ghaemiyeh.com
المؤلف: الدكتور عبدالرسول الغفار
الناشر: دار المحجّة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: 1
الموضوع : العقائد والكلام
تاريخ النشر : 1415 ه.ق
الصفحات: 272
محرر الرقمي:محمد المنصوري
شبهة الغلو عند الشيعة
الدكتور عبدالرسول الغفار
بسم الله الرحمن الرحيم
( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل ) [ المائدة / 77 ]
صدق الله العلي العظيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة على أفضل خلقه وخاتم رسله محمد ابن عبد الله ، بعثه بالحق هادياً وللعباد منقذاً. الدليل على الصراط ، والسراج الوقّاد ، الذي نور هدايته رحمة ، وأنفاسه بين المخلوق عصمة ، هو السبيل إلى النجاة ، والقائد إلى الرشاد ، فاز المتمسكون بنهجه ، وربح السائرون بهديه ، والسلام عليه وعلى آله الطيبين البررة وأصحابه الكرام الخيرة.
قال سبحانه مخاطباً أهل الكتاب - الذين سبقوا - ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ، وأضلوا كثيراً ، وضلوا عن سواء السبيل ) .
خطاب وجهه سبحانه وتعالى إلى عباده من اليهود والنصارى حث فيه على أن لا يخرجوا عن إطار العبودية الحقة وأن لا يتبعوا أهواء قوم قد تحكمت فيهم المصالح والماديات ، غير أن أغلب اليهود والنصارى زاغوا عن الحق وابتعدوا عن الهدى ، هم عرتهم الأماني والشهوات حتى استحوذ عليهم الشيطان وجنوده فأصبحوا اسرى الهوى ، فضلوا وأضلوا ، وكانت عاقبتهم سوء المنقلب ، وما جزاء الظالمين إلا خسارا.
الغلو حالة غير طبيعية يمر بها الإنسان ، وإذا اردنا الدقة ، فنقول مرض فكري يغزو معتقدات الناس بوسائل عديدة ، وضمن عوامل كثيرة ، قد يمكن تحديد البعض منها ، والاخرى يتعذر تحديدها للملابسات المتداخلة ، والظروف المعقدة التي يمر بها المجتمع.
ربما يعود الغلو في العقيدة الى ما قبل الإسلام ، فمثلاً بني إسرائيل بعد
غياب موسى عنهم سقطوا في شرائك إبليس لما زين لهم العجل ، فعبدوه من دون الله ، وهارون علیه السلام يؤنبهم تارة ، ويغلظ عليهم تارة أخرى ، ويعظهم ثالثة ، إلا أن هؤلاء أبوا الامتثال وأصروا على جهلهم وعنادهم ... فترى أن الغلو برز بذريعة شخص واحد الذي صنع لهم العجل وما فيه من خوار.
ثم أن النصارى عبدوا المسيح وأمه الصديقة مريم ، والحواريون يمنعونهم من ذلك ، ولكن أنّي لهم الزجر وقد شاهدوا المعجزات تظهر على يده في إبراء الأكمه والأبرص والأعمى؟! فكانت تلك المعجزات سبباً واضحاً في غلوهم.
إن تلك المشاهدات الباهرات سلبت توازن النصارى حتى صيروا المسيح علیه السلام ابن الله ، تعالى الله عما يشركون.
هذا النوع من الغلو سببه الإعجاب الشديد والحب الأعمى البعيد عن أسس التفكير والتعقل ..
وهكذا شأن الأمم الاخرى ، قد تضل عن الطريق عندما تتوسل بالأمور المادية أو الأفراد دون الاتجاه إلى خالقها والإنقطاع إليه.
ففي أواخر القرنين الأول للهجرة والثاني منه برزت الزندقة ، وظهرت معالم الفساد في الدولة العباسية واستحوذت المادة والشهوات على النفوس ، مما أوجدت أشخاص يشعرون بالنقص وآخرين يحملون عقداً نفسية ، وأمزجة بعيدة عن روح الإسلام وتعاليمه السامية. فاختلقوا بعض الأساطير والتراهات ، وزينوا للناس هذا الإنحراف حتى استطاعوا أن يكسبوا طائفة منهم تسير وفق تعاليمهم وتخضع لإرادتهم ، فالبعض إتبعهم لمصلحة ما ، ولبعض الآخر سلك معهم لضعف عقلي ، أو يقص في نفسه.
فجدير بنا أن ندرس هذه الظاهرة على ضوء القرآن الكريم والسنة المباركة حتى يقف القارئ الكريم على الأجواء التي نشأ فيها الغلو ، والعوامل المساعدة على ذلك ، وموقف أهل البيت منه.
وقبل أن نلج في صلب الموضوع نمهد للبحث مدخلاً يوضح بعض المصطلحات والمفاهيم.
المؤلف
الدكتور عبد الرسول الغفار
بيروت
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل أن نلج في بحث ( تاريخ الغلو ) كان لزاماً على كل مسلم يطلب الحقيقة أن يبحث عن الفرقة الناجية التي هي واحدة من بين ثلاث وسبعين فرقة ، كما أشار إليها الرسول صلی الله علیه و آله ، ولا بد أن يهتدي المرء إلى العقيدة الصحيحة ويمسك بعراها بعدما يقوم الدليل من الكتاب والسنة على موفقتها لأصول الشريعة ومبدأ التوحيد وما يستتبع ذلك من الأمور العبادية ..
لقد تكاثرت الأهواء ، وتعددت الطرق وذهب المسلمون شيعاً وطوائف بيد أن الرسول لم يرحل عنهم إلا وقد خلف بينهم الثقلين ؛ كتاب الله والعترة الطاهرة وأوصاهم في التمسك بهما وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض ..
ولكن - وفي غاية الأسف - لم يع المسلمون هذه الوصية التي فيها سعادتهم وخلودهم إلى النعيم ، بل ذهبت الأطماع والأهواء الشخصية كل مذهب وأخذ من كان في قلبه مرض يزور الحقائق ويختلق الأحاديث ويدذب على الله وعلى الرسول صلی الله علیه و آله غير مكترث بالعواقب وسوء المنقلب ، فظهرت الأحزاب وتعددت المذاهب ، وكثرت الطوائف والفرق وبرزت البدع ، حتى أصبح التفكير ديدن المنحرفين عن الصراط المستقيم ، فذهبت في عرض ذلك التخبط نفوس بريئة وأزهقت الأرواح واستبيحت الحرمات وغصبت الحقوق ونال كل طائفة الويل والثبور ، حتى تقهرت بعضها فاندثرت وكتب لبعضها الآخر الدوام والاستمرار إما لظروف سياسية أو لعوامل اقتصادية أو لرعاية إلهية خاصة ..
أقول قبل الخوض في غمار الحديث لا بد من الوقوف على بعض المفردات فنعرف شيئاً من معانيها اللغوية ثم ما أريد بها في المعنى الاصطلاحي ولو بصورة موجزة ، ومن هذه المفردات هي :
كلمة الحزب ، المذهب ، والفرقة ، والمشايعة ، والدين ، والملة.
الحزب : الصنف من الناس : أو الطائفة ، والأحزاب : الطوائف التي تجتمع على محاربة الأنبياء : وقال ابن الأعرابي الحزب الجماعة والأحزاب : جنود الكفار تألبوا وتظاهروا على حزب النبي وهم : قريش وغطفان وبنو قريظة قوله تعالى : ( يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب ) ، والأحزاب هنا قوم نوح وعاد وثمود ومن أهلك بعدهم ، أما الأحزاب الذين اجتمعوا على محاربة الرسول صلی الله علیه و آله هم قبائل العرب في يوم الخندق ، وكانت قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من الأحابيش ومن كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وغطفان في ألف وهوازن وبني قريضة والنضير وحزب الرجل أصحابه وجنده الذين على رأية.
والمنافقون والكافرون حزب الشيطان ، وهم جنوده وكل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب وإن لم يلق بعضهم بعضاً بمنزلة عاد وثمود وفرعون أولئك الأحزاب.
وكل حزب بما لديهم فرحون : كل طائفة هواهم واحد.
والحزب الورد في صلاة وقراءة وتنفل.
والحزب النصيب أو القسم والجزء ، ومنه الحزب من القرآن وفي الحديث : طرأ علي حزبي من القرآن فأحببت أن لا أخرج حتى أقضيه. وفي حديث أوس بن حذيفة : سألت اصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله كيف تحزبون القرآن؟
وحازب القوم وتحزبوا : تجمعوا وصالوا أحزاباً ( وهزم الأحزاب وحده ) لما كان يوم الخندق والمسلمون أقل عدة وعدداً من الكافرين أرسل سبحانه وتعالى على الأحزاب ريح الصبا في ليلة شاتية فأحصرتهم وحفت التراب في وجوههم وأطفأت النيران وكفت القدور وقلعت الأوتاد وبعث ألفاً من الملائكة في ذوائب عسكرهم فماحت الخيل بعضها في بعض وقذف في قلوبهم الرعب فانهزموا من غير قتال (1).
أقول بعد معرفتنا لمدلول الكلمة لفة ، ونشير إلى أن الاستعمال الاصطلاحي أصبح اليوم مقروناً بالجانب السياسي ، فمجرد أن نطلق كلمة حزب سرعان ما يتبادر إلى الذهن المفهوم السياسي.
1) انظر مادة حزب من لسان العرب ومجمع البحرين 1/ 308
المذهب المتوضأ ، المكان الذي يذهب إليه لقضاء حاجته - موضع الغائط - ويسمى أيضاً الخلاء والمرحاض والمرفق. قاله الكسائي.
وفي الحديث ان النبي صلی الله علیه و آله كان إذا أراد الغائط أبعد في المذهب ، وهو مفعل من الذهاب.
قال الزبيدي : ومن المجاز المذهب المعتقد الذي يذهب إليه وذهب فلان لذهبة أي لمذهبه الذي يذهب فيه ، والمذهب الطريقة ، يقال ذهب فلان مذهباً حسناً أي طريقة حسنة. والمذهب الأصل.
والمذهب بالضم الشيء المطلي بالذهب (1).
والذهب : المعدن ، معروف.
ولما عرفت من اللغة أن المذهب يراد به المعتقد الذي يذهب إليه ، فهذا الاستعمال يرد كذلك في الاصطلاح لكنه يشمل الحوانب السياسية والفقهية والاقتصادية وغيرها بيد أن أكثر ما يستعمل في الجانب الفقهي عند المسلمين ، وفي الجانب الاقتصادي عند الماديين.
1) انظر لسان العرب لابن منظور مادة ذهب وتاج العروس لمرتضى الزبيدي 1/ 257.
الفرق :
قوله تعالى : ( فيها يفرق كل أمر حكيم ) (1)أي يقدر في ليلة كل شيء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل من خير أو شر أو طاعة أو معصية أو مولود أو رزق عما قدر في تلك الليلة وقضي فهو المحترم.
وقوله تعالى : ( وقرآناً فرقناه ) (2)تفرأ بالتخفيف أي بيناه وهو من فرق يفرق وتقرأ بالتشديد أي أنزلناه مفرقاً.
الفرق بمعنى الفلق قوله تعالى : ( فرقنا بكم البحر ) (3)أي فلقنا بكم.
والفرقان : القرآن ويوم الفرقان : يوم بدر ، وعن الفراء يوم الفتح والفريق الطائفة قوله تعالى : ( فريق منهم ) أي طائفة منهم وقوله تعالى : ( فريقاً من أموال الناس ) أي طائفة. وقوله تعالى : ( مثل الفريقين كالأعمى (4)والأصم ) أراد بهما المؤمنين والكفار.
والفارقات : الملائكة قوله تعالى : ( فالفارقات فرقا )(5)الملائكة تنزل تفرق ما بين الحلال والحرام.
والفارق الذي يفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام وفي قول أمير المؤمنين علیه السلام :
« أنا الفاروق الأعظم » فالفارق اسم سمي به علي علیه السلام وربما انتحله غيره.
وفرق - بالتخفيف - للصلاح فرقاً وبالتشهيد فرق للإفساد تفريقاً والتفرق والافتراق شيء واحد ، ومنهم من يجعل التفرق للأبدان والافتراف في الكلام والفرق والفرقة والفريق الطائفة من الشيء المتفرق والفرقة : طائفة من الناس ، والفريق أكثر منه.
والفرقان القرآن. وكل ما فرق به بين الحق والباطل فهو فرقان قوله تعالى ( وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان ) (1)كل ما يفرق بين الحق والباطل.
وقيل الفرقان : الحجة ، والنصر قوله تعالى : ( وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان ) (2)أي يوم بدر ( وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون ) يمكن حملها على النصر بمناسبة لعلكم تهتدون وقوله تعالى : ( ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء ) (3).
فسمي جل ثناؤه الكتاب المنزل على النبي محمد صلی الله علیه و آله فرقانا وسمي الكتاب المنزل على موسى وهارون علیهماالسلام فرقانا (4).
وقال الراغب : الفرق مقارب الفلق لكن الفلق يقال اعتباراً بالانشقاق والفرق يقال اعتباراً بالانفصال قوله تعالى : ( فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ) (5)، والفريق الجماعة المتفرقة عن آخرين قوله تعالى : ( وإن منهم
لفريقاً يلوون السنتهم بالكتاب ) (1).
( فريق في الجنة وفريق في السعير ) (2)، ( إنه كان فريق من عبادي ) ، ( أي الفريقين .. ) ( وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم ) (3)، ( وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق ) (4). وفريقاً يفرق بين الإشياء أي يفصل بينهما قوله تعالى : ( وقرآنا فرقناه ) أي بينا فيه الأحكام وفصلناه ، وقيل فرقناه أي أنزلنا مفرقاً ، والتفريق أصله للتكثير ، ويقال ذلك في تشتيت الشمل قوله تعالى : ( يفرقون به بين المرء وزوجه ) (5)، ( وفرقت بين بني إسرائيل ) ، ( لا نفرق بين أحد من رسله ) ، ( إن الذين فرقوا دينهم ) .
والفرق والمفارقة تكون بالأبدان أكثر قوله تعالى : ( هذا فراق بيني وبينك ) (6)، ( وظن أنه الفراق ) (7)أي غلب على قلبه أنه حين مفارقته الدنيا بالموت.
( ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ) (8)أي يظهرون الإيمان بالله ويكفرون بالرسل خلاف ما أمرهم الله به.
ويوم الفرقان أي اليوم الذي يفرق فيه بين الحق والباطل وبين الحجة والشبهة : قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ) أي نوراً وتوفيقا على قلوبكم ويفرق به بين الحق والباطل (9).
وقال الزبيدي : والفرق الطريق في شعر الرأس ، والمفرق وسط الرأس ومن الطريق الموضع الذي يتشعب منه طريق آخر.
وقد جعل البعض التفرق للأبدان والافتراق في الكلام ، وفي الحديث البيعان بالخيار ما لم يفترقا قال متمم بن نويره يرثي أخاه مالكاً :
فلما تفرقنا كأني ومالكاً *** لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وتفارق القوم فارق بعضهم بفضاً وفارق فلان امرأته مفارقة وفراقاً باينها وذلك مأخوذ من الفرقة بالضم (1).
ولو تجاوزنا المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي لرأينا المعنى هنا مساوق للغة أيضاً ، بحيث يراد من الفرقة هي الطائفة أو المجموعة من الناس الذي يجمعها هوى واحد وعقيدة واحدة لذا استعمالها في الجانب العقيدي أكثر من بقية الاستعمالات إن صحت.
إلا أن افتراق الأمة وانشعابها إلى طوائف واتجاهات مختلفة متناحرة كل واحدة منها قد سلكت واد متمسكة بما يحلو لها من الأوهام والعقائد ، إنه عمل أضعف الجامعة الإسلامية وقادها إلى الذل والهوان وجعل المسلمون أشبه ما يكون بحالة الفريسة أمام عدوها الكاسر الغاشم. وقد حذر الرسول صلی الله علیه و آله من هذه العاقبة التي ستؤول بالمسلمين ، إليك بعض تلك الأخبار :
قال صلی الله علیه و آله : ليأبين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حدو النعل بالنعل.
وقال صلی الله علیه و آله : إن بني إسرائيل تفرقت على اثنين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة.
وقال أمير المؤمنين علیه السلام : لتفترق هذه الأمة على ثلاثة وسبعين فرقة والذي نفسي بيده إن الفرق كلها ضالة إلا من اتبعني وكان من شيعتي (2).
الشيع : مقدار من العدد كقولهم أقمت عنده شهراً أو شيع شهر.
واشيعة : القوم الذين يجتمعون على الأمر. وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع.
قال الأزهري : معنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضاً وليس كلهم متفقين ثم استشهد بالآية الكريمة : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ) قال : كل فرقة تكفر الفرقة المخالفة لها ، يعني به اليهود والنصاري لأن النصاري بعضهم يكفر بعضاً ، وكذلك اليهود بعضهم يكفر بعضاً.
ثم النصاري تكفر اليهود ، واليهود تكفرهم.
والشيع الفرق أي يجعلكم فرقاً متخلفين قوله تعالى : ( أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض ) (1)وأما قوله تعالى : ( وإن من شيعته لإبراهيم ) (2)قال ابن الأعرابي الهاء - من شيعة - لمحمد صلی الله علیه و آله أي إبراهيم خبر مخبره فاتبعه ودعا له. وقال الفراء : يقول هو على منهاجه ودينه وإن كان إبراهيم سابقاً له ، وقيل معناه أي من شيعته نوح ومن أهل ملته. قال الأزهري وهذا القول أقرب لأنه معطوف على قصة نوح.
أقول وما ذكره الفراء والأزهري حسب ظهور الآية أن إبراهيم من شيعة نوح علیه السلام وهذا قول ويعني أنه على منهاجه وسنته في التوحيد والعدل واتباع الحق وأيضاً هذا عن مجاهد.
وقول ثان إن من شيعة محمد صلی الله علیه و آله إبراهيم كما قال تعالى : ( أنا حملنا ذريتهم ) (3)أي من هو أب لهم فجعلهم ذرية وقد سبقوهم. وهذا عن الفراء.
ثم روي عن النبي صلی الله علیه و آله أنه جلس ليلاً يحث أصحابه في المسجد فقال : يا قوم إذا ذكرتم الأنبياء الأولين فصلوا عليهم ، وإذا ذكرتم أبي إبراهيم فصلوا عليه ثم صلوا عليّ.
قالوا يا رسول الله بما نال إبراهيم ذلك؟
قال : اعلموا أن ليلة عرج بي إلى السماء فرقيت السماء الثالثة نصب لي منبر من نور فجلست على رأس المنبر وجلس إبراهيم تحتي بدرجة وجلس
جميع الإأنبياء الأولين حول المنبر فإذا بعلي قد أقبل وهو راكب ناقة من نور ووجهه كالقمر وأصحابه حوله كالنجوم فقال إبراهيم يا محمد هذه أي نبي معظم وأي ملك مقرب؟
قلت : لا نبي معظم ولا ملك مقرب هذا أخي وابن عمي وصهري ووارث علمي علي بن أبي طالب.
قال : وما هؤلاء الذين حوله كالنجوم؟
قلت : شيعته. فقال إبراهيم : اللهم اجعلني من شيعة علي. فأتى جبرائيل بعده ( وإن من شيعته لإبراهيم ).
الشيعة : الاتباع والأعوان والأنصار مأخوذ من الشياع. وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة ثم صارت جماعة مخصوصة.
وقال الزجاج : والشيعة : اتباع الرجل وأنصاره وجمعها شيع ، وأشياع جمع الجمع ويقال شايعه كما يقال والاه من الولي ، ومنه شيعة الرجل ، وفي الحديث : القدرية شيعة الدحال أي أولياؤه وأنصاره وأصل الشيعة الفرقة من الناس ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بافظ واحد ومعنى واحد.
قال الطبرسي : الشيعة الجماعة التابعية لرئيس لهم ، وصار بالعرف عبارة عن شيعة علي بن أبي طالب علیه السلام الذين كانوا معه على أعدائه وبعده مع من قام مقامه من أبنائه وروى ابو بصير عن أبي جعفر علیه السلام قال ليهنكم الاسم قلت وما هو قال الشيعة قلت إن الناس يعيرننا بذلك قال أما تسمع قول الله سبحانه وتعالى : ( وإن من شيعته لإبراهيم ) [ الصافات 83 ] وقوله : ( فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ) (1).
قال ابن منظور : وقد علب هذا الاسم على من يتولى علياً وأهل بيته رضوان الله عليهم أجمعين حتى صار لهم اسماً خاصاً فإذا قيل : فلان من الشيعة عرف أنه منهم. وفي مذهب الشيعة كذا أي عندهم واصل ذلك من المشايعة ، وهي المتابعة والمطاوعة. انتهى.
1) سورة القصص ، الآية : 15.
وقال الأزهري : والشيعة قوم يهوون هوى عترة النبي صلی الله علیه و آله ويوالونهم.
والاتباع الأمثال قوله تعالى : ( كما فعل بأشياعهم من قبل ) (1)أي بأمثالهم من الأمم الماضية ومن كان مذهبه مذهبهم وقوله : ( ولقد أهلكنا أشياعكم ) [ القمر آية 51 ] أي أشباهكم ونظراءكم في الكفر.
والشيعة الفرقة وبه فسر الزجاج قوله تعالى : ( ولقد أرسانا من قبلك في شيع الأولين ) (2)أي في فرقهم وطوائفهم.
وقوله تعالى : ( ثم لننزعن من كل شيعة ) [ مريم آية 69 ] أي من كل فرقة.
وقد عرفت أن أصل الشيعة الفرقة من الناس ثم غلبت التسمية على كل من يوالي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قولاً وعملاً.
وفي الحديث : ( طال ما اتكؤوا على الأرائك وقالوا نحن من شيعة علي ) ولعل هذا الحديث وأضرابه مما يقتضي بظاهره نفي الاسم عمن ليس فيهم أوصاف مخصوصة زيادة على المذكر المتعارف مخصةص بنفس الكمال من التشيع.
وتشيع الرجل : إذا ادعى دعوى الشيعة (3).
قال ابن خلدون : اعلم أن الشيعة لغة هم الصحب والاتباع ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف على اتباع علي وبينه رضي الله عنهم (4)انتهى.
أقول بعدما استقرينا بعض آيات من الذكر الحكيم في شأن استعمال كلمة شيعة بمعنى الجماعة أو الطائفة أو الفرقة والاتباع.
أقول جاءت نصوص كثيرة حتى بلغت حد التواتر ، كلها تؤكد ان المصطلح الذي خصص بمن والى علياً وأبناءه إنما صدر من صاحب الرسالة وفي الأيام الأولى من دعوته المباركة نذكر بعض الأحاديث.
1 - روى الزمخشري في ربيع الابرار عن النبي صلی الله علیه و آله أنه قال يا علي إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله وأنت أخذت بحجزتي ، وأخذ ولذك بحجزتك وأخذ شيعة ولدك تحجزهم فنرى اين مؤمر بنا (1).
الأخذ بالحجزة كناية عن شدة الاعتصام والمبالغة في الاتباع.
2 - قال العلامة الكنجي في التذكرة ص 22 ط النجف بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : كنا عند النبي صلی الله علیه و آله فأقبل علي بن أبي طالب. فقال صلوات الله عليه قد أتاكم أخي ثم التفت إلى الكعبة فضربها بيده ثم قال : والذي نفسي بيده أن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة .. الحديث ثم قال : ونزلت الآية : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ) [ البينة آية 7 ].
3 - قال ابن حجر العسقلاني في صواعقة : وأخرج الحافظ جمال الدين الزرندي عن ابن عباس أن هذه الآية وهي قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ) (2)لما نزلت قال صلی الله علیه و آله هو أنت وشيعتك تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ويأتي عدوك غضابى مقمحين. وبلفظ مقارب له نقله السيوطي في الدر المثور ومقارب له في النهاية لابن الأثير ومما أورده ابن حجر في فضل أهل البيت : قوله تعالى : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) [ الضحى آية 5 ] قال وأخرج أحمد في المناقب أنه صلی الله علیه و آله قال لعلي : أما ترضى أنك معي في الجنة والحسن والحسين وشيعتنا عن ايماننا وشمائلنا.
وأخرج الدارقطين عن النبي قال : يا أبا الحسن أما إنك وشيعتك في الجنة.
وأخرج ابن مردويه عن علي علیه السلام قال رسول الله صلی الله علیه و آله : أما تسمع قول الله : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصاحات أولئك هم خير البرية ) أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب تدعون غداً غراً محجلين (3).
4 - وفي مناقب ابن المغازلي بسنده عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً لا حساب عليهم ، ثم التفت إلى علي علیه السلام فقال : هم من شيعتك وأنت إمامهم ص 292.
وقد عرفت مما ذكرناه لك من الاستعمال اللغوي أن الشيعة والمشايعة بمعنى الموالاة والمتابعة وإن إأول من والى علياً وتابعه هم جل الصحابة وفي حياة الرسول. لنذكر في المقام شاهداً واحداً من بين عشرات الشواهد :
5 - قال محمد كرد علي في خططه : عرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة علي في عصر رسول الله صلی الله علیه و آله مثل سلمان الفارسي القائل : بايعنا رسول الله على النصح للسلمين والائتمام بعلي بن أبي طالب والموالاة له ، ومثل أبي سعيد الخدري الذي يقول : أمر الناس بخمس فعملوا بأربع وتركوا واحدة ، ولما سئل عن الأربع قال : الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان والحج.
قيل فما الواحدة التي تركوها؟ قال : ولاية علي بين أبي طالب.
قيل له : وإنها لمفروضة معهن قال : نعم هي مفروضة معهن ، ومثل أبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت وأبي أيوب الأنصاري ، وخالد بن سعيد بن العاص ، وقيس بن سعد بن عبادة.
ثم أردف المصنف قائلاً : وأما ما ذهب إليه بعض الكتاب من أن أهل مذهب التشيع من بدعة عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء ، فهم وهم ، وقلة معرفة بحقيقة مذهبهم ، ومن علم منزلة هذا الرجل عند الشيعة وبراءتهم منه ومن أقوله وأعماله وكلام علمائهم في الطعن فيه بلا خلاف بينهم علم مبلغ هذا القول من الصواب لا ريب في أن أول ظهور الشيعة كان في الحجاز بلد التشيع ..
وقال وفي دمشق يرجع عهدهم إلى القرن الأول للهجرة (1).
1) مناقب ابن المغازلي ص | 292.
أقول فيه عدة معان ، ويمكن أن نوجوها بما يلي :
الدَّينُ : الجزاءُ والمكافأة. ودنته بفعله ديناً : جزيته.
وقيل الدَّينُ المصدرُ ، والدِّينّ - بالكسر - الإسم ، ويوم الدين : يوم الجزاء. وفي المثل السائر : كما تدين تدان أي كما تجازي تجازى ، أي تجازى بفعلك وبحسب ما عملت وقيل : كما تفعل يفعل بك.
ودانه ديناً أي جازاه.
وقوله تعالى : « إنا لمدينون » أي مجزيون محاسبون ؛ ومنه الديان في صفة الله عز وجل.
والدِّين : الحسابُ ، وفيه قوله تعالى : ( مالك يوم الدين ) [ الحمد آية 4 ] وقوله تعالى ( ذلك الدين القيم ) [ التوبة آية 36 ].
أي ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوى.
والدِّينُ : الطاعة. وقد دنته ودنت له أي أطعته يقال دان بكذا ديانة وتدين به فهو دين ومتدين.
والدِّينُ : الإسلام وقد دنت به. وفي حديث امير المؤمنين علیه السلام : محبةُ العلماء دين يدان به.
والدّينُ : العادة والشأن ، تقول العرب ما زال ذلك ديني وديدني ، أي عادتي.
ثم الدين لله هو طاعته والتعبد له. ودانه ديناً أي أذله واستعبده.
من هنا نعرف أن كلمة دان الرجل إذا اعتاد خيراً أو شراً ، ودان إذا أصابه الدين ، وهو داءٌ.
ومن معاني الدين : ما يتدين به الرجل. والدين : السلطان. والدينُ : الورعُ. والدينُ : القهرُ. والدينُ : المعصية. والدينُ : الطاعة.
وقد جاء في الحديث ما يخص الخوارج : أنهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرّمية ، يريد أن دخولهم في الإسلام ثم خروجهم منه لم يتمسكوا منه بشيءٍ كالسهم الذي دل في الرمية ثم نفذ فيها وخرج منها ولم يعلق به منها شيء.
قال الخطابي : يمرقون من الدين : يعني يخرجون من الطاعة ، أي من طاعة الإمام المفترض الطاعة وينسلخون منها (1).
الملَّة : الشريعة والدين ، وفي الحديث : لا يتوارث أهل ملتين ؛ الملَّة : الدين كملة الإسلام والنصرانية واليهودية ، وقيل : هي معظم الدين ، وجملة ما يجيءُ به الرسل وتملل وامتلَّ : دخل في الملّة.
وفي القرآن الكريم : ( حتى تتبع ملتهم ) [ البقرة آية 120 ] قال أبو إسحاق : الملّة في اللغة وسنتهم وطريقهم (2).
تعريف الغلو
نشوء الغلو وأسبابه
حد الغلو وأقسامه في الألوهية والنبوّة
الغلو لغة : الإرتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء ، وغلا فلان في الدين والأمر يغلو غلواً : جاوز حده.
في التهذيب : وقال بعضهم فلوت في الأمر غُلُوَّاً وغلانية وغلانياً إذا جاوزت فيه الحد وأفطرت فيه.
وبهذا المعنى ورد النهى في القرآن الكريم ، قوله تعالى : ( لا تغلو في دينكم ) [ النساء آية 171 ] أي لا تجاوزوا الحد.
وفي الحديث : ( لا تغلوا في صداق النساء ).
وفي الحديث أيضاً : ( كونوا النمرقة الوسطى يرجع إليكم الغالي ويلحق بكم التالي ) (1).
وفي الحديث أيضاً : ( حامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه ).
اصطلاحاً : هو مجاوزة الحد المعقول والمفروض ، في العقائد الدينية والواجبات الشرعية ، والغالي - عند الشيعة الإمامية - من يقول في أهل البيت (علیهم السلام) ما لا يقولون في أنفسهم كما يدعون فيهم النبوة والألوهية.
وفي الخبر : ( أن فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً ينفون عنا تحريف الغالين ) أي الذين لهم غلو في الدين ، كالنصيرية والمبتدعة ونحوهم.
1) خطط الشام 5 | 251 وما بعدها.
والغلاة هم الذين يغالون في علي ويجعلونه رباً ، والتخميس عندهم - لعنهم الله - وهو أن سلمان الفرسي ، والمقداد وأبا ذر وعمار وعمر بن أمية الضمري ، هم الموكلون بمصالح العالم عن علي علیه السلام وهو رب (1).. قاتلهم الله.
الغلو ظاهرة غير طبيعية ناتجة من الفساد في العقيدة ، ومرد هذا الفساد إلى عدم فهم الدين والابتعاد عن حقيقة العبودية لله والإنبهار بكرامات المخلوق دون معجزات الخالق .. وهذه الظاهرة كانت في الأمم السابقة والقرآن الكريم يدلل على ذلك - مثلاً - في أمة عيسى علیه السلام عندما ألهوا نبيهم ، قال تعالى : ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ) [ النساء آية 171 ] (2).
وقوله تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ) (3). وقوله تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) (4). وقوله تعالى : ( ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) (5).
وقوله تعالى : ( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل ) (6).
وقال تعالى : ( ما كان البشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كانوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) (7).
وآيات أخرى حذرت الناس من أن يتخذوا أنبيائهم أرباباً من دون الله سبحانه. ومع كل ذلك فما حدث في الأمم السالفة قد حدث مثله في الأمة الإسلامية.
جاء رجل إلى رسول الله صلی الله علیه و آله فقال : يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض؟ أفلا نسجد لك.
قال : لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ، ولكن اكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله (1).
قيل إن الذي سأله أبو رافع القرظي والسيد النجراني قالا : يا محمد أتريد أن تعبدك ونتخذك رباً ، فقال صلی الله علیه و آله : معاذ الله أن نعبد غير الله وأن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني.
بعدما عرفنا تعريف الغلو لغة ، واصطلاحاً ، وأنه صدر من أناس - في الأمم السابقة - فتجاوزوا فيه الحد المعقول في أنبيائهم ، كالذي حدث بين اليهود لمّا ادّعوا ( عزير ابن الله ) ، وفي الخبر أن عزيراً جال في صدره ذاك المعنى الذي قالوا فيه ، فمحا الله اسمه من قائمة النبوة (2).
وأما النصارى ، فقد عرفت من الآيات المتقدمة ، أنهم أشركوا بإدعائهم المسيح ابن مريم ابن الله ، تعالى الله عما يصفون ، وقد تبرأ عيسى علیه السلام ممن قال فيه بالربوبية فما هو إلا عبد مخلوق ورسول قد خلت من قبله الرسل.
1) البحار 25 | 262.
2) الكشي عن محمد بن مسعود ، قال : حدثني عبد الله بن محمد بن خالد ، عن علي ابن علي ابن حسان عن بعض أصحابنا رفه إلى أبي عبد الله علیه السلام قال : ذكر عنده جعفر ابن واقد ونفر من أصحاب أبي الخطاب ، فقيل : أنه صار إلى نمرود ، وقال فيهم : وه الذي في السماء إله وفي الأرض إله ، قال هو الإمام ، فقال أبو عبد الله علیه السلام لا والله لا يبني أباه سقف بيت أبداً ، هم شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا ، والله ما صغر عظمة الله تصغيرهم شيءً قط ، أن عزيراً حال في صدره ما قالت فيه اليهود ، فمحى الله اسمه من النبوة. 2 | 590.
وأما المسلمون فإنما يصدق الغلو على من يقول في النبي والأئمة بألوهيتهم أو بكونهم شركاء لله سبحانه في المعبودية أو كونهم يرزقون ويخلقون ، أو أن الله تعالى حل فيهم أو اتحد بهم ، أو أنهم يعلمون الغيب من غير وحي أو إلهام ، أو الاعتقاد بكونهم من القدم مع نفي الحدوث عنهم ، أو القول في الأئمة : أنهم كانوا أنبياء ، أو القول بتناسخ أرواح بعضهم إلى بعض ، أو القول بأن معرفتهم تغني عن جميع الطاعات والعبادات ولا تكليف مع تلك المعرفة أو القول بأن الله فوض إليهم أمر العباد بالتفويض المطلق وغير ذلك من العقائد التي تنقص من عظمة الخالق وقدرته وشأنه وإنزال المخلوق بمنزلته .. تعالى علواً كبيراً ، ثم القول بكل واحد من هذه خروج عن الدين وصاحبها كافر بإجماع الطائفة المحقة الاثنا عشرية كما أن الأدلة العقلية هي الأخرى تكفر أهل تلك المقالات والنحل. وإلى جانب هذا الغلو في النبي والأئمة : فإن هناك قصوراً عند بعض علماء الشيعة لما نسبوا الغلوا إلى القائلين بنفي السهو والنسيان عن النبي والأئمة فهذا تفريط في حق المعصومين : وانتقاص من قدرهم وحطاً من مكانتهم بل إن أوائل العلماء كالشيخ الصدوق وشيخه ابن الوليد 5 لم يقفوا على أحوال النبي أو الأئمة : ولم يعرفوا مكانتهم الحقة عند الله تعالى منزلتهم وشأنهم ودورهم في إبلاف الرسالة والحفاظ عليها وتنفيذ أحكامها ، بل جعلوهم كسائر الناس ، وهذا أمر غريب بل وفي غاية العجب والغرابة ...
بل واقتضى أثر القدامى بعض المعاصرين فأنكر ما لهم : من معاجز وكرامات ومناقب بحيث دهب به الركبان وقد شهد لها الموآلف والمخالف ، فهدا ابن بطوطة يشهد في رحلته - قبل ستمائة عام - ما للإمام تشملهم ، لذا قد شدوا لها الرحال من أقاصي بلاد الأعاجم وفيرها فقال : ( وأهل هذه المدينة كلهم رافضية وهذه الروضة ظهرت لها كرمات منها أن في ليلة السابع والعشرين من رجب تسمى عندهم ليلة المحيى يؤتى إلى تلك الروضة بكل مقعد من العراقين وخراسان وبلاد فارس والروم فيجتمع
منهم الثلاثون والأربعون ونحو ذلك فإذا كان بعد العشاء الآخرة جعلوا فوق الضريح المقدس والناس ينتظرون قيامهم وهم ما بين مصل وذاكر وتال ومشاهد الروضة فإذا مضى من الليل نصفه أو ثلثاه أو نحو ذلك قام الجميع أصحاء من غير سوء وهم يقولون : لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله. وهذا أمر مستفيض عندهم سمعته من الثقات ولم أحضر تلك الليلة لكني رأيت بمدرسة الضياف ثلاثة من الرجال أحدهم من أرض الروم والثاني من أصبهان والثالث من خراسان وهم مقعدون فاستخبرتهم عن شأنهم فأخبروني أنهم لم يدركوا ليلة المحيى وأنهم منتظرون أوانها من عام آخر .. )
أضف إلى ذلك الأخبار المستفيضة والمتواترة عنهم (علیهم السلام) في علو منزلتهم عند الله تعالى وكراماتهم ، منها قول الرسول صلی الله علیه و آله لعلي علیه السلام : لولا أني أخاف أن يقال فيك ما قالت النصارى في المسيح لقلت اليوم فيك مقالة لا تمر بملأ من المسلمين إلا أخذوا تراب نعليك وفضل وضوئك يستشفون به ، ولكم حسبك أن تكون مني وأنا منك ترثني وأرثك (1).
وفي الخرائج بإسناده عن ابن أبي عمير عن علي بن الحكم عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله علیه السلام قال : أتى الحسين علیه السلام أناس فقالوا له : يا أبا عبد الله حدثنا بفضلكم الذي جعل الله لكم فقال : إنكم لا تحتملون ولا تطيقون ، فقالوا بلى نحتمل ، قال : إن كنتم صادقين فليتنجّ اثنان وأحدّت واحداً فإن احتمله حدثكم فتنحي اثنان وأحدث واحداً فإن احتمله حدّثكم فتنحى اثنان وحدّت واحداً فقام طائر العقل ومرّ على وجهه وكلمه صاحباه فلم يرد عيلهما شيئاً وانصرفوا (2).
وبنفس الإسناد قال : أتى رجل الحسين بن علي علیه السلام فقال : حدثني بفضلكم الذي جعل الله لكم ، فقال : إنك لن تطيق حمله ، قال بلى حدثني يا ابن رسول الله إني أحتمل ، فحدثه بحديث فما فرغ الحسين علیه السلام من حديثه حتى ابيض رأس الرجل ولحيته وأنسى الحديث فقال .
الحسين علیه السلام : أدركته رحمة الله حيث أنسى الحديث (1).
وفي الكافي بإسناده عن جابر قال : قال أبو جعفر علیه السلام قال رسول الله صلی الله علیه و آله : إن حديث آل محمد صعب مستصعب لا يؤمن إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن قلبه للإيمان ، فما ورد عليكم من حديث آل محمد صلی الله علیه و آله فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه وما اشمأزت منه قلوبكم وأنكرتموه فردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى العالم من آل محمد وإنما الهلاك أن يحدث أحدكم بشيء منه لا يحتمله فيقول : والله ما كان هذا والله ما كان هذا ، والإنكار هو الكفر (2).
محمد بن يعقوب بإسناده عن مسعدة بن صدقة ، عن أبي عبد الله علیه السلام قال : ذكرت التقية يوماً عند علي بن الحسين علیه السلام فقال : والله لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله ولقد آخا رسول الله صلی الله علیه و آله بينهما ، فما ظنّك بسائر الخلق ، إن علم العلماء صعب مستصعب ، لا يحتمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرب أو عبد مؤمن امتحن قلبه للإيمان ، فقال : وإنما صار سلمان من العلماء لأنه امرء منا أهل البيت ، فلذلك نسبته إلى العلماء (3).
وقد ورد عنهم علیه السلام لا تقولوا فينا رباً وقولوا ما شئتم ولن تبلغوا. إلى غير ذلك من الأخبار والأحاديث المستفيضة المتواترة التي دلت على عظمة منزلتهم عند خالقهم فكيف سمحت لأولئك عقولهم أن يذكروا مقامهم العلي ونور فضلهم الجالي ..؟!
كيفما كان سوف نفصل في قسمين :
الأول : في حد الغلو الذي عرفته فيما سبق وهو القدر المتيقن كالمختصات بالباري سبحانه فتنسب لغيره ، أو المختصات بالنبي فتنسب إلى الأئمة (علیهم السلام) فهذا التجاوز عن الحد الطبيعي نطلق عليه بالغلو ، وسيأتي التفصيل قريباً إن شاء الله.
كما سيكون التفصيل الثاني : فيمن نسب القائلين بنفي السهو عن النبي والأئمة إلى الغلو حيث ستعرف ان نفي السهو عن النبي والآئمة : هو نشوء الغلو وأسبابه.
المجتمع الذي انتشر فيه الإسلام خلال القرن الأول الهجري هو المجتمع العربي في الجزيرة العربية وما والها من الأراضي المجاورة كالبصرة والكوفة واليمن والبحرين ثم مصر والشام ، ثم سائر البلدان بعد ذلك ، ولا يخفى أن تلك المجتمعات قبيل مجيء الإسلام كانت تعيش حالة من الاضطراب والغزو والنهب والفتك والفساد ، فالنازعات الشخصية والعصبية القبلية والأطماع المادية والمجون واللهو واللعب والسلب كل ذلك كان هو السائد في بلاد العرب وكانت قريش تتوسط هذه القبائل وهي الوحيدة احتفظت بميزات لم تكن لغيرها لما لها من شرف وسؤدد وسيادة.
ولما أصبح الإسلام قوياً واتسعت رقعته ، وأنذر الرسول بالرحيل إلى الرفيق الأعلى ، جعل النبي صلی الله علیه و آله الأمير والخليفة من بعده الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام فوكل إليه قيادة المسلمين لأنه وصيه وخليفته من بعده يؤدي عنه دينه وينجز له مواعيده (1). إلا أن هذا الجعل من قبل النبي صلی الله علیه و آله لوصيّه علي بن أبي طالب علیه السلام لم تطب له نفوس بعض الصحابة ، إذ لم يرق لهم أن يروا علياً خليفة عليهم فما كانوا يتحملوا النبوة والخلافة في بني هاشم ...
لهذا طمع بالخلافة بعيد وفاة الرسول وقبل تجهيزه كل من المهاجرين
1) الأحاديث في ذلك كثيرة جداً بلفت حد الشهرة والتواتر منها ما كان في غدير خم ، ومنها حديث الثقلين ، ومنها حديث المنزلة ...
والأنصار وعلى رأسهم أبو بكر ، وعمر بن الخطاب ومن الأنصار سعد بن عبادة. فصدر منهم ما صدر وحدث الذي حدث في سقيفة بني ساعدة وحرفت وصية الرسول صلی الله علیه و آله وغصبوا الخلافة - والتي هي حق شري سماوي - من الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام لينقمصها الخليفة الأول ثم ليدلي بها إلى الثاني وهكذا شورى مفتعلة في ستة لينقهبها الثالث ...
في غضون ربع قرن على وفاة الرسول شهد العالم الإسلامي آنذاك صراع سياسي حاد بين كبار الصحابة ومن ثم بين كبار التابعين ليكون ثمرة هذا الصراع بشكيل اللّبنة الأولى للأفكار والعقائد التي برزت في خلافة أمي المؤمنين علي بن أبي طالب لتشكيل فيما بعد أبرز المذاهب والأحزاب السياسية آنذاك.
فالغلو في أية فكرة إنما ينشأ في الوسط الفكري المضطرب والمشوب بالذين أي في الوسط الذي يكون فيه صراع سياسي ديني وهذا ما حدث يوم وفاة الرسول صلی الله علیه و آله : يا محمد أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟ فقال صلی الله علیه و آله : معاذ الله أن نعبد غير الله وأن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني.
والذي سألاه أبو رافع القرظي والسيد النجراني.
فنشوء مثل هذا الغلو إنما يكون في المركز الدينية والسياسية أي مركز الخلافة الإسلامية وحواليها.
والدواعي البارزة إنما هي ظاهرة متلبسة باسم الدين ، والحقيقة إنما هي دواعي خفية ذات مصالح سياسية ، كما اتضح ذلك من قول أبي رافع القرظي والسيد النجراني وعمر بن الخطاب. وكل ذاك إنما كان في المدينة عاصمة الخلافة الإسلامية. (1)
1) سيأتي التفصيل في الصفحات القادمة إن شاء الله.
ولما انتقلت الخلافة إلى العراق وأصبحت الكوفة المركز الرسمي لخلافة أمير المؤمنين علي بي أبي طالب علیه السلام ، انتقل الصراع السياسي إلى هذا البلد وأصبح مركزاً مهماً لنشوء الأحزاب والمذاهب السياسية ومراكزاً للصراع الفكري والعقائدي والمذهبي ، ثم الأحداث السياسية الخطيرة التي واجهها الإمام أمير المؤمنين علیه السلام كانت لها دور كبير لنشوء أفكار وعقائد برزت منها معتقدات غالى أصحابها وشكلت منعطفاً خطيراً في تاريخ المسلمين.
فمن تلك الأحداث المهمة الحروب التي خاضها أمير المؤمنين علیه السلام ضد طلحة والزبير ، ومعاوية ، والخوارج ، فكانت الحروب الثلاثة المهمة ؛ حرب الجمل في البصرة ، وحرب صفين ، والنهروان هي الحروب التي خلقت معتقدات كثيرة منشؤها ذاك الاختلاف السياسي والصراع بين كبار الصحابة والتابعين ، والذي كان يدور خلافهم أولاً حول الخلافة والإمامة ثم تطور ليشمل تقديم الفاضل على المفضول أو بالعكس ، والخلاف في الحسن والقبح العقليين وهكذا الخلاف بين القيم والحادث وأمور أخرى مردها سياسي بحت.
إذن الكوفة والبصرة أصبحتا من المراكز المهمة في العالم الإسلامي إذ فيهما نشأت أهم الأحزاب السياسية والمذاهب الفكرية ، فالكوفة كانت علوية الهوى والبصرة كانت عثمانية المذهب.
ففي البصرة نشأت فكرة الاعتزال ، ونضجت فيها أفكار في الدين والسياسة والتي بعضها إلى الغلو أقرب.
وأما الكوفة ، فلم يستتب لها قرار بعد مقتل الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، وإنما أصبحت مركزاً عملياً كبيراً يجمع مختلف الطوائف والعقائد ، إلا أن أبرزها هو الفكر الأصيل المتمثل بخط أهل البيت (علیهم السلام). فاحتفظت بولائها للأئمة علیه السلام إلى جانب الإشعاع المذهبي الديني الذي كان يفذيه الإئمة المعصومين (علیهم السلام).
قد يتصور الباحث أن بإنتهاء الدولة الإسلامية الشرعية من الكوفة ستقوم مقامها دولة لقيطة في الشام يحكمها معاوية بن أبي سفيان ، ثم مصالحة الإمام الحسن عليه اسلام لمعاوية ، سوف تنتقل الاضطرابات السياسة والأحزاب من القراق - وبالخصوص الكوفة - إلى الشام .. إلا أن هذا التصور غير صحيح ، بل بقبت الكوفة والبصرة مركزاً لتلك المناوشات
الفكرية والسياسية والصراع الدموي الذي لم يشهد التاريخ له مثيلاً ...
ونوعز السبب الأول إلى الدولة الأموية نفسها ، ورغبة الحكام الأمويين كمعاوية ويزيد بن معاوية ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان ... إلى خلق أحاديث واعتعال أخبار ، والوضوع على الرسول وتقويل الصحابة لصالحهم السياسي ولتثبيت شرعية حكومتهم ودولتهم ، لهذا برز أبو هريرة من الصحابة كأول وضاع عرفه التاريخ الإسلامي.
ثم كثر الوضع في أحاديث الرسول وكثر الوضاعون عليه نصرة للحزب الأموي وعلى رأسهم عمرو بن العاص وأبو بردة عامر بن أبي موسى الأشعري ، والزهري محمد بن شهاب ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، وعروة بن الزبير ، وحريز بن عثمان ، وسيف بن عمر ، وعوانه بن الحكم الكوفي ، وغيرهم ...
وأهم شيء الذي حدث في خضم هذه الأجواء السياسية المتناحرة بسبب الأمويين ، هو ظهور حركة جديدة وليدة الفساد والتسيب السياسي ألا وهي حركة الزندقة في الكوفة ، ثم انتشرت في البصرة ، وبعدها في بغداد ، ثم اتسع نطاقها لتشمل بلاد فارس والصين وتركستان ...
وهذا هو الذي كان يطمح إليه حكام الدولة الأموية لنشر الفساد في أوساط المسلمين والفاحشة ، ليكون سبباً من أسباب التخدير الجمعي وعزل المجتمع عن السياسة والسلطة ، وتحكم الأمويين على الناس ، وقد حدث ...
وأول رجل بث فكرة الزندقة هو كعب الأحبار المعاصر لكبار الصحابة في صدر الإسلام كالخليفة أبو بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بي عفان ، وقد دخل كعب الأحبار والإسلام وأخذ يبث الأقاصيص والحكايات عن أسلافة اليهود والنصاري ، ولم يجد الخليفة الأول والثاني بد من رواج مثل تلك الأخبار والقصص المرتبطة بالأمم السالفة وهذا شأنه شأن تميم بن أوس الداري النصراني الذي سنحت له الفرصة أن يبث بين المسلمين أخبار اليهود والنصارى والحكايات والإسرائيليات كيفما شاء وذلك لما خصص له عمر بن الخطاب ساعة كل أسبوع يتحدث بها قبل صلاة الجمعة بمسجد الرسول. ولما جاء عثمان بن عفان سمح لتميم أكثر من قبل في التحدث فجعلها ساعتين ليومين في الأسبوع.
أما كعب الأحبار فكان دوره خطيراً لأن كبار الصحابة كعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان كانوا يسألونه عن مبدأ الخلق وقضايا المعاد وتفسير القرآن ، وما إلى ذلك من العقائد والمفاهيم الإسلامية ، وهكذا أخذ كعب الأحبار مجموعة من الصحابة مثل عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وأبي هريرة ، وأنس بن مالك ، وعبدالله بن الزبير ...
وأكثر من ذلك ، فإن معاوية استعمل النصارى وقرب الكثير منهم ، فهذا الشاعر النصراني الأخطل ، استعمله معاوية لهجاء الأنصار وأهل البيت (علیهم السلام) ، قال الجاحظ في البيان والتبيين في سبب تقرب الأخطل النصراني إلى معاوية :
إن معاوية أراد أن يهجو الأنصار لأن أكثرهم كانوا أصحاب علي بن أبي طالب ولا يرون رأي معاوية في الخلافة ، فطلب ابنه يزيد من كعب بن جعيل أن يهجوهم فأبى ذلك وقال : ولكني أدلل على غلام من نصارني ، كان لسانه لسان ثور لا يبالي أن يهجوهم فدلهم على الأخطل (1).
كيفما كان ، فإن الزندقة صادفت لها رواجاً عند بغض النفوس الطائشة وأهل الشذوذ وقد انتشرت في الكوفة والبصرة وشجع عليها بعض حكام الدولة الأموية كالوليد الثاني الأموي 125 - 126 ه- ومروان بن محمد ، تلميذ الجعد بن درهم لذا سمي مروان بن محمد الجعدي ت 132.
وروج للزندقة بعض الشعراء والأدباء كعبد الله بن المقفع 106 - 142 ه- ومطيع بن أياس الذي مات في خلافة الرشيد ، وبشار بن برد ، ويحيى بن زياد الحارثي ، وحماد عجرد وحماد الراوية وحماد بن الزبرقان النحوي وكان أغلب هؤلاء الشعراء والأدباء في الكوفة.
ذكر ابن قتيبة في طبقات الشعراء نصاً قال فيه :
كان في الكوفة ثلاثة يقال لهم الحمادون : حماد عجرد وحماد الراوية ، وحماد بن الزبرقان النحوي وكانوا يتعاشرون وكانوا كلهم يرمون بالزندقة (2).
أما من المتكلمين فانتشرت الزندقة بترويج عبد الكريم بن أبي
العوجاء ، الذي أثار التشكيك في كل لامعتقدات الإسلامية وبين الأحداث من المسلمين حتى أنه كان يستهزئ بالحج والطواف ورمي الجمار ، وكان يسخرمن الصلاة وهكذا حتى وصل به الأمر أن يعلن كفره بالنبي وبالله وأمام الناس وفي مسجد الرسول صلی الله علیه و آله .
قال محمد بن سنان ، حدثني المفضل بن عمر قال : كنت ذات يوم بعد العصر جالساً في الروضة بين القبر والمنبر ، وأنا مفكر فيما خص الله تعالى به سيدنا محمد صلی الله علیه و آله من الشرف والفضائل ، وما منحه وأعطاه وشرفه وحباه مما لا يعرفه الجمهور من الأمة وما جهلوه من فضله وعظيم منزلته ، وخطير مرتبته فإني لكذلك إذ أقبل ابن أبي العوجاء فجلس بحيث اسمع كلامه فلما استقر به المجلس إذ رجل من أصحابه قد جاء فجلس إليه ، فتكلم ابن أبي العوجاء فقال : لقد بلغ صاحب هذا القبر العز بكماله ، وجاز الشرف بجميع خصاله. ونال الحظوة في كل أحواله ، فقال له صاحبه : إنه كان فيلسوفاً ادّعى المرتبة العظمى والمنزلة الكبرى ، وأتى على ذلك بمعجزات بهرت العقول ، وضلت فيها الأحلام ، وفاصت الألباب على طلب علمها في بحار الفكر ، فرجعت خاسئات هي حسّر ، فلما استحاب لدعوته العقلاء والفصحاء والخطباء ، ودخل الناس في دينه أفواجاً ، فقرن اسمه باسم ناموسه فصار يهتف به على رؤوس الصوامع ، في جميع البلدان والمواضع التي انتهت إليها دعوته ، وعلتها كلمته ، وظهرت فيها حجته براً وبحراً ، سهلاً وجبلاً في كل يوم وليلة خمس مرات مردداً في الأذان والإقامة ، ليتجدد في كل ساعة ذكره ، ولئلا يخمل أمره.
فقال ابن أبي العوجاء : دع ذكر محمد صلی الله علیه و آله فقد تحير فيه عقلي ، وضل في أمره فكري.
حدثنا في ذكر الأصل الذي نمشي له ...
ثم ذكر ابتداء الأشياء ، وزعم أن ذلك بإهمال لا صنعة فيه ولا تقدير ولا صانع ولا ندبر بل الأشياء تتكوم من ذاتها بلا مدبر ، وعلى هذا كانت الدنيا لم نزل ولا نزال (1)وللإمام الصادق علیه السلام عدة محاورات ومناظرات
1) توحيد المفضل 41.
حاسمة أفحم بها ابن أبي العوجاء ، وهكذا للمفضل بن عمر محاورات معه ولهذا السبب أملى الإمام الصادق عليه اسلام كتاب التوحيد على المفضل في أربعة مجالس في أربعة أيام (1).
أما ابن أبي العوجاء أخذ يتنقل في الأمصار والبلدان يبث فكره الإلحاد بين الناس حتى قبل في سنة 155 ه- على يد والي الكوفة محمد بن سليمان زمن أبي جعفر المنصور العباسي ، قال الطبرسي فيه :
ذكر أن محمد بن سليمان أتى في عمله على الكوفة بعبد الكريم بن أبي العوجاء وكان خال معن بن زائدة فأمر بحسبه ، قال أبو زيد فحدثني قثم ابن جعفر والحسين بن أيوب وغيرها ان سفهاءه كثروا في مدينة السلام ثم الحوا على أبي جعفر فلم يتكلم فيه إلا ظنين فامر بالكتاب إلى محمد بالكف عنه إلى أن يأبيه رأيه فكلم ابن أبي العوجاء أبا الجبار وكان منقطعاً إلى أبي جعفر ومحمد ثم إلى أبنائهما بعدهما فقال له : إن أخرني الأمير ثلاثة أيام فله مائة ألف ولك أنت كذا وكذا ، فاعلم أبو الجبار محمداً فقال أذكرتنيه والله قد كنت نسيته ، فإذا انصرفت من الجمعة فاذكرنيه ، فلما انصرف اذكره فدعا به وأمر بضرب عنقه ، فلما أيقن أنه مقتول قال : أما والله لئن قتلتموني لقد وضعت أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحلل فيها الحرام ، والله لقد فطرتكم في يوم صومكم وصومتكم في يوم فطركم فضربت عنقه (2)...
وفي لسان الميزان قال :
إنه كان في البصرة ، وصار في آخر أمره ثنوياً ، وكان يفسد الأحاداث ، فتهدده عمرو بن عبيد ، فلحق بالكوفة فدل عليه محمد بن سليمان والي الكوفة فقتله وصلبه (3).
أجواء كهذه تنتشر فيها الزندقة والأفكار الدخيلة ، ويبرز فيها التناحر العقائدي والصراع السياسي والمخاصمات المذهبية وتعدد الاحزاب إنها
أجواء مناسبة لظهور الغلو فيها ، فإن بيئة الكوفة والبصرة كانتا ملائمة جداً لنشوء كل فكرة لها مساس بالحياة السياسية آنذاك. وقد عرفنا بأن الغلو هو ظاهرة من ظواهر الفساد العقائدي والانحطاط الفكري الذي ينشأ في الوسط السياسي المضظرب وفي الأجواء التي تسودها النزاعات الدينية ، كما أنه نشأ في المراكز الحساسة من نقاط الدولة الإسلامية وبالذات في الكوفة والبصرة وبغداد اما الأمكان البعيدة عن مركز الخلافة والدولة فإن التأثير فيها أقل ، لبعدها عن الاضطرابات السياسية والنزاعات ...
وهذا يدّلل أن سبب نشوء الغلو في العقائد والأفكار الدينية إنما هو سبب سياسي بالدرجة الأولى.
ومن الأسباب الأخرى لنشوء الغلو :
ثانياً : الإنحراف في العقائد الدينية المتبناة في بدء الأمر.
ثالثاً : الأطماع الشخصية والنزوات الفردية.
رابعاً : الإنحراف الجنسي ، وهو من الأسباب المهمة لانتشار الغلو وذلك أن الكثير من المغالين كانوا مصابين إما بداء قوم لوط أو أنهم يبيحون نكاح المحارم أو أنهم يشتهون الغلمان وكل ذلك متولد من الشذوذ الجنسي والعقد النفسية.
قال أبو عمر الكشي : وقالت فرقة بنبوة محمد بن نصير النميري ، وذلك أنه ادعى أنه نبي رسول ، وأن علي بن محمد العسكري علیه السلام أرسله ، وكان يقول بالتناسخ والغلو في أبي الحسن علیه السلام ويقول فيه بالربوبية ، ويقول بإباحة المحارم ، ويحلل نكاح الرجال بغضهم بعضاً في أدبارهم ، ويقول إنه من الفاعل والمفعول به أحد الشهوات والطيبات ، وأن الله لم يحرم شيئاً من ذلك.
وكان محمد بن موسى بن الحسن بن فرات يقوي أسبابه ويعضده ، وذكر أنه رأى بعض الناس محمد بن نصير عيناً ، وغلام له على ظهره ، وأنه عاتبه على ذلك فقال : إن هذا من اللذات وهو من التواضعلله وترك التجبر ، وافتراق الناس فيه بعده فرقاً (1).
1) رجال الكشي 6 | 804.
وفي الإغاني قال : وكان مطيع - ابن أياس - يرمى بمرض قوم لوط ، فدخل عليه قومه فلاموه على فعله ، وقالوا له : أنت في أدبك وشرفك وسؤددك ترمى بهذه الفاحشة القذرة ، فلو أقتصرت عنها.
فقال : حرّبوه أنتم ، ثم دعوا إن كنتم صادقين. فانصرفوا عنه وقالوا : قبح الله فعلك وعذرك وما استقبلتنا به (1).
وأخبار هؤلاء الغلاة والزنادقة كثيرة في ولوعهم بالغلمان وانتشار داء قوم لوط بينهم.
خامساً : الأمن من سطوة الحكام والانفلاة في الانضباط ، وهذا السبب دفع بالغلاة أن يتحدثوا في كل مكان من فير أن يردعهم رادع أو يحدّثهم خوف من سلطان أو قائد أو والي ، بل إن حكام الدولتين الأموية والعباسية كانت ترغب في انتشار هذه الأمور والخرافات والترهات بين الناس وتغص الطرف عنها ، وهذه سياسة كل حكومة لا ترى من وجودها أو كيانها المبرر الشرعي ، فلا بد إذن من السكوت عن هذه وأمثالها وترك الناس في صراعاتهم حتى يصفو لهم الجو ويخلو من منافس.
سادساً : الهروب من العبادات والركون إلى اللهو والدعة والتمرد على الخالق ، في أمالي الطوسي بإسناده عن فضيل بن يسار قال : قال الصادق علیه السلام احذروا على شبابكم الغلاة لايفسدوهم فإن الغلاة شر خلق الله ، يصفرون عظمة الله ويدعون الربوبية لعباد الله ، والله إن الغلاة لشر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا ، ثم قال علیه السلام إلينا يرجع الغالي فلا نقبله ، وبنا يلحق المقصر فنقبله ، فقيل له : كيف ذلك يا ابن رسول الله. قال :
الغالي قد اعتاد ترك الصلاة والزكاة والصيام والحج فلا يقدر على ترك عادته وعلى الرجوع إلى طاعة الله أبداً ، وإن المقصر إذا عرف عمل وأطاع (2). .
سابعاً : ومن أي الغلو هي المصالح المادية وابتزاز الناس أموالهم والأكل بالباطل وهذا ما فعله الحلاج ، الحسين بن منصور الذي ادّعى الربوبية وقال بالتناسخ وأصحابه قالوا إن اللاهوت حل فيه ...
في عام 299 ه- ادّعى للناس إنه إله وإنه يقول بحلول اللاهوت في الأشرف من الناس ، وانتشر له في الحاشية ذكر عظيم ، ووقع بينه وبين الشبيلي وغيره من مشايخ الصوفية ، فبعث به المقتدر إلى عيسى ليناظره ، فأحضر مجلسه وخاطبه خطاباً فيه غلظة ، فحكى أنه تقدم إليه وقال له فيما بينه وبينه : قف من حيث انتهيت ولا تزد شيئاً وإلا خسفت الأرض منه تحتك ، وكلاماً في هذا المعنى ، فتهيب عيسى مناظرته واستعفى منها ، فنقل في سية 309 ه- إلى حامد بن العباس الوزير ، فحدث غلام لحامد كان موكلاً بالحلاج قال : دخلت عليه يوماً ومعي الطبق الذي عادتي أن اقدمه إليه كل يوم فوجدته قد ملأ البيت نفسه وهو من سقفه إلى أرضه وجوانبه ليس فيه موضع ، فهالني ما رأيت وبقي مدة محموماً ، فكذبه حامد وشتمه وقال : ابعد عني ، وكان دخوله إلى بغداد مشهراً على جمل وحبس في بغداد مشهراً على جمل وحبس في دار المقتدر ، وأفتى العلماء بإباحة دمه.
