فقه الولایة و الحکومة الإسلامیة جلد 2

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

پدیدآورانده مظاهری، حسین (نويسنده) هادی زاده، مجید (محقق)

ناشرمؤسسة الزهراء عليهاالسلام الثقافية الدراسية

مکان نشرايران - قم

سال نشر1386ش/1428ق

شابک‌978-964-2985-00-5

زبان عربی

تعداد جلد3

کد کنگره‌ م6ف7 223/8 BP

محرر رقمی میثم حیدری

فقه الولاية و الحكومة الإسلامية، تقریر بخشی از دروس خارج فقه آیت‌الله حسین مظاهری (معاصر)، در موضوع ولایت فقیه و حکومت اسلامی است که مجید هادی‌زاده آن را به زبان عربی به نگارش درآورده است.

این کتاب، مطالعه مفصلی، برای نشان دادن و تحلیل تئوری ولایت فقیه و حکومت اسلامی بشمار می‌رود که توسط یکی از برجسته‌ترین شاگردان امام خمینی(ره) برای فضلای حوزه علمیه اصفهان تدریس و ارائه شده است.

اشارة

الصورة

N01

الصورة

N02

الصورة

N03

الفهرس الاجمالى

الصورة

N04

الصورة

N05

الصورة

N06

تصديرٌ

الحمدللّٰه و الصّلوة على رسول اللّٰه و على آله آل اللّٰه و لا سيّما بقيّة اللّٰه الى يوم لقاء اللّٰه. و امّا بعد؛ فهذا هو المجلّد الثّاني من كتاب «

فقه الولاية و الحكومة الإسلاميّة

» قريراً لأبحاث الفقيه البارع، سماحة آية اللّٰه العظمى الشيخ حسين المظاهرى - ادام اللّه ظلّه -. و هذا الجزء يشتمل على ما يتعلّق من أبحاث كتابَي الخمس و الأنفال بمسألة الحكم و الحكومة، إذ الخمس و الأنفال يعدّان من أهمّ ميزانيّات الدّولة الإسلاميّة و قد شرّع اللّٰه - سبحانه و تعالى - الخمس و الأنفال ليكونا مصدرين لدخل الحكومة الإسلاميّة و بعبارةٍ اُخرىٰ أنّ الخمس و الأنفال يعدّان منبعيها الماليّة.

و ها نحن حينما نقدّم هذا الجزء إلى القرّاء الكرام، نبتهل إلى المولى - سبحانه و تعالىٰ - أن يمنّ علينا بطول بقاء سماحة شيخنا الأستاذ الفقيه البارع، و أن يجعله في حفظه و رعيه، و أن يزيد فى توفيقات المقرّر المحقّق الفاضل. آمين، ربّ العالمين.

مؤسّسة الزّهراء عليها السلام الثقافية الدّراسيّة ذى القعدة الحرام 1428

كتاب الخمس

اشارة

المقدَّمات

اشارة

نكات تمهيديّةٌ‌

اشارة

قبل الخوض في بيان مقدّمات المبحث نشير إلى نكاتٍ يجب الإلمام بها؛ فنقول:

النّكتة الأولى

قد فرغنا فيما مضى من إثبات أصل الدّولة الإسلاميّة، و رأينا أنّ الشريعة لاتشتمل على الأحكام الفرديّة فحسب، بل لها الأحكام الجماعيّة أيضاً. و تنظيم تلك الأحكام و علاقات الإنسان الجماعيّة يحتاج إلى حكومةٍ‌، و الحكومة بحاجةٍ ماسّةٍ إلى مصدر الدخل و الَمجْنىٰ‌، بل لاحكومة و لادولة إلاّ به؛ و قد شرّع اللّه - سبحانه و تعالى - الخمس و الأنفال ليكونا مصدرين لدخل الدّولة الإسلاميّة، أو فقل منبعيها الماليّة.

فعلينا أن نبحث عنهما لصلتهما الوثيقة بما نحن فيه.

النّكتة الثانية

بما قلنا ظهر سرّ التفصيل حول بعض المسائل، و الإجمال و الإيجاز حول بعضها الآخر، فيرى القارىء الكريم إنّا قد فصّلنا الكلام عند البحث عن بعض المسائل، و أوجزناه عند

البحث عن مسائل أُخر، و السرّ في هذا الإجمال و التفصيل يرجع إلى مدى صلة المسألة إلى مسألة «مجنى الدّولة الإسلاميّة».

النّكتة الثالثة

إنّ مسألة الخمس تُعدُّ من الضروريّات عند الشيعة الإماميّة، و ذلك نظراً إلى قوله - تعالى -: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِالسَّبِيلِ‌»(1)و سنفصّل الكلام حوله.

و هذا خلافاً لما ذهب إليه فقهاء العامّة تبعاً لسياسيّيهم في الصدر الأوّل، حيث منعوا أوّلاً أميرالمؤمنين و سيّدتنا الزّهراء عليهما السلام عن حقّهما في الفدك الثابت بالنصّ الجليّ الوارد في القرآن الكريم(2)، ثمّ منعوهما عن الخمس ليكونا صفرَي اليد غير متمكّنَين من القيام بأخذ حقّهما عن الولاة الجور. قالوا: إنّ مراده - تعالى - من قوله: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ‌» ليس إلاّ الغنائم الحربيّة، فالخمس لايجب إلّافي غنائم دار الحرب، هذا أوّلاً؛

و ثانياً: إنّ قوله: «فَأَنَّ لِلَّهِ‌» لايُراد منه الدوام و الثبوت، بل هو نوع مجاملةٍ فقط!؛

و ثالثاً: قوله: «وَ لِلرَّسُولِ‌» قد انتفى بموت الرّسول صلى الله عليه و آله؛

و رابعاً: قوله: «وَ لِذِي الْقُربَى» قد انتفى بانقراض أمّهات المؤمنين!؛

و خامساً: قوله: «وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِالسَّبِيلِ‌» لايراد منه اليتامى و المساكين و ابن السبيل من «ذوي القربى»، بل يشتمل جميع الأيتام و المساكين و أبناء السبيل، كانوا مِن ذوي القربى أم لم يكونوا.


1) . كريمة 41 الأنفال.

2) . و قد روى أعلام أهل السنّة: «انّ ابن عبّاس لمّا سئل عن سهم ذي القربى فقال: إنّا كنّا نزعم انّه لنا، فأبى ذلك علينا قومنا». قال شمس الدين ابن قدامة بعد نقل الأثر: «و لعلّه أراد بقوله: أبى ذلك علينا قومنا فعل أبي بكرٍ و عمر في حملهما عليه في سبيل اللّه و من تبعهما على ذلك؛ و متى اختلف الصحابة و كان قول بعضهم يوافق الكتاب و السنّة كان أولى، و قول ابن عبّاسٍ موافقٌ للكتاب و السنّة»؛ راجع: «المغني و الشرح الكبير» ج 10 ص 448.

و قوله - تعالى -: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهَا» يفي بمؤونتهم و كفاية أمرهم؛ فلامورد لآية الخمس، فهي في عداد المنسوخات!(1)

قال السرخسيّ‌: «... سهم اللّه و سهم الرسول - صلّى اللّه عليه و سلّم - واحدٌ، و ذكر اسم اللّه - تعالى - للتبرّك و مفتاح الكلام... فذكر اللّه - تعالى - ليس للاستحقاق، لأنّ الدنيا بما فيها للّه - تعالى -؛ و لكن للتبرّك أو لتشريف هذا المال، لأنّ إضافة شيءٍ من الدنيا إلى اللّه - تعالى - على الخصوص لمعنى التشريف، كالمساجد.... و أمّا سهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و سلّم - فقد كان ثابتاً في حياته و سقط بموته عندنا... فأمّا سهم ذوي القربى فقد كان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و سلّم - يصرفه إليهم في حياته و هم صلبيّة بني هاشمٍ و بني عبدالمطّلب، و لم يبق لهم ذلك بعده عندنا... و من قال: لاحقّ للفقراء و الأغنياء منهم جميعاً قال: المراد بالآية بيان جواز الصرف إليهم لا بيان وجوب الصرف إليهم»؛ راجع: «المبسوط» ج 10 ص 8؛ و انظر: نفس المصدر ج 3 ص 17.

و قال شمس الدين ابن قدامة: «سهم اللّه - عزّ و جلّ -... لاتجعلوا للّه نصيباً، فإنّ للّه الدنيا و الآخرة... و أسقطوا سهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و سلّم - بموته؛ و سهم قرابته أيضاً... و سهم اللّه و الرسول واحدٌ... و قوله: «فَإِنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ‌» افتتاح كلامٍ‌، يعني: أن ذكر اللّه - تعالى - لافتتاح الكلام باسمه تبرّكاً به لا لإفراده بسهمٍ‌، فان للّه - تعالى - الدنيا و الآخرة»؛ راجع: «المغني و الشرح الكبير» ج 10 ص 486.

أمّا سهم ذوي القربى فذهب الحنابلة إلى ثبوته لهم بعد وفاته؛ راجع: نفس المصدر و المجلّد ص 490. و لتفصيل آرائهم و مذاهبهم راجع: «الفقه على المذاهب الخمسة» ص 186.

.

هذا؛ و قد أصرّ أهل البيت عليهم السلام على أنّ الخمس تُعدُّ من ضروريّات الإسلام، و ذلك نظراً إلى دوره الهامّ في تكوين الدّولة الإسلاميّة، و سنفصّل الكلام حوله.


و الآن بعد الفراغ من تقديم النّكات و تمهيد الممهّدات ندخل في بيان مقدّمات المبحث ثم ندخل في صلب الموضوع.


1) . لفقهاء العامّة هيهنا أقوالٌ كثيرةٌ و آراء متشتّتة؛ إليك نصّ علَمين من أعلامهم:

المقدّمة الأولى في أنّ الخمس يُعدُّ من منابع الدَّولة الإسلاميّة الماليّة

اشارة

قد أشار اللّه - تعالى - إلى مصادر دخل الدّولة الإسلاميّة في ثلاث آياتٍ‌، و ها نحن نفتتح الكلام بها تيمّناً و تبرّكاً بكلامه العليّ‌؛

منها: قوله - تعالى -:

«وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ‌». و هيهنا نكتٌ‌:

النكتة الأولى

قوله تعالى: «أَنَّمَا غَنِمْتُمْ‌» لايختصّ بمغانم دارالحرب فقط، بل هو عامٌّ يشمل جميع ما اكتسبته أيدي الناس. و وقوع الحكم في آياتٍ تبيّن حكم الحرب و ما يتعلّق به، أو فقل نزوله في مورد الحرب لايخصّص العامّ‌، فإخراج الخمس واجبٌ في جميع ما تغتنمه الناس، من حربٍ كان أو من تجارةٍ أو من فلاحةٍ أو من غيرها.

النكتة الثانية

دلّت رواياتنا على أنّ اللّه - سبحانه و تعالى - قد وهب ما له من الخمس للنبيّ صلى الله عليه و آله، فله سهمان في الخمس؛ ثمّ بموته صلى الله عليه و آله صار السهمان لذوي القربى، فثلث الخمس لهم.

النكتة الثالثة

سنرى انّ روايات الباب ناطقةٌ بأنّ المراد من «ذوي القربى» هم أولي الأمر، أي:

الحجج عليهم السلام.

النكتة الرابعة

تكرير «اللام» في قوله - تعالى -: «فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى» يدلّ على ملكيّتهم عليه، بينما لم تُكرّر في قوله - تعالى -: «وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِالسَّبِيلِ‌»، و هذا يدلّ على كون اليتامى و المساكين و أبناء السبيل من موارد مصرف الخمس، لا من مالكيه.

النكتة الخامسة

قد دلّت رواياتنا أيضاً على أنّ «اللام» الواردة على «الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينَ وَ ابْنِالسَّبِيلِ‌» هي لام العهد، أي: اليتامى و المساكين و أبناء السبيل من ذوي القربى، أي ذريّة سيّدتنا الزهراء البتول - سلام اللّه عليها -. و سنفصّل الكلام حول روايات الباب.

و المستفاد من مجموع النكت المتقدّمة أنّ الخمس يتعلّق بالنبيّ و أهل بيته بما هم أولي الأمر و أصحاب الحُكم، و من مصاديقه كفاية أمر اليتامى و المساكين و أبناء السبيل من آل محمّدٍ عليهم السلام؛ و لايختصّ الخمس بهذه الثلاثة فقط، بل الثلاثة من أهمّ مصارفه و أولاها.

أمّا روايات الباب

اشارة

فهي كثيرةٌ‌، بل فيها نوعٌ من التواتر المعنويّ‌، و هي ناطقةٌ بأنّ الخمس للحُكم و الدولة، إذ اللّه - سبحانه و تعالى - بما أنّه حاكمٌ على دار الوجود بل صاحبها على الإطلاق قد فوّض سهمه إلى النبيّ‌، و هو قد فوّض سهمه إلى الحاكم من بعده، و كذلك في جميع السّادة ائمّة أهل البيت عليهم السلام؛ و هو الآن للوليّ و الحاكم بما هو الوليّ و الحاكم. و نأتي هيهنا بطائفةٍ من تلك الروايات.

الرواية الأولى
اشارة

ما رواه الشَّيخ رحمه الله، و هو:

«محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب عن محمّد بن الحسين عن عبداللّه بن القاسم الحضرميّ عن عبداللّه بن سنان قال: قال أبوعبداللّه عليه السلام: على كلّ امرئٍ غَنِم أو اكتسب الخمسُ ممّا أصاب لفاطمة عليها السلام و لمن يلي أمرها من بعدها من ذرّيتها الحجج على الناس، فذاك لهم خاصّةً يضعونه حيث شاؤوا»(1).

أمّا السند فصحيحٌ‌، و فيه رجلان من أصحاب الإجماع، فلا إشكال فيه. أمّا دلالةً فهي تدلّ على أنّ الخمس واجبٌ في جميع ما يكتسبه النّاس، من مغانم الحرب كان أو من غيرها؛ ثمّ بيّنت انّ الخمس لفاطمة الزهراء عليها السلام بالأصالة، ثمّ هو لمن يلي أمرها من بعدها، و هو إمام المسلمين و الحاكم عليهم.

نعم! هيهنا نكتةٌ يجب الإلمام بها، و هي: مضت منّا الإشارة إلى أنّ الزهراء عليها السلام لم تكن حاكمةً و إن كانت وليّةً‌، بل لها الولاية الإلهيّة العظمى، فلو لم تكن حاكمةً على المسلمين فما هو الوجه في جعل الخمس ملكاً لها ثمّ جَعْلُه من بعدها لمن يلي أمرها؟

و يمكن أن يُجاب عن هذه النكتة بأجوبةٍ ثلاثةٍ‌:

الجواب الأوّل:

نعم! إنّ الزهراء عليها السلام ما كانت حاكمةً‌، فليس لها أن تكون مالكةً له، و لكنّها عليها السلام هي مبتدأة سلسلة الإمامة، و منبع ينبوع الولاية، فلها الخمس من هذه الجهة؛ ثمّ انّه لأبنائها بما انّهم أصحاب الإمامة و الولاية.

الجواب الثاني:

إنّ اللّه - سبحانه و تعالى - قد أعطاها الخمس تشريفاً لها، فالحكومة


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 503 الحديث 12586؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 122 الحديث 5، «الإستبصار» ج 2 ص 55 الحديث 2.

لزوجتها و أبنائها، و ميزانيّتها لها. و هذه تكرمةٌ من اللّه - تعالى - لها حيث لم يجعلها حاكمةً على المسلمين، فأعطاها ميزانيّة الدولة و موازنتها عوضاً عمّا لم يهبه لها.

الجواب الثالث:

إنّ الزهراء البتول العلّة الغائية من خلق العوالم و ايجاد الأكوان، فهي العلّة الغائية في العوالم، و في الإسلام، و في الحكومة الإسلاميّة، و في موازنتها، فهي لها. و قد ورد قوله - تعالى - مخاطباً نبيّه الكريم: «لولاك لما خلقت الأفلاك و لولا عليٌّ لما خلقتك و لولا فاطمة لما خلقتكما»، و الرواية ضعيفةٌ سنداً، بل لا سند لها يمكن الركون عليه(1). و لكنّها لا بأس بها نظراً إلى مفادّها، إذ مفادها رفيعٌ في غاية الرّفعة؛ و لاتسع هذه العجالة البحث عنه، فنحيله إلى موضعه.

و ثاني الأجوبة هو خيرها، و به يندفع الإشكال.

الرواية الثانية

ما رواه الكلينيّ رحمه الله، و نصّها:

«محمّد بن يعقوب عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن أحمد بن محمّد بن أبي نصرٍ عن الرضا عليه السلام قال: سُئل عن قول اللّه عزّوجلّ‌: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى»(2). فقيل له: فما كان للّه فلمن هو؟

فقال: لرسول اللّه صلى الله عليه و آله، و ما كان لرسول اللّه صلى الله عليه و آله فهو للإمام.

فقيل له: أفرأيت إن كان صنفٌ من الأصناف أكثر و صنف أقلّ‌، ما يُصنع به‌؟

قال: ذاك إلى الإمام، أرأيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله كيف يصنع، أليس إنّما كان


1) . كما أنّني لم أعثر عليها في مصادرنا الروائيّة.

2) . كريمة 41 الأنفال.

يعطي على ما يرى‌؟ كذلك الإمام»(1).

أمّا السند فصحيحٌ‌، حيث يوجد في الطريق أحمد بن محمّد بن عيسى، و هو ممّن لايروي إلاّ عن الثقات(2)و فيه أيضاً أحمد بن محمّد بن أبي نصر، و هو البزنطيّ‌، المعدود في أصحاب الإجماع(3). فالسند صحيحٌ لا كلام فيه.

أمّا دلالة الحديث على ما نحن بصدده فواضحةٌ‌، بل هي تامّةٌ‌، حيث ذكر مولانا الرضا عليه السلام أوّلاً أنّ الخمس كلّه للإمام، ثمّ أشار إلى أنّه هو الّذي يعيّن مصارفه، حيث سُئل عن المفاضلة بين الطوائف الثلاث قلّةً و كثرةً بحيث يوجد كثيرٌ من المساكين بينما لم يوجد أحدٌ من أبناء السبيل، فأجاب ب‍: أنّ الإمام يفعل كما كان يفعل رسول اللّه، فالإمام «يعطي على ما يرى». فالخمس كبيت المال للحاكم و الدولة، و على الحاكم أن يعيّن مصارفه.

و بما قلنا ظهر أنّ دلالة الحديث على ما نحن بصدده تامّةٌ لاخدشة فيه.

الرواية الثالثة

و هي ما رواه الكلينيّ رحمه الله أيضاً، و نصّها:

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح عليه السلام في حديثٍ طويلٍ قال: و له - يعني:

للإمام - نصف الخمس كَمَلاً، و نصف الخمس الباقي بين أهل بيته فسهمٌ ليتاماهم و


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 519 الحديث 12620، «الكافي» ج 1 ص 544 الحديث 7؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 126 الحديث 4.

2) . راجع: «رجال النجاشي» ص 81 الرقم 198، «خلاصة الأقوال» ص 61 الرقم 67؛ و انظر: «أصول علم الرجال» ص 460، «معجم رجال الحديث» ج 2 ص 295 الرقم 896.

3) . راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 830 الرقم 1050، «خلاصة الأقوال» ص 61 الرقم 66، «معجم رجال الحديث» ج 2 ص 231 الرقم 800.

سهمٌ‌

لمساكينهم و سهمٌ لأبناء سبيلهم؛ يقسم بينهم على الكتاب و السنّة ما يستغنون به في سنتهم. فإن فضل عنهم شيءٌ فهو للوالي، فإن عجر أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق مِن عنده بقدر مايستغنون به. و إنّما صار عليه أن يمونهم لأنّ له ما فضل عنهم»(1).

أمّا السند فلابأس به. نعم! فيه ارسالٌ و لكن قلنا أنّه لابأس به نظراً الى أنّ المرسل هو حمّاد بن عيسى، و هو من أصحاب الإجماع(2)، فلاإشكال في مرسلاته بالنظر إلى مبنى القوم في أصحاب الإجماع و مرسلاتهم.

و لوذهب ذاهبٌ إلى خلاف هذا المبنى فلاضير أيضاً، إذ الرواية قد عمل بها الأصحاب من المتقدّمين و المتأخّرين، فهي معمولةٌ بها عندهم؛ فضعفها سنداً منجبَرٌ بعمل الأصحاب.

فهي إمّا صحيحةٌ‌، و إمّا مقبولةٌ‌؛ فلا اشكال فيها سنداً.

أمّا دلالةً‌، فدلالتها على ما نحن بصدده تامّةٌ‌، حيث أشار الإمام عليه السلام في صدرها إلى أنّ النصف منه له، و نصفه الباقي يُقَسَّمُ بين الطوائف الثلاث من ذريّة سيّدتنا الزهراء عليها السلام، فيعطيهم الإمام قدر ما يستغنون به في سنةٍ واحدةٍ‌، لا أزيد منه؛ و ما فضل من حاجاتهم فهو للإمام. و إنْ نقَص الخمس عن حوائجهم فعلى الإمام أن يعطيهم من ماله حتّى يكونوا مستغنين غير محتاجين بما في أيدي الناس.

فعلى أيٍّ دلالة الحديث على أنّ الخمس يتعلّق بالإمام و هو يقسّمه بين هؤلاء الطوائف الثلاث و غيرهم مراعياً في التقسيم الأفضل فالأفضل تامّةٌ‌، و هي دالّةٌ على أنّ الخمس متعلّقٌ بالدولة الإسلاميّة، بل هو من ميزانيّاتها.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 520 الحديث 12623، «الكافي» ج 1 ص 539 الحديث 4؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 128 الحديث 2.

2) . راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 673، «خلاصة الأقوال» ص 124 الرقم 323؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 6 ص 224 الرقم 3962.

الرواية الرابعة

ما رواه الشيخ رحمه الله بإسناده، و نصّها:

«محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار عن أحمد بن محمّد عن بعض أصحابنا - رفع الحديث إلى أن قال -: فالنصف له - يعني:

نصف الخمس للإمام - خاصّةً‌، و النصف لليتامى و المساكين و أبناء السبيل من آل محمّدٍ الّذين لاتحلّ لهم الصدقة و لاالزكاة، عوّضهم اللّه مكان ذلك بالخمس. فهو يعطيهم على قدر كفايتهم. فإن فضل شيءٌ فهو له و إن نقص عنهم و لم يكفهم أتمّه لهم من عنده؛ كما صار له الفضل كذلك يلزمه النقصان»(1).

الرواية صحيحةٌ سنداً. و الرفع الواقع فيه لابأس به، إذ الرافع هو أحمد بن محمّد بن عيسى الّذي لايروي إلّاعن ثقةٍ‌، و أمره في كمال المواظبة على الرواية عن الثقات مشهورٌ، حتّى أنّه قد أخرج البرقيّ أوّلاً من قم المقدّسة لأنّه كان يروي عن الضعاف، مع أنّ البرقيّ كان يُعدُّ من كبار أعلام العلماء و المصنّفين؛ فلابأس بما وقع في السند من الرفع(2).

أمّا دلالةً‌، فلقوله عليه السلام: «فإن فضل شيءٌ فهو له» دلالةٌ على كون الخمس للدولة الإسلاميّة، و انّ الطوائف الثلاث من آل محمّدٍ هم أولى مصارفه، لا مالكيه؛ إذ ما يفضل منه فهو له، و ما ينقص منه من مؤونة سنتهم فعليه أن يجبره، فالخمس له لأنّه هو الحاكم على المسلمين المدبّر لأمورهم.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 521 الحديث 12624، «التهذيب» ج 4 ص 126 الحديث 5.

2) . قد أشرنا إلى بعض ما يرجع إليه من مصادر علم الرجال آنفاً؛ فراجعه.

الرواية الخامسة

ما رواه الكلينيّ رحمه الله، و نصّها:

«و عنه عن أبيه عن ابن محبوب عن معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام السريَّة يبعثها الإمام فيصيبون غنائم، كيف يُقسم‌؟

قال: إن قاتلوا عليها مع أميرٍ أمّره الإمام عليهم أخرج منها الخمس للّه و للرسول و قُسم بينهم ثلاثة أخماسٍ‌؛ و إن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للإمام يجعله حيث أحبّ‌»(1).

أمّا السند فصحيحٌ و لاكلام فيه.

أمّا الدلالة فهي على ما نحن بصدده تامّةٌ‌، إذ الرواية تشير إلى أنّ الخمس كلّه للإمام.

نعم! لوكان الحرب بأمره فهو يقسّم أربعة أخماسٍ من المغانم بين المجاهدين، و لو لم يكن بأمره فكلّه له.

و هيهنا نكتةٌ‌؛ و هي: الظاهر انّ الموجود في المتن من قوله: «و قسم بينهم ثلاثة أخماسٍ‌» خطأٌ حدث من النسّاخ، و الصحيح: «و قسّم بينهم أربعة أخماسٍ‌» كما يشهد به غيرها من روايات الباب.

الرواية السادسة

ما رواه الصدوق رحمه الله في الفقيه، و نصّها:

«و بإسناده عن أبي عليّ بن راشد قال: قلت لأبي الحسن الثالث عليه السلام: إنّا نُؤتى بالشيء فيقال: هذا كان لأبي جعفر عليه السلام عندنا؛ فكيف نصنع‌؟

فقال: ما كان لأبي عليه السلام بسبب الإمامة فهو لي، و ما كان غير ذلك فهو ميراثٌ‌


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 524 الحديث 12627، «الكافي» ج 5 ص 43 الحديث 1.

على كتاب اللّه و سنّة نبيّك»(1).

السند صحيحٌ‌، و أنّ أباعليّ بن راشد كان وكيلاً من قبل ساداتنا الكرام الإمام الجواد و الإمام الهاديّ و الإمام العسكري عليهم السلام(2)، فسأل عن الهادي عليه السلام عن مالٍ كان يتعلّق بالإمام الجواد عليه السلام زمن حياته و كان عنده أو عند غيره من الشيعة، و لم يوفّقه اللّه لإيصال ذلك المال إليه، فبعد شهادته ماذا يُفعل بهذا المال‌؟

فأجاب: إن كان المال خمساً و كان لأبي بسبب إمامته فهو الآن لي، لأنّي أنا القائم مقامه و الإمام من بعده؛ و لو كان له بسببٍ غير إمامته - كنذرٍ أو غيره - فهو ميراثٌ يُقسّم بين أهله.

و دلالة الحديث تامّةٌ كاملةٌ‌، بل الظاهر أنّ هذا الحديث خير الأحاديث دلالةً على ما نحن بصدده.

و هناك طائفةٌ من الروايات تدلّ على أنّ الطوائف الثلاث المذكورة في الكريمة ليست إلّا من مصارف الخمس، لا من مالكيه. و بعبارةٍ أخرى ليس الخمس إلّاللإمام، و هو يقسّمه كيفما يرى. نعم! إنّ اليتامى و المساكين و أبناء السبيل من آل محمّدٍ هم أولى مصارفه، لأنّهم المنصوص بهم في الآية الشريفة.

و تلك الطائفة هي رواياتٌ سمّاها الفقهاء: «روايات تحليل الخمس». و سنبحث في المسألة الثانية من مسائل الخمس عن هذه الروايات و مفادّها، و سنفصّل الكلام حولها - إن شاء اللّه تعالى -.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 537 الحديث 12663، «الفقيه» ج 2 ص 43 الحديث 1657.

2) . هو ابوعليّ الحسن بن راشد مولى لآل المهلب البغداديّ‌، الوكيل. كان ثقةً ثبتاً؛ راجع: «معجم رجال الحديث» ج 4 ص 324 الرقم 2813، «منتهى المقال» ج 2 ص 377 الرقم 723؛ و انظر: «الغيبة» - لشيخ الطائفة رحمه الله - ص 350. و هناك الحسن بن راشد الضعيف في روايته، و هو غير الأوّل، فلاتغفل؛ انظر: «رجال النجاشي» ص 38 الرقم 76.

و لكنّ الآن نأتي بجملةٍ من هذه الطائفة لوضوح دلالتها على ما نحن بصدده، فمنها:

الرواية السابعة
اشارة

ما رواه الكلينيّ رحمه الله، و نصّها:

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه قال: كنت عند أبي جعفرٍ الثاني عليه السلام إذ دخل عليه صالح بن محمّد بن سهل - و كان يتولّي له الوقف بقم -، فقال: يا سيّدي! اجعلني من عشرة آلافٍ في حلٍّ‌، فإنّي قد أنفقتها!

فقال له: أنت في حلٍّ‌. فلمّا خرج صالحٌ فقال أبوجعفر عليه السلام: أحدهم يَثِبُ على أموال ٰ‌ال محمّدٍ و أيتامهم و مساكينهم و أبناء سبيلهم فيأخذه ثمّ يجيء فيقول: اجعلني في حلٍّ‌!. أتراه ظنّ انّي أقول: لاأفعل!؛ و اللّه ليسألنّهم اللّه يوم القيامة عن ذلك سؤالاً حثيثاً!»(1).

أمّا السند فصحيحٌ‌، بل هو في أعلى مدارج الصحّة، لقلّة الوسائط بين الكلينيّ رحمه الله و بين المعصوم، و علوّ الواسطتين.

أمّا دلالةً‌، فيتمّ بيانها بالنظر إلى هاتين النكتتين:

النكتة الأولى

إنّ صالح بن محمّد بن سهل كان متولّياً من قبل الإمام أبي جعفرٍ الثاني عليه السلام على الوقف بقم(2)

و للمامقانيّ رحمه الله هنا كلامٌ لايلائم ما ذكره الشيخ في الغيبة من كونه صالح بن محمّدٍ الهمداني؛ راجع: «تنقيح المقال» ج 2 ص 94 الرقم 5692.

، فيبدو في بادئ النظر انّ المال الّذى طلب من الإمام أن يجعله منه في حلٍّ كان من

1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 537 الحديث 12664، «الكافي» ج 1 ص 548 الحديث 27؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 140 الحديث 19، «المقنعة» ص 284.

2) . الظاهر انّه صالح بن محمّدٍ الهمدانيّ‌، و قد ذكره الشيخ رحمه الله في المذمومين من الوكلاء؛ راجع: «الغيبة» ص 213. أمّا الرجاليون فلم أعثر على نصٍّ منهم على كونه وكيلاً، و هذا غريبٌ جدّاً!؛ فانظر: «نقد الرجال» ج 2 ص 413 الرقم 2600، «جامع الرواة» ج 1 ص 408 القائمة 2، «رجال الطوسيّ‌» ص 376 الرقم 5561، ص 387 الرقم 5703، «قاموس الرجال» ج 5 ص 470 الرقم 3642، «معجم رجال الحديث» ج 9 ص 82 الرقم 5844.

أموال الوقف؛ و لكن هذا نظرٌ يردّه التأمّل في متن الحديث، إذ قوله: «يسبُ على أموال آل محمّدٍ و أيتامهم و مساكينهم و أبناء سبيلهم» يشير إلى مصارف الخمس، لا مصارف الوقف. و كذلك قوله عليه السلام: «فيأخذه»، إذ المتبادر من سيرة الشيعة طوال القرون أنّ الخمس هو الّذي يأخذه الوكيل، لاالوقف الّذي هو تحت يديه، فمورد السؤال يرجع إلى الخمس، لا الوقف.

النكتة الثانية

إنّ الإمام عليه السلام أجاب عن سؤاله و طلبه بقوله: «أنت في حلٍّ‌»، و لا معنى لأن يحلّ الإمام ما ليس له، بل تحليله عليه السلام لايصحّ إلّاإذا كان الخمس ملكاً للحكومة الإسلاميّة، و الإمام بما أنّه قائد الحكم و رئيس الدولة ينفقه كيفما يريد، و لوكان الخمس ملكاً للطوائف الثلاث المذكورة في الآية الشريفة لما كان للإمام أن يحلّله و يهبه لمن يشاء. فالرواية تدلّ على أنّ الخمس كان ملكاً لعنوان الإمامة، و الإمام بما انّه مصداقٌ لهذا العنوان يعيّن مصارفه.

فدلالتها على المطلوب تامّةٌ‌.

الرواية الثامنة

ما رواه الشيخ رحمه الله، و نصّه:

«محمّد بن الحسن بإسناده عن سعد بن عبداللّه عن أبي جعفرٍ - يعنى: أحمد بن محمّد بن عيسى - عن العبّاس بن معروف عن حمّاد بن عيسى عن حريز بن عبداللّه عن أبي بصير و زرارة و محمّد بن مسلم كلّهم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قال أميرالمؤمنين عليّ بن ابيطالبٍ عليه السلام: هلك الناس في بطونهم و فروجهم لأنّهم لم يؤدّوا إلينا حقّنا، ألَاو إنّ شيعتنا من ذلك و آباءهم في حلٍّ‌»(1).

أمّا السند فصحيحٌ‌، و لاكلام فيه.

أمّا دلالة الحديث على ما نحن بصدده فتامّةٌ أيضاً. إذ الظاهر انّ قوله عليه السلام: «هلك الناس في بطونهم و فروجهم» يشير إلى غنائم كانت تُكْتَسَبُ في الحروب، و تلك الحروب ما كانت بأمره عليه السلام، فتلك الغنائم كلّها كانت متعلّقةً به عليه السلام - كما مضت الإشارة إليه -، و لكن الظلمة الغاصبي للخلافة كانوا يقسّمونها بين الناس، فكان الناس يأكلون من تلك الأموال و ينكحون الإماء اللاتي كُنَّ تؤخذن في تلك الحروب. فشاع بين الناس أكل الحرام و الزنا، بل كثرت بينهم أولاد الزنا، فنبّه أميرالمؤمنين عليه السلام على ذلك؛ ثمّ أشار عليه السلام إلى أنّ الشيعة من ذلك في حلٍّ‌، لأنّهم كانوا يعرفون حقّه و يعلمون انّ الغنائم كلّها تُعدّ من ملكه، و لا حقّ لغيره فيها. فجعل عليه السلام إيّاهم في حلٍّ من ذلك لئلّا يصيبوا بالحرام، و لئلّا يرتكبوا الزنا، و لئلّا تكون أولادهم أولادَ الزنا.

و المتحصّل من قوله عليه السلام هذا: إنّ الخمس كلّه للإمام. و قوله عليه السلام و إن ورد في مورد خمس الغنائم، و لكن لاتخصيص فيه، بل هو عامٌّ يشمل جميع الأخماس، من المغانم كانت أو من غيرها.

الرواية التاسعة

و هي ما رواه الشيخ رحمه الله أيضاً، و نصّها:

«و عنه عن أبي جعفر عن عليّ بن مهزيار قال: قرأت في كتابٍ‌


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 543 الحديث 12675، «التهذيب» ج 4 ص 137 الحديث 8، «الإستبصار» ج 2 ص 58 الحديث 5.

لأبي جعفر عليه السلام من رجلٍ يسأله أن يجعله في حلٍّ من مأكله و مشربه من الخمس؛ فكتب بخطّه: من أعوزه شيءٌ من حقّي فهو في حلٍّ‌»(1).

أمّا السند فصحيحٌ‌. أمّا دلالة الرواية فتامّةٌ أيضاً. و مدلولها ورد في الرسائل العمليّة أيضاً، و قد أفتى به المتقدّمون من الأصحاب و المتأخّرون منهم، و لا خلاف فيه. و الّذي يظهر منه انّ الإمام عليه السلام كان يرى نفسه مالكاً للخمس فكان يحلّله لمن لم يطق إخراجه عن ماله لحرجٍ عرض عليه، كفقرٍ و عدمٍ‌، و هذا معنى انّ الطوائف الثلاث هم من مصارفه، لا مالكيه.

الرواية العاشرة

ما رواه الشيخ رحمه الله أيضاً، و نصّها:

«و عنه عن أبي جعفرٍ عن الحسين بن سعيد عن فضالة بن أيّوب عن عمر بن أبان الكلبيّ‌، عن ضريس الكُناسيّ قال: قال أبوعبداللّه عليه السلام: أتدري من أين دخل على الناس الزنا؟

فقلت: لا أدري!

فقال: مِن قِبَل خمسنا أهل البيت، إلّالشيعتنا الأطيبين فانّه محلّلٌ لهم و لميلادهم»(2).

السند لابأس به؛ و تقريب الكلام في دلالة الحديث قد مضى في التعليق على الرواية الثامنة، فلانعيده حذراً عن التطويل.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 543 الحديث 12676، «التهذيب» ج 4 ص 143 الحديث 22؛ و انظر: «الفقيه» ج 2 ص 44 الحديث 1660.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 544 الحديث 12677، «التهذيب» ج 4 ص 136 الحديث 5، «الإستبصار» ج 2 ص 57 الحديث 2.

الرواية الحادي عشرة

ما رواه الشيخ رحمه الله أيضاً، و نصّها:

«و عنه عن أبي جعفرٍ عن الحسن بن عليٍّ الوشّاء عن أحمد بن عائذ عن أبي سلمة سالم بن مكرمٍ - و هو أبوخديجة - عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قال رجلٌ و أنا حاضرٌ: حلِّل لي الفروج! ففزع ابوعبداللّه عليه السلام!؛

فقال له رجلٌ‌: ليس يسألك أن يعترض الطريق، إنّما يسألك خادماً يشتريها أو امرأةً يتزوّجها أو ميراثاً يصيبه أو تجارةً أو شيئاً أعطاه؛

فقال: هذا لشيعتنا حلالٌ الشاهد منهم و الغائب و الميّت منهم و الحيّ و ما يولد منهم إلى يوم القيامة، فهو لهم حلالٌ‌»(1).

السند أيضاً صحيحٌ‌؛ و تقريب الاستدلال بها نفس التقريب الّذي مضى في الرواية السابقة عليها، فراجعه.

تذييلٌ‌

اشارة

هذا كلّه مبنيٌّ على المختار من كون الخمس ملكاً للنبيّ صلى الله عليه و آله بما انّه نبيٌّ و ملكاً للإمام عليه السلام بما أنّه إمامٌ‌(2). و الولاية على الحكم من شؤون النبيّ‌، و الإمام عليه السلام يرثه صلى الله عليه و آله في جميع شؤونه إلّافي الوحي التشريعيّ‌، فتلك الولاية من شؤونه أيضاً؛ و لا حكم إلّا بالميزانيّة و الموازنة، و الخمس و الأنفال هما ميزانيّات الحكم و موازنته.

و المتحصّل من ذلك كلّه انّ الخمس لشخصيّة الإمام الاعتباريّة، لالشخصيّته الطبيعيّة،


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 544 الحديث 12678، «التهذيب» ج 4 ص 137 الحديث 6، «الإستبصار» ج 2 ص 58 الحديث 3، «المقنعة» ص 281.

2) . لنقد هذا الرأي راجع: «كتاب البيع» - للإمام الخمينيّ رحمه الله - ج 2 ص 492.

و إلى ذلك يشير قول مولانا الهادي عليه السلام: «ما كان لأبي عليه السلام بسبب الإمامة فهو لي، و ما كان غير ذلك فهو ميراثٌ‌...»(1)و قد مضت الإشارة إليه آنفاً. فهو في عصر الغيبة لمن يلي الحكم و يخلف عنه عليه السلام في هذا الشأن من شؤونه.

و هذا معنى كون الخمس من ميزانيّات الدولة الإسلامية.

نعم!، هذا كلّه مبنيٌّ على المختار.

و هناك طائفةٌ من الروايات تدلّ على أنّ الخمس لشخصيّة الإمام الطبيعيّة، لا لشخصيّته الاعتباريّة، و المستفاد منها انّ الخمس يُعدّ من ميراث الإمام، فيُقسَّم بين أهله عليه السلام على ما رسمه الشارع في تقسيم الميراث بين البنين و البنات و الأزواج و غيرهم. فبين الطائفتين تهافتٌ ظاهرٌ، و علينا أن نفصّل الكلام حول تلك الروايات من حيث السند و الدلالة لنرى هل يمكن العلاج بالجمع بين الطائفتين بحمل إحداهما على الأخرى‌؟، أو لايمكن الجمع بينهما و لامناص من طرح إحدى الطائفتين و الأخذ بالأخرى‌؟؛ و سنعود إلى هذه الطائفة من أخبار الباب.

و الآن نقول: المشهور بين القوم قديماً و حديثاً انّ الخمس يُقسم قسمين، فقسمٌ للإمام خاصّةً‌، و قسمٌ للطوائف الثلاث(2)- أي: اليتامى و المساكين و أبناء السبيل من آل محمّدٍ عليهم السلام -. و الظاهر من مجموع أقوالهم أنّهم ذهبوا إلى أنّ الخمس ملكٌ للإمام لا من


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 537 الحديث 12663، «الفقيه» ج 2 ص 43 الحديث 1657.

2) . كما قال المحقّق الأردبيليّ رحمه الله شارحاً قول العلّامة رحمه الله: «و يُقسم الخمس ستّة أقسامٍ‌، ثلاثةٌ للإمام عليه السلام و ثلاثةٌ لليتامى و المساكين و أبناء السبيل من الهاشميّين المؤمنين»: «... كونه مقسوماً ستّة أقسامٍ نصفه للرسول صلى الله عليه و آله و بعده للإمام عليه السلام القائم مقامه و النصف الآخر لباقي المذكورين هو المشهور بين الأصحاب»؛ راجع: «مجمع الفائدة و البرهان» ج 4 ص 326؛ و انظر: «جواهر الفقه» - للقاضي ابن برّاج - ص 269.

حيث إمامته، بل من حيث شخصيّته الحقيقيّة، و سنعود إلى قولهم هذا؛ و هو أيضاً ملكٌ للطوائف الثلاث لا بما أنّهم أولى مصارفه بما أنّهم منصوصٌ بهم في الآية الشريفة، بل الخمس ملكٌ لهم و لايحقّ لغيرهم التصرّف فيه.

ثمّ اختلفت الأقوال في سهم الإمام عليه السلام، فمنهم من ذهب إلى أنّ الخمس قد حلّله الإمام للشيعة، و هم القائلون بتحليل الخمس مطلقاً؛

و منهم من قال: إنّ الإمام قد حلّل سهمه من الخمس خاصّةً‌، أمّا سهم ذراري سيّدتنا الزهراء عليها السلام من الطوائف الثلاث فلم يحلّله، فيجب على الناس إخراجه من أموالهم.

و هناك أقوالٌ لاتخلوا عن غرابةٍ‌، كالقول بوجوب دفن الخمس في الأراضي المجهولة(1)، أو رفضه في المياه و البحار ليصل إلى صاحب الأمر عليه السلام؛ أو القول بوجوب ارساله بين الناس و أخذ كلٍّ إيّاه و اعطائه إلى الآخر حتّى يصل إليه عليه السلام(2).

و تلك الأقوال(3)الغريبة تنبىء عن غموضٍ كامنٍ في المسألة بحيث كأنّها لم تكن واضحةً عند الأصحاب. و عن السيّد في العروة: إنّ أمر سهم الإمام بيد المجتهد الجامع لشرائط الفتيا؛ أمّا سهم السادة فبيد المؤمنين، و عليهم أن ينفقوه في موارده الخاصّة به من رفع حوائج الطوائف الثلاث على النهج المذكور في فقهنا(4).


1) . كما ذكره المحقّق الهمدانيّ رحمه الله من غير إشارةٍ إلى قائله؛ راجع: «مصباح الفقيه» - الطبعة الحجريّة - ج 3 ص 158.

2) . كما قال المحقّق الخوئي مشيراً إلى هذه الأقوال: «... عدم وجوب دفنه أو إلقائه في البحر أو توديعه عند الأمين ليودعه عند أمينٍ آخر و هكذا إلى أن يصل إلى الإمام عليه السلام...» راجع: «كتاب الإجتهاد و التقليد» ص 424؛ و انظر: «كتاب الخمس» - له رحمه الله - ج 1 ص 325.

3) . و انظر أيضاً: «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 579، «المهذّب البارع» ج 1 ص 570، «المهذّب» ص 179، «السرائر» ج 1 ص 504.

4) . راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 2 المسالة 7، ج 2 ص 405.

و المعروف بين متأخّري المتأخّرين انّ الخمس بما انّه للإمام يجب أن يُوصَل إلى الفقيه(1)، و لايجوز لغيره أن يتصرّف فيه. و تصرّفه أيضاً مشروطٌ بتحصيل رضاه عليه السلام، و لا ريب في أنّ تقوية الدين و تشييد أركانه بتوسعة الحوزات العلميّة و تقويتها يُعدّ ممّا يرضى به، فعلى الفقيه أن ينفق نصف الأخماس - و هو سهم الإمام عليه السلام - في سبيل تقوية الحوزات و تأسيس المساجد و المكتبات و إقامة الجماعات و ما يشبهها(2).

هذا هو المشهور بين القوم.

و السرّ في هذا الخلاف هو ما أشرنا إليه من وقوع التهافت بين طائفتين من أخبار الباب، فانّ من الأخبار ما يدلّ على أنّ الخمس ملكٌ لشخصيّة الإمام الطبيعيّة؛ و منها ما يدلّ على أنّه ملكٌ لشخصيّته الاعتباريّة. و قد فرغنا عن تفصيل الكلام حول الأخير منها، و بقي علينا أن نتكلّم حول الطائفة الأولى الّتي تمسّك بها المشهور فذهبوا إلى أنّ الخمس لشخصيّة الإمام الطبيعيّة، و قد واعدنا أن نتكلّم حول هذه الطائفة؛ فنقول:

إنّ من تلك الطائفة رواياتٍ لا إشكال فيها سنداً و لا دلالةً‌، و منها ما فيه نوعٌ من العلّة سنداً أو دلالةً‌. و كيف كان فمنها:

الرواية الاولى

ما رواه الشيخ رحمه الله بسنده، و نصّها:

«محمّد بن الحسن باسناده عن سعد بن عبداللّه عن محمّد بن عبدالجبّار عن صفوان بن يحيى عن عبداللّه بن مسكان عن زكريا بن مالك الجعفيّ عن أبي عبداللّه عليه السلام، انّه سأله عن قول اللّه - عزّ و جلّ -: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ‌


1) . راجع: «كتاب الخمس» - للمحقّق الخوئي رحمه الله - ج 1 ص 327.

2) . انظر أيضاً: «حاشية المكاسب» - للمحقّق الأصفهانيّ رحمه الله - ج 2 ص 398.

مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِالسَّبِيلِ‌»(1)فقال: أمّا خمس اللّه - عزّ و جلّ - فللرسول يضعه في سبيل اللّه، و أمّا خمس الرسول فلأقربائه و خمس ذوي القربى فهم أقرباؤه، و اليتامى: يتامى أهل بيته، فجعل هذه الأربعة أسهم فيهم؛ و أمّا المساكين و ابن السبيل فقد عرفت انّا لانأكل الصدقة و لاتحلّ لنا، فهي للمساكين و أبناء السبيل»(2).

أمّا السند فصحيحٌ‌، و فيه رجلان من أصحاب الإجماع، فلااشكال فيه أصلاً.

أمّا المتن ففيه اضطرابٌ و غموضٌ‌. و لكن كيف كان فانّ الظاهر منه انّ الصدقة لاتحلّ للنبيّ و أهل بيته عليهم السلام؛ أمّا الخمس فهو لهم. و كما انّ الصدقة تصير ملكاً لمن أخذها فانّ الخمس أيضاً ملكٌ للنبيّ و الإمام.

الرواية الثانية

و هي ما رواه الشيخ رحمه الله أيضاً، و نصّها:

«و عنه عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال عن أبيه عن عبداللّه بن بُكير عن بعض أصحابه عن أحدهما عليهما السلام في قول اللّه - تعالى -: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِالسَّبِيلِ‌»؛ قال: خمس اللّه للإمام، و خمس الرسول للإمام، و خمس ذوي القربى لقرابة الرسول الإمام، و اليتامى يتامى آل الرسول، و


1) . كريمة 41 الأنفال.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 510 الحديث 12600، «التهذيب» ج 4 ص 125 الحديث 1؛ و انظر: «الفقيه» ج 2 ص 42 الحديث 1651.

المساكين منهم و أبناء السبيل منهم؛ فلايخرج منهم إلى غيرهم»(1).

أمّا السند فلابأس به. نعم! فيه ارسالٌ و اضمارٌ، و لكن لابأس بهما نظراً إلى أنّ المرسل هو ابن بكير، و هو من أصحاب الإجماع(2)، فلاضير في ارساله. و أمّا الاضمار الواقع في السند أيضاً فلاضير فيه، حيث نعلم انّ المسؤول عنه أحد الصادقين عليهما السلام؛ فلااشكال فيه.

أمّا دلالةً فقد تمسّك المشهور بقوله عليه السلام: «خمس اللّه للإمام، و خمس الرسول للإمام»، قالوا: إنّ «اللام» الواقعة في الموضعين تدلّ على الملكيّة، و الظاهر منها انّ مالك الخمس هو شخصيّة الإمام الطبيعيّة، فالخمس ملكٌ له من هذه الجهة.

و يمكن النقاش في هذا القول بأنّه لاخلاف في أنّ الخمس ملكٌ للإمام عليه السلام - كما تدلّ عليه الصحيحة و نظائرها -؛ و لكنّ الكلام كلّه في أنّ الإمام من أيّة جهةٍ يكون مالكاً لها؟ من جهته الطبيعيّة‌؟ أو من جهته الاعتباريّة‌؟. و الرواية و إن كانت دالّةً على ملكيّته عليه السلام له و لكنّها صامتةٌ عن بيان جهة ملكيّته، و نفس تعليق الحكم على عنوان الإمامة يدلّ على ما اخترناه؛ فلادلالة فيها على مطلوبهم.

الرواية الثالثة

و قد رواها الشيخ رحمه الله أيضاً، و نصّها:

«و عنه عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن حمّاد بن عيسى عن ربعي بن عبداللّه بن الجارود عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله إذا أتاه المغنم أخذ صفوه و كان ذلك له، ثمّ يقسم ما بقي خمسة أخماسٍ و


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 510 الحديث 12601؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 125 الحديث 2 - مع تغييرٍ يسيرٍ -.

2) . راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 673.

يأخذ خمسه، ثمّ يقسم أربعة أخماسٍ بين الناس الّذين قاتلوا عليه، ثمّ قسم الخمس الّذي أخذه خمسة أخماسٍ يأخذ خمس اللّه - عزّ و جلّ - لنفسه ثمّ يقسم الأربعة أخماس بين ذوي القربى و اليتامى و المساكين و أبناء السبيل، يعطي كلّ واحدٍ منهم حقّاً، و كذلك الإمام أخذ كما الرسول صلى الله عليه و آله»(1).

السند صحيحٌ‌، و لاكلام فيه؛ و فيه حمّاد بن عيسى، و هو من أصحاب الإجماع(2).

و الكلام في دلالتها على مطلوب القوم أو عدم دلالتها عليه نفس الكلام في السابقة عليها، فراجعه!.

الرواية الرابعة

و هي ما رواه الكلينيّ رحمه الله، و نصّها:

«و عن الحسين بن محمّد عن معلّي بن محمّد عن الوشّاء عن أبان عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه - عزّوجل -: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى» قال: هم قرابة رسول اللّه صلى الله عليه و آله، و الخمس للّه و للرسول صلى الله عليه و آله و لنا»(3).

السند لابأس به.

أمّا الدلالة فقالوا: الظاهر من قوله عليه السلام: «الخمس للّه و للرسول صلى الله عليه و آله و لنا» - حيث


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 510 الحديث 12602، «التهذيب» ج 4 ص 128 الحديث 1، «الإستبصار» ج 2 ص 56 الحديث 2؛ و انظر: «عوالي اللآلىء» ج 3 ص 128 الحديث 10.

2) . راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 673.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 511 الحديث 12604، «الكافي» ج 1 ص 539 الحديث 2؛ و انظر: «تفسير العيّاشي» ج 2 ص 62 الحديث 56.

أضاف الثلاثة إلى «اللام» -: المالكيّة الحقيقيّة؛ و هي تدلّ على أنّه ملكٌ لشخصيّة الإمام الطبيعيّة.

و يرد عليهم نفس ما أوردناه عليهم في التذييل على أقوالهم السابقة، حيث ذكرنا أنّه لاخلاف في كون الخمس ملكاً للّه و للرسول و للأئمّة من أهل البيت، و لكنّ الخلاف كلّه في جهة ملكيّتهم عليه. و الظاهر انّ الرواية صامتةٌ عن بيان هذه الجهة؛ فلادلالة فيها على مطلوبهم.

الرواية الخامسة

و هي ما رواه الكلينيّ رحمه الله أيضاً، و نصّها:

«و عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن أحمد بن محمّد بن أبي نصرٍ عن الرضا عليه السلام قال: سُئل عن قول اللّه - عزّ و جلّ -: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى»، فقيل له:

فما كان للّه فلمَن هو؟

فقال: لرسول اللّه صلى الله عليه و آله، و ما كان لرسول اللّه صلى الله عليه و آله فهو للإمام - الحديث»(1).

أمّا السند فلاكلام فيه، بل هو في أعلى مدارج الصحّة.

أمّا دلالةً فقالوا: الظاهر منها كون الخمس ملكاً للرسول و الإمام عليهم السلام، و هو ملكٌ لشخصيّتهم الطبيعيّة.

و يرد عليهم ما يظهر من نصّ الحديث الشريف، و هو قوله عليه السلام: «و ما كان لرسول اللّه صلى الله عليه و آله فهو للإمام»؛ حيث إنّ الظاهر منه انّ خمس النبيّ صلى الله عليه و آله بعد وفاته انتقل إلى


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 512 الحديث 12605، «الكافي» ج 1 ص 544 الحديث 7.

أميرالمؤمنين، و بعد شهادته انتقل إلى غيره من السادة أئمّة أهل البيت، بينما لوكان الخمس ملكاً لشخصيّة النبيّ الطبيعيّة لكان على الإمام أن يقول: «و ما كان لرسول اللّه صلى الله عليه و آله فهو لوارثته الزهراء البتول»، لا: «فهو للإمام». فالرواية تنادي بأعلى صوتها بأنّ الخمس ليس ملكاً لشخصيّة النبيّ الطبيعيّة، بل هو ملكٌ له صلى الله عليه و آله بما انّه يتولّي أمر الحكم في زمنه، فهو ملكٌ لشخصيّته الاعتباريّة. ثمّ من بعده ينتقل إلى مَن يليه في الحكم، و هو الإمام.

فدلالة الرواية على ما نحن بصدده تامّةٌ لا خدشة فيها.

الرواية السادسة

و هي ما رواه الكلينيّ رحمه الله أيضاً، و نصّها:

«و عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عن إبراهيم بن عثمان عن سليم بن قيسٍ الهلاليّ قال: خطب أميرالمؤمنين عليه السلام و ذكر خطبةً طويلةً يقول فيها: نحن و اللّه عنى بذي القربى الّذين قرننا اللّه بنفسه و برسوله فقال: «فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُربَى وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِالسَّبِيلِ‌» فينا خاصّةً -... إلى أن قال: - و لم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيباً، أكرم اللّه رسوله و أكرمنا أهل البيت أن يطعمنا من أوساخ الناس؛ فكذَّبوا اللّه و كذَّبوا رسوله و جحدوا كتاب اللّه الناطق بحقّنا و منعونا فرضاً فرضه اللّه لنا - الحديث -»(1).

أمّا السند فلابأس به.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 512 الحديث 12606، «الكافي» ج 8 ص 63 الحديث 21؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 126 الحديث 3، «مستدرك الوسائل» ج 7 ص 289 الحديث 8243.

أمّا دلالة الحديث على مبنى القوم أو عدم دلالته عليه فالكلام فيها قد مضى في التعليق على الروايات السابقة عليه، و لانعيده حذراً عن التطويل، فراجعه!.

فتلخّص ممّا قلنا جميعاً أن لا دلالة في روايات الباب على كون الخمس ملكاً لشخصيّة الإمام الطبيعيّة، بل الظاهر تماميّة دلالتها على كونه ملكاً لشخصيّته الاعتباريّة، و هذا ما رُمنا اثباته؛ و الحمد للّه ربّ العالمين.


المقدّمة الثّانية تحقيقٌ حول مسأله تحليل الخمس

اشارة

مضت الإشارة منّا إلى أنّ الخمس يُعدُّ من ميزانيّات الدولة الاسلاميّة؛ و لا دولة إلّابه.

و قلنا انّ الّذي يظهر من مجموع روايات الباب انّ الخمس ملكٌ لشخصيّة النبيّ و شخصيّة الإمام الاعتباريّتين، لاالطبيعيّتين، فهو ميزانيّة الدولة في زمن النبيّ صلى الله عليه و آله. و من بعده له نفس الدور في زمن أئمّة أهل البيت عليهم السلام، و في عصر الغيبة و ولاية الفقيه على الدولة الاسلاميّة أيضاً له دورٌ كدوره في عصر المعصومين عليهم السلام.

هذا كلّه قد فرغنا من بيانه و البحث حوله في ايجازٍ تامٍّ‌.

و لكن هيهنا مسألةٌ يجب الإلمام بها قبل الورود في صلب مباحث الخمس و ما يتعلّق به. و هي مسألة تحليل الخمس من قِبَل أهل البيت عليهم السلام و القول به، إذ على هذا المبنى لايجب إخراج الخمس من المال، و لايجب إيصاله إلى متولّيه؛ فلاخمس، فلا ميزانيّة للدولة الإسلاميّة من ناحيته، و هذا يخالف جميع ما أسّسناه في هذا المبحث، بل يضادّه و لاتوافق بينهما بوجهٍ‌.

فعلينا الالتفات إلى هذه المسألة و الاهتمام بها لما لها من الأهمّيّة البالغة في التسليم لمبنانا أو الردّ عليه و عدم الخضوع له.

فنقول: انّه لاخلاف بين فقهاء مدرسة أهل البيت عليهم السلام في أنّ الخمس قد شرّعه اللّه -

سبحانه و تعالى -، ثمّ بيّنه في محكم فرقانه حتّى عدّه النبيّ صلى الله عليه و آله في عداد فروع الدّين الّتي لايكون المرء خاضعاً لأحكام الإسلام العمليّة غير الاعتقاديّة إلّابإتيانها، و الخضوع لها.

ثمّ إنّهم قبال دوام هذه المسألة أو كونها من المؤجّلات صاروا فريقين:

فمنهم من ذهب إلى أنّ المسألة تُعدُّ من المنسوخات، إذ أئمّة أهل البيت - في رأيهم - قد جعلوا شيعتهم في حلٍّ عن الخمس و تأديته إليهم عليهم السلام، و لاسيّما من زمن الصادقين عليهما السلام. و هم القائلون بتحليل الخمس. و هذا مبنى شرذمةٍ من فقهاء الشيعة، و هم المسمّون بالأخباريّين(1)

و المحدّث البحرانيّ رحمه الله أيضاً نسب القول إلى جماعةٍ من المتأخّرين، فإنّه بعد أن نقل ذهاب جملةٍ من الأعلام إلى هذا المبنى قال: «و هذا القول مشهورٌ الآن بين جملةٍ من المعاصرين»؛ راجع: «الحدائق الناظرة» ج 12 ص 439.

.

و منهم من قال بدوام الحكم و كون الخمس من الفرائض الثابتة في الشريعة المحمّديّة.

فلاحلّ و لا تحليل. و هذا مبنى الأكثرين من فقهائنا، و هم المسمّون بالأصوليّين. و الظاهر انّه لا خلاف بينهم في هذا المبنى إلّاما يُتراءى من ظاهر عبارتَي الديلميّ في المراسم(2)و السيّد الموسويّ العامليّ في مدارك الأحكام(3). و الذهاب إلى ذهاب الرجلين - و لاسيّما الأخير منهما - إلى تحليل الخمس محلّ تأمّلٍ‌، بل محلّ نظرٍ و إشكالٍ‌!(4).


1) . أمّا المحقّق السبزواري رحمه الله فنسب القول بالتحليل إلى جماعةٍ من القدماء؛ قال: «و لايبعد أن يكون قول جماعةٍ من القدماء الّذين ذهبوا إلى تحليل الخمس مطلقاً في حال الغيبة...»؛ راجع: «ذخيرة المعاد» ص 481، و انظر أيضاً: «كفاية الأحكام» ص 43.

2) . راجع: «المراسم العلويّة» ص 140.

3) . راجع: «مدارك الأحكام» ج 5 ص 381.

4) . حيث إنّ العامليّ رحمه الله بعد أن ناقش في جميع أدلّة وجوب الخمس في ما يفضل عن مؤونة السنة من أرباح المكاسب قال: «... و المسألة قويّة الإشكال، و الإحتياط فيها ممّا لاينبغي تركه بحالٍ‌»؛ راجع: «مدارك الأحكام» ج 5 ص 384. و من اللافت للنظر قوله رحمه الله في كتاب الأنفال: «... للأخبار الكثيرة المتضمّنة لإباحة حقوقهم لشيعتهم في حال الغيبة»؛ راجع: نفس المصدر و المجلّد ص 419.

و كيف كان فهذا المبنى لايُعدّ شيئاً، بل لايجوز التأمّل في بطلانه نظراً الى أسؤلةٍ بل

اشكالاتٍ لاتطيق هذه النظريّة

اشارة

الاجابة عنها و دفعها.

و هذه الإشكالات تبلغ تسعةً‌، و تفصيلها:

الإشكال الأوّل: وقوع التهافت بين هذه النظريّة و بين نصّ الكتاب

و هذا الإشكال لايحتاج إلى مزيد بيانٍ‌، إذ كما انّ اللّه - سبحانه و تعالى - أمر المسلمين باعطاء الزكاة - فقال: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً‌»(1)-، أمرهم باخراج الخمس من مالهم، فقال: «فَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ‌»(2). و هذا نصٌّ جليٌّ لايعدُّ من المتشابهات حتّى يُقال بجواز الخلاف في تحصيل المراد منه.

و غاية ما لهم هيهنا هرباً عن الإشكال أن يلتجؤوا برواياتٍ يُتراءى منها تحليل الخمس؛ و هذا هربٌ لا فائدة فيه، إذ ضرْبُ ما يخالف الكتاب على الجدار ممّا لامجال للنقاش فيه، بل هو من مسلّمات مكتب أهل البيت عليهم السلام. فلايمكن الركون إلى هذه المرويّات.

الإشكال الثاني: رجوع هذا القول إلى نقض واجبٍ من أحكام الشريعة

إذ لامعنى للقول بتحليل الصادق عليه السلام الخمسَ إلّاانّ الخمس كان واجباً أوّلاً، ثمّ رفع


1) . كريمة 103 التوبة.

2) . كريمة 41 الأنفال.

الصادق عليه السلام وجوبه أو حكم بنقضه ثانياً.

و هذا من غرائب الأقوال الّتي لايذهب إليها أحدٌ. إذ الوجوب تابعٌ للمصلحة الواقعيّة، كما انّ الحرمة تابعةٌ للمفسدة الواقعيّة أيضاً؛ فلايمكن للإمام عليه السلام نقض وجوب حكمٍ من أحكام الشريعة كما انّه لايتمكّن النبيّ صلى الله عليه و آله من نقضه. و هذا مقتضى كون الوجوب تابعاً للمصلحة النفس الأمريّة.

نعم! للنبيّ صلى الله عليه و آله و للإمام عليه السلام و لمن يليهما و يخلف عنهما في ولايتهما التشريعيّة أن يحكم بالكفّ عن بعض الأحكام لمصلحةٍ خاصّةٍ ربّما تحدث في مجتمع المسلمين، كحكم سيّدنا الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله بوجوب الكفّ عن الذهاب إلى الحجّ لمدّةٍ خاصّةٍ‌؛ و هذا بابٌ سمّاه الفقهاء ب‍: «باب الأحكام الثانويّة».

و لكن أين هذا الباب من القول بتحليل الصادق عليه السلام الخمس إلى أن تقوم الساعة‌؟؛ و بينهما بونٌ واضحٌ‌.

فبما قلنا ظهر انّ هذا القول يرجع إلى نقض واجبٍ من واجبات الشريعة الّذي لايختلف اثنان في أصل تشريعه.

الإشكال الثالث: استواء هذا القول القولَ بجواز النسخ في الكتاب الكريم، بل بوقوعه فيه

و لانقول بجوازه، فضلاً عن وقوعه. و هيهنا أبحاثٌ حول النسخ، و معناه، و جواز وقوعه في الكتاب العزيز، أو جوازه و وقوعه فيه معاً. و لايهمّنا الآن التعرّض لها، و من أراد التحقيق حولها فعليه أن يراجع إلى مباحثنا الأصوليّة، فقد وفّينا حقّها فيها.

و لكن لابدّ لنا من أن نشير إلى أنّالقائلين بجوازالنسخ في القرآن قد أجمعوا على جواز

نسخ الكريمة بالكريمة؛ فعلى سبيل المثال كان سيّدنا الأستاذ العلّامة الطباطبائيّ رحمه الله يذهب إلى القول بالجواز، بل بالوقوع أيضاً، و قد أنهى أربعةً و ستّين مورداً لوقوع النسخ فيه(1). و كان رحمه الله - تبعاً للقوم - يفسّر النسخ بالتخصيص، أي: ورود الناسخ ينبىء عن كون المنسوخ موقّتاً مشروطاً بحيطةٍ من الزمن، و ورود الناسخ يكشف عن انتهاء أمر المنسوخ(2).

أمّا القول بجواز نسخ الآية بالحديث الشريف فلم يذهب إليه أحدٌ، و لم يتفوّه به فقيهٌ‌.

نعم! يجوز تخصيصها به، و لكنّ القائلين بنظريّة التحليل يقولون برفع الحكم من زمن الصادقين - صلوات اللّٰه عليهما - إلى قيام القيامة، و هذا يساوي القول بنسخ الآية الكريمة بالحديث الشريف، و هم يهربون منه.

و أظنّ انّ هذا الإشكال كافٍ لحصم هذه النظريّة المزيّفة.

الإشكال الرابع: إعراض الأصحاب عن أحاديث التحليل

إذ الأحاديث الّتي تمسّك بها القائلون بتحليل الخمس كانت في مرأى القوم و منظرهم، و قد أعرضوا عنها. إذ قد ذكرنا انّ الأصوليّين - و هم الأكثرون في جميع الأزمنة إلّا في فترةٍ ختمت بظهور الوحيد البهبهانيّ قدس سره - مطبقون على عدم التحليل، و ذكرنا أيضاً انّ نسبة التحليل إلى الديلميّ و العامليّ - و هما من الأصوليّين - لاتخلو عن شيءٍ‌. إذ عباراتهما - و


1) . لم أعثر عليه، لا في «الميزان» و لا في كتابه القيّم «قرآن در اسلام».

