اخلاقیات العلاقة الزوجیة

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

سرشناسه:مظاهری، حسین، - 1312

عنوان و نام پديدآور:اخلاقیات العلاقه الزوجیه/ حسین مظاهری

مشخصات نشر:بیروت : دارالتعارف للمطبوعات ، ق‌1414 = .م‌1994 = .1373.

مشخصات ظاهری:ص 340

یادداشت:کتابنامه به‌صورت زیرنویس

موضوع:زناشویی(اسلام)

خانواده -- جنبه‌های اخلاقی

اخلاق اسلامی

رده بندی کنگره:BP230/17/م62الف3 1373

شماره کتابشناسی ملی:م‌81-21868

محرر رقمی میثم حیدری

اشارة

المدخل

بسم الله الرحمن الرحيم

المحاضرات التي نقدم ترجمتها العربية للقارىء الكريم، تتناول موضوع الأخلاق التي يندب الإسلام إليها فيما يرتبط بتعامل الزوجين فيما بينهما و مع الأولاد و هي تمهد لهذا المبحث الرئيسي بتوضيح نظرة الإسلام تجاه قضية الاستجابة للغرائز و خاصة الغريزة الجنسية و تكوين القضايا الأساسية كقضية حدود طاعة الزوجة للزوج و قضية استشارة الزوج للزوجة و العديد من القضايا المماثلة، مبينا بلغة يسيرة مبسطة نظرة الإسلام تجاهها.

و الميزة الأساسية التي تمتاز بها هذه المحاضرات القيّمة، هي اهتمامها بالواقع العملي و قضاياه التي تشترك فيها كافة مجتمعات المسلمين، و السلوكيات الرائجة فهيا حين تحللها بدقة ثم توضح نظرة الإسلام و حكمه تجاهها بلغة مفهومة للجميع، الأمر، الذي يجعلها ذات تأثير تربوي عملي مباشر فلا ينحصر تأثيرها بالجانب النظري و لعلّ هذا أهم دوافع اختيارنا لها لتقديم ترجمتها للقارىء العربي حين تفتقر المكتبة العربية لهذا النمط من المحاضرات التربوية العامة الميسرة التي تهتم برصد سلبيات الواقع و معالجتها وفق الرؤى الإسلامية.

يضاف إلى ذلك مميزات شخصية المحاضر، فهو آية اللّه الشيخ حسين المظاهري أحد كبار الاساتذة في حوزة مدينة قدم المقدسة، و إلى جانب مقامه العلمي الرفيع يمتماز آية اللّه المظاهري العرفانية الدقيقة إلى عموم الناس بلغة وعظية ميسرة و مفهومة، و هذا مصداق رفيه للحديث النبوي «زكاة العلم إنفاقه»، فأسمى مصاديق إنفاقه إيصاله إلى المحتاجين له بالصورة التي يستطيعون الانتفاع منه فيها.

و هناك ميزة أخرى لمحاضرات آية اللّه المظاهري و هي سعيها إلى حفظ الوحدة الموضوعية في كل واحدة أو مجموعة منها، مما يجعلها محاضرات منهجية مبرمجة و بالتالي أكثر نفعا و تأثيرا، و المحاضرات التي نقدم ترجمتها العربية في هذا الكتاب، كان سماحته قد ألقاها في أيام رمضان المبارك سنة 1409 للهجرة في مصلى القدس في مدينة قم المقدسة.

و قد سعينا في الترجمة إلى الحفاظ على لغة المخاطبة الحضورية المنسجمة مع منهجية المحاضر في إيصال مواعظها و أفكارها، و لم نتصرف سوى في حدود حفظ الانسجام اللغوي وفق خصائص اللغة العربية، كما قمنا بتخريج النصوص و الروايات الواردة فيها و ذكرنا مصادرها في الهامش و أشرنا إلى المصادر المفيدة لمن أراد التوسع في البحث من موضوعاتها. سائلين اللّه تبارك و تعالى أن ينفع بها الساعلين إلى التخلق بالأخلاق الإسلامية في كافة شؤون حياتهم و لا سيما في مجال البيت العائلي و العلاقات بين أفراد الأسرة و هي الميدان الأول للإنسان المؤمن الذي يجب عليه أن يولي قضية أسلمته الأولوية الأولى فإنه إن استطاع القيام بذلك كان على غيره من الميادين الحياتية أقدر. و اللّه ولي التوفيق.

المحاضرة الأولى:

اشارة

•

انسجام الدين مع الفطرة

•

معنى الفطرة

•

فطرة طلب الله

فطرية العبادة

أهمية العبادة و الدعاء

• عبادة الزهراء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه و أشرف بريته أبي القاسم محمدصلّى اللّه عليه و على آله الطيبين و على جميع الأنبياء و المرسلين لا سيما بقية اللّه في الأرضين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين.

«الأخلاق العائلية(1)هو العنوان الذي أختاره للبحث الذي سأتحدث عنه خلال هذه الشهر المبارك بمشيئة ربّ العالمين و لطف بقية اللّه (عج)؛ و أسأل السيدة الزهراء (عليها السلام) أن تتلطّف بأن تجعل هذا الموضوع مورد اهتمام الجميع و قيما و نافعا للجميع؛ فلو استطعنا إكماله، لنفع الجميع إذ إنّه قيم أخلاقيا مفيد نفسيّا و اجتماعيا و الناس بحاجة إليه.

و لهذا البحث مقدمة و فصول عدة، و أحدثكم اليوم عن مقدمته لنبحث لا حقا عن فصوله بمشيئة اللّه -.


1) العنوان الذي اختاره سماحة الشيخ المحاضر هو «أخلاق در خانه» و ترجمته الحرفية هو «الأخلاق في البيت» و حيث أن المقصود هو البيت العائلي و أكثر حديث الشيخ عن الأخلاق العائلية لذا فقد ارتأينا استخدام العنوان الثاني مع الإشارة إلى أن الأول أنسب في اللغة الفارسية حيث لا يستخدم الثاني فيها بمعناه المتعارف في العربية.

المقدمة انسجام الدين مع الفطرة

نستفيد من القرآن أنّ الإسلام هو دين الفطرة، بمعنى أنه منسجم بالكامل مع أصل خلقة الإنسان و غاية حركته و حقيقة روحه؛ يقول تعالى -:

فأقم وجهك للدّين حنيفا فطرة اللّه الّتي فطر النّاس عليها لا تبديل لخلق اللّه ذلك الدّين القيّم (1).

أي: توّجه بالكامل للإسلام، فهو الدين الحنيف و الوسط الذي لا إفراط فيه و لا تفريط، لأنه منسجم بالكامل مع الفطرة الإلهية.

فهو دين «قيّم»، أي: أبديّ ثابت، لكونه وسطا منسجما مع الفطرة - كما توضح الآية الكريمة و نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) هو خاتم الأنبياء(2).

معنى الفطرة: -

الافطرة لغة تعني الخلقة، يحسن أن أتحدّث بعض الشيء عن هذه المفردة، و أرجو من الجميع و الطلبة الأفاضل خاصة الانتباه بدقة عليها.

إنّ معلوماتنا هي على قسمين:

الأول: فكرية تتحصّل بالتعليم و التعلّم مثل ما يتحدث عنه العلم في


1) سورة الروم/ 30.

2) الاستدلال على خاتمية النبوة المحمدية يرجع إلى كون الاسلام دينا أبديا ثابتا، و ليس لكونه منسجما مع الفطرة الإلهية، فأصل الاديان الإلهية عامة غير المحرفة منسجم مع الفطرة.

المدرسة، و يستنتجه التلميذ، و نظير ما أقوله في هذا الاجتماع المقدّس و ما تسنتجونه منه.

فهذه معلومات يكتسبها الإنسان، و ترتبط بعقله، فهي معلوماته.

و القسم الآخر: يضم معلومات غير اكتسابية بل «وجدانية»، و هي لا ترتبط بالعقول، بل بالغرائز و الميول، مثل إدراك الإنسان للجوع و العطش.

فهي معلومات ليست تعليميّة و لا تعلّميّة، بل تدرك وجدانيا، إذ يجوع الإنسان، فيتناول الطعام، فيشبع، أو يعطش فيشرب الماء، فيرتوي.

فهو يدرك الجوع و الشبع بالغريزة التي أودعها اللّه فيه.

و بعبارة أخرى يدرك (معنى) العطش ساعة ينتابه و يدرك الارتواء ساعة يتناول الماء.

و هذه الغرائز على قسمين:

الأول: يشارك فيه الإنسان الحيوان كافّة، و لعلّه في بعض الحيوان أقوى منه في الإنسان نظير الأمثلة المتقدّمة.

و الثاني: هي الغرائز التي يتحكّم فيها التوجّه و الإرادة، و هذا القسم هو الذي يطلق عليه اسم «الفطرة» (الإنسانية).

فالفطرة هي نفس الغريزة مع فارق هو أنّ الغريزة تعمل بصورة غير شعورية دون توجّه و لا إرادة، ولديها معلومات.

أمّا الفطرة، فهي تدرك و لكن بالعمل و التوجّه.

فطرة طلب اللّه: -

جبل الإنسان على فطرة طالبة للّه واحدة له و هي متركزة فيه بقوة، فهو بذاته واجد للّه طالب له تعالى -، فلو رفعت الحجب حقّا و لم يكن في الإنسان رذائل الصفات أو اضمحلّت فيه، لعرف اللّه مثلما يدرك العطش.

و هذه ليست قضية تعلمية و تعليمية، بل هي وجدانية(1).

لقد مرّت بكم جميعا حالات تجدون أنفسكم في طريق مسدودة تنقطع فيها حيلة الإنسان، فلا يبقى له ملجأ في الظاهر، و عندها يجد اللّه مثلما يدرك الظمآن العطش.

و هذا ما أكّده القرآن الكريم في أكثر من عشر آيات: فهو يقول:

مثلا: -

ظفإذا ركبوا في الفلك دعوا اللّه مخلصين له الدّين فلمّا نجّاهم إلى البرّ إذا هم يشركون (2).

عندما يهيج البحر، و تتحطّم السفينة التي يستقلّها الإنسان و ينقطع أمله بكل الأسباب، يجد مهما كانت هويته اللّه فيدعوه حسبما يؤكّد القرآن - بتوحيد مخلص. أي: أنه يصل إلى التوحيد أيضا فيتوجّه إلى إله واحد، و ليس إلى إلهين، أي: أنّه مثلما يثبت له وجود اللّه تثبت له وحدانيته أيضا؛ و في نفس الوقت يدرك (وجدانيا) أنّ «اللّه» هو سميع، بصير، رؤوف، كريم و قدير.

بمعنى أنه يدرك القدرة المطلقة و العلم و اللطف و الرأفة على نحو الإطلاق، و لذا يبدأ يدعوه منذ انقطاع الأمل بالأسباب و بصورة طوعية لا شعورية و كأنه يقول يا «اللّه» أنت قادر فأنقذني، و أنت عالم بحالي و أنت


1) هذا البرهان يعتبره العارف الشاه آبادي رضوان اللّه عليه أهم أدلة وجوده تعالى و قد توسّع فيه كثيرا حتّى أصبح يشكّل أحد أبرز مميزات مدرسته العرفانية و السلوكية. و قد تابعه على ذلك تلميذه العارف الكامل الإمام الخميني قدس اللّه نفس الزكية و قد تحدث عنه مرارا معتبرا إيّاه الأساس الفطري لحركة الإنسان و سلوكه إلى اللّه تعالى -. تلاحظ هنا رسائله الأخيرة الموجّهة لنجله السيّد أحمد و زوجته، و كذلك محاضراته في تفسيرآية البسملة من سورة الحمد و غير ذلك.

2) سورة العنكبوت/ 65.

لطيف بي و أنت رؤوف جواد.

أي: أنّه يصل (وجدانيا) إلى (معرفة) ذات مستجمعة لجميع الكمالات و عندها يدعوها موحّدا و مخلصا بحسب التعبير القرآني.

لقد بعث مئة و أربعة و عشرون ألف نبيّ بكتبهم و دعواتهم من أجل إحياء و حفظ حياة هذه الفطرة التي تحيا في حالات انقطاع الإنسان عن الأسباب.

بمعنى أن هدفهم إيصال الإنسان إلى مقام يكون فيه دائماواجدا للّه طالبا له.

و بعبارة أخرى فإن الهدف من بعثة كافة الأنبياء و من كلّ هذه المعابد و المنابر و العبادات هو جعل الإنسان ذاكرا له باستمرار.

و هذا ما يشير إليه قوله تعالى في سورة طه: -

إنّني أنا اللّه لا إله إلاّ أنا فاعبدني و أقم الصّلاة لذكري (1).

اللّه أحد، فكيف تدرك ذلك؟! الجواب بالعبادة؛ ارتبط باللّه؛ أقم الصلاة لإيجاد هذا الارتباط فالصلاة تحقق لك ذلك.

و ما تؤكده الآية الكريمة و هو أن الغاية من المنبر و المحراب هي جمعل الإنسان دائم الذكر و الطلب للّه، فلا ينساه، و هذا هو هدف جميع الأنبياء؛ فهدفهم أن يجعلوا الإنسان يستشعربصورة مستمرة وجود اللّه مثلما يستشعر العطش، أن يكون متعطّشا للمحبّة الإلهية يرى اللّه بعين القلب (البصيرة) و يديم التضرع و المناجاة له ليصل إلى مقام الذين يصفهم القرآن: - رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه(2)فلا يبقى حجاب أمامه.

القرآن يبين لنا: - أنكم لو كنتم عاجزين عن رؤية اللّه بعين القلب،


1) سورة طه/ 14.

2) سورة النور/ 37.

فذاك يعني أنكم محجوبون.

و إذا عجزت عن إدراك (وجود) اللّه مثلما يدرك الجائع جوعه و لم يكن للّه سلطان على قلبك فاعلم أنك محجوب.

و إذا زالت الحجب، وجد الإنسان «اللّه».

و الإنسان بفطرته طالب للّه، و بعبارة أسمى «واجد» للّه.

و هذا ليس نتيجة التعليم و التعلم و لا «برهان النظم» و لا «برهان الصديقين» و لا «برهان الحدوث» و لا «برهان الإمكان»(1)، بل هو (إدراك) وجداني، و ليس تعليميا، و هو يحصل عندما يجد الانسان ضالّته، و يدرك وجود «اللّه» مثلما يدرك الظامىء عطشه، و عندها يخضع للّه.

فطرية العبادة: -

العبادة هي من الأمور (الحاجات) الفطرية(2)، فصيام شهر رمضان المبارك منسجم مع فطرة الإنسان، لأنّه إذا عرف ربّه مال إلى التشبّه به.

و صوم شهر رمضان المبارك أسمى مصاديق التشبه.

إنّ سرّ التذاذ البعض بالصيام كالذي تلاحظونه مثلافي سيرة الإمام السّجاد (عليه السلام) من فرحه بحلول الشهر المبارك و نحيبه الشديد لرحيله - هو أن صيام هذا الشهر منسجم مع فطرتهم: و كذلك الحال مع إقامة الصلاة ففيها أسمى لذة لمن عرف اللّه و أزاح (عن نفسه) الحجب و وصل إليه.

و نعرف مقدار هذه اللذة من التدبر في قول الإمام الصادق (عليه السلام):

«الركعتان في جوف الليل أحبّ إلىّ من خير الدنيا و ما فيها»(3)فكأنه


1) أسماء بعض البراهين الفلسفية على وجود اللّه المتعارفة في مصطلحات الفلاسفة.

2) يستند القول بفطرية الحاجة إلى العبادة بنفس دليل فطرية الإدراك الوجداني للّه تعالى.

3) وسائل الشيعة ج 5 ص 276.

(عليه السلام) يقول: - لو أعطيت الدنيا و ما فيها على أن أترك ركعتين من صلاة الليل لما رضيت و سرّ هذا الرفض هو أنه وجد اللّه؛ و فطرته تقول له إخضع للّه و الصلاة هي خير مصاديق الخضوع؛ و عندها لن يكون الإنفاق صعبا عليه بل على العكس يلتذ به لأنّ من وجد اللّه (عرفه) و بصفاته الكمالية تلك فيراه ذاتا مستجمعة لكافة الصفات الكمالية لذا يسعى إلى التضحية بكل ما لديه من أجله ماله و عياله بل و نفسه و أسمى لذة له أن يحترق مثل الفراشة بنار الشمعة في مقابل اللّه و لأجله و في سبيله؛ و ما أبلغ ما يقوله القرآن الكريم بهذا الشأن: -

تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفا و طمعا و ممّا رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس مّا أخفي لهم مّن قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون (1).

فمن هم هؤلاء؟! إنهم الذين وجدوا اللّه و أصبحت صفات جماله و جلاله مستولية على قلوبهم و زالت الحجب فهم «وجدوا» اللّه لا أنهم «علموا به»؛ و هؤلاء يعرضون عن المضاجع و يقومون للصلاة في الليل و «لنافلة الليل» و ينفقون ما عندهم في سبيل اللّه، و يشير القرآن إلى أنهم يلتذون بذلك لذة لا يدركها إلاّ من وجدها، فعندما يجد الإنسان اللّهتصبح الصلاة و الصوم بالنسبة له تحركات فطرية لذتهما وجدانية، و يكون إعطاء الخمس و الزكاة بل تقديم حتى النفس في سبيل اللّه أمرا فطريا وجدانيا فلا يحتاج إلى حثّه على إعطاء الخمس و الزكاة و الاهتمام بالفقراء بل إنه يتحرك لذلك بصورة طوعية مثلما يبحث الظامىء عن الماء.

ترون أن الجائع يقوم بالبحث عن الخبز و الذي يجد «اللّه» - حقا - بفطرته يهتم طوعيابإقامة الصلاة و الصوم و أداء الخمس و الزكاة و تكون أسمى


1) سورة السجدة/ 16-17.

لذة له حينئذ هو الذهاب إلى بيت اللّه و الطواف حوله فالعاشق يقبل جدران و أبواب مدينة معشوقه لذا فهو يلتذ بالطواف و السعي بين الصفا و المروة؛ فهناك وجد ربّ البيت و رب البيت في قلبه و هو المستولي على قلبه فلا شيء فيه سواه، لذا تكون عبادته له و صلاته و صومه و جهاده و أمره بالمعروف و نهيه عن المنكر و التولي و التبري كلها أمورا فطرية؛ حيث أنّ الذي يرى اللّه بعين القلب هو مثل الذي يحس الجوع و العطش.

أنتم تدركون الجوع و العطش و لكن ليس بهذه العين التي في الرأس فهذه يشتبه عليها الأمر أحيانا، بل بعين القلب و عين الغريزة؛ و البعض من بني البشر يرون بعين الفطرة ذاتا مستجمعة لكافة الكمالات و لذا فهم يعشقونها و أي عشق عميق هو؟! العشق الذي يعبر عنه جواب السيدة زينب (عليها السلام) على ذاك الجاهل ابن زياد عندما تجرّأ عليها و قال: كيف رأيت صنع اللّه بأخيك!! فقامت لترد عليه ب: «ما رأيت إلاّ جميلا... تكلتك أمك يابن مرجانة»(1)منطق زينب هو أنها لم تر من اللّه إلاّ جميلا في واقعة كربلاء إذ أنها في سبيل اللّه فقدت أخيها، في سبيل ذاك الربّ الذي عرفته و هذا المنطق لا يفهمه ابن زياد فهو جدير بالموت، عندما يدرك الإنسان (معرفة) اللّه تصبح فطرية بالنسبة له كافة العبادات و منها الجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و محبة أولياء اللّه و معاداة أعدائه.

و بعبارة أخرى يصبح الأمر وجدانيا، فلا ينحصر الأمر بإدراكه لوجود اللّه، بل يدرك أن عليه أن يكون مصلّيا صائما لو أراد أن يكون إنسانا.

و إذا أراد أن يكون إنسانا كاملا، فعليه أن يتشبه باللّه، و الصوم (من مصاديق) التشبّه باللّه، و إذا وجد الإنسان «اللّه» وجدانيا أصبح مطلق الإنفاق


1) «اللهوف» للسيد ابن طاووس ص 90.

عنده مرا فطريا مقبولا فضلا عن أداء الخمس و الزكاة و الالتزام بقانون المواساة.

و حصيلة ما تقدم هي أنّ العبادات الإسلامية كافة فطرية وجدانية.

و لو أردنا التحقّق بذلك، فعلينا أن نرفع الحجب، و الذي لا يجد اللّه أو يجد الصلاة ثقيلة عليه كما هو حالي أنافليعلم أنّه مريض.

فالإنسان أحيانا يجوع لكنه لا يحس بجوعه لكونه مريضا يبقى على مدى يومين دون أن يتناول شيئا من الطعام، و يبقى حيّا بإيصال الأطبّاء للماء المغذي و لكنّه مع ذلك لا يرغب في تناول الطعام، لأنّه مريض، فلا تعمل غريزة الاستطعام عنده.

و الذي يجد الإنفاق في سبيل اللّه صعبا عليه كما هو حالي فليعلم أنّه مريض و حاله حال المريض الذي تمر عليه ثلاثة أيام و ما زال لا يرغب في الطعام، لكونه لا يحسّ بجوعه، فذاك أيضا تراكمت عليه الحجب من حبّ الدنيا و الصفات الرذيلة ثم و العياذ باللّه تراكمت عليه المعاصي واحدة بعد أخرى، حتى أوصلته إلى حيث لم يعد يستطيع إدراك أن الصلاة هي غذاء الروح، و أنّ الصوم هو تشبّه باللّه، فهما أسمى لذّة للإنسان الكامل.

(عن عائشة قالت): - «أنّهم ذبحوا شاة فلما جاء النبىّ (صلّى اللّه عليه و آله) سأل: - ما بقي؟! فأجابت عائشة: - «ما بقي منها إلاّ كتفها»، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): «بقي كلها غير كتفها»(1).

إنّ الإنفاق في سبيل اللّه و الطواف حول بيته و التضحية في سبيله و ترويج دينه و محبّة أوليائه و معاداة أعدائه و أمثال ذلك هي جميعا لا تحتاج إلى الاستدلال: - خشبية هي قدم أهل الاستدلال»، فالاستدلال (عليها) نافع لي


1) ميزان الحكمة المجلد العاشر ص 178 نقلا عن كنز العمال تحت رقم 16150.

و لأمثالي و للمخالف كما أنّ عليكم جميعا أن تملكوا أدلة على أصول الدين و لكن هذا استدلال خشبي: -

إنّ قدم أهل الاستدلال خشبيّة و ضعيفة جدا هي القدم الخشبيّة(1).

بمعنى أنها عديمة التأثير أصلا و أبدا؛ من الممكن أن يكون بيننا من يجيد توضيح «برهان الصديقين»، و يجيد إبراز متانة نظريّة الملا صدرا في «الحركة الجوهريّة و المعاد الجسماني» و لكن هل تصبح العبادة فطرية عنده بذلك؟!.

أمّا الذي يثبت (وجود) اللّه بدليل الفطرة، فهذا لا يحتاج حتى إلى معرفة «الألف و الباء»، فالكثير من الأميّين هم أقوى (إيمانا) من الفلاسفة، لأنهم مزقوا الحجب، و لأنهم اكتسبوا نورانيّة من خلال الارتباط باللّه، و لأنّ قيامهم بالصلاة و الصوم و الإنفاق في سبيل اللّه و العمل بالمستحبات و الواجبات و بالخصوص اجتناب المعاصي قد أثّر في قلوبهم مثلما يكتسب الحديد لون النار عندما يحمى بها فيصبح حديدا ناريا و مثل الخشب عندما يحترق فيصبح جمرا.

و أمثال هؤلاء لا يحتاجون إلى معرفة الألف و الباء، بل يحتاجون قلوبا (حيّة) و تطهيرا (تخلية) و اجتنابا للمعاصي.

أهمية العبادة و الدّعاء: -

إنّني أنا اللّه لا إله إلاّ أنا، فاعبدني و أقم الصّلاة لذكري (2).

كأنّه تعالى يقول: يا عبدي هل تريد إدراكي بتلك العين التي تمتاز بها عن الحيوان، و ليس بتلك التي تشترك بها معه؟.

و هل تريد أن تسمع سلامي ليس بهذه الأذن الحيوانية، بل بالأذن


1) ترجمة نثرية لبيت شعر بالفارسية للشاعر الإيراني العارف جلال الدين الرومي.

2) سورة طه/ 14.

الخاصة بالإنسان؟.

و هل تريد أن تفهم و تصل إلى معرفتي و تراني؟ إذا أردت ذلك فاعبدني و قوّي ارتباطك سواء كنت متعلما أم لم تكن، أو كنت فيلسوفا أم لم تكن، أو كنت أديبا أم لم تكن فإذا قوي هذا الارتباط، فتوجّه لإقامة الصلاة فهي التي توصلك بسرعة إلى هذه المقامات.

إني أطلب منكم أن تقيموافي شهر رمضان المبارك صلاة الليل، و تناجوا اللّه، فطوبى للمتحدثين مع اللّه في هذا الشهر المبارك الذين يكلّمهم اللّه.

فالإمام الصادق (عليه السلام) يوصيكم أن تقولوا: - «لبيك لبيك» عندما تمرون عند تلاوتكم القرآن بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا.

و هناك أفراد يسمعون حقّا كلام اللّه عندما يمرون بهذا الخطاب القرآني، و لكن ليس بهذه الأذن بل بتلك الأذن الإنسانيّة، و عندما يسمع كلام اللّه يقول:

«لبيك» بذلك اللسان الذي تمكن من الإجابة به.

ما هو «الدعاء»؟!.

إنّه المناجاة و التضرّع في حضرة اللّه، أي: التحدّث معه، و عليكم جميعا لا سيّماأعزّائي الشباب أن لا ينصب تفكيركم حين الدعاء بإشباع البطون أو باستجابة دعائكم و عدمها.

فهذا أمر ثانوي، فلا تهتموا به، بل عليكم حين تدعون أن يكون حالكم حال الذي يرى اللّه و يريد أن يقول له (اللّه) نعم نعم.

القرآن الكريم يؤكّد في موارد متعدّدة مضمون قوله تعالى -: أدعوني استجب لكم(1).


1) سورة غافر/ 60.

و ظاهر الآية هو أحد معانيها.

فدعاء الإنسان مستجاب على كل حال فإذا كان صلاحه في إعطائه ما يطلب أعطي له ذلك، و إن لم يكن صلاحه في ذلك أعطي له خير ممّا طلب.

و لكن هناك معنى أدقّ من هذا (للآية) يطرحه أهل المعرفة، و هو (أنها تريد القول): يا عبدي أنت قل «يا اللّه» لأقول لك: نعم، أي: اعثر على الأذن التي تسمع جوابي، أي: أنّها تدعو العبد لمحادثة اللّه و الصلاة هي محادثة فسورة الحمد و السورة التي تليها هي حديث الربّ مع العبد و بقية الصلاة هي حديث العبد مع اللّه.

و هذه هي أسمى لذّة، للعاشق، فالصلاة هي أحبّ لذّة للّذين وجدوا (عرفوا) اللّه فهيمن على قلوبهم.

عبادة الزهراء (عليها السلام):

لقد انجرّ الحديث إلى حيث لم أرده، و لكني أرجو أن يكون خيرا مما كنت أريد:

الزهراء المرضيّة (عليها السلام) كانت شابّة و الشابّ عادة يحتاج إلى النوم أكثر من الشيخ.

و الزهراء متعبة، فهي تعمل في النهار، دخل النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) بيتها فشاهدها و قد أخذتها غفوة و يدها على الرحى و هي ترضع ولدها فأيقظها، و قال لها: «يا بنتاه تعجّلي مرارة الدنيا بحلالة الآخرة»(1). الزهرا (عليها السلام) كانت متعبة، فهي كانت تقوم برعاية الأطفال و الزوج إضافة إلى أعمال المنزل دون معين لها على ذلك، حتى بعدما جاءت


1) قريب منه نقله البحراني في العوالم ج 6 الخاص بحياة الزهراء (عليها السلام)، ص 133 نقلا عن «المناقب» عن تفسير الثعلبي.

«فضّة» الخادمة لمساعدتها أوصاها أبوها (صلّى اللّه عليه و آله) أن تقسم العمل بينها و بين خادمتها، فهي إنسان مثلها.

و لذلك كانت (عليها اللّه السلام) تقوم بأعمال المنزل بالتناوب مع خادمتها، فيوم عليها، و يوم على فضّة(1).

نعم، إنّ القيام بأعمال البيت و رعاية الأطفال و الزوج أمر صعب - و سنتحدّث عن ذلك لا حقاإن شاء اللّه و الزهراء (سلام اللّه عليها) كانت تقوم بكل ذلك و تتعب كثيرا، و لكنّها في الأسحار يحين وقت صلاتها و عندها:

• فما النوم و ما التعب؟!.

كانت تقوم الليل، حتى تورّمت قداماها.

و هذا هو المنقول عن اثنين هما الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و الزهراء (سلام اللّه عليها) فقد كانا يقومان الليل و يلهجان ب إياك نعبد و إياك نستعين حتى تورّمت قدماهما.

الزهراء كانت تقوم في الأسحار، و تناجي ربّها، و تدعو ليس لها بل للآخرين!!.

قال الإمام الحسن (عليه السلام): -

«رأيت أمّي فاطمة (عليها السلام) قامت في محرابها ليلة جمعتها، فلم تزل راكعة ساجدة، حتى اتّضح عمود الصّبح، و سمعتها تدعو للمؤمنيون و المؤمنات و تسمّيهم، و تكثر الدعاء لهم، و لا تدعو لنفسها بشيء فقلت لها:

• يا أمّاه، لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟!

فقالت: - يا بنيّ، الجار ثمّ الدار»(2).


1) الحديث مروي عن سلمان المحمدي راجع بحار الأنوار ج 43 ص 28.

2) العوالم ج 6 ص 127 نقلا عن علل الشرائع للشيخ الصدوق، و كذلك بحار الأنوار ج 10 ص 25.

المحاضرة الثانية:

المقدمة

•

الإسلام و ميول الإنسان

•

الإسلام و الحالة المعاشية 1 - المعاش الضروري

2 - المعيشة المرفّهة

3 - المعيشة الترفية

الإسلام و ميول الإنسان

يرى الإسلام أن من الواجب علينا أن نرضي ميولنا و غرائزنا فإهلاك النفس محرّم في الإسلام، و قد أكّد الكثير من الروايات أنّه لا يحق للإنسان كبت ميوله و قتل غرائزه و عدم الاستجابة لها و القرآن الكريم يوكّد أنّ المسلم مثلما يجب عليه الاهتمام بأمر آخرته عليه أيضا أن يهتم بأمر دنياه و ميوله و غرائزه: -

و ابتغ فيما آتاك اللّه الدّار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدّنيا (1).

(فالخطاب هنا هو): - يا أيها الإنسان انتفع بما أعطاك اللّه من مال و قوة و عقل و سلامة و أمان من أجل إعمار آخرتك و لكن لا تنس دنياك، فلا يمكنك البقاء بجانب واحد.

فمثلما أنّ الانغماس في الدنيا هو انحراف كذلك لا تستطيع أن تصرف كل عمرك و عقلك و سلامتك و مالك بالكامل من أجل آخرتك، بل يجب أن تهتم بدنياك و آخرتك معا.

لقد كانت تظهر لدى البعض هذه التصورات المنحرفة في صدر الإسلام، و كذلك في زمن الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) حيث كان البعض


1) سورة القصص/ 77.

يتوهمون أنّ عليهم أن يسعوا للآخرة ليلا و نهارا و يتركوا الدنيا و لا يهتموا بميولهم و غرائزهم، و لكن هذا النمط من التفكير عندما يعرض على النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمة الأطهار (عليهم السلام) كانوا يدحضونه بغاية الشدة.

نقل صاحب كتاب «الوسائل» رواية تتحدّث عن مجيء ثلاث من النساء إلى النبىّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) فشكت له الأولى من أن زوجها قرر اعتزالها، و شكت الثانية من أنّ زوجها قد قرر أن لا يأكل لحما، و الثالثة من أنّ زوجها قد قرّر عدم استعمال الطيب.

فغضب الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) غضبا شديداكما تصرّح الرواية لأنّه رأى عودة ظهور أفكار منحرفة بين المسلمين، فذهب إلى المسجد في غير وقته و هو يجرّ رداءه على الأرض لاستعجاله و أمر بجمع الناس، فتركوا أعمالهم و جاؤوا إلى المسجد متسائلين عن الخبر، فصعد (صلّى اللّه عليه و آله) المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال: «ما بال أقوام من أصحابي لا يأكلون اللحم و لا يشمون الطيب و لا يأتون النساء».

و بعد أن أدان هذه البدع قال: «أما إنّي آكل اللحم، و أشمّ الطيب، و آتي النساء، فمن رغب عن سنّتي، فليس منّي»(1).

و الجملة الأخيرة مروية عن قول النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) في عشرة موارد.

و نقل المرحوم الفيض الكاشاني في تفسيره «الصافي» رواية مماثلة و يفهم منها تكرر وقوع هذه القضية، فقد كانت تنزل آية من آيات العذاب فتثير الخوف لدى هؤلاء، فيعرضون عن الدنيا، و يتوجّهون للآخرة.


1) تجدها في كتاب وسائل الشيعة ص 74 ج 14 و قريب من مضمونها روى الحرّ العاملي في ج 12 من الوسائل عدّة روايات أخرى.

ينقل المرحوم الفيض أنّ امرأة جاءت عائشة في حاجة فرأتها «مبطلة» أي: أنها متزوّجة، و لكنّها غير متزيّنة لزوجها، فأنكرت عائشة عليها ذلك، و سألتها هل أنّ زوجها ميت، فأجابتها بالنفي و أخبرتها أنه ذهب برفقة اثنين من أصدقائه إلى الصحراء للتفرغ للعبادة و ذلك بعد نزول آية العذاب، و أنّه قد قرر أن يعتزلها فيما قرر أحد صاحبيه أن لا يأكل طعاما لذيذا فيما قرر الثالث أن يعتزل الناس.

فنقلت عائشة هذا الموضوع إلى النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فغضب بشدة لذلك بحيث دخل المسجد و هو يجرّ رداءه، و صعد المنبر و بيّن للمسلمين انحراف هذا النمط من التفكير و السلوك بعبارات قريبة من الحديث المتقدم، فنهي (صلّى اللّه عليه و آله) عن كبت حاجات النفس و الامتناع عن الزواج من أجل التعبّد، فهذا إعراض عن سنة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و ليس من أخلاق المسلم الإعراض عنها؛ هذا فيما يتعلق بسنة النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

و نجد في سيرة أمير المؤمنين (سلام اللّه عليه) و هو الزاهد الذي سمعنا جميعا بشدّة زهده أنّه و في اليوم الأول لوصوله الكوفة دخل مسجدها، فرأى مجموعة من الرجال الأصحاء مشغولون بالعبادة في غير وقتهافسأل عن هويتهم عن سرّ عدم ذهابهم للعمل، فأجابوه أنهم «متوكلون» فسألهم عن معنى ذلك فأجابوا بأنهم رجال تركوا الدنيا فإن حصلوا على شيء أكلوا، و إلاّ صبروا و اشتغلوا بالعبادة في المسجد فغضب (عليه السلام).

و على وفق ما ورد في كتاب «أسد الغابة» عمد إلى تعنيفهم، و قال:

«لا بل أنتم المتأكلّة، فإن كنتم متوكّلين فما بلغ بكم توكلكم؟!

قالوا: إذا وجدنا أكلنا و إذا نفدنا صبرنا، فقال (عليه السلام): «هكذا تفعل الكلاب عندنا».

ثم أخرجهم من المسجد(1).

و بعد تسلّمه الخلافة كما يبدودخل البصرة، و نزل في منزل أحد وجهائها، و اعترض على ميله إلى الترف، فعمد هذا الوجيه فرارا من الجواب إلى التحدّث عن حال أخيه الذي اعتزل الناس، و اختار حياة الزهد، و تفرّغ في زاوية للتعبد، فأعرض أمير المؤمنين (عليه السلام) عن انحراف الترف عند الأول، لأنّ انحراف الثاني أخطر، فأحضره و سأله عن سبب تركه الدّنيا، فأجابه: -

«يا أمير المؤمنين تزينت بزينتك، و لبست لباسك».

فرفض (عليه السلام) هذا المنطق، و قال له: «ليس لك ذلك، إنّ إمام المسلمين إذا ولي أمخورهم لبس لباس دنى فقيرهم لئلاّ يتبيّغ بالفقير فقره فيقتله، فلأعملمنّ ما لبست إلا من أحسن زيّ قومك، و أما بنعمة ربّك فحدّث فالعمل بالنعمة أحبّ إلىّ من الحديث بها»(2).

فأمره بعدم ترك الدنيا و مراعاة الحدّ الوسط و تهيئة معيشة مرفهة لنفسه و عياله.

و قد أورد الحرّ العاملي في الجزء الثاني عشر من «وسائل الشيعة» الكثير من الأحاديث عن الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) في ذمّ الكسل و مدح العمل.

جاء شخص إلى الإمام الصادق (عليه السلام) فسأله الإمام عن حاله،


1) راجع ميزان الحكمة للشيخ محمدي الريشهري ج 10 ص 686، و ما ذكر الشيخ في المحاضرة ضمن عرضه لترجمة الرواية هو أنهم وصفوا أنفسهم ب «رجال الحق» و ما وجدناه في المصدر المذكور هو أنهم وصفوا أنفسهم بأنهم «المتوكمّلون».

2) كتاب الاختصاص للشيخ المفيد ص 152، و في سفينة البحار ج 2 ص 258 أنه قال لعاصم بن زياد (و قد ترك الدنيا و لبس العباءة: «يا عديّ نفسه لقد استهام بك الخبيث أما رحمت أهلك و ولدك».

فأجابه بأنّه قد تقدّم به العمر، فترك العمل، و اختار زاوية في المسجد للعمل لآخرته.

و كان يتوهم أنّ هذا الموقف سيحظى بتأييد الإمام و رضاه، لكنّه (عليه السلام) أجابه مكررا ثلاث مرات: «(هذا) عمل الشيطان»(1).

فهذا عمل لا يناسب الإنسان المسلم، بل هو نتاج إغراء الشيطان الذي وسوس لك بترك الدنيا و التعبّد؛ و بعد أن سمع هذا الشخص جواب الإمام سأله عن الموقف الصحيح الذي ينبغي له العمل وفقه فأجابه (عليه السلام) موضحا له ضرورة العمل للتوسعة على العيال و الجيران و الآخرين، ثم نبّه الحاضرين إلى أنّ الحثّ على العمل مشروط في الطرف المقابل بالمحافظة أيضا على أوقات العبادات، فإذا حان وقت الصلاة، فلا ينبغي لهم أن يلهيهم الانشغال بالكسب عنها(2).

و أنقل هنا كلمة وردت في وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) ينبغي أن تكون إطار العمل الذي يحيا على وفقه الجميع و لا سيما الشباب الأعزّاء - ذكورا و إناثافقد وصفوه (عليه السلام) بأنّه ليث في النهار و راهب في الليل. فهو كان يعمل في نهاره باندفاعة الليث، و يتعبّد في الليل و كأنّه راهب، كان يقوم بالعبادة في وقتها و في وقت العمل يعمل بما مكّنه من تقديم ستّ و عشرين من بساتين النخيل للمجتمع و الفقراء و الضعفاء و المساكين - على مدى خمسة و عشرين عاما.


1) وسائل الشيعة ج 12 ص 6 الحديث رقم خمسة و ما قبله و ما بعده و ما أورده الشيخ المظاهري في المحاضرة هو تلخيص و شرح لمضمون عدة أحاديث مروية معظمهاعن الإمام الصادق (عليه السلام) و ينقلها الحرّ العاملي في المصدر المذكور، و قد نقلنا هنا تلخيص و شرح الشيخ لمضمونها و من أراد نصوصها فليراجع المصدر المذكور.

2) ورد هذا المضمون في الحديث رقم 5 و رقم 14 11، 10 و غيرها من «باب كراهة ترك التجارة» من الوسائل ج 12.

و حصيلة القول هي أنّ على الجميع و لا سيّما الشباب أن يعلموا أنّ ليس من الإسلام في شيء إهلاك النفس و العزلة عن الناس و قتل الغرائز و الميول و مكافحته، بل إنّ نهج الإسلام هو الاستجابة للميول (الفطرية) و العلم (الحديث) يوضح لنا جيّدا عظمة و سموّ الأحكام الإسلاميّة، إذ أنّ علماء النفس يقولون كما أنتم تعلمون و التجربة أكدّت ذلك إنّ الشابّ الذي يستطيع الزواج و لا يفعل أو الفتاة التي تستطيع الزواج و لا تفعل أو الذين يعتزلون و يتركون الدنيا.

هؤلاء تنتقل ميولهم الطبيعية هذه من دائرة الشعور إلى دائرة اللاشعور - بصورة تدريجية و تتحول إلى عقدة نفسية، و المصاب بالعقد النفسية إذا تسلّط يصبح أشرس من الكلب الوحشي.

و إذا لم لم يحصل على القدرة و السلطة يصير إنسانا خاملا ميّت القلب خاويا معنويا و ليس ماديا بمعنى أنّه يكون عاجزا عن الاختلاط بالناس، فيطرد من المحيط الاجتماعي و يعجز عن تربية الأطفال، و عن المعاشرة الصحيحة مع الزوج و إذا تزوج سبب المشاكل له و لزوجته، و إذا كانت فتاة خاملة ميتة القلب، فمن الطبيعي أنّها لا تستطيع تربية الأطفال و القيام بواجبات الزوجيّة بصورة صحيحة.

و القرآن الكريم لا يذكر «العقدة النفسيّة» بالاسم، إلاّ أنّه يتحدّث عنها.

فالذين تموت عندهم غريزة التوجّه نحو الدين و تصبح قلوبهم قاسية بسبب المعاصي، هم مصداق لقوله تعالى: - إنّ شرّ الدّوابّ عند اللّه الصّمّ البكم الذين لا يعقلون(1)أي أنهم أخبث و أضر للمجتمع من الكلب المتوحّش و الميكروبات الطفيلية و السرطانية.


1) سورة الأنفال/ 22.

و هذا هو حال الذي له فكر لكنه لا يفكّر و له عقل لكنه لا يتعقّل أو الذي ماتت فطرته، و موت الفطرة يعني تارة أن يقتل الإنسان غريزته الجنسية، و تارة غريزة التدين فيه، فلا فرق لأنّ نتيجة هذا القتل في كلا الحالتين هو ظهور عقدة الحقارة لدى هذا الإنسان، يقول القرآن عن الذين ظهرت فيهم عقدة الحقارة و قتلوا فطرة التدين: - و لقد ذرأنا لجهنّم كثيرا من الجنّ و الإنس لهم قلوب لاّ يفقهون بها و لهم أعين لاّ يبصرون بها و لهم آذان لاّ يسمعون بها أولئك كالأنعام، بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون(1).

و عاقبة عمل هؤلاء هي جهنّم، فقد قتلوا فطرة التدين و دمّروا الفطرة التي وهبها اللّه لهم، و قتل فطرة التديّن هو ذنب كبير، كما أنّ تجاهل غريزة الجنس و الميل إلى الأكل و غريزة الحياة المدنية الاجتماعية ينقلها من منطقة الشعور إلى منطقة اللاشعور و يوجد عقدة للإنسان لا ينصلح حاله معها أو يكون صلاحه في غاية الصعوبة.

الإسلام و الحالة المعاشية:

اشارة

يقسم الاقتصاد الإسلاميّ الأوضاع المعاشية على ثلاثة أقسام: ضرورية (كفاف)، و مرفّهة، و مترفة: -

1 - المعاش الضروري:

يجب أن ينتفع الجميع من الطعام و الملبس و المسكن، فإذا استطاع الإنسان توفيرها لنفسهو عياله فله أجر عظيم و سنتحدّث لا حقاإن شاء اللّه عن ثواب الاستشهاد في سبيل اللّه الذي يهبه اللّه تعالى للرجل الذي يكدح لتوفير الرفاهية لنفسه و عياله؛ و للمرأة التي تكدّ لجعل زوجها و أطفالها في رفاهية: «الكادّ على عياله كالمجاهد فى سبيل اللّه»(2).


1) . سورة الأعراف/ 179.

2) وسائل الشيعة ج 12 ص 43.

و يلزم القادر على توفير هذا المعاش الضروري أن يقوم بذلك، بمعنى أنّ الذي يستطيع أن يوفّر الرفاهية لعياله يحرم عليه التكاسل عن ذلك، فالأمر يتعلّق بحقّ الناس بالنسبة للمرأة فأصل التكاسل هنا حرام، لأنّ توفير المعاشر الضروري واجب على بني الإنسان إذا كانوا قادرين عليه.

أمّاإذا كانوا عاجزين كحالة المعوق أو الجريح أو المتقاعد و العاطل عن العمل أي العاجز عن توفير الطعام و الملبس و المسكن له و ليعاله - فالإسلام يقول: يجب على الحكومة الإسلامية أن توفّر عليهم ذلك، و إذا عجزت عنه وجب على الجميع توفير هذا المعاش الضروريّ لهؤلاء.

و في القرآن الكريم آية بهذا الخصوص أرجو من الجميع و لا سيّما النساء أن يضعوها نصب أعينهم دائما خصوصا في شهر رمضان المبارك، و هي:

لينفق ذو سعة مّن سعته و من قدر عليه رزقه فلينفق ممّا آتاه اللّه يكلّف اللّه نفسا إلاّ ما آتاها (1).

فالآية تؤكّد أن على كلّ إنسان أن يهتم بمقدار سعته بمعاشه و معاش الآخرين الضروري، فالذي يتسطيع إدارة شؤون أسرة واحدة أو اثنتين أو ثلاث يجب عليه القيام بما يستطيع: - لينفق ذو سعة مّن سعته و غير القادر على ذلك فلينفق بما يستطيع، بمعنى أن يتناول مثلا عن لقمة من إفطاره للآخرين، و يقنع بشيء أقل مما عنده بمقدار يمنحه للآخرين من الملبس و المسكن، إذ نفهم من هذه الآية أننا جميعا مسؤولون.

في آخر جمعة من شهر شعبان خطب النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) في المسلمين و ذكّرهم بأن يهتموا جميعا بأمور الآخرين و أوصاهم أن يقدموا الإفطار للآخرين، و عندما قام أحدهم ليقول: - «يا رسول اللّه و ليس كلّنا نقدر على ذلك» فقال (صلّى اللّه عليه و آله): - «اتّقوا النار و لو بشقّ تمرة اتّقوا


1) سورة الطلاق/ 7.

النار و لو بشربة من ماء»(1).

هذا الحديث لا يعني أن تأخذ تمرا و توزّعه عند الإفطار واحدة لهذا، و أخرى لذاك فتتوهّم أنّك بذلك قد فطّرت بذلك ألف شخص، بل إنّ معناه هو نفس معنى الآية الكريمة التي تأمر بأن يهتمّ كلّ بحسب سعته بإدارة أمور الآخرين، فإن استطاع بصورة موسّعة، فليفعل، و إلاّ فلينفق بمقدار ما يستطيع: - و من قدر عليه رزقه فلينفق ممّا آتاه اللّه.

هل آتاك اللّه طعام إفطارك أو لا؟!.

(لقد أعطاك) إذن فعليك أن تنفق منه على الآخرين قدر ما تستطيع -، و هذا غير الإيثار الذي هو موضوع آخر ليس الآن مورد بحثنا، فحديثنا هنا عن اعتبار توفير الإسلام المعاش الضّروريّ لجميع بني الإنسان أمرا واجبا.

ليس صحيحا أن (يتفرّغ شخص لكي) يتعبّد. و بسبب ذلك لا يوفر معاشه الضروري كما أنّه ليس صحيحا أن تتمتع طائفة بالطعام و الشراب، و إلى جوارها أخرى فقيرة تبيت جائعة فكلتا الحالتين بعيدة عن الصواب.

هذا عن المعاش الضروري.

2 - المعيشة المرفهة: -

و هذه أيضا يحبذها الإسلام، و قد ظهر في عهد الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أيضا ذاك النمط المنحرف من الأفكار التي جعلت ناسا يمتنعون عن الأطعمة الطيّبة، فنزل قوله تعالى -: قل من حرّم زينة اللّه الّتي أخرج لعباده و الطّيّبات من الرّزق قل هي للّذين آمنوا في الحياة الدّنيا


1) الخطبة يرويها الشيخ الصدوق رحمه اللّه بسند متصل في أماليه و كذلك في كتاب عيون أخبار الرضا.

خالصة يوم القيامة (1).

أيها المسلم! لقد خلق اللّه لك كلّ ما في الدنيا، فلماذا لا تكون في رفاهية؟.

و لماذا تحرّم على نفسك الطيّب من الطعام و الزواج؟!.

لماذا لا تتزوّج؟.

و لماذا لا تتزوّجين؟!.

إنّ الكافر عندما يأكل شيئا، فإنّما يأكل صدقة من رزق خلق من أجلك أنت مثلما خلق اللّه الجنّة خالصة من أجلك، فلا نصيب للكافر فيها أصلا كما تؤكد الآية الكريمة المتقدّمة التي تقول لنا أيضا بأنّ المعيشة المرفّهة هي لجميع بني الإنسان.

يجب على القادرين على توفير حياة معيشية مرفّهة لأنفسهم و عيالهم أن يقوموا بتوفيرها كما يجب على القادرين على توفير الرفاهية لأرحامهم و جيرانهم و المسلمين أن يقوموا بذلك.

و الإسلام قد أقرّ معيشة الرفاهية و اقتصاده اقتصاد سليم جيّد، و لكن يا حسرة ف «الماء في وعائه، لكننا نهيم في البحث و نحن عطاشى» و يا حسرة على أننا نسينا قانون التكافل الاجتماعي (في الإسلام).

و قد أنبأ النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) مرارا بوقوع ذلك و عدم عمل أمّته بهذا القانون.

يجب أن يتمتع الجميع بمعيشة مرفهة فالقرآن الكريم يحكم بحرمة و سوء عمل من يحرم نفسه منها، و يعتبره نوعا من العمل بالرأي الشخصي، و هذا ما لا ينبغي لك أيها المسلم إذ يجب عليك أن تكون تابعا للقرآن و النبيّ و العترة


1) سورة الأعراف/ 32.

الطاهرين (عليهم السلام) لا تكون تابعا لرأيك الشخصيّ.

و هذا ما يؤكده القرآن: - قل من حرّم زينة اللّه التي أخرج لعباده و الطيّيبات من الرّزق.

سيّدة استشهد زوجها، تبقى ترفض نزع لباس حدادها الأسود. القرآن (يخاطبها) قائلا: هذا خطأ، فهو رأي ابتدعته من عندك.

و نفس هذا الخطاب يوجّهه لمن ترفض الزواج بعد استشهاد زوجها، و تغضب إذا ذكر الزواج في حضورها فيقول لها القرآن، إنّ غضبك هذا موقف خاطىء و هو عمل برأيك الشخصّي خلافا للقرآن و سنّة النبيّ و الئمّة الطاهرين (عليهم السلام).

شابّ يستطيع الزواج و لا يفعل، و فتاة مؤهّلة للزواج و يأتيها الخاطبون و احدا بعد آخر، و هي ترفض و كلاهما يقولان: ما زال الأمر مبكرا!! فهلاّ سألتما غريزتكما الجنسية و ليس اللسان هل الأمر مبكر أو لا، و هلاّ سألتما عن تلك الغدد التي تترشح في عروقكما و هلاّ سألتما النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) الذي يقول: -

«النّكاح سنّتي و من رغب عن سنّتي، فليس مني»(1).

إذن فالإسلام يقول: ليست مسلمة الفتاة المؤهلة للزواج و ترفضه، أو التي أستشهد زوجها، فترفض الزواج بعده، أو المقطوعة القادرة على الزواج، و لا تتزوّج.

و ليس بمسلم الرجل القادر على الزواج و لا يفعل.

ولديّ هنا كلمة أوجّهها للجميع، و بالخصوص الفتيات و الفتيان و هي:


1) بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي ج 103 ص 220.

• أنّني أطلب منكم أن لا تعملوا بالطسلام على وفق آرائكم الشخصيّة، و أن لا يكون لكم قناعات خاصّة في مقابله، بل عليكم أن تعرفوا ماذا يقول القرآن الكريمو النبي الأكرم و الأئمة الطاهرين و مراجع التقليد و المتخصصون في المعارف الإسلامية.

فلا توقعوا أنفسكم في تلك المعصية (العمل بالدين بالرأي الشخصي)، فهي كبيرة إلى درجة أوجب معها الروسل الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) على الجميع خصوصا العلماء أن يتصدّوا لها: -

«إذا ظهرت البدع في أمّتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل، فعليه لعنة اللّه»(1).

3 - المعيشة الترفية: -

و هي التي يرفضها الإسلام، و يبين بأفضل البيان خوائها، في التي تصدّ الإنسان عن كلّ شيء لكونها تأسره نظير ما تفعله المظاهر الترفية التي تحيط بإجراءات الزواج حاليا، و تقيّد كافة البنات و الأبناء و الآباء و الأمّهات، كطغيان المظاهر الترفية على مراسم الزواج و وضع المسكن و الملبس و الطعام.

و هذا انحراف في المنظار الإسلامي.

فالإسلام يأمر الشابّ و الشابّة بالزواج، لكنه في نفس الوقت ينهى الرجل المتزوج عن الذهاب حلف امرأة أخرى دون حاجة و اتباعا للهوى و حسب.

و الإسلام يأمر بالتوسعة مادام الإنسان في سعة و رفاهية، و ينهاه عن الترف، فهذا انحراف يعتبره القرآن علة جميع المشاكل و يؤكّد تعاسة حال و مآل المترفين قوما كنوا أو أفرادا.

و إذا أردنا أن نّهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول


1) أصول الكافي ج 1 باب البدع و الرأي و القياس.

فدمّرناها تدميرا (1).

فالقرآن يؤكد أنّ عاقبة القوم المترفين هي الدمار، لأنّ ترفهم المعيشي يقودهم إلى الفسق و الفجور و المعصية.

هذا فيما يتعلق بالمجتمع.

أمّا بالنسبة للفرد، فيقول في سورة الواقعة: -

و أصحاب الشّمال ما أصحاب الشّمال * في سموم و حميم * و ظلّ من يحموم * لاّ بارد و لا كريم * إنّهم كانوا قبل ذلك مترفين و كانوا يصرّون على الحنث العظيم... (2).

فالقرآن يؤكّد أن عاقبتهم المشؤومة كانت نتيجة إصرارهم على ارتكاب المعاصي.

و هذا الإصرار هو نتيجة الترف، و عليه فالمعيشة الترفيه تؤدّي إلى المعصية.


1) سورة الإسراء/ 16.

2) سورة الواقعة/ 41-45.

المحاضرة الثالثة:

الفصل الأول

اشارة

•

الزواج... رأي علماء الطبيعة

•

الرؤية القرآنية للزواج

•

الزواج في الأحاديث الشريفة

•

الإسلام و أهمية الغريزة الجنسية

•

الاعتدال في مصارف الزواج

* الزواج... رأي علماء الطبيعة

موضوع بحثنا (لشهر رمضان) لهذا العام هو «الأخلاق الأسريّة» و قد عرضنا مقدمة له و إن كانت مختصرة و ناقصة و حديثنا اليوم هو عن الفصل الأول من البحث و يتعلق بأهمية الزواج من وجهة نظر الإسلام.

عندما تتشرح في دم الإنسان الشاب ذكرا كان أو أنثى الغدد المرتبطة بالغريزة الجنسية توجد تغييرا عجيبا في جسمه و روحه، و هو تغيير واضح إلى درجة أنه يؤثّر حتى في وجه الشباب.

و هذه الحالة هي التي يسمّيها الإسلام «البلوغ»، و يسمي من تظهر فيه هذه الحالة ب «البالغ»؛ و مع ترشح هذه الغدد في دم الإنسان الشاب، يظهر لديه ذكرا كان أو أنثى، شاء أم أبى رغبة تسمى «الرغبة الجنسية».

و بعبارة أخرى تظهر حينئذ الغريزة الجنسية التي كانت نارا تحت الرماد، فتتفتح، وتعرض نفسها و الواجب هو الاستجابة إليها في نفس وقت ظهورها.

و قد تحدّثت أمس عن المصائب التي يسبّبها كبت هذه الرغبات، فالرغبة الجنسية ليست مثل الميل (الطبيعي) نحو الماء و الخبز، و لا مثل غريزة حبّ المال و الرئاسة و أمثالها.

و إذا صحت نظرية فرويد، فهذه الغريزة منبع كافة الغرائز الأخرى و إذ

لم تصح، فالحدّ الأدنى هو أن نعرف أنها ليست مثل الرغبة في الماء و الخبز و أنها منبع أشكال العشق و الأشعار: فلم تسمعوا بأنّ شاعرا عشق الماء و الخبز و قال فيهما شعرا على العكسل من شعر العشق المربوط بالغريزة الجنسية، فهو كثير و يقين أنّ منبع عشق إنسان لآخر هو هذه الغريزة.

و هنا يجدر أن أنّبه الشباب اليافعين ذكورا و إناثاإلى قضية مهمة، و هي أنكم إذا ظهر لدى حدكم حبّ مفرط لآخرذكرين كنتما أو أنثيين - فاحذروا من خطورة الحالة اللاحقة، و يجب لزاماالتصدي لهذا الإفراط في الحبّ.

لا تقل نحن أصدقاء! فمهما قلت يبقى للأمر خصوصية و القول بأنّ هذا الإفراط غير نابع من الغريزة الجنسيّة هو كذب، فلا يظهر مثل هذا الحبّ من غيرها و لا حالة واحدة من مليون حالة خاصّة بين الشباب اليافعين. فعادة ما يكون الحب المفرط من إنسان لآخر عشقا، و هذا العشق نابع من الغريزة الجنسيّة، فالعشق الخالص متعلّق باللّه.

نعم من الممكن أن يعشق أحد الإمام الحسين (عليه السلام) و كربلاء و الإمام المهديّ وليّ العصر (عليه السلام) و ظهوره، و لكن هذا العشق إذا لم يكن متعلّقا باللّه (تعالى) و بالذين تنبع فضيلتهم منه عزّ و جلّفليعلم صاحبه أنّ حالة خطيرة قد أصابته.

إن ما أريد قوله هو أنّ إنشاد الشعر في المشوق و عشق الآخرين ناشىء من الغريزة الجنسيّة، إذ لا يعشق أحد الماء و الخبز، و لا يقول فيه شعرا ليمرغ بذلك ذوقه في الطّين مهما كان جائعا أو ظامئافالعطش لا يثير ذوقه الشعريّ لينشد شعرا في الماء.

و على ما تقدم عليكم أن تعرفوا أنّ للغريزة الجنسية حسابا خاصّا، حتى لو لم تصحّ نظرية فرويدو هي ليست صحيحة فينبغي للجميع الشباب

و آبائهم و أمهاتهم و عموم المجتمع -، أن يتعاملوا معها وفق هذه الخصوصية الخاصة مثلما فعل الإسلام ذلك.

* الرؤية القرآنية للزواج: -

الآية الكريمة المتقدمة و المتحدثة عن المعيشة الضرورية: - لينفق ذو سعة مّن سعته و من قدر عليه رزقه فلينفق ممّا آتاه اللّه... تتعلق أيضا بالزواج لأنّ حاجة الرجل للمرأة و حاجة المرأة للرجل حاجة ضرورية طبيعية - مثلما يحتاج الإنسان بصورة طبيعية للماء و الخبزفإذا لم يكن مستطيعا أن يلبّيها، وجب على الآخرين تهيئتها له.

و لخصوصية الغريزة الجنسية بين الغرائز الأخرى، فتح القرآن الكريم حسابا خاصّا لها، يقول تعالى: - و أنحكوا الأيامى منكم و الصّالحين من عبادكم و إمامكم إن يكونوا فقراء يغنهم اللّه من فضله و اللّه واسع عليم(1).

و الخطاب هنا بصيغة الجمع المتعلّقة بالمجتمع، فهو المخاطب بالآية بأن يعمل لتزويج العزاب ذكورا و إناثاو هذه المهمة تقع بالدرجة الأولى على الأب و الأم، فإن لم يستطيعا، وجبت على الحكومة الإسلامية، فإن لم تستطع وجب على المجتمع كافة أن يقوم بذلك عبر مؤسسة ما.

و الآية تؤكد: أن لا تحملوا همّ المستقبل فاللّه ضامن له، فإذا كنت متوكّلا على اللّه حقّا عليه و تنشط في السعي بالصورة المطلوبة و تعمل بأوامر الإسلام، فلا تحمل همّ الفقر و المصارف ف: إن يكونوا فقراء يغنهم اللّه من فضله.

و هذه الآية مختصة بالغريزة الجنسية.

أمّاالآية السابقة (آية الإنفاق)، فهي متعلّقة بكافة الغرائز.


1) سورة النور/ 32.

(فهي تقول) على المجتمع أن يعالج الفقر الفردي و الاجتماعي، فهي تدعوه إلى توفير الاحتياجات فيما بين أفراده، فهي تذكر حكما عامّا.

وآية (النكاح) تذكر حكما خاصّا ضمن هذا الحكم العامّ، فتوجب على الجميع العمل لتوفير إمكانات الزواج للعزّاب ذكورا و إناثا -.

* قضية الزواج في الأحاديث الشريفة: -

ينقل صاحب «الوسائل» - رحمه اللّه، و له حقّ عظيم على الجميع و لا سيما مراجع التقليدفي كتاب «وسائل الشيعة» ست روايات بهذا الخصوص تبشّر بثواب عظيم لمن زوّج أحدا من العزاب ذكرا كان أو أنثى و الروايات تشير إلى عظمه هذا العمل بحيث يرى الإنسان أن لا فضيلة فوقه.

روي عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) أنّه قال: -

«ثلاثة يستظلّون بظلّ عرش اللّه يوم القيامة، يوم لا ظلّ إلاّ ظلّله، رجل زوّج أخاه المسلم، أو أخدمه، أو كتم له سرّا»(1).

و روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: -

«أربعة ينظر إليهم يوم القيامة: -...، أو زوّج عزبا»(2).

و نظير هذه الروايات موجود في أبواب أخرى، و نقل صاحب الوسائل أكثر من عشرين منها: - عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: - (جاء رجل إلى أبي (عليه السلام) فقال له: - هل لك من زوجة فقال: لا، فقال أبي:

• و ما أحبّ أنّ الدّنيا و ما فيها لي و أني بتّ ليلة ليست لي زوجة»(3).

فلينظر إلى ما يقوله الإمام الباقر (عليه السلام) الشباب و الشابّات


1) وسائل الشيعة ج 14 ص 27 الحديث الثالث.

2) المصدر السابق الحديث الرابع.

3) المصدر السابق ج 14 ص 7 الحديث الرابع.

القادرون على الزواج و لا يتزوّجون، فمعنى قوله (عليه السلام) ليس لو أعطي لي مليون أو مليار من عملة إيران أو دولارات أميركا، بل لو أعطيت لي الدنيا و ما فيها على أن أنام ليلة بدون زوجة لما قبلت.

و نفس هذا الخطاب موجّه للفتاة أيضا مثلما هو موجّه للشبابّ، فتدبّروا في ذلك، فهو يعني أن لا قيمة للدنيا و ما فيها إذا كان ثمنها العزوبية، ثم يوضح (عليه السلام) الأمر بعبارة أكثر تبيانا للمقصود، فيقول: - «الركعتان يصلّيهما رجل متزوّج أفضل من رجل أعزب يقوم ليله، و يصوم نهاره»(1).

و نفس الحكم يجري على صلاة المتزوّجة مقارنة بالعزباء فرغم عظمة ثواب قيام الليل و صوم النهار، إلاّ أنّ ثواب ركعتين يصلّيهما المتزوّج أو المتزوّجة أعظم من ذلك.

و روي عن النبي الأكرم و الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) حديث مستفيض بيننا نحن طلبة العلوم الدينيّة، و هو: - «ما بنى بناء في الإسلام أحبّ إلى اللّه عزّ و جلّمن التزويج»(2).

فهذا الحديث يبيّن أن قيامك بإعمار بيت بتزويج عازب أو عزباء و أن تجعلهما أصحاب بيت، هو أفضل من قيامك ببناء أو مدرسة.

و هذا ما يؤكده النبي الأكرم في الحديث الشريف المقتدّم و نظائره كثيرة، و أقلّ ثواب تذكره للمتزوّجة أو المتزوّج هو أن صلاة الفجر التي يصلّيها أيّ منهما يعادل ثوابها ثواب مئة و أربعين ركعة صلاة.

بمعنى أنّه يضاعف بمقدار سبعين ضعفا، على العكس من عمل الشاب أو الشابّة اللذين يستطيعان الزواج و لا يفعلان، فقد روى الأئمة الأطهار


1) وسائل الشيعة ج 14 ص 7.

2) وسائل الشيعة ج 14 ص 3.

(عليهم السلام) عن النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: - رذال موتاكم العزاب»(1).

و لا أذكر أكثر من هذا الحديث، لأنّ الروايات الواردة في هذا المقام تبعث اليأس بعض الشيء، و من أراد المزيد من السادة طلبة العلوم الدينيّة، فليراجع الجزء 14 من كتاب «وسائل الشيعة».