وكان الحلاج قد أنفذ أحد أصحابه إلى بلد من بلدان الجبل ووافقه على حيلة يعملها ، فخرج الرجل فأقام عندهم سنتين يظهر النسك والعبادة وقراءة القرآن والصوم ، فغلب على البلد حتى إذا تمكن أظهر أنه عمي فكان يقاد إلى مسجده ويتعامى في كل أحد شهوراً ، ثم أظهر أنه زمن فكان يحبو ويحمل إلى المسجد حتى مظت سنة وتقرر في النفوس عماه وزمانته فقال لهم بعد ذلك : رأيت النبي صلی الله علیه و آله في النوم يقول أنه يطرق هذا البلد عبد صالح مجاب الدعوة تكون عافيتك على يده ودعائه ، فاطلبوا لي كل من يجتاز من الفقراء أو من الصوفية لعل الله تعالى يفرج عني ، فتعلقت النفوس لورود العبد الصالح ومضى الأجل الذي بينه وبين الحلاج فقدم البلد ولبس الثياب الصوف الرقاق وتفرد في الجامع فقال الأعمى : احملوني إليه ، فلما حصل عنده وعلم أنه الحلاج قال له : يا عبد الله رأيت في النوم كذا وكذا فادع الله تعالى لي ، فقال : ومن أنا وما تحكي. ثم ععى له ومسح يده عليه فقام مبصراً صحيحاً ، فانقلب البلد وكثر الناس على الحلاج ، فتركهم وخرج
من البلد وأقام المتعامي المبرأ مما فيه شهوراً ثم قال لهم : إن من حق الله عندي ورده جوارحي عليّ أن أنفرد أكثر من هذا ، وأن يكون مقامي في الغزو ، وقد عملت على الخروج إلى طرطوس ، فمن كانت له حاجة يحملها ، فأخرج هذا ألف درهم وقال أغز بهذه عني ، وأخرج هذا مائة دينار وقال : أخرج بها غزاة من هناك ، وأعطاه كل أحد شيئاً فاجتمع له ألوف دنانير ودراهم ، فلحق بالحلاج وقاسمه عليها (1).
ومن لامثال الحلاج وابن أبي العزاقر العشرات بل المئات الذين أظهروا الزهو ولبسوا ثياب الصوفية وخدعوا الناس يشتى ألوان الخداع والمكر والشعودة ليديروا منها معاشهم ويصلحوا شأنهم المادي.
لقد صدرت من الحلاج عدة مقولات تؤكد على كفره ، ومنها قوله : ( أنا الحق ) وقوله : ( ما في الجنة إلا الله ).
ومن الشعر قوله المشهور :
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له *** إيّاك إيّاك أن تبتل بالماء (2)
ومما ينسب إليه :
أرسلت تسأل عني كيف كنت وما *** لاقيت بعدك من هم ومن حزن
لاكمت إن كنت أدري كيف كنت ولا *** لاكنت إن كنت أدري كيف لم أكن (3)
وقد انخدع بالحلاج جماعة من الناس حيث كان يوجه إليهم الكتب والمرسلات ويدعوهم إلى نفسه ويوهمهم أنه الباب والوكيل م قبل الإمام صاحب الزمان علیه السلام ولما أراد الله أن يفضحه ويكشفه للناس ، أنه كتب إلى أبي سهل بن إسماعيل بن علي النوبختي يقول له في مراسلة إياه :
إني وكيل صاحب الزمان عليه اسلام وقد أمرت بمراسلتك وإظهار ما تريده من النصرة لك لتقوى نفسك ، ولا ترباب بهذا الأمر.
فأرسل إليه أبو سهل يقول له :
إني أسألك امراً يسيراً يخف مثل عليك ، وفي جنب ما ظهر على يديك ، من الدلائل والبراهين ، هو أني رجل أحب الجواري وأصبوا إليهن ، ولي منهن عدة اتحظاهن والشيب يبعدني عنهن ، وأحتاج أن اخضبه في كل جمعة وأتحمل منه مشقة شديدة لا سترغبهن ذلك ، وإلا انكشف أمري عندهن ، فصار القرب بعداً ، والوصال هجراً وأريد أن تغنيني عن الخضاب وتكفيني مؤنته ، تجعل لحيتي سوداء ، فإني طوع يديك ، وصائر إليك ، وقائل بقولك ، وداع إلى مذهبك مع مالي في ذلك من البصيرة ولك من المعونة.
فلما سمع ذلك الحلاج من قوله وجوابه ، علم أنه أخطأ في مراسلته وجهل في الخروج إليه بمذهبه.
ثامناً : من أسباب الغلو هو التسلط على الرقاب وطلب الرياسة والزعامة.
فهؤلاء الذين اذعوا الألوهية أو النبوة ، إنما تخيلوها ملكاً ومنزلة ينالها الإنسان بمجاهداته وعهائه ، فما كانوا يتغقلوا أ ، الربوبية والعبودية لله وحده لا شريك له خالق الكائنات باريء النسمة ، الواحد الأحد الفرد الصمد ...
كما أن النبوة ليست من صنع انسان عاجز ولا منصب يناله المرء من حيث يشتهي أو يتمنى بل إنها منصب إلهي يختار الله لرسالته من يشاء حيث عي عبء كبي يختار الله تعالى له من يصلح من البشر ...
لكن هؤلاء الذين في قلوبه مرض ويعتريهم الهوس والخبل ذهبوا إلى أطماعهم وسوّلت لهم أنفسهم لأن يدعوا النبوة لهم.
الكشي بإسناده عن علي بن عقبة ، عن أبيه قال دخلت علي أبي عبد الله علیه السلام قال فسلمت وجلست ، فقال لي : كان في مجلسك هذا أبو الخطاب ، ومعه سبعون رجلاً كلّهم إليه ينالهم منهم شيء رحمتهم فقلت لهم : ألا أخبركم بفضائل المسلم ، فلا أحسب أصغرهم إلا قال : بلى جعلت فداك.
قلت : من فضائل المسلم أن يقال : فلان قارئ كتاب الله عز وجل ، وفلان ذو حظ من ورع ، وفلان يجتهد في عبادته لربه ، فهذه فضائل
المسلم ، ما لكم وللرياسات. إنما المسلمون رأس واحد ، إياكم والرجال فإن الرحال للرجال مهلكة.
فإني سمعت أبي يقول : إن شيطاناً يقال له المذهب يأتي في كل صورة : إلا أنه لا يأتي في صورة نبي ولا وصي نبي ، ولا أحسبه إلا وقد تراءى لصاحبكم فاحذروه فبلغني أنهم قتلوا معه فأبعدهم الله وأسحقهم إنه لا يهلك على اله إلى هالك (1).
وبعد هذه الجولة السريعة في نشوء الغلو وأسبابه ، نبدأ حديثنا عن الغلو وأقسامه ، مبتدئين الحديث بمت غالى في النبي صلی الله علیه و آله ، ومنتهين بمن غالى في الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) ذاكرين بغض مقولات الغلات في أهل البيت (علیهم السلام) أو في حق أصحابهم.
1) الكشي 4 | 582.
من أبرز مصاديق الغلو أولئك الذين قالوا بألوهية النبي محمد والأئمة (علیهم السلام). والألوهية والربوبية والعبودية كلها لله وحده لا شريك له دعنا نتابع هذه الفقرة من الغلو :
أولاً : في رجال الكشي ، حمدوية وإبراهيم عن محمد بن عيسى عن محمد بن أبي عمير عن محمد بن حمزة ، قال أبو جعفر محمد بن عيسى : ولقد لقيت محمداً - بن أبي حمزة - رفعه إلى أبي عبد الله علیه السلام قال : جاء رجل إلى رسول الله صلی الله علیه و آله فقال : السلام عليك يا ربي ، فقال صلی الله علیه و آله مالك لعنك الله ، ربي وربك الله ، أما والله لكنت ما علمتك لجباناً في الحرب لئيماً في السلم (1).
ثانياً : في حديث تميم بن عبد الله بن تميم القرشي عن أبيه عن أمد بن علي الأنصاري عن الحسن بن الجهم قال : حضرت مجلس المأمون يوماً وعنده علي بن موسى الرضا علیه السلام وقد اجتمع الفقهاء وأهل الكلام من الفرق المختلفة ... قال له المأمون يا أبا الحسن بلغني إن قوماً يغلون فيكم ويتجاوزون فيكم الحد ، فقال الرضا علیه السلام حدثني أبي موسى بن جعفر ، عن أبيه عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن 'بي عن أبيه علي بن أبي طالب علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : لا ترفعوني فرق حقي فإن الله تبارك وتعالى اتخذني عبداً قبل أن
1) رجال الكشي 4 | 589.
يتخذني نبياً ، قال الله تبارك وتعالى ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربّانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذا انتم مسلمون (1)... الخ الحديث (2).
وفي نوادر الراوندي بإسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه (علیهم السلام) قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : لا ترفعوني فوق حقّى فإن الله تعالى اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً (3).
ثالثاً : ومن الغلو في النبي صلی الله علیه و آله قول عمر بن الخطاب في موت النبي صلی الله علیه و آله من قال أن محمداً مات قتلته بسيفي هذا ، وإنما رفع إلى السماء كما رفع عيسى علیه السلام (4).
لما توفي الرسول صلی الله علیه و آله قالت عائشة : فاستأذن عمر والمغيرة بن شعبة ودخلا عليه فكشفا الثةب عن وجهه ، قال عمر : واغشيتاه ، ما أشد غشي رسول الله صلی الله علیه و آله . ثم قاما. فلما انتهيا إلى الباب ، قال المغيرة : يا غعمر مات والله رسول الله صلی الله علیه و آله فقال عمر : كذبت ما مات رسول الله ولكنك رجل تحوسك فتنة ولن يموت رسول الله حتى يفنى المنافقين (5).
بل وأكثر من هذا ، حيث أخذ عمر يهدّد بالقتل من قال رسول الله قد مات. قال الطبري حدّثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال لما توفي رسول الله صلی الله علیه و آله قام عمر بي الخطاب فقال إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفي وأن رسول الله والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع بعد أن قيل قد مات والله
ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله مات (1)...
وفي سيرة زيني دحلان قال عمر ( من قال أن محمداً قد مات ضربته بسيفي ) (2)وهكذا تجد الكثير من كتب التاريخ والسيرة نقلت هذا النص أو ما يشابهه كتاريخ الذهبي 1/ 317 ، والبداية والنهاية لابن كثير 5/ 242 ، وتاريخ أبي الفداء 1/ 164 ، وأنساب الأشراف 1/ 565 ، وتاريخ الخميس 2/ 185 ، ومسند أحمد 6/ 219 ، ونهاية الأرب 18/ 385.
وقد وصل الغلو بعمر بن الخطاب أنه لم يذعن لابن أم مكتوم - عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم - لما قرأ عليه الآية الشريفة ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلت على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين (3)) ولما وجد العباس بن عبد المطلب إصرار عمر بن الخطاب وتهديده للناس إن قالوا بموت النبي ، خرج على الناس فقال : هل عندكم عهد من رسول الله صلی الله علیه و آله في وفاته فليحدثنا؟ قالوا لا.
قال : هل عندك يا عمر من علم؟ قال : لا.
فقال العباس : اشهدوا أيها الناس أن أحداً لا يشهد على رسول الله بعهد عهد إليه في وفاته والله الذي لا إله إلا هو لقد ذاق رسول الله الموت (4).
مع هذا لم ينته عمر ...!
فقال العباس : إن رسول الله يأسن كما يأسن البشر وإن رسول الله قد مات فادفنوا صاحبكم ، أيميت أحدكم إمامته ويميته إماتتين؟! هو أكرم على
الله من ذاك فإن كان تقولون فليس على الله بعزيز أن يبحث عنه التراب فيخرجه إن شاء الله ، ما مات حتى ترك السبيل نهجاً واضحاً (1)...
فهل ينتهي عمر بن الخطاب وينصاع لتلك الأدلة المفحمة ، والكلمات المعقولة؟!! كلا ، فما زال عمر يتكلم حتى أزبد شدقاه (2).
إذن متى هدأت فورة عمر وسكن غلوائه وتراجع عن مقولته؟
عندما جاء شريكه في الأمر وصاحبه!
فأقبل أبو بكر فوجد عمر بن الخطاب قائماً يوعد الناس ويقول إن رسول الله حي لم يمت وإنه خارج إلى من أرجف به وقاطع أيديهم وضارب أعناقهم وصالبهم.
جلس عمر حين رأى أبا بكر مقبلاً (3)فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه ثم قال من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات. ثم قرأ : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم (4)...
فقال عمر : هذا في كتاب الله ...؟!
قال نعم.
فقال عندها عمر بن الخطاب :
والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعرقت حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله قد مات (5).
ماذا تفسر قول عمر وموقفه من موت النبي صلی الله علیه و آله لمّا قال له المغيرة بن شعبة يا عمر مات والله رسول الله ...؟
فلم ينته ابن الخطاب.
ولمّا قرأ عليه عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم الآية : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ...
فلم ينته أبا حفص ...
ولّما قال العباس بن عبد المطلت : إن رسول الله قد مات ولمّا خرج على الناس وسألهم هل عند أحدكم عهد من رسول الله صلی الله علیه و آله في وفاته ...
فلم ينته عمر الفاروق ...
فهل المغيرة بن شعبة وعمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم والعباس بن عبد المطلب والأنصار والمهاجرون وجميع صحابة رسول الله يكذبون على عمر الفاروق؟! إذن فعلام يعلو سيفه رؤوس المسلمين القائلين بوم النبي صلی الله علیه و آله ، أم هل يصح قول البعض بأن عمر خبل في ذلك اليوم (1)؟!
أم هوي سياسي كان يضمره ، وإن صاحبه هو بطل الموقف الذي سيحق لهم المآرب التي عقدرها قبل هذا اليوم؟!
ام كان علو من عمر في حق نبيه ...؟!
في الوقت الذي اطبقت المصادر - جميعاً - التاريخية والرجالية وكتب السير أن اتشكيك في موت الرسول بوم وفاته إنما هومن مختصات عمر بن الخطاب وقد انفرد به دون بقية المسلمين بإجماع المؤرخين!!.
أقول : لا يمكن تفسير موقف عمر بن الخطاب من موت النبي صلی الله علیه و آله إلا بأحد اللحتمالين : الاحتمال الأول أن نعتبر هكذا موقف نابعاً من سذاجة الخليفة عمر الفاروق ، وقصر إدراكه مما بعثة إلى الدهشة والتحيّر ...
والاحتمال الثاني أن نجزم بتنفيذ المؤامرة التي حيكت خيوطها في زمن النبي صلی الله علیه و آله ، وأحكم نسجها يوم وفاته. والذين أقدموا على تنفيذ هذه المؤامرة ، فيقيناً أن الإسلام لم يتغلغل في صدروهم.
1) السيرة الحلبية 3 | 392.
اما مفاد تلك المؤامرة ، هو اقصاء الإمام امير المؤمنين علیه السلام عن الخلافة مهما بلغ الثمن. ولو دققنا النظر في الاحتمالين لوجدنا أن الأول منه لا يمكن الأخذ به لما عرف عن الخليفة من حنكة ودهاء ، وإن كتب التراجم والسيرة تنصّ على ذلك.
قال الذهبي في تذكرة الحافظ في ترجمة عمر بن الخطاب : أبو حفص العدوي الفاروق وزير رسول الله صلی الله علیه و آله ومن أيد الله به الإسلام وفتح به الأمصار وهو الصادق المحدث الملهم الذي جاء عن المصطفى صلی الله علیه و آله أنه قال : لو كان بعدي نبي لكان عمر الذي فر منه الشيطان وأعلن به الإيمان وأعلى الأذان (1).
أما الاحتمال الثاني ، فالحقيقة تكمن فيه ، إذ نجد خيوط المؤامرة تنكشف للباحث بصورة جلية لا غبار عليها يوم احتضار الرسول صلی الله علیه و آله .
قال ابن سعد بسنده عن ابي عباس عن عكرمة ، قال : إن النبي قال في مرضه الذي مات فيه : آتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً. فقال عمر بن الخطاب : من لفلانة وفلانة (2)إن رسول الله ليس بميت حتى يفتحها ولو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو إسرائيل موسى ، فقالت زينب زوج النبي : ألا تسمعون النبي صلی الله علیه و آله يعهد إليكم؟! فلغطوا فقال صلی الله علیه و آله : قوموا فلما قاموا قبض النبي مكانة (3).
أقول : لاتعجب من ذلك ، ولاتعجب مما تقدم من قول الذهبي إذ على مذهبه أن يكون الوحي قد نزل علىعمر بن الخطاب دون النبي محمد صلی الله علیه و آله ، لأن عمر في تصور الذهبي وأقرانه أحق بالنبوة من محمد صلی الله علیه و آله أو هو بمنزلة محمد دون سائر البشر!!.
وإلا فما معنى مشاكسة عمر للرسول صلی الله علیه و آله ورد طلبه ، ومنعه الصحابة من إتباعهم بالقرطاس والدواة؟! حتى قال أبو حفص أن النبي غلبه الوجع
وعندكم كتاب الله فحسبنا كتاب الله (1).
فهل كان عمر بن الخطاب أحرص من الرسول في تقدير مصلحة الإسلام والمسلمين ... أم ماذا؟ وهل عمر الفاروق أصدق من النبي فيما يخبره صلی الله علیه و آله عن حاله وما نزل به من الموت الذي لا بدّ منه...؟! أليس قوله ذاك تكذيباً للرسول والقرآن ...؟!
والرسول يقول لهم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً ...
نحن لا نريد أن نناقش هذا الأمر الذي أوقع الأمة في الغط وضجيج ، حتى أزعجوا تبيهم وساءه الذي صدر منهم فأمرهم أن يقوموا من عنده وهو القائل لهم لا ينبغي عندي التنازع.
بل نريد أن نبين خيوط المؤامرة كيف بدأت ، وكيف بدأ الغلو يمهّد لنفسه حتى اتسعت رقعته بين صنوف السذح من الناس من جانب ، وبين أهل البدع والأطماع والأهواء السياسية من جانب آخر.
نعم لقد صدق ابن أبي الحديد لمّا قال :
إن عمر لما علم أن رسول الله قد مات خاف من وقوع فتنة في الإمامة وتغلب أقوام عليها ، إما من الأنصار أو غيرهم وخاف أيضاً من حدوث ردّة ورجوع عن الإسلام ... ثم قال فاقتضت المصلحة عنده تسكين الناس بأن اظهر ما أظهر من كون الرسول صلی الله علیه و آله لم يمت ، وأوقع تلك الشبهة في قلوبهم ... حراسة للدين والدولة أن جاء أبو بكر وكان غائباً بالسنح (2)...
في خلافة أمير المؤمنين علیه السلام :
أولاً : جاء رهط من الكوفة إلى الإمام علي علیه السلام وهم يقولون بربوبيته ويبدو أنهم كانوا اثني عشر رجلاً فاستتابهم فلم يتوبوا ، فأمر بالنار ليحرقوهم ، غير أنهم أصروا على مقولتهم فقتلهم جميعاً ، وقيل ألقاهم في النار.
فهؤلاء قد أظهروا غُلوهم في الإمام علي علیه السلام ، وقد سبق للرسول صلی الله علیه و آله أن أشار إلى أمير المؤمنين في هذا ، حيث قال له : يا علي فيك شبهاً من عيسى بن مريم علیه السلام أحبته النصارى حتى أنزلوه منزلة ليس بها ، وابغضته اليهود حتى بهتوا أمه.
ثانياً : وقال أمير المؤمنين علیه السلام يهلك في رجلان محب غال ومبغض قال (1).
ثالثاً : وعن الحسين بن الحسن بن بندار القمي بإسناده عن مسمع بن عبد الملك أبي سيّار ، عن رجل ، عن أبي جعفر علیه السلام قال : إن علياً لما فرغ من قتال أهل البصرة : أتاه سبعون رجلاً من الزط (2)فسلموا عليه وكلموه بلسانهم فرد عليهم بلسانهم.
وقال لهم : إني لست كما قلتم أنا عبد الله مخلوق ، قال ، فأبوا عليه وقالوا له أنت أنت هو ، فقال لهم : لئن لم ترجعوا عما قلتم فيّ وتتوبوا إلى الله تعالى لأقتلنكم.
قال : فأبوا أن يرجعوا ويتوبوا ، فامر أن تحفر لهم آبار فحفرت ، ثم خرق بعضها إلى بعض ثم فرقهم فيها ثم طم رؤوسها ثم ألهب النار في بثر منها ليس فيها أحد فدخل الدخان عليهم فماتا (1).
وفي ذلك يقول علیه السلام :
إني إذا أبصرت أمراً منكراً *** أوقدت ناراً ودعوت قنبراً
ثم احتفرت حفراً فحفراً *** وقنبر يحطم حطماً منكراً
هذا ما حدث في خلافة أمير المؤمنين علي بي أبي طالب علیه السلام ، ولما قتل افترقت الشيعة التي قالت سابقاً بإمامة أمير المؤمنين إلى ثلاث فرق ، منها قالت أن علياً علیه السلام لم يقتل ولم يمت ولا يموت حتى يملك الأرض ويسوق العرب بعصاه ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما ملئت ظلماً وجوراً ، وهذه هي ثاني فرقة في الإسلام قالت بالوقوف بعد النبي صلی الله علیه و آله ثم غالت في ذلك.
كتب التراجم والفرق والمذاهب والكتب الرجالية القديمة وتوعز نشوء هذه الفرقة إلى عبد الله بن سبأ وهذا مما ترجم له في أغلب الكتب ، قديماً وحديثاً ، فمثلاً : ذكر النوبختي المتوفى بين عام 300 - 310 ه- في كتابه ( فرق الشيعة ) ، وأبو خلف سعد بن عبد الله الأشعري القمي المتوفى سنة 301 ه- ذكره في كتابه المقالات والفرق وذكره الكشي المتوفى في ق 4 ه- في رجاله ، والطوسي المتوفى عام 460 ه- ذكره في رجاله ، والشهرستاني المتوفى عام 548 ه- والعلامة الحلي وابن داوود وابن طاووس والمجلسي ومن المتاخرين الشيخ عبد الله المامقاني والسيد مرتضى العسكري ، والسيد الخوئي. ويجدر بنا أن نذكر طرفاً من تلك المقولات نسب إلى عبد الله بن سبأ :
1 - قال أبو خلف الأشعري ... وهذه الفرقة تسمى السبائية أصحاب عبد
1) رجال الكشي 1 | 325.
الله بن سبأ وهو عبد الله بن وهب الراسبي الهمداني وساعده على ذلك عبد الله بن حرس وابن أسود وهما من أجلة أصحابه ، وكان أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم وادعى أن علياً علیه السلام أمره بذلك ، وأن التقية لا تجوز ولا تحل ، فأخذه علي وسأله عن ذلك فأقربه وأمر بقتله ، فصاح الناس إليه من كل ناحية يا أمير المؤمنين أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك قسيرة علي إلى المدائن ، ثم قال : وحكي جماعة من أهل العلم : أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً ، وكان يقول وهوعى يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بهذه المقالة ، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلی الله علیه و آله في علي بمثل ذلك ، وهو أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي بن أبي طالب ، وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه وأكفرهم.
فمن ها هنا من خالف الشيعة : إن اصل الرفض مأخوذ من اليهودية ، ولما بلغ ابن سبأ وأصحابه نعى علي وهو بالمدائن وقدم عليهم راكب فسأله الناس فقالوا : ما خبر أمير المؤمنين ، قال ضربه أشقاها ضربة قد يعيش الرجل من أعظم منها ويموت من وقتها. ثم اتصل خبر موته فقالوا للذي نعاه كذبت يا عدو الله لو جئتنا والله بدماغه ضربة فأقمت على قتله سبعين عدلاً ما صدّقناك ، ولعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل أنه لا يموت حتى أماخوا بباب علي فاستأذنوا عليه استئذان الواثق بحياته والطامع في الوصول إليه ، فقال لهم من حضره من أهله وأصحابه وولده. سبحان الله ما علمتم أن أمير المؤمنين قد استشهد ، قالوا إنا لنعلم أنه لم يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بسيفة وسوطه كما قادهم بحجته وبرهانه وأنه ليسمع النجوى ويعرف تحت الديار العتل ويلمع في الظلام كما يلمع السيف الصقيل الحسام ...
وقالوا بعد ذلك في علي أنه إله العالمين وأنه توارى عن خلقه سخطاً منه عليهم وسيظهر (1).
1) المقالات والفرق 20 - 21.
2 - ذكر الكشي في رجاله عن محمد بن قوله القمي بإسناده عن عبد الله ابن سنان قال حدثني أبي جعفر علیه السلام أن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين علیه السلام هو الله ، تعالى عن ذلك.
فبلغ ذلك أمير المؤمنين علیه السلام فدعاه وسأله ، فأقر بذلك وقال نعم أنت هو وقد كان القمي في روعي إنك أنت الله وإني نبي. فقال له أمير المؤمنين علیه السلام ويلك قد سخر منك الشيطان فأرجع عن هذا ثكلتك أمك وتب ، فأبى فحبسه واستتابه ثلاثة أيام فلم يتب فأحرقه بالنار وقال : إن الشيطان استهواه ، فكان يأتيه ويلقي في روعه ذلك (1).
3 - وقال الكشي حدثني محمد بن قولويه ، يإسناده عن هشام بن سالم ، قال سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول وهو يحدث أصحابه بحديث عبد الله بن سبأ وما ادعى من الربوبية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، قال إنه لمّا ادعى ذلك فيه استتابه أمير المؤمنين علیه السلام فأبى أن يتوب فأحرقه بالنار (2).
4 - وفي رواية ابن قولويه بإسناده عن علي بن مهزيار ، عن فضالة بن أيوب الأزهري عن أبان بن عثمان ، قال سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : لعن الله عبد الله بن سبأ أنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين علیه السلام وكان والله أمير المؤمنين علیه السلام عبداً لله طائعاً ، الويل لمن كذب علينا وإن قوماً يقولون فينا ما ال نقوله في أنفسنا نبرأ إلى الله منهم نبرأ إلى الله منهم (3).
5 - وعن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي حمزة الثمالي ، قال ، قال علي بن الحسين علیه السلام لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبد الله ابن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي ، لقد ادع أمراً عظيماً ما له لعنه الله ، كان علي علیه السلام والله عبداً لله صالحاً أخو رسول الله ، ما .
نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله ، وما نال رسول الله صلی الله علیه و آله الكرامة من الله إلا بطاعته لله.
6 - الكشي بإسناده عن محمد بن خالد الطيالسي ، عن ابن أبي نجران عن عبد الله قال. قال أبو عبد الله علیه السلام إنا أهل بيت صدّيقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس ، كان رسول الله صلی الله علیه و آله أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلها وكان مسيلمة يكذب عليه.
وكان أمير المؤمنين علیه السلام أصدق من برأ الله بعد الرسول ، وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه ويفتري على الله الكذب عبد الله بن سبأ (1).
وفي البحار زيادة على ما تقدم ... وكان أبو عبد الله الحسين بن علي علیه السلام قد ابتلى بالمختار ثم ذكر أبو عبد الله علیه السلام الحارث الشامي وبنان فقال : كانا يكذبان على علي بن الحسين علیه السلام ثم ذكر المغيرة بن سعيد وبزيعا والسري وأبا الخطاب ومعمراً وبشار الشعيري وحمزة الترمذي وصائد النهدي فقال : لعنهم الله إنا لا نخلو من كذاب يكذب علينا أو عاجز الرأى كفانا الله مؤنة كل كذاب وأذاقهم حر الحديد (2).
هذه جملة من الروايات والتي مصدرها عبد الله بن سبأ :
فمن هو عبد الله بن سبأ...؟
1 - قال الكشي : كان يدعي النبوة وأن علياً علیه السلام هو الله فاستتابه ثلاثة أيام فلم يرجع فأحرقه بالنار في جملة سبعين رجلاً ادعوا فيه ذلك (3).
2 - وقال الشهرستاني : السبائية : أصحاب عبد الله بن سبأ ، الذي قال لعلي كرم الله وجهه : ( أنت أنت ) يعني : أنت الإله. فنفاه إلى المدائن. زعموا أنه كان يهودياً فأسلم ، وكان في اليهودية يقول في
يوشع بن نون وصي موسى علیه السلام مثل ما قال في علي رضي الله عنه. وهو أول من أظهر القول بالنص بإمامة علي رضي الله عنه ، ومنه انشعبت أصناف الغلاة (1).
3 - وقال الشيخ الطوسي في رجاله في باب أصحاب أمير المؤمنين علیه السلام : عبد الله بن سبأ الذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلو (2).
4 - وقال الحلي في الخلاصة في القسم الثاني منه : عبد الله بن سبأ ... غال ملعون حرّقه أمير المؤمنين علیه السلام بالنار كان يزعم أن علياً علیه السلام إله وأنه نبي لعنة الله (3).
5 - وقال ابن داود : عبد الله بن سبأ رجع إلى الكفر وأظهر الغلو (4)، فلفظه مطابق إلى الشيخ الطوسي.
هذه أهم المصادر القديمة التي ترجمت لعبد الله بن سبأ. إلا أنها لم تتحر الحقيقة فتكشف النقاب عنه ، حتى قيض الله لنا العلامة المحقق آية الله السيد مرتضى العسكري ليثبت إلى التاريخ بعد مضي 14 ق من الزمان أن عبد الله بن سبأ رجل مختلق وأسطورة مفتعله من نسج سيف بن عمر التميمي المتوفى بعد عام 179 ه- ، والمعروف بالوضع والكذب والتحريف قال فيه يحيى بن معين ت 233 : ( ضعيف الحديث ، فَلسٌ خير منه ) (5).
قال النسائي ت 303 ه- : ( ضعيف متروك الاحديث ليس بثقة ولا مأمون ... ) وقال ابن حيان ت 354 ه- : يروي الموضوعات عن الاثبات اتهم بالزندقة ، وقال : قالوا : كان يضع الحيث.
وقال الحاكم ت 405 ه- : متروك اتهم بالزندقة.
وهكذا جميع المصادر التاريخية والرجالية تؤكّد على كذبه وزندقته ... فراجع. وعبد الله بن سبأ من مختلقات سيف بن عمر التميمي ولم يذكرهُ من
قبله أحد. وقد بحث العلامة العسكري في كتابه عبد الله بن سبأ بجزئين كبيرين أحوال هذا الرجل وأبطال قصصه المفتعلة والروايات التي وضعها والدس الذي بثه في كتاباته ومروياته.
فالروايات التي جاءت تحدّث عن عبد الله بن سبأ وفي طريقها الإمام علي أمير المؤمنين علیه السلام والإمام الحسين علیه السلام والإمام علي بن الحسين علیه السلام والإمام الباقر علیه السلام والإمام الصادق علیه السلام كلها من مفتعلات سيف بن عمر حيث كان أموّياً متعصباً لهم ، معادياً لأهل البيت (علیهم السلام) ، وقد نشط في زمانه أهل الوضع واتسعت حركة الزندقة وذلك في أواخر العصر الأموي والذي وقف حكام بني أمية من وراء الحركة يمدّونها بالمال والدّعم والتأييد والتبنّي لبعض أفكارها حقداً منهم وحسداً لأهل البيت (علیهم السلام) وللإطاحة بالدّين الجديد حتى يتسنّى لهم التحكم في رقاب الناس واستعبادهم (1).
وبالتالي لا يشك أدنى باحث بأن السبائية ليست لها أي وجود وإنما ابتدعها سيف بن عمرو وخلق لها بطلها عبد الله بن سبأ اليهودي الأصل - على حدّ زعمه - ثم أسلم ، وبعد ذلك أصبح من أقطاب المألّهين للإمام علي علیه السلام وهذا كله مختلق لا يقبل الشك ولو قارنت بين مرواياته لبدا لك التناقض فيها جلياً واضحاً ، وما كتبه العلامة يغنينا عن كل تفصيل.
نعم هناك فرقة تسمى الحربية نسبة إلى عبد الله بن عمر بن حرب الكندي ، قالت هذه الفرقة بأن علياً إله العالمين وأنه توارى عن خلقه سخطاً منه عليهم وسيظهر (2).
رابعاً : أبو عمرو الكشي عن محمد بن الحسين البراثي ، وعثمان بن حامد قالا : حدّثنا محمد بن يزداد ، عن محمد بن الحسين عن موسى بن يسار ، عن عبد الله بن شريك عن أبيه قال ، بينا علي علیه السلام عند أمرأة من عنزة وهي أم عمرو إذا أتاه قنبر فقال : إن عشرة نفر بالباب يزعمون أنك ربّهم ، قال : ادخلهم ، قال : فدخلوا عليه.
فقال : ما تقولون؟ فقالوا : إنك ربنا ، وأنت الذي خلقتنا وأنت الذي ترزقنا. فقال لهم : ويلكم لا تفعلوا إنما أنا مخلوق مثلكم ، فأبوا أن يفعلوا ، فقال لهم : ويلكم ربّي ربّكم الله ، ويلكم توبوا وارجعوا ، فقالوا : لا نرجع عن مقالتنا أنت ربّنا ترزقنا وأنت خلقتنا.
فقال يا قنبر اتني بالفعلة ، فخرج فأتاه بعشر رجال مع الزبل والمرور فأمرهم أن يحفروا لهم في الأرض ، فلما حفروا خداً أمرنا بالحطب والنار فطرح فيه حتى صار ناراً تتوقد قال لهم : ويلكم توبوا وارجعوا فأبوا وقالوا : لا نرجع فقذف علي علیه السلام بعضهم ثم قذف بقيتهم في النار ، ثم قال علي علیه السلام :
إني إذا أبصرت شيئاً منكراً *** أوقدت ناري ودعوت قنبراً (1)
خامساً : ما دار بين الإمام الرضا والمأمون قال له الإمام علیه السلام قال علي علیه السلام : يهلك فيّ اثنان ولا ذنب لي ، محبّ مفرط ، ومبغض مفرط وأنا أبرأ إلى الله تبارك وتعالى ممن يغلو فينا ويرفعنا فوق حدّنا كبراءة عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمّي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلبه فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علاّم الغيوب ما قلت لهم إلا ما امرتني به أن اعبدوا الله ربّي وربّكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفّيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (2).
وقال عزّ وجّل : ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ) (3).
وقال عزّ وجّل : ( ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ) (4).
ومعناه أنهما كانا يتغوطان ، فمن ادعى للأنبياء ربوبية وادعى للأئمة ربوبية أو نبوة أو لغير الأئمة إمامة فنحن منه براء في الدنيا والآخرة (1)...
اقول : ويمكن توضيح العبارة بهذا الاستدلال ، وهو أن أكل الطعام يستلزم كون الآكل محتاج لا يكون ربّاً ؛ لأن الأشياء كلّها محتاجة إليه وهو سبحانه غني عن الكُل.
سادساً : الكشّي عن يحيى بن عبد الحميد الحمّاني في كتابه المؤلف في إثبات إمامة أمير المؤمنين علیه السلام قلت لشريك أن أقواماً يزعمون أن جعفر بن محمد ضعيف في الحديث فقال : أخبرك القصة :
كان جعفر بن محمد رجلاً صالحاً مسلماً ورعا فاكتنفه قوم جهال يدخلون عليه ويخرجون من عنده ويولون حدّثنا جعفر بن محمد ، ويحدّثون بأحاديث كلها منكرات كذب موضوعة على جعفر ، يستأكلون الناس بذلك ويأخذون منهم الدارهم فكانوا يأتون من ذلك بكل منكر ، فسمعت العوام بذلك منهم فمنهم من هلك ، ومنهم من أنكر.
هؤلاء مثل المفضل بن عمر ، وبنان ، وعمرو النبطي وغيرهم ، ذكروا جعفراً حدثهم أن معرفة الإمام تكفي عن الصوم والصلاة ، وحدّثهم عن أبيه عن جدّه أنه حدثهم علیه السلام - بالرجعة - قبل القيامة ، وأن علياً علیه السلام في السحاب يطير مع الريح ، وإنه كان يتكلم بعد الموت ، وإنه كان يتحرك على المغتسل ، وإن إله السماء وإله الأرض الإمام ، فجعلوا لله شريكاً ، جهال ضلال.
والله ما قال جعفر شيئاً من هذا قط ، كان جعفر أتقى لله وأورع من ذلك فسمع الناس فضعفوه ولو رأيت جعفراً لعلمت أنه واحد من الناس (2).
سابعاً : الكشي عن حمدويه وإبراهيم بن نصير قالا : حدثنا محمد بن عيسى ، عن صفوان ، عن مرازم ، قال قال لي أبو عبد الله علیه السلام : تعرف مبشر بشر ، بتوهم الاسم قال : الشعيري ، فقلت : بشار؟ قال : بشار ، فقلت :
نعم جار لي ، قال أن اليهود قالوا وحدوا الله ، وإن النصارى قالوا وحدوا الله ، وإن بشاراً قال قولاً عظيماً إذا قدمت الكوفة فأته وقل له : يقول لك جعفر يا فاسق يا مشرك أنا بريء منك.
قال مرازم : فلما قدمت الكوفة فوضعت متاعي وجئت إليه فدعوت الجارية ، فقلت قولي لأبي إسماعيل هذا مرازم فخرج إلي فقلت له : يقول لك جعفر بن محمد يا كافر يا فاسق يا مشرك أنا بريء منك ، فقال لي وقد ذكرني سيدي ، قال : قلت نعم ذكرك بهذا الذي قلت لك ، فقال : جزاك الله خيراً وفعل بك وأقبل يدعو لي.
ومقالة بشار هي مقالة العلياوية ، يقولون إن علياً علیه السلام هرب وظهر بالعلوية الهاشمية ، وأظهر أنه عبده ورسوله بالمحمدية ، فوافق أصحاب أبي الخطاب في أربعة أشخاص علي وفاطمة والحسن والحسين (علیهم السلام) وإن معنى الأشخاص الثلاثة فاطمة والحسن والحسين تلبيس ، والحقيقة شخص علي ، لأنه أول هذه الأشخاص في الإمامة.
وأنكروا شخص محمد صلی الله علیه و آله وزعموا أن محمداً عبد ع وع ب (1)وأقاموا محمداً مقام ما أقامت المخمسة سلمان وجعلوه رسولاً لمحمد صلی الله علیه و آله فوافقهم في الإباحات والتعطيل والتناسخ ، والعليائية سمتها المخمسة العليائية وزعموا أن بشاراً الشعيري لما أنكر رسالة سلمان مسخ صدره طيراً يقال له علياء يكون في البحر فلذلك سمّوهم العليائية.
ثامناً : في الاحتجاج عن أبي محمد الحسن العسكري علیه السلام : إن أبا الحسن الرضا علیه السلام قال : إن من تجاوز بأمير المؤمنين علیه السلام لا تتجاوزوا بنا العبودية ، ثم قولوا فينا ما شئتم ولن تبلغوا وإياكم والغلو كغلو النصارى فإني بريء من الغالين.
فقال إليه رجل فقال : يا ابن رسول الله صف لنا ربك فإن من قبلنا قد اختلفوا علينا. فوصفه الرضا علیه السلام أحسن وصف ، ومجّده ونزّهه عمّا لا
1) (ع) رمز علي و (ب) رمز الرب.
يليق به تعالى ، فقال الرجل بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله فإن معي من ينتحل موالاتكم ويزعم أن هذه كلها من صفات علي علیه السلام وأنه هو رب العالمين.
قال : فلما سمعها الرضا علیه السلام ارتعدت فرائصه وتصبّب عرقاً وقال : سبحان الله عما يشركون سبحانه عما يقول الكافرون غلواً كبيراً ، أو ليس علي كان أكلا في الأكلين ، وشارباً في الشاربين ، وناكحاً في الناكحين ، ومحدثاً في المتحدثين؟
وكان مع ذلك مصلياً خاضعاً بين يدي الله ذليلاً ، وإليه أواها منيباً أفمن هذه صفته يكون إلهاً؟ فإن كان هذا إلهاً فليس منكم أحد إلا وهو إله لمشاركته له في هذه الصفة الدالات على حث كل موصوف بها.
فقال الرجل : يا ابن رسول الله إنهم يزعمون أن علياً لما أظهر من نفسه المعجزات التي لا يقدر عليها غير الله دل على أنه إله ، ولما اظهر لهم بصفات المحدثين العاجزين لبس ذلك عليهم وامتحنهم ليعرفوه ، وليكون إيمانهم اختياراً من انفسهم.
فقال الرضا علیه السلام أول ما هاهنا أن لا ينفصلون ممن قلب هذا عليهم فقال : لما ظهر منه الفقر والفاقة دل على أن من هذه صفاته وشاركه فيها الضعفاء المحتاجون لا تكون المعجزات فعله ، فعلم بهذا أن الذي أظهره من المعجزات إنما كانت فعل القادر الذي لا يشبه المخلوقين ، لا فعل المحدث المشارك للضعفاء في صفات الضعف (1).
من الذين ادعوا الالوهية المخمّسة وهم أصحاب أبي الخطاب ، وإنما سموا المخمّسة لأنهم زعموا أن الله عزّ وجّل هو محمد وأنه ظهر في خمسة أشباح وخمس صول مختلفة ظهر في صورة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ، وزعموا أن أربعة من هذه الخمسة تلتبس لا حقيقة لها والمعنى
1) الاحتجاج 2 | 439.
شخص محمد وصورته لأنه أول شخص ظهر وأول ناطق نطق ولم يزل بين خلقه موجوداً بذاته يتكون في أي صورة شاء ...
ولهذه الفرقة اعتقادات فاسدة كثيرة أغلبها تدور في التشبيه والتناسخ ، ويدعون أن الله ظهر لهم أي للناس بالنورانية فدعاهم إلى وحدانَية فلم يقبلوا ثم ظهر لهم من باب التوبة والرسالة فأنكروا عليه ذلك ، ثم ظهر لهم من باب الإمامة فقبلوه.
فظاهر الله عزّ وجّل عندهم الإمامة وباطنه الله ، وهذا سبيلهم في كل الأنبياء والملوك من آدم حتى ظهور محمد صلی الله علیه و آله .
ثم قالوا كل من كان من الأوائل مثل أبي الخطاب ، وبيان التبّان ، وصائد النهدي والمغيرة بن سعيد ، وحمزة بن عمّار البربري وبزيع الحائك ، وبيان بن سمعان النهدي ، والسري ، ومحمد بن بشير الشعيري ... هم أنبياء أبواب بتغيير الجسم وتبديل الاسم وزعمت هذه الفرقة أن الشرائع التي وضعت عن الانسان وأنه ممتحن بها وأن جميع ما حرم الله مباح ، وإن المحرمات هي رجال ونساء من أهل الجحود والكفر ، وإن جميع العبادات والرائض من صوم ، وحج وزكاة ... هي الأغلال وإنّما كانت واجبة على أهل الجحود والإنكار ، أما الزنا والسرقة والخمر واللواط والرّبا وغير ذلك من المحرّمات إنّما هي رجال ونساء فإذا حرمت على نفسك توايتهم واجتنابهم فقد اجنبت ما حرم الله عليك.
وقد أباحوا الفروج وأبطلوا النكاح والطلاق ، ثم ادعوا أن النكاح باطنه مواصلة أخيك المؤمن. فإذا نكحته فقد وصلته وأديت ما عليك من حق (1).
وهؤلاء المخمسة قبل أن يظهر لهم أبو الخطاب كانت بينهم عقيدة سائدة إن تلك الأشباح الخمسة قد حلوا في أبدان وكل إليهم تدبير العالم وإنهم مأمورون من الله عزّ وجّل في اداء هذه المهمة والرّبّ - عندهم - هو الذي على صلی الله علیه و آله أرسل هؤلاء الخمسة وهم : سلمان الفرسي ، وعمار بن
1) المقالات والفرق | 56.
ياسر ، والمقداد بن الأسود الكندي ، وأبو ذر الغفاري ، وعمر بن أمية الصيمري ، وإنهم مأمورون من عند الله - علي - بإدارة مصالح العالم وسلمان رئيسهم.
وهذه الفرقة تسمى بالعلياوية أو العلبائية ، وقال فيهم الشهرستاني : أصحاب العباء بن ذارع الدوسي وقال قوم ، هو الأسدي. وكان يفضّل علياً على النبي صلی الله علیه و آله وزعم أنه الذي بعث محمداً ، يعني علياً وسماه إلهاً. وكان يقول بذم محمد صلی الله علیه و آله ، وزعم أنه بعث ليدعو إلى علي فدعاه إلى نفسه. ويسمون هذه الفرقة ( الذميّة ).
ومنهم من قال بالألهية جميعاً ويقدمون علياً في الأحكام الإلهية ويسمونهم ( العينية ).
ومنهم من قال بإلهيتهما جميعاً ويفضلون محمداً في الإلهية ويسمونهم ( الميمية ) ومنهم من قال لالألهية لجملة أشخاص أصحاب الكساء : محمد وعلي ، وفاطمة والحسن والحسين ، وقالوا خمستهم شيء واحد والروح حاله فيهم بالسوية (1)... وتابع هذه الفرقة في معتقداتها الباطلة بشّار الشعيري ، ومقالته هي مقالة العلياوية الذي تقتقد أن علياً ربّ وظهر بالعلوية الهاشمية وأظهر أنه عبده ورسوله بالمحمدية ، فوافق أصحاب أبي الخطاب في أربعة أشخصاص علي وفاطمة والحسن والحسين (علیهم السلام) ، وأن معنى الأشخاص الثلاثة فاطمة والحسن والحسين تلبيس ، والحقيقة شخص علي ، لأنه أول هذه الأشخاص في الإمامة.
وانكروا شخص محمد صلی الله علیه و آله وزعموا أن محمداً عبد علي وعلي هو الربّ وأقاموا محمداً مقام ما أقامت المخمّسة سلمان وجعلوه رسولاً لمحمد صلوات الله عليهم ، فوافقهم في الإباحات والتعطيل والتناسخ ، والعليائية سمتها المخمسة (2)كما تقدم.
أقول يطابق هذه الفرق من المخمسة والعليائية والبشرية (3)هي بعض
فرق الكيسائية والحربية ، زعم بعضهم أن الله القديم عزّ وجّل قد حلّ في علي وفاطمة الحسن والحسين (علیهم السلام) والكل في معنى واحد هو الرب الخالق الذي خلف لنفسه فأسكنها أجساد هؤلاء الأربعة فحلّت فيهم وكانت وعاء سكناً لروح الله فالسكن الفعلي والحالي في هذه الأجساد هو الرب محمد ثم قالوا حل الله في جسد محمح اللحماني الدماني فأصبح ظرفاً للرب والنطق منه الله القديم.
وأحلت المحرمات والفروج (1)... وكل ذلك تجده في معتقدات محمد بن أبي زينب ، أبو الخطاب.
وللخطابية عقائد كثيرة يمكن ذكر بعضها :
1 - إن أبا الخطاب تصدى لبعث الأنبياء والرسل ، وكما ورد أن أصحابه من الأنبياء الذين يقولون به قد بلغ عددهم سبعين نفراً.
2 - زعموا أن الإمام جعفر الصادق هو الله وإنما هو نور يدخل في أبدان الأوصياء فيحل فيها فكان ذلك النور في جعفر ثم خرج منه فدخل في أبي الخطاب.
وبعضه زعموا أن جعفراً هو الإسلام والإسلام هو السلم والسلم هو الله ونحن بنو الإسلام كما قالت اليهود : نحن أبناء الله وأحباؤه.
3 - صلوا وصاموا وحجوا لجعفر الصادق علیه السلام فقالوا : لبيك يا جعفر لبيك.
4 - ثم الخطابية لما برز فيهم بيان وادعى النبوة أمر أصحابه بإباحة كل الأمور وأحل لهم الشهوات ما حل منها وما حرم وادعى أن الله لم يحرم شيئاً على خلقه ، لذا حلل السرقة والزنا والخمر والربا والدم ولحم الخنزير ونكاح جميه ما حرمه الله في كتبه من الأمهات والبنات والأخوات ونكاح الرجال ، ووضع عن أصحابه غسل الجنابة.
5 - قالوا الأرواح تتناسخ وتحل في أجسام غيرها فإن الله كان نوراً حل في عبد المطلب ثم صار هذا النور في أبي طالب ثم صار في محمد
1) المقالات والفرق | 60.
ثم صار في علي فهؤلاء كلهم آلهة إلى أن انتهى هذا النور في معمر أحد مريديهم ومّمن ادّعى النبوة لنفسه.
عن محمد بن أحمد بن شاذان بإسناده إلى الصادق علیه السلام عن آبائه عن علي علیه السلام قال قال : رسول الله صلی الله علیه و آله : يا علي مثلك في أمتي مثل المسيح عيسى بن مريم افترق قومه ثلاث فرق ، فرقة مؤمنة وهم الحواريون ، وفرقة عادوه وهم اليهود وفرقة غلوا فيه فخرجوا عن الإيمان ، وإن أمتي ستفترق فيك ثلاث فرق : فقرقة شيعتك وهم المؤمنون وفرقة عدوك وهم الشاكون ، وفرقة تغلو فيك وهم الجاحدون وأنت في الجنة يا علي وشيعتك ومحب شيعتك عدوك والغالي في النار (1).
في أمالي الطوسي بإسناده عن ابن نباتة قال : قال أمير المؤمنين علیه السلام : اللهم إني بريء من الغلاة كبراءة عيسى بن مريم من النصارى ، الله اخذلهم أبداً ولا تنصر منه أحداً (2).
وفي الخصال قال أمير المؤمنين علیه السلام : إياكم والغلو فينا ، قولوا : إنا عبيد مربوبون وقولوا في فضلنا ما شئتم (3).
الكليني بإسناده عن أبي عبد الله علیه السلام قال : جاء رجل من الأحبار إلى أميرالمؤمنين علیه السلام فقال :
يا أمير المؤمنين متى كان ربك؟ فقال له علیه السلام : ثكلتك أمك ومتى لم يكن. حتى يقال متى كان. كان ربي قبل القبل بلا قبل وبعد العبد بلا بعد ، ولا غاية ولا منتهى لغاية ، انقطعت الغايات عنده فهو منتهى كل غاية فقال : يا أمير المؤنين افنبي أنت.
فقال : ويلك إنما أنا عبد من عبيد محمد صلی الله علیه و آله (1).
وفي رواية أبي الحسن الموصلي ... إنما أنا عبد من عبيد رسول الله صلی الله علیه و آله (2).
لما استشهد الإمام الحسين علیه السلام في كربلاء اختلف فيه أناس فمنهم من ققال لم يقتل بل إنه رفع إلى السماء وقد شبه به ، وإنما وقع شبهه على حنظلة بن سعد الشامي وأن الحسين قد أشبه عليسى ابن مريم في أمره حيث رفعا إلى السماء ويحتجون بالآية : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ) (3).
ومنهم شكّك في إمامة الحسين علیه السلام ذلك أنه لما خرج بأهل بيته ونفر من أصحابه للجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقالوا إنه عرّض نفسه للهلكة وهل يصح ذلك منه فإذا صح فلماذا لن يخرج الحسن من قبله مع وجود الأعوان والأنصار والإمرة لم تخرج من يده؟ ...
فهؤلاء شكّكوا في إمامة الحسين علیه السلام كما أنهم شكّكوا في إمامة الحسن من قبل.
وفريق ثالث كان يقول بإمامة الحسن وكذلك بإمامة الحسين ولما استشهد الحسين علیه السلام قال بإمامة محمد بن الحنفية وقالوا أنه أوصى إليه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام من قبل وأنه وقي بنفسه إخواته وأبيه في حرب النهروان والجمل وصفين .. إلى غير ذلك من الإفتراءات والإدعاءات ...
ولما توفي محمد بن الحنفية صار الذين قالوا بإماته إلى ثلاث فرق ، قال النوبختي أحدها قالت : إن محمد بن الحنفية هو المهدي سماه علي علیه السلام مهدياً لم يمت ولا يجوز ذلك ولكنه غاب ولا يدري أين هو سيرجع ويملك الأرض ولا إمام بعد غيبته إلى رجوعه وهؤلاء هم أصحاب ( ابن
كرب ) وكان حمزة بن عمارة البربري منهم ، وكان من أهل المدينة ففارقهم واذعى انه نبي وأن محمد بن الحنفية هو الله عزّ وجّل تعالى عن ذلك علواً كبيراً وأن حمزة هو الإمام وأنه ينزل عليه سبعة أسباب من السماء فيفتح بهن الأرض ويملكها فتبعه على ذلك ناس من أهل المدينة وأهل الكوفة فلعنه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين علیه السلام وبرئ منه وكذبه وبرأت منه الشيعة فاتبعه على رأيه رجلان من نهد لأحدهما صائد وللآخر بيان.
فكان بيان تباناً يتبن التبن بالكوفة ثم ادعى أن محمد بن علي بن الحسين أوصى إليه ، وأخذه خالد بن عبد الله القسري هو وخمسة عشر رجلاً من أصحابه فشدّهم بإطناب القصب ، وصبّ عليهم النفط في مسجد الكوفة وألهب فيهم النار ، فأفلت منهم رجل فخرج بنفسه ثم التفت فرأى أصحابه تأخذهم النار فكرّ راجعاً إلى أن ألقى نفسه في النار فاحترق معهم.
وكان حمزة بن عمار نكح ابنته وأحل جميع المحارم وقال : من عرف الإمام فليصنع ما شاء فلا إثم عليه (1)...
وفرقة من البيانّية زعمت أن الإمام القائم المهدي أبو هشام بن محمد ابن الحنفية ، ثم غلو فيه لما توفي وادّعى بيان النبّوة وتأول أصحابه قول الله تعالى ( هذا بيان للناس ) ثم كتب بيان إلى الإمام جعفر الصادق علیه السلام يدعوا إلى نفسه والإقرار بنبوته ويقول له : ( اسلم تسلم وترتق في سلم وتنج وتغنم فإنك لا تدري أين يجعل الله النبوة والرسالة وما على الرسول إلا البلاغ ، وقد أعذر من أنذر ) (2).
لا يخفى أن الأئمة (علیهم السلام) كانوا يحذّرون أصحابهم من الغلو فيهم أو القول بما لا يوافق مبدأ التوحيد كاعتقاد البعض فيهم أنهم آلهة أو أنبياء ، كما قالت الغلاة فيهم ذلك ...
فالإمام علي بن الحسين زين العابدين علیه السلام أخبر أبا خالد
الكابلي (1)
فأقبل أبو خالد لما سمع ما قاله محمد بن الحنفية جاء إلى علي بن الحسين علیه السلام فلما استأذن عليه فأخبره أن أبا خالد بالباب ، فأذه له ، فلما دخل عليه دنا منه قال : مرحباً بك يا كنكر ما كنا لنا بزائر ما بدا لك فينا؟ فخر أبو خالد ساجداً شاكراً لله تعالى مما سمع من علي بن الحسين علیه السلام فقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى عرفت.
فقال له علي علیه السلام وكيف عرفت إمامك يا أبا خالد؟
قال : إنك دعوتني باسمي الذي سمّتني أمي التي ولدتني ، وقد كنت في عمياء من امري ، ولقد خدمت محمد بن الحنفية عمراً من عمري ولا أشك إلا وانه إمام.
حتى إذا كان قريباً سألته بحرمة الله وبحرمة رسوله وبحرمة أمير المؤمنين فأرشدوني إليك وقال : هو الإمام علي وعليك وعلى خلق الله كلهم ، ثم أذنت لي فجئت فدنوت منك سميتني باسمي الذي سمتني أمي فعلمت انك الإمام الذي فرض الله طاعته علي وعلى كل مسلم ، رجال الكشي 2 | 336.
بما سيقع من هذا الأئمة وأن بعضهم سيقول بمقالة اليهود والنصارى ، غير أنهم براء من أولئك.قال أبو عمرو بإسناده عن ضريس قال : قال لي أبو خالد الكابلي : أما إني سأحدثك بحديث إن رأيتموه وأنا حيّ فقلت صدقني ، وإن مت قبل أن تراه ترحمت عليّ ودعوت لي.
سمعت علي بن الحسين علیه السلام يقول : إن اليهود أحبّوا عزيراً حتى قالوا فيه ما قاولوا ، فلا عزير منهم ولا هم من عزير ، وأن النصارى أحبّوا عيسى حتى قالوا فيه ما قالوا ، فلا عيسى منهم ولا هم من عيسى.
وأنا على سنّة من ذلك أن قوماً من شيعتنا سيحبونا حتى يقولوا فينا ما
1) ابو خالد الكابلي واسمه كنكر وقيل هذا لقبه واسمه وردان ، كان يقول بإمامة محمد بن الحنفية وخدمه زمناً غير قصير ثم رجع وقال بإمامة علي بن الحسين زين العابدين علیه السلام قال أبو بصير قال سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول : كان أبو خالد الكابلي يخدم محمد بن الحنفية دهراً وما كان يشك في انه إمام ، حتى أتاه ذات يوم فقال له : جعلت فداك ان لي حرمه وموده وانقطاعاً ، فأسألك بحرمة رسول الله وأمير المؤمنين إلا أخبرتني أنت الإمام الذي فرض الله طاعته على خلقه قال : فقال : يا أبا خالد حلفتني بالعظيم ، الإمام علي بن الحسين علیه السلام وعليك وعلى كل مسلم.
قالت الهيود في عزير ، وما قالت النصارى في عيسى بن مريم فلا هم منا ولا نحن منهم (1).
وقال الكشي بإسناده عن أبي عبد الله عليه والسلام قال : ارتد الناس بعد قتل الحسين علیه السلام إلا ثلاثة : ابو خالد الكابلي ، ويحيى بن أم الطويل ، وجبير بن مطعم ثم إن الناس لحفوا وكثورا.
وروي يونس ، عن حمزة بن محمد الطيار ، مثل وزاد فيه وجابر بن عبد الله الأنصاري (2).
لما توفي الإمام زين العابدين علیه السلام اجتمع أمر الشيعة على إمامة محمد الباقر علیه السلام ولم يخالف في ذلك إلا رجل واحد إسمه ( عمر بن رياح ) إذ انقلب إلى البترية فصار منهم ، ثم تبعه نفر يسير (3).
ولما توفي الإمام محمد الباقر علیه السلام انقسم أصحابه إلى فرقتين
1) رجال الكشي 2 | 336.
2) رجال الكشي 2 | 338. وقال الفضل بن شاذان : ولم يكن في زمن علي بن الحسين علیه السلام في أول مرة إلا خمسة أنفس سعيد بن جبير ، سعيد بن المسيب ، محمد بن جبير بن مطعم ، يحيى بن أم الطويل ، أبو خالد الكابلي .. الكني والألقاب 1 | 61.
3) قال سعد بن عبد الله الأشعري في سبب خروج بن رياح عن إمامة الباقر علیه السلام فقال .. يقال له عمر بن رياح زعم أنه سأل أبا جعفر عن مسألة فأجابه فيها بجواب ثم عاد إليه في عام آخر فزعم أنه سأله تلك السألة بعينا فأجابه فيها خلاف الجواب الأول ، فقال لأبي جعفر هذا خلاف ما أجبتني فيه في هذه المسألة عامك الماضي فذكر أنه قال له أن جوابنا ربما خرج على وجه التقية فشك في أمره وإمامته ، فلقي رجلاً من أصحاب أبي جعفر يقال له محمد بن قيس فقال له : إني سألت أبا جعفر عن مسألة فأجابني فيها بجواب ثم سألته عنها في عام آخر فأجابني فيها بخلاف جوابه الأول ، فقلت له لم فعلت ذلك؟ فقال فعلته للتقية ، وقد علم الله إني ما سألته إلا وأنا صحيح العزم على التدين بما يفتي به وقبوله والعمل به فلا وجه لإتيانه اياي ، وهذه حالي ، فقال له محمد بن قيس فلعله حضر من اتقاه فقال ما حضر مجلسه في واحد من الحالتين غيري ولكن جوابيه جميعاً خرجا على وجه التبخيت ولم يحفظ ما أجابه في العام الماضي فيجيب بمثله ، ولا في حال من الأحوال ولا يكون إماماً من يفتي تقية بغير ما يحب عند الله ، ولا من يرخى ستره ويغلق بابه ، ولا يسمع الإمام إلا الخروج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فمال إلى البتربه وما معه نفر يسير ، المقالات والفرق 75 ورجال الكشي 3 | 505.
أحدها قالت بإمامة جعفر الصادق علیه السلام . والآخر قالت بإمامة محمد - المعروف بالنفس الزكية - بن عبد الله بن الحسن المثنى ابن الحسن السبط علیه السلام . الذي خرج بالمدينة عام 145 ه- وقتله عيسى بن موسى الهاشمي بأمر من المنصور الدوانيقي.
هذه الفرقة قالت أن محمد بن عبد الله هو القائم المهدي ، وانكروا قتله وقالوا : إنه حي يرزق ومقيم في جبل يسمى ( الطمية ) وقد وافق أن خرج أخوه إبراهيم بن عبد الله في البصرة زمن المنصور الدوانيقي ، ودارت بينهما حروب دامية كانت أخرها الغلبة للمنصور ، والذي حسم النزاع هو استشهاد إبراهيم. وممن قال بإمامة محمد بن عبد الله هو المغيرة بن سعيد - مولى خالد بن عبد الله القرشي - لكن تبرأت منه الشيعة القائلة بإمامة الصادق علیه السلام ورفضوه ولعنوه.
وقد التف حول المغيرة بن سعيد جماعة ثم نصبوه إماماً لهم ، بل إن المغيرة زعم أن الحسين قد أوصى إليه وأنه الإمام المهدي.
وبعد ذلك ادعى أنه رسول نبي وإن جبرائيل يأتيه بالوحي من عند الله فلما اطلع عليه خالد بن عبد الله القرشي سأله عن ذلك فأقر به ، ودعا خالداً إليه فاستتابه فأبى أن يرجع عن ذلك مما عمد إليه فقتله وصلبه ، لعنه الله عليه.
ومن عقائد المغيرة قوله بالتناسخ ، وقد ادعى أنه يحيي الموتى.
الفترة التي عاشها الإمام جعفر الصادق علیه السلام وذاع فيها صيته هي فترة أفول الدولة الأموية والدعوة إلى أهل البيت والتمهيد لقيام دولة عباسية تحت ستار العلويين ، غير أن الأئمة عاشت اضطراباً كبيراً في عقائدها وتزلزل عندها فكرة الإمامة حتى وجدنا فرقنا ومذاهب عديدة تعين بعضها بإمامة
محمد بن الحنفية وأخرى قالت بإمامة ابنه عبد الله بن محمد ( أبي هشام ) وأخرى قالت بغيرهم كالكيسانية والمختارية والبيانية والروندية والرياحية والمنصورية ، والهاشمية والمعاوية وهكذا من الفرق الباطلة المضلة.
كل هذا الفرق اختلفت في الإمامة كما أنها أوجدت عقائد باطلة وأفكاراً فاسدة بعضها إن شاء الله.
فمن تلك العقائد الباطلة في زمن الصادق علیه السلام أنأناساً قالوا بألوهية جعفر بن محمد الصادق علیه السلام وروجوا لهذا المبدأ الفاسدة ، إلا أن الإمام علیه السلام نفي ذلك وتبرّأ منهم.