2) . قال رحمه الله: «النسخ كما انّه ليس من المناقضة في القول - و هو ظاهرٌ - كذلك ليس من قبيل الاختلاف في النظر و الحكم، و إنّما هو ناشٍ من الاختلاف في المصداق من حيث قبوله انطباق الحكم يوماً لوجود مصلحته فيه و عدم قبوله الانطباق يوماً آخر لتبدّل المصلحة من مصلحةٍ أخرى توجب حكماً آخر»؛ راجع: «الميزان» ج 1 ص 67؛ و انظر: نفس المصدر والمجلّد ص 250.

لاسيّما الأخير منهما - لاتفضي إلى مذهب الإخباريّين. و اعراض الأصحاب عن تلك الأحاديث يشعر بعدم اعتمادهم عليها، و هو ينبىء عن كونها ذا علّةٍ عندهم، فلايمكن الخضوع لها و الأخذ بمدلولها.

الإشكال الخامس: فضاء هذا القول إلى حرمان آل محمّدٍ عليهم السلام عن المساعدة الماليّة

إذ لاريب في حرمة الصدقات و الزكوات عليهم، بحيث لايحلّ لهم أخذهما و الارتزاق منهما. و الخمس هو المنبع الوحيد الّذي شرّعه اللّه - سبحانه و تعالى - تشريفاً لهم و تكريماً إليهم بما أنّهم من ذراري النبيّ صلى الله عليه و آله. و لامعنى لتحليل الخمس إلّامنعهم عن المساعدة الماليّة الّتي يُحظى منها غيرهم من المساكين، و لاموجب لهذا المنع و الحرمان، بل لامعنى له، فلايمكن الاستيجاب لهذه الأطروحة.

الإشكال السادس: تعارض هذا القول القولَ بجعل الولاية للفقيه

إذ لايُفرض الحكم إلّابميزانيّةٍ‌، و قد فرغنا من إثبات جعل الشارع الحكم و الولاية للفقيه العدل المدبّر في زمن الغيبة؛ فهو بحاجةٍ ماسّةٍ إلى ميزانيّةٍ لدولته كما كان النبيّ و كذلك الأئمّة عليهم السلام من بعده صلى الله عليه و آله بحاجةٍ إليها، و الخمس مع الزكاة و الأنفال يُعدّ من موازنات الدولة الإسلاميّة، و قلنا أن لا دولة إلّابها. فهذه النظريّة لاتوافق نظريّة ولاية الفقيه، و جميع أدلّة اثباتها له يكشف عن بطلان هذه النظريّة.

فعلى القائلين بها رفع التعارض الواقع بينها و بين نظريّة اثبات الولاية للفقيه.

الإشكال السابع: افضاء هذا القول إلى اللغويّة في التشريع

و نعني به: انّ القول بتحليل الخمس من زمن الصادقين عليهما السلام إلى أن تقوم الساعة يساوي القول بلغويّة تشريع الخمس، إذ فقهاء مدرسة الخلفاء ذهبوا إلى تعطيل أحكام الخمس منذ أن ولّى أبوبكرٍ أمر خلافة الأمّة، ثمّ الأخباريّون منّا قد اقتفوا أثرهم في التعطيل من زمن الصادقين عليهما السلام؛

فما هي الفائدة في تشريعه‌؟

و لأيّ شيءٍ قد أنزل اللّه فيه آياتٍ في فرقانه‌؟

و ما ذلك إلّاالقول باللغو في تشريع أصل الخمس.

الإشكال الثامن: تعارض هذا القول سيرة أهل البيت عليهم السلام

إذ من البيّن الّذي لاشكّ فيه و لا شبهة تعتريه أنّ أئمّتنا كانوا ينصبون فئةً من ثقات أصحابهم لأخذ الأخماس عن الشيعة و إيصالها إليهم، و الوكلاء كانوا مبثوثين في شتّى البلاد و النواحي، و يوجد في كتب الرجاليّين كثيرٌ من أخبار وكلاء ساداتنا موسى بن جعفرٍ و الرضا و الجواد و الهادي و العسكري و الحجّة عليهم السلام، كوكلاء بعضهم في إصفهان، و وكلاء بعضهم في آذربيجان، أو همدان، أو غيرها من البلاد(1). حتّى ذهب بعض الرجاليّين إلى أنّ‌


1) . كما عن النجاشيّ بعد أن ذكر القاسم بن محمّد بن عليٍّ و أباعليّ بسطام بن عليٍّ و العزيز بن زهير: «ثلاثتهم وكلاء في موضع واحدٍ بهمدان»؛ راجع: «رجال النجاشي» ص 344 الرقم 928؛ و انظر على سبيل المثال: «رجال الكشّي» ج 2 ص 869 الرقم 1135، «رجال الطوسي» ص 338 الرقم 5038، «خلاصة الأقوال» ص 52 الرقم 23، «إيضاح الإشتباه» ص 275 الرقم 609، «رجال ابن داود» ص 31 الرقم 20، «التحرير الطاوسي» ص 53، «نقد الرجال» ج 1 ص 62 الرقم 74.

الوكالة تُعدُّ من أمارات الوثوق و الصلوح(1)

و ذهب بعضهم إلى خلافه؛ راجع: «حاوي الأقوال» ج 1 ص 101، «نهاية الدراية» ص 417، «جامع المقال» ص 27.

.

هذه سيرة ائمّتنا المتواترة، و هي في مرأى مَن راجع إلى مصادر علمي الرجال و التراجم. و هي تعارض القول بتحليل الخمس. فعلى القائلين به الإجابة عن هذا التعارض؛ و علينا الإجابة عن الروايات المشعرة به؛ و سنفصّل الكلام حولها.

الإشكال التاسع: وقوع التهافت بين هذه النظريّة و بين روايات الباب

قد أشرنا في الأوّل من هذا الإشكالات إلى التهافت الواقع بين هذه النظريّة و بين نصّ الكتاب الكريم، و الآن نزيد عليه و نقول: بل وقع التهافت بين هذه النظرية و بين نصوص الأئمّة الدالّة على وجوب إخراج الخمس و إيصاله إلى الإمام عليه السلام. فعلى القائلين بهذه النظريّة الإجابة عن هذا التهافت الواقع بينها و بين روايات وجوب إخراج الخمس عن المال و عدم تحليله.

هذا سرد اشكالاتٍ ترد على هذه الأطروحة. و أظنّ أنّها كافيةٌ لحصم بنيان هذه النظريّة المزيّفة. فلايمكن النقاش في صحّة نظريّة ثبوت الولاية للفقيه متمسّكاً بها؛ و الحمد للّه ربّ العالمين.



1) . كعبدالنبيّ الكاظميّ و الشيخ المامقانيّ و العلّامة الوحيد البهبهانيّ‌؛ راجع: «تكملة الرجال» ج 1 ص 51، «مقباس الهداية» ج 2 ص 258، «الفوائد الرجاليّة» - للوحيد - ص 45، «التعليقة على منهج المقال» ص 21.

بقي علينا شيءٌ يجب الإلمام به، و هو الخروج عن عهدة رواياتٍ تشير إلى تحليل الخمس، إذ منها ما هو صحيحٌ سنداً، و منها ما هو تامٌّ دلالةً‌، و منها ما هو صحيحٌ سنداً و تامٌّ دلالةً‌. و هي تعارض

الروايات الدالّة على عدم التحليل؛

اشارة

فهيهنا طائفتان متعارضتان من روايات الباب، فما هو الوجه في الجمع بينهما؟.

نقول: إنّ إحصاء روايات الباب ينبىء عن أكثريّة الروايات الدالّة على عدم التحليل، و يكشف عن أقلّيّة الروايات الدالّة على التحليل. و قد ذكرنا قسماً من الروايات القائلة بعدم تحليله، و هي كثيرةٌ‌؛ و هيهنا نأتي بقسمٍ آخر من تلك الروايات، حتّى لايبقى مجالٌ للترديد في تأكيد أئمّة أهل البيت و اصرارهم عليهم السلام على كون الخمس من واجبات الشريعة المحمّديّة صلى الله عليه و آله، ثمّ نذكر ما يختلج بالبال و يبدو لنا من الوجه للجمع بينهما؛ فنقول:

الرواية الأولى
اشارة

من روايات الباب ما رواه الكلينيّ رحمه الله، و نصّها:

«و عن محمّد بن الحسن و عليّ بن محمّد جميعاً عن سهلٍ عن أحمد بن المثنّى عن محمّد بن زيدٍ الطبريّ قال: كتب رجلٌ من تجّار فارس من بعض موالي أبي الحسن الرضا عليه السلام يسأله الإذن في الخمس؛ فكتب إليه: بسم اللّه الرحمن الرحيم، إنّ اللّه واسعٌ كريم ضمن على العمل الثواب و على الضيق الهمّ‌. لايحلّ مالٌ إلّامن وجهٍ أحلّه اللّه. إنّ الخمس عوننا على ديننا و على عيالاتنا و على أموالنا و ما نبذله و نشتري ممّن أعراضنا من نخاف سطوته، فلاتزووه عنّا و لاتحرّموا أنفسكم دعاءنا ما قدرتم عليه، فإنّ إخراجه مفتاح رزقكم و تمحيص ذنوبكم و ما تمهّدون لأنفسكم ليوم فاقتكم. و المسلم من يفي للّه بما عهد إليه و ليس المسلم من أجاب باللسان و خالف بالقلب؛ و

السلام»(1).

أمّا السند فضعيفٌ‌، حيث إنّ أحمد بن المثنّى لم يُوثّق في مصادر علم الرجال(2)و كذلك محمّد بن زيدٍ الطبريّ‌(3).

أمّا دلالتها على ما نحن بصدده فظاهرةٌ‌، و ذلك يظهر بالتأمّل في نكاتٍ أربع:

النكتة الأولى

الظاهر إنّ قوله عليه السلام: «لايحلّ مالٌ إلّامن وجهٍ أحلّه اللّه» يشير إلى أصل تشريع حكم الخمس و جعلِ اللّه - سبحانه و تعالى - إيّاه للنبيّ و أقربائه؛ و تحليله يحتاج إلى علّةٍ هي مفقودةٌ في الباب، فلايجوز القول بتحليله و جواز عدم إخراجه عن المال.

النكتة الثانية

إنّ قوله عليه السلام: «إنّ الخمس عوننا على ديننا...» يشير إلى كون الخمس ملكاً للإمام بما هو إمامٌ‌، و قد أشرنا إليه سابقاً حينما تكلّمنا عن كون الخمس ملكاً لشخصيّة الإمام الاعتباريّة - كما هو المختار -، أو شخصيّته الطبيعيّة - كما هو مختار المشهور -.

النكتة الثالثة

و قد أشار عليه السلام في ذلك الحديث إلى جملةٍ من فوائد الخمس ممّا يرجع إلى دنيا الباذلين أو


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 538 الحديث 12665، «الكافي» ج 1 ص 547 الحديث 25.

2) . بل لم يذكره القوم، و ذلك لأنّه لم توجد منه إلّاروايتان، إحداهما ما في المتن و الثانية ما يأتي بعدها في الكافي الشريف؛ راجع: «معجم رجال الحديث» ج 2 ص 193 الرقم 772، «مستدركات علم رجال الحديث» ج 1 ص 409 الرقم 1399.

3) . ذكره الشَّيخ رحمه الله من دون أن يأتي بشيءٍ فيه، راجع: «رجال الطوسيّ‌» ص 364 الرقم 5403؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 16 ص 99 الرقم 10790، «مستدركات علم رجال الحديث» ج 7 ص 102 الرقم 1337. و قال العلّامة المامقانيّ رحمه الله: «و ظاهره كونه إماميّاً، إلّاانّ حاله غير متبيّنٍ‌»؛ راجع: «تنقيح المقال» ج 3 ص 118 الرقم 10730.

أخراهم، فقال عليه السلام: «و لاتحرموا أنفسكم دعانا... فانّ إخراجه مفتاح رزقكم و تمحيص ذنوبكم و ما تمهّدون لأنفسكم ليوم فاقتكم».

النكتة الرابعة

ثمّ أشار عليه السلام في مختتم الحديث إلى أنّ الخمس كأنّه يُعدّ من شرائط الإيمان حيث قال: «و المسلم من يفي للّه بما عهد إليه»، فجعل اعطاء الخمس من علائم الوفاء بعهد اللّه - سبحانه و تعالى -.

و المتحصّل من الجميع: انّ السائل التمس إلى الإمام أن يحلّل له الخمس، بينما انّ الإمام حضّضه على إخراجه عن ماله، و سرد له فوائده؛ و هذا ينبىء عن رأيه عليه السلام حول عدم تحليل الخمس.

الرواية الثانية

و هي ما رواه الكلينيّ رحمه الله أيضاً، و نصّها:

«و بالإسناد عن محمّد بن زيدٍ قال: قدم قومٌ من خراسان على أبي الحسن الرضا عليه السلام فسألوه أن يجعلهم في حلٍّ من الخمس؛ فقال: ما أمحل هذا!، تمحضونّا المودّة بألسنتكم و تزوون عنّا حقّاً جعله اللّه لنا و جعلنا له؛ لانجعل لانجعل لانجعل لأحدٍ منكم في حلٍّ‌»(1).

أمّا السند فضعيفٌ‌، و محمّد بن زيدٍ قد أشرنا إلى عدم توثيقه في مصادر الرجاليّين في التعليق على الرواية السالفة.

أمّا دلالة النصّ على المطلوب فتامّةٌ‌، و لايحتاج إلى مزيدٍ من البيان؛ حيث عبّر عليه السلام أوّلاً


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 539 الحديث 12666، «الكافي» ج 1 ص 548 الحديث 26؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 140 الحديث 18، «المقنعة» ص 284.

عن الخمس بقوله: «حقّاً جعله اللّه لنا و جعلنا له»، و صرّح ثانياً بعدم تحليله لغيرهم؛ و أكّده بقوله: «لانجعل لانجعل لانجعل لأحدٍ منكم في حلٍّ‌». و لا مجال للترديد في مدلول كلامه عليه السلام مع هذا التأكيد البالغ.

الرواية الثالثة

ما رواه الشيخ رحمه الله باسناده، و نصّها:

«و بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب عن أحمد بن محمّد عن الحسين عن القاسم عن أبان عن أبي بصير عن أبي جعفرٍ عليه السلام قال: سمعته يقول من اشترى شيئاً من الخمس لم يعذره اللّه، اشترى ما لايحلّ له»(1).

أمّا السند فلابأس به، بل هو صحيحٌ‌.

أمّا دلالة الحديث على تحريم الخمس على عامّة الناس إلّاالمستحقّين له من أهل بيت النبوّة فظاهرةٌ‌. حيث نصّ سيّدنا الباقر عليه السلام فيها على أنّ شراء الشيء من مال غير المخمّس ممّا لايجوز، و من ارتكبه فهو غير معذورٍ عند اللّه - سبحانه و تعالى -.

الرواية الرابعة

و هي ما رواه الصدوق رحمه الله بسنده، و نصّها:

«محمّد بن عليّ بن الحسين في إكمال الدين عن محمّد بن أحمد السنانيّ و عليّبن أحمدبن محمّدالدقّاق والحسين بن إبراهيم بن أحمدبن هشام المؤدّب وعليّ بن عبداللّه الورّاق جميعاًعن أبي الحسين محمّدبن جعفرالأسديّقال:


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 540 الحديث 12669، «التهذيب» ج 4 ص 136 الحديث 3.

... و أمّا ما سألت عنه مِن أمر مَن يستحلّ ما في يده من أموالنا و يتصرّف فيه تصرّفه في ماله من غير أمرنا فمَن فعل ذلك فهو ملعونٌ و نحن خصماؤه، فقد قال النبيّ صلى الله عليه و آله: المستحلّ من عترتي ما حرّم اللّه ملعونٌ على لساني و لسان كلّ نبيٍّ مجابٍ‌. فمن ظلمنا كان من جملة الظالمين لنا و كانت لعنة اللّه عليه بقوله - عزّ و جلّ -: «أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ‌»(1)»(2).

أمّا السند فضعيفٌ‌، حيث لم توثّق رجال السند إلّاالأخير منهم(3). و هيهنا نكتةٌ‌، و هي: الظاهر انّ محمّد بن أحمد السنانيّ و ابن الدقّاق و ابن المؤدّب و ابن الورّاق كلّهم يُعدّون من مشايخ الصدوق رحمه الله، فلانحتاج في الأخذ بمرويّاتهم إلى نصٍّ من الرجاليّين، إذ اعتماد الصدوق بما رووه عن المشايخ ينبىء عن توثيقه إيّاهم، و هذا توثيقٌ عمليٌّ لايكون أدنى مرتبةً من توثيق النجاشيّ و الكشّي(4).

و يمكن أن يقال: انّ شأنهم في ذلك شأن الشيخ و الكلينيّ و الصدوق نفسه، حيث لم يوثّقوا في كتب الرجال، و لكن ذلك يرجع إلى علوّ شأنهم و رفعة مرتبتهم، لا كونهم من


1) . كريمة 18 هود.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 540 الحديث 12670، «إكمال الدين» ج 2 ص 520 الحديث 49؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 53 ص 182.

3) . فعن العلّامة رحمه الله: «محمّد بن جعفر بن محمّد بن عون الأسديّ أبوالحسين... كان ثقةً صحيح الحديث»؛ راجع: «خلاصة الأقوال» ص 265 الرقم 943. و قال الشّيخ رحمه الله «كان أحد الأبواب»؛ راجع: «رجال الطوسيّ‌» ص 439 الرقم 6278.

4) . و هيهنا خلافٌ عظيمٌ بين الرجاليّين و الفقهاء، و تحقيقه خارجٌ عن وضع التعليق على الرسالة. و لكن نقول مراعياً كمال الاختصار: قد ذهب الشيخ العلّامة محمّد تقيّ المجلسيّ رحمه الله إلى تصحيح سندٍ فيه السنانيّ و المؤدّب و غيرهما من مشايخ الصدوق؛ قال: «و هؤلاء الثلاثة من مشايخ الصدوق... و المصنّف لايذكرهم إلّامع الترضية... فالخبر صحيحٌ أو حسنٌ كالصحيح»؛ راجع: «روضة المتّقين» ج 14 ص 234؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 1 ص 93، «مستدرك الوسائل» / الخاتمة ج 5 ص 160 الرقم 270.

المجاهيل أو الضعفاء.

و على أيّ حالٍ فعلى المختار من كونهم في عداد مشايخ الصدوق لايضرّهم عدم ذكرهم في دواوين الرجال، بل لا خدشة في رواياتهم؛

أمّا على القول بكونهم في عداد الّذين لم يُنصّ بتوثيقهم أو كونهم في عداد المجاهيل فلامجال للأخذ بهذه الرواية و القول بتوثيقها؛ و تفصيل الكلام في هذا الخلاف و التحقيق حوله موكولٌ إلى علم الرجال.

و دلالتها على المطلوب لاتحتاج إلى تفصيلٍ‌، إذ عدّ الحجّة عليه السلام المستحلّين للخمس ملعونين على لسانه و لسان الأنبياء عليهم السلام، و هو عليه السلام خصمهم، و قد عدّهم عليه السلام من مصاديق قوله - تعالى -: «أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ‌».

الرواية الخامسة

و هي ما رواه الصدوق رحمه الله أيضاً، و نصّها:

«و عن محمّد بن محمّد الخزاعيّ عن أبي عليّ بن أبي الحسين الأسديّ عن أبيه قال: ورد عليَّ توقيعٌ من محمّد بن عثمان العمريّ ابتداءً لم يتقدّمه سؤالٌ‌: بسم اللّه الرحمن الرحيم لعنة اللّه و الملائكة و الناس اجمعين على من استحلّ من مالنا درهماً»(1).

الظاهر انّ السند لابأس به، و مضى بعض الكلام ممّا يرجع إليه في التعليق على الرواية السالفة.

أمّا دلالة الحديث على عدم تحليل الخمس فغير محتاجةٍ إلى بيانٍ‌، و في قوله عليه السلام:

«لعنة


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 541 الحديث 12671، «إكمال الدين» ج 2 ص 522 الحديث 51؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 53 الحديث 183.

اللّه و الملائكة و الناس أجمعين» تأكيدٌ بالغٌ يُكشف عن رأيه عليه السلام في هذا المضمار.

الرواية السادسة
اشارة

و هي ما رواه الراونديّ رحمه الله، و نصّها:

«سعيد بن هبة اللّه الراوندي في الخرائج و الجرائح عن أبي الحسن المسترقّ عن الحسن بن عبداللهّ بن حمدان ناصرالدولة عن عمّه عن الحسين في حديثٍ عن صاحب الزمان عليه السلام انّه رآه و تحته عليه السلام شهباء و هو متعمّمٌ بعمامةٍ خضراء يُرى منه سواد عينيه و في رجله خفّان حمراوان، فقال: يا حسين! كم ترزأُ على الناحية و لِمَتمنع أصحابي عن خمس مالك‌؟ ثمّ قال: إذا مضيت إلى الموضع الّذي تريده تدخله عفواً و كسبت ما كسبت تحمل خمسه إلى مستحقّه.

قال: فقلت: السمع و الطاعة. ثمّ ذكر في آخره انّ العمريّ أتاه و أخذ خمس ماله بعد ما أخبره بما كان»(1).

أمّا السند فضعيفٌ‌، لعدم ذكر رجال الحديث في دواوين الرجاليّين. نعم! هيهنا نكتتان:

النكتة الأولى

ذهب بعضهم إلى توثيق أخبار الراونديّ نظراً إلى أنّه لايروي إلّاعن الثقات(2)، و يمكن للذاهبين إلى هذا المذهب القول بتصحيح الحديث أو توثيقه.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 541 الحديث 12672، «الخرائج و الجرائح» ج 1 ص 472 - مع تغييرٍ -؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 52 ص 56، «كشف الغمّة» ج 2 ص 500.

2) . لم أهتد إلى مراد الشيخ الأستاذ - أدام اللّه أيّام افاداته -؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 8 ص 93 الرقم 5070.

النكتة الثانية

لا شبهة في أنّ رؤية الحجّة عليه السلام و ادّعاء اللقاء كانت من أسرار الشيعة من قديم الزمن، و لايخفى ما بينها و ما بين أحكام التسبيحات الأربعة و أحكام جلسة الاستراحة و أشباههما من الفرق الواضح؛ إذ الأوّل تُعدّ من الأسرار، و الثاني من الأحكام الشرعيّة الّتي أمْر استنباطها بيد المستنبط. و عليه يمكن القول بأنّ الراوندي قد دقّق في رجال الحديث ثمّ رواه، نظراً إلى ما له من الأهمّيّة البالغة في المباحث العقيديّة فضلاً عن دوره الهامّ في المباحث الفقهيّة.

أمّا دلالة الرواية على المقصود فظاهرةٌ‌، و ذلك نظراً إلى قوله عليه السلام: «لِمَتمنع أصحابي عن خمس مالك‌؟»، و قوله عليه السلام: «تحمل خمسه إلى مستحقّه».

الرواية السابعة

ما رواه المفيد رحمه الله، و نصّها:

«محمّد بن محمّدٍ المفيد في المقنعة عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال:

كلّ شيءٍ قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلّااللّه و أنّ محمّداً رسول اللّه فإنّ لنا خمسه. و لايحلّ لأحدٍ أن يشتري من الخمس شيئاً حتّى يصل إلينا نصيباً»(1).

الرواية مرسلةٌ‌، و الظاهر انّ الارسال لايضرّ بحالها، لأنّ المرسِل هو المفيد، و خبرويّته في فنّ الحديث و قِدَم عهده يدلّان على جواز الاعتماد على مرسلاته.

و دلالتها على عدم تحليل الخمس لاتحتاج إلى بيانٍ‌.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 542 الحديث 12673، «المقنعة» ص 280؛ و انظر: «الكافي» ج 1 ص 545 الحديث 14.

الرواية الثامنة

و هي ما رواه العيّاشيّ رحمه الله، و تفصيلها:

«العيّاشي في تفسيره عن إسحاق بن عمّار قال: سمعت أباعبداللّه عليه السلام يقول: لايعذر عبدٌ اشترى من الخمس شيئاً أن يقول: يا ربّ اشتريته بمالي، حتّي يأذن له صاحب الخمس»(1).

أمّا السند فمرسلةٌ أيضاً، و هذا شأن جميع مرويّات العيّاشي في تفسيره، إذ خانت يد الجهلة بهذا التفسير، فحذفت منه الأسانيد فصار جميع رواياته مرسلةً‌. و بالنظر إلى هذه النكتة قد صحّح روايات التفسير جمعٌ من الأكابر، كسيّدنا الأستاذ الفقيه المحقّق الداماد رحمه الله؛ فانّه كان يذهب إلى أنّ شأن مرسلات العيّاشي في تفسيره شأن جازمات الصدوق، فكما تُقبل هذه تُقبل تلك أيضاً.

و أمّا دلالةً‌، فقد نفى الإمام كون المال الّذي لم يخرج منه الخمس ملكاً لصاحبه. و في قوله عليه السلام: «حتّى يأذن له أهل الخمس» دلالةٌ على أنّ للخمس أهلاً، و هو ملكٌ لهم، فلاتحليل فيه.


هذه جملةٌ من أحاديث الباب، و هى كثيرةٌ‌، و في ما ذكرناه كفايةٌ‌.

و تُقابلها جملةٌ من الروايات الدالّة على التحليل؛ و قد أشرنا فيما سبق من أبحاث الخمس إلى:

أنّ منها ما هو صحيحٌ سنداً؛


1) . راجع: «تفسير العيّاشى» ج 2 ص 63 الحديث 60؛ و انظر: «مستدرك الوسائل» ج 7 ص 287 ح 8217.

و منها ما هو ظاهرٌ دلالةً‌؛

و منها ما هو صحيحٌ سنداً و ظاهرٌ دلالةً‌.

و قد أفتى بتحليل كلّه أو تحليل بعضه - و هو حصّة الإمام عليه السلام في زمن غيبته و عدم امكان العثور عليه - الأخباريّون من الإماميّة، كالمحقّق الفيض في المفاتيح(1)، و الفقيه البحرانيّ في الحدائق(2). و قد أشرنا فيما سبق إلى أنّ بعضهم نسب هذا القول إلى الديلميّ في المراسم(3)، و العامليّ في المدارك(4)و في صحّة النسبة ترديدٌ(5).

و كيف كان فما هو الوجه في الجمع بينهما؟. فعلينا الآن بيان وجهٍ للجمع يمكن أن يُعتمد عليه حتّى لاتصل النوبة إلى طرد تلك الروايات و رفضها. فنقول:

هناك ثلاثة بياناتٍ أو فقل وجوهٌ ثلاثة للجمع بين الطائفتين من الأخبار، نذكر كلّاً منها

الجمع بين الروايات الدله على عدم التحليل والروايات الدله على التحليل

اشارة

مع شواهده من أخبار الباب، و هي:

الوجه الأوّل:
اشارة

ما أبدعه الفقيه المحقّق اليزديّ في عروته، و تفصيله:

إنّ الشيعة - كغيرهم من الناس - بما لهم من الطينة المدنيّة كانوا بحاجةٍ إلى التعيّش في


1) . قال رحمه الله: «هل يسقط فرض الخمس حال غيبة الإمام عليه السلام... الأصحّ عندي سقوط ما يختصّ به عليه السلام، لتحليلهم ذلك لشيعتهم»؛ راجع: «مفاتيح الشرائع» ج 1 ص 239 المفتاح 260.

2) . فإنّه رحمه الله بعد أن نقل عبارة الفيض الدالّة على التحليل قال: «و هذا القول عندي هو الأقرب»؛ راجع: «الحدائق الناضرة» ج 12 ص 443. و قال أيضاً: «و أمّا حقّه رحمه الله فالظاهر تحليله للشيعة»؛ راجع: نفس المصدر و المجلّد ص 448.

3) . راجع: «المراسم العلويّة» ص 140.

4) . راجع: «مدارك الأحكام» ج 5 ص 381.

5) . و قد ذكرنا نصّ عبارة العامليّ رحمه الله فيما مضى من هذه الرسالة في مبتدأ مسألة تحليل الخمس؛ فراجعه!.

المجتمع، فكانت لهم مكاسب و مناكح و غنائم و غيرها من مظاهر الحياة الجمعيّة. و كانوا معتقدين باخراج الخمس من أموالهم، بينما لم تكن أهل السنّة و الجماعة معتقدين به عاملين باعطائه. فكانت الشيعة في حرجٍ شديدٍ و لاسيّما في تجاراتهم، حيث كانت تنتقل إلى بعضهم في تجاراتهم أموالٌ من العامّة و كانت غير مخمّسةٍ‌؛ أو كانوا يشترون الإماء و الجاريات بينما كُنَّ من أسارى حروبٍ لم تكن بأمر الإمام عليه السلام؛ فكنَّ في عداد أموال الإمام متعلّقاتٍ به عليه السلام. فحلّل المعصومون عليهم السلام خمس هذه الأموال لهم ليخرجوا من الحرج في حياتهم الجماعيّة(1).

و تدلّ على قوله رحمه الله رواياتٌ‌؛ منها: رواية أبي خديجة، و تفصيلها:

«و عنه عن أبي جعفرٍ عن الحسن بن عليٍّ الوشّاء عن أحمد بن عائذ عن أبي سلمة سالم بن مكرمٍ - و هو أبوخديجة - عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قال رجلٌ و أنا حاضرٌ: حلِّل لي الفروج! ففزع ابوعبداللّه عليه السلام!؛

فقال له رجلٌ‌: ليس يسألك أن يعترض الطريق، إنّما يسألك خادماً يشتريها أو امرأةً يتزوّجها أو ميراثاً يصيبه أو تجارةً أو شيئاً أعطاه؛

فقال: هذا لشيعتنا حلالٌ الشاهد منهم و الغائب و الميّت منهم و الحيّ و ما يولد منهم إلى يوم القيامة، فهو لهم حلالٌ‌»(2).

الرواية صحيحةٌ سنداً، و دلالتها على مذهب السيّد واضحةٌ‌، حيث كان المسؤول عنه «خادماً يشتريها أو امرأةً يتزوّجها أو ميراثاً يصيبه أو تجارةً أو شيئاً أعطيه»، و الظاهر - بقرينة استحلال السائل - كون الجميع نتيجةً للتعامل مع منكري الخمس، فجعله


1) . راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس المسألة الأخيرة، ج 2 ص 407 المسألة 19.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 544 الحديث 12678، «التهذيب» ج 4 ص 137 الحديث 6، «الإستبصار» ج 2 ص 58 الحديث 3، «المقنعة» ص 281.

الإمام عليه السلام في حلٍّ منه ليخرج عن الهرج و ليطيب له العيش.

تذييلٌ‌

و هيهنا كلامٌ لا بأس بنا لو تعرّضنا له، و هو حيطة الحديث سعةً و ضيقاً، إذ الفقهاء ذهبوا جميعاً متمسّكين به إلى عدم وجوب التخميس في مالٍ أصابه الرجل في معاملاته مع العامّة - أي: الّذين لايعتقدون باخراج الخمس عن مالهم(1)-. و هذا هو المتيقّن من الحديث.

أمّا عدم وجوب التخميس في مالٍ أصابه الرجل في معاملاته مع الخاصّة الّذين يعتقدون باعطائه و لكن لايعطونه حبّاً للمال و تهاوناً بأحكام الشريعة الغرّاء، فالظاهر انّه مبنيٌّ على اطلاق الحديث و عدم الأخذ بالقدر المتيقّن منه، و لذلك نرى الفقهاء لم يفتوا به، بل اقتصروا على المتيّقن من حيطته.

و لايبعد الأخذ باطلاقه و الذهاب إلى تحليل الخمس في هذا المال أيضاً؛ و ذلك نظراً إلى أنّ الهرج هيهنا أيضاً موجودٌ، بل هو فيه أشدّ و موارده أكثر. فلايبعد الذهاب إليه. نعم! هذا القول يخالف إجماع الفقهاء على وجوب إخراج الخمس من مالٍ أصابه الرجل في تجارته مع من يعتقد بالخمس و لكن لايخرجه من ماله، و لكن الظاهر عدم البأس في مخالفة هذا الإجماع. و كيف كان فللمسألة مجالٌ واسعٌ لانطوّل الكلام ببيانه.

الوجه الثاني:

و هو ما أبدعه سيّدنا الأستاذ آية اللّه العظمى البروجرديّ رحمه الله، و تفصيله:


1) . كما قال المحقّق الحجّة السيّد الحكيم رحمه الله بعد نقل الخبر: «... التحليل لما يشتري ممّن لايعتقد وجوب الخمس لما فيه من المشقّة العظيمة»؛ راجع: «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 518؛ و انظر: نفس المصدر و المجلّد ص 595، «جامع المدارك» ج 2 ص 115.

إنّ تحليل الخمس صدر عن بعض أئمّتنا المعصومين لدواعي خاصّةٍ كلّها تشترك في كونها موقّتةً بأمدٍ خاصٍّ‌، كافلاس بعض الشيعة، فكان الإمام يحلّل الخمس له لسنةٍ مثلاً؛ أو تضييق أمر الشيعة من قبل الحكّام و عدم اعطائهم الغنائم إيّاهم، فكان الإمام يحلّله لهم بدلاً عمّا لم يصيبوه من المغانم و الأموال؛ و ما إليهما من الدواعي الخاصّة الّتي كانت تطلب تحليل الخمس في أمدٍ معيّنٍ‌(1). و ذكره سيّدنا الأستاذ آية اللّه العظمى المحقّق الدّاماد رحمه الله في مجلس بحثه الشريف أيضاً. و تشهد لهذا الوجه جملةٌ من الروايات:

منها:

رواية يونس بن يعقوب؛ و نصّها:

«و عنه عن أبي جعفر عن محمّد بن سنان عن يونس بن يعقوب قال: كنت عند أبي عبداللّه عليه السلام فدخل عليه رجلٌ من القمّاطين فقال: جعلت فداك! تقع في أيدينا الأرباح و الأموال و تجاراتٌ نعلم أنّ حقّك فيها ثابتٌ و أنّا عن ذلك مقصّرون!

فقال ابوعبداللّه عليه السلام: ما أنصفناكم إن كلّفناكم ذلك اليوم»(2).

أمّا السند فصحيحٌ‌، و لا بأس به.

أمّا دلالة الحديث على هذا الوجه فتامّةٌ‌، إذ قوله عليه السلام: «ما أنصفناكم إن كلّفناكم ذلك اليوم» يشير إلى هرجٍ قد أصابته الشيعة في أمدٍ خاصٍّ‌، فحلّل الصادق عليه السلام لهم الخمس لئلّا يكونوا في ضيقٍ و هرجٍ شديدٍ.


1) . راجع: «زبدة المقال في خمس الرسول و الآل» ص 96.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 545 الحديث 12680، «الفقيه» ج 2 ص 44 الحديث 1659، «التهذيب» ج 4 ص 138 الحديث 11.

و منها:

«و عنه عن أبي جعفر عن عليّ بن مهزيار قال: قرأت في كتابٍ لأبي جعفر عليه السلام من رجلٍ يسأله أن يجعله في حلٍّ من مأكله و مشربه من الخمس؛ فكتب بخطّه: من أعوزه شيءٌ من حقّي فهو في حلٍّ‌»(1).

سند الرواية صحيحٌ‌، بل هو في أعلى مدارج الصحّة.

و دلالتها على المطلوب أيضاً واضحةٌ‌. و مدلول الرواية ممّا أجمعت الفقهاء على العمل به، حيث أفتوا بعدم الخمس على الوَكِسِ المفلس، و الإمام عليه السلام قد أعلن في الحديث أن لاخمس على المعسر في التجارة، بل على كلّ من يُعوزه اعطاء الخمس. و الإعوزاز أمرٌ له أمدٌ، فالخمس محلّلٌ في هذا الأمد، و يجب اخراجه عن المال في غيره.

الوجه الثالث:

و هو ما ذهب إليه جمعٌ من الأكابر(2)، كصاحب الجواهر رحمه الله(3)، و هذا الوجه يشترك مع الأوّل من الوجوه الثلاثة، بل هذا أخصٌّ منه، و تفصيله:

إنّ روايات تحليل الخمس يشير إلى تحليل الخمس عن غنائم الحروب الّتي ما كانت بأمر الإمام، فكانت الغنائم متعلّقةً به، أمَةً كانت، أو النقود أو الأراضي أو المواشي أو غيرها؛ بينما انّ الحكّام لم يسلّموها أو خمسها إلى الإمام، فكانت الإماء تلدن أولاد الزنا، و كان الناس يتصرّفن في أموالٍ لاحقّ لهم فيها، فكانت تجاراتهم محرّمةً‌(4).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 543 الحديث 12676، «التهذيب» ج 4 ص 143 الحديث 22؛ و انظر: «الفقيه» ج 2 ص 44 الحديث 1660.

2) . منهم الشيخ الأعظم رحمه الله؛ راجع: «كتاب الخمس» ص 324.

3) . راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 138.

4) . و انظر في ذلك: «كتاب الخمس» - للشَّيخ الأعظم رحمه الله - ص 176، ثمّ ص 324؛ «كتاب الخمس» - للعلّامة المحقّق الشيخ مرتضى الحائريّ رحمه الله - ص 36.

و كانت الشيعة في حرجٍ و مشقّةٍ تامّةٍ في حياتهم الجماعيّة، فحلّل الإمام الخمس لهم لئلّاينقض عيشهم و لتطيب لهم حياتهم.

و تشهد لهذا الوجه رواياتٌ‌:

منها: ما مضى تفصيله، و نعيده لما له من الدور الهامّ في تبيين هذا الوجه، و نصّه:

«محمّد بن الحسن بإسناده عن سعد بن عبداللّه عن أبي جعفرٍ - يعنى: أحمد بن محمّد بن عيسى - عن العبّاس بن معروف عن حمّاد بن عيسى عن حريز بن عبداللّه عن أبي بصير و زرارة و محمّد بن مسلم كلّهم عن أبي جعفر عليه السلام قال: «قال أميرالمؤمنين عليّ بن ابيطالبٍ عليه السلام: هلك الناس في بطونهم و فروجهم لأنّهم لم يؤدّوا إلينا حقّنا، ألَاو إنّ شيعتنا من ذلك و آباءهم في حلٍّ‌»(1).

مضت الإشارة إلى صحّة سند الحديث، و فيه خمسةٌ من أصحاب الإجماع، فهو صحيحٌ أعلائيٌّ‌.

و دلالته على هذا الوجه ظاهرةٌ‌.

و منها:

«و عنه عن أبي جعفرٍ عن الحسين بن سعيد عن فضالة بن أيّوب عن عمر بن أبان الكلبيّ‌، عن ضريس الكُناسيّ قال: قال أبوعبداللّه عليه السلام: أتدري من أين دخل على الناس الزنا؟

فقلت: لا أدري!

فقال: مِن قِبَل خمسنا أهل البيت، إلّالشيعتنا الأطيبين فانّه محلّلٌ لهم و


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 543 الحديث 12675، «التهذيب» ج 4 ص 137 الحديث 8، «الإستبصار» ج 2 ص 58 الحديث 5.

لميلادهم»(1).

أمّا السند فصحيحٌ‌، و لا اشكال فيه.

و دلالة الرواية على هذا الوجه تامّةٌ‌، حيث إنّ الزنا لايتحقّق إلّافي نكاح الإماء اللّاتي كُنَّ من غنائم دارالحرب، فكنّ من جملة أموال الإمام، و ما كان للناس فيهنّ حقٌّ‌، بينما كان الناس يشترونهنّ و ينكحونهنّ‌، فكان نكاحهم زنىً‌.

أمّا لو نكح رجلٌ امرءةً و أعطى مهرها من مالٍ غير مخمّسٍ و إن كان فعله حراماً لكن يُحكم بصحّة العقد، و لاتكون أولاده أولاد زناءٍ‌. فحلّل الإمام خمس الغنائم لئلّا تزيد في الشيعة التجارة بالحرام، و لئلّا تكثر فيهم أولاد الزنا.

و عليه فلا خدشة في دلالة الحديث على المطلوب.

و منها:

«و عنه عن أبي جعفر عن محمّد بن سنان عن صبّاح الأزرق عن محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: إنّ أشدّ ما فيه يوم القيامة أن يقوم صاحب الخمس فيقول: يا ربّ خمسي!. و قد طيّبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم و لتزكوا أولادهم»(2).

السند صحيحٌ‌، و لايضرّه الإضمار.

و دلالتها على المقصود أيضاً واضحةٌ‌، و تفصيلها قد مضى في التعليق على السابقة عليها، فلانعيده حذراً عن التطويل، فراجعه.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 544 الحديث 12677، «التهذيب» ج 4 ص 136 الحديث 5، «الإستبصار» ج 2 ص 57 الحديث 2.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 545 الحديث 12679، «التهذيب» ج 4 ص 136 الحديث 4؛ و انظر: «الفقيه» ج 2 ص 43 الحديث 1654، «الإستبصار» ج 2 ص 57 الحديث 1، «عوالي اللالىء» ج 3 ص 127 الحديث 8.

و منها:

«و بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار عن يعقوب بن يزيدَ عن الحسن بن عليٍّ الوشّاء عن القاسم بن بريد عن الفضيل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

من وجد برد حبّنا في كبده فليحمد اللّه على أوّل النعم!

قال: قلت: جُعِلت فداك! ما أوّل النعم‌؟

قال: طيب الولادة. ثمّ قال أبوعبداللّه عليه السلام: قال اميرالمؤمنين عليه السلام لفاطمة عليها السلام: أحلّي نصيبك من الفيء لآباء شيعتنا ليطيبوا. ثمّ قال أبوعبداللّه عليه السلام: إنّا أحللنا أمّهات شيعتنا لآبائهم ليطيبوا»(1).

السند صحيحٌ‌، بل يُعدّ من عوالي الأسناد.

و دلالتها على الوجه الثالث أيضاً واضحةٌ‌، حيث مضى تفصيل الكلام في أنّ النكاح من المال غير المخمّس لايوجب فساد العقد و إن أعطى الرجل مهر زوجته من هذا المال الّذي لايجوز له التصرّف فيه، فلاتكون أولاده أولاد زناءٍ‌. و لاتُفرض المسألة إلّافي الأسارى الّتي كُنَّ من غنائم دار الحرب، فحلّلهنّ الإمام للشيعة لئلّا تكثر بينهم أولاد الزنا.

و عليه فيمكن الذهاب إلى هذا الوجه أيضاً.

و لو كابر مكابرٌ و لم يقبل وجهاً من الوجوه الثلاثة فلاضير أيضاً، إذ إعراض الأصحاب عن الروايات الناطقة بتحليل الخمس يحكم برفضها و عدم الخضوع لمدلولها. حيث إنّ من المجمَع عليه بين الأعلام أنّ إعراض الأصحاب يُعدُّ من مضعِّفات الحديث، و هذه الطائفة معرضٌ عنها عند الأصحاب، فتُعدُّ من الضعاف، فلايمكن الركون إليها و الاعتماد عليها.



1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 547 الحديث 12684، «التهذيب» ج 4 ص 143 الحديث 23؛ و انظر: «الفقيه» ج 3 ص 493 الحديث 4745، «بشارة المصطفى» ص 176.

المقدّمة الثّالثة ما هي الغنيمة‌؟

اشارة

و هي المقدّمة الأخيرة من مقدّمات مبحث الخمس، و تتكفّل التحقيق حول مشكلةٍ من المشكلات الفقهيّة؛ و هي تعيين حدّ «الغنيمة» الّتي أوجب اللّه - تعالى - فيها الخمس.

فنقول: قال - سبحانه و تعالى -: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِالسَّبِيلِ‌»(1)، و قد فرغنا عن البحث حول مدلول الآية الشريفة و تعيين ذي القربى و كيفيّة كون الخمس ملكاً للنبيّ و للإمام عليهما السلام.

و بقي علينا شيءٌ‌، و هو التحقيق حول حدّ «الغنيمة» المذكورة في تلك الكريمة. إذ لنا أن نتساءل: ما هو المراد من «مَا غَنِمْتُمْ‌»؟، هل هو مختصٌّ بغنائم دار الحرب‌؟

أو يشمل غيرها من الغنائم أيضاً؟.

و في الصورة الثانية هل يختصّ بغنائم المرء من تجارته و مكسبه‌؟

أو يشمل غيرها كغنيمةٍ تحصل من هبةٍ‌، أو إرثٍ‌، أو صلةٍ‌، أو مهرٍ للمرأة، و نظائرها؟.

فنقول: أمّا شموله بالنسبة إلى غنائم دارالحرب فلا كلام فيه، إذ هي المتيقّن من لفظة الغنيمة؛

و أمّا شموله للصورة الأولى من القسم الثاني - أي: وجوب الخمس في غنائم يكتسبها


1) . كريمة 41 الأنفال.

المرء من تجارته و مكسبه - فالظاهر عدم الخلاف فيه أيضاً، و سنفصّل الكلام حول هذه الصورة بعد الفراغ من مقدّمات المبحث؛

أمّا الصورة الثانية من القسم الثاني فهي الّتي وقع الخلاف فيها بين المتأخّرين من الأصحاب. و هذه المقدّمة عقدناها للتحقيق حول هذا الخلاف ليظهر ما هو الحقّ في الباب.

و نأتى بتفصيل المسألة من خلال نكاتٍ‌:

النكتة الأولى سابقة المسألة تأريخيّاً

و لهذه السابقة في مسألتنا هذه دورٌ هامٌّ‌، كما لها دورٌ في غيرها من المسائل الكثيرة.

فنقول: انّ هذه المسألة ليست لها سابقةٌ تاريخيّاً، إذ لم يتعرّض لها الأقدمون من الأصحاب غير الحلبيّ في الكافي(1)ثمّ تعرّض لها الحلّيّ في السرائر مشيراً إلى كون المسألة من المغفولات عند الأصحاب(2)فكانت من المسكوت عنها عند المتقدّمين من الأصحاب.

و سنعود إلى هذه النكتة ثانياً.

النكتة الثانية الآراء في المسألة

أمّا المسألة ففيه آراء، و تفصيلها: ذهب الحلبيّ - و لم يتعرّض من المتقدّمين أحدٌ غيره للمسألة - إلى وجوب الخمس في الهبة و الإرث و الصلة و مهر المرأة و ما يشبهها؛


1) . راجع: «الكافي في الفقه» ص 170.

2) . قال: «و قال بعض أصحابنا: انّ الميراث و الهديّة و الهبة فيه الخمس؛ ذكر ذلك أبوالصلاح الحلبيّ في كتاب الكافي الّذي صنّفه، و لم يذكره أحدٌ من أصحابنا إلّاالمشار إليه»؛ راجع: «السرائر» ج 1 ص 490.

و ذهب ابن إدريس في السرائر إلى عدم وجوب الخمس فيها، و سنتعرّض لما استدلّ به على قوله هذا؛

و ذهب المحقّق في المعتبر إلى التوقّف في المسألة، فلايحكم بوجوب الخمس و لابعدم وجوبه فيها(1). و لم يتعرّض لها في الشرايع؛

و الشهيد تبعه في الدروس، فتوقّف في المسألة(2)

و الشيخ الأنصاريّ ذهب إلى وجوبه فيها(3)، و أصرّ على هذا القول، و سنفصّل الكلام أيضاً حول ما استدلّ به عليه؛

و ذهب المحقّق الهمدانيّ إلى عدم وجوب الخمس فيها(4)

و الفقيه اليزديّ أفتى أوّلاً بوجوبه فيها، ثمّ أفتى ثانياً بعدم وجوبه في بعض شقوق المسألة، و فصّل ثالثاً في بعضها الآخر(5)

و المختار عدم وجوبه في جميع شقوق المسألة. و سنعود إليه أيضاً.


1) . حيث نقل قول الحلبيّ رحمه الله أوّلاً ثم قال: «و أنكر قوله بعض المتأخّرين، و أطبق الجمهور على إنكار ذلك كلّه»، من غير إشارةٍ إلى رأيه الشريف رحمه الله؛ راجع: «المعتبر» ج 2 ص 623.

2) . راجع: «الدروس الشرعيّة» ج 2 ص 41. لكنه رحمه الله اختار في البيان العدم؛ راجع: «البيان» ص 348.

3) . قال رحمه الله: «و التفصّي عن كلّ واحدٍ واحدٍ من الأخبار الخاصّة المذكورة بل العامّة أيضاً و إن كان ممكناً إلّاانّ الإنصاف انّ القول بالوجوب لايخلو عن قوّةٍ‌»؛ لكنّه رحمه الله قال بعد تحقيق المسألة: «فالقول بوجوب الخمس في الميراث ضعيفٌ‌، بل مضعّفٌ للقول بوجوبه في الهبة لو كان في المسألة إجماعٌ مركّبٌ‌»؛ راجع: «كتاب الخمس» ص 87.

4) . قال رحمه الله بعد أن ناقش في جميع أدلّة ثبوته فيها: «فتلخّص ممّا ذُكر انّ الالتزام بثبوت الخمس في ما عدا ما اشتهر بين العلماء - و هو أرباح التجارات و الصناعات و سائر أنواع التكسّبات - مشكلٌ‌»؛ راجع: «مصباح الفقيه» - الطبعة المحقّقة - ج 14 ص 123.

5) . راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 تابع المسألة 49، ج 2 ص 389.

النكتة الثالثة أحاديث الباب

اشارة

أمّا مثبتوا الخمس في المسألة - و هم الحلبيّ و الشيخ الأعظم و المحقّق اليزديّ - فقد تمسّكوا بأحاديث لاتخلوا عن شيءٍ‌، و كلّها تشترك في كونها ضعيفةً سنداً على مبنى المشهور من القوم؛ و نأتي هيهنا بتلك الأحاديث ليتبيّن مدى دلالتها على مطلوبهم.

الرواية الأولى

و هي ما رواه الكلينيّ رحمه الله، و نصّها:

«و عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن يزيد قال:

كتبت: جُعلت لك الفداء! تعلّمني ما الفائدة و ما حدّها، رأيك - أبقاك اللّه! - أن تمنّ عليَّ ببيان ذلك لكي لاأكون مقيماً على حرامٍ لاصلاة لي و لاصوم؛

فكتب: الفائدة ممّا يفيد إليك في تجارةٍ من ربحها و حرثٍ بعد الغرام أو جائزةٍ‌»(1).

أمّا السند فضعيفٌ على مبنى المشهور، و ذلك لكون «يزيد» هذا مجهولاً غير معروفٍ عند الرجاليّين أوّلاً، بل لانعرفه بالضبط(2)و لكون المسؤول عنه غير مذكورٍ في الحديث، فلانعلم كون المسؤول عنه من المعصومين أو من غيرهم.

أمّا على المبنى المختار في علم الرجال فالسند لابأس به، لوقوع أحمد بن محمّد بن عيسى


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 503 الحديث 12585، «الكافي» ج 1 ص 545 الحديث 12.

2) . حتّى أنّ العلّامة النمازيّ رحمه الله أيضاً لم يذكره في «مستدركات علم رجال الحديث»، مع حرصه على ذكر من فاته الرجاليّون.

في السند، و هو لايروي إلّاعن ثقةٍ‌(1)و لبداهة كون المسؤول عنه من المعصومين، إذ لم يُعهد - بل لا معنى - لأن يسأل بعض الشيعة مسألةً عن فقهاء العامّة ثمّ يرويها أحمد بن محمّد ثمّ يذكرها الكلينيّ في جامعه، و هذا ممّا لا مجال للنقاش فيه. و كيف كان فعلى المختار لابأس بالسند. و أمّا على مبنى المشهور فصحّتها محلّ تأمّلٍ‌، بل محلّ نظرٍ.

و دلالتها على وجوب الخمس في فائدةٍ تحصل من تجارةٍ أو زراعةٍ و كذلك في الجوائز تامّةٌ‌. و المستفاد من سياق الرواية أنّ الجائزة لاتُعدُّ في العرف من الفوائد.

الرواية الثانية

و هي ما رواه الكلينىّ رحمه الله أيضاً، و نصّها:

«و عنه عن سهل بن زيادٍ عن محمّد بن عيسى عن عليّ بن الحسين بن عبدربّه قال: سرّح الرضا عليه السلام بصلةٍ إلى أبي، فكتب إليه أبي: هل عليَّ فيما سرّحت إليَّ خمسٌ؟

فكتب إليه: لاخمس عليك فيما سرّح به صاحب الخمس»(2).

السند ضعيفٌ‌، و لايمكن الركون إليه، لوجود مجاهيل و ضعافٍ فيه(3).


1) . انظر: «رجال النجاشي» ص 81 الرقم 198، «خلاصة الأقوال» ص 61 الرقم 67، «معجم رجال الحديث» ج 2 ص 295 الحديث 896.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 508 الحديث 12596، «الكافي» ج 1 ص 547 الحديث 23.

3) . أمّا سهل بن زيادٍ فلابأس به عند الشَّيخ الأستاذ - حفظه اللّه تعالى و جعله في رعيه -. و أمّا عليّ بن الحسين بن عبدربّه فكان وكيلاً لمولانا العسكريّ عليه السلام؛ راجع: «معجم رجال الحديث» ج 11 ص 362 الرقم 8049. أمّا محمّد بن عيسى فهو مجهولٌ مع كثرة ما يوجد منه من الروايات، و قد عدّ المحقّق الخوئي رحمه الله سهل بن زيادٍ ممّن روى عنه؛ راجع: نفس المصدر ج 17 ص 86 الرقم 11500.

أمّا دلالتها على مطلوب القائلين بوجوب الخمس في تلك الموارد فمنوطةٌ بجواز استفادة المفهوم منها. قالوا: لم يصرّح الإمام عليه السلام بنفي وجوب إخراج الخمس عن الصلة، بل قال: «لاخمس عليك فيما سرّح به صاحب الخمس»، و المفهوم منه وجوب الخمس فيما سرّح به غير صاحب الخمس؛ فالخمس واجبٌ في الصِلات بدلالة المفهوم المأخوذ من هذه الرواية الشريفة.

الرواية الثالثة

«محمّد بن إدريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب محمّد بن عليّ بن محبوب عن أحمد بن هلال عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: كتبت إليه في الرجل يُهدي إليه مولاه و المنقطع إليه هديّةً تبلغ ألفي درهمٍ أو أقلّ أو أكثر، هل عليه فيها الخمس‌؟

فكتب عليه السلام: الخمس في ذلك - الحديث -»(1).

سند الحديث ضعيفٌ‌، و ضعفه ظاهرٌ.

أمّا دلالته على وجوب إخراج الخمس من الهديّة و الصلة فظاهرةٌ‌.

هذا جميع ما احتجّ به مثبتوا وجوب إخراج الخمس عن تلك الموارد أو يمكن أن يُحتَجَّ به، و هو مشتركٌ في ضعف السند، أو نقصان الدلالة؛ و لم توجد في البين روايةٌ صحيحة السند ظاهرة الدلالة. و إعراض الأصحاب عنها مؤيّدٌ لضعفها.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 504 الحديث 12588، «مستطرفات» السرائر ص 606.

النكتة الرابعة مقتضى الأصل في المسألة

ثمّ لوشُكّ في وجوبه في تلك الموارد مع كون الأدلّة غير وافيةٍ للقيام به، فما هو الأصل في المسألة‌؟

فنقول: مقتضى الأصل في المسألة البراءةُ‌، لأنّها من موارد الدوران بين الأقلّ و الأكثر الإستقلاليَّين، و لاخلاف بين القوم - و لاسيّما بين المتأخّرين عن الشيخ الأعظم - في أنّ الأصل فيها هو البراءة.

النكتة الخامسة تبيين المختار في المسألة

اشارة

المختار في المسألة الّذي نذهب إليه و نفتي به، هو عدم وجوب الخمس في الهبة و الصلة و الإرث و المهر و ما يشبهها؛

و لا فرق في الإرث بين ما يغنمه المرء من حيث يحتسب، و بين ما يغنمه من حيث لايحتسب؛

و لا فرق في الصلة و الهبة بين الخطيرة منهما، أو غير الخطيرة؛

و كذلك في جميع شقوق المسألة.

و هيهنا نكتةٌ نشأت من استبعادٍ عقليٍّ جاء به بعض المتأخّرين، و هي: إنّ العقل يستبعد أن يحكم الشارع بوجوب الخمس في العوائد الّتى يحصّلها الإنسان من تجارته و مكسبه و غيرهما ممّا يحصّله بكدٍّ و عناءٍ‌، بينما لم يجبه في الهبة و الإرث و الجائزة و غيرها ممّا ليس في تحصيله كدٌّ و تعبٌ و مشقّةٌ‌. فيحكم العقل بوجوبه في الثاني كما يحكم به في الأوّل.

و الجواب: إنّ هذا محض استبعادٍ لاواقع له، إذ المتَّبع في الفقه هو الدليل، و الدليل هو

الفارق بين المقامين، حيث يدلّ على وجوب الخمس في الأوّل، بينما لادليل في البين يدلّ على وجوبه في الثانى.

و هذا الاستبعاد و نظائره ممّا لايجوز الالتفات إليه، و إليه أشار مولانا الصادق عليه السلام حيث قال: «إنّ السنّة إذا قيست مُحق الدين!»(1).

فتحصّل ممّا قلنا جميعاً أن لاخمس في هذه الموارد، إذ لانعدّها من الغنيمة الّتي أوجب اللّه - تعالى - فيها الخمس، فلاخمس في الهبة و لا في الإرث و لا في الصلة و لا في المهر و لا فيما يشبهها ممّا لايطلقُ عليه عنوان الغنيمة و الفائدة.

تذنيبٌ‌
اشارة

بقي علينا أن نتكلّم عن صحيحة عليّ بن مهزيار، لنرى مدى دلالتها على مطلوب القائلين بوجوبه فيها. و نصّها:

«و بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار عن أحمد بن محمّد و عبداللّه بن محمّد جميعاً عن عليّ بن مهزيار - و ساق الحديث إلى أن قال -:... فأمّا الغنائم و الفوائد فهي واجبةٌ عليهم في كلّ عامٍ‌، قال اللّه - تعالى -: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِالسَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَومَ الْفُرْقَانِ يَومَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ»(2). فالغنائم و الفوائد - يرحمك اللّه! - فهي الغنيمة يغنمها المرء، و الفائدة يفيدها، و الجائزة من الإنسان للإنسان


1) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 57 الحديث 15، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 41 الحديث 33160.

2) . كريمة 41 الأنفال.

الّتي لها خطرٌ، و الميراث الّذي لايُحتسب من غير أبٍ و لا ابنٍ‌...»(1).

أمّا السند فلابأس به، بل هو في عداد الصحاح.

أمّا دلالتها على وجوب الخمس في الجوائز و المواريث و ما يشبههما فيتمّ البحث فيها في مقامين:

المقام الأوّل:

للحديث دلالةٌ تامّةٌ على وجوب الخمس في الجائزة الخطيرة و الميراث الّذي يحصل للإنسان، و يُشترط فيه أن يكون من حيث لايُحتسب، و أيضاً يشترط فيه أن لايكون من الأب و لا من الأمّ‌. و الظاهر منه عدم وجوبه في مطلق الجائزة و الميراث.

و هذا مقتضى عدم اللغو في الكلام، إذ لايمكن الذهاب إلى كون قوله عليه السلام: «الّتي لها خطرٌ» و كذلك قوله عليه السلام: «الميراث الّذي لايحتسب من غير أبٍ و لا ابنٍ‌» لغواً غير مرادٍ في الكلام و لو قلنا في علم الأصول بعدم حجّيّة مفهوم الوصف، إذ اللازم من الغائهما ثبوت اللغو في الكلام.

المقام الثاني:

الظاهر عدم جواز التمسّك بهذا الحديث، لكونه مجملاً غير مبيَّنٍ‌، إذ صدر الحديث و كذلك ذيله لايخلو عن إجمالٍ‌، بل يشتملا على ما لايصحّ بإجماع الفقهاء؛ ففي ذيله:

«فأمّا الّذي أوجب من الضياع و الغلّات في كلّ عامٍ فهو نصف السدس ممّن كانت ضيعته تقوم بمؤنته، و من كانت ضيعته لاتقوم بمؤنته فليس عليه نصف سدسٍ و لا غير ذلك».

و هذا ممّا لاريب في بطلانه و عدم جواز الأخذ به. و الرواية المجملة لايمكن التمسّك بها، لخفاء بعض أجزائه، و من الممكن جدّاً أن يكون لهذا الجزء دورٌ في تبيين المراد منها.

و إلى ذلك مال المحقّق اليزديّ حيث أفتى بوجوب الخمس في الميراث الّذي يصيبه


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 501 الحديث 12583، «التهذيب» ج 4 ص 141 الحديث 20، «الإستبصار» ج 2 ص 60 الحديث 12.

الإنسان من حيث لايحتسب(1)، بينما ذهب إلى وجوبه في مطلق الصلة و الجائزة، خطيرةً كانت أو غير خطيرةٍ‌(2)و هذا غريبٌ جداً!.

و الّذي يبدو لي - كما أومأت إليه - عدم الركون إلى صحيحة عليّ بن مهزيار. و الظاهر انّ ابن مهزيار لكونه من أبناء الفُرس ما استطاع أن يسبك المعنى في لفظٍ مناسبٍ له، ليبيّن ما هو المراد من المأخوذ من المعصوم عليه السلام.

فتلخّص ممّا قلنا جميعاً أن لاخمس في هذه الموارد كلّها.


هذا تمام الكلام في مقدّمات المبحث، و باتمامها آن لنا أن ندخل في صلب الموضوع.


1) . قال رحمه الله: «لاخمس في الميراث إلّافي الّذي ملكه من حيث لايحتسب... كما إذا كان له رحمٌ بعيدٌ في بلدٍ آخر لم يكن عالماً به فمات و كان هو الوارث له»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 تابع المسألة 49، ج 2 ص 389.

2) . قال رحمه الله: «بل الأحوط ثبوته في مطلق الفائدة و إن لم تحصل بالاكتساب، كالهبة و الهدية و الجائزه»؛ راجع: نفس المصدر.

الفصل الأوَّل ما يجب فيه الخمس

الفصل الأوّل فيما يجب فيه الخمس

اشارة

أجمعت فقهاء الإماميّة - المتقدّمون منهم و المتأخّرون - على وجوب الخمس في سبعة أشياء:

الأوّل: غنائم دار الحرب؛

الثاني: المَعْدِن؛

الثالث: الكنز؛

الرابع: ما يحصّله الغوّاص بالغوص في البحر؛

الخامس: المال الحلال المختلط بالحرام؛

السادس: أرض اشتراها الكافر الذمّيّ من المسلمين؛

السابع: أرباح المكاسب.

و سنفصّل الكلام حول كلّ واحدٍ من الأقسام السبعة.

تذنيبٌ‌

الظاهر انّه لاوجه لجعل الأقسام سبعةً‌، بل الأصحّ تثليث الأقسام. و ذلك بالنظر إلى أنّ الأقسام الأربعة الأولى و القسم السَّابع تشترك في كونها غنيمةً‌، حيث يطلق عرفاً على

الجميع أنّها من الغنائم، فلها مقسمٌ واحدٌ. أمّا الخامس و السادس فلا جامع بينهما و بين الأربعة الأولى و السابع، فهما «اى الخامس و السادس» قسيما الخمسة «اى الاربعة الأولى و السابع».

و عليه يصحّ أن يقال: يجب الخمس في ثلاثة أشياء:

الاوّل: الغنائم، و هو يقسّم الى الاقسام الخمسة (غنائم دارالحرب، المعدن، الكنز، الغوص، أرباح المكاسب)؛

الثانى: المال الحلال المختلط بالحرام؛

الثالث: أرضٌ اشتراها الكافر الذمّيّ من المسلمين؛

هذا، و لكن الظاهر انّ الفقهاء اقتفوا أثر الحديث في تسبيع الأقسام، و قد نهجنا منهجهم في صدر المسألة اتّباعاً للحديث الشريف، و لنصوص الفقهاء الأقدمين.

و كيف كان فالأمر في تثليث الأقسام أو تسبيعها سهلٌ‌.


المبحث الأوّل في غنائم دار الحرب

اشارة

و فيه مسائل.

المسألة الأولى في المراد من الكافر الّذي يجوز أخذ ماله

المشهور بين الفقهاء أنّ الكفار بأجمعهم لا حرمة لدمائهم، كما لا حرمة لأموالهم، فإنّهم مهدوروا الدم و مهدوروا المال، إلّاالكافر الذمّي الّذي يعيش تحت ظلّ الدولة الإسلاميّة.

هذا هو الحكم الأوّلي في المسألة.

ثمّ ذهبوا إلى حرمة أموالهم و دمائهم بالحكم الثانويّ‌، و ذلك نظراً إلى وجوب المصالحة بين المسلمين و بين الكفّار ما لم يكونوا حربيّين. أمّا الحربيّ فقد انعقد الإجماع على أنّه مهدور الدم و المال، فلاحرمة لدم الحربيّ كما لا حرمة لماله.

و كذلك الحكم في النواصب، فمن صبّ أحداً من المعصومين - العياذ باللّه من جهالة أصحاب الإبليس - لا حرمة لماله و لا لدمه.

هذا؛ و المختار التبعيّة عن الفقهاء في ما يرجع إلى الحربيّين و النواصب. أمّا الكفّار غير الذمّيّين و غير الحربيّين - كالّذين يعيشون حاليّاً في بلاد أروبا و أميركا - فالمختار حرمة دمائهم و أموالهم، فلايجوز لأحدٍ أن يتعرّض لأموالهم. و ذلك حكمٌ أوّليٌّ في المسألة، لا حكمها الثانوي. إذ الظاهر حرمة مال الإنسان و دمه على الإطلاق ما لم يخصّصهما مخصّصٌ‌.

و هذا الظهور قد نشأ من عمومات حرمة ما يتعلّق بالناس مالاً و دماً، كقوله - تعالى -:

«مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَو فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً»(1)و كقوله عليه السلام:


1) . كريمة 32 المائدة.

«لايحلّ مال امرىءٍ‌...»(1)، الظاهر في العموم، لا في النفس المسلمة و المرء المسلم.

و يعضدهما حكم العقل بعدم جواز التعدّي إلى أموال الناس فضلاً عن أنفسهم. نعم! هناك أدلّةٌ تخصّص هذه العمومات في الحربيّين و النواصب، فلاريب في جواز قتلهم و أخذ أموالهم - و لقتلهم و أخذ أموالهم شروطٌ سنفصّل الكلام حولها -.

و الظاهر انحصار الحربيّ اليوم في الصهيونيّين، لعزمهم على قتل المسلمين و محو الإسلام الظاهر من سيرتهم و ما جرت عليه نيّاتهم و أعمالهم.