و نشير هنا إلى قضيّة مهمّة و هي أنكم أيها الأعزاء تعملون أن لا مبالغة في ما يقوله الإسلام و الأئمة الأطهار (عليهم السلام) و نحن نمتاز عن أهل السّنّة - فيما نمتازبأننا نقول: إنّ كافة الأحكام الإلهية نابعة لمصالح و مفاسد في نفس موضوع الحكم، فمثلا إذا أمر الإمام الصادق (عليه السلام) بشيء فذاك يعني أنّ في المأمور به مصلحة تامّة ملزمة.

و إذا نهى الإمام الباقر (عليه السلام) عن شيء، فهذا يعني أنّ فيه مفسدة تامّة تستلزم النهي عنه، و هذه من عقائد المسلم الشيعي.

* الإسلام و أهمية الغريزة الجنسية: -

و يفهم من الآيات و الأحاديث المتقدّمة ما قلناه من أنّ الغريزة الجنسيّة تتمايز من الغرائز الأخرى، فهذه إذا تأجّجت تجعل الإنسان مسكينا.

أمّا الغريزة الجنسيّة، فلها حساب آخر بحيث إنّ النبيّ يوسف و للنجاة منهاهرب من «زليخا» على الرغم من سموّ مقامه. و يشير القرآن الكريم إلى أنّ يوسف أيضا كان سيسقط بسببها لو لا عصمته و إرادته القوّية: - و لقد همّت به و همّ بها لو لا أن رأى برهان ربّه(2).

فيوسف انتصر بإرادته القوية في تلك الواقعة عندما ابتلي بالنسوة.


1) المصدر السابق ص 7.

2) سورة يوسف/ 24.

أمّا هؤلاء، فقد قطّعن أيديهنّ بدلا من الفاكهة هياما به و عشقا له عندما رأينه.

و أطلب هنا من جميع الشباب و الآباء و الأمّهات أن يضعوا دائما نصب أعينهم قول يوسف (عليه السلام) على ما ينقله القرآن حيث يقول: - و إلاّ تصرف عنّي كيدهنّ أصب إليهنّ و أكن من الجاهلين(1).

و معنى مفردة الجهل هنا هو غلبة الغريزة على العقل، و قد استعملها القرآن بهذا المعنى في الكثير من الموارد منها آيات التوبة.

و المنقول في الآية المتقدّمة على لسان يوسف يعني: - أنّه برحمتك و عونك استطعت أي يوسف التغلّب على الغريزة الجنسية.

و هاتان الآيتان من قصّة يوسف تنبهنا على ضرورة أن نولي هذه الغريزة أهمية خاصة تختلف عن الغرائز الأخرى.

و هذا ما فعله التشريع الإسلامي الذي ارتكز على دفع ضررها، و ليس قمعها، بمعنى تشريع ما من شأنه عدم السماح لها بتلويث الإنسان، فهو نهى بدءا عن النظر بشهوة للآخرين، و هذا دفع، لا رفع، فلأجل عدم السماح بإثارة هذه الغريزة حرّم النظرة الشهوانية، و أكد أنها معصية قد تجرّ الإنسان إلى البؤس و إلى الإصابة بذلك العشق الذي هو أسوأ من السرطان و على الطرف الآخر أمر المرأة بالحذر و اجتناب الاختياط بغير محارمها إلاّ بمقدار الضرورة فقط، فلا تتعدّاها لا في التحدّث مع غير المحارم و لا الاختلاط بهم و لا الذهاب إلى الدكاكين.

كما يوصيها القرآن بالانتباه على حجابها عندما تذهب إلى الشوارع، فينهى حتّى عن أن يكون لونه صارخا جذّابا للأنظار، و كذلك الحال مع الحذاء


1) سورة يوسف/ 33.

الذي تختاره و طريقتها في المشي و عدم مراعاتها ذلك يوقعها في ظلم كبير هو إثارة الشهوة لدى الآخرين، و لو ثارت عند شابّ لصعبت جدّا السيطرة عليها.

إنّ الغريزة الجنسيّة تقول للشباب و الآباء و الأمّهات: إنّ فترة تفتّحها لدى الإنسان هي ما بين (18-28) عاما، فلا ينفع الاهتمام بها بعد ذلك لا للذكر و لا للأنثى، ففي هذا العمر يكون التمتّع بهذه اللذّة و بعده تكون مشقّة.

و مع الأسف فقد انجرّ وضع المجتمع إلى تجاهل هذا العمر الذي يضمّ تفتّح الغريزة الجنسيّة على الرغم من أنّه مصدر إشكال العقد و عقدة الحقارة و الخمول و الغموم و المهوم و موت القلب فيا أيّها الفتيان و الفتيات الأعزّاء إنّ الإسلام هو أعرف منّي و منكم بحقيقة الأمر.

* الاعتدال في مصارف مراسم الزواج: -

لو تخلّينا نحن عن حالة «التجمّل الترفي» لتيسرت كافّة الأمور، و استطعنا تزويج عشر فتيات بنفس الجهاز التأثيثي الذي نعدّه لتزويج فتاة واحدة. أنتم النساء و الرّجال تقولون: لا يمكن.

أمّا الإسلام، فيقول نعم يمكن؛ يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو قدوة بني الإنسان في الديوان المنسوب له: -

و قد دقت و رقت و أسترقت *** فضول العيش أعناق الرجال

إنّ المعيشة التجمليّة الترفية هي التي تسبب للإنسان ضعف الأعصاب و الدّمار الروحي، و تجبره على التخضع للكريم و اللئيم، و تجلب الفقر الفرديّ و الاجتماعيّ و تجعل الإنسان عبدا للآخرين و هكذا تفعل في تعبيد المجتمع ككل للآخرين، و هذا هو مقصود الإمام (عليه السلام) في البيت المنسوب إليه.

هذا الجهاز التأثيثي التجمّلي الترفي (المتعارف) ما هو إلاّ عبء ثقيل قاصم للأعناق و الظهور و كل شيء، فهو يطحن الآباء و الأمّهات. و جميعنا

مبتلون به أنا و أنت و القرويّ و ابن المدينة المتديّن و غير المتدين و عالم الدّين و غيره، المتجدد و غيره.

و يمكن بقيمته تزويج عشر نساء، ألا تصدقون؟!.

أنقل لكم حادثة واحدة عن المرحوم آية اللّه الحائري، و فيها مثال يحتذى للجميع.

ينقل أنّ المرحوم الشيخ كان جالسا و حوله طلبته، فأتى تاجر و معه عباءة صيفيّة جلبها هديّة للمرحوم الشيخ، فرأى الشيخ أن العباءة غالية الثمن جدّا - فهي من النوع الرقيق و ثمنها غال حاليا أيضا كما كان دائماو أنّ من غير المناسب لمرجع أن يلبس مثل هذه العباءة، و لم يرد أن يرفض الهدية لكراهة ذلك، فسأل رحمه اللّه التاجر عن قيمتها، فلم يرغب التاجر في ذلك، فسأله الشيخ: - كم هو عدد العباءات العادية التي تعادل هذه العباءة.

فأجاب: - ستّ عشرة عباءة.

فقال له الشيخ: - «لقد قبلت الهدية و لكن هل يمكن استبدالها بستّ عشرة عباءة عادية.

أجاب التاجر بالإيجاب.

فطلب الشيخ أن يقوم بذلك، فذهب التاجر إلى السوق، و قام بما أراده الشيخ، و رجع و معه ستّ عشرة عباءة قدّمها للشيخ، فأخذهارحمه اللّه - فوزّعها، هذه لهذا، و تلك لذاك، حتى انتهت إلاّ واحدة وضعها على عاتقه، ثم توجّه للتاجر: - «أهذا أفضل أم ذاك؟!.

ففي الحالة الأولى كنت أنا وحدي المستفيد من الهدية، أمّا الآن، فقد استفاد منها ستّة عشر شخصا.

إذن لا تقولوا: لا يمكن تحقيق ذلك، و لا تقولوا: لسنا مسؤولين؛ بل كلّنا مسؤولون: - «كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيّته».

أيها الشباب الأعزّاء؛ إذا أردنا جميعا الثورة، فهي تعني التغيير و نحن الآن في مرحلة الإعمار، و علينا أوّلا إعادة البناء الأخلاقي، فيجب أن نتوجّه نحو الأخلاق الأسريّة، و نحن جميعاالمسنون و الشباب، المقدسون و غيرهم و العلماء و غيرهم نقدم هذا الجهاز التأثيثي التجملي الترفي، علينا أن نفهم الفتيات أنّ قيمة هذا الجهاز تكفي لإعداد ستة عشر جهازا تأثيثيا بل عشرين و مائة.

فلنقم بتزويج مائة فتاة بدلا من واحدة فقط.

البحث ما زال ناقصا سنكمله إن شاء اللّه في الفصل الثاني من بحثنا.

المحاضرة الرابعة:

الفصل الثاني

اشارة

• عقبات بوجه الزواج

1 - الشروط التعجيزية

2 - المراسم الشكلية الزائدة.

3 - ارتفاع المهور

4 - الولائم الضخمة

* عقبات بوجه الزواج

اشارة

يدور الفصل الثاني من بحثنا حول العقبات التي أوجدتها الحياة العصريّة بوجه الزواج و بما يشبه السواتر الترابيّة التي يصعب عبورها في الجبهات القتاليّة، و هي عقبات كثيرة أوجدها العالم الصعريّ.

و ينبغي لنا التحدث و لو باختصار عنهاو إن كانت إزالتها بحديث واحد أو بمثل هذه المحاضرات (وحدها) أمرا صعبا، و لكنّ مثل هذا الحديث لن يكون قطعا دون ثمار.

1 - الشروط التعجيزية:

العقبة الأولى بوجه الزواج التي تزداد باستمرار هي الرائع الناتجة عن الشروط المبالغ فيها (التعجيزية) التي تطرحها الفتاة أو الفتى أو الآباء أو الأمهات.

و هي قد تؤدّي إلى بلوغ الفتاة سنّ الثلاثين و الشاب سن الأربعين دون أن يتزوجا، و عندما يسألان عن سرّ ذلك يجيبان: - لم أجد الزوج المناسب، و لم أجد الزوجة المناسبة!!.

إنّ القضية التي يجب علينا الانتباه لهاو سأتحدّث عنها لا حقا، إن شاء اللّه هي أنّه لا معنى (لا مصداق) لأن تشترط الفتاة زوجا يطابق مائة في

المائة ذوقها، و نفس الأمر يصدق على الرجل، فبصورة عامّة لو توفرت نسبة (50) من هذا الشرط مع التوافق الأخلاقي لكانت كافية، و لو توفرت نسبة (70)، لكانت تلك الزوجة جيدة للغاية و كذلك الزوج.

و تظهر هذه العقبة لدى المقدسين بصورة ولدى غيرهم بأخرى.

فهذا يشترط بيتا و الخاطب ليس عنده بيت، و الرجل يشترط جمالا متكاملا، هذا ما لا يتوفّر في الفتاة.

و واحد يطلب حسبا مرموقا، فلا يجده، و قد يكون هو نفسه ذا حسب و نسب وضيع، لكنّه عندما يريد الخطبة يطلب ذاك، و هذا يؤدّي إلى أن يظل دون زواج، وكذلك حال الفتاة.

و قد تكون هذه البنت تستعمل النظارات فترفض تلك الأم أن تخطبها لولدها، أو أنّ الولد قصير، فترفضه البنت و هكذا.

و في الحقيقة فإن هذه الذرائع لا يستسيغها العقل و لا يمكن الاعتماد عليها، و لعلّ بين الحاضرين هنا بعض الفتيات من قد تقدّم لخطبتهنّ عشرون شابّا أو أكثر منهم، لكنهن لم يتزوّجن، و رفضن لذرائع تافهة.

و لعلّ بين الحاضرين هنا شابّ ما زال منذ سنتين أو ثلاث أو أربع يبحث عن زوجة و لم يجد على الرغم من أنّ له بنات عمّ أو خالة و جيرانه و أرحامه لديهم بنات، لكنّه وضع لكلّ واحدة منها عيبا و أعرض عنها.

و مثل هذه الذرائع تؤدّي في النهاية إلى ابتلائه بزوجة سيّئة.

و قد قال النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) مرارا من على المنبر: - «أيها الناس إنّ جبرئيل أتاني عن اللطيف الخبير فقال: إنّ الأبكار بمنزلة الثمر على الشجر، إذا أدرك ثمارها فلم تجتن أفسدته الشمس و نثرته الرياح، و كذلك الأبكار إذا أدركهن ما يدرك النساء، فليس لهنّ الدواء إلاّ البعولة.

و إلاّ لم يؤمن عليهن الفساد، لأنّهنّ بشر...»(1).

و هذا الأمر يصدق على الشابّ أيضا، فإذا وصل عمر الزواج و كان قادرا عليه، فيجب عليه أن يتزوّج، فإن لم يفعل كان حاله حال الفاكهة التي تنضج ثم تسقط من الشجرة، و عندها لا تجدي نفعا.

و كان البعض من «المتذرّعين» يقومون و الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) على المنبر ليسألوهع ن مواصفات من يزوّجوه بناتهم فيجيبهم ب «الأكفاء».

فيسألون عن ماهية هؤلاء، فيكرر (صلّى اللّه عليه و آله) القول مرارا من على المنبر: - «المؤمنون بعضهم أكفاء بعض»(2).

فالمؤمن هو الشخص ذو الأخلاق الحميدة و التديّن الجيد، فإذا جاءكم فزوّجوه.

و سبب إحدى المصائب الكبرى التي حلّت بمجتمعنا الإسلامي هو عدم الالتزام لما كان يكرره النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) مرارا من على المنبر: - «إذا جاءكم من ترضون خلقه و دينه فزوّجوه ألاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض و فساد كبير»(3).

فإذا لم يكن أمر الزواج قائما على أساس الدين و الأخلاق ظهرت في المجتمع فتنة و فساد كبير.

و أيّة فتنة و فساد أخطر من الوضع السائد حاليا في مجتمع المسلمين؟!.

النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) يأمرناب أن نلاحظ الأخلاق و التدين و لكن لا أظن أنّ هناك في هذا المجلس سيدة ذهبت تخطب زوجة لولدها،


1) وسائل الشيعة ج 14 ص 39، الحديث الثاني.

2) المصدر السابق في تتمه نفس الحديث و كذلك ص 49 مروي عن الباقر (ع) الحديث الثامن.

3) المصدر السابق ص 51 الحديث الأول و الثاني و قريب منه الحديث الثالث مروي عن الباقر (عليه السلام).

و كانت تفكر هل أن هذه البنت حسود أو متكبّرة أو أنانية أو لا؟.

فهي تهتمّ بأمور أخرى، و لا أظنّ أنّ هناك في هذا المحفل المقدس - من جاءه خاطب فاهتم (- بالدرجة الأولى -) بمعرفة مدى تديّن و أخلاق هذا الشابّ على الرغم من أنّنا نقرأ في الروايات و قد ثبت في التجربة أيضاإذا كان مورد الاهتمام في أمر الزواج هو فقط المال و الجمال و الظاهر و الحسب و النسب، فلا تكون نتيجته سوى البؤس، يقول (صلّى اللّه عليه و آله):

• «من نكح امرأة لمالها و جمالها حرم مالها و جمالها و من نكحها لدينها رزقه اللّه مالها و جمالها»(1).

و قال أيضا: - «لا تنكح المرأة لجمالها، فلعلّ جمالها يوديها، و لا لمالها، فلعلّ مالها يطغيها. و أنكح المرأة لدينها»(2).

فالطغيان بسبب المال و الجمال يؤدّي إلى الاختلاف، و هذا يؤدّي إلى البؤس و عندها فلن يحصد الساعي إلى المال و الجمال فقط سوى الحسرة و الندم.

و روي أنّ رجلا قال للإمام الحسن (عليه السلام): - «إنّ لي ابنة فمن ترى أزوّجها؟!، فقال: - «زوّجها لمن يتّقي اللّه عزّ و جلّفإنّه إن أحبّها أكرمها، و إن أبغضها لم يظلمها»(3).

فواضح أنّ دينه و تقواه تمنعه عن ظلمها. لا أظنّ أن هناك من بين هذا المحفل المقدّس من يخلو من هذه الشروط التعجيزية و الذرائع الشائعة، و على الرغم من رفض النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) لها: و قد وقعت في عهده حالات زواج عجيبة ترمي إلى إدحاض الذرائع أمثال قضايا زواج


1) المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء ج 3 ص 85 نقلا عن الكافي.

2) المصدر السابق ج 3 ص 85 و راجع كذلك وسائل الشيعة ج 14 ص 30 حيث نقل (11) حديثافي هذا الباب.

3) كتاب المستطرفج 2 ص 218.

«جويبر» و «زيد» و «المقداد»(1)، بمعنى أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يضحي بفتاة متكاملة في مواصفات الجمال و الحسب و النسب من أجل إحياء حاكمية قانون الأخلاق و الدين في المجتمع، و ليصبح هو المعيار في الزواج لا أمور أخرى.

و نحن هنا لا نقول لا تهتمّ بالأمور الأخرى، بل نقول اهتمّ بالدين و الأخلاق، و إذا حظيت بفتاة بنسبة (70) من المواصفات التي تأنس لها، فلا تتذرع بشروط أخرى.

و نفس الأمر يصدق إذا توفّر الخاطب على (70) من الشروط المطلوبة.

و لا تستخر هنا أيضا، فللاستخارة موارد خاصّة، فهي تجب عادة في المهمّات، و عند الوصول فيها إلى طريق مسدود يعجز معه عقل الإنسان عن التفكير و لا تنفع الاستشارة، و يطغى الإبهام و عدم الوضوح القضية.

أمّا إذا كان الأمر واضحا، و يستطيع عقلك التفكير بشأنه، فلا موقع هنا للاستخارة كأن تشاهد بأن الخاطب شاب صالح دينا و أخلاقاو قادر على إدارة الشؤون الزوجيّة، أو أن تشاهد بأن الفتاة متديّنة من أسرة متديّنة و ذات أخلاق حسنة و تستطيع القيام بواجبات الزوجيّة.

بل إنّ للاستخارة معنى آخر أرجو منكم جميعا أن تعملوا بهذا المعنى المطروح في الإسلام للاستخارة، و هو أنك إذا أردت القيام بعمل (مهم)، فصلّ ركعتين، و قل بعدهما مائة مرة «أستخير اللّه برحمته» أي تدعوه أن يبارك لك في العمل ثم أشرع به، ليكون هذا العمل مباركاإن شاء اللّه و أصل الاستخارة في الإسلام هو هذا.

و الاستخارات التي تستند إلى روايات صحيحة و مسندة و يؤكّدها صاحب


1) تجد تفصيل هذه القضايا في وسائل الشيعة ج 14 ص 44، ص 45.

كتاب «الجواهر» - رضوان اللّه عليه في هذا الكتاب هي التي تعني أن أطلبوا من اللّه الخير في أعمالكم.

نعم لو لفّ الإبهام و عدم الوضوح الإنسان تجاه عمل ما، و لم يتوصل عقله لشيء، و لم تثمر شيئا استشارته للآخرين، عندها يمكنه أن يستشير اللّه - تبارك و تعالى فإذا استشر تموه تعالى فالتزموا العمل حتما على وفقها، (فإذا كانت الاستخارة تقول: إنّ العمل جيّد فأعملوا) و طذا كانت تنهى عنه فاتركوه حتما، و تكرار الاستخارة (حول نفس المورد) خطأ و من الأفعال العاميّة الموجودة بيننا.

و خلاصة القول هي أن العقبة الأولى المشهودة في أمر الزواج هي تلك الحالة التعجيزيّة (طرح الشروط المبالغ فيها) التي تلاحظ لدى الشباب و الفتيات أو آبائهم أو أمّهاتهم.

و أطلب منكم أن تستبدلوا هذه الحالة بأن يكون لديكم توكّل على اللّه - عزّ و جلّفهو مقلّب القلوب، و هو مصلح الأحوال و القرآن يبيّن أن ولي اللّه لا يغتمّ و لا يتحسّر على ما مضى و لا يخاف مما هو آت: - ألا إنّ أولياء اللّه لا خوف عليهم و لا هم يحزنون(1).

و سرّ ذلك أنّهم يتوكّلون على ربّهم.

فتوكلوا على اللّه في أمر الزواج و أزيلوا هذه العقبة التذرعيّة التي لا يرضى بها الرسول الأعظم (صلوات اللّه عليه و آله) و الأئمة الأطهار وعلماء الإسلام الكبار.

المرحوم الشيخ (جعفر) كاشف الغطاءرضوان اللّه عليه هو من كبار مراجع التقليد، و هو رجل قلّ نظيره في العلم و الشجاعة و قدرة الزعامة الدينية تنقل عنه حادثة هي أنّه قال يوما في نهاية درسه و بحضور تلامذته -: - «إنّ


1) سورة يونس/ 62.

لديّ بنتا آن أوان زواجها؛ فإن تقدّم شخص مؤمن خلوق زوّجتها له» فقام أحد فضلاء درسه، ثم جلس.

و هذا القيام و القعود هو بمثابة التقدم للخطبة.

فقال المرحوم كاشف الغطاء: - تعال إلى البيت؛ ثم ذهب إلى البيت و لحقه هذا التلميذ فيما بعد، و كان الشيخ المرحوم يعرفه طالبا (للعلوم الدينية) فاضلا و متديّنا متخلّقا بالأخلاق الإسلامية الحسنة لكنه فقير معدم.

قال المرحوم كاشف الغطاء لكريمته: - «بنيّتي؛ لقد وجدت لك زوجا لا يملك شيئا، لكنه ذو علم و دين و أخلاق، فهل تقبلين به؟!.

أجابت كريمته: - إنّ أمري بيدك. و في نفس ذلك الوقت عقد لهما، و أعدّ لهما غرفة في نفس منزله و حضّروا الفتاة في نفس تلك الليلة لزوجها، و دخل الفتى و الفتاة غرفة عرسهم.

و قبل الفجر نهض المرحوم كاشف الغطاء لإقامة نافلة الليل، ثم دقّ باب غرفتهما، و قال: - «لقد أعددت الماء الساخن في ذلك الزمان لم يكن هنا حمام في المنازل و هو في الغرفة الفلانيّة فاذهبا واغتسلا لإقامة صلاة الليل».

فذهبا و اغتسلا و أقاما صلاة الليل أيضا.

و نضيف قائلين أنّ قصّة هذا الإيثار وا لتضحية من الشيخ كاشف الغطاء لا تنتهي هنا ف و الّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا(1)فقد وعد القرآن بمساعدة من يعملون للّه، (و قد تحقق هذا الوعد هنا) فصهر المرحوم كاشف الغطاء كان هو المرحوم الشيخ «محمد تقي مسجد شاهي» و قد وصل من العلم مرتبة سامية بحيث ألّف حاشية على «المعالم» ما زالت من الأصول الحيّة على الرغم من مرور ثلاثة أو أربعة قرون على تأليفها، و أصبح مقدّما


1) سورة العنكبوت/ 69.

على الشيخ كاشف الغطاء، و أصبح جميع أبنائه مجتهدين، و لم ينقطع الاجتهاد عن بيتهم، فجميعهم كانوا متدينين و لهم قدرة و نفوذ في إصفهان حيث كان جميع العلماء يحترمونهم، و كان جميع حكّام ذاك الزمان يتخضّعون لهم.

أي: كانت عاقبة ذلك الزواج الحسنى، و كان عرسا كما يريده القرآن، و هذا هو الجدير بأن يسمى زواجا إسلاميا.

و كان هذا هو نهج النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمة الأطهار (عليهم السلام) و الفقهاء العظام.

العلامة المجلسي كان ذا مقام علمي سام، و كان منيع المكانة و متمكّنا من الناحية المالية بحيث يقتضي الإنصاف أن نقول أنه جعل «الصفوية» بلاطا له و لو لم يقم سوى بتحرير (موسوعة) «بحار الأنوار» لكفانا ذلك في القول بأنه لم يأت بمثله أو قلّ نظيره.

العلامة المجلسي كانت له بنت فاضلة مجتهدة و على درجة عالية من الجمال، و لم تكن آنذاك قد تجاوزت العشرين عاما و كانت من جهة الحسب و النسب فتاة نموذجيّة، فزوجّها العلامة المجلسي للشيخ صالح المازندراني من طلبة العلوم الدينية و كانت مؤهلاته محدودة، فلم يكن معروفا و لا ثريّا، و لكنه كان متديّنا و خلوقا، فزوجه العلامة ابنته لأخلاقه الحسنة و لتديّنه، و هي فتاة لم تكن عادية إذ ينقل عنها أنّ زوجها دخل غرفتهما الزوجية و رأى أنّ عليه مطالعة أحد المواضيع، فاستعصت عليه مسألة علميّة لم يستطع حلّها، فحلّتها له.

إذن هي فتاة استثنائية، فلماذا قبل بتزويجها لمثل الشيخ المازندراني؟!.

الجواب هو لأنه لم يكن من المتذرّعين بالشروط المبالغ فيها، فهو كان يقول: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: - «إذا جاءكم من ترضون

خلقه و دينه، فزوّجوه.

و إن لا تفعلوه، تكن فتنة في الأرض و فساد كبير»

2 - المراسم الشكلية الزائدة:

العقبة الثانية هي أهمّ من سابقتها خصوصا في عصرنا الحاضر حيث يصعب تجاوزها حاليا، و هي المتعلّقة بالشيء الذي يأخذه الشابّ لينقل بمعية عروسه إلى بيت الزوجيّة، ففي البداية كان نسخة من القرآن، ثم أضيفت إليها مرآة و محمل الشموع، ثم أضيف إليها و أضيف، حتى وصل الأمر إلى ما ترونه الآن من أغلال في عنقه يبيع كلّ ما عنده لتوفير ثمنها، فلا يفي بالذهب المطلوب، فيرفض عندها الزواج أصلا، في حين ماذا كان سيحدث لو لم يكن لهذه العروس مرآة و حمالة شمع أو كانت المرآة من النوع المعتاد إضافة إلى القرآن؟!.

و أي نقص يظهر بذلك؟!.

و ماذا يحدث لو لم يقدم الشاب ذهبا؟!.

و ما المانع من أن يقدم خاتما مألوفا للفتاة و تقدّم هي له خاتما من العقيق بدلا من الخاتم الذهبي حيث يسبب له المشاكل بدءا من أنه لا يستطيع الصلاة لبطلان الصلاة به و مرورا بإيقاعه في المعصية و تثبيتها في صحيفة عمله منذ اللحظة الأولى لوضع العروس لهذا الخاتم الذهبيّ في يده، لأنّ الرجل لا يحلّ له التزّين بالذهب سواء كان خاتما أو ساعة أو نظارات أو أزرارا أو أيّ شيء آخر فيه زينة له.

و ما المانع من أن يكون الخاتم خاتم عقيق، أو لا يقدم خاتم أصلا؟! و أن يقدم للعروس خاتما معتادا؟!.

أقسم باللّه لن يحدث شيء، و لن تقع السماء على الأرض و لا العكس

كما يقول الناس، بل إنّنا نحن الذين نخرب بأفعالنا القبيحة السماء و ندمر الأرض.

من يستطيع تجاوز هذه العقبة الثانية (غيرنا)؟! إذن فتعالوا و حطّموها؛ لا أقول ليقم بذلك اثنان أو ثلاثة أو مجموعة، فلا يمكن تحطيمها بذلك، بل نقول: - إنّ لمدينة قم إنجازات كثيرة، فلتقرر تحطيم هذه العقبة و هذا الحاجز، فتعلن منع حمّالات الشمع و المرايا التّرفيّة الغالية الأثمان و منع اشتراط تقديم الذهب في مراسم الزواج و سائر المظاهر الشكلية الزائدة.

فما الذي يمنع عندها من انتقال هذه السنة من مدينة قم إلى المدن الأخرى إلى عموم المجتمع الإسلامي ليصل الأمر إلى الحالة التي نستطيع أن نقول معها: - نحن الذين قمنا بالثورة و حطمنا هذه العقبة.

في ذيل الرواية التي نقلناها سابقا حول مجيء شخص غير متزوّج إلى الإمام الباقر (عليه السلام) و تأكيد الإمام فيها لرفضه المبيت ليلة واحدة دون زوجة حتى لو أعطيت له الدّنيا و ما فيها، ورد أنّ الإمام (عليه السلام) أعطى هذا الشخص سبعة دنانير و أمره أن يتزوّج بها.

و هذا هو ما أريد الإشارة إليه هنا، فهذا المبلغ يعادل سبعة مثاقيل من الذهب، و ليس بالمثقال المتعارف حاليا و هو (24) حبة، بل بالمثقال الشرعي الذي يعادل (17) حبّة أي أنّ المبلغ يعادل خمسة مثاقيل ذهب حاليا.

فالزواج الذي يرى الإمام أنّ كلفته لا تتعدّى السبعة دنانير أصبح الآن يكلّف سبعين دينار ذهب، بل أكثر منها، حيث يصل الحال أن يبيع المرء داره، لكي يؤمن تكاليف إقامة مراسم العقد و هذا ما لا يرضاه اللّه تعالى -.

(يروى أنّ) الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) كان جالسا بين أصحابه عندما جاءت فتاة و أخبرته من خلف الحجاب أنّها تريد الزواج،

و طلبت منه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يزوّجها، فتوجّه إلى أصحابه و سألهم عمّن يريد الزواج. فقام أحدهم فسأله (صلّى اللّه عليه و آله) عن المهر الذي يستطيع تقديمه، فأجاب بأنه لا يملك غير القميص الذي يرتديه.

و عندها سأله (صلّى اللّه عليه و آله) عمّا إذا كان يعرف شيئا من القرآن؟!.

فأجابه أنّه يعرف سورة الواقعة، ثم توجّه صوب الفتاة، و سألها إن كانت مستعدّة للزواج على أن يكون مهرها تعليمها هذه السورة من القرآن، فردّت بالإيجاب، و تم العقد.

و هذا ما كان يريده (صلّى اللّه عليه و آله)؛ لا أقول يجب الالتزام بمثل هذه الحادثة، و لكني أسأل لماذا نكون مقيّدين بهذه الأغلال التي نبتلي بها جميعا من العلماء و الكسبة و المزارعين و القرويين و أهل المدن و المقدسين و غيرهم و خاصة المقدسين الذين يكثرون من هذه الاستخارات و من هذه الذرائع و الشروط التي نبالغ فيها و صنعنا بها هذا السدّ؟.

عندما يجلس الشابّ في مراسم عقده يشغل ذهنه بكيفية تسديد الأموال التي اقترضها من أجل شراء الذهب المطلوب، و هل يمكنه تسديدها أو لا؟!.

فلماذا وضعت هذه العقبة؟.

و ما هو النقص الذي يوجده الزواج بلا ذهب؟!.

ثقوا بأنّ اللّه يتلطف برزقهم فيما بعد، فلا يمكن أن يحبس اللّه أجره عمّن يعمل في سبيله.

أنتم تعملون لأفراد عاديين، فيشكروكم فهل يمكن أن لا يفعل اللّه تعالى مثل ذلك؟!.

أيتها السيدة الوالدة، الذهب يأتي فيما بعد أيضا، فليكن هدفك هو

العثور على زوج صالح لابنتك يحبّها أو لا يلحق بها الأذى إذا لم يحبّها.

فهذا ما لا يسمح به تديّنه كما ينبّه لذلك الإمام الصادق (عليه السلام) فهو عندما يرى أن زوجته لا تمتلك الحلي الذهبية، فسيقتني لها ذلك بما استطاع، فلا حاجة أن تثيروا هذه العقبة في وجهه منذ البداية، فتجرحون مشاعره و أحاسيسه قبل العقد.

قضية أخرى أريد التنبيه عليها هنا، و هي أن لا تضاعفوا كلّ يوم هذه الطلبات، ففي الأقلّ أن تقتنعوا بالمقدار الموجود؛ فقد كان من الرسوم المتعارفة و إن كان خطأهو أن يرسلوا للشباب مقدار من الفاكهة مع نوع من الملابس، ثم أضافوا إليه الحلويات و قالوا هي ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها ثم قالوا لا يمكن أن نعطي للشابّ دون والدته، فأضافوا شيئا آخر لوالدته، و ألزموا بذلك الأب أن يقترض لتوفير هذه «الضروريات»!!.

فهذا المسكين الذي لا يملك ما يشتري به فاكهة أو خضرة مع طعام إفطار عياله أصبح عليه أن يشتري شيئا لوالدة صهره المستقبليّ، ليدخل السرور إلى قلبها!!.

و لكن إذا كانت هذه الوالدة سيئة الأخلاق، فلن يسرّها ذلك و إذا كانت حسنة الأخلاق، فهي مسرورة على كلّ حال فلا يمكن استجلاب الودّ بهذه التقاليد غير الصحيحة.

نحن نشتبه عندما نتصوّر ذلك، و السر هو أننا خلطنا بين فتحات (مواقع) الدعاء!!

ينقل جلال الدين الرومي أن شخصا كان يقرأ في محلّ قضاء الحاجة الدعاء المأثور أن يقرأ حين التمضمض عند الوضوء، و يقرأ حين التمضمض الدعاء المأثور أن يقرأ حين قضاء الحاجة، فقال له من اطلع عليه: - لقد حصلت على ورد جيّد، و لكنك خلطت بين فتحات (مواقع) الدعاء!!.

نحن نتوهّم أنّ المودّة تستجلب بالذهب الكثير الذي نقدمه للعروس و لكنّ ذلك لا يستجلب غير المشاكل، فالمودّة من اللّه، و هذا ما يؤكّده القرآن: - إنّ الّذين آمنوا و عملوا الصّالحات سيجعل لهم الرّحمن ودّا(1).

فهو يؤكد أنّ عليك أن تقوّي علاقتك باللّه، و تتعرّف ما يريده (بشأن الزواج) إذا أردت أن تعزز المودّة بين ابنتك و صهرك.

أقسم عليكم باللّه. (أن تجيبوا) هل يستطيع أحد أن يقول بجرأة: إنّ مراسمنا هذه في الزواج تحظى برضا اللّه و إمام العصر؟!.

و هل يرضى الإسلام بهذه العقبات التي نضعها بوجه الزواج؟!.

إنّ هذا ما لا يرضاه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و ولي العصر (عليه السلام) و الزهراء (سلام اللّه عليها) فتعالوا نحطّم هذه العقبة أيضا.

3 - ارتفاع المهور:

العقبة الثالثة التي تحوّلت إلى مصيبة هي قضية ارتفاع المهر، ففي السابق كان الذين لا علاقة لهم بالثورة و القيم الدينية يشترطون مهرا بمبلغ مليونا و اثنين و ثلاثة، ثم اصطبغ نفس هذا الموقف بصبغة ثورية، فأصبحوا يقولون (124) ألف من مسكوكة «الحرية» الذهبية تيمنا بعدد الأنبيا!!.

و معلوم أن من يقول ذلك لا يريد التزويج.

ثم أضافوا في العديد من المناطق و منها مدينة قم شيئا خرافيا بعيدا عن العقلائية سموه ثمن الرضاعة و هو بدعة سيئة و كأن الوالدة تطالب الزوج بثمن اللبن الذي أرضعته بنتها!!

و الغريب أن المال الذي يقدّم تحت هذا العنوان يأخذه الأب؟!.


1) سورة مريم/ 96.

فما أقبح هذه البدعة!.

كأن البنت بضاعة تباع، فثمن الرضاعة يعني بيع البنت.

و يفتي الكثير من الفقهاء بأنّ لا يجوز للفقير أن يتحملبذمته مهرا ضخما، و بعضهم و منهم رجعكم في التقليديقول إن الذمة واسعة فيمكنه أن يجعل مثل ذلك في ذمّته، و إن لم يكن يستطيع التسديد فلا يستطيعون أخذه منه.

و نقرأ في الروايات وصفها ارتفاع المهر بأنّه علامة شؤم الفتاة(1)، فإذا فقدمت المودة فما جدوى ضخامة المهر؟!.

أنتم تطلبون مهرا ضخما لكي توجدوا بذلك رابطة بين هذا الشابّ و بين ابنتكم، فإذا لم يكن يودّها أو لم ينسجم معهالا سمح اللّه فماذا يجدي أن يدير بصروة جيدة جدا شؤون ابنتكم من جهة المصارف المالية و الترفيهيّة، و يتعامل معكم بما تحبّون، لكنّه عندما يدخل بيت الزوجية ينتفخ (تكبرا) و لا يتحدّث.

و قد يمر اليوم الأول و الثاني و العاشر مفعما بما يحوّل هذا البيت فيما بعد إلى سجن، بل إلى أسوأ من السجن بالنسبة لا بنتكم حيث تجد زوجها عبوسا بوجهها و لا يتحدّث معها و إن كان لا يضربها و لا يشتمها، لكي لا يقال له:

• لست بمسلم؛ و مع هذا الحال لا يمرّ عام حتى تصرخ هذه البنت لا أريد هذا المهر إنّني أتنازل عن كلّ ما أملك من أثاث و غيره لكي أحرر نفسي؛ و عليه، فالمهر الضخم لا يمكن أن يوجد عامل ارتباط و مودّة في الزوج.

أجل، أقول لكم: إنّي في المقابل أرفض بعض الأعمال الثورية المتطرّفة كأن يتم الزواج دون مهر، فهذا أيضا ليس صحيحا، أو أن يكون المهر نسخة من القرآن الكريم أو خمس سبائك من «مسكوكة الحريّة» و لا أن


1) جامع أحاديث الشيعة ج 20 ص 101 و راجع ايضا المحجة البيضاء ج 3 ص 90.

يكون مليونا و أكثر فهذا إفراط، كلا فلا إفراط و لا تفريط: - «لا يرى الجاهل إلاّ مفرطا أو مفرّطا»(1).

إذن فكيف يكون العمل الصحيح؟! الجواب هو وفق الحد الوسط؛ فتجب مراعاة وضع الشاب و الفتاة، و معرفة ما الذي يناسب شأنها و ما يناسب إمكانية الشاب.

و كثيرا ما يحدث أن توجّه ضربة للمودّة المتقابلة في نفس ليلة التحدّث حول موضوع المهر و مراسم الخطبة و الزواج بين أسرتي الشابّ و الفتاة؛ و كأن الحديث عن شراء منزل فيسأل هذا: - بكم؟!.

فيقول: - مليون فيطلب الطرف الأول تقليل السعر.

و هكذا يتقابل اثنان من هذا الطرف و اثنان من الطرف الآخر في عملية «مماكسة» حتى يستقر الأمر على مبلغ معين لشراء البيت! و نفس الأمر يجري في الخطبة.

و قد يجرّ النقاش إلى تبادل الكلمات الجارحة و التخاصم و التهاجر، و بذلك توجه الضربة للمودّة منذ البدء، و المودّة مثل الزجاجة يصعب إصلاحها إذا انكسرت؛ و تبقى أمّ الزوج تكره زوجة ولدها إلى آخر العمر.

و في المقابل تبقى والدة الزوجة تكره زوج ابنتها إلى النهاية و ما أتعس الزواج الذي يقع فيه نزاع.

4 - الولائم الضخمة:

و العقبة الرابعة هي الوليمة، فقد ندب الإسلام إليها، لكن ما الوليمة التي ندب إليها الإسلام؟

إنما هي التي أقامها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في زواج الزهراء


1) نهج البلاغة: الحكمة رقم 67.

(عليها السلام) فقد ذبح كبشا و دعا فقراء المدينة الذين قلّما أكلوا لحما، فأطعمهم منه، ثم أمر بتوزيع ما بقي منه على الفقراء الذين لم يستطيعوا أو لم يرغبوا (استحوا) في المجيء، و بعدها حملوا العروس إلى منزل زوجها، و لكن هل في الولائم التي تقام حاليا غير المشاكل و الأذى لوالد العروس؟!.

نرى والدا لا يزوج ابنته، و عندما نفتح قلبه و نستمع لقوله نرى أن سرّ ذلك يكمن في عدم قدرته على إقامة الوليمة (بالصورة المتعارفة، و لذلك يتذرّع بحجج أخرى، فيتجاوز عمر ابنته العشرين و الخمسة و العشرين عاما و هي في بيت أبيها بسبب ذلك.

فمثل هذه الولائم انحراف و بؤس و أقول لكم أنه ليس فها و لا ذرة من ثواب، فالوليمة تقام لمباركة الزواج و التي نقيمها الآن لا تبارك في الزواج بل على العكس تسلبه البركة.

و من الممارسات المنحرفة أيضا هي قضية الإطعام الذي يقدم في المآتم، فنرى أحيانا شخصا توفيّ والده لكنّه يشغل بمصيبة الإطعام الذي يجب أن يقدّمه، و يذهل عن مصيبته بوالده ليلا و نهارا للمعزّين، فنرى أحيانا أن ابن المتوفّى قد يصرف مئتي ألف أو ثلاث مئة ألف تومان (العملة الإيرانية) من أجل إقامة مراسم العزاء.

و قد يبيع داره بسبب ذلك في حين أنّ الإسلام يأمرنا بعدم السماح لأسرة المتوفّى بطبخ الطعام لمدة ثلاثة أيا و بإعداد الطعام لهم و عدم تركهم يبقون في منازلهم، و نهى عن الذهاب إلى بيتهم لأكل الطعام فهذا أمر مكوه، حتّى شرب الشاي مكروه في منزلهم أيضا.

قبل أيام جاءني شابّ، و ذكر أنّ أباه قد توفّي و اقترض سبعين ألف تومان من أجل إقامة مراسم العزاء على الرغم من أنّه اقتصد كثيرا في المصارف، فالفرد يتوفّى والده، فتكون مصيبته الأولى هي إطعام المعزّين ليلا و نهارا -

حتى يتمّ الأسبوع و هو نفسه جاهل إذ يقولون له لا يحتاج الأمر إلى القيام بالإطعام على مدى أسبوع، فيرد بأنّهم لم يدفنوا «بنجرا»!!.

فأي جواب هذا؟!.

إنّ والدك المسكين يتأذّى و هو في قبره من وقوعك تحت ضغط الاقتراض و منك لتصديقك بهذه الخرافات و من الذين يأتون يأكلون الطعام و يتأذّون لأذى أسرته!!.

إذا أردت حقّا أن تقيم وليمة، فليكن اهتمامك بالفقراء و «الأغنياء من التعفّف» ينقل أنّ امرأة كانت تعدّ كلّ سبوع مقدارا من الحلوى و تعطيه لولدها لكي يذهب به إلى قبر والده، فيأكل كلّ واحد من المارّة منها شيئا، و استمرّت على هذا الحال فترة. و مرة كان ابنها جائعا، و قد اشتهى الحلوى عندما أعطته طبقها كالمعتاد فلم يذهب بها إلى المقبرة، بل إلى خلوة أكل فيها الحلوى كاملة.

و في الليل رأت المرأة في عالم الرؤيا زوجها و هو في غاية السرور، و قال لها: - لم يصلني شيء من الحلوى التي كنت تقدّمينها على مدى عام كامل، و لكن البارحة وصلتني، و كانت لذيذة للغاية.

فعلينا أن نفكّر بأيتام المتفوّى و أسرته و لو كنّا متمكّنين ماليّا و نريد تقديم شيء فلنقدمه للفقراء و الضعفاء و المساكين، و ليس للقادرين على تهيئة الطعام المناسب، بل ليس صحيحا أن نزاحم هؤلاء و ندعوهم للوليمة، و نقترض من أجل إعدادها من هنا و هناك لهذه المادّة الغذائية و تلك، فنقع تحت ضغط الديون، حتى نموت نحن أنفسنا غمّا.

إنّ طريقة إقامتنا لولائم الزواج و الإطعام في المآتم غير صحيحة، فيجب الكفّ عن هذه الخرافات التي لا يرضاها لنا اللّه و لا رسوله و لا الأئمة الأطهار (عليهم السلام) و لا إمام العصربقيّة اللّه عجل اللّه تعالى فرجه الشريف.

المحاضرة الخامسة:

الفصل الثاني

اشارة

5 - ضخامة الجهاز التأثيثي

6 - المسكن

7 - التفاخر

•

البخل

•

الخلاصة

5 - ضخامة الجهاز التأثيثي:

الخرافة (العقبة) الخامسة الموجودة خاصة في الزواج المتعارف في عصرنا الحاضر هي ضخامة الجهاز التأثيثي الناشئة من التفاخر، و هذه الحالة التّرفيّة مخالفة للشرع.

فتاة يبلغ عمرها الثلاثين عاما دون أن تستطيع أن تزوّج، لأنها لا تستطيع تهيئة الجهاز التأثيثي الذي هيئته بنت الجيران!!(1).

والد يرى ابنته قد كبرت و الخاطبون يأتون واحدا بعد الآخر، و هو يتعذّر رافضا بكونه يعلم أنه لووافق، لوجب عليه عرفا أن يهّيىء الجهاز التأثيثي بمستواه المتعارف الآن بحدّه الأدنى فضلا عن المقدار الضخم القاصم للظهر!!.

الجهاز التأثيثي هنا أمر واجب، و لكن بأي شكل؟!.

الجواب هو الجهاز الذي على نمط ما أعطاه الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله) للزهراء البتول (عليها السلام) و هذا يجب على الشخص تهيئته، فإن لم يستطع وجبت تهيئته على الحاكم الإسلامي، فإن لم يستطع وجب على


1) من المتعارف في إيران و عدد من البلدان الأخرى أن تقوم عائلة الفتاة بتهيئة الجزء الأكبر من وسائل بيت الزوجية.

الناس كافة، لأنّه من ضرورات المعيشة.

عندما تقرر تزويج الزهراء (سلام اللّه عليها) أرسل والدها (صلوات اللّه عليه) رجلين و امرأة إلى السوق لإعداد الجهاز التأثيثي فاشتروا سبع عشرة مادّة بلغت قيمتها ثلاثة و ستّين درهما و هو العملة المتداولة في ذلك الزمان، و شملت خمارا واحدا و ليس عدة عباءات من التي نجهز بها نحن من الأقمشة الغالية التي تسيء لشخصية المرأة، حيث يجسد تقاطيع بدنها، بل كان خمارا عاديا مثل «المقنعة»، و قميصا (ثوبا) و هبته الزهراء لفقير، و ذهبت بنفس القميص القديم الذي كانت ترتديه في النهار إلى بيت زوجها و عندما سألها أبوهافي صبح عرسهاعن القميص، أخبرته أنها أنفقته في سبيل اللّه، فسألها عن سرّ عدم تصدّقها بالقميص القديم، أشارت إلى قوله تعالى -:

قل لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبّون (1).

و اشتمل جهازها على جلد كبش للجلوس عليه و فراشين حشو أحدهما ليف و سقاء طينيّ للماء وقعب طينيّ للّبن.

و عندما نظر (صلّى اللّه عليه و آله) لهذا الجهاز انهمرت من عينه دموع الشوق و طلب من الجميع و لا سيّما السيدات أن يتأمّلن في أمر هذا الجهاز، الذي دعا الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) و بعد أن رآه اللّه عزّ و جلّ - أن يبارك به فأغلبه من الطين و كان بمقدار المعيشة الضرورية للسيدة الزهراء (عليها السلام)(2).


1) الحادثة تجدها في كتاب رياحين الشريعة ج 1 ص 106 باختلاف يسير و الآية الكريمة هي من سورة آل عمران/ 92.

2) كتاب العوالم ج 6 الخاص بالزهراء ص 174 و فيه: «فلما نظر إليه (الجهاز) بكى وجرت دموعه ثم رفع رأسه إلى السماء و قال: «اللهم بارك لقوم جلّ آنيتهم الخزف» و حديث التزويج طويل ينقله البحراني في العوالم نقلا عن «كشف الغمّة» ح 1 ص 370 و هو مروي في البحارأيضا ج 43 ص 134.

إذن فالجهاز ضروريّ، و لكن بمقدار الضرورة، فكيف نتعامل مع هذه الخرافات و هذا التفاخر الذي يجعل والدة العروس تشعر و كأنّها في الليلة الأولى من إدخالها القبر إذا لم يكن الجهاز ضخما متكاملا فهي تفكّر بالضجيج الذي يستثيره أمّ الزوج.

و قد يصل الحال مع الأسف إلى حدّ القيام بتصرّفات مخجلة، كأن تتمّ إعادة الجهاز و عدم قبوله، و بذلك يتّضح أنّ هذه العقبة الخرافية تمنع ذهاب العروس إلى بيت زوجها وتعيق الزواج.

أيها السيد المتحضّر الثري إذا أردت تقديم هذا الجهاز فافعل و لكن لا تصر على هذه الخرافات و البدع، فقبلا لم يكن متعارفا تقديم مجمّدة و «موبليا» فجاء ثريّ أحمق، و ابتدع تقديم ذلك ضمن الجهاز، و تلاه أحمق آخر فأضاف سجّادات ثمينة إليه، و هكذا.

فتعالوا للقيام في سبيل اللّه و كحدّ أدنى بما من شأنه أن يحدّ من اتّساع هذه النار المحرقة و من ترويج هذه البدعة.

أنا لا أقول: - لا تقدّم شيئا لابنتك، فإن كنت ثريا، فسجّل باسمها - إن شئت ملك بيتعندما تذهب إلى بيت زوجها، و لكن دون أن يعرف أحد أعطها كلّ ما تملك.

و لكن لا تفعل ذلك (بحيث يتحوّل الأمر إلى عرف) فلا يتطيع الفقير القيام به، فتبقى ابنته في بيته، فهذه عقبة خرافية مخالفة للشرع، و لن يباركها اللّه.

فهل تتصوّرون أنّ اللّه يبارك مثل هذا الزواج و مثل هذا الجهاز؟.

لا فعادة لا يكون فيها خير و بركة خاصة إذاكانت العروس بخيلة، فتمنع زوجها من التصرّف أصلا في جهازها و أثاثها، حتى ثلاجتها.

و إذا فعل. ارتفع صراخها و كأن جهازها يجب أن يصير تحفة أثرية تبقى

قرنا و قرنين!!.

و على الزوج أن يستعمل الأوعية القديمة!!.

6 - المسكن: -

و هو يشكل العقبة الخرافية (المبتدعة) السادسة و قد وصل وضعنا العملي درجة أصبح معها حتى القرويّون يرفضون الحياة المشتركة، بمعنى أنّ والدة الزوج ترفض العيش مع العروس، و هذه ترفض العيش مع أمّ زوجها، و تطلب بيتا مستقلا، و لو مستأجرا.

و هذه من المشاكل الكبيرة المانعة لزواج الشباب، فمرتب الشابّ لا يكفي للمصارف اليومية فكيف يمكنه دفع إيجار المنزل و العروس ترفض الزواج إلاّ في منزل مستقلّ، و أصبح الحال أنّ السؤال الأول الذي يوجّه للخاطب حول امتلاكه لمنزل مستقل، فلا يسألون عن تديّنه و أخلاقه على الرغم من أن امتلاكه الدار و فقدانه للدّين و الأخلاق يجعل داره سجنا لزوجته، أي: كأنّهم أول ما يسألون عنه هو: - هل لديك سجن؟.

في السابق لم تكن هذه المشكلة الصعبة مطروحة؛ فكان الأب و الأم مع أبنائهم الأربعة المتزوّجين في دار واحدة ذات خمس غرف يسكن الأب و زوجته في غرفة و كلّ واحد من الأبناء مع زوجته في غرفة و الجميع يعيشون في رفاهية و هناء.

أمّا الآن، فقد أصبح أمر المسكن مشكلة صعبة، لأنّ الناس أصبحوا ميالين للدعة و الراحة، و هذه هي إحدى مشاكل إيران.

ينقل أحد كبار علماء إصفهان: «جاءني شابّ و قال لي: إنّ أمّه و أباه يرفضان تزويجه و هما يكنّان الاحترام لي و طلب أن أزورهما و أتحدّث معهما لكي يزوّجاه، فذهبت صباح أحد الأيام إلى منزلهم فعبّرا عن بالغ الاحترام لي و هما في عجب من زيارتي لهما.

و بعد تناول طعام الإفطار ألقيت محاضرة كاملة استمرّت ساعة على الوالدة و قلت و قلت عن أهميّة الزواج.

و إذ انتهيت أجابتني بكلمة واحدة فقط، هي: - مولانا إنّني مادمت على قيد الحياة، فلا يمكن إدخال كنّة (زوجة ابن) إلى بيتي!!.

و عندهايضيف هذا العالم خاطبت الشابّ قائلا: - إذن فادع للوالدة بالموت!!».

أجل لقد وصل الحال درجة رفض الوالدة قبول عروس ابنها، و هكذا حال العروس على الطرف الآخر.

و إحدى المشاكل الأخرى هي قضية «إكمال الدراسة» للشاب و الشابّة، و لا سيّما للشابّ:

الشاعر الفردوسي في القصّة التي كتبها يذكر أنّ رستم بطل القصة الأسطوري لم يصل إلى هدفه إلاّ بعد أن تجاوز العقبات السّبع حيث قتل العفريت الأول، ثم الثاني، ثم الثالث.

و لكن إذ تجاوز الشاب اليوم العقبات السبع التي ذكرتها واحدة بعد الأخرى و جاءت عروسه إلى بيت الزوجية فهل تنتهي مشاكله؟! كلا.

7 - التفاخر!!

يبدأ أولا قتال فردي و نزاع بين الزوج و الزوجة، و هو نزاع تسبّبه المعيشة التفاخريّة التي تولّد بطبيعتها النزاع و لو درسنا الاختلافات التي تقع بين الأزواج و الزوجات لوجدنا أن (80) منها ترجع إلى ذاك الطراز التفاخري و الحالة الترفية في المعيشة، فمثلا عندما تأتي الفتاة إلى بيت زوجها تلبس بدلة، ثم ثانية، ثم تطلب بدلة ثالثة، أي: أنّها ترفض ارتداء نفس البدلة في أكثر من محفل واحد، و لأنّ الزوج لا يستطيع الاستجابة لذلك، يبدأ النزاع من هنا.

فارزوج يقول: كان المفروض أن يعطيك أبوك ذلك، فتردّ عليه: لا لقد أدّى أبي ما عليه، و الآن عليك أنت أن تدفع، فتبدأ من الشهر الأول طلبات الألبسة و طلبات الحلي الذهبية منذ العام الأول، فيقع الاختلاف، و يصل الأمر شيئا فشيئا إلى أن تطلب منه مهرها لكي تشتري ألبسة و ذهبا، و تقول له: إنّ مهري هو حقي، و يجب أن تعطيني إيّاه، لكي أعيش حياة مترفة!!.

و لا تتصورا أن الأمر ينتهي حتى إذا حصلت على ما تريد و تجاوزت «العقبات السبع».

لا، فإذا كان «رستم» قد وصل بعد أن عبرها إلى مقصوده، فنحن إنّما نصل إلى بداية الاختلاف و معاناة «ماذا أفعل»؟.

نعم لقد وصل الحال بنا إلى حيث أن الرجل عندما يتزوّج يرى أنه قد سقط في فخّ كبير و نفس الشيء تقوله المرأة!!.

إن ما تحدّثنا عنه أمس و اليوم هي أمراض اجتماعية و غدد متعفّنة تشكّل سرطانا يدمّر المجتمع.

أمّا علاجها، فهو يسير، إنّه آية قرآنية لو عمل بها مجتمع المسلمين، لزالت كلّ هذه الأمراض و العقبات، و لزال هذا النزاع الفردي مع العقبات الخرافية الستّ الأولى التي ذكرتها، و لانتهت مشكلة الأميّة، و هي مشكلة أساسية؛ يقول القرآن الكريم في وصف المؤمنين: و عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * و الذين يبيتون لربّهم سجّدا و قياما و الذين يقولون: ربّنا اصرف عنّا عذاب جهنّم إنّ عذابها كان غراما إنّها ساءت مستقرّا و مقاما * و الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا و كان بين ذلك قواما(1).


1) سورة الفرقان/ 63-67.

فالمؤمن لا يسرف في إنفاقه، و لا يدخل في (مسابقة) التفاخر بالإنفاق، فمعيشته ليس فيها تجمّل ترفي، لكنه في نفس الوقت ليس بخيلا بل يلتزم الاعتدال: - و كان بين ذلك قواما.

فلو اجتنب الإنسان فكرة المعيشة المترفة و التفاخر بها، و عاش ببساطة لزالت العقبات الخرافية و لاستطاع الشابّ التزوّج و مواصلة دراسته الجامعية في نفس الوقت.

و ما تراه من عدم قدرة الشابّ حاليا على الجمع بين ذلك ناشىء من كون المجتمع قد تم تقيّيده بتلك العقبات الخرافيّة و بحياة التفاخر بالترف التي يعتبرها القرآن إفراطا.

و إلاّ لاستطاع مواصلة دراسته الجامعيّة بصورة جّيدة و إدارة مصارفه الزوجيّة بصورة جيّدة أيضا.

* البخل:

الإسلام نهى الإنسان عن البخل في الإنفاق، و ذمّ البخيل بشدّة، قال تعالى: و لا يحسبنّ الذين يبخلون بما آتاهم اللّه من فضله هو خيرا لهم بل هو شرّ لهم سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة و للّه ميراث السّموات و الأرض و اللّه بما تعملون خبير(1).

و عليه، فلا يتصورالذين لا ينفقون أموالهم في التوسعة على عيالهم و جعلهم في رفاهية أنّ ما يقومون به هو عمل جيّد، بل على العكس، فالقرآن يحذّرهم من أنّ أموالهم ستتحول يوم القيامة إلى طوق من نار يحيط بأعناقهم، و يدخلون المحشر بهذه العلامة الفاضحة.

فالقرآن يعتبر البخل عملا سيّئا، و ينهى المستطيع عن التضييق على


1) سورة آل عمران/ 180.

زوجته و أطافله في الإنفاق، و ينهى عن أن يلهج لسان الإنسان بكلمة (لا أملك) يصفع بها زوجته أو أطفاله كلّما طلبوا منه شيئا، حتى إنّه لو سألوه هل لديك إيمان لأجاب: «لا أملك» التي اعتادها لسانه!!.

و لو لم تكن لديناآية أو حديث شريف ينهى عن البخل غير هذه الآية الكريمة، لكفتنا في أن نجتهد لاجتناب البخل في حياتنافي البيت و مع المجتمع و أن نهتمّ بالإحسان للآخرين، فعار علينا عظيم أن نرد المحشر يوم القيامة مطوّقين بطوق من نار مشكلته أموالنا.

و مثلما أنّ البخل انحراف، كذلك حال الإسراف أي: الحياة المترفة و التفاخر بها و بالمظاهر، فالقرآن يعتبر ذلك سببا لفساد المجتمع و دماره: يقول - تعالى - و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمّرناها تدميرا(1).

و لا تتوهّموا أنّ دمار المجتمع المترف يكون بزلزال مدمّر، بل إنّ هذه الحياة التّرفيّة الزاهية بالمظاهر التي انجرّ لهاعالم اليوم بهذا التفاخر بالمظاهر، هي أشدّ تدميرا من أخطر زلزال وأصعب من كل مشكلة؛ فأقسم عليكم باللّه أن تتفكّروا في: - أيّ من تلك العقبات الخرافية التي تحدّثنا عنها أقل تدميرا من الزلازل و صواريخ صدّام.

يشير القرآن الكريم إلى أنّ التفاخر بالمعيشة المترفة يقود الإنسان إلى السقوط في كبائر الذنوب، يقول تعالى: و أصحاب الشمال ما أصحاب الشمال * في سموم و حميم * و ظلّ من يحموم * لا بارد و لا كريم * إنّهم كانوا قبل ذلك مترفين * و كانوا يصرّون على الحنث العظيم(2).

فالآيات الكريمة تشير إلى أنّ إتراف المترفين يدفعهم إلى الوقوع في


1) سورة الإسراء/ 16.

2) سورة الواقعة/ 41-46.

الذنب العظيم، كما أنّ القرآن يؤكد أنّ المترفين هم الذين يعرقلون حركة الأنبياء، لأنّهم يرون في الأهداف النبوية تهديدا لترفهم يقول تعالى: و ما أرسلنا في قرية من نذير إلاّ قال مترفوها إنّا بما أرسلتم به كافرون(1).

فلو لم يكن هناك تحذير من الحياة الترفية التفاخريّة و الإسراف و التبذير سوى هذه الآية الكريمة لكفت في دفعنا لاجتناب الإسراف و التبذير و التفاخر في حياتنا.

ينقل في كتاب «معراج السعادة» أنّ رجلا بلغ به البخل أنّه وضع مقدارا من اللبن المخمّر في زجاجة كان يضعها وسط السفرة، و يقول لعياله: امسحوا الخبز بالزّجاجة، و كلوا خبزا و لبنا. و ذهب يوما في سفر، فوضع الزجاجة في مكان و أقفله، و عندما رأى الأطفال أن أباهم تأخّر أخذوا بمسح الخبز بالقفل، و شرعوا بأكله، فدخل عليهم أبوهم و شاهدهم يفعلون ذلك فضربهم، و نهرهم قائلا: - ألم تستطيعوا أكل الخبز وحده و لا ليوم واحد!!.

أجل هذا ما يوصل له البخل و البخيل حقير جدا حيث يحرم نفسه حتى النوم و الراحة.

إذن ما هو حدّ المعيشة المريحة؟!.

الجواب هو أنها التي يستطيع فيها الإنسان الحصول على حاجته من الطعام و المسكن و الملبس و بالمقدار الكافي.

يروى أنّ الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) كان يسير مع أصحابه، فالتقوا براع و طلبوا منه شيئا من اللبن، فأبى، فدعا له الرسول ربّه أن يرزقه ما لا يستطيع عدّه من الأموال!!.


1) سورة سبأ/ 34.

ثمّ ساروا حتى التقوا راعيا آخر، فطلبوا منه شيئا من اللبن، فأعطاهم ما أرادوا بكثير من التوقير و التكريم، فدعا رسول اللّه له بالكفاف!!

فتعجّب الأصحاب، و استفسروا منه (صلّى اللّه عليه و آله) عن سرّ الدّعاء للأوّل بأفضل ممّا دعا به للثاني فأوضح لهم الرسول أنّ الدّعاء الأوّل كان طلبا بإنزال المشقّة لا أكثر!!(1).

فالذي يجعل الحياة مريحة للإنسان هي المعيشة البسيطة المرفّهة الخالية من الغلّ (القيود) و الغشّ و المشاكل.

و هذه المعيشة لا تضعف أعصاب الزوجة و الزوج و هي الحياة المرفّهة بالإنفاق، و ليست الحياة الترّفيّة التي تدقّ أعناق الرجال، و تسترقهم كما يبيّن أمير المؤمنين (عليه السلام).

* خلاصة البحث:

و خلاصة كلامنا هي أن الواجب علينا القيام بثورة و إيجاد تحوّل في حياتنا، و القيام بإعادة إعمار البناء الأخلاقي.

و من هنا تبدأ الخطوة الأولى أي: من موضوع الزواج، فعلينا أن نسحق تلك العقبات الخرافيّة الواحدة بعد الأخرى، لتكون حياتنا كريمة، و ليست مترفة.

فالمسلم (الحقيقي) يسعده أن يجعل أربعة أو خمسة أو ستة أشخاص أصحاب مسكن فيوفر بذلك بقمدار سعته معيشة متوسّطة للآخرين إضافة إليه نفسه.

أيّها السيّد و أيّتها السيّدة، إنّ لنا احتياجات معنوية روحيّة مثلما لنا احتياجات مادّية.


1) راجع سفينة البحار ج 2 ص 485.

فمن الجهة المادية يجب علينا توفير احتياجاتنا البدنيّة، فيجب أن تكون لنا حياة مرفّهة، و لكنّ الأهم و الأسمى توفير احتياجاتنا الروحية، و هذا ما لا يتحقّق بامتلاك طعام جيّد و مسكن جيّد و زوج أو زوجة جيّدة، بل احتياجاتنا الروحية يتم توفيرها مثلا بقيامنا بنصرة مظلوم أو معونة فقير أو القيام بتزويج فتاة أو شابّ مرة واحدة في الأقلّ في كلّ عام مثلما كان يفعل أمير المؤمنين و الزهراء (عليهما السلام) الزهراء المرضية كانت عباءتها مرقّعة لكنها وهبت الكثير من العباءات للآخرين، و المولى أمير المؤمنين كان ملبسه مرقعا، لكنّه كان ينفق الكثير من الملابس للآخرين و كان ينفق على تزويج الكثيرين من الفتيات و الفتيان.

و الزهراء كانت تملك «فدكا» و قميصها كان من قماش «الكرباس» و عباءتها مرقّعة!!.

زار أحد التجّار و زوجته المرحوم آية اللّه الصدر(1)فذهبت زوجته إلى القسمس الداخلي من بيت المرحوم الصدر، فيما ذهب هو إلى القسم الخارجيّ حيث كان محل عمل المرحوم الصدر؛ عندما طرقت زوجته الباب فتحته لها السيّدة زوجة الصّدر، فرأت ملابسها رخيصة جدّا، فتصوّرت أنّها خادمة في المنزل، فسألتها: أين سيدتك فإني أريدها هي؟!.

فخجلت زوجته أن تقول: إنّ هي سيّدة الدار، فقالت لها: إنّها غير موجودة!!

و عندما جاء المرحوم الصدررضوان اللّه عليه إلى منزله لا حظ الأذى باديا بشدّة على زوجته، فسألها عن ذلك، فأجابته أن زوجة التاجر توهّهمتها خادمة، فسألتها عن سيّدة الدار، فردّت بأنها ليست موجودة.