عن الكليني بإسناده عن سدير قال : قلت لأبي عبد الله علیه السلام أن قوماً يزعمون أنكم آلهة يتلون بذلك علينا قرآناً : ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ) (1)، فقال : يا سدير سمعي وبصري وبشري ولحمي ودمي وشعري من هؤلاء براء وبريء الله منهم ، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي والله لا يجمعني الله وإياهم يوم القيامة إلا وهو ساخط عليهم ، قال : قلت : وعندنا قوم يزعمون أنكم رسل يقرأون علينا بذلك قرآناً : ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم ) (2). فقال يا سدير سمعي وبصري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء براء وبريء الله منهم ورسوله ، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي والله لا يجمعني الله وإياهم يوم القيامة إلا وهو ساخط عليهم قال : فقلت فما أنتم؟ قال : نحن خزّان علم الله ، نحن تراجمة أمر الله نحن قوم معصومون ، أمر الله تبارك وتعالى بطاعتنا ونهى عن معصيتنا ، نحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض (3)،
وهناك طائفة زعمت أن الإمام بعد أبي الخطاب مفضّل الصيرفي. كانوا يقولون بربوبية جعفر الصادق علیه السلام دون نبوته ورسالته وتسمى هذه
الفرقة ( المفضّلية ) تبرّأ منهم الإمام الصادق علیه السلام ، وطردهم ولعنهم (1).
عن جعفر بن بشير الخزّاز عن إسماعيل بن عبد العزيز قال : قال أبو عبد الله علیه السلام يا إسماعيل ضع لي في المتوضأ ماء ، فقمت فوضعت له ، قال فدخل ، قال : فقلت في نفسي أنا أقول فيه كذا وكذا ويدخل المتوضأ ويتوضأ.
قال ، فلم يلبث أن خرج فقال يا أبا عبد إسماعيل لا ترفع البناء فوق طاقته فينهدم اجعلونا مخلوقين وقولوا فينا ما شئتم فلن تبلغوا ، فقال إسماعيل : وكنت أقول إنه وأقول وأقول.
قال المجلسي ، كذا وكذا أي أنه رب ورزاق وخالق ومثل ومثل هذا ، كما أنه المراد بقوله : كنت أقول إنه وأقول (2).
وفي الكشي عن حمدويه قال : حدّثنا يعقوب ، عن ابن أبي عمير عن عبد الصمد بن بشير عن مصادف ، قال : لمّا أتى القوم الذين اتوا (3)بالكوفة. ودخلت على أب عبد الله علیه السلام فأخبرته بذلك فخر ساجداً وألزق جؤجؤه بالأرض وبكى ، واقبل يلوذ ياصبعه ويقول ، بل عبد الله قن داخر مراراً كثيرة ، ثم رفع رأسه ودموعه تسيل على لحيته ، فندمت على إخباري إياه.
فقلت : جعلت فداك وما عليك أنت ومن ذا؟
فقال : يا مصادف إن عيسى لن سكت على ما قالت النصارى فيه لكان حقاً على الله أن يصم سمعه ويعمى بصره ولو سكت عما قال في أبو الخطاب لكان حقاً على الله أن يصم سمعي ويعمي بصري (4).
وروى محمد بن يعقوب عن عدته عن أحمد بن محمد عن أبي محبوب عن مالك بن عطية عن بعض أصحاب أبي عبد الله علیه السلام قال :
خرج إلينا أبو عبد الله علیه السلام وهو مغضب فقال : إني خرجت آنفاً في حاجة فتعرض لي بعض سودان المدينة فهتف بي لبيك يا جعفر بن محمد لبيك ، فرجعت عودي على بدئي إلى منزلي خائفاً ذعراً مما قال حتى سجدت في مسجدي لربّي وعفرت له وجهي وذللت له نفسي وبرئت إليه مما هتف بي ولو أن عيسى بن مريم عدا ما قال الله فيه إذا لصم صماً لا يسمع بعده وعمي عمي لا يبصر بعده أبداً وخرس خرساً لا يتكلم بعده أبداً ، ثم قال : لعن الله أبا الخطاب وقتله بالحديد (1).
كل الروايات التي بأيدينا تؤكد أن أبا الخطاب محمد بن مقلاص هو الذي ادعى الألوهية للإمام الصادق علیه السلام والنبوة لنفسه وروج هذا المذهب في الكوفة وأرجئها وحاول أن يبث هذه الفكرة أولاً بين الزط من أهالي السودان والهنود لما فيهممنضعف العقل والنظر والتمكن من خداعهم واستمالتهم بالمال أو الطعام.
روي أبو عمر عن محمد بن مسعود قال : حدّثني عبد الله بن محمد ابن خالد ، عن علي بن حسان عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله علیه السلام قال : ذكره عند جعفر بن واقد ونفر من أصحاب أبي الخطاب ، فقيل : إنه صار إلى غرور ، وقام فيهم : وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ، قال : هو الإمام (2).
فقال أبو عبد الله علیه السلام ك لا والله لا يأويني وإياه سقف بيت ابداً ، هم شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا ، والله ما صغّر عظمة الله تصغرهم شيء قط ، إن عزيراً جال في صدره ما قالت فيه اليهود فمحى الله اسمه من النبوة والله لو أن عيسى أقرّ بما قال النصارى لأورثه الله صمماً إلى يوم القيامة والله لو أقررت بما يقول في أهل الكوفة لأخذتني الأرض ، وما أنا إلا عبد مملوك لا أقدر على شيء ضر ولا نفع (3).
الآية المتقدمة أعني : ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ) من
سورة الزخرف | 84 قد تأولها أبو الخطاب وادّعى أن إله السماء غير إله الأرض وأن إله الأرض هو الإمام ، تعالى عما يصفون.
أقول : وهذه الآية الكريمة التي بأولها أبو الخطاب قد سبقه غيره إلى ذلك وهو بنان التبّان (1)المعاصر للإمام علي بن الحسين علیه السلام .
روى أبو عمر عن سعد ، قال : حدثني أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إن بناناً والسري وبزيعاً لعنم الله تراءى لهم الشيطان في أحسن ما يكون صورة أدمي من قرنه إلى سرته.
قال : فقلت إن بناناً يتأول هذه الآية ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ) أن الذي في الأرض غير إله السماء ، وإله السماء غير إله الأرض وأن إله السماء أعظم من إله الأرض وأن أهل الأرض يعرفون فضل إله السماء ويعظمونه فقال : والله ما هو إلا الله وحده لا شريك له إله من في السماوات وإله من في الأرضيين ، كذب بنا عليه لعنة الله ، لقد صغّر الله جّل وعزّ وصغّر عظمته (2).
لقد ورد لعن بنان من قبل الإمام الباقر والإمام الصادق علیه السلام وتبرّأ منه وكذلك لعنه الإمام الرضا علیه السلام ، مما ورد في لعنه من قبل الإمام الباقر علیه السلام : قال أبو عمرو حدثني الحسين بن الحسن بن بيدار ومحمد ابن قولويه القميان قالا : حدثنا سعد بن عبد الله بن أبي خلف ، قال : حدثنا يعقوب بن يزيد ، عن محمد بن أبي عمير ، عن محمد بن أبي عمير ، عن أبي بكير ، عن زرارة ، عن أبي جعفر علیه السلام قال : سمعته يقول لعن الله بنان البيان ، وأن بناناً لعنه الله كان يكذب على أبي ، أشهد أن أبي علي بن الحسين كان عبداً صالحاً (3).
ومما ورد في لعنه من قبل الإمام الصادق علیه السلام ، قال أبو عمر
الكشي بإسناده عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله عز وجل : ( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين. تنزل على كل أفاك أثيم ) (1).
قال علیه السلام هم سبعة : المغيرة بن سعيد ، وبنان ، وصائد ، وحمزة بن عمار الزبيدي ، والحارث الشامي ، وعبد الله بن عمرو بن الحارث ، وأبو الخطاب. وفي خبر آخر عن الكشي بإسناده عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إن بناناً والسري وبزيعاً لعنهم الله تراءى لهم الشيطان في أحسن ما يكون صولة أدمي من قرنه إلى سرته ... إلخ الحديث (2).
ومما ورد في لعنه وذمه عن الإمام الرضا :
قال الكشي عن سعد : قال حدثني أحمد بن محمد بن عيسى بإسناده عن أبي الحسن الرضا علیه السلام قال : كان بنان يكذب على علي بن الحسين علیه السلام فأذاقه الله حر الحديد ، وممن لعنه الإمام الرضا علیه السلام هو محمد ابن فرات الذي اذعى النبوة في زمنه.
عن يونس بن عبد الرحمن ، قال : قال أبو الحسن الرضا علیه السلام : يا يونس أما ترى إلى محمد بن فرات وما يكذب علي؟ فقلت : أبعده الله واسحقه وأشقاه ، فقال : قد فعل الله ذلك به ، أذاقه الله حر الحديد كما أذاق من كان قبله ممن كذب علينا يا يونس إنما قلت ذلك لتحذر عنه أصحابي وتأمرهم بلعنه والبراءة منه فإن الله يريء منه (3).
ومن جملة الغلاة الذين ادعوا الألوهية والربوبية للأئمة (علیهم السلام) هم بعض البشرية نسبة إلى محمد بن بشير مولى بني أسد من أهل الكوفة وهذا من أصحاب الإمام الكاظم علیه السلام ثم غالى فيه وقال بربوبيته بعد وفاته واذّعى النبوة لنفسه.
قال أبو عمرو : وكان سبب قتل محمد بن بشير لعنه الله أنه كان معه
شعبذة ومخاريق فكان يظهر الواقفة - أنه ممن وقف على علي بن موسى علیه السلام - وكان يقول في موسى بالربوبية ويدعي لنفسه أنه نبي.
وكان عنده صورة قد عملها وأقامها شخصاً كأنه صولة أبي الحسن علیه السلام في ثياب حرير قد طلاها بالأدوية وعالجها بحيل عملها فيها حتى صارت شبيهاً بصورة إنسان وكا يطويها فإذا أراد الشعبذة نفخ فيها حتى صارت شبيهاً بصورة إنسان وكان يطويها فإذا أراد الشعبذة نفخ فيها فأقامها ، وكان يقول لأصحابه إن أبا الحسن علیه السلام عندي فإن أحببتم أن تروه وتعلموا أني نبي فهلمّوا أعرضه عليكم فكان يدخلهم البيت والصورة مطوية معه.
فيقول لهم : هل ترون في البيت مقيماً أو ترون فيه غيري وغيركم؟ فيقولون لا وليس في البيت أحد ، فيقول : اخرجوا فيخرجوا من البيت فيصير هو وراء الستر بينه وبينهم ثم يقدم تلك الصورة ثم يرفع الستر بينه وبينهم.
فينظرون إلى صورة قائمة وشخص كأنه شخص أبي الحسن لا يذكرون منه شيئاً ويقف هو منه بالقرب فيريهم من طيق الشعبذة أهه يكلمه ويناجيه ويدنو منه كأنه يساره ، ثم يغمزهم أن يتنحوا فيتنحون ، ويسبل الستر بينه وبينهم فلا يرون شيئاً (1).
وللبشرية عقائد وآراء فاسدة منها :
1 - قالوا : الظاهر من الإنسان ارضي والباطن أزلي.
2 - وزعموا - لعنهم الله - أن علي بن موسى الرضا علیه السلام - وكل من ادعى الإمامة من ولده وولد موسى بن جعفر علیه السلام بعده - مبطل كاذب بل قالوا فيه وفي الأئمة من بعدهم أنهم غير طيبي الولادة ونفروهم عن أنسابهم وكفّروهم لدعواهم الإمامة وكفّروا القائلين بإمامتهم واستتحلوا دماءهم وأموالهم.
3 - زعموا أن العبادات المفروضة عليهم والواجب أداءها هي إقامة الصلاة
1) رجال الكشي 6 | 777.
وإعطاه الخمس وصوم شهر رمضان ، أما الزكاة والحج وسائر الفروض الأخرى فقد أنكروها.
4 - قالوا بالتناسخ وأن الأئمة عندهم إمام واحد ، إنما هم منتقلون من بدن إلى بدن ، والمواساة بينهم واحدة في المأكولات والأموال والفروج وأباحوا وطء الرجل واعتلوا في ذلك بقول الله : ( أو يزوجهم ذكرانا وإناثاً ) (1).
5 - أوصوا أن الإمامة من بعد محمد بي بشير إلى ولده سميع وأن كل من أوصى من رجالهم بشيء من الأموال في سبيل الله فهو لسميع بن محمد لأنه الوصي من بعد أبيه والإمام القائم مقامه.
6 - ادعى محمد بن بشير والبشيرية أن موسى هو كان ظاهر بين الخلق يرونه جميعاً يتراءى لأهل النور بالنور ولأهل الكدورة بالكدورة ، في مثل خلقهم بالإنسانية ثم حجب الخلق جميعاً عن إدراكه وهو قائم بينهم موجود كما كان ، غير أنهم محجوبون عنه وعن إدراكه وهو قائم بينهم موجود كما كان ، غير أنهم محجوبون عنه وغعن إدراكه كالذي كانوا يدركونه.
7 - ولما توفي الإمام الكاظم علیه السلام فلم يجدوا بُداً إلا أن قالوا لم يمت ولم يحبس وأنه غاب واستتر وهو القائم المهدي ، وأنه في وقت غيبته استخلف على الأمة محمد بن بشير ، وجعله وصيه وأعطاه خاتمه وعلمه وجميع ما تحتاج إليه رعيته من أمر دينهم ودنياهم وفوض إليه جميع امره وأقامه مقام نفسه...
8 - ومن جملة عقائدهم ، انهم يقولون بالأثنينية.
هذه الفرقة لعنت على لسان الإمامين الهمامين الصادق والكاظم علیه السلام وقد دعيا عليه أن يذيقه الله حر الحديد وقد استجاب دعوتهما فقتل شر قتلة وحرق بالنار.
وروى الكشي بإسناده عن علي بن حديد المدايني قال : سمعت من
1) سورة الشورى ، الآية : 50.
سأل أبا الحسن الأول علیه السلام فقال : إني سمعت محمد بن بشير يقول : إنك لست موسى بن جعفر الذي أنت إمامنا وحجتنا فيما بيننا وبين الله تعالى.
قال : فقال : لعنه الله ثالثاً أذاقه الله حر الحديد ، قتله. الله أخبث ما يكون من قتله فقلت له : جعلت فداك إذا أنا سمعت منه أوليس حلال لي دمه مباح ، كما ابيح دم الساب لرسول الله صلی الله علیه و آله وللإمام؟ فقال : نعم حل والله دمه وأباحه لك ولمن سمع ذلك منه.
قلت أوليس هذه بساب لك؟ قال : هذا ساب الله وساب لرسوله وساب لأبائي وسابي ، وأي سب يقصر عن هذا ولا يفوقه هذا القول.
فقلت : أرأيت إذا أتاني لم أخف أن أغمز بذلك بريئاً ثم أفعل ولم أقتله ما علي من الوزر؟
فقال : يكون عليك وزره أضعافاً مضاعفة من غير أن ينتقص من وزره شيء أما علمت أن أفضل الشهداء درجة يوم القيامة من نصر الله ورسوله يظهر الغيب ورد عن الله وعن رسوله صلی الله علیه و آله (1).
ومن النصوص الواردة في لعن محمد بن بشير ، وما رواه الكشي بإسناده عن علي بن أبي حمزة البطائني ، قال : سمعت أبا الحسن موسى علیه السلام يقول : لعن الله محمد بن بشير وأذاقه حر الحديد ، إنه يكذب علي ، برأ الله منه وبرئت إلى الله منه اللهم إني أبرأ إليك مما يدّعي في ابن بشير ، اللهم ارحني منه.
ثم قال : يا علي ما أحد اجترأ أن يعتمد الكذب علينا إلا أذاقه الله حر الحديد وأن بناناً كذب على علي بن الحسن علي السلام فأذاقه الله حر الحديد ، وأن أبا المغيرة بم سعيد كذب على أبي جعفر علیه السلام فأذاقه الله حر الحديد ، وأن أبا الخطاب كذب على أبي فأذاقه الله حر الحديد ، وأن محمد بن بشير لعنه الله يكذب علي برئت إلى الله منه اللهم إني أبرأ إليك مما يدّعيه فيّ محمد بن بشير اللهم أرحني منه ، اللهم إني أسألك أن تخلّصني
1) الكشي 6 | 778.
من هذا الرجس النجس محمد بن بشير ، فقد شارك الشيطان أباه في رحم أمه.
قال علي بن أبي حمزة ، فما رأيت أحداً قتل بأسوأ قتلة من محمد بن بشير لعنه الله (1).
روى الصدوق بأسناده عن عبد السلام بن صالح الهروي قال : جئت إلى باب الدار التي حبس فيها الرضا علیه السلام بسرخس وقد قيّد علیه السلام فاستأذنت عليه السجان ، فقال : لا سبيل لك إليه علیه السلام قلت : ولم؟ قال : لأنه ربما صلى في يومه وليلته ألف ركعة وإنما ينفتل من صلاته ساعة في صدر النهار وقبل الزوال وعند اصفرار الشمس فهو في هذه الأوقات قاعدة في مصلاه ويناجي ربه ، قال : فقلت له : فاطلب لي منه في هذه الأوقات إذناً عليه ، فاستأذن لي ، فدخلت عليه وهو قاعد في مصلاه متفكراً. قال : وما هو. قلت : يقولون أنكم تدعون أن الناس لكم عبيد فقال : اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت شاهد بأني لم أقل ذلك قط ولا سمعت أحداً من آبائي (علیهم السلام) قاله قط وأنت العالم بما لنا من المظالم عند هذه الأمة وأن هذه منها ثم أقبل علي ، فقال لي : يا عبد السلام إذا كان الناس كلهم عبيدنا ما حكوه عنا فممن تبيعهم؟ قلت : يابن رسول الله صدقت. ثم قال عبد السلام أمنكر أنت لما أوجبت الله تعالى لنا من الولاية كما ينكره غيرك؟ قلت : معاذ الله ، بل أنا مقر بولايتك (2).
من الذين ادعوا الألوهية في الأئمة (علیهم السلام) هي فرقة النصيرية نسبة إلى محمد بن نصير الفهري النميري ، ادّعى هذا اللعين أنه نبي وأن علي بن
محمد العسكري أرله ، فهو يقول بربوبيته ، وتابع ابن نصير في هذه المقالة كل من ابن بابا القمي وفارس بن حاتم القزويني.
قال أبو عمر : وقالت فرقة بنبوة محمد بن نصير النميري ، وذلك أنه ادعى أنه نبي رسول ، وأن علي بن محمد العسكري علیه السلام أرسله وكان يقول بالتناسخ والغلو في أبي الحسن علیه السلام ويقول فيه بالربوبية ويقول بإباحة المحارم ويحلل نكاح الرجال بعضهم بعضاً ويقول إنه من الفاعل والمفعول به أحد الشهوات والطيبات وأن الله لم يحرم شيئاً من ذلك.
وقد رآه يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان وغلام له على ظهره قال : لقيته فعاتبته فقال إن هذا من اللذات وهو من التواضع لله وترك التجبر.
وكان محمد بن موسى بن الحسن بن فرات يقوي أسبابه ويعضده ، ذكر أنه رأى بعض الناس محمد بن نصير عياناً ، وغلام له على ظهره وأنه عاتبه على ذلك ، فقال إن هذا من اللذات وهو من التواضع لله وترك التجبر ، وافترق الناس فيه وبعده فرقاً ثلاث.
قال ابن خاقان - المتقدم - فلما اعتل محمد بن نصير العلة التي توفي فيها قيل له في علته وهو معتقل اللسان لمن يكون الأمر بعدك؟ فقال بلسان ضعيف ملجلج : أحمد فلن يدر من هو (1).
قال نصر بن الصباح : الحسن بن محمد المعروف بابن بابا ومحمد ابن نصير النميري وفارس بن حاتم القزويني لعن هؤلاء الثلاثة علي بن محمد العسكري علیه السلام . وذكر أبو محمد الفضل بن شاذان في بعض كتبه أن من الكذّابين المشهورين ابن بابا القمي.
وقال سعد : حدّثني العبيدي ، قال : كتب إلى العسكري ابتداء منه : ابرأ إلى الله من الفهري والحسن بن محمد بن بابا القمي فأبرأ منهما ، فإني محذرك وجميع موالي وإني ألعنهما لعنة الله ، مستأكلين يأكلان بنا الناس ، فتانين مؤذين ، آذاهما الله وأركسهما في الفتنة ركساً. يزعم ابن بابا أني بعثته نبياً وأنه باب ، علهي لعنة الله ، سخر منه الشيطان فأغواه ، فلعن الله من قبل
1) الكشي 6 | 805 ، المقالات والفرق 101.
منه ذلك ، يا محمد إن قدرت أن تشدخ رأسه بالحجر فافعل فإنه قد آذاني آذاه الله في الدنيا والآخرة (1).
وممن قال بربوبية الهادي علیه السلام كل من علي بن مسعود بن حسكة القمي والقاسم بن يقطين الشعراني القمي.
وهؤلاء تأولوا قوله تعالى : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) ، وقوله تعالى : ( وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة ) ، قالوا : معناهما رجل لا ركوع ولا سجود. وكذلك الزكاة معناها ذلك الرجل لا عدد دراهم ولا إخراج مال.
وهناك أشياء كثيرة من الفرائض والسنن والمعاصي تأولوها وصيّروها رجلاً.
ثم من مقولة هؤلاء : أن أبا الحسن العسكري هو الأول القديم وأنه أمر علي بن مسعود بن حسكة أن يكون باباً له ونبيه المرسل من قبله.
وأن جميع الفرائض والعبادات من صوم وصلاة وحج وزكاة وغير ذلك هي معرفة أبي الحسن العسكري ونبيه ابن حسكة ، قاتلهم الله ...
عن أبي عمرو عن الحسين بن الحسن بن بندار القمي ، قال : حدثنا سهل بن زياد الآدمي ، قال : كتب بعض أصحابنا إلى أبي الحسن العسكري علیه السلام : جعلت فداك يا سيدي إن علي بن حسكة يدعي من أوليائك ، وأنت الأول القديم وأنه بابك ونبيك أمرته أن يدعو إلى ذلك ، ويزعم أن الصلاة والحج والزكاة والصوم كل ذلك معرفتك ومعرفة من كان في مثل حال ابن حسكة فيما يدعي من البابية والنبوة فهو مؤمن كامل سقط عنه الاستعباد بالصوم والصلاة والحج ، وذكر جميع شرائع الدين أن معنى ذلك كله ما ثبت لك ، ومال الناس إليه كثيراً فإن رأيت أن تمن على موليك بجواب في ذلك تنجيهم من الهلكة.
قال فكتب علیه السلام : كذب ابن حسكة عليه لعنة الله ويحسبك أني لا
1) الكشي 6 | 805.
أعرفه في موالي ما له؟ لعنه الله ، فوالله ما بعث الله محمداً والأنبياء قبله إلا بالحنفية والصلاة والزكاة والصيام والحج والولاية ، وما دعى محمد صلی الله علیه و آله إلا إلى الله وحده لا شريك له.
وكذلك نحن الأوصياء من ولده عبيد الله لا نشرك به شيئاً ، إن أطعناه رحمنا ، وإن عصيناه عذّبنا ، ما لنا على الله من حجة ، بل الحجة لله عز وجل علينا وعلى جميع خلقه أبرأ إلى الله ممن يقول ذلك وانتفى إلى الله من هذا القول ، فاهجروهم لعنهم الله والجؤوهم إلى ضيق الطريق فإن وجدت من أحد منهم خلوة فاشدخ رأسه بالصخر (1).
وعن إبراهيم بن شيبة أنه كتب للإمام الهادي علیه السلام فقال : جعلت فداك إن عندنا قوماً يختلفون في معرفة فضلكم بأقاويل مختلفة تشمئز منها القلوب ، وتضيق لها الصدور ويرون في ذلك الأحاديث ، لا يجوز لنا الإقرار بها لما فيها من القول العظيم ولا يجوز ردها ولا الجحود بها إذا نسبت إلى آبائك ، فنحن وقوف عليها.
من ذلك أنهم يقولون ويتأولون في معنى قول الهل عز وجل : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) ، وقوله عز وجل ( وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة ) معناها رجل لا ركوع ولا سجود ، كذلك الزكاة معناها ذلك الرجل لا عدد دراهم ولا أخراج مال.
وأشياء بشبهها من الفرائض والسنن والمعاصي قالوها وصيروها على هذا الحد الذي ذكرت لك ، فإن رأيت أن تمن على مواليك بما فيه سلامتهم ونجاتهم من الأقاويل التي تصيرهم إلى العطب والهلاك؟ والذين ادعوا هذه الأشياء ادعوا أنهم أولياء ، ودعوا إلى طاعتهم ، منهم علي بن حسكة والقاسم اليقطيني ، فما تقول في القبول منهم جميعاً.
فكتب علیه السلام : ليس هذا ديننا فاعتزله (2).
هناك روايات عديدة في لعن علي بن مسعود بن حسكة ، وفارس
القزويني ، والقاسم اليقطيني والشعراني ، ومحمد بن موسى بن الحسن بن فوات الشريعي وأبي الغمر ، وجعفر بن واقد وهاشم بن أبي هاشم.
أهل الغلو في زمن الإمام أبي محمد الحسن العسكري علیه السلام وبعده جماعة كثيرة ، حيث بلغت المذاهب بعد وفاته علیه السلام فروعاً شتى ، قال أبو خلف الأشعري : وقال سائر أصحاب لي بن محمد بإمامة ابنه الحسن بن علي وثبتوا له الإمامة بتوصية أبيه إليه ... فافترق أصحابه من بعده خمس عشرة فرقة (1).
ويبدو أن الكتاب فيه نقص أو سقط من قبل الناسخ بعض الشيء وهو المؤكد ، حيث ذكر العلامة محمد صادق بحر العلوم في تعليقه على الكتاب فقال :
كذا في الأصول الخطية ولكن التي عدها في الكتاب ثلاث عشرة فرقة وكأن فيه سقطاً ، ونقل السيد المرتضى فيه الفصول المختارة عن أبي محمد الحسن النوبختي صاحب كتاب فرق الشيعة الأربع عشرة فرقة كلها جعل الفرقة الرابعة عشر كما يلي (2):
قالت فرقة أخرى أن الإمام بعد الحسن ابنه محمد وهو المنتظر غير أنه قد مات وسيحيا يقوم بالسيف فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً (3)...
ومن جملة الغلاة في الإمام الحسن العسكري علیه السلام أحمد بن هلال الكرخي وأبو طاهر محمد بن علي بن بلال والحسن بن محمد بن بابا القمي.
قال أبو منصور الطبرسي : وكان أيضاً من جملة الغلاة أحمد بن هلال الكرخي ، وقد كان من قبل في عدد أصحاب أبي محمد علیه السلام ثم تغيير عما كان عليه وأنكر بابيه أبي جعفر محمد بن عثمان فخرج التوقيع بلعنه من قبل صاحب الأمر والزمان والبراءة منه ، في جملة من لعن وتبرأ منه. وكذا كان أبو طاهر محمد بن علي بن بلال ، والحسين بن منصور الحلاج ومحمد ابن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي العزاقر ، لعنهم الله فخرج التوقيع بلعنهم والبراءة منهم جميعاً على يد الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح وهذا نصه :
عرف - اطال الله بقاءك وعرفك الله الخير كله وختم به عملك - من تثق بدينه وتسكن إلى نيته من إخواننا آدام الله سعادتهم : بأن محمد بن علي المعروف بالشلمغاني عجل الله له النقمة ولا أمهله ، قد ارتد عن الإسلام وفارقه ، والحد في دين الله وادعى : ما كفر معه بالخالق جل وتعالى ، وافترى كذاباً وزوراً ، وقال بهتاناً وإثماً عظيماً كذب العادلون بالله وضلوا ضلالاً بعيداً ، وخسروا خسراناً منيباً.
وإنا برئنا إلى الله تعالى وإلى رسوله صلوات الله عليه وسلامه ورحمته وبركاته منه ، ولعناه ، عليه لعائن الله تترى ، في الظاهر منا والباطن ، والسر والجهر ، وفي كل وقت على كل حال ، وعلى كل من شايعه وبلغه هذا القول منا فأقاه على تولاه بعده.
اعلمهم - تولاك الله - أننا في التوقي والمحاذرة منه على مثل ما كنا عليه ممن تقدمه من نظرائه من : ( السريعي ، والنميري ، والهلالي ، والبلالي ) وغيرهم وعادة الله جل ثناؤه مع ذلك قبله وبعده عندنا جميلة ، وبه نثق وإياه نستعين وهو حسبنا في كل أمورنا ونعم الوكيل (1).
لا يقتصر مفهوم الغلو على ما تقدم كما لا يقتصر على من قال بألوهية النبي صلی الله علیه و آله والأئمة سلام الله عليهم ، بل إن العقول التي نسبت الألوهية
1) الاحتجاج 2 | 475 وكتب الغيبة للطوسي 244.
لهؤلاء المعصومين ولا يمكن ترويجها والأكل منها أو تمشية أمورها بواسطتها ، قد التفتت أن مريديها بل وحتى ضعاف الناس لا يقبلون منها ذلك مما ادعت النبوة للأئمة عليهم اسلام أو لبعض أصحابهم الأجلاء. ولا يشك أحد أن وراء هذه المزاعم مصالح ومنافع وأغراض وقد بينا قسماً منها فيما تقدم ...
ثم إن فكرة النبوة قد تنطلي على ضعاف العقول والمعتوهين والبله ومن حذا حذوهم من أهل الشذوذ الجنسي والنفعيين ، وقد تنطلي أمثال هذه العقائد على بعض السذج من الناس إذا صادف أن المبلّغ لها مفوه مصقع وذو لسان سليط ، فيسحر أولئك المساكين بالألفاظ المنمقة والبيان المعسول والكلمات المبطنة المحتملة للتأويل.
وأول هذه الفرق هي المخمسة التي ادعت أن الله حل في محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين فهم بمنزلة الشخص الواحد ولا فرق بينهم ثم ادعوا أن سلمان الفارسي نبي ورسول من قبلهم وأنه الباب لهم وهو يظهر مع محمد في كل حال من الأحوال في العرب والمعجم (1)...
ثم جاءت الخطابية لتحذوا حذوهم وتقول بفكرة النبوة فمنهم ادعاها للإمام الصادق علیه السلام ومنهم جعلها لأبي الخطاب وأنه مرسل من قبل جعفر بن محمد علیه السلام وقد اتسعت الخطابية في الكوفة والبصرة وجذبت إليها أراذل البلد وأصحاب المطامع ومن فيه عقدة الأنحراف الجنسي والخلقي.
وقد روج للخطابية عدة أشخاص ، منهم السجادة الحسن بن علي بن أبي عثمان ، وكان هذا يتقص من الرسول محمد صلی الله علیه و آله ويجادل أصحاب الأئمة ويثير الشكوك ويفتعل الأكاذيب ومما حدث من ذلك أنه ناظر نصر بن الصباح فقال له يوماً ما تقول في محمد بن أبي زينب - أبي الخطاب - ومحمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلی الله علیه و آله ايهما أفضل؟
قال نصر : قلت له : قل أنت ، فقال : بل محمد بن أبي زينب ، ألا
1) المقالات والفرق | 57.
ترى أن الله عز وجل عاتب في القرآن محمد بن عبد الله في مواضع ولم يعاتب محمد بن أبي زينب؟ فقال لمحمد بن عبد الله : ( ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا ) و ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) (1)الآية وفي غيرهما ، ولم يعاتب محمد بن أبي زينب بشيء من أشباه ذلك (2)...
وقد تفادى أمر أبي الخطاب حتى قيل أن مريديه والذين قالوا به نفراً وهؤلاء جميعاً ادعوا النبوة.
قال الكشي : وذكرت الطيارة الغالية في بعض كتبها عن المفضل (3)أنه قال : لقد قتل مع أبي إسماعيل يعني أبا الخطاب سبعون نبيا كلهم رأى وهلل بنباوته(4)
وقد لعنهم الإمام الصادق علیه السلام وغيره من الأئمة (علیهم السلام). ثم قتلوا شر قتله على يد عيسى بن موسى عامل المنصور على الكوفة (5)
فذكر رواة العامة أنه قال لهم يا قوم إن كان بدا الله فيكم فما ذنبي..
وقال رواة الشيعة أنه قال لهم يا قوم قد بليتم وامتحنتم وأذن في قتلكم وشهادتكم فقاتلوا على دينكم واحسابكم ولا تعطوا بأيديكم فتذلوا ، مع أنكم لا تتخلصون من القتل فموتوا كراماً أعزاء واصبروا ، فقد وعد الله الصابرين أجراً عظيما ، وأنتم الصابرون فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم ، وأسر أبو الخطاب فأتى به عيسى بن موسى فأمر بقتله فضرب عنقه في دار الرزق على شاطئ الفرات ، وأمر بصلبه وصلب أصحابه فصلبوا ثم أمر بعد مدة بإحراقهم فأحرقوا ، وبعث برؤوسهم إلى المنصور فأمر بها فصلبت على مدينة بغداد ثلاث أيام ثم أحرقت. المقالات والفرق المنصور فأمر بها فصلبت على مدينة بغداد ثلاث أيام ثم أحرقت. المقالات والفرق81. 82.
.لقد مر فيها سبق أن جماعة غالت في الإمام الكاظم بعد وفاته ، منها بعض البشرية التي قالت بألوهية الإمام الكاظم وهذه الجماعة سميت بالبشيرية ، نسبه إلى محمد بن بشير وهذا كان صاحب شعوذة وسحر وقد
1) سورة الاسراء آية 74 وسورة الزمر ، الآية 65.
2) الكشي 6 | 841.
3) سنفرد تحقيقاً خاصاً عن المفضل بن عمر إن شاء الله.
4) الكشي 4 | 615.
5) المقالات والفرق ص 81 ، ذكر سعد بن عبد الله الأشعري فقال : كانت الخطابية الرؤساء منهم قتلوا مع أبي الخطاب وكانوا قد لزموا المسجد بالكوفة وأظهروا التعبد ولزم كل رجل منهم اسطوانة ، وكانوا يدعون الناس إلى أمرهم سراً فبلغ خبرهم عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن العباس وكان عاملاً لأبي جعفر المنصور على الكوفة وأنهم قد أظهروا الإباحات ودعوا الناس إلى نبوة أبي الخطاب وأنهم مجتمعون في مسجد الكوفة لزموا الأساطين يرون الناس أنهم لزموا للعبادة ، فبعث إليهم رجلاً من اصحابه في خيل ورجاله ليأخذهم ويأتيه بهم فامتنعوا عليه وحاربوه وكانوا سبعين رجلاً ، فقتلهم جميعاً ولم يفلت منهم أحداً إلا رجل واحد اصابته جراحات فسقط بين القتلى ، فعد فيهم ، فلما جن الليل خرج من بينهم فتخلص ، وهو ابو سلمة بن مكرم الجمال الملقب بأبي خديجة ، وذكر بعد ذلك أنه قد تاب ورجع وكان ممن يروي الحديث ، وكانت بينهم حرب شديدة بالقصب والحجارة والسكاكين كانت مع بعضهم وجعلوا القصب مكان الرماح وسائر السلاح ورماحهم وسيوفهم وسلاحهم ولا يضركم ولا يعمل فيكم ولا يحتك في أبدانكم ، فجعل يقدمكم عشرة عشرة للمحاربة ، فلما قتل منهم نحو ثلاثين رجلاً صاحوا إليه يا سيدنا ما ترى ما يحل بنا من هؤلاء القوم؟ ولا ترى قصبنا يعمل فيهم ولا يؤثر ، وقد يكسر كله؟ وقد عمل فينا وقتل من برئ منّا.
ادعى النبوة فيما بعد ، زعم أن الإمام موسى بن جعفر لم يمت ولم يحبس وأنه غاب واستتر وهو القائم المهدي وأنه في وقت غيبته استخلف على الأمة محمد بن بشير وجعله وصيه وأعطاه خاتمه وعلمه جميع ما يحتاج إليه رعيته من أمر دينهم ودنياهم وفوض إليه جميع أمره وأقامه مقام نفسه (1)...
وقد رفع خبره إلى هارون الرشيد فأراد قتله لما أظهره من الإلحاد والكفر والزندقة إلا أنه استعطفه فقال له : يا أمير المؤمنين استبقني فإني أتخذ لك أشياء يرغب الملوك فيها فأطلقه.
فاتخذ له الدوالي التي تعمل من غير مستعمل فتصب الماء في البساتين. وذلك أنه عمد إلى الزئبق فرضعه بين ألواح الدوالي فهذه عندما تتحرك بضورة فنية دقيقية تتحرك بصورة فنية دقيقة تحرك الدوالي تمتلئ بالماء وهكذا تصب في السواقي (2)...
لكن عمله هذا لم يدم حيث انكسر بعض الخشب فتعطلت عن العمل ، بعدها بمدة قتله الخليفة العباسي شر قتله (1).
لقد استمرت حركة الغلاة وتعددت فرقهم في العراق واتخذت من الكوفة والبصرة قاعدة البث أفكارها بين الناس والستقطبت من كان في نفسه هوى أو رغب عن الأئمة (علیهم السلام) ، ومن جملة هذه الفرق هي :
المغيرية نسبة إلى المغيرة بن سعيد ، والبيانية نسبة إلى بيان بن سمعان ، والبزيعية نسبة إلى بزيع الحائك ، والصائدية نسبة إلى صائد الكوفي.
هؤلاء قد نصبوا أنفسهم أنبياء وجعلوا آل محمد صلی الله علیه و آله سلم أرباباً خالقين ، قال سعد بن عبد الله الأشعري : وزعموا أنهم أبواب وصفوة وأنهم يرون جعفر بن محمد رباً وخالقاً في ملكوته وعظمته ، بخلاف ما تراه الشيعة المقصرة ؛ فإنهم يرونه بوادي ولا يدركه بالنورانية إلا هم إذا كانوا أنبياء وصفوة وإن لم يكن من صفوته يدركه بالبشرية اللحمانية الدموية يلتبس على أهل الجحود لربوبيته من مقصرة الشيعة (2).
روى الكشي عن أحمد بن علي ، عن سهل ، عن عبد الرحمن بن حماد ، عن ابن فضال ، عن غالب بن عثمان ، عن عمار بن أبي عتبة ، قال : هلكت بنت لأبي الخطاب فلما دعنها اطلع يونس بن ظبيان في قبرها فقال : السلام عليك يا بنت رسول الله صلی الله علیه و آله (3).
وفي زمن الإمام الرضا علیه السلام كان محمد بن موسى بن الحسن بن فرات البغدادي يكذب على الأئمة وبالخصوص على الإمام علي بن موسى الرضا علیه السلام حتى لعنه وأمر بلعنه والتبرى منه لأنه كان يدعي النبوة وأنه باب للرضا علیه السلام .
وروى الكشي عن محمد بن قولويه ، عن سعد ، عن محمد بن عيسى ، عن يونس - ابن عبد الرحمن - قال : سمعت رجلاً من الطيارة (4)
يحدث أبا الحسن الرضا علیه السلام عن يونس بن ظبيان أنه قال : كنت في بعض الليالي وأنا في الطواف فإذا نداء من فوق رأسي : يا يونس إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني وأقم الصلاة لذكري ، فرفعت رأسي فإذا ج (1)، فغضب أبو الحسن علیه السلام غضباً لم يملك نفسه ثم قال للرجل : أخرج عني لعنك الله ولعن من حدثك ولعن يونس بن ظبيان ألف لعنة تتبعهما ألف لعنة كل لعنة منهما تبلغ مقر جهنم ، أشهد ما ناداه إلا الشيطان ، أما يونس - بن ظبيان - مع أبي الخطاب في أشد العذاب مقرونان ، وأصحابهما إلى ذلك الشيطان مع فرعون وآل فرعون في أشد العذاب سمعت ذلك من أبي علیه السلام .
فقال يونس - بن عبد الرحمن ، فقام الرجل من عنده فما بلغ الباب إلا عشر خطاً حتى صرع مغشياً عليه قد قاء رجيعه وحمل ميتاً فقال أبو الحسن علیه السلام : أتاه ملك بيده عمود فضربه على هامته ضربة قلب منها مثانته حتى رجعه وعجل الهل بروحه إلى الهاوية وألحقه بصاحبه الذي حدثه يونس بن ظبيان ، ورأى الشيطان الذي كان يتراءى له (2).
وممن كان يدعى النبوة في زمن علي بن محمد الهادي هو علي بن حسكة الجواز القمي. والقاسم اليقطيني الشعراني.
قال محمد بن عيسى فأخبراني - جعفر بن عيسى وعلي بن إسماعيل الميثمي - وغيرهما أنه ما لبث محمد بن فرات إلا قليلاً حتى قتله إبراهيم بن شكلة أخبث قتله وكان محمد بن فرات يدعى أنه باب وأنه نبي ، وكان القاسم اليقطيني وعلي بن حسكة القمي كذلك يدعيان لعنهما الله (3).
وممن ادعى النبوة زمن الإمام الهادي علیه السلام محمد بن نصير الفهري النميري وزعم أن علي بن محمد العسكري أرسله نبياً للناس وقد مرّ الحديث عنه وعن اعتقاده الفاسد.
قال نصير بن الصباح : الحسن بن محمد المعروف بابن بابا - القمي -
ومحمد بن نصير النميري ، وفارس بن حاتم القزويني ، هؤلاء الثلاثة ورد لعنهم على لسان الإمام علي بن محمد العسكري علیه السلام .
وذكر أبو محمد الفضل بن شاذان في بعض كتبه أن من الكذابين المشهورين ابن باب القمي.
قال سعد : حدثني العبيدي ، قال : كتب إلى العسكري ابتداءاً فيه : أبرأ إلى الله من الفهري والحسن بن محمد بن بابا القمي ، فأبرأ منهما ، فإني محذرك وجميع موالي وإني ألعنهما ، عليهما لعنة الله ، مستاكلين يأكلان بنا الناس ، فتانين مؤذيين آذاهما الله وأركسهما في الفتنة ركساً.
يزعم ابن باب أني بعثته نبياً وأنه باب عليه لعنة الله ، سخر منه الشيطان فاغواه (1)...
هذه نظرة سريعة عمن قال بنبوة بعض الأئمة أو من ادعاها لنفسه وأنه مرسل من قبل لعنهم الله أنى يؤفكون.
وقد عرفت أن الأئمة سلام الله عليهم لعنوا أصحاب تلك المقالات وتبرؤوا منهم وأمروا مواليهم وشيعتهم أن يتبوؤوا من أولئك ، بل عرفت فيما تقدم أمر به الإمام الكاظم علیه السلام السائل وقد حرضه على قتل محمد بن بشير. ومثل ذلك الأمر قد صدر من الإمام الحسن العسكري وتحريضه على قتل علي تن حسكة.
فأصحاب هذه المقالات ليست من الشيعة الإمامية ، بل إنها كافرة مشركة قد خرجت عن الإسلام بارتدادها ، فما كان يروونه ويؤخذ برواياتهم إنما هو في زمن استقامتهم وقبل منقلبهم ، فالعبرة في زمن الأداء لا في وقت التحمل ، فإذا كان الأداء زمن الاستقامة فيؤخذ بها ، وما كان في زمن الإنحراف والخبط فذاك مردود ، سواء كان من هؤلاء أو من غيرهم ممن خالفنا في العقيدة والمبدأ.
فمثل هذا الغلو لا تجد له سبيل في مرواياتنا. بل إن الشيخ الكليني دون من الحداديث وأخبار المعصومين ما يرد على أصحاب الأهواء الباطلة
1) رجال الكشي 6 | 805.
والعقائد الفاسدة ، وقد بينا في كتابنا ( الكليني والكافي ) منهجية الشيخ في الكافي خصوصاً في كتاب الحجة ، قد بين الشيخ هناك وفي الأبواب التي أفردها للإمامة ما تؤكد سلامه عقيدته في الأئمة (علیهم السلام) حيث جاءت الأخبار المتواترة الصحيحة عنهم (علیهم السلام) تؤكد عبوديتهم لله وأنهم عبيد مخلوقون له جل وعز ، وأنهم عباد مكرمون معصومون.
فأي شيء من الغلو يصدق على مرويات الكليني في كتابه؟ ...
كما أن ضعف الراوي أو فساد مذهبه لا يعني عدم صحة المروي فيك كل الحالات ، بل لو قام الدليل أو وجدت بعض الإمارات الدالة على صحة المتن عمل به.
القول بالتشبيه
القول بالجبر والتفويض
القول بالحلول والتناسخ
القول بأن الأئمة يعلمون الغيب
القول بالتفويض المطلق للرسول والأئمة (علیهم السلام)
من الغلو - القول بالتشبيه
لقد بحث علماء الكلام والعقائد عن صفات الله تعالى وأسمائه المباركة وأن صفاته الكمالية والجلالية إنما هي مختصة به ولا يشاركه أحد ، لذا لا يوصف بما توصف به المخلوقات لأنه ليس بجسم ولا صورة ، ولو قلنا بذلك فقد جسدناه معاذ الله.
فهو تعالى منزه عن الجسمية ، وقد كفر من جسده كاليهود لما قالوا اشتكت عيناه فعادته الملائكة ، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه وإن العرش ليئط من تحته كأطيط الرحل الجديد ... الخ وكذا لما قال آخرون وهم الحشوية من أصحاب الحديث أنه يجلس على الكرسي كما يجلس البشر متخذين قوله سبحانه دليلاً : ( وكان عرشه على الماء ) (1)وقوله تعالى : ( ثم استوى على العرش يدبر الأمر ) (2)فإن اليهود جعلوا لله صفات هو منزه عنها بل إنما هي للمخلوقين.
وقد حذا بعض طوائف المسلمين حذو اليهود ، كالمجسمة والمشبه إذ وصفوه كيف ينظر وكيف ينزل يتكلم ... ثم روى الحشوية أخباراً عن النبي صلی الله علیه و آله تظمنت الصورة وغيرها من أعضاء البدن منها : إنهم رووا عنه صلی الله علیه و آله إنه سبحانه وتعالى : « خلق آدم على صورة الرحمن » ، وقوله : حتى يضع الجبار قدمه في النار ، وقوله : قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن ،
وقوله : وضع يده أو كفه على كتفي ، وقوله : حتى وجدت برد أنامله على كتفي وقد زادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي صلی الله علیه و آله وقد أجروا كل هذه على ما يتعارف في صفات الأجسام. وهذه كلها من مستلزمات المادة بالعرض ، وإذا قلت بهذه العوارض المادية فلا بد من القول باجوهر وبالتالي تنتهي إلى الجسمية وهذا على الله لا يجوز بل إنه من مستلزمات الحادث وسبحانه قديم.
فسبحانه لا يمكن تشبيهه بشيء ولا شيء له شبيه به. ومما يذكر أن اليهود جاءت إلى النبي صلی الله علیه و آله : صف لنا ربك فإن الله أنزل نعمته في التوراة فأخبرنا من أي شيء هو؟ ومن أي جنس هو؟ أذهب أم نحاس أم فضة؟ وهل يأكل ويشرب؟ وممن ورث الدنيا ومن يورثها؟
فأنزل الله تبارك وتعالة سورة الإخلاص ، وهي نسبته.
لو حرص البشر جميعاً أن يميزوا سبحانه بأوصاف المخلوقات ولو في أدق المعاني وأجمل العبارات ، فإن ذلك من الأوهام والتخرصات ومهما بالغ العقلاء على أن يصفوه بصفات البشر فلا محالة أنه سيكون مخلوقاً مثلنا ، وكل مخلوق ومصنوع حادث وسبحانه ليس بحادث بل إنه قديم منذ الأزل.
ولا يخفى أن بعض الطوائف والفرق التي انتحلت الإسلام كالحشوية القائلين بالجبر والتشبيه وأن الله تعالى موصوف عندهم بالنفس واليد والسمع والبصر هي مجسمة ومشبه ، إذ جمدوا على ظواهر الألفاظ من القرآن الكريم فلم يسعهم المقام أن يفهموا القرآن فهما صحيحاً وإدراكاً شاملاً لدقائق المعنى وجمال التأويل الوارد من أهل البيت (علیهم السلام).
لما كانت معرفة الله تعالى أساس الطاعة والعبادة ، وما لم يعرف لا يمكن أن يطاع ، كما أن معرفته سبحانه لا تتم بإذعان العبد بوجوب وجوده ، ولا يكون هذا الإذعان ما لم يؤمن العبد بوحدانيته أي لا شريك له ، لأن الواجب لا يتعدد.
فعلى كل فرد أ ، يوحد هذا الواجب القديم الفرد الصمد ، وهذا التوحيد ، لا يتم إلا بإخلاص له ، ومن جملة الإخلاص هو نفي الصفات الزائده عنه ، فصفاته عين ذاته ، فإن علمه وقدرته وأرادته وسمعه وبصره كلها موجودة بوجود ذاته الأحدية وذاته جامعة ومستوعبة لها ، وهي عينها وليست زائدة على الذات , ولا خارجة عنها أما من حيث الصفات فهي على قمسين.
أولاً : الصفات الثبوتية وهذه على نحوين :
1 - الصفات الثبوتية الحقيقية والتي تسمى بالصفات الكمالية. ( صفات الجمال والكمال ) كالعلم والقدرة والغنى والإرادة والحياة.
2 - الصفات الثبوتية الإضافية : كالخالقية والرزاقية وهذه ترجع إلى صفة القيومية لمخلوقاته.
ثانياً : الصفات السلبية ( الجلال ) وهي ترجع جميعها إلى سلب واحد وهو سلب الإمكان عنه أو قل سلب نقصه عنه سبحانه ، مثل سلب الجسمية والسكون والحركة والثقل والخفة ...
وقد ذكرنا فيما تقدم أن الحشوية كانت تذهب إلى التجسم أو التشبيه ، فإن مضر وكهمس وأحمد الهجيمي : إنهم أجزوا على ربهم الملامسة والمصافحة وإن المسلمين المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حد الخلاص والاتحاد المحض.
بل وأكثر من هذا فقد حكي عن الكعبي عن بعضهم : إنه كان يجور الرؤية في دار الدنيا ، وان يزوروه ويزورهم.
وحكي عن داود الجورابي أنه قال بالنسبة لله تعالى : أعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك. وقال أن معبوده : جسم ولحم ودم وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس ولسان وعينين وأذنين ، ومع ذلك فهو جسم لا كالأجسام ولحم لا كاللحوم ودم لا كالدماء.
ثم إن الحشوية قد أجرت الألفاظ التي هي في القرآن على ظاهرها كالاستواء والوجه واليدين والجنب والمجيء والاتيان والفوقية وغير ذلك فهي تعني في إطلاقها المعاني الخارجية الصادقة على الأجسام.
وقد زادت الحشوية على تلك المعاني إنهم ضعوا الأكاذيب وافتعلوا الأخبار ونسبوها إلى النبي صلی الله علیه و آله وهي في الحقيقة أخبار مقتبسة من اليهود ، فمثلاً قالوا اشتكت عيناه فعادته الملائكة ، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه ، وأن العرش ليئط من تحته كأطيط الرحل الجديد.
ثم نسبت المشبهة إلى النبي أقوال منها : أنه قال : ( لقيني ربي ،
فصافحني وكافحني ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله (1)...
ولو تخطينا البحث لوجدنا أن الحشوية كمصطلح يشمل عامة جمهور المسلمين إلا أنهم في عقائد متباينة ومذاهب مختلفة فهي تشمل فرقة الشكاك والبترية أصحاب الحديث وعلى نذهبهم سفيان بن سعيد الثوري وشريك بن عبد الله ولبن أبي ليلى ومحمد بن إدريس والشافعي ومالك بن أنس وإضرابهم (2)...
وقد اختلف جمهور المسلمين - أي السلف منهم - مع المعتزلة فالأولى كانت تثبت الصفات للخالق والمعتزلة كانت تنفي عنه ، ورأي السلف في الصفات أنها كما وردت في القرآن وغير قابلة للتأويل بل تحمل على ظاهرها ، وفي نفس الوقت اعتقادهم بالله أنه لا شريك له وليس كمثله شيء ... غير أن متأخري السلف ، قالوا لا بد من إجراء هذه الصفات على ظاهرها والقول بتفسيرها كما وردت من غير تعرض للتأويل ولا توقف في الظاهر ، فوقعوا في التشبيه الصرف ، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف (3).
ومن جملة المجسمة أو المشبهة طائفة تسمى بالكرامية وهم أصحاب عبد الله محمد بن كرام وربما تشعبت هذه الفرقة لتشمل اثنتي عشرة فرقة تقول بالتجسيم مع اختلاف في صورة هذا التجسيم وهيئته.
وإن مقالة محمد بن كرام تنص على أم معبوده جوهر استقر على العرش ، وفي وجوده ذاتاً من فرق وأنه مماس للعرش من الصفحة العليا ، وجوز الانتقال والتحول النزول وإلى غير ذلك من مقولات التجسيم التي قالت به أصول هذه الفرقة كالعابدية والتونية والزرمينية والاسحاقية والواحدية والهيمصمية ، فهذه الفرق أثبتت الجهات الست لله سبحانه ، ومنهم أثبت له سبحانه بعض الجهات كافوقية والتحتية وقد أخطأ الشهرستاني عندما نسب التشبيه إلى الشيعة فقال : وكان التشبيه بالأصل والواصع في الشيعة ، وإنما عادت إلى بعض أهل السنة بعد ذلك ، وتمكن الاعتزال فيهم لما رأوا أن
ذلك أقرب إلى المعقول وأبعد من التشبيه والحلول (1).
في الحقيقة أن التشبيه والتجسيم أخذه السلف أي جمهور السنة من اليهود والنصارى لما دخلت الأخبار والإسرائيليات في ثقافتهم وقام رواة الأحاديث يسألون بعض اليهود والنصارى في مسألة الخالق وبدء الكون وقصص تميم بن اوس الداري النصراني الذي كان يبثها بين المسلمين في مسجد الرسول بإجازة من الخليفة عمر بن الخطاب وذلك في الأسبوع ساعة واحدة وقد زادها عثمان بن عفان في زمنه فجعلها ساعتين في يومين في الاسبوع.
أما الغلاة الذين لعنوا على لسان الأئمة المعصومين وتبرؤوا منهم إنما هم خرجوا من ربقة الإسلام بمقولتهم الفاسدة فكيف يصدق عليهم أنهم من الشيعة؟!.
ففي حديث الإمام علي بن موسى الرضا علیه السلام للحسين بن خالد توضيح ذلك : قال علیه السلام : من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك ونحن منه يراء في الدنيا والآخرة يا بن خالد إنما وضع والأخبار عنا في التشبيه والجبر الغلاة الذين صغروا عظمة الله تعالى ...
ثم إن صدر الحديث هو قول ابن خالد الرضا علیه السلام يكشف هذه ينسبوننا إلى القول بالتشبيه والجبر لما روي من الأخبار في ذلك عن أبائك الأئمة (علیهم السلام) (2)... فكان جواب الرضا أن الغلاة هي التي وضعت تلك الأخبار. وإليك نص الحديث :
قال الصدوق بإسناده عن الحسن بن خالد عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا علیه السلام قال : قلت له : يا ابن رسول الله إن الناس ينسبونا إلى القول بالتشبيه والجبر لما روي من الأخبار في ذلك عن آبائك الأئمة (علیهم السلام) فقال : يا ابن خالد أخبرني عن الأخبار التي رويت عن آبائي الأئمة
(علیهم السلام) في التشبيه والجبر أكثر أم الأخبار رويت عن النبي صلی الله علیه و آله في ذلك؟
فقلت بل ما ريو عن النبي في ذلك أكثر ، قال :
فليقولوا ان رسول الله صلی الله علیه و آله كان يقول بالتشبيه والجبر إذاً ، فقلت له : إنهم يقولون : إن رسول الله لم يقل من ذلك شيئاً وإنماروي ذلك عليه ، ثم قال صلی الله علیه و آله : من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك ونحن منه براء في الدنيا والآخرة يا ابن خالد إنما وضع الأخبار عنا في التشبيه والجبر الغلاة الذين صغروا عظمة الله تعالى من أحبهم فقد أبغضنا ومن أبغضهم فقد أحبنا ومن والاهم فقد عادانا ومن عادهم فقد والانا ومن وصلهم فقد قطعنا ومن قطعهم فقد وصلنا ومن جفاهم فقد برانا ومن برهم فقد جافانا ومن اكرمهم فقد أهاننا ومن أهانهم فقد أكرمنا ومن قبلهم فقد ردنا ومن ردهم فقد قبلنا ومن أحسن إليهم فقد أساءنا ومن أساهء إليهم فقد أحسن إلينا ، ومن صدقهم فقد كذبنا ومن كذبهم فقد صدقنا ومن أعطاهم فقد حرمنا ومن حرمهم فقد أعطانا ، يا ابن خالد من كان من شيعتنا فلا يتخذن منهم ولياً ولا نصيراً (1).
إن كتبنا العقائدية والحديثية زاخرة بالأخير والواردة عن أهل البيت والأئمة المعصومين علیه السلام التي تؤكد على نفي التشبيه والتجسيم منه سبحانه وعلى سبيل المثال نذكر بعضها :
الكليني بإسناده عن الحسين بن سعيد قال سئل ابو جعفر الثاني علیه السلام يجوز أن يقال لله إنه شيء؟ قال نعم نخرجه من الحدين : حد التعطيل وحد التشبيه (2).
محمد بن يعقوب بإسناده عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله علیه السلام أنه قال للزنديق حين سأله : ما هو؟ قال هو شيء بخلاف الأشياء أرجع بقولي إلى إثبات معنى وإنه شيء بحقيقة الشيئية غير أنه لا جسم ولا صورة ولا يحس ولا يحبس ولا يدرك بالحواس الخمس لا تدركه الأوهام ولا
تنقصة الدهور ولا تغيره الأزمان ، فقال له السائل : فتقول إنه سميع بصير؟ قال هو سميع بصير : سميع بغير جارحة وبصير بغير إله ، بل يسمع ويبصر بنفسه ليس قولي : إنه سميع بنفسه وبصير يبصر بنفسه إنه شيء والنفس شيء آخر ولكن أردت عبارة عن نفسي إذا كنت مسؤولاً وإفهاماً لك إذا كنت سائلاً ، قأقول : إنه سميع بكله لا إن الكل منه له بعض وكني أردت إفهامك والتعبير عن نفسي وليس مرجعي في ذلك إلا إلى إنه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات ولا اختلاف المعنى.
قال هل السائل : فما هو؟ قال أبو عبد الله علیه السلام : هو الرب وهو المعبود وهو الله وليس قولي : الله إثبات هذه الحروف : ألف ولام وهاء ولا راء ولا باء ولكن ارجع إلى معنى وشيء خالق الأشياء وصانعها ونعت هذه الحروف وهو المعنى سمي به الله والرحمن والرحيم والعزيز وأشباه ذلك من أسمائه وهو المعبود جل وعزّ.
قال له السائل : فإنا لم نجد موهوماً إلا مخلوقاً ، قال أبو عبد الله علیه السلام لو كان ذلك كما نقول لكان التوحيد عنا مرتفعاً لأنا لم نكلف غير موهوم ، لكنا نقول : كل موهوم بالحواس مدرك به تحده الحواس مدرك به تحده الحواس وتمثله فهو مخلوق ، إذ كان النفي هو الإبطال والعدم.
والجهة الثانية : البشبيه ، إذ كان التشبيه هو صفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف فلم يكن بد من إثبات الصانع لوجود المصنوعين والاضطرار إليهم ، إنهم مصنوعون وإن صانعهم غير وليس مثلهم إذ كان مثلهم شبيهاً بهم في ظاهر التركيب والتأليف وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد إذ لم يكونوا وتنقلهم من صغر إلى كبر وسواد إلى بياض وقوة إلى ضعف وأحوال موجودة لا حاجة بنا إلى تفسيرها لبيانها ووجودها (1)...
الكليني بإسناده عن داود الرقي قال : سألت ابا عبد الله علیه السلام عن قول الله عز وجل ( وكان عرشه على الماء ) (2)فقال ما يقولون؟ قلت : يقولون : إن العرش كان على الماء والرب فوقه ، فقال كذبوا من زعم هذا
فقد صير الله محمولاً ووصفه بصفة المخلوق ولزمه أن الشيء الذي يحمله أقوى منه (1)...
من الغلو - القول بالجبر أو التفويض
من العقائد المهمة والشائكة الملتبسة هي مسألة الجبر والتفويض ، والتي ترتبط بالمصطلح العقائدي الآخر ( القضاء والقدر ).
لقد برزت عقائد وفرق تنادي كل واحد منها بما يميزها عن الأخرى في تلك المسألة وأصل الموضوع هو البحث عن مسألة حرية الإرادة التي تعتبر الجذر الأساس لفكرة القضاء والقدر ، والتي شغلت علماء المسلمين منذ القرن الأول الهجري حتى القرن الرابع منه. ولم يشهد العالم الإسلامي تياراً فكرياً جاوفاً وصراعاً عقائدياً حاداً كالتيار الذي أحدثه هذا الموضوع.
ولا ننسى أن جذور هذا البحث إنما ورثه السملمون من الأمم السابقة والحضارات المتقدمة وبالخصوص الحاضرة اليونانية والمعتقادات والدينية السائدة هناك ، والخلافات التي أحدثتها تلك المذاهب بين اليونايين.
مسألة الجبر والتفويض أو القضاء والقدر ترتبط بالتوحيد من جانب ، وبالعدل الإلهي والقدرة الإلهية من جانب آخر.
وقد انقسم المسلمون المتكلمون في هذه المسألة إلى فرقتين متميزتين :
الفرقة الأولى : قالت إن كل أفعال الإنسان كسائر الموجودات الكونية هي افعال الله تعالى. وليس للإنسان أي مشيئة أو إرادة في ذلك الفعل وبعبارة أخرى أنكروا حرية الإنسان في أعماله وتصرفاته. وهذه تسمى بالمجبرة.
الفرقة الثانية : قالت إن أفعال الإنسان هي أفعال حقيقية اختارها بإرادته وحريته من دون أن يكون لله عليه سلطان أو إرداة فيها. وبعبارة أخرى قالوا بأصالة اختيار الإنسان ، وإنمه يتمتع بكامل الحرية في أفعاله وتصرفاته ، وأما دائرة حريته فهي واسعة لا يحدثا شيء ولا يردعها رادع. وهذه تسمى بالمفوضة. وقد ذهب كل فريق إلى استنباط الأدلة والتدليل على صحة
1) أصول الكافي 1 | 132.
إن التفكير في هذه الأمور تورثه الحيرة والندم لأنها قد توصله إلى التشكيك في كثير من معتقداته الدينية ، لهذا جاء النهي عن البحث في هذا الموضوع فقال أمير المؤمنين علیه السلام لما سئل عن القدر : طريق مظلم فلا تسلكوه وبحر عميق فلا تلجوه وسر الله فلا تكلفوه.
