فقه الولایة و الحکومة الإسلامیة جلد 3

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

پدیدآورانده مظاهری، حسین (نويسنده) هادی زاده، مجید (محقق)

ناشرمؤسسة الزهراء عليهاالسلام الثقافية الدراسية

مکان نشرايران - قم

سال نشر1386ش/1428ق

شابک‌978-964-2985-00-5

زبان عربی

تعداد جلد3

کد کنگره‌ م6ف7 223/8 BP

محرر رقمی میثم حیدری

فقه الولاية و الحكومة الإسلامية، تقریر بخشی از دروس خارج فقه آیت‌الله حسین مظاهری (معاصر)، در موضوع ولایت فقیه و حکومت اسلامی است که مجید هادی‌زاده آن را به زبان عربی به نگارش درآورده است.

این کتاب، مطالعه مفصلی، برای نشان دادن و تحلیل تئوری ولایت فقیه و حکومت اسلامی بشمار می‌رود که توسط یکی از برجسته‌ترین شاگردان امام خمینی(ره) برای فضلای حوزه علمیه اصفهان تدریس و ارائه شده است.

اشارة

الصورة

O01

الصورة

O02

الصورة

O03

الفهرس الاجمالى

الصورة

O04

الصورة

O05

تصديرٌ

الحمدللّٰه و الصّلوة على رسول اللّٰه و على آله آل اللّٰه و لا سيّما بقيّة اللّٰه إلى يوم لقاء اللّٰه. و امّا بعد؛ فهذا هو المجلّد الثالث من كتاب

«فقه الولاية و الحكومة الإسلاميّة»

تقريراً لأبحاث الفقيه البارع، سماحة آية اللّٰه العظمى الشيخ حسين المظاهرى - ادام اللّٰه ظلّه -. و هذا الجزء يشتمل على ما يتعلّق من أبحاث كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و كتاب الحدود و التّعزيرات بمسألة الحكم و الحكومة، إذ القيام بهذا الأمر و النهي و إجراء الحدود و التعزيرات يعدّان من أهمّ وظائف الولىّ الفقيه و الدّولة الاسلامية. و بعبارةٍ اُخرىٰ‌، بعد البحث عن أصل مسألة ثبوت الولاية للفقيه اوّلاً، ثُم عن إِشكالات و شبهات ترد على ثبوتها له أو سائر جهاتها و الرّد و الجواب عن هذه الشبهات و الإشكالات ثانياً، ثم عن منابعه الماليّة فى الحكومة و الدولة ثالثاً، بقى أن يُبحث عن وظائف الولىّ الفقيه و مسئوليّاتها و ما يجب عليه القيام به حسب ما ورد فى الشريعة المحّمدية صلى الله عليه و آله و سلم.

وها نحن حينما نقدّم هذا الجزء إلى القرّاء الكرام، نبتهل إلى المولى - سبحانه و تعالىٰ - أن يمنّ علينا بطول بقاء سماحة شيخنا الأستاذ الفقيه البارع، و أن يجعله في حفظه و رعيه، و أن يزيد فى توفيقات المقرِّر المحقّق الفاضل. آمين، ربّ العالمين.

مؤسّسة الزهرا عليها السلام الثقافية الدّراسيّة ذى القعدة الحرام 1428

كتاب الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر

اشارة

تمهيدات

اشارة

تمهيدات

هذا أوان الشروع في مبحث وظائف الفقيه الوليّ‌، إذ قد بحثنا عن أصل مسألة ثبوت الولاية للفقيه أوّلاً؛

ثمّ عن إشكالاتٍ ترد على ثبوتها له ثانياً؛

ثمّ عن منابعه الماليّة ثالثاً؛

و بقي علينا الآن أن نبحث عن وظائف الوليّ الفقيه و ما يجب عليه القيام به حسب ما ورد في الشريعة الغرّاء.

فنقول: الأصل و العمدة في وظائف الفقيه الوليّ أمران:

الأمر الأوّل:

ما يرجع إلى حفظ الحكم و الدولة الإسلاميّة، و ذلك بتعريفه السياسات الكلّيّة للحكّام في جميع أقطار المُلك ثمّ مشارفته على إجرائهاعلى أحسن ما يكون، و قد اُشير إلى هاتين الوظيفتين في القانون الدُّستوريّ أيضاً(1)

1- تعيين سياستهاى كلّى نظام جمهورى اسلامى ايران پس از مشورت با مجمع تشخيص مصلحت نظام؛

2- نظارت بر حسن اجراى سياستهاى كلّى نظام».

. و هذا هو المسمّى بإدارة المُلك و معالجته.

و هذه الوظيفة لاتختصّ بالدولة الإسلاميّة، بل هي كامنةٌ في حاقّ الحكم كائناً ما كان.

ثمّ إنّ لهذه الوظيفة مصاديق جزئيّةٍ سنبحث عنها؛

منها: هل يجوز للفقيه الوليّ أن يصدر حكم الجهاد بدواً كما يجوز له أن يحكم بوجوب الدفاع عن الدولة الإسلاميّة‌؟ أم ليس الحكم بوجوب الجهاد البدويّ إلّافي وُسع المعصوم عليه السلام فقط؟؛

و منها هل يجوز له أن يحكم بتعزير بعض الناس و تسجينهم و تغريبهم عن أوطانهم بما عملوا به من المحرّمات الشرعيّة أو القانونيّة‌؟ أو لا حقّ له فيه‌؟؛

و منها: هل يجوز له أن يحكم بوجوب أداء مال الحكومة و الضريبة على الناس زيادةً على ما يجب عليهم من الأخماس و الزكوات‌؟ أو لايجوز له ذلك‌؟.

و هذه المصاديق كثيرةٌ‌، و كلّها ترجع إلى سعة حكمه و ولايته. و قد فرغنا عن اثبات أنّ ولايته مطلقةٌ تامّةٌ‌، إذ الخليفة تابعٌ للمستخلَف منه، و ولاية المستخلَف منه - و هو المعصوم عليهم السلام - تامّةٌ‌، فولاية من استخلف منه أيضاً تامّةٌ‌. و قد فصّلنا الكلام حول هذا المبحث في ما مضى من هذه الرسالة. و سنبحث عن هذه المصاديق أيضاً - إن شاء اللّه -.


1) ورد فيه: «اصل 110. وظائف و اختيارات رهبر:

الأمر الثاني:

اشارة

بثّ الشريعة و تبيينها، و هذا هو الثاني من وظائفه، بل هو الأهمّ منها. و لوكانت حفظ الحكم كامناً في حاقّ الحكومات - كائنةً ما كانت - فحفظ الشريعة و بثّها كامنٌ في حاقّ الحكومة الإسلاميّة.

فينبغي أن يكون للفقيه الوليّ همّان:

حفظ الحكم؛

و بثّ الإسلام.

و رجوع الأوّل إلى الثاني أيضاً، إذ على الدولة الاسلاميّة بدورها أن تجتهد في ترويج الشريعة و تبيينها.

و بثّ الشريعة - و هو الثاني من وظائفه - ينقسم إلى نواحٍ أربعٍ‌:

الناحية الأولى:

تربية جمعٍ من الأخصّائيّين بشؤون الشريعة في كلّ عصرٍ و زمنٍ‌، كالمتخصّصين في فقه الشريعة و فلسفتها. و من الواجب تربية مَن كان ماهراً في علوم التفسير و الحديث و الكلام و التأريخ و الآداب و غيرها، و هذا بتقوية الحوزات العلميّة و تشييد أركانها و حفظها عن الاندراس و الانطماس. و لايخفى ما لهذا الأمر من الأهمّيّة البالغة، قال - سبحانه و تعالى -: «فَلَولَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَومَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‌»(1).

الناحية الثانية:
اشارة

الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر العامّين. و قد اشترك فيهما آحاد الناس، فيجب القيام بهما على الوالي كما يجب القيام بهما على آحاد الرعيّة، و هيهنا نكاتٌ‌:


1) . كريمة 122 التوبة.

النكتة الأولى

يجب على الحكم أن يجتهد في ترغيب الناس في أداء هذه الوظيفة الشرعيّة، لأنّهاحافظةٌ للشريعة، و باندراسها تضمحلّ أحكام الشرع شيئاً فشيئاً.

النكتة الثانية

قد أكّد الشرع على دور هذه الوظيفة في إحياء الدين مراراً عديدةً‌، فعن المعصوم عليه السلام:

«إنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فريضةٌ عظيمةٌ بها تقام الفرائض»(1)

و قد ورد في أحاديثهم:

«إذا لم يأمروا بالمعروف و لم ينهوا عن المنكر و لم يتّبعوا الأخيار من أهل بيتي سلّط اللّه عليهم شرارهم، فيدعوا خيارهم فلايُستجاب لهم»(2).

و هذه الروايات المبيّنة لشأنها و اهتمام الشارع بها كثيرةٌ‌، و تلخيص القول فيها ما قاله سيّدنا اميرالمؤمنين عليه السلام في النهج:

«و ما أعمال البرّ كلّها و الجهاد في سبيل اللّه عند الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلّاكنفثةٍ في بحرٍ لجّيٍّ‌»(3).

النكتة الثالثة

لهذا الأمر و النهي الواجبان شرائط لايمكن الذهاب إلى وجوبهما إلّاباحرازها، كالعلم


1) . راجع: «الكافي» ج 5 ص 55 الحديث 1، «التهذيب» ج 6 ص 180 الحديث 21، «وسائل الشيعة» ج 16 ص 119 الحديث 21132، «عوالي اللآلىء» ج 3 ص 188 الحديث 25.

2) . راجع: «الكافي» ج 2 ص 374 الحديث 2، «وسائل الشيعة» ج 16 ص 273 الحديث 21550؛ و انظر: «مستدرك الوسائل» ج 11 ص 377 الحديث 13304.

3) . راجع: «نهج البلاغة» الكلمة 374 ص 406، «شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 19 ص 306؛ و انظر: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 134 الحديث 21170.

بالمعروف حين الأمر به، و العلم بانتفاء المفسدة حين النهي عن المنكر، و سنبحث عنها أيضاً.

النكتة الرابعة

كما انّ لهذا الواجب شرائط، فله حدودٌ أيضاً، فتارةً يكون أداؤه باللسان و الإخطار، و تارةً أخرى يكون بالاعتزال و الإحجام، و تارةً ثالثةً بالضرب، و تارةً رابعةً بالجرح؛ فهل يجب على المؤمنين و المكلّفين أن يقوموا بهذه الفريضة و لوبلغت ما بلغت من الضرب و الجرح‌؟ أم هذا وظيفة الحكم فقط و ليس عليهم أزيد من الإخطار و الاعتزال عن عاملي المنكرات و أشباههما؟.

هذا المبحث له دورٌ هامٌّ في مباحث الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و سنفصّل الكلام حوله أيضاً - إن شاء اللّه -.

الناحية الثالثة:

الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر غير العامّين، و هو حدٌّ منهما لايجب على الناس أن يقوموا به، بل هو وظيفة الفقيه الوليّ و الدولة الإسلاميّة فقط. و هو تأسيس مجامع الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر، ليكونوا مُشرفين على ما يجري في المجتمع بالرفق و المسالمة، فيأمرون الناس بالمعروف و ينهون عن المنكر. و لايبعد القول بوجوب تأسيس منظّمةٍ لهذه المهمّة كوزارة الثقافة و الإرشاد القوميّ‌. قال - سبحانه و تعالى -:

«وَ مِنْ قَومِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ‌»(1)و قال:

«وَ ممَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ‌»(2)


1) . كريمة 159 الأعراف.

2) . كريمة 181 الأعراف.

و قال:

«الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَ آتُوا الزَّكَاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ»(1).و نظائرها كثيرةٌ‌.

الناحية الرابعة:

توجيه الفحوص و الانتقادات نحو الحكم و الشعْب معاً، و على الدولة أن تكون عَرضةً للانتقاد، لئلّا تفسد أمورها و ما عليها من الوظائف الهامّة. و هذه الناحية أيضاً اشرافٌ عامٌّ من الجمهور على الحكم و من الحكم على الجمهور و الشعب.

و كيف كان فالمهمّ من هذه النواحي الأربع هي الناحية الثانية، فنفصّل الكلام حولها أوّلاً، ثمّ نأتي بما يتعلّق بغيرها من النواحي؛ و لا حول و لا قوّة إلّابه - سبحانه و تعالى -.



1) . كريمة 41 الحجّ‌.

المبحث الأوّل فى ماهيّة المعروف و المنكر

اشارة

و كيفيّة الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر

المبحث الأوّل في ماهيّة المعروف و المنكرو كيفيّة الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر

لاريب في أنّ التصوّر مقدّمٌ على التصديق، و هذا أمر بديهيٌّ لايختلف فيه اثنان. ثمّ المباحث في هذا الكتاب كلّها تدور حول المعروف و المنكر، فيجب على الباحث أن يكون أوّلاً على بصيرةٍ من ماهيّتهما. فنقول:

المسألة الأولى في أنّهما أمران عرفيّان

اشارة

«المعروف» أمرٌ عرفيٌّ يعرفه العقل بالضرورة، كما أنّ «المنكَر» أمرٌ عرفيٌّ يعرفه العقل بالضرورة. فماهيّتهما واضحةٌ عند العقل لاتحتاج إلى إرشاده إليها. نعم! بعض مصاديق المعروف و كذلك بعض مصاديق المنكر ليس كذلك؛ إذ مصاديقهما نوعان أو فقل على قسمين:

القسم الأوّل:

ما يستقلّ العقل بإدراك حسنه أو قبحه، كحسن الصدق و حسن الإحسان إلى الأبوين، و كقبح الكذب و قبح الظلم؛

القسم الثاني:

ما لايستقلّ العقل بإدراك حسنه أو قبحه، بل يرشده الشرع إلى حسنه أو قبحه، كحسن الصلاة و قبح القمار.

و هذا القسم أعمّ من أن يكون العقل شاكّاً فيه، أو متوقّفاً غير ذي حكمٍ فيه. و تفصيل الكلام في ذلك خارجٌ عن موضوع هذه الرسالة.

ثمّ المراد من العقل هيهنا العقل الصحيح الّذي لم تشبْه شائبة الأوهام، إذ غطاء الوهم يمنع العقل عن إدراك الواقع على ما هو عليه. فلانعني بالعقل عقول جميع الناس، بل عقل من يستحقّ منهم أن يطلق عليه اسم العاقل فقط. و إلى ما قلنا يشير ما ذكره الراغب في تعريف المعروف من أنّه:

«اسمٌ لكلّ فعلٍ يُعرف بالعقل أو الشرع حسنُه»؛

و في تعريف المنكر من أنّه:

«ما يُنكر بهما»(1)

و قال أيضاً:


1) . راجع: «مفردات ألفاظ القرآن» ص 561 القائة 2.

«المنكر: كلّ فعلٍ تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقّف في استقباحه و استحسانه العقول فتحكم بقبحه الشريعة»(1).

و تبعه(2)في التعريف جمعٌ من اللغويّين، كأصحاب القاموس(3)، و المصباح(4)، و منتهى الإرب(5)، و المنجد(6).


1) . راجع: نفس المصدر ص 823 القائمة 2.

2) . هذا التعبير لايخلو عن مسامحةٍ‌؛ فانظر ما سننقله من عبارات اللغويّين في التعاليق الآتية.

3) . اقتصر صاحب القاموس في تعريف المعروف على أن قال: «المعروف ضدّ المنكر»؛ راجع: «القاموس المحيط» ص 771 القائمة 1. و قال في تعريف المنكر: «المنكر ضدّ المعروف»، و لم يزد عليه؛ راجع: نفس المصدر ص 452 القائمة 2.

4) . قال الفيوميّ‌: «أُمرت بالعرف أي: بالمعروف، و هو الخير و الرفق و الإحسان»؛ راجع: «المصباح المنير» ص 553. و قال في تعريف المنكر: «المنكر... هو الأمر القبيح»؛ راجع: نفس المصدر ص 858.

5) . قال في تعريف المعروف: «مشهور، شناخته، خلاف منكر»؛ راجع: «منتهى الإرب» ج 2 ص 821 القائمة 1. و في تعريف المنكر: «ناشناخته، و كار زشت»؛ راجع: نفس المصدر ج 2 ص 1278 القائمة 4.

6) . قال: «المعروف: الخير، الإحسان، الرزق»؛ راجع: «المنجد» ص 500 القائمة 2. و قال في تعريف المنكر: «ما ليس فيه رضى اللّه من قولٍ أو فعلٍ‌، و ضدّه المعروف»؛ راجع: نفس المصدر ص 836 القائمة 3.

المسألة الثانية في ما ذكره الفقهاء في تعريفهما

اشارة

أشرنا في المسألة الأولى إلى أنّ المعروف و المنكر أمران عرفيّان يعرف العقل ماهيّتهما من غير أن يكون مضطرباً شكّاكاً فيها. ثمّ انّ المحقّق الأوّل جاء في الشرايع بتعريفين لهما قد تبعه فيه بعض الأكابر(1)، منهم ابن اخته العلّامة 0(2). و قوله في المقام لايخلو عن غرابةٍ‌، بل ترد عليه وجوهٌ من الإيرادات. قال رحمه الله:

«المعروف هو كلّ فعلٍ حسنٍ اختصّ بوصفٍ زائدٍ على حسنه، إذا عرف فاعله ذلك أو دلّ عليه»(3)

و قال في تعريف المنكر:

«كلّ فعلٍ قبيحٍ عرف فاعله قبحه أو ما دلّ عليه»(4).

ثمّ إنّ المحقق الفقيه النجفيّ رحمه الله ذكر في توضيح العبارة انّ المراد من «كلّ فعلٍ حسنٍ‌» هو: المباح، و المراد من «الوصف الزائد»: الاستحباب أو الوجوب، و المراد من «إذا عرف فاعله ذلك»: ما إذا كان العقل مستقلّاً بإدراك حسن الفعل، و المراد من «أو دلّ عليه»: ما إذا لم يكن العقل مستقلّاً بإدراك حسنه، بل يرشده الشرع إليه(5).

و ترد على هذا التعريف أمورٌ:


1) . فانظر: «المهذّب البارع» ج 2 ص 321.

2) . راجع: «منتهى المطلب» - الطبعة الحجريّة - ج 2 ص 991، «تحرير الأحكام» ج 2 ص 238.

3) . راجع: «شرائع الإسلام» ج 1 ص 310.

4) . راجع: نفس المصدر.

5) . قال رحمه الله: «فالأوّل بمنزلة الجنس ضرورة كون المراد بالحسن الجائز بالمعنى الأعمّ الشامل لما عدا الحرام... و الاختصاص بوصفٍ إلى آخره بمنزلة الفصل لإخراج المباح الّذي لاوصف فيه زائداً على حسنه المراد به جواز فعله... كما انّ الظاهر إرادة الإشارة إلى العلم بالاجتهاد و التقليد مثلاً من قوله: عرفه أو دلّ عليه»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 356.

الأمر الأوّل:

لزوم أن يكون المعرِّف أجلى من المعرَّف، و الحال انّ المعرِّف هيهنا يحتاج إلى تدبّرٍ حتّى يُعلم المرادمنه بينماانّ المعرَّف أمرٌ عرفيٌّ لايضطرب العقل في إدراكه.

الأمر الثاني:

قوله: «كلّ فعلٍ حسنٍ‌» مراداً به المباح لايخلو عن شيءٍ‌، إذ المباح لايتّصف بالحسن و لا بالقبح، بل لا اقتضاء له بالنسبة إليهما، هذا على القول بكون المباح أمراً عدميّاً؛ أمّا على المختار من كونه أمراً وجوديّاً فهو أمرٌ وجوديٌّ اقتضى ذاته عدم الحسن كما انّه يقتضي عدم القبح أيضاً. نعم! لوعرض عليه الحسن يصير مندوباً أو واجباً، و لوعرض عليه القبح يصير مكروهاً أو حراماً.

الأمر الثالث:

قوله: «اختصّ بوصفٍ زائدٍ على حسنه» أيضاً لايخلو عن إشكالٍ‌، إذ المعروف هو المباح المتّصف بالحسن - أي: المباح الّذي عرض عليه وجهٌ من الحُسن -، لاالحَسَنُ الّذي عرض عليه حُسنٌ آخر؛ و هذا واضحٌ‌.

الأمر الرابع:

قوله: «إذا عرف فاعله» أيضاً لايؤيّده التحقيق، إذ المعروف حسنٌ و المنكر قبيحٌ‌، و لادخل لمعرفة الفاعل في حسن الأوّل و قبح الثاني؛ و بعبارةٍ أخرى: انّ عبارته تشمل الحُسن الفاعلي و الحسن الفعلي، و الحسن الفاعلي لادخل له في كون الفعل حسناً، كما أنّ القبح الفاعلي لادخل له في كونه قبيحاً؛ هذا كما اتّفق عليه القوم و أصرّ عليه صاحب الجواهر في المقام(1).

و يرد على ما ذكره صاحب الجواهر رحمه الله من: «أنّ المباح إمّا مستحبٌّ و إمّا واجبٌ‌» نفس الإيراد الّذي أشرناإليه في الأمر الثاني من الأمور الّتي ترد على تعريف المحقّق رحمه الله، إذ المباح لايكون مستحبّاً و لا واجباً إلّاإذا عرض عليه وجهٌ من وجوه الحُسن؛ أو فقل: انّ للمستحبّ و كذلك للواجب فصلاً هواقتضاء الحسن، بينماانّ المباح لايقتضي الحسن أصلاً، كما انّه لايقتضي القبح أيضاً.


1) . راجع: نفس المصدر و المجلّد ص 357.

فتقسيم المباح إلى المستحبّ و الواجب لايكون موافقاً للحقّ الحقيق.

المسألة الثالثة في أنّهما واجبان بالضرورة

لاخلاف في أنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر واجبان بالضرورة، لأنّهما من فروع الدين، فلايمكن النقاش في وجوبهما؛ هذا.

ثمّ إنّ المحقّق الحلّيّ رحمه الله ذكر في الشرايع:

«إنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر واجبان إجماعاً»(1)

و لوكان يقول: «واجبان بالضرورة» لكان أحسن، إذ لادخل للإجماع في ضروريّات الشريعة. أضف إلى ذلك ما ذكره بعد سطورٍ من قوله:

«و المعروف ينقسم إلى الواجب و الندب»(2)

بينما انّ المحقّق لايقول بوجوب الأمر في المندوبات؛ هذا.


1) . راجع: «شرائع الإسلام» ج 1 ص 310.

2) . راجع: نفس المصدر.

المسألة الرّابعة في أنّ وجوبهما تعبّديٌّ أو عقليٌّ‌

اشارة

قلنا أنّه لاخلاف في أنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر واجبان بالضرورة. و لكن وقع الخلاف بين الأعلام في أنّ وجوبهما عقليٌّ؟ أو تعبّديٌّ‌(1)؟؛ و بعبارةٍ أخرى: هل العقل يستقلّ بإدراك حسنهما و وجوب القيام بهما؟ أو لا طريق له إليهما إلّابارشادٍ من الشريعة الغرّاء؟.

و نأتي بتفصيل المسألة من خلال نكاتٍ‌:

النكتة الأولى

ذهب جمعٌ من الأكابر إلى كونه عقليّاً، منهم شيخ الطائفة(2)و ثاني المحقّقين(3)

و ذهب جمعٌ آخر منهم إلى كونه تعبّدياً، أو إن شئت فقل: سمعيّاً(4)، منهم نصيرالدين الطوسيّ‌(5)و العلّامة الحلّي(6)و صاحب الجواهر(7)رحمهم الله.


1) . كما عن الإمام يحيى بن سعيد الحلّي: «و وجوبهما عقليٌّ أو سمعيٌّ؟ فيه خلافٌ‌»؛ راجع: «الجامع للشرائع» ص 243؛ و انظر أيضاً: «الأقطاب القطبيّة» ص 96.

2) . قال رحمه الله: «فقال الجمهور من المتكلّمين و الفقهاء و غيرهم انّما يجبان سمعاً... و هو الصحيح»، لكنّه قال بعد سطورٍ: «و يقوي في نفسي انّهما يجبان عقلاً»؛ راجع: «الإقتصاد» ص 146. و له قولٌ بكونه سمعيّاً أيضاً؛ راجع: «التبيان» ج 2 ص 549.

3) . هذا؛ و لكنّه قال رحمه الله: «و لعلّ الأظهر انّ الوجوب سمعيٌّ‌»؛ راجع: «جامع المقاصد» ج 3 ص 485.

4) . و انظر: «السرائر» ج 3 ص 160، «الكافي في الفقه» ص 264، «مجمع الفائدة و البرهان» ج 7 ص 530.

5) . قال رحمه الله: «الأمر بالمعروف... واجبٌ‌، و كذا النهي عن المنكر... سمعاً»؛ راجع: «كشف المراد» ص 578.

6) . راجع: «تذكرة الفقهاء» ج 9 ص 441 المسألة 261، «تحرير الأحكام» ج 2 ص 240.

7) . قال رحمه الله: «و إن كان الأظهر انّ وجوبهما من حيث كونهما كذلك سمعيٌّ‌»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 358.

قال الأوّلون(1): العقل يستقلّ بإدراك حسن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، أمّا الأدلّة السمعيّة - كقوله سبحانه و تعالى: «الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَولِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ»(2)- فليست إلّامن باب التأكيد على حكم العقل بوجوب القيام بهما، كما انّه إذا أدرك العقل وجوب الطاعة عن الرسول و الإمام فلادور لقوله - تعالى -: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‌»(3)إلّاالتقرير على ما حكم به العقل من وجوب الطاعة و حسنها.

و قال الذاهبون إلى كونه سمعيّاً: لاحكم للعقل بوجوبهما، بل هو تابعٌ لحكم الشرع فيهما؛ و ذلك نظراً إلى الملازمة بين العقل و الشرع في الحكم. فالشريعة ترشده إلى هذا الوجوب و هو يتبعها فيه.

النكتة الثانية
اشارة

القائلون بكونه عقليّاً استدلّوا بدليلين، و كلاهما لايخلوان عن مناقشةٍ‌؛ و هما:

الدليل الأوّل:

إنّا نجد بالوجدان انّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حسنٌ‌، و في الوجدانيّات لسنا بحاجةٍ إلى الدليل؛ إذ منتهى الأدلّة أن تنتهي إليها.

الدليل الثاني:

التمسّك بقاعدة اللطف. قالوا: انّ قاعدة اللطف كما تحكم على اللّه - سبحانه و تعالى - بوجوب ارسال الرسل و انزال الكتب لاهتداء الناس إلى ما فيه خيرهم، كذلك يحكم على الناس بوجوب الأمربالمعروف و النهي عن المنكر لئلّا يضلّوا في حياتهم الدنياويّة فيبعدوا


1) . راجع في ذلك كلّه: «تذكرة الفقهاء» ج 9 ص 441 المسألة 261.

2) . كريمة 71 التوبة.

3) . كريمة 59 النساء.

عن سعادتهم في حياتهم الأخراويّة.

و القائلون بكونه سمعيّاً استدلّوا بدليلين أيضاً، و هما:

الدليل الأوّل:

و هو ما يرد على الأوّل من الدليلين الّذَين ذكرهما القائلون بكونه عقليّاً؛ قال صاحب الجواهر رحمه الله: انّ هذا الدليل غير تمامٍ‌، إذ وجدان حسن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر شيءٌ لاينكره أحدٌ، و لكن بلوغه إلى حدّالوجوب أمرٌ لايحكم به العقل و لايساعده الوجدان(1).

الدليل الثاني:

و هو يرد على ثاني دليلي القائلين بكونه عقليّاً؛ قالوا: قاعدة اللطف تجري في وجوب ارسال الرسل و انزال الكتب و لاتجري في وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، إذ لوكانت جاريةً فيه لكان من الواجب على اللّه - سبحانه و تعالى - أن يجبر عباده على فعل المعروف و يمنعهم تكويناً عن فعل المنكر؛ و ليس هذا إلّاالجبر و نقض التكاليف، و هذا قبيحٌ منه جدّاً. فإذاً لايدلّ دليلٌ على كونه عقليّاً، و لكن قد كثرت الأدلّة السمعيّة عليه، فهو سمعيٌّ‌(2).

هذا تحرير كلامهم، كما هو المستفاد من أقوالهم، كقول العلّامة في بعض آثاره(3).

النكتة الثالثة
اشارة

و المختار كونه عقليّاً، إذ العقل يستقلّ بوجوب إرشاد الجاهل، و لانعني بوجوب الأمر


1) . قال رحمه الله: «ضرورة عدم وصول العقل إلى قبح ترك الأمر بذلك على وجهٍ يترتّب عليه العقاب بدون ملاحظة الشرع»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 358.

2) . انظر: نفس المصدر.

3) . ك‍ «تذكرة الفقهاء» ج 9 ص 441، «تحرير الأحكام» ج 2 ص 240، «كشف المراد» ص 578.

بالمعروف و النهي عن المنكر إلّاهذا الإرشاد، فهو ممّا يحكم به العقل من غير اضطرابٍ منه فيه.

و هيهنا أمورٌ يجب أن ننبّه عليها:

الأمر الأوّل:

قولهم: «إنّ العقل يدرك حسن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من غير أن يحكم بوجوبهما» قولٌ غير مطابقٍ لما نجده بالوجدان، إذ ليس حسنهما من قبيل حسن الدعاء عند رؤية الهلال، بل العقل يحكم بوجوبهما حذراً عن الهرج و الاضطراب في أمر المجتمع، و لايخفى ما للمجتمع من الدور الهامّ في سعادة الإنسان.

الأمر الثاني:

قولهم: «لوجرت قاعدة اللطف في وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لكان من الواجب على اللّه - تعالى - إلجاء العباد بالمعروف و منعهم تكويناً عن المنكر» قولٌ لانفهم المراد منه. إذ المتيقّن من القاعدة وجوب ارسال الرسل و انزال الكتب على اللّه و وجوب اتّباع الرسل في الأمر به و النهي عنه علينا، أمّا كيفيّة انجرار القاعدة بوجوب الإلجاء على اللّه حتّى يؤدّي إلى نقض التكليف - القبيح عليه تعالى - فهي غير واضحةٍ‌، بل واضحة البطلان؛ فالصفح عنه أولى من الردّ عليه.

هذا كلّه في ما يجب على الناس من الأمر به و النهي عنه. و لكن في ما يجب على الحكم و الدولة منهما فكلامٌ آخر سنأتي به - إن شاء اللّه تعالى -.

المسألة الخامسة في أنّ وجوبهما عينيٌّ أو كفائيٌّ‌

اشارة

هذه المسألة عقدناها للتحقيق حول انّ وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر عينيٌّ أو هو كفائيٌّ؟. و في المسألة نكاتٌ‌:

النكتة الأولى

ذهب المحقّق رحمه الله في الشرايع إلى أنّ كونه واجباً عينيّاً هو الأشبه بالقواعد(1)، و بالمستفاد من روايات الباب، و تبعه في هذا الرأي قليلٌ من الأعلام(2).

و ذهب الأكثر - و منهم صاحب الجواهر رحمه الله(3)- إلى كونه واجباً كفائيّاً(4).

النكتة الثانية

لنا في ماهيّة هذين القسمين من الوجوب رأيٌ قد فصّلنا الكلام حوله في دراساتنا الأصوليّة، و لكن يجب علينا أن نشير إليه هيهنا مراعياً لكمال الاختصار ليظهر ما هو الحقّ المختار في المسألة. فنقول:


1) . قال قدس سره: «و قيل بل على الأعيان، و هو أشبه»؛ راجع: «شرائع الإسلام» ج 1 ص 310.

2) . و سبقه إلى هذا القول جمعٌ من الأعلام؛ قال أبوالمجد الحلبيّ رحمه الله: «فهل هما على الكفاية أو التعيين‌؟ و هل يجبان عقليّاً أو سمعيّاً؟ الأقوى وجوبهما على الأعيان سمعاً»؛ راجع: «إشارة السبق» ص 146. و عن الشَّيخ قدس سره: «و هما فرضان على الأعيان»؛ راجع: «النهاية» - في «الجوامع الفقهيّة» - ص 229. و قال ابن حمزة رحمه الله: «هما من فروض الأعيان»؛ راجع: «الوسيلة» - في «الجوامع الفقهيّة» - ص 679. و عن ثاني المحقّقَين: «الأصحّ انّ الأمر بالمعروف... و النهي عن المنكر كلّه واجبٌ وجوباً عينيّاً»؛ راجع: «حاشية الإرشاد» - في «مجموعة حياة المحقّق الكركيّ و آثاره» - ج 9 ص 308.

3) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 360.

4) . و انظر في ذلك: «شرح اللمعة» ج 2 ص 413، «مجمع الفائدة و البرهان» ج 7 ص 531، «زبدة البيان» ص 321.

المشهور بين القوم: انّ الواجب العينيّ هو الواجب الّذي تعلّق بجميع المكلّفين و تنجّز عليهم بحيث يجب على الجميع الإتيان به، و لايكفي فعل بعضهم عن فعل الآخرين، كالصلاة و الصوم و الحجّ و غيرها.

و المشهور بينهم أيضاً في الواجب الكفائيّ‌: انّه الواجب الّذي يجب على جميع المكلّفين أن يقوم بعضهم به، فهو واجبٌ عليهم و لكن إذا قام بعضهم بإتيانه يسقط من الآخرين. فإذاً لايعاقب أحدٌ منهم عليه و يُثاب عليه من عجّل إليه و قام باتيانه في الخارج؛ هذا(1).

و المختار انّ هذا التعريف لهذين القسمين من الوجوب لايخلو عن مناقشةٍ‌، و ذلك لعدم اسقاط الوجوب عن المكلّفين بقيام البعض باتيان المكلّف به في الخارج، بل لايسقط التكليف عن الجميع إلّابعد فراغ المتكفّلين له عنه و الاتيان به على وجه الكمال في الخارج(2). فعلى سبيل المثال لوقام بعض المكلّفين بتكفين الميّت و الصلاة عليه و دفنه لايسقط التكليف عن الباقين إلّابعد فراغهم عن دفنه، فإذاً يسقط التكليف عن الجميع و يثاب من قام بدفنه على قيامه بهذا الواجب. و عليه فلافرق بين الواجب الكفائيّ و العينيّ‌، إذ التكليف لايسقط فيهما إلّابعد أن يوجد المكلَّف به في الخارج؛ فلافرق فيه بين أن يكون صلاةً‌، أو دفنَ ميّتٍ‌.


1) . و انظر في ذلك أيضاً: «مبادىء الوصول» ص 105، «الوافية» ص 97، «قوانين الأصول» ص 123، «حاشية الكفاية» - للمحقّق الكبير آية اللّه العظمى البروجردي رحمه الله - ج 1 ص 203، «تحريراتٌ في أصول الفقه» ج 4 ص 36، «المحكم في أصول الفقه» ج 1 ص 386.

2) . و عن ثاني الشهيدين 0 في شرح قول المحقّق؛ في كتاب الجهاد: «و فرضه على الكفاية»: «معنى وجوبه على الكفاية انّ الخطاب به عامٌّ على جميع الناس، فإذا قام به من يحصل الكفاية بجهاده سقط عن الباقين سقوطاً مراعىً باستمرار القائم به إلى أن يحصل الغرض المطلوب منه شرعاً»؛ راجع: «مسالك الأفهام» ج 3 ص 8. و انظر أيضاً: «مجمع الفائدة و البرهان» ج 7 ص 531.

فإذاً ما هو الفارق بين هذين القسمين‌؟ و ما هو الفاصل بينهما؟. المختار أنّ الفارق بين القسمين مطلوبيّة نفس الفعل في الواجب العينيّ و مطلوبيّة إيجاد الفعل في الخارج في الواجب الكفائيّ من غير أن يكون الفعل مطلوباً بذاته. فالصلاة مطلوبةٌ للمولى - جلّ و علا - من غير أن تكون مقدّمةً لمطلوبٍ آخر، و لكن لامطلوبيّة في دفن الميّت - أي: في فعله -، بل المطلوب فيه مواراة الميّت تحت التراب، فلامطلوبيّة في نفس دفن الميّت. و بما قلنا ظهر أنّ الواجب العينيّ لايكون إلّاإذا كان الفعل مطلوباً بنفسه، و الواجب الكفائيّ لايكون إلّاإذا كان الفعل مقدّمةً لمطلوبٍ آخر. و عليه فلامطلوبيّة في المقدّمات أصلاً.

نعم! في الوضوء و الغسل كلامٌ آخر، إذ يُستفاد من روايات باب الطهارة أنّهما مطلوبان بذاتهما مع كونهما مقدّمتان للصلاة أو غيرها من الواجبات، و هذا أمرٌ لاربط له بالمقام.

و كيف كان فالمختار في الفارق بين قسمي العينيّ و الكفائيّ من الواجب كون الأوّل مطلوباً لذاته، و كون الثاني مقدّمةً لمطلوبٍ آخر.

ثمّ إنّ المقدّمة على قسمين:

قسم فيه نوعٌ من المطلوبيّة أيضاً و إن لم يكن مطلوباً لذاته؛ كتعليم العلم و تعلّمه، فانّ التعليم و التعلّم مطلوبان لأجل العمل بالشرائع الإلهيّة مع اشتمالهما على نوعٍ من المطلوبيّة أيضاً؛

و قسم ليست فيه رائحةٌ من المطلوبيّة أصلاً، كدفن الميّت و التيمّم للصلاة.

و الأوّل يقال له: الواجب النفسي التهيّئي، و الثاني هو المسمّى بالواجب الكفائي. و تفصيل الكلام في ذلك يُطلب من دراساتنا الأصوليّة، و لايسع المقام التفصيل فيه أكثر من هذا.

النكتة الثالثة
اشارة

استدلّ صاحب الجواهر رحمه الله على مختار المشهور من كون الوجوب فيهما وجوباً كفائيّاً

بأدلّةٍ ثلاثةٍ‌:

الدليل الأوّل:

انطباق ما ذكره القوم في تعريف الواجب الكفائيّ عليه، إذ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر واجبان على الجميع حتّى يقوم بهما بعض المكلّفين، فإذاً يسقط من الباقين و لايبقى وجوبٌ على ذمّتهم(1).

و يرد عليه: إنّ هذا التعريف لاحظّ له من الصواب، فالصفح منه أولى من الاستدلال به.

الدليل الثاني:
اشارة

موثّقة مسعدة، و نصّها:

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: سمعته يقول و سئل عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أ واجبٌ هو على الأمّة جميعاً؟ فقال: لا؛ فقيل له: و لم‌؟ قال: إنّما هو على القويّ المطاع العالم بالمعروف من المنكر لا على الضعيف الّذي لايهتدي سبيلاً»(2).

الرواية موثّقةٌ‌، لمكان هارون بن مسلم(3)و مسعدة بن صدقة(4)العامّيّين الثقتين. استدلّ‌


1) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 360.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 126 الحديث 21152، «الكافي» ج 5 ص 59 الحديث 16؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 177 الحديث 9، «مستدرك الوسائل» ج 12 ص 187 الحديث 13834.

3) . كونه من العامّة محلّ ترديدٍ جدّاً؛ انظر: «خلاصة الأقوال» ص 291 الرقم 1073، «رجال الطوسيّ‌» ص 403 الرقم 5912، «تنقيح المقال» ج 3 ص 285 الرقم 12761، «معجم رجال الحديث» ج 19 ص 229 الرقم 13241، «منتهى المقال» ج 6 ص 408 الرقم 3163.

4) . قال العلاّمة رحمه الله: «قال الشيخ: انّه عاميٌّ‌، و قال الكشّي: انّه بتريٌّ‌»؛ راجع: «خلاصة الأقوال» ص 410 الرقم 1661؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 18 ص 139 الرقم 12277، «تنقيح المقال» ج 2 ص 212 الرقم 11711.

صاحب الجواهر على كون الوجوب في بابنا هذا وجوباً كفائيّاً بما يظهر من قوله عليه السلام: «لا ... إنّما هو على القويّ المطاع العالم...»، فلايجب على جميع المكلّفين القيام بهذا الأمر و النهي، فليس وجوبهما إلّاكفائيّاً.

و يرد على قوله رحمه الله هذا أمران:

الأمر الأوّل:

لادلالة في الرواية على مختاركم، إذ الواجب الكفائي في رأيكم كان واجباً على الجميع ثمّ سقط عن البعض لقيام بعضٍ آخرين به، بينما انّ الرواية تدلّ على عدم وجوبه على طائفةٍ من الناس، بل على الأكثرين منهم، فبين مدلولها و بين الواجب الكفائي بونٌ بعيدٌ.

الأمر الثاني:

لوكان المراد من الرواية عدم وجوبهما على بعض الناس - كما استفدتم منها - تكون الرواية بظاهرها مخالفةً لما نصّ عليه القرآن الكريم من وجوبهما على عامّة المكلّفين، قال - سبحانه و تعالى -: «الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَولِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ»(1). فإذاً لامناص من كفّ اليد عن ظهورها و حملها على معنىً آخر، أو طردها و ضربها على الجدار - كما هو المقرّر في كلّ روايةٍ تخالف بظاهرها القرآن الكريم -.

الدليل الثالث:
اشارة

قوله - تعالى -: «وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ»(2). الآية الشريفة استشهد بها صاحب الجواهر(3)رحمه الله لبيان كون الوجوب في الأمر به و النهي عنه وجوباً كفائيّاً؛ و ذلك نظراً إلى دلالتها على عدم وجوبهما على جميع الناس، بل على بعضهم فقط.


1) . كريمة 71 التوبة.

2) . كريمة 104 آل عمران.

3) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 360؛ و انظر: «مجمع الفائدة و البرهان» ج 7 ص 534.

و يرد عليه ما بيّناه في الأمر الأوّل من الإيرادين الَّذَين كانا يردا على استشهاده بموثّقة مسعدة بن صدقة، إذ الآية حينئذٍ لاتدلّ على وجوبهما على جميع الناس ثمّ سقوطهما عنهم بقيام بعضهم بهما، بل هي تدلّ على عدم وجوبهما على بعض الناس من أوّل الأمر، فإذاً لاتنطبق الآية الكريمة على مقصوده رحمه الله أصلاً؛ هذا.

و استدلّ القائلون بكونه وجوباً عينيّاً بدليلين:

الدليل الأوّل:

أصالة العينيّة(1)، و المراد من الأصل: إنّا إذا شككنا في كون واجبٍ كفائيّاً أو عينيّاً نحكم بكونه عينيّاً لحكم أصالة العينيّة به. و ذلك لأن الأصل كونه عينيّاً، و كونه كفائيّاً يحتاج إلى مؤونةٍ زائدةٍ على أصل الوجوب. هذا هو المشهور بين الفقهاء و الأصوليّين، كما ذهب المحقّق صاحب الكفاية رحمه الله في مبتدأ مبحث الأوامر منه إلى أنّ اطلاق الأمر يقتضي كونه نفسيّاً لا غيريّاً، و كونه عينيّاً لا كفائيّاً، و كونه تعيينيّاً لا تعيّنيّاً. لأنّ كونه غيريّاً أو كفائيّاً أو تعيّنيّاً يحتاج إلى قرينةٍ زائدةٍ مفقودةٍ في المقام. فعند الشكّ في كون الوجوب في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وجوباً عينيّاً أو كفائيّاً نحكم بكونه عينيّاً؛ لمكان الأصل(2).

و يرد عليه ما قد فصّلنا الكلام حوله في دراساتنا الأصوليّة من أنّ الأمر باطلاقه لايدلّ على كون الوجوب عينيّاً كما انّه لايدلّ على كونه كفائيّاً، لأنّ ماهيّة الإطلاق ليست إلّامن قبيل اللابشرط، فلايقتضي العينيّة كما لايقتضي الكفائيّة.

ثمّ المختار انّ صيغة «افعل» و ما بمعناها وضعت للدلالة على كون الواجب نفسيّاً و عينيّاً و تعيينيّاً، فكونه عينيّاً مندرَجٌ في حاقّ الوضع، و الوضع هو الدالّ عليه، لااطلاق الأمر. و كيف كان فالأصل في الواجب كونه عينيّاً، لا كفائيّاً؛ و تفصيل الكلام في ذلك


1) . انظر: «جواهر الكلام» ج 21 ص 359.

2) . راجع: «كفاية الأصول» ص 72.

يُطلب من دراساتنا الأصوليّة.

ثمّ الأصل يجري عند فقد الدليل، فلو تمّ دليلا القائلين بكونه واجباً كفائيّاً فلايجوز التمسّك بالأصل.

الدليل الثاني:

التمسّك بعمومات الباب(1)، كقوله - تعالى -: «الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَولِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ»(2)الدالّ بظاهره على وجوبهما على جميع الناس.

و يرد عليه: إنّ عمومات الباب لاتدلّ على أكثر من وجوبهما على الناس، أمّا بيان كونه عينيّاً أو كفائيّاً فهي ساكتةٌ عنه غير مبيّنة له، فلايجوز التمسّك بها في مقام بيان كونه عينيّاً أو كفائيّاً؛ هذا.

فتلخّص ممّا قلنا جميعاً أنّ أدلّة القائلين بكونه وجوباً كفائيّاً غير تامٍّ‌، كما انّ أدلّة القائلين بكونه وجوباً عينيّاً أيضاً غير تمامٍ‌، فلايمكن الركون إلى هذين القولين.

النكتة الرابعة

المختار كون الوجوب في الأمر به و النهي عنه وجوباً نفسيّاً تهيّئيّاً، إذ ليس الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلّامن باب المقدّمة لاهتداء الناس إلى ما فيه صلاحهم من فعل المعروف و ترك المنكر، هذا من ناحيةٍ‌؛ و من ناحيةٍ أخرى لاانكار في أنّهما مطلوبان بذاتهما أيضاً، فهما مقدّمتان مطلوبتان، و هذا معنى كون وجوبهما وجوباً نفسيّاً تهيّئيّاً.

و بما قلنا يرتفع الخلاف و النزاع بين المحقّق رحمه الله و المشهور رحمهم الله. إذ قول المحقّق بكونه واجباً عينيّاً ناظرٌ إلى كونه نفسيّاً - أي: توجد فيه رائحةٌ من المطلوبيّة النفسيّة -، و قول المشهور بكونه كفائيّاً ناظرٌ إلى كونه مقدّمةً لمطلوبٍ آخر، و هو الاتيان بالمعروف و الكفّ عن المنكر، و هذا يحصل بقيام بعض المكلّفين به. و الحمد للّه ربّ العالمين.


1) . انظر: «جواهر الكلام» ج 21 ص 359.

2) . كريمة 71 التوبة.

المبحث الثّاني فى شرائط الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكرالمتّفق عليها

اشارة

المبحث الثاني في شرائط الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر المتّفق عليها

لا خلاف في أنّ لكلّ واجبٍ شروطاً لايجب العمل به و لايتنجّز على المكلّف إلّابعد إحرازها. و لهذين الواجبين أيضاً شروطٌ لايتنجّزا إلاّ بعد أن تحرز تلك الشروط. و المعروف منها أربعةٌ‌، و قد أنحاها أفضل المتأخّرين الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله إلى أربع عشر شرطاً(1). و سنبحث عن هذه الشروط الّتي ذكرها هذا الحبر العظيم.

أمّا المشهور فعلى كونها أربعةً‌(2):

الأوّل: العلم بالمعروف و بالمنكر؛

الثاني: احتمال ترتّب الأثر عليهما؛

الثالث: العلم بأنّ مرتكب المنكر ما تاب عنه؛

الرابع: انتفاء احتمال ترتّب المضرّة عليهما.

فلايجبان إلّابعد احراز هذه الشروط الأربعة. و تفصيل الكلام في الشروط في مسائل.


1) . راجع: «كشف الغطاء» ج 2 ص 420.

2) . فانظر: «إشارة السبق» ص 146، «شرائع الإسلام» ج 1 ص 311، «جواهر الكلام» ج 21 ص 366، «مسالك الأفهام» ج 3 ص 101، «تذكرة الفقهاء» ج 9 ص 442 المسألة 263، «جامع المقاصد» ج 3 ص 486، «مجمع الفائدة و البرهان» ج 7 ص 535.

المسألة الأولى في اشتراط العلم بالمعروف و بالمنكر

اشارة

أصل اشتراط العلم بهما في تنجّز التكليف بديهيٌّ‌، فلايحتاج إلى مزيدٍ من البيان. إذ من لايعرف الحقّ و المعروف كيف يمكن له أن يأمر به‌؟ و من لايعرف المنكر و القبيح كيف يمكن له أن ينهى عنه‌؟. و هذه قاعدةٌ عامّةٌ قد أشار إليها ما اشتهر بينهم من أنّه «ثبِّت العرش ثمّ انقش». و قد ادّعى صاحب الجواهر رحمه الله على اشتراطه فيه الضرورة و الإجماع(1).

فذلكةٌ‌
اشارة

و هيهنا فذلكةٌ دقيقةٌ يجب الالمام بها، و هي: هل العلم هذا من قبيل شرط الوجوب‌؟ أو من قبيل شرط الواجب‌؟. و لايخفى ما بينهما من الفرق و ما يترتّب على القولين من الثمرة العمليّة، إذ على الأوّل لايجب على المكلّف تحصيل المعرفة بالمعروف و المنكر ليقوم بالأمر به و النهي عنه، بل لوحصلت له هذه المعرفة فإذن يجب له القيام بهذه المهمّة، أمّا على الثاني فيجب له تحصيل المعرفة بهما مقدّمةً للقيام بالواجب، و هو الأمر به و النهي عنه. و لنفصّل الكلام في هذه الفذلكة في نكاتٍ‌.

النكتة الأولى

المشهور بين المشهور كونه من قبيل شرط الوجوب، و صاحب الجواهر قد ادّعى كونه من ضروريّات الفقه و انعقاد الإجماع عليه(2). و قد ذهب ثاني المحقّقَين و الشّهيدَين 0(3)إلى كونه شرط الواجب، و الظاهر انّهما قد تفرّدا بهذا القول، فلا ثالث لهما


1) . قال رحمه الله: «بل عن المنتهى نفي الخلاف فيه»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 366.

2) . راجع: نفس المصدر و المجلّد ص 367.

3) . سنأتي بنصّ كلامهما في السطور الآتية.

في المسألة.

النكتة الثانية

استدلّ الشهيدالثاني في المسالك(1)- و تبعه المحقّق الثاني في حاشية الإرشاد(2)- على مطلوبه بأنّه لوعلم أحدٌ بأنّ ابنه سيترك بعض الواجبات أو يأتي ببعض المحرّمات يجب له أن يحصل المعرفة بهذا الواجب أو ذاك المحرّم ليمكن له أن يقوم بارشاده إلى الأوّل و ردعه عن الثاني، قال: و هذا من قبيل شرط الواجب، لاشرط الوجوب.

و ردّ عليه صاحب الجواهر رحمه الله بأنّ الوجوب قد صار هيهنا فعليّاً، فيجب عليه تحصيل مقدّماته(3)، و لكن هذا موردٌ نادرٌ لايمكن أن يحمل عليه كيفيّة الشرط.

هذا؛ و لم يظهر لي وجه القولين، لااستدلال المحقّق الثاني و لا ردّ المحقّق النجفيّ 0 عليه. إذ لافرق بين الابن و بين غيره من الناس في وجوب أمرهم بالمعروف و نهيهم عن المنكر، فلوكان العلم بصدور محرّمٍ عنه أو ترك واجبٍ منه موجباً لتحصيل المعرفة


1) . قال رحمه الله: «... و حينئذٍ فيجب على كلّ من علم بوقوع المنكر أو ترك المعروف من شخصٍ معيّنٍفي الجملة بنحو شهادة عدلين أن يتعلّم ما يصحّ معه الأمر و النهي ثمّ يأمر أو ينهى، كما يتعلّق بالمحدث وجوب الصلاة و يجب عليه تحصيل شروطها»؛ راجع: «مسالك الأفهام» ج 3 ص 101.

2) . قال قدس سره: «و في اشتراط هذا في الوجوب نظرٌ، فإنّ من علم في الجملة انّ زيداً ارتكب منكراً بشهادة عدلين مثلاً يجب عليه تعلّم ما يصحّ معه الأمر و النهي ثمّ يأمر و ينهى، كما تجب الصلاة على المحدث بأن يتطهّر ثمّ يصلي»؛ راجع: «حاشية الإرشاد» - في «مجموعة حياة المحقّق الكركيّ و آثاره» - ج 9 ص 308.

3) . قال رحمه الله: «و أمّا ما ذكراه من المثال فهو خارجٌ عمّا نحن فيه، ضرورة العلم حينئذٍ بتحقّق موضوع الخطاب بخلاف من فعل أمراً أو ترك شيئاً و لم نعلم حرمة ما فعله و لا وجوب ما تركه»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 367.

بالواجب أو الحرام لكان العلم بصدور الأوّل و ترك الثاني من جميع الناس موجباً لتحصيل المعرفة بهما، و هذا العلم موجودٌ في المقام - نعوذ باللّه سبحانه و تعالى من اغواء الشياطين -، فيجب على جميع المكلّفين أن يقوموا بتحصيل المعرفة بهما، و لاقائل بهذا القول، حتّى أنّ الشهيد و المحقّق الثانيين أيضاً قد خصّصا صورة وجوب تحصيل المعرفة بهما بما إذا علم بأنّ ابنه سيفعل بعض المحرّمات أو يترك بعض الواجبات فقط. هذا بالنسبة إلى استدلال الشهيد رحمه الله.

أمّا بالنسبة إلى ما ردّ به صاحب الجواهر رحمه الله على استدلال الشهيد فلم يظهر لي وجهه أيضاً، إذ لوكان العلم الإجماليّ هيهنا منجّزاً للتكليف لكان منجّزاً في غيره من الموارد أيضاً، إذ قلنا انّه لافرق بين ولده و بين غيره من الناس في وجوب أمرهم بالمعروف و نهيهم عن المنكر.

النكتة الثالثة

استدلّ المحقّق الثاني في حاشيته على الارشاد على كونه شرط وجوبٍ أيضاً بعمومات الباب، قال: العمومات مطلقةٌ و لاتقييد فيها، فتدلّ على كونه شرط وجوبٍ‌(1). و من الغريب انّ صاحب الجواهر أيضاً قد تمسّك باطلاق عمومات الباب لبيان كونه شرط واجبٍ‌(2).

و هذا منهما غريبٌ جدّاً!؛ إذ لاخلاف في أنّ العلم قيدٌ في تنجّز التكليف، فليس التكليف مطلقاً، بل كونه مقيّداً ممّا لايجري فيه الخلاف. انّما الخلاف في كون هذا القيد شرط وجوبٍ أو شرط واجبٍ‌، فكيف يُتمسّك باطلاق الأدلّة لاثبات أيّ قسمٍ من أقسام


1) . لم أعثر عليه، و قد أتينا بنصّه بتمامه في هذه السطور.

2) . قال قدس سره: «بل يمكن دعوى انّ المنساق من إطلاق الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر هو ما علمه المكلّف من الحكم من حيث كونه مكلّفاً بها...»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 367.

الشرط؟.

النكتة الرابعة

و قد تمسّك صاحب الجواهر رحمه الله في مختتم كلامه لاثبات مرامه بأصالة البراءة(1)، إذ يرى أنّ هذا الأصل يدلّ على كونه شرط الوجوب، لا شرط الواجب.

