ghaemiyeh.com
الإمامة و الولایة في القرآن الکریم
نویسنده: نخبه من العلماء
نویسنده: یزدی، محمد
نویسنده: تسخیری، محمدعلی
نویسنده: مصباح یزدی، محمد تقی
نویسنده: محمدی گیلانی، محمد
محقق : مجمع جهانی اهل بیت علیهم السلام
نویسنده: مظاهری، حسین
نویسنده: موسوی یزدی، علیاکبر
موضوع : امامت -- جنبههای قرآنی
ولایت -- جنبههای قرآنی
زبان عربی
ناشر المجمع العالمي لاهل البيت عليهم السلام. مرکز الطباعة و النشر - قم - ایران
سال نشر 1427 هجری قمری
رده بندی کنگره : BP104/الف73الف8 1371
رده بندی دیویی : 297/45
محرر رقمی میثم حیدری
الإمامة و الولایة في القرآن الکریم
الصورة
الصورة
الصورة
الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه أجمعين، محمّد و آله الطيّبين الطاهرين.
تحظى الإمامة بموقع متقدّم في التصوّر الإسلامي، و هو موقع يفرضه الواقع و تستلزمه طبيعة الحياة الاجتماعية للإنسان، فإنّ الإمامةبما هي رئاسة عامّة في شؤون الدين و الدنياتعدّ أمرا أساسيا في مسيرة النبوّات و الشرائع السماوية، و في الحياة اليومية للإنسان على حدّ سواء. و لعلّ أبرز مؤشر واقعي تاريخي يؤيّد المكانة المتقدّمة للإمامة؛ هو أنّها كانت الأساس و السبب الرئيس لاختلاف المسلمين طيلة التاريخ الإسلامي، بمعنى أنّ اختلافات المسلمين كانت و لا زالت تتمحور بصورة مباشرة أو غير مباشرة حول محور الإمامة، و حتّى الإختلافات القائمة بشأن العدل الإلهي و القضاء و القدر و غير ذلك من المسائل التوحيدية الإلهية ليس بالإمكان حلّها و التغلّب عليها، ما لم تحلّ أوّلا مسألة الإمامة و الدور الممنوح لها في بيان حقائق الرسالة و شؤون النبوّة.
و قد واجهت الإمامة في التاريخ الإسلامي أربعة مواقف متفاوتة، هي:
1 - موقف النفي.
2 - موقف الإيمان السطحي.
3 - موقف الإيمان العميق.
4 - موقف الغلوّ.
التزم بالموقف الأوّل النجدات، و هم فرقة من الخوارج آمنوا بعدم لزوم الإمامة في حياة المسلمين، و عبّر عن الموقف الرابع غلاة جهلة من الّذين اعتقدوا بأنّ الدين يتلخّص كلّه بمعرفة الإمام فإذا عرف الإمام سقطت كلّ الواجبات، و فيهم من اعتقد بالوهيّة الإمام. أمّا الموقف الثاني و الثالث فيمثلهما عامّة المسلمين من جميع الفرق حيث قام الإجماع بينهم على لزوم الإمامة في البيئة الإسلامية، لكنّ المدرسة السنية أخذت بالموقف الثاني و المدرسة الإمامية اتّبعت الموقف الثالث.
آمنت المدرسة السنية بأنّ الإمامة وظيفة سياسية و إدارة دنيوية تنفيذية لبعض شؤون المجتمع الإسلامي، و أنّ وليّ الأمر يتمّ التوصل إليه من خلال الشورى و البيعة و الغلبة، و قد وصفنا هذا الموقف «بالإيمان السطحي» و ذلك بالقياس الى الموقف الثالث المتبنّى من قبل مدرسة أهل البيت و الذي يعتبر الإمامة جزءا من شؤون الرسالة السماوية بحيث لا تتم إلاّ به، و لذا فهي من اصول الدين التي لا يكمل الاعتقاد الديني إلاّ بها، و لا يقبل عمل من أعمال العباد بدونها «من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»، و هي لا تنبثق من خلال دور بشري كالشورى و البيعة، و إنّما تتعيّن بالنصّ السماوي و يشترط فيها العصمة و الأفضلية على سائر الخلق بالعلم و العمل، و للإمام دور في بيان حقائق الرسالة و غوامض النبوّة، و له الولاية التكوينية، و الشهادة على أعمال الخلق،
و أنّ حبّه إيمان و بغضه نفاق، و أن اللّه قد مدّ في عمر الإمام الثاني عشر عليه السّلام لكي يبقى هذا الموقع الرسالي محفوظا للسماء و لا يطمع فيه أحد من الناس، و لكي يستوعب خطّ الإمام البشرية بأسرها.
و هذه الخصائص الرفيعة تعكس اهتماما اضافيا و عناية خاصة توليها مدرسة أهل البيت عليهم السّلام لمسألة الإمامة، و قد ورد في نصوص الأئمة عليهم السّلام أنّه: «لم يناد بشيء ما نودي بالولاية»(1).
و قد يعدّ البعض ذلك نوعا من المبالغة و الإفراط، و لكنّنا حينما نتمعّن في الأمر و نتوغّل في أعماقه ندرك استحقاقه لكلّ ذلك، ذلك أن الدين الخاتم و الرسالة العظمى و النبوّة الأخيرة لابدّ و أن يتمّ التحفّظ عليها، و الاحتياط الشديد بشأنها، حتّى تبقى الى آخر الزمان حقيقة ناصعة و حجّة بالغة على البشرية و حتّى آخر إنسان فيها، و على صعيد التطبيق و قيادة التجربة الإسلامية الاولى لا بدّ و أن تعهد هذه المهمة الى قيادة ممتازة و من نوع خاص و ذات مؤهّلات استثنائية، حتى يتمّ إنجاز الدورة الحضارية الاولى للإسلام في ظلّ رعاية سماوية و تخطيط سماوي مباشر، لتأخذ الامة المران الكافي و التدريب اللازم على قيادة التجربة، في الدورات اللاحقة غير السماوية، و حتى يتم التأكد من أنّ التجربة قد قامت على اسس معصومة، و أنّ رواسب الجاهلية و آثارها قد تمّ تصفيتها من شعور الامة و لا شعورها، فلا بدّ و أن تكون المرحلة التأسيسية للحضارة الإسلامية مرحلة خاضعة لإشراف سماوي، و من دقائق التعبير ما ورد في الحديث
1) الحر العاملي، بن الحسن، وسائل الشيعة: ج 1 /ص 10 ط، بيروتدار إحياء التراث العربي.
القدسي: «ولاية علي بن أبي طالب حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي»(1)فالولاية و الإمامة حصن الرسالة، بل حصن التوحيد و السياج المنيع له.
و حيث إنّنا نتحدّث عن حضارة و مراحل حضارية فمن الطبيعي أن لا تكون الإمامة محصورة بالعمر الطبيعي لإمام واحد أو إمامين، و لا بدّ و أن تمتدّ لفترة زمنية كافية، و من هنا جاء التحديد باثني عشر إماما تناوبوا على الإمامة فترة دامت قرابة القرنين و نصف من الزمان، و أنّ الإمام الثاني عشر قد مدّ اللّه في عمره الى آخر الزمان مغيّبا عن الأنظار حتى يبقى موقع الإمامة محتفظا بقدسيّته السماوية، و حتى تستشعر البشرية في الدورات اللاحقة رعاية السماء لها في شؤون التجربة و قضايا التطبيق بما يمدّها بزخم روحي يعينها على الاستقامة أكثر فأكثر.
و في ظلّ هذه الرؤية المعمّقة للإمامة ندرك مدى التهاون الذي وقعت فيه المدرسة السنية حينما أوكلت أمر الخلافة و الإمامة الى مجتمع كان بالأمس القريب مشبعا بالشرك و العصبية القبلية، و تمادت في هذا التهاون أكثر حينما آمنت بنظرية ولاية العهد و صحة الإمامة لمن تغلب بالسيف و انعقاد البيعة و لو بثلاثة أفراد بل و حتى بفرد واحد، و كأنّ الشريعة ما نادت بشيء أضعف و أهون من الإمامة و الخلافة، و ربّما كان هذا هو السبب الذي جعل بعض المفكّرين ينكرون وجود نظام سياسي في الإسلام، أمثال علي عبد الرازق في كتابه:
«الإسلام و اصول الحكم».
1) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: 246/39، ط. بيروتمؤسسة الوفاء.
و سنترك القارئ مع كتاب «الإمامة و الولاية في القرآن الكريم» ليطالع بنفسه الأدلّة و البراهين القرآنية على نظرية الإمامة طبقا لمدرسة أهل البيت عليهم السّلام، و لكنّنا نتمسّك بالشاهد التاريخي المؤيّد لها، فالقضية التي كانت أساس الاختلاف في الامة و السبب الأخير لكلّ ما حصل فيها من فتن و حروب و نزاعات داخلية و معارك فكرية و انشطارات مذهبية لا يعقل أن تكون هيّنة بالصورة التي تعكسها المدرسة السنية، و كيف يعقل حلّها بولاية العهد و بيعة أفراد قلائل فينفتح بذلك طريق الخلافة بأيسر ما يكون لشخص كيزيد بن معاوية؟ أليس من الصحيح أن يقال إنّ هذه هي المشكلة و ليست الحلّ؟
و يمثّل الكتابالذي بين أيدينامحاولة موفّقة قام بها عدد من الأعلام و الباحثين و هم: السيد عليّ أكبر الموسوي اليزدي، محمد المحمّدي الجيلاني، محمد اليزدي، حسين المظاهري، و محمد تقي مصباح اليزديحفظهم اللّه تعالىبقلم و تحرير الشيخ محمّد علي التسخيريدام ظلّهلإثبات اسس و خصوصيات نظرية الإمامة في مدرسة أهل البيت عليهم السّلام طبقا لآيات من القرآن الكريم، و أهميته تنبع أساسا من أهميّة المنهج القرآني في إثبات العقيدة و البرهنة على خصوصياتها.
فإنّ هذا المنهج يأتي تكريسا لقوله تعالى: وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ اَلْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ(1)و استنطاقا لما فيه من الشواهد الدالّة على حقّانية مدرسة
1) النحل: 89.
أهل البيت عليهم السّلام، فالكتاب الذي جاء تبيانا لكلّ شيء، لابدّ و أن يكون قد انطوى على بيانات كافية و شافية في مسألة مصيرية كمسألة الإمامة، و إذا تذكّرنا تأكيد هذه المدرسة على مسألة الإمامة، حتى جعلتها من اصول الدين و آمنت بما مرّ من الخصوصيات الرفيعة لها إتّضح لنا أكثر مدى أهمية الدليل القرآني فيها، و حجم المسؤولية الفكرية في بيان هذا الدليل و تقريره و إيضاحه و اشتقاق التفاصيل و الجزئيات منهو هذه و إن كانت مسؤولية كلّ المسلمينباعتبار أنّ القرآن هو المصدر الأوّل للعقيدة و الشريعة الإسلامية، و أنّ خفاء بعض الحقائق القرآنية قد يؤدي الى إنكار بديهيات الشريعة كما أنكر على عبد الرازق من قبل وجود نظام سياسي في الإسلام زاعما بأنّه قرأ القرآن الكريم من الجلد الى الجلد و وجده تبيانا لكلّ شيء و لم يجد فيه ما يدلّ على وجود نظام سياسي في الإسلام(1). إلاّ أنها مسؤولية أكبر بالنسبة الى مدرسة أهل البيت عليهم السّلام التي آمنت بتلك الخصائص الرفيعة لمسألة الإمامة.
و للمنهج القرآني أهمية اخرى، هي الأهمية التقريبية بين المسلمين حيث يستطيع هذا المنهج إذا ما تواصل و تأكّد بين المفكّرين و الكتّاب المسلمين أن
1) عبد الرازق، علي، الإسلام و اصول الحكم: 42، وليته سأل نفسه عن هذا التناقض الذي يدّعيه، فالكتاب الذي بيّن نجاسة المشرك و حرمة الغيبة و وصف نفسه بأنّه تبيانا لكلّ شيء كيف لا يكون تبيانا لقضية مصيرية كقضية الإمامة و الخلافة؟ أليس هذا تهافتا و تناقضا؟ و الكتاب الذي لم يفرط بشيء كيف فرّط بالإمامة؟ و ما معنى الآيات التي طالبت بإقامة حكم اللّه و أسندت الحكم للأنبياء تارة و للكتب السماوية تارة اخرى؟ أنظر الآيات التالية: سورة البقرة: 44-45-47-213-251، سورة يوسف: 101، سورة النساء: 54-105، سورة الجاثية: 16، سورة ص: 20-35، سورة المائدة: 20، سورة آل عمران: 79، سورة الأنعام: 89، سورة مريم: 12.
يلعب دورا تقريبيا مهمّا بينهم.
و نظرا لأهمية هذا الكتاب و حاجة المثقّف المسلم سنيا كان أم شيعيا الى مطالعته فقد كلّفنا سماحة الشيخ عبد الكريم آل نجفحفظه اللّه تعالىبأن يقوم بتيسير عبارته و نقلها قدر الإمكان من الصياغة التخصصية الكلاسيكية القديمة، الى الصياغة الحديثة و اللغة العامّة التي يأنس بها المستوى العام من المثقّفين، و أن يقوم بتحقيق الكتاب و توثيق أحداثه التاريخية و استخراج نصوصه و بيان مواضع الاستدلال من المصادر التي ذكرها مؤلفوا الكتاب دون أن يحدّدوها من حيث الجزء و الصفحة.
و نتقدّم بالشكر الجزيل لصاحب الفضيلة و التحقيق الشيخ غلام رضا الفيّاضيحفظه اللّه تعالىلمراجعة و قراءة هذه البحوث و ابداء ملاحظاته القيّمه.
و أخيرا لابدّ من كلمة شكر و تقدير لكلّ العاملين الذين ساهموا و بذلوا جهودهم في اخراج هذا الكتاب القيّم و آخر دعوانا أن الحمد اللّه رب العالمين.
المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السّلام المعاونية الثقافية
الحمد للّه الذي تحيّرت العقول في كنه معرفته، و انحسرت الأبصار عن التطلّع الى غيب ملكوته، و كلّت عن بيان نعوته تعابير اللغات، و ظلّت هنالك تصاريف الصفات، فسبحان اللّه عمّا يصفون إلاّ عباد اللّه المخلصين، الذين استخلفهم و علّمهم الأسماء كلّها، فصيّرهم شهداء على الناس أجمعين، صلّى اللّه عليهم، و لا سيّما على شهيد الشهداء و شفيع الشفعاء محمّد خاتم النبيّين، و أهل بيته الذين طهّرهم من الدنس، و أذهب عنهم الرجس، و جعل مودّتهم السبيل إليه تعالى، و اللعن على أعدائهم و منكري فضائلهم الى يوم الدين.
أمّا بعد:
فهذه الرسالة مشكاة فيها مصباح الخلافة الإلهية و المصباح في زجاجة من الحجج القرآنية، فكأنّها كوكب دريّ يوقد من شجرة مباركة لا شرقية و لا غربية، و قد تحرّينا فيها البحث عن الإمامة التي تمثّل غاية الكمال الإنساني المنشود، و الجوهر الحقيقي لخلافة الإنسان عن اللّه تعالى في أرضه، و هي الولاية الخاصة التي يمنحها اللّه سبحانه للمقرّبين من أوليائه، و تعدّ من المقامات السامية الرفيعة التي يصعب فهمها، إلاّ على من حباه اللّه بنور نافذ
و بصيرة كافية، و لعلّها من أجلى مصاديق «الحديث الصعب المستصعب» الذي أشارت إليه الروايات المباركة(1).
و يدور كتابنا هذا حول إثبات أصل الإمامةدون تفاصيلهامن خلال آيات القرآن الكريم و السنّة الشريفة، و الغرض الذي نرمي إليه هو تبيين الحقّ و دفع شبهات البعض من حملة الفكر، الذين أنكروا وجود أدلة قرآنية تثبت الإمامة و الولاية، مردّدين في ذلك أقوالا و آراء واهية لفئات ضالّة، و تابعوها في ذلك رغم الدلائل الساطعة، و لم يكتفوا بترديد ذلك، بل راحوا يطعنون على فقهاء الامة و محدّثيها الذين دوّنوا المدوّنات و ألّفوا الموسوعات في إثبات إمامة أهل البيت عليهم السّلام، و لكن يبقى الحقّ واضحا بيّنا رغم ما يحاوله هؤلاء من إحداث البلبلة و التشويش الفكري، فإنّه ليس بإمكان أحد إخفاء الحقّ، قال تعالى: وَ لَوِ اِتَّبَعَ اَلْحَقُّ أَهْوٰاءَهُمْ لَفَسَدَتِ اَلسَّمٰاوٰاتُ وَ اَلْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ...(2).
و لأجل أن ندخل هذا الموضوع من أوثق جهاته و أنقى مصادره و من الموضع الذي جرى على أساسه التشكيك و الانكاركما يدّعي هؤلاءلذا فقد اعتمدنا في طرحنا لأبعاد و خصائص نظرية الإمامة و الولاية في الإسلام على
1) أفرد ثقة الإسلام الكليني في كتابه الكافي بابا خاصا بعنوان «فيما جاء أنّ حديثهم صعب مستصعب» اشتملعلى عدة روايات منها الرواية الواردة عن جابر عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إنّ حديث آلمحمّد صعب مستصعب لا يؤمن به إلاّ ملك مقرّب أو نبي مرسل أو عبد امتحن اللّه قلبه للإيمان» ج 1: ص 464 باب 102 ح 1، وورد أيضا في البحار للعلاّمة المجلسي ج 2: ص 189 باب 26. و تكرر معناه و مضمونه فيالبحار كثيرا ج 37: ص 234، ج 25: ص 366 - ص 383، ج 42: ص 189، ج 67: ص 103، ج 96: ص 191.
2) المومنون 71
تفسير دقيق و مركّز لأربع عشرة آية من آيات القرآن الكريم التي تناولت و عالجت بشكل أو بآخر هذا الموضوع، مؤكّدين ذلك بالأحاديث الشريفة.
و حيث تؤكد مدرسة أهل البيت عليهم السّلام على خاصيتي العلم و العصمة في الإمامة، لذا فقد رأينا ضرورة أن نختم الكتاب ببحث موجز عن علم و عصمة الأنبياء و الأئمة عليهم السّلام.
رَبَّنٰا إِنَّنٰا سَمِعْنٰا مُنٰادِياً يُنٰادِي لِلْإِيمٰانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّٰا رَبَّنٰا فَاغْفِرْ لَنٰا ذُنُوبَنٰا وَ كَفِّرْ عَنّٰا سَيِّئٰاتِنٰا وَ تَوَفَّنٰا مَعَ اَلْأَبْرٰارِ (1).
1) آل عمران: 193.
آية الخلافه وَ إِذْ قٰالَ رَبُّكَ لِلْمَلاٰئِكَةِ إِنِّي جٰاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً قٰالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهٰا مَنْ يُفْسِدُ فِيهٰا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمٰاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قٰالَ إِنِّي أَعْلَمُ مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ * وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى اَلْمَلاٰئِكَةِ فَقٰالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلاٰءِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ * قٰالُوا سُبْحٰانَكَ لاٰ عِلْمَ لَنٰا إِلاّٰ مٰا عَلَّمْتَنٰا إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ * قٰالَ يٰا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمٰائِهِمْ فَلَمّٰا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمٰائِهِمْ قٰالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ مٰا تُبْدُونَ وَ مٰا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (البقرة: 30-(33)
تتحدّث هذه الآيات القرآنية عن سرّ من أسرار الخليقة، و هدف النشأة الإنسانيد بنحو نستطيع أن نستخلص من مجموع ما فيها من الإشارات و المعاني بعض جوانب المفهوم القرآني عن الخلافة، فمن هو الخليفة؟ و ما هي الخلافة؟ و ما هو ملاكها و الأساس الذي تقوم عليه؟
فرغم أنّ هذه الآيات تتحدث عن الخلافة بمفهومها العام الذي يعني نيابة الإنسان عن اللّه في التصرّف في الأرض، إلاّ أنّ التدقيق في إشاراتها و مداليلها يوصلنا الى الخلافة بمفهومها الخاص بما ينطوي عليه من معنى الحكم و السلطة السياسية، ذلك أنّ الخليفة هو من يقوم مقام الغير، و قد وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم بصيغتين:
1 - صيغة المفرد، كما في المورد الذي نحن فيه: إِنِّي جٰاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً(1).
و وردت مرة اخرى في قوله تعالى: يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ اَلنّٰاسِ بِالْحَقِّ(2)و لم تتكرّر مرة ثالثة.
2 - صيغة الجمع، و هي خلائف أو خلفاء، و قد تكرّرت في القرآن الكريم سبع مرات، هي قوله تعالى: وَ هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاٰئِفَ اَلْأَرْضِ(3)و قوله
تعالى: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاٰئِفَ فِي اَلْأَرْضِ(1)و قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْنٰاكُمْ خَلاٰئِفَ فِي اَلْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ(2)و قوله تعالى: وَ جَعَلْنٰاهُمْ خَلاٰئِفَ(3)و قوله تعالى:
وَ اُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفٰاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ (4)و قوله تعالى: وَ اُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفٰاءَ مِنْ بَعْدِ عٰادٍ(5)و قوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذٰا دَعٰاهُ وَ يَكْشِفُ اَلسُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفٰاءَ اَلْأَرْضِ(6).
و يلاحظ أنّ الاستعمال القرآني فرّق بين الصيغتين، حيث استعمل الصيغة الاولى في موارد الإشارة الى خلافة الإنسان عن اللّه سبحانه، و استعمل الصيغة الثانية في موارد الإشارة الى خلافة المؤمنين و اتّباع النبوّات لمن سواهم من المعاندين و المشركين بنحو خاص، أو خلافة قوم لقوم آخرين بمعنى عام توارث الأرض و السلطة بينهم، فهناك خلافتان خلافة الإنسان عن اللّه سبحانه و نستطيع أن نطلق عليها تسمية الخلافة الإلهية، و خلافة الإنسان عن الإنسان و نستطيع أن نطلق عليها تسمية الخلافة البشرية. و الخلافة الإلهية هي التي تعنينا في بحثنا هذا، و هي المقصودة في آية الخلافة، و ذلك:
1 - إنّ الآية أطلقت لفظ «خليفة» من غير إضافة أو إشارة الى المخلوف، عنه، و هذا اسلوب في التعبير يفهم منه أنّ الخلافة المقصودة خلافة عن اللّه سبحانه، ذلك أن منشأ الخلافة إذا كشف عن المخلوف عنه بأن قال: «جعلت
فلانا خليفة لفلان» أو «خليفة عني» فهو ذاك، و إذا لم يكشف عنه في متن «الجعل» كما لو قال رئيس الدولة «إنّي جاعل في الدولة خليفة» فهم من قوله هذا أن المخلوف عنه هو رئيس الدولة نفسه و أنّ الخليفة المجعول هو خليفة عن الرئيس «الجاعل» و إن لم يصرّح بذلك في كلامه، و آية الخلافة هي من هذا النوع إِنِّي جٰاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً فيفهم منها الخلافة الإلهية.
2 - إنّ استفهام الملائكة و ما جرى من الحوار بينهم و بين اللّه سبحانه يبيّن بوضوح أنّهم بصدد الاستفهام عن خلافة الإنسان عن اللّه سبحانه، و كذلك إجابة اللّه لهم و ما جرى من سؤاله و امتحانه إيّاهم، تؤكّد أنّه سبحانه بصدد الخلافة الإلهية.
3 - و ممّا يؤكد كون الخلافة المقصود هنا إلهية، أنّ اللّه عرّف الإنسان للملائكة على أنه خليفة قبل أن يخلقه، و المفروض في آية الخلافة أنها تتحدّث عن الإنسان الأوّل، الذي سيدشّن الأرض قبل أي مخلوق آخر له شأنية الخلافة و السيادة على ما سواه، فلا تعقل الخلافة البشرية إذ لا بشر في الأرض قبل آدم، حتى يكون خليفة عنهم و لم يسكنها مخلوق قبله بينه و بين آدم نوع من السنخية، بحيث يكون أبو البشر خليفة عنه، فينحصر معنى الآية في الخلافة الإلهية.
كلّ ذلك في الخلافة أمّا آية: يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ اَلنّٰاسِ بِالْحَقِّ فإنّ السبب الأوّل جار فيها، إذ لم تبيّن الآية من هو المخلوف عنه، و قد تبيّن أنّ هذا الاسلوب من التعبير يفهم منه الخلافة الإلهية، كما أنّ عبارة: فَاحْكُمْ بَيْنَ اَلنّٰاسِ بِالْحَقِّ تنسجم مع الخلافة الإلهية دون الخلافة البشرية و القيام مقام الآخرين.
إنّ منطق الخلافة يقتضي من الخليفة أنّ يكون امتدادا طبيعيا لمن يستخلفه، و كذا النائب ينبغي أن يكون امتدادا تجسيديا في الفكر و السلوك للمنوب عنه، و يلاحظ في آية الخلافة أنها لم تقيّد الخلافة بل جاءت مطلقة.
فوظائف الخلافة و أعمالها غير محدودة، و كذلك دائرة الاستخلاف و المخلوقات المشمولة له، و هذا يعني أنّ اللّه سبحانه و تعالى فوّض لآدم عليه السّلام خلافة مطلقة من هاتين الجهتين، و هذا الإطلاق يؤكّد ضرورة كون الخليفة ممثلا للمستخلفو هو اللّه سبحانهفي الفكر و السلوك، و ذائبا فيه بأعلى درجة ممكنة، لأنّ الخلافة المطلقة تعني الثقة المطلقة من قبل المستخلف و الالتزام المطلق من قبل الخليفة، و من الطبيعي أن تتطلب هذه الدرجة العالية من الالتزام أن يكون الخليفة عالما بخصائص المستخلف و صفاته، و محيطا بالشؤون التي استخلف فيها، أي أن يكون عالما باللّه سبحانه و أسمائه الحسنى و صفاته العليا من جهة، و بالأرض التي استخلفه عليها و المخلوقات الكائنة عليها من جهة اخرى كما يجب أن تكون له القدرة الضرورية للتصرّف فيه، و بدون هذا العلم لا يستطيع أن يجسّد إرادة اللّه و صفاته، و بالتالي يعجز عن أن يكون امتدادا له و ممثلا عنه، كما لا يستطيع أن يدير المخلوقات و يدبّر الشؤون التي استخلف فيها.
و من هنا احتاج الخليفة المعيّن و المختار من قبل الخالق سبحانه الى العلم و التعلّم بقدر كاف و من نوع مناسب، فصرّحت الآية: وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا ليتحقّق من خلال ذلك ملاك الخلافة و أساسها، و قد جاء ذلك التعليم بالقدر
الكافي اَلْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا أي أنّ التعليم كان على قدر الخلافة، فكما أنّ الخلافة مطلقة فكذلك جاء التعليم عامّا شاملا للجهات التي يحتاج الى الاطّلاع عليها في الخالق و المخلوق، و لم يكن ذلك التعليم بالألفاظ و مداليلها الذهنية، و إنّما كان بالحقائق و مصاديقها الخارجية العينية، و كان لابدّ أن يكون ذلك العلم متناسبا في نوعيته مع مقام الخلافة الإلهية المطلقة، أي أن يكون في أرقى درجة ممكنة و من أعلى نوع ممكن، و قد كان كذلك، فإنّ آدم تلقّى العلم من اللّه مباشرة، و لا علم فوق العلم الذي يفيضه اللّه سبحانه بصورة مباشرة لمن جعله خليفة له، و ربّما يؤيد ذلك ما ورد في الآية من نسبة العلم الى آدم عليه السّلام و نسبة الإنباء الى الملائكة: وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا فَلَمّٰا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمٰائِهِمْ فما افيض على آدم هو العلم و ما افيض على الملائكة هو الإنباء.
و من كلّ ذلك يتحصّل أنّ الخلافة الإلهية تتقوّم بالعلم، و لكن ليس كلّ علم، و إنّما بالعلم الشهودي لا الكسبي الحصولي، علم يتلقّاه الخليفة من اللّه سبحانه مباشرة و بغير واسطة، و هذا النوع من العلم يمثل أساس الخلافة الإلهية و ملاكها، و هذا هو الذي جعل الملائكة يعترفون بقصورهم عن احتلال مقام الخلافة، و قد كانوا قبل ذلك يتصوّرون استحقاقهم له من خلال ما يقدّمونه من تسبيح و تقديس، و لكن حينما علّم اللّه آدم الأسماء كلّها ثم عرضهم على الملائكة بادروا الى الاعتراف بالعجز قائلين: سُبْحٰانَكَ لاٰ عِلْمَ لَنٰا إِلاّٰ مٰا عَلَّمْتَنٰا إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ.
و بعد هذا نتسائل عن حقيقة الأسماء التي تعلّمها آدم، فالمعروف أنّ الاسم هو ما يعرف به الشيء، و لكن ما المراد به في آية الخلافة؟
هنا توجد أربعة احتمالات هي:
1 - أن يكون المراد بها هو أسماء اللّه سبحانه أي ألالفاظ.
2 - أنّ يكون المراد بها هو المفاهيم الذهنية لتلك الأسماء، فما حصل هو إلقاء تلك المفاهيم في ذهن آدم عليه السّلام.
3 - إنّ المراد بها الأعيان الخارجية الحاكية عن اللّه سبحانه و تعالى.
4 - إنّ المراد بها أسماء المخلوقات.
و الاحتمال الأوّل لا يتم، ذلك أنّ اللغات و الألفاظ لم تكن قد وضعت آنذاك.
و الاحتمال الثاني لا يتم، لأنّ المفاهيم الذهنية غير قابلة للنقل و الإنباء.
و الاحتمال الرابع لا يتم، لأنّ ما ورد على الاحتمال الأول يرد عليه أيضا.
فيتعيّن الاحتمال الثالث، فيكون المراد من تلك الأسماء هي الأسماء العينية الحسنى كما يساعد عليه تعبير الإنباء في قوله تعالى: أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلاٰءِ و قوله تعالى: أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمٰائِهِمْ.
و من المحتمل أن تكون هذه الأسماء أسماء اللّه تعالى من جهة و أسماء ما سواه من جهة اخرى، فإنّ «هؤلاء» الذين اظيفت الأسماء إليهم في الآية يتّصفون تارة بأنهم مظاهر لصفاه الحسنى و نعوته العليا، و اخرى بكونهم موجودات تختزن في داخلها كمالات المخلوقات على وجه أتمّ و أعلى. و على هذا الوجه فلا تعارض بين الروايات التي فسّرت الأسماء بكونها الجبال و الأودية و أمثال ذلك، و بين الروايات الاخرى التي فسّرتها بأنوار المعصومين و أرواحهم عليهم السّلام، و قد ورد في بعض الروايات وصف المعصومين بأنهم الأسماء الحسنى(1).
1) الكليني، محمد بن يعقوب الكافي: ج 1 /ص 197 ح 4، عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه عزّ و جل: وَ لِلّٰهِ اَلْأَسْمٰاءُ اَلْحُسْنىٰ فَادْعُوهُ بِهٰا قال عليه السّلام: «نحن و اللّه الأسماء الحسنى التي لا يقبل اللّه من العباد عملا إلاّ بمعرفتنا».
و لا ريب في أنّ الخلافة المجعولة في الآية ليست مختصّة بشخص آدم عليه السّلام، بل هي خلافة نوعية؛ و ذلك لأنّ الملائكة قالوا: أَ تَجْعَلُ فِيهٰا مَنْ يُفْسِدُ فِيهٰا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمٰاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ و هو قول ينسجم مع وجود كثرة في الأفراد و واقع مستمر و متواصل بنحو يفهم منه أنّ الخلافة لا تختصّ بآدم و إنّما تشمل غيره، و يلاحظ في جواب اللّه سبحانه على استفهام الملائكة أنّه لم ينف حصول القتل و الفساد في ذرّية آدم، و إنّما أجاب بقوله سبحانه: إِنِّي أَعْلَمُ مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ و هو قول يفهم منه أنّ الخلافة لا تشمل الأفراد الذين سير تكبون القتل و الفساد، و أنها لابدّ و أن تكون خاصة بمن يسبّح اللّه و يقدّسه، و عليه تكون الخلافة مجعولة لآدم كنوع لا كشخص، و آدم النوعي هو المعصوم الذي تلقّى العلم الشهودي و نال الخلافة بنصّ إلهي، و عليه فالخلفاء من بعدهأو بتعبير آخرأنّ الأفراد الآخرين لخطّ الخلافة الإلهية لابدّ و أن يكونوا من هذا النوع يحملوا هذه الخصائص، و أنّ في النوع الإنساني من سيحمل صلاحية الوصول الى هذا المقام الرفيع.
و ممّا سبق كلّه يتّضح لنا أنّ مقام الخلافة الإلهية يمثل ذروة الكمال الإنساني و منتهى الرفعة الإنسانى المنشودة.
و هناك روايات عديدة تؤيّد المعطيات التي استفدناها من آية الخلافة:
منها: ما رواه الصدوق بسندين عن الإمام الصادق عليه السّلام: «إنّ اللّه تبارك و تعالى علّم آدم عليه السّلام أسماء حجج اللّه كلّها ثم عرضهمو هم أرواحعلى الملائكة فقال: أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلاٰءِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ بأنّكم أحقّ بالخلافة في الأرض لتسبيحكم و تقدسيكم من آدم عليه السّلام قٰالُوا سُبْحٰانَكَ لاٰ عِلْمَ لَنٰا إِلاّٰ مٰا عَلَّمْتَنٰا إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ قال اللّه تبارك
و تعالى: أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمٰائِهِمْ فَلَمّٰا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمٰائِهِمْ وقفوا على عظيم منزلتهم عند اللّهتعالى ذكرهفعلموا أنّهم أحقّ بأن يكونوا خلفاء اللّه في أرضه و حججه على بريّته، ثم غيبهم عن أبصارهم و استعبدهم بولايتهم و محبّتهم و قال لهم: أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ مٰا تُبْدُونَ وَ مٰا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ»(1).
و في تفسير العياشي عن أبي العباس عن أبي عبد اللّه عليه السّلام سألته عن قول اللّه:
وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا، ماذا علّمه؟ قال: «الأرضين و الجبال و الشعاب و الأودية» ثم نظر الى بساط تحته فقال: «و هذا البساط ممّا علّمه»(2).
و في تفسير العياشي أيضا عن داود بن سرحان العطار قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فدعا بالخوان فتغذّينا ثم جاءوا بالطست و الدست سنانه، فقلت:
جعلت فداك، قوله: وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا الطست و الدست سنانه منه؟ قال:
«الفجاج و الأودية» و أهوى بيده: كذا و كذا(3)
و في هامش البحار استظهر كون الصحيح في العبارة: «ثم جاءوا بالطشت و الدست شويه» في الموضعين، و على كلّ فالكلمة فارسية و معناها الاناء المعدّ لغسل اليد.
و الفجاج جمع فج، و هو الطريق الواضح بين الجبلين، و في بعض النسخ و المصادر وردت كلمة «العجاج»، و هو الغبار.
الدست من الثياب ما يلبسه الإنسان و يكفيه لتردّده في حوائجه.
.و فيه أيضا روايات اخرى تقرب ممّا ذكر، و كذا في تفسير القمّي(4).
1) الصدوق، محمّد بن علي، كمال الدين: ج 1 /ص 14.
2) العياشي، محمّد بن مسعود، تفسير العياشي: ج 1 /ص 51، انظر كذلك: البحراني هاشم الحسيني تفسير البرهان: ج 1 /ص 75 /ح 9، و كذلك المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار: ج 1 /ص 146-147.
3) تفسير العياشي: ج 1 /ص 51، انظر كذلك البحراني/هاشم الحسيني/تفسير البرهان: ج 1 /ص 75 /ح 11 كذلك المجلسي محمّد باقر، بحار الأنوار: ج 11 /ص 147.
4) القمي، علي بن إبراهيم، تفسير القمي، ج 1 /ص 45.
آية المباهلة وَ إِذِ اِبْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قٰالَ إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً قٰالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قٰالَ لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي اَلظّٰالِمِينَ (البقرة: (124)
انطوت هذه الآية الكريمة على بيان جوانب مهمة من نظرية الإمامة، و قبل التعرّض لهذه الجوانب يحسن بنا بيان معاني بعض المفردات الأساسية التي وردت في الآية.
فقد ورد فيها الابتلاء: وَ إِذِ اِبْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ... الخ و هو و البلاء بمعنى واحد، يقال: بلوته و ابتليته بكذا، أي أوقعته في أمر ليظهر ما يخفى من صفاته، و غالبا ما تكون الغاية من الابتلاء هي اكتشاف الجهات الكامنة من حقيقة الشيء، و يقرب من معناه الاختيار و الامتحان و الفتنة، إلاّ أنّ الغاية المذكورة لا تصدق على اللّه سبحانه، فما يقوم به من الابتلاءات لعباده ليس لغرض اكتشاف حقيقة العبد، لأنّ اللّه سبحانه لا يخفى عليه شيء، و لا تخفى عليه خافية في الأرض و لا في السماء، و إنّما لغرض إبراز حال العبد و إظهار ماكمن في نفسه و كشف الستار عنها. و هذه هي غاية أصل النشأة الإنسانية، حيث قال تعالى: اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيٰاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(1)، و قال تعالى: إِنّٰا جَعَلْنٰا مٰا عَلَى اَلْأَرْضِ زِينَةً لَهٰا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(2)، و قال تعالى: وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ اَلْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنٰا تُرْجَعُونَ(3).
و الكلمات جمع كلمة، و هي ما يتكلّم به، و تطلق على اللفظ المفرد، و على
الجملة، و على ما هو أكثر منها أيضا، فيقال: «كلمة رئيس الجمهورية» و يراد بها الخطاب الذي يلقيه. و كما تطلق على اللفظ الحاكي للمعنى كذلك تطلق على المعنى المحكي باللفظ أيضا، و قد استعملت في القرآن الكريم في كليهما، فمن الاستعمال في الحاكي قوله تعالى: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوٰاهِهِمْ(1)، و من الاستعمال في المحكي قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اَللّٰهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ(2)، و أطلقها القرآن الكريم على بعض الموجودات الخارجية بغض النظر عن كونها مدلولة لألفاظ معينة كما في قوله تعالى: إِنَّمَا اَلْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اَللّٰهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقٰاهٰا إِلىٰ مَرْيَمَ(3). و يوجد في توجيه ذلك الإطلاق و الاستعمال احتمالان:
أوّلهما: إنّ كلّ موجود ممكن بما أنّه مخلوق له تعالى ليس إلاّ نفس كلمة كن الإيجاديّة، كما قال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسىٰ عِنْدَ اَللّٰهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرٰابٍ ثُمَّ قٰالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(4).
ثانيهما: إنّ الممكنات و المخلوقات مظاهر وجود اللّه سبحانه، فهي معربة و حاكية عنه كما يحكي و يعرب اللفظ عن المعنى، و بالتالي فهي بمثابة الكلمة من هذه الجهة.
و ورد في الآية أيضا لفظ الإمام و هو من يؤتمّ به، يقال: أمّ القوم إذا تقدّمهم،
و كأنه مأخوذ من الإمام بالفتح بمعنى القدّام، فالأصل في معناه ما يكون أمام الشيء و قدّامه، و من هنا استعمله القرآن الكريم في معنى الطريق كما في قوله تعالى: وَ إِنَّهُمٰا لَبِإِمٰامٍ مُبِينٍ(1). كما أطلقه على الكتاب التكوينيّ كما في قوله تعالى: وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنٰاهُ فِي إِمٰامٍ مُبِينٍ(2)، و الكتاب التشريعي السماوي كما في قوله تعالى: وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتٰابُ مُوسىٰ إِمٰاماً وَ رَحْمَةً(3).
و أيضا أطلقه على قائد القوم في الهدى أو الضلال، و مثال الهدى قوله تعالى:
وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا (4)، و مثال الضلال قوله تعالى: وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى اَلنّٰارِ(5).
و بعد بيان معنى المفردات الأساسية التي وردت في الآية، نأتي لاستطلاع حقيقة الإمامة الإبراهيمية من جهات ثلاث:
1 - دور الإبتلاء في الإمامة:
لقد بيّنت الآية أن للإمامة دورا في الإمامة: وَ إِذِ اِبْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قٰالَ إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً و المراد بالكلمات و إن احتمل أن يكون إمّا هو
هو الأوامر الإلهية الموجّهة لإبراهيم عليه السّلام و الحاوية لتكاليف هامّة، أو متعلقات تلك التكاليف، و قد أطلق عليها القرآن تسمية «الكلمات» باعتبار كونها محكية لكلامه تعالى أو أنها امور وجدت بكلمة «كن» الإيجادية، إلاّ أنّ الأظهر هو أنّ المراد بها هو البلايا و المحن التي تعرض لها إبراهيم عليه السّلام في حياته كالإلقاء في النار و الإضطرار للهجرة و الأمر بذبح ابنه و ما اخذ عليه من العهود في الصبر على ذلك، يقول تعالى في قصّة ذبح إسماعيل: إِنَّ هٰذٰا لَهُوَ اَلْبَلاٰءُ اَلْمُبِينُ(1).
فالمراد بإتمام الكلمات في قوله: فَأَتَمَّهُنَّ هو الإتيان على الوجه التامّ.
حيث إنّ الكلمات بمثابة حوادث ناقصة قام إبراهيم عليه السّلام بإتمامها عندما طبّقها و عمل بمقتضاها، فيكون ضمير «أتمّهنّ» راجعا الى إبراهيم عليه السّلام، و إذا جعلنا الضمير راجعا الى «ربّه» فيكون معنى الإتمام هو إكمال الاختبار و الامتحان، أو منح التوفيق لإبراهيم للعمل بمقتضى الإرادة الإلهية.
و لكن على ما استظهرناه من تفسير الكلمات بالبلايا و المحن التي عاشها إبراهيم يكون معنى الإتمام هو الصبر على ذلك و العمل بمقتضى الإرادة الإلهية، قال تعالى: وَ جَعَلْنٰا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا لَمّٰا صَبَرُوا(2).
و يتحصّل ممّا مضى أن الابتلاء هو عملية تأهيل لمقام الإمامة السامي، و أنّ العمل بما يلزم في البلية كان شرطا ضروريا للفوز بهذه الكرامّة العظمى.