ثم إن الرسول صلی الله علیه و آله ذم القدرية فقال : ( إن القدرية مجوس هذه الأمة ) وقال صلی الله علیه و آله : القدرية خصماء الله في القدر وقد تذرع بهذا الحديث كل من المجبرة والمفوضة وكل واحد منها كفرت الأخرى ونسبتها إلى القدرية.
فالمجبرة تسمى المفوضة بالقدرية لأنهم ينكرون القدر وينفون الإرادة الإلهية عن كل تصرفات الإنسان لأن الإنسان مختار في أفعاله ، له مطلق الحية والإرادة في تصرفاته.
والمفوضة تسمى المجبرة بالقدرية لأنهم يثبتون القدر لله ويقولون أن أفعال العباد مخلوقة لله والإنسان عديم الإرادة.
والمستفاد من أخبار المعصومين (علیهم السلام) إن كلا الفريقين هم ينتمون إلى القدرية لكن إنتماء تضاد بينها ، فالمجبرة ينسبون الخير والشر والطاعة والمعصية وكل أفعال الخلق إلى غير الإنسان أي إلى الله سبحانه وهذا ما يوافق المجوس القائلين بكون فاعل الخير والشر غير الإنسان ، وهذا مما ينطبق على المجبرة من حيث إثبات القدر لله وسلب الاختيار من الإنسان.
وأما المفوضة فهم القائلون بخالقين : الأول وهو الله الذي خلق الأشياء وأكملها ثم انفصلت عنه فلا سبيل لها في الأرتباط به سبحانه والثاني وهو الإنسان بالنسبة لأفعاله ، لأنه مختار في كل تصرفاته وحريته مطلقاً لا دخل لإرادة الله فيها. وهذا مما يوافق المانوية الذين قالوا أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين أحدهما نور والأخر ظلمة وأنهما أزاليان لم يزلا (1)وهذه أثنينية ، وهي شرك بالله ، ويوافق المجوسية إذ أثبتوا أصلين قديمين مدبرين هما يزدان وأهرمن أي النور والظلمة.
1) الملل والنحل 1 | 224.
المذهب من خلال الأدلة العقلية والآيات الكريمة فمثلاً استدل المجبرة على صحة عقيدتهم بالآيات القرآنية منها :
قوله تعالى : ( يضل من يشاء ويهدي من يشاء ) (1)وقوله تعالى : ( والله خلقكم وما تعملون ) (2)وقولة تعالى ( ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً ) (3). أما المفوضة فقد استدلوا بآيات غيرها منها : قوله تعالى : ( اليوم تجزي كل نفس بما كسبت ) (4)وقوله تعالى ( كل امرئ بما كسبت رهين ) (5)وقوله تعالى : ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها ) (6)وقوله تعالى ( ذلك بإن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (7)وقوله تعالى : ( اليوم تجزون ما كنتم تعملون ) (8). وقوله تعالى : ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) (9)وتعالى ( فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله ) (10)وهكذا آيات كثيرة استدلوا بها على أن الإنسان مختار في فعله له حرية الإرادة في تصرفاته.
الإنسان عندما يستعرض شريط الحياة والوجود والحوادث والحركة الدؤبة في هذا الكون فإنه يجد نفسه لا ينفلت من إطار الجبر والقهر في وجوده قبل أن يولد وإلى أن يلقى حتفه ، فليست له إرادة أو اختيار في وجوده كما أن عدمه أو موته هو الآخر ليس من فعل إرادته وحرية أفعاله.
وفي الوقت نفسه لو أن الإنسان أنعم النظر فيما حوره من تصرفات وافعال سوف يجد أن حياته اليومية وما يصحبها من حركة وسكون تصرفات كلها تنطلق من حريته الخاصة وإرادته الجيدة التي لا قسر ولا جبر ولا إكراه عليه من غيره.
هذا اللون من النتائج سوف يجعل الإنسان في حيرة ويجد نفسه عاجزاً في تبني أي فكرة كي يطبقها أو يجعلها محوراً لعقائده الفكرية والدينية ، بل
فيصدق عليهم جميعاً - المجبرة والمفوضة - تسميتهم بالقدرية ، لما عرفت من أنهم ينفقون القدر ويجعلون سلطان الإنسان هو المتحكم ، كما أنه يصدق عليهم قول الرسول صلی الله علیه و آله مجوس هذه الأمة. فالقدرية القائلون بالاختيار يلتقون مع المعتزلة.
والقدرية القائلون بالجبر يلتقون مع الأشاعرة والفقهاء من أهل الحديث والسنة ، وأول من قال بالقدرية بمعنى الاختيار هو أحد النصارى من أهل العراق الذي اعتنق الإسلام ثم رجع عنه وقد أخذ عنه معبد الجهني وغليان الدمشقي فالأول تبنى هذه الفكرة ونشرها في الكوفة وحواليها ثم البصرة وبعد ذلك أصبح الداعي الأول لأهل العراق. أما غيلان الدمشقي فأخذ على عاتقه نشر فكرة الاختيار في بلاد الشام.
وقد اعتنق فكرة الاختيار والتفويض جماعة كبيرة من أهل العراق بسبب دعوة معبد الجهني إياها ، الذي عمل لها زمناً طويلاً إلى أن اشترك مع ثورة عبد الرحمن بن الاشعث ثم أسر وأخيراً صلبه الحجاج بن يوسف الثقفي. وبعد الجهني برز واصل بن عطاء كصاحب مدرسة. أما غيلان الدمشقي لما استفحل أمره في الشام وضواحيها وقد آل الأمر في الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز عمل له مناظرة كلامية استطاع بها أن يقنعه ووعده أن يرجع ...
ثم قيل أنه قتله هشام بن عبد الملك لما أفحمه الأوزاعي في إحدى مناظراته في القدر. وقيل أن هشام بن الحكم تصدى لقتله بعدما أن تناطرا في القدر.
وأول من قال بالقدر بمعناه السائد عند الأشاعرة والجهمية والفقهاء من أهل السنة ، هو الجعد بن درهم مولى بني الحكم وهو من قاطني الشام ، وله اتصال مع اليهود هناك ، ومنهم أخذ فكرة الجبر وبثها بين المسلمين ، ثم استعمله الحكام الأمويون وكان يتولى لهم تربية أبنائهم ويروج لما يعتقده ، وقد أخذ منه الجهم بن صفوان (1)فكرة الجبر عندما إلتقى به في الكوفة وأصبحت مدرسته هي الأخرى في الكوفة تناقض مدرسة واصل بن عطا وقد .
1) قال الشهرستاني : هو من الجبرية الخالصة ، ظهرت بدعته بترمذ وقتله سالم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية. الملل والنحل 1 | 79.
تبنى الحكام الأمويين المجرسة الجهمية أي الجبرية وروجوا لها بل تحمس للدفاع عنها طبقة الأمراء والولاة والقضاة ، وهم الذين يوعزون تصرفاتهم وظلمهم إلى الباري عز وجل وعلى الناس مجاراتهم لأنهم مجبرون في الرضوخ والتسليم طالما أفعال هؤلاء الظلمة مخلوقة لله - على حد زعمهم - فهي ليس من إرادة الإنسان وحريته.
بهذا التعليل استطاع بني أمية أن يذلوا الرقاب وبستولوا على السلطة ويرتكبوا أفظع الجرائم في التاريخ ويقارفوا المنكرات ويلهو ويولعوا في الشهوات والملذات وكان على رأسهم يزيد بن معاوية.
فليس من الغريب أن نجد الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وأمثالهم يحتلون الصدارة في قصور الحكام وتشملهم الرعاية الخاصة من قبل الأمويين طالما نفسوا لهم كربتهم في أعذارهم وأباحوا لهم ارتكاب كل جرم يخطر ببالهم.
فمثلاً من جملة ما قاله الجهم بن صفوان : إن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة ، وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات ، وتنسب إليه الأفعال مجازاً ، كما تنسب إلى الجمادات ... والثواب والعقاب جبر ، كما أن الأفعال كلها جبر ، وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضاً كان جبراً.
وعلى هذا قال : لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه ، لأن ذلك يقضي تشبيها فنفى كونه : حياً عالماً ، وأثبت كونه : قادراً ، فاعلاً ، خالقاً ، لأنه لا يوصف شيء من خلقه : بالقدرة ، والفعل ، والخلق (1)...
وممن قال بفكرة الجهمية من الجبرية هم النجارية (2)والضرارية (3)وأكثر معتزلة أهل الري.
قال الحسين النجار : الباري تعالى مريد نفسه كما هو عالم لنفسه فألزم عموم التعلق ، فالتزم ؛ وقال : هو مريد الخير والشر ، والنفع والضر. وقال أيضاً : معنى كونه مريداً أنه غير مستكره ولا مغلوب. وقال : هو خالق أعمال العباد خيرها وشرها ، حسنها وقبحها ، والعبد مكتسب لها ...
أما ضرار بن عمرو فقال : الباري تعالى عالم قادر على معنى أنه ليس بجاهل ولا عاجز ، وأن أفعال العباج مخلوقة للباري تعالى حقيقة ، والعبد مكتسبها حقيقة وجوز لذلك حصول فعل بين فاعلين (1).
هذه هي الجبرية التي صيرت الإنسان كالريشة في مهب الريح لا يملك شيئاً من تصرفاته وأفعاله.
ثم جاء الأشعري (2)ليؤكد تلك المقالة التي ذهب إليها المجبرة ، فقال إن أعمال العباد مخلوقة لله ومقدروة له ، ولقوله تعالى : ( والله خلقكم وما تعملون ) (3)لا يشاركه في الخلق غيره ، وقال : أخص وصفه تعالى هو القدرة على الاختراع ثم قال : الإيمان والطاعة بتوفيق الله تعالى ، والفكر والمعيصية بخذلانه ، والتوفيق عنده : خلق القدرة على الطاعة ، والخذلان عنده : خلق القدرة على المعصية (4).
استدل المجبرة القائلون بأن الأفعال مخلوقة لله بعدة أمور يمكن إيجازها بما يأتي :
أولاً : قالوا أن الإسلام غير قادر على أفعاله ولا موجوداً لها بنفسه ، ولو كان الإنسان قادراً ، لزم اجتماع قادرين على فعل أو مقدور واحد ، لأن الله قادر على كل شيء ، والإنسان إذا قلنا قادراً على إيجاد فعله ، كانت قدرتان قد اجتمعتا وهذا باطل بدليل لو أراد الإنسان إيجاد فعل وكانت ارادة الله تعالى عدمه ، أدى إلى اجتماع النقيضين ، وإن وقع أحدهما دون الآخر
أدى إلى ترجيح أحدهما وترك الآخر بدون مرجح ، وكل ذلك باطل ... إذن لا بد من القول بقدرة واحدة هي قدرة الخالق وإن أفعال العباد مخلوقة له.
ثانياً : لما كانت قدرة الله تعالى مطلقة ، أي أنه قادر على كل شيء ، ويفعل ما يريد وإرادته لا تقهر ولا ترد ، إذن لا مجال للقول بأي قدرة للعبد ، وإذا قلنا أن العبد يعنل بقدرته ، أدى بنا إلى تعطيل قدرة الله ووصفه بالعجز ، وهذا يناقض قدرته وإشاءته في كل آن.
ثالثاً : كون الأفعال الصادرة من العباد مخلوقة لله ، لأنها محتاجة إلى مرجح وهذا المرجح لا بد أن يكون مرجعه إلى الله وإلا لو كان بترجيح من العبد فلا يؤدي إلى النتيجة الفاعلة ، بمعنى أن كل ترجيح - لو كان من العبد - هو محتاج إلى ترجيح آخر ، والترجيح الثاني مفتقر إلى ترجيح ثالث ، وهكذ يقع التسلسل.
إذن لا بد من القول بأن ، افعال العبد صادرة بترجيح خارجي منوط بالله سبحانه.
هذه بعض استدلالات الأشاعرة وأهل الجبر ومن تابعهم من الفقهاء من أهل السنة والحديث ، إلا أنها استدلالات ضعيفة قابلة للرد ليس هذا محلها ، وقد تصدى لردها المعتزلة وعلماء الكلام على مر التاريخ ، وإن كتبهم زاخرة بالردود والنقوض ، على أنها هي الأخرى قابلة للرد والنقض.
فمن جملة الردود التي تصح في المقام هي :
أولاً : لو كانت أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وأن الإنسان مجبور عليها فهذا يعني إبطال الثواب والعقاب وهذا خلاف ما يصرح به القرآن الكريم حيث قال تعالى : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) (1)وقوله تعالى : ( وقفوهم إنهم مسؤولون ) (2)وقال تعالى : ( كل نفس بما كسبت رهينة ) (3)وقال تعالى : ( ولتسألن عما كنتم تعملون ) (4)وقوله تعالى : ( ... هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ) (5)وقوله تعالى : ( فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون ) (6)وقوله تعالى : ( إن
الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ) (1)وهكذا آيات كثيرة تنص على المجازاة وإداء المعروف لمن أحسن في الدنيا والعقوبة لمن أساء فيها.
ثانياً : إذا كانت أفعال العبد مخلوقة لله ، فإن ذلك سوف يؤدي إلى تكليف بما لا يطاق وهذا غير صحيح ، عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام قال : الله أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون والله أعز من أن يكون في سلطانه ما لا يريد (2).
ثالثاً : إذا كانت أفعال العبد مخلوقة لله ، فما فائدة بعض الأنبياء والرسل وإنزال الكتب والشرائع؟! أو لم تكن الغاية من بعثهم لهداية الناس وإنذارهم وتعليمهم العبادة الحقة وتحذيرهم من السقوط والهلكة؟!
قال تعالى : ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ) (3)وقال تعالى : ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ... ) (4)وإلى غير ذلك من الآيات البينات (5)
ثم قال : وليكون حجة على من ساءت سريرته وخبثت طينته : ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة كيلا يكون للناس على الله حجة ) . انظر كفاية الأصول 2 | 6. ط الشابندر ، بغداد 1329 ه.
.رابعاً : إن كانت أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وقد أجبرهم عليها ، فإن عقابه للعاصي ظلم - لأن العبد مجبور على فعله - والظلم قبيح على الله ...
قال تعالى : ( يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذك العجل .. ) (6)وقال تعالى : ( وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ... ) (7)وقال تعالى :
1) سورة الأنعام ، الآية : 120.
2) أصول الكافي 1 | 160.
3) سورة الجمعة ، الآية : 2.
4) سورة البقرة ، الآية 213.
5) لقد أفاد الشيخ الخراساني في الكفاية بعد إيراده السؤال المتقدم فقال : لينفع به - ببعث الرسل وإنزال الكتب - من حسنت سريرته وطابت طينته لتكمل به نفسه ويخلص مع ربه انسه ماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. وقد استدل الشسخ بآيات أخرى غير التي استدلينا بها ، منها قوله تعالى : ( فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) .
6) سورة البقرة ، الآية : 54.
7) سورة آل عمران ، الآية : 117.
( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ... ) (1)وإلى ذلك عشرات الآيات المباركات.
خامساً : إذا كانت أفعال العباد مخلوقة لله ، إذن فلا حجة لله على عباده في ارتكاب المعاصي ، بل إن الحجة البالغة سوف تكون للعصاة ...
إلا أن القرآن الكريم يصرح بأن الفعل القبيح إنما صدر بإرادة الإنسان وهو المسؤول عنها والحجة لله تعالى.
قال تعالى : ( ما سلككم في سقر؟ قالوا : لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين ، وكنا نخوض مع الخائضين ، وكنا نكذب بيوم الدين ) (2). فقوله تعالى : ( كنا نخوض مع الخائضين ) واضحة الدلالة من أن أفعالهم كانت صادرة باختيارهم.
إلى غير ذلك من الادلة التي لا يصمد عندها المجبر وبها تبطل مزاعمهم الفاسدة. لكن أنى لهم الردع وقد ترعرعوا في نعيم العيش ، ينقلبون في قصور الحكام والخلفاء وينهلون من أموالهم ومنحهم. فهم الوسيلة لتعضيد الملوك والخلافاء على جورهم والدرع الحصين الذي وقى أولئك الجبابرة ، ومنحهم الشرعية الكاملة لتصرفاتهم وغصبهم للخلافة وجورهم ... فهم بغية أهل الفسق والفجور من الحكام والولاة كما أنهم وجدوا من الظلمة المتنفذين المرتع الخصب لتحقيق المصالح وإشباع الرغبات ...
هذا بيان يكشف لنا فساد عقيدة المجبرة بل وكفرنا وقد مر في الصفحات المتقدمة قول الرسول صلی الله علیه و آله فيهم.
أما المعتزلة التي غربت قبال تشريق المجبرة والأشاعرة وأهل الحديث ، فقد اتفقوا على أن العبد خالق لأفعاله قادر عليها ، صادرة منه بحريته المطلقة وإرادته الكاملة ، وبهذا الاعتقاد أظهرت الخاق الباريء بمظهر العاجز الذي لا يتمكن إعمال إرادته في إرادة مخلوقه .. لأنه - حسب زعمهم - قد أوجد الكائنات وأبدعها وانتهى من خلقها وتركها وشأنها من دون إعمال مشيئته فيها ، وإن أفعال العباد هي إحدى ظواهر الوجود المتحررة عن مباشر المشيئة الإلهية.
والمعتزلة تضم اثنتي عشر فرقة : منها الواصلية والهزلية والنظامية والجاحظية والجبائية ... وكلها قائلة بفكرة معبد الجهني المؤسس الأول ثم تابعه الحسن البصري وواصل بن عطاء ... والجميع يقرون الحرية المطلقة للإنسان ، وإنه في معزل عن إرادة الله تعالى ، وهذا لا يخفى من كونه من معتقدات المجوس الثنوية الذين قالوا بإله الخير وإله الشر.
لأن فكرة المعتزلة تجعل للإنسان إرادة خاصة متفكة عن إرادة الله تعالى وهذا يبعد الإنسان عن إطار التوحيد ليقذفه في حياض الشرك حيث يصبح الإنسان في هذه الحرية صاحب إرادة وحكومة مطلقة ، بعبارة أخرى أن الله - على حد زعمهم - أوجد المخلوقات بأسبابها الخاصة ثم انفصل عنها وجعلها ذوات مستقلة لا ارتباط لها بالأسباب والعلل المؤثرة من قبل الله تعالى. وهذا يقضي أن في الوجود قوتين وقدرتين ، وهذا هو الشرك بعينه ... إلا أن المعتزلة أغمضت عن ذلك.
المؤتمر الحقيقي هو الله وحده لا شريك له حيث لو أراد سبحانه أن يذهب بأثر إرادة الإنسان في أفعاله لفعل. فلا ينفك الوجود بما فيه من أسباب وعلل وناقصة من القدرة الإلهية بل لا يخرج من كونه من فعل الله سبحانه وإنه مفتقر إليه في كل آن. وبعبارة أخرى أن إعطاء القدرة والاختيار هو فعل الله سبحانه لكن الفعل المقدور والمختار من قبل العبد هو فعل العبد.
من كل ماتقدم عرفت عقيدة المجبرة والمعتزلة واتضح أن كل واحد منها غالت في عقائدها وأصبحت على طرفي نقيض ، وهما في الشرك والكفر قد سقطوا من حيث شاؤوا أو أبوا.
وهذا الغلو لا يوجد عند متكلمي الشيعة ، بل هو مرفوض ، بل إن نسبة إلى الفرق المتقدمة هو أليق.
والذي يعطينا الحل المناسب والصحيح هو الأخذ بقول أهل البيت علیهم السلام حيث وضعوا القول الفيصل في المسألة وأقروا أن الأمر بين الأمرين فلا جبر إذن ولا تفويض ، وهذا هو مذهب الإمامية الإثنا عشرية فلا هم على رأي المجبرة ولا هم على رأي المعتزلة ، بل أقروا أن الإنسان موجود لأفعاله ، ولكن بالقدرة التي أودعها الله فيه ، فإذا وجد الداعي وارتفع المحذور صدر الفعل عن فاعله ، ونسب إليه ما فعله ، وشأنه في ذلك شن الإحراق للنار من حيث قيام المعلول بعلته.
فلو لم يكن سبحانه يفيض علينا من قدرته حرية الإرادة والإمكانات والقوى والحياة في كل آن ، لما كنا قادرين على أي عمل نفعله ، لهذا إن أفعالنا الإرادية ترتبط بنا لكونها صاردى من عندنا وفق مصالح يشخصها العبد. وفي نفس الوقت إن هذه الإرادة هي ذخائر المولى - الخالق - في العبد.
وبهذا التقرير يتضح أن الأمور لا بد أن تجري بأسبابها ، وأن من جملة الأسباب هو خلق الإنسان وخلق الإرادة فيه ، وإن أفعالنا الاختيارية صاردة من ذلك السبب وهي الإرادة ، وهذه تقع في آخر جزء من سلسلة الأسباب فإزادة الله هي الإرادة ، وهذه تقع في آخر جزء من سلسلة الأسباب فإرادة الله هي منذ الأزل ولا تنافي هذه الارادة مع حرية البشر في اختيارهم لأفعالهم وبهذا الاختيار تحسن المكافئة على فعل الخير ويجزي العاصي بما فعل من سوء ، قوله تعالى : ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ... ) (1)وقوله تعالى : ( إن هذه تذكرة فمن شاء إنخذ إلى ربه سبيلا ) (2)وقوله تعالى : ( إن هو إلا ذكر للعاملين لمن شاء منكم أن يستقيم ... ) (3).
عن الصدوق بإسناده عن بريد بن عمير بن معاوية الشامي قال : دخلت على علي بن موسى الرضا علیه السلام بمرو ، فقلت له يا بن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمد علیه السلام قال : إنه لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين فما معناه؟ قال علیه السلام : من زعم أن الله عز وجل فوض أمر الخلق والرزق إلى حججه علیه السلام فقد قال بالتفويض ، والقائل بالجبر كافر ، والقائل بالتفويض مشرك.
فقلت له يابن رسول الله فما أمر بين أمرين؟
فقال وجود السبيل إلى اتيان ما أمروا به ، وترك ما نهوا عنه. فقلت له : فهل لله عز وجل مشية وإرادة في ذلك؟ فأما الطاعات فإرادة الهل ومشته فيها الأمر بها والرضى لها والمعاونة عليها وإرادته ومشيته في المعاصي النهي عنها والسخط لها والخذلان عليها قلت : فهل لله فيها القضاء؟ قال : نعم ما من فعل يفعله العباد من خير أو شر إلا ولله فيه قصاء ، قلت : ما
معنى هذا القضاء؟ قال : الحكم عليهم بما يستحقونه على أفعالهم من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة (1).
وقال الإمام علي بن موسى الرضا علیه السلام وقد ذكر عنده الجبر والتفويض ، فقال : ألا أعطيكم في هذا أصلاً لا يختلفون فيه ولا يخاصمكم عليه أخذ إلا كسرتموه؟
قلنا إن رأيت ذلك ، فقال : إن الله تعالى لم يطع بإكراه ولم يعص بغلبه ، ولم يهمل العباد في ملكه ، وهو المالك لما ملكهم ، والقادر على ما أقدرتم عليه فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن الله عنها صادراً ولا منها مانعاً ، وإن ايتمروا بمعصية فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل ، وإن لم يحل ففعلوا فليس هو الذي أدخلهم فيه. ثم قال علیه السلام من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه (2).
عن الحسن بن علي الوشاء قال سألت الإمام أبا الحسن الرضا علیه السلام فقلت : الله فوض الأمر إلى العباد؟ قال : الله أعز من ذلك ، قال : ثم قال : قال الله يا ابن آدم أنا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك مني ، عملت المعاصي بقوتي التي جعلتها فيك (3).
اهذا يستجب الدعاء بهذا المأثور : ( إلهي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ) لأن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي. كما يستجب الإكثار من قوله تعالى : ( لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ) والإمعان فيها دائماً.
ومن الأخبار المأثورة عن أهل البيت (علیهم السلام) الجماعة لأمهات المطالب المتقدمة والتي تكشف عن معنى القصاء والقدر وتوضح عقيدة أهل الجبر وتفضح مقولة أهل الاختيار والتفويض وتبين الأمر بين الأمرين هو قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام لما رجع من حرب صفين إذ كان جالساً في الكوفة فأتاه شيخ فجثا بين يديه ثم قال له : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام أبقضاء من الله وقدر؟ فقال أمير المؤمنين علیه السلام أجل يا شيخ ما علوتم تلعة ولا هبطتم وبطن واد إلا بقضاء من الله
وقدر ، فقال له الشيخ عند الله احتسب عنائي يا أمير المؤمنين؟
فقال له : مه يا شيخ فوالله لقد عظم الله الأجر في مسيركم وأنتم سائرون وفي مقامكم وأنتم مقيمون وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليه مضطرين.
فقال له الشيخ : وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه كان قضاء حتماً وقدراً لازماً؟ أنه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والوجر من الله وسقط معنى الوعد والوعيد فلم تكن لائمة للمذنب ولا محمدة للمحسنين أولى بالعقوبة من المذنب تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وحزب الشيطان وقدرية هذه الأمة ومجوسها. إن الله تبارك وتعالى كلف تهيراً ونهى تحذيراً وأعطى على القليل كثيراً ولم يعص مغلوباً ولم يطع مكرهاً ولم يملك مفوضاً ولم يخلق السماوات والأرض وما بنيهما باطلاً ، ولم يبعث النبيين مبشرين ومنذرين عبثاً ، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار.
فأنشأ الشيخ يقول :
أنت الإمام الذي ترجوا بطاعته *** يوم النجاة من الرحمن غفرانا
أوضحت من أمرنا ما كان ملتبسا *** جزاك ربك بالإحسان إحسانا (1)
وسيأتي البحث إن شاء الله عن التفويض بمعنى التشريع أو التخويل للرسول أمر العباد.
من الغلو - القول بالحلول والتناسخ
فكرة الحلول والتناسخ تعتمد على مسألة الروح ، ومنها تنبثق الفلسفات القديمة الحاكية عن العقائد المتبناة ودورها في بناء الثقافة الزراداشتية واليهودية والنصرانية كما أن المسلمين اوغلوا في البحث عن الروح منذ القرن الأول الهجري وتنامت هذه المسألة بحهنا وجدلاً في القرن الثاني الهجري.
والإنسان الذي تبرز فيه بعض الغرائز وتتحكم في سيره الفكري والثقافي ، سوف تشغله كثيراً عن أصول المسائل ومهام الأمور ليرتمي في المسائل والذي أغمض عنها الشارع المقدس - كالروح - وسكت عن أجزائها ، وإنما جعل الروح من أمر الله فحسب.
والإنسان حريص على ما منع ، فيجب أن يخوض غمار كل مجهول ويسلك كل واد قفر ويتجشم الصعاب في بغيته وهذا التطلع هو شيء غريزي ، وتنفلت هذه الغريزة عن حدودها المعقولة إذا صادفت التعنت في طريقها المرسوم ، كالاقتحام في لحح الغوامض والبحث عما لا طائل من ورائه.
فقد تطلع الإنسان منذ أقدم العصور ليعرف روح آدم علیه السلام التي انحدر هو منها وكذا روح المسيح عيسى بن مريم التي شابهتها في الإبداع والكينونة.
وقد غفل الإنسان أن هذه وأمثالها من الأمور الغيبية التي استأثرها الله سبحانه بعلمه الذي لم يطلع عليه أحد. ومع ذلك فقد نوه القرآن الكريم إلى معنى الروح ولو إجمالاً فقد تعرض إلى روح آدم وروح عيسى علیهماالسلام ...
ففي معرض خلق آدم وسجود الملائكة - بإمر من الله تعالى : - ، قال عز وجل ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) ...(1).
وفي خلق عيسى علیه السلام قال تعالى : ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقيها إلى مريم وروح منه ) (2)وقوله تعالى : ( ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا ) (3)
أما بالنسبة إلى خلق الإنسان قال تعالى : ( .. الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ، ثم سواه ونفخ فيه من روحه... ) (4).
فما هي الروح...؟ ويسئلونك عن الروح ...
لقد أجاب سبحانه تعالى بجملة واحدة ( قل - يا محمد صلی الله علیه و آله - الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) (5).
إذن الروح ليست قديمة كما يزعم الفلاسفة القدماء والنصارى والمجوس بل هي حادثة مخلوقة ، لكن هل هي كسائر الموارد المخلوقة التي لها ورن وتشغل حيزاً من المكان؟! وهل تتصف بأشياء يدركها الحس الخارجي كاللون والطعم والشكل والأبعاد ... لقد عرف العلم الحديث أكثر من ست وثلاثين نوعاً من أحوال المادة وقد غاب عنه أضعاف ما عرفه ولا
زالت البحوث العلمية تكبشف مواصفات جديدة أخرى وأحوال لم تكن معروفة من قبل ...
الروح قد تطلق على إحدى المعاني الآتية :
أولا : قد تطلق ويراد بها الحياة والتي هي قوام لكل كائن حي له إحساس وحركة إرادية.
ثانياً : قد تطلق فيراد بها الوحي وقوله تعالى : ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا (1)) أي القرآن الكريم فسمى الوحي أو القرآن روحاً.
ثالثاً : قد تطلق فيراد بها النفس الناطقة التي هي محل لجميع الكمالات والعلوم ، والمدبرة لشؤون البدن وإصلاحه هذا على حد زعم الحكماء.
رابعاً : قد تطلق فيراد بها جبريل قوله تعالى : ( نزل به الروح الأمين على قلبك ) (2)الروح قد تكون مع الملائكة قوله تعالى : ( يوم يقوم الروح والملائكة صفا.. ) (3)وقد تكون مع الأنبياء قوله تعالى : ( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا... ) (4)وقد تكون مع المؤمنين قوله تعالى : ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه... ) (5)وقد تكون مع الإنسان كالنفخ فيه قوله تعالى : ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ) (6)وقد تكون الروح بمعنى الحياة مع سائر الكائنات الحية.
أما حقيقة الروح فهي بين أهل الكلام والحكماء والمفسرين مختلفة ذات أقوال متعددة ، فمنهم قال أنها جسم هوائي متردد في مخارق البدن.
وقسم ثان قائل بأنها جسم هوائي في هيئة البدن حال فيه إذا ما خرجت منه صدق عليه الموت ، وقسم ثالث قائل بأنها بخار لطيف دخاني.
وقسم رابع قائل بأنها شيء عرض في البدن وإلى غير ذلك الأوقال.
فمهما يكن من اختلاف أو تعدد الأقوال في حقيقة الروح فإن قوله تعالى : ( قل الروح من أمر ربي ) جواب لما تقدم من سؤال اليهود للنبي صلی الله علیه و آله أو سؤال بعض قريش له صلی الله علیه و آله وهذا الجواب في نفسه خطاب لهم بترك التقصي والإحجام عن التوغل في فهم حقيقة الروح ، لأنها أمر غيبي ومن السر المكنون المخزون عند الله سبحانه ، استأثره بعلمه فلم يطلع على هذا العلم أحد.
بعدما فهمنا موقف القرآن الكريم ، أو قل النظرة الكلية من قبل الشريعة الإسلامية لأمر الروح ، والتي قيدت المسلمين ومنعتهم من الخوض في هذا الموضوع ، وإن تركه أسلم للعاقبة وأشمل للتقوى ، إذن ما بال هؤلاء الذين أوغلوا البحث في متاهات هذه المسألة؟! أوليس ذلك قد يؤدي إلى الوقوع في المحذور؟! وإذا كان الأمر كذلك ، قلنا انصاف المرء لنفسه : تركه ما لا يعينه ..
فلنقف عند هذا الحد في أمر الروح ، حتى نبين وجه الارتباط بينها وبين الحلول والتناسخ الذي قالت به أمم سبقت المسلمين بمئات السنين.
من أوائل الأمم التي قالت بالتناسخ والحلول هي المجزس التي قالت تالتثنية ومحصل قولها : إنها أثبتت مدبرين قديمين يقتسمان الخير والشر ، والنفع والضر ، والإصلاح والفساد.
وهذان الأصلان هما ( يزدان وأهرمن ) وتعني ( النور والظلمة ). وكل شيء عندهم يدور وفق قاعدتين ، الأولى كيفية امتزاج النور بالظلمة هذا هو المبدأ والقاعدة الثانية سبب خلاص النور من الظلمة وهذا هو المعاد.
على أن المجوس فرق متعددة ، فعليه بعضهم زعم أن الأصلين النور والظلمة لم يكونا قديمين منذ الأزال ، بل أحدهما قديم أزلي وهو ( النور ) والأصل الثاني ( الظلمة ) محدثة أي ليست أزلية ، ولهذا اختلفوا في الأصل
الثاني ومما تكون؟! لأن النور خير والخير لا يحدث شراً وهو الظلمة ..
وهؤلاء يزعمون أن المبدأ الأول من الأشخاص هو كيومرث والمعنى به آدم علیه السلام وبعضهم قال المبدأ الأول هو زوران الكبير ويعد أول معلم لهم ثم النبي زرادشت.
وللكيومرثية مزاعم في خلق الظلمة وسيطرته على النور وهكذا بالنسبة للزورانية والزرادشتية كلها بهذين الأصلين النور والظلمة واختلفوا في الأصلين أنهما قديمان أزليان ، أم أحدهما قديم أزلي والآخر محدث؟ ثم قالوا أن بعض النور انمسخ فصار ظلمة. وأجلى صورة للتناسخ والحلول عند المجوس ظهرت في الزرادشتية ، وهؤلاء يعتقدون أن الله سبحانه خلق في غابر الأزمان وفي ملكوته الأعلى خلقاً روحانياً ولما مضت ثلاثة آلاف سنة أنفذ مشيئته في صورة من نور على تركيب صورة إنسان ثم أيده بالملائكة والكواكب والشمس والقمر ، ثم جعل روح زرادشت في شجرة أنشأها في أعلى عليين وبعدها مزج شبح زرادشت بلبن بقرة فشربه أبو زرادشت والتي صارت منها نطفة زرادشت وبعد أن ولد وبلغ من العمر ثلاثين سنة وبعضهم قال أربعين سنة بعثه الله نبياً ..
فزرادشت لا يحيد عن مقالة الفرق المجوسية إذ يقر النور والظلمة ، ويقول أنهما أصلان متضادان وكذلك يزدان واهرمن وهما مبدأ الموجودات وحصلت التراكيب من امتزاجهما. كما أن الخير والشر والفساد والصلاح والطهارة والخبث وكل شيء يضاده شيء آخر إنما حاصل ذلك كله من امتزاج النور والظلمة.
ومن مقولات الزرادشتية : أن أول ما خلق من الملائكة ( بهمن ) ثم ( ارديبهشت ) ثم ( شهريور ) ثم ( خرداد ) ثم ( مرداد ) وخلق بعضهم من بعض ، كما يؤخذ السراج من السراج من غير أن ينقص من الأول شيء. ومن مقالاتهم أن للعالم قوة إلهية هي المدبرة لجميع ما في العالم المنتهية مبادئها إلى كمالاتها. وهذه القوة تسمى : ( ماسبند ) وهي على لسان الصابئة : ( المدبر الأقرب ) وعلى لسان الفلاسفة ( العقل الفعال ) ومنه الفيض الالهي ، والعناية الربانية ، وعلى لسان المانوية ( الأرواح الطيبة ) وعلى لسان العرب ( الملائكة ) وعلى لسان الشرع والكتاب الإلهي ( الروح ) إذ قال
تعالى : ( تنزل الملائكة والروح فيها ) (1).
وممن قال بالحلول والتناسخ الثنوية وهي القائلة بالنور والظلمة إلا أنهما أزليان قديميان وأنهما متساويان في القدم مختلفان في الجوهر والطبع ، وللأبدان والأرواح.
وعلى هذا المبدأ المانوية نسبة إلى الحكيم ماني بن فاتك الذي ظهر في زمن سابور بن اردشير ، وقتله بهرام بن هرمز بن سابور ، وذلك بعد نبوة عيسى بن مريم علیه السلام إذ أن ماني ابتدع ديناً جديداً بين المجوسية والنصرانية ، فهو يقول بنبوة عيسى وينكر نبوة موسى علیه السلام .
من عقائد ماني : قال أن العالم مصنوع من مركب من أصلين قديمين أحدهما النور والآخر الظلمة وأنهما أزليان لم يزلا إلى الأبد ، وكل شيء إنما صائر من أصل قديم أما النور وأما الظلمة وأما من امتزاجهما سوية.
أما سبب الامتزاج فمختلف عندهم ، فمنهم قال أن النور والظلمة كان امتزاجهما بالخبط والاتفاق لا بالقصد والاختبار ، والبعض الآخر وهم الأكثرية قالوا أن سبب المزاج إنما كان بتشاغل الظلمة عن روحها بعض البشاغل فنظرت الروح فرأت النور فبعث الأبدان على ممازجة النور فأجابتها لإسراعها إلى السر ، فلما رأى ذلك ملك النور بعث ملكاً في خمسة أجناس من أجناسها الخمسة فاختلطت النورية بالخمسة الظلامية.
وعلى هذا المنوال تلتقي المزدكية مع المانوية في الأصلين وامتزاجهما إلا أن هؤلاء يجعلون الأصول والأركان للخير والشر ثلاثة : الماء والأرض والنار. وتابع المانوية فرقة تسمى بالديصانية وقد أثبتت الأصلين النور الظلمة واختلفت في عملية التمازج بينهما.
وقد تابع المزدكية من المجوس عدة فرق منها الكيونية والصيامية والتناسخية والأخيرة قالت بتناسخ الأرواح في الأجساد والانتقال من شخص إلى شخص ... وهؤلاء يخالفون جميع مذاهب الثنوية إذ يغنون بأيام الخلاص هو رجوع أحزاء النور إلى عالمه الشريف الحميد ، وبقاء أجزاء الظلام في عالمه الخسيس الذميم.
1) سورة القدر الآية : 4 أنظر الزرادشتية من كتاب الملل والنحل الجزء الأول | 216.
والمجوس قاطبة بكل فرقها ومذاهبها تعظم النار وتعبدها لجلالتها وقدسيتها وهي رمز الخير وآية النور وهي جوهر شريف علوي لا تفعل إلا الخير والصالح لذا لم تحرق إبراهيم الخليل علیه السلام وأن عبادتها تنجيهم من العذاب الأخروي ..
وقد انتشرت المجوسية - عبدة النار - في الصين والهند والشرق الأقصى كاليابان ومنغوليا وما تاخمهما من البلدان ولا زالت عبادتهم وثنية لا تعدو النار والهياكل والأصنام وقد شاهدت جملة منها في مناطق عديدة من بلاد الهند.
ومن أبرز الطوائف القائلة بالتناسخ في تلك التي تقطن في الهند وتمارس طقوسها العبادية بكامل الحرية حيث مبدأ الدولة هناك الوثنية الصرفة.
من مظاهر الحلول والتناسخ عندهم ، أنهم يعتقدون أن طائراً يظهر في وقت معلوم ، فيقع على شجرة معلومة ، فيبيض ويفرخ ثم إذا تم نوعه بفراخه حك بمنقاره ومخالبه فتبرق منه نار تلتهب فيحترق الطائر ، ويسيل منه دهم يجتمع في أصل الشجرة في مغارة ، ثم إذا حال الحول وحان وقت ظهوره انخلق من هذا الدهن مثله طير يطير ويقع على الشجرة وهو أبداً كذلك. قالوا فما مثل الدنيا وأهلها في الأدوار والأكوار إلا كذلك (1).
ومن الذين قالوا بالحلول والتناسخ فرقة من الصابئة يسمون بالحرنانية ، هؤلاء قالوا أن الصانع المعبود واحد وكثير.
أما واحد ، ففي الذات والأول والأصل والأزال. وأما كثير فلأنه يتكثر بالأشخاص في رأي العين.
وصور التناسخ عندهم أن تكرر الأكوار والأدوار إلى ما لا نهاية ويحدث في كل دور ما حدث في الدور الأول وأما الحلول فهو الشخص وربما يكون بحلول ذات الصانع المعبود في المدبرات السبعة والأشخاص الأرضية وإذا حل فيهم مضت على ذلك آلاف من السنين حتى ينتهي هذا
1) الملل والنحل 2 | 262.
الدور ليأتي دور آخر جديد كسابقه يتكون من الإنسان والحيوان والنبات وهكذا الدنيا والحياة أبد الدهر.
كيف ما كان فإن سائر الطوائف القائلة بالحلول والتناسخ - مما تقدم - تجعل الأرواح الشريرة الفاسدة تحل بعد الموت بأجساد أخرى مثلها شريرة ، أما أن تحل في أبدان الآدميين ، أو أن تحل في أبدان حيوانات مفترسة.
وأما الأرواح الصالح الخيرة الطاهرة والنافعة فهي تحل بعد الموت في أجساد أخرى مثلها. وقد اختلفوا هل أن الحلول يقع جزئياً فيكون جزء منه في كل أو أن المسخ والحلول يقع كلياً ، لتحل الروح في بدن آخر بعد انتقالها من الجسد الأول كما كانت؟!
هذه مزاعم الوثنية التي سادت معتقداتها أكبر بقاع الأرض ومند آلاف السنين وإلى اليوم ، وقد اتضحت مقولتها في التناسخ والحلول.
وأما النصارى فهم الذين قضوا بتجسيد الكلمة ، اما كيفية هذا التجسيد فهم على مذاهب وفرق ، قالت بعضها أن الكلمة مازجت المسيح ممازجة اللبن والماء والماء واللبن.
وأخرى قالت : اشرق على الجسد إشراق النور على الجسم الرقراق ، وطائفة ثالثة قالت أن تجسيد الكلمة عملية انطباع كالنقش في الشمع ، وطائفة رابعة قالت : تدرع اللاهوت بالناسوت ، وطائفة خامسة ادعت أن التجسيد ظهر به ظهور الروحاني بالجسماني. وجميع هذه الفرق والطوائف ادعت أن الخالق جوهر واحد ظاهر بالأقانيم الثلاثة ، أي الصفات المعروفة لديهم : الوجود والحياة والعلم ، واسطلحوا على هذه الأقانيم الثلاثة : بالاب ، والابن ، وروح القدس. وأن العلم هو روح القدس تجسيد في المسيح دون سائر الأقانيم ، فالأب هو الله والابن هو المسيح ن لذا نفوا القتل عن الجزء اللاهوتي وإنما وقع القتل والصلب على الجزء الناسوتي.
وفرق النصارى لا تختلف في أصل هذه الأقانيم الثلاثة ، بل تختلف
في كيفية حلولها في المسيح علیه السلام فمثلاً الملكانية أثبتت التثليث إذ ( قالت إن الله ثالث ثلاثة ) وأن المسيح ناسوت كلي لا جزئي وهو قديم أزلي ، وقد ولدت مريم إلهاً أزلياً والقرآن قد كذبهم على زعمهم المتقدم فقال تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) (1).
أما اليعاقبة ، اصحاب يعقوب فهم كالملكانية في تقرير الأقانيم الثلاثة إلا أنهم ادعوا أن الكلمة انقلب إلى اللحم والدم فصار الإله هو المسيح.
والقرآن الكريم يبين لنا كفرهم ، قال تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو السميح ابن مريم ) (2).
أما النسطورية اصحاب نسطور الحكيم فقد تابعت مقولة الفرقتين المتقدمتين في الأقانيم واختلفت معهم في كيفية امتزاج الكلمة بالجسد ، وقد أظهر نسطور الحكيم بعض الإصلاحات وتصرف بالأناجيل زمن المأمون وقال اتحدت الكلمة بجسد عيسى على سبيل النقش في الشمع ، وإن الإله هو واحد بالجوهر وبسيط ، وأما الحياة والعلم فهما جوهران وأصلان لمبدأ العالم.
ثم زعمت النسطورية أن الابن متولد من الأب وقد تجسدت الكلمة بجسد المسيح حين ولد ، فالكلمة هو الإله والمسيح هو الإنسان ، وهذان جوهران اتحدا ، فلان يؤثران على قدم القديم ولا على حدوث المحدث.
وخلاصة المذاهب النصرانية أنها تؤمن بالمسيح عيسى أنه ابن الله وهذه النبوة صائرة بالتبني وآخرون قالوا بل أنها صائة بالولادة ، فهو إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي خلق العالم. وأن مريم علیه السلام هي وعاء الكلمة وروح القدس فلا يمكن قذفها بل أنها أحصنت فرجها ، فهي طاهرة مطهرة ، كما أنها إنسان جزئي والجزئي لا يلد الكلي ، والمسيح عيسى علیه السلام إنما هو كلي أولده الأقنوم القديم. وقد زعم آريوس إن الله تعالى روحاً مخلوقة أكبر من سائر الأرواح ، وأنها واسطة بين الأب والابن تؤدي إليه الوحي.
هذه جملة من عقائد النصارى في حلول الروح من الرب في المسيح بواسطة الأقنوم الثالث وهو العلم والمصطلح عليه بروح القدس.
ولا يخفى أن شبهة الحلول واضحة على أنها اتخذت صوراً مختلفة في تصويرها وحقيقتها.
هذه الفكرة في التناسخ والحلول لما كانت عند الأمم ، وقد اطلع عليها المسلمون من خلال الكتب المترجمة من اليونانية والفارسية والهندية والصينية إلى اللغة العربية. وقد نشطت حركة الترجمة منذ النصف الثاني من القرن الأول للهجرة وقد شجع عليها الحكام كما أولع بها بعضهم كخالد بن يزيد بن معاوية. ولما اطلع المسلمون على تلك المذاهب أخذوا يتدارسونها ويبحثون فيها حتى أوجدوا في الإسلام تلك العقائد الفاسدة والخرافات الواضحة التي يأباها العقل ومن دان تدين التوحيد.
ظهرت فكرة التناسخ والحلول عند المسلمين بعدما تأثروا بالثقافات والأديان السابقة ، وأن المذاهب المشبهة هي التي انتحلتها ، حيث قالت يجوز للباري أن يظهر بصورة شخص ، كما كان جبريل ينزل بصورة أعرابي وقد تمثل لمريم بصورة إنسان سوي وللنبي محمد صلی الله علیه و آله بصورة دحية الكلبي.
والمشبهة من الفرق الغالية كما أنها تنتسب إلى السلف من أهل السنة والحديث ، وقد بالغت بالصافت المنعوتة للخالق ، وعلى نقيضهم المعتزلة التي نفت الصفات عنه سبحانه لذا يسمون بالمعطلة.
أما الغلاة ممن انتحل التشيع ، فأول فرقها تلك التي ادعت الألوهية للإمام علي علیه السلام وكانت على زمانه وقد أحرقهم الإمام أمير المؤمنين في خلافته وقد مر حديثهم فيما تقدم. ثم تطورت الفكرة بعدما كانت بدائية لتكون عقيدة ولها مريدون ثم تشكلت منهم فرقة تسمى بالكيسانية والتي قالت بإمامة محمد بن الحنفية ومن بعده ابنه علي ، وعلي أوصى إلى ابنه الحسن وهكذا فإن الإمامة لا تخرج عن بني الحنفية ، ومن فرق الكيسانية القائلة بالتناسخ هي الحربية - نسبة إلى عبد بن عمرو بن حرب الكندي - التي زعمت أن أبا هاشم بن محمد بن الحنفية قد أوصى إلى عبد الله بن عمرو أن روح أبي هاشم تحولت إليه ، وقد ادعت الحربية أن الأرواح تناسخ من شخص إلى شخص ، وأن الخير والشر كائن في هذه الأشخاص ، أشخاص الآدميين أو أشخاص الحيوانات.
ثم قالوا أن روح الله تناسخت حتى وصلت إلى عبد الله وحلت فيه ، فهو الإله وقد اجتمعت فيه النبوة أيضاً ، وتبعه على هذه السخرية من ضعاف العقول وعبدوه ، لانهم يعتقدون أن التناسخ يكون في الدنيا ، وأن الخير والشر في هذه الأشخاص ، فالثواب والعقوبة لا تعدوهم.
واقتفى أثر هذه الفرقة الضالة بيان بن سمعان التميمي حيث ادعى أن الإمامة صائرة من أبي هاشم إليه وهو القائل بألوهية أمير المؤمنين علیه السلام حيث حلت فيه روح الرب مما ظهرت فيه القوة الملكوتية وأنه قلع باب خيبر بقوة ليست جسدية وإنما بقوة رحمانية ملكوتية مشرقة بنور ربها المضيئة فيه ، وادعى بيان أن الجزء الإلهي الذي كان في أمير المؤمنين قد حل فيه بنوع من التناسخ وهذا الجزء الذي هو فيه عينه في آدم والذي استحق به السجود من قبل الملائكة.
ومن الطريف أنه راسل الإمام جعفر الصادق في زمن والده الإمام محمد الباقر يدعوه إلى نفسه ومما كتب إليه : أسلم تسلم ويرتقي من سلم ، فإنك لا تدري حيث يجعل الله النبوة. فأمر الباقر علیه السلام أن يأكل الورقة التي جاء بها فأكلها فمات من وقته ، والفرقة البيانية تنسب إليه ، وقد قتله خالد بن عبد الله القسري.
ومن الفرق الغالبة العباسية وهذه في الأصل كانت تنتمي إلى الرزامية نسبة إلى رزام بن رزم الذي ساق الإمامة من علي إلى ولده محمد بن الحنفية ثم إلى ولده أبي هاشم ثم انتقلت الإمامة بالوصاية إلى علي بن عبد الله بن عباس ثم إلى محمد بن علي ، وهذه أوصى بالإمامة إلى ولده إبراهيم وهو صاحب أبي مسلم الخراساني الذي دعى إلى إمامته وعلى يده انتهى ملك بني أمية لتقوم مكانها دورة بني العباس ، والعباسية ادعت أن الإمامة أيضاً حلت في أبي مسلم لأن روح الإله قد حلت فيه (1). وراح هذه المذهب في خراسان. ثم انتهى بمقتل أبي مسلم الخراساني على يد أبي جعفر المنصور الدوانيقي بحيلة دبرها له. قالت هذه الطائفة أن الأئمة آلهة
1) وقد تسمى هذه الطائفة بالخرمدينية وقد تسمى بالمسلمية أصحاب أبي مسلم الخراساني وسبب هذه التسمية أنهم كانوا يقطعون في قربة تسمى خرم أباد من أعمال الري.
وأنهم أنبياء وأنهم رسل وأنهم ملائكة ، وأقروا فكرة التناسخ في الأرواح ، وقد أبطلوا البعث والقيامة والحساب ، وزعموا أن الدنيا هي المبدأ والمعاد لأن الروح تخرج من بدن لتدخل في بدن آخر غيره وهذا هو معنى القيامة فإن كانت خيراً فهي كذلك وإن كانت شراً فهي شر ، وهذه الأبدان هي محل السرور أو الحزن فهي أما منعمة وأما معذبة وتكون جانب إن حلها السرور وتكون النار أن حلها الحزن والعذاب. والأرواح الحسنة تحل في أبدان جميلة أنيسة منعمة والأرواح الشريرة تحل في ارداء الاجسام وأزذلها كالقدرة والخنازير والكلاب والعقارب والحيات فهي - الأبدان - أما منعمة إلى الأبد وأما معذبة إلى الأبد.
ثم قالوا أن النعيم أو العذاب ينصب على الأرواح دون الأبدان ، وتأولوا قوله تعالى : ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ) (1)إذ قالوا جميع الحيوانات ؛ السباع والطيور والدواب كانت أمماً وقد سبقت فيها كلمة الإنذار والتبليغ والنبوات وقامت عليهم الحجة وما صلح من تلك الأرواح السابقة قد فسدت بذنوبها وعصيانها وكفرت بخالها فإنها لا محال قد حلت بعد وفاتها في أبشع صورة كريهة ، إذ أن روحه قد سكنت في بدن خبيث ذات صور قبيحة ، وعلى هذا تأولوا قوله تعالى : ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمني وأما إذا ما ابتلاه فقدره عليه رزقه فيقول ربي أهانني ) (2).
ومن الفرق الغالية التي قالت بالتناسخ والحلول ، تلك التي تنتسب إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهي فرقة تنتمي في الاصل إلى المختارية ، ادعت هذه الفرق الإمامة في عبد الله بن معاوية ، وزعمت أنهم يتعارفون في كل بدن يحلون فيه ومنشأ هذا التعارف عندهم منذ تواجدهم في زمن نوح علیه السلام عندما كانت أرواحهم في تلك الأبدان التي دخلت السفينة ثم صارت تتقلب من جسد إلى آخر بتوالي الزمان حتى مجيء الرسول محمد صلی الله علیه و آله فتعارفت أرواحهم من أصحاب النبي وقد تأولوا
الحديث الصادر عن الرسول صلی الله علیه و آله لما قال : ( أن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اخنلف ).
فنحن نتعارف كما قال علیه السلام . ثم قالوا أن الأرواح المؤمنة تخرج من أبدانها بعد الموت حتى تحل في أبدان الحيوانات الجميلة كالخيل والطيور والحيوانات الأليفة وهذه أيضاً على مراتب حسب أيمانها المتقدم ؛ قد تكون تلك الحيوانات مما يرتع في قصور الخلافاء والملوك فيحسن إليها المأكل ويهتم بتربيتها غاية الاهتمام ، وقد تكون من نصيب عامة المؤمنين من الناسس فتحظى باهتمام أقل وهذا كله منوط بدرجة إيمان تلك الأرواح التي خرجت من أبدانها الأولى لتحل في أبدان هذه الحيوانات ، ثم أن هذه الأرواح لا تحل في أبدان هذه الحيوانات إلا لفرض الامتحان والابتلاء ، وهي في هذا المكث تمضي ألف سنة ومن بعد تصير إلى عالم آخر فتحل في الأبدان الأنسية مرة أخرى ، أما الأرواح الكافرة والشريرة والمنافقة ، فهي تحل في الحيوانات الشرسة والذميمة والقبيحة كالخنزير والقرد والفيل والجمل ، وقد تأولوا قوله تعالى : ( حتى يلج الجمل في سم الخياط ) (1)وهذه الأرواح تخرج منها بعد ذلك فهي صائرة إلى الأبدان الإنسية ، وقد خرجت من الامتحان مرضية فتحل في الأبدان الأنسية مدة ألف سنة وبعدها كذلك تعود إلى الأجسام الخبيثة الشريرة وهكذا أبد الأبدين بين عذاب طويل ونعيم قصير.
ومن الفرق الأخرى التي قالت بالتناسخ هي الخطابية نسبة إلى محمد ابن مقلاص أبي زينب المشهور بأبي الخطاب ، قال أبو الخطاب بعدما ادعى الألوهية للإمام الصادق فتبرأ منه الإمام علیه السلام ولعنه ، قال اللغين إن الله هو نور يدخل في أبدان الأوصياء فيحل فيها فكان ذلك النور في جعفر الصادق علیه السلام ثم انتقل منه ليحل في أبي الخطاب ثم خرجت هذه الروح من أبي الخطاب وحلت في معمر بن الأحمر بياع الطعام ، فمعمر هو الله ، حيث ورث هذه الروح بالتناسخ من واحد إلى آخر حتى وصلت إليه بعدما كانت هذه في بدن عبد المطلب وهي على شكل نور ثم انتقلت بالتناسخ إلى عبد
1) سورة الأعراف ، الآية : 40.
الله ثم إلى محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى علي بن أبي طالب وهكذا ...
ولم تقف الخطابية عند ذلك بل روحت فكرة الحلول والتناسخ على يد النساء ومن طريف ما يذكر هنا القصة التي يرويها الشيخ الطوسي ( قدس سره) في كتاب الغيبة ، قال : أخبرني الحسين بن إبراهيم عن أحمد بن نوح عن أبي نصر هبة الله بن محمد بن أحمد الكاتب ابن بنت أم كلثوم بنت أبي جعفر المعمري ( رضی الله عنه ) قال : كان أبو جعفر بن أبي العزاقر وجيهاً عند بني بسطام وذاك أن الشيخ أبا القاسم ( رضی الله عنه ) كان قد جعل له عند الناس منزلة وجاهاً فكان عند ارتداده يحكي كل كذب وبلاء وكفر لبني بسطام ، وبسنده عن الشيخ أبي القاسم فيقبلونه منه ويأخذونه عنه حتى انكشف ذلك لأبي القاسم ( رضی الله عنه ) فأنكره واعظمه ونهى بني بسطام عن كامه وأمرهم بلعنه والبراءة وأقاموا على توليه وذاك أنه كان يقول لهم : أنني أذعت السر وقد أخذ علي الكتمان فعوقبت بالإبعاد بعد الإختصاص لأن الأمر عظيم لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن ممتحن ، فيؤكد في نفوسهم عظم الأمر وجلالته ، فبلغ ذلك أبا القاسم ( رضی الله عنه ) فكتب غلى بني بسطام بلعنه والبراءة منه وممن تابعه على قوله ، وأقام على تولية فلما وصل إليهم أظهروه عليه فبكى بكاءً عظيماً ، ثم قال : إن لهذا القول باطناً عظيماً وهو ان اللعنة الإبعاد ، فمعنى قوله لنعه الله أي باعده الله عن العذاب والنار ، والآن قد عرفت منزلتي ، ومرغ خديه على التراب وقال : عليك بالكتمان لهذا الأمر.
قالت الكبيرة ( رضی الله عنه ) : وقد كنت أخبرت الشيخ أبا القاسم أن أم أبي جعفر بن بسطام قالت لي يوماً وقد دخلنا إليها فاستقبلتني وعظمتني وزادت في إعظامي حتى انكبت على رجلي تقبلهما ، فأنركت ذلك وقلت لها : مهلاً يا ستي فإن هذا أمر عظيم وانكببت على يدها فبكت ثم قالت : كيف لا أفعل بك هذا وأنت مولاتي فاطمة.
فقلت لها وكيف ذاك يا ستي؟
فقالت لي : إن الشيخ أبا جعفر بن علي خرج إلينا بالسر.
قالت : فقلت لها وما السر؟
قالت : قد أخذ علينا كتمانه وأفزع إن أنا أذعته عوقبت.
قالت وأعطيتها موثقاً أني لا أكشفه لأحد واعتقدت في نفسي الاستثناء
بالشيخ ( رضی الله عنه ) يعني أبا القاسم الحسين بن روح ، قال : إن الشيخ أبا جعفر قال لنا : إن روح رسول الله صلی الله علیه و آله انتقلت إلى أبيك ، فكيف لا أعظمك يا ستنا؟
فقلت لها : مهلاً لا تفعلي فإن هذا كذب يا ستنا ، وقالت لي : سر عظيم وقد أخذ علينا أننا لا نكشف لأحد فالله الله في لا يحل لي العذاب ، ويا ستي لو أنك حملتينى على كشفه لما لك ولا لأحد غيرك.
قالت الكبيرة أم كلثوم ( رضی الله عنها ) : فلما انصرفت من عندها دخلت إلى الشيخ أبي القاسم بن روح ( رضی الله عنه ) فأخبرته بالقصة وكان يثق بي ويركن إلى قولي ، فقال لي : يا بنية إياك أن تمضي إلى هذه المرأة بعدما جرى منها ولا تقلبي لها رفعة إن كاتبتك ولا رسولاً إن أنفذته إليك ، ولا تلقيها بعد قولها ، فهذا كفر بالله تعالى وإلحاد قد أحكمه هذا الرجل الملعون في قلوب هؤلاء القوم ليجعله طريقاً إلى أن يقول لهم بأن الله تعالى اتحد به وحل فيه كما يقول النصارى في المسيح علیه السلام ويعدو إلى قول الحلاج لعنه الله ، قالت : فهجرت بني بسطام وتركت المضى إليهم ولم أقبل لهم عذراً ولا لقيت أمهم بعدها ، وشاع في بني نوبخت الحديث فلم يبق أحد إلا وتقدم إليه الشيخ أبو القاسم وكاتبه بلعن أبي جعفر الشلمغاني والبراءة منه وممن يتولاه ورضى بقوله أو كلمه فضلاً عن موالاته ، ثم ظهر التوقيع من صاحب الزمان علیه السلام بلعن أبي جعفر محمد بن علي والبراءة منه تابعه وشايعه ورضي بقوله ، أقام على توليه بعد المعرفة بهذا التوقيع وله حكايات قبيحة وأمور فظيعة (1).
ومن الخطابية نشأت فرق ومذاهب كثيرة - كلها غالية تقول بالتناسخ والحلول ، وتأولت الكثير من الآيات والأخبار - منها المخمسة والبشيرية والعلبائية والبزيعية والسرية نسبة إلى السري الأقصم ، والمغيرية ، والسلمانية وهي فرقة من الغلاة ، أظهروا دعوة التشيع واستبطنوا المجوسية ، فزعموا أن سلمان هو الرب وأن محمداً صلی الله علیه و آله داع إليه. وأن سلمان لم يزل يظهر نفسه لأهل كل دين وملة ، وهؤلاء في عقائدهم يقتفون آثار المجوس وتعاليمهم (2).
ومن العباسية التي انتحلت التشيع هي المسلمية ، وقد مر ذكرها ، والروندية نسبة إلى أبي هريرة عبد الله الروندي وقد تسمى بالهريرية. وطائفة ممن قالت بإمامة أبي هاشم بن محمد بن الجنفية ، فلما مات أبو هاشم قالت بانتقال الوصية إلى ولد العباس بن عبد المطلب إلى أن صارت إلى إبراهيم ، وتسمى هذه الطائفة بالهاشمية.
كل هذه الفرق التي تنتمي إلى الباسية كانت تدعوا في الخلافاء إلى بني العباس إلى أن تم لهم سقوط الدولة الأموية ، آنذاك أعلنوا حقيقة أمرهم وانكشف للناس كذبهم وزورهم والذي خدعوا فيه المسلمين لما كانوا يدعونهم إلى أهل البيت (علیهم السلام) في العلن. أما في السر فقد دعوا إلى أنفسهم.
جميع الفرق التي تقدمت والتي انتحلت الإسلام استطاعت أن تنفذ إلى المجتمع من خلال تزوير الحقائق والكذب على الرسول والأئمة الأطهار (علیهم السلام) وتأويل الآيات والأخبار وفق مصالحها ، والتستر بالصلاح والزهد والتقوى ، وبذل المال والهدايا ، وتحليل ما حرم الله سبحانه وإباحة كل شيء لأصحابهم ، والتشكيك في عقائد المؤمنين وكل ما يقف دونهم أو يشهر السلاح بوجههم حتى أن بعض الفرق استعملت الخنق كوسيلة للقضاء على مناوئيم ...
هذه نبذة مختصرة عن الفرق القائلة بالحلول أو التناسخ ، وقد عرفت أن الفرقة الناجية الإمامية الإثنا عشرية تكفر كل الآراء المتقدمة وهي بريئة من مقالات أولئك الأشخاص المنبوذين الذين يدعون الإسلام وينتحلون مذهب التشيع.
قال الصدوق ( رضی الله عنه ) بإسناده عن الحسين بن خالد الصيرفي قال : قال أبو الحسن الرضا علیه السلام من قال بالتناسخ فهو كافر ، ثم قال : لعن الله الغلاة ألا كانوا يهوداً ألا كانوا مجوساً ، ألا كانوا نصارى ، ألا كانوا قدرية ، ألا كانوا مرجئة ، ألا كانوا حرورية ، ثم قال علیه السلام : لا تقاعدوهم ولا تصادقوهم ، وأبرؤا منهم ، برئ الله منهم (1).