و يرد عليه - بعد التسليم بأنّ مؤدّى الأصل هو كونه شرط الوجوب -: أنّ أصالة البراءة لاتدلّ على كون الشرط أيّاً منهما، لأنّ هذا نفس ما يُعبّر عنه بالأصل المثبِت، و القوم لايقبلون هذا الأصل و لايعدّونه حجّةً - و قد فصّلنا الكلام فيه و في حجّيّته في أصول الفقه، إذ المختار حجّيّته، و لايسع المقام التفصيل حوله -. و كيف كان فلوشكّ في أنّه هل يجب على المكلّف تحصيل المعرفة بالمعروفات و المنكرات فأصالة البراءة تحكم بعدم وجوبه، و مقتضى عدم وجوبه عليه كونه شرط الوجوب لا شرط الواجب، و هذا واضحٌ‌.

النكتة الخامسة

المختار كونه شرط الوجوب - تبعاً للأكثرين - لا شرط الواجب، و لكن لنا في اثبات المرام طريقٌ غير ما نهجه القوم، و هو: انّ مآل البحث إلى أنّه هل يجب الفحص في الشبهة الموضوعيّة أم لا؟ إذ لامعنى لوجوب معرفة موضوع المعروف و المنكر إلّاالقول بوجوب الفحص في الشبهات الموضوعيّة؛ و المختار عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعيّة مطلقاً إلّاما أخرجه الدليل. فإذاً لايجب تحصيل العلم بالمعروف و المنكر و مواقعهما، لأنّهما من موارد الشبهات الموضوعيّة.

فتحصّل ممّا قلنا جميعاً أنّ العلم هو شرط الوجوب لتنجّز التكليف بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، لاشرط الواجب؛ و فيما ذكرناه كفايةٌ‌.


1) . قال رحمه الله: «بل أصالة البراءة محكّمٌ‌»؛ راجع: نفس المصدر.

المسألة الثانية في اشتراط احتمال التأثيرو انتفاء العلم أو المظنّة بعدمه

اشارة

هذا هو الثاني من شرائط وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و المراد به: أنّه يُشترط في تنجّز وجوب الأمر به و النهي عنه احتمال التأثير، فلوعُلم أو ظُنّ أنّه لاتأثير فيهما لايجب القيام بهما. و تفصيل الكلام في المسألة في نكاتٍ أيضاً.

النكتة الأولى

قلنا فيما سبق انّ وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ممّا يستقلّ به العقل، فهو الحاكم في الباب.

و قولهم: «لا وجوب إذا علم أنّه لا تأثير في هذا الأمر و النهي» قولٌ لايمكن النقاش فيه، إذ العقل يحكم بأنّه لا داعي لهما حينئذٍ، بل هذا يؤدّي إلى اللغو في القول و العمل، و هو قبيحٌ‌.

النكتة الثانية
اشارة

أمّا قولهم باشتراط احتمال التأثير فلايقبل بكلّيّته، إذ مضى الكلام في أنّ العقل هو الحاكم في الباب، و هو يفصّل بين الموارد بالنظر إلى ما لها من الأهمّيّة؛

فتارةً يحكم بوجوبهما و لوعلم انّه لاتأثير فيهما؛

و تارةً يحكم بحسنهما من غير حكمٍ منه بوجوبهما؛

و تارةً يحكم بعدم وجوبهما أصلاً.

و لنبيّن ذلك بتفصيل الكلام حول بعض الموارد، فنقول:

المورد الأوّل:

لوكان أصل الشريعة في مخاطرةٍ و ذلك بظهور البدع و الأهواء فيحكم العقل - و يؤيّده الشرع أيضاً، و سنفصّل الكلام حوله - بأنّه يجب على العالِم - و هو العالِم

بمواقع المعروف و المنكر في الشرع و في البدع - أن يقوم بهذا الواجب و لو لم يكن في قيامه هذا تأثيراً توّاً و من فوره، قال النبيّ صلى الله عليه و آله: «إذا ظهرت البدع في أمّتي فليظهر العالم علمه، و إلّافعليه لعنة اللّه»(1)و لم يشترط النبيّ صلى الله عليه و آله في وجوب النهي عن البدع احتمال التأثير؛ كما انّ أبا الأحرار و سيّد الكونين أباعبداللّه الحسين عليه السلام نهج هذا المنهج في قيامه المبتني على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فقام بهما مع علمه بأنّه لاتأثير في قيامه هذا على الفور.

المورد الثاني:

لو كان هذا الأمر و النهي لاتمام الحجّة على تاركي المعروف و فاعلي المنكر، فيحكم العقل بوجوبهما أيضاً، «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ‌»(2).

و قد دلّ الكتاب الكريم في وقعة أصحاب السّبت على أنّ سيرة اللّه - سبحانه و تعالى - جرت على نزول العذاب على تاركي النهي عن المنكر. أمّا الآمرون بالمعروف و الناهون عن المنكر منهم فقد أنجاهم اللّه عن العذاب لقيامهم بهما مع علمهم بأنّه لا أثر في فعلهم، و ذلك لما لهذا المورد من الأهمّيّة البالغة.

المورد الثالث:

لوكان هذا الأمر و النهي لقلع مادّة الفساد لئلّا تسري إلى غير فاعليه من آحاد الناس فيحكم العقل أيضاً بوجوب القيام بهما و إن لم يكن فيهما تأثيرٌ من فوره. كما أمر النبيّ صلى الله عليه و آله بطرد الثلاثة الّذين تخلّفوا عن محاربة المشركين في حرب التبوك و تمرّدوا عن متابعة جيش المسلمين(3)، قال اللّه - سبحانه و تعالى - حاكياً عمّا فعل بهم المسلمون


1) . راجع: «بحار الأنوار» ج 54 ص 234؛ و انظر: «الكافي» ج 1 ص 54 الحديث 2، «وسائل الشيعة» ج 16 ص 269 الحديث 21538، «عوالي اللآلىء» ج 4 ص 70 الحديث 39، «نهج الحقّ‌» ص 37.

2) . كريمة 42 الأنفال.

3) . «و هم من الأنصار كعب بن مالك الخزرجيّ و مرارة بن الربيع و هلال بن أميّة الأوسيّان»؛ راجع: «التبيه و الاشراف» ص 236؛ و انظر: «البداية و النهاية» ج 5 ص 33، «سيرة النبيّ‌» - لابن هشام - ج 4 ص 957.

من طردهم و تجميدهم لنهيهم و نهي غيرهم عن هذا المنكر: «وَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ لَامَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ‌»(1).

و الموارد كثيرةٌ‌، و فيما ذكرناه كفايةٌ‌. و كيف كان فالعقل يحكم بعدم اشتراط احتمال التأثير فيهما فيما يرتبط بمهامّ الأمور.

النكتة الثالثة

ذهب صاحب الجواهر رحمه الله(2)تبعاً للمشهور(3)إلى أنّ وجوب الأمر بالأوّل و النهي عن الثاني غير منجّزٍ عند فقد هذا الاحتمال و الظنّ‌(4)، فتمسّك لمختاره بجملةٍ من روايات الباب تدلّ بظاهرها على مذهبه، و من الغريب غضّه النظر عن رواياتٍ تدلّ على خلاف مرامه، فعلينا أن نفحص أوّلاً عن هاتين الطائفتين من روايات الباب ثمّ أن نذكر وجه الجمع بينهما.


1) . كريمة 118 التوبة.

2) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 368.

3) . كما عن المحقّق رحمه الله: «فلو غلب على ظنّه أو علم أنّه لايؤثّر لم يجب»؛ راجع: «شرائع الإسلام» ج 1 ص 258؛ و انظر: «تذكرة الفقهاء» ج 9 ص 443، «تحرير الأحكام» ج 2 ص 241؛ و انظر أيضاً: «مسالك الأفهام» ج 3 ص 102.

4) . خلافاً لبعض الأعلام حيث لم يقيّدوا وجوبهما بقيام هذا الاحتمال؛ قال شيخ الطائفة قدس سره: «... المنكر له ثلاثة أحوالٍ‌: حال يكون ظنّه فيها بأنّ إنكاره يؤثّر فانّه يجب عليه إنكاره بلاخلافٍ‌، و الثاني يغلب على ظنّه أنّه لايؤثّر إنكاره، و الثالث يتساوي ظنّه في وقوعه و ارتفاعه؛ فعند هذين قال قومٌ يرتفع وجوبه، و قال قومٌ لايسقط وجوبه، و هوالّذي اختاره المرتضى رحمه الله، و هوالأقوى لأنّ عموم الآيات و الأخبار الدالّة على وجوبه لم يخصّصه بحالٍ دون حالٍ‌»؛ راجع: «الإقتصاد» ص 149.

النكتة الرابعة
اشارة

ذكرنا انّ هناك رواياتٍ تمسّك بها صاحب الجواهر(1)انتصاراً لمذهبه، و هي كثيرةٌ‌؛ منها:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليه السلام - و ساق الحديث إلى أن قال مسعدة: - و سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول و سئل عن الحديث الّذي جاء عن النبيّ صلى الله عليه و آله: إنّ أفضل الجهاد كلمة عدلٍ عند إمامٍ جائرٍ ما معناه‌؟ قال: هذا على أن يأمره بعد معرفته و هو مع ذلك يقبل منه، و إلّافلا»(2).

مضت الإشارة إلى أنّ الحديث موثّقٌ‌، لمكان هارون بن مسلم و مسعدة بن صدقة العامّيّين. استدلّ صاحب الجواهر رحمه الله(3)بما يظهر من ذيل الحديث على أنّه لايجب الأمر و النهي عند انتفاء احتمال التأثير، حيث إنّ الإمام عليه السلام بعد أن ذكر اشتراط معرفة الآمر بالمعروف و الناهي بالمنكر قال: «و هو مع ذلك يقبل منه، و إلّافلا».

و يرد عليه انّ الظاهر انّ القبول و التأثير أعمّ من التأثير من فورٍ، فلوظنّ أن لاتأثير في هذا الأمر و النهي إلّابعد مضيّ زمنٍ فلايسقط الوجوب من عاتقته، فالتأثير هيهنا أعمّ ممّا ذكره المشهور، و منهم صاحب الجواهر.


1) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 368.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 126 الحديث 21152، «الكافي» ج 5 ص 59 الحديث 16؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 177 ح 9، «بحار الأنوار» ج 97 ص 93.

3) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 368.

الرواية الثانية

«و عن عليٍّ عن أبيه عن ابن أبي عميرٍ عن يحيى الطويل صاحب المُقري قال: قال أبوعبداللّه عليه السلام: إنّما يؤمر بالمعروف و ينهى عن المنكر مؤمنٌ فيتّعظ، أو جاهلٌ فيتعلّم، فأمّا صاحب سوطٍ أو سيفٍ فلا»(1).

السند لابأس به، و لايضرّه وقوع يحيى الطويل فيه(2)، إذ فيه ابن أبي عميرٍ و هو من أصحاب الإجماع(3)، فلابأس بالسند. استدلّ صاحب الجواهر رحمه الله(4)بأنّ المؤمن يتّعظ و الجاهل يتعلّم، فيجب أمرهما بالمعروف و نهيهما عن المنكر، أمّا صاحب سوطٍ أو سيفٍ فلايُظنّ به الاهتداء إلى الخير أو الكفّ عن المنكر، فلايجب أن يؤمر به أو يُنهى عنه.

و يرد عليه: انّ العقل لايقبل هذا الحكم بكلّيّته، بل ربّما كانت في افشاء الظالم مصلحةٌ راجحةٌ على مصلحة الكفّ عن المنكر لاحتمال عدم ترتّب الأثر عليه.

الرواية الثالثة

«و عن عدّةٍ من أصحابنا عن سهل بن زيادٍ عن الدهقان عن عبداللّه بن


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 127 الحديث 21153، «الكافي» ج 5 ص 60 الحديث 2؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 178 الحديث 11، «مستدرك الوسائل» ج 12 ص 186 الحديث 13840.

2) . إذ حاله - كما قاله المامقانيّ رحمه الله - مجهولٌ‌؛ راجع: «تنقيح المقال» ج 3 ص 317 الرقم 13045؛ وانظر: «منتهى المقال» ج 7 ص 23 الرقم 3234.

3) . راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 830.

4) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 368؛ و هذا هو المترأى من تمسّكه رحمه الله بالحديث.

القاسم و ابن أبي نجران جميعاً عن أبان بن تغلبٍ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

كان المسيح عليه السلام يقول: إنّ التارك شفاءَ المجروح من جرحه شريك جارحه لامحالة -... إلى أن قال: - فكذلك لاتحدّثوا بالحكمة غير أهلها فتجهَّلوا و لاتمنعوها أهلها فتأثموا، و ليكن أحدكم بمنزلة الطبيب المداوي إن رأى موضعاً لدوائه و إلّاأمسك»(1).

السند صحيحٌ‌، و مضى الكلام في أنّ المختار أن لابأس بسهل بن زيادٍ مع قول جماعةٍ من الرجاليّين بكونه من الغلاة، و كيف كان فالسند لابأس به. و تمسّك صاحب الجواهر رحمه الله بقوله عليه السلام: «و إلّاأمسك»(2)، إذ المستفاد منه انّه لو لم يكن موضعٌ لهذا الأمر و النهي بحيث يكونان مؤثّرين فيه فلايجبان، كما انّه لايجب على الطبيب مداواة المريض و معالجته لو لم ير له موضعاً.

و الكلام في كيفيّة دلالتها كالّذي مضى في التعليق على السابقتين عليها. فلانعيده حذراً عن التطويل، فراجعه!.

النكتة الخامسة
اشارة

و هناك رواياتٌ تدلّ على المختار من أنّه لايشترط في وجوب هذا الأمر و النهي التأثير في تارك المعروف و فاعل المنكر، و هي كثيرة أيضاً. منها:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن النوفليّ عن السكونيّ‌


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 138 الحديث 21156، «الكافي» ج 8 ص 345 الحديث 545.

2) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 369.

عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: أمرنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن نلقي أهل المعاصي بوجوهٍ مكفهرّةٍ‌»(1).

السند موثّقٌ‌، لمكان النوفليّ‌(2)و السكونيّ‌(3)العامّيّين الثقتين. المستفاد من قوله عليه السلام:

«أن نلقى أهل المعاصي بوجوهٍ مكفهرّةٍ‌» أنّه لم يؤثّر هذا الأمر و النهي في اهتدائهم إلى المعروف و كفّهم عن المنكر، فأمَرهم النبيّ صلى الله عليه و آله بأن يكفهرّوا وجوههم في لقائهم ليردعوا عمّا هم عليه.

و يؤيّده ما حكاه اللّه - تعالى - من سيرة النبيّ لقمان عليه السلام حيث كان ينهى ابنه عن المنكر، قال - تعالى -: «وَ إِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَاتُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‌»(4). حيث إنّ قوله - تعالى -: «وَ هُوَ يَعِظُهُ‌» و قوله - تعالى -: «يَا بُنَيَّ‌» يدلّان على تقدّم اللين على المخاشنة و المغالظة في هذا الواجب. ثمّ لو لم يؤثّر اللين فانتفى احتمال تأثير النهي عن المنكر في أهله، فلامناص إذاً من المغالظة قبالهم.

فلاينتفي وجوبهما بانتفاء هذا الاحتمال.

الرواية الثانية


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 143 الحديث 21194، «الكافي» ج 5 ص 58 الحديث 10؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 176 الحديث 5، «عوالي اللآلىء» ج 3 ص 190 الحديث 29.

2) . اسمه الحسن بن يزيد، و قد ذكره العلّامة في القسم الثاني من كتابه؛ راجع: «خلاصة الأقوال» ص 339 الرقم 1340؛ و انظر: «منتهى المقال» ج 3 ص 84 الرقم 942.

3) . اسمه اسماعيل بن أبي زيادٍ، قال العلّامة: «كان عامّيّاً»؛ راجع: «خلاصة الأقوال» ص 316 الرقم 1238؛ و انظر: «رجال أبي داود» ص 49 الرقم 175، ثمّ ص 231 الرقم 54، «نقد الرجال» ج 1 ص 208 الرقم 471.

4) . كريمة 13 لقمان.

«و عنهم عن سهلٍ عن ابن محبوبٍ عن خطّاب بن محمّدٍ عن الحارث بن المغيرة أنّ أباعبداللّه عليه السلام قال له: لأحملنَّ ذنوب سفهائكم على علمائكم -... إلى أن قال: - ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون و ما يدخل علينا به الأذى أن تأتوه فتؤنّبوه و تعذّلوه و تقولوا له قولاً بليغاً؟ قلت: جعلت فداك! إذاً لايقبلون منّا! قال: اهجروهم و اجتنبوا مجالسهم»(1).

السند لابأس به، و خطّاب بن محمّدٍ و إن ضعّفه بعضهم(2)و لكن وقوع ابن محبوبٍ قبله في السند يحكم بصحّته، فالسند صحيحٌ‌، أو مصحّحٌ‌. و كيف كان فلابأس به. و لقوله عليه السلام:

«اهجروهم و اجتنبوا مجالسهم» حيث قيل له: «إذاً لايقبلون منّا» دلالةٌ واضحةٌ على عدم سقوط الوجوب عند احتمال عدم التأثير، إذ الإمام عليه السلام لم يحكم بأنّه لايجب حينئذٍ أمرهم بالمعروف و نهيهم عن المنكر، بل حكم بوجوب هجرهم و الاجتناب عن مجالسهم. و هذا واضحٌ‌.

الرواية الثالثة

«محمّد بن الحسن قال: قال الصادق عليه السلام لقومٍ من أصحابه: إنّه قد حقّ لي أن آخذ البريء منكم بالسقيم، و كيف لايحقّ لي ذلك و أنتم يبلغكم عن


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 145 الحديث 21198، «الكافي» ج 8 ص 162 الحديث 169؛ و انظر: «مستدرك الوسائل» ج 12 ص 196 الحديث 13866، «الإختصاص» ص 251، «مجموعة ورّام» ج 2 ص 147.

2) . لم أعثر على من ضعّفه حيث إنّه مغفولٌ في كثيرٍ من مصادر علم الرجال، ك‍ «رجال النجاشيّ‌» و «خلاصة الأقوال» و «منتهى المقال» و «تنقيح المقال» و «جامع الرواة»؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 7 ص 56 الرقم 4729؛ «مستدركات علم رجال الحديث» ج 3 ص 333 الرقم 5327.

الرجل منكم القبيح فلاتنكرون عليه و لاتهجرونه و لاتؤذونه حتّى يترك!»(1).

السند لابأس به، إذ الرواية في عداد جازمات الصدوق رحمه الله، و المشهور يعتمدون عليها.

و كيفيّة الاستدلال بها نفس ما مرّ في التعليق على السابقة عليها.

الرواية الرابعة

«و عنهم عن أحمد عن عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي بصيرٍ في قول اللّه - عزّوجل -: «قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نَاراً»(2)، قلت: كيف أقيهم‌؟ قال:

تأمرهم بما أمر اللّه و تناهم عمّا نهاهم اللّه؛ فإن أطاعوك كنت قد وقيتهم، و إن عصوك كنت قد قضيت ما عليك»(3).

الرواية لابأس بها، و لا أقلّ من كونها موثّقةً‌، لما قيل في سماعة بن مهران من أنّه كان وافقيّاً(4). و يمكن أن يقال: الظاهر من قوله عليه السلام: «و تنهاهم عمّا نهاهم اللّه» وجوب الاستمرار في النهى عن المنكر حتّى لو لم يؤثّر، فيصدق عليه أنّهم عصاه فلم يقبلوه منه. إذ العقل يحكم بأنّه لايجوز أن يقال: يسقط التكليف بمجرّد العصيان أو بمجرّد احتمال عدم


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 145 الحديث 2119، «التهذيب» ج 6 ص 181 الحديث 24؛ و انظر: «مجموعة ورّام» ج 2 ص 126، «المقنعة» ص 809.

2) . كريمة 6 التحريم.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 148 الحديث 21206، «الكافي» ج 5 ص 62 الحديث 2؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 179 الحديث 14، «عوالي اللآلىء» ج 3 ص 191 الحديث 35، «مشكاة الأنوار» ص 261.

4) . كما نصّ عليه الشَّيخ و العلّامة 0؛ راجع: «رجال الطوسيّ‌» ص 337 الرقم 5021، «خلاصة الأقوال» ص 356 الرقم 1411. أمّا إمام الفنّ النجاشيّ رحمه الله فلم يشر إلى كونه واقفيّاً مع أنّه بسط الكلام حوله؛ راجع: «رجال النجاشيّ‌» ص 193 الرقم 517؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 8 ص 297 الرقم 5546، «منتهى المقال» ج 3 ص 407 الرقم 1387.

ترتّب الأثر على هذا الأمر و النهي.

النكتة السادسة

أمّا هاتان الطّائفتان فلاتعارض بينهما، إذ قلنا انّ وجوبهما ممّا يستقلّ به العقل، فالروايات تابعةٌ لما يرشد إليه العقل. و مضت الإشارة إلى أنّ العقل يفصّل بين الموارد، فتارةً يحكم بسقوط التكليف عند انتفاء احتمال التأثير، و تارةً يحكم باستحباب التكليف و استحسانه عنده، و تارةً ثالثةً يحكم بوجوبه حينئذٍ أيضاً. فلسنا بحاجةٍ إلى كفّ اليد عن ظهور الطائفة الأولى من روايات الباب و الأخذ بالثانية منها. إذ العقل يحكم بحمل الأولى على موردها الخاصّ بها، و الثانية على موردها الخاصّ بها، فإذاً لامنافاة بين هاتين الطائفتين أصلاً.

فتحصّل ممّا قلنا جميعاً انّه لايمكن القول بأنّه يسقط التكليف بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر عند عدم احتمال التأثير، بل عند احتمال عدم التأثير أيضاً. إذ لا حكم كلّيّ في المقام، بل الحكم تابعٌ لموارده.

المسألة الثالثة في اشتراط العلم بأنّ مرتكب المنكر ما تاب عنه

اشارة

قد مضى تفصيل الكلام في أنّ العقل هو الحاكم في المقام، إذ الحكم بوجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ممّا يستقلّ به العقل، فأحكامه أيضاً تابعةٌ له. و في المسألة نكاتٌ‌.

النكتة الأولى

الظاهر انّه لاوجه لتخصيص تلك الشرائط الأربعة بالنهي عن المنكر - كما فعله المحقّق رحمه الله في الشرائع(1)-، بل هي تعمّ الواجبين على السواء، و لهذا قد عمّمنا البحث بحيث يشملهما في مبتدأ المبحث(2).

فلوعلم أنّ مرتكب المنكر ما تاب عنه يجب ردعه عن ارتكابه، كما انّه لوعلم انّ تارك المعروف ما تاب عن تركه يجب عليه أن يأمره به، و لافرق بينهما في هذه الناحية.

النكتة الثانية

استدلّ الجمهور على اشتراطه فيه بأنّه لوعلم أنّ مرتكب المعاصي قد تاب عنها فترَكها بحيث لايعود إليها يصير نهيه عنه لغواً، إذ لاموضوع للنهي إذاً حتّى ينهاه عنه(3).


1) . حيث قال رحمه الله: «و لايجب النهي عن المنكر ما لم تكمل شروطٌ أربعة»؛ راجع: «شرائع الإسلام» ج 1 ص 311.

2) . كما عن العلّامة: «... و أن لايكون المأمور أو المنهيّ مصرّاً على الاستمرار»؛ راجع: «تحرير الأحكام» ج 2 ص 241.

3) . قال المحقّق الحجّة السيّد الخوانساريّ رحمه الله: «... بل و لاإشكال فيه من جهة عدم الموضوع»؛ راجع: «جامع المدارك» ج 5 ص 404. و قال العلّامة: «... فلو ظهر منه الإقلاع سقط الوجوب لزوال علّته»؛ راجع: «تذكرة الفقهاء» ج 9 ص 443 المسألة 263؛ و انظر: «مسالك الأفهام» ج 3 ص 102، «مجمع الفائدة» ج 7 ص 537.

و ادّعى صاحب الجواهر رحمه الله انّ النهى إذاً حرامٌ‌(1). فانتفاء المسألة موضوعاً و كون النهي لغواً يحكمان بسقوط الواجب عن عاتق الناهي.

النكتة الثالثة

قال المحقّق رحمه الله: «فلو لاح منه أمارة الامتناع أو أقلع عنه، سقط الانكار»(2).

ثمّ استشكل عليه صاحب الجواهر رحمه الله بأنّ المظنّة ليست حجّةً في المقام، فكان يجب على المحقّق أن يقول: «فلوعلم منه الامتناع أو...»(3)، إذ لوظنّ أنّه تاب من المنكر فالاستصحاب يحكم باستمراره عليه، فيجب عليه نهيه عنه، فحصول الظنّ لايكفي في اسقاط الوجوب.

و الظاهر انّ ايراده هذا لايرد على المحقّق، إذ ظهور أمارة الترك يكفي في المقام. و ذلك لأنّه لايُحتاج إلى العلم في سقوط هذا الواجب، بل الأمارة أيضاً تكفي، لأنّ الترك ممّا لايُعلم إلّامن قبله؛ فكما انّه لوادّعت امرأةٌ أنّها ليست بحائضٍ‌، أو ادّعى انّها خليّةٌ يُقبل منها فكذلك لوقال فاعل المنكر: قد تبت منه، أو لاح منه أمارةٌ تدلّ على تركه إيّاها لوجب أن يقبل منه. فإذاً لايجب نهيه عنه.

و الظاهر انّ المراد من «الأمارة» في عبارة المحقّق رحمه الله هي: «الحجّة»، و الحجّة حجّةٌ‌، فلايرد على العبارة شيءٌ‌.

النكتة الرابعة
اشارة

و هيهنا دقيقةٌ‌، و هي: هل يشترط في سقوط وجوب النهي عن المنكر العلم بأنّ فاعل المنكر قد تاب عنه‌؟، أو يكفي في السقوط تركه إيّاها و لوكان قهراً من غير توبةٍ؟. و تظهر


1) . قال رحمه الله: «بل هما محرّمان حينئذٍ»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 370.

2) . راجع: «شرائع الإسلام» ج 1 ص 311.

3) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 370.

الثمرة فيما لو ترك شارب الخمر - و العياذ باللّه منه - الخمرَ بأمرٍ من طبيبه من غير أن يتوب منه، أو ترك الراشي الرشوة خوفاً من السجن و العقاب الدنيويّ من غير توبةٍ‌. فهل يجب حينئذٍ نهيهما عن الخمر و الرشوة، أو لايجب نهيهما منه‌؟ و بعبارةٍ أخرى: هل يسقط الوجوب أو لايسقط؟؛

الظاهر من مبنى القوم سقوط الواجب مطلقاً حينئذٍ، و يؤيّده ما حكيناه من عبارة المحقّق رحمه الله.

و المختار التفصيل بين المقامات و عدم سقوطه على الاطلاق. و يتّضح المرام برسم أمرين:

الأمر الأوّل:

لو سلّمنا انّ النهي عن المنكر قد سقط فلامناص من القول بأنّ الأمر بالمعروف لم يسقط، لأنّه ما تاب عن ذنبه، فيجب أن يؤمر بأن يتوب منه، فالظاهر وقوع تبدّل التكليف من النهي عن المنكر إلى الأمر بالمعروف.

الأمر الثاني:

ذكرنا مراراً انّ العقل هو الحاكم في الباب - كما قد أشرنا إليه في مبتدأ مسألتنا هذه -، ثمّ العقل يحكم بوجوب نهيه عن المنكر لئلّا يعود إليه و لاسيّما لوكان في معرض المنكر، و ذلك لأنّ الذنب محرّمٌ‌، فيجب أن ينهى منه لئلّا يعود إليه.

و ممّا قلنا في هذا الأمر يظهر الحكم فيما لوقام احتمالٌ عقلائيٌّ بعود التائب إلى ما تاب منه، فلوتاب منه و لكن كان من المحتمل عوده إليه لم يسقط الوجوب بحكم العقل، بل يجب ردعه منه لئلّا يعود إليه. و هذا كلّه واضحٌ‌.

المسألة الرابعة في اشتراط انتفاء احتمال ترتّب المضرّة عليهما

اشارة

قد اتّفقت كلمة الأصحاب على أنّه لا أمر بالمعروف و لا نهي عن المنكر عند الظنّ بترتّب الضرر عليهما، بل يسقط وجوبهما حينئذٍ(1). و تفصيل الكلام في المسألة في نكاتٍ‌.

النكتة الأولى

لافرق في سقوط التكليف بين أن يكون الضرر على نفسه، أو على ماله، أو على عِرضه؛ أو على غيره من المسلمين، أو على أموالهم و أعراضهم، و ذلك بحكم العقل الحاكم في المقام. و إليه ترشد روايات الباب أيضا - كما سننبّه عليها -.

النكتة الثانية

استدلّ صاحب الجواهر رحمه الله لسقوط التكليف عند احتمال الضرر أوّلاً بقواعد لا كلام في حجّيّتها؛ كقاعدة نفي الضرر؛ و قاعدة نفي الحرج؛ و قاعدة نفي العسر؛ و أمثالها(2). إذ المستفاد منها انّه لاتكليف عند الضرر و الحرج و ثبوت العسر؛

ثمّ استدلّ عليه ثانياً برواياتٍ تدلّ عليه. و دلالة الدليلين تامّةٌ‌، فلاخدشة في صحّة الحكم.


1) . كما عن ابن البرّاج قدس سره: «فإن علم أو غلب في ظنّه لحوق الضرر به أو بغيره سقط وجوب ذلك عنه»؛ راجع: «المهذّب» ج 1 ص 341؛ و انظر: «النهاية» ص 299 302، «السرائر» ج 2 ص 25، «إرشاد الأذهان» ج 1 ص 352، «تحرير الأحكام» ج 2 ص 241، «اللمعة الدمشقيّة» ص 75، «شرح اللمعة» ج 2 ص 415، «مسالك الأفهام» ج 3 ص 102، «مجمع الفائدة» ج 7 ص 531، «كفاية الأحكام» ص 82.

2) . قال رحمه الله: «لنفي الضرر و الضرار و الحرج في الدين، و سهولة الملّة و سماحتها و إرادة اللّه اليسردون العسر»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 371.

النكتة الثالثة
اشارة

قبل الخوض في الروايات الدالّة على الحكم علينا أن نشير إلى إشكالين ربّما يوردا على المقصود، و هذان الإشكالان قد ذكرهما صاحب الجواهر رحمه الله و أجاب عنهما، و هما:

الإشكال الأوّل:

لاريب في ثبوت التعارض بين هاتين الطائفتين من الأدلّة و بين عمومات الباب، إذ هي تدلّ على وجوب هذا الأمر و النهي على الإطلاق، بينما انّ الطائفتين تدلّان على عدم وجوبهما، و لايمكن التمسّك بهاتين الطائفتين الدالّة على سقوط التكليف، إذ بينهما و بين العمومات نسبة العموم و الخصوص من وجهٍ‌.

و أجاب صاحب الجواهر رحمه الله عن هذا الاشكال بتقدّم قاعدة لا ضرر على جميع العمومات من مبتدأ كتاب الطهارة إلى مختتم أبواب الديات، فالقاعدة حاكمةٌ على جميع العمومات في جميع أبواب الفقه(1).

هذا؛ و جوابه تامٌّ لانقاش فيه.

الإشكال الثاني:

سنشير إلى رواياتٍ تدلّ على سقوط الحكم عند احتمال الضرر. و لكن هناك روايةٌ تدلّ بظاهرها على عدم سقوط التكليف عند قيام هذا الاحتمال، و هي ما رواه الكلينيّ رحمه الله، و نصّها:

«و عنهم عن أحمد بن محمّد بن خالدٍ عن بعض أصحابنا عن بشر بن عبداللّه عن أبي عصمة قاضي مرو، عن أبي جعفر عليه السلام قال: يكون في آخر الزمان قومٌ ينبع فيهم قومٌ مراءُون ينفرون -... إلى أن قال: - لايوجبون أمراً بمعروفٍ و لانهياً عن منكرٍ إلّاإذا أَمنوا الضرر، يطلبون لأنفسهم الرخص و المعاذير»(2).


1) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 372.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 128 الحديث 21157، «التهذيب» ج 6 ص 180 الحديث 21؛ و انظر: «مجموعة ورّام» ج 2 ص 125.

السند ضعيف، فلايمكن الركون على الرواية. و كيف كان فهي بظاهرها تدلّ على وجوبهما و لو عند عدم الأمن من الضرر. فهي تعارض جميع روايات الباب.

و أجاب عنها صاحب الجواهر رحمه الله أوّلاً بحملها على مَن ذُكر في الحديث فقط، فلايعمّ الحكم غيرهم من الناس(1)

و هذا كلامٌ لاوجه له من الصحّة؛ و هذا ظاهرٌ.

ثمّ أجاب عنها ثانياً بما ذكره صاحب الوسائل رحمه الله(2)من انّ الضرر هنا محمولٌ على عدم النفع، أي: يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر عند حصول المنفعة، أمّا لو لم تكن فيهما منفعةٌ فيكفّون عنهما أيديهما و لايعملون بهما.

ثمّ أجاب عنها ثالثاً بما ذكره الشيخ الحرّ رحمه الله(3)أيضاً من حمل الرواية على الضرر اليسير، فلوكان المظنون فيهما حصول ضررٍ يسيرٍ لايسقطان؛

أو تحمل على استحباب تحمّل ضررٍ عظيمٍ للقيام بهما(4).

هذه وجوهٌ أربعةٌ ذكرها صاحب الجواهر رحمه الله للجمع بين الرواية و غيرها من روايات الباب.

ثمّ أجاب عن الأخير بما حكاه عن الشهيدين 0(5)من حرمة القيام بهما عند احتمال الضرر، فلااستحباب فيه. نعم! يرى صاحب الجواهر أنّ الثلاثة الأولى تامّات لايمكن


1) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 372.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 129 في التذييل على الحديث 21157.

3) . راجع: نفس المصدر.

4) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 372.

5) . و انظر: «اللمعة الدمشقيّة» ص 75، «الدروس» - الطبعة الحجريّة - ص 164، «شرح اللمعة» ج 2 ص 415، «مسالك الأفهام» ج 3 ص 102.

النقاش فيها.

أضف إلى ذلك ما حكي من سيرة بعض الأبرار من قيامهما بهما و لو مع العلم بالضرر التامّ‌، كالصحابيّ الجليل أبي ذرٍّ، فانّه مع علمه به قد نهى الحكّام و بعض أصحاب الوجوه من حواشي السلطان من جمع الكنز و غيره من المناهي، فآلت عاقبة أمره إلى ما آلت إليه - فطوبى له و حسن مآب! -.

و الجواب عنه سهلٌ بحمل سيرتهم على ما كانوا فيه من الموارد الهامّة، فلايقاس عليها غيرها من الموارد.

هذا ما أجاب به صاحب الجواهر رحمه الله عن هذا الإشكال، و سنعود إليه أيضاً.

النكتة الرابعة
اشارة

و لنا في الجواب عن هذا الإشكال طريقان؛ و تفصيلهما:

الطريق الأوّل:

قد أشرنا مراراً إلى حكومة العقل في الباب، و الروايات تابعةٌ لما يرشد إليه العقل، فعليه تحمل الروايات الناهية عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر عند احتمال الضرر على موارد يحكم العقل بسقوطهما فيها، و هي موارد ليست لها أهمّيّةٌ بالغةٌ‌. أمّا الروايات الدالّة على وجوبهما مع احتماله فتُحمل على ما يدلّ العقل بوجوبهما فيه، كموردٍ له دورٌ هامٌّ في ابقاء الشريعة المحمّديّة أو اندراسها، و ذلك بحكم العقل أيضاً.

فإذاً لاتنافي بين هاتين الطائفتين من روايات الباب، بل يحمل كلٌّ منهما على مورده الخاصّ به.

الطريق الثاني:

لاخلاف في تقدّم قاعدة اللاضرر على جميع العمومات و الأدلّة الأوّليّة في الفقه، و لكن لا إطلاق للقاعدة. و لذلك يتقدّم عليها الأدلّة الدالّة على مهامّ الأمور في جميع الأبواب أيضاً، فالقاعدة مقدّمةٌ على الأدلّة الأوّليّة في غير المهامّ من الأمور، و الأدلّة الأوّلية مقدّمةٌ عليها في مهامّها. و ذلك كما يحكم عليه العقل و الشرع، إذ

العقل يحكم بأنّ دفع المتجاوز عن العِرض واجبٌ و لوبلغ مآل الدفاع إلى الجرح أو القتل؛ كما انّ الشرع يحكم بوجوب الجهاد في موارده و لوكان منافياً لقاعدة لاضرر. و أمثالهما كثيرةٌ جدّاً.

و بما قلنا ظهر أنّ الروايات الدالّة على سقوط التكليف عند الضرر مقدّمةٌ على القاعدة عند إقبال الخطير من الأمور، و القاعدة مقدّمةٌ على الروايات عند إقبال غير الخطير منها.

فإذاً لاخلاف بين روايات الباب أصلاً.

النكتة الخامسة
اشارة

بما قلنا في النكتتين الثالثة و الرابعة ظهر أن لاتنافي بين رواياتٍ تدلّ على سقوط التكليف عند احتمال الضرر و تلك الرواية الّتي دلّت على عدم سقوطه عنده. فجميع روايات الباب حجّةٌ في المقام.

بقي علينا الآن أن نذكر الروايات الدالّة على سقوطه عند احتماله. و هي كثيرةٌ‌؛ منها:

الرواية الأولى

«و بإسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمّدٍ عليه السلام في حديث شرائع الدين قال: و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر واجبان على من أمكنه ذلك و لم يخف على نفسه و لا على أصحابه»(1).

السند صحيحٌ‌، و دلالة الحديث على المقصود تامّةٌ‌. و اشتراط عدم الخوف على النفس و لا على الأصحاب في وجوب هذا الأمر و النهي يدلّ على سقوطهما عند خوف الضرر.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 125 الحديث 21148؛ و انظر: الخصال ج 2 ص 108 الحديث 9، «بحار الأنوار» ج 10 ص 228.

الرواية الثانية

«في عيون الأخبار بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في كتابه إلى المأمون نحوه، و أسقط قوله: و لا على أصحابه»(1).

السند صحيحٌ أيضاً؛ و الرواية نفس الرواية الأولى، فدلالتها على المطلوب تامّةٌ أيضاً. و قد أشرنا في النكتة الأولى من نكات المسألة إلى أنّ العقل يحكم بأنّه لافرق في سقوط التكليف بين أن يكون الضرر على نفسه، أو على ماله، أو على عِرضه؛ أو على غيره من المسلمين، أو على أموالهم، و أعراضهم. فالظاهر انّ عدم ذكر «الأصحاب» في هذه الرواية محمولٌ على وضوحه عند العقل.

الرواية الثالثة

«محمّد بن يعقوبٍ عن عليّ بن إبراهيم عن هارون بن مسلمٍ عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال -... و ساق الحديث إلى أن قال: - و ليس على مَن يعلم ذلك في هذه الهدنة من حرجٍ إذا كان لاقوّة له و لاعدد و لاطاعة»(2).

الرواية موثّقةٌ‌، و قد أشرنا إليه في ما مضى من هذا المبحث. و كيفيّة الاستدلال بها: انّ من «لا قوّة له و لا عدد و لا طاعة» في مظانّ الضرر عند الأمر به و النهي عنه، فلوبلغ هذا الظنّ إلى مرتبةٍ يعتدّ بها العقلاء يسقط الوجوب، فلا أمر عليه و لا نهي.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 125 الحديث 21148، «عيون الأخبار» ج 2 ص 125.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 121 الحديث 21152، «الكافي» ج 5 ص 59 الحديث 16.

الرواية الرابعة

«و عنه عن أبيه عن ابن أبي عميرٍ عن مفضّل بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قال لي: يا مفضّل! من تعرّض لسلطانٍ جائرٍ فأصابته بليةٌ لم يُؤْجر عليها و لم يُرْزق الصبر عليها»(1).

السند لابأس به. و دلالتها على المطلوب واضحةٌ‌، إذ الظاهر انّ المراد من «التعرّض لسلطانٍ جائرٍ» هو نهيه عمّا يعمل به من المنكرات؛ و المراد من «البليّة»: الضرر، فلوكان النهي عن المنكر مظنّةً للضرر يسقط وجوبه، فإذاً لانهي أصلاً.

النكتة السادسة

و بما قلنا جميعاً ظهر أنّه لايجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر عند العلم بالضرر أو الظنّ به في غير المهامّ من الأمور، و عدم سقوطهما عندهما في المهامّ‌، و ذلك بحكم العقل، كما أيّدته الشريعة البيضاء.

و بما قلنا ظهر أيضاً انّه لاوجه لإلحاق الخوف من الضرر بالعلم به أو الظنّ به - كما ألحقه صاحب الجواهر رحمه الله(2)بهما -، إذ لافرق بين العلم و الظنّ به و بين الخوف منه، لأنّ المراد من الجميع ثبوت طريقٍ معتدٍّ به عند العقلاء دالٍّ على ترتّب الضرر عليهما، فلوحصل الطريق يسقط الوجوب. و ذلك كلّه واضحٌ‌، و الحمد للّه ربّ العالمين.



1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 127 الحديث 21154، «الكافي» ج 5 ص 60 الحديث 3؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 178 الحديث 12، «مستدرك الوسائل» ج 12 ص 187 الحديث 13842، «تحف العقول» ص 359.

2) . قال رحمه الله: «و يقوى إلحاق الخوف المعتدّ به عند العقلاء»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 373.

المبحث الثّالث في ما قيل فيه بكونه شرطاً فيهما

اشارة

المبحث الثالث في ما قيل فيه بكونه شرطاً فيهما

قد فصّلنا الكلام في المبحث الثاني في «شرائط الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر المتّفق عليها»، و هي الّتي اتّفقت كلمة الأصحاب على كونها منها، و قد فرغنا منها.

أمّا الآن فقد بقي علينا أن نتكلّم عن غير الأربعة ممّا ادّعى بعضهم شرطيّته في تنجّز وجوب هذا الأمر و النهي. و نخصّص بكلّ واحدٍ منها مسألةً‌؛ فنقول:

المسألة الأولى في اشتراط العدالة

اشارة

حكى الشيخ بهاءالدين العامليّ رحمه الله في كتابه القيّم الأربعون حديثاً عن بعض العلماء اشتراط العدالة في وجوبهما، بمعنى انّه لاوجوب على من لايعمل بالمعروف و لاينهى نفسه عن المنكر، بل لا وجوب على من لايتّصف بالعدالة(1).

و الّذي يظهر من عبارة البهائيّ رحمه الله انه أيضاً يذهب إلى هذا القول و يقول به(2).

و هيهنا نكتٌ‌:

النكتة الأولى
اشارة

استدلّ الشيخ بهاءالدين بطائفةٍ من الآيات و الروايات(3)الدالّة على قبح الأمر بالمعروف لمن لايعمل به و قبح النهي عن المنكر لمن لاينتهى عنه، كقوله - تعالى -: «أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَونَ أَنْفُسَكُمْ‌»(4)و كقوله - تعالى -: «لِمَ تَقُولُونَ مَا لَاتَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَاتَفْعَلُونَ‌»(5)


1) . قال رحمه الله: «و قد اشترط بعض العلماء شرطاً خامساً، و هو أن لايكون الآمر و الناهي مرتكباً للمحرّمات، و اشترط فيه العدالة»؛ راجع: «الأربعون حديثاً» / ذيل الحديث الثاني عشر ص 217.

2) . هذا؛ و لايساعده نصّ عبارته؛ قال قدس سره: «و الحقّ انّه غير شرطٍ و انّ الواجب على فاعل الحرام المشاهِد فعله من غيره أمران: تركه و إنكاره. و لايسقط بترك إحداهما وجوب الآخر. و الأحاديث الدالّة على وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر شاملةٌ للعدل و الفاسق»؛ راجع: نفس المصدر؛ و انظر: «جواهر الكلام» ج 21 ص 374.

3) . أمّا الآيتان فأوردهما الشَّيخ رحمه الله نقلاً عن هذا القائل؛ أمّا تلك الأحاديث فلم توجد في الأربعون حديثاً، بل توجد فيه إحدى الروايات المعراجيّة؛ راجع: نفس الصمدر أيضاً.

4) . كريمة 44 البقرة.

5) . كريمتان 3/2 الصفّ‌.

و كطائفةٍ من روايات الباب؛ منها:

الرواية الأولى

«و في المجالس عن الحسين بن أحمد بن ادريس عن أبيه عن يعقوب بن يزيد عن محمّد بن سنانٍ عن المفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبداللّه الصادق عليه السلام: بمَ يُعرف الناجي‌؟ فقال: من كان فعله لقوله موافقاً فهو ناجٍ‌، و من لم يكن فعله لقوله موافقاً فإنّما ذلك مستودعٌ‌»(1).

السند لابأس به، و ما قيل في محمّد بن سنان من أنّه كان غالياً(2)لايدلّ على ضعفه إن لم يدلّ على علوّ شأنه، و كيف كان فلابأس بالسند. و قوله عليه السلام: «من كان فعله لقوله موافقاً فهو ناجٍ‌» يدلّ على أن لانجاة لمن يأمر و ينهى و لايكون فعله موافقاً لهما، بل هو هالكٌ‌.

الرواية الثانية

«و عن جعفر بن محمّد بن مسرورٍ عن الحسين بن محمّد بن عامرٍ عن عبداللّه بن عامرٍ عن الحسن بن محبوبٍ عن مالك بن عطيّة عن أبي حمزة عن علي بن الحسين عليهما السلام - في حديث وصف المؤمن و المنافق - قال: و المنافق ينهى و لاينتهي و يأمر بما لايأتي»(3).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 150 الحديث 21211، «المجالس» -: الأمالي للصدوق رحمه الله - ص 358 الحديث 7؛ و انظر: «الكافي» ج 1 ص 45 الحديث 5، «روضة الواعظين» ج 2 ص 419.

2) . كما عن الشَّيخ رحمه الله؛ راجع: «الفهرست» ص 406 الرقم 620؛ و انظر: «منتهى المقال» ج 6 ص 65 الرقم 2669، «مجمع الرجال» ج 5 ص 222.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 150 الحديث 21212؛ و انظر: «الكافي» ج 2 ص 396 الحديث 3، «مستدرك الوسائل» ج 4 ص 421 الحديث 5059، «بحار الأنوار» ج 81 ص 235.

السند صحيحٌ‌، بل هو من عوالي الأسناد. و قد حكم الإمام عليه السلام في الحديث بكون من يأمر بمعروفٍ و لايأتي به منافقاً.

الرواية الثالثة

«محمّد بن الحسين الرضيّ في نهج البلاغة عن أميرالمؤمنين عليه السلام انّه قال:

من نصب نفسه للناس إماماً فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، و ليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، و معلّم نفسه و مؤدّبها بها أحقّ بالإجلال من معلّم الناس و مؤدّبهم»(1).

السند لاكلام فيه. و كذلك في الّتي تأتي بعدها، لأنّهما مرويّتان من نهج البلاغة.

الرواية الرابعة

«قال: و قال عليه السلام في خطبةٍ له: فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون!. ظهر الفساد فلامنكرٌ مغيّرٌ و لازاجرٌ مزدجرٌ، لعن اللّه الآمرين بالمعروف التاركين له و الناهين عن المنكر العاملين به»(2).

و هذه الأخبار الّتي تدلّ على قبح الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من غير أن يكون الآمر فاعلاً به و الناهي تاركاً له كثيرةٌ جدّاً، بحيث لايبعد القول بكونها متواترةً معنىً‌.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 150 الحديث 21213، «نهج البلاغة» الحكمة 73 ص 480، «شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 18 ص 220.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 151 الحديث 21216، «نهج البلاغة» الخطبة 129 ص 187، «شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 8 ص 244.

و كيفيّة الاستدلال بها: انّ هذا العمل قبيحٌ‌، و لا أمر في الشريعة بالقبائح، فليس هذا الفعل مأموراً به. نعم! من عمل بما يأمر به و نهى نفسه عمّا ينهى عنه فلاقبح في أمره و نهيه، بل هما حسنٌ بالنسبة إليه، فهو مأمورٌ بهما.

النكتة الثانية

ذهب صاحب الجواهر رحمه الله إلى أنّ هذه الروايات تحمل على تعريض المعصومين عليهم السلام إلى الخلفاء الغاصبين الّذين كانوا يأمرون بالمعروف مع اتيانهم بالمنكرات و ينهون عن المنكرات مع اتيانهم بها(1).

و هذا الحمل بعيدٌ جدّاً، إذ العرف لايساعده. و الظاهر انّه مأخوذٌ من كلمة «الإمام» الّتي وردت في الرواية الثالثة، و لكن هذه اللفظة عامٌّ يُطلق عليهم بالأصالة كما يُطلق على غيرهم، و يؤيّده قوله عليه السلام في صدر الحديث: «من نصب...».

النكتة الثالثة

و الجواب الصحيح عن الاستدلال بهذه الآيات و الروايات - كما أشار إليه صاحب الجواهر رحمه الله(2)أيضاً -: حملها على بيان حكمٍ تشريعيٍّ‌، لاحكمٍ وضعيٍّ‌. و بعبارةٍ أخرى لاتدلّ هذه الطائفة على سقوط وجوبهما عن تارك المعروف و فاعل المنكر، بل تدلّ على وجوبهما عليه مع الحثّ على العمل بمقتضاهما أوّلاً ثمّ أمر الناس بالمعروف و نهيهم عن المنكر ثانياً. إذ الناس على أقسامٍ أربعةٍ‌:

منهم من يعمل بمقتضاهما ثمّ يؤدّي ما وجب عليه منهما أيضاً؛

و منهم من لايعمل بمقتضاهما و لكن يؤدّي ما وجب عليه منهما؛


1) . قال: «و الثالث... التعريض بأئمة الجور المتلبّسين بلباس أئمّة العدل»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 374؛ و انظر: «جامع المدارك» ج 5 ص 407.

2) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 374.

و منهم من يعمل بمقتضاهما و لكن لايؤدّي ما وجب عليه منهما؛

و منهم من لايعمل بمقتضاهما و لايؤدّي ما وجب عليه منهما.

و هذه الروايات ناظرةٌ إلى القسم الثاني منهما، و هو العالم بالمعروف الآمر به من غير عملٍ منه به، و العالم بالمنكر الناهي عنه من غير تركه إيّاه. فهو قبيحٌ في الشريعة، و سخطه عظيمٌ‌، و لكن لا دلالة فيها على سقوط وجوبهما منه.

فبما قلنا ظهر انّ العدالة لاتعدّ من شرائط الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر(1).


1) . و عن المحقّق الحجّة الخوانساريّ رحمه الله: «كلّ ذلك لإطلاق ما يدلّ على الأمر بهما كتاباً و سنّةً و إجماعاً من غير اشراط العدالة، بل ظاهر حصرهم الشرائط في الأربعة عدم اشتراط غيرها»؛ راجع: «جامع المدارك» ج 5 ص 407.

المسألة الثانية في اشتراط التكليف

هذا الشرط ذكره صاحب الجواهر رحمه الله(1). و مراده منه: وجوب كون الآمر و المأمور كلاهما مكلّفين، فلايأمر بالمعروف من لم يبلغ حدّ التكليف، كما أنّه لايُؤمرُ به من لم يبلغ حدّه، و كذلك في جانب النهي. ثمّ حكى عن المحقّق الأردبيليّ رحمه الله القول بعدم اشتراطه في وجوبهما، فرماه بكونه واضح الفساد.

و يرد عليه: أن ليس هذا الحكم كلّيّاً أيضاً، بل هو تابعٌ لما يحكم به العقل. فعلى سبيل المثال يحكم العقل بوجوب النهي عن المنكر على غلامٍ كان ابن اثني عشر سنةً فرأى من يريد أن يقتل أحداً مظلوماً، و لايضطرب في هذا الحكم. كما انّه لايضطرب في وجوب نهيه عن المنكر لواغتاب مؤمناً، و مثلهما ما حكم به الشرع - موافقاً لحكم العقل - بوجوب تعزير الغلام لوسرق مالاً محترماً، أو لوضرب طفلاً صغيراً حتّى آل أمره إلى الجرح.

ثمّ ذكر صاحب الجواهر رحمه الله انّ وجوب نهي الغلام عن ضياع ثمار الناس لودخل بساتينهم فضاعها ليس من باب وجوب النهي عن المنكر، بل من باب حفظ أموال الناس عن التلف(2).

و كلامه هذا غريبٌ جدّاً!، إذ العقلاء يفرّقون بين هذا الغلام و بين البقرة الّتي دخلت فيها، و لايحكمون بأنّهما سيّان في الحكم؛ هذا.

و تلخيص القول فيه انّ حكم الشرع بوجوب تعزير من لم يبلغ حدّ التكليف في بعض الموارد يدلّ على كونه محكوماً بطائفةٍ من الأحكام - كحرمة فعل المحرّمات من السرقة و


1) . قال رحمه الله: «نعم! يُعتبر في الآمر التكليف كما انّه يعتبر في المأمور و المنهيّ‌»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 374.

2) . قال رحمه الله: «و منع الصبيّ و المجنون عن إضرار الغير ليس من الأمر بالمعروف، بل هو كمنع الدابّة الموذية»؛ راجع: نفس المصدر.

القتل و الغيبة و نحوها -. فليس التكليف معدوداً في عداد شرائط وجوبهما.

المسألة الثالثة في ما اشترطه كاشف الغطاء قدس سره في وجوبهما

اشارة

ذكر الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله أنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لايجبان إلّاإذا أُحرزت أربعة عشر شرطاً؛ قال رحمه الله:

«و يجب الأمر بالواجب و النهي عن المحرّم وجوباً كفائيّاً بشروطٍ أربعة عشر»(1).

و لنفصل الكلام فى هذه الشروط فى أربع عشرة نكتةٍ‌.

النكتة الأولى
اشارة

قال رحمه الله:

«أحدها: التكليف بجمع وصفي البلوغ و العقل حين الأمر و النهي»(2).

الظاهر انّ كاشف الغطاء قد فسّر التكليف - و هو الأوّل من شرائط وجوبهما عنده - ب‍ «جمع وصفي البلوغ و العقل».

و يلاحظ عليه:

انّه سيذكر العلم في الشرط الثاني، و لكن القدرة - و هي مع الثلاثة تعدّ من شرائط التكليف - مغفولةٌ في كلامه.

النكتة الثانية
اشارة

قال:

«ثانيها: العلم بجهة الفعل من وجوبٍ و حرمةٍ‌»(3).

و قد مضى تفصيل الكلام في اشتراط العلم في وجوبهما.


1) . راجع: «كشف الغطاء» ج 2 ص 420.

2) . راجع: نفس المصدر.

3) . راجع: نفس المصدر.

و يلاحظ عليه:

انّ العلم مع البلوغ و العقل يعدّ من شرائط التكليف العامّة، فكان الأنسب ذكره في الشرط الأوّل مع العقل و البلوغ. ثمّ قال:

«و الواجب مع الاحتمال يدخل في السنّة للاحتياط»(1)

أي: إذا خفيت عليه جهة الفعل تحكم قاعدة الاحتياط باستحبابهما عليه.

و لم يظهر لنا الوجه في هذا الاستحباب. و قد أشرنا فيما سبق إلى أنّ مختار صاحب الجواهر رحمه الله في المسألة الحكم بحرمتهما، و هو الأنسب بالمقام.

النكتة الثالثة
اشارة

قال:

«ثالثها: امكان التأثير، و مع عدمه يلحق بالسنّة»(2).

