دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه: 146.

3) فيض القدير شرح الجامع الصغير 3: 593.

### الإشكال الثالث: بطلان الرؤية البصريةتقدم رأي ابن تيميّة بشأن وقوع الرؤية البصرية للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏؛ طبقاً لخبر الشاب الأمرد والاستدلال به مردود لجهات؛ منها:)الجهة الأولى: سند الخبرإن البحث في إسناد أخبار الشاب الأمرد يقع في: (حماد بن سلمة بن دينار - وهو أبو سلمة البصري، ومروان بن عثمان.)أما حمّاد بن سلمة.. فقال فيه ابن سعد: «ثقة كثير الحديث، ربما حدث بالحديث المنكر» (1.)وقال الذهبي: «كان ثقة له أوهام» (2، وجاء في (ديوان الضعفاء) بشأنه: «إمام، ثقة، يهم كغيره» (3)، وجاء في الكاشف: «ثقة، صدوق، يغلط، وليس في قوة مالك» (4).)وقال البيهقي في الخلافيات كما في السِّير: «لما طعن في السن ساء حفظه فالاحتياط ألا يُحتج به فيما يخالف الثقات» (5.)والخبر قد تفرد به حمّاد عن تلاميذ قتادة رغم كثرتهم، فدل على نكارته.


1) الطبقات الكبرى لابن سعد 7: 282.

2) میزان الاعتدال 1: 590.

3) ديوان الضعفاء 1: 189.

4) الكاشف 1: 251 .

5) سير أعلام النبلاء 7: 452، السنن الكبرى للبيهقي 4: 94.

وقال ابن حجر: «تغيّر حفظه بآخرة فلم يذكره ممن سبق إلا البيهقي» (1.)وقال أحمد: «حماد بن سلمة يسند عن أيوب أحاديث لا يسندها الناس عنه» (2.)وقال ابن معين: «من سمع من حمّاد بن سلمة الأصناف ففيها الاختلاف، ومن سمع منه نسخاً فهو صحيح» (3.)وقال الحاكم كما نقل ابن حجر: «لم يخرج مسلم الحماد بن سلمة في الأصول إلا من حديثه عن ثابت، وقد خرج له في الشواهد عن طائفة»(4.)وقال ابن رجب: «ومع هذا فقد خرج مسلم في صحيحه لحماد بن سلمة عن أيوب وقتادة وداود بن أبي هند والجريري ويحيى بن سعيد الأنصاري، ولم يخرج حديثه عن عمرو بن دينار، ولكن إنما خرج حديثه عن هؤلاء فيما تابعه عليه غيره من الثقات، ووافقوه عليه، لم يخرج له عن أحد منهم شيئاً تفرد به عنه، واللّه أعلم» (5.)وقال الخليلي: ذاكرت يوماً بعض الحفّاظ؛ فقلت: البخاري لم يخرج حمّاد بن سلمة في الصحيح وهو زاهد ثقة؟


1) تقريب التهذيب 1: 197.

2) شرح علل الترمذي 2: 782.

3) المصدر السابق 2: 784.

4) تقريب التهذيب 1: 482.

5) شرح علل الترمذي 2: 783.

فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس، فيقول: حدّثنا قتادة، وثابت، وعبد العزيز بن صهيب.. وربما يخالف في بعض ذلك..فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه، وهو يجمع بين أسانيد؛ فيقول: حدّثنا مالك، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، والأوزاعي، بأحاديث، ويجمع بين جماعة غيرهم؟فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ له»(1.)قال ابن رجب معلّقاً: «ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة، وساق الحديث سياقةً واحدة، فالظاهر أن لفظهم لم يتفق، فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه، يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم، كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره» (2.)وقال الخطيب: «سئل أبو عاصم النبيّل: يُكره الاختصار في الحديث؟ قال: نعم؛ لأنهم يخطئون المعنى.... قال عنبسة: قلت لابن المبارك: علمت أن حمّاد بن سلمة كان يريد أن يختصر الحديث فيقلب معناه.. قال: فقال لى: أو فطنت له ؟» (3.)وقال ابن عدي: «حدثنا ابن حماد، حدثني عبد اللّه بن أحمد، قال: سمعت يحيى بن معين – أو قال [أحمد] أبي، شك ابن حمّاد – قال يحيى


1) الإرشاد 1: 417 .

2) شرح علل الترمذي 2: 816.

3) الكفاية في علم الرواية: 191.

ابن سعيد: إن كان ما يروى حمّاد بن سلمة عن قيس بن سعد فهو .... كذاب.. قلت: لأي شيء؟ قال: لأنه روى عنه أحاديث رفعها إلى عطاء عن ابن عباس عن النبيّ [ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏]» (1).)وجاء في (التعديل والتجريح للباجي كما في الكامل: «قال ابن الجنيد: سئل النسائي عن حمّاد بن سلمة فقال: (لا بأس به).. وقد كان قبل ذلك قال فيه: (ثقة). قال القاسم بن مسعدة: فكلّمته فيه، فقال: (ومن يجترئ يتكلم فيه، لم يكن عند القطان هناك، ولكنه روى عنه أحاديث دارى بها أهل البصرة)... ثم جعل يذكر النسائي الأحاديث التي انفرد بها في التشبيه، كأنه خاف أن يقول الناس: إنّه تكلّم في حمّاد من طريقها، ثم قال: حمقى أصحاب الحديث.. وذكر من حديث حمّاد منكراً عن محمّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: (إذا سمع أحدكم الأذان والإناء على يده...)» (2).)وقال مسلم: «وحماد يعد عندهم [(أي: كبار الحفاظ، كما يظهر من سياق كلامه] إذا حدث عن غير ثابت؛ كحديثه عن قتادة، وأيوب،)ويونس، وداود بن أبي هند والجريري، ويحيى بن سعيد، وعمرو بن دينار، وأشباههم فإنه يخطئ في حديثهم كثيراً، وغير حمّاد في هؤلاء أثبت عندهم، كحماد بن زيد، وعبد الوارث، ويزيد بن زريع، وابن علية...، خالف [حمّاد] حديث هشام الدستوائي، وهو من أثبت الناس في قتادة، وقد قال البرديجي في


1) الكامل في ضعفاء الرجال 2: 253، مختصر الكامل للمقريزي: 254.

2) الكامل في ضعفاء الرجال 2: 524.

حديث اختلاف الرواة عن قتادة : وإذا روى حمّاد بن سلمة وهمام وأبان ونحوهم من الشيوخ عن قتادة عن أنس عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم وخالف سعيد أو هشام أو شعبة، فإن القول قول هشام...» (1).)ثم إن حمّاد بن سلمة لم يخالف هشام الدستوائي فحسب، بل خالف كلّ من تقدم ممن أوقفه على ابن عباس؛ قال الألباني: «حماد بن سلمة مع جلالة قدره، في حديثه عن غير ثابت شيء، ولذلك لم يخرج له مسلم إلا ما كان من روايته عن ثابت، ولذلك قال الحافظ في التقريب: ثقة، عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، وقد خالفه هشام الدستوائي في إسناده ومتنه...»(2.)هذا وقد أنكر العلماء الحديث المذكور على حمّاد بن سلمة، فقال البيهقى في (الأسماء والصفات بعد ذكر الحديث: «أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد بن عدي، أخبرنا ابن حماد، ثنا محمّد بن شجاع الثلجي، أخبرني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، قال: (كان حمّاد بن سلمة لا يعرف بهذه الأحاديث حتّى خرج خرجة إلى عبادان، فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطانا خرج إليه في البحر فألقاها إليه)» (3).)أما حديث أمِ الطفيل الذي يدور رحى البحث في صحته أو اعتباره على (مروان بن عثمان، فإن فيه علّتين:)


1) شرح علل الترمذي 2: 782.

2) مختصر العلوّ: 118، سلسلة الأحاديث الصحيحة 7: 502.

3) الأسماء والصفات 1: 104.

الأولى: هي في مروان بن عثمان نفسه، وهو: ابن أبي سعيد بن المعلى.. قال فيه أبو حاتم: «ضعيف»، وقال أبو بكر بن الحداد: «سمعت النسائي يقول: ومن مروان بن عثمان حتّى يصدق على اللّه عزّ وجلّ؟»، وقال أحمد: «مروان بن عثمان مجهول» (1.)الثانية: إن عمارة لم يلق أم الطفيل كما قال البخاري: «لا يعرف سماع عمارة من أمّ الطفيل» (2، وذكر ذلك ابن حبّان في ترجمة عمارة؛ إذ قال: «[إنّه] لم يسمع من أم طفيل» (3).)الجهة الثانية: دلالة الخبريتِضح بطلان ما صرح به ابن تيميّة في (بيان تلبيس الجهميّة، و(التأسيس في الردّ على أساس التقديس) وغيرهما؛ عند التمعن في معنى الرؤية الحسيّة البصريّة؛ التي هي: إدراك الذهن لصورة المرئي بواسطة النور النابع أو المنعكس منه» (4).)والأدلّة على بطلان ذلك بالنسبة إلى اللّه تعالى كثيرة؛ منها:الدليل الأول: أنّ الرؤية البصرية تستلزم إثبات الجهة بمعنى مقابلة المرئي للرائي، واللّه تعالى منزه عن ذلك.


1) للمزيد راجع المنتخب من العلل للخلال: 285.

2) التأريخ الكبير 6: 3111.

3) الثقات 5: 245.

4) انظر: أوائل المقالات: 57.

الدليل الثاني: لا تتحقق الرؤية البصرية إلا عن طريق وصول الأشعة من المرئي إلى العين، ويستلزم هذا الأمر أن يكون المرئي جسماً، واللّه منزّه عن الجسمانية.الدليل الثالث: لا تتحقق الرؤية البصرية إلا عن طريق انطباع شكل صورة المرئي في العين، وبما أنه تعالى منزّه عن الشكل، فلهذا تستحيل رؤيته عن طريق حاسة البصر.الدليل الرابع: أنّ الرؤية البصرية إما أن تقع على كلّ الذات فتكون محدودة ومحصورة، وإما أن تقع على بعض الذات فتكون مركبة ومجزئة، واللّه تعالى منزه عن ذلك كله (1.)هذا مضافاً إلى الآيات القرآنية المصرحة بنفي رؤية اللّه بالبصر؛ كقوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهو يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وهو اللطيف الخبيرُ (2).)وقوله سبحانه: ﴿وَلمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ المؤمِنِينَ (3).)


1) للمزيد راجع الاقتصاد : 74، غنية النزوع 2: 52 قواعد المرام: 76، كشف المراد: 411 اللوامع الإلهيّة: 163، الرسائل العشر: 105.

2) سورة الأنعام: 103.

3) سورة الأعراف: 143.

وقد أشار أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ إلى بطلان الرؤية البصرية مراراً وتكراراً في كلماتهم العظيمة؛ منها:)1- يروى أن رجلاً جاء إلى الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ ؛ فقال : يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته؟)فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ويلك! ما كنت أعبد ربّاً لم أره»..)قال: وكيف رأيته؟قال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ويلك! لا تدركه العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان» (1).)2- وروي عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «انحسرت الأبصار عن أن تناله فيكون بالعيان موصوفاً» (2).)3- وأيضاً: «... ولا بمحدث فيبصر...» (3)4 - وكذلك: «الحمد للّه الذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر» (4.)5- ويروي أن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ سُئل: هل اللّه تبارك وتعالى يُرى في القيامة؟)


1) التوحيد: 106.

2) المصدر السابق: 51.

3) المصدر السابق: 76.

4) نهج البلاغة 2: 115، الخطبة: 185.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «سبحان اللّه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً...، إن الأبصار لا تُدرك إلا ما له لون وكيفية، واللّه خالق الألوان والكيفية»(1).)6- وروي أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ سُئل أيضاً: رجلاً رأى ربه عزّ وجلّ في منامه، فما يكون ذلك؟)فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ذلك رجل لا دين له، إن اللّه تبارك وتعالى لا يُرى في اليقظة، ولا في المنام، ولا في الدنيا، ولا في الآخرة» (2).)وروي أن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ سُئل:...، إنا روينا أنّ اللّه قسم الرؤية والكلام بين نبيّين، فقسّم الكلام لموسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)الرؤية؟)فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «... كيف يجيئ رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنه جاء من عند اللّه، وأنه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، فيقول: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهو يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) (3)، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْما) (4)، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء) (5)ثم يقول: أنا رأيته بعيني...؟!»(6).)8 - وروي أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ سُئل: هل رأى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ربّه عزّ وجلّ؟)


1) أمالي الصدوق 3: 495.

2) المصدر السابق 6: 708.

3) سورة الأنعام: 103.

4) سورة طه: 110.

5) سورة الشورى: 11.

6) أصول الكافي 1: 96.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «نعم، بقلبه رآه، أما سمعت اللّه عزّ وجلّ يقول: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) (1)أي : لم يره بالبصر، ولكن رآه بالفؤاد» (2).)9- ويروى أن أحد الأشخاص قال له (عَلَيهِ السَّلَامُ : يابن رسول اللّه، إن الناس يروون أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : قال : إن اللّه خلق آدم على صورته..)فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «قاتلهم اللّه، لقد حذفوا أوّل الحديث، إن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مرّ برجلين يتسابان، فسمع أحدهما يقول لصاحبه: قبح اللّه وجهك ووجه من يشبهك، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا عبد اللّه، لا تقل هذا لأخيك، فإن اللّه عزّ وجلّ خلق آدم على صورته» (3).)السؤال :* إنّ الرؤية البصرية تلازم الجسمانية والجسمانية تعني المحدودية والمحدود يحتاج إلى حدوده، فهل يلتزم ابن تيميّة بهذه اللوازم المؤدية إلى التشبيه ؟***


1) سورة النجم: 11.

2) التوحيد: 112.

3) المصدر السابق : 148.

### الرؤية المنامية عند ابن تيميّةتكلم ابن تيميّة بشأن الرؤية المنامية في (مجموع الفتاوى (1)، وذكر بعض الأدلّة على إمكانها ووقوعها.. وماقاله باطل بوضوح؛ لأن أكثر الإشكالات الواردة على القول بالرؤية البصرية تأتي في المنامية أيضاً؛ كاستلزامها الجسمانية، والحد، والاحتياج والجهة، والمكان، والتعدد، والتغاير، والحدوث.)ومن عجائب الأمور التي يصرّح بها الحرّاني في مسألة الرؤية المنامية هي: تغيّر الصورة المرئيّة في المنام حسب إيمان الرائي وعقيدته؛ إذ يقول: وقد يرى المؤمن ربِّه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحاً لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه...» (2.)وقال في موضع آخر: «ومن رأى اللّه عزّ وجلّ في المنام فإنّه ياه في صورة من الصور بحسب حال الرائي، إن كان صالحاً رآه في صورة حسنة.. ولهذا رآه النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم في أحسن صورة» (3).)


1) راجع كلامه في مجموع الفتاوی 2: 335، 336، 3: 387.

2) المصدر السابق 3: 390.

3) المصدر السابق 5: 492.

وقد زعم اتفاق المسلمين على ذلك باستثناء الجهميّة (1.)الأسئلة :* ألا يدلّ كلام ابن تيميّة على عقيدته بإمكان حصول التعدّد والتغاير لصورة الرب؟* كيف يقول: «إنّها صورة الرب» وهي حادثة؛ لعروض التغيّر عليها ؟* هل يعتقد أتباع ابن تيميّة بإمكان رؤية الرب في المنام بشكل قبيح تبعاً لإيمان الرائي ؟* كيف يمكن التمييز بين صورة الرب وغيرها في المنام؟***


1) انظر: تلبيس إبليس 1: 66.

### معتقد ابن تيميّة في ثبوت التكلم للّه تعالىصرّح ابن تيميّة بثبوت التكلّم للّه تعالى في العديد من كتبه؛ منها:1- قال في (منهاج السنّة: «وسابعها: قول من يقول: إنّه لم يزل متكلّماً إذا شاء بكلام يقوم به، وهو متكلم بصوت يُسمع، وإن نوع الكلام قديم وإن لم يجعل نفس الصوت المعيّن قديماً.. وهذا هو المأثور عن أئمّة الحديث والسنّة» (1).)2- قال في (درء تعارض العقل والنقل: «وإذا قال السلف والأئمّة: إن اللّه لم يزل متكلّماً إذا شاء، فقد أثبتوا أنه لم يتجدد له كونه متكلما، بل نفس تكلّمه بمشيئته قديم، وإن كان يتكلّم شيئاً بعد شيء، فتعاقب الكلام لا يقتضي حدوث نوعه، إلا إذا وجب تناهي المقدورات والمرادات وهو المسمّى بتناهي الحوادث، والذي عليه السلف وجمهور الخلف هو: أن المقدورات والمرادات لا تتناهى، وهم بهذا نزهوه عن كونه عاجزاً عن الكلام كالأخرس الذي لا يمكنه الكلام، وعن أنه كان ناقصاً فصار كاملا، وأثبتوا مع ذلك أنه قادر على الكلام باختياره»(2).)3 - وقال: «فحينئذ فيكون الحق هو القول الآخر، وهو أنه لم يزل


1) منهاج السنّة 2: 362.

2) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 2: 278.

متكلّماً بحروف متعاقبة لا مجتمعة (1.)4- قال في (مجموع الفتاوى: «وقد يقول هؤلاء: إنه يتكلّم إذا شاء ويسكت إذا شاء، ولم يزل متكلّماً بمعنى أنه يتكلّم إذا شاء ويسكت إذا شاء» (2).)5- وقال: «فعلم أن قدمه عنده [أي: عند أحمد بن حنبل] أنه لم يزل إذا شاء تكلّم وإذا شاء سكت لم يتجدّد له وصف القدرة على الكلام التي هي صفة كمال، كما لم يتجدد له وصف القدرة على المغفرة، وإن كان الكمال هو أن يتكلّم إذا شاء ويسكت إذا شاء» (3.)6- وقال: «وفي الصحيح: إذا تكلّم اللّه بالوحي، سمع أهل السماوات كجر السلسلة على الصفوان، فقوله: (إذا تكلّم اللّه بالوحي سمع يدلّ على أنه يتكلّم به حين يسمعونه.. وذلك ينفي كونه أزلياً، وأيضاً فما يكون كجرّ السلسلة على الصفا يكون شيئاً بعد شيء، والمسبوق بغيره لا يكون أزلياً»(4).)7- وقال: «وجمهور المسلمين يقولون إن القرآن العربي كلام اللّه وقد تكلم اللّه به بحرف وصوت فقالوا: إن الحروف والأصوات قديمة الأعيان، أو الحروف بلا أصوات وأن الباء والسين والميم مع تعاقبها في ذاتها فهي أزلية الأعيان لم تزل ولا تزال، كما بسطت الكلام على أقوال الناس في


1) المصدر السابق 2: 278.

2) مجموع الفتاوى 6: 150.

3) المصدر السابق 6: 234.

4) المصدر السابق 6: 234.

القرآن في موضع آخر» (1.)8 - قال في (رسالة في صفة الكلام: «...، وحينئذ فكلامه قديم مع أنه يتكلّم بمشيئته وقدرته، وإن قيل : أنه ينادي ويتكلم بصوت، ولا يلزم من ذلك قدم صوت معين، وإذا كان قد تكلّم بالتوراة والقرآن والإنجيل بمشيئته وقدرته، لم يمتنع أن يتكلّم بالباء قبل السين، وإن كان نوع الباء والسين قديماً لم يستلزم أن يكون الباء المعيّنة والسين المعينة قديمة، لما علم من الفرق بين النوع والعين، وهذا الفرق ثابت في الإرادة والكلام والسمع والبصر وغير ذلك من الصفات» (2).)9- استشهد ابن تيميّة في (الفتاوى الكبرى، و(الجواب الصحيح) بحديث الزهري؛ إذ قال: «لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب، هذا الذي هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى سمعته هو كلامي، وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلّها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت، فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربّك، فقال سبحان اللّه! وهل أستطيع أن أصفه لكم؟ قالوا: فشبهه، قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها ؟ فكأنه مثله» (3).)


1) المصدر السابق 5: 557.

2) رسالة في صفة الكلام: 51.

3) الفتاوى الكبرى 8: 114 الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: 52.

### مناقشة رأي ابن تيميّة في مسألة التكلم#### الإشكال الأول: الكلام صفة فعلية لا ذاتيةيعتقد ابن تيميّة أن تكلّمه سبحانه من صفات ذاته، فيجب أن يكون قائماً بذاته، لا قائماً بفعله..وعليه يجب أن يكون قديماً، كقدم علمه وقدرته، ولا يكون حادثاً.يرد عليه :إذا كان التكلّم الذي واقع وجوده الحدوث والتجدد، قائما بالذات ونابعاً عنها، فلازم ذلك: حدوث الذات؛ لأن حدوث الجزء يلازم حدوث الكل، إلا أن يرجع التكلّم إلى صفة الفعل.أدلة على حدوث كلام اللّه تعالى:الدليل الأول: أن عروض صفات الحوادث كـ : التركيب، والتوالي، والتعاقب على كلامه سبحانه، يدل على حدوثه.الدليل الثاني: أن الهدف من الكلام إفادة المخاطب، ولهذا يكون وجود الكلام قبل وجود المخاطب لغواً وعبثاً.. وقد ورد الخطاب للأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ والعباد في كتاب اللّه؛ منه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ)

إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ (1)، وقوله عزّ من قائل: (يَا أَيُّهَا النبيّ اتَّقِ اللّه) (2)، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) (3)، وقوله عزّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) (4)، فلو كان كلام اللّه تعالى قديماً كان عبثاً غير حسن؛ لحدوث المخاطب.)الدليل الثالث: ورد في كلام اللّه تعالى إخبار عن الماضي؛ من قبيل قوله تعالى:(إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ (5)، وقوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ) (6)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ) (7)، وقوله: ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ) (8)، وقوله: (قَدْ سَمِعَ اللّه قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللّه وَاللّه يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللّه سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (9)، فلو كان الكلام الإلهي قديماً، لاستلزم الكذب عليه تعالى؛ لأن الإخبار عن شيء قبل وقوعه كلام غير مطابق للواقع.)


1) سورة المائدة: 67.

2) سورة الأحزاب: 1.

3) سورة البقرة: 21.

4) سورة البقرة: 104، 153، 172، 178، 183، 208، 254، 264، 267، 278، 282، سورة آل عمران: 100، 102، 118، 130، 149، 156، 200، سورة النساء: 19، 29.

5) سورة نوح: 1.

6) سورة النساء: 163.

7) سورة يونس: 13.

8) سورة إبراهيم: 45.

9) سورة المجادلة: 1.

الدليل الرابع: أن الفرق بين «صفات اللّه الذاتية» و«صفات اللّه الفعلية (الحادثة»، هو : أنّ الصفات الذاتية لا يمكن اتصاف اللّه بنقيضها.)فلا يُقال: أن اللّه غير عالم، أو أنه غير قادر.أما الصفات الفعليّة فهي: ممّا يمكن اتصاف اللّه بها في حال، واتصافه تعالى بنقيضها، في حال آخر.فيقال: خلق اللّه كذا ولم يخلق كذا.. ويقال: رزق اللّه فلان ولم يرزق فلان.. والكلام مثل الخلق والرزق..فيقال: كلم اللّه تعالى موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ، ولم يكلّم فرعون.)النتيجة: أن الكلام مفهوم منتزع من العلاقة بين اللّه ومخاطبه المخلوق، ولهذا فهو من صفات اللّه الفعلية الحادثة.حدوث كلام اللّه تعالى في القرآن الكريم:الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم تُحدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (1).)الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (2).)والذكر هو القرآن والمحدث بمعنى الجديد، أي: إن القرآن أتاهم


1) سورة الأنبياء: 2.

2) سورة الشعراء: 5.

بعد الإنجيل..وتبين هاتان الآيتان بصراحة بأن القرآن (كلام اللّه تعالى مُحدَث.. وما كان قبله شيء، لا يكون قديماً البتة..)وتبين أيضاً أن كلام اللّه في الإنجيل كان قبل كلام اللّه في القرآن.. ومن الواضح أنّ القبلية والبعدية من علامات الحدوث والحادث، فنستنتج بأن كلام اللّه تعالى حادث.الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً (1).)فلو كان القرآن - وهو كلام اللّه - قديماً، لم يصحّ وصفه بالإذهاب والزوال.هذا مضافاً إلى أن وصف اللّه كلامه في القرآن الكريم بالصفات الحادثة كـ: «النزول» في قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تنزيلاً (2)، و«التفريق» في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً) (3)، و«الجمع» و«القراءة» في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) (4)، و«الترتيل» في قوله تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ)


1) سورة الإسراء: 86.

2) سورة الإنسان: 23.

3) سورة الإسراء: 106.

4) سورة القيامة: 17 و 18.

ترتيلاً (1)، و«الجعل» في قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (2)، و«الناسخ والمنسوخ» في قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَو نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أو مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّه عَلَى كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (3)، وغيرها ممّا يدل على حدوث كلام اللّه تعالى(4).)السؤال :* كيف اعتقد ابن تيميّة بذاتية كلام اللّه تعالى، مع وضوح دلالة الأدلّة العقلية والنقلية على بطلان ذلك؟***#### الإشكال الثاني: بطلان القول بقدم نوع التكلم وحدوث أفرادهيعتقد ابن تيميّة أن التكلّم سنخ وجوده التدرّج، وحقيقته قائمة به أيضاً، فلا بد أن يكون نوع التكلّم وجنسه قديماً وأفراده حادثة.. وهو نظير قول الحكماء من الأغارقة: إن النفس الإنسانية قديمة بالنوع، وإن كانت مصاديقها حادثة.


1) سورة الفرقان: 32.

2) سورة الزخرف: 3.

3) سورة البقرة: 106.

4) للمزيد راجع النكت الاعتقادية : 27، المنقذ من التقليد 1: 216، مناهج اليقين: 193، تقريب المعارف: 107، تلخيص المحصل : 308 نهج الحق وكشف الصدق: 62، إرشاد الطالبين: 220 الرسالة السعدية: 46 إرشاد الطالبين : 220، اللوامع الإلهيّة: 203، شرح جمل العلم والعمل: 91، كتاب الخلاف 6: 122.

يرد عليه :أن القول بقدم نوع التكلّم وحدوث مصاديقه؛ يستلزم قدم الكلام، فيكون إلهاً ثانياً.. إلا أن يكون التكلّم جزء الذات، فيكون قديماً بقدمها.ولو كان تكلّمه سبحانه مع كلّ فرد من المكلفين بالحروف والأصوات، فلا يكون أسرع الحاسبين بل أبطأهم؛ مع أنه سبحانه يقول: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللّه مَوْلَاهُمُ الحَقِّ أَلَا لَهُ الحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (1).)السؤال :* ما هو رأي أنصار ابن تيميّة بشأن كلام الطحاوي – الذي يعتبر مرجعهم الأوّل في العقيدة -؛ حيث قال: «إنّ القرآن كلام اللّه، منه بدأ، بـلا كيفية قولاً...» (2؟)***#### الإشكال الثالث: بطلان نظرية تكلم اللّه تعالى بالصوت والحرف حسب رأي علماء أهل السنّةبين كثير من علماء أهل السنّة فساد عقيدة ابن تيميّة بشأن مسألة التكلّم بالصوت والحرف؛ منهم:(1 قال أبو عبد اللّه القرطبي (671هـ): «فصل: قوله في الحديث)


1) سورة الأنعام: 62.

2) شرح العقيدة الطحاوية: 1: 214.

- أي: حديث عبد اللّه بن أنيس؛ سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم يقول: (يحشر اللّه العباد...، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد ومن قرب، أنا الملك، أنا الديان...) فيناديهم بصوت -.)استدل به من قال بالحرف والصوت، وأن اللّه يتكلم بذلك، تعالى اللّه عما يقوله المجسمون والجاحدون علواً كبيراً. وإنّما يحمل النداء المضاف إلى اللّه تعالى على نداء بعض الملائكة المقربين بإذن اللّه تعالى وأمره، ومثل ذلك سائغ في الكلام غير مستنكر أن يقول القائل: نادى الأمير وبلغني نداء الأمير..كما قال تعالى: ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ (1)، وإنما المراد نادى المنادي عن أمره وأصدر نداءه عن إذنه.)وهو كقولهم أيضاً قتل الأمير فلاناً، وضرب فلانا.. وليس المراد توليه لهذه الأفعال وتصديه لهذه الأعمال، ولكن المقصود صدورها عن أمره، وقد ورد في صحيح الأحاديث أن الملائكة ينادون على رؤوس الأشهاد فيخاطبون أهل التقى والرشاد: ألا إن فلان ابن فلان...، كما تقدم..ومثله ما جاء في حديث التنزيل مفسّراً فيما أخرجه النسائي عن أبي هريرة وأبي سعيد؛ قالا: قال رسول اللّه [ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏]: إن اللّه عزّ وجلّ يمهل حتّى يمضي شطر الليل الأول ثمّ يأمر منادياً يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى؟. صححه أبو محمّد عبد الحق..)وكل حديث اشتمل على ذكر الصوت أو النداء فهذا التأويل فيه، وأن


1) سورة الزخرف: 51.

ذلك من باب حذف المضاف.. والدليل على ذلك ما ثبت من قدم كلام اللّه تعالى على ما هو مذكور في كتاب الديانات..فإن قال بعض الأغبياء: لاوجه لحمل الحديث على ما ذكرتموه، فإنّ فيه: أنا الديان، وليس يصدر هذا الكلام حقاً وصدقاً إلا من رب العالمين..قيل له: إنّ الملك إذا كان يقول عن اللّه تعالى وينبئ عنه فالحكم يرجع إلى اللّه رب العالمين.والدليل عليه أن الواحد منا إذا تلا قول اللّه تعالى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللّه (1)فليس يرجع إلى القارئ، وإنما القاري ذاكر لكلام اللّه تعالى ودال عليه بأصواته، وهذا بين، وقد أتينا عليه في الصفات من كتاب (الأسنى في شرح أسماء اللّه الحسنى وصفاته العليا) (2).)(2 قال العلامة الاسفراييني (741): «...، وأن تعلم إن كلام اللّه تعالى ليس بحرف ولا صوت؛ لأن الحرف والصوت يتضمنان جواز التقدم والتأخّر، وذلك مستحيل على القديم سبحانه» (3).)(3 قال ابن حجر العسقلاني (852) في نفي صفة الصوت: «اختلف الحفاظ في الاحتجاج بروايات ابن عقيل لسوء حفظه، ولم يثبت لفظ الصوت في حديث صحيح عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) غير)


1) سورة طه: 14.

2) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي: 338.

3) التبصير في الدين: 102.

حديثه، فإن كان ثابتاً فإنه يرجع إلى غيره، كما في حديث ابن مسعود يعني الذي قبله، وفي حديث أبي هريرة يعني الذي بعده: أن الملائكة يسمعون عند حصول الوحي صوتاً، فيحتمل أن يكون الصوت للسماء أو للملك الآتي بالوحي أو لأجنحة الملائكة، وإذا احتمل ذلك لم يكن نصا في المسألة، وأشار في موضع آخر أن الراوي أراد: «فينادي نداء» فعبر عنه بقوله: «بصوت» انتهى..وهذا حاصل كلام من ينفي الصوت من الأئمّة، ويلزم منه أن اللّه لم يُسمع أحداً من ملائكته ورسله كلامه، بل ألهمهم إياه، وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين؛ لأنها التي عهد أنها ذات مخارج، ولا يخفى ما فيه؛ إذ الصوت قد يكون من غير مخارج، كما أن الرؤية قد تكون من غير اتصال أشعة، لكن تمنع القياس المذكور، وصفات الخالق لا تقاس على صفة المخلوق، وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به ثمّ إمّا التفويض وإما التأويل، وباللّه التوفيق (1.)(4 قال الملا على القاري (1014): «ومبتدعة الحنابلة قالوا: كلامه حرف وأصوات تقوم بذاته، وهو قديم، وبالغ بعضهم جهلاً؛ حتّى قال: الجلد والقرطاس قديمان، فضلاً عن الصحف، وهذا قول باطل بالضرورة، ومكابرة للحس؛ للإحساس بتقدم الباء على السين في بسم اللّه ونحوه»(2).)


1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 1: 174.

2) شرح الفقه الأكبر: 29.

(5 قال العلامة محمّد زاهد الكوثري (1371): «لم يصحّ في نسبة الصوت إلى اللّه حديث...، ورغم تضافر البراهين ضدهم ودثور الآثار التي يريدون البناء عليها، يعاندون الحق ويظنون أن كلام اللّه من قبيل كلام البشر؛ الذي هو كيفية اهتزازية تحصل للهواء من ضغطه باللّهاة واللسان، تعالى اللّه عن ذلك، ويدور أمرهم بين التشبيه بالصنم أو التشبيه بابن آدم (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَام بَلْ هُمْ أَضَلُّ) (1).)وحديث جابر المعلّق في صحيح البخاري مع ضعفه في سياق ما بعده من حديث أبي سعيد ما يدل على أن المنادي غير اللّه؛ حيث يقول: (فينادى بصوت إنّ اللّه يأمرك، فيكون الإسناد مجازياً على أن الناظم ساق في حادي الأرواح بطريق الدارقطني حديثاً فيه: (يبعث اللّه يوم القيامة منادياً بصوت)، وهذا نص من النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) على أن الإسناد في الحديث السابق مجازي، وهكذا يخرب الناظم بيته بيده وبأيدي المسلمين.. وللحافظ أبي الحسن المقدسي جزء في تبيين وجوه الضعف في أحاديث الصوت، فليراجع» (2).)السؤال :* كيف ينسب ابن تيميّة رأيه - الدالّ على التشبيه - إلى جمهور المسلمين، مع اتفاقهم على بطلان ذلك، كما نقل السيوطي؛ إذ قال: «أخرج


1) سورة الأعراف: 179.

2) مقالات الكوثري: 33.

اللالكائي عن محمّد بن الحسن قال : اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه» (1؟)***### تطابق عقيدة ابن تيميّة مع نصوص التوراةيتّفق ما زعمه ابن تيميّة بشأن كيفية تكلّم ربّه، مع ما ورد في كتاب التوراة – الذي بين أيدينا - تماماً، وذلك في قصة آدم وحواء عند أكلهما من الشجرة؛ فقد جاء فيه:«...، ورأت المرأة أن الشجرة طيبة للأكل، ومتعة للعيون، وأن الشجرة شهيّة للنظر، فأخذت من ثمرها، وأكلت وأتت أيضاً زوجها الذي معها فأكل، فانفتحت أعينهما، فعرفا أنهما عريانان، فخاطا من ورق التين وصنعا لهما منه مآزر، فسمعا وقع خطى الرب الإله، وهو يتمشى في الجنّة عند نسيم النهار، فاختبأ الإنسان وامرأته من وجه الرب الإله فيما بين أشجار الجنّة، فنادى الرب الإله الإنسان وقال له: أين أنت؟..قال: إنّي سمعت وقع خطاك في الجنّة، فخفت لأني عريان فاختبأت.قال: فمن أعلمك أنك عريان، هل أكلت من الشجرة التي أمرتك أن لا


1) الإتقان في علوم القرآن 1: 214.

تأكل منها؟ فقال الإنسان: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت...» (1.)وبذلك تتضح قيمة كلام الشهرستاني في الملل والنحل؛ إذ يقول: «زادت المشبهة في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبيّ - عليه [وآله] الصلاة والسلام - وأكثرها مقتبس من اليهود، فإن التشبيه فيهم طباع حتّى قالوا: اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتّى رمدت عيناه...، وزادوا على التشبيه قولهم في القرآن: إن الحروف والأصوات والرقوم المكتوبة قديمة أزلية وقالوا: لا يعقل كلام ليس بحروف ولا كلم» (2.)الأسئلة :* ما هو سر التطابق الكامل بين كلام ابن تيميّة مع نص التوراة، بشأن صفة الكلام ؟* ما هو الداعي إلى نقل نصوص التوراة من قبل الحرّاني عند البحث عن صفات اللّه تعالى، كقوله: «وإذا كان قد تكلّم بالتوراة والقرآن والإنجيل بمشيئته وقدرته...» (3؟)


1) سفر التكوين 3: 11.

2) الملل والنحل 106:1.

3) رسالة في صفة الكلام: 51.

### معتقد ابن تيميّة في صدور حوادث لا أوّل لها عن اللّه تعالىصرّح ابن تيميّة بثبوت صدور حوادث لا أوّل لها عن اللّه تعالى في العديد من كتبه؛ منها:1- قال في (درء تعارض العقل والنقل: «وأما أكثر أهل الحديث ومن وافقهم فإنهم لا يجعلون النوع حادثاً بل قديماً، ويفرقون بين حدوث النوع وحدوث الفرد من أفراده، كما يفرق جمهور العقلاء بين دوام النوع ودوام الواحد من أعيانه» (1).)2- وفي موضع آخر عند ردّه قاعدة: ما لا يخلو من الحادث حادث – لأنه لو لم يكن كذلك لكان الحادث أزلياً - بعدما نقل عن الأبهري قوله: «قلنا: لا نسلّم، وإنما يلزم ذلك لو كان شيء من الحركات بعينها لازماً للجسم، وليس كذلك، بل قبل كلّ حركة حركة لا إلى أوّل».. قال ابن تيميّة: «قلت: هذا من نمط الذي قبله؛ فإن الأزلي اللازم هو: نوع الحادث لا عين الحادث، و[في] قوله: لو كانت حادثة في الأزل لكان الحادث اليومي موقوفاً على انقضاء ما لا نهاية له.. قلنا: لا نسلّم، بل يكون الحادث اليومي مسبوقاً بحوادث لا أول لها»(2.)


1) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 2: 75.

2) المصدر السابق 1: 245.

3 - قال في (منهاج السنّة : «ولكن الاستدلال على ذلك بالطريقة الجهميّة المعتزلية طريقة الأعراض والحركة والسكون التي مبناها على أن الأجسام محدثة؛ لكونها لا تخلو عن الحوادث، وامتناع حوادث لا أوّل لها طريقة مبتدعة في الشرع باتفاق أهل العلم بالسنّة، وطريقة مخطرة مخوفة في العقل بل مذمومة عند طوائف كثيرة» (1).)4- وقال: «...، وحينئذ فيمتنع كون شيء من العالم أزلياً وإن جاز أن يكون نوع الحوادث دائماً لم يزل، فإن الأزل ليس هو عبارة عن شيء محدد، بل ما من وقت يقدر إلا وقبله وقت آخر، فلا يلزم من دوام النوع قدم شيء بعينه» (2.)5 - وقال: «...، ومنهم من يقول بمشيئته وقدرته - أي أن فعل اللّه بمشيئته وقدرته - شيئاً فشيئاً، لكنّه لم يزل متصفاً به فهو حادث الآحاد اد قدیم النوع، كما يقول ذلك من يقوله من أئمة أصحاب الحديث وغيرهم، من أصحاب الشافعي وأحمد وسائر الطوائف» (3.)6- قال في (مجموع الفتاوى في شرح حديث عمران بن الحصين: «كان اللّه ولم يكن شيء قبله»: «فالأزل معناه: عدم الأولية، ليس الأزل شيئاً محدوداً، فقولنا: لم يزل قادراً بمنزلة قولنا: هو قادر دائما، وكونه قادراً وصف دائم لا ابتداء له، فكذلك إذا قيل: لم يزل متكلّماً إذا شاء، ولم يزل يفعل ما شاء، يقتضي دوام كونه متكلّماً وفاعلاً بمشيئته وقدرته، وإذا ظن الطّانُ)


1) منهاج السنّة 1: 83.

2) المصدر السابق 1: 109.

3) المصدر السابق 1: 224.

أن هذا يقتضي قدم شيء معه كان من فساد تصوّره، فإنه إذا كان خالق كلّ شيء فكل ما سواه مخلوق مسبوق بالعدم، فليس معه شيء قديم بقدمه..وإذا قيل: لم يزل يخلق، كان معناه لم يزل يخلق مخلوقاً بعد مخلوق، كما لا يزال في الأبد يخلق مخلوقاً بعد مخلوق، ننفي ما ننفيه من الحوادث والحركات شيئاً بعد شيء وليس في ذلك إلا وصفه بدوام الفعل، لا بأن معه مفعولاً من المفعولات بعينه، وإن قدّر أن نوعها لم يزل معه، فهذه المعيّة لم ينفها شرع ولا عقل، بل هي من كماله؛ قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (1)، والخلق لا يزالون معه، وليس في كونهم لا يزالون معه في المستقبل ما ينافي كماله، وبين الأزل في المستقبل مع أنه في الماضي حدث بعد أن لم يكن؛ إذ كان كلّ مخلوق فله ابتداء، ولا نجزم أن يكون له انتهاء» (2).)7 - وقال: «...، ومن هنا يظهر أيضاً أن ما عند المتفلسفة من الأدلّة الصحيحة العقليّة؛ فإنّما يدلّ على مذهب السلف أيضاً، فأن عمدتهم في «قدم العالم» على أن الرب لم يزل فاعلاً، وأنه يمتنع أن يصير فاعلاً بعد أن لم يكن، وأن يصير الفعل ممكناً له بعد أن لم يكن، وهذا وجميع ما احتجوا به إنما يدل على قدم نوع الفعل» (3.)8 - قال في (بيان تلبيس الجهميّة: «إن اللّه سبحانه وتعالى أخبر في)


1) سورة النحل: 17.

2) مجموع الفتاوی 18: 239.

3) المصدر السابق 6: 300.

كتابه بابتداء الخلق الذي يعيده كما قال: (وهو الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ (1)، وأخبر بخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام في غير موضع وجاءت بذلك الأحاديث الكثيرة، وأخبر أيضاً أنه يغيّر هذه المخلوقات... ومن المعلوم أنه لم يتعقب الإعادة عدمه، كما لم يتقدم ابتداء خلق السموات والأرض العدم المطلق.... فأخبر في هذه الآيات أن الخلق الذي ابتدأه وخلقه في ستة أيام يعيده ويقيم القيامة، وقد أخبر أنه خلقه من مادّة وفي مدة، وأنه إذا أعاده لم يعدمه بل يحيله إلى مادة أخرى وفي مدّة» (2).)9- قال في (شرح حديث النزول في الردّ على من قال: «ما لا يخلو من الحوادث حادث»، وعلى من قال: «ما لا يسبق الحوادث حادث»: «...؛ إذ لم يفرّقوا بين نوع الحوادث وبين الحادث المعين» (3).)10 - قال في (الرسالة الصفديّة في الردّ على من يقول بقدم العالم: «بل غاية ما يقررونه أنه لا بدّ من دوام فعل الفاعل»(4).)11 - ردّ ابن تيميّة على ابن حزم في (نقد مراتب الإجماع لنقله الإجماع على أنّ اللّه لم يزل وحده ولا شيء غيره معه، وأن المخالف بذلك كافر باتفاق المسلمين؛ قائلاً: «...، وأعجب من ذلك حكايته الإجماع على)


1) سورة الروم: 27.

2) بيان تلبيس الجهميّة 1: 154.

3) شرح حديث النزول: 14.

4) الرسالة الصفدية 3: 83.

كفر من نازع أنه سبحانه لم يزل وحده، ولا شيء غيره معه» (1.)12- قال الجلال الدواني في (شرح العضدية: «...، وقد رأيت في بعض تصانيف ابن تيميّة القول به - أي بالقدم الجنسي - في العرش» (2).)13- ثبت عن السبكي ما نقله عنه تلميذه الصفدي وتلميذ ابن تيميّة أيضاً في قصيدته المشهورة، وقد تضمنت الردّ على ابن تيميّة؛ لقوله بأزلية جنس العالم، وأنه يرى حوادث لا ابتداء لوجودها، كما أن اللّه لا ابتداء لوجوده؛ قال السبكي:ولابن تيميّة رد عليه وفى*** بمقصد الردّ واستيفاء أضربهلكنه خلط الحق المبين بما*** يشوبه كَدَرٌ في صفويحاولُ الحَشو أنَّى كان لهُ حثيث سير بشرق أو بمغربهیری حوادث لا مبـدا في اللّه سبحانه عما يظُنُّ به (3)14- قال البياضي الحنفي في كتابه (إشارات المرام بعد ذكر الأدلّة على حدوث العالم: «فبطل ما ظنّه ابن تيميّة من قدم العرش، كما في شرح العضدية» (4).)


1) نقد مراتب الإجماع 2: 221.

2) شرح العضدية: 13. أي: إنه كان يعتقد أن جنس العرش أزلي، وما من عرش إلا وقبله عرش إلى غير بداية، وأنه يوجد ثم ينعدم، ثم يوجد ثم ينعدم، وهكذا.. فجنس العرش أزلي لم يزل مع اللّه، ولكن عينه القائم الآن حادث عند ابن تيميّة.

3) إتحاف السادة المتقين 2: 94.

4) إشارات المرام: 14.

### مناقشة رأي ابن تيميّة بشأن صدور حوادث لا أوّل لها عن اللّه تعالى#### الإشكال الأول: قدم الحوادثعرفنا ممّا تقدم من كلمات ابن تيميّة أنه يعتقد أن العرش والكرسي، والسماوات والأرض، هي: حوادث لا أوّل لها.يرد عليه :أن اللّه تعالى خالق كلّ شيء، ولا بد أن يكون المخلوق مسبوقاً بالخالق، وإلا لزم تقدم المخلوق على الخالق، أو قدم المخلوق، أو التركيب بينه وبين الخالق.. وكل ذلك باطل عند الجميع.السؤال :* هل يمكن القول بقدم الحوادث التي لا أوّل لها، وعدم مسبوقيتها بالعدم ؟***#### الإشكال الثاني: أزلية الفعل الإراديكل ما يصدر عن الإرادة الإلهيّة يكون حادثاً بعد مسبوقيته بالعدم؛ لأنّ

إرادته تعالى من الصفات الفعليّة؛ وهي تعني قصده الفعل، ومن الواضح عدم انفكاك هذا القصد عن الفعل.أدلة على فعليّة الإرادةالدليل الأوّل: أنّ الصفات الذاتية لا تقع في دائرة النفي والإثبات خلافاً للصفات الفعلية، فلا يقال: إن اللّه يعلم ولا يعلم، ولا يقال: إن اللّه قادر وغير قادر، لكن يقال: إن اللّه يعطي ولا يعطي أو يرزق ولا يرزق، أو أنه يريد كذا ولا ولا يريد كذا.الدليل الثاني: أن الصفات الذاتية كالعلم والقدرة والحياة تُنتزع من الذات مع قطع النظر عن الخلق، أمّا الفعليّة كالخلق والرزق والتدبير والإراده فهي منتزعة من الأفعال الإلهيّة، ولا يصحّ نسبتها إلى اللّه إلا بعد لحاظ المخلوق.الدليل الثالث: أن الإرادة تعني: «الحدوث بعد العدم»، و«الوجود بعد اللا وجود»، وبهذا المعنى يستحيل أن تكون الإرادة وصفاً لذاته تعالى.الدليل الرابع: أن قدم الإرادة مستلزم لقدم المرادات، وهو لا يصحّ ؛ لبطلان تعدّد القدماء (1.)السؤال :* كيف يمكن تصوّر عدم بداية الأمر الصادر بالإرادة؟


1) للمزيد راجع حق اليقين 1: 54 كشف المراد: 402 إشراق اللاهوت: 408، مسالة في الإرادة: 7، الملخص في أصول الدين 3: 347، غنية النزوع 2، 43، رسائل الشريف المرتضى: 389.

#### الإشكال الثالث: التسلسل بين العلة والمعلولأدلّة بطلان التسلسل:إن لكل معلول علّة، فإذا كانت لهذه العلّة علّة أخرى ولتلك العلة علّة أخرى وهكذا.. لاستمر الأمر إلى ما لا نهاية له من العلل المفتقرة في وجودها إلى العلل الأخرى، فتكون جميع العلل المتسلسلة غير قائمة بذاتها ومفتقرة إلى غيرها..وهذا محال؛ لأن السبب الذي أخرج هذا التسلسل من «العدم» إلى «الوجود» إما أن يكون محكوماً به أو حاكماً عليه، فإذا كان حاكماً كان العلّة التامة التي توقف التسلسل، وأما محكوميته بالتسلسل فإنّها باطلة عقلاً لأن العقل يحكم عند تسلسل العلل بلزوم انتهائها إلى علّة قائمة بذاتها وغير مفتقرة في وجودها إلى غيرها؛ لتكون هذه العلّة هي السبب لخروج هذا التسلسل من «العدم» إلى «الوجود»..وقد اتفق جميع العقلاء على بطلان التسلسل المطلق؛ لما يوحيه العقل المستقل بثبوت هذه المسألة البديهية (1.)السؤال :* إن القول بحوادث لا أوّل لها يعني: الالتزام بعدم مسبوقيتها بعلة تامة؛ توجب توقف سلسلة العلل والمعلولات وهو رأي باطل بالضرورة العقليّة، فكيف يلتزم به ابن تيميّة ؟


1) للمزيد راجع قواعد العقائد: 40، كشف الفوائد: 144.

#### الإشكال الرابع: بطلان دعوى اتفاق علماء أهل السنّة على صدور حوادث لا أول لها عن اللّه تعالىبين كثير من علماء أهل السنّة وبعض السلفيّة من أتباع ابن تيميّة، فساد اعتقاده في صدور حوادث لا أول لها عن اللّه تعالى؛ منهم:1- قال تقي الدين السبكي (756هـ: «هذا هو الذي ابتدعه ابن تيميّة والتزم به حوادث لا أوّل لها، والعجب قوله مع ذلك: إنه قديم، وحين النطق بالباء لم تكن السين موجودة، فإن قال: النوع قديم وكل واحد من الحروف حادث عدنا إلى الكلام في كلّ واحد من حروف القرآن، فيلزم حدوثها وحدوثه، فالذي التزمه من قيام الحوادث بذات الرب لا ينجيه بل يرديه وهذا آفة التخليط والتطفل على العلوم وعدم الأخذ عن الشيوخ» (1).)2- قال محمّد زاهد الكوثري (1371هـ: «القول بدوام فعله تعالى في جانب الماضي قول بحوادث لا أوّل لها، وقد سبق تسخيف ذلك مرات، قال القاضي أبو يعلى الحنبلي: لا يجوز وجود موجدات لا نهاية لعددها سواء كانت قديمة أو محدثة خلافاً للملحدة، والدلالة عليه أنّ كلّ جملة لو ضممنا إليها خمسة أجزاء مثلاً لعلم ضرورة أنها زادت، وكذلك عند النقص، وإذا كان كذلك وجب أن تكون متناهية بجواز قبول الزيادة والنقصان عليها، لأن كلّ ما يأتي فيه الزيادة والنقصان وجب أن يكون متناهياً من جهة العدد» (2).)


1) إتحاف السادة المتقين 2: 94.

2) مقالات الكوثري: 54.

3- قال عبد اللّه بن الصديق المغربي: «وآية فساد عقيدته أن العلماء عابوا على ابن تيميّة قوله بإثبات حوادث لا أوّل لها، ورجح حديث: (كان اللّه ولم يكن شيء قبله على حديث: (كان اللّه ولم يكن شيء غيره) وكلاهما في صحيح البخاري؛ ليوافق الحديث قوله المخالف لقول اللّه تعالى: (اللّه خَالِقُ كلّ شَيْءٍ) (1)، و (خَلَقَ كلّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) (2)، و(إِنَّا كلّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرِ) (3)، ولإجماع المسلممين على أن اللّه كان وحده ولا شيء معه، ثمّ أوجد العالم..)وابن تيميّة لم يفهم الحديثين، فلجأ إلى الترجيح بينهما فأخطأ.. والصواب الذي لم يوفّق إليه أن حديث: (كان اللّه ولم يكن شيء قبله، أو: (كان اللّه قبل كلّ شيء)، يبيّن معنى اسمه تعالى: الأول.. وحديث: (كان اللّه ولم يكن شيء غيره)، يبيّن معنى اسمه الواحد الأحد» (4).)4- قال محمّد ناصر الألباني: «ولقد أطال ابن تيميّة في رده على الفلاسفة محاولاً إثبات حوادث لا أوّل لها، وجاء في أثناء كلامه بما يحار فيه العقول، ولا تقبله أكثر القلوب، كما يقول هو وغيرهم بتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية، فذلك القول منه غير مقبول، بل هو مرفوض، وكم كنا نود


1) سورة الزمر: 62.

2) سورة الفرقان: 2.

3) سورة القمر: 49.

4) ردّ اعتبار الجامع الصغير 2: 35.

أن لا يلج ابن تيميّة هذا المولج ؛ لأن الكلام به شبيه بالفلسفة وعلم الكلام؛ الذي تعلّمنا منه التحذير والتنفير منه...إن العلماء اتفقوا على أن هناك أوّل مخلوق، والقائلون بحوادث لا أوّل لها مخالفون لهذا الاتفاق؛ لأنهم يصرحون بأن ما من مخلوق إلا وقبله مخلوق، وهكذا إلى ما لا أوّل له، كما صرّح بذلك ابن تيميّة في بعض كتبه، فإن قالوا: العرش أوّل مخلوق، كما هو ظاهر كلام الشارح، نقضوا قولهم بحوادث لا أوّل لها، وإن لم يقولوا بذلك خالفوا الاتفاق» (1.)***


1) سلسلة الأحاديث الصحيحة 1: 108.

### معتقد ابن تيميّة في قيام الحوادث بذات اللّه تعالىصرّح ابن تيميّة بثبوت قيام الحوادث بذات اللّه تعالى في العديد من كتبه؛ منها:1- قال في (درء تعارض العقل والنقل : «...، فمن أين في القرآن ما يدل دلالة ظاهرة على أنّ كلّ متحرك محدث أو ممكن، وأن الحركة لا تقوم إلا بحادث أو ممكن، وأن ما قامت به الحوادث لم يخل منها، وأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث»(1).)2- وقال: «أما الشرع فليس فيه ذكر هذه الأسماء في حق اللّه لا بنفي ولا إثبات، ولم ينطق أحد من سلف الأمة وأئمتها في حق اللّه تعالى بذلك لا نفياً ولا إثباتاً، بل قول القائل: إن اللّه جسم أو ليس بجسم، أو جوهر أو ليس بجوهر، أو متحيّز أو ليس بمتحيز، أو في جهة أو ليس في جهة، أو تقوم به الأعراض والحوادث أو لا تقوم به ونحو ذلك، كلّ هذه الأقوال محدثة بين أهل الكلام المحدث، لم يتكلّم السلف والأئمّة فيها لا بإطلاق النفي ولا بإطلاق الإثبات» (2.)


1) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 2: 76.

2) المصدر السابق 2: 84.

3 - قال في (منهاج السنّة: «إنا نقول: إنّه تقوم به الحوادث والأعراض فما الدليل على بطلان قولنا؟»(1).)4- وقال: «الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم، فإن قلتم لنا: قد قلتم بقيام الحوادث بالرب.. قالوا لكم: نعم.. وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل، ومن لم يقل إن البارئ يتكلّم ويريد، ويحب ويبغض، ويرضى ويأتي ويجيء، فقد ناقض كتاب اللّه تعالى ومن قال: إنه لم يزل ينادي موسى في الأزل، فقد خالف كلام اللّه مع مكابرة العقل؛ لأنَّ اللّه يقول: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ (2)، وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (3)، فأتى بالحروف الدالة على الاستقبال»(4).)5- وقال: «...، وقد أخذنا بما في قول كلّ من الطائفتين من الصواب، وعدلنا عما يردّه الشرع والعقل من قول كلّ منهما، فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم منه أن تكون الحوادث قامت به.. قلنا: ومن أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمّة؟ ونصوص القرآن والسنّة تتضمن ذلك، مع صريح العقل وهو قول لازم لجميع الطوائف، ومن أنكره فلم يعرف لوازمه، ولفظ الحوادث مجمل، فقد يراد به الأعراض والنقائص، واللّه منزّه عن ذلك، ولكن يقوم به ما شاءه ويقدر عليه من


1) منهاج السنّة 1: 257.

2) سورة النمل: 8.

3) سورة يس: 82.

4) منهاج السنّة 2: 114.

كلامه وأفعاله ونحو ذلك ممّا دل عليه الكتاب والسنّة» (1.)6- قال في (مجموعة التفسير: «من قال: إنّ الخلق حادث كالهشامية والكراميّة؛ قال: نحن نقول بقيام حوادث به، ولا دليل على بطلان ذلك، بل العقل والنقل والكتاب والسنّة وإجماع السلف يدل على تحقيق ذلك، كما قد بسط في موضعه..)ولا يمكن القول بأن اللّه يدبّر هذا العالم إلا بذلك، كما اعترف بذلك أقرب الفلاسفة إلى الحق كأبي البركات صاحب «المعتبر» وغيره»(2.)7- وقال: «...، بخلاف ما إذا قيل: كان قبل هذا الكلام كلام وقبل هذا الفعل فعل جائز عند أكثر العقلاء أئمة السنّة، أئمة الفلاسفة وغيرهم» (3.)8 - وقال: «...، وأمّا إذا قيل: «كُن»، وقبل «كُن»، «کن»، وقبل«کن»، «كن».. فهذا ليس بممتنع، فإن هذا تسلسل في آحاد التأثير لا في جنسه، كما أنه في المستقبل يقول: «كن»، بعد «كن»، ويخلق شيئاً بعد شيء إلى غير نهاية» (4.)9- قال في (مجموع الفتاوى: «...، وأما قولهم: وجود ما لا يتناهى من الحوادث محال، فهذا بناء على دليلهم الذي استدلوا به على حدوث)


1) المصدر السابق 2: 318.

2) مجموعة تفسير ابن تيميّة 4: 254.

3) المصدر السابق 5: 111.

4) المصدر السابق 5: 113.

العالم وحدوث الأجسام، وهو: أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وهذا الدليل باطل عقلاً وشرعاً، وهو أصل الكلام الذي ذمّه السلف والأئمّة، وهو أصل قول الجهميّة نفاة الصفات، وقد تبين فساده في مواضع» (1.)10 - وقال: «...، الوجه الثالث أن يقال نفس سلب هذه الصفات نقص وإن لم يقدر هناك ضد ثبوتي، فنحن نعلم بالضرورة أن ما يكون حيّاً عليماً قديراً متكلّماً سميعاً بصيراً أكمل ممن لا يكون كذلك، وأن ذلك لا يقال سميع ولا أصم كالجماد، وإذا كان مجرد إثبات هذه الصفات من الكمال ومجرّد سلبها من النقص وجب ثبوتها اللّه تعالى؛ لأنه كمال ممكن للموجود ولا نقص فيه بحال، بل النقص في عدمه..وكذلك إذا قدرنا موصوفين بهذه الصفات أحدهما يقدر على التصرف بنفسه ؛ فيأتي ويجيء وينزل ويصعد ونحو ذلك من أنواع الأفعال القائمة به، والآخر يمتنع ذلك منه فلا يمكن أن يصدر منه شيء من هذه الأفعال، كان هذا القادر على الأفعال التي تصدر عنه أكمل ممن يمتنع صدورها عنه..وإذا قيل: قيام هذه الأفعال يستلزم قيام الحوادث به، كان كما إذا قيل: قيام الصفات به يستلزم قيام الأعراض به، ولفظ الأعراض والحوادث لفظان مجملان، فإن أريد بذلك ما يعقله أهل اللغة من أن الأعراض والحوادث


1) مجموع الفتاوی 3: 71.

هي الأمراض والآفات... فهذه من النقائص التي ينزه اللّه عنها..وإن أريد بالأعراض والحوادث اصطلاح خاص فإنّما أحدث ذلك الاصطلاح من أحدثه من أهل الكلام، وليست هذه لغة العرب ولا لغة أحد من الأمم، لا لغة القرآن ولا غيره، ولا العرف العام، ولا اصطلاح أكثر الخائضين في العلم، بل مبتدعو هذا الاصطلاح هم من أهل البدع المحدّثين في الأمة؛ الداخلين في ذمّ النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم..)وبكل حال فمجرد هذا الاصطلاح وتسمية هذه أعراضاً وحوادث، لا يخرجها عن أنّها من الكمال الذي يكون المتصف به أكمل ممن لا يمكنه الاتصاف بها.. أو يمكنه ذلك ولا يتصف به (1.)-11- قال في (بيان تلبيس الجهميّة في ردّه على الفخر الرازي؛ الذي أنكر كون التحيّز والجهة قائمة بذات اللّه تعالى: «يوضح ذلك الوجه الرابع عشر، وهو: أنه [أي الرازي] قال: المسمّى بالحيّز والجهة أمر مستغن في وجوده عمّا يتمكن ويستقر فيه، وأمّا الذي يكون مختصاً بالحيّز والجهة؛ فإنه يكون مفتقراً إلى الحيّز والجهة، فإنّ الشيء الذي يمكن حصوله في الحيّز مستحيل عقلاً حصوله لا مختصاً بالجهة..)وذلك يقتضي أن الشيء الذي يمكن حصوله في الحيّز يستحيل عقلاً حصوله في غير حيّز وجهة؛ فيكون محتاجاً إلى الحيّز والجهة، وقد قرّر أن


1) المصدر السابق 3: 114.

المسمّى بالحيّز والجهة أمر مستغن في وجوده عما يتمكن ويستقر فيه فيكون الحيّز والجهة مستغنياً عن الحيّز المتوجه، وذلك يقتضي أن المتحيّزات بأسرها مفتقرة إلى أحيازها، وأن أحيازها التي يستحيل عقلاً حصولها في غيرها مستغنية عنها، ومن المعلوم لكلّ عاقل أن تحيّز الجسم أمر قائم به محتاج إليه، ليس هو مستغنياً عن الجسم، وهذا هو الذي يستحيل عقلاً حصول المتحيّز بدونه، فإنّه يستحيل حصول متحيّز بدون تحيّز، وكل جسم متحيّز، وحصول المتحيّز بدون التحيّز محال، وهو مثل حصول الجسم أو حصول المقدور بدون تَقَدُّر، أو حصول المميّز بدون التميّز» (1،(2).12 - قال السبكي (756هـ: «قد أحدث ابن تيميّة ما أحدث في أصول العقائد ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان متستراً بتبعيّة الكتاب والسنّة، مظهراً أنه داع إلى الحق هاد إلى الجنّة، فخرج عن الاتباع إلى الابتداع، وشذّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسميّة والتراكيب في الذات المقدسة، وبأن الافتقار إلى الجزء ليس بمحال،)


1) بيان تلبيس الجهميّة 2: 148.

2) صرّح ابن تيميّة بعدم اعتقاده بقيام الحوادث باللّه في: (التسعينيّة)؛ حين سجن وردّ عليه بعض من امتحنه من القضاة والعلماء؛ فقال: «وأما قول القائل: إن كلام اللّه حرف وصوت قائم به وهو معنى قائم بذاته، فليس في كلامي ولا قلته قط»..)التسعينية: 115.وهذا تناقض صريح بين في كلماته، إلا أن يقال إنه عمل بالتقيّة في السجن، وهذا ممّا لا يرتضيه هو واتباعه، كما هو الواضح.

وقال بحلول الحوادث بذات اللّه تعالى، وأن القرآن محدث تكلّم اللّه به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلّم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات..وتعدّى في ذلك إلى استلزام قدم العالم بالقول بأنه لا أوّل للمخلوقات، فقال بحوادث لا أوّل لها، فأثبت الصفة القديمة حادثة والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملة من الملل ولا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاث والسبعين التي افترقت عليها الأمة وكل ذلك وإن كان كفراً شنيعاً ممّا تقل جملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع، فإن متلقى الأصول عنه وفاهم ذلك منه هم الأقلون، والداعي إليه من أصحابه هم الأرذلون، وإذا حوققوا في ذلك أنكروه..وأما ما أحدثه في الفروع فأمر قد عمت به البلوى.. وقد بثّ دعاته في أقطار الأرض لنشر دعوته الخبيئة، وأضل بذلك جماعة من العوام ومن العرب والفلاحين، ولبس عليهم» (1.)


1) شفاء السقام: 171.

### مناقشة رأي ابن تيميّة في قيام الحوادث بذات اللّه تعالى#### الإشكال الأول: الخلط بين الصفات الفعلية والصفات الذاتيةخلط ابن تيميّة بين صفات الذات وصفات الفعل في كلماته؛ التي نقلناها، فأثبت للذات صفات حادثة وفعليّة؛ متغافلاً عن مسألة قدم الذات، و امتناع اجتماع القديم والحديث.يرد عليه :إذا كانت صفات اللّه الأزلية حادثة؛ فهي لا تخلو من أمرين:الأول: أن تكون هي التي أوجدت نفسها، وهذا محال.الثاني: أن يكون الغير أوجدها، وهذا الغير لا يخلو من أمرين:الأوّل: أن يكون غير الباري، فلا بد أن ينتهي إليه وإلا لزم التسلسل، وهو محال.الثاني: أن يكون هو تعالى فيلزم ذلك أن يكون فاقد الشيء معطيا له؛ لأنّ الباري عزّ وجلّ - وفق هذا الرأي - كان فاقداً لها قبل إحداثها،وهذا باطل..ويلزم أيضاً اتصاف اللّه بصفات حادثة يفتقر إليها، واللّه سبحانه منزه عن ذلك كله.

#### القول الصحيح في أقسام الصفات الإلهيّة وبيان خصائصها:يمكن تقسيم الصفات الإلهيّة إلى (الجلاليّة (التنزيهيّة)؛ وهي: الصفات التي يجب سلبها عن اللّه تعالى، كالاحتياج، التركيب، والتجسيم؛ لأنها تعني النقص.)والصفات (الثبوتية (الجمالية) (الكمالية)؛ وهي: التي تثبت جميع الأوصاف الكمالية.)وتنقسم صفات اللّه الثبوتية إلى قسمين: (الذاتية، و(الفعلية).)فالذاتية؛ هي: الصفات التي يكون ثبوتها بلحاظ مجرد الذات.والفعليّة؛ هي: الصفات التي يكون ثبوتها من خلال ملاحظة الأفعال الصادرة عنه تعالى.#### خصائص صفات اللّه الذاتية:أولاً: ليس لهذه الصفات وجود إلا وجود الذات، وهي تختلف عن الذات في: «معانيها ومفاهيمها»، لا في: «حقائقها ووجودها»، وعليه تكون زائدة على الذات من «الناحية الذهنية»، لا من «الناحية الواقعية».ثانياً: لا يصحّ سلب هذه الصفات كالعلم والقدرة والحياة- من اللّه تعالى أبداً، في جميع الأحوال.#### خصائص صفات اللّه الفعلية:أولاً : لا يوصف اللّه تعالى بهذه الصفات قبل قيامه بالفعل المرتبط بهذه الصفات، ولهذا لا يوصف بصفة «الخالق قبل أن يخلق، ولا بصفة

«الرازق» قبل أن يرزق.ثانياً: يصحّ سلب هذه الصفات عنه تعالى في بعض الأحوال؛ كأن يقال: أنه خلق هذا، ولم يخلق ذاك، ورزق هذا، ولم يرزق ذاك. ثالثاً: تعدّ هذه الصفات من الأفعال لا من الذات، ويكون ارتباطها بالذات من باب القدرة على الفعل في جميع الأحوال.رابعاً: الصفات الفعلية لا تعني الكمال؛ لأنها اعتبارية ومتأخرة عن رتبة الذات ويتم انتزاعها من مقام الفعل، ولهذا لا يعد عدم الاتصاف بها في بعض الأحيان نقصاً للذات؛ لكمال الذات في نفسه.. وعليه تكون الصفات الفعلية «ناشئة» من كمال الذات، لا «موجبة» له.#### الفرق بين صفات الذات وصفات الفعل :أولاً: صفات الذات منتزعة من الذات وتحكي عنها، وصفات الفعل منتزعة من مقام الفعل وهي مغايرة للذات.ثانياً: صفات الذات قديمة بقدم الذات الإلهيّة، وصفات الفعل حادثة بحدوث الأفعال الإلهيّة.ثالثاً: صفات الذات غير متناهية؛ لأنها عين الذات، وصفات الفعل متناهية ومحدودة؛ لأنها زائدة على الذات.رابعاً: صفات الذات لا يصح سلبها عن اللّه تعالى أبداً، فلهذا لا يوصف اللّه تعالى بعدم العلم أو عدم القدرة في أي حال، وصفات الفعل يصحّ سلبها

عن اللّه تعالى أحياناً.فلهذا يمكن القول بأنه سبحانه يخلق ولا يخلق، ويرزق ولا يرزق(1.)روي عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «كيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه؟)إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ولكان له وراء إذا وجد له أمام، ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان، وإذاً لقامت آية المصنوع فيه، ولتحول دليلاً بعد أن كان مدلولاً عليه، وخرج بسلطان الامتناع من أن يوثر فيه ما يوتر في غيره؛ الذي لا يحول ولا يزول، ولا يجوز عليه الأفول، ولم يلد فيكون مولوداً، ولم يولد فيصير محدوداً، جل عن اتخاذ الأبناء، وطهر عن ملامسة النساء..لاتناله الأوهام فتقدّره، ولا تتوهمه الفطن فتصوّره، ولا تدركه الحواس فتحسه، ولا تلمسه الأيدي فتمسه، لا يتغيّر بحال، ولا يتبدل بالأحوال، ولا تبليه الليالي والأيام، ولا يغيّره الضياء والظلام، ولا يوصف بشيء من الأجزاء ولا بالجوارح والأعضاء، ولا بعرض من الأعراض، ولا بالغيرية الأبعاض ولا يقال له حدّ ولا نهاية، ولا انقطاع ولا غاية..ولا أنّ الأشياء تحويه، فتقله أو تهويه، أو أن شيئاً يحمله فيميله أو يعدله، ليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج، يخبر لا بلسان ولهوات، ويسمع لا بخروق وأدوات، يقول ولا يلفظ، ويحفظ ولا يتحفظ، ويريد ولا يضمر، يحب ويرضى من غير رقّة، ويبغض ويغضب من غير مشقة، يقول لمن أراد كونه: كن


1) للمزيد راجع تصحيح اعتقادات الإماميّة: 41 المسلك في أصول الدين: 54.

