ghaemiyeh.com
المؤلف: علي صادق الزبيدي
الناشر: مركز الرسالة
المطبعة: ستاره
الطبعة: 1
الموضوع : العقائد والكلام
تاريخ النشر : 1422 ه-.ق
ISBN (ردمك): 964-319-364-0
محرر الرقمي:محمد المنصوري
المکتبة الإسلامية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ اَلْرَحیمْ
الحمد لله ربّ العالمين وأفضل الصلاة والسلام على عباده الذين اصطفىٰ محمد وآله الكرام ، وبعد :
لقد اكتسبت الوصية أهمية خاصة في تاريخ الإنسانية منذ بدء الخليقة وإلى اليوم ، ذلك لأنّها تعبّر عن ديمومة العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، وتساعد في المحافظة علىٰ سلامة الف رد والأسرة والدولة والمجتمع من الفوضىٰ والاختلاف بعد رحيل الموصي ، وتُسهم في نقل تجارب الماضين إلى التالين والسابقين إلى اللاحقين.
وقد أقرّت الشرائع الإلهية مبدأ الوصية منذ أبينا آدم إلىٰ سيّدنا النبي الخاتم صلی الله علیه و آله وأكّدت مصادر الحديث والتاريخ علىٰ تواتر عهود الأنبياء إلى أوصيائهم الذين يخلفونهم في هداية الناس إلى الحق والعمل الصالح ، ويكونوا حجّة على العباد وأُمناء على الرسالة ، قال رسول الله صلی الله علیه و آله : « لكل نبي وصي ووارث ، وإن علياً وصيي ووارثي » وقال أمير المؤمنين علیه السلام : « لا تخلو الأرض من قائمٍ لله بحجّة ، إما ظاهراً مشهوراً ، وإما خائفاً مغموراً ».
والوصية في تاريخ النبوات يرتفع فيها الوصي إلىٰ مستوى المهمّة الملقاة علىٰ عاتقه في خلافة النبوة والزعامة علىٰ جميع مَن تشمله دعوة تلك النبوة ، ومن هنا فإنّ الوصي لابدّ أن يمتلك مؤهّلات خاصّة ومزايا ليست في غيره من سائر الناس تؤهّله لتسنّم منصب الخلافة ونيل شرف الوصاية ، ولا يكون ذلك إلاّ علىٰ ضوء الاصطفاء الإلهي للوصي المقترن بالإعداد النبوي ، ليكون وريثاً للعلم النبوي وقائداً رسالياً يقوم بأعباء استكمال المسيرة النبوية في قيادة الأُمة.
وفي تراثنا الإسلامي حفلت كتب الحديث والتاريخ والأدب بمزيد من الأدلّة والشواهد التي تؤكّد وصيّة النبي صلی الله علیه و آله إلى أمير المؤمنين علي علیه السلام بالخلافة في مناسبات عديدة ، استناداً إلىٰ مبدأ الاصطفاء الإلهي والمؤهلات الذاتية لعلي علیه السلام التي جعلته أجدر الناس للنهوض بهذه المهمّة فضلاً عن السابقة والفضل والقرابة ، قال رسول الله صلی الله علیه و آله : « إنّ وصيي ووارثي ، يقضي ديني وينجز موعدي علي بن أبي طالب ».
وأصبح لقب الوصي واحداً من أشهر ألقاب علي علیه السلام في صدر الإسلام ، ولشهرته فقد ثبت في معاجم اللغة وجاء كثيراً على لسان الرعيل الأول من شعراء الصحابة والتابعين.
وفي آخر حياة النبي صلی الله علیه و آله أراد أن يثبت تلك الوصية بعهدٍ معهود وكتاب مشهود ، فدعا بصحيفة ودواة ليكتب لأصحابه كتاباً لا يضلُّون بعده ، فوقع النزاع واللغط ، ومُنِعت الوصية ، فكانت « الرزيّة » التي أبكت ابن عباس حتّىٰ بلَّ دمعه الحصىٰ ، ودفعت الأمة الإسلامية ثمنها باهظاً حتّىٰ يوم الناس هذا ..
قد يتساءل البعض عن سبب تأخُّر الرسول صلی الله علیه و آله عن كتابته للوصيَّة حتَّىٰ ظنَّ البعض أنَّه - حسب تعبيرهم - يهجر ، فلو أنَّ الرسول صلی الله علیه و آله تعجَّل في الأمر لما كان هذا الجدال والبحث .. لقد فات هؤلاء الشيء الكثير ، وأوّله : إنّه ليس شرط الوصية أن تكون مكتوبة ، بل يكفي فيها أن تكون مشهودة ، والثاني : إن ما أراد النبي صلی الله علیه و آله أن يكتبه في مرضه الأخير كان قد قاله أكثر من مرّة ، وذكّر به في مناسبات متعددة ، والثالث : إن صاحب الوصية يضطرّ إلىٰ كتابتها حين يشعر بوقوع الاختلاف من بعده ، وهذا ما فعله النبي صلی الله علیه و آله ، لكن قد حال دون تحقّق هذا الفعل ، وتدوين تلك الوصية الكبرىٰ ، ما حدث من نزاع ولغط أثاره نفر من الصحابة لمّا أدرك ما كان يريد النبي تدوينه .. فالوصية إذاً أخذت موقعها في هذه الساعة ، ودوّنت في هذا الموقف الحاسم والمشهود ، فإن الخروج عليها سيكون أمراً في غاية الصعوبة !
فما هي ملابسات تلك القضية ، وبماذا أراد الرسول صلی الله علیه و آله أن يوصي وهو مسجّىٰ علىٰ فراش الموت ، وما هو مضمون ومنطوق رواياتها المختلفة ، ولماذا لم يوصِ الرسول صلی الله علیه و آله قبل الاحتضار ، وهل من عذرٍ يلتمس لمَن قدّم بين يدي رسول الله صلی الله علیه و آله فمنع وصيته ؟
ستجد الإجابة عن كل هذه التساؤلات ملخصّة وموثقة في هذا البحث ، نأمل أن يُسهم في إزالة بعض الركام والضبابية التي اكتنفت تلك الحادثة المهمّة في تاريخ الإسلام.
مركز الرسالة
عن ابن عبّاس قال :
لمَّا حضر رسول الله صلی الله علیه و آله الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطَّاب ، قال النبي صلی الله علیه و آله :
فقال عمر :
فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول : قرِّبوا يكتب لكم النبيُّ كتاباً لا تضلُّوا بعده ، ومنهم من يقول ما قاله عمر ، فلمَّا أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي ، قال لهم صلی الله علیه و آله :
فكان ابن عباس يقول :
... لكن ذلك العاصم من الضلال ... ضيّعوه ...
ذلك الكتاب الذي ودَّ محمد صلی الله علیه و آله أن يمليه ، أبَوا عليه أن يخرج إلى
1) صحيح البخاري 7 : 9 - كتاب المرض ، ومثله أيضاً 8 : 161 افست دار الفكر على طبعة استانبول.
النور ...
حجبوه ...
لكأنما مزّقوه ...
فعلى من تقع تبعة هذه الخسارة التي تكبّدتها منذ تلك اللحظة أُمّة الإسلام ، وما زالت إلى اليوم تتكبدّها ، وتدفع ثمنها من دمها وعرقها ونصيبها في الحياتين ، جيلاً بعد جيل ؟ ..
من المسؤول ؟ ..
وهل عمر وحده الملوم ؟ ..
ولأيّ غاية كان هذا السلوك ؟ .. (1)
1) السقيفة والخلافة / عبد الفتاح عبد المقصود : 240 ، مكتبة غريب مصر ، 1977.
سنكتفي هنا بذكر الآيات القرآنية الواردة بخصوص الرسول صلی الله علیه و آله وما يتعلّق منها ببحثنا بشكل خاص.
يصف لنا القرآن الكريم شخصية الرسول من جوانب مختلفة ، إلاّ إننا سنلقي نظرة على أُمور معينة منها :
الأمر الأول - أنه معصوم من الخطأ ، يقول القرآن الكريم في صدد ذلك : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (1).
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ ) (2).
( مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ) (3).
وهذه آيات محكمات تبيّن أن وظيفة الرسول تحتاج إلىٰ هداية ربانية تمنعه وتحرسه من الخطأ والنسيان والسهو وارتكاب حتى الصغائر ، ليصلح بذلك أن تقتدي به الناس ، وإلاّ انتفى ذلك من الأصل.
الأمر الثاني - أنه جاء بالهدىٰ والبينات ودين الحق ، ولنقرأ بشيء من التدقيق هذه الآيات الكريمات :
( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَىٰ وَدِينِ الحَقِّ ... ) (1).
( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ... ) (2).
( ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ ... ) (3).
( قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَىٰ ... ) (4).
( وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ) (5).
الأمر الثالث - أنه بشير بالغفران والجنة ، ونذير من العذاب والسخط ، اقرأ هذه الآية : ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ... ) (6)فوظيفته صلی الله علیه و آله أنه يبشر الناس إذا عملوا الصالحات ، ويحذرهم من عمل السيئات.
الأمر الرابع - أن طاعته واجبة ، وهذا ما دلّت عليه الآيات التالية :
( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ ) (7).
( قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ ) (8).
( وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ
1) سورة التوبة : 9 / 33 ، سورة الفتح : 48 / 28 ، سورة الصف : 61 / 9.
2) سورة الحديد : 57 / 25.
3) سورة يونس : 10 / 74 وانظر سورة الروم : 30 / 47.
4) سورة غافر : 40 / 50 وانظر سورة الأعراف : 7 / 101.
5) سورة المائدة : 5 / 32 ، وانظر سورة التوبة : 9 / 70 ، وسورة يونس : 10 / 13 ، وسورة إبراهيم : 14 / 9.
6) سورة البقرة : 2 / 119 وانظر سورة الإسراء : 17 / 105 ، سورة الفرقان : 25 / 56 ، سورة الأحزاب : 33 / 45 ، سورة سبأ : 34 / 28 ، سورة فاطر : 35 / 24 ، سورة الفتح : 48 / 8 ، سورة الأنعام : 6 / 48 ، سورة الكهف : 18 / 56.
7) سورة النساء : 4 / 64.
8) سورة آل عمران : 3 / 32.
النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا ) (1).
( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ... ) (2).
( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (3).
( أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ) (4).
( وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا ... ) (5).
الأمر الخامس - أن طاعته طاعة لله سبحانه ، كما يقول سبحانه وتعالى : ( مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ ) (6)وقد أكد سبحانه وتعالى على ضرورة طاعة الرسول وربطها بطاعته لكي لا يبقىٰ لمتحجج حجة ، ولا ينبري شخص ويقول : إن من فضل وقوة الشخصية الفلانية أنها تراجع وتجادل رسول الله صلی الله علیه و آله .
الأمر السادس - عدم جواز عصيانه ومشاقّته ، فلنقرأ الآيات كما جاءت في القرآن الكريم :
( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (7).
( فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ ) (1).
( وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا ... ) (2).
( وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِينًا ) (3).
وليس معصية الله والرسول تكون فقط في الكفر والشرك والنفاق ، بل إن جحود أو ردّ أي شيء على الرسول وعدم قبوله ، هو معصية بدليل قوله تعالى : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (4)، وقوله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (5).
الأمر السابع - على المؤمن أن يُسلّم لأمر الله ولأمر رسوله ، ويستجيب له نفسياً وروحياً ، اتلُ هذه الآيات :
( أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ) (6).
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) (7).
( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ) (8).
هذه جملة أمور تطلعنا علىٰ منزلة الرسول العظيمة ، وتحدّد واجباتنا نحوه ، وتمنعنا من معصيته ومجادلته ، وتأمرنا بطاعته والاستجابة لأوامره ونواهيه.
وما نرجوه أن يتفحص القارئ الكريم الآيات المذكورة ويحكّم عقله مع آيات الذكر الحكيم ليقترب من حقيقة هذه الشخصية الرائعة وعلو الدرجات التي تسنّمتها لتصل إلىٰ هذا اللطف الإلهي النادر.
حقاً لماذا يوصي الرسول وقد ترك لأُمّته القرآن ؟ ألا يكفى أن يرجع المسلمون إلى القرآن الكريم ويهتدوا بهديه ويحتكموا إلى آياته ؟ لماذا كل هذا الإصرار على الوصية وأهميتها ؟
نعرف مسبقاً أنّ القرآن الكريم نزل في ثلاث وعشرين سنة ، وكان بتعاليمه السامية ذا أثرٍ بالغ في تهذيب متّبعيه وحملهم على الجادة السوية ، فكيف أنّ وصية قد لا تتجاوز الصفحة أو الصفحات ، أو لنقل كلمات قلائل ، قادرة علىٰ صيانة وحفظ مستقبل الأُمّة ؟
ما أهمية تلك الكلمات مقابل قرآن يتلى ليلاً ونهاراً ، وقد ملأ الأرض بأتباعه وحفّاظه ؟
لا يستطيع أحد - أيّاً كان - أن ينكر أهمية القرآن ودوره الفاعل في إغناء المسلمين بالمُثُل والقيم الصالحة لحياتهم ، وأين الذي يتجرأ ويمحو الأثر الوضّاء لمسيرة أُمّة عبر قرون مديدة وهي تستضيئ بآيات الوحي وتستلهم من أنواره وإشعاعاته ؟
والرسول صلی الله علیه و آله أول من علم هذا الكلام ، وأول من أدرك أهميته وفائدته ، كيف لا وقد تلىٰ عليهم آياته وقرأ عليهم ( الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) (1)وقرأ عليهم ( الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) (2)وقرأ
عليهم ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً ) (1)وقرأ عليهم ( إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ... ) (2).
كان رسول الله صلی الله علیه و آله هو المبادر الأول إلى العمل بأحكام القرآن وامتثال أوامره ونواهيه ، وقد بلغ الغاية القصوى في التعبّد بجميع ما فيه ، وكيف لا وهو صلی الله علیه و آله الواسطة إلى تبليغ ألفاظه وجمله وقراءته وأحكامه إلى سائر أفراد الأُمّة ؟
هناك آية في القرآن الكريم تقول : ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى المُتَّقِينَ ) (3)فالله سبحانه وتعالىٰ يشير بكتابة الوصيَّة إن ترك الإنسان مالاً. فهل يا ترى أنَّنا مخطئون إذ قلنا إنَّ خلافة المسلمين أهمُّ وأعظم من المال وإن كثُر ؟
وانظر أيضاً إلى إبراهيم الخليل حيث يقول عنه القرآن الكريم : ( وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (4).