ثمّ بعد تمهيد هذه المقدّمة نقول: المفروض من «غنائم دارالحرب» ما يؤخذ من الحربيّين، لا من غيرهم من الكفّار، لحرمة دمائهم و أموالهم. فلو غلب قومٌ من المسلمين على ناحيةٍ من نواحي الكفّار من غير حربٍ و لا مقاتلةٍ لايجوز لهم قتل أنفسهم و أخذ أموالهم و جعل نسائهم إماءً‌. فلاخمس، إذ لا غنيمة.

فتحصّل ممّا قلنا انّ وجوب إخراج الخمس من غنائم دارالحرب يجري في ما إذا حكم الشرع بجواز أخذ الغنيمة، و هو منحصرٌ في كون الكفّار حربيّين، ففي هذه الصورة يجب الخمس في الغنيمة.

و تدلّ عليه رواياتٌ كثيرةٌ نتعرّض لها عند البحث عن مسائل هذا المبحث.

المسألة الثانية في اشتراط إذن الإمام في الحرب
اشارة

لا خلاف بين الأعلام في أنّ إذن الإمام شرطٌ في وجوب الخمس، فإذا أذن الإمام في


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 14 ص 572 الحديث 19843، «عوالي اللالىء» ج 1 ص 222 الحديث 98، «فقه القرآن» ج 2 ص 33.

الحرب فخمس الغنائم له، و الباقي للمجاهدين؛ هذا ممّا لاكلام فيه(1).

أمّا لو كانت المحاربة بغير إذنه عليه السلام في زمن حضوره فالمشهور على أنّ الغنيمة كلّها له عليه السلام(2)و لو وقعت في عصر الغيبة فكلّها للمسلمين المجاهدين(3). و لوفُرض وجوب الخمس فيها فهو من باب تعلّق الخمس بأرباح المكاسب، لاتعلّقه بمغانم دارالحرب.

هذا هو المشهور بين الأعلام.

ثمّ هيهنا نكاتٌ‌:

النكتة الأولى

مضى منّا تفصيل الكلام في أنّ الفقيه الوليّ ينوب و يخلف عن الإمام في كلّ ما جازت فيه النيابة و الخلافة، و منها ولاية الأمر في زمن الغيبة، فجميع ما للإمام من الأحكام الفقهيّة يجري في حقّه.

و منها حكم ملكيّة الغنائم؛ و عليه لو وقعت المحاربة بإذنه فخمس الغنائم له، و لو وقعت من غير إذنه فجميعها له.


1) . كما قال الشيخ رحمه الله: «إذا غزت طائفةٌ بغير إذن الإمام فغنموا مالاً فالإمام مخيّرٌ إن شاء أخذ منهم و إن شاء تركه عليهم... دليلنا إجماع الفرقة»؛ راجع: «الخلاف» ج 5 ص 518 المسألة 3؛ و انظر: «تذكرة الفقهاء» - الطبعة الحجريّة - ج 1 ص 255.

2) . كما قال رحمه الله: «و متى قاتل قومٌ أهل حربٍ من غير إذنٍ الإمام فغنموا كلّ ذلك للإمام خاصّةً‌»؛ راجع: «الإقتصاد» ص 284. و قال المحقّق رحمه الله: «إذا قاتل قومٌ من غير إذن الإمام فغنموا فالغنيمة للإمام»؛ راجع: «المعتبر» ج 2 ص 635. و قال الفاضل الآبيّ رحمه الله بعد أن أشار إلى هذين الحكمين: «و عليها فتوى كثيرٍ من الأصحاب، و ما وقفت على مخالفٍ‌»؛ راجع: «كشف الرموز» ج 1 ص 272.

3) . كما عن العلّامة رحمه الله: «و ما يؤخذ من دار الحرب بغير إذن الإمام فهو للإمام خاصّةً‌، لكن رخّصوا لشيعتهم في حال الغيبة التملّك و الوطء و إن كانت للإمام أو بعضها»؛ راجع: «قواعد الأحكام» ج 2 ص 29.

هذا على المختار المبنيّ على ما بيّناه في ما مضى من هذه الرسالة حول خلافة الفقيه الوليّ عن المعصوم في ولايته على المجتمع.

النكتة الثانية
اشارة

قلنا: لو وقعت المحاربة بغير إذنٍ من الإمام فجميع الغنائم يتعلّق به؛ و هذا مستفادٌ من روايات الباب.

أمّا المستفاد من مقتضى القاعدة فتعلّقه بالمسلمين المجاهدين، إذ لايصدق «الجهاد» على حربٍ لم يقع بإذنه، أو فقل وقع بغير إذنه؛ فلوكانت المحاربة مع الحربيّين فالغنائم كلّها مالٌ حلالٌ اكتسبه المجاهدون، فهو لهم.

هذا مقتضى القاعدة؛ لكن هناك ما يدلّ على أنّ الغنائم تتعلّق بالإمام، لا بالمجاهدين.

و لو تمّت هذه الروايات سنداً و دلالةً فلامناص من القول بالكفّ عن مقتضى القاعدة و الذهاب إلى مقتضى الروايات تعبّداً. و هي كثيرةٌ‌؛ منها:

الرواية الاولى

«و عنه عن أبيه عن ابن محبوب عن معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام السريَّة يبعثها الإمام فيصيبون غنائم، كيف يُقسم‌؟

قال: إن قاتلوا عليها مع أميرٍ أمّره الإمام عليهم أخرج منها الخمس للّه و للرسول و قُسم بينهم ثلاثة أخماسٍ‌؛ و إن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للإمام يجعله حيث أحبّ‌»(1).

السند صحيحٌ‌، بل هو في عداد عوالي الأسناد.

و دلالتها على المطلوب أيضاً تامّةٌ‌. على أنّه يمكن أن يُستفاد منها أنّ الغنائم كلّها للإمام، و


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 524 الحديث 12627، «الكافي» ج 5 ص 43 الحديث 1.

عليه أن يقسّم بين المجاهدين أربعة أخماسٍ لما تحمّلوه من المشاقّ و العناء في المحاربة. و على المختار انّ سهم الإمام في زمن الغيبة للفقيه الوليّ‌، فهو يأخذ خمس الغنائم و يعطي الباقي للمجاهدين.

أمّا السيّد فقد ذهب في عروته إلى أنّ الجميع للمسلمين(1)، فكأنّه لم يذهب في المسألة إلى ثبوت الولاية للفقيه، أو طرأت عليه غفلةٌ فاتّخذ هذا المذهب.

و من الغريب أنّ صاحب الجواهر رحمه الله لم يذكر الحديث في البحث عن هذا الفرع، مع علوّ سنده و وضوح دلالته!.

الرواية الثانية

«و بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار عن الحسن بن أحمد بن يسار عن يعقوب عن العبّاس الورّاق عن رجلٍ سمّاه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: إذا غزا قومٌ بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلّها للإمام، و إذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس»(2).

السند صحيحٌ‌. و ليس فيه ارسالٌ‌، إذ قوله: «عن رجلٍ سمّاه» يشير إلى أنّ العبّاس الورّاق روى الحديث مسنداً، و الارسال حدث من نسيان اسم من روى عنه الورّاق؛ فلاارسال.


1) . حيث لم يخصّصه بالإمام عليه السلام؛ قال رحمه الله: «أمّا إذا كان الغزو بغير إذن الإمام عليه السلام فإن كان في زمان الحضور و إمكان الاستيذان منه فالغنيمة للإمام عليه السلام، و إن كان في زمن الغيبة فالأحوط إخراج خمسها من حيث الغنيمة»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المقدّمة، ج 2 ص 367.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 529 الحديث 12640، «التهذيب» ج 4 ص 135 الحديث 12.

كما انّ القوم أيضاً ما استشكلوا في سنده، بل قالوا: انّ الرواية معمولةٌ بها عند الأصحاب(1)، فهي حجّةٌ في الباب.

و دلالتها أيضاً ظاهرةٌ‌. و يمكن أن يُستفاد منها انّ الغنائم كلّها تتعلّق بالإمام، و في زمن الغيبة تتعلّق بالفقيه الوليّ‌. و الإمام أو نائبه يقسّمان أربعة أخماس الغنائم بين المجاهدين، و الباقي لهما خاصّةً‌.

الرواية الثالثة
اشارة

«و عنه عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح عليه السلام قال: و للإمام صفو المال أن يأخذه من هذه الأموال صفوها الجارية الفارهة و الدابّة الفارهة و الثوب و المتاع ممّا يحبّ أو يشتهي، فذلك له قبل القسمة و قبل إخراج الخمس. و له ما يسدّ بذلك المال جميع ما ينوبه من مثل إعطاء المؤلّفة قلوبهم و غير ذلك ممّا ينوبه، فإن بقي بعد ذلك شيءٌ أخرج الخمس منه فقسمه في أهله و قسم الباقي على من ولي ذلك، و إن لم يبق بعد سدّ النوائب شيءٌ فلاشيء لهم»(2).

الرواية مصحّحةٌ‌، لمكان الارسال الواقع في السند. و لكن لابأس به، لأنّ المرسِل هو


1) . كما عن العلّامة رحمه الله قبل رواية الحديث: «احتجّ الأصحاب بما رواه عبّاس الورّاق...»؛ راجع: «منتهى المطلب» - الطبعة الحجريّة - ج 1 ص 554. و قال ابن فهدٍ الحلّي رحمه الله: «إشارةٌ إلى ما رواه العبّاس الورّاق... و عليها عمل الأصحاب»؛ راجع: «المهذّب البارع» ج 1 ص 567. و عن المحقّق الكركيّ رحمه الله بعد نقل الرواية: «و مضمون هذه الرواية مشهورٌ بين الأصحاب مع كونها مرسلةً و جهالة بعض رجال اسنادها»؛ راجع: «رسائل المحقّق الكركيّ‌» ج 1 ص 255.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 524 الحديث 12628؛ و انظر - مع زياداتٍ -: «الكافي» ج 1 ص 539 الحديث 4، «التهذيب» ج 4 ص 128 الحديث 2.

حمّاد بن عيسى الّذي يُعدُّ من الطبقة الأولى من أصحاب الإجماع، فلاضير في ارساله.

و دلالتها على المقصود أيضاً ظاهرةٌ‌، بل لها دلالةٌ على ما ذهبنا إليه من كون الغنائم كلّها للإمام في زمن الحضور و للدولة الإسلاميّة في عصر الغيبة. قال عليه السلام:

«و له ما يسدّ بذلك المال جميع ما ينوبه من مثل اعطاء المؤلّفة قلوبهم»؛

كما فعله النبيّ صلى الله عليه و آله في غزوة حنين من اختصاص الغنائم بالمؤلّفة لتأليف قلوبهم(1).

ملحوظةٌ‌

الظاهر انّ المراد من قوله: «صفو المال» هي الغنيمة المختصّة بسلاطين الكفر من القصور و الجواري و المواشي و غيرها. و المراد: انّ كلّ ما يؤخذ من الحربيّين ممّا كان متعلّقاً بسلاطينهم لايُعدُّ من الغنائم، بل كلّه للإمام، كما فعله أميرالمؤمنين عليه السلام في نهي عمر عن بيع بنات كسرى بعد أن فتح العربُ الإيران(2).

و ذلك حذراً عن وقوع الشقاق و التخالف بين صفوف المجاهدين طلباً لخير الغنائم من النساء و الأثواب و الأمتعة الممتازة المتعلّقة بالسلاطين.

النكتة الثالثة

و هناك روايةٌ تدلّ على أنّ إذن الإمام ليس شرطاً في الحرب، بل لو وقعت محاربةٌ من غير إذنه فخمس الغنائم يتعلّق به و الباقي للمجاهدين. و هذا يخالف ما حكيناه من اتّفاق الفرقة الناجية على أنّ الغنائم الحاصلة من الحرب الّذي ليس مسبوقاً بإذن الإمام تتعلّق به، و لا نصيب للمسلمين فيها. و نصّها:

«و بإسناده عن سعدٍ عن عليّ بن إسماعيل عن صفوان بن يحيى عن عبداللّه


1) . راجع: «البداية و النهاية» ج 4 ص 416، «تاريخ» ابن خلّدون / القسم الثاني من المجلّد 2 ص 48.

2) . فانظر: «مستدرك الوسائل» ج 13 ص 377 الحديث 15650، «الخرائج و الجرائح» ج 2 ص 750.

بن مسكان عن الحلبيّ عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم فيكون معهم فيصيب غنيمةً‌، قال: يؤدّي خمساً و يطيب له»(1).

أمّا السند فلابأس به، بل هو صحيحٌ‌.

أمّا الدلالة فالّذي يظهر منها في بادىء الرأي، أنّ الغنيمة المسؤولة عنها كانت حاصلةً من الحرب مع أئمّة الجور و في لوائهم، و مع ذلك حكم الإمام عليه السلام بوجوب إخراج الخمس منها و كون الباقي ملكاً للغازي. و هذا الظهور يخالف ما بيّناه في تلك الأوراق من اتّفاق فقهائنا على أنّ الغنائم كلّها حينئذٍ تتعلّق بالإمام، و لا نصيب لغيره فيها.

و لذلك ذهب المحقّق الكبير صاحب الجواهر رحمه الله إلى أنّ هذا الحديث ينبىء عن تحليل الإمام الخمسَ لذلك الرجل المجاهد(2). فالحديث ينبىء عن تحليلٍ شخصىٍّ‌؛ فلايمكن التمسّك به في غير هذه الوقعة الجزئيّة و المورد الجزئيّ‌. فلالسان له على نفي الروايات السابقة عليه، فلاتخالف بينهما.

هذا؛ و الظاهر انّ هذا المحمل بعيدٌ عن الصواب، لأنّ الأصل في كلّ روايةٍ اصطياد حكمٍ كلّيٍّ منها مهما أمكن، لاحملها على المورد الخاصّ لتسقط عن الحجّيّة.

و الّذي يبدو لنا: انّ قول السائل: «فيصيب غنيمةً‌» لايُراد منه الغنائم الّتي تؤخذ من دارالحرب، بل المراد منه مطلق الفائدة، فيرجع إلى المال الحلال المختلط بالحرام، فحكَم الإمام فيه بأنّه «يؤدّي خمساً و يطيب له».

و هذا المحمل لااستغراب فيه، بل هو مأخوذٌ عن نصّ الحديث الشريف. و به يندفع الإشكال و ينتفي النزاع.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 488 الحديث 12553؛ و انظر: «التهذيب» ج 14 ص 124 الحديث 14، «مستدرك الوسائل» ج 7 ص 281 الحديث 8225، «تفسير العيّاشي» ج 2 ص 64 الحديث 66.

2) . لم أعثر عليه؛ و انظر: «جواهر الكلام» ج 16 ص 12.

المسألة الثالثة في اشتراط المقاتلة
اشارة

و المراد منه: انّه هل تشترط المقاتلة في وجوب الخمس‌؟ أم يجب الخمس في جميع ما يؤخذ من الحربيّين و لو لم يكن بالمقاتلة‌؟.

و ثمرة البحث تظهر - على سبيل المثال - في الغارات، فلو أغار قومٌ من المسلمين على بلدةٍ من بلاد الحربيّين - كبُليدةٍ من بُليدات الصهيونيّين - هل يجب عليهم اعطاء الخمس بما انّه خمسُ دار الحرب‌؟ أم يجب عليهم اعطاؤه بما انّه خمس أرباح المكاسب‌؟.

الظاهر من قولهم: «يجب الخمس في غنائم دارالحرب» اشتراط المقاتلة في أخذ الغنيمة، و قد أُشترطت في بعض روايات الباب أيضاً.

أمّا الفقيه اليزديّ رحمه الله فذهب في عروته إلى عدم اشتراطها(1)و هو المختار. و تدلّ عليه روايتان، أولاهما:

«محمّد بن الحسن بإسناده عن أحمد بن محمّد عن الحسن بن محبوب عن ابن أبي عمير عن حفص بن البختريّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: خذ مال الناصب حيثما وجدته و ادفع إلينا الخمس»(2).

السند صحيح، و فيه حسن بن محبوب و ابن أبي عمير، و هما من أصحاب الإجماع، فلاإشكال فيه.


1) . هذا بالنظر إلى ما يأتي من استواء الحربيّين و النواصب في الحكم، و يدلّ على رأيه رحمه الله قوله: «يجوز أخذ مال النصّاب أينما وجد»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 2. لكنّه رحمه الله قال في مبتدأ الفصل: «الغنائم المأخوذة من الكفّار من أهل الحرب قهراً بالمقاتله معهم...»؛ فتدبّر!.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 487 الحديث 12551، «التهذيب» ج 4 ص 122 الحديث 7؛ و انظر: «مستطرفات السرائر» ص 606، «بحار الأنوار» ج 97 ص 55.

و دلالتها على المطلوب أيضاً ظاهرةٌ‌، و ذلك بالنظر إلى استواء الحربيّين و النواصب في الحكم. فكما يجوز أخذ «مال الناصب حيثما وُجد» من غير أن تشترط المقاتلة في الأخذ، يجوز أخذ مال الحربيّين من غير اشتراطها فيه. فحكمهما في الأخذ سواءٌ‌، كما انّ حكمهما في وجوب إخراج الخمس سواءٌ‌.

و ثانيتهما:

«عليّ بن الحسين المرتضى في رسالة المحكم و المتشابه نقلاً من تفسير النعمانيّ بإسناده الآتي عن عليٍّ عليه السلام قال: و أمّا ما جاء في القرآن من ذكر معايش الخلق و أسبابها فقد أعلمنا - سبحانه - ذلك من خمسة أوجه: وجه الإمارة، و وجه العمارة، و وجه الإجارة، و وجه التجارة، و وجه الصدقات. فأمّا وجه الإمارة فقوله: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ‌»(1)فجُعِل للّه خمس الغنائم. و الخمس يخرج من أربعة وجوه: من الغنائم يصيبها المسلمون من المشركين، و من المعادن، و من الكنوز، و من الغوص»(2).

السند ضعيفٌ‌، لأنّ ما في تفسير النعمانيّ كلّه مراسيل، و قد مضى بعضُ الكلام حول هذا التفسير و أسانيده.

و دلالتها على المطلوب تتمّ بالنظر إلى أنّ قوله عليه السلام: «الغنائم يصيبها المسلمون من المشركين» عامٌّ لايدلّ على كون الإصابة بالمقاتلة، بل يشمل الإصابة بالغارة و السرقة و نحوهما.

و هاتان الروايتان تدلّان على صحّة المختار من عدم اشتراط المقاتلة في أخذ الغنائم و


1) . كريمة 41 الأنفال.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 489 الحديث 12557.

وجوب إخراج الخمس عنها.

نكتةٌ‌

ثمّ بقي علينا أن نشير إلى نكتةٍ شريفةٍ‌، و هي: الظاهر انّ ذكر «المقاتلة» و «المحاربة» في كثيرٍ من روايات الباب و كذلك في كلام كثيرٍ من الفقهاء ليس إلّالأنّ أخذ الغنائم في الأكثر يقع بعد المقاتلة، فهي الفرد الأجلى الشايع فيه. لا لكونها شرطاً في صحّة أخذ الغنيمة و تعلّق الوجوب بإخراج الخمس.

و هذا هو وجه الجمع بين الروايات الناطقة بالمحاربة و المقاتلة و بين الروايات الّتي لاإشارة فيها إليها.

المسألة الرابعة «الغنيمة» تشمل المنقول و غير المنقول

لاخلاف في إطلاق «الغنيمة» على جميع ما يُعدُّ من الأموال المنقولة. و وقع الكلام من بعض الأعلام في صحّة إطلاقها على الأموال غير المنقول - كالأراضي و الدارات و أمثالهما -.

و كذلك لاخلاف في كون ما هواه العسكر من البلاد ملكاً للمسلمين. و وقع الخلاف بالنسبة إلى بلادٍ لم يهوه العسكر، فعلى سبيل المثال لو وقعت محاربةٌ بين المسلمين و بين الحربيّين فسلّط المسلمون على عاصمة مملكة الحربيّين، هل يكون غيرها من بلادهم أيضاً في عداد الغنائم‌؟، أو لاتُطلق الغنيمة إلّاعليها؟.

و الظاهر انّ هذه المسألة لاتحتاج إلى كثير بحثٍ‌، إذ لايفرّق العرف بين المنقول و غير المنقول، كما انّ البلاد التابعة للعاصمة تُعدُّ من الغنائم؛ فخمسها للإمام، و الباقي للمجاهدين. نعم! إنّ هذه المسألة لاتحتاج إلى كثير بحثٍ‌، ففيما ذكرناه كفايةٌ‌.

المسألة الخامسة في حكم البغاة
اشارة

ثمّ انّه وقع الكلام بين الأعلام في حكم البغاة و جواز أخذ أموالهم غنيمةً عنهم أو عدم جواز أخذها؛ و وجوب اخراج الخمس عنها أم عدم وجوبه‌؟.

و نذكر ما يرتبط بالمسألة في نكاتٍ‌.

النكتة الأولى

المراد من الباغي هو المسلم الّذي خرج على الدولة الإسلاميّة محارباً لها قاصداً اضمحلالها، كالخارجين على أميرالمؤمنين عليه السلام في حروب الجمل و النهروان و الصفّين.

النكتة الثانية

لاخلاف في وجوب مقاتلة البغاة و اطفاء نائرتهم، و هذا ممّا لاخلاف فيه. أمّا الكلام كلّه ففي جواز أسرهم و أخذ أموالهم و جَعل نسائهم إماءً و ما يشبهها ممّا يجوز في حقّ الحربيّين. و إن شئت فقل: الكلام كلّه في أنّه هل يستوي أمر البغاة أمر الحربيّين، أم لا استواء في البين‌؟، بل يجب مقاتلتهم و اطفاء نائرتهم من غير أن يجوز أخذ أموالهم غنيمةً كما يجوز في حقّ الحربيّين.

النكتة الثالثة

أمّا الآراء في المسألة فمتشتّتةٌ‌. فذهب المرتضى رحمه الله إلى عدم الجواز، و أفتى بأنْ لاغنيمة في حرب المسلم مع المسلم، و لايجوز أسرهم(1)

و ذهب الشيخ رحمه الله في الخلاف إلى الجواز، و جعله من معاقد الإجماعات ذاهباً إلى أنّه


1) . فانه رحمه الله بعد أن نقل قول جدّه الناصر: «يُغنم ما احتوت عيه عساكر أهل البغي» قال: «هذا غير صحيحٍ‌، لأنّ أهل البغي لايجوز غنيمة أموالهم و قسمتها كما تُقسم أموال أهل الحرب، و لاأعلم خلافاً بين الفقهاء في ذلك»؛ راجع: «المسائل الناصريّات» ص 443 المسألة 206.

لافرق بين الباغيّ و الحربيّ‌؛ فكلّ ما يجوز في محاربة الحربيّين يجوز في محاربة البغاة أيضاً(1).

ثمّ عكس في المبسوط فذهب إلى عدم الجواز(2)تبعاً لأستاذه المرتضى رحمه الله؛

و للحلّيَّين -: المحقّق(3)و العلّامة 0(4)- أيضاً في المسألة أقوالٌ‌؛ فمالا تارةً إلى الجواز، و تارةً إلى عدم الجواز؛

و الشهيدان 0(5)

و قال ثانيهما رحمه الله: «قول الماتن: و يجب في سبعةٍ‌: الأوّل الغنيمة»: «... و من مال البغاة إذا حواها العسكر عند الأكثر و منهم المصنّف في خمس الدروس، و خالفه في الجهاد و في هذا الكتاب»؛ راجع: «شرح اللمعة» ج 2 ص 65، نفس المصدر و المجلّد ص 407؛ و انظر: «مسالك الأفهام» ج 1 ص 458، نفس المصدر ج 3 ص 92.

أيضاً اقتفيا أثر الحلّيَّين 0؛

1) . قال رحمه الله: «ما يحويه عسكر البغاة يجوز أخذه و الانتفاع به و يكون غنيمةً‌... دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم، و قوله - تعالى -: «فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيء إِلَى أَمْرِ اللَّهِ‌»؛ الحجرات:، فأمر بقتالهم و لم يفرق بين أن يقاتلوا بسلاحهم و على دوابهم أو بغير ذلك»؛ راجع: «الخلاف» ج 5 ص 346 المسألة 17.

2) . قال رحمه الله في كتاب قتال أهل البغي: «أنّ الصلح إذا وقع بينهم فلاتبعة على أهل البغي في دمٍ و لامالٍ‌»؛ راجع: «المبسوط» ج 7 ص 262؛ و انظر أيضاً: «النهاية و نكتها» ج 2 ص 12.

3) . هذا؛ و الظاهر انّ للمحقّق قولاً واحداً في المسألة؛ قال: «مسائل. الأوّل: لايجوز سبي ذراري البغاة و لاتملّك نسائهم إجماعاً. الثانية: لايجوز تملّك شيءٍ من أموالهم الّتي لم يحوها العسكر... و هل يؤخذ ما حواه العسكر ممّا ينقل و يحول... قيل: نعم عملاً بسيرة عليٍّ عليه السلام، و هو الأظهر»؛ راجع: «شرائع الإسلام» ج 1 ص 257. و قال في المختصر: لاتؤخذ أموالهم الّتي ليست في العسكر. و هل يؤخذ ما حواه العسكر ممّا ينقل‌؟ فيه قولان، أظهرهما الجواز»؛ راجع: «المختصر النافع» ص 110.

4) . قال رحمه الله بعد أن قال في شأن البغاة: «و هم قسمان»: «و لايُسبى ذراري الفريقين و لانساؤهم و لاتملك أموالهم الغائبة و إن كانت ممّا تنقل و تحول. و في قسمة ما حواه العسكر بين الغانمين قولان، أقربهما المنع»؛ راجع: «قواعد الأحكام» ج 1 ص 522. و قال في المختلف في سرد الأقوال في المسألة: «و قال في النهاية: يجوز للإمام أن يأخذ من أموالهم ما حواه العسكر و يقسم في المقاتلة... و ليس له ما لم يحوه»؛ ثمّ قال رحمه الله: «و الأقرب ما ذهب إليه الشيخ في النهاية»؛ راجع: «مختلف الشيعة» ج 4 ص 451؛ فاذاً له قولان فيما يرجع إلى ما يحوه العسكر. و انظر: «تبصرة المتعلّمين» ص 111.

5) . قال أوّلهما في الدروس بعد أن ذكر القسمين منهم: «و لايجوز سبي نساء الفريقين... و لاتقسم أموالهم الّتي لم يحوها العسكر إجماعاً... و ما حواه العسكر إذا رجعوا إلى طاعة الإمام حرامٌ أيضاً؛ و إن أصرّوا فالأكثر على أنّ قسمته كقسمة الغنيمة، و أنكره المرتضى... و هو الأقرب»؛ راجع: «الدروس» ج 2 ص 42. و قال رحمه الله في اللمعة: «و الأصحّ عدم قسمة أموالهم مطلقاً»؛ راجع: «اللمعة الدمشقيّة» ص 74.

و لصاحب الجواهر رحمه الله قولٌ مجملٌ في المسألة، إذ لم يفصّل الكلام حولها في موسوعته الكبرى، و هو مائلٌ إلى الجواز(1)

و صاحب العروة رحمه الله فصّل بين النواصب و غيرهم، فذهب إلى الجواز بالنسبة إلى النواصب - و هذا ممّا اجمعت الفقهاء عليه -، و عدم الجواز بالنسبة إلى غيرهم(2)

و المختار الجواز، و سنفصّل الكلام حول مستنده.

النكتة الرابعة

ذهب القائلون بالجواز إلى أنّ الأصل في الحرب جواز أخذ الغنائم و الأسارى و الإماء، و هذا هو المستفاد من إطلاق أدلّة الباب؛ و لا فرق فيه بين الحربيّ و الباغيّ‌.

و ذهب القائلون بعدم الجواز إلى أنّ الأصل حرمة مال المسلم و نفسه؛ أمّا حرمة نفسه و دمه فمرفوعةٌ لبغيه، و الأصل يقتضي أن تكون أمواله محترمةً‌، و الكفّ عن الأصل يحتاج إلى دليلٍ‌، و لادليل في البين، فلايجوز قتل الباغي لو هرب من المحرب. و لو قُتل لايجوز أخذ أمواله و هتك نسائه و ما يشبههما ممّا يجوز في محاربة الحربيّين.


1) . راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 13، ج 21 ص 334؛ و انظر: «كتاب الخمس» - للشَّيخ الأعظم رحمه الله - ص 22.

2) . قال رحمه الله: «يجوز أخذ مال النصّاب أينما وجد... و كذا الأحوط إخراج الخمس ممّا حواه العسكر من مال البغاة إذا كانوا من النصّاب و دخلوا في عنوانهم، و إلّافيشكل حلّيّة مالهم»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 2، ج 2 ص 368.

هذا تحرير كلام الفريقين في تقرير الأصل في المسألة.

النكتة الخامسة
اشارة

الظاهر عدم الحاجة إلى إجراء الأصل في المسألة. لأنّ هناك رواياتٌ لها دلالةٌ تامّةٌ على المبنى المختار؛ فمنها:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن إسماعيل بن مَرّارٍ عن يونس عن أبي بكرٍ الخضرميّ قال: سمعت أباعبداللّه عليه السلام يقول: لَسيرة عليٍّ في أهل البصرة كانت خيراً لشيعته ممّا طلعت عليه الشمس!، انّه علم انّ للقوم دولةً فلوسباهم لسبيت شيعته؛

قلت: فأخبرني عن القائم عليه السلام يسير بسيرته‌؟

قال: لا، إنّ عليّاً عليه السلام سار فيهم بالمنّ لما علم من دولتهم، و إنّ القائم يسير فيهم بخلاف تلك السيرة لأنّه لادولة لهم»(1).

السند صحيحٌ‌، و لاإشكال فيه.

و دلالتها على المقصود ظاهرةٌ‌، إذ المستفاد من قوله عليه السلام: «فلو سباهم لسبيت الشيعة» جواز أخذ الغنيمة عنهم، بل جواز أسرهم، لكنّه عليه السلام «علم أنّ للقوم دولةٌ‌» باطلةٌ لاتتحمّلها الشيعة، فيخرجون عليها، فيقابلهم أهل الباطل بما لهم من القوّة و الدولة فيجعلونهم أسارى و يأخذون أموالهم غنيمةً‌، و عليه «لسيرة عليٍّ عليه السلام في أهل البصرة كانت خيراً لشيعته ممّا طلعت عليه الشمس!».

أمّا الحجّة عليه السلام فلايسير فيهم بسيرة جدّه، «لأنّه لا دولة لهم» بعد دولته. و الظاهر تماميّة


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 76 الحديث 20015، «الكافي» ج 5 ص 33 الحديث 4؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 155 الحديث 6، «علل الشرائع» ج 1 ص 149 الحديث 9.

دلالتها على المختار.

الرواية الثانية:

«و بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب عن جعفر بن بشيرٍ و محمّد بن عبداللّه بن هلال عن العلاء بن رزين القلّاء عن محمّد بن مسلم قال: سألت أباجعفر عليه السلام عن القائم إذا قام بأيّ سيرةٍ يسير في الناس‌؟

فقال: بسيرة ما سار به رسول اللّه صلى الله عليه و آله حتّى يظهر الإسلام.

قلت: و ما كانت سيرة رسول اللّه صلى الله عليه و آله‌؟

قال: أبطل ما كان في الجاهليّة و استقبل الناس بالعدل، و كذلك القائم إذا قام يبطل ما كان في الهُدنة ممّا كان في أيدي الناس و يستقبل بهم العدل»(1).

السند صحيحٌ‌، و لا أقلّ من كونه موثّقاً. لأنّ محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب و إن انحرف عن الحقّ حبّاً للمال و آل أمره إلى ما آل إليه - أعاذنا اللّه من سوء الخاتمة -، و لكن لابأس بمرويّاته، و ذلك نظراً إلى أنّ الأصحاب قد رفضوا ابن أبي الخطّاب و أمثاله بعد خروجهم عن الصراط السويّ و ظهور الانحراف فيهم، فكانوا - امتثالاً لأمر الأئمّة عليهم السلام - لايقبلون عنهم روايةً و لايروون عنهم شيئاً.

أمّا الموجود من رواياتهم في مجاميع الأصحاب فكان مأخوذاً منهم زمن استقامتهم على الحقّ و خضوعهم له، فلابأس برواياتهم.

أضف إلى ذلك انّ في السند محمّد بن الحسن الصفّار، و جعفر بن بشير، و قد اتّفقت كلمة


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 77 الحديث 20016، «التهذيب» ج 6 ص 154 الحديث 1؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 52 ص 381.

الأصحاب على أنّهما لايرويان إلّاعن الثقات(1)

أمّا جعفر بن بشيرٍ فهو منهم، و انظر في هذا الشأن و في نقده: «أصول علم الرجال» ص 446، «رجال النجاشي» ص 119 الرقم 304، «معجم رجال الحديث» ج 1 ص 71.

. و كيف كان فلابأس بالسند.

و لايبعد أن يكون المراد انّ الحجّة عليه السلام عند القيام لاعلاء كلمة اللّه - سبحانه و تعالى - لاينهج على منهج أميرالمؤمنين، بل ينهج على منهج الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، فيجعل من يخرج عليه - باغياً كان أو حربيّاً - كالكفّار الّذين حاربوا النبيّ‌، و كان صلى الله عليه و آله يقتلهم و يأخذ أموالهم و يجعل نسائهم أسارى، و كذلك الحجّة عليه السلام، فلافرق في سيرته - الّتي لاخلاف في حجّيّته - بين الحربيّ و بين الباغي.

الرواية الثالثة

«و عنه عن محمّد بن عبدالجبّار عن ابن فضّال عن ثعلبة بن ميمون عن الحسن بن هارون بيّاع الأنماط قال: كنت عند أبي عبداللّه عليه السلام جالساً فسأله معلّي بن خنيس: أ يسير الإمام بخلاف سيرة عليٍّ عليه السلام‌؟ قال: نعم! و ذلك انّ عليّاً عليه السلام سار بالمنّ و الكفّ لأنّه علم أنّ شيعته سيُظهَر عيلهم، و انّ القائم عليه السلام إذا قام سار فيهم بالسيف و السبي لأنّه يعلم انّ شيعته لن يظهر عليهم من بعده أبداً»(2).

السند لاإشكال فيه. و ابن فضّال - و هو من أصحاب الإجماع - قد وثّقه القوم، و نحن


1) . أمّا محمّد بن الحسن الصفّار فهو مع جلالة شأنه ليس من المعدودين فيمن لم يرو إلّاعن ثقةٍ‌؛ فانظر «معجم رجال الحديث» ج 15 ص 208 الرقم 10464، «تنقيح المقال» ج 3 ص 103 الرقم 10551.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 77 الحديث 20017، «التهذيب» ج 6 ص 154 الحديث 2؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 33 ص 443.

نذهب إلى تصحيحه، و تفصيل الكلام فيه موكولٌ إلى علم الرجال.

و تقرير دلالتها على المقصود نفس التقرير الّذي قد مضى في التعليق على الرواية الأولى؛ فلانعيده حذراً عن التطويل.

فتحصّل ممّا قلنا جميعاً أن لافرق بين الباغي و بين الحربيّ‌، فكلّ ما يجوز في محاربة الحربيّين جائزٌ في محاربة البغاة أيضاً. و الحمد للّه ربّ العالمين.


المبحث الثاني في المَعدِن

اشارة

و فيه أيضاً مسائل.

المسألة الاؤلى في المراد من المَعدِن

الظاهر انّ المراد من «المعدن» المنخرط في ما يجب فيه الخمسُ‌: ما يستخرج من المعدن، لانفسه؛ إذ لايُعقل أن يتعلّق الخمس بالجبل الّذي فيه يوجد المعدن، بل يتعلّق بما يُستخرج منه.

و الّذي ورد في رواياتنا هو الأوّل، و في قليلٍ من عبارات الفقهاء أيضاً، و أكثر الفقهاء على التعبير منه بالثاني؛ و هو أولى من الأوّل. و الأمر فيه سهلٌ‌، إذ للمجاز بابٌ واسعٌ‌. و من علائقه علاقة الحالّ و المحلّ‌، فتارةً يُطلق الحالّ و يُراد به المحلّ‌، و تارةً أخرى يُطلق المحلّ و يُراد به الحالّ‌؛ و هذا واضحٌ لمن تدبّر في أساليب البيان عند العرب. و قد فصّل الأدباءُ الكلام حوله في دواوينهم(1).

و ما نحن فيه من موارد تسمية الحالّ باسم المحلّ‌، أي: أشاروا إلى المعدن، و أرادوا به الحالّ فيه، و هو الّذي يستخرج منه؛ و هذا كلّه واضحٌ لايحتاج الي مزيد بيانٍ‌.

المسألة الثانية في تعلّق الخمس به
اشارة

لاخلاف في تعلّق الخمس به و إن اختلفت الأقوال في وجوب بلوغه إلى نصابٍ معيّنٍ‌


1) . فانظر على سبيل المثال: «المطوّل» ص 575.

حتّى يتعلّق به الخمس أم لا، و سنبحث عنه في المسألة الخامسة.

و تدلّ على أصل تعلّق الخمس به جملةٌ من الروايات. منها:

الرواية الأولى

«محمّد بن الحسن باسناده عن عليّ بن مهزيار عن فضالة و ابن أبي عمير عن جميل عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن معادن الذهب و الفضة و الصُّفْر و الحديد و الرَّصاص‌؟

فقال: عليها الخمس جميعاً»(1).

أمّا السند فصحيحٌ‌، بل هو من عوالي الأسناد؛ لمكان ابن أبي عمير و جميل و محمّد بن مسلم المنخرطين في أصحاب الإجماع(2).

و دلالتها على وجوب إخراج الخمس عن المعادن تامّةٌ‌. و الظاهر من قول السائل:

«سألته عن معادن الذهب...»: سألته عمّا يُستخرج من معادن الذهب...؛ و مضى تفصيل الكلام فيه.

الرواية الثانية

«و عنه عن ابن أبي عمير عن حمّاد عن الحلبيّ في حديثٍ قال: سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الكنز كم فيه‌؟ قال: الخمس؛ و عن المعادن كم فيها؟ قال:

الخمس؛ و عن الرصاص و الصفر و الحديد و ما كان بالمعادن كم فيها؟ قال:


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 491 الحديث 12561، «التهذيب» ج 4 ص 121 الحديث 2.

2) . فانظر لهم - على حسب ما ورد في المتن -: «رجال الكشّي» ج 2 ص 830؛ نفس المصدر و المجلّد ص 673؛ أيضاً ص 507.

يؤخذ منها كما يؤخذ من معادن الذهب و الفضة»(1).

السند صحيحٌ‌، و دلالتها واضحةٌ‌؛ فلانطيل الكلام في كيفيّتها حذراً من التطويل.

الرواية الثالثة

«و بإسناده عن أحمد بن محمّدٍ عن الحسن بن محبوب عن أبي أيّوب عن محمّد بن مسلم قال: سألت أباجعفر عليه السلام عن الملّاحة فقال: و ما الملّاحة‌؟ فقال: أرضٌ سبخةٌ مالحةٌ يجتمع فيها الماء فيصير ملحاً؛ فقال: هذا المعدن، فيه الخمس»(2).

لا كلام في سندها، و كذلك في تماميّة دلالتها.

الرواية الرابعة

«و بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب عن العبّاس بن معروف عن حمّاد بن عيسى عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن المعادن ما فيها؟

فقال: كلّ ما كان ركازاً ففيه الخمس. و قال: ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج اللّه - سبحانه - منه من حجارته مصفَّى الخمس»(3).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 492 الحديث 12562؛ و انظر: «الكافي» ج 1 ص 546 الحديث 19، «الفقيه» ج 2 ص 40 الحديث 1645، «التهذيب» ج 4 ص 121 الحديث 3.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 492 الحديث 12564؛ و انظر: «الفقيه» ج 2 ص 41 الحديث 1648، «التهذيب» ج 4 ص 122 الحديث 6.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 492 الحديث 12563؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 122 الحديث 4.

السند أيضاً صحيحٌ‌، بل هو من عوالي الأسناد؛ لمكان حمّاد بن عيسى و حريز و زرارة، إذ كلّهم من أصحاب الإجماع.

و هي تدلّ على وجوب إخراج الخمس بعد كسر المؤونة. و سننعقد للبحث عن وجوب اخراجه بعد المؤونة أو قبلها مسألةً‌، و سنفصّل الكلام حوله فيها.

الرواية الخامسة

«و بإسناده عن سعدٍ عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب عن أحمد بن محمّد بن أبي نصرٍ عن محمّد بن عليّ بن أبي عبداللّه عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عمّا يخرج من البحر من اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد و عن معدن الذهب و الفضّة هل فيها زكاةٌ؟

فقال: إذا بلغ قيمته ديناراً ففيه الخمس»(1).

السند عندنا صحيحٌ‌، و مضى الكلام في محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب و ما يتعلّق به من الجرح و التعديل آنفاً.

و لايذهب عليك إنّ قوله: «سألته عمّا يخرج من البحر... و عن معدن...» يدلّ على أن ليس المراد من المعدن ما يُستخرج من المعدن، فيدلّ على خلاف ما بيّناه في المسألة الأولى من المبحث الحاضر، إذ لايُعقل السؤال عن تعلّق الخمس بالبحر و لو بالمجاز، لخفاء القرينة فيه؛ و امكان السؤال عن تعلّق الخمس بالمعدن و إرادة تعلّقه بما يستخرج منه، لوضوح أنّ السائل أراد بالمحلّ الحالّ فيه. فلاتخالف بينه و بين المختار.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 494 الحديث 12565، «التهذيب» ج 4 ص 124 الحديث 13؛ و انظر: «الكافي» ج 1 ص 547 الحديث 21، «الفقيه» ج 2 ص 39 الحديث 1644.

الرواية السادسة

«محمّد بن عليّ بن الحسين في الخصال عن أبيه عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن عمّار بن مروان قال: سمعت أباعبداللّه عليه السلام يقول: فيما يُخرج من المعادن و البحر و الغنيمة و الحلال المختلط بالحرام إذا لم يُعرف صاحبه و الكنوز الخمس»(1).

السند صحيحٌ‌، و لايخفى ما للحسن بن محبوب من جلالة الشأن و رفعة المقام(2).

و دلالتها على المطلوب أيضاً واضحةٌ‌. و هيهنا نكتةٌ‌، و هي:

إنّ مورد السؤال في هذا الحديث هو «ما يخرج من المعادن»، و في الأحاديث المتقدّمة عليه نفس المعدن، و ليس المذكور في هذا الحديث قيداً لما تقدّم عليه ليجب الخمس في المعدن مرّةً و في ما يُخرج منه مرّةً أخرى، اذ لم يتفوّه أحدٌ بتعلّق الخمس بالمعدن مرّتين؛ بل جرى الكلام فيما سبق على المجاز، و في ما نحن فيه على الحقيقة، فلاتضادّ بينهما ليُرتَفَعَ بكون الثاني قيداً لما تقدّم عليه.

الرواية السابعة

«و عن أحمد بن زياد بن جعفرٍ الهمدانيّ عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن غير واحدٍ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: الخمس على خمسة أشياء، على: الكنوز و المعادن و الغوص و الغنيمة؛ و نسي ابن عميرٍ الخامس»(3).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 494 الحديث 12566، «الخصال» ج 1 ص 290 الحديث 51.

2) . حيث عدّه بعضهم من أصحاب الإجماع؛ راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 830.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 494 الحديث 12567، «الخصال» ج 1 ص 291 الحديث 53؛ و انظر: «مستدرك الوسائل» ج 7 ص 282 الحديث 8227، «بحار الأنوار» ج 93 ص 189.

السند صحيحٌ‌، و لا اشكال فيه. و هيهنا نكتةٌ‌، و هى: إنّ أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّ يُعدُّ من مشايخ الصدوق، و قد وثّقه القوم(1). هذا؛ و لكن في الطبعة الأولى المحقّقة من الوسائل ورد في سند الحديث: «أحمد بن زياد عن جعفر الهمدانيّ‌»(2)، فغفل بعض الأعلام عن الخطأ الواقعة في هذه الطبعة، فحكم بضعف السند لمكان جعفر الهمدانيّ‌، حيث لم يُذكر هذا العنوان في دواوين الرجاليّين. و الصحيح ما أثبتناه من أنّ الراوي هو أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّ‌؛ فلاإشكال فيه.

و دلالتها أيضاً لاتحتاج إلى بيانٍ‌. فتحصّل ممّا قلنا جميعاً أنّ ثبوت الخمس في المعدن ممّا لا شكّ فيه و لاشبهة تعتريه، و ذلك لتماميّة دلالة روايات الباب عليه.

المسألة الثالثة جواز التصرّف فيما يُعدّ من الأنفال
اشارة

مضى في المسألة الثانية الكلام في أنّ المعدن ممّا يجب فيه الخمس، و الظاهر من روايات المسألة جواز استحصال المعدن و وجوب إخراجه منه. و المسألة الثالثة قد انعقدناه للتحقيق حول مشكلةٍ فقهيّة، و هي:


1) . و قال الصدوق رحمه الله فيه: «و كان رجلاً ثقةً ديّناً فاضلاً، رحمة اللّه عليه و رضوانه»؛ راجع: «إكمال الدين» ج 2 ص 369؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 2 ص 120 الرقم 580، «منتهى المقال» ج 1 ص 266 الرقم 152، «نقد الرجال» ج 1 ص 125 الرقم 235، «منهج المقال» ج 2 ص 82 الرقم 256.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» - طبعة الإسلاميّة - ج 6 ص 344 الحديث 12570.

الظاهر انّ المعدن يُعدُّ من الأنفال، و تدلّ عليه جملةٌ من الروايات - و سنبحث عنها و عن مدى دلالتها على كونه منها -؛ و لاكلام في عدم تسلّط أحدٍ على الأنفال، بل الأنفال تُعدُّ من ميزانيّات الدولة و الحكم، فهي متعلّقةٌ به؛ فلايجوز استحصال المعدن لأنّه من الأنفال؛ بينما انّ الظاهر ممّا مضى في المسألة الثانية جواز استحصاله، فما هو العلاج و التدبير للخروج عن عهدة هذه المشكلة و الإجابة عنها؟.

نقول: المسألة الثالثة هى المتكفّلة للتحقيق حول هذه المشكلة. و لنقدّم الروايات الدالّة على كون المعدن من الأنفال، ثمّ نأتي بوجه الجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات.

الرواية الأولى

«عليّ بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن فضالة بن أيّوب عن أبان بن عثمان عن اسحاق بن عمّار قال: سألت أباعبداللّه عليه السلام عن الأنفال‌؟ فقال:

هي القرى الّتي قد خربت و انجلى أهلها فهي للّه و للرسول، و ماكان للملوك فهو للإمام، و ماكان من الأرض الخربة لم يوجف عليه بخيلٍ و لاركابٍ‌، و كلّ أرضٍ لاربّ لها و المعادن منها، و من مات و ليس له مولىً فماله من الأنفال»(1).

أمّا السند فصحيحٌ‌، أو مصحّحةٌ‌، على المختار؛ أو موثّقٌ على المشهور من كون اسحاق بن عمّار - مع جلالة شأنه - من الفطحيّين(2)، و قد مضى تفصيل الكلام في صحّة انتسابه إليهم. و


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 531 الحديث 12644، «تفسير القمّي» ج 1 ص 254.

2) . قال الشَّيخ رحمه الله: «إسحاق بن عمّار الساباطيّ‌، له أصلٌ و كان فطحيّاً، إلّاانّه ثقةٌ و أصله معتمدٌ عليه»؛ راجع: «الفهرست» ص 39 الرقم 52؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 3 ص 52 الرقم 1157-1160.

قد وقع في السند قبله أبان بن عثمان، و هو من أصحاب الإجماع(1)، فلا أقلّ من كون السند موثّقاً.

و تتمّ دلالة الرواية على المطلوب بالنظر إلى قوله عليه السلام: «و المعدن منها»، و الضمير يرجع إلى الأنفال؛ هذا هو الظاهر من السياق.

و ذهب بعضهم إلى أنّ الضمير يرجع إلى «الأرض» في قوله عليه السلام: «و كلّ أرضٍ لاربّ لها»، فكلّ معدنٍ وقع في الموات من الأراضي يُحكم بكونه من الأنفال.

و هذا التوجيه - مع بُعده - لا فائدة فيه، إذ المعادن في الأكثر توجد في الجبال و سفحها و الصحاري، لا في بيوت الناس و حقولهم و مزرعاتهم. بل لايبعد الذهاب إلى أنّ المعدن الّذي يوجد في حقلٍ و مزرعةٍ أيضاً يُعدّ من الأنفال، لعدم شمول قوله عليه السلام: «من أحيا أرضاً مواتاً فهي له»(2)للمعادن الواقعة فيها، بل هو يبيّن حكم نفس الأرض، لا ما فيها من المعادن المتعلّقة بعامّة المسلمين.

و لو تماشينا مع هذا القائل فلاأقلّ من كون المعادن الّتي وقعت في الموات من الأراضي من جملة الأنفال.

الرواية الثانية

«و عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: لنا الأنفال. قلت: و ما الأنفال‌؟ قال: منها المعادن و الآجام، و كلّ أرضٍ لاربّ لها، و كلّ أرضٍ باد أهلها فهو لنا»(3).


1) . راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 673.

2) . راجع: «التهذيب» ج 7 ص 152 الحديث 22، «وسائل الشيعة» ج 25 ص 412 الحديث 32240، «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 111 الحديث 20902.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 533 الحديث 12652، «تفسير العيّاشي» ج 2 ص 48 الحديث 11؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 93 ص 210.

أمّا السند فضعيفٌ‌، فلايمكن الركون إليه، لأنّ الحديث من مرويّات العيّاشي، و مرويّاته كلّها مرسلةٌ - و قد أومأنا إلى لمّيّته -. و لم توجد اليوم نسخةٌ من تفسيره - و لايبعد من رحمة اللّه أن يوجد الكتاب يوماً ليكون ذخراً للمفسّرين و قرّة عينٍ للفقهاء -، فلايمكن الاعتماد حاليّاً على مرويّاته.

و لقوله عليه السلام: «منها المعادن» دلالةٌ تامّةٌ على كونه منها. و المراد من «الآجام» في الحديث الحَرْج و الحرش، لاالقصباء و الأباءة - كما تخيّله بعضهم -؛ و الأوّل يشمل الثاني.

الرواية الثالثة

«و عن داود بن فرقد عن أبي عبداللّه عليه السلام في حديثٍ قال: قلت: و ما الأنفال‌؟ قال: بطون الأودية و رؤوس الجبال و الآجام و المعادن»(1).

السند لابأس به.

و لا فرق بين أن تكون المعادن في رؤوس الجبال، أو في الأراضي، إذ الحكم الأوّلي فيها كونها من الأنفال، فلافرق في أن تقع هنا، أو هناك.

المسألة الرابعة في الجمع بين روايات الباب
اشارة

مضى الكلام في المسألة الثانية حول رواياتٍ تدلّ على أنّ المعدن لايُعدُّ من الأنفال؛ و في المسألة الثالثة حول رواياتٍ تدلّ على أنّه منها. و بينهما تهافتٌ ظاهرٌ؛ إذ الطائفة الأولى


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 543 الحديث 12656، «تفسير العيّاشي» ج 2 ص 49 الحديث 2؛ و انظر: «الكافي» ج 1 ص 538، «بحار الأنوار» ج 93 ص 212.

تحكم بجواز استحصاله، بينما انّ مقتضى الطائفة الثانية عدم جوازه.

و وجه العلاج - على ما يختلج بالبال - في الجمع بين الطائفتين أن يُقال: الحكم الأوّلي كون المعادن من الأنفال، فهي ممّا يتعلّق بالدولة الإسلاميّة، ثمّ للناس أن يتصرّفوا فيما يُستخرج من المعادن؛ و عليهم أن يعطوا خمسه. و هذا عقدٌ بين الدولة و بين الناس على نحو الجعالة، أو الإجارة، و الأوّل أشبه بالمقام.

و إن شئت تفصيل الكلام في وجه الجمع نقول: مقتضى الروايات الدالّة على كون المعادن من الأنفال أن ليس للناس أن يتصرّفوا فيها، لأنّها متعلّقةٌ بالدولة الإسلاميّة، و مقتضى الطائفة الأولى من الروايات جواز استحصالها للناس؛ فيُجمع بينهما بأنّ الأصل كونها منه، فلايحقّ لأحدٍ أن يستخرجها. و لكن هناك عقدٌ بين الدولة من ناحيةٍ و بين الناس من ناحيةٍ أخرى على نحو الجعالة، و عليه يمكن لهم أن يتصرّفوا فيها أوّلاً ثمّ يُؤدّوا خمسها إلى الدولة الإسلاميّة ثانياً. فلاتهافت بين هاتين الطائفتين من الروايات.

نكتةٌ‌

و على ما قلنا ظهر انّه يحقّ للدولة الإسلاميّة أن تحكم بعدم جواز التصرّف في المعادن و تمنع الناس عن استحصالها، لأنّ أمرها مفوّضٌ إليها، فهي تختار لها ما هو الأحسن و أليق بحالها، و هذا كلّه ظاهرٌ.

المسألة الخامسة هل بلوغ النصاب شرطٌ في تعلّق الخمس بالمعدن

هل يشترط في تعلّق وجوب الخمس بالمعدن أن يبلغ حدّاً خاصّاً يُقال له النصابُ؟ أو يجب إخراج الخمس ممّا يستخرج منه قليلاً كان أو خطيراً؟.

المتقدّمون على عدم اشتراط بلوغه إلى نصابٍ معيّنٍ‌(1)، و الظاهر عدم الخلاف بينهم في هذا القول إلّاما يظهر من ابن حمزة في الوسيلة(2)و الشيخ 0 في المبسوط(3)، و هو أحد قوليه في المسألة. و له قولٌ آخرٌ فيها أودعه في الخلاف(4)، و ادّعى فيه انعقاد اجماع الأصحاب على الاشتراط. هذا رأي المتقدّمين في المسألة.

أمّا المتأخّرون فأكثرهم على اشتراط بلوغه إلى عشرين ديناراً ليتعلّق به الخمس(5)، فلاخمس عندهم في المعدن إلّاإذا بلغ ثمن ما يستخرج منه عشرين ديناراً. هذا هو رأى صاحب العروة رحمه الله في المسألة أيضاً(6)، و تبعه كثيرٌ من محشّيه(7).

و القائلون بالاشتراط تمسّكوا بحديثٍ صحيح السند ظاهر الدلالة؛ و نصّه:

«محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار عن يعقوب بن يزيد


1) . فانظر: «المقنعة» ص 283، «الغنية» - الجوامع الفقهيّة - ص 569، «المسائل الموصليّات الثالثة» - رسائل المرتضى، ج 1 - ص 227، «المراسم العلويّة» ص 139.

2) . قال رحمه الله: «يُعتبر في المعادن و الكنوز قدر النصاب الّذي تجب فيه الزكاة»؛ راجع: «الوسيلة» ص 138.

3) . قال رحمه الله: «و جميع ما ذكرنا يجب فيه الخمس قليلاً كان أو كثيراً إلّاالكنوز و معادن الذهب و الفضّة، فإنّه لايجب فيها الخمس إلّاإذا بلغت إلى القدر الّذي يجب فيه الزكاة»؛ راجع: «المبسوط» ج 1 ص 237؛ و انظر أيضاً: «النهاية» ص 197.

4) . قال رحمه الله: «قد بيّنّا انّ المعادن فيه الخمس و لايراعى فيها النصاب، دليلنا إجماع الفرقة»؛ راجع: «الخلاف» ج 2 ص 119 المسألة 142.

5) . كما عن السيّد الطباطيائيّ رحمه الله: «و عمل به... المتأخّرون قاطبةً‌»؛ راجع: «رياض المسائل» ج 5 ص 241. و عن الشهيد رحمه الله: «و الأكثر لم يعتبروا نصاباً»؛ راجع: الدروس» ج 1 ص 260. و عن ثاني الشهيدين رحمه الله: «و هو ظاهر الأكثر»؛ راجع: «شرح اللمعة» ج 2 ص 70؛ و انظر: «جواهر الكلام» ج 16 ص 14.

6) . قال رحمه الله: «و يشترط في وجوب الخمس في المعدن بلوغ ما أخرجه عشرين ديناراً»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 مقدّمة مبحث المعادن، ج 2 ص 370.

7) . فانظر: نفس المصدر.

عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سألت أباالحسن عليه السلام عمّا أخرج المعدن من قليلٍ أو كثيرٍ، هل فيه شيءٌ؟ قال: ليس فيه شيءٌ حتّى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين ديناراً»(1).

السند صحيحٌ‌، بل هو من عوالي الأسناد؛ و أحمد بن محمّد هو البزنطيّ‌، و لاخلاف في صحّة مرويّاته(2).

و دلالته أيضاً تامّةٌ لاتحتاج إلى بيانٍ‌.

و المختار رأي المتقدّمين، و عدم اشتراط بلوغه إلى حدّ النصاب لوجوب الخمس، لأنّ الرواية هذه كانت بمرأىً من الأصحاب و منظرهم، و لكن أعرضوا عنها و ذهبوا إلى خلاف مقتضاها، فهي معرضٌ عنها عند الأصحاب، فلايجوز التمسّك بها.

و زيادةً على ذلك يمكن الذهاب إلى أنّ الظاهر من إعراضهم انّه كانت بأيديهم رواياتٌ دالّةٌ على عدم الاشتراط، فذهبوا إليها و كفّوا أيديهم عن التمسّك بهذه الرواية التامّة السند و الظاهرة الدلالة. و من المقرَّر بين القوم انّ الرّواية المعرض عنها كلّما زاد في صحّتها زاد في سقمها. و على أيٍّ فاعراض الأصحاب عنها يكفي لعدم جواز المسير إليها.

المسألة السادسة هل يجب الفحص عند الشكّ في بلوغه حدّ النصاب‌؟
اشارة

مضى منّا الكلام في أنّ تعلّق الخمس بما يستخرج من المعدن لايحتاج إلى البلوغ إلى نصابٍ معيّنٍ‌. هذا هو المختار في المسألة.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 494 الحديث 12568، «التهذيب» ج 4 ص 138 الحديث 13، «عوالي اللآلىء» ج 3 ص 128 الحديث 9.

2) . لكونه معدوداً في أصحاب الإجماع؛ راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 830.

أمّا على مبنى القائلين بوجوب البلوغ إلى النصاب لايجب اخراجه عمّا يستخرج من المعدن إلّابعد بلوغه إلى حدّه، و عليه فتصل النوبة إلى مسألةٍ يحقّ لنا أن ننظر فيها ليتبيّن ما هو الحقّ فيها عند القائلين به؛ و هي:

لو استحصل أحدٌ معدناً، ثمّ شكّ في بلوغ المستحصَل إلى حدّ النصاب، هل يجب عليه الفحص ليعلم أنّ وجوب إخراج الخمس تنجّز عليه‌؟، أو لايجب عليه الفحص‌؟؛ بل متى تيقّن ببلوغه إلى النصاب يتنجّز الخمس، و حينئذٍ يجب عليه إخراجه‌؟.

و نأتي بتفصيل الكلام حول ما يتعلّق بالمسألة من خلال نكتتين:

النكتة الأولى

المشهور بين الأصحاب عدم وجوب الفحص؛ و ذهب صاحب الجواهر رحمه الله إلى وجوبه، و نسب القول بالوجوب إلى المشهور من الأصحاب(1). و سنبحث عن مدى صحّة هذه النسبة.

النكتة الثانية

إنّ هذه المسألة ترجع إلى مسألةٍ أصوليّةٍ هامّة، و هي وجوب الفحص في الشبهات الحكميّة و الشبهات الموضوعيّة أو عدم وجوبها.

أمّا الشبهات الحكميّة فلاريب في وجوب الفحص فيها، كما عليه جميع المتأخّرين(2)، فلايجوز لمن تردّد في وجوب صلاة الجمعة أو عدم وجوبها اجراءُ أصل البراءة و التمسّك بها. هذا هو مقتضى استفراغ الوسع في المسألة، فعلى الفقيه الفحص عن الأدلّة أوّلاً، ثمّ الرجوع إلى كلمات الأعلام ثانياً، ثمّ اجراء الأصل في المسألة ثالثاً لومست الحاجة إليه.

هذا كلّه في


1) . لم أعثر عليه؛ و انظر: «جواهر الكلام» ج 16 ص 21.

2) . فانظر على سبيل المثال: «مقالات الأصول» ج 2 ص 287، «مجمع الأفكار» ج 3 ص 641، «مباحث الأصول» ج 4 ص 456، «أنوار الهداية» ج 2 ص 421؛ و الظاهر انّ المحقّق الآشتيانيّ رحمه الله خالفهم في ذلك؛ انظر: «بحر الفوائد» ج 2 ص 216.

الشبهة الحكميّة.

أمّا في الشبهات الموضوعيّة، فالمشهور أيضاً على الوجوب، و في لمّيّته مناهج متشتّتةٍ للأعلام(1). و المختار - كما فصّلنا الكلام حوله في مباحثنا في علم الأصول -: انّ اجراء الأصل يحتاج إلى الشكّ المستقرّ، و لايستقرّ الشكّ إلّابعد الفحص البالغ، فلو لم يتفحّص الفقيه لايكون شكّه شكّاً مستقرّاً، بل يوصف شكّه بالتذبذب في الأمر، و من لم يكن شاكّاً - أي: ذاشكٍّ مستقرٍّ - لايحقّ له اجراء الأصل، فقبل اجرائه يُحتاج إلى الفحص التامّ‌.

و هيهنا مشكلةٌ أصوليّةٌ‌، و هي: إنّ سيرة العقلاء تحكم بوجوب الفحص في الشبهات الحكميّة، بينما انّ السيرة لاتحكم به في الشبهات الموضوعيّة، بل تحكم بعدم وجوبه.

فعلى سبيل المثال انّ السيرة جرت على اجراء قاعدة اليد عند الشكّ في كون المبيع ملكاً للبائع، فالعقلاء يجرون القاعدة من غير أن يتفحّصوا عن كونه ملكاً له؛ و كذلك في أصالة الصحّة و أصالة الطهارة و غيرهما من الأصول.

ثمّ انّ صاحب الجواهر رحمه الله ذهب إلى وجوب الفحص معلّلاً بأنّ عدم وجوبه يؤدّي إلى تعطيل كثيرٍ من الأحكام، فعلى الشاكّ في أنّ الحنطة قد بلغت حدّ النصاب أم لا؟ أن يتفحّص حتّى يعلم أنّها هل بلغت إليه، أم لا؛ فيجب عليه إخراج الخمس منها؟ أم لا؟.

هذا؛ و لكن قلنا انّ سيرة العقلاء جرت على عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعيّة، و هذا مقتضى كون الإسلام شريعةً سمحةً سهلةً أيضاً؛ و بعبارةٍ أخرى: انّ الأمر يدور بين الأهمّ و بين المهمّ‌؛

أمّا الأهمّ فهو كون الناس في السهولة و الدعة؛

أمّا المهم فجريان الأحكام على ما هي عليها، و لا خلاف في تقدّم الأهمّ على المهمّ‌؛ فلايجب الفحص في الشبهة الموضوعيّة نظراً إلى هذه القاعدة، و إلى سيرة العقلاء أيضاً.

و


1) . و انظر في ذلك: «تحريراتٌ في الأصول» ج 5 ص 274.

هذه السيرة كانت بمرأىً من المعصوم و منظرٍ منه، فهي حجّةٌ في المقام. و لايمكن ردع السيرة و الكفّ عنها.

و كيف كان فتفصيل الكلام فيها موكولٌ إلى محلّه من علم الأصول؛ و فيما ذكرناه كفايةٌ‌.

المسألة السابعة فيما لو دارت سنةٌ على منافع المعدن
اشارة

مضى الكلام في أنّ التصرّف في المعدن يوجب وجوب الخمس على المتصرِّف، و هذا ممّا لاكلام فيه. ثمّ لو مضت سنةٌ على ما استفاده منه هل يجب عليه خمسٌ آخر من باب وجوب الخمس على أرباح المكاسب‌؟ أم يكفي فيه ما أعطاه أوّلاً؟.

الظاهر الأوّل، كمن استجار حديقةً على أن يعطي المالك ثلث الفواكه المستحصلة من تلك الحديقة. فلومضت السنة على الثلثين الباقيين يتعلّق بهما الخمس من غير خلافٍ‌. و ما نحن فيه من هذا القبيل أيضاً، إذ أشرنا إلى أنّ المعادن تُعدُّ من الأنفال، فهي للدولة الإسلاميّة، ثمّ وقعت الجعالة بين الدولة و بين المستحصِل على أن يعطي خمسها إليها. ثمّ لومضت السنة على ما استحصله منها يجب عليه خمسُ أرباح المكاسب، فهيهنا سببان لاخراج الخمس، و لا تداخل بينهما، فيجب على المستحصل لو اجتمع فيه الشرطان أن يعطى خمسين.

و تعرّض الشيخ الأعظم رحمه الله للمسألة في كتاب الخمس، و ذهب إلى كفاية خمسٍ واحدٍ و عدم وجوب الثاني(1)و تبعه في ذلك الرأي صاحب العروة الوثقى رحمه الله(2).


1) . راجع: «كتاب الخمس» - له رحمه الله - ص 277.

2) . حيث ذهب رحمه الله إلى أنّ «الأقوى عدم الخمس فيها من حيث المعدنيّة، بل هي داخلةٌ في أرباح المكاسب فيعتبر فيها الزيادة عن مؤونة السنة... و يجب خمسه إذا زادت عن مؤونة السنة»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 مقدّمة مبحث المعادن، ج 2 ص 369.

و استدلّ الشيخ على ما اختاره بأنّ الأدلّة مطلقةٌ‌، و لم ترد فيها إشارةٌ إلى تكرار الخمس(1).

و يرد عليه أوّلاً: أنّه لااطلاق للأدلّة التي صدرت لبيان تشريع أصل الحكم، فلايمكن استفادة الإطلاق منها(2)و الشيخ رحمه الله قرّر على هذه القاعدة مراراً، فذهابه إلى خلاف مقتضاها عجيبٌ جدّاً!؛

و ثانياً: إنّ قوله هذا يرجع إلى مفهوم اللقب، و لامفهوم للّقب، إذ لايمكن استفادة عدم وجوب إكرام عمروٍ من قول المولى: أكرم زيداً.

أمّا المختار فهو مبنيٌّ على ما يُستفاد من طائفتين من أدلّة الباب: الطائفة الدالّة على تعلّق الخمس بالمعدن نفسه، و الطائفة الدالّة على وجوب اخراج الخمس عن جميع الفوائد الحاصلة للناس، و منها المعدن. فيجب فيه خمسٌ من تلك الناحية أوّلاً، ثمّ يجب فيه خمسٌ آخر من هذه الناحية.