فيكون.. لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديما لكان إلها ثانياً..لا يقال كان بعد أن لم يكن ؛ فتجري عليه الصفات المحدثات، ولا يكون بينها وبينه فصل، ولا له عليها فضل ؛ فيستوي الصانع والمصنوع، ويتكافأ المبتدع والبديع، خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه، وأنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال، وأرساها على غير قرار وأقامها بغير قوائم، ورفعها بغير دعائم، وحصنها من الأود والاعوجاج، ومنعها من التهافت والانفراج..أرسى أوتادها، وضرب أسدادها، واستفاض عيونها وخد أوديتها، فلم يهن ما بناه، ولا ضعف ما قواه، هو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته، وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته، والعالي على كلّ شيء منها بجلاله وعزته، لا يعجزه شيء منها طلبه، ولا يمتنع عليه فيغلبه، ولا يفوته السريع منها فيسبقه، ولا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه، خضعت الأشياء له، وذلّت مستكينة لعظمته، لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه وضره، ولا كفؤ له فيكافئه، ولا نظير له فيساويه، هو المفني لها بعد وجودها، حتّى يصير موجودها كمفقودها»(1.)السؤال :* كيف يُثبت ابن تيميّة الصفات الحادثة لذات اللّه تعالى؛ وهو يعلم بامتناع الاجتماع بين الحادث والأزلي؟


1) نهج البلاغة 2: 121، الخطبة: 186.

#### الإشكال الثاني: قيام الناقص بالكاملزعم ابن تيميّة ثبوت قيام الحوادث بذات اللّه تعالى.. وبعبارة أخرى: قيام المخلوق بذات اللّه تعالى؛ (لأن الحادث مخلوق.. وبعبارة ثالثة: قيام الناقص باللّه الكامل.. وبعبارة رابعة: إتّصاف اللّه الكامل بالناقص.. وهكذا.)يرد عليه :أن الكامل لا يحل به نقص أبداً؛ وإلا تنافى كونه كاملاً، ولكان حادثاً، واللّه تعالى منزّه عن الحدوث، فجواز اتصاف الكامل بالناقص خلف؛ إذ يكون كاملاً لا كاملاً، وهذا باطل، فيستحيل أن تقوم الحوادث باللّه تعالى؛ إذ يستحيل أن يقوم به ناقص ويتصف به (1.)السؤال :* هل المخلوق كامل أم ناقص عند ابن تيميّة ؟* هل يستطيع الناقص أن يكون قائماً بالكامل ؟#### الإشكال الثالث: الحتمية والتغييرالتغيير هو: طروء الشيء على المتغيّر وانتقاله من حال إلى حال، وإن قيام الحوادث بذاته تعالى من لوازم الحتميّة والتغير، وعليه يكون معتقد ابن تيميّة: جواز طروء المسبوق بالعدم على الذات الإلهيّة، وهو باطل.. مضافاً إلى دلالة التغيّر على التأثر والانفعال، واللّه تعالى منزه عن جميع ذلك بالاتّفاق.


1) للمزيد راجع دراسات في منهاج السنّة: 132.

الأسئلة :* ما هو معنى التغيّر عند ابن تيميّة ؟* كيف يلتزم ابن تيميّة بطروء المعدوم على الذات؟***#### الإشكال الرابع: بطلان دعوى اتفاق علماء أهل السنّة على ثبوت قيام الحوادث بذات اللّه تعالىرغم إصرار ابن تيميّة على القول بقيام الحوادث باللّه سبحانه، فقد أنكر القول بذلك أكثر علماء أهل السنّة؛ منهم:(1 قال الفخر الرازي (606هـ): «الأول: أن قيام الحوادث بذات اللّه محال؛ لأن تلك الذات إن كانت كافية في وجود تلك الصفة أو دوام عدمها لزم دوام وجود تلك الصفة أو دوام عدمها بدوام تلك الذات، وإن لم تكن كافية فيه فحينئذ تكون تلك الذات واجبة الاتصاف بوجود تلك الصفة أو عدمها، وذلك الوجود والعدم يكونان موقوفين على شيء منفصل، والموقف على الموقوف على الغير موقوف على الغير، والموقوف على الغير ممكن لذاته، ينتج: أن الواجب لذاته ممكن لذاته، وهو محال.)والثاني: أن ذاته لو كانت قابلة للحوادث لكانت قابلية تلك الحوادث من لوازم ذاته، فحينئذ يلزم كون تلك القابلية أزليّة؛ لأجل كون تلك الذات أزلية، لكن يمتنع كون قابليّة الحوادث أزليّة؛ لأن قابلية الحوادث مشروط

بإمكان وجود الحوادث، وإمكان وجود الحوادث في الأزل محال، فكان وجود قابليتها في الأزل محالاً.والثالث: أن تلك الصفات لما كانت حادثة كان الإله الموصوف بصفات الإلهيّة موجوداً قبل حدوث هذه الصفات، فحينئذ تكون هذه الصفات مستغنى عنها في ثبوت الإلهيّة، فوجب نفيها، فثبت أن تلك الصفات إما أن تكون حادثة أو قديمة، وثبت فسادهما، فثبت امتناع وجود الصفة» (1.)(2 قال سيف الدين الآمدي (631هـ): «فالرأي الحق والسبيل الصدق والأقرب إلى التحقيق أن يقال: لو جاز قيام الحوادث به لم يخل عند اتصافه بها إما أن توجب له نقصاً أو كمالاً أو لا نقص ولا كمال، لا جائر أن يقال بكونها غير موجبة للكمال ولا النقصان؛ فإن وجود الشيء بالنسبة إلى نفسه أشرف له من عدمه، فما اتصف بوجود الشيء له وهو ممّا لا يوجب فوات الموصوف ولا فوات كمال له، وبالجملة لا يوجب له نقصاً فلا محالة أن اتصافه بوجود ذلك الوصف له أولى من اتصافه بعدمه؛ لضرورة كون العدم في نفسه مشروفاً بالنسبة إلى مقابله من الوجود، والوجود أشرف منه، وما اتصف بأشرف الأمرين من غير أن يوجب له في ذاته نقصاً تكون نسبة الوجود إليه ممّا يرجع إلى النقص والكمال على نحو نسبة مقابله من العدم، ولا محالة من كانت نسبته إلى ذلك وجود ذلك الوصف أشرف منه بالنسبة إلى عدمه..)ولا جائز أن يقال: إنّها موجبة لكماله، وإلاّ لوجب قدمها؛ لضرورة أن


1) التفسير الكبير 1: 112.

لا يكون البارئ ناقصاً محتاجاً إلى ناحية كمال في حال عدمها، فبقي أن يكون اتصافه بها ممّا يوجب القول بنقصه بالنسبة إلى حاله قبل أن يتصف بها، وبالنسبة إلى ما لم يتصف بها من الموجودات، ومحال أن يكون الخالق مشروفاً أو ناقضاً بالنسبة إلى المخلوق، ولا من جهة ما كما مضى»(1.)(3 قال العلامة الاسفراييني (741هـ): «إنّ الحوادث لا يجوز حلولها في ذاته وصفاته؛ لأن ما كان محلاً للحوادث لم يخل منها، وإذا لم يخل كان محدثاً مثلها؛ ولهذا قال الخليل عليه الصلاة والسلام: «لا أحب الآفلين».. بين به أن من حل به من المعاني ما يغيّره من حال إلى حال كان محدثاً؛ لا يصحّ أن يكون إلها» (2).)(4 قال شعيب الأرنؤوط: «جمهور المتكلمين من أشاعرة وماتريدية، ومعتزلة وفلاسفة اتفقوا على منع قيام الحوادث بذاته تعالى، وجوز قيامها بذاته الكراميّة، وفرّقوا بين الحادث والمحدث، فالأول عندهم ما يقوم بذاته من الأمور المتعلقة بمشيئته واختياره..)وأما الثاني فهو ما يخلقه سبحانه منفصلاً عنه، وقد تبعهم شيخ الإسلام ابن تيميّة في تجويز قيام الحوادث بالذات، وقد غلا رحمه اللّه تعالى في مناصرة هذا المذهب والدفاع عنه ضد مخاليفه من المتكلمين والفلاسفة، وادعى أنه مذهب السلف، مستدلاً بقول الإمام أحمد وغيره: (لم يزل متكلّما إذا شاء بأنه)


1) غاية المرام في علم الكلام: 191.

2) التبصير في الدين: 97.

إذا كان كلامه - وهو صفة قائمة بذاته - متعلقاً بمشيئته واختياره، دلّ ذلك على جواز قيام الحوادث بذاته؛ لأن ما يتعلّق بالمشيئة والاختيار لا يكون إلا حادثاً وقد انتهى به القول إلى أن كلام اللّه تعالى قديم الجنس حادث الأفراد، وكذلك فعله وإرادته ونحو ذلك من الصفات غير اللازمة للذات، وبما أنّ القول بذلك يستلزم التسلسل، فقد جوّزه في الماضي والمستقبل جميعاً، وادعى أن مثل هذا التسلسل ليس ممتنعاً وغير واحد من العلماء يعدون هذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام من جملة ما ند به عن الصواب..وينكرونه ويقولون : كيف يقول بقدم جنس الصفات والأفعال مع حدوث آحادها؟وهل الجنس شيء غير الأفراد المجتمعين؟وهل يتركب الكلّي إلا من جزئياته؟فإذا كان كلّ جزئي من جزئياته حادثاً، فكيف يكون الكلي قديماً؟» (1.)السؤال :* بماذا يفسّر أتباع ابن تيميّة إبطال عقيدته بقيام الحوادث باللّه تعالى من قبل علماء أهل السنّة؟


1) شرح العقيدة الطحاوية: 69.

### خاتمة في التوحيد عند مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)#### إشارة:لا بأس في نهاية الفصل الثاني أن نذكر نموذجاً ممّا روي عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ، بشأن بعض مسائل التوحيد وأصولها؛ لنسهل على القارئ الكريم المقارنة بين كلماتهم العظيمة، وآراء ابن تيميّة وسلفه وأتباعه في هذا المجال.)#### نظرة إجمالية إلى أصول مسائل التوحيد في أحاديث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)##### الأصل الأول : عددية الحوادث (أي قبولها العد، والزيادة، والنقصان)روي عن الامام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «إنّي ما وجدت شيئاً صغيراً ولا كبيراً إلا وإذا ضم إليه مثله صار أكبر» (1).)وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ : «إنّ الأشياء لو دامت على صغرها، لكان في الوهم أنه متى ما ضم شيء إلى مثله كان أكبر» (2).)


1) أصول الكافي 1: 76.

2) المصدر السابق.

وروي عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «كل ما قدره عقل، أو عرف له مثل فهو محدود» (1).)وروي عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «كلّ محدود متناه إلى حد، فإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان» (2).)وروي عن الإمام محمّد بن علي الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «إن ما سوى الواحد متجزّي، واللّه واحد أحد لا متجزّي، ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجزي أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له»(3).)وروي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «إنّه ليس شيء إلاّ يبيد، أو يتغيّر، أو يدخله التغير والزوال، أو ينتقل من لون إلى لون، ومن هيئة إلى هيئة ومن صفة إلى صفة، ومن زيادة إلى نقصان، ومن نقصان إلى زيادة، إلاّ رب العالمين» (4).)وروي عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «..، لافتراق الصانع والمصنوع، والحاد والمحدود» (5).)***


1) التوحيد 79.

2) المصدر السابق : 250.

3) المصدر السابق: 193.

4) أصول الكافي 1: 115.

5) نهج البلاغة 2 : 40، الخطبة: 152.

##### الاصل الثاني: تجزئ الموجود العدديروي عن الإمام الحسن بن علي المجتبى (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «الحمد للّه الذي لم يكن... له شخص فيتجزئ، ولا اختلاف صفة فيتناهى» (1).)وروي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «... فهو الواحد الذي لا واحد غيره؛ لأنه لا اختلاف فيه» (2).)***##### الأصل الثالث: امتناع عدم تناهي الحوادثروي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «ما احتمل الزيادة كان ناقصاً، وما كان ناقصاً لم يكن تاماً» (3).)وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ : «أنت الذي لا تحد فتكون محدوداً»(4).)وروي عن الإمام الحسن بن علي المجتبى (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «الذي لم يكن له... اختلاف صفة فيتناهى» (5).)وروي عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «كل)


1) التوحيد: 45.

2) بحار الأنوار3: 196.

3) المصدر السابق 3: 194.

4) الصحيفة السجادية: 212.

5) التوحيد: 45.

مسمّى بالوحدة غيره قليل» (1.)وروي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «إن الكيفية جهة الصفة والإحاطة» (2).)وروي عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «..، ومن قال: متى؟ فقد وقته، ومن قال: في م؟ فقد ضمنه، ومن قال: إلى م؟ فقد نهاه، ومن قال: حتّى م، فقد غيّاه، ومن غيّاه فقد غاياه، ومن غاياه فقد جزأه، ومن جزأه فقد وصفه، ومن وصفه فقد الحدّ فيه» (3).)وروي عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أنه قال لبعض الدهرية: «أولستم تشاهدون الليل والنهار وأحدهما بعد الآخر؟ فقالوا: نعم، فقال: أفترونهما لم يزالا ولا يزالون؟ فقالوا: نعم، قال: أفيجوز عندكم اجتماع الليل والنهار؟ فقالوا: لا، فقال: فإذن ينقطع أحدهما عن الآخر فيسبق أحدهما ويكون الثاني جارياً بعده. فقالوا: كذالك هو، فقال: قد حكمتم بحدوث ما تقدم من ليل أو نهار ولم تشاهدوهما، فلا تنكروا اللّه قدرته» (4).)وعنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «أتقولون ما قبلكم من الليل والنهار متناه أم من الليل والنهار متناه أم غير متناه؟ فإن قلتم: غير متناه، فقد وصل إليكم آخر بلا نهاية لأوّله، وإن قلتم: إنه متناه،)


1) بحار الأنوار 4: 309.

2) التوحيد: 247.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، 1 : 124.

4) الاحتجاج 1: 21.

فقد كان ولا شيء منهما» (1.)و وروي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «إن اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بزمان ولا مكان ولا حركة ولا انتقالولا سكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون تعالى عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا» (2).)وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إنه أين الأين وكيف الكيف» (3).)***##### الأصل الرابع: حدوث الممكنات حقيقةروي عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «إن ما لم يزل لا يكون مفعولاً..، إن الفعل كله محدث» (4).)وروي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «لو كان معه شيء في بقائه لم يجز أن يكون خالقا له؛ لأنه لم يزل معه فكيف يكون خالقا لمن لم يزل معه ؟» (5).)وروي عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «يقول)


1) المصدر السابق.

2) التوحيد: 184.

3) بحار الأنوار 10 : 349.

4) التوحيد: 450.

5) أصول الكافي 1: 120.

لما أراد كونه: «كن» فيكون. لا بصوت يقرع ولا نداء يسمع، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديما لكان إلها ثانياً (1.)وروي عن الإمام محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يزل عالماً قديماً، خلق الأشياء لا من شيء، ومن زعم أن الله تعالى خلق الأشياء من شيء فقد كفر؛ لأنه لو كان ذلك الشيء الذي خلق منه الأشياء قديماً معه في أزليته وهويته كان ذلك أزليّاً، بل خلق اللّه الأشياء كلّها لا من شيء»(2).)وروي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «..، فإن كنت صنعتها وكانت موجودة فقد استغنيت بوجودها عن صنعتها»(3).)وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إيجاد الموجود محال»(4).)***##### الأصل الخامس: حدوث الزمان والمكان حقيقةروي أن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ سُئل: «أين كان ربنا قبل أن يخلق سماء وأرضاً؟)


1) نهج البلاغة 2: 122، الخطبة: 186.

2) علل الشرايع: 607.

3) التوحيد: 290.

4) روضة الواعظين: 31.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ: «أين سوال عن مكان، وكان اللّه ولا مكان» (1).)وروي أن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ سئل : أكان اللّه ولا شيء؟ قال: نعم، كان ولا شيء. قلت: فأين كان يكون؟ قال: وكان متكئاً فاستوى جالساً، وقال: أحلت يا زرارة وسألت عن المكان إذ لا مكان» (2).)***##### الأصل السادس: افتقار الحادث إلى الخالققال تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء (3).)وروي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «ولا بدّ للمخلوق من الخالق (4).)وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «كيف يخلق لا شيء شيئاً» ؟! (5).)وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إنك تعلم أن المعدوم لا يحدث شيئاً» (6).)


1) بحار الأنوار 3: 326.

2) أصول الكافي 1: 90.

3) سورة الطور : 35.

4) بحار الأنوار 4 : 54.

5) المصدر السابق 3: 158.

6) التوحيد : 290.

##### الأصل السابع: امتناع صدور المثيل من الممكنقال تعالى: (أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ (1).)وروي عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «كيف ينشي الأشياء من لا يمتنع من الإنشاء» (2).)وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «... لعجز كلّ مبتدأ عن ابتداء غيره» (3).)وروي عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «كل معط منتقص سواه» (4).)وروي عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «إن كلّ صانع شيء فمن شيء صنع، واللّه الخالق اللطيف الجليل خلق وصنع لا من شيء» (5).)وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «كلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه... كيف يجري عليه ما هو أجراه ويعود فيه ما هو ابتدأه» (6).)***


1) سورة الطور : 35.

2) التوحيد: 38.

3) المصدر السابق : 34.

4) المصدر السابق : 48.

5) أصول الكافي 1: 120.

6) التوحيد: 40.

##### الأصل الثامن: إحاطة الزمان بالحوادثروي عن الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «وجعلت لكلّ شيء أمداً، وقدرت كلّ شيء تقديراً» (1).)***##### الأصل التاسع: تقابل وجود الخلق والخالقروي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنّه قال: «التوحيد أن لا تجوز على ربّك ما جاز عليك» (2).)وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «كل ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه.. كيف يجري عليه ما هو أجراه ويعود فيه ما هو ابتداه (3).)وروي عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال في تأويل الصمد: «لا إسم، ولا جسم، ولا شبه، ولا صورة، ولا تمثال، ولا حد، ولا حدود، ولا موضع، ولا مكان، ولا كيف، ولا أين، ولا هنا، ولا ثمة، ولا خلأ، ولا ملأ، ولا قيام، ولا قعود، ولا سكون، ولا حركة، ولا ظلماني، ولا نوراني ولا روحاني، ولا نفساني، ولا يخلو منه موضع، ولا يسعه موضع، ولا على لون، ولا خطر على قلب، ولا على شم رائحة، منفي عنه هذه الأشياء» (4).)


1) الصحيفة السجاديه: 247.

2) بحار الأنوار 4 : 264.

3) التوحيد: 40.

4) بحار الأنوار 3 : 230.

وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج» (1).)***##### الأصل العاشر: وجوب الإقرار بوجود الخالق المباين للخلقروي عن الإمام محمّد بن علي الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «إن ما سوى الواحد متجزي واللّه واحد لا متجزي ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجزي أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له» (2).)وروي عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «ليس بذي كبر، امتدت به النهايات فكبرته تجسيماً، ولا بذي عظم، تناهت به الغايات فعظمته تجسيداً، بل كبر شأناً وعظم سلطاناً» (3).)وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «هو الذي لم يتفاوت في ذاته، ولم يتبعض بتجزئة العدد في کماله» (4).)وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «إنّه عزّ وجلّ أحدي المعنى... لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربنا» (5).)وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ومن جزأه فقد وصفه، ومن وصفه فقد الحدّ فيه»(6).)


1) نهج البلاغة 2: 122، الخطبة: 186.

2) التوحيد: 193.

3) نهج البلاغة الخطبة 2: 115، الخطبة: 185.

4) أصول الكافي8: 18.

5) التوحيد: 83.

6) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) 1 : 124.

وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «و من جزأه فقد جهله» (1).)وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ : «تعالى الملك الجبار أن يوصف بمقدار» (2).)وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ما تصوّر فهو بخلافه» (3).)وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ : «..، الذي لما شبهه العادلون بالخلق المبعض المحدود في صفاته، ذي الأقطار والنواحي المختلفة في طبقاته - وكان عزّ وجلّ الموجود بنفسه لا بأداته - انتفى أن يكون قدروه حق قدره»(4).)وروي عن الإمام محمّد بن علي الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «جل وعز عن أداة خلقه وسمات بريته وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً» (5).)وروي عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «... ولا تناله التجزئة والتبعيض» (6).)وروي عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «كل ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكلّ ما يمكن فيه يمتنع في صانعه..، إذاً لتفاوتت ذاته ولتجزأ كنهه..» (7).)


1) نهج البلاغة الخطبة 1: 15،، الخطبة: 1.

2) أمالي الطوسي 1: 220.

3) الاحتجاج 1: 201.

4) التوحيد: 55.

5) أصول الكافي 1: 117.

6) نهج البلاغة الخطبة 1: 163، الخطبة: 85.

7) التوحيد: 40.

وروي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «إن اللّه تبارك وتعالى خلو من خلقه وخلقه خلو منه، وكلّ ما وقع عليه اسم شيء ما خلا اللّه عزّ وجلّ فهو مخلوق، واللّه خالق كلّ شيء، تبارك الذي ليس كمثله شيء (1).)وروي عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «مبائن لجميع ما أحدث في الصفات» (2).)وروي عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «هو القديم وما سواه محدث، تعالى عن صفات المخلوقين علوّاً كبيراً» (3).)وروي عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ أنه قال: «هو اللطيف الخبير السميع البصير الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، منشي الأشياء ومجسّم الأجسام ومصوّر الصور، لو كان كما يقولون لم يعرف الخالق من المخلوق، ولا المنشي من المنشأ، لكنه المنشي، فرق بين من جسمه وصوره وأنشأه إذ كان لا يشبهه شيء ولا يشبه هو شيئا (4).)وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ: «ما سوى اللّه فعل اللّه..، وهي كلّها محدثة مربوبة، أحدثها)


1) أصول الكافي 1: 83.

2) التوحيد: 69.

3) المصدر السابق : 76.

4) المصدر السابق : 185.

من ليس كمثله شيء هدى لقوم يعقلون، فمن زعم أنهن لم يزلن معه فقد أظهر أن اللّه ليس بأوّل قديم ولا واحد..، قالت النصارى في المسيح: إن روحه جزء منه ويرجع فيه، وكذلك قالت المجوس في النار والشمس: إنهما جزء منه وترجع فيه.. تعالى ربنا أن يكون متجزّياً أو مختلفاً، وإنما يختلف ويأتلف المتجزّي؛ لأنّ كلّ متجزّي متوهّم، والكثرة والقلة مخلوقة دال على خالق خلقها..، قد كان ولا خلق وهو كما كان إذ لا خلق.. لم ينتقل مع المنتقلين... إن الأشياء كلّها باب واحد هي فعله..، ويحك، كيف تجتري أن تصف ربك بالتغير من حال إلى حال وأنه يجري عليه ما يجري على المخلوقين ؟! سبحانه لم يزل مع الزائلين ولم يتغيّر مع المتغيرين» (1.)


1) الاحتجاج 1: 405.

## الفصل الثالث مواقف ابن تيميّة من الرسول الأكرم وأهل بيته الأطهار (عَلَيهِم السَّلَامُ)### إشارة:موقف ابن تيميّة من زيارة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)موقف ابن تيميّة من التوسّل برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)ابن تيميّة والحط من مقام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وإنكار خصائصه)ابن تيميّة وإنكاره فضائل الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)موقف ابن تيميّة من الصديقة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)رأي ابن تيميّة في أحداث واقعة الطف

### موقف ابن تيميّة من زيارة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)قال ابن تيميّة في (مجموعة الرسائل الكبرى: «كل حديث يروى في زيارة قبر النبيّ [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ] فإنه ضعيف، بل موضوع، ولم يرو أهل الصحاح والسنن والمسانيد كمسند أحمد وغيره من ذلك شيئاً» (1).)وسئل عمّا يُروى عن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «من زار قبري وجبت له شفاعتي»، و«من زار البيت ولم يزرني فقد جفاني»، وهل زيارة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) على وجه الاستحباب أو لا؟)فأجاب: أما قوله: «من زار قبري وجبت له شفاعتي»، فهذا الحديث رواه الدارقطني - فيما قيل - بإسناد ضعيف، ولهذا ذكره غير واحد في الموضوعات، ولم يروه أحد من أهل الكتب المعتمد عليها من كتب الصحاح والسنن والمسانيد.. وأما الحديث الآخر قوله: «من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني»، فهذا لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث، بل هو موضوع على رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم. ومعناه مخالف للإجماع، فإن جفاء الرسول (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) من الكبائر...)


1) مجموعة الرسائل الكبرى 2: 65.

وأما زيارته فليست واجبة باتفاق المسلمين، بل ليس فيها أمر في الكتاب ولا في السنّة، وإنّما الأمر الموجود في الكتاب والسنّة بالصلاة عليه والتسليم، وأكثر ما اعتمده العلماء في الزيارة قوله في الحديث الذي رواه أبو داود: «ما من مسلم يسلّم عليّ؛ إلا رد اللّه عليّ روحي حتّى أرد عليه السلام» (1.)ثم قسم ابن تيميّة الزيارة إلى الشرعيّة والبدعيّة؛ فقال: «الأولى مثل الصلاة على الجنازة والمقصود بها الدعاء للميت، كما يقصد بذلك الصلاة على جنازته، كما كان النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم يزور أهل البقيع ويزور شهداء أحد..، وأما الثانية وهي الزيارة البدعية - وهي زيارة أهل الشرك، من جنس زيارة النصارى الذين يقصدون دعاء الميت والاستعانة به وطلب الحوائج عنده، فيصلّون عند قبره ويدعون به - فهذا ونحوه لم يفعله أحدٌ من الصحابة، ولا أمر به رسول اللّه ولا استحبّه أحد من سلف الأمة وأئمتها» (2).)وأجاب عن سؤال حول الزيارة، فقال: «أمّا الاختلاف إلى القبر بعد الدفن، فليس بمستحب، وإنّما المستحب عند الدفن أن يقام على قبره ويدعى له بالتثبيت.. كما روى أبو داود في سننه عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: أنه كان إذا دفن الرجل من أصحابه يقوم على قبره، ويقول: سلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل..)


1) مجموع الفتاوی: 27: 19.

2) المصدر السابق 24: 183.

وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِه (1). فإنّه لما نهى نبيه (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم) عن الصلاة على المنافقين وعن القيام على قبورهم كان دليل الخطاب أن المؤمن يُصلّى عليه قبل الدفن، ويقام على قبره بعد الدفن فزيارة الميت المقرونة بالدعاء والاستغفار هي من هذا القيام المشروع»(2).)وحاصل كلامه أن الزيارة الشرعيّة منحصرة بالتسليم على الميّت والدعاء له على أن يغفر اللّه له، فهذا المقدار من الزيارة مشروع، وأما الزيارة البدعيّة فهي عبارة عن التسليم على الميّت والصلاة عنده والدعاء عنده، وطلب الحوائج من الرزق والنصر عنده وبه، فهذا ليس مشروعاً باتفاق أئمة المسلمين؛ إذ هذا لم يفعله رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ ولا أمر به ولا رغب فيه، ولا فعله أحدٌ من الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين.)وقال في (الجواب الباهر في زوّار المقابر: «من قصد السفر لمجرد زيارة القبر ولم يقصد الصلاة في مسجده وسافر إلى مدينته فلم يُصل في مسجده (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) ولا سلّم عليه في الصلاة بل أتى القبر ثم رجع فهذا مبتدع ضال مخالف لسنة رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) ولإجماع أصحابه ولعلماء أمته...)وأما هو (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم فيشرع السفر إلى مسجده وينهى)


1) سورة التوبة : 84.

2) جامع المسائل: 162.

عما يوهمه أنه سفر إلى غير المساجد الثلاثة..، وأمّا إذا قُدِّرَ من أتى المسجد فلم يصل فيه ولكن أتى القبر ثم رجع فهذا هو الذي أنكره الأئمّة ك : مالك وغيره، وليس هذا مستحبّاً عند أحد من العلماء وهو محل النزاع هل هو حرام أم مباح؟وما علمنا أحداً من علماء المسلمين استحب مثل هذا بل أنكروا إذا كان مقصوده بالسفر مجرد القبر من غير أن يقصد الصلاة في المسجد، وجعلوا هذا من السفر المنهي، ولا كان أحد من السلف يفعل هذا» (1.)السؤال :* هل يتناسب ما يدعيه أتباع الحرّاني من جواز زيارة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ عند ابن تيميّة، وأنه لم يحرّم الا السفر لأجل الزيارة، مع نفي السبكي لذلك؛ إذ قال: «قد يتوهم أن نزاع ابن تيميّة قاصر على السفر للزيارة دون أصل الزيارة، وليس كذلك، بل نزاعه في الزيارة أيضاً...» (2)؟)


1) الجواب الباهر في زوار المقابر: 13.

2) شفاء السقام: 107.

### مناقشة رأي ابن تيميّة في زيارة النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)#### الإشكال الأول: صحّة اتصاف فعل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بالبدعي عند ابن تيميّة)روى مسلم عن بريدة؛ قال: «كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم إذا خرج إلى المقابر يعلّمهم أن يقولوا: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون، أنتم لنا فَرَط ونحن لكم تبع، نسأل اللّه لنا ولكم العافية» (1).)وفي حديث عائشة الذي رواه مسلم: «السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم اللّه المستقدمين والمستأخرين» (2.)الأسئلة :* كيف يصف ابن تيميّة ما فعله رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بدعياً؛ إذ دعا لنفسه عند قبور البقيع؟)* أوليس قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «نسأل اللّه لنا ولكم العافية»، دعاء للنفس عند قبور المؤمنين؟)


1) صحيح مسلم 2: 671، مسند أحمد بن حنبل 5: 353.

2) صحیح مسلم 2: 370 مسند أحمد بن حنبل 6: 221.

* لماذا لم يكتف رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بذلك الدعاء حتّى علّم عائشة أن تزور قبور البقيع بنفس الكيفية ؟)* كيف يكون الأمر بالدعاء في الكتاب والسنّة شاملاً لكل الأمكنة، ولكنّه يُصبح عند قبر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ شركاً، حسب رأي ابن تيميّة؟)***#### الإشكال الثاني: عدم تطابق رأي ابن تيميّة مع الكتاب العزيزقال تعالى: ﴿وَلو أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّه وَاسْتَغْفَرَهم الرَّسُولُ لو جَدُوا اللّه تَوَّاباً رَّحِيماً (1).)إن الآية في بدء النظر وإن كانت منصرفة إلى حياة النبيّ الدنيوية، لكنه انصراف أوّليّ؛ لأن الدليل قام على حياة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بعد رحيله من الدنيا، وأنه يسمع كلامنا وسلامنا ويرد جواب سلامنا..)وعليه فالآية غير محدودة بحياة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ الدنيوية، ويشهد على ذلك فهم سلف أهل السنّة للآية..)فقد أخرج الحاكم عن عبد اللّه بن مسعود ؛ قال: «إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها - وقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها -، [وهى]: (إنّ اللّه لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعفها


1) سورة النساء : 64.

وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظيماً، و(إن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدخلاً كَريماً)، و(إنّ اللّه لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لَنْ يَشاءُ)، و(وَلو أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّه وَاسْتَغْفَرَ هُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّه تَوّاباً رَحِيماً)، و﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أو يَظْلِمُ نَفْسَهُ ثم يَسْتَغْفِرِ اللّه يَجِدِ اللّه غَفُوراً رَحِيماً) (1)، قال عبد اللّه : ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها» (2).)ووجه الدلالة هو أنه لو كانت هذه الآية محدّدة بحياة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ فقط، لما صح لابن مسعود أن يقول: «ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها»؛ لأن فيه إشارة إلى استمرارها بعد حياة النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ؛ ولأنه قال ذلك بعد رحلته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).)قال الشوكاني: «احتج القائلون بأنها مندوبة بقوله تعالى: ﴿وَلو أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّه وَاسْتَغْفَرَ هُمُ الرَّسُولُ، ووجه الاستدلال بها أنه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) حي في قبره بعد موته، كما في حديث: «الأنبياء أحياء في قبورهم»، وقد صححه البيهقي وألف في ذلك جزءاً...)قال الأستاذ أبو منصور البغدادي: قال المتكلمون المحققون من أصحابنا إنّ نبينا (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم حي بعد وفاته، ويؤيد ذلك ما ثبت أن الشهداء أحياء يرزقون في قبورهم، والنبي (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) منهم، وإذا ثبت)


1) سورة النساء 40، 31، 116، 64، 110.

2) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 7: 11، المستدرك على الصحيحين 2: 334، المعجم الكبير للطبراني 9: 220، الدر المنثور في التفسير بالمأثور 3: 498.

أنه حي في قبره كان المجيء إليه بعد الموت كالمجيء إليه قبله (1.)وذكر ابن عساكر في تأريخه، وابن الجوزي وغيرهما بأسانيدهم إلى محمّد بن حرب الهلالي؛ قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره، ثمّ قال: يا خير الرسل، إن اللّه أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: ﴿وَلو أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّه وَاسْتَغْفَرَ هُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّه تَوَّاباً رَحِيماً)، واني جئتك مستغفراً ربّك من ذنوبي مستشفعاً فيها بك، ثم بكى وأنشأ يقول:)يا خير من دفنت بالقاع أعظمه*** وطاب من طيبهن القاع والأكمنفسي الفداء لقبر أنت ساكنه*** فيه العفاف وفيه الجود والكرمثم استغفر وانصرف» (2.)قال العلامة الأميني (رَحمهُ اللّه: هذه الحكاية حكاها محمّد بن حرب الهلالي، عن أعرابي أتى قبر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وزاره، ثم قال ما يقرب ممّا ذكر.. رواها ابن النجار وابن عساكر وابن الجوزي، والقسطلاني في المواهب، والسبكي في شفاء السقام والخالدي في صلح الإخوان، وقال: تلقى هذه الحكاية العلماء بالقبول، وذكرها أئمة المذاهب الأربعة في المناسك مستحسنين لها (3).)


1) نيل الأوطاره: 94.

2) وفاء الوفا4: 1361 الدرر السنية : 75 مختصر تأريخ دمشق 2: 408.

3) موسوعة الغدير 5: 209.

السؤال :* ما هو رأي أتباع ابن تيميّة بتفسيره البدوي للآيات التي استدل بها لفيف من محققي أهل السنّة على جواز الزيارة؟***#### الإشكال الثالث: عدم تطابق رأي ابن تيميّة مع السنّةأخرج السبكي (751هـ في (شفاء السقام) خمس عشرة رواية عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ودرس أسانيدها على نحو لا يبقى لمريب ريب ولا لمشكك شك في جواز الزيارة، وقد تابعه العلامة الأميني (رَحمهُ اللّه) فأخرج صوراً أخرى حتّى تجاوزت العشرين.)الحديث الأول : «من زار قبري وجبت له شفاعتي».أخرجه عدّة من الحفاظ وأئمة الحديث يزيد عددهم على أربعين محدثاً وحافظاً، وها نحن نذكر بعض من رواه من قدماء المحدثين:1- ابن أبي الدنيا، أبو بكر عبد اللّه بن محمّد القرشي(281هـ.)2- محمّد بن إسحاق، أبو بكر النيسابوري (311هـ الشهير بابن خزيمة (أخرجه في صحيحه).)3 - الحافظ أبو الحسن عليّ بن عمر الدارقطني (385هـ.)4- الحافظ أبو بكر البيهقى (458هـ.)5 - القاضي عياض المالكي (544هـ.)

6- الحافظ أبو القاسم عليّ بن عساكر (571هـ.)7 - الحافظ ابن الجوزي(597هـ.)إلى غيرهم من العلماء والمصنّفين الذين ذكر أسماءهم وأسماء كتبهم العلامة الأميني (رَحمهُ اللّه (1).)ولا يخفى أن مؤلّفي (الفقه على المذاهب الأربعة - وهم سبعة مؤلّفين - رووا هذا الحديث في موسوعتهم (2).)السؤال :* هل يمكن رمي هؤلاء الحفاظ - وفيهم: ابن أبي الدنيا، والبيهقي، والدارقطني، وابن خزيمة - بأنّهم اعتمدوا على حديث موضوع؟وأمّا سند الحديث فقد تكلّم بشأنه تقي الدين السبكي؛ فقال: «إن الأحاديث التي جمعناها في الزيارة بضعة عشر حديثاً ممّا فيه لفظ الزيارة غير ما يستدل به لها من أحاديث أخر، وتضافر الأحاديث يزيدها قوة، حتّى أن الحسن قد يرتقي بذلك إلى درجة الصحيح..، وبهذا بل بأقل منه يتبين افتراء من ادعى أن جميع الأحاديث الواردة في الزيارة موضوعة..فسبحان اللّه أما استحى من اللّه ومن رسوله في هذه المقالة التي لم يسبقه إليها عالم ولا جاهل؟


1) المصدر السابق 5: 143.

2) الفقه على المذاهب الأربعة 1: 711.

لا من أهل الحديث، ولا من غيرهم؟ولا ذكر أحد موسى بن هلال ولا غيره من رواة حديثه هذا بالوضع، ولا اتهمه به فيما علمنا، فكيف يستجيز مسلم أن يطلق على كلّ الأحاديث؛ التي هو واحد منها: «أنها موضوعة»، ولم يُنقل ذلك عن عالم قبله، ولا ظهر على هذا الحديث شيء من الأسباب المقتضية للمحدثين للحكم بالوضع، ولا حكم متنه ممّا يخالف الشريعة.. فمن أي وجه يحكم بالوضع عليه لو كان ضعيفاً؟ فكيف وهو حسن أو صحيح؟ (1.)


1) شفاء السقام 79.)اقول: رجال السند - كما أخرجه الدارقطني - كلّهم ثقات لا كلام فيهم إلا في رجلين؛ هما: عبيد اللّه بن محمّد الوراق، وموسى بن هلال العبدي.أمّا عبيد اللّه بن محمّد الوراق فهو بصورة المصغر «عُبيد» ثقة بلا كلام، وثقه الخطيب (في تأريخ بغداد 11: 97، برقم 5789، وقد أقام السبكي شواهد كثيرة على أن النسخة المصححة هو «عُبيد»، وأمّا لوكان بصورة المكبّر فقد ورد فيه التعديل والجرح، لا باتهامه بالوضع والدس والحيل ونظائره، بل بسوء الضبط.)قال أبوحاتم الرازي: رأيت أحمد بن حنبل يحسن الثناء عليه.وقال يحيى بن معين: ليس به بأس يكتب حديثه، وقال: إنه في نافع: صالح.وقال ابن عدي: لا بأس به صدوق.وقال ابن حبّان: كان ممن غلب عليه الصلاح حتّى غُلب عن ضبط الأخبار، وجودة الحفظ للآثار، تقع المناكير في روايته، فلما فحش خطوه استحق الترك (شفاء السقام:74.)فلوكان فيه كلام فإنّما هو في حفظه، وبما أن الحديث في غاية الاختصار، فاحتمال خطئه فيه بعيد.أما في موسى بن هلال، فقد قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به (الكامل في التأريخ 6: 351، برقم 1834، وهو من مشايخ أحمد بن حنبل، والمشهور أن 6: أحمد، ومالك، وشعبة، ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، والبخاري ومسلم، لا يروون إلا عن ثقة.. وبذلك ظهر أن وصف الحديث بكونه موضوعاً في غاية الخروج عن قواعد الحديث.

ثم نؤكد - كما قلنا سابقاً - بأن لهذا الحديث صوراً أخرى، جمعها السبكي فبلغت إلى خمسة عشر حديثاً، وتابعه العلامة الأميني (رَحمهُ اللّه في (موسوعة الغدير) فبلغ عدد الأحاديث المعتبرة سنداً ومتنا إلى اثنين وعشرين حديثاً؛ منها:)الحديث الثاني: «من زار قبري حلّت له شفاعتي» (1.)الحديث الثالث: «مَن جاءني زائراً لا تحمله حاجة إلا زيارتي كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة» (2.)الحديث الرابع: «مَن حج فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي» (3.)


1) الظاهر أن هذا الحديث، هو نفس الحديث الأول، وفي الثاني: «حلّت»، وفي الأوّل: «وجبت»، وينتهي السند في كليهما إلى ابن عمر.)ورواه باللفظ الثاني: الدار قطني في سننه 2: 278، السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور 1: 237.تنبيه: لاباس بمراجعة كتاب: (رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسّل والزيارة؛ للأستاذ محمود سعيد ممدوح، في مجال التعرف على أسانيد أحاديث الزيارة.

2) المعجم الكبير للطبراني 12: 291.

3) سنن الدارقطني 3: 378.

الحديث الخامس: «مَن حج البيت فلم يزرني فقد جفاني» (1.)الحديث السادس: «مَن زار قبري» أو «مَن زارني» كنت شفيعاً له أو شهيداً (2.)الحديث السابع: «مَن زارني متعمداً كان في جواري يوم القيامة» (3.)الحديث الثامن: «مَن زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي» (4.)الحديث التاسع: «مَن حجّ حَجّة الإسلام وزار قبري وغزا غزوة وصلى علي في بيت المقدس، لم يسأله اللّه عزّ وجلّ فيما افترض عليه» (5.)الحديث العاشر: «من زارني بعد موتي فكأنما زارني وأنا حي» (6.)الحديث الحادي عشر: «مَن زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً و شهيداً» (7.)الحديث الثاني عشر : «ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر» (8.)


1) الكامل في التأريخ 7: 214.

2) مسند أبي داود 1: 12.

3) سنن الدارقطني 4: 361.

4) المصدر السابق 2: 193.

5) نقله السبكي عن أبي الفتح الأزدي كما في: لسان الميزان 2: 4.

6) نقله السبكي عن أبي الفتوح سعد بن محمّد بن إسماعيل اليعقوبي. كما في شفاء السقام: 109.

7) شعب الإيمان 3: 488.

8) رواه أبو عبد اللّه محمّد بن محمود ابن النجار. كما في: شفاء السقام: 112.

الحديث الثالث عشر: «مَن زارني حتّى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً»، أو قال: «شفيعاً» (1.)الحديث الرابع عشر: «من لم يزر قبري فقد جفاني» (2.)الحديث الخامس عشر: «من أتى المدينة زائراً لي وجبت له شفاعتي يوم القيامة»(3.)الحديث السادس عشر: «مَن حجّ إلى مكة ثمّ قصدني في مسجدي كتبت له حجّتان مبرورتان» (4.)الحديث السابع عشر: «مَن زارني متعمداً كان في جواري يوم القيامة» (5.)الحديث الثامن عشر: «مَن زارني بعد وفاتي وسلّم علي رددت (عليه السلام» (6).)السؤال :* كيف يحكم ابن تيميّة بعدم اعتبار جميع ما ورد في زيارة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وقد ثبت وصح فيها أحاديث كثيرة؟)


1) سنن الدارقطني 3: 457.

2) الدرة الثمينة: 397.

3) وفاء الوفا 4: 1348.

4) المصدر السابق 4: 1347.

5) سنن الدارقطني 2: 278.

6) الفائق في غريب الحديث: 380.

#### الإشكال الرابع: عدم تطابق رأي ابن تيميّة مع كلمات علماء أهل السنةذكر السبكي نصوص العلماء وإجماعهم على صحّة الزيارة واستحبابها (1، ونقل ذلك أيضاً الدكتور محمّد السيّد صبيح في كتابه (أخطاء ابن تيميّة) (2)، كما أن العلامة الأميني (رَحمهُ اللّه) استقصى كلمات الأعلام في المذاهب الأربعة، فذكر اثنين وأربعين نصاً من أقوال فقهاء المذاهب الأربعة في استحباب الزيارة(3)نذكر بعضها:)(1 قال أبو الحسن الماوردي (450 هـ): «فإذا عاد ولي الحاج سار بهم على طريق المدينة لزيارة قبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) ليجمع لهم بين حج بيت اللّه وزيارة قبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، رعاية لحرمته وقياماً بحقوق طاعته، وذلك وإن لم يكن من فروض الحج، فهو من مندوبات الشرع المستحبّة، وعبادات الحجيج المستحسنة»(4).)(2 قال القاضي عياض المالكي (544هـ): «وزيارة قبره (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) سنة مجمع عليها، وفضيلة مرغب فيها.. قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه ومما لم يزل من شأن من حجّ المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، والتبرك برؤية)


1) شفاء السقام: 155.

2) أخطاء ابن تيميّة في حق رسول اللّه وأهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ): 199.

3) موسوعة الغدير 1: 165.

4) الأحكام السلطانية 2: 105.

روضته ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ومواطن قدميه والعمود الذي استند إليه ومنزل جبريل بالوحي فيه عليه، ومن عمره وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين، والاعتبار بذلك كلّه» (1.)(3 عقد ابن الجوزي الحنبلي(597هـ) في كتابه (مثير الغرام) بابا في زيارة قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وذكر حديثي ابن عمر وأنس.)(4 قال ابن قدامة المقدسي الحنبلي (620هـ) : «يستحب زيارة قبر النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، ثمّ ذكر حديثي ابن عمر وأبي هريرة من طريق الدارقطني وأحمد» (2).)(5 قال محيي الدين النووي الشافعي (676هـ) : «يستن شرب ماء زمزم وزيارة قبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) بعد فراغ الحج»(3).)(6 قال محمّد بن علي الشوكاني اليمني (1250هـ) بشأن زيارة الرسول الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «ذهب الجمهور إلى أنها مندوبة، وذهب بعض المالكية وبعض الظاهرية إلى أنّها واجبة وقالت الحنفيّة إنّها قريبة من الواجبات.. وذهب ابن تيميّة الحنبلي إلى أنها غير مشروعة، وتبعه على ذلك بعض الحنابلة» (4).)


1) الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2: 194.

2) شرح مختصر الخرقي في فروع الحنابلة 6: 588.

3) المنهاج في شرح مسلم: 1: 511.

4) نيل الأوطار 5: 94.

(7 روى القاضي عياض بن موسى المالكي (455هـ) المناظرة التي جرت بين أبي جعفر المنصور ومالك بن أنس بإسناده إلى ابن حميد؛ إذ قال: «ناظر أبو جعفر مالكاً في مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، فقال له مالك يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإنّ اللّه تعالى أدّب قوماً فقال : (لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي...) الآية، ومدح قوماً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّه...) الآية، وذمّ قوماً، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ...) (1)الآية، وإن حرمته ميتاً كحرمته حيّاً...)فاستكان لها أبو جعفر، وقال: يا أبا عبد اللّه، أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم؟)فقال: ولم تصرف وجهك عنه ؟ وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم (عليه السلام إلى اللّه تعالى يوم القيامة؟)بل استقبله واستشفع به، فيشفعه اللّه تعالى، قال اللّه تعالى: ﴿وَلو أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّه... (2)» (3).)(8 قال تقي الدين الحصني (829هـ): «ومن الأمور المنتقدة عليه - أي: ابن تيميّة - قوله: زيارة قبر النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) وقبور الأنبياء)


1) سورة الحجرات: 2 و 3 و 4.

2) سورة النساء: 64.

3) الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2: 201.

معصية بالإجماع مقطوع بها، وهذا ثابت عنه أنه قاله، وثبت ذلك على يد القاضي جلال الدين القزويني، فانظر هذه العبارة ما أعظم الفجور فيها من كون ذلك معصية، ومن ادعى الإجماع وأن ذلك مقطوع به؟!..فهذا الزائغ يُطالب بما ادعاه من إجماع الصحابة وكذا التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين إلى حين ادعائه ذلك..وما أعتقد أن أحداً يتجاسر على مثل ذلك مع أن الكتب المشهورة بل والمهجورة وعمل الناس في سائر الأعصار على الحث على زيارته (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم من جميع الأقطار، فزيارته (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) من أفضل المساعي وأنجح القُرب إلى رب العالمين..)وهي سُنّة من سنن المرسلين، ومجمع عليها عند الموحدين، ولا يطعن فيها إلا من في قلبه مرض المنافقين، ومن هو من أفراخ اليهود وأعداء الدين؛ من المشركين الذين أسرفوا في ذم سيد الأولين والآخرين، ولم تزل هذه الأمة المحمّديّة على شد الرحال إليه على ممر الأزمان من جميع الأقطار والبلدان، سار في ذلك الزرافات والوحدان والعلماء والمشايخ والكهول والشبان؛ حتّى ظهر في آخر الزمان مبتدع من زنادقة حران لَبَّسَ على أشباه الرجال» (1.)(9 قال ابن حجر الهيتمي المكي (974هـ): «فإن قلت: كيف تحكي الإجماع السابق على مشروعيّة الزيارة والسفر إليها وطلبها، وابن تيميّة من)


1) دفع شبه مَن شَبَّه و تمرد: 78.

متأخري الحنابلة مُنكر لمشروعيّة ذلك كله كما رءاه السبكي في خطه، وأطال – أعني ابن تيميّة – في الاستدلال لذلك بما تمجه الأسماع وتنفر عنه الطباع، بل زعم حرمة السفر لها إجماعاً، وأنه لا تقصر فيه الصلاة، وأن جميع الأحاديث الواردة فيها موضوعة، وتبعه بعض من تأخر عنه من أهل مذهبه ؟قلت: من هو ابن تيميّة حتّى يُنظر إليه ويُعوّل في شيء من أمور الدين عليه..؟وهل هو إلا (كما قال [ابن] جماعة [(733هـ ]: - من الأئمّة الذين تعقبوا كلماته الفاسدة، وحججه الكاسدة، حتّى أظهروا عوار سقطاته، وقبائح أوهامه وغلطاته -) عبد أضله اللّه وأغواه، وألبسه رداء الخزي وأرداه، وبوأه من قوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان وأوجب له الحرمان»(1).)(10 قال ابن الحاج المالكي (737هـ): «وقال ابن هبيرة [(560هـ)] في كتاب (اتفاق الأئمّة): (اتفق مالك والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل على أن زيارة النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) مستحبّة)..)ونقل عبد الحق [(466هـ] في (تهذيب الطالب) عن أبي عمران الفاسي أن زيارة النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) واجبة؛ قال عبد الحق: (يُريد وجوب السنن المؤكدة).. والحاصل من أقوالهم أنها قربة مطلوبة لنفسها لا تعلّق لها بغيرها، فتنفرد بالقصد وشد الرحال إليها، ومن خرج قاصداً إليها دون غيرها)


1) الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم: 68.

فهو من أجل الطاعات وأعلاها فهنيئاً له ثم هنيئا له» (1.)السؤال :* كيف يُشكل ابن تيميّة على من يرى استحباب زيارة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وقد أجمع كبار علماء الإسلام بأنّها سنّة عريقة بين المسلمين؟)### موقف ابن تيميّة من شد الرحال إلى مرقد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)قال ابن تيميّة: «بل نفس السفر لزيارة قبر من القبور - قبر نبي أو غيره - منهي عنه عند جمهور العلماء، حتّى أنهم لا يجوزون قصر الصلاة فيه بناءً على أنه سفر معصية؛ لقوله الثابت في الصحيحين: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا»، وهو أعلم الناس بمثل هذه المسألة» (2.)وقال: «إنّ السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أمر بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة)


1) المدخل 1: 57.

2) مجموع الفتاوى 4: 520.

وفعله فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمّة» (1.)الأسئلة :* هل يصحّ أن يوصف الأمر القربي بالحرمة؟إذا دلت الروايات على استحباب زيارة النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ تكون زيارته أمراً قربيّاً يثاب الإنسان عليه إذا فعله، ويكون السفر إلى الأمر القربي إما مستحبّاً – إذا قلنا بوحدة حكم المقدمة وذيها -، أو يكون أمراً مباحاً، ولا يكون حراماً؛ لأنه يلزم منه التكليف بالمحال، إذ من جانب يأمر بالزيارة ولو استحباباً - ومن جانب يحرم مقدّمته.)ومنه يظهر حكم زيارة سائر المقابر وإن لم يكن فيها قبر نبي، بل يكفي وجود الصالحين من المؤمنين؛ إذ أمر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بزيارة القبور، وقال: «قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أذن لمحمّد بزيارة قبر أمه، فزوروها، فإنّها تذكركم الآخرة» (2).)فإذا كانت زيارة القبور لأجل التذكر والاعتبار أمراً مرغوباً قربيّاً، فيكون السفر إليها إما مستحبّاً مثلها - بناء على استحباب مقدمة الأمر الذي ثبت استحبابه - أو يكون مباحاً على أي تقدير.


1) الفتاوى الكبرى 1: 142.

2) صحیح مسلم: 977، سنن الترمذي: 1054، سنن النسائي : 2034، سنن ابن ماجة: 1572، صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان 3169، المستدرك على الصحيحين 1: 376، مسند أحمد بن حنبل 5: 355.

* ما هو المستثنى منه المحذوف في حديث: «لا تشد الرحال»، الذي استشهد به ابن تيميّة على رأيه ؟استدل ابن تيميّة على حرمة السفر للزيارة بحديث: «لا تشدّ الرحال..» (1، الذي رُوي بألفاظ مختلفة؛ أشهرها:)الأوّل: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى»(2.)وهذه رواية سفيان بن عيينة عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة.والثاني: «تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد» (3من غير حصر.)وهذه رواية معمر عن الزهري بالسند المذكور.والثالث: «إنّما يسافر إلى ثلاثة مساجد مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء» (4.)وهذه رواية سلمان الأغر، عن أبي هريرة.يرد عليه :المستثنى منه المحذوف في الحديث هو أحد الأمرين:


1) مجموع الفتاوی 27: 199.

2) صحیح مسلم: 3274، صحيح البخاري: 1189.

3) صحیح مسلم: 3275.

4) المصدر السابق : 3276.

الأوّل: لا تُشدّ الرحال إلى مسجد من المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد...الثاني: لا تُشدّ الرحال إلى مكان من الأمكنة إلا إلى ثلاثة مساجد...فلو كان المراد الصورة الأولى - كما هو الظاهر -، كان معنى الحديث النهي عن شد الرحال إلى أيّ مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة، ولا يعني عدم جواز شد الرحال إلى أي مكان من الأمكنة إذا لم يكن المقصود مسجداً، فالحديث يكون غير متعرض لشد الرحال لزيارة الأنبياء والأئمّة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ والصالحين؛ لأن موضوع الحديث إثباتاً ونفيا هو: المساجد، وأما غير ذلك فليس داخلاً فيه، فالاستدلال به على تحريم شد الرحال إلى غير المساجد باطل.)وأما الصورة الثانية، فلا يمكن الأخذ بها؛ إذ يلزم منها كون جميع الأسفار محرّمة، سواء كان السفر لأجل زيارة المسجد أو غيره من الأمكنة، وهذا ممّا لا يلتزم به أحد..ثمّ إنّ النهي عن شد الرحال إلى أيّ مسجد غير المساجد الثلاثة ليس نهياً تحريمياً، وإنما هو إرشاد إلى عدم الجدوى في سفر كهذا؛ وذلك لأن المساجد الأخرى لا تختلف من حيث الفضيلة، فالمساجد الجامعة كلها متساوية في الفضيلة، فمن العبث ترك الصلاة في جامع هذا البلد والسفر إلى جامع بلد آخر مع أنهما متماثلان.وفي هذا الصدد يقول الغزالي (505هـ : «القسم الثاني: وهو أن يسافر لأجل العبادة إما لحج أو جهاد..، ويدخل في جملته زيارة قبور الأنبياء)

(عليهم السلام، وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء، وكلّ من يُتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد وفاته، ويجوز شد الرحال لهذا الغرض، ولا يمنع من هذا قوله (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى»؛ لأن ذلك في المساجد فإنّها متماثلة في الفضيلة بعد هذه المساجد» (1).)ويقول الدكتور عبد الملك السعدي: «إنّ النهي عن شد الرحال إلى المساجد الأخرى [هو ] لأجل أن فيه إتعاب النفس دون جدوى أو زيادة ثواب؛ لأنها في الثواب سواء، بخلاف الثلاثة؛ لأن العبادة في المسجد الحرام بمائة ألف، وفي المسجد النبوي بألف وفي المسجد الأقصى بخمسمائة.. فزيادة الثواب تُحبّب السفر إليها، وهي غير موجودة في بقية المساجد»(2.)والدليل على أن السفر لغير هذه المساجد ليس أمراً محرماً، ما رواه أصحاب الصحاح والسنن: «كان رسول اللّه يأتي مسجد قبا راكباً وماشياً، فيصلّي فيه ركعتين»(3.)وهذا يعني أن النهي عن شدّ الرّحال لغير المساجد الثلاثة ليس على التحريم؛ لكون النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم كان يأتي مسجد قباء راكباً (4).)


1) إحياء علوم الدين 2: 247.

2) البدعة في المفهوم الاسلامي : 60.

3) صحیح مسلم: 3280، صحيح البخاري: 1194، سنن النسائي: 694.

4) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 3: 69.

وممّا يعضد القول بأن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة ليس محرّماً، هو أن سعد بن أبي وقاص كان يحث المسلمين على شد الرحال إلى مسجد قباء، كما قال ابن حجر ومن فضائل مسجد قباء، ما رواه عمر بن شَبّة في (أخبار المدينة بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقاص؛ قال: (لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل)» (1).)* هل كان المسلمون يقصدون السفر إلى المسجد دون زيارة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏؟)حاول ابن تيميّة أن يفسّر سفّر المسلمين إلى المدينة المنوّرة بأنهم كانوا يقصدون السفر إلى المسجد دون زيارة قبر النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وهذا أمر تكذبه السيرة المستمرة بين المسلمين عبر القرون، فإن الإجماع من السلف والخلف على أن الناس لم يزالوا في كلّ عام إذا قضوا الحج يتوجهون إلى زيارته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وربما يزورونه قبل الحج.)قال السبكي: «هكذا شاهدناه وشاهده من قبلنا، وحكاه العلماء عن الأعصار القديمة، وكلُّهم يقصدون ذلك ويعرجون إليه وإن لم يكن طريقهم، ويقطعون فيه مسافة بعيدة وينفقون فيه الأموال، ويبذلون فيه المهج، معتقدين أن ذلك قربة وطاعة، وإطباق هذا الجمع العظيم من مشارق الأرض ومغاربها على مر السنين وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم يستحيل


1) المصدر السابق.

أن يكون خطأ، وكلُّهم يفعلون ذلك على وجه التقرب به إلى اللّه عزّ وجلّ، ومَن تأخر فإنما يتأخر بعجز أو تعويق المقادير مع تأسفه عليه ووده لو تيسر له، ومن ادعى أن هذا الجمع العظيم مجمعون على خطأ، فهو المخطئ..وما ربّما يقال من أن سفرهم إلى المدينة لأجل قصد عبادة أخرى وهو الصلاة في المسجد، باطل جداً، فإن المنازعة فيما يقصده الناس مكابرة في أمر البديهة، فمن عرف الناس عرف أنهم يقصدون بسفرهم الزيارة يعرجون إلى طريق المدينة، ولا يخطر غير الزيارة من القُربات إلا ببال قليل منهم، ولهذا قل القاصدون إلى البيت المقدس مع تيسر إتيانه، وإن كان في الصلاة فيه من الفضل ما قد عُرف، فالمقصود الأعظم في المدينة الزيارة، كما أن المقصود الأعظم في مكة الحج أو العمرة، وصاحب هذا السؤال إن شك في نفسه فليسأل كلّ من توجّه إلى المدينة ما قصد بذلك» (1.)وقال أيضا: «إنّ سفر بلال في زمن صدر الصحابة، ورسول عمر بن عبد العزيز في زمن صدر التابعين من الشام إلى المدينة، لم يكن إلا للزيارة والسلام على النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، ولم يكن الباعث على السفر ذلك من امر أمر الدنيا ولا من أمر الدين ولا من قصد المسجد ولا من غيره..، وإن عمر بن عبد العزيز كان يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة ليقرئ النبيّ السلام ثم يرجع» (2).)


1) شفاء السقام: 211.

2) المصدر السابق : 143.

وقال النووي (676هـ: «واعلم أنّ زيارة قبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) من أهم القربات وأنجح المساعي، فإذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة استحبّ لهم استحباباً متأكداً أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، وينوي الزائر من الزيارة التقرب وشدّ الرحل إليه والصلاة فيه..)وليكن من أوّل قدومه إلى أن يرجع مستشعراً لتعظيمه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم ممتلئ القلب من هيبته كأنه يراه، فإذا وصل باب مسجده (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) ثمّ يأتي القبر الكريم فيستدبر القبلة ويستقبل جدار القبر ويبعد من رأس القبر نحو أربع أذرع..)ومن أحسن ما يقول ما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا عن العتبى مستحسنين له؛ قال: كنت جالساً عند قبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلّم فجاء أعرابي، فقال: السلام عليك يا رسول اللّه، سمعت اللّه يقول: ﴿وَلَوأَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّه وَاسْتَغْفَرَ هُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّه تَوّاباً رَحِيماً) (1)، وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول:)يا خير من دفنت بالقاع أعظمُهُ ***فطاب من طيبهنَّ القاع والأكَم (2)


1) سورة النساء: 64.

2) المجموع شرح المهذب 8:201.

وقال الشيخ عبد الغني النابلسي: «ليس هذا بأول ورطة وقع فيها ابن تيميّة وأتباعه، فإنه جعل شد الرحال إلى بيت المقدس معصية كما تقدم ذكر ذلك ورده، ونهى عن التوسّل بالنبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم إلى اللّه تعالى وبغيره من الأولياء أيضاً، وخالف الإجماع من الأئمّة الأربعة في عدم وقوع الطلاق الثلاث بلفظة واحدة، إلى غير ذلك من التهورات الفظيعة الموجبة لكمال القطيعة التي استوفاها الشيخ والعمدة الفهامة تقي الدين الحصني الشافعي في كتاب مستقل في الردّ على ابن تيميّة وأتباعه وصرّح بكفره» (1).)وقال زين الدين العراقي (806هـ: «وللشيخ تقي الدين ابن تيميّة هنا كلام بشع عجيب يتضمّن منع شد الرحل للزيارة وأنه ليس من القرب بل بضد ذلك، وردَّ عليه الشيخ تقي الدين السبكي في (شفاء السقام) فشفى صدور المؤمنين..)وكان والدي يحكي أنه كان معادلاً للشيخ زين الدين عبد الرحيم بن رجب الحنبلي في التوجه إلى بلد الخليل (عليه السلام، فلما دنا من البلد قال: نویت الصلاة في مسجد الخليل ليحترز عن شد الرحل لزيارته على طريقة شيخ الحنابلة ابن تيميّة، قال: فقلتُ: نويت زيارة قبر الخليل (عليه السلام)، ثمّ قلتُ له: أما أنت فقد خالفت النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)؛ لأنه قال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وقد شددت الرَّحْلَ إلى مسجد رابع، وأما أنا فاتبعتُ النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)؛ لأنه قال: زوروا القبور، أفقال إلا قبور الأنبياء؟ قال: فبهت.)


1) الحضرة الأنسية في الرحلة القدسيّة: 74.

قلت: ويدلّ على أنه ليس المراد إلا اختصاص المساجد بفضل الصلاة فيها، وأن ذلك لم يَردْ في سائر الأسفار قوله في حديث أبي سعيد المتقدم: لا ينبغي للمطي أن تشدّ رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير كذا وكذا، فبيّن أن المراد شدّ الرحال إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة، لا كلّ السفر، واللّه أعلم» (1.)***### موقف ابن تيميّة من الدعاء عند مرقد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)ذهب ابن تيميّة إلى أن الدعاء عند قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ غير مستجاب، بل ممنوع؛ إذ قال: «ومع هذا لم يقل أحد منهم أن الدعاء مستجاب عند قبره، ولا أنه يستحبّ أن يتحرّى الدعاء متوجهاً إلى قبره، بل نصوا على نقيض ذلك» (2).)وقال: «إنّ قول القائل : إن الدعاء مستجاب عند قبور الأنبياء والصالحين، قول ليس له أصل في كتاب اللّه ولا سنة رسوله، ولا قاله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في الدين، كـ: مالك، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيدة، ولا مشايخهم الذين يُقتدى بهم» (3.)


1) طرح التثريب في شرح التقريب: 58.

2) مجموع الفتاوی 27: 117.

3) المصدر السابق 27: 64.

الأسئلة :* إنّ التركيز على عدم استحباب الدعاء عند قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ يراد به ك الدعاء هناك مطلقاً، سواء أكان للمكان مزيّة أو لا، مع أنه سبحانه يأمر بالدعاء في كلّ مكان ؛ قال سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (1)، فهل يصحّ أن يقال: إنّ الدعاء يجوز في كلّ مكان إلا في قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟)* قال سبحانه: ﴿ واتَّخِذُوا مِنْ مَقام إبْراهِيمَ مُصَلّى (2)، فقد أمر سبحانه أن يصلّوا عند مقام إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) - كما قال قتادة والسُّدّي، وهو المروي في أخبار الإماميّة -، أو أن يدعوا عنده - كما قال مجاهد - (3)، وما هذا إلا لأجل التبرك بالمقام ؛ الذي بورك بموطئ قدم إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإذا جاز التبرك بالقيام (أو الدعاء) في مقامه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكيف لا يجوز التبرك بالقيام والدعاء في مكان دفن فيه النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟)أفلا يكون الدعاء عنده أرجى للإجابة؟* إن صبر هاجر وابنها إسماعيل (عَلَيهِ السَّلَامُ على الأذى والبعد والوحدة والغربة، قد صار سبباً لجعل آثار هما ومواطئ أقدامها مناسك لعبادة المؤمنين إلى يوم القيامة، فهل يُستكثر على أفضل الأنبياء الذي قال: «ما)


1) سورة غافر: 60.

2) سورة البقرة: 125.

3) التبيان في تفسير القرآن 1: 453.

أُوذي نبي بمثل ما أُوذيت»، وصبره أجمل الصبر، أن تكون آثاره محلا للتبرك بالصلاة والدعاء عندها؟* كيف يصحّ القول بعدم استجابة الدعاء عند مرقد خاتم الأنبياء (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وقد نقل الدارمي في سننه في باب «ما أكرم اللّه تعالى نبيه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بعد موته»؛ قال: حدّثنا أبو النعمان، ثنا سعيد ابن زيد، ثنا عمرو بن مالك النُّكري، ثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد اللّه، قال: قُحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة، فقالت: انظروا قبر النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، فاجعلوا منه كُوّاً إلى السماء، حتّى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا فمُطرنا مطراً، حتّى نبت العشب، وسمنت الإبل حتّى تفتقت من الشحم، فسمّي عام الفتق (1)؟)***### نماذج من صلاة السلف ودعائهم عند قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ تبركاً بتراب قبره ومحله:)(1 روى ابن حبّان والطبراني بإسناد صحيح ؛ قالا: قال عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، رأيت أسامة؛ قال: ورأيته يصلّي عند قبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) فخرج مروان بن الحكم، فقال: تصلّي عند قبره؟ قال: إنّي أحبّه..)


1) سنن الدارمي 1: 56.

فقال له قولاً قبيحاً، ثم أدبر.. فانصرف أسامة فقال لمروان: إنك آذيتني، وإني سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم يقول: إن اللّه يبغض الفاحش المتفحش، وإنّك فاحش متفحّش (1).)(2 أخرج الحاكم في مستدركه - وصححه ووافقه الذهبي-، عن داود ابن أبي صالح ؛ قال: أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ برقبته، فقال: أتدري ما تصنع؟)قال: نعم، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري، فقال: جئت رسول اللّه ولم آت الحجر.. سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليه، أهله ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله (2).)(3 روى الحاكم والبيهقي عن أمّ علقمة أن امرأة دخلت بيت عائشة، فصلت عند بيت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهي صحيحة، فسجدت فلم ترفع رأسها حتّى ماتت.. فقالت عائشة: الحمد للّه الذي يحيي ويميت.. إن في هذه العبرة لي في عبد الرحمن بن أبي بكر رقد في مقيل له قاله، فذهبوا يوقظونه فوجدوه قد مات (3).)السؤال :* هل يرضى أتباع المذاهب الأربعة أن ينسب ابن تيميّة آراءه إلى


1) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان 12: 506، المعجم الكبير للطبراني 1: 166، تأريخ دمشق 27: 248.

2) المستدرك على الصحيحين 4: 515.

3) المصدر السابق 4: 475 شعب الإيمان 7: 256.