1) أحد كبار علماء قم و مراجعها عند ورود آية اللّه البروجردي إليها.

فقال المرحوم كلمة سامية للغاية هي كلمة مرجع للتقليد، قال لها:

• صدقت لأنّك لست سيّدة، فالسيّدة هي تلك التي كانت في عباءتها رقعتان و «فدكها» كانت للفقراء و الضعفاء و المساكين.

و ما أبلغ ما قال!.

إنّ الرجل (الحق) ليس الذي تكون له حياة التفاخر بالمظاهر المترفة، بل الذي يعين مسكينا عفيفا فيؤدّي عنه دينه.

و إن السيدة ليست تلك التي ترتدي لكل مجلس بدلة خاصّة تبدلها في المجلس الآخر و هكذا، و ليست التي ترتدي «ملاءة الشيرمن»(1)(المجسّد لتقاطيع بدنها)، فهذا يسيء إلى شخصيتها إساءة توجّهها بنفسها؛ إذن فمن هي «السيدة»؟!.

إنّها تلك التي تستبدل «ملاءة الشيرمن» بأربع أو خمس أو ستّ من النوع الذي يكون حجابا حقيقيا) و تأخذ واحدة لها و توزّع البقية بين المسكينات اللآتي ما زلن في المنزل، و لا يمتلكن ملاءة، ليذهبن إلى منزل الزوجيّة.

إنّني أدعوكم للتفكير قليلا في هذا الموضوع، سعيا لرضاء اللّه و صالح أطفالكم و لأجل أن تكون عاقبتكم حسنى، و لأجل إسلامكم و رضا إمام زمانكم - عجل اللّه تعالى فرجه -.

لا تقل إنّ مستوى هذا البحث هابط، بل عال جدّا و لكن ماذا أفعل:

إذا كان السمع سمعك و النحيب نحيبي فبديهي أن الشكوى لن يسمعها أحد(2)


1) الشادور اسم إيراني يطلق على لباس تتحجب به النسوة يشبه العباءة بعض الشيء، و ال «شيرمن» نوع من القماش الغالي يستخدمه الأغنياء لصنع الشادور.

2) ترجمة نثرية لبيت شعر بالفارسية.

اللهم... إنا نسألك بحق «باب الحوائج»(1)بحق الذي آثر غاية الإيثار، بحقّ الذي امتنع (و هو ظامىء) عن شرب الماء ذاكرا لعطش عيال أبي عبد اللّه الحسين؛ نسألك بحقّه أن تتلطّف علينا جميعا بنعمة امتلاك صفة التضحية و الفداء و الإيثار.


1) يطلق هذا الوصف على عدد من عظماء أهل البيت و المقصود هنا هو أبي الفضل العباس بن أمير المؤمنين (عليهما السلام).

المحاضرة السادسة:

الفصل الثالث

اشارة

•

قدسية البيت

•

الخدمة في المنزل

•

تأثير المال الحرام

* قدسية البيت:

بحثنا هو عن أخلاق الأسرة و الفصل الثالث منه يدور حول قدسية البيت، فالقرآن و روايات أهل البيت (عليهم السلام) تفيد أنّ البيت الذي تحكم فيه المودّة و روح الخدمة المتقابلة و تعطّره الصلاة و الصيام و ذكر اللّه و تلاوة القرآن و الدعاء و المناجاة و التضرع للّه، هو بيت معظّم عند اللّه.

و قد أراد ربّ العالمين أن ترفع مثل هذه البيوت و تكون معظّمة و مباركة تشع بالنور لأهل السماء مثلما تشع نجوم السماء بالنور لنا.

و على العكس نفهم من القرآن و روايات أهل البيت أنّ البيوت التي تسود فيها العداوة و انعدام الانسجام، و تخلو من الصلاة و تلاوة القرآن و الدعاء و ترتكب فيها الذنوب هي بيوت مظلمة غير مباركة، و تتردّد عليها لاشياطين، و تبغضها الملائكة؛ يقول تعالى - في بيوت أذن اللّه أن ترفع و يذكر فيها اسمه(1).

إذن فالقرآن يؤكّد أنّ البيوت التي أراد اللّه تعظيمهاو رفعها معنوياهي التي يذكر فيها اللّه و يسبّح و يقيم فيها الذاكرون للّه و المقيمون للصلاة و المؤتون للزكاة، فهي معظّمة عند اللّه أهل عالم الملكوت و الملائكة، فهي


1) سورة النور/ 36.

الخالية من المعاصي، لأنّ سكنتها يخافون اللّه.

و لهذه الآية الكريمة ظاهر معناه كما قدّمت هو أنّ رب العالمين يؤكد أنّ هذه البيوت مقدّسة مثلما هو حال المسجد و المدرسة. و سرّ تقديسها هو أنّ أهلها مقدسون و فيها ذكر اللّه و إقامة الصلاة و الصيام، و لكونها تخلو من المعاصي و الاختلاف و النزاع و التكتلات المتباغضة.

هذا ظاهر الآية، و لها تأويل ورد عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) هو أن مقصودها أفراد مقدّسون. فالإمام الصادق (عليه السلام) يوضح أنّ معنى «البيوت» هنا، ليست تلك المبنية بالحجارة و الطين بل معناها الأبدان المقدسة للمؤمنين الكاملين كالرسول الأكرم و الأئمة الطاهرين (عليهم السلام).

دخل قتادة في محضر الطمام الباقر (عليه السلام) فأخذته هيبة الإمام، فأخبر الإمام أنه (قتادة) قد اتقى كثيرا من العلماء و حادثهم لكنه لم يصب بالاضطراب الذي أصابه في محضر الإمام، فعرفه الإمام بطبيعة المحضر قائلا: - «أنت بين يدي بيوت أذن اللّه أن ترفع و يذكر فيها اسمه يسبّح له فيها بالغدوّ و الآصال رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكره اللّه»(1).

و هذا المعنى الثاني هو تأويل أي: المعنى الذي لا نعرفه نحن بل يوضحه لنا الأئمة الأطهار (عليهم السلام) و هم مفسرو القرآن؛ فللقرآن ظاهر هو حجّة على الجميع و له باطن ينتفع و يستفيد منه كل شخص بحسب سعته و قابليته.

و ملخص الكلام هنا هو أن الآية الكريمة؛ تبيّن أنّ البيت الذي يخلو من النزاع و تسود فيه الخدمة المتبادلة، فالزوجة تخدم فيه لأن زوجها مسلم، و ينبغي أن يكون في رفاهية و الرجل يخدم زوجته و أطفاله لأنهم مسلمون و ينبغي أن يكونوا في رفاهية و راحة.


1) الحادثة مروية في الكافي (الفروع) ج 6 ص 256 و كذلك في بحار الأنوار ج 64 ص 357.

هذا البيت مقدّس عند الملائكة، و هو نموذج البيوت التي يرضاها اللّه، و لذلك كانت مقدسة في الإسلام و في عالم الملكوت على النقيض من البيوت التي يسودها الاختلاف و عدم الانسجام بين الزوج و الزوجة و صدور الكلمات الجارحة منهما.

فهذه بيوت تحكم الآية الكريمة بعدم قدسيتها و تؤكد روايات أهل البيت أنها غير مباركة، و أنها بيوت الشياطين الذين يتردّدون عليها، فأصحابها لا يقيمون الصلاة، و يهجرون القرآن و الدعاء و المناجاة و لا يخشون اللّه و القيامة و ترتكب فيها المعاصي لذلك يسود فيها الاضطراب و الهلع و يتردد عليها الشياطين و ليس الملائكة، فهي مظلمة كما تؤكد ذلك الآيات و الروايات الشريفة.

ينقل المرحوم الكليني في كتاب الكافي باب فضل القرآن عدة أحاديث بهذا الخصوص عن النبي الأكرم و الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) منها ما رواه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: -

«إنّ البيت الذي يقرأ فيه القرآن و يذكر اللّه عزّ و جلّفيه تكثر بركته، و تحضره الملائكة، و تهجره الشياطين، و يضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض، و إنّ البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن، و لا يذكر اللّه - عزّ و جلّفيه تقلّ بركته و تهجره الملائكة، و تحضره الشياطين».

فالبيت الذي يتلى فيه القرآن، و يحل ذكر اللّه محل المعصية فيه هو بيت مبارك يربّي الإنسان الصالح، و يكون المال فيه مباركا، و تحضره الملائكة و تهجره الشياطين لأنّها لا تستطيع الحضور فيه.

أما البيت الذي يكون أهله غافلين عن اللّه، و تقع فيه المعاصي، فالشياطين حاضرون فيه، و الملائكة هاجرون له، فهو عديم البركة، و الأطفال الذين يكبرون فيه غير مباركين، و من الصعب جدا أنّ ينالوا السعادة و هذه الحقيقة تؤكدها علوم التربية، فالبيت الذي يسود فيه النزاع لا يمكن أن يوفّر

سوى الهلع و الاضطراب و القلق لصاحبه و البؤس و الأسر لأطفاله، فهو عديم البركة.

إنّ البيت الذي تقع فيه المعاصي و النزاع يقتل القابليات و النشاط في الطفل، و يجعله خاملا و نفس الشيء يفعله مع الوالدين.

فهذه الروايات تقول لنا: - إذا أردت أن يكون بيتك مقدسا، فاجتهد، لتكون الصلاة و الصوم و ذكر اللّه و الدعاء و القرآن حيّة فيه.

و إذا أردت أن يكون مباركا تشمل البركة مالك و أولادك وحياتك و عمرك، فاحذر أن يكون محلاّ للمعصية، فالروايات الشريفة تؤكد أن المعصية تفقده البركة و تحجزها عن العمر الذي يقضى فيه و عن المال الذي يصرف فيه و عن الأطفال الذين يكبرون فيه، و تحضره الشياطين و تهجره الملائكة.

و في الحديث المتقدّم هناك عبارة يجدر بنا جميعا الاهتمام بها و هي قوله (عليه السلام): «و يضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض».

فالملائكة تنتفع و تأنس بضياء البيوت الخالية من المعصية العامرة بالصلاة و الصيام و الدعاء و القرآن.

و هناك رواية مشهورة تقول: - «لا تدخل الملائكة في بيت فيه الكلب»(1).

و لها ثلاثة معان:

الأول: هو الظاهر أي: أنّ المقصود هو البيت الذي يكون فيه من يلعب بالكلب و يحتفظ به لذلك، و ليس للحراسة، كما يفعل الغربيّون و المتغرّبون، و هم يحشرون يوم القيامة مع يزيد الذي كان يلعب بالكلاب


1) سفينة البحار ج 2 3 486.

و القردة، و عليه يكون المقصود أنّ البيت الذي فيه كلاب اللعب لا تدخله الملائكة، و واضح أنّ هذا هو المعنى الظاهر للحديث.

و هناك معنى آخر يقدّمه «أهل القلب»، و هو أنّ المقصود من البيت قلب الإنسان، أي: أنّ البيت الذي تسود فيه الصفات الرذيلة لا يشع فيه نور اللّه، و لا يدخله إلهام الملائكة، فإنّ لهم إلهاما، لكنّه مختص بأصحاب القلوب النقية، و الملائكة تدخل القلب شريطة أن لا يكون فيه كلب و لا وحشية و لا حسد و لا أنانية. و لا عجب بالنفس و لا تكبّر، و هذا معنى لطيف للحديث.

و المعنى الثالث و هو المتعلّق بموضوع بحثنا؛ حيث يكون المقصود أن المالئكة لا تدخل البيوت التي يسود فيها الاختلاف، و تتحدّث المرأة فيها بكلمات جارحة و الرجل يتعامل بوحشية بمعنى أن روحه متوحّشة.

فهذه محل الشياطين و ليس الملائكة.

و احتمال هذا المعنى قوي، و قد يكون المراد هو المعنى الثاني أو الثالث، و لكنّ الجمع مهما أمكن أولى من الترك بحسب اصطلاحاتنانحن طلبة العلوم الفقهيّة -.

و أعتقد أنّ بحث اليوم مهم. و فيه تحذير يجب علينا جميعا الاهتمام به، فويل لنا إذا هجرت الملائكة بيوتنا، و أعرضت يدّ الرعاية الإلهية عنّا و عن بيوتنا، و خلت هذه من فضل اللّه و رحمته؛ و الويل الأشد هو لأطفالنا الذين يعيشون في مثل هذه البيوت، فمن العسير جدّا تربيتهم تربية صحيحة.

إنّ ما يريده القرآن هو أن يكون بيت الزوجية سكنا و طمأنينة، فالزوجة سكن للزوج و هو سكن لها.

و لا ريب في أنّ البيوت التي تقع فيها المعاصي، و لا تنزل فيها الرحمة الإلهية، و التي تحضرها الشياطين ليست بيوت سكن و طمأنينة، بل يسودها هلع و اضطراب و قلق؛ يقول تعالى -:

أفمن أسّس بنيانه على تقوى من اللّه و رضوان خير أم مّن أسّس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنّم و اللّه لا يهدي القوم الظالمين (1).

في هذه الآية الكريمة تشبيه للمعقول بالمحسوس، إذ أنّ القرآن الكريم يشبه مفهوما معقولا بأمر محسوس من أجل إفهامنا به.

و هنا يطرح مثال إقامة بيت على أسس قوية، فإذا كانت جدرانها قويّة جدا، فمن الطبيعي أن يكون السقف الذي يقام عليها مقاوما ثابتا، إذا أقيم هذا البيت على حافة واد في طريق السّيول فإنّ بقاءه رهين السيول و العواصف فإذا جاء سيل أو عاصفة انهار البيت إلى قعر الوادي.

و القرآن يوضح هنا أن بيوتكم إذا قامت على أسس التقوى، أي:

سادت فيها التقوى و الألفة و المودّة و الصلاة و الصوم و القرآن و ذكر اللّه و مناجاته و الارتباط به تعالى و خلت من المعاصي، و كنتم فيها ممّن يصفهم القرآن الكريم: - يخافون يوما تتقلّب فيه القلوب و الأبصار(2).

و كانت خشية اللّه حاكمة فيها، فهذه البيوت منيعة و يتربّى فيها الأطفال بصورة سليمة، و تكون الحياة فيها مباركة تنعم برحمة اللّه و فضله.

أمّا البيت الذي لا تقوى فيه، فهو مثل البيت المقام على حافة الوادي المعرض للسيول.

و هكذا فالحياة المنقطعة عن اللّه تنهار بعاصفة واحدة إلى جهنّم و اللّه لا يهدي القوم الظالمين و هذه الهداية هي كما يسمّيها علماء الأخلاق هداية لطف؛ فالألطاف الإلهية مرفوعة عن مثل هذه البيوت و عن أصحابها لا تحكمها رحمة اللّه و فضله فهي غير مباركة و لا تحضرها الملائكة، بل يحكمها الشيطان العديم البركة، و تسودها الظلمة و الهموم و الغموم و الهلع و الاضطراب و القلق.


1) سورة التوبة/ 109.

2) سورة النور/ 37.

إذن فإذا أردتم السعادة و البركة لبيوتكم. فيجب تطهيرها من المعاصي، و عليكم أن تعمروها بإحياء الصلاة فيها.

و قد وردت تأكيدات مشددة في الإسلام على إقامة صلوات النوافل في البيوت و إقامة الصلوات الواجبة في المساجد جماعة، فلا تجعلوا بيوتكم تفتقد إقامة الصلاة و الإسلام يحذّركم من التشبّه باليهود و النصارى الذين يحصرون - حتى عبادتهم الخرافية في الكنائس.

فلتكن بيوتكم محلّ عبادة و تلاوة قرآن و دعاء و ذكر اللّه و محلّ المودّة و الألفة و الخدمة المتبادلة.

* الخدمة في المنزل: -

أفضل العبادة في الإسلام أن تخدم المرأة زوجها، و يخدم الرجل زوجته؛ فأنتم تعلمون أن أعظم كرامة للإنسان هي الشهادة في سبيل اللّه. و نلاحظ في الأحاديث الشريفة أن للمرأة التي تخدم زوجها، و تعد الطعام، و تغسل الأواني، و تقدّم المائدة، ثم تجمعها أجر شهيد يكتبه ربّ العالمين في صحيفة أعمالها(1).

كما نلاحظ فيها أنّ مثل هذا الأجر للرجل الذي يخدم في المنزل ليقلّل من مشقّة زوجته أو يكدّ في العمل خارج المنزل ليعيش عياله في رفاهية: - «الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل اللّه»(2).

إذن فأفضل الخدمة و العبادة هي الخدمة في البيت، و إذا أردت أن تشمل البركة و الفضل و الرحمة الإلهية بيوتكم و تحضرها الملائكة، و أهم من ذلك أن


1) راجع كتاب وسائل الشيعة ج 14 ص 122 فقد أورد ثلاثة أحاديث حول ثواب خدمة المرأة زوجها.

2) بحار الأنوار ج 103 ص 13.

تقدموا للمجتمع جيلا مباركا، و أن تكون حياتكم مباركة فاهتموا بتقوية ارتباطكم باللّه في المنزل.

و من عوامل تحقيق ذلك تقوية الألفة و المودّة بين الزوج و الزوجة، فطوبى للرجال الذين يحظون برضا زوجاتهم، و طوبى للنساء اللواتي يحظين برضا أزواجهن، ففي هذه الحالة يرضى عنهم اللّه عزّ و جلّو في المقابل تعسا لحال الرجل الذي لا ترضى عنه زوجته و أسوأمنه حال المرأة التي لا تستجلب رضا زوجها فهي من أهل جهنّم و لا ريب.

و مثل هذا المنزل يفتقد بركة اللّه و فضل اللّه، و لن ينقضي فيه عمر مبارك، و لن يخرج منه جيل مبارك.

* تأثير المال الحرام: -

أقول لكم؛ إذا دخل في بيوتكم طعام من حرام كالربا و الرشوة و أكل أموال الناس (بالباطل) فاعلموا أنّها ستحرم حضور الملائكة فيها، بل ستكون محلاّ للنار، بمعنى أنّ الملائكة في السماء ترى هذه البيوت تحترق كما أنها ترى من فيها من النساء و أطفالها الأبرياء يأكلون النار: -

إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنّما يأكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا (1).

و مال اليتامى هنا مذكور على نحو المصداق، و القرآن ذكر هنا المصداق الأوضح، و عليه يكون معنى الآية أنّ الذين يأكلون المال الحرام إنما يأكلون نارا. يقول الإمام المهدي (عليه السلام): -

«من أكل من أموالنا شيئا، فإنّما يأكل نارا، و سيصلى سعيرا»(2).


1) سورة النساء/ 10.

2) سفينة البحار للشيخ عباس القمي ص 428 من الجزء الأول.

و عن الإمام الباقر (عليه السلام) و قد سأله أبو بصيررضوان اللّه عليه - عن أيسر ما يدخل به العبد النار، فقال: - «من أكل من مال اليتيم درهما و نحن اليتيم»(1).

و لكن من يرى ذلك؟!.

إنّه الذي لديه عين البصيرة، فيرى البيت الذي لا يؤدّي الخمس و هو يحترق و المرأة و الأطفال فيه يأكلون نارا؛ يشاهد ذلك عندما يتحقّق: - فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد(2).

فاللحم و الرزّ في مائدة الدّنيا هو نار جهنّم في يوم القيامة فتوضع في جهنم نفس هذه السفرة و يأكلون حينئذ المال الحرام الذي أكلوه و لكنه نار هذه المرّة.

و ويل لعيال مثل هذا البيت إذ بعيد أن ينال أطفاله السعادة؛ و هؤلاء العيال سيكونون أعداء له و يتصدّون له يوم القيامة زوجته و أولاده - و يخاطبونه: - أيّها الظالم لماذا أظعمتنا المال الحرام؟.

لماذا أطعمتنا نارا؟.

لماذا لم تؤدّ الخمس الذي كان عليك لتطعمنا من مال حلال، فلم يكن لدينا إقبال على العبادة، و توجّهنا نحو المعاصي؟.

لقد حرمتنا السعادة بما أعطيتنا من مال حرام.

تذكر رواياتنا أنّ أحد الأشقياء يوم القيامة هو الذي كان يكدح ليل نهار في العمل من أجل عياله و لكنّهم سيعادونه يوم القيامة و يلعنونه و يطلبون من اللّه


1) مستدرك الوسائل للميرزا النوري ج 1 ص 551 من الطبعة الحجرية من منشورات المكتبة الإسلامية بطهران نقلا عن العياشي في تفسيره.

2) سورة ق/ 22.

أن يقتص منه، لأنّه لم يؤدّ حق الخمس، فأطعمهم من المال الحرام و جعل قلوبهم قاسية.

فيحيطه من جهة البؤس و الأوزار و الوبال، و من جهة أخرى لعنات زوجته و أطفاله، يقول تعالى -: و قدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا(1).

الآية الكريمة؛ تتحدث عن طائفة من الناس يتعبدون بصورة جيدة (ظاهريا)، فهم قد أقاموا الصلاة، و صاموا، و حجّوا، و زاروا كربلاء و الإمام الحسين (عليه السلام) و فضيلة هذه الزيارة أعظم من غيرها؛ و أقاموا مجالس العزاء، و بكوا على الإمام الحسين، و هو العمل الذي يصفه الإمام الصادق (عليه السلام) بأنه يجعل أصحابه يتألقون يوم القيامة بحلل بيضاء(2)، لكنهم أكلوا المال الحرام و حقوق الآخرين. و هذا ما يؤدّي إلى تحوّل كافة أعمالهم إلى الذين أكلوا أموالهم فتخلو أيديهم، و يسخر منهم الآخرون، و يصفونهم بأنهم الذين أكل عيالهم أعمالهم، لأنهم استحصلوا الأموال عن طريق محرّم فأكلها عيالهم و عاشوا بها في ترف، و عليه هو أن يدفع يوم الفصل الغرامات و هي أن يعطي أعماله و يبقى هو دون عمل، فيكون مصيره جهنم كما تبين ذلك الآية الكريمة المتقدّمة.

إنّ بقاء حق الناس في ذمة الإنسان أمر صعب، فحذروه و اعلموا أنّ دخول (المال) الحرام إلى بيوتكم يذهب عنها رحمة اللّه و البركة و المودّة، و في النهاية يؤدّي إلى أن يقوم نفس هذا الطفل الذي تكدح كثيرا من أجله الآن بلعنك يوم القيامة، و يجعلك من أهل جهنّم.


1) سورة الفرقان/ 23.

2) أورد الشيخ الصدوق في كتابه «ثواب الأعمال» العديد من الروايات بهذا الشأن راجع ص 108 و ما بعدها.

المحاضرة السابعة:

الفصل الثالث

اشارة

•

تجسم الأعمال

•

تفاهم الأسرة

في المحاضرة السابقة أشرنا إلى شدة كراهة النزاع في الإسلام و قدسية المودة و الألفة و الأخوة فيه، و يذكر القرآن الكريم أنّ أحد الصفات البارزة لأهل جهنّم هو التلاعن فيما بينهم عندما يلتقون و يلقي كلّ منهم مسؤولية هذه العاقبة و دخولهم جهنّم على عاتق الآخرين، و يطلب كل منهم الاقتصاص من الآخرين، فيأتيهم الخطاب الإلهي الغاضب أنّ لكلّ منهم عذابا مضاعفا، لأنّهم كانوا في الدنيا يؤذون المؤمنين و يدفعون الآخرين إلى الردّ عليهم بالإساءة المتقابلة قال تعالى -: كلّما دخلت أمّة لعنت أختها حتى إذا ادّاركوا فيها جميعا قالت أخر اهم لأولاهم ربّنا هؤلاء أضلونا فاتهم عذابا ضعفا من النار؛ قال لكلّ ضعف و لكن لا تعلمون(1).

إذن فدأب أهل النا التنازع فيما بينهم و رفض الإقرار بالتقصير.

تجسّم الأعمال: -

و إذا أوردتهم قانون تجسم الأعمال هنا يكون الأمر هو أن البيت الذي يتنازع فيه الزوجان، و يرفض كلّ منهما الإقرار بالتقصيرفالزوج يقول أنت التي جلبت الشقاء و البؤس لي، و الزوجة تتهمه بمثل ذلك و هو يلقي على عاتقها المسؤولية عن انحراف الأولاد و البيت الذي يشهد تبادل الإساءات


1) سورة الأعراف/ 38.

و الكلمات البذيئة و الفحشاء و الشتائم و العياذ باللّه هو بيت في الظاهر، و هو في الحقيقة بحسب قانون تجسّم الأعمال جهنّم ستتضح حقيقته يوم ترفع الحجب.

أقول لكم أزواجا و زوجات إنّ الدّنيا و الآخرت و جهان لعملة واحدة، فالظاهر هي الدنيا، و الآخرة هي باطن نفس هذه الدنيا.

فما يقع في هذه تظهر حقيقته في الآخرة، فإذا كانت العاقبة النار و نقماتها فمن أعمالنا: - ذلك بما قدمت أيديكم...(1).

و إذا كانت الجنّة و نعيمها و حورها و قصورها فمن أعمالنا نحن أيضا: - كلوا و اشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية(2)ففي الجنّة يخاطب الصائمون، هذه النعم هي التي قدمتموها في شهر رمضان المبارك في الدّنيا فكلوا و اشربوا هينئا.

إذا كان النزاع يسود في بيوتكم كأن يتنازع الزوجان فيما بينهما و يتبادل الأخ و الأخت الشتائم فيما بينهما، أو أن تعنّف الزوجة زوجهاو العياذ باللّه أو يشتم الزوج زوجته.

فهذه البيوت ظاهرها هذا، و باطنها جهنّم، و على هذه الحقيقة يراها أصحابها عندما تفتح البصائر فترجع الإساءات و التشائم التي كان يوجّهها الأزواج لزوجاتهم أو بالعكس إلى فاعليها، و يرجع إلى الأب نفس التعنيف الذي كان يوجّهه لأطفاله.

إنّ ما تتحدّث عنه الآية الكريمة كلّما دخلت أمة... هو قانون تجسّم الأعمال، بمعنى أنّه إذا كان في بيوتكم نزاع فستتنازعون في جهنّم أيضا فيما بينكم، و إذا كان التعامل فيما بينكم في بيوتكم بسباب و تلاعن و تنابز


1) سورة آل عمران/ 182.

2) سورة الحاقة/ 24.

بالكلمات البذيئة أو ضرب و العياذ باللّه فستشهدون نفس ذلك هناك؛ و كل ما نزرعه هنا نحصده هناك من عبوسة و غلظة و تعامل جاف في البيت، حيث يظهر تجسم هذا التعامل في جهنم و نارها؛ فهنا احتراق و تكيف و هناك احتراق و تكيّف.

و على العكس حال أهل الجنّة على ما يقول القرآن الكريم عنهم:

• على سرر موضونة مّتكئين عليها متقابلين(1)و هم مفعمون بالحيوية و الأنس: - لا يسمعون فيها لغوا و لا تأثيما إلاّ قيلا سلاما سلاما(2).

فلا تجد عندهم لغوا و لا سبابا، بل يثني و يشكر بعضهم بعضا على المعونة التي قدمها كلّ منهم لجعل الآخرين من أهل الجنّة. هذه صفة أهل النعيم، و قانون تجسم الأعمال يقول لنا: إنّه إذا كانت المودّة و الألفة تسود في بيت مالفالرجل يشكر زوجته على جودة طبخها للطعام، فتبتسم له و تشكره بدورها على جلبه هذا الطعام.

و إذا كان كلّ منهما يعلّل طيب أجواء البيت بطيب أخلاق الطرف المقابل، و كانت الزوجة تعتذر لزوجها من التقصير حينما يقع في البيت أمر غير مناسب، فيرد هو بالاعتذار المتقابل متحملا مسؤولية التقصير، فتجسم هذا الوضع هو أنهما يكونان مصداقا للآية الكريمة المتقدّمة المتحدّثة عن صفة أهل الجنة.

إذن فلتكن سنّتكم القيام بما من شأنه تحويل أعمالكم إلى نعم في الجنة.


1) سورة الواقعة/ 15-16.

2) سورة الواقعة/ 25-26.

* تفاهم الأسرة:

ليكن التعامل فيما بينكم في المنزل بالمدح و الثناء و تقبّل التقصير.

و أوكد هذه الوصيّة على الرجال خاصّة الذين لا يتعاملون على وفق هذه الصورة عادة و أخاطبهم بلغة الرجاء أن إذا غضبتم و لا ينبغي لكم الانفعال - أو صدرت عنكم كلمات جارحة و لا ينبغي أن تصدر عنكم فبادروا إلى الاعتذار فور زوال الغضب عنكم، و تحمّلوا مسؤولية التقصير و اخضعوا لذلك، فالخضوع هنا نوع من البناء الذاتي، و البيت يجب أن يكون مدرسة لنا، بل أفضل مدرسة و أفضل كتاب أخلاقيّ و أفضل معلّم أخلاق لنساء خاصّة.

و إذا قام الرجل بعمل سيّىء و رفض الاعتذار، فأرجو من الزوجة أن تبادر فورا إلى الاعتذار و تتجّنب الإيذاء و التهاجر و التعالي و العبوس وا لتضجّر و الكسل فهذه من أخلاق أهل النار، لا من أخلاق أهل الجنّة.

و إذا أردت أن تكون من أهل الجنّة فاعمل من أجل أن يكون بيتك مفعما بالنّشاط.

إذا أحجم أحد الزوجين عن الاعتذار فليبادر الآخر إلى تحمّل التقصير و الاعتذار و تجنّب إلقاء تبعة التقصير على الآخر.

و هكذا الحال عادة في مختلف النّزاعات، فإذا تراجع أحد طرفيها، انتهت.

و عدم انتهاء النزاع يرجع إلى عدم تراجع الطرفين أو أحدهما.

و إذا أردتم الجنّة و نعيمها و حيويتها و الجلوس على تلك «السرر الموضونة» متقابلين فليتراجع (ليعف) كلّ منكم إذا وقع بينكم نزاع و أنهوه فورا، و احرصوا على أن لا يستمرّ النزاع في البيت حتّى لساعة واحدة.

يجب على الرجل التحلّي بالرجولة، و على المرأة أن تكون «سيّدة» حقا و القرآن يقول إنّها كذلك عندما تتواضع لزوجها حتى لو كان مقصّرا: - فالصّالحات قانتات حافظات لّلغيب بما حفظ اللّه(1)فللمرأة الصّالحة كما يبيّن القرآن الكريم صفتان:

الأولى: التواضع لزوجها حتى لو كان مقصّرا.

و الثانية: حفظ العفّة في السرّ و العلن في حضور زوجها أو في غيابه، فهي تلتزم الحجاب الكامل في مقابل أرحام زوجها و غير المحارم حتى شقيق زوجها، فهي عفيفة و ملتزمة الحجاب الكامل الجيّد في غياب زوجها في الزّقاق و المدرسة و كلّ مكان.

و هذه هي الجديرة بوصف «المرأة الصالحة».

و مورد استشهادي بالآية الكريمة هو الصفة الأولى و هي أن تخفض جناحها لزوجها إذا وقع اختلاف في البيت، و وقوعه أحيانا أمر طبيعي حتى لو كان كلا الزوجين لا يريدان وقوعه أصلا، و هذا هو حال المسلم الحقيقي.

و يؤكّد القرآن الكريم أنّه يجب على الزوجين أو أحدهماو لا سيما الزوجة - التزام التراجع و خفض الجناح و السكوت، لكي تخمد نار الاختلاف، فتأجيج هذه النار هو في الحقيقة إشعال لنار جهنّم: يا أيّها الّذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم نارا وقودها النّاس و الحجارة(2).

فوقود هذه النار هم الناس و رذائل الصفات التي في قلوبهم.

و يؤكّد المنطق القرآنيّ وجوب اجتناب النزاع في البيت لأنه يؤدّي إلى ذهاب هيبتكم، و يدمّر شخصيّتكم، و إذا تجرّألا سمح اللّه الزوجان - أحدهما على الآخر لا تبقى لأيّ منهما شخصيّة (إحترام) في عين الآخر.


1) سورة النساء/ 34.

2) سورة التحريم/ 6.

و تعسا للرجل الذي لا هيبة له في بيته، و تعسا للمراة التي لا حكم لها في قلب زوجها، و تعسا للبيت الذي يفتقد الحيويّة، فالأمّ لا تستطيع إذا كان قلبها ميتا تقديم شابّة أو شابّ نشيط للمجتمع.

و الرجل الفاقد للحيويّة لا يمكن أن يكون فعّالا في العمل لدنياه و آخرته و للآخرين. و بحسب القول المتداول بين الناس: - اليد الكسيرة يمكنها العمل، و القلب الكسير عاجز عن ذلك مفتقد النشاط

قال الإمام موسى بنجعفر (عليه السلام) في حديث مرويّ عنه:

• «إيّاك و الضجر و الكسل، فإنّهما يمنعان حظّك من الدّنيا و الآخرة»(1)فهو (عليه السلام) يخاطبنا ناهيا عن الكسل داعيا للحيوية و النشاط، يخاطب السيّدة أن تجتنب الكسل في بيتها، و يخاطب الزوج أن لا يدع الكسل يسيطر عليه، لأنّ ذلك يحرمنا من خير الدنيا و الآخرة.

و واضح أنّ المرأة الفاقدة للحيويّة لا تقدر على القيام بواجبات الزوجيّة، و لا برعاية الأطفال و لا رعاية شؤون البيت.

و واضح أيضا أنّ الرجل الكسول عضو زائد في المجتمع.

يقول تعالى في القرآن: و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكمماذا يعني ذهاب ريحكم؟!.

إنّ للمسلم شخصيّة و هيبة، و لو كان المسلمون الذين تبلغ نفوسهم المليار متّحدين، لما استطاعت (قوى الاستكبار) أميركا و الاتحاد السوقيتي أن تنام بدعة في مواجهتهم فضلا عن أن تفكّر في استعمارهم و جعلهم خدما لها؟!.

لا يتوهّم الرجل الذي تطغى الركّة (و الابتذال) على كلامه (في البيت)


1) بحار الأنوار/ج 78 ص 321.

أنّه يسيء إلى زوجته؛ بل إنّ الإساءة تلحق أوّلا بشخصيته هو و تشوّهها!.

و لا تنصوّر الزوجة أنّها تبرّد غليلها عندما تنطق بكلمات جارحة لزوجها، فالخسارة الأولى التي تلحق بها هي أنّ حبّها يخرج من قلب زوجها.

و تعسا للزوجة التي لا حكم لها على قلب زوجها، و تعسا للزوج الذي لا احترام (هيبة) له في بيته.

إنّني أرجو من الحاضرين في هذا المجلس و من الذين يستمعون لحديثي هذا من الإذاعة أن يجعلوا هذه الآية الكريمة نصب أعينهم دائما، فالقرآن يبيّن شدّة خطورة النزاع و الاختلاف و يشبّهها بحال الشخص الجالس على حافة وادي جهنّم و إذا لم يكن هنا الآن «وادي جهنّم» فتصوّروا الأمر كحال جلوسكم على صخرة على حافة واد تشاهدون اشتعال النار فيه فيما الصخرة التي تجلسون عليها ينهار ما تحتها فتسقطون أنتم في قعر هذا الوادي.

و القرآن يوضح أنّ هذه هي حقيقة (تأثير) النزاع، و يؤكّد أنّ الألفة والمؤدّة هي إحدى النعم العظيمة، و يذكّر المسلمين بمنّ اللّه تعالى عليهم بها: -

و اعتصموا بحبل اللّه جميعا و لا تفرّقوا و اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا و كنتم على شفا حفرة من النار، فأنقذكم منها كذلك يبيّن اللّه لكم آياته لعلّكم تهتدون (1).

الآية الكريمة و إن كانت تخاطب مسلمي صدر الإسلام، لكنّها تتحدّث لنا جميعا، و تقول فيما يتعلّق بموضوع بحثناأنّ على الزوجين الذين يعيشان في بيت يسوده الائتلاف و المودّة أن يشكرا اللّه كثيرا على ذلك و يدعواه - تعالى لدوام هذه النعمة، و على الزوج أن يشكر زوجته على إفعام البيت


1) سورة آل عمران/ 103.

بالعطف والمودّة فيما على الزوجة بدورها أن تثني دائما عليه لتوافر المحبّة و الألفة لديه.

و لو التزاما شكر هذه النعمة ليلا و نهارا، لكان شكرهما قليلا.

و عندما نضمّ قانون تجسّم العمل و الآية التي قرأتها سابقا يصبح المعنى هو أنّ الزوجة السليطة اللسان و الزوج السيّىء الأخلاق و أنّ الزوجين اللذين يتنازعان فيما بينهماو العياذ باللّه إنّما هم جالسون على حافة النار!.

أمّا متى يدخلونها؟!.

الجواب بمجرد الموت.

(ينقل) أنّ شخصا سقط من شاهق و مات، فرأوه في عالم الرؤيا و سألوه عن أحواله، فقال: - يكفيكم أن أقول لكم: إني لم أر لا منكر و لا نكير و لا ضغطة القبر، فبمجرد أن سقطت من ذلك الشاهق، وقعت وسط جهنّم!!.

أيّها السيّد، أيّتها السيّدة، إنّ الدنيا تنقضي و الذي يبقى أمران:

الأوّل: التضحية و التسامح و الإيثار، فهي صفات تكسب الإنسان نورانية تجعله يتألق مثل القمر عندما يدخل صفّ المحشر، يجذب من في المحشر إليه.

و الثّاني: هو نعيم الجنّة و عذاب الجحيم.

أمّا الدنيا، فهي فانية.

و الاختلاف فيما بيننا بلغ درجة أصبح معها المتجدّد أسوأ من المتقدّم، و المتعلّم أسوأ من الأمّي، و الكاسب أسوأ من الموظّف و هذا أسوأ من سابقه.

فنرى هذا السيّد الدكتور و قد وصل درجة متقدّمة من التخصّص في عمله و أخلاقه الاجتماعية حسنة أيضا، و لكن عندما تفتح قلب زوجته تجده بحرا من

الأذى الذي ألحقه بها على الرغم من علمه و حسن سيرته خارج البيت! و ترى سيّدة مثقّفة متحضّرة حسنة التعامل مع مثيلاتها، و لكن عندما تفتح قلب زوجها تجدها قد تحوّلت فيه إلى عفريت!!.

يقول علماء النفس: إنّ الأمثلة المتداولة في المجتمع تكشف عن أفكاره و هكذا هو الحال فخذوها بعين الاعتبار، و هنا أنقل لكم أحد الأمثال العامّية في هذا الصدد، و هو أنّ خطيبا طلب من الحاضرين و هو على المنبر - أن يقوم من كان منهم غير راض عن زوجته، فقاموا جميعا باستثناء شخص واحد، فسّر الخطيب لذلك، و قال: الحمد للّه، فلقد عثرنا في هذا الاجتماع على زوج راض عن زوجته، و عندها ارتفع صوت هذا الرجل قائلا: لا يا سيّدي لا، فأنا لا أستطيع القيام، لأنّ زوجتي قد كسرت رجلي!!.

هذا هو حالنا الآن، فلا تجد زوجا راضيا بالكامل عن زوجته، كما لا تجد زوجة راضية بالكامل عن زوجها.

تؤكد رواياتنا أنّه إذا وقع نزاع بين اثنين من المسلمين بين زوج و زوجته، فالواجب هو أن يتصالحا في اليوم الأوّل، و المرسوم هو أن يعتذر الأصغر إلى الكبير، أي: أن تعتذر الزوجة حتى لو كان زوجها هو المقصر.

فقد ورد في الحديث الشريف الأمر بالتصالح في اليوم الأول، و إلا ففي اليوم الثاني، و إذا اعتذر الصغير فيها، و إلا فليذهب الأكبر لتزال الضغينة و الحقد حتى لو كان الخطأ المرتكب كبيرا و صدر عنهما كلمات جارحة و العياذ باللّه فعليمهما التحلّي بالصفاء و التسامح، و يتناسوا ما جرى.

و إذا لم يتصالحا في اليوم الثاني، وجب ذلك حتما في اليوم الثالث، و إلاّ ترسّخت الأضغان في قلبيهما، و خرجا من الإسلام، كما تؤكد ذلك

الأحاديث الشريفة التي روى الكليني رحمه اللّه أكثر من عشرة منها(1)، و روى العلامة المجلسيّ أكثر من ثلاثين منها.

فإذا كنّا لا نهتمّ بأمر دنيانا و أولادنا، فلنتدبر في هذه الأحاديث الشريفة، و نهتمّ بما تقوله و ما يوجبه إسلامنافي الأقلّ -؛ يجب أن تزال هذه النزاعات، فلما نتنازع إلى هذا الحد؟!.

أيّها الزوج؛ إذا كنت تتحمل المشاقّ في توفير الجانب المادّي، فإنّ زوجتك المسكينة تتحمّل مثل ذلك في المنزل.

أيتها الزوجة، إذا كان زوجك لا يستطيع تلبية كلّ ما ترغبين فيه، فضعي نفسك محلّه لتعرفي هل تستطيعين شراء كلّ ما تريدينه من ذهب و ملابس؟!.

إذن لماذا النزاع و التعنيف و الضجر و التهاجر و الصّراخ؟!.

أقسم عليكما باللّه أن تقوما بالتشاور فيما بينكماعندما تريدان تقديم جهاز عرس ابنتكماو التفكير بهدوء أعصاب لتعرفا ما الذي يجب عمله دون تعنيف متبادل فتهيئة هذا الجهاز ببالغ المشقّة و الأذى تفقده البركة.


1) الأصول من الكافي ج 2، كتاب الإيمان و الكفر، باب الهجرة.

المحاضرة الثامنة:

الفصل الثالث

اشارة

•

اعتياد الذنب

•

سوء الحجاب و إشاعة الفساد

•

تسويغ الذنب

•

الغيبة و البهتان

* اعتياد الذنب

(إرتكاب) المعصية في البيت من العوامل المؤدّية إلى قطع الألطاف الإلهيّة عن الشخص أو البيت.

و الذنوب أقسام، - فمنها الكبائر و الصغائر، و هذا ليس مورد بحثنا الآن، و منها المستمرّة و غيرها، بمعنى أنّ الإنسان مرّة يصدر عنه ذنب، كأن يكذب و العياذ باللّه أحيانا و هذا عمل غير صالح تجب التوبة منه و معالجته.

و لكن قد يكون مستمرّا فيه، فمثلا يكذب و يغتاب و يثير الشائعات و يظلم، و هكذا كلّ يوم.

و هذا الاستمرار في المعصية يشكّل حالة خطيرة يبيّن القرآن الكريم شدة خطرها في قوله تعالى -: ثمّ كان عاقبة الّذين أساؤا السّؤى أن كذّبوا بآيات اللّه و كانوا بها يستهزؤون(1).

فليحذر الذين يصرّون على المعاصي أن ينجر حالهم إلى إنكار كلّ شيء و تكذيب المنبر و المحراب و ما يقوله العلماء، فيحسبه خرافات، و يوضح الإمام الصادق (عليه السلام) في العديد من الروايات أنه: - «إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب انمّحت و إن زاد زادت، حتى تغلب على قلبه،


1) سورة الروم/ 10.

فلا يفلح بعدها أبدا»(1).

لذا أإلب منكم جميعا أن تجتنبوا الذنوب في حياتكم أصلا و إذا صدر عنكم ذنب، فتداركوا الأمر فورا و احذروا الاستمرار في الذنب.

و هناك تقسيم آخر للذنوب هو أنّهامرّة تؤدّي إلى إثارة قلب الإنسان، فمثلا إذا نظر نظرة محرّمة إلى أحد، أو غتاب أحدا أو كذب، أثار ذلك صراعا داخليا لديه، و هذه الحالة تعبّر عن أن هناك تهيّبا داخليّا من الذّنب.

و مرّة أخرى تزول هذه الحالة من التهيّب من الذنب، و يصبح الحال أسواأ من المداومة على الذنب لأنّ التوبة هنا صعبة جدا، فيما أنّ المداوم على الذنب قد يتوفّق للتوبة بصورة أيسر.

* سوء الحجاب و إشاعة الفساد:

و لتوضيح ذلك (نطرح المثال التالي) نلاحظ مرة أن إمرأة تتجاهل التزام الحجاب الصحيح في حفل زواج و هي تعلم أنّ ذلك عمل غير صحيح.

و عندما ينتهي الحفل تتوب عنه و تبكي و يحدث لديها صراع داخلي.

و نلاحظ في حالة أخرى أنّ عدم التزام الحجاب الصحيح يتحوّل لديها - تدريجياإلى أمر معتاد، فيصبح عملها أسوأ من الزّنا حتى لو كانت فرضا - عفيفة تتأذّى من اسم الزّنا و تعنف من يرتكب هذا العمل القبيح، لكنها نفسها تقوم و العياذ باللّه بما هو أسوأ منه عندما تخرج متبرّجة مبدية زينتها ترتدي قميصا بأكمام قصيرة و جورب يشفّ عن ساقيها، و تدخل على هذه الهيئة إلى دكان البائع، و تتحدّث و تضحك معه. فهذا العمل أسوأ من الزنا، لأنّ فيه إشاعة للفحشاء.


1) الأصول من الكافي ج 2، كتاب الإيمان و الكفر، بال الذنوب الحديث رقم 13.

و ذنب هذه أكبر من نفس الفاحشة، يقول تعالى -: - إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدّنيا و الآخرة(1).

فالشابّ الذي يحبّ النظر إلى غير المحارم من النساء، و الكاسب الذي يرغب في ممازحتهنّ و الضحك معهن إنّما يحبّ أن تشيع الفاحشة.

و لهذا العمل نوعان من العذاب: الأوّل، في الدنيا، و هو أن يبتلي مثل هذا الشخص بالفاحشة (في الدنيا)؛ و الآخرة في الآخرة و هو عذاب جهنم.

و إشاعة الفاحشة أسوأ من الوقوع فيها على الرغم منأنّ الزّنا ذنب عظيم إلى درجة أنّ القرآن الكريم يقول عنه: - و من يفعل ذلك يلق أثاما(2).

فالزاني و الزانية مصيرهما جهنّم، و هناك أيضا تكسوهم الذّلّة و العار، و نقرأ في الأحاديث الشريفة أن لعوراتهم ريحا نتنة للغاية تخرج منها، فيتأذى منها أهل النار(3).

و إشاعة الفاحشة أسوأ من ذلك، كأن تخرج المرأة متبرجة متزيّنة بجورب لا يستر ساقيها و قميص بأكمال قصيرة إلى الشارع، فتعلّم الأخريات هذا السلوك القبيح، و تدخل بهذه الحالة إلى دكان البائع، و هذا يمازحها و يحادثها بدلا من أن يعبس بوجهها و يطردها نهيا لها عن هذا المنكر.

و القرآن الكريم يؤكد أن هذا العمل المشيع المروّج للفاحشة أسوأ من ذنب الفاحشة.


1) سورة النور/ 19.

2) سورة الفرقان/ 68.

3) ورد ذلك في حديث المعراج و في خطبة الرسول الجامعة لعقاب الأعمال التي يرويها الشيخ الصدوق في نهاية كتاب «ثواب الأعمال و عقاب الأعمال».

نرى أحيانا نساء موقّرات عفيفات لكنهن فقدن حالة التهيّب من الذنب، و اعتدن عدم مراعاة الحجاب في حضور غير المحارم فتجلس إحداهنّ مثلا مع شقيق زوجها و تحادثه و تمازحه و هي متزيّنة غير مراعية للحجاب الكامل.

و هذه الحالة تشتمل على المخاطر، فتجب التوبة من هذا الذنب، و عليهن تدارك تبعاته، و ويل لمن فقد حالة التهيّب من الذنب.

أرجو من الأزواج و الزوجات أن لا يسمحوا بخروج النساء بجوارب شفّافة خاصّة مع حلول فصل الصيف، فهه الحالة هي مصداق لما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) لأصبغ بن نباتة بشأن مجيء زمان على أمّة الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) تخرج فيه النساء: - «كاسيات عاريات»(1)ثم يذكر (عليه السلام) أنّ هذا الزمن هو زمن الفتنة «شرّ الأزمنة» و أن هذه النسوة خالدات في جهنّم، فاحذرن هذه العاقبة، و التزمن بارتداء ما يستر من اللباس حتى لو استلزم الأمر ارتداء جوربين، و لا تخرجن بقميص ذي أكمام قصيرة.

فإمّا أن تستبدلنّه بغيره، و إمّا ن تسترنّ ما ظهر من الذراعين بأكمال إضافيّة.

و التزمن بالعفّة بصورة كاملة خلال تعاملكن مع الباعة. و الأهم من ذلك أرجو من السيدات و السادة أن يلتزمن الجدّ في التعامل فيما بينهم.

إحدى الصفات البارزة للسيدة المحترمة و للمؤمة هي أنّها تتعامل بغاية الجدية مع غير محارمها، فالمزاح و التبسّم هنا خطأ.

في آخر خطبة خطبها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قبل وفاته قال:


1) وسائل الشيعة ج 14 ص 19؛ و نص الحديث هو: - «يظهر في آخر الزمان و اتقراب الساعة و هو شرّ الأزمنة نسوة كاشفات عاريات متبرّجات من الدين خارجات في الفتن داخلات مائلات إلى الشهوات، مسرعات إلى اللّذّات، مستحلات المحرّمات، في جهنّم خالدات»..

«... و من فاكه امرأة لا يملكها حبس بكلّ كلمة كلّمها في الدّنيا ألف عام (في النار).

و المرأة إذا طاوعت الرجل فالتزمها أو قبّلها أو باشرها حراما أو فاكهها أو أصاب منها فاحشة، فعليها من الوزر ما على الرجل...»(1).

و ليحذر الكسبة ممّا يقولون (في التحادث مع النساء)، فالمال الذي يكسبونه عن هذا الطريق عديم البركة، و هو يسلب البركة من البيت الذي يصرف فيه.

* تسويغ الذنب:

و هناك تقسيم آخر للتعامل مع الذنب، فمرة يذنب الإنسان و يعترف بأنّ ما ارتكبه ذنب، و لكن تارة يسوّغ ذنبه، و هنا مكمن الخطر الأكبر؛ كأن ترى المرأة أن التحضّر في إظهار (زينة) وجهها، و أنّ علامة الثقافة هي ارتداء الجورب الفاضح أو الاختلاط بين الرجال و النّساء أو التحادث و المزاح بين الرجل و المرأة (من غير المحارم).

و قد يوجّه الإنسان الغيبة و العياذ باللّه بأنّها (غيبة ثورية» أو «حزب اللهية»، أو أن يوجّه الاتهامات و يحسبه عملا ثوريّا، و ليس معصية، بل يتوهّم أن له عليه أجراء!! يقوم بترويج الإشاعات، و يحسب أن ذلك من السياسة و «أننا يجب أن نكون ساسة»!! فيرد الموارد المشؤومة بهذا التسويغ و دعوى الثورة و السياسة.

و هذا خطر أشدّ من كلّ الأخطار.

أطلب منكم اجتناب الذنب بصورة كاملة صغيرة و كبيرة فالذنب هو - مطلقاعامل السقوط.


1) عقاب الأعمال للشيخ الصدوق ص 334.

و أهمّ من ذلك هو أن أطلب منكم أن لا تسمحوا بزوال حالة التهيّب من الذنب منكم حتى لو أذنبتم، فخطير جدا عليكم أن تقعوا بذلك في مهاوي الذنوب.

فأرجوكم أن لا تعمدوا إلى تسويغ الذنب إذا وقعتم فيه و زالت منكم حالة التهيّب منه فهذا التسويغ يجلب عليكم أخطارا عظيمة، لأنّه يصدّ الإنسان عن التوبة و يحرمه من شفاعة أهل البيت (عليهم السلام)، «و هذه هي مقدمة البحث».

يؤسفني أن أقول أنّ ذنب الغيبة و البهتان و إثارة الإشاعات موجودة في منازل الجميع الكسبة و الموظفين المقدّسين و غيرهم من ثوريّين و غيرهم - و هو ذنب عظيم زال التهيّب منه من القلوب، بل قد تطرح له العديد التسويغات!!.

و لو بكينا جميعا على هذه المصيبة دما، لكان الأمر جديرا بذلك.

هناك بيوت فيها موسيقى و غناء و صور مستهجنة مثيرة للشهوات، و تعرض فيها أفلام فيديوئية من هذا القبيل.

و هذا لا يتعلّق بموضوع بحثنا (لهذا اليوم).

و يكفي هنا أن أقول: ويل لمثل هذه البيوت، فهذا ما يقوله الإمام الصادق (عليه السلام)، إذ يروى أنّه قد جاءه رجل لم يكن في بيته رقص و غناء، بل كان ذلك يحدث في بيت جيرانه فقال للإمام: - «بأبي و أمّي إني أدخل كنيفا لي ولي جيران و عندهم جوار يتغنين و يضربن بالعود، فربما أطلت الجلوس استماعا منّي لهنّ. فقال: لا تفعل.

فقال الرجل، و اللّه ما هو شيء آتيه برجلي، إنّما هو سماع أسمعه بأذني.

فقال له: أما سمعت اللّه يقول: إنّ السمع و البصر و الفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا.

قال: بلى و اللّه، فكأني لم أسمع هذه الآية قط من كتاب اللّه من عجمي و لا من عربي، إنّي لا أعود إن شاء اللّه، و إنّي أستغفر اللّه.

فقال (ع) له: - «قم فاغتسل (غسل التوبة) وصلّ ما بدا لك، فإنّك كنت مقيما على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو متّ على ذلك، احمد اللّه وسله التوبة من كلّ ما يكره إنّه لا يكره إلا القبيح، و القبيح دعه لأهله فإن لكلّ أهلا»(1).

فشيعة الإمام ليس أهل طرف و غناء و صور شهويّة مبتذلة، و ويل للبيت الذي فيه مثل ذلك، و ويل للأطفال الذين يكبرون فيه، فتأثيره السّيء يتحدّث عنه علماء النفس و الإسلام يؤكّد ذلك، فمثل هذا البيت تكثر فيه الشياطين، و تنعدم فيه بركة اللّه و رحمته و ملائكته، كما يخبر عن ذلك الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله).

* الغيبة و البهتان:

يؤسفني أن أقول: إنّ قليلا ما تجد شخصا أو بيتا غير مبتلى بالغيبة و البهتان و توجيه الإشاعة و الكذب، و هي من كبائر الذنوب، و الانتقاص - حضورا و غياباذنب عظيم يقول عنه القرآن الكريم: - ويل لكلّ همزة لّمزة(2).

و من صاديق ذلك أن تطبخ المرأة طعاما فيسخر زوجها منه لأنّه لم يعجبه، أو أن يجلب هو شيئا اشتراه من السوق فتسخر منه لكونه لم يعجبها،


1) سفينة البحار للشيخ القمي ج 2 ص 328.

2) سورة الهمزة/ 1.

و هذا السلوك يحذّر منه القرآن الكريم، و يبيّن أنّ عاقبته الاحتراق بنار موقدة يشوي عذابها الجلود و العظام.

أمّا الغيبة، فيعتبرها القرآن أكل لحم الأخ المؤمن و هو ميّت، فاجتنبوها.

و واضح أنّ البيت الذي يشهد أكل لحم الأموات، و تعيش فيه الكلاب تهجره البركة و ألطاف اللّه و رعايته فلا قدسية له.

روي عن الإمام الحسين (عليه السلام) حديثا يرويه صاحب كتاب (تحف العقول) عن الإمام السجّاد (عليه السلام) أيضا، و هو قصير في لفظه عظيم في معناه، و هو: - «كفّ عن الغيبة، فإنّها إدام كلاب النّار».

و معناه هو أن يا أيتها السيدة و يا أيّها السيد، إنّ تكرار الوقوع في الغيبة يجعلها ملكة فيك، فتعتادها و تصبح صفة ملازمة لك، و تحوّل هويّتك الإنسانية إلى هوية كلب يذهب إلى جهنّم، و عندما يستطعم يكون طعاما هو نفس الغيبة التي كان يرتكبها في الدنيا، أي: يأكل نفس اللحم المتعفّن الناريّ يقدم له هناك و عليه أن يأكله!.

و أي بيت و يا للأسف يخلو من الغيبة و السخرية؟! فيا أيها الأب لا تسخر من أطفالك و لا تهنهم، بل احترمهم.

و يا أيتها الزوجة احترمي زوجك، و يا أيها الزوج احترم زوجتك.

و اعلموا أنكم إذا تبادلتم الإساءات، و وقعتم في ارتكاب الغيبة زالت عنكم حالة التهيّب من هذه المعصية و اعتدتموها، و حينئذ تزول هويّتكم الإنسانيّة بحسب قانون تجسم الأعمال و تتحولون إلى صورة وحوش: - «الغيبة إدام كلاب النار».

و الأسوأ من الغيبة البهتان، و هو أن تقول في شخص ما ليس فيه سواء في غيبته أو حضوره، و الفرق بينه و بين الغيبة هو أنّ البهتان ذكرك عيبا لشخص هو

بريء منه.

أمّا الغيبة، فهو ذكرك عيبه في غيبته.

أمّا اللّمز، فهو تعييرك الآخرين.

و تسويغ الغيبة بأن العيب موجود في الشخص المذكور، فهو منطق العوام (و الجهلة)، و هو من تسويلات الشيطان، فإذا كان العيب فيه حقّا و ذكرته للآخرين، فهذه غيبة تصبح بارتكابها كلبا و إن لم يكن فيه، فهو بهتان و ذنبه يتحدّث عنه القرآن الكريم فيقول: - إنّما يفتري الكذب الّذين لا يؤمنون بآيات اللّه و أولئك هو الكاذبون(1).

فهو ذنب يخرج عن الإيمان، يقول الإمام الصادق (عليه السلام):

• «... من بهت مؤمنا أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه أقامه اللّه تعالى على تلّ من نار، حتى يخرج ممّا قال فيه»(2).

و في رواية الكافي عن الصادق: - «من بهت مؤمنا أو مؤمنة بما ليس فيه بعثه اللّه في طينة خبال، حتى يخرج ممّا قال.

قلت (الراوي): - و ما طينة خبال؟.

قال: صديد يخرج من فروج المومسات»(3).

و مع الأسف فإنّ هذه المعاصي كثيرة في بيوتنا، فهي بحسب قانون تجسّم الأعمال بيوت ملأى من القيح و الدم، و إن كنتم لا ترونها، فكثيرة


1) سورة النحل/ 105.

2) سفينة البحار ج 1 ص 111.

3) أصول الكافي ج 2، كتاب الإيمان و الكفر «باب الغيبة و البهت» الحديث 5، و ما ذكره الشيخ في المحاضرة هو جمع بين هذا الحديث و الذي سبقه و حديث ثالث ينقله الفيض في المحجة البيضاء نقلا عن الشيخ الصدوق (ج 5 ص 254) و فيه: - «... و كشف اللّه عورته على رؤوس الخلائق»..

هي الأشياء التي يسمعها و يراها أصحاب البصائر فقط، فاحذروا أن تشاهد الملائكة القيح و الدم بدلا من القدسية، إذا نظرت إلى بيوتكم، و هذا القيح و الدم هو محصول أعمالكم في الدّنيا، و سيظهر لكم يوم القيامة ما لم تزيلوه بالتوبة، و في ذلك اليوم سيكون بصر الجميع «حديد» و سيرونكم كما ترون أنفسكم واقفين على تلال من القيح و الدم.

لا تروّجوا الإشاعات بقبول أو نقل شيء دونما دليل؟!.

و من منّا يجرؤ على الادعاء بعدم الوقوع في ذلك، و هذا ما لا يستطيع ادّعاءه الآن حتى المقدّسون المتلتزمون، فليس لدينا لسان يصوم عن ذلك.

و أقسم باللّه أنّ من الواجب أن بكي على هذه المصائب دما، فهي ذنب كبير مفغول عنه كما يؤكّد ذلك القرآن الكريم قائلا: إذ تلقّونه بألسنتكم و تقولون بأفواهكم مّا ليس لكم به علم و تحسبونه هينا و هو عند اللّه عظيم(1).

فهذا القبول و النقل لما ليس لنا به علم هو عند اللّه عظيم، و إن كان إعتيادنا له جعله هيّنا عندنا، و القرآن ينهانا عن اتّباع الشكّ و الظنّ.

فليكن استماعك و قبولك و نقلك لقول مقرونا بالاستدلال، و إلاّ ستتعرض حواسّك تلك للاستجواب يوم القيامة، و ستشهد عليك، يقول - تعالى -: و لا تقف ما ليس لك به علم إنّ السّمع و البصر و الفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا(2)و يقول تعالى: - اليوم نختم على أفواههم و تكلّمنا أيديهم و تشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون(3).


1) سورة النور/ 15.

2) سورة الإسراء/ 36.

3) سورة يس/ 65.

فهذه الحواسّ ستشهد على الإنسان يوم القيامة، و تقول له: - أنت الذي اغتبت، و استمعت للغيبة، و أنت الذي ارتكبت البهتان و قلبته عندما نقله الآخرون، و أنت الذي وقعت في ترويج الإشاعات.

لا ترتكبوا هذه المعاصي، و فكروا بسبيل لمعالجتها.

يجب أن يكون الرجل صادقا في تعامله مع زوجته، و كذلك يجب أن يكون حالها في تعملها معه، فلا ينبغي أن تشهد حياتكم و بيتكم الكذب، فإنّه إذا حلّ في بيت هجرته الملائكة، بل لعنته، فقد ورد في الأحاديث الشريفة:

• «... إذا كذب المؤمن من غير عذرلعنه سبعون ألف ملك، و خرج من قلبه نتن، حتّى يبلغ العرش، و يلنه حملة العرش»(1).

فيا أيتها الزوجة احذري الكذب على زوجك.

و يا أيها الزوج احذر الكذب على زوجتك.

و الأهمّ هو الحذر من أن تكذبا على أطفالكما، فإذا قلتما لهم شيئا فاعملوا به، و احذروا أن تعدوهما وعودا كاذبة.

تحلّيا بالصراحة و الصدق إذا أردتما أن يكون موقفكما يوم القيامة موقف المسلم الحقيقي.

تعسا للبيت الذي يسوده النفاق، و يكذب فيه الزوجان أحدهما على الآخر، فهو مثل المستنقع المتعفّن تنظر إلى الملائكة، و تلعنه و تلعن رجله و امرأته، لأنّما مسلمان و يكذبان!!.

و القرآن الكريم يقول: - فاجتنبوا الرّجس من الأوثان و اجتنبوا قول الزّور(2).


1) سفينة البحار ج 2 ص 474.

2) سورة الحج/ 30.

فهو يقرن الكذب بعبادة الأوثان، و مع الأسف فإنّ الكذب منتشر بكثرة في بيوتنا و أسواقنا و تجارتنا و مكاسبنا و شوارعنا. و ملعون القسم (اليمين) الكاذب، و المدينة التي ينتشر فيها الكذب تصل رائحتها العفنة إلى السماء، فتلعنها الملائكة.

المحاضرة التاسعة:

الفصل الرابع

اشارة

•

تكوين الأسرة

•

الغيرة و الحياء

•

تربية الجيل الصالح

* تكوين الأسرة:

أنهينا ثلاثة فصول من موضوع بحثنا عن «أخلاق الأسرة» و الفصل الرابع يدور حول تكوين الأسرة و فوائده بحسب الرؤية الإسلامية؛ و هو موضوع مفيد و قيم للغاية. و أملي أن نعالج خلال هذا الفصل إحدى العقد (الأمراض) الاجتماعية.

و لتكوين الأسرة فوائد كثيرة يصغر في مقابلها كثيرا أمر تلبية الغريزة الجنسية على الرغم من أنّ إرضاءها (إشباعها) مهمّ للغاية، كما عرفنا ذلك في البحوث السابقة، فقد أوضحنا أنّ قتل النفس الأمّارة بمعنى قتل الميول و الرغبات (الفطرية) و منها الغريزة الجنسية -، أمر يرفضه الإسلام فهو يوجب إرضاءها، لكنّ فائدة ذلك ضئيلة مقارنة بفوائد تكوين الأسرة، و أوّلها إشباع الحاجة الفطريّة لذلك، و هذه فائدة مهمّة، فاختصاص المرأة برجل معيّن، و اختصاص الرجل بامرأة معيّنة و أطفال معيّنين هوأمر طبيعي (فطري).

و قد ظهر منذ أن وطىء الإنسان الكرة الأرضية، فكان في البداية (أسرة) آدم و حوّاء (عليهما السلام) و ما زالت هذه الظاهرة الفطريّة حيّة إلى الآن.

و يقرر الإسلام ثوابا عظيما للأسرة التي تستطيع تقديم جيل سالم و أولاد صالحين للمجتمع، و قد لا يكون هناك ثواب أعظم منه؛ و في القرآن الكريم

آية تتحدّث عن قيمة الإنسان، فتقول: -

من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعا. و من أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعا (1).

فالذي يقتل إنسانا دون سبب شرعيّ، فكأنما قتل كلّ من على الأرض من بني الإنسان، و من ينقذ إنسانا يشرف على الموت، فكأنما أحيا العالم أجمع، هذا هو معنى ظاهر الآية.

و يذكر الإمام الصادق (عليه السلام) في ذيل الآية(2)أحد البطون الدقيقة للآية الكريمة، و هو أنّ من أضلّ إنسانا عن الصراط المستقيم، فكأنّما قتل الناس جميعا و ذلك لعظمة هذا الذنب.

و على العكس فمن أنقذ إنسانا من الضلال و جعله من الصالحين، فكأنما أحيا الناس جميعا.