و هيهنا نشير إلى ثلاثٍ من روايات الباب:

الرواية الأولى

«محمّد بن الحسن باسناده عن عليّ بن مهزيار عن فضالة و ابن أبي عمير عن جميل عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن معادن الذهب و الفضة و الصُّفْر و الحديد و الرَّصاص‌؟


1) . قال رحمه الله: «مضافاً إلى ظهور أخبار ثبوت الخمس... في عدم وجوب أزيد من ذلك فيها»؛ راجع: «كتاب الخمس» - له - ص 227.

2) . و من اللافت للنظر قول الشيخ رحمه الله هيهنا حيث قال: «مع كونها في مقام البيان... و لاتجدي هنا دعوى كون الإطلاق في مقام بيان حكم العنوانات الخاصّة، لأنّ المقام في كثيرٍ منها مقام بيان جميع ما يجب في ذلك العنوان من كلّ حيثيّةٍ‌»؛ راجع: نفس المصدر.

فقال: عليها الخمس جميعاً»(1).

أمّا السند فصحيحٌ‌، و لا اشكال فيه. و دلالتها واضحةٌ‌.

الرواية الثانية

«محمّد بن الحسن بإسناده عن سعد بن عبداللّه عن أبي جعفر عن عليّ بن مهزيار عن محمّد بن الحسن الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفرٍ الثاني عليه السلام: أخبرني عن الخمس أ على جميع ما يستفيد الرجل من قليلٍ و كثيرٍ من جميع الضروب و على الصُنَّاع و كيف ذلك‌؟

فكتب بخطّه: الخمس بعد المؤونة»(2).

لاكلام في السند، و لا في دلالتها على المراد منها.

الرواية الثالثة

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن الحسين بن عثمان عن سماعة قال: سألت أباالحسن عليه السلام عن الخمس‌؟ فقال: في كلّ ما أفاد الناس من قليلٍ أو كثيرٍ»(3).

لاكلام في سندها أيضاً، و لا في دلالتها، لتماميّة ظهورها فيه.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 491 الحديث 12561، «التهذيب» ج 4 ص 121 الحديث 2.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 499 الحديث 12579، «الإستبصار» ج 2 ص 55 الحديث 3، «التهذيب» ج 4 ص 123 الحديث 9.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 503 الحديث 12584، «الكافي» ج 1 ص 545 الحديث 11.

و الظاهر من الثلاثة وجوب إخراج الخمس عمّا يُستحصل من المعدن مرّتين لومضت عليه سنةٌ كاملةٌ‌، و إلّافيكفي للمستحصِل أن يعطي خمساً فقط.

إن قلت: المفهوم المستفاد من كلّ واحدٍ من الثلاثة يخالف منطوق الآخر؟؛

قلت: لاضير، إذ لاخلاف في تقدّم المنطوق على المفهوم، فنرفع اليد عن المفهوم المستفاد من كلّ واحدٍ منها بمنطوق الآخر. و قد فصّلنا الكلام حوله في علم الأصول في التحقيق حول قولهم: «إذا خفي الأذان فقصّر، و إذا خفي الجدران فقصّر»(1).

إن قلت: المعدن من الفوائد، و يكفي فيها إخراج الخمس مرّةً واحدةً‌؛

قلت: لوكان وجوب الخمس على المعدن من باب الفوائد لما كان إخراجه مباشراً بعد استحصاله، بل بعد مضيّ سنةٍ‌، بينما انّه لاخلاف في تعلّق الخمس به عند الاستحصال.

فالمتحصّل من جميع ذلك انّه يجب إخراج الخمس ممّا يستحصل من المعدن مرّةً‌، ثمّ يجب إخراجه عنه مرّةً أخرى لومضت عليه سنةٌ كاملة.

المسألة الثامنة هل يجوز استخدام أحدٍ لاستحصال المعدن

هل يمكن لمن تولّى أمر استخراج المعدن أن يستجير أحداً ليقوم بالاستخراج مباشرةً؟؛ و بعبارةٍ أخرى: هل يجوز الاستيجار في استخراج المعدن على أن تكون الفوائد و كذلك الخمس على مالك المعدن، و حقّ العمل لعامل الاستخراج‌؟.

ذهب بعضهم - كالسيّد العلّامة الشهيد الصدر رحمه الله في كتابه الشريف المسمّى ب‍


1) . فانظر: «صلاة المسافر» - للمحقّق الأصفهانيّ رحمه الله - ص 60، «كتاب البيع» - للإمام الخمينيّ رحمه الله - ج 2 ص 51؛ و انظر أيضاً: «كفاية الأصول» ص 201، «حاشية» المحقّق البروجرديّ رحمه الله عليه ج 1 ص 448، «محاضراتٌ في أصول الفقه» ج 5 ص 105.

«اقتصادنا» - إلى عدم الجواز(1)لأنّ روايات الباب تدلّ على أن غنائم المعدن تتعلّق بمَن استخرجها، فهي إذن لعامل الاستخراج، لالمالك المعدن؛

و ذهب بعضهم - كصاحب الجواهر رحمه الله - إلى الجواز، مستدلّين بأنّ المالك قد استجار المستخرِج و مايقوم به من الأعمال، فالمستخرِج في الحقيقة هو المالك، لا من قام بالاستخراج مباشرةً‌(2).

و هذا كلامٌ صحيحٌ‌، و هو المختار في المسألة.

المسألة التاسعة هل يجوز استيجار المعدن‌؟
اشارة

و للمسألة صورتان:

الصورة الأولى:

أن يقوم أحدٌ باستخراج معدنٍ ثمّ يخرج الخمس من فوائده و يعطيه إلى الإمام عليه السلام أو من يقوم مقامه. و قد ذكرنا فيما سبق من هذه الرسالة أنّ المعادن من الأنفال، أو من المباحات الأوّليّة، فأمرها بيد الإمام، و قد فوّضها الإمام إلى الناس ليقوموا باستخراجه و يعطوا خمسه إليه. و هذا التفويض إمّا أن يكون على نحو الإجارة، أو الجعالة، أو غيرها من العقود.


1) . لم أعثر على نصٍّ منه رحمه الله في هذا المضمار؛ نعم! قال: «الناس كانوا قد اعتادوا في عصر التشريع على إشباع حاجاتهم من الموادّ المعدنيّة الّتي توجد على سطح الأرض أو قريباً منه بحيازة كمّيّاتٍ من تلك الموادّ لسدّ حاجاتهم... و هذه العادة الّتي سمحت بها الشريعة وقتئذٍ لايمكن أن تصبح دليلاً على سماح الشريعة بتملّك الفرد لما يحوزه من الكمّيّات و إن اختلفت حيازته في الكمّ‌... و في الكيف... عن الحيازة الّتي جرت عليها عادة الناس في عصر التشريع»؛ راجع: «إقتصادنا» ص 477.

2) . إشارةٌ إلى قوله رحمه الله: «كاقتضائه عدم الفرق بين أفراد المستنبطين بعد تحقّق الملك للمستنبط نفسه أو سيّده، كما لوكان عبداً»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 23.

فلوكان المراد من استيجار المعدن هذه الصورة من صورتي المسألة فلانقاش في صحّته، إذ كلّ من تولّى أمر استخراج معدنٍ من المعادن قد استجاره من الإمام أو من يقوم مقامه، فلاكلام فيه.

الصورة الثانية:

أن يستجير رجلٌ معدناً من المعادن من رجلٍ آخر. و الظاهر عدم الجواز في هذه الصورة، لأنّه «لا إجارة إلّافي ملكٍ‌»(1)و مضى الكلام في أنّ المعدن يُعدُّ من الأنفال، فليس لأحدٍ أن يكون مالكاً له، فلايمكن تأجيره و إكراءَه.

المسألة العاشرة هل يثبت حقّ الاكراء لمن تولّى أمر معدنٍ؟

ثمّ لو قام أحدٌ باستخراج معدِنٍ فاستخرج منه أشياء أو مهّد سبيل الاستخراج، فهل يجوز له حينئذٍ أن يؤجره و يكريه‌؟، أم لايجوز؟.

ذهب العلّامة الشهيد الصدر رحمه الله في اقتصادنا إلى عدم الجواز، مستدلّاً بأنّه يحقّ له أن يتصرّف فيه، و لكن لايُعدُّ مالكاً له؛ و لا اجارة إلّافي ملكٍ‌، فلايجوز له أن يؤجره. و بعبارةٍ أخرى: لمن قام بالاستخراج حقّ التصرّف في المعدن فقط، و لايصير مالكاً له، فلايجوز له اكراءه(2).


1) . كما عن المحقّق الفقيه الخوانساريّ رحمه الله: «لاتصحّ الإجارة... لعدم الملكيّة»؛ راجع: «جامع المدارك» ج 2 ص 312.

2) . قال رحمه الله: «أمّا المعادن الظاهرة... انّها من المشتركات العامّة بين كلّ الناس، فلايعترف الإسلام لأحدٍ بالاختصاص بها و تملّكها ملكيّةً خاصّةً‌، لأنّها مندرجةٌ عنده ضمن نطاق المالكيّة العامّة؛ و خاضعةً لهذا المبدأ و [كذا؛ و الظاهر زيادة لفظة «الواو» هيهنا] انّما يسمح للأفراد بالحصول على قدر حاجتهم من تلك الثروة المعدنيّة دون أن يستأثروا بها أو يتملّكوا ينابيعها الطبيعيّة»؛ راجع: «إقتصادنا» ص 472.

و المختار الجواز؛ نظراً إلى أنّ القيام بالاستخراج يتبعه حقّ التصرّف في المعدن - كما أشار إليه هذا العلَم الشهيد -، و للمتصرّف أن يكريَ حقّ تصرّفه و حقّ استخراجه أو يبيعهما، بأن يفوّض حقّه في استخراج المعدن إلى الغير و يأخذ منه ثمناً بدلاً منه، إمّا دفعةً‌، و إمّا بالتدريج؛ و هذا واضحٌ‌.

المسألة الحادي عشرة لو اشترى ملكاً فوجد فيه معدناً
اشارة

لو اشترى أحدٌ ملكاً - كدارٍ أو بستانٍ - فوُجد فيه معدِنٌ‌، فهل يكون مالكاً للمعدن أيضاً، و المعدن يُعدُّ ملكاً له‌؟ أو لاتكون له عليه ملكيّةٌ؟.

ذهب الشيخ صاحب الجواهر(1)و السيّد صاحب العروة 0(2)إلى أنّ المعدن يُعدُّ ملكاً له، فلووُجد معدن ملحٍ أو معدن رملٍ في بستانٍ اشتراه، فالمعدن له أيضاً، و له أن يستخرج منه ما يريد.

أقول: الظاهر انّ هذه المسألة ترجع إلى المبنى المختار في المسألة الرابعة من مسائل هذا المبحث الّتي عقدناها للتحقيق حول انّ المعدن يُعدُّ من الأنفال، أو لايعدّ منها.

فالقائلون هناك بكونه منها لايقولون هيهنا بكونه ملكاً لمالك الأرض الّتي وقع فيها؛ و القائلون هناك بأنّه لايُعدُّ منها يقولون هيهنا بكونه ملكاً له.

و لو أردت تفصيل الكلام فنقول: أمّا على القول بكون المعدن من الأنفال فلايجوز الترديد في عدم كونه ملكاً لمالك الأرض التي وُجد فيها؛ و هذا ظاهرٌ. إذ الأنفال كلّها للإمام


1) . و ادّعى إجماع الإماميّة على هذا القول؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 38 ص 113.

2) . قال رحمه الله: «لوكان المعدِن في أرضٍ مملوكةٍ فهو لمالكها...»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 8، ج 2 ص 372.

في عصر الحضور، و للدولة الإسلاميّة في عصر الغيبة. و روايات الباب لاتشترط فيه كونه في الموات من الأراضي، أو في أرضٍ لا ربّ لها؛ بل هي تدلّ باطلاقها على أنّ المعدن تُعدُّ من الأنفال. فالدار أو البستان ملكٌ لمن اشتراها، و المعدن ملكٌ للدولة الإسلاميّة.

و لايحقّ للمالك أن يمنع الدولة عن استحصال المعدن، لانّ الظرف له، و المظروف لها.

نعم! يشترطُ في الاستحصال أن لايكون ضرريّاً على مالك الظرف، و لو كان استحصال المعدن ملازماً لضرر المالك فعلى الدولة أن يجبر له.

و كذلك لاحقّ لأحدٍ غير الدولة الإسلاميّة فيه، لأنّه وقع في عَقارٍ حُرٍّ، فلايجوز لأحدٍ أن يدخل فيه مريداً استحصال ذلك المعدن.

و لايبعد الذهاب إلى أنّه لودخل أحدٌ ملك غيره غصباً و استحصل من الأرض ما يُعدُّ المعدن لايكون مالكاً له، لانصراف الروايات الدالّة على جواز التصرّف في المعدن و وجوب إخراج الخمس منه عن هذه الصورة.

و كذلك مالك الأرض لايكون مالكاً له، لأنّه لم يستحصله، فهو ملكٌ للإمام عليه السلام في زمن الحضور و للدولة الإسلاميّة في عصر الغيبة.

هذا كلّه مبنيٌّ على القول بكون المعدن من الأنفال.

أمّا على القول بعدم كونه منها، فتحكم قاعدة الإلحاق بكونه ملكاً لمالك الأرض، كمن اشترى داراً فإنّه يُعدُّ مالكاً لما هو ملحقٌ بها في العرف.

و الظاهر ذهاب السيّد رحمه الله إلى هذا المبنى حيث أفتى في العروة بكونه ملكاً لمالكها(1).

و في مختاره رحمه الله إشكالاتٌ‌:

الإشكال الأوّل:

مضى تفصيل الكلام في الروايات الصحيحة السند الّتي دلّت بظاهرها على كون المعدن


1) . راجع: نفس المصدر.

من الأنفال، و رأينا انّه هو المشهور بين الأصحاب و لاسيّما المتقدّمين منهم؛ و عليهما فلاتصل النوبة إلى قاعدة الإلحاق، بل الحاكم في الباب هي قاعدة تعدّد المالك في الظرف و المظروف.

الإشكال الثاني:

خروج هذا القول عمّا يصدّقه العرف، إذ لامعنى لهذا القول إلّاالقول بأنّ مَن ملك أرضاً ملك مِن تخومها إلى عنان سمائها، بينما انّ العرف يحكم بأنّ للملكيّة حيطةٌ لاتشمل غيرها. فمن اشترى أرضاً لايُعدُّ مالكاً لها من تخومها إلى ما يعلو عليها من السماء و إن علا. فلايحقّ لمن اشترى داراً أو بستاناً أن يمنع من طيران الطيّارات من سمائهما معلّلاً بأنّ سماء الدار ملحقٌ به، فهي ملكٌ لمالك الدار.

و هذا ممّا اتّفق الفقهاء عليه، و كان سيّدنا الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله يشدّد عليه في دروسه الفقهيّة مراراً عديدةً‌.

الإشكال الثالث:

هب! انّ قاعدة الالحاق تحكم بأنّ من اشترى أرضاً أو داراً يملك جميع ما يلحق بهما، و هذا ممّا لاخلاف في صحّته. و لكن الكلام كلّه في جريان القاعدة في المعادن الّتي توجد في الأراضي و الدارات؛ و الظاهر عدم جريانها فيها و انصرافها عنها.

فتحصّل ممّا قلنا جميعاً انّ المعدن الّذي وُجد في أرضٍ مشتراتٍ لايكون ملكاً لصاحبها، و هذا واضحٌ‌.

المسألة الثانية عشرة و لم تبلغ حصّة كلّ واحدٍ من الشركاء حدّ النصاب
اشارة

مضى الكلام في المسألة الخامسة في أنّ تعلّق الخمس بالمعدن لايحتاج إلى بلوغ ما

يُستحصلُ منه إلى نصابٍ معيّنٍ‌، بل الخمس يتعلّق بالفائدة الحاصلة من المعدن، قلّت أو كثرت.

لكن هيهنا مسألةٌ يجب الإلمام بها لتكون هذه الدراسة جامعةً لجميع مسائل الباب؛ و هي: لواشترك جمعٌ في استخراج معدنٍ‌، ثمّ بلغ مجموع المستخرَج حدّ النصاب - و هو عشرون ديناراً - و لكن لم تبلغ حصّة كلّ واحدٍ من الشركاء حدّ النصاب، فهل يتعلّق وجوب إخراج الخمس بمجموع الفائدة بما هو مجموعٌ - لأنّه بلغ حدّ النصاب -؟ أو لم يتعلّق به - لأنّ حصّة كلّ واحدٍ منهم و الفائدة الحاصلة له لم تبلغ حدّه -؟.

و نأتي بتفصيل الكلام حول المسألة في نكتتين:

النكتة الأولى

المشهور بين الأصحاب هو عدم تعلّق الخمس بالمستخرج منه(1)

و ذهب الشيخ صاحب الجواهر(2)و الشيخ الأعظم(3)

و قال أيضاً: «لواشترك جماعةٌ في الاستخراج بحيث صار المخرَج مشتركاً بينهم فصرّح بعضٌ باعتبار بلوغ نصيب كلٍّ منهم النصاب، و ظاهر الصحيحة عدم اعتبار ذلك»؛ راجع: نفس المصدر ص 129.

و صاحب العروة(4)إلى تعلّقه به؛

1) . انظر: «الروضة البهيّة» ج 2 ص 72، «مدارك الأحكام» ج 5 ص 367، «رياض المسائل» ج 5 ص 244.

2) . قال رحمه الله: «و كذا لافرق قطعاً بين اتّحاد المستخرِج للمعدن و تعدّده بحيث اشتركوا في حيازته... أمّا إذا لم يبلغ فقد صرّح غير واحدٍ بعدم الوجوب على أحدٍ منهم، بل لاأعرف من صرّح بخلافه؛ لكن قد يقال بظهور... بخلافه كما اعترف به الشهيد في بيانه، و هو أحوط إن لم يكن أولى»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 20.

3) . قال رحمه الله: «و لواشترك جماعةٌ في استخراج المعدن فصريح جماعةٍ اعتبار بلوغ نصيب كلّ واحدٍ النصاب... و فيه نظرٌ»؛ راجع: «كتاب الخمس» - له - ص 34.

4) . قال رحمه الله: «إذا اشترك جماعةٌ في الإخراج و لم يبلغ حصّة كلّ واحدٍ منهم النصاب و لكن بلغ المجموع نصاباً فالظاهر وجوب خمسه»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 تابع المسألة 5، ج 2 ص 370.

و لكلٍّ من القولين أدلّةٌ لاتخلو عن قوّةٍ‌.

النكتة الثانية

استدلّ المشهور على مختاره بأنّ الفائدة الّتي يتعلّق بها الخمس تنصرف إلى ما لكلٍّ من الشركاء من العوائد، لابمجموع الفوائد بما هو مجموعٌ‌، فلاخمس لولم تبلغ فائدة كلٍّ منهم إلى حدّ النصاب. كنصاب الزكاة في الحنطة، فإنّ من المجمَع عليه بين الأصحاب انّه لو بلغ محصول الزرع إلى حدّ النصاب و لم تبلغ حصّة كلّ واحدٍ من الزارعين إلى حدّه، لم تجب الزكاة فيها. و صحيحة البزنطي - الّتي مرّت الإشارة إليها آنفاً - قد سوّت بين خمس المعدن و زكات الزرع.

و يرجع قولهم هذا إلى أنّ الشارع لم يعلّق التكليف على العنوان، بل علّقه على الأشخاص، فلايتعلّق الخمس بعنوان العوائد الحاصلة من المعدن، بل بما لكلٍّ من الأشخاص من الفائدة.

و ذهب صاحب الجواهر رحمه الله و تابعوه - كالشيخ الأعظم و السيّد اليزديّ 0 - إلى أنّ المستفاد من إطلاق روايات الباب تعلّق الوجوب بالعنوان، إذ روايات الباب دلّت على تعلّق الخمس بالمستخرَج من المعدِن، و لاإشارة فيها إلى تعلّقه به لوبلغت حصّة كلٍّ من الشركاء إلى حدّ النصاب؛ فاطلاقها يدلّ على وجوب إخراجه منه و لو لم تبلغ حصّة كلٍّ منهم إليه.

و الأصل يعاضد قول صاحب الجواهر رحمه الله على هذا التقرير، إذ المسألة من موارد دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الاستقلاليَّين، و الأصل فيه ترجيح تعلّق التكليف، لا البراءة منه.

أمّا على التقرير الّذي قرّره المشهور فالمسألة من موارد الشبهة البدويّة، فلايُعلم هل يجب إخراج الخمس من الفائدة الحاصلة من استخراج المعدن‌؟، البراءة الأصليّة تحكم

بعدم وجوبه.

و في كلٍّ من القولين قوّةٌ‌. و المختار قول المشهور، لابتنائه على قاعدة البراءة الّتي لاخلاف في صحّتها؛ و الظاهر جريانها في ما نحن فيه.

المسألة الثالثة عشرة في المعدِن الظاهر على سطوح بعض الأراضي
اشارة

قد فرغنا عن البحث حول ما هو الغالب في المعادن، و هو المعدن المستخرَج من باطن الجبال و الأراضي. و بقى علينا أن نتكلّم حول قسمٍ آخر من قسمي المعدن، و هو المعدن الظاهر على سطوح بعض الأراضي و الجبال، كمعدن الرمل الّذي يظهر في بعض الأحيان في بعض الأراضي. و لنتكلّم عن هذا القسم في نكاتٍ أيضاً.

النكتة الأولى

الظاهر صحّة اطلاق المعدن على هذا القسم أيضاً، فمعدن الملح الظاهر على سطح الأرض معدنٌ كما انّ معدن الذهب الباطن فيها أيضاً معدنٌ‌. و هذا بشهادة العرف؛ و بدلالة صحيحة محمّد بن مسلم أيضاً حيث سُئل أبوجعفر عليه السلام فيها عن الملاحة، فقال:

«هذا معدنٌ فيه الخمس»(1).

فلاوجه لما ذكره بعضهم من عدم اطلاق اسم المعدن عليه(2).

النكتة الثانية

لايجوز تملّك هذاالمعدن و تصرّفه لأحدٍ و إن جاز التصرّف فيه لكلّ واحدٍ من الناس،


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 492 الحديث 12564؛ و انظر: «الفقيه» ج 2 ص 41 الحديث 1648، «التهذيب» ج 4 ص 122 الحديث 6.

2) . راجع: «جواهر الكلام» ج 38 ص 100.

لأنّه من المباحات الأوّليّة. هذا كلّه فيما إذا كان المعدن في الموات من الأراضي.

النكتة الثالثة

أمّا لو تبدّلت أرضه الحرّة بمعدنٍ‌، فصارت على سبيل المثال ملحاً أو رملاً، فهذا يُعدّ ملكاً له، لحكومة قاعدة الإلحاق في المسألة. كما لو هبت الرّيح فانتقل رملاً كثيراً إلى بستانه، فهذا كلّه له؛ و لايجوز لأحدٍ أن يتصرّف فيه، لأنّ هذا لايُعدّ من الأنفال، و لا من المباحات الأوّليّة.

النكتة الرابعة

و بما قلنا ظهر أنّه لو اشترى أرضاً ثمّ وجد فيه معدناً ظاهراً على وجه الأرض لايجوز لغيره أن يتصرّف فيه، لأنّ هذا التصرّف ملازمٌ للتصرّف في أرض الغير، و لايجوز لنفسه أن يتصرّف فيه أيضاً، لأنّ المعدن من الأنفال، و لايُملَكُ‌.

هذا هو الحكم الأوّلي في المسألة.

أمّا القائلون بعدم كون المعدن من الأنفال فيقولون: يجوز لغيره أن يتصرّف فيه و إن كان آثماً لتصرّفه في ملك الغير؛ و ذلك لأنّ المعدن من المباحات الأوّليّة، فيجوز التصرّف فيه. و كلّ من حاز حصّةً منه فهي له، و ذلك لدلالة قاعدة «من حاز مَلِكَ‌»(1). كمن يرى غزالاً في بستان جاره، فيدخل فيه و يحوز الغزال، فالغزال له لأنّه من الحيازات الأوّليّة، و كلّ من حازه فهو له، و هو مالكه.

هذا كلّه على مبنى القائلين بعدم كون المعدن من الأنفال.


1) . فانظر: «جواهر الكلام» ج 26 ص 291، «العروة الوثقى» ج 2 ص 700 المسألة 3، «كتاب الإجارة» للمحقّق الأصفهانيّ الكمبانيّ رحمه الله - ص 135، «مستمسك العروة الوثقى» ج 12 ص 124.

أمّا على المبنى المختار من كونه منها فقد مضى تفصيل الكلام فيما يتعلّق بهذه المسألة؛ و الحمد للّه ربّ العالمين.


المبحث الثالث في الكنز

اشارة

و هو ممّا انعقد الإجماع على تعلّق الخمس به. و فيه أيضاً مسائل.

المسألة الأولى في ماهيّته

و له ماهيّةٌ عرفيّةٌ‌، أي: العرف يحكم بكون بعض الأشياء كنزاً، و هو مالٌ مدّخرٌ خفيٌّ قد يجده بعض الناس.

و اشترط ثاني الشهيدين رحمهما الله فيه شرطاً، و هو كونه مذخوراً عن قصدٍ و عهدٍ(1)، فالكنز عنده: ما ادّخره صاحبه قاصداً ادّخاره.

و الظاهر كون هذا القيد مخلّاً، إذ لايكون هذا التعريف جامعاً لجميع أفراده، إذ على هذا التعريف يخرج ما يجده خبير الآثار من الأموال الأثريّ التاريخيّ عن تعريف الكنز، بل لايصدق عليه؛ بينما انّه لاخلاف في العرف في كونه كنزاً، بل من أعلى أقسامه.

و اقتفى أثره الفقيه المحقّق الهمدانيّ رحمه الله، فزاد فيه أن يكون بلامالكٍ‌(2)، أو إن شئت فقل: أن لايكون مالكه معلوماً؛ فالكنز: «مالٌ مدّخرٌ لم يُعلم له مالكٌ عرفاً».

و الظاهر انّ الشهيد أراد بكونه «مذخوراً عن قصدٍ و عمدٍ»، أن لايكون بلامالكٍ‌، و لم يكن مالكه معلوماً مشخّصاً؛ فقلنا أنّ عبارته لاتخلو عن مناقشةٍ‌. أمّا ما ذكره الفقيه الهمدانيّ فلايرد عليه هذا الإشكال، فتعريفه تامٌّ‌. و عليه يمكن أن يقال في تعريف ماهيّته:


1) . قال رحمه الله في تعريفه: «و هو المال المذخور تحت الأرض قصداً»؛ راجع: «شرح اللمعة» ج 2 ص 68. و قال: «يعتبر في الادّخار كونه مقصوداً ليتحقّق الكنز، فلاعبرة باستتار المال بالأرض بسبب الضياع»؛ راجع: «مسالك الأفهام» ج 1 ص 460.

2) . لم أعثر عليه؛ و انظر: «مصباح الفقيه» - الطبعة المحقّقة - ج 14 ص 44.

«الكنز مالٌ مذخورٌ أو ركازٌ لم يكن له مالكٌ عرفاً».

المسألة الثانية في كون الكنز من الأنفال
اشارة

الظاهر إمكان الذهاب إلى كون الكنز من الأنفال. و هذا و إن لم يصرّح به الفقهاء و لكن انعقدت عليه سيرة العقلاء؛ ففي الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة و كذا في غيرها من الدول يعدّون من الواجب على من وجد الكنز أن يسلّمه إلى الدولة، فلو تصرّف فيه من غير إذنٍو إعلانٍ يُعدُّ مجرماً.

و هذه السيرة يؤيّدها ما يُستفاد من قاعدة: «كلّ ما لا ربّ له فهو من الأنفال»(1)، بل القاعدة تدلّ عليه. إذ من المتسالم عليه بين الأصحاب أنّ كلّ مالٍ لا صاحب له - كإرث من لا وارث له، و كالأراضي الّتي لاربّ لها، و كاللقطة و أمثالها - يتعلّق بالدولة الإسلاميّة، و الظاهر أن لاخصوصيّة للإرث أو للأرض، «بل كلّ ما لا ربّ له فهو من الأنفال» - إرثاً كان أو أرضاً أو غيرهما -. و منه الكنز، فهو من الأنفال المتعلّقة بالحُكم.

و قد مضى تفصيل الكلام حول ولاية الدولة على الأنفال في المبحث الثاني.

و عليه فللدولة الإسلاميّة أن يأخذ الخمس و يفوّض الباقي إلى من وجده و اكتشفه؛ و لها أن يأخذ أكثر من ذلك؛ كما لها أن يأخذ تمامه و لم يفوّض شيئاً منه إلى واجده.

هذا على المختار من كون الأنفال من ميزانيّات الدولة الإسلاميّة.

أمّا على مختار المشهور من كون الكنز مالاً لمكتشفه و عليه أن يخرج منه الخمس و


1) . و انظر: «بلغة الفقيه» ج 1 ص 269، «كتاب المكاسب» - للعلّامة الحجّة الآمليّ رحمه الله - ج 2 ص 368، «كتاب البيع» - للإمام الخمينيّ رحمه الله - ج 3 ص 66.

يسلّمَه للدولة الإسلاميّة، فلايُعدُّ من الأنفال.

و لنا في هذا القول إشكالان:

الإشكال الأوّل:

لوكان الكنز ملكاً لمن وجده فما هو الوجه في جعل ما يتعلّق به الخمس سابعاً؟، إذ ما هو الفرق حينئذٍ بين الغنيمة و الكنز؟، إذ الكنز يندرج تحت الغنيمة؛ بينما أنّ لروايات الباب لسانٌ بيّنٌ على تعلّقه بالغنيمة كما يتعلّق بالكنز، فبينهما تباينٌ‌.

و الظاهر انّ الفرق في كونها ملكاً لصاحبها، بينما أنّه لايكون ملكاً لمن وجده.

الإشكال الثاني:

ظهور ملكيّة المكتشف على الكنز في الأكل بالباطل، إذ لامصحّح لهذه الملكيّة. أمّا على المختار فيكون إذن الإمام بتصاحب الكنز و إيصال خمسه إليه مصحّحاً لمالكيّة مَن وجده على أربعة أخماسه.

و مضت الإشارة في المبحث الثاني أيضاً إلى أنّ هذا الإذن العامّ إمّا أن يكون بطريق الجعالة؛ أو بطريق الإجازة المعوّضة؛ أو غيرهما من طرق الإذن. و كيف كان فالإشكال مرتفَعٌ على الطريقة المختارة.

المسألة الثالثة الروايات المثبتة لوجوب إخراج الخمس منه
اشارة

و هناك طائفةٌ من الروايات وردت في حكم الكنز و ما يتعلّق به، و قبل الخوض فيها يجب علينا أن ننبّه على نكتتَين هامّتين:

النكتة الأولى

إنّ روايات الباب مطلقةٌ لاإشارة فيها إلى أنّ مالكيّة المكتشف على الكنز تكون من

باب إذن الإمام في تصرّفه فيه، أو من باب الأحكام الأوّليّة الّتي لاتحتاج إلى إذنٍ من الإمام.

و الظاهر انّه لافرق بين الكنز و المعدن. و مضى تفصيل الكلام في أنّ المعدن من الأنفال، و التصرّف فيه بحاجةٍ ماسّةٍ إلى إذنه عليه السلام؛ و كذلك نقول في الكنز أيضاً.

النكتة الثانية

إنّ روايات الباب تنقسم إلى قسمين:

قسمٌ يدلّ بظهوره على أنّ الكنز يتعلّق بمن اكتشفه، و عليه إخراج الخمس منه؛

و قسمٌ يدلّ على أنّه له من غير أن يتعلّق به وجوب إخراج الخمس، فالظاهر في بادىء النظر وقوع التهافت و التخالف بينهما. فعلينا أوّلاً أن نذكر القسم الأوّل منها، ثمّ أن نذكر الثاني من القسمين مبدياً رأينا في وقوع التهافت بينهما حقيقةً أو وقوعه في بادىء النظر فقط.

و المسألة الثالثة متكفّلةٌ لبيان القسم الأوّل، و سننعقد بعدها مسألةً لبيان القسم الثاني من القسمين.

فنقول:

الرواية الأولى

«محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن عبيداللّه بن عليّ الحلبي انّه سأل أباعبداللّه عليه السلام عن الكنز كم فيه‌؟ فقال: الخمس»(1).

السند صحيحٌ‌، و هو طريق صدوق الطائفة رحمه الله إليها. و رواها الكلينيّ‌(2)و الشَّيخ 0(3)


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 495 الحديث 12569، «الفقيه» ج 2 ص 40 الحديث 1645.

2) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 546 الحديث 19.

3) . راجع: «التهذيب» ج 4 ص 121 الحديث 2.

أيضاً. قال صاحب الوسائل رحمه الله:

«و رواه الشيخ بإسناده عن عليّ بن مهزيار عن ابن أبي عمير عن حمّاد عن الحلبيّ‌؛ و رواه الكلينيّ عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير مثله»(1).

و سندهما إليها أيضاً صحيحٌ‌.

أمّا دلالتها على تعلّق الكنز بمن اكتشفه فواضحةٌ‌، حيث كأنّه كان تعلّقه به من المفروغ عنه بين السائل و المسؤول عنه عليه السلام، فسأله عن المقدار الّذي يجب إخراجه منه، فلم يشر الإمام إلى عدم ملكيّته له، بل أجاب عن سؤاله بأنّه هو الخمس.

الرواية الثانية

«و بإسناده عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:

سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز؟

فقال: ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس»(2).

السند لاإشكال فيه، بل هو من عوالي الأسناد.

و هيهنا شيءٌ يجب الالتفات إليه؛ و هو: ما هو المراد من الموصول في قول السائل:

«عمّا يجب»؟، هل المراد منه هو المقدار، أو الجنس‌؟.

المشهور على الأوّل؛ قالوا: المراد منه: المقدار الّذي يجب إخراجه من الكنز، فهو مرادفٌ لما مرّ في الرواية السابقة عليها من قوله: «عن الكنز كم فيه‌؟»، فأجاب الإمام عليه السلام بأنّ‌


1) . راجع: «وسائل الشيعة» نفس المصدر، في التذييل على الحديث.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 495 الحديث 12570، «الفقيه» ج 2 ص 40 الحديث 1647.

الكنز إذا بلغ حدّ نصاب الزكاة فيجب إخراج الخمس منه(1)و سنرى أنّ القوم تمسّكوا بهذا الحديث حينما ذهبوا إلى اشتراط بلوغ ثمن الكنز إلى عشرين ديناراً حتّى يجب فيه الخمس.

و الفقيه الأكبر الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله على الثاني، قال: المراد منه الجنس، أي: كأنّ تعلّق الخمس بالكنز كان من المفروغ عنه عند السائل، لكنّه سأل: هل يتعلّق الخمس بجميع أصناف الكنوز و أجناسه‌؟ فأجاب الإمام عليه السلام بأنّه لايتعلّق الخمس بالكنز إلّاإذا كان الكنز من جنس ما تتعلّق به الزكاة، و هو الذهب و الفضّة(2).

فالمتحصّل من الحديث شيئان:

الأوّل: انّه لاخمس في الكنز إلّاإذا كان من ذهبٍ أو فضّةٍ‌، أمّا إذا كان من الآثار القديمة و الأشياء الأثريّة فلاخمس فيه.

الثاني: انّه لانصاب في الكنز، بل الخمس واجبٌ فيه إذا كان من الذهب أو الفضّة، قليلاً كان أو كثيراً.

و الظاهر تماميّة دلالة الحديث على المختارين -: مختار المشهور و مختار كاشف الغطاء رحمه الله - و لايمكن ترجيح أحد القولين على الآخر. فإذاً تصير الرواية مجملةً من هذه الناحية.

و كيف كان فدلالتها على المقصود واضحةٌ‌، إذ السائل جعل ملكيّة المكتشِف على الكنز من المفروغ منه، و الإمام عليه السلام لم يردعه عن مفروضه. فتدلّ على أنّ الكنز لمن وجده.


1) . فانظر: «منتهى المطلب» - الطبعة الحجريّة - ج 1 ص 549، «تذكرة الفقهاء» ج 5 ص 425، «مسالك الأفهام» ج 1 ص 460، «مجمع الفائدة و البرهان» ج 4 ص 299، «مدارك الأحكام» ج 5 ص 369، «ذخيرة المعاد» ص 479، «رياض المسائل» ج 5 ص 249، «جواهر الكلام» ج 16 ص 26.

2) . قال رحمه الله: «لو جعل ما كان من الكنز مكسباً تعلّق الخمس بربحه أيضاً، و الظاهر تخصيص الحكم بالنقدين، و غيره يتبع حكم اللقطة»؛ راجع: «كشف الغطاء» ج 2 ص 360.

الرواية الثالثة

«و بإسناده عن حمّاد بن عمروٍ و أنس بن محمّد عن أبيه جميعاً عن الصادق عن آبائه عليهم السلام في وصيّة النبيّ صلى الله عليه و آله لعليٍّ عليه السلام قال: يا عليّ‌! إنّ عبدالمطّلب سنّ في الجاهليّة خمس سننٍ أجراها اللّه له في الإسلام -...

إلى أن قال: - و وجد كنزاً فأخرج منه الخمس و تصدّق به، فانزل اللّه: «و اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَإِنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ‌»(1)»(2).

أمّا السند فضعيفٌ‌، لانّ حمّاد بن عمرو و أنس بن محمّد و أباه محمّد كلّهم مجهولون(3)، فلايمكن الإعتماد على ما رووه. نعم! للصدوق سندٌ آخر إليها، و هو صحيحٌ‌؛ و سنذكره في الرواية الآتية.

و دلالته واضحةٌ لاتحتاج إلى كلامٍ‌.

الرواية الرابعة

«و في عيون الأخبار عن أحمد بن الحسن القطّان عن أحمد بن محمّد بن سعيدٍ الكوفيّ عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال عن أبيه عن أبي الحسن الرضا عليه السلام في حديثٍ قال: كان لعبدالمطّلب خمسٌ من السنن أجراها اللّه له في الإسلام: حرّم نساء الآباء على الأبناء، و سنّ الديةً في القتل مائةً من الإبل، و كان يطوف بالبيت سبعة أشواطٍ، و وجد كنزاً فأخرج منه الخمس،


1) . كريمة 41 الأنفال.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 496 الحديث 12571؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 96 ص 384.

3) . راجع: «معجم رجال الحديث» ج 6 ص 223 الرقم 3958، «نخبة المقال» ص 400 الرقم 100.

و سمّى زمزم حين حفرها سقاية الحاجّ‌»(1).

أمّا السند فصحيحٌ‌. لأنّ الأوَّلَين من سلسلة الرواة هما من مشايخ الصدوق رحمه الله، و قد وثّقهما حينما روى عنهما(2). و عليّ بن الحسن من أكابر الرواة(3)

و من اللافت للنظر هيهنا قول إمام الفنّ النجاشيّ حيث قال في ترجمته: «و لم يرو عن أبيه شيئاً... و روى عن أخويه عن أبيهما»؛ راجع: «رجال النجاشيّ‌» ص 258 الرقم 676.

، و قد صحّحه القوم، و أبوه حسن بن عليّ بن فضّال قد وثّقه القوم أيضاً(4)، و إن وصفوه بكونه من الفطحيّين. و كيف كان فلاإشكال عندنا في سندها.

و دلالتها أيضاً غير محتاجةٍ إلى بيانٍ‌، إذ انّها ظاهرةٌ في أنّ من وجد كنزاً فله أربعة أخماسه، و الباقي للإمام عليه السلام.

الرواية الخامسة

«محمّد بن محمّدٍ المفيد في المقنعة قال: سُئل الرضا عليه السلام عن مقدار الكنز الّذي يجب فيه الخمس‌؟

فقال: ما يجب فيه الزكاة من ذلك بعينه ففيه الخمس، و ما لم يبلغ حدّ ما تجب


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 496 الحديث 12572، «عيون أخبار الرضا» ج 1 ص 212 الحديث 1.

2) . قد أشرنا إلى الخلاف الواقع بين الأعلام في هذا المبنى. و استظهر الإمام الخوئي رحمه الله كون أحمد بن الحسن القطّان من العامّة؛ راجع: «معجم رجال الحديث» ج 2 ص 86 الرقم 508؛ و لأحمد بن محمّد بن سعيد - و الظاهر انّه غير ابن عقدة - انظر: نفس المصدر و المجلّد ص 274 الرقم 868؛ «مستدركات علم رجال الحديث» ج 1 ص 442 الرقم 1565-1570.

3) . راجع: «خلاصة الأقوال» ص 177 الرقم 526، «جامع الرواة» ج 1 ص 569 القائمة 2.

4) . حتّى عدّه بعضهم من أصحاب الإجماع؛ راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 831.

فيه الزكاة فلاخمس فيه»(1).

الظاهر اتّحاد هذه الرواية مع الرواية الثانية الّتي مرّت قبلها. و المفيد أورد الحديث طبقاً لما فهمه منه، فأبدل قوله: «عمّا يجب» بقوله: «عن مقدار الكنز...». و الكلام في كيفيّة دلالتها قد مرّ في التذييل على الرواية الثانية؛ فراجعه.

الرواية السادسة

«محمّد بن يعقوب عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن أبي عبداللّه عن أبيه عمّن حدّثه عن عمرو بن أبي المقدام عن الحارث بن حصيرة الأزديّ قال:

وجد رجلٌ ركازاً على عهد أميرالمؤمنين عليه السلام فابتاعه أبي منه بثلاثمأة درهمٍ و مأة شاةٍ متبعٍ‌. فلامته أمّي و قالت: أخذت هذه بثلاثمأة شاةٍ -:

أولادها مائةٌ و أنفسها مائةٌ و ما في بطونها مائةٌ -. قال: فندم أبي فانطلق ليستقيله، فأبى عليه الرجل فقال: خذ منّي عشر شياه، خذ منّي عشرين شاةً‌، فاخذ أبي الركاز و أخرج منه قيمة ألف شاةٍ‌. فأتاه الآخر فقال: خذ غنمك و آتني ما شئت، فأبى، فعالجه، فأعياه؛ فقال: لأضرّنّ بك. فاستعدى اميرالمؤمنين عليه السلام على أبي، فلمّا قصّ أبي على أميرالمؤمنين عليه السلام أمره قال لصاحب الركاز: أدّ خمس ما أخذت، فإنّ الخمس عليك، فانّك أنت الّذي وجدت الركاز و ليس على الآخر شيءٌ‌؛ لأنّه إنّما أخذ ثمن غنمه»(2).

السند ضعيفٌ‌، و لايمكن الركون إليه؛ و ذلك - زيادةً على الارسال الواقع في السند -


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 497 الحديث 12574، «المقنعة» ص 283.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 497 الحديث 12575، «الكافي» ج 5 ص 315 الحديث 48؛ و انظر: «التهذيب» ج 7 ص 225 الحديث 6.

يرجع إلى أنّ الحارث بن حصيرة الأزدي مجهولٌ‌، و لا علم لنا به(1). فالسند في غاية الضعف.

أمّا دلالتها على المقصود فواضحةٌ‌. إذ حكْم عليٍّ عليه السلام بوجوب أداء الخمس على من وجد الكنز يدلّ على أنّ أربعة أخماسه يتعلّق به، و هي ملكٌ له. فلاكلام في دلالتها على المطلوب.

المسألة الرابعة الروايات النافية لوجوب إخراج الخمس منه
اشارة

قلنا فيما مضى: إنّ من روايات الباب ما يلوح منه عدم إخراج الخمس من الكنز؛ و بين هذه الطائفة من الروايات و الطائفة الّتي سبرناها في المسألة الثالثة تهافتٌ‌، بل تعارضٌ‌.

فنذكر هذه الروايات لنرى مدى دلالتها على عدم تعلّقه به، ليظهر حقيقة التعارض المدّعى وقوعه بينهما.

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن عليٍّ عن أبيه عن ابن محبوب عن العلاء بن رزين عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الدار يوجد فيها الورق‌؟

فقال: إن كانت معمورةً فيها أهلها فهي لهم، و إن كانت خربةً قد جلا عنها أهلها فالّذي وجد المال أحقّ به»(2).


1) . انظر: «معجم رجال الحديث» ج 4 ص 193 الرقم 2467؛ و للتحقيق حوله بما لامزيد عليه راجع: «مستدركات علم رجال الحديث» ج 2 ص 264 الرقم 3023، «قاموس الرجال» ج 3 ص 25 الرقم 1660.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 25 ص 447 الحديث 32324، «الكافي» ج 5 ص 138 الحديث 5؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 390 الحديث 9

السند لاكلام فيه، بل هو في أعلى مدارج الصحّة.

ذهب صاحب الجواهر رحمه الله إلى أنّ المراد من «الورق» المذكور في هذا الحديث هو الكنز(1)، فأشار إلى التهافت الواقع بينه و بين ما يدلّ على وجوب إخراج الخمس من الكنز، إذ لما نحن فيه دلالةٌ واضحةٌ على أنّ الورق كلّه لأهل الدار، أو لمن وجده، و لا خمس فيه.

ثمّ أتعب نفسه الشريفة لأن يجمع بينهما(2).

و الظاهر خروج هذا الحديث عمّا نحن فيه، إذ ليس المراد من «الورق»: الكنز، بل المراد منه: الدراهم المضروبة، فالحديث صدر لبيان حكم اللقطة، لاالكنز، و لا خمس في اللقيط؛ فلاتهافت بينه و بين ما سبقت عليه.

الرواية الثانية

«و عنه عن صفوان عن اسحاق بن عمّار قال: سألت أباإبراهيم عليه السلام عن رجلٍ نزل في بيوت مكّة فوجد فيه نحواً من سبعين درهماً مدفونةً فلم تزل معه و لم يذكرها حتّى قدم الكوفة، كيف يصنع‌؟ قال: يسأل عنها أهل المنزل لعلّهم يعرفونها؛ قلت: فإن لم يعرفوها؟ قال: يتصدّق بها»(3).

السند صحيحٌ‌، و اسحاق بن عمّار و إن وصفوه بكونه فطحيّاً و لكن لا خلاف في توثيقه(4). و قبله صفوان و هو من أصحاب الإجماع(5)، فلاأقلّ من كون السند موثّقاً.


1) . راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 29.

2) . راجع: نفس المصدر و المجلّد ص 30.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 25 ص 448 الحديث 32326، «التهذيب» ج 6 ص 391 الحديث 11.

4) . قد أشرنا إلى كلام الشَّيخ رحمه الله فيه؛ راجع: «الفهرست» ص 39 الرقم 52؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 3 ص 52 الرقم 1157-1160.

5) . راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 830.

و يدلّ الحديث على وجوب التصدّق بجميع ما وجده، لا على إخراج الخمس منه. و الظاهر في وجه الجمع خروجه عمّا نحن فيه أيضاً، إذ مضت الإشارة في المسألة الأولى من مسائل هذا المبحث إلى أنّ الكنز هو: «مالٌ مدّخرٌ لم يُعلم له مالكٌ عرفاً»، بينما انّ لهذه الدراهم مالكٌ مجهولٌ‌.

فالحديث صدر لبيان حكم المال المجهول المالك، لا لبيان حكم الكنز.

الرواية الثالثة

«و بإسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة عن صفوان عن عاصم بن حميد عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: قضى عليٌّ عليه السلام في رجلٍ وجد ورقاً في خربةٍ أن يعرّفها، فإن وجد مَن يعرفها و إلّاتمتّع بها»(1).

السند صحيحٌ‌، و دلالتها ظاهرةٌ‌. و وجه رفع التعارض بيّنٌ بعد ما ذكرناه في التعليق على الروايات السابقة عليها، إذ الرواية ترتبط بأحكام اللقطة، لابأحكام الكنز. حيث إنّ اللقيط يُعرَّف، لاالكنز.

فالحديث خارجٌ عمّا نحن بصدده تخصّصاً.

الرواية الرابعة

«محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن عبداللّه بن جعفر قال: كتبت إلى الرجل عليه السلام أساله عن رجلٍاشترى جزوراً أوبقرةً للأضاحيّ‌، فلمّا ذبحها


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 25 ص 448 الحديث 32328، «التهذيب» ج 6 ص 398 الحديث 39.

وجد في جوفها صرّةً فيها دراهم أو دنانير أو جوهرةً‌، لمَن يكون ذلك‌؟

فوقّع عليه السلام: عرّفها البائع، فإن لم يكن يعرفها فالشيء لك رزقك اللّه إيّاه»(1).

السند صحيحٌ‌، و وجه رفع التعارض الإلتفات إلى أنّ «الكنز» لايصدق على ما وُجد في جوف الحيوان، لأنّه «مالٌ مدّخرٌ»؛ أمّا ما أكله الحيوان من الدراهم و الدنانير فلاادّخار فيه.

الرواية الخامسة

«محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن عبداللّه بن جعفرٍ الحميريّ قال:

سألته عليه السلام في كتابٍ عن رجلٍ اشترى جزوراً أو بقرةً أو شاةً أو غيرها للأضاحيّ أو غيرها، فلمّا ذبحها وجد في جوفها صرّةً فيها دراهم أو دنانير أو جواهر أو غير ذلك من المنافع، لمَن يكون ذلك‌؟ و كيف يعمل به‌؟

فوقّع عليه السلام: عرّفها البائع، فإن لم يعرفها فالشيء لك رزقك اللّه إيّاه»(2).

الظاهر اتّحاد الحديث مع ما سبق قبله، فهما حديثٌ واحدٌ رُوي بسندين مختلفين. و الكلام فيه نفس الكلام الّذي ذكرناه في السابق عليه.

الرواية السادسة

«محمّد بن يعقوب عن أحمد بن محمّد بن أحمد عن عليّ بن الحسن عن محمّد بن عبداللّه بن زرارة عن محمّد بن الفضيل عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام في حديثٍ‌: إنّ رجلاً عابداً من بني إسرائيل كان محارفاً، فأخذ عزلاً فاشترى


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 25 ص 452 الحديث 32335، «الكافي» ج 5 ص 139 الحديث 9؛ و انظر: «التهذيب» ج 6 ص 392 الحديث 14.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 25 ص 452 الحديث 32336، «الفقيه» ج 3 ص 296 الحديث 4062.

به سمكةً فوجد في بطنها لؤلؤةً‌، فباعها بعشرين ألف درهمٍ‌، فجاء سائلٌ فدقّ الباب، فقال له الرجل: ادخل، فقال له: خذ أحد الكيسين؛ فأخذ أحدهما و انطلق فلم يكن بأسرع من أن دقّ السائل الباب، فقال له الرجل:

ادخل، فدخل فوضع الكيس في مكانه ثمّ قال: كن هنيئاً مريئاً، أنا ملكٌ من ملائكة ربّك انّما أراد ربّك أن يبلوك فوجدك شاكراً، ثمّ ذهب»(1).

السند صحيحٌ‌، و مضى الكلام في أبي حمزة البطائنيّ‌، و قد قلنا: إنّ ما رواه الأصحاب عنه يرجع إلى زمن استقامته على نهج الحقّ‌، لا زمن ضيقه و انحرافه، فلاإشكال فيه.

و لايخفى انّ الكنز لايصدق على ما وجده هذا الرجل، كما ذكرناه في التعليق على الرواية الرابعة.

و سنشير في كتاب الأنفال إلى أنّ البحار تُعدُّ من الأنفال. فمالك ما يوجد في بطن السمكة هو الإمام أو من يخلف عنه في أمر الحكم؛ أمّا على القول بكونها من المباحات الأوّليّة فاللؤلؤة لمن حاز السمكة.

و سنفصّل الكلام حوله في كتاب الأنفال - إن شاء اللّه! -.



1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 25 ص 453 الحديث 32337، «الكافي» ج 8 ص 385 الحديث 585 - مع تغييرٍ و زياداتٍ -.

المبحث الرابع في الغوص

اشارة

و المراد منه: السباحة في البحار و اصطياد أو أخذ بعض الأشياء منها.

و تفصيل الكلام فيه في مسائل:

المسألة الأولى هل للغوص دخلٌ في المسألة‌؟ أم لادخل له‌؟

هل للغوص دخلٌ في تعلّق الخمس بما يُستفاد من البحر؟ أم لادخل و لاخصوصيّة له‌؟.

المشهور على أنّ للغوص دخلاً في ذلك، فذهبوا إلى عدم وجوبه فيما يُستفاد و يُؤخذ من البحر من غير غوصٍ‌. نعم! يتعلّق به الخمس و لكن من جهة تعلّق الخمس بأرباح المكاسب.

و قولهم هذا لايخلو عن مناقشةٍ‌، إذ روايات الباب بين قسمين:

منها قسمٌ يدلّ على أنّ للغوص دخلاً في تعلّق الخمس بالمستفاد؛

و منها قسمٌ يدلّ على أنّ كلّ ما يؤخذ من البحر يجب فيه الخمس و إن كان من سطحه من غير حاجةٍ إلى الغوص.

و المشهور قيّدوا الثاني من القسمين بالأوّل منهما، فذهبوا إلى أن لاخمس فيما يُؤخذ من البحر من غير غوصٍ‌. و قد قلنا إنّ قولهم هذا لايخلو عن مناقشةٍ‌، لأنّ القسمين مثبتان، و لامعنى لحمل المقيّد و تقييده به فيما يكون لسان الأدلّة لسان اثباتٍ‌؛ إذ حمل المطلق على المقيّد من علاجات رفع التنافي و التعارض بين الأدلّة، و لاتنافى بين المثبتين حتّى يُحتاج إلى هذا الحمل.

فالمتحصّل من ذلك كلّه وجوب الخمس فيما يُستخرج و يُؤخذ من البحر.

و السرّ فيه كون البحر من الأنفال، و إذن الإمام في استخراجه مقيّدٌ باعطاء المستخرِج الخمس ممّا يستخرَج منه إلى الإمام.

نعم! في صيد السمك كلامٌ آخر، و هو: إنّ صيد السمك كان ممّا تدور عليه سيرة الناس، و هذه السيرة كانت في مرأى المعصومين و منظرهم عليهم السلام، و لم ينهوا الناس عنه و لم يطلبوا منهم الخمس؛ فالناس مأذونون في صيده مادام لم تمنعهم الدولة الإسلامية عنه.

المسألة الثانية في روايات الباب
اشارة

و تدلّ على تعلّق الخمس بما يؤخذ من البحر رواياتٌ‌؛ منها:

الرواية الأولى

«محمّد بن عليّ بن الحسين في الخصال عن أبيه عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن عمّار بن مروان قال: سمعت أباعبداللّه عليه السلام يقول: فيما يُخرج من المعادن و البحر و الغنيمة و الحلال المختلط بالحرام إذا لم يُعرف صاحبه و الكنوز الخمس»(1).

السند صحيحٌ‌، و الدلالة تامّةٌ‌.

الرواية الثانية

«و عن أحمد بن زياد بن جعفرٍ الهمدانيّ عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 494 الحديث 12566، «الخصال» ج 1 ص 290 الحديث 251.

أبي عمير عن غير واحدٍ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: الخمس على خمسة أشياء، على: الكنوز و المعادن و الغوص و الغنيمة؛ و نسي ابن عميرٍ الخامس»(1).

السند صحيحٌ‌، و لاأقلّ من كونه موثّقاً؛ و مضى بعض الكلام في انّ توثيق الصدوق رحمه الله مشايخه بروايته عنهم لايُعدُّ أدون مرتبةً من توثيق النجاشيّ و أضرابه.

و الرواية من جملة رواياتٍ قُيّد فيه «ما يُخرج من البحر» بالغوص، و قلنا في المسألة الأولى انّ هذا التقييد من باب بيان الفرد الغالب، لاحمل ما يخرج من البحر على الغوص؛ فليس شرطاً في تعلّق الخمس به.

و تؤيّده الرواية التالية، حيث جُعل فيها العنبرُ ممّا يُستخرج من البحر، بينما انّ العنبر يؤخذ من سطح البحر، أو من سواحله.

الرواية الثالثة

«محمّد بن الحسن بإسناده عن عليّ بن مهزيار عن ابن أبي عمير عن حمّاد عن الحلبيّ قال: سألت أباعبداللّه عليه السلام عن العنبر(2)و غوص اللؤلؤ؟ فقال: عليه


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 494 الحديث 12567، «الخصال» ج 1 ص 291 الحديث 53؛ و انظر: «مستدرك الوسائل» ج 7 ص 282 الحديث 8227، «بحار الأنوار» ج 93 ص 189.

2) . في ماهيّة العنبر خلافٌ بين الحكماء و اللغويّين، كما ذكر بعض أقوالهم فيه الزبيديّ بعد أن قال: «العنبر: طيبٌ معروفٌ‌، و قد وقع فيه اختلافٌ كثيرٌ»؛ راجع: «تاج العروس» ج 7 ص 269 القائمة 1؛ فراجعه لتجد فيه من الغرائب ماتدهش منه العقول. و انظر أيضاً: «مدارك الأحكام» ج 5 ص 377، حيث أراد العامليّ رحمه الله أن يبيّن الموضوع أوّلاً ثمّ يحكم عليه بما يصل إليه نظره الشريف؛ و كلامه أيضاً لايخلو عن غرابةٍ‌!.

الخمس - الحديث -»(1).

السند صحيحٌ‌.

و الظاهر من المتن كون العنبر و غوص اللؤلؤ من مصاديق ما يُخرج من البحر، فلاخصوصيّة للغوص.

الرواية الرابعة
اشارة

«و بإسناده عن سعدٍ عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب عن أحمد بن محمّد بن أبي نصرٍ عن محمّد بن عليّ بن أبي عبداللّه عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عمّا يخرج من البحر من اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد و عن معدن الذهب و الفضّة هل فيها زكاةٌ؟

فقال: إذا بلغ قيمته ديناراً ففيه الخمس»(2).

الرواية من جازمات الصدوق رحمه الله، فلابأس بها.

و لنذكر فيما يرتبط بدلالتها نكتتين:

النكتة الأولى

الرواية صريحةٌ في أنّ اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد - و جميعها ممّا يستخرج بالغوص(3)- تُعدُّ من مصاديق ما يخرج من البحر، فالرواية تؤيّد ما ذهبنا إليه من أنّه لاخصوصيّة


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 498 الحديث 12576، «التهذيب» ج 4 ص 121 الحديث 3؛ و انظر: «الكافي» ج 1 ص 548 الحديث 28.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 494 الحديث 12565، «التهذيب» ج 4 ص 124 الحديث 13؛ و انظر: «الكافي» ج 1 ص 547 الحديث 21، «الفقيه» ج 2 ص 39 الحديث 1644.

3) . في كون الياقوت و الزبرجد ممّا يستخرج بالغوص نظرٌ واضحٌ‌.

للغوص، و لادخل له في تعلّق الخمس بما يستخرج من البحر.

النكتة الثانية

ما هو المرجع لعود الضمير في قوله عليه السلام: «قيمته»؟، هل يرجع إلى جميع ما سأل عنه السائل ممّا يخرج من البحر و من معادن الذهب و الفضّة‌؟؛ أو يرجع إلى «ما يخرج من البحر» فقط؟.

لاسبيل إلى الثاني، إذ لسان الرواية عامٌّ غير قابلٍ للتخصيص ببعضٍ من أفرادها؛

و الأوّل أيضاً لايخلو عن شيءٍ‌، إذ المشهور من المتأخّرين على أن لازكاة في المعدن إلّا إذا بلغ ثمنه إلى عشرين ديناراً، فليس نصابه ديناراً واحداً، بل عشرون ديناراً. هذا من وجهة رأي المتأخّرين.

أمّا المتقدّمون فمضت الإشارة إلى أنّهم لايقولون بوجود النصاب في المعدن، و هو المختار.

و كيف كان فالرواية معرضٌ عنها عند الأصحاب، المتقدّمين منهم و المتأخّرين، فلاسبيل إلى الأخذ بها.

فما هو مقتضى الأصل في المسألة‌؟

أقول: المتعيّن في المقام هو أصالة عدم القيديّة، الدالّة على عدم اشتراط النصاب في تعلّق الخمس بما يخرج من البحر. و هذا الأصل مقدّمٌ على أصالة البراءة الدالّة على اشتراط النصاب فيه، لأنّه من باب الاستصحاب، فيقدّم على أصالة البراءة.

فالمختار تعلّق الخمس بما يخرج من البحر، قليلاً كان أو خطيراً؛ و الحمد للّه ربّ العالمين.

المسألة الثالثة هل للبحر خصوصيّةٌ في المقام

قلنا: الظاهر انّه لاخصوصيّة للغوص الوارد في بعض روايات الباب، و مضى تفصيل الكلام فيه.

و الآن نقول: الظاهر انّه لا خصوصيّة لل‍ «بحر» أيضاً، بل يتعلّق الخمس بما يُستخرج من جميع أقسام المياه؛ لأنّها تُعدُّ من الأنفال، كالبحار، و الأنهار - الغزير منها و غير الغزير -؛ بل و القناة و الأردبّة أيضاً، لأنّ مياه الأردبّة تُحصل من البوادي و الفلوات، و هي من الأنفال، فمياهها أيضاً منها.

فإذن تبيّن أنّه كلّما يُستخرج من الأنهار و القنوات يجب إخراج الخمس منه أيضاً.

المسألة الرابعة في ما يُصطاد من السفينة الباقية

لوباقت سفينةٌ في البحر و كانت فيها دراهم و دنانير و غيرهما من الأشياء الثمينة، فغاص إليها أحدٌ و استخرج بعض أشيائها من الماء، فهل يُحكم في تلك الأموال بما يُحكم في الأموال المستحصلة من الغوص‌؟ فتكون لمن وجدها و يجب عليه إخراج الخمس منها؟؛

المختار في المسألة القول بالفرق بينهما، لأنّ صاحب تلك الأموال لايخلو:

إمّا أن أعرض عنها؛

أو لم يعرض عنها و يعدّها ملكاً لنفسه؛

أمّا لو لم يعرض عنها فلايجوز التصرّف فيها، لأنّه لايجوز التصرّف في مال الغير بالإجماع إلّاباذنٍ منه، فلو أذن للمستخرِج فاستخرجها فهو له، و لاخمس إذن.

أمّا لوأعرض عنها، فتكون ممّا لاربّ و لامالك لها، فهي لمن حازها، فلاخمس فيها أيضاً. و ذلك نظراً إلى إذن الدولة الإسلاميّة بحيازة ما لامالك له(1).


1) . و انظر: «كشف الغطاء» ج 2 ص 360.

المسألة الخامسة النصاب في المعادن البحريّة

مضت الإشارة إلى أنّ المختار عدم اشتراط النصاب في تعلّق الخمس بالمعدن، برّيّاً كان أو بحريّاً؛ و قد فرغنا عن تفصيل الكلام فيه.

لكن بقي علينا أن نشير إلى نكتةٍ‌؛ و هي:

انّ القائلين باشتراط النصاب فيه ذهبوا إلى أنّ النصاب في المعادن البرّيّة بلوغ ما يُستخرج منها إلى عشرين ديناراً؛ أمّا النصاب في المعادن البحريّة فهو دينارٌ واحدٌ، و ذلك نظراً إلى أدلّة بيان الخمس في ما يخرج من البحر بالغوص.

و الظاهر انصرافها عمّا يُخرج من المعادن البحريّة، و اختصاصها بالمستخرج بالغوص بالخصوص، و اشتمال الأدلّة الّتي تبيّن حكم المعدن لقسميه كليهما، البرّيّ منه و البحريّ‌.

فيليق بهم أن لايفرّقوا بين المعادن البرّيّة و البحريّة فى النصاب، و يحكموا بكونه فيهما عشرين ديناراً.

و ذلك أشبه بمباني الأصوليّين، و أبعد عن آراء الأخباريّين أصحاب الجمود على ظواهر النصوص من غير عرض بعضها على الآخر. و ذلك كلّه واضحٌ‌.


المبحث الخامس في المال الحلال المختلط بالحرام

اشارة

و تفصيل الكلام فيه في مسائل أيضاً. و يجب علينا قبل الخوض في البحث أن نشير إلى نكتتين هامّتين:

النكتة الأولى

لاريب في أنّ رحمة اللّه - سبحانه و تعالى - واسعةٌ‌، و ما من شيءٍ إلّاو هو مرحومٌ‌. و من رحمته على أبناء آدم أن فتح لهم باب التوبة، و أمرهم أن يدخلوها، و ضمّن لهم أن يقبلهم لو أتوه مقرّين بما فعلوه من الآثام نادمين عليه مريدين أن لايعودوا إليه جابرين ما يمكن لهم أن يجبروه.

ما نحن فيه من مصاديق هذه الرحمة الواسعة. فلوخلط الحرام و الحلال في ما يملكه أحدٌ ثمّ أناب فأراد أن يعود إليه - سبحانه و تعالى -، فترى ماذا يصنع‌؟.

أدلّة الباب - و سنفصّل الكلام حولها - قد دلّت على أنّ اللّه - سبحانه و تعالى - جعل إخراج الخمس من ذلك المال وسيلةً للقرب إليه، و الخروج عن عهدة الآثام. فسبحان المنعم الوهّاب القابل للتّوب الغافر للذّنب!.

النكتة الثانية

الكلام في هذا المبحث كلّه يرجع إلى ما إذا لم يُعرف مالك الحرام، أو مقدار الحرام، إذ لوعُرف المالك أو المقدار ففي هاتين الصورتين لايكفي إخراج الخمس عن ذلك المال، بل لهما أحكامٌ سنبيّنها(1).

فمحطّ الكلام في مسألتنا هذه - على سبيل المثال - ما لوخلط الحلال في مال مسلمٍ بالحرام بسبب الربا، فالرابي لو لم يعرف مالكي ما دخل في ملكه من الحرام و لم يعلم مقداره


1) . و انظر: «كتاب الخمس» - للشَّيخ الأعظم رحمه الله - ص 243.

فيكفي له اعطاء الخمس من ماله.

هذا؛ و في المبحث مسائل.

المسألة الأولى في الروايات المثبتة لوجوب إخراج الخمس منه
اشارة

مقتضى العلم الإجمالي بكون المال مشاعاً بينه و بين الآخرين وجوب الاجتناب عن المال كلّه، فلايجوز له التصرّف فيه. فهذا المال للدولة الإسلاميّة، لأنّه من الأنفال، و لأنّه ممّا لا ربّ له. هذا مقتضى القاعدة في المسألة.

أمّا روايات الباب فلها دلالةٌ ظاهرةٌ على جواز تصرّف المالك فيه و الاكتفاء بإخراج الخمس منه؛ و هذا من المجمع عليه بين الأصحاب.