سلفهم، وقد اطلعوا غير مرّة على مخالفاته الصريحة لنهج هؤلاء؛ كرأيه في مسألة الدعاء عند قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏؟)***### من كلمات أعلام أهل السنّة بشأن الدعاء عند قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)قال الحصني (829هـ: «أما الدعاء عند القبر فقد ذكره خلق؛ ومنهم: الإمام مالك، وقد نص على أنه يقف عند القبر، ويقف كما يقف الحاج عند البيت للوداع ويدعو، وفيه المبالغة في طول الوقوف والدعاء، وقد ذكره ابن الموّاز في الموازية، فأفاد ذلك أن إتيان قبر النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله ] وسلّم) والوقوف عنده والدعاء عنده من الأمور المعلومة عند مالك، وأنّ عمل الناس على ذلك قبله وفي زمنه، ولو كان الأمر على خلاف ذلك لأنكره، فضلاً عن أن يفتي به، أو يقر عليه..)وقال مالك في رواية ابن وهب إذا سلّم على النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم ودعا، يقف ووجهه إلى القبر، لا إلى القبلة، ويدعو ويسلّم، ولا يمسّ القبر بيده..)وقال أبو عبد اللّه محمّد بن عبد اللّه السامري: وإذا قدم مدينة رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلّم يستحب له أن يغتسل لدخوله، ثم يأتي مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) ويقدّم رجله اليمنى في الدخول..، إلى أن يقول: ثم ذكر كيفيّة السلام والدعاء وأطال، ومنه: اللّهم إنك قلت في كتابك..، وذكر دعاء طويلاً، ثمّ قال: وإذا أراد الخروج عاد إلى القبر فودع.)

وقال أبو زكريا النووي في مناسكه وغيره: «فصل في زيارة قبر النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم...، فإذا صلّى تحيّة المسجد أتى القبر، فاستقبله واستدبر القبلة على نحو أربعة أذرع من جدار القبر، وسلّم مقتصداً لا يرفع صوته..، ويجتهد في إكثار الدعاء، ويغتنم هذا الموقف الشريف»(1).)السؤال :* ما هو سبب جرأة ابن تيميّة على إنكار فتاوى كبار أئمة أهل السنّة بشأن الدعاء عند القبر المكرّم؟***### موقف ابن تيميّة من مس مرقد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وتقبيل منبره)إن العبادة ليست مجرد الخضوع للشيء، فلا يُعد نفس التوجه إلى الأجسام والجمادات عبادة، بل هي عبارة عن الخضوع إلى الشيء، باعتبار أنه إله أو رب، أو بيده مصير الخاضع في عاجله وآجله، وأما مس المنبر أو القبر وتقبيلهما لغاية التكريم والتعظيم لنبي التوحيد، فلا يوصف بالعبادة ولا يتجاوز التبرك به في المقام عن تبرك يعقوب بقميص ابنه يوسف، ولم يخطر بخلد أحد من المسلمين إلى اليوم الذي جاء فيه ابن تيميّة بالبدع الجديدة، أنها عبادة


1) دفع شبه من تشبه وتمرد: 201.

الفصل الثالث موقف ابن تيميّة من زيارة رسول اللّه.لصاحب القميص والمنبر والقبر أو لنفس تلك الأشياء.قال ابن تيميّة: «اتفق الأئمّة على أنه لا يمس قبر النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم ولا يقبل، وهذا كله محافظة على التوحيد، فإن من أصول الشرك باللّه اتخاذ القبور مساجد» (1).)السؤال :* هل يعد تقبيل آثار النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ عبادة لكي يصحّ وصفها بالشرك؟)أفتى إمام الحنابلة أحمد بن حنبل بجواز مس منبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، والتبرك به وبقبره وتقبيله كما قال ولده عبد اللّه بن أحمد: «سألته عن الرجل يمس منبر النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) ويتبرك بمسه، ويُقبله، ويفعل بالقبر مثل ذلك، يريد بذلك التقرب إلى اللّه عزّ وجلّ؟)فقال: لا بأس بذلك» (2.)وقال عبد اللّه بن أحمد أيضاً: «رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم فيضعها على فيه يُقبلها، وأحسب أني رأيته يضعها على عينه، ويغمسها في الماء ويشربه، يستشفي به» (3).)قال الذهبي بشأن رأي أحمد أين المتنطع المنكر على أحمد، وقد ثبت أن عبد اللّه سأل أباه عمّن يلمس رُمّانة منبر النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله]


1) مجموع الفتاوی 27: 233، الجواب الباهر لزوار المقابر : 31، الردّ على الأخنائي 1: 31.

2) العلل ومعرفة الرجال 2: 492.

3) سير أعلام النبلاء 11: 212.

وسلّم ويمس الحجرة النبويّة، فقال: لا أرى بذلك بأساً..)أعاذنا اللّه وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع» (1.)وقال العلامة أحمد بن محمّد المقري المالكي (1041هـ في (فتح المتعال) نقلاً عن ولي الدين ابن العراقي (826هـ) أنه قال: «أخبر الحافظ أبو سعيد بن العلا، قال: رأيت في كلام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر (2)، وغيره من الحفاظ أن الإمام أحمد سُئل عن تقبيل قبر النبيّ : (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم وتقبيل منبره؟ فقال: لا بأس بذلك، قال: فأريناه التقى ابن تيميّة فصار يتعجب من ذلك، ويقول: عجبت من أحمد عندي جليل، هذا كلامه أو معنى كلامه، وقال: وأيّ عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الذي غسله به» (3).)السؤال :* إذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم، فما بالك بآثار الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ ؟)روى محمّد بن البزار قال: «كنت مع أبي عبد اللّه أحمد بن حنبل في جنازة فأخذ بيدي وقمنا ناحية، فلما فرغ الناس من دفنه وانقضى الدفن جاء


1) المصدر السابق.

2) محمّد بن ناصر أبو الفضل البغدادي (550هـ)، قال ابن الجوزي: «كان حافظاً متقناً ثقة لا مغمز فيه».)المنتظم في تأريخ الملوك والأمم 10: 163.

3) مناقب أحمد : 455.

إلى القبر وأخذ بيدي وجلس ووضع يده على القبر، فقال: اللّهم إنك قلت في كتابك الحق: «فأما إنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٌ * وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ * الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحيم (1)، إلى آخر السورة. اللّهم وأنا أشهد أنّ هذا فلان بن فلان ما كذب بك، ولقد كان يؤمن بك وبرسولك (عليه السلام)، اللّهم فاقبل شهادتنا له، ودعا له وانصرف» (2).)فإذا جاز مس قبر المسلم لداع من الدواعي، فالنبي الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أولى بذلك، وتصور أن مس قبره قد يؤدّي إلى الشرك، تصوّر خاطئ، فالمسلمون كانوا يتبركون بقبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عبر القرون، ولم يُذكر عن أحد منهم أنه أشرك، أو رمي بالغلو، بل جاءت الأخبار الكثيرة الدالة على جواز ذلك؛ منها:)(1 أنّ السيدة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)- بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وسيدة نساء العالمين - حضرت عند قبر أبيها وأخذت قبضة من تراب القبر وراحت تشمها وتبكي وتقول:)ماذا على من ثم تربة أحمد*** ألا يشم مدى الزمان غواليا(3)(2 أن بلالاً - مؤذن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)- أقام في الشام بعد وفاة)


1) سورة الواقعة: 88: 94.

2) طبقات الحنابلة 1: 293.

3) إرشاد الساري 3: 352، المواهب اللدنيّة 3: 400، وفاء الوفا : 104، الإتحاف بحر الأشراف: 90، مشارق الأنوار للحمزاوي: 63، وغيرها.

النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، فرأى في منامه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في عهد عمر بن الخطاب، وهو يقول: «ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني يا بلال»، فانتبه حزيناً وجلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه (1).)(3 كان عبد اللّه بن عمر يضع يده اليمنى على قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (2).)وقد مرّ حديث أبي أيوب الأنصاري الذي رواه أحمد والحاكم عن داود ابن أبي صالح، قال: أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فقال: أتدري ما تصنع ؟ قال: نعم، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب، فقال: نعم جئت رسول اللّه ولم آت الحجر، سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم يقول: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله» (3).)السؤال :* كيف يدعي ابن تيميّة اتفاق أئمة أهل السنّة على حرمة مس قبر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، ويتجاهل رأي ابن حنبل إمام مذهبه، مضافاً إلى الأخبار الصحيحة الدالة على جواز ذلك؟)


1) مختصر تأريخ مدينة دمشق 5: 265 أسد الغابة في معرفة الصحابة 1: 208.

2) وفاء الوفا 104:4.

3) مسند أحمد بن حنبل 5: 422، المستدرك على الصحيحين 4: 560، تأريخ مدينة دمشق 57: 249.

### موقف ابن تيميّة من التوسّل برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ حيّاً وميّتاً)قال ابن تيميّة في (التوسّل والوسيلة: «...، ولهذا لما ذكر العلماء الدعاء في الاستسقاء وغيره ذكروا الصلاة عليه ولم يذكروا فيما شرّع للمسلمين في هذه الحال التوسّل به، كما لم يذكر أحد من العلماء دعاء غير اللّه، والاستعانة المطلقة بغيره في حال من الأحوال» (1).)وقال: «وأما الزيارة البدعية فهي التي يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج، أو يطلب منه الدعاء والشفاعة، أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجوب للدعاء، فالزيارة على هذه الوجوه كلّها مبتدعة لم يشرعها النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم، ولا فعلها الصحابة، لا عند قبر النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) ولا عند غيره، وهي من جنس الشرك وأسباب الشرك»(2).)### مناقشة آراء ابن تيميّة في التوسّل برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)#### إشارة:أخذت مسألة بيان أدلّة حرمة التوسّل برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ حيزاً كبيراً من)


1) التوسّل والوسيلة: 150.

2) المصدر السابق : 24.

مؤلّفات ابن تيميّة وأتباعه؛ ويمكن تلخيص آرائه في النقاط التالية:الأولى: حرمة التوسّل بذات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏.)الثانية: حرمة التوسّل بمقام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، ومنزلته عند اللّه تعالى.)الثالثة: حرمة التوسّل بحق رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وحق من سبقه من الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ).)الرابعة: حرمة الاستعانة مة الاستعانة برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏.)الخامسة: حرمة الاستعاذة برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏.)السادسة: حرمة جميع أشكال التوسّل برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏؛ كطلب التقرب، والتوبة، والمفزع إليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).)#### دراسة النقطة الأولى: حرمة التوسّل بذات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)يحرم ابن تيميّة ومن سار على نهجه التوسّل بذات النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ ويصفونه بالشرك، ولكن الروايات الصحيحة في كتب أهل السنّة تدلّ على الجواز؛ منها:)روى عثمان بن حنيف قال: إنّ رجلاً ضريراً أتى إلى النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم فقال: ادع اللّه أن يعافيني، فقال (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «إن شئت دعوتُ، وإن شئت صبرت وهو خير»..)قال: فادعه، فأمره (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويُصلّي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء : «اللّهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمّد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى، اللّهم شفّعه في».)

قال ابن حنيف: فواللّه ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتّى دخل علينا كأن لم يكن به ضُر.وقد ذكر هذا الحديث كثير من الحفاظ والمحدثين؛ منهم:ابن ماجة؛ إذ قال في سننه: «هذا حديث صحيح» (1، وأحمد بن حنبل مسنده بثلاثة طرق (2)، والترمذي، إذ قال في سننه: «هذا حديث حسن صحيح غريب» (3)، والنسائي في (عمل اليوم والليلة) (4)، وابن خزيمة في صحيحه (5)، والحاكم النيسابوري في مستدركه (6)، وقال بعد ذكر الحديث: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، والسيوطي في الجامع الصغير (7)عن الترمذي والحاكم..)قال زيني دحلان: «ذكر هذا الحديث مع أسانيد صحيحة البخاري، وابن ماجة، والحاكم في مستدركه، والسيوطي في جامعه»، وقال الرفاعي: «لا شك أن هذا الحديث صحيح ومشهور، وقد ثبت بلا شك وجه ارتداد بصر الأعمى بدعاء رسول اللّه [صلى اللّه عليه [وآله] وسلم]»، وحتى أن ابن


1) سنن ابن ماجة 1: 441.

2) مسند أحمد 4: 138.

3) سنن الترمذي: 3589.

4) عمل اليوم والليلة : 429.

5) صحيح ابن خزيمة 2: 2225.

6) المستدرك على الصحيحين 1: 313.

7) الجامع الصغير:59.

تيميّة وصف هذا الحديث بالصحّة؛ إذ قال: «أن المقصود من أبي جعفر الموجود في الحديث هو أبو جعفر الخطمي، وهو ثقة» (1.)ومما تقدّم يتضح أن سند الحديث لا غبار عليه، وأن محاولة تضعيف الحديث، تُعدّ محاولة بائسة، مبعثها العناد والتعصب.أما بالنسبة إلى دلالة الحديث فإن إرشاد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ الأعمى إلى التوسّل به في دعائه الذي علّمه إياه أمر واضح، وهذا يظهر بالتأمل في عبارة: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيك»، فإن قوله: «بنبيّك» متعلق بـ : «أسألك»، و «أتوجّه إليك»، فالمسؤول به وما يتوجّه به إلى اللّه هو: نفس النبيّ الأطهر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لا دعاؤه، وإلا كان عليه أن يقول: اللّهم إني أسألك وأتوجه إليك بدعاء نبيّك..)نعم إن من تمسك برأي مسبق، لما رأى أنه صريح في خلاف ما رامه،


1) التوصّل إلى حقيقة التوسّل : 158.)قال الدكتور محمود السيّد صبيح: إن الحديث قد رواه البخاري في التأريخ الكبير : 209/6، والترمذي : 569/2، والنسائي : 168/6 169، وابن خزيمة : 225/2، والطبراني في المعجم الكبير : 30/9،31، والصغير : 306/1، والدعاء: 1/ 320،321 وعبد بن حميد: 147/1، وابن قانع في معجم الصحابة: 257/2، 258، وابن عساكر في الأربعون حديثاً: 53/1، 54، 55، وتأريخ دمشق: 24/6.وقال أيضاً: «قد صحح الحديث جمع من علماء الحديث؛ منهم: الترمذي، وابن ماجة، وابن خزيمة، والطبراني، والحاكم والبيهقي.. وأقرّ تصحيحه النووي في الأذكار، والحافظ المنذري، والذهبي، وابن حجر في أمالي الأذكار والسيوطي، والمناوي، وابن أبي حاتم، وأبو زرعة، وابن حبان، وابن عساكر».أخطاء ابن تيميّة في حق رسول اللّه وأهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ :333.

أخذ يؤوّل الكلام، فقدّر لفظ «دعاء»، وقال: إنّ الأعمى إنما توسل بدعاء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وهذا من البطلان بوضوح.)ويتضح من عبارة: «محمّد نبي الرحمة» أن المسؤول به نفس النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏لا دعاؤه، كما أن فقرة: «يا محمّد إني أتوجه بك إلى ربي»، تؤيد ذلك؛ فالأعمى بحكم هذا الدعاء اتخذ قداسة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومنزلته ونفسه الطيّبة وسيلة لاستجابة دعائه.)ومعنى عبارة«وشفعه فيّ» هو: اجعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ شفيعي وتقبل شفاعته في حقي، وبذلك يتضح أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بشخصه ونفسه الكريمة، هو محور الدعاء كلّه، وليس فيه أي دليل على التوسّل بدعائه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أصلاً، وكلّ من يزعم أن ذلك الرجل الضرير قد توسل بدعاء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لا بشخصه وشخصيّته، فإنّما تغافل عن نصوص الرواية وتجاهلها.)وبما أن الرواية صريحة في ردّ مذهب ابن تيميّة ومن تبعه، حاولوا أن يشكّكوا في دلالة الحديث بشكوك واهية؛ منها:أولاً: أن التوسّل كان في حضور النبيّ لا في غيابه، مع أن محط البحث هو التوسّل به في غياب النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏.)يرد عليهم :أن الحديث نص على توسل الضرير بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ في غيابه، ويشهد على ذلك ذيل الحديث ؛ إذ يقول ابن حنيف: «فواللّه ما تفرقنا وطال بنا الحديث، حتّى دخل علينا كأن لم يكن به ضرٌّ»...)

فإنّ قوله: «قد دخل علينا»، حاك عن أن الأعمى قد ذهب إلى التوضّؤوالصلاة في مكان بعيد عن محضر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وعمل بما أمر به النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؛ثم جاء إليه وقد ذهب ضره.)ثانياً: قالوا أن التوسّل كان في حياة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وإن لم يكن في محضره، ولكن النزاع في التوسّل بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعد رحيله إلى اللّه سبحانه، ولا يمكن الاستدلال بهذه الرواية على جوازه.)يرد عليهم :أن الإشكال نابع عن قلة التتبّع.. كيف وقد فهم الصحابي الجليل عثمان ابن حنيف عدم الفرق بين حياته ورحيله، فقد روى الطبراني عن عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف على عثمان بن عفان في حاجته، وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف، فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة، ثمّ انت المسجد فصل فيه ركعتين، وقل: اللّهم إنِّي أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمّد (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم نبي الرحمة، يا محمّد إني أتوجه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي..)وتذكر حاجتك ورح حتّى أروح معك، فانطلق الرجل، فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان بن عفان، فجاءه البواب حتّى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان، فأجلسه معه على الطنفسة فقال حاجتك، فذكر حاجته وقضاها له، ثمّ قال له: ما ذكرت حاجتك حتّى كان الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها، ثمّ إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن

حنيف، فقال له: جزاك اللّه خيراً، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتّى كلمته في، فقال عثمان بن حنيف واللّه ما كلمته فيك، ولكني شهدت رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)...، إلى آخر الحديث (1).)والناظر إلى كتب الحديث يقف على أن من نقل الحديث عنونه في باب ظاهر على استمرار العمل بالحديث؛ إذ ذكروه في باب صلاة الحاجة (2، وكلّ ذلك يدل على أن المحدثين فهموا بأنه ضابطة عامة تعم جميع الأزمان.)ومن عجائب القول أنهم يركزون على أن من دعا نبياً أو ولياً بعد رحيلهم وقال مثلاً: «يا محمّد اشفع لي»، فقد أشرك؛ لأن الدعاء مخ العبادة، ودعاء الميت - على رأيهم - من صميم العبادة، وقد عزب عن هؤلاء المساكين أن على ما ذكروه يكون المتوسّل في زمان عثمان مشر ركاً؛ لأنه قال: يا محمّد، وهو (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ مرتحل عن الدنيا..)أضف إلى ذلك وجود المغالطة في معنى الحديث، فإن المراد من قوله: الدعاء مخ العبادة، أي: دعاء اللّه سبحانه، لا دعاء كلّ شخص شخصاً، وإلا لم يبق على أديم الأرض من يسجل اسمه في قائمة التوحيد.الأسئلة :* ماذا يصنع ابن تيميّة وأتباعه بالروايات الصحيحة عندهم الدالة على


1) المعجم الكبير للطبراني 9: 30.

2) راجع ذلك في كنز العمّال 6: 521 العهود المحمّدية: 112.

جواز التوسّل بذات النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏؟)* أين لفظ الدعاء في الحديث، وما هو الدليل على تقديره فيه ؟***نموذجان من سيرة الصحابة في التوسّل بنفس النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)(1 قال البخاري في باب (سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا): «إن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللّهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون» (1).)إن الحديث يدل على أن «عمر بن الخطاب» كان نفسه هو الداعي، وأنه وجماعته كانوا يتوسلون بنفس النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏وبذاته وكرامته وقداسته لا بدعائه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وإنهم توسلوا بشخص العباس لا بدعائه، وعلى ذلك فتقدير كلمة «بدعائه» لا دليل عليه، ويؤيد ذلك أن ابن حجر قال في تفسيره لهذا الحديث: «إن بلال بن الحارث المزني - أحد الصحابة – جاء إلى قبر النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) فقال: يا رسول اللّه استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتى الرجل في المنام فقيل له: «ائت عمر..» (2).)(2 روی ابن عساكر؛ قال: «روى ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد؛)


1) صحيح البخاري: 1010.

2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 2: 496.

قال: خطب عمر بن الخطاب أمّ كلثوم بنت أبي بكر إلى عائشة فأطمعته، وقالت: أين المذهب بها عنك؟ فلما ذهبت قالت الجارية: تزوجيني عمر وقد عرفت غيرته وخشونة عيشه واللّه لئن فعلت لأخرجن إلى قبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم ولأصيحن به، إنما أريد فتي من قريش يصب علي الدنيا صبّاً»(1).)ثم إن مَن يؤول التوسّل بالذات إلى التوسّل بالدعاء فإنّه غافل عن نكتة مهمة؛ وهي: أن استجابة الدعاء لأجل قداسة نفس الداعي ونزاهته وعلو مقامه ومنزلته عند اللّه، وإلا فالدعاء الصادر من نفس غير زكيّة لا يصعد ولا يستجاب، فلو كان للدعاء اعتبار فلأجل أنه صادر عن روح قدسية ونفس كريمة، فيرجع التوسّل بالدعاء إلى التوسّل بالذات.السؤال :* هل يستطيع أنصار ابن تيميّة أن يكفّروا عمر بن الخطاب والصحابة الذين توسلوا بنفس النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏؟)#### دراسة النقطة الثانية: حرمة التوسّل بمقام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ ومنزلته عند اللّه تعالى)ذكر أعاظم أهل السنّة في كتبهم نصوصاً صحيحة تدلّ على صحّة


1) تأريخ دمشق 25: 96 الإستيعاب في معرفة الأصحاب 4: 1807.

معتقد أتباع مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ في هذا المجال؛ منها:)(1 روى عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: «من خرج من بيته إلى الصلاة؛ فقال: اللّهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، فإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة، وخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت أقبل اللّه عليه بوجهه واستغفر له سبعون ملك» (1).)(2 روى الطبراني عن عمر بن الخطاب عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه قال: «لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه، رفع رأسه إلى السماء فقال: أسألك بحق محمّد إلا غفرت لي، فأوحى اللّه إليه ومَنْ محمّد؟ فقال: تبارك اسمك، لما خُلَقْتُ رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب: لا إله إلا اللّه ومحمّد رسول اللّه، فقلت: إنه ليس أحد أعظم عندك قدراً ممن جعلت اسمه مع اسمك، فأوحى إليه: إنّه آخر النبيين من ذريتك، ولولا محمّد لَما خلقتك» (2).)السؤال :* لماذا منع ابن تيميّة التوسّل بمقام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ ومنزلته عنده، ولم يأخذ بالروايات الصحيحة في كتب أهل السنّة؛ الدالة على جواز ذلك؟)


1) سنن ابن ماجة 1: 256، مسند أحمد بن حنبل 3: 21، المصنف لابن أبي شيبة 7: 29.

2) المستدرك على الصحيحين 2: 615، المعجم الأوسط 6: 31، المعجم الصغير 2: 82، إمتاع الأسماع للمقريزى 3: 188، الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1: 174، السيرة الحلبية 1: 355.

#### دراسة النقطة الثالثة: حرمة التوسّل بحق رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وحقّ من سبقه من الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ))لما ماتت فاطمة بنت أسد، دخل عليها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ فجلس عند رأسها فقال: رحمك اللّه يا أمي... ثم دعاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بيده وأخرج تُرابه بيده، فلما فرغ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) دخل فاضطجع فيه ثمّ قال: «اللّه الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت فاطمة بنت أسد ولقنها حجّتها، ووسّع عليها مدخلها، بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي» (1).)السؤال :* بماذا يمكن تفسير فتوى ابن تيميّة بحرمة التوسّل بحق النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ والأنبياء السابقين مع وضوح دلالة الأخبار الصحاح على صدور ذلك من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) نفسه ؟)***#### دراسة النقطة الرابعة: حرمة الاستعانة برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)قال الطبري في تأريخه في ذكر حرب المسلمين مع أهل اليمامة من


1) المعجم الكبير للطبراني 24: 352، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 3: 121، المعجم الأوسط 1 : 68.

أتباع مسيلمة الكذاب: «كان شعارهم يومئذ يا محمّداه»(1.)وليس لهذا الشعار من معنى إلا الاستعانة بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وليست هي في الحقيقة إلا الاستعانة بربّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ومن الواضح أن العلل والأسباب تنتهي إلى اللّه سبحانه، فكل أفعال العبد وقوته إنما هي بحول اللّه وقوته سبحانه.)وروى الطبري في تأريخه وابن الأثير في الكامل أن عمال الحجاج كتبوا إليه: «إن الخراج قد انكسر وإن أهل الذمة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار، فكتب إليهم : إن من كان له أصل في قرية فليخرج إليها، فخرج الناس فعسكروا فجعلوا يبكون وينادون يا محمّداه يا محمّداه، وجعلوا لا يدرون أين يذهبون» (2.)وروى ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة (137هـ في حرب المسلمين مع المجوس بقيادة سنباذ؛ قال: «فلما التقوا قدم سنباذ السبايا من النساء المسلمات على الجمال، فلما رأين عسكر المسلمين قمن في المحامل ونادين وامحمّداه ذهب الإسلام، ووقعت الريح في أثوابهن، فنفرت الإبـل وعادت على عسكر سنباذ، فتفرق العسكر وكان ذلك سبب الهزيمة، وتبع المسلمون الإبل ووضعوا السيوف في المجوس ومن معهم: (3).)


1) تأريخ الأمم والملوك للطبري 2: 513 البداية والنهاية لابن كثير 6: 357.

2) تأريخ الأمم والملوك للطبري 5: 182، الكامل في التأريخ 4: 200.

3) المصدر السابق 5: 481.

السؤال :هل تدل عبارة «يا محمّداه» ؛ التي كان يرددها المسلمون في حربهم مع أهل اليمامة، على شيء غير الاستعانة برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏؟)***#### دراسة النقطة الخامسة : حرمة الاستعاذة برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)روي عن عائشة أنها قالت: «بعثت صفيّة إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم بطعام قد صنعته له وهو عندي، فلما رأيت الجارية أخذتني رعدة حتّى استقبلتني فضربت القصعة فرميت بها.. قالت: فنظرت إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) فعرفت الغضب في وجهه، فقلت: أعوذ برسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) أن يلعنّي اليوم» (1).)فهذا هو رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ يسمع من عائشة الاستعاذة به، فلو كانت الاستعاذة أمراً محرماً أو سبباً للشرك أو تجاوزاً للحد ووروداً في الغلو، لنهى النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عائشة وكان عليه أن يغضب عليها.)وأخرج مسلم عن أبي مسعود أنّه كان يضرب غلامه، فجعل يقول: أعوذ باللّه قال فجعل يضربه فقال: أعوذ برسول اللّه، فتركه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: «واللّه للّه أقدر عليك منك عليه، فاعتقه» (2).)


1) مسند أحمد بن حنبل 6: 277، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 4: 321.

2) صحیح مسلم 5: 92 شرح النووي لصحيح مسلم 11: 131.

السؤال :* هل يقبل أتباع ابن تيميّة صحّة صدور الفعل الدال على الشرك من عائشة وابن مسعود؟***#### دراسة النقطة السادسة : حرمة جميع أشكال التوسّل برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏كـ : طلب التقرب، والتوبة، والمفزع إليه)روى أبو هريرة أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ قال: «إن النساء أكثر أهل النار يوم القيامة»، وعندئذ تقربت النساء بما استطعن، وكان في النساء امرأة عبد اللّه ابن مسعود فانقلبت إلى عبد اللّه بن مسعود فأخبرته بما سمعت من رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) وأخذت حليها، قال ابن مسعود: أين تذهبين بهذه الحلي؟ قالت: أتقرب بها إلى اللّه ورسوله.. (1).)والشاهد في قول زوجة ابن مسعود: «أتقرّب بها إلى اللّه ورسوله»، فجعلت التقرب إلى الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ في عداد التقرب إلى اللّه، دون أن يستشم منها المقرئ الكبير ريح الشرك والغلو.)وما ذلك إلا لأن التقرب إلى الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بما أنه رسول اللّه، والمبلغ عنه، هو تقرب إلى اللّه سبحانه..)ويشهد على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَعْنَاهُمُ اللّه وَرَسُولُهُ (2)،)


1) مسند أحمد بن حنبل 2: 373 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 2: 69.

2) سورة التوبة: 74.

وقوله تعالى: (وَلو أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتَاهُمُ اللّه وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّه سَيُؤْتِينَا اللّه مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ (1).)ومن المعلوم أن إغناء الرسول وإيتاءه إنما هو بحول من اللّه سبحانه، فما يصدر منه هو فعل للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وفي الوقت نفسه فعل اللّه سبحانه، وهذا هو نفس التوحيد الأفعالي الذي يشير إليه قوله سبحانه: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّه رَمى) (2)حيث يسلب عن رسوله الرمي في عين الإثبات، فيقول : ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْت)، وليس هذا بتناقض؛ لأن ما نفاه غير ما أثبته، فالأول هو: الرمي بقوة مستقلة غير معتمدة على اللّه سبحانه، والثاني هو: الرمى المستمد من حوله وقوته.)وروى البخاري عن عائشة أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهة، فقالت یا رسول اللّه أتوب إلى اللّه وإلى رسوله، ماذا أذنبت؟... (3).)والشاهد في قولها: «أتوب إلى اللّه وإلى رسوله»، مع أنها لم تعص إلاّ اللّه سبحانه، ولكن لمّا كان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ هو الذي يبلغ حكمه تعالى، كان عصياناً له أيضاً، فتابت إليهما معاً.)وروى أحمد بإسناده إلى موسى، عن أبيه، عن عمروبن العاص؛ قال:


1) سورة التوبة: 59.

2) سورة الأنفال: 17.

3) صحيح البخاري 4: 77.

كان فزع بالمدينة فأتيت على سالم مولى أبي حذيفة وهو محتب بحمائل سيفه، فأخذت سيفاً فاحتبيت بحمائله، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: «يا أيها الناس ألا كان مفزعكم إلى اللّه وإلى رسوله، قال: ألا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان» (1).)السؤال :* ما هو سبب عدم أخذ ابن تيميّة بكل ما دلّ على جواز أي نوع من التوسّل بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وتركه لما صح من كبار الصحابة والتابعين وأئمة أهل السنة ؟)***


1) مسند أحمد بن حنبل 4: 203، السنن الكبرى للبيهقي 5: 82 مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9: 300، صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان 5: 567، سير أعلام النبلاء3: 565.

### ابن تيميّة والحطّ من مقام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏وإنكار خصائصه وفضائلة)#### إشارة:يمتاز النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بمقامات وخصائص حفلت بذكرها مؤلّفات علماء الإسلام؛ ومنهم: علماء الإماميّة، كـ : العلامة الحلّي (قدّس سِرُّه)؛ إذ تطرق إلى جانب منها في: (تذكرة الفقهاء)، ولا يمكن لعالم منصف أن ينكر هذه الخصائص، أو يقوم بمحاولة تسوية مقامه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مع مقام الآخرين.. ولكن أنكر ابن تيميّة أكثر تلك الفضائل؛ نذكر بعضها:)#### الفضيلة الأولى: ردّ السّلام من قبل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)روى كثير من الحفاظ أنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ قال: «ما من أحد يسلم علي إلا وقد ردّ اللّه عليّ روحي حتّى أسلّم عليه» (1).)وفي حديث آخر قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «إن للّه ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام»(2).)أما ابن تيميّة فإنّه قال: «إذا سلّم المسلم عليه (صلى اللّه عليه [وآله]


1) سنن أبي داود: 1547، مسند أحمد بن حنبل: 10395.

2) سنن النسائي: 1265، المستدرك على الصحيحين 2: 421، مسند أحمد بن حنبل: 3484.

وسلّم في صلاته فإنه وإن لم يردّ عليه لكن اللّه يسلم عليه عشراً، كما جاء في الحديث: «من سلّم عليّ مرّة سلّم اللّه عليه عشراً، فاللّه يجزيه على هذا السلام أفضل ممّا يحصل بالردّ، كما أنه من صلى عليه مرة، صلى اللّه عليه بها عشراً» (1).)وقال أيضاً: «الصحابة كانوا يعرفون أن هذا السلام عليه عند قبره الذي قال فيه: «ما من أحد يسلّم علي إلا ردّ اللّه علي روحي حتّى أردّ عليه السلام»، ليس من خصائصه ولا فيه فضيلة له على غيره، بل هو مشروع في حق كلّ مسلم حي وميت، ومن سلّم [عليه] يسلّم اللّه عليه عشراً كما يصلّي عليه إذا صلّى عليه عشراً، فهو المشروع المأمور به الأفضل الأنفع الأكمل الذي لا مفسدة فيه، وذاك جهد لا يختص به» (2.)يرد عليه :أنّ الأحاديث صريحة في عدم ترك الجواب وردّ السلام من قبل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، ولكن لما كان ابن تيميّة يعتقد بموت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) موتاً انقطعت به صلته بأمته، أراد أن ينفي جواب السلام، وإن قول الحراني: «فإنّه وإن لم يردّ عليه»، هو من قبيل دس السم في العسل؛ إذ ذكر في ذيل كلامه شيئاً من فضائله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ولكنه حاول بذلك إقناع المخاطب بما ذكره من عدم ردّ سلامه، وسلام اللّه تعالى عليه..)


1) مجموع الفتاوى 27: 395.

2) المصدر السابق 27: 413.

اما بالنسبة لكلامه الثاني فالظاهر أن ما في الحديث المذكور يُعد من خصائصه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، وأن اللّه سبحانه يردّ عليه روحه حتّى يجيب، لكن ابن تيميّة يريد سلب هذه الفضيلة منه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ومن الواضح أنه لو لم يكن هذا من خصائصه لما تكلّم به النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)..)ثمّ أن مستند ابن تيميّة في عموم معتقده هو ما رواه ابن عبد البر في الاستذكار عن ابن عباس؛ إذ قال: «ما من أحد مرّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا، فسلّم عليه إلا عرفه وردّ عليه السلام» (1.)ويلاحظ عليه :أولاً: أن ما رواه ابن عباس أخص ممّا ورد في حق الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏؛ لأنه مختص بالمؤمن إذا سلّم على مؤمن كان يعيش معه في الحياة الدنيا، دون النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)الأكرم، فكل من سلم عليه بعد رحيله من أمته إلى يوم القيامة يردّ الجواب عليه.)ثانياً: أنه ليس في حديث ابن عباس: «إلاّ ردّ اللّه عليه روحه»، كما ذكره ابن تيميّة في غير واحد من كتبه (2.)ثالثاً: أن الحديث يحتاج إلى تأويل وتوجيه؛ إذ لازم ما ورد فيه أن المسلمين كلّهم أحياء في القبر أو في عالم البرزخ، فأي رجل سلّم على من


1) الاستذكار 2: 165.

2) راجع منهاج السنّة 2: 442، مجموع الفتاوى 4: 24.

يعرفه يردّ عليه السلام، مع أن المستفاد من الآيات هو اختصاص ذلك بالأنبياء والأولياء والطبقة العليا من المؤمنين، لا كلّ مسلم مات، وإن لم يكن من هذه الطبقة.السؤال :* ما هو سر محاولات ابن تيميّة الدائمة لتجريد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وأهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ) من خصائصهم ؛ الدالة على مقاماتهم السامية، ودرجتهم الرفيعة عند اللّه عزّ وجلّ ؟)***#### الفضيلة الثانية : ترتب الفائدة من إتيان قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)فرق ابن تيميّة بين إتيان مسجد قباء والبقيع، وبين إتيان قبر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏، فزعم أن في الأولين فائدة وثواباً دون الثالث؛ فقال: «..، فلم يبق في إتيان القبر فائدة لهم ولا له، بخلاف إتيان مسجد قباء، فإنهم كانوا يأتونه كلّ سبت فيصلّون فيه اتباعاً له (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)؛ فإن الصلاة فيه كعمرة، ويجمعون بين هذا وبين الصلاة في مسجده يوم الجمعة؛ إذ كان أحد هذين لا يغني عن الآخر، بل يحصل بهذا أجر زائد، وكذلك إذا خرج الرجل إلى البقيع وأهل أحد كما كان يخرج إليهم النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) يدعو لهم كان حسناً؛ لأن هذا مصلحة لا مفسدة فيها، وهم لا يدعون لهم في كلّ صلاة حتّى يقال: هذا يغني عن هذا» (1).)


1) مجموع الفتاوى 27: 416.

يرد عليه :لا يخفى ما في كلام ابن تيميّة من سوء كلام ابن تيميّة من سوء أدب وتجرؤ ؛ لأن المسلمين حينما يزورون النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ في الروضة المشرفة يؤكدون ميثاقهم مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) على أن يبقوا على إيمانهم بما آمن به، وعملهم بما أمر به، و تركهم عمّا نهى عنه إلى غير ذلك ممّا يُعدّ من الفرائض والوظائف..)ثم أن السيرة الجارية بين المسلمين منذ رحلة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ هي الوفود على قبره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قبل الحج وبعده، وهذا أمر لا ينكره إلا معاند.)الأسئلة :* كيف يترتب الثواب على زيارة قبور المسلمين ولا يترتب على زيارة قبر نبيهم؟* هل يصحّ رمي عامة أُمة الإسلام بالانحراف عن الدين؛ لعدم تطابق أعمالهم مع آراء ابن تيميّة؟* أفلا يكون الخروج على ما اتفقت عليه الأمة أمراً محرماً، لو لم يكن ارتداداً عن السيرة؟* أليس اتفاق المسلمين على أمر في عصر واحد يعد دليلاً على مشروعيته عند أهل السنّة ولو كان معهم دليل ظنّي – كادلة استحباب زيارة قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وترتب الثواب عليها ممّا يستدل بها فقهاء المذاهب الأربعة - فيرتقي الحكم إلى مرتبة القطع ؟)

### اسم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ في العهدين)سأل ابن تيميّة سائل ؛ قائلاً: «مشهور عندكم في الكتاب والسنّة أن نبيكم كان مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، لكنهم محوه عنهما، وهذا أمر يستشكله العقل»؟فأجاب ابن تيميّة: «إنّ الرب سبحانه إنّما أخبر عن كون رسوله مكتوباً عندهم، ولم يخبر بأن صريح اسمه العربي مذكور عندهم في التوراة والإنجيل، وهذا أبلغ من ذكره بمجرد اسمه» (1.)يرد عليه :قال تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ عِيسى بنُ مَرْيَمَ يا بني إسرائيل إنّي رَسُولُ اللّه إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالبيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ» (2.)فأي عبارة أوضح من قوله: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُفي بيان بطلان كلام الحراني؟)أما بشأن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النبيّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ


1) هداية الحيارى 42:1.

2) سورة الصف: 6.

مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ في التَّوراةِ وَالإِنْجِيلِ (1)، فقوله: «مكتوباً» كما يحتمل أن يقصد به ما هو مكتوب عندهم بالوصف والنعت كذلك يحتمل أن يكون مكتوباً ومذكوراً عندهم بالاسم، خصوصاً إذا كان المكتوب اسمه المعروف «محمّد»؛ لأن المسمّى به كان قليلاً عند العرب، بالأخص إذا سمي باسمه واسم أبيه، فعندئذ يتعيّن، بخلاف التعريف بالوصف فربما لا يتعيّن.)ويظهر من آية أخرى أن نبي الإسلام وصف في العهدين على نحو يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ (2)، والآية تشمل المعرفة بالاسم والوصف..)ومضافاً إلى ذلك فإن الباحث المتخصص إذا رجع إلى العهدين سيرى وجود اسم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ فيهما، فقد ورد اسمه في إنجيل يوحنّا، بلفظ: «فارقليطا» (3)، وجاءت البشارة في التوراة باسمه وذكر خلفائه الاثني عشر..)فاسمه بالعبرانية: «ماد ماد»، ولفظة: «شنيم اسار» تعني: اثني عشر، ولفظة: «نسى ام» تعني: إمام..وبالسريانية اسمه «طاب طاب»، و«روربنين» بمعنى: إمام..وإليك نص التوراة باللغتين المذكورتين:


1) سورة الأعراف:157.

2) سورة البقرة:146، سورة الأنعام: 20.

3) انجيل يوحنا الآية 15.

* وَلِيَشْمِعيل شَمْعَتَخ هنّي بريختي أتُود هَفْرتي أُتُود هَرْبَتِي أُتُو بماد ماد شينم اسار نسي ام وآنَاتَيتُوا لَكُوى كادل (بالعبرانية.)* دَعال اسْمعَيْلَ شمعتك هابركته وَاسْكته واكبرته طاب طاب ترع سَرْرُور بنين تَوْليدي وَاتْليُوح لعامارُبا(بالسريانية (1).)وترجمة النص المذكور هي: [قد سمعت دعاءك يا إبراهيم في حق إسماعيل، فقد باركته، وصيّرته كبيراً بمحمّد (ماد ماد واثني عشر إماماً من نسله، وسأصيّره أمة عظيمة ] (2).)السؤال :* كيف يدعي أتباع الفرقة الوهابيّة التيموية أن شيخ إسلامهم كان حافظاً للقرآن، وماهراً في تفسيره، ومطلعاً على العهدين؛ وهو ينفي ما ورد لفظه بشكل صريح في هذه الكتب ؟### اعتقاد ابن تيميّة بعدم تمييز رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أهل الحق عن أهل الباطل)ذكر العلامة الحلي (قدّس سِرُّه أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال في حق الإمام عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هذا فاروق أمتي يفرّق بين أهل الحق والباطل»، وقال عبد)


1) العهد القديم: سفر التكوين، الباب17.

2) أنيس الأعلام في نصرة الإسلام 5: 68، البشارة الرابعة.

اللّه بن عمر: «ما كنا نعرف المنافقين على عهد النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلم إلا ببغضهم عليّاً».)ورد ابن تيميّة على العلامة الحلّي (قدّس سِرُّه بكلام طويل؛ قائلاً: «ما المعنى بكون عليّ أو غيره فاروق الأمة، يفرق بين الحق والباطل؟..)إن عنى بذلك أنه يميّز بين أهل الحق وأهل الباطل فيميّز بين المؤمنين والمنافقين، فهذا أمر لا يقدر عليه أحد من البشر، لا نبي ولا غيره، وقد قال تعالى لنبيّه: ﴿وَمِمّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ (1)، فإذا كان النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) لا يعلم عين كلّ منافق في مدينته وفيما حولها، فكيف يعلم ذلك غيره؟ (2).)يرد عليه :أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ و إن كان لا يعلمهم - ظاهراً – إلا بعد تكلّمهم، ولكن يمكنه أن يميزهم بطريق آخر صرح به کتاب اللّه العزيز؛ إذ قال تعالى: (ولو نَشاءُ لأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) (3).)فإنّ هذا الإصرار على ردّ الحديث والجزم بوضعه، لا يصدران من عالم يحتاط في إطلاق الأحكام الجاهزة، ولكن ابن تيميّة يسارع إلى رد أو تأويل


1) سورة التوبة: 101.

2) منهاج السنّة 4: 290.

3) سورة محمّد: 30.

الأحاديث التي تسطع بفضائل الإمام عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ، تعصباً وعناداً ونصباً، ومن المعلوم أن التعصب داء عُضال لا دواء له، ولأجل ذلك يقطع ابن تيميّة بتكذيب الحديث الذي رواه الطبراني عن أبي ذر وسلمان، ورواه البزار عن أبي ذرّ وحده (1)، ورواه ابن عساكر عن أبي ذرّ وسلمان، وابن عباس (2)، ورُوي أيضاً عن أبي ليلى الغفاري (3).)السؤال :كيف حصل القطع لابن تيميّة بعدم إمكان معرفة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أهل الحق عن أهل الباطل، وقد قال تعالى: ﴿وَلو نَشاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ)؟)### موقف ابن تيميّة من عصمة الأنبياء والنبي الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)اتّفق المسلمون على عصمة الأنبياء بعد البعثة، إلا من شدّ منهم، وأما قبل البعثة فالأكثر على عصمتهم من الكبائر والصغائر، ومنهم من ذهب إلى عدم عصمتهم من الصغائر، ويظهر من كلمات ابن تيميّة اعتقاده بعدم عصمتهم بعد


1) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9:102.

2) تأريخ مدينة دمشق 43:42.

3) أسد الغابة في معرفة الصحابة 5: 287.

البعثة من غير فرق بين نبي الإسلام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وغيره؛ إذ قال: «الأنبياء صلوات اللّه عليهم وسلامه كانوا لا يؤخرون التوبة، بل يسارعون ويسابقون إليها، لا يؤخرون ولا يصرون على الذنب، بل هم معصومون من ذلك، ومن أخر ذلك زمناً قليلاً كفر اللّه ذلك بما يبتليه به كما فعل بذي النون» (1).)ثم استدل ابن تيميّة على رأيه بقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللّه ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً * وَيَنصُرَكَ اللّه نَصْراً عَزِيزاً (2.)ثم وصف من فسّر هذه الآية وشبهها بنحو يعارض رأيه بأنه من الجهميّة والباطنية، وأيّد قول البعض؛ إذ قالوا: «لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه» (3.)يرد عليه :أنّ «الذنب» في اللغة وإن فُسّر بالإثم والجرم والمعصية (4، لكن المعنى الحقيقي أوسع من ذلك، فالذنب هو: كلّ شيء له تبعة سيئة؛ بشهادة قوله سبحانه حاكياً عن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ): (وَلهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ) (5).)


1) مجموع الفتاوی 309:10.

2) سورة الفتح: 1 و 2 و 3.

3) منهاج السنّة 2: 432.

4) لسان العرب 5: 62.

5) سورة الشعراء: 14.

فقد عنى بالذنب قتل الرجل الذي وكزه موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ فقضى عليه، وكان ذلك الرجل من آل فرعون (1).)وقال صاحب المقاييس: «ذنب الذال والنون والباء أصول ثلاثة: أحدها الجرم، والآخر مؤخّر الشيء، والثالث كالحظ والنصيب، فإذا أريد الأوّل الذَّنّب والجُرم، والأصل الآخر الذنب وهو مؤخر الدواب» (2.)وبما أنّ «الذنب» و «الذنب» من مادة واحدة، وإنما الاختلاف بالحركات، فيمكن أن يقال: إن المادة - أي: الذال والنون والباء- بمعنى ما يتبع الشيء ومؤخره، ولو أطلق على ذنب الحيوانات فإنه لأجل كونه مؤخر جسده، ولو أطلق على المعصيّة والجُرم فلأن له تبعة عرفية أو شرعيّة.. فيستنتج من ذلك أن الذنب في ألسن المتأخرين وإن كان هو الجرم والمعصية ولكن المعنى الحقيقي له هو: «ما للشيء من التبعة»، سواء أكان جرماً شرعياً، أو جرماً عرفياً وغير ذلك.وإن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بدعوته ونهضته وثورته على الكفر والوثنية وما وقع بينه وبين المشركين من الحروب والمغازي بعد الهجرة، صار ذا تبعة سيئة عند الكفّار والمشركين على حدّ لم يكونوا غافرين له مادامت لهم شوكة ومقدرة، وما كانوا لينسوا زهوق ملّتهم وانهدام سنتهم وطريقتهم، ولا ثارات من قتل من صناديدهم دون أن يشفوا غليل صدورهم بالانتقام منه وإمحاء)


1) لسان العرب 5: 62.

2) معجم مقاييس اللغة 2: 361.

اسمه وإعفاء رسمه، غير أن اللّه سبحانه رزقه فتح الحديبية المنتهي إلى فتح مكة، فذهب بشوكتهم وأخمد نارهم فستر بذلك عليه ما كان لهم عليه من الذنب وآمنه منهم.فالمراد بالذنب هو: التبعة السيئة من جانب الكفار والمشركين، وهو ذنب لهم عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ كما في قول موسى لربه (وَلهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُون) (1)، وما تقدّم من ذنبه هو ما كان منه بمكة قبل الهجرة، وما تأخّر من ذنبه هو: ما كان منه بعد الهجرة، ومغفرته تعالى لذنبه هي ستره عليه؛ بإبطال تبعته؛ بإذهاب شوكتهم وهدم بنيتهم، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ)، وقوله تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ نَصْراً عَزِيزاً) (2).)ثم أن لابن تيميّة ذريعة أخرى لاتهام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بعدم العصمة وهو ذيل الآية..)قال ابن تيميّة: «وقد قال اللّه لنبيّه بعد صلح الحديبية وبيعة الرضوان: (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللّه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تأخَّر وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً * وَيَنْصُرَكَ اللّه نَصْراً عزيزاً، فأخبر أنه فعل هذا ليهديه صراطاً مستقيماً، فإذا كان هذا حاله فكيف بحال غيره» (3).)


1) سورة الشعراء: 14.

2) للمزيد راجع الميزان في تفسير القرآن 18: 254.

3) مجموع الفتاوى 22: 401.

يرد عليه :أن المقصود واضح لمن صفا قلبه وخلت روحه عن الحقد والعناد والنصب، فالمراد بـ : ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقيماً هو: «يثبتك على الصراط المستقيم»، كما هو المراد من قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) (1)وإن ذيل الآية: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللّه نَصْراً عَزِيزاً) خير دليل على ذلك..)فإن فتح مكة والطائف صار سبباً لقطع الشرك عن مواطن التوحيد، وذل اليهود وخضوع نصاري الجزيرة للإسلام، وهذا لا ينال إلا بتثبيت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ على الصراط المستقيم الذي له مثل هذه الثمرات.)السؤال :* هل كان جمود ابن تيميّة على المعاني الأولية لألفاظ الآيات؛ السبب في تفسيره الخاطئ لمسألة عصمة الأنبياء ؟***### موقف ابن تيميّة من إيمان أبوي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)سأل سائل ابن تيميّة عن إسلام والدي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ وقال: هل يصحّ عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) أن اللّه تبارك وتعالى أحيا له أبويه حتّى)


1) سورة الفاتحة: 6.

أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك؟فأجاب ابن تيميّة؛ قائلاً: «لم يصحّ ذلك عن أحد من أهل الحديث...؛ لأن ظهور كذب ذلك لا يخفى على متديّن، ثمّ هذا خلاف الكتاب والسنّة الصحيحة والإجماع ؛ قال تعالى: (إنّما التّوبَةُ عَلى اللّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَة (1)، فبين اللّه تعالى أنه لا توبة لمن مات كافراً (2).)يرد عليه :أن قوله تعالى: (الذي يراكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ في الساجدين (3)، وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «لم يزل ينقلني اللّه من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات حتّى أخرجني في عالمكم هذا، ولم يدنسني بدنس الجاهلية» (4)، يدل على بطلان كلام ابن تيميّة.)ويمكن الاستدلال على طهارة والده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بما نقلت عنه من كلمات وأبيات عندما عرضت فاطمة الخثعمية نفسها عليه، فقال والد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) راداً عليها:)أمّا الحرام فالمات دونه ***والحل لا حل فاستبينه


1) سورة النساء : 17.

2) مجموع الفتاوى 44: 324.

3) سورة الشعراء: 218 و 219.

4) التفسير الكبير 4: 174، السيرة الحلبية 1: 30، الدر المنثور في التفسير بالمأثور 5: 98.

يحمي الكريم عرضه ودينه ***فكيف بالأمر الذي تبغينه (1)وقد روي عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ أنه قال: «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات»، ولعلّ فيه إيعاز إلى طهارة آبائه وأمهاته من العهر والزنا، بل العصيان والشرك.)وأما والدته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ فكفى في ذلك ما رواه الحفاظ عنها عند وفاتها، فإنّها خرجت مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو ابن خمس أو ست سنين ونزلت بالمدينة تزور أخواله - أي أخوال جده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) - (2)، وهم: بنو عدي بن النجار، ومعها أم أيمن الحبشية، فأقامت عندهم، وكان الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بعد الهجرة يذكر أموراً حدثت في مقامه هناك ويقول: «إن أُمّي نزلت في تلك الدار، وكان قوم من اليهود يختلفون وينظرون إلي، فنظر إلي رجل من اليهود، فقال: يا غلام ما اسمك؟)فقلت: (أحمد، فنظر إلى ظهري وسمعته يقول: هذا نبي هذه الأمة، ثمّ راح إلى إخوانه فأخبرهم، فخافت أمّي علي، فخرجنا من المدينة، فلما كانت بالأبواء توفيت ودفنت فيها».)وروى أبو نعيم في دلائل النبوة عن أسماء بنت رهم؛ أنها قالت: شهدت آمنة أم النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم في علّتها التي ماتت بها، ومحمّد عليه الصلاة والسلام غلام يَفَع له خمس سنين عند رأسها،)


1) السيرة الحلبية 46:1.

2) المصدر السابق 2: 244.

فنظرت إلى وجهه وخاطبته بقولها:إن صح ما أبصرت في المنام فأنت مبعوث إلى الأنامفاللّه أنهاك عن الأصنام أن لا تواليها مع الأقوامثم قالت: كلّ حي ميت، وكل جديد بال، وكل كبير يفنى، وأنا ميتة وذكري باق، وولدت طهراً.وقال الزرقاني في: (شرح المواهب نقلاً عن جلال الدين السيوطي تعليقاً على قولها: «وهذا القول منها صريح في أنها كانت موحدة؛ إذ ذكرت دين إبراهيم (عليه السلام) وبشّرت ابنها بالإسلام من عند اللّه.. وهل التوحيد شيء غير هذا؟ فإنّ التوحيد هو الاعتراف باللّه، وأنه لا شريك له، والبراءة من عبادة الأصنام» (1).)السؤال :* لماذا لم يكتف ابن تيميّة بتكفير عامة المسلمين؛ حتّى رمى أبوي النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ بسهام التكفير، وخالف بذلك صريح الكتاب وصحيح السنّة؟)


1) كما في: الإتحاف: 144، سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية 1: 57.

### ابن تيميّة وإنكاره فضائل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)أنكر ابن تيميّة فضائل كثيرة ثابتة عند أئمة الحديث؛ للإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ، منها ما نقله واعترف بصحته إمامه أحمد ابن حنبل في: (فضائل الصحابة)؛ إذ قال:)(1 قال محمّد بن منصور الطوسي: كنّا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل: يا أبا عبد اللّه، ما تقول في هذا الحديث الذي يروى أن علياً [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] قال: «أنا قسيم النار»؟ فقال: وما تنكرون من ذا؟ أليس روينا أن النبيّ (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم) قال لعلي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]: «لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق»؟ قلنا: بلى قال: فأين المؤمن؟ قلنا : فى الجنّة. قال: وأين المنافق؟ قلنا: في النار، قال: فعلي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] قسيم النار» (1).)(2 وقال أيضاً: «سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) من الفضائل ما جاء لعلي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]..» (2).)


1) طبقات الحنابلة 1: 320.

2) المستدرك على الصحيحين 3: 107.

(3 أخرج ابن الجوزي من طريق عبد اللّه بن أحمد بن حنبل؛ قال: سألت أبي فقلت: ما تقول في علي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] ومعاوية؟ فأطرق ثم قال: إيش أقول فيهما ؟ إن علياً [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] كان كثير الأعداء، ففتش أعداؤه له عيبا فلم يجدوا، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيداً منهم له»(1).)قال ابن حجر بشأن كلامه: «فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل ممّا لا أصل له، وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة؛ لكن ليس فيها ما يصحّ من طريق الإسناد، وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما»(2.)(4 روى أبو يعلى بإسناده عن دويزة الحمصي؛ قال: «دخلت على أبي عبد اللّه أحمد بن حنبل حين أظهر التربيع لعلي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] فقلت: يا أبا عبد اللّه إن هذا لطعن على طلحة والزبير. فقال: بئسما قلت وما نحن وحرب القوم وذكرها..)فقلت: أصلحك اللّه، إنما ذكرناها حين ربعت بعلي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ ]، وأوجبت له الخلافة، وما يجب للأئمة قبله، فقال لي وما يمنعني من ذلك؟ قال: قلت: حديث ابن عمر ؟ فقال لي: عمر خير من ابنه، قد ابنه، قد رضي عليّاً [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] للخلافة على المسلمين، وأدخله في الشورى، وعلي بن أبي طالب [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] قد سمّى نفسه أمير المؤمنين، فأقول :أنا ليس للمؤمنين بأمير ؟! فانصرفت عنه (3).)


1) الموضوعات 2: 24.

2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 7: 104.

3) طبقات الحنابلة 1: 393.

أقول: كان الأحرى أن يقتدي ابن تيميّة بمن يظهر الانتماء إليه، لكنه خالفه في ذلك، ومنعه النصب والعداء للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ أن يعترف بتلك الفضائل، فأبى إلا أن ينال منه، ولذلك وصف الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعبارات تليق بصاحبها ممّا يندى لها الجبين ويخجل من إيرادها القلم.)قال ابن حجر بشأن كلام ابن تيميّة في كتابه (منهاج السنّة: «... لكنّه ردّ رده كثيراً من الأحاديث الجياد التي لم يستحضر حالة التأليف مظانّها؛ لأنه كان لاتساعه في الحفظ يتكل على ما في صدره، والإنسان عامد للنسيان، وكم من مبالغة لتوهين كلام الرافضي أدّته أحياناً إلى تنقيص علي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ].. (1).)وقال الألباني بعد تصحيحه لحديث الغدير: «قد كان الدافع لتحرير الكلام عن الحديث وبيان صحته أنني رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة قد ضعف الشطر الأوّل من الحديث، وأمّا الشطر الآخر فزعم أنه كذب وهذا من مبالغته الناتجة في تقديري من تسرعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها ويدقق النظر فيها» (2.)السؤال :* هل يُقبل اعتذار الألباني لابن تيميّة - والعذر هو: تسرعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها - بعد الاطلاع على تعمّد الحراني الناصبي تضعيف أحاديث فضائل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ مرّات عديدة في كثير من، مؤلّفاته؟)


1) لسان الميزان 6: 319.

2) سلسلة الأحاديث الصحيحة 4: 330.

### نماذج من تعمد ابن تيميّة تكذيب ما صح عند الفريقين من فضائل الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)#### موقف ابن تيميّة من حديث الموالاة:قال ابن تيميّة بشأن حديث الموالاة: «... لكن حديث الموالاة قد رواه الترمذي وأحمد، والترمذي في مسنده عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم؛ أنّه قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، وأما الزيادة وهي قوله: «اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه...،» الخ، فلا ريب أنه كذب» (1).)يرد عليه :أن الحديث بتمامه أخرجه بإسناد صحيح عن أبي الطفيل؛ كلّ من: أحمد، والنسائي، وابن حبّان، وابن أبي عاصم، والطبراني، والضياء المقدسي (2. وقال الهيثمي: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة، وهو ثقة»(3). وقال الألباني: «إسناده صحيح على شرط البخاري»(4).)


1) منهاج السنّة 7: 319.

2) مسند أحمد بن حنبل 4: 370، خصائص أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 90، صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان: 2205، السنّة: 1367، المعجم الكبير للطبراني: 4968، الأحاديث المختارة:527.

3) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9: 104.

4) سلسلة الأحاديث الصحيحة 4: 343.

وأخرجه عبد جه عبد اللّه بن أحمد من طريق يزيد بن أبي زياد وسماك بن عبيد بن الوليد العبسي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الإمام عليّ بن ابي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ (1)وقال الألباني: «هو صحيح بمجموع الطريقين عنه»(2).)وأخرجه عن زيد بن أرقم كلّ من: أحمد، وابن أبي عاصم، والطبراني(3، والحاكم؛ إذ قال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله» (4)وقال الطحاوي بشأن هذا الإسناد: «هذا الحديث صحيح الإسناد، لا طعن لأحد في أحد من رواته فيه» (5)وقال الألباني فيه: «سكت عنه الذهبي، وهو كما قال لولا أن حبيباً كان مدلّساً وقد عنعنه» (6)وأخرجه الطبراني عن زيد بن أرقم (7)، وقال الهيثمي بشأنه: «رجاله ثقات» (8).)قال الألباني: «وجملة القول أن حديث الترجمة [أي قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه»]، حديث صحيح بشطريه» (9).)


1) المسند 1: 119.

2) سلسلة الأحاديث الصحيحة 4: 343.

3) مسند أحمد بن حنبل 1: 118 السنّة: 1365، المعجم الكبير للطبراني: 4969.

4) المستدرك على الصحيحين 3: 109.

5) شرح مشكل الآثاره : 18.

6) سلسلة الأحاديث الصحيحة 4: 343.

7) المعجم الأوسط 2: 104.

8) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9: 106.

9) سلسلة الأحاديث الصحيحة 4: 343.

وقال ابن كثير بشأن الحديث بتمامه: «قال شيخنا أبو عبد اللّه الذهبي : (وهذا حديث صحيح» (1)، وأما قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): (اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه وانصر من نصره): (رواه شعبة عن أبى إسحاق وهذا إسناد جيد)» (2).)وقال العصامي(1111هـ بشأن قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله، وأدر الحق معه أينما دار»: «لفظه عند الطبراني بسند صحيح»(3).)وقال الآلوسي (1270هـ: «عن الذهبي: إنّ (من كنت مولاه فعلي مولاه) متواتر، أتيقن أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) قاله، وأما (اللّهم وال من والاه) فزيادة قويّة الإسناد» (4).)قال ابن حجر الهيتمي (974هـ: «الحديث الرابع: قال (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) يوم غدير خم: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه» الحديث.. وقد مر.. أنه رواه عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) ثلاثون صحابياً» (5).)وقال العجلوني(1162هـ: «(من كنت مولاه فعلي مولاه) رواه الطبراني وأحمد والضياء في المختارة عن زيد بن أرقم وعلي وثلاثين من الصحابة)


1) السيرة النبويّة 4 : 416.

2) المصدر السابق 4: 419.

3) سمط النجوم العوالي 2: 379.

4) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 6: 195.

5) الصواعق المحرقة 2: 353.

بلفظ: (اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه فالحديث متواتر أو مشهور» (1).)وقال جمال الدين الزيلعي (762هـ: «الحديث التاسع: قال: وذلك لدعوة نبينا (اللّهم عاد من عاداه).. قلت: روي من حديث زيد بن أرقم، ومن حديث البراء بن عازب، ومن حديث سعد بن أبي وقاص، ومن حديث طلحة بن عبيد اللّه، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وابن عمر، وجرير بن عبد اللّه البجلي، وجابر بن عبد اللّه، وحذيفة بن أسيد الغفاري، وحبشي بن جنادة.. ثمّ وقع لي في كتاب الموالاة للحافظ أبي العباس أحمد بن محمّد بن سعيد المعروف بابن عقدة فوجدته رواه عن جماعة آخرين من الصحابة..» (2).)وقال ابن عبد البر (463هـ: «..، وروى بريدة، وأبو هريرة، وجابر، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، كلّ واحد منهم عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) أنه قال يوم غدیر خم (من كنت مولاه فعلي مولاه اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه) (3).)وقال التلمساني (644هـ : «وروى بريدة بن الحصيب، وأبو هريرة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وجابر بن عبد اللّه الأنصاري، كلّ واحد عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) أنه قال يوم غدير خم (من كنت)


1) كشف الخفاء 2: 361.

2) تخريج الأحاديث والآثار 2 : 234.

3) الاستيعاب في معرفة الأصحاب 3: 1099.

مولاه فعلي مولاه اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه»(1).)هذا وقد خصّص ابن حبّان (354هـ باباً مستقلاً لذكر الحديث وعنونه بهذا العنوان: «ذكر دعاء المصطفى (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بالولاية لمن والى علياً والمعاداة لمن عاداه.. ثم ذكر لفظ الحديث المتضمن لقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه» (2).)وفعل ذلك أيضاً الآجري (360هـ؛ إذ عنون باب ذكر حديث الموالاة بعنوان: «باب ذكر دعاء النبيّ (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) لمن والى علي ابن أبي طالب (رضي اللّه عنه) وتولاه، ودعائه على من عاداه» (3)، ثم ذكر الحديث بتمامه.)قال ابن حجر الهيتمي بشأن رأي ابن تيميّة في الحديث: «إنّه حديث صحيح لا مرية فيه، وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد، وطرقه كثيرة جدا، ومن ثم رواه ستة عشر صحابياً، وفي رواية لأحمد أنه سمعه من النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم ثلاثون صحابياً، وشهدوا به لعلي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] لما نوزع أيام خلافته كما مر وسيأتي، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان، ولا التفات لمن قدح في صحته، ولا لمن ردّه بأن علياً كان باليمن؛ لثبوت رجوعه منها، وإدراكه الحج مع النبيّ [ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)] وقول بعضهم إن زيادة: «اللّهم)


1) الجوهرة في نسب النبيّ [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ] وأصحابه العشرة: 293.

2) صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان 15: 375.

3) الشريعة 4: 2049.

وال من والاه» الخ.. موضوعة، مردود؛ فقد ورد ذلك من طرق صحح الذهبي كثيراً منها» (1.)وقد كرّر كلام ابن حجر بالنسبة للزيادة كلّ من: الملا علي القاري (1014هـ(2)، وبرهان الدين الحلبي(1044هـ)(3).)وقال الألباني: «... أنني رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة قد ضعف الشطر الأوّل من الحديث، وأما الشطر الآخر فزعم أنه كذب! وهذا من مبالغته الناتجة في تقديري من تسرعه في تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها، ويدقق النظر فيها» (4.)#### موقف ابن تيميّة من حديث المؤاخاة:قال ابن تيميّة بشأن حديث المؤاخاة: «إنّ هذا الحديث موضوع عند أهل الحديث، لا يرتاب أحد من أهل المعرفة بالحديث أنه موضوع، وواضعه جاهل، كذب كذباً ظاهراً مكشوفاً، يعرف أنه كذب من له أدنى معرفة بالحديث، وأحاديث المؤاخاة لعليّ كلّها موضوعة والنبي (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم لم يؤاخ أحداً، ولا آخى بين مهاجري ومهاجري، ولا بين أبي بكر وعمر، ولا بين أنصاري وأنصاري، ولكن آخى بين المهاجرين)


1) الصواعق المحرقة 1: 164.

2) مرقاة المفاتيح 11: 258.

3) السيرة الحلبية 3: 336.

4) سلسلة الأحاديث الصحيحة 4: 343.

والأنصار في أوّل قدومه المدينة» (1.)يرد عليه :أوّلاً: أن المؤاخاة كانت مرتين مرّةً بمكة بين المهاجرين، ومرة بالمدينة بين المهاجرين والأنصار، ولم نجد أحداً من علماء أهل السنّة ينكر المؤاخاة رأساً، أو خصوص المؤاخاة بين النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ والإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) غير ابن تيميّة، والحديث متواتر ومعترف بصحته واعتباره عند أعلامهم، واليك بعض كلماتهم فيه:)(1 ذكر الخبر ابن حجر العسقلاني(852هـ) نقلا عن الواقدي وابن سعد وابن إسحاق وابن عبد البر والسهيلي وابن كثير وغيرهم، ثم قال: «أنكر ابن تيميّة في كتاب الردّ على ابن المطهر..، المؤاخاة بين المهاجرين، وخصوصاً مؤاخاة النبيّ لعلي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] ؛ قال: لأن المؤاخاة شرعت لإرفاق بعضهم بعضاً، ولتأليف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبيّ لأحد منهم، ولا لمؤاخاة مهاجري لمهاجري..)وهذا رد للنص بالقياس وإغفال عن حكمة المؤاخاة، لأن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة والقوة، فآخى بين الأعلى والأدنى ليرتفقن الأدنى بالأعلى، ويستعين الأعلى بالأدنى، وبهذا نظر في مؤاخاته لعلي؛ لأنه هو الذي كان يقوم به من عهد الصبا من قبل البعثة واستمر، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة؛ لأن زيداً مولاهم، فقد ثبت


1) منهاج السنّة 7: 360.

أخوتهما وهما من المهاجرين، وسيأتي في عمرة القضاء قول زيد بن حارثة: إن بنت حمزة بنت أخي (1.)وقال أيضا: «وأخرجه الضياء في المختارة من المعجم الكبير للطبراني، وابن تيميّة يصرّح بأن أحاديث المختارة أصح وأقوى من أحاديث المستدرك للحاكم النيسابوري (2.)(2 قال الزرقاني المالكي (1122هـ) في شرح المواهب اللدنية، تحت عنوان: (ذكر المؤاخاة بين الصحابة): «وكانت كما قال ابن عبد البر وغيره مرتين، الأولى بمكة قبل الهجرة بين المهاجرين بعضهم بعضاً على الحق والمواساة، فآخى بين أبي بكر وعمر، وهكذا بين كلّ اثنين منهم، إلى أن بقي علي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ]، فقال: آخيت بين أصحابك فمن أخي؟ قال (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): (أنا أخوك)..)وجاءت أحاديث كثيرة في مؤاخاة النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم لعلي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]، وقد روى الترمذي وحسنه والحاكم وصححه، عن ابن عمر أنه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) قال لعلي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]: (أما ترضى أن أكون أخاك؟) قال [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ]: بلى، قال [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ]: (أنت أخي في الدنيا والآخرة)»..)وأنكر ابن تيميّة هذه المؤاخاة بين المهاجرين، خصوصاً بين المصطفى [ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏] وعلي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]، وزعم أن ذلك من الأكاذيب، وردّه)


1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 7: 271.

2) المصدر السابق.