1) عيون أخبار الرضا 2 | 202.
من الغلو - القول بأنهم يستقلون في العلم بالغيب
الغيب نقيض الشهادة ، يصدق على ما يقع عليه الحس وهو الباري سبحانه وآياته الكبرى الغائبة عن حواسنا كالوحي والقيامة وأهوالها والقبر وعذابه ...
اختلف العلماء في القوة المدركة وهل يقتصر الإدراك على الحس أم يتعداه إلى العقل ليؤمن بالأشياء التي خفيت عليه وقصرت الحواس الخارجية عن إدراكها؟ أغلب القدماء وحكماء المسلمين جوزوا التأويل على الحس والعقل معاً ، بل قالوا إن البرهان العلمي لا يشمل المحسوس ، وهذا ما يخالف علماء الطبيعة القائلون بالملاحظة والتجربة وإنما تدرك الأشياء عندهم من خلال الحواس ، لذا لا يعتمدون على غيره ، ودللوا على صحة مقولتهم بعدة أدلة منها : قالوا إن العقل كثيراً ما يعتريه الخطأ في التفكير وبالتالي الخطأ في البرهان ، أما الأسلوب الصحيح الذي يعتمده في نتائجه على الملاحظة والإستقراء والتجرية على أن هذا الدليل واه جداً ، لأن العقل إذا كان يخطأ أحياناً فهذا لا يعني تعطيله وعدم الاعتماد عليه مطلقاً ، كما أن الحواس هي الأخرى قد لا تصيب الواقع بالملاحظة والتجربة والقرآن يؤكد لنا هذه الصورة وذلك أن الظمآن يشاهد من بعيد السراب فيحسبه ماء ... وهو توهم وخيال غير قابل الاعتماد ، وهكذا بقية الحواس فلا شك من وقوع الخطأ في تشخيصها الخارجي.
ثم أن موضوع الخطأ والصواب تشترك فيه مقدمات حية ليستنتج منها كليات عقلية قابلة للاحتجاج كالقياس المنطقي لعملية استقراء شامل.
علم الغيب مختص بالله سبحانه ، كما أن مفتاح الغيب وخزائن الغيب هي عند الله تعالى ، قال عز من قائل : ( وعنده مفتاح الغيب لا يعلمها إلا هو ) (1)وقال تعالى : ( ولله خزائن السماوات والأرض ) (2)وقال تعالى : ( عالم الغيب والشهادة... ) (3).
ثم علمه سبحانه لا يقتصر على الغيب أو الشهادة بل إنه عام كلي يشمل هذا وذاك وغيره قوله تعالى : ( ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) (4).
لقد أدرك الإنسان الأشياء الشاخصة المحسوسة بقواه وإدراكاته الحسية وما عداها فهي أما غائبة عنه وأما هي غيب وسبحانه قد أحاط علمه بكل هذه الأقسام وقبل ان تقع ، قوله تعالى : ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنة وما ننزله إلا بقدر معلوم ) (5).
والغيب قد يكون مطلقاً بحيث لا يمكن معرفته وإنما علمه عند الله سبحانه ، وقد يكون الغيب نسبياً ، وذلك ما غاب عنا ولم تدركه حواسنا الآن كبعض مجاهيل البحار وغرائب مخلوقاته وبعض الحقائق التي ممكن معرفتها فيما لو توفرت لها مقدماتها الخاصة وتهيأت لها الإستعدادات الكاملة.
ثم إن الإنسان المحدود في الأبعاد ، والحواس والإدراك كيف يستطيع أن يدرك المطلق الذي يحده زمان ولا مكان؟ والإنسان والمخلوق العاجز كيف يستطيع أن يدرك كل ما غاب عنه وخفي؟
فالغيب شيء خارج عن حد الإنسان. كما أن العلم الذي يكسبه العبد بأي وسيلة كانت ومهما بلغ ، فلا يستطيع أن يحيط بكل العلوم والمعارف الإكتسابية فكيف به أن يحيط بالعلم اللدني؟!.
أما سبحانه فيعلم الغيب لأنه غير محدود الوجود ، وهو بكل شيء محيط فلا يمتنع شيء عنه فما امتنع علينا فهو غيب لا نعرفه ، ولا يصدق شيء من هذا الامتناع علي الباري ، فلا يكون غيباً بالنسبة إليه ، بل كل شيء قد أحصاء علمه ...
وهذا العلم الذي استأثره الله لنفسه ، قد يظهر بعضه لأنبيائه ورسله ، فالوحي غيب ، وكثيراً ما يخبر الرسول أو النبي صلی الله علیه و آله عن أمور لم تقع أو ستقع في القريب العاجز أو في البعيد الآجل ، فهذا من علم الله الذي استأثره لنفسه وقد أظهر لعبده المختار للنبوة والرسالة وهذا الإظهار نوع كرامة وتأييد بل إنه نوع معجزة للتدليل على صدق الرسول والرسالة ...
قال تعالى : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول ) (1)، إذاً سبحانه وتعالى يعلم الغيب بالأصالة وأنه يعلم لذاته ، وغيره - النبي وسائر المعصومين - يعلمون بالتبعية أي أنهم يعلمون بعض ذلك الغيب بتعليم من الله سبحانه.
وشأن العلم هنا يساوق التوفي ويضارعه ، فإن التوفي ينسب إلى الله تعالى أصالة ، قوله سبحانه : ( الله يتوفى الأنفس ) (2)وقوله تعالى : ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ ) (3)وقوله تعالى : ( والله خلقكم ثم يتوفاكم ... ) (4)فهذه وغيرها من الآيات صريحة أن التوفي من قبل الله تعالى هو بالأصالة لكن لا ينافي لو نسب التوفي إلى الملائكة إلا أنه على نحو التبعية والتكليف من قبل المولى لكونهم أسباباً متوسطة مسخرة له يعلمون بأمره ولا يحيدون عنه ، قوله تعالى : ( قل يتوفاكم ملك الموت ) (5)وقوله تعالى : ( الذين تتوفاهم الملائكة ) (6).
وعلى هذا التقرير فإن الأنبياء والرسل والأولياء إذا علموا من الغيب شيئاً فإنما هو على نحو التبعية ، وبتعليم منه تعالى لمن ارتضى من رسول ، والذي يؤكد هذا المعنى قوله تعالى : ( قل ما كنت بدعاً من الرسل وما
أدري ما يفعل بكم بي ولا بكم إن اتبع إلا ما يوحي إلي ) (1).
ولا يخفى أن الوحي هو من علم الغيب الذي ينزله الله على أنبيائه ورسله ليكون الوحي جزءاً مهماً من حياة الرسالة الرسول الذي سوف يؤدي إلى تبليغ رسالة السماء العادلة وبها يهتدي المهتدون ويضل من أبى.
فما يخبر بها النبي عن طريق الوحي هو من العلم الذي استأثره الله وبالتالي هو غيب أظهره الله لنبيه قوله تعالى : ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ) (2)وقوله تعالى : ( فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون ) (3)وقوله تعالى : ( فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا ... ) (4).
وهذا المقياس لا يقتصر على النبي بل يدخل فيه الرسول والإمام ... لأنك عرفت أن النبي خارج عن الاستثناء في الآية الشريفة حيث أن النبي ينزل عليه الوحي وينبأه بما يريد سبحانه وهذا من سنخ الغيب أظهره الله لتعليم نبيه والنبي يعلمه بالتبعية لأنه مكلف بأداء الرسالة فهو الوسيط بين الله والناس وأما الرسول فإنه مستثنى بالآية الشريفة : ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) (5).
فما كان للنبي - معرفته للغيب - بالتبعية ، صار إلى الأئمة (علیهم السلام) بالوراثة فهم (علیهم السلام) يعلمون الغيب بهذا المقدار. ولا أعني بالوراثة هو تعليم النبي صلی الله علیه و آله لهم فحسب ، بل كل ما ورثوه منه وما نالوه بواسطة المحادثة والنقر في الأسماع والإلهام وغير ذلك (6).
كتب الإمام الرضا رسالة قال فيها : قال علي بن الحسين علیه السلام أن
محمداً صلی الله علیه و آله كان أمين الله في أرضه فلما قبض محمد صلی الله علیه و آله كنا أهل البيت ورثته ونحن أمناء الله في أرضه عندنا علم البلايا والمنايا وأنساب العرب ومولد الإسلام وأنا لنعرف الرجل إذا رأيناه ، بحقيقة الإيمان وحقيقية النفاق وأن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم أخذ الله علينا وعليهم اليثاق يردون موردنا ويدخلون مدخلنا نحن النجباء وإفراطنا إفارط الانبياء نحن أبناء الأوصياء ونحن المخصوصون في كتاب الله ونحن أولى الناس بالله ومحن أولى الناس بكتاب الله ونحن أولى الناي بدين الله ونحن الذين شرع لنا دينه فقال في كتابه شرع لكم - يا آل محمد - من الدين ما وصى به نوحاً. وقد وصنا بما أوصى به نوحاً والذي أوحينا إليك - يا محمد - وما وصينا بما أوصى به نوحاً والذي أوحينا إليك - يا محمد - وما وصينا به إبراهيم وإسماعيل وموسى وعيسى وإسحاق ويعقوب فقد علمنا وبلغنا ما علمنا واستودعنا علمهم ، نحن ورثة الأنبياء ونحن ورثة أولي العزم من الرسل أن أقيموا الدين - يا آل محمد - ولا تفرقوا فيه وكونوا على جماعة كبر على المشركين من أشرك بولاية علي ما تدعوهم إليه من ولاية علي أن الله - يا محمد - يهدي إليه من ينيب من يجيبك إلى ولاية علي علیه السلام . (1).
صرح الإمام علیه السلام أنهم أهل البيت ورثة النبي وأمناء الله في الأرض وعندهم علم البلايا والمنايا وأنساب العرب ... وغير ذلك من العلوم التي ورثوها من علم النبي صلی الله علیه و آله ، والنبي علمه من الوحي من الله الذي علمه بعض الغيب فأظهره له ، فكان يعرفه بالتبعية لا بالأصالة.
وهذا العلم لو انتقل إلى الأئمة المعصومين أبناء رسول الله صلی الله علیه و آله وأمنائه على دينه لم يكن فيه أي ضير ولا ينافي أصل العقيدة التي أثبتناها قبل قليل ، فأي بدعة فيه؟!
وهل تعتقد أن ذلك غلو في حق الأئمة علیهم السلام ؟!
بل هم أكثر من ذلك لو عرفنا حقيقتهم ومنزلتهم عند الله سبحانه وتعالى ، وقد أشار الباري جل وعلا فقال : ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقتون ) فهم أولى من غيرهم بهداية الناس. وهم
1) بصائر الدرجات 138.
أولى من غيرهم بالصبر وهم أولى من غيرهم باليقين في آياته ...
نعم في الغلو لو قلنا أنهم يعلمون الغيب على وجه الإطلاق أو كونه بالأصالة والاستقلالية ، وهذا ما تقره الشيعة الإمامية الإثنا عشرية. والأئمة (علیهم السلام) نفوا عن أنفسهم هذه المرتبة وأغلظوا على من قال به ممن انتحل التشيع ، وأظهر حبه لهم ، بل ولعنده وأمروا الناس بلعنه. والأخبار في هذا الجانب كثيرة ، منها التوقيع الصادر عن الإمام الحجة (عجل الله تعالی فرجه الشریف) حيث نفى ذلك الاعتقاد وتلك الرتبة التي قال بها الغلاة من الفرق التي أحدثتها السياسة القائمة آنذاك وساعدت الظروف على نموها إذ قال الإمام علیه السلام : إني بريء إلى الله وإلى رسوله ممن يقول إنا نعلم الغيب ونشاركه في ملكه ...
وكذلك الخبر الوارد عن أبي بصير عن الإمام الصادق علیه السلام لما سأله عن مقالة بعض الغلاة فقال له يقولون : تعلم قطر المطر وعدد النجوم وورق الشجر ووزن ما في البحر وعدد التراب ...
فأجابه الإمام علیه السلام ... والله ما يعلم هذا إلا الله.
وهكذا سنورد بعض الأخبار التي تنتفي عنهم ما كان من مختصات الباري وتثبت بعض ما كان لهم والذي حصلوه عن جدهم بالوراثة كما يرث سائ الناس من آبائهم وأجدادهم مع الفارق حيث يرث الناس الأموال وبعض الذخائر المادية والمعنوية ، أما الأئمة المعصومون ، فإنهم ورثوا العلم والهيبة والوقار والكمالات الروحية والبدنية ...
عن سدير الصيرفي قال : سمعت حمران بن أعين يسأل أبا جعفر علیه السلام عن قوله عز وجل : ( بديع السماوات والأرض ) (1)قال أبو جعفر علیه السلام : إن الله عز وجل ابتدع الأشياء كلها بعلمه على غير مثال كان قلبه ، فابتدع السماوات والأرضيين ولم يكن قبلهن سموات ولا أرضون ، أما تسمع لقوله تعالى : ( وكان عرشه على الماء ) (2)؟ فقال له حمران : أرأيت قوله جل
ذكره : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً ) (1)فقال أبو جعفر علیه السلام : ( إلا من ارتضى من رسول ) ، كان الله محمد ممن ارتضاه ، وأما قوله تعالى : ( عالم الغيب ) فإن الله عز وجل عالم بما غاب عن خلقه فيما يقدر من شيء ، ويقضيه في علمه قبل أن يخلقه وقبل أن يفضيه إلى الملائكة ، فذلك يا حمران ، علم موقوف عنده إليه فيه الشيئة ، فيقضيه إذا أراد ويبدو له فيه فلا يمضيه ، فأما العلم الذي يقدره الله عز وجل فيقضيه ويمضيه فهو العلم الذي انتهى إلى رسول الله صلی الله علیه و آله ثم إلينا (2).
الإمام سلام الله عليه في حديثه مع حمران يفرق بين العلم الذي استأثره الله لنفسه ، وهو الذي إن شاء يمضيه وإن لم يشاء لن يمضيه. هذا علم خاص به ، وبين العلم الذي قدره وأمضاه ، وهذا قد ينتهي إلى الرسول ومنه صلی الله علیه و آله إلى الأئمة (علیهم السلام).
وعن سدير أيضاً قال : كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزاز وداود بن كثير في مجلس أبي عبد الله علیه السلام إذا خرج إلينا وهو مغضب ، فلما أخذ مجلسه قال : يا عجباً لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب ، ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل ، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني فما علمت أي بيوت الدار هي ، قال سدير : فلما أن قام من مجلسه وصار في منزله دخلت أنا وأبو بصير ومسير وقلنا له : جعلنا فداك سمعناك وأنت تقول كذا وكذا في أمر جاريتك ونحن نعلم أنك تعلم عملاً كثيراً ، ولا ننسبك إلى علم الغيب ، قال : فقال : يا سدير ، ألم تقرأ القرآن؟ قلت : بلى ، قال فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل : ( قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليم كرفك ) (3)قال : قلت جعلت فداك قد قرأته ، قال : فهل عرفت الرجل؟ وهل علمت ما كان عنده من علم الكتاب؟ قال : قلت أخبرني به؟ وهل علمت ما كان عنده من علم الكتاب؟ قال : قلت أخبرني به؟ قال قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر فما يكون ذلك من علم الكتاب؟! قال : قلت جعلت فداك ما أقل هذا فقال : يا سدير ما أكثر هذا ، أن ينسبه الله عز وجل إلى العلم الذي أخبرك به ، يا سدير فهل
وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل أيضاً : ( قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) (1)قال : قلت جعلت فداك ما أقل هذا فقال يا سدير : ما أكثر هذا ، وأن ينسبه الله عز وجل إلى العلم الذي أخبرك به يا سدير ، فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز وجل أيضاً : ( قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) (2)قال : فقلت : قد قرأته جعلت فداك ، قال : أفمن عنده علم الكتاب كله أفهم أم من عنده علم الكتاب بعضه؟ قلت : لا ، بل من عنده علم الكتاب كله ، قال : فأوما بيده إلى صدره وقال : علم الكتاب والله كله عندنا علم الكتاب والله كله عندنا (3).
وعن عمار السباطي قال : سألت أبا جعفر علیه السلام يقول : نزل جبرائيل على محمد صلی الله علیه و آله برمانتين من الجنة ، فلقيه علي علیه السلام فقال : ما هاتان الرمانتان اللتان في يدك؟ فقال : أما هذا فالنبوة ، ليس لك فيها نصيب ، وأما هذا فالعلم ثم فلقها رسول الله صلی الله علیه و آله بنصفين فأعطاه نصفها وأخذ رسول الله صلی الله علیه و آله نصفها ثم قال : أنت شريكي فيه وأنا شريكك فيه ، قال : فلم يعلم والله رسول الله صلی الله علیه و آله حرفاً مما علمه الله عز وجل إلا وقد علمه علياً ثم انتهى العلم إلينا ، ثم وضع يده على صدره (4).
يستفاد من الحديث عدة أمور منها :
1 - أن النبوة مختصة بالرسول محمد صلی الله علیه و آله وليس للإمام علي نصيب فيها وهذا خير ذليل للرد على من غلا في حق أمير المؤمنين وأبنائه الطاهرين.
2 - أن علم الرسول عند الإمام أمير المؤمنين ، وقد صار إليه أما بتعليم وأما بوراثة أو بطريق ما.
3 - ما كان عند الإمام أمير المؤمنين علیه السلام انتقل إلى ولده المعصومين وكان الإمام أبي جعفر واحداً منهم حيث أشار إلى صدره.
عن المفضل بن عمر قال : قلت لأبي الحسن علیه السلام : روينا عن أبي عبد الله علیه السلام أنا قال : إن علمنا غابر ومزبور ونكت في القلوب ونقر في الاسماع ، فقال أما الغابرفما تقدم من علمنا ، وأما المزبور فما يأتينا ، وأما النكت في القلوب فإلهام وأما النقر في الأسماع فامر الملك (1).
في الحديث إشارة إلى نوع العلم وأقسامه ، وإلى طريق أخذ العلم فنوع العلم قسمان ما كان وما يكون. أما كيفية أخذه فيتم أما بطريق الإلهام ، وأما بطريق أمر الملك.
الطبرسي في الاحتجاج يذكر التوقيع الذي خرج عن صاحب الزمان علیه السلام رداً على الغلاة لكتاب كتبه محمد بن علي بن هلال الكوفي إليه علیه السلام ، قال علیه السلام :
يا محمد بن علي تعالى الله عز وجل عما يصفون سبحانه وبحمده ، ليس نحن شركاؤه في عمله ولا في قدرته بل لا يعلم الغيب غيره كما قال في محكم كتابه تباركت أسماؤه : ( قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ) (2).
وأنا وجميع آبائي من الأولين : آدم ونوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من النبيين ومن الآخرين محمد رسول الله وعلي بن أبي طالب وغيرهم ممن مضى من الأئمة صلوات الله عليهم أجميعن ، إلى مبلغ أيامي ومنتهى عصري عبيد الله عز وجل يقول الله عز وجل : ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ) (3).
يا محمد بن علي قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم ، ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه ، فأشد الله الذي لا إله إلا هو به شهيداً ، ورسوله محمداً صلی الله علیه و آله وملائكته وأنبياءه وأولياءه (علیهم السلام) وأشهدك وأشهد كل من سمع كتابي هذا أني بريء إلى الله وإلى رسوله ممن يقول أنا نعلم الغيب ونشاركه في ملكه ، أو يحلنا محلاً سوى المحل الذي رضيه الله لنا وخلقنا له ، أو يتعدى بنا عما قد فسرته لك وبيتنه في صدر كتابي.
وأشهدكم : أن كل من نبرأ منه فإن الله يبرأ منه وملائكته ورسله وأولياؤه وجعلت هذا التوقيع الذي في هذا الكتاب أمانة في عنقك وعنق من سمعه أن لا يكتمه لأحد من موالي وشيعتي ، حتى يظهر على هذا التوقيع الكل من الموالي لعل الله عز وجل يتلافاهم فيرجعون إلى دين الله الحق ، وينتهون عما لا يعلمون منتهى أمره ، ولا يبلغ منتهاه ، فكل من فهم كتابي ولا يرجع إلى ما قد أمرته ونهيته فقد حلت عليه اللعنة من الله وممن ذكرت من عباده الصالحين (1).
نقل الكشي عن حمدويه قال : حدثنا يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن ابن المغيرة قال : كنت عند أبي الحسن علیه السلام أنا ويحيى بن عبد الله بن الحسن علیه السلام فقال يحيى : جعلت فداك إنهم يزعمون أنك تعلم الغيب؟ فقال سبحان الله ضع يدك على رأسي ، فوالله ما بقيت في جسدي شعرة ولا في رأسي إلا قامت.
قال ثم قال : لا والله ما هي إلا وراثة عن رسول الله صلی الله علیه و آله (2).
وبهذا الخبر يتأكد أن علمهم (علیهم السلام) إنما ورثوه من النبي صلی الله علیه و آله وإن علم الغيب الذي هو مختص بالله ليس لهم ، بل استأثرهم الله سبحانه بفيوضات وإلهام ، والقرآن الكريم يؤكد ذلك المعنى أو المقدار المستأثر : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد إلا من ارتضى من رسول ... ) (3).
ومما يؤكد الذي قلناه الخبر المروي عن أبي عمرو عن حمدويه قال :
حدثنا يعقوب عن ابن أبي عمير عن شعيب عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله علیه السلام أنهم يقولون ، قال : وما يقولون؟ قلت يقولون تعلم قطر المطر وعدد النجوم وورق الشجر ووزن ما في البحر وعدد التراب. فرفع يده إلى السماء وقال سبحان الله سبحان الله لا والله ما يعلم هذا إلا الله (1).
والخبر المروي عن أحمد بن علي القمي السلولي ، قال : حدثني أحمد ابن محمد بن عيسى عن صفوان ، عن عنبسة بن مصعب ، قال : قال لي أبو عبد الله علیه السلام : أي شيء سمعت من أبي الخطاب؟
قال سعمته يقول : إنك وضعت على صدره وقلت له عه ولا تنس! وإنك تعلم الغيب وأنك قلت له : هو عيبة علمنا ، وموضع سرنا ، أمين على أحيائنا وأمواتنا.
قال : لا والله ما مس شيء من جسدي إلا يده ، وأما قوله أني قلت أعلم الغيب : فوالله الذي لا إله إلا هو ما أعلم الغيب ، ولا آجرني الله في أمواتي ولا بارك لي في أحيائي إن كنا قلت له ، قال : وقدامه وجويريه سوداء تدرج.
قال : لقد كان مني إلى أم هذه ، أو إلى هذه كخطة القلم فأتتني هذه ، فلو كنت أعلم الغيب ما كانت تأتيني.
ولقد قاسمت مع عبد الله بن الحسن حائطاً بيني وبينه ، فأصابه السهل والشراب وأصابني الجبل ، فلو كنت أعلم الغيب لأصابني السهل والشراب وأصابه الجبل. وأما قوله إني قلت له هو عيبة علمنا ، وموضع سرنا ، أمين على أحيائنا وأمواتنا ، فلا أجرني الله في أمواتي ولا بارك لي في أحيائي إي كنت قلت له شيء من هذا قط (2).
بجد فيما تقدم عبارات صريحة منهم (علیهم السلام) في نفي الغيب الذي كان يتصوره الغلاة في حقهم وهو الغيب الذاتي ، أما العرضي أو الذي يكون بالتبعية من قبيل علم النبي صلی الله علیه و آله أو الوصايا وما ورثوه ، فهذا أمر محقق
وشيء عادي بالنسبة لهم ، لأن علمهم هذا ليس طويلاً قبال علم الله ، بل إنما هو في العرض يتحقق لهم. وما ورد في الأخبار أنهم يعلموم ما كان وما هو كائن إلى قيام الساعة ، أو أنهم يعلمون أسماء أصحابهم وشيعتهم وهم في الاصلاب ، وكذا يعلمون أسماء أعدائهم ويعلمون متى يموتون وأي شيء يحصل لهم من البلايا والمصائب ، وما أخبروه عن الحوادث التي تقع في المستقبل ، وأنهم يعرفون الإضمار وحديث النفس ، ويعرفون منطق الطير ولغة الحيوانات ... إلى غير ذك من العناوين التي قد يتصورها المخالف أنها من الغلو في حق الأئمة (علیهم السلام) ، بل وربما بعض المواقف أيضاً يدعيها غلواً فيهم ... فهذا الإدعاء وذاك التصور من المخالفين غير صحيح.
وأقول كل ذلك لم يكن من الغلو بشيء بل هي مراتب حقة لهم ، وأنهم عباد مكرمون أكرمهم الله بالعلم واليقين الثابت ، وليس هم أقل شأناً من النبي سليمان عندما أطاعته الريح والحيوانات والجن والطير ، ليس هم أقل شأناً من عيسى الذي كان يحيى الموتى بإذن الله!
نعم إن هؤلاء الأنبياء سلام الله عليهم امتازوا بالنبوة ونزول الوحي عليهم ، والأئمة المعصومون لم يكن لهم ذلك ، وقد ورد عنهم (علیهم السلام) أنهم قالوا : نزهونا عن الألوهية وقولوا فينا ما شئتم ، وفي بعض الأخبار يستفاد منها تنزيههم عن التبوة كذلك.
ورب سائل يسأل كيف ورثوا هذه العلوم من النبي؟ وهل علمهم كان فقط بالوراثة؟ من أن علمهم قد يكون بالوراثة وقد يكون بغيره ، فأما الأول الأخبار والروايات مستفيضة ومتواترة حتى بلغت حد الشهرة ، فإن علومهم ورثوها عن الكتب التي أملاها رسول الله صلی الله علیه و آله على الإمام أمير المؤمنين علیه السلام والتي فيها علم كل شيء وما كان وما سيكون ، ومن الأحكام فيها تبيان كل شيء حتى ارش الخد ، وكذلك ورثوا الصحيفة الجامعة ، وورثوا مصحف فاطمة وكتاب الجفر ...
وأما القسم الثاني مع علومهم فكان بالإلهام والنقر في الأسماع و ...
عن أبي جعفر الباقر علیه السلام عن أبائه قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله لأمير المؤمنين اكتب ما أملي عليك ، قال علي علیه السلام يا نبي الله وتخاف - علي - النسيان؟
قال لست أخاف عليك النسيان وقد دعوت الله لك أن يحفظك فلا ينساك لكن اكتب لشر كائك. قال : قلت ومن شركائي يا نبي الله ، قال الآئمة من ولدك بهم يسقي أمتي الغيث وبهم يستجاب دعاؤهم وبهم يصرف البلاء عنهم وبهم تنزل الرحمة من السماء وهذا أولهم وأومى بيده إلى الحسن ثم أومى بيده إلى الحسين ثم قال الآئمة من ولدك (1).
عن بكر بن كرب قال كنا عند أبي عبد الله علیه السلام فسمعنا ، يقول أما والله عندنا ما لا نحتاج إلى الناس وإن الناس يحتاجون إلينا إن عندنا الصحيفة سبعون ذراعاً بخط علي واملاء رسول الله صلی الله علیه و آله فيها من كل حلال وحرام وإنكم لتأتون فتدخلون علينا فنعرف خياركم من شراركم (2).
وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال إن عندنا صحيفة من كتب علي طولها سبعون ذراعاً فنحن نتبع ما فيها لا نعدوها ، وسألته عن ميراث العلم ما بلغ أجوامع هو من العلم أم فيه تفسير كل شيء من هذه الأمور التي تتكلم فيه الناس مثل الطلاق والفرايض؟
فقال إن علياً كتب العلم كله القضاء والفرايض ، فلو ظهر أمرنا لم يكن شيء إلا فيه نمضيها (3).
وعن جابر بن يزيد الجعفي عن الباقر علیه السلام قال : قال أبو جعفر إن عندي لصحيفة فيها تسعة عشر صحيفة قد حباها رسول الله صلی الله علیه و آله (4).
عن عبد الله بن سنان قال سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول إن جبرائيل أتى رسول الله بصحيفة مختومة بسبع خواتيم من ذهب وأمر إذا حضره أجله أن يدفعها إلى علي بن أبي طالب فيعمل بما فيه ولا يجوزه إلى غيره وأن يأمر كل وصي من بعده أن يفك خاتمه ويعمل بما فيه ولا يجوز غيره (5).
وعن علي بن ميسرة عن أبي أراكة قال كنا مع علي علیه السلام فحدثنا
أن علياً ورث من رسول الله السيف وبعض يقل البغلة ، وبعض يقول ورث صحيقة في حمائل السيف إذ خرح علي علیه السلام ونحن في حديثه فقال أيم الله لو انبسط ويؤذن لي لحدثتكم حتى يحول الحول لا أعبد حرفاً وأيم الله إن عندي لصحف كثيرة قطايع رسول الله صلی الله علیه و آله وأهل بيته وإن فيها لصحيفة يقال لها العبيطة وما ورد على العرب أشد عليهم منها وإن فيها لستين قبيلة من العرب مبهرجة ما لها في دين الله من نصيب (1).
وعن محمد بن حكيم عن أبي الحسن الكاظم علیه السلام قال إنما هلك من كان قبلكم بالقياس إن الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيه حتى أكمل له جميع دينه حلاله وحرامه فجاءكم مما تحتاجون إليه في حياته وتستغيثون به وبأهل بيته بعد موته وإنها مصحف عند أهل بيته حتى أن فيه لأرش خدش الكف ، ثم قال : إن أبا حذيفة لعنه الله ممن يقول قال علي وأنا قلت (2)لا يخفى أن أبا حنيفة كان يعمل بالقياس وكانت بينه وبين الإمام الصادق علیه السلام عدة مناظرات وقد تتلمذ في أواخر عمره على الإمام الصادق حتى قال كلمته المشهورة ( لو لا السنتان لهلك النعمان ... ).
ومن الصحف التي عندهم هي صحف إبراهيم موسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء ، عن فيض بن المختار عن أبي عبد الله قال إن رسول الله صلی الله علیه و آله أفيضت إليه صحف إبراهيم وموسى فائتمن عليها صلی الله علیه و آله علياً وائتمن عليها الحسن وائتمن عليها الحسين حتى انتهت إلينا (3).
وعن يونس بن عبد الرحمن عن هشام بن الحكم في حديث بريهة حين سئل موسى ابن حعفر علیه السلام فقال يا بريهة كيف علمك بكتاب الله؟
قال أنا به عالم. قال فكيف ثقتك بتأويله؟
قال ما أوثقني بعلمي فيه ، قال فابتدأ موسى علیه السلام في قراءة الإنجيل فقال بريهة والمسيح - صيغة قسم - لقد كان يقرأها هكذا وما قرأ هذه القراءة إلا المسيح ثم قال إياك كنت أطلب منذ خمسين سنة قال هشام فدخل بريهة والمرأة على أبي عبد الله وحكى هشام الكلام الذي يجري بين
موسى وبين بريهة فقال بريهة جعلت فداك أين لكم التوراة والإنجيل وكتب الأنبياء؟ فقال هي عندنا وراثة من عندهم مقرؤها كما قرؤها ونقولها كما قالوها والله لا يجعل حجة في أرضه يسأل عن شيء فيقول لا أدري ، فلزم بريهة أبا عبد الله علیه السلام حتى مات (1).
وعن ليث المرادي أنه حدثه عن سدير بحديث فأتيته فقلت فإن ليث المرادي حدثني عن بحديث فقال ما هو قلت جعلت فداك حديث اليماني قال نعم كنت عند أبو عبد الله علیه السلام فمر بنا رجل من أهل اليمن فسأله أبو جعفر عن اليمن فأقبل يحث فقال له أبو جعفر علیه السلام هل تعرف صخرة في موضع كذا وكذا قال نعم ورايتها فقال الرجل ما رأيت رجلاً أعرف بالبلاد منك فلما قام الرجل قال لي أبو جعفر علیه السلام يا أبا الفضل تلك الصرخة التي حيث غضب موسى فألقى الألواح فما ذهب من التوراة التقمته الصخرة فلما بعث الله رسوله أدته إليه وهي عندنا (2).
وعن الأصبغ بن نباتة قال : قال لما تقدم علي الكوفة صلى بهم أربعين صباحاً فقرأ بهم سبح اسم ربك الأعلى ، فقال المنافقون والله ما يحس أن يقرأ ابن أبي طالب القرآن ولو أحسن أن يقرأ بنا غير هذه السورة ، قال فبلغه ذلك فقال ويلهم إني لأعرف ناسخة ومنسوخة ومحكمه ومتشابهه وفصله من وصله وحروفه من معانية والهل ما حرف نزل على محمد صلی الله علیه و آله إلا وأنا أعرف فيمن أنزل وفي أي يوم نزل وفي أي موضع نزل ، ويلهم أما يقرأون أن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى. والله عندي ورثتها من رسول الله صلی الله علیه و آله من إبراهيم وموسى ، ويلهم ، والله إني أنا الذي أنزل الله في ( وتعيها إذن واعية ) (3)فإنا كنا عند رسول الله فخبرنا بالوحي فأعيه ويفوتهم ، فإذا خرجنا قالوا ماذا قال آنفا (4).
ومن جملة الكتب التي ورثوها ، مصحف فاطمة علیهاالسلام وهي ليست قرآن أو أحكام بل فيها علم غزير وهو علم ما سيكون.
عن حماد بن عثمان قال سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول تظهر الزنادقة في سنة ثمانية عشرين ومائة وذلك لأني نظرت في مصحف فاطمة. قال فقلت : وما مصحف فاطمة علیهاالسلام فقال إن الله تبارك وتعالى لما قبض نبيه صلی الله علیه و آله دخل على فاطمة من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله عز وجل فأرسل إليها ملكاً يسلي عنها غمها يحدثها فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين علیه السلام فقال لها إذا أحسست بذلك فسمعت الصوت فقولي لي فأعلمته فجعل يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفاً قال : ثم قال أما أنه ليس فيه من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون (1).
وعن علي ابن رئاب عن أبي عبيدة قال سأل أبا عبد الله علیه السلام بعض أصحابنا عن الجفر ، فقال هو جلد ثور مملوء علماً ، فقال له ما الجامعة؟ فقال تلك صحيفة طولها سبعون ذراعاً في عرض الأديم مثل فخذ الفالج فيها كل ما يحتاج الناس إليه وليس من قضية إلا وفيها - حتى - ارش الخدش.
قال له فمصحف فاطمة؟ فسكت طويلاً ثم قال إنكم تبحثون عما تريدون وعما لا تريدون. إن فاطمة مكثت بعد رسول الله صلی الله علیه و آله خمس وسبعين يوماً وقد دخلها حزن شديداً على أبيها وكان جبرائيل يأتيها فيحسن عزاها على أبيها ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها وكان علي يكتب ذلك فهذا مصحف فاطمة (2).
ويعلم من الحديث أن مصحف فاطمة ليس كما يزعمه المخالفون أنه قرآن آخر غير الذي بأيدي الناس حتى يكفرون الشيعة به ، ولا هو كتاب مسائل في الحلال والحرام ، بل إنه علم ما يكون ...
وعن أبي بصير ، قال دخلت على أبي عبد الله علیه السلام فقلت له إني أسئلك جعلت فداك عن مسألة ليس هيهنا أحد يسمع كلامي فرفع أبو عبد الله علیه السلام ستراً بيني بين بيت آخر فاطلع في ثم قال يا أبا محمد سل عما بدا لك. قال قلت : جعلت فداك أن الشيعة يتحدثون أن رسول الله صلی الله علیه و آله علم علياً علیه السلام باباً يفتح منه ألف باب. قال فقال : أبو عبد الله علیه السلام يا أبا محمد .
علم والله رسول الله علياً ألف باب يفتح له من كل باب ألف باب.
قال : قلت له والله هذا لعلم فنكت ساعة في الأرض ثم قال إنه لعلم وما هو بذلك ثم قال يا أبا محمد وإن عندنا الجماعة وما يدريهم ما الجامعة قال قلت جعلت فداك وما الجامعة؟
قال صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله صلی الله علیه و آله واملأ من فلق فيه وخط علي بيمينه ، فيها كل حلال وحرام ، كل شيء يحتاج الناس إليه حتى الارش في الخدش ، وضرب بيده إلي ، فقال بأذن لي يا أبا محمد؟ قال : قلت جعلت فداك إنما أنا لك أصنع ما شئت قال فغمزني بيده ، فقال حتى ارش هذا كأنه - مغضب - قال : قلت جعلت فداك هذا والله العلم. قال إنه لعلم وليس بذلك ثم سكت ساعة ، ثم قال إن عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر مسك شاة أو جل بعير. قال : قلت جعلت فداك ما الجعفر؟ قال وعاء أحمر أو أدم أحمر فيه علم النبيين والوصيين ، قلت هذا والله العلم ، قال إنه لعلم ، وماهو بذلك ثم سكت ساعة ، ثم قال : وإن عندنا لمصحف فاطمة علیهاالسلام وما يدريهم ما مصحف فاطمة. قال مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد وإنما هو شيء أملاها الله وأوحى إليها قال قلت هذا والله ه العلم. قال إنه لعلم وليس بذاك. قال ثم سكت ساعة ثم قال إن عندنا لعلم ما كان وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة. قال : قلت جعلت فداك هذا والله هو العلم قال : إنه لعلم وما هو بذاك ،. قال : قلت جعلت فداك فأي شيء هو العلم؟ قال ما يحدث بالليل والنهار الأمر بعد الأمر ، والشيء إلى يوم القيامة (1).
لقد اشتمل الحديث على عدة فقرات مهمة وهي :
إن الإمام الصادق علیه السلام بين أن الرسول علم علياً ألف باب ومن كل باب يفتح له ألف باب ، لا كما قال أبو بصير باب واحد ...
ثم بين الإمام سلام الله عليه الجامعة وطولها سبعون ذراعاً وإنه من املاء الوحي على الرسول وقد خطه الإمام علي بيمينه ، وإن فيها كل المسائل الشرعية من الحلال والحرام ما كبر وصغر.
ثم بين سلام الله عليه الجفر وإنه وعاء علم النبيين سواء على شكل كتاب
1) بصائر الدرجات 171 | الحديث 3.
مخطوط فيه آثارهم ووصاياهم أو أنه سر مكنون مستودع في ذلك الوعاء.
ثم بين مصحف فاطمة علیهاالسلام وأن حجمه ثلاث أضعاف حجم القرآن الكريم وقد توهم البعض أنه ( القرآن ) الذي نزل على صدر نبينا محمد صلی الله علیه و آله وأن حجمه الحقيقي هو ثلاث مرات ، وهو ليس كذلك ، بل الإمام عين حجم هذا المصحف لا إنه هو القرآن الحقيقي ، وفرق بين أن يقول هو القرآن وبين أن يمثل حجمه بالقرآن وهذا لا يخفى على أدنى شخص يعرف اللغو أو شيئاً من البلاغة.
والعبارة صريحة منه علیه السلام قال : والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد. إنما هو شيء املاها الله وأوحى إليها ...
وقد طبل المخالفون والمغرضون ، فقالوا إن الشيعة تزعم أن لديها القرآن الأصلي وهو الذي يسمى بمصحف فاطمة. وبعضهم قال إن الشيعة تدعى أن لها قرآنين أحدهما أكبر من الآخر. وإلى غير ذلك من أكاذيبهم وطعونهم ثم بين الإمام الصادق علیه السلام في آخر فقرة من الحديث أن عنده علم ما كان علم ما كائن أي أخبار المستقبل.
أقول : دلت الأخبار الكثيرة على أن فاطمة كانت تسمع صوتاً ولا ترى له شخصاً فعلم أنها كانت محدثة ، تحدثها الملائكة وهكذا الأئمة (علیهم السلام) وهذا ليس غلو في حقهم ، بل إنما أمر خصه الله بهم على وجه التكريم.
وعن الحكم بن عيينة قال دخلت على علي بن الحسين يوماً فقال لي يا حكم : هل تدري ما الآية التي كان علي بن أبي طالب علیه السلام يعرف صاحب قتله ويعلم بها الأمور العظام التي كان يحدث به الناس؟
قال الحكم فقلت في نفسي قد وقفت على علم من علم علي بن الحسين علیه السلام أعلم بذلك تلك الأمور العظام.
قال فقلت : لا والله لا أعلم به أخبرني بها يابن رسول الله صلی الله علیه و آله . قال والله : قول الله : ( وما أرسلنا من رسول ) (1)( ولا نبي ولا محدث ) فقلت وكان علي بن أبي طالب علیه السلام ؟ قال نعم وكل إمام من أهل البيت فهو محدث (2).
وعن حمران عن أبي جعفر علیه السلام قال : قال رسول الله من أهل بيتي اثنا عشر محدثاً. فقال له عبد الله بن زيد كان أخا علي لأمه سبحان الله كان محدثاً - كالمنكر لذلك - فأقبل عليه أبو جعفر علیه السلام فقال أما والله إن ابن أمك بعد وقد كان يعرف ذلك. قال فلما قال ذلك سكت الرجل. فقال أبو جعفر هي التي هلك فيها أبو الخطاب لم يدر تأويل المحدث والنبي (1).
وعن أبي بصير عن أبي عبد الله قال : كان علي محدثاً وكان سلمان محدثاً قال : قلت فما آية المحدث؟ قال يأتيه فينكت في قلبه كيت وكيت (2).
وعن علي بن جعفر الحضرمي عن سليم بن قيس أنه سمع علياً علیه السلام يقول إن أوصياني من ولدي مهديون كلنا محدثون فقلت يا أمير المؤمنين من هم؟ قال الحسن والحسين علیهماالسلام ثم ابني علي بن الحسين (علیهم السلام). قال : وعلي يومئذ رضيع ثم ثمانية من بعده واحداً بعد واحد وهم الذين أقسم الله بهم فقال ( ووالد وما ولد ) ، أما الوالد فرسول الله صلی الله علیه و آله ، وما ولد يعني هؤلاء الأوصياء قلت : يا أمير المؤمنين علیه السلام أيجتمع إمامان؟
قال : لا إلا واحدهما مصمت لا ينطق حتى يمضى الأول. قال سليم الشامي سألت محمد بن أبي بكر ، قلت كان علي علیه السلام محدثاً؟ قال نعم. قلت : وهل يحدث الملائكة إلا الأنبياء؟ قال أما تقرأ ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث ) ؟ قلت فأمير المؤمنين محدث؟ قال نعم وفاطمة كانت محدثة ولم تكن نبيه (3).
يدل هذا الحديث وحديث حمران عن أبي جعفر علیه السلام أن فاطمة علیهاالسلام كانت محدثة وأن سلمان الفارسي كان أيضاً محدث.
وقد عرفت أن ذلك من علوهم في الصفاء ومنزلتهم في الإيمان والتقوى وما نالوا هذه المنزلة إلا بطاعتهم لله وعبوديتهم الخالصة له سبحانه ، فأكرمهم الله ، بأن جعل لهم ملائكة تحدثهم فيأنسون بأنسهم في الحديث الذي يكون على شكل القذف في القلب أو الوقر في السمع.
عن الحسن بن محبوب عن الأحوال قال سمعت زرارة يسأل أبا جعفر الباقر علیه السلام قال أخبرني عن الرسول والنبي والمحدث؟
فقال أبو جعفر علیه السلام الرسول الذي يأتيه جبرائيل قبلاً فيراه يكلمه فهذا الرسول. وأما النبي فإنه يرى في منامه على نحو ما رأى إبراهيم علیه السلام ونحو ما رآى رسول الله صلی الله علیه و آله ومن أسباب النبوة قبل الوحي حتى أتاه جبرائيل من عنده بالرسالة كان محمداً صلی الله علیه و آله حين جمع له النبوة وجاءته الرسالة من عند الله يجيئه بها جبرائيل ويكلمه بها قبلاً ، ومن الأنبياء من جمع له النبوة ويرى في منامه يأتيه الروح فيكلمه ، ويحدثه من غير أن يكون رآه في اليقظة ، وأما المحدث فهو الذي يحدث فيسمع ولا يعاين ولا يرى في منامه (1).
عن زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال كنت بالمدينة فلما شدوا على دوابهم وقع في نفسي شي من أمر الحدث فأتيت أبا جعفر علیه السلام فاستأذنت فقال من هذا قلت زرارة ، قال ادخل ، ثم قال كان رسول الله صلی الله علیه و آله يملي على علي علیه السلام فنام نومة ونعس فلما رجع نظر إلى الكتاب فمد يده قال من أملى هذا عليك قال أنت قال لا بل جبرائيل (2).
عن أبي حمزة الثمالي قال كنت أنا والمغيرة بن سعيد جالسين في المسجد فأتانا الحكم بن عيينه فقال سمعت من أبي جعفر علیه السلام حديثاً ما سمعه أحد قط فسألناه فأبى أن يخبرنا به فدخلنا عليه فقلنا إن الحكم بن عيينة أخبرنا أنه سمع منك ما لم يسمعه منك أحد قط فأبى أن يخبرنا به فقال نعم وجدنا علم علي علیه السلام في آية من كتاب الله : ( وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث ) فقلنا ليست هكذا هي ، فقال في كتاب علي وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ، فقلت وأي شيء المحدث فقال ينكت في أذنه فيسمع طنيناً كطنين الطست فقلت إنه نبي ثم قال لا مثل الخضر ومثل ذي القرنين (3).
أقول سبق في كيفية أخذ العلم بواسطة الإلهام أو بأمر الملك. والنكت في القلب والأذن واحد ، حيث أن الأذن طريق محسوس وموصل إلى القلب ، والقلب وعاء للخطابات والمعرفة ، لهذا كانت الخطابات القرآنية تصور القلوب وهي وعاز الفهم ، والفقه ، والمعرفة ، والإيمان والكسب ، والطهارة ، والقساوة ، والزيغ ، والمرض ، والخشوع ، والنفاق ... الخ.
اتضح من كل ما تقدم أن الأئمة (علیهم السلام) لم يعلموا الغيب ولم يقل أحد منهم بذلك أما علمهم بالمغيبات وأخبارهم بما يجري على شيعتهم وما سيقع من الحوادث ، فقد عرفت إنما كان من العلم الذي ورثوه من الرسول صلی الله علیه و آله ومن الصحف التي كانت عندهم.
قال الزجاج كما يحكيه الشيخ الطوسي في معنى الآية : ( وعنده مفتاح الغيب لا يعلمه إلا هو ... ) قال : يريد عنده الوصله إلى علم الغيب وكل ما لا يعلم إذا استعلم يقال فيه افتح علي.
وقال ابن عمر مفتاح الغيب خمس ثم قرأ : ( إن الله عنده علم الساعة ... ) الآية قال الشيخ الطوسي : وتأويل الآية إن الله تعالى عالم بكل شيء من مبتدات الأمور وعواقبها فهو يعجل ما تعجيله أصوب وأصلح ويؤخر ما تأخيره أصوب وأصلح وإنه الذي يفتح باب لمن يريد من الأنبياء والأولياء ، لأنه لا يعلم الغيب سواه ولا يقدر أحد أن يفتح باب العلم به للعباد إلا الله (1).
أم ما ورد في أن مفاتيح الغيب خمس فهي كما يذكرها الطبرسي ( قدس ) في تفسيره لقوله تعالى : ( إن الله عنده علم الساعة ) . قال : أي استأثره سبحانه ولم يطلع عليه أحد من خلقه فلا يعلم وقت قيام الساعة سواه أو ينزل الغيث ، فيما يشاء من زمان أو مكان والصحيح أن معناه ويعلم نزول الغيث في مكانه وزمانه كما جاء في الحديث أن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ، ويقرأ هذه الآية : ( ويعلم ما في الأرحام ) أي ويعلم ما في أرحام الحوامل ، أذكر أم أنثى ، أصحيح أم سقيم ، واحد أو أكثر؟ ( وما تدري نفس ماذا تكسب غداً ) أي ماذا تعمل في المستقبل وقيل ما يعلم بقاءه غداً فكيف يعلم تصرفه ، ( وما تدري نفس بأي أرض تموت ) أي في
1) مجمع البيان 2 | 311.
أي أرض يكون موته وقيل إنه إذا رفع خطوة لم يدر أنه يموت قبل أن يضع الخطوة أم لا. وإنما قال بأي أرض لأنه أراد بالأرض المكان ...
وقد روي عن أئمة الهدى (علیهم السلام) إن هذه الأشياء الخمسة لا يعلمها على التفصيل والتحقيق غيره تعالى (1). إلا أن تلك الأخبار غير تامة ن لأن النبي صلی الله علیه و آله والائمة الأطهار (علیهم السلام) كانوا يعلمون تلك الأشياء على التفصيل والتحقيق ، لكن ليس على أوجه الاستقلال ، بل الله سبحانه اطلعهم على ذلك. الآيات الخمسة الأخيرة من سرة لقمان أوضحت لنا الأمور الغيبية التي لا يعرفها إلا الله وهي :
1 - قيام الساعة إلا الله وهي :
2 - نزول الغيث أي المطر.
3 - ما يكون في أرحام الحوامل من حمل.
4 - ماذا تفعل النفس في المستقبل من الطاعات أو المعاصي.
5 - موت الإنسان وبأي أرض يحصل له ذلك.
لقد بينا فيما تقدم أن علم الله الذي استأثره لنفسه يشمل الغيب بكل صوره وهذه الأقسام الخمسة إنما هي بعض مصاديقه. علوم آل محمد صلی الله علیه و آله كثيرة وغزيرة وأسرارهم عجيبة مما تدهش العقول ، وكراماتهم لا تعد ولا تحصى ومما ذهبت به الركبان ، وكيف لا يكونوا كذلك حيث أن فضائلهم تحصى أخفاها المؤالف والمخالف ، أخفى فضائلهم المؤلف من مواليم حباً لهم وتقية ، كما أخفى فضائلهم المخالف وأعداءهم كرهاً منهم لهم ، وحقداً وبغضاً وحسداً ... ومع ذلك فإن الذي يشاع قد ملأ الخافقين ...
والمحب الحقيقي لا بد أن يسلك الطريق والمنهج السليم ، ولا بد ان يترفع عن الغلو في حق أهل البيت (علیهم السلام) ، قد يظن المغالي إنما يحسن صنعاً في محبوبه ، وما درى أنه قد يخرج بغلوه ذاك من ربقة الإيمان بل من كونه مسلماً فيقع في الشرك أو الكفر ، أعاذانا الله منه...
نعم قد يتوهم البعض فيقول :
ومن أحد مصاديق الخروج عن الحد المعقول في موضوع علم
1) مجمع البيان م 4 | 324.
الغيب وإن الأئمة (علیهم السلام) يعلمون على الإطلاق وإن علمهم احاط باللوح المحفوظ بل إنهم أفضل من اللوح المحفوظ و ... هو قول الحافظ رجب ابن محمد البرسي الحلي صاحب كتاب ( مشارق أنوار اليقين في أسرار المؤمنين ) حيث قال :
... وكيف لا يطلعون على الغيب وعلمه واجب لهم من وجوه :
الأول : إن الله سبحانه سطر في اللوح المحفوظ علم ما كان وما يكون ثم أبرز إلى كل نبي منهم ما يكون له ولأوصيائه إلى ظهور الشريعة التي يأتي بعده حتى ختمت الرسل بخاتمهم وختمت الشرايع بخاتمها ، فوجب أن يكون عندهم ما سبق وما لحق إلى يوم القيامة (1). أقول وهذا كلام متين ليس فيه غلو ولم يخرج عن الحد المعقول.
نعم إنهم يطلعون على قدر ما اطلعهم الله عليه ، أما كونهم يعلمون كل الغيب على وجه الاستقلال فهذا باطل.
وقال ... وماذا عرف الناس من معنى على العلي ، إنما شاهدوا منه ليثاً خلائلاً ، وهذا صائلاً وهزبراً صلائلاً وعصباً قائلاً وبليغاً قالبلاً إلى أن يقول ... يؤيد هذا المدعي ما رواه طارق بن شهاب عن أمير المؤمنين أنه قال يا طارق الإمام كلمة الله وحجة الله ووجه الله وحجاب الله وآية الله ، يختاره الله ويجعل فيه ما يشاء ويوجب له بذلك الطاعة والولاية على جميع خلقه فهو وليه في سماواته وأرضه ، أخذ له بذلك العهد على جميع عباده ، فمن تقدم عليه كفر بالله من فوق عرشه ، فهو يفعل ما يشاء وإذا شاء الله شاء.
ويكتب على عضده ( وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً ) (2)فهو الصدق والعدل وينصب له عمود من نور من الأرض إلى السماء يرى فيه أعمال العباد ويلبس الهيبة وعلم الضمير ، ويطلع على الغيب (3)ويرى ما بين المشرق والمغرب فلا يخفى عليه من شيء من عالم الملك والملكوت ، ويعطي منطق الطير عند ولايته.
فهذا الذي يختاره الله لوحيه ويرتضيه لغيبه ويؤيده بكلمته ويلقنه حكمته ويجعل قلبه مكان مشيئته وينادي له بالسلطنة ويذعن له بالأمره ، ويحكم له بالطاعة وذلك لأن الإمامة ميراث الأنبياء ومنزلة الأصفياء وخلافة الله وخلافة رسل الله فهي عصمة وولاية وسلطنة وهداية ، وإنه تمام الدين ورجح الموازين (1)...
وقال في موضع آخر من كتابه :
فصل ثم صرح لنا أن الوالي هو المحيط بكل شيء فهو محيط بالعالم والله من ورائهم محيط ، فقال : ( وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ... ) (2)فأخبرنا سبحانه أن جميع ما جرى به قلمه وخطه في اللوح الحفيظ مما في الأرض والسماء ، هو الإمام المبين وعلي ، فاللوح المحفوظ علي وهو أعلى وأفضل من اللوح بوجوه.
الأول : إن اللوح وعاء الخط وظرف المسطور والإمام محيط بالسطور ، وأسرار السطور فهو أفضل من اللوح.
الثاني : إن اللوح المحفوظ بوزن مفعول ، والإمام المبين بوزن فعيل ، وهو بمعنى فاعل فهو علام بأسرار اللوح واسم الفاعل أشرف من اسم المفعول.
الثالث : إن الوالي المطلق ولايته شاملة للكل ومحيط بالكل ، واللوح داخل فيها فهو دال على اللوح ودال عليه وعالم بما فيه (3)...
من الغلو - القول بالتفويض المطلق
تقدم الكلام عن معنى الجبر والتفويض أو ( القضاء والقدر ) وما يرتبط بموضوع حرية الإرادة ، ثم لمحنا هناك عن موضوع التفويض ، الذي يراد به تخويل أمر العباد إلى الرسول والأئمة وهو ما نبحثه هنا إن شاء الله.
الحديث عن التفويض بمعنى التخويل ، والذي يتضمن معنى التشريع أيضاً ، سوف يكون من عدة جوانب ، أهمها الحديث عن :
الآيات المنصوصة على إطاعة الرسول.
التفويض للرسول - بمعنى التشريع والأخبار في ذلك.
حق التشريع ..
مصاديق من تشريع الرسول صلی الله علیه و آله .
دور الأئمة المعصومين (علیهم السلام) في التشريع.
معرفة الإمام ومنزلته.
تفويض أمر الخلق.
خلاصة البحث.
أكثر من أربعين مورداً في القرآن الكريم ينص على حق الطاعة ، الذي هو في الأساس حق مشروع لله سبحانه وتعالى في ذمة الخلق وفي أعناقهم ، وهذا الحق يتفرع منه عنوان ثانوي ليشمل دائرة أوسع ، بحيث يكون للنبي
ولأولى الأمر حق أيضاً ، على العباد إطاعتهم. وجل تلك النصوص الكريمة قرنت إطاعة النبي بإطاعة الله سبحانه ، قال تعالى : ( وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ) (1)
وقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) (2)وقوله تعالى : ( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا ) (3)وقوله تعالى : ( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله ) (4)وقوله تعالى : ( فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله ) (5)
آيات كثيرة عطفت إطاعة الرسول على إطاعة الله سبحانه وكأنها إطاعة واحدة حيث إطاعة الله توجب إطاعة الرسول ، وكذلك إطاعة الرسول توجب إطاعة الله تعالى لذا أكد اقرآن الكريم على هذه الثمرة ، فقال تعالى : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) (6)
وقال تعالى :
ثم أن الرسول صلی الله علیه و آله لما جاءهم برسالة السماء التي تدعو قريش والعرب والناس كافة إلى توحيد الله أولاً ، وامتثال أوامره في العبادات والمعاملات ثانياً ، والاقتداء بسنة نبيه ثالثاً ، كان لا بد م التمهيد في الخطاب حتى يستعد الناس لتلقي هذه الأوامر والإذعان لها. وقد حصل ذلك بأروع الصور ، وبالتفاتات مهمة صاغها المولى لعباده حتى يفقهوا قول الرسول ويعوه ، فمثلاً صورت بعض الآيات الكريمة أن مهمة الرسول هو الإبلاغ والإنذار والإرشاد ، أما اجر ذلك فليس في حسبان الرسول شيء منه بل أجر ما يؤديه أنما هو على الله سبحانه قال تعالى يحكي عن قول الرسول
والأنبياء (علیهم السلام) لأممهم : ( إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين ) (1)وقوله تعالى : ( وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلى على رب العالمين ) (2)
لقد تكرر هذا المعنى في تسع مواضع من القرآن الكريم
ومن الالتفاتات والتمهيد في الخطاب أن أشارت بعض الآيات إلى مهمة الرسول وهو البلاغ ولا يضره مخالفة من خالف وليس عليه تبعة من كفر ، قال تعالى : ( وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) (3)
وقال تعالى : ( ... وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين ) (4)
ومن جملة التمهيد لأمر الطاعة ، هو الفات المخاطبين - الأمم - إلى ما هم عليه من اختلاف ، قوله تعالى : ( قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ) (5)
وآيات كثيرة أكدت اختلاف الأمم وأهل الكتاب بالخصوص ..
ومن جملة التمهيد لأمر الطاعة ، الإخبار بأمانة الرسول وصدق الرسالة : قال تعالى يصف أنبياءه. ( هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) (6)وقوله تعالى عن لسان نبيه علیه السلام ( إني لكم رسول أمين ) (7)
هذا التمهيد في الخطاب سوف يجعل النفوس في معرض الاستعداد
لتلقي كلمات الرسول ومقدمة الإذعان والقبول لهاذا أمرهم الله سبحانه بالتقوى بعد الإيمان لأن إن لم يكن الإيمان لم تكن التقوى فهي رتبة أعلى ودرجة أسمى وشأنها في النسبة كالإيمان إلى الإسلام ...
وقوله تعالى : ( أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ... ) (1)
وقوله تعالى : ( وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون ) (2)
وقوله تعالى : ( إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون ) (3)
هذه التقوى المنشودة لها أثر عميق في تحريك الضمائر والسلوك إلى الله سبحانه ، والانشاد إلى أقوال الرسول والاستسماع إليه ، على أي إن من مثل هذه الخطابات تخلق جواً من الحماس والتهيوء الفطري لينتفض الإنسان من واقعة المتردي وتحريكة إلى واقع أسمى وأفضل يصبوا إليه ...
ولو سألنا ما الثمرة المترتبة على الإطاعة...؟
قلنا أن الإطاعة بكل صورها وأشكالها تؤدي إلى السعادة الأبدية والفوز برضوان الله تعالى ورحمته : قال تعالى : ( ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ) (4)وقوله تعالى : ( ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقيه فأولئك هم الفائزون ) (5)وقوله تعالى : ( وأطيعوا الله ورسوله والرسول لعلكم ترحمون ) (6)وقوله تعالى : ( ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً .. ) (7)وقوله تعالى : ( وإن تطيعوا الله رسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً ) (8)
أما الذين أبوا الاستماع إلى الرسول واختاروا الكفر على الإيمان فهؤلاء سوف تكون عليهم حسرة على ما فاتهم من أمر الطاعة والتفريط في جنب الله وتكذيب رسوله عند ذاك يندموا على ما فعلوا وولات حين مندم ...
قال تعالى : ( يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا. ) (1)
نستنتج مما سبق من الآيات أن طاعة الله ورسوله واجبة لأن صلاح الأمة ورقيها بتلك الطاعة لا يحق لأحد من الناس ومخالفتهما : قال تعالى : ( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا. ) (2)
وقوله تعالى : ( إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين ، كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ) (3)
يقسم التفويض إلى فرعين رئيسيين :
أولاً : تفويض أمر الخلق والرزق ...
ثانياً : تفويض أمر الدين والسياسة ...
ثم لكل فرع قسمان :
القسم الأول : التفويض - المطلق - بالمعنى الأعم.
القسم الثاني : التفويض - المقيد - بالمعنى الأخص.
هذا القسم من كلا الفرعين مختص بالله وحده لا شريك له ، حيث هو المشرع الأساس والأول وهو الخالق والصانع ومبدع كل شيء - الكائنات وكل الموجودات - لذا فإن امر العباد ومآلهم إليه سبحانه ، فهو اللطيف الخبير ، والبصير ، له الأمر من قبل ومن بعد. من مصاديق القسم الأول من الفرع الأول هي :
الرازقية والخالقية والإهداء والإظلال ، والإحاطة ، والإماتة ، والإحياء والابتلاء - بالمرض - والإشفاء ، ... الخ
وغير ذلك من خصوصيات الرب الخالق الواحد الفرد الصمد.
قال تعالى في شأن الرزق : ( إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ... ) (1)
وقوله تعالى : ( والله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم.. ) (2)
وقوله تعالى : ( الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز ) (3)
وقوله تعالى : ( قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ) (4)
وهناك عشرات الآيات لا منازع فيها أن الرازق هو الله سبحانه وتعالى وقال تعالى في شأن الخالقية :
( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ) (5)
وقوله تعالى : ( خلق الإنسان من صلصال كالفخار ) (6)
وقوله تعالى : ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ) (7)
وقوله تعالى : ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ) (8)
وقوله تعالى : ( وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر... ) (9)
وقوله تعالى : ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ) (10)
وقوله تعالى : ( وخلق كل شيء فقدره تقديراً ) (1).
آيات كثيرة (2)مورد في الخلق والإيجاد ..
وقال تعالى في شأن الهداية والضلالة :
( ... إن الله يضل من يشاء ويهدي من أناب ) (3).
وقوله تعالى : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) (4).
والآيات كثيرة جداً في هذا الباب.
وفي الإحاطة ، قال تعالى : ( وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً ) (5).
وفي الإماتة والإحياء قال تعالى : ( لا إله إلا هو يحيى ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين ) (6).
وقوله تعالى : ( وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً لنحيي به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا أنعامً وأناسي كثيراً .. ) (7).
وأما في الابتلاء والإشفاء قوله تعالى : ( الذي خلقني فهو يهدين ، والذي هو يطعمني ويسقين ، وإذا مرضت فهو يشفين ، والذي يميتني ثم يحيين .. ) (7).
هذه جملة من الآيات في بعض الموارد لبعض الخصوصيات التي انفرد بها الله سبحانه دون سائر خلقه ، وهناك خصوصيات كثيرة في أمر التفويض ؛ التفويض بالمعنى المطلق أو الأعم بحيث هي ثابتة للمولى دون غيره في أمر الخلق والرزق والأحياء والابتلاء والإهداء والإضلال ... الخ.