و هيهنا نأتي بتلك الروايات لتظهر مدى دلالتها على مذهب القوم. فمنها:

الرواية الأولى

«محمّد بن الحسن بإسناده عن سعدٍ عن يعقوب بن يزيد عن عليّ بن جعفر عن الحكم بن بهلول عن أبي همَّام عن الحسن بن زياد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: إنّ رجلاً أتى أميرالمؤمنين عليه السلام فقال: يا أميرالمؤمنين! إنّي أصبت مالاً لاأعرف حلاله من حرامه،

فقال له: اخرج الخمس من ذلك المال، فانّ اللّه - عزّ و جلّ - قد رضي من المال بالخمس، و اجتنب ما كان صاحبه يُعلم»(1).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 505 الحديث 12591، «التهذيب» ج 4 ص 138 الحديث 12؛ و انظر: «مسائل عليّ بن جعفر» ص 310 الحديث 782.

أمّا السند ففيه الحكم بن بهلول، و هو لم يوثّق(1). و لكن الرواية أوردها الصدوق جازماً بصحّتها، فيمكن أن يقال بأن الصدوق وثّقه. و كيف كان فلامجال للبحث فيه كثيراً، لأنّها من مرويّات الصدوق أيضاً(2).

و دلالتها ظاهرةٌ‌. و الظاهر انّ رضا اللّه - تعالى - بالمال المستخرج منه الخمس ليس حكماً أوّليّاً في المسألة، بل رضاه - تعالى - ناشيءٌ من رضا المعصوم به، لأنّه هو مالك ذلك المال.

الرواية الثانية

«محمّد بن عليّ بن الحسين قال: جاء رجلٌ إلى أميرالمؤمنين عليه السلام فقال: يا أميرالمؤمين! أصبت مالاً أغمضت فيه، أ فلي توبةٌ؟ قال: إئتني بخمسه، فأتاه بخمسه؛ فقال: هو لك، إنّ الرجل إذاتاب تاب ماله معه»(3).

السند لابأس به، لأنّه من جازمات الصدوق.

و دلالتها على المقصود تامّةٌ‌. و الظاهر اتّحادها مع الّتي سبقت عليها.

المسألة الثانية في الروايات النافية لوجوب إخراج الخمس منه
اشارة

مضت في المسألة الأولى الإشارة إلى أنّ روايات الباب تدلّ على وجوب إخراج


1) . بل لايبعد القول بكونه من المجاهيل حيث لم يذكره الشيَّخ رحمه الله، و لاالنجاشيّ و لاالعلّامة 0؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 6 ص 165 الرقم 3842.

2) . انظر: الرواية التالية.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 506 الحديث 12593، «الفقيه» ج 2 ص 43 الحديث 1655.

الخمس من المال المختلط حلاله بحرامه. و هناك روايتان تدلّان بظاهرهما على عدم وجوب إخراج الخمس منه و جواز التصرّف فيه كلّه؛ فبين هذه الطائفة من الأخبار و الّتي مرّت قبلها تعارضٌ ظاهر.

فنذكر هيهنا تلك الأخبار أوّلاً ثمّ نأتي بما يبدو لنا من الوجه للجمع بينهما.

الرواية الأولى

«و عنهم عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوب عن أبي أيّوب عن سماعة قال: سألت أباعبداللّه عليه السلام عن رجلٍ أصاب مالاً من عمل بني أميّة و هو يتصدّق منه و يصل منه قرابته و يحجّ ليغفر له ما اكتسب، و يقول: «إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ‌»(1). فقال أبوعبداللّه عليه السلام: إنّ الخطيئة لاتكفّر الخطيئة و إنّ الحسنة تحطّ الخطيئة. ثم قال: إن كان خلط الحرام حلالاً فاختلطا جميعاً فلم يعرف الحرام من الحلال فلابأس»(2).

الرواية موثّقةٌ‌، لمكان سماعة. و قد كثر الكلام فيه و في مذهبه، و الكلّ متّفقٌ على توثيقه. و كيف كان فلابأس بالسند.

و في قوله عليه السلام: «إن كان خلط الحرام حلالاً...» إيماءٌ إلى عدم وجوب أداء الخمس منه.

الرواية الثانية

«و عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حمّادٍ عن الحلبيّ عن


1) . كريمة 114 هود.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 17 ص 88 الحديث 22051، «الكافي» ج 5 ص 126 الحديث 9، «التهذيب» ج 6 ص 369 الحديث 189.

أبي عبداللّه عليه السلام قال: أتى رجلٌ أبي عليه السلام فقال: إنّي ورثت مالاً و قد علمت أنّ صاحبه الّذي ورثته منه قد كان يربي و قد عرفت انّ فيه رباً و استيقن ذلك، و ليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه؛ و قد سألت فقهاء أهل العراق و أهل الحجاز فقالوا: لايحلّ أكله؛ فقال أبوجعفر عليه السلام: إن كنت تعلم بأنّ فيه مالاً معروفاً رباً و تعرف أهله فخذ رأس مالك و رُدّ ما سوى ذلك، و إن كان مختلطاً فكلّه هنيئاً - الحديث -»(1).

السند صحيحٌ‌، و دلالتها واضحةٌ‌.

بقي الكلام في بيان الوجه في الجمع بين هاتين الطائفتين الدالّة أولاهما على وجوب اعطاء الخمس، و ثانيتهما على عدم وجوبه.

فنقول: الظاهر كون الطائفة الثانية عامّةً و الأولى مخصّصةً لها، فهي تخصّص بها و تقيّد بمدلولها. هذا على المختار من امكان الجمع بين الطائفتين.

أمّا على القول بكونهما من قبيل السلب و الإيجاب و عدم امكان الجمع بينهما، فلامناص من طرح الطائفة الثانية و الأخذ بأولاهما. و يؤيّده إعراض الأصحاب عنها، إذ لم يذهب أحدٌ من المتقدّمين و المتأخّرين منهم إلى جواز التصرّف في ذلك المال من غير أن يُخرج منه خمسه، و هذا واضحٌ‌.

المسألة الثالثة إذا كان المالك مجهولاً و المقدار معلوماً

مضى الكلام فيما إذا لم يُعلم المالك و لاالمقدار في المسألتين الأولَيَين. و الكلام في المسألة


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 18 ص 129 الحديث 23303، «الكافي» ج 5 ص 145 الحديث 5؛ و انظر: «الفقيه» ج 3 ص 276 الحديث 3999.

الثالثة فيما إذا كان المالك مجهولاً بينما كان المقدار معلوماً، فيعلم أنّ خمسين ديناراً ممّا دخل في ماله - على سبيل المثال - لايتعلّق به حقيقةً‌، و لكن لايعلم لمَن هو؟، و بمن يتعلّق‌؟. فما حكم هذا المال‌؟.

نقول: لا ريب أوّلاً في أنّه يُعدّ من الأموال المجهولة المالك. و ثانياً قد اختلفت الروايات في حكم المجهول المالك بين الدالّة على جواز تملّكه لمن هو في يده، و بين الدالّة على وجوب التصدّق به و عدم جواز التصرّف فيه.

و المختار كونه للإمام عليه السلام، و للدولة الإسلاميّة من بعده. و يشمله ما قد فصّلنا الكلام حوله من قاعدة «الحاكم وليّ من لاوليّ له و مالك ما لامالك له». فهذا المال للدولة الإسلاميّة. فما دلّ على جواز التصرّف فيه أو وجوب التصدّق به ليس إلّافي صدد بيان إذن الإمام عليه السلام بهاتين الكيفيّتين و رضاه بهما، لا في صدد بيان حكمه الشرعيّ‌.

و يؤيّد المختار ما رواه الكلينيّ رحمه الله في جامعه بسندٍ صحيحٍ‌، و نصّه:

«محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن موسى بن عمر عن الحجّال عن داود بن أبي يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قال رجلٌ‌: إنّي قد أصبت مالاً و انّي قد خفت فيه على نفسي، و لوأصبت صاحبه دفعته إليه و تخلّصت منه.

قال: فقال له أبوعبداللّه عليه السلام: و اللّه أَن لوأصبته كنت تدفعه إليه‌؟ قال: إي و اللّه؛ قال: فأنا و اللّه، ما له صاحبٌ غيري. قال: فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره، قال: فحلف، فقال: فاذهب فاقسمه في إخوانك و لك الأمن ممّا خفت منه. قال: فقسمته بين إخواني»(1).

و قول الرجل: «إنّي أصبت مالاً» يشمل اللقطة و مجهول المالك، و قد سوّى مولانا


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 25 ص 450 الحديث 32331، «الكافي» ج 5 ص 138 الحديث 7؛ و انظر: «الفقيه» ج 3 ص 296 الحديث 4063.

الصادق عليه السلام بينهما في الحكم حيث قال: «و اللّه ما له صاحبٌ غيري». فمجهول المالك - و هو محطّ الكلام في مسألتنا هذه - يتعلّق به في زمن الحضور، و لمن يخلف عنه في مناصبه في زمن الغيبة، فهو للدولة الإسلاميّة.

المسألة الرابعة إذا كان المالك معلوماً و المقدار مجهولاً

و من شقوق المطلب ما لوعُلم مالك المال الحرام و لم يُعلم مقداره، فما هو الحكم في هذا الشقّ؟.

مقتضى القاعدة وجوب اقناع المالك و جبْر خاطره. و لو لم يرض المالك إلّابما يزيد على حقّه فرجوع الأمر إلى الدولة الإسلاميّة، و عليها أن يصلح بينهما بالمقبول المستحسَن في الشريعة المعتاد في عرف الناس؛ لأنّ الحاكم وليّ المُمتنع.

هذا؛ و جعل السيّد الفقيه اليزديّ رحمه الله المسألة من توابع باب الأقلّ و الأكثر الاستقلاليَّين، فذهب إلى وجوب اعطاء الأقلّ و براءة الذمّة من الأكثر(1)، ثمّ تمّمه بقوله: «إذا كان في يده»(2). ففي نظره الشريف إنّ دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الاستقلاليَّين يدلّ على عدم جواز تصرّفه في الأقلّ‌؛ و قاعدة اليد تحكم بكون الأكثر ملكاً له.

و في كلاجزئي نظره نظرٌ؛

أمّا أوّلاً: فلأنّ علمه الإجمالي بوجود مال الغير في ملكه يمنعه عن التصرّف في الأكثر أيضاً، فلافرق بين الأقلّ و الأكثر عند قيام العلم الإجمالي على كون ما في يده مشاعاً بينه


1) . قال رحمه الله: «... و لو انعكس بأن علم المالك و جهل المقدار تراضيا بالصّلح و نحوه، و إن لم يرض المالك بالصّلح ففي جواز الاكتفاء بالأقلّ أو وجوب إعطاء الأكثر وجهان: الأحوط الثّاني و الأقوى الأوَّل»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 27، ج 2 ص 379.

2) . راجع: نفس المصدر المذكور في التعليقة السّالفة.

بين غيره.

و

و أمّا ثانياً: فلعدم جواز الركون إلى قاعدة اليد بعد أن دلّ العلم الإجمالىّ على عدم ملكيّته لما في يده، إذ العلم الإجمالي يحكم في المقام بسقوط قاعدة اليد عن الحجّيّة، للعلم باشتراك غيره معه فيه.

هذا اختصار القول في ما يظهر لنا من الأنظار حول كلامه الشريف.

المسألة الخامسة إذا كان المالك معلوماً بالعلم الإجمالي
اشارة

و من فروع المطلب ما لوعُلم المالك المضبوط في الشبهة المحصورة بالعلم الإجمالي، فيعلم أنّ الحرام المختلط بالحلال من ماله يتعلّق بالموجود بين أربعة أشخاصٍ مثلاً. كمَن كان يتاجر مع أربعةٍ من تجّار البلاد، فغشّ مرتبةً في معاملةٍ‌، فأصاب حظّاً وافراً. و هو يريد أن يخرج هذا الحظّ عن ماله و يوصله إلى مالكه، و لكن لايعلم مَن المالك مِن الأربعة بالضبط؛ فما هو الحكم في المسألة‌؟.

قد نقل السيّد اليزديّ رحمه الله(1)في المسألة أقوالاً أو وجوهاً أربعة، و إلى كلٍّ منها سار جمعٌ من الفقهاء. و تفصيل الأقوال:

القول الأوّل:

القول المبني على القاعدة القائلة بأنّ العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي في تنجّز التكليف، فيعلم باشتغال ذمّته بحيازة مال الغير من غير رضاه، فيجب عليه براءة ذمّته منها. و لاتحصل إلّاباقناعهم، فيجب اقناع الجميع و جبْر خاطرهم. و لو لم يرضوا فمع الحُكم أن يرضاهم بما لايخرج عن موازين الشرع و العرف.

و هذا القول هو المختار من بين الأقوال الأربعة.


1) . راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 30، ج 2 ص 381.

القول الثاني:

عدُّ هذا المال من الأموال المجهولة المالك، فلايلزم عليه أن يرضاهم، بل يكفي له أن يسلّمه إلى الدولة الإسلاميّة.

و يرد عليه: كون العلم الإجمالي القائم في البين مانعاً عن عدّه في عداد مجهول المالك، إذ العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي في الدلالة على تعلّق الملك بأحدٍ من الأربعة.

غاية الأمر اشتباه المالك و تردّده بينهم، فلايكون المال ممّا لايُعلم مالكه؛ فلايمكن الذهاب إلى جواز الانصراف عن اقناعهم و تسليمه إلى الدولة الإسلاميّة.

القول الثالث:

و هو القول بامكان الذهاب إلى قاعدة القرعة و التمسّك بها في المقام، فيختار من بينهم أحداً بحكمها و يسلّم إليه ذلك المال.

و يرد عليه: تخصيص القاعدة بالمشاكل من الأمور، كما نبّه عليه قولهم: «القرعة لكلّ أمرٍ مشكلٍ‌»(1). و لامشكلة في المقام، إذ العلم الإجمالي يحكم بوجوب جبر خاطرهم جميعاً. و لهذا لم يقل أحدٌ من الفقهاء بجواز التمسّك بالقاعدة في الشبهة المحصورة للإجتناب عن أحد الآنية و الشرب من غيره.

و عليه ابتنى القوم مبناهم المشهور من عدم جواز التوسّل بالقرعة إلّاللدولة الإسلاميّة؛ أمّا المقلِّد أو الفقيه فلايجوز لهما التوسّل إليها. و بعضهم خصّصها بالمنصوص، فيمكن الأخذ بالقاعدة فيما إذا كان منصوصاً بها.

و كيف كان فالتحقيق فيها موكولٌ إلى محلّه من مباحث القواعد الفقهيّة.

القول الرابع:

و هو مختار السيّد اليزديّ رحمه الله(2)، و هو القول بتقسيمه بالسويّة بين جميع


1) . فانظر: «رياض المسائل» ج 1 ص 323، «كتاب الصلاة» - للشيخ الأعظم رحمه الله - ص 49، «مصباح الفقيه» ج 2 ص 99 - كلّها من الطعبة الحجريّة -، «كتاب الطهارة» - للمحقّق الخوئيّ رحمه الله - ج 8 ص 148.

2) . حيث قال رحمه الله بعد سرد الأقوال: «وجوهٌ أقواها الأخير»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس فصل 1 المسألة 30، ج 2 ص 382.

الأفراد المشتبهة. و مستنده في هذا الاختيار قاعدة العدل و الانصاف؛ إذ العدل يقضي بوجوب إيصال المال إلى مالكيه؛ و الإنصاف يحكم بأن لايكون أحدٌ منهم محروماً من ماله؛ و لئلّا يؤدّي الأمر إلى ترجيح بعضهم على الآخرين من غير مرجّحٍ‌.

و نظيره ما اشتهر في درهم الودعيّ‌، حيث حكم الأصحاب في ما بقي من المال الّذي أخذه اللصّ بوجوب تقسيمه بين مالكي الدراهم. و هو و إن يؤدّي إلى المخالفة القطعيّة لمقتضى العلم الإجمالي بكون الدرهم لأحدهم، لا لجميعهم، و لكن قد حكم به الأصحاب و عملوا به. و تؤيّد حكمهم هذا روايات الباب أيضاً.

و يرد عليه أيضاً: تخصيص القاعدة بما إذا لم يوجد سبيلٌ إلى الهرب عن مخالفة الواقع، بينما انّ السبيل في مسألتنا هذه موجودٌ و الطريق مفتوحٌ‌، و هو إقناع خاطرهم لو أمكن، و الرجوع إلى الدولة الإسلاميّة لو لم يمكن.

و الظاهر وضوح حكم الفرع بعد لفت النظر إلى هذه الآراء و ما يرد على كلّ واحدٍ منها.

المسألة السادسة لو لم يكن المقدار معلوماً بالضبط

و من فروع المطلب ما إذا لم يُعلم بالضبط مقدار الحرام الّذي اختلط بالحلال من ماله، و لكن يُعلم بالإجمال انّه يزيد على الخمس من ماله، فما هو الحكم فيه‌؟.

من الغريب هيهنا ما ذهب إليه الفقيه اليزديّ رحمه الله من القول بصحّة الاكتفاء باخراج الخمس فقط، نظراً إلى أنّ أدلّة الباب تشمل هذه الصورة أيضاً، فاعطاء الخمس منه يوجب تطهيره تعبّداً(1).


1) . قال رحمه الله: «ففي صورة العلم الإجماليّ بزيادته عن الخمس أيضاً يكفي إخراج الخمس، فإنّه مطهّرٌ للمال تعبّداً»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 29، ج 2 ص 380.

و هذا غريبٌ منه جدّاً!. إذ لروايات الباب لسانٌ ظاهرٌ على أنّ إخراج الخمس من المال يختصّ بما إذا لم يوجد طريقٌ لتحصيل مقدار الحرام و المعرفة به؛ فروايات الباب منصرفةٌ عن هذه الصورة.

و الظاهر انّه يعدُّ من مجهول المالك، و أمره مفوّضٌ إلى الدولة الإسلاميّة؛ فالحاكم يعامل معه كيفما شاء، إن شاء يصالحه على الخمس، و إن شاء يصالحه على أزيد منه.

المسألة السابعة ذا لم يكن المالك و لاالمقدار معلوماً (مسألة ردّ المظالم)

مورد المسألة ما إذا علم باشتغال ذمّته بما لايعلم مقداره و لايعلم مالكه و لايعلم موضعه في أمواله. فلايعلم هل ذمّته مشغولةٌ بما دخل في ميزانيّاته، أو بما دخل في ما اشترى به بيته، أو في مكسبه، أو في غيرها.

و هو المعنون في فقه أهل البيت عليهم السلام بردّ المظالم.

و لاخلاف فيما إذا علم مقداره، فيجب عليه إخراجه من ماله. أمّا إذا لم يعلم مقداره و لايكون له سبيلٌ إلى العلم به، فالظاهر انّ المسألة من أفراد دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الاستقلاليَّين، لعدم تنجّز العلم الإجمالي في هذه الصورة، لأنّه لم يوجد في الخارج مالٌ معيّنٌ مشاعٌ بينه و بين غيره، ليتنجّز العلم الإجمالي باشتراكه مع غيره فيه.

و في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الاستقلاليَّين يعلم باشتغال ذمّته بالأقلّ و يشكّ في اشتغالها بالأكثر شكّاً بدويّاً؛ و البراءة حاكمةٌ في الثاني، فتشتغل ذمّته بالأوّل فقط.

و كذلك فيما إذا علم مالكه من غير أن يعلم مقداره، فيعطيه الأقلّ‌، و ذمّته بريئةٌ عن الأكثر.

المسألة الثامنة إذا كان المالك معلوماً بين أفرادٍ محصورةٍ‌

و ممّا ذكره السيّد رحمه الله من فروع الباب: ما إذا كان المالك معلوماً بين أفرادٍ محصورةٍ من غير أن يكون معلوماً بالضبط(1)، كما في المسألة الخامسة الّتي مضى تفصيل الكلام حولها.

و لاسبيل هيهنا إلى القول بالذهاب إلى قاعدة القرعة؛ أو كونه من المجهول المالك؛ أو التمسّك بقاعدة الانصاف؛ لتنجّز العلم الإجمالي في المسألة، فيتعيّن الحكم في جبْر خاطرهم و تحصيل رضاهم. و إن امتنعوا فيُرجع إلى الحاكم، لأنّ الحاكم وليّ الممتنع.

المسألة التاسعة إذا كان المال الحرام معلوماً بالعلم الإجمالي

و هي تتحقّق فيما إذا كان المال المختلط حلاله بحرامه معلوماً بالعلم الإجمالي، فيعلم أنّه قد دخل في ميزانيّته، أو في ثمن بيته، أو في مكسبه. و هو من موارد دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الاستقلاليَّين أيضاً، فتشتغل ذمّته بالأقلّ و هي بريئةٌ عن الأكثر.

و يجوز له إخراجه عمّا يريد من أمواله؛ لأنّه من باب تبديل المثل بالمثل في الدين، و هو جايزٌ بالاتّفاق.


1) . قال رحمه الله: «إذا علم قدر المال و لم يعلم صاحبه بعينه لكن علم في عددٍ محصورٍ ففي وجوب التخلّص...»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 30، ج 2 ص 381.

المسألة العاشرة إذا أخرج الخمس من المال ثمّ صار عالماً بمالكه

و موردها ما إذا أخرج الخمس من ماله المختلط و نقله إلى الإمام أو من ينوب عنه، ثمّ صار عالماً بمالكه على التعيين؛ فهل يجزي التخميس عن دينه‌؟ أو يجب عليه إعطاؤه ثانياً إلى مالكه‌؟.

ذهب السيّد رحمه الله في هذه المسألة إلى ثبوت الضمان(1)، فلايجزي ما أعطاه إلى الحاكم عن دينه. بينما كان يذهب في المسألة السادسة إلى أنّ روايات الباب تدلّ على تطهير المال تعبّداً بعد إخراج الخمس منه.

و هذا الكلام غريبٌ منه جدّاً!، و يشبه أن يكونا متهافتين.

أمّا على المختار من تخصيص روايات الباب بما إذا لم يُعلم المالك و لم يُعلم المقدار فلايجزي التخميس عن هذا الدين، كما اخترناه في المسألة السادسة.

و لوكابر مكابرٌ فلم يقبل تخصيصها به، فنقول: هيهنا طائفتان من الروايات:

الطائفة الأولى: ما تدلّ بظاهرها على طهارة المال تعبّداً بعد أن خمّسه، و مقتضاها عدم الضمان و كون المال ملكاً له. و قد ذكر الشيخ الحرّ رحمه الله تلك الروايات في الباب العاشر من أبواب ما يجب فيه الخمس من كتاب الخمس(2).

الطائفة الثانية: ما تدلّ على أنّ المال بعد التخميس لايصير ملكاً له، بل يجوز له التصرّف فيه فقط. كما في ما رواه الحرّ في الرواية الثانية من الباب الثاني من أبواب اللقطة من قوله عليه السلام:


1) . قال رحمه الله: «لو تبيّن المالك بعد إخراج الخمس فالأقوى ضمانه»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 33، ج 2 ص 384؛ و انظر: «جواهر الكلام» ج 16 ص 75، «كتاب الخمس» - للشَّيخ الأعظم رحمه الله - ص 260.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 505.

«فإن جاء صاحبها بعد ما تصدّق بها إن شاء اغترمها الّذي كانت عنده و كان الأجر له، و إن كره ذلك احتسبها و الأجر له»(1)

الدالّ على عدم تمليكه له. و في غيرها من روايات هذا الباب أيضاً ورد ما يدلّ على عدم التمليك، كقوله عليه السلام:

«فاجعلها في عرض مالِكَ‌»(2)

و قوله عليه السلام:

«يجري عليها ما يجري على مالِكَ‌»(3)

و المستفاد من عدم الملكيّة الضمان، فيجب عليه أن يسلّم المال إلى مالكه و إن أخرج الخمس منه قبله و أعطاه إلى الفقيه.

و لوذهب ذاهبٌ إلى عدم تماميّة دلالة هذه الروايات على عدم الملكيّة فلاضير أيضاً، إذ الطائفتان تتعارضان، فتتساقطان. و استصحاب مالكيّة المالك هو الحاكم في المقام، فيحكم بثبوت الضمان و وجوب تسليم المال إليه. و هذا ظاهرٌ.

المسألة الحادي عشرة في تخليط الحلال بالحرام من أمواله
اشارة

و موردها من الحيل الشرعيّة؛ و لاريب في قبحها و انحطاطها في نفسها، و لكن لابأس بالتعرّض إلى حكمه.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 25 ص 441 الحديث 32307.

2) . فانظر: «الكافي» ج 5 ص 139 الحديث 11، «التهذيب» ج 6 ص 390 الحديث 5، «وسائل الشيعة» ج 25 ص 442 الحديث 32308.

3) . فانظر: «وسائل الشيعة»، «التهذيب» نفس المصدرين المذكورين في التعليقة السالفة، «دعائم الإسلام» ج 2 ص 495 الحديث 1765.

فنقول: لوعلم أنّ بعض أمواله حلالٌ و لكن لايعلم مقداره، و كذلك علم بوجود مالٍ حرامٍ مجهول المقدار فيها فخلط الحرام بالحلال حتّى صارت أمواله من مصاديق مال المختلط حرامه بحلاله، فما هو الحكم بالنسبة إلى أمواله‌؟ هل يجب عليه أن يخرج منها الحرام الواقعيّ من غير أن يكون لهذا التخليط دوراً؟ أم يكفي له إخراج الخمس منها نظراً إلى ما لهذا التخليط من الدور في تغيير الموضوع، إذ الحرام صار مختلطاً بالحلال فخرج عن عنوان الحرمة و دخل في حيّز المختلط من الحلال و الحرام‌؟.

المسألة من صعاب المسائل، فنأتي بتفصيل الكلام فيها من خلال نكتتين:

النكتة الأولى

ذهب صاحب الجواهر رحمه الله(1)تبعاً لأستاذه العظيم الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله(2)إلى جواز التخليط و كفاية إخراج الخمس منه بعده، و ذلك نظراً إلى تبدّل العنوان المشروع في فقهنا؛ كمن يسافر هرباً من الصوم المنجّز عليه، فيبدّل عنوان الحاضر بالمسافر فيسقط الوجوب؛ و له نظائر فى فقه أهل البيت عليهم السلام.

و ذهب السيّد اليزديّ‌(3)تبعاً للشيخ الأعظم 0(4)إلى عدم الجواز و عدم كفاية إخراج


1) . راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 76. و قد أتى في المسألة بنصّ ما أتى به أستاذه حرفيّاً؛ فانظر: التعليقة الآتية.

2) . قال رحمه الله: «و لوخلط الحرام مع الحلال عمداً خوفاً من كثرة الحرام ليجتمع شرائط الخمس فيجتزي بإخراجه فأخرجه عصى بالفعل و أجزأ الإخراج»؛ راجع: «كشف الغطاء» ج 2 ص 361.

3) . قال رحمه الله: «لو كان الحرام المجهول مالكه معيّناً فخلطه بالحلال ليحلّله بالتخميس خوفاً من احتمال زيادته على الخمس فهل يجزيه إخراج الخمس أو يبقى على حكم مجهول المالك‌؟ وجهان، و الأقوى الثاني»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 35، ج 2 ص 384.

4) . قال رحمه الله: «فلوعلم قدر الحرام أوّلاً ثمّ تصرّف فيه و خلطه مع ماله حتّى نسيه... فجهل قدره بالإضافة إلى ماله فالظاهر انّ حكمها حكم مجهول المالك، فيجب التصدّق لا الخمس، لسبق الحكم به فلايرتفع بعروض الاختلاط»؛ راجع: «كتاب الخمس» - له - ص 261.

الخمس منه، مستدلّاً بأنّ الحرام الّذي دخل في ملكه قبل التخليط كان من المجهول المالك، فكان يتعلّق بالمساكين و الفقراء؛ و لايجوز التصرّف في مال الغير، فلايجوز له تخليطها، و لوبادر إليه لايكفي إخراج الخمس منه. لأنّه من المشترك بينه و بين غيره، و الشركة تستلزم اعطاء كلٍّ من الشركاء حقّه، لااعطاء الخمس بعضهم و عدُّ الباقي ملكاً لأحدٍ منهم.

و زاد الشيخ الأعظم رحمه الله في تحقيق المسألة أنّ روايات الباب منصرفةٌ عمّا إذا كان التخليط من عمدٍ و قصدٍ إليه، بل موردها ما إذا وقع خلط الحرام بالحلال بمرور الزمن من غير قصدٍ(1).

و هذا تحقيقٌ حقيقٌ به يشهد لصحّته لسان الروايات.

النكتة الثانية

المختار عدم جواز الاكتفاء بالخمس، لأنّه إذا خلط الحرام بالحلال وقعت شركةٌ قهريّةٌ بينه و بين مالك الحرام، و للشركة قواعد منها الالتزام باعطاء كلٍّ من الشركاء حقَّه.

هذا؛ ثمّ انّه يرد على مختار صاحب الجواهر رحمه الله: انّه غفل عن هذه الشركة القهريّة، فمال إلى تبدّل العنوان، بينما لاتبدّل فيما نحن فيه.

و يرد على مختار صاحب العروة رحمه الله: انّ الحرام لايتعلّق بالفقراء، بل هو للدولة الإسلاميّة، كما نصّ قدس سره في غيرها من المسائل على أنّ المجهول المالك يتعلّق بالحكم؛ هذا أوّلاً؛

و يرد عليه ثانياً: غفلته عن مبنى صاحب الجواهر رحمه الله، حيث لم يذهب الفقيه النجفيّ إلى عدم تعلّق الحرام بمالكٍ - كان من كان -، بل ذهب إلى أنّ الحرام الّذي كان يتعلّق بالفقراء


1) . قال رحمه الله: «لكن لايبعد دعوى إطلاق الأخبار بالنسبة إلى مثل ذلك... و فيه نظرٌ»؛ راجع: نفس المصدر.

أو بالدولة الإسلاميّة قد صار مختلطاً بالحلال، فيكفي إخراج الخمس منه و تسليمه إلى مالك الحرام.

و كيف كان فالظاهر عدم اعتراء الشبهة إلى أنّ الشركة القهريّة وقعت بينه و بين الحاكم، فللحاكم أن يأخذ منه ما يشاء ليفسخها فيصير الباقي ملكاً لمالك الحلال.

المسألة الثانية عشرة ما إذا وقع التخليط من غير قصدٍ منه

و من فروعات المسألة ما لو وقع التخليط من غير قصدٍ منه، كما إذا جاء صبيٌّ فخلط صبرة حنطته بصبرة جاره. و لم يذكر السيّد اليزديّ رحمه الله هذا الفرع في العروة مع شقفه بتكثير الفروع.

و كيف كان فالحكم فيه نفس الحكم الّذي مضى تفصيل الكلام فيه في المسألة السابقة.

المسألة الثالثة عشرة لو دارت سنةٌ كاملةٌ على هذا المال

ذهب صاحب العروة رحمه الله إلى تعدّد عنوان الخمس في هذا المال إذا زاد على المؤونة و مضت عليه سنةٌ كاملةٌ‌، فيجب فيه خمسان، خمسٌ لتحليله أوّلاً، و خمسٌ آخر لتعلّق وجوب إخراج الخمس به لو مضت عليه سنةٌ‌(1).

و هذا هو المختار المستفاد من تعدّد العنوان في روايات الباب.


1) . قال رحمه الله: «لوكان الحلال الّذي في المختلط ممّا تعلّق به الخمس وجب عليه بعد التخميس للتحليل خمسٌ آخر للمال الحلال الّذي فيه»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 36، ج 2 ص 385.

و الكلام كلّه في أنّ السيّد صاحب العروة رحمه الله ذهب في المسألة السابعة من المبحث الثاني إلى أنّ اعطاء خمس المعدن أوّلاً يكفي عن اعطاء الخمس ثانياً لومضت على المستفاد منه سنةٌ تامّةٌ‌، بينما أفتى هيهنا بوجوب إخراج الخمس مرّتين.

و لاأدري ما هو الفارق بين المستفاد من المعدن الّذي دارت عليه سنةٌ‌، و بين المال الحلال الّذي دارت عليه أيضاً سنةٌ؟!. و يشبه أن يكون هذا تناقضاً في كلامه قدس سره.

المسألة الرابعة عشرة لوأضاع و أتلف المال المختلط

لو أضاع و أتلف ما في يده من المال المختلط فبأيّ شيءٍ تشتغل ذمّته‌؟ هل تشتغل بالحرام الواقعي‌؟ أو يكفي له اعطاء الخمس فتبرىء ذمّته‌؟.

ذهب جمعٌ من الأعلام - منهم صاحب الجواهر(1)و الشيخ الأعظم(2)و الفقيه اليزديّ‌(3)- إلى الثاني، فذمّته بريئةٌ عن الحرام الواقعي. و استدلّوا بأنّ هذا المال قبل تلفه و إضائته كان محكوماً بالتخميس، فبعد التلف أيضاً يكفي إخراج الخمس منه. كما إذا وقعت شركةٌ بين زيدٍ و بين عمروٍ و كانت لزيدٍ ثلاثة أرباعٍ من ميزانيّة الشركة، فلو أتلف المال كلّه يكفي له إعطاء الربع إلى عمروٍ لفسخ الشركة و براءة ذمّته عمّا أتلفه.


1) . قال رحمه الله: «و لوتصرّف في المختلط بحيث صار الحرام منه في ذمّته لم يسقط الخمس»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 76.

2) . قال رحمه الله: «و لوتصرّف في المال المختلط بالحرام بحيث صار في ذمّته تعلّق الخمس في ذمّته»؛ راجع: «كتاب الخمس» - له - ص 268.

3) . قال رحمه الله: «إذا تصرّف في المال المختلط قبل إخراج الخمس بالاتلاف لم يسقط و إن صار الحرام في ذمّته، فلايجري عليه حكم ردّ المظالم على الأقوى»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 37، ج 2 ص 385.

و زاد الشيخ الأعظم قدس سره جريان أصل البراءة في الزائد على الخمس و حكم الاستصحاب باشتغال الذمّة به(1)، لأنّه كان يجب عليه قبل التلف إعطاء الخمس منه، و بعد الاتلاف يشكّ في القدر الزائد منه؛ فيحكم الاستصحاب باشتغال الذمّة به أوّلاً، ثمّ تحكم أصل البراءة ببرائتها عن الزائد عليه ثانياً. فيكفى له تسليم الخمس إلى الإمام أو من ينوب عنه في مناصبه.

و الظاهر عدم امكان الذهاب إلى مذهبهم، لأنّه لاريب في بطلان التصرّف في المال المختلط من الحلال و الحرام قبل إخراج الخمس حين اشتغال الذمّة بالحرام منه، ثمّ حكم الشارع منّةً على الأمّة بأنّ إخراج الخمس منه يكفي في براءة الذمّة عن الحرام الواقعيّ‌.

أمّا في مسألتنا هذه فليس في الخارج عينٌ يخرج منه الخمس، بل ذمّته مشغولةٌ بالحرام الواقعي الّذي كان سبباً لاشتغال ذمّته قبل إخراج الخمس الّذي لم يتحقّق بعدُ، فيحكم الاستصحاب باشتغال الذمّة بالحرام الواقعي، و لايكفي تسليم الخمس من المال الّذي أتلفه إلى الإمام لحصول براءة الذمّة.

فعليه أن يراجع إلى الحاكم، و الأمر في كيفيّة المصالحة بيده، فيأخذ منه الخمس، أو أقلّ منه، أو أكثر.

هذا تمام الكلام في ما يتعلّق بالمبحث الخامس؛ و الحمد للّه ربّ العالمين.



1) . لم أعثر على هذا التعليل منه رحمه الله.

المبحث السادس في أرضٍ اشتراها ذمّيٌّ من مسلمٍ‌

اشارة

قد أجمعت فقهاء الإماميّة على أنّه لو اشترى ذمّيٌّ أرضاً من المسلمين يجب عليه أن يسلّم خمس ثمنها إلى الدولة الإسلاميّة. و هذا المبحث عقدناه لنفصّل الكلام حول هذا الحكم فيه. و نأتي بتفصيله في مسائل.

المسألة الأولى إشارةٌ إلى لمّيّة وضع الحكم

الظاهر انّ لهذا الحكم دوراً سياسيّاً في تفاعل المسلمين مع الكفّار. فالشارع وضعه منعاً للكفّار مِن اشتراء أراضي المسلمين لئلّا يكثروا في بلادهم فيغلبوا عليهم و يجعلوهم أذلّةً فيصير المسلمون تحت أيدي الكافرين؛ إذ لاخلاف بين العقلاء في جميع الأعصار و الأمصار في أنّ الحكم لمن غلب.

المسألة الثانية ما رواه الشَّيخ في الباب

و يدلّ عليه ما رواه الشَّيخ قدس سره بسندٍ صحيح؛ و نصّه:

«محمّد بن الحسن بإسناده عن سعد بن عبداللّه عن أحمد بن محمّد عن الحسن بن محبوب عن أبي أيّوب إبراهيم بن عثمان عن أبى عبيدة الحذّاء قال: سمعت اباجعفر عليه السلام يقول: أيّما ذمّيٍّ اشترى من مسلمٍ أرضاً فانّ عليه الخمس»(1).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 505 الحديث 12589، «التهذيب» ج 4 ص 123 الحديث 12؛ و انظر: نفس المصدر و المجلّد ص 139 الحديث 15.

السند صحيحٌ‌؛ و دلالة الرواية واضحةٌ لاتحتاج إلى مزيدٍ من البحث. و رواه الصدوق رحمه الله أيضاً بإسناده عن أبي عبيدة الحذّاء(1).

المسألة الثالثة لاخصوصيّة للذمّيّ في هذا الباب

الظاهر انّه لاخصوصيّة للذمّيّ في هذا الحكم، بل ذكر الذمّيِّ من باب الغالب في المقام، حيث إنّ اليهود و النصارى الساكنين في بلاد الإسلام كانوا يعطون الجزية إلى حاكم المسلمين، فكانوا يُعدُّون ذمّيّاً.

أمّا وجوب اعطاء الخمس من ثمن الأرض فلايختصّ بهم، بل هو واجبٌ على جميع الكفّار، ذمّيّين كانوا أم غير ذمّيّين.

المسألة الرابعة لاخصوصيّة للأرض في هذا الباب

الظاهر انّه لاخصوصيّة في الأرض أيضاً، بل يجوز الغاء الخصوصيّة عنها. فلو اشترى داراً أو متجراً أو غيرها فهذا الحكم يجري في ثمنها أيضاً.

و قول بعضهم باختصاص الحكم بالأراضي الزراعيّة لا وجه له، إذ المراد من الأرض هيهنا الأموال غير المنقول، فلافرق بين الزراعيّ منها و غير الزراعيّ‌، كما لا فرق بينها و بين غيرها من الأموال غير المنقول - كما أشرنا إليه -.

و بما قلناظهر أنّ قول السيّد صاحب العروة رحمه الله بأنّه لواشترى داراً يكفي إخراج الخمس


1) . راجع: «الفقيه» ج 2 ص 42 الحديث 1653.

من ثمن أرضها فقط، و لايجب تخميس ثمن الدار(1)، ممّا لايُقبل، بل لا وجه له أيضاً.

المسألة الخامسة قصد القربة و وجوبه على المعطي أو الآخذ

لاخلاف في أنّ قصد القربة ساقطٌ عن الذمّيّ حين تسليمه الخمس، لأنّ الكفر يمنع عن تقرّبه نحو جناب عزّه العزيز - سبحانه و تعالى -؛ و هذا ممّا لاريب فيه.

أمّا الحاكم فهل يجب عليه أن يقصد القرب إليه - تعالى - حين الأخذ بدلاً عن المعطي‌؟؛

ظاهر بعضهم القول بالوجوب عليه؛ و الظاهر انّ هذا القول لايساعده المستفاد عن فقه أهل البيت عليهم السلام، لأنّه لا دليل في المقام يدلّ على تعلّق التكليف بالقصد بالحاكم عند الأخذ. و المعطي أيضاً لايتمكّن من ذلك، فيسقط قصد التقرّب رأساً؛ إذ لايمكن وضعه على عاتق المعطي، و لا يجب على الآخذ، فيرتفع من البين.

هذا - مع ايجازه و اختصاره - تمام الكلام في المبحث السّادس. و الظاهر انّ المسألة سالبةٌ بانتفاء الموضوع في هذا العصر، فلايجوز التطويل حولها؛ و الحمد للّه ربّ العالمين.



1) . قال رحمه الله: «و إنّما يتعلّق الخمس برقبة الأرض دون البناء و الأشجار و النخيل إذا كانت فيه»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 تابع المسألة 39، ج 2 ص 387.

المبحث السابع في خمس أرباح المكاسب

اشارة

و هذا المبحث هو أهمّ المباحث في الباب، و له فروعٌ كثيرة. فيجب علينا أن نفصّل الكلام حوله، لأنّ خمس أرباح المكاسب يُعدُّ من ميزانيّات الدولة إلاسلاميّة؛ و لايمكن للدولة القيام بما هو مفروضٌ عليها إلّابها.

فلا علينا لوفصّلنا الكلام فيما يتعلّق به. و نأتي بتفصيل المباحث في عدّة مسائل.

المسألة الأولى لافرق بين أنواع المكاسب في هذا الحكم

لاخلاف في تعلّق الخمس بربحٍ يُستفاد من المكاسب(1)، و لافرق بين أنواع المكاسب في هذا الحكم.

نعم! نسب إلى ابن الجنيد(2)و ابن أبي عقيل 0(3)القول بالخلاف في المسألة، و في صحّة النسبة ترديدٌ، إذ ظاهر عبارتهما - كما ذهب إليه صاحب الجواهر رحمه الله(4)- لايدلّ على نفي الوجوب(5). على أنّ خلافهما لايضرّ بالإجماع، لمعلوميّتهما، و لكثرة خلافاتهما الشائعة في


1) . فانظر: «الانتصار» ص 86، «الخلاف» ج 2 ص 118 المسألة 139، «منتهى المطلب» - الطبعة الحجريّة - ص 584، «كتاب الخمس» - للشيخ الأعظم رحمه الله - ص 170.

2) . راجع: «كتاب الخمس» - للشيخ الأعظم رحمه الله - ص 171، «المعتبر» ج 2 ص 623.

3) . راجع: «كتاب الخمس» - للشيخ الأعظم رحمه الله - ص 171، «البيان» ص 348.

4) . قال رحمه الله: «مع أنّ المحكيّ من عبارة الإسكافي منهما بل قيل و العمّانيّ لاظهور فيها بذلك»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 46.

5) . أمّا عبارة ابن أبي عقيل رحمه الله فلم أعثر عليها. أمّا ابن الجنيد رحمه الله فقال على ما في محكيّ كلامه: «فأمّا ما استفيد من ميراثٍ أو كدّ بدنٍ أو صلة أخٍ أو ربح تجارةٍ أو نحو ذلك فالأحوط إخراجه، لاختلاف الرواية في ذلك، و لو لم يخرجه الإنسان لم يكن كتارك الزكاة الّتي لاخلاف فيها، إلّاأن يوجب ذلك من لايسع خلافه ممّا لايحتمل تأويلاً»؛ راجع: «مجموعة فتاوى ابن الجنيد» ص 103 المسألة 1؛ و انظر: «مختلف الشيعة» ج 3 ص 185 المسألة 141.

جميع أبواب الفقه(1). و لقد أشرنا إلى السرّ فيها فيما مضى من هذه الرسالة.

و ذهب جلّ الأخباريّين إلى تحليل الخمس(2)و كذلك نُسب إلى بعض الأصوليّين من المتأخّرين - كصاحب المدارك رحمه الله(3)- القول به. و قد فصّلنا الكلام حول القول بالتحليل في فصلٍ سمّيناه «تحقيقٌ حول مسألة تحليل الخمس» في المقدّمة الثانية من مقدّمات الكتاب؛ فراجعه!.

المسألة الثانية في روايات الباب
اشارة

و العمدة في الباب رواياتٌ كثيرةٌ يمكن أن يُدَّعى فيها بلوغها حدّ التواتر الإجماليّ لو لم تبلغ التواتر المصطلح. و قد ذكرها الشيخ الحرّ عليهم السلام في أبواب كتاب الخمس(4)، منها تسع رواياتٍ كلّها صحيحة السند ظاهرة الدلالة رواها الحرّ في الباب الثامن من أبواب ما يجب فيه الخمس؛ و في نفس الباب خمس رواياتٍ أُخر دلالتها لاتخلو عن شيءٍ‌، أو فقل انّها مجملةٌ‌. و لكن لسنا في اثبات الحكم بحاجةٍ إليها، لوفور الصحاح في الباب.

فنذكر أوّلاً هذه الروايات مشيراً إلى بعض النكات حولها، و لكنّها لوضوحها لاتحتاج إلى كثيرٍ من الكلام.


1) . قال السيّد الفقيه الحكيم رحمه الله بعد نقل خلافهما في المسألة: «اللَّذَين لايقدح خلافهما في الإجماع لكثرة خلافهما في المسلّمات»؛ راجع: «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 515.

2) . انظر: «الحدائق الناضرة» ج 12 ص 439، «مفاتيح الشرايع» المفتاح 260 ج 1 ص 229؛ و انظر: «ذخيرة المعاد» ص 481.

3) . راجع: «مدارك الأحكام» ج 5 ص 381. و قد ذكرنا نصّ كلامه فيما مضى من هذه الرسالة.

4) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 499.

الرواية الأولى

«محمّد بن الحسن بإسناده عن سعد بن عبداللّه عن أبي جعفر عن عليّ بن مهزيار عن محمّد بن الحسن الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفرٍ الثاني عليه السلام: أخبرني عن الخمس أ على جميع ما يستفيد الرجل من قليلٍ و كثيرٍ من جميع الضروب و على الصُنَّاع و كيف ذلك‌؟

فكتب بخطّه: الخمس بعد المؤونة»(1).

لاكلام في سند الحديث؛ و لا في ظهور دلالته على وجوب إخراج الخمس من جميع الغنائم، و منها أرباح المكاسب الّتي نحن بصدده الآن.

نعم! لو ثبت انّ إخراج الخمس من غير أرباح المكاسب فوريٌّ - و سنفصّل الكلام حوله - فيخصّص هذا الحديث بما يدلّ عليه. و كيف كان فدلالته على المطلوب تامٌّ و إن لايخلو عن شيء من هذه الناحية.

الرواية الثانية

«و عنه عن أحمد بن محمّد عن عليّ بن مهزيار عن محمّد بن عليّ بن شجاعٍ النيسابوريّ انّه سأل أباالحسن الثالث عليه السلام عن رجلٍ أصاب من ضيعته من الحنطة مأة كرٍّ ما يزكَّى فأخذ منه العشر عشرة أكرار و ذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرّاً و بقي في يده ستّون كرّاً؛ ما الّذي يجب لك من ذلك و هل يجب لأصحابه من ذلك عليه شيءٌ؟ فوقّع عليه السلام: لي منه الخمس ممّا يفضل من مؤونته»(2).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 499 الحديث 12579، «الإستبصار» ج 2 ص 55 الحديث 3، «التهذيب» ج 4 ص 123 الحديث 9.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 186 الحديث 11801، «التهذيب» ج 4 ص 16 الحديث 6، «الإستبصار» ج 2 ص 17 الحديث 9.

المراد من أبي الحسن الثالث هو مولانا الهادي عليه السلام. و المستفاد منها إنّ وجوب إعطاء الخمس كان معلوماً عند السائل مرتكزاً في باله، فسأل عن المقدار الّذي يجب إخراج الخمس منه.

الرواية الثالثة

«و بإسناده عن عليّ بن مهزيار قال: قال لي أبوعليّ بن راشد: قلت له:

أمرتني بالقيام بأمرك و أخذ حقّك، فأعلمت مواليك بذلك فقال لي بعضهم:

و أيّ شيءٍ حقّه‌؟ فلم أدر ما أجيبه! فقال: يجب عليهم الخمس. فقلت: ففي أيّ شيءٍ؟ فقال: في أمتعتهم و صنائعهم، قلت: و التاجر عليه و الصانع بيده‌؟ فقال: إذا أمكنهم بعد مؤونتهم»(1).

كان أبوعليّ بن راشد من وكلاء مولانا الجواد عليه السلام(2)، فسأله عن حقّ الإمام في أموال الرعيّة، فأجابه عليه السلام بما يدلّ على المطلوب.

الرواية الرابعة

«و عنه قال: كتب إليه إبراهيم بن محمّد الهمدانيّ‌: أقرأني عليٌّ كتاب أبيك فيما


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 500 الحديث 12581، «التهذيب» ج 4 ص 123 الحديث 10، «الإستبصار» ج 2 ص 55 الحديث 4.

2) . هو ابوعليّ الحسن بن راشد مولى لآل المهلب البغداديّ‌، الوكيل. كان ثقةً ثبتاً؛ راجع: «معجم رجال الحديث» ج 4 ص 324 الرقم 2813، «منتهى المقال» ج 2 ص 377 الرقم 723؛ و انظر: «الغيبة» - لشيخ الطائفة رحمه الله - ص 350. و هناك الحسن بن راشد الضعيف في روايته، و هو غير الأوّل، فلاتغفل؛ انظر: «رجال النجاشي» ص 38 الرقم 76.

أوجبه على أصحاب الضياع انّه أوجب عليهم نصف السدس بعد المؤونة و أنّه ليس على من لم تقم ضيعته بمؤونته نصف السدس و لاغير ذلك.

فاختلف من قبَلنا في ذلك، فقالوا: يجب على الضياع الخمس بعد المؤونة مؤونة الضيعة و خراجها لامؤونة الرجل و عياله؛ فكتب و قرأه عليّ بن مهزيار: عليه الخمس بعد مؤؤنته و مؤؤنة عياله و بعد خراج السلطان»(1).

خراج السلطان من مؤونة السنة، فأوجب الإمام عليه السلام الخمس في المال بعد إخراج المؤونة منه؛ و منها خراج السلطان.

قال صاحب الوسائل عليهم السلام مذيّلاً على الحديث:

«أقول: وجه إيجابه نصف السدس إباحته الباقي للشيعة لانحصار الحقّ فيه؛ كما يأتي»(2).

الرواية الخامسة

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن الحسين بن عثمان عن سماعة قال: سألت أباالحسن عليه السلام عن الخمس‌؟ فقال: في كلّ ما أفاد الناس من قليلٍ أو كثيرٍ»(3).

الرواية موثّقةٌ سنداً، لمكان سماعة. و لكنّها معمولٌ بها عند الأصحاب، حتّى أنّ من


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 500 الحديث 12582، «التهذيب» ج 4 ص 123 الحديث 11، «الإستبصار» ج 2 ص 55 الحديث 5؛ و انظر: «الكافي» ج 1 ص 547 الحديث 24.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 501 مذيّلاً على الحديث 12582.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 503 الحديث 12584، «الكافي» ج 1 ص 545 الحديث 11.

اشترط العدالة في الراوي - كصاحب المدارك - قد عمل بها(1).

و مضى الكلام في أن لاخمس في مهر الزوجة و الإرث و الهبة و الجوائز و إن تُعدُّ من الفوائد، لأنّ الأصحاب قد أعرضوا عن تعلّق الخمس بها.

الرواية السادسة

«و عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن يزيد قال:

كتبت: جُعلت لك الفداء! تعلّمني ما الفائدة و ما حدّها، رأيك - أبقاك اللّه! - أن تمنّ عليَّ ببيان ذلك لكي لاأكون مقيماً على حرامٍ لاصلاة لي و لاصوم؛

فكتب: الفائدة ممّا يفيد إليك في تجارةٍ من ربحها و حرثٍ بعد الغرام أو جائزةٍ‌»(2).

لاكلام في دلالة الحديث، كما انّه لاكلام في سنده. و أشرنا فيما سبق إلى أن لاخمس في الجايزة، لإعراض الأصحاب عن وجوبه فيها.

الرواية السابعة

«محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب عن محمّد بن الحسين عن عبداللّه بن القاسم الخضرميّ عن عبداللّه بن سنان قال: قال


1) . لم يوجد الحديث في المدارك. نعم! قد عمل العامليّ رحمه الله كثيراً بمرويّات سماعة رحمه الله، فوصفها تارةً بكونها موثّقةً - راجع: «مدراك الأحكام» ج 4 ص 100، ج 7 ص 83 -؛ و تارةً أطلق فقال: «خبر سماعة» - راجع: نفس المصدر ج 4 ص 200 -. و له كلامٌ يدلّ على رأيه حول الرجل؛ راجع: «نهاية المرام» ج 1 ص 234.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 503 الحديث 12585، «الكافي» ج 1 ص 545 الحديث 12.

أبوعبداللّه عليه السلام: على كلّ امرئٍ غنم أو اكتسب الخمس ممّا أصاب لفاطمة عليها السلام و لمن يلي أمرها من بعدها من ذرّيتها الحجج على الناس، فذاك لهم خاصّةً يضعونه حيث شاؤوا و حُرّم عليهم الصدقة، حتّى الخيّاط يخيط قميصاً بخمسة دوانيق فلنا منه دانقٌ إلّامن أحلنناه من شيعتنا لتطيب لهم به الولادة»(1).

هذه القطعة من الحديث هي الّتي نستشهد بها في المقام. و باقيه يدلّ على شكوى الإمام من الّذين لايهتمّون بأداء الخمس، و لايرتبط بالمقام.

الرواية الثامنة

«و بإسناده عن الريّان بن الصلت قال: كتبت إلى أبي محمّد عليه السلام: ما الّذي يجب عليَّ - يا مولاي! - في غلّة رَحَى أرضٍ في قطيعةٍ لي و في ثمن سمكٍ و بَرْدِيٍّ و قصبٍ أبيعه من أَجَمَة هذه القطيعة‌؟ فكتب: يجب عليك فيه الخمس - إن شاء اللّه تعالى -»(2).

المسؤول عنه هو مولانا العسكريّ عليه السلام، و قد أوجب عليه السلام الخمس في جميع ما كان السائل يستفيده عن أرضٍ متعلّقةٍ به. و الظاهر انّ قوله: «إن شاء اللّه - تعالى -» قد زاده الراوي في متن الحديث، و ليس من مكتوب الإمام عليه السلام، لأنّه انشاءٌ‌، لا خبرٌ؛ فلايناسب المقام.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 503 الحديث 12586، «التهذيب» ج 4 ص 122 الحديث 5، «الإستبصار» ج 2 ص 55 الحديث 2.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 504 الحديث 12587، «التهذيب» ج 4 ص 139 الحديث 16.

الرواية التاسعة

«محمّد بن إدريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب محمّد بن عليّ بن محبوب عن أحمد بن هلال عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه و المنقطع إليه هديّةً تبلغ ألفي درهمٍ أو أقلّ أو أكثر، هل عليه فيها الخمس‌؟ فكتب عليه السلام: الخمس في ذلك؛ و عن الرجل يكون في داره البستان فيه الفاكهة يأكله العيال انّما يبيع منه الشيء بمأة درهمٍ أو خمسة درهماً هل عليه الخمس‌؟ فكتب: أمّا ما أكل فلا، و أمّا البيع فنعم، هو كسائر الضياع»(1).

السند صحيحٌ‌؛ و الدلالة واضحةٌ‌، و لاتحتاج إلى بيانٍ‌.

هذه هي روايات الباب، و هي بجملتها تدلّ على تعلّق الخمس بربح الكسب أيّما كان.

و في البحث مسائل كثيرة بعضها يرتبط بتلك الروايات، و سنبحث عنها في ما يأتي من المسائل.

المسألة الثالثة في المراد من «المؤونة» من حيث الزَّمن

رأينا في المسألة الثانية عند سرد روايات الباب انّ منها ما يدلّ على «أنّ الخمس في الفائدة بعد المؤونة»؛ و منها ما أطلق فقال: «الخمس في الفائدة»؛

و بحمل المطلق على المقيّد يحصل الوفاق بين الطائفتين من الروايات.

و المراد من المؤونة هيهنا ما يجب على المستفيد انفاقه لنفسه و لمن يعول عليه و لمكسبه و ما إلى ذلك. و هذا معنىً عرفيٌ لاخلاف فيه، و لو كان لم يكن ممّا يُعتنى به؛ هذا.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 504 الحديث 12588، «مستطرفات» السرائر ص 606.

ثمّ إنّ هيهنا مسألةٌ يجب الإلمام بها، و لم يتعرّض لها السيّد رحمه الله في العروة، فكأنّها كانت عنده بمكانٍ من الوضوح نظراً إلى عرف المتشرّعة فيها. و لكنّها لاتخلو عن إجمالٍ‌، بل هي من صعاب المسائل، فعلينا الالتفات بها و التحقيق حولها.

فنقول: قول الإمام عليه السلام: «الخمس في الفائدة بعد المؤونة» ما هو المراد من «المؤونة» فيه من حيث الزمن‌؟؛

إذ يمكن أن يكون المراد منها مؤونة السنة؛

أو مؤونة الشهر؛

أو مؤونة الأسبوع؛

أو مؤونة اليوم.

المشهور بين الأصحاب هو الأوّل، فذهبوا إلى أنّ الرابح يجوز له الانفاق عن ربحه إلى أن تدور عليه سنةٌ‌، فإذن يجب عليه أن يخرج من فضل الربح الخمسَ و يسلّمه إلى الإمام أو من ينوب عنه.

و استدلّوا بأنّ ملاك الناس في المؤونةِ مؤونةُ السنة، فهي المتيقّن في المقام؛ لامؤونة الشهر أو الأسبوع أو اليوم. هذا كما عن جماعةٍ من الأكابر، منهم المحقّق الهمدانيّ في مصباحه(1)و السيّد الحكيم 0 في مستمسكه(2).


1) . قال رحمه الله: «مؤونة الشخص لدى العرف تقدّر بالسنين لا بالأيّام و الشهور أو الفصول، إذ لاانضباط لها بالنسبة إلى مثل هذه الأوقات، فإنّها تختلف فيها غاية الاختلاف... بخلاف السنين. فيلاحظ العرف إجمالاً حين إرادة المقايسة بين ربحه و مصارفه جميع ما يصرفه بحسب حاله في السنة... و كذا لوسئل في العرف عن مؤونة شخصٍ يقال: انّ مؤنته في كلّ سنةٍ كذا، فمؤونة السنة هي الّتي تُحدّ بها مؤونة الشخص»؛ راجع: «مصباح الفقيه» - الطبعة الحجريّة - ج 3 ص 130.

2) . قال رحمه الله: «ليس فيها و لا في غيرها تعرّضٌ صريحٌ لكون المراد منها مؤونة السنة... نعم! يقتضيه الإطلاق المقامي، إذ إرادة غيرها ممّا لاقرينة عليه بخلاف مؤونة السنة... و بالجملة ما ذكر يصلح قرينةً على إرادة مؤونة السنة، و ليس ما يصلح قرينةً لإرادة غيرها، فيتعيّن البناء عليها عند الإطلاق» راجع: «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 520.

و يبدو لنا انّ هذا الكلام لايخلو عن شيءٍ‌، لأنّ الناس كلّهم ليسوا مجتمعين على هذا الملاك متّفقين عليه. نعم! هذا عرف الفلّاحين في الغالب، و لكنّ الموظّفين و مستخدمي الدولة ليس ملاكهم في المؤونة إلّاعلى الشهر، و ذلك لأنّهم يأخذون رواتبهم و وظيفاتهم في مبتدء كلّ شهرٍ؛ و كثيرٌ من الناس يأخذون رواتبهم كلّ يومٍ‌، كالبنّائين و الأجيرين لبناء البنايات و العمارات؛ و كذلك مساعدي الدكّاكين.

و على هذا يُحمل ما نُقل من بعض الأعلام - كالشيخ العارف الشاه آباديّ رحمه الله - من أنّهم كانوا يوصين أصحابهم باعطاء الخمس يوماً فيوماً.

و عليه فلايجوز في المسألة الاتّكال على عرف المتشرّعة، لعدم اتّفاقهم على عرفٍ واحدٍ في جميع الأزمان. نعم! يمكن الاعتماد على إجماع الفقهاء - سكوتيّاً كان أو عمليّاً - الحاصل في المسألة؛ و أين هذا الإجماع من القول بقيام السيرة فيها؟.

و كيف كان فالظاهر انّه لامناص من الرجوع إلى مقتضى الأصل في هذه المشكلة الفقهيّة. إذ مقتضى التمسّك بعمومات الباب هو اليوم، حيث إنّ المتيقّن من «المؤونة» في قولهم عليهم السلام: «الخمس لكلّ فائدةٍ بعد المؤونة»: مؤونة اليوم. فيجب إخراج الخمس عن الفائدة بعد انفاق مؤونة اليوم.

أمّا إذا لم يمكن التمسّك بها - و الظاهر جواز هذا التمسّك - فهل الأصل في المسألة هو الاشتغال‌؟ أو البراءة‌؟؛

مقتضى الاشتغال وجوب دفع الخمس يوماً فيوماً، لأنّ عمومات الباب دلّت على اشتغال الذمّة بأداء الخمس؛

و مقتضى البراءة اليقينيّة الاكتفاء في جواز التأخير بأقلّ الأفراد، و هو اليوم، و عدم

التعدّي عنه إلى غيره. هذا هو مقتضى جريان قاعدة الاشتغال في المسألة.

و يُمكن أن يُتمسّك في المقام بقاعدة الأقلّ و الأكثر الاستقلاليَّين، و تقريب التمسّك بها أن يقال: الواجب - و هو تخميس الفاضل من الفائدة بعد انفاق المؤونة - هل يتنجّز على المكلّف في كلّ يومٍ؟ أو في كلّ أسبوعٍ؟ أو في كلّ شهرٍ؟ أو في كلّ سنةٍ؟ الأقلّ المتيقّن في المسألة تنجّزه عليه مرّةً واحدةً في كلّ سنةٍ‌، فتجري البراءة في غيره، فيجب على المكلّف إخراج الخمس عن ربح مكاسبه مرّةً واحدةً في كلّ سنةٍ‌.

المسألة الرابعة المراد من «البَعد» في قولهم: «الخمس بَعد المؤونة»
اشارة

هذه المسألة متكفّلةٌ للتحقيق حول انّه ما هو المراد من لفظة «بعد» في ما هو المشهور بين الفقهاء من قولهم: «الخمس بعد المؤونة».

و نأتي بتفصيل المسألة في عدّة نكاتٍ‌:

النكتة الأولى

المشهور بين القوم كون المراد منه التأخّر في الرتبة. و هذا هو القول بالبعديّة الرتبيّة؛ أي: يتعلّق وجوب إخراج الخمس عن الأرباح بعد تحصيلها و حصولها آناً فآناً، و لكنّه متأخّرٌ رتبةً عمّا يجب على المكلّف انفاقه من المؤونة في سنته. فاخراج الخمس عن الربح واجبٌ بعد تحصيله و لكن يجوز تأخيره إلى أن ينفق ما يجب عليه من الإنفاق إلى سنةٍ تامّة؛ أمّا بعد إتمام السنة فلايجوز تأخيره و التسويف فيه.

هذا هو مفاد القول بالبعديّة الرتبيّة.

و يقابله القول بالبعديّة الزمانيّة، و هو ممشى ابن ادريسٍ رحمه الله في السرائر(1). و مفاده: عدم


1) . قال رحمه الله: «و أمّا... سائر الاستفادات و الأرباح و المكاسب و الزراعات فلايجب فيها الخمس بعد أخذها و حصولها، بل بعد مؤونة المستفيد و مؤونة من تجب عليه مؤونته سنةً هلاليّةً على جهة الإقتصاد؛ فإذا فضل بعد نفقته طول سنته شيءٌ أخرج منه الخمس... و لايجب أن يخرج منه الخمس بعد حصوله له»؛ راجع: «السرائر» ج 1 ص 489.

تعلّق إخراج الخمس عن الربح به إلّابعد أن دارت عليه سنةٌ كاملةٌ‌، ثمّ إن بقيت منه بقيةٌ فيجب تخميسه، و إلّافلا.

و الظاهر تفرّد ابن ادريس بهذا القول، إذ لم نجد بين الأصحاب من وافقه فيه.

النكتة الثانية
اشارة

في ثمرات هذا الخلاف. و لهذا الخلاف دورٌ في المسائل و ثمراتٌ فيها. نشير هيهنا إلى ثمرتين منها.

الثمرة الأولى:

القائلون بالبعديّة الرتبيّة يجوّزون أداء الخمس عن الربح يوماً فيوماً؛ بينما أنّ القائل بالبعديّة الزمنيّة لايجوّزه، لأنّه لاوجوب عنده إلّابعد مضيّ سنةٍ كاملةٍ عليه.

الثمرة الثانية:

القائلون بالبعديّة الرتبيّة يقولون: لايجوز للرابح بعد انفاق المؤونة أن يتصرّف في الزائد على نحوٍ يتلفه و يضيّعه، لأنّ يده عليه يدٌ أمانيٌّ‌، فلايجوز له أن يهبه للهرب عن أداء الخمس.

و السرّ في هذا القول اشتغال ذمّته بالوجوب و إن جاز تأخير البراءة منه إلى حدّ السنة.

أمّا القائل بالبعديّة الزمنيّة فيرى للرابح جواز التصرّف في الزائد كيفما يشاء، فيجوز له أن يهب الزائد، أو يتصدّق به أو ما إليهما ممّا يتلفه.

و ذلك لأنّ ابن ادريس لايرى ذمّة الرابح مشغولةً بأداء الخمس قبل مضيّ السنة، فلايكون الواجب منجّزاً عليه، فيجوز له أن يتلفه كيفما يشاء.

النكتة الثالثة

المختار في المقام هو قول المشهور، مع أنّ قول صاحب السرائر رحمه الله لايخلو عن قوّةٍ‌، بل

لولا النصّ الّذي سنبحث عنه لكان الذهاب إلى قوله موجّهاً.

و تفصيل الكلام فيه: قد مضت الإشارة في المسألة الثالثة إلى أنّ المراد من «المؤونة» في قولهم: «الخمس بعد المؤونة»: مؤونة السنة؛ و قوله - تعالى -: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وِ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى»(1)و إن كان وجوبه منجّزاً غير مقيّدٍ بمرور السنة على الغنيمة و لكنّه مخصَّصٌ بكون المراد من المؤونةِ مؤونةُ السنة؛ و هذا كلّه يؤيّد مذهب ابن ادريس رحمه الله؛ و هو تامٌّ لايرد عليه شيءٌ‌.