الحافظ - أي ابن حجر العسقلاني - بأنه ردّ للنص بالقياس» (1.)(3 قال محمّد بن حبيب البغدادي (245هـ): «ذكر مؤاخاة النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بين أصحابه المهاجرين قبل الهجرة: وكان آخى بينهم على الحق والمواساة وذلك بمكة، فآخى (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بين نفسه وبين عليّ بن أبي طالب [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] و آخى بين حمزة بن عبد المطلب رحمه اللّه وبين زيد بن حارثة مولى رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)... وآخى بين أبي بكر وعمر، وبين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف» (2).)(4 قال البلاذري (279هـ): «قالوا: وكان رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) آخی بين حمزة وبين زيد بن حارثة على الحق والمواساة، وبين أبي بكر وعمر..، وقال لعلي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]: أنت أخي» (3).)وقال أيضاً في ترجمة زيد بن حارثة: «وآخى رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم بينه وبين حمزة، وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين أراد القتال» (4).)(5 قال ابن عبد البر (463هـ): «آخى رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله])


1) شرح المواهب اللدنية 1: 273.

2) المحبر : 70.

3) أنساب الأشراف 1: 270.

4) المصدر السابق 1: 472.

وسلّم بين المهاجرين بمكة، ثمّ آخى بين المهاجرين والأنصار بالمدينة، وقال في كلّ واحدة منهما لعلي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] : أنت أخي في الدنيا والآخرة، و آخى بينه وبين نفسه، فلذلك كان هذا القول وما أشبه (1)من علي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] (2).)ثانياً: نقل كثير من المحدثين وأصحاب السنن والآثار حديث مؤاخاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏ والإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) له: «أنت أخي»، وقول الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أنا أخورسول اللّه»؛ منهم:)(1 أخرج الترمذي عن ابن عمر قال آخى رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بين أصحابه، فجاء علي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ)] تدمع عيناه، فقال لرسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلّم): «آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد»، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) «أنت أخي في الدنيا والآخرة»، قال أبو عيسى [الترمذي]: «هذا حديث حسن غريب»(3).)(2 روى أحمد بإسناده عن ابن عباس، قال: لما خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم) من مكة خرج علي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] بابنة حمزة، فاختصم فيها)


1) إشارة إلى قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أنا عبد اللّه، وأخورسول اللّه، لا يقولها أحد غيري إلا كذاب». الإستيعاب في معرفة الأصحاب 1: 1098.

2) المصدر السابق 3: 1098.

3) سنن الترمذي 5: 595 المستدرك على الصحيحين 3: 14، 14:3، مصابيح السنّة 4: 173، الرياض النضرة في مناقب العشرة 3: 111.

علي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ ] وجعفر وزيد إلى النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)...، وقال زيد: ابنة أخي وكان زيد مؤاخياً لحمزة، آخى بينهما رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) لزيد: «أنت مولاي ومولاها»، وقال لعلي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]: «أنت أخي وصاحبي»، وقال لجعفر: «أشبهت خَلقي وخُلقي» (1).)(3 روى الحاكم بإسناده عن ابن عباس قال: كان علي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] يقول في حياة رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «إنَّ اللّه يقول: ﴿أَفَإِنْ ماتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ) (2)، واللّه لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا اللّه، واللّه لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتّى أموت، واللّه إنّي لأخوه ووليه وابن عمه ووارث علمه، فمن أحق به منّي» (3)، قال نور الدين الهيثمي: «رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح»(4).)#### موقف ابن تيميّة من حديث الطائر :قال ابن تيميّة في تكذيب حديث الطائر (5: «..، والجواب من وجوه:


1) مسند أحمد بن حنبل 1: 230، الاستيعاب في معرفة الأصحاب 3: 1098.

2) سورة آل عمران: 144.

3) المستدرك على الصحيحين 3:126، المعجم الكبير للطبراني 1: 107، السنن الكبرى للبيهقي 5: 125.

4) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9: 134.

5) نص الحديث: روى الحاكم بإسناده عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك قال: كنت أخدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) فقُدّم لرسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) فرخ مشوي، فقال: «اللّهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير»، قال: فقلت اللّهم اجعله رجلاً من الأنصار، فجاء علي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] فقلت: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) على حاجة، ثم جاء فقلت: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) على حاجة، ثم جاء فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «افتح». فدخل، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «ما حبسك علي»، فقال: إن هذه آخر ثلاث كرات يردني أنس يزعم أنك على حاجة، فقال (صلى اللّه عليه [و آله] وسلّم): «ما حملك على ما صنعت»؟)فقلت: يا رسول اللّه ! سمعت دعاءك فأحببت أن يكون رجلاً من قومي.فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم: «إن الرجل قد يحب قومه».)قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.وقد رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفساً، ثمّ صحت الرواية عن علي، وأبي سعيد الخدري، وسفينة.المستدرك على الصحيحين 3: 130.

أحدها: المطالبة بتصحيح النقل، وقوله [أي: العلامة الحلي (قدّس سِرُّه]: «روى الجمهور كافّة»، كذب عليهم، فإن حديث الطير لم يروه أحد من أصحاب الصحيح، ولا صححه أئمة الحديث، ولكن هو ممّا رواه بعض الناس...)الثاني: أن حديث الطائر من المكذوبات والموضوعات عند أهل العلم والمعرفة بحقائق النقل، قال أبو موسى المديني: «قد جمع غير واحد من الحفاظ طرق أحاديث الطير للاعتبار والمعرفة، كالحاكم النيسابوري وأبي نعيم، وابن مردويه، وسئل الحاكم عن حديث الطير فقال: لا يصح»(1.)


1) منهاج السنّة 7: 371.

يرد عليه :أولاً: إن عنى ابن تيميّة بقوله: «أصحاب الصحيح» (البخاري ومسلم لا غير، تم قوله، وإن عنى جميع أصحاب الصحاح، لم يتم، لأن حديث الطير رواه أبو عيسى الترمذي في سننه (1)، وأبو جعفر الطبري (310هـ)، والحاكم النيسابوري، وأبو نعيم الأصبهاني، وابن مردويه وشمس الدين الذهبي، ولم يذكر أي منهم أن الحديث مكذوب (2).)ثانياً: أن عدم رواية أصحاب الصحيحين لحديث ما، لا يضير بشهرته وانتشاره بين جمهور المحدثين، ولا بصحته أيضاً، فكم من حديث صحيح شائع بين المحدثين، لم يروه أصحاب الصحيح، ولعل مراجعة سريعة لمستدرك أبي عبد اللّه الحاكم، تكفي لمعرفة صحّة ما ذكرناه، فقد أورد هذا الحافظ طائفة من الأحاديث التي لم يروها الشيخان مع أنها على شرطهما، وقد وافق الذهبي أبا عبد اللّه الحاكم في تصحيح كثير من تلك الأحاديث على شرطهما أو على شرط أحدهما.ثالثاً: هناك الكثير من طرق الحديث التي صححها أعلام أهل السنّة؛ منها:ما رواه أبو يعلى عن الحسن بن حماد، عن مسهر بن عبد الملك، عن عیسی بن عمر، عن السدي.


1) سنن الترمذي 5: 636.

2) المصدر السابق.

والحسن بن حمّاد هو الحسن بن حمّاد بن كسيب أبو علي الحضرمي المعروف بـ : «سجادة»..قال عنه الذهبي: «ثقة، صاحب سنّة» (1، وقال عنه أحمد: «صاحب سنة، ما بلغني عنه إلا خيراً»، وقال عنه الخطيب البغدادي: «كان ثقة»، وذكره ابن حبان في الثقات (2)، وقال عنه ابن حجر في (تهذيب التهذيب): «قال ابن أبي حاتم: سألت موسى بن إسحاق عنه فقال: (ثقة مأمون)، وقال السراج الكوفي: (ثقة)»(3).)أمّا مسهر بن عبد الملك بن سلع، فكان الحسن بن علي يحسن الثناء عليه (4، ووثقه، وكذلك الحسن بن حمّاد الوراق، وذكره ابن حبان في الثقات، وكذلك وثقه أبو يعلى، وذكره ابن حبّان في الثقات (5).)وعيسى بن عمر قال عنه في (تهذيب التهذيب: «قال أبو الحسن الميموني عن أحمد بن حنبل، عيسى بن عمر القارئ ليس به بأس، وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين عيسى بن عمر القارئ ثقة.. وكذلك قال النسائي، وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين عيسى بن عمر..، ليس)


1) الكاشف 1: 324.

2) تهذيب الكمال 6: 129.

3) تهذيب التهذيب 2: 237.

4) تهذيب الكمال 27: 577.

5) الثقات 9: 197.

بحديثه بأس، وقال أيضاً حدّثنا وكيع عن عيسى بن عمر الهمداني وكان ثقة، وقال أبو بكر الخطيب كان ثقة، وذكره ابن حبّان في الثقات» (1.)أما السدي فقد وثقه أحمد بن حنبل والعجلي وابن حبان وشعبة وسفيان الثوري ويحيى القطان والسمعاني، وقال عنه النسائي: «صالح»، وقال مرة: «ليس به بأس»، وقال ابن عدي: «هو عندي مستقيم الحديث صدوق، لا بأس به»، وقد احتج به مسلم في صحيحه، وصرح يحيى القطان عنه بقوله: «لا بأس به، ما رأيت أحداً يذكره إلا بخير، وما تركه أحد» (2.)تنبيه :أخرج النسائي حديث الطائر من طريق مسهر في الخصائص (3، فقال محقق الكتاب أحمد ميرين البلوشي: ضعيف، مسهر بن عبد الملك ضعيف، قال عنه البخاري: «فيه بعض النظر»، وقال أبو داود: «أصحابنا لا يحمدونه»، وقال النسائي: ليس بالقوي»، وقال الحسن بن حماد: «ثقة»..)والسدي، هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة الكوفي، قال أحمد والعجلي: : «ثقة»، وعن النسائي: «صالح»، وقال ابن عدي: «صدوق، لا بأس به»، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وعن ابن معين وابن مهدي: «ضعيف»، وقال أبو زرعة: «لين»، وقال العقيلي: ضعيف يتناول الشيخين»..


1) تهذيب التهذيب 8: 200.

2) تهذيب الكمال 2: 134.

3) خصائص أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 29.

أقول: السدي وإن وثقه أحمد والعجلي فهو من الغلاة في التشيع، والغالي لا تقبل روايته إذا روى ما يقوّي به بدعته كما قرر الحافظ في نزهة النظر» (1.)يرد عليه :(1 أن قول البخاري عن الرّاوي: فيه نظر يعد من الجرح غير المفسّر الذي لا يعتد به، ويقدم عليه التعديل.)(2 أن البخاري ترجم لمسهر في التأريخ الكبير ولم يورد فيه جرحاً ولا تعديلاً، ولو أنه كان ضعيفاً شديد الضعف عنده لما أهمل جرحه.)(3 أن جرح النسائي لمسهر لا يعتد به؛ لأنه متعنت في الجرح، فإذا لم يوافقه عليه غيره من المعتدلين فيقدم عليه التوثيق.)(4 أن قول النسائي عن الرّاوي: ليس بالقوي» ليس عنده من الجرح المفسد الذي يردّ به خبر الراوي المجروح بهذه العبارة..)قال الدكتور قاسم علي سعد في كتابه (منهج أبي عبد الرحمن النسائي في الجرح والتعديل: «فأما كلمة «ليس بالقوي» وما شابهها فإنّ أبا عبد الرحمن يستعملها غالباً في الصدوقين ومن دونهم من أهل العدالة» (2).)


1) هامش المصدر السابق.

2) منهج أبي عبد الرحمن النسائي في الجرح والتعديل 5: 1833.

وقال الذهبي في (الموقظة : «وقد قيل في جماعات: «ليس بالقوي» واحتج به، وهذا النسائي قد قال في عدة: «ليس بالقوي» ويخرج لهم في كتابه، قال: قولنا «ليس بالقوي» ليس بجرح مفسد» (1).)بل عد المباركفوري قول النسائي «ليس بالقوي» من الجرح المجمل، فقال وهو يردّ جرح النسائي في (أسامة بن زيد الليثي: «وأما قول النسائي «ليس بالقوي» فغير قادح أيضاً، فإنّه مجمل مع أنه متعنت، وتعنته مشهور» (2).)(5 أن قول أبي داود: «أصحابنا لا يحمدونه»، من الجرح غير المفسّر، فلا يعتد به، وهذا القول من أبي داود في مسهر مردود أيضاً بثناء الحسن بن علي الخلال عليه وتوثيق الحسن بن حمّاد له.)أما بخصوص إسماعيل السدي فنقول:(1 أن جرح ابن معين له لا يعوّل عليه هنا؛ لأنه متعنت في الجرح، فلا يقبل جرحه، ويقدم توثيق الموثقين عليه..)قال أبو الحسنات ومنها [أي من موارد ردّ الجرح] أن يكون الجارح من المتعنتين المتشددين، فإن هناك جمعاً من أئمة الجرح والتعديل لهم تشدد في هذا الباب فيجرحون الراوي بأدنى جرح، ويطلقون عليه ما لا ينبغي إطلاقه عند أولي الألباب، فمثل هذا الجارح توثيقه معتبر وجرحه لا يعتبر إلا إذا وافقه غيره ممن ينصف ويعتبر..


1) الموقظة: 82.

2) تحفة الأحوذي 1: 405.

فمنهم أبو حاتم، والنسائي وابن معين، وابن القطان، ويحيى القطان، وابن حبان، وغيرهم، فإنهم معروفون بالإسراف في الجرح والتعنت فيه، فليتثبت العاقل في الرواة الذين تفرّدوا بجرحهم وليتفكر فيهم» (1.)(2 أنّ اللفظة المنسوبة لابن معين وعبد الرحمن بن مهدي في جرح السدي هي لفظة: «ضعيف»، وهذا من الجرح غير المفسّر، والتعديل مقدم عليه.)(3 المشهور عن عبد الرحمن بن مهدي أنه عدل السدي لا أنه ضعفه.)يقول الحاكم النيسابوري في المدخل في باب الرواة الذين عيب على مسلم إخراج حديثهم في صحيحه: «تعديل عبد الرحمن بن مهدي [لإسماعيل السدي] أقوى عند مسلم ممّن جرحه بجرح غير مفسّر» (2.)ولقد غضب ابن مهدي على يحيى بن معين عندما ضعف السدي، ففي (تهذيب الكمال: «قال يحيى بن معين يوماً عند عبد الرحمن بن مهدي، وذكر إبراهيم بن مهاجر والسدي، فقال: ضعيفان، فغضب عبد الرحمن و کره ما قال» (3)، وفيه دليل على أنه لا يرى ضعفهما.)وكذلك فإن ما نسب إلى ابن مهدي من تضعيف للسدي لم يرد عنه بطريق معتبر، وإنّما بواسطة راو مجهول، يقول عمروبن علي: «سمعت رجلاً


1) الرفع والتكميل في الجرح والتعديل: 117.

2) تهذيب التهذيب 1: 274.

3) تهذيب الكمال 3: 135.

من أهل بغداد من أهل الحديث ذكر السدي [لعبد الرحمن بن مهدي]، فقال: ضعيف» (1.)(4 أن جرح أبي حاتم لا يعتد به هنا أيضاً؛ لأنه من المتعنتين في الجرح، فيقدم عليه توثيق الموثقين، وقد جرح أبو حاتم بمثل العبارة التي جرح بها السدي جماعة من الثقات الأثبات عندهم، منهم من رجال الصحيحين، علماً أن عبارة: «يكتب حديثه ولا يحتج به» يقولها أبو حاتم فيمن عنده صدوق.)(5 أن تضعيف العقيلي له فالظاهر أنه بسبب ما زعمه من أنه كان يتناول أبي بكر وعمر، وهذه التهمة وردت من طريق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وكل من نسب إلى السدي ذلك أخذه عن الجوزجاني، وهو كما لا يخفى ناصبي يتحامل على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فيحكم حينئذ بنفاقه لما صح عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من ملازمة النصب والنفاق، وملازمة النفاق والكذب بنص الكتاب وعليه لا يقبل كلام الجوزجاني ورأيه إلا من كان على مذهبه.)(6 أن قول أبي زرعة عنه: «لين» فهو من المرتبة السادسة من مراتب الجرح، وهي أدنى هذه المراتب.)قال الدار قطني: «إذا قلت: فلان (لين لا يكون ساقطاً متروك الحديث ولكن مجروحاً بشيء لا يسقط العدالة»(2).)


1) المصدر السابق.

2) فتح المغيث 2: 295.

(7 أن القاعدة التي استند اليها البلوشي موهونة مهزولة؛ لأن الحديث لا يشتمل على بدعة وأنّ الرّاوي إمّا أن يكون ثقة صادقاً فينبغي قبول كلّ مروياته، وإما أن يكون كاذباً وعندها يلزم أن تردّ جميع مروياته، ولا ثالث لهما، على أن الغلو في التشيّع المرمي به السّدّي هو بسبب ما جاء من طريق الناصبي الجوزجاني المطعون في قوله ونقله لنفاقه وكذبه كما مرّ.)قال المعلّمي بعد أن أورد من كتاب (فتح المغيث كلام الجوزجاني حول القاعدة المذكورة: «والجوزجاني فيه نصب، وهو مولع بالطعن في المتشيّعين كما مر، ويظهر أنه يرمي بكلامه هذا إليهم، فإن في الكوفيين المنسوبين إلى التشيع جماعة من الأجلّة، اتفق أئمة السنّة على توثيقهم وحسن الثناء عليهم وقبول رواياتهم وتفضيلهم على كثير من الثقات الذين لم ينسبوا إلى التشيع حتّى قيل لشعبة: حدّثنا عن ثقات أصحابك، فقال: إن حدثتكم عن ثقات أصحابي فإنّما أحدثكم عن نفر يسير من هذه الشيعة الحكم ابن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وحبيب بن أبي ثابت، ومنصور.. راجع تراجم هؤلاء في تهذيب التهذيب..)فكأن الجوزجاني لما علم أنه لا سبيل إلى الطعن في هؤلاء وأمثالهم مطلقاً حاول أن يتخلّص ممّا يكرهه من مروياتهم وهو ما يتعلق بفضائل أهل البيت [(عَلَيهِم السَّلَامُ]..» (1).)(8 قال الدكتور بشار عواد معروف: «..، وظاهر كلام من تكلم فيه)


1) فوائد وقواعد في الجرح والتعديل وعلوم الحديث: 58.

[أي: السدي] إنما كان عقائده» (1.)ومن كان بسبب سبب جرحه المذهب، فلا يلتفت إلى قول الجارح بل يقدم عليه قول المعدل، كما قال تاج الدين السبكي: «الحذر كلّ الحذر أن تفهم أن قاعدتهم أن الجرح مقدم على التعديل على إطلاقها، بل الصواب أن من ثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه وندر جارحوه وكانت هناك قرينة دالة على أن سبب جرحه من تعصب مذهب أو غيره لم يلتفت إلى جرحه»(2.)وبعد هذا كله إن افترض الضعف تنزلاً واحتج بعض أتباع ابن تيميّة بذلك على عدم حصول التواتر من الأحاديث الضعيفة فيرده ما ورد في الإصابة من قوله: «... التواتر لا يشترط ثقة رجاله ولا عدالتهم وإنّما العمدة بورود الخبر بعدد يستحيل في العادة تواطئهم على الكذب، فإن اتفقت ألفاظه فذاك وإن اختلفت فمهما اجتمعت فيه فهو التواتر المعنوي»(3.)قال الشيخ زين الدين المناوي القاهري (1031هـ بشأن كلمات ابن تيميّة في حديث الطير: «هذه الأخبار وإن فرض ضعفها جميعاً، لكن لا ينكر تقوي الحديث الضعيف بكثرة طرقه، وتعدّد مخرجيه إلا جاهل بالصناعة الحديثية، أو معاند متعصب، والظن به [أي ابن تيميّة ] أنه من القبيل الثاني (4).)


1) هامش تهذيب التهذيب 3: 138.

2) ظفر الأماني : 496.

3) الإصابة في تمييز الصحابة 2: 252.

4) فيض القدير شرح الجامع الصغير 3: 221.

رابعاً: تصريح أعلام محدثي أهل السنّة باعتبار الحديث:(1 قال الحاكم النيسابوري: «قد رواه عن أنس جماعة من أصحابه زيادة على ثلاثين نفساً» (1).)(2 قال الذهبي: «وأما حديث الطير فله طرق كثيرة جداً، وقد أفردتها بمصنف» (2).)(3 قال ابن كثير الدمشقي: «وحديث الطير قد صنّف الناس فيه، وله طرق متعددة...، وقد جمع الناس في هذا الحديث مصنفات مفردة؛ منهم: أبو بكر بن مردويه، والحافظ أبو طاهر محمّد بن أحمد بن حمدان..، ورأيت فيه [أي: في حديث الطير] مجلداً في جمع طرقه وألفاظه لأبي جعفر بن جرير الطبري المفسر، صاحب التأريخ»(3).)(4 قال المعلمي: «وحديث الطير مشهور، روي من طرق كثيرة»(4).)وبناء على ما نقل إمّا أن يكون ابن تيميّة جاهلاً بهذه الطرق الكثيرة إلى الحديث وشهرته، فادعى ما ليس له به علم، وإما أن يكون عارفاً بتلك الطرق، ولكنّه لبّس عن عمد على نفسه بكتمان الحقيقة؛ لشيء في قلبه من الحقد الدفين والنصب للإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ.)


1) المستدرك على الصحيحين 3: 131.

2) تذكرة الحفاظ 3: 1042.

3) البداية والنهاية لابن كثير 7: 383.

4) طليعة التنكيل: 40.

#### موقف ابن تيميّة من نزول آية الولاية بشأن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ :)قال ابن تيميّة في آية الولاية (1: «... وقد وضع بعض الكذابين حديثاً مفترى أن هذه الآية نزلت في عليّ لما تصدق بخاتمه في الصلاة، وهذا كذب بإجماع أهل العلم، وكذبه بين من وجوه كثيرة (2).)يرد عليه :أولاً: ورد نزول آية الولاية بشأن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ عن عدّة من الصحابة؛ منهم: ابن عبّاس، وعمار، وأبو ذر، والمقداد بن الأسود، وجابر بن عبد اللّه الأنصاري، وأبو رافع، وأنس بن مالك، والتابعي سلمة بن كهيل، ومحمّد بن الحنفية، بالإضافة إلى طريق الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).)


1) روى كثير من المحدثين والمفسرين نزول قوله تعالى: (إنَّما وَلِيُّكُمُ اللّه وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، سورة المائدة: 55، في الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ).)فقد ورد عن أنس بن مالك: أن سائلاً أتى المسجد وهو يقول: من يقرض الملي الوفي؟ وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ راكع يقول بيده خلفه للسائل، أي اخلع الخاتم من يدي، قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «يا عمر وجبت».)قال: بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ما وجبت؟قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏: «وجبت له الجنّة واللّه وما خلعه من يده حتّى خلعه اللّه من كلّ ذنب ومن كلّ خطيئة»، قال: فما خرج أحد من المسجد حتّى نزل جبرئيل بقوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّه وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

2) منهاج السنّة 2: 30.

3) راجع: شواهد التنزيل 1: 247.

ورواه عدد كبير من محدثي أهل السنّة؛ منهم:1- عبد بن حميد الكشي (249هـ بإسناده عن ابن عباس (1).)2 - ابن جرير الطبري (310هـ بإسناده عن السدي، وعتبة بن أبي حكيم، ومجاهد (2).)3 - ابن أبي حاتم الرازي (327هـ في تفسيره، بإسناده عن سلمة بن كهيل، وعتبة بن أبي حكيم(3).)4 - أبو القاسم الطبراني (360هـ في معجمه الأوسط (4).)5- أبو بكر الجصاص الرازي (370هـ في أحكام القرآن (5).)6- أبو الحسن الواحدي النيسابوري (468هـ(6).)7 - أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي (571هـ(7).)8 - أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي (597هـ (8).)


1) راجع روايته في الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور 3: 105.

2) جامع البيان عن تأويل آي القرآن 4: 372.

3) تفسیر ابن أبي حاتم 4: 1162.

4) المعجم الأوسط 7: 130.

5) أحكام القرآن 2: 446.

6) أسباب النزول : 133.

7) تأريخ مدينة دمشق 12: 305.

8) الرياض النضرة في مناقب العشرة 3: 182.

9- أبو السعادات مبارك بن الأثير الشيباني الجزري الشافعي (606هـ(1).)10 - القاضي ناصر الدين البيضاوي (691هـ في تفسيره (2).)وهؤلاء العشرة الذين انتخبناهم من جمع غفير قد رووا نزول الآية في حق الإمام عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ قبل أن يولد ابن تيميّة، ولو أردنا الاستقصاء لطال بنا البحث، ولكن كفانا عناء ذلك العلامة الأميني (رَحمهُ اللّه) حيث أنهى عدد من ذكر نزول الآية إلى ستة وستين (3).)ثانياً: هناك طرق عديدة لهذا الحديث قد صححها علماء أهل السنّة.قال الزيلعي في (تخريج الأحاديث والآثار: «قوله – أي: الزمخشري في الكشاف، الآية 55 من المائدة -: روي عن عليّ [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] أن سائلاً سأله وهو راكع في صلاته، فطرح له خاتمه، كأنه كان مزجا في خنصره فلم يتكلف لخلعه كبير عمل يفسد بمثله صلاته، فنزلت.)قلت: رواه الحاكم أبو عبد اللّه في كتابه (علوم الحديث من حديث عيسى بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن عمر بن عليّ بن أبي طالب [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]، ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن عليّ بن أبي طالب [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]، قال: نزلت هذه الآية (إنَّما وَلِيُّكُمُ اللّه وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)


1) جامع الأصول 9: 478.

2) أنوار التنزيل 1: 272.

3) موسوعة الغدير 3: 220.

وَهُم رَاكِعُونَ (1)فدخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) المسجد والناس يصلّون بين قائم وراكع وساجد، وإذا سائل، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): يا سائل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: لا، إلا هذا الراكع - يعني عليّاً – أعطاني خاتماً. انتهى.)ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ثنا أبو سعيد الأشج، ثنا الفضل بن دكين أبو نعيم الأحول، ثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل، قال: تصدق علي [(عَلَيهِ السَّلَامُ] بخاتمه وهو راكع فنزلت: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّه وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ). انتهى.)نقول: وهذا مرسل صحيح على شرط البخاري ومسلم.. والمرسل الصحيح إذا عضده مسند ضعيف فإنه يرتقي إلى درجة الاحتجاج، فكيف مع الأسانيد المتعدّدة؟!قال الشافعي: فقلت له المنقطع مختلف، فمن شاهد أصحاب رسول اللّه من التابعين فحدث حديثاً منقطعاً عن النبيّ اعتبر عليه بامور، منها: أن يُنظر إلى ما أرسل من الحديث، فإن شركه فيه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول اللّه بمثل معنى ما روى كانت هذه دلالة على صحّة من قبل عنه وحفظه، وإن انفرد بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده من قبل ما يفرد به من ذلك، ويعتبر عليه بأن ينظر هل يوافقه مرسل غيره يسنده قبل ما يفرد به من ذلك؟ ويعتبر عليه بأن ينظر: هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم


1) سورة المائدة : 55.

عنه من غير رجاله الذين قبل عنهم؟فإن وجد ذلك، كانت دلالة يقوي به مرسله، وهي أضعف من الأولى، وإن لم يوجد ذلك، نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب رسول اللّه قولاً له، فإن وجد يوافق ما روي عن رسول اللّه كانت هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلاّ عن أصل يصحّ إن شاء اللّه» (1.)نقول: وقد تحقق في هذا المرسل الصحيح عن سلمة بن كهيل الشرطان اللذان ذكرهما الشافعي، فقد روي بسند متصل عن عيسى بن عبد اللّه بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب [ (عَلَيهِ السَّلَامُ] في رواية الحاكم، بل رواه بسند متصل صحيح، أو قريب من الصحة: الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل) عن شيوخ سلمة بن كهيل الثقات نفسهم (2)، فعلم من أين وصله.)وقد رواه ابن أبي حاتم بسند مرسل آخر عمن أخذ العلم عن غير رجال سلمة بن كهيل، وهو عتبة بن أبي حكيم، وسنده هذا الربيع بن سليمان المرادي، ثنا أيوب بن سويد، عن عتبة بن أبي حكيم (3.)وقال الرازي في (المحصول: قال الشافعي: (لا أقبل المرسل إلا إذا كان الذي أرسله مرة، أسنده أخرى قبل مرسله أو أرسله هو وأسنده غيره،)


1) الرسالة للشافعي: 461.

2) شواهد التنزيل 1: 212.

3) تفسير ابن أبي حاتم 4: 1162.

وهذا إذا لم تقم الحجّة بإسناده، أو أرسله راو آخر، ويعلم أن رجال أحدهما غير رجال الآخر..)ثم قال في الردّ على الحنفية: (والجواب: أن غرض الشافعي من هذه الأشياء حرف واحد، وهو أنا إذا جهلنا عدالة راوي الأصل، لم يحصل ظنّ كون ذلك الخبر صدقاً، فإذا انضمت هذه المقويات إليه قوى بعض القوة، فحينئذ يجب العمل به، إما دفعاً للضرر المظنون، وإما لقوله عليه الصلاة والسلام: (أقضي بالظاهر (1)، ونقل ذلك ابن كثير في (اختصار علوم الحديث) (2)، والنواوي والسيوطي في (شرح تقريب النواوي) (3).)وأما على مختار الآمدي من قبول مراسيل العدل مطلقاً، فالأمر واضح(4.)وأخرجه ابن مردويه في تفسيره: عن سفيان الثوري، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن ابن عبّاس، قال: كان عليّ بن أبي طالب [(عَلَيهِ السَّلَامُ] قائماً يصلّي، فمرّ سائل وهو راكع، فأعطاه خاتمه، فنزلت: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّه وَرَسُولُهُ)...، الآية، وفيه انقطاع؛ فإن الضحاك لم يلق ابن عبّاس...)نقول: وقع الخلاف في في لقاء الضحاك لابن عباس، وإن ثبت، فهو


1) المحصول في علم أصول الفقه 4: 460.

2) الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث: 157.

3) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: 126.

4) راجع: الإحكام في أصول الأحكام 2: 123.

مختص في الأحكام وأما التفسير فالواسطة بينه وبين ابن عبّاس معلومة وهو سعيد بن جبير.قال المزي في (تهذيب الكمال: (قال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، عن أبيه ثقة، مأمون، وقال أبو بكر بن أبي خثيمة، عن يحيى بن معين وأبو زرعة: ثقة، وقال زيد بن الحباب، عن سفيان الثوري: خذوا التفسير من أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحّاك، وقال أبو قتيبة مسلم ابن قتيبة، عن شعبة، قلت لمشاش : الضحاك سمع من ابن عبّاس؟ قال: ما رآه قط، وقال أبو داود الطيالسي عن شعبة: حدثني عبد الملك بن ميسرة، قال: الضحاك لم يلق ابن عبّاس، إنما لقي سعيد بن جبير بالري، فأخذ عنه التفسير) (1).)ولو سلمنا الانقطاع، فهو يحقق شرط الشافعي الثاني، كما بيّنا آنفاً.ورواه أيضاً سليمان بن أحمد هو الطبراني، ثنا محمّد بن علي الصائغ، ثنا خالد بن يزيد العمري، ثنا إسحاق بن عبد اللّه بن محمّد بن عليّ بن حسين بن علي، عن الحسين بن زيد، عن أبيه زيد بن عليّ بن الحسين، عن جده، قال: سمعت عمّار بن ياسر يقول: وقف بعلي [(عَلَيهِ السَّلَامُ] سائل وهو واقف في صلاة تطوع، فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) فأعلمه ذلك، فنزلت: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّه وَرَسُولُهُ) الآية، فقرأها رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) على أصحابه، ثم قال: (من كنت


1) تهذيب الكمال 13: 291.

مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاده).

ورواه الطبراني في معجمه الوسيط، إلا أنه قال: إسحاق بن عبد اللّه بن محمّد بن عليّ بن حسين، عن الحسن بن زيد، عن أبيه زيد بن الحسين، عن جده، قال: سمعت عماراً..، فذكره.

ورواه الثعلبي من حديث أبي ذرّ، قال: صليت مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) يوماً من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد شيئاً، فرفع السائل يده وقال: اللّهم اشهد أني سألت في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم) فلم يعطني أحد شيئاً، وكان عليّ [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] راكعاً، فأومى إليه بخنصره اليمين، وكان يختم فيها، فأقبل السائل حتّى أخذ الخاتم في خنصره، وذلك بعين رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلّم)..، وذكر فيه قصة..

وليس في لفظ أحد منهم أنه خلعه وهو في الصلاة كما في لفظ المصنّف - أي الزمخشري -)) (1).

موقف ابن تيميّة من حديث ((أنت ولي كلّ مؤمن بعدي)):

قال ابن تيميّة: ومثل قوله: «أنت ولي كلّ مؤمن بعدي»، فإن هذا موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث» (2)، وقال في موضع آخر:


1) تخريج الأحاديث والأثار 1: 409.

2) منهاج السنّة 5: 35.

«..، وكذلك قوله: (هو ولي كلّ مؤمن بعدي) كذب على رسول اللّه» (1).

يرد عليه :

أن الحديث مروي وخرج بأسانيد صحيحة في كتب كبار أئمة الحديث عند أهل السنّة كـ : أحمد بن حنبل، وأبي يعلى، وابن أبي شيبة، وابن حبان، وأبو نعيم الأصبهاني، ومحب الدين الطبري، والبغوي، وابن كثير، والسيوطي (2).

وهناك من المحدثين والرواة وأصحاب المصادر الحديثية من روى أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال: «ما تريدون من على؟ ما تريدون من على؟ ما تريدون من علي، إن عليّاً منّي وأنا منه، وهو ولي كلّ مؤمن بعدي».

أخرجه بهذا اللفظ الترمذي في جامعه، وقال: هذا حديث حسن غريب(3)، وكذلك النسائي بإسناد صحيح (4)، ومحب الدين الطبري (5)، وابن حجر (6)، وقال: إسناد قوي.


1) المصدر السابق 7: 391.

2) راجع مسند أحمد بن حنبل 5: 606، مسند أبي داود: 111، مسند أبي داود: 111، مسند أبي يعلى 1: 203، المصنف لابن أبي شيبة 12: 180، صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان 5: 374، الرياض النضرة في مناقب العشرة 3: 116، مصابيح السنّة 4: 172، البداية والنهاية لابن كثير 7: 381، جامع الأحاديث 4: 352.

3) سنن الترمذي 5: 5990.

4) السنن الكبرى للنسائي 5: 132 خصائص أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 92.

5) الرياض النضرة في مناقب العشرة 3: 115.

6) الإصابة 2: 509.

وهناك إسناد آخر لهذا الحديث، وهو: أخرج أبو داود الطيالسي، عن أبي عوانة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس: أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) قال لعلي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ]: «أنت ولي كلّ مؤمن بعدي»، والإسناد صحيح، ورجاله كلهم ثقات، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي: «ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج الفزاري، وهو ثقة» (1).

قال الألباني بشأن رأي ابن تيمة في هذا الحديث: «فمن العجيب حقا أن يتجرأ شيخ الإسلام ابن تيميّة على إنكار هذا الحديث وتكذيبه في منهاج السنّة» (4:104) كما فعل بالحديث المتقدم هناك..، فلا أدري بعد ذلك وجه تكذيبه للحديث إلا التسرع والمبالغة في الردّ على الشيعة...» (2).

وقال العلامة الأميني (رَحمهُ اللّه) - بعد أن ناقش ابن تيميّة في هذا الحديث وغيره - : «هذه نبذة يسيرة من مخاريق ابن تيميّة، ولو ذهبنا إلى استيفاء ما في منهاج بدعته من الضلالات والأكاذيب، والتحكمات، والتقولات، فعلينا أن نعيد استنساخ مجلّداته الأربع ونردفها بمجلدات في ردّها..

ولم أجد بياناً يعرب عن حقيقة الرجل ويمثلها للملأ العلمي، غير أني أقتصر على كلمة الحافظ ابن حجر في كتابه (الفتاوى الحديثية)(3)؛ إذ


1) راجع الحديث بهذا الإسناد في مسند أبي داود: 360، المستدرك على الصحيحين 3: 134، مسند أحمد 1: 331 مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9: 120.

2) سلسلة الأحاديث الصحيحة 5: 222.

3) الفتاوى الحديثية: 114.

قال: «ابن تيميّة عبد خذله اللّه وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذله، وبذلك صرّح الأئمّة الذين بيّنوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الإمام العز بن جماعة، وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية» (1).

تنبيه :

قال المباركفوري (1353هـ) بشأن الحديث : «..، (وهو ولي كلّ مؤمن من بعدي) كذا في بعض النسخ بزيادة (من) ووقع في بعضها (بعدي) بحذف (من) وكذا وقع في رواية أحمد في مسنده، وقد استدل به الشيعة على أن علياً رضي اللّه عنه، كان خليفة بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) من غير فصل واستدلالهم به عن هذا باطل، فإنّ مداره عن صحّة زيادة لفظ (بعدي) وكونها صحيحة محفوظة قابلة للاحتجاج، والأمر ليس كذلك؛ فإنّها: قد تفرد بها جعفر بن سليمان وهو شيعي بل هو غال في التشيع...

وقال ابن حبّان في كتاب الثقات: حدّثنا الحسن بن سفيان، حدّثنا إسحاق بن أبي كامل، حدّثنا جرير بن يزيد بن هارون بين يدي أبيه، قال: بعثني أبي إلى جعفر، فقلت بلغنا أنك تسب أبا بكر وعمر، قال: أما السب فلا ولكن البغض ما شئت فإذا هو رافضي حمار انتهى..، قال في التقريب: جعفر بن سليمان الضبعي أبو سليمان البصري صدوق زاهد لكنه كان يتشيّع


1) موسوعة الغدير 3: 306.

انتهى.. وكذا في الميزان وغيره....

وظاهر أن قوله (بعدي) في هذا الحديث ممّا يقوى به معتقد الشيعة، وقد تقرّر في مقرّه أن المبتدع إذا روى شيئاً يقوي به بدعته فهو مردود.. قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في مقدمته والمختار أنه إن كان داعياً إلى بدعته ومروجاً له ردّ وإن لم يكن كذلك قبل إلا أن يروي شيئاً يقوي به بدعته فهو مردود قطعاً...

فإن قلت: لم يتفرد بزيادة قوله (بعدي) جعفر بن سليمان بل تابعه عليها أجلح الكندي، فروى الإمام أحمد في مسنده هذا الحديث من طريق أجلح الكندي عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه بريدة؛ قال: بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بعثين إلى اليمن على أحدهما عليّ بن أبي طالب وعلى الآخر خالد بن الوليد.. الحديث وفي آخره: (لا تقع في علي فإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي، وإنّه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي)..

قلت: أجلح الكندي هذا أيضاً شيعي؛ قال في التقريب: أجلح بن عبد اللّه بن حجية يكنى أبا حجية الكندي، يقال اسمه يحيى، صدوق شيعي انتهى.. وكذا في الميزان وغيره..

والظاهر أن زيادة (بعدي) في هذا الحديث من وهم هذين الشيعييين، ويؤيده أن الإمام أحمد روى في مسنده هذا الحديث من عدّة طرق ليست في واحدة منها هذه الزيادة..

فمنها ما رواه من طريق الفضل بن دكين حدّثنا ابن أبي عيينة، عن الحسن، عن سعيد بن جبير، عن بن عباس، عن بريدة، قال: غزوت مع علي

اليمن فرأيت منه جفوة.. الحديث، وفي آخره: فقال: يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت بلى يا رسول اللّه قال (صلى اللّه عليه [وآله] وسلم): (من كنت مولاه فعلي مولاه)..

ومنها ما رواه من طريق أبي معاوية: حدّثنا الأعمش عن سعيد بن عبيدة، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: بعثنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلم) في سرية.. الحديث، وفي آخره: (من كنت وليه فعلي وليّه)...

ومنها ما رواه من طريق وكيع حدّثنا الأعمش عن سعد بن عبيدة، عن ابن بريدة، عن أبيه: أنه مرّ على مجلس وهم يتناولون من علي.. الحديث، وفي آخره: (من كنت وليه فعلي وليه)...

فظهر بهذا كلّه أن زيادة لفظ (بعدي) في هذا الحديث ليست بمحفوظة، بل هي مردودة، فاستدلال الشيعة بها على أن علياً رضي اللّه عنه كان خليفة بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) من غير فصل باطل جداً.. هذا ما عندي واللّه تعالى أعلم..

فإن قلت: لم يتفرّد جعفر بن سليمان بقوله: (هو ولي كلّ مؤمن بعدي) بل وقع هذا اللفظ في حديث بريدة عند أحمد في مسنده، ففي آخره: (لا تقع في عليّ فإنّه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي، وإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي).. قلت: تفرد بهذا اللفظ في حديث بريدة، أجلح الكندي وهو أيضاً شيعي» (1).


1) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي 10 : 146.

يرد عليه :

أولاً: قال الألباني: «إنّ الحديث قد جاء مفرّقاً من طرق أخرى ليس فيها شيعي..» (1).

أقول: منها ما ذكره الطيالسي (2)

مسند أبي داود الطيالسي 1: 360.

، وأحمد بن حنبل(3)

مسند أحمد بن حنبل 1: 330.

، وصححه الحاكم بقوله: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة» (4)، وقال عنه الذهبي في التلخيص: «صحيح» (5).

قال الألباني: «..، وأما قوله: (وهو ولي كلّ مؤمن بعدي)، فقد جاء من


1) سلسلة الأحاديث الصحيحة 5: 222.

2) قال الطيالسي : «حدثنا يونس؛ قال: حدّثنا أبوداود؛ قال: حدّثنا أبوعوانة عن أبي بلج، عن عمروبن ميمون، عن ابن عباس أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) قال لعلي : (أنت ولي كلّ مؤمن بعدي)».

3) قال أحمد بن حنبل: «حدثنا عبد اللّه حدثني أبي ثنا يحيى بن حمّاد ثنا أبوعَوَانَةَ ثنا أبوبَلْج ثنا عَمْرُوبن مَيْمُون قال إِني لَجَالس إلى بن عَبَّاس إذا أَتَاهُ تسْعَةُ رَهْطُ فَقَالُوا يَا أَبَا عَبَّاس أما ان تَقُومَ مَعَنَا وأما أن تخلونا هؤلاء قال فقال بن عَبَّاس : بَلْ أَقُومُ مَعَكُمْ قال وهو يَوْمَئَذ صحيح قبل أن يَعْمَى قال فابتدؤا فَتَحَدَّثُوا فَلا ندري ما قالوا قال: فَجَاءَ يَنْفُضُ ثَوْبَهُ وَيَقُولُ أفَ وَتُفْ وَقَعُوا فِي رَجُل له عَشْرٌ وَقَعُوا في رَجُل قال له النبيّ (صلى اللّه عليه وسلم)..، فقال له أمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ منّى بمَنْزلَة هَارُونَ من مُوسَى الا أَنَّكَ لَسْتَ بنبي، انه لا ينبغي أنْ أَذْهَبَ الا وَأَنْتَ خليفتي قال : وقال له رسول اللّه : (أنت وليّي في كلّ مُؤْمِن بعدي)».

4) المستدرك على الصحيحين 143:3.

5) المستدرك بتعليق الذهبي 143:3.

حديث ابن عباس فقال الطيالسي (2752): حدّثنا أبو عوانة عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون عنه: (أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) قال لعلي: أنت ولي كلّ مؤمن بعدي)، وأخرجه أحمد (1 : 330 - 331)، ومن طريقه الحاكم (3: 132) - (133)، وقال : صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا» (1).

ثانياً: تشتمل جميع ألفاظ الطرق المذكورة وغيرها على كلمة (بعدي) خلافاً لما زعمه، كما نقلها كلّ من: الآجري، والطبراني، وابن عبد البر، وابن عساكر، والتلمساني والصفدي، وابن كثير، وابن حجر العسقلاني، وعبد القادر البغدادي، وغيرهم (2).

ثالثاً: روى ابن أبي شيبه حديث جعفر بن سليمان في مصنفه (3)، وأورده كثير من أهل النقل في مصنّفاتهم منهم: الطيالسي، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر الشيباني، والنسائي، وأبو يعلي الموصلي، والروياني، وابن حبّان، والطبراني (4).


1) سلسلة الأحاديث الصحيحة 5: 222.

2) الشريعة للآجري 4 : 2021، المعجم الكبير للطبراني 12: 97، الإستيعاب في معرفة الأصحاب 3 : 1091، تأريخ مدينة دمشق 42 : 199، الجوهرة في نسب النبيّ وأصحابه العشرة 1 : 292، الوافي بالوفيات 21: 178، البداية والنهاية لابن كثير 7 : 339، الإصابة في تمييز الصحابة 4: 567، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب 6 : 68.

3) المصنّف لابن أبي شيبة 6 : 372.

4) مسند أبي داود الطيالسي 1 : 111، مسند أحمد بن حنبل 4 : 437، فضائل الصحابة 2 : 605، الآحاد والمثاني 4: 278، السنن الكبرى للنسائي 5 : 132، مسند أبي يعلى 1: 293، مسند الروياني 1 : 125، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان 15 : 373، المعجم الكبير للطبرانی 18 : 128.

وقال ابن حجر العسقلاني بشأن هذا الحديث: «..، وأخرج الترمذي بإسناد قوي عن عمران بن حصين في قصة قال فيها: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): (ما تريدون من علي؟ إن علياً مني وأنا من علي، وهو ولي كلّ مؤمن بعدي) (1).

وقال الذهبي بعد نقله للحديث: «..، أخرجه أحمد في المسند، والترمذي وحسنه، والنسائي» (2).

وقال عبد القادر البغدادي: «... وأخرج الترمذي بإسناد قوي عن عمران بن حصين في قصة قال فيها : قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): (ما يريدون من علي؟ إن علياً منّي وأنا من علي، وهو ولي كلّ مؤمن بعدي)(3).

وقال السيوطي: «عَنْ عمران بن حصين قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللّه سَريَّةٌ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمُ عَليّاً رَضِيَ اللّه عَنْهُ فَغَنمُوا... فَقَالَ: (مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلي؟ عَلِيٌّ مِني وَأَنَا مِنْ عَلِي، وَعَلِيٌّ وَلِيُّ كلّ مُؤْمِن بَعْدِي) (ش [أي: رواه ابن أبي


1) الإصابة في تمييز الصحابة 4 : 569.

2) تأريخ الإسلام ووفيات المشاهير ج 3: 630.

3) خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب 6: 69.

شيبة] وابن جرير وصححه)» (1).

ولا يخفى أن جعفر بن سليمان من رجال مسلم فلا يصحّ تضعيفه عند القوم، وقد أشار الألباني إلى ذلك قائلاً: «.. وهو ثقة من رجال مسلم، وكذلك سائر رجاله، ولذلك قال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي)» (2)، وقال الذهبي بشأنه: «..، توفّي جعفر بن سليمان في سنة ثمان وسبعين ومئة، أحتج به مسلم» (3).

وقد عبّر الذهبي عنه بـ : «الإمام»؛ إذ قال: «الإمام أبو سليمان الضبعي البصري.. كان ينزل في بني ضبيعة فنسب إليهم» (4)، وهو توثيق قوي.، ووثقه يحيي بن معين كما ورد عن محمّد بن عثمان العبسي عنه أنه قال:..، وكان [أي: جعفر ] عندنا ثقة، وروى عباس عن يحيى بن معين : [أنه] ثقة» (5).

رابعاً: قال الذهبي:..، وقد قيل لجعفر بن سليمان: تشتم أبا بكر وعمر؟ قال: لا، ولكن بغضاً يا لك، وفي صحّة هذه عنه نظر، فإنّه لم يكن رافضياً، حاشاه، وقال زكريا الساجي: قوله: (بغضاً يا لك) إنما عنى به جارين له، كان قد تأذى بهما اسمهما أبو بكر وعمر..» (6).


1) جامع الأحاديث (الجامع الصغير وزوائده والجامع الكبير) 16 : 256.

2) سلسلة الأحاديث الصحيحة 5: 222.

3) سير أعلام النبلاء 8 : 197.

4) تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام 11 : 68.

5) سير أعلام النبلاء 8 : 197.

6) تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام 11 : 68.

وقال أيضاً: «..، ويروى أن جعفراً كان يترفض فقيل له: أتسب أبا بكر وعمر ؟ قال : (لا ولكن بغضاً يا لك)، فهذا غير صحيح عنه» (1).

وقال الألباني: «إنّه [أي: ابن حبّان] قال في ثقاته (6: 140): «كان يبغض الشيخين».. وهذا، وإن كنت في شك من ثبوته عنه، فإن ممّا لا ريب فيه أنه شيعي لإجماعهم على ذلك، ولا يلزم من التشيع بغض الشيخين..، وإنّما مجرّد التفضيل.. والإسناد الذي ذكره ابن حبّان برواية تصريحه ببعضهما، فيه جرير بن يزيد بن هارون ولم أجد له ترجمة ولا وقفت على إسناد آخر بذلك إليه، ومع ذلك فقد قال ابن حبان عقب ذاك التصريح: «وكان جعفر بن سليمان من الثقات المتقنين في الروايات غير أنه كان ينتحل الميل إلى أهل البيت [(عَلَيهِم السَّلَامُ)] ولم يكن بداعية إلى مذهبه وليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها، أن الاحتجاج بأخباره جائز» (2).

خامساً: قال الألباني: «... وللحديث شاهد يرويه أجلح الكندي عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه بريدة؛ قال: بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بعثين إلى اليمن، على أحدهما عليّ بن أبي طالب..، فذكر القصة بنحو ما تقدم، وفي آخره: (لا تقع في علي، فإنّه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي، وإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي) أخرجه أحمد (5:356) قلت:


1) سير أعلام النبلاء 8: 197.

2) سلسلة الأحاديث الصحيحة 5: 222.

وإسناده حسن (1).

وذكر المناوي الحديث بنفس الإسناد ثمّ قال: «قال جدنا للأم، الزين العراقي: (الأجلح الكندي وثقه الجمهور، وباقيهم، رجاله رجال الصحيح» (2).

ويضيف الألباني قائلاً: فإن قال قائل: راوي هذا الشاهد شيعي، وكذلك في سند المشهود له شيعي آخر، وهو جعفر بن سليمان، أفلا يعتبر ذلك طعناً في الحديث وعلة فيه؟

فأقول: كلاً، لأنّ العبرة في رواية الحديث إنما هو الصدق والحفظ، وأما المذهب فهو بينه وبين ربه فهو حسيبه، ولذلك نجد صاحبي الصحيحين وغيرهما قد أخرجوا لكثير من الثقات المخالفين كالخوارج، والشيعة، وغيرهم.

فمن العجيب حقاً أن يتجرأ شيخ الإسلام ابن تيميّة على إنكار هذا الحديث وتكذيبه في منهاج السنّة» (4:104) كما فعل بالحديث المتقدم هناك.. فلا أدري بعد ذلك وجه تكذيبه للحديث إلا التسرع والمبالغة في الردّ على الشيعة.. (3).


1) المصدر السابق.

2) فيض القدير شرح الجامع الصغير 4 : 357.

3) سلسلة الأحاديث الصحيحة 5 :222.

موقف ابن تيميّة من حديث سد الأبواب:

قال ابن تيميّة بشأن الحديث المعروف بسد الأبواب (1): «إنّ هذا ممّا وضعته الشيعة على طريق المقابلة» (2).

وقد استشهد على رأيه قائلاً: «وإن الذي في الصحيح عن أبي سعيد عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) أنه قال في مرضه الذي مات فيه: (لا يبقين في المسجد خوخة إلا سُدّت إلا خوخة أبي بكر) ورواه ابن عباس أيضاً في الصحيحين» (3).

يرد عليه :

أولاً: أن الحديث روي في كتب أهل السنّة بالإسناد إلى غير واحد من الصحابة والتابعين كـ زيد بن أرقم وعمر بن الخطاب، والبراء بن عازب، وعبد اللّه بن عمر بن الخطاب، وعبد اللّه بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وسعد بن مالك، وأبو حازم الأشجعي، وجابر بن عبد اللّه الأنصاري، وجابر بن سمرة، وسعد بن أبي وقاص، وأنس بن مالك، مضافاً إلى أنّ الإمام أمير المؤمنين عليّ بن ابي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو أحد من يُروى عنه هذا الحديث (4).


1) قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «سُدَّوْا أَبْوَابَ الْمَسْجِد غَيْر بَابٍ عَلِيَّ».

2) منهاج السنّة 5: 35.

3) المصدر السابق.

4) للمزيد راجع: موسوعة الغدير 3: 285.

ثانياً: روى كبار أئمة أهل السنّة الحديث وصرّح العديد منهم باعتباره ك: أحمد، والطبراني، والذهبي، والنسائي، والحاكم؛ إذ قال بشأن رواية زيد بن أرقم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، وقال ابن حجر فيها: «أخرجه أحمد والنسائي، والحاكم، ورجاله ثقات»..

وقال الحاكم بشأن رواية ابن عبّاس: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة»، وقال ابن حجر فيها: «..، وعن ابن عباس قال أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بأبواب المسجد فسدت إلا باب علي، وفي رواية: وأمر بسد الأبواب غير باب علي فكان يدخل المسجد وهو جنب.. ليس له طريق غيره، أخرجهما، أحمد والنسائي، ورجالهما ثقات» (1)، وقال الذهبي فيها: «صحيح» (2).

وقال الهيثمي بشأن رواية ابن عباس: «رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط باختصار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج الفزاري وهو ثقة» (3)، وقال في رواية سعد: رواه أحمد وأبو يعلى، والبزار، والطبراني في الأوسط وزاد: قالوا يا رسول اللّه سددت أبوابنا كلها إلا باب علي، قال:


1) راجع مسند أحمد بن حنبل 5: 158، المعجم الاوسط 2: 118، المستدرك على الصحيحين 3: 125، 135، خصائص أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 59، مسند أحمد بن حنبل 4: 372، فتح الباري بشرح صحيح البخاري : 18.

2) المستدرك علي الصحيحين وبذيله التلخيص للذهبي 3: 134.

3) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9: 120.

ما أنا سددت أبوابكم ولكن اللّه سدها. وإسناد أحمد حسن» (1).

قال ابن حجر في (النكت على كتاب ابن الصلاح)): «وقد أخرج النسائي في خصائص علي رضي اللّه عنه حديث سعد، وأخرج فيه أيضاً حديث زيد بن أرقم بإسناد صحيح» (2)، وقال في الفتح بشأن رواية سعد: «أخرجه أحمد، والنسائي، وإسناده قوي، وفي رواية للطبراني في الأوسط رجالها ثقات» (3).

أما رواية عمر بن الخطاب فقد اعتبر إسنادها الطحاوي؛ إذ قال: «عبد اللّه بن جعفر الذي عاد إليه هذا الحديث إن يكن هو: المخرمي، فهو ممن يحمد في حديثه، وإن يكن هو ابن نجيح أبو عليّ بن المديني، فإن حديثه ليس كحديث عبد اللّه بن جعفر المخرمي، ولكنّه ليس بساقط، قد حدث الناس عنه، وأحد من حدث عنه ابنه وهو إمام أهل الحديث» (4)، وقال الحاكم فيها: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» (5).

وقال ابن حجر بشأن رواية عبد اللّه بن عمر: «رجاله رجال الصحيح الاّ العلاء، وقد وثقه يحيى بن معين وغيره» (6)، وقال في النكت: «أورده النسائي في


1) المصدر السابق 9: 114.

2) النكت على كتاب ابن الصلاح 1: 466.

3) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 7: 14.

4) شرح مشكل الآثار 9: 182.

5) المستدرك علي الصحيحين 3: 135.

6) فتح الباري شرح صحيح البخاري 7: 15.

الخصائص بسند صحيح عن أبي اسحاق عن العلاء بن عرار..، والعلاء وثقه ابن معين» (1)، وقال في (القول المسدّد): روى النسائي أيضا حديث ابن عمر بسند آخر صحيح.. أورده من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن العلاء بن عرار..، ورجاله رجال الصحيح إلا العلاء وهو ثقة، وثقه يحيى بن معين وغيره» (2).

هذا وقد صرّح السيوطي بتواتر الحديث بعد نقله قائلاً: «... فهذه أكثر من عشرين حديثاً في الأمر بسد الأبواب وبقيت أحاديث أخر تركتها كراهة الإطالة... فصل: قد ثبت بهذه الأحاديث الصحيحة بل المتواترة أنه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) منع من فتح باب شارع إلى مسجد ولم يأذن في ذلك لأحد، ولا لعمه العباس، ولا لأبي بكر، إلا لعلي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]..» (3).

وأنكر ابن حجر على ابن الجوزي ردّه للحديث؛ قائلاً: «الحديث الثاني والثالث.. حديث سدوا الأبواب إلا باب علي... وقول ابن الجوزي إنه باطل، وإنه موضوع، دعوى لم يستدل عليها إلا بمخالفة الحديث الذي في الصحيحين، وهذا إقدام على ردّ الأحاديث الصحيحة بمجرد التوهم، ولا ينبغي الإقدام على الحكم بالوضع إلا عند عدم إمكان الجمع، ولا يلزم من تعذر الجمع في الحال أن لا يمكن بعد ذلك؛ إذ فوق كلّ ذي علم عليم، وطريق الورع في مثل هذا أن لا يحكم على الحديث بالبطلان، بل يتوقف فيه إلى أن يظهر لغيره ما لم يظهره له، وهذا الحديث من هذا الباب هو حديث


1) النكت على كتاب ابن الصلاح 1: 464.

2) القول المسدّد في الذب عن مسند أحمد 1: 18.

3) الحاوي للفتاوي 2: 16.

مشهور له طرق متعددة كلّ طريق منها على إنفرادها لا تقصر عن رتبة الحسن، ومجموعها ممّا يقطع بصحته على طريقة كثير من أهل الحديث..

فهذه الطرق المتظاهرة من روايات الثقات تدل على أن الحديث صحیح دلالة قوية، وهذه غاية نظر المحدث..، وظهر بهذا الجمع أن لا تعارض.. فكيف يدعي الوضع على الأحاديث الصحيحة بمجرد هذا التوهم؟.. ولو فتح هذا الباب لردّ الأحاديث لأدعى في كثير من الأحاديث الصحيحة البطلان، ولكن يأبى اللّه ذلك والمؤمنون» (1).

وقال في النكت: «...، وأمّا ادعاء ابن الجوزي أنهما من وضع الرافضة، فكلامه في ذلك دعوى عريّة عن البرهان..»(2).

وقال في الفتح: «أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات.. أخرجه من حديث سعد بن أبي وقاص، وزيد بن أرقم، وابن عمر، مقتصراً على بعض طرقه عنهم، واعله ببعض من تكلم فيه من رواته، وليس ذلك بقادح لما ذكرت من كثرة الطرق واعله أيضاً بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر، وزعم أنه من وضع الرافضة؛ قابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر انتهى.. وأخطأ في ذلك خطأ شنيعاً، فإنّه سلك في ذلك ردّ الأحاديث الصحيحة بتوهمه المعارضة» (3).


1) القول المسدّد في الذب عن مسند أحمد 1: 16.

2) النكت على كتاب ابن الصلاح 1: 464.

3) فتح الباري شرح صحيح البخاري 7: 15.

ثالثاً: أن أبابكر لم يكن له بيت ملاصق للمسجد بل كان بيته بالسنح في عوالي المدينة، فكيف يصحّ مضمون حديث خوخة أبي بكر؟

روى البخاري؛ قال: «عن عائشة أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) مات وأبو بكر بالسُّنح، قال إسماعيل يعني بالعالية..» (1)، وقال أيضاً: «عن أبي سلمة أن عائشة قالت: أقبل أبو بكر على فرسه من مسكنه بالسّنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلّم الناس حتّى دخل على عائشة..» (2).

وذكر ابن سعد، والبلاذري، والطبري، وابن جوزى، وابن الأثير وغيرهم ما يؤيد سكناه في السنح؛ إذ قالوا: «بويع أبو بكر..، يوم قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة، وكان منزله بالسنح عند زوجته حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير من بني الحارث بن الخزرج، وكان قد حجر عليه حجرة من شعر، فما زاد على ذلك حتّى تحوّل إلى المدينة، فأقام هناك بالسنح بعد ما بويع له ستة أشهر يغدو على رجليه إلى المدينة، وربما ركب على فرس له وعليه إزار ورداء ممشق، فيوافي المدينة فيصلّي الصلوات بالناس، فإذا صلى العشاء رجع إلى أهله بالسنح»(3).

وذهب الى ذلك الشيخ فضل اللّه التوربشتي الشافعي [(660هـ)]؛ إذ


1) صحيح البخاري 4: 193.

2) المصدر السابق 4: 11، 5: 142.

3) الطبقات الكبري لابن سعد 3: 186، أنساب الأشراف 3: 313، تأريخ الأمم والملوك للطبري 2: 354، المنتظم في تأريخ الملوك والأمم 4: 72، أسد الغابة 3: 334.

قال:.... لم يصحّ عندنا أن أبا بكر كان له منزل بجنب المسجد، وإنما كان منزله بالسنح من عوالي المدينة» (1).

قال ابن حجر: «..، وقوّى بعضهم ذلك بأن منزل أبي بكر كان بالسنح من عوالي المدينة، كما سيأتي قريباً بعد باب، فلا يكون له خوخة إلى المسجد، وهذا الإسناد ضعيف؛ لأنه لا يلزم من كون منزله كان بالسنح أن لا يكون له دار مجاورة للمسجد، ومنزله الذي كان بالسنح هو منزل أصهاره من الأنصار، وقد كان له إذ ذاك زوجة أخرى، وهي: أسماء بنت عميس بالاتفاق، وأم رومان على القول بأنها كانت باقية يومئذ» (2).

يرد عليه :

أن قوله هذا ادعاء من دون دليل، فلا يقبل منه.. ويلزم من قوله أنّ أبابكر ترك المبيت عند أسماء بنت عميس وأم رومان ستّة أشهر، وبذلك خالف الفريضة والسنّة، وأصرّ على ذلك.

رابعاً: أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أمر بسد الأبواب إلا باب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأمر بسد كلّ شعب في المسجد حتّى أن عمر بن الخطاب طلب أن يفتح كوة فلم يقبل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وهذا يعني أن لا باب باقية بعد ذلك السد، وإلا فإن من أبقى باباً أو حتّى خوخة يدخل منها إلى المسجد كما يصوّرها البعض كان عاصياً لأمر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فكيف لم يلتزم أبو بكر ومن معه بسد خوختهم


1) نقل عنه ذلك الملا علي القاري الحنفي في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 11: 165.

2) فتح الباري شرح صحيح البخاري 7: 14.

بعدما سمعوا حديث سد الأبواب؟

ألا يعد إبقاء تلك الخوخة ودخولهم منها إلى المسجد عصياناً لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ؟

قال أبو نعيم الأصبهاني: «عن بريدة الأسلمي، قال: أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بسد الأبواب، فشق ذلك على أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) فلما بلغ ذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) دعا الصلاة جامعة حتّى إذا اجتمعوا صعد المنبر ولم يسمع لرسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) تحميداً وتعظيماً في خطبة مثل يومئذ فقال: (يا أيها الناس ما أنا سددتها، ولا أنا فتحتها، بل اللّه سدها، ثم قرأ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هو إلا وَحْيٌ يُوحَى) (1)، فقال رجل: دع لي كوة يكون في المسجد، فأبى، وترك باب علي مفتوحاً، فكان يدخل ويخرج منه وهو جنب» (2).

نعم إن علة سد الأبواب دون باب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هي: طهارته وأهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ) وإمكان نجاسة غيره، كما صرحت بذلك رواية الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِم السَّلَامُ) واحتجاجه يوم الشورى وروايات أخرى..

جاء في مجمع الزوائد: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)


1) سورة النجم: 1-4.

2) فضائل الخلفاء الراشدين 1: 108، ونقل السمهودي مثله في: خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى 1: 123.

لعلي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]: «لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك» (1)، وعلى هذا الأساس فلا معنى لاستثناء باب أو خوخه أبي بكر؛ لأنه لا أحد يقول بطهارته.

قال ابن أبي الحديد: «فلما رأت البكرية ما صنعت الشيعة، وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث نحو: (لو كنت متخذ خليلا...)، فانهم وضعوه في مقابلة حديث الاخاء، ونحو: (سد الأبواب...)، فإنّه كان لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقلبته البكرية إلى أبي بكر...» (2).

وقال العلامة الأميني (رَحمهُ اللّه) تعليقاً على رأي ابن تيميّة بشأن الحديث: «لا أجد لنسبة وضع هذا الحديث إلى الشيعة دافعاً إلا القحة والصلف، ودفع الحقائق الثابتة بالجلبة والسخب، فإن نصب عيني الرجل كتب الأئمّة من قومه وفيها مسند إمام مذهبه أحمد قد أخرجوه فيها بأسانيد جمة صحاح وحسان، عن جمع من الصحابة تربو عدتهم على عدد ما يحصل به التواتر عندهم» (3).

موقف ابن تيميّة من حديث باب مدينة العلم:

قال ابن تيميّة: «..، وحديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) أضعف وأوهن، ولهذا إنّما يُعدّ في الموضوعات وإن رواه الترمذي.. وذكره ابن الجوزي وبيّن أنّ سائر طرقه موضوعة، والكذب يُعرف من نفس المتن» (4).


1) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9 : 115.

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11: 49.

3) موسوعة الغدير 3: 285.

4) منهاج السنّة 7: 515.

يرد عليه :

أولاً: أن الحديث رواه جماعة من مشاهير الصحابة؛ وهم:

الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الإمام الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الإمام الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عبد اللّه بن عباس، جابر بن عبد اللّه الأنصاري، عبد اللّه بن مسعود، حذيفة بن اليمان، عبد اللّه بن عمر، أنس بن مالك، عمروبن العاص.

ثانياً: أن الحديث رواه كبار التابعين؛ منهم:

الإمام عليّ بن الحسين السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الإمام محمّد بن علي الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ). الأصبغ بن نباتة الحنظلي الكوفي، جرير الظبي، الحارث بن عبد اللّه الهمداني الكوفي، سعد بن طريف الحنظلي الكوفي، سعيد بن جبير الأسدي الكوفي، سلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي، سليمان بن مهران الكوفي المعروف بالأعمش، عاصم بن غمرة السلولي الكوفي، عبد اللّه بن عثمان بن خثيم القارئ المكي، عبد الرحمن بن عثمان التميمي المدني، عبد الرحمن بن عسيلة المرادي أبو عبد اللّه الصنابحي، مجاهد بن جبر أبو الحجاج المخزومي المكي.

ثالثاً: نقله جمع كثير من الحفاظ والمحدثين؛ فقد نقله في القرن الثالث ثمانية من الحفاظ، ورواه في القرن الرابع أربعة عشر، ورواه في القرن الخامس اثنا عشر، ورواه في القرن السادس ثمانية، ورواه في القرن السابع اثنا عشر، ورواه في القرن الثامن عشرة، ورواه في القرن التاسع عشرة أيضاً، وفي القرن

العاشر رواه اثنان وعشرون، ورواه في القرن الحادي عشر أربعة عشر، وفي القرن الثاني عشر رواه ثلاثة عشر، وفي القرن الثالث عشر رواه ثلاثة عشر عالماً ومحدثاً، وفي القرن الرابع عشر نقله خمسة من أهل الاختصاص(1).

رابعاً: أن الحاكم النيسابوري صححه بأسانيد ثلاثة؛ منها:

قال الحاكم: «حدثنا أبو العباس محمّد بن يعقوب، ثنا محمّد بن عبد الرحيم الهروي بالرملة، ثنا أبو الصلت عبد السلام بن صالح، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن، عن مجاهد، عن ابن عباس ما قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): (أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب)، هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» (2)

وأقرأ السندين الأخيرين في نفس المستدرك.

.

تنبيه :

إن قيل: إن الذهبي حكم بوضع الحديث.

قلنا: المعروف عن الذهبي أن نفسه لا تنبسط للأحاديث الواردة في فضائل الامام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن هنا تجده يبالغ في نقد أسانيدها، وقد ينكر بعض الأحاديث مع إقراره بصحة أسانيدها.

وفي هذا المجال يأتي تعقيبه على رواية الحاكم المتقدمة، حيث يقول: «أبو الصلت: عبد السلام، ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن


1) للمزيد راجع موسوعة الغدير 6: 110.

2) المستدرك على الصحيحين 3: 126.

عباس مرفوعاً: (أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب).. صحيح. قلت: بل موضوع، قال [الحاكم] وأبو الصلت ثقة مأمون.. قلت: لا واللّه لا ثقة ولا مأمون (1).

ويلاحظ عليه :

أن الحديث قد صححه أو حسّنه العديد من حفاظ أهل السنّة، بل صرحوا بالردّ على الذهبي وغيره، فممن صححه: يحيى بن معين، وابن جرير الطبري، والحاكم النيسابوري، والمتقي الهندي، وممن حسنه: صلاح الدين العلائي، وابن حجر العسقلاني (2).