فإن قلنا : إنَّ الرسول لم يكن مأموراً بالوصيَّة ، أفلا يصحَّ أن نقول إنَّه اقتدىٰ بأبيه إبراهيم ؟ وقد شهد له القرآن بذلك حيث قال : ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ ... ) (1).
قد يتساءل البعض عن سبب تأخَّر الرسول صلی الله علیه و آله عن كتابته للوصيَّة حتَّىٰ ظنَّ البعض أنَّه - حسب تعبيرهم - يهجر ، فلو أنَّ الرسول صلی الله علیه و آله تعجَّل في الأمر لما كان هذا الجدال والبحث .. لقد فات هؤلاء الشيء الكثير ، وأوّله : إنّه ليس شرط الوصية أن تكون مكتوبة ، بل يكفي فيها أن تكون مشهودة ، كما سيأتي في النصّ القرآني .. والثاني : إن ما أراد النبي أن يكتبه في مرضه الأخير كان قد قاله أكثر من مرّة ، وذكّر به في مناسبات متعددة.
والثالث : إن صاحب الوصية يضطرّ إلىٰ كتابتها حين يشعر بوقوع الاختلاف من بعده ، وهذا ما فعله النبي صلی الله علیه و آله . وفي القرآن الكريم ما يؤكد أن الوصية لا يشترط فيها الكتابة ، ويؤكد أيضاً أنها قد تكون عند حضور الموت ..
قال تعالىٰ : ( أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (2).
وقال تعالىٰ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ ... ) (1).
فليس هناك غرابة في أن تكون وصية النبي صلی الله علیه و آله قبل الموت أو ساعة الاحتضار ، وأن تكون شفاهية غير مكتوبة .. هذا مع التذكير بأن النبي صلی الله علیه و آله قد أوصى بهذا الأمر مراراً كما قدّمنا.
لنفرض أنَّ الرسول صلی الله علیه و آله بما يملكه من روح طاهرة ونفس كبيرة خاف أن تضيع الرسالة بعد وفاته ، إذ إنَّه سمع جبرئيل يقول عن الله سبحانه : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ) (2)فلنقل إنَّه خشي أن تضيع أتعابه التي قال عنها : « ما أُوذي أحدٌ مثل ما أُوذيت في الله » (3)فأراد أن يكتب كتاباً لن يضلَّ المسلمون بعده ... فهل في ذلك ضرر علىٰ أحد ؟ أم أنَّه طلب شيئاً ليس له دخل فيه ، ولا من شؤونه ؟
إنَّه صلی الله علیه و آله كان يتألَّم في حياته من ضلال الناس حتَّىٰ أخبره الله سبحانه بقوله : ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ) (4)؟ ، وقال له : ( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ) (5).
فالنبيُّ بروحه الطيِّبة والتوَّاقة إلىٰ هداية الناس وإرشادهم إلىٰ سبيل الحقِّ ، أراد أن يضمن استمرار هذه المسيرة علىٰ الصراط المستقيم. فكم يا ترىٰ كانت خسارة المسلمين بسبب إضاعة تلك الفرصة ؟ تلك الخسارة التي نشهد بعض فصولها الآن من جراء عدم كتابة تلك الوصيَّة.
فإذا قيل : لا تهوِّلوا ذلك ولا تنفخوا القضية ، فما هي إلاَّ كلمات ، وما فائدة الكلمات أمام كتاب عظيم ( لاَّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) (1)؟ فمعنى ذلك هو أن نردَّ قول الرسول صلی الله علیه و آله : « لن تضلُّوا بعدي » ونكذِّبه !!
والحيرة علىٰ أشدِّها في نفوس المسلمين المعاصرين ، فهم بين أن يردُّوا علىٰ الرسول ما قال ، وبين أن يسمعوا له ويطيعوا ، كما أمرهم ربُّهم ( وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ... ) (2)و ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ) (3)ولا أعتقد أنَّ هناك مسلماً واحداً يرجِّح عصيان الرسول صلی الله علیه و آله ليبرىَ ساحة الصحابة وينزِّههم أمام التاريخ ، وإن وُجِدَ هذا فهو ليس بمسلم ؛ لقوله تعالىٰ : ( فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً ) (4).
يمكن مراجعة حديث الوصيَّة والتمعّن في ايحاءاته بدقَّة أكثر لقتل الشكِّ باليقين والخروج من دائرة الحيرة والتردُّد ، وهذا بحقٍّ هو الطريق الأمثل في التفكير السليم والمنهجي ، بعيداً عن فلان يقول ، والعالم الكذائي ينقل ، وسمعت ، و ... و ( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ) (1)؟.
عليك أنت بنفسك أن تطَّلع وتمحِّص وتناقش وتصل إلى قناعاتك أنت ، لا قناعات غيرك. فإلىٰ متىٰ تقلِّد في كلِّ شيء ؟ وتتَّبع أقوال هذا وذاك ولا رأي لك ؟ لا أقول أن يكون لك رأي مقابل القرآن والسُنَّة ... لا تفهم ذلك لأنَّني أدعوك إلى التأمّل والتفكير لا إلىٰ البدعة.
وفي ما يلي نشير إلىٰ أحاديث الوصيَّة مستخرجةً من أهم مصادرها ، لتتمكَّن من مراجعتها وإخراج النص الأكثر صحَّة ودقَّة من النصوص الأخرىٰ :
عن ابن عبَّاس ، قال : لمَّا حضر رسول الله صلی الله علیه و آله وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطَّاب ، قال النبيُّ صلی الله علیه و آله : « هلمَّ أكتب لكم كتاباً لا تضلُّوا بعده » ، فقال عمر : إنَّ النبيَّ صلی الله علیه و آله قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول : قرِّبوا
1) سورة يونس : 10 / 36.
يكتب لكم النبيُّ كتاباً لا تضلُّوا بعده ، ومنهم من يقول ما قاله عمر ، فلمَّا أكثروا اللغو والاختلاف عند النبيِّ ، قال لهم صلی الله علیه و آله : « قوموا » ، فكان ابن عبَّاس يقول : إنَّ الرزية كلُّ الرزية ما حال بين رسول الله صلی الله علیه و آله ، وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم (1).
عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبَّاس ، أنَّه قال : يوم الخميس وما أدراك ما يوم الخميس ! ثُمَّ بكىٰ حتى خضب دمعه الحصباء ، فقال : اشتدَّ برسول الله وجعه يوم الخميس ، فقال : « ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلُّوا بعده أبداً » ، فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبيٍّ تنازع ، فقالوا : هجر رسول الله ، قال صلی الله علیه و آله : « دعوني فالذي أنا فيه خير ممَّا تدعوني إليه » وأوصىٰ عند موته بثلاث : « أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم » قال : ونسيت الثالثة (2).
عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبَّاس ، قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ! ثُمَّ جعل تسيل دموعه حتَّىٰ رؤيت علىٰ خدَّيه كأنَّها نظام اللؤلؤ ، قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : « ائتوني بالكتف والدواة ، أو اللوح والدواة ، أكتب لكم كتاباً لن تضلُّوا بعده أبداً » ، فقالوا : إنَّ رسول الله
يهجر (1).
عن عمر ، قال : لمَّا مرض النبيُّ قال : « ائتوني بصحيفة ودواة ؛ أكتب لكم كتاباً لن تضلُّوا بعده أبداً » ، فقال النسوة من وراء الستر : ألا تسمعون ما يقول رسول الله صلی الله علیه و آله ؟ قال عمر : فقلت : إنَّكن صويحبات يوسف ، إذا مرض رسول الله عصرتنَّ أعينكنَّ ، وإذا صحَّ ركبتنَّ عنقه ! قال : فقال رسول الله : « دعوهنَّ فإنَّهنَّ خير من-كم » (2).
عن ابن عبَّاس قال : لمَّا اشتدَّ بالنبيِّ صلَّىٰ الله عليه ( وآله ) وسلَّم وجعه قال : « ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلُّوا بعده ». قال عمر : إنَّ النبيَّ صلی الله علیه و آله غلبه الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا ، فاختلفوا وأكثروا اللغط قال : « قوموا عنِّي ولا ينبغي عندي التنازع ». فخرج ابن عبَّاس يقول : إنَّ الرزيَّة كلُّ الرزيَّة ما حال بين رسول الله صلی الله علیه و آله وبين كتابه (3).
1) صحيح مسلم 2 : 16 طبعة عيسىٰ الحلبي ، مسند أحمد بن حنبل 5 : 116 / 3336 ، تأريخ الطبري 3 : 193 - مصر ، الكامل في التاريخ / ابن الأثير 2 : 320 ، تذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي الحنفي : 62 - الحيدرية ، سرُّ العالمين وكشف ما في الدارين / أبي حامد الغزالي : 21 - طبعة النعمان.
2) الطبقات الكبرى / ابن سعد 2 : 423 - 424 ، كنز العمال / المتقي الهندي 3 : 138 عن الطبراني في الأوسط.
3) صحيح البخاري 1 : 37.
عن ابن عبَّاس ، قال : يوم الخميس وما أدراك ما يوم الخميس ! اشتدَّ برسول الله صلی الله علیه و آله وجعه فقال : « ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلُّوا بعده أبداً » فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيٍّ تنازع فقالوا : ما شأنه أهجر ؟ استفهموه ، فذهبوا يردُّون عليه فقال : « دعوني فالذي أنا فيه خير ممَّا تدعوني إليه » ، وأوصاهم بثلاث : قال : « أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم » ، وسكت عن الثالثة ، أو قال : فنسيتها (1).
عن سعيد بن جبير : سمع ابن عبَّاس رضي الله عنهما يقول : يوم الخميس وما يوم الخميس ! ثُمَّ بكىٰ حتَّىٰ بلَّ دمعه الحصىٰ قلت له : يا ابن عبَّاس ، ما يوم الخميس ؟ قال : اشتدَّ برسول الله صلی الله علیه و آله وجعه فقال : « ائتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلُّوا بعده أبداً » فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيٍّ تنازع ، فقالوا : ما له أهجر ؟ استفهموه فقال : « ذروني فالذي أنا فيه خير ممَّا تدعوني إليه » فأمرهم بثلاث قال : « أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم » والثالثة إمَّا أن سكت عنها ، وإمَّا أن قال : فنسيتها (2).
عن عمر بن الخطَّاب ، قال : كنَّا عند النبيِّ صلی الله علیه و آله وبيننا وبين النساء حجاب ، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : « اغسلوني بسبع قرب ، وأتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لن تضلُّوا بعده أبداً » ، فقالت النسوة : أئتوا رسول الله صلی الله علیه و آله بحاجته ، قال عمر : فقلت : اسكتن فإنَّكنَّ صواحبه ، إذا مرض عصرتنَّ أعينكنَّ ، وإذا صحَّ أخذتنَّ عنقه. فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : « هنَّ خير منكم » (1).
قال صلی الله علیه و آله : « ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلُّوا بعدي » فتنازعوا وما ينبغي عند نبيٍّ تنازع وقالوا : ما شأنه أهجر ؟ استفهموه ، قال : « دعوني فالذي أنا فيه خير » (2).
قال صلی الله علیه و آله : « ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلُّوا بعده أبداً » فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيٍّ تنازع ، فقالوا : هجر رسول الله صلی الله علیه و آله ، قال : « دعوني فالذي أنا فيه خير ممَّا تدعوني إليه » (3).
هكذا انتقل إلينا الحديث عبر طرقه المتعددة ، وألفاظه التي تتحد
أو تتقارب أحياناً وتختلف أحياناً من حيث الإجمال والتفصيل ، أو الزيادة والنقصان ، مع احتفاظها بالمحور الأصل الذي يدور حوله الموضوع.
وفي الجملة فإن المحصل من طرق هذه الرواية بألفاظها المختلفة ، صورتان لهذا الحديث ..
الأولى : إنَّ الرسول صلی الله علیه و آله أراد أن يوصي فمنعه عمر بن الخطَّاب ، وقال : حسبنا كتاب الله.
والثانية : إنَّه أراد أن يوصي فقال أحدهم ، أو بعضهم : إنَّ النبيَّ يهجر !
بعد تلك الأحاديث التي ترقى إلى درجة المتفَق عليه ، اندسّت في ثنايا هذه الحادثة أخبار وروايات اُخر من شأنها أن تثير شيئاً من الضبابية ، كثيراً أو يسيراً ، على تلك الصورة التي تشكّل بنفسها إدانة كبيرة للتاريخ السياسي الذي خلف رحيل النبي صلی الله علیه و آله ..
وفيما يلي دراسة في منطوق الوصية بأشكالها المختلفة.
حاول فيه أصحابه أن يوجِّهوا الأنظار إلىٰ أمرٍ بعيد كلَّ البعد عن الوصية ولا علاقة له بها ولا بغيرها .. وصوَّروها وكأنَّها حادثة عائلية لا غير ، وكلامها مجمل لم يوضّح لسامعه أي المعاني يريد ، وإلىٰ أي المقاصد يرمي.
فقد نقل عن عمر بن الخطَّاب أنَّه قال : « كنَّا عند النبيِّ وبيننا وبين النساء حجاب ، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : اغسلوني بسبع قرب ، وأتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لن تضلُّوا بعده أبداً ، فقالت النسوة : ائتوا رسول الله بحاجته ، قال عمر : فقلت : اسكتن فإنَّكنَّ صواحبه إذا مرض عصرتنَّ أعينكنَّ ، وإذا صحَّ أخذتنَّ عنقه. فقال رسول الله : « هنَّ خير منكم » (1).
وهذا الحديث محرَّف عن حديث الصلاة التي أقامها أبو بكر ،
1) الطبقات الكبرى / ابن سعد 2 : 243 ، كنز العمَّال / 18771.
فأسرع النبيُّ صلی الله علیه و آله يتهادىٰ بين العبَّاس وعليٍّ حتَّىٰ أقام الصلاة بنفسه. كما أنَّ في هذا الحديث جرأة وتدخُّل في شؤون النبيِّ الخاصَّة لا ينبغي لأحد فعلها.
وهناك حديث آخر ، ولكنَّهم ينقلونه عن عليٍّ علیه السلام ، وهذا الأُسلوب معروف مسبقاً ، إذ يبغون فيه تثبيت شيء على لسان صاحب القضية نفسها ، ليقولوا للناس : انظروا إنَّه هو نفسه يقول بهذا الرأي.