و عليه فالإمام الصادق (عليه السلام) يأمرنا بالحذر من أن نضلّ الآخرين بأقوالنا، و من أن نجعل أطفالنا يظنّون السّوء بعلماء الدّين و المحراب و المنبر.

فلو فعلنا ذلك، فكأنما قتلنا الناس جميعا.

و يوضح (عليه السلام) أنّ علينا الانتباه على ما نقول و نكتب و على سلوكنا، فلو استطعنا هداية شخص إلى الصّراط المستقيم، فكأنما أحيينا الناس جميعا.

و استنادا إلى تفسير الإمام الصادق (عليه السلام) للآية الكريمة يصبح أحد مصاديق معنى الآية هو أنّه لو استطاع زوجان تربية أولاد صالحين، فإنّ ثوابهما على ذلك ثواب من أحيا الناس جميعا، و ليس ثواب من أنشأ مسجدا أن


1) سورة المائدة/ 32.

2) راجع مثلا تفسير البرهان للبحراني أو تفسير نور الثقلين للحويزي.

مدرسة أو أحياء إنسانا واحدا أو اثنين.

إذن فثواب تربية جيل سالم و تقديمه للمجتمع هو أسمى من ثواب كلّ عمل آخر في الإسلام؛ و هذا ما يمكن فعله بتكوين الأسره.

و يؤكّد الكثير من الأحاديث الشريفة المروية عن النبيّ الأكرم و الأئمة الطاهرين (صلوات اللّه عليهم أجمعين) أنّ عمل ابنآدم ينقطع بموته، فلا يعود يستطيع القيام بما ينفعه إلاّ أن يكون قد خلّف «الباقيات الصالحات» و أحد مصاديقها الولد الصالح(1)ذكرا كان أم أنثى، فلو صلّى سجّل لأبيه و أمّه مثل ما له من ثواب الصلاة.

و نفس الأمر يصدق لو صام أو خدم المجتمع أو قام بأيّ عمل من أعمال الخير، فلوالديه مثل ما يعطى له من الثواب.

و لذا يؤكّد الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ عملّ من له ولد صالح لا ينقطع بموته.

و من الأحاديث المشهورة بين السّنّة و الشيعة الحديث الذي يرويه الشيخ الصدوق رحمه اللّه في كتاب «ثواب الأعمال» عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: - «أيّما عبد من عباد اللّه سنّ سنّة هدى كان له أجر مثل أجر من عمل بذلك من غير أن ينقص من أجورهم شيء»(2).

و من مصاديق ذلك بناء المساجد و المدارس و الجسور، و أي عمل عمراني، و لكن أسمى هذه المصاديق تقديم أولاد صالحين للمجتمع.

فلهذا المصداق أجران: أجر نفس تقديم هؤلاء الصالحين للمجتمع،


1) راجع مثلا المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء ج 3 ص 61، الوجه الثالث من الفائدة الأولى من فوائد الزواج، و الحديث ورد مضمونه و بألفاظ متقاربة في المجاميع الروائية الشيعية و السنة..

2) تجده أيضا في بحار الأنوار ج 71 ص 258.

و أجر يشمل ثوابا مثل ثواب كل عمل خير يقوم به الأولاد الصالحون من صلاة و غيرها، فلهؤلاء أجر عليه و لآبائهم و أمهاتهم مثل ذلك؛ و نظائر الحديث المتقدّم كثيرة (و فيها حثّ) للإنسان لكي يقوم بتكوين الأسرة و يقدم أولادا صالحين للمجتمع.

هذا من زاوية الفطرة و قد عرفنا الإسلام و منذ اليوم الأول منسجما بالكامل مع الفطرة.

أما عدو الإنسانية، فهوو منذ البداية أيضايسعى و خاصة في العصر الحديث إلى حرمان المجتمع من الجيل الصالح، و وصلت به الوقاحة حدّ تقديم منهج فلسفيّ لحرمان البشر من نظام تكوين الأسرة، و هذا هو عمل «المفسد في الأرض» فهو يهلك الحرث و النسل على حسب المنطوق القرآني، يقول تعالى -: و من النّاس من يعجبك قوله في الحياة الدّنيا و يشهد اللّه على ما في قلبه و هو ألدّ الخصام(1).

فللبعض بيان معسول للغاية و براهينهم تجذب العوامّ بشدّة حتى إنّهم يقدّمون كتابا و منهجا فلسفيا نظير ما فعله ماركس و دوركهيم و نيتشة و فرويد، و يروّج المستعمرون الشرقيون و الغربيون بكثرة لهذا المناهج، و لكنّ اللّه يعلم ماذا يضمرون من (نوايا شريرة).

ثمّ يوضح القرآن الكريم أنّ هؤلاء هم أعداء البشرية و لم يقل أعداء المسلمين و حسب: - و هو ألدّ الخصام، و بعد ذلك يذكر صفة لهم، و هي أنّهم إذا لم تكن لهم سلطة أفسدوا في بيوتهم و مع أصدقهائهم، و إذا استقووا فمصداقهم: - و إذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها و يهلك الحرث و النّسل و اللّه لا يحبّ الفساد(2).


1) سورة البقرة/ 204.

2) سورة البقرة/ 205.

فعملهم إذا تسلطوا هو إضلال الناس و إهلاك الحرث و النسل.

و لهذا معنيان أو مصداقان بعبارة أخرى -، أحدهما: نظير المصداق الذي شاهدناه في ثورتنا، فإنّ «الكلب الأميركي المدرّب» عندما أطلق و جاء إلى إيران كان عمله في كل قرية يدخلها هو إبادة أهلها، حتى النساء و الأطفال و تدمير كلّ عمران ليس البيوت فقط، بل حتّى المساجد و حتى الأشجار و المزارع.

و هذا أحد معاني إهلاك الحرث و النسل الذي يتحدّث عنه القرآن، فلو تغلّب صدام و أمثاله أو أسياده أو القوى الكبرى شرقية كانت أم غربية على شعب ما، و تسلطوا عليه، لدأبوا على إضلال الناس و ارتكاب المجازر في صفوفهم و تدمير كلّ عمار.

أما المعنى الآخر، فهو أنّ سعي هذه القوى المستكبرة المعادية للبشرية أمثال الحركة الصهيونية هو إفساد الجيل الحاضر بكشف الحجاب أو تشويهه و إخراج المرأة بوضع مأساويّ مبتذل تحت شعار التحضر ليفسد الرجال أيضا بذلك. و ينغمسوا في شهواتهم و يدمّروا جيل المستقبل أيضا.

فمن الواضح أن الجيل المعاصر إذا فسد و دمّر، فإنّ الجيل المستقبلي سيفسد أيضا.

من هنا تكثّف تلك القوى المستكبرة جهودها (الإفسادية) على المدارس الابتدائية و الثانوية و الجامعات و الصغار، فتبعدهم بصورة خاصة - عن المنبر و المحراب و إذا لم تهتم بإفساد الجيل الحاضر خطّطت لإفساد جيل المستقبل.

مدرسة «دوركهيم» تصل بها الوقاحة إلى إنكار الحاجة إلى تكوين الأرثة، و «رسل» الفيلسوف الإنجليزي الذي يحسب له العالم حسابا خاصا - و إن كان في رأينا لا يعرف شيئايصل به جهله في آخر عمره إلى تكرار

القول بأنّ تكوين الأسرة أمر خاطىء!!.

و هكذا كان حال فرعون: إنّ فرعون علا في الأرض و جعل أهلها شيعا يستضعف طائفة مّنهم * يذبّح أبناءهم و يستحي نساءهم إنّه كان من المفسدين(1).

ففرعون كان مفسدا جلب بلاء كبيرا على بني إسرائيل عندما تسلّط عليهم، فأثار الاختلاف بينهم في البداية، و استطاع بذلك أن يذبح أبناءهم و يستحي نساءهم و هو ما يفسّره المفسرون عادة بقطعه رؤوس الأطفال، لكي لا يظهر موسى (عليه السلام) فيما كان يبقي على البنات، و لكنّ بعض المحقّقين و أهل القلب و الذوق يقولون: إنّ المعنى هو أنّه كان يقتل روح الإنسانية و الرجولة لدى الذكور، و يقتل الحياء لدى النساء فيقدّم للمجتمع فتيات دون حياء.

و عليه فإنّ أحد أعمال فرعون هو تدمير جيل المستقبل و إفقاد النساء الحياء.

و ويل للزمن الذي تفقد فيه المرأة حياءها، فقد ذكرت الأحاديث الشريفة أن (اللّه) قسم الحياء عشرة أقسام: تسعة منها للنساء و واحد للرجال.

و لكن ويل للزمن الذي تفقد المرأة أقسام الحياء التسعة هذه، فيصل حالها إلى التجرّؤ على التعطّر و الخروج من المنزل أو أن تجول في الأزقّة و الأسواق سافرة، أي كاشفة (قناعها) متزيّنة لا ترتدي جوربا أو ترتدي جوربا غير ساتر، و تتحدّث مع الرجال و تضاحكهم.

فويل لهذا المجتمع، و ويل لهذه المرأة.

إنّ فرعون كان يقوم بإيجاد مثل هذا الوضع، لكي يستطيع التسلّط على


1) سورة القصص/ 4.

الناس و يعزّز سلطته، فيخطط لسمتقبل هذا الجيل بما يحقّق له هذا الهدف.

و هذا ما يفعله الاستعماريون الآن أيضا، فهم يسعون عادة لاستعمار جيل المستقبل، و هذا ما يمكّنهم تحقيقه إذا أزالوا الحياء عن النساء، و أغرقوهنّ في الشهوات، و انتزعوا الرجولة من الرجال بمعنى أن الرجل يشاهد أجنبيا (غير محرم) ينظر إلى ابنته نظرة شهوانية، فلا يتأثّر أصلا لذلك، أو أنّه لا يتأثّر لخروج زوجته أو ابنته بجورب خفيف غير ساتر، بل يذهب هو لشراء مثل هذا الجورب لها، أو أنّه يرى زوجته لا تهتمّ بستر نفسها، و تتزين لغير زوجها، فلا يبالي بذلك، و في هذه الحالة تجب إقامة «الفاتحة» على مثل هذا المجتمع.

لقد جاء ظهور (سياسات) رضا خان المتجبّر (في إيران) و طاغوت تركية(1)في آن واحد ضمن نفس سياق تلك الأهداف و نزع الحجاب عن النساء.

و في البداية كان رضا خان المتجبر يدّعي بأنّه لم يكن يريد وصول النساء إلى تلك الحالة (الانحرافية) المبتذلة، و كان يتمسّك في كلّ محفل بالقول «إنّ النساء أنفسهن أردن ذلك، و ما أردته أنا نزع الملاءة فقط»!!.

كنت صغيرالعلي لم أتجاوز الأربعة أو الخمسة أعوام عندما كان رضا خن يفعل تلك الأفعال (الشنيعة) في مختلف مدن إيران، و منها إصفهان، كان الرجل الطاعنون في السنّ يعترضون بالتماس، فيجيب أولئك (جلاوزة رضا خان) بأنّهم لا يريدون بهم شرّا، و كل ما يريدونه هو نزع «الملاءة» عن


1) رضا خان ملك إيران الأسبق و الذي جاء به الانجليز للحكم بداية هذا القرن و استبدلوا به حكم العائلة القاجارية، و المقصود من طاغوت تركيا هو «مصطفى أتاتورك» زعيم العلمنة و التغريب في تركيا و هو أيضا من عملاء الإنجليز و قد نصبوه بعد أن أسقطوا دولة الخلافة العثمانية؛ و قد نفذالاثنان سياسات إنجليزية متشابهة في إيران و تركيا بهدف إزالة الصبغة الإسلامية عنها...

النساء و لرتدين ما شئنّ من أنواع الحجاب باستثناء الملاءة و هذا ما كان يريده رضا خان، لأنّ الإنجليز كانوا يعرفون ماذا سيؤول إليه الحال بعد نزع الملاءة، و قد أوصلوه بالفعل إلى ما رأيتموه، فقد كانت المرأة تخرج عارية إلى الشارع، و تفتخر بذلك!!.

قرأت في إحدى المجلاّت في زمن الطاغوت -، أنّ ممثلة سينمائية (إيرانية) - و هي فاسدة بالكامل كانت تجول في الشارع مع زوجها، فالتفّ حولها المصوّرون لالتقاط صور لها و كان ما تلبسه أشبه بقميص النوم، فتعمّدت فتح رباطه، فقام المصوّرون بصنع حلقة حولها ليستروها، حتى اضطرّت إلى إغلاق رباط قميصها، فتوجّهت لزوجها، و قالت: «و عجيب أمر هذه (النجابة (الغيرة) الحمقاء) لدى هؤلاء المصوّرين»!.

فكأنها تقول: إنّها أرادت التعرّي على الملأ، ليلتقط لها المصوّرون صورة. على هذه الحالة، لكنّ هؤلاء التفّوا حولها، و منعوها من ذلك!!.

لقد أوجد رضا شاه و حاكم تركية هذا الفساد بأمر من الإنجليز.

و هذا هو فعل المستعمرين، فرعون أو الإنجليز، هامان أو أمريكة أو الاتحاد السوقيتي أو غيرهم فهم جميعا يعملون لإفساد جيل المستقبل.

فاحذروهم لأنهم يريدون إفساد الجميع، و التزموا بالعمل على وفق ما يريده الإسلام و الفطرة الإنسانية.

فالأجدر أن نفسّر قوله تعالى -: يذبّح أبناءهم و يستحي نساءهمعلى وفق المعنى المتقدّم مثلما فعل بعض من المحقّقين، فيكون معناه أنّ ما فعله فرعون أنّه كان يقتل روح الرجولة في الأبناء و الحياة لدى البنات، فإذا كبروا على ذلك استطاع التسلّط عليهم.

و استنادا إلى ما تقدّم لا تستغربوا ما تلاحظونه في القرآن و الأحاديث الشريفة من تأكيد مشدّد لتكوين الأسرة، فهي وعاء إيجاد الجيل السالم، و هذا

هو الذي يحقّق التطوّر، و يهتمّ بوضع مجتمعه و يوجد العمران و يطوّر العلوم بالاختراعات بالمقدار الذي يثير الحسرة لدى الأجانب، و لكن إذا فسد حقّق ما تريد الحركة الصهيونية التي تخطط للتسلّط على العالم، حتّى لو قتلت ثلثي العالم، كما تقول (أدبياتها).

و لتحقيق ذلك تعمل لترويج نظريات «دوركهيم» - و هو نفسه صهيوني - و نظريات ماركس و هو يهوديّ أيضاو توجد «الشيوعية الجنسية»، و أفكار فرويدو هو أيضا يهودي و أفكار «نيتشه» اليهودي أيضا.

و عندما ندرس التيارات الغربية نجد مؤسّسيها من الحزب الصهيوني و جميعهم يهود، و هدفها تدمير جيل المستقبل.

و على الطرف الآخر يقف الإسلام، و يقول لك: إذا استطعت أن تقدّم للمجتمع ابنا صالحا و بنتا عفيفة، فثوابك عليه أعظم من ثواب بناء مسجد أو الحج أو أيّة عبادة أخرى، و لا ريب في ذلك، فمثلا الإسلام يفضل الذي يقدم طفلين صالحين للمجتمع لكنه لا يستطيع القيام بشيء من أعمال الخير تلك، على الذي يقوم بعمل خيري و لا يستطيع تقديم طفلين صالحين للمجتمع.

و عليه أبارك للنساء اللواتي يقرن في بيوتهن لتربية أطفال صالحين للمتمع، فهنّ فضلا عن كون حالهنّ هو حال المرابط في الخط الأول لجبهات القتال، يعتبر البيت مدرسة لهن، و لهنّ ثواب من أحياء الناس جميعا (لتربيتهن الأطفال تربية صالحة)، و لذلك أرجوكم أيّها الأزواج و الزوجات أن تلتزموا عرى المراقبة لتقديم أولاد صالحين للمجتمع.

* تربية الجيل الصالح:

الإسلام يحذّر كلا الزوجين من التفكير بشخص آخر غير زوجه في أثناء الجماع، كأن يفكّر الرجل بامرأة لا تحلّ عليه أو تفكّر المرأة بغير زوجها خلال ذلك و العياذ باللّه فهناك الكثير من الروايات تؤكد أنّ الطفل الناتج من ذلك إذا

فسدكأن يصبح من الزناة فلا يلوما إلاّ نفسيهما، بل إنّ الإسلام يهتمّ بصلاح الأطفال حتّى إنّه ينهى عن الجماع إذا كان طفل العشرة أيّام مستيقظا و هو في مهده، و يأمر بالذهاب إلى غرفة أخرى ما لم يكن الطفل نائما.

يحذّر من أن يسمع أحد أنفساكم و حديثكم في تلك الحالة، و يحذّر من أن يشاهد وجوهكنّ و أجسادكنّ غير المحارم و من غمز العيون، فكلّ ذلك يؤثرّ في الجيل القادم(1).

إن الكاسب الذي يمازح و يضحك مع إمرأة أجنبية لا يمكنه أن يقدّم جيلا صالحا للمجتمع، فليحذر، فالإسلام يدق له أجراس الخطر، و يدقها للمرأة التي لا تتورّع عن أن يراها غير محارمها، فعلينا جميعا أن ننتبه على ما نقوم به، فالإسلام يأمرك إذا أردت التشيّع بتلاوة الأذان و الإقامة و التكبير في الأذن اليمنى ثم اليسرى للطفل في اليوم الأول لولادته(2)، و يأمر بأن تذيقه تربة الإمام الحسين (عليه السلام) قبل حليب الأمّ، كما يأمرك بمراقبة (حلّية) الطعام و الحليب الذي تغذّيه به و حليب الأم مهمّ جدا في سلامة الطفل و سلامة قابلياته كما أنّ حلّيّة الحليب و الطعام مؤثّرة في ذلك.

ينبغي لنا الحذر، فمثلا لو كانت ألسنتنا بذيئة، فإنها تؤدي إلى إصابة أإفالنا بنفس ذلك، فيقع إثمهم في ذلك علينا بقدر ما يكتب في صحائف أعمالهم، و هذا ما يؤكّده الحديث الشريف المتقدم: - «من سنّ سنّة سيّئة...».

و عليه سيذوق الذي يقدم للمجتمع أطفالا فاسدين عذاب الدّنيا لما يرتكبه هؤلاء من المعاصي.

تذكر إحدى السيّدات أنّها تقوم بنقل أطفالها إلى بيت والديها، إذا نشب


1) راجع وسائل الشيعة ج 14 ص 93 و ما بعدها.

2) راجع المحجة البيضاء ج 3 ص 120 و ما بعدها.

نزاع بينها و بين زوجها، فلا ترجعهم إلاّ بعد انتهاء النزاع و التّصالح.

و هذا عمل جيد للغاية، أيها الزوج و أيتها الزوجة!! إذا أردتما ارتكاب الغيبة أو استخدام كلمات بذيئة و التنازع و السباب فيما بينكم، فأخرجا هذا الطفل من مهده و ألقياه و لو على الثلج -، فإذا انتهى ذلك فارجعاه، فإنّه حتى لو مات جسديّا، لكان خيرا له من أن تموت روحه!! و لذا كان عليكما أن تفكّر دوما بجيل المستقبل.

إنني لأحذّر من الخطر!! فلقد كانت أمّهاتنا في السابق يرتدين الملاءة «الشادور» و الألبسة الطويلة الفضفاضة، و يضعن قطعة صغيرة من الحصى في أفواههنّ عندما يتحدّثن مع غير المحارم، لكي لا تظهر جاذبية أصواتهن، فيما كان آباؤنا مرتبطين بقوة بالقرآن يتلونه صباحا و مساء، و يواظبون على ارتياد المساجد و المنابر.

أمّا نحن، فهذا هو وضعنا!.

فماذا سيصبح حال أطفالنا!!.

فبعد تلك الأمّهات جاءت أمّهات يخرجن بكل جرأة مع الأسف - بناتهن الكبيرات دون ملاءة و لو لا أنّهن يخشين لخرجنّ هنّ أنفسهنّ بلا ملاءة، و يأتين بصدور ظاهرة، ليجلسنّ في إيوان مرقد السيّدة فاطمة المعصومة (سلام اللّه عليها) دون حياء.

و قد نقلت لي إحدى السيّدات أنّها رأت السيّدة فاطمة المعصومة في عالم الرؤيا و هي تقول: - «لقد كنت أضجّ سابقا من الغريبات أما الآن، فالويل من القريبات»!!.

ماذا سيكون مصير الطفل الذي يكبر في كنف مثل هذه الأمّ و في البيت الذي يعجّ بالغناء و الصور المثيرة للشهوة و بالغيبة و النزاع و إثارة الإشاعات و العراك؟!.

فاهتموا بمستقبل الجيل الجديد، و انتبهوا على حالكم في الأقلّلكي لا يخاطبوكم يوم القيامة لا سمح اللّه ب «القتلة» فتنكروا ذلك، و تقولوا:

إنّنا لم نكن نملك الجرأة على ما دون القتل بكثير، فيأتيكم الجواب: - إن كلاّ منكم قد قتل الناس جميعا، لأنّكم لم تهتموا بأطفالكم، و لم تربّوهم تربية صالحة تجلهم نافعين للمجتمع.

المحاضرة العاشرة:

الفصل الرابع

اشارة

• فوائد الزواج

1 - إرضاء الغريزة الجنسية

2 - تربية الجيل الصالح

3 - سكينة النفس

4 - الرجل و المرأة أحدهما زينة للآخر

5 - موطن السلوى و السرور

* فوائد الزواج:

اشارة

تحدثنا أمس عن اثنتين من فوائد الزواج، و هو موضوع الفصل الرابع من بحثنا، و هما إرضاء الغريزة الجنسية، و هي فائدة مهمة من وجهة نظر الإسلام و من وجهة نظر علم النفس.

و الثانية تقديم جيل صالح للمجتمع البشري، و هو أمر مرهون بتكوين الأسرة، و لذا عمد أعداء البشرية دوما إلى محاربة الأسرة، حتّى وصلت بهم الوقاحة إلى عرض فكرة الشيوعيّة (الإباحية) الجنسيّة. و لذلك يجب عليكم أن تولوا قضية تكوين الأسرة أهمية كبرى، لكي تستطيعوا تقديوم جيل صالح للمجتمع.

و هذا العمل يتضمّن بحدّ ذاته. فائدة مهمّة إضافة إلى كونه يمثّل ضربة عنيفة للعالم الغربيّ و عالم الجاهلية الوحشية و للخطط الصهيونية.

كان هذا هو مورد حديثنا أمس، أمّا اليوم، فنتحدث عن الفائدة الثالثة و هي: -

3 - سكن للنفس: -

فالقرآن الكريم يعتبر الزواج عاملا لإيجاد السكن و الاطمئنان النفسيّ لكلّ من الرجل و المرأة، و يعتبر ذلك من آيات اللّه، يقول تعالى: و من

آياته أن خلق لكم مّن أنفسكم أزواجا لّتسكنوا إليها (1).

و إذا بحثنا الموضوع من الزاوية الطبيعية، نجد الرجل عضوا ناقصا دون المرأة، و كذلك حالها هي أيضا، و كلاهما معا يشكلان في الحقيقة وجودا كاملا، إذ يستند كلّ منهما إلى الآخر.

و هذا هوفي الواقع معنى «الزوج» عادة، فالمرأة حسبما يقرّه القرآن و العلوم الطبيعيّة و النفسيّة هي موطن سكن الرجل و استقراره.

وكذلك حال الرجل بالنسبة للمرأة.

و الإنسان في هذا العالم يحتاج إلى من يبثّه همومه، و لو لاحظنا الأمر - بحسب نظرة القرآن و حسب الواقع الطبيعي القائم لما وجدنا أحرص من المرأة على زوجها، و من الرجل على زوجته.

و هذا ما يؤكّده القرآن الكريم في تتمّة نفس الآية المتقدّمة، فبعد أن تتحدّث عن قاعدة الاستقرار النفسيّ تلك يقول: - و جعل بينكم مّودّة و رحمة.

فعلى هذه الحالة من المودّة و الرحمة خلقهم تعالى.

و إذا لم نحطم هذا العامل الاستقراريّ الباعث للطمأنينة المتبادلة، فإنّ الزوجين يتبادلان طبيعيّا هذا التأثير، و تعسا لحال البيت الذي يفتقد ذلك، فهو مثل الفاقد لراحة النوم، و تعرفون ما يصل إليه حال الذي يعدم النوم من اضطراب و إرهاق ذهنيّ و سقم جسدي و هيجان قوة التخيّل.

و نلاحظ هنا أنّ القرآن الكريم يستخدم نفس وصف (السكن» في حديثه عن خلق نعمة «الليل» للنوم و عن خلق الأزواج، فحال الذي لا زوجة له،


1) سورة الروم/ 21.

و حال التي لا زوج لها هو كحال الشخص الذي يفتقد النوم، فكلا الزوجين سكن للآخر، و علينا الحذر من تدمير ذلك.

4 - الرجل و المرأة أحدهما زينة للآخر:

و مثلما يوضح القرآن أنّ كلاّ من الرجل و المرأة عامل استقرار للآخر يؤكّد كذلك أنّ كلاّ منهما زينة للآخر، يقول تعالى -: هنّ لباس لّكم و أنتم لباس لّهنّ(1).

و ل «لباس» هنا معنيان أو ثلاثة، أحدها هو «الزينة» فيكون المعنى هو أن المرأة زينة للرجل مثلما اللباس زينة له.

و نفس الأمر يصدق على الرجل بالنسبة للمرأة، و يشهد على هذا المعنى أنّ القرآن أطلق مفردة «الزينة» في الحديث عن اللباس مثل قوله - تعالى -:

يا بني آدم خذوا زينتكم عند كلّ مسجد و كلوا و اشربوا و لاتسرفوا إنّه لا يحبّ المسرفين (2).

فالمراد هنا هو الأمر بارتداء الألبسة الجيّدة عند الخروج و الذهاب إلى صلوات الجماعة و الجمعة و الاهتمام بالنظافة و الزينة.

و عليه يكون معنى هنّ لباس لّكم و أنتم لباس لّهنّ أنّ النساء زينة لكم و أنتم زينة لهنّ.

و المعنى الآخر للآية هو أنّ الزواج يحصن الرجل و المرأة من الانحراف، و هذا مبحث آخر سنتحدّث عنه غداإن شاء اللّه.

و المعنى الثالث هو أن كلاّ من الرجل و المرأة ستر للآخر، فالرجل بلا


1) سورة البقرة/ 187.

2) سورة الأعراف/ 31.

زوجة مكشوف العورة، و كذلك حال المرأة بلا زوج.

فالآية الكريمة تؤكّد أنّ الرجل و المرأة كلّ منهما زينة للآخر، فيجب حفظ هذه الزينة، يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «المرأة قلادة فانظر إلى ما تقلّده».

فالمرأة للرجل مثل القلادة.

و لذا يجب الاهتمام باختيارها، ثم يتابع (عليه السلام) التأكيد لأهميّة أمر الاختيار، فيقول: «ليس للمرأة خطر، لا لصالحتين و لا لطالحتهنّ.

أمّا صالحتهن، فليس خطرها الذهب و الفضة، بل هي خير من الذهب و الفضة.

و أمّا طالحتهن، فليس التراب خطرها، بل التراب خير منها»(1).

و نفس الأمر يصدق على الرجل، فلو كان يتحلّى بالرجولة و كانت زوجته راضية عنه، فهو نعمة كبرى للمرأة تفوق كلّ الدنيا و ما فيها.

فالإمام الصادق يبين هنا أنّ على الزوجين أن يعرفا عظمة قدر النعمة التي هما فيها، إذا كانا منسجمين فيما بينهما و كان كلّ منهما زينة للآخر.

5 - موطن السلوى و السرور:

إضافة إلى كون الزوج و الزوجة سكنا و زينة بعضهم لبعض، فإنّ كلا منهما سلوى و عامل للترفيه عن الآخر، و أفضل عامل في هذا المجال إذا كان البيت هو حقّا كما يريده الإسلام و كان سلوك كلّ منهما على وفق تعاليمه.

و لعلّ فى محفلنا هذا أشخاصا تتطلّع قلوبهم دوما إلى بيوتهم و العودة


1) جامع أحاديث الشيعة ج 20 كتاب النكاح ص 57 حديث رقم 196 نقلا عن فروع الكافي ج 5 ص 332.

إليها بعد انتهاء عملهم اليومي، لكي يذهبوا عن أنفسهم فيها التعب و النصب و الهموم، و يستعيدوا الحيوية و النشاط.

و لعلّ في هذا المجلس سيّدة تحرص على انتظار زوجها لتفتح له الباب بنفسها، و تزيل تعبه و نصبه بنظرة و ابتسامة واحدة.

و لهذا يقول النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله): - «ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسرّه إذا نظر إليها»(1).

و نلاحظ أنّ الروايات الشريفة تعتبر المرأة الصالحة أفضل من الذهب و الفضة، بل لا تعتبر شيئا بعد الإسلام أعظم قيمة منها.

و على الذين لهم مثلها، كما على النساء اللواتي يحظيّن بأزواج صالحين بحيث يبعث كلّ منهم السرور لدى الآخر أن يحمدوا اللّه على ذلك كثيرا.

و الذي يريده الإسلام هو أن يكون البيت الزوجيّ مبعثا للسرور.

و أفضل أشكال السرور هو الرفقة الودية بين الزوج و الزوجة، فعلى الأزواج أن يتعاملوا مع زوجاتهم بما يبعث السرور لديهنّ، و عليهن أن يفعلن مثل ذلك.

يروى أنّ رجلا جاء إلى الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) و أخبره أنّ لديه زوجة تتعامل معه على وفق تلك الصورة المتقدّمة الباعثة للسرور في قلبه المزيلة للتعب و النصب عنه، فقال (صلوات اللّه عو سلامه عليه و آله):

«... خير نسائكم... الهيئة اللينة المؤاتية التي إذا غضب زوجها لم تكتحل (عينها) بغمض، حتى يرضى و إذا غاب (عنها) زوجها حفظته في غيبته، فتلك عاملة من عمّال اللّه و عامل اللّه لا يخيب»(2).


1) وسائل الشيعة ج 14 ص 23.

2) جامع أحاديث الشيعة ج 20 ص 38 حديث رقم 130، 131، 132 و الأحاديث الثلاثة مروية عن الإمام الرضا عن جدّه الأمير و عنه عن رسول اللّه (ص) دون قصة مجيء الرجل للرسول التي أوردها الشيخ في المتن، و قد وردت قصة الرجل في روايات أخرى...

فهذه المرأة هي مثل الملائكة و ثوابها و عملها عظيم، و كذلك حال الرجل إذا كان على نفس تلك الحالة.

عليكم أزواجا و زوجات أن تنتبهوا لكي لا تحطموا هذه الحالة، فلن يبقى لكم بعدها من تسكنون إليه، و تبثّونه همومكم فطرف الزوجية الآخر هو الذي يزيل عنكم الاضطراب، و يحول دون الإصابة بضعف الأعصاب، و ابتسامات الزوجة و حديثها الوديّ هو الذي يجعل البيت موطن السرور.

و إذا زالت المحبّة و الودّ من البيت أصبح ملوّثا ليس للزوجين و حسب - و يا ليت الأمر ينحصر بذلك بل يصبح أفسد من كلّ مركز فساد.

فإذا رأيتم الأطفال ضعيفي القابليات و المواهب ذوي حافظة ضعيفة و تزداد ضعفا يوما بعد آخر، فاعلموا أن التقصير صادر عنكم، فعادة ما يكون الوالدان سبب أشكال الاضطراب الذي يظهر عند الأطفال فإنّه إذا انعدم الاستقرار و الطمأنينة في البيت تحوّل إلى سجن للمرأة و عامل لانهيار الأعصاب، فلا يعود موطنا للسرور.

يحدث حيانا أن يرغب الوزج في البقاء إلى منتصف الليل في زاوية من الزقاق أو في المقهى، و يفضل ذلك على الذهاب إلى بيته.

و أحيانا تجد الزوجة لاترغب في النظر إلى وجه زوجها. و سبب ذلك هو تدميرنا لتلك الحالة المطلوبة في بيت الزوجيّة، و كونه محل السكن، عبر الكلمات الجارحة و الطلبات غير المناسبة، في حين أن المطلوب هو أن تظل تلك الحالة قائمة بين الزوجين، حتى بعد أن يشيخا بحيث يظهر كلّ منهما جميلا في عين الآخر، فلا تتصوروا أن الجمال هو فقط بهذه الزينة، لا، فالجميل الحقيقيّ هو الذي يكون جميلا في عين الإنسان.

جاء في قصّة «ليلى و المجنون (قيس)» - و لعلّها ليست حقيقة، لكنّ فيها و في قصة «شيرين و فرهاد» عبر لطيفة أنّ العشق بين ليلى و المجنون وصل أسماء الملك في ذلك الزمان، فاستدعاهما كلاهما، و عندما ذهبا إليه، رأى أنّ ليلى ما هي إلاّ بدوية سوداء بشفاه عريضة، و ليست جميلة أصلا - فتعجّب الملك من ذلك و ممّا قاله فيها مجنونها كل أشعار العشق تلك، ففهم المجنون سرّ تعجّبه، فأنشد شعرا طريفا للغاية قال فيه: -

إذا نظرت بعين «المجنون» *** فلن ترى في ليلى غير الجمال!!(1)

فهو (قيس) ينظر إليها بعين الحبّ و العشق، و عندما يقولون له: ويحك إنّها سوداء يجيب بأنّ «المسك» كلّما كان أشدّ سوادا اشتدّت رائحته طيبا!!.

و هكذا يسوّغ نقائصها.

و إذا أحبّت المرأة زوجها لم تعدحينئذقادرة على تصوّر النقص فيه، و حتّى لو تحدّث شخص عن ذلك من باب الحرص، كأن تكون والدتها أو والدها مثلاتصدّت لهما ودافعت عن زوجها؛ و لو أحبۀ الرجل زوجته أصبحت في عينه أجمل النساء حتّى لو لم تكن جميلة أصلا.

و لكن ما تقدّم لا يستدعي أن تذهب النساء إلى السّحرة من أجل استجلاب محبّة الزوج، فهذا خطأ و معصية كبيرة، فقد روي أنّ امرأة قالت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): - «إنّ لي زوجا و به عليّ غلظة، و إنّي صنعت شيئا لأعطفه عليّ (لجأت إلى السحر)، فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «أفّ لك، كدّرت البحار و كدّرت الطين، و لعنتك الملائكة الأخيار و ملائكة السموات و الأرض» فصامت المرأة نهارها، و قامت ليلها، و حلقت رأسها، و لبست المسوح، فبلغ ذلك النبي (صلّى اللّه عليه و آله)


1) ترجمة نثرية لبيت شعر بالفارسية.

فقال: «إنّ ذلك لا يقبل منها»(1).

و معنى عدم قبول ذلك هو أن توبتها تكون بقيامها بواجبات الزوجيّة و رعاية زوجها، و ليس بترك الحياة و الانشغال بالعبادات.

فعلى وفق ما يبيّنه النبيّ الأكرم (صلوات اللّه و سلامه عليه و على آله) فإذا أردت أن يسرّ زوجّك بالنظر إليك، و يراك خير النساء فعليك بالقيام بواجبات الزوجية و رعاية البيت و الأطفال، و عندها سيحبّك زوجك مهما كان سيّئا.

و إذا أدرت أيّها الزوج أن تستجلب حبّ زوجتك، فأعرض عن الكلام الجارح و سلاطة اللسان.

فهذا أحد العوامل المزيلة للمحبّة، فعليك أن تجتنب تقريع زوجتك بمجرّد دخولك المنزل و العياذ باللّه -، فإذا كانت لديك مشاكل و هموم خارج البيت، فتناساها عند دخولك البيت، فليست زوجتك هي التي أوجدتا لك.

و اجتنب الصّراخ و السّباب للأطفال فمثل ذلك من الذّنوب الكبيرة، فإساءة الخلق مع العيال تورث ضغطة القبر.

يروى أنّ أحد خواصّ أصحاب الرسول و هو سعد بن معاذمات فشارك (صلّى اللّه عليه و آله) في تشييعه، و أنزله القبر بيده المباركة، فغبطه الناس على ذلك، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): - «مثل سعد يضمّ؟! (بضغطة القبر)، فقال الراوي قلت: - جعلت فداك إنا نحدث أنه كان يستخفّ بالبول، فقال (ص): معاذ اللّه إنما كان من زعارة في خلقه مع أهله(2).

أجل، فالمسلم ليس فحّاشا، و ليس من الرجولة أن يضرب الزوج زوجته، و ليس ذاك مسلما، و لا ينبغي له تقصّي الهفوات الصغيرة، فمثل هذا


1) وسائل الشيعة ج 14 ص 184.

2) الزعارة: شراسة الخلق و الحديث مروي في الكافي ج 3 ص 236 الحديث رقم 6..

يعرضه لضغطة القبر و سخط اللّه و الرسول الأكرم و الأئمة الطاهرين.

فليعلم الزوج الفحّاش و الزوجة السليطة اللسان على زوجها، أنّ الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: - «... لو رأيت الذين يأكلون الناس بألسنتهم و قد بسطتها بسط الأديم و ضربت نواحي ألسنتهم بمقامع من نار، ثم سلّطت عليهم موبخا لهم يقول يا أيتها النار هذا فلان السليط فاعرفوه...»(1).

في بعض الأحيان نرى رجلا وجيهافي الظاهرلكنّه يصل به الجهل حدّ مخاطبة ابنه ب «ابن الكلب...» بمعنى أنه يسبّ نفسه، و واضح أنّ هذا الأب سيصبح كذلك، فإنّ الفحّاش في بيته يتحوّل إلى وحشيّ في تعامله، و هذه الحالة تصبح ملكة، ثم هويّة له، فيظهر بحسب قانون تجسّم الأعمال بصورة الكلب، و إن كان نفسه لا يرى ذلك، إلاّ إذا كانت لديه عين البصيرة، كان يقول: - «رأيت فلانا بصورة كلب في عالم الرؤيا؛ فسألته لقد كنت إنسانا جيدا فلماذا أصبحت على هذه الحالة، فقال: - آه من سوء الخلق مع العيال، قالها ثلاثا».

و حقّا إنّ الذي يخاطب أطفاله بمثل ذلك أو يشتم زوجته هو كلب حقّا و لو كان الذين يرونه هم من أمثال صدر المتألّهين أو العلاّمة المجلسي لديهم كشف و شهود، لشاهدوه كلبا متوحّشا.

فيا أيتها السيّدة، تجنّبي سوء الخلق، و إلاّ لما كانت صورتك عند ملائكة السماء و عند أهل القلب سوى صورة كلب، حتى لو كنت عند الناس تحظين بالجمال و الشباب و الاحترام و الألبسة الجيّدة.

و يا أيها الرجل إذا كان خلقك هو ذاك، فاعلم أنّك عند الملائكة كلبا


1) سفينة البحار ج 1 ص 337، و الحديث قريب في مضمونه من الترجمة التي أوردها الشيخ في المحاضرة حيث ذكر مصاديق ما يشير إليه الحديث الشريف..

يرونك على هذه الصورة، حتى لو كنت محترما للغاية بين الناس و كان لك نفوذ و مال و جاه و قوّة.

و تشير الأحاديث الشريفة إلى أنّ الذي يرتكب أمثال سوء الخلق و الضرب و السبّ مع العيال تظهر روحه بوصرة كلب، و يخاطب بهذا الوصف «أيّها الكلب: ماذا تفعل» منذ صعوده إلى السماء الأولى ثم الثانية و الثالثة و الرابعة و على نفس هذه الحالة إلى السابعة و اللوح و القلم و بالأخير إلى عرش اللّه و الحضرة الربوبيّة المقدّسة.

بمعنى أنّه يذهب للّه تعالى على هذه الصورة.

و على العكس من ذلك حال الذي يلتزم لما ورد في موضوع هذا اليوم، أي أن يكون كلّ من الزوجين سكنا و زينة و مبعثا للسرور لدى الآخر.

فعندما تصعد روحه إلى السماء تخاطب ب «جاء السيّد أو جاءت السيّدة، جاء المؤمن...».

و يحظى برضا اللّه عندما يلقاه و معلوم مآل من يحظى بذلك مثلما هو معلوم أيضا مصير من يسخط اللّه عليه.

اللهمّ، إنّا نقسم عليك بأطفال أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) أن تتفضّل علينا جميعازوجات و أزواجابأن تجعل بيوتنا موطنا للسرور و الاستقرار، و أن يكون بعضنا زينة للبعض الآخر.

اللهمّ، إنّا نقسم عليك بعزّتك و جلالك أن تتكرّم على أولادناذكورا و إناثابزوجات و أزواج، يكونون قرّة أعين لهم في الدّنيا و الآخرة.

المحاضرة الحادية عشر:

الفصل الرابع

6 - تهذيب النفس

• مقام الصبر

7 - الأسمى من نافلة الليل

6 - تهذيب النفس:

اشارة

الفصل الرابع منبحثنا هو حول تأسيس الأسرة و فوائده و قد تحدّثنا فيما سبق عن خمس منها.

و من الفوائد الأخرى المهمّة هنا هو تهذيب النّفس بل الوصول إلى مقام التحلية بمعنى أنّ الرجل و المرأة بالخصوص يستط يعان تهذيب النفس و تحقيق مقام التخلية، بل تحقيق مقام التحلية و اكتساب الفضائل في بيت الزوجية. و تحقيق هذين المقامين أمر صعب للغاية، كما يؤكّد علماء الأخلاق، إذ ينبغي أن ينجح الإنسان أولا في استئصال الصفة الرذيلة، ثم يغرس في نفسه شجرة الفضيلة، و يكتسب إحدى الصفات الإنسانيّة، و لا يستطيع بنو الإنسان عادة طيّ هذه المنازل، لأنّهم لا ينشطون في العمل في هذا المضمار: -

فلا اقتحم العقبة * و ما أدراك ما العقبة * فكّ رقبة (1).

فهذه العقبات صعبة، و يصعب عل يالإنسان عادة أن يحرر نفسه من الصفات الرذيلة و يستأصلها من نفسه، بل يصعب أن يكبح جماحها على الأقل.


1) سورة البلد/ 11-13.

و لكن بتحقيقه ذلك يصل إلى المقام الثاني و هو غرس شجرة الفضيلة محلّ شجرة الرذيلة التي استأصلها، و هذا أصعب من الأول، كأن يتخلص من الجزع و الفزع، و يكتسب ملكة الصبر بدلا من ذلك.

فهذا أمر صعب يستلزم كما يقول علماء الأخلاق عملا دؤوبا مستمرا ليلا و نهارا، إذ إنّ النفس الأمّارة (بالسوء) مثل الفيل الذي على صاحبه أن ينتبه عليه و يردعه باستمرار لأنّه إذا غفل عنه لحظة، جلب البلاء على نفسه و على صاحبه.

كذلك حال النفس الأمّارة و رذائل الصفات، فهي تحتاج إلى مراقبتها ليلا و نهارا و كدحا مستمرا لكي يستطيع الإنسان استئصالها و يخلي نفسه منها، و اعلموا أن هذا هو الهدف من بعثة الأنبياء و رسالاتهم كافة، يقول تعالى -:

هو الّذي بعث في الأمّيّين روسلا منهم يتلوا عليهم آياته و يزكّيهم و يعلّمهم الكتاب و الحكمة (1).

فالنبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) جاء بمعجزة القرآن من أجل تهذيب الناس و تزكيتهم و رفع مستواهم الثقافي، أي للتعليم و التربية و بحسب المنطوق القرآني للتربية (التزكية) و التعليم.

و هذا أمر صعب و قد بذل الأنبياء من أجله جهودا مضنية، لكنهم لم يحقّقوا ما أرادوا بالكامل فهو أمر صعب.

إنّ على كلا الزوجين و المرأة خاصة الانتباه إلى أنّ بيت الزوجية مدرسة و كتاب و معلّم للأخلاق، و أن تأسيس الأسرة يعني تشكيل مجلس أخلاق. و البيت الزوجي يقوم في الواقع بمهمة مزدوجة إذ يحدث أحيانا أن يجتهد معلّم أخلاقي لتهذيب تلميذه فإذا تحقق ذلك ينقله إلى مقام التحلية،


1) سورة الجمعة/ 2.

أي: يجعله يكتسب الفضائل الإنسانية.

و لكن يحدث أحيانا أخرى أنّ معلم الأخلاق و في نفس الوقت الذي يعمل فيه لتهذيب تلميذه يزينه بالصفات الإنسانية.

و هذا هو حال الأسرة (الإسلامية)، و هذا هو عمل كلّ من الزوجين تجاه الآخر، و عمل كلّ منهما تجاه الأطفال و كذلك عمل الأطفال تجاه الوالدين، فالجميع يقومون بمهمة مزدوجة.

* مقام الصبر

إذا كان الزوجان يقظين، فهما قادران على إبعاد الجزع و الفزع عنهما - من خلال الخدمة المتبادلة و تربية الأطفال -، و على استئصال هذه الصفة الرذيلة التي تبدو و كأنها جزء ثابت في ذات الإنسان، حتى إنّ القرآن الكريم يقول: - إنّ الإنسان خلق هلوعا * إذا مسّه الشّرّ جزّوعا * و إذا مسّه الخير منوعا * إلاّ المصلّين(1).

فالإنسان مثل الحصى الصغيرة المتناثرة في الأزقّة تنقلها أقدام المارّة أيّا كانوامن هنا إلى هناك و هكذا، و هذا الهلع يجعله يجزع لأدنى مصيبة تصيبه، و يجعله يتكّبر إذا أقبلت عليه الدنيا.

فصفة الجزع و الفزع مذمومة في علم الأخلاق، و المتّصف بها يتأذّى من الكلمة الصغيرة و العمل الصغير غير المؤدّب الذي يصدر عن ولده، فيرتفع صراخه بسبب ذلك.

و هذه الصفة السيئة موجودة عادة في الناس.

أما الصفة (الحسنة) المقابلة لها، فهي صفة الصبر و الاستقامة التي يؤكّدها القرآن الكريم كثيرا يقول تعالى -: - إنّما يوفّى الصّابرون أجرهم


1) سورة المعارج/ 19-22.

بغير حساب (1).

فلكلّ عمل ثواب بمقدار عامل الخدمة (القيمة) فيه، فللصلاة أجرها المحدد و كذلك حال الصوم و الخمس و الزكاة و حتى الجهاد.

أما العمل الذي لا حدّ لثوابه، فهو الصبر على المصائب و البلاء، الصبر في تربية الأطفال صبر الزوجة على مساوىء زوجها، و صبر الزوج على مساوىء الزوجة، و خير محل للصبر هو بيت الأسرة، فإذا كان الزوج يقظا (مراقبا) استطاع أن يصبح إنسانا بالصبر على سوء أخلاق زوجته! و يصل مقام الصبر.

و للجنّة ثمانية أبواب أحدها خاص بالصابرين على البلاء و المصاب، و عن المعصية و على الطاعة و العبادة، فهؤلاء يدخلون الجنة من هذا الباب و هو أفضلها، إذ يدخل منه الأئمة الطاهرون، فقد واجهوا الكثير من المصائب و صبروا عليها، فالإمام الحسين (عليه السلام) يدخل منه.

أسر الشهداء المحترمة إذا تحلّت بالصبر و انتبهت على أنّ للمصائب التي حلّت بهم جنبة تربوية بنّاءة.

كما يدخل من هذا الباب الزوجة التي تربّي أبناءها تربية بصورة صحيحة، و تصبر على المشاكل و تلك الصابرة على مساوى زوجها، و ذاك الزوج الذي يتجنّب الانفعال تجاه الأمور التي لا يرغب فيها في البيت، فلا يجزع و لا يفزع لذلك.

و الأسمى من ذلك و من الجنّة هو أن ينجح الإنسان في تخلية نفسه من صفة رذيلة و غرس فضيلة محلّها.

و لقد قلت مرارا إنّ جدارة الإنسان لا تثبت في الذهاب إلى الجنّة أو عدم


1) سورة الزمر/ 10.

الذهاب إلى النار، فقلة من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) يذهبون إلى النار و إن عانوا العذاب في البرزخ و القبر، حتى الذين يذهبون إلى جهنّم فمكوثهم فيها مؤقت.

فليست الجدارة إذن في عدم دخول النار، فالمجانين أيضا لا يدخلونها، و لا في دخول الجنة فالأطفال يدخلونها أيضا بغير حساب إذا ماتوا صغارا، فإذا دخلتها أنت أيضا بغير حساب، فليس ذلك علامة جدارتك، فعلامة الجدارة هي الحصول على رضا اللّه سبحانه و تعالى -، هي أن يجعل قلبه محلاّ و عرشا للّه في هذه الدنيا: - «قلب المؤمن عرش الرحمن»، و من يستطيع ذلك؟!.

إنه الذي ينجح في تحقيق مقامي التخلية و التحلية أي أن ينجح في قلع شجرة الرذيلة و غرس شجرة الفضيلة.

و بيت الزوجية هو معلّم جيد في هذا المجال، فالعفو و التضحية و الإيثار هي من الفضائل التي لا توهب لأيّ كان، في حين أنّ ضيق الأفق و التعامل الخشن (سوء الخلق) و الروح الانتقامية هي من الصفات الموجودة أيضا في الحيوانات المتوحشة.

و أفضل مكان يستطيع فيه الإنسان التخلّص من هذه الرذائل و من البخل، و التحلي بفضائل الإيثار و التضحية و العفو هو البيت.

إن التربية الصحيحة هي التي لا يكون فيها ضرب أصلا، فغلبة القوي على الضعيف بمعنى أن يقتدر على ضرب زوجته، فيفعل هي من صفات الحيوانات، فمثلا ضعوا مقدارا من العلف أمام حيوانين، عندها ترون أنّ الأقوى يزيح الآخر، و يأكل العلف وحده.

و هذا هو حال القوى التسلطية في عالم اليوم أمثال أمريكة، و الاتحاد السوقيتي و فرنسة و إنلجترة و غيرها من البلدان التي يحكمها منطق غلبة القوي

على الضعيف.

بمعنى أن دأبها هو امتصاص دماء المستضعفين.

و الزوج الذي يضرب زوجته في البيت يعمل على وفق منطق الغاب هذا، فهو حيوان، و ليس إنسانا مسلما.

حتى لوكانت المرأة مخطئة بالكامل، فلا ينبغي للزوج أن يضربها.

فلو ضربها و احمرّ وجهها، لأصبح مدينا لها بمثقال من الذهب.

و إذا اسودّ بدنها، كان دينه لها ثلاثة مثاقيل ذهب.

أيجوز ضرب الزوجة عند تقصيرهاتقصيرا فادحا؟!.

و هل يجوز ضرب الطفل دونماداع؟! و هل يجوز سبّها و سبه؟!.

إنّ هذه الظواهر ليست من عمل الإنسان، بل أفعال الكلاب المتوحّشة أمثال صدام و ريغان.

و لذلكتنصب يوم القيامة خيمة من نار، و يضعون فيها لاظلمة سواء أكان رجلا ضرب زوجته أو زوجة عنّفت زوجها.

و تذكر الأحاديث الشريفة أنّ من أعان الظلمة حتى بوضع الحبر في دواة الظالم يأخذون إلى تلك الخيمة فيبقون فيها حتى تنتهي محاسبة الخلق و عندها يدخلونهم جهنم جميعا، و السبب هو أنه كان يظلم زوجته بضربها.

و لو أصبح مثل ريغان، لكان قد ضرب العالم كله؛ أي لو امتلك قوة كبرى عالمية، لظم العالم أجمع.

و لو امتلك قوة السيطرة على بلد أو محافظة أو مدينة أو قرية، لظلم ما تسلّط عليه و إذا لم يكن قادرا على ذلك ضرب زوجته و أطفاله.

و إذا كانت زوجته متسلّطة عليه ضرب قطة!!.

ضربه القطة يكشف أن جذور الظلم حيّة فيه و لو تسلّط على الدنيا، لظلمها.

من يستطيع الحصول على مقام التسامح و الإيثار و التضحية؟!.

و من يقدر على التخلص من ضيق الأفق و يستبدله بسعة الصدر؟!.

إنّها السيدة التي تعفو عن سيئات زوجها، و لا تطلع أحداحتّى والديهاعلى ما يقوله و تصبر على مساوي زوجها و تناجي ربّها بالقول:

• «اللهمّ إنني ألتزم عرى الصبر سعيا لرضاك، فقد أمرت بالصبر.

اللهمّ اغفر لي و اغفر له، فقد ضربني.

اللّهم و اهدني و إيّاه و اجعلنا معا من أهل الجنة».

فمثل هذه السيدة تكتسب من خلال ذلك سعة الصدر و مقام الإيثار و العفو و التضحية، و لذا تحشر مع الزهراء (عليها السلام) التي كانت تتحلّى بهذه الخصال حتّى إنّها هي و أسرتها كانوا صائمين و قد أعدّت بيديها المباركتين لإفطارهم خمسة أرغفة من الخبز، و لكن عندما جاء سائل يستعطيها أعطته تلك الأرغفة، و أفطرت و أطفالها على الماء، هكذا حدث في اليوم الثاني و الثالث.

و قد نزلت في ذلك آية من الذكر الحكيم: - و يطعمون الطّعام على حبّه مسكينا و يتيما و أسيرا...(1).

و لا تتصّوروا أنهم (عليهم السلام) لم يكونوا بحاجة لذلك الخبز، بل إنهم كانوا جياعا و كان ذاك طعام إفطارهم.

هذا هو حال المرأة التي تصبر على المصائب و البلاء.

أمّا الزوج الذي يصبر على البلاء و يؤثر و يضحي و يعفو في تعامله في


1) سورة الدهر/ 8.

البيت، فهو يحشر مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال تعالى -: -

و يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة (1).

و قد ورد العديد من أسباب النزول لهذه الآية المباركة منهاقصة الرّمّانة التي اشتراها الإمام علي (عليه السلام) للزهراء (سلام اللّه عليها) و كانت مريضة، و وصفوها لعلاجها، فقد عاد (عليه السلام) فقيرا ضريرا كان مريضة، فسأله عن حاله، فقال له: لو كانت لديّ رمانة واحدة لتحسنت صحّتي، فأخذ الإمام تلك الرمانة (التي كان في غاية الحاجة إليها لمعالجة الزهراء) و أطعمها لهذا الفقير المريض حبّة حبّة بيده الشريفة.

و الذي يريد أن يحشر مع أمير المؤمنين (عليه السلام) فعليه الاقتداء بهذا الإيثار العلوي و هذه التضحية، أي أن يتشبّه به.

و معنى الشفاعة أساسا هو التشبّه. فإذا أردتم نيل شفاعة أهل البيت، و إذا أرادت السيّدات شفاعة الزهراء، فيجب عليكم التشبّه بهم، و يجب عليهن التشبّه بها (عليها السلام) بمعنى التحلّي بالتضحية و الإيثار و الصبر على المصائب.

طوبى لكم يا أسر الشهداء، و يا أيّتها الأمهات و الآباء الموترون و يا أيّها المعوقون و الجرحى طوبى لكم جميعا إذا تحلّيتم بالصبر.

طوبى لكنّ أيّتها الأرامل اللواتي تربين أيتام الشهداء، فلو كان شهداؤكنّ قد قتلوا مرّة واحدة، و فازوا بالمقام اللاحق لمقام الأنبياء و الأوصياء، فاعلمن أنّ لكنّ كلّ يوم مثل ثواب الشهيد، فالشهيد ذهب للجبهة، و قتل مرّة واحدة.

أمّا أنتنّ، فإنّكنّ حاضرات كلّ يوم في الخط الأوّل للجبهة، و كذلك


1) سورة الحشر/ 9.

حالكم يا آباء الشهداء.

إنّي كلما رأيت أسر الشهداء المحترمة، حصل عندي هيجان داخلي، فحياة هؤلاء الأرامل المتكفلات بالأيتام صعبة، و لكن الإنسان عندما يرى عاقبتها تهون مشاكلها.

فعندما يرى أنّ هذه السيدة تحصل بصبرها على ملكة الصبر، و أنّ والدي الشهيد يستطيعان بصبرهما و عدم الجزء و الفزع الانتقال من مقام التخلية إلى مقام التحلية، عندها يصبح الأمرعندهم يسيرا و يسيرا جدا.

و واضح أنّ حياة الفقراء صعبة، و لعلّه ما من مرض أشدّ من الفقراء بعد مرض فقدان الإيمان، و لكن هل تعلم أيّ مقام يصله الفقير الصابر على فقره أو المرأة الصابرة التي لا يستطيع زوجها توفير المصارف بالدرجة المطلوبة - فتصبر و لا تشهر الحاجة، و تشكر زوجها و تسلّيه؟!.

ورد في أحد الأحاديث الشريفة أنّ اللّه تعالى يتحدّث بلغة المعتذر مع الفقراء يوم القيامة(1)، أي أنّ الزوج الذي يرغب في أن يوفر معيشة مرفّهة لعياله و لا يستطيع و ذاك الذي يؤذيه عدم استطاعته تسديد فروضه، و تلك السيدة التي تحبّ أن يكون أطفالها في رفاهية، فلا يقدر زوجها على ذلك، فلا تشتكي له، بل تسلّيه، هؤلاء يعتذر منهم اللّه تعالى يوم القيامة.

فأيّ مقام أسمى من هذا؟!.

فلا غرابة أن يدخل هذاالاعتذار السرور على هؤلاء و على الذين تحمّلوا المحن و المصائب، فيتمنون أنهم لو كانوا قد تعرضوا في الدنيا للتقطيع إربّا


1) ورد هذا المعنى في حديثين في كتاب المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء ج 7 ص 323 (كتاب الفقر و الزهد)، الأول يرويه الغزالي عن الرسول الأكرم (ص) و الثاني يرويه الفيض نقلا عن الكافي للكليني عن الإمام الصادق (ع)...

إربا، لتكون منزلتهم في الآخرة أسمى، الأهمّ من ذلك هو أنّهم اكتسبوا في هذا العالم ملكة الصبر.

البيت مدرسة و أية مدرسة؟! فهي تنجز مهمة مزدوجة إذ تمكّن الإنسان من قلع رذائل الصفات، و زرع شجرة الفضيلة.

فيا أيّتها السيّدة إذا كان زوجك سيئا، فاصبري عليه من أجل اللّه - و لكي تتحلّين تدريجيا بملكة الصبر، فتحلّيك بها خير لك من الدنيا و الآخرة.

و يا أيها السيد، اصبر إذا كانت زوجتك سيّئة الخلق و عليك بالتحلّي بسعة الصدر. و تكيّف معها، حتى تستأصل تدريجيّا الجزع و الفزع و تغرس مكانة ملكة الصبر في داخل نفسك و اعلم أن قلعك لتلك الرذيلة و غرسك لهذه الفضيلة، هو خير من الدنيا و الآخرة و أسمى من الجنة و نعيمها، فاللّه يرسل عليك بذلك صلواته و رحمته: -... أولئك عليهم صلوات من ربّهم و رحمة(1).

7 - الأسمى من نافلة الليل:

الفائدة الأخرى لتكوين الأسرة هي أنها تعني إيجاد مسجد، بل أسمى، لأنّ ثواب حسن قيام المرأة بواجبات الزوجية و تربية الأولاد أعظم من ثواب أية صلاة مستحبّة، حتى صلاة الليل ذات الأهمية الكبيرة جدا، التي توصل إلى «المقام المحمود» كما ينص على ذلك القرآن الكريم، فيقول: و من الليل فتهجّد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربّك مقاما محمودا(2).

فلا يستطيع أحدا إدراك ماهية هذا «المقام المحمود» إلاّ الذي يصل إليه، و لكنّ الأعظم من ثواب نافلة الليل هو قيام المرأة بإرضاع ولدها في


1) سورة البقرة/ 157.

2) سورة الإسراء/ 79.

الأسحار و مناغاته حتى ينام أو قيام الزوجين بواجبات الزوجية تجاه الطرف الآخر.

و قد ورد في الأحاديث الشريفة أن اغتسال الزوجين من الجنابة يؤدّي إلى تطهيرهما من كافة الذنوب،(1)و أنّ كلّ قطرة من ماء الغسل تصبح ملكا يستغفر لهما إلى يوم القيامة. و أنّ أنفاس الحامل و نومها عبادة، و صعوبة (الحمل) عبادة، فإذا ولدت تطهّرت من ذنوبها مثل طهارة وليدها، ثم تخاطب باستئناف العمل و اجتناب المعصية(2).

كما أنّ للرجل الذي يعين عياله في عمل البيت ثوابا عظيما أوصله الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) إلى درجة ثواب الشهيد في حديثه للإمام علي (عليه السلام) عندما رآه يساعد زوجته بتنظيف العدس فيما كانت تقوم الزهراء (عليها السلام) بسائر أعمال المنزل(3).

أتت إمرأة إلى النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) و طرحت قضية لا تتعلّق بها وحدها و لا بنساء المدينة و حسب، بل بجميع النساء إلى يوم القيامة و سألت عن سرّ تمييز الإسلام للرجال على النساء، فأنكر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك، فأشارت المرأة إلى عدم استطاعة النساءمع انشغالهنّ برعاية شؤون المنزل و الأطفال حضور صلوات الجماعة و الجمعة و المجالس (الدينية)، و عيادة المريض و تشييع الجنائز و أداء الحج المستحب و الأهم من كل ذلك عدم قدرتهن على المشاركة في الجهاد (و حرمانهن بذلك من ثواب كل هذه الأعمال).


1) راجع جامع أحاديث الشيعة ج 20 ص 10 الحديث (29) نقلا عن دعائم الإسلام.

2) راجع مستدرك الوسائل ج 1 ص 79 من الطبعة القديمة باب نادر ملحق بأبواب النفاس.

3) الرواية ينقلها بكاملها المحدث الكبير التقي الشيخ عباس القمي في كتابه القيم سفينة البحارالمجلد الثاني مادة «عدس».

الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) سرّه ذلك القول (المعبّر عن الشوق للطاعات و أعمال الخير) فتبسّم، و قال كلمة موجّهة لنساء المدينة و عموم النساء إلى يوم القيامة فخاطبهنّ (في جوابه لتلك المرأة): -

«حسن تبعّل إحداكنّ لزوجها و طلبها مرضاته و اتباعها موافقته يعدل كلّ ذلك»(1).

فهو يبين أن ثواب حسن القيام بشؤون بيت الزوجية و إرضاء الزوج يعدل - بالنسبة للزوجة ثواب حضورها صلاة الجمعة و الجماعة و عيادتها المريض و أدائها الحجّ المستحبّ و الجهاد و الاستشهاد.

(و مع الأسف) فإنّ كافة النساء: - زوجات الكسبة و التجار و المثقفين و غيرهم و من أهل المدن أو القرى و اللواتي يحضرن المجالس الدينية و غيرهن قد أضعن «فتحات الدعاء»(2)فلا يعرفن ماذا يفعلن، و نسين ما قاله اللّه و رسوله؛ فالسيدة تتوهّم أنّ الثواب فقط في الذهاب للحجّ في حين تفيد الروايات أنّ للمرأة التي تعدّ طعام إفطار، و تفرش المائدة، ثم تجمعها (بعد الإطعام) ثواب الشهيد.

طلبت سيدة مني أن أعمل ما يجعلها تؤدّي حجة مستحبة، فقلت لها:

إذا أردت ثواب سبعين حجّة فأعطني المال (المخصص لهذه الحجة) لأنفقه على الفقراء و الضعفاء و المساكين و الأغنياء من التعفّف، فالإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) يؤكّد أنّ توفير احتياجات أسرة واحدة لمدة أسبوع أفضل من سبعين حجّة»

فغضبت هذه السية و استشاطت، و قالت: - كلاّ، إذا استطعت،


1) راجع ميزان الحكمة ج 9 ص 97.

2) إشارة إلى القصة التي ذكرها العارف الرومي و قد تحدث عنها الشيخ في محاضرة سابقة.

فافعل و إلاّ قل لا أستطيع!! فأنا أريد الحج.

نعم، لقدنسينا (عظمة) ثواب قيام الزوجة برعاية شؤون زوجها و أطفالها و بيتها، و نسينا أنّ «الكاد لعياله كالمجاهد في سبيل اللّه».

أي أنّ عليك أيها الزوج أن تعلم أن لعملك ثواب الحضور في الجهاد إذا كان من أجل رفاهية عيالك و أن تبسمك لزوجتك و شكرك لها و عملك لأجلها سيتحوّل إلى «حور عين» لك، و هؤلاء لسنّ كنساء الدنيا، فلو أتت واحدة منهنّ إلى أهل الدنيا لأغنتهم عن الحاجة للشمس، و لهلك الرجال عشقا لها، فالزوجان اللذان يحسن كلّ منهما تعامله مع الآخر، و يتحابان إنما يخلقان بذلك لأنفسهم «حورا عينا» و كل ما في الحياة الأخرى من حور و قصور و رياض و غيرها يجب تهيئته هنا، فقد رأى الرسول الأكرم في معراجه أنّ العاملين في الجنّة يتوقّفون فترات عن العمل، ثم يواصلونه، فأوضح له جبرائيل أن سرّ ذلك هو أنّ موادّ البناء تأتيهم من الدنيا!.

