ghaemiyeh.com
مَوسُوعَة
زینَب الْكُبرىٰ علیها السلام
بِنْت أمِيْر المؤمنِينْ
عَلي بْن أبي طَالبْ عَلَيْهِ السَّلَام
(4)
جميع حقوق الطبع محفوظة
للناشر
الطبعة الأولى
1429 ه- - 2009 م
لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب، أو اختزال مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، وبأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو بالتصوير أو بالتسجيل أو خلاف ذلك، إلا بموافقة الناشر على ذلك كتابة ومقدما.
دَارُ نَظِير عَبُودْ
هاتف : 03/780007 - 09/936772 - بیروت لبنان
محرر الرقمي: محمد علي صادقي قوام آبادي
مَوسُوعَة
زینَب الْكُبرىٰ علیها السلام
بِنْت أمِيْر المؤمنِينْ
عَلي بْن أبي طَالبْ عَلَيْهِ السَّلَام
كَوْنُ فَاطِمةَ وَزَیْنَبُ مِنْ ذُريَّة النَّبّي
جَمْع وَإعْدَاد
السَّيد عَلي عَاشور
الجزْء الرّابع
دَارُ نَظِير عَبُودْ
جميع حقوق الطبع محفوظة
للناشر
الطبعة الأولى
1429 ه- - 2009 م
لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب، أو اختزال مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، وبأي طريقة سواء كانت إلكترونية أو ميكانيكية أو بالتصوير أو بالتسجيل أو خلاف ذلك، إلا بموافقة الناشر على ذلك كتابة ومقدما.
دَارُ نَظِير عَبُودْ
هاتف : 03/780007 - 09/936772 - بیروت لبنان
قال الحضرمي : صح عنه صلی الله علیه و آله و سلم حديث : «ان الله أوصاني بذوي القربى».
وصح قوله صلی الله علیه و آله و سلم: «أوصيكم بعترتي خيراً وان موعدكم الحوض» (1).
وصح قوله صلی الله علیه و آله و سلم من حديث زيد بن أرقم : «فمن استقبل قبلتي وأجاب دعوتي فليستوصي بهم خيراً (2).
وأخرج أبو سعيد والملا في سيرته : «استوصوا بأهل بيتي خيراً فإني أخاصمكم عنهم غداً، ومن أكن خصمه أخصمه، ومن أخصمه دخل النار» (3).
وحديث : «من حفظني في أهل بيتي فقد اتخذ عند الله عهداً» (4).
وأخرج أبو سعيد أيضاً : «انا وأهل بيتي شجرة في الجنة وأغصانها في الدنيا فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا» (5).
وصح قوله صلی الله علیه و آله و سلم : «والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلّا بمعرفة حقنا» (6).
1) الصواعق المحرقة : 126 ط. مصر و 194 ط. بيروت الفصل الثاني من الباب التاسع.
2) تفسير آية المودة : 59 ، والصواعق المحرقة : 150 ط. مصر و 231 ط. بيروت الآية الرابعة.
3) الصواعق المحرقة : 230 ط. مصر و 344 ط. بیروت باب وصية النبي بهم.
4) غرر البهاء الضوي: 473 الفصل السادس وقال أخرجه أبو سعيد والملا ، والصواعق المحرقة : 150 ط. مصر و 231 ط. بيروت الآية الرابعة.
5) الصواعق المحرقة : 236 - 150 ط. مصر و 352 - 231 ط. بيروت الآية الرابعة وباب أن الامان ببقائهم.
6) المعجم الاوسط : 122/3 ح 2251، وضوء الشمس : 104/1.
وجاء عنه عليه الصلاة والسلام : «ألا ان عيبتي وكرشي أهل بيتي والانصار، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» (1).
قال العلماء رضی الله عنهم: ضرب علیه السلام مثلا لاختصاصهم بأموره الظاهرة والباطنة بالعيبة والكرش، لأن العيبة ما يخزن نفيس الامتعة ، والكرش مستقر الغذاء.
وعن أبي رافع مولى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم عن علي كرم الله وجهه قال: سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يقول : من لم يعرف حق عترتي والانصار والعرب فهو لأحدى ثلاث : إما منافق أو لريبة، وإما امرؤ حملت به أمه في غير طهر » أخرجه الديلمي (2).
وعن الحسين بن علي علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : «من أراد التوسل إلي وان يكون له عندي يد أشفع له بها يوم القيامة، فليصل أهل بيتي وليدخل السرور عليهم». أخرجه الديلمي في الفردوس (3).
وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : «من اصطنع إلى أهل بيتي يداً كافيته عليها يوم القيامة». أخرجه في الطالبيين (4).
وعن عبد الله بن زيد عن أبيه ان النبي صلی الله علیه و آله و سلم قال: «من أحب ان يُنسا له في
1) سنن الترمذي : 714/5 ح 3904 كتاب المناقب - مناقب الانصار، والمصنف لابن أبي شيبة : 402/6 -ح 32347 بلفظ : إلا ان عيبتي التي آوي إليها أهل بيتي، وان كرشي الانصار فاعفوا..» .
2) الفردوس : 626/3 ح 5955 عن علي ط. دار الكتب العلمية.
3) الصواعق المحرقة : 176 ط. مصر و 267 ط. بيروت المقصد الرابع من الآية 14 ، واسعاف الراغبين بهامش نور الابصار : 144 عن الديلمي، ولم أجده في الفردوس المطبوع، ويؤيده ما أخرجه الخطيب عن علي: شفاعتي لامتي لمن أحب أهل بيتي. احياء الميت للسيوطي: 259.
4) المواهب اللدنية : 530/2 الفصل الثاني من المقصد السابع، واحياء الميت للسيوطي: 268 عن ابن عساكر، وكنز العمال: 94/12 ح 34152 ، ودر السحابة : 268 مناقب الال ح 16 ، والمشرع الروي: 13/1 ، وضوء الشمس : 103/1.
أجله، وان يمتّع بما خوله الله، فليخلفني في أهلي خلافة حسنة، فمن لم يخلفني فيهم بتر عمره، وورد يوم القيامة مسوداً وجهه» (1).
وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «ان لله عزوجل ثلاث حرمات فمن حفظهن حفظ الله دينه ودنياه، ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله له دنياه ولا آخرته».
قال : قلت : وما هن؟
قال: «حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي». أخرجه الطبراني في الكبير (2).
وعن علي كرم الله وجهه : «أربعة أنا شفيع لهم يوم القيامة المكرم لذريتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عندما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه». أخرجه الديلمي (3).
وجاء عنه عليه الصلاة والسلام انه قال: «اجعلوا أهل بيتي مكان الرأس من الجسد ومكان العينين من الرأس، فإن الجسد لا يتهدي إلّا بالرأس والرأس لا يتهدي إلّا بالعينين» (4).
وعن حذيفة من اثناء حديث طويل قال : قال علیه السلام : «يا أيها الناس أن الشرف والفضل والمنزلة والولاية لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وذريته، فلا تذهبن بكم الأباطيل». أخرجه ابن حيان في الكبير (5)
٭ يؤيده ما أخرجه الدارقطني عن عمر بن الخطاب: تحببوا الى الاشراف وتوددوا واتقوا على أعراضهم من السفلة واعلموا أنه لا يتم شرف إلّا بولاية علي علیه السلام ، الصواعق المحرقة : 178 ط. مصر و 270 ط. بيروت - المقصد الخامس من الآية الرابعة عشر.
.1) الصواعق المحرقة : 186 ط. مصر و 282 ط. بیروت، والمشرع الروي: 13/1.
2) المعجم الاوسط : 1/ 162 ح 205 ، والمعجم الكبير : 126/3 ح 2881 ، ومجمع الزوائد : 168/9 والبغية : 266 ح 14983 ، ولسان المیزان : 39/1، واحياء الميت للسيوطي: 272 - 273 عن الحاكم في التاريخ والديلمي من طريق أبو سعيد، والصواعق : 233 ط. مصر و 348 ط. بيروت عن أبو الشيخ.
3) غرر البهاء الضوي: 473 الفصل السادس، والمشرع الروي: 14/1.
4) المعجم الكبير للطبراني : 47/3 ح 2640 ولكن أوله : انزلوا ، والمشرع الروي : 1/ 14 - 15 .
5) ذخائر العقبی : 130 عن الملا، وغرر البهاء الضوي: 491 فصل في مراتب الأولياء من أبو الشيخ ابن حيان، ونظم درر السمطين: 207 - 208 فضل الحسين، والمشرع الروي: 15/1، والصواعق المحرقة : 176 ط. مصر و 268 ط. بيروت.
وأخرج الحاكم عن أبي هريرة انه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «خيركم خيركم لأهلي من بعدي» (1).
وأخرج الخطيب عن عثمان ان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال: «من صنع إلى أحد من خلف عبد المطلب في الدنيا فعليّ مكافأته إذا لقيني» (2).
وصح عن ابن عباس رضی الله عنه في قوله تعالى : (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحًا) (3)انه قال : حفظاً بصلاح أبيهما وما ذكر عنهما صلاحاً (4).
وروي انه كان بينهما سبعة أو تسعة آباء (5)، فكيف لا تحفظ ذرية النبي صلى الله عليه و آله و سلم به وان كثرت الوسائط بينهم وبينه.
ومن ثم قال جعفر الصادق علیه السلام : «احفظوا فينا ما حفظ العبد الصالح في اليتيمين وكان أبوهما صالحاً». أخرجه عبد العزيز بن الاخضر في معالم العترة (6).
1) الفردوس : 170/2 ح 2851 ط. دار الكتب وحذف من ط. دار الكتاب، ومستدرك الصحيحين: 311/3 مناقب ابن عوف من كتاب المعرفة، وكنوز الحقائق: 1/ 281 ح 3559.
2) يأتي الحديث، ويراجع كنز العمال: 12 / 94 ح 34153 ، وتفسير القرطبي : 16/16 مورد اية المودة.
3) سورة الكهف، الآية : 82.
4) مستدرك الصحيحين - تفسير سورة الكهف :2 : 369، وفتح القدير: 306/3 مورد الآية ، والتدوين في أخبار قزوين: 158/2 ترجمة أحمد بن الحسن أبو شمس، وتقدم تخريجه.
5) الصواعق المحرقة : 242 ط. مصر و 360 ط. بيروت - خاتمة في أمور مهمة. وهو المروي عن جعفر بن محمد الصادق، راجع تفسير الرازي 21 : 162 مورد الآية، وفتح القدير 3 : 304 مورد الآية.
6) الصواعق المحرقة : 175 ط. مصر و 267 ط. بيروت الآيات النازلة فيهم، وجواهر العقدين : 351 الباب الحادي عشر.
ونقل السيد السمهودي عن الحافظ جمال الدين الزرندي قال : يروى أن علي بن الحسين علیه السلام قال : «أيها الناس إن كل صمت ليس فيه فكر فهو عيّ، وكل كلام ليس فيه ذكر الله فهو هباء، ألا إن الله عزوجل ذكر أقواماً بآبائهم فحفظ الأبناء للآباء قال تعالى (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحًا) وقد حدثني أبي عن آبائه انه كان التاسع من ولده، ونحن عترة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم احفظوها لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم.
قال الراوي : فرأيت الناس يبكون من كل جانب» (1).
قال بعض العلماء : إذا كان الله تعالى أوصى بأولاد الصالحين فقال : (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحًا) فما ظنك بأولاد الأولياء، وإذا كان كذلك في أولاد الاولياء فما ظنك باولاد الشهداء، ثم ما ظنك بأولاد الصديقين، ثم ما ظنك بأولاد النبيين، ثم ما ظنك باولاد المرسلين، ثم ما عسى أن يعبر به عن أولاد سيد المرسلين وخاتم النبيين صلى الله عليه و آله و سلم (2).
(ولقد ورد) في هذا الباب أحاديث جمة وعمل بمقتضاها أكابر هذه الامة، وذلك معلوم ومشهور وفي سير السلف مذكور، ولا بأس هنا بالاشارة إلى شيء من ذلك ترغيباً وتشويقاً إلى القيام بحق أولئك.
(فنقول) صح عن الصديق انه قال: «والله لأن أصلكم أحب إلي من إن أصل قرابتي لقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم والعظيم حقه الذي جعله الله على كل مسلم» (1).
وصح عنه أيضاً قوله : «والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أحب إلي أن أصل من قرابتي» (2).
وصح قوله : «أيها الناس ارقبوا محمداً صلى الله عليه و آله و سلم في أهل بيته» (3).
وثبت في صحيح البخاري: حمل الصديق للحسن بن علي علیه السلام مع ممازحته لعلي بقوله وهو حامل للحسن: بأبي شبيه بالنبي ليس شبيهاً بعلي، وعلي علیه السلام يضحك (4).
1) الشفا : 49/2 الباب الثالث - فصل في برهم.
2) صحيح البخاري : 82/5 ح 230 مناقب قرابة الرسول و 189 ح 527 باب 129 حدیث بني النضير، والمواهب اللدنية : 530/2 الفصل الثاني من المقصد السابع، والشفا: 49/2 الباب الثالث - فصل في برهم.
3) صحيح البخاري : 83/5 ح 231 مناقب قرابته من كتاب فضائل أصحاب النبي و 93 مناقب الحسن والحسين، والمواهب اللدنية : 530/2 الفصل الثاني من المقصد السابع، واحياء الميت للسيوطي: 239 ، والشفا : 49/2 الباب الثالث - فصل في برهم، وتفسير ابن كثير : 118/4 ، وتاريخ السيوطي: 98.
4) صحيح البخاري : 28/5 الكتاب المناقب باب صفة النبي و 93 باب مناقب الحسن والحسين، والشفا : 49/2 الباب الثالث - فصل في برهم، وتاريخ بغداد: 149/1 ذكر الحسن والحسين.
فعل ذلك الصديق إدخالاً للسرور على قلبه وقلب أبيه وأمه علیهم السلام.
وأخرج الدارقطني عن عبد الرحمن الأصبهاني قال: جاء الحسن إلى أبي بكر وهو على المنبر فقال: «انزل من مجلس أبي».
فقال : صدقت والله انه لمجلس أبيك، ثم أخذه فاجلسه في حجره وبكى، فقال علي علیه السلام : أما والله ما كان عن رأيي.
قال : صدقت والله ما اتهمتك (1).
(ووقع) نظير ذلك للحسين السبط مع سيدنا عمر بن الخطاب وهو على المنبر فقال له عمر : منبر أبيك والله لا منبر أبي.
فقال علي: «والله ما أمرت بذلك».
فقال عمر: والله ما اتهمناك، وأخذه عمر وأقعده إلى جنبه وقال : هل أنبت الشعر على رؤوسنا إلّا أبوك» (2). أي: وهل نلنا الرفعة إلّا به.
ولما فرض علیه السلام للناس عطاءهم، قالوا له : ابدأ بنفسك فابی وبدأ بالاقرب فالأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم (3).
1) تاريخ السيوطي : 80، وشرح النهج : 42/6 الكلام 66 ، وكنز العمال: 616/5 ح 14085 و 654/13 ح 37662.
2) تاريخ المدينة للسخاوي: 295/1 ترجمة الحسين رقم 992 وفيه : وهل أنبت الشعر على رؤسنا إلا أنتم، وتاريخ بغداد: 152/1 ذكر الحسين، والاصابة: 333/1 ترجمة الحسين وصححه، وتهذيب الكمال: 404/6 ترجمته برقم 1323 وفيه : انزل من منبر أبي واذهب منبر أبيك - إنما أنبت ما ترى في رؤسنا الله ثم أنتم، ومقتل الحسين للخوارزمي 93/1.
3) مسند الشافعي : 324 تحت عنوان: «ومن كتاب قسم الفيء» بلفظ مقارب، والكامل لابن عدي : 232/6 ترجمة الحسن.
وحمل إليه مرة مال ليفرقه فبدأ بالحسن والحسين علیهما السلام، فالتفت إليه ولده عبد الله بن عمر وقال : يا أبت أنا أحق ان تقدمني بالعطية ؛ لمكانك في الخلافة.
فقال : يا بني إيت لك بأبِ كأبيهما أو جَّد كجدهما حتى أقدمك بالعطية.
وعن ابن عباس رضی الله عنه قال : كان عمر بن الخطاب يحب الحسن والحسين ويقدمهما على ولده (1).
وعن يحيى بن سعيد الانصاري عن عبيد بن حسين قال : استأذن حسين بن علي علیه السلام على عمر بن الخطاب، فلم يؤذن له فجلس ينتظر، فجاء عبد الله بن عمر يستأذن فلم يؤذن له فانصرف.
قال : فقال الحسين : «ان لم يؤذن لابن عمر لا يؤذن لي» فانصرف.
قال : فقال عمر : عليّ بالحسين ، فجيء به قال : «يا أمير المؤمنين استأذنت فلم يؤذن لي فجلست، فجاء عبد الله بن عمر فاستأذن فلم يؤذن له، فقلت: ان لم يؤذن له فلا يؤذن لي».
فقال عمر: أنت أحق بالإذن منه، وهل أنبت الشعر في الرأس بعد الله إلّا أنتم، إذا جئت فلا تستأذن (2).
وقال علیه السلام مرة للزبير بن العوام: هل لك ان نعود الحسن بن علي فإنه مريض، أما علمت: «ان عيادة بني هاشم فريضة وزيارتهم نافلة» (3).
(وقال الشعبي) كما في الشفاء للقاضي عياض : صلى زيد بن ثابت على جنازة،
فقربت له بغلته ليركب فجاء ابن عباس رضی الله عنه فاخذ بركابه، فقال زيد : خلّ عنك يا ابن عم رسول الله.
فقال : هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء، فقبّل زيد ابن عباس رضی الله عنه وقال : هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا محمد صلى الله عليه و آله و سلم (1).
1) احياء علوم الدين: 50/1 الباب الخامس في آداب المتعلم، وضوء الشمس : 1/ 100، وفي العقد الفريد: 9/2 بلفظ : امر الرسول تقبيل يد اهل البيت، وأمالي الشجري: 1/ 70 الحديث الثالث، الشفا : 50/2 الباب الثالث من القسم الثاني، وجواهر العقدين : 388 الباب 13.
قال الحضرمي : واثبت ذلك وان لم يكن لخصوص بني فاطمة، لأن ما ثبت للاعم ثبت للاخص قطعاً، وأفردت ذلك على اختلاف معانيه ليعرف الناظر فضل من ذكر ويقوم لهم بما يجب عليه في ذلك، وان لم يكونوا من أهل البيت، فافهم (1).
أقول: تقدم الكثير من الأحاديث في الجزء الثاني والثالث، تبين فضل زينب علیها السلام وذريتها، مضافاً للآيات القرآنية التي تقدمت والتي تثبت فضلها ومناقبها .
وما نورده هنا زيادة في الفائدة وتوسيع للعناوين، وسوف نذكر أيضاً ما ورد في فضل بني هاشم والمطلب وقريش، والذي يثبت في العموم فضل زينب علیها السلام على غيرها .
1) رشفة الصادي: 233 .
سبق في الباب الأول ما نقله الطبري في ذخائره عن السدي في قوله تعالى : (أُوْلِي اٝلْأَيْدِى وَاٝلْأَبْصَٰرِ) قال : هم بنو عبد المطلب.
وأخرج الطبراني في الصغير : ان العباس أتى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فقال : يا رسول الله إني انتهيت إلى قوم يتحدثون فلما رأوني سكتوا وما ذاك إلّا انهم يبغضونا .
فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «أوقد فعلوها ، والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحبكم لحبي أيرجون ان يدخوا الجنة بشفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطلب».
وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «نحن بنو عبد المطلب سادات أهل الجنة» أخرجه السدي ونقله في الذخائر (1).
وعنه علیه السلام : «إن لبني عبد المطلب عندي رحماً سابلها یبلالها» (2).
وعن ابن عباس رضی الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : أعطينا بني عبد المطلب سبعاً : الصباحة والفصاحة والسماحة والشجاعة والحلم والعلم وحب النساء». أخرجه أبو القاسم حمزة في فضائل العباس ونقله الطبري في الذخائر (3).
وأخرج الخطيب عن عثمان : ان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال: «من صنع إلى أحد من خلف عبد المطلب في الدنيا فعليّ مكافأته فإذا لقيني...».
وفي رواية عن رسول الله صلوات الله عليه وآله : «من اصطنع إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا اُجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة» (1).
هذه جملة من أحاديث فضل نبي عبد المطلب وهو النسب الذي تنتسب إليه زينب علیها السلام .
1) در السحابة: 269 مناقب أهل البيت ح 17 ، وكنز العمال: 94/12 ح 34153 معاً عن الخطيب، والمشرع الروي: 11/1.
عن واثلة ابن السقع قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «ان الله اصطفى كنانة من بني اسمعيل واصطفى من بني كنانة قريشاً واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم» أخرجه مسلم والترمذي (1).
وعن علي علیه السلام عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم انه قال: «يا معشر بني هاشم والذي بعثني بالحق نبياً لو أخذت بحلق الجنة ما بدات إلّا بكم» أخرجه أحمد في المناقب (2).
وعن أبي امامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «يقوم الرجل للرجل إلّا بني هاشم فإنهم لا يقومون لأحد» أخرجه الخطيب البغدادي في الجامع (3).
وعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «قال جبريل علیه السلام : قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمد صلى الله عليه و آله و سلم وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم». أخرجه أحمد في المناقب (4).
وعن عبد الله ابن جعفر رضی الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يقول: «يا بني هاشم إني سألت الله عزوجل لكم أن يجعلكم نجباء رحماء، وسألته ان يهدي ضالكم ويؤمن خائفكم ويشبع جائعكم» الحديث بكامله أخرجه الطبراني في الصغير (5).
1) صحیح مسلم : 38/15 ح 5897 أول كتاب الفضائل ، وسنن الترمذي : 583/5 أول كتاب المناقب ح 3605.
2) فضائل الصحابة : 619/2 - 668 ح 1058 - 1139 ، الصواعق : 160 ط. مصر و 244 ط. بیروت باب 11 - الآية العاشرة، والمشرع الروي: 10/1.
3) الصواعق المحرقة : 176 ط. مصر و 267 ط. بيروت، والمشرع الروي: 11/1.
4) فضائل الصحابة : 628/2 ح 1073 .
5) المعجم الاوسط : 373/8 ح 7757 ، واحياء الميت للسيوطي: 246.
وعن عمر بن الخطاب مرفوعاً : «ان عيادة بني هاشم فريضة وزيارتهم نافلة» (1).
وقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : عيادة بني هاشم فريضة وزيارتهم سنّة (2).
وفي كنوز الحقائق انه صلى الله عليه و آله و سلم قال : «بنو هاشم خير العرب وخير البرية». اخرجه الديلمي (3).
وعنه عليه الصلاة والسلام : «بغض بني هاشم والانصار كفر» (4).
عن عبد الله بن حنظب قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يوم الجمعة فقال: «أيها الناس قدموا قريشاً ولا تقدموها وتعلموا منها ولا تعلموها». أخرجه الشافعي في مسنده (1).
وعن جبير بن مطعم مرفوعاً: «يا أيها الناس لا تقدموا قريشاً فتهلكوا ولا تخلفوا عنها فتضلوا ولا تعلموها وتعلموا منها، فإنهم أعلم منكم، لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بالذي لها عند الله عزوجل» أخرجه البيهقي (2).
وعن جابر بن عبد الله مرفوعاً: «الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم، والناس معادن خيراهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» متفق عليه (3).
وعن معاوية مرفوعاً : «ان هذا الامر في قريش لا يعاديهم أحد إلّا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين» أخرجه البخاري (4).
1) مسند الشافعي: 278 تحت عنوان: «ومن كتاب الاشربة وفضائل قريش» ، ومبلغ الارب: 47 الباب الثالث.
2) مسند الشافعي: 278 مختصراً تحت عنوان: «ومن كتاب الاشربة وفضائل قريش» ، ومبلغ الارب : 46 الباب 3.
3) صحيح البخاري: 15/5 ح 3495 اول كتاب المناقب، وصحیح مسلم : 504/12 ح 4678 وما بعده أول كتاب الامارة، ومبلغ الارب: 37.
4) صحيح البخاري : 16/5 الكتاب المناقب باب مناقب قريش، وسنن الدارمي : 242/2 باب الامارة في قريش.
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : «الأئمة في قريش ولهم عليكم حق ولكم مثل ذلك، فإن استرحموا رحموا، وان استحكموا عدلوا وان عاهدوا وفوا، فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلا » (1).
ولهذا الحديث طرق جمعها الحافظ بن حجر رحمة الله عليه في مؤلف سماه «لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش» (2).
وقال علیه السلام : «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان» أخرجه البخاري (3).
فإن قيل كيف يصح معنا هذا الحديث وما في معناه مما سبق من الاحاديث مع انا نشاهد قريشاً لم تملك منذ قرون؟.
قلت : قال العلماء : معناه استحقاق قريش للخلافة وان ظلمهم ظالم والله أعلم.
وعنه عليه الصلاة والسلام : «قريش صلاح الناس ولا يصلح الناس إلّا بهم كما ان الطعام لا يصلح إلّا بالملح» (4).
وعن ابن عباس رضی الله عنه : «أمان لأهل الأرض من الغرق القوس وأمان لأهل الأرض من الاختلاف الموالاة لقريش، قريش أهل الله فإذا خالفتها قبيلة من العرب صاروا حزب ابليس» أخرجه الطبراني (5).
1) مبلغ الارب: 46 - 48 .
2) وذكر جملة منها في مبلغ الارب: 33 الى 48 ، ويراجع مجمع الزوائد : 25/10 الى - 28 ط. مصر والبغية : 752/9 ح 16444 وما بعده.
3) صحيح البخاري : 5 / 16 ح 3501 كتاب المناقب باب مناقب قريش، والاحسان بترتيب صحيح ابن حبان : 54/8 ح 6233 باب بدء الخلق.
4) مبلغ الارب : 47 - 48 .
5) المعجم الكبير : 11/ 175 ح 11479 ، والمعجم الاوسط : 417/1 ح 747 مع تفاوت، ومجمع الزوائد : 195/5 والبغية : 353 ح 8989.
وعنه علیه السلام قال: «العلم في قريش» (1).
وقال علیه السلام : «فضل الله قريشاً بسبع خصال لم يعطها أحد قبلهم :.. وان الحجابة فيهم ونصرهم على الفيل وعبدوا الله عشر سنين».
وفي رواية: «سبع سنين، لا يعبده غيرهم، وأنزل الله فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحداً غيرهم: (لِإيلَٰافِ قُرَيْشٍ) إلى آخر السورة (2).
وقال علیه السلام : «أعطيت قريش مالم يعط الناس، أعطيت ما أمطرت السماء وما جرت به الأنهار وما سالت به السيول» (3).
عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «قريش أفضل الناس أحلاماً وأعظم الناس امانة ومن يرد قريشاً بسوء يكبه الله لفيه» أخرجه الترمذي (4).
وعن رفاعة: ان النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: «أيها الناس ان قريشاً أهل أمانة فمن بغاها العواثر كبه الله لمنخريه يقولها ثلاثاً». أخرجه الشافعي في مسنده (5).
وقال علیه السلام : «قريش خالصة لله فمن نصب لها حرباً سلب، ومن أرادها بسوء خزي في الدنيا والآخرة» (6).
1) كنوز الحقائق : 400/1 ح 4934، و مجمع الزوائد 25/10 ط. مصر والبغية : 755 ح 16451 .
2) مستدرك الصحيحين : 536/2 كتاب التفسير - قريش، والصواعق المحرقة : 190 ط. مصر و288 ط. بیروت.
3) کنز العمال: 12 / 24 - 25 ح 33805 ، والصواعق المحرقة : 189 ط. مصر و 287 ط. بیروت.
4) الحديث غير موجود في السنن : 712/5 - 716 مناقب قريش.
5) مسند الشافعي: 278 تحت عنوان : «ومن كتاب الاشربة وفضائل قريش» وفيه: «ومن بغاها العواثر أكبه..»، ومسند احمد: 340/4ط.م و 5/ 449 ح 18514، وكنوز الحقائق : 1 / 200 ح 2521، وموسوعة عظماء الإسلام : 245/1 الفصل الثالث.
6) كنز العمال: 28/12 ح 33815.
وقال علیه السلام : «ان قريشاً عفة صبر، فمن يغل لهم الغوائل [الغواثر] يكبه الله لوجهه يوم القيامة» أخرجه أبو القاسم ونقله في الذخائر (1).
وفيها أيضاً : عن المطلب بن عبد الله بن حنظب عن أبيه قال: قال رسول صلى الله عليه و آله و سلم : «قوة رجل من قريش تعدل قوة رجلين من غيرهما وأمانة رجل من قريش تعدل أمانة رجلين من غيرهم» (2).
وقال علیه السلام لقتادة بن النعمان: «لا تشتم قريشاً فإنك لعلك ترى منهم - أو قال - يأتي منهم رجال تحقر عملك مع أعمالهم وفعلك مع أفعالهم وتغبطهم إذا رأيتهم ، لولا ان تطغى قريش لاخبرتها بالذي لها عند الله عزوجل» (3).