عن عليٍّ علیه السلام عن رسول الله صلی الله علیه و آله لمَّا ثقُلَ قال : « يا علي ، إئتني بطبق أكتب فيه ما لا تضلُّ أُمَّتي بعدي » ، فخشيت أن تسبقني نفسه ، فقلت : إنِّي أحفظ ذِرعاً من الصحيفة ، فكان رأسه بين ذراعي وعضدي ، فجعل يُوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم ، قال ذلك حتَّىٰ فاضت نفسه ، وأمر بشهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّداً عبده ورسوله ، من شهد بها حُرِّم على النار » (1).
وبقي أن ننقل في هذا القسم حديث عائشة الذي يتناول الموضوع نفسه ، ولا يخفىٰ ما لها ، من موقف واضح وصريح في عداوتها وبغضها لعليٍّ علیه السلام .
عن الأسود بن يزيد قال : ذكروا عند عائشة أنَّ عليَّاً كان وصيّاً ، فقالت : متىٰ أوصىٰ إليه ! فقد كنت مسندتَهُ إلىٰ صدري - أو قالت حجري - فدعا بالطست ... ، فلقد انخنث في حجري ، وما شعرت أنَّه مات ، فمتى أوصىٰ إليه ؟! (2).
وهي بالطبع محقَّة في بعض ما روت ؛ لأنَّ الرسول صلی الله علیه و آله بالفعل
لم يوصِ ساعة موته ، غير أنَّها لم تذكر أنَّه أراد أن يوصي لشخص أو بشيءٍ ما - هذا علىٰ أقلِّ تقدير - غير أنَّ أحدهم منعه أو صرفه أو راجعه ، فترك الرسول الوصيَّة ، فلو أنَّها ذكرت ذلك لكان أقرب إلىٰ الحقيقة من إنكارها التامّ هذا.
وهذا الإنكار للوصيَّة جهد ذهب أدراج الرياح ولم يمنحه التأريخ أيَّ أهمية ، فقد نقل مسلم الذي نقل هذا الحديث أحاديث أُخرىٰ بعده تماماً توضح الحادثة بشكل أكثر واقعية ودقَّة.
وأخرج البخاري أنَّ طلحة بن مُصَرِّف سأل عبدالله بن أبي أوفىٰ قال : هل كان النبيَّ صلی الله علیه و آله أوصىٰ ؟ فقال : لا. فقال : كيف ، كتب علىٰ الناس الوصيَّة ، أو أُمِروا بالوصيَّة ؟ قال : أوصىٰ بكتاب الله (1).
وفي رواية مسلم عن طريق آخر يقول : قُلت : كيف كتب علىٰ المسلمين الوصيَّة ؟ (2).
فهذا السؤال طرحه قبلنا المسلمون ، وأنكروا أن يترك الرسول الناس بلا وصيَّة ، كيف ذلك وجاءهم هو بالوحي من الله بأن يوصوا ؟!
ولهذا لاحظنا في الحديث المتقدّم أنه لمَّا لم يجد محيصاً لأنَّ رسول الله صلی الله علیه و آله أولىٰ من غيره بطاعة الله ، تراجع وقال : « أوصىٰ بكتاب الله ».
تكلَّف البعض كثيراً ، وأراد أن يوجِّه الأنظار إلىٰ شخصية إسلامية بعينها ، ويقطع علىٰ المخالفين الأقوال ، فنقل عن رسول
الله صلی الله علیه و آله أنَّه قال : « ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لأبي بكر ... » (1).
وأخرج مسلم عن عائشة قالت : قال لي رسول الله صلی الله علیه و آله في مرضه الذي مات فيه : « ادعي لي أباك وأخاك حتَّى أكتب كتاباً ، فإنِّي أخاف أن يتمنَّى متمنٍّ ويقول : أنا أولىٰ ، ويأبىٰ الله والمؤمنون إلاَّ أبا بكر » (2).
وفي رواية أُخرى : قال لي رسول الله صلی الله علیه و آله في مرضه الذي مات فيه : « ادعي لي عبدالرحمن بن أبي بكر ، أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه أحد ». ثُمَّ قال : « دعيه معاذ الله أن يختلف عليك يا أبا بكر » (3).
ولكن كما ترى أنَّ الناس قد اختلفوا في أبي بكر ، فماذا يكون نصيب هذا الحديث وأشباهه ؟
ثُمَّ إنَّ رسول الله صلی الله علیه و آله لم يكتب ولم يقل أحد أنَّه كتب ثُمَّ ضاع الكتاب مثلاً ، فأين الكتاب الذي كتبه لأبي بكر ؟ وقد تمنَّىٰ الخلافة غيره كثير حتَّى قال الخليفة الثاني « إنَّ بيعة أبي بكر كانت فلتة ، وقىٰ الله شرَّها ».
غير أنَّ هذا السعي لم يلقَ نصيباً من التوفيق ، فكان بين ما رواه الآخرون شاذّاً وغريباً ، فلم يرجع إليه إلا من يبحث في بطون المصنَّفات عمَّا يدعم نظريَّته ومعتقداته بغض النظر عن الأُصول المتَّبعة في استخراج الحديث النبوي.
وعليه أغلب الروايات ، حيث اتَّفقوا علىٰ نصٍّ متقارب رغم عدم
دقَّته ، وتسالموا علىٰ صحَّته وتواتره ، ولكنَّهم أيضاً اختلفوا في بعض فقراته.
وقع أوَّل اختلاف في الشخص الذي منع الرسول بسبب إغفال بعض الرواة ذكر ذلك الشخص ، حيث أنّهم نقلوا كلمة النبيِّ صلی الله علیه و آله بطلبه للكتاب ، ثُمَّ أردفوها ب « فتنازعوا ولا ينبغي عند النبيِّ تنازع ... » (1).
وأحسب أنَّ إغفال ذكر المتصدِّي لمنع الوصيَّة في بعض الروايات سببه إبعاد شبهة الصدِّ عن تبليغ الرسول صلی الله علیه و آله بما ينفع المسلمين ، وهذا لعمري أمر خطير والتهاون فيه والتسامح معه لا ينبئ إلاَّ عن ضحالة وسذاجة مفضوحة لا يسترها ساتر.
وأحسب أيضاً لو أنَّ الروايات وصلت إلينا بدون اسم ، ولم تعيِّن بشكل تامٍّ - لا في هذه التي أوردناها أعلاه ولا في غيرها - المانع لوصيَّة الرسول ، لتبارىٰ كثيرون من مختلف المذاهب في رمي هذه التهمة علىٰ إخوانه الآخرين ، ولأشبع بعضنا بعضاً تقريعاً وتجريحاً ، ولنالت الشبهة جميع الصحابة من مختلف الأذواق.
غير أنَّ ذلك لم يحدث والحمد لله ، وفقأت عين الفتنة روايات متواترة تذكر بدون تلجلج مانع الوصيَّة ، وحيث إنَّ مانع الوصيَّة شخصية ينظرون إليها بعين الإكبار والتجليل ، تسامحوا معه ، وعلَّلوا منعه بكلِّ ما يمكنهم أن يعلِّلوا له.
ولا ريب أنَّ عدم ذكر مانع الوصيَّة فيما نقلناه والاعتذار له من قبل بعض الباحثين ، هو اعتراف منهم بأنَّ مانع الوصيَّة قد عمل شيئاً
1) صحيح مسلم 5 : 75.
منكراً ! ولذلك غضُّوا الطرف عن ذكر اسمه ، لكي لا تناله ملامة اللائمين.
وقع الاختلاف الثاني في صدر عبارة الرسول صلی الله علیه و آله ، فعلىٰ رواية مسلم عن ابن عبَّاس ، قال : « ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلُّوا بعدي ... » (1).
وفي البخاري في باب الجهاد والسير عبارة : « ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلُّوا بعده ... » (2).
وأخرج أحمد في مسنده أنَّه صلی الله علیه و آله قال : « ائتوني بالكتف والدواة - أو اللوح والدواة - أكتب لكم كتاباً لن تضلُّوا بعده » (3).
ونقل أبو بكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري في كتاب ( السقيفة ) بإسناده إلىٰ ابن عبَّاس قوله صلی الله علیه و آله : « ائتوني بدواة وصحيفة أكتب كتاباً لا تضلُّوا بعده ... » (4).
ونقل الطبراني العبارة هكذا : « ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً ... » (5).
فالعبارة ليست واحدة في اللفظ ، وإن كانت واحدة في المعنىٰ.
وما يهمُّنا هنا هو أنَّ لفظ الرسول صلی الله علیه و آله لم يحفظ ، وإنَّما حفظ معناه.
وقع الاختلاف الثالث في لفظة أثبتها بعض الرواة وأهملها آخرون ، وهي كلمة « أبداً » فهي منقولة بتواتر ، ويمكن اعتبار التسامح في عدم ذكرها تخفيفاً من الرواة وتهويناً من أمر الوصيَّة ، حيث لا يخفىٰ أنَّ ذكرها كم يؤكِّد ويثبت المعنىٰ ، وعدمه يهوّن من أمر ذلك التأكيد والاثبات.
ف « أبداً » كما نراجعها في معاجم اللغة هي ظرف زمان للتأكيد في المستقبل نفياً أو إثباتاً ، والأبدي : ما لا نهاية له (1)قال تعالى : ( خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ) (2)و ( إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا ) (3).
فإنَّ إثبات أو انكار هذه الكلمة يغيِّر كثيراً في المعنىٰ ، فلو قال صلی الله علیه و آله : « لا تضلُّوا بعده » وسكت ، فإنه يمكن أن نفهم أنَّ المسلمين لن يضلُّوا في اختيار الخليفة ، أو لن يضلُّوا في سياستهم العامة التي ستلي مرحلة الرسول مباشرة ، أو أنَّ تلك الوصيَّة حتَّىٰ ولو لم يكتبها فإنَّها ليست بذات خطر عظيم علينا نحن المتأخرين ، وحتَّىٰ لو كانت موجودة فإنَّنا لن ننتفع بها عملياً وإن كنَّا ننتفع بها روحياً ، تماماً كآيات القرآن المنسوخة التي نقرأها كلَّ حين ولا نعمل بها.
ففائدة تلك الوصيَّة فائدة محدودة انتهىٰ وقتها ، وإن كنَّا نؤاخذ علىٰ عمر بن الخطاب منعه لتلك الوصيَّة فإنَّ مؤاخذتنا لن تصل إلىٰ
حدِّ رفع دعوىٰ لمحاكمته لعدَّة قضايا نرىٰ أنَّه أوقع المسلمين فيها بسبب منعه لتلك الوصيَّة.
أمَّا والحال أنَّه صلی الله علیه و آله قال : « لن تضلُّوا بعده أبداً » فإنَّ الضلال الذي يغرق فيه المسلمون هذه الأيَّام يقع جزء منه بالتأكيد علىٰ عاتق مانع تلك الوصيَّة.
ولو علمنا أيضاً كما مرَّ عليك أنَّ جهوداً بُذلت لتهميش أهميَّة هذه الحادثة ، وهذه الجهود تناولت الحادثة من عدَّة جوانب كما لاحظت في الصفحات السابقة ، وكما ستلاحظ لاحقاً ، نفهم أو نستنتج أنَّ هذه الكلمة أُسقطت لكي لا ينال الرجل ملامة الأجيال وسخطها.
يمكن اعتبار هذا الاختلاف من أكبر الاختلافات التي واجهت رواة هذا الحديث ، حيث إنَّهم تردَّدوا كثيراً في اختيارهم للعبارة التي يريدون أن ينقلوها ، فهم بعد أن اختلفوا كثيراً في صدر الحديث كما مرَّ عليك ، ولم يكن اختلافهم ذا أثر مهم في المعنىٰ ، اختلفوا هنا في مقالة عمر كمراجعة منه لكلام الرسول صلی الله علیه و آله .
فنرىٰ الكثير من المصادر تذكر عبارة « أنَّ النبيَّ قد غلبه الوجع ». ولو سلَّمنا بما نقله هؤلاء الرواة في هذه الفقرة ، لأمكننا القول بأنَّ عمر أراد أن يمنع وصيَّة رسول الله صلی الله علیه و آله ، لا أن يراجعه كما يفسِّر البعض هذه الحادثة.
والسبب أنَّ عمر لم يقل لنبيِّه مثلاً : قد أوصيت يا رسول الله ... أو أنَّك خلّفت من المؤمنين رجالاً يمكنهم أن يختاروا ويُوفقوا ... أو أنَّنا
تربَّينا علىٰ نهجك وصراطك وسُنَّتك ، وسنختار منَّا من يقود المسلمين ويصلح أمرهم ... أو أي شيء يشبه أو يقارب هذه العبارات.
فلمّا لم يقل من ذلك أو نظائره شيئاً ، بل قال مكانه : « إنَّ النبيَّ قد غلبه الوجع ». فالذي يُفهم منه أنّه أراد أن يصوِّر للآخرين بأنَّ هذا المسجَّىٰ قد هاج عليه الوجع ، فلا فائدة ترتجىٰ من مقولته أو وصيَّته.
وعبارة « عندنا كتاب الله حسبنا » تدلُّ علىٰ ذلك بوضوح وصراحة ، فلا يمكننا أن نسمِّي مقالته مراجعة ، لأنَّه لم يتكلَّم مع الرسول صلی الله علیه و آله ، وإنَّما تكلَّم مع غيره.
وقد يتكلَّف البعض ويقول : إنَّ عمر شاهد الرسول صلی الله علیه و آله بحالة صعبة ، فشقَّ عليه ، وتألَّم كثيراً ، وأراد أن يريح الرسول فلا يتكلَّف الكلام في أمر قد عقلوه ، غير أنّ هذا لا يدلُّ عليه كلام عمر ، حيث إنَّ الرواة لم ينقلوا عنه مقالة عطف ورأفة بالنبيِّ صلی الله علیه و آله . انظروا إلىٰ العبارة جيِّداً ، فهل تلاحظون ما استنبطه هؤلاء ؟
فلو قال عمر مثلاً : إنَّك تتألَّم ، وتأبىٰ نفوسنا أن نراك كذلك ، فلو هوَّنت عليك واسترحت ، وسنكفيك ما تريد ما استطعنا إلىٰ ذلك سبيلاً. أو عبارة نحو هذه ، أو ألطف منها وأرقُّ ، لكُنَّا الآن نمجِّد قلب عمر الرقيق ومحبَّته وحنانه.