و الظاهر من قول المحقّق قدس سره في الشرايع ذهابه إلى هذا المذهب أيضاً؛ حيث قال:

«لايعتبر الحول في شيءٍ من الخمس، و لكن يؤخّر ما يجبُ في أرباح التجارات احتياطاً للمكتسِب»(2)

و زاد صاحب الجواهر رحمه الله قوله: «جوازاً»(3)بعد قول المحقّق: «يؤخّر ما يجب في أرباح التجارات» ليوافق قوله قول المشهور. و المستفاد من ذلك انّ وجوب تعلّق الخمس بالربح وجوبٌ مشروطٌ، و لايكون فعليّاً إلّابعد مرور سنةٍ عليه.

و يُستشكل عليه: أنّه لو كان الوجوب و الواجب كلاهما موسّعين لكان اتلاف الزائد عن المؤونة و هبتها و ما إليهما ممّا يتلف الزائد جائزاً، بينما انّ الذهاب إلى التزام المشهور به مشكلٌ جدّاً.

و صرّح صاحب الجواهر قدس سره بأنّ الوجوب و الواجب فوريّان، و لكن جوّز أئمّة أهل البيت عليهم السلام التأخير إلى سنةٍ امتناناً على الأمّة و رفقاً بهم؛

و هذا غريبٌ منه جدّاً!، لأنّه لاتجتمع فوريّة الوجوب مع الامتنان و الرفق، و لامناص


1) . كريمة 41 الأنفال.

2) . راجع: «شرائع الإسلام» ج 1 ص 164.

3) . راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 79.

من وجوب كفّ اليد عن أحدهما.

و كيف كان فقول المشهور لايخلو عن شيءٍ‌. و لكن هناك روايةٌ تؤيّد قولهم، بل تدلّ عليه، و دلالتها عليه تامّةٌ ظاهرة، و هي ما رواه الشيخ رحمه الله، و نصّه:

«و بإسناده عن عليّ بن الحسن بن فضّال عن الحسن بن عليّ بن يوسف عن محمّد بن سنان عن عبدالصمد بن بشيرٍ عن حكيمٍ مؤذّن بني عيس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قلت له: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ‌» قال: هي و اللّه الإفادة يوماً بيومٍ‌»(1).

الرواية تدلّ على تعلّق وجوب الخمس بالربح بعد إخراج مؤونة اليوم، و التعبّد بها يقتضي كفّ اليد عن مبنى صاحب السرائر، مع ما له من القوّة و المتانة.

و كيف كان فالمختار في المسألة قول المشهور، نظراً إلى دلالة الرواية عليه؛ و الحمد للّه ربّ العالمين.

المسألة الخامسة في وجوب أداء الخمس على الشخصيّات الاعتباريّة
اشارة

لاخلاف في تعلّق الخمس بما للشخصيّات الطبيعيّة من الأرباح. و الكلام هيهنا في أنّه هل يتعلّق أداء الخمس بأرباح الشخصيّات الاعتباريّة أيضاً؟ أم لاخمس فيما لها من الأرباح‌؟. و تفصيل الكلام فيها في نكاتٍ‌:

النكتة الأولى

لاخلاف ظاهراً في ثبوت المالكيّة للشخصيّات الاعتباريّة كما في الشخصيّات الطبيعيّة،


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 546 الحديث 12682، «التهذيب» ج 4 ص 121 الحديث 1.

كالبنوك و الجامعات و الحوزات العلميّة و المعامل و غيرها. و لها فوائد و مغانم تحصلها بأسبابٍ شتّى، فهل يجب عليها أن تؤدّى خمسها، أم لم يجب‌؟.

النكتة الثانية

الظاهر انّ الإجابة عن هذا السؤال ترجع إلى مدى سعة قوله - تعالى -: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ‌»(1). إذ لوكان الخطاب فيه موجّهاً نحو الشخصيّات الطبيعيّة فلاخمس على الشخصيّات الاعتباريّة.

و الظاهر انّ الخطاب فيه ليس موجّهاً نحوها فقط، إذ قد فصّلنا الكلام في محلّه من علم الأصول أن لاخطاب في الآيات الّتي نزلت لبيان جعل أصل الحكم، و لوكان في ظاهرها خطابٌ فليس موجّهاً، إذ لاخطاب في الواقع.

فالمراد من قوله - سبحانه و تعالى -: «أَقِيمُوا الصَّلَاةَ‌»(2): الصلاة واجبةٌ‌؛ كما أن ليس المراد من قوله - تعالى -: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ‌» - الآية - إلّاالإشارة إلى أنّه يجب إخراج الخمس من الغنائم و الفوائد.

و بما قلنا ظهر انّه لا وجه للخلاف المشهور بين الأصوليّين في توجّه الخطاب نحو غير المشافهين زيادةً على توجّهه نحو المشافهين، إذ لاخطاب في الآيات الّتي تُبيّن أصل جعل الحكم. و تفصيل الكلام فيه يُطلب من دراساتنا في أصول الفقه.

و كيف كان فقد أشرنا في النكتة الأولى إلى ثبوت المالكيّة للشخصيّات الاعتباريّة أيضاً، فلها فوائد و غنائم. و في هذه النكتة إلى عدم توجّه الخطاب في آية الخمس نحو الشخصيّات الطبيعيّة فقط.

فبهاتين المقدّمتين تبيّن شمول الآية الكريمة لتلك الشخصيّات أيضاً. فيجب عليها إخراج


1) . كريمة 41 الأنفال.

2) . تكرّرت هذه الكريمة في القرآن الكريم تسعة مرّات، فانظر على سبيل المثال: 43 البقرة.

الخمس عن الفوائد و الغنائم الّتي تحصّلها.

النكتة الثالثة

و تؤيّد ما ذهبنا إليه بل تدلّ عليه الروايات الكثيرة الّتي لاخطاب فيها أصلاً، فلايمكن تخصيصها بالشخصيّات الطبيعيّة؛ كقوله عليه السلام: «الخمس بعد المؤونة»(1).

و لافرق فى الأرباح بين قسمي الشخصيّات: الطبيعيّة و الاعتباريّة. فكلّما يجب في أرباح الأولى يجب في أرباح الثانية أيضاً من غير أدنى تفاوتٍ بينهما.

النكتة الرابعة

مَن يتولّى إخراج الخمس عن أرباح الشخصيّات الاعتباريّة‌؟ الظاهر انّ المتولّى لإخراج الخمس عن أرباحها هو رئيسها و المتولّي لأمرها، لأنّ أمرها بيده، فعليه القيام بما يرد عليها و يوجّه نحوها من الأحكام الشرعيّة. و منها أداء خمسها، فعليه القيام به.

النكتة الخامسة

و تُستثنى من الشخصيّات الاعتباريّة الدولة الإسلاميّة، فلايجب عليها الخمس؛ لأنّ الأنفال تتعلّق به، و هي تحت حكم الفقيه الوليّ‌، فلامعنى لوجوب أداء الخمس على الدولة إلّااتّحاد المعطي و الآخذ؛ و هذا قبيحٌ‌، بل تلزم منه اللغويّة في جعل الحكم.

فلايلزم عليها أداءُها حذراً من ثبوت هذه اللغويّة.


1) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 547 الحديث 24، «الفقيه» ج 2 ص 42 الحديث 1652، «التهذيب» ج 4 ص 123 الحديث 9، «الإستبصار» ج 2 ص 55 الحديث 3، «وسائل الشيعة» ج 9 ص 499 الحديث 12579.

المسألة السادسة في تعلّق الخمس بنماء العين
اشارة

هل يتعلّق وجوب إخراج الخمس بنماء العين‌؟ أم لا؟؛ هيهنا أيضاً نكاتٌ‌.

النكتة الأولى

ينقسم النماء إلى ثلاثة أقسامٍ‌:

القسم الأوّل: النماء المنفصل؛ كثمرة الشجرة و صوف الغنم و نحوهما؛

القسم الثاني: النماء المتّصل؛ كسَمْن الغنم و بُدُونه؛

القسم الثالث: النماء الحكميّ‌؛ كازدياد قيمة الغنم من غير سببٍ كسَمْنه.

و مسألتنا هذه تشتمل على جميع هذه الأقسام الثلاثة.

النكتة الثانية

لاخلاف في تعلّق الخمس بما للمال غير المخمّس من النماء. فلوحصل لمالٍ غير مخمّسٍ نماءٌ فلاترديد في تعلّق الخمس به، لأنّ هذا المال كان مشتركاً بين مالكه و مالك الخمس، و كما يُقَسَّمُ النماء في الشركة فكذلك يُقسّم النماء هيهنا.

النكتة الثالثة
اشارة

أمّا الكلام كلّه ففي تعلّق الخمس بنماءٍ حصل لمالٍ مخمّسٍ‌، أو مالٍ لايتعلّق به الخمس - كالإرث و مهر الزوجة -؛ فهل يجب إخراج الخمس عمّا حصل لهذا المال من النماء؟.

نقول: أمّا في النماء المنفصل فلاريب في تعلّقه به؛ كمن أكرى داراً قد ورثها من أبيه، فعلى الموجر أن يخرج الخمس ممّا أخذه من المستأجر لو دارت عليه سنةٌ كاملة.

أمّا النماء المتّصل و النماء الحكميّ ففيه أقوالٌ أربعة:

القول الأوّل:

و هو القول بعدم تعلّق الخمس به مطلقاً، لأنّ ازدياد قيمة الدار مثلاً لايُعدُّ من الفوائد، و لايطلق عليه في العرف عنوان الفائدة، فلا خمس فيه. و هذا المذهب

اختاره الفقيه صاحب الجواهر رحمه الله(1)

القول الثاني:

و هو القول بتعلّق الخمس به مطلقاً، لأنّه في الواقع فائدةٌ حصلت لمالكه و إن لم يطلق عليه في العرف عنوان الفائدة. هذا هو مختار المشهور(2)

القول الثالث:

التفصيل بين النمائين، فيتعلّق بالنماء المتّصل و لايتعلّق بالنماء الحكميّ‌، لأنّ الأوّل فائدةٌ حقيقيّةٌ‌، بينما انّ الثاني لاتحقّق له في الخارج حتّى يكون فائدةً‌. هذا هو مختار السيّد رحمه الله في العروة(3)

القول الرابع:

عدم تعلّق الخمس بهما ما لم يبع المالك ما تعلّقا به، فلاخمس في النماء المتّصل و لا فى النماء الحكميّ ما لم يبع المالك ما تعلّقا به. كمن ورث روضةً كانت قيمتها يوم أن ورثها مأة ألف تومانٍ‌، ثمّ باعها بعد سنةٍ فكانت قيمتها يوم البيع مليون توماناً. فتطلق الفائدة على هذا الزايد، ففيه الخمس.

و الظاهر انّ تعلّق الخمس به مشروطٌ بمرور سنةٍ كاملةٍ عليه، خلافاً لبعض الأعاظم كسيّدنا الأستاذ الإمام الخمينيّ قدس سره حيث كان قائلاً بتعلّق الخمس به بمجرّد بيعه من غير اشتراط مرور السنة عليه(4).

و تفصيل الكلام في هذا الخلاف يطلب ممّا مضى في هذه الرسالة.


1) . قال رحمه الله: «و كيف كان فعبارات الأصحاب السابقة لاتخلو من نوع إجمالٍ بالنسبة إلى تعلّق الخمس في النماء الحاصل... إذا فرض حصول ذلك النماء بما لايدخل تحت مسمّى الكسب»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 55.

2) . و انظر: «كتاب الخمس» - للشَّيخ الأعظم رحمه الله - ص 89.

3) . قال رحمه الله: «إذا كان عنده من الأعيان... فنمت و زادت زيادةً متّصلةً أو منفصلةً وجب الخمس في ذلك النماء، و أمّا لوارتفعت قيمتها السوقيّة من غير زيادةٍ عينيّةٍ لم يجب خمس تلك الزيادة»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 53، ج 2 ص 391.

4) . راجع: «تحرير الوسيلة» ج 1 ص 306 المسألة 9.

المسألة السابعة في النماء الحكميّ‌
اشارة

و هيهنا كلامٌ آخر يتعلّق بالنماء الحكميّ‌. و هو: لوحصل النماء الحكميّ في عينٍ أوّلاً فزادت قيمته، ثمّ نزلت القيمة قبل إخراج الخمس منه، فالنماء الحكميّ كان حاصلاً ثمّ لم يبق و سقطت قيمته، فبخمس أيٍّ من النمائين تشتغل ذمّة مالك العين‌؟؛ بخمس الأكثر؟ أو بخمس الأقلّ؟.

أقول: هيهنا صورتان:

الصورة الأولى:

لوكان هذا العين غير مخمّسٍ‌؛ فذمّة المالك مشغولةٌ بالأكثر، لأنّه حين نمائه كان يجب عليه اعطاء خمسه، فتكاسل و لم يعطه، فتنجّز عليه التكليف فيكون ضامناً له، فبعد سقوط القيمة يجب عليه اعطاء خمس القيمة حين ارتفاعها و غلاها؛

الصورة الثانية:

لوكان هذا العين مخمّساً؛ فذمّة المالك مشغولةٌ بالأقلّ‌، لأنّ يده على العين طوال السنة يدٌ أمانيّةٌ‌، لا يدٌ ضمانيّةٌ‌، فلاتشتغل ذمّته بالأكثر.

و وافقنا السيّد اليزديّ رحمه الله في الحكم. و استدلّ عليه ب‍: أنّ النماء لم يكن متحقّقاً في الخارج، فلاخمس فيه(1).

و يرد عليه انّه قد مضت الإشارة إلى أنّ النماء لايحتاج إلى التحقّق في الخارج، لاطلاق الفائدة عليه في العرف و إن لم يكن متحقّقاً فيه.

المسألة الثامنة ما هو المبدأ في محاسبة السنة‌؟

و قبل الخوض في المسألة يجب التنويه إلى نكتةٍ لها دورٌ هامٌّ في هذه المسألة و بعضٍ من


1) . قال رحمه الله: «لعدم صدق التكسّب و لاصدق حصول الفائدة»؛ راجع: نفس المصدر.

المسائل الّتي تأتي بعدها؛

و هي: انّ من مسائل المبحث مع أهمّيّتها و ابتلاء المكلّفين بها ما لم يوجد فيها دليلٌ من الأدلّة الشرعيّة حتّى يُتمسّك به، و كون مسائل الباب غير عقليّةٍ لتقام عليها البراهين العقليّة واضحٌ غير محتاجٍ إلى مزيدٍ من البيان؛ فالحاكم فيها هو العرف، و العرف هي ذاكرة الفقيه مع تجرّدها عن المصطلحات العلمية.

و هذا هو السرّ في كثرة الخلافات الواقعة فيها مع خلوّ الأقوال عن الأدلّة.

و من تلك المسائل المسألة الّتي نحن بصددها الآن. و هي تركّز على التحقيق حول مبدأ السنة في قولهم: «يجب إخراج الخمس عن الربح لو دارت عليه سنةٌ‌».

ذهب صاحب الجواهر رحمه الله إلى أنّ المبدأ هو حصول الفائدة، و نَسَبَ هذا القول إلى أستاذه العظيم الشيخ كاشف الغطاء قدس سره(1)، و إلى المشهور أيضاً(2).

و نُسِبَ إلى الشهيد رحمه الله(3)و جماعةٍ من الفقهاء القول بأنّ المبدأ هو ظهور الفائدة، لابدوّها، فمبدأ السنة من زمن تهيئة المقدّمات، لا من حين ظهور الفائدة.

و ذهب الشيخ الأعظم رحمه الله(4)و جماعةٌ من الفقهاء إلى أنّ المبدأ مبتدأ العمل و الكسب، فسنة الحرث تحاسب من حين أخذ الحارث في العمل، لا من حين حصول فائدته له.

و ذهب صاحب العروة قدس سره و جمعٌ من محشّي كتابه(5)إلى التفصيل بين الفوائد الحاصلة


1) . راجع: «كشف الغطاء» ص 362.

2) . قال رحمه الله: «ثمّ المراد بالحول... و مبدئه... ظهور الربح... و نحوهما في ذلك كشف الأستاذ»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 80.

3) . راجع: الدروس» ج 1 ص 259، «الروضة البهيّة» ج 2 ص 77؛ و انظر: «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 535.

4) . لم أعثر على هذا الرأي منه، بل قال: «و مبدأ السنة من حين ظهور الربح أو التكسّب»؛ راجع: «كتاب الخمس» - له رحمه الله - ص 201.

5) . راجع: المصدر الآتي تجد فيه آراء بعض الأعلام، كالإمام الخمينيّ و الفقيه الميلانيّ و العلّامة الخوانساريّ و غيرهم من الذاهبين إلى نظره الشريف.

من الكسب الشاغل، و بين الفوائد الحاصلة من غيره؛ كمن يحصّل فائدةً من عملٍ لايُعدُّ شغله. فمبدأ السنة للأوّل عندهم مبتدأ العمل و الكسب، و للثاني حصول الفائدة(1)-(2).

و لايمكن الخضوع لظاهر قول الشيخ الأعظم و من وافقه في رأيه الشريف، لأنّه لا فائدة للحارث حين أخذه في الحرث، بل ليس له آنذاك إلّاالضرر و المشقّة؛ فالظاهر انّ الشيخ الأعظم لم يرد بقوله هذا عمل الحارثين، بل أراد منه أصحاب التجارات و المعامل الذّين ينتفعون بعملهم عند الأخذ فيه. فالظاهر وجوب الذهاب إلى انصراف كلامه عن مورد الحرث، و إن مثّل السيّد الحكيم رحمه الله في المسألة بنفس المورد(3).

و بما قلنا ظهر أنّه لاخلاف بين كلام المحقّق صاحب الجواهر و بين قول الشيخ الأعظم 0.

و المتحصّل من ذلك كلّه انّ مبدأ السنة هو حين حصول المستفيد على الفائدة.

فلودارت سنةٌ كاملةٌ عليها و كانت باقيةً عنده يجب عليه إخراج الخمس منها.

المسألة التاسعة في المراد من المؤونة

أشرنا فيما سبق إلى أنّ الخمس في هذا المبحث يتعلّق بالفاضل من مؤونة السنة؛ و لكن


1) . قال رحمه الله: «مبدأ السنة... حال الشروع في الاكتساب فيمن شغله التكسّب، و أمّا من لم يكن مكتسباً و حصل له فائدةٌ اتّفاقاً فمِن حين حصول الفائدة»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 60، ج 2 ص 394.

2) . و انظر في ذلك كلّه أيضاً: «غنائم الأيّام» ج 4 ص 356، «مصباح الفقيه» ج 14 ص 186، «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 534، «كتاب الخمس» - للمحقّق الخوئي رحمه الله - ص 247.

3) . قال رحمه الله: «فالزارع عام زراعته - الّتي تؤخذ مؤونته من الزرع - أوّل الشروع في الزرع»؛ راجع: «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 535.

لنا أن نتساءل: ما هو المراد من «المؤونة».

هيهنا خلافٌ بين الأعلام؛

فذهب جماعةٌ منهم إلى أنّ المراد منها: ما يجب على المرء صرفه في مصارفه اليوميّة من أموره الحيويّة. فلاتشمل ما يصرفه في شراء دارٍ يسكنها و لا ما يصرفه في نكاح أولاده، و لا مايصرفه في أداء حجّه الواجب عليه. قالوا: يجب عليه أن يعطي الخمس من جميع ما ينفقه في ذلك؛

و ذهب جماعةٌ إلى ما يخالف هذا القول سعةً‌، فذهبوا إلى أنّ المؤونة تشمل جميع ما يصرفه المرء في حياته الفرديّة و الجماعيّة؛ فزيادةً على الحجّ الواجب عليه تشمل الحجّ الندبيّ و الزيارات المستحبّة و الضيافات و غيرها ممّا ينفق فيه بعض ماله(1). قالوا: المؤونة تشمل الميزانيّة أيضاً، فلوزادت ميزانيّته لايتعلّق بها الخمس و لوبلغت من الزيادة أضعافاً ممّا كانت عليه.

و ذهب طائفةٌ ثالثةٌ منهم إلى أنّ المؤونة تشمل ما هو ضروريٌّ للمرء بالنسبة إلى شؤونه في المجتمع(2). فكلّما صدق عليه انّه ضروريٌّ للمؤونة لاخمس فيه. فالميزانيّة لوكانت معتادةً بالنسبة إليه لم يتعلّق بها الخمس(3)، و زياراته المستحبّة و ضيافاته و ما إليهما لوكانت على ما


1) . قال ثاني الشهيدين 0: «و المراد بالمؤونة هنا ما ينفقه على نفسه و عياله الواجبي النفقة و غيرهم، كالضيف و الهديّة و الصلة لإخوانه و مايأخذه الظالم قهراً أو يصانعه به اختياراً و الحقوق اللازمة له بنذرٍ أو كفّارةٍ و مؤونة التزويج و مايشتريه لنفسه من دابّةٍ و أمةٍ و ثوبٍ و نحوها»؛ راجع: «مسالك الأفهام» ج 1 ص 464؛ و انظر: «مدارك الأحكام» ج 5 ص 385، «ذخيرة المعاد» ص 483.

2) . قال الشَّيخ الأعظم رحمه الله: «و المراد بالمؤونة كلّ ما ينفقه على نفسه و على عياله و على غيرهم للأكل و الشرب و اللباس و المسكن و التزويج و الخادم و أثاث البيت و الكتب و غير ذلك ممّا يعدّ مؤونةً عرفاً»؛ راجع: «كتاب الخمس» - له - ص 201.

3) . فعن المحقّق القمّي رحمه الله: «الظاهر انّ تتميم رأس المال لمن احتاج إليه في المعاش من المؤونة، كاشتراء الضيعة لأجل المستغلّ‌»؛ راجع: «غنائم الأيّام» - الطبعة الحجريّة - ص 371.

هو اللائق به غير مسرفٍ فيها لاخمس فيها(1).

و هذا القول هو المختار في المسألة، فلاخمس فيما ينفقه في عُرس ابنه و بَتَات ابنته و جهازها و شراء دارٍ لائقةٍ بنفسه و بمن يعول عليه. و كذلك في ميزانيّته و رأس ماله.

فلايتعلّق الخمس برأس المال لو كان ضروريّاً لكسبه و تجارته، و أمّا الزائد عليه فلايجوز الترديد في تعلّقه به(2).

و من توابع المسألة ما لو أمسك في نفقة نفسه و نفقة عيالاته، فحصل له ذخرٌ من ذلك فهل يتعلّق به خمسٌ؟، أم لا؟.

مذهب بعضهم عدم تعلّق الخمس به؛

و الحقّ وجوب إخراجه منه، لأنّه لايُعدُّ من مؤونته، بل من فضلها و إن حصل بالامساك.

المسألة العاشرة في كيفيّة وجوب الخمس ثبوتاً

المسألة مسألةٌ علميّةٌ‌، و لكن لها آثارٌ في الأحكام العمليّة، فلابأس بنا لو فصّلنا الكلام حولها. و المسألة العاشرة متكفّلةٌ للتحقيق حول هذا المطلب ثبوتاً، و المسألة الّتي تليها -


1) . قال الفقيه النجفيّ رضى الله عنه: «لافرق في تناول المؤونة بين ما يحتاجه لنفس المأكل و المشرب و الملبس و المسكن و نحوها و بين ما يحتاجه لزياراته و صدقاته و جوانزه و هداياه و أضيافه و غيرها ممّا هو جارٍ على نسق العرف و العادات بحيث لايعدّ من السرف و السفه»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 59؛ و انظر: «مستمسك العروة الوثقى» 9 ص 538.

2) . و خير القول هيهنا ما ذكره صاحب الجواهر رحمه الله حيث قال: «و بالجملة ايكال المؤونة و العيال إلى العرف أولى من التعرّض لبيانهما و تفصيلهما»؛ راجع: نفس المصدر.

بعون اللّه تعالى و إذنه - متكفّلةٌ لبيانها إثباتاً.

فنقول: ذهب بعضهم إلى أنّ وجوب الخمس ليس إلّامن قبيل التكاليف الّتي لاتعلّق لها بالخارج؛

و ذهب بعضهم إلى أنّ وجوبه قد تعلّق بالعين الموجود في الخارج، فليس من قبيل الأحكام المحضة(1).

و تفصيل الكلام فيهما: انّ الذاهبين إلى أوّل المذهبَين قد سلكوا مسلكين:

المسلك الأوّل: كون وجوب أداء الخمس تكليفاً كتكليف المسلم بأداء الصلاة و الإتيان بالصوم و الحجّ‌، فلو قام بما يجب عليه يكون مأجوراً؛ و لوتكاسل و توانى فيه يعاقب عليه كما يعاقب على ترك الصوم و حجّة الإسلام.

المسلك الثاني: كون الخمس ديناً على ذمّة المالك؛ فكما انّ أداء الدين واجبٌ تشتغل ذمّة الدائن به، فكذلك أداء الخمس واجبٌ تشتغل ذمّة المالك به.

و هذان القولان يشتركان في أن لاتعلّق لوجوب الخمس بالخارج، بل هو تكليفٌ محضٌ‌.

أمّا الذاهبون إلى ثاني المذهبَين -: القائلون بتعلّق الخمس بالعين في الخارج - فلهم فيها خمسة مسالك:

المسلك الأوّل: كون وجوب الخمس على نحو الكليّ في المعيّن، كصاعٍ من الصبرة.

فالمالك يجوز له التصرّف في المال مهما لم يبلغ حدّ التخميس فيتعلّق به وجوبه؛ أمّا إذا بلغ هذا الحدّ فلايجوز له التصرّف فيه، إذ هو إذاً ملكٌ لمالك الخمس. هذا هو مختار السيّد صاحب العروة رحمه الله في المسألة(2).


1) . راجع: «كتاب الخمس» - للشَّيخ الأعظم رحمه الله - صص 43، 278.

2) . هذا؛ و في العروة: «يجوز له أن يتصرّف في بعض الربح مادام مقدار الخمس منه باقٍ في يده مع قصد إخراجه من البقيّة، إذ شركة أرباب الخمس مع المالك انّما هي على وجه الكلّي في المعيّن»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 76، ج 2 ص 399.

و يرد عليه: انّه لاتلائم بين الخارجيّة و بين الكلّيّة. إذ الصاع كليٌّ مهما يكون اعتباريّاً، أمّا إذا حصل في الخارج و صار موجوداً فيه فلايكون كلّيّاً، إذ الكلّيّ لايوجد في الخارج. فيرجع قوله إلى كون الخمس من أقسام الذمّة؛ و مضى الكلام في هذا القسم.

المسلك الثاني: كون وجوب الخمس متعلّقاً بالعين على نحو الظرف و المظروف.

كالماء و الكوز، فكما انّ الظرف و المظروف كليهما موجودان في الخارج فكذلك المال كالظرف موجودٌ فيه و الخمس كالمظروف أيضاً موجودٌ فيه، فكلاهما موجودان في الخارج، و لكن الظرف يتعلّق بمالك المال، و المظروف يتعلّق بمالك الخمس.

و يرد عليه: انّه لاتمايز بين المال و خمسه الواجب إخراجه منه في الخارج، بل هما متّحدان فيه، بينما انّ الظرف و المظروف - كالماء و الكوز - متميّزان في الخارج لكلٍّ منهما ما يميّزه و يشخّصه من الآخر. فلوأخرج الخمس من المال و تميّزه منه فيصير شيئاً غيره، فلايكونان من باب الظرف و المظروف.

المسلك الثالث: كون وجوب الخمس كحقّ الرهانة، فهو حقٌّ متعلّقٌ بالعين من غير أن يكون موجوداً متعيّناً قبال العين في الخارج. و عليه فالمال كلّه لمالكه، و لصاحب الخمس فيه حقٌّ يجب تسليمه إليه. و مآل هذا القول إلى كون الخمس من الحقوق أيضاً.

و يرد عليه: إنّ الحقّ أمرٌ متصوّرٌ لاوجود له في الخارج، بينما انّ الخمس عينٌ موجودٌ فيه، فلايمكن الجمع بين كون الخمس متعلّقاً بالعين من ناحيةٍ و بين كونها من الحقوق من ناحيةٍ أخرى؛ إذ التهافت بين القولين ظاهرٌ لائحٌ‌.

إن قلت: من المتّفق عليه بين الطائفة الحقّة جواز أداء الخمس من غير هذا العين الّذي تعلّق به الخمس، و هذا يشير إلى كون الخمس حقّاً؛

قلت: ليس كذلك، بل هذا معاوضة عينٍ بعينٍ آخر، و هي جائزةٌ بالإجماع؛ فلايدلّ على كونه حقّاً، إذ هى جاريةٌ في الأعيان أيضاً.

المسلك الرابع: كون الخمس كإرث الزوجة، فكما انّ إرث الزوجة موجودٌ في الخارج و لكن لايتعلّق بأصل الأرض، بل يتعلّق بثمن البناء و الأشجار و ما إليهما، فكذلك الخمس موجودٌ في الخارج متعلّقٌ بثمن المال.

و هذا القول لاإيراد فيه من ناحية الثبوت؛ و لكن لايجتمع مع تعلّق الخمس بالعين، لأنّ الزوجة لاتُعدُّ مالكةً للعين، بينما انّ خمس المال يتعلّق بصاحب الخمس، و هو مالكٌ له من غير مجاملةٍ‌.

المسلك الخامس: كون وجوب الخمس متعلّقاً بالخارج على نحو الشركة، فخمس المال يتعلّق بمالكه و أربعة أخماسه تتعلّق بمالك المال على نحو المشاع، فهما شريكان في المال و لكلٍّ منهما حصّته الخاصّة به. فكلّ جزءٍ من هذا المال فُرضَ يكون مشاعاً بين مالك المال و صاحب الخمس.

و هذا المسلك لايرد عليه شيءٌ‌، و هو تامٌّ من ناحية الثبوت. و هو مذهب المشهور و المختار في المسألة.

فتحصّل ممّا قلنا في هذه المسألة انّ هيهنا أقوالاً سبعةً لتبيين كيفيّة وجوب الخمس ثبوتاً.

أمّا كيفيّته من ناحية الاثبات فنتكلّم عنها في المسألة التالية.

المسألة الحادي عشرة في كيفيّة وجوب الخمس اثباتاً
اشارة

و تدلّ على تعلّقه بالعين اثباتاً أمورٌ:

الأمر الأوّل: ظهور آية الخمس الشريفة، فانّ لقوله - تعالى -: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ‌

شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ‌»(1)ظهوراً في كون المال مشاعاً بين مالكه و مالك الخمس، و ذلك يُستفاد من قوله - تعالى -: «فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ‌».

و صرف ظهورها منه إلى الحقّ أو ما يوافق الظرف و المظروف و ما يشبههما يحتاج إلى دليلٍ لايوجد في المقام.

إن قلت: الصدقة في قوله - تعالى -: «وَ الَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَ الَْمحْرُومِ‌»(2)أعمّ من الصدقة الواجبة و المستحبّة، فتشمل الخمس، فهو حقٌّ‌؛

قلت: الظاهر انصرافها عن الخمس و الزكاة الواجبين، نعم! لاخلاف في أنّ غيرهما من الصدقات حقٌّ‌، و لا شراكة فيه.

الأمر الثاني: ما يظهر من قولهم عليهم السلام: «المعدن فيه الخمس»(3)و: «في المؤونة خمسٌ‌»(4)و ما يشبههما(5). فلهذه الروايات دلالةٌ على كون المال مشاعاً بين مالك المال و مالك الخمس. و القول بأنّ المراد منها: «في المؤونة خمسٌ على سبيل الحقّ‌» أو: «على سبيل حقّ الرهانة» يحتاج إلى قرينةٍ مفقودةٍ في المقام.

و هيهنا رواياتٌ أخر تدلّ على المبنى المختار. و في قبالها رواياتٌ استظهر بعضهم منها دلالتها على خلافه؛ فهيهنا طائفتان من الروايات، فلنذكرهما و لنبحث عن مدلولهما.

أمّا الطائفة الأولى روايات الباب
اشارة


1) . كريمة 41 الأنفال.

2) . كريمتان 25/24 المعارج.

3) . راجع: «التهذيب» ج 4 ص 122 الحديث 6، «وسائل الشيعة» ج 9 ص 492 الحديث 12564.

4) . هذا هو المستفاد من مضمون أحاديث الباب؛ فانظر: «مستدرك الوسائل» ج 7 ص 285 الحديث 8237، «تفسير العيّاشي» ج 2 ص 63 الحديث 61.

5) . فانظر: «الفقيه» ج 2 ص 40 الحديث 1647، «وسائل الشيعة» ج 9 ص 495 الحديث 12570.

الرواية الأولى:

«عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن عليّ بن الحكم عن عليّ بن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: كلّ شيءٍ قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّداً رسول اللّه صلى الله عليه و آله فإنّ لنا خمسه. و لايحلّ لأحدٍ أن يشتري من الخمس شيئاً حتّى يصل إلينا نصيباً»(1).

السند صحيحٌ‌؛ و دلالة قوله عليه السلام: «فإنّ لنا خمسه و لايحلّ لأحدٍ...» على المراد تامّةٌ‌، إذ على المختار من كون المال مشاعاً بين الشريكين لايحلّ لأحدهما التصرّف فيه من غير إذنٍ من الآخر.

الرواية الثانية

«و بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوبٍ عن أحمد بن محمّدٍ عن الحسين عن القاسم عن أبان عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: من اشترى شيئاً من الخمس لم يعذره اللّه، اشترى ما لايحلّ له»(2).

السند لابأس به، و دلالتها لاتحتاج إلى بيانٍ‌.

الرواية الثالثة

«محمّد بن محمّدٍ المفيد في المقنعة عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام: قال:

كلّ شيءٍ قوتل عليه على شهادة أن لا اله إلّااللّه و أنّ محمّداً رسول اللّه صلى الله عليه و آله


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 542 الحديث 12673؛ و انظر: «المقنعة» ص 280؛ «الكافي» ج 1 ص 545 الحديث 14.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 540 الحديث 12669، «التهذيب» ج 4 ص 136 الحديث 3.

فإنّ لنا خمسه. و لايحلّ لأحدٍ أن يشتري من الخمس شيئاً حتّى يصل إلينا نصيبا»(1).

الظاهر اتّحاد الرواية بالرواية الأولى، فلابأس بسندها؛ و لاأقلّ من أنّ الأولى تؤيّدها، و إلّافلاسبيل إلى تصحيحها سنداً، لمكان ارساله.

و تقريب الاستدلال بها ما مضى في التعليق عليها.

الرواية الرابعة

«العيّاشي في تفسيره عن إسحاق بن عمّار قال: سمعت أباعبداللّه عليه السلام يقول: لايعذر عبدٌ اشترى من الخمس شيئاً أن يقول: يا ربّ اشتريته بمالي، حتّي يأذن له صاحب الخمس»(2).

أمّا السند فمرسلٌ‌، و مضت الإشارة إلى الخلاف في تصحيح مرسلات العيّاشي. و كيف كان فالظاهر انّه لابأس بالسند، لأنّه مؤيّدٌ بغيره من المسندات؛ قال صاحب الوسائل قدس سره مذيّلاً عليها:

«و يأتي روايةٌ تقرب من ذلك في التجارة في حكم بيع الأراضي المفتوحة عنوةً مسنداً»(3).

و الرواية تنفى أن يكون المال ملكاً لصاحبه قبل التخميس، لأنّه يحتاج إلى إذنٍ من صاحب الخمس؛ و هذا يشير الى كونه مشاعاً بينهما.

و كيف كان فالمستفاد من مجموع تلك الروايات كون المال مشاعاً بين مالكه و مالك


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 542 الحديث 12673، «المقنعة» ص 280.

2) . راجع: «تفسير العيّاشى» ج 2 ص 63 الحديث 60؛ و انظر: «مستدرك الوسائل» ج 7 ص 287 ح 8217.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 542 الحديث 12674.

الخمس، و الظاهر عدم اعتراء الترديد هذا المبنى السامي.

هذا؛ و قد قلنا هناك رواياتٌ سمّيناها

بالطائفة الثانية من روايات الباب،
اشارة

و قد استظهر بعضهم منها تعارضها مع كون وجوب الخمس على نحو الشركة، فلنذكرها و لنبحث عن مدى صحّة هذا الاستظهار. و هي:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن أبي عبداللّه عن أبيه عمّن حدّثه عن عمرو بن أبي المقدام عن الحارث بن حضيرة الأزديّ قال:

وجد رجلٌ ركازاً على عهد أميرالمؤمنين عليه السلام فابتاعه أبي منه بثلاثمأة درهمٍ و مأة شاةٍ متبعٍ‌. فلامته أمّي و قالت: أخذت هذه بثلاثمأة شاةٍ -:

أولادها مائةٌ و أنفسها مائةٌ و ما في بطونها مائةٌ -. قال: فندم أبي فانطلق ليستقيله، فأبى عليه الرجل فقال: خذ منّي عشر شياه، خذ منّي عشرين شاةً‌، فاخذ أبي الركاز و أخرج منه قيمة ألف شاةٍ‌. فأتاه الآخر فقال: خذ غنمك و آتني ما شئت، فأبى، فعالجه، فأعياه؛ فقال: لأضرّنّ بك. فاستعدى اميرالمؤمنين عليه السلام على أبي، فلمّا قصّ أبي على أميرالمؤمنين عليه السلام أمره قال لصاحب الركاز: أدّ خمس ما أخذت، فإنّ الخمس عليك، فانّك أنت الّذي وجدت الركاز و ليس على الآخر شيءٌ‌؛ لأنّه إنّما أخذ ثمن غنمه»(1).

أشرنا فيما سبق إلى أنّ السند لايُعتمد عليه؛ للارسال الواقع فيه؛ و لكون حارث بن


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 497 الحديث 12575، «الكافي» ج 5 ص 315 الحديث 48؛ و انظر: «التهذيب» ج 7 ص 225 الحديث 6.

حصيرة مجهولٌ غير مذكورٍ في دواوين الرجاليّين(1).

و كيفيّة تمسّكهم بها أنّهم قالوا: امضاءُ أميرالمؤمنين عليه السلام بيع مكتشف الكنز ثمّ طلبه منه اعطاء الخمس يدلّ على عدم تعلّق الخمس بالعين، إذ لو كان متعلّقاً به لكان بيعه باطلاً، إذ لايجوز لأحدٍ أن يبيع ما ليس له فيه حقٌّ‌.

و يرد عليه: إنّ الجمع بينها و بين ما مضت قبلها من روايات الباب يقتضي أن يكون بيعه هذا بيعاً فضوليّاً، فأمضاه مالك الخمس و جعله في حلٍّ من ذلك، ثمّ طلب منه أن يعطيه حقّه؛ فلا دلالة فيها على كونه غير متعلّقٍ بالعين.

الرواية الثانية

«و بإسناده عن الريّان بن الصلت قال: كتبت إلى أبي محمّد عليه السلام: ما الّذي يجب عليَّ - يا مولاي! - في غلّة رَحَى أرضٍ في قطيعةٍ لي و في ثمن سمكٍ و بَرْدِيٍّ و قصبٍ أبيعه من أَجَمَة هذه القطيعة‌؟ فكتب: يجب عليك فيه الخمس - إن شاء اللّه تعالى -»(2).

السند صحيحٌ‌. و كيفيّة الاستدلال بها أن قالوا: قول الإمام عليه السلام بصحّة بيع الفوائد الحاصلة من تلك الأرض يدلّ على عدم تعلّق الخمس بها، إذ لامعنى لصحّة بيع الرجل ما لايتعلّق به.

و يرد عليه: إنّ الظاهر منها جواز التصرّف في المال قبل مرور سنةٍ كاملةٍ عليه، و هذا


1) . انظر: «معجم رجال الحديث» ج 4 ص 193 الرقم 2467؛ و للتحقيق حوله بما لامزيد عليه راجع: «مستدركات علم رجال الحديث» ج 2 ص 264 الرقم 3023، «قاموس الرجال» ج 3 ص 25 الرقم 1660.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 504 الحديث 12587، «التهذيب» ج 4 ص 139 الحديث 16.

الجواز من المتّفق عليه بين الفقهاء؛ فلادلالة فيها على مطلوبهم.

الرواية الثالثة

«محمّد بن إدريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب محمّد بن عليّ بن محبوب عن أحمد بن هلال عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام -... و ساق الحديث إلى أن قال -: و عن الرجل يكون في داره البستان فيه الفاكهة يأكله العيال إنّما يبيع منه الشيء بمأة درهمٍ أو خمسة درهماً هل عليه الخمس‌؟ فكتب: أمّا ما أكل فلا، و أمّا البيع فنعم، هو كسائر الضياع»(1).

و كيفيّة الاستدلال بها نفس ما مرّ في التعليق على الرواية السالفة.

و يرد عليه: ظهورها في بيع الفواكه قبل تنجّز الخمس عليها، أي: قبل مرور السنة عليها.

فتلخّص ممّا قلنا جميعاً أنْ لاتهافت بين هذه الطائفة و بين الطائفة الأولى من روايات الباب؛ فلايمكن الذهاب إلى دلالتها على مطلوبهم.

ثمّ لو كابر مكابرٌ فأصرّ على تماميّة دلالة هذه الطائفة على هذا المذهب المزيّف، فلاضير أيضاً؛ إذ هذا يؤدّي إلى تعارض الطائفتين و تساقطهما، فتصل النوبة إلى مقتضى الأصل في المسألة؛ و هو يوافق المختار.

و تفصيل الكلام فيه: أمّا الأصل الحكميّ في المسألة فيدلّ على براءة الذمّة من الأزيد من المتيقّن، و المتيقّن تعلّقه بالذمّة، لا بالعين الموجود في الخارج، فأدلّة البراءة تدلّ على نفي تعلّقه به.

و لكن لاخلاف فى تقدّم الأصل الموضوعي على الأصل الحكميّ - كما قد حقّقه القوم في


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 504 الحديث 12588، «مستطرفات» السرائر ص 606.

دراساتهم الأصوليّة -. و لكن الظاهر انّ الأصل الموضوعي لم يوجد في مسألتنا هذه، لعدم جريان البراءة في الشبهات الموضوعيّة؛ و جريان استصحاب العدم الأزليّ فيها أيضاً لايخلو عن شيءٍ‌؛ بل ترد عليه أمورٌ ثلاثة:

الأمر الأوّل: جريان هذا الاستصحاب في جميع الأقسام الخمسة، فيقع التعارض بين تلك الاستصحابات، فلايمكن الركون إلى شيءٍ منها؛

الأمر الثاني: يظهر بالتأمّل في المقام أنّ الاستصحاب لايجرى في تلك الأقسام الخمسة أصلاً، لعدم الإتّحاد بين القضيّة المتيقّنة و بين القضيّة المشكوكة في كلّ واحدٍ منها. فليست المتيقّنة فيه نفس المشكوكة، و لاالمشكوكة فيه نفس المتيقّنة؛

الأمر الثالث: عدم جواز الركون إلى هذا القسم من الاستصحاب أصلاً، لأنّ العرف لايقبله، بل يحكم بانصراف القاعدة القائلة ب‍: «أنّه لاينقض اليقين بالشكّ‌» عن هذا القسم. و قد اشتهر بين متأخّري المتأخّرين انّ استصحاب العدم الأزلي من ثمرات البحوث العلميّة و نتائج التدقيقات الأصوليّة، لاممّا يؤيّده العرف و يخضع له.

فبما قلنا ظهر أن لاأصل موضوعيٍّ في المقام.

و لايمكن الذهاب إلى كون المسألة من باب الدوران بين الأقلّ و الأكثر، بجعل كون الخمس من باب حقّ الرهانة الفرد الأقلّ و كونه من باب الشركة و الشياع بين المالكين الفرد الأكثر، ثمّ الأخذ بالأقلّ و رفض الأكثر؛

لأنّا أشرنا إلى التباين بين الحقّ و الملك، فلايجتمعان تحت عنوانٍ واحدٍ. فيدور الأمر بين المتباينين. فإذاً لا مناص من الرجوع إلى قاعدة الاحتياط، و هي تقتضي كفّ اليد عن التصرّف في المال قبل إخراج الخمس منه، و هو يساوي القول بكونه من باب الشركة و الاشاعة بين مالك المال و مالك الخمس.

فتحصّل ممّا قلنا جميعاً أنّ الأصل في المقام يؤيّد المذهب المختار؛ و الحمد للّه ربّ العالمين.

المسألة الثانية عشرة في جواز تبديل الخمس و عدم جوازه
اشارة

هل يجب أداء الخمس من نفس العين الّذي تعلّق به الخمس‌؟ أم يجوز تبديله بغيره - جنساً كان أو نقداً -؟؛ و بعبارةٍ أخرى: هل يجب أداء الخمس بعد تنجّزه على عينٍ أو مالٍ من نفس العين و المال‌؟ أو يجوز أن يُبَّدل بغيره من دون تحصيل الإذن من الحاكم الشرعيّ؟

و تفصيل الكلام فيه في نكاتٍ أربعة:

النكتة الأولى
اشارة

في المسألة أقوالٌ ثلاثة:

القول الأوّل:

القول بالجواز مطلقاً؛ هذا القول حكاه الشيخ الأعظم رحمه الله(1)عن المحقّق جمال الدين الخوانساريّ قدس سره في حاشيته على الروضة البهيّة، و قد ادّعى انعقاد الإجماع عليه(2).

و ذهب المحقّق الخوانساريّ إلى إمكان الغاء الخصوصيّة عن الأدلّة الدالّة على جواز التبديل في باب الزكاة و جريانها في باب الخمس، و ذلك لاشتراك مسائل البابين في كثيرٍ من النقاط؛ بل الظاهر انّ الأصحاب كانوا يذكرون كثيراً من المسائل الراجعة إلى البابين في باب الزكاة. و ذلك لما كانت واجبةً عليهم من رعاية التقيّة، نظراً إلى اشتراك جميع المسلمين في القول بالزكاة و انفراد الشيعة بباب الخمس.

القول الثاني:

القول بعدم الجواز مطلقاً، و هو مختار المشهور(3). و استدلّوا عليه بأنّ‌


1) . راجع: «كتاب الخمس» - له رحمه الله - ص 279.

2) . قال الشيخ رحمه الله: «يظهر من حاشية المدقّق الخوانساري في مسألة وجوب بسط نصف الخمس على الأصناف أنّ جواز أداء القيمة مذهب الأصحاب»؛ راجع: نفس المصدر؛ و انظر: «حاشية المدقّق الخوانساري على اللمعتين» ص 328.

3) . و انظر في ذلك: «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 563، «كتاب الخمس» - للمحقّق الخوئي رحمه الله - ص 298.

العين مشتركٌ بين مالك العين و مالك الخمس، و تبديل ما يتعلّق بأحدهما بغيره من النقود و الأعيان يحتاج إلى دليلٍ ليدلّ على الجواز، و هو مفقودٌ في المقام، فلايجوز التعدّي عنه إلى غيره.

و ظاهرٌ انّ القائلين بهذا القول لم يذهبوا إلى جواز الغاء الخصوصيّة عمّا ورد في باب الزكاة و إمكان جريانه و التمسّك به في باب الخمس. و سنتكلّم عنه في النكتة الثانية من نكات هذه المسألة - إن شاء اللّه -.

القول الثالث:

القول بجواز تبديله بالنقود فقط، فلايجوز تبديله بغيره من الأجناس. و ذلك لأنّه هو الجائز في باب الزكاة فقط، و مشابهة البابين في الحكم يقضي بالاقتصار على هذا القدر من التبديل و عدم التعدّي عنه إلى ما وراءه.

النكتة الثانية

المختار هو الأوّل، و هو جواز التبديل مطلقاً لوكان التبديل أنفع لمالك الخمس. و ذلك لأنّ ما ورد في باب الزكاة من الروايات الدالّة على جواز التبديل نصٌّ في جوازه لوكان أنفع للفقراء. و كذلك في باب الخمس، فلوكان التبديل أنفع لأصحابه يجوز؛ أمّا لو كان ضارّاً غير نافعٍ لهم فلايجوز، لاشتراكهم في المال و عدم جواز حرمانهم عنه.

و بما قلنا ظهر انّ الذهاب إلى هذا الحكم لايحتاج إلى الغاء الخصوصيّة عن أدلّة باب الزكاة - كما ذهب إليه المحقّق الخوانساريّ رحمه الله -، بل ما ورد في باب الزكاة قد نُصَّ فيه على علّة الجواز، فيجوز التعدّي عن هذا الباب و جريانه في باب الخمس أيضاً.

النكتة الثالثة
اشارة

و المهمّ هيهنا سرد روايات الباب لنرى مدى دلالتها على المختار. فنقول:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن محمّد بن خالد البرقيّ قال: كتبتُ الى أبي جعفر الثاني عليه السلام: هل يجوز أن أخرج عمّا يجب في الحرث من الحنطة و الشعير و ما يجب على الذهب دراهم قيمة ما يسوي أم لايجوز إلّاأن يخرج عن كلّ شيءٍ ما فيه؛ فأجاب عليه السلام: أيّما تيسّر يخرج»(1).

السند صحيحٌ‌، و لابأس به. و قوله عليه السلام: «أيّما تيسّر يُخرج» نصٌّ في جواز التبديل.

بقي هيهنا شيءٌ‌، و هو: الظاهر من هذه العبارة رعاية حال المعطي، لاحال الآخذ. و بحملها على ما يأتي من الروايات يُتبيّن انّ التبديل لايجوز إذا كان مضرّاً بحال الآخذ.

فيشترط فيه أن لايكون مضرّاً به لو لم يكن أنفع له.

الرواية الثانية

«محمّد بن الحسن بإسناده عن الحسن بن محبوب عن عمر بن يزيد في حديثٍ قال: سألت أباعبداللّه عليه السلام: نعطي الفطرة دقيقاً مكان الحنطة‌؟ قال:

لابأس، يكون أجر طحنه بقدر ما بين الحنطة و الدقيق»(2).

لابأس بالسند. و دلالة الحديث على المطلوب تامّةٌ‌. إذ الدقيق أنفع لمالك الخمس من الحنطة، و قد نصّ الصادق عليه السلام على أنّ أجر الحطن ملحوظٌ في المقام، لكونه عوناً لآخذ الخمس في استفادته منه.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 192 الحديث 11812، «الكافي» ج 3 ص 559 الحديث 1 - باختلافٍ يسير -.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 347 الحديث 12194، «التهذيب» ج 4 ص 332 الحديث 109.

الرواية الثالثة

«و بإسناده عن جعفر بن محمّد بن قولويه عن أبيه عن سعد بن عبداللّه عن محمّد بن عيسى عن يونس بن إسحاق بن عمّار الصيرفيّ قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: جُعلت فداك! ما تقول في الفطرة‌؟ يجوز أن اؤدّيها فضّةً بقيمة هذه الأشياء الّتي سمّيتها؟ قال: نعم! إنّ ذلك أنفع له، يشتري ما يريد»(1).

السند لا بأس به، و لا أقلّ من كونه موثّقاً، لمكان اسحاق بن عمّار(2). و الظاهر انّ قوله عليه السلام: «إنّ ذلك أنفع له، يشتري ما يريد» تعليلٌ لحكمه عليه السلام بالجواز؛ و الدليل معمّمٌ‌، فيجوز التعدّي عن مورده إلى ما يشترك فيه معه من الموارد. و هو صريحٌ في جواز التبديل لوكان أنفع لمالك الخمس.

فدلالة روايات الباب على المختار تامّةٌ لايرد عليها شيءٌ‌.

النكتة الرابعة

و يختلج بالبال انّ سيرة المتشرّعة المستمرّة أيضاً تدلّ على الجواز. و انعقاد السيرة على جواز التبديل لايحتاج إلى بيانٍ‌، إذ هو المشاهَد من المتشرّعين؛ و هي كانت في مرأى المعصومين عليهم السلام و منظرهم، فلايمكن الترديد في حجيّته. و لا أقلّ من إجماع القوم على امضاء تلك السيرة، فيمكن القول بدلالة السيرة الحجّة في المقام على المختار أيضاً.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 347 الحديث 12195، «التهذيب» ج 4 ص 86 الحديث 6، «الإستبصار» ج 2 ص 50 الحديث 1.

2) . قال الشَّيخ رحمه الله: «إسحاق بن عمّار الساباطيّ‌، له أصلٌ و كان فطحيّاً، إلّاانّه ثقةٌ و أصله معتمدٌ عليه»؛ راجع: «الفهرست» ص 39 الرقم 52؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 3 ص 52 الرقم 1157-1160.

المسألة الثالثة عشرة في جبر الضرر من الربح
اشارة

لوكان لأحدٍ ربحاً في كسبه و تجارته في سنةٍ‌، و كان له ضرراً في نفس السنة أيضاً، فهل يجوز له جبر الضرر بالربح بحيث لم يتعلّق به خمسٌ؟، أم لايجوز؟؛ هيهنا صورتان:

الصورة الأولى: لوكان الضرر متوجّهاً إلى رأس ماله، أو إلى نفس ربحه؛ فلاترديد في جواز جبره بربحه، و في الواقع لاربح في هذه الصورة حتّى يتعلّق به الخمس؛

الصورة الثانية: لوتضرّر في بعض تجاراته و ربح في تجارةٍ أخرى، فاجتمع في تجاراته ربحٌ و ضررٌ؛ ففي هذه الصورة هل يجوز جبره به‌؟.

قد تعرّض الشيخ الأعظم رحمه الله للمسألة في كتاب الخمس و ذهب إلى عدم الجواز(1)و نُسب القول بالعدم إلى الشهيدين 0 في الدروس(2)و المسالك(3)، و قد تبعهم في ذلك السيّد قدس سره في العروة(4). و هو المختار.

و استدلّ عليه الشيخ الأعظم ب‍: «أنّ التلف لايحتسب من المؤونة»، و ب‍: «أنّ التلف لايمنع من الاستفادة»(5). و هما دليلان جيّدان في المقام، و المتحصّل منهما: انّ الخمس يتعلّق بالاستفادة الّتي لم ينفقها مالكها في مؤونته، و الاستفادة حاصلةٌ في تلك السنة، و تلف بعض ماله لايمنع عن صدق الاستفادة عليها، هذا من ناحيةٍ‌؛ و من ناحيةٍ أخرى انّ هذه


1) . راجع: «كتاب الخمس» - للشيخ الأعظم رحمه الله - ص 213.

2) . راجع: الدروس» ج 1 ص 259.

3) . قال رحمه الله: «لايجبر التالف من المال بالربح مطلقاً»؛ راجع: «مسالك الأفهام» ج 1 ص 465.

4) . قال قدس سره: «لوتلف بعض أمواله ممّا ليس من مال التجارة أو سرق أو نحو ذلك لم يجبر بالربح و إن كان في عامّه، إذ ليس محسوباً من المؤونة»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 73، ج 2 ص 397.

5) . قال رحمه الله: «لأنّ التلف لايمنع صدق الاستفادة على الربح، و جبر التالف ليس من المؤونة»؛ راجع: «كتاب الخمس» - له - ص 213.

الاستفادة باقيةٌ لم ينفقها المالك فيها، فيتعلّق بها الخمس، لأنّها فائدةٌ غير منفقةٍ في المؤونة(1).

فمبنى الشيخ تامٌّ‌، و استدلالاه عليه جيّدان لايرد عليهما شيءٌ‌.

نكتةٌفي جبر التضخُّم النقدي

و من توابع المسألة ما لوربح في تجاراته طوال السنة من ناحيةٍ و تضرّر من ناحية التضخّم النقديّ و الفورة الماليّة بحيث حصل له ربحٌ كلّ يومٍ و لكن لم يزد رأس ماله، للفورة الماليّة الحاكمة على الأسواق.

و الظاهر انّه لافرق بين الضررين، فيجب عليه إخراج الخمس من ربحه، لجريان الدليلين في المقام أيضاً.

المسألة الرابعة عشرة في تعلّق الخمس بفضل المؤونة

ذهب السيّد رحمه الله في العروة إلى أنّه لواشترى أحدٌ جراباً من الأُرُزّ لمؤونته إلى أن مرّت عليه سنةٌ‌، يجب عليه اعطاء الخمس منه؛ أمّا لو اشترى بِساطاً ثمّ زيد في قيمته لايجب عليه تخميس الزيادة؛ لصدق المؤونة على الأوّل و عدم صدقها على الثاني(2).

و الظاهر انّ رأيه الشريف لايخلو عن شيءٍ‌؛

لعدم الفرق بينهما أوّلاً؛


1) . و انظر: «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 552.

2) . قال قدس سره: «لو زاد ما اشتراه و ادّخره للمؤونة من مثل الحنطة و الشعير و الفحم و نحوها ممّا يصرف عينه فيها يجب إخراج خمسه عند تمام الحول، و أمّا ما كان مبناه على بقاء عينه و الانتفاع به مثل الفرش... فالأقوى عدم الخمس فيها»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 67 ج 2 ص 395.

و لعدم تعلّق الخمس بهما ثانياً. و ذلك لأنّ المناط في صدق المؤونة عليهما كونهما من المؤونة زمن الشراء، فلواشترى شيئاً ثمّ فضل على مؤونته لم يجب تخميسه. نعم! لواشترى ما يزيد عليها - كمن اشترى خمسة جراباتٍ من الأُرُزّ و هو يعلم أنّ جراباً واحداً يكفي لمؤونته طوال السنة - لاترديد في تعلّق الخمس بأربعةٍ من تلك الجرابات، و ذلك لعدم صدق المؤونة عليها.

المسألة الخامسة عشرة في اشتراط التكليف في الخمس و عدم اشتراطه فيه
اشارة

هذه المسألة من أهمّ مسائل الباب مورداً، و ذلك لابتلاء المؤمنين بها كثيراً. و مع ذلك كلّه لم يذكرها المحقّق في الشرايع، و تبعه في ذلك صاحب الجواهر 0. و مدار المسألة على أنّه هل يجب في تعلّق الخمس بالعين أن يكون مالكه مكلّفاً؟ أم ليس التكليف شرطاً في تعلّقه به‌؟.

و تظهر الثمرة في أموال الصبيّ مثلاً، فلاخمس فيها على الأوّل، و يجب أداء الخمس منها على الثاني.

و تفصيل الكلام فيها في نكاتٍ‌:

النكتة الأولى
اشارة

في المسألة أقوالٌ ثلاثة:

القول الأوّل:

القول بعدم اشتراطه فيه، فيتعلّق الخمس بمال الصبيّ‌، و يجب على قيّمه إخراجه منه.

القائلون بهذا القول - و منهم الشيخ الأعظم رحمه الله - استدلّوا باطلاق أدلّة الباب(1)،

إذ


1) . كلامه قدس سره ليس مطلقاً، إذ قال: «الظاهر انّه لاخلاف في عدم اشتراط البلوغ و العقل في تعلّق الخمس بالمعادن و الكنوز و الغوص... و يدلّ عليه إطلاق الأخبار... أمّا الأرض المشتراة من الذمّي ففيه إشكالٌ‌... و الحاصل انّه يفهم... عدم الفرق في أرباح المكاسب بين البالغ و غيره»؛ راجع: «كتاب الخمس» - له - ص 273.

لافرق بين أموال الصبيّ و أموال المكلّف البالغ في شمول قوله - سبحانه -: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ‌»(1)لهما.

و من الغريب ما ذهب إليه الشيخ الأعظم في المقام، فانّه مع إصراره على عدم جواز استفادة الاطلاق من الأدلّة التي تبيّن أصل الحكم ذهب إلى أنّ اطلاق الآية الشريفة و روايات الباب تشمل ما للصبيّ من الأموال كما تشمل أموال غيره؛

و هذا غريبٌ منه جدّاً!.

القول الثاني:

القول باشتراطه فيه. فلاخمس في مال الصبيّ‌، و ذلك لأنّ فقهاء مدرسة أهل البيت عليهم السلام قد اتّفقوا على عدم تعلّق الزكاة بمال الصبيّ‌(2)و ذلك خلافاً لفقهاء العامّة(3). و الغاء الخصوصيّة عمّا ورد في باب الزكاة و سريانه إلى أحكام الخمس يحكم بعدم


1) . كريمة 41 الأنفال.

2) . لم أعثر على اتّفاقهم على هذا الحكم؛ فانظر: «المقنعة» ص 238، «النهاية» ص 174، «المبسوط» ج 1 ص 234، «الخلاف» ج 2 ص 40 المسألة 42، «المعتبر» ج 3 ص 25 المسألة 1، «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 3، «مستند العروة الوثقى» كتاب الزكاة ج 1 ص 11.

3) . حيث لهم في المسألة مذاهب شتّى؛ قال النوويّ في كتاب الزكاة: «فرعٌ في مذاهبهم في مال الصبي و المجنون. ذكرنا انّ مذهبنا وجوبهما في مالهما، و به قال الجمهور... و قال أبووائل و... لازكاة في مال الصبي، و قال سعيد بن المسيّب: لايزكّي حتّى يصلّي و يصوم رمضان، و قال الأوزاعي... في ماله الزكاة لكن لايخرجه الوليّ بل يحصيها فإذا بلغ أعلمه فيزكّي عن نفسه، و قال ابن أبي ليلى: فيما ملكه زكاةٌ لكن إن أدّاها الوصيّ ضمن، و قال ابن شبرمة: لازكاة في ذهبه و فضّته و تجب في إبله و بقره و غنمه... و قال أبوحنيفة: لازكاة في ماله إلّاعشر المعشرات»؛ راجع: «المجموع» ج 5 ص 331؛ و انظر: «الأمّ‌» ج 2 ص 30، «حلية العلماء» ج 3 ص 9، «مغني المحتاج» ج 1 ص 409، «المدوّنة الكبرى» ج 1 ص 249، «بداية المجتهد» ج 1 ص 251، «المغني» - لابن قدامة - ج 2 ص 493.

تعلّقه بماله.

القول الثالث:

عدم تعلّقه به ما كان صبيّاً، أمّا إذا صار بالغاً فيجب إخراج الخمس عن ماله. هذا هو مختار السيّد رحمه الله في العروة(1). و استدلّ عليه بقولهم: «رفع القلم عن الصبيّ حتّى يحتلم»(2)، ففعل الصبيّ عنده كلافعلٍ‌، و عمله كلاعملٍ‌، و قصده كلاقصدٍ.

و هذا القول ضعيفٌ جدّاً، لاتّفاق الأصحاب على وجوب نهيه عمّا أتى به من المحرمّات، بل يجب تعزيره في بعض صور الإتيان بها. و لذلك خصّص بعض الأصحاب - بل كثيرٌ منهم - القاعدةَ بمورد قتل العمد، فلو قتل الصبيّ أحداً لايُقتل حتّى يحتلم، فيجري عليه الحاكم القصاص.

و على أيٍّ لايجوز الالتفات إلى هذا القول كثيراً.

و المختار هو القول الأوّل، و سنفصّل الكلام حوله بعد أن سردنا روايات الباب و بحثنا عن كيفيّة دلالتها على الأقوال(3).

النكتة الثانية
اشارة

و هناك رواياتٌ في باب الزكاة لها دلالةٌ على المختار. و هي:


1) . قال رحمه الله: «و في تعلّقه بأرباح مكاسب الطفل إشكالٌ‌، و الأحوط إخراجه بعد بلوغه»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 84، ج 2 ص 403.

2) . راجع: «الخلاف» ج 3 ص 353 المسألة 21، نفس المصدر ج 5 ص 271 المسألة 87، «المبسوط» ج 2 ص 282، «السرائر» ج 2 ص 693؛ و انظر: «الخصال» ج 1 ص 93 الحديث 40، ص 175 الحديث 233؛ و انظر أيضاً: «جامع الأصول» ج 3 ص 506 الحديث 1823، «سنن أبي داود» ج 4 ص 141 الحديث 4403، «السنن الكبرى» ج 6 صص 84، 206.

3) . و انظر: «مصباح الفقيه» ج 14 ص 181، «مدارك الأحكام» ج 5 ص 390

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه و عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد جميعاً عن ابن أبي عمير عن حمّاد بن عثمان عن الحلبيّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: في مال اليتيم عليه زكاةٌ؟ فقال: إذا كان موضوعاً فليس عليه زكاةٌ‌، فإذا عملت به فأنت له ضامنٌ و الربح لليتيم»(1).

السند صحيحٌ‌، و دلالتها على عدم تعلّقها بمال الصبيّ واضحةٌ‌. نعم! لوأتجر به من وُضع عليه قلم التكليف فالزكاة تتعلّق بذمّته، لابربح الصبيّ‌.

الرواية الثانية

«و عنه عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عن حريز عن أبي بصير قال: سمعت أباعبداللّه عليه السلام يقول: ليس على مال اليتيم زكاةٌ و إن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاةٌ و لاعليه فيما بقي حتّى يُدرِك»(2).

السند صحيحٌ‌، بل هو من عوالي الأسناد. أمّا دلالةً فالظاهر انّ لسانها آبٍ عن الغاء الخصوصيّة و جريان حكمها في غير باب الزكاة؛ فالظاهر عدم جواز التمسّك بها.

الرواية الثالثة

«و عن أحمد بن إدريس عن محمّد بن عبدالجبّار عن صفّوان بن يحيى عن يونس بن يعقوب قال: أرسلت إلى أبي عبداللّه عليه السلام: أنّ لي إخوةً صغاراً،


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 83 الحديث 11575، «الكافي» ج 3 ص 540 الحديث 1؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 26 الحديث 1.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 84 الحديث 11577، «الكافي» ج 3 ص 541 الحديث 4.

فمتى تجب على أموالهم الزكاة‌؟ قال: إذا وجبت عليهم الصلاة وجبت الزكاة؛ قلت: فما لم تجب عليهم الصلاة‌؟ قال: إذا اتُّجر به فزكّه»(1).

السند صحيحٌ‌؛ و دلالتها ظاهرةٌ‌، و لافرق بين مدلولها و مدلول الرواية الأولى. فما قلنا في التعليق عليها يجري هيهنا أيضاً.

و كيف كان فالمستفاد من مجموع روايات الباب عدم تعلّق الزكاة بمال الصبيّ‌. ثمّ لوأمكن الأخذ بإطلاق الأدلّة و سريان حكمها إلى باب الخمس نحصّل على نتيجةٍ‌، و هي عدم تعلّق الخمس بماله؛

و لكن لايمكن الأخذ به، و ذلك نظراً إلى ما أشرنا إليه من أنّه لاإطلاق في الأدلّة المبيّنة لأصل الحكم. نعم! للذاهبين إلى إمكان الغاء الخصوصيّة عن خصوص باب الزكاة إمكان القول بعدم تعلّقه بماله؛ و لاريب في امكانه، فلايتعلّق بماله.