وعن الحارث بن عبد الرحمن قال: بلغنا ان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال : «لولا ان تبطر قريش لاخبرتها بالذي لها عند الله عزوجل» أخرجهما الشافعي في مسنده ونقلهما في الذخائر (4).
وقال علیه السلام : «لا تسبوا قريشاً فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً، اللهم كما أذقت أول قريش نكالا فأذق آخرها نوالا» (5).
1) ذخائر العقبى : 11 باب في فضل قريش، وموسوعة عظماء الإسلام: 245/1 الفصل الثالث.
2) ذخائر العقبی : 12 ذكر قوة قريش، وكنوز الحقائق : 106/2 ح 6346 ، ومسند أحمد: 81/4 - 82 ط. م و 5/ 36 ح 16300.
3) مسند الشافعي : 279 تحت عنوان : «ومن كتاب الاشربة وفضائل قريش» ، ومبلغ الارب: 46.
4) مسند الشافعي: 278 - 279 تحت عنوان: «ومن كتاب الاشربة وفضائل قريش» ، وذخائر العقبى: 11 النهي عن سبهم، وكنوز الحقائق: 119/2 ح 6520، ومسند أحمد : 158/6 ط. م و 227/7 ح 24721 ط. ب.
5) المقاصد الحسنة للسخاوي : 288 ح 675 عن تاريخ بغداد: عن أبي هريرة، وعن الطيالسي في مسنده عن ابن مسعود بتفاوت، وعن المدخل للبيهقي عن علي وابن عباس، وعن أحمد والترمذي بتفاوت، وكنوز الحقائق : 2/ 294 ح 8957، وحلية الاولياء : 295/6 ترجمة جعفر الضبيعي رقم 385، وتاريخ بغداد : 6/2.
وقال عليه الصلاة والسلام : «من أهان قريشاً أهانه الله» (1).
وقال عليه الصلاة والسلام : «من يرد هوان قريش يهنه الله عزوجل» نقلهما في الذخائر (2).
وقال علیه السلام : «خیار قريش خيار الناس وشرار قريش خيار شرار الناس» (3).
وعن سهل بن سعد الساعدي مرفوعاً : «أحبوا قريشاً فإن من أحبهم أحبه الله» نقله في الذخائر (4).
وقال علیه السلام : «حب قريش أيمان وبغضهم كفر» (5).
وقال علیه السلام في رجل : «أبعده الله انه كان يبغض قريش» (6).
ولما قتل النضر بن الحارث بن كلدة بن عبد مناف قال صلى الله عليه و آله و سلم : «لا يقتل قرشي صبراً بعد اليوم» (7)يريد : انه لا يكفر قرشي فيقتل صبراً بعد اليوم.
(وكان يقال) لقريش أهل الله في الجاهلية لما تميزوا به عن سائر العرب من المحاسن والفضائل والمكارم، التي هي أكثر من تحصر، ولما جاء الإسلام وبعث
1) المصنف لابن أبي شيبة : 406/6 ح 32388 ، ومجمع الزوائد: 27/10 ط. مصر والبغية 758/9 ح 16548 وما بعده، ومسند أحمد: 64/1 - 183 ط. م و 103 - 298 ح 462 - 1590 ط. ب.
2) ذخائر العقبی : 11، مستدرك الصحيحين : 74/4 ، وسنن الترمذي : 714/5 ح 3905 مناقب قريش.
3) ذخائر العقبی : 12 عن الشافعي.
4) ذخائر العقبی: 12 وقال : أخرجه ابن عرفة العبدي، وكنوز الحقائق: 19/1 ح 160 ومجمع الزوائد: 27/10 ط. مصر والبغية : 759/9 ح 16464.
5) المشرع الروي: 9/1 - 10 ، ومبلغ الارب: 24 الباب الأول.
6) المصنف لابن أبي شيبة : 406/6 ح 32388، وذخائر العقبی : 13 ذكر أن قريش أفضل العرب، ولسان الميزان: 243/6 ترجمة هلال بن سويد رقم 8953.
7) لسان الميزان : 51/6 ترجمة مصعب بن خارجة رقم 8403 ، وتاريخ ابن حبان - السيرة النبوية : 335 السنة الثامنة من الهجرة، والمصنف لابن أبي شيبة : 406/6 ح 32388.
فيهم خير الخلق محمد صلى الله عليه و آله و سلم تظاهر شرفهم وصاروا على الحقيقة أهلاً لأن يدعوا أهل الله، واستمر عليهم هذا الاسم وفي ذلك يقول عبد المطلب بن هاشم :
نحن آل الله في ذمته *** لم نزل فيها على عهد قدم
ان للبيت لرباً مانعاً *** من يرد فيه باسم يخترم
لم تزل لله فينا حرمة *** يدفع الله بها عنا النقم
وقال الحسن بن هاني :
إذا اشتعب الناس البيوت فانتم *** أولو الله والبيت العتيق المحرم
وقال عمرو بن عتبة بن أبي سفيان : ان لقريش درجاً تزل عنها أقدام الرجال، وأفعالاً تخضع لها رقاب الأموال، وغايات تقصر عنها الجياد المنسوبة وألسنة تكل عنها الشفار المشحوذة، ولو اختلفت الدنيا ما تدينت إلّا بهم، ولو كانت لهم ضاقت بسعة اخلاقهم.
(فائدة) قال المحب الطبري (قدس سره) في ذخائره : ذكر سبب تسميتهم قريشاً عن ابن عباس رضی الله عنه وقد سئل عن سبب تسمية قريش قال : بدابة في البحر من أحسن دوابه لا تدع شيئاً من الغث والسمين إلّا أتت عليه ، يقال لها القرش وأنشد :
وقريش هي التي تسكن البح- *** ر بها سمیت قریش قريشاً
تأكل الغث والسمين ولا تت- *** رك منه لذي جناحين ريشاً
أخرجه الهاشمي». انتهى من الذخائر (1)
قريش: سميت قريش قريشاً من القرش والتقرش وهو التكسب والجمع، وقيل سميت بذلك لدابة تكون في البحر أعضم دوابه قال الجمحي :
وقريش هي التي تسكن البحر ٭ بها سميت قريش قريشاً. تفسير البغوي : 530/4 سورة قريش.
.(فائدة أخرى) جماع قريش عند المحققين فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وعلى هذا جرى السيد البرزنجي في خبر المولد الكريم، وعند الاكثرين ان جماعها
1) ذخائر العقبى : 9 باب في فضل قريش.
النضر بن كنانة. ويقوى هذا ما نقل انه قیل له صلى الله عليه و آله و سلم من قريش؟ (1)
فقال : ولد النضر بن كنانة (2).
ولعل الاولين اعتمدوا على تسمية فهر بقريش، ولا حجة فيه، لأنه كثيراً ما يسمى الشخص باسم أحد أجداده، وبهذا الخلاف صرح الحافظ زين الدين العراقي في ألفيته في السير فقال :
أما قريش فالاصح فهر *** جماعها والاكثرون النضر
(وأما) ما جاء في فضل العرب عامة فسأنقل عدة أحاديث جردها الإمام محمد بن أبي بكر الشلي العلوي من الرسالة المسماة : «مبلغ الارب في فخر العرب» للشيخ أحمد بن حجر الهيتمي نفع الله به ، قال : (1).
فمن الاحاديث الواردة فيهم ما أخرجه الطبراني عن علي كرم الله وجهه قال : قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم : «يا علي أوصيك بالعرب خيراً» (2).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : «من أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم» (3).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : «حب العرب إيمان وبغضهم كفر من أحب العرب فقد أحبني ومن أبغض العرب فقد أبغضني» (4).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : «أحبوا العرب لثلاث - وفي رواية - احفظوني في العرب لثلاث ، لأني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي» (5).
1) ذكر ابن حجر فيها عدة أحاديث في فضائل العرب: 21 الی 31 الباب الأول والثاني ط. دار الكتب العلمية.
2) المعجم الكبير : 8/4 ح 3481، والكامل لابن عدي : 41/6 ترجمة قيس بن الربيع رقم 1586 ، وكنز العمال : 84/14 ح 38006.
3) المعجم الاوسط : 104/7 ح 6178 بلفظ : فلحبي، ومجمع الزوائد : 215/8.
4) مبلغ الارب لابن حجر : 24 - 27 الباب الأول.
5) المعجم الاوسط : 271/6 ح 5579 ، ومستدرك الصحيحين : 87/4، ومبلغ الارب: 24 الباب الأول، ولسان الميزان : 213/4.
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : «أحبوا العرب وبقاءهم فإن بقاءهم نور في الإسلام» (1).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : «إذا ذلت العرب ذل الإسلام» (2).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم لسلمان : يا سلمان لا تبغضني يفارقك دينك.
فقال : يا رسول الله كيف أبغضك وبك أهداني الله.
قال : تبغض العرب» (3).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : «حب العرب ايمان وبغضهم نفاق» (4).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : «لا يبغض العرب إلّا منافق» (5).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : «لا يبغض العرب مؤمن ولا يحب ثقيفاً مؤمن» (6).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : «من غش العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودتي» (7).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : «من اقتراب الساعة هلاك العرب» (8).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : «لينفرن الناس من الدجال في الجبال، قالت أم شريك : يا رسول الله أين العرب يومئذ؟
1) مبلغ الارب : 24 الباب الأول، وكنز العمال: 43/12 ح 33917.
2) مبلغ الارب : 26 الباب الأول.
3) مستدرك الصحيحين: 86/4 فضل كافة العرب من كتاب المعرفة، وسنن الترمذي : 723/5 ح 3927 مناقب العرب، وذخائر العقبی : 13.
4) مستدرك الصحيحين : 87/4، وكنوز الحقائق : 255/1 ح .3233،
5) مبلغ الارب: 27
6) مبلغ الارب : 28 الباب الأول،
7) المصنف لابن أبي شيبة : 314/6 ح 32461 ، وسنن الترمذي : 724/5 ح 3928 مناقب العرب.
8) سنن الترمذي : 724/5 ح 3929 مناقب العرب، والتاريخ الكبير للبخاري : 345/4 ، وكنوز الحقائق: 161/1 ح 2000.
قال: هم قليلون» (1).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : «إني دعوت للعرب فقلت : اللهم من لقيك منهم معترفاً بك فاغفر له أيام حياته، وهي دعوة ابراهيم واسمعيل على نبينا وعليهما أفضل الصلاة والسلام ، وان لواء الحمد يوم القيامة بيدي ، وان أقرب الخلق من لوأئي يومئذ العرب» ، وفي رواية : «من لقيك منهم مصدقاً موقناً فاغفر له» (2)
وفي الحديث الصحيح المتفق عليه : «غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله» (3).
وفي رواية صحيحة : «والله ما أنا قلته ولكن الله قاله» (4). انتهى. ما ذكره في المشرع الروي (5).
وأخرج الديلمي ان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال : «العرب نور الله في الأرض وفناؤهم ظلمة» (6).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : «من أحب العرب أحبني حقاً» أخرجه بن حبان (7).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : «إنما هذا الدين عربي إذا رق رقت العرب» أخرجه الديلمي (8).
وقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «من سب العرب فأؤلئك هم المشركون» أخرجه البيهقي،
1) سنن الترمذي : 724/5 ح 3930 مناقب العرب، وكنوز الحقائق : 2/ 130 ح 6664 ، ومسند أحمد: 462/6 ط. م و 617/7 ح 27073 ط. ب.
2) مبلغ الارب: 31 الباب الثاني.
3) صحیح مسلم: 288/16 ح 6376 من فضائل الصحابة، وسنن الدارمي : 243/2 باب فضل أسلم، وكنوز الحقائق : 404/1 ح 4981 وبالهامش خرجه للصحيحين، ومستدرك الصحيحين: 82/4.
4) مبلغ الارب : 67 الباب الرابع.
5) المشرع الروي: 1/ 117 - 118.
6) مبلغ الارب: 25 الباب الأول بتفاوت.
7) كنوز الحقائق : 159/2 ح 7074 ، والمعجم الاوسط : 257/3 ح 2558.
8) كنوز الحقائق : 169/1 ح 2101 ومطلعه : ان هذا الدين.
وفي رواية للديلمي : «من سب العرب فهو من المشركين» (1).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : «عزّ العرب في أسنة رماحها وسنابك خيلها» أخرجه الطبراني (2).
وقال صلى الله عليه و آله و سلم : «من تكلم بالعربية كتب كلامه ذكراً» أخرجه الديلمي (3).
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «إذا سألتم الحوائج فسألوا العرب ، فإنها تعطي لثلاث خصال : كرم احسابه واستحياء بعضها من بعض والمواساة لله، ثم قال : من أبغض العرب أبغضه الله» (4).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه انه صلى الله عليه و آله و سلم قال : «قريش الجؤجؤ والعرب الجناحان، والجؤجؤ لا ينهض إلّا بالجناحين» (5).
وقال ابن المقفع : «ان العرب حكمت على غير مثال مثل لها، ولا آثار أثرت اصحاب ابل وغنم وسكان شعر وادم، يجود أحدهم بقوته ويتفضل بمجهوده، ويشارك في ميسوره ومعسوره، ويصف الشيء بعقله، فيكون ویفعله فيصير حجة ويحسن ما شاء فيحسن، ويقبح ما شاء فيقبح.
أدبتهم أنفسهم ورفعتهم هممهم واعلتهم قلوبهم وألسنتهم، فلم يزل حياء الله فيهم وحياؤهم في انفسهم، حتى رفع لهم الفخر وبلغ بهم أشرف الذكر وختم لهم بملكهم الدنيا ، وافتتح دينه وخلافته بهم على الخير فيهم ولهم فقال : (إنَّ اٝلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَاٝلْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) فمن وضع حقهم خسر ومن أنكر فضلهم خصم ودفع الحق اللسان أكبت للجنان» انتهى.
1) كنوز الحقائق : 186/2 - 188 ح 7467 - 7491، ولسان الميزان: 83/6، وكنز العمال : ح 33919.
2) كنوز الحقائق : 374/1 ح 4625، المعجم الاوسط : 17/5 ح 4020 ، ومجمع الزوائد: 2/6 والبغية : 619/5 ح 9770.
3) كنوز الحقائق : 178/2 ح 4873 ، ومستدرك الصحيحين: 88/4 ، والفردوس : 84/4.
4) العقد الفريد : 288/3.
5) العقد الفريد : 287/3.
وورد لقبائل منهم فضائل أضربت عن ذكرها خشية الاسهاب مع أنها ليست من مقصود الكتاب (1).
(فائدة) قال شارح العمرية والعهدة عليه : (العرب بالتحريك - أي بفتحات متوالية - وهم ذرية اسمعيل بن ابراهيم على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، ويسمون العرب العرباء والعاربة والعربة بالتحريك، والقرحاء بقاف فمهملتين - أي الخاصلة - وكل عربي ليس من ولده علیه السلام فهو متعرب ومستعرب ودخيل، كحمير ولخم وجذام.
وقيل : العرباء والعاربة أولاد قحطان بن عابر بن شالخ بن ارفخشذ بن سام ، والمستعربة أولاد عدنان ابن آدد منْ ولد اسمعيل من ولد فالغ أخي قحطان.
وقيل : هو قحطان بن هود بن شالخ، و به جزم نسابو اليمن كالكلاعي ونشوان وابن الاشعري، وبالاوّل ابن اسحق وابن هشام.
وقيل : قحطان بن الهميسع بن تيمن بن نابت بن اسمعيل، وبه جزم ابن الكلبي قولا واحداً، ويؤيده الحديث الصحيح: ارموا بني اسمعيل» (2)والى عدنان وقحطان يرجع كل العرب مطلقاً) انتهى.
وقال ابن هشام في سيرته : (العرب كلها من اسمعيل وقحطان، وبعض أهل اليمن يقول قحطان من ولد اسمعيل، ويقول اسمعيل أبو العرب كلها) انتهى (3).
أقول : ويؤيد ما جزم به ابن الكلبي أيضاً، وما قاله بعض أهل اليمن من قولهم ان قحطان من ولد اسمعيل : ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده ان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال : «كل العرب من ولد اسمعيل» (4)والله أعلم (5).
(قال) العلماء رضی الله عنهم : ومن ههنا علم ندب اعتيد في جهة اليمن، بل وفي غيرها من الامصار: من تقبيل يد الشريف مطلقاً ، صغيراً كان أو كبيراً عالماً كان أو جاهلا، إذْ كلام سيدنا زيد مصرح بندب ذلك واستحبابه للأمر به (1)
كان النبي يقبل يد فاطمة وهي كذلك. المعجم الاوسط : 58/5 ح 4101، ومقتل الخوارزمي : 54/1، والادب المفرد : 263 ح 1000.
وكان الصحابة يقبلون يد النبي. الكتاب المصنف لابن أبي شيبة: 293/5 ح 26196 ، والادب المفرد : 264 ح 1002 - 1004.
وقبل أبا نضرة خدّ الحسن والحسين بن علي. العقد الفريد: 8/2 كتاب مخاطبة الملوك و 264 كتاب العلم والادب باب الاذن في القبلة.
وكان أبو هريرة يقبل بطن الحسن. مستدرك الصحيحين: 168/3 فضائل الحسن.
وكان الناس يقبلون يد علي بن الحسين ويضعونها على أعينهم. العقد الفريد : 8/2 كتاب مخاطبة الملوك .
وقبل جابر بطن جعفر بن محمد الصادق. المعجم الاوسط : 304/6 ح 5651.
وقبل هارون يد من مس كف رسول الله بواسطة. التدوين في اخبار قزوین : 209/2 ابو سعيد.
وقبل ثابت يد انس لمسها يد الرسول. المطالب العالية : 428/2 ح 2659 ، والادب المفرد : 264 ح 1003.
وكانت الصحابة تقبل يد العباس. الادب المفرد : 264 ح 1005، والصواعق : 180 ط. مصر وط. بیروت : 273.
قال في فتح المتعال ص 329: قبّل أبو هريرة سرة الحسن تبركاً بآثاره وذريته.
وقال المحب الطبري: يمكن أن يستنبط من تقبيل الحجر واستلام الاركان جواز تقبيل ما في تقبيله تعظيم لله تعالى. فتح المتعال : 330.
وورد أن الصحابة كانوا يقبلون ايدي بعضهم البعض. صلح الاخوان : 196 - 198.
وقال تميم وغيره : القبلة سنة. الكتاب المصنف لابن أبي شيبة : 293/5 ح 26199 ، والسنن الكبرى : 101/7.
واخرج ابن مفلح عن علي : قبلة الوالد عبادة... وقبلة الرجل أخاه دين». وقال: قال المروذي : سألت أبا عبد الله عن قبلة اليد فقال : ان كان على طريق التدين فلا بأس. ثم وذكر من جوز ذلك. الآداب الشرعية لابن مفلح المقدسي : 2/ 270 - 272 ط. الرياض 1391.
.1) ما جاء في تقبيل أيدي أهل البيت
ولعمري ان ذلك، لاسيما ان صحت فيه النية، مما يسر النبي صلى الله عليه و آله و سلم ويسر فاطمة علیها السلام ، وان ذلك يوجب لفاعله شفاعتهم ودخوله في أشياعهم ومحبيهم، مع ما يحكى أيضاً ان في شم رایحتهم أماناً من الجذام. فافهم.
وقد قبّل كعب يدي النبي صلى الله عليه و آله و سلم وركبتيه حين نزلت توبته.
وفي حديث وفد عبد القيس : إنهم قبلوا يده صلى الله عليه و آله و سلم فلم ينكر عليهم (1).
وما أحسن قول قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن عمر الخفاجي الحنفي :
قبل يد الخيرة أهل التقى *** ولا تخف طعن أعاديهم
ريحانة الرحمن عبادة *** وشمها لشم أياديهم
وهو مأخوذ من قول الإمام الكبير الولي عيسى بن حجاج اليمني، وكان كل من دخل عليه أو خرج يقبل يده ، فانكر بعض الناس عليه في ذلك، فقال : العبد المؤمن ريحانة الله في أرضه، ولا بأس بشم الريحان في الدخول والخروج. انتهى.
(قلت) ما ذكر هنا من ندب التقبيل واستحبابه فهو بالنسبة لمريد ذلك في محبي أهل البيت.
أما في حق أهل البيت الطاهر ، فاللازم عليهم ان لا يتركوا أحداً يقبل أيديهم، وان جرت به العادة في بعض البلدان، وان يأنفوا من ذلك اقتداء به صلى الله عليه و آله و سلم وبأسلافهم من أئمة أهل البيت ، كأمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسنين وزين العابدين
1) رواه ابو داود والترمذي والبخاري : مشكاة المصابيح : 1329/3 ح 4689 عن زارع ، والتاريخ الكبير البخاري : 447/3 ح 1493، وسنن الترمذي : 77/5 ح 2733.
والباقر والصادق والعريضي والكاظم، وغيرهم من الأئمة رضوان الله عليهم، فإنهم كانوا يخالطون الناس ويصافحونهم المصافحة المعتادة، وان اتفق على الندور تقبيل يد أحد منهم، فإن ذلك عن كره له، ولا يبعد ان يدخل من يحب تقبيل الناس يده فضلا عن من يدعيه حقاً له في حديث : «من سره أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوا مقعده من النار» (1).
ومع هذا فالطبع السليم يحكم على من يحب تقبيل الناس يده وعلى مرسلها ، والمقبل عسى ان يكون خيراً منه في كثير من الخصال أو أسن منه ؛ انه مغفل أو متكبر، وكلا الوصفين ذميم (2).
قال صاحب كتاب رشفة الصادي : (رجعنا) إلى ما كنا فيه من ذكر ما درج عليه السلف من تعظيم أهل البيت الطاهر رضوان الله عليهم.
أتى زين العابدين علي بن الحسين علیه السلام مجلس ابن عباس رضی الله عنه فقام إليه وقال : مرحباً بالحبيب ابن الحبيب.
وكان سيدنا عمر بن عبد العزيز آخذاً بالحظ الاوفر من تعظيمهم وتوقيرهم والمبالغة في اكرامهم.
وقد روى أنه دخل عبد الله بن الحسن المثنى عليه يوماً فرفع مجلسه وأقبل عليه وقضى حوايجه، ثم أخذ بعكنة من عكنه فغمزها حتى أوجعه وقال : اذكرها عندك للشفاعة.
فلامه قومه ، فقال : حدثني الثقة حتى كأني أسمعه من فِيّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم انه قال: «إنما فاطمة بضعة مني يسرني ما يسرها» (1)
مصادر حديث البضعة
المصنف لابن أبي شيبة : 391/6 ح 32259 كتاب الفضائل - فضائل فاطمة. والفردوس بمأثور الخطاب : 1/ 232 ح 887 ط. دار الكتب العلمية ، و 282 ح 886 ط. دار الكتاب العربي.
وصحيح البخاري : 83/5 ح 232 كتاب الفضائل - مناقب قرابة الرسول و 73/7 كتاب النكاح باب (110) ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والانصاف ح 159 ، وصحيح مسلم 221/16 ح 6257 كتاب الفضائل - فضائل الصحابة - فاطمة ، والفردوس بمأثور الخطاب : 145/3 ح 4389 ط. دار الكتب العلمية و 161 ح 4282 ط. دار الكتاب العربي.
ومناقب ابن المغازلي : 282 ح 327 ، وترجمة علي من تاريخ دمشق : 69/3 ح 1099.
ومناقب الخوارزمي : 353 الفصل 20 ، وجواهر العقدين : 350 - 351 الباب الحادي عشر ، والطبقات الكبرى: 206/8 ترجمة جويرية بنت أبي جهل (4205)، والتبصير في الدين للاسفرايني: 111 الباب الخامس عشر ، وأهل البيت لتوفيق أبو علم: 124 خصائص فاطمة ، والمعجم الكبير : 18/20 ترجمة المسور ح 18 وما بعده منه ، ومسند أحمد : 5/4 - 323 - 332 - 328 ط.م و 5 / 423 - 435 - 430 و 571/4 ط.ب ح 18428 - 18451.
وفضائل الصحابة لاحمد : 2/ 755 - 756 ح - 1317 - 1328 - 1323 - 1324 مناقب علي، ومستدرك الصحيحين: 158/3 - 159 كتاب معرفة الصحابة ذكر مناقب فاطمة صححه وأقره الذهبي، والتبصرة لابن الجوزي: 452/1 مجلس 31، والبيان والتعريف في أسباب ورود الحديث : 116/2 ح 721 ، والمعجم الكبير : 404/22 - 405 ترجمة فاطمة - مناقبها و 26/20 ترجمة المسور ما روى عنه عبد الله بن ابي رافع، وخصائص النسائي : 121 - 122 ح 132 - 130 ، وذخائر العقبی : 37 ذكر غيرته (ص) ، وتاريخ الخميس : 412/1 ، وتذكرة الخواص : 279 باب 11 فضائل فاطمة، ومصابيح السنة : 185/4 ح 4799 مناقب أهل البيت، ومشكاة المصابيح : 1732/3 ح 6130 مناقب أهل البيت، والاحسان بترتيب صحيح ابن حبان : 53/9 ح 6916 ، ونوادر الاصول للحكيم الترمذي : 184/3 الأصل الثاني والاربعون بعد المائة ، ، ومجمع الزوائد : 203/9 ط. مصر 1352 وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد : 328/9 ح 15203 كتاب المناقب، وفي بعضها : تقديم وتأخير في الالفاظ.
.1) روي هذا الحديث من طرق وبألفاظ مختلفة :
وأنا أعلم أن فاطمة يسرها ما فعلت بابنها ، وغمزت بطنه لأنه : «لیس أحد من بني هاشم إلّا وله شفاعة» (1)
وأخرجه ابن سعد بلفظ : ما من مؤمن من آل محمد إلا وله شفاعة. الطبقات الكبرى : 16/5 ترجمة المغيرة بن نوفل رقم (608) ، وجواهر العقدين : 298 الباب السابع.
ويؤيده ما أخرجه الخطيب عن علي : شفاعتي لامتي لمن أحب أهل بيتي. احياء الميت للسيوطي: 259.
ورجوت أن أكون في شفاعة هذا (2).1) الحديث أخرجه أحمد في فضائل الصحابة : 937/2 - 944 ح 1802 - 1824 ، وجواهر العقدين : 334 الباب العاشر، وتفسير آية المودة: 152 ، والصواعق المحرقة : 173 ط. مصر و 263 ط. بیروت، وقال ابن حجر : ويؤيده قول كعب الاحبار وعمر بن عبد العزيز : ليس أحد من أهل بيت النبي إلّا وله شفاعة.
2) الاغاني : 307/8 أخبار الخليفة عمر بن عبد العزيز، وفضل آل البيت للمقريزي : 49 ذيل الآية الاولى، وجواهر العقدين: 298 الباب السابع و 334 الباب العاشر ، والصواعق : 232 ط. مصر و 346 ط. بيروت.
ويروي عنه انه يقول : لو كنت من قتلة الحسين علیه السلام وأمرت بدخول الجنة لما فعلت حياء ان تقع عليه عينا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم (1).
ودخلت عليه يوماً فاطمة بنت علي بن أبي طالب علیه السلام وهو أمير المدينة فقال : يا بنت علي، والله ما على وجه الأرض أهل بيت أحب إلي منكم ولأنتم أحب الي من أهل بيتي (2).
وعن عبد الله بن الحسن المثنى قال : أتيت عمر بن عبد العزيز في حاجة ، فقال لي : إذا كانت لك حاجة فارسل الي أو اكتب لي بها، فإني أستحي من الله ان يراك على بابي (3).
(وقد كان الإمام) الأعظم أبو حنيفة من المستمسكين بولايتهم والمتنسكين بودادهم، وكان يتقرب إلى الله بالانفاق على المستترين منهم والظاهرين ، حتى نقل انه بعث إلى مستتر منهم في زمانه اثنى عشر ألف درهم دفعة واحدة لإكرامه ، وكان يأمر أصحابه برعاية أحوالهم والاقتفاء لآثارهم والاقتداء بأنوارهم (4).
(وكان) الإمام مالك بن أنس : ممن له اليد الطولى في توفيرهم واكرامهم
1) الرياض المستطابة : 304 ترجمة فاطمة رقم 213 ، وأخرجه الطبراني والعسقلاني ونسباء لابراهيم النخعي: المعجم الكبير : 112/3 ح 2829 ترجمة الحسين، ومجمع الزوائد: 195/9 ط. مصر والبغية 312 ح 15147 وقال الهيثمي : رجاله ثقات، والاصابة: 335/1 ذيل ترجمة الحسين وقال صحيح.
2) الصواعق المحرقة : 238 ط. مصر و 355 ط. بيروت باب اكرام الصحابة لهم، وجواهر العقدين : 389.
3) الشفا : 49/2 الباب الثالث من القسم الثاني - الفصل الرابع في بر الال، والتدوين بأخبار قزوین: 353/3 حرف العين ولكنه ذكره عن علي علیه السلام ، وضوء الشمس: 100/1.
4) جواهر العقدين : 390 الباب 13 ، والمشرع الروي : 22/1 ، والصواعق المحرقة : 180 ط. مصر و 274 ط. بیروت.