ثُمَّ لنتصوَّر الحالة كما هي منقولة ، فنقول : إنَّ الرسول صلی الله علیه و آله قال : « ائتوني بلوحٍ ودواة أكتب لكم كتاباً لن تضلُّوا بعده أبداً » وكان عنده خلق كثير ، وقد سمعوا طلب النبيِّ العظيم صلی الله علیه و آله الذي يريد أن يرحل عنهم ، فيخسروا وجوده الكريم المبارك. وهنا تصدَّىٰ عمر فتكلَّم مع الموجودين - لا مع الرسول صلی الله علیه و آله - وقال لهم : « إنَّ النبيَّ قد غلبه
الوجع ».
ألا نفهم من هذه العبارة بأنَّه يوحي للسامعين أو يصوِّر لهم بأنَّ النبيَّ صلی الله علیه و آله يتكلَّم عن غير وعي ؟ وإلاّ فما معنىٰ كلمة « غلبه الوجع » ؟! وماذا يريد بها ؟!
ثُمَّ ألا ترىٰ معي أنَّ في ذلك تجاوزاً للأدب والأخلاق ، فالنبيُّ يقول : « ائتوني بكتاب ... » وعمر يقول للناس « إنَّ النبيَّ قد غلبه الوجع ... » فأين قوله تعالىٰ ( لِّتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ) ؟! (1).
ثُمَّ إنَّ النبيَّ أمر بإخراجهم من عنده بعد أن تنازعوا ، فماذا يدلُّ أمره هذا صلی الله علیه و آله ؟ ألا يدلُّ علىٰ غضبه عليهم وعدم رضاه بما واجهوه به ؟ والقرآن يقول : ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) (2)وهذا نزاع ، ولم يردُّوه إلىٰ الله حيث إنَّه سبحانه أمر بكتابة الوصيَّة ، ولم يردُّوه إلى الرسول صلی الله علیه و آله وهو حيٌّ يُرزق.
أليس في ذلك أذىٰ للرسول صلی الله علیه و آله ، وهو يشهد هذا المشهد المحزن من رفض صحابته لأمر الله ولأمر نبيَّه ، والله سبحانه يقول : ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ) (3)والآية الأُخرىٰ تقول : ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (4).
هذا نقاشنا باختصار إن كانت مقولة عمر « إنَّ النبيَّ قد غلبه الوجع .. ». ولكن ينقل رواة آخرون أنَّ هذه العبارة ليست هي التي قالها
عمر ، وإنَّما شيء يشبهها أحجموا هم عن ذكره ، انظر إلىٰ عبارة هذه الرواية « فقال عمر كلمة معناها أنَّ الوجع قد غلب علىٰ رسول الله صلی الله علیه و آله ... » (1).
وكما ترىٰ أن الاجتهاد في تهذيب هذه الرواية يلتمس لها كلَّ كلمة يمكنها أن تقلل من أهميَّتها ، فالخليفة الثاني لم يقل « غلبه الوجع » - حسب هذه الرواية - وإنَّما كلمة معناها ذلك. فماذا قال إذاً ؟!
هل يوجد من راقب الله واتَّقاه عندما نقل هذه الحادثة إلىٰ الأجيال ؟!
نعم ، والحمد لله ، هم كثيرون ، وقد نقلوا بتواتر لا يُردّ تلك الكلمة « القاصمة للظهر » !!.
فهل لنا أن نتصوّر كم هي خيبة الأمل التي عاناها الرسول صلی الله علیه و آله عندما تعرَّض لهذه الحادثة الأليمة ... ألا يحقُّ للأب بأن يوصي أبناءه بوصيَّة تحفظهم من الزلل ؟؟؟..
إنَّه أراد أن يبادر إلىٰ ذلك فأسكتوه ... أراد أن يمنحهم الإكسير فأراقوه ... أراد لهم العزَّة والهدىٰ والعلياء إلىٰ يوم القيامة ، فقدَّموا بين يديه وهو حيٌّ ، فرفضوا وصيَّته ومنعوه ...
قد يقول بعض الناس : لا تُهوِّلوا ... لا تُهوِّلوا ... وقولوا ما قال عمر لنفهم ، فربَّما تهويلكم في غير محلِّه.
فنقول لهم : إنَّه قال : « هجر رسول الله ... » ولننتظر قليلاً لنفهم مصادر هذه الرواية ، ولنقدِّم قبلها تعريفاً لكلمة « هجر » التي قلنا عنها ما قلنا. وهل هي حقَّاً ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 2 : 20.
أَفْوَاهِهِمْ ) ؟؟ (1).
جاء في ( لسان العرب ) في مادة ( هجر ) ما يلي : هَجَرَ به في النوم يَهْجُر هجراً : حَلَمَ وهذىٰ. وفي التنزيل العزيز : ( مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ ) (2).. وتهجرون : تهذون ... وهَجَرَ الرجل في منامه : إذا هذىٰ ، أي أنَّكم تقولون فيه ما ليس فيه وما لا يضرُّه ، فهو كالهذيان ... وروي عن إبراهيم أنَّه قال في قوله عزَّ وجلَّ : ( إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ) (3)قال : قالوا فيه غير الحقِّ ، ألم تَرَ إلىٰ المريض إذا هجر قال غير الحقِّ ؟ ...
وقال : هَجَرَ يَهجُر هجراً ، بالفتح ، إذا خلط في كلامه وإذا هذىٰ ... ونقل أيضاً قوله : وفي الحديث : قالوا : ما شأنه ، أهَجَرَ ؟ أي اختلف كلامه بسبب المرض ، علىٰ سبيل الاستفهام ، أي هل تغيَّر كلامه واختلط لأجل ما به من المرض ؟ قال ابن الأثير : هذا أحسن ما يُقال فيه ، ولا يُجعل إخباراً فيكون إمَّا من الفحش أو الهذيان ، قال : والقائل كان عمر ، ولا يظنُّ به ذلك !!! (4).
ولننكر ادِّعاء ابن الأثير واتهامه لعمر بهذه الشناعة ، رغم اعتذاره له وتخفيف وقع الكلمة علىٰ القارئ ، ولنرىٰ هل تحتمل الروايات قائلاً غيره ؟
قرأت آنفاً أنَّ عمر قد ثَبت عليه أنَّه قال : « إنَّ النبيَّ قد غلبه
الوجع » (1)، وتنقل الروايات التي فيها هذه العبارة أنَّ الموجودين تنازعوا وانقسموا إلىٰ فريقين ، فمنهم من يقول : « قرِّبوا لرسول الله يكتب لكم كتاباً » ومنهم من يقول ما قاله عمر.
وهناك روايات أُخرىٰ كما سترىٰ تذكر بعد طلب الرسول صلی الله علیه و آله أنَّهم « قالوا : هَجَرَ رسول الله » (2)وفي أُخرىٰ « وقالوا ما شأنه ، أهجر ؟ استفهموه » (3).
فأين عمر في هذه الروايات ، ولماذا لم يذكروا له وجوداً ؟!
إنَّه مختبئ في عقول الرواة وتصانيفهم ، يريدون بالطبع أن لا يُذكر عمر في هذه الحادثة الأليمة ، ولا توجَّهُ إليه أصابع الاتهام ، هذا سعيهم كما فهمنا ذلك مسبقاً.
فهم إذا ذكروا عمر قالوا : « إنَّه قال : إنَّ النبيَّ قد غلبه الوجع ». وإن أرادوا أن يذكروا كلمة « هجر » القاصمة للظهر ، لم يذكروا معها عمر.
وتلك معادلة ذكية جعلت المسألة صعبة الحلّ ولا يمكن فكّ رموزها بسهولة.
وعلىٰ المؤمنين بهذه المعادلة الإجابة علىٰ الآيات الكثيرة الموجودة في القرآن الكريم التي تجمع طاعة الله مع طاعة الرسول ، والاستجابة لله مع الاستجابة للرسول ، واتِّباع أمر الله مع اتِّباع أمر الرسول ، ومثاله هذه الآيات : ( وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) (4).
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) (1).
وقد جعل الله سبحانه طاعة الرسول هي طاعة له تعالىٰ : ( مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ ) (2).
ومهما يكن من اختلاف بين « غلبه الوجع » و« هجر » فإنَّ كلتا العبارتين جارحتان ، وفيهما تجاوز كبير علىٰ مقام النبوَّة.
وقع اختلاف آخر في عبارة « وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله » كما في البخاري (3)وعنه أيضاً في باب العلم قال : « وعندنا كتاب الله حسبنا ». بينما نقل ابن أبي الحديد المعتزلي عبارة « عندنا القرآن حسبنا كتاب الله » (4)وهناك عبارات متشابهة وردت في مصادر أُخرى كثيرة (5).
ونصطدم مرَّة أُخرىٰ مع الرواة ، ونشاهد إهمالهم في إدراج هذه العبارة لمحذور شدّة وقعها علىٰ قلوب المسلمين ، وخطورتها على قائلها.
وخطورتها تنبع من إلغاء دور النبوَّة التي قال عنها الله سبحانه
1) سورة الأنفال : 8 / 24.
2) سورة النساء : 4 / 80.
3) صحيح البخاري 7 : 9 - باب قول المريض قوموا عنِّي من كتاب المرضىٰ.
4) شرح ابن أبي الحديد 6 : 51 ط مصر بتحقيق محمَّد أبو الفضل.
5) راجع صحيح مسلم 5 : 75 ، مسند أحمد 4 : 356 / 2992 ، صحيح البخاري 1 : 37 - كتاب العلم. و 8 : 161 و 5 : 137 كتاب الاعتصام بالكتاب والسُنَّة - باب كراهية الخلاف ، كتاب النبيِّ إلى كسرى وقيصر - باب مرض النبيِّ ووفاته.
وتعالىٰ : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ) (1). فما بالنا نلغي دور نبيِّنا وهو لا يزال بين ظهرانينا ؟!
وإلغاء دور النبوَّة هو الخطوة الأولىٰ للانحراف عن الدين وأهدافه المقدَّسة ، ويُخبر القرآن الكريم عن أقوام كثيرين بدَّلوا دينهم وحرَّفوه لأنَّهم أطاعوا أحبارهم ورهبانهم وتركوا تعاليم نبيِّهم.
وعبارة الخليفة الثاني صريحة جدَّاً في رفض وصيَّة الرسول وإلغاء دور النبوة بشكل كامل ، فضلاً عن رفضه لكلِّ ما ورد عن الرسول صلی الله علیه و آله من أخلاق وسيرة وإدارة وحرب وعقائد و ... واستثنىٰ منها فقط ما يوجب عملاً في العبادات ، وذلك خلال منعه الحديث عن رسول الله صلی الله علیه و آله وعقابه عليه ، وإلزامه المتحدِّثين بالشهود ، وحدَّد المسموح به في الأمور العبادية فقط ، وقال : بأنَّه يخشىٰ أن يختلط حديث النبيِّ بكلام الله.
ولكن ألا يتَّفق معي القارئ بأنَّ العرب كانوا أقدر منَّا علىٰ اللغة والفهم والتمييز ، وقد سمعنا مراراً أنَّهم كانوا يحفظون أشعار الجاهلية عن ظهر قلب ، ويتلون مئة بيت من الشعر كما لو أنَّهم يطالعونها في الصحائف.
وعلماء اللغة اليوم قادرون علىٰ فرز قصائد الشعر والتشكيك فيها وربَّما نسبتها إلىٰ قائلها من خلال السبك الشعري ومتانة اللفظة والانسيابية والجزالة.
فكيف كان القرآن بأُسلوبه اللغوي الفريد « يختلط » بالحديث علىٰ أولئك الذين لا يختلط عليهم آلاف الأبيات من الشعر ، ويمكنهم أن
1) سورة الحديد : 57 / 25.
ينسبوها إلىٰ أصحابها ؟!
التسليم السريع لأقوال الخليفة الثاني وتصويب نهجه ، والتماس الحجج له ، لا يتوافق مع سيرته هو ، ذلك أنَّه قال « حسبنا كتاب الله » فحسبنا كتاب الله ولا داعي لأقوال عمر وسيرته وموافقاته.
إنَّ سيرة عمر ترفض الاقتداء بالرسول وهو حيٌّ ، فكيف نقتدي نحن بعمر وهو ميِّت ؟! ولو سار الخلفاء بعده بسيرته ، بحيث يجتهدون قبال النصِّ الإلهي أو النبويِّ ، لما وصل إلينا من الإسلام شيء. ذلك أنَّ القليل يتجمَّع فيصبح كثيراً. ألا ترىٰ إلىٰ مياه الأنهار الطاغية ، أنَّها من قطرات المطر اللطيفة.
كما مرَّ فإنَّ هناك حذفاً طال أغلب الرواية ، فلم تنقل بعض الروايات ما حدث بعد مقولة عمر. بينما تصوِّر روايات كثيرة وضعاً شاذَّاً وغريباً لم نتعوَّده من الصحابة طيلة حياة النبيِّ الأعظم صلی الله علیه و آله . فالطبيعي أنَّ الصحابة كانوا يُجلُّون النبيَّ ويوقّرونه ، ويستلهمون من تعاليمه صلاحهم ، ويستنيرون بسيرته لدينهم ودنياهم ، ويتعبَّدون باتِّباعه وطاعته وبالاستجابة لأوامره حتَّىٰ أنَّ ابن عمر أدار راحلته بين مكَّة والمدينة في موقع ما ، ثُمَّ رجع إلىٰ مسيره الأوَّل. فسأله الناس : ما هذا الذي فعلته ؟ فقال : إنَّما شاهدتُ رسول الله يفعل ذلك ففعلت مثله.
وخرج صلی الله علیه و آله في جوف إحدىٰ الليالي فصلَّىٰ في المسجد ، وصلَّىٰ رجال بصلاته ، فأصبح الناس فتحدَّثوا ، فاجتمع أكثر منهم ، فصلَّىٰ
فصلَّوا معه ، فأصبح الناس فتحدَّثوا ، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة ، فخرج رسول الله صلی الله علیه و آله فصلَّىٰ فصلَّوا بصلاته ، فلمَّا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله (1).
التساؤل الذي نطرحه هو أين هذا الاقتداء والحبُّ عندما قال النبيُّ صلی الله علیه و آله : « ائتوني بكتف ودواة » ؟ فانَّ من الغريب جدَّاً أن يختلف القوم في أمرٍ يطلبه الرسول صلی الله علیه و آله منهم.
هناك روايات كثيرة تنقل أنَّ القوم ( اختلفوا ) أو ( تنازعوا ) فبعض يقول : قرِّبوا للنبيِّ الكتف والدواة ، والبعض الآخر يقول ما قاله عمر.
وحَذفُ هذا الجزء من الواقعة لا يخلو من تهميش وتخفيف لوقعها ، لكي لا تضطرب الأجيال للحدث فتتناوله بالبحث والتدقيق والتفسير ، ولكن ماذا نعمل لناقلي الواقعة بتمامها وبلا رتوش ، إنَّهم هم الذين دفعونا إلىٰ أن نقول في التأريخ وفي الشخصيات كلَّ هذا القول الجارح.