2 - مكانة الإمامة بالقياس الى النبوّة:
و بعد أن إتّضح لنا دور الابتلاء في الإمامة و فوز إبراهيم عليه السّلام بهذا المقام الرفيع و أنّه إنّما نال إبراهيم عليه السّلام تلكا لخطورة الكبرى بعد أن نجح في امتحانه الرائع، الذي أثبت أهليّته عليه السّلام لها و انّه كان الصبر على كلفة الامتحان مقدّمة للصبر على تحمّل أعباء الإمامة، نحاول أن نستوحي من الآية ما يبيّن لنا حقيقة الإمامة و مكانتها بالقياس الى النبوّة، و إذا أردنا التحقيق في المسألة وجدنا الاحتمالات المتصوّرة في المسألة هي خمسة احتمالات:
1 - أن تكون الإمامة هي نفس النبوّة.
2 - أن تكون مقاما تشريعيا دون مقام النبوّة.
3 - أن تكون مقاما تشريعيا فوق مقام النبوّة.
4 - أنتكون مقاما تكوينيا من مراتب القرب الى اللّه تعالى كالصلاح و الإخلاص و ما أشبههما.
5 - أن تكون مقاما تكوينيا فوق مقام النبوة، هو القدرة على تكميل النفوس و إيصالها الى غاياتها، و هو في الحقيقة نوع من الوساطة في الفيض و العطاء الإلهي.
و نأتي الآن لدراسة و تمحيص هذه الاحتمالات، و اختيار الاحتمال الذي تؤيّده الأدلة أكثر من غيره، أو تعيّنه من بينها دون غيره.
أمّا الاحتمال الأوّل: فلا يساعد عليه الاعتبار، ذلك أنّنا عرفنا أنّ إبراهيم عليه السّلام منح الإمامة بعدما حصل له من الاختبار و الامتحان و الابتلاء، الذي تبيّن عبارة «فَأَتَمَّهُنَّ» مدى شدّته و صعوبته، و يؤيّد ذلك من أنّه المقرّر في علم النحو أنّ
اسم الفاعل لا يعمل في المفعول إلاّ إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، و اسم الفاعل في الآية هو «جاعل» و مفعوله «إماما» و الزمن الذي تتحدّث عنه الآية هو ما بعد إتمام الكلمات و الابتلاءات، فلابدّ و أن يكون زمن الجعل بعد ذلك، و ليس من المعقول أن يكون جعل الإمامة قبل الابتلاء، إذ يصبح الابتلاء لاغيا لا معنى له حينئذ، هذا كلّه من جهة.
و من جهة اخرى نجد أن الامتحان و الاختبار جاء في زمن نبوّة إبراهيم، أي أنه كان نبيّا ثم جرت عليه تلك الامتحانات، فلمّا اتمهنّ منح الإمامة. و الدليل على ذلك هو الفرق الزمني بين الآيات التي تحدّثت عن نبوّة إبراهيم و الآيات التي تحدّثت عن أمامته، ففي زمن نبوّته كان فتى يافعا قال تعالى: قٰالُوا سَمِعْنٰا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقٰالُ لَهُ إِبْرٰاهِيمُ(1)و كان له أب، قال تعالى: وَ اُذْكُرْ فِي اَلْكِتٰابِ إِبْرٰاهِيمَ إِنَّهُ كٰانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا... يٰا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جٰاءَنِي مِنَ اَلْعِلْمِ مٰا لَمْ يَأْتِكَ...(2)بينما أشارت آيات إمامته الى كبر سنه و ما كان لديه من الأبناء، فحينما منح الإمامة تساءل عن استمرارها في ذريّته بقوله: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي ممّا يدل على وجود أبناء له آنذاك، و إذا جمعنا بين هذا القول و القول الآخر: اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ اَلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى اَلْكِبَرِ إِسْمٰاعِيلَ وَ إِسْحٰاقَ(3)تبيّن أنه منح الإمامة في أواخر عمره، بل إنّ آية اخرى أشارت الى أن البشارة بالأبناء جاءت في زمن متأخّر من حياته، فحينما دخلت عليه الملائكة و هي في طريقها الى قوم لوطحينما جاءت لإهلاكهمو بشّرته
بحصول الأبناء له تعجّب من هذه البشارة قائلا: أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلىٰ أَنْ مَسَّنِيَ اَلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ(1)، و كانت هذه البشارة بعد رسالته و إيمان لوط به، إذ قال تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَ قٰالَ إِنِّي مُهٰاجِرٌ إِلىٰ رَبِّي(2)، و قال تعالى: وَ قٰالَ إِنِّي ذٰاهِبٌ إِلىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ اَلصّٰالِحِينَ * فَبَشَّرْنٰاهُ بِغُلاٰمٍ حَلِيمٍ(3). و تؤكّد هذا المعنى روايات كثيرة تدلّ على ذلك بصراحة و وضوح.
من كلّ ذلك يتحصّل أن الإمامة حصلت لإبراهيم عليه السّلام بعد إيمام الامتحان من جهة، و أن الإمتحان حصل في زمن النبوّة من جهة اخرى، و نتيجة الجمع بين الجهتين أنّ الإمامة منحت له بعد النبوّة، و هذا يعنى أنّ النبوّة غير الإمامة و ليست نفسها.
و الاحتمال الثاني: لا يتمّ أيضا، لأنّ منح الإمامة بعد النبوّة يكشف عن كون الإمامة مقاما أرفع من النبوّة، خاصة مع وضوح أنها اعطيت له بعد تعرضه لأنواع الاختبارات و الامتحانات و الابتلاءات، فلو لم تكن مقاما أرفع من النبوّة لما كان لهذه الاختبارات حكمة و معنى.
و الاحتمال الثالث: لا يصحّ، لأنّ الآية صرّحت بوجود غرض اجتماعي من الإمامة، و ذلك قوله تعالى: قٰالَ إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً فيفهم من أنّ الإمامة ليست شأنا روحيا عباديا فرديا خاصا، و إنّما هو شأن اجتماعي و مقام مدني «جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ» فينحصر الأمر في الاحتمالين.
الرابع: و هو أن تكون الإمامة مقاما تشريعيا فوق النبوّة.
و الخامس: و هو أن تكون الإمامة مقاما تكوينيا فوق النبوّة، و معنى المقام التشريعي المذكور وجوب اتّباع النبيّ في جميع أقواله و أفعاله، ذلك أنّ النبوّة و الرسالة لا تتطلبان في ذاتهما الاقتداء بالنبيّ و الرسول في جميع الحركات و الأعمال، و غاية ما تفرضانه هي الطاعة و الاستماع لما يبلّغ للناس من دعوة و رسالة، اللهمّ إلاّ أن يأتي دليل آخر غير الدليل الدالّ على النبوّة أو الرسالة فيدل على وجوب الاتّباع العملي، مثل قوله تعالى: وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ رَسُولٍ إِلاّٰ لِيُطٰاعَ بِإِذْنِ اَللّٰهِ(1). و قوله تعالى: لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ(2)فدليل النبوّة يثبت وجوب إمتثال بلاغات النبوّة و أوامرها، و لا يتعدّى الى وجوب متابعة النبيّ في كلّ أفعاله و أقواله، و هذا الوجوب الثاني يحتاج الى أدلة خاصّة و مقام خاص و هو مقام الإمامة، و حينئذ فالآيات الدالّة على لزوم طاعة النبي صلّى اللّه عليه و اله تكون دالّة في الوقت نفسه على حيازته على مقام الإمامة.
و الإمامة التكوينية تعني أن الإمام واسطة لإيصال الهداية لمن هو أهل لها، فهناك هداية تشريعية موجّهة للمؤمن و الكافر معا، و هناك هداية تكوينية يختصّ بها المؤمن و يكون الإمام واسطة في إيصالها إليه.
و قد تبيّن أخيرا أنّ أمر الإمامة يدور بين أن تكون مقاما تشريعيا فقط، أو مقاما تكوينيا بعد الفراغ من كونها مقاما فوق النبوّة(3).
و ممّا يؤيّد الاحتمال الأخير أن في سورة الأنبياء جعل الهداية التكوينية من آثار الإمامة، حيث قال عزّ من قائل: وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا(1)فإنّ الهداية في هذه الآية ليست من قبيل إراءة الطريق و إيضاح الهدف لإتمام الحجّة كما هو شأن النبيّ المنذر، و ذلك لأنّ الأمر هو قوله تعالى كن الذي لا يتخلّف عنه وجود المأمور، فالهداية بالمر هداية موصلة الى المطلوب لا تتخلّف عنه، فهي أمر فوق النبوّة و مقتضياتها التشريعية، و من هنا نفهم أنّ من خصائص الإمامة الهداية التكوينية، التي تعني إيصال النفوس المستعدّة الى الهداية التي تنشدها، و أنّ الأئمة وسائط تؤثر أثرها في النفوس بأمر اللّه سبحانه، كما هو عمل الملائكة الذي يكون بأمره تعالى، يقول سبحانه: وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ(2).
و بتعبير آخر: أنّ مقام الإمامة مقام ظاهره التشريع و باطنه التكوين، بمعنى أنّ ظاهر الآية الشريفة: أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا هو إثبات مقام تشريعي للإمام يستلزم أن يكون قوله و فعله و تقريره حجة مطلقا على الخلق، و باطنها إثبات مقام تكويني للإمام، و من خواص هذا المقام التكويني جريان الهداية الإلهية على يديه، و لا يوجد أيّ تناف بين المعنيين التشريعي و التكويني، لأنّهما مترتّبان طوليان، أي أحدهما يقصد و يراد بعد الآخر، كما هو الشأن في استفادة المعاني من الآيات و بطونها المتعدّدة ذات الوجوه المتنوّعة التي لا يؤدّي الأخذ
بأحدها الى بطلان الوجوه الاخرى.
و هكذا يقودنا البحث الى اختيار الاحتمال الخامس، و خلاصته: أنّ الإمامة مقام فوق النبوّة و أنّه مقام تشريعي و تكويني معا، و يكفي لإثبات صفته التشريعية إطلاق عنوان و وصف الإمامة على شخص، فإنّ معنى هذا العنوان هو حجية أقوال و أفعال و تقريرات ذلك الشخص في جميع الامور التشريعيّة ممّا يتعلّق بالإنسان و مسيرته الكماليّة، و إلاّ أصبح عنوان الإمام بالنسبة له فاقدا لمعناه، بخلاف عنوان النبوّة الذي لا يستلزم في ذاته هذا المعنى، و إنّما قد يضاف إليه بأدلة اخرى كما مرّ، أمّا الصفة التكوينية فقد مرّ معناها و إثباتها بآية:
وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا.
3 - شرط العصمة في الإمامة و هو المستفاد من ذيل الآية: قٰالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قٰالَ لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي اَلظّٰالِمِينَ و هذا المقطع من الآية يعدّ من الموارد القرآنية التي بيّنت مدى إهتمام إبراهيم عليه السّلام بأبنائه و عنايته الشديدة بهم، فتارة نجده يستوهب اللّه سبحانه ذرّية صالحة: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ اَلصّٰالِحِينَ(1)و اخرى يدعو أن تكون ذرّيته امّة مسلمة للّه، و ذلك في دعاء مشترك له مع ولده إسماعيل عند بناء البيت العتيق: رَبَّنٰا وَ اِجْعَلْنٰا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنٰا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ(2)و ثالثة يطلب منه سبحانه أن يجنّبه
و بنيه عبادة الأصنام: وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنٰامَ(1).
و في آية الإمامة التي نحن بصددها نجده يؤكد هذه السيرة، فما أن تلقّى البشارة بجعله إماما حتى بادر إلى التساءل عن إمكانية إعطائها لذرّيته، أو بتعبير آخر تساءل عن مدى استحقاقهم له، و هل أنهم سيبلغون هذه الرتبة أم لا؟ فجاءه الجواب: لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي اَلظّٰالِمِينَ بصيغة قانون سماوي صارم يدل على أنّ الإمامة عهد إلهي، الغرض منه إقرار الحقّ و العدالة في الأرض، و لذا فإنّه لا ينال الظالمين و ليس بإمكانهم الوصول إليه، إذ كيف يطلب من الظالم إقرار الحقّ و العدالةو من الطبيعي أن يبلغ الاحتياط و التحفّظ لحرمة الإمامة و وظيفتها الإلهية الأخلاقية درجة عالية بحيث يمتدّ مفهوم الظالم المذكور في الآية الى كلّ من ارتكب ظلما و لو بحقّ نفسه فقط و لم يتعدّ على حدود الآخرين و حقوقهم.
و الملاحظ في جواب اللّه سبحانه على سؤال إبراهيم عليه السّلام أنه جاء إمّا ردّا على بعض ما سأل، أو تعيينا لما أهمل، أو تنبيها له على ما أغفل، و لعلّ الاحتمال الثاني هو الأقرب للاعتبار و هو أنّ إبراهيم عليه السّلام أهمل تخصيص السؤال بالصالحين من ذريّته، فجاء الجواب بتعيّن الإمامة فيهم دون غيرهم، و يمكن إرجاع هذه الاحتمالات بعضها الى بعض، و حينئذ لا تبقى ثمرة لهذا التشقيق.
و تبعا للأئمة عليهم السّلام تمسّك الإمامية منذ العهد الأوّل بهذه الآية الإثبات عصمة الإمام كشرط لازم لإمامته، لصراحتها في عدم أهلية الظالم لهذا المقام السامي، و لا ريب في أنّ من أظهر مصاديق الظلم الشرك باللّه و عبادة غيره، حيث قال
1) إبراهيم: 35.
تعالى: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(1)و أنّ إطلاق اَلظّٰالِمِينَ شامل لكلّ ظلم سواء كان على الغير أو على النفس، و كلّ معصية صغيرة أو كبيرة ظلم لا يصلح مرتكبه لهذا المقام الشامخ، و قد ذكر أعلام الإمامية وجوها و تقريبات عديدة لتوضيح دلالة الآية على لزوم أن يكون الإمام معصوما قبل أن يناله عهد الإمامة، و فيما يلي بعض هذه الوجوه:.
1 - إنّ سؤال إبراهيم عليه السّلام الإمامة لبعض ذريّته لا بدّ و أن يقبل واحدا من أربعة إحتمالات: فالمقصود بالإمامة أمّا أن يكون ظالما طيلة حياته، أو في الفصل الأخير منها، أو أنّه تلبّس بالظلم فترة من حياته ثم تاب، أو أنّه رجل منزّه عن الظلم طيلة حياته. و الاحتمال الأوّل لا يتوقّع صدوره من شيخ الأنبياء إبراهيم عليه السّلام بحيث يطلب الإمامة لفرد ظالم طيلة حياته، و كذا الاحتمال الثاني، لما فيه من انحراف الامم و الأجيال و ضلالهم و نقض الفرض، فيبقى الأمر مردّدا بين الاحتمالين الثالث و الرابع، فجاءت آية الإمامة لتنفي الاحتمال الثالث، فيبقى الأمر محصولا في الاحتمال الرابع، و هو خلوّ الإمام من الظلم طيلة حياته، و هو معنى العصمة.
2 - إنّ قانون: لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي اَلظّٰالِمِينَ جاء جوابا على سؤال إبراهيم الإمامة لبعض ذرّيته ليؤكد أنّ دعاء إبراهيم لن يستجاب في الظالمين منهم، و من الواضح أنّ القانون المذكور يتحدّث عن المستقبل، و أن إطلاق وصف الظالم إنّما هو بملاحظة حال تلبّسه و قيامه بالظلم لا خصوص حال صدور هذا
1) لقمان: 13.
الخطاب لإبراهيم عليه السّلام، و أنّ الإمامة عهد ينزل من اللّه تعالى فيجري فيمن كان قابلا له، و يلحق من كان لائقا به، من ارتكب الظلم في بعض حالات حياته، فقد إنطبق عليه عنوان الظالم، و من أنطبق عليه عنوان الظالم فقد فقد بذلك صلاحيّة نيل عهدهتعالى له، و هو مقام الإمامة.
3 - إنّ بالإمكان تقسيم الأوصاف الى قسمين: قسم لا يكفي حصولها في وقت ما لبقاء صدقها على صاحبها بل يجب استمرارها و تواصلها كوصف العالم و العادل، و قسم آخر يكفي في صدقها على صاحبها حصولها فيه و صدورها منه و لو في آن من الحياة كوصف الوالد و القاتل.
و عندما نلاحظ خصوصيات مقام الإمامة و جوّ الآية نجد أنّ وصف الظالم يلحق بالقسم الثاني دون الأوّل، و ذلك لاستقرار سيرة العقلاء على التحفّظ الشديد في مجال منح المناصب السياسية و الاجتماعية الهامّة، و عدم الاكتفاء بملاحظة الحالة الحاضرة للأشخاص المرشّحين لها، بل التأكيد أيضا على ملاحظة السوابق السلوكية و الفكرية لهم، فمن ثبتت له سابقة سلوكية أو فكرية سيئة منع من الوصول الى المناصب الحسّاسة، حتى لو كانت سيرته الحاضرة مقبولة، و ربّما لوحظت الحالة السابقة في أغراض أقل، من ذلك كالزواج، كلّ ذلك بسبب الاعتقاد بأنّ الماضي يؤثر في الحاضر بطريق ما، شعوري، أو لا شعوري، كما هي الفكرة السائدة الآن في علم النفس الحديث.
و حينئذ فمن الطبيعي أن يبلغ الاحتياط و التحفّظ الدرجة القصوى في موضوع كالإمامة، الذي هو من أخطر المناصب على الإطلاق، و هو الذي يحدّد سعادة الامة أو شقاءها، استقامتها أو انحرافها، و الدرجة القوصى هي العصمة.
4 - إنّ الآية كشفت عن سنّة إلهية في مجال إعطاء العهود و المناصب الإلهية، و هي تؤكد أنّ هذه العهود لن تعطى إلاّ لمن له رادع داخلي عن الظلم و الطغيان، و ليست الإمامة سلعة تعطى ثم تستردّ عند ظهور عدم صلاحية حاملها و صدور الظلم و الطغيان عنه، و إنّما تعطى لمن هو مأمون عن ذلك بنحو حتمي، مثلها في ذلك مثل النبوّة، و لا يحصل الأمن و الاطمئنان الأكيد إلاّ إذا وجدت ملكة نفسية عاصمة و قوّة قلبية فائقة، و هي ما تحتاج الى بنية خاصة و شرائط تكوينية مساعدة و ملكات تصونه عن الخطأ و الانحراف، و ليس ذلك إلاّ العصمة.
و بعد بيان هذه الوجوه الأربعة، نلاحظ أنّ نسبة العهد إلى اللّه سبحانه تؤكد على أنّه أمر لا دخل للناس فيه، و أنه تعيين إلهي لا انتخاب و لا اختيار للامّة فيه.
و هذه الوجوه الأربعة إنّما تقام لإثبات شرط العصمة في الإمامة عن طريق القرآن لمن لا يعتقد بإمامة أهل البيت عليهم السّلام و حجّية كلامهم، أمّا المذعن لإمامتهم و المعتقد بحجية كلامهم فهو في غنى عن هذه الوجوه، لورود روايات كثيرة عنهم عليهم السّلام، تفسّر الآية بما قلناه و تبطل إمامة كلّ من عبد صنما، و أنّه لا يمكن أن يكون السفيه الذي رغب عن ملّة إبراهيم إماما للمتّقين، فقد ورد في مصادر الإمامية مسندا عنالإمام الصادق عليه السّلام: «إنّ اللّه تبارك و تعالى اتّخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتّخذه نبيا، و أن اللّه اتّخذ نبيّا قبل أن يتّخذه رسولا، و أن اللّه اتّخذه رسولا قبل أن يتّخذه خليلا، و أن اللّه اتّخذه خليلا، و أنّ اللّه اتّخذه خليلا قبل أن يجعله إماما، فلمّا جمع له الأشياء قال: إنّي جاعلك للناس إماما، قال فمن عظمها في عين إبراهيم، قال: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قٰالَ لاٰ يَنٰالُ عَهْدِي
اَلظّٰالِمِينَ قال: لا يكون السفيه إمام التقي»(1).
و ورد مثله عن الإمام الباقر عليه السّلام أيضا(2).
بل ورد عن طرق السنّة أيضا ما يؤكد المعنى الذي ذكرناه، فعن أبي الحسن الفقيه ابن المغازلي الشافعي مسندا عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «أنا دعوة إبراهيم» قلنا: يا رسول اللّه! و كيف صرت دعوة أبيك إبراهيم؟ قال: «أوحى اللّه عزّ و جل إلى إبراهيم، إنّي جاعلك للناس إماما، فاستخفّ إبراهيم الفرح، قال: و من ذرّيتي أئمة مثلي؟ فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه، أن يا إبراهيم إنّي لا اعطيك عهدا لا أفي لك به قال: يا ربّ ما العهد الذي لا تفي لي به؟ قال: لا اعطيك لظالم من ذرّيتك عهدا، قال إبراهيم عندها: وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنٰامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ اَلنّٰاسِ. قال النبي صلّى اللّه عليه و اله: «فانتهت الدعوة إليّ و إلى عليّ لم يسجد أحد منّا لصنم قطّ فاتّخذني اللّه نبيّا و اتّخذ عليّا وصيّا»(3).
1) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي ج 1 /ص 230-231 /ح 2-4، انظر كذلك المجلسي، محمّد باقر، مرآة العقول: ج 2 /ص 285-286، و كذلك البحراني، السيد هاشم الحسيني، غاية المرام: ج 11 /ص 272، نقلا عن الشيخ الحويزي عبد علي بن جمعة في نور الثقلين: ج 1 /ص 102 /ح 342، و عن الشيخ المفيد في أماليه و لكني لم أعثر عليه في النسخة المطبوعة من أمالي الشيخ المفيد.
2) الحويزي، عبد علي بن جمعة، نور الثقلين: ج 1 /ص 102 /ح 343.
3) ابن المغازلي الشافعي، علي بن محمد، مناقب علي بن أبي طالب: ص 276-277.
آية اولي الأمر يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللّٰهِ وَ اَلرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً (النساء: 59)
تساهم هذه الآية الكريمة في تشييد جانب من نظرية الإمامة و مدرسة الولاية في القرآن الكريم، و أوّل ما يتبادر منها في هذا المجال ما تنطوي عليه من الإشارة الى وجود منصبين يتمتّع بهما الرسول صلّى اللّه عليه و اله، و ينبغي التمييز بينهما و هما:
1 - منصب النبوّة و إبلاغ الشريعة و الرسالة الى البشرية، قال تعالى: وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ(1).
2 - منصب النبوّة و إبلاغ الشريعة و الرسالة الى البشرية، قال تعالى: وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ(2).
و يركّز القرآن الكريم على ضرورة إطاعة الرسول صلّى اللّه عليه و اله في كلا المجالين، و يؤكد على كونها طاعة للّه سبحانه، و قد استعمل القرآن أربعة أساليب في التعبير عن ذلك هي:
1 - اسلوب الجمع بين طاعة اللّه و الرسول، و هو الشافع في القرآن الكريم مثل: وَ أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ اَلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(3)، قُلْ أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ اَلرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ
اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ اَلْكٰافِرِينَ (1)، وَ أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(2)، وَ أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَللّٰهُ خَبِيرٌ بِمٰا تَعْمَلُونَ(3).
2 - اسلوب عطف طاعة الرسول على طاعة اللّه، مثل قُلْ أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ(4)، أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ لاٰ تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ(5)، أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ.
3 - اسلوب الاقتصار على طاعة الرسول، مثل: أَقِيمُوا اَلصَّلاٰةَ وَ آتُوا اَلزَّكٰاةَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(6).
4 - اسلوب إرجاع طاعة الرسول الى طاعة اللّه، مثل: مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اَللّٰهَ(7).
و قد بيّنا في الفصل السابق أنّ آيات النبوّة و الرسالة لا تدل بنفسها على لزوم طاعة الرسول، و أقصى ما تدل عليه هو لزوم طاعة النبوّة و الرسالة الإلهية، و من هنا جاءت آيات طاعة الرسول لتسدّ هذا الفراغ و تعالج هذا الجانب، و من أجل ترسيخ ذلك و تأكيده تنوّعت أسالب القرآن في بيانه، فتارة تأمر بطاعة الرسول فقط كما في الاسلوب الثالث، و اخرى ترجع طاعة الرسول الى طاعة
اللّه سبحانه كما في الاسلوب الرابع، و ثالثة تجمع بين الطاعتين في بيان واحد كما في الاسلوب الأوّل، و رابعة تعطف طاعة الرسول على طاعة اللّه كمافي الاسلوب الثاني.
ولدى التأمّل في هذه الآيات نجد أنها تدل على ما قلناه أوّلا من وجود منصبين للرسول صلّى اللّه عليه و اله: أحدهما: النبوّة و إبلاغ الرسالة و الأحكام، و ثانيهما:
الإمامة و قيادة المجتمع و الدولة، ذلك أنّ الأمر بطاعة الرسول يدل على أنّه مكلّف بوظائف اجتماعية و سياسية، بحيث يتطلب أداؤها و إنجازها طاعة المسلمين له و خضوعهم لرأيه، و ليس ذلك ألاّ منصب الإمامة و القيادة و الولاية، و لو لم يكن له ذلك لكان الأمر بطاعته خاليا من المعنى، لأنّ أدلة النبوة و الرسالة تكفّلت بلزوم طاعة الرسول فيما يبلّغه من أحكام و شرائع، فما معنى ورود أدلّة جديدة تطالب بطاعة الرسول و تجعلها صنوا لطاعة اللّه؟
لقد اعتقد بعض المفسّرين أنها تأكيد للأدلة السابقة، و لكنّ الصحيح أنها جاءت لتفصل بين المنصبين المذكور للنبيّ، و تؤكد على ضرورة طاعة النبي صلّى اللّه عليه و اله في منصف الولاية و الإمامة، و أن طاعته في هذا المنصب كطاعته في منصب الآخرالنبوّة و الرسالةتعود الى طاعة اللّه سبحانه و تعالى، و هذا المعنى يتجلّى أكثر في اسلوب عطف الأمر بطاعة الرسول على الأمر بطاعة اللّه بتكرار كلمة أَطِيعُوا و هو الاسلوب الذي تكرّر في القرآن خمس مرات(1)، خاصّة فيآية اولى الأمر التي نحن بصددها حيث خصّت اللّه سبحانه بطاعة، و جمعت بين النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و اولي الأمر بطاعة اخرى، ممّا يدل على أنّ الآيات التي تأمر
1) و هي: النساء: 59، المائدة: 92، النور: 54، التغابن: 12، محمّد: 33.
بطاعة الرسول ناظرة الى منصب إمامته و ولايته.
و بالنتيجة تكون الآيات الآمرة بطاعة اللّه ناظرة الى منصب النبوّة و الرسالة، باعتبار أنّ طاعة اللّه إنّما تتجسّد في اتّباع شريعته، التي جاء بها الرسول صلّى اللّه عليه و اله، و يتأكد هذا المعنى أكثر إذا لا حضنا أنّ اتّباع الشريعة و اطاعة الأحكام الإلهية إنّما هي في الحقيقة طاعة للّه سبحانه، و لا يمكن اعتبارها طاعة للنبي، إلاّ بنحو من المجاز و المسامحة، و ذلك لأنّ الشريعة المتّبعة و الأحكام المطبقة إنّما هي أوامر اللّه و نواهيه.
و بالتالي فإنّ طاعتها إنّماهي طاعة اللّه سبحانه، و لا تصحّ نسبة الطاعة الى النبي صلّى اللّه عليه و اله إلاّ عندما تكون هناك أوامر و نواه صدرت عن النبي صلّى اللّه عليه و اله، بلسان الحكومة و الولاية لا بلسان تبليغ الأحكام و الشرائع الإلهية، و هذا هو مغزى تكرار كلمة أَطِيعُوا في الآية، و ليس معنى عطف «أُولِي اَلْأَمْرِ» على الرسول إلاّ الإشارة الى منصب مشترك بين الرسول و اولى الأمر، و هو منصب الحكومة و الولاية.
و بعد هذا كلّه نعود الى الآية مرة اخرى لنستفيد منها شيئا جديدا، حيث نلاحظ أن الآية تدرّجت من طاعة اللّه سبحانه الى طاعة الرسول صلّى اللّه عليه و اله و من طاعة الرسول الى طاعة اولي الأمر، هذا من جهة.
و من جهة اخرى نحن نعلم أنّ طاعة العبد للّه إنّما هي طاعة مطلقة لأوامر و نواه معصومة، و اتّباع لشريعة لا يتطرّق إليها الباطل بنحو من الأنحاء، و إذا لاحظنا الآيات الآمره بطاعة الرسول خاصة الآيات من الاسلوب الأوّل:
وَ أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ و الآيات من الاسلوب التي ترجع طاعة الرسول الى طاعة اللّه سبحانه: مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اَللّٰهَ أمكننا التوصّل الى عصمة الرسول صلّى اللّه عليه و اله. و هذا مقتضى العينية الموجودة بين الطاعتين، و بتعبير آخر أن ترشّح طاعة الرسول عن طاعة اللّه سبحانه، يكشف عن وصول فيض العصمة الإلهيّة الى السدّة النبويّة.
ثم إذا لاحظنا آيات الاسلوب الثاني التي تعطف طاعة النبي صلّى اللّه عليه و اله على طاعة اللّه، خاصة آية اولى الأمر التي نحن بصددها و التي جمعت بين اولي الأمر و بين الرسول بطاعة واحدة و بنحو يفهم منه أن الآية بصدد النظر الى عنصر مشترك و منصب واحد بين الرسول و اولي الأمر، و هو منصب الولاية و الحكومة، إذا نظرنا الى هذه الآية أمكننا التوصّل الى عصمة اولي الأمر أيضا، ذلك أننا إذا كنّا قد توصلنا الى عصمة الرسول من خلال اتحاد طاعته مع طاعة اللّه سبحانه، فلا شك أن اتّحاد طاعة الرسول مع طاعة اولي الأمر يكشف عن عصمة اولي الأمر أيضا، و هكذا يترشّح فيض العصمة من اللّه الى النبيّ، و من النبيّ الى اولي الأمر، ممّا يستتبع ترشّح لزوم الطاعة عبر هذه السلسلة أيضا، فتجب طاعة اولي الأمر لوجوب طاعة الرسول، و تجب طاعة الرسول لوجوب طاعة اللّه سبحانه.
و ممّا يؤيد استفادة عصمة اولي الأمر من الآية امور ثلاثة هي:
1 - إنّ اللّه سبحانه أمر بطاعة اولي الأمر من جهة و نهى عن اتّباع خطوات الشيطان من جهة اخرى، فلو لم يكن ولي الأمر معصوما كان اتّباعه في موارد خطأه اتّباعا للشيطان، و لا يمكن الأمر بشيء قد نهي عنه لأنه يلزم منه الضدّان:
الوجوب و الحرمة.
2 - إنّ الأمر بطاعة اولي الأمر في الآية، جاء مطلقا كالأمر بطاعة اللّه و الرسول، و هذا الاطلاق لا ينسجم إلاّ مع القول بعصمة اولي الأمر، لأنّ غير المعصوم قد يأمر بمعصية فتحرم طاعته فيها، و هذا يتنافى مع إطلاق الأمر باطاعة.
و قد يقال: بأنّ الآية مقيّدة بقيد منفصل مستفاد من دليل آخر، مثل قوله تعالى: قُلْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَأْمُرُ بِالْفَحْشٰاءِ(1)و قول الرسول صلّى اللّه عليه و اله: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»(2)و بذلك يرتفع إشكال التضادّ.
و لكن هذا القول لا يتمّ، لأنّ القرآن جعل طاعة الرسول صلّى اللّه عليه و اله بمنزلة طاعة اللّه، و حينئذ فكما أنّ طاعة اللّه لا تقبل التقييد و التخصيص، كذلك طاعة الرسول لا تقبل التقييد و التخصيص، و لذا لا نستطيع القول بأنّ قوله تعالى: مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اَللّٰهَ مقيد بقوله صلّى اللّه عليه و اله: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» و ذلك للتنافي بين القولين، و بالتالي عدم صلاحية الكلام الثاني لتقييد الكلام الأوّل:
فإنّ الكلام الأوّل يدل على صحة أوامر الرسول صلّى اللّه عليه و اله و مطابقتها لأوامر اللّه سبحانه بينما يدل الكلام الثانيإذا اعتبر قيدا للآيةعلى إمكان صدور المخالفة من الرسول صلّى اللّه عليه و اله.
و ما قيل في الرسول يقال أيضا في اولي الأمر، فكما أنّ إطلاق الأمر بطاعة الرسول لا يقبل التقييد كذلك إطلاق الأمر بطاعة اولي الأمر لا يقبل التقييد،
لأنّ الآية: أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ جعلت اولي الأمر و الرسول بمنزلة واحدة، و حينئذ يبقى الأمر بطاعة اولي على إطلاقه و ممتنعا عن التقييد، ممّا يدل على عصمة اولي الأمر المقصودين بالطاعة.
3 - إنّ الآية في سياق تعظيم الرسول و اولى الأمر و إعطاء درجة واحدة من اللزوم و النفوذ لأوامرهما، و هذا السياق بحدّ ذاته ينفي إمكانية تخصيص أو تقييد طاعة اولي الأمر في ما عدا المعاصي، لأنّ تعظيم المعاصي قبيح، و لأنّ التقييد و التخصيص، إذا كان ممكنا سرى الى أوامر النبي صلّى اللّه عليه و اله، و لم يقف عند حدود اولي الأمر لظهور الآية في وحدة درجة النفوذ و اللزوم في أوامرهما، و حيث لا يمكن تقييد طاعة النبي صلّى اللّه عليه و اله فلا يمكن تقييد طاعة اولي الأمر أيضا، و لو كان التقييد ممكنا لظهر ذلك في الآية نفسها، لأنّ القرآن الكريم التزم بالتقييد في ما هو أدنى من شأن الإمامة و أقل حاجة الى التقييد، كما في قوله تعالى عند التعرّض لبرّ الوالدين: وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ لِتُشْرِكَ بِي مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاٰ تُطِعْهُمٰا(1).
و قد اعترف الفخر الرازي في تفسيره بدلالة الآية على عصمة الرسول و اولي الأمر، فقال في المسألة الثالثة في ذيل الآية: إعلم أنّ قوله: وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ يدل عندنا على أن اجماع الامة حجة، و الدليل على ذلك أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة اولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، و من أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم و القطع لا بدّ و أن يكون معصوما عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر اللّه بمتابعته، فيكون ذلك أمرا
1) العنكبوت: 8.
بفعل ذلك الخطأ، و الخطأ لكونه خطأ منهيّ عنه، فهذا يفضي الى اجتماع الأمر و النهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد و إنّه محال، فثبت أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة اولي الأمر على سبيل الجزم، و ثبت أنّ كلّ من أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوما عن الخطأ، فثبت قطعا أنّ اولي الأمر المذكور في الآية لا بدّ و أن يكون معصوما»(1).
و قال في موضع آخر:
«... فكان حمل الآية على الاجماع أولى، لأنّه أدخل الرسول و اولي الأمر في لفظ واحد، و هو قوله: أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ... فكان حمل أُولِي اَلْأَمْرِ الذي هو مقرون بالرسول على المعصوم أولى من حمله على الفاجر الفاسق..»(2).
و هذا الرأي اعتمده النيشابوري في تفسيره(3)و كذلك الشيخ محمّد عبده على ما حكاه مقرّر بحثه في المنار بقوله: «فأهل الحلّ و العقد من المؤمنين إذا أجمعا على أمر من مصالح الامةإلى أن قال -: طاعتهم واجبة و يصحّ أن يقال:
هم معصومون في هذا الاجتماع»(4)و إن أضاف إليه المقرّر ما يوهم خلافه، فراجع.
و يتلخّص من كلّ ما مرّ أن الآية تدل على عصمة اولي الأمر المقصودين
بالطاعة، و لكن قد يرد اشكال على هذا الاستدلال و هو: أنّ تعبير مِنْكُمْ الوارد في الآية ربّما جاء للتنبيه على أنّ اولي الأمر المقصودين بالطاعة هم أفراد من هذه الامة ليست لهم أيّة مزيّة على سائر الأفراد كالعصمة و غيرها.
و لكن هذا الاشكال غير تام، لأنّ تعبير مِنْكُمْ في الآية نظير تعبير مِنْهُمْ في قوله تعالى: هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ(1)فكما أنّ كون الرسول فردا من هذه الامة لا ينفي وجود صفة زائدة فيه، فكذلك كون اولي الأمر أفرادا من هذه الامة لا ينفي وجود صفة زائدة فيه، فكذلك كون اولي الكلمة هو العكس تماما، و هو إثبات المزيّة لهم، فكأنّ الآية تريد إشعار الامة بأن كون هؤلاء أفراد منكم لا يعني مساواتكم لهم، بل هناك مزايا فيهم توجب طاعتكم لهم.
ما هي صلاحيات اولي الأمر؟ و ما هي دائرة نفوذهم في المجتمع الإسلامي؟
يمكن استفادة الجواب من خلال ذيل الآية: فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللّٰهِ وَ اَلرَّسُولِ و الجواب الذي يمكن استفادته منها هو أحد الرأيين التاليين:
1 - إنّ وظائف وليّ الأمر تنحصر في تشخيص الموضوعات و معالجتها.
2 - إنّ وظائف ولي الأمر تشمل الأحكام و الموضوعات معا.
و دليل الرأي الأوّل: أنّ كلمة «شيء» الواردة في الآية كموضوع للتنازع
1) الجمعة: 2.
تشير الى صلاحية و وظائف الرسول و اولي الأمر، و هي و إن كانت بظاهرها تعمّ كلّ ما تنازعت فيه الامّة و كان محلاّ للاختلاف فيما بينها، سواء كان من الأحكام أو القضايا، و المنازعات الحقوقية التي تحتاج الى الترافع و التحاكم، أو الموضوعات الخارجية التطبيقية و المسائل الإجرامية و التنفيذية، إلاّ أنّ الآية لمّا ذكرت الردّ الى اللّه و الرسول اقتصرت عليهما و لم تذكر معهما اولي الأمر، مما يفهم منه أنّ الشيء المقصود هو الأحكام الشرعية، التي يمتلك الرسول فيها حيثية التبليغ، الأمر الذي يوضّح بالتالي أنّ الأحكام الشرعية وظيفة خاصة بالرسول، و أنّ ما عدا ذلك كالقضاء و الولاية العامة على شؤون الدولة و المجتمع، هي وظائف مشتركة بين النبي صلّى اللّه عليه و اله و اولي الأمر.
و دليل الرأي الثاني: أنّ إطلاق: وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ يفهم منه وحدة دائرة النفوذ بين النبيّ و اولي الأمر، و بالتالي فكلّ ما كان وظيفة للرسول هو وظيفة لاولي الأمر إلاّ ما خرج بالدليل، و تخصيص ردّ الشيء المتنازع فيه بالرسول لا يدل على اختصاص الرسول بالأحكام الشرعية دول اولي الأمر، لأنّ السياق لا يفهم منه التخصيص، و إنّما هو من قبيل التمثيل لمن يرجع إليه في الأحكام و الموضوعات، و ليس من باب الحصر، و يؤيد ذلك قوله تعالى: وَ إِذٰا جٰاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ اَلْأَمْنِ أَوِ اَلْخَوْفِ أَذٰاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَلرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ(1)فإنّ الآية هنا اقتصرت على الرسول و اولي الأمر و لم تذكر لفظ الجلالة، و بالجمع بين الآيتين نفهم أنّهما بصدد بيان من له شأنية الحلّ و الإجابة عند المراجعة، فتذكران لفظ الجلالة و الرسول تارة،
1) النساء: 83.
و الرسول و اولي الأمر تارة اخرى، و هي في ذلك بصدد التمثيل لا الحصر، اللهمّ إلاّ أن يقال كردّ على هذا الوجه: إنّ آية الأمن و الخوف اقتصرت على ذكر الرسول و اولى الأمر، لأن موضوعها و هو الأمن و الخوف اقتصرت على ذكر الرسول و اولى الأمر، لأن موضوعها و هو الأمن و الخوف ممّا يرجع فيه الى ولاة الامور، و ذكر الرسول هنا بما له من الولاية و الحاكمية و ليس بخصوصية النبوّة و الرسالة، و قد أهملت ذكر لفظ الجلالة لأنّ اللّه لا يرجع إليه في مثل هذه الامور العادية الإجرائية، و هذا التأمل كما يضعف الرأي الثاني يؤكد الرأي الأوّل في المسألة أيضا.
وأخيرا نصل الى عقدة أساسية من البحث، و هي من هم اولو الأمر الذين تتحدّث عنهم الآية؟
في البدء لا بدّ من التوضيح بأنّ الأمر كلمة قد يراد بها الشأن، و قد يراد بها المعنى المقابل للنهي، و أولو الأمر جماعة من الامة لهم موقع متقدّم فيها، بحيث يمتلكون أمرها و يسيّرون شؤونها، و هذا المعنى واضح، و لكن من هم هؤلاء الولاة للامور الذين تتحدّث عنهم الآية؟ و هل كانوا موجودين على عهد الرسول أم أن الآية تتحدّث على نحو القضية الحقيقية(1)، فلا يشترط في صدق الآية وجود اولي الأمر في زمنّ صدورها، و إنّما هي أصدرت حكما على المسلمين في موضوع موجود فعلا و هو وجوب طاعة الرسول صلّى اللّه عليه و اله و أصدرت حكما آخر في موضوع مقدّر الوجود و هو وجوب طاعة اولي الأمر؟
1) القضية الحقيقية اصطلاح منطقي يراد به اصدار حكم بشأن موضوع ما، سواء كانت مصاديقه موجودة فعلا أو كانت معدومة لكنّها لوحظت مقدرة الوجود، مثل كلّ مسكر حرام، و تقابلها القضية الخارجية الناظرة الى مصاديق موجودة فعلا، مثل كلّ طالب في المدرسة مجدّ «معد الكتاب».