المحاضرة الثانية عشر:

الفصل الخامس

اشارة

•

المودة و الرحمة في البيت

•

آفات المودة

1 - سوء الخلق

2 - السباب و الضرب

3 - التعيير و الانتقاص

* المودة و الرحمة في العائلة:

اشارة

الفصل الخامس من بحثنا يدور حول المودة و الرحمة في البيت، و لعلّه أهم من كل ما تحدّثنا عنه في الفصول السابقة، و لذا يجب أن نتوسّع فيه، و ألتمس بقية اللّه عجل اللّه تعالى فرجه أن يتلطّف علينا لكي نستطيع العمل بمحتويات هذا الفصل.

البيت و الأسرة تقوم على أساس المودّة و الرحمة مثلما أنّ العالم يقوم على أساس قانون الجاذبية بدءا من الذرّة و انتهاء بالمجرّات بحيث لو تعطّل هذا القانون لحظة واحدة، لاختل نظامه و زال عالم الطبيعة، كذلك الحال مع المودّة.

فإذا زالت من البيت و الأسرة، خرب البيت و تلاشت الأسرة.

و يحسن أن يقول: إن البيت الخالي من المودّة هو مثل القبر المسلّط فيه العذاب، فهذا البيت يفتقد الحياة الحقيقية، فليس فيه سوى الموت، الموت التدريجي المقرون بالعذاب.

و لذلك كان من ألطاف ربّ العالمين أنه جعل المودة و الرحمة حالة طبيعية (فطرية) عند تأسيس الأسرة، يقول تعالى -:

و من آياته أن خلق لكم مّن أنفسكم أزواجا لّتسكنوا إليها و جعل

بينكم مّودّة و رحمة (1).

إذن فمن آيات اللّه تعالى هي أنّه خلق للرجل امرأة و للمرأة رجلا ليشكّلا أسرة، و يكون كلّ منهما سكنا للآخر و لتكوين الأسرة جعل بينهم مودّة و رحمة، فأزال النقص عن الأسرة فمن الواضح أنّ بناء البيت لايمكن أن يتم بالصخر و الآجر و الحديد فقط بل يحتاج إلى ملاط أيضا، و نفس الأمر يصدق على بناء بيت الزوجية، و لقد قرأت إذا تتذكرون حديثا شريفا في الأيام الأولى، و هو أنّ النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) قال: - «ما بني بناء في الإسلام أحبّ إلى اللّه عزّ و جلّمن التزويج»(2).

و المودّة و الرحمة هي ملاط هذا البناء و مثلما أنّ مواد البناء بدون ملاط هي ركام لا أكثر كذلك حال العائلة إذا خلت من المودة؛ و الحديث هنا يشمل موضوعين الأول هو العوامل التي تؤدي إلى زوال هذه المودة التي أنعم بها اللّه - تعالى و الآخر: - العوامل التي تزيدها.

ألف: آفات المودة:

1 - سوء الخلق:

العامل الأول الذي يزيل المودة من البيت و يحطم زجاجتها هو سوء الخلق و النزاع و الاختلاف و الجدال، إذا كانت المرأة سليطة اللسان في تعاملها مع زوجها تسيء إلى مشاعره في الكلمة الأولى من حديثها؛ و إذا كان الرجل سيّىء الخلق، فإن صراخه و عنف تعامله يوجه (- مثلما يفعل سوء خلق الزوجة -) ضربة للمودة في الدرجة الأولى، و إذا استمر سوء الخلق من كلا الطرفين، فإنّه سيهشم زجاجة المحبة بلا ريب و الأشدّ أنه يحول المودة إلى نفرة (و كرها) و قسوة متبادلة خاصة إذا اشتمل سوء الخلق و النزاع على


1) سورة الروم/ 21.

2) وسائل الشيعة ج 14 ص 3.

كلمات جارحة متبادلة و العياذ باللّه كأن تعيّر المرأة زوجها بمدح رجل آخر و حياة رجل آخر، أو يفعل الزوج و العياذ باللّه مثل ذلك بمدح زوجة جاره، فهذا العمل مدمّر حتى إنه لا يقتصر على إزالة المودّة و الرحمة و حسب، بل يقوم أيضا بإحلال الكره و البغض و القسوة محلّهما، و ينبغي لنا الحذر و المراقبة لكيلا تقع مثل هذه الأمور في حياتنا.

2 - السباب و الضرب:

إنّ موضوع السباب و البذاء و الضرب لا يرتبط أصلا بموضوع بحثنا أخلاق الأسرة، و أكرر القول أنّ الإنسان الفحّاش رجلا كان أو امرأة هو عديم الشخصية و مهجور من قبل اللّه و رسوله و الأئمة الطاهرون.

يروى أنه: - «كان لأبي عبد اللّه (عليه السلام) (الإمام الصادق) صديق لا يكاد يفارقه إذا ذهب مكانا، فبينما هو يمشي معه في الحذّائين و معه غلام له سندي يمشي خلفهما، إذ الرجل يريد غلامه ثلاث مرّات، فلم يره، فلمّا نظر في الرابعة قال: - يا ابن الفاعلة أين كنت؟!.

قال (الراوي) فرفع أبو عبد اللّه (عليه السلام) يده فصكّ بها جبهة نفسه، ثم قال: - «سبحان اللّه! تقذف أمّه؟! قد كنت أرى لك ورعا، فإذا ليس فيك ورع.

فقال: - جعلك فداك إنّ أمّه سنديّة مشركة.

فقال (ع): - «أما علمت أنّ لكلّ أمّة نكاحا (يحتجزون به من الزنا - رواية أخرى)، تنحّ عني.

قال (الراوي): - فما رأيته يمشي معه، حتّى فرّق بينهما الموت»(1).

ماذا نستفيد من هذه الرواية؟ إنّ ما تبينه هو أن ما يوجب سخط اللّه على


1) الأصول من الكافي للكليني، باب البذاء الحديث الخامس.

الإنسان، هو أن يقوم الرجل بإساءة القول لطفله و لو كان مخطئا أو لزوجته حتى و لو كانت مخطئة، أو أن تفعل هي ذلك حتى لو كان زوجها مخطئا.

و مثل هذا العمل يسبب سخط الزهراء و نبي الإسلام و الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) و منهم إمام عصرنا (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف)، و من جهة أخرى يتجسّم هذا العمل (البذاء) بصورة سيّئة للغاية فترافق صاحبه الفضيحة في عالم البرزخ و القيامة.

يروى (عن الإمام الباقرعليه السلام قال): - «دخل يهوديّ على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عائشة عنده، فقال: السام (السيف) عليكم.

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «عليكم».

ثم دخل (يهودي) آخر، فقال مثل ذلك، فردّ عليه كما ردّ على صاحبه.

ثم دخل آخر، فقال مثل ذلك، فردّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كماردّ على صاحبيه.

فغضبت عائشة فقالت: - عليكم السّأم و الغضب و اللعنة يا معشر اليهود يا إخوة القردة و الخنازير.

فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): - «يا عائشة إنّ الفحش لو كان ممثّلا لكان مثال سوء، إنّ الرّفق لم يوضع على شيء قطّ، إلاّ زانه، و لم يرفع عنه قطّ إلاّ شانه.

قالت: - يا رسول اللّه أما سمعت إلى قولهم: السّام عليكم؟.

فقال: - «بلى، أما سمعت ما رددت عليهم؟ قلت:

• عليكم...»(1).

1) أصول الكافي ج 2، كتاب العشرة، باب التسليم على أهل الملل.

إذن فالحديث يبيّن أنّ الفحش يتمثّل بصورة سيئة تلازم الإنسان في القبر و البرزخ و المحشر، يقول تعالى -:

يوم تجد كلّ نفس مّاعملت من خير مّحضرا، و ما عملت من سوء تودّ لو أنّ بينها و بينه أمدا بعيدا (1).

فالنفس تتمنّى هذا البعد لسوء الصورة التي يظهر بها العمل السيّىء، فيفضح الإنسان، فالمسلم يجب أن يكون مؤدّبا، و هذه إحدى وصايا الإمام الصادق (عليه السلام) التي أكّدها مرارا على شيعته حتى «يقولوا رحم اللّه جعفر بن محمد، فقد أدّب شيعته»؛ فلا يليق بالسيدة المحترمة أن تكون في لسانها بذاءة خلال حديثها مع أطفالها و لا ينبغي مثل ذلك للمعلمين و خاصة في قاعة الدرس و لا للمرأة مقابل زوجها.

و لذلك نقول يجب أن يكون موضوع «الفحش» خارجا عن موضوع بحثنا أساسا، و كذلك الضرب، لأنّه ذنب كبير حتّى إنّ الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقول: - «فأيّ رجل لطم امرأته لطمة أمر اللّه عزّ و جلّ - مالكا خازن النيران، فيلطمه على حرّ وجهه سبعين لطمة في نار جهنّم...»(2).

أجل، إن الضرب ليس من عمل المسلم الحقيقي و لا من عمل الإنسان المحترم.

أما إذا كانت هناك زوجة تضرب زوجها، فهذه ليست امرأة أصلا بل حمقاء لا أبالية.


1) سورة آل عمران/ 30.

2) جامع أحاديث الشيعة ج 20 ص 249 الحديث رقم 790 و في الحديث رقم 785 ص 348 من نفس المصدر تصريح بأن من فعل ذلك فضحه اللّه يوم القيامة فضيحة ينظر إليه الأولون و الآخرون.

و لذا نرى الفحش و السباب و الضرب خارجا عن موضوع بحثنا، لأنه يدمّر الصفة الإنسانية فضلا عن المودّة.

3 - التعبير و الانتقاص:

و هذا عامل آخر يهشم زجاجة المحبة، و ذنبه عظيم يوضحه الحديث القدسي الذي يرويه الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ رب العالمين قال: -

«من أهان لي وليّا، فقد أرصد لمحاربتي «(1).

و معلوم مصير الذي يحارب اللّه في الدنيا و الآخرة.

و حديثنا هو عن آثار قول الرجل لامرأته: - انظري كم هي جيّدة زوجة فلان، أو قول المرأة لزوجها: انظركم هو جيّد الرجل الفلاني، و إني لم أرّ خيرا في بيتك، فمثل هذا القول سواء صدر عن الزوج أو الزوجة يحبط حسنات قائله كما ورد في الحديث النبويّ الشريف(2)، فتمحى جميع الحسنات من صحيفة أعماله.

فعلينا اجتنابه، و أرجو الأزواج و الزوجات أن يجتنبوا انتقاص بعضهم البعض في حضور الآخرين، فهذا ذنب عظيم، و هو على نوعين؛ الأول:

يولد جرحا صغيرا لدى الطرف المقابل لا يصل إلى القلب، و هذا يتجسّم على شكل عقرب تلدغ صاحبه في قبره ثم يختفي بعد فترة قصيرة.

أما الثاني، فهو الذي يسبب جرحا عميقا مثلما يفعل السيف، فيتجسّم عقربا تؤذي مسبب هذا الجرح إلى يوم القيامة و يظل ملازمه في جهنم أيضا و يعذبه أكثر من نيرانها.

ينقل أن شخصا رأى عالما كبيرا متوفّى في عالم الرؤيا، فسأله عن


1) أصول الكافي ج 4 ص 41 (من الطبعة الإيرانية المحشاة بالترجمة الفارسية للأحاديث).

2) راجع وسائل الشيعة ج 14 ص 152 و ما بعدها و الحديث الخامس من الباب 117.

حاله، فأجاب: - الحمد للّه إنه جيد للغاية فلدي رياض و حور و قصور و الملائكة تزورني و تخدمني، و لكن عقربا تأتيني كلّ صباح، فتلدغني لدغة أظلّ أتأذى منها إلى الصباح التالي فتأتي العقرب ثانية و تفعل مثل ذلك و هكذا يوميا!.

فلمّا سأله عن الذي فعله، أجاب: لقد انتقصت شخصا، و نسيت أن أتوب و أقتل هذه العقرب، لأنّي استصغرت الأمر.

أجل، يمكن بماء التوبة تطهير كلّ شيء و إزالة كافة عوامل انعدام البركة، و لكل تعسا لحال الذي ينتقص الآخرين و يتشفّى بذلك.

أحدهم يقول: لا أستقر ما لم أوجه واحدة أو اثنتين من تلك الكلمات الجارحة لزوجتي!!.

فماذا يعني هذا؟!.

إنّه يعني أنه يقول لا أستقر ما لم أصنع لنفسي عقربين يؤذياني منذ دخولي القبر إلى المحشر!!.

و المرأة تطلق لسانها كالسيف الجارح، ثم تقول: - الآن شفى غليلي!!.

لا أيتها السيدة لم يشف غليلك، بل صنعت لنفسك أفعى يراها أولو البصائر ملتفّة حول عنقك و أنت لا ترينها الآن، و لكن سترينها قبل دخولك القبر، بل عند مجيء عزرائيل إليك يصبح بصرك حينئذ حديدا بحسب الوصف القرآني، و عندها ترين تلك الكلمات الجارحة التي جرحت بها مشاعر زوجك و قد تحوّلت إلى أفعى سوداء تلتف حول عنقك، فتدخلين القبر على هذه الحالة و الأفعى ترافقك بلدغاتها إلى يوم القيامة!!.

لذا يجب معرفة الآثار المدمّرة و العميقة التي يسبّبها هذا الانتقاص.

و يجب أن ينتبه كلا الزوجين لذلك بجدية، و يعرفا أن الانتقاص و خاصة بحضور الآخرين و تعيير أي منهما للآخر بمدح الآخرين يوجّه ضربة عنيفة للمودة، و قد يستبدلها أحيانا بالبغض و القسوة، فيصبح البيت مثل القبر المقرون بالعذاب و تصبح الحياة بائسة، و لذا أرجوكم أن تجتنبوا ذلك.

روي أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لأصحابه: - «أيّ عرى الإيمان أوثق؟.

فقالوا: اللّه و رسوله أعلم.

و قال بعضهم: الصلاة.

و قال بعضهم: الزكاة.

و قال بعضهم: الصيام.

و قال بعضهم: الحج و العمرة.

و قال بعضهم: الجهاد.

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لكل ما قلتم فضلّ و ليس به و لكنّ أوثق عرى الإيمان الحبّ في اللّه و البغض في اللّه و توالي أولياء اللّه و التبري من أعداء اللّه»(1).

إذن، فبمقتضى هذا الحديث، يجب على المسلم أن يحبّ زوجته في اللّه و لكونها مسلمة، و ليس بدافع تلبيتها لشهوته، فهذا ليس من الرجولة، بل هو من شأن الحيوانات و قد قلنا: إنّ إرضاء الشهوة هو إحدى الفوائد الصغيرة لتكوين الأسرة، إذن فيجب على كلا الزوجين أن يحبّ أحدهما الآخر في اللّه.


1) الأصول من الكافي ج 2 باب (الحب في اللّه و البغض في اللّه) من كتاب الإيمان و الكفر، الحديث رقم 6.

فعلى المرأة أن تفتخر لكون زوجها قد أصبح معوقا أو مجروحا أو شهيدا (في الدفاع عن حرمة الإسلام)، أو أنّ لها ابناء شهيدا.

و للرجل أن يفتخر بأنّ زوجته «علوية» من ذرية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنها مصلية و صائمة.

عن الحكم بن عتيبة قال: - «بينا أنا مع أبي جعفر (عليه السلام) و البيت غاصّ بأهله، إذ أقبل شيخ يتوكّأ على عنزة له حتى وقف على باب البيت، فقال: - السلام عليك يابن رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته.

ثم سكت. فقال أبو جعفر (عليه السلام): - و عليك السلام و رحمة اللّه و بركاته.

ثم أقبل الشيخ بوجهه على أهل البيت، و قال: السلام عليكم.

ثم سكت حتى أجابه القوم جميعا و ردّوا عليه السلام.

ثم أقبل على أبي جعفر (عليه السلام) و قال: - يابن رسول اللّه ادنني منك جعلني اللّه فداك فو اللّه إنّي لأحبكم و أحب من يحبكم، و اللّه ما أحبّكم و أحبّ من يحبّكم لطمع في دنيا و أني لأبغض عدوّكم و أبرأ منه و و اللّه ما أبغضه و أبرأ منه لوتر كان بيني و بينه، و اللّه إني لأحلّ حلالكم و أحرّم حرامكم و أنتظر أمركم فهل ترجولي جعلني اللّه فداك؟!.

فقال أبو جعفر (عليه السلام): - إليّ... إليّ، حتى أقعده إلى جنبه ثم قال أيها الشيخ إنّ أبي علي بن الحسين أتاه رجل فسأله عن مثل ما سألتني عنه، فقال له أبي: - إن تمت ترد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و على عليّ و الحسن و الحسين و على عليّ بنالحسين و يثلج قلبك و يبرد فؤادك و تقرّ عينك و تستقبل بالروح و الريحان مع الكرام الكاتبين، لو قد بلغت نفسك هيهنا و أهوى بيده إلى حلقه)، و إن تعش تر ما يقرّ اللّه به عينك و تكن معنا في

السّنام الأعلى»(1).

إنّ هذه الراوية الشريفة توصي بمحبة الآخرين و تنهى عن بغض الشيعة فذنب بغض المسلمين عظيم، و هذه الأحقاد تؤدّي إلى حبس الدعاء، و هي و سوء الخلق يحرم بيوتكم و مدينتكم و بلدكم من البركة.

فتحابّوا. فإنّ علامة المؤمن هي أنّه يحبّ للآخرين ما يحبّ لنفسه، و يكره لهم ما يكره لها.

رعاية الأطفال عمل صعب، فمارسه ساعة أو ساعتين لتعرف صعوبته.

و لا تستطيع القيام به على مدى اليوم و الليلة.

و كذلك تدبير شؤون المنزل، فمثلا لو كان فيه سلّم لاستوجب الصعود و النزول عليه مائة مرّة من أجل إعداد وجبة طعام واحدة، فساعدوا زوجاتكم في أعمالكم. و هذا ما كان يفعله أمير المؤمنين فقد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يراه يقوم بذلك عندما يدخل البيت و لستم أفضل منه.

و كان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) نفسه يساعد في حلب المعز و الكنس و إعداد الخبز.

(و ليس في ذلك انتقاص لشخصياتنا بل) إنّ فيه تعظيما لنا.

(و يا أيتها الزوجة)، إن توفير مصارف البيت و التعامل مع الناس أمر صعب، و عمل زوجك الذي يذهب منذ الصباح إلى الدائرة و يتعامل مع المراجعين بمختلف أخلاقياتهم هو عمل شاقّ.

و كذلك حال عمله إذا كان كاسبا يتحمّل المشاقّ من أجل توفير المصارف اللازمة لك و لأطفالك، فهو يعود إلى البيت مساء متعبا، فهو يحتاج إلى الهدوء و الاستراحة.


1) سفينة البحار ج 1 ص 202.

و هذا ما لا ينسجم مع الخشونة و سوء الخلق، فعليك أن تحبي لزوجك ما تحبين لنفسك و إذا أبدى زوجك خشونة، فتبسمي له و أزيلي التعب من قلبه.

و يا أيها الزوج إذا رأيت زوجتك عند دخولك المنزل غير متزينة، و لم ترتد الملبس الذي تحبّه، فغض الطرف عن ذلك، و إذا كانت عبوسا متعبة، فتبسّم أنت رغم تعبك، و أحبب لها ما تحبّ لنفسك، و اكره لها ما تكره لنفسك، لكي تشملكم بركة اللّه و رحمته و رأفته في الدنيا و الآخرة، إن شاء اللّه.

المحاضرة الثالثة عشر:

الفصل الخامس العوامل المزيلة للمودة

حديث عن الإمام الحسن

اشارة

4 - العجب

• فروع العجب

1 - المراء و الجدال

2 - العناد

3 - الطلبات غير المتكافئة

4 - رفض النقد

اليوم هو يوم عيد عظيم، إذ يصادف ذكرى المولد السعيد للإمام الحسن المجتبى (سلام اللّه عليه) و بهذه المناسبة أرفع التبريكات عنّي و عنكم أيها الأعزاء إلى المقام المقدّس للسيدة الزهراء (سلام اللّهعليها) راجيا شفاعتها في قضاء حوائجنا، و أن تشمل بألطافها (الإلهيّة) اجتماعنا هذا.

و قبل مواصلة الحديث عن موضوع بحثنا نقل لكم حديثا عن الإمام الحسن (عليه السلام) راجيا أن يكون منهاج عمل حياتي لنا.

جاء رجل إلى الإمام (عليه السلام) و سأله أن يقضي حاجته، فخرج معه الإمام لذلك، و في الطريق شاهدا الإمام الحسين (عليه السلام) فسأل الإمام الحسن (سلام اللّه عليه) الرجل عن سرّ عدم ذهابه للإمام الحسين ليقضي له حاجته؟.

فأجاب الرجل بأنّه شاهده معتكفا في المسجد.

فقال له الإمام كلمة ماأحرانا بأن نتّخذها منهج عمل، و هي «أماإنّه لو أعانك كان خيرا له من اعتكافه شهرا»(1)


1) الحادثة ينقلها العلامة المجلسي في بحار الأنوار ج 74 ص 335 و الأحاديث في هذا المعنى كثيرة تجدها إضافة إلى البحار في الجزء الثاني من أصول الكافي للشيخ الكليني و كذلك ثواب الأعمال للشيخالصدوق.

فكأنه يقول له إنّك لو ذهبت له (عليه السلام)، لكان قيامه بقضاء حاجتك أفضل من ثواب اعتكافه شهرا.

و هذا هو ثواب من أدخل السرور على قلب المؤمن، فهو يفوق ثواب الاعتكاف شهرا تصوم نهاره، و تتهجد ليله.

و استنادا إلى هذا أدعوكم جميعا لمساعدة خلق اللّه قدر ما تستطعيون.

و هذا ما يحبّه لنا الإمام المجتبى (عليه السلام)، فهو يرضى عن الزوجة التي تخدم زوجها و الزوج الذي يخدم زوجته.

أما الآن، فلنتابع البحث:

4 - «العجب»:

فمن العوامل التي تزيل المودّة، عامل العجب و الأنانية و التكبّر الناشىء عن العجب.

و اتّصاف أي من الزوجين بهذه الصفات و إعجابه بنفسه أو عمله يوجد حالة خطيرة يوضح عمقها التأكيد القرآنيّ بأن ثورة الأنبياء هي على المتكبرين الذين كانوا حجر عثرة في طريق الأنبياء (عليهم السلام) و إنجازهم لرسالاتهم.

و هذه الصفات تؤثّر في أعماق الإنسان تأثيرا يجعله يتكبّر حتى يوم القيامة و يتمرّد و يعجب في نفسه في مقابل اللّه تبارك و تعالى و القرآن الكريم يتحدث عن أمثال هذا و كيف أنهم يتصورون أنفسهم يوم الحشر أنّهم صالحون و رغم كونهم في الحقيقة من أهل جهنّم إلاّ أنّهم يقسمون باللّه بأنهم خلاف ذلك، و أنّهم من أهل الجنّة، و كأنّهم و العياذ باللّه يتّهمون اللّه؛ جلّ و علا - بالاشتباه في إرسالهم إلى النار. يقول عزّ اسمه -: يوم يبعثهم اللّه جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم و يحسبون أنّهم على شيء، ألا إنّهم هم

الكاذبون (1).

هذا هو حال المعجبين بأنفسهم و المتكبرين يوم القيامة، حتى لو كان تكبّرهم في البيت.

و لذا أوصي كلا الزوجين بالحذر من الاتّصاف بذلك، فلا ينبغي للزوجة أن تكون معجبة بنفسها في مقابل زوجها، فتمدح نفسها و أخاها و والديها، أو تتفاخر بجمالها أو كمالها أو بحصولها على الشهادة الفلانيّة سواء في العلوم الطبيعيّة أو الحوزويّة فتصاب بالغرور العلمي و الأنانية و العجب في مقابل زوجها، فاتصافها بمثل ذلك، يوجّه إليها هي ضربة تسلبها الحاكمية التي يجب أن تكون لها على قلب زوجها، فتهدم المودّة.

كما على الزوج أن يحذر من التفاخرلا سمح اللّه بأمواله و عشيرته و على الزوجات الحذر من التفاخر على أزواجهن بأخواتهن و آبائهن و أمهاتهن.

فهذا خطأ فاحش.

فإذا كان زوجك فقيرا و أخوك غنيّا و والدتك ثريّة، فعليك أن تطيّبي خاطره و تقدّميه على أخيك و والديك.

و هنا أؤكد نقطة مهمة، و هي أنّ على الأزواج و الزوجات أن يضحّوا من أجل بعضهم بكلّ ما لديهم، و يقدّموهم على كلّ قريب لهم مع احترام الآباء و الأمّهات و الإخوة و الأخوات و الرأفة بهم.

* فروع العجب:

اشارة

و للعجب فروع سيّئة لكلّ منها ثمار مرّة تؤدّي فيما تؤدّي فيما تؤدّي إلى تهديم المودّة في قلوب الآخرين، و هي: -


1) سورة المجادلة/ 18.

1 - المراء و الجدال:

و هو من فروع العجب و يعني أن يسعى الإنسان إلى فرض رأيه على الآخرين، و هو ملحوظ بكثرة بين الناس خاصة الأميّين، منهم إذ يقول قولا جزافا يريد فرضه على الآخرين، فيجادل مرارا و تكرارا، و يرفض التراجع عن قوله.

و ذنب المراء و الجدل عظيم جدا، فقد روى أبوالدرداء أنّه كان ضمن مجموعة يتجادلون في الدّين في المسجد، فدخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لما رأى ما نحن فيه تغيّر و غضب لذلك غضبا شديدا.

و ذكر أبو الدرداء أنّه لم ير مثله من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) ثم قال (صلّى اللّه عليه و آله): - «لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان، حتّى يدع المراء و الجدل، و إن كان محقّا»(1).

فشفاعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا تنال من يفعل ذلك.

ثم إنّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: - «إنّ أوّل ما عهد إليّ ربّي و نهاني عنه عبادة الأوثان و شرب الخمر و ملاحاة الرّجال»(2).

و كم هو شديد هذا الحديث الشريف في التعامل مع المراء و الجدال الذي يشكلّ مرضا صعب العلاج يبتلى به تسعون بالمائة منا إن لم يكن أكثر منهم.

و القرآن الكريم يبيّن لنا أنّ المراء و الجدال هو من وساوس الشيطان، يقول تعالى -: و إنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم(3).


1) راجع المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء ج 5 ص 208، و الملاحاة تعني المراءو الجدل.

2) راجع المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء ج 5 ص 208، و الملاحاة تعني المراءو الجدل.

3) سورة الأنعام/ 121.

فليعلم كلّ من يبتلى في حياته بالمراء و الجدل أنّه من أولياء الشيطان بهذه الخصلة، فهي عمل شيطانيّ، و ليس رحمانيّا، و هو عمل سيّىء، و أشدّ مصاديقه سوءا المراء و الجدل بين أفراد الأسرة سواء صدر عن الزوجة التي تسعى لفرض قولها على زوجها، أم صدر عن الزوج، فهو يهدم المودة.

و لذا أوصيكم أزواجا و زوجات أن تجتنبوه، و أوصي كلاّ منكم أن يترك المراء و الجدل، حتى إذا كان محقا، و ليتراجع في مقابل زوجه إذا رآه يسعى إلى فرض قوله بالمجادلة، فقد ورد عن النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: - «من ترك المراء و هو محقّ بني له بيت في أعلى الجنّة.

و من ترك المراء و هو مبطل بني له بيت في ربض الجنّة»(1).

2 - العناد:

و هو من فروع الأنانية و العجب، و بعض النسوة تصل بهنّ الحالة العناديّة إلى حدّ رفض رفع القدم عن الأفعى كما ورد في المثل المتعارّف.

كما أنّ بعض الرجال تصل بهم هذه الحالة إلى السقوط في الحفرة (المهاوي)، لكنهم يرفضون الإقلاع عن عنادهم.

و القرآن الكريم يبيّن أنّ الناس طائفتان: الأولى تقبل بالحقّ، فهم:

• و إذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ(2).

أمّا الطائفة الثانية، فهم يفضلون الرجم بالحجارة على قبول الحق:

• و إذ قالوا اللّهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة مّن

1) المحجة البيضاء ج 5 ص 208 نقلا عن الترمذي ج 8 ص 159 و كذلك في بحار الأنوار ج 2 ص 138.

2) سورة المائدة/ 83.

السّماء أو ائتنا بعذاب أليم (1).

و الظاهر أنّ ما ينقله القرآن الكريم هنا هو لسان الحال، و ليس قولا، فهم عندما يرون الحق يدعون اللّه أن يدمّرهم و يفضّلونه على قبول الحق.

فبعض النساء و الرجال لا يقبلون الحقّ و الحقيقة مهما قلت لهم، بل إنهم لا يسمعون أصلا، فالزوج تحدّثه زوجته لعشر دقائق أو ربع ساعة، ثم تسأله عمّا قالت، فلا يجد جوابا لكنه رغم ذلك يكرر كلمة «لا، لا».

و عندما تسأله: ما هو العمل الذي يرفض القيام به تجده لا يعرفه، فيعمد إلى القول: - لا أفعل» فقط.

هذا هو حال البعض.

الاستعمار سيّىء جّدا و ذنبه عظيم، فهو استعباد فرديّ و اجتماعي، و لعن اللّه الإنجليز الذين جاؤا (بالاستعباد الاجتماعي) في العصر الحديث مرّة أخرى و أصبح تمارسه أمريكة و الاتحاد السوقيتي، فعاقبتهما قعر جهنّم، فهذا هو محلّ المستعمرين.

و لكنّ الاستعمار جيّد في حالة واحدة هي أن تتمكّن الزوجة من الاستحواذ على قلب زوجها أو يستطيع الزوج مثل ذلك؛ و هذا ما يجب على كلّ منهما فعله تجاه الآخر، فهو عمل جيّد للغاية.

و تعسا لحال الزوجة التي لا تعرف كيف تحقّق ذلك، و هذا ما يجب على كلّ منهما فعله تجاه الآخر، فهو عمل جيّد للغاية.

و تعسا لحال الزوجة التي لا تعرف كيف تحقّق ذلك، و تنفذ إلى قلب زوجها.

و من العوامل التي تمنع تحقق هذا الأمر، و تمنع متابعة الزوجة لزوجها العناد.


1) سورة الأنفال/ 32.

فأرجوكم أن لا تسمحوا بوقوعه بينكم؛ و إذا كان أولادكم معاندين لا سمح اللّه فاعلموا أنّهم مرضى، و يجب أن تنقذوهم من هذه الصفة التي أرجو أن لا تكون موجودة لديكم، كما أرجو أن تنقذوا منها أطفالكم إذا وجدت فيهم.

3 - الطلبات غير المتكافئة:

و هي من فروع العجب بالنفس أيضا.

يقول علماء النفس: - إنّ أمثال كلّ مجتمع تشف عن تفافته.

و هذه مقولة صائبة، فمثلا القصص المتعارفة في المجتمع تبيّن أفكاره حتى لو كانت من أمثال قصص «فرهاد و شيرين» أو «قيس و ليلى» و هي أساطير ضخّمها الناس، و من الأمثال المشهورة بين النساء مثل: - «لم يأت باللحم، و يطلب ال «كوفته»(1)».

و هذا هو حال بعض الرجال حقّا، مثلما أنّ طلبات بعض النساء كبيرة، فتطلب إحداهنّ مثلا من زوجها ليلة العيد بدلة بقيمة خمسة آلاف تومان و هي تعلم أن مرتّبه هو خمسة آلاف تومان!!.

و لا تقنع مهما كرّر عليها التذكير بمقدار مرتّبه، و أنه لا يكفي لإدارة متطلّبات المعيشة بصورة كاملة.

فاجتنبوا ذلك، و لتكن مصارفكم متناسبة مع دخلكم، و لا تطلبوا «كبابا» و لا «كوفته» و لا «ماء اللحم» و أنتم لا تأتوا باللحم بعد!!.

كما أرجو من السيدات اجتناب الطلبات الضخمة إذا كان الزوج محدود الدخل، كأن يطلبن منه أن يقدّم مثلما يقدّمه الأغنياء ليلة العيد، فبعض


1) اسم نوع من الطعام يعد من اللحم بعد مراحل عدّة

الموظفين أفقر من العامل، لكنّ زوجة أحدهم تأتي و تطلب منه أن يستبدل سجادات البيت، لكونه موظّفا أو مسؤولا!!.

فتوهّم أنه قادر على ذلك، و كلما قال لها: لا أقدر، رفضت قوله.

و ذنب مثل هذه الطلبات و التوقّعات غير المتكافئة عظيم حتّى إنّ اللّه - تبارك و تعالى سيفرض يوم القيامة على صاحبها ما لا يطيق سواء أكان زوجا يكلّف زوجته ما لا تقدر عليه، أو زوجة تحمّل زوجها مثل ذلك.

و نار جهنم صعبة التحمّل و هي محلّ أصحاب مثل تلك التوقّعات الضخمة إذا رحلوا عن هذه الدنيا دون توبة.

و المرأة التي تعلم أنّ زوجها فقير و تقوم بتوبيخه على عدم تلبيته لما تريد تصل عظمة ذنب عملها هذا حدّ أنّ اللّه تبارك و تعالى يفضحها يوم القيامة أولا، و أنتم أيها الأعزاء تعلمون أنّ للكرامة قيمة كبيرة، فأحدهم وصف الإمام الحسين (عليه السلام) بأنّه ضحّى بكلّ ما لديه في سبيل اللّه باستثناء دينه و كرامته.

أجل فللكرامة قيمة كبرى خصوصا بالنسبة للرجل في قبالة زوجته، فأرجوا من الزوجات أن يجتنبن الإساءة لكرامة أزواجهنّخاصّة في البيت - و كذلك التوقعات غير المتكافئة.

و المرأة تريد أن تكون مكرّمة عند زوجها فاحفظوا احترامها، و لا تسيئوا إلى شخصيتها، و اجتنبوا الطلبات غير المناسبة من زوجاتكم، فالقيام بشؤون رعاية الأطفال و الزوج و البيت مهمّة صعبة.

و وظيفة الزوجة التي سأتحدّث عنها فيما بعد إن شاء اللّه هي رعاية نظافتها هي و أطفالها و القيام بمسؤوليات البيت، و أن تعدّ نفسها قبل مجيء زوجها و تهيّىء المائدة و غير ذلك، بحيث تستطيع القيام باستقبال زوجها بصورة كاملة عندما يأتي.

و قد يحدث أن تدخل أيها الزوج البيت، فلا تجد الشاي أو الطعام معدا، فقم أنت بإعداده، فأرجو منكم اجتناب التوقّعات غير المتكافئة، و آمل أن لا يفرض بعضكم على بعض ما لا يطيقه لئلاّ تصبح حالكم حال عربة حمّلت خمسة أطنان و طاقتها طنان. ففي هذه الحالة يمكن أن تسير فرسخين و تعجز عن مواصلة السير.

و نفس هذا يصدق على فرض الزوج أو الزوجة أحدهما على الآخر ما لا يطيق، فعاقبة ذلك انهيار أعصابه.

و ما أتعس حال الزوجة التي تكون أعصابها منهارة، و حال الزوج الذي يفتقد الحيوية و يكون ضجرا، فعاقبته خسران الدّنيا و الآخرة، كما يبيّن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام)(1)فإحدى ثمار العجب المرّة هي التوقّعات غير المتكافئة، و أن يفرض الزوجان أحدهما على الآخر ما لا يطيق.

4 - رفض النقد:

و هو من فروع الأنانية أيضا.

و أرجو من السيدات الانتباه أكثر على أنّ الإسلام يرفض الغيبة و التحدّث عن عيوب الآخرين في غيبتهم و الاستهزاء بهم في حضورهم، و لكنّه يقول نعم للنقد البنّاء، و يأمر بتوضيح عيوب الآخرين لهم مثلما تفعل المرآة، قال الإمام الصادق و هو المطهّر من كل عيب و نقص -: «أحبّ إخواني إليّ من أهدى عيوبي إليّ»(2).

فالنقد ضروريّ، و لكنّ الأشندّ ضرورة منه هو قبوله، و هذا ما نجد فيه صعوبة، فأحيانا ينبّه الزوج زوجته على عيوبها، و هذا أمر ضروريّ غير أنّ


1) تقدم نص الحديق و مصدره.

2) بحار الأنوار ج 74 ص 282.

قبول الزوجة به عملا لا قولا أهمّ منه، فتبادر من اليوم التالي بمعالجة تلك اليعوب.

قد يكون الزوج سيّىء الخلق في تعامله المنزليّ و مع أولاده و يوجّه لهم البذيّ من القول، و في هذه الحالة يكون واجب الزوجة هو أن تقول له مع حفظ أعصابها و احترامه -: - إنّ هذا التعامل يصيب الأطفال بعقد نفسيّة و يجلب عليهم الشقاء.

و توجيه هذا النقد ضروريّ، إلاّ قبول الزوج به عملا لا قولا أشدّ ضرورة منه.

و نحن نستبدل النقد البنّاء في بيوتنا بالصّراخ و ينعدم قبول النقد فيها خاصة من قبل النساء و هذه حالة خطيرة للغاية، و أنّها تنزع المودّة من قلب كلا الزوجين تجاه الآخر؛ فالرجل إذا كرّر القول عشر مرّات و لم تقنع المرأة فإنه لن يعيده بل ينفعل و يتأذى و تضعف مودّته لها تدريجيّا و نفس الأمر يصدق إذا كان النقد من الزوجة تكرّره عشر مرّات، فلا يقنع الرجل فهذا يذيب المودّة في القلب مثلما يذيب الماء الملح.

المحاضرة الرابعة عشر:

الفصل الخامس العوامل الموجدة للمودة

اشارة

• أمور كبيرة تظهر صغيرة

1 - رعاية النظافة و الطهارة

2 - إظهار المودة

3 - جلب الهدايا للأسرة

• قصة الأصمعي و الزوجة الصابرة

عوامل استجلاب المحبة

الفصل الخامس من بحثنا هو عن المودّة و الرحمة، و قد قلت: إنّ بحثنا فيه يكون ضمن موضوعين: الأوّل عن العوامل المزيلة للمودّة، و قد تحدّثنا عنها.

أما الموضوع الثاني، فهو عن الأمور التي تجلب المودّة، أي: ماذا يجب على الزوجين القيام به في البيت لتتضاعف تلك المودّة الطبيعيّة حتى بعد أن يتقدّما في العمر، و حتّى لو كان للزوجة عدد كبير من الأولاد و كان لهم زوجات و أزواج، لكنها تظلّ تقدّم مودّة زوجها على الجميع.

و هنا أتحدّث عن نقطة مهمّة أرجو أن تضعوهاجميعانصب أعينكم و العمل بهاإن شاء اللّه لتجنوا ثمارها.

* أمور كبيرة تظهر صغيرة:

اشارة

هذه المقولة واردة على ألسنة علماء النفس، و لها لطافة خاصة، و أنتم تعلمون أن علم النفس هو علم خاص و له لطافة خاصة تظهر في بعض مقولاته.

و المقولة المتقدّمة تعني أن بعض الأمور تبدو صغيرة، لكنها عظيمة التأثير في تدمير الشخصية، و في إزالة المودّة أو بالعكس في تعزيز الشخصية

و منح الاحترام للإنسان و مضاعفة المودّة.

1 - رعاية النظافة و الطهارة:

و هي من الأمور التي وردت تأكيدات مشدّدة في الإسلام، فالإنسان يجب أن يكون نظيفا في منزله و في الخروج للشارع و في المحافل العامة حيث يجب أن يدخلها بعد التحلّي بالزينة و النظافة.

و هذا ما نرى أحيانا عدم الالتزام به من قبل البعض، فهم مثلا لا ينظّفون أسنانهم، و تفوح من أقدامهم رائحة العرق فلا يغسلونها رغم أنه يجب غسلها يوميا، أو تكن جوارب أحدهم وسخة تنبعث منها رائحة كريهة فيجب أن يستبدلها يوميا لكنه لا يفعل، كما أنه لا يهتم لوساخة ملابسه. و مثل هذه الأمور تبدو أمورا صغيرة لكنّها مؤثّرة للغاية في تدمير الشخصية فمثلا عندما يشمّ شخص رائحة كريهة تنبعث من فمك أو جواربك، ينفر منك و قد يلعن في قلبه عملك هذا في دخولك المسجد أو هذا المحفل العام على هذه الصورة.

قد يكون عدم نظافة ملابس شخص ما قضية هيّنة في نظره لكنها مؤثّرة جدا في تحطيم شخصيته الاجتماعية، و من المضائب الكبرى التي ظهرت باسم «الحالة الحزب اللاّهيّة» هي عدم الاهتمام بمثل هذه الأمور الصغيرة، ففي عهد حكم الطاغوت كان الشباب يقومون بأعمال قبيحة تحت عنوان «الهيبز» و أمثاله و يحطمون بها شخصيتهم الاجتماعية أمثال توفير الشعر غير المرتب و الخروج بالملابس القذرة حتى بأحذية وسخة للغاية أو حفاة.

و اليوم نشاهد انتقال هذه الظواهر إلى ثورتنا آسفين، فنرى البعض - أحيانايخرجون بأحذية غاية في الوساخة أو بملابس و «قماصل» و شعور و لحى غير مرتبة، و يطلقون على أنفسهم اسم (حزب اللّه) و هذه هي حالة حزب الشيطان، فحزب اللّه مأمور بالترتيب و النظم.

النبيّ الأكرم كان ينظر إلى هيئته قبل الخروج من منزله فيخرج على هيئة مرتّبة منظّمة و ملابس نظيفة للغاية(1)، لم تكن ملابس غالية الثمن.

فهذا لا يهتمّ به الإسلام، بل يهتمّ بالنظافة؛ في حين تجد بعض الزوجات يفتقدن الترتيب في البيت، فيدخل الزوج منزله، فيجد زوجته مهملة له حتّى إنّها لم تشّط شعرها فضلا عن أن تتزيّن له.

و هذا الأمر قد يبدو صغيرا في نظرها خاصّة إذا كان لديها أطفال و بنات متزوّجات و أبناء متزوّجون و أبناء كبار، لكنه عامل مؤثر للغاية في نزع مودّتها من قلب زوجها و عدم اهتمامه بها و إنزاله «ضرّة» عليها؛ فهو صغير من جهة كبير من جهة أخرى. و مع الأسف فإننا جميعا و لا سيما المتدينين لا نهتمّ بهذه الأمور الصغيرة الكبيرة، فالنساء المتديّنات يسوّغن ذلك بأنّ من غير المناسب قيامهن بتلك الأعمال و قد كبر الأولاد، فيجلبن نفرة أزواجهنّ منهنّ بذلك، أو أن الزوج لا ينظّف أسنانه رغم أنّ الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) يقول:

• «صلاة على أثر السّواك أفضل من خمسة و سبعين صلاة بغير السّواك»(2)، و هو السواك الذي يقول عنه (صلّى اللّه عليه و آله): - «لو لا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسّواك عند وضوء كلّ صلاة»(3)و هذا يعنى أن أرضية الأمر الوجوبي متوفّرة فيه، و لكنه مع ذلك لا يهتم به، و ينام إلى جانب زوجته و الرائحة الكريهة تنبعث من فمه فتصبر في المرّة الأولى و الثانية و الثالثة، و لكنها تأخذ فيما بعد بالتذمّر و يشتدّ تذمّرها، و بذلك تصبح رائحة الفم سببا لنزع المودّة من قلب الزوجة، و يحدث العكس إذا الحال هو في الطرف الآخر، فقبيح للمرأة عرفا و شرعاأن تنبعث الرائحة الكريهة من بدنها، و قبيح للرجل أن لا

1) راجع كتب سنن النبي للعلاّمة الطباطبائي.

2) المحجة البيضاء ج 1 ص 297 و فيه عن الباقر (ع) أنه تعدل سبعين صلاة.

3) المصدر السابق نقلا عن الكافي ج 3 ص 22.

يكون نظيفا في منزله و في المحافل و الأماكن العامّة.

فالنظافة أمر مهم، و ينسب إلى النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: - «النظافة من الإيمان»(1).

فإذا أردتم معرفة إيمان المسلم فانظروا إلى نظافته، فإذا لم يكن نظيفا فإسلامه (إيمانه) ناقص.

و هذه في رؤية علماء النفس من الأمور الصغيرة الكبيرة.

2 - إظهار المودة:

تأمر الأحاديث الشريفة بأنك إذا أحببت أخا في اللّه، فأخبره بذلك(2)، بل ورد فيها الأمر بذلك للزوج تجاه زوجته و للزوجة تجاه زوجها؛ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «قال الرجل للمرأة إنّي أحبّك لا يذهب من قلبها أبدا»(3).

و قول مثل ذلك يبدو أمرا مألوفا عاديّا، و الكثير منكم لا يعيره أهمية و لا يتفوّه به كلّ يوم أو كلّ أسبوع أو في الشهر مرّة، حتى إذا كان يحبّ زوجته.

و نفس الأمر يصدق على الزوجة، بل إنّ بعض النساء تخجل من قول هذه الكلمة.

إنّ الإسلام يريد من الأمر بتبادل السلام و التحيات و السؤال عن الأحوال و تبادل المشاعر الجياشة، تعزيز المودّة بين المسلمين، و هذا هو الهدف من تأكيده تبادل الزيارات و اعتياده قطع الرحم من كبائر الذنوب و اعتباره ترك التزاور من المكروهات.


1) ورد مضمونه في العديد من الأحاديث النبوية.

2) راجع بحار الأنوار ج 74 ص 182.

3) وسائل الشيعة ج 14 ص 10.

فهذا التزاور يعزّز المودة، فأرجو من الزوجات و الأزواج أن يظهر بعضهم المودّة للبعض الآخر، فيخبر الزوج زوجته باستمرار و ببشاشة و حيويّة بحبّه لها، فتجيبه بمثل تلك الحالة: أنّها لا ترضى بالدّنيا بديلا له، و أنّها مستعدّة للتضحية بالدنيا من أجله.

و هذا العمل الذي يبدو صغيرا يؤثّر بقوة في استجلاب المحبّة.

و الأحاديث الشريفة توصي المرأة بالتزيّن(1)و ارتداء الملابس التي يحبّها زوجها و تهيئة مائدة الطعام و تنظيف الأطفال و تهدئتهم و إيجاد جوّ هادىء قبل مجي زوجها، و أن تفتح هي بنفسها الباب له و لا تأمر الأطفال بذلك، و تسلّم عليه و تبتسم له و تحادثه بمودّة و تأخذ بيده إلى مائدة الطعام الذي يصبح بذلك لذيذا لكليهما.

قد تبدو هذه الأمور صغيرة بنظرنا، و ربّما اعترضت بعض السيدات عليها و رأتها عاملا في زيادة طلبات و توقّعات الأزواج، لكنّ هذه الأمور الصغيرة مؤثّرة جدا في تعزيز شخصية الزوجة و استجلابها لمحبّة زوجها.

فمثل هذا التعامل يصلح حال الزوج مهما كان سيّىء الخلق، فإن لم يصلح اليوم، يصلح غدا، أو في الشهر القادم.

3 - جلب الهدايا إلى الأسرة:

توصي الروايات الرجل بجلب هدية و لو صغيرة عندما يأتي إلى المنزل(2)، و أن ينزع عن نفسه همومه خارج المنزل، و يدخل المنزل بابتسامة يقابل بها سلام زوجته، بل يبادر هو إلى الابتداء بالسلام عليها و تقديم الهدية التي يحملها لها، و يزيل عنها التعب بكلمة شكر و إشادة بعملها، و يشكرها


1) راجع وسائل الشيعة ج 14 أبواب المعاشرة من مقدمات النكاح.

2) راجع سفينة البحار ج 2 في مادتي (عيال) و (ولد).

على إعدادها الطعام عندما يجلس إلى المادة، حتى لو لم يكن على وفق ما يرغب فيه.

و مثل هذا التعامل يسير في الظاهر، كبير و مؤثّر للغاية في جلب المودّة، فهو يخرج من القلب كافّة أشكال التعب و الضجر، و لكوننا لا نقوم بها يسود بيوتنا البرود.

و عندما ندرس الأمر نجد أنّ هذه الحالة من البرود أوجدتها الزوجة، فواضح أنّ الزوج عندما يدخل البيت و يرى زوجته غير متزيّنة، يشعر أنّ عليه أن يقدّم كفّارة قبل أن ينظر إلى وجهها، أو أنّ الزوجة تشاهد زوجها عابسا مقطّبا حاجبيه و هو يدخل البيت. إنّ مثل ذلك يهدم المودّة، حتى في الشهر الأوّل أو في الثاني.

و نفس الشيء يفعله وضع من قبيل أن يدخل الزوج الذي أوصى مرارا زوجته بأن يكون الطعام حاضرا عند مجيئه البيت و هو جائع فيجده غير معدّ إلى الآن، و يجلس في انتظاره، ثم يأتي بعد حين طعام غير جيّد تضعه بين يديه و هي تقول له: إنّه «آش، خالتك فإن شئت تناوله و إلاّ فدعه»(1).

و نفس الأمر يؤدي إليه عدم حمل الزوج شيئا إلى البيت و استبدال ذلك بكلمة جارحة يوجّهها لزوجته أو تعنيف أو صراخ!!.

و مثل هذه الأمور الصغيرة كثيرة بيننا و هي صغائر ذات تأثير عظيم في قتل المودّة.

فإذا أردتم أن تسود المودّة أجواء الأسرة و البيت، فعليكم برعاية هذه الأمور الصغيرة الكبيرة..


1) «آش» اسم نوع من الطعا الإيراني يعد من الحبوب و الخضروات و ما بين القوسين مثل شائع عن عدم الاهتمام بالأمر.

* قصة الأسمعي و الزوجة الصابرة:

كان الأصمعيّ وزيرا للمأمون، و المأمون بحدّ ذاته كان شيطانا كبيرا جدا و عالما شيطانيّا خفيا، و الأصمعي كان مشبوها (شيطانا) أيضا ينقل أنّه ذهب للصيد الترفيهي و هو عمل قبيح و محرّم في الشرع الإسلامي، و رغم ذلك كان يواظب عليه خلفاء بني أميّة و بني العباس، فأضاع القافلة التي خرج للصيد معها، و بقي في الصحراء وحيدا، فشاهد من بعد خيمة، فذهب إليها ليجد فيها امرأة شابّة جميلة، فجلس في زاوية من الخيمة، و جلست هي في زاوية أخرى، فطلب منها ماء ليروي عطشه، فتغيّرت و اعتذرت بأنّها لم تستأذن زوجها في مثل ذلك، ثم قدّمت له مقدارا من اللبن أخبرته أنّه طعام ظهيرتها، فتناوله، و جلس ساعة انتبه بعدها إلى هذه المرأة و قد قامت، فرأى راحلة تأتي من بعيد و عليها رجل هو زوج هذه المرأة التي سارعت إلى حمل إناء الماء - الذي «رفضت تقديمه للأصمعي إلى خارج الخيمة م تستقبل به زوجها الذي كان شيخا قبيحا، فتعجّب الأصمعيّ من هذا التباين.

ثم كان أن قامت المرأة و بعد أنّ ترجّل زوجها من بعيره بغسل قدميه على صخرة أعدّتها لذلك كما غسلت وجهه و يديه و حفّته بالتوقير و هو يدخل الخيمة ثم جلست في مقابله، ثم يذكر الأصمعي أنّ الزوج كان سيّىء الأخلاق، لكنه كلّما تعامل معها بأخلاق سيّئة قابلته بتعامل أخلاقيّ حسن، فلم يتحمل الأصمعيّ ذلك، و تمنى أن يظلّ في الصحراء يتلظّى في حرارة الشمس على مشاهدة هذا الوضع، فخرج من الخيمة دون أن يهتمّ به ذلك الرجل.

أمّا المرأة، فقد خرجت، من الخيمة لتوديعه إكراما له كضعيف و خارج الخيمة عاتبها الأصمعي على شدّة رعايتها لهذا الزوج القبيح و هي على ما هي عليه من جمال و كمال، فتغيّر لونها تأثّرا من قدحه لزوجها و أنكرت عليه ذلك

وسعيه لإثارة الخلاف بينها و بين زوجها، و أخبرته أنّها سمعت حديثا عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و تريد العمل به لتكون من أهل الجنّة، و هو قوله (عليه السلام): - «الإيمان نصفان: نصف صبر، و نصف شكر»(1).

فبصبرها على زوجها تستكمل الإيمان، و تشكر ما أنعم اللّه به عليها من جمال؛ فوعظته بذلك و أسكتته(2).

و لمثل هذه يقال إنّها سيّدة مسلمة، و على نقيضها ما يراه الإنسان أحيانا من صدور كلمات غاية في سوء الأدب تخرج من بعض النساء.

و قد أوصيتكم قبل يومين بالحذر من أن يعيّر أحدكم الآخر بذكر أوضاع الآخرين كأن تتحدّث المرأة بحضور زوجهاعمّا يصرفه الزوج الفلاني و ما يمتلكه، أو أن يتحدّث الزوج بحضور زوجته عن أنّ زوجة فلان جيّدة للغاية.

و يرتكب بعض الأزواج اشتباها فظيعا عندما يتحدّثون لزوجاتهم عن جمال و حسن زوجات آخرين، فيلمزون زوجاتهم، و مثل هذه التصرّفات تخرج كما هو واضح كلّ نوع من المودّة من قلب الزوجة.

و بدلا من هذه التصرّفات يجب على الزوج أن يشيد بمحاسن زوجته - حتى لو لم تكن جميلة في عينه و يخبرها بأنّه لا يعرف أفضل منها.

و واجب الزوجة أيضا هو أن تشيد برجولة زوجها، و أنّها لا تعرف خيرا منه، و بالتالي أن يخدم كلّ منهما الآخر، و يشيد كلّ منهما بالآخر، بل إنّ هذه من الموارد التي يكون الكذب فيها جائزا.


1) راجع المحجة البيضاء ج 7 ص 105.

2) قريب مما أورده الشيخ المحاضر تجده في قصة الأصمعي مع إمرأة في البادية، المروية في المحجة البيضاء ج 3 ص 136-137.

و هذه الأمور الصغيرة مؤثّرة جدّا في استجلاب المودّة و في التعبير عن قوة الشخصية، بمعنى أنّ المرأة ذات الشخصيّة القويّة هي التي يكون نظرها إلى زوجها لا إلى الآخرين.

و تؤكّد الروايات الشريفة أنّ المرأة التي تخرج من بيتها متعطّرة فيشم طيب رائحتها غير محارمها، تلعنها الملائكة و كلّ حجر و مدر تمرّ عليه حتى تعود إلى بيتها(1).

فأوصي السيدات أن لا يضعن الملاءة أو الألبسة التي يرتدينها عند خروجهنّ من البيت في مكان توجد فيه عطورهن أو ألبسة تنقل رائحة العطر، و أوصيهن أن لا يتعطرنّ عند خروجهن، فإنّه إذا شمّه غير المحارم لعنتهنّ الملائكة و الأبواب و الجدران و الأرض و الزمان، و لا تتصورن أنّها عديمة الشعور، بل: - و إن مّن شيّ إلاّ يسبّح بحمده و لكن لاّ تفقهون تسبيحهم(2).

نحن نسمع و نبصر و نعي

لكنّنا صامتون أمامكم أيها الأجانب(3)

فلو كان هناك سمع (ملكوتي) لسمع الإنسان صوت التكبير من هذا العمود.

أمّا السيّدة التي تتعطّر لزوجها قبل أن تذهب إلى مضجعها، فإنّ الملائكة تستغفر لها حتى الصباح، و تحظى برضا اللّه و رسوله و الأئمة


1) راجع ثواب الأعمال و عقاب الأعمال للشيخ الصدوق ص 308 عن الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله): - «أي إمرأة تتطيّب ثم خرجت من بيتها فهي تلعن حتى ترجع إلى بيتها متى رجعت» و راجع كذلك وسائل الشيعة ص 112 و ما بعدها من المجلد 14.

2) سورة الإسراء/ 44.

3) ترجمة نثرية لبيت شعر بالفارسية للشاعر الإيراني العارف جلال الدين الرومي.

الطاهرين و يستغفرون لها حتى تستيقظ(1)، فقيامها بذلك قد يبدو صغيرا بعينها، لكنّه مؤثّر للغاية في جلب المحبّة.

أيتها السيدة إنّ شخصيتك القوية لا يعبّر عنها ارتداء «ملاءة الشيرمن» أو اللباس الجاذب للأنظار عند خروجك من البيت، بل على العكس، فهي علامة ضعف الشخصية، و كلّما ازداد لمعان هذا النوع من الملاءات و ازدادت جاذبية ذاك اللباس الفاضح، اشتدّت الضربة التي يوجّهها لشخصيتك، يقول - تعالى -: و لا تبرّجن تبرّج الجاهليّة الأولى(2).

فيا أيّتها السيدة! أنت مسلمة و لك شخصيتك، فلست مثل نساء الجاهلية في كلّ مكان، و لست عديمة الشخصية، فلا ينبغي لك ارتداء ما يجذب الأنظار عند خروجك من المنزل، و استري نفسك لكي لا يجذب وجهك الأنظار، فالتي لا شخصيّة لها هي التي تفعل مثل ذلك.

أمّا ذات الشخصيّة القوية، فهي التي تكون جاذبة لزوجها، و كذلك فإنّ الزوج ذا الشخصيّة هو الذي يشدّ إليه ذوجته، و ليس الذي يتوهّم أن شخصيّة يصنعها صراخه في البيت و خوف عياله منه خيفتهم من الأسد، و الذي يقول أحيانا: إنّه يجب أن يفعل ذلك، لكي لا يتسلّطوا عليه!!.

لا تقل مثل هذا، فهو، قول شيطاني، بل عليك التحلّي بسلامة القلب و طيب اللسان و لين الجانب.

أخبر زوجتك بأنك تحيّها و بأنّك لا تعادلها بكلّ الدنيا، و أنّك تكدح من أجلها و من أجل أن تعيش في رفاهية، و أن في ذلك عيدك.

و لمثل هذا يقال إنّه رجل قوي الشخصية.


1) راجع وسائل الشيعة ج 14 ص 112.

2) سورة الأحزاب/ 33.

أمّا الصّراخ في البيت، فهو علامة ضعفه و هو أمر صغير، لكنها مؤثّر للغاية في قتل المودّة.

كما أن مساعدة المرأة في أعمال المنزل هو علامة قوة الشخصية، و نفس الأمر يصدق على تحلّي المرأة بالنظافة و طيب اللسان و التعامل الحسن.

المحاضرة الخامسة عشر:

الفصل السادس تعدد الزوجات و أسبابه

اشارة

1 - الزواج الضروري

2 - الزواج بدافع الأهواء

3 - الزواج لأمراض نفسية

تعدد الزوجات و أسبابه

اشارة

يدور بحثنا اليوم في موضوع تعدّد الزوجات و علله و عوامله من الناحية الأخلاقية، و ليس من الناحية الفقهيّة و الاجتماعية و غيرها.

و تعدّد الزوجات على أقسام: -

1 - الزواج الضروري:

القسم الأول هو الذي تقتضيه الضرورة كأن تكون الزوجة مريضة، فلا تستطيع تلبية الحاجة الجنسيّة لزوجها، أو القيام بأعمال المنزل، فيضطر الرجل إلى اتّخاذ زوجة أخرى.

و هنا يظهر أحد الأحكام المهمة في الإسلام، فالمسيحية التي تفتقد حكم جواز هذا التعدّد وقعت في مأزق حادّ اضطر أصحابها إلى وضع قوانين مبتذلة للغاية.

و من مصاديق الضرورة في هذا المجال و هو محدود للغاية أن تكون الزوجة عقيما، و لا ترضى هي أو زوجها بذلك، فهو يريد طفلا و لا يمكنه العيش دونه، فتقتضي الضرورة أن يتزوّج بأخرى.

و في مصاديق الضرورة هذه أوصي السيدات أن يبادرن بأنفسهن لاختيار المرأة التي تنسجم مع كلّ منهنّ و من الناحية المعنوية لأزواجهن.

2 - الزواج بدافع الأهواء:

القسم الثاني هو الذي يقع بدافع الأهواء، فيتوهّم الرجل أنّ للزوجة الثانية لذّة أخرى، فتجد شخصا مترفا منغمسا في الشهوات يتزوّج الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، و لو استطاع لأعدّ لنفسه (دار حريم).

و الذي ينبغي أن أقوله هنا هو أنّ لهذا النوع من الزواج تبعات أخلاقية خطيرة، فالانغماس في تلبية الغرائز يسوق الإنسان إلى واد خطير، إذ ليس لها حذّ تقف عنده و تشبع، فلا يشبع من السلطة و الرئاسة.

و هذا يصدق على كافة الغرائزو للغريزة الجنسيّة خصوصية خاصة أيضا -، و لو تسلّط إنسان على الأرض كلّ الأرض لسعى إلى البحث عن كوكب آخر، ليتسلّط عليه.

و لو امتلك نهرا من ذهب و آخر من فضّة، لما شبع كما يشير إلى ذلك الإمام الصادق (عليه السلام)(1).

و إضافة لذلك فإنّ للغريزة الجنسيّة خصوصيّة أخرى تبلغ خطورتها حدّ أنّ خلفاء بني أميّة و بني العباس و بعض ملوك إيران كان لكلّ منهم دار حريم.

و رغم ذلك كانوا يطاردون نساء الآخرين، أي فرضا كان لأحدهم مائة من الفتيات الحسان اللواتي جمعهن في مكان واحد، و قد لا يرى بعضهن طوال عام كامل، و مع ذلك كان يسعى للعثور على فتيات أخريات حتى لو كنّ زوجات لآخرين لكي يتملّكهنّ.

هذه الحالة يصفها علماء النفس بالفلتان النفسي، إذ لا يشبع المصاب بها مهما أعي و لا يرتوي، و يضيفون أنّ الغريزة تظمأ (تثار) و العوامل


1) راجع أصول الكافي ج 2 باب ذم الدنيا و الزهد فيها.

المؤدية لذلك هي ملاحقة نساء الآخرين بالنظرات الحيوانية، أو فقدان المرأة للحجاب و العفّة و تطلعها للآخرين بنظرات شهويّة.

و بسبب هذه الحالة حتى لو كانت للرجل زوجة جميلة شابة واحدة و ثانية و ثالثة لا يتخلّى عن نظراته الحيوانيّة، فلا يشبع، و يطلب أن يصبح مثل هارون الرشيد له «دار حريم» و لو امتلكه لما شبع.

كما أحذّر الزوجات اللواتي لا يعتنين بحجابهن و لا يتورعن عن النظرات المريبة و عن التطلع لغير أزواجهنّ من خطورة حالهنّ و تبعاته المدمّرة.

و يذكر علماء النفس أنّ ظهور حالة الفلتان النفسي في النساء تدفعهن إلى الكشف عن الأجزاء المثيرة من البدن كأعلى الساعد و ما فوق الركبة و الصدر و أمثالها للأجانب.

و هذا هو ما يدفع بعض غير المهذبات إلى ارتداء ألبسة لا تستر سواعدهنّ لكي يكشفنها للكسبة عندما يذهبن إلى السوق.

و قد يصل الحال بالبعض منهنّ إلى الجلوس في الأزقّة بملاءة ملوّنة دون جوارب، و تدفع ملاءتها إلى الوراء، لتبدي ساقيها للأجانب.

و الدافع لهذه السلوكيات غير المهذبة هو ظمأ الغريزة الجنسية، كما يقول علماء النفس.

و البعض من المسنين و رغم كونهم عاجزين جنسيّايطلقون العنان لنظراتهم الشهويّة، فالكاسب منهم يوجّه نظره الحرام خمسين مرّة لمثل تلك المتهتّكات كلّ يوم.

و هذا وضع خطير من وجهة نظر الإسلام و علماء النفس أيضا.

و هنا أوجّه كلمة بين قوسين للنسوة اللواتي لا يوجد منهنّ في هذا الاجتماع و المرجو أن لا يوجد منهنّ بين اللواتي يستمعن لحديثنا من الإذاعة،

و هي أنّ جلوس المرأة أو الرجل في الزقاق عمل خاطىء، و هو من المرأة أقبح خاصّة إذا كانت لا تهتمّ بأمر حجابها.

فإذا جلست امرأتان أو ثلاث في الزقاق، فليعلمن أنّهنّ غير مهذّبات و عديمات الشخصية. فضلا عن أن عملهنّ هذا يجعل غير المحارم يرونهنّ، فيصبحن سببا لوقوعهم في المعصية.

و هذا بحدّ ذاته معصية كبيرة.

إنّ المرأة التي تحترم شخصيتها لا تقعد في الزقاق عليها ملاءة ملوّنة و قد أبدت فتنة ساقيها. - و العياذ باللّه -، بل تقرّ في بيتها، و تقوم بأعمال المنزل و رعاية الأطفال، و إذا لم يكن لديها من هذه الأعمال شيء عمدت إلى القراءة و الاستماع إلى اأشرطة الدينيّة أو الفنيّة أو الاجتماعية.

و مما لا شكّ فيه أنّ قعود النساء في مكان واحد لا يخلو من الغيبة - و احتمالاالبهتان و النظرات الشهوية.

فليعلمن أنّ ما أصبح متعارفا في بعض الأماكن من جلوس النساء في الأزقّة هو ظاهرة اجتماعيّة مخزية و علامة على فقدان التهذيب و الشخصية المحترمة.

و هذا ما لا ينسجم مع سنّة الزهراء (سلام اللّه عليها).