أمّا امكان التأثير فهو من الشرائط الأربعة الّتي اتّفقت عليه كلمة القوم. أمّا قوله: «و مع عدمه يلحق بالسنّة»؛

فيلاحظ عليه:

أنّه لا استحباب فيه حينئذٍ، إذ مضى تفصيل الكلام في أنّه لوكان فيهما احتمال تأثيرٍ فلاخلاف في وجوبهما، و لو لم يكن فيهما هذا الاحتمال فيصيران لغوين، فلاداعي لهما بحكم العقل، فلامعنى للحكم باستحبابهما حينئذٍ.

النكتة الرابعة
اشارة

قال:

«رابعها: عدم التقيّة و لوبمجرّد الاطّلاع»(3).

و يلاحظ عليه:

انّ مآل هذا الشرط إلى عدم ترتّب ضررٍ عليهما، و سيذكره في الشرط


1) . راجع: نفس المصدر أيضاً.

2) . راجع: نفس المصدر أيضاً.

3) . راجع: نفس المصدر أيضاً.

الخامس، فما هو الداعي في ذكر «عدم التقيّة» هيهنا على نحوٍ مستقلٍّ؟.

النكتة الخامسة

قال:

«خامسها: عدم ترتّب الفساد الدنيويّ على المأمور أو غيره بسببه»(1).

و هو من الشرائط الأربعة العامّة، و يندرج تحته الشرط الرابع أيضاً.

النكتة السادسة
اشارة

قال:

«سادسها: عدم مظنّة قيام الغير به»(2).

المراد من المظنّة هيهنا العلم و الاطمينان، إذ ليس الظنّ الشخصيّ حجّةً في المقام.

و يلاحظ على

هذا الشرط: أن لافرق بينه و بين قوله رحمه الله في مفتتح المبحث: «يجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وجوباً كفائيّاً»، إذ ليس المراد من «عدم مظنّة قيام الغير به» إلّا كونه واجباً كفائيّاً - على مختار المشهور في تفسير الواجب الكفائيّ - لا واجباً عينيّاً؛ فلافرق بين المقسم و القسم؛ فهو تطويلٌ لا فائدة فيه.

النكتة السابعة
اشارة

قال:

«سابعها: مظنّة الوقوع ممّن تعلّق به الخطاب»(3).

هذا أيضاً من الشرائط الأربعة العامّة الّتي ذكرها القوم، و هو صحيحٌ‌.

و لكن يلاحظ

على العبارة: أنّ المظنّة لاتكفي في سقوط الواجب عن عهدة الآمر به و


1) . راجع: نفس المصدر أيضاً.

2) . راجع: نفس المصدر أيضاً.

3) . راجع: نفس المصدر أيضاً.

الناهي عنه؛ إلّاأن يقال: المراد من «المظنّة»: العلم و الاطمينان، فإذاً لا بأس بعبارته رحمه الله.

النكتة الثامنة
اشارة

قال:

«ثامنها: ألّا يتقدّم منه أو من غيره خطابٌ يظنّ تأثيره»(1).

و يلاحظ عليه أوّلاً:

انّه لافرق بينه و بين ما ذكره في الشرط السادس. إذ لنا أن نتساءل:

ما هو الفارق بين «عدم مظنّة قيام الغير به» و بين «ألّا يتقدّم منه أو من غيره خطابٌ يظنّ تأثيره»؟.

و يلاحظ عليه ثانياً:

ما ذكرناه في النكتة السادسة من اتّحاد هذا الشرط مع المقسم، فلافرق بين المقسم و هذين القسمين؛ فذكرهما زائدٌ، بل هو تطويلٌ بلافائدةٍ‌.

النكتة التاسعة
اشارة

قال:

«تاسعها: عدم البعث على ارتكاب معصيةٍ أو ترك واجبٍ للمأمور أو غيره بسببه»(2).

المراد من هذه العبارة: أنّه لوكان الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر سبباً لوقوع المأمور أو غيره من المكلّفين في معصيةٍ فلايجبان، بل يسقطان حينئذٍ.

فعلى سبيل المثال لو رأى الآمر أنّ المأمور الّذي يصلّي و لكن لايعطي خمس ماله سيلجّ و يعند فيترك الصلاة كما ترك إخراج الخمس من المال فلايجب عليه أن يرشده إلى وجوب إعطاء الخمس و يأمره به، و هذا واضحٌ‌.

و لكن يلاحظ عليه:

أن لاكلّيّة في القاعدة، بل مواردها تابعةٌ لحكم العقل. و العقل


1) . راجع: نفس المصدر أيضاً.

2) . راجع: نفس المصدر أيضاً.

بالنظر إلى قاعدة الأهمّ و المهمّ و طبقاً لها يحكم بتقدّمهما على عناد المأمور في بعض الموارد، كما يحكم بسقوطهما في بعض الموارد حذراً عن لجاجه.

فما صدر منه رحمه الله من القول بكون الحكم حكماً كلّيّاً لايخلو عن مناقشةٍ‌، و قد ذكرنا تفصيل الكلام فيه في ما مضى من هذه الرسالة.

النكتة العاشرة
اشارة

قال رحمه الله:

«عاشرها: عدم ترتّب نقضٍ مخلٍّ بالاعتبار على الآمر»(1).

أي: أن لايكون الأمر بالمعروف سبباً لهتك عرض الآمر و مخلّاً بشرفه و ماء وجهه.

و يلاحظ عليه أوّلاً:

أن لافرق بين هذا الشرط و ما مضى في الشرط الخامس من قوله رحمه الله: «عدم ترتّب الفساد الدنيويّ على المأمور أو غيره بسببه»، إذ الإخلال بالاعتبار أيضاً يعدُّ من مصاديق الفساد الدنيويّ‌؛ فلاوجه لجعله قسيماً للشرط الخامس، بل هو قسمٌ منه.

كما يلاحظ عليه ثانياً:

أن لاكلّيّة لهذا الحكم أيضاً، بل العقل هو الحاكم في المقام، فتارةً يحكم العقل بوجوب القيام بهما و لو بلغ الأمر إلى ما بلغ - كما إذا كانت الشريعة البيضاء في مخاطرة الاندراس -، و تارةً أخرى يحكم بسقوط وجوب القيام بهما، و ذلك بالنظر إلى أفضليّة شرف المؤمن و عزّه من هذا المورد الّذي يتراءى منه أوّلاً وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فيه.

و قد أشرنا مراراً إلى أنّ الحاكم في الباب هو العقل، و ذلك لاستقلاله بادراك وجوبهما.

النكتة الإحدى عشرة
اشارة

قال:


1) . راجع: نفس المصدر أيضاً.

«فهم المأمور مرادَ الآمر»(1).

و يلاحظ عليه:

أنّ رجوع هذا الشرط إلى القدرة، و من الغريب أنّ كاشف الغطاء رحمه الله مع حرصه على تكثير الشروط قد غفل عن ذكر القدرة في عدادها، كما أنّ القوم قد غفلوا عنها.

النكتة الثانية عشرة
اشارة

قال:

«ثاني عشرها: ضيق الوقت في الوجوب الفوريّ‌»(2).

و يلاحظ عليه

ما ذكرناه في التعليق على النكتة الإحدى عشرة، لأنّ رجوع هذا الشرط أيضاً إلى القدرة، فمآله و مآل السابقة عليها إلى شيءٍ واحدٍ، فلاوجه لجعلهما قسيمين.

النكتة الثالثة عشرة
اشارة

قال:

«ثالث عشرها: عدم معارضته واجبٌ مضيّقٌ من صلاةٍ و نحوها»(3).

و يلاحظ عليه

ما ذكرناه من أنّ الحاكم في المقام هو العقل، فلايصحّ هذا الحكم بكلّيّته.

فعلى سبيل المثال لوضاق الوقت للصلاة من ناحيةٍ فأراد أن يصلّي، ثمّ رأى انّ أحداً يريد أن يقتل نفساً مؤمنةً مظلومةً من ناحيةٍ أخرى فالعقل يحكم بتقدّم النهي عن المنكر على الصلاة مع كون وقتها مضيّقاً. فلايصحّ القول بهذا الحكم بكلّيّته، بل القول صحيحٌ في موارد خاصّةٍ يحكم العقل بأنّ الصلاة على سبيل المثال أهمّ من المنكر المنهيّ عنه.

النكتة الرابعة عشرة
اشارة


1) . راجع: نفس المصدر أيضاً.

2) . راجع: نفس المصدر أيضاً.

3) . راجع: نفس المصدر أيضاً.

قال:

«كون المأمور به ممّن يجوز له النظر إليه أو اللمس له إذا توقّف عليها»(1).

و يلاحظ عليه

ما ذكرناه في النكتة الثالث عشرة، إذ العقل يحكم في بعض الموارد بوجوب القيام بهذا الأمر و النهي و لو توقّفا على النظر إلى من لايجوز النظر إليه أو لمسه.


1) . راجع: نفس المصدر أيضاً.

المسألة الرابعة عدم كون الشروط شروطاً على الحقيقة

اشارة

و لنا في المقام نكتتان لابأس بنا لوتعرّضنا لهما، و هما:

النكتة الأولى

أشرنا فيما سبق إلى حكومة العقل في المسألة، و هو يحكم فيها بالنظر إلى ما يستفاد من قانون تقدّم الأهمّ على المهمّ‌. و جميع ما ذكره كاشف الغطاء رحمه الله في عداد الشرائط يرجع إلى هذا القانون، كما أنّ عدم ترتّب المفسدة عليهما أيضاً يؤول إليه، فهو الأصل فى الباب.

و من الغريب انّ الفقهاء بأجمعهم قد غفلوا عن ذكره ليستغنوا عن ذكر العمدة من الشرائط واحداً بعد واحدٍ.

النكتة الثانية

الظاهر انّ الأربعة المذكورة في كلمات المشهور و كذا ما ذكره صاحب الجواهر(1)و صاحب كشف الغطاء 0(2)زيادةً على ما ذكره القوم ليست شرطاً، لا على ممشى الفلاسفة، و لا على مذهب الفقهاء و الأصوليّين. إذ الشرط ما لايكون ملحوظاً في الفعل و لكن كان تقيّد الفعل به ملحوظاً في صحّته، كتقيّد كلّ صلاةٍ بكونه في وقته الخاصّ به.

فليست هذه الأمور شرطاً في وجوبهما، بل هي المحصّلة لموضوعهما؛ إذ لو لم تكن هذه الأمور موجودةً فلايوجد موضوعٌ ينبغي له القيام بهذا الأمر و النهي، فيحكم العقل باسقاطهما.

فالمتحصّل ممّا ذكرناه في هذه النكتة أنّ هذه الأمور مقوّمةٌ لماهيّة الموضوع في وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، لا شروط له. و الحمد للّه ربّ العالمين.



1) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 374.

2) . راجع: «كشف الغطاء» ج 2 ص 420.

المبحث الرّابع في مراتب الأمر بالمعروف النّهى عن المنكر

اشارة

المبحث الرابع في مراتب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر

المشهور بين الأصحاب انّ لهذا الأمر و النهي مراتب، و لايجوز التعدّي عن المرتبة الدانية إلى المرتبة الّتي بعدها إلّابعد اليأس عن أن يكون في المرتبة الدانية تأثيرٌ.

قالوا: المراتب ثلاثةٌ‌؛ و هي:

المرتبة الأولى:

الإنكار بالقلب. و يجب على الآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر أن يظهره بأن يَسْتَاءَ و يزعَل من المأمور أو أن يلقاه بوجهٍ عبوسٍ غير مبسّطٍ؛

المرتبة الثانية:

القول باللسان. و لهذه المرتبة أيضاً مراتب، فيجب أن يراعى فيها أيضاً الأيسر فالأيسر؛

المرتبة الثالثة:

اشارة

الضرب و الجرح و لوبلغ إلى احمرار بشرة المضروب و اسودادها أو إلى جرحها. و حينئذٍ لا دية فيهما. و في هذه المرتبة أيضاً يجب أن يراعى الأيسر فالأيسر.

هذا ممّا أجمع عليه الأصحاب، و لا مخالف فيه.

و هيهنا نكتٌ‌:

النكتة الأولى

الظاهر استحسان جعل المرتبة الثالثة مرتبتين:

مرتبة الضرب؛

و مرتبة الجرح، لما سيجيء من أنّ المشهور ذهبوا إلى جواز قيام الناس بمرتبة الضرب منهما و عدم جواز قيامهم بمرتبة الجرح و القتل. و سنعود إلى هذا المبحث.

النكتة الثانية

ذهب صاحب الجواهر رحمه الله إلى تربيع الأقسام بعد حكاية إجماع الأصحاب على المراتب الثلاث الأُوَل(1). و ذلك بجعل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر العمليّان مرتبةً مقدّمةً على جميع المراتب، فمن يتلبّس بلباس التقوى و يتّزي بزيّ الصالحين يأمر الناس بالمعروف بأعماله و ينهاهم عن المنكر بها، و لهذه المرتبة أثرٌ ليس في غيرها من المراتب. و يؤيّد قوله ما روى عن المعصومين عليهم السلام من قولهم: «كونوا دعاة الناس بغير ألسنتكم»(2)، و قولهم: «كونوا لنا زيناً و لاتكونوا علينا شيناً»(3)و نظائرهما كثيرةٌ‌.

و كيف كان فما أبدعه هذا الفقيه النحرير تامٌّ لا خدشة فيه. و بما انّ لكلامه هذا صلةً وثيقةً بأهل العلم و العمّة ندرج كلامه رحمه الله بطوله هيهنا، لأنّه لايخلو عن فوائد جمّة.

قال رحمه الله:

«نعم! من أعظم أفراد الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و أعلاها و أتقنها و أشدّها تأثيراً خصوصاً بالنسبة إلى رؤساء الدين أن يلبس رداء المعروف واجبه و مندوبه، و ينزع رداء المنكر محرّمه و مكروهه. و يستكمل نفسه بالأخلاق الكريمة و ينزّهها عن الأخلاق الذميمة، فإنّ ذلك منه سببٌ تامٌّ لفعل الناس المعروف و نزعهم المنكر؛ و خصوصاً إذا أكمل ذلك بالمواعظ الحسنة المرغّبة و المرهّبة، فإنّ لكلّ مقامٍ مقالاً و لكلّ داءٍ دواءً‌، و طبّ‌


1) . و سنأتي بنصّ كلامه في هذه السطور.

2) . راجع: «الكافي» ج 2 ص 78 الحديث 14، «وسائل الشيعة» ج 1 ص 76 الحديث 171، «بحار الأنوار» ج 67 ص 303.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 12 ص 8 الحديث 15502، «مستدرك الوسائل» ج 8 ص 314 الحديث 9531، «بحار الأنوار» ج 68 ص 310.

النفوس و العقول أشدّ من طبّ الأبدان بمراتب كثيرةٍ‌. و حينئذٍ يكون قد جاء بأعلى أفراد الأمر بالمعروف؛ نسئل اللّه التوفيق لهذه المراتب»(1).

النكتة الثالثة

و هيهنا كلامٌ يرجع إلى ما ذكروه من الترتيب بين المراتب. و هو:

الظاهر انّ الترتيب الّذي ذكروه بين المراتب الثلاث - أو فقل بين المراتب الأربع، على مختار صاحب الجواهر رحمه الله - ليس ترتيباً حقيقيّا، و لايجب مراعاته. و ذلك لأنّ العقل تارةً يحكم بتقدّم النهي باللسان على النهي بالضرب، و تارةً أخرى يحكم بتقدّم النهي بالضرب على النهي باللسان، إذ الموارد متفاوتةٌ‌؛ و قاعدة الأهمّ و المهمّ هي الحاكمة في الباب. فلايجب في النهي باللسان أن يكون مسبوقاً بالنهي القلبيّ‌، كما انّه لايلزم في النهي بالضرب أن يكون مسبوقاً بالنهيين القلبيّ و اللساني(2).

النكتة الرابعة

المشهور بين الأصحاب وجوب القيام بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على الناس حتّى يبلغا إلى مرتبة الجرح، فعليهم أن يقوموا بهاتين المهمّتين و لوبلغتا إلى ضرب المأمور، أمّا لو بلغتا إلى حدّ الجرح فأمرهما بيد الدولة الإسلاميّة(3)، و لايجب على الناس القيام بهما.


1) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 382.

2) . كما عن أبي الصلاح الحلبيّ رحمه الله: «... فإن غلب في الظنّ ابتداءً عدم تأثير القول ابتداءً بما يظنّ كونه مؤثّراً من الفعل و ما زاد عليه حتّى يحصل المقصود من وقوع الواجب و ارتفاع القبيح»؛ راجع: «الكافي في الفقه» ص 267.

3) . كما عن ابن فهد الحلّي قدس سره: «فلو افتقر إلى الجرح و القتل وقف على إذن الإمام»؛ راجع: «اللمعة الجليّة» - الرسائل العشر - ص 275. و عن ابن أبي جمهور: «لو أدّى الإنكار إلى القتل أو الجرح ففي جوازه قولان، و الأقرب المنع إلّابإذن الحاكم»؛ راجع: «الأقطاب القطبيّة» ص 97؛ و انظر: «جامع المدارك» ج 5 ص 407.

نعم! حكى المحقّق الحلّيّ رحمه الله عن بعضهم(1)القول بوجوبهما على المكلّفين حينئذٍ أيضاً، ثمّ تردّد فيه و اختار العدم(2).

النكتة الخامسة

لادليل للقوم على عدم وجوب هذا الأمر و النهي إذا بلغا حدّ الجرح إلّالزوم الحرج و اضطراب أمر الملك و الملّة؛ قالوا: و ظهور الحرج و الاضطراب في المجتمع قبيحٌ‌، بل محكومٌ عند الشارع، فلايجب قيام الناس بهما حذراً منه(3).

نقول: هذا الدليل تامٌّ‌، و لا نقاش فيه. و من الغريب أنّ القوم لم يتمسّكوا به في الحكم بسقوط الأمر و النهي إذا احتاجا إلى الضرب أيضاً؛ و هو المختار. إذ جواز الأمر و النهي بل الحكم بوجوبهما على آحاد الناس عند توقّفهما على الضرب أيضاً يؤدّي إلى انبعاث الشغب و ظهوره في المجتمع. و هذا بيّنٌ لايحتاج إلى دليلٍ‌. فيجري فيه نفس الدليل الّذي جرى في سقوط التكليف بهما عند توقّفهما على الجراح.

فالمختار أنّه لايجب على الناس القيام بهما عند توقّفهما على الضرب، أو على الجرح و القتل.

نعم! على الدولة الإسلاميّة أن تقوم بمهمّتهما عند توقّفهما عليهما، كما قد أشرنا إليه في مبتدأ مباحث الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.


1) . هذا هو قول المرتضى كما حكاه عنه الشَّيخ 0؛ راجع: «الإقتصاد» ص 150. و تبعه العلّامة رحمه الله رحمه الله انظر: «منتهى المطلب» ج 2 ص 993، «تحرير الأحكام» ج 1 ص 157؛ و انظر: «مسالك الأفهام» ج 3 ص 105.

2) . قال قدس سره: «و لوافتقر إلى الجراح أو القتل هل يجب‌؟ قيل: نعم، و قيل: لا إلّابإذن الإمام، و هو الأظهر»؛ راجع: «شرائع الإسلام» ج 1 ص 312.

3) . فعن المحقّق النجفي رحمه الله: «كلّ ذلك مضافاً إلى ما في جواز ذلك لسائر اللناس عدولهم و فسّاقهم من الفساد العظيم و الهرج و المرج المعلوم عدمه في الشريعة»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 383.

النكتة السادسة
اشارة

استدلّ صاحب الجواهر رحمه الله تبعاً للقوم للقول بجواز الضرب في الأمر و النهي برواياتٍ لاتخلوا من ضعف السند أو قصور الدلالة(1)و هي:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالدٍ عن بعض أصحابنا عن بِشر بن عبداللّه عن أبي عصمة قاضي مرو عن جابرٍ عن أبي جعفر عليه السلام في حديثٍ قال: فأنكروا بقلوبكم و ألفظوا بألسنتكم و صكّوا بها جباههم و لاتخافوا في اللّه لؤمة لائمٍ -... - فجاهدوهم بأبدانكم و أبغضوهم بقلوبكم غير طالبين سلطاناً و لاباغين مالاً»(2).

السند ضعيفٌ‌، لأنّه مرسلٌ‌، و مرسله البرقيّ الّذي أخرجه أحمد بن محمّد بن عيسى عن قم المقدّسة لنقله عن الضعاف(3). أضف إلى ذلك انّ بشر بن عبداللّه(4)و أبا عصمة قاضي مرو لم يوثّقا، بل الثاني منهما قد ضعّفه بعض الرجاليّين(5). فالسند ضعيفٌ لايمكن الركون إليه. و


1) . راجع: نفس المصدر و المجلّد ص 384.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 131 الحديث 21162، «الكافي» ج 5 ص 55 الحديث 1؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 180 الحديث 21، «عوالي اللآلىء» ج 3 ص 188 الحديث 25، «مجموعة ورّام» ج 2 ص 125.

3) . راجع: «خلاصة الأقوال» ص 63 الرقم 72.

4) . قد أهمله كثيرٌ من مصار الرجاليّين، ك‍ «رجال النجاشيّ‌» و «خلاصة الأقوال» و «منهج المقال»؛ و راجع: «معجم رجال الحديث» ج 3 ص 318 الرقم 1749، «مستدركات علم رجال الحديث» ج 2 ص 32 الرقم 2123، من دون أيّ حكمٍ فيه

5) . لم أعثر على هذا التضعيف، حيث لم يُذكر الرجل في كثيرٍ من المصادر، ك‍: «خلاصة الأقوال». و عن المامقانيّ رحمه الله «ليس له ذكرٌ في كتب الرجال و لم نعرف اسمه و لاحاله»؛ راجع: «تنقيح المقال» ج 3 ص 26 من فصل الكنى؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 21 ص 240 الرقم 14544.

تمسّك صاحب الجواهر رحمه الله بذيل الحديث فقط - و هو قوله عليه السلام: «فجاهدوهم بأبدانكم...» - من غير ذكرٍ لصدره.

و الظاهر أن لا دلالة فيه، إذ صدر الحديث يدلّ على وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و ذيله يدلّ على وجوب الجهاد في سبيل اللّه و مجاهدة الأعداء بالأبدان. فلا دلالة فيه على مقصوده.

الرواية الثانية

«و عن عليٍّ عن أبيه عن ابن أبي عميرٍ عن يحيى الطويل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: ما جعل اللّه بسط اللسان و كفّ اليد، و لكن جعلهما يبسطان معاً و يكفّان معاً»(1).

السند صحيحٌ و لا بأس به. استدلّ صاحب الجواهر رحمه الله بأنّ المراد من قوله عليه السلام: «ما جعل اللّه... كفّ اليد» جواز الضرب في هذا الأمر و النهي، إذ مقتضى بسط اليد جواز اعمالها فيهما، و لا معنى له إلّاجواز الضرب.

و المختار أن لا دلالة في هذه الرواية على مطلوبه أيضا، و ذلك يظهر بالتأمّل في هذين الأمرين:

الأمر الأوّل: الرواية لاتدلّ على أكثر من جواز الضرب في هذا الأمر و النهي، و لكن ليست في مقام بيان خصوصيّاته، فهي في مقام تشريع الحكم فقط. فإذاً لا إطلاق لها حتّى يستفاد منها جواز قيام بعض الناس بضرب الآخرين. بل مقتضى الجمع بينها و بين ما دلّ‌


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 131 الحديث 21163، «الكافي» ج 5 ص 55 الحديث 1؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 169 الحديث 3.

على عدم جواز قيامهم به تخصيصه بالدولة الإسلاميّة، فيجوز لها ضرب التاركين للمعروف العاملين بالمنكر في موارده الخاصّة به.

الأمر الثاني: الظاهر انّ الرواية محمولةٌ على حثّ الناس على الجهاد في سبيل اللّه و تذكيرهم بعدم الفصل بين الواجبين: الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من ناحيةٍ‌، و الجهاد في سبيل إعلاء كلمة اللّه من ناحيةٍ أخرى؛ كما قد أشرنا إليه في التعليق على الرواية الأولى.

الرواية الثالثة

«محمّد بن الحسن قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: من ترك إنكار المنكر بقلبه و لسانه (و يده) فهو ميّتٌ بين الأحياء - في كلامٍ هذا ختامه -»(1).

أمّا السند فمرسلٌ‌، فلاينبغي الاعتماد عليه. و استدلّ بها صاحب الجواهر رحمه الله على جواز المراتب الثلاث القلبيّة و اللسانيّة و اليدويّة(2).

و يلاحظ على قوله هذا:

أوّلا: أنّ الرواية مرسلةٌ‌؛

و ثانياً: أن لا إطلاق للرواية، فلايجوز استفادة جواز الضرب لآحاد الناس منها.

إن قلت: انّ لفظة «مَن» وضعت للعموم؛

قلت: نعم! هذا شأن الموصول، و لكنّ الكلام في أنّ الضرب لايجوز إلّاباذنٍ من الدولة الإسلاميّة، و هذه الرواية لاتنفيه، بل هي ساكتةٌ عن جواز قيام الناس بالضرب من غير


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 132 الحديث 21165، «التهذيب» ج 6 ص 181 الحديث 23.

2) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 385.

إذنٍ من الحكم، و قد ذكرنا انّه لايجوز استفادة الإطلاق منها؛

و ثالثاً: محطّ الشاهد قوله عليه السلام: «و يده»، و هذه اللفظة لم ترد في بعض نسخ التهذيب(1).

و كيف كان فبالنظر إلى هذه الأمور الثلاثة يظهر أن لا دلالة فيها على مطلوبهم.

الرواية الرابعة

«و عن أبي جحيفة قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إنّ أوّل ما تغلبون عليه من الجهاد بأيديكم، ثمّ بألسنتكم، ثمّ بقلوبكم؛ فمن لم يعرف بقلبه معروفاً و لم ينكر منكراً قُلِب فجُعل أعلاه أسفله»(2).

الرواية لا بأس بها، لأنّها مرويّةٌ في النهج. و أبوجحيفة و إن لم نتعرّف به، بل الظّاهر كونه من المجاهيل، و لكن وقوعه في سند النّهج يجبر ضعفه هذا.

و ظهورها في أمر الجهاد في سبيل اللّه واضحٌ‌، إذ قد ابتلى أميرالمؤمنين عليه السلام بقومٍ كانوا يقدّمون القول على العمل و لو في الجهاد، فكانوا يدعونه إلى التباحث و المفاوضة في الحرب و ترك الجهاد، و هو عليه السلام كان يذكّرهم بأنّ «أوّل ما تغلبون عليه من الجهاد بأيديكم»، و هذا واضحٌ‌.

الرواية الخامسة

«عن التفسير المنسوب إلى الإمام حسن العسكريّ عليه السلام انّه قال رسول


1) . و هي نسخة الشَّيخ الحرّ رحمه الله، و لذ جُعلت اللفظة في «الوسائل» بين معقوفتين. أمّا في نسخ «التهذيب» المطبوعة فهي موجودةٌ‌؛ راجع: نفس المصدر المذكور في التعليقة السالفة.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 134 الحديث 21171، «نهج البلاغة» الحكمة 375 ص 542، «شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 19 ص 312؛ و انظر: «غرر الحكم» الكلمة 7660 ص 333.

اللّه صلى الله عليه و آله: لتأمرنّ بالمعروف و لتنهنّ عن المنكر أو ليعمّنّكم عذاب اللّه. ثمّ قال: من رأى منكم منكراً فلينكر بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فحسبه أن يعلم اللّه من قلبه انّه لذلك كارهٌ‌»(1).

أمّا السند ففي غاية الضعف، و ذلك لبطلان نسبة التفسير إلى مولانا العسكريّ عليه السلام - كما عليه كثيرٌ من الأعلام(2)-.

ثمّ إنّ صاحب الجواهر رحمه الله ذهب إلى أنّ المراد من قوله عليه السلام: «فلينكر بيده» هو أوّل المراتب على حسب رأيه(3)، و هو الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر العمليّان - كما قد أشرنا إلى رأيه في النكتة الثانية من نكات هذا المبحث -؛ و لو كان قوله هذا صحيحاً فلا دلالة في الرواية على مطلوبهم.

و ذهب العلّامة رحمه الله إلى أنّ الرواية تشير إلى موارد يحكم العقل بتقدّم الضرب و الجرح فيها على النهي اللسانيّ و القلبيّ‌، و تشخيص تلك الموارد موكولٌ إلى إدراك العقل(4).

و هذا القول و إن كان صحيحاً في نفسه و لكن مآله إلى نفي حجّيّة الحديث و تخصيصه بموردٍ خاصٍّ‌.

و كيف كان فالرواية بظهورها معرضٌ عنها عند الأصحاب و لم يذهب إليها أحدٌ غير ما


1) . راجع - مع تغييرٍ يسيرٍ -: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 134 الحديث 21173.

2) . وقع في هذا التفسير من حيث صحّة إسناده إلى مولانا العسكريّ عليه السلام أو عدم صحّته خلافٌ عظيمٌ بين الأعلام، و للعلّامة الحجّة السيّد محمّد هاشم الخوانساريّ الچهارسوقيّ رحمه الله رسالةٌ فيه طبعت في «مجموعة رسائله»؛ و للميرزا محمّد حسين القاضي الطباطبائيّ التبريزيّ رحمه الله «تصحيح سند تفسير العسكريّ‌»؛ راجع: «الذريعة» ج 4 ص 195 الرقم 967؛ و انظر: نفس المصدر و المجلّد ص 283 الرقم 1294، أيضاً ص 285 الرقم 1295.

3) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 375.

4) . لم أعثر عليه بين كتب العلّامة رحمه الله الفقهيّة.

نسب إلى السلّار رحمه الله في المراسم(1). فلايجوز الأخذ بها.

الرواية السادسة

«محمّد بن الحسن الطوسيّ قال: قال الصادق عليه السلام لقومٍ من أصحابه: إنّه حقٌّ لي أن آخذ البريّ منكم بالسقيم، و كيف لايحقّ لي ذلك و أنتم يبلغكم عن الرجل منكم القبيح فلاينكرون عليه و لاتهجرونه و لاتؤذونه حتّى يترك!»(2).

العبارة ذكرها المفيد في المقنعة من غير إشارةٍ الى كونها حديثاً(3)، ثمّ أوردها الشيخ في التهذيب(4)ناسباً إيّاها إلى مولانا الصادق عليه السلام؛ و كيف كان فالسند مرسلٌ و لايمكن الاعتماد عليه. استدلّ صاحب الجواهر رحمه الله على جواز الضرب بأنّ المراد من قوله: «و لا تؤذونه»: الضرب و الجراح(5).

و قوله هذا لايخلو عن شيءٍ‌، إذ الإيذاء و الإعنات يحصلان بالمغاضبة و الائتزاز، فلاينحصر قوله: «و لا تؤذونه» في ضربه حتّى يحمل عليه، و ذلك واضحٌ‌.


1) . قال رحمه الله: «فمن وجب عليه إنكار المنكر و الأمر بالمعروف فحاله ينقسم إلى ثلاثة أضرب: من يمكنه بيده، و من يمكنه بلسانه، و من يمكنه بقلبه. و هو مرتّبٌ باليد أوّلاً فإن لم يمكن فباللسان فإن لم يمكن فبالقلب»؛ راجع: «المراسم العلويّة» ص 263. و من اللافت للنظر هيهنا قول الحلبيّ رحمه الله حيث قال: «فمع تكامل هذه الشروط... يجب باليد و اللسان و القلب، فإن فقدت القدرة... فباللسان و القلب خاصّةً‌، و إن لم يمكن... فلابدّ منه بالقلب»؛ راجع: «إشارة السبق» ص 146.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 145 الحديث 2119، «التهذيب» ج 6 ص 181 الحديث 24؛ و انظر: «مجموعة ورّام» ج 2 ص 126، «المقنعة» ص 809.

3) . هذا؛ و فيه: «و قال الصادق جعفر بن محمّد رحمه الله لقومٍ من أصحابه: انّه قد حقّ لي أن...»؛ راجع: «المقنعة» ص 809.

4) . راجع: «التهذيب» ج 6 ص 181 الحديث 24.

5) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 375.

بما قلنا ظهر أنّه لادلالة في تلك الأحاديث على جواز ضرب بعض الناس الآخرين إذا توقّف الأمر و النهي عليه. فلاتكون مستنداً للقول بجوازه.

النكتة السابعة
اشارة

و هناك رواياتٌ تدلّ على عدم جواز الضرب لهم؛ و هي:

الرواية الأولى

«و عنهم عن سهلٍ عن ابن محبوبٍ عن خطّاب بن محمّدٍ عن الحارث بن المغيرة انّ أباعبداللّه عليه السلام قال له: لأحملنّ ذنوب سفهائكم إلى علمائكم -... إلى أن قال: - ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون و ما يدخل علينا به الأذى أن تأتوه فتؤنّبوه و تعذلوه و تقولوا له قولاً بليغاً؟ قلت: جعلت فداك! إذاً لايقبلون منّا! قال: اهجروهم و اجتنبوا مجالسهم»(1).

السند لا بأس به، و مضت الإشارة إلى أنّ سهل بن زيادٍ و إن ضعّفه بعضهم و رماه بالغلوّ و لكن لا بأس به عندنا، فالسند صحيحٌ‌. و دلالتها على عدم جواز الضرب ظاهرةٌ‌، حيث إنّ الإمام عليه السلام قال: «فتؤنّبوه و تعذلوه و تقولوا له قولاً بليغاً»، و لم يذكر في المراتب شيئاً من الضرب و الجرح، و هو يدلّ على عدم جوازهما.

الرواية الثانية

«و في المجالس و الأخبار بالإسناد الآتي عن هشام بن سالمٍ عن أبي


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 145 الحديث 21198، «الكافي» ج 8 ص 162 الحديث 169؛ و انظر: «مستدرك الوسائل» ج 12 ص 196 الحديث 13866، «الإختصاص» ص 251، «مجموعة ورّام» ج 2 ص 147.

عبداللّه عليه السلام قال: لوانّكم إذا بلغكم عن الرجل شيءٌ تمشّيتم إليه فقلتم: يا هذا! إمّا أن تعتزلنا و تجتنبنا و إمّا أن تكفّ عن هذا، فإن فعل و إلّا فاجتنبوه»(1).

السند صحيحٌ‌، إذ طريق الشيخ رحمه الله إلى هشام بن سالم لا خدشة فيه(2). و كيفيّة الإستدلال بها نفس ما مرّ في التعليق على السابقة عليها؛ فراجعه!.

الرواية الثالثة

«محمّد بن يعقوب عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن محمّدٍ عن محمّد بن إسماعيل عن محمّد بن عذافرٍ عن اسحاق بن عمّارٍ عن عبدالأعلى مولى آل سامٍ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: لمّا نزلت هذه الآية: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نَاراً»(3)، جلس رجلٌ من المسلمين يبكي! وقال: أنا عجرت عن نفسي كُلّفت أهلي!؛ فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: حسبك أن تأمرهم بما تأمر به نفسك و تنهاهم عمّا تنهى عن نفسك»(4).

السند موثّقٌ‌، لمكان اسحاق بن عمّار، فالرواية و إن لم تجز الإعتماد عليها و لكن لا أقلّ‌


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 145 الحديث 21200، «الأمالي» - للطوسيّ رحمه الله - ص 661 الحديث 1373.

2) . لم أهتد إلى مراد الشَّيخ الأستاذ - حفظه اللّه تعالى -، إذ للشَّيخ رحمه الله ستّة طرقٍ إلى هشام بن سالم أكثرها ضعيفٌ‌؛ راجع: «نخبة المقال» ص 314 الرقم 737، «مستدرك الوسائل» / الخاتمة ج 6 ص 339 الرقم 741.

3) . كريمة 6 التحريم.

4) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 16 ص 147 الحديث 21205، «الكافي» ج 5 ص 62 الحديث 1؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 178 الحديث 13، «عوالي اللآلىء» ج 3 ص 191 الحديث 34، «مجموعة ورّام» ج 2 ص 124.

من كونها مؤيّدةً لغيرها من روايات الباب. و دلالتها كدلالة السابقتين عليها، فلانعيدها حذراً عن التطويل.

النكتة الثامنة

فتلخّص ممّا قلنا جميعاً انّه لم يوجد في روايات الباب ما يدلّ على جواز قيام الناس بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إذا توقّفا على الضرب. أمّا هناك فجملةٌ من الروايات لها دلالةٌ تامّةٌ على عدم جواز قيامهم بهما عند توقّفهما عليه. فلامناص من القول بسقوط وجوبهما عند توقّفهما عليه.

فإذاً ليس لهما إلّامرتبتان:

مرتبة الإنكار بالقلب؛

و مرتبة الإنكار باللسان.

أمّا المرتبة الثالثة - حسب ما هو المشهور بين الأصحاب - فلاتجب على آحاد الناس، و ليس في وسعهم القيام بها. و الحمد للّه ربّ العالمين.


المبحث الخامس ما استثنى من اختصاص الضَّرب بالحكم

اشارة

المبحث الخامس ما استثنى من اختصاص الضرب بالحكم

قد بيّنا في المبحث الرابع المختار من عدم جواز قيام الناس بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إذا توقّفا على الضرب. بل هذه المرتبة منهما تختصّ بالحكم. و هذه المسألة بمكانٍ من الوضوح حتّى يمكن أن يدّعى فيها كونها من ضروريّات فقه الشيعة. و لذلك لم ترد فيها روايةٌ‌. نعم هناك روايتان تدلّان عليها؛ و هما:

الرواية الأولى

«محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبداللّه عليه السلام: من يقيم الحدود؟ السلطان أو القاضي‌؟ فقال: إقامة الحدود إلى من إليه الحكم»(1).

السند صحيحٌ‌، و لاكلام فيه. و كيفيّة الإستدلال بها: انّ اختصاص إقامة الحدود - و منها الضرب في النهي عن المنكر - بالحكم كان مرتكزاً عند السائل، و الإمام عليه السلام قد أقرّ على ارتكازه، و لم يردعه عنه. ثمّ أرشده إلى أنّ إصدار الحكم للقوّة القضائيّة، و إجراءه


1) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 4 ص 71 الحديث 5135، «التهذيب» ج 6 ص 314 الحديث 78، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 299 الحديث 33794.

يختصّ بالقوّة المجريّة.

فدلالتها على المقصود تامّةٌ‌.

الرواية الثانية

«محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد في المقنعة قال: فأمّا إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل اللّه - تعالى -، و هم الأئمّة الهدىٰ من آل محمّدٍ عليهم السلام و من نصبوه لذلك من الأمراء و الحكّام؛ و قد فوّضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم»(1).

الظاهر اتّحاد الروايتين و كون الثانية تفسيراً للأولى.

و لكن قد أُستثنيت من هذا الحكم موارد ثلاثة، و تفصيل الكلام فيها في ثلاث مسائل.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 49 الحديث 34187، «المقنعة» ص 809.

المسألة الأولى في جواز ضرب الأبناء

اشارة

الظاهر جواز ضرب الأبناء إذا توقّف تربيتهم و تثقيفهم عليه، و ذلك لما لهما من الدور الهامّ في تكوين شخصيّتهم. و في المسألة نكاتٌ‌.

النكتة الأولى

قد أشرنا مراراً إلى كون هذا الأمر و النهي ممّا استقلّ العقل بادراكهما، فهو الحاكم في الباب. و من توابع الباب هذا المبحث - و هو المبحث الخامس منه -، فجميع أحكامه تابعٌ لحكمه.

النكتة الثانية

العقل يحكم بجواز ضرب الأبناء لمصلحةٍ عظيمةٍ هي تأديبهم و تثقيفهم. فجميع روايات الباب إرشادٌ للعقل إلى هذا الحكم و تأييدٌ لحكمه هذا. فالمسألة ممّا اتّفق عليه العقل و النقل.

النكتة الثالثة

لافرق في هذا الحكم بين الأب و الأمّ و المربّي و القيّم، بل الضرب يجوز لكلّ من يطلق عليه عنوان المدرِّب. و هذا أيضاً كما يحكم به العقل.

النكتة الرابعة

ممّا اتّفق عليه العقل و النقل وجوب الاعتدال و الاقتصاد في هذا الجواز و عدم الإفراط فيه. و ذلك أيضا لأنّ العقل يحكم بأنّ الإفراط في الضرب يؤدّي إلى لجاجة الطفل و عنوده و ينجرّ إلى أن يصير حروناً مداعكاً. و للنقل أيضاً دلالةٌ تامّةٌ على وجوب الاقتصاد فيه، كما ستتّضح عند ذكر روايات الباب في النكتة الآتية.

النكتة الخامسة
اشارة

و هناك رواياتٌ تدلّ على أمرين:

الأمر الأوّل: جواز ضرب الطفل إذا توقّف أمر تربيته عليه؛

الأمر الثاني: وجوب الاقتصاد و الاعتدال فيه؛ منها:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوبٍ عن الحسين بن محمّدٍ عن معلّي بن محمّدٍ عن الحسن بن عليٍّ عن حمّاد بن عثمان قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام في أدب الصبيّ و المملوك‌؟ فقال: خمسةٌ أو ستّةٌ‌، و ارفق»(1).

السند صحيحٌ‌، بل هو من عوالي الأسناد. و الظاهر انّه لا خصوصيّة لقوله عليه السلام: «خمسة أو ستّة»، بل اللفظتان ممّا يدلّ على التقليل. و قوله عليه السلام: «و ارفق» يدلّ على الجواز و على وجوب الاقتصاد فيه.

الرواية الثانية

«و عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن النوفليّ عن السكونيّ عن أبي عبداللّه عليه السلام إنّ أميرالمؤمنين عليه السلام ألقى صبيان الكتّاب ألواحهم بين يديه ليخير بينهم؛ فقال: أمَا إنّها حكومةٌ‌، و الجور فيها كالجور في الحكم؛ ابلغوا معلّمكم إن ضربكم فوق ثلاث ضرباتٍ في الأدب اقتصّ منه»(2).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 372 الحديث 34995، «الكافي» ج 7 ص 268 الحديث 35؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 149 الحديث 28.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 372 الحديث 34996، «الكافي» ج 7 ص 268 الحديث 38؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 149 الحديث 30.

السند موثّقٌ‌، لمكان النوفليّ‌(1)و السكونيّ‌(2)العامّيّين الثقتين. و لقوله عليه السلام: «ابلغوا معلّمكم إن ضربكم فوق ثلاث ضرباتٍ في الأدب أُقتصّ منه» دلالةٌ تامّةٌ أيضاً على الجواز و على وجوب الاقتصاد فيه.

الرواية الثالثة

«محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن محمّد بن يحيى عن غياث بن إبراهيم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قال أميرالمؤمنين:

أدّب اليتيم ممّا تؤدّب منه ولدك، و اضربه ممّا تضرب منه ولدك»(3).

السند صحيحٌ‌، و لذلك يُعبّر عنها بصحيحة غياث بن إبراهيم(4). و هي تدلّ على جواز ضرب ولد الزوجة للرأبّ‌.

الرواية الرابعة:

«محمّد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيدٍ و عبدالرحمن بن أبي نجران جميعاً عن حمّاد بن عيسى عن حريز بن عبداللّه عن أبي


1) . اسمه الحسن بن يزيد، و قد ذكره العلّامة في القسم الثاني من كتابه؛ راجع: «خلاصة الأقوال» ص 339 الرقم 1340؛ و انظر: «منتهى المقال» ج 3 ص 84 الرقم 942.

2) . اسمه اسماعيل بن أبي زيادٍ، قال العلّامة: «كان عامّيّاً»؛ راجع: «خلاصة الأقوال» ص 316 الرقم 1238؛ و انظر: «رجال أبي داود» ص 49 الرقم 175، ثمّ ص 231 الرقم 54، «نقد الرجال» ج 1 ص 208 الرقم 471.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 21 ص 478 الحديث 27636، «الكافي» ج 6 ص 47 الحديث 8؛ و انظر: «التهذيب» ج 8 ص 111 ص 32.

4) . و قد عبّر عنها السيّد العلّامة الإمام الخوئيّ رحمه الله بمعتبرة غياث بن إبراهيم؛ راجع: «مباني تكملة المنهاج» ج 1 ص 341.

عبداللّه عليه السلام قال: لابأس أن يؤدّب المحرم عبده ما بينه و بين عشرة أسواطٍ»(1).

السند صحيحٌ‌، و هي صحيحة حريزٍ. و الظاهر انّ الإمام عليه السلام أرسل جواز ضرب المحرِم عبده إرسال المسلّمات، ثمّ عيّن له حدّاً، و هو ما يختاره السيّد المحرِم إلى أن يبلغ عشرة أشواطٍ. و لا خصوصيّة في هذا الحدّ أيضاً، كما أومأنا إليه في التعليق على الرواية الأولى.

فالمستفاد من ذلك كلّه جواز ضرب الطفل للأب و الأمّ و المربّي الرأب إذا توقّف أمر تربيته عليه من ناحيةٍ‌، و وجوب الاقتصاد فيه من ناحيةٍ أخرى.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 12 ص 564 الحديث 17093، «التهذيب» ج 5 ص 387 الحديث 266.

المسألة الثانية في رئاسة الرجل على أسرته

اشارة

مضى في صدر المبحث تفصيل الكلام في أنّه لايجوز لآحاد الناس القيام بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إذا توقّفا على الضرب. و أشرنا إلى أنّه قد أُستثنيت من هذا الحكم أمورٌ ثلاثةٌ‌، ثمّ فصّلنا الكلام حول المورد الأوّل في المسألة الأولى. و المسألة الثانية قد عقدناها للتحقيق حول المورد الثاني.

و هيهنا نكتٌ‌:

النكتة الأولى

قد أشبعنا القول مراراً عديدةً في أنّ الحاكم في الباب هو العقل، و للروايات ارشادٌ إلى حكمه. فليس ما نستفيده من روايات الباب حكماً تأسيسيّاً، بل هو تأكيدٌ على ما يحكم به العقل.

النكتة الثانية

لاخلاف في أنّ الرجل و المرأة في أصل الخلقة سيّان، فلااختلاف بينهما من هذه الناحية. نعم! قسط الرجل من العقل الجماعيّ أوفر من قسط المرأة منه، كما أنّ حظّ المرأة من الحنوّ و العاطفة أكثر من حظّ الرجل منهما.

النكتة الثالثة

أشرنا في صدر الكتاب إلى أنّ الإنسان مدنيٌّ بالطبع، فهو بحاجةٍ ماسّةٍ إلى أن يعيش في المجتمع مع أبناء جنسه، و يلزم من هذا وجود حاكمٍ في المجتمع ليدبّر أمر الناس و يمنعهم عن الزيق و الانحراف. و قد مضى تفصيل الكلام في ذلك كلّه.

النكتة الرابعة

الأسرة و العائلة هو أصغر جزءٍ من أجزاء المجتمع، بل المجتمع يتشكّل من مجتمعاتٍ‌

صغارٍ يطلق عليها اسم العائلة.

و هذا المجتمع الصغير يتشكّل من أجزاء، و هي الأب و الأمّ و أولادهما. فهذا المجتمع أيضاً يحتاج إلى مديرٍ يدبّر أمره، و العقل - بما انّ الرجل هو أوفر حظّاً من العقل الجماعيّ - يحكم بأنّه هو المدبّر لأمره.

النكتة الخامسة

لاتخصيص في عموم وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. فهذا الحكم كما يجري في المجتمع الكبير يجري في المجتمع الصغير أيضاً. فعلى مدبّر أمر الأسرة القائم بأمرها أن يقوم بأمر أعضائها بالمعروف و نهيهم عن المنكر، و قد فصّلنا الكلام في المسألة الأولى في عموم الحكم بالنسبة إلى الأولاد و الأطفال، و قد قلنا في صدر النكتة الحاضرة أن لا تخصيص في عموم وجوب هذا الأمر و النهي. فعلى المرء أن يقوم بأمر زوجته بالمعروف و بنهيها عن المنكر.

النكتة السادسة

العقل يحكم بوجوب مراعاة المراتب الثلاث على الآمر به و الناهي عنه، كما يحكم بعموم المراتب بالنسبة إلى جميع المأمورين بالمعروف و المنهيّين عن المنكر.

فعلى الرجل أن ينهى زوجته عن المنكر باللسان أوّلاً، ثمّ أن ينهاها عن المنكر بأن يلقاها بوجهٍ عبوسٍ مكفهرٍّ غير مبسّطٍ ليردعها عمّا هي عليه من المنكر. ثمّ لو آل أمرها إلى النشوز فله أن يضربها ليردعها عن اتيان المحرّمات.

و لايحتاج إلى مزيدٍ من البيان انّ حكم العقل بجواز ضربها - مع مراعاة جميع شرائطه - لايدلّ على تنقيص المرأة و انحطاطها عن شأنها الإنسانيّ الرفيع الّذي تشترك فيه مع الرجل، بل هذا مقتضى كون الإنسان مدنيّاً بطبعه محتاجاً إلى غيره من أبناء جنسه، و هذا كلّه واضح.

النكتة السابعة

قال - سبحانه و تعالى -: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَ بِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ‌»(1).

الظاهر انّ قوله - تعالى -: «بِمَا» إرشادٌ إلى حكم العقل بأنّ الرجال قوّامون على النساء لهاتين العلّتين:

العلّة الأولى: ما أشار إليه - سبحانه و تعالى - بقوله: «فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ‌»؛

و العلّة الثانية: ما أشار إليه - تعالى - بقوله: «وَ بِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ‌».

فعلى المرأة أن تطيعه في ما يتعلّق بأمر الأسرة، و المشهور بين الفقهاء وجوب الطاعة عليها منه في أمرين:

الأمر الأوّل: ما يتعلّق بالشؤون الجنسيّة؛

الأمر الثاني: عدم الخروج من البيت إلّاباذنه.

فالمشهور على أنّه لو خالفت المرأة زوجها في هذين الأمرين يُطلق عليها عنوان الناشزة. فعلى الرجل أن ينهاها باللسان أوّلاً، ثمّ أن ينهاها بأن يُظهر لها اكراهه ممّا قامت به بأن يهجرها في المضجع و ما شابهه، ثمّ له أن يضربها مراعياً في هذا الضرب أمرين:

الأوّل: مراعاة الأيسر فالأيسر؛

الثاني: مراعاة الرفق بها.

و إلى ذلك كلّه يرشد قوله - تعالى -: «وَ اللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَاتَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً»(2).


1) . كريمة 34 النساء.

2) . كريمة 34 النساء.

فتحصّل ممّا قلنا جميعاً في هذه المسألة انّ العقل و الشرع متّفقان على جريان الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بالنسبة إلى أعضاء الأسرة مراعياً فيهما الأيسر فالأيسر.

المسألة الثالثة في جواز مقاتلة اللصّ المغتصب

اشارة

هذا هو الثالث من موارد قد أُستثنيت من الحكم بعدم جواز قيام الناس بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إذا توقّفا على الضرب. و كما يظهر من عنوان المسألة يجوز القيام بالضرب و الجرح و القتال في هذا المورد، و هو مورد هجوم العدوّ على بلاد المسلمين، و يشمل ما لو هجم لصٌّ على بيت أحدٍ. فيجوز أو يجب - و سنفصّل الكلام حوله - دفع العدوّ و اللصّ و لوبلغ ما بلغ من الجراح و القتال.

و في المسألة نكتتان:

النكتة الأولى
اشارة

لاخلاف في أصل جواز الدفاع عن العِرض و المال و النفس و لوتوقّف على شيءٍ من الضرب و ما فوقه. و هذا حكمٌ عقليٌّ قد أيّدته روايات الباب. و هذه الروايات كثيرةٌ بحيث يمكن أن يدّعى بلوغها حدّ التواتر المعنويّ‌؛ منها:

الرواية الأولى
اشارة

«محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن بُنان بن محمّدٍ عن أبيه عن ابن المغيرة عن السكونيّ عن جعفرٍ عن أبيه عن عليٍّ عليه السلام انّه أتاه رجلٌ فقال: يا أميرالمؤمنين عليه السلام إنّ لصّاً دخل على امرأتي فسرق حليّها، فقال: أما انّه لودخل على ابن صفيّة لما رضى بذلك حتّى يعمّه بالسيف»(1).

السند موثّقٌ‌. و دلالتها واضحةٌ‌. و في الرواية أمورٌ:


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 119 الحديث 20110، «الكافي» ج 5 ص 51 الحديث 3.

الأمر الأوّل:

الظاهر انّ المراد من قوله عليه السلام: «حتّى يعمّه بالسيف»: حتّى يبارزه بالقتل، فهو يدلّ على جواز الدفاع و لوبلغ ما بلغ.

الأمر الثاني:

المراد من «ابن الصفيّة»: الشجاع و البطل، إذ اللفظة كنايةٌ عنه(1).

الأمر الثالث:

الظاهر انّ السائل قد سأل عن جواز الدفاع قبال اللصّ‌، و لكن يظهر من الجواب جواز المقاتلة إذا كان عِرض الرجل في مخاطرة مهاجمٍ مغتصبٍ‌.

و كيف كان فدلالة الرواية على المقصود تامّةٌ‌.

الرواية الثانية

«و بالإسناد عن جعفرٍ عن أبيه قال: إنّ اللّه ليمقت العبد يدخل عليه في بيته فلايقاتل»(2).

السند لابأس به، و لا أقلّ من كونه موثّقاً. و دلالتها على وجوب مطلق الدفاع عند تعرّض الخصم واضحةٌ‌، إذ لا خصوصيّة للبيت في قوله عليه السلام: «يدخل عليه في بيته». و المتيقّن منها دخول اللصّ في بيته، و تدلّ بالفحوى على دخول الخصم أيضا.


1) . كذا؛ و كنت أظنّ ان اللفظة تجري مجرى الأمثال عند العرب، و لكن ما وجدتها في «ثمار القلوب في المضاف و المنسوب» مع كثرة الألفاظ المبدوّة ب‍ «ابن» فيه. و عن العلّامة المجلسيّ رحمه الله في شرح الحديث: «الظاهر انّ المراد به الزبير»؛ راجع: «مرآة العقول» ج 18 ص 393 في شرح الحديث 3. و كذلك في الطبعة الحديثة من «فروع الكافي» بتحقيق محمّد جعفر شمس الدين؛ راجع: المصدر ج 3 ص 48 الهامش 1. ثمّ قال العلّامة نفسه في شرح التهذيب في شرح اللفظة: «هو الزبير بن العوامّ و كان مشهوراً بالغيرة. و قيل: أي ابن امرأةٍ صفيّةٍ نقيّةٍ نجيبةٍ‌، و لايخفى ما فيه»؛ راجع: «ملاذ الأخيار» ج 9 ص 415 في شرح الحديث 1.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 119 الحديث 20111، «التهذيب» ج 6 ص 157 الحديث 3.

الرواية الثالثة

«و عنه عن أبي جعفرٍ عن أبيه عن وهب عن جعفرٍ عن أبيه أنّه قال: إذا دخل عليك رجلٌ يريد أهلك و مالك فابدره بالضربة إن استطعت، فإنّ اللصّ محاربٌ للّه و لرسوله، فما تبعك منه شيءٌ فهو عليَّ‌»(1).