إذ يظهر من تفاصيل هذه الحادثة أنَّ الاختلاف الذي نحن فيه الآن ، كان قد حدث والرسول لا يزال حيَّاً يرىٰ ويسمع ، فهم تنازعوا واختلفوا منذ ذلك الحين.
ولنسأل : هل لهم الحقُّ في ذلك وهم الصحابة الأجلأَء المقرَّبون : والذين لا يُشكُّ في إخلاصهم لعقيدتهم وإسلامهم ؟! وسمعنا أنَّ من الصحابة من بُشِّر بالجنَّة ! وأنهم كالنجوم ! فإذا اختلف الصحابة وهم علىٰ ما هم عليه من الإيمان والرفعة والسمو ، فما الضير في أن نختلف نحن أيضاً ، وما الداعي إلىٰ نداءات الوحدة والأُلفة بين مذاهب
1) صحيح البخاري 3 : 58 - باب فضل من قام رمضان ، صحيح مسلم 6 : 41 أي : فصلّوا النوافل كما صلّى اقتداءً وتأسّياً به.
المسلمين ؟!
والنزاع الذي زرعه الصحابة أليس نحن الآن نجني أشواكه وحناظله ، فلماذا يتَّهم أحدنا الآخر بأنَّه سلفي أو إخباري أو مغالٍ أو ناصبي أو رافضي أو وهَّابي أو سُنِّي أو شيعي ؟!
فالخلاف الذي أيَّده تأريخ المسلمين ولم يَرَ حرجاً من نقله إلينا ، هو نفسه الذي ننتهجه اليوم ونسير علىٰ خطاه ، تماماً كما كانوا هم أو من جاء بعدهم حتَّىٰ وصل الأمر إلينا ، وكما يحدث الآن في الهند والباكستان بشكل واضح وملموس ، فإذا أردنا أن نلقي باللائمة علىٰ أحد فعلينا أن نلقيها علىٰ مؤسسيه وباني أصوله ، أُولئك الذين تنازعوا واختلفوا في أمر لرسول الله صلی الله علیه و آله وهو حيٌّ يسمع ويرىٰ.
لماذا اختلفوا ؟ أو لماذا تنازعوا ؟!
الرواية تخبرنا بأنَّ القوم انقسموا قسمين ؛ فمنهم من يقول : قدِّموا لرسول الله الكتف والدواة ليكتب لكم كتاباً لا تضلُّون بعده أبداً ، ومنهم من يقول ما قاله عمر.
الله أكبر ؛ ما أوضح العبارات ، وما أشدَّ بيانها ! وماذا نريد أكثر من هذا لنستبين الحقيقة ... ؟ حقٌّ أوضح من وضوح الشمس في رائعة النهار ... وصراحة مباشرة ليس فيها غموض ولا التباس.
الله أكبر ... هنا اختلفوا ، وهنا تنازعوا ، وهنا أصبحت أُمَّة محمَّد صلی الله علیه و آله ثلاثاً وسبعين فرقة ... فانقسام القوم إلىٰ قسمين مع وجود الرسول ولأمرٍ أمره بنفسه صلی الله علیه و آله ، لا يمكن حمله علىٰ حسن النيَّة وطيبة القلب وشفافيَّة الإيمان وصدق اليقين ... بل القوم المنقسمون علىٰ أمرهم ، لابدَّ وأنَّ أحدهم علىٰ الحقِّ ، والثاني متحامل
عليه ، باغٍ للفرقة والخلاف والنزاع.
فإن قلنا : إنَّ الذين قالوا : « قدِّموا لرسول الله الكتف والدواة ... » علىٰ باطل ، اتَّهمنا رسولنا بالباطل ، ورفضنا رسالته وشريعته وكلَّ ما جاء به من السماء.
وحيث إنَّنا لم نقرأ في القرآن الكريم ما يدلُّ علىٰ جواز عصيان النبيِّ صلی الله علیه و آله ومخالفته ، بل ما وجدناه دعوة صريحة لطاعته والانقياد لأمره وعدم التفرقة بينه وبين أمر الله سبحانه وتعالىٰ ... ولم نجد آية من الله العليم الحكيم تحدِّثنا عن احتمال هذيان النبيِّ وتأمرنا بعدم طاعته إذا هجر وهذىٰ.
فهؤلاء الذين قالوا « قرِّبوا للنبيِّ ... » اعتقدوا بالنبيِّ صلی الله علیه و آله كما هو موصوف في القرآن ، وكما هو فعلاً كإنسان يعيش بينهم بفضائله وسماته ونفسه الكبيرة ، كما أنَّهم لم يعبأوا بالملاحظة التي أخبر عنها عمر ، بل لم يلحظوا ما وصفه عمر على رسول الله صلی الله علیه و آله ، حيث إنَّ لهم نفس النصيب في الملاحظة والحكم ، فرأوا أنَّ ذلك تحاملاً منه ، وأصرُّوا علىٰ تقديم الكتف والدواة.
أمَّا القسم الآخر فقد اعتقد ما اعتقده عمر من هذيان النبيِّ فقالوا ما قاله ، وهنا لابدَّ من وقفة مع موقف هؤلاء ، وبحث السبب الذي دعاهم إلىٰ ذلك ، فهناك احتمالات لهذا الأمر :
الأوَّل : إنَّهم فعلاً لاحظوا ما لاحظه عمر ، فحرصوا أن لا تضيع الرسالة هباءً لنزوة مريض لا يدري ما يريد ، وحاشا رسول الله من ذلك.
الثاني : إنَّ شخصية عمر كانت من القوَّة بحيث دفعتهم لتأييده ،
لأنَّهم افتتنوا بهذه الشخصية وتيقَّنوا عدم خطئها وشططها.
الثالث : إنَّهم أهل خلاف ونزاع ليس إلا ، فلمَّا وجدوا منفذاً صاحوا وماجوا لا لهدف ولا لغاية.
الرابع : إنَّهم يخافون من الوصيَّة التي سيوصي بها النبيُّ صلی الله علیه و آله ، لأنَّها ستسبِّب ضرباً لمصالحهم ومنافعهم المستقبلية ، أو أنها ستفضحهم وتنبِّه الآخرين لسوء مقاصدهم.
الخامس : لم ينتبهوا لأهمية الوصيَّة وضرورتها لوجود القرآن الكريم كما نبَّه عليه عمر.
وقد تكون هناك احتمالات أخرىٰ إذا ما دقَّقنا أكثر ، إلاَّ أنَّها تنضوي تحت ما ذكرنا.
ويمكن تقسيم هذه الاحتمالات إلى قسمين فقط. فإمَّا أنَّهم لاحظوا هذيان النبيِّ ، أو قالوا ما قالوا متابعةً لعمر بدون ملاحظة ذلك.
وعندما نرجع إلىٰ الروايات نرىٰ :
1 - إنَّهم قالوا ما قاله عمر.
2 - إنَّهم قالوا : هَجَر رسول الله ... أهَجَرَ رسول الله ؟
3 - هل هَجَرَ رسول الله ؟! استفهموه.
أو إنَّها لا تذكر شيئاً.
فأصل القضية ترجع إلىٰ عمر لا غير ، لأنَّهم قالوا ما قاله عمر ، أو قالوا : أهَجَرَ رسول الله ؟ أو استفهموه ، وهذه العبارات تدلُّ علىٰ عدم يقينهم بمقولة عمر.
فإنَّ قال قائل : إنَّ عبارة « قالوا ما قاله عمر » لا تستظهر الأخذ برأيه ، لأنَّهم ربَّما لاحظوا ملاحظته فقالوا بقوله. وهذا الكلام له وجه
إن لم يكن هناك لغط ونزاع حول تقديم الكتف والدواة ، فالقوم انقسموا كما قلنا ، فبعض يقول : « قدِّموا لرسول الله الكتف والدواة ... » والبعض الآخر يقول ما قاله عمر ، وهذه الجمل لا تدلُّ علىٰ أنَّهم كانوا يقولون بهذيان النبيِّ صلی الله علیه و آله ، وإنَّما كانوا يقولون ( حسبنا كتاب الله ) لأنَّها العبارة الوحيدة المقابلة ل « قدِّموا لرسول الله الكتف والدواة ... ».
فأُس كلام القوم هو مقولة عمر ، فإمَّا أن يكون شاهد ولاحظ فعلاً ، وإمَّا أن يكون ادَّعىٰ ذلك لغاية ما ، واسمحوا لنا أن نسكت هنا عن الاجابة ، ونترك الحكم للقارئ اللبيب من خلال قراءته للبحث بدقَّة وتأنٍّ.
وحدث هذا الاختلاف في عبارة « قوموا عنِّي ... ولا ينبغي عندي التنازع » ، فنرىٰ أنَّ البعض حذفها كما حذف كلَّ ما بعد مقولة عمر ، ونرىٰ آخرين نقلوا « قوموا عنِّي » فقط ، أو أشكال أُخرىٰ مختلفة للمقولة أهمُّها « ولا ينبغي عند نبيٍّ التنازع ». فهذه العبارة أكثر وقعاً في النفوس وأوضح في الدلالة على حرمة التنازع عند النبي من « ولا ينبغي عندي التنازع ».
وكانوا قد أُمروا أن لا يرفعوا أصواتهم فوق صوته ، فقد قال تعالىٰ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) (1)أمَّا التنازع فقد ذكره الله سبحانه مشفوعاً بالفشل والانهيار ( وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ
1) سورة الحجرات : 49 / 2.
رِيحُكُمْ ... ) (1)ولكنَّهم تنازعوا واختلفوا حتَّىٰ حجبوا تلك الوصيَّة الهادية من الضلال والاختلاف.
ولنفكر قليلاً في وضع الرسول وهو مريض والصورة التي تكلم بها عندما طلب الكتف والدواة ، وأصوات الصحابة وهم يكثرون اللغط والنزاع ، حتَّىٰ قال الرسول غاضباً : « قوموا عنِّي ».
فكم آلموه ، وكم آذوه حتَّىٰ تكلَّم بكلام لم يتكلَّمه طوال حياته ، وهو الموصوف في الذكر الحكيم بالخُلق العظيم ، كما في قوله تعالىٰ : ( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (2)فسيرته بعيدة كلَّ البعد عن هذا التصرُّف الحادِّ والغاضب.
إنَّه صلوات الله وسلامه عليه لم يعامل الكفَّار والمنافقين بمثل هذه المعاملة ، وكان مثالاً لقوله تعالىٰ : ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ) (3)ولم يكن فضَّاً في لحظة من حياته ، وقد أخبر تعالىٰ عن خلقه هذا في قوله : ( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (4).
فلماذا يغضب النبيُّ صلی الله علیه و آله هذا الغضب ويطردهم عنه إن كان قد قبل رأي عمر وترك كتابة الوصيَّة ؟!
ونتردَّد كثيراً في قبول القائل بمراعاة الصحابة لخفض الصوت أمام رسول الله صلی الله علیه و آله ، لأنّه كيف هان للصحابة أن يتنازعوا أمام نبيِّهم ويختلفوا ويكثر لغطهم ؟!
النبيُّ الكريم .. المحبوب .. القدوة .. المرتبط بالسماء ، يطلب أمراً. والصحابة الكبار .. المؤمنون .. الصالحون ، يختلفون في أمر نبيِّهم ، هل ينفِّذوه ... أو يمنعوه.
فإن كان الصحابة يعتبرون نبيَّهم قدوة ، فلماذا اختلفوا ؟! وإن كانوا مؤمنين صالحين فلماذا عصوا ؟!
وهو في عبارة « فإنَّ الذي أنا فيه خير ممَّا تدعوني إليه » حدث معها مثلما حدث لأخواتها السابقات ، ولنا في توضيحها تفسيران :
التفسير الأوَّل :
إنَّ النبيَّ صلی الله علیه و آله أراد أن يقول بأنَّ الذي هو فيه من وحدتهم وأُلفتهم وصفِّهم الواحد الذي هو كالبنيان المرصوص ، خير ممَّا يدعونه إليه من الفرقة والاختلاف والنزاع ، فالإسلام يقوم بالوحدة وإن منعوا وصيَّته ، ولكنَّه يتقوَّض بالاختلاف والفرقة إن هو كتب لهم بعد اختلافهم. فهم كانوا يدعونه ليشاركهم في نزاعهم ، وقد دعاهم مراراً للوحدة والأُلفة والمحبَّة ، فالنتيجة الحاصلة بعد كلِّ هذه السنين من الجهاد والدعوة إلىٰ الله ، لا يمكنه أن يخسرها بإشعال نار خلافهم ونزاعهم.
لقد علم صلی الله علیه و آله أنَّ إصراره علىٰ كتابة الوصيَّة غير نافع ، لأنَّه سيذكي نار الخلاف ولا يُطفِئُها. ذلك لأنَّ القائلين بهذيان الرسول لن يسكتوا بعد كتابة الوصيَّة ، وسوف يدَّعون بأنَّه كتبها وهو في هلوساته وهذيانه - حاشاه -. وبهذا سيكون الخلاف أعمق ، وستنهار
شخصية الرسول وينالها الهتك والجرح.
التفسير الثاني :
إنَّ قوله صلی الله علیه و آله : « فإنَّ الذي أنا فيه خير ممَّا تدعوني إليه » ، هو احترامهم له وتبجيلهم لمقامه ، خير له من كتابة الوصيَّة التي ستدعوهم إلىٰ النيل من شخصيَّته وادعائهم عليه ما مرَّ ، وهذا يدعو بالطبع إلىٰ التشكيك في كلِّ ما أتىٰ به وينجرُّ إلىٰ التشكيك في الإسلام كلِّه ... وتضييع الأتعاب.
في الختام لم نشأ أن تكون دراستنا في الرواية مملَّة ومطوَّلة ، وحاولنا أن نشير إلىٰ مداخلاتها المهمَّة ليتبيَّن للقارئ مدىٰ التفات أصحاب ( الرواية ) إلىٰ أهميَّتها وحراجتها فتفنَّنوا في الحذف والتعديل ، ولكن طالما سمعنا بأنَّ الحقَّ لا يخفيه شيء و« الشمس لا يحجبها غربال ».
إننا لا ندعي اكتشافنا لأهمية وصية الرسول صلی الله علیه و آله ، والضرر الجسيم الذي تحملته أُمة الإسلام نتيجة لذلك المنع ، ولا ندعي البتة مثل هذا الادعاء ، ولا نقول بالسبق في فهم هذه الواقعة وتداخلاتها.