أما القسم الأول من الفرع الثاني ( تفويض أمر الدين بالمعنى الاعم ) فهو كذلك من مختصات الله سبحانه وتعالى ، لأن هذا القسم من التفويض
يراد به التشريع. والتشريع بالمعنى الأعم أو المطلق يكون من مختصات الباري سبحانه :
قال تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعه ومنهاجا... ) (1)
وقوله تعالى : ( ... ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها.. ) (2)
وقوله تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين... ) (3)
وقوله تعالى : ( ... أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله... ) (4)
أما الأخبار الدالة على أن هذا التفويض من مختصات الله تعالى فهي كثيرة نذكر منها :
وروى الصدوق بإسناده عن بريد بن عمير بن معاوية الشامي قال : دخلت على علي بن موسى الرضا بمرو ، فقلت له يا ابن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمد علیه السلام قال أنه لا جبر ولا تفويض بل أمر بين بالجبر ، ومن زعم أن الله عز وجل فوض أمر الخلق والرزق إلى حججه (علیهم السلام) فقد قال بالتفويض والقائل بالجبر كافر والقائل بالتفويض مشرك.
فقلت له يابن رسول الله فما أمر بين أمرين؟
فقال وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به ، وترك ما نهوا عنه ... الخ (5)
التفويض الذي ورد - والنهي عنه - هو ذلك التفويض في أمر العباد والخلق والرزق وغير ذلك التي هي من مختصات الله تعالى وما ورد من
الأحاديث في أمر التفويض الذي فوض الله به ذنبه أو الأئمة (علیهم السلام) إنما هو في أمر الدين أي وكل لهم بيان أحكام الحلال والحرام والمندوب والمكروه ، وإنهم أمناء الله على دينه فيحللون ما أحل الله ويحرمون ما حرم الله تعالى.
قال الصدوق حدثنا محمد بن علي ماجلويه قال : حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن ياسر الخادم ، قال : قلت للرضا علیه السلام ما تقول في التفويض؟ فقال علیه السلام إن الله تبارك وتعالى فوض إلى نبيه صلی الله علیه و آله أمر دينه فقال : ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) . (1)فأما الخلق والرزق فلا ، ثم قال علیه السلام ، إن الله عز وجل يقول : ( قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار ) (2).
ويقول تعالى : ( الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم هل من شركائكم من يفعل ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشكرون ) (3)
قوله سلام الله عليه « فأما الخلق والرزق فلا » ليس المراد أن الله تعالى لم يجعل بيد نبيه أو وليه والرزق الرزق والخلق اصلاً بل المراد نفي تفويض الأمر إليهم كما تقوله المفوضة ، وهو ان الله سبحانه فوض إليهم ذلك وليس بقدر على الحيلولة دونهم وإنهم العلة التامة في ذلك ، وعلى هذا التقدير يتفق هؤلأ مع اليهود في قولهم ( يد الله مغلولة ) بل غلت ايديهم ولعنهم الله في الدنيا والاخرة.
فالمفوضة كانت تعتقد بأن النبي والأولياء كانوا يفعلون الرزق والخلق حقيقة وبدرتهم أي استقلالاً وبدون إذن الله وهذا هو الكفر بعينه.
نعم لو قلنا أنهم يفعلون ذلك حقيقة لكن بإذن الله تعالي واقداره لهم على ذلك فلا مانع منه ، حيث قوله تعالى في خطابه لعيس (علیه السلام) : ( وتبرأ الاكمة
والابرص باذني وتحي الموتى باذني ) والأحاديث في ذم المفوضة بالمعنى الأعم كثيرة منها :
قال الصدوق بإسناده عن أبي هشام الجعفري ، قال : سألت أبا الحسن الرضا علیه السلام عن الغلاة والمفوضة. فقال الغلاة كفار والمفوضة مشركون ، من جالسهم أو خالطهم أو آكلهم أو شاربهم أو واصلهم أو زوجهم أو تزوج منهم أو آمنهم أو ائتمنهم على أمانة أو صدّق حديثهم أو أعانهم بشطر كلمة خرج من ولاية الله عز وجل وولاية رسول الله صلی الله علیه و آله وولايتنا أهل البيت (علیهم السلام) (1).
1) عيون أخبار الرضا 2 | 203.
القسم الثاني
عرفنا مما تقدم أن التفويض بالمعنى الأعم غير ثابت لهم (علیهم السلام) لأنه من مختصات الله سبحانه. أما التفويض بالمعنى الأخص وقل عنه بالمعنى الضيق فهو يسمل الفرعين أعني الفرع الأول ( تفويض أمر الخلق والرزق ... الخ ) والفرع الثاني ( تفويض أمر الدين والسياسة ).
التفويض في أمر الخلق والرزق لا يتم لهم إلا من خلال مسألتهم ودعائهم. أما كونهم يخلقون أو يرزقون أو يحيون ... بمحض إرادتهم ، أو أنهم يفعلون ذلك حقيقة او بقدرتهم وما شابه ذلك ، على وجه الاستقلال ، فهو غير صحيح ، بل إنه كفر وشرك ، والذي يدلل على أن القائل بهذا التفويض كافر هو الأدلة العقلية والنقلية وعليه يصدق الغلو على من يقول بهذا التفويض ، فهو ظال ومظل.
وما جاء في الأخبار والروايات على أهم يرزقون أو يخلقون أو مما فوض إليهم أمر الخلق والرزق والأحياء فلا بد من تأويلها أو حملها على كونهم أسباب لإيجاد هذه المصاديق في الخارج وذلك بتوسلهم إلى الله سبحانه وطلبهم الحثيث من الباري ، فسبحانه إن فعل ذلك فإنما يفعله مقارناً لإرادتهم واستجابة لطلبهم ، وهذا أحد أقسام التفويض المعقول ، وكما عرفت قبل قليل القسم الآخر ، وهو التفويض إليهم أمر الرزق والخلق ، وأنهم يفعلون ذلك بأنفسهم ولكن بإذن الله. وأنت عارف خبيراً أن الأئمة المعصومين كرامتهم من الله كبيرة ومنزلتهم عنده عظيمة ولما كانوا يشخصون بعض المصالح الخارجية ويدركون في الجملة المنافع والمضار
التي سوف تترتب على مسألتهم ، كان منهم السؤال والتوسل إلى الله بقضاء حاجتهم وإنجاح طلبتهم وقد ترتب على سؤالهم الإجابة الصادقة الحقة السريعة إكراماً لهم ، وسبحانه يقول : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني ) ، وقال تعالى : ( أدعوني أستجب لكم... ) .
هذا شأن أي مؤمن يدعو الله ، كيف لو كان الداعي إماماً معصوماً وولياً من أوليائه؟! مهما يكن ، لو حصلت لهم الإجابة فهي تعد من باب المعجزة والكرامة ، إظهاراً لعلو منزلتهم وجلالة قدرهم وعظم شأنهم وإخلاصهم ...
عن أبي الحسن علي بن أحمد الدلال القمي قال : اختلفت جماعة من الشيعة في أن الله عز وجل فوض إلى الأئمة صلوات الله عليهم أن يخلقوا ويرزقوا فقال قوم : هذا محال لا يجوز على الله تعالى ، لأن الأجسام لا يقدر على خلقها غير الله عز وجل ، وقال آخرون : بل الله أقدر الأئمة على ذلك وفوض إليهم فخلقوا ورزقوا ، وتنازعوا في ذلك نزاعاً شديداً ، فقال قائل : ما بالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمد بن عثمان فتسألوه عن ذلك ليوضح لكم الحق فيه ، فإنه الطريق إلى صاحب الأمر ، فرضيت الجماعة بأبي جعفر وسلمت وأجابت إلى قوله ، فكتبوا المسألة وأنفذوها إليه ، فخرج إليهم من جهة توقيع ، نسخة :
إن الله تعالى هو الذي خلق الأجسام ، قسم الأرزاق لأنه ليس بجسم ولا حال في جسم ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وأما الأئمة (علیهم السلام) ، فإنهم يسألون الله تعالى فيخلق ، ويسألونه فيرزق إيجابا لمسألتهم وإعظاماً لحقهم (1).
فهذه الرواية ناظرة إلى نفي التفويض بالمعنى المتعارف المستلزم لسلب القدرة عن الله تعالى الذي يقوله المفوضة ، ومما يدل على ذلك الرواية الآتية :
1) الإحتجاج 2 | 471 ، وغيبة الطوسي من 178.
عن أبي نعيم محمد بن أحمد الأنصاري قال : وجه قوم من المفوضة والمقصرة كامل بن إبراهيم المدني إلى ابي محمد علیه السلام قال : كامل فقلت في نفسي أسأله لا يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي وقال بمقالتي ، قال : فلما دخلت على سيدي أبي محمد نظرت إلى ثياب بيضاء ناعمة عليه ، قلت في نفسي ولي الله وحجته يلبس الناعم من الثياب بيضاء ناعمة عليه ، قلت في نفسي ولي الله وحجته بليس الناعم من الثاياب ويأمرنا نحن بمواساة الإخوان وينهاناً عن لبس مثله فقال متبسماً : يا كامل وحسر عن ذراعيه ، فإذا مسح أسود خشن على جلده ، فقال : هذه لله وهذا لكم ، فسلمت جلست إلى باب عليه ستر مرخى فجاءت الريح فكشفت طرفه فإذا أنا بفتى كأنه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها ، فقال : لي يا كامل بن إبراهيم فاقشعررت من ذلك وألهمت أن قلت : لبيك يا سيدي فقال : جئت إلى ولي الله وحجته وبابه تسأله هل يدخل النة إلا من عرف معرفتك وقال بمقالتك فقلت أي والله قال إذن والله يقل داخلها ، والله إنه لدخلها قوم يقال لهم الحقيقة ، قلت يا سيدي ومن هم؟
قال قوم من حبهم لعلي يحلفون بحقه ولا يدرون ما حقه وفضله ، ثم سكت صلوات الله عليه عني ساعة ثم قال : وجئت تسأله عن مقالة المفوضة كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله فإذا شاء شئنا ، والله يوقول : ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله... ) ثم رجع الستر إلى حالته فلم أستطع كشفه (1).
قوله علیه السلام : ( بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله فإذا شاء شئنا ). يعني إن إرادتنا تابعة لإرادة الله في الأمور التكوينية ، فنحن يمكن أن نخلق ونرزق ونحيي ونميت ، لكن بإرادة الله وإذنه ، لا بدون إرادته منه ولا إذن ، ومن المعورف أن السؤال كان عن التفويض أمر الخلق والرزق وأشباه ذلك إليهم.
ومما ورد في دعاء الإمام الرضا علیه السلام :
1) غيبة الطوسي 149.
اللهم إني بريء من الحول والقوة ولا حول ولا قوة إلا بك ، الله إني أعوذ بك وأبرأ إليك من الذين ادعوا لنا ما ليس لنا بحق الله إني أبرأ إليك من الذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا ، الله لك الخلق ومنك الرزق وإياك نعبد وإياك نستعين ، الله أنت خالقنا وخالق آبائنا الأولين وآبائنا الآخرين ، اللهم لا تليق الربوبية إلا بك ولا تصلح الإلهية إلا لك ، فالعن النصارى الذين صفروا عظمتك والعن المضاهين لقولهم من بريتك.
اللهم إنا عبيدك وأبناء عبيدك لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، الله من زعم إنا أرباب فنحن منه براء ومن زعم أ ، إلينا الخلق وعلينا الرزق فنحن براء منه كبراءة عيسى ابن مريم علیه السلام من النصارى ، اللهم إنا لم ندعهم إلى ما يزعمون ، فلا تؤاخذنا بما يقولون واغفر لنا ما يدعون ولا تدع على الأرض منهم دياراً ، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً (1).
العبارات المنضودة في كلام الإمام سلام الله عليه كلها صريحة ناطقة بعبوديتهم لله سبحانه وأن حولهم وقوتهم بالله ومن الله. ثم براءته علیه السلام ممن غالى فيهم او جعلهم يخلقون أو يرزقون ... ثم أكد علیه السلام مقام الربوبية والتي لا يستحقها إلى الله جل ثناؤه وعلى مقامه ...
أقول لا بد أن لا يتوهم القاريء عندما يطلع على الأخبار التي فيها معاجز أهل البيت (علیهم السلام) كإحياء الميت على أيديهم وأمثاله ...
فقد اشرنا في ذلك أنه من باب الكرامة أو المعجزة أولاً. ثم إنه تجري تلك المعاجز والمناقب لإظهار مكانتهم عند الله ، وقد شرفهم سبحانه وأكرمهم باستجابة دعواتهم ثانياً.
وثالثاً : إن الذي يجري على أيديهم ليس من محض قدرتهم أو إرادتهم بل إنما هو بإشاءة ، فما شاء يشاؤون .. فهم الفاعلون الحقيقيون ، سواء كان إحياء أو إماتة ، لكن كل ذلك بإذن الله وحوله وقوته إرادته وإقداره ، لا أنهم مستقلون في ذلك بحيث لم يستمدوا قدرتهم من الله تعالى وهو لا يتمكن من ردعهم ومنعهم.
1) البحار 25 | 343.
عن أبي بصير قال دخلت على أبي عبد الله وأبي جعفر علیه السلام وقلت لهما أنتما ورثة رسول الله صلی الله علیه و آله قال نعم قلت فرسول الله وارث الأنبياء علم كلما علموا؟ فقال لي نعم ، فقلت أنتم تقدرون على أن تحيوا الموتى وتبرؤوا الأكمه والابرص؟ فقال لي نعم بإذن الله.
ثم قالوا ادنوا مني يا أبا محمد (1)فمسح يده على عيني ووجهي وأبصرت الشمس والسماء والأرض والبيوت وكل شيء في الدار قال : أتحب أن تكون هكذا ولك ما للناس وعليك ما عليهم يوم القيامة او تعود كما كنت ولك الجنة خالصاً قلت أعود كما كنت ، قال فمسح علي عيني فعدت كما كنت ، قال علي فحدثت به ابن أبي عمير فقال أشهد أن هذا حق كما أن النهار حق (2).
عن صالح بن ميثم الأسدي ، قال دخلت أنا وعباية بن ربعي على امرأة في بني والبة ، قد احترق وجهها من السجود ، فقال لها عباية يا حبابة هذا ابن أخيك قالت وأي أخ؟ قال صالح بن ميثم. قالت ابن أخي والله حقاً. ابن أخي ألا أحدثك حديثاً سمعته من الحسين بن علي علیه السلام قالت فحدث بين عيني وضح فشق ذلك علي واحتسبت عليه اياماً ، فسأل عني ، ما فعلت حبابة الوالبية؟ فقالوا إنها حدث بها حدث بين عينينها ، فقال لأصحابه : قوموا إليها فجاء مع أصحابه حتى دخل علي وأنا في مسجدي هذا فقال يا حبابة ما أبطأ بك علي؟ قلت يابن رسول الله ، ماذا الذي منعني إن لم أكن اضطررت إلى المجيء إليك اضطراراً ، لكن حدث هذا بي قال فكشفت القناع فتفل عليه الحسين بن علي علیه السلام ، فقال : يا حبابة أحدثي لله شكراً فإن الله قد درئه عنك ، قال : فخررت ساجدة ، قالت : فقال يا حبابة ارفعي رأسك وانظري في مرآتك ، قال فرفعت رأسي فلم أحسن منه شيئاً فحمدت الله (3)...
قول الإمام صريح جداً في هذا الحديث الذي يدلل أن هذه الكرامة التي ظهرت على يده المباركة إنما كانت من الله ( ... أحدثني لله شكراً فإن الله قد درثه عنك ... ) فالإمام لم يدعي هذه المنقبة هي بقدرته استقلالاً ولم ينسبها لنفسه بل قال إن الله قد درثه عنك ... فالإمام نسب هذا الفعل إلى الله تعالى لأنه هو الذي أعطاه القدرة على ذلك ، ولكن الفعل فعل الإمام علیه السلام ، وهو الذي عافاها ، لكن بإذن الله ، ومعلوم أن المرأة يجب أن تشكر الله سبحانه لأن الشفاء كان بإذنه ، وقد مر في رواية أبي بصير عن الإمام الصادق الباقر علیه السلام حيث قال : فقلت أنتم تقدرون على أن تحيوا الموتى وتبرؤوا الأكمه والأبرص؟ فقال نعم بإذن الله. وهذا الأذن لا في مقابلة وعرضه بل في طوله ، لأن العمل أسند إليهم.
لقد مر في رواية أبي بصير أن الأئمة (علیهم السلام) يحيون الموتى ويبرؤون الأكمه والأبرص فهو من عملهم لكن بإذن الله ، وفي رواية صالح بن ميثم الاسدي ذكرت أن كرامات الأئمة (علیهم السلام) كانت عمل الله بطلب الأئمة.
أقول قد يتصور القارئ أن بين الروايتين شيء من التعارض ، ولكن ليس كذلك ، بل إن كلتا الصورتين متحققة ، أي بعض الأوقاب يطلب الأئمة من الله فيجيب دعوتهم ، وبعض الأوقات هم يفعلون بإذن الله.
وكيفما كان فما يوافق رواية أبي بصير المتقدمة قوله تعالى على لسان عيسى : ( وابرأ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله ) ، وقوله تعالى : ( وتبريء الأكمه والأبرص وتحيي الموتى بإذني ) .
حيث أسند الإحياء إلى عيسى إلا أنه لم يكن بمعزل من الإرادة الإلهية ، بل ربما الذي حصل هو بدعاء عيس حيث طلب من الله فأجاب دعوته. وبما أن الأئمة (علیهم السلام) أفضل من الأنبياء بني إسرائيل فبطريق أولى ، فإذا ثبت الإحياء والإبراء إلى عيسى بنص القرآن فيثبت للأئمة بطريق الأولوية. فكل ما يجاب عنه بالنسبة إلى عيسى يجاب بالنسبة إلى الأئمة وبالتالي يرتفع الإشكال.
أما التفويض في الدين والسياسة والأحكام ... بالمناظر الضيق أو
المعنى الأخص مما لا شك في ثبوته للأئمة المعصومين الذين ورثوا هذا الحق من النبي صلی الله علیه و آله ، وكما ستعرف أن هذا القسم يراد به تشريع بعض الأحكام التي تركها الله سبحانه لنبيه ليعلم من يطجع الرسول ومن يعصيه ، وهذا قد كان سبق في علم الله ، إلا أن الرسول لم يكن ليطلع على هؤلاء ، فوكل إليه هذا المقدار من التشريع حتى يكون على بينة من أمر أصحابه بصورة خاصة والمسلمين بصورة عامة.
لابد من القول بأن معرفة النبي ومنزلته عند الله أمر مهم في غاية الأهمية ، وهذا المعرفة سوف تكون الفصيل لفهم الأخبار والأحاديث الواردة في هذا الباب فمن كرامة الله لنبيه صلی الله علیه و آله أمضى منته في أمته والتي أصبحت لزاماً على المسلمين اتباعها فأنزلها الله منزلة التشريع من حيث الوجوب في الأمر والنهي والعلة في هذا الإمضاء ، لينظر كيف طاعة المسلمين لنبيهم وإخلاصهم له.
عن الكليني بإسناده عن أب إسحاق النحوي قال : دخلت على أبي عبد الله علیه السلام فسمعته يقول : إن الله عز وجل إدب نبيه على على محبته فقال ( وإنك لعلى خلق عظيم ) (1)، ثم فوض إليه فقال عز وجل : ( وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) (2)وقال عز وجل : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) (3)، قال : ثم قال وإن نبي الله فوض إلى علي وائتمنه فسلمتم وحجد الناس فوالله لنحيكم أن تقولوا إذا قلنا وأن تصمتوا إذا صمتنا ونحن فيما بينكم وبين الله عز وجل ، ما جعل الله لأحد خيراً في خلاف أمرنا (4).
وعنه بإسناده عن زرارة قال : سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله (علیهم السلام) يقولان : إن الله عز وجل فوض إلى نبيه أمر خلقه (1)
وهذه الآية لا ترتبط بامر الخلق والإيجاد والرازقية وغير ذلك من الأمور التي هي مرتبطة بالله وحده سبحانه.
لينظر كيف كاعته ثم تلا هذه الآية : ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) (2).وعنه أيضاً بإسناده عن زيد الحشام قال سمعت أبا عبد الله علیه السلام في قوله تعالى : ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ) (3)قال أعطى سليمان ملكاً عظيما ثم حرت هذه الآية في رسول الله صلی الله علیه و آله فكان له أن يعطي ما شاء ويمنع من شاء ، وأعطاه الله أفضل مما أعطى سليمان لقوله : ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) (4).
عن محمد بن الحسين الصفار بإسناده عن أبي أسامة عن أبي جعفر علیه السلام قال : إن الله خلق محمداً صلی الله علیه و آله عبداً فأدبه حتى إذا بلغ أربعين سنة أوحى إليه وفوض إليه الأشياء فقال : ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) (5).
وعنه بإسناده عن إسماعيل بن عبد العزيز قال : قال لي جعفر بن محمد أن رسول الله صلی الله علیه و آله كان يفوض إليه أن الله تبارك وتعالى فوض إلى سليمان ملكه فقال هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ، أن الله الله فوض إلى محمد نبيه فقال : ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) فقال رجل إنما كان رسول الله صلی الله علیه و آله مفوضاً إليه في الزرع والضرع. فلوى جعفر عنه عنقه مغضباً فقال في كل شيء والله في كل شيء (6).
1) التفويض هنا يراد به امر الدين بدليل قوله لينظر كيف طاعته ، ثم الإستدلال بالآية يؤكد من أن المراج به هي الأمور العبادية أو قل ما يخص أمر الدين. ( ما أتاكم الرسول فخدوه وما نهاكم عنه فانتهوا ... ) .
2) أصول الكافي 1 | 266.
3) سورة ص | 38.
4) أصول الكافي 1 | 268.
5) بصائر الدرجات | 398
6) بصائر 400 .
وعنه بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال : قرأت هذه الآية إلى أبي جعفر ليس لكم من الأمر شيء قول الله تعالى لنبيه وأنا أريد أن أسأله عنها فقال أبو جعفر علیه السلام : بل وشيء يشيء مرتين وكيف لا يكون له من الأمر شيء فقد فوض الله إليه دينه فقال : ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) فما أحل رسول الله صلی الله علیه و آله فهو حلال وما حرم فهو حرام (1).
عن محمد بن سنان قال : كنت عند أبي جعفر علیه السلام فذكرت اختلاف الشيعة فقال إن الله لم يزل فرداً متفرداً في الوحدانية ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمة علیهماالسلام فمكثوا ألف دهر ثم خلق الأنبياء وأشهدهم خلقها وأجرى عليها طاعتهم وجعل فيهم ما شاء ، وفوض أمر الأشياء إليهم في الحكم والتصرف والإرشاد والأمر والنهي في الخلق ، لأنهم الولاة فلهم الأمر والولاية والهداية فهم أبوابه ونوابه وحجابه يحللون ما يشاء ويحرمون ما شاء ولا يفعلون إلا ما شاء عباد مكرمون لا يشبقون بالقول وهم بأمره يعملون.
فهذه الديانة التي من تقدمها غرق في بحر الإفراط ومن نقصهم عن هذه المتراتب التي رتبهم الله فيها زهق في بر التفريط ، ولم يوف آل محمد حقهم فيما يجب على المؤمن من معرفتهم ثم قال : خذها يا محمد فإنها من مخزون العلم ومكنونه (2).
هذه الأخبار وغيرها قد وصلت في الشهرة حد التواتر ، وكلها قائلة بالتفويض للرسول في أمر الدين ، وستعرف بعد قليل إن شاء الله ما هو حدود هذا التفويض.
التشريع مظهر من مظاهر الخير ، يعطي للإنسان كياناً خاصاً وحياة فاظلة من تنسيق الشارع لعلاقات الفرد الواحد مع الآخرين وصياغة مجتمع مثالي يقوم على أسس العدالة والمساواة وحفظ التوازن ومراعاة المصالح العام زماناً ومكاناً.
ولما كان مصدر الوجود والخير هو الله سبحانه وتعالى ، وهو الذي أبدع صنع الإنسان وباقي الموجودات ، فسبحانه خلق فسوى ، وقدر فهدى ، وهو الذي سخر كل ما في الوجود لهذا الإنسان الذي خلقه في أحسن تقويم.
فسبحانه هو المنعم الحقيقي وهو المصدر المطلق للوجود والحياة ، وإذا سلمنا بهذا عرفنا أن جمسع الأسرار الموعودة في هذه الموجودات لا يعلمها غيره ولا يستطيع أن ينظمها أحد إلا هو ، فهو عالم الغيب والشهادة وهو العزيز الحكيم القادر البارئ المصور.
ولما كانت الحياة لا يمكن التمتع بها على وجه الأمن والاستقرار والاطمئنان إلا بشريعة أو نظام ، يحدد الواجبات والمصالح بين الأفراد ، فقد حدث أن توالت نعم الباري على العباد ، وذلك بإنزال الشرائع وبعث الرسول على مر الأزمان إذا لا يعدو الشك في قولنا بأن المشرع الأول هو الله سبحانه ، لأنه المنعم الأول وواهب الحياة ومصدر الوجود ، وعلى هذا استحق الباري حق الطاعة.
ثم للإنعام مصاديق متواجدة بين البشر أنفسهم إذ أحدهم ينعم على
الآخر فيستحق الشكر أو بعضهم يملك حق الطاعة كالأب ، والسيد ومولاه ، والحاكم ، والزوج ... إلخ.
وهذه المصاديق كلما اختلفت في رتبة الإنعام ، اختلفت في مقدار الطاعة فكلما كان المنعم في رتبة أعالى من الإحسان ، وجبت له رتبة من الطاعة تساوي درجة الإنعام. إلا أن كل هذه الرتب والدرجات من الطاعة لا يمكن مقايستها مع درجة الطاعة المطلقة للمنعم المطلق وهو الله سبحانه.
فما يستحقه الإنسان من شكر وطاعة إنما هو محدود في دائرة ذلك الإحسان أما إطاعة الله تعالى لا بد أن تكون في كل آن تتجدد بإظهار الشكر الحقيقي الخالص للمولى وبما أن نعمه غير محدودة ومواهبه لا تعد ولا تحصى ، فلا بد إذا من اإذعان له كما يجب ويريد في أوامره ونواهيه والتزام أحكامه.
قال تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) (1)، وقال تعالى : ( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ) (2)، وقال تعالى : ( ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ) (3)، وقال تعالى : ( له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون ) (4). بعدما عرفنا المصدر الأساسي للتشريع هو الله سبحانه ، علينا أن نسأل وهل لغير الله حق في التشريع؟
هذا ما اختلف عليه فقهاء المسلمين فمنهم من جوز ومنهم من منع ذلك.
إلا أن من بين الأحاديث والروايات نجد سبحانه وتعالى أعطى نبيه محمد صلی الله علیه و آله سلم صلاحية التشريع والذي هو أساس بحثنا الذي صدرنا عنوانه بالتفويض فالذي أجاز التشريع بغير الله استدل بالآية الكريمة : ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) .
وهذا ما ذهبت إليه الإمامية الإثنا عشرية إذ جوزت للرسول صلی الله علیه و آله سلم أن يشرع للأمة ما ينظم مصالحها ، وهذه هي السنة التي جاءت مكملة للشريعة السمحاء ، وتابع الرسول في هذا الحق الأئمة المعصومين (علیهم السلام). أما بقية المذاهب الإسلامية فقد أنكرت ذلك على الشيعة الإمامية ، إلا أنها لم تنكر ما للحكام وأولي الأمر - على مذاقهم في التفسير - من حق التصرف والتشريع وتعطيل الحدود ، إذ له صلاحية كبرى في التقنين ، بل وجعلوا لذلك قدسية وشرافة ، والالتزام به واجب ، وإن كان يعارض النصوص القرآنية.
وهذا ماحدث في زمن الخليفة الأول إذ منع الزهراء من إرثها ، وقد خالف بحكمه هذا نصوص القرآن ، وقد استدل بما ينسب للرسول قوله : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ) وفي رواية لا نورث ما تركناه صدقة (1)على أن هذا لم يثبت صدوره من النبي صلی الله علیه و آله كما أن الذي رواه فقط أبو بكر ، وقد احتجت الزهراء سلام الله عليها بنصوص من الذكر الحكيم كاد أن يقنع بها أبو بكر لولا نهي عمر بن الخطاب له.
ثم خالف عمر بن الخطاب نصوص القرآن بتحريمه متعة الحج ومتعة النساء ، فقال : كانتا متعتان على عهد رسول الله وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليها ؛ أحدهما متعة النساء ولا أقدر على رجل تزوج إمرأة إلى أجل إلا غيبته بالحجارة والأخرى متعتة الحج افصلوا حجكم من عمرتكم (2)فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم.
وهذا التحريم هو الآخر مخالف لنصوص القرآن الكريم. ثم لم يجر الحد على خالد بن الوليد لما قتل مالك بن نويره ودخل بزوجته من ليلته ، فأي تعطيل للحدود ولحكم الله بعد هذا وأي مخالفة وراء هذا ... وهناك عشرات بل المئات من تلك المواقف التي خالفت النصوص القلرآنية ناهيك عن مخالفتها لسنة الرسول صلی الله علیه و آله .
لقد سبق الاستدلال بالقرآن والسنة على جواز ممارسة الرسول لحق التشريع وقد تبين هذا في موضوع التفويض ، وسنذكر هنا مصاديق لتشريع الرسول فمن تلك المصاديق :
1 - إنه حرم النبيذ وكل مسكر ، وقد أمضاه الله له ذلك.
2 - إنه شرع في الصلاة الركعتين الأخيرتين للرباعية وللمغرب بركعة ثالثة ، وقد أسقط الركعتين في السفر ولم يسقط الركعة الثالثة من صلاة المغرب فأجازه الله له ذلك.
3 - أمر الله فرائض الصلب ، وفرض رسول الله للجد السدس فأمضاه الله له ذلك.
4 - حرم الله مكة ، وحرم رسول الله المدينة ، فأجازه الله له ذلك.
5 - وضع الرسول صلی الله علیه و آله دية العين ، ودية النفس ودية الأنف.
6 - فرض الله صوم شهر رمضان ، وسن الرسول صوم شعبان وثلاثة أيام من كل شهر.
7 - ولما صارت الفرائض الخمسة (17) سبعة عشر ركعة سن الرسول مثلي الفريضة وهي النوافل أربعاً وثلاثين ركعة ، فأجازه الله له ذلك...
8 - أنزل الله الصلاة ، والرسول وقت أوقاتها فأجازه الله له ذلك.
عن محمد بن عبد الحسن الصفار بإسناده عن القاسم بن محمد قال : إن الله أدب نبيه فأحسن تأديبه فقال : خذ العفو وامر بالمعروف واعرض عن الجاهلين ، فلما كان ذلك أنزل الله وإنك لعلى خلق عظيم ، وفوض إليه أمر دينه وقال : ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهنا ، فحرم الله الخمر بعينها وحرم رسول الله صلی الله علیه و آله كل مسكر فأجازه الله ذلك ، وكان يضمن على الله الجنة فيجيز الله ذلك له وذكر الفرائض فلم يذكر الجد فأطعمه رسول الله
صلی الله علیه و آله سهماً فأجازه الله ذلك ولم يفوض إلى أحد من الأنبياء غيره (1).
محمد بن الحسن الصفار بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قلت له كيف كان يصنع أمير المؤمنين بشارب الخمر؟ قال : كان يحده ، قلت فإن عاد قال يحده ثلاث مرات فإن عاد كان يقتله ، قلت فمن شرب الخمر كما شرب المسكر قال سواء فاستعظمت ذلك. فقال لا تستعظم ذلك إن الله لما أدب نبيه انتدب ففوض إليه وأن الله حرم مكة وأن الرسول حرم المدينة فاجاز الله له ذلك وأن الله حرم الخمر وأن رسول الله حرم المسكر فأجاز الله ذلك له ثم قال حرف وما حرف من يطع الرسول فقد أطاع الله (2).
عن محمد بن الحسن الصفار بإسناده عن زرارة قال : سألت أبا جعفر علیه السلام عن أشياء من الصلاة والديات والفرائض وأشياء من أشباه هذا ، فقال : إن الله فوض إلى نبيه صلی الله علیه و آله .
عن محمد بن يعقوب الكليني بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال : وضع رسول الله صلی الله علیه و آله دية العين ودية النفس وحرم النبيذ وكل مسكر ، فقال له رجل : وضع رسول الله صلی الله علیه و آله من غير أن يكون جاء فيه شيء؟ قال : نعم ليعلم من يطع الرسول ممن يعصيه (3).
الكليني بإسناده عن فضيل بن يسار قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول لبعض أصحاب قيس الماصر : إن الله عز وجل أدب نبيه فأحسن أدبه فلما أكمل له الأدب قال : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده ، فقال عز وجل : ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) وأن رسول الله كان مسدداً موفقاً مؤيداً بروح القدس ، لا يزل ولا يخطيء في شيء مما يسوس به الخلق ، فتأدب بآداب الله ، ثم إن
الله عز وجل فرض الصلاة ركعتين ، ركعتين عشر ركعات ، فأضاف رسول الله صلی الله علیه و آله إلى الركعتين ركعتين وإلى المغرب ركعة فصارت عديل الفريضة لا يجوز تركهن إلا في سفر وأفرد الركعة في المفرد فتركها قائمة في السفر والحضر فأجاز الله عز وجل له ذلك كله ، فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة ، ثم سن رسول الله صلی الله علیه و آله النوافل أربعاً وثلاثين ركعة مثلي الفريضة فأجاز الله عز وجل له ذلك والفريضة والنافلة إحدى وخمسين ركعة منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعد بركعة مكان الوتر وفرض الله في السنة صوم شهر رمضان وسن رسول الله صلى الله صلی الله علیه و آله صوم شعبان وثلاثة أيام في كل شهر مثلي الفريضة ، فأجاز الله عز وجل له ذلك.
وحرم الله عز وجل الخمر بعينها وحرم رسول الله صلی الله علیه و آله المسكر في كل شراب فاجاز الله له ذلك كله وعاف رسول الله صلی الله علیه و آله أشياء وكرهها ولم ينه عنها نهي حرام إنما نهى عنها نهى إعانة وكراهة ، ثم رخص فصار الأخذ برخصة واجباً على العباد كوجوب ما يأخذون بنهيه وعزائمه ولم يرخص لهم رسول الله صلی الله علیه و آله فيما نهاهم عنه نهي حرام ، لم يرخص فيه لأحد ولم ، يرخص رسول الله صلی الله علیه و آله لأحد تقصير الركعتين اللتين ضمهما إلى ما فرض الله عز وجل ، بل ألزمهم ذلك إلزاماً واجباً ، لم يرخص لأحد في شيء من ذلك إلا للمسافر ليس لأحد أن يرخص شيئاً ما لم يرخصه رسول الله صلی الله علیه و آله ولم فوافق أمر رسول الله صلی الله علیه و آله أمر الله عز وجل ونهيه نهي الله عز وجل ووجب على العباد التسليم له كالتسليم لله تبارك وتعالى (1).
محمد بن الحسن الصفار بإسناده عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إن الله أدب نبيه حتى إذا أقامه على ما أراد قال له وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين ، فلما فعل ذلك له رسول الله صلی الله علیه و آله زكاه الله فقال إنك لعلى خلق عظيم ، فلما زكاه فوض إليه دينه فقال ما أتاكم الرسزل فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ، فحرم الله الخمر وحرم رسول الله صلی الله علیه و آله كل مسكر فأجاز الله له ذلك كله وأن الله أنزل الصلاة وأن رسول الله
1) أصول الكافي 1 | 266.
صلی الله علیه و آله وقت أوقاتها فأجاز الله ذلك له (1).
وعن محمد بن الحسن الصفار بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال : سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول من أحللنا له شيئاً أصابه من أعمال الظالمين فهو له حلال لأن الأئمة منا مفوض إليهم فما أحلوا فهو حلال وما حرموا فهو حرام (2).
وعن الصفار بإسناده عن أبي إسحاق عن أبي عبد الله علیه السلام يقول : إن الله أدب نبيه على محبته فقال إنك لعلى خلق عظيم ثم فوض إليه فقال ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ، وقال من يطيع الرسول صلی الله علیه و آله فقد أطاع الله ، قال : ثم قال وإن نبي الله فوض إلى علي علیه السلام وائتمنه فسلمتم وجحد الناس ، والله لحسبكم أن تقولوا إذا قلنا وتصمتوا إذا صمتنا ونحن فيما بينكم وبين الله فما جعل الله لأحد من خير في خلاف أمرنا (3).
وفي رواية على بن فضال عن عاصم عن النحوي عن أبي عبد الله ... قال أن رسول الله صلی الله علیه و آله فوض إلى علي بن ابي طالب وائتمنه (4).
عن زكريا الزجاجي ، عن الباقر علیه السلام كان يذكر علياً فقال : كان فيما ولي بمنزلة سليمان بن داود قال الله تعالى امنن أو امسك بغير حساب (5).
محمد بن الحسن الصفار بإسناده عن رفيد مولى ابن هبيرة ، قال أبو عبد الله علیه السلام : إذا رأيت القائم أعطى رجلاً مائة ألف وأعطى آخر درهماً فلا يكبر في صدرك وفي رواية أخرى فلا يكبر ذلك في صدرك فإن الأمر مفوض إليه (6).
أقول الرواية وإن كانت في تقسيم المال إلا أن هذا التصرف يدخل في ضمن تفويض الأحكام.
وعن الصفار أيضاً قال : وما وجدت في نوادر محمد بن سنان قال : قال أبو عبد الله علیه السلام لا والله ما فوض الله إلى أحد من خلقه إلا إلى رسول الله صلی الله علیه و آله وإلى الأئمة : فقال إنا أنزلناه الكتاب لتحكم بين الناس بما أراك الله وصي اراك الله وهي جارية في الأوصياء (1).
وعن الصفار بإسناده عن عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله علیه السلام قال : سألته عن الإمام فوض الله إليه كما فوض إلى سليمان؟ فقال : نعم وذلك أن رجلاً سأله عن مسألة فأجابه فيها سأله آخر عن تلك المسألة فأجابه بغير جواب الأول ثم سأله آخر فأجابه بغير جواب الأولين (2)، ثم قال هذا عطاؤنا فأمسك أو أعط بغير حساب وهكذا هي في قراءة علي قال : قلت أصلحك الله فحين اجابهم بهذا الجواب يعرفهم الإمام ، فقال سبحان الله أما تسمع الله يقول في كتابه إن في ذلك لآيات للمتوسمين وهم الأئمة وإنها لبسبيل مقيم لا يخرج منها أبداً ، ثم قال نعم إن الإمام إذا نظر إلى الرجل عرفه وعرف لونه وإن سمع كلامه من خلف حائط عرفه وعرف ما هو إن الله يقول ومن آية خلق السماوات والأرض واختلاف السنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين فهم العلماء وليس يسمع شيئاً من الألسن تنطق إلا عرفه ناج أو هالك فلذلك يجيبهم بالذي يجيبهم به (3).
رب سائل يقول إن الرواية لا تدل على تفويض الأحكام والتشريع ، وإنما تدل على علم الإمام بموضوعات الأحكام ، وأن الشخص الفلاني موضوع للحكم الفلاني ، والآخر موضوع لحكم آخر ، وإن كانا متشابهين في الخصوصيات ، كما لو سئل المفتي ماذا يصنع المسافر؟ فيقول يقصر ، ثم يسأل ماذا يصنع المسافر الآخر؟ فيقول يقصر ، ثم يسأل ماذا يصنع المسافر الآخر؟ فيقول يتم ، لأنه يعلم أن الثاني قد أقام عشرة أيام.
أقول ويدفع هذا الإشكال صريح العبارة : قال - عبد الله بن سليمان - سألته عن الإمام فوض إليه كما فوض إلى سليمان؟
فقال - الإمام - نعم.
وأن سليمان نبي من الأنبياء وقد عرفنا في الصفحات السابقة أن الرسول صلی الله علیه و آله ؛ وهو كنموذج لأحد الأنبياء ، قد فوض إليه التشريع - هذا من جانب - وقد دلت آيات عديدة في إثبات حق التشريع لسليمان علیه السلام - هذا من جانب آخر - منها سن العقوبة ؛ وذلك لما رأى الهدهد غائباً. وحتماً إن تلك العقوبة كانت بحق ، وإلا يكون عمله علیه السلام جوراً ، والجور قبيح بحد ذاته فكيف لو صدر من نبي؟!
إذاً قول الإمام الصادق علیه السلام : نعم ، يستشف منه أن الإمام فوض إليه في التشريع والأحكام كما فوض إلى سليمان ... والله العالم.
أشرنا إلى أن كلمة ( أولي الأمر منكم ) في الآية الكريمة : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) المعني بها هم الأئمة المعصومون علیه السلام . قد دلت الروايات المتواترة على أن التفويض الذي كان للنبي قد ثبت للإمام علي علیه السلام ولولده من بعده نذكر طرفاً من تلك الأحاديث والروايات حتى يتبين لنا دور الأئمة (علیهم السلام) في التشريع.
الكليني بإسناده عن موسى بن اشيم قال : كنت عند أبي عبد الله علیه السلام فساله رجل عن آية من كتاب عز وجل فاخبره به ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فإخبره بخلاف ما أخبر به الأول ، فدخلني في ذلك ما شاء عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر به الأول ، فدخلني في ذلك ما شاء الله حتى كان قلبي يشرح بالسكاكين فقلت في نفسي : تركت أبا قتادة بالشام لا يخطئ في الواو وشبهه وجئت إلى هذا يخطئ هذا الخطأ كله ن فبينا أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي ، فسكنت نفسي فعلمت أن ذلك من تقية ، قال : ثم التفت إلي فقال لي : يا ابن اشيم إن الله عز وجل فوض إلى سليمان بن داود فقال : ( هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب ) وفوض إلى نبيه صلی الله علیه و آله فقال : ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) فما فوض
إلى رسول الله صلی الله علیه و آله فقد فوضه إلينا (1).
وفي رواية الصفار فإن الله تبارك وتعالى فوض إلى الأئمة منا وإلينا ما فوض إلى محمد صلی الله علیه و آله فلا تجزع (2).
هذه الأحاديث وما ضارعها في المعنى تنص على أن خصوصية التفويض التي كانت للرسول كانت للأئمة (علیهم السلام) وأنها توارثها منه (علیهم السلام) فالتفويض لهم أحد الأسرار التي أودعها الله سبحانه فيهم لكرامتهم على الله وعلو منزلتهم فهم عباد مكرمون.
عن الصفار بإسناده عن أبي الجارود عن أبي جعفر قال : إن رسول الله صلی الله علیه و آله دعا علياً علیه السلام في المرض الذي توفى فيه ، فقال يا علي ادن مني حتى أسر إليك ما أسر الله إلى وأئتمنك على ما ائتمنني الله عليه ففعل ذلك رسول الله صلی الله علیه و آله بعلي علیه السلام وفعله علي بالحسن علیه السلام وفعله الحسن بالحسين علیه السلام وفعله الحسين علیه السلام بأبي وفعله أبي بي صلوات الله عليهم أجمعين (3). أقول لو علمن امنزلة الإمام المعصوم عند الله سبحانه وما يمتلك من صفات وميزات وقدرات انطلاقاً من الواقع الإيماني الذي هم عليه ومعرفتهم بالله وعبوديتهم له وطاعتهم الخالصة ... لو علمنا ذلك حقاً لهان الخطاب ولأرتفع الشك والأصبح كل ماقبل في حقهم قليل بعد تنزيههم عن الربوبية والنبوة (4).
ولمعرفة الإمام ومنزلته نذكر الخبر المروي عن عبد العزيز بن مسلم عن الرضا علیه السلام حيث قال : كنا مع الرضا علیه السلام بمرو فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمنا فأداروا أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف
الناس فيها ، فدخلت على سيدي علیه السلام فأعلمته خوض الناس فيه ، فتبسم علیه السلام ثم قال : يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن آرائهم ، إن الله عز وجل لم يقبض نبيه صلی الله علیه و آله حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شيء ، بين فيه الحلال والحرام ، والحدود والأحكام ، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملاً ، فقال عز وجل : ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) (1)وأنزل في حجة الوداع وهي آخر حجة كانت له صلی الله علیه و آله : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) (2)وأمر الإمامة من تمام الدين ، ولم يمض صلی الله علیه و آله حتى بين لامته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد سبيل الحق وأقام لهم علياً علیه السلام علماً وإماماً وما ترك لهم شيئاً يحتاج إليه الا بينه ، فمن زعم أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله ومن رد كتاب الله فهو كافر به.
هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم ، إن الإمامة أجل قدراً وأعظم شأناً وأعلا مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماماً باختيارهم إن الإمامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل علیه السلام بعد النبوة والخلة مرتبة ثالثة ، وفضلية شرفه بها وأشاد بها ذكره ، فقال : ( إني جاعلك للناس إماماً ) (3)فقال الخليل علیه السلام سروراً بها : ( ومن ذريتي ) قال الله تبارك وتعالى : ( لا ينال عهدي الظالمين ) فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة الطاهرة فقال : ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلاً جعلنا صالحين ، وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ) (4).
فلم تزل في ذريته يرثها بعض ، قرناً فقرناً حتى ورثها الله تعالى النبي صلی الله علیه و آله فقال جل شأنه : ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي
والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ) (1)فكانت له خاصة فقلدها صلی الله علیه و آله علياً علیه السلام بأمر الله تعالى على رسم ما فرض الله فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله تعالى : ( وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ) (2)فهي في ولد علي علیه السلام خاصة إلى يوم القيامة ، إذ لا نبي بعد محمد صلی الله علیه و آله خاصة إلى يوم القيامة ، إذ لا نبي بعد محمد صلی الله علیه و آله فمن اين يختار هؤلاء الجهال.
إن الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء ، إن الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول صلی الله علیه و آله ومقام أمير المؤمنين علیه السلام وميراث الحسن والحسين (علیهم السلام).
إن الآمامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعز المؤمنين ، إن الإمامة الإسلام النامي وفرعه السامي ، بالإمامة تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد ، وتوفير الفيء والصدقات ، وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف.
الإمام يحل حلال الله ويحرم حرام الله ، ويقيم حدود الله ، ويذب عن دين الله ويدعوا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة ، الإمام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار.
الإمام البدر المنير والسراج الزاهر والنوور الساطع ، والنجم الهادي في غياهب الدجى وأجواز البلدان والقفار ، ولجج البحار ، الإمام الماء العذب على الظلماء والدال في المهالك ، من فارقه فهالك ، الإمام السحاب الماطر ، والغيث الهاطل والشمس المضيئة ، والسماء الظليلة والارض البسيطة ، والعين الغريرة والروضة.
الإمام الأنيس الرفيق والوالد الشفيق ، والأخ الشقيق ، والأم البرة بالولد الصغير ومفرع العباد في الداهية النآد ، الإمام أمين الله في خلقه ، وحجته على عباده وخليفته في بلاده ، والداعي إلى الله ، والذاب عن حرم الله.
الإمام المطهر من الذنوب والمبرأ عن العيوب ، والمخصوص بالعلم ، الموسوم بالحلم ، نظام الدين وعز المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين.
الإمام واحد دهره ، لا يدانيه ، ولا يعادله عالم ، ولا يوجد منه بدل ولا له مثيل ولا نظير ، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب ، بل اختصاص من المفضل الوهاب.
فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام. أو يمكنه اختياره ، هيهات هيهات ضلت العقول ، وتاهت الحلوم ، وحارت الألباب ، وخسئت العيون ، وتصارغت العظماء وتجبرت الحكماء ، وتقاصرت الحكماء ، وحصرت الخطباء ، وجهلت الألباء ، وكلت الشعراء وعجزت الأدباء ، وعييت البلغاء ، عن وصف شأن من شأنه ، أو فضيلة من فضائله وأقرت بالعجز والتقصير ، وكيف يو صف بكله أو ينعت بكنهه ، أو يفهم شيء من أمره أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه لا كيف وأنى؟ هو بحيث النجم من يد المتناولين ووصف ا لواصفين ، فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا؟!
أتظنون أن ذلك يوجد في غير آل محمد صلی الله علیه و آله كذبتهم والله أنفسهم ومنتهم الأباطيل فارتقوا مرتقاً صعباً دحضاً ، تزل عنده إلى الحضيض أقدامهم راموا إقامة الإمام بعقول حائرة ناقصة ، وآراء مضلة ، فلم يزدادوا منه إلا بعداً ( قاتلهم الله أنى يؤفكون ) ولقد راموا صعباً ، وقالوا إفكاً وضلوا ضلالاً بعيداً ، ووقعوا في الحيرة ، إذ تركوا الإمام عن بصيرة ، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مبصرين.
رغبوا عن اختيار الله واختيار رسول الله صلی الله علیه و آله وأهل بيته إلى اختيارهم والقرآن يناديهم : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون ) (1)وقال عز وجل : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) (2)وقال : ( ما لكم كيف تحكمون ، أم لكم كتاب فيه تدرسون. إن لكم فه لما تخيرون. أم
لكم إيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون. سلهم ايهم بذلك زعيم ، أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين ) (1)وقال عز وجل : ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) (2)أم ( وطبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون ) (3)أم ( قالوا سمعنا وهم لا يسمعون إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) (4)أم ( قالوا سمعنا وعصينا ) (5)بل هو فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
فكيف لهم باختيار الإمام؟! والإمام عالم لا يجهل ، وراع لا ينكل ، معدن القدس والطهارة ، والنسك والزهادة ، لا مغمز فيه في نسب ، ولا يدانيه ذو حسب ، في البيت من قريش والذروة من هاشم ، والعترة من الرسول صلی الله علیه و آله والرضا من الله عز وجل شرف الأشراف ، والفرع من عبد مناف ، نامي العلم كامل الحلم ، مضطلع بالإمامة عالم بالسياسة ، ومفروض الطاعة ، قائم بأمر الله عز وجل ، ناصح لعباد الله حافظ لدين الله.
إن الانبياء والأئمة صلوات الله عليهم يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمته ما لا يأتيه غيرهم ، فيكون علمهم فوق علم أهل الزمان في قوله تعالى : ( أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ) (6)وقوله في طالوت : ( إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم ) (7)وقال لنبيه
صلی الله علیه و آله : ( أنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً ) (1)وقال في الائمة من أهل بيت نبيه وعترته وذريته صلوات الله عليهم ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً فمنهم من آمن ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيراً ) (2).
إن العبد إذا اختاره الله عز وجل لأمور عباده ، شرح صدره لذلك ، وأودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمه العلم إلهاماً ، فلم يع عبده بجواب ، ولا يحيد فيه عن الصواب ، فهو معصوم ، مؤيد ، موفق مسدد ، قد أمن من الخطايا والزلل والعثار يخصه الله بذلك ليكون حجته على عباده ، وشاهده على خلقه ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ذو الفضل العظيم.
فهل يقدرون على مثل هذا فيختارونه أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدمونه تعدوا - وبيت الله - الحق ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم فذمهم الله ومقتهم وأتعسهم فقال جل وعلا : ( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) (3)وقال : ( كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ) (4)وصلى الله على النبي محمد وآله وسلم تسلمياً كثيراً (5).
الحديث الشريف المتقدم عن الإمام الرضا علیه السلام يحتوي على مضامين عالية واستدلالات قوية ، وبراهين قاطعة وحجج متينة كلها مستمدة من القرآن الكريم ونستطيع أن نقف ع لى أهم النقاط التي ذكرها الإمام سلام الله عليه في معرض حديثه مع عبد العزيز بن مسلم ، منها أنه تطرق علیه السلام إلى :
1 - بيان جهل الناس في أمر الإمامة.
2 - بيان إكمال الدين وتبيان كل شيء ، وإن الله لم يقبض رسوله صلی الله علیه و آله إلا بعدما أنجز كل ما يحتاجه المسلمون من تشريع.
3 - بيان دور الرسول في توضيح الرسالة ، ولم يرحل من هذه الدنيا حتى وضح للمسلمين ما غمض عليهم والتبس...
4 - إن الإمامة منصب إلهي وتخصيص من الله لذوات معنية.
5 - إن الظالم لا ينال منصب الإمامة.
6 - إن الإمامة في ذرية إبراهيم يتوارثونها ، وقد ورثها الرسول صلی الله علیه و آله من آبائه وأجداده من إبراهيم.
7 - إن الإمامة انتقلت إلى أمير المؤمنين علیه السلام ثم صارت في ولده.
8 - تعريف الإمامة وإنها امتداد لخلافة الأنبياء.
9 - مهمة الإمام ودوره في الحافظ على ما شرعه الله من الحلال والحرام.
10 - صفة الإمام.
11 - الشروط اللازمة توفرها في الإمام.
12 - إن الناس لا يمكن لهم الإحاطة بكل ما لدى الإمام.
13 - الإمامة اودعت في آل الرسول وهم من صلب علي وفاطمة ، ومن ادعاها لنفسه من دونهم فهو كاذب.
14 - سوء اختيار القوم ، عندما رغبوا عن اختيار الله وما اختاره الرسول صلی الله علیه و آله لهم.
15 - الموازنة بين الإمام المنصوب من قبل الله سبحانه وبين غيره.
16 - بيان تصور الناس وعجزهم عن الاتيان بمثل تلك الصفات المودعة في الإمام من قبل الله ، وإن ما تتحلى به شخصياتهم (علیهم السلام) من الحلم والأخلاق والشجاعة والجود والسؤدد والطاعة الكاملة للمولى ... الخ إنما هي صفات خاصة مودعة في ذوات معينين ، قد نصبهم الله أمناء وخلفاء على العباد.
هذه بعض النقاط التي تصمنها الحديث.
كما عرفت أن التفويض ينقسم إلى فرعين :
أولاً : تفويض أمر الخلق والرزق والحياة والممات ...
ثانياً : تفويض أمر الدين والسياسة والتربية والأحكام ...
والفرع الأول ينقسم إلى :
أ - تفويض أمر الخلق والرزق بالمعنى الأعم أو المطلق.
ب - تفويض أمر الخلق والرزق بالمعنى الأخص الضيق أو المقيد.
والفرع الثاني :
أ - تفويض أمر الدين والسياسة ... بالمعنى الأعم أو المطلق.
ب - تفويض أمر الدين أو السياسة ... بالمعنى الأخص الضيق أو المقيد.
عکس
ما يثبت تفويضه للمعصومين (علیهم السلام) هو القسم الثاني والرابع فقط.
القسم الثاني يثبت ، ويصح عقلاً من خلال سؤالهم ودعائهم طلب حاجتهم من الله سبحانه ، فإذا شاء الله شاءوا ، وإذا دعوا الله أجابهم ، فما يصدر منهم إنما هو من باب الكرامة والمنقبة ، لا أنه يصدر بقدرتهم أو بإرادتهم ، ولا هم فاعلون حقيقيون لتلك الخوارق للعادة والطبيعة - على وجه الاستقلال ، بل إنه فاعلون حقيقيون لكن بإذن الله تعالى ... كما تقدم.
فلا حول لهم ولا قوة إلا بالله ، وهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ، وقد ورد عنهم في المأثور من قولهم وكلماتهم في الأدعية ... ربي لا تكلني إلى نفسي طرقة عين ... فمن كان شأنه في دعائه أن لا يوكله الله إلى نفسه طرفة عين ، فكيف يوكل أمرالعباد والرزق والأحياء إليهم...؟!!
أما القسم الرابع ، فقد ثبت التفويض فيه للنبي صلی الله علیه و آله حتى يعلم المطيع منهم والعاصي ، أي شأنه في ذلك التمييز بين الطيب والخبيث ...
وهذا لا يمنعه أهل العقل إضافة إلى الشرع. وقد عرفت إنما كان لهم هذا التفويض في هذين القسمين خصوصاً ، كي يطلع العباد على منزلتهم ، فما تخويلهم إلا بتشريفهم وإكرامهم وإظهار عظمتهم للملأ.
ما كان يعينه النبي من الأحكام فذاك مصدره الوحي ، وما كان يختاره صلی الله علیه و آله فمصدره الإلهام ، ولا يخفى أن هذا الاختيار كان يمضيه الله سبحانه بطريق الوحي أيضاً.
عدا ذلك من التوجية أو القول فيهم بالرازقية والخالقية وبالتفويض عموماً فهو باطل وكفر وإلحاد وخروج عن الحد الشرعي والدين ن كما دلت عليه الآيات والأخبار. كما أن الأئمة (علیهم السلام) تبرؤوا ممن قال بذلك التف يض ، وحكموا بكفرهم ، بل أمروا بقتلهم لأنهم غلاة مشركون.
هذا هو موقف الفرقة الناجية الإمامية الإثنا عشرية ، وقد عرفت أن الشيخ الكليني ( رضی الله عنه ) هو أحد أعلامها البارزين ومجدد هذا المذهب على رأس سنة (300) ولم نجد فيما أودعه في كتاب الكافي شيئاً يخالف تلك العقيدة التي ورثناها من أهل البيت (علیهم السلام) بل أنه صرح في عدة أبواب من كتاب الحجة في الجزء الأول من أصول الكافي بأن علم الأئمة (علیهم السلام) إنه وراثة من النبي ، وفي بعض الأحاديث قسم علم الله سبحانه وتعالى إلى
قسمين فقال بإسناده عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام قال : إن الله تبارك وتعالى علمين : علماً أظهر عليه ملائكته وأنبياءه ورسله ، فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبيائه فقد علمناه وعلما استأثر به (1)...
وفي الحديث الثاني من نفس الباب ، الكليني بإسناده عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إن لله عز وجل علمين : علماً عنده لم يطلع عليه أحد من خلقه وعلماً نبذه إلى ملائكته ورسله فما نبذه إلى ملائكته ورسله فقد انتهى إلينا (2).
وفي الحديث الثالث من نفس الباب الكليني بإسناده عن أبي جعفر علیه السلام قال : إن الله عز وجل علمين : علم مبذول ، وعلم مكفوف ، فأما المبذول فإنه ليس من شيء تعلمه الملائكة والرسل إلى ونحن نعلمه ، وأما المكفوف فهو الذي عند الله عز وجل علمين : علم لا يعلمه إلا هو وعلم علمه ملائكته ورسله ، فما علمه ملائكته ورسله فنحن نعلمه (3).
في باب ( إن الأئمة عليهم اسلام يعلمون علم ما كان وما يكون وإنه لا يخفى عليهم شيء من صلوات الله عليهم ) ذكر الشيخ أبو جعفر الكيني ستة أحاديث وجميعها تدلل على أن علمهم علیه السلام وراثة من النبي صلی الله علیه و آله وإنهم حجج الله على عباده ويستحيل أن ينصب حجة عباده وهو جاهل بأمورهم أو بما يحتاجون إليه ، فإنهم يلهمون العلم والمعرفة وكل ما يحتاجه العباد إليه ، وذلك الإلهام لا يعني أنه الغيب الذي استأثره الله سبحانه لنفسه.
الكليني بإسناده عن سيف التمار قال : كنا مع أبي عبد الله علیه السلام جماعة من الشيعة في الحجر فقال : علينا عين؟ فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحداً
فقلنا ليس علينا عين فقال : ورب الكعبة ورب البنية - ثلاث مرات لو كنت بين موسى والخضر علیهماالسلام لأخبرتهما أني اعلم منهما ولأنبئتهما بما ليس في أيديهما ، لأن موسى والخضر علیهماالسلام أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة وقد ورثناه من رسول الله صلی الله علیه و آله وراثة (1).
لقد اشار الإمام علیه السلام أن علمهم بما يكون وما هو كائن إنما هو علم خاص ورثوه من جدهم رسول الله صلی الله علیه و آله . وهذا العلم لا يخفى أن فيه خبر ما كان وما يكون وما هو كائن أنه علم فيه خبر السماء وخبر الأرض وكل ما يحتاجه الإمام المنصوب من قبل الله سبحانه والذي هو الدليل لأهل الأرض.
وفيما سأل المفضل أبا عبد الله علیه السلام قال : جعلت فداك يفرض الله طاعة عبد على العباد ثم يحجب عنه خبر السماء؟ قال : لا ، الله أكرم وأرحم وأرأف بعباده من أن يفرض طاعة عبد على العباد ثم يحجب عنه خبر السماء صباحاً ومساءً (2)أقول وهذا الحديث لا يعارضه الأول كما أنه يوافق الأحاديث التي تنص على أن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا أعلموا (3).
هذه الأحاديث وعشرات غيرها ذكرها الشيخ الكليني ، لم نجد فيها ما يشم منها رائحة الفلو او الخروج عن الحد المعقول أو المألوف عند الإمامية ، فلم يقر الشيخ بما كان يفعله الغلاة في خصوص علم الغيب ، بل أكد الكليني عكسه وخلافه وعبارته صريحة فيما تقدم.
لقد ذكر الشيخ باباً مستقلاً ( في أن الأئمة (علیهم السلام) يزدادون في ليلة الجمعة ) وفي هذا الباب يؤكد على أن الأئمة يزدادون في كل ليلة جمعة علماً وإلا لنفذ علمهم ومع ذلك يتضح مما أودعه في كتابه تلك الأحاديث إن ذاك العلم هو من قبيل الإلهام ، فيوض من الرحمن ، كرامة للنبي وأهل بيته الأطهار.
الكليني بإسناده عن أبي عبد الله قال : ما من ليلة جمعة إلا ولأولياء الله
فيها سرور قلت : كيف ذلك؟ جعلت فداك قال : إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله صلی الله علیه و آله العرش ووافى الأئمة ووافيت معهم فما أرجع إلا بعلم مستفاد ولولا ذلك لنفذ ما عندي (1).
ثم إن الزيادة في العلم لا تعني أنه سوف يطلع أحدهم فيكون أعلم ممن سبقه من المعصومين (علیهم السلام) ، قال الكليني بإسناده عن أبي عبد الله علیه السلام قال : ليس يخرج شيء من عند الله عز وجل حتى يبدأ برسول الله صلی الله علیه و آله ثم بأمير المؤمنين علیه السلام ثم بواحد بعد واحد لكيلا يكون آخرنا أعلم من أولنا (2).
وقال الكليني في ( باب نادر فيه ذكر الغيب ) بإسناده عن معمر بن خلاد قال : سأل أبا الحسن علیه السلام رجل من أهل فارس له : أتعلمون الغيب؟
فقال : قال أبو محمد علیه السلام : يبسط لنا العلم فنعلم ويقبض عنا فلا نعلم وقال : سر الله عز وجل أسره إلى جبرائيل علیه السلام وأسره جبرائيل إلى محمد صلی الله علیه و آله ، وأسره محمد إلى من شاء الله (3)وكان يعني بذلك أمير المؤمنين علیه السلام . صريحة كلماتهم علیه السلام إنهم لا يعلمون الغيب ، بل إنه فضل وكرامة من الله سبحانه فإذا اراد بسط لهم وألهمهم من علمه ما يشاء ، وإذا لم يرد فلا يبسط لهم ، وعبارة الإمام واضحة الضلالة ( ... ويقبض عنا فلا نعلم ).