السند موثّقٌ لمكان وهب بن وهب العامّيّ‌، لكنّه وثّقه بعض الرجاليّين(2). دلالة الحديث على جواز مقاتلة اللصّ إذا أراد المال و الأهل تامّةٌ‌، فهي بالفحوى تدلّ على جواز مقاتلته إذا أراد النفس. و قوله عليه السلام: «فما تبعك منه شيءٌ فهو عليَّ‌» يدلّ على انتفاء الدية لوجرحه أو قتله.

نعم! الحديث لايدلّ على وجوب مقاتلته، لأنّ قوله عليه السلام: «فابدره» ليس إلّامن باب الأمر الصادر في مقام توهّم الحذر، و هذا الأمر لايدلّ على أكثر من الجواز.

الرواية الرابعة

«و بإسناده عن أحمد بن أبي عبداللّه عن عليّ بن محمّدٍ عن إبراهيم بن محمّدٍ الثقفيّ عن عليّ بن المعلّى عن جعفر بن محمّد بن الصبّاح عن محمّد بن زيادٍ صاحب السابريّ البجليّ عن أبى عبداللّه عليه السلام قال: قال رسول


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 119 الحديث 20112، «التهذيب» ج 6 ص 157 الحديث 2، «بحار الأنوار» ج 76 ص 195.

2) . قال الكشّي: «قال أبومحمّد الفضل بن شاذان: كان أبوالبختريّ من أكذب البريّة»؛ راجع: «رجال الكشّي» ص 309 ذيل الحديث 558. و انظر: «منتهى المقال» ج 6 ص 400 الرقم 3149.

اللّه صلى الله عليه و آله: من قُتل دون عقاله فهو شهيدٌ»(1).

السند صحيحٌ و لاإشكال فيه. و في بعض النسخ: «دون عياله»(2)، و كلاهما مرويّان. و المستفاد منها جواز ضرب اللصّ المغتصب و مقاتلته و لو آل الأمر إلى أن يَقتُلَ أو يُقتَلَ‌.

الرواية الخامسة

«و بإسناده عن أحمد بن محمّدٍ الكوفيّ عن محمّد بن أحمد القلانسيّ عن أحمد بن أبي الفضل عن عبداللّه بن جبلّة عن فزارة عن أنسٍ أو هيثم بن البراء قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: اللصّ يدخل عليّ في بيتي يريد نفسي و مالي، قال: اقتله فأشهد اللّه و من سمع انّ دمه في عنقي!»(3).

السند سقيمٌ‌، لاشتماله على رجالٍ مجهولين لانعرفهم و لانعلم من مذهبهم أو ضعفهم و صحّتهم شيئاً. أمّا دلالتها على جواز مقاتلة اللصّ المغتصب إذا أراد قتل النفس أو نهب المال فواضحةٌ‌.

الرواية السادسة
اشارة

«و عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عميرٍ عن أبان بن عثمان عن رجلٍ عن الحلبيّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: إذادخل عليك اللصّ المحارب فاقلته، فما أصابك فدمه في عنقي»(4).


1) . هذه الرواية لم أعثر عليها، و انظر: التعليقة الآتية.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 120 الحديث 20114، «التهذيب» ج 6 ص 157 الحديث 5.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 120 الحديث 20115، «التهذيب» ج 6 ص 158 الحديث 6.

4) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 121 الحديث 20116، «الكافي» ج 5 ص 51 الحديث 4؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 76 ص 196، «المحاسن» ج 2 ص 36 الحديث 86.

السند مصحّحٌ‌. و لا بأس بارساله، لانّ المرسل هو أبان بن عثمان الّذي يُعدّ من أصحاب الإجماع(1)و قبله ابن أبي عميرٍ الّذي يُعدّ منهم أيضاً(2)و كيف كان فلابأس بالسند. أمّا دلالتها فواضحةٌ أيضا. و هيهنا أمران:

الأمر الأوّل:

هل «المحارب» قيد توضيحيٌّ أم قيد تقييديٌّ؟ إذ لوكان تقييداً لايمكن قتله إلّاإذا كان محارباً، و الظاهر انّ المراد من المحارب هو المزوَّد بالسلاح الحامل له، و لوكان توضيحيّاً فلايترتّب عليه أثرٌ في المعنى المستفاد من الحديث. و القاعدة عند عدم البيان هي كونه قيداً توضيحيّاً، فالمستفاد منه نفس المعنى المستفاد من السابقات عليه.

الأمر الثاني:

قوله عليه السلام: «إذا دخل عليك اللصّ‌» مطلقٌ يشمل ما لودخل لقتل صاحب البيت أو التعرّض إلى عِرضه أو نهب أمواله. فالرواية تدلّ على جواز مقاتلة اللصّ في جميع الشقوق، إذ حذف المتعلّق يدلّ على العموم.

الرواية السابعة

«و عنه عن أحمد بن محمّد عن عليّ بن الحكم عن الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أباعبداللّه عليه السلام عن الرجل يقاتل دون ماله‌؟ فقال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من قتل دون ماله فهو بمنزلة الشهيد. فقلت: أيقاتل أفضل أو لايقاتل‌؟ فقال: إن لم يقاتل فلابأس»(3).


1) . راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 673.

2) . راجع: نفس المصدر و المجلّد ص 830.

3) . راجع - مع تغييرٍ في مختتم الحديث -: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 121 الحديث 20119، «الكافي» ج 5 ص 52 الحديث 3؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 167 الحديث 5؛ و انظر أيضاً: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 383 الحديث 35017، «التهذيب» ج 6 ص 167 الحديث 5.

السند صحيحٌ‌، بل هو من عوالي الأسناد. و لها دلالةٌ واضحةٌ على أنّ المقاتلة هذه ليست بواجبٍة، بل هي جائزةٌ فقط.

النكتة الثانية
اشارة

الظاهر وقوع التعارض و الخلاف في المستفاد من روايات الباب، إذ لبعضها - كالروايتين الأولى و الثانية - دلالةٌ واضحةٌ على وجوب الدفاع و المقاتلة، و لاأقلّ من دلالتها على الحثّ عليهما، بينما انّ لبعضها الآخر - كالرواية السابعة - دلالةٌ على الجواز مع عدم الحثّ عليه، بل لايبعد أن يُقال: المستفاد منها أفضليّة ترك المقاتلة منها، فما هو الوجه في الجمع بين روايات الباب‌؟.

أقول: هيهنا وجهان يمكن أن يُجمع بين الروايات بهما؛ و هما:

الوجه الأوّل:

و هو بحمل الروايات الدالّة على وجوب الدفاع على مورد التعرّض إلى النفس أو العرض، فلوتعرّض اللصّ إلى نفسه أو نفس أسرته أو عرضه يجب عليه الدفاع و لوبلغ إلى الجراح أو المقاتلة؛ ثمّ بحمل الروايات الدالّة على عدم وجوب الدفاع على مورد التعرّض إلى المال فقط، فلوعلم أنّ الدفاع ينجرّ إلى الجراح و المقاتلة فيصير ضرراً أعظم من ضرر المال المسروق منه لم يجب عليه الدفاع و إن كان جائزاً له.

الوجه الثاني:

و هو المستفاد ممّا قد أشرنا إليه مراراً من أنّ العقل هو الحاكم في الباب، فالروايات كلّها تشير إلى ما يحكم به العقل من وجوب القتال أو جوازه أو رجحان تركه نظراً إلى ما للموارد من الشأن و الخطورة، فلاتعارض بين تلك الروايات أصلاً.

المسألة الرابعة في جواز مقاتلة الأعداء

ممّا اجمعت عليه كلمة الفقهاء وجوب النضال و الدفاع عند هجوم الأعداء على بلاد المسلمين. فلوهجمت الأعداء على بلدٍ من بلادهم يجب عليهم أن يقاتلوهم و أن يدفعوهم بأيّة آلةٍ و أداةٍ يمكن لهم، و لافرق في هذا الحكم بين الشبّان و الشيوخ و الرجال و النساء. نعم! الجهاد لايجب على النساء، و لكن الدفاع يجب عليهنّ أيضاً.

و لايشترط في الدفاع إذن الإمام، و هذا من المجمع عليه أيضاً.

و لايبعد القول بكون الحكم من ضروريّات فقه أهل البيت. و المسألة من غاية وضوحها لم يرد لها دليلٌ بخصوصها. و يمكن أن يستفاد الحكم - زيادةً على حكم العقل بوجوبه - ممّا سلف في المسألة الثالثة، و ذلك لما لبلاد المسلمين و أراضيهم من الأهمّيّة في نظر الشارع، بحيث لاتقلّ عن أموالهم الشخصيّة، فلوحكم بوجوب الدفاع عن الأموال فلاريب في حكمه بوجوب الدفاع عن البلاد و الأراضي؛ و ذلك كلّه واضحٌ و لايحتاج إلى مزيدٍ من البيان.

المسألة الخامسة في جواز قتل المبتدع

اشارة

جواز قتل المبتدع في الشريعة أيضاً ممّا أجمع عليه الفقهاء، قالوا: لو هَرْطَقَ و ابتدع أحدٌ في الشريعة بحيث يكون فعله مظانّاً لهدم أساسها فيجوز - بل يجب - قتله من غير أن يحتاج فيه إلى إذنٍ من الحاكم الشرعيّ‌.

نعم! يجب أن يُراعى في هذا الحكم العناوين الثانويّة، فلوكان قتل المبتدع سبباً لظهور الهرج و الإضطراب في المجتمع أو دلّت قاعدة اللاضرر على وجوب الكفّ عنه لم يجب القيام بهذا الحكم. فجواز قتل المبتدع أيضاً يُعدّ من المستثنيات من الحكم بعدم جواز قيام الناس بأمرٍ أو نهيٍ يتوقّفا على الضرب و الجرح و ما فوقهما.

و هيهنا نكتتان:

النكتة الأولى

الحكم و إن كان ضروريّاً عند العقل بحيث لايحتاج إلى إقامة دليلٍ‌، و لكن يدلّ عليه ما رواه الكشّيّ في رجاله، و نصّه:

«محمّد بن عمر بن عبدالعزيز الكشّيّ في كتاب الرجال عن الحسين بن الحسن بن بندار عن سعد بن عبداللّه عن محمّد بن عيسى بن عبيدٍ أنّ أباالحسن عليه السلام أهدر مقتل فارس بن حاتم و ضمن لمن يقتله الجنّة، فقتله جنيدٌ. و كان فارسٌ فتّاناً يفتن الناس و يدعوهم إلى البدعة. فخرج من أبي الحسن عليه السلام: هذا فارسٌ - لعنه اللّه - يعمل من قِبَلي فتّاناً داعياً إلى البدعة، و دمه هدرٌ لكلّ من قتله؛ فمن هذا الّذي يريحني منه و يقتله و أنا ضامنٌ له على اللّه الجنّة»(1).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 124 الحديث 20127، نفس المصدر ج 28 ص 319 الحديث 34858، «رجال الكشّي» ج 1 ص 523 الحديث 1006.

السند صحيحٌ‌، و هو في أعلى مدارج الصحّة. الظاهر انّ قوله: «يدعوهم إلى البدعة» يفسّر قوله: «فتّاناً يفتّن الناس»، فالمراد منه انّ فارس بن حاتم كان مبتدعاً داعياً الناس إلى البدع، فأهدر سيّدنا أبوالحسن عليه السلام دمه(1)، ثمّ كتب عليه السلام في شأنه: «و دمه هدرٌ لكلّ من قتله»، فيجوز للناس قتل المبتدع نظراً إلى ما لحفظ الشريعة من الأهمّيّة عند الشارع.

النكتة الثانية

الحكم بعينه يجري في سابّ المعصومين - عليهم صلوات المصلّين و على أعدائهم لعنة اللاعنين أبد الآبدين -، فمن سبّ أحداً من المعصومين الأربعة عشر يجوز قتله مراعياً فيه ما ذكرناه من وجوب رعاية العناوين و الأحكام الثانويّة. و عليه يدلّ جميع ما ذكرناه من الأدلّة في المسائل الثالثة و الرابعة و الخامسة.

و لافرق في هذا الحكم - و كذلك في الأحكام المتقدّمة عليه - بين قتل المبتدع و السابّ و المتجاوز إلى حريم الأسرة المتعرّض إلى الناموس في يومه أو في غده أو بعد أيّامٍ‌. نعم! الفقهاء مع تصريحهم بجواز قتل المبتدع و سابّ المعصومين بعد أيّامٍ من صدور البدعة و السبّ منهم، قد ذهبوا إلى عدم جواز قتل المتعرّض إلى الناموس بعد مضيّ زمنٍ من عمله(2)، قالوا: فلوزنى - و العياذ باللّه منه - رجلٌ بامرأة رجلٍ لايجوز للزوج أن يقتل الزاني بعد يومٍ - على سبيل المثال - من فجوره بزوجته؛ نعم! له أن يقتلهما حين ارتكابهما هذا الفعل و قيامهما بهذا العمل، أمّا بعد الفراغ منه فقتلهما مختصٌّ بالحاكم الشرعيّ‌، و هو الّذي يصلح لاجراء الحدّ عليهما.

و الظاهر أن لافرق بين هذه الموارد، بل المختار جواز قتلهما - أي: قتل الزاني و الزانية -


1) . لتفصيل أخباره راجع: «تنقيح المقال» ج 2 ص 1 - من أبواب الفاء - الرقم 9394، «معجم رجال الحديث» ج 13 ص 238 الرقم 9292، «التحرير الطاوسي» ص 470 الرقم 341.

2) لم أعثر على نصٍّ منهم في هذا المضمار.

بعد أيّامٍ كما يجوز قتل المبتدع و السابّ بعد أيّامٍ‌. و كيف كان فتفصيل الكلام فيه موكولٌ إلى كتاب الحدود و التعزيرات.

هذا تمام الكلام في المسألة الخامسة من مسائل المبحث الخامس، و باتمامه قد فرغنا عمّا أردنا إيراده في كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و الحمد للّه ربّ العالمين.


كتاب الحدود و التعزيرات

اشارة

كتاب الحدود و التعزيرات

قد أشرنا في مبتدأ كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلى أنّ للفقيه الوليّ وظيفتين هامّتين، و قد بحثنا عن ناحيةٍ منهما في هذا الكتاب.

ثمّ عليه فرضٌ آخر لاتقلّ أهمّيّةً عن وظيفته الأولى، و هو حفظ الحكم و الدولة الإسلاميّة، ثمّ المشارفة على إجراء الأحكام على أحسن ما يكون. فعلينا أن نبحث عن واجبه هذا ليكون المطالع في الكتاب على بصيرةٍ منه، فعقدنا كتاب الحدود و التعزيرات كتابعٍ من توابع مبحث ولاية الفقيه للبحث عنه.

و في الكتاب مباحث:

المبحث الأوّل في وجوب حفظ الحكم و الدّولة الاسلاميّة عليه

اشارة

المبحث الأوّل في وجوب حفظ الحكم و الدولة الإسلاميّة عليه

قد أشرنا في مقدّمات الكتاب إلى أنّ الفقيه الوليّ هو النائب عن الإمام الحجّة - عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف - في إقامة الدولة الإسلاميّة و القيام بأحكامها و ما يتعلّق بها.

فهو الحاكم في الدولة الإسلاميّة، و حفظ النظام معدودٌ من وظائف الحاكم في جميع الحكومات، بل هو كامنٌ فيها عند جميع العقلاء في جميع الأمصار و الأعصار.

و قد أشرنا أيضاً إلى أنّه مطلق التفويض في هذا المضمار. نعم! هيهنا موارد قد أُستثنيت عن إطلاق اختياره و سلطانه في حفظ النظام، منها جواز الأمر بالجهاد البدويّ‌، فعلينا أن نفصّل الكلام حول هذا الموضوع.

مسألةٌهل يجوز للفقيه الوليّ الأمر بالجهاد البدويّ؟

اشارة

و في المسألة نكاتٌ‌:

النكتة الأولى

المشهور بين الفقهاء القائلين بثبوت الولاية للفقيه أنّ الأمر بالجهاد البدويّ ليس في وسع الفقيه الوليّ‌، بل هو مختصٌّ بالمعصومين عليهم السلام(1). حتّى انّ سيّدنا الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله مع قوله بثبوت الولاية المطلقة للفقيه كان لايثبت له إطلاق اليد بالنسبة إلى الجهاد البدويّ‌؛ كما ذكره في كتابه القيّم في ولاية الفقيه(2).

النكتة الثانية

مقتضى القاعدة الأوّليّة في المسألة الجواز، و ذلك بدلالة أمرين:

‍الأمر الأوّل: إطلاق الأدلّة الدالّة على ثبوت الولاية له؛

الأمر الثاني: حكم العقل بأنّ حفظ الحكم و الحكومة يُعدُّ من فرائضه، و لايمكن له القيام بما فُرض عليه إلّاإذا كان مطلق العنان بالنسبة إليه، فلوتوقّف حفظ الحكم على


1) . كما عن أفضل المتأخّرين الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله في تَعداد أقسام الجهاد: «خامسها: جهادالكفّار و التوجّه إلى محالّهم للردّ إلى الإسلام... و هذا المقام من خواصّ النبيّ و الإمام و المنصوب الخاصّ منهما دون العام»؛ راجع: «كشف الغطاء» ج 2 ص 381، و انظر: «مسالك الأفهام» ج 3 ص 9.

2) . هذا؛ و الظاهر من عبارته قدس سره ذهابه إلى انّ للفقيه الولاية على الجهاد، كما أنّ له الولاية على الدفاع؛ قال: «ثمّ انّ المتحصّل من جميع ما ذكرناه انّ للفقيه جميع ما للإمام عليه السلام إلّاإذا قام الدليل على أنّ الثابت له ليس من جهة ولايته و سلطنته، بل لجهاتٍ شخصيّةٍ تشريفاً له، أو دلّ الدليل على أنّ الشيء الفلاني و إن كان من شؤون الحكومة و السلطنة لكن يختصّ بالإمام عليه السلام و لايتعدّى منه؛ كما اشتهر ذلك في الجهاد غير الدفاع، و إن كان فيه بحثٌ و تأمّلٌ‌»؛ راجع: «كتاب البيع» - له قدس سره - ج 2 ص 496.

الدخول في الجهاد البدويّ فإذاً يحكم العقل بأنّه لامناص من أن يكون هذا الدخول مقدوراً له معدوداً في اختياراته. فالقاعدة الأوّليّة تقتضي جواز أمره بهذا النوع من الجهاد.

النكتة الثالثة

هيهنا أمران قد منعا المشهور من القول بكون الفقيه الوليّ مطلق التفويض بالنسبة إلى هذا الجواز، و هما:

الأوّل: وقوع الشهرة العظيمة بين القوم بالقول بالعدم؛

الثاني: روايات الباب. حيث إنّه توجد هناك جملةٌ من الروايات تدلّ على اختصاص هذا المنصب بالمعصومين عليهم السلام.

فعلينا أن نبحث عن هذين الأمرين لنرى مدى دلالتهما على هذا القول.

أمّا الشهرة فلاكثير كلامٍ فيها، إذ انّها و لوبلغت حدّ الإجماع فلاحجّيّة فيها، لكونها مقطوع المدركيّة. إذ من البيّن انّ الأصحاب استندوا في رأيهم هذا إلى هذه الأحاديث، فلاحجّيّة في هذه الشهرة و لوبلغت حدّ الإجماع.

و من الغريب انّ الشيخ صاحب الجواهر رحمه الله و إن ذهب الى أن لادلالة في أحاديث الباب على عدم ثبوت هذا المنصب للفقيه الوليّ‌، و لكنّه احتاط قبال هذه الشهرة(1)و كان الأليق به رفضها و طردها و عدم رعايتها و الاعتناء بها.

النكتة الرابعة
اشارة

فالعمدة في المقام هي روايات الباب، و لنفصّل الكلام حولها. منها:


1) . قال رحمه الله بعد أن نقل جملةً من روايات الباب و أقوال الأعلام في هذا المضمار: «لكن إن تمّالإجماع المزبور فذاك، و إلّاأمكن المناقشة فيه بعموم ولاية الفقيه في زمن الغيبة الشاملة لذلك»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 14.

الرواية الأولى
اشارة

«محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن عليّ بن النعمان عن سويد القلّاء عن بشيرٍ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قلت له: إنّي رأيت في المنام أنّي قلت لك: إنّ القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرامٌ مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير، فقلت لي: نعم هو كذلك؛ فقال ابوعبداللّه عليه السلام: هو كذلك، هو كذلك»(1).

السند صحيحٌ‌، بل هو من عوالي الأسناد. قالوا: الحديث يدلّ على حرمة القتال مع غير الإمام المفترض طاعته، و هذا العنوان لاينطبق على غير أئمّتنا الاثنى عشر عليهم السلام، فيحرم القتال و الجهاد مع غيرهم و لوكان الفقيه الوليّ‌.

أقول: في هذا الاستدلال مواضع للنظر، بل لادلالة للرواية على مطلوبهم، و ذلك بالنظر إلى هذه الأنظار الثلاثة:

النظر الأوّل:

الظاهر انصراف الحديث إلى حكّام الجور الغاصبين لمنصب الولاية من غير أن يكون لهم فيه حقٌّ‌. فالإمام عليه السلام يمنع الشيعة عن القتال تحت لوائهم، لأنّ حروبهم لم تكن بإذن الإمام عليه السلام، فكلّها كانت باطلةً‌. فلالسان للرواية على حرمة الجهاد البدويّ على الفقيه الوليّ‌.

النظر الثاني:

المذكور في الرواية الّذي حكم الإمام عليه السلام بحرمته هو «القتال» مع غير الإمام، و عنوان «القتال» لاينطبق على عنوان «الجهاد البدويّ‌»، بل الأوّل أعمّ من الثاني، فلودلّت الرواية على حرمة الجهاد البدويّ مع الفقيه الوليّ لدلّت على حرمة غيره من أقسام الجهاد معه، و لا قائل به؛ فلا تدلّ على حرمته عليه.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 45 الحديث 19954، «الكافي» ج 5 ص 23 الحديث 3؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 134 الحديث 2، «بحار الأنوار» ج 58 ص 239.

نعم! جميع أقسام الجهاد مع خلفاء الجور محكومٌ بالحرمة، و لا فرق في هذا الحكم بين الجهاد البدويّ معهم، و بين غيره من أقسام الجهاد، كما تدلّ عليها هذه الرواية الشريفة.

النظر الثالث:

و لنا كلامٌ في المقام يجري في جميع هذه الأحاديث، و هو: لافرق بين الإمام و بين من نصبه بالخصوص و بين نوّابه العامّة في جواز قيامهم بالجهاد البدويّ‌، و ذلك لأنّ نوّابهم الخاصّة - كسيّدنا الأشتر، رضى اللّه تعالى عنه و أرضاه - و نوّابهم العامّة - كالفقهاء طيلة القرون - أيضاً كانوا منصوبين من قبلهم، فحكمهم ليس إلّاكحكمهم عليهم السلام.

فالرواية كما تدلّ على جواز الجهاد البدويّ مع الإمام المفترض الطاعة تدلّ على جوازه مع من قام به بأمرٍ منه و كان نائباً منه فيه، كنوّابه العامّة.

و كيف كان فبالنظر إلى هذه الأنظار الثلاثة يظهر أن لادلالة في الرواية على حرمة الجهاد البدويّ على الفقيه الوليّ‌.

الرواية الثانية
اشارة

«و عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عميرٍ عن الحكم بن مسكينٍ عن عبدالملك بن عمروٍ قال: قال لي أبوعبداللّه عليه السلام: يا عبدالملك! ما لي لاأراك تخرج إلى هذه المواضع الّتي يخرج إليها أهل بلادك‌؟ قال: قلت: و أين‌؟ قال: جُدَّة و عبّادان و المصّيصة و قزوين؛ فقلت: انتظاراً لأمركم و الإقتداء بكم؛ فقال: إي و اللّه! «لَوكَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ‌»(1).

قال: قلت له: فإنّ الزيديّة: يقولون ليس بيننا و بين جعفرٍ خلافٌ إلّاأنّه لايرى الجهاد، فقال: أنا لاأراه!؟ بلى و اللّه إنّي لأراه و لكنّي أكره أن أدع علمي إلى جهلهم»(2).


1) . كريمة 11 الأحقاف.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 41 الحديث 19955، «الكافي» ج 5 ص 19 الحديث 2؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 126 الحديث 2.

السند مصحّحٌ‌، و ذلك لأنّ الحكم بن مسكينٍ‌(1)و عبدالملك بن عمروٍ(2)و إن استشكل فيهما بعضهم، و لكن وثّقهما المتقدّمون؛ أضف إلى ذلك وقوع ابن أبي عميرٍ قبلهما، فالرواية مصحّحةٌ‌. قالوا: و لها دلالةٌ واضحةٌ على حرمة الجهاد مع غير المعصوم.

أقول: بل لادلالة فيها، و ذلك لأنّ الرواية لاتخلو عن صورتين:

الصورة الأولى:

أن تدلّ على حرمة المرابطة، و ذلك لأنّ تلك البلاد قد فُتحت قبل زمن إمامنا الصادق عليه السلام بسنين؛ فإذاً الرواية تصير معرضاً عنها عند الأصحاب، لإجماع الكلّ على استحباب المرابطة المستفاد من رواياتٍ كثيرةٍ تدلّ عليه؛

الصورة الثانية:

أن تدلّ على حرمة الجهاد مع غير المعصوم، فإذاً لا ربط بينها و بين ما نحن فيه، لأنّا قد أشرنا في التعليق على الرواية الأولى إلى أنّ الجهاد مع أئمّة الكفر حرامٌ‌، و هو مع المعصوم جائزٌ، و لوكان بأمرٍ منه فلابدّ من كونه واجباً.

و الفقيه الوليّ ينوب منه عليه السلام في ما للنيابة فيه مدخلٌ‌؛ فالجهاد البدويّ معه إمّا جائزٌ؛ و إمّا واجبٌ‌.

فلاتدلّ الرواية على حرمة الجهاد البدويّ عليه و كونه خارجاً عن مستطاعه.

الرواية الثالثة


1) . لم أعثر على من استشكل فيه، بل وثّقه بعضهم؛ راجع: «رجال النجاشي» ص 136 الرقم 350، «رجال الطوسيّ‌» ص 197 الرقم 2483؛ و انظر: «جامع الرواة» ج 1 ص 267 القائمة 1، «تنقيح المقال» ج 1 ص 360 الرقم 3248.

2) . وثّقه العلّامة حيث ذكره في القسم الأوّل من كتابه؛ راجع: «خلاصة الأقوال» ص 206 الرقم 663؛ و انظر: «جامع الرواة» ج 1 ص 521 القائمة 1، «معجم رجال الحديث» ج 11 ص 25 الرقم 7307.

«و عن عدّةٍ من أصحابنا عن سهل بن زيادٍ عن أحمد بن محمّد بن أبي نصرٍ عن محمّد بن عبداللّه و عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن العبّاس بن المعروف عن صفوان بن يحيى عن عبداللّه بن المغيرة قال: قال محمّد بن عبداللّه للرضا عليه السلام و أنا أسمع: حدّثني أبي عن أهل بيته عن آبائه انّه قال له بعضهم: إنّ في بلادنا موضع رباطٍ يقال له: قزوين، و عدوّاً يقال له: الديلم؛ فهل من جهادٍ أو هل من رباطٍ؟ فقال: عليكم بهذا البيت فحجّوه، فأعاد عليه الحديث؛ فقال: عليكم بهذا البيت فحجّوه. أمَا يرضى أحدكم أن يكون في بيته ينفق على عياله من طوله ينتظر أمرنا، فإن أدركه كان كمن شهد مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله بدراً فإن مات ينتظر أمرنا كان كمن كان مع قائمنا - صلوات اللّه عليه - هكذا في فسطاطه! و جمع بين السبّابتين و لاأقول هكذا و جمع بين السبّابة و الوسطى، فانّ هذه أطول من هذه؛ فقال أبوالحسن عليه السلام: صدق»(1).

السند لابأس به، بل هو صحيحٌ‌، لوقوع جمعٍ من أصحاب الإجماع فيه. نعم! لبعض الرجاليّين في سهل بن زيادٍ كلامٌ ينبىء عن كونه غالياً، و لكن مضت الإشارة منّا إلى أنّه كان من أجلّاء الأصحاب العارفين بمراتب أهل بيت النبوّة، فقد روى عنه الشيخ الكلينيّ رحمه الله رواياتٍ كثيرةٍ تقرب من ألف روايةٍ‌(2)، فلابأس بالحديث سنداً. أمّا بالنسبة إلى دلالته، فيجري فيه نفس ما ذكرناه في التعليق على الرواية السابقة عليه، إذ الظاهر منه الحكم بحرمة المرابطة مع حكّام الجور - كما قال: «فهل من جهادٍ أو هل من رباطٍ؟»، فأجاب عليه السلام عنه: «عليكم بهذا البيت فحجّوه» - بينما لاخلاف في استحباب المرابطة، بل


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 47 الحديث 19958، «الكافي» ج 4 ص 360 الحديث 34.

2) . له 1404 حديثاً في الكافي، فيا له من توفيقٍ في نقل آثار أهل البيت عليهم السلام.

استحبابها شديدٌ مؤكّدٌ عليه؛ فالرواية من هذه الناحية معرضٌ عنها عند الأصحاب.

و لوكان المراد منها حرمة الجهاد مع أئمّة الظلم فقد ذكرنا أن لادلالة فيها إذن على حرمة الجهاد البدويّ على الفقيه الوليّ‌، و قد أتينا بتفصيل الكلام فيه في التعليق على الروايتين الأولى و الثانية، فراجعه!.

النكتة الخامسة

قد أشرنا إلى ما يبدو لنا من الرأي حول رواياتٍ تمسّك بها الجمهور لاثبات أن لا حقّ للفقيه الوليّ في الجهاد البدويّ‌. و يشهد لصحّة ما قلناه ما رواه صاحب الوسائل رحمه الله عن سيّدنا موسى بن جعفرٍ عليهما السلام، و نصّه:

«و عنه عن محمّد بن عيسى عن يونس قال: سأل أباالحسن عليه السلام رجلٌ و أنا حاضرٌ؛ فقلت له: جعلت فداك! إنّ رجلاً من مواليك بلغه أنّ رجلاً يعطي سيفاً و قوساً في سبيل اللّه، فأتاه فأخذهما منه. ثمّ لقيه أصحابه فأخبروه أنّ السبيل مع هؤلاء لايجوز، و أمروه بردّهما. قال: فليفعل.

قال: قد طلب الرجل فلم يجده و قيل له: قد قضى الرجل؛ قال: فليرابط و لايقاتل، قال: مثل قزوين و عسقلان و الديلم و ما أشبه هذه الثغور؟ فقال:

نعم. قال: فإن جاء العدوّ إلى الموضع الّذي هو فيه مرابطٌ كيف يصنع‌؟ قال:

يقاتل عن بيضة الإسلام، قال: يجاهد؟ قال: لا، إلّاأن يخاف على دار المسلمين، أ رأيتك لو انّ الروم دخلوا على المسلمين لم ينبغ لهم أن يمنعوهم‌؟ قال: يرابط و لايقاتل، و إن خاف على بيضة الإسلام و المسلمين قاتل فيكون قتاله لنفسه لاللسلطان، لأنّ في دروس الإسلام دروس ذكر محمّدٍ صلى الله عليه و آله»(1).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 29 الحديث 19943.

السند في أعلى مدارج الصحّة، و دلالتها على ما نحن بصدده تامّةٌ‌. إذ قوله عليه السلام:

«فليرابط و لايقاتل» يدلّ على جواز المرابطة و عدم جواز القتال تحت لواء الحكّام الفاسقين. ثمّ قال عليه السلام: «... و إن خاف على بيضة الإسلام و المسلمين قاتل فيكون قتاله لنفسه ليس للسلطان» مشيراً إلى أنّ المرابطة و الدفاع جائزان و لو في حكم الجائرين، أمّا الجهاد فلايجوز إلّامع الإمام العادل عليه السلام؛ و قد مضى تفصيل الكلام في أنّ الفقيه الوليّ منصوبٌ من قبله عليه السلام، فهو نائبٌ عنه بالنيابة العامّة؛ فحكمه كحكمه عليه السلام؛ فيجوز معه الجهاد كما يجوز مع من استخلف منه، و هو الإمام عليه السلام.

فلهذه الرواية شهادةٌ واضحةٌ بصحّة ما حملنا عليه روايات الباب. و الحمد للّه ربّ العالمين.


المبحث الثّانى فى جواز قيام الفقيه الوّلىّ بإجراءِ الحدود

اشارة

المبحث الثاني في جواز قيام الفقيه الوليّ بإجراء الحدود

هذا المبحث عقدناه للتحقيق حول انّه هل يجوز للفقيه الوليّ أن يقوم بإجراء الديات و إقامة الحدود بين الناس‌؟، أم لا حقّ له فيه‌؟.

و قبل الخوض في صلب المبحث نشير إلى أمرين قد مضى تفصيلهما في هذه الرسالة:

الأمر الأوّل قد أشرنا إلى أنّ حفظ الحكم و المجتمع الإسلاميّ يُعدُّ من وظائف الفقيه الوليّ‌، فالعقل يحكم بأنّه مطلق التفويض في ما يرجع إلى فرضه هذا. هذا من ناحيةٍ‌؛ و من ناحيةٍ أخرى قد أشرنا إلى أنّ الإنسان بما هو مدنيٌّ بالطبع يحتاج إلى أن يعيش مع غيره من أبناء نوعه في مجتمعٍ‌، و هذا يحكم بوجوب قيام والٍ عالمٍ عادلٍ مدبّرٍ بتدبير أمر المجتمع لئلّا يؤول إلى الهرج و الإضطراب و الفساد. فالعقل يحكم بأنّ إجراء الحدود مفوّضٌ إلى الحاكم ليتمكّن من توجيه أمر المجتمع إلى مجاريه الصالحة له.

الأمر الثاني: زيادةً على حكم العقل بأنّ للفقيه الوليّ حقّاً في إجراء الحدود - بل يجب عليه أن يقوم باجرائها - عموم المنزلة المستفاد من أدلّة ثبوت الولاية للفقيه أيضاً يحكم بوجوب قيامه باجرائها، و قد أشبعنا الكلام في كون ولايته مطلقةً‌، فله ما للإمام عليه السلام؛ و من جملته جواز إجراء الحدود و الديات، بل وجوبه.

فتحصّل ممّا قلنا أنّ العقل و النقل متطابقان على أنّ إجراء الحدود يُعدُّ من فروض الفقيه

الوليّ‌.

و لنذكر هيهنا مسائل لما لها من الدور الهامّ في هذا المبحث.

المسألة الأولى الآراء في المسألة

اشارة

قد ذكرنا في مبحث ولاية الفقيه قائمةً كانت تحتوي على نصوص عشرين علَماً من أعلام الشيعة الكرام. و رأينا انّ جلّ علمائنا قد اتّفقوا على ثبوت منصب الولاية و ما يتبعه من الفروض للفقيه. و لانعيدها، و لكن نأتي هيهنا بنصّ علمين من أعلام الأمّة أحدهما يُعدّ من متقدّمي المتقدّمين، و الآخر من المعاصرين؛ و ذلك ليكون النصّان نموذجين لمبنى القوم في المسألة؛

الأوّل:

ما ذكره مفيد الصناعة الفقهيّة في كتابه القيّم المقنعة؛ قال:

«فأمّا إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل اللّه - تعالى -، و هم الأئمّة الهدىٰ من آل محمّدٍ عليهم السلام و من نصبوه لذلك من الأمراء و الحكّام؛ و قد فوّضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم»(1).

و من اللافت للنظر أنّ قوله رحمه الله: «و قد فوّضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم» ناظرٌ إلى عموم المنزلة المستفاد من أدلّة ثبوتها له، إذ لم نجد نصّاً يدلّ على خصوص التفويض.

الثاني:

قول سماحة الفقيه المحقّق الخوئى رحمه الله. قال رحمه الله في المنهاج:

«يجوز للحاكم الجامع للشرائط إقامة الحدود على الأظهر»؛

ثمّ قال في تكملة المنهاج - و هذا الكتاب قد دوّنه بقلمه الشريف في أخريات حياته المباركة، فهو يمثّل ما أدّى إليه رأيه في هذه الفطرة من حياته العلميّة -:

«هذا هو المعروف و المشهور بين الأصحاب. و يدلّ على ما ذكرناه أمران:

الأوّل: انّ إقامة الحدود إنّما شُرّعت للمصلحة العامّة دفعاً للفساد و انتشار الفجور و الطغيان بين الناس، و هذا ينافي اختصاصه بزمانٍ دون زمانٍ‌. و


1) . راجع: «المقنعة» ص 810.

ليس لحضور الإمام دخلٌ في ذلك قطعاً، فالحكمة المقتضية لتشريع الحدود تقتضي باقامتها في زمان الغيبة كما تقتضي بها زمان الحضور.

الثاني: إنّ أدلّة الحدود كتاباً و سنّةً مطلقةٌ غير مقيّدةٍ بزمانٍ‌، كقوله - سبحانه -: «الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ‌»(1)، و قوله - تعالى -: «السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا»(2). و هذه الأدلّة تدلّ على أنّه لابدّ من إقامة الحدود، و من الضروريّ انّ ذلك لم يشرّع لكلّ فردٍ من أفراد المسلمين، فانّه يوجب اختلال النظام و أن لايثبت حجرٌ على حجرٍ!.... فإذن لابدّ من الأخذ بالمقدار المتيقّن، و المتيقّن هو مَن إليه الأمر و هو الحاكم الشرعيّ‌.

و تدلّ على ذلك عدّة رواياتٍ‌؛

منها: رواية إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمّد بن عثمان العمريّ‌...

فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان... إلى أن قال: «فأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فانّهم حجّتي عليكم و أنا حجة اللّه»(3).

و منها: رواية حفص بن غياث: «سألت أباعبداللّه عليه السلام: مَن يقيم الحدود؟ السلطان أو القاضي‌؟، فقال: إقامة الحدود إلى مَن إليه الحكم»(4).


1) . كريمة 2 النور.

2) . كريمة 38 المائدة.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 140 الحديث 33424، «بحارالأنوار» ج 2 ص 90، «الاحتجاج» ج 2 ص 469.

4) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 4 ص 71 الحديث 5135، «التهذيب» ج 6 ص 314 الحديث 78، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 299 الحديث 33794.

فإنّها بضميمة ما دلّ على أنّ مَن إليه الحكم في زمان الغيبة هم الفقهاء تدلّ على أنّ إقامة الحدود إليهم و وظيفتهم.

و أمّا الاستدلال على عدم الجواز بما في الدعائم(1)و الأشعثيّات(2)عن الصادق من آبائه عليهم السلام عن عليٍّ عليه السلام: «لايصلح الحكم و لاالجمعة و لاالحجّة إلّابإمامٍ‌»، فهما ضعيفان سنداً»(3)- <a href="#ref-footnote4-page145" id="footnote4-page145" style="display:inline-block">(4).

و في كلامه أمورٌ لابأس بنا لوأشرنا إليها:

الأمر الأوّل: ذهب رحمه الله إلى أن لا مخالف في المسألة إلّاالمحقّق في الشرايع و العلّامة 0 في بعض كتبه، أمّا غيرهما من الأعلام فقد أطبقوا على الحكم.

الأمر الثاني: استدلّ على جواز القيام بإجراء الحدود للفقيه الوليّ بأنّه هو المتيقَّن ممّن فُوِّض إليه أمر إقامتها و إجرائها؛ و ذلك بعد أن جعل أصل التفويض من المفروغ منه، إذ لاينتظم أمر المجتمع إلّابذلك التفويض.

الأمر الثالث قد ذهب في هذه العبارة إلى تصحيح التوقيع المبارك، مع أنّه قد ضعّفه في مواضع من آثاره، و هذا ينبىء عن تبدّل رأيه في الفطرة الأخيرة من حياته العلميّة.


1) . راجع: «دعائم الإسلام» ج 1 ص 182.

2) . لم أعثر على طبعةٍ محقّقةٍ منه، و نقله عنه المحدّث النوريّ في «المستدرك» ج 18 ص 29 الحديث 21925. و انظر: «النوادر» - للراونديّ - ص 55.

3) . راجع: «مباني تكملة المنهاج» ج 1 ص 226 المسألة 178.

4) . كما قال صاحب الجواهر رحمه الله بعد أن أورد الحديث: «الضعيف سنداً، بل الكتاب المزبور على ما حُكي عن بعض الأفاضل ليس من الأصول المشهورة، بل و لا المعتبرة؛ و لايحكم أحدٌ بصحّته من أصحابنا. بل لم تتواتر نسبته إلى مصنّفه، بل و لم تصحّ على وجهٍ تطمئنّ النفس بها»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 398. و للسيّد الحجّة الآية الخوانساريّ رحمه الله هيهنا كلامٌ قد نقلناه في ما مضى من هذه الرسالة بطوله؛ فراجعه!.

الأمر الرابع: ثمّ حكم بتضعيف ما في دعائم الإسلام و الأشعثيّات، و ذلك نظراً إلى انقطاع سندهما بحيث لايجوز اسنادهما إلى مؤلّفيهما.

فتحصّل ممّا قلنا انّ القوم عدا ما يظهر من ظاهر عبارة المحقّق في الشرايع و العلاّمة 0 في بعض كتبه مطبقون على ثبوت منصب إجراء الحدود للفقيه. و لا نصّ في الباب يدلّ عليه بخصوصه.

أمّا هاتين العبارتين فقد تمثّلا جلّ ما استدلّ به القوم لاثبات مذهبهم هذا؛ و في ما ذكرناه كفايةٌ‌.

المسألة الثانية في أدلّة النافين

اشارة

استدلّ النافون بروايتين إحداهما ضعيفةٌ سنداً، و الأخرى لا دلالة فيها على مقصودهم؛ و هما:

الرواية الأولى
اشارة

«محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن سليمان بن داود المنقريّ عن حفص بن غياث قال: سألت أباعبداللّه عليه السلام: مَن يقيم الحدود؟ السلطان أو القاضي‌؟، فقال: «إقامة الحدود إلى مَن إليه الحكم»(1).

السند صحيحٌ‌. و استدلّ النافون بأنّ المراد من «مَن إليه الحكم» هو الإمام عليه السلام، فلايجوز لغيره أن يقيم الحدود.

و في قولهم موقعان للنظر بهما يظهر المراد من الرواية:

الموقع الأوّل:

كان من المرتكز في بال السائل انّ إقامة الحدود جائزةٌ‌، و لكن سأل عمّن يصلح للقيام بها، فأجاب الإمام عليه السلام بأنّ «مَن إليه الحكم» هو الّذي يصلح لاجرائها، فلاحقّ للقاضي فيها، بل عليه أن يصدر الحكم فقط؛

الموقع الثاني:

هب! انّ المراد من «مَن إليه الحكم» هو الإمام بالأصالة، و لكن عموم المنزلة يدلّ على صلاحيّة الفقيه للقيام بهذه الفرض في زمن الغيبة، لأنّه ينوب منه عليه السلام في جميع ما تجوز فيه النيابة. فالرواية تدلّ على أنّ هذا المنصب للإمام عليه السلام بالأصالة، و هو الفقيه في زمن الغيبة بالتبعيّة.


1) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 4 ص 71 الحديث 5135، «التهذيب» ج 6 ص 314 الحديث 78، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 299 الحديث 33794.

الرواية الثانية

ما رواه في الجعفريّات، كما أورده المحدّث النوريّ في المستدرك، و نصّه:

«لايصلح الحكم و لاالحدود و لاالجمعة إلّاللإمام»(1).

أمّا السند فضعيفٌ بحيث لايمكن الركون إليه. أمّا دلالة الحديث فليس فيه شيءٌ يدلّ على مطلوبهما، و ذلك لما ذكرناه في التعليق على الرواية الأولى من أنّ مناصب الحكم و إجراء الحدود و إقامة الجمعة جميعها للإمام بالأصالة، و لكن نفسها أيضاً ثابتةٌ للفقيه بالتبعيّة.

أضف إلى ذلك أنّ عنوان «الإمام» عامٌّ ينطبق على المعصوم عليه السلام كما ينطبق على فقهاء الفرقة المحقّة.

و كيف كان فلا دلالة في هاتين الروايتين على نفي منصب إجراء الحدود عن الفقيه الوليّ‌؛ و هذا واضحٌ‌.



1) . راجع: «مستدرك الوسائل» ج 18 ص 29 الحديث 21925؛ و انظر: «النوادر» - للراونديّ رحمه الله - ص 55.

المبحث الثالث هل يجوز للفقيه الولىّ أن يعفوعن الجاني و المذنب

اشارة

المبحث الثالث هل يجوز للفقيه أن يعفو عن الجاني و المذنب‌؟

قد مضى تفصيل الكلام في المبحث الثاني في جواز قيام الفقيه بإجراء أحكام الحدود و الديات، فهذا المنصب ثابتٌ له.

ثمّ هيهنا مسألةٌ هامّةٌ‌، و هي: هل يجوز له أن يعفو عن المذنب فلم يجر ما وجب عليه من الحدود؟

أقول: لااختصاص للمسألة بالفقيه، بل هي تجري في النبيّ صلى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام أيضاً، فما هو الحكم فيهم هو الحكم فيه أيضاً من غير فرقٍ بينهم فيه. و في المبحث نكاتٌ‌:

النكتة الأولى

اشارة

ذكر صاحب الجواهر رحمه الله(1)أنّ في المسألة أقوالاً أربعة(2):

القول الأوّل:

لايجوز له العفو عنه و لا حقّ له فيه. قال الذاهبون إلى هذا المسلك: لو عفا النبيّ أو الإمام عن المذنب فلم يجروا عليه الحدّ لتعطّلت أحكام اللّه، و هذا يؤدّي إلى كون تشريعها لغواً، و بداهة العقل تحكم ببطلانه؛


1) . راجع: «جواهر الكلام» ج 41 ص 308.

2) . و انظر في تلك الآراء: «النهاية و نكتها» ج 3 ص 319، «المهذّب» ج 2 ص 536، «الكافي في الفقه» ص 413، «مختلف الشيعة» ج 9 ص 192، «السرائر» ج 3 ص 478.

القول الثاني:

جواز العفو عنه في حقوق اللّه، و عدم جوازه في حقوق الناس. قال مدافعوا هذا الرأي: النبيّ صلى الله عليه و آله و من يخلف منه - إماماً كان أو فقيهاً - يجوز له أن يعفو عن المذنب في حقوق اللّه، أمّا حقوق الناس فلايجوز له أن يعفو منها، لأنّه لاارتباط له بها، بل لصاحب الحقّ أن يعفو عن المذنب، أو يحكم بإجراء الحدّ عليه؛

القول الثالث
و هو مختار المشهور، قالوا -: لوقامت بيّنةٌ على صدور الجرم عن المذنب فلايجوز له أن يعفو منه، أمّا إذا انحصر الدليل في اقراره بصدور الذنب منه فيجوز له العفو منه؛
القول الرابع:

ما اختاره المفيد، و هو: لايجوز له العفو عنه إلّاإذا اقتضت ذلك مصلحةٌ تامّةٌ ملزمةٌ بحيث قد رجّحت على مصلحة إجراء الحدّ(1).

النكتة الثانية

الظاهر رجوع الأقوال الأربعة إلى قولين الثالث و الرابع، لأنّ مآل الأوّلين إلى الأخير. و توضيحه: أنّه لافرق بين الأوّل و الرابع إلّابتقديم الضرورة على الحكم بوجوب إجراء الحدود في الرابع؛ و الضرورة حاكمةٌ على جميع العمومات و الأحكام في جميع أبواب الفقه من غير خلافٍ فيه، فالظاهر انّ القائلين بالقول الأوّل أرسلوا تقدّمها على هذا الحكم ارسال المسلّمات، فلافرق بين القولين.

أمّا القول الثاني فلايصحّ أن يُعدَّ قولاً برأسه، لأنّه لاخلاف أيضاً في أنّ الفقيه ينوب عن أولياء الدم - على سبيل المثال - في إجراء الحكم فيما يتعلّق بحقوق الناس، أمّا الحكم بإجراء الحدّ أو العفو عنه فليس في مستطاع الفقيه، بل هو في وسع الأولياء فقط. فهذا


1) . قال رحمه الله: «... كان للإمام الخيار في العفو عنه أو إقامة الحدّ عليه حسب ما يراه من المصلحة في ذلك له و لأهل الإسلام»؛ راجع: «المقنعة» ص 777. و قال أيضاً: «... كان السلطان بالخيار في العفو عنها أو العقاب عليها حسب ما يراه في الحال من التدبير و الصلاح»؛ راجع: نفس المصدر ص 787.

أيضاً يرجع إلى الأخير من الأقوال الأربعة. نعم! بين القول الثالث - و هو مختار المشهور - و بين الأقوال الثلاثة تفاوتٌ ماهويٌّ‌، فلايمكن ارجاعه إليها.

فهيهنا قولان فقط:

الأوّل: ما يستفاد من مجموع الأقوال الأوّل و الثاني و الرابع؛

الثاني: ما ذكره القوم في القول الثالث.

و يدلّ على تلك الأقوال جملةٌ من روايات الباب، نذكر بعضها هيهنا لنرى مدى دلالتها عليها.

النكتة الثالثة

اشارة

و يدلّ على القول الأوّل بعضٌ منها؛ منها:

الرواية الأولى

«و عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عميرٍ عن حمّادٍ عن الحلبيّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يأخذ اللصّ يرفعه أو يتركه‌؟ فقال:

إنّ صفوان بن أميّة كان مضطجعاً في المسجد الحرام، فوضع رداءه و خرج يهريق الماء، فوجد رداءه قد سرق حين رجع إليه، فقال: من ذهب بردائي‌؟ فذهب يطلبه فأخذ صاحبه، فرفعه إلى النبيّ صلى الله عليه و آله. فقال النبيّ صلى الله عليه و آله: اقعوا يده، فقال الرجل: تقطع يده من أجل ردائي يا رسول اللّه‌؟ قال: نعم!، قال:

فأنا أهبه له؛ فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: فهلّا كان هذا قبل أن ترفعه إليَّ‌!. قلت:

فالإمام بمنزلته إذا رفع إليه‌؟ قال: نعم.

و سألته عن العفو قبل أن ينتهي إلى الإمام‌؟ فقال: حسنٌ‌»(1).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 39 الحديث 34161، «الكافي» ج 7 ص 251 الحديث 2؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 123 الحديث 111، «الإستبصار» ج 4 ص 251 الحديث 2.

السند في أعلى مدارج الصحّة، فلاكلام فيه. و دلالتها على وجوب إقامة الحاكم الحدّ على اللصّ تامّةٌ‌، كما يشير إليه قوله: «و سألته عن العفو قبل أن ينتهي إلى الإمام»، حيث يظهر منه أن لا عفو بعد انتهائه إليه.

الرواية الثانية

«و عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالدٍ عن عثمان بن عيسى عن سماعة بن مهران عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: من أخذ سارقاً فعفا عنه فذلك له، فإذا رفع إلى الإمام قطعه. فإن قال الّذي سرق له: أنا أهبه له لم يدعه إلى الإمام حتّى يقطعه إذا رفعه إليه، و إنّما الهبة قبل أن يرفع إلى الإمام»(1).

السند مصحّحٌ‌، و ذلك لوقوع عثمان بن عيسى الّذي يُعدّ من أصحاب الإجماع(2)في السند قبل سماعة بن مهران الّذي يقال فيه: انّه كان فطحيّاً(3). و كيف كان فلابأس بالسند. و قوله عليه السلام: «و إنّما الهبة قبل أن يرفع إلى الإمام» نصٌّ في المقصود. فالرواية تامّةٌ سنداً و دلالةً‌.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 39 الحديث 34162؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 123 الحديث 110، «الإستبصار» ج 4 ص 251 الحديث 1.

2) . راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 831.

3) . كما نصّ عليه الشَّيخ و العلّامة 0؛ راجع: «رجال الطوسيّ‌» ص 337 الرقم 5021، «خلاصة الأقوال» ص 356 الرقم 1411. أمّا إمام الفنّ النجاشيّ رحمه الله فلم يشر إلى كونه واقفيّاً مع أنّه بسط الكلام حوله؛ راجع: «رجال النجاشيّ‌» ص 193 الرقم 517؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 8 ص 297 الرقم 5546، «منتهى المقال» ج 3 ص 407 الرقم 1387.

الرواية الثالثة

«محمّد بن يعقوب عن عدّةٍ من أصحابنا عن سهل بن زيادٍ و عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه و عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد بن عيسى جميعاً عن ابن محبوبٍ عن ابن رئابٍ عن محمّد بن قيسٍ عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان لأمّ سلمة زوج النبيّ صلى الله عليه و آله أمةٌ فسرقت من قومٍ‌، فأتي بها النبيّ صلى الله عليه و آله فكلّمته أمّسلمة فيها؛ فقال النبيّ صلى الله عليه و آله: يا أمّسلمة، هذا حدٌّ من حدود اللّه لايضيّع؛ فقطعها رسول اللّه صلى الله عليه و آله»(1).

السند صحيحٌ‌، و مضى تفصيل الكلام في رأينا حول سهل بن زيادٍ. أضف إلى ذلك انّ الرواية مرويّةٌ عن عليّ بن إبراهيم من غير أن يكون سهلٌ في هذا الطريق. فالطريقان صحيحان، أو فقل الأوّل منهما مصحّحٌ و الثاني صحيحٌ‌. و كيف كان فلابأس بها سنداً.

و دلالتها أيضاً واضحةٌ‌، كما تظهر من قوله صلى الله عليه و آله: «هذا حدٌّ من حدود اللّه لايضيّع».

الرواية الرابعة

«و عنهم عن سهلٍ عن ابن أبي نجران عن مثنّى الخيّاط عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله لأسامة بن زيدٍ: لايُشفَّع في حدٍّ»(2).

السند صحيحٌ‌، و دلالتها على وجوب إجراء الحدّ و عدم الإغماض في اقامته لاتحتاج إلى مزيدٍ من البيان.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 42 الحديث 34168، «الكافي» ج 7 ص 254 الحديث 2؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 124 الحديث 114.

2) . راجع: «الكافي» ج 7 ص 254 الحديث 1؛ و انظر: «وسائل الشيعة» ج 25 ص 407 الحديث 32235.

الرواية الخامسة

«و عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن النوفليّ عن السكونيّ عن أبي عبداللّه قال: قال أميرالمؤمنين عليه السلام: لايشفعنّ أحدٌ في أحدٍ إذا بلغ الإمام فانّه لايملكه»(1).

السند موثّقٌ‌، لمكان النوفليّ‌(2)و السكونيّ‌(3)المتّفق على كونهما عامّيّين ثقتين، و إن لم نذهب إلى تسنّنهما. و دلالتها أيضاً واضحةٌ‌، حيث إنّ قوله عليه السلام: «فانّه لايملكه» يدلّ على أن ليس في وسع الإمام أن يعفو عن المجرم فلايجري عليه الحدّ؛ و يؤيّده قوله عليه السلام:

«و اشفع فيما لم يبلغ الإمام إذا رأيت الندم».

و كيف كان فدلالة الروايات على أصل وجوب إجراء الأحكام تامّةٌ‌.

النكتة الرابعة

اشارة

و يدلّ على القول الثاني أيضاً جملةٌ من الروايات؛ منها:

الرواية الأولى

«محمّد بن الحسن بإسناده عن الحسن بن محبوبٍ عن أبي أيّوب عن


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 43 الحديث 34171، «الكافي» ج 7 ص 254 الحديث 3؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 124 الحديث 115.