ثم إننا أيضاً لا نقول بإغفال المسلمين لها وإهمالها ، ذلك إن الكثيرين كانوا قد انبروا لتحليل هذه الواقعة محاولين إدراك ما كان يدور عن النبي صلی الله علیه و آله ساعتها.
التأريخ يحدثنا بأن ابن عباس رضی الله عنه ، ذلك الصحابي الجليل ، والمعتمد أيضاً عند جميع المسلمين ، كان أول من هتف « الرزية كل الرزية » ، ويكرّر علىٰ سامعيه « رزية يوم الخميس ». فماذا حدث يوم الخميس ؟ هل توفي الرسول صلی الله علیه و آله يوم الخميس ؟
كانت وفاة الرسول صلی الله علیه و آله يوم الاثنين ، فابن عباس لم يسمِّ وفاة الرسول رزية ؟ فلعله قرأ قوله تعالىٰ : ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ) (1)والموت حق. أو قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ) (2)فالدين كامل والنعمة تامة صحيح ان افتقاد الرسول صلی الله علیه و آله مصيبة وفاجعة ، إلاّ إن لكل إنسان ساعته ، يودع فيها هذه النشأة.
بل سمّىٰ ابن عباس قضية يوم الخميس ب « الرزية ».
فماذا حدث يوم الخميس ؟! ولماذا يصفه بهذا الوصف الفظيع ؟!
فيالعظمة المصيبة التي يريد أن يخبر عنها.
إنه يقول : « الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم ». أو كان يقول بحسرة « يوم الخميس ، وما أدراك ما يوم الخميس ! » ويطلق علىٰ تلك الحادثة « رزية يوم الخميس ».
فرزية ابن عباس الكبرىٰ هي منع كتابة الوصية.
وقلنا إننا لا ندّعي السبق في ذلك ، وقد أعلنها ابن عباس في وقتها ، وتناقلها أهل السير والحديث حتىٰ وصلت إلينا.
فابن عباس رضی الله عنه أدرك - كما أدرك تماماً كل من يهمه مصير الإسلام - الخسارة والفاجعة التي ستحل بالمسلمين من جراء منع وصية الرسول.
فالنظرة الثاقبة النافذة لحدود الزمان والمكان ، استطاعت أن تستشفّ المستقبل ، وتتنبأ بالرزية والمصيبة التي انطلقت شرارتها منذ يوم الخميس ، ذلك اليوم الذي دعا به رسول الله صلی الله علیه و آله بالكتف والدواة ، فحال دونه عمر.
وهذا الاختلاف والتناحر الموجود حالياً بين الفرق الإسلامية ، رزية عظمىٰ ، ومصيبة كبرىٰ ، شاهدها ابن عباس رضی الله عنه ببصيرته ، قبل أن يشاهدها أي إنسان ببصره ، كان يحس بأن الاختلاف الذي حدث والرسول لا يزال حياً ، على أمرٍ أراد فيه صلی الله علیه و آله عدم ضلالهم بعده أبداً ، سيتطور ويتشعب ويتكاثر ويتفرع ، حتى تصل أمة محمد صلی الله علیه و آله إلى ثلاث وسبعين فرقة.
والغريب كل الغرابة هو أن كل فرقة تدعي بأنها هي الناجية ، وتدبّج الأحاديث والأدلة لتلقي باقي الفرق من المسلمين في النار.
1 - البخاري بسنده إلىٰ عبيد الله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس ، قال ... ثم أورد حديث الوصية وقال : فكان ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلی الله علیه و آله ، وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم (1).
2 - وأخرجه عن قبيصة ، حدثنا ابن عيينة ، عن سلمان الأحول ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، انه قال : يوم الخميس وما أدراك ما يوم الخميس ، ثم بكىٰ حتىٰ خضب دمعه الحصباء ، فقال اشتد برسول الله وجعه يوم الخميس ، فقال : « ائتوني ... » وأورد الحديث (2).
3 - وأخرج مسلم عن سعيد بن جبير من طريق آخر عن ابن عباس ، قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ! ثم جعل تسيل دموعه حتىٰ رؤيت علىٰ خديه كأنها نظام اللؤلؤ ، قال ، قال رسول الله صلی الله علیه و آله : « ائتوني ... » ونقل حديث الوصية (3).
4 - عن ابن عباس قال : لما اشتد بالنبي صلی الله علیه و آله وجعه قال : « ائتوني ... » حتى قال : فخرج ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما
حال بين رسول الله صلی الله علیه و آله وبين كتابه (1).
5 - قال ابن عباس : يوم الخميس ، وما أدراك ما يوم الخميس ! اشتد برسول الله صلی الله علیه و آله وجعه فقال : « ائتوني ... » وأتمّ الحديث (2).
6 - عن سعيد بن جبير ، سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول : يوم الخميس وما يوم الخميس ! ثمّ بكىٰ حتىٰ بلّ دمعه الحصىٰ ، قلت له : يابن عبّاس ، ما يوم الخميس ؟ قال : اشتدّ برسول الله صلی الله علیه و آله وجعه فقال : « ائتوني ... » إلىٰ آخر الحديث (3).
ونقل هذه الأحاديث وأمثالها ابن سعد في الطبقات الكبرىٰ (4)والشهرستاني في الملل والنحل (5)وابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة (6).
وقفة مع المعذِّرين لعمر بن الخطَّاب(1)
قالوا : لعلَّه صلی الله علیه و آله ، حين أمرهم بإحضار الدواة لم يكن قاصداً لكتابة شيءٍ من الأشياء ، وإنَّما أراد مجرَّد اختبارهم لا غير.
فنقول : إنَّ هذه الواقعة إنَّما كانت حال احتضاره - بأبي هو وأُمِّي - كما هو صريح الحديث ، فالوقت لم يكن وقت اختبار ، وإنَّما كان وقت إعذار وإنذار ، ووصيَّة بكلِّ مهمَّة ، ونصح تامٍّ للأُمَّة ، والمحتضر بعيدٌ عن الهزل والمفاكهة ، مشغول بنفسه وبمهمَّاته ومهمَّات ذويه ، ولا سيَّما إذا كان نبيَّاً.
وإذا كانت صحَّته مدَّة حياته كلِّها لم تسع اختبارهم ، فكيف يسعها وقت احتضاره ، علىٰ أنَّ قوله صلی الله علیه و آله - حين أكثروا اللغو واللغط والاختلاف عنده - : « قوموا » ، ظاهر في استيائه منهم ، ولو كان الممانعون مصيبين لاستحسن ممانعتهم ، وأظهر الارتياح إليها ، ومن ألمَّ بأطراف هذا الحديث ولا سيَّما قولهم : هجر رسول الله ، يقطع بأنَّهم كانوا عالمين أنَّه إنَّما يريد أمراً يكرهونه ، ولذا فاجأوه بتلك الكلمة ، وأكثروا عنده اللغو واللغط والاختلاف كما لا يخفى ، وبكاء ابن عباس بعد ذلك لهذه الحادثة ، وعدّها رزيةً ، دليل علىٰ بطلان هذا الجواب.
وقالوا : إنَّ عمر كان موفَّقاً للصواب في إدراك المصالح ، وكان صاحب إلهام من الله تعالىٰ.
1) استفدناه من كتاب المراجعات للإمام السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي ، المراجعة (88).
نقول : وهذا ممَّا لا يصغىٰ له في مقامنا هذا ، لأنَّه يرمي إلى أنَّ الصواب في هذه الواقعة إنَّما كان في جانبه لا في جانب النبيِّ صلی الله علیه و آله ، وأنَّ إلهامه كان أصدق من الوحي الذي نطق به عن الصادق الأمين صلی الله علیه و آله .
وقالوا : بأنَّه أراد التخفيف عن النبيِّ صلی الله علیه و آله إشفاقاً عليه من التعب الذي يلحقه بسبب إملاء الكتاب في حال المرض.
نقول : أمَّا نحن فنرىٰ بأنَّ في كتابة ذلك الكتاب راحة قلب النبيِّ ، وبرد فؤاده ، وقرَّة عينه ، وأمنه علىٰ أُمَّته صلی الله علیه و آله من الضلال. علىٰ أنَّ الأمر المطاع ، والإرادة المقدَّسة ، مع وجوده الشريف ، إنَّما هما له ، وقد أراد - بأبي هو وأُمِّي - إحضار الدواة والبياض ، وأمر به ، فليس لأحد أن يردَّ أمره أو يخالف إرادته ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا ) (1).
على أنَّ مخالفتهم لأمره في تلك المهمَّة العظيمة ، ولغوهم ولغطهم واختلافهم عنده ، كان أثقل عليه وأشقُّ من إملاء ذلك الكتاب ، الذي يحفظ أُمَّته من الضلال ، ومن يشفق عليه من التعب بإملاء الكتاب كيف يعارضه ويفاجئه بقوله : هجر ؟!
وقالوا : إنَّ عمر رأىٰ إن ترك إحضار الدواة والورق أولىٰ.
نقول : هذا من أغرب الغرائب ، وأعجب العجائب ، وكيف يكون ترك إحضارهما أولىٰ مع أمر النبيِّ بإحضارهما ؛ وهل كان عمر يرىٰ أنَّ رسول الله يأمر بالشيء الذي يكون تركه أولىٰ ؟
1) سورة الأحزاب : 33 / 36.
وقالوا : وربَّما خشي أن يكتب النبيُّ أُموراً يعجز عنها الناس فيستحقون العقوبة بتركها.
نقول : كيف يخشىٰ من ذلك مع قول النبيِّ : « لا تضلُّوا بعده » ، أتراهم يرون عمر أعرف منه بالعواقب وأحوط منه وأشفق علىٰ أُمَّته ؟ كلاّ .. وألف كلاّ ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا ) (1).
وقالوا : لعلَّ عمر خاف من المنافقين أن يقدحوا في صحَّة ذلك الكتاب ، لكونه في حال المرض ، فيصير سبباً للفتنة.
نقول : هذا محال مع وجود قوله صلی الله علیه و آله : « لا تضلُّوا » ، لأنَّه نصَّ بأنَّ ذلك الكتاب سبب للأمن عليهم من الضلال ، فكيف يمكن أن يكون سبباً للفتنة بقدح المنافقين ؟! وإذا كان خائفاً من المنافقين أن يقدحوا في صحَّة ذلك الكتاب ، فلماذا بذر لهم بذرة القدح حيث عارض ومانع ، وقال : هجر ؟
وقالوا في تفسير قوله : ( حسبنا كتاب الله ) ، إنَّه تعالىٰ قال : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (2)وقال عَزَّ من قائل : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (3).
نقول : هذا غير صحيح ، لأنَّ الآيتين لا تفيدان الأمن من الضلال ، ولا تضمنان الهداية للناس ، فكيف يجوز ترك السعي في ذلك الكتاب اعتماداً عليهما ؟ ولو كان وجود القرآن العزيز موجباً للأمن من الضلال لما وقع في هذه الأُمَّة من الضلال والتفرُّق ما لا يرجىٰ زواله.
وقالوا : إنَّ عمر لم يفهم من الحديث أنَّ ذلك الكتاب سيكون سبباً لحفظ كلِّ فرد من أُمَّته من الضلال ، وإنَّما فهم أنَّه سيكون سبباً لعدم اجتماعهم - بعد كتابته - علىٰ الضلال ، وقد علم عمر أنَّ اجتماعهم علىٰ الضلال مما لا يكون أبداً ، كتب ذلك الكتاب أو لم يكتب ، ولهذا عارض يومئذٍ تلك المعارضة.
والجواب :
نقول : إنَّ عمر لم يكن بهذا المقدار من البعد عن الفهم ، وما كان ليخفىٰ عليه من هذا الحديث ما ظهر لجميع الناس ؛ من أنَّ ذلك الكتاب لو كُتب لكان علَّة تامَّة في حفظ كلِّ فرد من الضلال ، وهذا المعنىٰ هو المتبادر من الحديث إلىٰ أفهام الناس ، وعمر كان يعلم يقيناً أنَّ الرسول صلی الله علیه و آله لم يكن خائفاً علىٰ أُمَّته أن تجتمع علىٰ الضلال ؛ لأنَّه كان يسمع قوله صلی الله علیه و آله : « لا تجتمع أُمَّتي علىٰ ضلال ولا تجتمع على الخطأ » ، وقوله : « لاتزال طائفة من أُمَّتي ظاهرين علىٰ الحقِّ ... » الحديث (1)، وقوله تعالىٰ ( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) (2)إلىٰ كثير من نصوص من الكتاب والسُنَّة الصريحين بأنَّ الأُمَّة لا تجتمع بأسرها علىٰ الضلال ، فلا يعقل مع هذا أن يسنح في خواطر عمر أو غيره أنَّ النبيَّ صلی الله علیه و آله ، حين طلب الدواة والبياض ، كان خائفاً من اجتماع أُمَّته على الضلال ، والذي يليق بعمر أن يفهم من
الحديث ما يتبادر إلىٰ الأذهان ، لا ما تنفيه صحاح السُنَّة ومحكمات القرآن.
علىٰ أنَّ استياء النبيَّ صلی الله علیه و آله منهم ، المستفاد من قوله : « قوموا » ، دليل علىٰ أنَّ الذي تركوه من الواجب عليهم ، ولو كانت معارضة عمر عن اشتباه منه في فهم الحديث كما زعموا ؛ لا زال النبيُّ صلی الله علیه و آله شبهته وأبان له مراده منه ، بل لو كان في وسع النبيِّ أن يقنعهم بما أمرهم به لما آثر إخراجهم عنه ، وبكاء ابن عباس وجزعه من أكبر الأدلَّة علىٰ ما نقوله.
والإنصاف ، أنَّ هذه الرزية لمِمَّا يضيق عنها نطاق العذر ، ولو كانت قضية في واقعة ، كفرطة سبقت ، وفلتة ندرت ، لهان الأمر ، وإن كانت بمجرَّدها بائقة الدهر ، وفاقرة الظهر ، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العليِّ العظيم.
قد يتساءل البعض ؛ لماذا لم يوصِ الرسول بما يريد قبل مرضه ؟!
والتساؤل في محلِّه. ذلك أنَّ المرض ربَّما يكون قد أوحىٰ إلىٰ عمر أو غيره بما جرىٰ في حضرة الرسول الأعظم ، وما جرَّه من خلاف امتدَّ من ذلك اليوم إلىٰ يومنا هذا ، وربَّما يمتدُّ إلىٰ يوم القيامة.