ومودتهم، وقد نقل انه لما ضربه جعفر بن سليمان العباسي وكان أمير المدينة ونال منه ما نال، حتى حمل مغشياً عليه، فلما أفاق قال: أشهدكم اني قد جعلت ضاربي في حلّ، وسئل بعد ذلك ، فقال : خفت أن أموت وألقى النبي صلى الله عليه و آله و سلم فاستحي منه ان يدخل بعض آله النار بسببي. ذكره القاضي عياض في كتابه الشفاء (1).
وقيل أن المنصور العباسي المشهور أمر ان يقتص للإمام مالك رضوان الله عليه من جعفر المذكور، فقال مالك: أعوذ بالله والله ما ارتفع سوط عن جسمي إلّا وقد جعلته في حل وأبرأت ذمته لقرابته من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم (2).
فانظر رحمك الله إلى ما صنعه هذا الإمام الذي هو من أتم الناس علماً بتعظيم النبي صلى الله عليه و آله و سلم وعظيم حقه وحق أهل بيته ، وقد بلغ به تعظيم جعفر العباسي هذا المبلغ، فما ظنك بتعظيمه أهل بيت نبيه صلى الله عليه و آله و سلم وذريته الذين هم بضعة منه صلى الله عليه و آله و سلم ، ولعمري ان ذلك لسرور قرّ في صدره لا يدركه إلّا أهل ذلك المقام من فحول الرجال، ومن أمعن النظر في معاني الآيات والاحاديث السابقة فجدير ان يعظمهم هذا التعظيم.
(وقد كان) امامنا الأعظم القرشي المكرم أبو عبد الله محمد بن ادريس الشافعي المطلبي معظِماً لهم وموقراً ، وقد صرح بأنه من شيعة أهل البيت، حتى قيل فيه كيت وكيت، فقال مجيباً عن ذلك :
يا راكباً قف بالمحصب من منى *** واهتف بقاعد خيفها والناهض
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى *** فيضاً كملتطم الفراق الفائض
ان كان رفضاً حب آل محمد *** فليشهد الثقلان أني رافضي (3).
1) الشفا : 51/2 الباب الثالث من القسم الثاني الفصل الرابع في برهم.
2) الشفا : 51/2 الباب الثالث من القسم الثاني الفصل الرابع في برهم.
3) تفسير الرازي: 166/27 مورد آية 23 من الشورى، وحلية الاولياء : 152/9 ترجمة الشافعي، ونور الأبصار : 127 ط. الهند و 232 ط. قم الباب الثاني - مناقب الحسن والحسين، وضوء الشمس: 101/1 ، وغرر البهاء الضوي: 484 الفصل السابع.
وله في هذا المعنى:
قالوا ترفضت قلت کلا *** ما الرفض ديني ولا اعتقادي
لكن توليت غير شك *** خیر أمام و خیر هادي
ان كان حب الوصي رفضّاً *** فانني أرفض العباد (1)
وقد نقل البيهقي عن الربيع بن سليمان أحد أصحاب الشافعي قال : قيل للشافعي: ان أناساً لا يصبرون على سماع منقبة أو فضيلة لأهل البيت، فإذا رأوا أحداً منا يذكرها يقولون: هذا رافضي، ويأخذون في كلام آخر، فانشأ الشافعي يقول :
إذا في مجلس ذكروا علياً *** وسبطيه وفاطمة الزكية
واجرى بعضهم ذكر سواهم *** فايقن انه لسلقلقية (2)
إذا ذكروا علياً مع بنيه *** تشاغل بالروايات العلیة
وقال تجاوزوا يا قوم هذا *** فهذا من حديث الرافضية
برئت إلى المهيمن من أناس *** يرون الرفض حب الفاطمية
على آل الرسول صلاة ربي *** ولعنته لتلك الجاهلية (3)
وله أيضاً :
آل النبي ذریعتي *** و هم إلیه وسیلتي
1) نور الأبصار: 127 ط. الهند و 232 ط. قم الباب الثاني - مناقب الحسن والحسين، وغرر البهاء الضوي: 483 الفصل السابع.
2) جاء ذلك في الحديث عن رسول الله قال : يا علي لا يبغضك من الرجال إلا منافق ومن حملته امه وهي حائض، ولا يبغضك من النساء إلا السلقلق. الفردوس بمأثور الخطاب للديلمي : 320/5 ح 8313 ط. دار الكتب العلمية و 410 ح 8319 ط. دار الكتاب العربي، وبالهامش زهر الفردوس : 308/4 وتنزيه الشريعة : 399/1 وذكر ابيان الشافعي وقال : ففيها ان للحديث أصل.
3) نور الأبصار : 127 ط. الهند و 231 ط. قم الباب الثاني - مناقب الحسن والحسين، وغرر البهاء الضوي: 482 - 483 ، وينابيع المودة : 276 ط. اسلامبول و 329 ط. النجف.
أرجوا بهم أعطى غداً *** بيدي اليمين صحيفتي (1)
(وكان) الإمام أحمد بن حنبل كثير الاحترام شديد المحبة والتعظيم لهم، وكان إذا جاءه الشيخ أو الحدِث من الاشراف، لا يخرج من باب المسجد حتى يخرجهم، فيكونون هم بين يديه فيخرج بعدهم، وكان يلام في تقريبه لعبد الرحمن ابن صالح العلوي لتشيعه؛ فيقول: سبحان الله رجل أحب قوماً من أهل بيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم وهو ثقة (2).
وقد ذكر ابن مفلح الحنبلي في الآداب الشرعية انه تصادف الإمام أحمد بن حنبل عند باب الجامع بصبي من بني هاشم صغير السنّ يريد الخروج من الباب، فرأى الصبي الإمام خارجاً، فوقف اجلالا للإمام أحمد ليخرج الإمام قبله، فلما رآه الإمام أحمد واقفاً أحجم عن الخروج، وأخذ يد الغلام الهاشمي فقبّلها ووقف حتى خرج الصبي قبله، ثم قال الإمام احمد (رحمه الله) : ان هذا من أهل بيت أوجب الله علينا احترامهم. انتهى (3).
وفي الشفاء للقاضي عياض قال : قال أبو بكر بن عياش : لو اتاني أبو بكر وعمر وعلي لبدأت بحاجة علي قبلهما، لقرابته من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، ولإن أخر من السماء أحب الي من أن أقدمه عليهما (4).
(وكان الشيخ عمر) بن الفارض قدس الله سره منهمكاً في محبتهم ومودتهم وقد ذكر ذلك في ترجمته ، وله فيهم :
1) نور الأبصار : 128 ط. الهند و 233 ط. قم الباب الثاني - مناقب الحسن والحسين.
2) الصواعق المحرقة : 180 - 238 ط. مصر و 274 - 355 ط. بیروت باب اکرام الصحابة لهم، وجواهر العقدين : 390 الباب 13.
3) الاداب الشرعية والمنح المرعية: 13/2 كرامات الامام أحمد، والمشرع الروي: 22/1، والصواعق المحرقة : 238 ط. مصر و 355 ط. بیروت.
4) الشفا : 52/2 الباب الثالث من القسم الثاني - فصل في بر أهل البيت، وفي الصواعق المحرقة : 180 ط. مصر و 273 ط. بیروت المقصد الخامس من الآية الرابعة عشر، العبارة: «ولأن أخر من السماء أحب إلي من أن أقدمهما عليه» فتأمل.
ذهب العمر ضياعاً وانقضی *** باطلا إذ لم افز منكم بشي
غير ما أوتيته عقد ولا *** عترة المبعوث حقاً من قصي
وله أيضاً :
بعترته استغنت عن الرسل الورى *** وأصحابه والتابعين الأئمة
(وكان الشيخ) الاكبر والكبريت الاحمر الشيخ محيي الدين بن العربي نفع الله به على جانب عظيم، وقدم راسخ في تعظيم أهل البيت ومعرفة حقهم، وقد نقلت عنه سابقاً من كتابه «الفتوحات المكية» في حقهم ما يدلك قطعاً على انه امام ذلك المقام وسلمان أولئك الكرام.
وقد روى انه أتى إليه ببعض الاشراف ليعلمه العلم فاجلسه على شيء مرتفع وجلس الشيخ تحته، وجعل يبكي ويقول له : قال جدك رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم كذا ، فانظر إلى هذا التواضع من هذا الإمام على جلالة قدره وعلو منصبه لذلك الشريف الذي أتى به إليه ليعلمه ؛ لكن لا يعرف الفضل لأهل الفضل غير أولى الفضل.
وكما قيل:
٭ لا يعرف الدر إلاّ عارف القيم ٭
(وقد كان) الشيخ العارف بالله تعالى أبو يزيد البسطامي سقّاء في بيت الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر علیه السلام .
(وكان) الإمام معروف الكرخي بواباً على دار الإمام علي بن موسى الرضا علیه السلام.
(وكان الإمام) العارف بالله تعالى عبد الوهاب الشعراني رحمه الله كثير المحبة والتودد إلى أهل البيت الطاهر ، ناشر ألوية الثناء بما لهم من المفاخر، شديد الاحترام والتواضع لتلك العصابة على ما هي فيه لشرف العلم والولاية من الجلالة والمهابة، وفي ما نقلته عنه وما سأنقله أعظم شاهد على ذلك :
(قال) نفع الله به : (ومما مَنَّ الله به على كثرة تعظيمي للاشراف وان طعن الناس في نسبهم أدباً مع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، وان كانوا على غير قدم الاستقامة مثل آبائهم، ثم
أقل مقام أحدهم عندي ان أعامله بالاجلال والتعظيم كما أعامل نائب مصر، وهذا خلق غريب قل من يعمل به من الناس، واعلم ان من جملة تعظيمنا لمن ذكر ان لا نتزوج أمة ولا زوجة طلقوها - إلى أن قال : - وكذلك لا نمنعهم شيئاً طلبوه منا ولو عمامتنا، ولا ننظر إلى امرأة من الشرفاء إلّا لحاجة شرعية) انتهى.
وقال أيضاً في الكتاب المذكور : (ومما من الله على معرفتي باصوات الشرفاء من ذَكَر وانثى من وراء حجاب، وأميّز بين صوت الشريف من صوت غيره، كما أعرف كلام النبوة من المدرج فيه - إلى ان قال - ومن فوائد معرفة صوت الشريف وجوب المبادرة إلى القيام بحقه، ولا أتوقف على رؤية العلامة في عمامته). انتهى ملخصاً (1).
قال نفع الله به : سمعت سيدي علياً الخواص رحمه الله يقول: من حق الشريف علينا ان نفديه بأرواحنا لسريان لحم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ودمه الكريمين فيه، فهو بضعة من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و للبعض في الاجلال والتعظيم والتوقير ما للكل، وحرمة جزئه صلى الله عليه و آله و سلم بعد موته كحرمة جزئه حياً على حد سواء.
وقال (قدس سره) : كان سيدي علي الخواص رحمه الله يقول : اصطنعوا الأيادي مع الاشراف لمكانهم من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، وانووا بذلك الهدية والمودة في القربى دون الزكاة، فإن لهم في أعناقنا عبودية لا يمكننا أن نقوم بحقها مع ما لجدهم صلى الله عليه و آله و سلم من الحق علينا) انتهى.
وقال نفع الله به في كتابه «البحر المورود في المواثيق والعهود» : (أخذ علينا العهود أن لا نرى أنفسنا قط على شريف، ولا نتزوج له مطلقة ولو ثلاثاً، وان كان ذلك مباحاً في الشرع فلنا ترك المباح، وهذا الادب علينا ولو كان الشريف جاهلا فضلا عن كونه عالماً ، فلا نرى قط انفسنا عليه بعلم ولا عمل ولا صلاح، وكذلك لا نأخذ قط العهد على شريف، لأن ذلك يصيره تحت حكمنا وخدمتنا اسوة المريدين ومقام الشريف يجل عن ذلك، وكان من في قلبه تعظيم لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يستعظم ان
1) لطائف المنن والاخلاق للشعراني: 107/1 ط. مصر / عبد الحميد أحمد حنفي باختصار.
يكون بضعة من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم تحت أمره وتصريفه وخدمته). الخ ما أطال به مما سبق نقله عنه إلى ان قال :
(وكذلك ينبغي لنا أن لا نفتح الذكر في مجلس شريف ولو كان أصغر منا سناً، بل نأمره إذا أبی ونسأل من فضله ان يستفتح بالجماعة تبركاً ببضعة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وإذا كان الشريف غلاماً يخدم الناس فلا ينبغي لأحد ان يستخدمه، ولو كان شيخ مشايخ في العرف، فانه لو كان معه أدب ما استخدم شريفاً، ولا مكّنه ان يمشي خلف دابته، ولا ان يحمل غاشية سرجه ولا ان يحمل سجادته، ولقلة أدب هؤلاء حرموا الترقي في مقامات الطريق.
واعلم يا أخي ان تعظيمنا للشريف الذي طعن في نسبه أوجه لنا عند رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من تعظيم الشريف الذي ثبت نسبه، لأن المحقق شرفه واجب على كل أحد تعظيمه، فلا جميلة له في تعظيمه، وتأمل لو جاء شخص إلى أحد أصحابك وقال: اني من جماعة فلان، وليس هو من جماعتك ولا من اخوانك فأكرَمَه وكساه واعطاه هدية على حسابك، كيف تزداد في ذلك الصاحب محبة لكونه أكرم من ذكر انه من جماعتك ببادي الرأي ولم يتوقف - إلى ان قال - :
وكان أخي أفضل الدين رحمه الله إذا كان له حق على أهل البيت يسامحهم بما عندهم ويهاديهم زيادة على ذلك -. (ثم ساق) كلاماً عن الشيخ الاكبر محي الدين نفع الله به ثم قال : - فقد علمت يا أخي انه يجب علينا إذا سألنا شريف شيئاً من عروض الدنيا ان نعطيه له ، ولو لم يكن بيدنا شيء غيره ، فإن لم يكن بيدنا ذلك الشيء وجب علينا الجزم بانه لو كان معنا ذلك الشيء لدفعناه له، ونتأسف كل الاسف على ذلك، كل ذلك لئلا تنتهك حرمة أولاد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، فنمر عليهم في الطرقات يسألون الناس، ونحن كالبهائم السارحة من قلة الاعتناء بشأنهم، ومن مر على قارعة الطريق ومعه شيء من الدنيا، ولم يعطه له، فذلك دليل على قلة محبته لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وأهل بيته، فليتفقد العبد نفسه، فإن من حق المحبوب ان لا يطالب شيئاً ويمنعه حتى روحه، كما فعل الشهداء بأنفسهم في قتال الكفار.
ولا ينبغي لأحد ان يتعلل في منعه لهم ماطلبوه بقوله : هذا الشريف قال الناس ان عنده قدر ذهب، أو قالوا انه ليس بشريف، أو انه رافضي؛ فإن ذلك حجة في البخل، واعطاءنا الشيء لمن لم يثبت شرفه عندنا أوجه لنا عند رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم كما مر، وكونه يقدم علياً على أبي بكر وعمر لا يقدح في شرفه، لأن تعصب الإنسان لاجداده غالب على الناس، ولذلك قالوا : «من النوادر شريف سني» يعني يقدم الشيخين على جده.
ولا يخفى ان مسألة الحكم بين أولاد النبي صلى الله عليه و آله و سلم وبين أصحابه لا يقضي فيها إلّا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يوم القيامة (1).
وأما نحن فعبيد لأولاد النبي صلى الله عليه و آله و سلم ولاصحابه ، والعبد ليس له مرتبة الحكم بين الأسياد؛ لقصور نظره ودناءة اخلاقه.
هذا كله إذا سألنا الشريف من غير قسم، فإن أقسم علينا بجده صلى الله عليه و آله و سلم ؛ فإذا قال : أعطوني جديداً أو رغيفاً أو ديناراً لأجل جدي اشتد علينا اكرامه ، ولو ببيعنا نفوسنا في السوق واعطائه ثمننا، كما وقع للخضر علیه السلام مع من سأله بالله شيئاً ولم يكن معه شيء (2).
وتأمل يا أخي لو كنت مع الباشا مثلا وقال لك : انسان لأجل مولانا الباشا أعطني نصفاً أو ديناراً أو عمامتك أو ثوبك، كيف كنت تعطيه ما سأله بانشراح لاجل خاطر الباشا، فياليتك جعلت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عندك مثل الباشا في الاكرام، وأين منك قوله صلى الله عليه و آله و سلم : «حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وولده والناس أجمعين» (3).
1) ٭ قال الملأ علي القاري : الاصح أن فضل أبنائهم على ترتيب فضل آبائهم إلّا أولاد فاطمة فإنهم يفضلون على أولاد أبي بكر وعمر وعثمان؛ لقربهم من رسول الله; فهم العترة الطاهرة والذرية الطيبة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. شرح كتاب الفقه الاكبر لابي حنيفة: 210 مسألة في تفضيل أولاد الصحابة.
2) نوادر الاصول للحكيم الترمذي : 222/4 - 223 .
3) مسند أحمد: 177/3.
وفي لفظ زيادة : وعترتي أحب إليه من عترته (1).
ولعلك تتعلل وتقول : إنما فعلت ذلك خوفاً من الباشا ان يعاقبني ورسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عنده الرحمة علينا والشفقة.
فنقول : لو كنت مكرهاً ما ظهر السرور بذلك على وجهك بانشراح، فإن سرور المكروه يظهر فيه التكف، فإذا قولك انا أحب النبي صلى الله عليه و آله و سلم أكثر من جميع الخلق ما صح لك هذا كله إذا قال الشريف لأجل جدي، فكيف إذا قال أعطوني لاجل الله ؛ لا سيما إذا قال ذلك في المطاف والناس يسمعونه وعندهم الآلاف من الذهب ويتغافلون عنه، فأين اجلال الله عزوجل. نسأل الله اللطف.
(ثم قال) وكان سيدي علي الخواص رحمه الله يقول : لو دخل الشريف على عيالي من غير اذني ما تأثرت، لأنه بضعة من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فيكرم جميع بدنه لتلك البضعة، وكان يقول : لا ينبغي لمسلم ان ينظر إلى شريفة في ازارها وخمارها وخفها، ثم يقول لمن يراها في ذلك : يا أخي أنت لو رأيت شخصاً يمعن النظر إلى ابنتك، وهي مارة في وجهها ويدها ورجليها أما كنت تتشوش منه، وكذلك رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم). انتهى (2).
فينبغي للمتدين إذا بايع شريفة أو قصدها أو داواها ان لا يفعل ذلك، إلّا وهو في غاية الخجل والحياء من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ؛ لا سيما بائع الخفاف.
وان كنت يا أخي تخاف تبايع الشريفة منتقبة فاستأذن بقلبك رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في النظر إليها والنظر بغير شهوة، وان لم تكتفِ إلّا برؤية الشهود، فاشهد عليها كذلك، وأمرهم ان يكونوا في غاية الخجل ، وحذرهم ان لا ينظروا إلّا بقدر الحاجة.
وان كنت يا أخي كامل المحبة لاولاد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وأنت في سعة من الرزق، فأهد إليهم ما يريدون شراءه منك، فإن الهدية لا تتوقف على رؤية.
واحذر يا أخي، إذا كانت لك بنت أو أخت مثلاً ولها جهاز كبير وخطبها شريف فقير لا يملك غير ما يطلق عليه مهر ونفقة يومه وليلته فقط ؛ ان تمتنع من ذلك، بل زوّجه ولا ترده اكراماً لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ؛ وذلك ان الفقر ليس بعيب ترد به الخطبة بل هو شرف (1).
وقد سأل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ربه عزوجل ان يحييه مسكيناً ويميته مسكيناً ويحشره في زمرة المساكين، وقال: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً (2). ، اي لا يفضل منه شيء لا في غداء ولا في عشاء، فشيء اختاره رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لذريته وأهل بيته فهو في غاية الشرف.
(وقد رد) شخص من أصحابنا شريفاً على وجه الازدراء له من حيث فقره، فمقت وخربت دياره وافتقر بعد اتساعه حتى صار يسأل على الابواب، نسأل الله العافية.
وكذلك إذا دعينا إلى وليمة ان لا نجلس بصفة عالية أو فرش نفيس حتى ننظر يميناً وشمالا هل ثَمّ أحد من الشرفا، خوفاً ان نجلس في مرتبة فوقه ، فإن كان هناك شريف وعزم علينا بالجلوس على تلك المرتبة جلسنا امتثالا لامره) انتهى كلام الشيخ عبد الوهاب الشعراني نفع الله به من كتابه «البحر المورود» (3).
(وقال) في موضع آخر من كتابه «المنن» : (ومما من الله به علي عدم الدعاء على شريف وعدم التوجه فيه إلى الله إذا ظلمني أو آذاني ببعض ذنوبي، لأنه بضعة من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، وقد سألني مرة أولاد عم الشريف أبي نمى السلطان بمكة ان أتوجه
1) يؤيده ما أخرجه الدارقطني عن عمر بن الخطاب : تحببوا الى الاشراف وتوددوا واتقوا على أعراضهم من السفلة واعلموا أنه لا يتم شرف إلّا بولاية علي علیه السلام . الصواعق المحرقة : 178 ط. مصر و 270 ط. بیروت - المقصد الخامس من الآية الرابعة عشر.
2) مسند اسحاق بن راهويه : 219/1 ح 175 ، وكنوز الحقائق: 92/1 ح 1065، والمصنف : 24/13 ، ومسند أحمد : 446/2 ط. م و 194/3 ح 9461 ط. ب.
3) سوف يأتي في الحكايات ما يأكد ذلك.
فيه إلى الله ليعزل أو يموت وزعموا أنه ظلمهم، فقلت : لهم لا يصح التوجه إلى الله في شريف أبداً، ولا في مواليهم فضلاً عنهم الحديث: «مولى القوم منهم» (1).
ثم بتقدير ان الفقير يتوجه إلى الله فيما سئل فلا بد له من جعل رسول لله صلى الله عليه و آله و سلم واسطته في ذلك يقيناً أو ظناً، ومن ادعى من الفقراء انه يقضي حوايج الناس بغير واسطة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، فهو جاهل بما ذكرناه ، فانه صلى الله عليه و آله و سلم ترجمان الحضرة، وكيف يقول الإنسان يا رسول الله اقتل ولدك الفلاني لاجل ولدك الفلاني أو أعزله، هذا منزل ضيق، فقالوا لي قد وعدنا شخص من الفقراء بقتل أبي نمى في هذه السنة، فقلت لهم : انه كذاب، ثم ان السنة مضت وأبو نمی يرزق إلى الآن.
فأحسن أحوال الفقير إذا سأله شريف ان يتوجه في شريف، ان يقول : يا رسول الله أصلح بين أولادك فإنهم سادتنا، ولا يهون علينا أن يؤذي بعضهم بعضاً، ودُلّ كل واحد منهم واعطفه على رحمه وقرابته هذا أحسن ما يقال لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ). انتهى.
(تنبيه) ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني قدس الله سره في أول مقالته التي قبل هذه (ان تعصب الشخص لاجداده غالب على الناس - ثم قال : - ولهذا قالوا : من النوادر شريف سني).
وقد نقل هذه المقالة غيره أيضاً.
وليت شعري إلى من تعزى هذه المقالة، ومتى كان وجود الشريف السني من النوادر، وفي أي زمان كان ذلك، فإن كتب السير والتواريخ ناطقة ومصرحة بأن أجلة سادات السنة السنية وقادات أعلام الملة المحمدية هم أهل البيت الطاهر والشرف الباهر، وهم الأئمة الذين يهتدى بانوارهم في كل زمان، والادلة الذين يقتدى بآثارهم في كل أوان، وهم والله كما قال شاعرهم الكميت الاسدي في حقهم :
المصيبون باب ما أخطأ النا *** س ومرسى قواعد الإسلام.
1) كنوز الحقائق : 1/ 199 ح 2105 ، ومسند احمد: 340/4 ط. م و 449 ح 18515 ط. ب.
وكيف يسوغ الحكم بمخالفة السنة على معظّم أحد السببين للذين قدم المعذرة إلينا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بهما، وأخبرنا ان من تمسك بهما لا يضل وان من تقدمهما هلك، ومن تأخر عنهما هلك وأمرنا ان نتعلم منهم ولا نعلمهم (1)، وان مخالفيهم حزب ابليس، وانهم لن يدخلونا باب ضلالة ولم يخرجونا عن باب هدى، وان الله جعل فيهم الحكمة، فالحق بالنص ما أوضحوه وقالوه، والطريق المستقيم ما سلكوه، وكان الاحق والاولى ان يقال : من النوادر شريف غير سني.
لأن البطون العظام والعائلات الكثيرة العدد من هذا البيت المطهر كلهم، والحمد لله سنيون معتقداً ومشرباً، كالسادة العلوية الحسينيين بحضرموت وبجاوة والهند، کاشراف الحجاز بني قتادة الحسنيين، والسادة الرفاعية الحسينيين بالشام والعراق، وكالسادة الجيلانية الحسينيين بالعراق والهند، وكالسادة الاهدلية الحسينيين باليمن، وكالسادة الادريسية بالغرب، وغيرهم من العائلات المباركة المنتشرة في اقطار الدنيا، فهؤلاء هم أساطين السنة والجماعة، وهؤلاء دهاقين هذه البضاعة.
ولم يكن من أهل البيت الشريف من هو على رأى الشيعة في الانتقاد على الصحابة، إلّا قليل بالنسبة لأهل السنة منهم، كبعض أشراف اليمن وبقايا في طهران والهند ونبذة في العراق، وفقهم الله للصواب.
(نعم) محبة الشخص لآبائه ونشره محاسنهم وتعداده مفاخرهم وفضائلهم وموالاته من والاهم، وميله إلى من عظمهم وأحبهم أمر طبيعي، وحالٌ محمودٌ ما لم يتطرق إلى غلو نهى عنه الشرع، أو يتعد إلى انتقاص من عظم الله شأنه، وعليه فلا يجوز ان ينسب إلى مذموم التشيع من لا يزال من الاشراف ناشراً اعلام الثناء على جده أمير المؤمنين كرم الله وجهه، ومطلقاً عنان اللسان بمدحه ومعلناً على رؤوس الاشهاد محبته وتعظيمه.
وما أحسن ما قاله امامنا الأعظم محمد بن ادريس الشافعي رضوان الله عليه في هذا المعنى :
قالوا ترفضت قلت كلا *** ما الرفض ديني ولا اعتقادي
1) هو مفاد حديث الثقلين وتقدمت تخريجاته.
لكن توليت دون شك *** خیر امام وخیر هادي
ان كان حب الوصي رفضاً *** فانني أرفض العباد (1).
(تنبيه آخر) يجب ويتأكد على الناس عموماً وعلى أهل البيت الشريف خصوصاً، تعظيم وتوقير أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ومحبتهم جميعاً، لأنهم نجوم الهداية ورجال الرواية والدراية، وهم أفضل الناس بعد الانبياء عليهم السلام، وقد أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، ووردت في فضلهم الاحاديث الصحيحة، وجاءت بذلك النصوص الصريحة، ويكفي المنصف من ذلك قوله صلى الله عليه و آله و سلم : «ان الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين» (2)
وقوله عليه الصلاة والسلام : «الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك ان يأخذه» رواه الترمذي (3).
وقوله : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم (4)
الكلام على حديث : أصحابي كالنجوم
وقال الحافظ العراقي في تخريج احاديث مختصر المنهاج رقم 55 : رواه الدارقطني في الفضائل وابن عبد البر في العلم من طريقه من حديث جابر وقال اسناد لا تقوم به حجة - رواه البيهقي في المدخل من حديث ابن عمر وابن عباس بنحوه من وجه آخر مرسلا وقال: متنه مشهور واسانيده ضعيفة ولم يثبت في اسناد ورواه البزار وقال منكر لا يصح وقال ابن حزم : مكلوب باطل. هامش المنتخب من مسند عبد بن حميد: 251 ح 783.
وقال مححق كنوز الحقائق: 67/1ح 751 الحديث موضوع : الميزان ح 1511 و 2299 واللسان 2/ . .488.
وقال محقق كتاب شرح مسند أبي حنيفة : 498 : هذا ليس بصحيح وتفصيله في رسالة قلحفة (بنود الانوار)
وضعفه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية : 146/4 ح 4193 - 4194 .
وممن ضعفه الخفاجي والملا علي القاري وأحمد والمزني انظر : نسيم الرياض: 424/3 والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج : 99/3 وجامع بيان العلم لابن عبد البر : 89/2.
٭ أقول: سألت شيخي عن سبب رد الحفاظ لهذا الحديث فأجاب : أولاً بضعف رواته.
وثانياً : بأنه يتعارض مع كثير من الاحاديث الصحيحة، بل والمجمع عليها.
فقلت : كيف ذلك؟
فقال رضي الله عنه : مفاد الحديث هو أمر النبي الأعظم بالاقتداء بالصحابة منفردين و مجتمعين، فإذا انفردوا فلا كلام، وأما إذا اجتمعوا، وهو الاكثر لأنهم في عصور متقاربة، فانه كما يأمر بالاقتداء بالخليفة عثمان يأمر بعرضه بالاقتداء بأبي ذر وابن مسعود! وأنت تعلم ما جرى بينهما، وكما يأمر بالاقتداء بعثمان كذلك يأمر بالاقتداء بطلحة والزبير وغيرهم من الصحابة الذين اجتمعوا لعزل عثمان يوم الدار! وكذلك الحديث يأمرنا بالقتال مع أمير المؤمنين علي في زمن اجماع الامة والصحابة على خلافته، يأمرنا الحديث في نفس الوقت بالقتال الى جانب معاوية والخروج على امام الزمان المفترض الطاعة!.