و من تفعل مثل ذلك و تقول: إنّها تحبّ الزهراء و إنّها تابعة لها، فهي كاذبة في قولها بلا شك، فالزهراء (عليها السلام) تتأذّى من أفعال أمثال هذه المرأة.

إذن فالقسم الثاني لتعدّد الزوجات هو الذي يقع بدافع الأهواء، و قد يخدع من يفعل ذلك نفسه و الآخرين في بعض الأحيان، و يغطّيه بادعاء السعي للحصول على الثواب، فيجلب بدلا من الثواب مصائب شتّى لنفسه

و لزوجته الثانية، و كذلك للأولى، فهو كان كاذبا في دعوى الحصول على الثواب من زواجه بالثانية.

فدافعه كان الأهواء، و لم يكن يحتاج للزواج الثاني، فهذا عمل قبيح عند علماء علم الأخلاق الذين يوصون تلامذتهم منذ الأيام الأولى ب: - «إيّاك ثم إيّاك ثم إيّاك و التوغّل في المشتهيات».

فحذار حذار من أن تشغل قلبك هذه المشتهيات.

حذار من كثرة الأكل و كثرة النوم و الكسل و كثرة الكلام.

و عليك أن تجتهد في حفظ التوازن في تلبية غريزتك الجنسيّة.

فهذا النمط من الزواج الشهويّ التّرفيّ هو عمل قبيح أخلاقيا، و لا ينسجم مع الوفاء للزوجة الأولى.

ينقل عن أحد العلماء الكبار موقف يبعث الإعجاب حقّا لدى الإنسان بالمقامات السامية التي يصلها الذين يهذّبون أنفسهم و بالكلمات و الأعمال العظيمة التي تصدر عنهم، فقد روي أنّ السيد المرحوم إبراهيم القزويني - و هو من مراجع النجف و كان يعيش في كربلاءكان يحظى بمنزلة مرموقة بين طلبة الحوزات العلمية، لأنّه كان على درجة علمية متقدّمة للغاية، و في مقام سام في تقواه و أخلاقه، و كان يحظى بحبّ طلاب الحوزة له.

و في زمانه طلّقت «ضياء السلطنة» ابنة الملك «فتح عليشاه» من زوجها و كانت ما تزال شابّة، و قد أعرضت عن البقاء في إيران، فتوجّهت إلى كربلاء للإقامة فيها دون كفيل.

هذه الشابة بعثت رسولا إلى المرحوم السيّد القزويني ليخبره أنها ترغب في أن يشملها ظلّه، و أن يتزوّجها، و تدخل في بيته و كنفه. السيد أجاب الرسول بأن يحمل سلامه لضياء السلطنة و خطابه لها ب «لا تناسب بيني و بينك فلسنا أكفاء لبعضنا البعض فأنا شيخ و أنت شابّة.

أنا من الطلبة و أنت أميره.

و أنا فقير و أنت ثريّة».

فجاءه جوابها بهذه الصورة:

«أيّها السيّد، إنني أفتخر بأن أصبح زوجتك و في كنفك، و أن أعرف بذلك.

و إنّي لا أطلب منك شيئا من المال، بل إنّي مستعدّة لتكفّل مصاريف بيتك الأوّل أيضا!!».

المرحوم السيد رأى أنّها لا تتخلّى عمّا تريد، فعمد إلى قطع أملها بالكل، و حمّل الرسول سلامه و خطابه إليها ب «إنني متزوّج من امرأة تحملت على مدى أربعين عاما فقري و غربتي و مصاعب حياتي، و ليس من الوفاء أن أجازيها بعد أربعين عاما من تحمّلها المشاقّ في القيام بأعمال المنزل و رعاية الزوج و الأطفال و في ظل الفقر و الغربة بأن أنزل عليها ضرّة لها.

و لذلك لا أرضى بالزواج منك».

هذا الموقف قد يكون ثقيلا على البعض، و لكنّه موقف سام و بليغ.

و إنّي أنصح للّذين يريدون الزواج بثانية و أقول لهم: إن كنتم تسعون حقّا للحصول على الثواب من ذلك، فقدّموا المصاريف التي تريدون تخصيصها بالزواج الثاني هدية لتزويج شابّ و شابّة، و تكفلوا مصارف هذه الأسرة الجديدة، فثواب هذا العمل فوق كلّ ثواب، فالإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) يعتبر تكفّل معيشة أسرة واحدة لمدّة أسبوع خيرا من سبعين حجّة.

3 - الزواج لأمراض نفسية:

القسم الثالث هو تعدّد الزواج المرضي. فللانسان ميول و رغبات إذا لم

يستجب لها انتقل من الوجدان الشعوري إلى الاشعور، فهي تنسى تدريجيّا إذا لم يستجب لها الضمير الواعي تنتقل إلى الضمير اللاوعي بعد مدّة، و تتحوّل إلى عقدة نفسيّة خطيرة تبلغ خطورتها حدّ أنها قد تودّي بالإنسان إذا امتلك علماء أو سلطة إلى إحراق العالم أجمع مثلما هو حال أصحاب الأفكار الصهيونية.

يحدث أحيانا أن تغفل الزوجة عن تلك الأمور الصغيرة الكبيرة التي تحدّثنا عنها بالأمس، فلا تعمل بواجبها، كأن تعبس بوجه زوجها عندما يدخل البيت بدلا من التبسّم، ثم يسمع منها في اليوم الثاني صراخا و دعاء على الأطفال و تضجّرا من إيذائهم لها و من العيش في بيته، و في اليوم الثالث يسمع منها طلبات بشراء بدلة غالية الثمن، و هكذا الحال في اليوم الرابع، و هكذا... الأمر الذي يؤدّي بمرور الزمان إلى إيجاد أزمة نفسيّة لدى الزوج الذي يفكّر بالحلّ فيترائى له حلّ الزواج بأخرى لعلّها ترضيه.

فهذه العقدة النفسيّة هي مثل الشفرة الحادّة التي تغرسها الزوجة في جسم و روح الزوج، فتؤذيه و تدفعه إلى الزواج بأخرى توهّما بأنّها ستريحه.

و أحيانا يرى أنّ الثانية أيضا لم ترضه، فيتزوّج بالثالثة.

و قد تؤدّي تلك الشفرة المغروسة في الروح تدريجياإلى فقدانه عفّة البصرو العياذ باللّه -.

هذا هو تعدّد الزوجات الذي تؤدّي إليه العقد و الأزمات النفسيّة، و علّته هي سلوك الزوجة التي لا ترضي زوجها، و لا تعمل بالوصايا الإسلاميّة بهذا الشأن، و هي الوصايا التي يؤكّدها علماء النفس أيضا.

لقد أظهرت أيّتها الزوجة عدم الارتياح و العبوسيّة بسبب وجود نقص في البيت، فتفاعل ذلك و أدّى فيما بعد إلى أن تذوقي ثمرة عملك غير الصحيح.

و أعتقد أنّ أخطاء الزوجات هي التي تسبّب موارد هذا النمط من تعدّد

الزواج، و إنّي أحذّر الزوجات من أن أخطاءهنّ وجهلهنّ و فقدانهنّ الرشد و الوعي هو الذي ينزل عليهنّ الضّرات، فمصاديق تعدّد الزوجات الضروري هي قليلة جدّا.

و أنقل هنا واقعة من التأريخ، أسأل عمّا إذا كان حال الزوجة على هذه الصورة، سيقع لها هذا النمط من تعدّد الزوجات؟. الحادثة وقعت في زمن الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله)، حيث روي عن الصحابية الأنصارية الرميضاء أمّ سليم زوجة أبي طلحة الصحابي و كلاهما مسلما و يتعاملان وفق أحكام الإسلام و من محبّي الرسول الأكرم أنها قالت: - «توفي ابن لي و زوجي أبو طلحة غائب، فقمت فسجّيته في ناحية البيت، فقدم أبو طلحة، فقمت فهيّأت له إفطاره، فجعل يأكل، فقال: كيف الصبي؟.

فقلت: بأحسن حال بحمد اللّه و منّه، فإنّه لم يكن منذ اشتكى خيرا منه الليلة.

(و هي لم تكذب فقد ذهب إلى حيث يرضع من شجرة طوبى).

ثمّ تصنّعت له. حسن ما كنت أتصنع قبل ذلك حتى أصاب منّي حاجته، ثم قلت: - ألا تعجب من جيراننا؟.

قال: و ما لهم؟.

قلت: أعيروا عارية، فلما طلبت منهم جزعوا!!.

قال: بئس ما صنعوا.

فقلت: هذا ابنك عارية من اللّه تعالى و إن اللّه قد قبضه إليه!، فحمد اللّه و استرجع ثم غدا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فأخبره، فقال: اللهمّ بارك لهما في ليلتهما.

قال الراوي للحادثة عن أمّ سليم: فلقد رأيت لهم بعد ذلك في المسجد

سبعة (أبناء) كلهم قد قرأوا القرآن».

و روى جابر عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «رأيتني دخلت الجنّة، فإذا أنا بالرميضاء امرأة أبي طلحة»(1).

و أخاطب الجميع لا سيما السيدات بأنّ القرآن الكريم يقول: و الّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا(2).

فالهداية لسبل اللّه هي الأجر العظيم الذي يعطيه اللّه للذين يعملون و يصبرون في سبيله.

و ما تدري أي مقام سامى وصل إليه ذلك.

و لاحظتم كيف دعا الرسول الأعظم لهذه الأسرة الصابرة، فرزقهما اللّه في نفس تلك الليلة خيرا مما أخذ منهما.

أوجّه إليكن سؤالا أيّتها السيّدات، فلو كانت أحداكنّ مثل أم سليم حقّا فهل، سيأتي زوجها بضرة عليها؟.

لا، إذن فاعلمي أنّ التقصير منك أيّتها الزوجة.

و إذا درسنا حالات تعدّد الزواج الناتج من أمثال هذه العقد و هي حالات كثيرة نجد أن التقصير صادر عن الزوجة، كأن لا تقوم بواجبات الزوجية و رعاية الأطفال و شؤون المنزل، أو أنّهاو العياذ باللّه تخرج منذ الصباح للجلوس في الزقاق مع زوجة مثلها، فتقضيان الوقت في الحديث و المزاح.

فإذا انتصف النهار، دخلت منزلها، و جاء زوجها ليشاهد البيت و الأطفال حتى هي معهم يفتقدون النظافة و طعام الظهيرة غير معد. و عندها يفكّر في


1) الحادثة رواها أبو نعيم في حلية الأولياء و مسلم في صحيحه ج 7 ص 145، كما نقلها الغزالي في «إحياء علوم الدين» راجع المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء ج 7 ص 128-129، كتاب الصبر و الشكر.

2) سورة العنكبوت/ 69.

الزواج بأخرى لعلّها تقوم بما لا تقوم به الأولى، فيوقع نفسه و زوجته في أمر تكثر مشاكله، و عندها تجلس الزوجة تبكي و تقول:

لو كانت سجادة الحظ التي حاكوها لأحد سوداء *** فلا يمكن تغيير لونها إلى البياض و لا بماء زمزم(1)

فما هذا القول أيّتها السيدة!!.

إنك أنت التي حكت بنفسك سجادة حظك سوداء و لو شئت فقومي بحياكتها بيضاء، قومي بواجباتك الزوجية و رعاية البيت و الأطفال.

فهل سيفكر زوجك بالزواج من أخرى لارجل لا يقدر عادة على القيام بمسؤوليات زوجة واحدة فضلا عن أكثر من ذلك؟!.

و لو فعل مثل ذلك، فالتقصير منك، لأنّك لم تقومي بواجبات الزوجية، فأوجدت لديه عقدة النقص، فقام هو بالتزوّج بأخرى.

و هذا ما نصفه بالزواج الناتج عن العقد.


1) ترجمة نثرية لبيت شعر بالفارسية.

المحاضرة السادسة عشر:

الفصل السادس الطلاق

اشارة

أقسام الطلاق

1 - الطلاق الضروري

2 - الطلاق الناشىء عن الأهواء

3 - الطلاق الناشىء عن العقد

موضوع الطلاق

اشارة

حديثنا اليوم عن الموضوع الثاني أي «الطلاق» و هو موسوم في لإسلام ب «أبغض الحلال» و مشهور عن النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال:

• «أبغض الأشياء عندي الطلاق»(1).

أما المسيحية، فليس مسموحا فيها بالطلاق أصلا، لكنهم يقدمون عليه بحيلة قذرة ليس هنا محلّ ذكرهاو قد شاعت بينهم بازدياد مضطرد أوجدت خوفا عجيبا في العالم الغربيّ.

و مثلما قسمنا تعدّد الزيجات على ثلاثة أقسام نقسم الطلاق على ثلاثة أنواع:

1 - الطلاق الضروري:

إنّ من تكاملية الإسلام و سموّ قوانينه، هو سنّه لقانون الطلاق فهو و إن كان يؤكد أنه عمل مبغوض عنده، لكنه ضروري مثلما أن الضرورة تقتضي قطع اليد المصابة بالسرطان، لأنّ بقاءها يؤدّي إلى إصابة جميع أعضاء البدن.


1) كتاب الحلال و الحرام في الإسلام تأليف الشيخ القرضاوي و تعليقة الشيخ حسن الجواهري ص 316 و فيه مقارنة نافعة عن امتيازات الإسلام عن الأديان الأخرى في أمر الطلاق راجع الصفحة المذكورة و ما بعدها في المتن و تعليقة الشيخ الجواهري القيمة...

و لذلك يرضى صاحبها بقطعها على الرغم من أذى القطع، بل يقدّم الأموال لقطعها، و يشكر الطبيب، على ذلك، لأنه يعلم أن عدم قيامه بذلك يؤدّي إلى دمار بدنه بالكامل.

و هذا حال الطلاق الضروي، فمثلا يكون حلاّ لانعدام التوافق الأخلاقي بين زوجين تعجز كافة أشكال العفو و التضحية و غيرها عن الحيلولة دون طلاقهما، أو أن يبتلى رجل متدين بزوجة تفتقد العفة أو تبتلى مؤمنة بمثل ذلك، و لا يمكن إصلاحهما، فما الحل سوى الطلاق و فصل هاتين القطعتين غير المتجانستين؟.

فيجب قطع هذه اليد المصابة بالسرطان، فقانون الطلاق هو صالح في هذه الموارد إسلاميا و اجتماعيا.

و قد أقرّت المسيحية بميزة الإسلام في سنّ الطلاق و بالطبع مع القيود المشدّدة التي فرضها عليه -، و لو لك يكن فيه ذلك لكان ناقصا مع رعاية كونه الحل الأخير و لا يبقى سواه، كما هو حال الأمثلة المتقدمة، إذ يصبح لا بدّ منه عندما يتعذّر إصلاح الزوجة غير العفيفة أو الزوج غير العفيف أو الفاسد أو السارق.

و موارد هذا النوع من الطلاق قليلة للغاية، و لعلّها لا تتجاوز نسبة الواحد بالمائة من حالات الطلاق.

و لو اقتصر الأمر عليه، لما تجاوزت حالات الطلاق مئة حالة سنويا في إيران.

و أما ما ترونه من ازدياد حالات الطلاق، فهو ناشىء عن عوامل أخرى غير ضرورية.

2 - الطلاق الناشىء عن الأهواء:

و هو مثل تعدد الزيجات الناشىء عن الأهواء الذي تقدم الحديث عنه، كأن يعشق زوج غير ملتزم (متدين) إمرأة، فيطلق زوجته، ليتزوّجها أو يتزوّج ثانية بدافع الهوى فيضطر لطلاق الأولى و العياذ باللّه.

و الأخطر هو. ن تعشق زوجة شخصا، و يدفعها الهوى إلى الحصول على الطلاق لتتزوّج معشوقها.

و موارد هذا النوع من الطلاق نادرة في مدينة قم فضلا عن هذا الاجتماع المقدّس، و لكنّها كثيرة عند غير المتدينين.

و الأمر المهم الذي يجدر أن أنبّه عليه الجميع و لا سيما السيدات، هو العوامل المؤدية لهذا النمط من الطلاق، فهو ناتج من الاختلاط بين النساء و الرجال و النظرات الشهوية سواء صدرت عن الرجل أو المرأة و من حديثها غير الضروري مع غير المحارم(1).

و أهمّ العوامل هو عدم التزام الحجاب الإسلامي.

فعلى اللواتي لا يلتزمنه أن يعلمن أنّهن يرتكبن ظلما عظيما يحشرن بسببه مع أمثال «ريغان و صدام».

فأي ظلم أفضع من إثارتهن غرائز الشباب العزاب؟.

و إيقاعهم في نار الشهوة هو مثل إلقاء الإنسان في النار و إحراقه فيها، بل إنّ نار الغريزة الجنسية أشدّ أحيانا من النار المعروفة.


1) وردت الكثير من الأحاديث الشريفة الناهية عن هذه الأمور راجع مثلا وسائل الشيعة ج 14 باب 104 من المقدمات و ما قبله و ما بعده و كذلك ثواب الأعمال و عقاب الأعمال للشيخ الصدوق...

و أني ظلم أفظع من أن ينظر شابّ أعزب إلى الوجه أو الساق المكشوف أن المواضع الحسّاسة من بدن إمرأة تلتزم الحجاب الإسلاميّ، فيقع في المعصية؟.

فإثم وقوعه في المعصية يقع أيضا عليها و على المرأة التي تتغنّج و العياذ باللّه عندما تدخل دكانه لشراء شيء.

أحيانا يصل انعدام التهذيب ببعض النساء إلى درجة أن تبيع إحداهنّ شرفها من أجل شراء جورب أو قطعة قماش بثمن أرخص قليلا.

و لا أقصد هنا الزنا، بل نفس هذا المقدار من تبسّمها و ضحكها في حضور الأجنبيّ و ممازحتها له و تغنّجها له، فهذه درجة من بيع الشرف.

و هذا لا ينحصر بالزناو العياذ باللّه بل الزنا مصداقه الأشدّ، و من درجاته الخروج إلى الشارع بجورب يزيّن ساقها و يفتن الأجنبيّ.

و من درجاته أسر البائع بالبسمات و المزاح و الكلمات الشهوية.

و على من تفعل ذلك أن تعلم أنها ظالمة كبيرة، فهي تأتي بالشيطان لهذا الكاسب فيحببها إليه و بنفس المقدار ينقص من حبّه لزوجته، فيؤدي ذلك إلى الطلاق أحيانا أو أشكال الجفاء و العقد النفسية و ضياع الأولاد، و كلّ ذلك بسبب تغنّجك بحضرة الكاسب، فهو ظلم عظيم و إثمه كبير.

و من الأمور التي تؤدّي إلى مصيبة كبيرة، العشق و الهوى و هو أسوأ من السرطان سواء كان بين ذكرين أو بين أنثيين أو بين رجل و امرأة (أجنبية).

و علينا أن نعرف أن هذا المرض السرطاني مدمر و لو ظهر عند أحد جعله مستعدّا للتخلّي عن كلّ شيء حتى كرامته.

فعندما نراجع أشعار العشّاق نراهم يؤكدون أن أول شيء تجب التضحية به في طريق العشق هو الكرامة.

و نعلم جميعا أن مصدره هو الغريزة الجنسية.

فاحذروا أن يخدعكم الشيطان، فمصدره هو هذه الغريزة، حتى لو كان بين ذكرين أو فتاتين، حتى لو تستر بعنوان المودّة و المحبة و الأخوة و الحبّ في اللّه و حبّ المسلم، فهذه تبريرات و الحب الخالص في اللّه قليل.

و حقيقة ال. مر هو ما بيّنه الإمام الصادق (عليه السلام) عندما سأله المفضّل عن العشق، فقال: - «قلوب خلت عن ذكر اللّه فأذاقها اللّه حبّ غيره»(1).

و الآخرون عندما يريدون تعريف العشق يصفونه بأنه «مرض سودائي»(2).

هذا المرض السرطاني يسببه الاختلاط و النظرات خاصة و قد أثبت بعض العلماء أنّ هناك نوعا من الأشعة في البدن تنتقل بالعيون و عندما تدخله تظهر على صورة (نار) العشق.

و لذلك نهى الإسلام عن النظرة الشهوانية، بل ندب لاجتناب حتى النظرة غير الشهوية للمرأة الأجنبية و إجتناب الاختلاط و التحدّث بغير مقدار الضرورة بين الرجال و النساء.

و بعد نزول أكثر من عشر آيات حول الحجاب بعضها تنهى المرأة عن التبرّج و إبداء الزينة و القيام بما يجذب انتباه الأجانب.

و بعضها ينهى عن اجتناب التحدّث معهم إلاّ بمقدار الضرورة.


1) سفينة البحار ج 2 ص 198.

2) راجع أيضا المصدر السابق ص 197 نقل هذا الوصف عن الحكماء في الكتب الطبية، و أضاف: - «... فإن المذموم هو العشق الجسماني الحيواني الشهواني و الممدوح هو الروحاني الإنساني النفساني و الأول يزول و بفنى بمجرد الوصال و الاتصال و الثاني يبقى و يستمر أبد الآباد».

و بعضها يأمر المؤمنين و المؤمنات بغضّ البصر.

بعد ذلك ورد الخطاب القرآني للنبي (صلّى اللّه عليه و آله): يا أيّها النّبيّ قل لأزواجك و بناتك و نساء المؤمنين يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين و كان اللّه غفورا رحيما(1).

فشخصية و عفة المرأة تعرف من خلال هذه الملاءة (الحجاب).

و أحد مصاديق عدم إلحاق الأذى هو أن عدم تحجّب المرأة بصورة دقيقة يؤدّي أحيانا إلى وقوع شخص ما في عشقها، و عندها تقع الفضيحة.

و قد تقع هي نفسها لا سمح اللّه في العشق رغم أنها متزوجة إذا كانت نظراتها شهوية و لا تسيطر على لسانها عند التحدّث مع الآخرين.

و في هذه الحالة تكون الفضيحة الكبرى.

و لا نخطىء إذا قلنا: إنّها تصبح مصداقا كاملا لقوله تعالى -: خسر الدّنيا و الآخرة ذلك هو الخسران المبين(2).

و استنادا إلى ما تقدّم إذا سألتموني عن علّة موارد هذا النمط من الطلاق «العشقي»، لأجبت بأنّها من خطإ النساء اللواتي لا يلتزمن الحجاب بصورة صحيحة و كاملة -، و اللواتي لا ينتبهنّ على أقوالهن و أفعالهن.

فيا أيتها السيدة، إنّك جذّابة، و جاذبيتك هي من القوة بحيث أنّ النبي الأكرم و الأئمة الطاهرين (عليه و عليهم أفضل الصلاة و السلام) نهو عن النظر إلى أعقاب النساء و السير خلفهن(3). فإذا صادفت امرأة تسير أمامك، فتوقّف حتى تبتعد، ثم تابع سيرك، فللمرأة جاذبية.


1) سورة الأحزاب/ 59.

2) سورة الحج/ 11.

3) راجع وسائل الشيعة ج 14 الباب 108 من المقدمات ص 144.

و إذا تحولت هذه لا سمح اللّه إلى عشق، افتحضت المرأة أيضا حتى لو لم تكن هي عاشقة.

و في هذه الحالة تجلب البؤس لها و لذاك الذي عشقها، و لذا اهتمّ الإسلام بالأمر غاية الاهتمام، فنهى الرجل عن الجلوس في محلّ قامت منه امرأة حتى يبرد، تجنبا لتداعي أي معنى أو تصور إلى ذهنه.

و إذا وقع القسم الثاني من الطلاق، فاعملوا أنّه ناشىء من هذه الأشكال من العشق و الاختلاط و الأحاديث و الجاذبية و من عدم التمسّك بالحجاب الإسلاميّ.

فأرجو من النساء الاهتمام بحجابهن لكيلا تدمر إحداهن لا سمح اللّه - بيتا و أسرة بنظرة يوجّهها رجل فيجلب على نفسه سران الدنيا و الآخرة.

إنّني أعتقد بضرورة عزل النساء عن الرجال في الحافلات و لا سيّما في قم(1)، و إذا كان متعذّرا تخصيص حافلات مستقلة، فيخصص نصف الحفافلة بالنساء، و الآخر بالرجال، لكيلا يجلس الرجل أو يقف إلى جانب المرأة لا سمح اللّه فيقع التماس، فهذا خطير في مثل هذه الأماكن العامة و الحافلات المتوسطة و غيرها.

أيتها السيدة، إنك جوهرة، و الجوهرة الثمينة يجب أن تحفظ، و كلما كان حجابها أكمل حفظت عن أيدي السّراق.

و أخيرا احذرواذكروا و إناثاو راقبوا أقوالكم و تعاملكم فيما بينكم.

أقول للزوج: أيّها السيّد إذا خرجت زوجتك بجورب يزيّن ساقيهالا سمح اللّه فاعلم أنّ ذلك يؤدي إلى وقوع أحد في عشقها و عاقبة ذلك معرفة.(2).


1) هذا النظام معمول به في قم و معظم المدن الإيرانية المزدحمة.

2) راجع باب وجوب الغيرة على الرجال من كتاب وسائل الشيعة ج 14 ص 107-110.

3 - الطلاق الناشىء عن العقد:

و هو يشبه تعدد الزوجات بدافع العقد النفسية، و موارده كثيرة تقرب من الثمانين بالمائة من حالات الطلاق و عوامله هي نفس علل ذاك القسم من تعدد الزوجات، فالبداية تكون في عدم قيام الزوجة بواجباتها و عدم رعايتها لتلك «الأمور الصغيرة الكبيرة» فيوجد ذلك عقدة لدى الرجل و العياذ باللّه من حدوث ذلك.

و إنّي أحذر منه الأزواج و الزوجات، فإصابة الرجل بذلك تجعله مستعدا للتخلّي عن كلّ إلتزام تجاه عياله، فيقولون له: إنّ الأمر يجلب البؤس لزوجتك و أطفالك.

فيجب: ليحدث ذلك.

فهو الذي كان يريد تقديم كل ما عنده لأطفاله يصبح كارها لهم، و الذي يوجد فيه هذه الحالة هي الزوجة.

و نفس الأمر يصدق على الطرف الآخر، فإذا كان الزوج لا يراعي تلك «الأمور الصغيرة الكبيرة»، و يتعامل بجفاف و بخل و خشونة و تشديد في غير محلّة و بكلمات بذيئة جارحة مع أسرته، فإنّ ذلك يصيب زوجته بعقدة توصلها إلى طرق ضيّقة خطيرة.

و لا تستبعدوا ذلك، لكونها الآن عفيفة، فلا تتغير حتى لو أصابتها مثل تلك العقد، لا فعند إصابتها بذلك تعرض عن قومها و زوجها و أطفالها و كرامتها.

هذا أولا، و ثانيا عدم مراعاة وضع الزوج في البيت.

فعلى الإخوة أن يعرفوا قيمة تنظيم أوقاتهم اليومية، و أنّ من وصل إلى مقام سام، فبفعل قيامه بهذا التنظيم.

و بعض الكبار اهتموا بتنظيم أوقاتهم، حتى أخضعوا ذهابهم لقضاء الحاجة و الوضوء للمنهج النتظيميّ هذا، و كذلك خروجهم من البيت و أوقات تناولهم الطعام و نومهم و سائر شؤونهم، و تنظيم ذلك هو نجاح كل من حقق إنجازا علميا و اكتشافا أو اختراعا.

و لذلك أوصي أولا الزوجات و الأزواج بتنظيم أوقاتكم، و ثانيا أوصي الأخوة أن يخصصوا ضمن هذا المنهج التنظيمي وقتا بمتابعة شؤون البيت و الزوجة و الأطفال، لكي لا تكون الأسرة على الهامش ك. ن ينشغل الزوج بالكتاب و القرآن و العلم و الاختراع، و لكونه رجل علم يحصر كلّ اهتمامه بالعلم، و تصبح جميع الشؤون الأخرى حتى الزوجة في الهامش، فلا يهتم بوضع عياله و لا يخصص بهم وقتا.

و هذا سلوك خطير العواقب، و بعض الكسبة يخرجون في الصباح و يرجعون ليلا و قد قضوا يومهم في متاعب العمل و التعامل مع الناس، و عندما يرجعون إلى البيت لا يفكّرون سوى بتناول طعام العشاء، ثم النوم و الاستراحة.

هذا إذا لم يأت إلى المنزل بدفتر حساباته لينام معه!!.

إن هذا الوضع خطر جدّا، و قد يؤدّي إلى سلب العفيفة عفتها بالكامل، و قد يكون الوالد نفسه من أهل المسجد و العبادة، لكنّه غير ملتفت إلى أسرته، فتؤدي غفلته إلى ذهاب بناته و أبنائه إلى مراكز الفساد.

و ما ورد بشأن تخصيص ثماني ساعات لطلب المعيشة و مثلها للعبادة لا يعني أن تقضي هذه الساعات الثماني كلّها في صلاة الجماعة و المسجد و المحراب دون أن تخصّص ساعة منها بالاهتمام بوضع زوجتك، في حين أن الواجب على الزوج أن يوجّه اهتمامه أولا عند دخوله البيت إليها، فهي الأقرب حتى إذا سبقها الطفل إليه، فليضمّه إلى أحضانه لكنّ عينه يجب أن تتوجّه إلى

الأمّ، و لا تستهينوا بهذه الأمور.

قبل أيام أعتقلت زوجة قتلت أولادها الثلاثة و قد غرست في رأس الثالث سبع عشرة إبرة، و عند سألوها عن سبب قيامها بذلك أجابت: - «بأنّ زوجي عندما كان يدخل البيت يتجاهلني، و يصب اهتمامه على الأطفال، فأثار فيّ الحسد، فقررت قتلهم!!».

و أحيانا تتصل بي زوجة بالهاتف، و تبكي مثل الثكلى، و بعد أن تتحدّث نفهم أن زوجها على مستوى جيّد من الناحية المالية و الجنسية، لكنه يفتقر إلى أمر هو الاهتمام بزوجته، فقد يضعها في هامش حياته و وقته، في حين أنّ الأحاديث النبوية تؤكّد على الزوج أن يهتمّ بزوجته و يحادثها و يستمع إلى حديثها عند دخوله البيت و قبل انشغاله بالأمور الأخرى و مفهوم أنّه لا ينبغي للمرأة التذمّر و الشكوى و لكن لتصرح بمكنونات قلبها، و على الزوج أن يصغي إليها، و لا يقطع عليها حديثها، ثم يسلّيها، و يزيل عنها تعبها و فتورها بعطفه و رحمته، فيعتذر إليها و يشكرها و ليخصص نصف ساعة للتحدّث معها.

و عليك أن تقوم بملاعبة الأطفال، فأحد الذين يجب أن يقوم بملاعبتهم هو الأب، و كذلك الأمّ، فاهتمّ بهذا الأمر، و مع الأسف، فنحن نتساهل كثيرا في هذه الأمور و نسيء التعامل معها و نكتفي بالتبسّم عند ذكرها، و نتيجة لهذا التساهل نتلقى ضربات عنيفة.

تقول زوجة أحد السادة و قد انحرف أولاد: - إنّ المقصّر هو الأب، فقد كان منشغلا بالمطالعة و تلاوة القرآن، و لم يهتم بهم فأصابتهم العقد النفسيّة، و أنحرفوا.

لم يكن يسأل: أين ذهبت؟ و من أين أتيت؟.

هذا الطالب الديني أو العالم أوذ اك السيد الذي يتوجه فور دخوله المنزل

للمطالعة يرتكب بذلك ظلما، و يضيع حقا.

و لا بركة في علم يكتسب بتضييع الحقوق و الظلم.

أجل عليه أولا أن يتابع شؤون عياله، ثم يتوجّه إلى المطالعة بعد ذلك، و على الزوجة أن تكون بعد انقضاء ساعة أو ساعتين من مطالعته أن تكون قد تزيّنت، ثم تقدّم له بحيوية شيئا من الفاكهة و إن لم يكن عندهم منها شيء فلتقدّم له ماء في قدح نظيف و إناء نظيف و تعد السلام عليه ثانية و تجلس عنده، و لتزل ببسماتها تعب المطالعة عنه.

و لا شك بأن تعبه سيزول.

أحد الأشخاص و كان عالما جليلاتوفيت زوجته، فأكثر البكاء عليها، فقالوا له: أيّها السيّد، لا ينبغي لك مثل هذا، فهل تسخط على قدر اللّه؟.

فأجاب: لا، بل أنا راض به، و لكن قلبي يتألم لفقداني أنيسي و مهد علمي.

إنّها كانت تأتي لي و أنا في حال المطالعة و عندما يصيبني التعب منها بقدح من الشاي فتسلّي قلبي و تزيل تعبي، فأنا مدين لها بما ألّفت من الكتب.

و يقول «پاستور»: «إنّ اختراعاتي و خدماتي للمجتمع كانت بمساعدة زوجتي التي كانت تزيل التعب عني.

و بناء على ما تقدّم، فإنّ انشغال الزوج في كامل وقته في المطالعة أو الكسب و عدم اهتمامه بزوجته هو حالة خطيرة تؤدّي إلى إصابتها بعقدة نفسيّة تؤدّي إلى الطلاق حيث ينفد صبرها و لو كانت نجيبه كريمة صالحة، فتذهب إلى المحكمة للحصول على الطلاق و إن أدّى ذلك إلى ضياع أطفالها، إذ

يصبح المهم بالنسبة لها أن ترتاح من هذا الوضع و لو بدمار أولادها.

فهذا القسم من الطلاق، ناتج من عدم رعاية الزوجية لتلك الأمور الصغيرة الكبيرة، فيؤدّي ذلك إلى تأزّم نفسيّة الزوج فيطلقها، أو أن يغفل الزوج عن القيام بواجباته، و لاى جعل زوجته و أطفاله في صلب حياته، فيجر ذلك إلى الطلاق.

و موارد هذا النمط من الطلاق كثيرة تصل نسبتها إلى الثمانين بالمائة، و من علله أن يكن الزوج سيّىء الظنّ بزوجته، أو تكون هي كذلك.

فإذا تأخّر زوجها عشر دقائق أقامت الدنيا و لم تقعدها، و تتهمه بالذهاب إلى زوجته الثانية!! و ما إلى ذلك، فتدفعه إلى الزواج بالثانية و الثالثة.

و هذه الحالة من إساءة الظنّ التي نجدها لدى بعض الزوجات و بعض الأزواج خطيرة للغاية خاصة لدى الرجال و إثمها أيضا عظيم جدا.

المحاضرة السابعة عشر:

الفصل السابع الاحتياجات العائلية

اشارة

1 - الاحتياجات المادية

• ذم البخل

2 - الحاجات الجنسية

3 - الحاجات العاطفية (الحنان)

الاحتياجات العائلية

اشارة

الفصل السابع من بحثنا يرتبط بالاحتياجات التي يلبّيها أحد الزوجين للآخر.

و هذا موضوع مهم في علم النفس كما يجب الاهتمام بالروايات الشريفة الواردة بشأنه.

1 - الاحتياجات المادّية ذم البخل:

و هو الاحتياج الأوّل الذي يجب على الزوجين الاهتمام به، و يجب على المستطيع أن يهيّىء حياة مرفّهة لأسرته.

و إن كان قادرا على توفيرها و بخل بذلك، فإنّه لم يؤدّ حقّ الأسرة، و أصبح مصداقا للآيات و الأحاديث الواردة في ذمّ البخل، قال تعالى -:

و لا يحسبنّ الّذين يبخلون بما آتاهم اللّه من فضله هو خيرا لّهم بل هو شرّ لّهم سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة (1).

فلا يتوهم البخلاء الذين لا ينفقون على الأسرة و خارجها على الفقراء أنّ في ذلك خيرا لهم، بل هو شرّ.


1) سورة آل عمران/ 180.

فنفس المال الذي بخلوا بإنفاقه في سبيل اللّه سيصبح طوقا(1)في أعناقهم و ما يجدر بنا معرفته هو أن البخيل مدحور عن الحضرة الإلهيّة.

و البخل هو كسائر الرذائل مذموم عقلا، حتى عند البخيل، و علامة ذلك أنه يتأذّى إذا خوطب بهذه الصفة، كما أنه من عوامل قتل المودة في الأسرة و المجتمع، فالذي يبخل على أسرته يفقد ببخله احترام زوجته و أطفاله و مودّتهم، و أحيانا يصل بهم الحال إلى تمنّي موته.

فعلى الزوج المستيع أن يوفّر على أسرته الحياة المرفّهة أوكحدّ أقل - المعيشة الضرورية، أي المأكل و الملبس و المسكن.

و إذا كان قادرا على تزويجهم فليفعل، فواجبه أن يزوّج ألاده الذكور و الإناث و يقدّم لهم المقدار المتعارف من الجهاز التأثيثي و مصارف الزواج.

و البخل في هذه الموارد يعني عدم توفير احتياجات الأسرة الأمر الذي يؤدّي إلى إصابة أفرادها بالعقد النفسيّة، و يؤدّي و العياذ باللّه إلى دفع الزوجة مثلا إلى السرقة من جيب زوجها في البداية، ثم من المحالّ التجارية و الأسواق و كذلك يصبح مصير أولاده، فعليه الحذر من وقوع هذه المفاسد.

كما على الزوجة أن تلبي الحاجات المادية للزوج من قبيل الطعام و أن تقدّمه في ذلك على نفسها و على الأطفال ضمن ترتيب و ذوق لطيف يناسب التي ترعى زوجها.

أمّا الزوجة التي يوجد في بيتها فاكهة أو طعام لا تجعل زوجها يناله، فهي ليست بخيلة، بل لئيمة بحسب الرؤية الإسلامية، لأنّ البخيل هو الذي لا ينفق ماله.


1) ورد في الأحاديث الشريفة أنه سيتحول إلى طوق: من نار راجع الروايات الواردة في تفسير الآية في المجلد الأول من تفسير البرهان للمولى البحراني قدس سره -.

أمّا اللئيم، فهو أخبث، لأنّه لا يطيق أن يرى أحدا يأكل من مال الآخر.

و معلوم أن هناك أشخاصا يصدونكم عن الإنفاق، فاللئيم يصدّك عن مساعدة أسرة فقيرة، و يوسوس لك بأنّ عليك أن توفر من أجل ضمان مستقبل أولادك، فلماذا كل هذا الإنفاق و أمثال ذلك؟.

و لكنّ الأشد لؤما هو الذي لا يطيق أن يرى شخصا يأكل من أمواله.

و هذا هو حال البعض، فهو لا ينفق على أحد و يصد الآخرين عن الإنفاق و خدمة الآخرين، و لا يطيق أن يشاهد أحدا يأكل من كدّه و يعيش مرفّها، و الزوجة التي لا تهتمّ بزوجها هي من النوع الثالث أي الأشد لؤما، فهي التي لا تجعل زوجها ينال ممّا يأتي به إلى البيت من فاكه و طعام.

و مثل هذه المرأة اللئيمة يجب أن لا تتوقع المودة و الاهتمام بها من زوجها و تعلّقه بالبيت.

لقد قلنا في الأحاديث المتقدّمة: إنّ لبعض الرجال طلبات غير متكافئة و حسب المثل الرائج فإنّ أحدهم لم يأت باللحم، لكنه يطلب «الكباب»، و لكنّ الزوج إذا جاء باللحم مرّة، فلم ترض زوجته بأن تجعله يطعم منه شيئا، و أكلته هي و أطفالها و قدّمت منه للضيوف، فهذه اللئيمة ستظهر يوم القيامة بصورة حيوان قبيح يشبه الخنزير الذي يوصف بهذا النمط من اللؤم بالصورة الثالثة المتقدّمة الذكر، فيقال لها: إنّ المال كان من زوجك، و ليس منك، فلماذا لم تطعميه منه؟.

و مثل هذا المرأة من الطبيعي أن لا تتوقع مودّة من زوجها، بل عليها أن تتوقّع أن يتعقد منها و لا يحق لها أن تعتب إذا تزوج بثانية.

كما على الزوج المستطيع الذي يبخل على عياله في الإنفاق أن لا يتوقع مودّتها و حيويتها، بل عليه أن يتوقّع أن تصبح معقّدة نفسيا و سارقة و خائنة.

فعلى كلا الزوجين تلبية الاحتياجات المادية المتقابلة.

أمّا أن يتمّ ذلك بصورة كاملة، فهو موضوع آخر، فإذا كان الزوج غير قادر على شراء فاكهة لأسرته، فعلى الزوجة أن لا تطالبه بذلك، بل ينبغي لها أن لا تظهر له الرغبة في ذلك و لا تجعله يخجل من فقره، بل تسلّيه، فتكسب بذلك قلبه.

كما على الزوج أن لا يطلب ما لا يوجد في البيت، و إذا استطاع، فعليه أن يوفر المعيشة الضرورية لعياله، فتوفيرها مقدم على كلّ ما عداه.

و صحيح المثل المتداول الذي يقول: - «القنديل الذي يحتاجه البيت محرّم على المسجد».

فعيال الرجل مقدّمون على كل من عداهم.

فقد ورد في الروايات الشريفة أنّ رجلامن أصحاب الرسول الأعظم - مات و قد تصدّق بكلّ ما لديه في سبيل اللّه فصلّى عليه رسل اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثم دفنوه، ثم أخبروه (عليه السلام) أنّ عياله جياع، و كان ثريا، لكنّه تصدّق بكل ما لديه قبل موته، فأخبرهم (صلّى اللّه عليه و آله) أنّهم لو كانوا قد أخبروه بذلك من قبل لما صلّى عليه(1).

فعلى الرجال و النساء الانتباه على أن عدم قيامهم بتوفير المعيشة الضرورية مع قدرتهم عليها يوجد خطرا عظيما للأسرة.

2 - الحاجات الجنسية:

الحاجة الثانية: هي لتبية الغريزة الجنسية التي تجب تلبيتها مثلما يجب تلبية الغرائز الأخرى.


1) في وسائل الشيعة ج 14 ص 122. عنه (ص): - ملعون ملعون من ضيع عياله.

و هذا أمر طبيعي، و قد اتّضح في المباحث المتقدّمة، فيجب على كل من الزوجين تلبية الحاجة الجنسية للطرف الآخر و إثم التخلّف عن القيام بذلك عظيم.

روي عن النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: - «المرأة التي يدعوها زوجها لبعض الحاجة، فلا تزال تسوّفه، حتى ينعس زوجها، فينام فتلك التي لا تزال الملائكة تلعنها حتى يستيقظ زوجها»(1).

فهذه حاجة طبيعية للنساء و الرجال، كما أكّد (صلّى اللّه عليه و آله) أن الرجل الذي لا يلبّي الحاجة الجنسيّة لزوجته يقع عليه إثم إذا وقعت في الحرام بسبب ذلك مثلما تأثم هي(2).

و لو تهاونت الزوجة في مقدمات تلبية الغريزة الجنسيّة أو في نفس الاستجابة لها، و افتقد زوجها عفّة البصر، و أخذ يرتكب إثم النظرات المحرّمة، فإن إثمّ عمله يكتب في صحيفة عمل الزوجة أيضا، و سترى ذلك مكتوبا في كتابها يوم القيامة فتسأل عن ذلك و هي لم ترتكب نظرات محرّمة، فيأتيها الجواب بأنّ التقصير هو منك، فكان يجب عليك أن لا تتركي زوجك يضطر للوقوع فيها، و ذلك بتلبية حاجته الجنسية سواء على مستوى المقدّمات كالتزين أو على صعيد أصل العمل.

و مثل هذا يصدق أيضا على الزوج إذا قصّرلا سمح اللّه كأن تكون له زوجتان فلا يعدل بينهما، فإثم ذلك عظيم.

و إذا أطلقت التي قصر في حقّها آهات الألم، فقد تؤدّي آهاتها إلى ما يقصم الظهر و يحرق الجذور.


1) وسائل الشيعة ج 14 ص 117.

2) راجع سفينة البحار ج 1 ص 180 و كذلك وسائل الشيعة ج 14 ص 75 و كذلك ص 100، و فيه عن الصادق (عليه السلام) قال: «من جمع من النساء ما لا ينكح فزنا منهن فالإثم عليه».

3 - الحاجات العاطفية (الحنان):

فالإنسان ليس حيوانا و لا شجرة و لا جمادا، و إن كان للحيوان أيضا حاجات عاطفية، و تلاحظون كيف أنّ الشاة أو القطة أو الكلبة تداعب رضيعها حين الرضاعة، فتوفر عليه بذلك احتياجه المادّي باللبن و حاجته المعنوية و العاطفية (للحنان) بمداعبته و مسح بدنه بلسانها أو برأسها.

و نفس هذه المداعبة دليل على أنّ الطبيعة و الفطرة تعرّفنا أنّا للإنسان هذا الاحتياج العاطفيّ و هو أولى به، فالحيوان كالكلب يدرك أنّ لوليده حاجات عاطفية إضافة إلى المادية.

و على الإنسان أن يدرك ذلك طبعا، و المحبّة المتبادلة هي غذاء روحي متبادل و هو أسمى من الغذاء المادّي، و العياذ باللّه من أن يكون لدى الرجل أو المرأة نقص في المحبّة و الحنان.

الإسلام أوصى بصورة مؤكّدة بالعطف على الأيتام حتى إنّ القرآن الكريم أخرج الذين يؤذون اليتامى من الإسلام، و أوضح أنهم لا يعتقدون بالدين، فقال: - أرأيت الّذي يكذّب بالدّين، فذلك الّذي يدعّ اليتيم(1).

فالمجتمع الذي لا يرعى اليتامى هو مسلم ظاهري، و ليس حقيقيا؛ فلماذا كلّ هذا التأكيد في الإسلام لرعاية اليتيم، حتى إنّنا نلاحظ في الروايات أنّ الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) كان إذا أتاه يتيم أجلسه في حجره، و مسح على رأسه و اعتنى به بصورة خاصّة.

و أمير المؤمنين (عليه السلام) معروف بشدّة اهتمامه باليتامى.


1) سورة الماعون/ 1-2.

فهنيئا لأسر الشهداء الموقّرة و اعلمي أيّتها السيّدة التي استشهد أو توفي زوجك أنّ لك أجرا عظيما على رعايتك يتاماه، فقد جاء في الأحاديث الشريفة: - «ما من مؤمن و لا مؤمنة يضع يده على رأس يتيم ترحّما له، إلاّ كتب اللّه بكلّ شعرة مرّت يده عليها حسنة»(1).

كل هذا الثواب و التأكيدات ترمي إلى تلبية الاحتياج العاطفي لليتيم الذي يفتقد الأب لكلي لا يفتقد المحبّة، فتصيبه عقد نفسية بسبب ذلك، و العياذ باللّه من أن يصاب رجل أو فتى أو فتاة بمثل ذلك، فهذه حالة خطيرة العواقب، فصاحبها إذا دخل المجتمع أصبح مجرما.

و إذا اعترل فقد الحيويّة، و واضح أنّ المرأة التي تفقد الحيوية لا تستطيع القيام بواجبات الزوجيّة و البيت و الأطفال، كما أن الرجل الفاقد للحيويّة لا يستطيع أن يكون اجتماعيا، بل يعتزل المجتمع، و فقدانهما للمحبة هو سبب لإصابتهما بالعقد النفسية.

و الطفل يحتاج إلى المحبّة، فعدد من غرائزه تنتقل إلى مرحلة الفعل منذ الأيام الأولى و بعضها يبقى بالقوة أشبه بالنار تحت الرماد أمثال الغريزة الجنسيّة و غريزة حبّ المال.

أمّا غريزة الجوع، فتنتقل إلى مرحلة الفعل منذ البداية، فيحسّ بالجوع و الشبع و يعرف أنّ عليه أن يتوجّه إلى ثدي والدته عندما يجوع، و نفس الأمر يصدق على غريزة طلب المحبّة و العطف و الحنان، فعندما ترضع الأم رضيعها و لو كان عمره شهرا أو شهرين فطنّ مسحها على رأسه و مداعبتها له هي أهم من نفس اللبن الذي ترضعه له.

و نفس الأمر يصدق على تبسّم الأب لطفله.


1) كتاب ثواب الأعمال للشيخ الصدوق ص 237.

إذن فأطفالكم بحاجة إلى المحبّة و العطف، و ليس منصفا الأب الذي يهتمّ يحاجاتهم الماديّة، و يتجاهل الحاجات العاطفية فهو أب جاهل.

و بعض الآباء قلّما يرون أطفالهم، لأنّهم يخرجون صباحا للعمل و هم نائمون و يعودون مساء و قد نام الأطفال أيضا.

و مثل هؤلاء الأطفال يقعون في خطر عجيب، إذ على الأب أن يلاعب أطفاله و يجلسهم في حجره، و يمسح على رؤوسهم بيد المحبّة، فلبسمات الأب قيمة كبيرة لدى الطفل.

و كذلك لدى الزوجة فالإنسان يعشق المحبة و الحنان و قد اهتم القرآن الكريم بهذه القضايا الدقيقة، فأشار إلى أنّ اللّه تبارك و تعالى قد ربى النبي موسى (عليه السلام) بصورة إعجازيّة و تذكر الأحاديث الشريفة أنّه (عليه السلام) ولد تحت عرش فرعون في وقت كان في وقت كان فرعون يذبح الأبناء - و تربّى في حضانة السيّدة آسية (سلام اللّه عليها) و هي زوجة فرعون، فقذف اللّه محبّته في قلب فرعون الذي تعامل معه مثل الأب الشفيق، قال تعالى -:

• و ألقيت عليك محبّة مّنّي و لتصنع على عيني(1).

و لم يكتف بذلك، بل وضعه لعشرة أعوام تحت تربية نبيّ اللّه شعيب، حتى اكتمل رشده و تأهّل لمرتبة أن يكمله اللّه، و عندما بعثه نبيّا جعل له هارون وزيرا، لينذرا فرعون، و لكن يحدثانه برأفة، قال تعالى -: - إذهبا إلى فرعون إنّه طغى، فقولا له قولا لّيّا لّعلّه يتذكّر أو يخشى(2).

هذه الآيات تقول لنا: إنّ الإنسان مهما كان متعطئ ش للعطف و المحبّة لذا لا يجيز الإسلام الشتم أو الإساءة لمشاعر هذا المجرم القاتل المفسد في


1) سورة طه/ 39.

2) سورة طه/ 43-44.

الأرض الذي يحكم الإسلام بإعدامه فلا يحق حتى للذي يعدّ له حبل المشنقة أن بهينه. و يستطيع الحاكم الشرعي معاقبته إذا فعل مثل ذلك.

إذن الإنسان أيّا كان متعطش للمحبة و الحنان و هذا أول شيء تريده زوجتك منك و يريده زوجك منك، فهو أهمّ من الحاجات الجنسيّة و الماديّة، و هذا ما يحتاجه أيضا أولادكم ذكورا و إناثا -.

إذا لم تكن تسلم عند دخولك البيت، فقابل زوجتك بابتسامة في الأقلّ و لا تعبس، فهذا أشدّ من كلّ مصيبة، و به يوجّه الزوجان أشدّ الضربات أحدهما للآخر أحيانا، فمرّة يكون الزوج وضيعا و يضرب زوجته(1)، و هذا ذنب عظيم تحدثت عنه سابقا، و لكن تارة يكون متديّنا لا يشتمها و لا يضربها، لكنه يزعل و يعبس و يجلس و مثل هذا الفعل يجعل المرأة تفضّل أن يجلدها مائة جلدة على أن تنظر إلى وجهه.

و قد تكون الزوجة غير سليطة اللسان، فلا تشتم، و لا تستطيع الضرب، لكنّها لا تكلّم زوجها و تزعل و تفقد الحيوية، و هذا العمل أشدّ أثرا من مائة جلدة، كما أنّ إثمه أعظم من مائة جلدة.

و مثل هذا التعامل هو الذي يجلب عليهالا سمح اللّه الضرّة.

و قد تضيع المرأة بسبب كلمة واحدة تصدر عن الزوج، فلا تتصوّر أن زوجتك ستبقى عفيفة إذ افتقدت المحبّة و الحنان كما أنّ فقدان ابنتك لذلك يجعلها في معرض الخطر.

و لذا تجب تلبية الاحتياجات العاطفية للأسرة خاصة للسيّدات، فإذا جسّدتم (أيها الأزواج) المودة و العطف تصير الزوجة سيدة حقيقية حنونا.

و إلا فلن ترعى الزوج و الأطفال و التي تفعل ذلك فهي ليست سيدة


1) راجع وسائل الشيعة ج 14 ص 119 حيث ينقل عنه أحاديث تنهى عن ضرب الزوجة.

صالحة، و على الزوجة أن تكون أشدّ حنانا.

و على كلا الزوجين أن يلبّيا احتياجات الأسرة للحنان و العطف فيجعلا أجواء البيت مفعمة بدفء المودّة و الحنان.

المحاضرة الثامنة عشر:

اشارة

4 - الحاجات المعنوية

4 - الحاجات المعنوية «الروحية»:

حديثنا اليوم عن القسم الرابع من الحاجات و هي المعنوية، فمثلما تجب تلبية حاجات بدن الإنسان، تجب تلبية حاجات روحه، و هنا مكمن الفرق بين الإنسان و الحيوان، فإنّ للحيوان بعدا واحدا هو الغرائز و الحاجات المادية، و غاية ترقّيه أن تكون لديه حاجات عاطفية.

أمّا الإنسان فذو بعدين: البعد الأول المادّي و الميول المادّية، و الثاني الروحي و المعنويات.

و روح الإنسان تنتسب إلى عالم الملكوت و مرتبتها المعنوية سامية إلى درجة أن ربّ العالمين نسبها إلى نفسه بالإضافة التشريفية «روحي» حيث قال للملائكة: - فإذا سوّيته و نفخت فيه من رّوحي فقعوا له ساجدين(1).

و هذا البعد غير موجود في الحيوانات، فبعد الميول و الغرائز أقوى فيها و تلبيتها أيسر.

فامتياز الإنسان هو في الجانب الروحي، فهو يحتاج إلى نوعين من التغذية: الأول لسدّ عطش البدن وجوعه و غريزته الجنسية و غيرها، و دون هذه التغذية يموت البدن.


1) سورة الحجر/ 29، و سورة ص / 72.

و الثاني هو غذاء الروح، و دونه تموت أيضا.

و خطورة موتها أشد من موت البدن، فموتها يقود الإنسان إلى جهنّم:

• و لقد ذرأنا لجهنّم كثيرا مّن الجنّ و الإنس لهم قلوب لاّ يفقهون بها و لهم أعين لاّ يبصرون بها و لهم آذان لاّ يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون(1).

فجهنم هي مأوى الذي لا يغذّي روحه، فله عين لكنها لا ترى الحقيقة، و أذن لا تسمع و لسان لا ينطق بالحقّ و قلب لا يفقه.

و مثل هذا أسوأ من الحيوان.

و مثله كدودة القز التي تلف نفسها بخيوطها غافلة عن أنّ في ذلك موتها، و أولئك هم الغافلون، و لو بكى الإنسان الذي لم يهتم بروحه فماتت ليله و نهاره على ذلك، لكان به جديرا، يقول تعالى في آية أشدّ من السابقة:

• إنّ شرّ الدّوابّ عند اللّه الصّمّ البكم الّذين لا يعقلون(2).

فالذي له عقل و لا يتعقّل، و له فكر و لا يتفكّر، تكون روحه ميتة، و هو شرّ الدوابّ.

و نظير ما تقدّم كثير في الآيات القرآنية، فإذا لم تتغذّ الروح ماتت، و إذا ماتت أصبح وضع صاحبها خطرا جدا.

و مثلما يمرض جسم الإنسان أحياناو المرض صعب عليه، لأنّه يعيقه عن كلّ شيء كما يقول النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله): - «نعمتان مكفورتان: الأمن، و العافية»(3).


1) سورة الأعراف/ 179.

2) سورة الأنفال/ 22.

3) بحار الأنوار ج 81 ص 170.

فقد تمرض الروح أيضا، و إن كان الجسم سالما أي يمرض القلب بحسب التعبير القرآني: - في قلوبهم مرض.

و خطورة هذا المرض شديدة بحيث يجعل صاحبه يتحدّى القرآن و النبيّ و الأئمة لطاهرين (صلوات اللّه عليه و عليهم) و يفسّر نصوص القرآن حسبما تقتضي مصلحته ففي بداية سورة آل عمران بعد أن بين أن في القرآن محكما و متشابها، يقول: - فأمّا الّذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله(1).

أو أن يبحثوا عن حديث يؤوّلونه حسبما يشتهون.

فمرض الروح أشدّ، لأن صاحبه يحارب القرآن، و لن يكون نصيبا سوى الخسران و ليس الشفاء، لأنّه ظالم: - و نيزّل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لا يزيد الظّالمين إلاّ خسارا(2).

إنّ البطيخ و الكومثري مفيدة للغاية، لكنّها تضرّ المصاب بالقرحة المعدية، و تسبّب له آلاما شديدة إن لم تسبب له نزيفا.

و آيات القرآن مفيدة جدا و بالغة، لكنها لا تزيد المريض الروحي إلاّ خسارا، مثلما يفعل الكومثرى مع المصاب بالقرحة المعدية.

إذن فالذي تفتقد روحه التغذية و تموت يصبح مثل الحيوان أحاديّ البعد، إلاّ أنّه ليس مفيدا مثل الشاة، و إنّما هو مثل الميكروب السرطاني يصبح خطرا جدّا على المجتمع و عى نفسه و على عياله. و لذا يجب علينا الانتباه بشدّة لتلبية الاحتياجات الروحيّة للأسرة، فيهتم الزوج بالرقي المعنوي التكاملي لزوجته، و تهتم هي بتوفير الأرضية اللازمة للتطوّر المعنويّ لزوجها،


1) سورة آل عمران/ 7.

2) سورة الإسراء/ 82.

و يهتمان معا بتطوير الجانب المعنوي لدى الأطفال.

و لو اهتما بتربية الجانب الجسمي منهم، و أغفلا الجانب الروحي، فكأنهما يربيان كلابا متوحّشة و ميكروبات سرطانية للمجتمع.

فما هو غذاء الروح؟

إنّه الصلاة و الصوم و تلاوة القرآن و المناجاة مع اللّه و التهجّد في الأسحار، فويل للزوجة التي لا تصلّي أو التي تستخف بصلاتها، و ويل لأسرتها، و ويل لزوجها إذ يقول تعالى -: يا أيّها الّذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم نارا و قودها النّاس و الحجارة(1).

فوقود الناس للنار هي صفاتهم الرذيلة و قلوبهم القاسية، و عليه فالآية الكريمة تأمر الرجل بالصلاة و الانتباه على أن تكون زوجته مصلّية أيضا، و تأمر الزوجة بالصلاة و الانتباه على كون زوجها مصلّيا أيضا.

و عليهما معا بتلاوة القرآن و الدعاء و التهجّد في الأسحار و إقامة الصلاة في أول وقتها، فإذا لم يهتمّا بذلك يبدأ موتهم المعنويّ التدريجيّ، فمثلما يموت جسم الذي يبقى أياما دون طعام كذلك تموت روحه إذا بقي أياما دون غذاء معوي، و هنا هو المحل الذي يصيب العرج أقدام الجميع!! فأمره يختلف عن تلبية الاحتياجات المادية و العاطفية و الجنسية، إذ من أجله بعث اللّه (124) ألف نبيّ جاءوا بالكتب و دعوا و تحمّلوا هم و أوصياؤهم الأذى و الصعاب من أجل تربية الجانب المعنوي لدى بني الإنسان.

تقرؤون في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام): - «أشهد أنّك قد أقمت الصلاة و آتيت الزكاة و أمرت بالمعروف و نهيت عن المنكر».

في يوم عاشوراء و إلى أن حلّ ظهره كان الإمام (عليه السلام) قد فقد


1) سورة التحريم/ 6.

الكثير من صحابته، عندما دعا أحد الباقين منهم إلى صلاة الظهر تبسّم (سلام اللّه عليه) و دعا له «جعلك اللّه من المصلّين».

و رغم أن سهام الأعداء كانت تمطرهم، أقاموا الصلاة وسط الميدان.

فالعياذ باللّه من البيت الذي يخلو من الصلاة و من التربية المعنوية، فهو مليء بالميكروبات و الحيوانات المتوحشة، و ليس ببني الإنسان، و إن كان من فيه ذوي ظواهر حسنة و كان منزلهم مرتبا للغاية ظاهريا و لباسهم جيّدا، فإنّهم في الحقيقة حيوانات متوحّشة و سيصلون إلى مضائق خطرة و العياذ باللّه، يقول - عزّ اسمه -: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصّلاة و اتّبعوا الشّهوات فسوف يلقون غيّا(1).

و الغي هنا هو: الضلال، و «سوف» هي التحقيقيّة لغة يعني أنّهم سيضلون حتما، و الذي ينحرف عن الطريق المستقيم، تكون عاقبته جهنّم و محلّه إحدى حفرها و اسمها «غيّ» كما ورد في الأحاديث الشريفة.

فإذا ضيعت الصلاة كأن تصلّي ابنتكم و لكن في آخر وقتها ففي ذلك خطر أحذّركم منه، فهي تسير إلى الضلال و يد اللطف الإلهي مرفوعة عنها.

و إذا رفعت هذه الرعاية الإلهيّة وقع الإنسان في أشكال فظيعة من الضلال، فمثلا ينقل الفخر الرازي في تفسيره لسورة العصر رواية تقشعر منها الجلود ثائلا: «روي أنّ امرأة كانت تصيح في سكلك المدينة، و تقول:

• دلّوني على النبيّ (ص) فرآها رسول اللّه (ص) فسألها: ماذا حديث؟ قالت:

يا رسول اللّه، إنّ زوجي غاب عنّي، فزنيت فجاءني ولد من الزّنا فألقيت الولد في دنّ من الخلّ، حتى مات، ثم بعنا ذلك الخلّ، فهل لي من توبة؟.

فقال (ع): أمّا الزنا، فعليك الرّجم.


1) سورة مريم/ 59.

و أمّا قتل الولد، فجزاؤه جهنّم.

و أمّا بيع الخلّ فقد ارتكبت (ذنبا) كبيرا، لكن ظننت أنّك تركت صلاة العصر»(1).

و كم هو ذنب عظيم!.

و حقا أنّ يد الرعاية إذا رفعت عن الإنسان تهاوى إلى الضلال البعيد!.

و المراد هنا هو الجملة الأخيرة من جوابه (ص)، فهذا البؤس الذي انصبّ عليها و زوال الرعاية الإلهيّة عنها جاء بسبب تركها للصلاة و استخفافها بها فاللّه لا يسمح بوصول الإنسان إلى هذا الحال إذا كان يقيم صلاته في أول وقتها بصورة منتظمة، بل يأخذ بيده و يعينه.

أعزائي الفتيان و الفتيات -، إذا أردتم السعادة و التوفيق، فاهتمّوا بالصلاة، و أقيموها في أوّل وقتها جماعة و اقرنوها بالتعقيبات، و احرصوا على التأدّب و الخشوع فيها، لتخصص الفتيات لها سجادة و ملاءة مناسبة.

إنّ الأسرة التي تفتقد تلبية الاحتياجات المعنوية، يصبح حالها خطيرا.

و هكذا حال الروح المريضة، و الذي يمرضها هو الذنب.

و القرآن الكريم يطلق تارة على هذه الحالة وصف المرض، كقوله في قلوبهم مرض(2)، و تارة وصف الزيغ، كقوله: - فأمّا الّذين في قلوبهم زيغ(3).

و أخرى وصف الرّين، كقوله: بل ران على قولبهم(4).

و لجميعها معنى واحد، و هو أن الذنب يسوّد القلب، و يجعله مريضا


1) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 32 ص 87.

2) سورة البقرة/ 10.

3) سورة آل عمران/ 7.

4) سورة المطففين/ 14.

صدئا، و إذا مرض القلب، فإنّ مصيبته الأولى هي عدم الإحساس بلذّة العبادة، بل يلتذّ بالمعصية.

و إذا كان بيننا من يستثقل الصلاة، و لا يلتذّ بها، بل يلتذّ بالنظرات السهويّة و بالمعصية، فليعلم أنّ روحه مريضة، و عليه أن يعالجها.

فإن لم يفعل اسودّ قلبه، و عندها فالويل له.

و كما يؤكّد القرآن الكريم يكون سواد القلب قليلا، و تارة يشمل نصف القلب، و تارة يستحوذ عليه كلّه، و عندها لا يفلح أبدا كما يقول الإمام الصادق (عليه السلام)(1): يقول تعالى -: أفمن شرح اللّه صدره للإسلام فهو على نور مّن رّبّه فويل لّلقاسية قلوبهم من ذكر اللّه(2).

طوبى للقلب المتنوّر بارتباطه باللّه، و طوبى للقلب الذي نوّرته الصلاة و الصيام.

و ويل للقلب المسودّ الذي جعلته الذنوب قاسيا مثل الصخرة، فاحذروا قساوة القلوب و الذنوب التي تسببها، فالذنب و إن كان صغيرامؤثّر في إيجاد القسوة للقلب، و لذا يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب امّحت.

و إن زاد زادت، حتى تغلب على قلبه، فلا يفلح بعدها أبدا»(3).

و تعملون وفق هذه النظرة القرآنية مصير البيت الذي يعلو فيه الغناء و عاقبة الشابّ الذي تملأ أذنيه أصوابت الغناء و عاقبة الزوجين اللذين يتحادثان بالغيبة و البهتان و الشائعت.


1) سيأتي كامل الحديث لا حقا.

2) سورة الزمر/ 22.

3) أصول الكافي ج 2 باب الذنوب الحديث 13.