و الشيء الذي يمكن التوصل إليه هو أنّ استعمال اسم الجمع «أُولِي اَلْأَمْرِ» لا يلزم منه كون الآية ناظرة الى جماعة معينة موجودة في كلّ زمان و مكان، فربّما كان المقصود به آحادا من الامة يتولّون شؤونها واحدا بعد الآخر، كما هو الشأن في القضايا الحقيقية التي قد تصاغ بلسان الجمع و يراد بها الأفراد الموجودة فعلا، و التي ستوجد و لو بكيفية يكون وجودها واحدا بعد الآخر، و لهذا الاستعمال نظائر في القرآن الكريم كقوله تعالى: فَلاٰ تُطِعِ اَلْمُكَذِّبِينَ(1)و قوله تعالى: وَ لاٰ تُطِيعُوا أَمْرَ اَلْمُسْرِفِينَ(2)و قوله تعالى: إِنّٰا أَطَعْنٰا سٰادَتَنٰا وَ كُبَرٰاءَنٰا(3)ففي مثل هذه الآيات لا يفهم أنها ناظرة حتما الى جماعة كانوا مكذبين أو مسرفين أو كبراء، و لا مانع من أن تكون ناظرة الى آحاد يتقلّدون الأمر واحدا بعد واحد. نعم استعمال الجمع في فرد واحد شخصيعلى نحو القضيّة الشخصيّة خلاف الظاهرو لكن ليس الأمر هاهنا كذلك.
و على هذا الأساس ندرك المفارقة التي وقع فيها الفخر الرازي في تفسيره، عندما اعتقد أنّ المراد باولي الأمر لا بدّ و أن يكون جماعة و هيئة مكوّنة من عدّة أفراد، و بنى على ذلك حجية الاجماع الصادر عن أهل الحلّ و العقد من الامة، معتبرا عنه بإجماع الامة تارة و إجماع أهل الحل و العقد اخرى، كما آمن بعصمة اولي الأمر و هذه نقطة مشتركة بيننا و بينه إلاّ أنه لا يقصد باولي الأمر ما نقصده نحن، و عنده أنّ اولي الأمر هم أهل الحلّ و العقد من علماء الامة.
و يرد على هذا الرأي: أنّ القول بعصمة هؤلاء لا بدّ و أنّ يفسر بأحد
الاحتمالات التالية:.
1 - عصمة كلّ فرد منهم.
2 - عصمة الجماعة بما هي جماعة.
3 - إنّ المقصود بالعصمة ملازمة الصواب للجماعة عادة، نظير ملازمة صحة الخبر لبلوغ المخبرين عنه حدّ التواتر.
و الاحتمال الأوّل واضح البطلان، إذ يلزم منه أن تكون العصمة قد تحققت للافراد إمّا قبل دخولهم في الجماعة أو بعد ذلك، فإذا كانت عصمتهم قبل الجماعة فما هو الدليل على ذلك؟ و إذا كانت بعد الجماعة فهذا يعني القول بالاحتمال الثاني، و لذا لا يوجد قائل بعصمة أفراد أهل الحلّ و العقد.
و الاحتمال الثاني باطل أيضا، لأن الجماعة بما هي جماعة ليس لها وجود خارجي زائد عن وجود الأفراد، فما معنى نسبة العصمة لأمر اعتباري ذهني لا وجود خارجي له.
و الاحتمال الثالث لا يؤدّي الى العصمة، و إنّما يؤدّي الى ضآلة الخطأ في الآراء الصادرة عن أهل الحل و العقد، الى حدّ التسامح فيه و عدم الالتفات إليه، و هذا غير العصمة التي تعني عدم صدور الخطأ أصلا، و لو أن آراء أهل الحلّ و العقد معصومة دائما فهذا يعني عصمة كلّ النظم السياسية القائمة على الشورى و تداول الرأي، و قد يدعى أن عصمة أهل الشورى تحصل بتأييد إلهي و عناية من اللّه سبحانه و تعالى، و لكن هذا الادعاء باطل أيضا، فما أكثر الهيئات الاجتماعية و السياسية الإسلامية التي زلّت في قراراتها بما جرّ على المسلمين قديما و حديثا المحن و المآسي؟ و لو كان الإسلام قد أعطى مثل هذه المنزلة و الكرامة لجماعة الحلّ و العقد لشاهدنا تأكيد القرآن عليها و اهتمام النبي صلّى اللّه عليه و اله بها و لدارت حولها أسئلة كثيرة من المسلمين محاولين استيضاحها من النبي صلّى اللّه عليه و اله - كما تساءلوا عن كثير من الامور الأقل أهميّة و الأدنى درجة ممّا نحن فيه -
و لمّاتركت هذه المسألة غامضة مبهمة.
فكلّ هذه الاحتمالات باطلة لا أساس لها، و يتعيّن بالتالي ما قالت به الإمامية من أنّ المراد هم أفراد معصومون من هذه الامة منزّهون في أفعالهم و أقوالهم عن الخطأ و الزلل، أمّا معرفة هؤلاء فهي موكولة الى اللّه و رسوله، و قد عيّنتهم آيات مثل آية التطهير و آية الولاية: إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ...(1)، كما شخّصتهم أحاديث جمّة مثل حديث الثقلين، أوحديث الغدير، أو أحاديث اخرى فسّرت آية اولي الأمر بالأئمة الاثني عشر، و قد وردت من طرق الفريقين.
فمن طرق السنّة ما عن تفسير مجاهد: أنّ هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين عليه السّلام، حين خلّفه الرسول صلّى اللّه عليه و اله بالمدينة فقال: «يا رسول اللّه أتخلفني على النساء و الصبيان؟ فقال: يا أمير المؤمنين(2)أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى حين قال: اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ فقال اللّه: وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ قال: علي ابنأبي طالب ولاّه اللّه أمر الامة بعد محمد صلّى اللّه عليه و اله و حين خلّفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فأمر اللّه العباد بطاعته و ترك خلافه»(3).
عن إبراهيم بن محمّد الحمويني و هو من أعيان علماء العامة في حديث:
«قاليعني أمير المؤمنين عليه السّلام -: انشدكم اللّه أتعلمون حيث نزلت يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ و حيث نزلت: إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ و حيث نزلت... لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اَللّٰهِ وَ لاٰ رَسُولِهِ وَ لاَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً قال الناس: يا رسول اللّه أخاصّة في
بعض المؤمنين أم عامّة لجميعهم؟ فأمر اللّه عزّ و جلّ نبيّه صلّى اللّه عليه و اله أن يعلمهم ولاة أمرهم و أن يفسّر لهم من الولاية ما فسّر لهم من صلاتهم و زكاتهم و حجّهم فينصبني للناس بغدير خم، ثم خطب و قال: أيّها الناس أتعلمون أنّ اللّه عزّ و جل مولاي و أنا مولى المؤمنين و أنا أولى بهم من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: قم يا عليّ، فقمت فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه، فقام سلمان فقال: يا رسول اللّه، ولاء كماذا؟ فقال: ولاء كولايتي، من كنت أولى به من نفسه فعليّ أولى به من نفسه، فأنزل اللّه تعالى ذكره: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً فكبّر النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و قال:
اللّه أكبر تمام نبوّتي و تمام دين اللّه ولاية عليّ بعدي، فقام أبو بكر و عمر فقالا: يا رسول اللّه، هؤلاء الآيات خاصّة في عليّ، قال: بلى، فيه و في أوصيائي الى يوم القيامة. قالا: يا رسول اللّه بيّنهم لنا، قال: عليّ أخي و وزيري و وارثي و وصيّي و خلفتي في امتي و وليّ كلّ مؤمن بعدي، ثم ابني الحسن ثم الحسين ثم تسعة من ولد ابني الحسين واحدا بعد واحد، القرآن معهم و هم مع القرآن، لا يفارقونه و لا يفارقهم حتى يردوا عليّ الحوض، فقالوا كلّهم: اللهمّ نعم قد سمعنا ذلك و شهدنا كما قلت»(1). هذا ما ورد بطرق السنّة.
أما ما ورد عن الشيعة فروايات كثيرة متواترة.
منها: صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ:
أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ فقال: نزلت في عليّ بن أبي طالب و الحسن و الحسين، فقلت له: إنّ الناس يقولون: فما له لم يسمّ عليّا و أهل بيته في كتاب اللّه عزّ و جلّ؟ قال: فقال فقولوا لهم إنّ رسول لالّه صلّى اللّه عليه و اله نزلت عليه الصلاة لم يسمّ اللّه لهم ثلاثة و لا أربعا حتى كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله هو الذي فسّر لهم ذلك، و نزلت عليه الزكاة و لم يسمّ لهم من كل أربعين درهما حتى كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله هو الذي فسّر لهم ذلك، و نزل الحجّ فلم يقل لهم طوفوا
1) البحراني، السيد هاشم، غاية المرام: 264-265، باب 58 /ح 4، نقلا عن الحمويني في فرائد السمطين: ج 1 / ص 314-315.
اسبوعا حتى كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله هو الذي فسّر ذلك لهم، و نزلت أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ في عليّ و الحسن و الحسين فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: من كنت مولاه فعليّ مولاه، و قال: اوصيكم بكتاب اللّه و أهل بيتي فإنّي سألت اللّه عزّ و جلّ أن لا يفرّق بينهما حتى يوردهما عليّ الحوض فأعطاني ذلك، و قال: لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم، و قال: إنّهم لن يخرجوكم من باب هدى و لن يدخلوكم في باب ضلالة، فلو سكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فلم يبيّن من أهل بيته لادّعاها آل فلان و آل فلان»(1)الحديث.
و منها: عنجابر بن يزيد الجعفي قال: «سمعت جابر بن عبد اللّه الأنصاري أنّه سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فمن اولوا الأمر الذين قرن اللّه طاعتهم بطاعتك؟ فقال:
هم خلفائي يا جابر، و أئمة المسلمين بعدي، أوّلهم عليّ بن أبي طالب ثمّ الحسن ثمّ الحسين ثمّ علي بن الحسين ثمّ محمّد بن عليّ المعروف في التوراة بالباقر ستدركه يا جابر فإذا لقيته فاقرأه مني السلام، ثمّ الصادق جعفر بن محمّد ثم موسى بن جعفر ثمّ عليّ بن موسى ثمّ محمّد بن عليّ ثم علّ بن محمّد ثم الحسن بن علي ثم سميّي و كنيّي حجة اللّه في أرضه و بقيته في عباده ابن الحسن بن عليّ، ذاك الذييفتح اللّهتعالى ذكرهعلى يديه مشارق الأرض و مغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته و أوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامه إلاّ من امتحن اللّه قلبه للإيمان، قال جابر، قلت له: يا رسول اللّه فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال: إي و الذي بعثني بالنبوّة، إنّهم يستضيئون بنوره و ينتفعون بولائه في غيبته كانتفاع الناس بالشمس و إن تجلاّها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سرّ اللّه و مخزون علمه فاكتمه إلاّ عن أهله»(2). و قد روى هذا المضمون عن الفريقين متواترا.
آية الولاية إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ * وَ مَنْ يَتَوَلَّ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اَللّٰهِ هُمُ اَلْغٰالِبُونَ (المائدة: (3)
و من الآيات القرآنية ذات العلاقة بنظرية الإمامة هي آية الولاية، و سنحاول في الصفحات التالية استنطاقها و استنتاج بعض المعطيات منها.
الركوع هو الانحناء و انخفاض الرأس، و يستعمل للتواضع و التخضّع، و بمعنى انخفاض الحال و انحطاطها، قال في القاموس: «ركع الشيخ: انحنى كبرا أوكبا على وجهه، و افتقر بعد غنى، و انحطّت حاله، و كلّ شيء يخفض رأسه فهو راكع»(1).
و في المفردات: «الركوع: الانحناء، فتارة يستعمل في الهيأة المخصوصة في الصلاة كماهي، و تارة في التواضع و التذلّل إمّا في العباده و إمّا في غيرها»(2).
فيظهر من ذلك أنّ لفظ الركوع اريد به في بدء الأمر الانحناء الحسّي، ثمّ استعير في استعمالات معنوية كالتواضع و التذلّل و الافتقار بعد الغنى.
الظاهر من تتبّع في القرآن الكريم الظاهر من تتبّع موارد الاستعمال و كلمات اللغويّين أنّ الأصل في معنى الولاية هو القرب و الدنوّ، و يلازمه الاتّصال و التأثير، و قد يقارنه التصرّف
و التدبير و المحبّة و النصرة.
قال في أساس البلاغة: «وليه وليا: دنا منه، و أوليته إيّاه: أدنيته»(1).
و في القاموس: «الولي: القرب و الدنو... و الولي اسم منه و الحبّ و الصديق و النصير»(2).
و قال الراغب في المفردات: «الولاء و التوالي أن يحصل شيئان فصاعدا ليس بينهما ما ليس منهما، و يستعار ذلك للقرب من حيث المكان و من حيث النسبة و من حيث الدين و من حيث الصداقة و النصرة و الاعتقاد»(3).
و كما اتظهرنا في مفردة «الركوع» نستظهر في مفردة «الولاية» أيضا أنّ مادة الكلمة وضعت أوّل مرة للقرب الحسّي، ثمّ توسّع فيها فاستعملت في المعنويات و المعقولات، ذلك أن الغرض من وضع الألفاظ هو التفاهم و التعبير عن الإحساسات و المشاعر و الأفكار التي في ذهن المتكلّم و نقلها الى السامع، و لا ريب أن معرفة الإنسان بالمحسوسات متقدّمة على معرفته بالمعقولات، فلا بد أن تكون الألفاظ المستعملة في المعقولات قد استعملت في الوهلة الاولى في المحسوسات، ثمّ حصل توسّع في الاستعمال فأصبحت تستعمل في المعقولات أيضا.
و هكذا، فالولاية لفظ وضع للقرب الحسّي، ثم توسّع في الاستعمال فصار يشمل المعقولات و المعنويات، و القرب غير الحسّي قد يكون حقيقيا كقرب العلّة من المعلول. و قد يكون اعتباريا تمّ اعتباره لغرض التوصّل الآثار
المترتّبة عليه، كما هو الشأن في المفاهيم الاعتبارية.
و يستعمل القرب في الزمان و المكان و الوجود الحقيقي و المنزلة الاعتبارية، و له في جميع هذه الحالات معنى واحد، لأنّ تعدّد الاستعمال لا يوجب تعدّد المعنى، و كذلك الولاية لها معنى واحد يسري في حالات و موارد متعدّده و مصاديق مختلفة، و يمكن تمييز المصاديق بعضها عن البعض الآخر بالقرائن و المناسبات التي تحفّ بالكلام أو حال المتكلم، فمثلا إذا لوحظ القرب بين فردين مشتركين في اسرة واحدة كان الوليّ بمعنى ذي الرحم و الوارث، و إذا لوحظ بين شخصين كلّ منهم أجنبي عن الآخر أفاد معنى الصديق و الناصر و المعين، و إذا لوحظت ضمن ذلك مزيّة زائدة لأحدهما على الآخر أفاد القرب هنا معنى ولي الأمر و المتصرّف بالتدبير كالسيد بالنسبة للعبد و وليّ الطفل، و قد يلاحظ بين شخص و مجتمع فهنا يفيد معنى الحكومة و تدبير الأمر لا غير، و هو يستلزم الودّ و العون بين الحاكم و المحكوم، و لكن ذلك لا يعني أنّ المراد بالقرب هو العون و الود، لأنّ العون و الود أمر يستلزمه القرب في كلّ موارد الاستعمال المذكورة.
و قد استعملت الولاية بمشتقاتها المختلفة في القرآن الكريم فقد استعمل «الوليّ» و «الوالي» و «المولى» في اللّه تعالى، و سمّى الملائكة «أولياء» المؤمنين، و سمّى الطاغوت و الشياطين «أولياء» الكافرين، و ذكر أنّ المؤمنين بعضهم أولياء بعض، و كذلك الظالمين، و نهى المؤمنين عن اتّخاذ الكافرين «أولياء»، و حجب «ولاية» المؤمنين عن الذين لم يهاجروا من المؤمنين مع الأمر بنصرهم عند الاستنصار، و استعمل «الوليّ» أيضا في الوارق و وليّ الدم و الصديق.
و إليك نماذج من الآيات الكريمة التي وردت فيها مادة
«الولاية» و مشتقاتها.
اَللّٰهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا (1)وَ اَللّٰهُ وَلِيُّ اَلْمُتَّقِينَ (2)وَ مٰا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وٰالٍ (3)وَ مٰا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاٰ نَصِيرٍ (4)وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (5)ذٰلِكَ بِأَنَّ اَللّٰهَ مَوْلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ اَلْكٰافِرِينَ لاٰ مَوْلىٰ لَهُمْ (6)هُنٰالِكَ اَلْوَلاٰيَةُ لِلّٰهِ اَلْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوٰاباً وَ خَيْرٌ عُقْباً (7)أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيٰاءَ فَاللّٰهُ هُوَ اَلْوَلِيُّ (8)وَ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيٰاءَ مٰا نَعْبُدُهُمْ إِلاّٰ لِيُقَرِّبُونٰا إِلَى اَللّٰهِ زُلْفىٰ (9)مَثَلُ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللّٰهِ أَوْلِيٰاءَ كَمَثَلِ اَلْعَنْكَبُوتِ اِتَّخَذَتْ بَيْتاً (10)وَ لاٰ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيٰاءَ (11)، و قال سبحانه حكاية عن الملائكة: نَحْنُ أَوْلِيٰاؤُكُمْ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ فِي اَلْآخِرَةِ(12)، و قال عزّ و جلّ في الشياطين: إِنّٰا جَعَلْنَا اَلشَّيٰاطِينَ أَوْلِيٰاءَ لِلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ (13)وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيٰاؤُهُمُ اَلطّٰاغُوتُ (14)فَقٰاتِلُوا أَوْلِيٰاءَ اَلشَّيْطٰانِ إِنَّ كَيْدَ اَلشَّيْطٰانِ كٰانَ ضَعِيفاً ((15)
يٰا أَبَتِ إِنِّي أَخٰافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذٰابٌ مِنَ اَلرَّحْمٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطٰانِ وَلِيًّا (1)وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ (2)إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ هٰاجَرُوا وَ جٰاهَدُوا بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ اَلَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ، وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهٰاجِرُوا مٰا لَكُمْ مِنْ وَلاٰيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّٰى يُهٰاجِرُوا، وَ إِنِ اِسْتَنْصَرُوكُمْ فِي اَلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ اَلنَّصْرُ إِلاّٰ عَلىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثٰاقٌ وَ اَللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ (3)وَ إِنَّ اَلظّٰالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ (4)لاٰ يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ (5)اَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ اَلْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ اَلْعِزَّةَ فَإِنَّ اَلْعِزَّةَ لِلّٰهِ جَمِيعاً (6)يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصٰارىٰ أَوْلِيٰاءَ، بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ، وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظّٰالِمِينَ * فَتَرَى اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسٰارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشىٰ أَنْ تُصِيبَنٰا دٰائِرَةٌ، فَعَسَى اَللّٰهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلىٰ مٰا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نٰادِمِينَ (7)يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَ لَعِباً مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ اَلْكُفّٰارَ أَوْلِيٰاءَ (8)لاٰ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيٰاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ (9)يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا آبٰاءَكُمْ وَ إِخْوٰانَكُمْ أَوْلِيٰاءَ إِنِ اِسْتَحَبُّوا اَلْكُفْرَ عَلَى اَلْإِيمٰانِ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولٰئِكَ هُمُ
اَلظّٰالِمُونَ (1)وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهٰاجِرُوا مٰا لَكُمْ مِنْ وَلاٰيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّٰى يُهٰاجِرُوا (2)فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (3)وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً (4)فَإِذَا اَلَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَدٰاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (5).
و إذا استنطقنا آية الولاية وجدناها تشتمل على عدة دلالات منها:
1 - إنّها لا تتحدّث عن ولاية بين أفراد متساوين بالدرجة، فهي ليست من قبيل: اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ الذي يفهم منه تبادل الولاية بالنحو الذي يدفعنا الى تفسيرنا بالنصرة المتبادلة، و إنّما تتحدّث عن ولاية فرد ممتاز على من سواه من الأفراد بدلالة اقتران ولاية اَلَّذِينَ آمَنُوا بولاية الرسول و ولاية اللّه من جهة، و توصيفهم بدرجة ممتاز من العبادة و التقوى يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ من جهة ثانية، و لذا لا يفهم من سياق الآية النصرة المتبادلة، بل و كما يفهم من ولاية الرسول على المؤمنون الحكومة و الإدارة كذلك يفهم من ولاية المؤمنين المقارنة لها، الحكومة و الإدارة الاجتماعية و السياسية أيضا.
2 - إنّ اقتران ولاية اَلَّذِينَ آمَنُوا بولاية اللّه و الرسول مشعر بكون الاولى امتدادا و استمرار للثانية و متفرّعة عليها، و من الطبيعي أن الفرع يحمل كلّ خصائص الأصل إلاّ ما خرج بالدليل، فتبقى ولاية اللّه هي الأصل و المنع، و ولاية الذين آمنوا فرع مستمدّ منها عبر واسطة هي ولاية الرسول صلّى اللّه عليه و اله، و ولاية اللّه مستقلّة ذاتية، و ولاية من عداه تابعة مكتسبة، و لا يوجد دليل يحدّد الولاية بمجال دون آخر، فيبقى الإطلاق ساريا في ولاية المؤمنين، فتكون ولاية تكوينية و تشريعية و سياسية كما هي ولاية اللّه و الرسول.
3 - إنّ الآية حصرت الولاية إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ بنوع خاص من الأفراد، و إذا لاحظنا نوع الولاية الذي اعطي لهم و هو الولاية السياسية و التشريعية و التكوينية من جهة، و ربطنا بين الآية و آية اولي الأمر الذين افترض اللّه طاعتهم و قرن طاعتهم بطاعته و طاعة رسوله من جهة ثانية، أدركنا أنه ليس المقصود من الآية إصدار حكم على نحو القضية الحقيقية باعطاء الولاية لكلّ من أقام الصلاة و أعطى الزكاة و هو راكع، و لو كان الأمر كذلك لتيسّرت الولاية للملايين من الطامعين و الانتهازيين، و إنّما هي بصدد الإشارة الى فرد معين بالخارج و آخرين بدرجته على نحو القضية الخارجية ممّن يستحقّون الدائرة الواسعة من الولاية بمجالاتها الثلاثة السياسية و التشريعية و التكوينية.
و بتعبير آخر: إنّ الآية إمّا أن تحمل على القضية الحقيقية أو على القضية الخارجية، و حملها على القضية الحقيقية متعذّر لأنه سيلزم منها حصول الولاية التشريعية و التكوينية إضافة الى السياسية لكلّ من اتّصف بإقامة الصلاة و إيتاء الزكاة راكعا، و هذا المعنى لا يمكن الأخذ به حتى على فرض تحقّق هذه الصفة صدقا و إيمانا لا نفاقا و لا رياءا، لأنّ الولاية التشريعية و التكوينية ليست من
الصفات المكتسبة، و إنّما هي من المراتب القريبة التي تحتاج الى جعل و تعيين شخصي قائم على أساس تشخيص مسبق باستحقاق الفرد المعيّن لأن يناله عهد اللّه و تمتدّ إليه قناة المسماء، فيكون ناطقا باسمها و معبّرا عما تريد و ما لا تريد، فيعطى هذه الولاية.
و حيث دلّت الآية على إتساع دائرة الولاية الى الولاية التشريعية و التكوينية و عدم اقتصارها على الولاية السياسية من جهة، و أنّ الولاية من هذا النوع مرتبة قربية غير مكتسبة تحتاج الى جعل و تعيين شخصي من جهة ثانية، لذا فإنّ حملها على القضية الخارجية هو المتعيّن، بأن يقال: إنّ الآية أشارت إلى فرد معين، و ليس غرضها اعطاء ضابطة كلية بحيث يكون كلّ من التزام بها مستحقا للولاية، بل غرضها الدلالة على ذلك الفرد و توجيه المسلمين نحوه، فمن هو ذلك الفرد الذي قصدته الآية و عبرت عنه ب: اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ...؟
من الواضح أنّ الآية لم تكشف عن الشخص المقصود بالولاية، و في مثل هذه الحالة لا بدّ لنا من الرجوع الى السنّة الشريفة التي تكفّلت ببيان مجملات الكتاب و تفاصيل الأحكام، قال تعالى: وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ(1).
و قد بيّن الرسول صلّى اللّه عليه و اله بأحسن بيان و أبلغ دلالة و أفضل طريقة بأنّ المراد
1) النحل: 44.
بالآية هو أمير المؤمنين عليه السّلام و أنّها نزلت بشأنه، و روى الفريقان ذلك في كتبهم الحديثية و التفسيرية و التاريخية بما لا يبقى معه شك أو ترديد، و شأن نزولها هو تصدّق الإمام علي عليه السّلام بخاتمه الشريف و هو راكع يصلّي في المسجد، و قد مدحه حسّان شاعر الرسول لأجل هذه المنقبة في أبيات نقلها مثل: الخطيب الخوارزمي في المناقب(1)و شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين(2)و صدر الحفّاظ الكنجي في الكفاية(3)و سبط بن الجوزي في التذكرة(4)و جمال الدين الزرندي في نظم درر السمطين(5)على ما حكاه العلاّمة الأميني في الغدير(6)و قد ذكرها الآلوسي في تفسيره(7)في ذيل الآية الشريفة، و أخرجها جمّ غفير من أئمة الحديث و التفسير و الكلام، منهم: أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره(8)و الطبري في تفسيره(9)و الرازي في تفسيره(10)و الخازن في تفسيره(11)
و الأبيات التي أنشأها حسّان في المناسبة المذكورة هي:
أبا حسن تفديك نفسي و مهجتي و كلّ بعيء في الهدى و مسارع -
عن عدّة من الصحابة و التابعين، و منهم من صرح بصحتها.1) الخطيب الخوارزمي، الموفق بنأحمد، المناقب: ص 186-187.
2) الحمويني، إبراهيم بن محمد، فرائد السمطين: ج 1 /ص 190.
3) الكنجي، محمد بن يوسف، كفاية الطالب: ص 228-229.
4) سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: ص 18-19.
5) الزرندي، محمد بن يوسف، نظم درر السمطين: ص 87-88.
6) الأميني، عبد الحسين، الغدير: ج 2 /ص 52-58.
7) الآلوسي، محمود، روح المعاني: ج 6 /ص 167.
8) حكى صاحب الغدير ذلك عنه في: ج 2 /ص 52 من الغدير.
9) الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان: ج 6 /ص 288.
10) الرازي، محمد بن عمر، التفسير الكبير: ج 6، ص 28.
11) الخازن، علي بن محمد، تفسير الخازن: ج 1، ص 496.
و قد أنهى صاحب الغدير أسماء الناقلين لهذه الروايات الى ستّة و ستين رجلا(1)، بينما قد تبلغ روايات الشيعة حدّ التواتر، و رغم كلّ ذلك تقرأ القلم الفاتر يقول: إنّ قصّة الخاتم و نزول الآية فيها موضوعة مختلقة باجماع العلماء(2)! فهل أنّه لا يعدّ هؤلاء الأكابر من الفريقين علماء؟ أم أنه لم يقف على كلماتهم و لم يطّلع على كتبهم و موسوعاتهم؟ قاتل اللّه العصبية فإنّها تعمي و تصم: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهٰا هٰؤُلاٰءِ فَقَدْ وَكَّلْنٰا بِهٰا قَوْماً لَيْسُوا بِهٰا بِكٰافِرِينَ(3).
إليك بعض ما ورد في الباب:
فعن السنّة روايات كثيرة:
منها: ما أخرجه الثعلبي في تفسيره باسناده عن أبي ذرّ الغفاري قال: أما إنّي صليت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يوما من الأيام الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا، فرفع السائل يديه الى السماء و قال: اللهمّ اشهد إنّي سألت في مسجد نبيّك محمد صلّى اللّه عليه و اله فلم يعطني أحد شيئا، و كان علي رضى اللّه عنه في الصلاة راكعا فأومأ إليه بخنصره اليمنى و فيه خاتم، فأقبل السائل فأخذ الخاتم من خنصره، و ذلك بمرأى من النبي صلّى اللّه عليه و اله و هو في المسجد، فرفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله طرفه الى السماء و قال: اللهمّ إنّ أخي موسى سألك فقال: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَ اُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسٰانِي،
يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَ اِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، هٰارُونَ أَخِي، اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي فأنزلت عليه قرآنا: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ، وَ نَجْعَلُ لَكُمٰا سُلْطٰاناً فَلاٰ يَصِلُونَ إِلَيْكُمٰا اللهم و أنّي محمّد نبيّك و صفيّك، اللهمّ و اشرح لي صدري، و يسّر لي أمري، و اجعل لي وزيرا من أهلي عليّا أشدد به ظهري، قال أبو ذر رضى اللّه عنه فما استتمّ دعاءه حتى نزل جبرئيل عليه السّلام من عند اللّه عزّ و جل قال: يا محمد اقرأ إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ(1).
و منها: ما ذكره الخوارزمي موفّق بن أحمد في جواب مكاتبة معاوية الى عمرو بن العاص أنّ عمرو بن العاص قال له:
«و قد علمت يا معاوية، ماانزل في كتابه في عليّ من الآيات المتلوّات في فضائله التي لا يشاركه فيها أحد، كقوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ و قوله تعالى:
إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ و قوله تعالى: أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ.. و قوله تعالى:
رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اَللّٰهَ عَلَيْهِ و قوله تعالى: قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ(2).
و قد روى ابن المغازلي في هذا المعنى أربع روايات(3).
و أمّا عن الشيعة فروايات كثيرة جدا نشير الى بعضها:
منها: ما رواه محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن
ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة و الفضيل بن يسار و بكير بن أعين و محمد بن مسلم و بريد بن معاوية و أبي الجارود جميعا عن أبيجعفر عليه السّلام قال: أمر اللّه عزّ و جل رسوله بولاية عليّ و أنزل عليه إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ و فرض من ولاية اولي الأمر، فلم يدروا ما هي، فأمر اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و اله أن يفسّر لهم الولاية كما فسّر الصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ، فلمّا أتاه ذلك من اللّه ضاق بذلك صدر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و تخوّف أن يرتدّوا عن دينهم و أن يكذّبوه، فضاق صدره و راجع ربّه عزّ و جل، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه:
يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ فصدع بأمر اللّهتعالى ذكرهفقام بولاية عليّ يوم غدير خم فنادى الصلاة جامعة، و أمر الناس أن يبلّغ الشاهد منهم الغائبقال عمر بن اذنية: قالوا جميعا غير أبي الجارودو قال أبو جعفر عليه السّلام و كانت الفريضة الاخرى، و كانت الولاية آخر الفرائض فأنزل اللّه عزّ و جل: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي قال أبو جعفر عليه السّلام: يقول اللّه عزّ و جل: «لا انزل عليكم بعد هذه فريضة قد أكملت لكم الفرائض»(1).
و منها: ما عن ابن بابويه، قال: حدّثنا عليّ بنحاتم رضى اللّه عنه قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني، قال: حدّثنا جعفر بن عبد اللّه المحمدي، قال: حدّثنا كثير بن عياش عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السّلام في قول اللّه عزّ و جل: إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا قال: إنّ رهطا من اليهود أسلموا منهم عبد اللّه بن سلام و أسد و ثعلبة و ابن يامين و ابن صوريا، فأتوا النبي صلّى اللّه عليه و اله فقال: يا نبيّ اللّه، إنّ موسى عليه السّلام أوصى
1) الكليني، محمد بن يعقوب، اصول الكافي: ج 1 /ص 349 /ح 4، كذلك غاية المرام: ص 107، باب 19 /ح 5.
الى يوشع بن نون؛ فمن وصيّك يا رسول اللّه؟ و من وليّنا بعدك؟ فنزلت هذه الآية إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: قوموا، فقاموا و أتوا المسجد، فإذا سائل خارج فقال: يا سائل ما أعطاك أحد شيئا؟ قال: نعم هذا الخاتم، قال: من أعطاكه؟ قال: أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلّي؛ قال:
على أي حال أعطاك؟ قال: كان راكعا، فكبّر النبي صلّى اللّه عليه و اله و كبّر أهل المسجد، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و اله عليّ وليّكم بعدي، قالوا: رضينا باللّه ربّا و بالإسلام دينا و بمحمّد نبيّا و بعليّ بن أبي طالب وليا، فأنزل اللّه عزّ و جلّ: وَ مَنْ يَتَوَلَّ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اَللّٰهِ هُمُ اَلْغٰالِبُونَ(1).
و روي عن عمر بن الخطاب أنّه قال: و اللّه تصدقت بأربعين خاتما و أنا راكع لينزل فيّ ما نزل في عليّ بن أبي طالب فما نزل(2).
و قريب من ذلك روايات كثيرة اخرى تظافر على نقلها أصحابنا الإمامية، مثل ما عن المفيد في الاختصاص(3)، و الطوسي في أماليه و مجالسه(4)، و العياشي في تفسيره(5)و الطبرسي في الاحتجاج(6)و غيرهم.
و هناك شبهات قد ترد على هذا التفسير لا بدّ من ذكرها و الإجابة عنها و هي:
الشبهة الاولى:
إنّ الآية جاءت في سياق يتنافى و هذا التفسير، و السياق هو نهي المؤمنين عن تولّي اليهود و النصارى و المسارعة إليهم، و لمّا كانت الولاية المنفية في هذا السياق هي ولاية النصرة و المعونة، لا بدّ أن تكون الولاية المأمور بها في الآية التي بعدها و هي آية: إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ... هي ولاية النصرة و المعونة أيضا، فالآية السابقة رفضت ولاية منحرفة خاطئة، و الآية اللاحقة طالبت بولاية مستقيمة صحيحة، و السياق يقتضي وحدة نوع الولاية المرفوضة مع الولاية المطلوبة، و بما أن الولاية المرفوضة هي ولاية المعونة و النصرة فالولاية المطلوبة لا بد أن تكون كذلك.
و هنا جوابان على هذه الشبهة.
الجواب الأوّل: إنّ وحدة السياق بين الآيتين غير محرزة و غير أكيدة، ذلك أن جلّ الروايات الواردة في شأن نزول الآية تدل على أنها نزلت بنحو مستقل عمّا قبلها، فلا يمكن التعويل على السياق في تفسير الآية، و لو قلنا بوحدة السياق بينما لزم من ذلك أن تكون ولاية النبي صلّى اللّه عليه و اله، هي ولاية نصرة و معونة، و حيث لا يساعد الأدب القرآني على عدّ الرسول مجرّد ناصر للمؤمنين، لكونه أعلى شأنا من ذلك، و أنّ تولّي المؤمنين له هو تولّي انقياد و تبعية، فلزم من ذلك أن تكون ولاية اَلَّذِينَ آمَنُوا.. المقرونة بولاية الرسول هي كذلك أعلى من
ولاية النصرة، و أن يكون تولّي المؤمنين لهم هو تولّي انقياد و تبعية، و ليس ذلك إلاّ الإمارة و الحكومة.
الجواب الثاني: إنّنا حتى لو آمنّا بوحدة السياق بين الآيتين فإنّ التفسير المختار لا يخلّ بها، بل يتناسب معها تماما، و ذلك لأنّ الولاية الولاية المرفوضة في الآية السابقة، هي ولاية المؤمنين للكفّار، و الولاية المطلوبة في الآية اللاحقة، هي ولاية اللّه و الرسول و الذين آمنوا، و الولاية في الحالتين تعني القرب و الدنوّ، حيث ذكرنا في ما سبق أنّ للولاية معنى واحد مشترك بين مصاديقها المختلفة يلازمه الاتّصال و التأثير. و مخالفة السياق إنّما تلزم إذا افترضنا...
الشبهة الثانية:
إنّ التفسير المختار للآية مبنيّ على أساس أنّ المقصود ب اَلَّذِينَ آمَنُوا هو الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و هذا الاسلوب من التعبير خلاف الظاهر، لأنّ الظاهر من لفظ الجمع اَلَّذِينَ آمَنُوا إرادة جماعة لا فرد واحد(1).
و الجواب: إنّنا نميّز بين حالتين: حالة اطلاق لفظ الجمع و إرادة الواحد، و حالة إعطاء حكم كلّي أو الإخبار بمعرّف جمعي في لفظ الجمع، لينطبق على من يصح أن ينطبق عليه، و إن لم ينطبق هذا العنوان في الخارج إلاّ على فرد واحد، و لم يجد له إلاّ مصداقا واحدا، و اللغة ترفض الحالة الاولى من الاستعمال و لا ترفض الحالة الثانية، التي هي حالة شائعة استخدمها القرآن مرات عديدة، و لم يحصل أن توقّف أحد من المفسّرين في أي منها، فلماذا ظهر التوقّف و الإشكال في هذا المورد دون باقي الموارد؟ و من تلك الموارد قوله تعالى:
1) ذكر هذه الشبهة عدد من علماء السنّة، منهم صاحب تفسير المنار في ج 6 /ص 442.
يَقُولُونَ نَخْشىٰ أَنْ تُصِيبَنٰا دٰائِرَةٌ (1)في الآية السابقة على آية الولاية من سورة المائدة، حيث استخدم القرآن لفظ الجمع مع أنّ القائلعلى ما رواه القومكان فردا واحدا هو عبد اللّه بن ابي، و كذلك هو المراد بقوله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنٰا إِلَى اَلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ اَلْأَعَزُّ مِنْهَا اَلْأَذَلَّ(2)و روي في قوله تعالى: تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ(3)أنّ المراد بذلك هو طالب بن أبي بلتعة، و قد عدّ العلاّمة الأميني في الغدير عشرين موردا قرآنيا من هذا القبيل(4).
و من جهةاخرى يلاحظ أيضا أنّ الروايات التي فسّرت الرواية بالإمام علي عليه السّلام، قد رواها عرب أقحاح، ممّن لم تختلط لغتهم بلغات و لهجات غير عربية، و لو كان هذا الإشكال واردا من الناحية اللغوية لالفت إليه هؤلاء الرواة قبل غيرهم، ممّن اختلطت ألسنتهم بألسنة غير العرب و لم يدركوا أساليب اللغة العربية بالدقّةالتي كان عليها اولئك الرواة.
و شيوع هذا الاسلوب في اللغة العربية يغنينا عن التماس المبرّر لاستعمال القرآن الكريم له في هذه الآية، و مع ذلك من الممكن القول: بأنّ القرآن الكريم قد استعمل هذا الاسلوب لدفع الأضغان، و ما تضمره بعض النفوس من العداء لأمير المؤمنين عليه السّلام، فجاء بعنوان جمعي من شأنه إثارة الرجاء لدى الآخرين في تحقق الولاية لهم، بالإيمان بما قام به الإمام علي عليه السّلام و إن كان القرار السماوي قد حصر الأمر بالإمام علي عليه السّلام دون سواه من صحابة الرسول، و الذي يدرس
الوضع الاجتماعي و السياسي الذي كان سائدا آنذاك و مقدار ما كانت تضمره نفوس الأعداء من الضغينة و الحقد للإمام علي عليه السّلام، يدرك مدى مقبولية هذا التحليل تاريخيا.
الشبهة الثالثة:
إنّ الظاهر من الآية و المتبادر منها عند إطلاق وصف إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ هو فعلية هذا الوصف، و حينئذ لو فسّرنا الآية بولاية عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، فستكون النتيجة هي تحقّق هذه الولاية منحين صدور الآية، و لم يقل بذلك أحد، و لا يستطيع أن يقوله لأنّ الوليّ آنذاك هو الرسول صلّى اللّه عليه و اله، فيلزم من ذلك أنّ الولاية المقصودة في الآية هي النصرة و المعونة، لا ولاية التدبير و الحكومة.
و جواب هذه الشبهة في ملاحظة استخدام الآية للفظ المفرد: إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ و إعلانها عن أنّ الولاية تكون لثلاثة هم: اللّه، الرسول، الذين آمنوا، و كأنّها بصدد بيان منبع الولاية و الحلقات المتسلسلة عنها، و المنبع هو اللّه سبحانه، و الحلقة الاولى النابعة عنه هي الرسول، و الحلقة الثانية النابعة عن الرسول هي اَلَّذِينَ آمَنُوا، و حينما يكون المشرّع الحكيم في سياق من هذا القبيل لا يفهم من كلامه فعلية الولاية لكلّ الحلقات في آن واحد، بل الذي يتبادر الى ذهن السامع هو مفهوم عام عن الولاية، فاذا نظر الى الواقع الخارجي و أراد تطبيق ذلك المفهوم عليهنظر الى تسلسل الحلقات و فهم حينئذ أولوية الحلقة السابقة بأن تكون فعلية دون الحلقة اللاحقة، فاذا فقدت الحلقة السابقة تحوّلت الفعلية الى الحلقة اللاحقة، و الحلقة السابقة هي ولاية الرسول صلّى اللّه عليه و اله التي كانت قائمة في زمن صدور الآية، و مع تحقّق ولاية الرسول فعلا تبقى ولاية: اَلَّذِينَ آمَنُوا موقفا
قانونيا مستقبليا، لا فعلية له في زمن حياة الرسول صلّى اللّه عليه و اله.
و بتعبير آخر: إنّ اللّه سبحانه فوّض الولاية للرسول و اولي الأمر مع حفظ التسلسل و الأولوية، ففي حياة الرسول صلّى اللّه عليه و اله لا ولاية لاولي الأمر، و إنّما تصبح ولايتهم نافذة و فعليةبعد وفاته صلّى اللّه عليه و اله.
و الآية و إن كان غرضها الواقعي هو الإشارة الى ولاية الإمام علي عليه السّلام بعد النبيّ على نحو القضية الخارجيةكما بيّنا من قبلإلاّ أنّها صاغت بيانها الظاهري على نحو القضية الحقيقية لتحقيق مقاصد، و لعلّ من هذه المقاصد دفع الضغائن و الأحقاد المضمرة في بعض النفوس على الإمام عليه السّلام كما أسلفنا، و لعلّ من هذه المقاصد أيضا دفع توهّم فعلية ولاية الإمام في زمن صدور الآية، لأنّ القضية الحقيقية غرضها بيان الضابطة القانونية، و لا تشترط تحقيق موضوع هذه الضابطة في الخارج، و حيث إنّ موضوع ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السّلام لا تحقّق له في زمن الرسول صلّى اللّه عليه و اله فلا يستظهر من الآية فعليّتهاإلاّ بعد وفاة الرسول، و تحقّق الموضوع الذي تنطبق عليه الضابطة القانونية.
و على أية حال، فمهما يكن السامع لكلام المشرّع الحكيم قليل الدراية، فإنّه مع ذلك لا يتصوّر بحقّه أن يفهم من الآية ظهور ولايتين قانونيتين في زمن واحد و مكان واحد لزعيمين و قائدين اثنين، و لا بدّ له من أن يستظهر الفعلية لواحدة منهما فقط، و لا بدّ أن تكون تلك هي ولاية الرسول صلّى اللّه عليه و اله.