فقلت له : يقال أن معاوية وغيره من الصحابة اجتهدوا فأخطؤا ولهم أجورهم.
فقال: لسنا نتكلم عن اصابة المجتهد، إنما تتكلم عن مرتبة متأخرة، الحديث يوجب الاقتداء بالصحابي، لا الايمان باصابة اجتهاده، وفرق بين المقامين، لو كان مفاد الحديث هو مدح الصحابة واعطائهم مرتبة جليلة لصح ما قيل، إنما الحديث نصّ في اتباع الصحابة وتنفيذ أوامرهم مهما كانت وفي زمان واحد حتى لو كانت متعارضة، فهل يأمرنا نبي الرحمة بالمتناقضين.
٭ هذا وروي عن رسول الله : «أهل بيتي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» لسان الميزان: 141/1. وهو موافق لما تقدم من طرق في حديث الامان الذي يشبه به النبي أهله بالنجوم، وأيضاً له شاهد من حديث الثقلين المتقدم.
وقوله صلى الله عليه و آله و سلم : «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو انفق أحدكم مثل اُحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» (1).
(قال الولي) أبو زرعة العراقي رحمة الله عليه في هذا الحديث: (اليأس من
1) صحیح مسلم: 309/16 ح 6434 - 6435 كتاب الفضائل - فضائل الصحابة، وابن ماجة : 69/1 - 70 ، ولوامع انوار الكوكب الدري في شرح همزية البوصيري: 86/2، سنن أبي داود: 214/4 ح 4658.
بلوغ من بعدهم مرتبة أحدهم في الفضل، فإن هذا المفروض من ملك الإنسان بقدر أُحد ذهباً محال في العادة لم يتفق لأحد من الخلق، وبتقدير وقوعه لأحد وانفاقه في طريق الخير لا يبلغ الثواب المترتب عليه ثواب الواحد من الصحابة إذا تصدق بنصف مد من شعير، ومن المعلوم ان الواحد منهم قد انفق كذا وكذا أنصاف امداد في سبيل الله). انتهى.
(اما ما) قاله ابن عبد البر : من جواز كون غير الصحابي أفضل منه، فإنما هو مع قطع النظر عن خصوصية الصحبة، وإلّا ففي هذا الحديث وغيره رد واضح علیه (1)
اخرج الطبراني عن جبير عن أبي جمعة الانصاري لأصحابه قال: كنا مع رسول الله ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة فقلنا : يا رسول الله هل من قوم اعظم منا أجراً آمنا بك واتبعناك؟
قال: ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين اظهركم يأتيكم الوحي من السماء، بلى قوم يأتيهم كتاب الله بين لوحين فيؤمنون به ويعملون بما فيه اولائك اعظم منكم اجراً اولائك اعظم منكم اجراً» المعجم الكبير : 23/4 ح 3540 ترجمة حبيب بن سباع ابو جمعة ويقال جنيد بن سبع. وأخرج ابن راهويه وابن زنجويه والبزار وأبو يعلى والقزويني والحاكم عن عمر : «أقوام في أصلاب الرجال يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني... فهؤلاء أفضل أهل الايمان إيماناً». البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث : 300/1 ح 3440.
وأخرج أحمد والدارمي والبخاري في التاريخ من أبي عبيدة قال : يا رسول الله ا أحد خيرٌ منا؟ أسلمنا وجاهدنا معك.
قال: نعم، قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني. مشكاة المصابيح: 1771/3 ح 6282 كتاب المناقب - باب ثواب هذه الامة، والتاريخ الكبير : 310/2 ح 2583 باب حبیب.
هذا اضافة الى الروايات المتكثرة في فضل الامام المهدي قائم آل محمد على كثير من الصحابة حتى أبو بكر وعمر كما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 513/7 ح 37639 كتاب الفتن.
٭ وهذا مذهب ابن عبد البر وجماعة للخبر الحسن وقيل صحيح : «مثل أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره»، وللخبر الحسن أيضاً : «ليدركن المسيح أقواماً إنهم لمثلكم أو خير». لوامع أنوار الكوكب الدري في شرح همزية البوصيري : 82/2.
.1) جواز إتيان أفضل من الصحابة
1) انظر رشفة الصادي للحضرمي : 177 الباب السابع.
قال الحضرمي : (ولنرجع) إلى ما كنا فيه من ذكر ما درج عليه السلف من تعظیم أهل البيت الطاهر وما قالوه في حقهم رضی الله عنهم .
(قال) في نور الأبصار : (كان سيدي ابراهيم المتبولي إذا جلس إليه شريف يظهر الخشوع والانكماش بين يديه ويقول : انه بضعة من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، وكان يقول : من آذى شريفاً فقد آذى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، وكان يقول : يتأكد على كل صاحب مال إذا رأى شريفاً عليه دين أن يفديه بماله، لأنه جزء من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، وكان يقول : لا ينبغي لمن يؤمن بالله ويحب رسوله صلى الله عليه و آله و سلم أن يتوقف عن تعظيم الشريف والاحسان إليه، حتى يعرف صحة نسبه، بل يكفيه تظاهر الشريف بالشرف، وذلك أوجه للمؤمن عند رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من حيث انا عظمناه ووقرناء من غير توقف على صحة النسب). انتهى (1).
(فائدة) سألت بعض الفضلاء عن قول سيدي ابراهيم المتبولي، وكذلك سيدي عبد الوهاب الشعراني قدس الله سرهما : ان تعظيمنا للشريف الذي لم يثبت نسبه أوجه عند رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من تعظيم الشريف الثابت النسب.
فأجابني بما معناه : ان تعظيم الشريف الثابت النسب هو من قبيل الفروض الواجبة على كل انسان، فيكون القائم به قائماً بالفريضة التي هو مجبور شرعاً على فعلها، وتعظيم الشريف الذي لم يثبت نسبه ثبوتاً شرعياً، هو من قبيل النوافل التي يتقرب بها العبد إلى ربه، ومن المعلوم ان التقرب بما لم يكن الشخص ملزوماً به ولا مأثوماً بتركه من ذلك التعظيم؛ دليل قوي على ان رغبته ومحبته في رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم
1) نور الأبصار : 129 ط. الهند و 236 ط. قم الباب الثاني - مناقب الحسنين.
أعظم وأجل من رغبة ومحبة من يقتصر على التعظيم المفروض للثابت النسب، وعليه فيثاب الشخص على تعظيم الشريف الثابت النسب ثواب الفرض، ويثاب على تعظيمه للشريف الذي لم يثبت نسبه ثواب النافلة، وفي كل ذلك خير كثير (1).
وقال بعض العلماء : شرف السيادة فوق شرف العلم لأن السيادة جوهر والعلم عرض.
ومثل هذا ما أجاب به بعض الصوفية، وقد سئل عن شريف جاهل وعالم غير شريف أيهما أفضل، فأجاب بافضلية الشريف الجاهل ، قال : ألا ترى أنه لو جنّ ذلك فإن شرفه وفضيلته باقية، ولو جنّ العالم لذهبت عنه تلك الفضيلة (2).
(وفي فتاوى) الإمام العلامة خاتمة المحققين أحمد بن حجر الهيتمي، وقد سئل هل الشريف الجاهل أم العالم العامل أفضل، وأيهما أحق بالتوقير إذا اجتمعا وأريد تفریق نحو قهوة عليهما فأيهما أولى بالبدأة، أو أراد شخص التقبيل فايهما يبدأ به ؟.
(فأجاب) بقوله : (في كل منهما فضل عظيم، اما الشريف فلما فيه من البضعة الكريمة التي لا يعادلها شيء، ومن ثم قال بعض العلماء : لا اعادل ببضعته صلى الله عليه و آله و سلم احداً، وأما العالم العامل فلما فيه من نفع المسلمين وهداية الضالين، فهم خلفاء الرسول ووارثو علومهم ومعارفهم، فيتعين على الموفق ان يرى للكل من الاشراف والعلماء حقهم من التوقير والتعظيم، والمبدوء به إذا اجتمعا الشريف لقوله صلى الله عليه و آله و سلم : قدموا قريشاً.
ولما فيه من البضعة الشريفة، والمراد بالشريف المنسوب إلى الحسن والحسين کرم الله وجهيهما. والله سبحانه وتعالى اعلم) انتهى (3).
وأزيدك على هذا أيضاً : ان الشيخ الحسن البيرقي قدس الله سره سئل عن
رجلين وليين أحدهما من الآل والآخر من غيرهم فقال :
آل النبي لهم في نفس نسبتهم *** سر عظيم في المجد غايات
والاولياء وان جلت مراتبهم *** في رتبة العبد والسادات سادات
(انتهى) (1).
ويحسن في هذا المعنى انشاد ما قيل:
فما کل ازهار الرياض اريجة *** ولا كل أطيار الفلا تترنم
(وقد نص) العارف بالله القطب الشعراني نفع الله به في عهوده : (على انه لا ينبغي لمشايخ الطريق ان يأخذوا العهد على السادة أهل الشرف والسيادة، ولا يليق أن يجعلوهم تلامذة لهم، لأن الشيخ مهما ترقى في المقامات وانكشفت له حجب المغيبات وشاهد بانوار بصيرته أسرار الكائنات؛ لا يصل إلى المقام الذي وهبه الله للشريف بلا تعب وخص به صاحب السيادة بلا نصب ولا وصب) (2).
وفي جامع الفتاوي من كتب الحنفية : (ولد الأمة من مولاها حرٌ وولد العلوي من جارية الغير برضاه أو بنكاح لا يدخل في ملك مولاها، ولا يجوز بيعه كرامة وشرفاً لجده محمد صلى الله عليه و آله و سلم ، ولا يشارك في هذا الحكم أحد من أمته) انتهى.
(قال العلامة) محمد بن عمر يحرق الحضرمي في كتابه الحسام المسلول : (وإذا كانت العقول والعادات، بل الشرائع تقتضي انزال الناس منازلهم واحترام ابناء الفضلاء، ومن ينسب إليهم سواء اتصل المأمور له بذلك منهم بالاحسان أم لا، حتى أمر الله وليه الخضر ونجيبه موسى علیهما السلام بمراعاة من كان ابوهما صالحاً، فما ظنك بمن يدلى إلى من أرسله الله رحمة للعالمين، ومَنَّ به على المؤمنين وانقذهم به من خسران الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين:
ومن هو الآية الكبرى لمعتصم *** ومن هو النعمة العظمى لمغتنم
واي رقية لم تثقله مننه الجليلة؟ وأي فرقة لم تستغرقها اياديه الجزيلة؟ وإذا كان ابناء الرجل الرئيس بل وعشيرته بل وغلمانه واتباعه وقبيلته، بل واهل بلده وأهل قطره بل واهل عصره، قد يسودون بسيادته ويفتخرون على من سواهم بفضله ويعلون بعلو منصبه ونيله، هل أحد أجل قدراً وأعظم مرتبة وفخر ممن ينتسب أهل البيت إليه ويعولون في الدنيا والآخرة؟
هم ومن سواهم عليه خيرة العالم وسيد ولد آدم صاحب الحوض المورود واللواء الذي آدم ومن دونه تحته، ذو المقام المحمود الذي يغبطه به الاولون والآخرون، والشفاعة العظمى التي يعجز عنها أولو العزم، ويقول انا لها صل الله عليه وأهل بيته صلاة هو لها أهل كما ينبغي لعظيم قدره وشرف مكانته دائماً لا تنقطع أبدا الآبدين.
ومن كان هذا شأنه فنسبة كل شريف إلى شرفه كقطرة في البحار الزاخرة، وإذا تشرف قوم غيره وأُجلوا واحترموا بشرف من انتسبوا إليه، فشرف أهل البيت النبوي أولى وقدرهم الرفيع أعلى وبينهم وبين غيرهم في الشرف ؛ مثل ما بين من تشرفوا به وبين غيره من البون) الخ ما اطال به رحمة الله عليه .
(وقد ذكر) العلماء رضی الله عنهم أنه ينبغي ويتأكد تعظيم وتوقير واحترام سكان المدينة وقطانها وسدنة الحجرة وخدامها، وهلم جرا إلى خواصها وعوامها وكبارها وصغارها من كل من سكن ذلك المحل العظيم، وجاور النبي الكريم، وان عظمت اساءتهم وتحقق منهم ابتداع، فإن ذلك لا يخرجهم عن حكم الجار ولا يزيل شرف مساكنة الدار، وإذا ثبت هذا التبجيل والتعظيم ووجب ذلك الاكرام والتقديم لنسبة الجوار إلى ذلك الحبيب والنزول بسوحة الخصيب؛ فما بالك بوجوبه لاولاده الذي هو أصل شجرتهم الزكية، ومعين أسرارهم السرية وينبوع سلسبيل شرابهم ومقدم ذهابهم وايابهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين (1).
1) رشفة الصادي : 150 السابع.
حكايات في اعتناء النبي بذرية فاطمة وزينب (1)
1 - (حكاية) نقل في «الجواهر» عن «توثيق عرى الايمان» للبارزي عن الاعمش قال: سمعت أبا جعفر المنصور يقول: رأيت رجلاً بالشام وإذا بوجهه خراز وبرأسه ويديه ورجليه، فقلت: ما شأنك؟
فقال: اني كنت امام قومي وكنت إذا صليت لعنت علي بن أبي طالب ألف مرة في كل يوم، وإني صليت يوم الجمعة فلعنت علي بن أبي طالب أربعة آلاف مرة، ولعنت أولاده معه، فخرجت من المسجد واتكأت على الحائط في داري، وذهب بي النوم فإذا أنا بالجنة، وإذا أنا برسول الله صلى الله عليه و آله و سلم جالس والحسن والحسين علیهما السلام، وفي يد الحسين ابريق وفي يد الحسن كأس ، فلما دنوا من النبي صلى الله عليه و آله و سلم شربوا، فالتفتَ النبي صلى الله عليه و آله و سلم وقال : يا بني اسقِ الذي على الحائط، فحوّل الحسين وجهه وقال : كيف أسقيه يا أبت وهو يلعننا كل يوم ألف مرة، وإنه لعننا اليوم أربعة آلاف مرة.
1) ذكر نحو هذه القصص والحكايات في جواهر العقدين: 350 الباب الرابع و 418 الباب الرابع عشر، ونور الأبصار : 232 - 413 - 422 ط. قم و 128 - 220 - 225 ط. الهند باب الثاني - مناقب الحسنين، وتذكرة الخواص : 53 - 54 ذيل الباب الثاني و 328 الى 336 ذيل الكتاب، وغرر البهاء الضوي : 537 الى 557 ، والصواعق المحرقة : 241 الى 247 ط. مصر و 358 الى 367 ط. بيروت، وينابيع المودة : 367/2 ط. اسلامبول و 440 و 467 الى 477 ط. النجف، وفضل آل البيت للمقريزي : 109 ذيل الكتاب، وتفسير آية المودة للخفاجي : 191 الی 204.
فرأيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يقول : مالك لعنك الله تشتم لحمي ودمي، عليك لعنة الله ، ثم بصق في وجهي.
فلما انتبهت من منامي فإذا موضع البصاق حوله الله تعالى خراز، فصرت آية للناس (1).
1) جواهر العقدين: 420 باب 14.
2 - (حكاية أخرى) نقل سبط بن الجوزي عن الواقدي عن ابن الرماح قال: كان بالكوفة شيخ أعمى قد شهد قتل الحسين بن علي، فسألناه عن ذهاب بصره، قال: كنت في القوم وكنا عشرة غير أني لم أضرب بالسيف ولم أطعن برمح، ولا رميت بسهم، فلما قتل الحسين وحمل رأسه رجعت إلى منزلي، وأنا صحيح وعيناي كأنهما كوكبان، فنمت تلك الليلة فأتاني آت في منامي وقال : أجب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم.
فقلت: ما لي ولرسول الله، فأخذ بيدي وانتهرني ولزم بلباتي وانطلق بي إلى مكان فيه جماعة ورسول الله صلى الله عليه و آله و سلم جالس، وهو مغتم ومعتجر حاسر عن ذراعيه، وبيده سيف وبين يديه نطع، فإذا أصحابي العشرة مذبوحون فسلمت عليه .
فقال : لا سلم الله عليك ولا حياك يا عدو الله الملعون، أما استحييت مني تهتك حرمتي، ولم ترع حقي.
قلت یا رسول الله : ما قاتلت.
قال: نعم، ولكنك كثرت السواد، وإذا بطشت عن يمينه فيه دم الحسين فقال : اقعد فجئوت بين يديه، فأخذ مروداً أحماء فكحل به عيني، فاصبحت كما ترون (1).
1) تذكرة الخواص : 252 فصل في عقوبة قاتلي الحسين، وجواهر العقدين : 419 باب 14 ونقل قصة أخرى من السري مشابهة، والمشرع الروي : 50/1 - 51.
3 - (حكاية أخرى) حكى عبد الملك بن هشام ان ابن زياد لما انفذ رأس الحسين إلى يزيد، كانوا إذا وصلوا منزلا أخرجوا الرأس من صندوق أعدوه له فوضعوه على رمح وحرسوه إلى وقت الرحيل، فوصلوا منزلا فيه دير راهب، فأخرجوا الرأس ووضعوه على الرمح مسنداً إلى الدير، فرأى الراهب نوراً من مكان الرأس إلى عنان السماء، فأشرف على القوم، فسألهم عن الرأس، فقالوا رأس الحسين بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم.
قال : نبيكم؟ قالوا: نعم.
قال : بئس القوم أنتم لو كان للمسيح ولد لاسكناه أحداقنا، ثم قال: هل لكم في عشرة آلاف دينار تأخذونها وتعطوني الرأس يكون عندي الليلة، فإذا رحلتم خذوه.
قالوا: وما يضرنا فناولوه الرأس وناولهم الدنانير.
فأخذ الرأس وغسله وطيبه وأخذه وتركه على فخذه وقعد يبكي إلى الصبح، وقال: أيها الرأس أنا لا أملك إلّا نفسي، وأنا أشهد أن لا اله إلّا الله وأن محمداً رسول الله، ثم خرج من الدير وما فيه وصار يخدم أهل البيت.
ثم انهم أخذوا الرأس وساروا فلما قربوا من دمشق أخذوا الاكياس ليقتسموها ففتحوها، فإذا الدنانير قد تحولت خزفاً وعلى أحد جانبي الدينار مكتوب : (ولَا تَحْسَبَنَّ اٝللهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ اٝلظَّٰلِمُونَ) ، وعلى الجانب الآخر : ﴿ وَسَيَعْلَمُ اٝلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) انتهى (1).
1) المشرع الروي: 48/1.
4 - (حكاية أخرى) أقول: ولقد انتقم الله عزوجل من ابن زياد على يد المختار بن أبي عبيدة، وكان ابن زياد بالموصل، وذلك بعد تطاول الفتن وترادفها وكان في ثلاثين ألفاً فبعث المختار إليه ابراهيم بن الاشتر في طائفة سنة تسع وستين، فالتقى بابن زياد فقتله على الفرات في يوم عاشوراء، وكان من غرق من أصحابه أكثر ممن قتل، وبعث ابن الاشتر برأس ابن زياد إلى المختار، فنصب في المكان الذي نصب فيه رأس الحسين، ثم ألقاه وأصحابه في اليوم الثاني في الرحبة، فجاءت حية تتخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد الله بن زياد، فمكثت هنية، ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت، ثم جاءت فعلت ذلك مرتين أو ثلاثاً ، وكان في ذلك عبرة لاولى الالباب (1).
1) سنن الترمذي : 5/ 660 ح 3780 كتاب المناقب - مناقب الحسن والحسين وقال: حسن صحيح، وتذكرة الخواص : 257 ذكر سليمان بن صرد، والمعجم الكبير للطبراني : 112/3 - 113 ح 2832.
5 - (حكاية أخرى) روي عن الحسن البصري قال: ان سليمان بن عبد الملك رأى النبي صلى الله عليه و آله و سلم في المنام يلاطفه ويبشره، فلما اصبح سليمان سأل الحسن عن ذلك، فقال له الحسن : لعلك صنعت إلى أهل بيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم معروفاً .
قال : نعم وجدت رأس الحسين بن علي صلوات الله عليه وآله في خزانة يزيد فكسوته خمسة أثواب وصليت عليه مع جماعة من أصحابي وقبرته.
فقال له الحسن : ان رضى النبي صلى الله عليه و آله و سلم بسبب ذلك، وأمر للحسن بجائزة سنية (1).
1) نظم درر السمطين : 226 ذكر قتل الحسين، والمشرع الروي : 54/1 - 55 .
6 - (حكاية أخرى) قال في «الجواهر» حكي عن عبد العزيز البغدادي قاضي الحنابلة، وكان من جلساء المؤيد، رأى كأنه بالمسجد النبوي وكأن القبر الشريف انفتح وخرج النبي صلى الله عليه و آله و سلم وجلس على شفيره وعليه أكفانه، وأشار بيده إليّ، فقمت إليه حتى دنوت منه، فقال لي : قل للمؤيد أفرج عن عجلان، وكان أمير المدينة، وكانت سنة 823 ، فلما انتبهت صعدت إلى السلطان وحلفت له بالإيمان الغليظة اني ما رأيت عجلان قط، ولا بيني وبينه معرفة، ثم قصصت عليه الرؤيا فسكت، ثم لما انقضى المجلس قام بنفسه واستدعى بعجلان من مجلسه بالبرج، وأفرج عنه وأحسن إليه (1).
1) جواهر العقدين : 367 الباب 12 ، وغرر البهاء الضوي : 542 تتمة تتضمن عناية الله بهم، والصواعق : 243 ط. مصر و 362 ط. بيروت - خاتمة في أمور مهمة، وينابيع المودة: 395 ط. اسلامبول وط. النجف : 474 باب 66.
7 - (حكاية أخرى) نقل في «الجواهر» قال : حكى الزبير بن عبد الرحمن البغدادي عن بعض أمراء تيمورلنك انه لما مرض تيمورلنك مرض الموت اضطرب في بعض الليالي اضراباً شديداً، واسود وجهه وتغير، ثم أفاق وذكرو له ذلك.
فقال لهم: ان ملائكة العذاب أتوني فجاء رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فقال لهم : اذهبوا عنه فانه كان يحب ذريتي ويحسن إليهم.
وقال : ونحو ذلك ما حكاه بعض القراء على قبر تيمورلنك المذكور قال : كنت إذا حضرت مع القراء قرأت القرآن، وإذا خلوت جعلت أكرر (خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسكلوه) وأُكثر من تلاوتها، فبينما أنا في بعض الليالي نائم إذ رأيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم وهو جالس وتيمورلنك إلى جانبه.
قال : فنهرته، وقلت إلى هنا يا عدو الله وصلت، وأردت أن أجره لاقيمه من جانب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم .
فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : دعه فانه كان يحب ذريتي، فانتبهت مرعوباً وتركت ما كنت أقرؤه في الخلوة (1).
1) جواهر العقدين : 375 الباب 13 ، وغور البهاء الضوي: 550 تتمة تتضمن عناية الله بهم.
8 - (حكاية أخرى) عن ميمون بن مهران قال: كان بالكوفة رجل يكنى أبا جعفر، وكان حسن المعاملة وكان إذا أتاه أحد من العلوية يطلب ما عنده لا يمنعه، فإن كان معه ثمنه أخذه وإلّا قال لغلامه : اكتب ثمن ما أخذه على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فعاش كذلك زماناً ، ثم افتقر وجلس في بيته، وكان ينظر إلى دفاتر، فإن وجد فيهم حياً بعث من يقبضه وان وجد ميتاً ضرب على اسمه.
فبينما هو ذات يوم جالس على باب داره ينظر في ذلك الدفتر، إذ مر به رجل فقال له : - كالمستهزيء به - ما فعل غريمك الكبير، يعني علياً، فاغتم الرجل لذلك ودخل منزله.
فلما كان الليل رأى النبي صلى الله عليه و آله و سلم وكان الحسن والحسين يمشيان بين يديه، فقال لهما : ما فعل أبوكما، فأجابه علي كرم الله وجهه من ورائه، فقال: ها أنا ذا يا رسول الله ، فقال : مالك لا تدفع إلى هذا الرجل حقه، فقال : يا رسول الله هذا حقه قد جئت به.
قال فأعطه.
قال: فناولني كيساً من صوف، وقال هذا حقك.
فقال لي رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم خذه ولا تمنع من جاءك من ولده يطلب ما عندك، فامض لا فقر عليك بعد اليوم.
قال فانتبهت والكيس بيدي فناديت امرأتي أنائم أنا أم يقظان.
فقالت : بل يقظان.
قال : فاسرجت فناولتها الكيس، فإذا فيه ألف دينار.
فقالت : يا رجل اتق الله لا يكون الفقر حملك على ان خدمت بعض هؤلاء التجار، فأخذت ماله.
قلت : لا والله، ولكن القصة كيت وكيت.
قالت : فإن كنت صادقاً فأنظر في حساب علي بن أبي طالب، فدعا بالدفتر فلم يجد به لا قليلا ولا كثيراً من ما كتب على علي بن أبي طالب (1).
1) جواهر العقدين: 361 الباب 12 ، وغرر البهاء الضوي: 492 فصل يتضمن عناية الله بهم.
9 - (حكاية أخرى) حكى الربيع بن سليمان قال: خرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام ومعي جماعة من أهل بلدي وأخي شقيقي، فدخلنا الكوفة نشتري حوايج فجعلت أدور في شوارعها، فإذا بخرابة فيها يغسل ميت وعنده امرأة عليها اطمار رثة ومعها سكين وهي تقطع وتضعه في قفة، فهالني ذلك وقلت: هذه ميتة لا يحل السكوت عليها، وربما تكون هذه امرأة طباخ، فتبعتها وهي لا تعلم، حتى انتهت إلى باب عال على دار كبيرة، فدقت الباب فأجيبت وقالوا من بالباب؟ فقالت: افتحوا أنا المشتبه حالها المحيرة في عيالها، ففتح الباب، فخرج إليها أربع بنات جميلات كأنهن الاقمار عليهن ثياب خلقات وفي وجوههن أثر الضرر، فدخلت العجوز ووضعت تلك القفة بينهن.
قال: نظرت من شق الباب فإذا دار خراب غير عامرة وقد رفعت العجوز رأسها وهي تبكي وتقول : يا أولادي اجتمعوا أوقدوا النار واضرموها وقطعوا اللحم واحمد الله واشكروه، ولله في خلقه ارادة واختيار، وهو مقلب القلوب والأبصار، ثم اجتمعن حول اللحم يشوينه، فلما رأيت ذلك داخلني أمر عظيم فناديت : يا أمة الله سألتك بالله لا تأكلي من هذه الميتة شيئاً.
فقالت : من أنت؟ قلت : رجل غريب الدار.
فقالت: وما الذي تصنع بنا يا غريب الدار، ونحن أسرى الاحكام والاقدار ولنا ثلاث سنين ليس لنا شفيق ولا معين، فماذا تريد من قصدك لبابنا وسؤالك عن حالنا.
فقلت : يا أمة الله ما أعلم أحداً تحل له الميتة إلّا فرقة من المجوس.
فقالت: يا هذا نحن قوم أشراف من أهل بيت النبوة، فكان أبو هؤلاء البنات شريفاً، فأبى أن يزوجهن إلّا من شريف ومات وخلف لنا أملاكاً وأمولاً، فأكلنا الكل ولم يبق لنا شيء، ولنا أربعة أيام لم نستطعم بطعام، ونحن نعلم ان الميتة حرام، لكن الضرورة وجوع الاولاد يحلها.
قال الربيع : فبكيت لسوء حالهن، فاقبلت إلى أخي وأنا باكي العين حزين القلب، فقلت: يا أخي بَدا لِيّ في الحج.
فقال: يا أخي لا تفعل ان الحاج يرجع وليس عليه ذنب. وان الله سبحانه وتعالى يخلف عليك جميع نفقتك.
فقلت : لا تزد علي، فأخذت منه ثيابي واحرامي ونفقتي وجميع ما كان لي معه، وكان معي ستمائة درهم، فأخذت بمائة درهم دقيقاً وبمائة درهم ثياباً وما يحتاجون إليه، وجعلت في الدقيق باقي الدراهم، وأقبلت بذلك كله إلى دار العجوز، فناديتها فخرجت إليّ فناولتها جميع ما جئت به، فشكرت الله تعالى وقالت : اذهب يا ابن سليمان غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ورزقك أجر الحج والعمرة وأسكنك جنته وأخلف عليك خلفاً يبين عليك.
(قال الربيع) فعهدي بالبنية الكبيرة تقول : ضاعف الله أجرك وغفر وزرك، وقالت الثانية : عوضك الله أكثر مما تصدقت به علينا. وقالت الاخرى : حشرك الله مع جدنا، وقالت الصغرى: الهي عجل على من أحسن الينا بالخلف واغفر له ما لحق من ذنبه وما سلف.