قال صلاح الدين خليل العلائي الدمشقي (761هـ): «هذا الحديث حكم ابن الجوزي وغيره بوضعه، وعندي في ذلك نظر..، والحاصل أنه ينتهي بطرقه إلى درجة الحسن المحتج به، ولا يكون ضعيفاً فضلاً عن أن يكون موضوعاً» (3).

وقال ابن حجر (852هـ): «هذا الحديث له طرق كثيرة في مستدرك الحاكم، أقلّ أحوالها أن يكون للحديث أصل، فلا ينبغي أن يُطلق القول عليه بالوضع» (4).


1) المصدر السابق.

2) للمزيد راجع: كنز العمال 13: 148.

3) النكت البديعات : 288.

4) لسان الميزان 2: 123.

وقال أيضاً: «أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: إنه صحيح، وخالفه ابن الجوزي فذكره في الموضوعات وقال: إنه كذب، والصواب خلاف قولهما معاً، وإن الحديث من قسم الحسن لا يرتقي إلى الصحة ولا ينحط إلى الكذب، وبيان ذلك يستدعي طولاً، ولكن هذا هو المعتمد في ذلك» (1).

وقال المتقي الهندي (975هـ): «قد كنت أجيب بهذا الجواب [أي: جواب ابن حجر ] دهراً إلى أن وقفت على تصحيح ابن جرير لحديث علي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] في: (تهذيب الآثار) (2)، مع تصحيح الحاكم لحديث ابن عباس، فاستخرت اللّه وجزمت بارتقاء الحديث من مرتبة الحسن إلى مرتبة الصحة» (3).

وقال صلاح الدين العلائي الدمشقي في الردّ على المضعفين: «... [إنّ القائلين ببطلان الحديث ] لم يأتوا في ذلك بعلّة قادحة، سوى دعوى الوضع دفعاً بالصدر»(4).

ومن أراد التفصيل والوقوف على كلمات العلماء حول الحديث فليرجع إلى(موسوعة الغدير) أو (نفحات الأزهار)(5).


1) النكت البديعات: 289.

2) تهذيب الآثار 1: 189.

3) كنز العمال 13: 149.

4) للمزيد راجع: کنز العمال 13: 148.

5) راجع: موسوعة الغدير 6: 87، نفحات الأزهار: ج 10، 11، 12.

موقف ابن تيميّة من حديث المحبة والبغض:

قال ابن تيميّة في حديث المحبّة والبغض: «فإن هذه الأحاديث أصح ممّا يروى عن عليّ أنه قال: (إنّه لعهد النبيّ (صلى اللّه عليه وآله) إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق)، فإنّها من أفراد مسلم، وهو من رواية عدي بن ثابت عن زر بن حبيش عن علي، والبخاري أعرض عن هذا الحديث، بخلاف أحاديث الأنصار فإنّها ممّا اتفق عليه أهل الصحيح كلّهم، البخاري وغيره، وأهل العلم يعلمون يقيناً أن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) قاله، وحديث علي قد شك فيه بعضهم» (1).

يرد عليه :

أولاً: نقل هذا الحديث كثير من أعلام أهل السنّة بأسانيد معتبرة كـ : مسلم (2)، وابن حبان (3)

قال محقق الكتاب (شعيب الأرنؤوط): «إسناده صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين غير محمّد بن الصباح الجرجرائي، فقد روى له أبو داود وابن ماجة، وهو صدوق، وقد توبع».

، وأبو يعلى(4)، وأحمد بن حنبل (5)

علقا عليه محققا الكتاب بقولهما: إسناده على شرط الشيخين إلا عدي بن ثابت...»، ثم قالا: وأخرجه ابن ماجة من طريق عبد اللّه بن نمير بهذا الإسناد، وأخرجه الحميدي، وابن أبي شيبه ومسلم، وابن ماجة، والترمذي وابن أبي عاصم، وعبد اللّه بن أحمد في (زوائد الفضائل)، والبزار، والنسائي في (الكبرى)، وفي (خصائص علي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)])، وأبو يعلى، والخطيب في (تأريخ بغداد)، والبغوي في (شرح السنّة) من طرق عن الأعمش».

، وأحمد بن شعيب

1) منهاج السنّة 7: 147.

2) صحیح مسلم 1: 60.

3) صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان 5: 367.

4) مسند أبي يعلى 1: 251. قال محقق الكتاب (حسين سليم أسد): إسناده صحيح.

5) مسند أحمد بن حنبل 2: 71.

النسائي (1)، وصححه الذهبي؛ قائلا: «..، وقد جمعت حديث الطير في جزء، وطرق حديث: (من كنت مولاه) وهو أصح، وأصح منهما ما أخرجه مسلم عن علي قال: (إنّه لعهد النبيّ الأمي (صلى اللّه عليه وآله) إليَّ أنه لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)» (2).

وعليه يثبت أن منهج ابن تيميّة هو منهج بني أمية في فهم الإسلام بأن يتخذ مسبقاً موقف سلبي رافض لكلّ ما له علاقة بفضائل ومناقب ومآثر أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).

وقد طبق الحرّاني هذا المنهج على نصوص أخرى من أحاديث المحبّة والبغض للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مثل : ما نُقل عن سلمان المحمّدي (سلام اللّه عليه) حين سئل: ما أشدّ حبّك لعلي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ)]، فقال: سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول: (من أحب علياً فقد أحبني، ومن أبغض علياً فقد أبغضني)».

قال ابن تيميّة في هذه الأحاديث: «...، وهذه الأحاديث ممّا يعلم أهل المعرفة بالحديث أنها من المكذوبات» (3).


1) خصائص أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 86.

2) سير أعلام النبلاء 17:169.

3) منهاج السنّة 5: 42.

وقال أيضاً فيها: «... فالعشرة الأول كلّها كذب» (1).

ثانياً: أن هذا الحديث ممّا نقله الحاكم النيسابوري في (مستدركه)، ثم قال: «هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» (2)، وقد وافق الذهبي الحاكم النيسابوري في ذلك في تلخيصه لكتاب الحاكم؛ إذ قال: (خ م) (3). أي: على شرط البخاري ومسلم وقد صحح الحديث «مقبل بن هادي الوادعي» السلفي المعاصر، في كتابه (الصحيح المسند ممّا ليس في الصحيحين) (4).

وقد أرسله ابن عبد البر إرسال المسلّمات ناسباً الحديث إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال: «قال (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): (من أحب عليا فقد أحبّني، ومن أبغض علياً فقد أبغضني، ومن آذى علياً فقد آذاني ومن آذاني فقد أذى اللّه)»(5).

موقف ابن تيميّة من حديث يوم الدار ونزول آية الإنذار بشأن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

قال ابن تيميّة بشأن حديث يوم الدار (6): «هذا الحديث كذب عند أهل


1) المصدر السابق.

2) المستدرك على الصحيحين 3: 130.

3) المصدر السابق.

4) الصحيح المسند ممّا ليس في الصحيحين 1: 373.

5) الإستيعاب في معرفة الأصحاب 3: 110.

6) لما نزل قوله تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبَين) جمع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أهل بيته، فاجتمعوا ثلاثين فأكلوا وشربوا ثلاثاً، ثم قال لهم: «من يضمن عنّى ديني ومواعيدي ويكون خليفتي ويكون معي في الجنّة؟، فقال رجل لم يسمه شريك : يا رسول اللّه أنت كنت تجد من يقوم بهذا.. ثمّ قال الآخر يعرض ذلك على أهل بيته، فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أنا». فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «أنت».

المعرفة بالحديث، فما من عالم يعرف الحديث إلا وهو يعلم أنه كذب موضوع، ولهذا لم يروه أحد منهم في الكتب التي يرجع إليها في المنقولات؛ لأن أدنى من له معرفة بالحديث يعلم أن هذا كذب» (1).

يرد عليه :

أولاً: أخرج الحديث أحمد بن حنبل بسند صحيح عن عبد اللّه، ثنا أبي، ثنا أسود بن عامر، ثنا شريك، عن الأعمش، عن المنهال، عن عباد بن عبد اللّه الأسدي، عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

وقال الهيثمي بعد أن رواه: «رواه أحمد، ورجاله ثقات» (3).

وجاء في مسند أحمد بسند صحيح أيضاً عن عبد اللّه، حدثني أبي، ثنا عفان، ثنا أبو عوانة، عن عثمان بن المغيرة عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ، عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

وأخرجه بهذا السند النسائي (5)، وأخرجه البزّار والطبراني وعنهم


1) منهاج السنّة 7: 302.

2) مسند أحمد بن حنبل 1: 885.

3) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 8: 302.

4) مسند أحمد بن حنبل 1: 257.

5) خصائص أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 97.

الهيثمي؛ قال: «ورجال أحمد وأحد اسنادي البزار رجال الصحيح غير شريك، وهو ثقة» (1)، وأخرجه ابن اسحاق، والطبري، والطحاوي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم، والضياء المقدسي وعنهم المتقي الهندي (2).

ثانياً: نصَّ كبار علماء أهل السنّة على صحّة هذا الخبر، كـ : الشهاب الخفاجي (1069هـ)؛ إذ أورده في فصل: (معجزاته (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) في تكثير الطعام)، وقال: «و تفصيله كما في الدلائل للبيهقي وغيره بسند صحيح» (3).

موقف ابن تيميّة من حديث رد الشمس:

قال ابن تيميّة: «وحديث ردّ الشمس له قد ذكره طائفة كالطحاوي والقاضي عياض وغيرهما، وعدوا ذلك من معجزات النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، ولكن المحققون من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أن هذا الحديث كذب موضوع، كما ذكره ابن الجوزي في كتابه الموضوعات» (4).

يرد عليه :

أولاً: قال ابن حجر: وروى الطحاوي والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في الدلائل عن أسماء بنت عميس أنه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) دعا لما نام على ركبة علي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ)] ففاتته صلاة العصر، فردّت


1) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 8: 303.

2) كنز العمّال 13: 129، 131، 149، 174.

3) نسيم الرياض 3: 35.

4) منهاج السنّة 4: 186.

الشمس حتّى صلى علي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] ثمّ غربت، وهذا أبلغ في المعجزة، وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده في الموضوعات، وكذا ابن تيميّة في كتاب الردّ على الروافض في زعم وضعه، واللّه أعلم» (1).

ثانياً: روى الحديث جمع كثير من أهل الحديث وصرحوا باعتباره كـ : ابن أبي شيبة، وأحمد بن صالح المصري، ومحمّد بن حسين الأزدي، وأبو بشر الدولابي، وأبو جعفر العقيلي وابن شاهين، وابن مردويه، والثعلبي، والبيهقي، والخطيب البغدادي وابن مندة والقاضي عياض، والخوارزمي والطحاوي، والطبراني، والحاكم والنطنزي، ويوسف قزأوغلي الحنفي، والكنجي الشافعي، وشمس الدين الأندلسي، والحموئي، وأبو زرعة، والسبتي، وابن حجر العسقلاني، والعيني، والسيوطي، والسمهودي، والقسطلاني، وابن الدبيع، وعبد الرحيم العبّاسي، وابن حجر الهيتمي، والملاً علي القاري، ونور الدين الحلبي، وشهاب الدين الخفاجي، وبرهان الدين الكردي، وأبو عبد اللّه الزرقاني، وشمس الدين الحنفي، والميرزا محمّد البدخشي، والشيخ محمّد الصبّان، وابن عابدين الدمشقي، وأحمد زيني دحلان، ومحمّد مؤمن الشبلنجي (2).


1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 6: 221.

2) راجع: المصنّف لابن أبي شيبة 2: 37، العلل 2: 150، مناقب علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) 348، الذرية الطاهرة: 48، الضعفاء الكبير 3: 327، المسند الكبير 2: 11، مناقب عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 288، عرائس المجالس: 249، فيض القدير شرح الجامع الصغير 5:440، تلخيص المتشابه 1: 255 المعرفة : 259 الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1:548، المناقب للخوارزمي : 306، شرح مشكل الآثار 2: 214، المعجم الاوسط 1: 249، المستدرك على الصحيحين 2:45، الخصائص العلويّة : 87، تذكرة الخواص: 49 كفاية الطالب: 114، التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي: 14، فرائد السمطين 1: 183، المعجم الكبير للطبراني 2: 145 شفاء الصدور : 475 فتح الباري بشرح صحيح البخاري 6: 222، عمدة القاري شرح صحيح البخاري 15: 43 جمع الجوامع 1: 119، وفاء الوفا 3: 48، المواهب اللدنية 2: 528 تمييز الطيب من الخبيث: 96، المعاهد: 311، الصواعق المحرقة: 128، شرح المشكاة 4: 275، عقد المرجان: 47، شرح الشفا 3: 11، الأمم لا يقاظ الهمم 63، شرح المواهب 5: 113، شرح الجوامع 1: 73، نزل الابرار: 79، إسعاف الراغبين : 62 تنبيه الولاة 378، السيرة النبويّة 2: 396، نور الابصار: 63.

موقف ابن تيميّة من نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)بشأن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

قال ابن تيميّة بشأن نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَاد) (1). في الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن هذا كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، فيجب تكذيبه ورده» (2).

يرد عليه :

أولاً: روى الأئمّة الأعلام من أهل السنّة لما نزلت الآية قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏):«أنا المنذر وعلي الهادي بك - يا علي - يهتدي المهتدون بعدي..».

ومن رواته: عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، والطبري، والحاكم، وابن أبي حاتم، والضياء المقدسي، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم، وابن عساكر،


1) سورة الرعد: 7.

2) منهاج السنّة 7: 139.

وابن النجار، والديلمي، والهيثمي، والسيوطي (1).

ثانياً: قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد» (2)، وقال الهيثمي: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ).. عن علي - رضي اللّه عنه - في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد): (قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) المنذر والهادي: رجل من بني هاشم)، رواه عبد اللّه بن أحمد والطبراني في الصغير والأوسط، ورجال السند ثقات (3).

موقف ابن تيميّة من حديث ((علي مع الحق...))

قال ابن تيميّة بشأن قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «علي مع الحق والحق مع علي»: «قوله [أي: العلامة الحلي (قدّس سِرُّه)]: إنهم رووا جميعاً..، من أعظم الكلام كذباً وجهلاً، فإنّ هذا الحديث لم يروه أحد عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، فكيف يقال: إنهم جميعاً رووا هذا الحديث؟

وهل يكون أكذب ممّن يروي عن الصحابة والعلماء أنهم رووا حديثاً،


1) راجع مسند أحمد بن حنبل 5: 328، جامع البيان عن تأويل آي القرآن 3: 79، المستدرك على الصحيحين 2: 114، تفسير ابن أبي حاتم 2: 221، الأحاديث المختارة: 311، المعجم الأوسط 1: 247، المناقب: 317، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 2: 291، تأريخ مدينة دمشق 10: 231، الدرة الثمينة :2 75 الفردوس 351 مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 2: 114، الدر المنثور في التفسير بالمأثور 3: 287.

2) المستدرك على الصحيحين 2: 114.

3) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 2: 114.

والحديث لا يعرف عن واحد منهم أصلاً؟

بل هذا من أظهر الكذب.. ولو قيل: رواه بعضهم وكان يمكن صحته لكان ممكناً، فكيف وهو كذب قطعاً على النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)؟» (1).

يرد عليه :

أولاً: روى الحديث بهذا اللفظ أو ألفاظ أخرى جمع كبير من الصحابة؛ منهم: الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ إذ أخرجه عنه: الترمذي، وقال الحاكم بشأن إسناده: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» (2). وروته السيدة أم سلمة، وأخرجه عنها: الطبراني، وأبو بشر الدولابي، والخطيب البغدادي، وابن عساكر، ورواه سعد بن أبي وقاص؛ أخرجه عنه البزار (3).

قال الهيثمي: «رواه البزار، وفيه سعد بن شعيب ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح»(4).

نقول: لا يضر عدم معرفة الهيثمي «سعد بن شعيب» بعد أن كان سائر رجال الحديث من رجال الصحاح، فإنّهم لا يروون عمن لا يعرفونه، وأن الهيثمي يقول هذه الكلمة في أشخاص لا كلام في وثاقتهم؛ كقوله في


1) منهاج السنّة 4: 238.

2) المستدرك على الصحيحين 3: 135.

3) راجع: المعجم الأوسط 2: 59 مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9: 135، تأريخ بغداد 14: 321 تأريخ مدينة دمشق 3: 118، مسند البزار 5: 74.

4) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9: 137.

فاطمة بنت أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وفاطمة بنت عليّ بن أبي طالب لم أعرفها»(1)، مع كونها من رواة النسائي وابن ماجة، ووثقها ابن حجر العسقلاني (2). في التقريب.

ثانياً: مع التنزل عن هذا كلّه، فإن الحديث يصحّ بمعونة الروايات الأخرى الصحيحة حتّى عند الهيثمي، كما رواه أبو سعيد الخدري، وأخرجه أبو يعلى.. قال الهيثمي : رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات»(3)، وما رواه كعب بن عجرة، وعائشة وأبو ذر وابن عبّاس، وغيرهم (4).

موقف ابن تيميّة من حديث الأشباه:

قال ابن تيميّة في حديث الأشباه (5): «هذا الحديث كذب موضوع على رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) بلا ريب عند أهل العلم بالحديث» (6).

يرد عليه :

أولاً: روي الحديث عن الحديث عن عدّة من الصحابة، ورواته أئمة مشاهير في


1) المصدر السابق 8: 297.

2) تقریب التهذيب 2: 178.

3) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 7: 234.

4) للمزيد راجع : المعجم الكبير للطبراني 3: 47.

5) قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب».

6) منهاج السنّة 5: 510.

مختلف القرون؛ منهم: عبد الرزاق بن همام الصنعاني، وأحمد بن حنبل، وابن أبي حاتم، والحاكم النيسابوري، وأبو بكر البيهقي، وأبو بكر بن مردويه، وأبو نعيم الأصبهاني و نعيم الأصبهاني (1)، وغيرهم.

ومن أصحّ أسانيده وأجودها رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب [ وكلّهم من رجال الصحيحين]، عن أبي هريرة عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (2).

ثانياً: لا يخفى على الخبير بآراء ابن تيميّة في كتاب (منهاج السنّة) ثناؤه واعتماده على غير واحد من رجال هذا الإسناد، كعبد الرزاق، والزهري (3).

ثالثاً: ممّا يدل على ثبوت هذا الحديث أن كبار المتكلمين من أهل السُنّة كالقاضي عضد الدين الإيجي، والشريف الجرجاني، وسعد الدين التفتازاني لم يرموا الحديث بالكذب والوضع، ولم يناقشوا في سنده، وإنما أجابوا عن الاستدلال به باحتمال تخصيص أبي بكر وعمر منه، أي إنهم لم يتكلّموا في جهة الاقتضاء، وإنّما احتملوا وجود المانع عنه فقط، ويجاب عن ذلك بأن مجرد الاحتمال لا يكفي، والفضائل المزعومة لأبي بكر وعمر إنّما


1) راجع المصنف للصنعاني 2: 274، مسند أحمد بن حنبل 7: 378، تفسير ابن أبي حاتم 2: 53، المستدرك على الصحيحين 4: 116، السنن الكبرى للبيهقي 3: 14، مناقب عليّ بن أبي طالب اللّه 2: 116، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 3: 47.

2) المصنف للصنعاني 2: 214.

3) انظر ذلك في منهاج السنّة 1: 98 112، 149، 2: 75، 4: 14.

تفرّد بها أهل السنّة - على فرض ثبوتها عندهم - وان ابن تيميّة لم يعترض على هذا الحديث إلا من جهة المقتضي، وقد عرفت صحّة سنده (1).

موقف ابن تيميّة من حديث ((هذا فاروق أمتي)) وحديث ((ما كنا نعرف المنافقين إلا ببغضهم عليا)):

قال ابن تيميّة في هذين الحديثين (2): «أما هذان الحديثان فلا يستريب أهل المعرفة بالحديث أنهما حديثان موضوعان مكذوبان على النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، ولم يروواحد منهما في شيء من كتب العلم المعتمدة، ولا لواحد منهما إسناد معروف.. ونحن نقنع في هذا الباب بان يروى الحديث بإسناد معروفين بالصدق من أي طائفة كانوا..، كلّ من الحديثين يعلم بالدليل أنه كذب، لا يجوز نسبته إلى النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)» (3).

يرد عليه :

أولاً: لا يخفى أنّ رواية «ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول


1) دراسات في منهاج السنّة: 97.

2) قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في أوصاف أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إن هذا أول من آمن بي، وأول من يصافحني القيامة، وهذا الصديق الأكبر، وهذا فاروق هذه الأمة، يفرق بين الحق والباطل، وهذا يوم يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظالمين»، وقوله: «سيكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب، فإنّه الفاروق بين الحق والباطل»، وقول الصحابة: «ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الا ببغضهم عليّاً».

3) منهاج السنّة 4: 286.

اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...،(1)» لم ترد عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وإنما رويت عن ابن عمر وغيره من الصحابة، وعليه يظهر كذب الحراني.

ثانياً: لا تختص هذه الكلمة بابن عمر بل رويت أيضاً عن أبي ذر، وعبد اللّه بن مسعود، وعبد اللّه بن العباس، وجابر بن عبد اللّه الأنصاري، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وغيرهم (2).

وروى هذا الخبر عن الصحابة كلّ من: أحمد، والترمذي، والبزار، والطبراني، والحاكم، والخطيب البغدادي، وأبو نعيم الإصفهاني، وابن عساكر، وابن عبد البر، وابن الأثير، والنووي، والهيثمي، والطبري، وا والذهبي، والسيوطي، وابن حجر المكي، والمتقي الهندي، والآلوسي (3).

هذا الخبر بأسانيد صحيحة؛ منها ما أخرجه أحمد قال: حدّثنا وروي أسود بن عامر قال: حدّثنا إسرائيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي


1) مسند أحمد بن حنبل 6: 296، صحيح مسلم 86: 1، ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: 91.

2) راجع: المصدر السابق.

3) راجع مسند أحمد بن حنبل 6: 296، سنن الترمذي 2: 219، مسند البزار 3: 17، المعجم الكبير للطبراني 2: 69، المستدرك على الصحيحين : 114، تأريخ بغداد 3: 298، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 1: 104 تأريخ مدينة دمشق 14: 85، الإستيعاب في معرفة الأصحاب 2: 78، أسد الغابة في معرفة الصحابة 3: 72 الأربعون النووية 1: 291، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 3: 11، جامع البيان عن تأويل آي القرآن 3: 19، تأريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام 14: 47، الدر المنثور في التفسير بالمأثور 3: 147، الصواعق المحرقة 1: 46 كنز العمال 9: 287، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 5: 18.

سعيد الخدري قال: «إنّما كنا نعرف منافقي الأنصار ببغضهم عليا» (1)، وهؤلاء كلهم من رجال الصحاح، وأبو صالح هو ذكوان السمان.. فالسند صحيح.

وما أخرجه الحاكم بإسناده عن أبي ذر؛ أنه قال: «ما كنا نعرف المنافقين إلا بتكذيبهم اللّه ورسوله والتخلف عن الصلوات، والبغض لعلي ابن أبي طالب رضي اللّه عنه». هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» (2).

أما حديث: «هذا فاروق أمتي، فإنّه مروي من قبل جمع من الصحابة عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كـ: سلمان، وابن عبّاس، وأبي ذر، وحذيفة، وأبي ليلى، وغيرهم(3).

وأخرجه كبار أئمة أهل السنّة كـ الطبراني، والبزار، والبيهقي، وأبو نعيم، وابن عبد البر، وابن عساكر، وابن الأثير، وابن حجر المكي، والطبري، والمناوي (4).


1) مسند أحمد بن حنبل 6: 296.

2) المستدرك على الصحيحين 3: 114.

3) راجع ذلك في مسند أحمد بن حنبل 6: 298، صحیح مسلم 89: 1، ذخائر العقبى فى مناقب ذوي القربى: 98.

4) راجع المعجم الكبير للطبراني 2: 74، مسند البزار 3: 48، السنن الكبرى للبيهقي 4: 19، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 1: 110 الإستيعاب في معرفة الأصحاب 2: 91، تأريخ مدينة دمشق 14: 87 أسد الغابة في معرفة الصحابة 3: 78، الصواعق المحرقة 1: 52، جامع البيان عن تأويل آي القرآن 3: 22، فيض القدير شرح الجامع الصغير 2: 311.

وروي الحديث بأسانيد صحيحة كما أخرجه الطبراني؛ إذ قال: «حدثنا علي بن إسحاق الوزير الإصبهاني، حدّثنا إسماعيل بن موسى السدي، ثنا عمر ابن سعيد، عن فضيل بن مرزوق، عن أبي سخيلة، عن أبي ذر وعن سلمان قالا: أخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بيد علي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ]..» (1).

رواه المناوي وقال: «رواه الطبراني والبزار عن أبي ذر وسلمان..» (2).

وأخرجه البزار ؛ اذ قال: حدّثنا عباد بن يعقوب، حدّثنا ابن هاشم، حدّثنا محمّد بن عبيد اللّه بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده أبي رافع، عن أبي ذر.. (3).

وأخرجه البيهقي؛ اذ قال: «أنبأنا أبو عبد اللّه محمّد بن عبد اللّه الحاكم قال: سمعت محمّد بن علي الإسفرايني، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن إسماعيل قال: حدّثنا مذكور بن سليمان قال: حدّثنا أبو الصلت الهروي قال: حدّثنا عليّ بن هاشم قال: حدّثنا محمّد بن عبيد اللّه بن أبي رافع، مثله سواء، إلا أنه قال: والمال يعسوب الظلمة»(4).

وأخرجه ابن عدي؛ اذ قال: حدّثنا عليّ بن سعيد الرازي قال: حدّثنا عبد اللّه بن داهر بن يحيى الرازي قال: حدثني أبي، عن الأعمش، عن عباية


1) المعجم الكبير للطبراني 2: 74.

2) فيض القدير شرح الجامع الصغير 2: 311.

3) مسند البزار 3: 48.

4) السنن الكبرى للبيهقي 4: 19.

الأسدي، عن ابن عباس قال: ستكون فتنة، فإن أدركها أحد منكم فعليه بخصلتين: كتاب اللّه وعلي بن أبي طالب [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ]، فإني سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) يقول - وهو آخذ بيد على [(عَلَيهِ السَّلَامُ) ]... (1)».


محاولة ابن تيميّة لتبرئة الظالم واتهام المظلوم في حادثة الهجوم على الدار

صرح ابن تيميّة بثبوت حادثة هجوم أبي بكر وأعوانه على دار الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب والصديقة الشهيدة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) لكنه حاول الاعتذار لسيّده ؛ قائلاً: «لو قُدّر أن أبا بكر آذاها فلم يؤذها لغرض نفسه، بل ليطيع اللّه ورسوله ويوصل الحق إلى مستحقه..» (2).

السؤال :

• لماذا ندم أبو بكر في أُخريات حياته على كشفه لبيت السيدة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) ؛ إن كان فعله طاعة اللّه ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، كما يزعم ابن تيميّة وأتباعه؟

1) تهذيب الكمال في أسماء الرجال 2: 11.

2) منهاج السنّة 4: 255.

نصوص اعتراف أبي بكر وندمه في كتب أهل السنّة:

روى قول أبي بكر: «إنّي لا آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن ووددت أني تركتهن...، وددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد غلقوه على الحرب..»، كثير من محدثي أهل السنّة؛ منهم:

(1) أبو عبيد القاسم بن سلام (224هـ) في كتابه (الأموال)، ولكنه أبهم بذم أبي بكر على كشفه بيت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، فقال: «فوددت أني لم أكن فعلت كذا وكذا لخلّة ذكرها – قال أبو عبيد: لا أريد أن أذكرها -... (1).

(2) الحافظ سعيد بن منصور (227هـ) في سننه، وحسنه، وكتابه السنن مفقود إلا جزء صغير منه مطبوع، ولكن أخرجه عنه الهندي في (كنز العمّال) (2)، وأسنده بعد أن أورد الحديث بطوله إلى: «أبو عبيد في كتاب الأموال، العقيلي، وخثيمة بن سليمان الطرابلسي في فضائل الصحابة، الطبراني، ابن عساكر، سعيد بن منصور، وقال: إنه حديث حسن إلا أنه ليس فيه شيء عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم).» الخ.

(3) وسئل أحمد بن حنبل (241هـ) عن قول أبي بكر بسند ليس فيه علوان بن داود فقال ليس بصحيح.

قال ابن قدامة المقدسي في: (المنتخب من علل الخلال): «قال مهنا: سألت أحمد عن حديث الليث بن سعيد، عن صالح بن كيسان، عن حميد


1) الأموال لابن سلام: 174.

2) كنز العمّال 5: 631.

ابن عبد الرحمن، عن أبيه: أنه دخل على أبي بكر في مرضه، فسلم عليه، فقال: أما أني ما آسى إلا على ثلاث فعلتهن... الحديث؟

فقال أحمد: ليس صحيحاً، قلت كيف ذا؟ قال: أخذ من كتاب ابن دأب، فوضعه على الليث.

قال الخلال: قال أبو بكر بن صدقة روي هذا الحديث عن علوان بن داود البجلي، من أهل قرقيسيا، وهو يحدث بهذه الأحاديث عن ابن دأب، ورأيت هذا الحديث من حديثه عن دأب، وعلوان في نفسه لا بأس به»(1).

والسند المذكور أورده ابن عساكر في تأريخه، وقال في آخر الحديث: «كذا رواه خالد بن القاسم المدائني، عن الليث، وأسقط منه علوان بن داود. وقد وقع لي عالياً من حديث الليث، وفيه ذكر علوان..»(2)، ثم أورد السند.. فمن الواضح سقوط علوان في هذا السند لوجوده في سند كلّ من روى قول أبي بكر عن الليث وعن غيره.

وما قاله أحمد بن حنبل ونقله لكلام الخلال (311هـ) عن ابن صدقة (293هـ) من أن الحديث أخذ من كتاب ابن دأب، غير صحيح! لعدم وجود ذكر لابن دأب في جميع أسانيد الحديث عند كلّ من رواه على كثرتهم شيعة كانوا أم سُنّة، ولعلّ ما قاله الطبري في ذيل الحديث من تأكيده على اتصال السند بعلوان ردّ على ما قاله أحمد! وسيأتي.


1) المنتخب من علل الخلال: 296.

2) تأريخ مدينة دمشق 417:30.

(4) ابن زنجويه حميد بن مخلد (251هـ) في كتابه (الأموال)، ولكنه أبهم كشفه بيت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) في المورد الثاني أيضاً، وقال: «فوددت أني لم أكن فعلت كذا وكذا لشيء ذكره»، مع أنه صرح به في المورد الأوّل (1)!

(5) ابن قتيبة الدينوري (276هـ) في كتابه (الإمامة والسياسة)، ورواه مرسلاً ولم يذكر له سنداً(2).

(6) البلاذري (279هـ) في كتابه (أنساب الأشراف)، رواه بسند آخر عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عوف، وليس فيه علوان(3).

(7) أبو العباس المبرد (285هـ) في كتابه (الكامل)، روى أوّله مرسلاً (4).

(8) محمّد بن جرير الطبري (310هـ) في تأريخه، بسند عن الليث، عن علوان، وقال في آخره: «قال لي يونس: قال لنا يحيى: ثم قدم علينا علوان بعد وفاة الليث، فسألته عن هذا الحديث؟ فحدثني به كما حدثني الليث بن سعد حرفاً حرفاً، وأخبرني أنه هو حدث به الليث بن سعد، وسألته عن اسم أبيه ؟ فأخبرني أنه علوان بن داود» (5)، وكأن ما ذكره آخراً جواباً لما قاله أحمد بن حنبل الذي أوردناه آنفاً؛ فلاحظ!


1) الأموال لابن زنجويه: 301.

2) الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1: 24.

3) أنساب الأشراف 10: 346.

4) الكامل في اللغة والأدب 1: 10.

5) تأريخ الأمم والملوك للطبري 2: 619 - 620.

(9) العقيلي (322هـ) في كتابه (الضعفاء الكبير)، رواه بسنده عن سعيد ابن كثير بن عفير، عن علوان بن داود، ثم أورد له أسانيد أخرى عن الليث، ولكنه ضعف علوان، وقال: «لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلا به حدثني آدم بن موسى، قال: سمعت البخاري، قال: علوان بن داود البجلي، ويقال: علوان بن صالح منكر الحديث. وهذا الحديث حدثناه..»، ثم أورد الحديث في قول أبي بكر بالسند المذكور (1).

ومن الواضح أنه لم يجد تضعيفاً في علوان إلا إنكار حديثه، فجعله منكر الحديث، ونقل ذلك عن البخاري - مع أنا لم نجده منقولاً عنه في غيره! - وهذا مصداق من مصاديق ردّ الحديث بالرأي وتضعيف الرواة به، وإلا فقد سمعنا تحسين الحديث عن سعيد بن منصور كما ذكره المتقي الهندي، وعرفنا قول حافظ بغداد أنه أخذ من كتاب ابن دأب! ولوضوح خطئه وهو ان أسانيد الحديث على علوان بن داود التجأ العقيلي إلى تضعيفه بنكارة حديثه. وقد بينا عدم صحّة ذلك.

نعم، نقل العقيلي عن سعيد بن عفير أنّه قال: «كان علوان بن داود زاقولياً من الزواقيل»، ومعنى الزواقيل اللصوص. ولكنا قد عرفنا أن سعيد بن عفير أحد رواة هذا الحديث عن علوان، فلو كان علوان قد سرقه، فكيف يرويه سعيد عنه؟! وقد قال ابن عدي في سعيد: «لم أسمع أحداً ولا بلغني عن أحد من الناس كلاماً في سعيد بن كثير بن عفير، وهو عند الناس


1) الضعفاء الكبير 3: 419.

صدوق ثقة، وقد حدث عنه الأئمّة من الناس...

إلى أن قال: ولم أجد لسعيد بعد استقصائي على حديثه شيئاً ممّا ينكر عليه أنه أتى بحديث به برأسه، إلا حديث مالك عن عمه أبي سهيل، أو أتى بحديث زاد في إسناده إلا حديث غسل النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) في قميص، فإن في إسناده زيادة عائشة، وكلا الحديثين يرويهما عنه ابنه عبيد اللّه، ولعلّ البلاء من عبيد اللّه، لأني رأيت سعيد بن عفير عن كلّ من يروي عنهم إذا روى عن ثقة مستقیم صالح» (1).

ومن كلامه يظهر أنّ ما رواه سعيد عن علوان ليس بمنكر، ولا يخفى ما في كلامه الأخير من توثيق لمن روى عنهم سعيد، ومنهم علوان، وكأن كلام ابن عدي جواب على العقيلي؛ فلاحظ!

(10) أحمد بن عبد العزيز الجوهري (323هـ) في كتابه (السقيفة)، وكتاب السقيفة مفقود، ولكن أخرجه عنه ابن أبي الحديد المعتزلي في (شرح نهج البلاغة) (2).

(11) ابن عبد ربه الأندلس (328هـ) في كتابه (العقد الفريد)، رواه بسند عن الليث، عن علوان، عن صالح بن كيسان (3).

(12) خثيمة بن سليمان الطرابلسي (343هـ) في كتابه (فضائل الصحابة)،


1) الكامل في ضعفاء الرجال 3: 411 (839).

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 45.

3) العقد الفريد 5: 20.

كما ذكره المتقي في (كنز العمال)، وقد أوردنا قوله سابقاً.

(13) الطبراني (360هـ) في كتابه (المعجم الكبير)، رواه بسند فيه سعيد بن غفير، عن علوان بن داود البجلي (1).

(14) وسأل عنه الدارقطني (385هـ) كما في (علله)، فقال: «هو حديث يرويه شيخ لأهل مصر، يقال له: علوان بن داود، واختلف عليه فيه، فرواه عنه سعيد بن عفير عن حميد بن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن أبي بكر. وخالفه الليث بن سعد فرواه عن علوان، عن صالح بن كيسان، بهذا الإسناد، إلا أنه لم يذكر بين علوان وبين صالح حميد بن عبد الرحمن، فيشبه أن يكون سعيد بن عفير ضبطه عن علوان؛ لأنه زاد فيه رجلاً، وكان سعيد بن عفير من الحفاظ الثقات» (2).

نقول: وهذا جواب آخر على ما زعمه أحمد بن حنبل من أن الحديث أخذ من كتاب ابن دأب، وكما نرى هنا أن الدارقطني لم يضعف علوان، بل قال فيه: «شيخ لأهل مصر»، ولم يقل: شيخ من أهل مصر، والفرق واضح بينهما.

(15) في كتاب (الضعفاء) لابن شاهين (385هـ)، قال: «وفي كتاب جدي عن ابن رشدين، قال: سألت أحمد بن صالح عن حديث علوان بن داود الذي يروي أصحابنا؟ قال: هذه حديث موضوع كذب لا ينبغي أن


1) المعجم الكبير للطبراني 1: 62.

2) العلل للدارقطني 1: 181.

يكتب ولا يقرأ ولا يحدث به، وكأني رأيت علوان عنده متروكا هو وحديثه، وقال: هذا باطل موضوع» (1).

نقول: إن كان الحديث المعني هو هذا الحديث عن أبي بكر، فقد ارتقوا لوصفه بالوضع بعد أن قالوا بنكارته دون دليل أو شاهد! مع ما في قوله من النهي عن كتابته وقراءته والتحدث به من شدة، وسببها معروف واضح!

وأما قوله الأخير من كون علوان متروكاً هو وحديثه، فهو تبرع من عنده، وقد عرفنا قول سعيد بن منصور وابن صدقة في قبول قول علوان وتحسين حديثه.

(16) الباقلاني (403هـ) في كتابه (إعجاز القرآن)، روى أوّله مرسلاً (2).

(17) الحاكم النيسابوري (405هـ) في كتابه (المستدرك على الصحيحين)، روى ما يخص ميراث العمة والخالة فقط بسند عن سعيد بن عفير عن علوان(3).

(18) القاضي عبد الجبار (415هـ) في كتابه (المغني)(4).

(19) أبو نعيم الأصفهاني (430هـ) في كتابه (حلية الأولياء)، روى أوّله فقط بسنده إلى سعيد بن عفير (5)، وفي (معرفة الصحابة)، وروى


1) تأريخ أسماء الضعفاء والكذابين: 254.

2) إعجاز القرآن: 138.

3) المستدرك على الصحيحين 4: 343.

4) المغني 340:20.

5) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء 1: 34.

أوّله أيضاً (1).

(20) ابن عساكر (571هـ) في كتابه (تأريخ مدينة دمشق)، رواه بعدة أسانيد كلّها عن علوان، إلا واحداً(2). وقد أشرنا إليه وقلنا: إن فيه سقطاً.

(21) الذهبي (748هـ) في كتابه (تأريخ الإسلام)(3).

(22) نور الدين الهيثمي (807هـ) في كتابه (مجمع الزوائد)، وقال في آخره: «رواه الطبراني، وفيه علوان بن داود البجلي، وهو ضعيف، وهذا الأثر ممّا أنكر عليه» (4).

نقول: قد عرف جوابه ممّا سبق.

(23) ضياء المقدسي (643هـ) في كتابه (الأحاديث المختارة)، بسند فيه سعيد بن عفير، عن علوان، وقال في آخره بعد أن أورد بعضاً من كلام الدارقطني السابق: «قلت: وهذا حديث حسن عن أبي بكر إلا أنه ليس فيه شيء عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، وقد روى البخاري في كتابه غير شيء من كلام الصحابة» (5).

ورواه بعدهم غيرهم؛ أعرضنا عن إيرادهم اكتفاء بما أوردناه.


1) أسد الغابة في معرفة الصحابة 1: 31.

2) تأريخ مدينة دمشق 3: 417.

3) تأريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام 3: 117.

4) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 5: 366.

5) الأحاديث المختارة 1: 88.

وتلخص ممّا قلناه: أن حديث أسى أبي بكر ؛ الذي قاله في مرض موته حسن عند القوم، ذكره جمع كبير من محدثيهم، ولم يردّه أحد قبل أحمد ابن حنبل بدعوى أنه مسروق من كتاب ابن دأب، ولم يتابعه في دعواه أحد، فالتجؤا في سعيهم لردّ الحديث بالطعن في رواية علوان بن داود من دون دليل، فنقل العقيلي عن البخاري أنه منكر الحديث من أجل إنكارهم لهذا الحديث بالذات، بل قال ابن شاهين: «إنّ الحديث موضوع»، وهو ردّ للحديث وتضعيف رواته بالهوى؛ ثم تبع العقيلي جمع ممن جاء بعده في تضعيف علوان من دون دليل، وجرحهم هذا مردود بما سياتي من مدح علوان وتوثيقه وتحسين حديثه؛ لأنه جرح غير مفسّر.

وبعد أن أثبتنا أن الحديث مروي عن علوان وليس مأخوذاً من كتاب ابن دأب، فإن سعيد بن منصور – وهو متقدم على أحمد بن حنبل – حسنه، وتبعه في ذلك الضياء المقدسي، ورواه الحاكم في (المستدرك)، فلا يبقى لدعوى النكارة أو الوضع مجال.

وأمّا راوية علوان، فقد قال عنه ابن صدقة: «لا بأس به»، ومدحه الدارقطني بقوله: «شيخ لأهل مصر»، وذكره ابن حبّان في الثقات، ولم يذكر على سعيد بن عفير روايته لهذا الحديث عن علوان.

وفوق كلّ ذلك، فإن للحديث سنداً آخر رواه البلاذري عن الزهري، والزهري لا مطعن للقوم فيه.


زعم ابن تيميّة بغض أكثر الصحابة للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قال ابن تيميّة: «إنّ اللّه قد أخبر أنّه سيجعل للذين آمنوا وعملوا الصالحات وداً، وهذا وعد منه صادق، ومعلوم أن اللّه قد جعل للصحابة مودة في قلب كلّ مسلم، لاسيما الخلفاء ولاسيما أبو بكر وعمر، فإن عامة الصحابة والتابعين كانوا يودونهما وكانوا خير القرون، ولم يكن كذلك علي، فإن كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبونه ويقاتلونه» (1).

الأسئلة :

•

هل يلتزم ابن تيميّة وأنصاره بلازم كلامه؛ وهو: أن أمير المؤمنين عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن من مصاديق قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ هُمُ الرَّحْمنُ ودَاً) (2)؛ لأن مفاد الآية عند ابن تيميّة هو أن علامة المؤمن ودّ الناس له، وبما أنّ كثيراً من الصحابة والتابعين - حسب رأي الحراني - كانوا يبغضونه ويسبّونه، فهذا آية عدم كونه مؤمناً وعاملاً للصالحات (والعياذ باللّه)؟

•

أيصح لمسلم أن يتفوه بذلك، ويُخرج أول من آمن بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من دائرة الإيمان؟


1) منهاج السنّة 5: 45.

2) سورة مريم:96.

• هل يمكن في الواقع أن يوجد على وجه الأرض مؤمن يحبه جميع الناس؟

فاليهود تبغض المسيح (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما أنهم يبغضون نبينا محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، والماديون يبغضون الإلهيين...

•

هل يدلّ كلامه هذا على عدم فهمه معنى الآية والتسرع في الحكم؟

•

هل يلتزم ابن تيميّة بنفاق وفسق كثير من الصحابة والتابعين طبقاً لما ثبت في الصحيح من قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق».. وقد أخرجه غير واحد من الحفاظ (1). وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «من سبّ عليّاً فقد سبّني، ومن سبّني فقد سب اللّه» (2)

صححه الحاكم، وأقره الذهبي.

إلى غير ذلك من الروايات الحانّة على حبّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومودته وموالاته؟

روى البخاري قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يوم خيبر ؛ إذ قال: «لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح اللّه على يديه يحب اللّه ورسوله ويحبه اللّه ورسوله»، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) كلّهم يرجو أن يُعطاها فقال [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ]: «أين عليّ بن أبي طالب؟»..


1) انظر ذلك في صحيح مسلم 1: 61، مسند أحمد 1: 153، سنن النسائي 5: 137، خصائص أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 119.

2) المستدرك على الصحيحين 3: 121.

فقيل: هو يا رسول اللّه يشتكي عينيه، قال [ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)]: «فأرسلوا إليه»، فأتي به، فبصق رسول اللّه في عينيه ودعا له، فبرأ حتّى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية، فقال علي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]: «يا رسول اللّه: أقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا؟»..

فقال (صلى اللّه عليه وآله وسلّم): «انفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق اللّه فيه، فواللّه لأن يهدي اللّه بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النَّعم»(1).

• هل يصحّ بعد الالتفات إلى هذا الحديث - الذي يصوّر لنا منزلة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند اللّه عزّ وجلّ ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)- الأخذ بدعوى ابن تيميّة الباطلة؟

إنه بدعواه هذه إنما يسيء إلى الصحابة والتابعين؛ لأنهم يبغضون ويسبون ويقاتلون مَن يحبّه اللّه ورسوله حسب زعمه.

أخرج ابن مردويه، والديلمي عن البراء بن عازب أنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) لعلي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]: «قل اللّهم اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي في صدور المؤمنين وداً، فأنزل اللّه هذه الآية: (إنّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ هُمُ الرَّحْمنُ وُدّاً» (2).


1) صحيح البخاري 3: 428.

2) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 16: 143، تفسير المراغي 16: 88.

• هل رأيتم الشواهد التي تكشف عن وقوف الصحابة إلى جانب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الأيام العصيبة؟

على الرغم من حصول البيعة لأبي بكر في السقيفة بتلك الطريقة الملتوية العرجاء المعروفة لدى أهل العلم والإنصاف، فإن عامة الأنصار كان هواهم في عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد عبّر عن ذلك بوضوح أحد ساداتهم، وهو: «النعمان بن عجلان الزرقي»، إذ قال في قصيدة له:

وكان هوانا في علي وإنه*** لأهل لها من حيث ندري ولا ندري (1).

ويؤيد ذلك أن أبا بكر لما بايعه عمر وغيره في السقيفة، قالت الأنصار أو بعض الأنصار: لا نبايع إلا علياً [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] (2).

وإن جل المهاجرين والأنصار الذين أدركوا خلافه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كانوا قد انضوَوا تحت رايته ويؤكد ذلك أن معاوية لما تمرد على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكتب إليه يتهدّده، كتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليه كتاباً، جاء فيه:..، وأنا مُرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، شديد زحامهم..» (3).

ويؤيد ذلك أن جيش الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما سار إلى أهل الشام،


1) الإستيعاب في معرفة الأصحاب 4: 1505.

2) الكامل في التأريخ 2: 325.

3) نهج البلاغة 3: 35 الكتاب: 28.

كان (عَلَيهِ السَّلَامُ) في القلب في أهل المدينة، وأكثر من معه كانوا من الأنصار، ومعه عدد من خزاعة وكنانة وغيرهم (1).

وإنّ الذين والوا علياً من المهاجرين والأنصار، والذين شهدوا معه جهاده ضد معاوية وفئته الباغية، كانت أسماؤهم من ألمع الأسماء في سماء الفضل والورع والإيمان؛ منهم: حذيفة بن اليمان، وأبو ذر الغفاري، وأبي ابن كعب، والمقداد بن الأسود، والعباس (عم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏))، والفضل بن العباس، وعبد اللّه بن العباس (حبر الأمة)، وأبو الهيثم بن التيهان، وجابر الأنصاري، وأبو أيوب الأنصاري، وخباب بن الأرت، وعدي بن حاتم الطائي، وأبو عمرة الأنصاري، وعثمان بن حنيف، وسهل بن حنيف، وخزيمة بن ثابت الأنصاري، وعمّار بن ياسر، وقيس بن سعد بن عبادة، وعبد اللّه بن بديل الخزاعي، وغيرهم.

فليعرفنا ابن تيميّة بأسماء الصحابة الذين أبغضوا عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسبّوه وقاتلوه وغصبوا حقه وحق أهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وليكشف عن سيرتهم وأعمالهم، وخصائصهم النفسية والإيمانية.. وليكشف عن عدد الذين شهدوا مع معاوية حربه الظالمة ضد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

لا شك أن أسماءهم كانت ولا زالت ذائعة في دنيا المكر والخداع، والتلوّن والنفاق، والتكالب على الحطام.



1) كما في: الكامل في التأريخ 3: 297.

إنكاره دور الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الغزوات

قال ابن تيميّة بشأن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «..، وسيفه جزء من أجزاء كثيرة..، وكثير من الوقائع التي ثبت بها الإسلام لم يكن لسيفه فيها تأثير، كيوم بدر كان سيفاً من سيوف كثيرة» (1).

الأسئلة :

•

هل كان شيخ إسلام الوهابيّة مطلعاً على السيرة النبويّة ووقائع الغزوات قبل أن يبدي رأيه فيها ؟

•

كيف يرى ابن تيميّة عدم تأثير سيف الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المعارك؛ وقد تواتر قتل كثير من المشركين بيده الشريفة في أمهات كتب السيرة والتأريخ؟

وردت في: (السيرة النبويّة) لابن هشام أسماء كثير من المشركين ممن قتلوا في معركة بدر على يد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ منهم: العاص ابن سعيد بن العاص بن أميّة الوليد بن عتبة بن ربيعة، عامر بن عبد اللّه، طعيمة بن عدي بن نوفل نوفل بن خويلد بن أسد النضر بن الحارث بن


1) منهاج السنّة 8: 90.

كلدة، عمير بن عثمان بن عمرو، حرملة بن عمرو، أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، حاجز بن السائب، معاوية بن عام، أوس بن مغير، مسعود بن أبي أمية بن المغيرة، عبد اللّه بن المنذر بن أبي رفاعة، العاص بن منبه بن الحجاج، أبو العاص بن قيس بن عدي، وعقبة بن أبي معيط.

وممن اشترك (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قتله: حنظلة بن أبي سفيان، عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، وعقيل بن الأسود بن المطلب (1).

وها هو الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخاطب معاوية في كتاب له إليه؛ قائلا: «..، وعندي السيف الذي أعضضته بجدك وخالك وأخيك في مقام واحد».

وخاطبه في كتاب آخر: «فأنا أبو حسن قاتل جدك وأخيك وخالك شدخاً يوم بدر» (2).

وروى مسلم في صحيحه باسناده عن قيس بن عُباد؛ قال: سمعت أبا ذرّ يقسم قسماً أن (هذانِ خَصْمَانِ احْتَصَمُوا فِي رَبِّهِم) (3)أنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة (4).


1) السيرة النبويّة لابن هشام 2: 365.

2) نهج البلاغة 3: 35، الكتاب: 28.

3) سورة الحج: 19.

4) صحيح مسلم 8: 245، تأريخ الأمم والملوك للطبري 2: 197، الطبقات الكبرى لابن سعد 17:3.

وأما آثار الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في غزوة أحد، فهي مشهورة سجلها المؤرخون وأصحاب السير في كتبهم، ومن ذلك ما رواه الطبري في تأريخه؛ إذ قال: حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا عثمان بن سعيد قال: حدّثنا حبّان بن علي، عن محمّد بن عبيد اللّه بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده قال: لما قتل عليّ بن أبي طالب [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] أصحاب الألوية أبصر رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) جماعة من المشركين فقال لعلي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ]: إحمل عليهم، فحمل عليهم وفرّق جمعهم، وقتل عمروبن عبد اللّه الجحمي، ثم أبصر جماعة أخرى، فقال لعلي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ]: إحمل عليهم، فحمل عليهم، وفرّق جمعهم، وقتل شيبة بن مالك، فقال :جبريل يا رسول اللّه إن هذه للمواساة، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «إنّه مني وأنا منه»، فقال جبريل وأنا منكما، قال: فسمعوا صوتاً:

لا سيف إلا ذو الفقار ***ولا فتى إلا علي (1)

وقال ابن أبي الحديد - بعد أن نقل عن الواقدي وابن حبيب والمدائني، أسماء المقتولين من المشركين بأحد، وأسماء قاتليهم - : «فجميع من قتل من المشركين يوم أحد ثمانية وعشرون؛ قتل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) منهم ما اتفق عليه، وما اختلف فيه اثني عشر، وهو إلى جملة القتلى كعدة من قتل يوم بدر إلى جملة القتلى يومئذ، وهو قريب من النصف»(2).


1) تأريخ الأمم والملوك للطبري 2: 197.

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 5: 54.

وفي وقعة الأحزاب حينما برز الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعمروبن عبد ود العامري، قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «برز الإيمان كله إلى الشرك كلّه»، وقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «لضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين» (1).

وعن الحاكم: أن يحيى بن آدم قال: «ما شبّهت قتل علي عمراً إلا بقول اللّه عزّ وجلّ: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللّه وقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ) (2)» (3).

وأما في غزوة خيبر فقد ورد في مسند أحمد من عدّة طرق، وصحيحي مسلم والبخاري من طرق متعددة، وفي الجمع بين الصحاح الستة أيضاً عن عبد اللّه بن برید؛ قال: «سمعت أبي يقول: حاصرنا خيبر، وأخذ اللواء أبو بكر، فانصرف، ولم يفتح له، ثمّ أخذه عمر من الغد فرجع، ولم يفتح له، وأصاب النّاس يومئذ شدّة وجهد، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «لأعطين هذه الراية رجلاً يحب اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله، يفتح اللّه على يديه»..

فبات الناس يتداولون ليلتهم، أيهم يُعطاها ؟ فلما أصبح الناس غدوا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) كلّهم يرجوا أن يُعطاها..

فقال النبيّ [ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)]: «أين عليّ بن أبي طالب؟»..


1) تأريخ مدينة دمشق 1: 155، فرائد السمطين 1: 255، الدر المنثور في التفسير بالمأثور 5: 192.

2) سورة البقرة: 251.

3) المستدرك على الصحيحين 3: 24، المناقب للخوارزمي: 171.

فقيل: «يشتكي عينه.. فأرسل إليه، فأتى، فبصق رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) في عينه، ودعا له فبرأ، فأعطاه الراية، ومضى عليّ [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] فلم يرجع، حتّى فتح اللّه على يديه».. قال عمر بن

الخطاب ما أحببتُ الإمارة إلا يومئذ؛ قال: فتطاولتُ - فتساورت لها - رجاء أن أدعى لها: قال: فدعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) عليّ بن أبي طالب [ (عَلَيهِ السَّلَامُ)] فأعطاها إيّاه (فأعطاه إياها) وقال: «امش ولا تلتفت حتّى يفتح اللّه عليك»..

قال: فسار عليّ [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] شيئاً - ماشياً - ثم وقف ولم يلتفت فصرخ علي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ]: «يا رسول اللّه على ماذا أقاتل الناس؟».. قال: (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «قاتلهم حتّى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأن محمّداً رسول اللّه، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على اللّه، ففتح اللّه بيده» (1).

وقال ابن هشام بشأن أحداث غزوة حنين: قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد اللّه، قال: بينا ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله يصنع ما يصنع، إذ هوى له عليّ بن أبي طالب (رضوان اللّه عليه) ورجل من الأنصار يريدانه.. قال: فيأتيه عليّ بن أبي طالب من خلفه، فضرب غرقوبي الجمل،


1) صحيح البخاري 4: 12، 207، 5: 76، صحیح مسلم 5: 195، 7: 120، سنن الترمذي 5: 302، مسند أحمد بن حنبل 2: 384.

فوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل، فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رحله واجتلد الناس فواللّه ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتّى وجدوا الأسرى مكتفين عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلم) (1).

وحامل راية المشركين - هذا - كان اسمه جرول، وكان يكر على المسلمين وينال منهم وبقتله تم النصر للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والمؤمنين.

هذا جانب من آثار الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) المشهودة في أهم المعارك التي قامت عليها أعمدة الإسلام ولكن ابن تيميّة الناصبي تعامى عن ذلك، وجحد أمراً هو أسطع من نور الشمس في رائعة النهار، وشدّ شذوذاً عجيبا.

ومما يدلك على شذوذ الحرّاني هو كلام ابن عبد البر القرطبي المالكي (463هـ) في ترجمته للإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ إذ قال: «..، وأجمعوا على أنه [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] صلى القبلتين، وهاجر، وشهد بدراً والحديبية، وسائر المشاهد، وأنه أبلى ببدر وبأحد وبالخندق وبخيبر بلاء عظيماً، وأنه أغنى في تلك المشاهد، وقام فيها المقام الكريم»(2).



1) السيرة النبويّة لابن هشام 3: 445.

2) الإستيعاب في معرفة الأصحاب 3: 1096.

زعمه تخلّف أكثر الأمّة عن مبايعة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قال ابن تيميّة بشأن مبايعة الناس للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نصف الأُمّة - أو أقل أو أكثر - لم يبايعوه» (1).

السؤال :

• ما هو سبب إنكار ابن تيميّة الأخبار المتضافرة بشأن مبايعة أكثر الصحابة والتابعين للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ إلا النصب؟

(1) قال ابن سعد (230هـ): «قالوا... وبويع لعلي بن أبي طالب رحمه اللّه بالمدينة، الغد من يوم قتل عثمان بالخلافة، بايعه: طلحة والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعمّار بن ياسر، وأسامة بن زيد، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب الأنصاري، ومحمّد بن مسلمة، وزيد بن ثابت، وخزيمة بن ثابت، وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه [و آله] وسلّم) وغيرهم» (2).

(2) قال أبو حنيفة الدينوري(282هـ): «فلما قتل [أي: عثمان] بقي الناس ثلاثة أيام بلا إمام، وكان الذي يصلّي بالناس الغافقي، ثم بايع الناس عليّا


1) منهاج السنّة 4: 105.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد 3: 31.

رضي اللّه عنه، فقال: «أيها الناس، بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وإنما الخيار قبل أن تقع البيعة، فإذا وقعت فلا خيار، وإنما على الإمام الاستقامة، وعلى الرعيّة التسليم، وإنّ هذه بيعة عامة، من ردّها رغب عن دين الإسلام، وإنها لم تكن فلتة».

ثم قال الدينوري: «وكتب عليّ بن أبي طالب [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] إلى معاوية: «أما بعد، فقد بلغك الذي كان من مصاب عثمان واجتماع الناس علي ومبايعتهم لي، فادخل في السلم أو ائذن بحرب». وبعث الكتاب مع الحجّاج بن غزيّة الأنصاري» (1).

(3) روى الطبري بإسناده عن أبي بشير العابدي، قال: «كنت بالمدينة حين قتل عثمان، واجتمع المهاجرون والأنصار فيهم طلحة والزبير، فأتوا عليّاً [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] فقالوا: يا أبا حسن، هلم نبايعك، فقال: لا حاجة لي في أمركم، أنا معكم، فمن اخترتم فقد رضيت به فاختاروا فقالوا: واللّه ما نختار غيرك..» (2).

(4) روى الحاكم النيسابوري بإسناده عن الأسود بن يزيد النخعي، قال: لما بويع عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه على منبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) قال خزيمة بن ثابت، وهو واقف بين يدي المنبر:

إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا*** أبو حسن ممّا نخاف من الفتن


1) الأخبار الطوال: 140.

2) تأريخ الأمم والملوك للطبري 3: 45.

وجدناه أولى الناس بالناس إنّه*** أطب قريش بالكتاب وبالسنن

وإن قريشاً ما تشق غباره*** إذا ما جرى يوماً على الضُّمَر البدن

وفيه الذي فيهم من الخير كلّه*** وما فيهم كلّ الذي فيه من الحسن

ثم نفى الحاكم صحّة ما ادعي على بعضهم من أنهم قعدوا عن بيعته، ووصم من زعم ذلك بأنه يجحد تلك الأحوال، والصواب أنهم قعدوا عن نصرته في الحرب، وروى في هذا الشأن عدّة أخبار، ثم قال: فبهذه الأسباب وما جانسها، كان اعتزال من اعتزل عن القتال مع علي رضي اللّه عنه أو قتال من قاتله (1).

وممّا يؤكد ما سبق، وأن نفيراً من الصحابة إنّما قعدوا عن القتال معه لا عن بيعته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، هو تلك الأعذار التي قدموها بين يدي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

قال أبو حنيفة الدينوري: «ثمّ إنّ عليّاً رضي اللّه عنه نادي في الناس بالتأهب للمسير إلى العراق، فدخل عليه سعد بن أبي وقاص، وعبد اللّه بن عمر بن الخطاب، ومحمّد بن مسلمة، فقال لهم: «قد بلغني عنكم هناة كرهتها لكم»، فقال سعد: «قد كان ما بلغك، فأعطني سيفاً يعرف المسلم من الكافر حتّى أقاتل به معك»!..

وقال عبد اللّه بن عمر: «أنشدك اللّه أن تحملني على ما لا أعرف»..

وقال محمّد بن مسلمة: «إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) أمرني أن أقاتل بسيفي ما قوتل به المشركون، فإذا قوتل أهل الصلاة ضربت


1) المستدرك على الصحيحين 3: 114.

به صخر أحد حتّى ينكسر، وقد كسرته بالأمس»ثم خرجوا من عنده..

ثمّ إن أسامة بن زيد دخل فقال: «اعفني من الخروج معك في هذا الوجه، فإنّي عاهدت اللّه ألا أقاتل من يشهد أن لا إله إلا اللّه» (1).

ويؤكده أيضاً قول ابن أبي الحديد: «فأما أصحابنا [أي: المعتزلة] فإنّهم يذكرون في كتبهم أن هؤلاء الرهط إنّما اعتذروا بما اعتذروا به لما ندبهم إلى الشخوص معه لحرب أصحاب الجمل، وأنهم لم يتخلّفوا عن البيعة، وإنما تخلّفوا عن الحرب»(2).

(5) قال أبو عبد اللّه القرطبي (671هـ): «انعقدت خلافته [أي خلافة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] في مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، ومهبط وحيه، ومقر النبوة، وموضع الخلافة، بجميع من كان فيها من المهاجرين والأنصار، بطوع منهم وارتضاء واختيار.. (3).

(6) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني (852هـ): «..، وكانت بيعة علي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] بالخلافة عقب قتل عثمان.. فبايعه المهاجرون والأنصار وكل من حضر، وكتب ببيعته إلى الآفاق، فأذعنوا كلّهم إلا معاوية في أهل الشام، فكان بينهم بعد، ما كان (4).


1) الأخبار الطوال: 142.

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 118.

3) بيعة عليّ بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة: 122، عن التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي:623.

4) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 7: 27.

موقفه من قتال الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الناكثين والقاسطين والمارقين

قال ابن تيميّة: «وعلي لم يخص أحداً من أقاربه بعطاء، لكن ابتدأ بالقتال لمن لم يكن مبتدئاً بالقتال حتّى قتل بينهم ألوف مؤلّفة من المسلمين، وإن كان ما فعله هو متأوّل فيه تأويلاً وافقه عليه طائفة من العلماء وقالوا: إن هؤلاء بغاة، واللّه تعالى أمر بقتال البغاة بقوله: ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي)، لكن نازعه أكثر العلماء، كما نازع عثمان أكثرهم..

وقالوا إن اللّه تعالى قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إحداهما على الأخرى فقاتِلُوا الَّتي تَبْغِي حتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّه فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ)(1)قالوا: فلم يأمر اللّه بقتال البغاة ابتداء، بل إذا وقع قتال بين طائفتين من المؤمنين فقد أمر اللّه بالإصلاح بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى قوتلت، ولم يقع الأمر كذلك(2).

وقال: ولم يحصل بالقتال لا مصلحة الدين ولا مصلحة الدنيا، ولا قوتل في خلافته كافر، ولا فَرح مسلم (3).


1) سورة الحجرات: 9.

2) منهاج السنّة 8: 231.

3) المصدر السابق 7: 454.

وقال أيضاً: «..، وأما الحديث الذي يُروى أنه [أي: الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] أمر بقتل الناكثين، والقاسطين والمارقين، فهو حديث موضوع على النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)»(1).

الأسئلة :

• كيف تغافل وتناسى ابن تيميّة أن قتال الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الفئات الثلاث كان بأمر من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟

روي بطرق كثيرة عن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وابن مسعود، وعمار ابن ياسر، وأبو سعيد الخدري، وأبو أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد اللّه، وابن عباس، أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أمر الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين.. وهذه الطرق منها ما هو حسن ومنها ما هو قوي يرتفع مع غيره إلى الصحيح، وبمجموعها تكون مستفيضة، بل متواترة (2)

ما رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده 1: 397؛ إذ قال: «حدثنا إسماعيل بن موسى، حدّثنا الربيع ابن سهل، عن سعيد بن عبيد، عن عليّ بن ربيعة، قال: سمعت عليّاً [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] على منبركم هذا يقول: (عهد إلَيَّ النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)) أن أقاتل الناكثين، والقاسطين، والمارقين».

ورواه عن طريق الربيع بن سهل أيضاً: البزار في مسنده 3: 26 والعقيلي في الضعفاء 2: 51، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 42: 468، وابن الأثير في أسد الغابة 4: 33، وغيرهم.

ورجاله كلهم ثقات إلا الربيع بن سهل ضعفوه، لكن ابن حبّان ذكره في (الثقات) كما في مجمع الزوائد للهيثمي 7: 238، ونسبه في الثقات 6:296 أيضاً إلى جده الركين، ولم يذكروا في سبب تضعيفه إلا أنه منكر الحديث، قاله أبوزرعة.

وإذا عرفت أنه روى حديث: «إنّه لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق» كما في لسان الميزان لابن حجر 2: 446، فسوف تعرف لماذا حكموا بنكارة حديثه.. بل يتضح لك الحال في تضعيفه عندما تعرف أنه من أصحاب الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما في رجال الطوسي: 303.. وعليه فهذا الحديث يرقى إلى الحسن كما هو الواضح.

ومنها: ما رواه البلاذري في أنساب الأشراف 2: 137؛ إذ قال: «حدثني أبوبكر الأعين وغيره، قالوا: حدّثنا أبونعيم الفضل بن دكين، حدّثنا فطر بن خليفة، عن حكيم بن جبير، قال: سمعت إبراهيم، يقول: سمعت علقمة، قال: سمعت عليّاً [(عَلَيهِ السَّلَامُ) ] يقول: «أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين».. وحدثت أن أبا نعيم قال لنا: الناكثون: أهل الجمل، والقاسطون أصحاب صفّين، والمارقون: أصحاب النهر.

ورواه عن طريق فطر: ابن عدي في الكامل 2: 219 وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 42: 279.

ورجاله ثقات إلا حكيم بن جبير الأسدي، ضعفوه؛ لغلوّه في التشيع.. وقد صحح الحاكم أحاديثاً في طريقها حكيم بن جبير، قال في أحدها: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، والشيخان لم يخرجا عن حكيم بن جبير ؛ لوهن في رواياته، وإنما تركاه لغلوه في التشيّع». المستدرك على الصحيحين 1: 560.

وقال عنه أبوزرعة: «محله الصدق». كما في مجمع الزوائد للهيثمي 3: 187، والجرح والتعديل للرازي 3: 201.

وحسّن له الترمذي عدّة أحاديث في سننه سنن الترمذي 1: 104، 5: 300.. وعلى ما ذكر يتضح حسن هذا الطريق أيضاً.

وهناك طرق أخرى عن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا تخلو من ضعف:

منها: ما رواه ابن عساكر: عن طريق ابن عقدة، قال: «أخبرنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمّد بن عبد اللّه، أنا أبوالحسن عليّ بن محمّد بن أحمد، أنا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن موسى، أنا أبو العباس بن عقدة، نا الحسن بن عبيد بن عبد الرحمن الكندي، نا بكار بن بشر، نا حمزة الزيات، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)].. وعن أبي سعيد التيمي، عن عليّ [اللّه(عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين». تاريخ مدينة دمشق 42: 469.

ومنها: ما رواه أيضاً ابن عساكر عن طريق أبي الجارود، قال: أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر، أنا أبوسعد الأديب، أنا السيّد أبو الحسن محمّد بن عليّ بن الحسين، نا محمّد بن أحمد الصوفي، نا محمّد بن عمر والباهلي، نا كثير بن يحيى، نا أبوعوانة، عن أبي الجارود، عن زيد بن عليّ بن الحسين بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي [(عَلَيهِم السَّلَامُ)]، قال: «أمرني رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين». تاریخ مدينة دمشق 42: 468.

ومنها: عن ابن عساكر أيضاً، قال: أخبرنا أبو سعد إسماعيل بن أحمد بن عبد الملك الفقيه وأبونصر أحمد بن عليّ بن محمّد بن إسماعيل، قالا: أنا أبوبكر أحمد بن عليّ بن عبد اللّه ابن خلف، أنا محمّد بن عبد اللّه الحافظ، أنا أبو الحسن محمّد بن أحمد بن تميم الحنظلي، بقنطرة برذان نا محمّد بن الحسن بن عطية بن سعد العوفي، حدثني أبي، حدثني عمي عمرو بن عطية بن سعد، عن أخيه الحسن بن عطية بن سعد، عن عطية، حدثني جدي سعد بن جنادة، عن عليّ [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]، قال: «أمرت بقتل ثلاثة: القاسطين، والناكثين، والمارقين، فأما القاسطون فأهل الشام، وأما الناكثون: فذكرهم، وأما المارقون: فأهل النهروان، يعني: الحرورية». تاريخ مدينة دمشق 42: 468.