الشبهة الرابعة:
إنّ اطلاق لفظ الزكاة على الصدقة المندوبة خلاف الظاهر، و التفسير
المختار للآية مبني على أنّ الإمام عليّ عليه السّلام قد تصدّق بالخاتم، و هي صدقة مندوبة لا تنسجم مع وصف الزكاة وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ المذكور في الآية.
و هذا الإشكال من أضعف ما قيل، لأنّ الزكاة المصطلحة في عرف المتشرّعة و المتديّنين إنّما هي اصطلاح مستحدث لم يجر عليه القرآن الكريم الذي استعمل الزكاة في معناها العاما لذي هو مطلق الإنفاق في سبيل اللّه، و قد استعمل القرآن الكريم هذا اللفظ في هذا المعنى العام قبل تشريع الزكاة، المصطلحة كفريضة من الفرائض، فقال تعالى: وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلاٰةِ وَ اَلزَّكٰاةِ مٰا دُمْتُ حَيًّا(1)و قال تعالى: وَ أَوْحَيْنٰا إِلَيْهِمْ فِعْلَ اَلْخَيْرٰاتِ وَ إِقٰامَ اَلصَّلاٰةِ وَ إِيتٰاءَ اَلزَّكٰاةِ(2)، و لا شك أنّ المقصود بالزكاة في هاتين الآيتين مطلق الإنفاق لوجه اللّه تعالى.
الشبهة الخامسة:
و قيل أيضا: لو أنّ الآية تدل على ولاية الإمام عليّ عليه السّلام لكانت وثيقةقانونية يستطيع أن يشهرها للاحتجاج على خصومه في كونه الأحقّ من غيره بالإمارة و الحكومة، و قد ذكر الرازي في تفسيره هذه الشبهة فقال: «و لو كانت هذه الآية دالّة على إقامته لاحتجّ بها، و ليس للقوم أن يقولوا إنّه ترك للتقية، فإنّهم ينقلون عنه أنّه تمسّك يوم الشورى بخبر الغدير و المباهلة و جميع فضائله و مناقبه، و لم يتمسّك البتة بهذه الآية»(3).
و جواب هذه الشبهة: إنّ الآيات و الأحاديث الدالّة على إمامة الإمام علي عليه السّلام كثيرة جدّا، و الاحتجاج على الخصوم لا يستلزم الإتيان بكلّ تلك الآيات
و الأحاديث، و من الممكن لصاحب الحقّ أن يحتجّ ببعض الأدلّة و يستغني عن الباقي، و أهل المنطق و ذوو الحجى يكتفون بدليل واحد إذا كان محكما، بينما يكابر الكابرون حتى لو وضع أمامهم ألف دليل و دليل. و هذا أوّلا.
و ثانيا: إنّه عليه السّلام قد احتجّ بهذه الآية مرارا، فقد روى أصحابنارضي اللّه عنهم - في حديث مناشدته لأبي بكر أنّه قال: «فانشدك باللّه، ألي الولاية من اللّه مع رسول اللّه في آية زكاة الخاتم أم لك؟ قال: بك لك»(1)و في حديث مناشدته يوم الشورى «فهل فيكم أحد أتى الزكاة و هو راكع فنزلت فيه إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ... غيري؟ قالوا: لا»(2).
آية التبليغ وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْكِتٰابِ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَكَفَّرْنٰا عَنْهُمْ سَيِّئٰاتِهِمْ وَ لَأَدْخَلْنٰاهُمْ جَنّٰاتِ اَلنَّعِيمِ * وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقٰامُوا اَلتَّوْرٰاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ سٰاءَ مٰا يَعْمَلُونَ * يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكٰافِرِينَ * قُلْ يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ لَسْتُمْ عَلىٰ شَيْءٍ حَتّٰى تُقِيمُوا اَلتَّوْرٰاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيٰاناً وَ كُفْراً فَلاٰ تَأْسَ عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْكٰافِرِينَ (المائدة: 65-(68)
و آية التبليغ هي إحدى الآيات التي تناولت قضية الإمامة و الولاية و أشارت الى مكانتها في التصوّر الإسلامي، و إذا أردنا التوصّل الى ذلك، فلا بدّ من تسليط أضواء كاشفة على الآية و ما قبلها و ما بعدها.
على فرض اتّحاد آية التبليغ بسياق واحد مع الآيات الثلاثة الحافة بها، فإنّ المستفاد من مجموعها هو تذكير النبيّ صلّى اللّه عليه و اله بأنّ أهل الكتاب لو أنّهم آمنوا و اتّقوا و عملوا بما انزل إليهم من الأحكام، لنالوا السعادة في الدنيا و الآخرة، أمّا سعادة الدنيا فوفرة النعم و نزول البركات من السماء، و أمّا سعادة الآخرة فمغفرة اللّه و رضوانه و جنّاته، إلاّ أنّ أكثرهم لم يتّقوا و لم يؤمنوا و عملوا السيئات.
و في هذا السياق تأتي آية التبليغ لتطلب من النبي صلّى اللّه عليه و اله أن يقوم بتبليغ ما انزل إليه و عدم الاعتناء بضلال أهل الكتاب، و لا بالعقبات التي توضع في طريق الرسالة، الذي لا يتوقع مجيء يوم عليه يكون فيه خاليا من تلك العقبات، فإذا استمر النبي صلّى اللّه عليه و اله في الانتظار فسوف لن يجد الفرصة التي يراها مناسبة للتبليغ و ستبقى بعض الأحكام بدون تبليغ، و لذا فإنّ عليه عدم الاعتناء بتلك العقبات، و الاعتصام بقدرة اللّه تعالى، الذي ضمن له رجوع كيد الأعداء الى نحورهم و إبطال مؤامراتهم.
ثم يترقّى الخطاب الى مستوى الهجوم و التحدّي لأهل الكتاب، فتطلب الآيات الكريمة من النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أن يعلن لهم أنّهم لا يملكون شيئا يبرّر لهم هذا التبجّح و الغرور الذي هم عليه، و أنهم لن يحظوا بشيء حتى يقيموا التوراة و الإنجيل، و يعملوا بما انزل إليهم من اللّه، و يدخلوا في الإسلام، و يؤمنوا بالنبوّة الخاتمة التي بشرت بها كتبهم.
و ضمن هذا السياق يكون المراد بقوله تعالى: مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هو الدين الإلهي و الرسالة الإسلاميد بمجموعها بلا نظر الى تشريع خاص وحكم معيّن، و قد يكون المراد به أمرا خاصا و لكنّه ليس كباقي الأوامر و الأحكام، و إنّما هو أمر ينطوي على خصوصيات فريدة بحيث لا تضمن مصلحة الرسالة و لامستقبلها بدونه، فكأنّ تبليغه تبليغ لكلّ الرسالة و عدم تبليغه عدم تبليغ لكلّ الرسالة، و من هنا جاءت خطورته، و حذّر النبي صلّى اللّه عليه و اله من أحابيل الأعداء و انتظار الفرصة المناسبة للإعلان عنه، فجاءت آية التبليغ لتنهي حالةالانتظار و التردّد، و تزيل المخاوف و المحاذير، و تدعو النبي صلّى اللّه عليه و اله الى أن يصدع بهذا الأمر الفيصل بين الإيمان و النفاق، و الذي يكرّس مركزية الامّة الإسلامية في العالم، و هامشية أهل الكتاب فيهن بوصف أنّ الدور التاريخي قد انتقل منهم الى هذه الامّة التي أصبحت مرشحة لوراثة الأرض، بوصفها الامّة الصالحة ذات المبدأ الصالح، قال تعالى: أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهٰا عِبٰادِيَ اَلصّٰالِحُونَ(1).
و إذا لاحظنا أنّ آية التبليغ و ما يحفّها من الآيات لم تكن أوّل ما نزل على الرسول صلّى اللّه عليه و اله عرفنا أنّ عنوان: مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الوارد فيها لا ينطبق إلاّ على تشريع متأخر لم يكن النبي صلّى اللّه عليه و اله قد بلّغه بعد، بل إنّها تدل عليحكم يراد إعلانه كحكم أخير، سيكون به ضمان استمرار الرسالة و مستقبلها، كما هو المفهوم صراحة من قوله تعالى: وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ حيث يدل هذا القول على أنّ النبيّ قد بلّغ الرسالة و لم يبق منها إلاّ شيء به ضمان مستقبل الرسالة و استمرارها، و لذا فإنّ عدم تبليغ هذاالحكم سيعني عدم تبليغ أصل الرسالة، إذن فما هو هذا الحكم العظيم الذي له هذه الخصوصيات: خشية الرسول صلّى اللّه عليه و اله فيه من الناس و هو الذي لم يخش المشركين و لا أهل الكتاب،
1) الأنبياء: 105.
و عدم تبليغ هذا الحكم يعني عدم تبليغ أصل الرسالة، و هو حكم جاء في أواخر حياة النبي صلّى اللّه عليه و اله، إنّ هذه الخصوصيات لا تنطبق على أحكام المواريث و القصاص و الديّات و الحدود و أشباهها، و تنطبق على مسألة الإمامية و الخلافة التي قد تثير النزاعات الداخلية و العصبيات القبلية، و يخشى الرسول صلّى اللّه عليه و اله فيها من اناس ليسوا مشركين و لا من أهل الكتاب، و إنّما هم من صحابته و أعيان امته، و يصدق بحقّها أنّ عدم تبليغ الحكم الإلهيّ فيها بمثابة عدم تبليغ أصل الرسالة، و هو أمر به يكمل الدين و تتمّ النعمة، و بدونه تندرس الشريعة و تخفى حقائق الرسالة.
و هكذا نتوصل الى مراد و دلالة آية التبليغ بناءا على افتراض وحدة السياق بينها و بين الآيات، التي تحفّهامن قبل و من بعد، و أمّا بناءا على انفراد آية التبليغ عمّا قبلها و بعدها فالأمر أظهر و أجلى من أن يحتاج الى عناية فكرية زائدة، و قد وردت روايات كثيرة متواترة بطرق الفريقين تؤكد ما استظهرناه من هذه الآيات(1).
فمن طرق السنّة وردت روايات متظافرة عن سبعة نفر من الصحابة، و ها نحن نوردها مع ذكر المصادر التي نقلتها، و هي:
1) يمكن تأييد فرضية وحدة السياق، بأن الآية السابقة على آية التبليغ و الآية اللاحقة لها اشتملتا على التنديد بأهل الكتاب و استنكار تركهم الأحكام الالهية و عدم تطبيق الكتاب، و هذا المعنى يدخل في صميم آية التبليغ بوصف أنّ هذه الآية تصدّت لتعيين الإمامة بعد النبي صلّى اللّه عليه و اله و بيان مستقبل عملية التطبيق الإسلامي، و تحديد الفرد الذي سيتولّى إقامة الكتاب في المسلمين بعد النبي صلّى اللّه عليه و اله، و كأن الآيتين الحافّتين بآية التبليغ أرادتا تحذير النبي صلّى اللّه عليه و اله ممّا حصل عند أهل الكتاب من عدم إقامة الأحكام الإلهية، و أن آية التبليغ بما تنطوي عليه من تعيين الفرد الذي سيتولّى إقامة الكتاب بعد النبيّ بمثابة الحلّ لهذه المشكلة. و هذا المعنى يؤكد الروايات التي فسّرت آية التبليغ بحادثة الغدير و لا يتنافى معها. «معدّ الكتاب».
عن الحافظ أبي جعفر بن جرير الطبري في كتاب «الولاية في طرق حديث الغدير «عن زيد بن أرقم قال: لمّا نزل النبيّ صلّى اللّه عليه و اله بغدير خمّ في رجوعه من حجّة الوداع، و كان في وقت الضحى و حرّ شديد، أمر بالدوحات فقمّت، و نادى الصلاة جامعة، فاجتمعنا فخطب خطبة بالغة ثم قال: إنّ اللّه تعالى أنزل إليّ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ، وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ و قد أمرني جبرئيل عن ربّي أن أقوم في هذا المشهد و اعلم كلّ أبيض و أسود أنّ عليّ بن أبي طالب أخي و وصيّي و خليفتي و الإمام بعدي، فسألت جبرئيل أن يستعفي لي ربّي، لعلمي بقلّة المتّقين و كثرة المؤذين لي و اللائمين، لكثرة ملازمتي لعلي و شدّة إقبالي عليه، حتى سمّوني «اذنا» فقال تعالى: وَ مِنْهُمُ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلنَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ(1)و لو شئت أن اسميهم و أدلّ عليهم لفعلت، و لكنّي بسترهم قد تكرّمت، فلم يرض اللّه إلاّ بتبليغي فيه.
فاعلموا معاشر الناس ذلك، فإنّ اللّه قد نصبه لكم وليّا و إماما، و قد فرض طاعته على كلّ أحد، ماض حكمه، جائز قوله، ملعون من خالفه، مرحوم من صدّقه، اسمعوا و أطيعوا، فإنّ اللّه مولاكم و عليّ إمامكم، ثم الإمامة في ولدي من صلبه الى يوم القيامة، لا حلال إلاّ ما أحلّه اللّه و رسوله، و لا حرام إلاّ ما حرّم اللّه و رسوله، و ما من علم إلاّ و قد أحصاه اللّه فيّ و نقلته إليه، فلا تضلّوا عنه و لا تستنكفوا منه، فهو الذي يهدي الى الحقّ و يعمل به، لن يتوب اللّه على أحد أنكره، و لن يغفر له، حتما على اللّه إن يفعل ذلك أن يعذّبه عذابا نكرا أبد الآبدين.
فهو أفضل الناس بعدي ما نزل الرزق و بقي الخلق، ملعون من خالفه، قولي عن جبرئيل عن اللّه، فلتنظر نفس ما قدّمت لغد.
افهموا محكم القرآن و لا تتّبعوا متشابهه، و لن يفسّر ذلك لكم إلاّ من أنا آخذ بيده، و شائل
1) التوبة: 61.
بعضده، و معلمكم أنّ من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، و موالاته من اللّه عزّ و جلّ أنزلها عليّ. ألا و قد أدّيت، ألا و قد بلّغت، ألا و قد أسمعت، ألا و قد أوضحت، لا تحلّ إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره، ثمّ رفعه الى السماء حتى صارت رجله مع ركبة النبي صلّى اللّه عليه و اله و قال: معاشر الناسر، هذا أخي و وصيّي، و واعي علمي، و خليفتي على من آمن بي و على تفسير كتاب ربّي.
و في رواية: اللهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه، و العن من أنكره، و اغضب على من جحد حقّه، اللهم إنّك أنزلت عند تبيين ذلك في عليّ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ بإمامته، فمن لم يأتمّ به و بمن كان من ولدي من صلبه الى القيامة فاولئك حبطت أعمالهم و في النار هم خالدون، إنّ إبليس أخرج آدم من الجنة مع كونه صفوة اللّه بالحسد، فلا تحسدوا فتحبط أعمالكم و تزلّ أقدامكم، في عليّ نزلت سورة وَ اَلْعَصْرِ إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَفِي خُسْرٍ. معاشر الناس آمنوا باللّه و رسوله و النور الذي انزل معه من قبل أن نطمس وجوها فنردّها على أدبارهم أو نلعنهم كما لعنّا أصحاب السبت، النور من اللّه فيّ ثم في عليّ ثم في النسل منه الى القائم المهديّ، معاشر الناس سيكون من بعدي أئمة يدعون الى النار و يوم القيامة لا ينصرون، و إنّ اللّه و أنا بريئان منهم، إنّهم و أنصارهم و أتباعهم في الدرك الأسفل من النار، و سيجعلونها ملكا اغتصابا، فعندها يفرغ لكم أيّها الثقلان، و يرسل عليكم شواظ من نار و نحاس فلا تنتصران، الحديث(1).
عن ابن أبي حاتم و ابن مردويه و الواحدي النيسابوري بإسنادهم الى أبي سعيد الخدري أنّ الآية نزلت على رسول الّه صلّى اللّه عليه و اله يوم غدير خم في عليّ بن أبي طالب عليه السّلام(2).
1) الأميني، عبد الحسين، الغدير: ج 1 /ص 214-216 نقلا عن ضياء العالمين، و هو كتاب في الإمامة للمولى أبي الحسن العالمي «توفّي حدود 1140 ه» أحد تلامذة الشيخ المجلسي، نسخه موجودة في بعض مكتبات النجف الأشرف، انظر الذريعة: ج 124/15.
2) الغدير: ج 1 /ص 216، و ج 5 /ص 218 و ج 8 /ص 203 نقلا عن الشوكاني في فتح القدير: ج 2 /ص 60.
عن الحافظ أبي عبد اللّه المحاملي، بإسناده عن ابن عباس قال: لمّا امر النبي صلّى اللّه عليه و اله أن يقوم بعليّ بن أبي طالب المقام الذي قام به فانطلق النبي صلّى اللّه عليه و اله الى مكة فقال: رأيت الناس حديثي عهد بكفر، بجاهلية، و متى أفعل هذا به يقولوا صنع هذا بابن عمّه، ثم مضى حتى قضى حجّة الوداع، ثمّ رجع حتى إذا كان بغدير خم أنزل اللّه عزّ و جلّ: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الآية، فقام مناد فنادى «الصلاة جامعة» ثم قام و أخذ بيد علي رضى اللّه عنه فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه(1).
و روى الحافظ أبو بكر الفارسي الشيرازي في كتابه «ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين» عن ابن عباس إن الآية نزلت يوم غدير خمّ في عليّ بن أبي طالب(2).
عن الحافظ الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل بإسناده عن ابن عباس و جابر الأنصاري قالا: أمر اللّه تعالى محمّد أن ينصّب عليا للناس فيخبرهم بولايته، فتخوّف النبي صلّى اللّه عليه و اله أن يقولوا حابى ابن عمّه و أن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى اللّه يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الآية، فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله بولايته يوم غدير خمّ(3).
عن السيد علي الهمداني في «مودة القربى» عن البرّاء بن عازب قال:
أقبلت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله في حجّة الوداع فلمّا كان بغدير خمّ نودي الصلاة جامعة، فجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله تحت شجرة و أخذ بيد عليّ و قال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا: بلى يا رسول اللّه فقال: ألا من أنا مولاه فعليّ مولاه اللهمّ وال من والاه و عاد من عاداه، فلقيه عمر قال: هنيئا لك يا عليّ بن أبي طالب أصبحت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة، و فيه نزلت: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ(1).
عن شيخ الإسلام أبي إسحاق الحمويني في كتابه فرائد السمطين عن مشايخه الثلاثة برهان الدين إبراهيم بن عمر الحسني المدني و الشيخ الإمام مجد الدين عبد اللّه بن محمود الموصلي، و بدر الدين محمد بن محمد بن أسعد البخاري، باسنادهم عن أبي هريرة أنّ الآية نزلت في عليّ عليه السّلام(2).
عن القاضي الشوكاني في تفسيره «فتح القدير» عن ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنّا نقرأ على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أن عليّا مولى المؤمنين وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ(3).
وردت عند أتباع هذه المدرسة روايات كثيرة جدّا في هذا الباب أيضا ننقل فيما يلي بعضها:
منها: ما رواه ثقة الإسلام الكليني عن زرارة و الفضيل بن يسار و بكير بن أعين و محمد بن مسلم و بريد بن معاوية و أبي الجارود جميعا عن أبي جعفر عليه السّلام قال: فأمر اللّه محمدا صلّى اللّه عليه و اله أن يفسّر لهم الولاية كما فسّر لهم الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج، فلمّا أتاه ذلك من اللّه ضاق بذلك صدر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله تخوّف أن يرتدّوا عن دينهم و ان يكذّبوه، فضاق صدره و راجع ربّه عزّ و جل فأوحى اللّه عزّ و جل إليه: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ فصدع بأمر اللّهتعالى ذكرهفقام بولاية عليّ يوم غدير خم فنادى «الصلاة جامعة» و أمر الناس أن يبلّغ الشاهد الغائب(1).
و منها: ما رواه الكليني أيضا عن مولانا أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث طويل قال:
فلمّا رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله من حجة الوداع نزل عليه جبرئيل عليه السّلام فقال: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ، وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ، إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكٰافِرِينَ فنادى الناس فاجتمعوا و أمر بسمرات فقمّ شوكهنّ ثم قال صلّى اللّه عليه و اله: «يا أيها الناس من وليّكم و أولى بكم من أنفسكم؟ فقالوا: اللّه و رسوله، فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداهثلاث مرات -(2).
و منها: ما رواه شيخنا الطبرسي في الاحتجاج مسندا الى مولانا أبي جعفر الباقر عليه السّلام في حديث طويل، قال فيه: فلمّا بلغ غدير خمّ قبل الجحفة بثلاثة أميال أتاه جبرئيل عليه السّلام على خمس ساعات مضت من النهار بالزجر و الانتهاء و العصمة من الناس، فقال: يا محمّد، إنّ اللّه عزّ و جل يقرئك السلام و يقول: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ في عليّ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ و كان أوائلهم قريبا من الجحفة فأمره أن يردّ من تقدّم منهم، و يحبس من تأخر عنهم في ذلك المكان، ليقيم عليّا للناس و يبلّغهم ما أنزل اللّه في عليّ عليه السّلام، و أخبره بأنّ اللّه عزّ و جل قد عصمه من الناس، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله عندما جاءت العصمة مناديا ينادي في الناس «الصلاة جامعة» - الى أن قال -:
و اودّي ما أوحيّ إليّ حذرا من. ن لا أفعل فتحلّ لي منه قارعة لا يدفعها عنّي أحد و إن عظمت حيلته، لأنّه قد أعلمني أنّي إن لم ابلّغ ما انزل إليّ فما بلّغت رسالته، و قد ضمن لي تبارك و تعالى العصمة، و هو اللّه الكافي الكريم، فأوحى اللّه إليّ: بسم اللّه الرحمن الرحيم يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني في الخلافة لعليّ بن أبي طالب وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ(1).
و منها: ما رواه العيّاشي في تفسيره بإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس و جابر بن عبد اللّه قالا: أمر اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و اله أن ينصب عليّا للناس ليخبرهم بولايته، فتخوّف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله أن يقولوا: حابى ابن عمّه و أن يطعنوا في ذلك، فأوحى اللّه إليه يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله بولايته يوم غدير خم(2).
آية الإكمال حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ وَ لَحْمُ اَلْخِنْزِيرِ وَ مٰا أُهِلَّ لِغَيْرِ اَللّٰهِ بِهِ وَ اَلْمُنْخَنِقَةُ وَ اَلْمَوْقُوذَةُ وَ اَلْمُتَرَدِّيَةُ وَ اَلنَّطِيحَةُ وَ مٰا أَكَلَ اَلسَّبُعُ إِلاّٰ مٰا ذَكَّيْتُمْ وَ مٰا ذُبِحَ عَلَى اَلنُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلاٰمِ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ اَلْيَوْمَ يَئِسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاٰ تَخْشَوْهُمْ وَ اِخْشَوْنِ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجٰانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (المائدة: (3)
و من الآيات التي عالجت موضوع الإمامة و الولاية و أشارت إلى موقعها المتقدّم في النظرية الإسلامية، آية إكمال الدين التي نخصّص هذا الفصل لاستخلاص إيحاءاتها و عطاءاتها.
و الظاهرة التي تلاحظ في هذه الآية قبل كلّ شيء، أنّ الآية اشتملت على ثلاثة مقاطع، تناول المقطع الأوّل اللحوم المحرّمة، و تناول المقطع الثاني الإشارة إلى بولغ الدين مستوى الكمال، الذييجعل الكفّار في يأس شديد من أن ينالوه بشيء، و المقطع الثالث فيه ترخيص بتناول اللحوم المحرّمة فيحالة الاضطرار، أي أنّ المقطعين الأوّل و الثالث مترابطان، و المقطع الوسط أجنبي عنهما.
و توجد ثلاثة احتمالات لتفسير هذه الظاهرة: فإمّا أن نقول: إنّ الآية نزلت هكذا لحكمة معيّنة و مقاطعها الثلاثة هذه، و امّا أن يكون النبيّ قد أمر بوضع المقطع الوسط بين المقطعين الأوّل و الثالث، و أنّ زمن نزول ذلك المقطع مختلف عن زمن نزول الصدر و الذيل، و إمّا أن يكون الأمر قد حصل أثناء الجمع القرآني.
و مهما يكن من أمر فإنّ البحث كل البحث يقع في المقطع الوسط الذي يعلن يأس الكفار من الإسلام الذي بلغ أوج كماله و ارتقائه، و أنّ ذلك اليأس و الكمال قد حصل في يوم معيّن واحد،
و أنّ السبب في يأس الكفّار و إكمال الدين هو أمر واحد اَلْيَوْمَ يَئِسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاٰ تَخْشَوْهُمْ وَ اِخْشَوْنِ، اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً.
فما هو ذلك اليوم؟ و ما حقيقة ذلك السبب؟
يوجد احتمالات لتفسير كلمة «اليوم» الواردة في الآية مرتين:
الاحتمال الأوّل:
أن يكون المقصود باليوم اليوم النوعي، كما يوقل القائل:
«كنت شابا بالأمس و أصبحت اليوم شيخا»،
فإنّ اليوم و الأمس في كلامه لا يدل على اليوم الفلكي الخاص المكوّن من «24» ساعة، و إنّما يدل على زمان نوعي قد يمتدّ لعدة سنوات لكنها تحسب بنظر المتكلم يوما، فالآية جارية وفقا لهذا المعنى، و هي تريد أن تقول للمؤمنين: لماذا تخافون الكفار و قد أصبحوا في يأس من أمرهم و أصبح دينكم في ذروة كماله بحيث لا يتأثّر بالضغوط والمؤامرات؟ و كأنّ المقصود باليوم هو المرحلة الزمنية التي يجتازها الدين، و قد أورد الرازي هذا الاحتمال في تفسيره(1)، لكنّه احتمال مردود لأسباب أربعة هي:
1 - إنّ تفسير اليوم بالمرحلة أو البرهة و إن كان عرفيا إلاّ أنّه مبنيّ على أنّ الاستعمال كان مجازيا، و لا يمكن المصير إلى التفسير بالاستعمال المجازي ما لم نفرغ أوّلا من التفسير بالاستعمال الحقيقي و نثبت عدم إمكانه، لأنّ الاستعمال الحقيقي مقدم رتبة على الاستعمال المجازي، و ستأتي الروايات المنقولة عن الفريقين بكون المقصود يوما بعينه، و أنّ الاستعمال حقيقي لا مجازي.
1) الفخر الرازي، محمد بن عمر، التفسير الكبير: ج 6، ص 139.
2 - لو صحّ هذا التفسير لكان نزول المقطع الوسط من الآية: اَلْيَوْمَ يَئِسَ... اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ.. في فترة فتح مكة أجدر و أولى من نزوله في غيرها.
3 - إذا صحّ هذا التفسير فلازمه أن يكون الإكمال المقصود في الآية إكمال الشريعة، و حينئذ لا بد من إثبات عدم نزول حكم تشريعي بعده، مع أنّه قد وردت روايات كثيرةتدل على نزول أحكام بعد ذلك اليوم كآيةالكلالة و آية الربا و نحوهما.
فالإكمال التشريعي أمر تأباه الروايات الكثيرة من قبل الفريقين، و لذا اختار الرازي في تفسيره(1)ما قاله القفّال من أنّ المقصود بالإكمال هو أنّ الشرائع النازلة من عند اللّه في كلّ وقت كانت كافية في ذلك الوقت، بينما أصبحت الشريعة الإسلامية في آخر البعثة النبوية كاملة إلى يوم القيامة، و لكن هذا القول لا يفهم لهمعنى تام، فقوله تعالى: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ... ناظر إلى المسلمين دون سواهم و إلى الشريعة الإسلامية دون سواها، و لا بدّ أنّها كانت قبل اليوم المذكور ناقصة و أصبحت بعده كاملة تامة، فلا محصّل جديد من هذا القول.
4 - إنّ هذا التفسير يلغي التربط بين اَلْيَوْمَ يَئِسَ... و بين اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ... مع أنّ الترابط بينهما موجود محسوس.
الاحتمال الثاني: و هو أن يكون المقصود باليوم هو اليوم الفلكي المعروف المكوّن من «24» ساعة، و حينئذ لا بدّ أننبحث عن يوم في الإسلام حصل فيه أمران متلازمان، أولهما يأس الكفّار من سقوط الدين الإسلامي أوالنيل منه، و ثانيهما إكمال الدين و إتمام النعمة.
1) الرازي، محمد بن عمر، التفسير الكبير: ج/ 6 ص 140.
من الممكن أن يقال: إنّه يوم فتح مكة، لكن فتح مكة يتناسب مع الأمر الأوّل دون الثاني، و هكذا يتعيّن ما قالته مدرسة أهل البيت من أنّ اليوم المقصود هو يوم الغدير، الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة، الذي حصلت فيه ولاية أمير المؤمنين عليه السّلام و تمّ نصبه خليفة على المسلمين بعد النبي صلّى اللّه عليه و اله، ذلك أنّ الكفار و هم في حربهم المستمرّة مع الرسول صلّى اللّه عليه و اله، قد حاولوا المحاولات تلو المحاولات ونفّذوا المؤامرات تلو الاخرى للإطاحة بالإسلام و المسلمين، لكنها جميعا باءت بالفشل الذريع فظل أصحابها يتربّصون الدوائر بالنبيّ صلّى اللّه عليه و اله و أصحابه و ينتظرون الفرص و يدبّرون ما يستطيعونه من الخطط، و علّقوا آخر آمالهم على وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه و اله، حيث صورت لهم أوهامهم انتهاء الرسالة الإسلامية بوفاة رائدها و رحيله عن هذه الدنيا، على غرار ما يحصل لبعض الثورات الاجتماعية و الحركات السياسية، التي ينطبق عليها التعبير القرآني الشريف إِنَّ شٰانِئَكَ هُوَ اَلْأَبْتَرُ(1)أي لا مستقبل له و لا مصير.
هكذا تصوّر الأعداء الأمر، لكنّهم فوجئوا بالقيادة الإسلامية النبوية تعلن عن القيادة التي ستخلفها و ستضمن استمرار الرسالة و مصير الامّة بعدها، و تكشف عن أنّ انتهاء عهد النبوّة لا يعني انتهاء الرسالة و إنّما يعني ظهور مرحلة جديدة هي مرحلة الإمامة التي ستواصل المسؤولية بعد النبي صلّى اللّه عليه و اله، الأمر الذي أسقط ما في أيدي الأعداء و ألقى بهم في و هدة اليأس من أن يقوموا بشيء مؤثّر في واقع الرسالة، و لا شك أنّ هذا الإجراء التأريخي يمثل ارتقاءا نوعيا رفيعا في واقع الرسالة الإسلامية، بحيث لا يمكن لنا تصوّر الكمال فيها
1) الكوثر: 3.
بدونه، و أيّ كمال لرسالة خاتمة لا تضمن مستقبلها و مصيرها بإجراء أكيد و خطوة حتمية؟ و أيّ خطوة أو إجراء أضمن لمستقبل الإسلام من الإعلان عن خط الإمامة كمرحلة جديدة في سير الرسالة، و أنّ هذا الخط سيأخذ على عاتقه مسؤولية تجذير و ترسيخ التجربة النبوية و صدّ الأخطار المحدقة بها؟
و هكذا تكون الإمامة السبب المشترك لأمرين متلازمين هما يأس الكفار و إكمال الدين، و هو ماحصل يوم الغدير.
و واضح أنّ هذا التفسير لا يرد عليه أيّ اشكال، بل هو يتطابق مع العقل و النقل معا، و يكفي لإثبات صحة هذا التفسير استفاضة الروايات الدالّة عليه من طرق الشيعة، بل و توفّر روايات دالة عليه من طرق السنّة أيضا، و يمكن إثباته أيضا بعدم وجود تفسير ناهض يكون بديلا عنه، فقد ورد من طرق السنّة أنّ اليوم المقصود هو يوم عرفة من حجة الوداع بروايات تنتهي إلى الإمام عليّ عليه السّلام و معاوية و سمرة و عمر بن الخطاب، و نقل صاحب «الدرّ المنثور» و صاحب «روح البيان» روايتين من الروايات الدالّة على أنّ الآية نازلة في الغدير، لكنّهما وصفا الروايتين بالضعف السندي و هما تنتهيان إلى أبي هريرة و أبي سعيد الخدري(1).
و لكي نثبت صحة التفسير الشيعي الغديري لآية الإكمال، لا بدّ لنا من مناقشة الكلام السابق عن ضعف الروايات الدالة عليه، و ما قيل من أنّ المراد
1) السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، الدر المنثور: ج 2 /ص 457-458، و لم أعثر عليها في تفسير روح البيان لإسماعيل حقي البروسوي، انظر ج 2 /ص 342-345.
باليوم هو يوم عرفة.
و المناقشات هي:
1 - إنّ الروايات الدالّة على أنّ المراد باليوم هو يوم الغدير لا تنحصر سندا في من ذكره مؤلفا «الدر المنثور» و «الروح البيان»، فإضافة إلى أبي سعيد الخدري و أبي هريرة المذكورين رويت هذه الروايات عن زيد بن أرقم و جابر بن عبد اللّه الأنصاري و ابن عباس و مجاهد و الإمامين الباقر و الصادق عليهما السّلام بطريق عديدة.
2 - إنّ الروايات المنتهية إلى أبي هريرة و أبي سعيد الخدري صحيحة سندا على موازين المدرسة السنّية في الحديث، و قد أثبت العلاّمة الأميني ذلك.(1)3 - إنّ الروايات الواردة في نزول الآية يوم عرفة من حجة الوداع و رويت بطرق عديدة كلّها ضعيفة السند غير ما روى منها عن عمر، كما ذكر ذلك الاستاذ العلاّمة الطباطبائي في تفسير الميزان(2).
4 - إنّ الروايات الدالّة على أنّ آية الإكمال نازلة في قضية الغدير مؤيّدة بالروايات الواردة في تفسير آية يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ.. كما مرّ سابقا، و مؤيّدة كذلك بالروايات الواردة في سبب نزول قوله تعالى: سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ حيث تتّخد هذه الآيات بكونها قد نزلت في قضية الغدير.
5 - و على فرض سلامة الاحتمالات غير الشيعية في تفسير آية الإكمال
من كلّ إشكال سندي أو تأريخي، فإنّ بالإمكان القول بأنّ هذه الاحتمالات مخالفة للكتاب، فيجب طرحها و الأخذ بالروايات المؤيّدة للتفسير الشيعي بوصفه مؤيّدا من قبل الكتاب العزيز كآية التبليغ و آية سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ(1).
6 - إنّ ما احتمله الفخر الرازي من كون المقصود باليوم هو اليوم النوعي قد ورد النقض عليه سابقا، و يردّ عليهإضافة لما سبقما روي عن عمر بن الخطاب من أنّه قال له بعض أهل الكتاب: إنّ في القرآن آية لو نزلت علينا مثلها لاتّخذنا اليوم عيدا، و هي قوله تعالى: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فقال: «و اللّه إنّي لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و الساعة التي نزلت فيها، نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و الهعشية عرفة في يوم جمعة»(2).
ذلك أنّ هذا الخبر صريح في أنّ المراد هو يوم معين مشخص.
7 - و لو أغمضنا النظر عن الإشكالات السابقة، و قلنا بصحّة الروايات الدالّة على نزول الآية في غير يوم الغدير، فمن اللازم حينئذ ملاحظة قواعد التعارض بين الأخبار، و ليس منالنهج العلمي الموضوعي التزام أحد الجانبين المتعارضين دون الآخر ما لم يكن ذلك ناتجا عن تطبيق تلك القواعد.
8 - و أخيرا يمكن أن يقال بإمكان الجمع بين الطائفتين من الروايات و ذلك بوجهين:
الوجه الأوّل:
ما قاله سبط ابن الجوزي من نزول الآية مرّتين(3)، و ليس هذا بدعا
في الآيات، و كم له من نظير؟ و قد جمع العلاّمة الأميني رحمه اللّه الآيات النازلة مرّتين لدى بحثه في آية سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ(1).
الوجه الثاني:
ما قاله العلاّمة الأميني و سدّده العّلامة الطباطبائي من احتمال الاختلاف بين يوم النزول و يوم التلاوة(2)، على أساس أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله كان يتّقي الناس في إظهار أمر الولاية خشية أن لا يتلقّوه فيختل أمر الدعوة، أو تقع الفرقة و الاختلاف في الامّة الإسلامية، فكان لا يزال يؤخّره من يوم إلى يوم منتظرا سنوح الفرصة المناسبة حتّى نزل قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، و بهذا يكون من الجائز نزول معظم السورة، و منه قوله تعالى: اَلْيَوْمَ يَئِسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إلى قوله: وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً في يوم عرفة، إلاّ أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أخّر بيان الولاية إلى يوم غدير خم.
و عليه، فيرتفع التعارض بين الطائفتين من الروايات، بأن يكون ما دلّ على نزول الآية يوم عرفة ناظرا إلى يوم النزول، و ما دلّ على أنّ المراد هو يوم غدير خم ناظرا الى يوم التلاوة و التبليغ، و تكون الآية منطبقة على أمر الولاية و حاكية عنه على كلّ حال.
و حقيقة الأمر أنّنا إذا تدبّرنا قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ و الروايات الواردة في سبب نزوله، و تأملنا قول تعالى: اَلْيَوْمَ يَئِسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إلى قوله تعالى: وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً و الروايات الواردة في سبب
نزوله و التعارض الذي يتراءى فيها، و لاحظنا أيضا الروايات الواردة في قضية غدير خم الكبرى، و ركّزنا على الأوضاع الداخلية للمجتمع الإسلامي آنذاك، أي في أواخر عهد الرسول الاعظم صلّى اللّه عليه و اله، و دور الكفّار و مؤامراتهم و حقدهم الذي تعبر عنه الآية الشريفة على لسانهم وَ إِذْ قٰالُوا اَللّٰهُمَّ إِنْ كٰانَ هٰذٰا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنٰا حِجٰارَةً مِنَ اَلسَّمٰاءِ أَوِ اِئْتِنٰا بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ(1).
حيث نجدهم يشكّكون في حقانية الولاية و ربّانيتها، إلى حد أنّهم يفضّلون نزول العذاب عليهم من التسليم لعليّ عليه السّلام بالولاية، و هو منتهى العناد الذي تعبر عنه آية اخرى هي سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ(2)إذا لاحظنا كلّ هذه المؤشرات و تدبّرناها بدقّة وجدنا أنّ أمر الولاية كان قد نزل قبل يوم الغدير، و هذا ما يصلح شاهدا للجمع بين الطائفتين من الروايات، الطائفة القائلة بنزول آية الإكمال في يوم عرفة من حجّة الوداع، و الطائفة القائلة بنزولها في يوم الغدير.
أمّا الروايات التي وردت عن الفريقين و التي تفسّر آية الإكمال بقضية الغدير و ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، فمن طرق السنّة ما رواه إبراهيم بن محمد الحمويني بسنده إلى أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري: إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله يوم دعا الناس إلى غدير خم، أمر الناس بما كان تحت الشجرة من الشوك فقمّ، و ذلك يوم الخميس، ثم دعا الناس إلى عليّ عليه السّلام، فأخذ بضبعه فرفعها حتّى رأى الناس إلى بياض إبطه، ثمّ لم يفترقا حتّى نزلت هذه الآية اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً.
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: اللّه أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة و رضى الربّ برسالتي و الولاية لعليّ عليه السّلام، ثم قال: اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله(1).
و قريب من ذلك رواية اخرى رواها أبو نعيم الاصبهاني في كتابه «ما نزل من القرآن في عليّ»، و أبو سعد السجستاني في كتاب «الولاية»، و الحاكم الحسكاني، و ابن عساكر، و موفّق بن أحمد الخوارزمي في المناقب و غيرهم(2).
و منها: ما عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أنّه قال: من صام يوم ثمان عشر من ذي الحجّة كتب له صيام ستين شهرا، و هو يوم غدير خم لمّا أخذ النبي صلّى اللّه عليه و اله بيد علي بن أبي طالب فقال: ألست أولى بالمؤمنين، قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي و مولى كلّ مسلم، فانزل اللّه: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ(3).
و منها: ما عن جابر الانصاري و أبي سعيد الخدري قالا: لمّا نزلت اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ الآية، قال النبي صلّى اللّه عليه و اله: اللّه أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة و رضى الربّ برسالتي و ولاية عليّ بن أبي طالب بعدي(4).
و أمّا ما ورد عن الشيعة فروايات كثيرة، منها ما عن الصادقين عليهما السّلام: أنه أنزل
اللّه بعد أن نصب النبي صلّى اللّه عليه و اله عليّا عليه السّلام علما للأنام يوم غدير خم عند منصرفه من حجّة الوداع.
قالا: و هي آخر فريضة أنزلها اللّه لم ينزل بعدها فريضة(1)، و قريب منه سائر ما رواه البحراني في هذا الباب عن عليّ بن إبراهيم القمّي(2)و الطبرسي(3)و العياشي(4)في تفاسيرهم، و الطوسي في أماليه(5)و الطبرسي في الاحتجاج(6)و ابن بابويه في أماليه(7)و غيرهم.
و منها: ما رواه في «الخصائص» عن الصادقين عليهما السّلام قالا: نزلت هذه الآية - يعني ية التبليغيوم الغدير، و فيه نزلت اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ قال: و قال الصادق عليه السّلام: أي اليوم أكملت لكم دينكم بإقامة حافظة، و أتممت عليكم نعمتي أي بولايتنا، و رضيت لكم الإسلام دينا أي تسليم النفس لأمرنا(8).
و منها: ما رواه في «الكافي» عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث: و كانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الاخرى، و كانت الولاية آخر الفرايض فأنزل اللّه عزّ و جل: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، قال أبو جعفر عليه السّلام: يقول اللّه عز و جل: لا أنزل عليكم بعد هذه فريضة، قد أكملت لكم الفرائض(9).
و قد مرّ تمام الحديث في ذيل البحث في آية الولاية.
1) البحراني، هاشم، غاية المرام: ص 338 /ح 4.
2) القمي، علي بن إبراهيم، تفسير القمي: ج 1 /ص 469.
3) الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان: ج 3 /ص 159.
4) العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي: ج 1 /ص 321-332.
5) الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي: ج 1 /ص 208.
6) الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج 1 /ص 69-84.
7) القمي، محمد بن علي، الأمالي: ص 436-437.
8) الأميني، عبد الحسين، الغدير: ج 1 /ص 214.
9) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج 1 /ص 349 /ح 4.