2) . اسمه الحسن بن يزيد، و قد ذكره العلّامة في القسم الثاني من كتابه؛ راجع: «خلاصة الأقوال» ص 339 الرقم 1340؛ و انظر: «منتهى المقال» ج 3 ص 84 الرقم 942.

3) . اسمه اسماعيل بن أبي زيادٍ، قال العلّامة: «كان عامّيّاً»؛ راجع: «خلاصة الأقوال» ص 316 الرقم 1238؛ و انظر: «رجال أبي داود» ص 49 الرقم 175، ثمّ ص 231 الرقم 54، «نقد الرجال» ج 1 ص 208 الرقم 471.

الفضيل قال: سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: من أقرّ على نفسه عند الإمام بحقٍّ من حدود اللّه مرّةً واحدةً حرّاً كان أو عبداً أو حرّةً كانت أو أمةً فعلى الإمام أن يقيم الحدّ عليه للّذي أقرّ به على نفسه كائناً من كان، إلّاالزاني المحصن فانّه لايرجمه حتّى يشهد عليه أربعة شهداء.

قال: و قال أبوعبداللّه عليه السلام: و من أقرّ على نفسه عند الإمام بحقّ حدٍّ من حدود اللّه في حقوق المسلمين فليس على الإمام أن يقيم عليه الحدّ الّذي أقرّ به عنده حتّى يحضر صاحب الحقّ أو وليّه فيطالبه بحقّه.

قال: فقال له بعض أصحابنا: يا أباعبداللّه، فما هذه الحدود الّتي إذا أقرّ بها عند الإمام مرّةً واحدةً على نفسه أقيم عليه الحدّ فيها؟ قال: إذا أقرّ على نفسه عند الإمام بسرقةٍ قطعه فهذا من حقوق اللّه، وإذا أقرّ على نفسه انّه شرب خمراً حدّه فهذا من حقوق اللّه، و إذا أقرّ على نفسه بالزنا و هو غير محصنٍ فهذا من حقوق اللّه. قال: و أمّا حقوق المسلمين فإذا أقرّ على نفسه عند الإمام بفريةٍ لم يحدّه حتّى يحضر صاحب الفرية أو وليّه، و إذا أقرّ بقتل رجلٍ لم يقتله حتّى يحضر أولياء المقتول فيطالبوا بدم صاحبهم»(1).

السند صحيحٌ‌، و فيه الحسن بن محبوبٍ و هو من أصحاب الإجماع. و دلالة قوله عليه السلام:

«فعلى الإمام أن يقيم الحدّ عليه» على أنّ الأمر في حقوق اللّه - تعالى - بيد الإمام تامّةٌ‌، أمّا في حقوق الناس فقال عليه السلام: «... و في حقوق المسلمين فليس على الإمام أن يقيم عليه الحدّ... حتّى يحضر صاحب الحقّ أو وليّه فيطالبه بحقّه».

و عليه فإذا سرق أحدٌ شيئاً يكون المال المسروق من حقوق الناس، فعلى الإمام أن


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 56 الحديث 34202، «التهذيب» ج 10 ص 7 الحديث 20؛ و انظر: «الإستبصار» ج 4 ص 203 الحديث 12.

يأخذه فيعطيه إلى مالكه، و للمالك أن يعفو عن السارق فيتعلّق المال به؛ أمّا إجراء الحدّ عليه - مع توفّر جميع شرائطه - فهو من حقوق اللّه، و أمره ليس بيد الناس. فلايمكن لمالك المال أن يعفو عنه لئلّا يُجرى عليه الحدّ.

الرواية الثانية

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوبٍ عن أبي أيّوب عن الفضيل بن يسارٍ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: من أقرّ على نفسه عند الإمام بحقّ أحدٍ من حقوق المسلمين فليس على الإمام أن يقيم عليه الحدّ الّذي أقرّ به عنده حتّى يحضر صاحب حقّ الحدّ أو وليّه و يطلبه بحقّه»(1).

السند في أعلى مدارج الحسن. و دلالتها على أن ليس على الإمام أن يجري الحدّ في حقوق الناس حتّى يحضر صاحب الحقّ أو وليّه فيطلب إجراء الحدّ واضحةٌ‌.

النكتة الخامسة

اشارة

استدلّ المشهور لاثبات مختارهم بروايتين لاتخلوان عن شيءٍ‌؛ و هما:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن عدّةٍ من أصحابنا عن سهل بن زيادٍ و عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه جميعاً عن ابن محبوبٍ عن ابن رئابٍ عن ضُريسٍ الكناسيّ عن أبي جعفرٍ عليه السلام قال: لايُعفى عن الحدود الّتي للّه دون الإمام، فأمّا ما كان من حقّ الناس في حدٍّ فلابأس بأن يعفى عنه دون الإمام»(2).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 57 الحديث 34203، «الكافي» ج 7 ص 220 الحديث 9.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 40 الحديث 34163، «الكافي» ج 7 ص 252 الحديث 4؛ و انظر: «الفقيه» ج 4 ص ص 73 الحديث 5141، «التهذيب» ج 10 ص 46 الحديث 165.

السند صحيحٌ‌. و أمّا استدلال القوم - كصاحب الجواهر رحمه الله(1)- به لاثبات مبنى المشهور فوجهه غير واضحٍ‌. إذ لفظة «دون» هيهنا استعملت - على سبيل منع الخلوّ - في أحد معنيين:

الأوّل أن تكون بمعنى «غير»، و هو الأنسب؛

الثاني: أن تكون بمعنى «عند»، و لا بأس به أيضاً.

و لكن على كلا التقديرين لا دلالة فيها على القول الثالث، بل لها دلالةٌ على صحّة الثاني من الأقوال الأربعة، إذ مفادها: ليس لغير الإمام أن يعفو عن حقوق اللّه - تعالى -، أمّا في حقوق الناس فيجوز لغيره - و هو صاحب الحقّ أو وليّه - أن يعفو عنه. فلايمكن الاستناد إليها لاثبات مبنى القوم المشهور بينهم.

الرواية الثانية

«محمّد بن الحسن باسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن أبي عبداللّه البرقيّ عن بعض أصحابه عن بعض الصادقين عليهما السلام قال: جاء رجلٌ إلى أميرالمؤمنين عليه السلام فأقرّ بالسرقة، فقال له: أ تقرأ شيئاً من القرآن‌؟ قال: نعم سورة البقرة، قال: قد وهبت يدك لسورة البقرة.

قال: فقال الأشعث: أ تعطّل حدّاً من حدود اللّه‌؟ فقال: و ما يدريك ما هذا! إذا قامت البيّنة فليس للإمام أن يعفو، و إذا أقرّ الرجل على نفسه فذاك إلى الإمام، إن شاء عفا و إن شاء قطع»(2).

السند مرسلٌ فلايمكن الاعتماد عليه. و لكن لها سندان آخران، و الثاني منهما صحيحٌ‌،


1) . راجع: «جواهر الكلام» ج 41 ص 294.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 41 الحديث 34165، «التهذيب» ج 10 ص 129 الحديث 133، «الإستبصار» ج 4 ص 252 الحديث 5.

قال الفقيه المحدّث الشيخ الحرّ العامليّ رحمه الله:

«و رواه الصدوق(1)بإسناده إلى قضايا أميرالمؤمنين عليه السلام»(2)

و هذا السند أيضاً مرسلٌ‌؛ ثمّ قال:

«و باسناده عن الحسين بن سعيد عن محمّد بن يحيى عن طلحة بن زيدٍ عن جعفر بن محمّدٍ عليهما السلام نحوه»(3).

هذا هو ثالث أسانيد الرواية، و هو صحيحٌ‌، و منه يظهر انّ المراد من «بعض أصحابه» في سند الشيخ رحمه الله هو طلحة بن زيدٍ، و لا بأس به؛ و كيف كان فالسند صحيحٌ‌. و لقوله عليه السلام:

«إذا قامت البيّنة -... إلى قوله: - و إن شاء قطع» دلالةٌ واضحةٌ على مختارهم.

و لكن هيهنا شيئان يجب أن يُجاب عنهما أوّلاً حتّى يمكن الركون إلى الرواية؛ و هما:

الأوّل: الظاهر انّ هناك مصلحةٌ تامّةٌ اقتضت عدم إجراء الحدّ عليه، إذ صرف التمكّن من قراءة سورة البقرة أو غيرها من سور القرآن الكريم لايقتضي العفو عنه، إذ هذا يؤدّي إلى تخصيص الأكثر القبيح عند العقلاء، حيث إنّ كثيراً من اللصوص و السارقين يعلمون شيئاً من هذا الكتاب المبين، فلوكانت معرفة اللصّ ببعض القرآن سبباً لعدم جريان الحدّ عليه ليكون جعل الحدّ لغواً. فالرواية تؤيّد القول الرابع و تدلّ عليه، و لا دلالة لها على ثالث الأقوال.

الثاني: قلنا انّ المسير إلى مقتضى الرواية يؤدّي إلى كون جعل الحدود لغواً، أضف إلى ذلك انّ مقتضى الرواية و ما حكمت به قد أعرض عنه الأصحاب، حيث لايحكمون بعدم إجراء الحدّ على قارىء القرآن. فيقوي في النظر انّ قوله عليه السلام هذا لم يكن إلّالتبكيت


1) . راجع: «الفقيه» ج 4 ص 62 الحديث 5106.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 41 في التذييل على الحديث 34165.

3) . راجع: نفس المصدر.

الأشعث و تصميته. حيث إنّ الأشعث كان من رؤساء الخارجين على أميرالمؤمنين عليه السلام و من أشدّ الناس مخالفةً له(1). فالرواية صدرت تقيّةً لئلّا تثير الفتنة.

و كيف كان فهذا الإحتمال قائمٌ‌، فلايجوز الركون عليها و الاستدلال بها.

النكتة السادسة

بقي في المقام القول الرابع، و هو المختار تبعاً لمعلّم الأمّة الشيخ المفيد رحمه الله. و هذا القول يجمع بين الأقوال الثلاثة -: الأوّل و الثاني و الرابع -، و عليه يدلّ ما استدلّوا بها لاثبات هذه الأقوال، كما تدلّ عليه روايات القول الثالث أيضاً، و قد فصّلنا الكلام فيها و في رواياتها.

فتحصّل ممّا قلنا جميعاً أن ليس للإمام أن يعفو عن المذنب الجاني و لم يجر عليه الحدّ إلّا إذا اقتضت ذلك مصلحةٌ ملزمةٌ‌، فحينئذٍ يجوز له أن يعرض و ينصرف عن جريان الحدّ عليه.



1) . حيث ارتدّ أوّلاً ثمّ صار من الخوارج؛ فانظر: «رجال الطوسيّ‌» ص 57 الرقم 473، «رجال ابن داود» ص 232 الرقم 65، «نقد الرجال» ج 1 ص 239 الرقم 573، «طرائف المقال» ج 2 ص 74 الرقم 7306، «معجم رجال الحديث» ج 4 ص 128 الرقم 1507.

المبحث الرّابع حكم التعذيب و الخداع لِأخذ الإقرار

اشارة

المبحث الرابع حكم التعذيب و الخداع لأخذ الإقرار

المبحوث عنه في هذا المبحث هو جواز التوسّل بالتعذيب و الخداع لأخذ الإقرار عن المتّهم أو عدم جوازه، فهل يجوز أن يُعذَّب ليقرّ بما اتّهم به‌؟ أو لايجوز؟؛ كما لنا أن نتساءل: هل يجوز أن يُخدع‌؟ أو لا خدعة لأخذ الإقرار به‌؟.

فهيهنا مسألتان.

المسألة الأولى حكم التعذيب لأخذ الإقرار

اشارة

التعذيب هنا أعمّ من التعذيب الجسميّ - كالضرب و ما شابهه -، و التعذيب الروحيّ - كالتهويل و التوعّد -. و تفصيل الكلام في الجواز و عدم الجواز في نكاتٍ‌.

النكتة الأولى

النقطة الّتي تركّز عليها هذه المسألة هي التعذيب في غير المهامّ من الأمور. أمّا في عظائم الأمور الجماعيّة فجواز التوسّل بالتعذيب لايحتاج إلى بيانٍ‌. فعلى سبيل المثال لو علم الحكم أنّ أحداً يريد أن يُسمّم ماء بلدةٍ بأن يدخل السمّ في مخازن مياهها فأدخله في بعض المخازن فعلى الحكم أن يعذّبه ليقرّ بما فعل حذراً عن موت آلافٍ من الناس، و هذا ممّا يحكم به العقل من غير أن يضطرب فيه.

و كما إذا علمت الدولة انّ هناك دسيسةٌ و مكيدةٌ ضدّ الحكم، كقيام جملةٍ من الثُوّار بالثورة العسكريّة لاطاحة النظام و إلغائه فعليها أن تُعذّب الثوّار ليتمكّن من دفعها و إطفاء نائرتها، و هذا ممّا يحكم به جميع العقلاء في جميع نظامات العالم، إسلاميّةً كانت أو غيرها.

فالمسألة كلّها تدور حول جواز التعذيب و عدم جوازه في غير المهامّ من الأمور، فلاحظ و تدبّر!.

النكتة الثانية

أمّا في غير العظائم من الأمور فلاريب أيضاً في عدم جواز التوسّل بالتعذيب لأخذ الإقرار، و هذا ممّا لا ريب فيه و لا شبهة تعتريه. و يدلّ عليه زيادةً على روايات الباب - و سنفصّل الكلام حولها - كون التعذيب على خلاف الأصل. و للأصل هيهنا معنيان:

المعنى الأوّل: كون التعذيب على خلاف مقتضى القانون، إذ الشريعة الإلهيّة و كذلك الدستور الإنساني يحكمان بوجوب مراعاة كرامة الإنسان و تشخّصه. و ليس التعذيب إلّا

هتك كرامته و نفي تشخّصه، فلايمكن المسير إليه إلّابدليلٍ له دلالةٌ تامّةٌ على الجواز بحيث يكون حاكماً على ما يحكمان به.

المعنى الثاني: أصالة البراءة. فعند الشكّ في أنّه هل يجوز التعذيب أم لا - و إن لم يكن شكٌّ في عدم الجواز - تحكم أصالة البراءة بعدم الجواز، و هذا ظاهرٌ.

فتحصّل ممّا قلنا جميعاً أنّه لايجوز التعذيب لأخذ الإقرار عمّن أُتُّهم بجرمٍ أو جنايةٍ‌، و ذلك لكونه مخالفاً للأصل.

النكتة الثالثة

وافقنا صاحب الجواهر رحمه الله في القول بعدم جواز التوسّل به، و لكن استثنى من الحكم ما لوكان متّهماً بقتل أحدٍ. ففي هذه الصورة ذهب إلى جوازه لأخذ الإقرار به، و ذلك لما للنفوس من الحرمة عند الشارع و عند العقلاء أيضاً.

و قد تمسّك رحمه الله لاثبات قوله هذا بما رُوي عن السكونيّ‌، و قد حكم المحقّق الأوّل رحمه الله بضعف الرواية، قال:

«و في السكونيّ ضعف»(1)

و لكنّ الشارح لم ير فيه ضعفٌ‌(2)، فاستدلّ بها. و نصّها:

«عن السكونيّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله كان يحبس في تهمة الدم ستّة أيّامٍ‌، فإن جاء أولياء المقتول ببيّنةٍ‌، و الاّ خلّى سبيله»(3).


1) . راجع: «شرائع الإسلام» ج 1 ص 212.

2) . قال رحمه الله: «و على كلّ حالٍ فلايخلو العمل بالخبر المزبور هنا من قوّةٍ‌، لاعتضاده... و حكاية الإجماع على العمل بأخبار الراوي المزبور... و بغير ذلك ممّا يقتضي السكون إلى رواياته»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 42 ص 277.

3) . راجع: «الكافي» ج 7 ص 370 الحديث 5، «وسائل الشيعة» ج 29 ص 110 الحديث 35378.

السند موثّقٌ‌. و أمّا دلالةً فالظاهر إرادة التعذيب الروحيّ من الحبس ستّة أيّامٍ‌، و إلّا فلادلالة فيها على التعذيب فضلاً عن جوازه.

و هذا الاستدلال لايخلو عن شيءٍ‌؛ لأنّه:

أوّلا انّ الحبس لايختصّ بمورد القتل، بل لوادّعى أحدٌ أنّ رجلاً قد سرق ماله، فاستدعى من الحاكم أن يحبسه حتّى يحضر البيّنة على ما ادّعاه فلاريب في وجوب الإجابة عنه، فليس الحبس مختصّاً بمورد القتل كما خصّصه صاحب الجواهر رحمه الله به؛

و ثانياً لايصحّ إطلاق التعذيب على الحبس، فلايُراد من الحبس في الرواية تعذيب المتّهم؛ فلادلالة فيها على مقصوده أصلاً.

فلاخصوصيّة في تهمة القتل - كما انّه لاخصوصيّة في كون أيّام الحبس ستّةً‌، بل كمّيّتها تابعةٌ لمصالح المورد -؛ و لايصحّ أيضاً ارادة التعذيب من السجن.

النكتة الرابعة
اشارة

و تدلّ على المختار من حرمة التعذيب في غير المهامّ من الأمور - قتلاً كان أو غيره - جملةٌ من روايات الباب؛ منها:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه و عن محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن ابن أبي عميرٍ عن سعدٍ - يعني: ابن أبي خلفٍ - عن هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان، و بعضكم ألحن بحجّته من بعضٍ‌، فأيّما رجلٍ قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنّما قطعت له به قطعةً من النار»(1).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 232 الحديث 33663، «الكافي» ج 7 ص 414 الحديث 1؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 229 الحديث 3، «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 366 الحديث 21594.

السند صحيحٌ و لا كلام فيه. و للرواية دلالةٌ ظاهرةٌ على أمرين:

الأوّل: عدم استناد النبيّ صلى الله عليه و آله و الإمام عليهم السلام في أحكامهم إلى ما لهم من العلم المفاض عليهم من قبل اللّه - سبحانه و تعالى - المختصّ بهم؛

الثاني: وجوب مشي الحاكم على ممشى القواعد العامّة الّتي رسمت لباب القضاء، و عدم جواز التعدّي عنها إلى غيرها من السبل، كالتعذيب و نحوه.

الرواية الثانية

«الحسن بن عليٍّ العسكريّ عليه السلام في تفسيره عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال:

كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يحكم بين الناس بالبيّنات و الأيمان في الدعاوي، فكثرت المطالبات و المظالم؛ فقال: أيّها الناس إنّما أنا بشرٌ و أنتم تختصمون و لعلّ بعضكم ألحن بحجّته من بعضٍ‌، و إنّما أقضي على نحو ما أسمع منه؛ فمن قضيت له من حقّ أخيه بشيءٍ فلايأخذنّه، فإنّما أقطع له قطعةً من النار»(1).

السند ضعيفٌ‌، و قد أشرنا فيما سبق من هذه الرسالة إلى أن لا أساس لهذا التفسير المنسوب إلى مولانا العسكريّ - عليه و على ابنه و آبائه الكرام صلوات الرحيم الرحمان -. و لها دلالةٌ واضحةٌ على وجوب القضاء على مقتضى القواعد المقرّرة لها، و عدم جواز التعدّي عنها إلى غيرها. و لا فرق في ذلك بين أن يكون القاضي نبيّاً، أو إماماً، أو فقيهاً حاكماً.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 233 الحديث 33665، «التفسر» المنسوب إلى مولانا العسكريّ عليه السلام ص 672 الحديث 375.

الرواية الثالثة

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عميرٍ عن هشام بن سالمٍ عن سليمان بن خالدٍ قال: سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجلٍ سرق سرقةً فكابر عنها، فضُرب فجاء بها بعينها، هل يجب عليه القطع‌؟ قال: نعم، و لكن لواعترف و لم يجىء بالسرقة لم تقطع يده، لأنّه اعترف على العذاب»(1).

السند صحيحٌ‌، و هو من عوالي الأسناد. و دلالتها على أن لايُترتّب شيءٌ على الاعتراف على العذاب واضحةٌ‌، و هذا يدلّ على أنّ التعذيب باطلٌ في الشريعة.

الرواية الرابعة

«و عن عليّ بن محمّد بن بندار عن أحمد بن أبي عبداللّه عن أبيه عن أبي البختريّ عن أبي عبداللّه عليه السلام انّ أميرالمؤمنين عليه السلام قال: من أقرّ عند تجريدٍ أو تخويفٍ أو حبسٍ أو تهديدٍ فلاحدّ عليه»(2).

السند لابأس به، و قد أشرنا إلى أنّ أباالبختريّ لايُعدّ من الضعاف مع ما قال فيه بعض الرجاليّين(3)، و ذلك لأنّ ابن أبي عمير و أمثاله قد أكثروا من الرواية منه(4). و الرواية تحكم


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 260 الحديث 34711، «الكافي» ج 7 ص 223 الحديث 9؛ و انظر: «عوالي اللآلىء» ج 2 ص 354 الحديث 27.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 261 الحديث 34712، «الكافي» ج 7 ص 261 الحديث 6؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 148 الحديث 23، «بحار الأنوار» ج 76 ص 32، «قرب الإسناد» ص 26.

3) . هو وهب بن وهب؛ قال النجاشيّ‌: «كان كذّاباً»؛ راجع: «رجال النجاشي» ص 430 الرقم 1151. و قد ضعّفه العلّامة رحمه الله حيث عنونه في القسم الثاني من كتابه؛ راجع: «خلاصة الأقوال» ص 414 الرقم 1679؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 21 ص 40 الرقم 13943.

4) . لم أعثر على روايةٍ لابن أبي عميرٍ عن أبي البختري إلّامورداً واحداً؛ فانظر: «التهذيب» ج 3 ص 150 الحديث 8، عنه في «وسائل الشيعة» ج 8 ص 10 الحديث 10002.

ببطلان التعذيب و إخواته على الاطلاق. حيث إنّ الرواية السابقة عليها كانت تبيّن حكم الإقرار بالسرقة على العذاب، و لكن هذه الرواية تبيّن حكم الإقرار عليه على الإطلاق.

الرواية الخامسة

«و بإسناده عن الصفّار عن الحسن بن موسى الخشّاب عن غياث بن كلّوبٍ عن إسحاق بن عمّارٍ عن جعفرٍ عن أبيه: أنّ عليّاً عليه السلام كان يقول: لاقطع على أحدٍ يُخوّف من ضربٍ و لاقيدٍ و لاسجنٍ و لاتعنيفٍ إلّاأن يعترف، فإن اعترف قطع و إن لم يعترف سقط عنه لمكان التخويف»(1).

السند موثّقٌ‌، لما قيل في إسحاق بن عمّار من كونه فطحيّاً. و المرويّ منها: «إن لم يعترف...»، و لا معنى له؛ و لذلك ذهب الصدوق في الفقيه(2)و الشيخ في التهذيب 0(3)إلى أنّ الصحيح منها: «إن اعترف». و يؤيّده انّ إسحاق بن عمّار لم يكن متظلّعاً في نظم المعاني بعبارةٍ عربيّةٍ‌. و كيف كان فدلالتها على المقصود تامّةٌ‌.

النكتة الخامسة

قد أشرنا إلى رواياتٍ تدلّ على المختار من عدم جواز التعذيب لأخذ الإقرار. و يمكن أن نستدلّ عليه بما اشتهر في ألسنة الفقهاء من قاعدة: «ادرؤوا الحدود بالشبهات»(4).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 261 الحديث 34713.

2) . لم أعثر عليه.

3) . لم أعثر عليه أيضاً.

4) . فانظر: «المقنع» ص 437، «الخلاف» ج 3 ص 346 المسألة 7، «المبسوط» ج 3 ص 66، «جواهر الفقه» ص 108، «السرائر» ج 2 ص 179، «كشف الرموز» ج 2 ص 542.

و القاعدة قد دلّت عليه جملةٌ من روايات باب الحدود(1)، كما انّ عنوانها مأخوذٌ من حديثٍ نبويٍّ شريفٍ‌(2). و مقتضى القاعدة حُسن الصفح عن الحدود ما لم يثبت الجرم، بل لايجوز للحاكم أن يتفحّص عن الذنوب ليجري عليها الحدود.

و قد بلغ ما دلّ عليها من الروايات حدّ التواتر؛ منها: ما رواه الصدوق رحمه الله، و نصّه:

«محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن سعد بن طريفٍ عن الأصبغ بن نباتة قال: أتى رجلٌ أميرالمؤمنين عليه السلام فقال: يا يا أميرالمؤمنين إنّي زنيت فطهّرني، فأعرض عنه بوجهه ثمّ قال: اجلس؛ فقال: أ يعجز أحدكم إذا قارف هذه السيّئة أن يستر على نفسه كما ستر اللّه عليه‌؟. فقام الرجل فقال: يا أميرالمؤمنين إنّي زنيت فطهّرني، فقال: و ما دعاك إلى ما قلت‌؟ قال: طلب الطهارة، قال: و أيّ طهارةٍ أفضل من التوبة‌؟ ثمّ أقبل على أصحابه يحدّثهم، فقام الرجل فقال: يا أميرالمؤمنين إنّي زنيت فطهّرني، فقال له: أ تقرأ شيئاً من القرآن‌؟ قال: نعم، قال: اقرأ؛ فقرأ فأصاب، فقال له: أ تعرف ما يلزمك من حقوق اللّه في صلاتك و زكاتك‌؟ قال: نعم، فسأله فأصاب، فقال: هل بك مرضٌ يعروك أو تجد وجعاً في رأسك أو بدنك‌؟ قال: لا، قال: اذهب حتّى نسأل عنك في السرّ كما سألناك في العلانية، فإن لم تعد إلينا لم نطلبك»(3).

السند مرسلٌ‌، و لكن لابأس به، لأنّا قد أشرنا إلى أنّ هذا المضمون قد بلغ في رواياتنا


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 130 الحديث 34393، «بحار الأنوار» ج 74 ص 245، «الإقبال» ص 627.

2) . راجع: «الفقيه» ج 4 ص 74 الحديث 5146، «وسائل الشيعة» ج 28 ص 47 الحديث 34179، «مستدرك الوسائل» ج 18 ص 26 الحديث 21911.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 38 الحديث 34159، «الفقيه» ج 4 ص 31 الحديث 5017 - مع تغييرٍ يسيرٍ -.

حدّ التواتر، فلاضير في كونها مرسلةً‌. و دلالتها على حُسن الصفح عن المذنب ما لم يثبت قيامه بالذنب عند الحاكم تامّةٌ‌. و عليه يدلّ قوله عليه السلام: «فان لم تعد إلينا لم نطلبك». فليس أخذ الإقرار حَسناً حتّى يكون أخذه بالتعذيب جائزاً، بل هو قبيحٌ و غير جائزٍ بلاريبٍ في ذلك.

المسألة الثانية حكم الخداع لأخذ الإقرار

اشارة

مضى في المسألة الأولى الكلام في عدم جواز التعذيب لأخذ الإقرار. بقي علينا أن نتكلّم عن جواز الخداع لأخذه أو عدم جوازه. فعلى سبيل المثال هل يجوز التوسّل إلى التنويم لأخذ الإقرار؟، أو هل يجوز للقاضي أن يحاصر المتّهم بالأسئلة لأخذه‌؟.

و هذه المسألة تعمّ فحص الدم و اختبار الوراثيّات و أمثالهما ممّا شاع في عصرنا للكشف عن بعض الجرائم؛ فهل يجوز التوسّل إلى ذلك كلّه في القضاء أم لا؟.

و هذه المسألة لاتحتاج إلى كثير كلامٍ‌، إذ جميع الأدلّة الّتي دلّت على عدم جواز التعذيب يدلّ على عدم جواز الخداع أيضاً. فالمستند في هذا الحكم:

الأصل أوّلاً؛

و قاعدة البراءة ثانياً؛

و قاعدة ادرؤوا الحدود بالشبهات ثالثاً؛

و اتّفاق الأصحاب على وجوب مراعاة الظواهر في باب القضاء رابعاً.

فبما قلنا ظهر أنّه لايجوز التوسّل إلى الخداع و المكر لأخذ الإقرار عن المتّهم.

و هيهنا نكتٌ‌:

النكتة الأولى

قد أشرنا في النكتة الأولى من نكاتٍ ذكرناها في المسألة الأولى إلى أنّ الحكم بعدم جواز التعذيب ينحصر في غير المهامّ من الأمور، و الكلام نفسه يجري في هذه المسألة أيضاً. فيجوز التوسّل إلى الخداع في مهامّ الأمور و عظائمها.

النكتة الثانية
اشارة

هناك جملةٌ من الروايات قد سمّاها الأصحاب بروايات قضاء أميرالمؤمنين عليه السلام. و

الظاهر منها جواز الكيد و التحايل في أمر القضاء، فنرى فيها كثيراً انّه عليه السلام قد احتال على المتّهم و خدعه ليقرّ بما كان متّهماً به.

و هذه الروايات كثيرةٌ‌. نذكر هيهنا موردين منها لنرى ما هو الوجه فيها.

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عميرٍ عن معاوية بن وهبٍ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: اُتي عمر بن الخطاب بجاريةٍ قد شهدوا عليها انّها بغت. و كان من قصّتها أنّها كانت عند الرجل و كان الرجل كثيراً ما يغيب عن أهله، فشبّت اليتيمة فتخوّفت المرأة أن يتزوّجها زوجها، فدعت نسوةً حتّى أمسكوها فأخذت عذرتها بإصبعها. فلمّا قدم زوجها من غيبته رمت المرأة اليتيمة بالفاحشة و أقامت البيّنة من جاراتها اللّاتي ساعدنها على ذلك. فرفع ذلك إلى عمر، فلم يدر كيف يقضي فيها، ثمّ قال للرجل: ائت عليّ بن أبي طالبٍ و اذهب بنا إليه. فأتوا عليّاً و قصّوا عليه القصّة، فقال لامرأة الرجل: أ لك بيّنةٌ أو برهانٌ؟ قالت: لي شهودٌ هؤلاء جيراني يشهدن عليها بما أقول. فأحضرتهن و أخرج عليٌّ عليه السلام السيف من غمده فطرحه بين يديه و أمر بكل واحدةٍ منهنّ فأدخلت بيتاً، ثمّ دعا امرأة الرجل فأدارها بكلّ وجهٍ‌، فأبت أن تزول عن قولها، و دعا إحدى الشهود و جثا على ركبتيه ثمّ قال: أ تعرفيني‌؟ أنا عليّ بن أبي طالبٍ و هذا سيفي و قد قالت امرأة الرجل ما قالت و رجعت إلى الحقّ و أعطيتها الأمان، فإن لم تصدّقيني لأملأنّ السيف منك، فالتفتت إلى عمر و قالت: الأمان على الصدق؛ فقال لهاعليٌّ عليه السلام: فاصدقي، قالت: لا و اللّه، انّهارأت جمالاً و هيئةً‌

فخافت فساد زوجها فسقتها المسكر و دعتنا فأمسكناها فاقتضتها بإصبعها، فقال عليه السلام: اللّه اكبر! أنّا أوّل من فرّق بين الشاهدين إلّادانيان النبيّ عليه السلام. فألزم على المرأة حدّ القاذف و الزمهنّ جميعاً العقر؛ و جعل عقرها أربعمائة درهمٍ‌. و أمر المرأة أن تنفى من الرجل و يطلّهقا زوجها و زوّجه الجارية»(1).

السند صحيحٌ‌، و دلالتها على توسّله عليه السلام إلى الاحتيال تامّةٌ‌. و هيهنا أمورٌ:

الأوّل الظاهر وجود قرائن كانت تدلّ على أن لا واقع لهذه التهمة، و هذا القرائن أوجبت على عمر أن يلتجأ إلى أميرالمؤمنين و سيد الأوصياء عليه السلام أجمعين ليظهر له ما هو الحقّ من الحكم، و إلّافكان يحكم بإجراء الحدّ على الجارية.

الثاني: قال المحقّق الشعرانيّ رحمه الله في التعليق على الحديث ما حاصله: «المراد من الحقّ في قوله عليه السلام: «رجعَتْ إلى الحقّ‌»: السجن، لأنّها كانت مستحقّةً له»(2).

و كلامه رحمه الله لايخلو عن نظرٍ؛ فتدبّر!.

الثالث: حكمه عليه السلام على الرجل بتطليق زوجته و تزويج الجارية زيادةً على إجراء حدّ القذف عليها يُعدُّ من جوازات القاضي في الحكم، فكأنّه عليه السلام رأى أنّ تلك المرأة ما كانت لائقةً للرجل، فحكم بأن يطلّقها.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 277 الحديث 33762، «الكافي» ج 7 ص 425 الحديث 9؛ و انظر: «الفقيه» ج 3 ص 20 الحديث 3251، «التهذيب» ج 6 ص 308 الحديث 59.

2) . لم أعثر عليه. نعم! قال الشَّيخ الحرّ رحمه الله نفسه معلّقاً على الحديث: «أي: الحبس، فانّه حقٌّ‌»؛ راجع: «وسائل الشيعة» نفس المجلّد و الصفحة.

الرواية الثانية

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عميرٍ عن عليّ بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي جعفرٍ عليه السلام في حديثٍ‌: إنّ شابّاً قال لأميرالمؤمنين عليه السلام: إنّ هؤلاء النفر خرجوا بأبي معهم في السفر فرجعوا و لم يرجع أبي، فسألتهم عنه، فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله، فقالوا: ما ترك مالاً؛ فقدّمتهم إلى الشريح فاستحلفهم و قد علمت انّ أبي خرج و معه مالٌ كثيرٌ؛ فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: و اللّه لأحكمنّ بينهم بحكمٍ ما حكم به خلقٌ قبلي إلّاداود النبيّ عليه السلام. يا قنبر! ادع لي شرطة الخميس، فدعاهم فوكّل بكلّ رجلٍ منهم رجلاً من الشرطة، ثمّ نظر إلى وجوههم فقال: ماذا تقولون‌؟ تقولون انّي لا أعلم ما صنعتم بأبي هذا الفتى‌؟ إنّي إذاً لجاهلٌ‌!. ثمّ قال:

فرّقوهم و غطّوا رؤوسهم. قال: ففرّق بينهم و أقيم كلّ رجلٍ منهم إلى اسطوانةٍ من أساطين المسجد و رؤوسهم مغطّاةٌ بثيابهم. ثمّ دعا بعبيداللّه بن أبي رافعٍ كاتبه فقال: هات صحيفةً و دواةً‌، و جلس أميرالمؤمنين عليه السلام في مجلس القضاء و جلس الناس إليه؛ فقال لهم: إذا أنا كبّرت فكبّروا. ثم قال للناس: اخرجوا، ثمّ دعا بواحدٍ منهم فأجلسه بين يديه و كشف عن وجهه ثمّ قال لعبيداللّه: اكتب اقراره و ما يقول، ثمّ أقبل عليه بالسؤال فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام: في أيّ يومٍ خرجتم من منازلكم و أبو هذا الفتى معكم‌؟ فقال الرجل: في يوم كذا و كذا؛ فلمّا سأله عن جميع ما يريد كبّر أميرالمؤمنين عليه السلام و كبّر الناس جميعاً. فارتاب أولئك الباقون و لم يشكّوا انّ صاحبهم قد أقرّ عليهم و على نفسه؛ فأمر أن يغطّى رأسه و ينطلق به إلى السجن. ثمّ دعا بآخر فأجلسه بين يديه و كشف عن وجهه و قال: كلّا!

زعمتم انّي لاأعلم ما صنعتم‌؟ فقال: يا أميرالمؤمنين! ما أنا إلّاواحدٌ من القوم و قد كنت كارهاً لقتله، فأقرّ؛ ثمّ دعا بواحدٍ بعد واحدٍ كلّهم يقرّ بالقتل و أخذ المال»(1).

السند مصحّحٌ‌، و لابأس بعليّ بن أبي حمزة، و ذلك لما فصّلنا الكلام حوله في ما مضى من هذه الرسالة من أنّ الرجل و إن انحرف عن الحقّ فآل مآل أمره إلى ما آل إليه، و لكنّ الأصحاب لم يرووا عنه شيئاً في زمن انحرافه، فلابأس بما يوجد من رواياته في مصادر القوم الروائيّة؛ لأنّها كلّها ترجع إلى زمن استقامته على الحقّ‌. أضف إلى ذلك وقوع ابن أبي عميرٍ في السند قبله، فالرواية مصحّحةٌ‌.

و دلالتها على توسّله عليه السلام بالاحتيال على المتّهمين ليقرّوا بما فعلوه من القتل واضحةٌ‌.

النكتة الثالثة

لاريب في وقوع التعارض بين ما روى من سيرة أميرالمؤمنين عليه السلام في قضائه و بين روايات الباب، إذ المرويّ من سيرته عليه السلام مملوٌّ من أخذ الإقرار بالتخويف - كما قال عليه السلام في الرواية الأولى من روايات النكتة الثانية من نكت مسألتنا هذه: «أتعرفيني‌؟ أنا عليّ بن أبي طالبٍ و هذا سيفي» -، بينما قال عليه السلام نفسه في الرواية الخامسة من روايات النكتة الرابعة من نكت المسألة الأولى: «... و إن اعترف سقط عنه لمكان التخويف». فما هو الوجه في الجمع بين روايات الباب و بين ما روي من سيرته عليه السلام‌؟.

الظاهر وجوب حمل سيرته عليه السلام على موارد الضرورة، و من المقرّر في فقه أهل البيت انّ «الضرورات تبيح المحضورات»، فلايصحّ تخصيص روايات الباب بالمرويّ من


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 279 الحديث 33763، «الكافي» ج 7 ص 371 الحديث 8؛ و انظر: «الفقيه» ج 3 ص 24 الحديث 3255، «التهذيب» ج 6 ص 316 الحديث 82.

سيرته عليه السلام.

و إلى أنّ أحكامه لم تكن على الطريق المعتاد في باب القضاء أشار عليه السلام حيث قال:

«و اللّه لأحكمنّ بينهم بحكمٍ ما حكم به خلقٌ قبلي إلّاداود النبيّ عليه السلام»؛

و بقوله عليه السلام:

«أنا أوّل من فرّق بين الشاهدين إلّادانيال النبيّ عليه السلام»؛

إذ المستفاد منهما انّ النبيّ صلى الله عليه و آله لم يكن يحكم بين الناس بهذا النمط، كما انّ أميرالمؤمنين عليه السلام لم يكن يفرّق بين الشاهدين في جميع موارد قضائه. فلامناص من حمل سيرته عليه السلام على الضرورة المبيحة للمحضورات، و لاريب في أنّه هو المتيقّن منها، فلايمكن الاستناد إلى سيرته عليه السلام و تخصيص روايات الباب بها. و هذا كلّه ظاهرٌ.


المبحث الخامس هل يجوز للحاكم أن يستند إِلى علمه

اشارة

المبحث الخامس هل يجوز للحاكم أن يستند إلى علمه‌؟

هذا المبحث عقدناه للتحقيق حول مسألةٍ هامّةٍ قد كثر فيها الخلاف و طال التشاجر فيها بين الأصحاب؛ و هي: هل يجوز للحاكم و القاضي أن يعتمد على علمه فيحكم على مقتضاه‌؟؛ و بعبارةٍ أخرى: هل ينوب علمه عن البيّنة و اليمين في ترتّب الأحكام عليهما؟.

ثمّ الكلام هيهنا - تبعاً للمحقّق الحلّي رحمه الله(1)في الشرايع - يقع في مقامين:

المقام الأوّل: في علم المعصوم عليهم السلام؛

المقام الثاني: في علم غيرهم من القضاة.

ففي المبحث مسألتان.


1) . حيث فصّل بين الإمام عليه السلام و غيره من القضاة، فقال رحمه الله: «الإمام عليه السلام يقضي... و غيره من القضاة يقضي...»؛ راجع: «شرائع الإسلام» ج 1 ص 67.

المسألة الأولى هل يجوز للإمام أن يعتمد على علمه‌؟

اشارة

ذهب المحقّق رحمه الله إلى أنّ الإمام يجوز له أن يعتمد على علمه في باب القضاء لوحصل له من الطرق المتعارفة؛ أمّا علمي النبوّة و الإمامة، فلايقضي النبيّ و لا الإمام على مقتضاه(1). فلورأى أنّ رجلاً قد قتل رجلاً آخر أو سرق ماله يجوز له أن يحكم عليه بالقصاص أو إجراء الحدّ من غير أن يحتاج إلى إقامة بيّنةٍ في ذلك. و لافرق عنده في ذلك بين حقوق اللّه و حقوق الناس.

ثمّ تبعه في ذلك الرأي المحقّق صاحب الجواهر رحمه الله(2)، و استدلّ له بأدلّةٍ ستّةٍ‌؛ و المشهور وافقهما فيه أيضاً.

و في المسألة نكاتٌ‌:

النكتة الأولى

المختار عدم جواز اعتماد الإمام على علمه في باب القضاء كما أنّه لايجوز لغيره الاستناد إليه. فيجب علينا أن نفصّل الكلام حول الأدلّة الّتي أقامها صاحب الجواهر رحمه الله تأييداً لمرامه حتّى نرى مدى دلالتها عليه.

النكتة الثانية
اشارة

هذا سرد أدلّةٍ ذكرها صاحب الجواهر، نذكر كلّ واحدٍ منها ثمّ نبدو ما لنا من الأنظار و الملاحظات حوله. فنقول:


1) . هذا التفصيل غير موجودٍ في كلام المحقّق رحمه الله، إذ قوله: «الإمام عليه السلام يقضي بعلمه مطلقاً» - راجع: نفس المصدر - مطلقٌ‌. نعم! يمكن أن يقال: المترأى من لفظة العلم في المقام العلم الحاصل من الطرق المتعارفة.

2) . راجع: «جواهر الكلام» ج 40 ص 86.

الأوّل من أدلّته:
اشارة

انعقاد الإجماع عليه، كما حكاه(1)عن محكيّ الإنتصار(2)و الغنية(3)و الإيضاح(4)و نهج الحقّ‌(5)و غيرها(6).

و يلاحظ عليه:
أوّلاً:

انّه لااعتماد على إجماعات الإنتصار و الغنية، و هذا معلومٌ لمن كان عارفاً بمتوننا الفقهيّة؛

و ثانياً:

هذا الإجماع معلوم المدركيّة - كما سيشير صاحب الجواهر رحمه الله إلى مداركه -، فليس بحجّةٍ في المقام.

الثاني من أدلّته:
اشارة

قال:

«مضافاً على قول عليٍّ عليه السلام لشريح لمّا تخاصم مع من عنده درع طلحة:

ويلك - أو ويحك - إمام المسلمين يؤمّن من أمورهم على ما هو أعظم من هذا»(7).

قوله هذا يشير إلى روايةٍ أوردها صاحب الوسائل رحمه الله في الرواية السادسة من الباب


1) . راجع: نفس المصدر.

2) . راجع: «الإنتصار» ص 486 المسألة 271.

3) . راجع: «الغنية» ص 436.

4) . راجع: «إيضاح الفوائد» ج 4 ص 312.

5) . راجع: «نهج الحقّ‌» ص 563.

6) . ففي المسالك: «ظاهر الأصحاب الاتّفاق على أنّ الإمام عليه السلام يحكم بعلمه مطلقاً»؛ راجع: «مسالك الأفهام» ج 13 ص 383؛ و انظر: «قواعد الأحكام» ج 3 ص 430، «المهذّب البارع» ج 4 ص 461.

7) . راجع: «جواهر الكلام» ج 40 ص 86؛ و انظر: «كشف اللثام» ج 10 ص 55.

الرابع عشر من أبواب كيفيّة الحكم، فراجعها!(1).

و يلاحظ عليه:

إنّ قوله عليه السلام لايدلّ على جواز قضاء الإمام على مقتضى علمه، كما رُوي عن النبيّ صلى الله عليه و آله انّه قال:

«انّي أقضى عليكم بالبيّنات و الأيمان»(2).

بل له دلالةٌ على تأييد الإمام في جميع أقواله و أفعاله، و بينهما بونٌ بعيدٌ.

الثالث من أدلّته:
اشارة

التمسّك بجملةٍ من الآيات الكريمات، و هي قوله - تعالى -:

«يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ‌»(3)و قوله:

«أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ‌»(4)و قوله:

«وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ»(5).قال رحمه الله في تقريب الاستدلال بها:

«و إن حكم بعلمه فقد حكم بالحقّ و العدل و القسط»(6).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 265 الحديث 33737.

2) . راجع: «الكافي» ج 7 ص 414 الحديث 1، «التهذيب» ج 6 ص 229 الحديث 3، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 232 الحديث 33663.

3) . كريمة 26 ص.

4) . كريمة 58 النساء.

5) . كريمة 42 المائدة.

6) . راجع: «جواهر الكلام» ج 40 ص 86. و هذا كما عن الشَّيخ رحمه الله حيث قال: «و من حكم بعلمه فقد حكم بالعدل و الحقّ‌»؛ راجع: «الخلاف» ج 6 ص 244 المسألة 41. و عن الفاضل الأصفهانيّ رحمه الله: «ومن حكم بعلمه فقد حكم بالحقّ و بالعدل»؛ راجع: «كشف اللثام» ج 9 ص 55.

و يلاحظ عليه:

انّه لاخلاف في وجوب الحكم بالحقّ‌، و لافرق في ذلك بين أن يكون الحاكم إماماً أو فقيهاً جامعاً لشرائط القضاء. بل الكلام كلّه في أنّه هل يجوز للإمام أن يقضي بعلمه‌؟ فلو لم يجز له ذلك يكون حكمه حكماً باطلاً على غير سبيل العدل و القسط.

فيجب عليه أن يثبت أوّلاً جواز تعويله عليه السلام على علمه في القضاء ثمّ يتمسّك بالآيات ثانياً؛ إذ التمسّك بالآيات في المقام قبل اثبات أصل الجواز يكون من باب التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، و لاخلاف بين الأصوليّين في قبحه و بطلانه.

الرابع من أدلّته:
اشارة

التمسّك بما رواه حسين بن خالدٍ(1)، و نصّه:

«و عن عليّ بن محمّدٍ عن محمّد بن أحمد المحموديّ عن أبيه عن يونس عن الحسين بن خالدٍ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: سمعته يقول: الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجلٍ يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحدّ و لايحتاج إلى بيّنةٍ مع نظره، لأنّه أمين اللّه في خلقه؛ و إذا نظر إلى رجلٍ يسرق فالواجب عليه أن يزجره و ينهاه و يمضي و يدعه. قلت: و كيف ذلك‌؟ قال: لأنّ الحقّ إذا كان للّه فالواجب على الإمام إقامته، و إذا كان للناس فهو للناس»(2).

و استشهد رحمه الله بقوله عليه السلام: «و لايحتاج إلى بيّنةٍ مع نظره».

و يلاحظ عليه:
أوّلاً:

انّ سنده ضعيفٌ بحيث لايمكن الركون إليه، لأنّ أحمد المحموديّ‌(3)و


1) . راجع: «جواهر الكلام» ج 40 ص 86؛ و انظر: «كشف اللثام» ج 10 ص 55.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 57 الحديث 34204، «الكافي» ج 7 ص 262 الحديث 15؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 44 الحديث 157.

3) . في كون أحمد المحموديّ من المجاهيل نظرٌ، إذ هو أبوعليّ أحمد بن حمّاد المروزيّ المحموديّ‌، ولايبعد القول بحسنه و وثاقته؛ راجع: «مستدركات علم رجال الحديث» ج 1 ص 302 الرقم 920؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 2 ص 369 الرقم 1034.

ابنه(1)كليهما مجهولان؛ و استشكل بعضهم في حسين بن خالدٍ(2)أيضاً و إن لم يكن عندنا به بأسٌ‌. و كيف كان فالسند في غاية الضعف.

و ثانياً:

الحديث قد أعرض الأصحاب عنه، لأنّه قد فصّل بين حقوق اللّه - تعالى - و بين حقوق الناس، بينما انّ المشهور لم يفرّقوا بين الحقوقين في الحكم، كما قال المحقّق نفسه: «الإمام يقضي بعلمه مطلقاً»(3)ثمّ زاد عليه صاحب الجواهر 0 فقال: «في حقّ اللّه و في حقّ الناس»(4).

و ثالثاً:

الحديث معارضٌ بغيره من الصحاح، و قد أوردناها في النكتة الرابعة من نكات المبحث الثالث المتقدّمة، و فيها قد عدّ الإمام السرقة من حقوق اللّه، بينما انّ الموجود في رواياتنا هذه عدّها من حقوق الناس.

فتحصّل ممّا قلنا انّ الرواية سقيمةٌ سنداً، و معرضٌ عنها عند الأصحاب، و معارضةٌ بغيرها من الصحاح، فلايجوز الاعتماد عليها.

الخامس من أدلّته:
اشارة

قال رحمه الله:

«و لوجوب تصديق الإمام في كلّ ما يقوله و كفر مكذّبه، و لذا قتل


1) . قال العلّامة النمازيّ رحمه الله في وصفه: «ثقةٌ جليلٌ‌»، و له تحقيقٌ حوله؛ راجع: «مستدركات علم رجال الحديث» ج 6 ص 412 الرقم 12472؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 15 ص 59 الرقم 10177.

2) . لم أعثر على من استشكل فيه، حيث أهمل ذكره بعضهم كالنجاشيّ و العلّامة 0. و ذكره الشَّيخ رحمه الله من دون أن يذكر فيه شيءٌ‌؛ راجع: «رجال الطوسيّ‌» ص 334 الرقم 4975؛ و انظر: «منتهى المقال» ج 3 ص 36 الرقم 865، «تنقيح المقال» 1 ص 327 الرقم 2898.

3) . راجع: «شرائع الإسلام» ج 4 ص 67.

4) . راجع: «جواهر الكلام» ج 40 ص 86.

أميرالمؤمنين عليه السلام خصم النبيّ صلى الله عليه و آله لمّا تخاصما إليه في الناقة و ثمنها»(1).

الرواية أوردها صاحب الوسائل رحمه الله في الباب الثامن عشر من أبواب كيفيّة الحكم(2)، فراجعها!.

و يلاحظ عليه:

أن لا ربط لها بالمقام. إذ من البيّن الّذي لاريب فيه وجوب تصديق النبيّ صلى الله عليه و آله و الإمام عليه السلام في جميع أقوالهم و أفعالهم، بل وجوب الحكم بكفر مكذّبهم و منكرهم كما انّه يجب قتله - كما فعله أميرالمؤمنين عليه السلام -. أمّا جواز القضاء لهم بمقتضى علمهم فلايستفاد من الرواية، بل لا ربط لها به.

و يؤيّده انّ أميرالمؤمنين عليه السلام ما حكم على مقتضى علمه، بل حكم بوجوب قتل منكر النبيّ صلى الله عليه و آله الّذي أنكره في قوله، فالحديث أجنبيٌّ عن المقام.

السادس من أدلّته:
اشارة

التمسّك بكون الإمام معصوماً، فلايصدر منه ما يخالف الواقع؛ قال رحمه الله:

«هذا مع براءة ساحة الإمام عليه السلام لعصمته عن التُّهْمَة - أو: عن التُّهَمَة -»(3).

و يلاحظ عليه:

أن لاخلاف في عصمة الإمام و براءة ساحته عن الخطأ، فلايكون متّهماً.

و لكن هذا لايدلّ على أنّه يجوز له أن يحكم على مقتضى علمه، كما انّه لايدلّ على جواز حكمه على مقتضى علمه الخاصّ به - المسمّى بعلم الإمامة -؛ و إليه يشير قوله صلى الله عليه و آله:


1) . راجع: «جواهر الكلام» ج 40 ص 87؛ و انظر: «كشف اللثام» ج 10 ص 56.

2) . و هي الأولى من روايات الباب؛ راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 274 الحديث 33759؛ وانظر: «الفقيه» ج 3 ص 105 الحديث 3425.

3) . راجع: «جواهر الكلام» ج 40 ص 87. و عن ثاني الشهيدين رحمه الله: «لصعمته المانعة من تطرّق التهمة و علمه المانع من الخلاف»؛ راجع: «مسالك الأفهام» ج 13 ص 383. و عن الفاضل الأصفهانيّ قدس سره: «هذا مع براءة ساحة الإمام لعصمته عن التهمة»؛ راجع: «كشف اللثام» ج 10 ص 56.

«إنّما أقضي عليكم بالبيّنات و الأيمان»(1).

فعصمتهم عليهم السلام لاتدلّ على صحّة استخلاف علمهم عن البيّنة؛ و هذا كلّه واضحٌ‌.

فتحصّل ممّا قلنا انّه لايجوز للمعصوم أن يحكم على حسب علمه غير المكتسب من الطرق المتعارفة - كالرؤية و السماع -، بل عليه أيضاً أن يعوّل على الطرق المبيَّنة في باب القضاء(2).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 232 الحديث 33663، «الكافي» ج 7 ص 414 الحديث 1؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 229 الحديث 3، «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 366 الحديث 21594.

2) . و انظر: «إيضاح الفوائد» ج 4 ص 313، «جامع المدارك» ج 6 ص 14.

المسألة الثانية هل يجوز لغير الإمام أن يعتمد على علمه‌؟

اشارة

قد فرغنا عن البحث عمّا يرجع من المسألة إلى الإمام عليه السلام، و علينا أن نبحث عمّا يرجع منها إلى غير المعصوم، فالموضوع في المسألة الثانية هو جواز تعويل الفقيه في باب القضاء على علمه و استخلاف علمه عن البيّنة و الإقرار و أمثالهما - ممّا بُيّن في كتاب القضاء - أو عدم جوازه.

و لنفصّل الكلام حوله في نكاتٍ‌.

النكتة الأولى

يجب علينا أن ننبّه على أن ليس في المسألة نصٌّ يبيّن الحكم، فجميع الأدلّة الّتي تمسّك بها القوم ليس إلّامن باب الاستظهار من الأدلّة، أمّا النصّ الصريح فلم يوجد فيها.

النكتة الثانية

قد كثر في المسألة الخلاف بين الأعلام، و ذلك لأمرين:

الأوّل: عدم وجود نصٍّ صريحٍ فيها - كما أشرنا إليه في المسألة الأولى -؛ الثاني: كون المسألة من مهامّ الأمور الّتي لها دورٌ بنّاءٌ في المجتمع، إذ لها وجهةٌ عمليّةٌ زيادةً على ما لها من الوجهة العلميّة.

النكتة الثالثة

قد أشرنا الى كثرة الآراء في المسألة، إليك تفصيلها:

الأوّل: القول بالجواز مطلقاً، سواءٌ في ذلك بين أن يوجد أيمانٌ أو بيّنةٌ‌، أم لم يوجد. و هو مختار المشهور(1).


1) . قال الشيخ الأعظم رحمه الله: «ظاهر الأدلّة و فتاوى الأصحاب عدم الفرق بين العلمين... فالأقوى انّه كذلك يقضي بعلمه مطلقاً»؛ راجع: «كتاب القضاء» - له - ص 94. و انظر: «الانتصار» ص 487، «الخلاف» ج 6 ص 244 المسألة 41، «السرائر» ج 2 ص 179، «كشف اللثام» ج 10 ص 57، «كتاب القضاء» - للمحقّق الآشتيانيّ رحمه الله - ص 50.

‍الثاني القول بعدم الجواز مطلقاً، و هو اختيار الشيخ في النهاية(1)و ابن الجنيد.(2). نعم! ذهب الشيخ إلى الجواز بالنسبة الى الإمام، أمّا ابن الجنيد فذهب إلى أنّ الإمام و الفقيه سيّان في الحكم بعدم الجواز مطلقاً؛ و هو المختار في المسألة.