قال : وسار الحاج وبقيت في الكوفة إلى أن قدم الحجاج.
فقلت: والله لاستقبلنهم لعل دعوة مجابة. فخرجت فلما رأيت الركب قادماً عطلت مدامعي تأسفاً على تخلفي، وقلت : قبل الله سعيكم وأخلف نفقاتكم.
فقال رجل: ما هذا الدعاء، قلت دعاء من لم يدخل الباب ولم يقف مع الأحباب.
فقال : يا سبحان الله، ولماذا تنكر أما كنت معنا بعرفات أما رميت معنا الجمرات أما كنا جميعاً في الطواف.
فقلت في نفسي : هذا لطف من الله سبحانه وتعالى.
فقدم أهل بلدي.
فقلت: قبل سعيكم وغفرت ذنوبكم وتقبل حجكم.
فقال بعضهم: ألم تكن معنا بعرفات أما رميت معنا الجمرات.
فقلت : والله اني لأعجب من كلامك.
فقال : يا أخي وعلى ماذا تنكر، وهذا أخي ورفيقي يشهد لك، فاسأله فبادرني فقال: يا أخي ما الذي دعاك إلى أنكار الحج، أما كنت معنا بمكة والمدينة وزرت معنا النبي صلى الله عليه و آله و سلم ، ولما خرجنا من باب جبريل علیه السلام وازدحم الناس ناولتني الكيس الاحمر المكتوب على ختمه: «من عاملنا ربح».
وها هو ذا فهاكه. ثم سلم اليّ كيساً، والله ما أعرفه ولا رأيته قبل ذلك اليوم، وانصرفت إلى منزلي وصليت العشاء الآخرة وقضيت وردي ونمت متفكراً في قوله، وفيما دفع إلى الرجل، فرأيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قد أقبل فسلمت عليه وقبلت قدمه، فرد علي السلام وتبسم وقال :
يا ربيع كم نقيم لك الشهود وأنت لا تقبل، اعلم انه لما حضر قلبك وتصدقت بصدقتك على المرأة التي هي من أهل بيتي، وآثرت بزاد سفرك وتخلفت عن الحج سألت الله أن يعوضك خيراً مما أنفقت، فخلق الله تعالى ملكاً على صورتك يحج عنك كل سنة إلى يوم القيامة، وعوضك في الدنيا ستمائة دينار عن ستمائة درهم، فطب نفساً وقر عيناً، من عاملنا ربح.
ثم استيقظت وفتحت الكيس فإذا فيه ستمائة دينار (1).
1) تذكرة الخواص : 328 - 329 ذيل الكتاب، وجواهر العقدين : 363 الباب 12، وغرر البهاء الضوي : 537 تتمة تتضمن عناية الله بهم.
10 - (قلت) أورد السيد السمهودي في الجواهر حكاية تقرب من هذه من حيث المعنى.
قال : عن عبد الله بن المبارك وكان يحج سنة ویغزو سنة قال : فلما كانت السنة التي أحج فيها خرجت بخمسمائة دينار إلى موقف الجمال بالكوفة لاشتري جمالا فرأيت امرأة على بعض المزابل تنتف ريش بطة ميتة، فتقدمت إليها وقلت: لم تفعلين هذا؟
فقالت : يا عبد الله لا تسأل عما لا يعنيك.
قال : فوقع في خاطري من كلامها شيء، فألححت عليها، فقالت : يا عبد الله قد ألجأتني إلى كشف سري اليك أنا امرأة علوية ولي أربع بنات يتامى مات أبوهن من قريب وهذا اليوم الرابع ما أكلنا شيئاً، وقد حلت لنا الميتة، فأخذت هذه البطة أصلحها وأحملها إلى بناتي فنأكلها.
قال : فقلت في نفسي يا ابن المبارك أين أنت من هذه.
فقلت :. افتحي حجرك ففتحته، فصببت الدنانير في طرف ازارها وهي مطرقة لا تلتفت.
قال : ومضيت إلى المنزل ونزع الله من قلبي شهوة الحج في ذلك العام، ثم تجهزت إلى بلادي وأقمت حتى حج الناس وعادوا، فخرجت أتلقى جيراني وأصحابي، فجعلت كل من أقول له : قبل الله حجك وشكر سعيك، يقول لي : وأنت قبل الله حجك وشكر سعيك انا قد اجتمعت بك في مكان كذا وكذا، وأكثر الناس عليّ في القول، فبت مفكراً في ذلك فرأيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في المنام وهو يقول :
يا عبد الله لا تعجب فانك أغثت ملهوفة من ولدي فسألت الله ان يخلق ملكاً على صورتك يحج عنك كل عام إلى يوم القيامة، فإن شئت ان تحج وان شئت لا تحج انتهى.
روى ذلك سبط بن الجوزي (1).
1) تذكرة الخواص: 328 - 329 ذيل الكتاب، وجواهر العقدين : 362 الباب 11، وغرر البهاء الضوي : 537 تتمة تتضمن عناية الله بهم.
11 - (حكاية أخرى) ذكر ابو الفرج بن الجوزي قال : كان ببلخ رجل من العلويين نازلا بها كان له زوجة وبنات فتوفي الرجل.
قالت امرأته : فخرجت بالبنات إلى سمرقند خوفاً من شماتة الأعداء فوصلت في شدة البرد فادخلت البنات مسجداً ومضيت لاحتال لهن في القوت، فرأيت الناس مجتمعين على شيخ، فسألت عنه فقالوا : هذا شيخ البلد فتقدمت إليه وشرحت حالي له.
فقال: أقيمي عندي البينة انك علوية ولم يلتفت الي، فيئست منه وعدت إلى المسجد، فرأيت في طريقي شيخاً جالساً على دكة وحوله جماعة، فقلت من هذا؟ فقالوا : ضامن البلد وهو مجوسي، فقلت: عسى ان يكون عنده فرج، فتقدمت إليه وحدثته حديثي وما جرى لي مع شيخ البلد وان بناتي في المسجد ما لهم شيء يقتاتونه به، فصاح بخادم له فخرج فقال : قل لسيدتك تلبس ثيابها، فدخل وخرجت امرأته معها جواري، فقال لها : اذهبي مع هذه المرأة إلى المسجد الفلاني واحملي بناتها إلى الدار.
فجاءت معي وحملت البنات وقد أفرد لنا دار في داره، أدخلنا الحمام وكسانا ثياباً فاخرة ومال علينا بألوان الاطعمة وبتنا بأطيب ليلة، فلما كان نصف الليل رأى الشيخ البلد المسلم في منامه كأن القيامة قد قامت واللواء على رأس محمد صلى الله عليه و آله و سلم ، وإذا قصر من الزبرجد الأخضر، فقال لمن هذا القصر؟
فقيل لرجل مسلم موحد، فتقدم إلى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فأعرض عنه، فقال: يا رسول الله تعرض عني وانا رجل مسلم؟!
فقال له : أقم البينة عندي انك مسلم. فتحير الرجل.
فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : نسيت ما قلت للعلوية بالامس. وهذا القصر للشيخ الذي هي في داره، فانتبه الرجل وهو يلطم ويبكي، وبث غلمانه في البلد وخرج بنفسه يدور على العلوية، فأخبر انها في دار المجوسي، فجاء إليه : فقال أین العلوية؟ قال: عندي.
قال: إني أريدها.
قال: ما إلى هذا سبيل.
قال: هذه ألف دينار وسلمهن الي.
قال: لا والله ولا بمائة ألف. فلما ألح عليه، قال: المنام الذي رأيته أنت رأيته أنا، والقصر الذي رأيته لي خلق وأنت تدل علي باسلامك، والله ما بت ولا أحد في داري إلّا وقد أسلمنا كلنا على يد العلوية، وقد عادت بركتها علينا، ورأيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فقال لي : القصر لك ولأهلك بما فعلت مع العلوية، وأنتم من أهل الجنة خلقكم الله تعالى مؤمنين في القدم (1).
1) تذكرة الخواص : 330 ذيل الكتاب، وجواهر العقدين: 363 الباب 11، وقرر البهاء الضوي : 538 تتمة تتضمن عناية الله بهم، وضوء الشمس : 109/1.
12 - (حكاية أخرى) عن أبي الحسن علي بن ابراهيم بن عثمان الرقي الدقاق انه قال: ورد علينا ذات يوم فقير علوي من ولد الحسين بن علي علیهما السلام فقال : أعطني مائة من دقيقاً.
فقلت له : زن الثمن.
فقال ليس معي شيء ولكن اكتب على جدي رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، فدفعت إليه ما طلب وكتبت الثمن على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، فسمع العلويون فكانوا يجيئون فيسألوني فاعطيهم ويقولون : اكتب على جدنا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، فلم أزل أدفع إليهم حتى لم يبق لي شيء، فأقمت اياماً على شدة واضاقة، فدخلت على السيد عمر بن يحيى العلوي وعرضت عليه الخطوط وشكوت إليه الفقر فامسك عن جوابي، فلما كانت تلك الليلة نمت فرأيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم ومعه علي بن أبي طالب، فقال لي النبي صلى الله عليه و آله و سلم : يا أبا الحسن أتعرفني؟ قلت: نعم، أنت محمد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم .
قال: فلم تشكوني وأنت تعاملني؟
قلت : یا رسول الله افتقرت.
فقال صلى الله عليه و آله و سلم : ان كنت عاملتني في الدنيا أوفيتك، وان كنت عاملتني للآخرة فاصبر، فإني نِعم الغريم.
فجزع الرجل جزعاً شديداً فانتبه وهو يبكي، وخرج سائحاً في البراري والجبال، فلما كان بعد أيام وجد ميتاً في كهف جبل فحمله ودفنه، ففي تلك الليلة رأه سبعة نفر من صالحي أهل الكوفة في المنام وعليه حلل من الاستبرق وهو يمشي في رياض الجنة، فقالوا له : أنت أبو الحسن؟ قال : نعم.
فقالوا : كيف وصلت إلى هذه النعمة؟
فقال: من عامل محمداً صلى الله عليه و آله و سلم وصل إلى ما وصلت إليه، إلا وإني رفيق لمحمد صلى الله عليه و آله و سلم رزقت ذلك لصبري (1).
1) غرر البهاء الضوي: 548 تتمة تتضمن عناية الله بهم.
13 - قلت: أرجو من كرم الله تعالى لأبي دلف العجلي أن يصير إلى مثل ما صار إليه أبو الحسن المذكور في هذه القصة.
فقد نقل ابن خلكان عن بعض المجاميع : أن أبا دلف المذكور لما مرض مرض موته حجب الناس عن الدخول إليه، فاتفق انه أفاق في بعض الايام فقال لحاجبه : مَن بالباب من المحاويج ، فقال عشرة من الاشراف قدموا من خراسان ولهم بالباب عدة أيام، فاستدعاهم فرحب بهم وسألهم عن قدومهم.
فقالوا : ضاقت بنا الاحوال وسمعنا بكرمك فقصدناك، فأخرج عشرين كيساً في كل كيس ألف دينار ودفع لكل واحد كيسين، ثم أعطى لكل واحد مؤنة طريقه وقال : لا تفتشوا الاكياس حتى تصلوا بها سالمة إلى أهلكم واصرفوا ذلك في مصالح الطريق، ثم قال : ليكتب لي كل واحد منكم بخطه :
انه فلان بن فلان حتى ينتهي إلى علي بن ابي طالب، ويذكر جدته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، ثم يكتب يا رسول الله اني وجدت اضاقة فقصدت أبا دلف العجلي فأعطاني ألفي دينار كرامة لك وطلباً لمرضاتك ورجاء لشفاعتك.
فكتبوا وتَسَلَم الاوراق وأوصى من يتولى تجهيزه إذا مات أن يضع تلك الاوراق في كفنه حتى يلقى بها رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ويعرضها عليه (1).
1) غرر البهاء الضوي: 548 تتمة تتضمن عناية الله بهم.
14 - (حكاية أخرى) عن علي بن عيسى قال : كنت أحسن إلى العلوية، وكان من جملتهم شيخ من أولاد موسى الكاظم، فاتفق اني عبرت يوماً فوجدت سكران قد تقيأ وتلطخ بالطين، فقلت في نفسي لا منعنه الجاري في هذه السنة، قال فلما حضرني وطالبني بالرسم المذكور قلت : أما رأيتك في الشتاء وأنت سكران، انصرف ولا تعد بعد هذا.
قال : فلما نمت تلك الليلة رأيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في المنام، وقد اجتمع عليه الناس، فتقدمت إليه فأعرض عني، فشق ذلك عليّ وساءني، فقلت: يا رسول الله هذا مع كثرة احساني إلى أولادك وبري لهم وكثرة صلاتي عليك فكافأتني ان تعرض عني؟!
فقال: بلى، لم رددت ولدي فلاناً عن بابك؟
فقلت : اني رأيته على فاحشة ووصفت الحال وقلت : إنما امتنعت من دفع جائزته لئلا أعينه على معصية الله عزوجل.
فقال صلى الله عليه و آله و سلم : أكنت تعطيه ذلك لأجله أو لأجلي.
فقلت : بل لأجلك.
قال : فكنت سترت عليه ما عثرت عليه منه لأجلي ولكونه من بعض أحفادي.
فقلت : حباً وكرامة.
فانتبهت من المنام، فلما أصبحت أرسلت في طلب ذلك الشيخ، فلما انصرفت من الديوان ودخلت الدار أمرت بادخاله، وتقدم إلى الغلام وامرته أن يحمل إليه
عشرة آلاف درهم وقربته وأكرمته وقلت له : إن أعوزك شيء فعرّفنا، وصرفته مسرواً.
فقال : والله لا أنصرف حتى أعرف سبب ابعادك لي بالامس وتقريبك اليوم واضعافك العطية، فأخبرته بما رأيته في المنام، فدمعت عيناه.
وقال : نذرت لله نذراً واجباً أن لا أعود لمثل ما رأيتني، ولا أرتكب معصية أبداً وأحوج جدي إلى ان يجادلك من جهتي، ثم تاب وحسنت توبته (1).
1) جواهر العقدين: 373 الباب 12، وغرر البهاء الضوي : 548 تتمة تتضمن عناية الله بهم، وينابيع المودة : 393ط. اسلامبول وط. النجف : 467 باب 66 .
15 - (حكاية أخرى) حكى أن المهدي العباسي انتبه ليلة من منامه فزعاً مرعوباً، واستحضر صاحب الشرطة وأمره باطلاق العلوي الحسني من المطبق ويسلم إليه ألف دينار ويخيره بين المقام مكرماً وبين الرواح إلى أهله بما يطيب به قلبه.
فجاء صاحب الشرطة إلى المطبق وأخرج العلوي كالشن البالي وفعل ما أمره أمير المؤمنين وأخبره، فاختار الرواح إلى أهله، فأتاء بمركوب فلما أراد أن يركب قال له الشرطي : بالذي فرج عنك هل تعلم ما دعا أمير المؤمنين إلى اطلاقك؟
قال: أي والله كنت نائماً فرأيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في المنام فقال لي : أي بني ظلموك؟ فقلت : نعم يا رسول الله.
قال: قم فصل ركعتين وقل بعدهما :
يا سابق الفوت يا سامع الصوت يا كاسي العظام لحماً بعد الموت، صل على محمد وعلى آل محمد واجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً انك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب يا أرحم الراحمين.
قال : فقلت ما قال علیه السلام وما أمرني به من الدعاء، وجعلت اكرر هذه الكلمات إلى ان دعوتني.
قال الشرطي : فلما عدت إلى عند المهدي حدثته الحديث، فقال : صدق اني والله كنت نائماً فرأيت في منامي كان زنجياً بيده عمود من حديد وهو قائم على رأسي
يقول : أطلق العلوي الحسيني وإلّا قتلتك، فانتبهت مرعوباً وما جسرت على العود إلى النوم حتى جئتني بإطلاقه (1).
1) جواهر العقدين: 367 الباب 12 وقال : ذكره المسعودي عن الامام الكاظم مع الرشيد، وغرر البهاء الضوي: 543 تتمة تتضمن عناية الله بهم عن البارزي في توثيق عرى الايمان، ينابيع المودة : 396 ط. اسلامبول وط. النجف : 475 باب 66.
16 - (حكاية أخرى) حكى ان شخصاً من أعيان المغاربة عزم على التوجه إلى الحج من بلاده قال : فاحضر إليه شخص من أهل الثروة مبلغاً أظنه قال مائة دينار، وقال له : إذا وصلت إلى المدينة النبوية فسل عن شخص من الاشراف بها يكون صحيح النسب فتدفع ذلك إليه عسى ان يكون لي بذلك وصلة بجده صلوات الله عليه وعلى آله.
قال: فلما رجع إليهم ذلك المغربي أخبره انه قدم المدينة وسأل عن اشرافها فقيل له : ان نسبهم صحيح، غير أنهم من الشيعة الذين يسبون الشيخين، قال: فکرهت دفع ذلك لأحد منهم ، قال : ثم جلس الي واحد منهم، أو قال: جلست إليه فسألته عن مذهبه، فقال شيعي، فقلت له : لو كنت من أهل السنة لدفعت إليك مبلغاً عندي، قال : فشكا فاقة وشدة حاجة، وسألني شيئاً منه، فقلت: لا سبيل لك إلى ان أعطيك شيئاً منه، فذهب عني، قال: فلما نمت تلك الليلة رأيت كأن القيامة قامت والناس يجوزون على الصراط، فاردت ان أجوز فأمرت فاطمة علیها السلام بمنعي ، فمنعت فصرت استغيث فلا اجد مغيثاً حتى اقبل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، فاستغثت به وقلت: يا رسول الله فاطمة منعتني من الجواز على الصراط، فالتفت إليها صلى الله عليه و آله و سلم وقال لها : لم منعت هذا؟
فقالت له : لأنه منع ولدي رزقه.
قال : فالتفت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وقال : قد قالت : انك منعت ولدها رزقه.
فقلت : والله يا رسول الله ما منعته إلّا لأنه يسب الشيخين.
قال : فالتفتت فاطمة رضی الله عنها إلى الشيخين وقالت لهما : أتؤاخذان ولدي بذلك؟ فقالا : لا ، بل سامحناه.
قال : فالتفتت الي وقالت: فما ادخلك بين ولدي وبين الشيخين.
فانتبهت فزعاً وأخذت المبلغ وجئت به إلى ذلك الشريف فدفعته إليه فتعجب من ذلك وقال : بالامس اسألك في يسير منه فامتنعت والآن كيف جئتني به ! .
قال: فقصصت عليه الرؤيا فبكى وقال : اشهدك علي واشهد الله ورسوله إني لا أسبهما ما حييت (1).
1) جواهر العقدين : 353 الباب 11 ، وغرر البهاء الضوي: 551 تتمة تتضمن عناية الله بهم.
17 - (حكاية أخرى) عن علي بن محمد المغربي انه كان بالمدينة الشريفة فقال له الشيخ العابد أبو علي الفاسي، وهما بالروضة النبوية : اني كنت أبغض اشراف المدينة بني حسين لما يظهرون من التعصب على أهل السنة ويتظاهرون به من البدع، فرأيت وانا نائم بالمسجد النبوي تجاه القبر الشريف رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وهو يقول: يا فلان - باسمي - مالي اراك تبغض أولادي؟
فقلت : حاشا لله ما أكرههم، وإنما كرهت منهم ما رأيت من تعصبهم على أهل السنة.
فقال لي : مسألة فقهية؟ أليس الولد العاق يلحق بالنسب؟
قلت: بلى يا رسول الله.
فقال : هذا ولدي عاق، قال: فلما انتبهت صرت لا ألقى من بني حسین اشراف المدينة أحداً إلّا بالغت في إكرامه (1).
1) فضل آل البيت للمقريزي : 111 ذيل الكتاب، والصواعق المحرقة : 243 ط. مصر و 361 ط. بيروت - خاتمة في أمور مهمة، وضوء الشمس : 109/1 ، وجواهر العقدين: 355 الباب 11، وغرر البهاء الضوي: 551 تتمة تتضمن عناية الله بهم و 498 الفصل الثامن، وينابيع المودة : 393 ط. اسلامبول وط. النجف : 471 باب 66.
18 - (حكاية أخرى) قال السيد السمهودي في كتابه «جواهر العقدين» : من العجب أن أبا المحاسن نصر الله بن عنين الشاعر توجه إلى مكة المشرفة ومعه مال وقماش، فخرج عليه بعض الاشراف من بني داود المقيمين بالصفراء، فاخذوا ما كان معه وجرحوه، فكتب قصيدة إلى الملك العزيز طغتكين بن أيوب يحرضه على المذكورين مطلعها :
اعبت صفات نداك المصقع اللسنا *** وحزت في الجود حد الجود والحسنا
ومنها
فإن اردت جهاداً روّ سيّفك من *** قوم اضاعوا فروض الله والسننا
ولا تقل انهم أولاد فاطمة *** لو ادركوا ال حرب حاربوا الحسنا
فلما نظم هذه القصيدة رأى في المنام فاطمة علیها السلام وهي تطوف بالبيت، فسلم عليها، فلم تجبه، فتضرع إليها وتذلل وسألها عن ذنبه الذي أوجب ذلك فأنشدته :
حاشا بني فاطمة كلهم *** من خسة تعرض أو من خنا
وإنما الأيام في غدرها *** وفعلها السيء ساءت بنا
أإن ساء مِن ولدي واحد *** تجعل كل السب عمداً لنا
فتب إلى الله فمن يقترف *** اثماً بنا يأمن مما جنا
اكرم لعين المصطفى احمد *** ولا تهن من آله اعينا
فكل ما نالک منهم غداً *** تلقى بها في الحشر منا المنا
قال أبو المحاسن : فانتبهت من منامي فزعاً، وقد اكمل الله تعالى عافيتي من
الجراح والمرض، فكتبت الابيات وحفظتها وتبت إلى الله تعالى مما قلت، وقطعت تلك القصيدة وقلت :
عذراً إلى بنت نبي الهدى *** تصفح عن ذنب محب جنا
وتوبة تقبلها من اخي *** مقالة توقعه في العنا
والله لو قطعني واحد *** منهم بسيف البغي أو بالقنا
لم ار ما يفعله سیأ *** بل انه في الفعل قد احسنا
انتهى مع اختصار (1).
1) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : 130 - 132 ط. النجف و 109 - 110 ط. الهند الثانية والقصة طويلة اختصرها المصنف، وجواهر العقدين : 355 الباب 11 وذكر أن القصة مشهورة وموجودة في ديوان ابن عنين وكتاب الدر النظيم.
19 - (حكاية أخرى) قال السيد محمد بن علوي خرد في كتابه «غرر البها الضوي في مناقب الفقهاء من بني علوي» قال : روى الشيخ الكبير العارف بالله تعالى عمر المحضار بن عبد الرحمن السقاف : انه لما بطش والي تريم دويس بن راصع بعبد الله بن أحمد علوي قال الشيخ عبد الرحمن: رأيت الإمام علي بن أبي طالب أتي إلى تريم مغضباً مشمراً عن ساقيه، وأراد بهم سوأً ، قال الشيخ: فتقدمت إليه واعتذرت عنده فلم أزل أسكنه حتى سكن غضبه.
فقال لي: يا شيخ عبد الرحمن يفعل بعبد الله هكذا ولم تحتم عليه، أن لم تحتم عليه لأجل القرابة احتم عليه لأجلنا (1).
1) غرر البهاء الضوي: 552 تتمة تتضمن عناية الله بهم.
20 - (حكاية أخرى) عن الشيخ الزاهد عبد الرحمن بن عمر بن أبي حميد قال : كان لي حال مع الله فقدته، فمكثت زماناً اتطلب من يرده علي فلم اجد ذلك، فرأيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فشكوت إليه فقد حالي.
فقال : اذهب إلى أولادي بني علوي بتريم واقصد ولدي الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن علي، فإنه يرده عليك.
فسافرت باهلي من الساحل إليه، فلما نظرني قال لي : مسكين يا حميد فقد حاله ثم أمر بعض فقرائه يأتي بطعام، فلما أتى به الفقير أخذ الشيخ منه لقمة فأطعمني إياها، فلما وجلت بطني وجدت جميع حالي الذي فقدته، ثم اطعمني أخرى فوجدت حالاً لم أعرفه (1).
1) غرر البهاء الضوي: 553 تتمة تتضمن عناية الله بهم.
21 - (حكاية أخرى) روى السيد محمد الخرد المذكور عن الشيخ عمر بن عبد الرحمن المذكور قال : ظهرت نفسي على زوجتي، وتكلمت عليها بكلام اغضبها ، فلما أصبحت إذ برجل من الأخيار أعرفه، وكان ذلك الرجل كثير الرؤيا للنبي صلى الله عليه و آله و سلم فقلت له : هل رأيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ؟
فقال : نعم رأيته البارح مقبلا من جهة مكانكم .
فقلت له : من أين جئت يا رسول الله؟
قال : أردنا عند هذا الرجل عمر بن عبد الرحمن فوجدناه يوبخ زوجته فرجعنا عنه .
ثم قال: أما علم أنها ابنتنا يؤذينا ما يؤذيها، أو كما قال (1).
1) غرر البهاء الضوي : 553 تتمة تتضمن عناية الله بهم.
22 - (حكاية أخرى) عن بعض الفقهاء، وكان يرى النبي صلى الله عليه و آله و سلم دائماً فوجد بعض اشراف مكة حرسها الله تعالى يشرب خمراً، فغضب ذلك الفقيه وثار عليه وشتمه على فعله وقال : لو كان هذا جده النبي صلى الله عليه و آله و سلم لهداه، أو نحو هذا.
فلما نام ذلك الفقيه تلك الليلة : رأى النبي صلى الله عليه و آله و سلم وفخذه مكشوفة وهو معرض عنه، فأراد الفقيه أن يغطي فخذ النبي صلى الله عليه و آله و سلم .
فقال النبي صلى الله عليه و آله و سلم : أتغطيها وما كشفها إلّا أنت.
فقال يا رسول الله : بأي سبب؟
فقال صلى الله عليه و آله و سلم : بشتمك لفلان إذا لم تدعه لنفسك فدعه لنا، وسمى ذلك الشريف (1).
1) غرر البهاء الضوي: 554 تتمة تتضمن عناية الله بهم.
23 - (حكاية أخرى) وروي أيضاً ان تاجراً من تجار اليمن سافر بمال إلى مكة، فلما وصل إليها اخذ منه حسن بن عجلان الشريف الحسيني سلطان مكة، العشور المعتاد الذي يؤخذ من التجار المسافرين، فصار ذلك يتكلم عليه حيث جار عليه، وينسبه إلى الظلم وعدم الخوف من الله تعالى.
فلما كان ليلة من الليالي رأى ذلك التاجر النبي صلى الله عليه و آله و سلم معرضاً عنه، فقصده التاجر ليصافحه فدفعه صلى الله عليه و آله و سلم في صدره.
فقال : ما ذنبي يا رسول الله ، وقصده ثانياً ليصافحه، فكان ما كان منه أولاً ، وقال له بعد ذلك : إرض فاطمة، وكانت علیها السلام بقربه، ولم يرض عنه النبي صلى الله عليه و آله و سلم حتى ذهب إلى ابنته فاطمة وقال لها : ما ذنبي.
فقالت له : ابني عجلان حيث شتمته ووبخته على شتمه (1).
1) غرر البهاء الضوي: 554 تتمة تتضمن عناية الله بهم.
24 - (حكاية أخرى) قال في «توثيق عرى الإيمان» روي : ان نصر بن أحمد صاحب خراسان استعمل رجلا من بلخ عليها ، وجعل الحجبة إلى صاحب يقال له الطغتاج، فقام نصر يوماً وقت الظهيرة وجلس صاحبه طغتاج في موضع رسمه، فجاءت امرأة علوية متظلمة وقالت : جئت من بلخ اشكو عاملها فاخبر الامير بذلك، فقال الحاجب: ان هذا ليس وقت الدخول عليه، ثم تفكر وقال من أولاد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم كيف أردها، فدخل فوجده نائماً وعند رأسه سيف مسلول، فقال: لا يمكنني ايقاظه فرجع، ثم قال لنفسه : ولد من أولاد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، فرجع مراراً عديدة وكلما رآه نائماً يبدو له فينصرف، فأحس الامير بذلك واعتقد انه دخل عليه ليكيده كيداً، فقام وفزع منه وأخذ السيف، وقال: ما حملك على هذا، فقص عليه القصة، فقال : علي بالمرأة، فدخلت ومعها بنية فشكت من عامل بلخ، فأمر لها بعشرة آلاف درهم وبغلة وثلاث تخوت ثياب، وكتب لها كتاباً إلى والي بلخ بما التمست، ورجعت المرأة ونام الملك نصر فرأى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم كأنه قال :
حفظ الله حرمتك كما حفظت حرمتي.
فانتبه ودعا الحاجب وقال : اني رأيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فقص عليه الرؤيا واحضر الفقهاء وكتب إلى سائر البلدان بالاحسان إلى آل محمد صلى الله عليه و آله و سلم (1).