آية علم الكتاب وَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتٰابِ (الرعد: (43)
و آية الكتاب هي الاخرى عالجت جانبا من موضوع الإمامة، و أشارت إلى بعد من أبعادها، فهذه الآية المباركة جعلت خاتمة لسورة الرعد المكيّة، و المعروف عن السور المكيّة أنّها تتعرّض إلى شبهات الجاحدين و المعاندين، الذين يكابرون في الحقّ و يتعامون عن الآيات الواضحة و يستخدمون شتى الأساليب لتبرير إنكارهم و عنادهم، منها اسلوب طرح المطاليب و الاقتراحات التي يتصوّرونها تعجيزية، كما في قوله تعالى حكاية عنهم: وَ قٰالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى تَفْجُرَ لَنٰا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً إلى قوله تعالى: أَوْ تَرْقىٰ فِي اَلسَّمٰاءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّٰى تُنَزِّلَ عَلَيْنٰا كِتٰاباً نَقْرَؤُهُ(1)، و قوله تعالى: وَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاٰ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ(2).
و من الواضح أنّ طرحهم هذه الاقتراحات لم يكن ناشئا من رغبة حقيقة في الوصول إلى الحقّ، لأنّ الحجج و الآيات و الأدلة التي أقامها النبيّ صلّى اللّه عليه و اله على حقانية نبوّته لم تكن قليلة، بل كانت كثيرة و كافية، و إنّما كانوا يهدفون من وراء ذلك توجيه ضغوط نفسية على النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و إثارة التشكيك و الاستهزاء بكلامه، و حتّى لو كانت تلك الاقتراحات تنفذ لهم فسيفسّرونها بالسحر و أمثال ذلك مما تكرّر منهم اتهام النبيّ صلّى اللّه عليه و اله به.
و في مجال الردّ عليهم اتّخذ القرآن عدّة أساليب، منها ثلاثة أساليب معروفة هي:
الأوّل: تلقين الرسول صلّى اللّه عليه و اله بالردّ عليهم بأنّ اَللّٰهَ يُضِلُّ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنٰابَ(1). متعجبا من موقفهم المعاند المكابر بعد كلّ هذه الآيات الساطعة، التي قدّمها الرسول صلّى اللّه عليه و اله لهم و كفى بالقرآن وحدة آية قاطعة لا تقبل الجدل و الردّ، فإذا كانوا يجحدون بكلّ هذه الآدلّة فبأيّ دليل بعدها يؤمنون؟!!
و واضح أنّ هذا الجواب و الاسلوب في الردّ يتضمّن نوعا من الاستهانة بهم و بشأنهم، فكأنّما النبي صلّى اللّه عليه و اله يقول لهم: إنّكم لستم بالشأن الذي تكون هدايتكم نافعة لي أو ضلالتكم ضارة بي، و إنّ موقفكم هذا غرور و عناد و ليس فيه من التعقّل شيء.
الثاني: تلقين الرسول صلّى اللّه عليه و اله في أن يقول في جواب اقتراحاتهم تلك:
قُلْ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ، إِنَّهُ كٰانَ بِعِبٰادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (2).
و هو الآخر اسلوب ينطوي على تثبيت لقلب النبي صلّى اللّه عليه و اله و رفع لمعنوياته و استهانة بشأن الكفّار و عنادهم، فإذا كان اللّه تعالى هو الشهيد الشاهد على حقّانية النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و صدق دعوته، فما الذي يضرّه من جحود الجاحدين و إنكار المكابرين؟ و على غرار ذلك جاء قول الفرزدق في جواب هشام بن عبد الملك عندما تظاهر بتجاهل شخصية الإمام زين العابدين عليه السّلام في قصيدته الميمية
المعروفة التي منها قوله:
و ليس قولك من هذا بضائره *** العرب تعرف من أنكرت و العجم
الثالث: تلقين الرسول صلّى اللّه عليه و اله أن يطلب منهمتبكيتا لهمأن يتدبّروا آيات اللّه الماثلة في كلّ ذرّة من ذرّات هذا الكون الفسيح، و يفكّروا في نعمه الغامرة للمخلوقات، ثمّيتحدّاهم بأن يأتوا بمثل معجزه الخالدة، حيث يقول تعالي 6 قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا اَلْقُرْآنِ لاٰ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كٰانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً(1).
و عندماننظر في آية علم الكتاب نجدها تستخدم الاسلوب الثاني في مواجهة جحود الجاحدين و إنكار المكابرين، و هو اسلوب تسلية النبيّ و تشديد عزيمته و الاستهانة بخصومه.
فلقد كان النبيّ صلّى اللّه عليه و اله بحاجة ماسّة إلى زخم سماوي متواصل بتعبّأ به في مواجهة تحديات الخصوم التي كانت تملأ نفسه ضيفا و ألما و أسفا، رغم ما كان يتّصف به من صعة الصدر و الاستعداد المثالي لتحمّل المشاق و المصاعب، فقد كانوا ينسبون إليه السحر و الجنون محاولة منهم الفتّ في عضده و اضعاف عزم التابعين له، ثم راحوا يكذّبونه و يستخئفون به محاولين ممارسة الضغط النفسي عليه و إيذاءه لعلّه ينهار غمّا و حزنا، و لذا كثيرا ما نجد القرآن الكريم يحاول تسلية النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و رفع الحزن عنه من هذه الجهة، قال تعالى: فَلَعَلَّكَ بٰاخِعٌ نَفْسَكَ عَلىٰ آثٰارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهٰذَا اَلْحَدِيثِ أَسَفاً(2)، و قال تعالى: لَعَلَّكَ بٰاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّٰ
يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (1).
و قال تعالى: فَلاٰ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰاتٍ(2).
و هذه الآيات الثلاث تكشف عن النفس الكبيرة التي كان يتحلّى بها الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و اله فإنّه لم يكن يتألّهم من تكذيبهم إيّاه و إيذائهم له، و إنّما كان ألمه النفسي الشديد بسبب كونهم يحرمون أنفسهم من نور الهداية الإلهية، و لعدم استفادتهم من فيض النبوّة و عطاء الرسالة، فكان ألمه لهم و من أجلهم، فتأتيه التسلية الربانية السماوية لتقول له: بأنّك قد أدّيت ماعليك، و أنّ هؤلاء لا يستحقّون هذه الحسرات التي تؤلم نفسك بها عليم، و أنّ اللّه سبحانه كفيل بنصر دينه، و أنّ تكذيب هؤلاء لك و عدم إيمانهم بنبوّتك لن يؤثّر بشيء في مصير الدين و حركة الرسالة، و إلى جانب ذلك كان القرآن يزيده عزما على عزمه إصرارا على إصراره، عندما يقصّ عليه أنباء الرسل من قبله، و ما حصل لهم من التكذيب و ما جاءهم من النصر، قال تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ اَلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاٰ يُكَذِّبُونَكَ وَ لٰكِنَّ اَلظّٰالِمِينَ بِآيٰاتِ اَللّٰهِ يَجْحَدُونَ * وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلىٰ مٰا كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتّٰى أَتٰاهُمْ نَصْرُنٰا وَ لاٰ مُبَدِّلَ لِكَلِمٰاتِ اَللّٰهِ(3).
و في مقابل تكذيبهم كان القرآن الكريم يعطيهم الشهادة تلو الشهادة إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ(4)و هي شهادة عظمى لا تعدلها شهادة، و لا يضرّ معها جحود هؤلاء، بل جحود أهل الأرض أجمعين، قال تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ
فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اَللّٰهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (1).
و آية علم الكتاب التي نحن بصددها من هذا النوع، فهي تنطوي على شهادتين على نبوّة الرسول، شهادة اللّه سبحانه قُلْ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ(2)و شهادة من عنده علم الكتاب... وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتٰابِ و كفى الشهادة الثانية فضلا و كرامة أنّها جاءت مقترنة بشهادة اللّه.
و الملاحظ أنّ الآية لم تبيّن اسم الشهيد الثاني، و إنّما أشارت إلى وصفه ب مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتٰابِ و لعلّها تريد أن تشير من خلال ذلك إلى أنّ الفضل و الكرامة و الملاك ليست في الاسم و العنوان، و إنّما في الوصف و الحقيقة التي ينطوي عليها ذلك الشهيد، ألا و هي (علم الكتاب).
و قد كشف القرآن الكريم في موضع آخر عن منزلة و مكانة هذا العلم، و هو قوله تعالى: قٰالَ اَلَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ اَلْكِتٰابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ(3).
فتحدّث عن عمل عجيب خارق للعادة، و هو جلب عرش بلقيس من سبأ خلال أقل من ارتداد الطرف، قام به من عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ اَلْكِتٰابِ، فما أجلّ هذا العلم الذي يجعل الحامل للبعض منه بهذه الدرجة من الكرامة و المنزلة عند اللّه! و كيف ستكون درجة مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتٰابِ الذي ذكرته الآية الشريفة؟ ذٰلِكَ فَضْلُ اَللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ اَللّٰهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ(4).
و هنا نتساءل عن الشخص المقصود بهذه الصفة؟ و من هو الذي كان عنده علم الكتاب؟
يوجد اتجاهان في تفسير هذه الصفة، هما:
الأوّل:
يفسّرها بعلماء أهل الكتاب مثل: عبد اللّه بن سلام، و كأنّ الآية تجعل شهادة هؤلاء دليلا على صحّة الرسالة الإسلامية، و حينئذ تكون على غرار قوله تعالى:
وَ شَهِدَ شٰاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرٰائِيلَ (1)و قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمٰاءُ بَنِي إِسْرٰائِيلَ(2).
و يردّ على هذا التفسير: أنّ الآية و سواء أكانت نازلة في مكة أو المدينة فطنّ تفسيرها بأمثال عبد اللّه بن سلام خلاف الظاهر منها، فإنّ الآية مشعرة بنوع من المنزلة لصاحب هذه الصفة، و هذا الإشعار مستفاد من الاقتران بشهادة اللّه، و هو يتأكد عندما نجمع الآية مع آية قٰالَ اَلَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ اَلْكِتٰابِ، و لعلّ هذا التفسير نشأ من الخلط بين مفهوم مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتٰابِ و مفهوم أَهْلِ اَلْكِتٰابِ، و هما مفهومان مختلفان لا اتّحاد بينهما، لاختلاف المقصود بالكتاب في كلّ منهما، فالكتاب المقصود في الآية هو القرآن، و ابن سلامة و أمثاله ليس عندهم علم القرآن، و سبب هذا الخلط ابتعاد أصحابه عن عدل الكتاب و هم
أهل البيت عليهم السّلام الحاوون على علم الكتاب و القادرون على تفسيرهدون سواهمالذين أمرنا بالرجوع إليهم في حديث الثقلين المتواتر لدى الفريقين «إنّي تاركم فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي اهل بيتي، و انهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»(1).
الثاني:
تفسيرها بالإمام عليّ عليه السّلام و الأئمة من بعده، و هو التفسير الوارد عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام، و حينئذ تكون صفة علم الكتاب من صفات الإمامة و ملاكاتها المطلوبة في الإمام، و قد وردت روايات كثيرة تؤكّد على هذا التفسير، و من طرق الفريقين.
فمن طرق السنّة ما رواه الفقيه ابن المغازلي الشافعي مسندا عن عبد اللّه بن عطاء، قال: كنت عند أبي جعفر عليه السّلام جالسا إذ مرّ عليه ابن عبد اللّه بن سلام، قلت:
جعلني اللّه فداك، هذا ابن الذي عنده علم من الكتاب، قال: لا، و لكن صاحبكم عليّ بن أبي طالب الذي نزلت فيه آيات من كتاب اللّه عزّ و جلّ: اَلَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ اَلْكِتٰابِ، أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ و إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا(2).
و أمّا من طرقنا فروايات متظافرة:
منها: ما رواه ثقة الإسلام الكليني محمد بن يعقوب في الصحيح عن بريد بن معاوية، قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام قُلْ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتٰابِ؟ قال: إيّانا عنى، و عليّ أولّنا و أفضلنا و خيرنا بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و اله(3).
و منها: ما رواه أيضا مسندا عن سدير قالت: كنت أنا و أبو بصير و يحيى البزاز و داود بن كثير في مجلس أبي عبد اللّه عليه السّلام إذ خرج إلينا و هو مغضب، فلمّا أخذ مجلسه قال: يا عجبا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب! ما يعلم الغيب إلاّ اللّه عزّ و جلّ، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني فما علمت في أيّ بيوت الدار هي، قال سدير: فلمّا أن قام من مجلسه و صار في منزله دخلت أنا و أبو بصير و ميسر، و قلنا له، جعلنا فداك، سمعناك و أنت تقول كذا و كذا في أمر جاريتك، و نحن نعلم أنّك تعلم علما كثيرا و لا ننسبك إلى علم الغيب.
قال: فقال: يا سدير، ألم تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قال: فهل وجدت في ما قرأت من كتاب اللّه عزّ و جلّ قٰالَ اَلَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ اَلْكِتٰابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ؟ قال: قلت: جعلت فداك قد قرأته، قال: فهل عرفت الرجل؟ و هل علمت ما كان عنده من علم الكتاب؟ قال: قلت: أخبرني به؟ قال: قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر فما يكون ذلك من علم الكتاب؟! قال: قلت: جعلت فداك ما أقلّ هذا، فقال:
يا سدير ما أكثر هذا أن ينسبه اللّه عزّ و جلّ إلى العلم الذي أخبرك به، يا سدير فهل وجدت فيما قرأت من كتاب اللّه عزّ و جلّ قُلْ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتٰابِ؟ قال قلت: قد قرأته جعلت فداك، قال: أفمن عنده علم الكتاب كلّه أفهم أم من عنده علم الكتاب بعضه؟ قلت: لا، بل من عنده علم الكتاب كلّه، قال: فأومأ بيده إلى صدره و قال: علم الكتاب و اللّه كلّه عندنا، علم الكتاب و اللّه كلّه عندنا(1).
1) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج 1 /ص 315 /ح 3.
آية البيّنة أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتٰابُ مُوسىٰ إِمٰاماً وَ رَحْمَةً أُولٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ اَلْأَحْزٰابِ فَالنّٰارُ مَوْعِدُهُ فَلاٰ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ اَلنّٰاسِ لاٰ يُؤْمِنُونَ (هود: (17)
و من الآيات التي تناولت قضية الإمامة و أشارت إلى خصائصها آية البيّنة الواردة في سورة هود، و مطلع الآية استفهام استنكاري ذكر فيهالمبتدأ؟ و حذف الخبر، و المعنى: أنّه ليس من كان على بيّنة كغيره ممن ليس كذلك، فهي نظير قوله تعالى: أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ(1).
و البيّنة: هي الدلالة الواضحة، كما في المفردات للراغب الاصفهاني(2)، و قد كثر استعمالها فيما يتبيّن به غيره كالحجّة و الدليل، بسبب أنّ الامور الواضحة قد تكون سببا لوضوح غيرها مما هو متعلّق بها، و لذا أطلق القرآن الكريم البيّنة على الآيات و البراهين و معجزات الأنبياء، لكونها الدليل الفاصل بين الحقّ و الباطل، كقوله تعالى: قَدْ جٰاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هٰذِهِ نٰاقَةُ اَللّٰهِ لَكُمْ آيَةً(3).
و قوله تعالى حكاية عن نوع عليه السّلام: أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتٰانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوهٰا وَ أَنْتُمْ لَهٰا كٰارِهُونَ(4).
و قوله تعالى حكاية عن قوم هود عليه السّلام: قٰالُوا يٰا هُودُ مٰا جِئْتَنٰا بِبَيِّنَةٍ وَ مٰا نَحْنُ بِتٰارِكِي
آلِهَتِنٰا عَنْ قَوْلِكَ وَ مٰا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (1).
و قوله تعالى حكاية عن صالح عليه السّلام: قٰالَ يٰا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتٰانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اَللّٰهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمٰا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ(2)و قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السّلام: قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرٰائِيلَ(3)و غير ذلك من الموارد القرآنية.
و البيّنة قد تكون عقلية ينتزعها الإنسان من عقله، و قد تكون آية ربانية.
و الظاهر أنّها في المورد الذي نحن فيه إلهية، لأنّ وصف البيّنة بأنّها «من ربّه» يتناسب مع كونها ربانية لا عقلية، و المراد بها هو القرآن الكريم، المعجزة الإلهية الخالدة، و الآية الربّانية الساطعة، و قد تكرّر في القرآن الكريم إطلاق البيّنة و إرادة الكتاب العزيز منها عدّة مرّات، منها قوله تعالى: قُلْ إِنِّي عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ كَذَّبْتُمْ بِهِ مٰا عِنْدِي مٰا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ(4)و قوله تعالى: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنّٰا أُنْزِلَ عَلَيْنَا اَلْكِتٰابُ لَكُنّٰا أَهْدىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جٰاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيٰاتِ اَللّٰهِ(5).
و من هنا يظهر أنّ المراد باسم الموصول المذكور في مطلع الآية: أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ هو الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و اله لأنّه هو صاحب البيّنة المذكورة، و بإتضاح
ذلك تصبح المعاني الاخرى للآية واضحة أيضا، فالضميران في قوله تعالى:
وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ يرجعان إلى اسم الموصول «من» أي إلى الرسول صلّى اللّه عليه و اله مع احتمال أن يكون مرجع الضمير في «يَتْلُوهُ» هو البيّنة.
و الفعل «يتلو» مأخوذ من «التلو» لا «التلاوة»، و حينئذ يكون معنى الآية:
من كان على بيّنة هي القرآن، و يتبعه بلا فصل شاهد منه أي من نفس النبي صلّى اللّه عليه و اله، و في هذا تشريف بيان لمنزلة الشاهد من جهتين: جهة موالاة الشاهد للنبيّ بحيث يكون تاليا له، وجهة التبعيض و كون الشاهد من نفس النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و مثل هذه المنزلة لا يمكن أن تنطبق إلاّ على أوحدي من امّة الرسول صلّى اللّه عليه و اله و صحابته، و ليس بإمكان أحد أن يفسر الشاهد بأمثال عبد اللّه بن سلام.
قوله تعالى: أُولٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ أي اولئك المؤمنون، و قد يكون المراد المؤمنون و الشاهد و صاحب البيّنة، فتكون الآية بمثابة قوله تعالى: آمَنَ اَلرَّسُولُ بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ...(1).
و قد تكون الجملة في مقام تسلية النبي صلّى اللّه عليه و اله عن طريق إخباره بأنّ أهل الكتاب يؤمنون به، نظير قوله تعالى: وَ كَذٰلِكَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ اَلْكِتٰابَ فَالَّذِينَ آتَيْنٰاهُمُ اَلْكِتٰابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ مِنْ هٰؤُلاٰءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَ مٰا يَجْحَدُ بِآيٰاتِنٰا إِلاَّ اَلْكٰافِرُونَ(2).
و قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ آتَيْنٰاهُمُ اَلْكِتٰابَ يَفْرَحُونَ بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مِنَ اَلْأَحْزٰابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ(3)و قوله تعالى: اَلَّذِينَ آتَيْنٰاهُمُ اَلْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَ إِذٰا يُتْلىٰ
عَلَيْهِمْ قٰالُوا آمَنّٰا بِهِ إِنَّهُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّنٰا إِنّٰا كُنّٰا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (1).
قوله تعالى: فَلاٰ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ أي في شك منه، و المخاطب بهذا الخطاب هو النبي صلّى اللّه عليه و اله، إلاّ أنّه على نحو «إيّاك أعني و اسمعي يا جارة»، فالمخاطب و إن كان هو النبيّ صلّى اللّه عليه و اله إلاّ أنّ المقصود بالخطاب هو سائر الناس، لعدم إمكانية نسبة الشك إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و اله، و قد روى عبد اللّه بن بكير عن أبي عبد اللّه قال: «نزل القرآن بإيّاك أعني و اسمعي يا جارة»(2).
و لهذه الآية نظائر في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: أَ فَغَيْرَ اَللّٰهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَ هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ اَلْكِتٰابَ مُفَصَّلاً وَ اَلَّذِينَ آتَيْنٰاهُمُ اَلْكِتٰابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاٰ تَكُونَنَّ مِنَ اَلْمُمْتَرِينَ(3)و قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّٰا أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ فَسْئَلِ اَلَّذِينَ يَقْرَؤُنَ اَلْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جٰاءَكَ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاٰ تَكُونَنَّ مِنَ اَلمُمْتَرِينَ(4)و قوله تعالى: اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاٰ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(5)و قوله تعالى:
اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاٰ تَكُنْ مِنَ اَلْمُمْتَرِينَ (6).
معطيات الآية الكريمة:
و رغم البعد الظاهري عن موضوع الإمامة إلاّ أنّنا إذا تدبّرنا الآية جيّدا وجدناها تنطوي على دلالات بالغة الأهمية بالنسبة إلى هذا الموضوع، و هي:
1 - إنّ وصف الشاهد بأنّه من صاحب البيّنةأي من الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه و اله كما هو البعض جزء من الكلّينطبق على أهل البيت عليهم السّلام المذكورين في آية التطهير، و هذا يتساوق مع ما جرى عليه خط النبوّات من جعل النبوّة و الإمامة في نطاق نسبي متقارب.
2 - إنّ هذا الشاهد يأتي تلو الرسول، بل سيأتي في معطيات آية المباهلة أنّه بمنزلة نفس الرسول صلّى اللّه عليه و اله، و قد مرّ في آية علم الكتاب أنّ شهادة هذا الشاهد تساوق شهادة اللّه سبحانه.
كلّ ذلك على فرض أن يكون الضمير في «يتلوه» راجعا إلى صاحب البيّنة أي إلى الرسول صلّى اللّه عليه و اله، أمّا لو كان الضمير راجعا إلى البيّنة نفسهاأي إلى القرآنفحينئذ يكون مضمون الآية مطابقا لمضمون حديث الثقلين الذي جعل العترة عدلا لكتاب اللّ و مفسّرة له.
3 - و الشهادة هنا لا بد أن تكون شهادة التأدية الناشئة عن مشاهدة سابقة لموضوع معين و حضور في الواقعة التي يراد الشهادة لها، أي أنّ أداء الشهادة يفترض مسبقا تحمّل الشهادة، و اختصاص الشهادة بفرد معيّن له تلك الخصوصيات «وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ» يدل على أنّ التحمّل المقصود ليس ناشئا عن مجرد الإيمان بالنبوّة، لأنّ هذا المعنى يشترك فيه الكثير من أتباع الرسول صلّى اللّه عليه و اله، فلا بد أن يكون التحمّل المقصود هو الشهود لحقيقة النبوّة و رؤية جبرئيل حامل الوحي الذي كان يهبط على النبيّ صلّى اللّه عليه و اله، و هو ما يمكن أن ينفرد به هذا الشاهد عن غيره، و يصحّح نسبة تلك الخصائص الرفيعة له.
و هذا المطعى الذي توصلنا إليه عبر الاستنتاج، يؤيده قول الرسول صلّى اللّه عليه و اله
للإمام علي عليه السّلام «انك تسمع ما أسمع و ترى ما أرى» كما جاء في الخطبة القاصعة الواردة في نهج البلاغة(1)، و ما روي عن الصادق عليه السّلام أنه قال: كان علي عليه السّلام يرى مع النبي صلّى اللّه عليه و اله قبل الرسالة الضوء و يسمع الصوت.
و قال له الرسول صلّى اللّه عليه و اله: «لو لا أني خاتم الانبياء لكنت شريكا في النبوة»(2).
4 - إن الغرض من الشهادة هو إزالة الريب و الشك عن المدّعى، و هذا ما يتطلّب الثقة بنزاهة و ضبط الشاهد لموضوع شهادته، و درجة الثقة تتناسب تناسبا طرديا مع أهمية موضوع الشهادة، فكلّما كان ذلك الموضوع مهمّا كلّما كانت الوثاقة المطلوبة في الشاهد أعلى حتى يصل الأمر الى أعظم درجات الأهمية و و هو النبوّة و الرسالة، فتكون الوثاقة المطلوبة بنزالة و ضبط الشاهد أقصى ما يمكن، و ليست تلك الدرجة إلاّ العصمة عن الخطأ و السهو و النسيان، و هكذا تثبت عصمة الشاهد.
5 - اذا جمعنا بين آية البيّنة و آية علم الكتاب، وجدنا أنّ الشاهد المذكور في الاولى هو نفس من عنده علم الكتاب المذكور في الثانية.
هذه خلاصة المعطيات التي يمكن استفادتها من الآية، و هي بلا شك ذات علاقة وطيدة بنظرية الإمامة في القرآن الكريم لإنطباقها على أئمّة أهل البيت عليهم السّلام، و كونها تتحدّث عن أبعاد و خصوصيات الإمامة فيهم.
و تنطبق على هذا المعنى الذي توصّلنا إليه روايات كثيرة وردت من طرق الفريقين، و دلّت على أنّ الشاهد المقصود في الآية هو الإمام عليّ عليه السّلام.
فمما روي عن السّنة، ما رواه موفّق بن أحمد الخوارزمي، قال: كتب عمرو بن سعد بن أبي العاص الى معاوية في ردّ مكاتبته إليه في طلبه الإعانة على قتال أمير المؤمنين عليه السّلام، كتب إليه:
«من عمرو بن سعد بن أبي العاص صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله الى معاوية بن أبي سفيان، و قد علمت يا معاوية ما أنزل اللّه تعالى في كتابه فيه من الآيات المتلوّات في فضائله التي لا يشركه فيها أحد، كقوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ و إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ، أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ و قد قال اللّه تعالى:
رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اَللّٰهَ عَلَيْهِ و قد قال اللّه تعالى لرسوله: قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ سلمك سلمي وحربك حربي، و تكون أخي و وليّي في الدنيا و الآخرة، يا أبا الحسن من أحبّك فقد أحبّني، و من أبغضك فقد أبغضني، و من أبغضني أدخله اللّه النار، و كتابك يا معاوية الذي هذا جوابه ليس مما ينخدع به من له عقل أو دين، و السلام»(1).
و منها: ما رواه الخوارزمي أيضا قوله تعالى: أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ
1) البحراني، هاشم، غاية المرام: ص 359 /ح 1، نقلا عن المناقب للخوارزمي: ص 129-130. باختلاف يسير.
شٰاهِدٌ مِنْهُ قال ابن عباس: هو عليّ عليه السّلام يشهد للنبيّ صلّى اللّه عليه و اله و هو منه(1).
و منها: ما عن الحمويني مسندا عن زاذان قال: سمعت عليّا عليه السّلام يقول:
و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة لو كسرت لي و سادةيقول: ثنيتفاجلست عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم، و بين أهل الزبور بزبورهم، و بين أهل القرآن بفرقانهم، و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي إلاّ و أنا أعرف آية تسوقه الى جنّة أو تقوده الى نار، فقام رجل فقال: أيش(2)نزل فيك؟ فقال عليّ عليه السّلام: أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله على بيّنة من ربّه، و يتلوه، أنا شاهد منه(3).
و قريب منه باختلاف يسير ما رواه الثعلبي عن السبعي(4).
و منها: ما عن الحمويني أيضا عن ابن عباس: أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ عليّ عليه السّلام خاصة(5).
و رواه الثعلبي في تفسيره مسندا عن ابن عباس(6).
و منها: ما رواه أبو نعيم الحافظ بثلاثة طرق عن عباد بن عبد اللّه الأسدي في
1) البحراني، هاشم، غاية المرام: ص 359 /ح 2، نقلا عن المناقب للخوارزمي: ص 197 باختلاف يسير، حيث نقل عن ابن عباس قوله: إنّه هو عليّ عليه السّلام أوّل من شهد للنبيّ صلّى اللّه عليه و اله و هو منه.
2) يعني: أي شيء.
3) المصدر السابق: ص 359 /ح 4، نقلا عن فرائد المسمطين: ج 1 /ص 338-339 باختلاف يسير عمّا هو مذكور هنا.
4) المصدر السابق: ص 360 /ح 9.
5) المصدر السابق: ص 359 /ح 3، نقلا عن فرائد المسطين: ج 1 /ص 338.
6) المصدر السابق: ص 360، ح 8.
خبر، قال: سمعت عليا عليه السّلام يقول: أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله على بيّنة من ربّه، و أنا شاهد.
و رواه النظيري في الخصائص، و حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، و القاضي عثمان بن أحمد و أبو نصر العشير في كتابيهما، و الفلكي المفسر عن مجاهد و عبد اللّه بن شدّاد(1).
و أمّا عن طرق الشيعة فروايات متظافرة أيضا:
منها: ما عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين، عن عبد اللّه بن حماد، عن أبي الجارود، عن الاصبغ بن نابتة، قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام:
لو كسرت لي الوسادة فقعدت عليها لقضيت بين أهل التوراة بتوارتهم، و أهل الإنجيل بإنجيلهم، و أهل الفرقان بفرقانهم، بقضاء يصعد إلى اللّه يزهر، و اللّه ما نزلت آية في كتاب اللّه في ليل أو نهار إلاّ و قد علمت في من انزلت، و لا أحد مرّ على رأسه المواسي إلاّ و قد نزلت آية فيه في كتاب اللّه تسوقه إلى الجنّة أو النار، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين فالآية التي نزلت فيك؟ قال: أما سمعت اللّه يقول: أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ؟ فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله على بيّنة من ربّه، و أنا شاهد له منه، و أتلوه معه(2).
و منها: ما عن الشيخ في أماليه بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السّلام قام يوم الجمعة يخطب على المنبر فقال: و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي إلاّ و قد نزلت فيه آية من كتاب اللّه عزّ و جلّ أعرفها كما أعرفه.
فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، ما آيتك التي نزلت فيك؟
فقال: إذا سألت فافهم و لا عليك أن لا تسأل عنها غيري! أقرأت سورة هود؟
فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أفسمعت قول اللّه عزّ و جلّ يقول: أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ؟ قال: نعم، قال: فالذي على بيّنة من ربّه محمد صلّى اللّه عليه و اله و يتلوه شاهد منه، و هذا الشاهد هو منه و هو عليّ بن أبي طالب، و أنا الشاهد، و أنا منه(1).
و منها: ما عن الشيخ في مجالسه مسندا عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه علي بن الحسين عن الحسن عليهم السّلام في خطبة طويلة خطبها بحضور معاوية و قال عليه السّلام:
أقول: معشر الخلائق و لكم أفئدة و أسماع، و هو إنا أهل بيت أكرمنا اللّه بالإسلام و اختارنا و اصطفانا و اجتبانا، فأذهب عنّا الرجس و طهّرنا تطهيرا، و الرجس هو الشك، فلا نشك في اللّه الحقّ و دينه أبدا، و طهّرنا من كلّ أفن و عيبة مخلصين الى آدم نعمة منه، لم يفترق الناس فرقتين إلاّ جعلنا اللّه في خيرهما، فأدّت الامور إلى أن بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه و اله للنبوّة و اختاره للرسالة و أنزل عليه كتابه، ثم أمره بالدعاء إلى اللّه عزّ و جلّ، فكان أبي عليه السّلام أوّل من استجاب للّه تعالى و لرسوله، و أوّل من آمن و صدّق اللّه و رسوله، و قد قال اللّه تعالى في كتابه المنزل على نبيّه المرسل: أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله الذي على بيّنة من ربّه، و أبي عليه السّلام الذي يتلوه، و هو شاهد منه(2)- الخطبة.
و منها: ما عن العياشي عن بريد بن معاوية العجلي عن أبي جعفر عليه السّلام قال:
الذي على بيّنة من ربّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله، و الذي تلاه من بعده الشاهد منه أمير المؤمنين عليه السّلام ثم أوصياؤه واحدا بعد واحد(1).
و منها: ما رواه العياشي أيضا عن جابر بن عبد اللّه بن يحيى قال: سمعت عليا عليه السّلام و هو يقول: ما من رجل من قريش إلاّ و قد انزت فية آية أو آيتان من كتاب اللّه، فقال له رجل من القوم: فما انزل فيك يا أمير المؤمنين؟
فقال: أما تقرأ الآية التي في هود أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ؟ محمد صلّى اللّه عليه و اله على بيّنة من ربّه، و أنا الشاهد(2).
آية المباهلة فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللّٰهِ عَلَى اَلْكٰاذِبِينَ (آل عمران: (61)
و من الآيات ذات العلاقة بقضية الولاية آية المباهلة الواردة في قضية نصارى نجران و محاجّتهم مع النبي صلّى اللّه عليه و اله.
المحاجّة هي تبادل الحجّة، و يقصد بها إثبات المدّعى سواء كان دليلا حقا أو مغاطلة باطلة، و أمّا المباهلة فمأخوذة من الابتهال بمعنى الاسترسال في الدعاء و التضرّع، و قيل: إنها كلمة مأخوذة من البهلة أي اللعنة.
إنّ آية المباهلةمسبوقة بقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسىٰ عِنْدَ اَللّٰهِ كَمَثَلِ آدَمَ...
الذي جاء لقطع حجّة النصارى و إبطال دعواهم بأنّ المسيح ابن اللّه، استنادا لكونه عليه السّلام قد ولد من غير أب، فالآية تقول لهم: بأنّ انعدام الأب لا يدل على الوهيّة الابن، و لو كان الأمر كذلك لكان آدم أحق بالالوهيّة من السيد المسيح، إذ أنّ آدم عليه السّلام لم يكن مسبوقا باب و لا امّ و مع ذلك لم يكن ابناء للّه و لا متّحدا معه، و كذلك الأمر في عيسى بن مريم عليهما السّلام، و اضافة إلى كونه هذا الحجّة و حيا إلهيا بالغ الدلالة فإنّها كانت أيضا دليلا عقليا محكما لإبطال تلك الدعوى، و إقناع أصحابها بعدم صحتها، لو كانوا يحظون بمسكة من التفكير و قدر من التعقّل الحرّ.
و بدلا عن التراجع إلى الحقّ و حكم العقل ظلّ هؤلاء يصرّون على الخطأ
و يتشبّثون بالجدل، فجاءت المباهلة كطريق أخير لإسكات صوتهم و إيقافهم عند حدّهم، و نزلت الآيات لتقول للنبيّ صلّى اللّه عليه و اله بأن محاجّة هؤلاء إن استمرّت رغم هذا الدليل القاطع فأعرض عليهم المباهلة و تسليم الأمر للّه سبحانه حتى يؤيّد الصادقيق و يدحض الكاذبين.
و كان العرض نوعا من التّحدي و اختبار الثقة و النوايا، و قد شكّل منعطفا تأريخيا حاسما في مسيرة الإسلام و صراعه مع الخصوم، و تأكيدا منهاعلى التّحدي و اختبار مدى اطمئنان الطرف المقابل بدعواه، طلبت الآيت من الطرفين إحضار الخواصّ من الأهل و الأبناء، ليكون ذلك أدعى لتزلزل المرتاب و تراجعه من جهة، و يكون الصدق و الثقة بالنفس و الاطمئنان بالموقف عند النبيّ صلّى اللّه عليه و اله بأجلى حالاته أمام الخصم من جهة اخرى، بما قد يساعد على هزيمة الخصم قبل النزال.
و ممّا يلاحظ في الآية أنّها قدّمت ذكر الأبناء و النساء على الأنفس وهي الخاصّة.
و ذلك مزيدا من التّحدي للخصم و مزيدا من البيان لشدّة الإطمئنان و الثقة بالموقف، بحيث يبدي الاستعداد للتضحية بالأبناء و النساء قبل التضحية بالخاصّة، باعتبار أنّ الإنسان يعتني بحفظ أبنائه و تأخذه الغيرة على نسائه أكثر ممّا يعتني بخاصته.
و قد اتفقت الروايات و أطبق المفسّرون و المؤرّخون على أنّ الدعوة حينما تمّت و وافق النصارى عى ذلك حضر النبيّ صلّى اللّه عليه و اله بنفسه، و دعا عليّا
و الحسن و الحسين و فاطمة عليهم السّلام للحضور فحضروا، و لم يدع غيرهم، و حينما نظر النصارى إلى هؤلاء الصفوة، تراجعوا عن المباهلة و أخذتهم الخشية على أنفسهم، و اقترحوا أن يعطوا الجزية للنبيّ صلّى اللّه عليه و اله فقبل النبيّ ذلك منهم.
و ليست هناك من شك في أنّ الآيات تدل على منزلة رفيعة و فضل عظيم لأهل البيت عليهم السّلام بحيث لا يباهل النبيّ صلّى اللّه عليه و اله خصومه في ظرف حرج و حساس للغاية إلاّ بهم، و قد اعترف بذلك الفضل أكابر المفسّرين و المحدّثين من السّنة.
فقد قال العلاّمة الجصّاص في «أحكام القرآن»: «نقل رواة السير و نقلة الأثر - لم يختلفوا فيهأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أخذ بيد الحسن و الحسين و عليّ و فاطمةرضي اللّه عنهمثم دعا النصارى الذين حاجّوه إلى المباهلة، فأحجموا عنها، و قال بعضهم لبعض: إن باهلتموه اضطرم الوادي عليكم نارا، و لم يبق نصراني و لا نصرانية إلى يوم القيامة»(1).
و قال الفخر الرازي في تفسيره بعد نقل رواية مماثلة في ذلك: «إعلم أنّ هذه الرواية كالمتّفق على صحّتها بين أهل التفسير و الحديث»(2).
و قال في الكشاف: «فيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السّلام»(3).
و قال الآلوسي في «روح المعاني» بعد نقل الرواى: «و دلالتها على فضل
آل اللّه و رسوله مما لا يمتري فيها مؤمن، و النصب جازم الإيمان» الى أن قال:
«و النواصب زعموا أنّ ما وقع منه صلّى اللّه عليه و اله كان لمجرد إلزام الخصم و تبكيته، و أنّه لا يدل على فضل اولئكعلى نبيّنا و عليهم أفضل الصلاة و أكمل السلام - و أنت تعلم أنّ هذا الزعم ضرب من الهذيان و أثر من مسّ الشيطان.
و ليس يصح في الأذهان شيء *** إذا احتاج النهار الى دليل»(1)
إنّ دلالة الآية على فضل أهل البيت عليهم السّلام و منزلتهم عند اللّه سبحانه أوضح من أن تحتاج إلى بيان و تقريب، لأنّ إشراكهم في المباهلة يعني إشراكهم في التحدّي، و الاعتماد على منزلتهم عند اللّه سبحانه بحيث تكون موجبة لفضح الأعداء و نزول النقمة الإلهية عليهم، على غرار ما يحصل في المعارك الفاصلة عندما يقوم القائد بانتقاء أفضل أتباعه و تسليمهم السمؤوليات المهمة.
و من الملاحظ أنّ الآية استخدمت صيغة الجمع حينما دعت إلى المباهلة حيث طالبت بحضور أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ.
و هذا يقتضي إحضار ما لا يقل عن ثلاثة أفراد من كلّ عنوان، كما هو مقتضى صيغة الجمع، و الشيء الذي أكّده التاريخ الصحيح و الحديث الصحيح أيضا أنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله حينما قام بامتثال الأمر الإلهي اكتفى بإحضار الإمام عليّ و الحسن و الحسين و فاطمة عليهم السّلام و هذا يدل على أنّ هؤلاء كانوا يمثّلون صفوة الامة و أخصّ الخاصّة و أحب الخلق إلى قلب النبيّ صلّى اللّه عليه و اله، حيث إنّه طبق عنوان الأبناء على الحسن و الحسين عليهما السّلام و عنوان (نِسٰاءَنٰا) على فاطمة الزهراء، و عنوان
1) الآلوسي، روح المعاني: ج 3 /ص 190.
(أَنْفُسَنٰا) عليه و على أمير المؤمنين عليهما السّلام مع أنّه كان بإمكانه أن يدخل زوجاته في عنوان (نسائه) و يدخل بعض صحابته في أفراد هذه العناوين؟ و أنّ هذه العناوين لا تنطبق على غيرهم فيحسبات النبيّ صلّى اللّه عليه و اله؟
إنّ المنطق السليم يستنتج من دخول السيدة الزهراء في عنوان (نِسٰاءَنٰا) دون غيرها، و استبعاد زوجات النبيّ للائي ربّما كنّ أقرب لغويا إلى هذا العنوان من السيدة الزهراء، و من دخول الإمام عليّ في عنوان (أَنْفُسَنٰا) دون سواه من الصحابة، أنّ لهذه السيدة و ذلك الإمام فضلا و منزلة بحيث يكونان بالدرجة الثانية من بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و اله في هذه الامة خاصة في انطباق عنوان «النفس» على الإمام عليّ عليه السّلام و هو انطباق أكيد دلّت عليه الآية بصراحة، و أيّدته الروايات المروية بطرق الفريقين القائلة بأنّ الرسول صلّى اللّه عليه و اله قال يوما لعليّ:
«أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي»(1)و قوله صلّى اللّه عليه و اله: «أنت منّي و أنا منك»(2)و قوله صلّى اللّه عليه و اله: «عليّ نفسي فمن رأيته يقول في نفسه شيئا؟»(3).
و قد احتجّ الإمام عليّ عليه السّلام بهذه الفضيلة يوم الشورى، و اعترف القوم بها و لم ينكروا عليه ذلك، و لو كان هناك مجال للإنكار لأنكره المولعون بإنكار
1) أنهى البحراني في غاية المرام الروايات الواردة عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و المشتملة على هذه العبارة من طرق السنة الى مائة حديث و من طرق الشيعة الى سبعين حديثا. غاية المرام: ص/ 109-152.
2) ذكره الترمذي في الجزء الخامس من سننه: ص 636 هكذا «علي مني و انا من علي»، و ذكره الحاكم في المستدرك: ج 3 /ص 130 بالصورة المذكورة في المتن، و ذكره في ص 119 هكذا «إنّ عليا مني و أنا منه» و قال: صحيح على شرط مسلم، و ذكره النسائي في سننه: ج 5 /ص 127، و ورد في صحيح البخاري: ج 4 / ص 22.
3) اللئالئ المصنوعة: ج 1 /ص 198.