فحياة الرسول صلی الله علیه و آله كانت كافية لإيجاد الوقت الأكثر مناسبة لظرفية تبليغ الوصيَّة.
وادَّعاؤنا لأهمية الوصيَّة وضرورتها جاء من تدقيقنا في أحداث تلك الواقعة التأريخية وأقوال الرسول فيها. فكيف ندرك نحن تلك الأهمية ، بينما لا تجد عند الرسول متَّسعاً من وقته إلا عند ساعة احتضاره ومرضه ؟!
ألا يحقُّ لنا أن نسأل عن السبب الذي دعا رسول الله صلی الله علیه و آله إلىٰ تأخير تلك الوصيَّة إلىٰ وقت حرج وعصيب ( ظنَّ ) معه عمر أنَّه صلی الله علیه و آله قد غلبه الوجع ، ولا يملك القوَّة الذهنية اللازمة لإملاء مثل تلكم الوصيَّة الخطيرة ؟
لقد عاش الصحابة مع رسول الله صلی الله علیه و آله ردحاً من الزمن غير يسير ، وكانوا يسمعونه يتحدَّث معهم عن الحلال والحرام والصبر والقناعة والجهاد ، وعن كلِّ شاردة وواردة من شؤون الحياة ... كان يأمر فيطيعون ، وينهىٰ فينتهون ، ويدعوهم إلىٰ القتال فيرمون ما بأيديهم من تفاهات الدنيا ويلقون أنفسهم في لهوات الموت ( فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ
نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (1).
كانوا يسارعون لنيل رضاه ؛ لأنَّهم علموا أنَّ رضاه من رضىٰ الله سبحانه وتعالىٰ.
فلماذا إذاً لم يأمرهم بكتابة وصيَّته - التي لا ضلال بعدها - إلاَّ قبل أيَّام من رحيله عن هذه الدنيا ؟! وهل كان يجب عليه أن يتمهَّل في الأمر إلىٰ حين من الزمن قد يُثار فيه شكٌّ من نوع الشكِّ الذي ألقاه عمر بين الصحابة ؟
فهل حقّاً أنّه لم يشر إلىٰ الوصيَّة من قريب أو بعيد في حياته الشريفة كلِّها ؟!
ذكرنا أنَّ أصل الوصيَّة أن تكون مشهودة ، ولا يشترط فيها أن تكون مكتوبة ، وإنما يلجأ صاحبها إلى الكتابة إذا خشي عليها أن تُضيّع .. وهذه الحالة لا تكون على الأغلب إلاّ ساعة الاحتضار كما جاء في الآيتين التي أوردناهما هناك ، التعبير بحضور الموت ، وهذا ما نسمّيه بالاحتضار. ولكنه صلی الله علیه و آله لم يكتفِ بهذا ، بل وهذا ما فعله صلی الله علیه و آله .. وأوصىٰ بالوصيَّة لعدَّة مرَّات وأمام جمع غفير من المسلمين ، وذكرها مراراً وتكراراً لتكون درعاً واقياً للأُمَّة من الاختلاف والنزاع.
ومع هذا حدث ما حدث من اللغط والهرج أثناء دعوة الرسول صلی الله علیه و آله بالكتف والدواة ؛ لأنَّ الصحابة يعلمون علماً يقيناً لا يشوبه أيُّ شكٍّ بما سيوصي به الرسول ، لذلك كان عليهم أن يقفوا منه موقفاً مناسباً من آخر إشارة يطلقها الرسول صلی الله علیه و آله ، ويمنعوا من
1) سورة الأحزاب : 33 / 23.
تحرير تلك الوصيَّة علىٰ الورق ؛ لكي لا تكون حجَّة ينتفع بها غيرهم.
فمتىٰ أوصىٰ الرسول قبل مرضه ؟
هناك أكثر من موضع أدلىٰ فيه الرسول بما يريده في هذا الصدد ، وفيه كله يخرج حديثه مخرج الوصية ، بكل إيحاءاتها وكامل فحواها :
1 - ففي بواكير دعوته ، في الحديث الشهير بحديث الانذار ، أو حديث الدار ، قال صلی الله علیه و آله : « يا بني عبد المطّلب ، والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به ، إنّي جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر ، على أن يكون أخي ، ووَصِيّي ، وخليفتي فيكم ؟ ».
قال عليّ علیه السلام - والرواية عنه - فأحْجَم القوم عنها جميعاً ، وقلت - وأنا لأحدثهم سِنّاً - : أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه.
فأخذ برقبتي ، ثمّ قال : « إنّ هذا أخي ، ووصيّي ، وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا ».
قال : فقام القوم يضحكون ، ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع (1).
2 - وفي أواخر أيام دعوته ، في أيام حجة الوداع ، وفي خطبة الغدير المشهورة قال صلی الله علیه و آله لأصحابه : « ألست أولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى ، قال : فمن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، اللَّهمَّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، واخذل من خذله ، وانصر من نصره » وحديث الغدير هذا حديث صحيح قد بلغ حدّ التواتر عند جميع
1) تاريخ الطبري 2 : 217 ، الكامل في التاريخ 2 : 62 - 64 ، السيرة الحلبيّة 1 : 461 ، معالم التنزيل / البغوي 4 : 278 ، شرح نهج البلاغة 13 : 210.
المسلمين (1).
3 - وأيام حجة الوداع ، في خطبتها الشهيرة ، قال صلی الله علیه و آله ما جاء في سياق الوصية ومنها : « إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ؛ كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما ». ولهذا الحديث ألفاظ عديدة جداً تتفق كلها على مضمون واحد وهو حديث متواتر كذلك (2).
وفي أيام حجة الوداع أيضاً كانت آية التبليغ كما في الغدير وغيره ، كما يسمّيها المفسرون ، والتي تقول :
( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (3). ونريد أن نقف قليلاً عند هذا البلاغ ..
فالآية غريبة في دلالتها لأنَّها نزلت قبل أشهر قليلة من وفاة الرسول صلی الله علیه و آله ، وبمعنىٰ آخر أنَّها نزلت وأحكام الدين كاملة تماماً. فالصلاة مفروضة ، والصيام كذلك ، والحجُّ والزكاة وكل الواجبات
1) اُنظر : البداية والنهاية 5 : 233.
2) مسند أحمد 5 : 182 ، 189 و 3 : 17 ، صحيح مسلم / كتاب فضائل الصحابة 4 : 1873 / 2408 بعدّة طرق ، سنن الترمذي 5 : 663 / 3788 - كتاب المناقب وقبله / 3786 ، مستدرك الحاكم 3 : 148 ، الخصائص / النسائي : 21 ، مصابيح السنة 4 : 185 / 4800 و 190 / 4816 ، ومجمع الزوائد 9 : 163 - 164 ، الجامع الصغير 1 : 244 / 1608 ، الصواعق المحرقة باب 11 فصل 1 : 149 ، الخصائص الكبرى / السيوطي 2 : 466 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 112.
3) سورة المائدة : 5 / 67.
والمحرَّمات كانت قد وصلت الىٰ أسماع المسلمين ففهموها ووعوها وعملوا بها ، وعاقبوا من تخلَّف وعصىٰ ، وسار الدين سيراً انسيابياً لطيفاً ملأ القلوب بأنواره ، وسحر العقول بأفكاره ، وعجز الكفَّار والمشركون عن مواجهته ومحاربته.
فماذا تريد هذه الآية وإلىٰ أي شيء تشير ؟!
الآية أولاً : تلغي أتعاب الرسول صلی الله علیه و آله إن لم يبلغ ما أوحي إليه من ربِّه.
وثانياً : إنَّ الرسول كان يبلغ ما يوحيه الله سبحانه إليه ، ولا يمنع فيض السماء علىٰ أهل الأرض. وكيف يمنع الفيض الإلهي وهو الرحمة للعالمين. أليس هو الموصوف في الذكر الحكيم ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) (1).
فماذا حدث حتىٰ يأمر الله سبحانه وتعالىٰ رسوله أن ( يبلِّغ ) .. وكأنَّ النبيَّ صلی الله علیه و آله كان يُحاذر ويخاف أن يبلِّغ الناس ذلك الأمر. فجاء الخطاب بصيغة التهديد ، بقوله تعالىٰ : ( وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) فيجعل تبليغ أمره هنا مساوياً لكلِّ المشاقِّ والآلام والمعاناة التي عاناها طوال أكثر من عقدين كاملين من عمره الشريف.
وثالثاً : يقول سبحانه وتعالىٰ : ( وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) وكأنَّ هناك خطراً من تبليغ ذلك الأمر كان يحسُّه النبيُّ صلی الله علیه و آله ، فضمن له ربُّه حمايته وحراسته.
1) سورة التوبة : 9 / 128.
فماذا يا ترىٰ ذلك الأمر الحائز علىٰ تلك الأهميَّة العظمىٰ ؟!
نُرجع فهم هذه الآية إلىٰ وقت نزولها. فآية التبليغ هي من آخر ما نزل من القرآن باتفاق العلماء ، وليس بينها وبين وفاة الرسول صلی الله علیه و آله غير ثمانين يوماً أو نحو ذلك.
وقد وردت عند المفسرين روايات متعدّدة وتعطي دلالات مختلفة لهذه الآية ، لكنها للأسف روايات لا تتوفر على دواعي القبول ، ولا تقوم بها حجة ، ليس فقط لكونها عارية عن الأسانيد المعتبرة أو ذات القيمة ، بل أيضاً لأنها لا يمكن أن تنسجم مع تاريخ نزول الآية المتفق عليه ، فهي روايات تفيد ان الآية نزلت لتطمين الرسول من أعدائه ، وأمرته بالانذار وبتبليغ أحكام الإسلام ، وأعلمته أن الله يعصمه من الكافرين ، ولكن هذا كلّه قد حصل قبل نزول الآية بزمن غير قليل ، وعلى امتداد حياته الشريفة (1).
أما الذي ورد مسنداً ، والذي يمكن التعويل عليه لكونه التفسير الوحيد الذي لا يتعارض مع تاريخ نزولها ، فهو قول الكثير من المفسرين وأصحاب الحديث ، إنها نزلت بعد تبليغ جميع الفرائض ، واختصَّت بتبليغ أمر الخلافة بعده صلی الله علیه و آله ، ومن رواياتها :
1 - أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال : نزلت هذه الآية ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) علىٰ رسول الله صلی الله علیه و آله يوم غدير خُمٍّ في عليِّ بن أبي طالب(2).
1) راجع : حجم التناقض والاضطراب في الحكايات والروايات الواردة فيها بشكل مفصل في كتاب منهج في الانتماء المذهبي / صائب عبد الحميد : 133 - 144 - مركز الغدير - قم.
2) شواهد التنزيل | الحسکاني 1 : 188 _ 193 في عدة الطرق المنار 6 : 463 الدرُّ المنثور 2 : 298 ، أسباب النزول / الواحدي : 115 - عالم الكتب - بيروت.
2 - وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : كنَّا نقرأ علىٰ عهد رسول الله صلی الله علیه و آله ( يا أيُّها الرسول بلِّغ ما أُنزل إليك من ربِّك - أنَّ عليَّاً مولىٰ المؤمنين - وإن لم تفعل فما بلَّغت رسالته والله يعصمك من الناس ) (1).
3 - عن الإمام محمَّد الباقر علیه السلام : « أنَّ المراد بما أُنزل إليه من ربِّه النصُّ علىٰ خلافة عليٍّ بعده ، وأنَّه صلی الله علیه و آله كان يخاف أن يشقَّ ذلك علىٰ بعض أصحابه فشجَّعه الله تعالىٰ بهذه الآية » (2).
4 - عن ابن عبَّاس ، أنَّ الله أمره أن يخبر الناس بولاية عليٍّ فتخوَّف أن يقولوا : حابىٰ ابن عمِّه ، وأن يطعنوا في ذلك عليه. فلمَّا نزلت الآية عليه في غدير خُمٍّ أخذ بيد عليٍّ وقال : « من كنت مولاء فعليٌّ مولاه ، اللَّهم والِ من والاه ، وعادِ من عاداه » (3).
5 - عن أبي جعفر - الباقر - وأبي عبد الله - الصادق - علیهماالسلام : « إنَّ الله أوحىٰ الىٰ نبيِّه صلی الله علیه و آله أن يستخلف عليَّاً علیه السلام فكان يخاف أن يشقَّ ذلك على جماعة من أصحابه فأنزل الله هذه الآية تشجيعاً له علىٰ القيام بما أمره الله بأدائه » (4).
6 - عن الأعمش ، عن عطيَّة قال نزلت هذه الآية علىٰ رسول الله صلی الله علیه و آله في عليِّ بن أبي طالب ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) وقد قال الله تعالىٰ : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ) (1).
7 - عن ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي : نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب علیه السلام ، ولمّا نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال : « من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهمّ والِ من والاه ، وعاد من عاداه » فلقيه عمر بن الخطاب فقال : هنيئاً لك يابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولىٰ كل مؤمن ومؤمنة (2).
ولا ريب أن مفتاح فهم هذه الآية وتفسيرها هو معرفة وقت نزولها ، فإن كانت قد نزلت أوَّل البعثة فتفسيرها سيكون بشكل يختلف تماماً عمَّا لو كانت نزلت آخر حياة الرسول الكريم ؛ لأنَّ نزولها في بواكير البعثة يحتمل كثيراً أن تفسَّر علىٰ أساس الاحتمالات الأولى ، أمَّا إذا كانت قد نزلت ضمن أواخر ما نزل من القرآن ، فإنَّ شأنها سيختلف تماماً ، وسيدعونا إلىٰ التدقيق في معناها أكثر ؛ لأنَّ الأمر الذي يريد أن يبلِّغه سبحانه وتعالىٰ في آخر ما أنزله إلىٰ نبيِّه يجعله مساوقاً لتمام نبوَّته ورسالته ، وهو الذي تدلّ عليه أحاديث هذه الطائفة ، فالواضح أنّ أحاديث هذه المجموعة صريحة في الدلالة على سبب نزول الآية وبيان مرادها ، لاتحادها الزماني والمكاني مع الآية ، ومطابقتها تماماً لنصّ الآية ودلالتها ، وسلامتها من الاضطراب والتناقض.
لا يمكن لأحد أن ينكر ما قدّمه الأستاذ عباس محمود العقاد للمكتبة العربية والإسلامية ، وإثراءه لها بمجموعته الخالدة ، وقد سمعنا كثيراً في إطراء أدبه وأفكاره. إلاّ أننا نقول إن الحبّ يجعل صاحبه يطري ويفتتن ، والكره أو البغض يدفع صاحبه إلى الذمّ والازدراء.