الثالث: القول بالتفصيل، فيجوز في حقّ اللّه بينما انّه لايجوز في حقّ الناس، و قد مال إليه صاحب الشرايع رحمه الله و إن لم يذهب إليه، و قد وصفه بأنّه أصحّ الأقوال في المسألة(3).

الرابع: القول بالتفصيل أيضاً، و لكن بالبناء على الجواز في حقّ الناس و عدم الجواز في حقّ اللّه، و هو خيرة الحلبيّ رحمه الله(4).


1) . قال رحمه الله: «و إذا شاهد الإمام من يزني أو يشرب الخمر كان عليه أن يقيم الحدّ عليه و لاينتظرمع مشاهدته قيام البيّنة و لا الإقرار؛ و ليس ذلك لغيره، بل هو مخصوصٌ به. و غيره و إن شاهد يحتاج إلى أن يقوم له البيّنة أو إقرارٌ من الفاعل»؛ راجع: «النهاية و نكتها» ج 3 ص 285. و ذهب في المبسوط إلى الجواز بالنسبة إلى غير الإمام أيضاً؛ راجع: «المبسوط» ج 8 ص 166.

2) . قال المرتضى رحمه الله: «... أبوعليّ بن الجنيد... يذهب إلى أنّه لايجوز للحاكم أن يحكم بعلمه في شيءٍ من الحقوق و لا الحدود»؛ راجع: «الإنتصار» ص 236. و من الغريب ما نقله عنه بعد صفحاتٍ‌، قال: «و وجدت لابن الجنيد كلاماً في هذه المسألة غير محصّلٍ‌... و رأيته يفرّق بين علم النبيّ صلى الله عليه و آله بالشيء و بين علم خلفائه و حكّامه»؛ راجع: نفس المصدر ص 242؛ و انظر: «كتاب القضاء» - للشَّيخ الأعظم قدس سره - ص 94.

3) . هذا؛ و نصّه رحمه الله: «الإمام عليه السلام... و غيره من القضاة يقضي بعلمه في حقوق الناس و في حقوق اللّه - سبحانه - على قولين، أصحّهما القضاء»؛ راجع: «شرائع الإسلام» ج 4 ص 67. و لتفصيل مرامه راجع: «جواهر الكلام» ج 40 ص 88.

4) . هذا؛ و الموجود من نصّ الحلبيّ رحمه الله لايساعد ما في المتن حيث أطلق و قال: «له أن يحكم بعلمه»؛ راجع: «الكافي في الفقه» ص 428. نعم! قال ابن حمزة رحمه الله: «يجوز للحاكم المأمون الحكم بعلمه في حقوق الناس، و للإمام في جميع الحقوق»؛ راجع: «الوسيلة» ص 218.

النكتة الرابعة

القول الأوّل - و هو القول بالجواز مطلقاً - هو الأهمّ من بين الأقوال، نظراً إلى ذهاب المشهور إليه. و قد اختاره أفضل المتأخّرين صاحب الجواهر رحمه الله؛ و استدلّ له بوجوهٍ من الأدلّة لاتخلو عن شيءٍ‌. و هذه الأدلّة بعضها مشتركٌ مع ما استدلّ به في المسألة الأولى، و بعضها مختصٌّ بمسألتنا هذه.

و كيف كان فعلينا أن نذكر ما ذكره من الأدلّة أوّلاً، ثمّ نبدوا ما لنا من الآراء و الملاحظات حول كلّ واحدٍ منها.

النكتة الخامسة
اشارة

ذكرنا انّ صاحب الجواهر اختار ما اختاره المشهور من الأقوال، و استدلّ له بوجوهٍ من الأدلّة. و هي:

الأوّل من أدلّته:
اشارة

التمسّك بالإجماع. و هو العمدة من أدلّته. و هذا الدليل مشتركٌ مع ما ذكره في الدليل الأوّل من أدلّة المسألة الأولى(1).

و يلاحظ عليه
كما أشرنا إليه هناك -: انّ التمسّك بالإجماع في المسألة لاحظّ له من الصواب، و ذلك لأمرين:
الأوّل:

كون هذا الإجماع مقطوع المدركيّة، و لا أقلّ من كونه محتمل المدركيّة؛

الثاني:

كثرة الخلاف بين الأعلام و ذهاب كلّ طائفةٍ منهم إلى قولٍ يمنعنا عن قبول انعقاد الإجماع فيها، فلاإجماع في المسألة أصلاً.

و من الغريب انّ صاحب الجواهر رحمه الله يحكي الأقوال أوّلاً ثمّ يدّعي انعقاد الإجماع على


1) . راجع: «جواهر الكلام» ج 40 ص 88.

واحدٍ منها(1)!.

الثاني من أدلّته:
اشارة

التمسّك بما استظهره من جملةٍ من الكريمات القرآنيّة(2)، كقوله - سبحانه و تعالى -:

«يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ‌»(3)و قوله:

«أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدلِ‌»(4)و قوله:

«وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ»(5).و كقوله:

«إِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى»(6).

و يلاحظ عليه:

انّ هذا ليس إلّامن باب التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، و لاخلاف في قبحه و عدم حجّيّته. و قد فصّلنا الكلام فيه في ملاحظاتنا على الثالث من الأدلّة الّتي ذكرها هذا الفقيه العظيم في المسألة الأولى؛ و لانعيده حذراً عن التطويل، فراجعه!.

الثالث من أدلّته:
اشارة

التمسّك بما استدلّ به من حكم العقل بوجوب العمل بعلمه، و له تقريراتٌ‌، نذكر هيهنا ما هو الأهمّ منها:


1) . حكاه عن جمعٍ من الأعلام ثمّ قال رحمه الله: «و هو الحجّة»؛ راجع: نفس المصدر.

2) . راجع: نفس المصدر أيضاً.

3) . كريمة 26 ص.

4) . كريمة 58 النساء.

5) . كريمة 42 المائدة.

6) . كريمة 8 المائدة.

التقرير الأوّل:

ما ذكره المرتضى في الانتصار ردّاً على ابن الجنيد 0(1)، و قد ذكره صاحب الجواهر رحمه الله و أصرّ عليه(2)، و تقريره: لو لم يعمل القاضي بعلمه يلزم منه فسقه(3)، و هذا يجري في موارد:

منها: لو طلّق رجلٌ زوجته بمحضرٍ من القاضي بعد أن طلّقها مرّتين فزوّجها ثمّ بعد أن طلّقها لمرةٍ ثالثةٍ أنكر الطلاق حذراً عن أن تصير زوجته زوجةً للمحلّل، فللقاضي هيهنا صورتان:

الأولى: أن يحكم بالفراق بينهما، و لامعنى لهذه الصورة إلّاوجوب عمله على مقتضى علمه؛

الثانية: أن يستحلف الزوج المنكر، فإذا حلف بأنّه لم يطلّقها يحكم بعدم الطلاق، و هذا يؤدّي إلى وقوع الزنا كلّما قارب الرجل زوجته، و لا معنى له إلّاكون القاضي قيّاداً فاسقاً، فعدم كون علم القاضى منجّزاً للحكم يؤدّي إلى كونه فاسقاً(4).

و يلاحظ عليه:

إنّ هذا التقرير العقليّ ليس إلّاالمصادرة على المطلوب، إذالكلام كلّه في حجّيّة علم القاضي، فلوكان علمه حجّةً يلزم أن يحكم على مقتضاه، و إن لم يكن حجّةً فلو حكم على طبقه يكون فاسقاً أيضاً. فعلى المرتضى رحمه الله و من وافقه في هذاالتقريرأن يثبتا أوّلاً حجّيّة علم القاضي ثمّ أن يتمثّلا له بهذا التمثيل؛ فكمايصحّ أن يقال: لوكان علمه حجّةً و لم يحكم على مقتضاه يكون فاسقاً، يصحّ أن يُقال: لو لم يكن حجّةً فحكم على مقتضاه


1) . راجع: «الانتصار» ص 488.

2) . راجع: «جواهر الكلام» ج 40 ص 88.

3) . كما عن الشَّيخ رحمه الله أيضاً: «لو لم يقض بعلمه أفضى إلى إيقاف الأحكام أو فسق الحكّام»؛ راجع: «الخلاف» ج 6 ص 244 المسألة 41؛ و انظر: «المبسوط» ج 8 ص 165، «مختلف الشيعة» ج 8 ص 383، «القضاء و الشهادات» - للشَّيخ الأعظم قدس سره - ص 94.

4) . و انظر: «كشف اللثام» ج 10 ص 58.

يكون فاسقاً أيضاً. فليس هذا التقرير إلّامصادرةً على المطلوب.

و من ذلك الباب ما أجمع عليه الأعلام - كصاحب الجواهر نفسه - من إجزاء الحكم الظاهريّ عن الحكم الواقعيّ في باب الإجتهاد و التقليد، كما إذا أفتى فقيهٌ بوجوب إخراج الخمس من الهديّة، و أفتى فقيهٌ آخر بأن لا خمس فيها، ثمّ كان الأوّل ضيفاً للثاني فلاخلاف في أنّه يجوز للأوّل أن يأكل من طعام الثاني مع علمه بأنّ الطعام عُمل من لحمٍ غير مخمّسٍ مهداةٍ إلى الثاني.

و كما في درهم الودعيّ‌، إذ القاضي يعلم بأنّ حكمه بتنصيف الدرهم الباقي ليس إلّا حكماً بالباطل، لتعلّقه بأحدهما فقط، لا بكليهما. و نظيرهما كثيرٌ.

فما كان جواب صاحب الجواهر رحمه الله عنهما هو نفس جوابنا عمّا مثّل به.

التقرير الثاني
و هو تقريرٌ آخر من دلالة العقل على وجوب عمله بعلمه -، قال رحمه الله ما حاصله: لاخلاف في كون البيّنة حجّةً في باب القضاء، فلوكانت البيّنة حجّةً يلزم أن يكون العلم أيضاً حجّةً‌، و الأولويّة هي الحاكمة بذلك. فكون البيّنة حجّةً في المقام يدلّ بالفحوى و الأولويّة على كون العلم حجّةً أيضاً في المقام(1).
و يلاحظ عليه:

أوّلاً: انّ هذا التقرير ليس إلّامن باب القياس، إذ لم تثبت أولويّة العلم من البيّنة في باب القضاء؛

و ثانياً: مبنى الشارع في باب القضاء على تحديد الحدود و تضييق مواردها، و لذلك لم يثبت الحكم في هذا الباب بالخبر الواحد مع حجّيّته في غيره من الأبواب؛ و لذلك أيضاً


1) . قال رحمه الله: «مضافاً إلى ظهور كون العلم أقوى من البيّنة المعلوم إرادة الكشف منها»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 40 ص 88. و عن العلّامة قدس سره: «و لأنّ العلم أقوى دلالةً من الظنّ‌، و إذا جاز الحكم مع الظنّ جاز مع العلم على طريق الأولى»؛ راجع: «مختلف الشيعة» ج 8 ص 406.

حَكَمَ بأنّ البيّنة ليست بحجّةٍ في باب الزنا، بل ثبوته يحتاج إلى شهادة أربعةٍ من العدول.

فقوله رحمه الله: «كون البيّنة حجّةً في المقام يدلّ بالفحوى و الأولويّة على كون العلم حجّةً في المقام» كلامٌ لاواقع له.

التقرير الثالث
من دلالة العقل على وجوب عمله بعلمه، و تقرير الدليل -: لو لم يكن علم القاضي حجّةً له فحكم على خلاف مقتضى علمه لايكون جادّاً في حكمه، و ليس الحكم إلّامن باب الإنشاء، و لا إنشاء إلّاإذا كان المنشىء نفّاذاً، فعدم كون علمه حجّةً يؤدّي إلى انسداد باب الحكم عليه.

فعلى سبيل المثال لوعلم أنّ زيداً قد سرق مال عمروٍ و لكن لم تنهض البيّنة على ثبوت كونه سارقاً لايمكن له أن يحكم ببراءته، لعلمه بكونه سارقاً، فلايكون جادّاً نفّاذاً في الحكم ببراءته، هذا من ناحيةٍ‌؛ و من ناحيةٍ أخرى لايمكن له الحكم بقطع يده نظراً إلى أنْ ليس علمه حجّةً في المقام، فينسدّ إذاً باب الحكم عليه.

و يلاحظ عليه:

ما ذكرناه في الردّ على دليله الثالث، إذ كما يجب على القاضي أن يحكم بتنصيف الدرهم الباقي بين المودِع و الودعيّ‌، كذلك يجب عليه أن يحكم ببراءته، و هذا كلّه واضحٌ‌.

الرابع من أدلّته:
اشارة

جملةٌ‌(1)من رواياتٍ قد استدلّ به القوم انتصاراً لما هو المشهور بينهم، و نأتي بها هيهنا. و قبل الخوض في صلب الروايات ننبّه على شيءٍ قد أشرنا إليه في النكتة الأولى من نكات مسألتنا هذه أيضاً؛ و هو:

لم يوجد في هذه المسألة نصٌّ يبيّن الحكم، بل جميع الروايات الّتي تمسّك بها القوم ليس إلّامن باب الاستظهار، و هذا يظهر بالتأمّل فيما سنتلوا عليك من الروايات.


1) . هذا الدليل غير موجودٍ في الجواهر.

الرواية الأولى

«و عن عليّ بن محمّدٍ عن محمّد بن أحمد المحموديّ عن أبيه عن يونس عن الحسين بن خالدٍ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: سمعته يقول: الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجلٍ يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحدّ و لايحتاج إلى بيّنةٍ مع نظره، لأنّه أمين اللّه في خلقه؛ و إذا نظر إلى رجلٍ يسرق فالواجب عليه أن يزجره و ينهاه و يمضي و يدعه. قلت: و كيف ذلك‌؟ قال: لأنّ الحقّ إذا كان للّه فالواجب على الإمام إقامته، و إذا كان للناس فهو للناس»(1).

السند ضعيفٌ‌، بل هو في غاية الضعف، لمكان محمّد بن أحمد المحموديّ و أبيه المجهولين(2)، و حسين بن خالدٍ و إن لابأس به عندنا و لكن قد ضعّفه بعضهم(3)، و كيف كان فالسند لايمكن الركون إليه. أما كيفيّة استدلالهم بها و ما لنا من الأنظار فيها فقد مضى في التعليق على نفس الرواية عند استشهادهم بها في المسألة الأولى المتقدّمة، فلانعيدها حذراً عن التطويل.

و لكن نقول باختصارٍ تامٍّ‌:

أوّلاً: الرواية ضعيفةٌ سنداً؛

و ثانياً: الرواية معرضٌ عنها عند الأصحاب، لأنّها قد فصّلت بين حقوق اللّه - تعالى - و حقوق الناس، بينماانّالمشهور - ومنهم صاحب الجواهر رحمه الله نفسه لم يفرّقوا بين الحقوقين


1) . راجع - مع تغييرٍ يسيرٍ -: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 57 الحديث 34204، «الكافي» ج 7 ص 262 الحديث 15؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 44 الحديث 157، «الإستبصار» ج 4 ص 216 الحديث 18.

2) . قد تكلّمنا فيهما قبل صفحاتٍ و أشرنا إلى أنّه لايبعد القول بتوثيقهما، و كيف كان فلايخفى مالهما من جلالة القدر؛ فراجعه!.

3) . قد مضى بعض الكلام في حسين بن خالدٍ أيضاً؛ فراجعه!.

في الحكم؛

و ثالثاً: انّها معارضةٌ بغيرها من الصحاح، و قد أوردناها في النكتة الرابعة من نكات المبحث الثالث المتقدّمة، و فيها قد عدّ الإمام السرقة من حقوق اللّه، بينما انّ الموجود في روايتنا هذه عدّها من حقوق الناس.

فتحصّل ممّا قلنا جميعاً انّ الرواية سقيمةٌ سنداً، و معرضٌ عنها عند الأصحاب، و معارضةٌ بغيرها من الصحاح، فلايجوز الإعتماد عليها - كما قد أومأنا إلى ذلك كلّه في التعليق عليها هناك -.

الرواية الثانية

ما رُوي من سيرة سيّدتنا الزهراء عليها السلام و أقوالها و أقوال أميرالمؤمنين عليه السلام في وقعة فدك. و قد تمسّك بها المرتضى رحمه الله في الانتصار(1)، ثمّ أوردها صاحب الجواهر قدس سره نقلاً عنه فأصرّ عليها أيضاً(2).

و كيفيّة استدلالهم بها مجهولةٌ علينا.

و كيف كانت فيلاحظ عليها: أن لا ارتباط بين المرويّ من وقعة فدك و بين ما نحن فيه.

نعم! لوكان تعيير الشيعة على أبي بكرٍ مستنداً إلى عدم قضائه بما كان يعلم من كون فدك ملكاً لسيّدتنا الزهراء عليها السلام فلماذا لم يعمل بعلمه و قد طلب منها البيّنة على قولها، لكان للاستشهاد به وجهٌ‌، و لكن هذا التقرير لم يرد في كلماتهم(3). فلايصحّ الاستشهاد به في


1) . قال رحمه الله: «و كيف يخفى إطباق الإماميّة على وجوب الحكم بالعلم و هم ينكرون توقّف أبي بكرٍعن الحكم لفاطمة...»؛ راجع: «الإنتصار» ص 487 المسألة 271.

2) . لم أعثر عليه؛ و انظر: المصدر ج 41 ص 141.

3) . هذا؛ و الظاهر وروده في كلماتهم. قال الشَّيخ الأعظم رحمه الله: «إنّ الإنكار على أبي بكرٍ لأجل انتزاع فدك من فاطمة - صلوات اللّه عليها - مع علمه بانتقالها إليها و بصدقها في دعواها التملّك لها... فالطعن عليه من جهة ترك عمله بعلمه لاترك الحكم بعلمه»؛ راجع: «القضاء و الشهادات» - له - ص 95.

المقام.

الرواية الثالثة

«و عنه عن أبيه عن ابن أبي عميرٍ عن عبدالرحمن بن الحجّاج قال: دخل الحكم بن عتبة و سلمة بن كهيلٍ على أبي جعفرٍ عليه السلام فسألاه عن شاهدٍ و يمينٍ‌... - و ساق الحديث إلى أن قال -: ثمّ قال عليه السلام: إنّ عليّاً عليه السلام كان قاعداً في مسجد الكوفة فمرّ به عبداللّه بن قفل التميميّ و معه درع طلحة، فقال له عليٌّ عليه السلام: هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة؛ فقال له عبداللّه بن قفلٍ‌: اجعل بيني و بينك قاضيك الّذي رضيته للمسلمين. فجعل بينه و بينه شريحاً. فقال عليٌّ عليه السلام: هذه درع طلحة أُخذت غلولاً يوم البصرة، فقال له شريحٌ‌: هات على ما تقول بيّنةً‌، فأتاه بالحسن فشهد أنّها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة. فقال شريحٌ‌: هذا شاهدٌ واحدٌ و لاأقضي بشهادة شاهدٍ حتّى يكون معه آخر؛ فدعا قنبر فشهد انّها درع طلحة أُخذت غلولاً يوم البصرة، فقال شريحٌ‌: هذا مملوكٌ و لاأقضي بشهادة مملوكٍ‌. قال: فغضب عليٌّ و قال: خذها، فإنّ هذا قضى بجورٍ ثلاث مرّات. قال: فتحوّل شريحٌ و قال: لاأقضي بين اثنين حتّى تخبرني من أين قضيت بجورٍ ثلاث مرّات‌؟ فقال له: ويلك - أو ويحك! -، إنّي لمّا أخبرتك انّها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقلت: هات على ما تقول بيّنةً‌، و قد قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: حيثما وُجد غلولٌ أخذ بغير بيّنةٍ‌، فقلت: رجلٌ لم يسمع الحديث، فهذه واحدةٌ‌؛ ثمّ أتيتك بالحسن فشهد فقلت: هذا واحدٌ

و لاأقضي بشهادة واحدٍ حتّى يكون معه آخر، و قد قضى رسول اللّه صلى الله عليه و آله بشهادة واحدٍ و يمينٍ‌، فهذه ثنتان؛ ثمّ أتيتك بقنبر فشهد أنّها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقلت: هذا مملوكٌ‌، و ما بأسٌ بشهادة المملوك إذا كان عادلاً. ثمّ قال: ويلك - أو ويحك! - إنّ إمام المسلمين يؤمن من أمورهم على ما هو أعظم من هذا»(1).

السند صحيحٌ‌، و هو من عوالي الأسناد. و وجه الاستشهاد بها: إنّ شريحاً كان عالماً بأنّ أميرالمؤمنين عليه السلام قد منع الناس عن أخذ الغنيمة في يوم الجمل، فعبداللّه بن قفل و إن كان ذايدٍ على درع طلحة و لكن لايترتّب على اليد هيهنا شيءٌ - لعلم القاضي بكونها غصبيّاً -، فلِمَ طلب من أمير المؤمنين عليه السلام البيّنة على قوله‌؟.

و لكن هذا الوجه قد غفل عنه القوم، و تمسّكوا بما في مختتم الحديث من قوله عليه السلام:

«إنّ إمام المسلمين يؤمّن من أمورهم على ما هو أعظم منه»(2).

قالوا: فلوكان إمام المسلمين - و لا فرق فيه بين الإمام بالأصالة و بين من استخلف منه في أمر الزعامة - عالماً بأمرٍ ليجب على الناس طاعته فيه، و لامعنى لهذا إلّاكون علمه حجّةً في جميع الأمور، و منه باب القضاء.

و يلاحظ عليه: أن لاخلاف في حجّيّة قول الإمام و فعله و علمه، و لافرق بين أحكامه الفقهيّة و أحكامه الراجعة إلى أمر المجتمع. لكنّ الكلام كلّه في حجّيّة علمه في باب القضاء و جواز مشيه في هذا الباب عليه. فكما انّه لايكون الخبر الواحد حجّةً في الباب


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 265 الحديث 33737، «الكافي» ج 7 ص 385 الحديث 5؛ و انظر: «الفقيه» ج 3 ص 109 الحديث 3428، «التهذيب» ج 6 ص 273 الحديث 152، «بحار الأنوار» ج 101 ص 299.

2) . و انظر: «مختلف الشيعة» ج 8 ص 387، «كشف اللثام» ج 10 ص 55، «جامع المدارك» ج 6 ص 14، «القضاء في الفقه الإسلاميّ‌» - للمحقّق العلّامة السيّد الحائريّ - ص 226.

مع حجّيّته في غيره من الأبواب، فكذلك انّ حجّيّة علمه في هذا الباب يحتاج إلى دليلٍ آخر غير حجّيّة العلم في الأبواب الأخر.

فبما قلنا ظهر أن لا دلالة في الرواية على حجّيّة علمه ليصدر الحكم على مقتضاه.

الرواية الرابعة

ما روي من قضاء أميرالمؤمنين عليه السلام حينما احتكم إليه النبيّ صلى الله عليه و آله في ما ادّعى عليه الأعرابي في ناقته، فضرب أميرالمؤمنين عليه السلام عنقه لمّا كذّب النبيّ صلى الله عليه و آله(1).

و يلاحظ عليه: أن لاربط له بالمقام أيضاً، و قد مضى تفصيل الكلام في وجه استشهادهم به و ما يرد عليهم فيه في التعليق على نفس الرواية عند ذكرها في الخامس من أدلّة صاحب الجواهر رحمه الله في المسألة الأولى من مسائل البحث الحاضر؛ و لانعيده لئلّا يطول الكلام بذكره ثانياً، فراجعه!.

النكتة السادسة
اشارة

أشرنا في سرد الأقوال في النكتة الثالثة من النكات المتقدّمة إلى أنّ المختار في المسألة هو عدم حجّيّة علم القاضي، فلايجوز له أن يحكم معتمداً عليه. نعم! لاريب في أنّ علمه كاشفٌ له عن الواقع، و لكن فرقٌ واضحٌ بين أن يكون الشيء كاشفاً، و بين أن يكون حجّةً‌.

إذ الكاشفيّة ذاتيّةٌ للعلم، بينما انّ الحجيّة ليست بذاتيّةٍ له، بل الأمر في حجيّته و عدم حجيّته بيد الشارع، و قد فصّلنا الكلام في ذلك في دراساتنا الأصوليّة.

و كيف كان فليس العلم حجّةً في المقام إلّاإذا حصل من أحد الطرق الثلاثة:

الإقرار؛


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 274 الحديث 33759، «الفقيه» ج 3 ص 105 الحديث 3425، «عوالي اللآلىء» ج 3 ص 518 الحديث 15.

أو البيّنة؛

أو اليمين؛

و لكلٍّ منها ما يخصّه من الموارد - و تفصيل الكلام فيها يطلب من كتاب القضاء -.

و تدلّ على المختار جملةٌ من الأدلّة تربو على خمسةٍ‌. و قبل الخوض في بيانها نلفت نظر الباحث الكريم إلى ما أوردناه من قضايا أميرالمؤمنين في رجلٍ طلب منه عليه السلام أن يطهّره من ذنبٍ قارفه، و امرأةٍ طلبت منه عليه السلام أيضاً أن يطهّرها من زنىً فعلته. إذ الظاهر من الحديثين و أشباههما الكثيرة حصول العلم له عليه السلام باتيانهما بالفجور، و لكن ما رتّب على علمه شيئاً حتّى ظهرت منهما أربعة اقراراتٍ به، فحينئذٍ قضى بإجراء الرجم عليهما.

و سنفصّل الكلام في خلال الأدلّة عن حصول العلم للقاضي باقرارٍ أو اقرارين، أو شهادة ثلاثة عادلٍ تامّ العدالة بأنّ زيداً قد زنى، و لكن لايترتّب على علمه الحاصل من ذاك أو تلك شيءٌ‌، كما لم يترتّب أميرالمؤمنين عليه السلام على علمه الحاصل من اقرارهما شيئاً.

و كيف كان فتدلّ على المختار أدلّةٌ‌؛ منها:

الدليل الأوّل:
اشارة

و هو التمسّك بالأصل. و تقريره: لاخلاف في حجّيّة البيّنة و الإقرار و الشهادة في باب القضاء، فالثلاثة أداة القاضي في ما يقوم به من القضاء بين المتخاصمين. ثمّ القضاء من مهامّ الأمور حيث يعود إلى دماء الناس و أعراضهم، فمقتضى الأصل الاقتصار فيها على ما هو المتيقّن من الوسائط و الأدوات و عدم التجاوز عنه إلى غيره، كما يجري هذا الحكم بدلالة العقل في جميع الأبواب الفقهيّة(1).

الدليل الثاني:


1) . و عن صاحب الجواهر رحمه الله: «بل لعلّ أصالة عدم ترتّب آثار الحكم عليه يقتضي عدمه»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 40 ص 89.

و هو التمسّك بأصالة البراءة. و تقريره: بعد وفاق الجميع على كون الثلاثة حجّةً في المقام نشكّ في أنّه هل يكون علم القاضى أيضاً حجّةً فيه‌؟ أم ليس بحجّة‌؟، فحينئذٍ تحكم أصالة البراءة بعدم حجّيّته.

و بالنظر إلى طروّ الشك إلى حجّيّته أوّلاً، و كون المقام مجرىً لأصالة البراءة ثانياً تظهر تماميّة الدليل، و ذلك واضحٌ‌.

الدليل الثالث:

و هو التمسّك بما هو المقرّر بينهم من أنّ عدم البيان دليلٌ على عدم الحجّيّة. و تقريره: انّ حصول العلم للقضاة في جريان التخاصمات ممّا لاينكر، هذا من ناحيةٍ‌؛ و من ناحيةٍ أخرى فانّه من الأمور الّتي كثرت حاجة الناس و ابتلائهم إليها. ثمّ لا دليل - من آيةٍ أو روايةٍ - يبيّن حكمه، و من المقرّر بينهم انّ عدم البيان في موارد الابتلاء دليلٌ على العدم؛ فنفس عدم البيان في ما نحن فيه يدلّ على عدم حجّيّة علم القاضي(1).

الدليل الرابع:
اشارة

التمسّك بأصل التسامح في إجراء الحدود. و تقريره: لاخلاف بين الأصحاب في أنّ مبنى الشارع في إجراء الحدود على جريان التسامح لئلّا يكثر في المجتمع إجراء الحدود، و إلى هذا تشير القاعدة المتّفقة عليها بينهم المسمّاة بقاعدة: «ادرؤوا الحدود


1) . قد اشتهر بين الفضلاء انّ القاعدة القائلة بأنّ «عدم البيان في موارد تعمّ بها البلوى دليلٌ على عدم الحكم» من مبتكرات الشَّيخ الآخوند رحمه الله في مبحث قصد الوجه و التمييز من «الكفاية». و لكن القاعدة نفسها وردت في كلام سيّدنا المرتضى قدس سره، و قد عثرت عليه أخيراً. فانّه رحمه الله في ردّ قول جدّه لأمّه الناصر: «فعل الكبيرة حدثٌ‌» قال: «فقد بيّنّا انّ ما تعمّ به البلوى و يتكرّر حدوثه لابدّ من إيراد بيان حكمه مورداً يقطع العذر و يثلج الصدر... و لوكان فعل المعصية حدثاً في نفسه لوجب أن يرد ذلك وروداً يقطع العذر و يوجب العلم و يشترك فيه الخاصّ و العامّ‌، كما وجب في أمثاله»؛ راجع: «المسائل الناصريّات» ص 137.

بالشبهات»(1). و اشتهر بين الأعلام أن لارواية تدلّ عليها بالصراحة بحيث تكون نصّاً عليها، و لكنّها وردت فيما رواه السكونيّ عن مولانا الصادق عليه السلام(2). و كيف كان فلاخلاف في حجّيّة القاعدة.

ثمّ للقاعدة و جريانها في ما نحن فيه مجالٌ واسعٌ‌، حيث لو شُكّ في أنّه هل يجوز للقاضي أن يحكم على مقتضى علمه‌؟ أم لايجوز له ذلك‌؟، تحكم القاعدة بعدم الجواز(3).

نعم! لاريب في حجّيّة الإقرار و الأيمان و البيّنة في الباب، فليس للقاعدة أن تمنع عن جريان الثلاثة في صدور الحكم، أمّا ما عداها فلها أن تمنع منه.

نكتةٌ‌:

و من الغريب ما ذكره المحقّق صاحب الجواهر رحمه الله من أنّ القاعدة تجري قبل اثبات الحكم، أمّا بعد اثباته فلامجال لها(4). فإذن لايمكن التمسّك بها في مقام الشكّ في حجّيّة علم القاضي.

و يلاحظ عليه: أنّ الشكّ في حجّيّة علمه يستقرّ قبل اثبات الحكم، و بعبارةٍ أخرى تمام الكلام في أنّه هل يجوز له أن يصدر الحكم بواسطته‌؟ أم لايجوز له ذلك‌؟؛ فليس الكلام في حجّيّته بعد ثبوت الحكم. فإذاً يجوز التمسّك بها فيما نحن فيه.

الدليل الخامس:

التمسّك بما روى من قوله صلى الله عليه و آله في مجالس عديدة:


1) . فانظر: «المقنع» ص 437، «الخلاف» ج 3 ص 346 المسألة 7، «المبسوط» ج 3 ص 66، «جواهر الفقه» ص 108، «السرائر» ج 2 ص 179، «كشف الرموز» ج 2 ص 542.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 130 الحديث 34393.

3) . و عن صاحب الرياض رحمه الله: «و انّ حقوقه - سبحانه - مبنيّةٌ على الرخصة و المسامحة، فلايناسبها القضاء بالعلم من دون بيّنةٍ‌»؛ راجع: «رياض المسائل» ج 15 ص 34.

4) . لم أهتد إلى موضعه فيه.

«إنّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان»(1).

و دلالته على المختار تامّةٌ‌.

\و يلاحظ على قول صاحب الجواهر رحمه الله ب‍: «أنّ الحصر فيه ليس حصراً حقيقيّاً»(2): انّ الظاهر منه كونه حقيقيّاً، و ذلك نظراً إلى دلالة لفظة «إنّما» عليه ثمّ حصر وسائط القضاء في البيّنات و الأيمان؛ و لا خفاء في أنّ الشهادة أيضاً تُعدُّ من البيّنات.

و يؤيّد المختار ما ذكره أصحاب الصحاح و السنن من العامّة من قوله صلى الله عليه و آله في وقعة امرأةٍ ذات بعلٍ ثبت للنبيّ من القرائن أنّها قد زنت و لكن ما تمّت دلالة البيّنات عليه، فقال صلى الله عليه و آله:

«لوكنت راجماً بغير بيّنةٍ لرجمتها»(3)

و منها: «لو كنت راجماً أحداً بغير بيّنةٍ رجمتها»؛ راجع: «سنن ابن ماجة» الرقم 2559، «مسند الحميديّ‌» الرقم 519، «فتح الباري» ج 13 ص 229؛

و منها: «لو كنت راجماً امرأةً عن غير بيّنةٍ لرجمت هذه»؛ راجع: «صحيح البخاريّ‌» ج 8 ص 217، «مسند أحمد» ج 1 ص 336، «سنن سعيد بن منصور» الرقم 1564؛

و منها: «لو كنت راجماً عن غير بيّنةٍ لرجمتها»؛ راجع: «المعجم الكبير» ج 10 ص 358.

و في «عوالي اللآلىء»: «و روي عن النبيّ صلى الله عليه و آله انّه قال في قضيّة الملاعنة: لو كنت راجماً من غير بيّنةٍ لرجمتها» راجع: المصدر ج 3 ص 618 الحديث 14.

.

1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 232 الحديث 33663، «الكافي» ج 7 ص 414 الحديث 1؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 229 الحديث 3، «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 366 الحديث 21594.

2) . لم أعثر عليه؛ بل قال رحمه الله بعد أن نقل الحديث: «إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة في حصرطريق الحكم بالمعنى المزبور بالبيّنة و اليمين»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 40 ص 90.

3) . الرواية وردت في طرقهم بصورٍ متعدّدةٍ‌؛ منها: ما في المتن؛ راجع: «مسند أحمد» ج 1 ص 336، «المعجم الكبير» ج 10 ص 358، «كنز العمّال» الرقم 40593؛

و المستفاد منه دلالة علمه صلى الله عليه و آله على كونها زانيةً و قيامه به، و لكن ما حكم على مقتضاه و ما رجمها. فالحديث و إن لم يمكن التمسّك به كدليلٍ في المقام - لضعفه سنداً حيث لم يرد في طرقنا(1)- و لكن يصحّ أن يكون مؤيّداً لما اخترناه.

فتحصّل ممّا قلنا جميعاً أن ليس علم القاضي حجّةً في مقام القضاء. و الحمد للّه ربّ العالمين.



1) . و عن صاحب الجواهر رحمه الله: «الّتي لم يثبت صحّته في طرقنا»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 40 ص 91.

المبحث السادس هل يجوز لولىّ الفقيه أنْ يعيّن احداً للقضاءِ بين صنفٍ خاص

اشارة

المبحث السادس هل يجوز لِولىّ الفقيه أن يعيّن أحداً للقضاء بين صنفٍ خاصٍّ من الناس‌؟

ذكرنا في صدر المبحث أنّ من وظائف الفقيه الوليّ هي المشارفة على كيفيّة إجراء ما للشرع من الأحكام بين الناس. و ذلك لايتمّ إلّابنصب طائفةٍ من العلماء العدول للقيام بمنصب القضاء، و لايخفى ما لهذا المنصب من الدور الهامّ في إنجاز مقاصد الشريعة الغرّاء.

ثمّ لنا أن نتساءل: هل للحكم - طلباً للقيام بهذه الوظيفة على أحسن ما يكون - أن يعيّن أحداً للقضاء بين طائفةٍ خاصّةٍ من الناس‌؟ كالقضاء بين القُضاة، أو بين العسكريّين، أو بين الروحانيّين‌؟.

و الجواب عن هذا السؤال يأتي في خلال مسألة:

مسألةٌ في إشارةٍ إجماليّةٍ إلى أقسام القضاة

اشارة

المتصدّي لمنصب القضاء ينقسم إلى أقسامٍ‌. إليك تفصيلها:

‍الأوّل
اشارة

من أقسام القضاة ما سمّى في لسان الفقهاء ب‍: قاضي التحكيم. و المراد منه أن يعيّن كلٌّ من المتخاصمين رجلاً لحصم الخلاف من البين، قال - سبحانه و تعالى - «وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقُ اللَّهُ بَيْنَهُمَا»(1). و من البيّن أن لاخصوصيّة في ما وقع من الخلاف بين الزوجين، فيجوز لغيرهما من المتخاصمين أيضاً أن يبعثا حكمين ليقضيا بينهما.

و هيهنا نكاتٌ‌:

النكتة الأولى

لا تعبّد في هذه المسألة، بل لاتعبّد في باب القضاء أصلاً. بل العقل يستقلّ بالحكم بحسن اختيار المتخاصمين من يحكم بينهما. فالكريمة الّتي أشرنا إليها ترشد إلى ما يحكم به العقل فقط.

النكتة الثانية

قد شاعت في عصرنا مجالس استشاريّة لرفع الخلاف بين المتنازعين، و يقال لها:

مجلس رفع الخلاف و التنازع، و تلك المجالس هي نفس ما نسمّيه في الفقه بقاضي التحكيم. فللمبحث ثمرةٌ عمليّةٌ أيضاً تظهر فيما يرجع إلى هذه المجالس.

النكتة الثالثة

لاخلاف في اشتراط احراز قوّة الاستنباط في القاضي، كما انّه لاخلاف في اشتراط حلول ملكة العدالة فيه، فلانفوذ لحكمه إلّاإذا تكاملت فيه شروطٌ يُعدُّ الإجتهاد و العدالة


1) . كريمة 35 النساء.

من أهمّها. قال - سبحانه و تعالى -:

«يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ‌»(1)

فلاحكم إلّالخليفة اللّه في الأرض، و قد بسطنا الكلام في صدر الرسالة في اشتراطها فيه. و بذلك يظهر أن لا نفوذ لما يحكم به قاضي التحكيم، لعدم توفّر الإجتهاد فيه.

فلامؤيِّد و لامثبِّت لحكمه، بل عليه اصلاح ذات البين فقط.

النكتة الرابعة

قلنا انّه لا مثبِّت لأحكام قاضي التحكيم، هذا حكمٌ أوّليٌّ في المسألة. أمّا لواشترط المتخاصمين عند التحاكم إليه أن يقبلا ما حكم به فهل يمضي هذا الشرط؟ و هل يجب عليهما أن يقبلا منه و لو لم يرضا به أو لم يرض أحدهما به‌؟؛

الظاهر جواز هذا الشرط و كونه ممضيّاً، لدلالة عمومات باب وجوب الوفاء بالشروط عليه، كقوله صلى الله عليه و آله:

«المؤمنون عند شروطهم»(2)

و قوله تعالى -:

«أُوفُوا بِالْعُقُودِ»(3)

النكتة الخامسة

بما قلنا ظهر أنْ ليس للدولة أن تحكم بنفوذ أحكام مجالس رفع الخلاف إلّامن باب العناوين الثانويّة. حيث لاخفاء في حاجة الناس إلى مَن يقوم بأمر القضاء في ما يحدث


1) . كريمة 26 ص.

2) . راجع: «التهذيب» ج 7 ص 371 الحديث 66، «وسائل الشيعة» ج 21 ص 276 الحديث 27081، «مستدرك الوسائل» ج 13 ص 301 الحديث 15424، «نهج الحقّ‌» ص 481.

3) . كريمة 1 المائدة.

بينهم من الخلافات و النزاعات، فلو لم يكن هناك فقيهٌ يكفي للقيام بهذه المهمّة فلها أن يحكم بنفوذ أحكام تلك المجالس، و ذلك لئلّا يقع المجتمع في الهرج و الإضطراب.

الثاني
اشارة

القاضي المتعارف. و المراد منه ما يطلق عليه هذا العنوان بإطلاقه. و تشترط فيه أمورٌ، كاحراز مرتبة الإجتهاد، و كحلول ملكة العدالة فيه، و كتوفّر العقل و الدراية عنده و ما إليها من الشروط الّتي قد فصّل الكلام فيها الفقهاء في كتاب القضاء(1).

و هيهنا نكات أيضاً:

النكتة الأولى

لاخلاف في أنّ مرتبة القضاء و الحكم ثابتةٌ للفقيه العدل الإماميّ‌، فحكمه نافذٌ على الناس في زمن الغيبة و عند فقد الدولة الإسلاميّة، كما يحرم على الناس ردّ ما حكم به. أمّا لو تُأُسّست الدولة الإسلاميّة فليس منصب القضاء لأحدٍ إلّالمن عيّنته له، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في رسالته الّتي كتبها للأشتر:

«و اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك»(2).

فعلى الدولة أن تختار قاضياً للحكم بين الناس.

النكتة الثانية

أضف إلى ذلك انّ العقل يستقلّ بالحكم بأنّ قيام جميع الفقهاء بأمر القضاء يؤدّي إلى ظهور الحرج و الإضطراب في المجتمع، فعلى الدولة أن يعيّن القضاة ليتولّوا هذه المهمّة.

و ذلك إمّا بتعيينهم من قبل الوليّ بغير واسطةٍ‌،


1) . راجع: «تحرير الأحكام» - الطبعة الحجريّة - ج 2 ص 179، «مجمع الفائدة» ج 12 ص 17، «فقه الصادق» ج 25 ص 16، «القضاء في الفقه الإسلاميّ‌» - للمحقّق العلّامة السيّد الحائريّ - ص 41.

2) . راجع: «نهج البلاغة» الكتاب 53 ص 433، «شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 17 ص 58؛ و انظر: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 159 الحديث 33481.

و إمّا بوساطة القوّة القضائيّة؛

و الثاني هو الطريق المعتاد في عصرنا في جميع الدول و الحكومات.

الثالث:
اشارة

القاضي المنصوب. و المراد منه من نصبه الحكم للقيام بهذه المهمّة بين الناس و لو لم يكن فقيهاً عادلاً، بل لايشترط فيه ما يُشترط في القاضى المتعارف من الشرائط. و هيهنا أيضاً نكتٌ‌:

النكتة الأولى

أشرنا في النكتة الأولى المتقدّمة إلى أنّ حكم القاضي المتعارف نافذٌ على جميع الناس حتّى على الفقهاء و أصحاب الإجتهاد، و يدلّ عليه ما ورد في روايات الباب، كقول مولانا الصادق عليه السلام في مقبولة ابن حنظلة - الّتي فصّلنا الكلام حولها في ما مضى من هذه الرسالة - حيث قال:

«... فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً»(1).

أمّا القاضى المنصوب فلانفوذ لحكمه أوّلاً و بالأصالة، بل نفوذ قوله تابعٌ لنصبه من قِبَل الفقيه الوليّ‌. فبما انّ طاعة الوليّ واجبةٌ على الناس، يجب عليهم أن يقبلوا قول القاضي المنصوب من قبله، و أن يخضعوا له.

النكتة الثانية

القول بوجوب نصب القضاة على الفقيه الوليّ يُعدُّ من الضرورات الجماعيّة، إذ لاريب في أنّ الناس بحاجةٍ ماسّةٍ إلى المحاكم و السلطات القضائيّة، هذا من ناحيةٍ‌؛ و من ناحيةٍ أخرى لم يوجد في المجتمع عددٌ من الفقهاء العدول ليقوموا بهذه المهمّة بالأصالة، بل عدد الفقهاء العدول قليلٌ في جميع الأعصار - كثّرهم اللّه تعالى بلطفه العميم -؛ فعلى الحكم


1) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 67 الحديث 10. و انظر: نفس المصدر ج 7 ص 412 الحديث 5، «التهذيب» ج 6 ص 301 الحديث 52، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 136 الحديث 33416.

أن يعيّن طائفةً من الناس لاحراز هذا المنصب في المجتمع.

النكتة الثالثة

و بما قلنا ظهر أنّ ثبوت الولاية للقاضي المنصوب ليس إلّامن باب العناوين الثانويّة، أمّا أوّلاً و بالذات فلاولاية له؛ فلا نفوذ لحكمه.

النكتة الرابعة

و حيث لانفوذ لحكمه بالأصالة فيجوز لمن نصبه أن ينقضه. و لذلك قد شاع في هذا العصر وجود محكمة النقض و محكمة الاستيناف. فللنيابة العامّة و محامي الدفاع أن لايقبلوا ما حكم به القاضي المنصوب، كما لمحكمة النقض أن تنقض حكمه و ذلك لما لها من الولاية على القضاء و المحاكم من قِبل الفقيه الوليّ‌.

و جميع ذلك يرجع إلى أن لا ولاية له بالأصالة.

النكتة الخامسة
اشارة

جميع ما ذكرنا في هذا القسم من القضاة يُستفاد من سيرة أميرالمؤمنين عليه السلام، فانّه كان ينصب لاحراز هذا المنصب في بعض الأحيان مَن لا علم له و لا عدالة له، كشريحٍ القاضي؛ بل من لا نصيب له من طهارة المولد، كزياد بن أبيه الّذي جعله حاكماً على أرض الفُرس، فكان قاضياً بينهم(1).

و لكنّه عليه السلام حينما نصب شريحاً للقضاء نصّ على أن لانفوذ لحكمه إلّابعد أن أمضاه عليه السلام و قرّر عليه. و هناك روايتان تدلّان على ما ذكرناه، و نصّهما:


1) . راجع: «معجم رجال الحديث» ج 8 ص 321 الرقم 4803. و قال الدينوريّ‌: «فلمّا ولّى عليّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام) ولّى زياداً أرض فارس»؛ راجع: «الأخبار الطوال» ص 219.

الرواية الأولى

«و إيّاك أن تنفذ قضيّةً في قصاصٍ أو حدٍّ من حدود اللّه أو حقٍّ من حقوق المسلمين حتّى تعرض ذلك عليّ إن شاء اللّه»(1).

الرواية الثانية

«لمّا ولّى أميرالمؤمنين عليه السلام شريحاً القضاء اشترط عليه أن لاينفذ القضاء حتّى يعرضه عليه»(2).

و دلالتهما على المقصود تامّةٌ‌. فكان عليه السلام يرى حاجة المجتمع إلى القاضي المنصوب أوّلاً، ثمّ ينصب طائفةً من الناس للقيام بهذا المنصب ثانياً؛ ثمّ كان عليه السلام - مهما أمكن - يؤكّد على أن لانفوذ لقضائهم، بل ليست لهم ولايةٌ على الناس إلّامن قبل ولايته عليه السلام، فلانفوذ لأحكامهم إلّابعد أن أمضاها و قرّر عليها.

النكتة السادسة

و في ختام هذا المبحث يعجبني أن أذكر ما أتى به صاحب الجواهر في هذا المقام، فانّ عبارته مع وجازتها تحتوي على جميع ما أشرنا إليه. فانّه رحمه الله بعد ان نقل قول المحقّق رحمه الله:

«إذا اقتضت المصلحة تولية من لم يستكمل الشرائط انعقدت ولايته مراعاةً للمصلحة في نظر الإمام عليه السلام، كما اتّفق لبعض القضاة في زمان


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 211 الحديث 33618، «التهذيب» ج 6 ص 225 الحديث 1.

2) . راجع: «الكافي» ج 7 ص 407 الحديث 3، «التهذيب» ج 6 ص 217 الحديث 2، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 16 الحديث 33090، «عوالي اللآلىء» ج 2 ص 162 الحديث 449.

عليٍّ عليه السلام»(1)

قال:

«و هو شريح المعلوم انتفاء بعض الشرائط فيه»(2).

ثمّ تمسّك رحمه الله بالروايتين اللّتين أشرنا إليهما، ثمّ قال: -

«... و بالجملة يمكن القطع من مذهبنا بعدم انعقاد القضاء لفاقد الشرائط، كالعلم و نحوه على وجهٍ يلحقه حكم القضاء الصحيح... و إطلاق اسم القاضي عليه لايقتضي صحّة قضائه لا ظاهراً و لا واقعاً؛ كما هو واضحٌ‌»(3).

هذا. ثمّ لا خفاء في حسن نصب بعض القضاة للتحاكم بين صنفٍ خاصٍّ من الناس، كالعسكريّين أو الروحانيّين، فيجوز للحكم أن ينصبهم للقيام بهذه المهمّة.

و حكمُ ما حكم به قد مضى في نكات المبحث، فلا حاجة إلى إعادته.



1) . راجع: «شرائع الإسلام» ج 4 ص 63.

2) . راجع: «جواهر الكلام» ج 40 ص 68.

3) . راجع: نفس المصدر و المجلّد ص 71.

المبحث السابع هل يجوز للحكومة أن تستعمل رجال الأمن و الإستخبارات‌؟

اشارة

المبحث السابع هل يجوز للحكومة أن تستعمل رجال الأمن و الاستخبارات‌؟

ذكرنا انّ من وظائف الفقيه الوليّ هو الارتشاف على أعمال الدوائر الحكوميّة و النظارة على حُسن قيامها بها، كما انّ من وظائف الحكم أن تراقب أعمال الناس - على وجهٍ سنذكره - صيانةً للمجتمع من الفساد و للحكم من الاضمحلال.

و الآن لنا أن نتساءل: هل يجوز للدولة - عملاً بهذه الوظيفة - أن تستعمل رجال الأمن و الاستخبارات ليكونوا عيوناً لها ناظراتٍ على أعمال الناس‌؟. و نأتي بتفصيل الجواب من خلال نكاتٍ‌:

النكتة الأولى

لاخلاف في حرمة التجسّس في أعمال الناس و ما يرتبط بهم من الآراء و الاقتراحات و الأفكار. و قد أُكّد على حرمته في بعض روايات الباب حتّى عدّه المعصوم مضاهياً للكفر أو مشرفاً عليه؛ كما و قد ذُكر في بعضها انّ من هتك ستر الناس بالتجسّس في أعمالهم يُهتك ستره و لو في جوف بيته.

النكتة الثانية

اشارة

عقد الشيخ الكلينيّ رحمه الله في الكافى باباً أسماه: «باب من طلب عثرات المؤمنين و

عوراتهم»(1)، و ذكر فيه سبع رواياتٍ كلّها صحاحٌ سنداً. و كلّها تشترك في إفادة معنيين:

الأوّل: التأكيد البالغ على حرمة التجسّس في أمر الغير؛

الثاني: الإشارة إلى أنّ له أثراً وضعيّاً، و هو هتك ستر من هتك ستر الناس. و نأتي هيهنا بروايتين من روايات الباب؛ و هما:

الرواية الأولى

«محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن محمّد بن سنان عن إبراهيم و الفضل ابني يزيد الأشعريّ عن عبداللّه بن بكيرٍ عن زرارة عن أبي جعفرٍ و أبي عبداللّه عليهما السلام قالا: أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يواخي الرجل على الدين فيحصي عليه عثراته و زلّاته ليعنّفه بها يوماً مّا»(2).

السند صحيحٌ‌، و الرواية مرويّةٌ تارةً عن مولانا أبي جعفر الباقر، و تارةً أخرى عن مولانا أبي عبداللّه الصادق عليهما السلام، و دلالتها على شدّة حرمتها تامّةٌ غير محتاجةٍ إلى بيانٍ‌.

الرواية الثانية

«محمّدبن يحيى عن أحمدبن محمّدعن عليّبن النعمان عن إسحاق بن عمّارٍ قال: سمعت أباعبداللّه عليه السلام يقول: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: يا معشر من أسلم بلسانه و لم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تذمّوا المسلمين و لاتتّبعوا عوراتهم، فإنّه من تتبّع عوراتهم تتبّع اللّه عورته، و من تتبّع اللّه - تعالى - عورته


1) . راجع: «الكافي» ج 2 ص 354.

2) . راجع: «الكافي» ج 2 ص 354 الحديث 1؛ و انظر: «وسائل الشيعة» ج 12 ص 274 الحديث 16292، «بحار الأنوار» ج 72 ص 48.

يفضحه و لو في بيته»(1).

السند صحيحٌ‌، أو موثّقٌ - على كلامٍ في إسحاق بن عمّار(2)-، و دلالتها على كون التجسّس على حدّ الكفر واضحةٌ‌، و قد عبّر عنه صلى الله عليه و آله بقوله: «... من أسلم بلسانه و لم يخلص الإيمان إلى قلبه».

ثمّ أشار صلى الله عليه و آله إلى أنّ له أثراً وضعيّاً، و هو: انّ «من تتبّع عوراتهم تتبّع اللّه عورته»، فمن يتجسّس عن مذامّ الناس ليفتضحهم بها سيفتضحه اللّه - تعالى - بدلاً منه.

و نظائرهما كثيرةٌ‌، و فيما ذكرناه كفايةٌ‌.

النكتة الثالثة

قد أشرنا إلى حرمة التجسّس في أعمال الناس و التنقيب عن أخبارهم، و لكنّ العقل و النقل قد تطابقا على استثناء موارد من هذا الحكم، فليس البحث عن أعمالهم و أخبارهم في هذه الموارد قبيحاً، فلاحرمة فيها.

و الحاكم الوحيد في الموارد هي قاعدة الأهمّ و المهمّ‌، فالمهمّ عدم جواز التنقيب عن مجال الناس الشخصيّ‌، و لكن الأهمّ حفظ المجتمع عمّا يضادّه و يضرّ بأمنه، و كذلك حفظ الدولة عمّا يهدّدها و يجعلها في معرض الدثور و الإضمحلال. فكلّ موردٍ يكون مصداقاً للأهمّ يحكم العقل بجواز التجسّس فيه كما يؤيّده النقل فيه.

و من تلك الموارد: جواز فحص الوالد عمّا يرجع إلى مخالطة أبنائه و معاشرتهم، فله - بل يجب عليه - أن يرقبهم ليحفظهم عمّا يضادّ صلاحهم في حياتهم الدنيويّة و سدادهم


1) . راجع: «الكافي» ج 2 ص 354 الحديث 1؛ و انظر: «وسائل الشيعة» ج 12 ص 275 الحديث 16293، «بحار الأنوار» ج 72 ص 259، «الإختصاص» ص 225.

2) . قال الشَّيخ رحمه الله: «إسحاق بن عمّار الساباطيّ‌، له أصلٌ و كان فطحيّاً، إلّاانّه ثقةٌ و أصله معتمدٌعليه»؛ راجع: «الفهرست» ص 39 الرقم 52؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 3 ص 52 الرقم 1157-1160.

في حياتهم الأخرويّة؛ و لافرق في ذلك بين الأبناء الذكور و الإناث.

و عليه أن يرقب زوجته أيضاً، و ذلك بحكم العقل و النقل.

و من تلك الموارد أيضاً جميع الأعمال الّتي يكون التجسّس لازماً لها، كالزواج، فمن يريد أن يزوّج ابنه امرأةً - و كذلك في زواج بنته - فعليه أن يتفحّص عن زوجة ابنه و بعل بنته لئلّا يكون مسيرهما إلى الفراق.

و كذلك في العامل و الموظّف و المأمور، فانّ الآمر و ربّ العمل و الناظر يجب عليهم أن ينظروا في أعمالهم ليقوموا بوظائفهم على أحسن ما يكون.

و تلك الموارد كثيرةٌ‌، و أهمّها نظارة الفقيه الوليّ على جميع شؤون الحكم و الدوائر الحكوميّة و أعضائها، و كذلك إشراف الحكم على آحاد الناس لئلّا يفسد أمر الحكم و يؤول النظام إلى الإضمحلال.