فضائله أمثال ابن تيمية الذي اعترف بصحّة الحديث القائل بأنّ نفس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله في الآية هو عليّ عليه السّلام، إلاّ أنّه حاول التقليل من شأنه ذلك و عدم دلالته على مزيّة غير مزيّة القرابة، ثم التفت إلى أنّه هذه المزيّة مشتركة بينه و بين عمّه العباس، و أنّ العمّ أقرب من ابن العمّ، فلماذا اختار النبيّ صلّى اللّه عليه و اله عليّا و لم يختر العباس عمّه؟
ثم أجاب عن ذلك: بأنّ العباس لم يكن من السابقين الأولين و لا كان له به اختصاص كعليّ»(1)فاضطرّ إلى الاعتراف بأنّ الملاك في تنزيل الإمام عليّ بمنزلة نفس الرسول صلّى اللّه عليه و اله ليس هو القرابة فقط، بل السبق إلى الإسلام و الاختصال بالنبيّ صلّى اللّه عليه و اله، ثمّ إنّ المؤمن يتعبّد بالنصوص و ليس له شأن باستنتاج الملاكات و المناطات، و علينا باتّباع النصوص التي جعلت عليّا بمنزلة نفس النبيّ صلّى اللّه عليه و اله.
ثمّ إنّ دخول الأبناء و النساء في المحاجّة حول النبوّة و الرسالة دليل على أنّ لهؤلاء شأنا في ذلك و مدخلية في أمر الرسالة، بحيث يشاركون النبيّ صلّى اللّه عليه و اله في محاجّاته و مباهلاته و منعطفات حياته الحاسمة و المصيرية، و إذا جمعنا بين ذلك و بين آية وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ الدالة على وجود شاهد من نفس النبيّ يتلوه في المرتبة و يشاركه في مهامّ الرسالة، اتّضح لنا نوع المدخلية و الشأنّ الذي كان لأهل البيت عليهم السّلام في أمره المباهلة، و هو ما يتأكّد أكثر عندما نلاحظ قوله
1) ابن تيمية، أحمد عبد الحليم، منهاج السّنة النبوية: ج 4 /ص 34-35.
تعالى: قُلْ هٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللّٰهِ عَلىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اِتَّبَعَنِي(1).
و تؤيّده الروايات الواردة في ذلك، و يقتضيه إطلاق التنزيل في قوله صلّى اللّه عليه و اله لعلي عليه السّلام: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى».
كما أنّ قوله تعالى في ذيل آية المباهلة: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللّٰهِ عَلَى اَلْكٰاذِبِينَ(2).
يراد به الكاذبون المفترض وجودهم في أحد طرفي المحاجّة و المباهلة، و مقتضى صيغة الجمعالكاذبينأن يكون المدّعي في كلا الجانبين أكثر من واحد و إلاّ لكان حقّ الكلام أن يقال مثلا: «فنجعل لعنة اللّه على من هو كاذب» حتى صحّ انطباقه على الفرد أيضا.
و حينما يتمثّل الطرفان كلّ منهما في جماعة فلا بدّ أن يكون الأمر الدائر في كلّ جماعة أمرا مشتركا بين أفراد الجماعة بنحو من الاشتراك، و حيث كان النصارى المباهلون للنبيّ صلّى اللّه عليه و اله يشارك بعضهم بعضا في إنكار الرسالة الاسلامية و البعثة المحمدية فلا بدّ أن يكون الحاضرون مع النبيّ صلّى اللّه عليه و اله في المباهلة مشاركين له بنحو ما في أمر الرسالة، و هذه المشاركة هي التي أوجبت انتخابهم و حضورهم إلى جانبه في المباهلة، و لا بدّ أن تكون المشاركة نوعا أرفع من مجرّد الإيمان بالإسلام و اتّباع النبيّ صلّى اللّه عليه و اله لأنّ هذا المعنى ليس خاصّا بأهل البيت عليهم السّلام الذين يدل حضورهم في المباهلة على مواقع نوعية ممتازة على صعيد الرسالة الاسلامية، و ليست تلك إلاّ مواقع الإمامة، و هذا ما نبّه عليه الاستاذ العلاّمة الطباطبائي قدّس سرّه(3).
و لو أغمضنا النظر عن هذا التفسير فإنّ الروايات الواردة بشأن الآية بلغت من الصحّة مبلغا قليلا ما يتّفق لحادثة تأريخية معينة بحيث لم يرد تشكيك فيها من قبل أيّ من أعلام الامّة، حتى قال الزمخشري: «فيه دليل ليس أقوى منه على فضل أصحاب الكساء» و جعل الآلوسي إنكار ذلك ضربا من الهذيان و أثرا من مسّ الشيطان، و قال: «و النصب جازم الإيمان» إشارة الى أنّ الدافع الى إنكار فضل أهل البيت عليهم السّلام المستفاد من الآية ليس إلاّ النصب و العداوة لهم، مع التصريح بأنّ النواصب هم الذين درجوا على مثل هذه التسويلات.
إنّ التشكيك في فضيلة رواهاجمّ غفير من الصحابة، كجابر بن عبد اللّه، و البراء بن عازب، و أنس بن مالك، و عثمان بن عفان، و عبد الرحمن بن عوف، و طلحة، و الزبير، و سعد بن أبي وقاص، و عبد اللّه بن عباس، و أبي رافع مولى النبيّ صلّى اللّه عليه و اله، و لحقهم على روايتها جمع من التابعين كالسدّي، و الشعبي، و الكلبي، و أبي صالح، و أطبق المحدّثون و المؤرّخون و المفسّرون على إيداعها في موسوعاتهم، كمسلم(1)، و الترمذي(2)و الطبري(3)، و أبي الفداء(4)،
و السيوطي في تاريخ الخلفاء(1)، و الزمخشري، و الرازي، مع الإذعان منهم جميعا بصحة هذه الروايات. إنّ التشكيك في فضيلة حظيت بوضوح تأريخي كهذا يقود أصحابه إلى السفسطة و هدم التأريخ، لأنّ مثل هذا التشكيك إن كان جائزا و مقبولا فعلى أيّ رواية يمكن الاعتماد؟
و بأي سنّة يصح التعبّد؟ و هل هو إلاّ رفض للسنّة، و بالتالي هدم لأساس الدين و غلق لباب معرفة الأحكام و الشرائع و التفاصيل التي تكفّلت السنّة النبوية المطهرة بإيضاحها؟!
و لذا فإن هذا التشكيك يبدو لذوي السلائق المعتدلة فرضا خياليا لا يتطيع أحد ارتكابه، لكنّه قد حصل فعلا، حيث علّق صاحب تفسير المنار على تلك الروايات بعد اعترافه باتّفاقها على اختيار النبيّ لأهل بيته في المباهلة بما لفظه «و مصادر هذه الروايات الشيعية و مقصدهم منها معروف، و قد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا حتى راجت على كثير من أهل السنّة، و لكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية، فإنّ كلمة (نِسٰاءَنٰا) لا يقولها العربي و يريد بها بنته لا سيما إذا كان له أزواج، و لا يفهم هذا من لغتهم، و أبعد من ذلك أن يراد ب (أَنْفُسَنٰا) عليّعليه الرضوان -، ثم إنّ و فد نجوان الذين قالوا إنّ الآية نزلت فيهم لم يكن معهم نساؤهم و أولادهم»(2).
و غاية ما نستطيعه من الإعذار و حسن الظنّ هو توجيه هذا التشكيك بأنّه ينبعث من الزعم بعدم المطابقة بين تلك العناوين و الأفراد الذين نسبت
الفضيلة لهم، و على أساس هذا الزعم اتّهم المؤلف الشيعة بوضع تلك الأحاديث، و لكن من الذي يوافقه على هذا الاتّهام و المغالطة التأريخية الفاحشة التي إذا قبلت منه فستكون النتيجة انهدام التاريخ و السنّة النبوية، و كان الأحرى بهو هو يواجه ما يعتقده مشكلة علميةأن يعمل على ايجاد حلّ لهذه المشكلة، فإنّ هذا السلوك أقرب الى النهج العلمي الموضوعي من إنكار روايات حظيت بوضوح تاريخي قلّ مثيله، و أطبق على صحتها الصحابة و التابعون و علماء الفريقين من مفسّرين و مؤرّخين و محدّثين، و لو أنّه سلك هذا الطريق لاهتدى بيسر الى أنّ الآية لم تستعمل (نِسٰاءَنٰا) بمعنى البنت (وَ أَنْفُسَنٰا) بمعنى الغير و هو علي عليه السّلام، بل المراد أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله في مقام امتثال الأمر الإلهي لم يأت إلاّ بالسيدة الزهراء و الإمام عليّ، ففهم من ذلك أنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله قد طبق هذين العنوانين عليهما عليهما السّلام دون غيرهما، و كان غرضه بيان المصداق لا معنى اللفظ، و كذا ما استشكله من عدم وجود النساء و الأبناء مع نصارى نجران الذين باهلوه، فإنّ هذا الإشكال يكون مقبولا لو كان المراد باسم الموصول «من» في قوله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ هو وفد نجران خاصة، و ليس الأمر كذلك، لأنّ المراد باسم الموصول «من» عنوان عامّ شامل لكلّ من يحاجّه من النصارى في أمره النبوّة و الرسالة، و لا شك أنّ فيهم أبناء و نساء، لكن الذين خرجوا إلى المباهلة و استجابوا لها كانوا هم وفد نجران فقط، و هذا لا يعني اختصاص اللفظ بمن حضر منهم، و إنّما يعني أنّ الحضور من النصارى كانوا بعض المعنيين بالمحاجّة و بتعبير أدق: إنّ الحاضرين كانوا أفرادا من بعض
العناوين دون العناوين الاخرى.
و لو كان هذا الاشكال واردا لأورده من هو أكثر أصالة في العربية و براعة في الأدب و مهارة في معرفة أساليب الكلام و نقد كلمات الادباء و البلغاء، و هم نقلة هذه الروايات، و المؤرّخون و المفسّرون و المحدّثون الذين تعاهدوها بالدرس و التفسير و التدوين دون أن يتوقّف فيها أحد منهم.
و اليك نماذج ممّا رواه الفريقان في هذا المجال:
فمنها: ما رواه أبو نعيم الحافظ بإسناده عن الشعبي عن جابر قال: قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله العاقب و الطيب، فدعاهما إلى الإسلام، فقالا: أسلمنا يا محمد، فقال: كذبتما، إن شئتما أخبرتكما ما يمنعكما من الإسلام؟ فقالا: هات الينا، قال: لحب الصليب و شرب الخمر و لحم الخنزير، قال جابر: فدعاهم الى الملاعنة، فواعداه الى أن يغادياه بالغداة، فغدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و أخذ بيد عليّ و الحسن و الحسين و فاطمة عليهم السّلام فأرسل اليهما، فأبيا أن يجيباه و أقرّا له، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: و الذي بالحقّ لو فعلا لأمطر عليهم الوادي نارا.
قال جابر: فيهم نزلت نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ.
قال جابر: (أَنْفُسَنٰا) رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و عليّ عليه السّلام و (أَبْنٰاءَنٰا) الحسن و الحسين عليهما السّلام، (نِسٰاءَنٰا) فاطمة عليها السّلام(1).
و عن ابن المغازلي في المناقب(2)و الحمويني في فرائد السمطين مثله(3).
و روى ذيله ابن الصبّاغ المالكي عن جابر، و عن الحاكم في مستدركه عن علي بن عيسىو قال: صحيح على شرط مسلم(1)- و عن أبي داود الطيالسي عن شعبة الشعبي(2).
و منها: ما روى مسلم في صحيحه، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال: ما يمنعك أن تسبّ أبا تراب؟ قال: أمّا ما ذكرت فثلاث قالهن له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فلن أسبّه، لأن يكون لي واحدة منهن أحبّ اليّ من حمر النعم، سمعت رسول اللّه يقول حين خلّفه في بعض مغازيه، فقال له علي عليه السّلام: يا رسول اللّه خلفتني مع النساء و الصبيان؟ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: أما ترضى ن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي، و سمعته يقول يوم خيبر: لا عطين الراية رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله، قال:
فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليّا، فأتي به أرمد العين، فبصق في عينيه و دفع الراية إليه، ففتح اللّه على يده، و لما نزلت هذه الآية فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ(3)دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله عليّا و فاطمة و حسنا و حسينا، و قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي(4).
و رواه أبو المؤيّد الموفّق بن أحمد الخوارزمي في كتاب «فضائل
علي عليه السّلام»(1)و ابن الصباغ المالكي في «الفصول المهمة»(2).
و منها: ما روى علي بن ابراهيم في تفسيره عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّ نصارى نجران لمّا و فدوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و كان سيّدهم «الأهثم» و «العاقب» و «السيد» و حضرت صلاتهم، فأقبلوا يضربون الناقوس و صلّوا، فقال أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: يا رسول اللّه، هذا في مسجدك؟ فقال: دعوهم، فرغوا دنوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فقالوا له: إلى ما تدعونا؟ فقال: إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، و أنّي رسول اللّه، و أنّ عيسى عبد مخلوق يأكل و يشرب و يحدث، فقالوا: من أبوه؟ فنزل الوحي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فقال: قل لهم ما تقولون في آدم؟ أكان عبدا مخلوقا يأكل و يشرب و يحدث و ينكح؟ فسألهم النبيّ صلّى اللّه عليه و اله فقالوا: نعم، فقال: فمن أبوه؟ فبهتوا، فأنزل اللّه إِنَّ مَثَلَ عِيسىٰ عِنْدَ اَللّٰهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرٰابٍ ثُمَّ قٰالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ إلى قوله فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللّٰهِ عَلَى اَلْكٰاذِبِينَ(3).
فقال رسول الّه صلّى اللّه عليه و اله: فباهلوني، فإن كنت صادقا نزلت اللعنة عليكم، و إن كنت كاذبا نزلت عليّ، فقالوا: أنصفت، فتواعدوا للمباهلة، فلمّا رجعوا إلى منازلهم قال رؤوسهم السيد و العاقب و الأهثم: إن باهلنا بقومه باهلناه، فإنّه ليس بنبيّ، و إن باهلنا بأهل بيته خاصة فلا نباهله، فإنّه لا يقدم على أهل بيته إلاّ و هو صادق.
فلمّا أصبحوا جاءوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و معه أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام، فقال النصارى: من هؤلاء؟
فقيل لهم: هذا ابن عمّه و وصيّه و ختنه عليّ بن أبي طالب، و هذه ابنته فاطمة، و هذان ابناه الحسن و الحسين، فعرفوا، فقالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: نعطيك الرضا، فاعفنا من المباهلة، فصالحهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله على الجزية و انصرفوا(1).
و منها: ما روى الشيخ في ماليه عن الإمام الصادق عليه السّلام عن أبيه، عن جدّه عليّ بن الحسين عليهما السّلام عن عمّه الحسن بن عليّ عليه السّلام قال: قال اللّه تعالى لمحمد صلّى اللّه عليه و اله حين جحده كفرة أهل الكتاب و حاجّوه: فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللّٰهِ عَلَى اَلْكٰاذِبِينَ.
فأخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله من الأنفس معه أبي، و من البنين أنا و أخي، و من النساء فاطمة امي من الناس جميعا، فنحن أهله و لحمه و دمه ونفسه، و نحن منه، و هو منّا(2).
و منها: ما روى الشيخ المفيد في الاختصاص عن الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام قال: اجتمعت الامة برّها و فاجرها أنّ حديث النجراني حين دعاه النبيّ صلّى اللّه عليه و اله الى المباهلة لم يكن في الكساء إلاّ النبي صلّى اللّه عليه و اله و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهما السّلام، فقال اللّه تبارك و تعالى:
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ فكان تأويل (أَبْنٰاءَنٰا) الحسن و الحسين، و (نِسٰاءَنٰا) فاطمة، و أَنْفُسَنٰا عليّ بن أبي طالب(3).
و منها: ما روى الشيخ في مجالسه في حديث مناشدة عليّ عليه السّلام يوم الشورى:
فهل فيكم أحد أنزل اللّه عزّ و جلّ فيه و في زوجته و ولديه آية المباهلة، و جعل اللّه عزّ و جل نفسه نفس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله غيري؟ قالوا: لا(1).
و منها: ما روى ابن بابويه عن موسى بن جعفر عليه السّلام في حديث له مع الرشيد قال: قول اللّه عزّ و جلّ: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللّٰهِ عَلَى اَلْكٰاذِبِينَ، و لم يدّع أحد أنّه أدخل النبيّ صلّى اللّه عليه و اله تحت الكساء عند المباهلة مع النصارى إلاّ عليّ بن أبئ طالب و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام، فكان تأويل قوله عزّ و جلّ (أَبْنٰاءَنٰا) الحسن و الحسين، و (نِسٰاءَنٰا) فاطمة، و (أَنْفُسَنٰا) علي بن أبي طالب(2).
و روى هذا المضمون غير واحد من أصحابنا عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام.
آية التطهير إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (الأحزاب: (33)
و آية التطهير هي الاخرى تشارك في تشييد مدرسة الولاية، و ذلك من خلال دلالتها على عصمة أهل البيت عليهم السّلام، و قبل بيان هذه الدلالة لا بدّ من استيضاح معاني بعضى المفردات التي وردت فيها، مثل: الإرادة و الرجس و البيت.
فالإرادة لها مفهوم واضح، و هي تنقسم الى قسمين: تكوينية و تشريعية، و الإرادة التكوينية ما تريد نفس المريد تحقيقه بنفسه فهي تتعلّق بفعل نفس المريد، و الإرادة التشريعية ما يراد من الغير تحقيقه على نحو الاختيار، فهي متعلّقة بفعل الغير.
و الإرادة التكوينية للّه سبحانه هي المتعلّقة بأفعاله سبحانه بما هي صادرة منه، و المراد بها لا بدّ من تحقّقه، فهو لايقبل التخلّف عنها البتة، قال تعالى:
إِنَّمٰا أَمْرُهُ إِذٰا أَرٰادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (1).
أمّا إرادة اللّه التشريعية فهي المتعلّقة بأفعال العباد الاختيارية، و لذا فهي ممكنة الانفكاك و التخلّف عن المراد، فقد تتحقّق تلك الأفعال و قد لا تتحقق، لأن الأمر منوط باختيار العباد، قال تعالى: يُرِيدُ اَللّٰهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَ لاٰ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ(2)و قال سبحانه: وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ(3).
و الرجس: هو الشيء القذر(1)، و هو قد يكون حسّيا كالقذارات المعلومة، و قد يكون معنويا و هو ما يلوّث النفس و يوجب تقذّرها من الأعمال كالشرك و الإثم و المعصية.
أمّا البيت فهو ما تحيط الجدران به، و المسقف من الدار و غيرها، و هو بيت السكنى، و يطلق على بيت القرابة و النسب، و أهل بيت السكنى من يعيش فيه، كماأنّ أهل بيت القرابة هم قرابة الرجل الأدنون.
و في ضوء هذا البيان نتساءل: هل إنّ الإرادة المذكورة في آية التطهير إرادة تشريعية أم إرادة تكوينية؟ و هل هي من قبي وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ فتكون تشريعية؟ أم من قبيل إِذٰا أَرٰادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فتكون تكوينية؟
إنّ الطريق للفرز بين الأمرين و تشخيص النوع المناسب للآيةيتم بتسليط الضوء على القرائن الموجودة فيها، فإنّ الإرادة التشريعية تتناسب معحكم عام و إرادة شاملة لجميع المشمولين بالشريعة، و الإرادة التكوينية تتناسب مع حالة استثنائية و خصوصية فريدة في أفراد معدودين يرادإبرازها فيهم، فاذا استفدنا من القرائن أنّ الآية بصدد إبراز حكم عام و غرض تشريعي كانت الإرادة المذكورة فيها إرادة تشريعية، و إن كانت الآية بصدد إبراز صفة خاصة في أفراد معدودين معيّنين كانت الإرادة المذكورة فيها إرادة تشريعية.
و إذا نظرنا في الآية وجدناها من النوع الثاني، لوجود أداة الحصر «إنّما»
1) الراغب الاصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات: ص 188.
فيها بنحو تفيد إرادة التطهير لأفراد معيّنين دون سواهم، فكأنّما تريد الآية أن تقول: يا أهل البيت أنتم الذين يريد اللّه أن يذهب عنكم الرجس و يطهّركم من الأدناس، فهي إرادة تكوينية لا محالة، لأنّ الإرادة التشريعية للتطهير لا تختصّ بجماعة دون اخرى، و قد أعلن القرآن الكريم أنّ من أهداف الشريعة الإسلامية الوصول إلى مجتمع طاهر نقي، قال تعالى: وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ، فالإرادة المذكورة إرادة تكوينية غرضها إبراز صفة خاصة في أهل البيت عليهم السّلام، و تلك الصفة هي العصمة، لأنّ الإرادة التكوينية للّه سبحانه لا بدّ من تحقّقها و عدم انفكاكها عن المراد، أي أنّ تطهير أهل البيت عليهم السّلام من الذنوب و الآثار أمر واقع بإرادة من اللّه سبحانه، و هذا هو معنى العصمة.
و هذا هو المعنى الذي يستفاد من الآية عندما ننظر إليها بنحو مستقل عمّا قبلها، و أمّا إذا نظرنا إليها بنحو مرتبط بما قبلها و بالسياق الذي جاءت فيه فقد يقال: بأنّ المعنى سيكون مختلفا، و هو أن اللّه سبحانه أمر نساء النبيّ صلّى اللّه عليه و اله في الآية السابقة لآية التطهير بأوامر مؤكدة و كاليف مشدّدة، ثم انتقل في آية التطهير من خطاب خاص بنساء النبيّ إلى خطاب شامل لهنّ و لغيرهن من خاصّة النبيّ صلّى اللّه عليه و اله، فكان القصر في الآية للقلب، و التعليل بأنّ الغرض من تشديد التكليف بالنسبة إليهم ليس التضييق عليهم و إنّما التطهير و التزكية لهم، حتى يصيروا بذلك اسرة مثالية صالحة لأن تكون نواة و محور المجتمع الإسلامي المطلوب، و حينئذ يكون المراد بأهل البيت عنوانا يشمل نساء النبيّ و خاصته معا، و الإرادة المذكورة إرادة تشريعية، و القصر للقلب(1)، و ماذ كر من الأحكام
1) يقسم القصر الاضافي الى ثلاثة أقسام: 1 - قصر أفراد 2 - قصر قلب 3 - قصر تعيين، مثال قصر القلب قول
الموجّهة لنساء النبيّ في الآية السابقة ساريا على آله أيضا، لأنّ علّة التطهير عامةتشمل نساء النبيّ و قرابته معا، و العلّة تعمّم و تخصّص كما هو معروف.
و هذا الاحتمال في نفسه صحيح و معقول بناءا على اتّحاد آية التطهير بما قبلها، و لكنّ الروايات الواردة في تفسير الآية و التي رواها الفريقان متظافرة الدلالة على نزولها بنحو مستقل و عدم ارتباطها بما قبلها، و لم تدل حتى الضعاف منها على نزولها ضمن الآيات السابقة عليها.
و لذا فإنّ الالتزام بالسياق لا مبرّر له، و ممّا يؤكّد انفصال الآية عمّا قبلها أنّ الآيات السابقة عليها استعملت في الخطاب ضمير الجمع المؤنث المتناسب مع نساء النبيّ، بينما استعملت آية التطهير ضمير الجمع المذكر، ممّا يدل على نساء النبيّ، بينما استعملت آية التطهير ضمير الجمع المذكر، ممّا يدل على اختلاف المخاطب، و إن قيل: إنّ ضمير الجمع المذكر جيء به هنا لغلبة التذكير على التأنيث في الاستعمالات اللغوية، كان الجواب أنّ التغليب نكتة يمكن سريانها في كلّ الآيات، فلماذا سرى التغليب في آية التطهير دون ما قبلها؟
و لهذا فإن انفصال الآية عمّا قبلهامن حيث المضمون و المعنى أمر متعيّن، و يبقى اندارجها في هذا المحل الغريب عنها بحاجة الى تفسير، و يمكن تفسيره بأحد أمرين:
1 - أن تكون كلاما جاء القرآن به استطرادا لغرض خاص، كما في قوله تعالى: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هٰذٰا وَ اِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ اَلْخٰاطِئِينَ(1)و لعل هذا
1) يوسف: 29.
الغرض الخاص هو بيان مقام أهل البيت عليهم السّلام و ما يمتاز به عن شأن نساء النبيّ صلّى اللّه عليه و اله.
2 - أن تكون آية مستقلّة في نزولها و قد وضعت هنا بأمر النبيّ صلّى اللّه عليه و اله لمصلحة خفية، كالاحتياط و التخفّظ عليها من التحريف، ذلك أنّ اللّه سبحانه قد ضمن سلامة القرآن من التحريف، و ليكن هذا الاسلوب من الأساليب البيعية التي حقّقت ذلك الضمان.
هذا بناء على أنّ ترتيب القرآن بسوره و آياته و سياقه الذي عليه الآن كان بأمر من النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أمّا بناءا على كون ذلك منغيره فالأمر أيسر و الاحتمال أكبر.
و لهذه الحالةنظائر اخرى في القرآن الكريم، منها ماذكرناه آنفا فيآية الإكمال اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...(1)التي أثبتنا استقلالها عمّا قبلها.
و مهما يكن من أمر فإنّ علامة الإيمان هي الاحتكام الى السنّة النبوية في معضلات الدين، و إذا عدّ أمر هذه الآية معضلا فالحلّ الطبيعي الذي ينبغي لكلّ مسلم اللجوء إليه هو الرجوع الى نصوص النبيّ صلّى اللّه عليه و اله الواردة في المسألة، حيث وردت الروايات الدالّة على نزول الآية في أهل البيت عليهم السّلام دون غيرهم بعدد كبير يربو على السبعين حديثا، و من طرق الفريقين، و من لم يعتبر بهذا القدر من الروايات فبأي دليل بعد ذلك يعتبر؟ و بأي حديث يؤمن؟
و هذه الروايات التي رواها الشيعة بطرقهم عن أمير المؤمنين و عليّ بن الحسين و محمد بن علي و جعفر بن محمد و علي بن موسى الرضا عليهم السّلام و عن
1) المائدة: 3.
ام سلملة و أبي ذر و أبي ليلى و أبي الأسود الدؤلي و عمر بن ميمون الأودي و سعد بن أبي وقاص، و روتها السنّة بأسانيدهم عن ام سلمة و عائشة و أبي سعيد الخدري و سعد و وائلة بن الأصقع و أبي الحمراء و ابن عباس و ثوبان مولى النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و عبد اللّه بن جعفر و عليّ بن أبي طالب و الحسن بن علي عليهما السّلام، كلّها تدل على أنّ الآية نزلت في الخمسة الطيّبة: رسول اللّه و ابن عمّه عليّ و بنته فاطمة و سبطيه الحسنين عليهم السّلام، و هم المردادون بأهل البيت دون غيرهم. و و اليك نماذج منها:
1 - روى عبد اللّه بن أحمد بن حنبل في مسنده عن أبيه عن شداد أبي عمار، قال: دخلت على وائلة بن الأصقع و عنده قوم، فذكروا عليّا فلمّا قاموا قال: ألا اخبرك بما رأيت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله؟ قلت: بلى، قال: أتيت فاطمةرضي اللّه تعالى عنهاأسألها عن عليّ، قالت: توجّه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله، فجلست أنتظره حتى جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و معه عليّ و حسن و حسين (رضي اللّه تعالى عنهم) آخذا كلّ (واحد) منهما بيده حتى دخل، فأدنى عليا و فاطمة فأجلسهما بين يديه، و أجلس حسنا و حسينا كلّ واحد منهماعلى فخذه، ثم لفّ عليهم ثوبه - أو قال: كساءثم تلاهذه الآية: إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً و قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، و أهل بيتي أحق(1).
2 - روى عبد اللّه بن أحمد بن حنبل عن أبيه بسنده عن شهر بن حوشب، قال: سمعت ام سلمة زوجة النبي صلّى اللّه عليه و اله حين جاء نعي الحسين بن علي لعنت أهل
1) البحراني، هاشم الحسيني، غاية المرام: ص 287 /ح 1، نقلا عن مسند أحمد: ج 4 /ص 107.
العراق فقالت: قتلوه قتلهم اللّه، غرّوه و أذلّوه لعنهم اللّه، فإنّي رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله (و قد) جاءته فاطمة غدية ببرمة قد صنعت فيها عصيدة تحملها في طبق لها حتى وضعتها بين يديه، فقال لها: أين ابن عمّك؟ قالت: هو في البيت، قال: اذهبي فادعيه و ائتيني بابنيه، قالت: فجاءت تقود ابنيهما، كلّ واحد منهما بيد، و عليّ يمشي في أثرها، حتى دخلوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فأجلسهما في حجره، و جلس عي عن يمينه، و جلست فاطمة عن يساره.
قال ام سلمة: فاجتذب من تحتي كساءا خيبريا كان بساطا لنا على المنامة(1)في المدينة، فلفّه رسول(2)اللّه صلّى اللّه عليه و اله (عليهم جميعا فأخذ بشماله) طرفي الكساء، و ألوى بيده اليمنى إلى ربّه عزّ و جلّ، و قال: اللّهم هؤلاء أهل بيتي، أذهبعنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا(3)، قلت: يا رسول اللّه، ألست من أهلك؟ قال:
بلى، فادخلي في الكساء (قالت: فدخت في الكساء) بعد ما قضى دعاءه لابن عمّه و ابنيه و ابنته فاطمة (رضي اللّه عنهم)(4).
3 - عن الثعلبي في تفسيره بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: نزلت هذه الآية فيّ و في عليّ و في حسن و حسين و فاطمة إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(5).
4 - عن الثعلبي أيضا باسناده عن العوام بن حوشب قال: حدثني ابن عمّ لي
من بني الحرث بنتيم اللّه يقال له: مجمع، قال: دخلت مع امي على عائشة، فسألتها امي قالت: أرأيت خروجك يوم الجمل، قالت: إنّه كان قدرا من اللّه تعالى فسألتها عن عليّ، فقالت: سألتني عن أحبّ الناس كان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله، لقد رأيت عليا و فاطمة و حسنا و حسينا و قد جمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يغدف عليهم ثمّ قال: اللّهم هؤلاء أهل بيتي و خاصتي فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا، قالت: قلت: يا رسول اللّه، أنا من أهلك؟
قال: تنحي فإنّك إلى خير(1).
5 - روى الحميدي في المتّفق عليه من الصحيحين عن البخاري و مسلم من مسند عائشة، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، قالت:
خرج النبيّ صلّى اللّه عليه و اله ذات غداة و عليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء عليّ فأدخله، ثم قال: إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(2).
6 - روى مسلم في صحيحة بسنده عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:
ألا و إنّي تارك فيكم ثقلين، أحدهما كتاب اللّه عزّ و جلّ، هو حبل اللّه من اتّبعه كان على الهدى، و من تركه كان على ضلالة، و أهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي.
فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا أيم اللّه، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر ثم الدهر ثم يطلّقها فترجع إلى أهلها و قومها، أهل بيته أصله و عصبته الذين حرموا الصدقة بعده(1).
7 - روى موفّق بن أحمد الخوارزمي في كتابه «فضائل أمير المؤمنين» عن أبي سعيد الخدري أنّه قال: لمّا نزل قوله تعالى: وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاٰةِ كان رسول اللّه يأتي باب فاطمة و عليّ تسعة أشهر كلّ صلاة، فيقول:
الصلاة، يرحمكم اللّه، إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(2)8 - روى الحمويني في كتاب فرائد المسطين عن ثوبان مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال: أجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله الحسن و الحسين على فخذيه و فاطمة في حجره و اعتنق عليا ثمّ قال: اللّهم هؤلاء أهل بيتي(3).
9 - روى الحميوني أيضا عن إسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر، عن أبيه، قال:
لمّا نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله إلى الرحمة هابطة من السماء قال: من يدعو؟ مرتين، قالت:
زينب أنا يا رسول اللّه، فقال لي: ادعي لي عليا و فاطمة و الحسن و الحسين، قال: فجعل حسنا عن يمناه و حسينا عن يسراه و عليا و فاطمة و جاهه، ثم غشّاهم كساءا خيبريا، ثم قال: اللّهم إن لكلّ نبي أهل بيت، و هؤلاء أهلي، فأنزل اللّه عزّ و جلّ إِنَّمٰا
1) غاية المرام: ص 290 ح/ 27. نقلا عن صحيح مسلم: ج 2 ص 279-280. و قريب منه ما رواه الحمويني عن زيد بن ارقم و عن الحسن بن علي عليهما السّلام فراجع الاحاديث المرقمة (33) و (34) و (35). من غاية المرام: ص 290-291 نقلا عن فرائد المسطين: ج 2 ص 234-235 و ص 250 و ص 120.
2) المصدر السابق: ص 290 /ح 29، نقلا عن الخوارزمي في كتابه: ص 23.
3) المصدر السابق: ص 290 /ح 31، نقلا عن فرائد المسطين، ج 2 /ص 15.
يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، فقالت زينت:
يا رسول اللّه، ألا أدخل معك؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: مكانك، فإنّك إلى خير إن شاء اللّه تعالى(1).
10 - روى ابن الصباغ المالكي في كتاب «الفصول المهمّة» عن ام سلمة (ضي اللّه عنها) أنّها قالت: كان النبيّ صلّى اللّه عليه و اله في بيتها يوما فأتته فاطمة ببرمة فيها عصيدة، فدخلت بها عليه، فقال لها: ادع لي زوجك و ابنيك، فجاء عليّ و الحسن و الحسين فدخلوا فجلسوا يأكلون و النبيّ صلّى اللّه عليه و اله جالس على دكّة تحته كساء خيبري، قالت: و أنا في الحجرة قريبا منهم، فأخذ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله الكساء فغاشهم به، ثمّ قال:
اللّهم أهل بيتي و خاصتي، فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، قالت: فأدخلت رأسي البيت، قلت: و أنا معكم يا رسول اللّه؟ قال: إنّك إلى خير، فأنزل اللّه: إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(2).
و في معناها روايات كثيرة اخرى تدل على عدم دخول الأزواج في أهل البيت و اختصاص الآية بالخمسة الطيّبة، و قد صرّح مشايخ القوم بصحة غير واحدة منها.
و من هنا تعرف و هن الرأي المنقول عمّن اشتهر بالنصب و العداوة لأهل البيت عليهم السّلام، كعكرمة مولى ابن عباس و من يحذو حذوه: إنّ الآية نزلت في أزواج النبي صلّى اللّه عليه و اله.
و هذا الرأيمضافا إلى أنّه غير مستند إلى كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و الهاجتهاد في مقابل النص، من رجال معروفين بالكذب و الاختلاق، فارجع إلى ميزان الاعتدال(1)و غيره من كتب الرجال في المدرسة السنيّة حتى تعرف أحوال هؤلاء و موقفهم من أمير المؤمنين و أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و تعرف قيمة الرأي المنقول عنهم، و اللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
و في الختام نذكر بعض ما ورد من طرق أصحابنا الإمامية أيضا:
فمنها: ما رواه محمد بن يعقوب بسنده عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جل: أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ(2)؟
فقال: نزلت في عليّ بن أبي طالب و الحسن و الحسين عليهما السّلامإلى أن قال -: لكنّ اللّه عزّ و جلّ أنزله في كتابه تصديقا لنبيّه صلّى اللّه عليه و اله إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، فكان عليّ و الحسن و الحسين و فاطمة عليهم السّلام، فأدخلهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله تحت الكساء في بيت ام سلمة ثمّ قال: اللّهم إنّ لكلّ نبي أهلا و ثقلا و هؤلاء أهل بيتي و ثقلي، فقالت ام سلمة: ألست من أهلك؟ فقال: إنّك إلى خير، و لكن هؤلاء أهلي و ثقلي الحديث(3).
و عن ابن بابويه بسنده عن موسى الهاشمي بسرّ من رأى، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ، عن عليّ عليهم السّلام قال: دخلت على
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله في بيت ام سلمة و قد نزلت عليه هذه الآية: إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: يا عليّ، هذه الآية فيك و في سبطيّ و الأئمة من ولدك، فقلت: يا رسول اللّه، و كم الأئمة بعدك؟
قال: أنت ياعليّ، ثم الحسن و الحسين، و بعد الحسين عليّ ابنه، و بعد عليّ محمد ابنه، و بعد محمد جعفر ابنه، و بعد جعفر موسى ابنه، و بعد موسى عليّ ابنه، و بعد عليّ محمد ابنه، و بعد محمد عليّ ابنه، و بعد عليّ الحسن ابنه، و الحجة من ولد الحسن، هكذا أسماؤهم مكتوبة على ساق العرش، فسألت اللّه تعالى عن ذلك فقال: يا محمّد، هؤلاء الأئمة بعدك، مطهّرون معصومون، و أعداؤهم ملعونون(1).
1) البحراني، هاشم، غاية المرام: ص 29 /ح 6.
آية المودّة قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهٰا حُسْناً إِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ شَكُورٌ * أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرىٰ عَلَى اَللّٰهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اَللّٰهُ يَخْتِمْ عَلىٰ قَلْبِكَ وَ يَمْحُ اَللّٰهُ اَلْبٰاطِلَ وَ يُحِقُّ اَلْحَقَّ بِكَلِمٰاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذٰاتِ اَلصُّدُورِ (الشورى: 23-(24)
و تساهم آية المودّة بتشييد جانب آخر من جوانب مدرسة الولاية، ألا و هو ضرورة عدم الاكتفاء بالإيمان العقلي بأئمة أهل البيت عليهم السّلام و تجاوز ذلك إلى مستوى الشدّ العاطفي و الاتصال القلبي بهم، بحيث لا يبقى جانب من جوانب الشخصية الإسلامية خاليا من امتدادات الإمامية و إشعاعاتها، فهي تملأ العقل و القلب و السلوك، و لا تبقي فراغا في هذه الشخصية يمكن لزعامة طاغوتية أن تملأه.
و قبل أن نستوحي من الآية عطاءاتها لا بدّ من استيضاح معاني المفردات الثلاثة التي وردت فيها: الأجر، المودّة، القربى.
فالأجر: هو ما يعود إلى العامل من ثواب العمل، سواء كان دنيويا أو اخرويا.(1)و المودّة: هي المحبّة المستتبعة للمراعاة و التعاهد، أي أن يتقيّد المحبّ بشؤون محبوبه و رغباته، و لعلّ وجود هذا الجانب فيها صرفها عن الاستعمال في محبة العباد للّه تعالى.
و القربى: القرابة في النسب(2).
و بعد بيان معاني هذه المفردات الثلاثة نجد أنّ سيرة الأنبياءو كما
يفصح عنها القرآن الكريمأكّدت دائما على التعفّف عمّا في أيدي الناس، و رفض أخذ الأجر كثمن على الرسالة و ما يعانونه من صعاب و ما يقدّمونه من تضحيات في سبيلها، مجسّدين بذلك رفتعهم و رفعة الرسالة الإلهية، ممّا يدل على خطأ التفسيرات المادية و الاقتصادية التي فسّر بها نشوء الدين و ظهوره في الحياة الإنسانية، ففي سورة واحدة نجد القرآن الكريم يكرّر حكاية مٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّٰ عَلىٰ رَبِّ اَلْعٰالَمِينَ(1)على لسان عدد من الأنبياء.
إنّ خط الأنبياء جاء ليمنح الأرض عطاءات السماء بالنحو الذي يؤكّد للأرض حاجتها إلى السماء و غنى السماء عنها، فكيف يطلب الأنبياء من الناس أجرا على الرسالة؟
و هل هذا إلاّ نقض في أهداف ومبادئ الرسالة الإلهية التي جاءت لتربّي الناس على نّهم الفقراء إلى اللّه و أنّ اللّه هو الغني الحميد؟
و هذا لا يلغي حقّ الانبياء في الأجر، لأنّ اللّه لا يضيع عمل عامل في الأرض و لا في السماء، و إنّما هو أدب نبوي جاء ليبيّن أنّ الأجير إنّما يأخذ أجره من الذي استعمله، و أنّ من المناسب أن يأخذ الرسول أجره من اللّه الذي أرسله بهذه المهمة، و لا معنى لأخذ الأجر من الناس، خاصة مع الامتناع عن الإيمان و قلة الاتّباع للأنبياء. ثم هل يقاس أجر اللّه بأجر الناس؟
و الغرض كلّ الغرض من إعلان الأنبياء المتكرّر لهذا المبدأ هو إزالة ما يعلّق بأذهان الناس أحيانا من الوهم بأنّ الأنبياء جاءوا لأمر دنيوي، و أنّهم
1) الشعراء: 109، 127، 145، 164، 180.
بصدد منافسة الناس في ذلك، مما قد يكون سببا من اسباب امتناعهم عن الإيمان باللّه سبحانه.
و جاء الرسول الأعضم صلّى اللّه عليه و اله فسار على هذه السيرة أيضا، و ها هو القرآن يعلن وَ مٰا تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ (1)قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً(2).
و بعد كلّ هذا البيان من الحقّ أن يتساءل القارئ لآيةالمودّة هل إنّهاكانت استثناءا من سيرة الأنبياء؟ بل من سيرة النبيّ الأعظم صلّى اللّه عليه و اله نفسه؟
و هل أنّ النبيّ يناقض نفسه فتارة يمتنع عن طلب الأجر و اخرى يطلب الأجر؟
و الجواب على هذا التساؤل: أن آية المودة لم تكن استثناءا من سيرة الأنبياء و لا تناقضا مع سيرة النبيّ صلّى اللّه عليه و اله، بل هي متوافقة تماما معهما، ذلك أنّ مودّة القربى التي طالب بها لم تكن أجرا حقيقيا بقدر ما هي موقف مبدأي تحتاج إليه الامة في مسيرتها و استقامتها، و المنتفع الأول و الأخير منها هو الامّة دون النبيّ صلّى اللّه عليه و اله لما تحدثه فيها من الشدّ العاطفي بين الامة و نواتها الاولى النقية المتمثّلة بآل البيت عليهم السّلام، بين الامة و قيادتها المتمثّلة بأئمة أهل البيت عليهم السّلام، و عندما تنشدّ الامة بقيادتها و نواتها الاولى تصبح استقامة هذه الامة مضمونة و تعود وحدتها آمنة من كلّ خطر، و عندما تشبع الامة حاجتها العاطفية الى موالاة القدوة و محبّة الرموز الفكرية و السياسية في حياتها تصبح شخصيتها متكاملة، حيث التطابق بين العقل و العاطفة على محور واحد، و حيث الإشباع
الكافي الذي لا يبقي فراغا يدفع بالشخصية نحو رموز اخرى، كما أنّ انشداد الامة نحو القيامة يجعل هذه القيادة ذات زخم و فاعلية بحيث تستطيع إنجاز المهام الحضارية الموكلة إليها.
و قد أشار القرآن الكريم الى هذه الحقيقة حيث قال تعالى على لسان نبيه صلّى اللّه عليه و اله: قُلْ مٰا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّٰ عَلَى اَللّٰهِ(1).