ومنها عنه أيضاً، قال: «أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو القاسم عبد اللّه بن الحسن بن محمّد، أنا أبو الحسن محمّد بن عثمان بن محمّد بن عثمان نا محمّد بن نوح بن عبد اللّه الجنديسابوري، نا هارون بن إسحاق، نا أبو غسّان، عن جعفر أحسبه الأحمر، عن عبد الجبار الهمداني، عن أنس بن عمرو، عن أبيه، عن عليّ [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]، قال: «أمرت بقتال ثلاثة: المارقين، والقاسطين، والناكثين»». تاريخ مدينة دمشق 42 469.

ومنها: عنه أيضاً، قال: «أخبرنا أبو الحسن عليّ بن أحمد بن قبيس نا وأبوالنجم بدر بن عبد اللّه الشيحي، أنا أبوبكر أحمد بن عليّ بن ثابت، أخبرني الأزهري، نا محمّد بن المظفر، نا محمّد بن أحمد بن ثابت، قال: وجدت في كتاب جدي محمّد بن ثابت، أنا أشعث بن الحسن السلمي، عن جعفر الأحمر، عن يونس بن أرقم، عن أبان، عن خليد القصري، قال: سمعت أمير المؤمنين عليّاً [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] يقول يوم النهروان: «أمرني رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين». تاريخ مدينة دمشق 42: 469.

وهذا الطريق رجاله شيعة من جعفر الأحمر إلى خليد العصري، وأبان هو أبان ابن أبي عياش، متروك عندهم، اتهمه وتكلّم فيه شعبة، مع أنهم شهدوا له بالصلاح وعدم تعمد الكذب كما في تهذيب التهذيب لابن حجر 1: 85 فمع ما لهذا الحديث من شواهد، خرج عن عهدته أبان بن أبي عياش وارتفع الحديث إلى درجة الحسن والقبول.

ومنها: ما عن الطبراني في المعجم الأوسط 213:8: «حدثنا موسى بن أبي حصين، قال: نا جعفر بن مروان السمري قال: نا حفص بن راشد، عن يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد قال: سمعت عليّاً [ اللّه ] يقول: «أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين»». وفيه يحيى بن سلمة بن كهيل ضعفوه، وذكره ابن حبان في (الثقات) كما في تهذيب التهذيب لابن حجر 11: 196.

ومنها: ما رواه الموفّق الخوارزمي في (المناقب: 175) بطريقه عن ابن مردويه، قال: «وبهذا الإسناد عن أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه، هذا حدّثنا محمّد بن عليّ بن دحيم، حدّثنا أحمد بن حازم، حدّثنا عثمان بن محمّد، حدّثنا يونس بن أبي يعقوب، حدّثنا حمّاد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن أبي سعيد التميمي، عن علي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]، قال: «عهد إلَيَّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، فقيل له: يا أمير المؤمنين من الناكثون؟ قال: الناكثون أصحاب الجمل، والمارقون: الخوارج، والقاسطون: أهل الشام»».

وفي هذا الطريق يونس بن أبي يعقوب، والصحيح: ابن أبي يعفور، ضعفه ابن معين والنسائي والساجي وأحمد بن حنبل، والأكثر على توثيقه، قال فيه ابن أبي حاتم: صدوق، وذكره ابن حبّان في (الثقات)، وقال ابن عدي ممّن يكتب حديثه، وقال الدارقطني: ثقة، وقال العجلي: لا بأس به تهذيب التهذيب لابن حجر 11: 397.

وحمّاد بن عبد الرحمن الأنصاري، ذكره ابن حبان في (الثقات)، وضعفه الأزدي كما في تهذيب التهذيب لابن حجر 3: 16، وقال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب 1: 238:«كوفي مقبول».

وأبي سعيد التميمي، والصحيح: التيمي اسمه دينار، ولقبه عقيصاً، تابعي، من أصحاب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ قال فيه الحاكم في المستدرك على الصحيحين 3: 124، بعد أن صحح طريق هو فيه: «أبوسعيد التيمي، هو عقيصاء، ثقة مأمون»، ووافقه الذهبي على ذلك في التلخيص 3: 337.

وذكره ابن حبان في الثقات 5: 219 مرّة بعنوان: دينار أبوسعيد عقيصا، ومرة بعنوان: عقيصا أبوسعيد التيمي صاحب الكراش كما في الصفحة 286 من المجلد الخامس.. والصحيح: «صاحب الكرابيس».

وقد تكلّموا فيه وضعفوه لأنه شيعي؛ قال العقيلي في الضعفاء 2: 42: «كان من الرافضة».. ويدل عليه ما قاله فيه ابن معين قال: «ليس بشيء، شر من رشيد الهجري، وحبّة العرني، وأصبغ بن نباتة». لسان الميزان لابن حجر 3: 433.

وروى الخطيب البغدادي حديث أبو سعيد عقيصاً بطريق آخر ؛ قال: «أخبرنا الحسن بن أبي بكر، أخبرنا عبد اللّه بن إسحاق البغوي، حدّثنا محمّد بن عبيد بن أبي هارون، حدّثنا إبراهيم بن هراسة، عن شريك، عن الأعمش، عن الأعمش، عن أبي سعيد عقيصاً، قال: سمعت عليّا [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] يقول: «أمرت بقتال ثلاثة الناكثين والقاسطين والمارقين. قال: فالناكثين الذين فرغنا منهم، والقاسطين الذين نسير إليهم، والمارقين لم نرهم بعد. قال: وكانوا أهل النهر»». موضح أوهام الجمع والتفريق 1: 393.

وهناك طريق آخر عن عقيصاً، ذكره الحافظ عبد الغني بن سعيد في (إيضاح الإشكال)، قال: «حدثنا عبد اللّه بن أحمد بن حامد حدّثنا عبد اللّه بن أبي داود، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الكرماني بن عمرو، حدّثنا أبو مريم الأنصاري، أخبرني عدي بن ثابت، أنبأنا أبوسعيد مولى الرباب قال: سمعت عليّاً [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] يقول : أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين»». اللألي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة 1: 376.

فطريق أبوسعيد عقيصاً أقله كونه حسن يرتفع مع ما تقدمه من الطرق إلى الصحيح! وأنت ترى أنهم ضعفوا رجال هذه الطرق بالتشيع لا غير!

ومنها ما رواه أحمد المقدسي الشيباني، المعروف بـ (ابن القيسراني) في (أفراد الدارقطني)، قال: «شريك أبوعبد اللّه، عن علي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ]، حديث: «أمرت بقتال الناكثين...»، الحديث، تفرد به عبد اللّه بن الزبير الأسدي والد أبي أحمد الزبيري، عن عبد اللّه بن شريك العامري، عن أبيه». أطراف الغرائب والأفراد 1: 94.

ورواه ابن عقدة: بطريقه عن عباد، عن عبد اللّه بن الزبير كما في الأمالي للطوسي: 726..

وفيه: عبد اللّه بن الزبير الأسدي والد أبي أحمد، وثقه العجلي في معرفة الثقات 2: 29، وذكره ابن حبّان في الثقات 8: 345، وضعفه أبوزرعة وأبونعيم كما في مجمع الزوائد للهيثمي 1: 99 والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 5: 56. وهو من رجال الشيعة كما في مقاتل الطالبيين لأبي الفرج: 194، وعده الطوسي في رجاله: 234 من أصحاب الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).. فهذا طريق أقله كونه حسن، يرتفع مع ما مضى من طرق إلى الصحيح.

ومجموع الطرق عن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مستفيضة، بل عدها بعضهم متواترة.

ومنها: ما أورده الدارقطني في العلل 5: 148: «وسئل عن حديث علقمة، عن عبد اللّه، قال: أمر علي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين؟ فقال: يرويه مسلم الأعور، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد اللّه، وخالفه الحسن بن عمر والفقيمي، فرواه عن إبراهيم عن علقمة، عن علي، ومنهم من أرسله عنه وهو الصحيح، عن إبراهيم، عن علي مرسلاً».

ومسلم الأعور، هو مسلم الملائي، وسيأتي في طريق ابن مسعود، وطريق الفقيمي صحيح، فالحسن بن عمر و الفقيمي من رجال البخاري ثقة ثبت حجّة كما في تهذيب التهذيب لابن حجر 2: 268، وقد عرفت من طريقي البلاذري وابن عقدة أن الطريق متصل عن علقمة عن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وليس مرسلاً، ثم حتّى لو كان مرسلاً فإن جماعة من الأئمّة صحّحوا مراسيل إبراهيم النخعي كما في تهذيب التهذيب لابن حجر 156:1، فالطريق صحيح لا مرية فيه، مضافاً إلى ما في الحديث من طرق حسنة، وهذه مع غيرها من الضعيفة ترفع الحديث إلى الصحيح المستفيض، بل المتواتر.

ومما روي عن ابن مسعود:

ما أخرجه ابن عساكر عن طريق الحاكم النيسابوري، قال: «أخبرنا أبوسعد إسماعيل بن أحمد بن عبد الملك وأبونصر أحمد بن عليّ بن محمّد، قالا: أنا أبوبكر بن خلف، أنا الحاكم أبو عبد اللّه نا الإمام أبوبكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أنا الحسن بن علي، نا زكريا ابن يحيى الحرار المقرئ نا إسماعيل بن عباد المقرئ نا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللّه، قال: خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) فأتى منزل أم سلمة، فجاء علي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)]، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «يا أمّ سلمة هذا واللّه قاتل القاسطين والناكثين والمارقين بعدي» تاريخ مدينة دمشق 42: 470.

ورواه بطريق آخر عن زكريا بن يحيى بعد هذا الحديث.

قال الألباني في السلسلة الضعيفة 10: 560: «... وهذا إسناد ضعيف جداً، آفته: إسماعيل بن عباد»، وهو من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما في رجال الطوسي 2: 352.

لكن له طريقان آخران عند الطبراني::

أحدهما في المعجم الأوسط 9: 165؛ قال: «حدثنا هيثم، نا محمّد بن عبيد المحاربي، ثنا الوليد، عن أبي عبد الرحمن الحارثي عن مسلم الملائي عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: أمر على بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين».

وفيه: مسلم بن كيسان الملائي الأعور، ضعفوه وتركوا حديثه كما في تهذيب الكمال للمزي 27: 530، وصحح الحاكم في المستدرك 4: 19 طريق هو فيه، وهو من أصحاب الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما في رجال الطوسي: 232.

وثانيهما: في المعجم الكبير 10: 91؛ قال: «حدثنا محمّد بن هشام المستملي، ثنا عبد الرحمن ابن صالح، ثنا عائذ بن حبيب، ثنا بكير بن ربيعة، ثنا يزيد بن قيس، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللّه، قال: أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين» وفيه يزيد بن قيس، مجهول.

ومما روي عن عمّار بن ياسر:

ما أخرجه أبو يعلى في مسنده 3: 194؛ قال: «حدثنا الصلت بن مسعود الجحدري، حدّثنا جعفر ابن سليمان، حدّثنا الخليل بن مرة، عن القاسم بن سليمان، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت عمّار بن ياسر يقول: أمرت أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين».

وفيه: القاسم بن سليمان ؛ قال فيه العقيلي في الضعفاء 3: 480 : «روى عنه: الخليل بن مرة، ولا يصحّ حديثه»، ثمّ نقل الحديث بنفس السند، وقال: «لا يثبت في هذا الباب شيء».. وذكره ابن حبّان في الثقات 7» 336، وهو من أصحاب الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما في رجال الطوسي: 273.. ومن هنا تعرف لماذا ضعفه العقيلي وردّ هذا الحديث!

وروی نصر بن مزاحم في وقعة صفّين: 338، وجاء في شرح النهج لابن أبي الحديد 8: 21، عن عمر : «حدثني صديق أبي، عن الأفريقي بن أنعم، عن أبي نوح الأفريقي بن أنعم، عن أبي نوح الكلاعي، عن عمار، ما قاله لعمروبن العاص : أمرني رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) أن أقاتل الناكثين، وقد فعلت، وأمرني أن أقاتل القاسطين، وأنتم هم، وأما المارقون، فلا أدري أدركهم أم لا».

وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج 14: 15 خبر خطبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعمار في أهل الكوفة؛ قال: «قال أبو مخنف : حدثني جابر بن يزيد، قال: حدثني تميم بن حذيم الناجي، قال: قدم علينا الحسن بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)... إلى أن قال: فقام إليه عمار بن ياسر، فقال:... «أما إنّي أشهد أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) أمر عليّاً بقتال الناكثين، وسمّى له فيهم من سمّى، وأمره بقتال القاسطين».

وفي مجمع الزوائد 7: 238: «وعن أبي سعيد عقيصاء، قال: سمعت عماراً ونحن نريد صفين يقول: أمرني رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.. رواه الطبراني. وأبو سعيد متروك».

وقد عرفت في ما ذكرناه من طرق الحديث عن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن أبا سعيد عقيصاء قال فيه الحاكم: ثقة مأمون، وذكره ابن حبان في (الثقات)، فهو ليس بمتروك.

فهذا الطريق شاهد قوي على صحّة ما أوردناه بطرق مستفيضة عن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)،يرتفع به الحديث إلى درجة الصحة وإن ضعفوا رواته لتشيّعهم..

وفي الكنى والأسماء للدولابي 1: 360: «حدثنا الحسن بن عليّ بن عفان، قال: ثنا الحسن بن عطية، قال : ثنا أبو الأرقم، عن أبي الجارود، عن أبي ربيع الكندي، عن هند بن عمرو، قال: سمعت عماراً يقول: أمرني رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) أن أقاتل مع عليّ الناكثين والقاسطين والمارقين».

ومما روي عن أبي سعيد الخدري:

ما أخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 42: 471؛ قال: «أخبرنا أبو سعد إسماعيل بن أبي صالح وأبو منصور أحمد بن عليّ بن محمّد، قالا: أنا أحمد بن عليّ بن عبد اللّه، أنا محمّد بن عبد اللّه الحافظ، أنا أبو جعفر محمّد بن عليّ بن دحيم الشيباني، نا الحسن بن الحكم الحبري، نا إسماعيل بن أبان، نا إسحاق بن إبراهيم الأزدي، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: أمرنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. فقلنا: يا رسول اللّه! أمرتنا بقتال هؤلاء، فمع من؟ قال: مع عليّ بن أبي طالب، معه يقتل عمار بن ياسر».

وفيه: أبو هارون العبدي؛ ضعفوه، بل كذبوه.. ولكنك إن عرفت أنه شيعي، وعرفت بعض مروياته، تعرف سبب ذلك!

فعن شعبة، قال: كنت أتلقى الركبان أيام الجراح، وأسأل عن أبي هارون العبدي؟ فلما قدم أتيته، فرأيت عنده كتاباً فيه أشياء منكرة في علي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ]، فقلت: ما هذا الكتاب؟ فقال: هذا الكتاب حق.

وعن يحيى بن معين قيل له: ما تقول في أبي هارون العبدي؟ فقال: كانت عنده صحيفة، يقول: هذه صحيفة الوصي..

وعن بهز قال: قابلت أبا هارون، فقلت: أخرج إليَّ ما سمعت من أبي سعيد. فأخرج إليَّ كتاباً فإذا فيه: حدّثنا أبو سعيد : أن عثمان دخل حفرته وإنّه لكافر. قال: قلت: تؤمن بهذا؟ تقر بهذا؟ قال: هو على ما ترى قال: فدفعت الكتاب في يده وقمت. راجع: ضعفاء العقيلي 3: 313.

قال ابن حبّان في المجروحين 2: 177: «عمارة بن جوين: أبو هارون العبدي، يروي عن أبي سعيد... كان رافضياً».

وقال ابن عبد البر: «... وكان فيه تشيّع وأهل البصرة يفرطون في من يتشيّع بين أظهرهم؛ لأنهم عثمانيون»، وعلّق ابن حجر عليه بقوله: «كيف لا ينسبونه إلى الكذب وقد روى ابن عدي...»، ثم أورد ما ذكرناه عن بهز بن أسد، وقال: «فهذا كذب ظاهر على أبي سعيد». تهذيب التهذيب لابن حجر 7: 362.. ولا نعلم لماذا هو كذب على أبي سعيد الخدري، وقد رأى صحابة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم) وأهل المدينة، وبقية المسلمين يحلّون دم عثمان، وحرّض على قتله طلحة والزبير وعائشة؟!! ثم إن بهز بن أسد ناصبي، ومن هنا بان لك: لماذا ضعفوا أبا هارون، بل كذبوه!

ومما روي عن أبي أيوب الأنصاري:

ما أخرجه الحاكم بطريقين ؛ قال: حدّثنا أبوسعيد أحمد بن يعقوب الثقفي، ثنا الحسن بن عليّ بن شبيب المعمري، ثنا محمّد بن حميد، ثنا سلمة بن الفضل، حدثني أبوزيد الأحول، عن عقاب (عتاب) بن ثعلبة، حدثني أبو أيوب الأنصاري في خلافة عمر بن الخطاب، قال: أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) عليّ بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.

حدثنا أبوبكر بن بالويه ثنا محمّد بن يونس القرشي، ثنا عبد العزيز بن الخطاب، ثنا عليّ بن غراب بن أبي فاطمة، عن الأصبغ بن نباتة، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: سمعت النبيّ (صلى اللّه عليه و آله] وسلّم) يقول لعلي بن أبي طالب: «تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بالطرقات والنهروانات وبالشعفات». قال أبو أيوب: قلت: يا رسول اللّه! مع من نقاتل هؤلاء الأقوام؟ قال: مع عليّ بن أبي طالب. المستدرك على الصحيحين 3: 139.

والأوّل فيه: عتاب بن ثعلبة، وهو تابعي لا يعرف، والثاني فيه محمّد بن يونس القرشي، وثقه بعض، واتهمه آخرون كما في تهذيب التهذيب لابن حجر 9: 475، وعلي بن غراب بن أبي فاطمة هو: عليّ بن الحزور، والأصبغ بن نباتة من الشيعة، ودأبهم في تضعيف الشيعة معروف.

وروى الطبراني، قال: «حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا محمّد بن الصباح الجرجرائي، ثنا محمّد بن كثير، عن الحارث بن حصيرة، عن أبي صادق، عن مخنف بن سليم، قال: أتينا أبا أيوب الأنصاري وهو يعلف خيلاً له بصعنبي، فقلنا عنده، فقلت له: أبا أيوب! قاتلت المشركين مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسَلّم)، ثم جئت تقاتل المسلمين؟!

قال: «إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) أمرني بقتال ثلاثة: الناكثين والقاسطين والمارقين، فقد قاتلت الناكثين وقاتلت القاسطين، وأنا مقاتل إن شاء اللّه المارقين بالشعفات بالطرقات بالنهراوات وما أدري ما هم». المعجم الكبير 4: 172.

وفيه: محمّد بن كثير الكوفي؛ قال فيه ابن معين: «هو شيعي، ولم يكن به باس». تاریخ ابن معين برواية الدوري 1: 346. وخرق أحمد بن حنبل حديثه ولم يرضه كما في العلل لأحمد بن حنبل 3: 438 وضعفه المديني، وقال: «خططت على حديثه، قال البخاري: منكر الحديث». تاريخ بغداد : 408. وقال ابن عدي: «الضعف على حديثه بين»، وقال أبو داود عن أحمد: «يحدّث عن أبيه أحاديث كلها مقلوبة». تهذيب التهذيب لابن حجر 9: 371.

وإذا عرفت أنه يروي حديث: «من لم يقل: علي خير الناس، فقد كفر»، كما في تهذيب التهذيب لابن حجر 9: 372، وهو شيعي، عرفت لماذا خرقوا حديثه واتهموه وضعفوه.

ومع ذلك، فهناك طريق آخر عن أبي صادق، أورده ابن عساكر، فقال: «أخبرنا أبو عبد اللّه البلخي، أنا أبو الفضل بن خيرون، أنا أبو عليّ بن شاذان، أنا أحمد بن إسحاق بن نيخاب، نا إبراهيم بن الحسن بن علي الكتاني، نا يحيى بن سليمان الجعفي، نا ابن فضيل، نا إبراهيم الهجري، عن أبي صادق، قال: قدم أبو أيوب الأنصاري العراق، فأهدت له الأزد جزراً، فبعثوا بها معي، فدخلت، فسلمت عليه وقلت له يا أبا أيوب قد كرمك اللّه بصحبة نبيه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، ونزوله عليك، فما لي أراك تستقبل الناس تقاتلهم، تستقبل هؤلاء مرة وهؤلاء مرة؟!

فقال: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) عهد إلينا أن نقاتل مع علي الناكثين، فقد قاتلناهم وعهد إلينا أن نقاتل معه القاسطين، فهذا وجهنا إليهم – يعني معاوية وأصحابه - وعهد إلينا أن نقاتل مع علي المارقين، فلم أرهم بعد. تاريخ مدينة دمشق 16: 53.

وفيه إبراهيم الهجري؛ قال عنه ابن عدي: «و أحاديثه عامتها مستقيمة المتن، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبي الأحوص عن عبد اللّه، وهو عندي ممّن يكتب حديثه». الكامل 1: 211.

وقال فيه ابن عيينة: كان إبراهيم الهجري يسوق الحديث سياقة جيدة على ما فيه. وقال الفسوي: كان رفاعاً لا بأس به. وقال الأزدي هو صدوق، ولكنه رفاع كثير الوهم. والبقية ضعفوه. تهذيب التهذيب لابن حجر 1: 143.

وردّ عليهم الحاكم في المستدرك 1: 360 فصحح عدّة طرق هو فيها، وقال عنه: «إبراهيم بن مسلم الهجري، لم يُنقم عليه بحجة».

وعن سفيان: «أتيت إبراهيم الهجري، فدفع إليَّ عامة كتبه، فرحمت الشيخ وأصلحت له كتابه، قلت: هذا عن عبد اللّه، وهذا عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) وهذا عن عمر..

وعلق ابن حجر: «قلت: القصّة المتقدّمة عن ابن عيينة تقتضي أن حديثه عنه صحيح؛ لأنه إنما عیب علیه رفعه أحاديث موقوفة وابن عيينة ذكر أنه ميّز حديث عبد اللّه من حديث النبي (صلى اللّه عليه[وآله] وسلم). واللّه أعلم».

تهذيب التهذيب لابن حجر 1: 144.

فهذا الطريق يقوي الطريق السابق، وقد خرج محمّد بن كثير عن عهدته.

وأخرج الخطيب البغدادي: «أخبرنا الحسن بن عليّ بن عبد اللّه المقرئ، حدّثنا أحمد بن محمّد بن يوسف، أخبرنا محمّد بن جعفر المطيري، حدّثنا أحمد بن عبد اللّه المؤدب، بسر من رأى، حدّثنا المعلى بن عبد الرحمن ببغداد، حدّثنا شريك، عن سليمان بن مهران الأعمش، قال: حدّثنا إبراهيم، عن علقمة والأسود، قالا: أتينا أبا أيوب الأنصاري عند منصرفه من صفّين فقلنا له: يا أبا أيوب إنّ اللّه أكرمك بنزول محمّد (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، وبمجيء ناقته تفضّلاً من اللّه وإكراماً لك حتّى أناخت ببابك دون الناس، ثم جئت بسيفك على عاتقك تضرب به أهل لا إله إلا اللّه؟

فقال: يا هذا ! إن الرائد لا يكذب أهله، وإن رسول اللّه (صلى اللّه عليه[وآله] وسلّم) أمرنا بقتال ثلاثة مع علي بقتال الناكثين، والقاسطين والمارقين.. فأما الناكثون، فقد قابلناهم، أهل الجمل: طلحة والزبير، وأما القاسطون، فهذا منصرفنا من عندهم – يعني معاوية، وعمراً – وأما المارقون فهم أهل الطرفاوات، وأهل السعيفات، وأهل النخيلات، وأهل النهروانات، واللّه ما أدري أين هم ولكن لا بد من قتالهم إن شاء اللّه». تاریخ بغداد 13: 188، تاریخ مدينة دمشق 42: 472

وفيه: المعلى بن عبد الرحمن؛ أثنى عليه الدقيقي، وقال عنه ابن عدي: «أرجوانه لا بأس به» كما في الكامل 6: 373 واتهمه البقية بالكذب والوضع كما في تهذيب التهذيب لابن حجر 10: 214.

وإذا عرفت أنه رمي بالرفض كما في تقريب التهذيب لابن حجر 202:2، وأنه يروي حديث: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، وأبوهما خير منهما»، عرف-ت لماذا كذبوه واتهموه بالوضع!

ومما روي عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري:

قال السيوطي في الدرّ المنثور 6: 18: «وأخرج ابن مردويه من طريق محمّد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن جابر بن عبد اللّه، عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) في قوله: فَإِمَّا نَذهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنهُم مُنتَقمُون : نزلت في عليّ بن أبي طالب، أنه ينتقم من الناكثين والقاسطين بعدي».

ومما روي عن ابن عبّاس:

ما أخرجه البيهقي في المحاسن والمساوئ 38؛ قال: «أبو عثمان قاضي الري، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، قال: كان عبد اللّه بن عباس بمكة يحدث على شفير زمزم ونحن عنده. فلما قضى حديثه، قام إليه،رجل، فقال : يا ابن عبّاس! إني امرؤ من أهل الشام من أهل حمص، إنهم يتبرؤون من عليّ بن أبي طالب(رضوان اللّه عليه) ويلعنونه!

فقال: بل لعنهم اللّه في الدنيا والآخرة، وأعد لهم عذاباً مهيناً..

وأورد خبراً طويلاً فيه حديث عبد اللّه بن مسعود، عن أم سلمة.. إلى أن قال: اشهدي يا أُمّ سلمة! إن عليّاً يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.

قال ابن عباس: وقتلهم للّه رضاً، وللأمة صلاح، ولأهل الضلالة سخط.

قال الشامي: يا بن عباس! من الناكثون؟

قال: الذين بايعوا عليّاً بالمدينة، ثم نكثوا، فقاتلهم بالبصرة، أصحاب الجمل. والقاسطون معاوية وأصحابه والمارقون أهل النهروان ومن معهم.

فقال الشامي: يا بن عباس ملأت صدري نوراً وحكمة، وفرّجت عنّي فرج اللّه عنك؛ أشهد أن عليّاً (رضي اللّه عنه) مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة».

فالحديث له طرق كثيرة، ضعفوا أكثرها لتشيّع بعض رجال أسانيدها، وفيها طرق حسنة ترقى إلى الصحيح؛ لكثرة المتابعات والشواهد، وفيها طريق صحيح عن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو طريق الفُقَيمي الوارد في علل الدارقطني.. فأقل ما يقال بشأن الحديث: انه صحيح مستفيض، بل متواتر.

وقد شهد بشهرته التي تكاد تبلغ درجة التواتر، وبأنه متفق عليه بين الناس كافة ابن أبي الحديد في شرح النهج 6: 129، 8: 297.

.

1) المصدر السابق 6: 112.

2) فممّا روي عن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

وقد احتج بهذا الحديث ابن حجر، وقال: «الناكثين أهل الجمل؛ لأنهم نكثوا البيعة، والقاسطين أهل الشام ؛ لأنهم جاروا على الحق في عدم مبايعته، والمارقين أهل النهروان؛ لثبوت الخبر الصحيح فيهم: إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» (1).

ولا شك أن أمر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يتعلق بشيء فيه مصلحة دينية كبرى، وعزّة للإسلام، وليس على الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي استجاب لذلك الأمر من حرج، إذا لم يدرك ابن تيميّة وأمثاله تلك المصلحة.

• لماذا ينكر الحرّاني أن حروب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كانت كلها بأمر النبيّ وتأييده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وقد صح عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنه نهی عائشة عن الخروج على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟

روى أحمد في مسنده بإسناده عن قيس بن أبي حازم، قال: لما أقبلت عائشة، فلما بلغت مياه بني عامر ليلاً، نبحت الكلاب.. فقالت: أي ماء هذا؟

قالوا: ماء الحوأب.. قالت: ما أظنّني إلا أنني راجعه..

قال بعض من كان معها بل تقدمين فيراك المسلمون، فيُصلح اللّه ذات بينهم.

قالت: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) قال ذات يوم: «كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب» (2)

قال ابن حجر في «فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13: 55»: أخرج هذا أحمد، وأبو يعلى، والبزار، وابن حبان وصححه، والحاكم.

وصححه أيضاً الذهبي، وابن حجر، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية 6: 212»: وهذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجوه.

.

1) التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير 4: 51.

2) مسند أحمد بن حنبل 6: 52.

وفي رواية البزار: «ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، تخرج فتنبحها كلاب الحوأب، يُقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير..» (1).

ونذكر في المقام أيضاً، ما أخرجه الحاكم عن أبي سعيد قال: كنا جلوساً ننتظر رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، فخرج علينا من بعض بيوت نسائه قال: فقمنا معه فانقطعت نعله، فتخلف عليها علي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] يخصفها، ومضى رسول اللّه [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ] ومضينا معه ثم قام ينتظره وقمنا معه فقال [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ]: «إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله «... فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر فقال [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ]: «لا، ولكنه خاصف النعل» قال: فجئنا نبشره قال فكأنه قد سمعه» (2)

صححه على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي.

.
• كيف يرى ابن تيميّة أنّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بدا بالقتال، وقد صح عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوله لأصحابه: «لا تقاتلوهم حتّى يبدءوكم، فإنّكم بحمد

1) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 7: 234 : «رواه البزار ورجاله ثقات، وكذلك قال ابن حجر في فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13: 55».

2) المستدرك على الصحيحين 3: 123.

اللّه على حجّة، وترككم إياهم حتّى يبدء وكم حجّة أخرى لكم عليهم» (1)؟

لم يبدأ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقتال أحد، وإنما قاد خصومه الجيوش لمحاربته، فقد جمع الناكثون - مثلاً - الأموال، ودخلوا بجيشهم البصرة، ووالي الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يومئذ عليها عثمان بن حنيف، فمنع عائشة ومن معها من الدخول، فقالا: لم نأت الحرب، وإنما جئنا لصلح، فكتبوا بينهم وبينه كتاباً أنهم لا يحدثون حدثاً إلى قدوم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأن كلّ فريق منهم آمن من صاحبه، ثمّ افترقوا فوضع عثمان بن حنيف السلاح، فنتفوا لحيته وشاربه وأشفار عينيه وحاجبيه وانتهبوا بيت المال وأخذوا ما فيه.. (2).

•

إن كان تعامل القوم مع والي الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على البصرة بهذه الصورة، فهل يصحّ للإمام أن يتركهم وشأنهم؟

•

كيف يتركهم وقد خرجوا من مكة ومعهم خلق عظيم؟

يقول ابن واضح الأخباري اليعقوبي (284هـ): «خرجت عائشة ومعها طلحة والزبير في خلق عظيم وقدم يعلى بن منية بمال من مال اليمن قيل: إن مبلغه أربعمائة ألف دينار فأخذه منه طلحة والزبير فاستعانا به وسارا نحو البصرة، فقام غلام شاب اسمه مسلم فأخذ القرآن بيمينه ونادى القوم، فقطعوا يده اليمنى، فتناول القرآن باليسرى وناداهم فقطعوها، فانهالوا عليه


1) تأريخ اليعقوبي 2: 181، تأريخ الأمم والملوك للطبري 3: 485.

2) راجع: تأريخ اليعقوبي 2: 181.

بالسيوف حتّى قتل ثمّ أخذ أصحاب الجمل يرمون عسكر علي بالنبل رميّا متتابعاً، حتّى قتل ثلاثة أو أكثر، وضجّ إليه أصحابه، قالوا: عقرتنا سهامهم، وهذه القتلى بين يديك، عند ذلك استرجع الإمام [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] وقال: اللّهم اشهد، ثم لبس درع رسول اللّه [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)] (ذات الفضول) وتقلد ذا الفقار، ودفع راية رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) السوداء وهي المعروفة بالعقاب دفعها إلى ولده محمّد بن الحنفية، وقال للحسن والحسين إنّما دفعت الراية لأخيكما وتركتكما لمكانكما من رسول اللّه [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ]» (1).

•

لماذا يدعي ابن تيميّة ذلك الادعاء، والإمام اللّه نفسه يقول لعامر بن مطر الشيباني: «واللّه ما أُريد إلا الصلح حتّى يُردّ علينا» (2)؟

•

كيف يدعي ابن تيميّة ذلك الادعاء؛ وقد صرّح المؤرخون بأنّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أقام ثلاثة أيام يبعث رسله إلى أهل البصرة، فيدعوهم إلى الرجوع إلى الطاعة والدخول في الجماعة، فلم يجد عند القوم إجابة، فزحف نحوهم (3)؟


1) أسد الغابة في معرفة الصحابة 3: 308، الأغاني 10: 203، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 112.

2) المصدر السابق 2: 111، الكامل في التأريخ 3: 225.

3) الأخبار الطوال: 147.

تشكيكه في إيمان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل البلوغ

حكم ابن تيميّة بكفر الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (والعياذ باللّه) قبل البلوغ، فقال: «ولا إيمان الصبي مثل إيمان البالغ، فأولئك يثبت لهم حكم الإيمان والكفر وهم بالغون، وعلي يثبت له حكم الكفر والإيمان وهو دون البلوغ، والصبي المولود بين أبوين كافرين يجري عليه حكم الكفر في الدنيا باتفاق المسلمين، وإذا أسلم قبل البلوغ على قولين للعلماء، بخلاف البالغ فإنه يصير مسلماً باتفاق المسلمين فكان إسلام الثلاثة مخرجاً لهم من الكفر باتفاق المسلمين، وأما إسلام عليّ فهل يكون مخرجا له من الكفر على قولين مشهورين، ومذهب الشافعي أنّ إسلام الصبي غير مخرج له من الكفر»(1).

الأسئلة :

•

متى كفر الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وهو الذي ولد في بيت التوحيد- حتّى يؤمن؟

•

متى كفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد نشأ وتربى في أحضان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) منذ نعومة أظفاره، وكان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، قبل النبوة يتعبّد على ملة إبراهيم ودين الحنيفية،

ويتحنّث ويجانب الناس، ويعتزل ويطلب الخلوة، وينقطع في جبل حراء،


1) منهاج السنّة 8: 285.

وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) معه كالتابع والتلميذ (1)؟

لقد وصف الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) علاقته بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في تلك الفترة بقوله: «ولقد علمتم موضعي من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة وضعني في حجره وأنا وليد يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه ويُمسني جسده، ويُشمّني عَرْفَه، وكان يمضغ الشيء ثم يُلقمنيه..، إلى أن قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ولقد كنت أتبعه إتباع الفصيل إثر أمه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به..

ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقلت: يا رسول اللّه ما هذه الرنّة؟ فقال: «هذا الشيطان قد أيس من عبادته، إنك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلا أنك لست بنبي، ولكنك لوزير وإنك لعلى خير» (2).

• هل يمكن أن يحكم بالكفر على من كان يرفع له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كلّ يوم من أخلاقه عَلَماً ويأمره بالاقتداء به، وكان معه في غار حراء، ويرى نور الوحى والرسالة ويشم ربح النبوة؟

1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13: 248.

2) نهج البلاغة 2: 158، الخطبة: 192.

ومما تجدر الإشارة إليه أن ابن تيميّة لما كان مولعاً باقتناص كلّ فكرة سوداء خطرت على أذهان من سبقه من النواصب، الذين كتب عليهم شقاؤهم أن ينالوا من الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنّه اقتنص هذه الفكرة من الجاحظ، والتي ملخصها هو تفضيل إسلام أبي بكر على إسلام الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بعد افتراض أن إسلامهما كان معاً، والسبب الأساس في هذا التفضيل، كما يدعي هو أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أسلم وهو حدث غرير، وطفل صغير، فلا يُلحق إسلامه بإسلام البالغين.

وقد ردّ الشيخ أبو جعفر الإسكافي المعتزلي (240هـ) على الجاحظ، من جهات، وها نحن نقتبس شيئاً ممّا قاله هنا؛ لأنه يصلح أيضاً للرد على ابن تيمة..

قال الاسكافي: «قد بيّنا أنه [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] قد أسلم بالغاً، ابن خمس عشرة سنة، أو ابن أربع عشرة سنة، على أنا لو نزلنا على حكم الخصوم، وقلنا ما هو الأشهر والأكثر من الرواية، وهو أنه أسلم وهو ابن أحد عشر، لم يلزم ما قاله الجاحظ، لأن ابن عشر قد يستجمع عقله، ويعلم من مبادئ المعارف ما يستخرج به كثيراً من الأمور المعقولة.

ولولا أن إسلامه كان إسلام المميّز العارف، لما مدحه رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بذلك، حيث قال لابنته فاطمة [(عَلَيهَا السَّلَامُ)]: «زوجتك أقدمهم سلماً».. ولاقرن إلى قوله: «وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً»، والحلم: العقل، وهذان الأمران غاية الفضل، فلولا أنه أسلم إسلام

عارف مميز، لما ضمّ إسلامه إلى العلم والحلم اللذين وصفه بهما، وكيف يجوز أن يمدحه بأمر لم يكن مثاباً عليه، ولا معاقباً به لو تركه؟..

ولولا أن إسلامه كان كذلك، لما افتخر هو [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] بالسبق إلى الإسلام على رؤوس الأشهاد، ولا خطب به على المنبر، وخصوصاً في عصر قد حارب فيه أهل البصرة والشام والنهروان، وقد اعتورته الأعداء وهجته الشعراء، فلو وجد هؤلاء سبيلاً إلى دحض ما كان يفخر به من تقدم إسلامه لبدأوا بذلك، وتركوا ما لا معنى له..

ثم إن الشعراء مدحته [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] بسبقه إلى الإسلام، فكيف لم يرد على هؤلاء الذين مدحوه بالسبق شاعر واحد من أهل حربه ولقد قال في أمهات الأولاد قولاً خالف فيه عمر، فذكروه بذلك وعابوه، فكيف تركوا أن يعيبوه بما كان يفتخر به ممّا لا فخر فيه عندهم، وعابوه بقوله في أمهات الأولاد» (1).

•

لو لم يقبل اسلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك السنّ، فمتى إذا أسلم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقبل اسلامه؟

•

هل حدّثنا التأريخ بمثل هذا؟

قال محمّد بن جرير الطبري: «زعمت البكرية أن اسلام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)إسلام الصبيان ليس كإسلام المعتقد العارف المميّز..!


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 13: 219.

فقلنا لهم هل لزم عليّاً اسم الإسلام وحكمه أم لا؟ فلا بد من نعم..

ثم قلنا لهم: فما معنى قولكم إسلام علي؟! أقلتم على المجاز أم على الحقيقة؟ فإن قالوا على الحقيقة، بطلت دعواهم، وإن قالوا على المجاز، فقد سخفوا قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن يكون دعا إلى الإسلام من لا يعقل.. ولا تقوم حجة اللّه عليه!

ثم يقال لهم: فعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عرف وأقر أولم يعرف ولم يقر؟ فإن قالوا: عرف وأقرّ، فقد بطل قولهم، وإن قالوا أقرّ ولم يعرف، قيل لهم: فلم سميتموه مسلماً ولما يسلم ؟! فإن اقترف ذنباً هل يقام على من يلزمه هذا الاسم حدّ أولا يقام عليه..؟! فلا بد من الجواب..

ثم يسألون: هل انتقل عن حالته التي هو عليها مقيم أو مقيم بعد؟ فإن قالوا: انتقل، فقد أقروا بالاسلام، وإن قالوا لم ينتقل فمحال أن يسموا باسم لم ينتقل إليه، ولا يجوز أن يسمّى غير المسلم مسلماً.

ويقال لهم: فهل دعاه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أو لم يدعه؟ فإن قالوا: قد دعاه. قيل لهم: دعا من يجب أن يدعوه أو من لم يجب أن يدعوه؟ فان قالوا: من طريق التأدب لا من طريق الفرض.. قيل لهم فهل يجب هذا في غيره من إخوته وبني عمه أو في احد الناس؟ ولم يخص النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالدعوة وأفرده من بين العالم إلا لعلّة فيه خاصة، ليست في غيره...

أفما وقفت على أن هذا الرجل [ يعني: أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] مخصوصاً بأشياء هي محظورة على غيره كسدّ أبواب الناس وفتح بابه..؟

أوليس قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) له أن يجنب في هذا المسجد وليس ذلك لغيره؟

وهذه أسباب لا يدفعها من آمن باللّه إلا من جرى على العناد !..

ويقال لهم: أخبرونا عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث دعي لو لم يجب إلى ما دعي إليه، أكانت تكون حالته كالإجابة إلى ما دعي إليه؟ فإن قالوا: الحالتان واحدة فقد أحالوا تسميتهم إياه مسلماً، وإن قالوا: حالته خلاف حالته الاولى، فقد أقروا ايضاً بما انكروه.

ثم يسألون عن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيقال لهم: أليس كان في أمره مصمّماً، وعلى البلايا صابراً، ولملازمة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والرغبة في خدمته مؤثراً، ولأبويه مفارقاً، ولأشكاله من الأحداث مبايناً، ولرفاهية الدنيا ولذاتها مهاجراً، قد لصق برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يشاركه في المحن العظام والنوازل الجسام، مثل حصار الشعب والصبر على الجوع، والخوف من احتمال الذل، بل هو شبيه يحيى بن زكريا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الأشياء كلها غير النبوة، وأنه باين الأحداث في حال حداثته، والكهول في حال كهالته (كذا).

ويقال لهم: أخبرونا هل وجدتم أحداً في العالم من الأطفال والصغار والكبار من قصته كقصّة علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو تعرفون له عديلاً أو شبيهاً، أو تعلمون أن أحداً أخصّ بما خصّ به كلاً؟ ولا يجدون إلى ذلك سبيلاً، فلذلك جعله المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أخاه ووزيراً لنفسه ومن بعده وزيراً ووصيّاً وإماماً» (1).


1) المسترشد: 479.

تنبيه: توجد روايات كثيرة متناقضة فيما بينها في مصادر أهل السنّة بشأن مسألة تقدّم إسلام أبي بكر، فلا يمكن للقوم الجزم برواية دون أخرى وإلا كان ترجيحاً بلا مرجّح بل ترجيحاً للمرجوح.

مضافاً إلى أن علماء أهل سُنّة الجماعة لم يجمعوا على القول بأن أبا بكر هو أول من أسلم، بل يوجد كثير منهم لا يلتزمون بأوليته..

فهناك رواية صحيحة السند عندهم ينص فيها سعد بن أبي وقاص على أن أبا بكر أسلم بعد خمسين رجلاً !

وهذا يعني أنه أسلم بعد سبع أو تسع سنين تقريباً.. وهذا ما قاله أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) معرضاً بمن يقارنه بأبي بكر أو ينسب لأبي بكر الأسبقية والتصديق.

وقول سعد قد أخرجه أصحاب التاريخ بسند لا غبار عليه، ولكن قد استنكره ابن کثیر تلميذ ابن تيميّة كعادته لكونه يخالف ثوابت مذهبه دون دليل ولا جرح ولا قدح بسنده؛ فقال في تاريخه: «عن محمّد بن سعد قال: قلت لأبي: أكان أبو بكر أولكم إسلاماً؟ فقال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين، ولكن كان أفضلنا إسلاماً» (1).

ورواه ابن جرير في تاريخه؛ ثمّ قال بعده: «وقال آخرون: أسلم قبل أبي بكر جماعة، مع العلم أن إسلام أربعين رجلاً لم يحصل إلا بعد خمسة


1) البداية والنهاية لابن كثير 3: 39.

أو ستّة أعوام بعد البعثة، فيدل إسلام أكثر من خمسين رجلاً قبل أبي بكر كونه قد أسلم بعد سبع أو تسع سنين، ولذلك كان أمير المؤمنين [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] يكثر من قول: (آمنت قبل الناس بسبع سنين) ويردد كثيراً هذا المعنى؛ ليثبت هذه الحقيقة التي أراد الظالمون طمسها وتغييرها»(1).

وقد أشار أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهذا الأمر بوضوح عندما قال: «أنا عبد اللّه وأخورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كذاب، صلّيت قبل الناس بسبع سنين قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة»(2)

وله شواهد كثيرة منها ما أخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك 3: 112، بسند آخر عن حبة بن جوين العرني عن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ قال: «عبدت اللّه مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) سبع سنين قبل أن يعبده أحد يعبده أحد من هذه الأمة».

وأخرجه أيضاً النسائي في سننه الكبرى 5: 107، بسند آخر أيضاً، وفي (خصائص أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 47) للنسائي أيضاً: «بتسع سنين»، وأبويعلى في مسنده 1: 348: (مردد بين الخمس والسبع سنين)، وابن عبد البر في الاستيعاب 3: 1095: (بخمس سنين)، وأخرج حديث حبة بن جوين العرني إبن الأثير في أسد الغابة 4: 17، وابن عبد البر في الاستيعاب 3: 1059.

.

وأشار أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً إلى المقصود من الناس هنا بقوله في حديث آخر بنفس معنى هذا الحديث إذ صرّح فيه باسم أبي بكر، كما


1) تأريخ الأمم والملوك للطبري 2: 60.

2) أخرجه الحاكم وصححه على شرطهما في المستدرك على الصحيحين 3: 112، وابن ماجة في سننه 1: 44، وابن أبي شيبة في المصنف 7: 498، وابن أبي عاصم في كتاب السنّة: 584، والنسائي في سننه الكبرى 5: 107، وابن كثير في البداية والنهاية 36:3، وغيرهم..

روى ذلك سليمان بن عبد اللّه عن معاذة العدوية؛ قال: سمعت علياً [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] وهو يخطب على منبر البصرة يقول: «أنا الصديق الأكبر آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمت قبل أن يسلم» (1).

ومن كلّ هذا يتضح أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حاول بنفسه بيان كذب القوم وإدّعائهم ما ليس لهم واستئثارهم بحقوقه وخصائصه (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ من كونه هو الصديق وكونه أوّل من أسلم.



1) أخرجه جه المتقي الهندي في كنز العمال 13: 164، والخطيب التبريزي في الإكمال في أسماء الرجال: 27، والضحاك في الآحاد والمثاني 1: 151، والمزي في تهذيب الكمال 12: 19، وابن حجر في تهذيب التهذيب 4: 179، وابن قتيبة في المعارف: 169، والبلاذري في أنساب الأشراف 1: 146، 2: 131، وابن عدي في الكامل 3: 274، والعقيلي في الضعفاء 2: 131 وابن كثير في البداية والنهاية 7: 370، وذخائر العقبى للطبري: 58.

رأيه بنزول قوله تعالى: (لا تقربوا الصلاة...) في حق الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

نسب الحرّاني الناصبي إلى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما هو بريء منه كبراءة النبيّ يوسف (عَلَيهِ السَّلَامُ) ممّا اتهم به؛ إذ قال: «وأنزل اللّه تعالى في علي قوله: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ) (1)لما صلى فقرأ وخلط» (2).

يرد عليه :

روى الترمذي، وأبو داود، والطبري، وابن أبي حاتم بإسنادهم عن أبي عبد الرحمن السلمي أن جماعة من الصحابة دعوا إلى بيت أحدهم، فصنع لهم طعاماً، وسقاهم خمراً، قبل تحريم الخمر، ثم حضرت الصلاة، فتقدم أحدهم ليصلّي بهم، فخلط في صلاته، وحرّف آية من القرآن..

وقد اضطربت الروايات المذكورة - مع أنها مروية عن رجل واحد – في صاحب الدعوة، والإمام والمأموم، وفي الآية التي حصل فيها التحريف؛ ويتضح ذلك ممّا يلي:


1) سورة النساء:43.

2) منهاج السنّة 7: 237.

1- جاء في رواية الترمذي: أنّ صاحب الدعوة هو عبد الرحمن بن عوف، وإن علياً كان هو الإمام(1).

2- وفي رواية أبي داود أن صاحب الدعوة رجل من الأنصار (2).

3- وقال الطبري، وابن المنذر أنّ إمام الجماعة كان عبد الرحمن بن عوف (3).

4- وجاء في رواية لابن أبي حاتم: «أنهم قدموا فلانا» (4). (يعني للصلاة) (5).

الأسئلة :

•

لماذا اختار شيخ النواصب الرواية التي تنقل أن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان هو إمام الجماعة، وأغمض عينيه عن سائر الروايات التي تذكر غيره، كما أنه لم يشر إلى اختلاف الروايات واضطرابها في الموضوع، وحكم حكماً قاطعاً بأنّ الآية نزلت في الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟

•

هل كان يعلم الحراني الأُموي أنّ هذه الرواية معارضة برواية صحيحة الإسناد، مروية عن أبي عبد الرحمن السلمي أيضاً؟


1) سنن الترمذي 2:348.

2) سنن أبي داود 2:209.

3) جامع البيان عن تأويل آي القرآن 4: 128، تفسیر ابن المنذر 2: 719.

4) تفسير ابن أبي حاتم 3: 958.

5) كما في التفسير الكاشف 2: 331، وتفسير آلاء الرحمن 2:413.

روى الحاكم النيسابوري بإسناده عن أبي عبد الرحمن قال: عن علي (رضي اللّه عنه)، قال: «دعانا رجل من الأنصار، قبل تحريم الخمر، فحضرت صلاة المغرب، فتقدّم رجل فقرأ (قُلْ يا أيُّها الكافرون) (1)، فالتبس عليه، فنزلت (لا تَقْرَبُوا الصلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حتّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)» (2)

صححّها الحاكم، ووافقه الذهبي.

.

ومن الملاحظ أن هذه الرواية لم تتحدّث عن مجلس للخمر، وإنما عن رجل «لم يُسم» كان قد تقدّم لإمامة الجماعة، فالتبست عليه الآية بسبب شكره.

• أين هذا ممّا زُعم من تقدم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الإمامة الجماعة ونزول الآية فيه ؟

نعم.. أبى ابن تيميّة أن يأخذ بهذه الرواية وأمثالها، وآثر الاقتداء بالمارقين الذين كانوا يذهبون إلى أن الآية المذكورة نزلت في الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)..

كما قال الحاكم، بعد أن أورد تلك الرواية: «وفي هذا الحديث فائدة كثيرة، وهي أن الخوارج تنسب هذا السكر وهذه القراءة إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب [(عَلَيهِ السَّلَامُ) ] دون غيره وقد برّأه اللّه منها، فإنّه راوي هذا الحديث» (3).


1) سورة الكافرون: 1.

2) المستدرك على الصحيحين 2: 307.

3) المصدر السابق.

وليت الأمر اقتصر على هذا الاختلاف والاضطراب بين الروايات المرويّة عن أبي عبد الرحمن نفسها، بل هناك اختلاف بينها وبين الروايات الواردة عن غيره في سبب نزول الآية، فعن ابن عباس، قال: «نزلت هذه الآية في جماعة من الصحابة كانوا يشربون الخمر، قبل التحريم، ثم يأتون الصلاة مع النبيّ (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) فيصلون مع معه، فنهاهم اللّه تعالى عن ذلك»(1).

وعن محمّد بن كعب القرظي: «... ثمّ أنزلت التي في النساء، بينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) يصلّي بعض الصلوات إذ غنّى سكران خلفه، فأنزل اللّه: (ولا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) الآية، فشربها طائفة من الناس وتركها طائفة، ثمّ نزلت الرابعة التي في المائدة، فقال عمر بن الخطاب: انتهينا يا ربنا» (2).

• لماذا لم يذكر ابن تيميّة في المقام ما رواه جماعة من محدثي أهل السنّة بشأن الآيات التي نزلت في الخمر، حتّى يتبيّن للقارئ من كان يكرع الخمر، وظل يشربها إلى أن نزل في تحريمها النص الصريح؟

روى أبو داود، والترمذي والنسائي، والطبري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم بأسانيدهم إلى أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، أن عمر بن الخطاب،


1) تفسير الحداد 2: 258.

2) الدر المنثور في التفسير بالمأثور 3: 165. قال: أخرجه ابن المنذر.

قال: اللّهم بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت الآية التي في البقرة: (يسألونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثم كَبِيرٌ) (1). الآية، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللّهم بين لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت التي في النساء: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى)، فدعي عمر فقرئت عليه، ثم قال..، فنزلت التي في المائدة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ...) إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ منتهون) (2)فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: انتهينا انتهينا (3).

قال الشيخ محمّد جواد مغنية: «..، وعلى أية حال، فإن صح أن جماعة من الصحابة شربوا، وأن إمامهم خلط في صلاته، فهؤلاء هم الذين أشركوا باللّه، وعبدوا الأوثان، وشربوا الخمر، وأكلوا الحرام في الجاهلية التي نشأوا فيها، وتربوا عليها...، وعلي بن أبي طالب [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] ليس منهم؛ لأنه نشأ وترعرع في حجر الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، وهو الذي تولّى تربيته وتهذيبه منذ نعومة أظفاره، وصاغه كما يشاء ويريد»(4).

**


1) سورة البقرة: 219.

2) سورة المائدة: 91.

3) سنن الترمذي 2: 316، سنن أبي داود 3: 112 جامع البيان عن تأويل آي القرآن 5: 454.

4) التفسير الكاشف 2: 232.

رأيه في حديث عمّار

أنكر ابن تيميّة فضيلة رابية لعمّار بن ياسر، اتفق المسلمون عليها وأصفق رواتهم على نقلها، وهي قول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) له: «تقتلك الفئة الباغية».

قال ابن تيميّة بشأن الحديث: «لم يروه أحد من أهل العلم بإسناد معروف» (1).

الأسئلة :

•

لماذا ضعف ابن تيميّة هذا الحديث الذي رواه أكثر من عشرين صحابياً، وقال بشأنه الحافظ ابن عبد البر: تواترت الآثار عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) أنه قال: «تقتل عماراً الفئة الباغية»، وهو من أصح الأحاديث (2). ؟

•

إن كان مثل هذا الحديث ضعيفاً فما هو الصحيح عند الحراني؟

قال ابن حجر: «فائدة: روى حديث: «تقتل عمّاراً الفئة الباغية» جماعة من الصحابة منهم: قتادة بن النعمان - كما تقدّم - وأمّ سلمة عند مسلم، وأبو


1) منهاج السنّة 6: 259.

2) الإستيعاب في معرفة الأصحاب 3: 1140.

هريرة عند الترمذي، وعبد اللّه بن عمروبن العاص عند النسائي، وعثمان بن عفان وحذيفة وأبو أيوب وأبو رافع وخزيمة بن ثابت ومعاوية وعمروبن العاص وأبو اليسر وعمار نفسه وكلّها عند الطبراني وغيره، وغالب طرقها صحيحة أو حسنة، وفيه عن جماعة آخرين يطول عدّهم..

وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة وفضيلة ظاهرة لعلي [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] ولعمّار، وردُّ على النواصب الزاعمين أن علياً [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] لم يكن مصيباً في حروبه (1).

وكفى في صحّة الحديث عند أهل السنّة أن الشيخين قد خرجاه (2).

• كيف ينسب ابن تيميّة إلى السلف وأئمة أهل السنّة عدم اشتراط قتال الطائفة الباغية ؛ وقد صرّح هؤلاء بخلاف ذلك مراراً؟

قال ابن قدامة المقدسي الحنبلي (620هـ) : «أجمعت الصحابة على قتال البغاة، فإنّ أبا بكر قاتل مانعي الزكاة، وعلي [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] قاتل أهل الجمل وصفين وأهل النهروان»(3).

وممّا يؤكّد ذلك أن كلّ مَن تبقّى من أهل بيعة الرضوان، وفيهم البدريون (إلا أفراداً معدودين معروفين اعتزلوا القتال)، كانوا مع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في (صفّين).


1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 1: 543.

2) انظر صحيح البخاري 3: 207، صحیح مسلم 8: 186.

3) المغني 8: 522.

وروى خليفة بن خيّاط، عن أبي غسان، عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال: «شهد مع علي ثمانمائة ممن بايع بيعة الرضوان، قال: قُتل فيهم ثلاثة وستون، منهم عمار بن ياسر» (1).

وهذا السند صحيح، ورجاله بين الثقة والصدوق (2).

• لماذا سمّى عبد اللّه بن عمر بن الخطاب جيش معاوية بالفئة الباغية، وعبّر عن ندمه على قعوده عن حرب صفّين؟

روى عمر بن شَبّة (262هـ)، عن الفضل بن دكين وأبي أحمد الزبيري، قالا: حدّثنا عبد اللّه بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه، عن ابن عمر أنه قال - حين حضرته الوفاة - : «ما أجد في نفسي من أمر الدنيا شيئاً، إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع عليّ بن أبي طالب» (3).

وروى الحاكم النيسابوري بإسناده عن الزهري، عن حمزة بن عبد اللّه ابن عمر أن عبد اللّه بن عمر قال: «ما وجدت في نفسي من شيء في أمر هذه الآية (4)، ما وجدت في نفسي أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني اللّه عزّ وجلّ»..


1) تأريخ خليفة بن خياط: 196.

2) بيعة عليّ بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة: 196.

3) الإستيعاب في معرفة الأصحاب 3: 953.

4) أي: قوله تعالى: ﴿وَإِن طائفتان منَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا). سورة الحجرات: 9.

قال الحاكم بعد أن روى ذلك: هذا باب كبير قد رواه عن عبد اللّه بن عمر جماعة من كبار التابعين، وإنما قدمت حديث شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، واقتصرت عليه؛ لأنه صحيح على شرط الشيخين (1)

أقر الذهبي بصحته على شرط الشيخين.

.
• أيهما أعرف بوصف فئة معاوية في حرب صفّين؟.. ابن تيميّة أم ابن عمر؛ الذي عاصر أحداث تلك الحرب ووصم فئة معاوية – كما وصمها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من قبل - بالفئة الباغية بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على نهاية الحرب، وعبّر عن أساه على ترك قتالها ؟

رأي ابن تيميّة في قاتل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قال ابن تيميّة: «..، فعلم أنه لا يلزم من كون بغض الشخص من علامات النفاق أن يكون أفضل من غيره، ولا يشك من عرف أحوال الصحابة أن عمر كان أشد عداوة للكفار والمنافقين من علي، وأن تأثيره في نصر الإسلام وإعزازه وإذلال الكفار والمنافقين أعظم من تأثير علي، وأن الكفار والمنافقين أعداء الرسول يبغضونه أعظم ممّا يبغضون عليا.. ولهذا


1) المستدرك على الصحيحين 3: 115.

كان الذي قتل عمر كافراً يبغض دين الإسلام ويبغض الرسول وأمته، فقتله بغضاً للرسول ودينه وأمته.. والذي قتل عليّا كان يصلي ويصوم ويقرأ القرآن، وقتله معتقداً أنّ اللّه ورسوله يحبّ قتل علي، وفعل ذلك محبة اللّه ورسوله - في زعمه - وإن كان في ذلك ضالاً مبتدعاً» (1).

الأسئلة

•

لماذا اختلق ابن تيميّة المبررات لقاتل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقاده هواه لافتراض أنه كان معتقداً بأنّ اللّه ورسوله يحبان قاتل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟

•

من أين عرف ابن تيميّة سريرة هذا الرجل، وأنه كان محباً للّه ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؛ ولهذا يُحكم عليه - في أسوأ الأحوال – بأنه «ضال مبتدع»، في حين أنّ قاتل عمر بن الخطاب يُحكم بكفره بدون أي شك وريب ومن دون احتمال كونه مجتهداً مخطئاً؟

•

ما الذي حمل ابن تيميّة على التمييز بين القاتلين؟

•

هل كان ابن تيميّة مطلعاً على أحاديث رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بشأن قاتل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟

(1) روى ابن كثير في البداية والنهاية بسنده عن سماك عن جابر بن سمرة؛ قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، لعلي: من أشقى


1) منهاج السنّة 7: 152.

الأولين؟ قال: عاقر الناقة، قال: فمن أشقى الآخرين؟ قال: اللّه ورسوله أعلم، قال: قاتلك» (1).

(2) روى النسائي في الخصائص بسنده عن عمار بن ياسر؛ قال: «كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة من بطن ينبع، فلما نزلها رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، أقام بها شهراً..، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، لعلي (رضي اللّه عنه): ما لك يا أبا تراب - لما يرى عليه من التراب - ثمّ قال: ألا أحدثكما بأشقى الناس رجلين؟ قلنا: بلى یا رسول اللّه، قال: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك على هذه ووضع يده على قرنه - حتّى يبل منها هذه، وأخذ بلحيته»(2).

(3) روى أحمد في الفضائل بسنده عن الضحاك بن مزاحم؛ قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) يا علي تدري من شر الأولين ؟ - وقال وكيع مرة عن الضحاك عن علي قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): يا علي تدري من أشقى الأولين؟ قلت: اللّه ورسوله أعلم، قال: عاقر الناقة، قال: تدري من شر - وقال مرة من أشقى الآخرين؟ قلت: اللّه ورسوله أعلم، قال: قاتلك» (3).

أخرجه أحمد في المسند، والدولابي في الكني، والهيثمي في مجمعه،


1) البداية والنهاية لابن كثير 7: 355.

2) تهذيب الخصائص: 86.

3) فضائل الصحابة 2: 566.

والبغوي في معجم الصحابة، وابن سعد في طبقاته، والنسائي في الخصائص (1)، ورواه الحاكم في المستدرك، والطحاوي في مشكل الآثار، والمتقي الهندي في كنز العمال، وقال: أخرجه البغوي والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم وابن عساكر وابن النجار (2).

(4) روى أحمد في المسند بسنده عن عبد اللّه بن سبع قال: سمعت عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: لتخضبن هذه من هذه، فما ينتظر بي الأشقى، قالوا: يا أمير المؤمنين، فأخبرنا به نبي عترته، قال: إذا تاللّه تقتلون بي غير قاتلي» (3). رواه ابن سعد في طبقاته، والخطيب البغدادي في تأريخه (4).

(5) روى الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي سنان الدولي: «أنه عاد عليّاً في شكوى له شكاها، قال: فقلت له: لقد تخوفنا عليك يا أمير المؤمنين شكواك هذه، فقال: لكني واللّه ما تخوفت على نفسي منه، لأني سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، الصادق المصدوق يقول: إنك ستضرب ضربة هنا - وأشار إلى صدغيه - فيسيل دمها حتّى تخضب لحيتك، ويكون صاحبها أشقاها، كما كان عاقر الناقة أشقى ثمود» (5).


1) مسند أحمد بن حنبل 4: 262، الكنى والأسماء 3: 163، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9: 136، معجم الصحابة : 301، الطبقات الكبرى لابن سعد 3: 22 تهذيب الخصائص: 86.

2) المستدرك على الصحيحين 3: 140، شرح مشكل الآثار 1:351.

3) مسند أحمد بن حنبل 1: 130.

4) تأريخ بغداد 3: 1152، الطبقات الكبرى لابن سعد 3: 22.

5) المستدرك على الصحيحين 3: 113.

(6) روى ابن عبد البر في الاستيعاب بسنده عن عثمان بن صهيب عن أبيه: أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، قال لعلي: من أشقى الأولين؟ قال: الذي عقر الناقة - يعني ناقة صالح – قال: صدقت، فمن أشقى الآخرين؟ قال: لا أدري، قال: الذي يضربك على هذا – يعني يافوخه - ويخضب هذه – يعني لحيته» (1).

(7) روى الأعمش عن حبيب بن ثابت عن ثعلبة الحاني: «أنه سمع عليّ ابن أبي طالب (رضي اللّه عنه) يقول: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لتخضبن هذه – يعني لحيته – من دميهذا - يعني رأسه» (2).

(8) يقول ابن عبد البر : وذكر النسائي من حديث عمار بن ياسر عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، «أنه قال لعلي (رضي اللّه عنه): أشقى الناس الذي عقر الناقة، والذي يضربك على هذا – وضع يده على رأسه – يعني يخضب هذه – يعني لحيته»، ذكره الطبري وغيره، كما ذكره ابن إسحاق في السيرة، وهو معروف من رواية محمّد بن كعب القرظي عن يزيد بن جشم عن عمار بن ياسر، وذكره ابن أبي خيثمة من طرق – وكان قتادة يقول: قتل علي رضي اللّه عنه، على غير مال احتجبه، ولا دنيا أصابها (3).

(9) عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة؛ قال: «كان علي


1) الإستيعاب في معرفة الأصحاب 3: 59.

2) المصدر السابق 3: 60.

3) المصدر السابق.

(رضي اللّه عنه) – إذا رأى ابن ملجم – قال:

أريد حياته ويريد قتلي*** عذيرك من خليلك من مراد

وكان علي (رضي اللّه عنه)، كثيراً ما يقول: ما يمنع أشقاها، أوما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه من دم هذا، يقول: واللّه لتخضبن هذه من دم هذا، ويشير إلى لحيته ورأسه، خضاب دم، لا خضاب عطر ولا عبير»(1).

(10) عن عمر بن شيبة عن أبي عاصم النبيّل، وموسى بن إسماعيل عن سكين بن عبد العزيز العبدي: أنه سمع أباه يقول: جاء عبد الرحمن بن ملجم يستحمل عليا فحمله، ثم قال:

أريد حياته ويريد قتلي*** عذيرك من خليلك من مراد

أما أنّ هذا قاتلي، قيل : فما يمنعك منه، قال: إنه لم يقتلني بعد..

وأتى علي (رضي اللّه عنه)، فقيل له: «أن ابن ملجم يسم سيفه، ويقول: إنّه سيفتك بك فتكة يتحدث بها العرب، فبعث إليه فقال له: لم تسمّ سيفك، قال لعدوّي وعدوك، فخلى عنه، وقال: ما قتلني بعد» (2).

(11) قال السيوطي في الخصائص الكبرى: أخرج الحاكم وصححه عن علي قال لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «إنك ستضرب ضربة ههنا، وضربة ههنا، وأشار إلى صدغيه فيسيل دمها حتّى تخضب


1) المصنّف للصنعاني 9: 405.

2) الإستيعاب في معرفة الأصحاب 3: 60.

لحيتك، وأخرج الحاكم وصححه وأبو نعيم عن عمار بن ياسر: أن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، قال لعلي أشقى الناس الذي يضربك على هذه – يعني قرنه - حتّى تبتل هذه من الدم، يعني لحيته» (1).

(12) جاء في تأريخ الخلفاء للسيوطي: «وأخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن عمار بن ياسر، أن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) قال لعلي: أشقى الناس رجلان أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه – يعني قرنه - حتّى تبتل منه هذه [ من الدم ] – يعني لحيته. وقد ورد ذلك من حديث علي وصهيب وجابر بن سمرة وغيرهم» (2).

(13) روى أبو داود الطيالسي في مسنده بسنده عن زبيد بن وهب قال: «جاء رأس الخوارج إلى علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: إتق اللّه فإنك ميت، فقال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ولكنّي مقتول من ضربة من هذه تخضب هذه - وأشار بيده إلى لحيته - عهد معهود، وقضاء مقضي، وقد خاب من افتری» (3).

(14) روى ابن الأثير فى أسد الغابة بسنده عن عثمان بن صهيب عن أبيه قال: «قال علي: قال لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلّم): من


1) الخصائص الكبرى 2: 124.

2) تأريخ الخلفاء: 173.

3) مسند أبي داوود الطيالسي 1: 23، وانظر: تأريخ الأمم والملوك للطبري 5: 123، الكامل في التأريخ : 387، البداية والنهاية لابن كثير 7: 353.

أشقى الأولين؟ قلت: عاقر الناقة، قال: صدقت، قال: فمن أشقى الآخرين؟ قلت: لا علم لي يا رسول اللّه، قال: الذي يضربك على هذا – وأشار بيده إلى يافوخه – وكان يقول: وددت أنه قد انبعث أشقاكم، فخصب هذه من هذه – يعني لحيته من دم رأسه» (1).


1) أسد الغابة في معرفة الصحابة 4: 117، وانظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9: 136، الرياض النضرة في مناقب العشرة 2: 331.

موقف ابن تيميّة من الصديقة الشهيدة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)

إشارة:

اتخذ ابن تيميّة مواقف سلبيّة عديدة من سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) (1)

1. ورد في (صحيح البخاري في باب: «مناقب فاطمة [(عَلَيهَا السَّلَامُ)]» : قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة».

صحيح البخاري 2: 717 ومقتضى الإطلاق يقتضي كونها سيدة نساء الجنّة بنحو لا يشاركها فيها أحد.

2. ورد في (سنن الترمذي): «حدّثنا عبد اللّه بن عبد الرحمن وإسحق بن منصور، قالا: أخبرنا محمّد بن يوسف عن إسرائيل، عن ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش عن حذيفة قال: سألتني أمي متى عهدك؟ - تعني بالنبي(صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) فقلت: ما لي به عهد منذ كذا وكذا. فنالت مني، فقلت لها: دعيني آتي النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) فأصلي معه المغرب وأسأله أن يستغفر لي ولك، فأتيت النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، فصليت معه المغرب، فصلّى حتّى صلى العشاء ثم انفتل فتبعته، فسمع صوتي فقال: من هذا حذيفة؟..

قلت: نعم، قال: ما حاجتك؟ غفر اللّه لك ولأمّك، ثمّ قال: إن هذا ملك لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة، استأذن ربَّه أن يسلّم علي ويبشرني بأنَّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة».

سنن الترمذي 3: 117.