و هذا كلّه واضحٌ عند العقل بحيث لايحتاج إلى مزيدٍ من البيان.

النكتة الرابعة

اشارة

و النقل يؤيّد حكم العقل بجواز التجسّس و التفحّص في تلك الموارد - بل بوجوبهما -.

و هناك جملةٌ من الروايات تدلّ عليه، و لنأت بقسطٍ منها:

الرواية الأولى

ما كتبه أميرالمؤمنين عليه السلام لمالكٍ الأشتر لمّا ولّاه على مصر، و من جملة كلامٍ له عليه السلام فيه:

«و ليَكُن أبعد رعيّتك منك و أشنأهم عندك أطلبهم لمعايب الناس، فإنّ في الناس عيوباً الوالي أحقّ مَن سترها، فلاتكشفنّ عمّا غاب عنك منها فإنّما عليك تطهير ما ظهر لك و اللّه يحكم على ما غاب عنك. فاستر العورة ما

استطعت يستر اللّه منك ما تحبّ ستره من رعيّتك، -... - فإنّ الساعي غاشٌّ و إن تشبّه بالناصحين -... - ثمّ انظر في أمور عمّالك فاستعملهم اختباراً و لاتولّهم محاباةً ثمّ تفقّد أعمالهم و ابعث العيون من أهل الصدق و الوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السرّ لأمورهم حدودةٌ لهم على استعمال الأمانة و الرفق بالرعيّة»(1).

و في كلامه عليه السلام هذا أمورٌ:

الأوّل: قوله عليه السلام: «وليكن أبعد...» يدلّ على قبح التفحّص عن عورات الناس؛

الثاني: قوله عليه السلام: «ثمّ انظر في أمور عمّالك» يدلّ على وجوب مراقبتهم ليقوموا بما يجب عليهم من الوظائف على ما هو اللائق بهم؛

الثالث: قوله عليه السلام: «ثمّ تفقّد أعمالهم و ابعث العيون» يدلّ على وجوب استعمال رجال الأمن على القائد، لأنّهم عيونه و آذانه، فيعينونه في حفظ المجتمع و النظام عمّا يضادّهما؛

الرابع: قوله عليه السلام: «من أهل الصدق و الوفاء» يدلّ على ما هو من قبيل الشرط في رجال الاستخبارات، و هو كونهم صادقين في أعمالهم غير خائنين فيها.

و كيف كان فدلالة هذه الرسالة على المقصود واضحةٌ‌.

الرواية الثانية

قوله عليه السلام: «بلغني» فيما كتبه إلى عثمان بن حنيفٍ‌(2)و أبي موسى الأشعريّ‌(3)و شريحٍ‌


1) . راجع: «نهج البلاغة» الكتاب 53 ص 426، «شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 17 ص 36؛ و انظر: «مستدرك الوسائل» ج 13 ص 162.

2) . راجع: «نهج البلاغة» الكتاب 45 ص 416.

3) . راجع: نفس المصدر، الكتاب 62 ص 453.

القاضي(1)و عبداللّه بن عبّاسٍ‌(2)و غيرهم(3)إذ اللفظة هذه تشير إلى أنّ عيونه قد أخبروه بما وقع على أيدى حكّامه و قضاته.

و يدلّ على أنّ تلك الأخبار كانت واصلةً إليه من ناحية رجال الأمن، لا من ناحية الوُشاة النمّامين قوله عليه السلام في الرسالة المشار إليها المالكيّة:

«و ليكن أبعد رعيّتك منك و أشنأهم عندك أطلبهم لمعائب الناس،... فانّ الساعي غاش و إن تشبّه بالناصحين»؛

فما كان عليه السلام يقبل القول ممّن كان يأمر بإبعاده و ينصّ على كونه غاشياً، و هذا واضحٌ‌.



1) . راجع: نفس المصدر، الكتاب 2 ص 364.

2) . راجع: نفس المصدر، الكتاب 18 ص 375.

3) . فانظر - على سبيل المثال -: نفس المصدر، الكتاب 19 ص 376 و الكتاب 20 ص 377 و الكتاب 34 ص 407.

المبحث الثامن فى حدّ التعزير و إمكان تبديله بتعزيرٍ آخر

اشارة

المبحث الثامن في حدّ التعزير و امكان تبديله بتعزيرٍ آخر

هناك مسألتان في باب التعزير يجب علينا الالتفات إليهما لما لهما من الدور في أبحاث التعزير الحكوميّة، و هما:

الأولى: ما هو حدّ التعزير؟؛

و الثانية: هل يجوز تبديل التعزير بأمرٍ آخر كأن يبدّل الحاكم الجلد بالعقوبة الماليّة‌؟.

ففي المبحث مسألتان.

المسألة الأولى ما هو حدّ التعزير؟

اشارة

الفرق بين الحدّ و التعزير: انّ الأوّل قد نصّ الشارع على كمّيّة العقوبة فيه، فحدّ الزنا - أعاذنا اللّه من جميع المعاصي -: مأة جلدةٍ كما عيّنه الشارع؛ أمّا الثاني فهو من باب التأديب، و ليس للعقوبة فيه عددٌ معيّنٌ‌، بل الكمّيّة فيه تابعةٌ للموارد.

ثمّ هناك خلافٌ عظيمٌ بين الفقهاء في كمّيّة التعزير في موارده، و المسألة هذه قد عقدناها للتحقيق حول هذه المشكلة الفقهيّة الّتي كثرت فيه الأقوال - كما سنشير إليها -.

و في المسألة نكاتٌ‌:

النكتة الأولى

في المسألة أقوال كثيرةٌ بلغت إلى عشرة أقوالٍ‌:

فمنهم من قال: حدّ التعزير إلى عشرة أسواطٍ؛

و منهم من قال: إلى أقلّ منها؛

و منهم من قال: إلى أربعة أسواطٍ؛

و منهم من قال: من العشرة إلى العشرين؛

و هناك أقوال أخر يطول الكلام بذكرها(1).


1) . إليك نصوص بعض الأعلام في هذا المضمار: قال مفيد الصناعة الفقهيّة رحمه الله: «... تعزيراً و تأديباً من عشرة أسواطٍ إلى تسعةٍ و تسعين سوطاً بحسب ما يراه الحاكم»؛ راجع: «المقنعة» ص 785. و قال الحلبيّ قدس سره: «... فيعزّرا بحسب ما يراه وليّ التأديب من عشرة أسواطٍ إلى تسعةٍ و تسعين سوطاً»؛ راجع: «الكافي في الفقه» ص 417. و قال ابن زهرة رحمه الله: «... انّ التعزير... على حسب ما يراه وليّ الأمر من عشرة أسواطٍ إلى تسعةٍ و تسعين سوطاً»؛ راجع: «غنية النزوع» ص 435؛ و انظر أيضاً: «جامع الخلاف و الوفاق» ص 597، «مختلف الشيعة» ج 9 ص 179، «مجمع الفائدة و البرهان» ج 13 ص 178.

النكتة الثانية

الظاهر انّ هذا الخلاف الهائل مستندٌ إلى ما لروايات الباب من الخلاف في الحكم، فكلّ روايةٍ يشير إلى تعزيرٍ ربّما يخالف ما أشار إليه غيره من الروايات. و لنا وجهٌ ربّما نتمكّن به من الجمع بين الروايات، و سنتكلّم عنه بعد أن نذكر جملةً من تلك الروايات لنرى ما فيها من الخلاف الهائل.

النكتة الثالثة
اشارة

أشرنا إلى ما بين روايات الباب من الخلاف، و هذه النكتة عقدناها لأن نذكر فيها بعضاً من تلك الروايات. فمنها:

الرواية الأولى

«محمّد بن الحسن بإسناده عن يونس عن إسحاق بن عمّارٍ قال: سألت أباإبراهيم عليهما السلام عن التعزير كم هو؟ قال: بضعة عشر سوطاً ما بين العشرة إلى العشرين»(1).

السند موثّقٌ‌، على كلام لهم في إسحاق بن عمّار، و لايبعد الذهاب إلى كونه صحيحاً. و دلالتها على جواز التعدّي عن العشرة إلى العشرين و عدم جواز التعدّي عن العشرين واضحةٌ‌.

الرواية الثانية

«محمّدبن عليّبن الحسين قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لايحلّ لوالٍ يؤمن باللّه


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 374 الحديث 35001، «التهذيب» ج 10 ص 144؛ و انظر: «الكافي» ج 7 ص 240 الحديث 1.

و اليوم الآخر أن يجلد أكثر من عشرة أسواطٍ إلّافي حدٍّ»(1).

الرواية من جازمات الصدوق رحمه الله، و المختار كونها صحاحاً. و لها دلالةٌ تامّةٌ على عدم جواز التعدّي عن عشرة أسواطٍ.

الرواية الثالثة

«و في العلل عن محمّد بن الحسن عن الصفّار عن العبّاس بن معروفٍ عن عليّ بن مهزيار عن محمّد بن يحيى عن حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قلت: كم التعزير؟ فقال: دون الحدّ، قال: قلت: دون ثمانين‌؟ قال: لا و لكن دون أربعين، فانّها حدّ المملوك»(2).

السند صحيحٌ‌، بل هو من عوالي الأسناد. دلالة صدرها على أنّ حدّ التعزير دون الأربعين واضحةٌ‌، ثمّ لذيلها دلالةٌ أخرى سنعود إليها فى النكتة السادسة؛ فانتظر.

الرواية الرابعة

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن محمّد بن بندار عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر عن عبداللّه بن حمّادٍ عن المفضّل بن عمر عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجلٍ أتى امرأته و هو صائمٌ و هي صائمةٌ‌، فقال: إن استكرهها فعليه كفّارتان، و إن كانت طاوعته فعليه كفارةٌ و عليها كفارةٌ‌، و إن كان أكرهها


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 375 الحديث 35002، «الفقيه» ج 4 ص 73 الحديث 5143.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 375 الحديث 35003، «علل الشرائع» ج 2 ص 538 الحديث 4؛ و انظر: «الكافي» ج 7 ص 241 الحديث 5، «التهذيب» ج 10 ص 92 الحديث 13.

فعليه ضرب خمسين سوطاً نصف الحدّ، و إن كان طاوعته ضرب خمسةً و عشرين سوطاً و ضربت خمسةً و عشرين سوطاً»(1).

السند صحيحٌ‌، و لا كلام فيه. و فيها دلالةٌ على أنّ تعزير من أتى امرأته و هما صائمان نصف حدّ الزنا، و هو خمسين سوطاً.

و هذه الروايات كثيرةٌ‌، و قد ذكر منها صاحب الوسائل رحمه الله في أبواب الحدود و التعزيرات من كتابه ما يربوا على مأة روايةٍ‌؛ و فيما ذكرناه كفايةٌ للإشارة إلى ما وقع بينها من الخلاف.

النكتة الرابعة
اشارة

مختار بعضهم في هذا الخلاف القول بالتخيير بين الأقلّ و الأكثر - و هو تسعةٌ و تسعين سوطاً -؛

و مختار بعضهم فيه اختيار المنصوص به في كلّ موردٍ من موارد وجوب التعزير؛

و لهم فيه أقوالٌ أُخر. و مبنى الكلّ على أنّ لتلك الحدود خصوصيّةً لايمكن التعدّي عنها.

و اختلاف الروايات في تعيين التعزير في موردٍ واحدٍ يشير إلى أن لا خصوصيّة فيها. و لنكتف بذكر روايتين تشيران إلى حدّ التعزير في موردٍ واحدٍ، و هو اتيان الرجل امرأته و هي حائضٌ‌، و هما:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن محمّد بن جعفرٍ عن


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 10 ص 56 الحديث 12820، «الكافي» ج 7 ص 242 الحديث 12؛ و انظر: «الفقيه» ج 2 ص 117 الحديث 1889.

أبي حبيبٍ عن محمّد بن مسلمٍ قال: سألت أباجعفرٍ عليه السلام عن الرجل عن الرجل يأتي المرأة و هي حائضٌ‌، قال: يجب عليه في استقبال الحيض دينارٌ و في استدباره نصف دينارٍ؛ قال: قلت: جعلت فداك! يجب عليه شيءٌ من الحدّ؟ قال: نعم، خمسٌ و عشرون سوطاً ربع حدّ الزاني، لأنّه أتى سفاحاً».(1)

الرواية الثانية

«و عنه عن أبيه عن صالح بن سعيدٍ عن إسماعيل بن الفضل الهاشميّ قال:

سألت أباالحسن عليه السلام عن رجلٍ أتى أهله و هي حائضٌ‌، قال: يستغفر اللّه و لايعود. قلت: فعليه أدبٌ؟ قال: نعم! خمسةٌ و عشرون سوطاً ربع حدّ الزاني، و هو صاغرٌ لأنّه أتى سفاحاً»(2).

السندان صحيحان، و لاكلام عندنا فيهما و إن ذهب بعضهم إلى أنّ الثاني لايخلو عن ضعفٍ‌. و لايخفى ما بينهما من التعارض، فانّ الأولى تدلّ على وجوب الكفّارة فيه مضافاً إلى ما فيه من إجراء الحدّ عليه، بينما انّ الثانية تدلّ على وجوب إجراء الحدّ عليه من غير ذكرٍ فيها للكفّارة؛

ثمّ الثانية تدلّ على وجوب تصغيره، بينما انّ الأولى لا دلالة فيها عليه. و هذا يشير إلى أنّ تلك الحدود لا خصوصيّة فيها.

النكتة الخامسة


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 377 الحديث 35007، «الكافي» ج 7 ص 243 الحديث 20؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 145 الحديث 7.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 378 الحديث 35008، «الكافي» ج 7 ص 242 الحديث 13؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 145 الحديث 6.

المختار في المسألة أنّ أمر التعزير و حدّه بيد الحاكم، فهو تابعٌ لما يراه صالحاً لكلّ موردٍ. و المختار مبنيٌّ على أن لاخصوصية في الحدود المعيّنة في تلك الأحاديث.

فأمر تحديد العدد بيد الحاكم، و هو يختار لكلّ موردٍ ما هو الأصلح له.

و بهذا الوجه نتمكّن من الجمع بين تلك الروايات المتعارضة بظاهرها، إذ حينئذٍ لنا أن نقول: الحكم المذكور في كلّ روايةٍ ليس إلّاتابعاً لموردٍ ترجع الرواية إليها، فلاتعارض بين تلك الروايات أصلاً.

النكتة السادسة
اشارة

و تدلّ على المختار جملةٌ من الروايات، فهي تصلح لأن تكون شاهدةً لهذا الجمع الّذي أبديناه، بل لهذه الجملة دلالةٌ واضحةٌ عليه. و هيهنا نشير إلى ثلاثٍ منها:

الرواية الأولى

«محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

شهود الزور يجلدون حدّاً، و ليس له وقتٌ‌، ذلك إلى الإمام. و يطاف بهم حتّى يُعرفوا و لايعودوا. قال: قلت: فإن تابوا و أصلحوا تُقبل شهادتهم بعد؟ قال: إذا تابوا تاب اللّه عليهم و قبلت شهادتهم بعد»(1).

السند لابأس به، و لا أقلّ من كونه موثّقاً. و قوله عليه السلام: «و ليس له وقتٌ - أي: عددٌ -، ذلك إلى الإمام» ظاهرٌ في الدلالة على المختار، بل هو نصٌّ فيه.

الرواية الثانية


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 333 الحديث 33686، «الفقيه» ج 3 ص 59 الحديث 3332؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 101 ص 311، «ثواب الأعمال» ص 225.

«و بإسناده عن عليّ بن مطر عن عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: انّ شهود الزور الزور يجلدون جلداً ليس له وقتٌ‌، ذلك إلى الإمام. و يطاف بهم حتّى تعرفهم الناس؛ و تلا قوله - تعالى -: «وَ لَاتَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا»(1). قلت: بم تُعرف توبته‌؟ قال: يكذّب نفسه على رؤوس الأشهاد حيث يضرب و يستغفر ربّه - عزّ و جلّ -، فإذا هو فعل ذلك فثمّ ظهرت توبته»(2).

السند لابأس به، و عليّ بن مطرٍ و إن رماه بعض الرجاليّين بالتضعيف و لكن وثّقه جمعٌ من كبارهم، فلاأقلّ من كونه موثّقاً أيضاً(3). و دلالة قوله عليه السلام: «ذلك إلى الإمام» كدلالة قوله عليه السلام في السابقة عليها تامّةٌ على المقصود.

أضف إلى ذلك ما من الدلالة لذيل الرواية الثالثة المتقدّمة في النكتة الثالثة على المطلوب.

و الظاهر انّ هذا الوجه هو مختار صاحب الوسائل رحمه الله حيث علّق على الرواية الثانية من روايات الباب العاشر من أبواب بقيّة الحدود بقوله:

«و تقدّم ما يدلّ على الزيادة، و على أنّه بحسب ما يراه الإمام»(4).


1) . كريمتان 4/5 النور.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 334 الحديث 33869، «الفقيه» ج 3 ص 60 الحديث 3336؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 85 ص 31.

3) . قد أهمل ذكره كثيرٌ من الرجاليّين كالنجاشيّ و العلّامة 0، و وثّقه بعضهم كالحائريّ رحمه الله؛ راجع: «منتهى المقال» ج 5 ص 72 الرقم 2115. و قال العلّامة المحدّث النوريّ قدس سره عند ذكر طريق الصدوق إليه: «و لكن عليّ بن مطر مهملٌ و لارواية له في الكتب المعتبرة»؛ راجع: «مستدرك الوسائل» / الخاتمة ج 4 ص 498 الرقم 227. أمّا تضعيفه فلم أعثر عليه؛ انظر: «تنقيح المقال» ج 2 ص 309 الرقم 8522، «جامع الرواة» ج 1 ص 602 القائمة 2.

4) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 375 مذيلاً على الحديث 35001.

و كيف كان فالظاهر انّ المختار هو خير الأقوال و أحسنها في المسألة؛ و الحمد للّه ربّ العالمين.

المسألة الثانية هل يجوز تبديل التعزير بالعقوبة الماليّة‌؟

اشارة

هذه المسألة من أهمّ مسائل الباب. و من الغريب انّ الخاصّة لم يذكروها في مصنّفاتهم الفقهيّة، بينما انّ الفقهاء من العامّة قد فصّلوا الكلام حولها(1). فعلينا التحقيق فيها لئلّا تخلو الرسالة من هذه النكتة الهامّة. و قبل الخوض في صلب المطلب نقدّم مقدّمتين.

المقدّمة الأولى

لاريب في وجود العقوبة الماليّة في أحكام الشريعة، فهي ممضاةٌ من قبل الشارع. و من مواردها جميع الكفّارات، و وجوب كسر الالات المعدّة للغناء، و تشريع الدية في القتل الواقع على سبيل الخطأ، و أمثالها الكثيرة الّتي يقف عليها المتتبّع في فقه الإماميّة.

المقدّمة الثانية
اشارة

المبحوث عنه هيهنا هو الحكم الأوّلي في المسألة، أمّا العناوين الثانويّة فلاكلام لنا فيها.

إذ من البيّن جواز تبديل التعزير بالعقوبة الماليّة لوكان هناك محظورٌ، إذ من المجمع عليه بين الفريقين انّ الضرورات تبيح المحضورات. فلووجب التعزير على شيخٍ هرمٍ لم يطقه بل ينجرّ التعزير إلى موته فلاريب في جواز تبديله بغيره من العقوبات كالعقوبة الماليّة؛ بل قد يجب في بعض الصور.

بل الكلام كلّه في أنّه هل يجوز هذا التبديل بما انّه حكمٌ أوّليٌّ في المسألة‌؟ أم لايجوز؟.

و بعد تمهيد هاتين المقدّمتين نقول: تحقيق الكلام في المسألة يحتاج إلى رسم نكاتٍ‌.

النكتة الأولى


1) . لم أعثر على نصٍّ منهم في المسألة.

أشرنا في المسألة الأولى المتقدّمة إلى أن لا خصوصيّة للحدود المعيّنة في الشريعة لأقسام التعزيرات، بل أمر كمّيّتها بيد الحاكم، فهو يختار لكلّ موردٍ ما هو اللائق به. و الآن نزيد عليه و نقول: الظاهر أن لا خصوصيّة لأقسام التعزيرات أيضاً، بل الموضوع في الشريعة هو نفس التعزير فقط، أمّا كيفيّته فمفوّضةٌ إلى الحاكم الشرعيّ‌، و هو الّذي يعيّنها بحسب أقسام مواردها و مصاديقها. فلاخصوصيّة للعقوبة الجسمانيّة أو العقوبة الماليّة أو العقوبة بمزق عرض المرء، بل الثلاثة مصاديق التعزير، و الفقيه يختار في كلّ موردٍ ما هو الأليق به.

النكتة الثانية
اشارة

و تدلّ على المختار طوائف من روايات باب التعزير؛ و نأتي هيهنا بجملةٍ منها. فمنها:

الطائفة الأولى:
اشارة

و هي الّتى وردت في حكم من قتل عبده قتل عمدٍ أو شبه عمدٍ؛

فمن الروايات ما يدلّ على أنّه يجب عليه كفّارة الجمع؛

و منها ما يدلّ على أنّه يجب أن يُضرب و يُسجن من غير ذكرٍ لمدّة تسجينه؛

و منها ما يدلّ على وجوب ضربه مع أخذ ثمن العبد منه ثمّ إيصاله إلى بيت مال المسلمين؛

و منها ما يدلّ على وجوب ضربه مع نفيه من بلده. فمنها:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن أبن أبي عمير عن حمّاد عن الحلبيّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قال في الرجل يقتل مملوكه متعمّداً قال: يعجبني أن يعتق رقبةً و يصوم شهرين متتابعين و يطعم ستّين مسكيناً

ثمّ تكون التوبة بعد ذلك»(1).

السند في أعلى مدارج الصحّة، فلا كلام لأحدٍ فيه. و دلالتها على وجوب كفّارة الجمع على المولى الّذي قتل عبده واضحةٌ‌.

و من اللافت للنظر في متن الرواية قوله عليه السلام: «يعجبني أن يعتق...»، إذ المستفاد منه جواز تبديله بغيره من التعزيرات مع كونه أفضل من غيره و أدفع لقبح القتل و ذنبه. و هذا نفسه يدلّ على جواز التبديل فيه من غير أن يكون فيه مدخلٌ للضرورة أو غيرها من العناوين الثانويّة. و هذا هو المقصود.

الرواية الثانية

«و عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّدٍ عن ابن محبوبٍ عن أبي أيّوب عن حمران عن أبي جعفرٍ عليه السلام في الرجل يقتل مملوكاً له‌؟ قال: يعتق رقبةً و يصوم شهرين متتابعين و يتوب إلى اللّه - عزّ و جلّ -»(2).

السند صحيحٌ أيضاً. و لم يذكر الإمام عليه السلام فيها وجوب إطعام ستّين مسكيناً. فالمولى الّذي قتل عبده بالخيار، إن شاء يطعمهم، و إن لم يشأ لم يطعمهم.

الرواية الثالثة

«و عنهم عن سهل بن زيادٍ عن محمّد بن الحسن بن شمّون عن عبداللّه بن عبدالرحمن الأصمّ عن مسمع بن عبدالملك عن أبي عبداللّه عليه السلام: أنّ‌


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 29 ص 91 الحديث 35226، «الكافي» ج 7 ص 302 الحديث 2؛ و انظر: «الفقيه» ج 4 ص 125.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 29 ص 91 الحديث 35227، «الكافي» ج 7 ص 303 الحديث 3؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 235 الحديث 2.

أميرالمؤمنين عليه السلام رُفع إليه رجلٌ عذّب عبده حتّى مات، فضربه مائة نكالاً و حبسه سنةً و أغرمه قيمة العبد فتصدّق بها عنه»(1).

السند صحيحٌ‌، و قد أشرنا مراراً فيما سبق إلى أن سهل بن زيادٍ لابأس به عندنا، و إن رماه بعضهم بالغلوّ. و دلالتها على غير ما كانت تدلّ عليه الروايتان الأولى و الثانية واضحةٌ‌. حيث إنّ الأربعة المذكورة في الأولى و الثلاثة المذكورة في الثانية لم توجد فيها، و ما في الثالثة لم يوجد فيهما.

الرواية الرابعة

«و بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن أبي عبداللّه عن أبيه عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمرٍ عن جابرٍ عن أبي جعفرٍ عليه السلام في الرجل يقتل ابنه أو عبده‌؟ قال: لايُقتل به و لكن يُضرب ضرباً شديداً و ينفى عن مسقط رأسه»(2).

السند لابأس به، و عمرو بن شمرٍ(3)و جابر(4)و إن ضعّفهما الرجاليّون، و لكن لابأس بهما عندنا، نظراً إلى أنّ الغلوّ المذكور في كلمات القدماء في عداد ما يدلّ على القدح لانعدّه


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 29 ص 92 الحديث 35230، «الكافي» ج 7 ص 303 الحديث 6؛ و انظر: «الفقيه» ج 4 ص 153 الحديث 5339.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 29 ص 93 الحديث 35234، «التهذيب» ج 10 ص 236 الحديث 11؛ و انظر: «الفقيه» ج 4 ص 120 الحديث 5246.

3) . قال النجاشيّ رحمه الله: «ضعيفٌ جدّاً»؛ راجع: «رجال النجاشي» ص 287 الرقم 765؛ و انظر: «خلاصة الأقوال» ص 378 الرقم 1516، «منتهى المقال» ج 5 ص 112 الرقم 2163.

4) . قال النجاشي رحمه الله: «كان في نفسه مختلطاً»؛ راجع: «رجال النجاشي» ص 128 الرقم 332. و قد وثّقه العلّامة قدس سره حيث ذكره في القسم الأوّل من كتابه؛ راجع: «خلاصة الأقوال» ص 94 الرقم 213؛ و انظر: «منهج المقال» ج 3 ص 154 الرقم 965.

قدحاً إن لم يكن مدحاً. و كلاهما مرميٌّ بالغلوّ، فلاخدشة فيهما؛ و كيف كان فلابأس بهما عندنا، فلابأس بالسند.

ثمّ المذكور في الرواية وجوب نفيه عن بلده، و هو غير ما هو المذكور في السابقات عليها.

الرواية الخامسة

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن المختار بن محمّدٍ و عن محمّد بن الحسن عن عبداللّه بن الحسن العلويّ جميعاً عن أبي الفتح الجرجانيّ عن أبي الحسن عليه السلام في رجلٍ قتل مملوكه أو مملوكته‌؟ قال: إن كان المملوك له أدِّب و حُبس، إلّاأن يكون معروفاً بقتل المماليك فيُقتل به»(1).

السند لابأس به، و ابوالفتح الجرجانيّ و إن لم يذكره القدماء في موسوعاتهم الرجاليّة(2)و لكن قد وثّقه الشيخ الحرّ رحمه الله في خاتمة وسائله(3)، فلا أقلّ من كون السند موثّقاً. و لم يُذكر فيه وجوب نفي المولى عن البلد أو حبسه أو أخذ قيمة العبد منه.

الرواية السادسة


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 29 ص 94 الحديث 35237، «الكافي» ج 7 ص 303 الحديث 5؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 192 الحديث 55، «عوالي اللآلىء» ج 3 ص 583 الحديث 28.

2) . حتّى أنّ المحقّق الخوئيّ أيضاً أهمله في معجمه و المامقانيّ 0 في تنقيحه. نعم! الظاهر انّه الفتح بن يزيد الجرجانيّ‌، لما في الكافي و التهذيب - راجع: المصادر المذكورة في التعليقة السالفة -، فإذاً لم يكن من المجاهيل؛ راجع: «رجال النجاشي» ص 311 الرقم 853، «خلاصة الأقوال» ص 388 الرقم 1557، «معجم رجال الحديث» ج 13 ص 246 الرقم 9300.

3) . لم أهتد إلى مراد الشَّيخ الأستاذ - حفظه اللّه تعالى و جعله في رعيه -. و لم أعثر عليه حيث لم يذكر الشَّيخ الحرّ رحمه الله الفتح بن يزيد و لا أبا الفتح الجرجانيّ في خاتمة وسائله.

«محمّد بن يعقوب عن أبي عليٍّ الأشعريّ عن محمّد بن عبدالجبّار عن صفوان عن ابن مسكان عن أبي بصيرٍ عن أحدهما عليهما السلام قال: قلت له: قول اللّه - عزّوجلّ -: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثَى بِالْأُنْثَى»(1)قال: فقال: لايُقتل حرٌّ بعبدٍ و لكن يُضرب ضرباً شديداً و يُغرَّم ثمنه دية العبد»(2).

السند في غاية الصحّة، فلاكلام فيه. و تدلّ على أن لاشيء على المولى إذا قتل عبده إلّا أن يُضرب و يُؤخذ منه ثمن العبد.

هذا؛ فالمتحصّل من ملاحظة روايات الباب انّ التهافت الواقع بينها ممّا لاينكر، فما هو الوجه في الجمع بينها؟؛ سنبحث عنه بعد أن أشرنا إلى طائفةٍ أخرى من روايات باب التعزير.

الطائفة الثانية:

و هي رواياتٌ تبيّن حكم إتيان الرجل امرأته و هي حائضٌ‌. و قد أوردنا جملةً من روايات هذا الباب في النكتة الثالثة من نكات المسألة الأولى المتقدّمة، فلانعيدها حذراً عن التطويل، فراجعها.

النكتة الثالثة

يمكن الجمع بين روايات الباب بما هو مقرّرٌ في كتاب التعادل و الترجيح، و هو القول بالتخيير. و ذلك لأنّه لم يوجد في الباب مرجِّحٌ ليُتمسّك به، حيث إنّه لايمكن الذهاب إلى شهرة الأصحاب، لأنّه لاشهرة في المقام؛ و لايمكن الذهاب إلى الأخذ بما هو مخالفٌ للعامّة؛ و لا بما يوافق الكتاب؛ لعدم حكمٍ مجمعٍ عليه بين العامّة، و لعدم حكمٍ مذكورٍ


1) . كريمة 178 البقرة.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 29 ص 96 الحديث 35240، «الكافي» ج 7 ص 304 الحديث 1؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 191 الحديث 51، «الإستبصار» ج 4 ص 272 الحديث 4.

للمسألة في الكتاب العزيز.

فلامناص من القول بالتخيير الواقعيّ في المقام. فالحاكم مخيّرٌ بين تلك التعزيرات ليختار من بينها ما هو الأليق بالمقام.

و يمكن أن يُستظهر من الروايات أن لاخصوصيّة للضرب، و لا للنفي عن البلد و لا للعقوبة الماليّة، و لالغيرها من أقسام التعزيرات، بل الأمر في التعزير كلّه بيد الحاكم، فله أن يختار ما يشاء منها في كلّ موردٍ مراعياً فيه كونه أليق به. و هو مقتضى القول بالتخيير الواقعيّ‌.

فالمتحصّل من ذلك كلّه جواز تبديل الضرب و السوط بنفي البلد، و جواز تبديلهما بالعقوبة الماليّة، و جواز تبديل الثلاثة بغيرها من أقسام التعزيرات.


المبحث التاسع فى جواز نفى البلد و عدم جوازه

اشارة

المبحث التاسع في جواز نفي البلد و عدم جوازه

المبحث عقدناه للتحقيق حول مشكلةٍ فقهيّة، و هي: هل يجوز عدّ نفي البلد في عداد التعزيرات‌؟ أم لايجوز؟؛ و بعبارةٍ أخرى: هل يجوز للحاكم الشرعيّ أن يحكم بتغريب بعض المجرمين - لواجتمعت فيه شرائط التغريب - أم لايجوز له ذلك‌؟. و لايخفى ما للمبحث من الصلة الوثيقة بأبحاث التعزيرات الحكوميّة. و في المبحث نكاتٌ‌.

النكتة الأولى

قد أشار اللّه - سبحانه و تعالى - إلى التغريب و نفي البلد في آيتين شريفتين، و هما:

الآية الأولى: قوله - تعالى -:

«إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَونَ فِي الْأَرضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَو يُصَلَّبُوا أَو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَو يُنْفَوا مِنَ الْأَرْضِ‌»(1).

و الآية الثانية: قوله - تعالى -:

«يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَ بَنَاتِكَ وَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ‌


1) . كريمة 33 المائدة.

جَلَابِيبِهِنَّ‌»(1).

النكتة الثانية

قد ذكر اللّه - سبحانه و تعالى - جملةً من الحدود لجملةٍ من المجرمين في هاتين الآيتين؛ فأشار في الآية الأولى إلى:

الف: القتل؛

ب: و الشنق؛

ج: و قطع الأيدي و الأرجل؛

د: و التغريب كجملةٍ من الحدود تجري على جملةٍ من المجرمين.

و هم:

الف: المحاربون؛

ب: و المفسدون في الأرض.

ثمّ ذكر في الآية الثانية أيضاً انّ‌

الف: المنافقين؛

ب: و الأراذل و الرَّعاع؛

ج: و الّذين يبثّون الدِّعايات يجب إجراء الحدود عليهم، و حدّهم إمّا:

الف: بالتغريب؛

ب: و إمّا بالقتل.

ثمّ لابأس بنا لوذكرنا أموراً تتعلّق بالآيتين:

الأوّل: الظاهر انّ قوله - تعالى -: «وَ يَسْعَونَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً» عطفٌ تفسيريٌّ لقوله: «الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهَ‌». فالمراد من المحاربين هم المفسدون في


1) . كريمة 59 الأحزاب.

الأرض.

الثاني: الظاهر انّ المراد من المحارب هيهنا أعمٌّ من المحارب المصطلح في الفقه، و ذلك بدلالة قوله - تعالى -: «وَ يَسْعَونَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً». و المراد منه الطابور الخامس و مُشاة الأعداء. و هذا العنوان يشمل البُغاة و الّذين يدمّرون منشآت ثقافة المجتمع و اقتصاده و ما يرجع إلى شؤونه الأخلاقيّة.

فالأراذل من المحاربين كما انّ الّذين يخلّون باقتصاد المجتمع و ثقافته طلباً لحطامهم الدنياويّ أيضاً يعدّون منهم. و ذلك لصحّة إطلاق عنوان المفسد على جميعهم.

الثالث: الظاهر انّ قوله - تعالى -: «أَو يُصَلَّبُوا» يشير إلى ما هو أشدّ من القتل، لأنّ التصليب بما هو يقع في الأنظار يلازم هتك شخصيّة المصلوب و وهنه عند الناس. فهو لايجوز إلّافي موارد خاصّةٍ فقط.

الرابع: الظاهر انّ المراد من قوله - تعالى -: «أَو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ‌»:

قطع أربعةٍ من أصابع يده اليمنى و أربعةٍ من أصابع رجله اليسرى، أو بالعكس؛ لاقطع اليد و الرجل بتمامها.

الخامس: قوله - تعالى -: «قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَ بَنَاتِكَ وَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ‌» عامٌّ يشمل جميع النساء، فلافرق في هذا الحكم بين المسلمات، بل كلّهنّ محكوماتٌ به.

السادس: قوله - تعالى -: «يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ‌» المراد به جعل ساترٍ على جميع ألبستهنّ‌، و ذلك بدلالة تعدية الفعل ب‍ «على»، إذ المعروف في تعدية «أدنى» أن يكون ب‍ «اللام»، و معناه حينئذٍ: قرب، و لو تُعدّى ب‍ «على» فالمراد منه جعل الشيء على الشيء(1). و ذلك


1) . المعروف تعدية «دنا» ب‍ «اللام» و «من» و «إلى»؛ راجع: «المنجد» ص 226 القائمة 3، و قدأطلق الفيروزآباديّ فقال: «دنا دنوّاً و دناوةً‌: قرب، كأدنى»؛ راجع: «القاموس المحيط» ص 1180 القائمة 2. أمّا تعديته ب‍ «على» فغير معروفٍ عند اللغويّين، بل لم يذكر لتعديته بها مورداً في كتاب «معجم أمّهات الأفعال معانيها و أوجه استعمالها» إلّانفس هذه الكريمة مع كثرة الاستعمالات و الأمثلة في هذا الكتاب؛ راجع: «معجم أمّهات الأفعال» ج 1 صص 444/446.

يدلّ على أن ليس المأمور به في هذه الآية إلّاملاية النساء و مِلحفتهنّ‌(1)، أمّا معطف النساء و ردائهنّ فليس هو المراد فيها، إذ لا تناسبه هذه اللفظة، بل اللائق له هو لفظة «يلبسن»، لا «يدنين عليهنّ‌».

السابع: الظاهر انّ المراد من قوله - تعالى -: رحمه الله «ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَايُؤْذَينَ‌»: أن يُعرفن بالعفّة و السداد فلايُؤذين بواسطة الأراذل و الرِّعاع - و هذا خلافاً لما هو المشهور بين المشهور من المفسّرين(2)-.

الثامن: الظاهر من قوله - تعالى -: «لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَايُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً»(3)جعْل التغريب و نفي البلد في عداد الحدود، أي: نبسط يدك في أن تنفاهم عن بلدتهم جزاءً بما كانوا يعملون من الإفساد فيها.

و ذهب جمعٌ من المفسّرين إلى أنّ المراد من «لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ‌»: أنّا نأمرك بأن تقتلهم بأجمعهم قتل ذريعٍ‌(4)، ثمّ «لَايُجَاوِرُونَكَ‌» في المدينة «إِلَّا قَلِيلاً» منهم؛ و هم الّذين أبقاهم اللّه فما قتلتَهم.


1) . قال الطبرسيّ رحمه الله: «أي: قل لهؤلاء فليسترن موضع الجيب بالجلباب، و هو الملاءة الّتي تشتمل بها المرأة. عن الحسن»؛ راجع: «مجمع البيان» ج 8 ص 181.

2) . قال علم الأعلام العلّامة الطباطبائيّ قدس سره: «أي: ستر جميع البدن أقرب إلى «أَنْ يُعْرَفْنَ‌» أنّهنّ أهل الستر و الصلاح، «فَلَايُؤْذَينَ‌» أي: لايؤذيهنّ أهل الفسق بالعترّض لهنّ‌»؛ راجع: «الميزان» ج 16 ص 340؛ و انظر: «مجمع البيان» ج 8 ص 181، «الصافي» ج 4 ص 203، «الأصفى» ج 2 ص 1002، «تفسير القرآن» - للصغّاني - ج 3 ص 123.

3) . كريمة 60 الأحزاب.

4) . قال ابن عبّاسٍ رحمه الله: «معناه: لنسلّطنّك عليهم»؛ راجع: «التبيان» ج 8 ص 361. و عن الطبرسيّ رحمه الله: «المعنى: أمرناك بقتلهم حتّى تقتلهم و تخلّى منهم المدينة»؛ راجع: «مجمع البيان» ج 8 ص 182. و عن البيضاويّ‌: «لنأمرك بقتالهم أو إجلائهم»؛ راجع: «تفسير البيضاويّ‌» ص 563؛ و انظر: «نور الثقلين» ج 4 ص 307، «جامع البيان» ج 22 ص 60.

و هذا المعنى بعيدٌ جدّاً، بل هو لايلائم سياق الآية الشريفة.

النكتة الثالثة

مقتضى تعدّد هذه العقوبات كون الحاكم فيها بالخيار، فهو يختار لكلٍّ من هذه الطوائف ما هو اللائق به من هذه الحدود، فأمر الحدود هيهنا أيضاً بيده.

النكتة الرابعة

بقت في المقام نكتةٌ هامّةٌ يجب الإلمام إليها، و هي: انّ جميع ما ذكره اللّه - سبحانه و تعالى - في هاتين الآيتين يرجع إلى باب الحدود، و لا صلة له بأحكام التعزيرات. نعم! يجوز للدولة الإسلاميّة أن تحكم بتغريب بعض المجرمين بعنوانٍ ثانويٍّ‌، و هذا ممّا لا كلام فيه. و لكنّه ليس معقد البحث، بل البحث كلّه في أنّه هل يجوز عدّ التغريب من موارد التعزير بحكمٍ أوّليٍّ؟ و هذا ممّا لاتدلّ عليه الآيتان الكريمتان. فعلينا أن نبحث عنه بعد الفراغ من نكاتٍ تأتي للبحث عن دلالة الروايات عليه؛ فانتظر!.

النكتة الخامسة

اشارة

ورد ذكر التغريب في جملةٍ من الروايات كتعزيرٍ يُجرى على جملةٍ من المجرمين، كالقوّاد و الزاني و السارق و غيرهم. و علينا أن نبحث عن تلك الروايات لنرى مدى دلالتها على المقصود. و هي كثيرةٌ‌؛ منها:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن ابي عميرٍ عن حمّاد عن الحلبيّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: النفي من بلدةٍ إلى بلدةٍ‌.

و قال: قد نفى عليٌّ عليه السلام رجلين من الكوفة إلى البصرة»(1).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 122 الحديث 34375، «الكافي» ج 7 ص 197 الحديث 1؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 35 الحديث 120.

السند صحيحٌ‌، و لها دلالةٌ واضحةٌ على تشريع أصل حكم التغريب، و أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام قد عمل به فنفى رجلين من بلدتهم إلى بلدةٍ أخرى. و لكنّها ساكتةٌ عن بيان لمّيّة فعله عليه السلام. و كيف كان فلاكلام في دلالتها على تشريع أصل الحكم.

الرواية الثانية

«و عنه عن محمّد بن عيسى عن يونس عن ابن مسكان عن أبي بصيرٍ قال:

سألت أباعبداللّه عليه السلام عن الزاني إذا زنى أ يُنفى‌؟ قال: فقال: نعم! من الّتي جُلد فيها إلى غيرها»(1).

السند صحيحٌ‌، و هو من عوالي الأسناد و أعلاها. لافرق في هذا الحكم بين الزاني و الزانية، فهما - على ما يظهر من هذه الرواية الشريفة - محكومان بالنفي عن بلدهما. و لكنّ الحكم بوجوب تغريبهما معرضٌ عنها عند الأصحاب. نعم! هناك رواياتٌ ورد فيها كون هذا الحكم ممّا ينبغي لهما، لا أنّه يجب بالنسبة إليهما؛ و هى معمولٌ بها عند الأصحاب، حيث ذكروا انّ للحاكم أن يحكم بتغريبهما بعد أن جلدهما(2).

الرواية الثالثة

«و بالإسناد عن يونس عن زرعة عن سماعة قال: قال أبوعبداللّه عليه السلام: إذا زنى الرجل ينبغي للإمام أن ينفيه من الأرض الّتي جُلد فيها إلى غيرها،


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 122 الحديث 34376، «الكافي» ج 7 ص 197 الحديث 2؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 35 الحديث 121.

2) . راجع: «الدر المنضود» ج 1 ص 304، «كشف اللثام» - الطبعة الحجريّة - ج 2 ص 399، «رياض المسائل» - الطبعة الحجريّة - ج 2 ص 467، «جواهر الكلام» ج 41 ص 325.

فإنّما على الإمام أن يخرجه من المصر الّذي جُلّد فيه»(1).

السند موثّقٌ لمكان سماعة، و إن لم يبعد الحاقه بالصحاح. من اللافت للنظر في المتن انّ الإمام ذكر أوّلاً أنّه «ينبغي للإمام أن ينفيه»، ثمّ قال عليه السلام: «على الإمام أن يخرجه»؛ و الثاني يشير إلى ما أشارت إليه الرواية الثانية، و قلنا انّ الأصحاب قد أعرضوا عن هذا الحكم، لأنّه غير مذكورٍ في الكتاب الكريم أيضاً. قال - تعالى -: «الزَّانِيَةُ و الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ‌»(2). نعم! يمكن أن يقال: انّ قوله عليه السلام: «ينبغي للإمام» يدلّ على أنّ الأمر في الاقتصار على إجراء الحدّ عليهما أو نفيهما عن بلدهما بعد إجرائه عليهما بيد الإمام، فهو يختار لكلّ موردٍ ما هو اللائق به. و هذا يساوق كون الأمر على ما يراه الحاكم.

و يؤيّده انّه لايمكن استفادة الوجوب عن قوله عليه السلام: «ينبغي للإمام» كما انّه لايمكن حمله على الاستحباب - إذ لا استحباب في المقام -؛ فبقيت اللفظة دالّةً على صرف الجواز.

هذا من ناحيةٍ‌؛ و من ناحيةٍ أخرى فإنّ المتولّي لأمرهما هو الحاكم، فيجوز له أن يحكم بتغريبهما كما انّه يجوز له أن لايحكم عليهما بالتغريب.

الرواية الرابعة

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن محمّد بن سليمان عن عبداللّه بن سنان قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أخبرني عن القوّاد ما حدّه‌؟


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 123 الحديث 34377، «الكافي» ج 7 ص 197 الحديث 2؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 35 الحديث 119.

2) . كريمة 2 النور.

قال: لاحدّ على القوّاد، أ ليس إنّما يُعطى الأجر على أن يقود؟ قلت: جعلت فداك! إنّما يجمع بين الذكر و الأنثى حراماً! قال: ذاك المؤلِّف بين الذكر و الأنثى حراماً؛ فقلت: هو ذاك، قال: يُضرب ثلاثة أرباع حدّ الزاني خمسةً و سبعين سوطاً و يُنفى من المصر الّذي هو فيه - الحديث -»(1).

السند صحيحٌ‌، و لاكلام في رفعته. ثمّ لاريب في دلالتها على وجوب نفي القوّاد عن بلدته الّتي جرى فيها عليه الحدّ، بينما انّ الأصحاب قد أعرضوا عن هذا الحكم أيضاً حيث أفتوا بأنّ حدّ القوّاد هو خمسةٌ و سبعين سوطاً فقط(2)، أمّا القول بوجوب تغريبه فلم نر بين الأعلام من أفتى به.

الرواية الخامسة

«محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّدٍ عن ابن محبوب عن عليّ بن الحسن بن رباطٍ عن ابن مسكان عن الحلبيّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: إذا أقيم على السارق الحدّ نُفي إلى بلدةٍ أخرى»(3).

السند صحيحٌ‌، و لاكلام في علوّه. و لها دلالةٌ على وجوب نفي السارق الّذي أقيم عليه


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 171 الحديث 34483، «الكافي» ج 7 ص 261 الحديث 10؛ و انظر: «الفقيه» ج 4 ص 47 الحديث 5061، «التهذيب» ج 10 ص 64 الحديث 1.

2) . انظر: «شرح اللمعة» ج 9 ص 127، «مسالك الأفهام» ج 14 ص 345، «مجمع الفائدة والبرهان» ج 13 ص 32، «رياض المسائل» - الطبعة الحجريّة - ج 2 ص 462، «جواهر الكلام» ج 41 ص 448، «مصباح الفقاهة» ج 1 ص 381.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 284 الحديث 34774، «الكافي» ج 7 ص 230 الحديث 1؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 111 الحديث 52، «الفقيه» ج 4 ص 47 الحديث 5061.

الحدّ عن بلدته إلى بلدةٍ أخرى، و هذا ممّا أعرض عنه الأصحاب.

الرواية السادسة

«العيّاشيّ في تفسيره عن سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: إذا زنى الرجل يجلد، و ينبغي للإمام أن ينفيه من الأرض الّتي جلد فيها إلى غيرها سنةً‌؛ و كذلك ينبغي للرجل إذا سرق و قطعت يده»(1).

السند ضعيفٌ بحيث لايمكن الركون إليه، و لكنّه مؤيَّدٌ بغيرها من روايات الباب، فيجوز التمسّك بها كمؤيّدٍ لما نحن فيه. و الشاهد فيها قوله عليه السلام: «و كذلك ينبغي للرجل»، بينما انّ الرواية الخامسة كانت دالّةً على وجوب نفي السارق عن بلدته.

فتحصّل ممّا قلنا في هذه النكتة انّ أصل تشريع حكم التغريب ممّا لاريب فيه، كما تدلّ عليه الرواية الأولى؛

ثمّ انّ من روايات الباب ما يدلّ على وجوب نفي الزاني عن بلدته؛

و منها ما يدلّ على جواز نفيه - كما في القوّاد و السارق أيضاً -.

و مقتضى الجمع بين الروايات أن يقال: انّ الأمر في تغريب الزاني و السارق و غيرهما بيد الحاكم، فإن ارتأى انّ خير المجتمع و صلاحه و كذلك صلاح الزاني و السارق في نفيهما عن بلدتهما، فيحكم بنفيهما؛ و إن لم ير ذلك أصلح بحال المجتمع و حالهما فلايحكم به.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 284 الحديث 34775، «تفسير العيّاشي» ج 1 ص 316 الحديث 97؛ و انظر: «مستدرك الوسائل» ج 18 ص 138 الحديث 22315، «بحار الأنوار» ج 76 ص 52.

و هذا يساوق كون التغريب و نفي البلد في عداد التعزيرات، إذ التعزير شُرّع لمصلحةٍ خاصّةٍ‌، و أمر توقيته و تحديده بيد الحاكم؛ و هذا هو الفارق بين الحدّ و التعزير.

فالمتحصّل من جميع ما ذكرناه في هذا المبحث انّ التغريب و إن لم يدلّ الكتاب العزيز على كونه في عداد التعزيرات، و لكن دلالة الروايات على كونه منها تامّةٌ‌. و هذا ما توخّينا إيراده في هذا المبحث.


المبحث العاشرهل يكون الإستخفاف و المهانة من التعزيرات‌؟

اشارة

المبحث العاشرهل يكون الاستخفاف و المهانة من التعزيرات‌؟

المبحث عقدناه للتحقيق حول مسألةٍ هامّةٍ في باب التعزيرات، و هي: هل الاستخفاف يُعدُّ من التعزيرات‌؟ و بعبارةٍ أخرى هل يجوز للحاكم أن يستخفّ ببعض المجرمين تعزيراً لهم‌؟. و في المبحث نكاتٌ‌.

النكتة الأولى

الأصل في بابي الحدود و التعزيرات الاقتصار على ما نصّ عليه الشارع، فلوقام دليلٌ على كون شيءٍ - كالاستخفاف و المهانة - في عدادهما يجوز الأخذ به و جعله منهما، أمّا لو لم يدلّ عليه دليلٌ فمقتضى الأصل عدم الذهاب إليه و كفّ اليد عنه.

فالمهمّ في المقام هو عطف النظر إلى روايات الباب لنرى مدى دلالتها عليه.

النكتة الثانية

اشارة

هناك رواياتٌ تدلّ بظاهرها على أنّ من جوازات الحاكم الإسلاميّ في مواردٍ خاصّةٍ الاستخفاف ببعض المجرمين، و ذلك نظراً إلى ما لهذه الموارد من الدور في حفظ المجتمع الإنسانيّ عن الفساد و الانحطاط. و لنذكر طائفةً منها هيهنا.

الرواية الأولى

موثّقة سماعة، و قد أوردناها في الرواية الأولى من روايات النكتة السادسة من نكات المسألة الأولى من مسائل المبحث الثامن، و لانعيدها حذراً عن التطويل، فراجعها. و الشاهد فيها قوله عليه السلام:

«و يُطاف بهم حتّى يُعرفوا و لايعودوا»(1).

و له دلالةٌ واضحةٌ على أنّ الإمام يجري الحدّ على شهود الزور ثمّ يستخفّ بهم بأن يُطاف بهم بين الناس «حتّى يُعرفوا» بعدم العدالة لئلّا تُقبل بين الناس أقوالهم، هذا بالنظر إلى صلاح المجتمع؛ و «لايعودوا» إلى شهادة الزور مرتبةً ثانيةً‌، و هذا بالنظر إلى صلاح أنفسهم ليستقيموا على الحقّ غير متعدّين إلى حقوق الناس.

الرواية الثانية

و هي موثّقة ابن سنان المشار إليها في الرواية الثانية من روايات النكتة السادسة أيضاً؛ فراجعها. و فيها قال عليه السلام:

«و يُطاف بهم حتّى تعرفهم الناس»(2).

و هو صريحٌ في أنّه يُستخفّ بالمجرم الّذي كان من شهود الزور، و ذلك لحفظ المجتمع من مضارّه.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 333 الحديث 33686، «الفقيه» ج 3 ص 59 الحديث 3332؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 101 ص 311، «ثواب الأعمال» ص 225.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 334 الحديث 33869، «الفقيه» ج 3 ص 60 الحديث 3336؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 85 ص 31.

الرواية الثالثة

«و بإسناده عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن محمّد بن يحيى عن غياث بن إبراهيم عن جعفرٍ عن أبيه: أنّ عليّاً كان إذا أخذ شاهد زورٍ فإن كان غريباً بعث به إلى حيّه، و إن كان سوقيّاً بعث به إلى سوقه فطيف به، ثمّ يحبسه أيّاماً ثمّ يخلّي سبيله»(1).

السند موثّقٌ‌، و غياث بن إبراهيم و إن كان عامّيّاً و لكنّه لايروي إلّاعن ثقةٍ‌(2)، كما انّ أحمد بن محمّد بن عيسى أيضاً لايروي إلّاعن الثقات(3)، فلابأس بالسند، و لا أقلّ من كون الرواية معتبرةً‌.

قوله عليه السلام: «كان إذا...» يدلّ على الاستمرار، و المستفاد منه انّ سيرة أميرالمؤمنين عليه السلام كانت قائمةً على أساس هتك الكذّابين في أداء الشهادة بارسال الغرباء منهم إلى ديارهم و السوقيّين إلى سوقهم و غيرهما إلى محالّهم ليعرفهم الناس فلايُخدعون بشهادتهم.

و المتحصّل منه كون الاستخفاف في عداد التعزيرات أيضاً.

و لكن هذه الروايات كلّها وردت في حكم الشاهد بغير حقٍّ الكاذب في شهادته، و قلنا انّ مقتضى الأصل في المقام الاقتصار على المنصوص به، فلولم تكن هناك ما يدلّ على جواز الاستخفاف في غيره من الموارد لم تجز تسرية الحكم إلى غيره.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 334 الحديث 33870، «التهذيب» ج 6 ص 280 الحديث 175؛ و انظر: «الفقيه» ج 3 ص 59 الحديث 3333.

2) . لم يعهد ذكر الرجل في العصابة المشهورة بأنّهم لايروون إلّاعن الثقات؛ راجع: «أصول علم الرجال» ص 443، «معجم رجال الحديث» ج 1 ص 69. نعم! كان عامّياً ثقةً‌؛ راجع: «منتهى المقال» ج 5 ص 175 الرقم 2267. و العلّامة رحمه الله و إن ذكره في القسم الثاني من كتابه و لكنّه قد وثّقه؛ راجع: «خلاصة الأقوال» ص 385 الرقم 1547، و قد وثّقه النجاشيّ قدس سره أيضاً من غير أن يشير إلى كونه عامّياً؛ راجع: «رجال النجاشي» ص 305 الرقم 833.

3) . انظر: «رجال النجاشي» ص 81 الرقم 198، «خلاصة الأقوال» ص 61 الرقم 67، «معجم رجال الحديث» ج 2 ص 295 الحديث 896.

و لكنّ الحكم يوجد في غيره من الموارد الّتي يجب فيه التعزير أيضاً. إليك بعضها:

الرواية الرابعة

«محمّد بن الحسن بإسناده عن أحمد بن محمّد عن عثمان بن عيسى عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: إذا وُجد الرجل مع امرأةٍ في بيتٍ ليلاً و ليس بينهما رحمٌ جلدا»(1).