فالأجر الحقيقي هو ما ينتفع به الأجير، بينما لا نجد النبيّ صلّى اللّه عليه و اله منتفعا بمودّة الامة لقرابته، بل المنتفع هو الامة.
و كأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله طلب من الامة أن تنفع نفسها، ثم جعل هذه المنفعة و كأنّها أجر له، و بتعبير آخر: إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أراد أن يقول للامة: إن أردت أن أستوفي حقوقي منكم فإنّني أستوفيها عندما أجدكم في قوة و استقامة و صلاح، و لا تكونون كذلك إلاّ بمودة أهل البيت عليهم السّلام، و لذا أطلب منكم مودّتهم، و هذه غاية الرحمة و العطف و التدبير لشأن الامة و مستقبلها و غاية التفاني في سبيلها، و قد عبّر القرآن الكريم عن ذلك بقوله تعالى: قُلْ مٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاّٰ مَنْ شٰاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً(2).
أمّا السبب في تسمية ذلك أجرا للرسول صلّى اللّه عليه و اله، فبعد أن عرفنا أنّه مجرّد تنزيل و ادّعاء نحتمل أنّ السبب فيه هو ما يبدو في الظاهر من أنّ مودّة القربى و إكرامهم هو نوع من ردّ الجميل للرسول صلّى اللّه عليه و اله على قاعدة «يكرم المرء في
أهله»، و هكذا تبدو و مودّة القربى و كأنّها أجر تقدّمه الامة للرسول صلّى اللّه عليه و اله الذي أسّسها و أوجدها، و كأنّ النبي أراد أن يستثمر الرابطة العاطفية التي تشدّ الامة به و يرسّخها أكثر بحيث تصبح أساسا لاستقامة الامة و قوة شوكتها في المراحل التالية، فأراد أن يقول لهم: بأنّ من حقي أن أطلب منكم أنّ تكونوا امّة قوية مستقيمة بعدي، و بما أنّ هذه القوة و الاستقامة لا تقوم إلاّ على أساس مودة القربى فلذا أنا أطلب منكم ذلك و أعدّه بمثابة الأجر الذي استحقّه منكم لو طالبتكم به.
هذا ما يستفاد من الآية بمساعدة آيات اخرى مناظرة لها.
أمّا من هم اولئك القربى؟ فذلك ما تكفّلت به الروايات المتواترة التي بيّنت أنّ القربى المقصودين في الآية هم علي و فاطمة و الحسن و الحسين، و هذا ما بلغ حدّ الضرورة في التصوّر الشيعي، كما ذهب إليه جمهور علماء السنّة و قطع به أكابرهم، فلا يعبأ بالشاذّ المخالف كعكرمة و أمثاله ممّن كان ديدنهم بغض أهل البيت عليهم السّلام و العداوة لهم و الاجتهاد في حرف الآيات النازلة بحقّهم عمّا دلت عليه من الفضيلة لهم.
و قد أورد بعضهم على تفسير الآية بأهل البيت إيرادين:
1 - إنّ المراد من الآية لو كان هو أهل البيت عليهم السّلام لما ورد حرف الجر (في» و لاستغنت الآية عنه بتعابير مثل «إلاّ مودّة القربى» أو «إلاّ المودة للقربى» لأنّها أوضح في بيان ذلك لو كان هو المقصود.
و يكفي في جواب ذلك نقل ما يفهم من كلام الزمخشري من أنّه عبّر ب «في» و لم يعبّر باللام تأكيدا، لأنّ الظرفية أبلغ و آكد للمودّة، فيكون تقدير
الكلام «إلاّ المودة ثابتة في القربى متمكّنة فيها»(1).
2 - إنّ الآية مكية لأنّها في سورة الشورى، و حينئذ لا يمكن انطباقها على الحسن و الحسين عليهما السّلام لأنّهما ولدا في المدينة.
و هو إشكال ضعيف جدا، فإنّه قد أكّد غير واحد من أئمة التفسير نزول الآية في المدينة(2).
و التسليم بكونها مكية لا يمنع من الأخذ بالتفسير المذكور، لأنّ الآية سيقت لبيان قضية حقيقة لا خارجية، و لنقل: إنّ الآية طرحت في مكة مفهوما معينا، و إنّ النبيّ حدّد أفراد هذا المفهوم و مصاديقه التي كان بعضها موجودا في مكة ثم حضر البعض الآخر منها في المدينة، فما المانع من ذلك؟
و ورد في تفسير الآية آراء اخر ليست لها أهمية علمية، و إنّما نذكرها لبيان دور العصبية و الجهل في نشوئها و هي:
1 - إنّ الآية تدعو النبيّ صلّى اللّه عليه و اله الى أن يطلب من المشركين أن يحفظوا قرابته منهم و لا يقطعوا الرحم الذي يربطه بهم، و أنّه لا يطلب منهم أجرا غير ذلك، و كأنّ هذا الطلب وسيلة من وسائل التخفيف من وطأة المشركين و حقدهم على النبيّ صلّى اللّه عليه و اله.
و لكنّه رأي بعيد جدا، لسبب واضح هو أنّ طلب الأجر يدل على وجود حقّ مسلّم يذعن به الطرف المقابل، و الطرف المقابل لا زال على الشرك و هو يعتقد أنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله يشكّل خطرا عليه، و مثل هذه الحالة لا تتناسب مع طلب الأجر و كيف يطلب أجر الرسالة ممّن بخطرها عليه؟
2 - و قيل: إنّ الآية تقصد ملاحظة القربى من اللّه سبحانه، فكأنّ الرسول صلّى اللّه عليه و اله يطلب من المسلمين أداء القربى إلى اللّه سبحانه بإتيان الأعمال الصالحة، و هذا رأي بعيد، بل أبعد من سابقه، لأنّ لفظ القربى لا يستعمل في غير القرابة النسبية، فهذا التفسير ينطوي على تحريف.
3 - و قيل: إنّها تطلب من السملمين أداء حقّ الرحم بينهم وصلة القربى، و هو أيضا مردود لا يتقبّله الذوق العرفي السليم، إذ لا وجه يصحّح ربط هذا الحكم الجزئي بالنبيّ صلّى اللّه عليه و اله بحيث يكون بمثابة الأجر على الرسالة، فإنّ أجر الرسالة لا بدّ أن يكون أمرا يؤثّر في مستقبلها و مستقبل الامة و يصحّ نسبته الى النبيّ صلّى اللّه عليه و اله بوجه عرفي معقول.
و إزاء هذه الآراء الهزيلة يستغرب الباحث من الإصرار عليها، بل و من مجرد اللجوء إليها مع ورود النصّ المتواتر و الإجماع المنقول من الفريقين على أنّ المراد بالقربى هم أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام، و هذا ما يجعلنا نزداد تمسّكا بأهل البيت عليهم السّلام و بالسير على هداهم.
و من الضروري إيراد نماذج من تلك النصوص.
فمن طريق السنّة جاءت روايات منها:
ما عن مسند أحمد بن حنبل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لمّا
نزل قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ قالوا: يا رسول اللّه، من قرابتك الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال: عليّ و فاطمة و ابناهما(1).
و قريب منها ما روي في صحيح البخاري(2)و تفسير الثعلبي بسندين، و عن الجمع بين الصحاح الستة بسندين، و عن ابراهيم بن محمد الحمويني(3)و عن موفّق بن أحمد الخوارزمي(4)و عن أبي نعيم الاصبهاني صاحب «حلية الأولياء» و عن المالكي(5)بسندين، و عن ابن المغازلي في كتاب «المناقب»(6)، غالبهم عن ابن عباس، و بعضهم عن سعيد بن جبير، و بعضهم عن مقاتل و الكعبي.
و عن تفسير الثعلبي عن أبي الديلم قال: لمّا جيء بعليّ بن الحسين (صلوات اللّه عليه) أسيرا قائما على درج دمشق قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد للّه الذي قتلكم و استأصل شأفتكم و قطع قرن الفتنة، فقال علي بن الحسين عليه السّلام: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: قرأت الحم؟ قال: قرأت القرآن و لم أقرأ الحم؟! قال: قرأت: قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ قال:
لأنتم هم؟ قال: نعم(7).
1) البحراني، هاشم، غاية المرام: ص 306 /ح 1، نقلا عن مسند احمد: ج 1 /ص 229.
2) صحيحالبخاري، محمد بن اسماعيل: ج 6 /ص 162.
3) الحمويني، ابراهيم بن محمد، فرائد السمطين: ج 2 /ص 13.
4) الخوارزمي، موفّق بن أحمد، المناقب: ص 194-195.
5) المالكي، ابن الصباغ، الفصول المهمة: ص 11.
6) ابن المغازلي، علي بن محمد، المناقب: ص 309.
7) البحراني/هاشم الحسيني/غاية المرام/ص 306 ح 5.
و روى محمد بن جرير برجاله في كتاب «المناقب» أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله قال لعليّ عليه السّلام: اخرج فناد، ألا من ظلم أجيرا أجرته فعليه لعنة اللّه، ألا من تولّى غير مواليه فعليه لعنة اللّه، ألا من سبّ أبويه فعليه لعنة اللّه.
فنادى بذلك.
فدخل عمر و جماعة على النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و قالوا: هل من تفسير لما نادى؟ قال:
نعم، إنّ اللّه يقول: قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ فمن ظلمنا فعليه لعنة اللّه، و يقول: اَلنَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ و من كنت مولاه فعلي مولاه، فمن والى غيره و غير ذرّيته فعليه لعنة اللّه، و اشهدكم أنا و عليّ أبوا المؤمنين، فمن سبّ أحدنا فعليه لعنة اللّه، فلمّا خرجوا قال عمر: يا أصحاب محمد، ما أكّد النبيّ لعليّ بغدير خم و لا غيره أشدّ من تأكيده في يومنا هذا.
قال خباب بن الأرت: كان ذلك قبل وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله بتسعة عشر يوما(1).
و روى عليّ بن الحسين بن محمد الاصبهاني في كتاب «مقاتل الطالبيين» أنّ الحسن بن عليّ عليه السّلام قال في خطبة له بعد موت أبيه قال: أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد صلّى اللّه عليه و اله، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، انا ابن الداعي الى اللّه بإذنه، و أنا ابن السراج المنير، و أنا من أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا، و الذين افترض اللّه مودّتهم في كتابه اذ يقول: وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهٰا حُسْناً، فالحسنة مودّتنا أهل البيت(2).
و ممّا رواه أصحابنا الإمامية ما رواه الكليني عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام في قوله تعالى: قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ قال: هم الأئمة عليهم السّلام(1).
و منها: ما رواه الكليني أيضا عن إسماعيل بن عبد الخالق قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول لأبي جعفر الأحوال و أنا أسمع: أتيت البصرة؟ فقال: نعم، قال:
كيف رأيت مسارعة الناس إلى هذا الأمر و دخولهم فيه؟ فقال: و اللّه إنّهم لقليل و لقد فعلوا و إنّ ذلك لقليل، فقال عليه السّلام: عليك بالأحداث، فإنّهم أسرع الى كلّ خير، ثم قال: ما يقول أهل البصرة في هذه الآية قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ؟ قلت: جعلت فداك، إنّهم يقولون إنّها لأقارب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله، فقال: كذبوا، إنّما نزلت فينا خاصة في أهل البيت، في عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين، أصحاب الكساء عليهم السّلام(2).
و روى عبد اللّه بنجعفر الحميري مثله في قرب الإسناد(3).
و منها: ما رواه ابن بابويه عن عليّ بن الحسين عليه السّلام قال لرجل: أما قرأت كتاب اللّه عزّ و جلّ؟ قال: نعم، قال: أما قرأت هذه الآية قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ؟ قال: بلى، قال: فنحن اولئك(4).
و منها: ما رواه البرقي في المحاسن عن عبد اللّه بن عجلان، قال سألت أبا جعفر عليه السّلام عن قول اللّه: قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ، قال: هم الأئمة
الذين لا يأكلون الصدقة و لا تحلّ لهم(1).
و قد روى أمثالها المفيد في «الختصاص»(2)و الطبرسي(3)و عليّ بن ابراهيم القميّ في تفسيره(4)و الشيخ في أماليه(5)و سعد بن عبد اللّه في «بصائر الدرجات»(6)و محمد بن العباس بن ماهيار في تفسيره(7)و غيرهم.
1) البحراني، هاشم، غاية المرام: ص 309 /ح 13، نقلا عن المحاسن: ج 1 /ص 145.
2) المفيد، محمد بن محمد، الاختصاص: ص 63.
3) الطبرسي: الفضل بن الحسن، مجمع البيان: ج 9 /ص 29.
4) القمي، عليّ بن ابراهيم، تفسير القمي: ج 2 /ص 275.
5) الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي: ج 1 /ص 276.
6) لعلّ نسخة من هذا الكتاب كانت موجودة عند صاحب غاية المرام الذي حكي ذلك عنه، و إلاّ فالكتاب مفقود، و الموجود الآن بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار.
7) هذا أيضا من الكتب المفقودة، و قد استظهر الشيخ الطهراني في الذريعة: ج 4 /ص 241-242. وجوده عن السيد البحراني لكثرة ما ينقله عنه في غاية المرام.
آية الشهادة وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى اَلنّٰاسِ وَ يَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (البقرة: (143)
و من الآيات ذات العلاقة بالإمامة و الولاية آية الشهادة التي انطوت على إشارة دقيقة الى بعض خصائص الإمامة، و قبل أن ندرس تلك الإشارات نحاول شرح بعض المفردات التي وردت فيها.
(كذلك): قيل: إنّ الظاهر بملاحظة الآية السابقة على آية الشهادة و الواردة في شأن القبلة ان المراد من قوله: (و كذلك) أنّه و كما كان تحويل القبلة لغاية هي الهداية الى صراط مستقيم كذلك جعلناكم امة وسطا لغاية هي تحقّق شهادتكم على سائر الناس، و لكن مع ذلك لا يبعد أن تكون الواو استئنافية، و (كذلك): كلمة يراد بها تثبيت الخبر بعكس لفظة «كلاّ» التي يراد بها نقض الخبر، فتكون الآية حينئذ منفصلة عن آية تحويل القبلة التي جاءت قبلها.
قال الخفاجي في «نسيم الرياض» بعدما نقل عن الكشّاف و شرّاحه كلاما طويلا في معنى (كذلك)، أقول:
لم أزل أبحث عن هذا كلّ من ناقشته من الفضلاء، فلم أظفر بما يثلج الصدر، فتضفحت الدفاتر و راجعت خزائن الضمائر فرأيت في شرح القصائد الطوال في شرح قول زهير:
كذلك خيمهم و لكلّ قوم *** إذا مسّتهم الضّراء خيم
نقلا عن الجرجاني أنّه قال: لفظ «كذلك» يكون تثبيتا لخبر متقدّم
أو متأخّر، فهي نقيض «كلاّ» لأنّها تنفي ذلك(1).
«الوسط»: و هو ما له الطرفان أو الأطراف، و يستعمل بمعنى العدل، لأنّ الوسط هو أعدل ما يكون من الشيء و أبعده من الانحراف، أو لأنّ العدل حالة متوسطة بين التفريط و الإفراط.
«الشهادة»: الشهادة و الشهود: الحضور مع المشاهدة إمّا بالبصر أو بالبصيرة(2)، يقال: شهد المجلس أي حضره و اطّلع عليه.
و المستفاد من موارد استعمال هذه المادة دخول معنى التطلّع و الإشراف فيها بما يفيد معنى الرقابة و النظارة، و لذا تستعمل مع لفظة «على» الاستعلائية.
و من ذلك ما تكرّر في القرآن الكريم من إطلاق الشهيد على اللّه تعالى، مثل قوله تعالى: وَ اَللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(3).
من الواضح أنّ الآية جاءت في سياق الامتنان على المسلمين، و بيان أنّ الوسيطة التي اعطيت لهم إنّما هي تكريم لهم و تعظين لشأنهم، و ليكونوا بذلك شهداء على الناس و يكون الرسول عليهم شهيدا.
و قد قيل في تفسير الوسيطة آراء عديدة، منها:
1 - إنّ المراد بالوسيطة هو الاعتدال، أي إنّ هذه الامّة وضعت على نهج
معتدل لا إفراط فيه و لا تفريط.
و إلى هذا القول يرجع ما قيل من أنّ الوسطية تعني التوازن الذي تتّسم به الشريعة الإسلامية، حيث و ازنت بين متطلّبات الروح و متطلّبات الجسد مجسّدة بذلك واقعية هذا الدين، ممّا يجعل المسلمين امّة شاهدة على من سواها بالإفراط أو التفريط، فهي تشهد على الماديين بأنهم قد فرّطوا بالجانب الروحي و المعنوي الراقي في الوجود الإنساني، و تشهد على المغرقين في الجانب الروحي بأنّ الرهبنة إفراط في الروح تبعه تفريط بالجانب المادي و الدنيوي من الحياة الإنسانية.
و بما أنّ الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و اله هو أكمل أفراده هذه الامّة لذا فهو الشاهد عليها، كما هي الامّة الإسلامية شاهدة على من سواها من الامم.
2 - و قيل: إنّ معنى الوسيلة هو أنّ هذه الامّة لمّا كانت خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ...(1)فمن المناسب أن تكون واسطة العقد بين الامم، و المدبّرة لشؤونها.
3 - و قيل: إنّ معنى الوسيطة هو توسّط هذه الامّة بين الرسول و بين سائر الامم، فالرسول شاهد عليها و هي شاهدة على سائر الامم بأنّ الأحكام الإلهية قد وصلت إليها و تمّ تبليغها بها، أي أنّها حجة على سائر الامم تبلغهم الأحكام و تسعى بهم نحو الكمال.
4 - و قيل: إنّ المراد هو أنّ هؤلاء المخاطبين قد جعلوا بعناية تكوينية خاصة في حاقّ الوسط و الاعتدال، ليكون ذلك أساسا لتكليفهم بمهمّة
1) آل عمران: 110.
الإشراف على الناس و مراقبة أعمالهم و أقوالهم، بل و الإشراف على مبادئ نيّاتهم، بحيث يطّلعون عليها فيتحمّلون الشهادة ليؤدّوها يوم القيامة.
هذه هي الأقوال و الآراء التي قيلت في معنى الوسيطة، و مهما يكن من شأن هذه الأقوال فممّا لا يشك فيه أنّ وصف الوسيطة لا يشمل كلّ أفراد الامّة، بل هو وصف للخواص منها ممّن له شأن معنوي رفيه فيها، و قد اعطي للامة على أساس احتوائها على أفراد من هذا القبيل، كما هي سيرة القرآن في اعطاء الجماعة أوصاف بعض أفرادها، كما في الخطاب الموجّه الى بني اسرائيل وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً(1)فوصفهم بالملوكية مع أنّ هذا الوصف لا ينبطق إلاّ على فرد واحد منهم في كلّ عصر، و قال تعالى: وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعٰالَمِينَ(2)فوصفهم بالأفضلية مع أنّها صفة خاصة بفئة معينة، و قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللّٰهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّٰاءُ عَلَى اَلْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ...(3)فوصفهم بذلك مع أنّ فيهم الكثير ممن لا يستحقه.
و النتيجة أنّ اعطاء الامّة الإسلامية وصف الوسيطة و الشهادة هو على أساس أنّ هذا الوصف متحقّق فيها دون غيرها من الامم، و يكفي لتحقّق ذلك وجود من يستحقّه فيها، و المعنى أنّ الوسيطة و الشهادة وصف متحقّق في هذه الامّة من خلال اتّصاف بعضها به.
و الحقيقة أنّ الشهادة في القرآن الكريم موضوع تظافرت عليه العديد من
الآيات القرآنية، و هو موضوع مفصّل له جهات عديدة، و من تلك الجهات الشهادة يوم القيامة حيث يتنوّع الشهود فيه على أعمال العباد، فهناك شهادة الأعضاء و الجوارح، و هناك شهادة الملائكة المكرّمين، و شهادة الأولياء المقرّبين كالأنبياء و الصالحين، قال تعالى: وَ أَشْرَقَتِ اَلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهٰا وَ وُضِعَ اَلْكِتٰابُ وَ جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ اَلشُّهَدٰاءِ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ(1)، و قال تعالى: وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنٰا بِكَ شَهِيداً عَلىٰ هٰؤُلاٰءِ(2)، و قال تعالى: إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَظْلِمُ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضٰاعِفْهٰا وَ يُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً * فَكَيْفَ إِذٰا جِئْنٰا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنٰا بِكَ عَلىٰ هٰؤُلاٰءِ شَهِيداً(3).
فهذه الآيات الكريمة تناولت موضوع الشهادة يوم القيامة، و اختصّت الآيتان المذكورتان من سورة النساء بإشارة دقيقة هي نفي الظلم عن اللّه سبحانه و تعالى، و المناسبة المقتضية لذلك هي أنّ الأحكام الجزائية تحتاج إلى إثبات و شهود و بيّنات، و بدون ذلك تصبح ظلما و تعدّيا، و كأنّ الآية أرادت أن تشير إلى أنّ الجزاء الإلهي و إن كان في نفسه مستغنيا عن الإثبات بالشهود و البيّنات إلاّ أنّ مع ذلك جاء مقرونا بأنواع عديدة من الشهادات، فهناك شهادة الشهداء على الناس، و هناك شهادة الرسول صلّى اللّه عليه و اله على الجميع، و هذا ما يجعل الاعتقاد بالعدالة الإلهية في أقصى درجات الكمال.
و في هذا السياق أيضا يأتي قوله تعالى: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرىٰ عَلَى اَللّٰهِ كَذِباً
أُولٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلىٰ رَبِّهِمْ وَ يَقُولُ اَلْأَشْهٰادُ هٰؤُلاٰءِ اَلَّذِينَ كَذَبُوا عَلىٰ رَبِّهِمْ (1)، و قوله تعالى في عيسى بن مريم: وَ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً(2).
و بعد اتضاح ذلك كلّه نأتي و نقول: إنّ الشهادة لا تقوّم إلاّ بالحضور و المشاهدة للواقعة التي يراد الشهادة لها أو عليها، و هذا ما يعبّر عنه بتحمّل الشهادة، فطلب أراء الشهادة لا معنى له ما له يتمّ أوّلا تحمّل الشهادة من قبل الشاهد المطلوب، و حيث إنّ الأعمال بالنيّات و لا يستطيع الشاهد أن يشهد لفرد بالصلاح و على آخر بالفساد ما لم يكن مطلّعا على نواياه و سرائره، لذا لا بدّ أن يكون الشاهد المطلوب يوم القيامة قد اطّلع في دار الآخرة على أعمال و سرائر الناس الذين سيشهد لهم أو عليهم، و هذاما يتجلّى بوضوح من قوله تعالى حكاية عن عيسى بن مريم عليهما السّلام: وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مٰا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّٰا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ اَلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(3)ذلك أنّ اقتران شهادة المسيح على امته و رقابته عليهم بشهادة اللّه و رقابته عليهم تدل على التشابه بينهما، رغم أنّ شهادة المسيح شعاع من تلك الشهادة، و هذا لا يتمّ إلاّ بالإشراف و الإطّلاع على القلوب.
و هذا ما تؤكده آية اخرى هي قوله تعالى: وَ قُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اَللّٰهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ(4)حيث جعلت رؤية الرسول و المؤمنون لأعمال العباد الى
جنب رؤية اللّه تعالى مما يشير الى نوع مسانخ بينهما.
و هكذا: فمهما كان المراد من الوسيطة و أيّ الآراء آنفا فيها انتخبنا؛ فإن المقصود بالشهادة المذكورة في الآية هي الشهادة على الأعمال، و إنّ هؤلاء الخواصّ من الامّة منحوا هذه الفضيلة و الكرامة نظرا لاتّصافهم بالوسيطة.
و من الجدير بالملاحظة أنّ آية اخرى وردت في القرآن الكريم قاربت في دلالتها آية الشهادة و هي قوله تعالى: هُوَ اِجْتَبٰاكُمْ وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰاهِيمَ هُوَ سَمّٰاكُمُ اَلْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هٰذٰا لِيَكُونَ اَلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى اَلنّٰاسِ(1).
و بالجمع بين الآيتين نستخلص وجود فئة معينة من الامّة الإسلامية حازت على مقام الشهادة على أعمال الناس، و إنّ هذه الفئة من ذرّية إبراهيم الخليل عليه السّلام.
و قد وردت روايات من الفريقين تؤيّد بل تدلّ على ما استفدناه من نفس الآيات من كون الشهادة هي الشهادة على الأعمال.
فعن طريق أهل السنّة ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: يدع نوح عليه السّلام يوم القيامة فيقول: لبيك و سعديك يا رب، فيقول: هل بلّغت؟ فيقال: نعم، فيقال لامته: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد صلّى اللّه عليه و اله و امته، فيشهدون أنّه قد بلّغ وَ يَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً، فذلك قوله جلّ ذكره: وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً و الوسط: العدل(2)
و في الكشاف: روي أنّ الامم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالب اللّه الأنبياء بالبيّنة(1). و يقرب منه ما في الدرّ المنثور(2)و روح المعاني(3)و مجمع البيان(4).
و عن طريق الشيعة روى الكليني عن بريد العجلي قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قوله اللّه عزّ و جلّ: وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى اَلنّٰاسِ قال:
«نحن الامّة الوسطى، و نحن شهداء اللّه على خلقه و حججه في أرضه، قلت: قول اللّه عزّ و جلّ: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰاهِيمَ؟ قال: إيّانا عنى خاصة هُوَ سَمّٰاكُمُ اَلْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ في الكتب التي مضت «و في هذا» القرآن وَ يَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله الشهيد علينا بما بلّغنا عن اللّه عزّ و جلّ، و نحن الشهداء على الناس، فمن صدّق صدّقناه يوم القيامة، و من كذّب كذّبناه يوم القيامة»(5).
و قد عقد في الكافي بابا عنوانا «في أنّ الأئمة شهداء اللّه عزّ و جلّ على خلقه» و كذا في البحار(6).
و في تفسير العيّاشي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال اللّه تعالى: وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً فإن ظننت أنّ اللّه عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين، أفترى أنّ من
1) الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف، ج 1 /ص 199.
2) السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، الدرّ المنثور: ج 1 /ص 267.
3) الآلوسي، محمود، روح المعاني: ج 2 /ص 5.
4) الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان: ج 1 /ص 225.
5) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1 /ص 246-247 /ح 2، باب «في أنّ الأئمة شهداء اللّه عزّ و جلّ على خلقه».
6) بحار الأنوار: ج 23 /ص 333، باب 20.
لا يجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر يطلب اللّه شهادته يوم القيامة و يقبلها منه بحضرة جميع الامم الماضية؟! كلاّ، لم يعن اللّه تعالى مثل هذا من خلقه، يعني: الامّة التي وجببت لها دعوة إبراهيم كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ و هم الامّة الوسطى، و هم خير امة اخرجت للناس(1).
و هذا الصنف من الأخبار و إن كان أضيق مدلولا من آية الشهادة من جهة، حيث إنّ مدلوله نوع من العمل و هو التبليغ لجميع الأعمال من الطاعات و المعاصي كما هو مدلول الآيات، إلاّ أنّ ذلك لا يضرّ لأنّ الغرض منها هو إثبات الشهادة لفئة خاصة من الامّة دون جميع أفرادها، و أنّها شهادة على الأعمال، و دلالة هذه الأخبار على ذلك ممّا لا يقبل الإنكار.
نعم، أخبار عرض الأعمال على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و على الأئمة عليهم السّلام الوارد جلّها في تفسير آية وَ قُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اَللّٰهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ الآتي ذكرها بقرة النصّ على عملهم عليهم السّلام بأعمال العباد، مثل ما رواه العلاّمة المجلسي في البحار عن «البصائر» عن يونس عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال: سمعته يقول في الأيام حين ذكر يوم الخميس قال عليه السّلام: هو يوم تعرض فيه الأعمال على اللّه و على رسوله و على الأئمة عليهم السّلام(2).
و في بعض تلك الروايات اضيف يوم الاثنين إلى يوم الخميس، و في بعضها: إنّ ذلك يتمّ في الصباح و المساء من كلّ يوم.
و قد يبدو التعارض و الاختلاف بين هذه الروايات من جهة، و بين آيات
الشهادة و آية الرية من جهة اخرى، لأنّ الآيات تدل بظاهرها على إشرافهم المستمر على الأعمال، بل على النوايا و الخواطر القلبية التي انطلقت منها، في حين نجد تلك الأخبار تدل بظهرها عليعدم العلم بذلك إلاّ حين العرض في الوقت المحدّد له، ثمّ لماذا هذا العرض إذا كانوا عليهم السّلام مشرفين مطّلعين على الأعمال و مبادئها النفسانية؟
و للإجابة على هذا الإشكال نقول: إنّ للعلم مراتب و درجات، و إنّ الآيات قد أشارت الى المرتبة العالية منه عند الأئمة، فيما أشارت الأخبار إلى مرتبة عادية منه، فلا تعارض بينهما، و بهذا الوجه يمكننا تصحيح الأخبار الدالّة على عرض الأعمال على اللّه سبحانه و تعالى يوم الخميس أيضا، مع أنّه لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض و لا في السماء.
و حيث تبيّن لنا بعد هذا البيان و التفسير لآيات الشهادة ثبوت العلم الحضوري للأنبياء و الأئمة عليهم السّلام، أصبح من الضروري الإشارة الى أنّ ثبوت هذا المقام الفيع لهؤلاء الشهداء الكرام يقتضي ثبوت لوازم و خصائص اخرى لهم، مثل:
1 - إنّ علمهم بالغيب يتمّ بسبل خاصة تختلف عن السبل العامة التي تموّن عامّة الناس بأنباء الغيب، و سيأتي توضيح ذلك مفصّلا في بحث العلم بالغيب من الخاتمة.
2 - إنّ العلم الحضوري يستلزم حضور المعلوم بوجوده الخارجي عند العالم به، و قد برهن في محلّه أنّ هذا المعنى لا ينطبق إلاّ على ما يعبّر عنه في الفلسفة «علم العلّة بمعنى ما به على المعلول»، و هذا ما يكشف أنّهم عليهم السّلام واسطة الفيض الإلهي إلى الناس، و هو ما يعبّر عنه بالولاية التكوينية للمعصوم.
و يدلّ على ذلك روايات، منها ما رواه ثقة الإسلام الكليني في الكافي عن الإمام الصادق عليه السّلام قال: «إنّ اللّه خلقنا فأحسن خلقنا و صوّرنا و جعلنا عينه في عباده، و لسانه الناطق في خلقه، و يده المبسوطة على عباده بالرأفة و الرحمة، و وجهه الذي يؤتى منه، و بابه الذي يدلّ عليه، و خزائنه في سمائه و أرضه، بنا أثمرت الأشجار، و أينعت الثمار، و جرت الأنهار، و بنا ينزل غيث السماء و ينبت عشب الأرض، و بعبادتنا عبد اللّه، و لو لا نحن ما عبد اللّه»(1).
3 - العصمة من الضلال، لأنّ الآية أطلقت وصف الوسط و لم تقيّده ممّا يدل على أنّهم في قلب الوسط الحقيقي، و لذا فهم معصومون عن الانحراف و الإفراط و التفريط.
على أنّ قوله تعالى: جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً يدل على حصول عملية اصطفاه من بين الناس، و الاصطفاء يساوق الاجتباء المذكور في قوله تعالى:
هُوَ اِجْتَبٰاكُمْ و الذي وصف اللّه به عددا من أنبيائه كإبراهيم و يوسف عليهم السّلام، و معلوم أنّ الاصطفاء و الاجتباء يدل عل حصول عملية استخلاص و تنقية من الأكدار و الشوائب، و لذا قال ابليس: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ
1) الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج 1 /ص 198 /ح 5.
أَجْمَعِينَ * إِلاّٰ عِبٰادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ (1)و قال سبحانه في وصف يوسف عليه السّلام:
كَذٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ اَلسُّوءَ وَ اَلْفَحْشٰاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبٰادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ (2)و كيف ترى يكون من تعهّد اللّه سبحانه بصرف السوء و الفحشاء عنه؟
4 - إنّ هؤلاء الشهداء موجودون في الناس و لو على سبيل البدل و التدريج ما دام الإسلام إلى يوم القيامة، لأنّ استمرار الإسلام يعني استمرار الشهادة على الناس، و استمرار الشهادة يعني استمرار وجود الشهداء إلى ذلك اليوم، و هذا ما لا يتمّ إلاّ بغيبة الإمام المهدي عليه السّلام و استمرار حياته الخفيّة إلى نهاية التأريخ، و قد دلّت على ذلك رواية نقلها ثقة الإسلام الكليني عن سماعة قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه عزّ و جلّ: فَكَيْفَ إِذٰا جِئْنٰا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنٰا بِكَ عَلىٰ هٰؤُلاٰءِ شَهِيداً(3).
قال: «نزلت فيامة محمد صلّى اللّه عليه و اله خاصة، في كلّ قرن منهم إمام منّا شاهد عليهم، ومحمد صلّى اللّه عليه و اله شاهد علينا»(4).
آية الاجتباء يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِرْكَعُوا وَ اُسْجُدُوا وَ اُعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ اِفْعَلُوا اَلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَ جٰاهِدُوا فِي اَللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ هُوَ اِجْتَبٰاكُمْ وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰاهِيمَ هُوَ سَمّٰاكُمُ اَلْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هٰذٰا لِيَكُونَ اَلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى اَلنّٰاسِ فَأَقِيمُوا اَلصَّلاٰةَ وَ آتُوا اَلزَّكٰاةَ وَ اِعْتَصِمُوا بِاللّٰهِ هُوَ مَوْلاٰكُمْ فَنِعْمَ اَلْمَوْلىٰ وَ نِعْمَ اَلنَّصِيرُ (الحج: 77-(78)
و من الآيات القرآنية ذات العلاقة بقضية الإمامة آية الاجتباء الواردة في سورة الحجّ، و هي تشترك مع الآية السابقة و تتشابه معها إلى حدّ ما، ذلك أنّ آية الشهادة جعلت الوسيطة أساسا لانتخاب الامّة شاهدة على من سواها من الامم، و في آية الاجتباء عدّ اجتباء هذه الامّة للرسالة الإسلامية سببا و أساسا لإعطائها صفة الشهادة على سائر الناس، و تكرار الشهادة في آيتين منفصلتين يفيد تأكيدها و ثبوتها، كما أن اختلاف الآيتين في تعيين ما هو السبب و الأساس للشهادة يدل على تعدد ذلك و أن الأساس هو مجموع السببين الوسطية و الاجتباء معا.
و إذا أردنا أن نعرف حقيقة الاجتباء و ما هو المراد به لا بدّ لنا أوّلا من ملاحظة أنّ هذه الآية جاءت بعد أمر سابق للمؤمنين عموما بالركوع و السجود و مطلق العبادة و فعل الخيرات و الجهاد في اللّه حقّ جهاده، ثم بيّنت الآية في سياق الامتنان اجتباء المسلمين للرسالة الإسلامية و رفع الحرج عنهم و تسمية شيخ الأنبياء عليه السّلام لهم باسم المسلمين قبل ظهور الإسلام بما يقرب من ألفي سنة.
و كأنّها تريد أن تبيّن لهم ضرورة الالتزام بتلك الأحكام، فهي من جهة أحكام سهلة لا حرج فيها، و من جهة ثانية أنّ الملاك في الاجتباء للرسالة الإسلامية هو الالتزام المفترض بهذه الأحكام، و من جهة ثالثة أنّ هناك عناية سماوية بالمسلمين حيث تمّ اجتباؤهم للإسلام و ظهرت تسميتهم بهذا الإسلام على
لسان رائد التوحيد إبراهيم الخليل عليه السّلام.
ثمّ بيّنت الآية في خاتمتها أنّ الالتزام بتلك الأحكام و الخصائص المترتّبة عليه من الاجتباء و رفع الحرج و إطلاق تسميتهم قبل ظهورهم على لسان خليل اللّه، ما هي إلاّ مقدمات لتكريمهم بأن يكون الرسول شاهدا عليهم و يكونوا هم شهداء على الناس، فالشهادة هي الغاية من الاجتباء.
و لكي يتّضح لدينا المعنى الدقيق للاجتباء لا بدّ من ملاحظة المعنى اللغوي له أوّلا.
قال الراغب في «المفردات»: «يقال: جبيت الماء في الحوض: جمعته، و الحوض الجامعة له جابية» ثم قال: «الاجتباء الجمع على طريق الاصطفاء، قال عزّ و جلّ: فَاجْتَبٰاهُ رَبُّهُ و اجتباء اللّه العبد تخصيصه إيّاه بفيض إلهي»(1)و قال الزمخشري في «أساس البلاغة»: «اجتباه: اختاره، مستعار منه لأنّ من جمع شيئا لنفسه فقد اختصه و اصطفاه»(2).
و قال أبو البقاء في «الكليات»: «الاجتباء هو أن تأخذ الشيء بالكلية»(3).
و يقرب منه ما قاله الآخرون.
و عندما نتأمّل في لفظة الاجتباء نجدها متلازمة مع التسليم، فإذا كان أمام المجتبي أفراد معيّنون فإنّ اجتباءه لزيد دون عمر و لا بدّ و أن يتمّ على أساس معيّن، و الأساس لا بدّ أن يكون هو القرب أو الأقربية، و في مقام العبودية يكون
مقارنة لرؤية الرسول صلّى اللّه عليه و اله.
6 - و هذا هو المستفاد من روايات عرض الأعمال على الرسول صلّى اللّه عليه و اله و على الأئمة المعصومين التي وردت في تفسير الآية الشريفة.
إذا أردنا أن نجمع كلّ هذه النتائج القرآنية في نقاط أخيرة، فهي كالتالي:
1 - إنّ الإمامة ليست مقاما عبوديا، و إنّما موقع قيادي و تشريعي أيضا.
2 - إنّها تحتاج الى جعل إلهي، و لا مدخلية لاختيار الناس فيها.
3 - إنّها تمثّل غاية الكمال الإنساني.
4 - إنّها تحتاج الى العصمة من الخطأ و النسيان و الذنوب.
5 - إنّ من خصائصها العلم بالاسماء و علم الكتاب و العلم الشهودي الحضوري.
6 - إنّ الأئمة شهداء على الناس، يرون أعمالهم و يشهدون نواياهم و سرائرهم.
7 - إنّهم هم الامّة الوسط، و الأفراد الذين اجتباهم اللّه شهداء على الناس، و الرسول شهيد عليهم.
8 - إنّ الحياة الإنسانية لا تخلو في دور من الأدوار من شهادة واحد منهم عليها.
9 - إنّهم واسطة الفيض الإلهي، و انّهم يتمتّعون بالولاية التكوينية.
10 - إنّ لأهل البيت مدخلية في الرسالة، و بقية الامّة أتباع لها و لهم.
11 - إنّ الإمام هو الذي عنده علم الكتاب، و انّ منزلته أعلى من منزلة من
كان عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ اَلْكِتٰابِ الذي حظي بتلك الكرامة و المعجزة المعروفة.
12 - إنّ الإمامة اكمال للدين، و انّها هي النعمة، و هي الإتمام للنعمة، و ان الرسالة لا تتمّ بدونها، و لا تستقيم الامّة بغيرها.
13 - إنّ الإمام هو نفس الرسول، و أنّ طاعتهما واحدة.
14 - إنّ الأئمة هم اولو الأمر لهذه الامّة.
15 - إنّ الأئمة قيادة سياسية و مرجع تشريعي بعد الرسول صلّى اللّه عليه و اله.
هذه هي خلاصة النتائج القرآنية التي توصّلنا إليها عبر بحوث هذا الكتاب و فصوله، و هي الاسس العريضة و العلامات الشاخصة لنظرية الولاية و الإمامة في مدرسة أهل البيت عليهم السّلام، و نحن إذ نعرض هذه النتائج على ذوي الرأي الحرّ و الفكر المستقيم إنّما نريد أن نؤكّد على قرآنية هذه النتائج ردّا على زعم الزاعمين بأنّ ما يقوله أتباع أهل البيت عليهم السّلام عن أئمّتهم لا يحظى بأساس قرآني، و الحمد للّه أوّلا و آخرا.
و نحن في نهاية المطاف من الكتاب نشعر بضرورة اشباع البحث في خصوصيّتين مهمّتين من خصوصيّات الإمامة، هما: العلم بالغيب، و العصمة، ذلك أنّنا و إن كنّا قد تناولنا هما في طيّات البحوث السابقة، إلاّ أنّ سير البحث كان يقتضي المرور الخاطف بهما.
مرّ بنا أنّ من خواصّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و الأئمة عليه السّلام علمهم بأعمال الناس و شهودهم على ما يجري في دخائلهم، و ذلك كجزء مما حظوا به من فيض العلم الإلهي بالغيب.
و قد يستشكل على هذه الخاصية بعدّة اشكالات هي:
1 - انّها منافية للآيات الدالّة على انحصار العلم بالغيب باللّه تعالى، كقوله عزّ و جلّ وَ عِنْدَهُ مَفٰاتِحُ اَلْغَيْبِ لاٰ يَعْلَمُهٰا إِلاّٰ هُوَ(1)و قوله تعالى: قُلْ لاٰ يَعْلَمُ مَنْ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ اَلْغَيْبَ إِلاَّ اَللّٰهُ(2).
و منافية كذلك للآيات الدالّة على عدم علم النبيّ صلّى اللّه عليه و اله بالغيب، كقوله تعالى: وَ مٰا أَدْرِي مٰا يُفْعَلُ بِي وَ لاٰ بِكُمْ(3)و قوله تعالى: وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ اَلْغَيْبَ
لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ اَلْخَيْرِ (1).
2 - إنّها منافية لسيرتهم العملية من التوسّل بالأسباب الطبيعية لتحصيل العلم بالأشياء، بل و مشاورة غيرهم في الامور، كما هو المأمور به في الكتاب العزيز.
3 - عدم امكانية تصحيح ما أقدموا عليه طيلة حياتهم من أعمال أظهرت النتائج أنّها كانت صادرة عن جهل بالعواقب، كسوق الجيش الى معركة خاسرة، وزج النفس و الأهل و الأصحاب في قتال فاشل. فلو كانوا عالمين بالنتائج لكان عملهم غير سائغ عقلا و شرعا، فلتصحيح سيرتهم شرعا لا بدّ من القول بجهلهم بالعواقب.