قال [أي: الترمذي]: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل»، وقال الألباني: «صحيح».

صحيح وضعيف سنن الترمذي 3: 541.

ورد في (مسند أحمد) : «حدّثنا حسين بن محمّد، حدّثنا إسرائيل، عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن زر بن حبيش، عن حذيفة قال: سألتني أمي منذ متى عهدك بالنبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)؟ قال: فقلت لها منذ كذا وكذا، قال: فنالت مني وسبتني، قال: فقلت لها: دعيني، فإني آتي النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) فأصلي معه المغرب، ثمّ لا أدعه حتّى يستغفر لي ولك قال: فأتيت النبي(صلى اللّه عليه [وآله] وسلم) فصليت معه المغرب، فصلى النبي(صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) [إلى] العشاء، ثمّ انفتل فتبعته، فعرض له عارض فناجاه، ثم ذهب فأتبعته، فسمع صوتي فقال: من هذا؟.. فقلت: حذيفة، قال: ما لك؟ فحدثته بالأمر، فقال: غفر اللّه لك ولأمك، ثم قال: أما رأيت العارض الذي عرض لي قبيل؟ قال: قلت: بلى، قال: فهو ملك من الملائكة لم يهبط الأرض قط قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلّم علي، ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة».

مسند أحمد بن حنبل 4: 353.

4. ورد في (صحيح الجامع الصغير وزياداته): «أتاني ملك فسلّم علي، نزل من السماء لم ينزل قبلها، فبشرني أن الحسن الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة».

صحيح الجامع الصغير وزياداته 1: 17.

5. جاء في (سير أعلام النبلاء): «ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو، عن زر، عن حذيفة: سمع النبي(صلى اللّه عليه [و آله] وسلّم) يقول: «هذا ملك لم ينزل قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلّم علي، ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة، وأن الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة».. حسَّنه الترمذي.. وقد علق محقق الكتاب شعيب الأرنؤوط على كلام الذهبي فقال: «وهو كما قال [ أي من تحسين الترمذي له]..،

وأخرجه أحمد، والخطيب وإسناده صحيح، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبّان لكنه اختصره».

سیر أعلام النبلاء 3: 252.

6. جاء في (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني) في ذيل الآية 42 من سورة آل عمران: (وإذ قالت الملائكةُ يَا مَريَمُ إِنَّ اللّه اصْطَفَاكَ وَطَهَّرَك وَاصْطَفَاكَ عَلَى نساء العالمين): «والمراد من نساء العالمين: قيل: جميع النساء في سائر الأعصار، واستدل به على أفضليتها على فاطمة وخديجة وعائشة..، وقيل: المراد نساء عالمها؛ فلا يلزم منه أفضليتها على فاطمة رضي اللّه تعالى عنها..، وإلى هذا ذهب أبو جعفر [أي: الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)] رضي اللّه تعالى عنه، وهو المشهور عن أئمة أهل البيت..

والذي أميل إليه: أن فاطمة البتول أفضل النساء المتقدمات والمتأخرات؛ من حيث إنها بضعة رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، بل ومن حيثيات أخر أيضاً، ولا يعكر على ذلك الأخبار السابقة؛ لجواز أيراد بها أفضليّة غيرها عليها من بعض الجهات وبحيثية من الحيثيات، وبه يجمع بين الآثار. وهذا سائغ على القول بنبوة مريم أيضاً؛ إذ البضعة من روح الوجود وسيّد كلّ موجود لا أراها تقابل بشيء. وأين الثريا من يد المتناول؟».

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 3: 155.

؛ تكشف عن حقده وعداوته لريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ؛ منها :

1) لا بأس قبل الخوض في البحث أن نذكر بعض الأحاديث المتّفق على صحتها بين الفريقين بشأن الصديقة الكبرى السيدة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) كي تسهل للقارئ الكريم المقارنة بينها وبين كلمات شيخ الاسلام الأموي؛ التي سيأتي بيانها.

الموقف الأول: اعتقاده بأن الصديقة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) كانت من طلاب الدنيا بغير حق

قال ابن تيميّة: «نعلم أن ما يحكى عن فاطمة وغيرها من الصحابة من القوادح كثير..، ثمّ من المعلوم لكلّ عاقل : أن المرأة إذا طلبت مالاً من وليّ أمر فلم يعطها [إياه] لكونها لا تستحقه عنده، وهو لم يأخذه ولم يعطه لأحد من أهله ولا أصدقائه بل أعطاه لجميع المسلمين، وقيل إن الطالب غضب على الحاكم، كان غاية ذلك أنه غضب لكونه لم يعطه مالاً، وقال الحاكم: إنّه لغيرك لا لك، فأي مدح للطالب في هذا الغضب؟..

لو كان مظلوماً محضاً لم يكن غضبه إلا للدنيا.. وكيف والتهم عن الحاكم الذي لا يأخذ لنفسه أبعد من التهمة عن الطالب الذي يأخذ لنفسه، فكيف تحال التهمة على من لا يطلب لنفسه مالاً، ولا تحال على من يطلب لنفسه المال؟ وذلك الحاكم يقول: إنّما أمنع اللّه لأني لا يحل لي أن آخذ المال من مستحقه فأدفعه إلى غير مستحقه والطالب يقول: إنّما أغضب لحظي القليل من المال»(1).

وقال: «..، وأيضاً فهؤلاء ينقلون عن علي وفاطمة من الجزع والحزن على فوت مال فدك وغيرها من الميراث ما يقتضي أن صاحبه إنما يحزن على فوت الدنيا، وقد قال تعالى: (لِكَيْ لَا تَأْسَوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) (2)، فقد دعا الناس إلى أن لا يأسوا على ما فاتهم من الدنيا، ومعلوم أن الحزن على الدنيا أولى بأن يُنهى عنه من الحزن على الدين..

وإن قدر أنه حزن على الدنيا، فحزن الإنسان على نفسه خوفاً أن يُقتل أولى أن يُعذر به من حزنه على مال لم يحصل له» (3).

الأسئلة :

• لماذا يخرج ابن تيميّة هنا عن نمط استدلاله في أمثال هذه المواضع ولم

1) منهاج السنّة 4: 244.

2) سورة الحديد:23.

3) منهاج السنّة 8: 461.

يقل: «إنّ السيدة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) كانت على خطأ [(والعياذ باللّه)] إلا أنها مجتهدة متأوّلة مأجورة»، كما اعتذر بمثل ذلك لمعاوية بن أبي سفيان وأمثاله من الخارجين على الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1). ؟

•

ما عساه حال دون أن يعامل سيدة نساء العالمين (عَلَيهَا السَّلَامُ) بمثل ما عامل به صاحبة الجمل الأدبب وكلاب الحوأب، ومعاوية، وابن ملجم المرادي، وأمثالهم؟

•

لأيّ دليل يتورّع ابن تيميّة عن الخوض في نزاعات الصحابة والبحث في خلافاتهم؛ معتبراً أنّ الموقف الصحيح هو: الامتناع عن الحديث فيما شجر بينهم، لكن في المقابل نراه لا يتردَّد في اتهام الصديقة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) بأنها كانت طالبةً لغير ما تستحق من الدنيا، وأنّ حزنها كان لأجل حظها القليل من الدنيا؟

•

ما هو دليله الشرعي الذي يستند إليه في افترائه هذا على سيدة النساء (عَلَيهَا السَّلَامُ) ؟


1) قال ابن تيميّة في منهاج السنّة 4: 385: «الباغي قد يكون متأوّلاً معتقداً أنه على حق، وقد يكون متعمداً يعلم أنه باغ، وقد يكون بغيه مركباً من شبهة وشهوة، وهو الغالب، وعلى كلّ تقدير فهذا لا يقدح فيما عليه أهل السنّة، فإنهم لا ينزهون معاوية ولا من هو أفضل منه من الذنوب فضلاً عن تنزيههم عن الخطأ في الاجتهاد.. بل يقولون: إن الذنوب لها أسباب تدفع عقوبتها من التوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وغير ذلك».

• لماذا لم يدخل ابن تيميّة عائشة ضمن طلاب الدنيا؛ لاستحواذها على قسم كبير من إرث النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بغير حق ؛ حتّى قال لها ابن عباس قوله المشهور:

تجمّلت تبعَّلت ***ولو عشت تفيَّلت

لك الثّمن من التّسع ***وبالکلِّ تصرَّفت (1)

•

كيف ترث عائشة كلّ البيت من بين أزواج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) المتعدّدات، وهن تسع نساء حسب ما قاله ابن عبّاس؟

•

إذا كان النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لا يورث - كما شهد بذلك أبو بكر نفسه ومنع لذلك ميراث الصدّيقة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) من أبيها – فكيف ورثته عائشة؟

•

هل هناك في كتاب اللّه آية تُعطي الزوجة حق الميراث وتمنع البنت؟ أم أن السياسة هي التي أبدلت كلّ شيء، فحرمت البنت من كلّ شيء وأعطت لزوجة واحدة كلّ شيء؟

الموقف الثاني: اعتقاده بالتشابه بين فعل الصديقة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) وأفعال المنافقين

قال ابن تيميّة: «..، أوليس اللّه قد ذمّ المنافقين الذين قال فيهم : (وَمنهم


1) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 3: 204، كشف الغمة 2: 209، الأخبار الطوال: 221، مقاتل الطالبين: 48، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 50، تأريخ مدينة دمشق 13: 290.

منْ يَلْمِرُك في الصَّدَقَاتِ فَإِن أُعْطُوا مِنها رَضُوا وَإِن لَم يُعْطُوا مِنْهَا إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ * ولو أَنهُمْ رضُوا مَا آتَاهُمُ اللّه وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّه سَيُؤْتِينَا اللّه مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إلى اللّه رَاغِبُونَ) (1)، فذكر اللّه قوماً رضوا إن اعطوا، وغضبوا إن لم يُعطوا، فذمهم بذلك، فمن مدح فاطمة بما فيه شبه من هؤلاء، ألا يكون قادحاً فيها؟» (2).

يرد عليه :

أنّ اعتقاد ابن تيميّة بمشابهة فعل الصدّيقة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) بأفعال المنافقين من الرضى حال عطاء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لهم من الصدقات وسخطهم حال منعهم منها، لا يجرؤ على التفوه به إنسان مسلم يستمع إلى نبيه الموصوف بأنه (ومَا يَنْطِقُ عَن الهَوَى * إن هو إلاّ وَحْيٌ يوحی) (3)؛ وهو يقول بحقها أنها: «سيّدة نساء أهل الجنّة» (4).

ولا بد هنا من الإشارة إلى أنّ المنافقين يطلبون ما ليس لهم فيه حق، وهو سبب ذمّ اللّه تعالى لهم، وليس سبب ذمّهم عموم المطالبة حتّى ولو كان الطلب حقاً؛ ولذا قدمت الآية الكريمة سبب كونهم على الباطل؛ فقالت: ﴿وَمِنْهُمْ مِنْ يَلْمِرُكَ فِي الصَّدَقَاتِ)... أي: يعيبك ويطعن عليك، ثم


1) سورة التوبة : 58 59.

2) منهاج السنّة 4: 246.

3) سورة النجم:3.

4) كما في: صحيح البخاري: 717.

قابلت ذلك بدعوتهم للتسليم للّه ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وترك التلميز والطعن عليه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فقالت : (ولو أنهُمْ رضُوا مَا آتَاهُمُ اللّه وَرَسُولُهُ)...

إذن فابن تيميّة يستحق أن يوصف بكونه «قادحا في سيدة نساء العالمين (عَلَيهَا السَّلَامُ) ويتضح من كلامه أنه ليس ممّن يعتقد أنها لا تغضب إلا للّه تعالى، وأنه لا يؤمن بقول رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني» (1)، الحديث الذي رواه البخاري، وجاء في جملة من كتب الحديث عند الفريقين، وصححه، أعلام أهل السنّة، منهم: نور الدين الهيثمي، والطبراني، والمزي، والحاكم النيسابوري، وابن عدي الجرجاني، والدارقطني (2)

وانظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9: 328، المعجم الكبير للطبراني: 108، تهذيب الكمال في أسماء الرجال 35:250، المستدرك على الصحيحين 3:167.

تنبيه: قال ابن تيميّة في منهاج السنّة 4: 248: «وأما قوله [ يعني: العلامة الحلي (قدّس سِرُّه)]: ورووا جميعاً: أن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) قال: (يا فاطمة! إن اللّه يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك).. فهذا كذب منه ما رووا هذا عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، ولا يعرف هذا في شيء من كتب الحديث المعروفة، ولا إسناد معروف عن النبي(صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، لا صحيح، ولا حسن».

يرد عليه

روى قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «يا فاطمة إن اللّه يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك» جمع غفير من الأئمّة المشاهير، والحفّاظ الأعلام من أهل السنّة، في كتبهم في الحديث، والفضائل، ومنهم من ذكره بترجمة الصديقة الكبرى (عَلَيهَا السَّلَامُ).

فمن رواته: ابن أبي عاصم أبوبكر أحمد بن عمر والضحاك، وأبو يعلى، وأبوبشر الرازي الدولابي، وأبو القاسم الطبراني، وابن عدي، والحاكم النيسابوري، والخركوشي، وأبونعيم الأصفهاني، وابن المغازلي، وأبوالمؤيد الموفّق، وأبوالقاسم ابن عساكر، وابن الأثير الجزري، وابن النجار البغدادي، والشيخ محمّد الزرندي الحنفي، والهيثمي، وابن حجر العسقلاني، وجلال الدين السيوطي، وغيرهم من أعلام الأئمّة والحفاظ.

راجع: راجع: الآحاد والمثاني 5: 363، معجم أبي يعلى الموصلي: 19، الذرية الطاهرة: 167، المعجم الكبير 1: 108، الكامل في التأريخ 2: 351، المستدرك على الصحيحين 3: 153، شرف المصطفى 5: 350، معرفة الصحابة 1: 93، مناقب عليّ بن أبي طالب عالية: 275 - 276، مقتل الحسين اللّه 90 تاريخ مدينة دمشق 3: 156، أسد الغابة 5: 522، ذيل تاريخ بغداد 2: 140، نظم درر السمطين: 177 مجمع الزوائد 9: 203، الخصائص الكبرى 3: 265.

قال أبونعيم: «تفرد برواية هذا الحديث العترة الطيبة خلفهم عن سلفهم، حتّى ينتهى إلى النبي (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)». معرفة الصحابة 1: 93.

ثم إن الحاكم قال : «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». المستدرك على الصحيحين 3: 154 ذكر مناقب فاطمة.

فالحديث له إسناد معروف إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ولكن الذهبي حاول تضعيفه في تلخيصه كعادته قائلاً: «بل حسين منكر الحديث لا يحل أن يحتج به». المستدرك على الصحيحين بهامشه تلخيص الذهبي 3: 364.

والحسين بن زيد هو الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الملقب بـ : (ذي الدمعة) لكثرة بكائه، تكفل به الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد مقتل أبيه زيد وأخيه يحيى، فأصاب منه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) علماً كثيراً، وكان.ورعاً. كما في المجدي في أنساب الطالبيين: 159..

وقد صحح الحاكم له عدّة أحاديث، ووثقه الدارقطني، وقال ابن حجر: «صدوق ربّما أخطأ»، وقال الهيثمي: «وقد وثق، وفيه كلام»، وقال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي: ما تقول فيه؟ فحرك بيده وقلبها، يعني: يعرف وينكر»، وقال ابن عدي: «أرجو أنه لا بأس به، إلا أني وجدت في بعض حديثه النكرة»، وقال عليّ بن المديني: «كان فيه ضعف ويكتب حديثه، وحدث علي عنه على المنبر»، واعتمده ابن ماجة وروى عنه رواية واحدة، وذكره الذهبي في (الميزان) وروى له ثلاث روايات منها: قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الفاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) : «إن اللّه يغضب لغضبك ويرضى لرضاك».

راجع: المستدرك على الصحيحين 1: 359، 2: 3، 3: 179 تهذیب التهذیب 2: 293، تقریب التهذيب 1: 215 مجمع الزوائد 4: 270، الجرح والتعديل 3: 53، الكامل في الضعفاء 2: 351، سؤالات محمّد بن أبي شيبة لعلي بن المديني: 133، سنن ابن ماجة 1: 471، ميزان الاعتدال 1: 535.

فعرف سبب حكمهم بنكارة حديثه، وهو روايته هذا الحديث وغيره، ممّا انفرد بروايته آل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ممّا يدحض مذهبهم، ويعري أسلافهم؛ لما يعرف من موت السيدة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) وهي غضبى على أبي بكر وعمر، مع أنك عرفت أن الحديث صحيح، كما حكم به الحاكم.

وقال فيه الهيثمي: «وإسناده حسن». مجمع الزوائد 203:9.

ومع أن قول الذهبي: «لا يحل أن يحتج به» مردود، فإن للحديث طرق أخر عند الخوارزمي في مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عن عليّ بن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عن آبائه (عَلَيهِم السَّلَامُ). مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 90.

فسقط بذلك قول الذهبي، وظهر معه كذب ابن تيميّة.

.

1) صرّح الحراني الناصبي بتكذيب الحديث في منهاج السنّة 4: 246.

2) صحيح البخاري 4: 210.

الأسئلة :

•

كيف تجرأ ابن تيميّة أن يكذب هذا الحديث وهو في أعلى درجات الصحة ؟

•

ما هو السبب لإنكاره الواضحات إلا النصب والعداوة لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ؟

•

ما هو حكم من قدح في سيدة نساء العالمين (عَلَيهَا السَّلَامُ) ونصب العداوة لها ؟

أخرج الحاكم النيسابوري في المستدرك عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله النار». قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه(1)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه وقال المعلق: إسناده حسن.

وقد جعله ابن حبان في صحيحه تحت عنوان: «ذكر إيجاب الخلود في النار لمبغض أهل بيت المصطفى (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)» (2).

وأخرج الحاكم في المستدرك عن عبد اللّه بن عباس، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) قال: «يا بني عبد المطلب إني سألت اللّه لكم ثلاثاً.. فلو أن رجلاً صفن بين الركن والمقام، فصلّى وصام، ثم لقي اللّه وهو مبغض لآل بيت محمّد دخل النار.» قال الحاكم: هذا حديث حسن صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.. ووافقه الذهبي (3).وأخرج أحمد بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «من أبغضنا أهل البيت فهو منافق»(4).


1) المصدر السابق 3: 162.

2) صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان 15: 435.

3) المستدرك على الصحيحين 3: 161.

4) فضائل الصحابة 2: 661.

الموقف الثالث: قدحه في الصديقة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)؛ لهجرانها وعدم تكلمها مع أبي بكر

قال ابن تيميّة: «أنّ ما ذكره عن فاطمة أمر لا يليق بها ولا يحتج بذلك إلا رجل جاهل يحسب أنه يمدحها وهو يجرحها، فإنه ليس فيما ذكره ما يوجب الغضب عليه؛ إذ لم يحكم لو كان ذلك صحيحاً إلا بالحق الذي لا يحل لمسلم أن يحكم بخلافه، ومن طلب أن يحكم له بغير حكم اللّه له فغضب وحلف أن لا يكلّم الحاكم ولا صاحب الحاكم لم يكن هذا ممّا يُحمد عليه، ولا ممّا يُذمّ به الحاكم، بل هذا إلى أن يكون جرحاً أقرب منه إلى أن يكون مدحاً» (1).

يرد عليه :

بناء على ما ذكرنا من كلام ابن تيميّة تكون سيدة نساء العالمين (عَلَيهَا السَّلَامُ) من الصحابيات المجروحات، ويكون إيراد البخاري لحديث وجدها على أبي بكر - طبقاً لفهم ابن تيميّة - للقدح فيها (عَلَيهَا السَّلَامُ)..

علماً أن ابن تيميّة نفسه يقول في كتابه (الصارم المسلول على شاتم الرسول) بشأن الصحابة: «... وأمّا من سبهم سبّاً لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل: وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك، فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير..، وأما من لعن وقبح


1) منهاج السنّة 4: 243.

مطلقاً، فهذا محل الخلاف فيهم..، وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضاً في كفره» (1).

إذن؛ فأقل ما يستحقه ابن تيميّة على عبارته أعلاه، وكذا ما نقلناه عن مذهبه في الموقف الأوّل من كون سيدة نساء العالمين (عَلَيهَا السَّلَامُ) طالبة للدنيا، واستناداً إلى معاييره، هو: «التأديب والتعزير».

السؤال :

• لماذا يلتزم الحرّاني الصمت وعدم الخوض في المسألة ولا يرجّح طرفاً على آخر؛ عندما يتعلّق الأمر بخصوم أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، لكنه ينقض معاييره عند الكلام عن العترة الطاهرة (صلوات اللّه عليهم) ؟

الموقف الرابع: ذمّ الصديقة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)؛ لإيصائها بدفنها ليلاً وعدم الصلاة عليها

قال ابن تيميّة: «..، وكذلك ما ذكره من إيصائها أن تدفن ليلاً ولا يصلّي عليها أحد منهم لا يحكيه عن فاطمة ويحتج به إلا رجل جاهل يطرق على فاطمة ما لا يليق بها، وهذا لو صح لكان بالذنب المغفور أولى منه بالسعي المشكور..


1) الصارم المسلول على شاتم الرسول: 586.

فإنّ صلاة المسلم على غيره زيادة خير تصل إليه، ولا يضر أفضل الخلق أن يصلّي عليه شر الخلق، وهذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) يصلّي عليه الأبرار والفجار بل والمنافقون، وهذا إن لم ينفعه لم يضره، وهو يعلم أن في أمته منافقين، ولم ينه أحداً من أمته عن الصلاة عليه، بل أمر الناس كلهم بالصلاة والسلام عليه، مع أن فيهم المؤمن والمنافق..

فكيف يذكر في معرض الثناء عليها والاحتجاج لها مثل هذا الذي لا يحكيه ولا يحتج به إلا مفرط في الجهل، ولو وصى موص بأن المسلمين لا يصلّوا عليه لم تنفذ وصيّته، فإن صلاتهم عليه خير له بكل حال..

ومن المعلوم أن إنساناً لو ظلمه ظالم، فأوصى بأن لا يصلّي عليه ذلك الظالم، لم يكن هذا من الحسنات التي يحمد عليها، ولا هذا ممّا أمر اللّه به ورسوله.. فمن يقصد مدح فاطمة وتعظيمها، كيف يذكر مثل هذا الذي لا مدح فيه بل المدح في خلافه، كما دلّ على ذلك الكتاب والسنّة والإجماع» (1).

يرد عليه :

أن ما نقلناه من كلام ابن تيميّة حول وصيّة سيدة نساء العالمين (عَلَيهَا السَّلَامُ) لا يمكن قبوله؛ لأن الوصيّة بالدفن ليلاً وعدم الصلاة عليها فيه دلالة واضحة على الحنق والغضب، ممّا لا يحتاج إلى دليل، وصلاة المسلم على غيره زيادة له في الخير أيضاً وليس للميت فحسب.


1) منهاج السنّة 4: 247.

نعم «لا يضر أفضل الخلق أن يصلّي عليه شر الخلق كما قال ابن تيميّة، ولكن من الصحيح أيضاً أن من أشد ما يُحرم أحد من الخلق من التوفيق له من الخيرات أن يُخص بالمنع من الصلاة على أفضل الخلق» (1).

ويزداد حرمان هذا الشخص وعدم توفيقه إذا علمنا أن منعه كان من قبل نفس «أفضل الخلق» المُصلَّى عليه وبوصيّة منه؛ لسخطه واحتجاجه عليه، وهذا المنع هو الموضع الذي حاول ابن تيميّة الالتفاف عليه.

الأسئلة :

•

لماذا ينكر ابن تيميّة هذه الحقيقة ويحاول قلبها وتأويلها وتغيير معناها؟

•

ألا يدلّ ذلك على حقده ونصبه العداء لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ؟

•

بأي دليل شرعي يثبت الحراني أنّ وصيّة سيدة نساء العالمين (عَلَيهَا السَّلَامُ) بعدم صلاة أشخاص معينين عليها تعدّ «ذنباً»؟

الموقف الخامس: اعتقاده أن الصديقة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) فرّقت الجماعة وردت حكم اللّه وسخطت أمره

قال ابن تيميّة: «..، أبو بكر وعمر وليا الأمر، واللّه قد أمر بطاعة أولي الأمر، وطاعة ولي الأمر طاعة اللّه ومعصيته معصية اللّه، فمن سخط أمره وحكمه فقد سخط أمر اللّه وحكمه...


1) سبق في البداية ذكر الروايات الصحيحة عند الفريقين الدالّة على كونها (عَلَيهَا السَّلَامُ) من أفضل الخلق.

إن النصوص الواردة عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) في طاعة ولاة الأمور، ولزوم الجماعة، والصبر على ذلك، مشهورة كثيرة..

بل لو قال قائل: إن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) أمر بطاعة ولاة الأمور وإن استأثروا، والصبر على جورهم، وقال: «إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض»، وقال: «أدوا إليهم حقهم، وسلوا اللّه حقّكم» وأمثال ذلك..

فلو قدر أن أبا بكر وعمر كانا ظالمين مستأثرين بالمال لأنفسهما، لكان الواجب مع ذلك طاعتهما والصبر على جورهما.. ثمّ لو أخذ هذا القائل يقدح في علي وفاطمة ونحوهما بأنهم لم يصبروا ولم يلزموا الجماعة، بل جزعوا وفرّقوا الجماعة، وهذه معصية عظيمة، لكانت هذه الشناعة أوجه من تشنيع الرافضة على أبي بكر وعمر، فإن أبا بكر وعمر لا تقوم حجّة بأنهما تركا واجباً أو فعلاً محرماً أصلاً، بخلاف غيرهما..

فإنه قد تقوم الحجة بنوع من الذنوب التي لم يفعل مثلها أبو بكر ولا عمر وما ينزّه علي وفاطمة عن ترك واجب أو فعل محظور إلا وتنزيه أبي بكر وعمر أولى بكثير، ولا يمكن أن تقوم شبهة بتركهما واجباً أو تعديهما حداً، إلا والشبهة التي تقوم في علي وفاطمة أقوى وأكبر..

فطلب الطالب مدح عليّ وفاطمة - إما بسلامتهما من الذنوب، وإما بغفران اللّه لهما، مع القدح في أبي بكر وعمر..، بإقامة الذنب والمنع من المغفرة - من أعظم الجهل والظلم، وهو أجهل وأظلم ممن يريد مثل ذلك

في عليّ ومعاوية... إذا أراد مدح معاوية والقدح في علي» (1).

الأسئلة :

• كيف تجرا ابن تيميّة أن يكتب نصاً لا يتجاوز بضعة أسطر، فيه من الكذب والجرأة على حرمات اللّه ما لا يتفوه به مسلم يدين بدين الإسلام؟

إن الإمام أمير المؤمنين والصديقة فاطمة الزهراء (عَلَيهِم السَّلَامُ) طبقاً لفهم ابن تيميّة: ردًّا أمر اللّه، وسخطا حكمه، وكرها ما أرضى اللّه، وفرقا جماعة المسلمين، وخرقا طاعة ولاة الأمور، وجزعا ولم يصبرا وتركا الواجب، وفعلا المحرم، بل المعصية العظيمة، والشبهة بتركهما الواجب أو تعديهما الحدّ أقوى وأكبر...

فما لكم كيف تحكمون؟

• من هم أولئك الذين (اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللّه وَكَرَهُوا رِضْوَانَه) (2). طبقاً لتفسير ابن تيميّة ؟

إنهم المنافقون بكل تأكيد، وإلا فإن الإنسان المؤمن قد حبَّب اللّه إليه الإيمان وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان؛ قال تعالى: ﴿وعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رسُولَ اللّه لو يُطِيعُكُمْ فِي كَثِير مِنَ الْأمْرِ لَعَنتمْ وَلَكنَّ اللّه حَبَّبَ إلَيكُم الْإِيمَانَ وَزَيَّنَة فِي قُلُوبِهِمْ وَكَرّه إِلَيْكُم الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (3).


1) منهاج السنّة 4: 256.

2) سورة محمّد: 28.

3) سورة الحجرات: 7.

يقول ابن تيميّة في (منهاج السنّة) : «فسَّر السلف هؤلاء الذين (كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللّه) (1)الذين كانوا سبب نزول هذه الآية بالمنافقين واليهود»(2).

•

ما هو موقف الإنسان المسلم تمن يرمي الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وسيدة نساء العالمين الصديقة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) بالنفاق؟

•

هل يوجد في النص المتقدم ما يدعونا لاستبعاد اعتقاد ابن تيميّة بذلك؟

•

هل يصحّ عند علماء أهل السنّة أن توصف الصدّيقة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) بأنها فرَّقت جماعة المسلمين وقد ورد عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «أنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرّق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائناً من كان»(3)، وفي نص آخر: «من ترك الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهليّة» (4)؟

الموقف السادس: رأيه في جزع الصديقة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)

قال ابن تيميّة: «..، وحزنه [أي: أبو بكر ] على النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) يدلّ على كمال موالاته ومحبته، ونصحه له واحتراسه عليه وذبه عنه ودفع الأذى عنه، وهذا من أعظم الإيمان وإن كان مع ذلك


1) سورة محمّد: 9.

2) منهاج السنّة 5: 288.

3) صحيح مسلم 4: 773.

4) اتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة 6: 220.

يحصل له بالحزن نوع ضعف..

فهذا يدل على أن الاتصاف بهذه الصفات مع عدم الحزن هو المأمور به، فإن مجرد الحزن لا فائدة فيه، ولا يدلّ ذلك على أن هذا ذنب يُذم به، فإن من المعلوم أن الحزن على الرسول أعظم من حزن الإنسان على ابنه، فإنّ محبّة الرسول أوجب من محبة الإنسان لابنه...

ثمّ إن هؤلاء الشيعة وغيرهم يحكون عن فاطمة من حزنها على النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) ما لا يوصف وأنها بنت بيت الأحزان، ولا يجعلون ذلك ذمّاً لها مع أنه حزن على أمر فائت لا يعود، وأبو بكر إنما حزن عليه في حياته خوف أن يُقتل وهو حزن يتضمن الاحتراس، ولهذا لمّا مات لم يحزن هذا الحزن؛ لأنه لا فائدة فيه..

فحزن أبي بكر - بلا ريب - أكمل من حزن فاطمة، فإن كان مذموماً على حزنه ففاطمة أولى بذلك، وإلا فأبو بكر أحق بأن لا يُذم على حزنه على النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) من حزن غيره عليه بعد موته...

وأيضاً فهؤلاء ينقلون عن علي وفاطمة من الجزع والحزن على فوت مال فدك وغيرها من الميراث ما يقتضي أن صاحبه إنما يحزن على فوت الدنيا، وقد قال تعالى: (لَكِيْ لَا تَأْسَوا علَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللّه لَا يُحِبُّ كلّ مختَالٍ فَخُور) (1)، فقد دعا الناس إلى أن لا يأسوا على ما فاتهم من


1) سورة الحديد: 23.

الدنيا، ومعلوم أن الحزن على الدنيا أولى بأن يُنهى عنه من الحزن على الدين وإن قدّر أنه حزن على الدنيا، فحزن الإنسان على نفسه خوفاً أن يُقتل أولى أن يُعذر به، من حزنه على مال لم يحصل له» (1).

الأسئلة :

•

هل كان جزع الصدّيقة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) على فوات الدنيا، كما يقول ابن تيميّة ؟

•

كيف يصحّ قول ابن تيميّة؛ وقد ثبت في الصحيح المتّفق عليه من الأخبار أنّ حزن الصدّيقة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) وبكاءها على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كان بمرأى منه في حياته حين أخبرها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) برحيله؟

•

لماذا لم يذمّها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) على حزنها هذا، ولم يقل لها إنه: «ضعف وحزن على أمر فائت لا فائدة منه كما يقول ابن تيميّة.. بل قام (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بتسليتها وبشارتها ؟

•

هل هذا الحزن المفضي إلى الضعف هو مختص بسيدة نساء العالمين (عَلَيهَا السَّلَامُ)؛ فيكون مجرد حزن بنتٍ على وفاة أبيها - كما يلوّح ابن تيميّة بذلك - أم أنه وقع من غيرها من خيار الصحابة، الذين يعتقد ابن تيميّة بحجية أقوالهم وأفعالهم؟


1) منهاج السنّة 8: 459.

ورد في (سنن ابن ماجة) عن أنس قال: «قال أبو بكر بعد وفاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) يزورها.. قال: فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك! فما عند اللّه خير لرسوله، قالت: إنّي لأعلم أن ما عند اللّه خير لرسوله ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، قال: فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها» (1).

الموقف السابع : قوله : ما يحكى عن فاطمة..، من القوادح كثير

قال ابن تيميّة: «..، نعلم أن ما يحكى عن فاطمة وغيرها من الصحابة من القوادح كثير؛ منها كذب، وبعضها كانوا فيه متأوّلين.. وإذا كان بعضها ذنباً فليس القوم معصومين، بل هم مع كونهم أولياء اللّه ومن أهل الجنّة، لهم ذنوب يغفرها اللّه لهم» (2).

الأسئلة :

• هل يا ترى - على مذهب ابن تيميّة - ماذا سيفعل اللّه تعالى في هذه القوادح المنسوبة للسيدة فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) ؟

معاذ اللّه من كلام إمام النواصب ستكتب شهادة ابن تيميّة وسوف


1) سنن ابن ماجة 2: 55.

2) منهاج السنّة 4: 243.

يسأله العزيز الجبار» (1).

• هل المحكي عن الصديقة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) اتّهامها بالكذب كما يقول ابن تيميّة، أم أنّ الثابت بشهادة الجميع وفي أصح الأخبار نقيض ذلك؟

إن نفس نسبة «القوادح الكثيرة» على حدّ تعبير ابن تيميّة - إلى سيد نساء العالمين (عَلَيهَا السَّلَامُ) أمر جليل وفرية عظيمة يرفضها كلّ مسلم، وهو ما دفع الدكتور محمود السيّد صبيح للتعليق على ما حكاه؛ إذ قال في كتابة (أخطاء ابن تيميّة) تحت عنوان: (ابن تيميّة يثلج صدر المنافقين والزنادقة بإثبات ما لم يستطع منافق واحد أن يفكر فيه، أو يتجرأ على قوله، وهو أن لبنت النبيّ (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) قوادح كثيرة): «لا أدري ما هي القوادح الكثيرة التي حكيت عن السيدة فاطمة الزهراء رضي اللّه عنها، سواء الكذب، أو التي كانت متأوّلة، يعني فاطمة كانت متأولة، أو التي وقعت فيها بذنب، وأي فاجر ذكر ذلك (2).



1) من كلمات الدكتور محمود السيّد صبيح في كتابه أخطاء ابن تيميّة في حق رسول اللّه أهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ) : 63.

2) المصدر السابق.

رأي ابن تيميّة في أحداث واقعة الطف

قال ابن تيميّة: «وإن أراد [يعني: العلامة الحلي (قدّس سِرُّه)] باعتقادهم [أي: أهل السنّة ] إمامة يزيد، أنهم يعتقدون أنه كان ملك المسلمين، وخليفتهم في زمانه، وصاحب السيف، كما كان أمثاله من خلفاء بني أمية، وبني العباس، فهذا أمر معلوم لكل أحد، ومن نازع في هذا كان مكابراً، فإنّ يزيد بويع بعد موت أبيه معاوية، وصار متولياً على أهل الشام، ومصر، والعراق، وخراسان، وغير ذلك من بلاد المسلمين والحسين استشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وهي أول سنة في ملك يزيد، والحسين استشهد قبل أن يتولّى على شيء من البلاد» (1).

وقال: «باب قتال أهل البغي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشتبه بالقتال في الفتنة...، ومن تأمل الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) في هذا الباب، واعتبر أيضاً اعتبار أولي الأبصار، علم أنّ الذي جاءت به النصوص النبويّة خير الأمور.. ولهذا لما أراد الحسين أن يخرج إلى أهل العراق، لمّا كاتبوه كتباً كثيرة، أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين كابن عمر وابن عباس وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن لا


1) منهاج السنّة 4: 522.

يخرج، وغلب على ظنهم أنه يُقتل، حتّى أن بعضهم قال: أستودعك اللّه من قتيل، وقال بعضهم: لولا الشفاعة لأمسكتك، ومنعت عن الخروج.. وهم في ذلك قاصدون نصيحته طالبون لمصلحته ومصلحة المسلمين.. واللّه ورسوله إنما يأمر بالصلاح لا بالفساد، لكن الرأي يصيب تارة ويخطئ تارة..

فتبيَّن أن الأمر على ما قاله أولئك، ولم يكن في الخروج لا مصلحة دين، ولا مصلحة دنيا، بل تمكّن أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول اللّه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) حتّى قتلوه مظلوماً شهيداً، وكان في خروجه وقتله منالفساد ما لم يحصل لو قعد في بلده، فإنّ ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشرّ لم يحصل منه شيء، بل زاد الشرّ بخروجه وقتله، ونقص الخير بذلك، وصار ذلك سبباً لشرّ عظيم.. وكان قتل الحسين ممّا أوجب الفتن، كما كان قتل عثمان ممّا أوجب الفتن..

وهذا كله ممّا يبيّن أن ما أمر به النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) من الصبر على جور الأئمّة، وترك قتالهم والخروج عليهم، هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمداً أو مخطئاً لم يحصل بفعله صلاح بل فساد..

ولهذا أثنى النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) على الحسن بقوله: إن ابني هذا سيد وسيصلح اللّه به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، ولم ين على أحد لا بقتال في فتنة ولا بخروج على الأئمّة ولا نزع يد من طاعة ولا مفارقة للجماعة» (1).


1) المصدر السابق 4: 530.

وقال الحراني: «والذي نقله غير واحد أن يزيد لم يأمر بقتل الحسين ولا كان له غرض في ذلك، بل كان يختار أن يكرمه ويعظمه كما أمره بذلك معاوية، ولكن كان يختار أن يمتنع من الولاية والخروج عليه، فلما قدم الحسين وعلم أن أهل العراق يخذلونه ويسلمونه، طلب أن يرجع إلى يزيد، أو يرجع إلى وطنه، أو يذهب إلى الثغر، فمنعوه من ذلك حتّى يستأسر، فقاتلوه حتّى قتل مظلوماً شهيداً رضي اللّه عنه.. وأن خبر قتله لما بلغ يزيد وأهله ساءه ذلك وبكوا على قتله وقال :يزيد لعن اللّه ابن مرجانة - يعني عبيد اللّه بن زياد - أما واللّه لو كان بينه وبين الحسين رحم لما قتله، وقال قد كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين، وإنّه جهز أهله بأحسن الجهاز وأرسلهم إلى المدينة» (1).

وقال: «وقد روي بإسناد مجهول أن هذا [أي: حمل رأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) والنكت على ثناياه ] كان قدام يزيد وهذا مع أنه لم يثبت ففي الحديث (2)

صحيح البخاري 4: 347.

ما يدلّ على أنه كذب؛ فإن الذين حضروا نكثه بالقضيب من الصحابة لم يكونوا بالشام وإنما كانوا في العراق» (3).

1) المصدر السابق 4: 557.

2) يشير إلى الحديث الوارد في صحيح البخاري وهذا لفظه: «عن أنس بن مالك: أتي عبيد اللّه بن زياد برأس الحسين [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] فجعل في طست فجعل ينكث وقال في حسنه شيئاً.. فقال أنس: كان أشبههم برسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله وسلّم)، وكان مخضوباً بالوسمة».

3) منهاج السنّة 4: 557.

وقال: «وأما ما ذكره [أي العلامة الحلي (قدّس سِرُّه)] من سبي نسائه والذراري والدوران بهم في البلاد وحملهم على الجمال بغير أقتاب، فهذا كذب وباطل، ما سبی المسلمون - ولله الحمد - هاشميّة قط، ولا استحلت أمّةً محمّد (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) سبي بني هاشم قط» (1).

يرد عليه :

أن محاولة ابن تيميّة إعفاء يزيد (لعنة اللّه) من مسؤولية قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بدعوى أنه لم يأمر بذلك، يمثل خرقا لما عليه علماء المسلمين؛ الذين اعتبروا مقتله (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحد أكبر جرائم يزيد (لعنه اللّه)؛ وهو الأمر الذي لا تفسير له إلا اعتقادهم أنه مسؤول مسؤولية مباشرة عن ذلك..

ويمكن أن نفهم ذلك أيضاً ممّا توارد على نقله كثير من المسلمين من أنه لم يكن ليزيد (لعنة اللّه) من همة بعد موت أبيه وتوليه أمور المسلمين إلا أخذ البيعة من النفر الذين أبوا على معاوية الإجابة إلى بيعته، وقد كتب يزيد (لعنة اللّه) نفسه إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان الذي كان والي المدينة حين مات معاوية: «أمّا بعد، فخذ حسيناً وعبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتّى يبايعوا» (2).

إن عبارة «فخذ حسيناً.. أخذاً شديداً ليست فيه رخصة» بمثابة الإذن


1) المصدر السابق 4: 558.

2) تأريخ الأمم والملوك للطبري 5: 338 البداية والنهاية لابن كثير 11:467، الكامل في التأريخ : 377.

بإراقة دم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهذا ما فهمه مروان بن الحكم الذي أصرّ على الوليد بأن يأخذ البيعة من حينها ولا يسمح للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالمغادرة وإلا ضرب عنقه، وهو ما امتنع عن فعله الوليد.

وأغلب الظن أن هذا هو السبب الرئيسي الذي حمل يزيد (لعنة اللّه) على عزله من إمارة المدينة لاحقاً، كما أنه السبب ذاته الذي حمل سرجون مولى يزيد (لعنهما اللّه) على ترشيح شخصيّة دموية لا تتورع عن ارتكاب أي جريمة كعبيد اللّه بن زياد لتوليته الكوفة والوقوف أمام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وبوسعنا أن نعرف جدّية يزيد (لعنة اللّه) في القضيّة من أمره عبيد اللّه بقتل مسلم ابن عقيل (1)، بل أمره إياه بـ : «محاربة الحسين» كما أورد ذلك ابن عساكر في: «تأريخ دمشق» (2)

وقد دلّ كتاب يزيد إلى عبيد اللّه بن زياد (لعنهمها اللّه) (في رواية أخرى) الذي يخبره فيه بصيرورته عبداً بعد قدوم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الكوفة على تحريضه بقتله (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ ولذا فرع راوي الخبر بالقول: «فقتله ابن زياد وبعث برأسه إليه».

، وإنَّ جزم عبد اللّه بن مطيع وعبد اللّه بن عباس بأنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) مقتول بخروجه للعراق لا محالة قبل تولية يزيد (لعنة اللّه) لعبيد اللّه بن زياد على الكوفة دليل على أنهما يقصدان أنه يُقتل من قبل يزيد (لعنة اللّه) حصراً (3)

سیر أعلام النبلاء 3: 297، البداية النهاية 3: 506.

ولمزيد التفصيل في باب تحميل يزيد (لعنة اللّه) مسؤولية قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، راجع رسالة ابن عباس إلى يزيد (لعنة اللّه) في: الكامل في التأريخ3: 466.

.

1) راجع ذلك في: تأريخ الأمم والملوك للطبري 5: 348، الكامل في التأريخ 3: 387، البداية والنهاية لابن كثير 11: 481، المنتظم في تأريخ الملوك والأمم 5:325.

2) تأريخ مدينة دمشق 14: 213.

3) قال عبد اللّه بن مطيع: «فداك أبي وأمي متعنا بنفسك ولا تسر إلى العراق، فواللّه لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذونا خولاً أو عبيداً»، وقال ابن عباس: «واللّه إني لأظنك ستقتل غداً بين نسائك وبناتك كما قُتل عثمان».

أما القول بأن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) طلب الذهاب إلى يزيد (لعنة اللّه) أو يسيّروه إلى الثغر، فتكذبه ممانعته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأن يبايع يزيد (لعنة اللّه) حتّى حين كان معاوية ما زال حياً..

روى الطبري عن عقبة بن سمعان؛ قال: «صحبت حسيناً فخرجت معه من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتّى قتل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطرق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتها، ألا واللّه ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية، ولا أن يسيّروا إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنّه قال: دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتّى ننظر ما يصير أمر الناس» (1).

وأما بشأن إنكار حمل الرأس الشريف إلى يزيد (لعنة اللّه) ونكته بالقضيب على ثنايا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسبيه لذراريه، فقد ورد في (المعجم الكبير) للطبراني ما يلي:

قال: ح«دّثنا أبو الزنباع روح بن الفرج المصري، حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث قال: أبى الحسين بن علي رضي اللّه عنه أن يستأسر فقاتلوه، فقتلوه


1) تأريخ الأمم والملوك للطبري 5: 413.

وقتلوا ابنيه وأصحابه الذين قاتلوا معه بمكان يقال له: «الطف»، وانطلق بعلي بن الحسين وفاطمة بنت حسين وسكينة بنت حسين إلى عبيد اللّه بن زياد – وعلي يومئذ غلام قد بلغ - فبعث بهم إلى يزيد بن معاوية فأمر بسكينة فجعلها خلف سريره لئلا ترى رأس أبيها، وذو قرابتها وعلي بن الحسين (رضي اللّه عنهما) في غل، فوضع رأسه فضرب على ثنيتي الحسين رضي اللّه عن وقال:

«نفلّق هاماً من رجال أحبّة*** إلينا وهم كانوا أعق وأظلما»(1)

وقد نقل الخبر الحافظ الهيثمي في (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) وكتب معلّقاً: «رواه الطبراني ورجاله ثقات» (2).

وفي (شذرات الذهب) لابن العماد الحنبلي الدمشقي (1089هـ) قال: «ولما تم قتله حمل رأسه وحرم بيته وزين العابدين معهم إلى دمشق كالسبايا، قاتل اللّه فاعل ذلك وأخزاه ومن أمر به أو رضيه» (3).

أما الذهبي فقد نقل أكثر من خبر في كتابيه الشهيرين (سير أعلام النبلاء) و (تأريخ الإسلام) على أن رأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذراريه حملوا إلى يزيد (لعنة اللّه) وأنه أخذ ينكت بمخصرة معه ثناياه أو سنَّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).


1) المعجم الكبير للطبراني 3: 104.

2) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9: 312.

3) شذرات الذهب في أخبار من ذهب 1: 275.

4) راجع: سير أعلام النبلاء 3: 309 تأريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام 5: 18.

الأسئلة :

•

لماذا لم يكتف ابن تيميّة من القدح في سبط رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتنزيه يزيد (لعنة اللّه) عما اقترفه من موبقات، بالرغم من تشدقه الدائم بمنزلة الصحابة ومكانتهم الرفيعة وأفضليتهم في كلّ ما أقدموا عليه؛ مع أنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليس فقط من أجلاء الصحابة، بل هو من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وسيّد شباب أهل الجنّة، وريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟

•

لقد وصف ابن الجوزي من يقول أنّ يزيد (لعنة اللّه) كان على صواب وأنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخطأ في الخروج عليه بانهم: جماعة «منتسبين إلى السنّة» (1)، فما عساه يقول لو سمع كلام ابن تيميّة باسم جميع أهل السنّة؟


موقف ابن تيميّة من يزيد بن معاوية

يعتقد ابن تيميّة أن يزيد بن معاوية (لعنة اللّه) كان ممن تواتر إسلامه، وصلاته، وصيامه، وجهاده للكفار؛ فلهذا قال في سياق حديثه عن عجز الشيعة - كما يزعم - عن إثبات إيمان الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي


1) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 26: 73.

طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعدالته، إلا إذا صاروا من أهل السنّة: «فإن احتجوا بما تواتر من إسلامه، وهجرته، وجهاده، فقد تواتر ذلك عن هؤلاء [أي: المشايخ الثلاثة)، بل تواتر إسلام معاوية، ويزيد، وخلفاء بني أمية، وبني العباس، وصلاتهم، وصيامهم، وجهادهم للكفار» (1).

ويعتقد الحرّاني الناصبي أن يزيد (لعنة اللّه) هو أحد الخلفاء الاثني عشر، فلذا قال في سياق حديثه عن مآثر بني أمية، وظهور الإسلام وشرائعه في زمن دولتهم، ومنعة المسلمين وهيبتهم في ظلالها: «..، وهذا تصديق بما أخبر به النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)؛ حيث قال: «لا يزال هذا الدين عزيزاً ما تولّى اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش.. وهؤلاء الاثنا عشر خليفة هم المذكورون في التوراة، حيث قال في بشارته إسماعيل: وسيلد اثني عشر عظيماً»، ومن ظن أن هؤلاء الاثني عشر هم الذين تعتقد الرافضة إمامتهم، فهو في غاية الجهل» (2).

وقال ابن تيميّة: «وقد استفاضت السنن النبويّة بأنه يخرج من النار قوم بالشفاعة، ويخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان؛ وعلى هذا الأصل فالذي يجوز لعنة يزيد يحتاج إلى شيئين: إلى ثبوت أنه كان من الفساق الظالمين، الذي تباح لعنتهم.. والأمر الثاني: أن لعنة المعيَّن من هؤلاء جائزة.. والمنازع يطعن في المقدمتين، لاسيما الأولى..


1) منهاج السنّة 2: 62.

2) المصدر السابق 8: 240.

فأما قول اللّه تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللّه عَلَى الظَّالِمِينَ) (1)فهي آية عامة كآيات الوعيد، بمنزلة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسيصْلَونَ سَعِيراً) (2)وهذا يقتضي أن هذا الذنب سبب اللعن والعذاب، لكن قد يرتفع موجبه لمعارض راجح.. إما توبة، وإما حسنات ماحية تمحوظلمه، ولم يبتل بمصائب تكفّر عنه، وأن اللّه لا يغفر له ذلك مع قوله تعالى: (إن اللّه لا يَغْفِر أَنْ يُشْرِكَ بِهِ وَيَغْفِر مَا دُونَ ذَلِكَ لَمَن يَشَاءُ) (3).

وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر..، عن النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) قال: «أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم»، وأول جيش غزاهم كان أميرهم يزيد، والجيش عدد معين لا مطلق، وشمول المغفرة لآحاد هذا الجيش أقوى من شمول اللعنة لكلّ واحد واحد من الظالمين فإن هذا أخص، والجيش معيّنون»(4).

يرد عليه :

قال أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي البغدادي (597هـ) صاحب كتاب (الردّ على المتعصب العنيد المانع من ذمّ يزيد): «من الاعتقادات العامة التي غلبت على جماعة منتسبين إلى السنّة، أن يقولوا:


1) سورة هود: 18.

2) سورة النساء: 10.

3) سورة النساء: 11648.

4) منهاج السنّة 4: 571.

إن يزيد كان على الصواب، وإن الحسين (رضي اللّه تعالى عنه) أخطأ في الخروج عليه، ولو نظروا في السير لعلموا كيف عُقدت له البيعة، وألزم الناس بها، ولقد فعل في ذلك كلّ قبيح.. ثم لو قدرنا صحّة عقد البيعة، فقد بدت منه بواد كلُّها توجب فسخ العقد؛ ولا يميل إلى ذلك إلا كلّ جاهل عامي المذهب، يظن أنه يغيظ بذلك الرافضة» (1)

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 26: 73.

.

وقال سعد الدين التفتازاني (793هـ) في كتابه (شرح العقائد النسفية): «الحق أنّ رضى يزيد بقتل الحسين [(عَلَيهِ السَّلَامُ) ]، واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ممّا تواتر معناه، وإن كان تفاصيلها آحاداً، فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في إيمانه، لعنة اللّه عليه، وعلى أنصاره، وأعوانه»(2).

وقال جلال الدين السيوطي (911هـ) عند ترجمته ليزيد في كتابه (تأريخ الخلفاء): «ولما قتل الحسين وبنوأبيه [(عَلَيهِم السَّلَامُ)]، بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد، فسّر بقتلهم، ثمّ ندم لما مقته المسلمون على ذلك، وأبغضه الناس، وحق لهم أن يبغضوه [...]..

وفي سنة ثلاث وستين بلغه أن أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه، فأرسل إليهم جيشاً كثيفاً وأمرهم بقتالهم، ثمّ المسير إلى مكة لقتال ابن الزبير، فجاءوا وكانت وقعة الحرّة على باب طيبة، وما أدراك ما وقعة الحرة؟!


1) نقله الآلوسي في تفسيره، عن ابن الجوزي من كتابه:(السر المصون).

2) شرح العقائد النسفيّة: 103.

ذكرها الحسن مرّة فقال: واللّه ما كاد ينجو منهم أحد، قتل فيها خلق من الصحابة، ومن غيرهم ونهب المدينة، وافتض فيه ألف عذراء، فإنا للّه وإنا إليه راجعون.. قال (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «من أخاف أهل المدينة أخافه اللّه وعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين رواه مسلم»(1).

وقال أيضاً في كتابه (الديباج) عند شرحه لحديث: «ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه اللّه في النار ذوب الرصاص، أو ذوب الملح في الماء»: «قال القاضي: هذه الزيادة و هذه الزيادة: وهي قوله: (في النار)، تدفع إشكال الأحاديث التي لم يذكر فيها، وبيّن أن هذا حكمه في الآخرة..

قال: وقد يكون المراد به من أرادها في حياة النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) كُفي المسلمون أمره، واضمحل كيده، كما يضمحل الرصاص في النار.. أو يكون ذلك لمن أرادها في الدنيا فلا يمهله اللّه، ولا يمكن له سلطاناً، بل يذهبه اللّه عن قريب، كما انقضى شأن من حاربها أيام بني أمية، مثل مسلم ابن عقبة، فإنّه هلك في منصرفه عنها، ثم هلك يزيد بن معاوية مرسله على إثر ذلك، وغيرهما ممن صنع صنيعهما» (2).

وقال الآلوسي في ذيل تفسيره لقوله تعالى: (أُولَئِكِ الَّذِيَن لعنهُمُ اللّه فَأَصَمَّهُم وَأَعْمَى أَبْصَارَهُم) (3): «... واستدل بها أيضاً على جواز لعن يزيد :


1) تأريخ الخلفاء: 166.

2) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج 3: 407.

3) سورة محمّد: 23.

عليه من اللّه تعالى ما يستحق، نقل البرزنجي في الإشاعة، والهيثمي في الصواعق: «إن الإمام أحمد لما سأله ولده عبد اللّه عن لعن يزيد، قال: كيف لا يلعن من لعنه اللّه تعالى في كتابه فقال عبد اللّه قد قرأت كتاب اللّه عزّ وجلّ فلم أجد فيه لعن يزيد، فقال الإمام: إن اللّه تعالى يقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدوا في الأَرْضِ وَتُقَطِّعوا أَرْحامَكُم * أُولَئِكَ الَّذِين لَعنَهُمُ اللّه) (1)وأي فساد وقطيعة أشد ممّا فعله يزيد». انتهى..

وهو مبني على جواز لعن العاصي المعيَّن من جماعة لعنوا بالوصف وفي ذلك خلاف؛ فالجمهور على أنه لا يجوز لعن المعيَّن، فاسقاً كان أو ذمّياً، حياً كان أو ميتاً، ولم يعلم موته على الكفر؛ لاحتمال أن يختم له أو ختم له بالإسلام، بخلاف من علم موته على الكفر كأبي جهل..

وذهب شيخ الإسلام السراج البلقيني إلى جواز لعن العاصي المعين لحديث الصحيحين.. وفي الزواجر: «لو استدل لذلك بخبر مسلم: أنه (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) مرّ بحمار وسم في وجهه، فقال: لعن اللّه من فعل هذا، لكان أظهر..»..

وعلى هذا القول لا توقف في لعن يزيد لكثرة أوصافه الخبيثة، وارتكابه الكبائر في جميع أيام تكليفه؛ ويكفي ما فعله أيام استيلائه بأهل المدينة، ومكة...

والطامة الكبرى ما فعله بأهل البيت [(عَلَيهِم السَّلَامُ)]، ورضاه بقتل الحسين على


1) سورة محمّد : 22 و 23.

جده وعليه الصلاة والسلام، واستبشاره بذلك، وإهانته لأهل بيته، ممّا تواتر معناه، وإن كانت تفاصيله آحاداً.. وقد جزم بكفره، وصرّح بلعنه، جماعة من العلماء؛ منهم: الحافظ ناصر السنّة ابن الجوزي، وسبقه القاضي أبو يعلى، وقال العلامة التفتازاني.. (1)، وممّن صرّح بلعنه الجلال السيوطي (2)».

وجاء في (تأريخ ابن الوردي)، و(الوافي بالوفيات): «أن السبي لما ورد من العراق على يزيد، خرج فلقي الأطفال والنساء من ذرية علي والحسين رضي اللّه تعالى عنهما، والرؤوس على أطراف الرماح، وقد أشرفوا على ثنية جيرون، فلما رآهم نعب غراب، فأنشأ يقول:

لما بدت تلك الحمول وأشرفت*** نعب الغراب، فقلت: قل أو لا تقل

تلك الرؤوس على شفا جيرون*** فقد اقتضيت من الرسول ديوني

يعني: أنه قتل بمن قتله (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) يوم بدر كجده عتبة، وخاله، وولد عتبة، وغيرهما..

وهذا كفر صريح..

فإذا صح عنه، فقد كفر به.. ومثله تمثله بقول عبد اللّه بن الزبعرى قبـل إسلامه: «ليت أشياخي ببدر شهدت... الأبيات»(3).


1) تقدم كلامه.

2) تقدم كلامه.

3) راجعها في: تأريخ الأمم والملوك للطبري 968، المنتظم في تأريخ الملوك والأممه: 343، البداية والنهاية لابن كثير 11: 557.

وأفتى الغزالي عفا اللّه عنه بحرمة لعنه، وتعقب السفاريني من الحنابلة نقل البرزنجي والهيثمي السابق عن أحمد رحمه اللّه تعالى، فقال: المحفوظ عن الإمام أحمد خلاف ما نقلا، ففي الفروع ما نصه: ومن أصحابنا من أخرج الحجاج عن الإسلام، فيتوجه عليه يزيد ونحوه.. ونص أحمد خلاف ذلك، وعليه الأصحاب..

ولا يجوز التخصيص باللعنة خلافاً لأبي الحسين، وابن الجوزي، وغيرهما، وقال شيخ الإسلام – يعني، واللّه تعالى أعلم ابن تيميّة – : ظاهر كلام أحمد الكراهة.. قلت: والمختار ما ذهب إليه ابن الجوزي، وأبو حسين القاضي، ومن وافقهما. انتهى كلام السفاريني..

وأبو بكر ابن العربي المالكي (عليه من اللّه تعالى ما يستحق) أعظم الفرية فزعم أن الحسين [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] قتل بسيف جده (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، وله من الجهلة موافقون على ذلك (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلا كَذِباً) (1). قال ابن الجوزي عليه الرحمة في كتابه السر المصون.. (2).

هذا، ويُعلم من جميع ما ذكر اختلاف الناس في أمره؛ فمنهم من يقول: هو مسلم عاص بما صدر منه مع العترة الطاهرة، لكن لا يجوز لعنه، ومنه من يقول: هو كذلك، ويجوز لعنه مع الكراهة أو بدونها، ومنهم من يقول : هو كافر ملعون، ومنهم من يقول: إنه لم يعص بذلك ولا يجوز لعنه،


1) سورة الكهف: 5.

2) تقدم كلامه.

وقائل هذا ينبغي أن ينظم في سلسلة أنصار يزيد..

وأنا أقول: الذي يغلب على ظنّي أن الخبيث لم يكن مصدقاً برسالة النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم)، وأن مجموع ما فعل مع أهل حرم اللّه تعالى وأهل حرم نبيه عليه الصلاة والسلام وعترته الطيبين الطاهرين، في الحياة وبعد الممات، وما صدر منه من المخازي، ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر، ولا أظن أن أمره كان خافياً على أجلّة المسلمين إذ ذاك، ولكن كانوا مغلوبين مقهورين، لم يسعهم إلا الصبر ليقضي اللّه أمراً كان مفعولاً..

ولو سلم أن الخبيث كان مسلماً، فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يحيط به نطاق البيان، وأنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين، ولو لم يتصوّر أن يكون له مثل من الفاسقين..

والظاهر أنه لم يتب، واحتمال توبته أضعف من إيمانه، ويلحق به ابن زياد، وابن سعد، وجماعة، فلعنة اللّه عزّ وجلّ عليهم أجمعين، وعلى أنصارهم، وأعوانهم وشيعتهم ومن مال إليهم إلى يوم الدين ما دمعت عين على أبي عبد اللّه الحسين..

ويعجبني قول شاعر العصر ذوالفضل الجلي، عبد الباقي أفندي العامري الموصلي، وقد سئل عن لعن يزيد اللعين:

يزيد على لعني عريض جنابه ***فأغدوبه طول المدى ألعن اللعنا

ومن كان يخشى القال والقيل من التصريح بلعن ذلك الضليل، فليقل:

«لعن اللّه عزّ وجلّ من رضي بقتل الحسين [اللّه(عَلَيهِ السَّلَامُ) ومن آذى عترة النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) بغير حقّ، ومن غصبهم حقّهم»، فإنه يكون لاعناً له؛ لدخوله تحت العموم دخولاً أولياً في نفس الأمر، ولا يخالف أحد في جواز اللعن بهذه الألفاظ ونحوها سوى ابن العربي المار ذكره وموافقيه، فإنّهم على ظاهر ما نُقل عنهم لا يجوزون لعن من رضي بقتل الحسين (رضي اللّه تعالى عنه) ؛ وذلك لعمري هو الضلال البعيد الذي يكاد يزيد على ضلال يزيد» (1).

الأسئلة :

•

ألا يدل كلّ ما ذكرناه من أقوال علماء أهل السنّة بشأن كفر يزيد بن معاوية [لعنة اللّه) وجواز لعنه، على نصب ابن تيميّة لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) من خلال مواقفه في تبرئة قتلة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأعدائهم؟

•

كيف يعتمد ابن تيميّة في محاولته لإثبات المغفرة ليزيد (لعنة اللّه) على خبر «أول جيش يغزو القسطنطنية مغفور لهم» (2)

أقول: لم يرد الحديث بهذا اللفظ، ولفظ الحديث في كتب القوم هو: «أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم».

صحيح البخاري كتاب الجهاد والسَّير، باب ما قيل في قتال الروم، الحديث 2924.

. ويرسله إرسال المسلمات، عندما لا يُسلّم له بذلك كبار شراح الحديث من أئمة أهل السنّة ولا سيما

1) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 3:227.

2) منهاج السنّة 4: 544.

شرّاح صحيح البخاري؟

يظهر من كلمات الطبقة الأولى من شرّاح صحيح البخاري أن الخلاف يدب في جميع تفاصيل هذه القصة؛ لاسيّما في زمن وقوعها، فقد قيل: أنها وقعت عام (48) (1)، وقيل : (49) (2)، وقيل :(50)(3)، وقيل (52)(4).

واختلف أيضاً في إمرة يزيد (لعنة اللّه) لهذا الجيش، فقد ذهب ابن الأثير في (الكامل)(5)، وأبو الفداء في (المختصر) (6)، إلى أن أمير الجيش كان سفيان بن عوف، وقد ردّ العيني على إمرة يزيد (لعنة اللّه) في (عمدة القارئ) مستظهراً أن «سادات الصحابة» لم يكونوا مع يزيد (لعنة اللّه) ؛ لعدم أهليته لأن يكون هؤلاء السادات في خدمته» (7).

قال ابن الأثير في أحداث سنة (49): «في هذه السنّة – وقيل: سنة خمسين - سير معاوية جيشاً كثيفاً إلى بلاد الروم للغزاة، وجعل عليهم سفيان ابن عوف، وأمر ابنه يزيد بالغزاة معهم، فتثاقل واعتل، فأمسك عنه أبوه، فأصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض شديد، فأنشأ يزيد يقول:


1) المختصر في أخبار البشر 1: 231.

2) تأريخ الأمم والملوك للطبري 5: 232.

3) الكامل في التأريخ 3: 314.

4) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 6: 103.

5) الكامل في التأريخ : 14.

6) المختصر في أخبار البشر 1: 231.

7) عمدة القاري شرح صحيح البخاري 14: 277.

ما إن أبالي بما لاقت جموعهم ***بالفرقدونة من حمى ومن موم

إذا اتكأتُ على الأنماط في غرف*** بدير مُران عندي أم كلثوم

وأمّ كلثوم امرأته، وهي ابنة عبد اللّه بن عامر..

فبلغ معاوية شعره، فأقسم عليه ليلحقن بسفيان إلى أرض الروم ليصيبه ما أصاب الناس، فسار ومعه جمع كثير أضا فهم إليه أبوه، وكان في هذا الجيش ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو أيوب الأنصاري، وغيرهم، وعبد العزيز ابن زرارة الكلابي، فأوغلوا في بلاد الروم حتّى بلغوا «القسطنطينية» (1).

ونقل ابن حجر عن ابن التين قوله: «يحتمل أن يكون لم يحضر الجيش» وإن ردّ ابن حجر هذا الاحتمال بقول إنّه: «مردود»، وأضاف: «إلا أن يريد لم يباشر القتال فيمكن؛ فإنه كان أمير الجيش بالاتفاق» (2). وقوله: «بالاتفاق» غريب منه بعد ملاحظة ما تقدم أعلاه..

واختلف شراح الصحيح في شمول المغفرة له أيضاً وكان صاحب أصل الفكرة – كما يظهر للمتتبع - أبو القاسم المهلب بن أحمد بن أبي صفرة الأسدي الأندلسي (435هـ) الذي ذهب في شرحه لصحيح البخاري على أن في الحديث «منقبة» لمعاوية وولده يزيد (لعنة اللّه) ، ونقل ذلك عنه معاصره ابن بطال القرطبي (449هـ)؛ إذ قال: «قال المهلب: من هذا الحديث


1) الكامل في التأريخ 3: 314.

2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 5: 95.

فضل لمعاوية؛ لأنه أوّل من غزا الروم.. وابنه يزيد غزا مدينة قيصر» (1).

لكن نقل ابن حجر قوله بشكل آخر فقال: «قال المهلب في هذا الحديث منقبة لمعاوية؛ لأنه أوّل من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد؛ لأنه أوّل من غزا مدينة قيصر» (2).

ومن الواضح الفرق بين العبارتين؛ لإمكان قراءة حرف الواو في (وابنه) نقل ابن بطال على الاستئناف وهذا يقودنا إلى التساؤل عن معنى الحديث: هل هو «مجرد استحقاق» أم أنه «شمول فعلي» بالغفران؟

بل حتّى من يسلّم جدلاً بالشمول فإنه يستثني يزيد (لعنة اللّه) منه «لخروجه بدليل خاص» وهو ما ذهب إليه فحول شراح الحديث – ولاسيما (صحيح البخاري) - كابن التين، وابن المنير، والعيني، والمناوي، بل وهو ظاهر ابن حجر الذي نقل رأي الأولين دون نقد واعتراض..

قال ابن حجر بعد أن نقل كلام المهلب المتقدم: «..، وتعقبه ابن التين وابن المنير بما حاصله: أنه لا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا م أن لا يخرج بدليل خاص؛ إذ لا يختلف أهل العلم أن قوله (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم): «مغفور لهم، مشروط بأن يكونوا من أهل المغفرة حتّى لو ارتد واحد ممن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم اتفاقاً؛ فدل على أن


1) المصدر السابق 5: 107.

2) المصدر السابق 6: 102.

المراد مغفور لمن وجد شرط المغفرة فيه منهم» (1).

قال العيني (855هـ): «..، وقال صاحب المرآة والأصح أن يزيد بن معاوية غزا القسطنطينية في سنة اثنتين وخمسين، وقيل: سير معاوية جيشاً كثيفاً مع سفيان ابن عوف إلى القسطنطينية فأوغلوا في بلاد الروم، وكان في ذلك الجيش ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري، وتوفي أبو أيوب في مدة الحصار..

قلت: الأظهر أن هؤلاء السادات من الصحابة كانوا مع سفيان هذا، ولم يكونوا مع يزيد بن معاوية؛ لأنه لم يكن أهلاً أن يكون هؤلاء السادات في خدمته..

وقال المهلب: «في هذا الحديث منقبة لمعاوية؛ لأنه أوّل من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد؛ لأنه أوّل من غزا مدينة قيصر»..

قلت: أي منقبة كانت ليزيد وحاله مشهور؟!

فإن قلت: قال [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ] في حق هذا الجيش: «مغفور لهم»..

قلت: لا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليل خاص؛ إذ لا يختلف أهل العلم أن قوله: «مغفور لهم مشروط بأن يكونوا من أهل المغفرة حتّى لو ارتد واحد ممّن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم؛ فدلّ على أن المراد مغفور لمن وجد شرط المغفرة فيه منهم» (2).


1) المصدر السابق.

2) عمدة القاري شرح صحيح البخاري 14: 277.

وقال المناوي (1031هـ) معلّقاً على ما ورد في الحديث: «لا يلزم منه كون يزيد بن معاوية مغفوراً له لكونه منهم؛ إذ الغفران مشروط بكون الإنسان من أهل المغفرة، ويزيد ليس كذلك ؛ لخروجه بدليل خاص»..