فهذه الأمور تسوّد القلب و كلّ منهما ظالم للآخر. و عاقبة القلب إذا اسودّ و استحوذ عليه الحرام معلومة، فضرر الذنب عظيم يقول الإمام الصادق:

• «إن العمل السيّىء أسرع في صاحبه من السكّين في اللحم»(1)و أخطر من الذنب الصفات الرذيلة الموجودة منها فينا جميعا، و يصعب استئصالها بسرعة، إذ يجتهد الإنسان عشرين عاما في المجاهدة الشديدة المتواصلة لبناء نفسه و تهذيبها، حتى يستطيع أن يقطع جذور شجرة الرذيلة من القلب.

و يتطلب الأمر عشرين أو ثلاثين عاما من المجاهدات الشاقّة الدؤوب، لكي يغرس محلّها شجرة الفضيلة و ينمّيها.

و لا يستطيع أحد أن يقول: إنّه خال من الصفات الرذيلة تماما.

فواجب الجميع مكافحتها و عدم السماح بهيجانها فإنّها إذا هاجت تدمّر القلب مثلما يدمر السيل العمران، تدمّر معنويته بصورة كاملة، فهي أشدّ من النار الموقدة المتأجّجة، و ليس النار المعتادة التي يمكنكم إطفاؤها بسهولة.

أما إذا تأججت و أحاطت بكلّ البيت، فيصعب إطفاؤها.

و هكذا حال الصفة الرذيلة فإذا تأجّجت أصبحت كالسيل أو النار الكبيرة المتأجّجة التي تصبح السيطرة عليها صعبة للغاية.

فلا تسمحوا بتهييجها و تأجّجها فيكم، أتّقوها و حرّضوا أولادكم على مجاهدتها منذ البداية.

إنّ على الزوج أن يوضح لزوجته (إذا ظهر منها حسد)، بلسان طيّب و دون انفعال أنّ الحسد قبيح جدا، فهو الذي أدّى إلى وقوع حرب الجمل، فعندما أخبروها بمقتل عثمان حمدت اللّه على مقتل «نعثل»، و لكنّها عندما أخبروها بانتخاب الإمام عليّ للخلافة تمنّت أن تكون السماء قد أطبقت عليها


1) المصدر السابقة الحديث 16.

و لا تسمع هذا الخبر!!.

فكان الحسد العامل الذي أدّى إلى وقوع حرب الجمل، و سبّبت «الحسود» مقتل عشرين ألفا فيها حتى أخمدت نار حسدها(1).

و على الزوجة أن تنصح لزوجها (إذا وجدت فيه حرصا على المال)، و تقول له: إنك بعبادة المال و الرئاسة تشنّ «حرب الجمل» على عليّ (عليه السلام)، و أنت تعرف من هو علي، و هو الذي كان يعرفه طلحة و الزبير، فهما قد شاهداه يتربّى في حجر و رعاية النبيّ الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) و عرفا أنّ أكثر من مئة آية من القرآن قد نزلت في حقّه (عليه السلام) لكنّهما كانا يريدان المال (بصورة غير مشروعة).

و هذا ما لا يفعله أمير المؤمنين، كانا يطلبان الرئاسة، و لم يكن (عليه السلام) يراهما أهلا لها، لذلك تولّوا عنه و تآمروا عليه، و سبّبوا حرب الجمل التي أنزلت على المسلمين من المصائب ما أنزلت.

إذا سئلتم من سبّب حرب الجمل، فقولوا: - الحسد و عبادة المال و الرئاسة.

ابن ملجم قتل عليّا «قربة إلى اللّه»!!.

و لو سألوكم من قتل عليّا، فقولوا: - المعاند، و إلاّ، فليس عليّ بالشخص الذي يجهله أحد، و ابن ملجم سمع أنّ النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعلي: - «يا عليّ أنت و شيعتك هم الفائزون»، «يا عليّ أنت و شيعتك الغالبون».

و ابن ملجم سمع أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعليّ: - «يا


1) راجع في هذا المجال كتاب الإيضاح للفضل بن شاذان و التعليقات و التهميشات التي أوردها عليه المحدث الأرموي و كذلك سفينة البحار للمحدث القمي ج 2 مادة (عيش).

عليّ لو وازن إيمانك إيمان أهل السّموات و الأرض، ليزيد إيمانك إيمانهم».

أيّتها الزوجة و أيّها الزوج، اجتنبا العناد و إلاّ أصبحتما مثل ابن ملجم، و عليكما بالنقد البنّاءو أهمّ منه تقبّل النقدفدونه تكون عاقبتكما عدم سماع قول أحد سوى وسوسة الهوى و الأهواء و عدم أعطاء أية قيمة سوى لوساوس الشيطان.

ولديّ وصية في آخر الحديث للسيّدات و السادة، و هي أن اهتمّوا بتوفير الاحتياجات المعنويّة للأسرة.

بعض الأزواج يهتمون بتوفير الاحتياجات الماديّة للعيال و لو عن الطريق الحرام و العياذ باللّه و لكنّ هؤلاء الحمقى لا يهتمون بكون أولادهم لا يصلّون، يتحمل أحدهم كلّ تلك المشاقّ ليجعل عياله في رفاه، لكنّه لا يهتم بحاجاتهم العاطفية، فتصبح زوجته عدوته لفقدانها الحنان، و لا يهتمّ بحاجاتهم المعنوية فتنعدم المعنويات في بيته، و يصبح سجنا مظلما و مظلما و مرعبا و مرعبا يقول تعالى -: أو كظلمات في بحر لجّيّ يغشاه موج مّن فوقه موج مّن فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض(1).


1) سورة النور/ 40.

المحاضرة التاسعة عشر:

الفصل الثامن تدخلات الوالدين

اشارة

تدخلات الوالدين

الفصل الثامن من بحثنا هو عن تدخّلات الوالدين في شؤون الأولاد - ذكورا و إناثاو هو موضوع مهمّ أرجو من الآباء و الأمهات الالتفات إليه بدقة، فكثير من الاختلافات ناشئة عن هذه التدخّلات في غير مواقعها، بل إنّ الكثير من حالات الافتراق ناشئة من أشكال الاهتمام في غير مواقعه، أو من الأغراض غير اللائقة فعلينا اجتنابها إذا أردنا أن يعيش أولادنا و بناتنا في سعادة، و لكن مع الأسف نرى أنّ هذا المرض الاجتماعي قد شاع بكثرة، حتى بين المتديّنين و أهل المساجد الذين يضرّون أولادهم عن علم أو جهل.

علينا أن نتعلّم من الحيوانات كيف تتكفّل بالقيام بشؤون أؤلادها ماداموا في حاجة للمتكفّل، فإذا استغنوا عن ذلك، و أصبحوا قادرين على الحياة المستقلّة، تركتهم الأمّ و وكلتهم إلى أنفسهم، ليبدأوا حياة مستقلّة، حتى إنّ بعض الطيور تجلب الحبوب لصغارها لعدّة أيام أو عدّة أشهر، و تضعها في أفواهم.

و عندما يصبحون قادرين على الطيران تعلّمهم ذلك، حتى لو أخذوا يسقطون مرات و مرّات تستمر في تعليمهم فإذا تعلّموا لا تسمح لهم بعد ذلك بالعودة إلى الأعشاش، و ترون الشاة عندما تلد تعتني بولدها بعلاقة خاصة، فإضافة إلى إرضاعه تحيطه بحنانها شهرا أو شهرين، حتى إذا استطاع

الاعتلاف، و أصبح قادرا على إدارة شؤونه، ظهرت عزلة استقلالية بينهما.

و هذه الظاهرة موجودة لدى جميع أنواع الحيوانات، و هي موجودة فينا أيضا (بدوافع طبيعيّة)، لكنّنا لا نستفيد منها.

علينا نحن أن نربّي البنت، و نوفّر لها ما نستطيعه من احتياجاتها المادية و المعنوية و الحنان، و نربّيها تربية إسلامية صحيحة، حتى إذا حان زواجها زوّجناها، لتذهب إلى بيت الزوجية، و تبدأ حياة مستقلة.

و بعد ذلك لا ينبغي للوالدين التدخّل في شؤوونها، و لا ينبغي للأمّ أن تظهر الشفقة غير المناسبة عليها، حتى لو نشب نزاع بينها و بين زوجها فينبغي للأمّ أن لا تدافع عن بنتها، و لو كان التقصير من الزوج.

بل ينبغي لها أن تنضمّ إلى جانبه.

و هكذا يجب أن يفعل الأب؛ فأحد موارد الدفاع المضرّة هو هذا المورد، فهو هنا دفاع عن البنت، لكنّه لا يسمح لها بعيش حياة مستقلة و تفكر بصورة مستقلة، فتعلم الأم ابنتها ما تقول و تجعلها تابعة لها، و هذه جريمة و خيانة قد تجرّ إلى الطلاق، و إلاّ فإلى توجيه ضربات عنيفة للمودّة بينهما تؤدّي إلى تدمير الأسرة.

و نحن علينا أن نربّي ابننا تربية إسلامية، و نوفر عليه احتياجاته المادية و المعنوية و العاطفية، و نقدّمه للمجتمع على وفق الصفات التي يرضاها الإسلام، فإذا بلغ الرشد، و بلغ سنّ الزواج، فواجب والديه تزويجه، ليبدأ حياة مستقلّة.

و عندها يمتنعان عن التدخّل في شؤونه مثلما تترك الدجاجة وليدها و شأنه بعدما يستطيع الاعتماد على نفسه و لا يبديان شفقة على في غير محلّها تجاهه.

و إذا وقع نزاع بينه و بين زوجته، فعليهمااتّخاذ جانب الزوجة. حتى لو

كان التقصير منهاو بالطبع عليهما أن يوجّها النصح اللازم لها، و ينبّهاها إلى مكمن تقصيرها، و يعلماها الموقف الصحيح و يشفقا عليها لا على ولدهما.

و ليحذرا من صبّ البنزين على النارو العياذ باللّه فواجبهما أن يخمداها و يتعاملا مع هذا النزاع مثل تعامل «العمدة».

و مع الأسف، فإنّ الأمهات خصوصا و الآباء أحيانا يدافعان عن ابنهما، و يتدخّلان في شؤونه و لا يدعانه يعيش حياة مستقلة.

فالأمّ تريد أن ينفذ كلّ ما تقوله حتى لو أمرته بالطلاق، لكي ترضى، و الأب يريد من الابن أن يكون خادما و تابعا له و هذا خطأ يضرّ بالمودّة، و يدمر البيت و يثير اختلافات شديدة فيه.

و إذا أدّت هذه التدخلات لا سمح اللّه إلى النميمة فإثمها عظيم جدا، يقول تعالى -: إنّ الُين فتنوا المؤمنين و المؤمنان ثمّ لم يتوبوا فلهم عذاب جهنّم و لهم عذاب الحريق(1).

فلمثير الفتنة شكلان من العذاب كلاهما أليم: أحدهما يأتيه في الدنيا فتطوّقه الفتنة التي أثارها، بمعنى أن على الأمّ التي تثير فتنة على كنّتها أن تعلم أنّ فتنة ستثار على ابنتها أيضا، و هذا يؤكّده القرآن بشأن والدة الزوجة التي تثير فتنة على زوج ابنتها.

و العذاب الثاني هو يوم القيامة إذ ستطوّقه نار الفتنة في جهنّم.

و في مكان آخر يتعامل القرآن الكريم بصورة أشدّ مع الفتنة، فيقول:

و الفتنة أشدّ من القتل (2).

و لا تتصوروا أن ذنب القتل قليل بل: من قتل نفسا بغير نفس أو


1) سورة البروج/ 10.

2) سورة البقرة/ 191.

فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعا (1)، و عليه فإثم إثارة الفتنة و الكدورة بين الزوجين أشدّ من إثم القتل، يروى أن رجلا جاء إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، و كان قد فرق بين ابنه و زوجته، فأخبره الإمام (عليه السلام) إن إثم هذا العمل أعظم من إثم قيامه بقتل شخصين و قطعه لعروقهما و إخراجهما من بدنيهما(2).

هذه الرواية الشريفة تبّين لنا أنّ النميمة و بثّ البغضاء و الكدورة أشدّ من القتل المقترن بالتعذيب، فإثم القتل عظيم و أعظم منه تقطيع الشخص حتى يموت، فيقرن القتل بالتعذيب.

و من يفعل ذلك يظهر يوم القيامة بصورة كلب متوحّش، و اعلموا أنّ إثارة الفرقة، و النميمة الافتراء أعظم من هذا الذنب.

و هذا ما تفعله بعض الأمّهات لإسقاط شخصية الكنّة من عين زوجها بأشكال التدخّل في شؤونها و النميمة و الافتراء و توجيه الاتّهامات بألسنتهن الجارحة للزوجة.

فإذا سقطت من عين زوجها يظهر الأثر الأول لذلك في مصيبة إصابة الأولاد بالعقد و الأمراض النفسيّة، فلا يطيب بعدها عيش لابنك أنت، و ستبتلين أنت أيضا بذلك إضافة إلى أن عليك أن تتحملي عذاب جهنّم في الآخرة.

و النميمة و البهتان و الكلمات الجارحة هي من نتائج التدخّل في غير مواقعه.

أحيانا نرى الأم يبلغ بها الجهل حدّ تعييرها لصهرها الفقير بوضع صهرها


1) سورة المائدة/ 32.

2) لم نعثر على متن الرواية في المصادر التي بين أيدينا.

الثريّ المتديّن. و لا تفكّر بالآثار التي يخلفها عملها القبيح.

كما نرى أحيانا الأب يميّز في التعامل بين صهره هذا لكونه جديدا و صهره الآخر لكونه قديما.

و هما لا يعلمان شدة سوء الآثار التي تتركها هذه التصرفات على ابنتهما!!.

و أحيانا تطلق والدة الزوج كلمات جارحة على كنّتها تحدث جروحا عميقة لديها تلازمها إلى اللحد كما يقول المثل المتداول.

اجتنبوا الكلمات اللاسعة، فإنّها تتمثل يوم القيامة بهيئة عقارب تلسعكم.

عار على أم الزوج أن تطلق كلمات جارحة على كنّتها. و عار على أمّ الزوجة أن تلدغ من أجل أمور دنيوية بكلماتها صهرها في حين أنّ واجبها أن تحبّه أكثر من ولدها. و قبيح للصهر أن يتعامل بانفعال و روح عدائية مع والدي زوجته في حين أن واجبه أن يتعامل معهما بمودّة مثل تعامله مع والديه.

و لماذا يتعامل معهما تعامله مع العدو القاتل؟!.

أمن أجل جهاز الزواج الذي قدّماه متواضعا؟! تعسا لهذا الصهر و لطريقة تفكيره.

أليس قبيحا للكنّة التي يجب أن تودّ حماتها مثلما تودّ والدتها، فهي التي ربّت لها زوجها حتى كبر، فقدمته لهاأن تعادي حماتها؟! كما أنّ عليها أن تودّ والد زوجها مثلما تودّ والدها، فهو الذي تحمل المشاقّ في تربية هذا الولد حتى كبر، و قدّمه زوجا لها، فهل يجدر بها أن تلسعه بكلمات جارحة أشدّ من لسعات العقرب و لا تطيق أن تراه؟!.

يقولون في المثل إنّ بعيرا أدخل رأسه في عشّ دجاجة، و طلب منها

السماح له بأن يدخل العش لبرودة الطقس، و قبل أن تجيبه أخر رأسه من العشّ بسرعة، فهدمه فلم يترك ملجأ لا لنفسه و لا للدجاجة. و مثل هذا تفعله بعض العرائس، فهي تدخل بيت الزوجية بروح تسلّطيّة تريد الاستيلاء على الزوج فلا تترك مكانا لديه لوالديه، و هذا عمل أحمق للغاية و ذنب يتنافى مع الروح الإنسانية.

أوصي الأزواج و الزوجات و آباءهم و أمهاتهم بالتعامل فيما بينهم بالرحمة، فبذلك تكون بيوتكم محالّ رحمة اللّه في الدنيا، و يكون مقامكم في الآخرة في الجنّة تجلسون متقابلين قولكم فيهاأزواجا و زوجات و حموات و كنّات سلاما سلاما.

أما إذا اختلفتم بسبب الأمور المادية أو وجّه الزوج كلمات جارحة لا سمح اللّه لزوجته بسبب عدم امتلاكها الجهاز التأثيثي أو بسبب قلّته، أو أساءت الأمّ إلى مشاعر صهرها بسبب فقره و عدم استطاعته العمل و إدارة المنزل بصورة جيدة، أو عيّرته بغنى الآخرين أو فعلت زوجته مثل ذلك.

فاعلموا أنكم ستذهبون إلى جهنّم بعد القيامة حيث يكون حالكم مثل ما يصفه القرآن: - كلّما دخلت أمّة لّعنت أختها(1).

تدخل الزوجة جهنّم، فيعلنها زوجها و والدته و هي تلعن والدة زوجها.

و والدتها تدخل، فتلعن بنتها و تقول لها: أنت التي جعلتني من أهل النار، فتجيبها بمثل قولها: فالقرآن يحكي أنّهم عندما يجتمعون في جهنّم يلقي كل منهم مسؤولية هذه العاقبة على الآخرين، فيقول القرآن: قال لكلّ ضعف و لكن لا تعلمون(2)فكل منكم ساهم في إدخال الآخر إلى جهنم.


1) سورة الأعراف/ 38.

2) سورة الأعراف/ 38.

لماذا نختلف في بيوتنا؟!.

إنني أوصي الزوجة بأن أيتها السيدة كوني وفية و ذات حياة مستقلّة.

و أقول للأزواج مثل ذلك، أيها السيد احذر و لا تصغي لغير المناسب و الصالح من كلام والديك و كن وفيّا وّعش حياة مستقلة.

و أقول للسيدات خاصة، إذا كانت الزوجة وفية، فلن تستطيع والدتها التدخل في حياتها و تدميرها.

أمّا إذا فقدتم الاستقلال و كان لأقوال الآخرين تأثيرات في شؤونكم، فقد انهدمت حياتكم الزوجية منذ الأيام الأولى. و قد يؤدّي الأمر إلى الطلاق، فكثير من حالات الطلاق اطّلعت عليها، و عندما ندرسها نرى التقصير من الحماة أو أمّ الزوجة أو من جهل الآباء، فهم بدلا من التعامل على وفق طريقة «العمدة» الإصلاحية، و من أن يدافع والدا الزوج عن كنتهما و يدافع والدا الزوجة عن صهرهما، أي: يصلحا بين بنتهما و زوجها، إذا وقع نزاع صغير بينهما. بدلا من ذلك يعمدان إلى تأجيج النزاع.

و أحد الأعمال القبيحة هي التخاصم و التهاجر بين الزوجين.

فممن تغتاظين أيّتها السيدة؟.

هل ينبغي هجران الزوج؟!.

المرأة لا تنفصل عن بيتا و حياتها، فقري في بيتك، فإنّه لا يسعك غيره. هذا ما يقوله الوالدان العاقلان لبنتهما، إذا تركت بيتها و جاءت إليهما فيأمر انها بالرجوع إلى بيتها و يرجعانها إليه باعتذار من انفعالها الذي أدّى إلى ارتكابها خطأ ترك بيتها، فينتهي النزاع بهذه الصورة، حتى لو كان الصهر مسيّئا. فإنّ مثل هذا الموقف من والدي زوجته يجعله يتراجع.

و عندما ترى الزوجة حماتها تدافع عنها و تحنّ عليها و هكذا يفعل والد زوجها فمن المؤكد أن تنبعث فيها المودة و يصلح حالها مهما كانت سيّئة.

نجد بعض الأزواج عندما يرجع أحدهم متعبا بعد انتهاء عمله اليومي إلى البيت و الأسرة التي هي سكن له حسبما يريد القرآن الكريم ليزيل التعب عن نفسه و يسكن إلى زوجته، لكنه يرى بدلا من ذلك بداية المشاقّ، فإذا شاهدته زوجته وحيدا جلست إليه مثل الوسواس الخنّاس تحدّثه بأحاديث كلها وسوسة مستمرة أي غيبة مستمرة و افتراءات متتالية، مثل أن تقدح والدته في غيبتها بأنّها قالت كيت و كيت.

و نفس الشيء تفعله والدته إذا رأته وحيدا، فتبدأ حديثها بأنّ زوجتك ليست جيدة، و يجب أن تختار غيرها، فالحياة (معها) لا تطاق، لأنّها لا تقر في بيتها.

و يستمر الحديث متّصلا غيبة و بهتانا فيزداد هذا البائس المتعب بؤسا و تعبا.

فهل تعرفون عظمة هذا الذنب؟!.

خطب الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله): - يوما فذكر الرّبا و عظّم شأنه، فقال: - «إن الدرهم يصيبه الرجل من الرّبا أعظم عند اللّه في الخطيئة من ست و ثلاثين زنية يزنيها الرجل.

و إنّ أدنى الرّبا عرض الرجل المسلم»(1).

و لا تتصوّروا أن إثم الزنا صغير، فالزاني إذا مات دون توبة خرجت من عورته في جهنّم رائحة نتنة يتأذى منها أهل النار الذين يستغيثون منها.

و كذلك حال الزانية(2)و رغم ذلك فأكل درهم واحد من الرّبا أشدّ من ستّ و ثلاثين زنية.


1) جامع السعادات ج 2 ص 233.

2) ورد ذلك في العديد من الأحاديث الشريفة نظير المروي في ثواب الأعمال و عقاب الأعمال للشيخ الصدوق ص 312.

و أشدّ منه الغيبة و انتهاك حرمة المسلم كما يؤكّد النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) في الحديث المتقدّم، أي أشد من ذلك أن تنتهكي حرمة كنّتك و تغتابيها و تفتري عليها.

فإثم البهتان عظيم، إذ تذكر الروايات أنّ الذي برتكبه يحبس في القيامة في قيح و دم خمسين ألف سنة، حتى ينتهي حساب الخلائق، ثم يذهب بهذا التل من القيح و الدم إلى جهنم(1).

فلا تسقطوا في هذا الذنب العظيم و لا تجسّسوا و لا يغتب بعضكم بعضا - خاصة الكنّات و الحموات.

و يصل الخبث بالحماة أحيانا إلى حدّ قيامها بفتح حقيبة كنّتها في غيابها علّها تجد شيئا تشهرها به.

و هذا ذنب عظيم حتّى إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خطب الناس حتى أسمع العواتق في بيوتها قائلا: - «يا معشر من آمن بلسانه و لم يؤمن بقلبه، لا تغتابوا المسلمين و لا تتّبعوا عوراتهم، فإنّ من تتبّع عورة أخية تتبّع اللّه عورته حتى يفضحه في جوف بيته»(2).

فلا تجسّسوا، فإذا تجسّست أيتها السيدة على كنّت بتفتيش أشيائها أو حقيقتها، فاعلمي أن هذا العمل ستعرّض له ابنتك، و هذا هو العقاب الدنيوي، و لكن ماذا ستفعلين تجاه العقاب الأخرويّ، فتحمّل نار الجحيم صعب و عذاب القبر شديد؟.

و البعض يقومون بأشكال عجيبة و غريبة من التجسّس، حتى بين الزوجين، و لذا أوصي الزوجات باجتناب تفتيش حقيبة الزوج، فهذا عمل


1) تقدم مصدره.

2) جامع السعادات ج 2 ص 232 و قريب منه في أصول الكافي ج 2 و مصادر أخرى عديدة.

سيّ‌ء و قبيح و سرقة، و قد يؤدّي إلى الطلاق كما نشاهد أحيانا.

يا أيها الزوج لا تفتش حقيبة زوجتك و دولابها و لا تتجسّس عليها.

أيتها الحماة لا تفتّشي متاع الزوجة من أجل معرفة طبيعة جهاز عرسها، فما شأنك به؟.

فهو مهما كان وضعه متعلّق بها، و عليك أنت التفكير بأمر آخرتك فقدمك على حافة القبر، و التجسس على متاع الكنّة عمل أحمق، و ليس عملا إسلاميا و لا إنسانيا، و ذنبه عظيم و قد يستتبع عواقب خطرة سواء صدر عن الزوجة أو عن الزوج.

و لذا أرجوكم أن لا يتجسّس بعضكم على بعض، كما أرجو من الآباء و الأمّهات اجتناب التدخّل في شؤون الأبناء و البنات، و تركهم يعيشون حياة مستقلة.

و الشفقة في غير محلّها عمل خاطىء.

و إذا وقعت بعض الأخطاء، فأصلحوها بدلا من مضاعفتها و استدامتها.

و أيتها الوالدة عليك بدلا من الاندفاع في الحرص على مصلحة ولدك، عليك أن تحرصي على أخرتك و حسن عاقبتك.

المحاضرة العشرون:

الفصل التاسع طاعة المرأة لزوجها

اشارة

• البيت العائلي و حاكمية القانون

طاعة المرأة لزوجها

اشارة

الفصل التاسع من بحثنا هو عن قضية الطاعة في الأسرة، فطاعة المرأة لزوجها أمر تقتضيه الطبيعة الإنسانية، و إن لم تفعل و لم تصغ لكلامه فقد ارتكبت ما يخالف هذه الطبيعة.

و تعلمون أن كلّ مؤسّسة تحتاج إلى رئيس، حتى لو كان عدد العاملين فيها سبعة أو ثمانية أشخاص، فلا تستقر أمورها من دونه.

الأسرة ليست دائرة، فهي دولة صغيرة حسبما يصفها علماء النفس الاجتماعي و الدولة الكبيرة تتشكّل من هذه الدول الصغيرة التي تحتاج كلّ منها لرئيس.

و الطبيعة و الفطرة تقول للزوجة: إنّ الرجل هو رئيس الأسرة خاصة، و إنّ نفقة الزوجة و الأسرة تقع عليه، و لهذا و كل القرآن الكريم مسؤولية رئاسة الأسرة إليه، و أشار إلى علّة ذلك، يقول تعالى -: الرّجال قوّامون على النّساء بما فضّل اللّه بعضهم على بعض و بما أنفقوا من أموالهم(1).

فرئاسة الأسرة حقّ للرجل، لأنّه وجود متعقل و يتكفل أمر توفير نفقاتها.

فالآية الكريمة منسجمة مع الفطرة عندما تأمر أفراد الأسرة الزوجة


1) سورة النساء/ 34.

و الأطفال بطاعة الزوج، فإن لم يفعلوا يصبح حال الأسرة كحال الدائرة التي يتحرك بعض أفرادها على وفق آرائهم الشخصية.

و إن لم تسمع الزوجة كلام زوجها يكون حالها حال معاون رئيس الدائرة الذي يعصي رئيسه، و يتصرف على وفق رأيه الشخصي.

و واضح أنّ مثل هذه الدائرة تنهار، فمن المحال تسيير شؤونها، فلا تجد فيها سوى النزاع.

و إذا لم تطع الزوجة زوجها، حلّت المصائب بالأسرة.

و هذا ما يحدث إذا تمرّد الأولاد عليه، فإذا أرادوا الانسجام و استقرار وضع الأسرة، وجب عليهم طاعة الأب و هذا حقّه.

الحق الثاني للزوج هو القضية الجنسية و على الزوجة أيضا طاعته فيها، فإن لم تفعل، فهي ناشزة كما يجمع على ذلك الفقهاءيسقط عن الزوج حقّها في توفير المسكن و المأكل و الملبس.

و القرآن يتحدّث عن هذا الموضوع بلغة أكثر حدّة كما وردت الأحاديث الشريفة بهذه المضامين فقد نقل صاحب «وسائل الشيعة»: - «أتت امرأة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقالت: - ما حقّ الزوج على المرأة؟.

قال: أن تجيبه إلى حاجته، و إن كانت على قتب، و لا تعطي شيئا إلاّ بإذنه، فإن فعلت، فعليها الوزر و له الأجر.

و لا تبيت ليلة و هو عليها ساخط.

قال: - يا رسول اللّه و إن كان ظالما؟ قال: نعم...»(1).


1) وسائل الشيعة ج 14 ص 112 نقلا عن فروع الكافي ج 2 ص 61.

و لكون المرأة عاطفية توجب عليها طبيعتها التواضع، لذا يعتبر القرآن الكريم المرأة الصالحة هي التي تتحلى بخصلتين التواضع لزوجها فلا تسلّط لسانها عليه و الثانية التزامها العفة في السرّ و العلن، فحجابها واحد في اكتماله في المدرسة و في الشارع إزاء الغرباء و غير المحارم من أقربائها أمثال شقيق زوجها و عمّه وخاله و أمثالهم و بقال المحلّة و أمثاله يقول تعالى -:

فالصّالحات قانتات حافظات لّلغيب بما حفظ اللّه (1).

و على المرأة أن تطيع زوجها خاصّة في أمر العلاقاة الجنسيّة.

و الأمر الجدير بالالتفات إليه هنا هو أنّ على الرجل أن يفعل مثل ذلك بمعنى أن يصغي لكلام زوجته، فهي معاونته مثلما أنّ لرئيس الدائرة معاونا، و مثلما على المعاون أن يستمع لكلام رئيسه على الرئيس أن يفعل ذلك و يهتمّ بكلام معاونه.

و بالطبع فإن اتّخاذ القرارات يقع على عاتق الرجل، و لكن عليه أن يشاورها و يعرض عليها الأمور، فإن كان رأيها صحيحا عمل به.

هناك حديث شريف مشهور مرويّ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) يفسّره الرجال بصورة سيّئة و هو قوله (عليه السلام): - «و شاورهنّ و خالفوهنّ».

فالرجال يفسرونه، طبقا لمصلحتهم، و كأنّهم يتوهمون أنه (عليه السلام) يقول لغوا، فيأمر بمشاورة المرأة، ثم مخالفتها و لو كان رأيها حقّا، فواضح أنّ هذا ليس معنى الحديث، بل هو ما قلناه، و هو أنّ عليه أن يستشيرها، و يهتمّ برأيها، فإن كان معقولا عمل به، فعليه أن يستمع كلامها.

أمّا القرار، فعليه هو أن يتّخذه، و قول أمير المؤمنين لا يختلف عن


1) سورة النساء/ 34.

القرآن و الخطاب القرآني الذي يأمر النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) بالاهتمام بآراء المسلمين و احترامها.

أما اتّخاذ القرار، فهو حقّه: - و شاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على اللّه(1).

فهو يستمع آراءهم، فإن كانت سديدة عمل بها، و إلاّ أعرض عنها.

هذا معنى الآية، و هو نفسه معنى الحديث الشريف، فهو يأمر الزوج بمشاورة زوجته و احترام شخصيتها و إشراكها في مجريات الأمور، فهي معاونة له و وزيرة دولته، فيجب أن تكون مطّلعة على شؤون البيت و الزوج.

أجل إذا رأى أنّ رأيها ليس صحيحا اتخذ هو القرار.

و هذا هو معنى كلّ من الحديث و الآية الكريمة، بل إنّ النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) حثّ على استشارة الأولاد الكبار، إذ يقول: - «الولد سيّد سبع سنين و عبد سبع سنين و وزير سبع سنين»(2).

فتنبغي طاعته في الأعوام السبعة الأولى، بمعنى إحاطته بالحرية و الدلال بالمقدار المستطاع، ثم تعليمه الأعمال في السبع الثانية، فعليهم أن يدفعوه للعمل ليصنعوا منه شخصا فعّالا، لكي لا يكبرذكرا أو أنثى على الكسل و عدم الفاعلية.

أمّا إذا بلغ السبع الثالثة، و أصبح شابّا، فعلينا أن نستفيد من رأيه، فنشركه في مجريات الأمور، و لهذا الحديث الشريف المثير للإعجاب معنى كبير عند علماء النفس.

إذا أردنا أن يتمتّع أولادنا بشخصية اجتماعية قوية، فعلينا نحن أن نعطيها


1) سورة آل عمران/ 159.

2) وسائل الشيعة ج 15 /ص 195 الحديث رقم 7.

لهم، فالأب هو الذي يمنحها لابنه، و الأمّ هي التي تمنحها لا بنتها.

فالتعامل التسلّطي على الأولادذكورا و إناثامن الذين بلغوا الأربعة أو الخمسة عشر عاما و ممارسة الفرض عليهم هو عمل خاطىء و خاطىء جدا:

يقول تعالى -: و إذ قال لقمان لابنه و هو يعظه يا بنيّ لا تشرك باللّه إنّ الشّرك لظلم عظيم(1).

فاستخدام كلمتي يا بنيّ و و هو يعظه يعلمنا أمورا مهمة كثيرا، فهو يقول: أيها الأب تحدّث مع ولدك برأفة و خاطبه بكلمات محبّبة، ودع روح التسلّط، و تحدّث معه بلغة المنطق و قل له: - لا تشرك باللّه إنّ الشّرك لظلم عظيم.

فقدم له الأدلة على ما تقول و أطلعه على حقائق مجريات الأمور، فبذلك تحترم و تعزّز شخصيته و تشبع غريزة الحاجة للرأفة و الحنان من خلال الرحمة التي تتجلّى في مخاطبتك له.

كما أن تقديمك الأدلّة و عدم فرضك رأيك عليه يبعثان فيه السكينة و الاستقرار النفسيّ، فيجعلانه قويّ الشخصية.

و لذلك تأمرنا الأحاديث الشريفة بالرفق بالزوجة و الأولاد و احترامهم(2).

بعض الأزواج أرجو أن لا يكون في محفلنا أحد منهم لا يعقلون شيئا، لكنهم متجبّرون بالكامل، فلا يعلم أولاده و لا زوجته ماذا يفعل و ما هي مهنته و من أين يأتي بالأموال و ما هي الموارد التي يصرفها فيها.

و كل ما يعلمونه هو أنّه يذهب صباحا و يرجع مساء، ليتعامل بتجبّر مع


1) سورة لقامان/ 13.

2) هناك العديد من الأحاديث الشريفة الواردة في هذا المجال تجدها في العديد من الأبواب من المجلدين الرابع عشر و الخامس عشر من موسوعة وسائل الشيعة.

عياله، في حين يجب احترام رأي الزوجة، فهي وزيرة الأسرة و معاونة رئيسها، و لا يمكن للرئيس أن يتجاهل معاونه.

كما على المرأة أن تطيع زوجها و تصغي بخضوع لقوله، و تستجيب له بالفعل، و ليس بمجرد القول، لكي تستطيع النفوذ إلى قلبه.

فنفس كلمة القبول لقوله تعزّز مودّته.

و إذا عملت بأمره، فكأنما علمت بقول القرآن الذي يصف المرأة الصالحة بأنّها خاضعة لزوجها: - فالصالحات قانتات كما يجب على الزوج أن لا يأمرها بما يخالف الشرع، لكي لا تضطرّ لرفض قوله.

و بالطبع على الزوج ضمن حقوق المرأة عليه التي يجب أن يقوم بها أن يشركها، و كذلك الأولاد في شؤون الأسرة.

و كم هي جيّدة مقولة ذلك العالم النفسي الذي يقول: - إذا أراد الإنسان الهدوء لبيته و عدم وقوع النزاع فيه، فعليه عندما يتسلّم راتبه أن يجلس مع زوجته و أولاده، فيحسبوا معا مصارف الأسرة، فيطلع الجميع على الحال، فيجتنبوا الطلبات غير المناسبة.

فإذا كانت الزوجة تجهل دخلت، فإنها ستتصورك بخيلا إذا كان إنفاقك محدودا.

و من هنا يبدأ تدمير المؤدّة، فإذا كنت مستبدا لا تهتم أصلا برأي زوجتك، فإنّ استبدادك يدمّر المودّة، لأنّ لزوجتك شخصية و هذا الاستبداد يوجّه ضربة لشخصيتها، و يظهر أوّل آثار الضربة في أن تصبح الزوجة سيّئة الأخلاق و خشنة التعامل و الأخطر و الأشد أنها إذا فقدت شخصيتها تصل إلى مزالق خطرة جدا. لذا أوصي الآباء و الأمّهات خاصة أن ربّوا أولادكم ذكورا و إناثابصورة تمنحهم شخصية قوية.

فاجتنبوا إهانتهم، فالإهانة تعني سحق الشخصية، و إذا انسحقت شخصية البنت أصبح من الممكن أن تسقط بكلمة محبة واحدة.

و إذا انسحقت شخصيّة الشابّ أصبح مستعدا لارتكاب أيّة جريمة.

و بناء على ما تقدّم يكون استماع الرجل لآراء المرأة و إشراكها في مجريات الأمور حقّا طبيعيّا للمرأة مثلما أنّ طاعتها له حق طبيعيّ له.

كما أنّ الحقّ الثاني للزوج في الفقه الإسلامي هو حق قطعيّ.

و للزوجة في المقابل حقّ فيما يرتبط بالغريزة الجنسيّة أن يؤدّيه بالكامل.

و إذا كان قادرا عليه، و تهاون فيه، فقد ارتكب ظلما، و لم يؤدّ حقها.

و الكثير من الأحاديث الشريفة يؤكّد أن للمرأة على الرجل مثل هذين الحقّين اللّذين له عليها(1).

البيت العائلي و حاكمية القانون:

و رجائي الذي أوكّده في هذه الأيام الأخيرة (من الشهر المبارك) و للأزواج خاصة و هو أن يقتنعوا بأنّ من غير الممكن إخضاع البيت لحاكمية قانون ما، فهو يؤدّي إلى تمزّق الأسرة.

بل تجب إدارته بحاكمية الصحبة الحسنة و المودّة و روح الشفقة المتبادلة، و الذي يجب أن يحكم البيت العائلي هو مضمون ما يقول الشاعر:

من أنا؟ ليلى! و من ليلى! أنا

فكلانا روح واحدة في جسدين(2)


1) تقدمت الإشارة إلى مصادر ذلك في هوامش المحاضرة السابعة عشر (الفصل السابع) ضمن الحديث عن الحاجات الجنسية..

2) ترجمة نثرية حول بيت شعر بالفارسية ضمن ملحمة ليلى و المجنون المدونة بالفارسية و هي غير الأسطورة العربية المشهورة فهي و إن كانت قد استعارت رموزها لكن أثمالها و قصصها و أشعارها تناسب في أغلبها البيئة الفارسية.

فإذا تصدر القانون (بحرفية جافة) حاكمية البيت دمّره، فمثلا أقر الإسلام للرجل حقّ منع زوجته من الخروج من بيته، و أوجب عليها أخذ الإذن بالخروج منه.

فإذا أراد أن يستغلّ حقّه هذا بالكامل، فيمنعها من الذّهاب لزيارة بيت والدها أو بيت الجيران، و يوجب عليها البقاء في البيت، فإنّ من المتوقع أن تعمد هي إلى الكثير من الأعمال المنافية.

فإذا كانت فاقدة للعفّة، فلا يمنعها من فعلها إغلاقك عليها الأبواب السبعة، و لكن من الممكن تحصينها (بالمودّة) و الصحبة الطيّبة، بمثل هذه الأحاديث التي نعرضها في هذه المحاضرات منذ بداية شهر رمضان إلى اليوم وردني أكثر من خمس مئة رسالة أو عريضة جمعية أو اتصال هاتفيّ، و لعلّها لم تتضمن اعتراضا أكثر من واحد بالمئة منها و لم أتلقّ أكثر من خمسة اتصالات هاتفية معارضة.

و لكني تلقيت أكثر من خمس مئة اتّصال هاتفي يعرب عن الشكر، و يوضح أنّ الشيء القادر على جعل الزوجة مطيعة لزوجها بالكامل هو أمثال هذه المحاضرات و الأحاديث و الصحبة الطبيعة و الصدق و الأخلاق.

فعلينا أن نهتمّ بآراء الزوجة، و نتحدّث معها بحنان.

و إذا أراد الرجل التعامل (بصورة حرفية) مع القانون، و قابلته المرأة بالمثل و طالبته بأجرة إرضاعها ابنه و قيامها بأعمال المنزل، و طالبته بخادمة تعينها و تقوم بأعمال المنزل، أو طالبته بأن يقوم هو بذلك و تقول له: إنّ حقّك علي هو في أمر النكاح (العلاقة الجنسيّة)، و لذا لن أقوم لك بغيره، و عليك أن تعمل و تطعمني!!.

لو حدث مثل ذلك حقّا، فمن الواضح أن هذا البيت سيتحوّل إلى سجن.

و لو تعاملت الزوجة فعلا على وفق هذه الصورة، لوقع الطلاق في أقلّ من عشرة أيام.

و إذا تعامل الزوج على وفق تلك الصورة القانونيّة (الحرفيّة) لارتفع صراخ و استغاثة الزوجة بعد أقلّ من عشرة أيّام.

فواضح أن الحياة غير ممكنة على وفق هذه الصورة القانونية في التعامل.

القرآن الكريم يمدح القانون، و لكنه يرفض أن يكون جافّا، بل يؤكد وجوب اقترانه بالإحسان: - إنّ اللّه يأمر بالعدل و الإحسان(1).

فهذا الذي يجعل المرأة مطيعة بالكامل لزوجها، لكن بمودّة.

و هذا (العدل و الإحسان) هو الذي يجعل الرجل رحيما لا يتعامل بجفاف مع عياله.

و هذا ما لا يمكن تحقيقه بالقانون الجافّ وحده و أنا أعرف الكثير من الذين التزموا هذا التعامل القانونيّ الجافّ، فوصلوا إلى نتائج سيئة للغاية.

فمثلا إذا انحل جانب صغير من ملاءة الزوجة ارتفع صراخه بصورة غير لائقة. و من الممكن أن تسكت عن هذا الصّراخ في المرّة الأولى و الثانية، و لكن هذا التعامل قد يؤدّي بها فيما بعد إلى فتح ملاءتها و تكشف عن وجهها و مفاتنها عمدا، فهي تبالغ في حجابها في حضوره، و تتعمّد عدم الاهتمام به في غيبته.

و أحيانا ينهاهابصورة جافّة عن التحدّث في حضور أخيه أو الجلوس على المائدة في حضور الأقرباء، فيؤدّي هذا التعامل إلى مفاسد خطيرة، و قد


1) سورة النحل/ 90.

شاهدنا نزاعات فظيعة ناتجة عنه.

و في المقابل تتعامل المرأة مع زوجها بجفاف، فتبعث بذلك حالة الضجر لديه و الرجال ميالون للاستبداد، فإذا ترسّخت في الزوج هذه الحالة قادت الزوجة إلى معيشة بائسة، فأوصيكم برجاءأن تجعلوا أجواء بيوتكم مفعمة بالمودّة، و ليس بإعمال القانون و السلوكيات المفروضة.

فالتزام المرأة بالعفّة و الحجاب مطلوب، لكن لا ينبغي للزوج أن يشدّد عليها إلى درجة منعها من الخروج أصلا و لو لابتياع ما يحتاج اليه البيت أو زيارة بيت أبيها أو جارتها.

فهل يمكنها الامتناع عن زيارة والدها؟!.

لا يمكنها ذلك. و لو كانت علاقة الزوج سيّئة مع والديه، فهجران الوالدين يصيب الزوج و عياله بالعقد النفسيّة و بالشقاء.

و كلّما شدّدت الضرب بسوطك على الصخرة اشتدّت ردّة الفعل عليك.

و كلّما شدّد الزوج الضغط على زوجته اشتدّت ردّة الفعل و خطورة التبعات.

و إلى جانب التأكيد لاجتناب التشديد و الضغط و التعامل الجافّ، يجب في المقابل الانتباه إلى الأولاد و تربيتهم تربية سليمة، فيجب على الوالدين مراقبة أوضاع ابنتهما و الأماكن التي تذهب إليها و طبيعة صديقاتها و ضرورة أن يكنّ عفيفات محترمات.

و نفس الأمر يصدق على إبنهما، و هذه أمور ضروريّة و لا شكّ و لكن شدة الضغط على الفتاة و الشاب يجعلهما يتحدّيان والديهما، و يتعمدان الذهاب إلى حيث لا يريد الوالدان.

و عندما ندرس الموضوع بحثا عن العلّة نجدها في انعدام التربية أصلا أو

في شدّة التشديد في التربية، أي: ما بين إفراط و تفريط.

و قد نهى الإسلام عن كليهما، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):

• «لا يرى الجاهل إلاّ مفرطا أو مفرّطا»(1)

و هكذا يكون أصحاب الشخصية الضعيفة، فهم في صداقتهم إمّا يفرطون في المبالغة فيها، و إمّا يفرّطون في التهاجر و الخصام إلى درجة توجيه شتّى التهم للآخرين.

و هم في العلاقة مع أولادهم إما يهملونهم بالكامل، و إمّا يشدّدون عليهم إلى درجة سحق شخصيتهم.

أرجو من الأزواج و الزوجات أن لا يسيؤوا استغلال القانون فمثل هذا مرفوض إسلاميا و هو ما يوصف بتزوير القانون.

و قد ألّفت كتابا تحت هذا العنوان، و قد استفدت هذا الموضوع من القرآن و الأحاديث الشريفة، و من مصاديق سوء استغلال القانون الشرعي أكل الرّبا بحيلة شرعية على هذا النحو و هو: - أني أقرضك ألف تومان و أبيعك معها علبة كبريت بمئة تومان، أو أن أقرضك عشرة آلاف تومان و أبيعك معها قطعة صغيرة من الحلوى بألف تومان.

و هذا تزوير للقانون الإسلاميّ و حيلة شيطانيّة نسمّيها حيلة (شرعية).

رحم اللّه مؤسّس الحوزة العلمية في قمّ المقدّسة المرحوم الحاجّ الشيخ عبد الكريم اليزدي رضوان اللّه تعالى عليه فكلّ هذه الخيرات (العلمية) منه، نقل رحمه اللّه الحادثة التالية، فقال: - جاءني أحدهم و قد طلّق زوجته ثلاث مرّات، ثم ندم على فعلته، و طلب منّي إيجاد حلّ قبل أن تقع الفضيحة، و أوضح أنه في حرج، فلو أراد تزويجها لشخص «محلّل» أراق ماءوجه الزوج و زوجته المطلّقة، فتذكرت أحد المتديّنين ذوي الظاهر


1) نهج البلاغة/قصار الحكم/الحكمة رقم 67.

الصالح يواظب على الصلاة في جماعتي في الصفّ الأول، و قلت: لأقدّم له هذه الاستفادة فاستدعيته، و قلت له: جاءتك نعمة طيّبة، يزوّجونك فتاة جميلة لليلة واحدة تطلّقها في غدها ابتغاء تحليلها لزوجها الأوّل، فأعطوه المال و أجروا له عقد زواجه، و في غد ذلك اليوم استدعيته لإجراء الطلاق، فرفض و قال زوجتي و لن أطلّقها!! و لم ينفع شيئا إصرارنا عليه فكان يكرر قوله و رفض و رفض، حتى ماتت الفتاة غمّا و كمدا و لم يطلّقها.

و قد قال المرحوم الشيخ كلمة قيّمة للغاية على المنبر بهذا الصدد، و هي: - إن البعض عدول لكنّهم أسوأ من الشمر(1).

هذا الرجل عادل (بالمعنى القانوني الحرفي) فلم يرتكب معصية، فهو رفض طلاق زوجته، لكنّه أسوأ من الشمر، لكونه أساء استغلال القانون.

و هذا عمل شديد الخطورة، لكنه مع الأسف شائع بين ذوي الظاهر المقدّس، و لا سيّما السيدات، كأن تكون إحداهن قد درست في الجامعة، و تعلّمت بعض الاصطلاحات العلمية و اللغوية و النحوية، أو هي تدرس العلوم ادينية، فيصيبها الغرور العلمي فإذا أرادت استغلال الأحكام، عمدت إلى مخاطبة زوجها بأنّها تريد إكمال الدراسة فترفض القيام بأعمال المنزل، فلا يحقّ له منعها، أو أمرها بالقيام بأعمال المنزل.

فيا أيّتها السيّدة هذا سوء استغلال للقانون، و بحسب وصف المرحوم الشيخ اليزدي فأنت عادلة، لكنّك أسوأ من الشمر، لأنّك بذلك تهدمين بيتك و أسرتك اليوم أو غدا.

أيّها السيّد «الحزب اللهي» أنت عادل!! لكنّك أسوأ من الشمر لكونك تشدّد ضغوطك على أسرتك و توقعها في المفاسد تدريجيّا، فتسلب زوجتك أو ابنتك نجابتها.


1) المقصود شمر بن أبي ذي الجوشن لعنه اللّه وهو قاتل الإمام الحسين (سلام اللّه عليه).

المحاضرة الحادية و العشرون:

الفصل العاشر التوافق و انسجام الأسرة

اشارة

•

المودة

•

التمييز القبيح

التوافق الأسري

اشارة

الفصل العاشر من بحثنا يتناول موضوع التوافق (الانسجام) الأسري، و في بدايته ينبغي لنا الانتباه على أنّ من المحال تحقّق التوافق الأخلاقي الكامل بين أفراد الأسرة بين الأمرأة و زوجها، أو الكنّة و حماتها، و بين البنت و أمّها، و الابن و أبيه.

فهناك و لا ريب. اختلاف في الأذواق يؤدّي إلى إيجاد بعض الاختلافات شئنا أم أبينا، بل إنّ هذا الاختلاف هو أمر طبيعيّ في الأسرة - على حدّ ما يقول أحد كبار علماء النفس.

و إنّه من الانتشار بحيث إن بعض كبار الفلاسفة قالوا بأن كلّ إنسان هو نوع مستقلّ بحدّ ذاته، و ليس كلّ بني الإنسان من نوع واحد، و بغضّ النظر عن صحّة أو عدم صحّة هذا القول، فهو مهمّ للغاية من وجهة نظر علم النفس.

و علينا أن نفهم هذه الحالة من الاختلاف، و علينا معالجتها فما الذي يجب أن نفعله، لكي نوجد التوافق الأخلاقي المطلوب؟.

إذا كان التوافق الأخلاقيّ بين الزوجين بدرجة سبعين بالمئة، فهذه حالة جيّدة للغاية.

و عليهما أن يشكر اللّه على هذه النعمة العظيمة، و يديما الحمد له - تعالى و يلهجا بذكر «الحمد للّه ربّ العالمين» حتى إذا كان بنسبة خمسين بالمئة.

فهي حالة جيدة أيضا، و إذا توفّرت هذه النسبة بين الكنّة و حماتها، فعليهما أن يشكرا اللّه على ذلك.

و إذا توفرت نسبة السبعين بالمئة بين الابن و أبيه أو الابن و أمّه، أو البنت و أمّها، فعليهم أن يشكروا اللّه كثيرا على ذلك. و لكنّا عادة نغفل عن أن توفّر التوافق الأخلاقي بنسبة مئة بالمئة أمر محال، أو أنّ توفّره بنسبة سبعين بالمئة هي نعمة كبرى يمنّ بها اللّه تبارك و تعالى علينا.

و حديثنا هو عن كيفية التعامل مع نسبة الثلاثين أو الخمسين بالمئة من الاختلاف؟!.

فهناك عاملان يمكن بهما معالجة هذا الاختلاف، نتحدّث اليوم عن الأوّل، و نتحدّث غدا عن الآخر بمشيئة اللّه تبارك و تعالى و ألطاف بقية اللّه (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف).

المودّة:

و هي العامل الأوّل القادر على إزالة الاختلاف، فإذا سادت المودة بين الزوجة و زوجها، أو بينها و بين حماتها، أو بين الأب و ابنه و الأم و ابنتها، محت آثار تلك الثلاثين أو الخمسين بالمئة من الاختلاف، و عتّمت عليه، و قد ورد الكثير من الأشعار يجمع مضمونها قول النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله): - «حبّك للشيء يعمي و يصم»(1).

فإذا أحببت شخصا تعاميت عن مساويه، بل و لم تعد تطيق التحدّث أو


1) بحار الأنوار ج 77 ص 165.

استماع من يتحدّث عنها و عمدت بما استطعت إلى تسويغها و دافعت عنه إذا تحدّث أحد عنها حتى لو كان حديثه مطابقا للواقع، بل يعاتب نفسه إذا حدّثته بمثل ذلك؛ يقول الشاعر العربيّ: -

عين الرضا عن كل عيب كليلة *** و عين السخط تبدي المساويا

في قصّة ليلى و المجنون وردت حادثة تعبّر عن حقيقة موجودة في الإنسان بغضّ النظر عن صحّة القصة أو أسطوريتهافقد نقلوا أنّ ليلى كانت قد أعدّت طعاما للإطعام لنذر كان عليها، فأرسل المجنون وعاءه بيد إحدى صديقاتها لتجلب له من طعام نذرها.

و عندما أعطوها الوعاء أخبروها أنه للمجنون ألقته على الأرض و هشّمته، فنقلوا له خبر ما فعلته بوعائه، فقال بيتا من الشعر استدلّ فيه على أنّ ما فعلته هو دليل حبّها له، و إلاّ لما فعلت ما فعلته!!.

أي أنه لم يقبل أنها ارتكبت عملا سيّئا، و لذا عمد إلى تسويغه.

الزوجة التي تودّ زوجها تدافع عنه إذا تحدّث أحد عن مساويه، و لا تطيق أن تسمع حديثه، لكنّها لا تفعل مثل ذلك تجاه أحاديث مماثلة تتعلّق بالجيران أو حتى مساوي أخيها و أرحامها.

و قد أطّلعت على الكثير من الحالات لزوجات كانت إحداهنّ تشكر اللّه - تعالى إذا عنّفها زوجها، و تعتبر تعنيفه دليلا على حبّه لها. و تشير إلى أنّه لا يفعل مثل ذلك مع أخته و النساء الأخريات، فتعنيفه لها بالذات دليل على حبّه الذي يدفعه للسعي من أجل تربيتها.

و من الأمور التي يجدر بنا جميعا الانتباه لها أنّ للكلام تأثيرا كبيرا في تعزير المودّة أو في تدميرها، فهو مرّة يكون مثل الخال على الوجه الصبيح، و تارة مثل الفلفل الأسود الذي يحرق الفلم، كما يصف الشاعر الإيراني: -

حبة الفلف سوداء كذا لون خال وجه الحسان

و كلاهما حارقان، و لكن أنى هذا من ذاك(1)

فمرة يكون تأثير كلمة شكر واحدة للزوجة كتأثير الخال في زيادة حسن الوجه الحسن فتعزّز هذه الكلمة المودّة في القلب.

و عكس هذا التأثير يتركه التعنيف و الكلمات الجارحة، فتحرق المودّة مثلما يفعل الفلفل الأسود بالفم.

و قد تكون كلمة صغيرة كبيرة التأثير في تدمير المودّة.

و لا أعتقد أنّ الثوابات العظيمة التي يحدّدها الإسلام لطاعة المرأة لوزجها أو لحسن تعامله معها استحقاقية، بل إنّ الشارع المقدّس أراد منها الحصول على أمور أخرى، فمثلا يعلن النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) أنّ من عرف حقّ أمير المؤمنين (عليه السلام) و أدّى واجباته، واجتنب المعاصي و إذا ارتكبها تاب عنها -، و أنّ الرجل الذي رعى حقوق زوجته و المرأة التي رعت حقوق زوجها، تفتح لهم أبواب الجنّة كافّة(2)، و يصلون إلى مقام الأنبياء و الأوصياء مثلما يقول القرآن الكريم أنّ بعض الناس يحشرون مع الرسول الأعظم و الأئمة الطاهرين: - و من يطع اللّه و الرّسول فأولئك مع الّذين أنعم اللّه عليهم مّن النّبيّين و الصدّيقين و الشّهداء و الصّالحين و حسن أولئك رفيقا(3).

فمثل هذا يدخل الجنّة من أيّ باب شاء، و هذا مقام سام، و ليس استحقاقيا بمعنى أن الإنسان لا يستحقّ هذه الثوابات، بل إنها أشبه بالطعم الذي تنثر حبوبه للحصول على الطير، أي أنّ هذه الثوابات تعطى من أجل أن تكون أجواء البيت دافئة (بالمودّة).


1) ترجمة نثرية لبيت شعر بالفارسية.

2) راجع وسائل الشيعة ج 14 ص 115، ص 116، ص 119، ص 121، ص 122، ص 123، و غيرها.

3) سورة النساء/ 69.

نقرأ في الأحاديث الشريفة: - «ما من امرأة تسقي زوجها شربة من ماء إلاّ كان خيرا لها من عبادة سنة صيام نهارها و قيام ليلها»(1).

و واضح أن عملية سقي الماء بحدّ ذاتها لا تستحق هذا الثواب، لكنّه يعطى لجعل الزوجة ترعى زوجها، كما ورد أنّ الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل اللّه(2).

و هذا المقام ليس استحقاقيّا بل «توسّليّا» يراد منه جعل أجواء البيت دافئة.

و في المقابل فإنّ الأحاديث الشريفة تحدّد إثما عظيما لبذاءة اللسان، و هو أيضا بعنوان ثانويّ و ليس استحقاقيا.

و يؤكد الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) أنّ أول الداخلين للنار المرأة التي تؤذي زوجهاو لو بسلاطة اللسان و الكلمات الجارحة و الرجل الذي يفعل مثل ذلك (3).

و هذا الجزاء الأليم هو للحيلولة دون انعدام المودّة الذي يؤدّي إلى برودة أجواء البيت، في حين أنّ وجود المودّة يعني وجود الرفاهية و الاستقرار.

و كثيرة هي الأحاديث الشريفة الواردة بهذه المضامين التي ينقلها الحرّ العاملي في كتاب وسائل الشيعة، و أكثر منها ما جمعه العلاّمة المجلسي - رضوان اللّه عليه و غيره.

و بعضها تؤكّد أن الصابرة على أذى زوجها و الصابر على أذى ذوجته يحشران مع نبيّ اللّه أيوب (عليه السلام) الذي صبر على البلاء.


1) وسائل الشيعة ج 14 ص 123.

2) تقدم مصدره.

3) ورد ذلك ضمن حديث وطيل ينقله الحر العاملي في كتاب وسائل الشيعة ج 14 ص 116.

و واضح أنّ هذا المقام ليس استحقاقيا، بل هو من أجل منح الدفء لجوّ الأسرة.

و لذا يجب أن تسود المودّة أجواء البيت، و علينا الاهتمام بما من شأنه الحيلولة دون سلبها منه و أرجوكم أن تراقبوا أقوالكم في البيت، فهي التي تعزّز و تجلب المودة، و هي التي تدمّرها.

* التمييز القبيح:

من الممارسات التي تدمر المحبة، و يجب علينا اجتنابها هو التمييز بين أفراد الأسرة بين صهرين أو بنتين أو ابنين، كأن يخصص نصيبا أكبر من الإرث بأحد ولديه و نصيبا أقلّ بالثاني، أو يحرمه من الإرث أصلا، أو يحرم ابنته منه و العياذ باللّه لكونه لا يحبّها ثم يسوّغ عمله بادّعاءات جوفاء من قبيل أنّها قد تسلّمت بالفعل نصيبها، حين أعطاها جهاز الزواج.

و مثل هذا العمل أشدّ إحراقا من حبّة الفلفل الأسود التي أشرت إليها، يقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): - «إعدلوا بين أولادكم كما تحبّون أن يعدلوا في البرّ و اللطف»(1).

و قد ترحم مرارا على الوالدين الذين يعينان أولادهما على البرّ، و لعن اللذين يضطرانهم للعقوق.

إنّ الولد عندما يرى أمّه مختلفة مع كنّتها يعنّفهاشاء أم أبى و لا يحقّ له ذلك طبعا، فيصبح عاقّا، و عندها يخسر الدنيا و الآخرة.

و عندما يرى الابن والده يفرق في التعامل بينه و بين أخيه، و تشاهد


1) سفينة البحار ج 2 ص 684 و هناك أحاديث مماثلة في المجلد الخامس عشر من الوسائل، و عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «رحم اللّه والدين أعانا ولدهما على برّهما» المحجة البيضاء ج 3 ص 443.

البنت أباها أو والديها يفرقان في التعامل بينها و بين أخيها، أو بين زوجها و زوج أختها، تتأذى و تصيبها عقدة نفسية و إساءة الظنّ بأمّها و أبيها.

و ويل لها عندئذ، فهي عندئذ تعرض عنهماو العياذ باللّه و تصبح عاقّة، و لا يحق لها ذلك و لا يحق لها أن تغتابهما.

على الشباب الالتفات إلى وجوب احترام الوالدين، حتى لو كانا أميّين جاهلين، و كان الأولاد متعلمين مثقفين، فلا يجوز لهم الوقوف بوجههما و تعنيفهما.

و هذا ما يؤكّده القرآن الكريم بشدّة: - و قضى ربّك ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه و بالوالدين إحسانا * إمّا يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لّهما أفّ و لا تنهرهما و قل لّهما قولا كريما(1).

فقد قرن الإحسان للوالدين بتوحيد اللّه في العبادة، و نهى عن الردّ عليهما، حتى إذا أساءا إليك.

روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال في تفسير الآية: - «إنّ أضجراك فلا تقل لهما أفّ، و لا تنهرهما إن ضرباك، و قل لهما قولا كريما(قال) (عليه السلام): - إن ضرباك، فقل لهما «غفر اللّه لكما» فذلك منك قول كريم»(2).

فلا يمكن (يجوز) تحدّي الوالدين، و إذا عقّهما الشابّ، كانت عاقبته جهنّم يلحقه فيها والداه حيث (تلعنهما) الملائكة يوم القيامة، و تخاطبهما بأنكما فتعلما ما اضطّر هذا الشابّ إلى نهركما، فأنت أيّتها الأمّ لم تنسجمي مع زوجته فأجبرته على تعنيفك.


1) سورة الإسراء/ 24.

2) سفينة البحار ج 2 ص 686.

و أنت أيّها الأب تعاملت معه بأخلاق سيّئة، فاضطرّ لتحدّيك، فهو عاقّ و أنت الذي أجبرته على العقوق، فمصيركما معا جهنّم.

و هذا هو معنى الحديث النبويّ المتقدّم، فهو يعني لعنة اللّه على الوالدين اللذين يجبران أولادهما على العقوق، مثلما أنّ اللعنة على الأولاد العاقّين ذكورا و إناثا -.

أرجو من الآباء أن لا يفرقوا في تعاملهم بين أولادهم و من الأمهات أن لا يفرقن بين الذكر و الأنثى من أولادهم.

(و مع الأسف) نشاهد أحيانا والدة جاهلة تبدي حبّا شديدا لا بنتها و كأنّها تقول: إنّها تحبّها أكثر من أخيها، و واضح أنّ الثمرة الأولى لهذا التمييز هي سلب مودّة الأمّ من قلب ابنها و هذا ذنب عظيم و أعظم منه أن يثير اختلافا بين البنت و أخيها.

و إذا وقع مثل هذا الاختلاف بين أخوين أو أختين أو بين أخ و أخته صعبت إزالته، و كلّما طال أمده ازداد إثم طرفيه و والديهما.

الأب الذي يميز في الإرث بين حصص أولاده تقليلا و زيادة أو حرمانا - يموت و تموت الأم، و لكن الاختلاف بين أولادهما ينشب و ينتقل من جيل لآخر تدريجيّا، و نعرف الكثير من مصاديق هذه الحالة.

من هو المقصر في كلّ هذه المصاديق من قطع الرحم و التخاصم و هي من أعظم الذنوب؟!.

إنّه الأب الجاهل الذي فرّق في تعامله بين ولديه، و الأمّ الجاهلة التي ميّزت في تعاملها بين بنتيها، و هذا كفر عند «أهل القلوب».

لقد بيّن القرآن الكريم أحكام الإرث و أنّ للذكور حصصا متساوية و للإناث حصصا متساوية حصة كلّ منهن نصف حصّة الذكر.

فالذي يرفض هذا التقسيم، و يفرق بين حصص أبنائه، أو بين حصص بناته إنما يتحدّه اللّه تبارك و تعالى و هذا كفر عند أصحاب القلوب.

أيّتها السيّدة! إذا كنت تحبّين ابنتك و لا تريدين البؤوس لها فلماذا تهينين صهرك و تحترمين أصهارك الآخرين أكثر منه؟!.

و إذا كنت عاقلة، فلماذا تعيّرين صهرك هذا بالإشارة إلى وضع صهرك الآخر؟!.

و إذا كنت حكيما أيّها الأب، فلماذا تعيّر ولدك هذا بالإشارة إلى نجاح أخيه، أو تفعل مثل ذلك مع بناتك؟!.

إنّ مثل هذه الأعمال أسوأ من القتل. فالذين يئدون أولادهم يموت الأطفال و يذهبون إلى الجنة.

أمّا هذه الأعمال، فهي تؤدّي إلى قتل أرواح الأولاد.

فراقبوا أقوالكم و أفعالكم و تلك «الأمور الصغيرة الكبيرة» التي سبق أن تحدثت عنها، فعدم احترامكم مثلا لصهركم الفلاني بحضور الصّهر الآخر يؤدّي إلى قلب ظهر المجنّ لابنتكم (زوجته) و جلب الشقاء لها.

أحيانا يعيّر الأب ابنه بنجاح أخيه، فيقول له: - أنظر كم هو ذكي! و كيف يدرس بصورة جيّدة! و كم هو صالح!.

و انظر نفسك و كم أنت خائب!!.

و نفس هذا القول يسبّب للابن عقدة نفسية تدفعه إلى الإجرام و الخيانة و المقصّر هو أنت أيّها الأب بسبب فعلك هذا.

و أحيانا يقدم الأب جهازا تأثيثيا أضخم لزواج ابنته هذه لكون زوجها ثريّا، و يعطي أقلّ منه لتلك لكون زوجها، فقيرا، و هو لا يدري أية جريمة يرتكبها بفعله هذا!!.