النكتة الثالثة

و لنا في المقام كلامٌ آخر، و هو: الظاهر انّ وجوب أداء الخمس ليس من باب التكاليف الشرعيّة، بل هو انباءٌ عن حكمٍ وضعيٍّ‌، و هو عدم تعلّق المال بالمالك ما لم يُخرج عنه الخمس، و ذلك لاشتراك المالك و مالك الخمس فيه. فإذن لا فرق بين مال الصبيّ و مال البالغ؛ و ذلك كحكم الأصحاب بوجوب أداء ديون الصبيّ على وليّه لوكان مديناً، حيث إنّ الدين لايُعدُّ من ملكه و ماله. فكذلك في باب الخمس، فانّه ليس متعلّقاً به حتّى يمنع عدم بلوغه عن أدائه(2). و ذلك واضحٌ‌.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 85 الحديث 11579، «الكافي» ج 3 ص 541 الحديث 7؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 27 الحديث 7، «الإستبصار» ج 2 ص 29 الحديث 2.

2) . و عن الشيخ الأعظم رحمه الله: «فهذا الخمس ليس حقّاً حادثاً في أصل المال كالزكاة ليمكن دعوى أنّه فرع التكليف، بل هو حقٌّ ثابتٌ في جملة المال مختلطٌ معه، و لذا لايسقط بتلف المال من غير تفريطٍ، بل ينتقل إلى الذمّة إذا كان الخلط بسوءصنيعه»؛ راجع: «كتاب الخمس» - له - ص 270.

المسألة السادسة عشرة التمسّك بالحيل الشرعيّة هرباً عن أداء الخمس
اشارة

هل يجوز التمسّك بالحيل الشرعيّة للهرب عن أداء الخمس‌؟ أم لايجوز؟. فما هو الحكم فيمن يهب جميع أمواله لزوجته أو لابنه لئلّا يتعلّق به الخمس‌؟ أو يبيع داره بعُشر ثمنه لهما هرباً منه‌؟.

المسألة من المشاكل الفقهيّة، و لاسيّما على مسلك المشهور من القول بعدم جواز التمسّك بها في جميع أبواب الفقه إلّافي باب الربا، إذ فقهاء الإماميّة قد أجمعوا على أنّه لايجوز الأخذ بالحيل للفرار عن الأحكام الشرعيّة(1)، بينما انّ جواز الأخذ بها و جعْلِها ذريعةً للفرار عن حرمة الربا كاد أن يكون من المجمع عليه بينهم. فهذا صاحب الجواهر رحمه الله مع قوله ببطلانه في جميع أبواب الفقه، يحكم بصحّته في باب الربا، قال رحمه الله:

«كلّ شىءٍ تضمّن نقض غرض أصل مشروعيّة الحكم يحكم ببطلانه»(2).

و لايخفى ما في قوله: «كلّ شيءٍ‌» من العموم؛ ثمّ قال في باب الربا ما يظهر منه الجواز فيه(3). و هذا صاحب العروة رحمه الله قد حكم فيه بعدم الجواز في المسألة، ثمّ ذكر في ملحقات


1) . و من اللافت للنظر هيهنا قول شيخ الطائفة رحمه الله، نذكره هيهنا لما فيه من الفوائد الهامّة؛ قال في الفصل الّذي عقده «في باب الحيل»: «الحيل جائزةٌ في الجملة بلاخلافٍ إلّابعض الشذاذ، فانّه منع منه أصلاً. و إنّما أجزناه لقوله - تعالى -... و قال اللّه... و روى سويد ابن حنظلة قال...؛ فإذا ثبت هذا فانّما يجوز من الحيلة ما كان مباحاً يتوصّل به إلى مباحٍ‌. فأمّا فعل محظورٍ ليصل به إلى المباح فلايجوز، و قد أجاز ذلك قومٌ‌»؛ راجع: «المبسوط» ج 5 ص 95.

2) . راجع: «جواهر الكلام» ج 32 ص 202.

3) . قال رحمه الله: «نعم! قد يحتاج لذلك بجعل الزيادة في ثمن مبيعٍ مثلاً... و إن كان حيلةً و فراراً لكن نِعم الفرار من الباطل إلى الحقّ‌؛ و منه يُنتقل إلى غير ذلك من الحيل الشرعيّة المنطبقة على أصول المذهب و قواعده»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 25 ص 34.

العروة انّ الأخذ بها في باب الربا جائزٌ(1)، و تمسّك ببعض روايات الباب؛ و سنشير إليها - إن شاء اللّه تعالى -. فلابأس بنا لوفصّلنا الكلام حول الحيل الشرعيّة و إن كان خارجاً عن موضوع المقام، لشياع ما يرجع إليها في جميع أبواب الفقه. فنقول:


1) . قال قدس سره: «إذا زاد أحد المتجانسين على الآخر... و إن لم يكن كذلك عرفاً و في قصد المتقابلين، و هذا حيلةٌ تعبّديةٌ للفرار من الربا»؛ راجع: «ملحقات العروة» ج 1 ص 42 المسألة 48.

تذييلٌفي الحيل الشرعيّة
اشارة

المستفاد من الآيات و الروايات الكثيرة - زيادةً على ما حكم به العقل السّليم - عدم جواز التمسّك بالحيل الشرعيّة فراراً عن الأحكام الموضوعة و جعلها ذريعةً للحصول على ما يضادّ القوانين المقرّرة؛ و تفصيل الكلام فيهما:

أوّلاً: القرآن الكريم
اشارة

أمّا القرآن الكريم فالمستفاد منه بعد الجمع بين طائفتين من آياتها هو قبح الأخذ بها، إذ هناك طائفتان من الآيات:

طائفةٌ تدلّ على قبح الأخذ بها؛

و طائفةٌ تدلّ بظهورها على جواز الأخذ بها.

و لنشر أوّلاً إلى هاتين الطائفتين ثمّ نبدو ما ظهر لنا من الوجه للجمع بينهما.

الطائفة الأولى
اشارة

و هذه الطائفة تنقسم إلى قسمين:

القسم الأوّل:

ما ورد في أصحاب السبت. قال - سبحانه و تعالى -:

«وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ»(1)-... الآية -.

و الآيات ظاهرةٌ في قبح الأخذ بالحيل و ترتّب سخط اللّه - سبحانه و تعالى - عليه؛ و قد أشار مولانا السجّاد عليه السلام إلى أنّهم:


1) . كريمة 163 الأعراف.

«فتوسّلوا إلى حيلةٍ ليحلّوا بها لأنفسهم ما حرّم اللّه»(1)

فيما رواه عنه بعضٌ من المفسّرين. قال المحقّق الفيض المقدّس:

«في تفسير الإمام عليه السلام في سورة البقرة عند قوله - تعالى -: «وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ‌»(2)قال عليّ بن الحسين عليهما السلام: كان هؤلاء قوماً يسكنون على شاطىء بحرٍ نهاهم اللّه و أنبياؤه عن اصطياد السمك في يوم السبت، فتوصّلوا إلى حيلةٍ ليحلّوا بها لأنفسهم ما حرّم اللّه. فخدّوا أخاديد و عملوا طرقاً تؤدّي إلى حياضٍ تتهيّأ للحيتان الدخول فيها من تلك الطرق و لايتهيّأ لها الخروج إذ همّت بالرجوع. فجاءت الحيتان يوم السبت جاريةً على أمانٍ لها فدخلت الأخاديد و حصلت في الحياض و الغُدران. فلمّا كانت عشيّة اليوم همّت بالرجوع منها إلى اللُّجج لتأمن من صايدها فرامت الرجوع فلم تقدر، و بقيت ليلها في مكانٍ يتهيّؤ أخذها بلااصطيلادٍ لاسترسالها فيه و عجزها عن الامتناع لمنع المكان لها. و كانوا يأخذون يوم الأحد و يقولون: ما اصطدنا في السبت، إنّما اصطدنا في الأحد. و كذب أعداء اللّه! بل كانوا آخذين لها بأخاديدهم الّتي عملوها يوم السبت حتّى كثر من ذلك مالهم و ثراهم و تنعّموا بالنساء و غيرهم لاتّساع أيديهم به.

و كانوا في المدينة نيّفاً و ثمانين ألفاً فعل هذا منهم سبعون ألفاً و أنكر عليهم الباقون - كما قصّ اللّه: «وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ» ... الآية -. و ذلك انّ طائفةً منهم وعظوهم و زجروهم و من عذاب اللّه


1) . راجع: «التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري» ص 268، «بحار الأنوار» ج 14 ص 56.

2) . كريمة 65 البقرة.

خوّفوهم و من انتقامه و شدائد بأسه حذّروهم، فأجابوهم من وعظهم:

«لِمَتَعِظُونَ قَوماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ‌» بذنوبهم هلاك الإصطلام «أَو مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً»؟، أجاب القائلون: هذا لهم «مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ‌»: هذا القول منّا لهم معذرةٌ إلى ربّكم إذ كلّفنا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر؛ فنحن ننهي عن المنكر ليعلم ربّنا مخالفتنا لهم و كراهتنا لفعلهم، قالوا: «وَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‌»(1): و نعظهم أيضاً لعلّهم ينجع فيهم المواعظ فيتّقوا هذه الموبقة و يحذروا عقوبتها.

قال اللّه - تعالى -: «فَلَمَّا عَتَوا»: حادوا و أعرضوا و تكبّروا عن قبول الزجر «عَنْ مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ‌»(2): مبعدين من الخير مبغضين. فلمّا نظر العشرة الآلآف و النيّف انّ السبعين ألفاً لايقبلون مواعظهم و لايخافون بتخويفهم إيّاهم و تحذيرهم لهم اعتزلوهم إلى قريةٍ أخرى و انتقلوا إلى قريةٍ من قريتهم و قالوا: نكره أن ينزّل بهم عداب اللّه و نحن في خلالهم. فأمسوا ليلةً فمسخهم اللّه كلّهم قردةً‌... فما زالوا كذلك ثلاثة أيّامٍ ثمّ بعث اللّه - تعالى - مطراً و ريحاً فجرفهم إلى البحر. و ما بقي مسخٌ بعد ثلاثة أيّامٍ‌»(3).

القسم الثاني:

ما ورد في الرجوع بعد الطلاق. لو طلّق رجلٌ زوجته فله حقّ الرجوع قبل انقضاء العدّة. و لكنّ اللّه - سبحانه و تعالى - نهى الرجال عن التوسّل إلى هذا الحكم لطلب الاضرار بالنساء ظلماً و بغياً عليهنّ‌. قال - سبحانه و تعالى -:


1) . كريمة 164 الأعراف.

2) . كريمة 166 الأعراف.

3) . راجع: «تفسير الصافي» ج 2 ص 246.

«وَ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَو سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ لَاتُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَ لَاتَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً»(1)-... الآية -.

قال أمين الإسلام الطبرسيّ قدس سره في تفسير الكريمة:

««فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ‌» أي: آخر عدّتهن و قاربن انقضاءها... «فَأَمْسِكُوهُنَّ‌» أي: راجعوهنّ قبل انقضاء العدّة «بِمَعْرُوفٍ‌» بما يجب لها من القيام بمواجبها من غير طلب ضرارٍ بالمراجعة، «أَو سَرِّحُوهُنَّ‌»: أو اتركوهنّ حتّى تنقضيَ عدّتهن فيكنّ أملك بأنفسهن «وَ لَاتُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً»:

لالرغبةٍ فيهنّ‌، بل لطلب الاضرار بهنّ بتطويل العدّة عليهن «لِتَعْتَدُوا» أي:

لتظلموهنّ‌؛ «وَ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ‌» بتعريضها لعذاب اللّه «وَ لَاتَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً» أي: لاتستخفّوا بأوامره و نواهيه»(2). جوامع 1:127

وصف اللّه - سبحانه و تعالى - الحيلة في الآية الأولى بالظلم، و وصف المتوسّلين بها بالفسق، و أخذهم بالعذاب؛ قال:

«وَ أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ‌»(3).

و وصفها في الآية الثانية بالظلم أيضاً، قال:

«وَ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ‌»؛

و حكم بأنّ التوسّل بها ليس إلّامن باب اتّخاذ آيات اللّه هزواً، قال:


1) . كريمة 231 البقرة.

2) . راجع: «تفسير جوامع الجامع» ج 1 ص 127.

3) . كريمة 165 الأعراف.

«وَ لَاتَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً»؛

و لاريب في حرمته، بل لايبعد القول بكونه من أشدّ المحرّمات قبحاً و عقاباً.

فالمتحصّل من قسمي الطائفة الأولى حرمة الأخذ بالحيل الشرعيّة للحصول على ما يضادّ القوانين المثبتة في الشرايع الإلهيّة.

هذا تمام الكلام في الطائفة الأولى من آيات الباب.

الطائفة الثانية
اشارة

و هناك طائفةٌ من الآيات تدلّ بظاهرها على جواز الأخذ بها، و هذه الطائفة تنقسم إلى قسمين أيضاً. فقد حكى اللّه - سبحانه و تعالى - في القسمين ما يرجع إلى سيرة نبيَّين من أعاظم الأنبياء عليهم السلام، و السيرتان تدلّان على أخذهما عليهما السلام بها. و لنشر إلى القسمين أيضاً، ثمّ نظهر ما بدا لنا في وجه الجمع بين الطائفتين.

القسم الأوّل:

ما ورد من حكاية سيرة النبيّ يوسف عليه السلام. حكى اللّه - سبحانه و تعالى - في القرآن الكريم انّ النبيّ يوسف عليه السلام قد كاد إخوته حين أرادوا الرجوع إلى ديارهم ليأخذ منهم أخاه و يكون مصاحباً له. و لاريب في كون هذا العمل كيداً منه عليه السلام، كما قال - سبحانه -:

«كِدْنَا لِيُوسُفَ‌»(1).

حتّى أنّ المفسّرين اضطرّوا إلى توجيه ما قام به من الكيد لتنزيه ساحته عليه السلام عن الكيد القبيح. قال شيخ الطائفة رحمه الله في توجيه ما فعله عليه السلام:

«و قيل في وجه ندائهم بالسرقة مع أنّهم لم يسرقوا شيئاً قولان:

أحدهما: إنّ ذلك من قول أصحابه و لم يأمرهم يوسف بذلك و لاعلم. و إنّما كان أمر بجعل السقاية في رحل أخيه على ما أمره اللّه - تعالى -، فلمّا فقدها


1) . كريمة 76 يوسف.

الموكّلون بها اتّهموهم بها؛ و هو اختيار الجبائيّ‌.

و الثاني: انّهم نادوهم على ظاهر الحال فيما يتغلّب على ظنونهم و لم يكن يوسف أمر به و إن علم انّهم سيفعلونه.

و قال قومٌ قولاً ثالثاً: إنّ معناه: إنّكم سرقتم يوسف من أبيه حين طرحتموه في الجبّ‌.

و قال آخرون: إنّ ذلك خرج مخرج الاستفهام.

و ليس في جعل السقاية في رحل أخيه تعريضاً لأخيه بأنّه سارقٌ‌، لأنّه إذا كان ذلك يحتمل السرقة و يحتمل الحيلة فيه حتّى يمسكه عنده؛ فلاينبغي أن يسبق أحدٌ إلى اعتقاد السرقة فيه.

و ليس في ذلك ادخال الغمّ على أخيه، لأنّا بيّنا انّه كان أعلمه إيّاه و واطأه عليه ليتمكّن من امساكه عنده على ما أمره اللّه - تعالى - به»(1).

و ذلك كلّه يشير إلى أنّهم استظهروا من الآيات الكريمات توسّله عليه السلام بالكيد و الحيلة في بعض ما يرومه من الأعمال.

القسم الثاني:

ما ورد من حكاية سيرة النبيّ أيّوب عليه السلام. و هو أظهر في توسّله عليه السلام بالحيلة للخروج عن عهدة حلفه على غير مقتضاه؛ فانّ اللّه - تعالى - قد سلك سبيل الإجمال في حكاية سيرته، و اقتصر على أن قال:

«وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لَاتَحْنَثْ‌»(2).

و لكن المستفاد من بعض الروايات المفسِّرة للآية انّه عليه السلام عاهد نفسه على أنّه لو عافاه


1) . راجع: «التبيان في تفسير القرآن» ج 6 ص 170.

2) . كريمة 44 ص.

اللّه من المرض يضرب زوجته مأة سوطٍ. ثمّ الظاهر من الآية انّه عليه السلام لم يكن يرضى بهذا الفعل بعد أن برىء من المرض، فهداه اللّه - تعالى - إلى حيلةٍ ليتوسّل بها و يخرج عن عهدة يمينه.

روى المشهديّ في جملة حديثٍ طويل:

«فلمّا رآها... غضب و حلف عليها أن يضربها مائة جلدةٍ‌. فأخبرته انّه كان سببه كيت و كيت. فاغتمّ أيّوب بذلك، فأوحى اللّه إليه: «وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لَاتَحْنَثْ‌». فأخذ عذقاً مشتملاً على مائة شمراخ، فضربها ضربةً واحدة، فخرج من يمينه»(1).

و الظاهر من هذه السيرة الّتي حكاها اللّه عنه عليه السلام أيضاً الخروج عن عهدة اليمين بالتوسّل إلى ما لايوافق مقتضاه.

الجمع بين الطّائفتين من الآيات
اشارة

أمّا الجمع بين الطائفتين من الآيات فيمكن بحمل الثانية على الأولى و كفّ اليد عمّا يظهر من الثانية من جواز الأخذ بالحيل. و ذلك لأمرين:

الأمر الأوّل:

كون الثانية من المتشابهات الّتى «لَايَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‌»(2). و يدلّ على كونها منها عدم الوفاق بين قوله عليه السلام: «أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَ عَذَابٍ‌»(3)، و قوله - تعالى -: «إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا»(4).

و تشير إليه أيضاً كثرة الخلاف الواقع بين المفسّرين في تفسير القسمين من الطائفة


1) . راجع: تفسير «كنز الدقائق» ج 11 ص 252.

2) . كريمة 7 آل عمران.

3) . كريمة 41 ص.

4) . كريمة 99 النحل.

الثانية، حتّى آل أمر بعض الأقوال في تفسيرهما إلى ما لايجوز التقوّل به في حقّ الأنبياء، سادات البشر و عباد الرحمن - عليهم جميعاً صلوات الكريم المنّان -. فالأولى بنا أن نحمل الطائفة على كونها من المتشابهات، و أن لانخوض فيها لئلّا نقع في الهلكات.

الأمر الثاني
و هو العمدة في المقام -: لاضير في الأخذ بظاهر ما يبدو من سيرتهما أيضاً، لجواز حملها على الضرورة، و من المقرّر بين الفقهاء انّ الضرورات تبيح المحضورات. فكان الصدّيق عليه السلام مضطرّاً إلى هذا الفعل، فهداه اللّه إليه؛ قال سبحانه:

«كِدْنَا لِيُوسُفَ‌»(1)،

فنسب الكيد إلى نفسه - تقدّست و عظمت - لئلّا يُنسبَ إلى يوسف فيُشكَّ في عصمته؛ و من المتّفق عليه بين الفرقة الحقّة عدم جواز القبح عليه - تعالى -، فلم يكن فعله من قبيح الكيد. و الظاهر ان الضرورة كانت تبيحه له.

و كذلك في سيّد الصابرين أيضاً. فلاعلم لنا بالنسبة إلى سبب يمينه، و لم يشر اللّه - تعالى - إليه. و كثرة الخلاف بين أقوال المفسّرين فيه يوجب عدم الوثوق بها، و لكن نعلم انّ فعله هذا لم يكن كيداً للخروج عن عهدة حلفه، و ذلك لأنّه كان بهدايةٍ و دلالةٍ منه - تعالى -، قال - سبحانه -:

«وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ‌»(2)

فكان هذا الأمر بأمرٍ منه - تعالى -، و لاقبيح في أوامره - كما أشرنا إليه آنفاً -؛ فلم يكن ما فعلاه عليهما السلام معدوداً في الحيل لاستقلال العقل بقبح الحيلة، بينما أن لاقبح في فعله - تعالى - و أمره، فلم يكونا منها.

فتحصّل ممّا قلنا جميعاً أنْ لادلالة في الطائفة الثانية من الآيات على جواز التمسّك بالحيل


1) . كريمة 76 يوسف.

2) . كريمة 44 ص.

الشرعيّة هرباً عن مقتضى الأحكام المقرّرة؛ أمّا دلالة الطائفة الأولى على قبحها فواضحةٌ تامّةٌ‌. فالمستفاد من الطائفتين عدم جواز الأخذ بها و الركون إليها.

ثانياً: الرّوايات الشّريفة
اشارة

بقي الكلام في رواياتٍ تمسّك بها القوم في الذهاب إلى جواز التوسّل إليها في باب الربا. و هي تعارض الروايات الناهية عنه.

و أظهر موارد الحيل الواردة في الأحاديث شيئان:

الربا؛

و التورية.

فلنفصّل الكلام حول كلّ واحدٍ منهما.

الأوّل: الربا
اشارة

الأوّل: الربا(1)


1) . و يعجبني هيهنا كلامٌ للسيّد الفقيه الإمام الخمينيّ رحمه الله، عثرت عليه في كتاب البيع له؛ و هو مع وجازته جامعٌ لفوائد كثيرة؛ و نصّه: «هنا كلامٌ يجب التعرّض له و إن كان خارجاً عن محطّ البحث، لأهمّيّته و عدم تحقيق الحقّ فيه. و هو: انّ الربا مع هذه التشديدات و الاستنكارات الّتي ورد فيه في القرآن الكريم و السنّة من طريق الفريقين ممّا قلّ نحوها في سائر المعاصي و مع ما فيه من المفاسد الإقتصاديّة و الإجتماعيّة و السياسيّة ممّا تعرّض لها علماء الإقتصاد كيف يمكن تحليله بالحيل الشرعيّة كما وردت بها الأخبار الكثيرة الصحيحة و أفتى بها الفقهاء إلّامن شذّ منهم‌؟. و هذه عويصةٌ بل عقدةٌ في قلوب كثيرٍ من المتفكّرين (كذا) و إشكالٌ من غير منتحلي الإسلام على هذا الحكم. و لابدّ من حلّها، و التشبّث له بالتعبّد في مثل هذه المسألة الّتي أدركت العقول مفاسد تجويزها و مصالح منعها بعيدٌ عن الصواب»؛ راجع: «كتاب البيع» - له - ج 2 ص 405.

فلنذكر روايات الباب أوّلاً؛ ثمّ نرى مدى دلالة الطائفة الأولى على مطلوبهم ثانياً.

أحاديث الباب
اشارة

قلنا انّها أيضاً تنقسم إلى قسمين:

قسمٌ يجوّزه،

و قسمٌ ينهى عنه.

و قبل الخوض في سرد الروايات نقدّم نكاتٍ يجب الإلمام إليها.

النكتة الأولى

المختار في المسألة المستفاد من الروايات انّ التوسّل إلى الحيل لايؤدّي إلى البطلان بالنسبة إلى الحكم الوضعيّ‌، و ذلك تبعاً لكثيرٍ من الأعلام، بل أطبقوا على الصحّة في كثيرٍ من المسائل - كمسألة الرجوع بعد الطلاق و الرّجوع بعده ثانياً، و هكذا -. فالكلام كلّه في الحكم التكليفيّ في المسألة. فعلى سبيل المثال لاخلاف في صحّة رجوع الرجل إلى زوجته بعد أن طلّقها و لو كان اضراراً و ايذاءً بها، و لكن هذا الرجوع المحكوم بالصحّة هل هو حرامٌ‌، أم ليس بحرامٍ؟. اختار بعضهم حرمته - كما في باب الربا -؛ و اختار آخرون عدم الحرمة - كما في نفس الباب أيضاً.

النكتة الثانية

روايات الباب في طرفي المجوّزة و الناهية كثيرةٌ بالغة حدّ الاستفاضة، فلسنا في الركون إلى أيٍّ من الطائفتين بحاجةٍ إلى تصحيح الأسناد و توثيقها، لأنّ انضمام بعضها إلى بعضٍ آخر يدلّ على صدور الطائفتين من المعصومين عليهم السلام. انّما المهمّ في الباب ابداء وجهٍ للجمع بين القسمين بعد فرض صدورهما منهم عليهم السلام. و سنتكلّم عن هذا الوجه بعد أن فرغنا من سرد أحاديث الباب.

النكتة الثالثة

قد أراح بعضهم نفسه حيث ذهب إلى أنّ الأحاديث المجوّزة تُحمل على الكراهة، فيجوز التوسّل إلى الحيل الشرعيّة على كراهةٍ‌.

و هذا القول لامصير إليه، لأنّ من الروايات ما يشير إلى أنّ ائمّتنا المعصومين عليهم السلام كانوا يأتون في بعض الأحيان بهذا العمل و لاسيّما في باب الربا، و كانوا ينسبونه إلى آبائهم الطاهرين عن ترك الأولى فضلاً عن الاتيان بالمكروه. فكأنّ الذاهب إلى هذا القول لم يتفطّن للازم قوله، و هو اسناد فعل المكروه إليهم عليهم السلام.

هذه هي نكتٌ ثلاث ذكرناها توطئةً للورود في صلب المبحث، و هو سرد قسمي المجوّزة و الناهية من الروايات. فنقول:

القسم الأوّل: الروايات الناهية
الرواية الأولى

«و بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب عن محمّد بن إسماعيل بن بزيعٍ عن صالح بن عقبة عن يونس الشيبانيّ قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: الرجل يبيع البيع و البائع يعلم أنّه لايسوى و المشتري يعلم انّه لايسوى إلّاأنّه يعلم أنّه سيرجع فيه فيشتريه منه؛ فقال: يا يونس! إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال لجابر بن عبداللّه: كيف أنت إذا ظهر الجور و أورثهم الذلّ؟ قال: فقال له جابرٌ: لابقيت إلى ذلك الزمان، و متى يكون ذلك - بأبي أنت و أمّي! -، قال: إذا ظهر الربا. يا يونس! و هذا الربا فإن

لم يشتره ردّه عليك‌؟ قال: قلت: نعم! قال: فلاتقربنّه! فلاتقربنّه!»(1).

يمكن أن يقال: المراد من قوله عليه السلام: «إذا ظهر الربا»: إذا ظهر الربا بين المسلمين و المتشرّعين، و لاظهور لها بينهم إلّابالحيل الرائجة في بابها. و قول الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله:

«فلاتقربنّه، فلاتقربنّه» تامٌّ في الدلالة على عدم الجواز و حرمة الإتيان بها.

الرواية الثانية

«محمّد بن إدريس فى آخر السرائر نقلاً من كتاب مسائل الرجال عن أبي الحسن عليّ بن محمّد عليه السلام إنّ طاهراً كتب إليه يسأله عن الرجل يعطي الرجل مالاً يبيعه شيئاً بعشرين درهماً ثمّ يحول عليه الحول فلايكون عنده شيءٌ فيبيعه شيئاً آخر؟ فأجابني عليه السلام: ما تبايعه الناس فحلالٌ و ما لم يبايعوه فرباً»(2).

الحديث نصٌّ في عدم جواز التوسّل إلى الحيل، حديث ذكر عليه السلام انّ البيع المشروع ظاهره للحصول على الربا غير جائزٍ و إن كان بظاهره غير مندرجٍ في المعاملات الباطلة.

الرواية الثالثة

«محمّد بن الحسين الرضيّ في نهج البلاغة عن عليٍّ عليه السلام في كلامٍ له: أَنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال له: يا عليّ‌! إنّ القوم سيفتنون بأموالهم -... إلى أن قال:

و يستحلّون حرامه بالشبهات الكاذبة و الأهواء الساهية فيستحلّون الخمر

1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 18 ص 42 الحديث 23095، «التهذيب» ج 8 ص 42 الحديث 82.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 18 ص 163 الحديث 23393، «مستطرفات السرائر» ص 584 - مع تغييرٍ -.

بالنبيذ و السحت بالهديّة و الربا بالبيع»(1).

دلالة قوله صلى الله عليه و آله: «و يستحلّون حرامه بالشبهات الكاذبة فيستحلّون... الربا بالبيع» على حرمة الحيل تامّةٌ‌، إذ استحلال الربا بالبيع من أظهر أفرادها و أبين مواردها. و نظيرها كثيرٌ، و لنقتصر عليها، لأنّ مدلولها يوافق الأصل في الباب، فلاحاجة إلى تكثير ما يشبهها.

القسم الثاني: الروايات المجوّزة
الرواية الأولى

«و عن عليّ بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: سُئل رجلٌ له مالٌ على رجلٍ من قِبل عينةٍ عيّنها إيّاه، فلمّا حلّ عليه المال لم يكن عنده ما يعطيه، فأراد أن يقلب عليه و يربح، أ يبيعه لؤلؤاً أو غير ذلك ما يسوى مائة درهمٍ بألف درهمٍ و يؤخّره‌؟ قال:

لابأس بذلك، قد فعل ذلك أبي رضى الله عنه و أمرني أن أفعل ذلك في شيءٍ كان عليه»(2).

أشرنا في النكتة الثانية من تمهيدات المسألة إلى انّ روايات الباب في طرفي الجواز و النهي كثيرةٌ بالغةٌ حدّ الاستفاضة، فلاحاجة إلى تصحيحها سنداً. فلايضرّ بالحديث كونه موثّقاً لمكان مسعدة بن صدقة. و الشاهد في قوله عليه السلام: «لابأس بذلك» بعد أن سُئل: «أ يبيعه لؤلؤاً أو غير ذلك ما يسوّي مأة درهمٍ بألف درهم و يؤخّر»، فأجاز الإمام عليه السلام البيع الغرريّ‌


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 18 ص 163 الحديث 23394، «نهج البلاغة» الخطبة 156 ص 220؛ و انظر: «شرح ابن ابي الحديد» عليه ج 9 ص 205.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 18 ص 54 الحديث 23127، «الكافي» ج 5 ص 316 الحديث 49.

فراراً عن الربا.

أضف إلى ذلك ما حكاه الإمام عليه السلام من سيرة أبيه المعصوم حيث كان عليه السلام يمشي هذا الممشى و يأمر ابنه المعصوم به.

الرواية الثانية

«و بإسناده عن أبي عليٍّ الأشعريّ عن الحسن بن عليّ بن عبداللّه عن عمّه محمّد بن أبي عبداللّه عن محمّد بن إسحاق بن عمّار قال: قلت للرضا عليه السلام:

الرجل يكون له مالٌ فيدخل على صاحبه يبيعه لؤلؤةً تسوى مائة درهمٍ بألف درهمٍ و يؤخّر عنه المال إلى وقتٍ؟ قال: لابأس به، قد أمرني أبي ففعلت ذلك.

و زعم انّه سأل أباالحسن عليه السلام عنها فقال مثل ذلك»(1).

السند صحيحٌ‌، و لاأقلّ من كونه موثّقاً. و دلالتها - كالسابقة عليها - على جواز البيع الغرريّ فراراً عن الربا تامّةٌ‌.

الرواية الثالثة

«محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن صفوان عن عبدالرحمن بن الحجّاج قال: سألته عن الصرف فقلت له: الرفقة ربّما عجلت فخرجت فلم نقدر على الدمشقيّة و البصريّة، و إنما يجوز نيسابور الدمشقيّة و البصريّة؛ فقال: و ما الرفقة‌؟ فقلت: القوم يترافقون و يجتمعون للخروج


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 18 ص 55 الحديث 23130، «الفقيه» ج 3 ص 287 الحديث 4033.

فإذا عجلوا فربّما لم يقدروا على الدمشقيّة و البصريّة، فبعثنا بالغلّة فصرفوا ألفاً و خمسين منها بألفٍ من الدمشقيّة و البصريّة؛ فقال: لاخير في هذا، أفلايجعلون فيها ذهباً لمكان زيادتها. فقلت له: اشتري ألف درهمٍ و ديناراً بألفي درهمٍ؟ فقال: لابأس بذلك، إنّ أبي كان أجرا على أهل المدينة منّي فكان يقول هذا، فيقولون: إنّما هذا الفرار، لوجاء رجلٌ بدينارٍ لم يُعط ألف درهمٍ و لوجاء بألف درهمٍ لم يعط ألف دينارٍ؛ و كان يقول لهم: نِعْم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال»(1).

السند صحيحٌ‌، بل هو في أعلى مدارج الصحّة. و الشاهد فيها قول الإمام بعد أن قيل له:

«اشترى ألف درهم و ديناراً بألفي درهم»: «لابأس بذلك». ثمّ حكى عليه السلام قول أبيه عليه السلام حيث كان يقول: «نعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال». و هذه الجملة قد سارت بين الفقهاء مسير الأمثال، فيستشهدون بها كثيراً في مطاوي آثارهم(2).

الرواية الرابعة

«و عنه عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: كان محمّد بن المنكدر يقول لأبي عليه السلام: يا أباجعفر - رحمك اللّه! - و اللّه إنّا لنعلم أنّك لوأخذت ديناراً و الصرف بثمانية عشر فُدرت المدينة على أن تجد من يعطيك عشرين ما وجدته، و ما هذا إلّا فرارٌ؛


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 18 ص 178 الحديث 23431، «الكافي» ج 5 ص 246 الحديث 9؛ و انظر: «الفقيه» ج 3 ص 290 الحديث 4043، «التهذيب» ج 7 ص 104 الحديث 51.

2) . كما عن الفقيه الخوانساريّ رحمه الله بعد نقل الحديث: «و قد حصل من قبل الشارع الإذن في الفرار من الحرام إلى الحلال»؛ راجع: «جامع المدارك» ج 3 ص 260.

فكان أبي يقول: صدقت و اللّه!، و لكنّه فرارٌ من باطلٍ إلى حقٍّ‌»(1).

قد صدّق الإمام قول المعترض على سيرته أوّلاً، ثمّ وجّهها بقوله عليه السلام: «و لكنّه فرارٌ من باطلٍ إلى حقٍّ‌»، فالظاهر منه جواز التوسّل بالحيل فيما يُحتاج إليها؛ و منها باب الصرف.

و روايات هذا الباب كثيرةٌ‌. لذلك أفتى جمعٌ من الأعلام - منهم صاحبي الجواهر و العروة 0(2)- بحلّيّة الربا في المعاملات الربويّة الجنسيّة.

فتلخّص ممّا قلنا جميعاً انّ من روايات الباب ما يدلّ على جواز التمسّك بالحيل الشرعيّة بأقسامها فراراً عن الأحكام المقرّرة و حصولاً على ما يضادّها في الوضع؛ و إليها ذهب القائلون بجواز الربا لو اُنضُمَّ إليه بعض الحيل.

الجمع بين القسمين من روايات الباب
اشارة

بقي علينا شيءٌ‌، و هو بيان وجهٍ للجمع بين القسمين، إذ لاينكر ما بينهما من التعارض المستقرّ. و قبل بيانه يجب أن نشير إلى وجوب الكفّ عن مقتضى ثاني القسمين، و ذلك لثلاثة أمورٍ:

الأمر الأوّل:

استقلال العقل بتقبيح المتوسّلين إلى الحيل فراراً عن القواعد، شرعيّةً كانت أو غير شرعيّةٍ‌. فالعقلاء يحكمون بقبح التوسّل إليها في المجتمع هرباً عن قواعده المقرّرة الحاكمة عليه، و هذا ممّا لامجال لانكاره، و العرف و الوجدان شاهدان عليه. نعم! التوسّل إليها عند الضرورات لاقبح فيه، و هو كلامٌ آخر سنشير إليه في بيان وجه الجمع بينهما.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 18 ص 179 الحديث 23432، «الكافي» ج 5 ص 247 الحديث 10؛ و انظر: «التهذيب» ج 7 ص 104 الحديث 52، «مستدرك الوسائل» ج 13 ص 343 الحديث 15556.

2) . كما قد أشرنا إلى أقوالهما فيما سبق من هذه الرسالة؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 25 ص 34، «تكملة العروة الوثقى» ج 1 ص 42 المسألة 48.

الأمر الثاني:

لزوم اللغو في الجعل و التشريع، إذ لاخلاف في حرمة الربا، و قد شدّد اللّه عليه في - قوله سبحانه -:

«فَإِنْ لَمْتَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ‌»(1).

هذا من ناحيةٍ‌، و من ناحية أخرى لامعنى للافتاء بجواز الربا متمسّكاً بالحيل إلّاكون هذا الجعل و تشديد الشارع عليه لغواً؛ و هذا قبيحٌ من العقلاء، فضلاً عن الحكيم على الاطلاق؛ فلايمكن الذهاب إلى عدم حرمة هذا التمسّك و نسبة تجويزه إلى الشارع.

الأمر الثالث:

نقض غرض الشارع، إذ الأحكام عندنا تابعةٌ للمصالح و المفاسد الواقعيّة، و حرمة الربا تابعةٌ لمفسدةٍ واقعيّةٍ‌، و إليه يشير قوله - تعالى -:

«يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَ يُرْبِي الصَّدَقَاتِ‌»(2).

فالقول بالجواز يساوي القول بالذهاب إلى المفاسد الّتي حرّم اللّه الربا منعاً منها و فراراً عنها. و هذا أيضاً قبيحٌ غاية القبح.

فبما قلنا ظهر انّه لايجوز الأخذ بالقسم الثاني من روايات الباب نظراً إلى استلزامه القبح الأكيد. و لكن كثرتها و بلوغ عددها حدّ الاستفاضة يمنعنا عن طردها و ضربها على الجدار، و لاسيّما مع امكان حملها على صورة الضرورة. و من المقرّر بين الفقهاء اباحة المحضورات بالضرورات؛ فلايجوز التوسّل إلى الحيل في باب الربا - كغيره من الأبواب - إلّا إذا أدّت الضرورة إليه. فإذا بلغت الحاجة قدر الضرورة لاقبح فيه، لأنّ الضرورة إذاً تصير حاكمةً على حكم العقل بقبحه، كحكم العقل بعدم قبح شرب الخمر لمن كان مشرفاً على الموت، فيبيح له شربه و إن لم يجز له فى غيره من الأحيان.

فحمل ثاني القسمين على مورد الضرورة هو الوجه في الجمع بين القسمين من روايات الباب.


1) . كريمة 279 البقرة.

2) . كريمة 276 البقرة.

و يشهد لصحّة هذا الوجه ما مرّ آنفاً في الرواية الأولى من قوله: «فلمّا حلّ عليه المال لم يكن عنده ما يعطيه»؛ فانّه صريحٌ في كون الرجل مضطرّاً إلى هذا العمل، لفقره و قلّة ما في يده بحيث لم يكن قادراً على أداء دينه؛

و اللائح ممّا في الرواية الثانية من قوله: «و يؤخّر عنه المال إلى وقتٍ‌» أيضاً كون المورد من موارد الضرورة، و هذا ظاهرٌ.

فتحصّل ممّا قلنا انّ الأخذ بالحيل فراراً عن الأحكام قبيحٌ‌، و غير جائزٍ في الشريعة المطهّرة. نعم! عند الضرورة لاقبح في المسير إليها.

و لكن باب الضرورة بابٌ واسعٌ و هو حاكمٌ على جميع الأحكام. فلايمكن القول بجواز الأخذ بالحيل في غيره إذا كان المكلّف في سعةٍ غير مضطرٍّ إليها. و الحمد للّه ربّ العالمين.

الثاني: التورية
اشارة

التورية هي الثانية من موارد توهّم جواز التوسّل إلى الحيل الشرعيّة. فعلينا أن نعطف عنان الكلام نحوها لنرى ما هو حكمها في الشريعة المقدّسة.

فنقول: لاخلاف في قبح الكذب و حرمته، بل هو من الكبائر نظراً إلى قوله - تعالى -:

«فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوثَانِ وَ اجْتَنِبُوا قَولَ الزُّورِ»(1)

حيث يُحمل «قَولَ الزُّورِ» في بعض الوجوه على الكذب(2).

ثمّ لاخلاف في جواز الكذب عند الضرورة، و ذلك أيضاً نظراً إلى إباحة المحضورات


1) . كريمة 30 الحجّ‌.

2) . راجع: «تفسير غريب القرآن» - للطريحيّ رحمه الله - ص 245، «التيان» ج 7 ص 308، «مجمع البيان» ج 7 ص 148، «فقه القرآن» - للراونديّ رحمه الله - ج 1 ص 293؛ و انظر أيضاً: «فتح الباري» ج 4 ص 100، «تحفة الأحوذي» ج 3 ص 321.

عند الضرورات.

أمّا مصبّ الكلام كلّه ففي أنّه هل يجب على المكلّف عند الضرورة إلى الكذب أن يُورّى، أو لاتجب عليه التورية، بل يجوز له أن يأتي بالكذب صراحاً؟. و بعبارةٍ أخرى:

هل تُقدَّم التورية على الكذب عند الضرورة إليه، أو لاتقديم لها عليه‌؟.

في المسألة أقوالٌ ثلاثة:

القول الأوّل:

القول بتقدّمها عليه، بل القول بجوازها في غير الضرورة أيضاً، فكأنّه لاقبح في التورية أصلاً. هذا القول اختاره ثاني الشهيدين 0 في المسالك(1). و لم يوافقه فيه أحدٌ من القدماء و المتأخّرين؛ حتّى أنّ الشيخ الأعظم رحمه الله قال: انّ هذا القول شاذٌ لايعبؤ به(2). و استدلّ الشهيد عليه بروايةٍ صحيحة السند، و سنفصّل الكلام حولها.

القول الثاني:

القول بتقدّمها عليه مع الإقرار بأنّه لايجوز الإتيان بها إلّاّ عند الضرورة. فالتورية قبيحةٌ لأنّها من فروع الكذب، لكنّه لاقبح فيها عند الضرورة. هذا القول هو مختار المشهور القائلين بوجوب الإتيان بالتورية عند الضرورة إلى الكذب؛ قال الشيخ الأعظم رحمه الله:

«ظاهر المشهور هو الوجوب، كما يظهر من المقنعة(3)و المبسوط(4)و الغنية(5)و


1) . قال قدس سره: «و قيل: تجوز التورية مطلقاً ما لم يكن ظالماً، لأنّ العدول عن الحقيقة سائغٌ و القصد مخصّصٌ‌. و هذا هو الأظهر، لكن ينبغي قصره على وجه المصلحة»؛ راجع: «مسالك الأفهام» ج 9 ص 207.

2) . لم أعثر على قوله هذا.

3) . راجع: «المقنعة» ص 556.

4) . راجع: «المبسوط» ج 5 ص 95.

5) . راجع: «الغنية» - الجوامع الفقهيّة - ص 538.

السرائر(1)و الشرائع(2)و القواعد(3)و اللمعة و شرحها(4)و التحرير(5)و جامع المقاصد(6)و الرياض(7)و مجمع الفائدة(8)»(9).

القول الثالث:
اشارة

القول بعدم تقدّمها عليه، و ذلك لأنّ التورية مجمع القبيحين: الكذب و الحيلة، و الاقتصار على قبيحٍ واحدٍ عند الاضطرار إليه أولى من الإتيان بقبيحين في آنٍ واحدٍ. هذا القول اختاره شيخ الطائفة رحمه الله من المتقدّمين(10)كما قال الشيخ الأنصاريّ رحمه الله:

«و لكنّ الشيخ أقرّ بتواتر الروايات بجواز الكذب عند الضرورة من غير احتياج إلى التورية»(11).

و كذلك اختاره المحقّق آغا ضياءالدين العراقيّ - على ما هو المحكيّ منه - من المتأخّرين(12)و هو المختار أيضاً. و استدلّ الشيخ الطوسيّ رحمه الله برواياتٍ كثيرةٍ ادّعى تواترها و دلالتها على عدم جواز التوسّل إلى التورية، و لنذكر واحدةً منها؛ و هي:

«إذا حلف الرجل تقيّةً لم يضرّه، إذا هو أكره و اضطرّ إليه.


1) . راجع: «السرائر» ج 3 ص 43.

2) . راجع: «شرائع الإسلام» ج 2 ص 163.

3) . راجع: «قواعد الأحكام» ج 1 ص 190.

4) . راجع: «الروضة البهيّة» ج 4 ص 235.

5) . راجع: «تحرير الأحكام» ج 1 ص 266.

6) . راجع: «جامع المقاصد» ج 4 ص 27.

7) . راجع: «رياض المسائل» - الطبعة الحجريّة - ج 1 ص 622.

8) . راجع: «مجمع الفائدة و البرهان» ج 10 ص 300.

9) . راجع: «كتاب المكاسب» - الطبعة المحقّقة - ج 2 ص 22.

10) . إشارةٌ إلى ما اختاره رحمه الله في فصلٍ عقده «في باب الحيل»؛ راجع: «المبسوط» ج 5 ص 95.

11) . لم أعثر على العبارة، لا في كتاب المكاسب و لا في غيره من آثاره.

12) . و لم أعثر على هذا الرأي منه في شرحه على تبصرة المتعلّمين.

و قال: ليس شيءٌ ممّا حرّم اللّه إلّاو قد أحلّه لمن اضطرّ إليه»(1).

الظاهر منها جواز الكذب عند الضرورة من غير احتياجٍ إلى التورية. و هذه الروايات كثيرةٌ‌، و قد ذكرها المحدّث صاحب الوسائل رحمه الله في الباب الحادي و الأربعين بعد المأة من أبواب العشرة من كتابه(2)، و كذلك في الباب الثاني عشر من أبواب الأيمان من الكتاب(3)فليراجع!.

بقي علينا أن نشير إلى نكتتين هامّتين:

النكتة الأولى

تمسّك ثاني الشهيدين 0 بروايةٍ‌(4)لايبعد القول بصحّتها سنداً، و هي:

محمّد بن إدريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب عبداللّه بن بكير بن أعين عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يُستأذن عليه، فيقول للجارية: قولي ليس هو هيهنا؛

قال: لا بأس ليس بكذبٍ‌»(5).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 23 ص 228 الحديث 29442؛ و لثاني الحديثين بخصوصه راجع: «التهذيب» ج 3 ص 177 الحديث 10.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 12 ص 252.

3) . راجع: نفس المصدر ج 23 ص 224.

4) . لم أعثر على تمسّكه بهذه الرواية. نعم! قال رحمه الله: «كما روي عن بعض السلف الصالح انّه كان إذا ناداه أحدٌ و لايريد الاجتماع به يقول لجاريته: قولي له اطلبه في المسجد؛ و كان آخر يخطّ دائرةً في الأرض و يضع فيها إصبع الجارية و يقول لها: قولي له ليس هيهنا و اقصدي داخل الدائرة»؛ راجع: «مسالك الأفهام» ج 9 ص 207.

5) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 12 ص 254 الحديث 16236، «مستطرفات السرائر» ج 3 ص 632.

ادّعى الشهيد(1)انّ قوله عليه السلام: «ليس بكذبٍ‌» مطلقٌ يشمل موردي الضرورة و عدم الضرورة، فيجوز التورية و لو لم تكن الحاجة إليها بالغةً حدّ الضرورة.

و يرد عليه أوّلاً: انّه لاإطلاق لهذا القول، بل المتيّقن منه هي صورة الضرورة، فلايجوز التعدّي عنها؛

و ثانياً: لو سلّمنا انّ له إطلاقاً لانسلّم جواز الذهاب إليه، لاعراض الأصحاب عنه، فالرواية معرضٌ عنها عند الأصحاب، فلايمكن الركون إليها.

النكتة الثانية

لايرد على المختار انّه يؤدّى إلى كسر سورة الكذب و قبحه عند المتشرّعين، إذ الكذب قبيحٌ من غير خلافٍ‌؛ أمّا في صورة الضرورة فلوأتى بالكذب الصريح ارتكب قبيحاً واحداً - و هو الكذب -، و لوأتى بالتورية ارتكب قبيحين - و هما الكذب و الحيلة -. فمختار المشهور أقبح ممّا اخترناه، لأنّه يؤدّي إلى ارتكاب قبيحين في آنٍ واحدٍ، بينما انّ المختار لايؤدّي إلّاإلى ارتكاب قبيحٍ واحدٍ.

هذا تمام الكلام في هذا التذييل الّذي عقدناه للبحث عن الحيل الشرعيّة. و المستفاد من مجموع البحث تماميّة دلالة الآيات و الروايات - زيادةً على حكم العقل - على قبح التوسّل إليها و حرمتها الوضعيّة؛ و لافرق فيها بين بابي الربا و التورية و غيرهما من الأبواب.

فلنعد إلى ما بقي من مسائل باب الخمس. و الحمد للّه ربّ العالمين.



1) . ذكرنا آنفاً ما يرجع إلى صحّة اسناد هذا الادّعاء إلى الشهيد الثاني رحمه الله؛ فراجعه.

الفصل الثّانى في مستحقّى الخمس

اشارة

الفصل الثاني في مستحقّي الخمس

فرغنا في ما مضى عن البحث عمّا يتعلّق به الخمس و يجب فيه. بقي علينا الآن أن نبحث عن صاحبي الخمس و شرائط مستحقّيه. أمّا الكلام في من يتعلّق به الخمس فقد فرغنا منه أيضاً، و قلنا انّه يتعلّق بالإمام من ناحية شخصيّته الاعتباريّة، لاشخصيّته الطبيعيّة؛ فهو بعده لمن يولّي أمر الحكم و يخلف منه عليه السلام، و هو الفقيه الوليّ الحاكم على مجتمع المسلمين؛ إذ الخمس من ميزانيّات الدولة، و لا دولة إلّابها. هذا كلّه قد فصّلنا الكلام حوله و فرغنا عن التحقيق حوله.

فيجب علينا الآن أن نبحث عن شرائط مستحقّيه. و تفصيل الكلام في الشرائط يأتي أيضاً في مباحث و مسائل.


المبحث الأوّل في شرائط المستحقّين للخمس

المسألة الأولى في اشتراط الايمان
اشارة

لاخلاف في أنّ الإيمان شرطٌ في مَن يستحقّ الخمس، فلايُعطى الخمس لغير المؤمن(1). و المراد من الإيمان هيهنا: الاعتقاد بإمامة الأئمّة الاثنى عشر عليهم السلام، فلايكفي فيه الاعتقاد برسالة النبيّ صلى الله عليه و آله.

ثمّ وقع النزاع بين الأعلام في اشتراط العدالة فيه، و قبل الخوض في تحقيق المبحث نشير إلى نكتتين هامّتين:

النكتة الأولى

مضت الإشارة إلى وحدة المناط في بابي الزكاة و الخمس، لاتّحاد المباني فيهما.

فيجوز سريان ما نستفيده من أدلّة الزكاة إلى باب الخمس أيضاً. و بمراجعة دواوين الفقهاء يظهر انّ السريان هذا كاد أن يكون من المجمع عليه بينهم.

النكتة الثانية
اشارة

قلنا انّ اشتراط الإيمان في مستحقّي الخمس ممّا لاخلاف فيه و لاشبهة تعتريه، و هذا الوفاق يخالف ما يظهر من قوله - تعالى -:

«إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ وَ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ‌»(2)


1) . راجع: «المعتبر» ج 2 ص 632، «المختصر النافع» ص 63، «كشف الرموز» ج 1 ص 271، «منتهى المطلب» - الطبعة الحجريّة - ج 1 ص 552، «تذكرة الفقهاء» - الطبعة الحجريّة - ج 1 ص 254، «إيضاح الفوائد» ج 1 ص 218، «البيان» ص 220.

2) . كريمة 60 التوبة.

إذ لاإيمان للمؤلّفة قلوبهم، بينما انّ الآية الشريفة عدّتهم من مصاديق مستحقّي الزكاة.

و الّذي يبدو لنا انّ الفقهاء لم يتعرّضوا لاستثنائهم، لأنّ أمرهم بيد الحكم؛ فلايجوز أن يقوم أحدٌ من الشيعة باعطاء الخمس و الزكاة إليهم. نعم! يجوز للحاكم أن يعطيهم ما يليق بأمر مجتمع المسلمين؛ هذا.

أمّا اشتراط العدالة فيه فذهب القدماء إلى أنّ الفاسق لايستحقّ الخمس(1)، و المتأخّرون على اشتراط عدم التجاهر بالفسق فيه(2). و الّذي يظهر من التأمّل في كلماتهم انّ النزاع في المقام لاواقع له، بل هو نزاعٌ لفظيٌّ صرف. إذ المستفاد من عبارات القدماء أيضاً انّ الخمس لايُعطى لمن تجاهر بالفسق و أقسام الفجور، أمّا اشتراط العدالة فيه فلايُستفاد منها. بل هو خلاف ما استقرّت عليه سيرتهم(3).

و كيف كان فتدلّ على اشتراط الإيمان في مستحقّي الخمس جملةٌ من الروايات.

منها:

الرواية الأولى

«محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن عيسى عن داود الصرميّ قال:

سألته عن شارب الخمر يُعطى من الزكاة شيئاً؟ قال: لا»(4).

السند صحيحٌ‌. و دلالتها على أنّ الفاسق لايستحقّ الزكاة واضحةٌ‌، إذ لاخصوصيّة


1) . قال ابن فهدٍ الحلّي رحمه الله: «المستحقّ للخمس لايعتبر فيه العدالة على قول الأكثر... و قال بعضٌ باشتراطها»؛ راجع: «المهذّب البارع» ج 1 ص 565؛ و انظر: «كشف الرموز» ج 1 ص 271.

2) . راجع: «منتهى المطلب» - الطبعة الحجرية - ج 1 ص 552، «تذكرة الفقهاء» - الطبعة الحجريّة - ج 1 ص 254، «البيان» ص 220.

3) . راجع: «المعتبر» ج 2 ص 632.

4) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 249 الحديث 11947، «التهذيب» ج 4 ص 52 الحديث 9؛ و انظر: «الكافي» ج 3 ص 563 الحديث 15، «عوالي اللآلىء» ج 3 ص 122 الحديث 37، «المقنعة» ص 242.

لشرب الخمر، بل هو كغيره من المحرّمات. نعم! لاإشارة فيها إلى كون الشارب متجاهراً به، أو غير متجاهرٍ به، و المتيقّن منه هو الثاني، فلايجوز اعطائها له.

الرواية الثانية

«محمّد بن عليّ بن الحسين في العلل عن محمّد بن الحسن عن أحمد بن إدريس و محمّد بن يحيى جميعاً عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن عليّ بن محمّد عن بعض أصحابنا عن بشر بن بشّار قال: قلت للرجل - يعني:

أباالحسن عليه السلام -: ما حدّ المؤمن الّذي يعطى الزكاة‌؟ قال: يعطى المؤمن ثلاثة آلافٍ‌، ثمّ قال: أو عشرة آلاف؛ و يعطى الفاجر بقَدَرٍ لأنّ المؤمن ينفقها في طاعة اللّه و الفاجر في معصية اللّه»(1).

السند صحيحٌ‌؛ و لايضرّه الإرسال، لمكان محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد(2). و كيف كان فلاأقلّ من كون الرواية مؤيَّدةً بغيرها من روايات الباب. و المراد من قوله عليه السلام:

«و يُعطى الفاجر بقدرٍ» أي: يُعطى الفاجر ما يكفيه لمعيشته اليوميّة لئلّا يحتاج إلى السؤال بالكفّ و التكدّي من الناس. و هذا من وظائف الدولة الإسلاميّة، و عليها أن تقوم بحسم مادّة الفقر عن المجتمع.

فالفاسق أوّلاً لايستحقّ الخمس، نعم لو آل أمره إلى العسر الشديد و البأساء فيستحقّه كما يستحقّ غيره من الصدقات. و هذا الاستحقاق ليس حكماً أوّليّاً، بل هو حكمٌ ثانويٌّ في المقام.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 249 الحديث 11948، «علل الشرائع» ج 2 ص 372 الحديث 1؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 93 ص 77.

2) . راجع: «خلاصة الأقوال» ص 247 الرقم 848، «رجال النجاشي» ص 383 الرقم 1042، «معجم رجال الحديث» ج 15 ص 252 الرقم 10513.

الرواية الثالثة
اشارة

«محمّد بن إدريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب محمّد بن عليّ بن محبوبٍ عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن عبدالرحمان بن الحجّاج أنّ محمّد بن خالدٍ قال: سألت أباعبداللّه عليه السلام عن الصدقات‌؟ فقال: اقسمها في من قال اللّه - عزّ و جلّ -، و لاتعطينّ من سهم الغارمين الّذين ينادون بنداء الجاهليّة شيئاً. قلت: و ما نداء الجاهليّة‌؟ قال: هو الرجل يقول: يا لَبني فلانٍ‌! فيقع بينهما القتل و الدماء؛ فلايؤدّوا ذلك من سهم الغارمين، و لاالّذين يغرمون من مهور النساء.

و لاأعلمه إلّاقال: و لاالّذين لايبالون ما صنعوا في أموال الناس»(1).

السند صحيحٌ‌. و دلالتها على المقصود واضحةٌ‌؛ و ذلك بالنظر إلى أمرين:

الأمر الأوّل:

المسؤول هي «الصدقات»، و هي بإطلاقه تشمل الخمس أيضاً. فلسنا في استفادة الحكم من الرواية بحاجةٍ إلى تعميم أحكام باب الزكاة إلى باب الخمس، كما في غيرها من روايات الباب.

الأمر الثاني:

لا خصوصيّة للأقسام الثلاثة المذكورة في كلام مولانا الصادق عليه السلام.

بل هي من مصاديق الفسّاق، فالصدقات لاتُعطى للفسّاق، أي: الّذين يتعاطون الفسق جهراً.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 298 الحديث 12062، «مستطرفات السرائر» ص 607؛ و انظر: «مستدرك الوسائل» ج 7 ص 128 الحديث 7821، «تفسير العيّاشي» ج 2 ص 94 الحديث 79.

المسألة الثانية في اشتراط الفقر
اشارة

و المراد من الفقر خلوّ اليد عن مؤونة السنة، أو قلّة الدخل و العائد بالنسبة إلى المخارج و النفقات. فلايراد من الفقر في الباب العُدم المطلق، بل عدم التكافؤ بين الدخل و النفقة في المعيشة المتعارفة.

و تدلّ على اشتراطه في مستحقّي الخمس عدّةٌ من الروايات؛ منها:

الرواية الأولى

«و بإسناده عن حريزٍ عن زرارة و محمّد بن مسلمٍ عن أبي عبداللّه عليه السلام في حديثٍ قال: انّ اللّه - عزّ و جلّ - فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يسعهم و لوعلم أنّ ذلك لايسعهم لزادهم، إنّهم لم يؤتوا من قِبل فريضة اللّه - عزّ و جلّ - و لكن أوتوا مِن منع مَن منعهم حقّهم لا ممّا فرض اللّه لهم، و لو أنّ الناس أدّوا حقوقهم لكانوا عائشين بخيرٍ»(1).

السند صحيحٌ‌؛ و دلالتها على اشتراطه فيهم تامّةٌ‌، و ذلك لأنّ قوله عليه السلام: «للفقراء» يشير إلى ذلك الاشتراط، بل كأنّ الإمام عليه السلام عدّه من المفروغ منه حيث جعل المتّصف به موضوعاً لكلامه، فرتّب عليه هذه الأحكام.

الرواية الثانية

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عميرٍ عن سعيد


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 10 ص 11388؛ و انظر: «الكافي» ج 3 ص 496 الحديث 1، «الفقيه» ج 2 ص 496 الحديث 1577، «التهذيب» ج 4 ص 49 الحديث 2.

بن غزوان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: تعطيه من الزكاة حتّى تغنيه»(1).

السند صحيحٌ‌، و لا بأس به. في هذه الرواية أيضاً عدّ الإمام عليه السلام الفقر من المفروغ منه، فالغنيّ لاحقّ له في الزكاة، و كذلك في الخمس. و المراد من الغنيّ‌: من تكفيه مؤونته لسنته؛ و لافرق بين أن تكون المؤونة بالقوّة أو بالفعل. فمن كانت مؤونة سنته موجودةً عنده، أو يكفي لعيشه ما يأخذه كلّ شهرٍ من الرواتب لايُعدُّ فقيراً، فلايستحقّ للخمس.

الرواية الثالثة

«و عن محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان و عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين جميعاً عن صفوان بن يحيى عن عبدالرحمن بن الحجّاج قال: سألت أباالحسن عليه السلام عن رجلٍ عارفٍ فاضلٍ توفّي و ترك عليه ديناً قد ابتلي به لم يكن بمفسدٍ و لابمسرفٍ و لامعروفٍ بالمسألة، هل يُقضى عنه من الزكاة الألف و الألفان‌؟ قال: نعم!»(2).

السند صحيحٌ‌، و فيه اثنان من أصحاب الإجماع. و دلالتها واضحةٌ‌، حيث إنّ المراد من انّه «لم يكن بمفسدٍ و لا بمسرفٍ و لا معروفٍ بالمسألة»: إنّه لم يكن ينفق أمواله في ما لايجوز من التبذير أو المحرّم، و لم يكن مسرفاً حتّى يُنسب إلى فعل الحرام، و لم يكن يسأل الناس بالكفّ حتّى يسقط عن العدالة. و المتحصّل من الجميع انّ المتوفّى كان مؤمناً فقيراً، فهل يجوز انفاق الزكاة و الخمس في دينه‌؟؛

فأجاب الإمام عليه السلام بجواز ذلك و لو كان ألفاً أو ألفين.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 258 الحديث 11970، «الكافي» ج 3 ص 548 الحديث 4؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 63 الحديث 4.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 258 الحديث 11971، «الكافي» ج 3 ص 549 الحديث 2؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 102 الحديث 22.

الرواية الرابعة

«محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: إذا أخذ الرجل الزكاة فهي كماله يصنع بها ما شاء.

قال: و قال: إنّ اللّه فرض للفقراء في أموال الأغنياء فريضةً لايُحمدون إلّا بأدائها و هي الزكاة، فإذا هي وصلت إلى الفقير فهي بمنزلة ماله يصنع بها ما يشاء؛ فقلت: يتزوّج بها و يحجّ منها؟ قال: نعم! هي ماله. قلت: فهل يُؤجر الفقير إذا حجّ من الزكاة كما يُؤجر الغنيّ صاحب المال‌؟ قال: نعم!»(1).

السند صحيحٌ‌؛ و دلالتها على اشتراط الفقر في مستحقّ الزكاة و الخمس لاتحتاج إلى بيانٍ‌. و سنفصّل الكلام حول انّ الخمس ملكٌ لمن وصل إليه، و له أن ينفقه فيما يشاء كيف يشاء.

الرواية الخامسة

«و عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سُويد عن عاصم بن حُميد عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّ شيخاً من أصحابنا يقال له عمر سأل عيسى بن أعين و هو محتاجٌ‌، فقال له عيسى بن أعين: أمَا إنّ عندي من الزكاة و لكن لاأعطيك منها، فقال له: و لم‌؟ فقال: لأنّي رأيتك اشتريت لحماً و تمراً، فقال: إنّما ربحت درهماً فاشتريت بدانقين لحماً و بدانقين تمراً ثمّ رجعت بدانقين لحاجةٍ‌. قال: فوضع أبوعبداللّه عليه السلام يده على جبهته ساعةً ثمّ رفع رأسه ثمّ قال: إنّ اللّه نظر في


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 289 الحديث 12042، «الكافي» ج 3 ص 556 الحديث 1.

أموال الأغنياء ثمّ نظر في الفقراء فجعل في أموال الأغنياء ما يكتفون به، و لو لم يكفهم لزادهم؛ بلى فليعطه ما يأكل و يشرب و يكتسي و يتزوّج و يتصدّق و يحجّ‌»(1).

السند صحيحٌ‌، بل هو من عوالي الأسناد. و لها دلالةٌ على أن ليس المراد من الفقر هيهنا خلوّ اليد عن مؤونة اليوم و الليلة، بل خلوّها عن مؤونة السنة. فالفقير من لايمكنه الأكل و الشرب و التكسّي و الزواج و التصدّق و أداء الحجّ‌، فيجب أن يُعطى حتّى لايكون محتاجاً إلى غيره من الناس في هذه الأمور.

الرواية السادسة

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبدالصالح عليه السلام في حديثٍ طويلٍ قال: و له - يعني:

للإمام - نصف الخمس كَمَلاً، و نصف الخمس الباقي بين أهل بيته فسهمٌ ليتاماهم و سهمٌ لمساكينهم و سهمٌ لأبناء السبيل؛ يقسم بينهم على الكتاب و السنّة ما يستغنون به في سنتهم. فإن فضل عنهم شيءٌ فهو للوالي، فإن عجر أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق مِن عنده بقدر مايستغنون به. و إنّما صار عليه أن يمونهم لأنّ له ما فضل عنهم»(2).

السند صحيحٌ‌، و لايضرّه الإرسال الواقع فيه، لأنّ المرسل هو حمّاد بن عيسى، و هو من أصحاب الإجماع؛ فلاإشكال في السند. أضف إلى ذلك انّ الحديث معمولٌ به عند الأصحاب، فهو في أعلى درجات التصحيح.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 289 الحديث 12043، «الكافي» ج 3 ص 556 الحديث 2.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 520 الحديث 12623.

و الّذي نقلناه هو ضبط صاحب الوسائل رحمه الله(1)، و في بعض المصادر - كالكافي الشريف(2)-: «على الكفاف و السعة»، بدل: «على الكتاب و السنّة».

و المفروض في هذه الرواية انّ الخمس لليتامى و المساكين و أبناء السبيل من آل محمّدٍ صلى الله عليه و آله، و هم الّذين لايقدرون على تحصيل معيشة سنتهم؛ فعلى الإمام أن يقسّمه بينهم على ما «يستغنون به في سنتهم». و مضت الإشارة في أوائل كتاب الخمس إلى أنّ للرواية دلالةً تامّةً على أنّ الخمس للحكم في زمن غيبة الإمام عليه السلام؛ فراجعها!.

الرواية السابعة

«محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار عن أحمد بن محمّد عن بعض أصحابنا - رفع الحديث إلى أن قال -: فالنصف له - يعني:

نصف الخمس للإمام - خاصّةً‌، و النصف لليتامى و المساكين و أبناء السبيل من آل محمّدٍ الّذين لاتحلّ لهم الصدقة و لاالزكاة، عوّضهم اللّه مكان ذلك بالخمس. فهو يعطيهم على قدر كفايتهم. فإن فضل شيءٌ فهو له و إن نقص عنهم و لم يكفهم أتمّه لهم من عنده؛ كما صار له الفضل كذلك يلزمه النقصان»(3).

السند صحيحٌ‌، و المرسل أحمد بن محمّد بن عيسى الّذي لايروي إلّاعن ثقةٍ‌(4)، فلاضير


1) . كما أشرنا إلى موضعه فيه مذيّلاً على الحديث الشريف.

2) . ضبط المطبوع من الكافي يوافق ضبط الوسائل؛ نعم! في التهذيب: «يقسم بينهم على الكفاف و السعة»؛ راجع: «التهذيب» ج 4 ص 128 الحديث 2.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 521 الحديث 12624، «التهذيب» ج 4 ص 126 الحديث 5.

4) . راجع: «رجال النجاشي» ص 81 الرقم 198، «خلاصة الأقوال» ص 61 الرقم 67؛ و انظر: «أصول علم الرجال» ص 460، «معجم رجال الحديث» ج 2 ص 295 الرقم 896.