1) جواهر العقدين : 372 الباب 12 ، وغرر البهاء الضوي : 547 تتمة تتضمن عناية الله بهم، وينابيع المودة : 392 ط. اسلامبول وط. النجف : 470 باب 66.
25 - (حكاية أخرى) روى أبو الفرج بن الجوزي باسناد إلى ابن الخصيب قال : كنت كاتباً للسيدة أم المتوكل فبينما انا في الديوان إذ انا بخادم صغير قد خرج من عندها ومعه كيس فيه ألف دينار فقال : قالت السيدة : فرق هذا في أهل الاستحقاق، فهو من أطيب مالي، واكتب أسامي الذين تفرقه عليهم حتى إذا جاء من هذا الوجه شيء صرفته إليهم.
قال : فمضيت فجمعت اصحابي وسألتهم عن المستحقين فسموا لي أشخاصاً ففرقت فيهم ثلاثمائة دينار، وبقي الباقي بين يدي إلى نصف الليل، فإذا بطارق على باب داري فقلت : من؟
قال : فلان العلوي، وكان جاري ولم يقصدني من مدة فأذنت له فدخل ففرحت به وقلت له : ما الذي عناك في هذه الساعة؟
فقال : طرقة طارق من أولاد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ولم يكن عنده ما يطعمه فأعطيته ديناراً فأخذه وشكرني وانصرف، فلما خرج إلى الدار خرجت زوجتي وهي تبكي وتقول : أما تستحي يقصدك مثل هذا الرجل وتعطيه ديناراً واحداً، وقد عرفت استحاقه، أعطه الكل.
قال : فوقع كلامها في قلبي فقمت خلفه وناولته الكيس فأخذه وانصرف، فلما عدت إلى الدار ندمت وقلت : الساعة يصل الخبر إلى أم المتوكل وهي تمقت العلويين فتنكلني .
فقالت : لا تخف واتكل على الله وعلى جدهم صلى الله عليه و آله و سلم .
فبينما نحن كذلك إذ بالباب يطرق والمشاعل والشموع بأيدي الخدم، وهم
يقولون: أجب السيدة قال فقمت مرعوباً، والرسل تتواتر كلما مشيت قليلاً فأدخلوني من دار إلى دار حتى وقفت عند ستر السيدة، وقال لي الخادم : السيدة قدامك، فسمعت كلامها وهي تنتحب، ثم قالت : يا أحمد جزاك الله خيراً كنت الساعة نائمة فرأيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم جاءني وقال لي : جزاك الله خيراً وجزى زوجة الحصيب خيراً.
فما معنى هذا؟ فحدثتها الحديث وهي تبكي، فاخرجت دنانير وكسوة وقالت : هذا للعلوي، فأخذت المال وجعلت طريقي على بيت العلوي وطرقت الباب، فإذا من يقول: هات ما معك يا أحمد وأخرج، وهو يبكي.
فسألته عن بكائه فقال لي : لما دخلت منزلي قالت لي زوجتي : ما هذا الذي معك؟ فعرّفتها، فقالت لي : قم بنا نصلي وندعوا للسيدة وأحمد وزوجته، فصلينا ودعونا، ثم نمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وهو يقول : قد شكرتهم على ما فعلوا والساعة يأتونك بشيء فاقبله منهم (1).
1) جواهر العقدين : 364 الباب 12 ، وغرر البهاء الضوي: 540 تتمة تتضمن عناية الله بهم، وتذكرة الخواص: 331 ذيل الكتاب.
26 - (حكاية أخرى) نقل السمهودي عن ابن أبي الدنيا : ان رجلا رأى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في المنام وهو يقول : امض إلى فلان المجوسي وقل له : قد أجيبت الدعوة، فامتنع الرجل من اداء الرسالة لئلا يظن المجوسي أنه يتعرض له ، وكان الرجل في دنيا واسعة، فرأى الرجل النبي صلى الله عليه و آله و سلم ثانياً ، فاصبح وأتى المجوسي وقال له : في خلوة من الناس : ان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أرسلني إليك، وهو يقول لك : قد أجيبت الدعوة ، فقال له : أتعرفني؟
قال: نعم، قال: فإني أُنكر دين الإسلام ونبوة محمد صلى الله عليه و آله و سلم.
قال : وانا أعرف هذا، وهو الذي أرسلني اليك مرة ومرة، فقال: انا أشهد أن لا اله إلّا الله وان محمداً رسول الله، ودعا أهله وأصحابه : وقال لهم كنت على ضلال وقد رجعت إلى الحق فأسلموا، فمن أسلم بما في يده فهو له، ومن أبی فلينزع مالي من عنده.
قال: فأسلم القوم وأهله وكانت له ابنة مزوجة من ابنه ففرق بينهما ، ثم قال لي : أتدري ما الدعوة؟
قلت : لا والله اني أريد أن أسألك الساعة.
قال: لما زوجت ابنتي صنعت طعاماً ودعوت الناس فأجابوا وكان إلى جانبي قوماً أشراف فقراء لا مال لهم، فأمرت غلماني أن يبسطوا لي حصراً في وسط الدار.
قال: فسمعت صبية تقول لأمها ، يا أماه قد آذانا هذا المجوسي برائحة طعامه ،
قال : فأرسلت إليهن بطعام كثير وكسوة ودنانير للجميع ، فلما نظروا إلى ذلك قالت الصبية : للباقيات والله ما تأكلون حتى ندعوا له ، فرفعن أيديهن وقلن : حشرك الله مع جدنا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، وأمَّن بعضهم، فتلك الدعوة التي أجيبت (1).
1) جواهر العقدين : 364 الباب 12، وغرر البهاء الضوي : 539 تتمة تتضمن عناية الله بهم، وتذكرة الخواص: 331 ذيل الكتاب عن كتاب الجوهري.
27 - (حكاية أخرى) نقل المسعودي في كتابه «مروج الذهب» عن اسحق ابن ابراهيم بن مصعب، وكان على شرطة بغداد : انه رأى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في منامه وهو يقول له : أطلق القاتل، فانتبه مرعوباً، وسأل أصحابه فقالوا : عندنا رجل اتهم بقتل فأحضره وقال : اصدقني الحديث.
فقال : انا أخبرك : نحن جماعة نجتمع على المحرمات كل ليلة فلما كان بالامس جاءت عجوز كانت تختلف الينا تجلب لنا النساء، فدخلت الدار ومعها جارية بارعة الجمال، فلما دخلت الدار ورأت ما نحن عليه، صاحت صيحة وأغمي عليها، فأدخلتها بيتاً ، فلما أفاقت سألتها عن حالها ، فقالت: يا فتيان الله الله فيّ فإن هذه العجوز غرتني وأخبرتني ان عندها حقاً ليس في الدنيا مثله، وشوقتني إلى النظر إلى ما فيه، فخرجت معها ثقة بقولها لأنظر فيه، فهجمت بي عليكم، فأنا شريفةٌ وجدي رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وأمي فاطمة فاحفظوهم فيّ.
فخرجت إلى أصحابي وعرفتهم حالها وقلت : لا تتعرضوا لها فكأني أغريتهم، فقاموا فقالوا : لما قضيت حاجتك منها صرفتنا عنها، قال : فقمت دونها وقلت : والله ما يصل أحد منكم إليها وأنا حي، فتفاقم الأمر إلى أن نالني جراح وعمدت إلى أشدهم حرصاً على ذلك فقتلته، ثم حاميت عنها إلى ان خلصتها، وأخرجتها وهي تقول : سترك الله كما سترتني وكان لك كما كنت لي.
وسمع الجيران الصيحة فاجتمعوا ودخلوا الدار والسكين في يدي والرجل مقتول، فجاؤوا بي إلى الشرطي في تلك الحال.
1) مروج الذهب : 375/2 ط. مصر 1346 و 13/4 - 14 ط. بيروت - ذكر خلافة المتوكل، وجواهر العقدين: 365 الباب 12 ، وضرر البهاء الضوي: 541 تتمة تتضمن عناية الله بهم، وتذكرة الخواص: 332 ذيل الكتاب.
28 - (حكاية أخرى) حكى المقريزي عن شمس الدين العمري قال : سرت يوماً في خدمة الجمال محمود العجمي المحتسب من منزله ومعه نوابه واتباعه إلى بيت الشريف عبد الرحمن الطباطبي، فاستأذن عليه فخرج إليه فادخله منزله ودخلنا معه، وعظم عليه مجيء المحتسب إليه، فلما اطمأن به المجلس، قال للشريف : يا سيدي حاللني .
فقال : مماذا يا مولانا.
فقال : إنك لما جلست البارحة عند السلطان الظاهر فوقي عزّ ذلك علي وقلت في نفسي: كيف يجلس هذا فوقي، فلما كان الليل رأيت في منامي النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقال لي : يا محمود تأنف ان تجلس تحت ولدي.
فبكى الشريف عند ذلك، وقال: من أنا حتى يذكرني رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، وبكى الجماعة، ثم سألوه الدعاء وانصرفوا (1).
1) فضل آل البيت للمقريزي : 114 ذيل الكتاب، والصواعق المحرقة : 243 ط. مصر و 361 ط. بيروت - خاتمة في أمور مهمة، وجواهر العقدين : 367 الباب 12، وقرر البهاء الضوي : 543 تتمة تتضمن عناية الله بهم.
29 - (حكاية أخرى) نقل البارزي في «توثيق عرى الإيمان» عن أبي النعمان قال : كان بعض الخراسانيين يحج في كل سنة، فإذا دخل المدينة النبوية أعطى طاهراً العلوي شيئاً، قال : فاعترضه رجل من أهل المدينة وقال له : انك لتضيع مالك.
قال : ولم؟
قال : لأن هذا العلوي يصرفه في غير طاعة الله.
قال : فلم يدفع إليه الخراساني في تلك السنة شيئاً.
قال : ولما جاء في العام الثاني دخل المدينة وفرق ما كان معوداً بصرفه ولم يدفع لطاهر العلوي شيئاً، فلما تجهز الخراساني في العام الثالث رأى النبي صلى الله عليه و آله و سلم وهو يقول : ويحك قبلت في طاهر العلوي كلام أعدائه وقطعت عنه ما كنت تبره به لا تفعل وأعطه ما فاته ولا تقطعه ما استطعت.
قال: فانتبه الخراساني مرعوباً ونوى ذلك وأخذ صرة فيها ستمائة دينار فعزلها معه في ناحية، فلما دخل المدينة بدأ بدار طاهر العلوي فدخل عليه ومجلسه حافل، فقال : یا فلان لو لم يبعثك رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ما كنت جئت وقبلت فينا قول عدو الله وقطعت عادتك، حتى لامك رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وأمرك ان تعطيني حق ثلاث سنين، ثم مد يده وقال : هات الستمائة الدينار.
قال : فداخل الخراساني الدهش وقال : هكذا كانت القصة، فمن أعلمك بذلك؟
فقال العلوي : ان معي خبرك في السنة الأولى لما قطعت رسمي أثر ذلك في
حالي، فلما كان العام الثاني بلغني دخولك المدينة وخروجك وضاق بي الامر، فرأيت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في منامي وهو يقول : لا تغتم فقد رأيت فلاناً الخراساني وعاتبته وأمرته أن يحمل اليك ما فاتك ولا يقطع عنك بره ما استطاع، فحمدت الله وشكرته، فلما رأيتك علمت ان المنام جاء بك.
قال: فأخرج الخراساني الصرة التي فيها الستمائة فدفعها إليه، وقبل يده وبين عينيه وسأله ان يجعله في حل من سماع قول ذلك العدو فيه.
(قال) السيد السمهودي بعد إيراده هذه القصة : وطاهر هذا هو طاهر بن يحيى بن الحسين بن جعفر الحجة بن عبيد الله بن زيد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم جد امراء المدينة النبوية وغالب من بها من اشراف بني حسين» انتهى كلام السمهودي (1).
1) جواهر العقدين : 371 الباب 12 ، وغور البهاء الضوي : 546 تتمة تتضمن عناية الله بهم، وينابيع المودة: 391 ط. اسلامبول وط. النجف : 469 باب 66.
30 - (حكاية أخرى) نقل السمهودي أيضاً عن «كنوز المطالب» قال: قال صاحب الكمائم، يعني البيهقي، لما قال منصور النميري تقرباً لقلب الرشيد في الطالبيين :
یسمون النبي اباً ویأبي *** من الاحزاب سطر في السطور
يريد (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ) الآية (1).
رأى في منامه النبي صلى الله عليه و آله و سلم وهو يهوى إليه بقضيب من نار ويقول : انت الذي تنفى ذريني مني.
فانتبه مذعوراً، ومال إلى التشيع، وقال في ذلك ما أوجب ان أمر الرشيد - لما وقف عليه - بقتله فنجاه الله ووجدوه قد مات، وذلك مذكور في كتاب «الاغاني» (2).
31 - (حكاية أخرى) عن شيخ الإسلام الشريف المناوي عن شيخه الشريف الطباطبي انه كان بخلوته التي بجامع عمرو بن العاص بمصر العتيقة فتسلط عليه شخص من أمراء الاتراك يقال له قرقماش الشعباني وأخرجه منها.
قال : فاصبح السيد يوماً وجاءه شخص وقال له رأيتك الليلة في المنام جالساً بين يدي النبي صلى الله عليه و آله و سلم وهو ينشدك هذين البيتين :
يا بني الزهراء والنور الذي *** ظن موسی انه نار قبس
لا نوالي الدهر من عاداکم *** انه آخر سطر في عبس
وذلك قوله تعالى : (هُمُ اٝلْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) قال : ثم أخذ النبي صلى الله عليه و آله و سلم عذبة سوط في يده فعقدها ثلاث عقدات.
قال شيخ الإسلام : فكان من تقدير الله ان ضرب رأس قرقماش، فلم يضرب إلّا ثلاث ضربات، فكان السوط من قبيل قوله تعالى (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) (1)(2)..
32 - (حكاية أخرى) حكى محمد بن يحيى بن أبي عباس الجليس قال : رأى الخليفة أحمد المعتضد بالله وهو في حبس أبيه قبل أن يلي الخلافة : شيخاً جالساً على دجلة يمد يده إلى ماء دجلة فيصير في يده وتجف دجلة، ثم يرده فتعود دجلة كما كانت .
قال : فسأل عنه ، فقيل : هذا علي بن ابي طالب.
قال : فقمت فسلمت عليه.
فقال: يا أحمد إن هذا الأمر صائر اليك فلا تتعرض لأولادي وصنهم ولا تؤذهم.
فقلت: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين، فلما ولي أحمد المذكور قربهم وأكرمهم (1).
1) مروج الذهب : 488/2 ط. مصر 1346 و 181/4 ط. دار الاندلس تحقيق يوسف داغر - ذيل ذكر خلافة المعتضد - المعتضد والطالبيون، وجواهر العقدين : 369 الباب 12 عن المسعودي، وغرر البهاء الضوي : 590 فصل في مراتب الاولياء، و544 تتمة تتضمن عناية الله بهم.
33 - (حكاية أخرى) حكى انه حصل غلاء شديد بمكة المشرفة حتى أكل الناس فيه الجلود، فورد على القاضي سراج الدين أربعة عشر قطعة دقيقاً ففرق العشر، وأخذت زوجته الاربع، وكانوا ثمانية عشر نفساً، وقالت له : تريد ان تقتلنا من الجوع، فلما كان الليل قام من منامه مرعوباً قال :
رأيت فاطمة الزهراء وهي تقول: يا سراج أتأكل البر وأولادي جياع.
ونهض إلى القطع الباقية وفرقها على الأشراف، وما كان أهله يقدرون على القيام من الجوع (1).
1) الصواعق المحرقة : 243 ط. مصر و 362 ط. بيروت، وجواهر العقدين : 371 الباب 12، وغرر البهاء الضوي : 546 تتمة تتضمن عناية الله بهم من كتاب المنتقى.
34 - (حكاية أخرى) ذكر الإمام الحريفيش في كتابه «الروض الفائق» قال : قيل انه كان بمصر رجل تاجر في التمر يقال له : عطية بن خلف، وكان من أهل الثروة، ثم افتقر ولم يبق له سوى ثوب يستر عورته، فلما كان يوم عاشوراء صلى الصبح في جامع عمرو بن العاص وكان من عادة هذا الجامع ان لا تدخله النساء إلّا في يوم عاشوراء لأجل الدعاء، فوقف يدعوا مع جملة الناس، وهو بمعزل عن النساء، فجاءته امرأة ومعها أطفال أيتام فقالت : يا سيدي سألتك بالله إلّا ما فرجت عني وآثرتني بشيء أستعين به على قوت هذه الاطفال، فقد مات أبوهم وما ترك لهم شيئاً وأنا شريفة ولا أعرف أحداً أقصده وما خرجت اليوم إلّا عن ضرورة أحوجتني إلى بذل وجهي وليس لي عادة بذلك.
فقال الرجل في نفسه : أنا لا أملك شيئاً وليس عندي غير هذا الثوب وان خلعته انكشفت عورتي، وان رددتها فأي عذر لي عند رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم.
فقال لها : اذهبي معي حتى أعطيك شيئاً، فذهبت معه إلى منزله فأوقفها على الباب ودخل وخلع ثوبه وتزر بخلق كان عنده، ثم ناولها الثوب من شق الباب.
فقالت: البسك الله من حلل الجنة ولا أحوجك باقي عمرك، ففرح بدعائها ودخل البيت وأغلق الباب وجلس يذكر الله إلى الليل، ثم نام فرأى في المنام حوراء لم ير الراؤون أحسن منها، وبيدها تفاحة قد عطرت ما بين السماء والأرض فناولته التفاحة فكسرها فخرج منها حلة من حلل الجنة لا تقوم بها الدنيا وما فيها، فألبسته الحلة وجلست في حجره، فقال لها : من أنت.
قالت : أنا عاشوراء زوجتك في الجنة.
قال : بم نلت ذلك؟
قالت : بدعوة تلك العلوية المسكينة الأرملة والأيتام الذين أحسنت إليهم بالامس.
فانتبه وعنده من السرور مالا يعلمه إلّا الله عزوجل، وقد عبق من طيبه المكان فتوضأ وصلى ركعتين شكر الله عزوجل، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم ان كان منامي حقاً وهذه زوجتي في الجنة فاقبضني إليك، فما استتم الكلام حتى عجل الله بروحه إلى دار السلام (1).
1) الروض الفائق في المواعظ والرقائق : 167 المجلس الثاني والاربعين ط. مصر 1320 ، وذكر عدة قصص في أثر التصدق في عاشوراء.
35 - (حكاية أخرى) ذكر العلامة أحمد بن حجر الهيتمي في الصواعق قال : حكى التقي الفاسي عن بعض الأئمة انه كان يبالغ في تعظيم اشراف المدينة النبوية على مشرفهم ومشرفها أفضل الصلاة والسلام، وسبب تعظيمه لهم انه كان منهم شخص اسمه مطير مات، فتوقف عن الصلاة عليه لكونه كان يلعب بالحمام، فرأى النبي صلى الله عليه و آله و سلم في النوم ومعه فاطمة ابنته الزهراء علیها السلام ، فاعرضت عنه فاستعطفها حتى أقبلت عليه وعاتبته قائلة له: أما يسع جاهنا مطيراً» (1).
أول: مجرد اللعب بالحمام - حتى لو كان محرماً - لا يسقط الصلاة على الميت امسلم.
1) الصواعق المحرقة : 242 ط. مصر و 361 ط. بيروت خاتمة في أمور مهمة، وغرر البهاء الضوي: 550 تتمة في أمور تتضمن عناية الله بهم و 498 الفصل الثامن، وجواهر العقدين : 352 الباب 11 وبالهامش : العقد الثمين : 2/ 39.
36 - (حكاية أخرى) نقل في الصواعق أيضاً قال : وحكي - أعني التقي الفاسي - في ترجمة صاحب مكة الشريف أبي نمى بن أبي سعيد حسن بن علي بن قتادة الحسني انه لما مات امتنع الشيخ عفيف الدين الدلاصي من الصلاة عليه، فرأى في المنام فاطمة علیها السلام وهي بالمسجد الحرام والناس يسلمون عليها، وانه رام السلام عليها فأعرضت عنه ثلاث مرات، فتحامل عليها وسألها عن سبب إعراضها عنه، فقالت : يموت ولدي ولا تصلي عليه، فتأدب واعترف بظلمه بعدم الصلاة (1).
1) الصواعق المحرقة : 242 ط. مصر و 361 ط. بيروت خاتمة في أمور مهمة، وغرر البهاء الضوي: 550 تتمة في أمور تتضمن عناية الله بهم و 498 الفصل الثامن، وجواهر العقدين: 352 الباب 11 وبالهامش العقد الثمين: 469/1.
37 - (حكاية أخرى) نقل ايضاً في الكتاب المذكور قال: حكى التقى بن فهد الحافظ الهاشمي المكي قال: جاءني الشريف عقيل بن هميل، وهو من الأمراء الهواشم فسألني عشاءً، فاعتذرت إليه ولم أفعل، فرأيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم في تلك الليلة وفي غيرها فاعرض عني، فقلت: كيف تعرض عني يا رسول الله وأنا خادم حديثك؟
فقال : كيف لا أعُرض عنك ويأتيك من أولادي يطلب العشاء فلم تعشه.
قال : فلما أصبحت جئت إلى الشريف واعتذرت إليه وأحسنت إليه (1).
1) الصواعق المحرقة : 243 ط. مصر و 362 ط. بيروت خاتمة في أمور مهمة.
38 - (حكاية أخرى) نقل في الكتاب المذكور عن التقي المقريزي قال: ومن غريب ما اتفق ان السلطان، ولم يعينه، كحل الشريف مرداج بن مختار الحسيني حتى تفقأت حدقتاه وسالنا وورم دماغه وانتفخ وانتن، فتوجه بعد مدة من عماء إلى المدينة ووقف عند القبر المكرم، وشكا ما به، وبات تلك الليلة فرأى النبي صلى الله عليه و آله و سلم فمسح عينيه بيده الشريفة، فأصبح وهو يبصر وعيناه أحسن مما كانتا، فاشتهر ذلك في المدينة، ثم قدم القاهرة فغضب السلطان ظناً منه ان الذين كحلوه حابوه، فأقيمت عنده البينة العادلة بأنهم شاهدوا حدقتيه سائلتين، وانه قدم المدنية أعمى فسكن ما عند السلطان (1).
1) فضل آل البيت للمقريزي : 113 ذيل الكتاب والقصة طويلة اختصرها المصنف، والصواعق المحرقة : 242 ط. مصر و 361 ط. بيروت خاتمة في أمور مهمة.
39 - (حكاية أخرى) نقل في الكتاب المذكور عن المقريزي قال : واخبرني بعض الاشراف الصالحين ممن أجمع على صحة نسبه وصلاحه وصلاح آبائه قال : كنت بالمدينة الشريفة فرأيت شريفاً عند مكاس يأكل من طعامه، ويلبس من ثيابه، فاشتد انكاري على ذلك الشريف وساء اعتقادي فيه، فنمت عقب ذلك فرأيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم جالساً في مجلس حافل والناس محيطون به صفاً وراء صف وانا من جملة الواقفين في داخل الحلقة، فإذا أنا أسمع قائلاً يقول بصوت عال: احضروا الصحف، وإذا باوراق على هيئة ما يكتب فيها مراسيم السلاطين جيء بها، ووضعت بين يدي النبي صلى الله عليه و آله و سلم ووقف انسان بين يديه يعرضها على النبي صلى الله عليه و آله و سلم ، ثم يعطيها لأربابها كل من طلع اسمه يعطى صحيفته.
قال: فاول صحيفة عظيمة اخرجت وإذا بذلك الشريف الذي انكرت عليه ينادي باسمه، فخرج من حشو الحلقة حتى انتهى بين يدي النبي صلى الله عليه و آله و سلم فامر النبي صلى الله عليه و آله و سلم بان يعطي صحيفته، فأخذها وولى فرحاً مسروراً.
قال: فذهب عن قلبي جميع ما كان فيه على ذلك الشريف، واعتقدت فيه وعلمت بتقديمه على سائر الحاضرين، وبان أكله من طعام ذلك المكاس إنما كان للضرورة التي تحلل أكل الميتة (1).
1) فضل آل البيت للمقريزي : 113 ذيل الكتاب والقصة طويلة اختصرها المصنف، والصواعق المحرقة : 242 ط. مصر و 361 ط. بيروت خاتمة في أمور مهمة.
40 - (حكاية أخرى) نقل في الكتاب المذكور عن المقريزي أيضاً قال: أخبرني بعض اكابر اشراف اليمن وصالحيهم : لما وقع من أمير الحاج الفاجر المفسد المذموم المخذول ما سوّلته له نفسه الخبيثة من الهجوم على السيد الشريف صاحب مكة محمد بن أبي نمى بيته بمكة يوم عيد النحر ليقتله هو وأولاده في ساعة واحدة أعاذهم الله من ذلك فظفروا به وأرادوا قتله وجميع جنده، ولكنه أعني السيد أبا نمى خشي على الحاج ان يقتل عن آخره فلا يفضل منه عقال، فامسك عن قتاله، ثم ذهب ليلة النفر إلى مكة والناس في أمر مريح، فلم يزد ذلك الجبار إلّا طغياناً فنادى ان الشريف معزول، فلما سمعت الاعراب ذلك سقطوا على الحجاج، فنهبوا أموالا لا تعد، وعزموا على نهب مكة واستئصال الحجاج والامير وجنده، فركب الشريف جزاء الله عن الملة خير جزاء واثخن في الاعراب الجراح، وقتل البعض فجهدوا، واستمر ذلك الجبار بمكة والناس في أمر مريج، بحيث عطلت أكثر مناسك الحج والجماعات وقاسوا من الحرق والشدة مالم يسمع بمثله، ثم رحل ذلك الجبار وهو يتوعد الشريف بانه يسعى في باب السلطان في عزله وقتله، وذلك كله في سنة 958 ثمان وخمسين وتسعمائة.
قال ذلك الشريف: فخرجت من مكة في تلك الأيام إلى جدّة وأنا في غاية الضيق خوفاً على الشريف وأولاده والمسلمين، فلما قربت من جدة قبيل الفجر قلت أستريح ساعة حتي يفتح سورها، فنمت فرأيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم ومعه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وفي يده عصى معوجة الرأس، وكأنه يضرب عن الشريف أبي نمى ويقول لي : أخبره ان لا يبالي بهؤلاء، وان الله تعالى ينصره عليهم.
فما مضت إلّا مدة يسيرة وإذا الخبر يأتي من باب السلطان نصره الله تعالى وأيده بغاية الاجلال والتعظيم للشريف، فنصره الله على ذلك المفسد ومن أغراه على ذلك، وعاد أمر المسلمين على ما عهدوه من الامن الذي لم يعهد في غير ولايته.
(قال) واخبرني بعض الناس انه رأى يوم النحر في تلك الشدة السيد بركات والد أبي نمى راكباً فرساً عظيمة ومعه السيد الجليل عبد القادر الكيلاني على فرس أخرى، فقال له : يا مولانا السيد بركات إلى أين أنت ذاهب في هذه الساعة العظيمة؟
فقال: إلى نصرة السيد أبي نمى، وكانت تلك الرؤيا موافقة لهجوم ذلك الفاجر فخذله الله وخيبه.
قال أيضاً : ورأى الناس في هذه الواقعة العجيبة الغريبة من المنامات الشاهدة بسلامة السيد أبي نمى وأولاده ما لا يحصى فلله الحمد على ذلك (1).
1) الصواعق المحرقة : 242 ط. مصر و 361 ط. بيروت خاتمة في أمور مهمة.
41 - (حكاية أخرى) حكي ان بعض صلحاء اليمن حج بعياله في البحر، فلما وصلوا جدة فتشهم المكاسون حتى تحت ثياب النساء، فاشتد غضبه فتوجه إلى الله تعالى في صاحب مكة السيد محمد بن بركات، فرأى النبي صلى الله عليه و آله و سلم وهو يعرض عنه.
فقال : لماذا يا رسول الله؟
فقال : ما رأيت في الظلمة من هو أعظم من ابني هذا.
فانتبه مرعوباً وتاب إلى الله ان يعترض لأحد من الأشراف، وان فعل ما فعل (1).
1) الصواعق المحرقة : 243 ط. مصر و 362 ط. بيروت خاتمة في أمور مهمة.
42 - (حكاية أخرى) قال في الكتاب المذكور : حكى بعض طلبة العلم أن انساناً بمدينة فاس ثبت عليه القتل فأمر به القاضي ليقتل، فأرسل السلطان وهو يقول للقاضي: لا تقتله فإني رأيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم وهو يقول : لا تقتلوه.
فقال القاضي: لابد من قتله، واراده في اليوم الثاني فأرسل السلطان يقول رأيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم ثانياً : فقال لا تقتلوه.
فلم يسمع القاضي وأراد قتله في اليوم الثالث، فارسل السلطان يقول رأيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم قائلا ذلك ثالثاً، فغضب القاضي وقال : لا نترك الشرع بمنام، وان تكرر، فذهب به ليقتل، فإذا انسان يبرز لولي الدم، وكانوا قد عجزوا منه أن يعفوا فلم يعف فبمجرد ان كلمه في العفو عفا عنه، فبلغ السلطان فأمر بالرجل فأحضر إليه فقال له : أصدقني ما شأنك.