وقال الشاعر :
وعين الرضا عن كلّ عيب كليلة *** ولكن عين السخط تبدي المساويا
وربّما يكون مفكرنا العقاد قد سقط هنا سقطته الكبيرة لمثل هذه العلّة ، حيث إنه أحبّ الخليفة الثاني وعظمت شخصيته عنده ، وخلبت لبه ، فأصبح لا يمكنه أن يقضي القضاء الصحيح على قضية واضحة ، إذ فتنته تلك الشخصية فلم يجد بُدّاً إلاّ أن يوجه أفعالها على أحسن ما يكون التوجيه ، رغم أنه قال : « ولا يحسبنّ القارئ أننا نتعسف التأويل والتخريج ، لننظر إلىٰ عمر في أجمل الصور ، ونوجه أعماله أحسن التوجيه ».
ولا ضير عليه إن كانت قضيتنا ليست بهذه الأهمية وهذه الحساسية العظيمة ، حتى قيل : ما سُلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية كما سُلّ على الإمامة في كل زمان ، ذلك لأنّها قضية مصير المسلمين ومستقبلهم وقيادتهم وأئمتهم ، و ( لابدّ للناس من إمام ... ).
القضية لا تحتمل التساهل والتغاضي ، كيف وهي الشرارة التي أشعلت الفتن بين المسلمين علىٰ مر التأريخ.
فكيف لنا أن نغفر للأستاذ العقاد وهو يصور مسألة الوصية تصويراً واهناً ، هشاً ، لا اعتبار له ولا أهمية. ويصور أو يركز على مسألة واحدة وهي أن هذه الوصية لم تكن في مسألة الخلافة لعلي علیه السلام ؟!
ولا يهمنا هنا إن كانت الوصية لعلي ، أو لشأن آخر ، ولكن الذي يهمنا أنّ الرسول صلی الله علیه و آله تحمل بالرغم من مرضه الآلام وطلب كتفاً ودواة ليكتب لهم شيئاً لن يضلوا بعده أبداً. وليكن ذلك الشيء ما يكون ، إلاّ أننا نقول إن كلمة الرسول صلی الله علیه و آله « لن تضلوا بعده أبداً » لها أهمية عظيمة تحرضنا على البحث عن حقيقة تلك الواقعة ومأساتها.
فإصرار الأستاذ العقاد على توجيه اللوم لفئة من الناس لادعائهم الوصية لخلافة علي علیه السلام ليس مهماً عندنا هنا في البحث بقدر الأهمية التي نقولها بمنع هذه الوصية النبوية مهما كانت.
يقول عباس محمود العقاد : « أما مسألة الخلافة فالذي يزعمه فيها الذين يخوضون في القضايا والمخاصمات أن عمر رضی الله عنه تعمد أن يحول بين علي والخلافة بصرفه النبي عن كتابة الكتاب الذي أراد أن يبسط فيه وصاياه فلا يضل المسلمون بعده ... ».
ويقول : « فالنبي صلی الله علیه و آله لم يدع بالكتاب الذي طلبه ليوصي بخلافة علي أو خلافة غيره ، لأن الوصية بالخلافة لا تحتاج إلىٰ أكثر من كلمة تقال أو إشارة كالإشارة التي فهم المسلمون منها إيثار أبي بكر بالتقديم ، وهي إشارته إليه أن يصلي بالناس » (1).
1) عبقرية عمر : 539.
ولعمري كيف يخطأ الأستاذ مثل هذا الخطأ الفظيع ، وكيف يكبو هذه الكبوة المهلكة ؟!
فمن يعلم بأمرٍ أراده الرسول صلی الله علیه و آله ثم منعوه عنه إلاّ الرسول نفسه ، فكيف ينكر أن تكون في الخلافة مثلاً ، لأننا لا نعلم من الوصية شيئاً ؟!
ثم هل غفل استاذنا المرحوم أن أبا بكر كتب وصيته بكتاب ولم يتركه كلاماً ولا إشارة ؟!
فإن أردنا أن ننكر أن يكتب النبي وصيته بالخلافة ، فعلى الخليفة الأول أن يقتدي بنبيه في ذلك ولا يكتب وصيته هو أيضاً.
والأستاذ ينقل الحادثة ويعللها بعلل سطحية غير قابلة للهضم والاقناع ، يقول « فلما دخل النبي صلی الله علیه و آله في غمرة الموت ودعا بطرس يملي على المسلمين كتاباً يسترشدون به بعده ، أشفق عمر من مراجعته فيما سيكتب وهو جد خطير ( !! ) ، وقال : إن النبي صلی الله علیه و آله غلبه الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا ، ومال النبي إلى رأيه فلم يعد إلىٰ طلب الطرس وإملاء الكتاب ... ».
الإشفاق الذي نعرفه رحمة ورأفة وودّ ، وليس انتهاكاً وتجاوزاً واستخفافاً ، كما في قوله : غلبه الوجع و ( عندنا كتاب الله حسبنا ).
ومن قال بأن النبي مال إلى رأي عمر كما تصور الأستاذ ؟! ولعله استنتجه من عدم طلبه للطرس. واستنتاج العقّاد بعيد وإن لم يحدث ما حدث بعد كلام عمر. (1)
1) راجع ما ذكرناه في تحليل مقولة ( حسبنا كتاب الله ) وما فيها من معنى يصدنا عن الأخذ بقول الأستاذ.
فالميل إلى رأي عمر كما رآه العقّاد بعيد جداً وغير مقبول إذا كانت الحادثة منتهية بكلام عمر ، فكيف ونحن نرىٰ أغلب الروايات تذكر مسألة النزاع والخلاف وقوله صلی الله علیه و آله لهم : « قوموا عني ، ولا ينبغي عندي التنازع » كما ذكرها الأستاذ نفسه في كتابه (1).
أما لماذا لم يكتب النبي وصيته بعد ممانعة عمر ؟
فإنّ التدقيق في كلمات الحادثة وعباراتها - من قبيل الادِّعاء بأنَّ النبيَّ يهجر أو حسبنا كتاب الله - كافية جداً لسحب البساط من تحت كلِّ وصيَّة يوصي بها ، فالقول بهذيان مريض يوشك أن يرحل مانعٌ للأخذ بكلامه.
إنَّ كتابة أيِّ وصيَّة بعد انطلاق هذه الكلمة غير قابلة لقبول الناطق بها أوَّلاً ، ومن الذي سيسمع منه ثانياً ؟ سيحدث بعد ذلك الجدال والشجار حول هل أنَّ هذه الوصيَّة قابلة للتنفيذ أم أنَّها هذرمة إنسان يهجر ؟! أي هل إنَّه قالها وهو بكامل وعيه ، أم أنّ سكرات الموت غلبت عليه فانطلق لسانه بهذه الكلمات ؟ وبدل أن يجمع الرسول صلی الله علیه و آله الناس علىٰ هدىً بوصيَّته ، تصبح الوصيَّة بحدِّ ذاتها أساساً للتقاتل والفرقة.
ويكرّر العقاد كثيراً مراجعة عمر للنبي ويعتبرها مكرمة وفضل وخير لا ضرر فيه !! فيما لا يدع الحقّ لأحد أن يسمّي وقفة عمر تلك يوم الوصية مراجعة ، لأن المراجعة أخذ وعطاء ، وليس شتماً وتجاوزاً وجفاءً ..
فكلامه شتم ؛ لأنه قال : « إنّه يهجر » !! أو قال : « غلبه الوجع » أي لا يفقه ما يقول ، أو بعبارة أكثر وضوحاً ( يهذي ) !! وتجاوز ؛ لأنّه مكلّف
1) عبقرية عمر : 441.
بالطاعة لقوله تعالى : ( وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) (1)ومكلّف بأن لا يرفع صوته فوق صوت النبيّ ولا يردّ له قولاً : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) (2)وتحقير لأنّه رفض كلامالنبي وقال : « حسبنا كتاب الله ».
فأين المراجعة إذاً ؟!
سامح الله الأستاذ علىٰ شططه في الحب ، وكان الأجدر به أن يحبّ نبيه أكثر من حبّه لأيّ شخص آخر.
ونذكر هنا أيضاً الكاتب الإسلامي الكبير الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود صاحب الكتاب الرائع « المجموعة الكاملة علي بن أبي طالب ». هذا الأستاذ الذي بدأنا بحثنا بكلامه حيث قال في كتابه ( السقيفة والخلافة ) : لكن ذلك العاصم من الضلال ... ضيعوه ... ذلك الكتاب الذي ود محمد أن يمليه ، أبوا عليه أن يخرج إلى النور .. حجبوه ... لكأنما مزقوه ... فعلى من تقع تبعة هذه الخسارة التي تكبدتها ، منذ تلك اللحظة أُمّة الإسلام ، وما زالت إلى اليوم تتكبّدها ، وتدفع ثمنها من دمها وعرقها ونصيبها في الحياتين ، جيلاً وراء جيل ... من المسؤول ؟ ... وهل عمر وحده الملوم ؟ ... ولأي غاية كان هذا السلوك ؟! (3)
فيا لها من عبارات رائعة تذيب القلب حسرة وأسىً علىٰ تلك الوصية الضائعة أو المحجوبة أو الممنوعة.
غير أنك ما أن تكمل الموضوع الذي اقتطعنا منه تلك الفقرة حتى تعلم أن الأستاذ يبرّر للخليفة الثاني منعه ، فيقول : ( لقد يقال إنه أشفق على محمد وقد غلبه الوجع أن ينهكه في وعكته الشديدة تلك ، أن يتحدّث ويملى ، أوجز أو أطال في الحديث والإملاء ...
ولقد يقال إنه خشي عليه أن يرهقه جدال أولئك الذين أكبوا عليه ، والتفوا بفراشه ، وزاحموا هواء حجرته بأنفاس حرى ، ولفظ صخاب لا يحتملها مريض ... ولقد يقال إنه ، بقولته تلك ، أراد أن يضيق على الزائرين فسحة المكث ، فينفضّ جمعهم لكي لا يتضاعف ألم النبي ، وتشتد عليه وطأة المعاناة إن هو ، صلوات الله عليه ، انتبه في وجوههم الباسرة إلى دمعة باكٍ ، وعبسة محزون وحسرة ملهوف. (1)
ويقول : فالذي يبدو صواباً وقد وقع من هذا ، قد يبدو خطأ لو وقع من سواه. ما يظهر كالخطأ من شخص ، لا يبعد أن يظهر من آخر كصواب ، ذلك لأننا في تقديرنا لحقيقة الموقف لا ينبغي أن نحتكم إليه إلاّ وهو منسوب إلىٰ من وقع منه.
وقد ترى في كتاب الأستاذ انتقاداً لعمر لوقفته تلك ، إلاّ أنه لا يتركك تنهي كتابه حتى يقول لك بعد أن يربط وصية الرسول بيوم السقيفة : ثم لو قيل إنهم تلقّفوا التراث النبوي بعد أن رحل عن الدنيا صاحبه ، فقد تلقّفوه وهمّهم أن يصبح نهباً لمن لا يصونه من الناس. وإذن فقد راموا النفع العام ... ولا تثريب عليهم إن فعلوا ، ليحفظوه في
1) السقيفة والخلافة : 242.
يد المهاجرين الأولين. بل إن ثمة من قد يراهم أحق بالتمجيد منهم بالعذل ، وبالحمد منهم باللوم ، لأنهم عرفوا ، إذ سارعوا إلى السقيفة ، كيف يحصرون إمرة المؤمنين يومئذ في المهاجرين القريبين من رسول الله في وقت غاب فيه عن الميدان أولى الناس بالإمرة وأدناهم قربى لرسول الله (1).
ولا أدري كيف يكونون أحق بالتمجيد منهم بالعذل ؟! وقد عزلوا أولى الناس بالإمرة وأدناهم قربىٰ لرسول الله صلی الله علیه و آله .
إن أولى الناس بالإمرة وأدناهم قربىٰ لم يغب بعيداً عنهم ، ولم يخرج من المدينة ، ولم يكن طريح فراشه ، بل كان حاضراً عند النبي صلی الله علیه و آله منشغلاً بأمره ، ولم تمضِ ساعة على وفاته ، وهو بعد مسجىً علىٰ فراشه .. فهل يعد هذا غياباً يبرر ما حدث في السقيفة ليكون أصحابها أحق بالتمجيد منهم بالعذل ؟!
إن النظر الموضوعي إلى الأشياء ، والذي يتناول الحَدَث من جميع أطرافه ، ولا يغضّ الطرف عن بعض حقائقه ، هو الذي سيقود إلى التصور السليم الذي لا تعتريه الثغرات ، ولا يشوبه الباطل ..
وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربّ العالمين
1) السقيفة والخلافة : 271.
مقدمة المركز ...............................................................5
رواية من عمق التأريخ .......................................................9
بداية غاضبة ................................................................9
من هو صاحب الوصية ؟ ....................................................... 11
لماذا يوصي الرسول ؟ ....................................................... 16
الرسول يطيع القرآن ........................................................17
آية من آيات التنزيل .......................................................17
الوصيَّة ساعة الاحتضار ......................................................18
ضياع الأتعاب ..............................................................19
حديث الوصية ...............................................................21
الحديث الأول : ............................................................21
الحديث الثاني : ...........................................................22
الحديث الثالث : ...........................................................22
الحديث الرابع : ...........................................................23
الحديث الخامس : ...........................................................23
الحديث السادس : ...........................................................24
الحديث السابع : ...........................................................24
الحديث الثامن : ...........................................................25
الحديث التاسع : ...........................................................25
الحديث العاشر : ...........................................................25
دراسة في منطوق الوصيَّة .....................................................27
والروايات الضبابية .......................................................27
الشكل الأول : .............................................................27
الشكل الثاني : ............................................................29
الشكل الثالث : ............................................................30
الاختلاف الأوَّل : ..........................................................31
الاختلاف الثاني : .........................................................32
الاختلاف الثالث : .........................................................33
الاختلاف الرابع : .........................................................34
الاختلاف الخامس : .........................................................40
الاختلاف السادس : .........................................................42
الاختلاف السابع : .........................................................47
الاختلاف الثامن : .........................................................49
رزية الخميس ...............................................................51
الأحاديث التي ذكرت لفظة الرزية ويوم الخميس : ..............................53
وقفة مع المعذِّرين لعمر بن الخطَّاب ...........................................55
الوصية قبل الاحتضار .......................................................60
أسف على الفكر .............................................................68
المحتويات .................................................................75