أيها السادة و أيّتها السيدات إنّ التمييز و عدم العدالة في التعامل لا يخلو أبدا من جلب المصائب.

فعلى الأمهات الانتباه على ضرورة العدالة في رعاية و مداعبة الأطفال، فإذا قبّلت إحداهنّ ابنها، فعليها أن تقبّل ابنتها أيضا.

إذا كنتم تحبّون أحد أولادكم أكثر من البقية، و إذا كان أحدهم ذا لسان محبّب، فاحذروا من أن تحوّلوه إلى مجرم و بائس.

اهتموا بالبنت بنفس مقدار اهتمامكم بالابن عندما يستقبلانكم حين دخولكم الدار، و خذوهما معا إلى أحضانكم و أجلسوهما معا في حجركم و في خضمّ ذلك لا تنسوا الزوجة كما قلت سابقا. أوصيكم باجتناب كلّ تمييز بين أفراد الأسرة، فهو يدمّر أساسها.

أما إذا سادت المحبّة و المودة، فعندها تسقط كافة الأفعال و تزول نسبة الثلاثين بالمئة من الاختلافات تلك، و يزول الاختلافات بين الزوجة و حماتها، و بينها و بين زوجها، فلا صراخ و لا استغاثات و لا تعنيف و لا كلمات جارحة بين أفراد الأسرة.

و طوبى للأسرة التي تسود فيها المودّة.

عليكماأيتها الكنّة و أيتها الحماة اللتين تسود بينكما الرأفة و المودّة أن تشكرا اللّه، فهو يحبكما، و عليكما أيها الزوجان المتحابّان أن تشكرا اللّه كثيرا على ذلك و تسألاه أن يضاعف هذه المحبة بينكما، فأنتما في أعظم نعمة و رحمة اللّه و كرمه و فضله و ألفطافه تفعم بيتكما.

المحاضرة الثانية و العشرون:

الفصل العاشر العفو و الصفح

اشارة

العفو و الصفح

و هو موضوع حديثنا لهذا اليوم، و ينبغي الاهتمام به، و أرجو أن يجبر فقدان المودة في الأسرة.

و هذه الكلمة (العفو و الصفح) كلمة مقدّسة يشاهد الإنسان حقّا - الأنوار ساطعة حولها عندما يتصورّها، و هي محببة و مقدّسة حتّى إنّها تقترن بكلمة «المودة».

و القرآن الكريم يؤكّد كثيرا العفو، و يقسمه ثلاثة أقسام أو ثلاث مراتب على وفق رأي الفلاسفة القائلين ب «التشكيك».

فمرتبته الأولى هي أن يواجه الإنسان الإساءة له، فيتجاوز عنها بدافع إلهيّ أو إنساني: - خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين(1).

الآية تأمر المسلم بالتحلي بأسلوب و ملكة العفو، و أن يأمر عياله و أصدقاءه بها.

فالمرتبة الأولى هي التجاوز عن السيئات.

أما المرتبة الثانية و هي أسمى من الأولى و هي ما يريده القرآن منافهي


1) سورة الأعراف/ 199.

الوصول إلى مقام لا يشاهد الإنسان فيه الإساءة له أصلا بمعنى أن يتكامل و يتحلّى بالعفو إلى درجة أنّه لا يرى العمل السّيء الصادر ضده عن زوجته لكي يعفو عنه.

و هذا ما يسمى بالصفح، يقول تعالى -: و ليعفوا و ليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر اللّه لكم(1).

فعلى الإنسان و على المسلم التحلّي بالعفو، ثم بالصفح و كرم النفس و كبرها، فيتجاهل الإساءة إليه.

فالذين يعملون على وفق هذا المنهج في الدنيا يتعامل معهم ربّ العالمين بالعفو و الذين يصفحون في الدّنيا، و لا يبدون أثرا على الإساءة لهم، لا يبدي اللّه سيئآتهم في الآخرة.

و قد سمعتم جميعا أنّ البعض يدخلون الجنّة دون حساب و هذا هو معنى دخولهم دون حساب، فمرة يحاسب و يشمله العفو و مرة لا يحاسب أصلا.

القرآن الكريم يخاطبك بأنّك إذا أردت عفو اللّه عنك يوم القيامة، فعليك بالتحلّي بالعفو في الدنيا، في بيتك، و إذا أردت أن يدخلك اللّه الجنّة دون حساب، فلا تفتح حسابا و كتابا لأحد في الدّنيا. فلا تعيّر زوجتك بسيئآتها، و لا تفعل هي مثل ذلك و لا تتأذّى أصلا، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذاك الشعر المنسوب له: -

أمرّ على اللئيم يسبّني *** فقلت له إنه لا يعنيني

و يقول تعالى في آخر سورة الفرقان في خصال المؤمن: - و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما(2).


1) سورة النور/ 22.

2) سورة الفرقان/ 63.

فتعامله مع المسيئين الجاهلين هو عدم الانفعال أصلا، فعندما يدخل بيته، و يرى وضعه و وضع الأطفال غير مناسب و وضع الزوجة لا ينسجم مع المرأة التي تهتمّ برعاية واجباتها الزوجية يصفح عن ذلك أي بغضّ الطرف عنه، و هذا معنى الصفح.

و عندما ترى المرأة زوجها لا يقوم بواجباته الزوجية تصفح عنه.

و هذه الصفة تكرر ذكرها في آخر سورة الفرقان بتعبير آخر حيث يقول:

• و إذا مرّوا باللّغو مرّوا كراما(1).

و نستفيد من هاتين الآيتين أن على المؤمنة و المؤمن أن يتحليا بالعفو بل بالصفح أي: أن يصلا إلى المقام الذي يتغاضيا فيه عن الإساءة مثلما أن صفعة الطفل الذي لا يتجاوز عمره العام الواحد لا تغضبكم، و تغضّون الطرف عنها أساسا.

و على الكريم أن يكون متحليا بهذه الصفة حسبما ينصّ عليه القرآن الكريم، و إذا أراد الحصول على عفو اللّه و صفحه و دخول الجنّة دون حساب يوم القيامة، فعليه التحلّي بهذه الصفة.

و في هذه الآية الكريمة دلالة لطيفة على أن الذي لا يتحلّى بالعفو و الصفح في الدّنيا، و يعيّر الآخرين بسيئآتهم لن ينال عفو اللّه و صفحه عنه يوم القيامة: - و ليعفوا و ليصفحوا، ألا تحبّون أن يغفر اللّه لكم(2).

هذه هي المرتبة الثانية، و لكنّ الإسلام و القرآن يريدان منّا شيئا آخر خاصّة منكم أيها المؤمنون و المؤمنان بحكم التصاقكم بالموعظة و العبادة، و بحكم كونكم تحظون بكرامة التشيّع.


1) سورة الفرقان/ 72.

2) سورة النور/ 22.

فما يريدانه منكم هو المرتبة الثالثة للعفو، يقول تعالى -: و يدرؤن بالحسنة السّيّئة(1).

و قد تكرر هذا المعنى في آيات أخرى: - ادفع بالّتي هي أحسن (2)فلو أساء لك أحد فادفع إساءته بأفضل سورة من الإحسان، و هذا ما يؤكّده الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله: - «أحسن إلى من أساء إليك»(3).

هذه الصفة ورد حثّنا عليها في سورة يوسف هذه السورة العجبية التي فيها «أحسن القصص» بحسب الوصف القرآنيّ لها و هي حقّا سورة تضمّ عالما من الأخلاق بحيث لو عمل بها الإنسان، لأصبح كاملا بكلّ معنى الكلمة.

ففي هذه السورة نكات عجيبة إحداها تتعلّق بموضوع حديثنا، فهي تتحدث عن شدة الأذى الذي ألحقته زليخا بيوسف، ثم ألقته في السّجن عدّة أعوام، حتى صدر الأمر بإطلاق سراحه، لكنه لم يخرج و قال للرسول اذهب و قل للملك: - ما بال النّسود اللاتي قطّعن أيديهنّ(4).

و لماذا آذته زليخا بكلّ ذلك الأذى؟.

و لما عشقته؟.

ثم شكّل الملك هيئة (للمحاكمة) استدعت أولئك النسوة و اعترفن ببراءة يوسف، و عندها قالت زليخا: - الآن حصحص الحقّ أنا راودته عن نّفسه و إنّه لمن الصّادقين(5).


1) سورة القصص/ 54.

2) سورة المؤمنون/ 96.

3) بحار الأنوار ج 77 ص 171.

4) سورة يوسف/ 50.

5) سورة يوسف/ 51.

فلما خرج يوسف من السجن كانت الجملة الأولى التي قالها هي: - ذلك ليعلم أنّي لم أخنه بالغيب(1).

أي: أنه بيّن أن هدفه من إجبار النسوة على الاعتراف و تبرئة نفسه هو أنه كان سيصبح «عزيز مصر».

و هذا ما لا يتلاءم مع مثل تلك التهمة.

و معنى الآية هو أنّ يوسف لم يكن ليكشف عن كل تلك الإساءات و الأذى و الضربات و السجن لعشرة أعوام و التي وجّهتها له زليخا و النسوة لو لا أن أمرا أكبر أهميّة اقتضى الكشف.

و هذا هو الصفح الذي يريده منا القرآن الكريم.

ثم يواصل القرآن حديثه حتى يصل إلى مجيء إخوة يوسف إليه و معرفتهم لأخيهم و انكشاف فضيحتهم و عندها و لكيلا يخجلوا قال لهم: - لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم(2).

و قد ورد في ذيل هذه الآية الكريمة و ضمن الأحاديث الشريفة المتحدثة عن قصة يوسف، أنه (عليه السلام) أقام مأدبة لإخوانه، و فيها عرفهم نفسه، و تحدث معهم بلغة المودّة و العفو و الصفح، فقد لا حظ الأذى باديا على وجوههم، إذ تذكروا ما ارتكبوه ضد أخيهم يوسف -، فتحدث لهم مشيرا إلى أن ما قاموا به ضده كان على أي حال سببا لوصوله إلى مقام «عزيز مصر»، و لو لم يلقوه في الجبّ لاضطر اليوم إلى المجيء من كنعان إلى مصر من أجل حفنة من الحنطة.

فطيّب خواطرهم، بإشارته إلى أنهم بالتالي كانوا سببا لأن يصبح هو عزيز


1) سورة يوسف 52.

2) سورة يوسف/ 92.

مصر، هذا هو الموقف الأول(1).

أما الموقف الثاني، فهو عندما أتاه إخوته مع والديه اللذين أجلسهما على العرش، و بالغ في إكرامهما و إكرام إخوته، خاطبهم كما ينقل القرآن الكريم: و قال ادخلوا مصر إن شاء اللّه آمنين(2). و هذا الموقف هو صفح.

أمّا الموقف الثالث الذي يعبّر عن المرتبة الثالثة و هي الأسمى، فهو الذي يتّضح منه كمال يوسف، فعندما أجلس أباه على العرش و كان يوسف على ما يبدو قد أعدّ خيمة و عرشا خارج مصر لاستقبال أبيه و إخوته أخبره أن هذا هو تأويل رؤياه، و هذا هو المقام الذي وصل اليه: - من بعد أن نزغ الشّيطان بيني و بين إخوتي(3).

و كأنه بذلك يطلب من أبيه أن لا يتأذى من إخوته، فما فعلوه من إلقائه في الجبّ هو من فعل الشيطان، و ما فعلوه كان سببا لوصولي، و وصولك إلى هذا المقام.

و لمثل صاحب هذا الموقف يقال «إنسان كامل».

و لا تتوهّموا أنّ القرآن يريد مجرّد القصص، بل يريدفي أسلوب القصّة أن يقول: - أيّها الشيعيّ و أيها المسلم عليك التحلّي بهذه الصفات، بالعفو و الصفح و درء السيّئة بالحسنة و تحويل السيئة إلى حسنة.

و هناك آية كريمة يفسّرها المفسّرون بمعنى، و يعرض لها أصحاب


1) راجع فيما يتعلق بالأحاديث الشريفة الواردة بشأن قصة يوسف ص 179 و ما بعدها من كتاب «النور المبين في قصص الأنبياء و المرسلين» للسيد نعمة اللّه الجزائري من تلامذة العلاّمة المجلسي و راجع كذلك تفسير البرهان للعلامة البحراني في ذيل الآية 92 من سورة يوسف.

2) سورة يوسف/ 99.

3) سورة يوسف/ 100.

القلوب الحيّة و الإقبال و علماء الأخلاق معنى آخر، و هي: و جزاء سيّئة سيّئة مّثلها(1).

فالتفسير الأوّل (الظاهريّ) هومثلالو قطع أحد يدك اقتصّ منه الحاكم الشرعي بمثل ذلك.

أما التفسير الثاني، فهو: - أنه لو أساء إليك أحد، و قابلته بالإساءة المماثلة، فكلاكما مذنبان فمجازاة رمي الحجر برمي مثله هو معصية مثل العمعصية الأولى(2).

و أتصور أنّ المواظبين على مجالس الوعظ يعتبرون التفسير الثاني أفضل كثير من الأوّل، و أرجو أن تستسيغوه أنتم أيضا، فهو أفضل من التفسير الأول، و عملكم على وفقه فيما يأتي.

و أطلب منكم أن تعملوا على وفق ما يرضاه لكم اللّه تعالى فهو يرضى عمل الذين: - و يدرؤن بالحسنة السّيّئة(17) فإذا شتمك أحد فلا تشتمه:

• و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما(3).

لقد عاش النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) ثلاثة عشر عاما بعد البعثة في مكّة، لكنّ أهلها السفهاء لم يفسحوا له المجال لهداية أكثر من أربعين أو


1) سورة الشورى/ 40.

2) لعلّ الآية الكريمة حتى وفق التفسير الأول لا تتعارض مع ما ندب إليه القرآن من السنة في مواقع أخرى من التعامل بالعفو و الصفح و العدل و الإحسان و عدم نسيان الفضل بين أعضاء المجتمع الإسلامي، فالآية تشير إلى حكم القصاص كإجراء ردعي يحفظ النظام الاجتماعي من الانهيار بسبب التجاوزات و يلبي الحاجة الفطرية لدى الإنسان للعدل و الاقتصاص ممن ظلمه و ليكون اتخاذه لقرار العفو و الصفح من موقع القدرة و التنازل الطوعي عن حقه بحكم أنه «كان منصورا شرعا» و ليس عفوا مضطرا إليه و مجبرا عليه، فمثل العفو و الصفح الإجباري لا يساهم في تكاملية أخلاقه و لا يعبّر عنها.

3) سورة الفرقان/ 63.

خمسين شخصا من أهلها، ثم إنّه فتحها دون إراقة دماء في السنة الثامنة للهجرة و بجيش يربو تعداده على الاثني عشر ألفا.

فهل مثل يوم الفتح و هو يوم المرحمة بعد كلّ تلك الحروب و القتل و التقدّم و الانتصار؟!.

من الطبيعي أن يحس من في موقعه (صلّى اللّه عليه و آله) بلذّة كبيرة في مثل هذا اليوم حيث إنّه جاء بعد عشرين عاما من تحمل أشكال الصعاب و خوض أكثر من أربع و سبعين غزوة و معركة من أجل تطهير بيت اللّه من لوث الأصنام.

في بداية دخوله مكّة، توجّه إلى البيت الحرام، و حطّم بيدي أمير المؤمنين (360) صنما و طهّره منها، ثم نظر إلى نفس باب البيت المحرم - الذي مازال موجودا و أسأل اللّه أن يرزقنا جميعا زيارته في كلّ عام، ففيه لذّة عظيمة ففي النظر إليه لذات و لذات لأهل القلوب الحية.

فلو كان الإنسان من هؤلاء، لوجد أن لبيت اللّه جاذبية مثلما للمغناطيس و أية جاذبية يحسّها و هو يجلس في زاوية من المسجد ينظر له خاصّة في الأسحار -، في هذا المسجد وقف (صلّى اللّه عليه و آله) و استلم حلقة الكعبة، و قرأ دعاء الوحدة الذي تعرفونه: «لا إله إلاّ اللّه وحده وحده وحده...».

و كان المسجد مكتظّا بالناس، بنفس أولئك الذين كانوا يرمونه بالحجارة، و شجّوا جبهته، و حاربوه في أربع و سبعين معركة.

هؤلاء كانوا يرتجفون خوفا، فلعلّهم كانوا يتصوّرون أنه (صلّى اللّه عليه و آله) سيأمر أمير المؤمنين (عليه السلام) بإعمال السيف فيهم و القيام بمجازر عامّة لهم، لكنّه عندما أتمّ تلاوة ذاك الدعاء أقبل عليهم، و قال لهم و هم الخبثاء بالكامل و فيهم أبو سفيان و زوجته هند آكلة الأكباد -: - «يا معشر قريش

ماذا تقولون و ماذا تظنون أني فاعل بكم؟!

قالوا: - خيرا... أخ كريم و ابن أخ كريم، فقال (ص): «أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم، و هو أرحم الراحمين... اذهبوا فأنتم الطّلقاء»(1).

ثم كان أن قبل إيمانهم و كان يعلم أن بعضهم أمثال أبي سفيان و هند لا يستقر الإيمان في قلوبهم، فقبل منهم مجرّد الشهادة، بل قبل دخوله مكّة أعلن أنّ بيت أبي سفيان من محالّ الأمن، لأنّ أبا سفيان كان زعيما لمكّة و محبّا للزعامة، فأعطاه نمطا منها.

و نقرأ في السيرة أن أحد أفراد جيش الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) رفع الراية يوم فتح مكّة و أخذ يتجوّل في أزقّتها و هو يصرخ «اليوم يوم الملحمة» أي أنه أخذ يتوعد أهلها بالانتقام، و عندما وصل الخبر لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمر عليّا (عليه السلام) أن يأخذ الراية منه و يسير في أرجاء مكة معلنا هتاف «اليوم يوم المرحمة»، هكذا هي سنّة النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) و عليها كانت سنة الأئمة الطاهرين (عليهم السلام).

إنّ القرآن يأمر بالعفو و بما هو أسمى منه و هو الصفح و بما هو أسمى منه و هو: - و يدرؤون بالحسنة السيّئة.

و كان (صلّى اللّه عليه و آله) يؤكّد: - «ليس حسن الجوار كفّ الأذى (عن الجار) بل تحمّل الأذى منه أيضا»(2).

يحكى أنّ رجلا جليلا عاد جارا مريضا، فشاهده مضطجعا في غرقة تكثر الرطوبة فيهافي أرضها و جدرانها، فآذاه ذلك خاصّة عندما شاهد الرطوبة


1) بحار الأنوار ج 21 فصل فتح مكة و مثله في سيرة ابن هشام و الوفا ج 2 ص 422 و غيره كثير.

2) سفينة البحار ج 1 ص 192.

تأتي من جهة بيته إلى بيت جاره، فسأل جاره: لماذا لم تخبرني بالأمر، لكي أمنع سريان هذه الرطوبة إلى دارك؟.

فأجاب الجار المريض: خشيت أن يوقعك ذلك في مشقّة لا أحبّها لك!.

هذا هو نهج الإسلام في التعامل مع الغرباء، فما بالك بالكنّة و الحماة و بين الزوجين؟!.

إنّه يريد أن يكون التعامل بين هؤلاء على وفق نهج «درء السيئة بالحسنة».

و حري أن تكتب هذه الآية الكريمة بماء الذهب، و تنصب إزاء النظر في بيوتكم ليتلوها كلا الزوجين يوميّا.

فمثل هذه الآية تذهب الهمّ و الغمّ، و ليس يأتي ذلك فقط من اللوحات الجذّابة للمناظر الطبيعيّة للأشجار و الشلالات التي تنصبونها في بيوتكم.

فانصبوا لوحات مزيّنة بهذ الآية، ليراها الزوجان و الأولاد، لكي يتحقّق إحياء ملكة العفور و ملكة الصفح فيكم تدريجيّا.

قبيح للمرأة أن تخاصم زوجها، لكونه عنّفها، فهذه ليست الزوجة التي يريدها القرآن.

و قبيح للرجل أن يخاصم زوجته، لكونها أساءت إليه، فليس هذا العمل يناسب أخلاق الزوج التي يرضاها القرآن و الذي يأمر بدرء السيئة بالحسنة، فإذا عاملته بعنف تبسّم لها.

و إذا خاصمته صالحها مثلما أمر النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) تلك المرأة، بمصالحة الزوج فور وقوع كدورة بينهما، حتى «لو كان

ظالما»(1).

فالزوجة هي كل الحنان و المودة و الرجل يجب أن يكون متحليا بالرجولة، فلا يصيب عياله بوزر السيئآت، و أحد الأساليب التربوية السليمة التربية غير المباشرة.

و خلاصة الحديث هي أنه لو كان التوافق الأخلاقي في الأسرة هو بنسبة (70) فعلينا أن نجبر ال (30) الأخرى بالتحلّي بالعفو و الصفح، ليكمل التوافق و يصبح بيت الأسرة منبع السكنية بحسب التعبير القرآني: لتسكنوا إليها.


1) تقدم كامل الحديث.

المحاضرة الثالثة و العشرون:

الفصل الحادي عشر سوء الظن

اشارة

•

منشأ سوء الظن

•

آثار الوسوسة

1 - نسج السلبيات

2 - الكسل و الضجر

3 - سوء الظن

• أخطار سوء الظن

سوء الظن

اشارة

الفصل الحادي عشر من بحثنا هو عن سوء الظن و تأثيره في الأسرة؛ و هو مرض مهلك للإنسان مدمّر للأسرة، و لعلّه أشدّ الأمور تدميرا لها أو في الأقل من الآفات الكبيرة المهدّدة لهذه المؤسّسة المقدّسة.

* منشأ سوء الظن:

و هو ينشأ من الوساوس الذهنية، فأحيانا يتسلّط الشيطان على عقل الإنسان فيجعله شخصا متذبذبا مرائيا منافقا مؤذيا، أي: يجعله «شيطانا إنسيّا» فيسخر الشيطان عقله من أجل تحقيق أهدافه.

و لهذا تجده يفكّر باستمرار لصبّ الشقاء على الآخرين.

و أحيانا يتسلّط الشيطان على قلب الإنسان، فيجعله عابدا للأوثان - بكامل المعنى بحسب المفاهيم القرآنيّة، فتستحوذ على قلبه الأهواء فيصبح فاسقا فاجرا عابدا للشيطان و ليس للّه مشركا بالشرك الشيطاني؛ يقول تعالى في سورة (يس): - ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لاّ تعبدوا الشّيطان إنّه لكم عدوّ مبين(1).


1) سورة يس/ 60.

إنّ الذي استحوذ الشيطان على قلبه و أخرج منه محبّة اللّه يصبح ما يلقى فيه شيطانيا و ليس رحمانيا.

و تارة يتسلّط الشيطان على «قوة الخيال» للإنسان التي يقال لها «الوسوسة» فيوصف الإنسان بأنّه «وسواسي»، و هي على نوعين: -

1 - الوسوسة الفكرية، و هي محور حديثنا لهذا اليوم.

2 - الوسوسة العمليّة، و هي التي تظهر مصاديقها لدى بعض المتدينين تجاه الطهارة و النجاسة و صحّة سائر عباداتهم.

و هذا موضوع حديثنا ليوم غدبمشيئة اللّه و ألطاف بقيّة اللّه (عليه السلام) و الإطار العامّ للموضوع هو أنّ استحواذ الشيطان على قوّة التخيّل لذى الإنسان توجد له حالة الوسوسة التي تتعلّق مرة بالأفكار و أخرى بالأعمال.

ففي الأولى توجد لديه أفكار باطلة سفيهة تتحكّم به، و في الثانية تجعله يرتكب أعمالا باطلة عديمة الجدوى و كلتا الحالتين خطرتان جدّا يفوق خطرهما سائر الأمراض الأخرى و هي بكلا نوعيها نمط من الجنون كما يبين الإمام الصادق (عليه السلام)،: - فعن عبد اللّه بن سنان قال: - «ذكرت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجلا مبتلى بالوضوء و الصلاة، و قلت: - هو رجل عاقل، فقال (ع): - و أيّ عقل له و هو يطيع الشيطان؟.

فقلت له: - و كيف يطيع الشيطان؟.

فقال (ع): - «سله هذا الذي يأتيه من أي شيء هو، فإنّه يقول لك من عمل الشيطان»(1).


1) راجع أصول الكافي ج 1، «كتاب العقل و الجهل» الحديث (10).

فالوسوسة (الفكرية و العملية) هي نمط من الجنون كما يبيّن ذلك الإمام الصادق (عليه السلام) و كما يؤكد علماء النفس.

* آثار الوسوسة:

1 - نسج السلبيات: - و هي من جملة الآثار الخطيرة للوسوسة الفكرية، فالبعض لا يرون سوى السلبيات في أنفسهم و في الآخرين فأعينهم لا ترى سوى السلبيات أي المفقود، فلا يهتمون بإيجابيات الشخص لانحصار تفكيرهم في البحث عن عيوبه. فأحدهم يدأب في تقصّي العيوب عيوبه و عيوب أصدقائه و مجتمعه.

و هذه ظاهرة خطيرة و كثيرة الانتشار. و من آثارها الخطيرة أنها تصدّ الإنسان عن الرقيّ و التطوّر، و ذنبها عظيم، و صاحبها مثل الذبابة تسعى إلى القذارة حتّى بين الزهور الجميلة فإذا كان بدنك نظيفا لم تقترب منك، لكنّها تحطّ على مكان الجرح أو القيح إذا وجد فيه.

و هذا هو حال البعض من الذين ينسجون السلبيات و يتقصّون العيوب، و إذا تحولت هذه الحالة إلى ملكة فيهم و تحوّلت الملكة إلى هويّة، فإنهم سيظهرون يوم القيامة بصورة ذباب في المحشربحسب قانون تجسّم الأعمال -.

أوصيكم جميعا و لا سيّما السيدات باجتناب هذه الحالة، و بالنظر إلى إيجابيات أزواجكم.

و نفس الشيء أوصي به الأزواج، فلا يكن سعي أحدكم في العثور على نقص في الآخر، بل اهتمّوا بالإيجابيّات كالبلبل الذي يتنقل دائما بين الزهور و لا تكونوا مثل الذباب تبحثون عن قذارات عيوب الآخرين.

الإنسان فاقد للوفاء، فأنت تحسن إلى زوجتك عمرا و لكنك إذا نهرتها

يوما تنسى كلّ ذلك الإحسان.

و هذه الزوجة إذا أحسنت عمرا في قيامها بواجبات الزوجية و رعاية شؤون البيت و الأطفال، و لم تقم يوما بما أراده زوجها، فإنّه ينسى كلّ شيء، و يغيّر تعامله، ليوضح عدم وفاء الإنسان.

و هذا ما يعاتبه القرآن عليه بقوله: - قتل الإنسان ما أكفره(1).

و لذا أرجوكم أن تجتنبوا هذا الحالة.

2 - الضجر: و من آثار الوسوسة الفكرية هي أنّها تجعل الإنسان ضجرا من حياته يفتقد النشاط و يفكّر بعبثية مجيئه للدنياو العياذ باللّه و يفكّر بالانتحار، إذا كان ملحدا أو غير متديّن، و هذا هو سبب ظاهرة الانتحارات التي تشهدها الدول الغربية بكثرة، فقد تدفعه الوسوسة الفكرية إلى التفكير بما لا يوصله إلى نتيجة، إذ لا يحصل على نتيجة فيملّ الحياة، فينتحر.

و يرى علماء النفس أن هذه الوسوسة هي سبب إثارة السؤال (الاستنكاري) لدى بعض الشباب اعتراضا على مجيئهم إلى هذه الدنيا، و سبب الكسل و الملل من الحياة و الضياع، لكونهم لا يعرفون جواب سؤالهم، و لو أجيب أحدهم عمّا يسأل و هو في خضمّ التفكير منعته الوسوسة الفكرية من الاقتناع، و استمرّ في تصوّره أنّ الخير هو في الانعتاق من هذه الدّنيا.

لا أنسى حادثة نقلها أحد الكتّاب قائلا: - «استيقظت صباح أحد الأيام، فوجدت نفسي كسلا و قلقا للغاية، و قلت في نفسي: ويل لي و هذا يوم جديد. و كانت أمامي صحيفة، فتعجبت من وجود موضوعين متناقضين فيها:


1) سورة عبس/ 17.

الأول عن انتحار أحدهم بصورة عجيبة، فقد كان مصابا بالقرحة المعديّة، فعمد إلى سكين شقّ بها بطنه، و أخرج معدته ورماها، و قال: أريد أن أعيش دقيقة واحدة دونك فمات بعد دقيقة!.

و رأيت على الجانب الآخر للصحيفة مقالا كتبته سيّدة تقول فيه: - «إنّني - و الحمد للّه أستيقظ كلّ صباح، و أرى أمامي يوما جديدا مفعما بالنشاط، فأشكر اللّه على أن وهبني العمر، لأعيش يوما آخر».

قال هذا الكاتب: ففكّرت في الأمر، و سألت: ما هو سرّ نشاط و حيويّة هذه السيّدة و انتحار هذا الشخص؟.

و ما هو سرّ كسلي و غمّي و همّي؟!.

فعرفت أنّ سببها عندي هو الوسوسة الفكرية.

و بعبارة أخرى من الضجر و الجهل في الحياة و هما نتيجة هذه الوسوسة.

3 - سوء الظن: - و هو الأثر الأخطر، فالوسوسة الفكرية تجعل الإنسان سيّىء الظن بأسرته أوّلا و الآخرين، ثمّ ينتقل تدريجيّا إلى سوء الظّنّ باللّه - تعالى و النبيّ و القرآن و الأئمة الأطهار، و يجعله سوء الظنّ هذا كافر.

فسوء الظن من الشيطان و هو لا يقنع بالقليل، لكنه يبدأ من القليل، فلا يترك الإنسان حتى يوصله إلى الدرك السابع من الجحيم، و عندها يسخر منه و يقول: أنت الذي جئت إلى هنا بقدميك، فما علاقتي أنا بك؟! و هذا حال الوسوسة الفكريّة، فهي في البداية تجعل الإنسان سيّىء الظنّ بدرجة قليلة تكبر تدريجيا، حتّى تصل إلى سوء الظنّ باللّه و الرسول و القرآن و الأئمة (عليهم السلام).

أخطار سوء الظن:

الخطر الكبير لسوء الظن هو أنّه يؤدّي أحيانا إلى التفسيق، بمعنى أن تصور الوسوسة الفكرية و سوء الظن لدى الإنسان الطرف المقابل سيّئا، و إذا وقع التفسيق تلاه التكفير، ثم جواز القتل أو وجوبه!!.

أحيانا، نرى شابّا متديّنا ثوريّا، لكنّ سوء الظن يدفعه إلى تفسيق الآخرين و تكفير العلماء و الكبار، و هذا التكفير يحلّل له أو يوجب عليه قتلهم!!.

فيقتل عالما كبيرا بسبب سوء الظن.

و لا تتصوروا أن الأمر يسير، فسوء الظنّ الناتج من الوسوسة الفكريّة يصل أحيانا إلى أشكال عجيبة من الجنون خاصّة إذا ظهر تجاه الأسرة، كأن يسيء الزوج الظنّ بزوجته و العياذ باللّه و إثمه هنا عظيم، كأن يسعل (يتنحنح) رجل في الزقاق، فيقع الزوج في سوء الظنّ، و يوقل لزوجته: إنّ هذا الرجل فعل ذلك من أجلك!!.

و مثل هذا الزوج مجنون، بالكامل، أو يتأخّر الزوج في شراء الخبز، فتقول الزوجة: إنّه ذهب إلى زوجته الثانية (الوهميّة)، و يرتفع صراخها فاضحة نفسها و زوجها، و هذا جنون بكل معنى الكلمة.

هناك قصة مشهورة بين الناس و قد رأيت الكثير من المصاديق المشابهة لها (بدرجة أو أخرى)، و مفاد هذه القصة (المثل) هو أنّ زوجين كانا مضطجعين على سطح البيت و تعلمون أنّ مجرة (طريق الأسد) تمتدّ مثل جادّة في السماء باتجاه القبلة و شائع بين الناس أنّها تشير إلى طريق مكّة، فسأل الزوج زوجته عن هذه المجرّة و كانا ينظران إليها فأجابت بهذا الشائع، و قالت: لو أنّ الحجيج ضلّوا الطريق إلى مكة اهتدوا بها إليه.

فلما سمع جوابها. أخذ السوط و هجم عليها صارخا، لقد وضعت خطّة لجعلي أنام هنا ليأتي الحجّاج، فيقتلوني لكي تتزوّجي زوجا آخر!!.

و لعلّ هذه القصّة ليست واقعية، و لكنّ أحد السادة نقل لي (قصّة واقعية مماثلة)، قال: - جاءني زوجان، الزوج كان مبتلى بالوسوسة الفكرية و الزوجة مبتلاة بالوسوسة العمليّة في الطهارة و النجاسة، فتوجّهت لها، و قلت: إنّك موسوسة، فإذا أصغيت لما أقوله لك، و لم تلتفتي إلى وسواسك، تمّ استئصال جذوره من قلبك خلال ستّة أشهر، فرأيت أنّ الزوج قد تغيّر بدرجة غريبة، و رفض أن أعالج وساوسه الفكريّة، و قام و ذهب.

و بعد مدة اتّصل بي هاتفيّا و قال لي: لقد فهمت ما قتله لزوجتي! لقد طلبت منها أن تتطلّق منّي و تتزوّجك، و وعدتها أن تشفيها خلال ستة أشهر تحت إشرافك!.

و هذا الزوج مجنون بالكامل و أشابهه كثيرون.

فالمرأة تسيء الظنّ بزوجها أو يسيء الظنّ بها و يعتبرها منحرفة، فإذا ضاعت من جيبه مثلاورقة نقديّة أو صرفها و نسي يلقي الأمر على زوجته، فيتّهمها بالسرقة و الجريمة و انعدام العفّة.

و تصل به الوقاحة أحيانا إلى إظهار أوهامه هذه، و تفعل الزوجة أحيانا أفعالا مماثلة.

و إثم هذه الأعمال عظيم، يقول تعالى -: - و لا تقف ما ليس لك به علم إنّ السّمع و البصر و الفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا(1).

إذن فالآية تنهى الإنسان عن التحدّث عمّا لا يعلم اتّباعا للظنّ، و تنهاه عن سوء الظنّ بالآخرين، فمثل هذا و مثل تلك الأقوال و الأفكار الخاطئة سيرد


1) سورة الإسراء/ 36.

السؤال عنها يوم القيامة من سمعك و بصرك و لسانك و فؤادك، و ستشهد عليك أعضاؤك و جوارحك.

فإذا أساء رجل الظنّ بزوجته لكنه كتمّه و لم يقل لها و لا لغيرها، فسيخرجونه يوم القيامة في المحشر، و سيشهد عليه قلبه، و يقال له: - لماذا ظننت بزوجتك السوء؟.

ألم ينهكم الإسلام عنه؟.

إنّ على المسلم اتّباع اليقين، و ليس الظنّ و الحدس.

و الذين يسيئون الظنّ ليسوا مسلمين حقيقيين: ظو ظننتم ظنّ السّوء و كنتم قوما بورا(1). قتل (ملعون) ذاك الذي يلتف داخل شرنقة ظنونه و أوهامه الخاطئة مثلما تفعل دودة القزّ، حتى يختنق، و أوصي كلّ من يسيء الظنّرجلا كان أو إمرأة أن يتذكركلما خطر في ذهنه ظنّ سيءقوله - تعالى -: - قتل الخرّاصون * الّذين هم في غمرة ساهون(2).

و روي أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نظر إلى الكعبة، فقال:

• «مرحبا بالبيت ما أعظمك و أعظم حرمتك على اللّه!! و اللّه للمؤمن أعظم حرمة منك، لأنّ اللّه حرّم منك واحدة و من المؤمن ثلاثة، ماله و دمه و أن يظنّ به ظنّ السّوء»(3).

و أقسم عليكم باللّه أن تتدبّروا في جعل النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) لسوء الظنّ بمصافّ القتل، و أكل المال الحرام، فهو يوضح أنّه ذنب عظيم مدمّر للأسرة فالعياذ باللّه من أن تسيء الظنّ بزوجتك العفيفة، و تسيء لها بكلمة غير عفيفة، فلن تخرج هذه الكلمة من قلبها مهما كانت عفوة.


1) سورة الفتح/ 12.

2) سورة الذاريات/ 10، 11.

3) بحار الأنوار ج 67 ص 71.

و هذا طبيعي، فالكلمة الجارحة لعفّتها لا تقتل المودّة و حسب؛ بل تزرع أيضا في قلبها شجرة الكره.

و نفس التحذير موجّه إلى السيدات أيضا.

و لا أنسى تأثير ذلك الظنّ السيّيء الصادر عن إحدى السيّدات بزوجها الذي نقل الحادثة التالية قائلا: «في تلك الليلة كنت قد حصلت على عمل إضافيّ، و اضطررت أن أعمل ساعة أو ساعتين زيادة على المعتاد.

و من أجل من؟ من أجل نفس تلك الزوجة و أطفالها؟ و بعد إتمام العمل الإضافيّ رجعت إلى البيت و أنا متعب و جائع، فق رفضت الطعام اللذيذ الذي أعدّ لي في محلّ العمل، لكي أعود إلى البيت، و أتناول طعامي مع العيال، وصلت المنزل، و طرقت الباب، ففتحت زوجتي الباب و استقبلتني بصراخ و تعنيف، و قالت لي: ارجع إلى حيث كنت منذ المغرب!.

فقلت لها: حسن سأفعل، فذهبت إلى أحد الفنادق، و تناولت فيه الطعام، ثمّ استأجرت منزلا في صباح غد ذلك اليوم و بالاستعانة بهذا و ذاك تزوّجت في نفس اليوم، و أسّست أسرة أخرى و بقيت عندها قرابة أسبوع عدت بعدها إلى بيتي الأوّل، و قلت لزوجتي الأولى: لقد ذهبت إلى حيث أمرتني، و من الآن فصاعدا ستكون لك ليلة، و لها ليلة، فإن أردت ليلتك جئت، و إلاّ كانت كلتا الليلتين لها، قضي الأمر!!.

أجل لقد فعل الزوج ما لا ينبغي أن يفعله.

نرى أحيانا الزوجة تنسح أقوالا و ظنونا سيّئة لا يسعها عقلها، و إلاّ فمن أين أتت هذه الأقوال؟!.

يقول تعالى -: - و إنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم

و إن أطعتموهم إنّكم لمشركون (1).

فالشيطان يأتي للإنسان، فيوحي إليه أن افعل هذا (و قل هذا).

فلا تدمّروا بيوتكم بهذه الأباطيل، و لا تدمّروا المودّة بينكم بهذه الأمور العقيمة.

و أوصي الرجال خاصّة بذلك، فسوء الظنّ من النساء ذنب لكنّه منهم أعظم، فالزوجة لا تتّهمك بالوقوع في الحرام، فهي تقول: تزوّجت امرأة أخرى.

أمّا إذا أسأت الظنّ بزوجتك، و صرّحت به، و لم يثبت لدى حاكم الشرع يستطيع أن يأمر بتعزيرك ب (25 - إلى 75) جلدة، لأنّ ذنبه عظيم يدعو القرآن على صاحبه بالقتل، فاجتنبوا سوء الظنّ في البيت و خارجه.

و أنّبه السيّدات خاصّة على أنّ سوء الظنّ قد يقود إلى التجسّس و التجسّس ذنب عظيم يقول النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) عنه: - «يا معشر من أسلم بلسانه، و لم يخلص الإيمان إلى قلبه لا تذمّوا المسلمين و لا تتّبعوا عوراتهم، فإنّه من يتبع عوراتهم يتبع اللّه عورته، و من يتبع اللّه عورته يفضحه و لو في بيته»(2).

إذن سوء الظن بالآخرين يؤدّي إلى التجسّس، و إذا فعلتم ذلك فقد يوقعكم في أعمال قبيحة.

فمثلا ترى المرأة و هي واقفة عند باب بيتهاشابّا يدخل بيت جيرانهم، فإذا كانت مسلمة حقيقية، قالت: إنّه من أرحامهم، و قد جاء لشغل.


1) سورة الأنعام/ 121.

2) سفينة البحار ج 2 ص 295 و بمعناه أحاديث أخرى يرويها الكليني في أصول الكافي ج 2 كتاب الإيمان و الكفر باب من طلب عيوب المؤمنين و عثراتهم.

أمّا إذا تجسّست و جمعت الناس لا سمح اللّه عند باب الدّار، و انجرّ الأمرو العياذ باللّه إلى فتنة خطرة و إلى الطلاق و إلى بؤس و تضييع الأطفال و تدمير كلا الطرفين، فما هو حجم الذنب الذي تكون هذه المرأة قد ارتكبته؟!.

أذكّر مرّة أخرى بما نبه إليه الإمام الحسين (عليه السلام) ذلك الرجل الذي فرّق بين ابنه و زوجته حيث أشار إلى أن إثم هذا الفعل أشد من قيامه بقطع عروقهما و انتزاعها من جسديهما.

و أحيانا يقوم البعض من المتحجّرين ذوي الظاهر القدسي بالتجسّس بذرائع مقدّسة، و يجمعون الناس على دار أحدهم، و يحدثوا بذلك فضيحة لكلا الطرفين، و قد تؤدّي إلى الطلاق لا سمح اللّه و كلّ ذلك بسبب أن هذا المتحجّر المتظاهر بالتديّن أراد أن يقوم بعمل «حزب اللهي» في حين أنّ هذا هو من عمل حزب الشيطان، فعمل حزب اللّه هو: - «ضع أمر أخيك على أحسنه»(1)و هذا ما كان يوصي به النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) مرارا، حتى إنّه يأمر ب: - «أطلب لأخيك عذرا فإن لم تجد له عذرا فالتمس له عذرا»(2). فإن لم تستطع أن تجد له محماف فقل لنفسك: كم أنا مسلم ضعيف إلى درجة أني لا أستطيع أن أجد محملا لعمل أخي المؤمن، فهل نحن كذلك؟!.

إنّ ما أوصيكم به أيّها المواظبون على مجالس الوعظ و أنتم يا صفوة قم هو أنّ الروسل الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) ينهاكم عن الوقوع في التجسّس و عن أن يذهب أحدكم إلى هنا و هناك من أجل افتعال قضيّة ينشرها في المجتمع و هذه الظاهرة موجودة لدى جميع الفئات و لا سيّما لدى النّساء و هي


1) بحار الأنوار ج 75 ص 169.

2) سفينة البحار للشيخ القمي ج 2 ص 110.

ذنب عظيم يفوق إثم القتل و التعذيب.

لماذا نقع في سوء الظن؟!.

و لماذا لا نعمل بوصية الحديث الشريف: - «ضع أمر أخيك على أحسنه» الذي أمر به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين و الإمام الصادق (عليه السلام)، و أغلب الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)؟!.

و لماذا لا تتحلّى بحسن الظنّ بدلا من سوء الظن؟!.

و من أين ينشأ سوء الظن؟!.

إنّ وضع القلب إذا أصبح كحال المستنقع المتعفّن أصبح سيّىء الظنّ.

و بالعكس فإنّ القلب السليم ينتج حسن الظنّ، فإذا سلم القلب، اعتبر الجميع سالمين و العكس صحيح.

و سوء الظنّ مرض خطير، لكنّ علاجه سهل، و هو تجاهل الظنون فإذا رأيت شيئا من زوجتك، و وجدت له محملا، و لم ترتب أثرا على ظنونك، و وجهت بذلك صفعة على فم الشيطان يندحر على أثرها شاء أم أبى.

فالإمام الصادق (عليه السلام) يؤكّد أنّك إذا فعلت ذلك معه و لم تستجب لهذا الخبيث ابتعد عنك.

أما إذا استجبت له، و حملت ما صدر عن زوجتك على محمل سيّىء وذلك أوصلتك هذه الوسوسة الفكرية تدريجيا إلى الجنون الكامل.

فهذا المرض خطير و سرطانيّ يدمّر دنيا الإنسان و آخرته، لكنّ علاجه سهل يسير يستطيع القيام به الجميع، و هو عدم الاهتمام بالظنون السيّئة ف: و إنّ الظّنّ لا يغني من الحقّ شيئا(1)، فالقرآن يؤكّد أنّ الظنّ


1) سورة النجم/ 28.

لا يثمر شيئا، فإذا اعتمدت على الظنّ، فقد تجاهلت العمل بالقرآن الكريم، و أعرضت عنه

المحاضرة الرابعة و العشرون:

الفصل الثاني عشر الوسوسة العملية

اشارة

الوسوسة العملية

«الوسوسة العملية» هو موضوع الفصل الثاني عشر من بحثنا، و قد قسمنا الوسوسة في الفصل الحادي عشرقسمين: - الفكرية و العملية، و قد تحدّثنا عن الأولى و نتحدّث اليوم عن الثانية التي يصاب الإنسان بهاأحيانا - في أعماله كالوسوسة في شؤون الطهارة و النجاسة و الوضوء و الغسل و العبادات، و هي مضرّة جدا للأسرة، فهي تدمّر بنيتها، و المبتلى بها منبوذ أسريّا و اجتماعيا، فهي تدمّر المودة الأسريّة.

و إذا لم تكن أكثر عوامل تدميرها، فهي من العوامل الرئيسية كحدّ أدنى، فمن الضروريّ أن يلتفت لحديث اليوم بصورة كاملة خاصّة المصابون بها.

ما هو منشأ الوسوسة بكلا قسميها؟.

في الفصل السابق قلت: إنّ الشيطان يتسلّط أحيانا على عقل الإنسان، فيجعله بذلك مخادعا و منافقا أو عذارا، فإذا كان سياسيّا، فهو سياسي كذّاب و مخادع.

و أحيانا يتسلّط هذا الخبيث على قلب الإنسان، و يجعله تابعا له، فمثلما أن قلب الإنسان يكون تارة خاضعا للّه و حكمه، يمكن أيضا أن يستحوذ

عليه الشيطان، و هذا ماى شير إليه القرآن في آياته الكريمة؛ و إذا استحوذ الشيطان على قلب الإنسان، وجّهه إلى حيث يشتهي، فيجعله عبدا للأوثان و الأموال و الأهواء، أو عبادا للشيطان بحسب التوضيح القرآني.

و تارة يتسلّط على قوّة التخيّل عند الإنسان، فيوجد لديه الوسوسة الفكرية و العملية، و تبلغ خطورة هذه الحالة درجة تجعل صاحبها يبصر و يسمع و بجزم بوجود أشياء لا واقع لها أصلا، فمثلا الإنسان الخائف الذي تسلّط الشيطان على قوّة خياله، إذا ذهب ليلا إلى دار خربة يرى الجنّ، و يسمع حديثهم، و هو يصدق في قوله، و إذا ذهب إلى المقابر يرى ميّتا يخرج من القبر، و يسمعه يناديه، فيفرّ منه فيطارده الميّت، حتّى إنّه يرى أحيانا الميّت و قد أمسك به، فيغمى عليه.

و مع التسليم بعدم وجود جنّ في تلك الخربة و أنّه لم يخرج ذاك الميت من القبر، و لم يناده، و لم يمسك به، لكنّ قوّة التخيّل أثّرت في بصره و سمعه و قوّة اللّمس لديه، حتّى أوقعته في هذه المصيبة.

و إذا وقع شخص في الوسوسة الفكريّة و العمليّة، يصبح حاله على هذه الصورة، فإذا أبتلي، شخص بالوسوسة في الطهارة و النجاسة مثلا يجزم فورا بوقوع انتقال للنجاسة، حتى مع التسليم بعدم وقوع ذلك، لكنّه يحسّ به فيجزم بسرعة بوقوع النجاسة، لكنّه لا يجزم بحصول الطهار، إذ إنّ الشيطان قد تسلّط على قوّته التخيّليّة، و جعله يجزم بصورة فوريّة بالأشياء التي تضرّه في حين يعجز عن الجزم و الحصول على الاطمئنان بشأن الأشياء التي تفنعه.

و من هذه النقطة بالذات ينبغي للوسواسي أن يدرك أنّه مريض حيث إنّ سرعة الجزم و التصديق يجب أن تشمل عنده الطهارة مثلما يتعامل مع النجاسة، و إذا لم يكن سريع التصديق، فيجب أن يسري ذلك في موارد الطهارة و النجاسة معاإذا كان سليمافلا ينحصر بالنجاسة فقط، و لأنّه ليس

كذلك، فعليه أن يعرف أنّه مصاب بمرض روحيّ يشتدّ باستمرار كلّما اهتمّ بتلك الوساوس.

و هذه طبيعة الأمراض الروحية، فهي في هذا الجانب مثل الحكّة و الحساسية و مثل السرطان، و سببها هو تسلّط الشيطان على القوة التخيليّة للإنسان.

و هذا ما يصرّح به الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث عبد اللّه بن سنان السابق، فقد وصف الوسوسة بأنّها من عمل الشيطان. و علينا أن نحذره باستمرار، فقد استعدّ وقعد لنا، لكي يدمّر آخرتنا و دنيانا، و يدخلنا إلى جهنّم كل وحد منّا بأسلوب معيّن.

و الشيطان خبيث يغري هذا و يحرفه بتزيين المعاصي، و الآخر بحبّ المال الحرام، أو الانغماس في الشهوات أو حبّ الجاه و الرئاسة أو الوسوسة أو الغيبة و البهتان أو إشاعة الفحشاء، أو البغاء و الفساد الأخلاقي.

ينقل في حادثة مشهورة - «أنّ أحدهم رأى الشيطان في رؤيا صادقة - و هو يحمل مجموعة من الحبال، فسأله عنها فأجاب: - لقد أعددتها لأجرّ بها بني آدم إلى النار، كما كان يحمل سلسلة حديديّة، فسأله عنها، فقال هي للشريف الرضيّ و قد ذهبت إليه لاليلة ثلاث مرّات، لكنّه قطعها.

و كانت الحبال التي يحملها مختلفة الألوان، فسأله عنها، فقال هي للشريف الرضيّ و قد ذهبت إليه الليلة ثلاث مرّات، لكنّه قطعها.

و كان الحبال التي يحملها مختلفة الألوان، فسأله عن سرّ تعدّد ألوانها، فأجابه بأنّه يحرف كلّ إنسان بطريق معيّن».

و قد ذهب هذا الشخص في غده إلى الشريف الرضي، فعرف منه أنّ الشيطان عرض له الليلة الماضية لإغوائه لكنّه نجى، و كان في ذلك تصديق لرؤيا الشخص المذكور.

و ينقل المرحوم الكليني رضوان اللّه عليه قصّة مشابهة للحادثة المتقدّمة مرويّة عن الإمام الصادق (عليه السلام) تحدّث فيها عن مجيء

إبليس إلى يحيى بن زكريا و هو يرتدي ألبسة غريبة متعدّدة الألوان و الأشكال، فسأله (عليه السلام) عن سبب ارتداء هذه الملابس، فأجابه بأنّه أعدّ لإضلال كلّ فئة ما يناسبها(1).

و يذكر القرآن الكريم مرارا أنّ الشيطان أقسم على إضلال الإنسان فبعد أن يتحدّث عن طرده من الحضرة الإلهيّة قال تعالى -: قال فبما أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم، ثمّ لأتينّهم من بين أيديهم و من خلفهم و عن أيمانهم و عن شمائلهم و لا تجد أكثرهم شاكرين(2).

يقول الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير الآية الكريمة: - «من بين أيديهم: - أهونّ عليهم الآخرة، و من خلفهم آمرهم بجمع الأموال و منعها عن الحقوق، لتبقى لورثتهم، و عن أيمانهم أفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة و تحسين الشّبهة، و عن شمائلهم بتحبيب اللذّات و تغليب الشهوات على قلوبهم(3).

أي: أنّه يأتي المرأة غير الملتزمة عن طريق الاستهانة بالحجاب وارتداء أمثال الجوارب المزيّنة غير الساترة للساقين، و بالتالي عن طريق المفاسد الأخلاقية.

أمّا بالنسبة للمتديّنين، فيأتيهم عن ظاهر الصراط المستقيم، فيجرّهم إلى جهنّم عن طريق الوسوسة.

و إني أوصي المصابين بها أن يتلوا يوميّا الآيات المتقدّمة عندما يحاول الشيطان الاستحواذ على قواهم التخيّلية، و يخادعهم، فيرتكبوا أعمال الوسوسة القبيحة، و يتذكّروا أنّ هذا الخبيث قد تحدّى اللّه لإغواء بني آدم بكلّ


1) ملخص حديث طويل ينقله المحدث القمي قدّس سره في سفينة البحار ج 1 ص 100.

2) سورة الأعراف/ 16، 17.

3) بحار الأنوار ج 63 ص 243 - و كذلك مجمع البيان و نور الثقلين في ذيل الآية الكريمة.

وسيلة، فيقود الوسواسين إلى جهنّم عن طريق الوسوسة العمليّة بشأن الطهارة و النجاسة و الوضوء و الغسل و العبادة.

و يحكي القرآن الكريم في مقطع آخر أن الشيطن لعنه اللّه أقسم أن:

• لأتّخذنّ من عبادك نصيبا مّفروضا * و لأضلّنّهم و لأمنينّهم و لأمرنّهم فليبتكنّ آذان الأنعام و لأمرنّهم فليغيّرنّ خلق اللّه(1).

فهو أقسم على أن يقوم بما من شأنه أن يغيّر الفطرة الإلهيّة، و يفقدوها و يعجزوها عن إدراك معرفة اللّه و عن إدراك وجوب الخضوع في مقابله و التمييز بين الفضيلة و الرذيلة، ثم يقول تعالى -: من يتّخذ الشّيطان وليّا من دون اللّه فقد خسر خسرانا مّبينا(2).

فيا أيها الوساوسيّ إنّ القرآن يحكم بخسرانك المبين!.

و المقطع الثالث يشبه سابقيه، فعندما طرد من الحضرة الإلهيّة أقسم أن يضلّ بني آدم، فأجابه تعالى - و استفزز من استطعت منهم بصوتك و أجلب عليهم بخيلك و رجلك و شاركهم في الأموال و الأولاد وعدهم و ما يعدهم الشّيطان إلاّ غرورا(3).

فما هو «صوت الشيطان»؟.

إنّه الأغاني و الموسيقى، و «أجلب عليهم بخيلك و رجلك» يعني أنّ للشيطان جيشين أحدهما الرجالة أي: أن يبتليه برفاق غير صالحين لا يفقهون فيقودونك إلى جهنّم بجهلهم و وسواسهم.

و تارة يتسلّط عليه بجيش الخيالة الذي لديه بحسب التعبير القرآني -


1) سورة النساء/ 118-119.

2) سورة النساء/ 119.

3) سورة الإسراء/ 64.

أي برفيق عالم شيطانيّ يستطيع سوقه إلى جهنّم بالاستدلال المضلّل كما هو حال ما جلبته مدارس المادّيّة الغربيّة لبني الإنسان.

و الشيطان يشارك الإنسان في المال الحرام، و يغويه بإطعام عياله منه، فتنعقد النطفة من ذاك المال الحرام، فيدمّر أولاده أيضا، و عليه نعرف من الآية المتقدّمة أنّ الشيطان يدمّر ذرّيّة هذا بالفعل الحرام و ذاك كالبخس في الميزان و الغشّ أو أكل الرّبا و الرّشوة و غيره و عن طريق (صوته) أي الموسيقى و الأغاني، فيسوق كلا منهم إلى جهنّم بأسلوب معيّن، فلا يستعمل نفس الإغواء مع الجميع و لذا ينبغي لنا أن نعرف أنه يضع لكلّ واحد شيطانا خاصّا به قرينا له، فإن كان من عامة الناس فقرينه من عامّة الشياطين.

أمّا إذا كان عالما، فشيطانه عالم أيضا.

و رحم العارف الكامل المرحوم الشيخ «غلام رضا اليزدي»، فقد كان يقول مرارا من على منبره: - «إنّ لكلّ شخص شيطانا و شيطاني أنا «ملاّئي».

و هذا القول مستنبط من القرآن و الآية المتقدّمة.

إنّ سورتي الفلق و الناس جيّدتان في طرد الشيطان، فعلّموا أولادكم قراءة السور القصار الأربع التي تبدأ بفعل الأمر «قل» ليتلوها عند خروجهم من البيت لتكون لهم حفظا من شرّ الجنّ و الشياطين.

و في السورتين الأخيرتين من القرآن إشارة لطيفة ما أحرانا بالانتباه لها خصوصا المصابين بالوسوسة! ففي سورة الفلق أمر بالاستعاذة باللّه من أربع أشياء هي: -

من شرّ الناس، و أخطر مصاديقه شرّ المستعمرين و القوى الكبرى.

و من شرّ غاسق إذا وقب(1)أي: من شرّ الغريزة الجنسيّة، إذا


1) سورة الفلق/ 3-4.

هاجت و هذه حالة يجدر الاستعاذة باللّه منها حقّا.

و من شرّ النّفّاثات في العقد(1)أي من الغاويات، كأن تعمد امرأة إلى غوايتك فتتابعها، مثل أن تأتي إلى محلّ عملك، فتمازح و تتغنّج فتغويك.

و مثل هذ المواقف يجب الاستعاذة منها كما تأمر بذلك السورة.

و من شرّ حاسد إذا حسد (2)، و هذه أربعة أشياء مهمة، و لكن على الرغم من أهمّيتها، فقد وردت الاستعاذة منهاجميعا بالربّ مرّة واحدة في سورة الفلق المباركة، و لكن في سورة الناس وردت الاستعاذة ثلاث مرّات من شيء واحد: - بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، قل أعوذ بربّ النّاس، ملك النّاس، إله النّاس...(3).

و التكرار هنا قائم رغم تغيير الصّفة (لأنّها صفات لحقيقة واحدة)، فهو يعني الاستعاذة باللّه ثلاث مرّات، من أي شيء؟!.

من شرّ الوسواس الخنّاس أي: من الشيطان الكثير الوسوسة الذي يقدّم أدلّة (مزيّفة) لوساوسه.

إنّ «الوسواس الخنّاس» هو شيطان المصابين بالوسوسة، و هو شيطان خبير ذكيّ عالم يعرف كيف يلقي وساوسه، و يزيّف البراهين لهذه المرأة أو لهذا الرجل.

فهو «خنّاس» إضافة إلى كونه «وسواسا» و كلاهما صيغتا مبالغة، فهو كثير الوسوسة و كثير الاستدلال (المزيّف).

و هذا حال الوسواسيّين بالفعل، فهم يقدّمون مسوّغات عجيبة غريبة


1) سورة الفلق/ 3-4.

2) سورة الفلق/ 5.

3) سورة الناس/ 1-4.

لأعمالهم، و يدقّقون في تفصيلات لا تخطر في ذهن مرجعهم في التقليد حين الفتوى. و لا يتصوّر هؤلاء أنّ ما يقدّمونه هو استدلال حقيقيّ، بل هو من وحي الشيطان بحسب التعبير القرآنيّ، يقول تعالى - و إنّ الشّيطاين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم(1)، أي أن الشيطان يوحي إليك أيّها الوسواسي - لتجيب من يقول لك: إنّ هذا الشيء طاهر، بأنّه نجس، و أن تقدّم الأدلّة على نجاسته، و أن لا تصغي للذي ينصحك بعدم الاهتمام المبالغ تجاه الوضوء و الغسل، بل قدّم له الأدلّة على صحّة موقفك.

إنّني أوصي المصابين بالوسوسة أن يواظبوا على تلاوة السّور الأربع المذكورة آنفا: التوحيد و الكافرون، و بالخصوص المعوّذتين، و عندما يحاول الوسواس الخنّاس، هذا الشيطان الخبير، أن يغويهم، فليصفعوه و يطردوه و لا يسمحوا له بالتجّرؤ و التسلّط عليهم.

فعندما يحاول ذلك بادروا فورا إلى قراءة سورة الناس، ثم تدبّروا في معانيها و كونها تأمر بالاستعاذة باللّه من شرّ الشيطان الذي يكثر الوسوسة، و يسعى لا قناعك بالأدلّة (المزيّفة) ليسوقك إلى النّار.

و خلاصة حديثنا اليوم هي: - أن الوسوسة مرض يؤكّد علم النفس خطره و هي تغني بحسب الرؤية الإسلاميّة تسلّط الشيطان على قوّة الإنسان التخيّلية، و الذي يصاب بها. يعني أنه اتّخذ الشيطان وليّا بحسب التعبير القرآنيّ الذي يؤكّد أنّ من يفعل ذلك فقد خسر خسرانا مبينا.

كما عرفنا أن الشيطان يعسى لسوق كلّ إنسان إلى جهنّم بأسلوب معيّن يناسبه، فأسلوبه مع «الحزب اللهي» يختلف عن أسلوبه مع المعادي للثورة.


1) سورة الأنعام/ 121.

و له أسلوب خاصّ بالمتديّن، و آخر للكاسب و للمرأة المتديّنة يختلف عن أسلوب المعاملة الشيطانيّة لغيرها. فهو يحاول خداع المرأة المرتبطة باللّه و الرسول و القرآن بأسلوب، و المرأة التي لا شغل لها بالأمور المعنويّة و المحراب و مجالس الوعظ بأسلوب آخر.

إذن فما هو العلاج؟.

إنّ هذا مرض خطير جدّا و إلى درجة يقول بعض علماء النفس: إنّ من المتعذّر علاجه.

أتذكّر أنّ أحد المتخصصين في علم النفس كان قد سمع أني أجيد معالجة المصابين بالوسوسة فأتاني متعجّبا و هو يتصوّر أنّ لدي «وردا» خاصّا أو حرزا أو «جفرا» خاصّا، فقلت له: - إنّ ما أعرفه هو سبيل العلاج الذي بيّنه الإمام الصادق (عليه السلام)، فتعجّب من ذلك.

و على آية حال، فإن مقصودي هو أنّ خطورة هذا المرض حدت ببعض علماء النفس إلى القول باستحالة العلاج، لكنّي عالجت حالات كثيرة و شديدة بعلاج سهل جدا، و هو الذي أوصى به الإمام الصادق (عليه السلام) من تجاهل وساوس الشيطان و عدم الاهتمام بها و عدم ترتيب الأثر عليها فإذا فعلت ذلك شهرا أو شهرين شفيت من هذا المرض، و تعاملت مثل سائر الناس، كأن تتعامل المرأة المصابة به مثلما يفعل زوجها، و تسمع قوله، و على الزوج إذا كان مصابا به، أو يفعل مثلما تفعل زوجته (السليمة)، و يسمع قولها، و يصلّي مثلما يصلّي الناس و يتوضّأ و يغتسل و يطهّر الأشياء مثلهم.

فإذا فعل ذلك شهرا أو شهرين شفي من مرضه، لكنّ جذوره تبقى حيّة لا تموت، إلاّ بعد أن يستمرّ على هذا العمل لخمسة أو ستة أشهر.

فإذا لم تعمل بقولي هذا، فاعلم أنّ مرضك سيشتدّ يوما بعد آخر،

و يدمر دنياك و أسرتك و يصيب أطفالك بعقد نفسيّة، و يبعث فيك نفسك - الكسل و الضجر، فتصبح عضوا زائدا في الوسط الاجتماعي، أي: أنّه يجعل دنياك جحيما لك و لأسرتك و تيقّن بأن هذا الجحيم التي صنعتها لنفسك في الدنيا ستجده في الآخر أيضا.

أمّا إذا عملت بما أقوله لك، فستقطع جذورها هذا المرض السّرطانيّ حتما خلال خسمة أو ستّة أشهر.

و في الختام لدي كلمة أوجّهها لغير المصابين بالوسوسة؛ و هي أنّه إذا كانت زوجة أحدكم مثلا مصابة بها، فلا ينبغي التعامل معها بخشونة، إذ إنّها مريضة و المريض لا يعنّف.

و نفس الوصيّة موجّهة للزوجة إذا كان زوجها وسواسيّا، أو كان حال ابنك أو ابنتك كذلك، فلا ينبغي تعنيفهما أو ضربهما أو شتمهما أو ما شابه ذلك، فمثل هذا يزيد و خامة المرض، فهذه حالة مرضيّة و المصاب بها يحتاج إلى المدارة و الكلمة الطّيبة و الاستماع إلى أمثال هذه الأحاديث و المحاضرات، فعلاجه يحتاج إلى الصّبر لكي يتحقّق الشفاء تدريجيّا، على حسب المثل المتداول، فإنّ المرض يأتي جبالا (بسرعة) و يرحل شعرة شعرة (ببطء).

إذن يجب عليك الاهتمام بالمصاب بهذا المرض، و التحلّي بالصبر في معالجته و إنقاذه منه بصورة تدريجيّة حتّى يكتمل الشفاء.

كما أوصي المصابين بالوسوسة أن يسعوا إلى تخليص أنفسهم منها و يعملوا بالعلاج المتقدّم، و أكرّر الوصية للمحيطين بالوسواسيّ أن يجتنبوا التعامل معه بخشونة بل ليكن تعاملكم معه متعقّلا مثل التعامل مع المريض.

اللهمّ إنّي أقسم عليك بحقّ الزهراء (عليها السلام) أن تمنّ بالشفاء على جميع المرضى، و بالخصوص المصابين بالوسوسة الفكريّة و العمليّة.

فهرس الموضوعات

الصورة

335

الصورة

336

الصورة

337

الصورة

338

الصورة

339

الصورة

340