هذا هو مسلك الشيخ الكليني كمن سبقه من أعلام الطائفة وكمن لحقه إلى يومنا هذا.
وأما التفويض فقد عرفت أيضاً مسلك الشيخ فهو ما كان في أمر الخلق والرزق والدين وغير ذلك من الأمور على وجه التقييد لا أنه تفويض مطلق ، ونعني على وجه التقييد الذي يتخذ صورتين. الصورة الأولى ما
فوض الله سبحانه لنبيه ، فخوله تنظيم حياة الأمة وتدبير شؤونها الدينية والسياسية والاقتصادية - وهذا التخويل بعض صوره هي للإمام كذلك - وإنما فوض إليه سبحانه كي يعلم من يطع الرسول ممن يعصيه.
أمام الصورة الثانية وهي التي ترتبط بسؤال الإمام ودعائه فلو طلبوا من الله عز وجل شيئاً لما أخلف ولا امتنع عن إجابتهم ، فلو سألوه سبحانه أن يرزق فلاناً أو ينطق الميت أو يحييه أو غير ذلك من الأمور الخارقة للعادة فهي تجري لهم على وجه الكرامة والإكرام ، ومن وجه أنهم يرزقون ويميتون ويحييون لكن بإذن الله تعالى ، على أي أن منزلتهم عند الله عظيمة جداً لا يمكن أن يتصورها أحد من البشر ، فلا يرد لهم سؤال إن سألوا ، فافهم وتدبر.
نفي السهو عن النبي صلی الله علیه و آله والأئمة (علیهم السلام)
روايات سهو النبي صلی الله علیه و آله عند الشيعة
إختلاف الروايات « من كتب الأربعة »
روايات سهو النبي صلی الله علیه و آله عند جمهور السنة
أدلة عدم السهو
النسيان لغة له معنيان.
الأول : يراد به الغفلة عن الشيء وعدم التذكر
الثاني : يراد به الشيء الساقط من متاع المرتحلين
أما اصطلاحاً : عند الأصوليين تعريفه : ( الغفلة عن معلوم في غير حال السنة ) ، كما في التعريفات للجارجاني 816 ص 215.
وعرفه ابن نجيم : ( عدم الاستحضار للشيء وفي وقت حاجته ) وربما قيل « عدم ملااحظة الصورة الحاصلة عند العقل عما من شأن الملاحظة في الجملة » حاشية الأزميري 2 | 440. وفي كشف الأستار عدة تعريفات :
1 - معنى يعتري الإنسان بدون اختياره فيوجب له الغفلة عن الحفظ.
2 - عبارة عن الجهل الطارئ.
3 - جهل الإنسان بما كان يعلمه ضرورة مع علمه بأمور كثيرة لا بآفة.
4 - آفة تعترض للمخيلة مانعة من انطباع ما يرد من الذكر فيها.
ما الفرق بين السهو والنسيان
ربما أدعى البعض أن لا فرق بين اللفظين إلا أن العسكري الحسن بعض عبد الله في ( الفرق في اللغوية ) يذكر عدة وجوه.
الأول : إن النسيان إنما يكون عما كان ، والسهو عما لم يكن ، تقول نسيت ما عرفته ، ولا تقول سهوت عما عرفته ، وأنما تقول سهوت عن
السجود في الصلاة ، فتجعل السهو بدلاُ عن السجود الذي لم يكن.
الثاني : إن الإنسان إنما ينسى ما كان ذاكراً له ، والسهو يكون عن ذكر وعن غير ذكر ، لأنه خفاء المعنى بما يمتنع إدراكه.
الثالث : الشيء الواحد محال أن يسهى عنه في وقت ، ولا يسهى عنه في وقت آخر ، وإنما يسهى في الوقت الآخر عن مثله ، ويجوز أن ينسى الشيء الواحد في وقت ، ويذاكره في وقت آخر.
الفروق في اللغة ص 90
وعرفه التفتاراني كما في التلويح ثم قال وهو ما يسمى ذهولاً وسهواً.
التلويح 2 | 160
( وإذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ) الكهف | 24.
قال ابن كثير في تفسيره هذا إرشاد من الله ... تعالى لرسوله صلی الله علیه و آله الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى مشيئة الله عز وجل علام الغيوب الذي يعلم ما كان ، وما يكون ، وما لم يكن لو كان كيف يكون ، 3 | 78.
وكذلك أورد ابن كثير وجهاً آخر فقال هذا إرشاد من الله تعالى لمن شاء الشيء بذكر الله تعالى لأن النسيان منشؤة الشيطان كما قال في فتى موسى :
وذكر الله تعالى طارد للنسيان ، فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان ، فذكر الله سبب للذكر.
من معاني النسيان : عدم الذكر.
كما في قوله تعالى : في قصة موسى وفتاه : ( فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما ) الكهف 61.
وقوله تعالى : ( قال أرأيت إذا اوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ) ، الكهف 63.
فالمراد هنا عدم الذكر أي التذكر.
ومن معنى النسيان الغفلة.
منه وقوله تعالى : ( ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا فرقا بورا ) الفرقان 18.
بمعنى غفلوا عن ذكر الله ونسوا موعظته.
ومن معاني النسيان التأخير.
قوله تعالى : ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) إذا همزت ( ننساها ) بمعنى نؤخرها البقرة 106.
وإذا قرأت ننساها بدون همزة فتكون بمعنى التركر ومنه قوله تعالى : ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعورف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم... ) التوبة 67.
لما تركوا أوامر الله وارتكبوا نواهيه تركهم الله من رحمته عقوبة لهم.
ومن معاني النسيان : الساقط المتروك منه قوله تعالى : ( قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً ) بمعنى متروكاً مريم 23.
إلتزاماً فيما مضى أن نذكر بعض المصاديق البارزة للغلو والطوائف التي التزمت بها وبيان فساد العقائد وانحراف الطوائف عن مبدأ التوحيد.
وقد ظهر ان تلك الطوائف التي لا تمت إلى الشيعة الإمامية بصلة ، بل هي طوائف وفرق منحرفة ضالة توخت الطرق الملتوية لتحقيق مآربها وأهدافها المادية ، بل وبعضها كان لهدف الإطاحة بالإسلام لأنهم يعدون من الزنادقة الذين نشطت دعوتهم في أواخر الحكم الأموي واستمروا إلى عهد المتوكل العباسي.
وفي هذا الفصل سوف أتحدث عن موضوع سهو النبي في الصلاة ونومه عنها ونسيانه لعدد الركعات وما قبل في ذلك.
لقد اشتبه البعض عندما جعل نفي السهو عنه صلی الله علیه و آله من باب الغلو بل أخذ يدلل على صحة معتقده بذكر أحاديث متعددة ، البعض منها مؤداها أن الرسول صلی الله علیه و آله قد سها في الصلاة الرباعية البعض الآخر من تلك الأحاديث أنه سها في صلاة الصبح ، وفي غيرها أنه سها في صلاة المغرب ، كيفما كان إن أغلب تلك الروايات والأخبار راويه ( ذو الشمالين ) وسيأتي التحقيق عن هذا الراوي إن شاء الله تعالى.
ولما كان الحديث ذا أهمية بالغة حرصت أن أذكر الروايات في هذا الموضوع وما فيها من اختلاف ، حتى نصل إلى النتيجة التي يقرها البحث العلمي والأسلوب المنطقي من خلال الإمعان في مضمون تلك الروايات والتدقيق في أسانيدها ، والبحث عن الوقائع التاريخية التي لها مساس بها.
وفي أي الصلوات المكتوبة كانت
1 - الكليني عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن عثمان بن عيسى عن سماعة بن مهران قال : قال أبو عبد الله علیه السلام : من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو ، فإن رسول الله صلی الله علیه و آله صلى بالناس والظهر ركعتين ثم سها فسلم ، فقال له ذو الشمالين : يا رسول الله أنزل في الصلاة شيء؟
فقال وما ذلك؟
فقال : إنما صليت ركعتين ، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : أتقولون مثل قوله؟ قالوا : نعم فقام رسول الله صلی الله علیه و آله فأتم بها الصلاة وسجد بهم سجدتي السهو قال : قلت : أرأيت من صلى ركعتين وظن أنهما أربعاً فسلم وانصرف ثم ذكر بعدما ذهب أنه صلى ركعتين ، قال : يستقبل الصلاة من أولها ، فقال : قلت : فما بال رسول الله صلی الله علیه و آله لم يستقبل الصلاة وإنما أتم بهم ما بقي من صلاته؟ فقال : أن رسول الله صلی الله علیه و آله لم يبرح من مجلسه ، فإن كان لم يبرح من مجلسه فليتم ما نقص من صلاته إذا كان قد حفظ الركعتين الأوليتين (1)
2 - الكليني في عدته عن البرقي ، عن منصور بن العباس عن عمرو بن
1) فروع الكافي 3 | 355 والتهذيب 1 | 347 الحديث 1438 دار الكتب الإسلامية ط 3 ، 1390 طهران.
سعيد بن صدقة قال : قلت لأبي الحسن الأول علیه السلام أسلم رسول الله صلی الله علیه و آله وفي الركعتين الأوليتين؟ فقال : نعم ، قلت : وحاله حالة؟ قال : إنما أراد الله عز وجل أن يفقههم (1)
3 - الكليني : عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة بن مهران : قال سألته عن رجل نسي أن يصلى الصبح حتى طلعت الشمس قال يصليها حين يذكرها ، فإن رسول الله صلی الله علیه و آله رقد عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس ، ثم صلاها حين استيقظ ، ولكنه تخلى عن مكانه ثم صلى (2)
قال العلامة المجلسي : نوم النبي صلی الله علیه و آله كذلك أي فوت الصلاة مما رواه الخاصة والعامة ، وليس من قبيل السهو ولذا لم يقل بالسهو الاشاذ ، ولم يرو ذلك أحد كما ذكره الشهيد ( ره ).
فإن قيل : قد ورد في الأخبار أن نومه صلی الله علیه و آله مثل يقظته ويرى في النوم ما يرى في اليقظة فكيف ترك صلی الله علیه و آله الصلاة مع تلك الحال؟
قلت : يمكن الجواب عنه بوجه :
الأول : أن اطلاعه في النوم محمور على غالب أحواله ، فإذا أراد الله أن ينيمه كنوم سائر الناس لمصلحة فعل ذلك.
الثاني : أنه صلی الله علیه و آله لم يكن مكلفاً بهذا العلم كما كان يعلم كفر المنافقين ويعالم معهم معاملة المسلمين.
الثالث : أن يقال : أنه صلی الله علیه و آله كان في ذلك الوقت مكلفاً بعدم القيام لتلك المصلحة ولا استبعاد فيه ، والأول ظاهر ... (3)
4 - الكليني عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن النعمان ، عن سعيد الأعرج قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : نام رسول الله صلی الله علیه و آله عن الصبح والله عز وجل أنامه حتى طلعت الشمس عليه ، وكان ذلك رحمة من ربك للناس ألا ترى أن رجلاً نام حتى طلعت الشمس لعيره الناس وقالوا : لا تتورع لصلاتك فصارت أسوة وسنة ، فإن قال رجل لرجل : نمت عن الصلاة قال : قد نام رسول الله صلی الله علیه و آله فصارت أسوة ورحمة ، رحم الله سبحانه بها هذه الأمة (1)
الصدوق عن الحسن بن محبوب ، عن الرباطي ، عن سعيد الأعرج قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : إن الله تبارك وتعالى أنام رسول الله صلی الله علیه و آله عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس ، ثم قام فبدأ فصلى الركعتين التين قبل الفجر ، ثم صلى الفجر ، وأسهاه في صلاته ؛ فسلم في الركتين ، ثم وصف ما قاله ذو الشمالين ، وإنما فعل ذلك به رحمة لهذه الأمة ، لئلا يعير الرجل المسلم إذا هو نام عن صلاته أو سها فيها فقال : قد أصاب ذلك رسول الله صلی الله علیه و آله (2).
5 - الكليني عن محمد بن يحيى ، عن أبي عيسى ، عن علي بن النعمان ، عن سعيد الأعرج قال سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : صلى رسول الله ثم سلم في ركعتين فسأله من خلفه يا رسول الله صلی الله علیه و آله أحدث في الصلاة شيء؟ قال وما ذلك؟ قالوا : إنما صليت ركعتين قال : أكذاك يا ذا اليدين؟ وكان يدعى ذا الشاملين فقال : نعم : فبنى على صلاته فأتم الصلاة أربعأ ، وقال : إن الله هو الذي أنساه رحمة للأمة ألا ترى لو أن رجلاً صنع هذا العير ، وقيل : ما تقبل صلاتك فمن دخل عليه اليوم ذاك قال : قد سن رسول الله صلی الله علیه و آله وصارت أسوة ، وسجد سجدتين لمكان الكلام (3).
الطوسي عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن الحسين عن فضالة عن سيف بن عمير عن أبي بكر الحضرمي قال : صليت بأصحابي المغرب فلما أن صليت ركعتين سلمت فقال : بعضهم إنما صليت ركعتين فأدعت فأخبرت أبا عبد الله علیه السلام فقال : لعلك أعدت؟ فقلت نعم فضحك ثم قال : إنما يجزيك أن تقوم وتركع ركعة أن رسول الله صلی الله علیه و آله سهى فسلم في ركعتين ثم ذكر ذو الشمالين قال : ثم قام فأضاف إليها ركعتين (1).
الطوسي بإسناده عن الحسين بن سعيد عن أبي عمير عن جميل قال سألت أبا عبد الله علیه السلام عن رجل صلى ركعتين ثم قام ، قال يستقبل. قلت فما يروي الناس؟ فذكر له حديث ذو الشمالين فقال أن رسول الله صلی الله علیه و آله لم يبرح من مكانه ولو برح لاستقبل (2).
الطوسي بإسناده عن فضاله عن حسين بن عثمان عن سماعة عن أبي بصير قال سألت أبا عبد الله علیه السلام عن رجل صلى ركعتين ثم قام فذهب في حاجة قال يستقبل الصلاة. قلت فما بال رسول الله صلی الله علیه و آله لم يستقبل حين صلى ركعتين؟ فقال إن رسول الله صلی الله علیه و آله لم ينقل من موضعه (3).
الطوسي بإسناده عن أحمد بن محمد عن الحسن بن علي بن فضال عن ابي جميلة عن زيد الشحام قال سألته عن رجل صلى العصر ست ركعات أو خمس ركعات قال إن استيقن أنه صلى ستاً أو خمساً فليعد وإن كان لا يدري إزاد أم نقص فليكبر وهو جالس ثم يركع ركعتين يقرأ فيهما فاتحة الكتاب وفي آخر صلاته يتشهد وإن هو استيقن أنه صلى ركعتين أو ثلاثاً ثم انصرف فتكلم ولم يعلم أنه لم يتم الصلاة أتم ما بقي منها فإن نبي الله صلی الله علیه و آله صلى بالناس ركعتين ثم انصرف فقال له ذو الشمالين يا رسول الله أحدث ف الصالة شيء فقال أيها الناس أصدق ذو الشمالين يا رسول الله صلى أحدث في الصلاة شيء فقال أيها الناس أصدق ذو الشمالين فقالوا له نعم لم تصل إلا ركعتين فقام ما بقى من صلاته (4).
الطوسي عن سعد بن عبد الله عن محمد بن يحى عن موسى بن عمر بن يزيد عن ان سنان عن أبي سعيد القماط قال سمعت رجلاً يسأل أبا عبد الله علیه السلام عن رجل وجد غمزاً في بطنه أو أذى أو عصراً من البول وهو في الصلاة المكتوبة في الركعة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة قال : فقال إذا أصاب شيئاً من ذلك فلا بأس بأن يخرج لحاجته تلك فيتوضأ ثم ينصرف إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه فيبني على صلاته من الموضع الذي خرج منه لحاجته ما لم ينقص الصلاة بكلام قال قلت وإن التفت يميناً أو شمالاً أو ولى عن القبلة؟ قال نعم كل ذلك واسع إنما هو بمنزلة رجل سها فانصرف في ركعة أو ركتعين أو ثلاث من المكتوبة فإنما عليه أن يبني على صلاته ثم ذكر سهو النبي صلی الله علیه و آله (1).
الطوسي عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين عن جعفر بن بشير عن الحارث بن مغيرة النضري قال : قلت لأبي عبد الله علیه السلام إنا صلينا المغرب فسهى الإمام فسلم في الركعتين فأعدنا الصلاة فقال : ولم أعدتم أليس قد انصرف رسول الله صلی الله علیه و آله في الركعتين فأتم بركعتين ألا أتممتم؟! (2).
وعن فقه الرضا :
... وكنت يوماً عن العالم علیه السلام ورجل سأله عن رجل سها فسلم فري الركعتين من المكتوبة ثم ذكر أنه لم يتم صلاته قال فليتمها وليسجد سجدتي السهو وقال علیه السلام أن رسول الله صلی الله علیه و آله صلى يوماً الظهر فسلم في الركعتين فقال ذو اليدين يا رسول الله أمرت بتقصير الصلاة أم نسيت؟ فقال رسول الله صلی الله علیه و آله للقوم صدق ذو اليدين؟ فقالوا نعم يا رسول لم تصل إلا ركعتين فقام فصلى إليها ركعتين فقام فصلى إليها ركعتين ثم سلم وسجد سجدتي السهو (3).
الطوسي عن سعد بن عبد الله عن أبي الجوزاء عن الحسين بن علوان
عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي علیه السلام قال : صلى بنا رسول الله صلی الله علیه و آله الظهر خمسركعات ثم انتقل فقال له بعض القوم يا رسول الله هل زيد في الصلاة شيء؟ قال ما ذاك؟ قال : صليت بنا خمس ركعات قال : فاستقبل القبلة وكبر وهو جالس ثم سجد سجدتين ليس فيهما قراءة ولا ركوع ثم سلم وكان يقول هما المرغمتان (1).
أحمد بن محمد البرقي عن جعفر بن محمد بن الأشعث ، عن ابن القداح ، عن أبيه علیه السلام عن ابي عبد الله عن أبيه علیه السلام قال : صلى النبي صلی الله علیه و آله صلاته وجهر فيها بالقراءة فلما انصرف قال لأصحابه : هل أسقطت شيئاً في القراءة؟
قال فسكت القوم ، فقال النبي صلی الله علیه و آله أفيكم أُبي بن كعب؟
فقالوا ، نعم ، قال : هل أسقطت فيها بشيء؟ قال : نعم يا رسول الله أنه كان كذا وكذا ، فغضب صلی الله علیه و آله ثم قال : ما بال أقوام يتلى عليهم كتاب الله فلا يدرون ما يتلى عليهم منه ، ولا ما يترك! هكذا هلكت بنوا إسرائيل ححضرت أبدانهم وغابت قلوبهم ولا يقبل الله صلاة عبد لا يحضر قلبه مع بدنه (2).
سهو النبي عند صلی الله علیه و آله السنة
روايات السهو من مسند الشافعي
روايات السهو من صحيح البخاري
روايات السهو من سنن ابي داود
روايات السهو من صحيح مسلم
روايات السهو من ابن ماجه
روايات السهو من الترمذي
روايات السهو من النسائي
فتاوى أهل السنة
خلاصة البحث
الشافعي في باب ما جاء في من نام عن صلاة أو فرط منها حتى ذهب وقتها قال :
1 - أخبرنا أحمد قال : أخبرنا المزني قال ، حدثنا الشافعي رحمه الله قال أخبرنا مالك بن أنس بن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلی الله علیه و آله حين قفل من خيبر سرى حتى إذا كان من آخر الليل عرس وقال لبلال أكلأ لنا الصبح ونام رسول الله صلی الله علیه و آله وأصحابه وكلأ بلال ما قدر. ثم أسند إلى راحلته وهو مقابل الفجر فغلبه عيناه ، فنام ولم يستيقظ رسول الله صلی الله علیه و آله ولا أحد من الركب حتى ضربتهم الشمس فكان رسول الله أولهم استيقاظاً ، ففزع رسول الله صلی الله علیه و آله فقال يا بلال. فقال يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك فقال رسول الله صلی الله علیه و آله اقتادوا فبعثوا رواحلهم فاقتادوا شيئاً ثم أمر رسول الله صلی الله علیه و آله بلالاً فأقام الصلاة ، فصلى لهم الصبح ثم قال حين قضى الصلاة من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول ( وأقم لذكرى ) (1).
1 - المزني قال حدثنا الشافعي رحمه الله قال أخبرنا عبد الوهاب بن عبد
1) السنن الماثور - محمد بن إدريس الشافعي ( 150 - 204 ) ه- ص 159 ، دار المعرفة ط ، 1986 بيروت.
الحميد الثقفي عن يونس بن عبيدة عن الحسن عن عمران بن حصين قال عمران : كنا مع رسول الله صلی الله علیه و آله في مسير له فنمنا عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس فأمر المؤذن فأذن ثم صلينا ركعتي الفجر حتى إذا أمكنتنا الصلاة صلينا (1).
الشافعي في الباب التاسع في سجود السهو قال :
3 - أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن الأعرج عن ابن بحينة أن رسول الله صلی الله علیه و آله قام من اثنين من الظهر لم يجلس فيها لما قضى لصلاته سجد سجدتين ثم سلم بعد ذلك (2).
4 - الشافعي : أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن عبد الله بن بحينة قال صلى بنا رسول الله صلی الله علیه و آله ركعتين ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه فلما قضى الصلاة ونظرنا تسلميه كبر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم ثم سلم بعد ذلك (3).
5 - الشافعي أخبرنا مالك عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله صلی الله علیه و آله انصرف من اثنتين فقال ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلی الله علیه و آله أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس نعم ، فقام رسول الله صلی الله علیه و آله فصلى اثنتين أخريين ثم سلم ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع (4).
6 - الشافي : أخبرنا مالك عن داود بن حصين عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمر قال سمعت أبا هريرة يقول : صلى بنا (5) رسول الله صلی الله علیه و آله صلاة العصر فسلم في ركعتين ، فقام ذو اليدين فقال أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فأقبل رسول الله صلی الله علیه و آله فقال أصدق ذو اليدين؟
فقالوا : نعم. فأتم رسول الله صلی الله علیه و آله ما بقي من الصلاة ثم سجد وهو جالس بعد التسليم (1).
7 - الشافي أخبرنا عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين قال : سلم رسول الله صلی الله علیه و آله في ثلاث ركعات من العصر ثم قال فدخل الحجرة فقام الخرباق رجل طويل بسيط اليدين فنادى يا رسول الله صلی الله علیه و آله أقصرت الصلاة؟ فخرج مغضباً يجر رداءه فسأل فأخبر فصلى تلك الركعة التي كان تركها ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم (2).
قال السيد يوسف الزواري من علماء الأهر في تحقيقه لمسند الشافعي في ذيل الحديث الذي ذكرناه تحت رقم 4.
قال في دليل على أن التشهد الأول والجلوس ليسا بركنين في الصلاة ولا فرضين إذا لو كانا كذلك لما جبرهما كالركوع والسجود وغيرهما وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وقال أحمد هما واجبان وإذا سها جبرهما السجود على مقتضى الحديث. وفيه دليل أيضاً على جواز النسيان عليه صلی الله علیه و آله وفي أحكام الشرع وهو مذهب جمهور العلماء وهو ظاهر القرآن والحديث وانفقوا على أنه صلی الله علیه و آله لا يقر عليه بل يعلمه الله تعالى به وقال الأكثرون شرطه تنبيهه صلی الله علیه و آله له على الفور بدون تأخير وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته واختاره إمام الحرمين ومنعت طائفة السهو عليه في العبادات والأقوان التبليغية وإليه الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني. والصحيح الأول ، لأن السهو لا يناقض النبوة وإذا لم يقر عليه لا تحصل منه مفسدة (3).
وفي ذيل الحديث الخامس بترقيمنا المتقدم قال :
وفي هذا الحديث فوائد منها :
جواز النسيان في الأفعال والعبادات على الأنبياء وأنهم لا يقرون عليه
ومنها : إثبات سجود السهو. ومنها : أن كلام الناس للصلاة الذي يظن أنه نسي فيها لا يبطلها وبه قال الجمهور من السلف والخلف ومنهم ابن عباس وعبد الله ابن الزبير وأخوه عروة وعطاء والحسن والشعبي وقتادة والاوزاعي ومالك والشافعي والحمد وخالفهم أبو حنيفة وأصحاب الثوري فقالوا تبطل الصلاة ناسياً أو جاهلاً لحديث ابن مسعود وزيد بن أرم وزعموا أن حديث ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم.
وفيه دليل على أن العامل الكثير والهفوات إذا كانت في الصلاة سهواً لا تبطلها كما يبطلها الكلام سهواً فإنه ثت في مسلم أن النبي صلی الله علیه و آله مشى إلى الجذع وفي رواسة دخل الحجرة ثم خرج ورجع الناس وبنى على صلاته (1).
سيأتي تعليقنا على فتاوي أهل السنة وإبطال قول السيد الزواوي الذي ذهب غلى تأييد قول السلف من علماء الجمهور ..
قال البخاري في باب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة :
1 - حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عبد الرحمن الأعرج عن عبد الله بن بحينه ( رضي الله عنه ) أنه قال صلى لنا رسول الله صلی الله علیه و آله ركعتين من بعض الصلوات ثم قام فلم يجلس الناس معه فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم فسجد سجدتين وهو جالس ثم سلم (2).
2 - البخاري بإسناده المتقدم عن يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن الأعرج عن عبد الله ابن بحينة ( رضي الله عنه ) أنه قال أن رسول الله صلی الله علیه و آله قام من اثنين من الظهر لم يجلس بينهما فلم قضى صلاته سجد سجدتين ثم سلم بعد ذلك (3).
3 - حدثنا ابو الوليد حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ( رضي الله عنه ) أن رسول الله صلی الله علیه و آله صلى الظهر خمساً فقيل له أزيد في الصلاة فقال وما ذاك؟ قالوا صليت خمساً فسجد سجدتين بعدما سلم (1).
4 - حدثنا آدم حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال صلى بنا النبي صلی الله علیه و آله الظهر أو العصر فسلم فقال له ذو اليدين الصلاة يا رسول الله انقصت ، فقال النبي صلی الله علیه و آله لأصحابه أحق ما يقول ، قالوا نعم فصلى ركعتين أخريين ثم سجد سجدتين.
قال سعد ورأيت عروة بن الزبير صلى من المغرب ركعتين فسلم ثم صلى ما بقي وسجد سجدتين وقال هكذا فعل النبي صلی الله علیه و آله (2).
5 - حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك بن أنس عن أيوب بن أبي تميمة السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله صلی الله علیه و آله انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله صلی الله علیه و آله فقام رسول الله صلی الله علیه و آله أصدق ذو اليدين فقال الناس نعم ، فقام رسول الله صلی الله علیه و آله فصلى اثنتين أخريين ثم سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع (3).
6 - حدثنا حفص بن عمر حدثنا يزيد بن إبراهيم عن محمد عن أبي هريرة قال صلى النبي صلی الله علیه و آله إحدى صلاتي العشى قال محمد وأكثر ظني العصر ركعتين ثم سلم ، ثم قال إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها وفيهم أبو بكر وعمر فهاباه أن يكلماه وخرج سرعان الناسي
فقالوا أقصرت الصلاة ورجل يدعوه النبي صلی الله علیه و آله ذو اليدين فقال أنسيت ام قصرت؟ فقال لم أنس ولم تقصر. قال بلى نسيت فصلى ركعتين ثم سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر ثم وضع رأسه فكبر ثم وضع رأسه فكبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر (1).
7 - البخاري حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث بن شهاب عن الأعرج عن عبد الله بن بحينة الأسدي حليف بني عبد المطلب أن رسول الله صلی الله علیه و آله قام في صلاة الظهر وعليه جلوس فلما أتم صلاته سجد سجدتين فكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس (2).
10 - قال أبو داود في باب السهو في السجدتين - حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد ، عن أبي هريرة ، قال : صلى بنا رسول الله صلی الله علیه و آله إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر ، قال : فصلى بنا ركعتين ثم سلم ، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يديه عليها أحدهما على الأخرى ، يعرف في وجه الغضب ، ثم خرج سرعان الناس أبو بكر وعمر ، فهاباه أن يكلماه ن فقام رجل كان رسول الله صلی الله علیه و آله يسميه ذا اليدين فقال : يا رسول الله ، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال : لم أنس ولم تقصر الصلاة. قال : بل نسيت يا رسول الله (3)، فأقبل رسول الله صلی الله علیه و آله إلى مقامه فصلى الركعتين الباقيتين ، ثم سلم ، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع وكبر ، ثم كبر
وسجد مثل سجوده أو اطول ثم رفع وكبر ، وقال : فقيل لمحمد : سلم في السهو؟ فقال : لم أحفظه عن أبي هريرة ، ولكن نبئت أن عمران ابن حصين قال : ثم سلم (1).
ومثله الحديث 1009 و 1010 و 1011 و 1012 و 1013 و 1014 و 1015 و 1016 و 1017 فهذه عشرة أحاديث كلها تنص على سهو النبي في صلاة العشى وأسانيدها غير ما تقدم ولا يخفى أن في بعضها لم يوجد فيما أسند إلى أبي هريرة أو غيره أن النبي سجد سجدتي السهو بل صرح أبو داود في ذيل الحديث 1013 فقال : رواه الزبيدي عن الزهري عن أبي بكر ابن سليمان بن أبي حثمة عن النبي صلی الله علیه و آله قال فيه : ولم يسجد سجدتي السهو.
11 - أبو داود حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع وفي سند آخر قال وحدثنا مسدد حدثنا مسلمة بن محمد قال حدثنا خالد أبو قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين قال : سلم رسول الله صلی الله علیه و آله في ثلاث ركعات من العصر ، ثم دخل ، قال عن مسلمة الحجر فقام إليه رجل يقال له الخرباق كان طويل اليدين فقال له أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضباً يجر رداءه فقال أصدق؟ قالوا : نعم ، فصلى تلك الركعة ، ثم سلم سجد سجدتيها ثم سلم (2).
12 - قال أبو داود - في باب إذا صلى خمساً - حدثنا حفص بن عمر ومسلم ابن إبراهيم ، المعنى قال حفص حثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : صلى رسول الله صلی الله علیه و آله الظهر خمساً فقيل له : أزيد في الصلاة؟ قال : وما ذلك؟ قال : صليت خمساً ، فسجد سجدتين بعدما سلم (3).
13 - ومثله الحديث 1022 وفي ذيله نفى الرسول أن تكون زيادة في الصلاة ثم قال : إنما أنا بشر أنسى كما تنسون بمعنى آخر أنه صلى خمساً.
14 - وهكذا الحديث 1020 ، إلا أن إبراهيم - الذي يروي الحديث عن علقمة - قال : فلا أدري زاد أم نقص فلما سلم قيل له يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء...
15 - أبو داود حدثنا قتيبة بن سعد حدثنا الليث - يعني ابن سعد - عن يزيد ابن أبي حبيب أن سويد بن قيس أخبره عن معاوية بن خديج أن رسول الله صلی الله علیه و آله صلى يوماً فسلم وقد بقيت من الصلاة ركعة فأدركه رجل فقال : نسيت من الصلاة ركعة فرجع فدخل المسجد وأمر بلالاً فأقام الصلاة فصلى للناس ركعة ن فأخبرت بذلك الناس فقالوا لي : أتعرف الرجل قلت لا ، إلا أن أراه فمر بي فقلت : هذا هو ، فقالوا : هذا طلحة بن عبيد الله (1).
16 - قال ابو داود - في باب من قام من اثنين ولم يتشهد - حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الرحمن الأعرج عن عبد الله بن بحنية أنه قال : صلى لنا رسول الله صلی الله علیه و آله ركعتين ثم قام فلم يجلس ، فقام الناس معه ، فلما قضى صلاته وانتظرنا التسليم كبر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم ، ثم سلم صلی الله علیه و آله (2).
17 - ومثله الحديث 1035 مع زيادة بسيطة.
18 - أبو داود حدثنا عبيد الله بن عمر الجشمي حدثنا يزيد بن هارون؟ أخبرنا المسعودي عن زيادة بن علاقة ، قال : صلى بنا المغيرة بن شعبة فنهض في الركعتين قلنا : سبحان الله ، ومضى ، فلما أتم صلاته وسلم سجد سجدتي السهو ، فلما انصرف قال : رأيت رسول الله صلی الله علیه و آله يصنع كما صنعت قال أبو داود : وكذلك رواه ابن أبي ليلى عن الشعبي عن المغيرة بن شعبة ورفعه ، ورواه أبو عيسى عن ثابت بن عبيد قال : صلى بنا المغيرة بن شعبة مثل حديث زياد بن علاقة ، قال أبو داود ، أبو عميس أخو المسعودي ، وفعل بن أبي وقاص مثل ما فعل المغيرة ، وعمران بن حصين والضحاك بن عيس
ومعاوية بن أبي سفيان وابن عباس أفتى بذلك وعمران بن عبد العزيز ، قال أبو داود : هذا فيمن قام من اثنتين ، ثم سجدوا بعدما سلموا (1).
19 - قال أبو داود - في باب سجدتي السهو فيهما تشهد وتسليم - حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى حدثني أشعث ، عن محمد بن سيرين. عن خالد - يعني الحذاء - عن أبي قلابة عن أبي المهلب ، عن عمران ابن حصين ، أن النبي صلی الله علیه و آله صلى بهم فيها فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم (2).
1 - قال مسلم في صحيحه باب السهو في الصلاة والسجود له ، حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن ابن شهاب عن عبد الرحمن الأعرج ، عن عبد الله بن بحينة ، قال صلى لنا رسول الله صلی الله علیه و آله ركعتين من بعض الصلوات. ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه. فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر فسجد سجدتين قبل التسليم. ثم سلم (3).
2 - قال مسلم : حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث. وفي إسناد آخر قال وحدثنا ابن رمح أخبرنا الليث عن ابن شهاب عن الأعرج عن عبد الله بن بحينة الأسدي ، حليف بني عبد المطلب أن رسول الله صلی الله علیه و آله قام في صلاة الظهر وعليه جلوس فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس. قبل أن يسلم وسجدهما الناس معه. مكان ما نسي من الجلوس (4).
3 - قال مسلم : وحدثنا أبو الربيع الزهراني حدثنا حماد حدثنا حماد حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن الأعرج عن عبد الله بن مالك ؛ ابن بحينة الأزدي
أن رسول الله صلی الله علیه و آله قام في الشفع الذي يريد أن يجلس في صلاته فمضى في صلاته. فلما كان في آخر الصلاة سجد قبل أن يسلم. ثم سلم (1).
4 - قال مسلم : وحدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة وإسحاق وإبراهيم جميعاً عن جريرة قال : قال عبد الله : صلى رسول الله صلی الله علیه و آله ( قال إبراهيم : زاد أو نقص ) فلما سلم قيل له : يا رسول الله! أحدث في الصلاة شيء؟ قال : وما ذاك؟ قالوا : صليت كذا وكذا. قال فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم ، ثم أقبل علينا بوجه فقال إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به. ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني. وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب. فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين (2).
5 - قال مسلم : حدّثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدّثنا أبي حدّثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله ، أن النبي صلی الله علیه و آله صلى الظهر خمساً. فلمّا سلّم قيل له : أزيد في الصلاة؟ قال وما ذاك؟ قالوا : صليّت خمساً فسجد سجدتين (3).
6 - قال مسلم : حدثنا عثمان بن أبي شيبة واللفظ له حدثنا جريرة عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم بن سويد قال : صلى بنا علقمة الظهر خمساً. فلما سلم قال القوم : يا أبا شبل قد صليت خمساً. قال كلا ما فعلت. قالوا : بلى قال وكنت في ناحية القوم وأنا غلام فقلت : بلى قد صليت خمساً قال لي وأنت أيضاً يا أعور! تقول ذلك؟ قال قلت : نعم قال فانفتل فسجد سجدتين ثم سلم. ثم قال : قال عبد الله : صلى بنا رسول الله صلی الله علیه و آله خمساً فلما انفتل توشوش القوم بينهم فقال ما شأنكم؟ قالوا : يا رسول الله! هل زيد في الصلاة؟ قال : لا ، قالوا :
فإنك قد صليت خمساً فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلم ، ثم قال إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون وزاد ابن نمير في حديثه فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين (1).
7 - قال مسلم : وحدثنا عون بن سلام الكوفي أخبرنا أبو بكر النهشلي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله ، قال : صلى بنا رسول الله صلی الله علیه و آله خمساً فقلنا : يا رسول الله أزيد في الصلاة؟ قال وما ذاك؟ قالوا : صليت خمساً ، قال : إنما أنا بشر مثلكم. أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون ثم سجد سجدتي السهو(2).
8 - قال مسلم : وحدثنا منجاب بن الحارث التميمي أخبرنا ابن مسهر عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ، قال : صلى رسول الله صلی الله علیه و آله فزاد أو نقص ( قال إبراهيم : والوهم مني ) فقيل : يا رسول الله أزيد في الصلاة شيء؟ فقال إنما أنا بشر مثلكم. أنسى كما تنسون فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين ، وهو جالس ثم تحول رسول الله صلی الله علیه و آله فسجد سجدتين (3).
9 - قال مسلم : وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا : حدثنا أبو معاوية ، وبسند آخر قال وحدثنا ابن نمير حدثنا حفص وأبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله أن النبي صلی الله علیه و آله سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام (4).
10 - قال مسلم : وحدثني القاسم بن زكريا. حدثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ؛ قال : صلينا مع رسول الله صلی الله علیه و آله فإما زاد أو نيقص. ( قال إبراهيم وأيم والله! ما جاء ذلك إلا من قلبي ) قال فقلنا يا رسول الله! أحدث في الصلاة شيء؟ فقال : لا. قال فقلنا له الذي صنع. فقال إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين قال ثم سجد سجدتين (5).
11 - قال مسلم حدثني عمرو الناقد وزهير بن حرب جميعاً عن ابن عيينة
قال عمرو ؛ حدثنا سفيان ابن عيينة حدثنا أيوب. قال سمعت محمد ابن سيرين يقول سمعت أبا هريرة يقول : صلى بنا رسول الله صلی الله علیه و آله إحدى صلاتي العشي. أما الظهر وأما العصر فسلم في ركعتين ثم أتى جذعاً في قبلة المسجد فاستند إليها مغضباً. وفي القوم أبو بكر وعمر. فهاباً أن يتكلما وخرج سرعان الناس وهم يقولون. قصرة الصلاة. فقام ذو اليدين فقال : يا رسول الله أقصرت الصالة أم نسيت؟ فنظر النبي صلی الله علیه و آله يميناً وشمالاً فقال ما يقول ذو اليدين؟ قالوا : صدق. لم تصل إلا ركعتين فصلى ركعتين وسلم. ثم كبر ثم سجد. ثم كبر فرفع ثم كبر وسجد ثم كبر ورفع. قال أخبرت عن عمران بن حصين أنه قال : وسلم (1).
12 - قال مسلم : حدثنا أبو الربيع الزهراني حدثنا حماد حدثنا أيوب عن محمد عن أبي هريرة .. كما في حديث سفيان (2).
13 - قال مسلم : حدثنا قتيبة عن سعيد عن مالك بن أنس عن داود بن الحصين عن أبي سفيان مورى ابن أبي أحمد ، أنه قال : سمعت أبا هريرة يقول صلى بنا رسول الله صلی الله علیه و آله صلاة العصر. فسلم في ركعتين. فقام ذو اليدين فقال : أقصرت الصلاة يا رسول الله! أم نسيت؟ فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : كل ذلك لم يكن فقال : قد كان بعض ذلك يا رسول الله! فأقبل رسول الله صلی الله علیه و آله على الناس فقال أصدق ذو اليدين؟ فقالوا : نعم يا رسول الله! فأتم رسول الله صلى صلی الله علیه و آله ما بعي من الصلاة ثم سجد سجدتين وهو جالس. بعد التسليم (3).
14 - قال مسلم : وحدثني حجاج بن الشاعر حدثنا هارون بن إسماعيل الخزاز حدثنا علي وهو ابن المبارك حدثنا يحيى حدثنا أبو سلمة حدثنا أبو هريرة أن رسول الله صلی الله علیه و آله صلى ركعتين من صلاة الظهر. ثم سلم فأتاه رجل من بني سليم. فقال : يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ وساق الحديث (4).
15 - قال مسلم : وحدثني إسحاق بن منصور أخبرنا عبيد الله بن موسى عن شيبان بن يحيى عن أم سلمة عن أبي هريرة ، بينما أنا أصلي مع النبي صلی الله علیه و آله صلاة الظهر سلم رسول الله صلی الله علیه و آله من الركعتين فقام رجل من بني سليم واقتصر الحديث (1).
16 - قال مسلم : وحدثنا ابو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب جميعاً عن ابن علية قال زهير : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن خالد عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين أن رسول الله صلی الله علیه و آله صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات ثم دخل منزله فقام إليه رجل يقال له الخرباق وكان في يديه طول. فقال : يا رسول الله فذكر له صنيعه. وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس فقال أصدق هذا؟ قالوا : نعم! فصلى ركعة. ثم سلم. ثم سجد سجدتين. ثم سلم (2).
17 - قال مسلم : وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الوهاب الثقفي حدثنا خالد وهو الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن الحصين قال : سلم رسول الله صلی الله علیه و آله في ثلاث ركعات من العصر ثم قام فدخل الحجرة. فقام رجل بسيط اليدين. فقال : أقصرت الصلاة؟ يا رسول الله فخرج مغضباً فصلى الركعة التي كان ترك. ثم سلم. ثم سجد سجدتي السهو ثم سلم (3).
1 - قال ابن ماجة - في باب السهو في الصلاة - حدثنا عبد الله بن عامر ابن زرارة حدثنا علي بن مسهر عن الأعمش عن إبراهيم ، عن علقمة عن عبد الله ، قال : صلى رسول الله صلی الله علیه و آله فزاد أو نقص ( قال إبراهيم : والوهم مني ) فقيل له ، يا رسول الله! أزيد في الصلاة شيء؟ قال! إنما أنا بشر أنسى كما تنسون. فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين
وهو جالس ثم تحول النبي صلی الله علیه و آله فسجد سجدتين (1).
2 - ابن ماجة - في باب من صلى الظهر خمساً وهو ساه - حدثنا محمد بن يشار وأبو بكر بن خلاد ، قالا : حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة حدثني الحكم عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ، قال : صلى النبي صلی الله علیه و آله الظهر خمساً. فقيل له : أزيد في الصلاة؟ قال ما ذاك؟ فقيل له. فثنى رجله ، فسجد سجدتين (2).
3 - وقال في باب ما جاء فيمن قام من اثنتين ساهياً : حدثنا عثمان وأبو بكر إبنا أبي شيبة وهشام بن عمار ، قالوا حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن الأعرج ، عن ابن بحينة ، أن النبي صلی الله علیه و آله صلى صلاة أظن أنها الظهر ( العصر ). فلما كان في الثانية قام قبل أن يجلس فلما كان قبل أن يسلم سجد سجدتين(3).
4 - وقال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ابن نمير ، وابن فضيل ويزيد ابن هارون وبسند آخر قال : وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر ويزيد بن هارون وأبو معاوية كلهم عن يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن الأعرج ، أن ابن بحينة أخبره ، أن النبي قام في اثنتين من الظهر نسي الجلوس حتى إذا فرغ من صلاته إلا أن يسلم ، سجد سجدتي السهو وسلم (4).
5 - قال ابن ماجة - في باب ما جاء فيمن شك في صلاته فتحرى الصواب - حدثنا عمر بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور قال شعبة : كتب إلى وقرأته عليه. قال أخبرني إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ، قال : صلى رسول الله صلی الله علیه و آله صلاة لا ندري أزاد أو نقص. فسأل فحدثناه فثنى رجله واستقبل القبلة وسجد سجدتين ، ثم سلم. ثم أقبل علينا بوجهه ، فقال : لو حدث في الصلاة شيء
1) سنن بن ماجة ( 207 - 275 ه- ) ، 1 | 380 الحديث 1303 من باب 129 و 1205 من باب 130 ، تحقيق محمد فواد عبد الباقي ط دار الفكر بيروت.
2) سنن بن ماجة ( 207 - 275 ه- ) ، 1 | 380 الحديث 1303 من باب 129 و 1205 من باب 130 ، تحقيق محمد فواد عبد الباقي ط دار الفكر بيروت.
3) سنن ابن ماجة 1 | 301 الحديث 1206 من باب 131.
4) سنن ابن ماجة 1 | 381 ، الحديث 1207 من باب 131.
لأنبأتكموه وإنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت وفذكروني وأيكم ما شك في الصلاة فليتحر أقرب ذلك من الصواب فيتم عليه ويسلم ويسجد سجدتين (1).
6 - قال ابن ماجة - في باب فيمن سلم من اثنتين أو ثلاث ساهياً - حدثنا علي بن محمد ، وأبو كريب ، وأحمد بن سنان ، قالوا : حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمير ، أن رسول الله صلی الله علیه و آله سها فسلم في الركعتين فقال له رجل يقال له ذو اليدين : يا رسول الله أقصرت الصلاة أو نسيت؟ قال : ما قصرت وما نسيت قال إذن فصليت ركعتين قال أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا : نعم فتقدم فصلى ركعتين ثم سلم. ثم سجد سجدتي السهو (2).
7 - وقال حدثنا علي بن محمد حدثنا أبو أسامه عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة ، قال : صلى بنا رسول الله صلی الله علیه و آله إحدى صلاتي العشي ركعتين. ثم سلم ثم قام إلى خشبة كانت في المسجد يستند إليها فخرج سرعان الناس يقولون : قصرت الصلاة ، وفي القوم أبو بكر وعمر فهاباه أن يقولا له شيئاً .. وفي القوم رجل طويل اليدين ، يسنى ذا اليدين. فقال : يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت فقال ( لم تقصر ولم أنس ) قال : فإنما صليت ركعتين ، فقال أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا : نعم. قال : فقام فصلى ركعتين. ثم سلم ، ثم سجد سجدتين ثم سلم (3).
8 - وقال : حدثنا محمد بن المثنى وأحمد بن ثابت الجحدري. حدثنا عبد الوهاب حدثنا خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب ، عن عمران بن الحصين ، قال سلم رسول الله صلی الله علیه و آله في ثلاث ركعات من العصر ثم قام فدخل الحجرة. فقام الخرباق رجل بسيط اليدين فنادى ، يا رسول الله أقصرت الصلاة؟ فخرج مغضباً يجر إزارة فسأل
فأخبر. فصلى تلك الركعة التي كان ترك ثم سلم. ثم سجد سجدتين ثم سلم (1).
9 - قال ابن ماجة - في باب ماجاء فيمن سجدهما بعد السلام - حدثنا أبو بكر بن خلاد. حدثنا سفيان بن عيينة عن منصور عن إبراهيم عن علقمة ، أن ابن مسعود سجد سجدتي السهو بعد السلام وذكر أن النبي صلی الله علیه و آله فعل ذلك (2).
10 - قال ابن ماجة - في باب ما جاء في البناء على الصلاة - حدثنا يعقوب ابن حميد بن كاسب حدثنا عبد الله بن موسى التميمي عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن زيد مولى الأسود بن سفيان عن محمد بن عبد الرحمن ابن ثوبان عن أبي هريرة قال : خرج النبي صلی الله علیه و آله إلى الصلاة وكبر. ثم أشار إليهم فمكثوا. ثم انطلق فاغتسل. وكان رأسه يقطر ماء. فصلى بهم ، فلما انصرف قال : إني خرجت إليكم جانباً. وإني نسيت حتى قمت في الصلاة (3).
قال ابن ماجة في الزوائد : هذا إسناده ضعيف لضعف اليمامة بن زيد رواه الدارقطني في سننه من طريق أسامه بن زيد.
1 - ذكر الترمذي في باب ما جاء في سجدتي السهو قبل التسليم حديث ابن بحينة والذي أدرجناه فيما تقدم من صحيح البخاري (4)الحديث الأول.
ثم قال الترمذي : قال أبو عيسى : حديث ابن بحينة حديث حسن صحيح.
والعمل على هذا عند بعض أهل العلم. وهو قول الشافعي يرى سجدتي السهو كله قبل السلام ويقول هذا الناسخ لغيره من الأحاديث ، ويذكر أن آخر فعل النبي صلی الله علیه و آله كان على هذا.
وقال أحمد وإسحاق : إذا أقام الرجل في الركعتين فإنه يسجد سجدتي السهو قبل السلام على حديث ابن بحينة.
قال أبو عيسى : واختلف أهل العلم في سجدتي السهو ، متى يسجدهما الرجل : قبل السلام أو بعده؟
فرأى بعضهم أن يسجدها بعد السلام ، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة.
وقال بعضهم يسجدهما قبل السلام. وهو أكثر الفقهاء من أهل المدينة ، مثل يحيى بن سعيد وربيعة وغيرهما ، وبه يقول الشافعي.
وقال بعضهم : إذا كانت زيادة في الصلاة فبعد السلام ، وإذا كان نقصاناً فقبل السلام. وهو قول مالك بن أنس.
قال أحمد : ما روي عن النبي صلی الله علیه و آله في سجدتي السهو فيستعمل كل على جهته يرى إذا قام في الركعتين على حديث ابن بحينة فإنه يسجدهما قبل السلام وإذا صلى الظهر خمساً فإنه يسجدهما بعد السلام ، وإذا سلم في الركعتين من الظهر والعصر فإنه يسجدهما بعد السلام ، وكل يستعمل على جهته ، وكل سهو ليس فيه عن النبي صلی الله علیه و آله ذكر فإن سجدتي السهو قبل السلام (1).
2 - 4 - وذكر الترمذي في باب ما جاء في سجدتي السهو بعد السلام والكلام حديث علقمة عن عبد الله بن مسعود في أن النبي صلى الظهر خمساً ، وقد ذكرنا الحديث بنصه من صحيح البخاري تحت الرقم - 3 - بترقيمنا المتقدم.
والترمذي نقل في هذا الباب ثلاثة أحاديث. .
1) انظر سنن الترمذي ( 209 - 297 ه- ) ، 2 | 335 - 338 الحديث 391 تحقيق أحمد محمد شاكر دار إحياء التراث العربي - بيروت.
5 - وذكر في باب ما جاء في التشهد في سجدتي السهو حديثاً واحداً وهو الحديث الذي ذكره أبو داود في سننه عن عمران بن حصين وقد أدرجناه تحت الرقم 19.
6 - وذكر في باب ما جاء في الرجل يسلم في الركعتين من الظهر والعصر (1)حديث أبي هريرة من أن النبي صلی الله علیه و آله انصرف من اثنتين وفيه سؤال ذي اليدين وقد ذكرنا الحديث من صحيح البخاري وتحت الرقم - 5 - من ترقيمنا كما تقدم.
1 و 2 - ذكر النسائي في باب ما يفعل من قام من اثنتين ناسياً ولم يتشهد حديثين كالذي ذكرهما أبو داود في الحديث 1034 (2). بترقيمنا المتقدم الحديث 16.
3 - 11 - وذكر في باب ما يفعل من سلم ن ركعتين ناسياً وتكلم. تسعة أحاديث مضمونها كالذي ذكره أبو داود في الحديث 1008 بترقيمنا المتقدم الحديث الأول والقصة في سهو النبي منقولة عن ذي اليدين (3).
14 - 17 - وذكر في الباب ذكر الاختلاف على أبي هريرة في السجدتين ستة أحاديث يؤكد راويها - أبو هريرة - على سجود النبي لسجدتي السهو عندما سها في صلاته ، ففي بعضها كانت صلاة العصر والبعض الآخر غير مصرح بها (4).
18 - 20 - وفي باب التحري ذكر النسمائي جملة من الأحاديث ثلاثة منها تصرح بسهو النبي وأنه زاد أو نقص في بعض صلواته وفي أحدها
كانت صلاة الظهر ومضمون هذه الأحاديث ذكرها أبو داود وابن ماجة في سننه الحديث 1203 وبترقيمنا المتقدم الحديث الأول (1).
21 - 26 - وفي باب ما يفعل من صلى الظهر أو العصر خمساً والنبي لما ذكر بالزيادة سجد سجدتي السهو ، والأحاديث هذه ذكر بعضها أبو داود - مع اختلاف يسير - في سننه الحديث 1019 وبترقيمنا الحديث 12 (2).
27 - وفي باب التكبير في سجدتي السهو ، ذكر النسائي حديثاً واحداً عن عبد الرحمن الأعرج عن عبد الله بن بحينة وقد مر في الحديث 16 - بترقيمنا - من سنن أبي داود ، وفي الأصل الحديث 1034 (3).
قال الإمام أحمد : يحفظ عن النبي خمسة أشياء سلم من اثنتين فسجد ، سلم من ثلاث فسجد ، وفي الزيادة والنقصان وقام من اثنتين ولم يتشهد :
وقال الخطابي : المعتمد عند أهل العلم هذه الأحاديث الخمسة يعين حديثي ابن مسعود وأبي سعيد وأبي هريرة وابن بحينة (1).
عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال : صلى بنا رسول الله صلی الله علیه و آله إحدى صلاتي العشي قال ابن سيرين سماها أبو هريرة ولكن انا نسيت فصلي ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد ثم وضع يده عليها كأنه فضبان فشبك أصابعه ووضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى وخرجت السرعان من المسجد فقالوا : أقصرت الصلاة؟
قال : ( لم أنس ولم تقصر - فقال - أكما يقول ذو اليدين؟) قالوا : نعم ، قال فتقدم فصلى ما ترك من صلاته ثم سم ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه فكبر قال فربما سألوه ثم سلم ، قال : ثبت أن عمران بن الحصين
1) المغني والشرح الكبير على متن المقنع في فقه الإمام أحمد حنبل - لموقف الدين وشمس الدين ابن قدامه م 1 | 700 ، ط 1 ، 1983 ، دار الفكر بيروت.
قال ثم سلم (1).
وروى مسلم بإسناده عن أبي المهلب عن عمران بن حصين قال : سلم رسول الله صلی الله علیه و آله في ثلاث ركعات من العصر ثم قال فدخل الحجرة فقام رجل بسيط اليدين فقال أقصرت الصلاة يا رسول الله؟
فخرج مغضباً فصلى الركعة التي كان ترك ثم سل ثم سجد سجدتي السهو ثم سلم (2).
وفي شرح المغني في مسألة : فإن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها سجد لها : قال لما روى عبد الله بن مسعود قال : صلى بنا رسول الله صلی الله علیه و آله خمساً فلما انفتل توشوش القوم بينهم فقال : ( ما شأنكم ) قالوا يا رسول الله هل زيد في الصلاة؟ قال : لا. قالوا فإنك صليت خمساً فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلم ثم قال : إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين ثم سجد سجدتي السهو (3).
قال القاضي عياض : والصحيح من الأحاديث الوارجة في سهوه صلی الله علیه و آله في الصلاة أحاديث : أولها حديث ذي اليدين في السلام من اثنتين. الثاني حديث ابن بحينة في ا لقيام من اثنين. الثالث حديث ابن مسعود أن النبي صلی الله علیه و آله صلى الظهر خمساً (4)...
قال القفال في كتابه حلية العلماء الأحاديث الصحيحة التي عليها مدار باب سجود السهو ، وعنها تشعب مذاهب العلماء ستة أحاديث
الأول : حديث أبي هريرة الذي يروي عن الرسول صلی الله علیه و آله قال : إذا نودي بالأذان أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع الأذان ... الخ وقد ذكره مسلم.
الثاني : عن أبي هريرة قال : صلى رسول الله صلی الله علیه و آله إحدى صلاتي العشي ، أما الظهر وأما العصر ، فسلم في ركعتين ثم أتى جذعاً في قبلة المسجد فاستند إليها وخرج سرعان الناس فقام ذو اليدين فقال : يا رسول الله : أقصرت الصلاة أم نسيت فنظر النبي صلی الله علیه و آله يميناً وشمالاً فقال : ما يقول ذو اليدين؟ قالوا صدق لم تصل إلا ركعتين ، فصلى ركعتين وسلم ثم كبر ، ثم سجد ثم كبر فرفع ثم كبر ورفع. رواه البخاي ومسلم.
الثالث : عن عبد الله بن بحينة : أن رسول الله صلی الله علیه و آله : قام من صلاة الظهر وعليه جلوس ، فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة ، وهو جالس قبل أن يسلم ، وسجدها الناس معه مكان ما نسي من الجلوس.
رواه البخاري ومسلم.
الرابع : عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود قال صلى رسول الله صلی الله علیه و آله قال إبراهيم زاد أو نقص - فلما سلم قيل له : يا رسول الله : أحدث في الصلاة شيء قال : وما ذلك؟ قالوا : صليت كذا وكذا فثنى رجليه واستقبل القبلة ، فسجد سجدتين ثم سلم ، ثم أقبل علينا بوجهه ، فقال : أنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني وإذا شك أحدكم في صلاته ، فليتحر الصواب ، فليتم عليه ، ثم ليسجد سجدتين رواه البخاري ومسلم.
الخامس : عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدركم صلى .... الخ.
السادس : عن عبد الرحمن بن عوف قال : سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله يقول إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أو اثنتين ... الخ (1)
بعد استعرضنا الأحاديث التي وردت في كتب الصحاح الستة ظهر لنا من مجموعها في هذا الباب أن الصحيح منها عند علماء جمهور السنة هي ستة أحاديث ، ثلاثة منها صرحت بسهو النبي.
1) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء - محمد بن أحمد القفال ت 507 ه- 2 | 135 - 136 تحقيق الدكتور ياسين أحمد إبراهيم ط 1 ، 1980 مؤسسة الرساله بيروت.
قال القفال : إذا شك في ركعة من ركعات الصلاة ، افعلها أم لا فإنه يبني الأمر على اليقين وهو الأقل ، فإن شك أنه صلى واحدة ، أو اثنتين فإنه يبني الأمر على أنه صلى ركعة. وبه قال مالك ، وبه قال أحمد في المنفرد (1).
أقول هذا الرأي ينبغي أن لا يخصص بالأقل طالما المعول هو اليقين ، لأن اليقين أينما دار فهو المعول به فإذا كان المصلي يقينه مع الأكثر فيتابع صلاته بناء على الأكثر. وعمل الرسول - كما تزعمه الروايات المنقولة في الصحاح الستة - سوف يناقض بعض موارده تلك الأخبار ...
قال أبو حنيفة ، إن كان شكه في ذلك أول مرة ، بطلت صلاته وإن كان الشك يعتاده ويتكرر له ، يبني على غالب ظنه بحكم التحري ، فإن لم يقع له ظين يبني على الأقل (2).
فما روي عن النبي كان أول مرة ، ولم تذكر لنا كتب الحديث أو التاريخ أن السهو كان يعترض الرسول صلی الله علیه و آله كثيراً ، ومع ذلك بالنسبة لمعالجة الصلاة أن الرسول صلی الله علیه و آله لم يبطل صلاته التي سها بها - كما يزعمون - سواء كانت الصلاة هي الظهر أم العصر أم أحد صلاتي العتمة ..
وبهذا يسقط الاستدلال بأحاديث سهو النبي التي أثبتوها ، لأن ما أفتى به أبو حنيفة من أن الشك لو كان لأول مرة بطلت الصلاة ، إلا أن صلاة النبي التي دخلها الشك لأول مرة لم يبطلها الرسول صلی الله علیه و آله ولو قيل أن الشك تكرر منه صلی الله علیه و آله ، قلنا إذا لا بد من فعلين متغايرين للرسول صلی الله علیه و آله في مورد علاجه للشك وهذا أيضاً لم يحصل منه صلی الله علیه و آله بل جميع الروايات المنقولة في هذا الباب تأكد على حالة واحدة وهو بالنسبة للزيادة سجد سجدتي السهو وأما بالنسبة للنقيصة فقد أضاف إليها من الركعات ما أكملها.
قال الحسن البصري : يأخذ بالأكثر ويسجد للسهو.
وقال الأوزاعي : متى شك في صلاته بطلت.
وقال القفال : وإن نسي ركعة من ركعات الصلاة ، وذكرها بعد السلام ، فإن لم يتطاول الفصل ، أتى بها وبنى على صلاته ، وإن تطاول الفصل ، استأنفها ، وفي حد التطاول أوجه :
أحدها : قال أبو إسحاق : إن مضى قدر ركعة فهو فهو تطاول ، وقد نص عليه الشافعي.
الثاني : أنه يرجع فيه إلى العرف والعادة ، فإن مصى ما يعد تطاولاً استأنف وإن مضى ما لا يعد تطاولاً بنى ...
والثالث : قال أبو علي بن أبي هريرة : إن مضى قدر الصلاة التي نسي فيها ، استأنف ، وإن كان دون ذلك بنى (1).
أقول من حديث أبي هريرة جليلاً للقارئ أن الرسول صلی الله علیه و آله عندما انفتل من صلاته أتى جذعاً في قبلة المسجد والناس قد خرجت مسرعة ثم الغلط الذي جرى بينهم وبعد ذلك سؤالهم الرسول صلی الله علیه و آله بأمر الزيادة أم النقيصة وتودهه إلى ذي اليدين وما خامر هذه القصو من سؤال وجواب وحوار كل ذلك بحاجة إلى زمن وهذا الزمن عند أهل العرف مما يفسد الصلاة ويذهب بصورتها علماً أن الفاصل الزمني الذي تخلله الكلام كهذا مبطل عند أغلب فقهاء السنة.
قال القاضي عياض : أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر والمبوقات ومسنتدهم في ذلك الإجماع .. واختاره الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني.
وكذلك لا خلاف في أنهم معصومون عن كتم الرسالة والتقصير في التبليغ ... قال القاضي أبو الفضل عياض قال بعض أئمتنا - المالكية - ولا يجب على القولين - في العصمة عن الصغائر وعدمها - أن يختلف أنهم
1) حلية العلماء 1 | 137.
معصومون عن تكرار الصغائر وكثرتها إذ يلحقها ذلك بالكبائر ولا في صغيرة أدت إلى الحشمة وأسقطت المروءة وأوجبت الإزراء والخساسة وهذا أيضاً مما يعصم فيه الأنبياء إجماعا لأن هذا يحط منصب المتسم به ويزري بصاحبه وينفر القلوب عنه والأنبياء منزهون عن ذلك بل يلحق بهذا ما كان من قبيل المباح (1).
وقال القاضي عياض : وأما ما يكون بغير قصد وتعمد كالسهو والنسيان في الوظائف الشريعة مما تقرر الشرع بعدم تعلق الخطاب وترك المؤاخذة عليه فأحوال الأنبياء في ترك المؤاخذة به وكونه ليس بمعصية لهم مع أممهم سواء ، ثم ذلك على نوعين ما طريقة البلاغ وتقرير الشرع وتعلق الأحكام وتعليم الأمة بالفعل وأخذهم باتباعهم فيه وما هو خارج عن هذا مما يختص بنفسه.