و للإجابة عليهذه الاشكالات لا بدّ من بيان امور ثلاثة هي:
1 - إنّ العلم بالغيب يراد به معان هي:
الف: العلم بما غاب عن حواس الانسان و حصل عن طريق البرهان العقلي أو النقلي، ففي أوائل سورة البقرة وصف القرآن الكريم المتّقين بأنهم يؤمنون بالغيب، الذي يؤمنون به، إذ لا إيمان إلاّ بعد العلم. و لا بد أن يكون المراد بالغيب الذي علموا به هو ما غاب عن الحواس و تمّ تحصيله بدليل عقلي كالتوحيد، أو دليل نقلي كأحوال يوم القيامة.
ب: العلم بما غاب عن الحسّ و العقل معا و تمّ التوصل إليه عن طريق النقل خاصة، كالعلم بغلبة الروم على الفرس قبل وقوع المعركة، و ذلك عن طريق
1) الأعراف: 188.
إخبار القرآن في سورة الروم، و كالعلم بالحوادث التأريخية التي لا يمكن التوصل إليها عبر الأسباب الطبيعية، و قد قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْبٰاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهٰا إِلَيْكَ مٰا كُنْتَ تَعْلَمُهٰا أَنْتَ وَ لاٰ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ(1).
ج: العلم بما لا يستطيع الانسان التوصّل إليه بحسّ و لا عقل و لا نقل.
فعنوان العلم بالغيب يشمل هذه المعاني الثلاثة، و لا شك في انطباقها عليها معا، و كلّ منحصل له أحد المعنين الأوّل أو الثاني عدّ عالما بالغيب دون أن يستتبع ذلك اشكالا أو تعارضا مع خوصية اللّه سبحانه و تعالى في العلم و انحصار علم الغيب به.
و قد رأينا أنّ القرآن نفسه قد استعمل وصف العلم بالغيب في الانسان، ذلك أنّ اللّه سبحانه قد خصّ نفسه بالمعنى الثالث من علم الغيب و إن كان المعنى الأوّل و الثاني أيضا من شؤونه، لاعتمادهما على النقل عن اللّه سبحانه، و لكن بما أنّ اللّه سبحانه قد فتح قناة النقل الى الانسان عبر الكتب السماوية و الانبياء و أصبحت بعض علوم الغيب في متناوله و صحّ وصف الانسان بعلم الغيب لذا بقي المعنى الثالث خاصا باللّه سبحانه، و هو المعنى المقصود في الآيات الدالة على انحصار علم الغيب به، و من هنا صحّ وصف الانسان بعلم الغيب بمعنى ما، وصحّ نفي هذا العلم عنه و حصره باللّه بمعنى آخر، و لا يلزم من هذا النفي و الاثبات تناقض و لا تعارض، كما إذا اختصّ اللّه سبحانه عبدا من عباده بوحي أو الهام و أطلعه على بعض الحقائق الغيبية، و لعلّ أمير المؤمنين عليه السّلام
1) هود: 49.
يشير الى ذلك بقوله: «انّما هو تعلّم من ذي علم»(1).
3 - إنّ العناوين قد تطلق على الانسانكنفس عنوان الانسانو يكون الملحوظ فيها مرتبة معينة، و قد تطلق مرة اخرى عليه و يراد بها مرتبة اخرى و هكذا ثالثة و رابعة، فإذا اطلقت و اريد بها مرتبة معينة فهذا لا يعني نفي المرابت الاخرى، و اذا نفيت المرتبة الدانية منه فهذا لا يعني و لا يستلزم نفي المرتبة العالية، و الشي المهمّ هو أنّ ثبوت مرتبة لا يسلتزم نفي اخرى، و نفي مرتبة لا يستلزم ثبوت اخرى أعلى و لا أدنى.
فقد يطلق عنوان الانسان و يراد به المرتبة الجسدية المادية فقط، مثل قوله تعالى: خَلَقَ اَلْإِنْسٰانَ مِنْ صَلْصٰالٍ كَالْفَخّٰارِ(2)، و قد يلاحظ فيه المرتبة الروحية فقد دون لحاظ المرتبة البدنية السابقة، مثل قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفّٰاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ(3)فالآية خطاب للانسان و قد لوحظ فيها جانب الروح فقط لأنّه هو الجانب المقصود بالوفاة و هو الجانب الذي يستوفى عبر ملك الموت، و قد يلاحظ مجموع الجانبين، و قد يلاحظ مرة رابعة بجانبيه المادي و الروحي زائدا الكمالات المعنوية التي حازها، فهذه كلّها مراتب متدرّجة لعنوان الانسان الذي قد يطلق و يراد به واحدة منها، دون أن تدلّ هذه الارادة على نفي أو ثبوت المرتبة السابقة أو اللاحقة.
ففي قوله تعالى: قُلْ إِنَّمٰا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ(1)لوحظت المرتبة البشرية الاعتيادية من الرسول صلّى اللّه عليه و اله، و هذا اللحاظ لا يدلّ على نفي المرتبة الأعلى، و لذا عقّبت الآية بإثبات الوحي للرسول صلّى اللّه عليه و اله، و في قوله تعالى: وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدىٰ(2)تمّت الاشارة الى المرتبة البدائية من الخلقة الفاقدة للهداية الإلهية، و لا يلزم من ذلك انتفاء المرتبة العالية له صلّى اللّه عليه و اله.
و بهذا الاسلوب يمكن حلّ التعارض الظاهري بين طوائف الآيات و الروايات المتحدّثة عن قضايا من هذا القبيل كقضية علم الغيب التي وجدنا لها مراتب عديدة، فاذا اطلق هذا العنوان و اريد به مرتبة معينة فهذا لا يعني انتفاء المرتبة الأعلى و لا ثبوت المرتبة الأدنى، فقد تثبت المرتبة الأعلى بدليل آخر.
3 - إنّ العلم إمّا حضوري يتعلّق بعين المعلوم بلا واسطة كعلم اللّه تعالى بذاته و صفاته و أفعاله، و إمّا حصولي ناشئ من الصور الحاصلة في القوة المدركة كعلمنا بالأعيان الخارجية و الامور الاعتبارية بواسطة الصور و المفاهيم.
و العلم الحضوري بالنسبة للانسان هو علمه بنفسه و قواه و أفعاله و انفعالاته، كما أنّ علمه الحصولي يحصل له بتأثير من الخارج فيه عبر الحواس الظاهرة و الباطنة التي تعمل كالنوافذ المنفتحة على الخارج لتلتقط صور الأشياء و تعكسها على القوى الإداركية، ثمّ يقوم الذهن بفعالية ايجابية من شأنها الاستنتاج و تحصيل علم حصولي جديد، و هذا لا يتنافى مع كون نفس المفاهيم
و الصور العملية معلومة للنفس بالعلم الحضوري، فإنّها من هذه الحيثية تكون من أفعالها أو انفعالاتها.
حينئذ يمكننا أن ننظر للانسان من عدّة زوايا و نطلق عليه أحكاما مختلفة لكنّها غير متعارضة، فبحسب النظر المتعارف هذه العلوم هي العلوم التي تعد علوما انسانية، و بحسب منظار آخر هو المنظار الرابط بين الانسان و الخالق يصبح هذا الانسان فاقدا لأيّ كمال وجودي من علم و قدرة، و كلّ ما عنده هبة من اللّه سبحانه إليه، و بحسب منظار ثالث الى بعض أفراد الانسان ممّن ارتقى الى مرتبة عالية في الكمال فوق ما يناله الانسان العادي، فأوتي من عنده اللّه علما الهيا مختفيا عن مدارك الناس و محتجبا تحت أستار الغيب، و اوتي قدرة ربّانية على ما يعجز عنه الانسان الاعتيادي كإحياء الموتى و شفاء المرضى، بل الخلق بإذن اللّه تعالى.
و اذا افترضنا اجتماع هذه الأحكام الثلاثة في شخص واحد فإنّها لا تعدّ أحكاما متنافية، لأنّ كلّ واحد منها ناظر إلى جهة معيّنة دون اخرى، كما مرّت الاشارة إليه في النقطة الثانية.
فعلم عيسى عليه السّلام بما كان الناس يدّخرونه في بيوتهم و قدرته على ابراء الأكمه و الابرص لا يعدّ أن بحسب النظر المتعارفالنظر الأوّلعلما و قدرة إنسانيين، و هو بحسب النظر الثاني ملك للّه سبحانه و تعالى، و بحسب النظر الثالث هي من مقامات عيسى و لوازم درجته الرفيعة عند اللّه، و لذا كان بإمكانه القول أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اَللّٰهِ وَ أُبْرِئُ اَلْأَكْمَهَ
وَ اَلْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ اَلْمَوْتىٰ بِإِذْنِ اَللّٰهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِمٰا تَأْكُلُونَ وَ مٰا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ (1)فبوسعه طبقا للمنظار الثالث أن نينسب هذه القدرة و هذا العلم الى نفسه، و له أن يقول بحسب النظر الثاني: إنّي لا أملك شيئا من العلم و القدرة، و له أن يقول بحسب المنظار الأوّل: إنّ لي ما لكم من العلم و القدرة، و لكن يعلمني ربّي ما لا يعلمكم، و يقدرني على ما لا تقدرون عليه.
ثمّ إنّ العلم قد يتعلق بامور منتظمة في نظام ضروري من العلل و المعاليل بما في ذلك إرادة الانسان و اختياره، و مثل هذا العلم لا تأثير له في الارادة لأنّه كاشف عن مجموع المراد و الارادة المنبثقة عن مبادئها، بخلاف سائر العلوم الحصولية التي تؤثّر في ظهور الارادة، سواء حصلت من الاسباب العادية أو غيرها.
بعد بيان هذه الامور و المقدّمات الثلاثة نأتي الى مسألة علم النبي صلّى اللّه عليه و اله و الأئمّة عليهم السّلام بالمغيبات، فإنّه قد يراد بهذا العلم، العلم الحضوري، و قد يراد به العلم الحصولي، و على كلا الاحتمالين يخلو الأمر من الاشكال، فإذا قلنا انّه علم حضوري كان بلحاظ مقامهم النوري الذي هو فوق وعاء الحركات و التغييرات و التقدّمات و التأخّرات الزمانية، و وصولهم الى هذا المقام و ان كان بلحاظ المادة و وعاء الحركة و الحلول في عالم الأجساد البشرية متأخّرا زمانا، إلاّ أنّه بحسب المرتبة الوجودية و بلحاظ القوس النزولي متقدّم دهرا، و هذا أمر لا تسعة الأفهام المنغمرة في الماديات، و لا ينبغي القاؤه اليهم، و يكفي أنّ الروايات دلّت على أنّ اللّه سبحانه قد خلق نورهم قبل أن يخلق أي شيء،
1) آل عمران: 49.
و انتقل هذا النور الى صلب آدم ثمّ ما زال ينتقل في أصلاب أبنائه حتى استقرّ أخيرا في الاجساد التي أصبحت تمثّلهم و يشار بها إليهم.
و اذا قلنا انّه علم حصولي فيتصوّر له معنيان:
أحدهما: العلم بالنظام الضروري بما فيه الارادة و مبائها، و قد سبق أنّ مثل هذا العلم لا يكون من مبادئ الارادة و لا موثّرا فيها، بل علم بالعلوم التي تشكّل مبادئ الارادة و بالارادة المنبثقة عنها و بالمراد الذي يحصل بها.
و ثانيهما: العلم بالأشياء الجزئية عن طريق الوحي و الالهام، و هذا كالعلم العادي يؤثّر في الارادة، لكن مرتبة وجوده أدنى من مرتبة العلم بالنظام الضروري، و هي مرتبة من النفس تتجلّى فيها الارادة 6
و لا يرد على شيء من هذه العلوم اشكال اختصاص العلم بالغيب باللّه تعالى، لأنّها كلّها حاصلة بنوع من التعليم المناسب لها من اللّه سبحانه، و هذا غير العلم بالغيب بالمعنى الثالث المختصّ باللّه سبحانه، و بذا يندفع الاشكال الأول المتعلّق بانحصار علم الغيب باللّه سبحانه و تعالى.
أمّا الاشكال الثاني المتعلّق بسيرة النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و الأئمّة عليهم السّلام التي جرت على التماس الأسباب الطبيعية للعلم فجوابه يختلف باختلاف نوع العلم الذي ينسب اليهم عليهم السّلام، فإذا قلنا انّه علم حضوري أو حصولي من القسم الأوّل و هو العلم بالنظام الكلّي، فجواب هذا الاشكال أنّ كلا من هذين العلمين و ان كان متعلّقا بالحوادث إلاّ أنّه انّما يتعلّق بها بما لها من العلل و الشرائط و المعدّات:
و التماس الأسباب الطبيعية للعلم يتوافق مع هذه الخصوصية لأنّه يتماشى
مع النظام الكوني.
و اذا قلنا بأنّ علمهم عليهم السّلام هو علم حصولي بمعنى الوحي و الإلهام، فجواب الاشكال المذكور حينئذ هو أنّ وجوه قناة الوحي و الالهام التي تمدّهم بعلم الغيب لا يلغي الحاجة الى القناة الطبيعية للاكتساب العلمي فليكن الوحي و الالهام مصدرا لما يعجزون عن اكتسابه من العلوم بالأسباب الطبيعية، و يبقى عليهم التوسّل بتلك الأسباب الطبيعية لتحصيل العلوم الاخرى كما يفعل سائر البشر.
أمّا الجواب على الاشكال الثالث فيختلف كذلك باختلاف نوع العلم المنسوب الى النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و الأئمة عليهم السّلام، فإذا قلنا انّه علم حضوري أو علم حصولي بالنظام الضروري الكوني، فجواب الاشكال أنّ هذين العلمين غير مؤثّرين في الإرادة كما مرّ، بمعنى أنّ علم النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أو الإمام المسبق بفشل معركة معينة لا يؤثّر في تصميمه و لا يغيّر ارادته في التوجّه نحو هذه المعركة.
و اذا قلنا انّ علمهم حصولي ناشئ عن الوحي و الالهام، و هو مؤثّر في ارادة النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و الإمام بحيث يدفعه الى معركة ناجحة، و يمنعه عن معركة فاشلة، فجواب الاشكال أنّ أحدا لم يقل بأنّ كلّ ما عند النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أو الإمام من العلم مصدره وحي و الهام، و انّما الذي قلناه هو أنّ علومه الغيبية مستفادة من هذا الطريق، الاشكال يتمّ على فرض ثبوت أنّهم الهموا علما بفشل معركة ما ثمّ أقدموا عليها، و لا طريق لاثبات ذلك إلاّ بإخبار النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أو الإمام عن هذا العلم السمتلهم، و حيث لم يحصل الإخبار فلا مجال لإثبات الاشكال.
و بتعبير آخر: إنّ الوحي و الإلهام قناة إلهية قد تزوّد المعصوم ببعض
المعلومات و قد تحجب عنه البعض الآخر، و الاشكال الثالث متوقّف على اثبات أنّ هذه القناة قد زوّدت المعصوم بخبر فشل المعركة قبل أوانها و مع ذلك أقدم عليها، و لا طريق لاثبات حصول ذلك الخبر لديه عليه السّلام، على أنّ المصالح و المفاسد لا تدرك بنتائجها القريبة، و المعارك لا تقاس بما يظهر في الوهلة الاولى من هزيمة أو انتصار، فقد تكون الهزيمة القريبة مقدّمة لانتصار خالد كبير، و قد تؤدّي المصالح الظاهرية الى مفاسد كبيرة حقيقية، ففشل ثورة أو معركة أقدم عليها النبيّ صلّى اللّه عليه و اله أو الإمام عليه السّلام لا يدل على أنّ المعصوم قد تسببّب في خسارة، و أنّ علمه المسبق المفترض بهذه النتيجة يعني وقوعه في الإثم، و من هنا نرى الخسارة و الربح و الهزيمة و الانتصار امورا تختلف العقول فيها، فما عدّه جماعة خسارة يعدّه آخرون ربحا، و ما اعتبره قوم هزيمة يعدّه آخرون انتصارا.
و من الخصائص المطلوبة في الإمامة العصمة، و قد مرّت الاشارة الى ذلك مع قدر من الاستدلال عليها في جملة من بحوث الكتاب، إلاّ أنّ هناك أبعاد ضرورية اخرى لم يجر البحث فيها و هي ممّا يستحق ذلك.
فإضافة الى أنّ الدليل العقلي قد دلّ على عدم جواز اسناد الرسالة و الإمامة الى من ارتكب الخطيئة و مارس الإثم و ظهر منه الذنب، فازدرته الأعين و استصغرته النفوس، و هبطت مكانته في أعين الناس، و ضرورة إسناد هذين
المنصبين الى من تطهّر عن ذلك، و اتّصف بكل كمال انساني رفيع، انسجاما مع قوله تعالى: اَللّٰهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسٰالَتَهُ(1)و قوله تعالى: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ وَ يَخْتٰارُ مٰا كٰانَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ(2).
إضافة الى هذا الدليل العقلي فإنّ الدليل النقلي القرآني قد دلّ تصريحا تارة، و تلويحا تارة اخرى على عصمة الأنبياء و الأئمة عليهم السّلام.
فمن ذلك قوله تعالى: عٰالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاٰ يُظْهِرُ عَلىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاّٰ مَنِ اِرْتَضىٰ مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسٰالاٰتِ رَبِّهِمْ وَ أَحٰاطَ بِمٰا لَدَيْهِمْ وَ أَحْصىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً(3). فإنّ الظاهر من هذه الآيات أنّ الوحي مصون من الالقاءات الشيطانية من نقطة انطلاقه و صدوره الى نقطة وصوله الى الناس، و أنّ هذه الصيانة تتمّ بارسال اللّه سبحانه الملائكة المراقبين المحافظين عليه، و ما ذلك إلاّ تعبير عن عصمة الرسول في مجالات التبليغ و ايصال الأحكام الإلهية.
و منها: قوله تعالى: وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ رَسُولٍ إِلاّٰ لِيُطٰاعَ بِإِذْنِ اَللّٰهِ(4)حيث نصّت هذه الآية على وجوب الطاعة المطلقة للرسول في جميع ما من شأنه أن يطاع فيه من الأفعال و الأقوال و الآداب.
فلو لم يكن الرسول معصوما لاحتمل بحقه الخطأ و النسيان و ارتكاب المخالفة، و لأصبح واجبا على الناس اطاعته حتى في هذه الموارد، و هذا يعني
أنّ اللّه قد أمر بالخطأ و العصيان، و هو مستحيل، فمن أجل دفع هذه النتيجة المستحيلة لا بدّ من القول بعصمة الرسول عن كلّ ذلك.
و منها قوله تعالى: وَ اِصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنٰا(1)و قوله تعالى: وَ لَوْ لاٰ أَنْ ثَبَّتْنٰاكَ(2)، فهل يعقل صدور الذنب و الخطأ و النسيان ممن كان محروسا بعين اللّه و مغمورا برعايته الشديدة، و يتوالى إليه التثبيت منه تعالى باستمرار؟ و ما معنى فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنٰا و ثَبَّتْنٰاكَ إذا كان النبيّ لا يزال يصدر منه الذنب و الخطأ و النسيان؟
و منها قوله تعالى: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاّٰ عِبٰادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ(3)و هو اعتراف من مبدأ الضلال ابليس بالعجز عن اغواء من أخلصهم اللّه و اصطنعهم لنفسه، و قد قال تعالى في وصف يوسف عليه السّلام: كَذٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ اَلسُّوءَ وَ اَلْفَحْشٰاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبٰادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ(4)ممّا يدلّ صراحة على أنّ اللّه سبحانه يتعهّد أنبياءه بالحراسة و الحماية و التسديد و كلّ ما من شأنه صرف الفحشاء و العمل السيّء عنهم، و أنّه تعالى قد استخلصهم و جعلهم من المخلصين، فإذا كان من صرف عنه السوء و الفحشاء قد أصبح من المخلصين فلا شك أنّ من وصف بأنّك (بِأَعْيُنِنٰا) و بالتثبيت الإلهي (ثَبَّتْنٰاكَ) سيكون في ربتة أعلى و مقام أرفع، و هل مؤدّى ذلك كلّه إلاّ العصمة؟
و لسنا هنا بصدد احصاء الآيات الدالة بنحو من الأنحاء على عصمتهم عليهم السّلام و بيان وجوه هذه الدلالة و تقريباتها، و لكن غرضنا هو التنبيه على أنّه عصمة الأنبياء و الأئمة أمر يقتضيه الوجدان و الفطرة السليمة، و أنّ التشكيك في ذلك لا ينطلق من أساس مقبول، و أساسه الوحيد هو قياس شخصية هؤلاء الصفوة على شخصية سائر الناس، و معلوم أنّ صاحب الذوق المرير يجد كلّ المأكولات في فمه مرة، و من يرتدي نظارة صفراء يرى كلّ شيء حوله أصفر، و هو لا يدري أنّ المرارة و الاصفرار لا وجود لهما في الأشياء التي يتذوّقها و يراها، و إنّما هم موجودان في فمه و نظارته، فالعيب منحصر فيه و قد عمّمه الى غيره.
و من هنا تصدّى الأئمة عليهم السّلام لدفع ما قيل من الشبهات حول عصمتهم و عصمة الأنبياء تنزيها لساحتهم من الشّين و الدرن.
و قد تمسّك المنكرون لعصمتهم عليهم السّلام بامور تصوّروها أنّها أدلّة كافية للانكار، و هي ليست كذلك، و من الضروري أن نستعرض بعضها لبيان مدى ضعفها، و كلّ ما تمسّك به هؤلاء آيات قرآنية يفهم من ظاهرها نسبة الذنب و الخطأ و النقص للنبي صلّى اللّه عليه و اله.
منها قوله تعالى: وَ اِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ(1)و قوله تعالى: إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اَللّٰهُ مٰا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مٰا تَأَخَّرَ(2)و لكي نرد عليهم تمسّكهم بهذه الآيات لا بد من أن نطّلع أوّلا على المعنى اللغوي للذنب.
قال الراغب في «المفردات»: «الذنبفي الأصلالأخذ بذنب شيء، يقال: ذنبته، أصبت ذنبه. و يستعمل في كلّ فعل يستوخم عقباه، اعتبارا بذنب الشيء، و لهذا يسمّى الذنب «تبعة» اعتبارا لما يحصل من عاقبته»(1)، و يقرب من ذلك ما قاله اللغويّون الآخريون.
فالذنب إذن هو الفعل الذي تخاف عاقبته، و هو على أنحاء:
1 - التمرّد على القوانين المشرعة لتنظيم الحياة الاجتماعية، إذ يعدّ المتمرّد عليها مذنبا فيناله العقاب المناسب لذنبه، و هذا هو الذنب الوضعي المستتبع للجزاء و العقوبة الوضعية.
2 - الخروج على القوانين الأخلاقية، ذلك أنّ الأخلاق الفاضلة كالشجاعة و العفّة و العدالة بكلّ تفريعاتها و ما يبتني عليها و إن كانت جميعا أو صافا نفسية لا ضامن لإجراءها و تنفيذها عمليا لأنّها بنفسها ملكات لا اختيارية، إلاّ أنها بلحاظ المقدّمات و الطرق المؤدّية إليها تعدّ أوصافا اختيارية، و لذا فهناك أوامر عقلية بتحصيل تلك الفضائل، و نواه عقلية عن اجتناب الرذائل من أضدادها، و لذا يعدّ المتخلّف عنها مذنبا، و بإزائه توجد عقوبة اجتماعية أو قانونية مناسبة.
3 - عدم الإتيان بالعمل على هيئته المثلى و بما يلزمه من الرسوم و الآداب و الأعراف، فصدور مثل هذه الحالة من الإنسان البسيط العادي لا يعدّ ذنبا، فلا يلام و لا يعاقب، لكنّها بلحاظ الإنسان الآخر ذي المنزلة و المقام الرفيع بين الناس قد يشار إليها كعيب و تدرج في قائمة النقائص، و هذا هو معنى القول
1) الراغب الاصبهاني، الحسين بن محمد، المفردات: ص 181.
المشهور «حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين»، و لذا فلا مانع من تسمية هذه الحالة بالذنب الأدبي، و من الطبيعي أن تكون بإزائه عقوبة أدبية.
هذا إذا نظرنا الى هذه الحالة من الزاوية الاجتماعية، و قد ننظر إليها من زاوية اخرى هي زاوية نفس الشخص و مدى ارتباطه بالجهة التي يقدّم العمل لها، فإن كانت علاقته بتلك الجهة علاقة ضعيفة فلا يعدّ صدور مثل هذه الحالة منه ذنبا و لا نقصا، بخلاف ما إذا كنت تربطه بتلك الجهة علاقة حب أكيد و شوق بدرحة عالية، فسنجده حينئذ ينحو باللائمة على نفسه لصدور مثل هذه الحالة منه إزاء محبوبه، و كلّما اشتدّت العلاقة و ازداد الحبّ اشتدّ اللوم على النفس و ازدادت تلك الحالة سوادا في عينيه حتى يعدّها ذنبا عظيما، و الى هذا يشير القول المعروف: «لا تنظر الى صغر المعصية، و انظر الى عظمة الخالق الذي تعصيه»، فمثل هذا الإنسان الذي أخذت محبة اللّه بمجامع قلبه و اتّجهت نفسه بشوق ما بعده شوق الى الكامل المطلق فلم يعد له مطلوب سواه، و لا دين إلاّ هذا الحب و تحقيق مقتضياته بالقيام بصالح الأعمال و الابتعاد عن الموبقات لأنّ اللّه يحب ذلك، لا طمعا في جنّته و لا خوفا من ناره، و إنّما لصرف الحب المتأصل.
مثل هذا الإنسان إذاعرضت له غفلة أو جفوة عن محبوبه عدّ ذلك ذنبا عظيما، حتى ليكون الانشغال بضروريات الحياة معدودا عنده من الذنوب التي تلقي بينه و بين محبوبه أسدال الستار.
و على هذا المعنى تحمل الآيتان الأوّليان من الآيات الثلاث الماضية، و عليه أيضا يحمل ما ورد في الأدعية المأثورة عن المعصومين عليهم السّلام من
الاعتراف بالذنوب و المعاصي و طلب التوبة و الاستغفار منها، و هكذا الآيات التي تنسب المعصية الى الأنبياء الكرام عليهم السّلام.
و أمّا قوله تعالى: إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ... فإّن الذنب المذكور فيها لِيَغْفِرَ لَكَ اَللّٰهُ مٰا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ... إنّما هو بلحاظ نظر الآخرين و ما تصوّره الأعداء ذنبا ارتكبه النبي صلّى اللّه عليه و اله لأنّ الآية تجعل الفتح سببا لغفران الذنب، و لا معنى لهذا الربط بين الذنب و الفتح إلاّ إذا حملنا الذنب على ما تصوّره الأعداء ذنبا.
ذلك أن النبي صلّى اللّه عليه و اله قد واجه حملة عنيفة من المعارضة و التشويش و الاتهام قبل الهجرة الى المدينة و بعدها، إلاّ أن تلك المعارضة لم تحقّق أهدافها، و انتصر الرسول عليها و على أصحابها، بعد أن حمل السيف و جاهد المشركين و الكفّار و قاتلهم قتالا عنيفا، فاحتسب الأعداء ذلك منه ذنبا، لذا كانوا يتربصون به الدوائر، إلاّ أن اللّه تعالى أتى بنيانهم من القواعد فخرّ عليهم السقف من فوقهم، و أدار عليهم دائرة السوء بالفتح المبين، ففنيت شوكتهم و خمدت نار فتنتهم، و بهذا يكون اللّه قد غفر لنبيّه ما ظنّوه ذنبا صدر منه.
و ليس هذا المعنى غريب على القرآن الكريم، ففي قصة موسى عليه السّلام نقرأ حكاية القرآن على لسانه وَ لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخٰافُ أَنْ يَقْتُلُونِ(1)أي أن الأعداء يحسبوني مذنبا بحقّهم لعمل سابق منيإزاءهم، و لربّما كان وصف جهاد النبي صلّى اللّه عليه و اله الرائع بأنه ذنب كنوع من أنواع المشاكلة البلاغية و المحسنات البديعية.
1) الشعراء: 14.
و ما ذكرناه هو تفسير الإمام الرضا عليه السّلام للآية حينما سأله المأمون عن الذنب المذكور فيها فقال عليه السّلام: «لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنبا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله...
فقال المأمون: للّه درّك يا أبا الحسن»(1).
و من الآيات التي تمسّك بها المنكرون للعصمة قوله تعالى: عَفَا اَللّٰهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكَ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ اَلْكٰاذِبِينَ(2)و قد نزلت هذه الآية إثر صدور إذن من النبي صلّى اللّه عليه و اله لبعض المنافقين بعدم الخروج الى الجهاد، لأنهم صدور إذن من النبي صلّى اللّه عليه و اله لبعض المنافقين بعدم الخروج الى الجهاد، لأنهم لو خرجوا مازاوا المسلمين إلاّ خبالا و لأوضعوا خلالهم يبغونهم الفتنة و لقد ابتغوا الفتنة من قبل و قلّبوا للرسول الامور حتى ظهر أمر اللّه و هم كارهون، فإذنه صلّى اللّه عليه و اله لهم كان إضفاءا للستر على نفاقهم، رحمة بهم.
و لو تأمّلنا الآية قليلا وجدناها تصبّ اللطف في قالب تأكيد المدح من العتاب، و كأنّ الآية تقول للرسو: ما زلت عفوا ستارا رحيما حتى دعتك هذه الملكة المتأصّلة فيك الى الستر على المنافقين و المنشقّين عليك، و هذا من ألطف المدح، و ليس فيه ما يدلّ على المعصية.
و منها: قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مٰا أَحَلَّ اَللّٰهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضٰاتَ أَزْوٰاجِكَ(3)فقد تمسّكوا بهذه الآية رغم سياقها الظاهر في المدح و الثناء على النبيّ صلّى اللّه عليه و اله حيث إن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله حرّم على نفسه الخلوة بمارية زوجته، أو حرّم تناول العسل تحقيقا لرغبة زوجاته، فضحّى بما يحلّ له و يهنئ حياته من أجلهنّ و إيثارا منه لهنّ على نفسه، فأشارد اللّه سبحان بصفته هذه باسلوب
يبدو منه العتاب و يراد به المدح.
و منها قوله تعالى: وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اَللّٰهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اِتَّقِ اَللّٰهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اَللّٰهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى اَلنّٰاسَ وَ اَللّٰهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشٰاهُ(1).
و قصّة ذلك أنّ الجاهلية كانت تحرّم الزواج على من يدّعي الانتساب لأب معيّن، و كان زيد بن حارثة قد نسب نفسه للرسول صلّى اللّه عليه و اله فصار دعيا له، كما أنه كان مولى له، فأراد الإسلام إزالة ذلك التحريم الجاهلي على الأدعياء فقام الرسول صلّى اللّه عليه و اله بتزويج بنت عمته زينب بنت جحش لدعيّه زيد، ثم حصلت مشاكل بينهما و أراد زيد طلاقها، فأوحى اللّه سبحانه الى نبيّه أنّ زيدا سيأتيه طالبا منه الطلاق من زينب، فلمّا حضر زيد و بيّن عزمه على الطلاق أمره الرسول صلّى اللّه عليه و اله بترك ذلك و تقوى اللّه، و هو يخفي في نفسة الشريفه ما اوحي إليه من أن الأمر سينتهي الى الطلاق، خشية أن تقع الناس في الفتنة، و لم يكن يخشى الناس على نفسه لقوله تعالى: اَلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسٰالاٰتِ اَللّٰهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لاٰ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اَللّٰهَ و إنّما كان يخشاهم لأنفسهم، بمعنى يخشى وقوعهم في الفتنة.
و عليه فإنّ قوله تعالى: وَ اَللّٰهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشٰاهُ لا يراد به أنّك فضّلت خشية الناس على خشية اللّه سبحانه، و لو كان كذلك لكانت خشيته منهم حقا و خشيته من اللّه أحق، و هذا مناف للقصر المذكور في آية: اَلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسٰالاٰتِ اَللّٰهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لاٰ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اَللّٰهَ(2). فكلمة «أحقّ» الواردة في الآية ليست للتفضيل، و إنّما هو للتعيين كما في قوله تعالى: وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ.
و هكذا نجد الآية كسابقتيها في معرض بيان رأفة الرسول بالناس و حرصه على صلاح شأنهم، و كأنّها جميعا بمضمونها تشير الى قوله تعالى: لَقَدْ جٰاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ(1).
و من الآيات التي تمسّكوا بها ما نزل على طريقة «إياك أعني و اسمعي يا جارة» كما في الحديث المروي عن الصادق عليه السّلام، و من تلك الآيات قوله تعالى:
يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ اِتَّقِ اَللّٰهَ وَ لاٰ تُطِعِ اَلْكٰافِرِينَ وَ اَلْمُنٰافِقِينَ (2)و قوله تعالى: اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاٰ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(3)و قوله تعالى: وَ لاٰ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ اَلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مٰا عَلَيْكَ مِنْ حِسٰابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ مٰا مِنْ حِسٰابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ اَلظّٰالِمِينَ(4).
و هذا النوع يشمل آيات كثيرة منصرفة كلّها عمّا قيل من دلالتها على وقوع النبيّ صلّى اللّه عليه و اله في الخطأ أو المعصية، لأنّ المقصود الأساس بهذه الخطابات أفراد كانوا من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و اله يقعون في ذلك فيتوجّه الخطاب للرسول على طريقة «إياك أعني و اسمعي يا جارة» أي أنّ المقصود بها الأصحاب الذين ارتكبوا تلك الأعمال و ليس النبيّ صلّى اللّه عليه و اله نفسه.
و منها بعض الآيات التي فسّرتها روايات دخيلة مدسوسة بتفسيرات تتنافى و العصمة، كالآية الكريمة: وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لاٰ نَبِيٍّ إِلاّٰ إِذٰا تَمَنّٰى
أَلْقَى اَلشَّيْطٰانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اَللّٰهُ مٰا يُلْقِي اَلشَّيْطٰانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اَللّٰهُ آيٰاتِهِ (1).
و هذه الآية عبّرت عن حقيقة هامة في مسيرة الرسالات و تأريخ النبوّات، و هي أنّ العمل الرسالي و النبويّ لا يخلو من العقبات، و كثيرا ما كان الأنبياء يتمنّون النجاح في مهمّاتهم النبويّة و إيصال مجتمعاتهم الى الأهداف السماوية المرسومة و الانتصار على الأعداء و سحقهم، و ما تكاد هذه الأماني تستقرّ في نفوسهم و خواطرهم حتى تبدأ الخطوات الشيطانية لتلغيم الطريق و إضعاف العزائم النبويّة و سدّ السبل بوجههم، إلاّ أنّ اللّه غالب على أمره، فينسخ اللّه إلقاءات الشيطان الموهنة لعزائم الأنبياء و وساوسه المؤيسة لهم، ثمّ يرسّخ أماني الأنبياء و أهدافهم و عزائمهم، هذا ما يفهم من الآية الشريفة، و لكن بعض المفسّرين و المؤرّخين نقلوا أخبارا واهية مدسوسة في موضوع الآية و تفسيرها، و هي أن النبي صلّى اللّه عليه و اله كان قد تمنّى أن ينزل اللّه آية يرتضيها الأعداء ليجلب بها قلوبهم، فلمّا شرع في تلاوة سورة النجم و تلا قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتُمُ اَللاّٰتَ وَ اَلْعُزّٰى * وَ مَنٰاةَ اَلثّٰالِثَةَ اَلْأُخْرىٰ(2)أجرى الشيطان على لسانه كلاما في استمرار الآية و هو «تلك الغرانيق العلى و إنّ شفاعتهنّ لترتجى» و إن النبي قد قال ذلك، و لكن هذا الكلام لا يمكن نسبته الى مؤمن من المؤمنين فضلا عن أعظم الأنبياء و خاتم الرسل، لما فيه من نسبة الكفر الصريح الى الساحة المحمديّة، و كيف يتمنّى الرسول أن ينزل اللّه كلاما في مدح الأصنام التي قضى
حياته و ضحّى بكلّ شيء عنده من أجل القضاء عليها، و ما سورة «الكافرون» التي جسّدت قاطعية النبي صلّى اللّه عليه و اله المطلقة في مواجهته مع المشركين إلاّ دليل كاف ينسف هذه الدعوى و يبيّن زيفها و جذورها التحريفية. بل الآية اللاحقة لنفس الآية تنفي ذلك التفسير المختلق، و هي قوله تعالى: إِنْ هِيَ إِلاّٰ أَسْمٰاءٌ سَمَّيْتُمُوهٰا أَنْتُمْ وَ آبٰاؤُكُمْ مٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ بِهٰا مِنْ سُلْطٰانٍ.
و قد أنكر العديد من أعلام المسلمين من غير المدرسة الإمامية تلك الروايات مثل ابن حزم الأندلسي(1)و القاضي عياض(2)و القسطلاني(3)و غيرهم ممّن أبطلوها و أثبتوا كونها موضوعة.
و الحمد للّه رب العالمين.
(أ)
القرآن الكريم
الاحتجاج، أحمد بن علي الطبرسي، مطبعة النعمان، النجف.
أحكام القرآن، أحمد بن علي، ط مصر.
الإسلام و اصول الحكم، علي عبد الرازق.
الاختصال، محمد بن محمد المفيد، مؤسسة الأعلمي، بيروت.
الأمالي، محد بن الحسن الطوسي، ط ايران.
(ب)
بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي، ط بيروت.
البرهان في تفسير القرآن، هاشم الحسيني البحراني، ط قم، دار الكتب العلمية.
(ت)
تاريخ الخلفاء، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ط مصر.
تذكرة الخواص، يوسف شمس الدين المعروف بسبط بن الجوزي، ط النجف.
تفسير ابن كثير، إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي المعروف بأبي الفداء، طبع مصر سنة (1301 ه) هامش تفسير فتح البيان لابن حسن القنوجي.
تفسير الخازن، علي بن محمد المعروف بالخازن.
تفسير روح البيان، إسماعيل حقي البروسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
تفسير الصافي، محمد محسن الفيض الكاشاني، طهران، المطبعة الإسلامية.
تفسير العياشي، محمد بن مسعود العياشي، ط بيروت، مؤسسة الأعلمي، هاشم الرسولي المحلاتي.
تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي، ط النجف.
التفسير الكبير، فخر الدين محمد بن عمر الرازي، بيروت، دار الفكر.
تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ط 2، مصر، دار المنار.
تفسير نور الثقلين: عبد علي بنجمعة الحويزي، ط قم، تصحيح و تعليق: السيد تصحيح و تعليق: السيد هاشم الرسولي المحلاتي.
(ج)
جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير الطبري، ط 2، مصر.
جواهر البلاغة، أحمد الهاشمي، ط 10، مصر.
(ذ)
(ر)
(س)
سسن الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، ط مصر.
السنن الكبرى، أحمد بن شعيب النسائي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
(ش)
شرح نهج البلاغه، ابن ميثم، مثم بن علي، ط ايران.
الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض، مطبعة خليل أفندي، سنة 1290 ه.
شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، عبيد اللّه بن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني، وزارة الإرشاد في الجمهورية الإسلامية.
(ص)
صحيح مسلم: مسلم بن الحجاج، طبعة دهلي.
صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل، دار الجيل، بيروت.
(ع)
العمدة، يحيى بن الحسن بن الحسين المعروف بابن البطريق.
عيون أخبار الرضا، محمد بن علي بن الحسين الصدوق، ط قم.
(غ)
غاية المرام في حجة الخصام، السيد هاشم الحسيني البحراني، ط طهران.
الغدير، عبد الحسين الأميني، ط طهران.
(ف)
فتح القدير، محمد بن علي الشوكاني.
فرائد السمطين، إبراهيم بن محمد الحمويني، تحقيق الشيخ محمد باقر المحودي، ط بيروت.
الفصل في الملل و الأهواء و النحل، علي بن حزم الأندلسي، مكتبة الخانجي، بغداد.
الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة، علي بن محمد المغربي المالكي المعروف بابن الصباغ، ط 3، النجف.
في ظلال القرآن، سيد قطب، دار إحياء التراث العربي.
(ق)
القاموس المحيط، مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، مؤسسة الرسالة.
قرب الإسناد، عبد اللّه بن جعفر الحميري، ط 1، النجف، 1369 ه.
(ك)
الكشاف، محمود بن عمر الزمخشري.
كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب، محمد بن يوسف القرشي الكنجي الشافعئ، تعليق و تصحيح محمد هادي الأميني.
كليات أبي البقاء، أبو البقاء الحسيني الكفوي الحنفي، ط سنة 1287 ه.
كمال الدين، محمد بن علي الصدوق، ط طهران، تصحيح و تعليق علي أكبر الغفاري.
(م)
مجمع البيان، الفضل بن الحسن الطبرسي، ط طهران، تصحيح و تعليق السيد هاشم الرسولي المحلاتي.
المحاسن، أحمد بن محمد بن خالد البرقي، دار الكتب الإسلامية، قم.
مرآة العقول، محمد باقر المجلسي، دار الكتب الإسلامية، طهران، تصحيح:
السيد هاشم الرسولي المحلاتي.
المستدرك على الصحيحين، محمد بن عبد اللّه الحاكم النيسابوري، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
مسند أحمد، أحمد بن حنبل، دار صادر، بيروت.
المفردات، الحسين بن محمد الراغب الاصفهاني، دار المعرفة بيروت.
مقاتل الطالبيين، أبو الفرج على بن الحسين الاصفهاني، ط بيروت.
المناقب، علي بن محمد المعروف بابن المغازلي الشافعي، تحقيق محمد باقر البهبودي، ط طهران.
المناقب و يسمى ب «فضائل أمير المؤمنين عليه السّلام»، موفق بن أحمد الخوارزمي، ط النجف.
المنطق، الشيخ محمد رضا المظفر، ط ايران.
منهاج السنة النبوية، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، المكتبة العلمية، بيروت.
المواهب اللّدنية بالمنح المحمدية، أحمد بن محمد القسطلاني، المطبعة الشرفية في مصر سنة 1908 م.
ميزان الاعتدال، محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق محمد علي البجاوي.
الميزان في تفسير القرآن، العلاّمة محمد حسين الطباطبائي، ط 2، بيروت.
(ن)
نسيم الرياض في شرح الشفاء للقاضي عياض، شهاب الدين أحمد الخفاجي المصري، ط 1، المطبعة الأزهرية بمصر.
نظم درر السمطين، جمال الدين محمد بن يوسف الزرندي الحنفي، ط النجف.
الصورة
الصورة
الصورة