ويلزم من الجمود على العموم أن من ارتد ممّن غزاها مغفور له، وقد أطلق جمع محقّقون حل لعن يزيد به حتّى قال التفتازاني: «الحق أن رضى يزيد بقتل الحسين [ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ]، وإهانته أهل البيت [(عَلَيهِم السَّلَامُ)] ممّا تواتر معناه، وإن كان تفاصيله آحاداً فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في إيمانه، لعنة اللّه عليه وعلى أنصاره وأعوانه» (1).

ولا يخفى أن أغلب وأهمّ شرّاح الحديث يخالفون الحراني في هذه المسألة تماماً، حتّى وصل الأمر ببعضهم أن أجاز أن يكون المراد بـ : «مدينة قيصر» الواردة في الحديث المدينة التي كان «قيصر» بها يوم قال النبيّ (صلى اللّه عليه [وآله] وسلّم) تلك المقالة، وهي مدينة «حمص» التي كانت دار مملكته آنذاك (2).


1) فيض القدير شرح الجامع الصغير 3: 84.

2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 6: 103.

فهرس المصادر

1- ابن تيميّة حياته وعصره آراؤه وفقهه.

محمّد أبو زهرة، الطبعة الثانية 1403هـ، القاهرة، دار الشروق.

2- ابن تيميّة ذلك الوهم الكبير ومخالفاته لأهل السنّة. أبو هشام الشريف، مكتبة الرحمة.

3 - ابن تيميّة فكراً ومنهجاً.

الشيخ جعفر السبحاني، الطبعة الأولى 1432هـ، قم المقدسة، مؤسسة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).

4- إثبات الحدّ اللّه عزّ وجلّ وبأنّه قاعد وجالس على عرشه.

أبو محمّد محمود بن أبي القاسم الدشتي (665هـ)، وبذيله الردّ على منكر الحدّ من كلام ابن تيميّة في كتابه تلبيس الجهميّة، قدم له وعلّق عليه أبو معاذ مسلط بندر، الطبعة الأولى 1430هـ.

5- الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة إجابات الشيخ صالح بن فوزان عبد اللّه الفوزان.

جمع وتعليق وتخريج جمال بن فريحان الحارثي، الطبعة الأولى 1424هـ الرياض، دار المنهاج.

6- أحاديث العقيدة المتوهّم إشكالها في الصحيحين.

جمع ودراسة الدكتور سليمان بن محمّد الدبيخي، الطبعة الثانية 1431هـ، الرياض، دار المنهاج.

7 - أحاديث مُعَلّة ظاهرها الصحة.

أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، الطبعة الثانية 1421هـ القاهرة، دار الآثار للنشر والتوزيع.

8 - إحقاق الحق وإزهاق الباطل.

نور اللّه الحسيني التستري (1019هـ)، شرح السيّد المرعشي، قم، منشورات مكتبة السيّد المرعشي.

9- أحكام القرآن.

أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص (370هـ)، تصحيح عبد السلام محمّد علي شاهين، الطبعة الأولى 1415هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

10- إحياء علوم الدين.

أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي (505هـ)، الطبعة الأولى 1412هـ بيروت، دار الهادي.

11- أخطاء ابن تيميّة في حق رسول اللّه وأهل بيته.

الدكتور محمود السيّد صبيح، الطبعة الأولى، 1423هـ.

12- إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري.

أبو العباس أحمد القسطلانی (923هـ)، طبعة 1421هـ بيروت، دار الفكر.

13- الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والردّ على أهل الشرك والإلحاد.

الدكتور صالح الفوزان، الطبعة الأولى 1411هـ السعودية، إدارة الثقافة والنشر في جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلاميّة.

14 -إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسّل بالنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

ابن الصديق المغربي، تحقيق حسن بن علي السقاف، طبعة 1412هـ عمان، دار الإمام النووي.

15- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل.

محمّد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية 1405هـ، بيروت، المكتب الإسلامي.

16 - إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء.

شاه ولي اللّه الدهلوي، طبعة كراجي.

17 أسباب نزول الآيات.

أبو الحسن عليّ بن أحمد الواحدي النيسابوري (468هـ)، طبعة 1388هـ القاهرة، مؤسسة الحلبي وشركاه.

18- استدراك وتعقيب على الشيخ شعيب الأرنؤوط في تأويله بعض أحاديث الصفات.

خالد بن عبد الرحمن بن عمد الشايع، قرأه وعلّق عليه الشيخ عبد العزيز

بن عبد اللّه بن باز، الطبعة الأولى 1419هـ، الرياض، دار بلنسيه.

19- الاستذكار.

أبو عمر يوسف بن عبد اللّه بن محمّد بن عبد البر القرطبي (463هـ)، تحقیق سالم محمّد عطا، الطبعة الأولى، بيروت، دار الكتب العلميّة.

20- الاستيعاب في معرفة الأصحاب.

أبو عمر يوسف بن عبد اللّه بن محمّد بن عبد البر القرطبي (463هـ)، تحقيق الشيخ علي محمّد معوض، الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الطبعة الأولى 1415هـ، بيروت، دار الكتب العلميّة.

21- أسد الغابة في معرفة الصحابة.

أبو الحسن عليّ بن محمّد بن محمّد الشيباني، المعروف بابن الأثير (630هـ)، طهران، منشورات إسماعيليان.

22- إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وفضائل أهل بيته الطاهرين.

محمّد بن علي الصبّان، مصر، مطبعة الشرق.

23 - أسماء اللّه وصفاته في معتقد أهل السنّة والجماعة.

أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (458هـ)، حققه وعلّق عليه محمّد محب الدين أبو زيد، مكتبة التوعية الإسلاميّة.

24 - الإشفاق على أحكام الطلاق.

محمّد زاهد الكوثري، طبعة ابن زيدون.

25- الإصابة في تمييز الصحابة.

أبو الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني الشافعي (852هـ)، تحقيق الشيخ عادل أحمد الطبعة الأولى 1415هـ، بيروت، دار الكتب

العلميّة.

26- أصول الإيمان.

محمّد بن عبد الوهاب (1206هـ)، تحقيق باسم فيصل الجوابرة، الطبعة الخامسة 1420هـ السعوديّة، وزارة الشؤون الإسلاميّة والأوقاف والدعوة والإرشاد.

27- الأعلام.

خير الدين الزركلي، الطبعة الرابعة عشرة 1999هـ بيروت للملايين.

28- الأعيان وأنباء أبناء الزمان.

أبو العباس أحمد بن محمّد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلّكان (681هـ)، تحقيق يوسف علي طويل، مريم قاسم طويل، الطبعة الأولى

1419هـ، بیروت، دار الكتب العلميّة.

29- إغاثة اللّهفان من مصائد الشيطان.

أبو عبد اللّه محمّد بن أبي بكر الدمشقي، المعروف بابن القيم الجوزية (751هـ)، تحقيق محمّد حامد الفقي، الطبعة الثانية 1395هـ بيروت، دار المعرفة.

30 - الأغاني.

أبو الفرج عليّ بن الحسين الأصفهاني (356هـ)، الطبعة الثانية، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

31 - الإمامة والسياسة (تأريخ الخلفاء).

أبو محمّد عبد اللّه بن مسلم ابن قتيبة الدينوري (276هـ)، تحقيق علي الشيري، الطبعة الأولى 1413هـ، قم، منشورات الحلبي.

32- الانحرافات العقديّة والعلميّة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر وآثارهما في حياه الأمة.

علي بن بخيت بن عبد الزهراني، إشراف الشيخ محمّد قطب، الطبعة الأولى 1418هـ، مكة المكرمة، دار طيبة.

33- أنساب الأشراف (تأريخ البلاذري).

أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري (279هـ)، تحقيق محمّد باقر المحمودي، الطبعة الأولى 1394هـ بيروت، مؤسسة الأعلمي.

34- أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاوي).

أبو سعيد عبد اللّه بن عمر بن محمّد الشيرازي البيضاوي (791هـ)، الطبعة الأولى 1420هـ، بيروت، دار الكتب العلميّة.

35 - أوراق مجموعة من حياة شيخ الإسلام ابن تيميّة.

محمّد بن إبراهيم الشيباني، الطبعة الأولى 1409هـ الكويت، مكتبة ابن تيميّة.

36- بدائع الفوائد.

أبو عبد اللّه محمّد بن أبي بكر الدمشقي، المعروف بابن القيم

الجوزية (751هـ)، هشام عبد العزيز عطا، عادل عبد الحميد العدوي، أشرف أحمد الج (جامع التراث)، الطبعة الأولى 1416هـ مكة

المكرّمة، مكتبة نزار مصطفى الباز.

37- البداية والنهاية.

أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (774هـ)، تحقيق علي الشيري، الطبعة الأولى 1408هـ، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

38- البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع.

محمّد بن عليّ بن محمّد الشوكاني (1250هـ)، الطبعة الأولى، 1348هـ القاهرة، مطبعة السعادة.

39- براءة الأشعريين من عقائد المخالفين.

أبو حامد بن مرزوق، الطبعة الأولى 1387ه، دمشق، مطبعة العلم.

40- بيان تلبيس الجهميّة في تأسيس بدعهم الكلامية.

أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيميّة الحراني (728هـ)، تحقيق: الدكتور أحمد معاذ حقي، الطبعة الأولى 1426هـ المدينة المنورة، مجمع الملك فهد.

41 - تاج العروس من جواهر القاموس.

محمّد مرتضى الزبيدي (1205هـ)، بيروت، مكتبة الحياة.

42- تأريخ ابن الوردي.

عمر بن مظفّر الوردي (749هـ)، الطبعة الأولى 1417هـ بيروت، دار

الكتب العلميّة.

43- تأريخ ابن خلدون.

عبد الرحمن بن محمّد بن خلدون الحضري (808هـ)، الطبعة الرابعة بيروت، دار إحياء التراث العربي.

44 - تأريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام.

أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748هـ)، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، الطبعة الثانية 1418هـ بيروت، دار الكتاب العربي.

45- تأريخ الأمم والملوك (تأريخ الطبري).

أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري (310هـ)، تحقيق نخبة العلماء، من بيروت، مؤسسة الأعلمي.

46- تأريخ الخلفاء.

عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (911هـ)، تحقيق محمّد محيي الدین عبد الحميد، الطبعة الثالثة 1383هـ القاهرة، مطبعة المدني.

47- التأريخ الصغير.

أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل البخاري (256هـ)، تحقيق محمود إبراهيم زايد، الطبعة الأولى 1406هـ، بيروت، دار المعرفة.

48- التأريخ الكبير.

أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل البخاري (256هـ)، ديار بكر، المكتبة الإسلاميّة.

49- تأريخ المدينة المنورة.

عمر بن شبه النميري (262هـ)، تحقيق فهيم محمّد شلتوت، قم، دار الفكر.

50- تأريخ اليعقوبي.

أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر (284هـ)، بیروت، دار صادر.

51- تأريخ بغداد أومدينة السلام.

أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (463هـ)، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الأولى 1417هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

52 - تأريخ مدينة دمشق.

أبو القاسم عليّ بن الحسن المعروف بابن عساكر(571هـ)، تحقيق علي الشيري، طبعة 1415هـ بيروت، دار الفكر.

53- تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة.

علي الحسيني الاسترآبادي النجفي (965هـ)، تحقيق مدرسة الإمام المهدي، الطبعة الأولى 1407هـ قم، مدرسة الإمام المهدي.

54 - تأويل مختلف الحديث. أبو محمّد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة (276هـ)، تحقيق الشيخ إسماعيل

الاسعردي، بيروت، دار الكتب العلميّة.

55 - التبيان لبديعة البيان.

محمّد بن عبد اللّه أبي بكر بن محمّد ابن أحمد بن مجاهد القيسي الدمشقي الشافعي، شمس الدين الشهير بابن ناصر الدين (842هـ)،

تحقيق: أبو عبد اللّه حسین بن عكاشة، الطبعة الأولى 1429هـ، قطر، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة.

56 - التجسيم في الفكر الإسلامي.

صهيب السقا التركاوي، شهادة دكتوراه، إشراف الدكتور محمّد رمضان عبد اللّه.

57- تحفة الأحوذي في شرح الترمذي.

أبو العلاء محمّد بن عبد الرحمن المباركفوري (1353هـ)، الطبعة الأولى 1410هـ، بیروت، دار الكتب العلميّة.

58- تحقيق العبودية بمعرفة الأسماء والصفات.

فوزية بنت عبد اللطيف بن كامل الكردي، إشراف: الدكتور زينب بنت محمّد الحربي البلادي، الطبعة الأولى 1420هـ السعودية، دار طيبة.

59 - تذكرة الحفّاظ.

أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748هـ)، مكتبة الحرم المکّی.

60 - التسعينية.

أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيميّة الحراني (728هـ)، دراسة وتحقيق الدكتور محمّد بن إبراهيم العجلان، الطبعة الأولى 1420هـ، الرياض، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.

61- تطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد.

محمّد بخيت المطيعي الحنفي (1350هـ)، طبعة 1396هـ، اسلامبول، مكتبة اشيق.

62 - التعليقات الزكيّة على العقيدة الواسطية.

الشيخ عبد اللّه عبد الرحمن الجبرين اعتنى به علي حسين، السعودية، دار الوطن.

63 - تفسير البحر المحيط.

أبو حيان محمّد بن يوسف الأندلسي (745هـ)، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، الطبعة الأولى 1422هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

64- تفسير الثعالبي المسمى بالجواهر الحسان في تفسير القرآن.

عبد الرحمن بن محمّد الثعالبي المالكي (875هـ)، تحقيق عبد الفتاح أبو سنة، علي محمّد معوض، عادل أحمد عبد الموجود، الطبعة الأولى 1418هـ، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

65- تفسير القرآن العظيم.

أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي (774هـ)، طبعة 1412هـ بیروت، دار المعرفة.

66 - التفسير الكبير (تفسير الفخر الرازي).

محمّد بن عمر بن الحسين الرازي (606هـ)، الطبعة الثانية 1417هـ بيروت، دار إحياء التراث العربي.

67- تفسير النهر الماد.

أبو حيان محمّد بن يوسف بن عليّ بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي (745هـ)، تحقيق: صدقي محمّد جميل، الطبعة الأولى 1407هـ، بيروت، دار الفكر.

68- تقريب التهذيب.

أبو الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني الشافعي (852هـ)، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الثانية 1415هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

69 - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والمسانيد.

أبو عمر يوسف بن عبد اللّه بن محمّد بن عبد البر القرطبي (463هـ)، تحقيق مصطفى بن أحمد العلوي، طبعة 1387هـ، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلاميّة.

70 - التنديد بمن عدد التوحيد، إبطال التثليث في التوحيد والعقيدة الإسلاميّة.

حسن بن علي السقاف الشافعي، الطبعة الأولى 1413هـ، عمان، دار الإمام النووي.

71 - تنوير الحوالك (شرح على موطأ مالك).

عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (911هـ)، تصحيح محمّد بن عبد العزيز الخالدي، الطبعة الأولى 1418هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

72- تهذيب التهذيب.

أبو الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني الشافعي (852هـ)، الطبعة الأُولى 1404هـ، دار الفكر.

73- تهذيب الكمال في أسماء الرجال.

أبو الحجاج يوسف المزي (742هـ)، تحقيق بشار عواد معروف، الطبعة الرابعة 1406هـ، مؤسسة الرسالة.

74- التوحيد عند الشيخ ابن تيميّة.

محاضرات السيّد كمال الحيدري، بقلم: خليل العاملي، الطبعة الأولى 1433هـ، قم المقدسة، دار مشعر.

75- التوسّل بالنبيّ صل.

أبو حامد بن مرزوق (التباني)، طبعة 1396هـ، اسلامبول، دار الشفقة.

76- الثقات.

أبو حاتم محمّد بن حبّان التميمي البستي (354هـ)، الطبعة الأولى 1393هـ مؤسسة الكتب الإسلاميّة.

77 - جامع البيان (تفسير الطبري).

أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري (310هـ)، طبعة 1415هـ بيروت، دار الفكر.

78 - الجامع الكبير (سنن الترمذي).

أبو عيسى محمّد بن عيسى الترمذي (279هـ)، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، الطبعة الثانية 1403هـ بيروت، دار الفكر.

79- جامع المسانيد.

أبو المؤيد محمّد بن محمود الخوارزمي (665هـ)، بيروت، دار الكتب العلميّة.

80- الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي).

أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد الأنصاري القرطبي (671هـ)، طبعة 1405هـ بیروت، مؤسسة التأريخ العربي.

81- الجرح والتعديل.

أبو محمّد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (327هـ)، الطبعة الأولى 1371هـ، بیروت، دار إحياء التراث العربي.

2- جمهرة أنساب العرب.

أبو محمّد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي (456هـ)، طبعة 1421هـ، بیروت، دار الكتب العلميّة.

83- جواب الاعتراضات المصرية على الفتوى الحموية.

أبو عباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيميّة الدمشقي الحنبلي (728هـ) تحقیق محمّد عزیز شمس إشراف بكر بن عبد اللّه أبو زيد، الطبعة الأولى 1429هـ، مكة المكرمة، دار عالم الفوائد.

84 - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح.

أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيميّة الحراني (728هـ)، تحقيق وتعليق: الدكتور عليّ بن حسن بن ناصر، والدكتور عبد العزيز بن

إبراهيم العسكر، والدكتور حمدان بن محمّد الحمدان، الطبعة الأولى 1419هـ، السعودية، دار العاصمة.

85- الجوهر المنظم في زيارة القبر النبوي المكرم.

ابن حجر الهيتمي المكي (974هـ)، تحقيق: الدكتور محمّد زينهم محمّد، الطبعة الأولى 1414هـ، مصر، مكتبة مدبولي.

86 - خلق أفعال العباد والرد على الجهميّة وأصحاب التعطيل.

محمّد بن إسماعيل البخاري (256هـ)، دراسة وتحقيق فهد بن سليمان الفهيد، الطبعة الأولى 1425هـ الرياض، دار أطلس الخضراء.

87 - الدر المنثور في التفسير المأثور.

عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (911هـ)، الطبعة الأولى 1365هـ، دار المعرفة.

88- درء تعارض العقل والنقل.

أحمد بن عبد الحليم ابن تيميّة الدمشقي الحنبلي (728هـ)، تحقيق محمّد رشاد سالم طبعة 1391هـ، الرياض، دار الكنوز الأدبية.

89 - الدرة المضيّة في الردّ على ابن تيميّة.

أبو الحسن تقي الدين عليّ بن عبد الكافي السبكي (756هـ)، طبعة مصورة عن طبعة مطبعة الترقي بدمشق، 1347هـ.

90 - الدرر السنية فى الأجوبة النجدية (مجموعة رسائل ومسائل علماء نجد الأعلام المعاصرين من عصر الشيخ محمّد بن

عبد الوهاب إلى عصرنا هذا).

جمع: عبد الرحمن بن محمّد بن قاسم العاصمي القحطاني النجدي الحنبلي (1417هـ)، الطبعة السادسة 1425هـ، بيروت، دار القاسم، والمكتب الإسلامي.

91 - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة.

أبو الفضل أحمد بن عليّ بن محمّد بن أحمد بن حجر العسقلاني (852هـ)، تحقيق: محمّد عبد المعيد ضان، الطبعة الثانية 1392هـ حیدر آباد مجلس دائرة المعارف العثمانية.

92 - دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيميّة.

عرض ونقد: الدكتور عبد اللّه بن صالح بن عبد العزيز الغصن، الطبعة الأولى 1424هـ، الرياض، دار ابن الجوزي.

93- دفاع أهل السنّة والإيمان عن حديث خلق اللّه آدم على صورة الرحمن (مجموعة مؤلّفات الشيخ عبد اللّه الدويش).

عبد اللّه بن محمّد بن أحمد الدويش (1408هـ)، أشرف على طبعها وتصحيحها عبد العزيز بن أحمد المقيشع، الطبعة الأولى 1411هـ المدينة المنورة، دار العليان.

94 - دفع الشبه عن الرسول والرسالة.

أبو بكر بن محمّد بن عبد المؤمن الحصني الدمشقي (829هـ)، الطبعة الثانية 1418هـ القاهرة، دار إحياء الكتاب العربي.

95 - دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه.

أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي (597هـ)، تحقيق حسن السقاف، الطبعة الأولى 1413هـ، الأردن، دار الإمام النووي.

96 - دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه.

أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي القرشي (597هـ)، تحقيق حسن السقاف، الطبعة الثالثة 1413هـ، عمان، دار الإمام النووي.

97- دفع شبه من شبّه وتمرد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد.

أبو بكر الحصني الشافعي (829هـ)، الطبعة الأولى 1425هـ، بيروت، دار الكتب العلميّة، ودار المصطفى.

98 - ذيل طبقات الحنابلة.

زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السلامي، البغدادي، ثم الدمشقي الحنبلي (795هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الأولى 1419هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

99- رحلة ابن بطوطة (تحفة النظار في غرائب الأمصار).

أبو عبد اللّه محمّد بن إبراهيم اللواتي، المعروف بابن بطوطة (779هـ)، تحقيق طلال حرب، الطبعة الثالثة 1423هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

100 - ردّ الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد.

صححه وعلّق عليه: محمّد حامد الفقي، الطبعة الأولى 1358هـ، بيروت،

دار الكتب العلميّة.

101 - الردّ الوافر على من زعم أن من سمى ابن تيميّة شيخ الإسلام كافر.

محمّد بن عبد اللّه أبي بكر بن محمّد ابن أحمد بن مجاهد القيسي الدمشقي الشافعي، شمس الدين، الشهير بابن ناصر الدین (842هـ)، تحقيق: زهير الشاويش، الطبعة الأولى 1393هـ بيروت، المكتب الإسلامي.

102 - الردّ على الجهميّة (سلسلة عقائد السلف).

عثمان بن سعيد الدارمي (280هـ)، قدّم له بدر الدين بن عبد اللّه البدر، الطبعة الأولى 1405هـ، الكويت، دار ابن الأثير، والدار السلفية.

103 - رسالة القبور والاستنجاد بالمقبور.

أحمد بن عبد الحليم ابن تيميّة الدمشقي الحنبلي (728هـ)، الطبعة الأولى 1410هـ، الرياض، الإدارة العامة للطبع والترجمة.

104 - رسالة في الردّ على الرافضة.

محمّد بن عبد الوهاب (1206هـ)، حققها وعلّق عليها أبو بكر عبد الرزاق بن صالح بن علي النهمي، الطبعة الأولى 1427هـ، صنعاء، دار الآثار.

105- رفع الإصر عن قضاة مصر.

أبو الفضل أحمد بن عليّ بن محمّد بن أحمد بن حجر العسقلاني (852هـ)، تحقيق: الدكتور علي محمّد عمر، الطبعة الأولى 1418هـ

القاهرة، مكتبة الخانجي.

106 - روح المعاني في تفسير القرآن الكريم والسبع المثاني.

أبو الفضل محمود الآلوسي البغدادي (1270هـ)، تصحيح علي عبد الباري عطيّة، الطبعة الأولى 1415هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

107 - الزيارات بدمشق.

محمود بن محمّد بن محمّد بن موسى بن عيسى العدوي، الصالحي، الشافعي (1032هـ)، تحقيق: صلاح الدين المنجد، الطبعة الأولى 1371هـ، دمشق، المجمع العلمي العربي.

108 - سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام.

محمّد بن إسماعيل الصنعاني (1182هـ)، تعليق محمّد عبد العزيز الخولي، الطبعة الرابعة 1379هـ مصر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده.

109 - سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد.

محمّد بن يوسف الصالحي الشامي (942هـ)، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود علي محمّد معوض، الطبعة الأولى 1414هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

110 - السقيفة.

أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري (323هـ)، تحقيق محمّد هادي الأميني، الطبعة الثانية 1413هـ بيروت، شركة الكتبي.

111 - سلسلة الأحاديث الصحيحة.

محمّد ناصر الدين الألباني، طبعة 1415هـ، الرياض، مكتبة المعارف.

112 - سلسلة دراسات في مباحث توحيد الأسماء والصفات، معتقد أهل السنّة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات.

الدكتور محمّد بن خليفة التميمي، الطبعة الأولى 1419هـ، الرياض، أضواء السلف.

113 - السلفية الوهابيّة أفكارها الأساسية وجذورها التأريخية.

حسن بن علي السقاف، الطبعة الأولى 1423هـ، الأردن، دار الإمام النووي.

114 - سنن ابن ماجة.

أبو عبد اللّه محمّد بن يزيد القزويني، المعروف بابن ماجة (275هـ)، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار الفكر.

115- سنن أبي داود.

أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (275هـ)، تحقيق سعيد محمّد اللحام، الطبعة الأولى 1410هـ بيروت، دار الفكر.

116- سنن الدارقطني.

أبو الحسن عليّ بن عمر الدارقطني البغدادي (385هـ)، تحقيق مجدي بن منصور، الطبعة الأولى 1417هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

117- سنن الدارمي.

أبو محمّد عبد اللّه الدارمي (255هـ)، دمشق، مطبعة الاعتدال.

118 - السنن الكبرى.

أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (458هـ)، بيروت، دار الفكر.

119 - السنن الكبرى.

أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي الشافعي (303هـ)، تحقيق عبد الغفار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن، الطبعة الأولى 1411هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

120 - سیر أعلام النبلاء.

أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي، المتوفّى 748هـ، الطبعة التاسعة 1413هـ بيروت، مؤسسة الرسالة.

121 - سيرة الإمام عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ).

أبو الحسن، أحمد بن عبد اللّه البكري (891ھ)، تونس، مطبعة المنار.

122 - السيرة الحلبية (إنسان) العيون في سيرة الأمين والمأمون).

أبو الفرج عليّ بن إبراهيم بن أحمد الحلبي الشافعي (1044هـ)، تصحيح عبد اللّه محمّد الخليلي، الطبعة الأولى 1422هـ بيروت، دار الأرقم.

123 - السيرة النبويّة.

أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (774هـ)، تحقيق مصطفى عبد الواحد، الطبعة الأولى 1396هـ بيروت، دار المعرفة.

124 - السيرة النبويّة.

أبو محمّد عبد الملك بن هشام المعافري الحميري (218هـ)، تحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد، طبعة 1383هـ، مصر، مكتبة محمّد علي صبيح وأولاده.

125 - السيرة النبويّة.

محمّد بن إسحاق بن يسار المطلبي المدني (151هـ)، تحقيق أحمد فريد المزيدي، الطبعة الأولى 1424هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

126 - سيف الجبّار المسلول على الأعداء الأبرار.

شاہ فضل رسول قادري (1289هـ)، طبعة 1321هـ.

127 - السيف الصقيل في الردّ على ابن زفيل.

أبو الحسن عليّ بن عبد الكافي السبكي (756هـ)، مكتبة زهران.

128- الشافي.

أبو محمّد عبد اللّه بن حمزة بن سليمان (614هـ)، الطبعة الأولى 1406هـ صنعاء، منشورات اليمن الكبرى.

129 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب.

أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمّد بن العماد الحنبلي (1089هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الأولى 1419هـ بيروت،

دار الكتب العلميّة.

130 - شرح الأصبهانيّة لأبي عبد اللّه محمّد بن محمود بن محمّد

بن عباد العجلي الأصبهاني (688هـ).

أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيميّة الحراني (728هـ)، تحقيق إبراهيم سعيداي، الطبعة الأولى 1415هـ الرياض، مكتبة الرشد.

131- شرح الرسالة التدمرية أوالعقيدة التدمريّة (تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وبيان حقيقة الجمع بين القدر والشرع).

عبد الرحمن بن ناصر البراك، إعداد عبد الرحمن بن صالح السديس، الطبعة الأولى 1432هـ، الرياض، دار التدمرية.

132- شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك.

محمّد بن عبد الباقي الزرقاني (1122هـ)، الطبعة الأولى 1411هـ، بيروت، دار الكتب العلميّة.

133- شرح العقيدة السفارينية.

محمّد بن صالح العثيمين قام بإخراجه ووضع حواشيه شباب مسجد سالم العلي، الكويت، مؤسسة الشيخ العثيمين الخيرية، الدار الوطنية للنشر.

134 - شرح العقيدة الطحاوية.

عبد الرحمن بن ناصر البراك، إعداد عبد الرحمن بن صالح السديس، الطبعة الثانية 1429هـ السعودية، دار التدمرية.

135 - شرح العقيدة الواسطية.

محمّد خليل هراس، الطبعة السادسة 1429هـ السعودية، دار الدرر السنية.

136 - شرح العقيدة الواسطية.

محمّد بن صالح العثيمين خرّج أحاديثه واعتنی به سعد بن فواز الصميل، إعداد فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، الطبعة السادسة 1421هـ، الدمام، دار ابن الجوزي.

137- شرح العلامة الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمّدية.

محمّد بن عبد الباقي الزرقاني (1122هـ)، تصحيح محمّد عبد العزيز الخالدي، الطبعة الأولى 1417هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

138 - شرح القصيدة النونية المسمّاة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية.

ابن قيم الجوزية (751هـ)، شرح وتحقيق الشيخ محمّد خليل هراس، الطبعة الأولى 1424هـ بيروت، دار الكتب العلميّة، ودار الإمام أحمد.

139 - شرح القواعد المثلى في صفات اللّه وأسمائه الحسنى. محمّد صالح العثيمين خرج أحاديثه وعلّق عليه أبو محمّد أشرف بن عبد المقصود، الطبعة الأولى 1424هـ، الرياض، أضواء السلف.

140 - شرح المقاصد. مسعود بن عمر بن عبد اللّه الشهير بسعد الدين التفتازاني (793هـ)، تحقيق عبد الرحمن عميرة، الطبعة الأولى 1409هـ، قم، منشورات الشريف الرضي.

141 - شرح المواقف.

علي بن محمّد الجرجاني (812هـ)، الطبعة الثانية 1415ه، قم، منشورات الشريف الرضي، أوفسيت على طبعة مطبعة السعادة بمصر.

142 - شرح صحيح مسلم (المنهاج شرح مسلم بن الحجاج).

أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (676هـ)، الطبعة الثانية 1407هـ بيروت، دار الكتاب العربي.

143 - شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري.

عبد اللّه بن محمّد الغنيمان، الطبعة الثالثة 1424هـ الرياض، دار العاصمة للنشر والتوزيع.

144- شرح معاني الآثار.

أبو جعفر أحمد بن محمّد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الطحاوي (321هـ)، تحقيق محمّد زهري النجار، الطبعة الثالثة 1416هـ، دار الكتب العلميّة.

145 - شرح نهج البلاغة.

أبو حامد بن هبة اللّه بن محمّد بن الحسين ابن أبي الحديد المدائني (656هـ)، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى 1378هـ دار إحياء الكتب العربيّة.

146 - الشفا بتعريف حقوق المصطفى صل.

أبو الفضل عياض اليحصبي (544هـ)، طبعة 1409هـ، بيروت، دار الفكر.

147 - شفاء السقام في زيارة خير الأنام.

أبو الحسن عليّ بن عبد الكافي السبكي (756هـ)، تحقيق السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي، الطبعة الرابعة 1419هـ.

148 - شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل.

أبو عبد اللّه محمّد بن أبي بكر الدمشقي، المعروف بابن القيم الجوزية (751هـ)، تحقيق أبو فراس النعساني الحلبي، طبعة 1398هـ بيروت، دار الفكر.

149 - شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق.

يوسف النبهاني الشافعي، الطبعة الأولى 1410هـ، مصر، المكتبة التوفيقية.

150 - الصارم المسلول على شاتم الرسول.

أحمد بر بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيميّة الحراني (728هـ)، دراسة وتحقيق محمّد بن عبد اللّه بن عمر الحلواني ومحمّد كبير شودري، تقديم الشيخ بكر بن عبد اللّه أبو زيد والشيخ محمّد بن سعيد القحطاني، الطبعة الأولى 1417هـ، السعودية، المكتبة العصرية.

151- الصحاح، تاج اللغة وصحاح العربيّة.

إسماعيل بن حمّاد الجوهري (393هـ)، تحقيق أحمد بن عبد الغفور عطّار، الطبعة الرابعة 1407هـ، بيروت للملايين.

152 - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان.

أبو حاتم محمّد بن حبّان التميمي البستي (354هـ)، تحقيق شعيب

الارنؤوط، الطبعة الثانية 1414هـ، بيروت، مؤسسة الرسالة.

153 - صحيح ابن خزيمة.

أبو بكر محمّد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري (311هـ)، تحقيق محمّد مصطفى الأعظمي، الطبعة الثانية 1412هـ.

154- صحيح البخاري.

أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل البخاري (256هـ)، طبعة بالأوفست 1401هـ، بیروت، دار ابن كثير.

155- صحيح مسلم.

أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (261هـ)، بيروت، دار الفكر.

156 - الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة.

نور اللّه الحسيني التستري (1019هـ)، تحقيق السيّد جلال الدين المحدث، طبعة 1367 شمسي، طهران، مطبعة نهضت.

157- الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة.

أبو العباس أحمد بن محمّد بن عليّ بن حجر الهيتمي (973هـ)، تحقيق عبد الرحمن بن عبد اللّه التركي كامل محمّد الخراط، الطبعة الأولى 1417هـ، بيروت، مؤسسة الرسالة.

158 - الضعفاء الكبير.

أبو جعفر محمّد بن عمر والعقيلي (322هـ)، تحقيق عبد المعطي أمين

قلعجي، الطبعة الثانية 1418هـ، بيروت، دار الكتب العلميّة.

159 - الضوء اللامع لأهل القرن التاسع.

شمس الدين أبو الخير محمّد بن عبد الرحمن بن محمّد بن أبي بكر بن عثمان بن محمّد السخاوي (902هـ)، الطبعة الأولى، بيروت، منشورات دار مكتبة الحياة.

160 - طبقات الحفاظ.

عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (911هـ)، تحقيق: محمّد عمر، الطبعة الأولى 1403هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

161 - طبقات الشافعية الكبرى.

أبو نصر عبد الوهاب بن علي السبكي (771هـ)، تحقيق مصطفى عبد القادر أحمد عطا، الطبعة الأولى 1420هـ، بيروت، دار الكتب العلميّة.

162 - الطبقات الكبرى.

محمّد بن سعد بن منيع (230ھ)، بیروت، دار صادر.

163- طبقات المدلسين.

أبو الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني (852هـ)، تحقيق عاصم بن عبد اللّه القريوني، الطبعة الأولى، عمان، مكتبة المنار.

164 - طبقات المفسرين.

عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (911هـ)، بيروت، دار الكتب العلميّة.

165 - الطرائف في معرفة الطوائف.

أبو القاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن طاووس (664هـ)، الطبعة الأولى 1371هـ، قم.

166 - العقد الفريد.

أحمد بن محمّد بن عبد ربه الأندلسي (328هـ)، تحقيق عبد المجيد الترحيني، الطبعة الأولى 1417هـ، بيروت، دار الكتب العلميّة.

167 - العقود الدريّة في مناقب شيخ الإسلام ابن تيميّة.

شمس الدين محمّد بن أحمد بن عبد الهادي بن يوسف الدمشقي الحنبلي (744هـ)، تحقيق: محمّد حامد الفقي، الطبعة الأولى 1424هـ، بيروت، المكتبة العصرية.

168 - العقيدة الواسطية.

أبو عباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيميّة الدمشقي الحنبلي (728هـ)، تحقيق محمّد بن عبد العزيز بن مانع، الطبعة الثانية 1412هـ الرياض، الرئاسة العامة لإدارات البحوث والإفتاء.

169 - العلل الواردة في الأحاديث النبويّة (علل الدارقطني).

أبو الحسن عليّ بن عمر الدارقطني (385هـ)، تحقيق محفوظ الرحمن زین اللّه السلفي، الطبعة الأولى 1405هـ الرياض، دار طيبة.

170 - العلل ومعرفة الرجال.

أبو عبد اللّه أحمد بن محمّد بن حنبل الشيباني (241هـ)، تحقيق وصي

اللّه بن محمّد عباس، الطبعة الأولى 1408هـ، الرياض، دار الخاني.

171 - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب.

أحمد بن علي الحسيني، المعروف بابن عنبة (828هـ)، تصحيح محمّد حسن آل الطالقاني، الطبعة الثانية 1380هـ النجف الأشرف، المكتبة الحيدرية.

172 - عمدة القاري شرح صحيح البخاري.

أبو محمّد محمود بن أحمد العيني (855هـ)، تصحيح عبد اللّه محمود الطبعة الأولى 1421هـ، بيروت، دار الكتب العلميّة. محمّد عمر،

173 - عمدة القاري شرح صحيح البخاري.

أبو محمّد محمود بن أحمد العيني (855هـ)، تصحيح عبد اللّه محمود محمّد عمر، الطبعة الأولى 1421هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

174 - عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار.

يحيى بن الحسن بن الحسين الأسدي الحلّي، المعروف بابن البطريق (600هـ)، الطبعة الأولى 1407هـ، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.

175 - عون المعبود شرح سنن أبي داود.

أبو الطيب محمّد شمس الحق العظيم الآبادي (1329هـ)، الطبعة الثانية 1415هـ، بیروت، دار الكتب الإسلاميّة.

176- عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير.

محمّد بن عبد اللّه بن يحيى ابن سيّد الناس (734هـ)، طبعة 1406هـ،

بيروت، مؤسسة عز الدين.

177- عيون الأخبار.

أبو محمّد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري (276هـ)، شرح يوسف علي طويل، طبعة 1418هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

178 - الغدير في الكتاب والسنّة والأدب.

العلامة الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني (1392هـ)، الطبعة الرابعة 1397هـ، بیروت، دار الكتاب العربي.

179 - غريب الحديث.

أبو محمّد عبد اللّه بن مسلم ابن قتيبة الدينوري (276هـ)، تحقيق عبد اللّه الجبوري، الطبعة الأولى 1408هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

180 - فتاوى الأئمّة النجدية من شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهاب إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللّه بن باز.

تقديم عبد اللّه بن عبد الرحمن الجبرين جمعه وأعده أبو يوسف مدحت بن حسن آل فراح، الطبعة الثانية 1428هـ السعودية، مكتبة الرشد.

181 - الفتاوى الكبرى.

أبو عباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيميّة الدمشقي الحنبلي (728هـ)، تحقيق حسنين محمّد مخلوف، الطبعة الأولى 1386هـ، بيروت، دار المعرفة.

182 - فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة والإفتاء.

الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش، الطبعة الثالثة 1421هـ، الرياض، دار المؤيد.

183 - فتح الباري شرح صحيح البخاري.

أبو الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني (852هـ)، الطبعة الثانية، بیروت، دار المعرفة.

184 - فتح القدير الجامع بين فنّي الرواية والدراية من علم التفسير.

محمّد بن علي الشوكاني (1250هـ)، عالم الكتب.

185 - فضائل الصحابة.

أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (303هـ)، بيروت، دار الكت- العلميّة.

186 - فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير.

محمّد عبد الرؤوف المناوي (1331هـ)، تصحيح أحمد عبد السلام، الطبعة الأولى 1415هـ، بيروت، دار الكتب العلميّة.

187- كتاب التوحيد.

محمّد بن عبد الوهاب (1206هـ)، طبعة 1413هـ، دار الدعوة السلفية.

188 - كتاب السنّة.

أبو بكر عمروبن أبي عاصم الضحاك (287هـ)، الطبعة الثالثة 1413هـ بيروت، المكتب الإسلامي.

189 - كشف الشبهات.

محمّد بن عبد الوهاب (1206هـ)، تحقيق عصام الدين الصبابطي، القاهرة، دار الحديث.

190 - الكشف والبيان (تفسير الثعلبي).

أبو إسحاق أحمد الثعلبي (427هـ)، تحقيق أبو محمّد بن عاشور، الطبعة الأولى 1422هـ، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

191 - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال.

علي المتقي بن حسام الدين الهندي (975هـ)، تصحيح الشيخ بكري حياني، طبعة 1409هـ بيروت، مؤسسة الرسالة.

192- لسان العرب.

أبو الفضل محمّد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري (711هـ)، الطبعة الأولى 1405هـ، قم، نشر أدب الحوزة.

193 - لسان الميزان.

أبو الفضل أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني الشافعي (852هـ)، الطبعة الثانية 1390هـ بيروت، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.

194 - مجمع الزوائد.

علي بن أبي بكر الهيثمي (807هـ)، الطبعة 1408هـ، بيروت، دار الكتب العلميّة.

195 - المجموع (شرح المهذب).

أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (676هـ)، بيروت، دار الفكر.

196 - مجموع الفتاوى.

أبو عباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيميّة الدمشقي الحنبلي (728هـ).

197 - مجموع فتاوی ابن باز.

عبد اللّه بن محمّد الطيار، الطبعة الأولى 1416هـ، الرياض، دار الوطن.

198 - مجموعة العقيدة وعلم الكلام.

محمّد زاهد الكوثري، الطبعة الأولى 1425هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

199- المحلى شرح المجلّى.

أبو محمّد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي (456هـ)، تحقيق أحمد محمّد شاکر، بیروت، دار الفكر.

200- المختصر في أخبار البشر (تأريخ أبي الفداء).

أبو الفداء إسماعيل بن عليّ بن محمود (732هـ)، تحقیق محمود دیوب، الطبعة الأولى 1417هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

201 - المداخل إلى آثار شيخ الإسلام ابن تيميّة وما لحقها من أعمال.

بكر بن عبد اللّه أبو زيد، الطبعة الأولى 1422هـ، دمشق، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر.

202 - المدونة الكبرى.

أبو عبد اللّه، مالك بن أنس الأصبحي (179هـ)، مصر، مطبعة السعادة.

203 - مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان.

أبو محمّد عبد اللّه بن اسعد اليافعي (768هـ)، الطبعة الأولى 1417هـ بیروت، دار الكتب العلميّة.

204 - المستدرك على الصحيحين.

أبو عبد اللّه محمّد بن عبد اللّه النيسابوري، المعروف بالحاكم (405هـ)، تحقيق يوسف المرعشلي، طبعة 1406هـ بيروت، دار المعرفة.

205 - مسند ابن الجعد لمسند بغداد.

أبو الحسن عليّ بن الجعد بن عبيد الجوهري (230هـ)، تحقيق الشيخ عامر أحمد حيدر، بيروت، دار الكتب العلميّة.

206 - مسند ابن راهويه

إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنطلي المروزي (238ھ)، تحقيق عبد الغفور البلوسي، الطبعة الأولى 1412هـ، المدينة المنورة، مكتبة الإيمان.

207- مسند أبي داود الطيالسي.

أبو داود سليمان الطيالسي (204هـ)، بیروت، دار الحديث.

208 - مسند أبي يعلى الموصلي.

أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي التميمي (307هـ)، تحقيق حسين سليم أسد، دمشق، دار المأمون للتراث.

209 - مسند أحمد بن حنبل.

أبو عبد اللّه أحمد بن حنبل الشيباني (241هـ)، بيروت، دار صادر.

210 - مسند الحميدي.

أبو بكر عبد اللّه بن الزبير الحميدي (219هـ)، تحقيق حبيب الرحمن العظمي، الطبعة الأولى 1409هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

211 - مسند الشاميين.

أبو القاسم سليمان بن أحمد اللخمي الطبراني (360هـ)، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية 1417هـ بيروت، مؤسسة الرسالة.

212 - مسند الشهاب.

أبو عبد اللّه محمّد بن سلامة القضاعي (454هـ)، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الأولى 1405هـ بيروت، مؤسسة الرسالة.

213 - مسند سعد بن أبي وقاص.

أحمد بن إبراهيم بن كثير الدورقي (246هـ)، الطبعة الأولى 1407هـ بیروت، دار البشائر الإسلاميّة.

214 - مشاهير الكورد في التأريخ الإسلامي.

أحمد خليل، الطبعة الأولى 1426هـ، السليمانية، دار شفان.

215- مشكل الآثار.

أبو جعفر أحمد بن محمّد الطحاوي (321هـ)، الطبعة الأولى 1333هـ الهند، حیدر آباد.

216 - المصنف.

أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني (211هـ)، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، المجلس العلمي.

217 - المصنف.

أبو بكر عبد اللّه بن محمّد بن أبي شيبة الكوفي (235هـ)، تعليق سعيد اللحام، الطبعة الأولى 1409هـ، دار الفكر.

218 - مطالب السؤول في مناقب آل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

محمّد بن طلحة الشافعي (652هـ)، تحقيق ماجد بن أحمد العطية، الطبعة الأولى 1420هـ، بيروت، مؤسسة أم القرى.

219- المعارف.

أبو محمّد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري (276هـ)، الطبعة الأولى

1407هـ، بیروت، دار الكتب العلميّة.

220 - معالم التنزيل (تفسير البغوي).

أبو محمّد الحسين بن مسعود البغوي (516هـ)، تحقيق خالد عبد الرحمن العك، الطبعة الخامسة 1423ه، بيروت، دار المعرفة.

221- المعجم الأوسط.

أبو القاسم سليمان بن أحمد اللخمي الطبراني (360هـ)، تحقيق أبو معاذ طارق بن عوض طبعة 1415هـ، دار الحرمين.

222- معجم البلدان.

شهاب الدين أبو عبد اللّه ياقوت بن عبد اللّه الحموي الرومي البغدادي (626هـ)، الطبعة الأولى 1399هـ بيروت، دار إحياء التراث العربي.

223- المعجم الصغير.

أبو القاسم سليمان بن أحمد اللخمي الطبراني (360هـ)، بيروت، دار الكتب العلميّة.

224- المعجم الكبير.

أبو القاسم سليمان بن أحمد اللخمي الطبراني(360هـ)، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية، القاهرة، مكتبة إبن تيميّة.

225 - معجم المؤلفين.

عمر رضا كحالة، الطبعة الأولى 1376هـ، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

226- معرفة الثقات.

أبو الحسن أحمد بن عبد اللّه العجلي (261هـ)، الطبعة الأولى 1405هـ المدينة المنورة، مكتبة الدار.

227- معرفة السنن والآثار.

أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (458هـ)، تحقيق سيد كسروي حسن، بیروت، دار الكتب العلميّة.

228 - معرفة علوم الحديث.

أبو عبد اللّه محمّد بن عبد اللّه النيسابوري، المعروف بالحاكم (405هـ)، تصحيح السيّد معظم حسين، الطبعة الرابعة 1400هـ، بيروت، دار

الآفاق الجديدة.

229 - المغني.

أبو محمّد عبد اللّه بن أحمد بن محمّد بن قدامة (620هـ)، تحقيق جماعة من العلماء، بيروت، دار الكتاب العربي.

230 - مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج.

محمّد الشربيني الخطيب (977هـ)، طبعة 1377هـ مصر، شركة مكتبة ومطبعة البابي الحلبي وأولاده.

231 - المفردات في غريب القرآن.

أبو القاسم الحسين بن محمّد، المعروف بالراغب الأصفهاني (502هـ)، الطبعة الأولى 1404هـ، دفتر نشر الكتاب.

232 - مقالات الكوثري.

محمّد زاهد الكوثري، طبعة المكتبة التوفيقية، مصر.

233- مقتل الحسين (مقتل الخوارزمي).

أبو المؤيد الموفّق بن أحمد المكي أخطب خوارزم (568هـ)، تحقيق الشيخ محمّد السماوي، الطبعة الأولى 1418هـ، قم، دار أنوار الهدى.

234- الملل والنحل.

أبو الفتح محمّد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني (548هـ)، تحقيق محمّد سيّد كيلاني، بيروت، دار المعرفة.

235 - المنار المنيف في الصحيح والضعيف.

أبو عبد اللّه محمّد بن أبي بكر الدمشقي، المعروف بإبن القيم الجوزية (751هـ)، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الثانية 1403هـ حلب، مكتب المطبوعات الإسلاميّة.

236 - المناقب (مناقب الخوارزمي).

أبو المؤيد الموفّق بن أحمد المكي أخطب خوارزم (568هـ)، تحقيق الشيخ مالك المحمودي، الطبعة الثانية 1411هـ، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.

المنتخب من مسند عبد بن حميد.

أبو محمّد عبد بن حميد (249هـ)، تحقيق صبحي البدري السامرائي، محمود محمّد الصعيدي، الطبعة الأولى 1408هـ بيروت، مكتبة النهضة العربيّة.

237 - منهاج السنة النبويّة.

أبو عباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيميّة الدمشقي الحنبلي (728هـ)، تحقيق محمّد رشاد سالم، الطبعة الأولى 1406هـ مؤسسة قرطبة.

238 - منهج ابن تيميّة في التوحيد، قرائة نقديّة مقارنة.

يحيى عبد الحسن الدوخي، الطبعة الأولى 1433هـ، قم المقدسة، دار مشعر.

239- منهج ابن تيميّة في مسألة التكفير.

الدكتور عبد المجيد بن سالم بن عبد اللّه المشعبي، الطبعة الأولى 1418هـ، الرياض، مكتبة أضواء السلف.

240- المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي.

يوسف بن تغري بردي بن عبد اللّه الظاهري الحنفي، أبو المحاسن، جمال الدين (874هـ)، تحقيق: الدكتور محمّد محمّد أمين، تقديم: دكتور سعيد عبد الفتاح عاشور، الطبعة الأولى، القاهرة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب.

241 - موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبّان.

علي بن أبي بكر الهيثمي (807هـ)، تحقيق محمّد بن عبد الرزاق حمزة، بیروت، دار الكتب العلميّة.

242 - الموافقات في أصول الشريعة.

أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي، المعروف بالشاطبي (790هـ)، تحقيق خالد عبد الفتاح شبل، طبعة 1420هـ، بيروت، مؤسسة الكتب الثقافية.

243 - المواقف في علم الكلام.

القاضي عبد الرحمن بن أحمد الإيجي (756هـ)، القاهرة، مكتبة المتنبي.

244 - مواهب الجليل لشرح مختصر خليل.

أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد المغربي، المعروف بالحطاب الرعيني (954هـ)، تصحيح الشيخ زكريا عميرات، الطبعة الأولى 1416هـ بیروت، دار الكتب العلميّة.

245- المواهب اللدنية بالمنح المحمّدية (مع شرح الزرقاني).

أبو العباس أحمد السقطلاني (923هـ)، الطبعة الأولى 1417هـ بيروت، دار الكتب العلميّة.

246 - المودة لذوي القربى.

سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي (1294هـ)، تحقيق علي جمال اشرف الحسيني، الطبعة الأولى 1416هـ دار الأسوة.

247- الموضوعات.

أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي القرشي (597هـ)، تحقيق عبد الرحمن محمّد عثمان، الطبعة الأولى 1386هـ، المدينة المنورة، المكتبة السلفية.

248- الموطأ.

مالك بن أنس (179هـ)، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، الطبعة الأولى 1406هـ، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

249 - ميزان الاعتدال في نقد الرجال.

أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748هـ)، تحقيق علي محمّد البجاوي، الطبعة الأولى 1382هـ، بيروت، دار المعرفة.

250 - الميزان في تفسير القرآن.

العلامة السيّد محمّد حسين الطباطبائي (1402هـ)، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.

251 - النجوم الزاهرة في أخبار ملوك مصر والقاهرة.

يوسف بن تغري بردي بن عبد اللّه الظاهري الحنفي أبو المحاسن جمال الدين (874هـ)، تحقيق: محمّد حسین شمس الدين، الطبعة الأولى 1413هـ، مصر، وزارة الثقافة.

252 - نسيم الرياض في شرح الشفا القاضي عياض.

أحمد شهاب الدين الخفاجي، دار الفكر.

253 - نهاية الأرب في فنون الأدب.

شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري(815هـ)، الطبعة الأولى 1351هـ القاهرة، مطبعة دار الكتب المصرية.

254 - النهاية في غريب الحديث والأثر.

أبو السعادات المبارك بن محمّد ابن الأثير الجزري (606هـ)، تخريج صلاح بن محمّد بن عويضة، الطبعة الأولى 1418هـ، بيروت، دار الكتب العلميّة.

255- نواسخ القرآن.

أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي القرشي (597هـ)، بيروت، دار الكتب العلميّة.

256- نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار (شرح منتقي الأخبار).

محمّد بن عليّ بن محمّد الشوكاني (1255هـ)، طبعة 1973 م، بیروت، دار الجيل.

257- الوافي بالوفيات.

خليل بن ايبك الصفدي (764هـ)، تحقيق أحمد الأرناووط، تركي مصطفى، الطبعة الأولى 1420هـ بيروت، دار إحياء التراث العربي.

المحتويات

مقدمة المركز:...5

الجدال والحوار في الشريعة الإسلاميّة ...5

الجدال ...6

معنى الجدال: ...6

الجدال حقيقة قرآنية: ...7

مرتبة الجدال:... 8

الجدال بالباطل: ...9

صور من الجدال في القرآن الكريم: ...11

الأسس والقواعد الصحيحة للجدال: ...14

الحوار ...15

معنى الحوار: ...15

الحوار القرآني: ...16

أنواع الحوار القرآني: ...16

الأوّل: الحوار البرهاني... 17

الثاني: الحوار الوصفي... 17

الثالث: الحوار القصصي... 17

الرابع: الحوار الخطابي... 18

الخامس: الحوار التعليمي... 18

ابن تيميّة ...20

موقف ابن تيميّة من الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ): ...23

هذه الموسوعة: ...24

الإهداء... 27

مقدمة المؤلف: ...29

الحرب الإعلاميّة ضدّ مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) : ...30

تصدي علماء الإماميّة للدفاع عن مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) : ...31

أسئلة تطرح نفسها: ...32

قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين: ...32

منهجية التأليف: ...34

شكر وتقدير: ...37

الفصل الأول التعريف بابن تيميّة

ترجمة ابن تيميّة ...41

ابن تيميّة والانتساب إلى العرب: ...41

عدم انتماء ابن تيميّة إلى قبيلة عربيّة: ...47

عقائد ابن تيميّة ...55

محن ابن تيميّة، وتوبته وسجنه ...61

موقف علماء أهل السنّة من ابن تيميّة ...63

موقف علماء المذهب الحنبلي من ابن تيميّة وآرائه: ...63

موقف علماء المذهب الحنفي من ابن تيميّة وآرائه: ...65

موقف علماء المذهب المالكي من ابن تيميّة وآرائه... 76

موقف علماء المذهب الشافعي من ابن تيميّة وآرائه: ...82

موقف علماء أهل السنّة المعاصرين (غير السلفيين) من ابن تيميّة وآرائه: ...110

موقف علماء السلفيّة المعاصرين من ابن تيميّة وآرائه: ...117

مؤلّفات في الردّ على آراء ابن تيميّة... 123

الفصل الثاني التوحيد عند ابن تيميّة

التقسيم الثلاثي لمفهوم التوحيد عند ابن تيميّة ...135

ملاحظات بشأن التقسيم: ...136

الملاحظة الأولى: حادثية التقسيم وبطلانه ...136

التوحيد في الذات: ... 139

التوحيد في الخالقيّة: ...139

التوحيد في الربوبيّة: ...140

التوحيد في التشريع، والتقنين: ...141

التوحيد في الطاعة: ...141

التوحيد في الحاكميّة. ...142

التوحيد في العبادة: ... 143

الملاحظة الثانية : توظيف التقسيم لتكفير المسلمين ...144

مفهوم الربوبيّة والألوهيّة عند ابن تيميّة: ...147

مناقشة تعريف ابن تيميّة للمصطلحين ...149

الإشكال الأوّل: تفسير الربوبيّة ببعض لوازمها: ...149

شرك أهل الجاهليّة بالربوبيّة... 149

حقيقة إقرار المشركين بالربوبيّة ...161

الرأي الأوّل: إنّه جواب الفطرة... 161

الرأي الثاني: إنه إقرار بالربوبيّة دون التوحيد بذلك ...163

الإشكال الثاني: تفسير الألوهيّة بالعبادة ...163

الملاحظة الثالثة: بطلان دعوى اتفاق أهل السنّة على التقسيم... 167

كلمة العلامة يوسف الدجوي المالكي في الردّ على التقسيم التيموي للتوحيد ...169

فتوى شيخ الأزهر ببطلان رأي ابن تيميّة في أقسام التوحيد... 177

معتقد ابن تيميّة في التجسيم ...181

مناقشة أهم مرتكزات نظرية التجسيم عند ابن تيميّة ...190

دراسة النقطة الأولى: التلازم بين القيومية والجسمانية ... 190

دراسة النقطة الثانية: نفي الملازمة المطلقة بين الجسمانية والحدوث...191

دراسة النقطة الثالثة: قوله بجسم لا كالأجسام ... 193

دراسة النقطة الرابعة ملازمة نفي التجسيم ونفي التشبيه... 196

كلام ابن تيميّة وأتباعه بشأن عدم وجود الملازمة بين نفي التشبيه والتمثيل، ونفي التجسيم... 197

دراسة النقطة الخامسة : عدم نفي العقل والفطرة للتجسيم ... 199

دراسة النقطة السادسة : بدعيّة نفي أو إثبات التجسيم ...201

كلمات علماء أهل السنّة بشأن عدم جواز تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة ...207

دراسة النقطة السابعة: دلالة ظواهر النصوص على الجسمانية... 213

إشكالات على كلماته وآرائه... 219

الإشكال الأوّل: نفي التجسيم في النصوص الشرعيّة ...219

الإشكال الثاني: خروج ابن تيميّة عن منهج أهل الحديث في تعامله مع روايات التجسيم...228

الإشكال الثالث: بطلان نظرية ابن تيميّة في المجاز ...232

الإشكال الرابع: الأخذ بظواهر الصفات الخبريّة وعدم تأويل المتشابهات عند ابن تيميّة ...247

موقف علماء أهل السنّة من تأويل الصفات الخبرية ...250

نصوص التأويل في كلمات أعلام أهل السنّة ...255

تأويل ابن تيميّة لحديث: ((إن اللّه هو الدهر)) ...256

تأويل آخر من ابن تيميّة لحديث النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...258

النقطة الثامنة : نسبة التجسيم إلى جماهير أهل الإسلام... 259

معتقد ابن تيميّة في ثبوت الحدّ اللّه تعالى ...261

تناقض ابن تيميّة وأتباعه في مسألة الحدّ بين التوقف والإثبات... 264

أقوال مجموعة من علماء أهل السنّة القائلين بأنّ اللّه سبحانه له حد... 267

مفهوم الحدّ بين المفاهيم المختصة والمشتركة بين الخالق والمخلوق... 271

حكم العقل بكون مفهوم الحدّ من الصفات الخاصة بالمخلوقات ...273

إنكار الحدّ في كلمات أعلام أهل السنّة ...277

تكفير المنكرين عند المثبتين ...281

أسباب الاعتقاد بالحدّ و آثاره ...283

معتقد ابن تيميّة في ثبوت الثقل والوزن اللّه تعالى ...287

بدعيّة التطرق إلى ما لا يوجد في الكتاب والسنّة ...290

دلالات حديث الأطيط الفاسدة ...292

موقف أكابر علماء أهل السنّة من خبر الأطيط ...296

معتقد ابن تيميّة في ثبوت الجهة والمكان اللّه تعالى ...305

مناقشة أهم مرتكزات نظرية ابن تيميّة في إثباته الجهة والمكان اللّه تعالى ...313

دراسة النقطة الأولى: عقيدة جمهور الخلق بوجود اللّه تعالى فوق العالم؛ لرفع اليد إلى السماء في الدعاء ...313

دراسة النقطة الثانية: عدم صحّة الاعتقاد بأن اللّه تعالى ليس بداخل في العالم ولا خارج عنه... 322

أدلّة استحالة مماثلته تعالى لغيره: ...323

دفاع ابن أبي الحديد والفخر الرازي عن رواية: ((ليس بداخل في العالم ولا خارج عنه)) ...328

دراسة النقطة الثالثة : دلالة العقل والنقل والإجماع على ثبوت الجهة والمكان اللّه تعالى ... 330

أدلة نفي الجهة عن اللّه تعالى: ... 330

أدلة تنزيه اللّه تعالى عن وجوده في مكان: ...331

كلمات علماء أهل السنّة في بيان الأدلّة العقليّة على تنزيه اللّه تعالى عن الجهة والمكان : ...333

كلمات علماء أهل السنّة في ذكر الإجماع على تنزيه اللّه تعالى عن الجهة والمكان: ...364

دراسة النقطة الرابعة : ثبوت الجهة العدميّة اللّه تعالى... 367

دراسة النقطة الخامسة: اتفاق أئمة أهل السنّة وعلمائهم على ثبوت الجهة والمكان:.... 374

معتقد ابن تيميّة في ثبوت الحركة والنزول اللّه تعالى ...377

مناقشة رأي ابن تيميّة في ثبوت الحركة والنزول اللّه تعالى... 381

دراسة النقطة الأولى: الملازمة المطلقة بين الحياة والحركة :... 381

معنى الحياة والحركة وأدلة نفي الحركة عنه تعالى: ...381

دراسة النقطة الثانية: حديث النزول... 385

دراسة النقطة الثالثة: اتفاق جمهور علماء أهل السنّة على ثبوت الحركة والنزول اللّه تعالى... 396

معتقد ابن تيميّة في ثبوت الصورة للّه تعالى ...403

مناقشة رأي ابن تيميّة في مسألة الصورة: ...406

الإشكال الأول: التشبيه الصريح ...406

الإشكال الثاني: بطلان دعوى الاتفاق على ثبوت الصورة...408

الإشكال الثالث: بطلان الرؤية البصرية ...414

الرؤية المنامية عند ابن تيميّة ...424

معتقد ابن تيميّة في ثبوت التكلم اللّه تعالى ...427

مناقشة رأي ابن تيميّة في مسألة التكلّم...430

الإشكال الأوّل: الكلام صفة فعلية لا ذاتية ...430

الإشكال الثاني: بطلان القول بقدم نوع التكلّم وحدوث أفراده... 434

الإشكال الثالث: بطلان نظريّة تكلّم اللّه تعالى بالصوت والحرف حسب رأي علماء أهل السنّة... 435

تطابق عقيدة ابن تيميّة مع نصوص التوراة... 440

معتقد ابن تيميّة في صدور حوادث لا أوّل لها عن اللّه تعالى. اللّه تعالى...443

مناقشة رأي ابن تيميّة بشأن صدور حوادث لا أوّل لها عن اللّه تعالى... 448

الإشكال الأول: قدم الحوادث ...448

الإشكال الثاني: أزلية الفعل الإرادي... 448

الإشكال الثالث: التسلسل بين العلة والمعلول ...450

الإشكال الرابع: بطلان دعوى اتفاق علماء أهل السنّة على صدور حوادث لا أوّل لها عن اللّه تعالى ... 451

معتقد ابن تيميّة في قيام الحوادث بذات اللّه تعالى ...455

مناقشة رأي ابن تيميّة في قيام الحوادث بذات اللّه تعالى ...462

الإشكال الأوّل: الخلط بين الصفات الفعليّة والصفات الذاتية... 462

القول الصحيح في أقسام الصفات الإلهيّة وبيان خصائصها:... 463

خصائص صفات اللّه الذاتية: ...463

خصائص صفات اللّه الفعلية ...463

الفرق بين صفات الذات وصفات الفعل ...464

الإشكال الثاني: قيام الناقص بالكامل ...467

الإشكال الثالث: الحتمية والتغيير... 467

الإشكال الرابع: بطلان دعوى اتفاق علماء أهل السنّة على ثبوت قيام الحوادث بذات اللّه تعالى ... 468

خاتمة في التوحيد عند مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ...472

نظرة إجمالية إلى أصول مسائل التوحيد في أحاديث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ... 472

الأصل الأوّل: عدديّة الحوادث (أي قبولها العد، والزيادة، والنقصان) ... 472

الاصل الثاني: تجزئ الموجود العددي ...474

الأصل الثالث: امتناع عدم تناهي الحوادث...474

الأصل الرابع: حدوث الممكنات حقيقة... 476

الأصل الخامس: حدوث الزمان والمكان حقيقة ...477

الأصل السادس: افتقار الحادث إلى الخالق ...478

الأصل السابع: امتناع صدور المثيل من الممكن... 479

الأصل الثامن: إحاطة الزمان بالحوادث... 480

الأصل التاسع: تقابل وجود الخلق والخالق ... 480

الأصل العاشر: وجوب الإقرار بوجود الخالق المباين للخلق... 481

الفصل الثالث مواقف ابن تيميّة من الرسول الأكرم وأهل بيته الأطهار (عَلَيهِم السَّلَامُ)

موقف ابن تيميّة من زيارة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ... 487

مناقشة رأي ابن تيميّة في زيارة النبيّ الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...491

الإشكال الأوّل: صحّة اتصاف فعل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): بالبدعي عند ابن تيميّة ...491

الإشكال الثاني: عدم تطابق رأي ابن تيميّة مع الكتاب العزيز... 492

الإشكال الثالث: عدم تطابق رأي ابن تيميّة مع السنّة ...495

الإشكال الرابع: عدم تطابق رأي ابن تيميّة مع كلمات علماء أهل السنّة... 501

موقف ابن تيميّة من شد الرحال إلى مرقد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)... 506

موقف ابن تيميّة من الدعاء عند مرقد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): ...515

نماذج من صلاة السلف ودعائهم عند قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) تبركا بتراب قبره ومحلّه :... 517

من كلمات أعلام أهل السنّة بشأن الدعاء عند قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...519

موقف ابن تيميّة من مس مرقد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وتقبيل منبره ...520

موقف ابن تيميّة من التوسّل برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حياً وميتاً... 525

مناقشة آراء ابن تيميّة في التوسّل برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...525

دراسة النقطة الأولى: حرمة التوسّل بذات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...526

دراسة النقطة الثانية: حرمة التوسّل بمقام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومنزلته عند اللّه تعالى...533

دراسة النقطة الثالثة: حرمة التوسّل بحق رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وحق من سبقه من الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ).... 535

دراسة النقطة الرابعة : حرمة الاستعانة برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...535

دراسة النقطة الخامسة : حرمة الاستعاذة برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ...537

دراسة النقطة السادسة: حرمة جميع أشكال التوسّل برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): طلب التقرب والتوبة، والمفزع إليه...538

ابن تيميّة والحط من مقام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): وإنكار خصائصه وفضائلة... 541

الفضيلة الأولى: ردّ السّلام من قبل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...541

الفضيلة الثانية: ترتب الفائدة من إتيان قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...544

اسم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في العهدين ...546

اعتقاد ابن تيميّة بعدم تمييز رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أهل الحق عن أهل الباطل... 548

موقف ابن تيميّة من عصمة الأنبياء والنبي الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...550

موقف ابن تيميّة من إيمان أبوي النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...554

ابن تيميّة وإنكاره فضائل الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) ... 559

نماذج من تعمّد ابن تيميّة تكذيب ما صح عند الفريقين من فضائل الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) ...562

موقف ابن تيميّة من حديث الموالاة:... 562

موقف ابن تيميّة من حديث المؤاخاة: ... 567

موقف ابن تيميّة من حديث الطائر:... 572

موقف ابن تيميّة من نزول آية الولاية بشأن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ...584

موقف ابن تيميّة من حديث (أنت ولي كلّ مؤمن بعدي)... 591

موقف ابن تيميّة من حديث سد الأبواب:... 603

موقف ابن تيميّة من حديث باب مدينة العلم: ... 611

موقف ابن تيميّة من حديث المحبة والبغض : ...616

موقف ابن تيميّة من حديث يوم الدار ونزول آية الإنذار بشأن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ... 618

موقف ابن تيميّة من حديث ردّ الشمس : ...620

موقف ابن تيميّة من نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)بشأن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ):...622

موقف ابن تيميّة من حديث ((علي مع الحق...)) : ... 623

موقف ابن تيميّة من حديث الأشباه:... 625

موقف ابن تيميّة من حديث ((هذا) فاروق أمتي)) وحديث ((ما كنا نعرف المنافقين إلا ببغضهم عليّاً)): ...627

محاولة ابن تيميّة لتبرئة الظالم واتهام المظلوم في حادثة الهجوم على الدار ... 631

نصوص اعتراف أبي بكر وندمه في كتب أهل السنّة: ...632

زعم ابن تيميّة بغض أكثر الصحابة للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)... 641

إنكاره دور الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الغزوات...646

زعمه تخلّف أكثر الأمة عن مبايعة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ... 652

موقفه من قتال الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الناكثين والقاسطين والمارقين... 656

تشكيكه في إيمان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل البلوغ...674

رأيه بنزول قوله تعالى: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ...) في حق الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ... 683

رأيه في حديث عمّار... 688

رأي ابن تيميّة في قاتل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ... 691

موقف ابن تيميّة من الصديقة الشهيدة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)... 699

الموقف الأول: اعتقاده بأنّ الصديقة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) كانت من طلاب الدنيا بغير حق ... 701

الموقف الثاني: اعتقاده بالتشابه بين فعل الصديقة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) وأفعال المنافقين... 704

الموقف الرابع: ذمّ الصديقة فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)؛ لإيصائها بدفنها ليلاً وعدم الصلاة عليها ...711

الموقف السابع: قوله: ما يحكى عن فاطمة.. من القوادح كثير...719

رأي ابن تيميّة في أحداث واقعة الطف... 721

موقف ابن تيميّة من يزيد بن معاوية... 728

فهرس المصادر ...743

المحتويات... 787