أما النوع الأول فحكمه عند جماعة من العلماء حكم السهو في القول في هذا الباب وقد ذكرنا الإتفاق على امتناع ذلك في حق النبي صلی الله علیه و آله وعمته من جواءه عليه قصداً أو سهواً فكذلك قالوا في الأفعال في هذا الباب لا يجوز طرو المخالفة فيها لا عمداً ولا سهواً لأنها بمعنى القول من جهة التبليغ والآراء وطرو هذه العوارض عليها يوجب التشكيك وتسبيب المطاعن .. (2)
إن الأحاديث المتضمنة لسهو النبي صلی الله علیه و آله عند علماء الجمهور هي محل نقاش فيما بينهم ، فمنهم من نفى عنه السهو ، وهو ما ذهب إليه أبو إسحاق الأسفرايني الشافعي (1)ومنهم جوز عليه صلی الله علیه و آله السهو بشرط التنبيه عليه من قبل الله سبحانه. وقسم ثالث جوز عليه صلی الله علیه و آله السهو بشرط عدم الإصرار على أنه يعد من الخطأ.
ثم اختلفوا ف أصل الحديث المروي عن ذي اليدين بكونه منسوخاً بحديث ابن مسعود.
وبعد كل ذلك فإن فتاواهم قد اختلفت ، ولهم في ذلك مذاهب متعددة ، بالخصوص عند جمهور السلف.
والذي استعرضناه يكفي لإبطال ، قول السيد الزواوي في تعليقه على مسند الإمام الشافعي ، والذي ذهب إلى تجويز السهو على النبي صلی الله علیه و آله .
1) نسيم الرياض في شرح الشفاء - القاضي عياض ت 544 ه- ، ج 4 | 137 الهامش. القاضي عياض ، أبو الفضل (1. 544 ه- ) له كتاب الشفاء بتعريف حقوق المصطفى.
بعد استعراضنا للروايات والأخبار من الخاصة والعامة في سهو النبي بينا بعض فتاوى أهل السنة من المذاهب الأربعة واختلافهم في سهو النبي مع اختلاف الروايات التي نقلوها في هذا الصدد ، ثم أشرنا إلى من خالف قولهم كأبي إسحاق الأسففرايني وأبو حنيفة ...
أقول أن القائلين بسهو النبي من بين المسلمين هم أغلب علماء الجمهور وقد مر ، ومن الخلاصة الشيخ الصدوق وشيخه محمد بن الحسن ابن أحمد بن الوليد. ولم يتابعهم إلا الشذاذ من الناس ، وأما الطائفة المحقة - قديماً وحدثاً - فإجماعهم على خلاف ما ذهب إليه ابن الوليد والشيخ الصدوق ( رضی الله عنه )
قال الصدوق في الفقيه : أن الغلاة والمفوضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي صلی الله علیه و آله ويقولون : لو جاز أن يسهو علیه السلام في الصلاة جاز أن يسهو في التبليغ لأن الصلاة عليه فريضة كما أن التبليغ عليه فريضة ، وهذا لا يلزمنا ، وذلك لأن جميع الأحوال المشتركة يقع على النبي صلی الله علیه و آله فيما يقع على غيره ، وهو متعبد بالصلاة كغيره ممن ليس بنبي وليس كل من سواه بنبي كهو ، فالحالة التي أختص بها هي النبوة والتبليغ ما يقع الصلاة لأنها عبادة مخصومة ، والصلاة عبادة مشتركة ، وبها يثبت له العبودية وبإثبات النوم له عن خدمة ربه عز وجل من غير إرادة وله قصد منه إليه نفي الربوبية عنه ، لأن الذي لا تأخذه سنة ولا نوم هو الله الحي القيوم ، وليس سهو النبي صلی الله علیه و آله كسهونا من الله عز وجل وإنما أسهاه ليعلم أنه بشر مخلوق فلا يتخذ رباً معبوداً دونه وليعلم الناس بسهوه حكم السهو متى سهوا.
وسهونا من الشيطان وليس للشيطان على النبي صلی الله علیه و آله والأئمة سلطان ، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ، وعلى ن تبعه من الغاوين ثم يقول :
وكان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد يقول : أول درجة من الغلو نفي السهو عن النبي صلی الله علیه و آله ولو جاز أن يرد الأخبار الواردة في هذا
المعنى لجاز أن يرد جميع الأخبار ... (1)
هذا خلاصة ما قاله الشيخ الصدوق وشيخه ابن الوليد.
أما ردنا على من قال بسهو النبي صلی الله علیه و آله فهي الأدلة النقلية والعقلية :
أما الأدلة النقلية فهي المأخوذة من الكتاب والسنة والإجماع المنقول ، أما من الكتاب : فقوله تعالى : ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) (2)
أقول : لقد ذكرنا جملة من الروايات في سهو النبي ، منها ما ورد في صحيح البخاري ففي رواية أبي هريرة ذكر أن ذا اليدين قال للرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) أنسيت أم قصرت؟
فقال (صلی الله علیه و آله و سلم) لم أنس ولم تقصر ... الرواية ، فجوابه (صلی الله علیه و آله و سلم) أنما كان عن يقين. وسبحانه يؤكد قول نبيه في كل حال وآن ، فالآية المتقدمة في جملة ما يستدل بها على نفي السهو فافهم.
وقال تعالى : ( إن اتبع إلا ما يوحى إلي ) (3)
وقوله تعالى : ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وانك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ) (4)
عن الصفار قال حدثنا محمد بن عبد الحميد عن منصور بن يونس عن أبي بصير قال قلت لأبي عبد الله علیه السلام جعلت فداك عن قول الله تبارك وتعالى : ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ) .
قال علیه السلام يا أبا محمد خلق الله أعظم من جبرائيل وميكائيل وقد كان مع رسول الله صلی الله علیه و آله يخبره ويسدده وهو مع الأئمة يخبرهم ويسددهم (5)
وقال تعالى : ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) (1)
وقال تعالى : ( سنقرئك فلا تنسى ) (2)
وقال تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) (3)
وقال تعالى : ( وتعيها إذن واعية ) (4)
روى المفسرون من العامة والخاصة أنها نزلت في أمير المؤمنين علیه السلام وأنه قال ما سمعت من رسول الله صلی الله علیه و آله فنسيته ، وهذا عام مطلق في التبليغ وغيره فإذا كان أمير المؤمنين علیه السلام ينفي عنه السهو والنسيان فالنبي صلی الله علیه و آله بطريق الأولوية يثبت عنه نفي السهو والنسيان.
وقال تعالى : ( إن الله اصطفى آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) (5)
والاصطفاء والاختيار والاجتباء نظائر على وزن افتعال ، والاصطفاء من الصفوة والصافي الذي خلص من الشوائب والأشياء العالقة الكدرة.
فمثل سبحانه خلوص هؤلاء القوم من الفساد والنقص ظاهراً وباطناً بخلوص الصافي من شوائب الأدناس وذمائم الصفات وقبائح الأفعال ولا شك أن السهو والنسيان من الصفات الذميمة ، وأن الساهي أو الناسي إن لم يستحق الذم فهو قطعاً لا يستحق المدح. فإن آل عمران من آل إبراهيم وآل
إبراهيم هم آل محمد صلی الله علیه و آله وهؤلاء (علیهم السلام) بحكم العقل معصومون منزهون عن كل قبيح ونقص وقد علمت أن النسيان والهو قبح ونقص ، كما أن الله سبحانه لا يختار لأمته ولا يصطفى لهم إلا من يكون طاهره مثل باطنه في الطهارة والعصمة.
وقال تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) (1)دلت الآية على وجوب متابعة الرسول في أفعاله وأوامره وأقواله ، فلو جاز عليه السهو والنسيان لوجبت متابعته فيهما وهذا باطل لا يقول به أدنى عاقل ، وأقله أنه يلزم جواز المتابعة وهذا كذلك واضح بطلانه.
وقال تعالى : ( ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ، ويؤتون الزكاة ، والذي هم بآياتنا يؤمنون ، الذي يتبعون الرسول النبي الأمي ) (2)
دلالة الآية واضحة كما تقدم في الآية السابقة.
ومن السنة : فالأدلة كثيرة نقتصر على بعض الروايات الصادرة عنهم (علیهم السلام) : الصفار عن الحسين بن محمد ، ، عن المعلى عن عبد الله بن إدريس ، عن محمد بن سنان عن المفضل ، عن أبي عب الله علیه السلام قال : يا مفضل إن الله تبارك وتعالى جعل للنبي صلی الله علیه و آله خمسة أراح : روح الحياة ، فيه دب ودرج ، وروح القوة فيه نهض وجاهد ، وروح الشهوة فيه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال ، وروح الإيمان فيه أمر وعدل ، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يسهو ، والأربعة الأرواح تنام وتلهو وتغفل وتسهو ، وروح القدس ثابت يرى به ما في الأرض شرقها وغربها برها وبحرها ، قلت : جعلت فداك يتناول الإمام ما ببغداد بيده؟ قال : نعم وما دون العرش (3)
الطوسي بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن أحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن عبد الله بن بكير عن زرارة قال سألت أبا جعفر علیه السلام هل سجد رسول الله صلی الله علیه و آله سجدتي السهو قط؟ قال : لا ولا يسجدها فقيه. قال الشيخ الذي أفتى به ما تضمنه هذا الخبر فأما الأخبار التي قدمناها من أنه سها فسجد فهي موافقة للعامة وإنما ذكرناها لأن مما تضمنه من الأحكام معمول بها ... (1)
وعن الصاادق علیه السلام عن آبائه عن أمير المؤمنين علیه السلام في بيان صفة الإمام : فمنها أنه يعلم الإمام المتولي عليه أنه معصوم من الذنوب كلها صفيرها وكبيرها لا يزل في الفتيا ولا يخطئ في الجواب ، لا يسهو ولا ينسى ، ولا يلهو بشيء من أمر الدنيا ..
وفي طيات الحديث قال علي علیه السلام : وعدلوا عن أخذ الأحكام من أهلها ممن فرض الله طاعتهم ، ممن لا يزل ولا يخطيء ولا ينسى (2).
الكليني ، عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن علي بن حديد عن سماعه بن مهران قال كنت عند أبي عبد الله علیه السلام وعنده جماعة من مواليه فجرى ذكر العقل والجهل فقال أبو عبد الله صلی الله علیه و آله اعرفوا العقل وجنده والجهل وجنده تهتدوا قال سماعه : فقلت جعلت فداك لا نعرف إلا ما علمتنا ... ثم ذكر الإمام الصادق علیه السلام ما للعقل من جنده وما للجهل منن جند ، ثم قال علیه السلام : فكان مما أعطى العقل من الخمسة والسبعين الجند :
الخير وهو وزير العقل وجعل ضده الشر وهو وزير الجهل. والعلم وضده الجهل والتسليم وضده الشك .. والتذكير وضده السهو .. والحفظ وضده النسيان .. والطاعة وضدها المعصية .. الخ
ثم قال علیه السلام فلا تتجمع هذه الخصال كلها من أجناد العقل إلا في نبي أو وصي نبي أو مؤمن امتحن قلبه للإيمان وأما سائر ذلك من موالينا فإن أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود حتى يستكمل وينقى
من جنود الجهل فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء والأوصياء وإنما يدرك ذلك بمعرفة العقل وجنوده وبمجانبة الجهل وجنوده (1).
وفي الخبر المروي عن الإمام الرضا علیه السلام في فضل الإمام وضفاته قال علیه السلام ... والإمام عالم لا يجهل وراع لا ينكل ، معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة ، العلم والعبادة ، مخصوص بدعوة الرسول صلی الله علیه و آله ونسل المطهرة البتول ، لا مغمرز فيه في نسب ولا يدانيه ذو حسب ، في البيت من قريش والذروة من هاشم والعترة من الرسول صلی الله علیه و آله والرضا من الله عز وجل شرف الأشراف والفرع من عبد مناف نامي العلم ، كامل الحلم ، مضطلع بالإمامة عالم بالسياسة مفروض الطاعة قائم بأمر الله عز وجل ، ناصح لعباد الله ، حافظ لدين الله ...
إن الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم يوفهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه فيرهم فيكون علمهم فوق علم أهل الزمان ... إلى أن يقول :
وأن العبد إذا اختاره الله عز وجل لأمور عباده ، شرح صدره لذلك ، وأودع قلبه ينابيع الحكمة ، وألهمه العلم إلهاماً فلم يع بعده بجواب ، ولا يجيد فيه عن الصواب ، فهو معصوم مؤيد ، موفق ، مسدد ، قد أمن من الخطايا والزلل والعثار يخصه الله بذلك ليكون حجته وشاهد على خلقه ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ... (2)
وفي الحديث المستفيض المشهور بين الخاصة والعامة عن رسول الله صلی الله علیه و آله قال صلوا كما رأيتموني أصلي (3)
فلو جاز عليه السهو والنسيان - وبالخصوص في مورد الزيادة الركنية أو النقصية الركنية المبطلة للصلاة حتى سهواً - لما جاز الاقتداء به في شيء من الصلاة التي يحتمل وقوع السهو في كل واحد منها ، فالرسول صلی الله علیه و آله يأمر
المسلمين بمتابعته لكونه في مقام التبليغ فكيف يأمرهم بالمتابعة مع جواز وقوع السهو منه في صلاته؟! وهذا يعني متابعته حتى في السهو والمبطل وهذا باطل لا محالة.
في الخصال عن العجلي عن ابن زكريا القطان عن ابن حبيب عن ابن بهلول عن ابن معاوية عن سلمان بن مهران عن أبي عبد الله علیه السلام قال : عشر خصال من صفات الإمام :
العصمة ، والنصوص ، وأن يكون أعلم الناس ، واتقاهم لله ، وأعلمهم بكتاب الله ، وأن يكون صاحب الوصية الظاهرة ، ويكون له المعجزة والدليل وتنام عينه ولا ينام قلبه ، ولا يكون له فيء ، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه (1)
وفي كشف الغمة من كتاب الدلائل للحميري عن محمد بن الأقرع قال : كتبت إلى أبي محمد علیه السلام أسأله عن الإمام هل يحتلم؟
وقلت في نفسي بعدما فصل الكتاب : الاحتلام شيطنة وقد أعاذ الله أولياءه ، من ذلك فرد الجواب :
الأئمة حالهم في المنام حالهم في اليقظة لا يغير النوم منهم شيئاً قد أعاذ الله أولياءه من لمة الشيطان كما حدثتك نفسك (2).
وفي الحديث المشهور المستفيض بين الخاصة والعامة قوله صلی الله علیه و آله :
( خذوا عني مناسككم ) ووجه الاستدلال واضح حيث يأمرهم صلی الله علیه و آله بمتابعته في الأفعال والأقوال والأوامر ، وقد عرفت فيما تقدم أنا لا يأمر بمتابعته في الأفعل إلا لكونه ما يصدر عنه صلی الله علیه و آله هو على أتم الصحة والصواب.
وروى الكليني في كتاب الحجة عن علي بن محمد عن بعض أصحابنا عن ابن أبي عمير عن جرير عن زرارة عن أبي جعفر علیه السلام : قال :
للإمام عشرة علامات يولد مطهراً مختوناً ، وإذا وقع على الأرض وقع على راحته رافعاً صوته للشهادتين ولا يجنب ولا تنام عينه ولا ينام قلبه ولا يتثأب ولا يتمطى ويرى من خلفه كما يرى من أمامه ، ونجوه كرائحة المسك والأرض موكلة بستره وابتلاعه وإذ لبس درع رسول الله صلی الله علیه و آله كان عليه وافقاً وإذا لبسها غيره من الناس طويلهم وقصيرهم زادت عليه شبراً وهو محدث إلى أن تنقضي أيامه (1).
وجه دلالة الحديث واضحة وهو دال على نفي السهو عنهم في حال النوم فضلاً عن حال اليقظة.
وروى الصدوق في العلل ، في باب العلة التي من أجلها صارت الإمامة في ولد الحسين دون ولد الحسن علیه السلام الصدوق بإسناده عن أبي جعفر علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله لأمير المؤمنين علیه السلام اكتب ما أخاف عليك النسيان ، وقد دعوت الله لك أن يحفظك ولا ينسيك ولكن اكتب لشركائك. قال قلت : ومن شركائي يا نبي الله؟ قال الأئمة من ولدك ... الحديث (2).
أقول كيف لا يخاف صلی الله علیه و آله على الوصي النسيان ويقع ذلك منه فينسى نصف صلاته ويحتاج إلى ذي الشمالين أي ذي اليدين فيذكره ما نسي ويدليه على اشتباهه وخطأه فيرده عن الشك والسهو كي يضيف ركعتين لتتم بها الصلاة؟! أليس ذلك اجتراء على الرسول فيما نسبوه إلى السهو والنسيان؟!
عن محمد بن الحسن الصفار قال حدثنا أحمد بن عيسى عن الحسين القلانسي قال سمعته يقول في هذه الآية يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي قال ملك أعظم من جبرائيل وميكائيل ولم يكن مع أحد ممن مضى غير محمد صلی الله علیه و آله وهو مع الأئمة وليس كما ظننت (3).
وعن الصفار قال حدثنا محمد بن عيسى بن أسباط عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي جعفر صلی الله علیه و آله سألته عن قول الله عز وجل ( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ) (1)فقال جبرائيل الذي نزل على الأنبياء والروح تكون معهم ومع الأوصياء لا تفارقهم تفقههم وتسددهم من عند الله وأ ، ه لا إله إلا الله محمد رسول الله صلی الله علیه و آله وبهما عبد الله واستعبد الخلق وعلى هذا الجن والأنس والملائكة ولم يعبد الله ملك ولا نبي ولا إنسان ولا جان إلا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وما خلق الله خلقاً إلا للعبادة (2).
والأحاديث الرابعة عنهم في هذا الباب أي تسديدهم وتوفيقهم ، وأن روح القدس يحفظهم من الخطأ والزلل والسهو والنسيان أنها لأحاديث كثيرة معتبرة وقد اكتفينا بما أوردناه ، وقد أورد الحر العاملي إحدى وأربعين دليلاً من السنة في نفي السهو فراجع.
أولاً : قال السيد المرتضى في تنزيه الأنبياء في الرد على النظام وجعفر ابن مبشر ومن وافقهما في باب السهو والغفلة :
... لأن السهو يزيل التكليف ويخرج الفعل من أن يكون ذنباً مؤاخذاً به ولهذا لا يصح مؤاخذة المجنون والنائم وحصول السهو في أنه مؤثر في ارتفاع التكليف بمنزلة فقد القدرة والآلاف والأدلة فلو جاز أن يخالف حال الأنبياء (علیهم السلام) في صحة تكليفهم مع السهو جاز أن يخالف حالهم لحال أمتهم في جواز التكليف مع فقد سائر ما ذكرنا وهذا واضح فأما الطريق الذي به يعلم أن الأئمة (علیهم السلام) لا يجوز عليهم الكبائر في حال الإمامة فهو أن اإمام أنما احتيج إليه لجهة معلومة ، وهي أن يكون المكتفون عند وجوده أبعد من فعل القبيح وأقرب من فعل الواجب ... ، فلو جاز عليه الكبائر لكانت علة الحاجة إليه ثابتة فيه وموجبة وجود إمام يكون إماماً له والكلام في إمامته
كالكلام فيه وهذا يؤدي إلى وجود ما لا نهاية له من الأئمة وهو باطل والانتهاء إلى إمام معصوم وهو المطلوب (1)
ثانياً : قال الشيخ المجلسي ( قدس ) : أن أصحابنا الإمامية اجمعوا على عصمة الأنبياء والأئمة - صلوات الله عليهم - من الذنوب الصغيرة والكبيرة عمداً وخطأ ونسياناً قبل النبوة والإمامة وبعدهما : بل من وقت ولادتهم إلى أن يقولوا الله سبحانه ، ولم يخالف فيه إلا الصدوق محمد بن بابوية وشيخه ابن الوليد ( قدس الله روحهما ) فجوزوا الإسهاء من الله تعالى ، لا السهو الذي يكون من الشيطان ، ولعل خروجهما لا يخل بالإجماع ، لكونهما معروفي النسب ، وأما ا لسهو في غير ما تعلق بالواجبات والمحرمات كالمباحات والمكروهات فظاهر أكثر أصحابنا أيضاً الإجماع على عدم صدوره عنهم (2)
قال المفيد في أوائل المقالات : أن الأئمة القائمين مقام الأنبياء (علیهم السلام) في تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وحفظ الشرائع وتأديب الأنام معصومون كعصمة الأنبياء وأنهم لا يجوز منهم صغيرة إلا ما قدمت ذكر جوازه على الأنبياء (3)وأنه لا يجوز منهم سهو في شيء في الدين ولا ينسون في الأحكام وعلى هذا مذهب سائر الإمامية إلا من شذ منهم وتعلق بظاهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنه الفاسد في هذا الباب (4)والمعتزلة
1) تنزية الأنبياء - السيد المرتضى 355 - 436 ه- ص 8 ، منشورات الرضي قم.
2) البحار 17 | 108 ط 3 ، 1983 مؤسسة الوفاء ، دار احياء التراث العربي بيروت ،.
3) قال الشيخ المفيد قبل هذا : ان جميع انبياء الله (صلی الله علیه و آله و سلم) معصومون من الكبائر قبل النبوة وبعدها ومما يستخف فاعله من الصغائر كلها ، واما ما كان م صغير لا يستخف فاعله فجائز وقوعه منهم قبل النبوة وعلى غير تعمد وممتنع منهم بعدها على كل حال ، وهذا مذهب جمهور الامامية - اوائل المقالات ص 69 أما في خصوص النبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : ان نبينا محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ممن لم يعص الله عز وجل منذ خلقه الله عز وجل الى أن قبضه ولا تعمد له خلافا ولا اذنب ذنبا على التعمد ولا النسيان وبذلك نطق القرآن وتواتر الخبر عن آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو مذهب جمهور الامامية ... اوائل المقالات ص 690
4) من شذ منهم ، أي أبو جعفر الصدوق وشيخه ابن الوليد قدس الله أرواحهم ، أقول ومن الذين أدركناهم محمد تقي التستري من المعاصرين صاحب كتاب قاموس الرجال.
بأسرها تخالف في ذلك (1)
وقال المفيد في تصحيح الاعتقاد : وأما نص أبي جعفر ( رضی الله عنه ) بالغلو على من نسب مشائخ القميين وعلمائهم إلى التقصير فليس نسبة هؤلاء القوم إلى التقصير علامة على غلو الناس ، إذ في جملة المشار إليهم بالشيخوخة والعلم من كان مقصراً وإنما يجب الحكم بالغلو على من نسب المحققين إلى التقصير سواء كانوا من أهل قم أم من غيرها من البلاد وسائر الناس ، وقد سمعنا حكاية ظاهرة عن أبي جعفر محمد بن الحسن بن الوليد رحمه الله لم نجد لها دافعاً في التفسير ، وهي ما حكي عنه أن قال أول درجة الغلو نفي السهو عن النبي والإمام علیه السلام عن مراتبهم ورأينا في أولئك من يقول أنهم ملتجئون في حكم الشريعة إلى الرأي والظنون ويدعون مع ذلك أنهم من العلماء وهذا هو التقصير الذي لا شبهة فيه .. (2)
قال أبو صلاح الحلبي : والصفات التي يجب كون الرسول صلی الله علیه و آله عليها هي أن يكون معصوماً فيما يؤدي ، لأن الخطأ عليه في الآداء تمنع من الثقة به ، ويسقط فرض أتباعه ، وذلك ينقص جملة الغرض بإرساله ، وأن يكون معصوماً من القبائح لكونه رئيساً وملطوفاً برئاسته لغيره حسب ما دللنا عليه ولان تجويز القبيح عليه يقتضي إيجاب القبيح ولأن تعظيمه واجب على الاطلاق والستخفاف به فسق - على مذاهب من خالفنا - وكفر عندنا ووقع القبيح منه يوجب الإستخفاف فيقتضي ذلك وجوب البراءة منه مع وجوب الموالاة له (3).
قال المحقق الطوسي : ويجب في النبي العصمة ليحصل الوثوق فيحصل الغرض ولوجوب متابعته وضدها والإنكار عليه ، وكنال العقل والذكاء والفطنة وقوة الرأي وعدم السهو وكلما ينفر عنه من دناءة الأباء
وعهر الأمهات والفظاظة والغلظة والابنة وشبهها والأكل على الطريق وشبهه (1).
قال العلامة الحلي ( قدس ) في شرح كلام المحقق الطوسي الآنف الذكر : يجب أن يكون في النبي هذه الصفات التي ذكرها وقوله وكمال العقل عطف على العصمة وقوة الراي بحيث لا يكون ضعيف الراي متردداً في الأمور متحيراً لان ذلك من أعظم المنفرات عنه وأن لا يصح عليه السهو لئلا يهو عن بعض ما أمر بتبليغه وأن يكون منزهاً عن دناءه الاباء وعهر الأمهات لان ذلك منفر عنه وأن يكون منزها عن الغلظة لئلا يحصل النفرة عنه وأن يكون منزها عن الأمراض المنفة نحو الابنة وسلس الريح والجذام والبرص وعن كثير من المباحات الصارفة عن القبول القادحة في تعظيمه نحو الأكل على الطريق وغير ذلك لأن ذلك كله ما ينفر عنه فيكون منافياً للغرض من البعثة (2).
وقال العلامة الحلي في الرسالة السعدية : أنه لا يجوز عليه الخطأ والنسيان وذهبت أخرى إلى جواز ذلك حتى قالوا أن النبي صلی الله علیه و آله كان يصلي الصبح يوماً فقرأ مع الحمد والنجم إذا هوى إلى أن يصل إلى قوله : ( افرأيتم اللات والعزى ومناة الثلاثة الاخرى ) قرأ تلك الغرانيق الأولى منها الشفاعة ترجى ، ثم استدرك. وهذا في الحقيقة كفر.
وأنه صلى يوماً العصر ركعتين وسلم ثم قام إلى منزله وتنازعت الصحابة في ذلك وتجادلوا في الحديث إلى أن طلع النبي صلی الله علیه و آله فقال لهم في ماحدث بينكم؟ فقالوا يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت فقال لم أقصر ولم أنس فيما سئلتم قالوا يا رسول الله صليت العصر ركعتين فلم يقبل النبي صلی الله علیه و آله حتى شهد بذلك جماعة فاقام فاتم صلاته وهذا المذهب في غاية الردائة ، والحق الأول فإنه لو جاز عليه السهو والخطأ لجاز ذلك في جميع أفعاله فلم يبق وثوق بإخباراته عن الله تعالى ولا بالشرائع والأديان لجواز أن يزيد فيهما سهوا ، فتنفى فائدة البعثة ومن المعلوم بالصروره وصف النبي
صلی الله علیه و آله بالعصمة أحسن وأكمل من وصفة بضدها فيجب المصير إليه لما فيه من الأحراز عن الضرر والمظنون بل المعلوم (1).
قال الفاضل المقداد : من صفات النبي صلی الله علیه و آله كونه معصوماً ... والدليل على أنه معصوم أنه لو لم يكن معصوماً لجوز المكلفون عند أمره لهم ونهيه أياهم أن يكون كاذباً في ذلك فلا يمتثلون ما يأمرهم به وينهاهم عنه فتنتهي فائدة البعثة لان فائدة البعثة تبليغ التكليف من الله تعالى للمكلف وفيه تعريض للثواب الذي هو وجه حسنن التكليف فلا يكون في بعثة الأنبياء فائدة وكل ما لا فائدة فيه عبث والعبث قبيح والقبيح لا يصدر منه (2).
قال المحقق في مختصر النافع ، بعدما أورد جملة من فتاواه في أحكام السهو في الزيادة والنقيصة :
( والحق رفع منصب الإمامة عن السهو في العبادة ) (3).
أقول مقام النبوة أرفع شأناً من منصب الإمامة فمن باب أولى أن ينزه النبي صلی الله علیه و آله عن السهو.
وقال العلامة في المنتهى ، في مسألة التكبير في سجدتي السهو : احتج المخالف بما رواه أبو هريرة عن النبي صلی الله علیه و آله قال : ثم كبر وسجد ، والجواب : هذا الحديث عندنا باطل لاستحال السهو على النبي صلی الله علیه و آله (4).
1) الرساله السعدية للعلامة الحلي الحسن بن المطهر ت 648 - 726 ه- ، من كتاب كلمات المحققين وهو يحتوي على ثلاثين رساله ص 355 ، منشورات مكتبة المفيد ثم 1402.
2) شرح الاعتماد على واجب الاعتقاد ، الفاضل المقداد ص 396 ، وهذه الرسالة من بين ثلاثين رساله جمعت تحت عنوان كلمات المحققين منشورات مكتبة المفيد - قم ط حجرية 1315.
3) مختصر النافع - نجم الدين جعفر بن حسن الحلي ت 676 ه- ، ص 45 ، وزارة الأوقاف المصرية ، دار الكتب العربي ، القاهرة.
4) منتهى المطلب - العلامة الحسن بن يوسف الحلي ت 762 ه- ، 1 | 418 ط حجرية.
وقال في مسألة بيان محل سجدتي السهو ...
احتج مالك بأن النبي صلی الله علیه و آله سجد للنقصان في الصلاة وللزيادة بعدها احتج الأخرون من أصحابنا لما رواه الشيخ عن أبي الجارود قال قلت لأبي جعفر علیه السلام متى أسجد للسهو قال قبل التسليم فإنك إذا صليت فقد ذهبت حرمة صلاتك ، واحتج الشافعي بما رواه عن النبي صلی الله علیه و آله أنه سجد قبل التسليم ثم سلم وعن الزهري قال كان آخر الأمرين سجود قبل التسليم.
والجواب عن الأول أنه نادر مع ما نقلناه فالترجيح لما ذكرناه ، ويحتمل أن يكون ذلك خرج مخرج التقية قاله الشيخ.
وخبر الشافعي لاحجة فيه لإحتمال أن يكون الإشاره بالسجود قبل التسليم (1)...
قال الشهيد في الذكرى.
وخبر ذي اليدين متروك بين الإمامية لقيام الدليل العقلي على عصمة النبي صلی الله علیه و آله عن السهو ، ولم يصير إلى ذلك غير ابن بابويه ثم قال هذا حقيق بالإعراض عنه لأن الأخبار معارضة بمثلها فيرجع إلى قضية العقل ولو صح النقل وجب تاويله على أن إجماع الامامية في الأعصار السالفة على هذين الشيخين واللاحقة لهما على نفي سهو الأنبياء والائمة (علیهم السلام) (2).
لقد أجملنا الحديث في الأدلة النقلية كي لا نخرج عن الإطار الذي رسمناه للبحث ، وإكمالاً للفائدة ، نذكر بعض الأدلة العقلية في نفي السهو عن النبي صلی الله علیه و آله ورد أقوال المجوزين :
أولاً : إن الأنبياء الذين اختارهم الله سبحانه دعاة ومبلغين لرسالاته ، وسفراء إلى خلقه ، وأمناء على وحيه ، إنهم في الذروة العليا من الكمال والإخلاص والطهارة وقد اختارهم سبحانه بعدما توفرت الشروط اللازمة فيهم ، فلا يشك أحد في كونهم أفضل المخلوقين وأنهم الصفوة الطاهرة ، ولا يصل إلى مرتبتهم في الفضل والكمال سائر البشر. فمن لوازم النبوة العصمة في الأنبياء وخلوصهم من كل عيب أو نقص منفر ؛ والسهو أو النسيان عيب أو نقص عن الكمال ، وهذا مختص بالإنسان العادي ، أما الأنبياء فيستحيل عليهم السهو والنسيان لأنه قدح بكمالهم وانتقاصاً لفضلهم.
والسهو قد يكون من فعل الساهي ، كما قد يكون من فعل غيره ، ولما كان مختص بمن يعتريه ، إذا يمكن التحرز منه.
ولما عرفت أن السهو والنسيان عيب ونقص لهذا حرص الناس أن لا يودعوا أموالهم وأسرارهم عند من عرف بالسهو والنسيان ، كما أن الفقهاء وأهل النظر يطرحون ما يرويه ذوو السهو من الحديث والأخبار ، إلا أن يشركهم فيه غيرهم من ذوي الفطنة والذكاء.
ثم لو جاز على النبي أن يسهو في صلاته ، لجاز عليه أن يسهو في
بقية العبادات والأفعال ، فيصنع ضوابطاً غير الضوابط التي أقرها الله سبحانه ، حتى يسهو فينقلها عن حدودها الشرعية ، وعند ذاك لا يؤمن منه الزيادة في العبادة أو النقصان منها.
فلو جاز على النبي أن يسهو في لجاز عليه السهو أيضاً في صيامه فيفطر في نهار هر الصيام كان يأكل أو يجامع نساءه ساهياً.
لجاز عليه أن يسهو في أدائه للزكاة كأن يؤخرها عن إخارجها أو يدافعها مستحقيها أو ...
ولجاز عليه أن يسهو في رد المنكر والنهي عنه ... الخ.
كل ذلك يثبت إذا ثبت سهوه في الصلاة ونسيانه فيها ، لأن كل ذلك عباد تعبد بها النبي صلی الله علیه و آله على وجه القربة إلى خالقه. أضف إلى ذلك أنها عبادة مشتركة بينه وبين سائر الناس ، فإذا تساوى الرسول - والذي هو مبلغ للأحكام والأمين على الرسالة - مع بقية الناس فيسهو وينسى كما يحصل لهم من السهو والنسيان ، إذن ما ميزة النبي على أمته؟! وأي فضل يبقى للنبي ورسالته؟! وإذا جاز السهو عليه صلی الله علیه و آله فلماذا اختص سهوه ونسيانه بالصلاة دون غيرهما من العبادات؟!
ثانياً : الروايات المشتملة على سهو النبي صلی الله علیه و آله شهرتا بين العامو أكثر من شهرتها بين الخاصة ، لذا حملها على التقية هو المتعين.
ثالثاً : اختلاف الروايات من حيث وقوع السهو في الصلاة التي كان يؤديها النبي ، وعدم تحقق تعيينها في كونها صلاة الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء ، يوجب طرحها.
رابعاً : بما أن فكرة سهو النبي توافق العامة وتخالف أصول المذهب عندنا فإن الروايات الحاكية لهذه الفكرة ساقطة عن الاعتبار.
خامساً : لقد أجمع المسلمون على أن النبي لا يكذب وما صدر منه الكذب طيلة حياته قبل النبوة وبعدها والأخبار الواردة في سنن أبي داود (1)
1) كما تقدم في سنن أبي داود 1 | 264 الحديدث 1008 والحديث 1015.
ومسلم (1)وسنن ابن ماجة (2)تذكر أن رجلاً - وفي بعضها ذا اليدين - سأله لما سها صلی الله علیه و آله في عدد الركعات ، فأسقط بعضها فقال يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فكان جوابه صلی الله علیه و آله : لم أنس ولم تقصر ، وفي بعضها : ( كل ذلك لم يكن ) وفي بعض الروايات ( لا ).
أقول إذا كان عالماً بالسهو فجوابه بالنفي كذب ، والكذب قادح بنبوته ومسقط للمروءة لذا لا بد من القول بأن جوابه لم يخالف الواقع الذي هو عليه حيث أن يقينه صلی الله علیه و آله قد أتى بالصلاة كاملة وأن الشك الذي ظهر هو من السائل - في اليدين - لهذا قال علیه السلام : ( لم أنس ولم تقصر ) بل وإن عبارته صلی الله علیه و آله في بعض الروايات : ( كل ذلك لم يكن ) هي أصرح في النفي وآكد حيث نفى كل سهو ونسيان ، كما أنه لم يفغل صلی الله علیه و آله عن تبليغ الأمة فيما ينزل عليه من تشريع جديد أو نسخ في بعض الأحكام والعبادات لهذا لم يطرأ على الصلاة أي تغير.
بل كيف الجمع بين هذه العبارة : ( كل ذلك لم يكن ) وبين ( استقباله الناس وسؤاله منهم )! أصدق ذو اليدين؟ فقالوا نعم يا رسول الله ، فأتم ما بقي من صلاته ثم سجد سجدتي السهو؟!
فهل المأموم أحفظ من الرسول في صلته؟ والمولى سبحانه في القرآن الكريم يخاطب النبي صلی الله علیه و آله فيقول له : ( سنقرؤك فلا تنسى ).
وقد تواتر من الفريقين أن النبي صلی الله علیه و آله تنام عيناه ولا ينام قلبه فكيف من لا ينام قلبه في حال النوم ينام قلبه حال اليقظة عن عبادة ربه التي قوامها التوجه والإقبال الخالص على الله.
سادساً : ما يعارض أخبار السهو روايات عديدة منها موثقة ابن بكير حيث أن النبي لم يسجد للسهو قط بل ولا يسجدهما فقيه.
سابعاً : فيما ورد عن النبي صلی الله علیه و آله وقد جاوز حد التواتر أنه قال صلی الله علیه و آله :
( إياكم وخشوع النفاق ؛ يخشع البدن ولا يخشع القلب ) (1)وهو القائل : ( ركعتان مقتصدتان خير من قيام ليلة والقلب ساه ) وهو القائل : ( لا صلاة لمن لا يتخشع في صلاته ) (2)وهو القائل ( من توضأ فأسبغ الوضوء ثم قام يصلى صلاة يعلم ما يقول فيها حتى يفرغ من صلاته كان كهيئته يوم ولدته أمه ) (3). وقال صلی الله علیه و آله : إذا صليت فصل صلاة المودع ، ولا تتحدثن بكلام يعتذر منه واجمع اليأس مما في أيدي الناس(4).
إذا كان حال الرسول مع أصحابه في الموعظة والإرشاد هكذافكيف به وهو يصلي جماعة ساهياً فينقص من صلاة الظهر أو العصر أو العشاء؟! ...
ألا تجد أن خطاب الله سبحانه : ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ) سوف يشمل النبي صلی الله علیه و آله ؟!
إذا فهل يعقل أن النبي يتوجه إلى لقاء ربه وفي عبادة يشترك معه المسلمون لأداء صلاة الجماعة ولم يكن لقلبه أدنى حضور حتى يسهو في صلاته؟!
ثامناً : ذكر المتقي الهندي أحاديث في باب السهو منها أن الرسول صلی الله علیه و آله قد أخبر أصحابه أنه لو نسي في صلاته فعلى الرجال أن يسبحوا حتى يستدرك وعلى النساء التصفيق (5).
فلو كان المصلون على علم ويقين من سهو النبي ، فلماذا لم يجنحوا إلى التسبيح والنساء إلى التصفيق حتى لا يفوتهم شيء من الصلاة ، وتكون عبادتهم قد أديت على أتم وجه؟!
تاسعاً : ادعى المجوزون لسهو النبي واستناداً إلى ذيل بعض الروايات
أن سهو النبي رحمة للأمة وفي بعضها ليفقههم بالدين ...
أقول : عجباً أن تكون الرحمة الموهوبة إلى الأمة عن طريق إسهاء النبي ونسيانه ، ولماذا كانت الرحمة سبيلها الخطأ في الصلاة دون بقية العبادات؟! وهل اقتصر أمر تفقيه الأمة في أمور دينهم بسهو النبي فقط؟!
وإذا أراد المولى سبحانه أن يفقه الناس في أمور دينهم فإسهاء النبي في الصلاة لغرض تعليم الناس أحكام السهو ، فما السبيل على تفقيهم لبقية الأحكام والعبادات؟!
عاشراً : إن القائل بسهو النبي يدعي أن سهوهمن الله سبحانه وهو يفرق بين سهو النبي وسهو الناس ، إذ يزعم أنسهو الناس من الشيطان لأنهم يتولونه أما سهو النبي فهو من الله.
أقول : هذا أمر عجيب ...
لقد صرح القرآن الكريم في قصة موسى علیه السلام والحوت فقال : وما أنسانيه إلى الشيطان أن أذكره (1).
وفي قصة يوسف لما مكث في السجن قال : فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين (2).
فالنبي موسى والنبي يوسف - في هذه الآية وفي تفسير على أحد الوجوه - يعترفان أن الذي أنساهما هو الشيطان ، فهل يعني ذلك أن للشيطان سبيل عليهما؟! أو أنهما يتولانه ، حتى أنساهم أو أنله عليهما سلطان دون غيرهما من الأنبياء...؟! ثم ماذا تقول عن الحديث الوارد عن أبي هريرة عن النبي أنه قال إن نساني الشيطان شيئاً من صلاتي فليسبح القوم ... الحديث
الحادي عشر : قال علماء الجمهور من السنة والشيخ الصدوق من الخاصة أن الذي حصل للنبي هو إسهاء من الله لا السهو الذي هو من الشيطان أقول ما الغرض من الإسهاء؟ هل المراد منه تشريع سجدتي السهو فهذا غير متوقف على السهو في الصلاة بل إنه منوط بالرسول صلی الله علیه و آله في تبليغه للأمة في أي وقت شاء وبالخصوص يتعين تبليغه إذا حدث من أحدهم. فبيان سجدتي السهو والركعات المنسية أو التشهد لا يتوقف على الإسهاء.
وإن كان السهو لغرض الإسهاء فهذا الوجه أقبح من الأول لأن الإسهاء في الحقيقة غير اختياري ، فلا يعقل له حكم كما عرفت أن الإسهاء من الله ، والعبد لا إرادة له فيه فكيف يشرع له حكم؟ أليس هذا ضرب من الجبر؟!
الثاني عشر : أن خبر ذي اليدين الذي يرويه أبو هريرة لا يصح عندنا لما فيه من الكذب الصريح ، ففي مسند الشافعي - وصحيح البخاري وغيره - قال أبو هريرة صلى بنا رسول الله صلاة العصر فسلم في ركعتين فقام ذو اليدين فقال : أقصرت أم نسيت يا رسول الله (1)؟! ...
إن الراوي لهذا الخبر أبو هريرة وقد أسلم أبو هريرة عام خيبر أي في السنة السابعة للهجرة. وذو اليدين قد استشهد في غزوة بدر أي في السنة الثانية للهجرة فأين كان أبو هريرة عندما استشهد ذو اليدين وكيف أخذ عنه وقد سبقه ذو اليدين إلى الإسلام بخمس سنين؟!
والحديث الذي رواهأبو هريرة صريح أنه كان مع النبي وصلى بهم العصر وقد شهد الصلاة ذو اليدين ... ألم يكن هذا من مختلقات أهل الوضع إنلم نقل إنه من عنديات أبي هريرة؟! ولو سلمنا إن ذا اليدين اسمهذو الشمالين وذو الشمالين هو الذي استشهد في بدر فالإشكال هو الإشكال.
وإذا قيل أن ذا اليدين شخصان أحدهما استشهد في بدر والآخر كان
1) مسند الشافعي 121 وصحيح البخاري 2 | 85 وسنن أبي داود 1 | 264 الحديث 1008 وصحيح مسلم 1 | 404 وسنن بن ماجه 1 | 383 الحديث 1214.
حياً إلى زمن معاوية .. قلنا إن ذا اليدين الذي تزعمون أنه كان حياً إلى زمن معاوية مجهول ولم يوثقه أحد وبهذا سقط الحديث عن الاعتبار وبطل الاستدلال.
الثالث عشر : تواترت الأحاديث من الفريقين ، من أن الصلاة عمود الدين كما أن الدعاء مخ العبادة ، والصلاة كلها ذكر ودعاء وخشوع وخضوع ، فلو جاز السهوعلى النبي صلی الله علیه و آله فينقص منها أو يزيد فيها يعني خروجه عن إطار الخشوع والخضوع وسهوه إنما هو لإنشغال البال وعدم خضوع القلب ، وهذا باطل لأنه منفر لمن يتابعه في أفعاله وأقواله.
الرابع عشر : ورد عنه صلی الله علیه و آله أنه قال : صلوا كما رأيتموني أصلي ، وهذا يعني متابعة الرسول بأي كيفية كانت ، فلو جاز عليه السهو والخطأ والنسيان لوجبت متابعته ، لأننا مأمورون بذلك ، وهذا يعني متابعة الخطأ في العبادة والأمر باتباع الخطأ قبيح بالأدلة النقلية والعقلية ، فسبحانه لا يصدر منه القبيح كما أنه لا يأمر به.
الخامس عشر : أما رواية سعيد الأعرج وسماعة بن مهران في شأن نوم النبي صلی الله علیه و آله عن صلاة الصبح فالخبر موافق لمرويات العامة ومخالف لأصول المذهب. وقد دلت الأخبار عنه صلی الله علیه و آله أن عينه تنام ولا ينام منه القلب ، وفي رواية أخرى أنه يعلم ما وراءه كما ينظر ويعلم ما أمامه ، فكيف ينام عن صلاته المكتوبة؟!
السادس عشر : مع كون صحة الخبرين - خبر الأعرج وخبر ابن مهران - فقدتركهما الأصحاب لحمل صدورهما للتقية (1).
هذه جملة من الأدلة ، والتي دأبنا أن لا نطيل فيها ، وقد اتضح من خلالها عصمة الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم قبل وبعد النبوة والإمامة ، وأنهم منزهون عن المعاصي كبيرها وصغيرها عمدها وسهوها.
وقد كشفنا النقاب عن الروايات القائلة بسهو النبي من كتب الخاصة
1) لقد إستفدنا - في بعض ما أوردنا من الأدلة العقلية في نفي السهو - من الرسالة المنسوبة للشيخ المفيد في رده على الصدوق وما نقلناه بتصرف.
والعامة ثم كشفنا عن الاخبار والروايات المعارضة لها وأقوال علماء جمهور السنة وعلماء الإمامية في نفي السهو عنه صلی الله علیه و آله ، وقد شارك علماء الإمامية طائفة كبيرة من علماء السنة على مختلف مذاهبهم وأزمنتهم ، وهكذا علماء الصوفية وأهل الرياضات ، فأقروا بعصمة الأنبياء : ونزهوهم عن كل عيب ونقص من شأنه ينفر الأمة عنهم ، أو يكون سبباً للازدراء ...
وإذا ثبت ذلك بإجماع الطائفة كما ثبت عند المخالفين إذن لا يبقى أدنى شك من كون المعتقد بنفي السهو عن النبي والأئمة (علیهم السلام) خارج عن حد الغلو ، وأن قول الصدوق وشيخه ابن الوليد ساقط عن الاعتبار ، وقولهما مرفوض بإجماع الطائفة (1)وليس هذا بغريب فإن لجواد قد يكبو والسيف قد ينبو ...
أقول : لقد ذكر الشيخ الكليني في الكافي خمسة أحاديث في باب سهو النبي ونسيانه وقد تقدم ذكرها ، الأولى هي موثقة سماعة بن مهران ، والرواية الثانية عن الحسن بن صدقة وهي ضعيفة والثالثة موثقة سماعة والرابعة صحيحة سعيد الأعرج ، والخامسة كذلك صحيحة سعيد الأعرج.
وقد أوردها الشيخ لكونها تتضمن حكماً فقيهاً ، أما أنه يدين بسهو النبي أو الإمام فذاك ليس من مذهب الشيخ ، وقد تقدم في الجزء الأول من كتاب الأصول ؛ كتاب الحجة ، حيث ذكر عدة أبواب يؤكد فيها عصمة النبي والأئمة الأطهار ، وما أورده في الفروع من كتاب الصلاة إنما لحاجة بعض أبواب هذا الكتاب إلى الدليل المعتبر لغرض إبراز الحكم للمكلف.
ثم بينا أن بعض هذه الأحاديث كانت ضعيفة وبعضها الآخر لم يعمل بها الأصحاب ثم ماجاء فيها عن النبي في كونه سها أو نسي إنما يحمل هذا على التقية. ولا مانع من إيرادهما ، وكما عرفنا أن ديدن الشيخ الكليني في كتابه أنه يذكر حتى - بعض - الأحاديث الصادرة منهم (علیهم السلام) على سبيل التقية ، وهذا لا يقدح في مبنى الشيخ ومسلكه في التأليف وعقيدته المذهبية.
1) قد نجد بعض من شذ عنهم ، كالشيخ محمد تقي التستري صاحب قاموس الرجال ، وهذا لا يقدح بإجماع علماء الطائفة المحقة وما سطر في رسالته الملحقة بالجزء 11 من كتابه ليس فيه جديد ، بل يدلل على سذاجة في العقيدة.
وخلاصة المطاف أجمعت الطائفة على تنزيه النبي والأئمة من كل نقص أو سهو أو نسيان وهذا الإجماع مشهور عند علماء المتأخرين كشهرته عند المتقدمين منهم وبالتالي القائل بعصمة النبي والأئمة (علیهم السلام) وكذا من ينفي عنهم السهو والنسيان لا ينطبق عليه مصطلح الغلو ، فافهم.
سلك الشيعة الإمامية - وهم في ظل عصر التشريع وإلى يومنا هذا - خطاً مستقيماً في نهجهم ومعتقداتهم وتبنيهم للأصول المذهبية ، وكل جيل من العلماء والفضلاء يقتفي أثر من سبقه ويجذو حذو المتقدمين ولا يقدح من شذ منهم في إجماع علماء العصر الواحد ، على أن الشذاذ من كل وقت إنما يستند في أداته على ظواهر الكتاب والأخبار دون إحراز المخرج السليم في ذلك كالتأويل لبعض النصوص أو إتباع أوثق الأخبار ، أو أصحها ، أو أكثرها شهرة بين الأصحاب ، أو كونها مورد اعتماد وعمل والجميع طوال الأعصر.
وعلى هذا النهج حرص العلماء القدامى ، وبالخصوص القميين في تنقية الأجواء العلمية ومراقبة المحدثين ومتابعة أحاديثهم واستدراجهم في طلب الحجة أو المصدر الذي يستند عليه - كل ما يقوله - المحدث في الدرس أو المناظرة.
لذا لم تجد أحداً من العلماء يجرأ أن يخرج عن الحد المألوف في معتقداته وافكاره سواء كان ذلك في الأحكام الشريعة أو القواعد الفقهية أو ما يتعلق بالأصول المذهبة والضرورات التي درج عليها الشيعة الاثنا عشرية ، وأن موقف أحمد بن محمد بن عيسى من البعض واضح جداً. حيث أخرج جملة من علماء قم في وقته ، ظناً منه أنهم كانوا يغالون في عقيدتهم.
لقد عرف أحمد بن محمد بن عيسى أنه الرجل الثقة والرئيس الذي يلقى السلطان بقم ، وهذا يعني أنه كان متنفذاً ، وله مقام سام تهابه طبقات المجتمع على اختلافها وله منزلة عند السلطان ..
ولما كان هو الوجه الذي يؤتى والشخص المبرز في قم. ومكانته الدينية والاجتماعية بل والسياسة معروفة عند الجميع ، فمن البديهي أن تكون له سطوة على أبناء المدينة ، ويهمه ما يهمها ..
كان في قم بعض من اتهم بالغلو فهو لا يتفق مع غيره في المشرب وبعض جزئيات المذهب ، لذا حرص الأشعري على سلامة خط أهل البيت والاحتفاظ بالولاء الصادق الصحيح ، مما أقدم على إخراج جماعة من قم قد اتهموا بعقيدتهم لأهل البيت (علیهم السلام) فممن أخرجهم ابن عيسى : أحمد بن محمد خالد البرقي (1)وكانإ خراجه لشبهة حدثت ثم زالت بعد ذلك ، ولما اتضح الأمر لديه أعاد الأشعري أحمد بن محمد بن خالد إلى قم واعتذر إليه ولما توفي أحمد بن محمد بن خالد مشى في جنازته الأشعري حافياً حاسراً.
وربما يظهر من قول السيد صدر الدين التنقيص من شخصية الأشعري والخدشة به إيماء منه - بأنه كان يلقى السلطان - على أن إخراج الأشعري بعض القميين ما كان برضى من أهل قم ، بل أن سكوتهم لا يخلو من أمر خفي .. وإلا لا يعقل أن يطبق جميع العلماء والأصحاب الذين عاصروا الاشعري في قم بالسكوت وتحملهم التقية على عدم إنكار المنكر وعدم الأمر بالمعروف .. إذا إخراج أولئك النفر لأمر هو حق يراه الأشعري ولا بد ان يتصدق له ..
ومن الذين أخرجهم احمد بن محمد بن عيسى الأشعري :
سهل بن زياد الرازي الآدمي أبو سعيد.
1) من أصحاب الامام الجواد والهادي ، أنظر ترجمة أحمد بن محمد البرقي في كتابنا الكليني والكافي ، العدة السابعة عن أحمد بن محمد البرقي.
قال النجاشي : كان ضعيفاً ، غير معتمدة فيه. وكان أحمد بن محمد بن عيسى ويشهد عليه بالغلو والكذب وأخرجه من قم إلى الري وكان يسكنها ، وقد كاتب أبا محمد العسكري علیه السلام على يد محمد بن عبد الحميد العطار للنصف من شهر ربيع الآخر خمس وخمسين ومائتين ... (1)
أقول واستثنى ابن الوليد - من مشايخ الصدوق - جملة من روايات محمد بن أحمد بن يحيى منا روايات عن سهل بن زياد الادمي ، ثم تبعه على ذلك الصدوق وابن نوح.
وهذا يعني أنهم لا يعتمدوا على رواية محمد بن أحمد بن يحيىعن سعد بن زياد لضعفه أو لكونه يروي المراسيل.
قال ابن الغضائري : ( .. وكان أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري أخرجه عن قم وأظهر البراءة منه ونهى الناس عن السماع منه والرواية عنه ، ويروي المراسيل ويعتم المجاهيل (2).
ومن الذين أخرجوا من قم - قهرا - السيد أبي جعفر موسى بن محمد ابن علي بن الإمام موسى الكاظم علیه السلام وإليه تنسب عائلة المبرقع ولا يزال لهم أحفاد وأبناء في قم منتشرين في كل نواحيها داخلها وخارجها والاراضي المجاورة لها من النواحي والقرى.
وما أشتهر بين لقميين من لقب ( برقعي ) أنما المعنيون هم آل المبرقع نسبة إلى جدهم الكبير موسى بن محمد المبرقع.
وكان سبب اخراج هذا السيد م قم هم بفعل بعض من ينسب إلى العلم والعلماء بل من نسبته إلى الجهل أقرب إلى العلم وتظافرت جهود بعض الحاسدين ومن له مقربة إلى السلطان فغرر بالوالي مما أعانهم على إخارج السيد ن فالتجأ أبو جعفر موسى المبرقع إلى كاشان حيث استقبله هناك أحمد بن عبد العزيز بن دلف العدلي ، فأنزله المكان وأكرمه بما يليق شأنه على ما في ذلك من آيات التكريم والحفاوة والتعظيم وقد مر الحديث
عنه بإختصار في كتابنا الكليني والكافي الفصل الأول منه فراجع.
وبعد هذا العرض السريع نستخلص أن علماء الشيعة الإمامية سواء كانوا في قم أم في الري ، قد حرصوا على تنقيح أصول المذهب والمحافظة على تراث أهل البيت وايصاله إلى الأجيال بصورة نقية سالمة بعد تهذيب الأحاديث وتمحيص الزائف من الصحيح ثم أو دعوا - ما وصل بهم الدليل - تلك الأحاديث الأخبار في مصنفاتهم وموسوعاتهم الحديثية والفقهية ، وقد عرفت أن أول عمل ضخم برز إلى الوجود ليتناقله العلماء والفقهاء هو عمل الشيخ الكليني ( قدس ).
وأرجو أنك - أيها الباحث الجليل والقارئ الكريم - قد أطلعت على كتابنا الكليني والكافي الذي وضعناه في سبعة فصول.
وخلاصة تلك الفصول تبين أن للشيخ الكليني رحمة الله عليه ورضوانه ، مسلكاً خاصاً قد انفرد به وهو يؤلف كتابه الكافي ، وأن لمسلكه ذلك خصوصيات متعددة كما أنه يختلف عن مذاق المتأخرين ومسلكهم فلا يمكن بأي وجه من الوجوه أن نخضع أحاديث وروايات الكافي في الأصول والفروع إلى مقاييس المتأخرين كالحلي والشيخ المجلسي ومن اقتفى منهجهم ، بل أن البعض منهم قد أساء إلى الفكر الإمامي ، وإلى تراث أهل البيت كالبهبودي ، محمد باقر الذي اختزل كتاب الشيخ من غير أن يستند في علمه ذلك على منهج علمي صحيح أو مبنى واضح سليم حتى يعذر فيما صنفه في كتابه ( صحيح الكافي ) ، الذي يعد من أحد مساوئه التي لا تغتفر ، وسبيله إنما ينطوي تحت شعار خالف تعرف. هذا آخر ما حررته وأنا أقل العباد عبد الرسول الغفار والحمد لله أولنا وآخرنا.
أصول كافي
خطط الشام
الأغاني / الأصفهاني
الخصال / الصدوق
الإحتجاج
الخرائج والجرائح / الراوندي
الإستبصار
ديوان الحلاج
البيان والتبيين / الجاحظ
الرسالة السعدية / العلامة الحلي الحسن
بصائر الدرجات
بن المطهر / منشورات مكتبة المفيد
تاج العروس / الزبيدي
ربيع الأبرار / الزمخشري
تاريخ الطبري
رجال الطوسي
تاريخ اليعقوبي
رجال ابن داود
تذكرة الحفاظ
رجال الكشي
تاريخ ابن كثير
ذكري الشيعة في أحكام الشريعة /
التهذيب
الشهيد بن مكي العاملي ط
التنزيه الأنبياء / السيد المرتضى355 -
حجرية / منشورات بصيرتي
436 ه- / منشورات الرضي قم
سنن البيهقي
تقريب المعارف / ابو الصلاح الحلبي / ط
سنن ابن داود / دار الفكر بيروت
1404 / قم
سنن ابن ماجة / تحقيق فؤاد عبد الباقي
تصحيح الإعتقاد / المفيد
ط دار الفكر بيروت
توحيد المفضل
سنن الترمذي / تحقيق أحمد محمد شاكر
حلية العلماء
دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنن النسائي
91
سيرة ابن هشام
كشف الغمة
سنن الدارمي
كتابة الغيبة / الطوسي
السيرة الحلبية
لسان العرب / ابن منظور
شرح النهج / ابن أبي الحديد
لسان الميزان
شرح الإعتماد على واجب الإعتماد /
المفردات / الأصفهاني
منشورات مكتبة المفيد قم ط
مختصر النافع / نجم الدين جعفر بن
حجرية 1315
حسن الحلي ت 676 / دار الكتاب
مشاعر العقيدة
العربي / القاهرة
شرح التجريد / المحقق الطوسي
مقدمة ابن خلدون
صحيح البخاري
منتهي الطلب / العلامة الحسن بن
الصواعق المحرقة / لإبن حجر العسقلاني
يوسف الحلي ت 792 ه- / ط
صحيح مسلم / ط 2 / 1978 / دار
حجرية
الفكر بيروت
مجمع البحرين
طبقات الشعراء / ابن سعد
مسند الشافعي
عيون أخبار الرضا
المناقب ابن المغازلي
علل الشرائع - الشيخ الصدوق ط 2 /
الملل والنحل
1966 م الحيدرية
المقالات والفرق
فرق الشيعة
ميزان الإعتدال
فروع الكافي
مشارق أنوار اليقين
كنز العمال
مرآة العقول
كشف المراد في شرح الإعتقاد / العلامة
المحاسن
الحلي / مؤسسة النشر الإسلامي قم
نوادر الراوندي
1407
نسيم الرياض في شرح الشفاء
وفيات الأعيان
المقدمة......................................................................... 7
المدخل......................................................................... 9
شبه الغلو عفي أحاديث الكافي
الحزب...................................................................... 11
المذهب..................................................................... 13
الفرقة - الفرق.............................................................. 15
المشايعة..................................................................... 18
الدّين....................................................................... 25
الملّة........................................................................ 26
الفَصْلُ الأَوّلْ : شُبْهُة الغُلوّ في أَحاديِث الكافِي................................... 27
تعريف الغُلوّ................................................................. 29
حدّ الغلو.................................................................... 31
نشوء الغلو وأسبابه........................................................... 36
حد الغلو وأقسامه............................................................ 49
الغلو في أمير المؤمنين ....................................................... 56
من ادعى الألوهية : المخمّسة................................................ 66
قول الرسول صلی الله علیه و آله في علي وتنبؤه عن الغلاة............................. 70
أمير المؤمنين يتبرّأ من الغلاة..................................................... 70
من ادعى الألوهية في محمد بن الحنفية......................................... 71
من أدعى الغلو في زمن السجاد علیه السلام .......................................... 72
من ادعى الغلو في زمن الباقر علیه السلام ........................................... 74
من ادعى الألوهية في الأمام الصادق علیه السلام ..................................... 75
من ادّعى الألوهية في الإمام الكاظم علیه السلام ...................................... 80
من ادعى الألوهية في الإمام الرضا علیه السلام ....................................... 84
من ادعى الألوهية في الإمام الهادي علیه السلام ....................................... 84
من أدعى الأولهية في الإمام العسكري علیه السلام .................................... 88
من ادّعى فيهم علیهم السلام أو في غيرهم النبوة...................................... 89
رجال من الغلاة في أسانيد الكافي
الفصل الثاني الغلو في العقائد................................................... 97
القول بالتشبيه............................................................... 99
القول بالجبر أو التفويض..................................................... 106
القول بالحلول والتناسخ...................................................... 119
القول أنهم علیهم السلام يستقلون في العلم بالغيب...................................... 135
القول بالتفويض المطلق...................................................... 159
الآيات التي تنص على إطاعة الرسول .......................................... 159
التفويض وأقسامه........................................................... 163
أولاً : التفويض بالمعنى الأعم............................................... 163
إشارة وتوضيح ............................................................ 167
ثانياً : التفويض بالمعنى الأخص............................................. 169
توضيح :.................................................................. 171
دفع وهم :................................................................. 174
التفويض للرسول والاخبار في ذلك............................................ 176
حق التشريع................................................................ 179
مصاديق من تشريع الرسول .................................................. 182
مع النصوص............................................................... 182
رفع إشكال :.............................................................. 186
دور الأئمة في التشريع والتفويض إليهم......................................... 187
معرفة الإمام ومنزلته......................................................... 188
خلاصة البحث في التفويض.................................................. 195
الفصل الثالث : ما خرج عن حد الغلو........................................ 201
السهو والنسيان............................................................. 203
اختلاف الروايات في وقوع السهو منه صلی الله علیه و آله .................................. 207
روايات سهو النبي عند جمهور السنة........................................ 213
الروايات من مصادر السنة................................................... 215
أولاً : مسند الشافعي..................................................... 215
ثانياً : صحيح البخاري................................................... 218
ثالثاً : سنن أبي داود...................................................... 220
رابعاً : صحيح مسلم..................................................... 223
خامساً : سنن ابن ماجة.................................................. 227
سادساً : سنن الترمذي................................................... 230
سابعاً : سنن النسائي..................................................... 232
فتاوى أهل السنة............................................................ 234
باب سجود السهو.......................................................... 235
خلاصة البحث............................................................. 240
أدلة عدم السهو............................................................. 241
الأدلة النقلية
من الكتاب................................................................ 242
من السنة ................................................................. 244
الإجماع ................................................................... 249
الأدلة العقلية............................................................... 255
الخاتمة...................................................................... 264
إخراج بعض القميين......................................................... 265
المصادر والمراجع............................................................ 268
الفهرس..................................................................... 270