فقال: نعم، قتلت من اثبت علي قتله، ولكني كنت أنا وهو على شرب فاراد ان يفجر بشريفه، فمنعته فلم يمتنع عنها إلّا بقتله، فقتلته دفعاً عن الشريفة
فقال له السلطان : صدقت، لولا ذلك ما رأيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم ثلاث مرات وهو يقول لي : لا تقتلوه (1).
1) الصواعق المحرقة: 243 ط. مصر و 362 ط. بيروت خاتمة في أمور مهمة.
43 - (حكاية أخرى) حكي انه حصل في ايام المعتمد على الله العباسي قحط شديد فامر الخليفة المعتمد بالخروج للاستسقاء، فخرج المسلمون ثلاثة ايام فلم یسقوا.
قال: وخرج الجاثليق في اليوم الرابع بالنصارى والرهبان وكان فيهم راهب كلما رفع يده إلى السماء هطلت بالمطر، ثم خرجوا في اليوم الثاني وفعلوا كفعلهم وسقوا سقياً عظيمة، فتعجب الناس من ذلك وصبا بعضهم إلى النصرانية.
فشق ذلك على الخليفة وعظم على المسلمين هذا الأمر.
وكان ابو محمد الحسن الخالص ابن علي العسكري الحسيني علیه السلام إذ ذاك في حبس الخليفة، فانفذ الخليفة إلى عامله ان اخرج أبا محمد من الحبس واتني به فلما حضر قال له : أدرك أمة جدك محمد صلى الله عليه و آله و سلم مما لحق بعضهم من هذه النازلة.
فقال : دعهم يخرجون، فقال قد استغنى الناس من كثرة المطر فما فائدة خروجهم.
قال: لأزيل الشك من الناس وما وقعوا فيه من هذه الورطة.
فامرهم الخليفة بالخروج وان يخرج المسلمون ومعهم أبو محمد فرفع الراهب يده ورفع الرهبان معه ايديهم فغمت السماء وامطرت.
فامر أبو محمد علیه السلام بالقبض على يد الراهب وأخذ ما فيها، وإذا بعظم آدمي بین اصابعه، فلفه أبو محمد في خرقه وقال استسقوا الآن.
فاستسقوا فانقشع الغيم وانكشف السحاب وطلعت الشمس فعجب الخليفة من ذلك.
فقال: ما هذا يا أبا محمد؟
قال علیه السلام : هذا عظم نبي من أنبياء الله ظهروا به، وما كشف عن عظم نبي تحت السماء إلّا هطلت بالمطر، فامتحنوا ذلك فوجدوه كما قال، وسر الخليفة بذلك وزالت تلك الشبهة عن الناس.
وكلم أبو محمد الخليفة في اطلاق من كان معه في السجن، وأقام أبو محمد بمنزله معظماً مكرماً وصِلات الخليفة تصل إليه كل وقت وجعل الله ذلك عناية للامة والله أعلم حيث يجعل رسالته (1).
1) جواهر العقدين : 370 الباب 12 ، وغرر البهاء الضوي : 545 تتمة تتضمن عناية الله بهم عن كتاب المنتقى، وينابيع المودة 396 ط. اسلامبول وط. النجف: 475 باب 66 ، والفصول المهمة 268.
44 - (حكاية أخرى) نقل صاحب التتمة عن ابن بشر انه كان له جد للأم، وكان من أهل الكتابة وحسن الشعر والخطابة قال : قال لي: حججت سنة من السنين وجاورت بمكة حرسها الله تعالى، فاعتللت علة تطاولت بي وضاقت معها حالتي، ثم صلحت منها بعض الصلاح، ففكرت اني عملت في أهل البيت تسعاً واربعين قصيدة مدحاً ، فقلت اعمل قصيدة أكمل بها الخمسين، ثم ابتدأت فقلت :
بني أحمد يابني أحمد
ثم ارتج علي، فلم اقدر على زيادة، فعظم ذلك علي واجتهدت ان اكمل البيت، فلم اقدر عليه، فحدث لي من الغم بهذه الحالة ما زاد على غمي باضاقتي وعلتي، فنمت اهتماماً بالحال فرأيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم فجئت إليه وشكوت ما اعانيه من الضيقة وما اجده من العلة.
فقال لي: تصدق يوسع عليك وصم يصح جسمك.
قال : فقلت له : يا رسول الله واعظم من هذا ما اشكو انني رجل شاعر واحب ولدك، وقد كنت عملت في أهل البيت تسعاً واربعين قصيدة، فلما خلوت بنفسي في هذا الموضع حاولت ان اكملها خمسين فبدأت بقصيدة فقلت منها مصراعاً فارتج عليَّ اجازته ونفر عني ما كنت أعرفه ، فما أقدر على قول حرف.
قال : فقال لي قولا نحا فيه إلى انه ليس هذا اليّ، أما سمعت قول الله عزوجل (وَمَا عَلَّمْنَٰهُ اٝلْشِعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ).
ثم قال : اذهب إلى صاحبك، وأومأ بيده الشريفة إلى ناحية من نواحي المسجد، وأمر رسولا ان يمضي معي إلى حيث أومأ، فمضى إلى حلقة فيها أناس
ومعهم علي بن ابي طالب وكرم وجهه، فقال له الرسول المنفَذ معي : أخوك رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وجه بهذا إليك فاسمع ما يقول، فقال: قل.
قال : فقصصت عليه قصتي كما قلت للنبي صلى الله عليه و آله و سلم ، قال : فما المصراع؟
قلت :
٭ بني احمد يا بني احمد ٭
فقال :
٭ بكت لكم اعمد المسجد ٭
بيثرب واهتز قبر النبي *** أبي القاسم السيد الامجد
واظلمت الافق أفق البلاد *** ودب على الأرض كالاثمد
ومكة مادت ببطحائها *** لإعظام فعل بني الاعبد
ومال الحطيم بارکانه *** وما كان بالبیت عن جلمد
وكان ولیكم خذلا *** ولو شاء كان طويل اليد
قال : ورددها علي مرات.
فانتبهت وقد حفظتها ولله الحمد (1).
1) غرر البهاء الضوي: 546 تتمة تتضمن عناية الله بهم.
45 - (حكاية أخرى) تقرب من هذه ذكر الشهاب الخفاجي في «الريحانة» قال : روى ان الشيخ نصر الدين بن مجلى رحمه الله تعالى رأى في المنام علياً كرم الله وجهه فقال : يا أمير المؤمنين تفتحون مكة وتقولون من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وقد تم على ولدك الحسين ما تم.
فقال له : أما سمعت أبيات ابن الصفي - يعني الحيص بيص الشاعر المشهور رحمه الله .
فقلت له : لا .
فقال : اسمعها منه ، فلما انتبهت ذهبت إلى داره وذكرت ما رأيت في منامي ، فبكي وحلف انه نظمها في هذه الليلة ولم يقف عليها سواه وهي هذه :
ملكنا فكان العفو منا سجية *** فلما ملكتم سال بالدم ابطح
وحللتم قتل الاسارى وطال ما *** غدونا على الاسرى نمن ونصفح
وحسبكم هذا التفاوت بيننا *** وكل اناء بالذي فيه يرشح (1)
1) المصدر السابق.
46 - (حكاية أخرى) عن الولية العارفة بالله تعالى سلطانة بنت علي الزبيدي قدس الله سرها، وكانت كثيراً ما ترى النبي صلى الله عليه و آله و سلم يقظة ومناماً : انه أتاها بعض الناس يوماً وعرض بذكر بني العلوي ونال منهم وسكتت، فلما خرج رأت النبي صلى الله عليه و آله و سلم معرضاً عنها، فمشي ومشت خلفه فدخل دار بعض السادة بني علوي المذكورين وقال: ههنا ديار الأحبة مرتين، وفي ذلك قال بعضهم :
وبنت الزبيدي إذ رأت سيد الورى *** بعرض سحيل العر في جنح ليلة
فقالت له يا سيدي أين تبتغي *** فقال لها ابغي ديار الاحبة
العر : بمهملة مضمومة فراء مشددة موضع بحضرموت على نحو أربعة فراسخ من مدينة تريم (1).
1) غرر البهاء الضوي : 87 الفصل الثاني و 553 تتمة تتضمن عناية الله بهم.
47 - (حكاية أخرى) عن بعض الاشراف من آل أبي علوي رضی الله عنهم قال : زرت انا وأحد الاشراف بني علوي قبر الشيخ سعيد بن عيسى العمودي رحمة الله عليه ، ثم قفلنا راجعين ، فمررنا على بعض قرى دوعن، فإذا نحن برجل صالح من حملة القرآن فقال : رأيت البارحة فاطمة الزهراء علیها السلام وهي تقول : غداً يقدم عليك اثنان من ولدي.
فأخبرناه أنا من بني علوي، فبكى لذلك فرحاً (1).
أقول : تقدم قريب هذه الحكاية وذكرناها لاختلاف المصدر.
1) غرر البهاء الضوي : 86 الفصل الثاني.
48 - (حكاية أخرى) عن الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بالحاج بافضل قال : كنت في مسجد بعدن فدخل عليَّ بعض بني علوي، فأنكرت عليه زیه بقلبي ، فصافحني فلم احتفل به لذلك، فلما كانت تلك الليلة رأيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقمت لأصافحه، فأعرض عني وعاتبني في ذلك (1).
أقول : الإنكار عن اللباس والزي ليس لرئته أو قدمه إنما يكون لاتساخه أو عدم ترتيبه .
1) غرر البهاء الضوي : 86 الفصل الثاني والقصة كبيرة اختصرها المصنف.
49 - (حكاية أخرى) ذكر الإمام العلامة الشيخ علي بن أبي بكر السكران العلوي الحسيني رضي الله تعالى عنه في كتابه «البرقة المشيقة» قال: بلغني عن بعض الاخیار : انه رأى النبي صلى الله عليه و آله و سلم بأعلى مكان من مدينة تريم المحروسة ، وهو يقول : يا أهل هذه البلدة لنا عندكم وديعة من أغضبها أغضبنا، ومن أرضاها أرضانا .
هذا معنى كلامه أو قريب منه .
قال سلفنا : والوديعة هذه هي أولاده صلى الله عليه و آله و سلم العلويون الساكنون بتلك المدينة رضی الله عنهم أجمعين (1).
٭ واعلم ان الحكايات في هذا الباب يضيق عنها نطاق الحصر وان صادق المحبة يستغني بأقل من هذا القدر
ومن ذا الذي ترضيك منه فطانة *** تقول فيدري أو تشير فيفهم (2)
وكأني بمنتقد، كتبه الله تعالى في جريدة أهل الشقاق ونكت في قلبه نكتة النفاق، يتخبطه الشيطان المرجوم ويذهب به الحسد المذموم إلى ان يكرر في فلتات الكلام : ان بعض هذه الحكايات اضغاث احلام ، فيهبرج على المغفلين زائف ما لديه لاستيلاء الجهل عليهم وعليه.
ولیت شعري كيف اعرض هذا عن قول سيد الانام عليه افضل الصلاة والسلام : «الرؤيا كلام يكلم العبد به ربه في المنام.
وعن قوله صلى الله عليه و آله و سلم : «رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزأ من النبوة» (1).
وعن قوله عليه الصلاة والسلام : «لم يبق من النبوة إلّا المبشرات.
قالوا : وما المبشرات؟
قال : الرؤيا الصالحة» (2).
وأين ذهب هذا عن أصل مشروعية الاذان والاقامة اللذين هما من الشعائر المعمول بها إلى يوم القيامة، هل هو إلّا رؤيا رآها عبد الله بن زيد الانصاري ووافقه في تلك الرؤيا سيدنا عمر بن الخطاب وجماعة ، وهذا في مطلق الرؤيا.
أما رؤيانا له صلى الله عليه و آله و سلم ، كما في الحكايات السابقة وغيرها، فقد جاءت النصوص
صريحة والشواهد الصحيحة؛ بانها حق بلا ريب، واخبار عن الغيب إذ لا يتمثل الشيطان بصورة رسول الرحمن (1).
فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يقول: «من راني في المنام فكأنما رآني في اليقظة فإن الشيطان لا يتمثل بي» (2).
وعن أبي قتادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : من رآني فقد رأى الحق (3).
وفي رواية لأبي سعيد الخدري زيادة : فإن الشيطان لا يتكونني» (4).
وعن أنس بن مالك ان النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: «من رآني في المنام فلن يدخل النار» (5).
تتمة
قال الحضرمي : حيث علمت أيها الاخ ما ورد في شأن الرؤيا انها جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة، وانها من المبشرات، وان رؤياه صلى الله عليه و آله و سلم حق، وان الشيطان لا يتمثل به، كما سبق؛ فاعلم أيضاً : انه لا يجوز تعليق حكم شرعي عليها، كما ذكره العلماء، ولا يمكن حمل الناس على العمل بمقتضاها ، وان جل رائيها، ولا يسوغ الانكار على من خالف ما تقتضيه ، حيث لم يخالف الشرع، لأن رؤياه علیه السلام، وان
1) للحديث ألفاظ أخرى غير ما يذكرها المصنف هنا. يراجع شرح الشمائل المحمدية لجسوس : 241/2 - 243 - 246 - 247 باب رؤيا النبي، وتاريخ المدينة لابن شبة 616/2 صفة النبي.
2) تاريخ المدينة لابن شبة : 666/2 صفة النبي.
3) شرح الشمائل المحمدية لجسوس : 245/2 باب رؤيا النبي، وكنوز الحقائق : 185/2 ح 7444 عن الشيخين.
4) شرح الشمائل المحمدية لجسوس : 241/2 باب رؤيا النبي، والكامل لابن عدي: 237/4 رقم 1064.
5) لسان الميزان: 55/3 ترجمة سعيد بن ميسرة البكري رقم 3755، والكامل لابن عدي 387/3 ترجمته أيضاً.
كانت حقاً، وبالاولى رؤيا غيره؛ يطرقها احتمال سهو الرائي أو عدم حفظه لها على الوجه الاتم، أو غير ذلك، مع ان التعبير يختلف أيضاً باختلاف الاوقات وأحوال الرائين والمعبرين، والعمل بها إنما يكون من قبيل ما يؤخذ به في فضائل الاعمال ويتوصل به أهل القلوب المنيرة إلى كشف حقائق الاحوال، لا سيما إذا كان الرائي من أهل الخير والصلاح، والمرئِي هو النبي صلى الله عليه و آله و سلم أو أحد أصحابه أو أكابر أهل بيته، كما في الحكايات السابقة التي أوردتها لتشويق السامعين لها إلى الأنهماك في محبة أهل البيت وتعظيمهم، لا للاحتجاج بها، لكي يكون العمل بما يطابقها متحتماً، فليحتط الإنسان لدينه، وليكن على نفسه بصيرة، والله يتولى هدى الجميع (1).
1) رشفة الصادي : 290 الباب التاسع.
قال الحضرمي : قيل لما حج هشام بن عبد الملك في أيام أبيه طاف بالبيت وجهد ان يصل إلى الحجر الأسود ليستلمه، فلم يقدر على ذلك لكثرة الزحام، فنصب له كرسي وجلس عليه ينظر إلى الناس، ومعه جماعة من أعيان أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي علیهم السلام، وكان من أجمل الناس وجهاً وأطيبهم ارجاً فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلم الحجر، فقال رجل من أهل الشام لهشام : من هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟
فقال هشام : لا أعرفه ، مخافة ان يرغب فيه أهل الشام.
وكان الفرزدق حاضراً فقال: أنا أعرفه.
فقال الشامي من هو يا أبا فراس؟
٭ فقال الفرزدق :
هذا الذي تعرف البطحاء *** وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم *** هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة ان كنت جاهله *** بجده انبياء الله قد ختموا
وليس قولك من هذا بضائره *** العرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عم نفعهما *** يستوكفان فلا يعروهما العدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره *** یزینه اثنان حسن الخلق والشيم
حمال اثقال اقوام إذا اقترحوا *** حلو الشمائل تحلو عنده نعم
لا يخلف الوعد میمون نقیبته *** رحب الفناء أریب حین یعتزم
ما قال لا قط إلّا في تشهده *** لولا التشهد كانت لاءه نعم
عم البرية بالاحسان فانقشعت *** عنه الغيابة والاملاق والعدم
إذا رأته قريش قال قائلها *** الى مكارم هذا ينتهي الكرم
يغضي حياء ويغضى من مهابته *** فما يكلم إلّا حين يبتسم
بكفه خیزران ريحها عبق *** من كف أزوع في عرنينه شمم
یکاد یمسکه عرفان راحته *** ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
الله شرفه قدما وعظمه *** جرى بذاك له في لوحة القلم
أي الخلائق ليست في رقابهم *** لا ولية هذا اوله نعم
من يشكر الله يشكر أولية ذا *** فالدين من بيت هذا ناله الامم
ينمی إلى ذروة الدين التي قصرت *** عنها الاكف وعن ادراكها القدم
من جده دان فضل الانبياء له *** وفضل أمته دانت له الامم
مشتقة من رسول الله نبعته *** طابت مغارسه والخيم والشيم
ينشق ثوب الدجى عن نور غرته *** كالشمس تنجاب عن اشراقها الظلم
من معشر حبهم دين وبغضهم *** كفر وقربهم منجي ومعتصم
مقدم بعد ذكر الله ذكرهم *** في كل بدء ومختوم به الكلم
ان عد أهل التقى كانوا أئمتهم *** أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد جودهم *** ولا يدانيهم قوم وان كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت *** والاسد أسد الشرى والبأس محتدم
لا ينقص العسر بسطاً من أكفهم *** سيان ذلك ان أثروا وان عدموا
يأبى لهم ان يحل الذم ساحتهم *** خيم كريم وايد بالندی هضم
يستدفع السوء والبلوى بحبهم *** ویستزاد به الاحسان والنعم
فغضب هشام وأمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة، وبلغ ذلك زين
العابدين فبعث إليه باثني عشر الف درهم وقال : اعذر يا أبا فراس فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به.
فردها الفرزدق وقال: يا ابن بنت رسول الله ما قلت الذي قلت إلّا غضباً لله عزوجل ولرسوله صلى الله عليه و آله و سلم ، وما كنت لآخذ عليه شيئاً.
فقال : شكر الله تعالى لك ذلك، غير أنا أهل بيت إذا أنفذنا أمراً لم نعد فيه، فقبلها .
وجعل يهجو هشاماً وهو في الحبس فكان من هجائه قوله :
أيحبسني بين المدينة والتي *** هي اليها قلوب الناس يهوى منيبها
يقلب رأساً لم يكن رأس سيد *** وعيناً له حولاء باد عيوبها
فبعث إليه هشام وأخرجه من السجن (1).
قلت : وإنما ذكرت هذه القصة بجملتها وأثبت القصيدة برمتها، مع ان غرضي في هذه المجموعة نقل ما لعموم أهل البيت من الفضائل، لما تضمنته تلك الابيات من مناقب أولئك السادات والأئمة القادات، ولما كان الحديث شجون وللناس مذاهب فيما يعشقون، فلا بأس بذكر شيء یسير ونزر حقير مما مدح به أولئك الرجال على سبيل العموم من الشعر الذي هو السحر الحلال لذوي الفهوم :
أعد ذكر نعمان لنا ان ذكره *** هو المسك ما كررته يتضوع
1) حلية الاولياء : 137/3 ترجمة علي بن الحسين ، وجواهر العقدين: 393 - 394، والاتحاف بحب الاشراف: 139 - 142 ، وتفسير آية المودة: 86، والمشرع الروي: 38/1 - 40 ، واخبار الدول : 110 الباب 2 الفصل 4، وتذكرة الخواص: 296 باب 12 ، وكفاية الطالب : 448 في ذكر الأئمة، ونور الأبصار : 156 ط. الهند و 284 ط. قم مناقبه، وينابيع المودة : 359/2 ط. استانبول 1301 ه- و 432 ط. النجف باب 63 ، وصفة الصفوة: 55/2 ، ومناقب ابن المغازلي : 393 ح 446 ، والصواعق : 200 ط. مصر و 303 ط. بيروت، والفصول المهمة : 191 ، وترجمته من تاريخ دمشق : 89.
(ولنقدم) على ذلك قول أبي الريحانتين والجامع لشرف السيادتين ليث بني غالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال :
ليعلم الناس انا خيرهم نسباً *** ونحن أفخرهم بيتاً إذا فخروا
رهط النبي وهم مأوى كرامته *** وناصرو الدين والمنصور من نصروا
والأرض تعلم انا خیر ساکنها *** كما به تشهد البطحاء والمدر
والبيت ذوا الستر لو شاؤا يحدثهم *** نادى بذلك ركن البيت والحجر
ولحفيده الإمام محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين :
لنحن على الحوض رواده *** نذود ونسعد وراده
فما ساد من ساد إلّا بنا *** وما خاب من حبنا زاده
فمن سرنا نال منا السرور *** ومن ساءنا ساء ميلاده
ومن كان غاصباً حقنا *** فیوم القیامة میعاده (1)
ولأبي الأسود الدؤلي :
أحب محمداً حباً شديداً *** وعباساً وحمزة والوصیا
بنو عم النبي و اقربوه *** أحب الناس کلهم الیا
فإن يك حبهم رشداً أصبه *** ولست بمخطيء ان كان غيا
قالوا أراد بقوله : ولست بمخطيء الخ، انه ان كان حب هؤلاء الكرام غياً فما في الوجود غي. انتهى.
(وللإمام) الشافعي رَحْمَة الله عليه في هذا المعنى قوله :
لئن كان ذنبي حب آل محمد *** فذلك ذنب لست عنه أتوب
وقد تقدم في هذا الكتاب جملة من شعره يمدحهم فلا نطيل باعادته.
1) جواهر العقدين : 343 الباب الحادي عشر.
وقد عاين أبو الحسن بن سعيد بالمشهد الكاظمي احتفال الشعراء بمدح أهل البيت وانكار من غلبت عليه الشقاوة وسد أذنيه، فقال لعله يسمع نيلا من الصحابة فاتی فلم يسمع إلّا مدح أهل البيت رضوان الله عليهم، فقال:
يا أهل بيت المصطفى عجباً لمن *** یأبی مدیحكم من الاقوام
والله قد أثنى عليكم قبلها *** وبهديكم شدت عرى الإسلام
الله يحشر كل من عاداكم *** يوم الحساب مزلزل الاقدام
ويرى شفاعة جدكم من دونه *** ویجیء حوضكم طريد أوام
وقال عمرو بن العاص :
لآل محمد عرف الصواب *** وفي أبياتهم نزل الكتاب
وهم حجج الاله على البرايا *** بهم وبجدهم لا یستراب
وبعدهما :
ولا سيما ابي حسن علي *** له في المجد مرتبة تهاب
إذا طلبت صوارمه نفوساً *** فليس لها سوا نعم جواب
وبين حسامه والدرع صلح *** وبين البيض والبيض اصطحاب
ومنها :
فإن لم تبر من أعدا علي *** فما لك في محبته ثواب
هذا كلام عمرو، والفضل ما شهدت به الاعداء !
وللإمام أبي سعيد البوصيري (رحمه الله) تعالى في همزيته المشهورة :
آل طه لکم بطه اتصال *** بینته للدین طاء و هاء
آل بيت النبي طبتم فطاب ال- *** مدح لي فيكم وطاب الرثاء
ان حسان مدحکم فإذا نح- *** ت علیکم فانني الخنساء
سدتم الناس بالتقى وسواكم *** سودته البيضاء والصفراء
آل بيت النبي ان فؤادي *** ليس يسليه عنكم التأساء (1)
ونقل قدس الله سره من اللامية المشهورة :
آل النبي بمن أوما أشبهكم *** لقد تعذر تشبيه وتمثيل
وهل سبيل إلى مدح يكون به *** لأهل بيت رسول الله تأهيل
یا قوم بايعتكم ان لا شبيه لكم *** من الروى فاستقبلوا المبيع أو قيلوا
جاءت على تلو آيات النبي لكم *** دلائل هن للتاریخ تذييل
معاشر ما رضوا اني لمبتهج *** بهم وما سخطوا اني لمثكول
وان من باع في الدنيا محبتهم *** يبغضه الله وفي الاخرى لمرذول
وحسب من نكلت عنهم خواطره *** ان مات أو عاش تثکیل وتنكيل
ان المودة في قربي النبي غنى *** لا يستميل فؤاده عنه تنویل
وللاستاذ محمد بن الحسن البكري قد سره :
حبي لآل محمد *** فرض علي مؤكد
ديني ومعتقدي أدي- *** ن به الاله وأعبد
أخلصت فيهم نيتي *** والله ربي يشهد
وجزمت انهم هم *** خاب الذي يتردد
من غيرهم لي مسعف *** من غيرهم لي مسعد
من غيرهم إلّا الرذا *** ذو هم خضم مزبد
ان قستهم بسواهم *** فالرأي منك مفند
هل تستوي الحصباء عن- *** دك قيمة وزبرجد
يفنی الزمان بمدحهم *** وصفاتهم لا تنفد
1) لوامع أنوار الكوكب الدري في شرح همزية البوصيري : 67/2 - 71 - 74.
عذبت مشارب حبهم *** عندي وطاب المورد
وقال سيدنا قطب الارشاد الحبيب عبد الله بن علوي الحداد قدس الله
سره من قصيدته العينية بعد ان عدد جملة من أكابر أهل البيت :
فهم الكثير الطيب المدعو لهم *** من جدهم حين الزفاف الاسعى
بيت النبوة والفتوة والهدى *** والعلم في الماضي وفي المتوقع
بيت السيادة والسعادة والعبا *** دة منبع الخيرات كل اجمع
بيت الإمامة والزعامة والشها *** مة بل هم الامنات للمتروع
قوم إذا أرخی الظلام سدوله *** لم تلقهم رهن الوطا والمضجع
بل تلقهم عمد المحارب قوماً *** لله أكرم بالسجود الركع
يتلون آيات القرآن تدبراً *** فيه ولا كالغافل المتوزع
ثبتواعلى قدم الرسول وصحبه *** والتابعين لهم فسل وتتبع
ومضوا على قصد السبيل إلى العلى *** قدماً على قدم بجد اوزع
وقد قدمنا قوله نفع الله به من التائية :
وآل رسول الله بیت مطهر *** محبتهم مفروضة كالمودة
هم الحاملون السر بعد نبيهم *** ووراثه أكرم بها من وراثة
ولأبي اسحاق المغربي روح الله روحه :
في فضلكم نزل الكتاب وعندكم *** يا أهل بيت محمد تأويله
فالشرع مبني على تشريعكم *** والدين حبكم غداً أكليله
وللكميت بن زيد الاسدي الشاعر المشهور يذكر حبه أهل هذا البيت الطاهر :
طربت وما شوقاً إلى البيض أضربو *** ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب
ولم يلهني دار ولا رسم منزل *** ولم يقطر بني بنان مخضب
ولا انا ممن يزجر الطير همه *** أصاح غراب أم تعرض ثعلب
ولا السانحات البارحات عشية *** أمر سليم القرن أم مراعضب
ولكن إلى أهل الفضائل والتقى *** وخير بني حواء والخير يطلب
الى النفر البيض الذين بحبهم *** الى الله فيما نابني اتقرب
بني هاشم رهط النبي وآله *** بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب
خفضت لهم مني جناح مودتي *** الى كنف عطفاه أهل ومرحب
وكنت لهم من هؤلاء وهؤلا *** محباً على اني أذم وأرهب
وأرمي وأرمي بالعداوة أهلها *** واني لاوذى فيهم وأؤنب
بأي كتاب أم بأية سنة *** ترى حبهم عاراً وتحسب
فمالي إلّا آل أحمد شيعة *** ومالي إلّا مشعب الحق مشعب
ومن غيرهم أرضى لنفسي شيعة *** ومن بعدهم لا من أجل وأرحب
اليكم ذوي آل النبي تطلعت *** نوازع من قلبي ظماء والبب
وجدنا لكم في آل حم آية *** تاولها منا تقي ومعرب
فإني عن الامر الذي تكرهونه *** بقولي وفعلي ما استطعت مجنب
ألم ترني في حب آل محمد *** أروح واغدو خائفاً أترقب
كاني جان محدث وكأنني بهم *** يتقى من خشية العر أجرب
يشيرون بالايدي الي وقولهم *** الا خاب هذا والمشيرون خيب
فطائفة قد أكفرتني بحبهم *** وطائفة قالوا مسيء ومذنب
يعيبونني في غيهم وضلالهم *** على حبكم بل يسخرون وأعجب
وقالوا ترابي هواه ودينه *** بذلك أدعی فيهم واُلقب
فلا زلت فيهم حيث يتهمونني *** ولا زلت في اشياعكم اتقلب
على أي جرم أم بأية سيرة *** أعنف في تقريظهم وأؤنب
اناس بهم عزت قريش فاصبحوا *** وفيهم خباء لمكرمات المطنب (1)
ولبعضهم واجاد فيها قال:
لله ممن قديداً صفوه *** وصفوة الخلق بنو هاشم
وصفوة الصفوة من بينهم *** محمد النور أبو القاسم
وبيته أكرم بيت سما *** كم عامل فيه وكم عالم
وناطق عن حكمة انشدت *** من نائر منهم ومن ناظم
وقال غيره :
ان كنت تمدح قوماً *** لله من غير علة
فاقصد بمدحك قوماً *** هم الهداة الادلة
اسنادهم عن أبيهم *** عن جبرئيل عن الله
ولبعضهم (رحمهم الله) :
هم القوم من أصفاهم الود مخلصاً *** تمسك في أخراء بالسبب الاقوى
هم القوم فاقوا العالمين مناقباً *** محاسنهم تحكی وآياتهم تروى
موالاتهم فرض وحبهم هدى *** وبغضهم كفر وودهم تقوی
وقال غيره :
وإذ الرجال توسلو بوسيلة *** فتوسلي حبي لآل محمد
ولبعضهم عامله الله باحسانه
آل النبي وجدنا حبكم سبباً *** يرضى الاله به عنا ويرضينا
فلانخاطبكم إلّا بسادتنا *** ولا نناديكم إلّا موالينا
أغنتكم عن مديح المادحين لكم *** مدايح الله في طه وياسين-ا
1) مروج الذهب: 194/2 ط. مصر و 228/3 ط. بيروت ذكر أيام يزيد ابن الوليد.