السند صحيحٌ‌، و لاكلام في رفعته. المستفاد من منطوق الرواية انّه ما كان بينهما شيءٌ من القبائح إلّااجتماعهما في بيتٍ واحدٍ ليلاً؛ و الظاهر انّهما ما اقترفا شيئاً من المعاصي، و مع ذلك كلّه حكم الإمام عليه السلام بأنّه يجب على الحاكم أن يجلدهما.

الرواية الخامسة

«و بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن محمّد بن يحيى عن طلحة بن زيدٍ عن جعفرٍ عن أبيه عليهما السلام انّه رُفع إلى أمير المؤمنين عليه السلام رجلٌ وجد تحت فراش امرأةٍ في بيتها، فقال: هل رأيتم غير ذلك‌؟ قالوا: لا، قال:

فانطلقوا به إلى مخرأةٍ فمرّغوه عليها ظهراً لبطنٍ ثمّ خلّوا سبيله»(2).

السند صحيحٌ‌، و لا كلام فيه. و منطوقها يدلّ على أنّ الرجل و المرأة قد اقترفا من المعاصي ما لم يقترفه المذكوران في السابقة عليها. و مع ذلك ما قضى أميرالمؤمنين عليه السلام بوجوب الجلد عليهما، بل استخفّ بالرجل بأن أمر بتمريغه في المخرأة، و الرواية ساكتةٌ‌


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 145 الحديث 34428، «التهذيب» ج 10 ص 48 الحديث 176.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 145 الحديث 34429، «التهذيب» ج 10 ص 48 الحديث 175.

عمّا حكم به عليه السلام على المرأة العاصية.

الرواية السادسة

«محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن ابن أبي بصيرٍ عن حفص بن البختريّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: اُتي أميرالمؤمنين عليه السلام برجلٍ وجد تحت فراش رجلٍ‌، فأمر به أميرالمؤمنين عليه السلام فلوّث في مخرأةٍ‌»(1).

السند صحيحٌ‌، و لاسيّما انّ ابن أبي عميرٍ أيضاً وقع فيه. و لها دلالةٌ واضحةٌ على أنّ التمريغ لايختصّ بالرجل الّذي أراد الفجور بامرأةٍ فقط، بل يجوز أيضاً بالنسبة إلى رجلٍ أراد رجلاً آخر لفعل القبائح.

و بما قلنا ظهر أنّه لا وجه لما ذكره العلّامة المفضال المحقّق الشعراني رحمه الله في التعليق على الرواية من أنّ التناسب بين اللواط و بين التمريغ هو المصحّح لهذا الحكم(2)، إذ رأينا انّ الحكم جارٍ في مورد مقدّمات الزنا أيضاً.

النكتة الثالثة

اشارة

يُستفاد من هذه الروايات أمورٌ:

الأوّل:

جواز الاستخفاف ببعض المجرمين نظراً إلى قبح فعلهم، فهو أيضاً من التعزيرات؛

الثاني:

مقتضى تلك الروايات انّ هذا التعزير لايختصّ بموردٍ خاصٍّ‌، إذ لها موارد متعدّدة قد أشير إلى ثلاثةٍ منها في تلك الروايات؛


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 163 الحديث 34466، «الفقيه» ج 4 ص 30 الحديث 5014.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» - طبعة الإسلاميّة - ج 18 ص 424 في التعليق على الحديث 1.

الثالث:

و مقتضاها أيضاً انّ أمره بيد الحكم، حيث له أن يحكم بإجراء الحدّ على المجرم، أو بوجوب الاستخفاف به؛ و هذا يظهر من فعل أميرالمؤمنين و ما أمر به الصادق عليهما السلام في مورد واحدٍ.

فتحصّل ممّا قلنا جميعاً انّ الاستخفاف بالمجرم أيضاً يُعدّ من التعزيرات، و أمره و كيفيّته بيد الحاكم، فهو يأمر به في موارد تصلح له.


المبحث الأحد عشرفى السّجن

اشارة

المبحث الأحدعشرفي السجن

السجن و المعتقل يُعدُّ من أهمّ التعزيرات عند العقلاء، و لافرق في ذلك بين القدماء منهم و المولّدين. و قد قرّرت الشريعة الإسلاميّة على هذا الحكم الّذي حكم به العقل؛ و ذلك لصيانة المجتمع عمّن يهدّد أمنه و يهوّل عليه بالفساد.

و التسجين ينقسم إلى أقسامٍ ثلاثةٍ‌:

الأوّل: التحبيس لدفع الشرارة.

فيجب تحبيس الشرور ليستريح منه الناس، كالأراذل و الأشقياء؛

الثاني: التحبيس دفعاً لهروب المفسد،

فمن قتل نفساً محترمةً يجب أن يُحبس لئلّا يهرب من الإعدام؛

الثالث: التحبيس للعقوبة،

فمن سرق مال الناس و اجتمعت فيه الشرائط يُحبس عقوبةً لما قام به من السرقة.

و هيهنا نكاتٌ‌:

النكتة الأولى

قلنا قد قرّرت الشريعة على حكم العقل بوجوب تحبيس بعض الناس على أقسامه الثلاثة. و لكن لايخفى ما بين روايات الباب من التهافت الظاهر، حيث إنّ بعضها خصّه

بموردٍ، و بعضها الآخر خصّه بموارد أُخر، مع ما يظهر من بعضها من ادّعاء الحصر فيها.

فعلينا أوّلاً أن نأتي بروايات الباب، ثمّ نبدو ما يظهر لنا من الوجه للجمع بينها.

النكتة الثانية

اشارة

قلنا انّ روايات الباب المؤيّدة لحكم العقل بوجوب تحبيس بعض المجرمين كثيرةٌ‌؛ منها:

الرواية الأولى

«و بإسناده عن عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام انّه قال: على الإمام أن يخرج المحبسين في الدَّين يوم الجمعة إلى الجمعة و يوم العيد إلى العيد، فيرسل معهم؛ فإذا قضوا الصلاة و العيد ردّهم إلى السجن»(1).

السند صحيحٌ‌. و دلالة الرواية على جواز التحبيس في ما يختصّ به من الموارد واضحةٌ‌.

فهي دالّةٌ على جواز أصل التحبيس.

أمّا الموارد فسنشير إليها في الروايات الآتية.

الرواية الثانية

«محمّد بن الحسن بإسناده عن الأصبغ بن نباتة عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قضى أن يحجر على الغلام حتّى يعقل.

و قضى عليه السلام في الدَّين انّه يُحبس صاحبه، فإن تبيّن إفلاسه و الحاجة فيخلّى سبيله حتّى يستفيد مالاً.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 301 الحديث 33797، «التهذيب» ج 6 ص 319 الحديث 84.

و قضى عليه السلام في الرجل يلتوي على غرمائه انّه يُحبس ثمّ يُؤمر به فيقسم ماله بين غرمائه بالحصص فإن أبى باعه فقسمه بينهم»(1).

السند مرسلٌ‌، و ارساله ظاهرٌ، و لكن الرواية صحيحةٌ‌، لأنّ الشيخ رحمه الله قد ذكر الرواية في كتاب الحجّ‌(2)بسندٍ صحيحٍ لا إرسال فيه(3). و كيف كان فلابأس بالسند.

الظاهر منها جواز حبس المفلس و الغريم، و تحبيسهما ليس إلّامن القسم الثاني، فيُحبسان لئلّا يهربا من أيدي الدائنين و الغرماء.

الرواية الثالثة

«و بإسناده عن جعفرٍ عن محمّد بن قولويه عن أبيه عن سعدٍ عن أحمد بن محمّدٍ عن ابن أبي نجران عن ابن ابي عميرٍ عن ابن أذينة عن زرارة عن أبي جعفرٍ عليه السلام قال: كان عليٌّ عليه السلام لايحبس في الدين إلّاثلاثةً‌: الغاصب، و من أكل مال اليتيم ظلماً، و من أُؤتمن على أمانةٍ فذهب بها. و إن وجد له شيئاً باعه غائباً كان أو شاهداً»(4).

السند صحيحٌ‌، و هو من عوالي الأسناد.

و دلالتها ظاهرةٌ‌. لكن لايخفى ما بينها و بين الرواية الثانية من المنافاة و التهافت. لأنّ‌


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 247 الحديث 33693؛ و انظر: «الفقيه» ج 3 ص 28 الحديث 3258.

2) . لم أعثر عليها؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 232 الحديث 19.

3) . لايتوهّم انّ للشَّيخ رحمه الله طريقاً إلى الأصبغ فلاتكون الرواية مرسلةً‌، إذ له طرقٌ إليه و لكن تلك الطرق لاتشمل على هذه الرواية؛ و لتفصيل الكلام راجع: «نخبة المقال» ص 73 الرقم 104.

4) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 248 الحديث 33694، «التهذيب» ج 6 ص 299 الحديث 43.

الثانية تدلّ على تحبيس المفلس و الغريم، بينما انّ لهذه الرواية دلالةً على أنّه لايجوز تسجين المفلس، بل لاتسجين في الدين إلّافي الغاصب و آكل مال اليتيم و المؤتمن على أمانةٍ الخائن فيها.

قال شيخ الطائفة رحمه الله في الجمع بينهما:

«هذا يحتمل وجهين: أحدهما: انّه ما كان يحبس على وجه العقوبة إلّا الثلاثة الّذين ذكرهم؛

و الثاني: ما كان يحبس حبساً طويلاً إلّاالثلاثة الّذين استثناهم»(1).

و لايخفى انّ الوجهين كليهما ليس إلّاجمعين تبرّعيّين - كغيرهما من الوجوه الّتي يذكرها الشيخ رحمه الله في الاستبصار للجمع بين المتعارضات -.

و ذهب بعضهم إلى إلغاء مفهوم الحصر المستفاد من الرواية الثالثة، فلاحصر فيها حتّى تُعارض الثانية.

و هذا وجهٌ حسنٌ‌، و به يُجمع بينهما.

الرواية الرابعة

«محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن حمّادٍ عن حريزٍ أنّ أباعبداللّه عليه السلام قال: لايُخلّد في السجن إلّاثلاثةٌ‌: الّذي يمسك على الموت يحفظه حتّى يقتل، و المرأة المرتدّة عن الإسلام، و السارق بعد قطع اليد والرجل»(2).


1) . راجع - مع تغييرٍ يسيرٍ -: «الإستبصار» ج 3 ص 48؛ و انظر أيضاً: «النهاية و نكتها» ج 2 ص 85.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 300 الحديث 33796، «الفقيه» ج 3 ص 31 الحديث 3246؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 144 الحديث 29، «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 403 الحديث 21673.

السند صحيحٌ‌، و لاكلام في رفعته. و الظاهر منه انّ الثلاثة يُسجنون سجناً مؤبّداً. و لكن كون سجن الطوائف الثلاث سجناً مؤبّداً لايلائم أن يكون المراد من قوله عليه السلام: «الّذي يمسك على الموت يحفظه حتّى يقتل» ما هو الظاهر منه؛ لأنّ الظاهر منه وجوب تسجين من قُضي عليه بالإعدام لئلّا يهرب منه؛ و لكن هذا لايلائم قوله عليه السلام: «لايُخلّدُ»، إذ من قُضي عليه بالموت ليس سجنه سجناً مؤبّداً، بل موقّتٌ حتّى يأتي زمن إعدامه(1). فالمراد من هذه الفقرة: من يريد أن يقتل نفسه و ينتحر فعلى الحكم أن يحبسه حبساً مؤبّداً لئلّا ينتحر. و هذا واضحٌ‌.

ثمّ التحبيس في الطائفة الأولى يكون لدفع شرارته؛ و في الطائفتين الأخيرتين يكون لعقوبتهما.

فالمتحصّل من الرواية تعميم التسجين بموارده الثلاثة إلى التسجين مؤبّداً.

الرواية الخامسة

«و بإسناده عن أحمد بن أبي عبداللّه البرقيّ عن أبيه عن عليٍّ عليه السلام قال:

يجب على الإمام أن يحبس الفسّاق من العلماء و الجهّال من الأطبّاء و المفاليس من الأكرياء»(2).

السند مرسلٌ‌، لأنّه ليس للبرقيّ أن يروي عن أميرالمؤمنين عليه السلام بواسطةٍ واحدةٍ‌. و لكن الرواية صحيحةٌ‌، لأنّ لها سنداً آخر، و هو ما رواه عبداللّه بن سيّابة عن الصادق عليه السلام، و هو سندٌ صحيحٌ‌، فلابأس بها سنداً.


1) . الظاهر انّ الخلود - كغيره من المفاهيم - يكون في كلّ موردٍ بحسبه، و الخلود في السجن في موردمن قُضي عليه بالإعدام لايراد منه إلّاحفظه فيه لئلّا يهرب من الإعدام؛ فيصحّ التعبير عن تسجينه بالخود فيه؛ و هذا واضحٌ‌.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 301 الحديث 33798، «الفقيه» ج 3 ص 31 الحديث 3266؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 319 الحديث 85.

و جدعهم يكون من القسم الأوّل، أي: لدفع شرارة الطوائف الثلاث و حفظ المجتمع عن مضارّهم الكثيرة.

الرواية السادسة

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه و عن عدّةٍ من أصحابنا عن سهل بن زيادٍ جميعاً عن ابن أبي نجران عن عاصم بن حميدٍ عن محمّد بن قيسٍ عن أبي جعفر عليه السلام قال: قضى أميرالمؤمنين عليه السلام في السارق إذا سرق قطعت يمينه، و إذا سرق مرّةً أخرى قطعت رجله اليسرى، ثمّ إذا سرق مرّةً أخرى سجنه و تركت رجله اليمنى يمشي عليها إلى الغائط و يده اليسرى يأكل بها و يستنجي بها؛ فقال: إنّي لأستحيي من اللّه أن أتركه لاينتفع بشيءٍ و لكنّني أسجنه حتّى يموت في السجن.

و قال: ما قطع رسول اللّه صلى الله عليه و آله من سارقٍ بعد يده و رجله»(1).

الرواية صحيحةٌ‌، و لها سندان صحيحان؛ و قد أشرنا مراراً إلى أن لابأس بسهل بن زيادٍ عندنا.

و المستفاد منها أمران:

الأوّل: جواز الحبس مؤبّداً بالنسبة إلى بعض المجرمين، كالسارق الّذي لايكفّ نفسه عن السرقة؛

الثاني: جواز تبديل بعض التعزيرات بتعزيرٍ آخر، فأمره بيد الحاكم يختار منها ما هو


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 254 الحديث 34694، «الكافي» ج 7 ص 222 الحديث 4؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 103 الحديث 19، «علل الشرائع» ج 2 ص 536 الحديث 1.

أصلح و أليق بالمقام؛ و هذا يُستفاد من قوله عليه السلام: «انّي لأستحيي من اللّه... و لكنّني أسجنه حتّى يموت في السجن». و سنفصّل الكلام حول هذا الجواز في المبحث الآتي - بمنّه و لطفه -.

و هناك رواياتٌ تبيّن حكم المرأة المرتدّة، و لها دلالةٌ واضحةٌ على ما نحن بصدده. و لنأت بجملةٍ منها هيهنا.

الرواية السابعة

«محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوبٍ عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عميرٍ عن حمّادٍ عن أبي عبداللّه عليه السلام في المرتدّة عن الإسلام قال: لاتُقتل و تستخدم خدمةً شديدةً و تمنع الطعام و الشراب إلّا ما يمسك نفسها و تلبس خشن الثياب و تضرب على الصلوات»(1).

السند صحيحٌ‌، و هو من عوالي الأسناد. و دلالتها على أن لاإعدام على المرأة المرتدّة واضحةٌ‌، و لكنّها تؤخذ و تُحبس، و حبسها يكون لؤمان، ثمّ تُضرب في أوقات الصلوات - قبلها أو بعدها - حتّى ترتدّ عن ارتدادها و ترجع إلى الحقّ‌.

و هذه الرواية تفسّر الّتي تلي بعدها.

الرواية الثامنة

«و عنه عن محمّد بن الحسين عن محمّد بن يحيى عن غياث بن إبراهيم عن أبيه عن عليٍّ عليه السلام قال: إذا ارتدّت المرأة عن الإسلام لم تقتل و لكن تحبس أبداً»(2).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 330 الحديث 34879، «التهذيب» ج 10 ص 143 الحديث 26؛ و انظر: «الفقيه» ج 3 ص 150 الحديث 3548.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 330 الحديث 34880، «التهذيب» ج 10 ص 142 الحديث 25؛ و انظر: «الفقيه» ج 3 ص 150 الحديث 3549.

السند موثّقٌ‌، لمكان غياث بن إبراهيم(1). و فيها ذكر تحبيسها من غير ذكرٍ لتعذيبها؛ و لامنافاة بينهما، حيث إنّ الرواية السابعة تفسّر الثامنة؛ فتحبس أبداً و تُعذّب في السجن على ما ذكر فيها.

و يمكن أن يقال بتعدّد مراتب المرتدّات، فيجب تسجين بعضهنّ من غير أن يحتاج الحاكم إلى تعذيبهنّ‌، و يجب تسجين بعضهنّ مع أمره بتعذيبهنّ‌.

و الوجهان لابأس بهما و إن كان الثاني أولى من الأوّل عندنا.

الرواية التاسعة

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوبٍ عن غير واحدٍ من أصحابنا عن أبي جعفرٍ و أبي عبداللّه عليهما السلام في المرتدّ يُستتاب فإن تاب و إلّاقُتل. و المرأة إذا ارتدّت عن الإسلام أستتيبت، فإن تابت و إلّا خُلِّدت في السجن و ضُيّق عليها في حبسها»(2).

السند صحيحٌ‌، و هو من عواليها. و قد دلّت الرواية على أشياء ثلاثةٍ بالنسبة إلى المرتدّة:

وجوب امساكها؛

و: وجوب التضييق عليها؛

و: وجوب استتابتها.


1) . الّذي كان عامّياً ثقةً‌؛ راجع: «منتهى المقال» ج 5 ص 175 الرقم 2267. و العلّامة رحمه الله و إن ذكره في القسم الثاني من كتابه و لكنّه قد وثّقه؛ راجع: «خلاصة الأقوال» ص 385 الرقم 1547، و قد وثّقه النجاشيّ قدس سره أيضاً من غير أن يشير إلى كونه عامّياً؛ راجع: «رجال النجاشي» ص 305 الرقم 833.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 332 الحديث 34884، «الكافي» ج 7 ص 256 الحديث 3.

و الأوّلان مذكوران في الروايات الثمانية المتقدّمة، أمّا وجوب استتابتها فغير مذكورٍ فيها. فيستفاد منها انّ الأمر في تعذيبها و كذلك في استتابتها ليس إلّابيد الحاكم، فإن شاء يأمر السجّان بهما، و إن لم يشأ لم يأمرهم بهما.

الرواية العاشرة

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عميرٍ عن عبدالرحمن بن الحجّاج رفعه: أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان لايرى الحبس إلّا في ثلاثٍ‌: رجلٍ أكل مال اليتيم، أو غصبه، أو رجلٍ أؤتمن أمانةً فذهب بها»(1).

السند صحيحٌ‌، و هو إن كان مرفوعاً و لكن لابأس برفعه، لأنّ الرافع هو عبدالرحمن بن الحجّاج الّذي يُعدّ من أصحاب الإجماع(2)و قبله ابن أبي عميرٍ، و مرسلاته كمسنداته، فلابأس بالرواية سنداً.

و لايخفى التنافي الظاهر بين هذه الرواية و بين ما مضت قبلها، إذ المستفاد من هذه الرواية حصر موارد التسجين في هذه الثلاثة، بينما قد رأينا في الروايات السابقة عليها انّ الموارد لاتنحصر فيها، بل للتحبيس موارد متعدّدة قد أشير إلى بعضها فيها.

و يمكن الجمع بينها و بين السابقات عليها بإلغاء ما فيها من مفهوم الحصر. فالرواية العاشرة تشير إلى بعض موارد الحصر و الإمساك كما انّ غيرها من الروايات يشير إلى


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 368 الحديث 34986، «الكافي» ج 7 ص 263 الحديث 21.

2) . لم يُعهد ذكر عبدالرحمن في أصحاب الإجماع. نعم! له شأنٌ من الشأن؛ فانظر: «منتهى المقال» ج 4 ص 104 الرقم 1590، «جامع الرواة» ج 1 ص 447 القائمة 2، «معجم رجال الحديث» ج 9 ص 315 الرقم 6359.

غيره من الموارد، فإذاً لامنافاة و لاتهافت بينها أصلاً.

النكتة الثالثة

المتحصّل من جميع روايات الباب - و قد أشرنا إلى بعضٍ منها في النكتة الثانية - انّ الشرع يؤيّد حكم العقل بوجوب تسجين بعض المجرمين و تحبيسهم؛

ثمّ جواز التسجين موقّتاً بالنسبة إلى بعضهم و التسجين مؤبّداً بالنسبة إلى آخرين؛

ثمّ جواز تعذيب بعضهم أيضاً.

أمّا الموارد فلاخصوصيّة لها. فعلى الحاكم أن يحكم في كلّ موردٍ بما هو الأليق له مراعياً فيه صلاح المسجون و المجتمع معاً. و هذا كلّه ظاهرٌ من روايات الباب، كما قد أشرنا إلى جملةٍ منه في التعليق عليها.


المبحث الثانى عشرموارد التعزير و ما للحاكم فيه

اشارة

المبحث الثاني عشرموارد التعزير، و ما للحاكم فيه

مضى تفصيل الكلام في الموارد الخمسة الّتي وردت في نصوص الكتاب و السنّة و قد بحث عنها الفقهاء في آثارهم الفقهيّة، و هي:

الضرب؛

و العقوبة الماليّة؛

و التغريب؛

و الاستخفاف بالمجرم؛

و التسجين.

و لكلٍّ منها موارد قد بحثنا عنها في المباحث المتقدّمة. و لكن لنا أن نتساءل: هل التعزير ينحصر في هذه الأقسام الخمسة‌؟ أم ليست هذه الأقسام إلّابعض موارده‌؟ فيجوز للدولة الإسلاميّة أن تؤدّب المجرمين بغيرها من الأقسام الّتي تليق بهم‌؟؛

كما لنا أن نتساءل: هل يجوز للحاكم و الوالي أن يعفو من الحدود أو يخفّفها؟ هذا المبحث عقدناه للتحقيق حول هاتين المسألتين الهامّتين.

المسألة الأولى هل التعزير ينحصر في هذه الموارد الخمسة‌؟

اشارة

و لنأت بالجواب من خلال نكتتين:

النكتة الأولى
اشارة

المختار عدم انحصاره في تلك الموارد، بل أمر التعزير مفوّضٌ إلى الحاكم، فله أن يختار في كلّ موردٍ ما هو الأليق به مراعياً فيه ما هو الأصلح بالمجتمع و بالمجرم معاً.

و تدلّ على المختار وجوهٌ من الأدلّة:

الوجه الأوّل:

قد أشرنا إلى أنّ التعزير أمرٌ عرفيٌّ‌، و قد حكم العقلاء في جميع الأمصار و في جميع الأعصار بوجوب تعزير المجرم و تأديبه، و في هذه الأمور لسنا بحاجةٍ إلى نصٍّ مؤيِّدٍ من الشارع، بل عدم ردعه عن بنائهم يكفي لجواز المسير إليه.

و هذا كحجّيّة خبر الواحد، و كحجّيّة بناء العقلاء نفسه، حيث لم يوجد دليلٌ على حجّيّتهما كما انّه لم يرد دليلٌ على عدم حجّيّتهما و ردع المتشرّعين عن الذهاب إليهما؛ و هذا يكفي لاثبات صحّتهما و صحّة الأخذ و التمسّك بهما.

أمّا الموارد الخمسة الّتي وردت في روايات الباب فليست إلّاعلى سبيل المثال، فالخمسة قد قرّر عليها الشارع بتقريرٍ لفظيٍّ‌، و غيرها قد قرّر عليه بالتقرير العمليّ - أي:

بعدم الردع عنها -.

الوجه الثاني:

و هو يتمّبإلغاء الخصوصيّة عن روايات الباب، كما هو المتّفق عليه بين الفقهاء في أمثال قولهم: «لو شكّالرجل بين الثلاث و الأربع فعليه...»، إذ لاخصوصيّة للرجل الشاكّ فيه. و كذلك لاخصوصيّة للعناوين الخمسة في المقام، وبالغائها يبقى «وجوب تأديب المجرمين»

حكماً مستفاداً من جميع أدلّة الباب، و هذا الوجوب يتحقّق في كلّ موردٍ بما هو الأليق به من العناوين الخمسة أو غيرها من الأقسام الّتي يعيّنها العقل و يحكم به العقلاء - و سنشير إلى بعضها -.

الوجه الثالث:

و هو التمسّك بجواز استنباط العلّة من مجموع روايات الباب. حيث قد ورد في روايات باب الضرب انّ الأمر بيد الحاكم، و هو على ما يراه. فهو يختار لكلّ موردٍ ما هو الأليق به كمّيّةً و كيفيّةً‌. و لكن التناسب الظاهر بين الحكم و الموضوع يدلّ على أن لااختصاص له بباب الضرب، بل الأمر في جميع أقسام التعزير من المنصوص به و غير المنصوص به مفوّضٌ إلى الحكم. فله التعدّي عن الموارد الخمسة المنصوص بها إلى غيرها من الموارد.

الوجه الرابع:

و هو الّذي يظهر من التعارض الظاهر بين روايات الباب، حيث رأينا انّ بعض روايات الباب كان يحكم بوجوب إجراء الحدّ في موردٍ، بينما كانت لغيره دلالةٌ على وجوب الاستخفاف بمن قام به و اقترفه. و لاوجه لدفع هذا التعارض إلّابكفّ اليد عن خصوص الحكم و الغاء الخصوصيّة عنه - كما قد أشرنا إليه في بيان وجه الجمع بين روايات الباب -. فاذاً يظهر أن لاخصوصيّة لتلك الأحكام، كما أن لاخصوصيّة لتلك الموارد. فيجوز للحاكم الإسلاميّ التعدّي عنها إلى غيرها ممّا يحكم بصحّته العقل و يجوّزه العقلاء.

النكتة الثانية

و تلك الموارد كثيرةٌ‌، و قد جرت عليها سيرة العقلاء حالياً في جميع الجوامع، المتمدّنة منها و غير المتمدّنة؛ منها:

1 - اغلاق المكسب؛

2 - و الإخراج من الجامع أو الجامعة - بالنسبة إلى أهلهما -؛

3 - و خلع العمّة و الرداء؛

4 - و خلع المرتبة - بالنسبة إلى العسكريّين -؛

5 - و المنع من القيام بمهنته - كمنع الوعّاظ من الوعظ، و منع الصحفيّين عن درج مقالهم في الجرائد -؛

6 - و توقيف الأموال؛

7 - و المنع من الدخول في التجمّعات، بل في نفس المجتمع؛

8 - و المنع من الدخول في السياسة و التدخّل فيها؛

9 - و المنع عن التردّد مع الناس؛ و كأمثالها الكثيرة.

نعم! لاخلاف بين العقلاء في ما لهذا الأمر من الشأن البالغ، فعلى الحكم أن يحتاط فيه كلّ الاحتياط، و عليه أن يراعى فيه الأيسر فالأيسر، و ذلك لما للناس من الكرامة و القدر المطلق؛ و للمجرمين منهم أيضاً حرمةٌ يجب على الحاكم أن يراعيها، و قد فصّلنا الكلام في ذلك كلّه.

المسألة الثانية هل يجوز للحاكم أن يعفو من الحدود أو يخفّفها؟

اشارة

المسألة الثانية تركّز على التحقيق حول أمرٍ ذى شأنٍ في باب الحدود و التعزيرات. و هو البحث عمّا للحاكم في هذا الباب.

أمّا باب التعزيرات فقد مضى الكلام فيه، و أشرنا هناك إلى أنّه يجوز للحاكم - وفاقاً للمفيد رحمه الله - أن يعفو منها؛ نعم! خالفنا المفيد في قوله بالإطلاق حيث اشترطنا في عفوه منها أن يكون لضرورةٍ أو لمصلحةٍ داعيةٍ إليه(1)هذا بالنسبة إلى باب التعزيرات.

أمّا بالنسبة إلى أحكام الحدود فلنبيّن ما هو المختار فيها من خلال نكاتٍ‌.

النكتة الأولى

الأصل أن ليس أمر الحدود إلى الحاكم، إذ الحدود قد نصّ اللّه - سبحانه و تعالى - عليه في كتابه الكريم، كما و قد فُصِّلت أحكامها في السنّة المطهّرة، فعلى الحاكم أن يجراها كما قد عيّنها الشارع من غير أن يكون له دخلٌ في كمّيّتها أو كيفيّتها.

هذا هو الحكم الأوّليّ في المسألة.

النكتة الثانية
اشارة

مقتضى ما يتراءى من بعض الروايات جواز التخفيف في الحدود أو تبديلها بحدٍّ آخر.

نعم! لم يوجد في المسألة نصٌّ يدلّ على الحكم، و لكن المستفاد من بعض الروايات هو الجواز. و لنأت بجملةٍ منها:


1) . الظاهر أن لا تخالف في البين، بل المفيد رحمه الله أيضاً يشترط فيه كون المصلحة داعيةً إليه؛ إليك نصّه: «... كان للإمام الخيار في العفو عنه أو إقامة الحدّ عليه حسب ما يراه من المصلحة في ذلك له و لأهل الإسلام»؛ راجع: «المقنعة» ص 777. و قال أيضاً: «... كان السلطان بالخيار في العفو عنها أو العقاب عليها حسب ما يراه في الحال من التدبير و الصلاح»؛ راجع: نفس المصدر ص 787.

الرواية الأولى

ما يوجد في مختتم حديث قتل عليٍّ عليه السلام الأعرابي الّذي أنكر قول النبيّ صلى الله عليه و آله بأداء ثمن ناقته، كما قد أشرنا إليه في النكتة الأولى من نكات المسألة الأولى من مسائل المبحث الثالث، فراجعه. و في مختتمه قال صلى الله عليه و آله له عليه السلام:

«أصبت يا عليّ فلاتعد إلى مثلها».

و كيفيّة الاستدلال به: أن النبيّ نهى أميرالمؤمنين عليهما السلام عن إجراء الحدّ على منكر الرسول حذراً عن لوازمه المنكرة و تواليه الفاسدة. و هذا يدلّ على أنّه يجوز للحاكم أن يعطّل إجراء الحدود لمصلحةٍ ملزمةٍ - كالمنع من اختلال النظام و دفع شبه المغرضين و أمثالهما -، إذ للموسوسين أن يحرّكوا عواطف الناس فينجرّ الأمر في بعض الأحيان إلى وقوع الاضطراب في أمر الحكم و ظهور الحرج فيه.

فللحاكم أن يحكم بالعفو في هذه الموارد نظراً إلى ما هو الأهمّ بالنسبة إلى مصالح المجتمع.

الرواية الثانية

«محمّد بن يعقوب عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوبٍ عن أبي أيّوب الخرّاز عن الحلبيّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: إنّ في كتاب عليٍّ عليه السلام أنّه كان يضرب بالسوط و بنصف السوط و ببعضه في الحدود، و كان أُتي بغلامٍ و جاريةٍ لم يدركا لايبطل حدّاً من حدود اللّه - عزّ و جلّ -. قيل له: و كيف كان يضرب‌؟ قال: كان يأخذ السوط بيده من وسطه أو من ثلثه ثمّ يضرب به على قدر أسنانهم و لايبطل حدّاً من حدود اللّه - عزّ و جلّ -»(1).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 11 الحديث 34092، «الكافي» ج 7 ص 176 الحديث 13؛ و انظر: «الفقيه» ج 4 ص 74 الحديث 5148، «التهذيب» ج 10 ص 146 الحديث 10.

السند صحيحٌ‌، و هو من عوالي الأسناد. و إنّا و إن لم نعلم الوجه في ما كان يفعله عليه السلام من ضرب الأطفال على قدر أسنانهم، و لكن لايضطرب العقل في إدراك دلالتها على جواز التخفيف في الحدود، بل و في دلالتها على جواز تبديلها، لأنّه عليه السلام «كان يضرب بالسوط، و بنصف السوط، و ببعضه» و ليس هذا إلّاتبديل السوط بما هو أخفّ منه شدّةً‌.

و كيف كان فدلالتها على جواز التخفيف و التبديل للحاكم واضحةٌ‌.

الرواية الثالثة

«محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّدٍ عن ابن محبوبٍ عن أبانٍ عن الحلبيّ عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجلٍ أقرّ على نفسه بحدٍّ ثمّ جحد بعدُ؟ فقال: إذا أقرّ على نفسه عند الإمام انّه سرق ثمّ جحد قُطعت يده و إن رغم انفه، و إن أقرّ على نفسه أنّه شرب خمراً أو بفريةٍ فاجلدوه ثمانين جلدةً‌؛ قلت: فإن أقرّ على نفسه بحدٍّ يجب فيه الرجم أ كنتَ راجمه‌؟ فقال: لا و لكن كنت ضاربه الحدّ»(1).

السند صحيحٌ‌، و هو في أعلى مدارج الصحّة. للرواية دلالةٌ على أهمّيّة الرجم البالغة، حيث إنّه إن جحد المنكَر بعد أن أقرّ به لايُقبل إنكاره في جميع الإقرارات إلّافي ما يترتّب عليه الرجم، فانّه حينئذٍ يُجَلَّد لاعترافه بالزنا.

و لا فرق في ذلك بين أن يكون «الألف و اللام» في قوله عليه السلام: «... كنت ضاربه الحدّ» للدلالة على الجنس، و بين أن يكون للدلالة على العهد الذهني. إذ المراد على الثاني نفي


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 26 الحديث 34126، «الكافي» ج 7 ص 220 الحديث 4؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 123 الحديث 109؛ و انظر أيضاً: «نزهة الناظر»: ص 127.

وجوب الرجم، و على الأوّل نفي الرجم و إثبات التعزير، أمّا كيفيّته فهي بيد الحاكم، و هو يختار لكلّ موردٍ ما هو الأليق به.

الرواية الرابعة

«و عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عميرٍ عن حمّاد بن عثمان عن الحلبيّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: إذا أقرّ الرجل على نفسه بحدٍّ أو فريةٍ ثمّ جحد جلد. قلت: أ رأيت إن أقرّ على نفسه بحدٍّ يبلغ فيه الرجم أ كنت ترجمه‌؟ قال: لا و لكن كنت ضاربه»(1).

السند صحيحٌ‌، و هو كسابقه من عوالي الأسناد. الظاهر اتّحاد الحديث مع ما سبقه، و كيف كان فلاريب في اتّحادهما مفهوماً.

الرواية الخامسة

«و عنه عن ابن أبي عميرٍ عن أبي أيّوب عن محمّد بن مسلمٍ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: من أقرّ على نفسه بحدٍّ أقمته عليه، إلّاالرجم فانّه إذا أقرّ على نفسه ثمّ جحد لم يرجم»(2).

السند صحيحٌ أيضاً. أمّا قوله عليه السلام: «... ثمّ جحد لم يُرجم» فالظاهر منه سقوط التعزير من المنكِر أيضاً، و لكن لاخلاف في أنّ الروايتين الثالثة و الرابعة تفسّران الخامسة، فيجب أن يُجلّد - كما هو الظاهر من السابقتين عليها -. ثمّ قال المحقّق الشعرانيّ رحمه الله نقلاً عن


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 26 الحديث 34127، «الكافي» ج 7 ص 219 الحديث 3.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 27 الحديث 34128، «الكافي» ج 7 ص 220 الحديث 5؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 45 الحديث 161.

العلّامة الكبير المجلسيّ قدس سره في التذييل على هذه الروايات:

«قال المجلسيّ رحمه الله في المرآت: «هذا الخبر و ما يوافقه من الأخبار محمولةٌ على أنّه جحد بعد الإقرار فانّه يسقط به الرجم دون غيره من الحدود، و يكون الحدّ المذكور في بعض الأخبار محمولاً على التعزير؛ إذ ظاهر كلامهم انّه مع سقوط الرجم لايثبت الجلد تامّاً»(1).

و قوله هذا قد أشرنا إليه فيما سبق من هذا المبحث. و لا ثمرة عمليّة له، حيث إنّه لافرق بين سقوط الحدّ و استخلاف التعزير له، أو عدم سقوط الحدّ و تبديله بما هو أنقص منه، فإمّا أن يكون تبديلاً، أو تخفيفاً أو تعزيراً.

و كيف كان فالثلاثة سواءٌ في وجوب جلد المقرّ المنكِر.

الرواية السادسة

«محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن ابن محبوبٍ و محمّد بن اسماعيل بن بزيع عن حنّان بن سديرٍ عن يحيى بن عبّاد المكّيّ قال: قال لي سفيان الثوريّ‌: إنّي أرى لك من أبي عبداللّه عليه السلام منزلةً‌، فسله عن رجلٍ زنى و هو مريضٌ إن أقيم عليه الحدّ مات، ما تقول فيه‌؟ فسألته فقال: هذه المسألة من تلقاء نفسك أو قال لك إنسانٌ أن تسألني عنها؟ فقلت: سفيان الثوريّ سألني أن أسألك عنها. فقال أبوعبداللّه عليه السلام: إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله أُتي برجلٍ احتبن مستسقي البطن قد بدت عروق فخذيه و قد زنى بامرأةٍ مريضةٍ‌، فأمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله بعذقٍ فيه شمراخٌ فضُرب به الرجل ضربةً و ضُربت به المرأة ضربةً ثمّ خلّى


1) . راجع: «وسائل الشيعة» - طبعة الإسلاميّة - ج 18 ص 319، في التذييل على الحديث 2.

سبيلهما؛ ثم قرأ هذه الآية: «وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لَاتَحْنَثْ‌»(1)»(2).

السند صحيحٌ‌. و دلالة الرواية على جواز تبديل الحدود بما هو الموافق للمورد واضحةٌ‌.

حيث إنّها نصٌّ في أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قد خفّف عن المريض فبدّل الحدّ الواجب عليه بضربةٍ بعذقٍ فيه شمراخٌ‌؛ فتأسّى صلى الله عليه و آله بسيرة النبيّ أيّوب عليه السلام في إجراء الحدّ على زوجته، و إليه أشار الإمام عليه السلام بما تلا من قول اللّه - تعالى -: «وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لَاتَحْنَثْ‌».

و قد فصّلنا الكلام في مباحث الخمس حول هذه الآية، و قلنا انّها من متشابهات الكتاب العزيز، بل من مجملاته؛ فلانعلم وجهاً ليمينه عليه السلام كما لانعلم وجهاً لفعله هذا.

نعم! دلالتها على جواز تبديل الحدود عند الضرورات تامّةٌ‌.

الرواية السابعة

«و عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّدٍ عن أبي همّامٍ عن محمّد بن سعيدٍ عن السكونيّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: أُتي أميرالمؤمنين عليه السلام برجلٍ أصاب حدّاً و به قروحٌ في جسده كثيرةٌ‌، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام:

أقرّوه حتّى تبرأ، لاتُنكأ عليه فتقتلوه»(3).

السند موثّقٌ‌، لمكان السكونيّ العامّي الثقة(4). و هيهنا نكتةٌ‌، و هي:


1) . كريمة 44 ص.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 28 الحديث 34131، «الكافي» ج 7 ص 243 الحديث 1.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 29 الحديث 34134، «الكافي» ج 7 ص 244 الحديث 3؛ و انظر: «الفقيه» ج 4 ص 38 الحديث 5030، «التهذيب» ج 10 ص 33 الحديث 110.

4) . اسمه اسماعيل بن أبي زيادٍ، قال العلّامة: «كان عامّيّاً»؛ راجع: «خلاصة الأقوال» ص 316 الرقم 1238؛ و انظر: «رجال أبي داود» ص 49 الرقم 175، ثمّ ص 231 الرقم 54، «نقد الرجال» ج 1 ص 208 الرقم 471.

الظاهر من هذه الرواية جواز تأخير الحدّ عن المريض حتّى يبرأ ثمّ وجوب إجراء الحدّ بكامله عليه؛ بينما انّ الظاهر من الرواية السادسة انّ النبيّ قد بدّل الحدّ بما هو أخفّ منه.

و الّذي يبدو لنا في وجه الجمع بينهما - كما هو مختار بعض الأعلام -: انّ الأمر في إجراء الحدّ مخفّفاً أو تأخّره إلى زمنٍ مّا مفوّضٌ بيد الحاكم، فهو يختار في كلّ موردٍ ما هو الأصلح له.

الرواية الثامنة

«و عن عدّةٍ من أصحابنا عن سهل بن زيادٍ عن محمّد بن الحسن بن شمّون عن عبداللّه بن عبدالرحمن الأصمّ عن مسمع بن عبدالملك عن أبي عبداللّه عليه السلام: أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أتي برجلٍ أصاب حدّاً و به قروحٌ و مرضٌ و أشباه ذلك؛ فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: أخّروه حتّى تبرأ، لاتُنكأ قروحه عليه فيموت، و لكن إذا برأ حددناه»(1).

السند صحيحٌ‌، و لابأس به. و قد أشرنا إلى ما يتعلّق بها في التعليق على السابقة عليها، و لانعيده حذراً من التكرار؛ فراجعه!.

الرواية التاسعة

«محمّد بن يعقوب عن عدّةٍ من أصحابنا عن سهل بن زيادٍ و عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه جميعاً عن ابن محبوبٍ عن ابن رئابٍ عن ضُريسٍ‌


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 30 الحديث 34136، «الكافي» ج 7 ص 244 الحديث 5؛ و انظر: «التهذيب» ج 10 ص 33 الحديث 111، «الإستبصار» ج 4 ص 212 الحديث 4.

الكناسيّ عن أبي جعفرٍ عليه السلام قال: لايعفى عن الحدود الّتي للّه دون الإمام، فأمّا ما كان من حقّ الناس في حدٍّ فلابأس بأن يعفى عنه دون الإمام»(1).

السند صحيحٌ بطريقيه، فلاكلام فيه. و لها دلالةٌ ظاهرةٌ على جواز العفو في حقوق اللّه من قبل الإمام، أمّا حقوق الناس فأمر إجراء الحدود فيها مفوّضٌ إليهم، و هذا ممّا لاريب فيه، حيث لوليّ الدم أن يعفو عن الجاني فلم يطلب من الوالي قصاصه. أمّا في حقوق اللّه - كالزنا على سبيل المثال - فللدولة الإسلاميّة أن تعفو عن الزاني نظراً إلى بعض المصالح.

الرواية العاشرة

«الحسن بن عليّ بن شعبة في تحف العقول عن أبي الحسن الثالث عليه السلام في حديثٍ قال: و أمّا الرجل الّذي اعترف باللواط فانّه لم يقم عليه البيّنة و إنّما تطوّع بالإقرار من نفسه، و إذا كان للإمام الّذي من اللّه أن يعاقب عن اللّه كان له أن يمنّ عن اللّه؛ أمَا سمعت قول اللّه: «هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَو أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ‌»(2)»(3).

الرواية ضعيفةٌ سنداً، بحيث لايمكن الركون إليها، و لكن لاأقلّ من كونها مؤيِّدةً لغيرها من روايات الباب الكثيرة. و لقوله عليه السلام: «كان له أن يمنّ عن اللّه» و كذلك لاستشهاده عليه السلام بالآية الكريمة دلالةٌ واضحةٌ على جواز العفو عن اللائط.

و روايات الباب كثيرةٌ‌؛ و في ما ذكرناه كفايةٌ‌.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 40 الحديث 34163، «الكافي» ج 7 ص 252 الحديث 4؛ و انظر: «الفقيه» ج 4 ص ص 73 الحديث 5141، «التهذيب» ج 10 ص 46 الحديث 165.

2) . كريمة 39 ص.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 41 الحديث 34166، «تحف العقول» ص 480؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 76 ص 69.

النكتة الثالثة

المستفاد ممّا يظهر من مجموع روايات الباب انّ الأمر في إجراء الحدود - كما في اجراء التعزيرات - بيد الحاكم، فهو يختار في كلّ موردٍ ما هو الأصلح له مراعياً فيه صلاح المجتمع و من وجب عليه الحدّ معاً. و هذا و إن كان خلاف الأصل - لوجوب اتّباع الكتاب فيما أمر به و نهى عنه - و لكن لامناص من الذهاب إليه، لكثرة الروايات الدالّة عليه و معاضدة بعضها ببعضٍ‌.

و هناك قولان لعلمين من أعلام الأمّة صريحان فيما ذكرناه، و يعجبني أن أوردهما هيهنا؛ و هما:

الأوّل: قول شيخ الطائفة رحمه الله حيث قال:

«فان كانت المصلحة تقتضي اقامتها في الحال أقامها على وجهٍ لايؤدّي إلى تلف نفسه، كما فعل النبيّ صلى الله عليه و آله؛ و إن اقتضت المصلحة تأخيرها أخّرها إلى أن يبرأ ثمّ يقيم عليه الحدّ على الكمال»(1).

و عبارة الشيخ و إن كانت واردةً في مورد المريض، و لكنّ الظاهر أن لاخصوصيّة للمرض هيهنا، بل المناط قوله رحمه الله: «فإن كانت المصلحة تقتضي إقامتها...».

الثاني: قول العلّامة المجلسيّ رحمه الله، و قد أورده الشيخ الحرّ رحمه الله في التذييل على الرواية الثالثة من روايات الباب الأوّل من أبواب حدّ المحارب؛ قال رحمه الله على ما في محكيّ كلامه:

«لاتنافي هذا الخبر القول بالتخيير، إذ مفاده انّ الإمام يختار ما يعلمه صلاحاً بحسب جنايته، لا بما يشتهيه؛ و به يمكن الجمع بين الأخبار


1) . راجع: «الإستبصار» ج 4 ص 212، في التذييل على الحديث 4.

المختلفة»(1).

و النقطة الّتي ركّز عليها هذا الكلام قوله رحمه الله: «... إنّ الإمام يختار ما يعلمه صلاحاً...».

فعلى الإمام أن يختار في كلّ موردٍ ما هو الأليق بحسبه.

فالمتحصّل من جميع ما ذكرناه في هذه المسألة: انّه يجوز للإمام و الوليّ أن يعفوا عن الحدود، أو يخفّفا منها، و ذلك بالنظر إلى ما هو الأهمّ من إجراء الحدود، أو العفو عنها، أو التخويف منها؛ و ذلك كلّه واضحٌ‌.



1) . راجع: «وسائل الشيعة» - طبعة الإسلاميّة - ج 18 ص 533، في التذييل على الحديث 2.

المبحث الثالث عشرحصيلة ما مضى من الأبحاث سعة مشيئة الولىّ الفقيه و اختياره»

اشارة

المبحث الثالث عشرحصيلة ما مضى من الأبحاث «سعة مشيئة الفقيه الوليّ و اختياره»

و إذ قد انجرّ بنا البحث في باب التعزيرات إلى ما للحاكم في بابي الحدود و التعزيرات، فلاعلينا لو بحثنا عن سعة مشيئة الفقيه الوليّ و اختياره من غير تخصيصها بالبابين و انحصارها فيهما. و هذا هو المبحث الأخير من مباحث الكتاب.

فنقول: قد فصّلنا الكلام في صدر الكتاب حول سعة خيار الرسول صلى الله عليه و آله و الائمّة المعصومين عليهم السلام و سلطتهم، و هذا المبحث قد ذكرناه هناك بضربٍ من التفصيل. ثمّ أشرنا إلى أنّ الفقيه الوليّ يتبعهم في جميع أموره، و منها سعة سلطته، و هذا كلّه قد فرغنا منه.

و الآن نقول - مراعياً كمال الاختصار مجانباً عن التكرار -: للمعصومين الأربعة عشر

مناصب تنبىء عن خيارهم و سعة تصرّفهم في الكون، و هي:

الأوّل:

كونهم واسطةً في إيصال فيض الوجود إلى دار الوجود برمّتها؛

الثاني:

كونهم واسطةً في إيصال رحمة اللّه - تعالى - إلى بعض الموجودات، فهم مجالي رحمته - سبحانه - في الدنيا؛ و بذلك يصحّ أن يُطلب منهم الحوائج. و عليه فالثاني أخصُّ من الأوّل، و الأوّل أعمٌّ من الثاني؛

الثالث:

كونهم أصحاب مقام الشفاعة الكبرى، فلهم الشفاعة الكبرى كما أنّ لتابعيهم

الشفاعة الصغرى. فهم مجالي رحمته - سبحانه - في الآخرة. فالثالث أخصٌّ من الأوّل أيضاً، و قسيمٌ للثاني، حيث إنّ الثاني يرجع إلى كونهم مجالي رحمته الواسعة في الدنيا، و الثالث يرجع إلى كونهم مجالي رحمته في الآخرة. و الثلاثة لايجوز فيها التفويض، بل الأوّل يختصّ بهم من غير أن يشاركهم فيه أحدٌ، و الثاني و الثالث أيضاً لهم بالأصالة، بل ما لغيرهم منهما ليس إلّارشحةً من رشحات كمالهم و لطفهم العميم.

الرابع:

كونهم أصحاب التشريع. و قد فصّلنا الكلام في صدر الكتاب أيضاً في أنّ التشريع هيهنا يُطلق و يُراد منه معنيان:

التشريع بمعنى تبيين الأحكام و تفسيرها؛

و التشريع بمعنى جعل الأحكام و وضعها. لاخلاف بين الأمّة في أنّ التشريع بالمعنى الأوّل من مناصب النبيّ صلى الله عليه و آله، كما انّه لاخلاف بين الإماميّة في كونه من مناصب أهل البيت عليهم السلام. أمّا الثاني فقد اختلف فيه الأقوال، فمنهم من نفى كونه من مناصبهم عليهم السلام، و منهم من اثبته لهم، و هو المختار.

و قد مضى تفصيل الكلام فيه، كما قد أشرنا في خلال الرسالة إلى بعض ما يدلّ عليه؛ كتحليلهم الخمس لشيعتهم في بعض الأحيان؛ و كنصبهم القضاة غير المجتهدين في هذا المنصب مع أن لاحقّ لغير المستنبط فيه.

و الظاهر جواز التفويض في هذا المنصب، فهذا المنصب ثابتٌ للفقيه في عصر الغيبة، و قد أشرنا تفصيلاً إلى أدلّته - كالتوقيع الشريف، و مقبولة عمر بن حنظلة، و غيرهما من الأدلّة الكثيرة العقليّة و النقليّة -.

الخامس:

منصب الحكم و رئاسة المجتمع، و ثبوت هذا المنصب للنبيّ صلى الله عليه و آله و للمستخلفين منه بالأصالة - و هم الأئمّة الاثنى عشر عليهم السلام - ممّا لاخلاف فيه بين آحاد الفرقة الحقّة، و قد تكلّمنا في نيابة الفقيه الوليّ عنهم في هذا المنصب، بل الرسالة بأسرها

موضوعةٌ للتحقيق حول نيابته عنهم فيه؛ و ذلك بإثبات انّ الإنسان مدنيٌّ بالطبع أوّلاً؛

فهو بحاجةٍ ماسّةٍ إلى المجتمع ثانياً؛

و لامجتمع إلّابحكمٍ و حكومةٍ ثالثاً؛

ثمّ بإثبات انّ الإسلام متكفّلٌ لجميع ما يحتاج إليه الإنسان رابعاً.

فللإسلام أيضاً حكمٌ و دولةٌ‌، و أمر الحكم في زمن الحضور مفوّضٌ إلى المعصوم، و في زمن الغيبة ينوب الفقيه عنه في هذا المنصب كما ينوب عنه في جميع ما للنيابة فيه مدخلٌ‌. و قد تكلّمنا عن ذلك كلّه بتفصيلٍ بالغٍ‌.

أمّا سعة سلطة المعصوم و الفقيه الوليّ و اختيارهم في أمر الحكم فقد تطابق النقل و العقل على تماميّتها. و هذه أيضاً قد فرغنا من التفصيل حولها، إذ النقل قد قرّرت على أن ليس لأحدٍ أن يخالف الرسول في حكمه، كما قال - سبحانه -:

«وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لَامُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ‌»(1)

و قال - سبحانه -:

«فَلَا وَ رَبِّكَ لَايُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَايَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً»(2).

و يتمّ الاستدلال بهما و بنظائرهما الكثيرة بلفت النظر إلى ما تكلّمنا فيه من كيفيّة دلالة الآيتين على تماميّة سعة حكم المعصوم أوّلاً؛

ثمّ كيفيّة نيابة الفقيه عنهم ثانياً.

هذا بالنسبة إلى دلالة النقل على المقصود. أمّا العقل فقد أشرنا أيضاً إلى أنّه يحكم بأن


1) . كريمة 36 الأحزاب.

2) . كريمة 65 النساء.

لاحكومة إلّاإذا كانت مطلقة التفويض، و ذلك لأن طبع الدولة يحتاج إلى أن يُطلق لها العنان ليمكن لها أن تقوم بما فُرض لها من الفرائض و الوظائف.

و لاينحصر هذا بالدولة الإسلاميّة فحسب، بل ذلك لجميع الدول في جميع الأعصار و الأمصار.

نعم! للعقل أن يمنع من تفويض الأمر - تفويضاً تامّاً - إلى الجاهل، و إلى الجائر، و إلى من لايطيق أن يدبّر أمر المجتمع؛ فاشترطنا في عداد شرائط الفقيه الوليّ أن يكون عالماً عادلاً مدبّراً. فإذا اتّصف بهذه الشرائط فالعقل - تبعاً لطبع القضيّة - يحكم بسعة سلطته، و هذا كلّه قد تكلّمنا عنه بما لامزيد عليه.

و قد أشار الفقهاء إلى جملةٍ من مصاديقه، كما إذا أدّت حاجة المجتمع إلى تخريب مسجدٍ وقع في شارعٍ‌، أو قام المحتكرين باحتكار ما يحتاج إليه الناس، أو قام المطفّفين بتطفيف ما للناس من الضروريّ في المآكل و المشارب و نظائرهما، أو غاب الزوج فاحتاجت الزوجة إلى فسخ علقة الزواج؛ فعلى الحكم تخريب المسجد و إحداث الشارع ثمّ بناء مسجدٍ آخر في أقرب المواضع منه، كما عليه أن يقابل المحتكرين و المطفّفين بمنعهم عن الاحتكار(1)و التطفيف و لوبلغ إلى التصرّف في أموالهم، و عليه أن يطلّق الزوجة نيابةً عن زوجها.

و هذا كلّه من المجمع عليه بين الفقهاء. و هم في ذلك يتبعون حكم العقل بوجوب كون الحكم مطلق التفويض ليتمكّن من أداء فرائضه. و هذا كلّه واضحٌ‌.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين؛ و صلّى اللّٰه على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين المعصومين و سلّم تسليماً كثيراً يا أرحم الرّاحمين.


1) . كما عن العلّامة رحمه الله: «على الإمام أن يجبر المحتكرين على البيع...»؛ راجع: «منتهى المطلب» - الطبعة الحجريّة - ج 2 ص 1007.

الفهرس التفصيلى

الصورة

O06

الصورة

O07

الصورة

O08

الصورة

O09

الصورة

O10

الصورة

O11

الصورة

O12

الصورة

O13

الصورة

O14

الصورة

O15

الصورة

O16

الصورة

O17

الصورة

O18

الصورة

O19

الصورة

O20

الصورة

O21

الصورة

O22

الصورة

O23

الصورة

O24

الصورة

O25

الصورة

O26

الصورة

O27

الصورة

O28

الصورة

O29

الصورة

O30

الصورة

O31

الصورة

O32

الصورة

O33