ولغیره
اليهم كل مكرمة تؤل *** إذا ما قيل جدهم الرسول
وليث قريش الضاري علي *** أبٌ لهم وأمهم البتول
كفاهم من مديح الناس طرا *** مديح الله والشم الاصول
وللشهاب ابن معتوق الموسوي من اثناء قصيدة يمدح بها النبي صلی الله علیه و آله و سلم قال :
به بنو هشام زادوا علا وسنا *** فكان نوراً على نور لشبههم
أصول مجد له في النص قد ضمنوا *** وصولهم للاعادي في نصولهم
زهر إلى ماء علياء به انتسبوا *** أمسوا إلى البدر وافی الشهب بالرجم
من مثلهم ورسول الله واسطة *** لعقدهم وسراج في بيوتهم
ما زال فيهم شهاب الطور متقدا *** حتى تولد شمساً من ظهورهم
قد كان سراً فؤاد الغيب بضمره *** فضاق عنه فاضحی غیر مكتتم
هواء ديني وايماني ومعتقدي *** وحب عترته عوني ومعتصمي
ذرية مثل ماء المزن قد طَهروا *** وطُهروا فصفت أوصاف ذاتهم
أئمة أخذ الله العهود لهم *** على جميع الورى من قبل خلقهم
قد حققت سورة الاحزاب ما جحدت *** اعداؤهم وابانت وجه فضلهم
كفاهم ما بعما والضحى شرفاً *** والنور والنجم من آي اتت بهم
سل آل حم هل في غيرهم نزلت *** وهل أتى هل أتی إلّا بمدحهم
أكارم كرمت اخلاقهم فبدت *** مثل النجوم بماء في صفائهم
أطايب يجد المشتاق تربتهم *** ريحاً تدل على ذاتي طيبهم
كأن من نفس الرحمن أنفسهم *** مخلوقة فهو مطوي بنشرهم
يدري الخبير إذا ما خاض علمهم *** أي البحور الجواري في صدورهم
تنسكوا وهم أسد مظفرة *** فاعجب لنسك وفتك في طباعهم
على المحاريب رهبان وان شهدوا *** حرباً أبادوا الاعادي في حرابهم
أين البدور وان تمت سناً وسمت *** من أوجه وسموها في سجودهم
وأين ترتيل عقد الدر من سور *** قدر تلوها قياماً في خشوعهم
إذا هوا عين تسنيم يهب بهم *** تدفق الدمع شوقاً من عيونهم
قاموا الدجى فتجافت عن مضاجعها *** جنوبهم واطالوا هجر نومهم
ذاقوا من الحب راحاً بالنهی مزجت *** فادركوا الصحوا في حالات سكرهم
تبصروا فقضوا نحباً وما قبضوا *** لذا يعدون أحياء بموتهم
سيوف حق لدين الله قد نصروا *** لا يطهر الرجس إلّا في حدودهم
تالله ما الزهرغب القطر أحسن من *** زهر الخلائق منهم حين جودهم
وله رحمة الله عليه من اثناء قصيدة أخرى قال :
من معشر شرف الله الوجود بهم *** وأنزلت فيهم الآيات والكتب
هم الملائك إلّا أنهم بشر *** على الورى خلفاء للهدى نصبوا
ابناء مجد كرام قبل ما فطموا *** عن الرضاع لاخلاف الندى حلبوا
قوم إذا ذكر الرحمن من وجل *** لانوا وان شهدوا يوم الوغى صعبوا
غر الوجوه مصاليت إذا نزلوا *** عن السروج محاريب التقى ركبوا
لا يسكن الحق إلّا حيث ما سكنوا *** وليس يذهب إلّا حيثما ذهبوا
بحور جود إذا هبت رياح وغی *** ما جواد مجواد انهم سالموا عذبوا
إذا تنشقت رياهم عرفتهم *** بانهم من جناب القدس قد قربوا
سكرى إذا صبحوا تدرى الصحاة بهم *** من أي كأس طهور بالدجى شربوا
وله من أخرى رحمة الله عليه :
سلالات إلى المختار تعزی *** وارحام به ذات اتصال
رووا سند المفاخر عن أبيهم *** وعن اجدادهم شرف الخصال
فعالهم وأوجههم سواء *** تمام بالجميل وبالجمال
وله من اثناء أخرى كان الله له في الآخرى :
من هاشم أهل المفاخر والتقى *** والعلم والمعروف والإيمان
بيت النبوة والرسالة والهدى *** والوحي والتنزيل والفرقان
قوم تقوم فيهم أود العلى *** والدين أصبح آيد الاركان
قد حالفوا سهر العيون وخالفوا *** أمر الهوى في طاعة الرحمن
من كل من كالبدر كاف وجهه *** أثر السجود فزاد في اللمعان
أشباح نور في الزمان وجودهم *** روح لهذا العالم الجسماني
وله كان الله له من أثناء أخرى
يا بني الوحي والنبوة أنتم *** روحها والخواص ومن اقرباها
ولدتكم كرائم من كرام *** عترة مفخر العباء حواها
كم لكم في الكتاب آيات مدح *** بين الله فضلها وتلاها
تعلم الأرض انكم لعليها *** شم أوتادها وخط استواها
قد نشرتم موتى البقاع فكنتم *** روح سكانها وعصر صباها
وحكمتم على الليالي فخلنا *** ملكتكم يد الزمان اماها
وصرفتم صروفها للاعادي *** فاسرتم نفوسها في عناها
ولأخينا السيد الجليل أبي الهدى محمد بن حسن الرفاعي الصيادي الحسيني اطال الله بقاه :
دع الفكر واصبر فالزمان صعائبه *** تزول وكم قلت بمحو عصائبه
إذا ازمة زادت وكرب تكاثرت *** مصايبه والخطب عمت نوائبه
وضاق الفضا في صدم نازلة القضا *** وضاقت على العبد الضعيف مذابه
فابواب أولاد الرسول بها الرجا *** لحامل هم باعدته اقاربه
هم النعمة العظمى هم الغوث للورى *** هم الغيث لكن لا تغب سواكبه
هم المدد العالي هم المشرب الذي *** تعطر بالمسك الالهي شاربه
هم الكعبة الغراء والخيف والصفا *** هم الحرم السامي الذي عز جانبه
هم الحبل للطلاب في كل وجهة *** هم البحر لكن لا تعد عجائبه
هم الغضب لكن ليس يغمد نصله *** هم الكنز لكن ليس يحرم طالبه
هم الكوكب المحمود في الأرض والسما *** هم الافق لكن لا تغيب كواكبه
هم البيت بيت الامن والمجد والتقى *** وبالعسكر الغيبي حفت جوانبه
هم الاوصياء العارفون بربهم *** وبالغيب قد سحت عليهم سحائبه
هم الاولياء الملحقون بجدهم *** وفي بيتهم تطوى وتبدو مناقبه
هم الهيكل العلوي في كل حضرة *** أساليبه تحكي وتروي غرائبه
هم قاف قرب الله سينا الهدى الذي *** تغشت بانوار النبي كتائبه
هم الحزب حزب الله حزب مؤيد *** به الدين دهرا والذليل محاربه
هم علم جفر طرزته يد الخفا *** بخط الهي تقدس كتائبه
هم العلم السامي على هامة العلا *** وفي قعر بحر الأرض حطت ذوائبه
هم رکب برهان خفي مطلسم *** الى الملك والملكوت سارت نجائبه
هم القمر الوضاح والشمس والضحى *** هم الفجر لكن عنه زبحت غياهبه
هم روح جسم الكون بل نور عينه *** تشرف فيهم شرقه ومغاربه
الوذ بهم والقلب أودى به الضنى *** من الهم والغم المقرح غالبه
ولغيره كان الله له :
أمفندي في حب آل محمد *** حجر بفيك ولا نطقت بمشهد
لو لم يكن في حب آل محمد *** ثكلتك أمك غير طيب المولد
من لم يكن متمسكاً بحبالهم *** فليعترف بولادة لم ترشد
ولشاعر زمانه الصفي الحلي من بديعته المشهورة :
وآله أمناء الله من شهدت *** لقدرهم سورة الأحزاب بالعظم
آل الرسول محل العلم ما حكموا *** لله إلّا وعدوا سادة الامم
بيض المفارق لا عار يدنسهم *** شم الانوف طوال الباع والامم
هم النجوم بهم هدى الانام وين- *** جاب الظلام ويهمى صيب الديم
لهم اسام سوام غير خافية *** من أجلها صار يدعي الاسم بالعلم
وله أيضاً رحمة الله عليه :
يا عترة المختار يا من بهم *** يفوز عبد يستولاهم
أعرف بالحسن لحبي لكم *** إذ يعرف الناس بسيماهم
وله بل الله ثراه :
يا عترة المختار يا من بهم *** أرجو نجاتي من عذاب اليم
حديث حبي لكم سائر *** وسرودي في هواكم مقيم
قد فزت كل الفوز إذ لم يزل *** صراط ودي بكم مستقیم
فمن أتى الله بعرفانكم *** فقد أتى الله بقلب سليم
٭ ولما أنشأ عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد العباسي قصيدته التي فاخر بها آل النبي صلى الله عليه و آله و سلم ، وأتى فيها من حيث المعنى ما تمجه الاسماع وتنفر منه الطباع، رد عليه الصفي الحلي المذكور بما هو عند الناس معروف ومشهور، وسنذكر أولا منتخب أبيات المعتز، وان كانت دعوى باطلة، لتعرف بذكر النقيضين حقيقة المفاضلة.
قال ابن المعتز سامحه الله وعفا عنه :
ألا من لعين وتسكابها *** تشكي القذا وبكاها بها
ترامت بنا حادثات الزمان *** ترامي القسي بنشابها
ويارب ألسنة كالسيوف *** تقطع أرقاب أصحابها
وكم دهى المرء من نفسه *** فمزقه حد انيابها
وان فرصة أمكنت في العدو *** فلا تبد فعلك إلّا بها
فإن لم تلج بابها مسرعاً *** أتاك عدوك من بابها
وما نافع ندم بعدها *** وتأمل أخرى وانی بها
وما ينتقص من شباب الرجال *** يزد في نهاها والبابها
نهيت بني رحمي ناصحاً *** نصيحة بر بانسابها
وقد ركبوا بغيهم وارتقوا *** معارج تهوى بركابها
وراحوا فرائس اسد الشرى *** وقد نشبت بين أنيابها
دعوا الاسد تفرس ثم اشبعوا *** بما تترك الاسد في غابها
قتلنا أمية في دارها *** ونحن أحق باسلابها
ولما أبى الله ان تملكوا *** نهضنا إليها وقمنا بها
ونحن ورثنا ثياب النبي *** فكم تجذبون باهدابها
لكم رحم يا بني بنته *** ولكن بنو العم أولى بها
فمهلا بني عمنا انها *** عطية رب حيانا بها
وكانت تزلزل في العالمين *** فشدت الينا بأطنابها (1)
٭ فاجاب عليه الصفي رحمة الله عليه بقوله :
ألا قل لشر عبيد الاله *** وطاغي قريش وكذابها
أانت تفاخر آل النبي *** وتجحدها فضل انسابها
بكم باهل المصطفى أم بهم *** فرد العداة باوصابها
اعنكم نفی الرجس أم عنهم *** لطهر النفوس وألبابها
1) المشرع الروي: 121/1 - 122.
أما الشرب والله و من دأبكم *** وفرط العبادات من دأبها
هم الصائمون هم القائمون *** هم العاملون بآدابها
هم الزاهدون هم العابدون *** هم الساجدون بمحرابها
هم قطب ملة دين الاله *** ودور الرحاء باقصابها
تقول ورثنا ثياب النبي *** فكم تجذبون باهدابها
وعندك لا تورث الانبياء *** فكيف حظيتم بأثوابها
أبوهم وصي نبي الاله *** وأهل الوصية أولى بها
أجدك يرضى بما قلته *** وما كان يوماً بمرتابها
وكان بصفين من حزبهم *** لحرب البغاة واحزابها
وصلى مع الناس طول الحياة *** وحيدر في صدر محرابها
فهلا تقمصها جدكم *** وهل كان من بعض خطابها
وإذ جعل الامر شورى لهم *** فهل كان من بعض أربابها
وقولك انتم بنو بنته *** وذلك أدنى لانسابها
وقلتم بانكم القائلون *** أسود أمية في غابها
كذبت ولولا أبو مسلم *** لعزت على جهل طلابها
وقد كان عبداً لهم لا لكم *** رأى عندكم قرب انسابها
و کنتم اساری بطون الجيوش *** وقد شفكم لثم اعتابها
فأخرجكم وحباكم بها *** وقمصكم فضل جلبابها
فجازيتموه بشر الجزاء *** لطغوا النفوس واعجابها
فدع في الخلافة فضل الخلاف *** فليست ذلولا لركابها
وما أنت والفحص عن شأنها *** وما قمصوك باثوابها
وما ساورتك سوى ساعة *** وما كنت أهلا لاسبابها
ودع ذكر قوم رضوا بالكفاف *** وجاؤا القناعة من بابها
عليك بلهوك بالغانيات *** وخل المعالي لاربابها
ووصف العذار وذات الخمار *** ونعت العقار بألقابها
فذلك شأنك لا شأنهم *** وجري الجياد باحسابها (1)
وللحسن بن هاني المعروف بابي نواس غفر الله له :
من لم يكن علوياً حين تنسبه *** فما له في قديم الدهر مفتخر
الله لما برا خلقاً فاتقنه *** صفاكم واصفاكم أيها البشر
فانتم الملأ الاعلى وعندكم *** علم الكتاب وما جاءت به السور
مطهرون نقيات جيوبهم *** تجري الصلاة عليهم اينما ذكروا (2)
وله أيضاً :
قال لي قائل رأيتك تهوى *** آل طه ودائماً تجتبيهم
صار فرضاً عليك تستغرق المد *** ح جميعاً فيهم وفي من يليهم
قلت ماذا أقوال والكون طرا *** يستمد النوال من ناديهم
انا لا استطيع أمدح قوماً *** كان جبريل خادماً لابيهم (3)
وللحسن بن علي بن جابر الهبل رحمة الله عليه :
لكم آل الرسول جعلت ودي *** وذاك أجل أسباب السعادة
ولو اني استطعت لزدت حباً *** ولكن لا سبيل إلى الزيادة
أعيش وحبكم فرضي ونفلي *** وأحشر وهو في عنقي قلادة
أظل مجاهداً لحليف نصب *** أضل ببغضكم أبداً رشاده
فإن أسلم فأجر لم يفتني *** وان اقتل فتهناني الشهادة
وله رحمة الله عليه :
مدحي لكم يا آل طه مذهبي *** وبه أفوز لدى الاله وافلح
وأود من حبي لكم لو ان لي *** في كل جارحة لساناً يمدح
وله أيضاً رحمه الله :
يا منكراً فضل بني أحمد *** كن للذي تسمعه منصتاً
هل خاتم الرسل سوا جدهم *** وهل أتى في غيرهم هل أتى
وللفقيه الاديب الشيخ أحمد بن عمر بن أبي ذيب الحضرمي الشامي
رحمة الله عليه :
عليهم سلام الله بيت مطهر *** من الرجس منسوب له كل طاهر
محبتهم مبذورة في جبلتي *** هيامی بها من قبل شد مأزري
توارثها آباؤنا وجدودنا *** وآباؤهم من كابر بعد كابر
فحمد الرب خصنا بودادكم *** بني المصطفى حمد الشكور المثابر
لك في فؤادي منزل حال دونه *** سواد السويدا عن دخول المغاير
وما انا في حبي لكم متكلف *** ولكنه طبع من الله فاطري
فاعظم ببيت أسست بمحمد *** قواعده فوق الطباق العوامر
وما فيه إلّا كل خير مقدم *** و صدر به ازدانت صدور المحاضر
عليهم رضى من ذي الجلال ورحمة *** وامن وروح في أصيل وباكر
وله من أخرى :
بيت تود النجوم الزهر لو صنعت *** سواره بل تمنت لو تخلخله
حيث النبوة انهت سیرها ورست *** والحي أصبح موقوفاً تنقله
وله كان الله له من أخرى:
الى الزهراء خير بنات حوا *** وحيدرة أمير المؤمنينا
بني سر الوجود ومنتقاه *** وخير الانبيا والمرسلينا
فهذا الفخر لا فخر ابن ام *** يباهي الملوك الاولينا
ففخر بني الرسول به تحانت *** له أفضل المفاخر صاغرينا
وللاديب محمود الساعاتي المصري رحمه الله من اثناء قصيدة قال :
شرف على الشهب المنيرة مشرق *** مترفع عن عرضة الشبهات
نسب قد انتظمت عقود جمانه *** بيد التعفف لا يد الشهوات
وأرومة طابت فروع أصولها *** رفعت باسناد وصدق رواة
تلك التي غرس النبي لدوحها *** فاتت بكم من أطيب الثمرات
وانت بكم كالزهر فوق غصونه *** لما ارتوت بسحائب الرحمات
من كل بر أو رؤف منكم *** بالناس يخشى بارىء النسمات
ما همكم إلّا تجنب شبهة *** أصون عرض وابتذال هبات
من ولا من يشين ولا اذى *** أتبعتموه قط للصدقات
انتم بنو الزهراء أنتم أنتم *** أنتم من استبقوا إلى الخيرات
الخاشعون الراكعون الساجدو *** ن العافكون أئمة الصلوات
من كل من بعد المهيمن طاعة *** وأعان عانيه على الطاعات
وصغى لداعي الله لا اللاهي ولم *** يسمع بسمعته من الله وات
انتم وخير المرسلين ودينه *** كالنور والمصباح والمشكاة
الأخذو خير المناقب والعلا *** والتاركو سفساف كل صفات
الرافعو علم الهدى والخافضو *** اصواتهم والصادقو الكلمات
من آل بيت طهروا ما شأنهم *** رجس ولا اتهموا بفعل طغاة
لولا وجود بني الحسين أولي الهدى *** کنا كمن ساروا بغير هداة
خير البرية نور أمة أحمد *** وسراجها المنجي من الظلمات
جادوا بما وجدوا فاصبح برهم *** في كل قطر واكف القطرات
ينوون ما عملوا به صالح *** لله والاعمال بالنيات
وهبوا وما اصفوا على ما اذهبوا *** کلا ولا فرحوا بما هو آتي
فعليهم بعد الرسول مضاعفاً *** أزكى السلام واكمل البركات
ولما رأيت ألسن المحبين بمدايحهم لهجة، وقلوبهم لسماعها مرتاحة ومبتهجة، وشاهدت لأئمة البلاغة إلى ذلك البيت المعمور ولوجاً، ولمخدرات القرايح إلى ذلك الفلك العالي صعوداً وعروجاً، ولابكار المعاني في تلك الرياض الانيقة دخولا وخروجاً، وكنت قديما لفقت أبياتاً تشبثت فيها بخدمة ذلك الجناب الرفيع وتشبهت فيها باهل الادب، ولكن أنى يدرك الضالع شأو الظليع :
مرية حلت بفيد وجاورت *** أهل الحجاز فاين منك مرامها
استخفني على اثباتها الطرب لحديث : المرء مع من احب، وهي هذه :
من غرامي بقرطها والقلادة *** ان امت مغرماً فموتي شهادة
غادة حل حبها في السويدا *** ورمی سهمها الفؤاد فصادة
نحوها تنزع النفوس فتلقا *** ها لداعي مزارها منقادة
وإذا عرج النسيم عليها *** هز تلك المعاطف الميادة
زارني طيفها ومن بوعد *** هل ترى الطيف منجزاً ميعادة
من لصب يصب صيب دموع *** مذ صبا نحوها اصابت فؤادة
ليس إلّا لها وللنفر البي- *** ض بنظم القريض اجرى جيادة
یا غریبا بأي واد اقاموا *** من فسيح البلاد صاروا عهادة
آل بيت الرسول أشرف آل *** في الورى انتم واشرف سادة
انتم السابقون في كل فخر *** اسس الله مجدكم واشادة
انتم للورى شموس واقما *** ر إذا ما الضلال ارخى سعادة
انتم منبع العلوم بلاري- *** ب وللدين قد جعلتم عمادة
انتم نعمة الكريم علينا *** اذ بكم قد هدى الاله عبادة
لم يزل منكم رجال وأقطا *** ب لمن اسلموا هداة وقادة
انتم العروة الوثيقة والحب- *** ل الذي نال ماسكوه السعادة
سفن للنجاة ان هاج طوفا *** ن الملمات أو خشينا ازديادة
وبكم أمْن امة الخير إذا أنت- *** م نجوم الهداية الوقادة
اذهب الله عنكم الرجس اهل الب *** يت في محكم الكتاب افاده
وبتطهير ذاتكم شهد القر *** آن حقاً فيا لها من شهاده
لا بما قد عملتموه من الخي- *** ر ولكن قضت بذاك الاراده
من يصلي ولم يصل عليكم *** فهو عبد لذي الجلال عناده
معشر حبكم على الناس فرض *** أوجب الله والرسول اعتماده
فاز من رأس ماله من رضاكم *** لم يخف قط ذات يوم كساده
حبكم يغسل الذنوب عن العب *** د ولا غرو ان يزيل فساده
وبكم أيها الأئمة في يو *** م التنادي على الكريم الوفاده
يوم تأتون واللواء عليكم *** خافق ما اجلها من سياده
والمحبون خلفكم في امان *** حين قول الجحيم هل من زياده
فاز والله في القيامة شخص *** لكم بالوداد أدى اجتهاده
كل من لم يحبكم فهو في النا *** ر وان اوهنت قواه العباده
هكذا جاءنا الحديث عن الها *** دي فمن ذا الذي يروم انتقاده
كل قال لكم فابعده الل- *** ە وعن حوضكم هنالك ذاده
خاب من كان مبغضاً أحداً من- *** كم ومن قد اساء فيه اعتقاده
ضل من يرتجي شفاعة طه *** بعد ان كان مؤذياً أولاده
باء بالمقت في الحياة من الل- *** ه الذي صير الجحيم مهاده
وروى القوم ان من كان *** سب الفاطميين دأبه واعتياده
لم يمت والعياذ بالله حتى *** نرى عن ملة الرسول ارتداده
ليت شعري من الذي كان تعظ- *** يم بني المصطفى إلى الحشر زاده
فهم الخصب للبرية لولا *** هم لخفنا من الزمان اشتداده
آل بيت الرسول كم ذا حويتم *** من عفاف وسودد وزهاده
أنتم زينة الوجود ولا زل- *** تم بجيد الزمان نعم القلاده
فيكم يعذب المديح ويحلو *** بل به يسرع القريض انقياده
وبكم يلهج المحب ويشدو *** يا بني المجد لا يغان وغاده
كيف يحصى فخاركم رقم اقلا *** م ولو كانت البحار مداده
انتم انتم حلول فؤادي *** فاز والله من حللتم فؤاده
انا خدامكم وترب حذاكم *** والاسير الذي ملكتم قياده
وانا العبد الرقيق الذي لم *** يكن العتق ذات يوم مراده
ارتجی الفضل منكم وجدير *** بكم المن بالرجا وزياده
فاستقيموا لحاجتي ففؤادي *** مخلص حبه لكم ووداده
ان لي يا بني البتول اليكم *** في انتسابي تسلسلا وولاده
خلفتني الذنوب عنكم فريداً *** فارحموا عجز عبدكم وانفراده
فلكم عند ربكم ما تشاؤ *** ن وجاه لا تختشون نفاده
رب غثنا بهم فانك بالعب- *** اس غثت الانام عام الرماده
وبهم أنعش الشريعة واكشف *** ان طما الجهل شومه و اسوداده
وارض عنهم وزدهم فيض فضل *** منك يا من له التفضل عاده
وعليهم مع الرسول سلام *** ليس یحصى سوى الكريم عداده
(أقول) : وفيما نقلته هنا من الأبيات ورسمته من النظم في هذه الورقات نزهة رائقة الخواطر المحبين، ورشفة من صيب ذلك العذب المعين، واشارة إلى ما وراء ذلك مما مدح به أهل البيت الاطهار، وايماء إلى ما نظم في حقهم من الشعر الذي لا تحتمله كبار الاسفار، وجناب النبي صلى الله عليه و آله و سلم يسع بجوائزه الجميع والمقدم إلى حضرته و حضرات أهل بيته لا يضيع واصفى عليه الصلاة والسلام إلى بانت سعاد وقد كسى كعباً البرد عند الانشاد (1).
1) انظر رشفة الصادي: 200 .
(وقد) حكى الشيخ زين الدين العباسي في كتابه «معاهد التنصيص» قال: حدث ابراهيم بن سعد الاسدي قال: سمعت أبي يقول : رأيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم فقال : من أي الناس أنت؟
فقلت : من العرب.
قال : اعلم، فمن أي العرب أنت؟
فقلت : من بني أسد بن خزيمة.
قال : نعم، أتعرف الكميت بن زيد؟
قلت يا رسول الله ابن عمي ومن قبيلتي.
قال: اتحفظ من شعره شيئاً؟
قلت : نعم.
قال : انشدني قوله :
طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب *** ولا لعباً مني وذو الشيب يلعب
فأنشدته إلى ان بلغت إلى قوله :
فما لي إلّا آل أحمد شیعة *** وما لي إلّا مشعب الحق مشعب
فقال صلى الله عليه و آله و سلم : إذا أصبحت فاقره علیه السلام ، وقل : قد غفر الله لك بهذه القصيدة (1).
1) معاهد التنصيص : 95/3 ترجمة الكميت ط. مصر 1367 مصطفی محمد.
(وحدث) ناصر ابن مزاحم انه رأى النبي صلى الله عليه و آله و سلم في النوم وبينه يديه رجل ينشده : من لقلب متيم مستهام.
قال : فسألت عنه فقيل لي : هذا الكميت بن زيد الاسدي.
قال : فجعل النبي صلى الله عليه و آله و سلم يقول : جزاك الله خيراً ويثني عليه (1).
1) انظر رشفة الصادي: 199.
(وقال) في «در الاصداف» حكى ان بعض الوعاظ اطنب في مدح آل البيت الشريف وذكر فضائلهم حتى كادت الشمس ان تغرب فالتفت إلى الشمس، وقال مخاطباً لها :
لا تغربي یا شمس حتى ينقضي *** مدحي لآل محمد ولنسله
واثني عنانك إن أردت ثناءهم *** أنسيت إذ كان الوقوف لاجله
ان كان للمولى وقوفك فليكن *** هذا الوقوف لفرعه ولنجله
فطلعت الشمس وحصل في ذلك المجلس أنس كثير وسرور عظيم. انتهى (1).
انتهى الجزء الرابع من موسوعة الحوراء زينب علیها السلام
1) رشفة الصادي للحضرمي : 200 ، وجواهر العقدين : 475 ذيل الكتاب، ونور الأبصار : 233 ط. قم و 128 ط. الهند باب الثاني - مناقب الحسنين، وتذكرة الخواص: 53 - 54 ذيل الباب الثاني، والصواعق المحرقة : 129 ط. مصر و 198 ط. بيروت - الفصل الرابع من الباب التاسع.
وصية النبي الأعظم بذرية فاطمة وزينب ... 5
تعظيم الصحابة لذرية النبي صلى الله عليه و آله و سلم ... 10
فضل ذرية زينب وفضل بني هاشم والمطلب ... 14
فضل بني عبد المطلب ... 15
فضل بني هاشم ... 17
فضل قريش ... 19
فضل العرب ... 26
مشروعية تقبيل أيدي الذرية ... 31
تعظيم السلف للذرية ... 34
تتمة تعظيم السلف للذرية ... 52
حكايات في اعتناء النبي بذرية فاطمة وزينب ... 56
أثر لعن علي وأولاده الشرفاء ... 56
أثر ترك نصرة الامام الحسين علیه السلام ... 58
اسلام يهودي على رأس الامام الحسين علیه السلام ... 59
دخول الحية في منخري ابن زياد ... 60
رضى النبي على مكرم رأس الحسين علیه السلام ... 61