في ارساله. و الكلام في دلالتها نفس ما مرّ في التعليق على السابقة عليها؛ و لانعيده حذراً عن التطويل؛ فراجعه!.

المسألة الثالثة في اشتراط أن لايكون مسرِفاً

و المراد منه انّ الخمس لايُعطى للمسرفين؛ فلاحقّ للمسرِف فيه. و هذا الشرط لايحتاج إلى كثير كلامٍ‌. إذ الاسراف بنفسه حرامٌ‌، بل لايبعد القول بكونه من الكبائر. بينما مضى انّ العدالة بمعنى عدم التجاهر بالمحرّمات تُعدُّ من شرائط المستحقّين له.

أضف إلى ذلك عدم رضى الشارع بصرف الحقوق الشرعيّة في المحرّمات. بل لايرضى الشارع بصرف الأموال في غير محلّها و لو كان مباحاً، و إليه يشير ما أمر به أميرالمؤمنين عليه السلام الولاةَ حيث كتب إليهم:

«أدقّوا أقلامكم و قاربوا بين سطوركم، و إيّاكم و فضول الكلام فانّ أموال المسلمين لاتتحمّل الضرار»(1).

و هذا كلّه واضحٌ‌.



1) . المرويّ منه الموجود في بعض المصادر: «أدقّوا أقلامكم و قاربوا بين سطوركم و احذفوا عنّي فضولكم و اقصدوا قصد المعاني، و إيّاكم و الاكثار فإنّ أموال المسلمين لاتتحمّل الاضرار»؛ راجع: «الخصال» ج 2 ص 310 الحديث 85، «بحار الأنوار» ج 73 ص 49، «وسائل الشيعة» ج 17 ص 404 الحديث 22847.

المبحث الثاني في وجوب بسط الخمس و عدم وجوبه

اشارة

هذا المبحث من أهمّ مباحث كتاب الخمس، و البحث فيه يدور حول انّه هل يجب بسط الخمس و تقسيمه بين جميع مصاديقه المذكورة في الآية الكريمة‌؟، أم يكفي تسليمه إلى بعض مصاديقه‌؟. فهل إعطاء الزكاة لبعض الفقراء أو لبعض العاملين عليها و إعطاء الخمس لبعض مصاديقه من الهاشميّين يبرىء ذمّة المعطى‌؟، أم يجب عليه أن يقسّم الزكاة بين الطوائف الثمان و الخمس بين الطوائف الستّ؟. و لنأت بتفصيل الكلام في عدّة مسائل.

المسألة الأولى الأقوال في المسألة

المشهور بين العامّة وجوب تقسيم الزكاة بين الأصناف الثمانية(1)

و قال العلّامة: «يجوز تخصيص بعض الأصناف بجميع الزكاة، بل يجوز دفعها إلى واحدٍ و إن كثرت، و لايجب بسطها على الجميع عند علمائنا أجمع؛ و به قال الحسن البصريّ و الثوريّ و أبوحنيفة و أحمد، و هو أيضاً قول عمر و حذيفة و ابن عبّاسٍ و سعيد بن جبيرٍ و النخعيّ و عطاء و ابوعبيدٍ»؛ راجع: «تذكرة الفقهاء» ج 5 ص 336 المسألة 248.

و انظر في ذلك: «فتح المعين» ج 2 ص 222، «المبسوط» - للسرخسيّ - ج 3 ص 10، «المعني و الشرح الكبير» ج 2 ص 705، «شرح فتح القدير» ج 2 ص 205.

و المشهور بين الإماميّة

1) . ليس هذا مختار جميعهم؛ قال أبوزكرياالنووي: «قال الشافعيّ و الأصحاب - رحمهم اللّه -: إن كان مفرّق الزكاة هو المالك أو وكيله سقط نصيب العامل و وجب صرفها إلى الأصناف السبعة الباقين إن وجدوا، و إلّافالموجود منهم. و لايجوز ترك صنفٍ منهم مع وجوده، فإن تركه ضمن نصيبه... و بمذهبنا في استيعاب الأصناف قال عكرمة و عمر بن عبدالعزيز و الزهريّ و داود. و قال الحسن البصريّ و عطا و سعيد بن جبيرٍ و الضحّاك و الشعبيّ و الثوري و مالك و أبوحنيفة و أحمد و أبوعبيد: له صرفها إلى صنفٍ واحدٍ؛ قال ابن المنذر و غيره: و روي هذا عن حذيفة و ابن عبّاسٍ‌. قال أبوحنيفة: و له صرفها إلى شخصٍ واحدٍ من أحد الأصناف. قال مالك: و يصرفهاإلى أمسّهم حاجةً‌. و قال إبراهيم النخعيّ‌: إن كانت قليلةً جاز صرفها إلى صنفٍ‌، و إلّاوجب استيعاب الأصناف»؛ راجع: «المجموع في شرح المهذّب» ج 6 ص 185.

عدم وجوبه(1)، و خالفهم فيه شيخ الطائفة في المبسوط(2)، و الحلبيّ 0 في الكافي(3). فذهبا إلى وجوب بسط الزكاة بين أصحابها و كذلك بسط الثلث الأخير من الخمس بين الفقراء و المساكين و أبناء السبيل من الهاشميّين؛ أمّا الثلث الأوّل منه فذهبا إلى وجوب إيصاله إلى الإمام أو من ينوب منه في شؤونه.

المسألة الثانية مصبّ الخلاف

الظاهر انّ الخلاف هذا نشأ من الخلاف في المعنى المستفاد من «اللام» في قوله - تعالى -: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى وَ الْيَتَامَى وَ


1) . قال المحقّق النراقيّ رحمه الله: «انعقد الإجماع على عدم وجوب بسط الزكاة على الأصناف»؛ راجع: «مستند الشيعة» ج 9 ص 258، و انظر: نفس المصدر و المجلّد ص 276. و قال الشيخ الأعظم رحمه الله: «المشهور مطلقاً أو بين خصوص المتأخّرين عدم وجوب تقسيم نصف الخمس على الطوائف الثلاث، بل يجوز أن يخصّ به صنفاً واحداً»؛ راجع: «كتاب الخمس» - له - ص 308؛ و انظر: «مسالك الأفهام» ج 1 ص 409، «مصباح الفقيه» - الطبعة الحجريّة - ج 3 ص 96، «فقه الصادق» ج 7 ص 284.

2) . قال رحمه الله: «و الخمس إذا أخذه الإمام ينبغي أن يقسّمه ستّة أقسامٍ‌... و على الإمام أن يقسّم هذه السهام بينهم... و لايخصّ فريقاً منهم بذلك دون فريقهم بل يعطي جميعهم على ما ذكرناه من قدر كفاياتهم»؛ راجع: «المبسوط» ج 1 ص 262؛ و انظر: «الحدائق الناضرة» ج 12 ص 379.

3) . قال رحمه الله: «و يلزم مَن وجب عليه الخمس إخراج شطره للإمام و الشطر الآخر لليتامى و المساكين و أبناء السبيل، لكلّ صنفٍ ثلث الشطر»؛ راجع: «الكافي في الفقه» ص 173.

الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِالسَّبِيلِ‌»(1)حيث إنّ الظاهر من كلامهم كون «اللام» بمعنى الملك، ثمّ عطف اليتامى و المساكين و ابن السبيل إلى «ذي القربى» يفيد اشتراكهم معه في ملكيّته، فكلّهم شركاء فيه، و لايجوز منع بعضهم عن حقّه - كما هو مقرّرٌ في أبحاث الشركة -. فيجب تقسيمه بين الجميع بحيث لم يكن صنفٌ من الأصناف محروماً منه.

و قد كفانا مؤونة هذا البحث ما أشرنا إليه فيما سبق من أنّ «اللام» هذه هى لام الاختصاص، لا لام الملكيّة، فالخمس مختصٌّ بهم و لايجوز صرفه في غيرهم؛ و عليه فلاشركة لهم فيه، فلايجب بسطه فيهم.

و تفصيل الكلام في ذلك يُطلب ممّا قدّمناه في مقدّمات أبحاث الخمس من هذا الكتاب.

المسألة الثالثة في تحليل القول بوجوب البسط ثبوتاً

و هيهنا نكتةٌ‌؛ و هي: لنا أن نتساءل: على مسلك وجوب البسط ما هو الدليل لاختصاص الصدقات - زكاةً كانت أو خمساً - بالأصناف دون الأفراد؟، إذ الشركة تقتضي كون جميع الفقراء و المساكين و أبناء السبيل شركاء في الخمس، و كذلك جميع أفراد أصناف الثمان شركاء في الزكاة، فإذاً لا تبرىء الذمّة إلّابتقسيمها بين جميع مصاديق الأصناف بحيث لم يكن واحدٌ منهم محروماً منها؛

و هل هذا إلّاحرجٌ عظيم قد نفاه الشارع و لم يجعل له في الشريعة سبيلاً؟.

أمّا على المختار من كون «اللام» بمعنى الاختصاص فإعطاء الخمس إلى فردٍ من أفراد بعض الأصناف على نحو القضايا الحقيقيّة يبرىء الذمّة، و لاحرج فيه أصلاً. فهو الموافق لمذاق الشارع - جلّ و علا -.


1) . كريمة 41 الأنفال.

المسألة الرابعة في روايات الباب
اشارة

و تدلّ على المختار جملةٌ من روايات الباب، و هي كثيرةٌ‌؛ إليك بعضها:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن أحمد بن محمّدٍ بن أبي نصر عن الرضا عليه السلام قال: سُئل عن قول اللّه - عز و جلّ -:

«وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى».

فقيل له: فما كان للّه فلمن هو؟

فقال: لرسول اللّه صلى الله عليه و آله، و ما كان لرسول اللّه صلى الله عليه و آله فهو للإمام.

فقيل له: أفرأيت إن كان صنفٌ من الأصناف أكثر و صنف أقلّ‌، ما يصنع به‌؟

قال: ذاك إلى الإمام، أرأيت رسول اللّه كيف يصنع، أليس إنّما كان يعطي على ما يرى‌؟ كذلك الإمام»(1).

السند صحيحٌ‌، بل هو من عوالي الأسناد في أعلى مدارج الصحّة. و دلالة ما حكاه الإمام عليه السلام من سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله بقوله: «إنّما كان يعطي على ما يرى» إجابةً عن قول السائل: «إن كان صنفٌ من الأصناف أكثر و صنفٌ أقلّ ما يصنع به‌؟» تامّةٌ في المقام.

الرواية الثانية

«و عنه عن يعقوب بن يزيد عن محمّد بن أبي عمير عن الحكم بن أيمن عن


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 519 الحديث 12620، «الكافي» ج 1 ص 544 الحديث 7؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 126 الحديث 4.

أبي خالدٍ الكابليّ قال: قال إن رأيت صاحب هذا الأمر يعطي كلّ ما في بيت المال رجلاً واحداً فلايدخلنّ في قلبك شيءٌ‌، فانّه إنّما يعمل بأمر اللّه»(1).

السند صحيحٌ‌، و لابأس به. و دلالة الحديث على المطلوب تامّةٌ بالنظر إلى أنّ الإمام عليه السلام جعل إعطاء الخمس لرجلٍ واحدٍ من المفروغ منه، فلااستغراب فيه. إنّما الاستغراب كلّه في اعطاء «كلّ ما في بيت المال» لرجلٍ واحدٍ. فلاكلام في دلالته على المطلوب.

الرواية الثالثة

«محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى و محمّد بن عبداللّه عن عبداللّه بن جعفر عن أحمد بن حمزة قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: رجلٌ من مواليك له قرابةٌ كلّهم يقول بك و له زكاةٌ‌، أ يجوز له أن يعطيهم جميع زكاته‌؟ قال:

نعم»(2).

السند صحيحٌ‌؛ و دلالتها لاتحتاج إلى بيانٍ‌. إذ الظاهر انّ المدار في الإعطاء كان على التشيّع و القول بإمامة مولانا الرضا عليه السلام، لا على بسطه على جميع الأصناف الثمانية.

الرواية الرابعة

«محمّد بن محمّد بن المفيد في المقنعة عن عبدالكريم بن عتبة الهاشميّ عن أبي عبداللّه عليه السلام في حديثٍ قال: تعطى صدقة الأنعام لذوي التجمّل من


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 520 الحديث 12622، «التهذيب» ج 4 ص 148 الحديث 34.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 263 الحديث 11938، «الكافي» ج 3 ص 552 الحديث 7؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 54 الحديث 1، «الإستبصار» ج 2 ص 35 الحديث 5.

الفقراء لأنّها أرفع من صدقات الأموال و إن كان جميعها صدقةً و زكاةً‌، و لكن أهل التجمّل يستحيون أن يأخذوا صدقات الأموال»(1).

السند لابأس به. و لاكلام في دلالتها أيضاً بعد لفت النظر إلى قوله عليه السلام: «صدقة الأنعام لذوي التجمّل من الفقراء»؛ حيث جوّز عليه السلام إعطاء الصدقة إلى الفقراء من دون أن يقسّمها بين الطوائف الثمان.

الرواية الخامسة

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة، عن زرارة عن عبدالكريم بن عتبة الهاشميّ عن أبي عبداللّه عليه السلام في حديثٍ أنّه قال لعمرو بن عبيد في احتجاجه عليه: ما تقول في الصدقة‌؟ فقرأ عليه الآية: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ وَ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا»(2)-... إلى آخر الآية -، قال: نعم، فكيف تقسمها؟ قال: أقسمها على ثمانية أجزاءٍ فأعطي كلّ جزءٍ من الثمانية جزأً؛ قال: و إن كان صنفٌ منهم عشرة آلافٍ و صنفٌ منهم رجلاً واحداً أو رجلين أو ثلاثةً جعلت لهذا الواحد ما جعلت للعشرة آلافٍ؟ قال: نعم!

و تجمع صدقات أهل الحضر و أهل البوادي فتجعلهم فيها سواءً؟ قال:

نعم؛

قال: فقد خالفت رسول اللّه صلى الله عليه و آله في كلّ ما قلت في سيرته، كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقسم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي و صدقة أهل الحضر في أهل الحضر و لايقسمها بينهم بالسويّة، و إنّما يقسمه على قدر ما يحضره


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 263 الحديث 11984، «المقنعة» ص 260.

2) . كريمة 60 التوبة.

منهم و مايرى، ليس عليه شيءٌ في ذلك شيءٌ مؤقّتٌ موظّفٌ و إنّما يصنع ذلك بما يرى على قدر ما يحضره منهم»(1).

السند صحيحٌ أيضاً. و دلالة قوله عليه السلام حاكياً سيرة النبيّ صلى الله عليه و آله: «إنّما يقسّمها على قدر ما يحضرها منهم و ما يرى» على المقصود واضحةٌ تامّةٌ‌.

فتلخّص ممّا قلنا جميعاً انّه لايُشترط في براءة الذمّة من أداء الخمس بسطه على جميع أصناف مستحقّيه، بل يكفي اعطاؤه لواحدٍ منها، أو لفرد واحدٍ من واحدٍ منها.



1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 265 الحديث 11987، «الكافي» ج 5 ص 26 الحديث 1؛ و انظر: «مستدرك الوسائل» ج 7 ص 115 الحديث 7790، «الإحتجاج» ج 2 ص 364.

المبحث الثالث في المراد من قرابة الرسول صلى الله عليه و آله

اشارة

لاخلاف في أنّ الخمس لقرابة الرسول بدلاً لهم عن الزكاة، و لكن هيهنا نقطتان يجب الإلمام إليهما:

‍النقطة الأولى: هل المراد من القرابة في باب الخمس القرابة من بني الزهراء عليها السلام‌؟، و قرابته صلى الله عليه و آله من الهاشميّين كلّهم‌؟؛

و النقطة الثانية: هل الانتساب إلى هاشمٍ أو سيّدتنا الزهراء - على الخلاف الّذي أشرنا إليه في النقطة الأولى - بواسطة الأمّ يكفى في جواز أخذ الخمس‌؟ أم لايحلّ الخمس إلّالمن انتسب إلى واحدٍ منهما بواسطة الآباء؟.

و لنفصّل الكلام حول هاتين النقطتين في مسألتين لما لهما من الدور الهامّ في هذا الباب.

النقطة الأولى المراد من قرابة الرسول صلى الله عليه و آله
اشارة

و تفصيل الكلام فيها في عدّة مسائل.

المسألة الأولى محلّ الخلاف في هذه النقطة

المشهور بين الأصحاب تحليل الخمس لمن انتسب إلى هاشمٍ و لو لم يكن من بني الزهراء عليها السلام، فلايحلّ لجميع الهاشميّين - مطّلبيّاً كانوا أو عبّاسيّاً أو غيرهم - أخذ الزكاة، كما لايحلّ لغيرهم أخذ الخمس؛ هذا من ناحيةٍ‌؛

و من ناحيةٍ أخرى قد استقرّت سيرة الشيعة على أنّ المراد من قرابة الرسول

بني الزهراء عليها السلام فقط، فالعلويّون أيضاً لايُعدّون من قرابة الرسول لو لم يكونوا من أبنائها عليها السلام. و يؤيّد السيرة ما ورد في تفسير «القربى» في قوله - تعالى -: «قُلْ لَاأَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى»(1)ب‍: أئمّة أهل البيت عليهم السلام و أولادهم الكرام، لابجميع الهاشميّين(2).

و في نفس الباب قد وقع التعارض بين الروايات، حيث إنّ الظاهر من بعضها تخصيص الخمس ببني الزهراء عليها السلام، بينما انّ الظاهر من بعضها الآخر اشتراك جميع الهاشميّين فيه.

المسألة الثانية مذهب المشهور في الجمع بين الروايات

مذهب الفقهاء في المسألة أن لاخصوصيّة لبني الزهراء عليها السلام، بل الروايات الناصّة عليهم تُحمل على الخصوص، و الروايات الدالّة على جواز اعطائه لجميع الهاشميّين تُحمل على العموم. و بحمل الخاصّ على العامّ يظهر المراد منها؛ و هو اشتراك جميع الهاشميّين في الخمس.

هذا مذهبهم في المقام، و المهمّ هيهنا ذكر روايات الباب لنرى أنّه هل يمكن الجمع بين الطائفتين بهذا الوجه المشهور بين القوم‌؟ أم لايمكن المسير إلى مذهبهم هذا؟.

المسألة الثالثة في روايات الباب
اشارة

و هي بين طائفتين: طائفةٌ تدلّ على تخصيصه ببني الزهراء عليها السلام؛


1) . كريمة 23 الشورى.

2) . فانظر: «تفسير أبي حمزة الثمالي» ص 294، «تفسير القمّي» ج 2 ص 275، «تفسير فرات الكوفيّ‌» ص 388، «التبيان» ج 9 ص 158، «مجمع البيان» ج 9 ص 49، «جامع البيان» ج 25 ص 31، «تفسير القرطبيّ‌» ج 16 ص 21.

و طائفةٌ تدلّ على اشتراك جميع الهاشميّين فيه. فلنفصّل الكلام حول كلّ واحدٍ من الطائفتين:

الطائفة الأولى
اشارة

و هي كثيرةٌ‌؛ منها:

الرواية الأولى

«و عنه عن أحمد بن الحسن بن عليّ بن فضّال عن أبيه عن عبداللّه بن بُكير عن بعض أصحابه عن أحدهما عليهما السلام في قول اللّه - تعالى -: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِالسَّبِيلِ‌»؛ قال: خمس اللّه للإمام، و خمس الرسول للإمام، و خمس ذوي القربى لقرابة الرسول الإمام، و اليتامى يتامى آل الرسول، و المساكين منهم و أبناء السبيل منهم؛ فلايخرج منهم إلى غيرهم»(1).

السند صحيحٌ‌؛ و لايضرّ به ارساله، لأنّ المرسِل عبداللّه بن بكير، و هو من أصحاب الإجماع(2). الظاهر من الحديث انحصار الخمس في بني الزهراء عليها السلام، إذ قد فُسِّرَت قرابة الرسول فيها بالإمام، و هو منهم؛ ثمّ قال: «و اليتامى: يتامى الرسول»، و هو ظاهرٌ فيهم أيضاً. فالمستفاد منها اختصاص الخمس ببني الزهراء عليها السلام فقط.

الرواية الثانية

«و بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار عن أحمد بن محمّد عن بعض


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 510 الحديث 12601؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 125 الحديث 2 - مع تغييرٍ يسيرٍ -.

2) . راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 673.

أصحابنا رفع الحديث قال: الخمس من خمسة أشياء - إلى أن قال: - فأما الخمس فيُقسم على ستّة أسهمٍ‌: سهمٌ للّه، و سهمٌ للرسول صلى الله عليه و آله، و سهمٌ لذوي القربى، و سهمٌ لليتامى، و سهمٌ للمساكين، و سهمٌ لأبناء السبيل.

فالّذي للّه فلرسول اللّه صلى الله عليه و آله، فرسول اللّه أحقّ به فهو له خاصّةً‌، و الّذي للرسول هو لذي القربى و الحجّة في زمانه فالنصف له خاصّةً‌، و النصف لليتامى و المساكين و أبناء السبيل من آل محمّدٍ صلى الله عليه و آله الّذين لاتحلّ لهم الصدقة و لاالزكاة، عوّضهم اللّه مكان ذلك بالخمس»(1).

السند صحيحٌ‌، و لابأس بالاضمار الواقع فيه، لمكان أحمد بن محمّد بن عيسى(2)و محمّد بن الحسن الصفّار(3)اللَّذين لايرويان إلّاعن الثقات. و المستفاد من قوله عليه السلام: «من آل محمّدٍ» تعلّق الخمس ببني الزهراء عليها السلام خاصّةً‌. نعم! اتّفقت المتأخّرون على أن لامفهوم لللقب، و هو صحيحٌ و قد فصّلنا الكلام حوله في دراساتنا الأصوليّة، أمّا المفهوم منه بانضمام القرينة فالظاهر جواز الذهاب إلى حجّيّته، لامكان استفادة الانحصار منه لوانضمّت إليه قرينةٌ‌. و كيف كان فالرواية لاتخلو عن الإشعار بانحصاره فيهم.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 514 الحديث 12608، «التهذيب» ج 4 ص 126 الحديث 5.

2) . انظر: «رجال النجاشي» ص 81 الرقم 198، «خلاصة الأقوال» ص 61 الرقم 67، «معجم رجال الحديث» ج 2 ص 295 الحديث 896.

3) . أمّا محمّد بن الحسن الصفّار فهو مع جلالة شأنه ليس من المعدودين فيمن لم يرو إلّاعن ثقةٍ‌؛ فانظر «معجم رجال الحديث» ج 15 ص 208 الرقم 10464، «تنقيح المقال» ج 3 ص 103 الرقم 10551.

الرواية الثالثة

«عليّ بن الحسين المرتضى في رسالة المحكم و المتشابه نقلاً من تفسير النعمانيّ بإسناده الآتي عن عليٍّ عليه السلام قال: الخمس يخرج من أربعة وجوهٍ‌:

من الغنائم الّتي يصيبها المسلمون من المشركين، و من المعادن، و من الكنوز، و من الغوص. و يجري هذا الخمس على ستّة أجزاءٍ فيأخذ الإمام منها سهم اللّه و سهم الرسول و سهم ذي القربى، ثمّ يقسم الثلاثة السهام الباقية بين يتامى آل محمّدٍ و مساكينهم و أبناء سبيلهم»(1).

السند لايخلو عن شيءٍ‌، و قد فصّلنا الكلام حول أسانيد تفسير النعماني فيما سلف من هذه الرسالة؛ و كيف كان فلاأقلّ من كونها مؤيِّدةً لغيرها من أحاديث الباب.

و كيفيّة الاستدلال بها نفس ما مرّ في التعليق على السابقة عليها، و لانعيده؛ فراجعه!.

الرواية الرابعة

«و عن أبي جميلة عن بعض أصحابه عن أحدهما عليهما السلام قال: فرض اللّه في الخمس نصيباً لاٰل محمّدٍ، فأبى أبوبكرٍ أن يعطيهم نصيبهم - الحديث -»(2).

المستفاد من قوله عليه السلام: «آل محمّدٍ» تعلّق الخمس بأبنائه صلى الله عليه و آله، لا بغيرهم من أقربائه.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 516 الحديث 12611؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 90 ص 45.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 517 الحديث 12615؛ و انظر: «مستدرك الوسائل» ج 7 ص 277 الحديث 8215، «بحار الأنوار» ج 29 ص 385، «تفسير العيّاشي» ج 1 ص 325 الحديث 130.

الرواية الخامسة

«محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار عن أحمد بن محمّد عن بعض أصحابنا - رفع الحديث إلى أن قال -: فالنصف له - يعني:

نصف الخمس للإمام - خاصّةً‌، و النصف لليتامى و المساكين و أبناء السبيل من آل محمّدٍ الّذين لاتحلّ لهم الصدقة و لاالزكاة، عوّضهم اللّه مكان ذلك بالخمس. فهو يعطيهم على قدر كفايتهم. فإن فضل شيءٌ فهو له و إن نقص عنهم و لم يكفهم أتمّه لهم من عنده؛ كما صار له الفضل كذلك يلزمه النقصان»(1).

الكلام في السند و ارساله و أيضاً في كيفيّة الاستدلال بها على المقصود نفس الكلام الّذي مرّ في التعليق على الروايتين الثانية و الرابعة، و الاجتناب عن التطويل يمنعنا عن إعادته؛ فراجعه!.

الرواية السادسة

«محمّد بن عليّ بن الحسين باسناده عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال عن أبي عبداللّه عليه السلام انّه قال: اعطوا الزكاة مَن أرادها من بني هاشمٍ‌، فإنّها تحلّ لهم و إنّما تحرم على النبيّ عليهما السلام و على الإمام الّذي من بعده و على الأئمّة عليهم السلام»(2).

السند صحيحٌ‌، و دلالتها على حلّيّة الزكاة على بني هاشم في غاية الوضوح. و لعلّ‌


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 521 الحديث 12624، «التهذيب» ج 4 ص 126 الحديث 5.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 269 الحديث 11996، «الفقيه» ج 2 ص 37 الحديث 1637؛ و انظر: «الكافي» ج 4 ص 59 الحديث 6.

الحديث هذا هو خير أحاديث الباب دلالةً‌.

الطائفة الثانية
اشارة

و هذه الطائفة أيضاً كثيرةٌ‌؛ منها:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن أحمد بن ادريس عن محمّد بن عبدالجبّار و عن محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن صفوان بن يحيى عن عيص بن القاسم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: إنّ أناساً من بني هاشمٍ أتوا رسول اللّه صلى الله عليه و آله فسألوه أن يستعمهلم على صدقات المواشي، و قالوا:

يكون لنا هذا السهم الّذي جعل اللّه - عزّ و جلّ - للعاملين عليها، فنحن أولى به؛ فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: يا بني عبدالمطّلب! إنّ الصدقة لاتحلّ لي و لا لكم، و لكنّي قد وعدت الشفاعة -... إلى أن قال: - أتروني مؤثراً عليكم غيركم‌؟»(1).

السند في أعلى مدارج الصحّة. و لاكلام في دلالتها على حرمة الزكاة على الهاشميّين.

بقي علينا أن نشير إلى أمرين يرتبطان بها:

الأمر الأوّل: لا دلالة فيها على تعلّق الخمس بهم، إذ المتيّقن منها حرمة الزكاة عليهم؛ أمّا حلّيّة الخمس لهم فالرواية ساكتةٌ عنها.

الأمر الثاني: انّ الرواية معرضٌ عنها عند الأصحاب، فاعراضهم عنها يضعّفها، إذ اتّفق الفقهاء على أنّ الزكاة لاتحلّ للهاشميّين، و لكن لاخلاف في جواز اعطائهم منها لوكانوا عاملين عليها، أو كانوا من المؤلّفة قلوبهم. و كيف كان فالاستدلال بها على التشريك بين الفاطميّين و غيرهم من آل هاشمٍ في الخمس لايخلو عن شيءٍ‌.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 268 الحديث 11992، «الكافي» ج 4 ص 58 الحديث 1، «التهذيب» ج 4 ص 58 الحديث 1.

الرواية الثانية

«و عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن حمّاد عن حريز عن محمّد بن مسلم و أبي بصير و زرارة كلّهم عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهما السلام قالا: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: إنّ الصدقة أوساخ أيدي الناس و إنّ اللّه قد حرّم عليَّ منها و من غيرها ما قد حرّمه، و إنّ الصدقة لاتحلّ لبني عبدالمطّلب»(1).

السند من عوالي الأسناد، فلاكلام فيه. و دلالتها على حرمة الزكاة عليهم تامّةٌ‌، و لكن لادلالة فيها على حليّة الخمس لهم أيضاً.

الرواية الثالثة

«و بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيدٍ عن النضر عن ابن سنان - يعني: عبداللّه - عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: لاتحلّ الصدقة لولد العبّاس و لا لنظرائهم من بني هاشم»(2).

الكلام في السند و في كيفيّة الدلالة نفس الكلام الّذي مرّ في التعليق على الرواية السابقة عليها؛ فراجعه!.

و كيف كان فالمسألة في غاية الغموض، و لولا ذهاب المشهور إلى منع الزكاة عن جميع الهاشميّين - بل إجماعهم عليه - لكان للقول بتخصيص الخمس بالفاطميّين وجهٌ وجيهٌ‌.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 268 الحديث 11993، «الكافي» ج 4 ص 58 الحديث 2؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 58 الحديث 2، «الإستبصار» ج 2 ص 35 الحديث 1.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 269 الحديث 11994، «التهذيب» ج 4 ص 59 الحديث 5، «الإستبصار» ج 2 ص 35 الحديث 4.

النقطة الثانية هل يحلّ الخمس للمنتسبين إلى هاشمٍ بواسطة الأمّ؟
اشارة

هذه النقطة هي النقطة الثانية الّتي يجب الإلمام بها في هذا المبحث، و هو المبحث الثالث من أبحاث الفصل الثاني من فصول كتاب الخمس.

و البحث في هذه النقطة يدور حول انّه هل يحلّ الخمس لمن انتسب إلى هاشمٍ بواسطة أمّه فتحرم عليه الزكاة‌؟ أم لايحلّ الخمس إلّاللمنتسبين إليه بواسطة الأب فقط؟.

و قبل الخوض في صلب المبحث نقدّم أمرين يعينانا في تحقيق ما هو الحقّ في المقام.

فنقول:

الأمر الأوّل:

المراد من الأمّ هيهنا أعمّ من الأمّ و أمّ الأمّ و أمّ أمّها و هكذا، و كذلك أعمّ من أمّ الأب و أمّ أب الأب و هكذا؛ فجميع الجدّات - أميّات كُنَّ أو أبويّات - يدخلن في هذا الخلاف.

الأمر الثاني:

لاخلاف فى أنّ شرافة الانتساب بالنبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله تحصل للمنتسبين إليه بواسطة الأمّهات، بل لافرق في ذلك بينهم و بين المنتسبين إليه صلى الله عليه و آله بالآباء. فكلّهم أبنائه و بناته صلى الله عليه و آله من غير أن يكون في ذلك فرقٌ بينهم(1). و إلى ذلك يشير كثيرٌ من المباحثات الواقعة بين أئمّتنا الأطهار عليهم السلام و المنكرين كونهم أبناء النبيّ صلى الله عليه و آله أو ما أجابوا به عن أقوال المخالفين حول كون سيدَي شباب أهل الجنّة عليهما السلام ابنيه صلى الله عليه و آله؛ و تلك الأحاديث كثيرةٌ‌، و لنكتف في المقام بإيراد حديثين منها، و ذلك لأنّ صاحب الحدائق رحمه الله قد أصرّ على تماميّة دلالتها على حلّيّة الخمس لمن انتسب إلى النبيّ من جهة الأمّ - و سنفصّل الكلام حول مبناه هذا -.


1) . و انظر ما سيأتي من ذكر أقوال الأعلام في ذلك المضمار في المسألة الرابعة عند نقد أدلة صاحب الحدائق رحمه الله على مختاره.

الرواية الأولى

و هي ما رواه العلّامة المجلسي رحمه الله في باب حكم من انتسب إلى النبيّ صلى الله عليه و آله من جهة الأمّ في الخمس و الزكاة من موسوعته البحار. قال رحمه الله في حديثٍ طويلٍ يتضمّن ذكر ما جرى بينه و بين الرشيد. أمّا موضع الحاجة منه انّه قال له الرشيد:

«لِمَ جوّزتم للعامّة و الخاصّة أن ينسبوكم إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و يقولون لكم: يا بني رسول اللّه و أنتم بنو عليٍّ عليه السلام‌؟، و إنّما يُنسب المرء إلى أبيه و فاطمة إنّما هي وعاءٌ و النبيّ صلى الله عليه و آله جدّكم من قبل أمّكم!، فقلت: يا أميرالمؤمنين لو أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله نُشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه‌؟ فقال: سبحان اللّه!، و لِمَ لاأجيبه‌؟ بل أفتخر على العرب و العجم و القريش بذلك! فقلت: لكنّه صلى الله عليه و آله لايخطب إليَّ و لاأزوّجه، فقال: و لِمَ؟ فقلت: لأنّه ولّدني و لم يلدك. فقال: أحسنت يا موسى!.

ثمّ قال: كيف قلتم إنّا ذرّيّة النبيّ و النبيّ صلى الله عليه و آله لم يعقّب و إنّما العقب للذكر و لاللأنثى و أنتم ولد الإبنة و لايكون لها عقبٌ؟ -... ثمّ نقل الخبر إلى أن قال:

فقلت: تأذن لي في الجواب‌؟ قال: هات! فقلت: أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم بسم اللّه الرحمن الرحيم «وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَ سُلَيَْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسَى وَ هَارُونَ وَ كَذَلِكَ نَجْزِي الُْمحْسِنِينَ * وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيَى وَ عِيسَى»(1)، مَن أبوعيسى يا أميرالمؤمنين‌؟ فقال: ليس لعيسى أبٌ‌! فقلت: إنّما ألحقناه بذراري الأنبياء عليهم السلام من طريق مريم عليها السلام و كذلك ألحقنا بذراري النبيّ صلى الله عليه و آله من قبل أمّنا فاطمة عليها السلام. أزيدك يا أميرالمؤمنين‌؟ قال:

هات! قلت: قول اللّه - عزّ و جلّ -: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ‌


1) . كريمتان 85/84 الأنعام.

فَقُلْ تَعَالَوا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَكُمْ‌»(1)و لم يدّع أحدٌ انّه أدخل النبيّ صلى الله عليه و آله تحت الكساء عند مباهلة النصارى إلّاعليّ بن أبي طالبٍ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام، فكان تأويل قوله - عزّ و جلّ - «أَبْنَاءَنَا»:

الحسن و الحسين، و «نِسَاءَنَا»: فاطمة، و «أَنْفُسَنَا»: عليّ بن أبي طالبٍ‌»(2).

الرواية الثانية

«قال لي أبوجعفر عليه السلام: يا أباالجارود! ما يقولون في الحسن و الحسين عليهما السلام‌؟ قلت: ينكرون علينا انّهما ابنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله، قال: فبأيّ شيءٍ احتججتم عليهم‌؟ قلت: احتججنا عليهم بقول اللّه - عزّ و جلّ - في عيسى بن مريم عليهما السلام: «وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَ سُلَيَْمانَ‌» -... إلى قوله: - «وَ كَذَلِكَ نَجْزِي الُْمحْسِنِينَ‌»، فجعل عيسى من ذريّة إبراهيم عليه السلام؛ قال: فأيّ شيءٍ قالوا لكم‌؟ قلت: قالوا: قد يكون ولد الإبنة من الولد و لايكون من الصلب! قال: فبأيّ شيءٍ احتججتم عليهم‌؟ قال: قلت: احتججنا عليهم بقول اللّه - تعالى -: «قُلْ تَعَالَوا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَكُمْ وَ نِسَاءَنَا وَ نِسَاءَكُمْ‌» - الآية -، قال: فأيّ شيءٍ قالوا لكم‌؟ قلت: قالوا: قد يكون في كلام العرب ابني رجلٍ واحدٌ فيقول أبناءنا و انّما هما ابنٌ واحدٌ، قال: فقال أبوجعفر عليه السلام: و اللّه - يا أباالجارود! - لأعطينّكها من كتاب اللّه - عزّ و جلّ -: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَ بَنَاتُكُمْ‌» -... إلى أن انتهى إلى قوله: - «وَ حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ‌


1) . كريمة 61 آل عمران.

2) . راجع: «بحار الأنوار» ج 48 ص 127؛ و انظر: نفس المصدر ج 93 ص 240، «الإحتجاج» ج 2 ص 391، «عيون الأخبار» ج 1 ص 83 الحديث 9.

مِنْ أَصْلَابِكُمْ‌»(1). فسلهم - يا أباالجارود! - هل حلّ لرسول اللّه نكاح حليلتهما؟ فإن قالوا: نعم فكذبوا و اللّه و فجروا، و إن قالوا: لا فهما و اللّه ابناه لصلبه»(2).

دلالة الروايتين - كغيرهما من روايات الباب - على صحّة نسبة المنتسبين إلى النبيّ الأعظم صلى الله عليه و آله بالأمّ إليه تامّةٌ غير قابلةٍ للخدشة و الإنكار. فمن انتسب إليه بواسطة الآباء يُعدُّ من أبنائه، كما انّ من انتسب إليه بواسطة الأمّهات يُعدُّ منهم. فلافرق في ذلك بينهم.

هذان أمران أردنا أن نشير إليهما قبل الخوض في صلب المبحث، و الآن و قد فرغنا من بيانهما، نفصّل الكلام حول هذا المطلب في عدّة مسائل.

المسألة الأولى محلّ الخلاف في هذه النقطة

محلّ الخلاف في هذه النقطة يركّز على جواز أخذ الخمس للمنتسبين إليه صلى الله عليه و آله بالأمّ فقط. فلاكلام في كونهم أبنائه و بناته صلى الله عليه و آله - كما أشرنا إليه في الأمر الثاني من الأمرين المتقدّمين -، بل الكلام كلّه في حلّيّة الخمس لهم و تحريم الزكاة عليهم.

المسألة الثانية الأقوال في المسألة

ذهب المرتضى(3)من المتقدّمين و صاحب الحدائق 0(4)من المتأخّرين - و هو من


1) . كريمة 23 النساء.

2) . راجع - مع تغييرٍ و زياداتٍ -: «بحار الأنوار» ج 43 ص 233؛ و انظر: نفس المصدر ج 93 ص 239، «تفسير القمّي» ج 1 ص 209، «العدد القويّة» ص 40.

3) . قال رحمه الله: «إذا أطلق الواقف القول بأنّ الوقف على ولده دخل فيهم ولد الأنثى البنت كدخول ولد الذكر، لأنّ الاسم يتناول الجميع على سبيل الحقيقة»؛ راجع: «رسائل الشريف المرتضى» ج 4 ص 328 المسألة 5؛ و انظر: «مختلف الشيعة» ج 3 ص 203 المسألة 159.

4) . راجع: «الحدائق الناضرة» ج 12 ص 390.

متأخّري المتأخّرين - إلى حلّيّته لهم، فيجوز لهم أخذ الخمس كما يجوز للهاشميّين بواسطة الآباء. و هذا القول نسب إلى أبن حمزة رحمه الله في المراسم، و في صحّة النسبة ترديدٌ(1)- كما أشار إليه صاحب الجواهر قدس سره(2)-.

أمّا غيرهما من المتقدّمين و المتأخّرين فقد أجمعوا على عدم جواز أخذه لهم(3)، فالخمس للهاشميّين بالآباء، و الزكاة لمن انتسب إلى هاشمٍ بالأمّهات كما هي لمن لم ينتسب إليه. و هذا القول كاد أن يكون من المجمَع عليه لولا خلاف المرتضى و البحرانيّ‌، و لايضرّ بالإجماع خلافهما، و سنرجع إلى هذا الكلام و نزيده بياناً.

المسألة الثالثة في ما استدلّ به صاحب الحدائق انتصاراً لمختاره
اشارة

قد أطال الشيخ صاحب الحدائق رحمه الله الكلام حول هذا المبحث(4). و ذهب إلى أنّه يمكن الاستدلال بجواز أخذ الخمس لهم بدليلين هما:

الدليل الأوّل:

ما أشرنا إليه في الأمر الثاني من الأمرين المتقدّمين من الروايات الدالّة على كون سيّدَي شباب أهل الجنّة عليهما السلام ابني النبيّ صلى الله عليه و آله، و لافرق بينهما و بين غيرهما ممّن ينتسب إليه صلى الله عليه و آله بالأمّ في هذه الجهة؛ و الخمس لأبنائه صلى الله عليه و آله، فهو لهم. و مآل هذا


1) . و هذا الترديد يقوى بالرجوع إلى ما نصّ به في المسألة؛ راجع: «الوسيلة» ص 136.

2) . قال رحمه الله: «بل عليه عامّة أصحابنا... عدا المرتضى و ابن حمزة على ما حكي عنهما، مع انّ فيما حضرني من نسخة وسيلة الثاني موافقة المشهور»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 90.

3) . فانظر: «النهاية» ص 199، «المبسوط» ج 1 ص 262، «السرائر» ج 1 ص 496.

4) . راجع: «الحدائق الناضرة» ج 12 ص 419/390.

الدليل إلى أنّ ولد الولد ولدٌ، و لا فرق بين الذكر و الأنثى فيه.

الدليل الثاني:

اشتراكهم في غيره من الأحكام الفقهيّة، و هذا الاشتراك من المجمع عليه بين المتقدّمين و المتأخّرين من الفقهاء. و ذلك يظهر من كلام المشهور كثاني الشهيدين في المسالك(1)، و الحلّي في السرائر(2). كاشتراكهم في حكم الوقف، فلووقف أحدٌ داراً على أولاده و أبناء أولاده لافرق بين أبناء الأبناء و أبناء البنات في جواز السكونة في تلك الدار، و كذلك في باقى الطبقات و إن سفلت.

و كاشتراكهم في انتشار المحرميّة، إذ ابن الإبن و بنته محرّمٌ كما انّ ابن البنت و بنتها محرمٌ أيضاً؛ قال: اشتراكهم و اتّفاقهم في أحكام بابي الوقف و حرمة النكاح و غيرهما من الأبواب الفقهيّة يدلّ على اشتراكهم في هذا الباب أيضاً؛ إذ الخمس يختصّ بأبناء النبيّ‌، و كلّهم أبناؤه، فالخمس لهم(3).

المسألة الرابعة في نقد أدلّته

و يرد عليه: انّه قد غفل عمّا قدّمناه في المسألة الأولى من أنّه لاكلام في ثبوت البنوّة


1) . راجع: «مسالك الأفهام» - الطبعة الحجريّة - ج 1 ص 284.

2) . راجع: «السرائر» ج 3 ص 157.

3) . قال رحمه الله: «و أنت خبيرٌ بأنّ جملةً من هؤلاء المذكورين و إن لم يصرّحوا في مسألة الخمس بما نقلناه عن السيّد المرتضى رضى الله عنه إلّاأنّهم في مسائل الميراث و الوقف و نحوها لمّا صرّحوا بأنّ ولد البنت ولدٌ حقيقةً اقتضى ذلك إجراء حكم الولد الحقيقيّ عليه في جميع الأحكام الّتي من جملتها جواز أخد الخمس و تحريم أخذ الزكاة و مسائل الميراث و الوقوف و نحوها؛ لأنّ مبنى ذلك كلّه على كون المنتسب بالأمّ ابناً حقيقيّاً. فكلّ من حكم بكونه ابناً حقيقيّاً يلزمه أن يجري عليه هذه الأحكام. بل الخلاف المنقول هنا عن السيّد إنّما بنوا فيه على ما ذكره في مسائل الميراث و الوقوف و نحوها من حكمه بأنّ ابن البنت ابنٌ حقيقةً‌، كما سيأتيك ذكره»؛ راجع: «الحدائق الناضرة» ج 12 ص 391.

بواسطة الأمّ‌، بل الكلام كلّه في جواز أخذ الخمس لهم، فلو دلّ دليلٌ على عدم الجواز إذاً لايمكن الركون إلى أصل ثبوت البنوّة؛ إذ ليس هذا معقد الخلاف في المسألة، بل هو أصلٌ عامٌّ يثبت البنوّة من غير أن يثبت جوازه لهم(1).

و بما قلنا ظهر انّه لاحاجة إلى تطويل الكلام بذكر أسماء القائلين بثبوت البنوّة لهم، إذ هذا من المجمَع عليه بين الشيعة الإماميّة، كما حكاه الشَّيخ رحمه الله في الخلاف(2).

فالدليلان اللَّذان أقامهما على جواز اعطاء الخمس لهم أعمّان من مدّعاه، و لايثبت بهما أزيد من ثبوت البنوّة لهم.

المسألة الخامسة في ما استدلّ به المشهور انتصاراً لمذهبهم
اشارة

بقي علينا أن نشير إلى الأدلّة الّتي تمسّك بها المشهور تأييداً لمذهبهم، و قد أنحاها صاحب الجواهر رحمه الله إلى ثمانيةٍ‌(3). فلنفصّل الكلام حول ما هو المهمّ منها.


1) . فانظر: «الخلاف» ج 3 ص 546 المسألة 15، «غنية النزوع» ص 298، «شرائع الإسلام» ج 2 صص 452، 448، «المختصر النافع» ص 158، «مختلف الشيعة» ج 6 ص 308، «إرشاد الأذهان» ج 1 ص 455، «تحرير الأحكام» ج 3 ص 285، «اللمعة الدمشقيّة» ص 89، «المهذّب البارع» ج 3 ص 63، «جامع المقاصد» ج 9 ص 90، «الروضة البهيّة» ج 3 ص 184، «مسالك الأفهام» ج 5 ص 351، «رياض المسائل» ج 5 ص 247، «جامع المدارك» ج 4 ص 22.

2) . راجع: «الخلاف» ج 3 ص 546 المسألة 15. و قال ابن زهرة رحمه الله أيضاً: «إنّ الإجماع منعقدٌ على انّ ولد البنت ولدٌ حقيقةً‌»؛ راجع: «الغنية» ص 298؛ و انظر في ذلك أيضاً: «كتاب الخمس» - للشَّيخ الأعظم رحمه الله - ص 300.

3) . راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 92.

الدليل الأوّل:

و هو جزءٌ من حديثٍ طويل رواه الكلينيّ رحمه الله، و نصّه:

«محمّد بن يعقوب عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح عليه السلام في حديثٍ طويلٍ قال: و من كانت أمّه من بني هاشمٍ و أبوه من سائر قريشٍ فانّ الصدقات تحلّ له و ليس له من الخمس شيءٌ‌، لأنّ اللّه يقول: «أُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ‌»(1)»(2).

أمّا السند فلابأس به، و لايضرّ به الارسال الواقع فيه، لمكان حمّاد بن عيسى الّذي يُعدُّ من أصحاب الإجماع(3). أضف إلى ذلك انّ الرواية قد رواها المشايخ الثلاثة، فلابأس به. أمّا دلالة هذا الجزء من الحديث على المقصود فتامّةٌ‌، إذ هو صريحٌ في أنّ الانتساب إلى هاشمٍ بواسطة الأمّ لايكفي في حلّيّة الخمس، بل حكم المنتسب إليه بالأمّ حكم من لم ينتسب إليه أصلاً.

أقول: بقي علينا أن نشير إلى أنّ الرواية مجملةٌ من نواحي متعدّدةٍ‌، بل قد أعرض الأصحاب عنها لكثرة ما فيها من المجملات. فعلى المختار من عدم جواز الركون إلى حديث طرىء الإجمال إلى بعض اجزائه، لايمكن جعلها سناداً في المسألة.

أمّا صاحب الجواهر رحمه الله فقد ذهب إلى أنّ عمل الأصحاب ينجبر إجمال الحديث كما ينجبر ضعف سنده(4)


1) . كريمة 5 الأحزاب.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 271 الحديث 11999، «الكافي» ج 1 ص 539 الحديث 4؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 128 الحديث 2، «عوالي اللآلىء» ج 3 ص 129 الحديث 13.

3) . راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 673.

4) . قال رحمه الله: «بل قد يناقش في العمل بالمرسل المذكور بعدم حجّيّته في نفسه، بل و عدم قابليّة الشهرة لجبره أيضاً بعدم كون...»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 100.

و هذا كلامٌ لانفهم المراد منه!، إذ لا خلاف في انجبار ضعف السند بعمل الأصحاب؛ و لكن ما معنى انجبار إجماله بعملهم‌؟ و لامعنى لهذا القول إلّاالتقليد عن الأصحاب و المشي على ممشاهم من غير أن يبيّن وجهه؛ و لاأظنّ أحداً يتفوّه بهذا الكلام.

ثمّ إنّ انجبار ضعف السند بعمل الأصحاب ممكنٌ عند قيام العلم باستناد الأصحاب إلى هذا الحديث، و هو مفقودٌ في المقام، لكثرة الأدلّة الّتي أقاموها تأييداً لمذهبهم، فلعلّهم استندوا إلى دليلٍ غيره، فلايمكن القول بانجبار ضعفه بعملهم.

ثمّ انتصر المحقّق الهمدانيّ لصاحب الجواهر 0 ب‍: أنّه يمكن أن يقال: لايضرّ المجمل من الحديث بالمبيَّن منه، فيجوز الأخذ بالمبيّن مع طرح المجمل منه(1)

نعم! قال السيّد الفقيه الحكيم رحمه الله: «و اشتماله على التعليل بقوله - تعالى -: «أُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ‌» لاينافي ذلك، إذ كم من خبرٍ حجّةٍ مشتمل على ما ليس بحجّةٍ‌»؛ راجع: «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 575.

و هذا أيضاً كلامٌ لامسير إليه، إذ إجمال بعض الأجزاء يمنع عن جواز الأخذ بظاهر الكلام؛ لامكان اختفاء القرائن في الجزء المجمل منه، فلاينعقد للكلام ظهورٌ، فلايمكن الركون إليه؛ و تفصيل الكلام فيه يُطلب من دراساتنا الأصوليّة.

أضف إلى ذلك ما أشرنا إليه من طريان الإجمال إلى الحديث من نواحي متعدّده، و إعراض الأصحاب عن تلك النواحي. و كيف كان فلايمكن الركون إلى هذا الحديث و جعله سنداً للمقام.

نعم! لايبعد القول بكونه مؤيّداً لغيره من أدلّة المسألة.


1) . لم أعثر عليه. نعم! له كلامٌ يوافق قول صاحب الجواهر؛ قال: «و ضعف سنده بالإرسال مجبورٌ بالشهرة المعتضدة بعدم خلافٍ يعتدّ به في المسألة مع أنّ المرسل من أصحاب الإجماع»؛ راجع: «مصباح الفقيه» ج 14 ص 214؛ و بينهما بونٌ بعيدٌ.

الدليل الثاني:

و هو أيضاً ممّا ذكره صاحب الجواهر رحمه الله(1)، و محصّله: القول بجواز أخذ الخمس لهم يؤدّي إلى التناقض، إذ عليه يجوز أخذ الخمس لمن انتسب بالأمّ إلى هاشمٍ بواسطة أمّه، و يجوز له أخذ الزكاة بواسطة أبيه، فيجوز له أخذ الخمس و الزكاة معاً، و هذا تناقضٌ‌؛

أو لايجوز له أخذ الخمس بواسطة أبيه و كذلك لايجوز له أخذ الزكاة بواسطة أمّه، فلايجوز له أخذ الخمس و لاالزكاة معاً، و هذا تناقضٌ آخر؛

إذ لاخلاف في أنّ لجميع الناس حقّاً في الحقوق الشرعيّة، إمّا في الخمس، و إمّا في الزكاة؛

و قد ردّ عليه الفقيه الهمدانيّ رحمه الله بأنّ أدلّة الخمس مخصّصةٌ لأدلّة الزكاة، فالناس كلّهم مشتركون في جواز أخذ الزكاة، أمّا الهاشميّين فلايجوز لهم ذلك، إذ الخمس مختصٌّ بهم.

فالقول بجواز أخذ الخمس لهم لايؤدّي إلى التناقض، إذ القائلون به يقولون بحلّيّة الخمس لهم و حرمة الزكاة عليهم(2).

و هذا الردّ لايخلو عن قوّةٍ‌، بل وجهٍ‌.

الدليل الثالث:

عدم وجدان دليلٍ يدلّ على جواز أخذه لهم يدلّ على عدم الجواز، إذ المسألة ممّا كثرت و اشتدّت حاجة الناس إليها، بينما انّ أحاديث الباب ساكتةٌ عنها، و هذا السكوت يدلّ على


1) . قال قدس سره: «فيشارك حينئذٍ بني هاشم سائر الناس في خمسهم، و هو معلوم البطلان»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 92.

2) . قال رحمه الله: «و يدفعه انّ مناط حلّيّة الخمس و حرمة الصدقة إنّما هو صدق اسم الهاشميّ عليه، لا اختصاصه بهذا الاسم، و ليس استحقاقه للزكاة و الصدقة منوطاً باندراجه تحت عنوانٍ خاصٍّ حتّى تتحقّق المعارضة. فاستحقاقه للزكاة و الصدقة موقوفٌ على عدم اندراجه في موضوع الهاشميّ الّذي جعل له الخمس، فلو سلّمنا اندراجه في منصرف الهاشميّ الّذي دلّت الأدلّة على استحقاقه للخمس فلايتوجّه الإشكال عليه من هذه الجهة؛ كما لايخفى»؛ راجع: «مصباح الفقيه» ج 14 ص 214.

عدم الجواز، فعدم الدليل في نظائر المسألة دليلٌ على العدم.

و اقتفى أثر صاحب الجواهر(1)في هذا الكلام جمعٌ من الأعلام، منهم المحقّق الهمدانيّ‌(2)و السيّد الحكيم 0(3).

و يرد عليه: إنّ هذه القاعدة يمكن الركون إليها فيما كثر الكلام فيه بين الأئمّة و أصحابهم سؤالاً و جواباً، كأصل صحّة انتسابهم إلى النبيّ صلى الله عليه و آله، فهذا قد كثر فيه الكلام بينهم حتّى أنّ صاحب الجواهر نفسه حكى عن الشيخ القول بإجماع الطائفة عليها. أمّا الخمس و مسائله الّتي كانت تُعدُّ من أسرار الشيعة فلايجوز جريان القاعدة فيه، لقلّة الأحاديث فيها مع كثرة حاجة الناس إليها.

و قد أشرنا في صدر الكتاب إلى أنّ العامّة لايقولون بالخمس، و كان القول بوجوبه من خصائص الشيعة، فكان الأصحاب في هذا الباب بمعزلٍ عن السؤال و الجواب، لأنّه كان من مظانّ الخطر و كان يجب عليهم الاحتراز منه. فلايمكن جريان القاعدة فيه و في أمثاله.

الدليل الرابع:

هذا القول يؤدّي إلى جواز أخذ الخمس لجلّ الشيعة لو لانقول بجواز أخذه لكلّهم، لأنّه قلّ من سكّان إيران أو العراق من لم يكن إحدى جدّاته هاشميّةً‌، إذ على هذا المبنى لوتزوّجت هاشميّةٌ بمن لاينتسب إليهم يكون جميع أولاده و أولاد أولاده و إن سفلت


1) . قال رحمه الله: «مع أنّه لو كان كذلك لشاع و ذاع حتّى خرق الأسماع، فكيف و الشائع خلافه»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 92.

2) . قال رحمه الله: «و يؤيّده أيضاً بل يشهد له انّه لو كان الانتساب إلى بني هاشمٍ من قبل الأمّ موجبا لحرمة الصدقة و إباحة الخمس لاشتهر ذلك من الصدر الأوّل، و استقرّت السيرة على ضبط النسبة و حفظها، مع أنّه ليس كذلك؛ فعدم اشتهار مثل هذا الحكم مع عموم الابتلاء به فضلاً عن اشتهار خلافه... من أقوى الشواهد على أنّه ليس لها هذا الأثر في الشريعة»؛ راجع: «مصباح الفقيه» ج 14 ص 214.

3) . لم أعثر على قوله هذا؛ و انظر: «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 573.

طبقاتهم هاشميّاً، و من الواضح كثرة النكاحات الواقعة بين الهاشميّات و غيرهم، لشقف الناس بالانتساب إلى الدوحة الفاطميّة - رُفع قدرها -؛ فيجوز لجلّ الشيعة أو لكلّهم أخذ الخمس. و بطلان هذا ممّا لايحتاج إلى بيانٍ‌، إذ الخمس مختصٌّ بطائفةٍ خاصّةٍ من الناس، و الزكاة لعامّتهم، و هذا من المتّفق عليه.

و هذا الدليل لايرد عليه شيءٌ‌، و يشبه أن يكون خير ما أقامه صاحب الجواهر رحمه الله من الدلائل(1).

الدليل الخامس:

و هو التمسّك بقاعدتي الإحتياط و الإشتغال، إذ المكلّف يعلم ببراءة ذمّته من الخمس لوأعطاه إلى الهاشميّ بالآباء، أمّا البراءة منه باعطائه بمن ينتسب إلى هاشمٍ بالأمّهات فمحلّ ترديدٍ، و قاعدة اشتغال الذمّة به و وجوب برائتها منه تحكم بالإحتياط في الإعطاء، فلايجوز اعطائه إلّالمن ينتسب إليه بالآباء(2).

و يرد عليه: إنّ المورد من موارد دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيَّين، فعند الشكّ في براءة الذمّة باعطائه لمن ينتسب إليه بالأمّ تُرتفع الخصوصيّة بالأصل، فيُحكم بجواز اعطائه له.

و الظاهر انّه لا مبنى لصاحب الجواهر في مسألة الأقلّ و الأكثر الارتباطيَّين، لأنّه يميل فيها تارةً إلى الاشتغال - كما فيما نحن فيه -، و تارةً أخرى إلى البراءة - كما في كثيرٍ من مواضع موسوعته الكبرى -. و تفصيل الكلام فيه موكولٌ إلى محلّه من علم الأصول.


1) . قال رحمه الله: «... إذ قلّ ما يخلو أحدٌ من كون أحد جدّاته من أمّه أو أبيه و إن علت علويّةً‌، فيشارك حينئذٍ بني هاشم سائر الناس في خمسهم»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 92. و انظر أيضاً: «غنائم الأيّام» ج 4 ص 385.

2) . قال قدس سره: «و عن اعتضاده بموافقة الاحتياط الّذي جعله اللّه طريق السلامة خصوصاً فيما اشتغلت الذمّة به بيقينٍ‌»؛ راجع: نفس المصدر و المجلّد ص 91.

هذا بيان ما احتجّ به صاحب الجواهر رحمه الله لتثبيت مختار المشهور.

و يمكن أن يُستدلّ بغيرها أيضاً. و تفصيل الكلام فيه:

الدليل السادس:

سيرة المتشرعة أيضاً تدلّ على عدم الجواز، و هذه السيرة لارادع عنها، فيجوز التمسّك بها(1). ثمّ إنّ السيرة هذه ليست بأقلّ مرتبةً من الخبر الواحد الّذي اتّفقت الناس على العمل به، و هذا الاتّفاق حجّةٌ حيث لايرد في الشريعة ردعٌ عنه، فالسيرة أيضاً حجّةٌ حيث لايوجد في الشريعة الغرّاء ما يدلّ على عدم جواز الأخذ بها.

الدليل السابع:

و هو التمسّك بإجماع الأصحاب في المقام. إذ مضت الإشارة إلى إجماعهم على عدم جواز اعطائه لمن ينتسب إليه بالأمّهات. و لامخالف في المسألة إلّاالمرتضى(2)- على ما نسب إليه - و البحرانيّ 0(3)، فالمسألة إجماعيّةٌ و الحكم إجماعيٌّ‌؛ و هو حجّةٌ‌.

لايُقال: إنّ الإجماع يحتمل أن يكون مستنداً إلى النصّ‌، فإذن لايكون حجّةً‌؛

لأنّا نقول: هذا الاحتمال يرجع إلى وجود نصٍّ معتبرٍ عند قدماء الأصحاب لم يصل إلينا، فإذاً النصّ هو الحجّة في المقام و الإجماع كاشفٌ عنه. فعلى أيٍّ يكون الإجماع حجّةً‌، إمّا بنفسه، و إمّا بواسطة كشفه عن وجود نصٍّ اعتمد القدماء كلّهم عليه.

فتحصّل ممّا قلنا انّ النسبة بين من ينتمي إلى الدوحة النبويّة بالأمّ و بين النبيّ‌


1) . هذا الدليل أيضاً ذكره صاحب الجواهر حيث قال رحمه الله بعد أن أشار إلى اشتراك الهاشميّين و غيرهم في الخمس: «بل قد يدّعى السيرة القطعيّة بخلافه»؛ راجع: نفس المصدر و المجلّد أيضاً ص 92.

2) . و قد ذكرنا في صدر المسألة نصّ كلامه؛ راجع: «رسائل الشريف المرتضى» ج 4 ص 328 المسألة 5.

3) . راجع: «الحدائق الناضرة» ج 12 ص 390.

الأعظم صلى الله عليه و آله ثابتةٌ لاانكار لأحدٍ عليها، كما انّه لافرق بينه و بين المنتسبين إليه صلى الله عليه و آله بالآباء في كثيرٍ من الأحكام؛ أمّا جواز أخذ الخمس له فلايُثبت بثبوت هذه النسبة، بل هو يحتاج إلى دليلٍ خاصّ‌، و هو مفقودٌ في المقام، بل الأدلّة قائمةٌ على خلافه؛ فلايجوز أخذه له. و الحمد للّه ربّ العالمين.


المبحث الرابع اشتراط احراز العلم في باب السيادة و عدم اشتراطه في باب الفقر

اشارة

هذا المبحث عقدناه للتحقيق حول مشكلةٍ فقهيّةٍ‌؛ و هي: انّه قد اشتهر بين الفقهاء - المتقدّمين منهم و المتأخّرين - انّ ادّعاء الفقر و البؤس في بابي الزكاة و الخمس يكفي في اعطائهما لمدّعيه، فلايُحتاج في احراز الفقر لاعطاء الزكاة إلى دليلٍ أو بيّنةٍ‌، و الخمس في هذا الحكم تبعٌ للزكاة، فحكمهما واحدٌ - كما يظهر من كلام الأصحاب -.

و هذا الحكم مع اشتهاره قد أقام عليه صاحب الجواهر رحمه الله أحد عشر دليلاً، و هذه الأدلّة و إن كان بعضها غير مستقيمٍ‌، و لكن انضمام بعضها إلى بعضٍ يكفي للقطع بصحّة رأيهم هذا. هذا من ناحيةٍ‌؛

و من ناحيةٍ أخرى قد اشتهر بينهم أيضاً في باب الخمس انّ ادّعاء السيادة و الانتساب إلى هاشمٍ لايكفي في إعطاء الخمس لمدّعيه، بل براءة ذمّة المعطي عنه تحتاج إلى بيّنةٍ أو دليلٍ يدلّ على صحّة مدّعاه. فتقبّل الفقر لايحتاج إلى بيّنةٍ‌، بينما انّ قبول السيادة يحتاج إليها. و هذه هي المشكلة الّتي عقدنا هذا المبحث للتحقيق حولها.

إذ لنا أن نتساءل: ما هو الفرق بين الادّعائين حتّى يُحتاج في أحدهما إلى دليلٍ و لايُحتاج في الآخر إليه‌؟ إذ المقام يقتضي التسوية بينهما في الظروف و الشرائط.

و من اللافت للنظر انّ الأدلّة الّتي أقامها صاحب الجواهر في باب الفقر أكثرها جارٍ في باب السيادة أيضاً على تقدير تماميّته، فعلينا أوّلاً أن نبحث عن هذه الأدلّة الأحدعشر و مدى دلالتها على المراد منها، ثمّ نرى هل تجري تلك الأدلّة في باب السيادة أيضاً؟ أم لا؟.

المسألة الأولى في الأدلّة الّتي أقيمت في باب الفقر
اشارة

هذه الأدلّة كلّها ممّا ذكره صاحب الجواهر رحمه الله(1). و تفصيلها:

الدليل الأوّل:
اشارة

و هذا الدليل يتشكّل من حديثين أدّعيت تماميّة دلالتهما على المطلوب؛ و هما:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن أبي عبداللّه عن الحسن بن محبوب عن مالك بن عطيّة عن عامر بن جذاعة قال: جاء رجلٌ إلى أبي عبداللّه عليه السلام فقال له: يا أباعبداللّه! قرضٌ إلى ميسرةٍ‌، فقال له أبوعبداللّه عليه السلام: إلى غلّةٍ تُدرك‌؟ فقال الرجل: لا واللّه، قال: فإلى تجارةٍ تئوب‌؟ قال: لا و اللّه، قال: فإلى عقدةٍ تباع‌؟ فقال: لا و اللّه، فقال أبوعبداللّه عليه السلام: فأنت ممّن جعل اللّه له في أموالنا حقّاً. ثمّ دعا بكيسٍ فيه دراهم فأدخل يده فيه فناوله منه قبضةً‌»(2).

السند صحيحٌ‌، و لايبعد الحاقه بعوالي الأسناد. و كيفيّة الاستدلال بها أن يقال: إنّ مولانا الصادق عليه السلام لم يطلب منه دليلاً على فقره، بل أمضى قوله و جعله من المحروم الّذي نزل فيه: «وَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَ الَْمحْرُومِ‌»(3).

و يرد عليه: إنّ الرواية لاترتبط بالمقام، و هو مقام أحكام الصدقة الواجبة؛ بل ترتبط بالصدقة المندوبة، و فيهالايشترط احراز صدق مدّعي الفقر في ما ادّعاه؛ بل لوأعطاه شيئاً و لم يكن مستحقّاً له في الواقع يُثاب عليه. أمّاالصدقة الواجبة - أي: الزكاة - فلهاموضوعٌ‌، و


1) . راجع: «جواهر الكلام» ج 15 ص 323.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 45 الحديث 11486، «الكافي» ج 3 ص 501 الحديث 14.

3) . كريمة 19 الذاريات.

هو الفقير الّذي يصدق عليه هذا العنوان حقيقةً‌، فلايمكن حمل أحد البابين على الآخر و التشريك بينهما في الحكم.

الرواية الثانية

«و عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد عن أبيه عمّن حدّثه عن عبدالرحمن العزرميّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: جاء رجلٌ إلى الحسن و الحسين عليهما السلام و هما جالسان على الصفا، فسألهما؛ فقالا: إنّ الصدقة لاتحلّ إلّافي دَينٍ موجعٍ أو غرمٍ مفظعٍ أو فقرٍ مدقعٍ‌، ففيك شيءٌ من هذا؟ قال: نعم! فأعطياه - الحديث -»(1).

السند مرسلٌ‌، فلايمكن الركون إليه، نعم! يمكن جعل الرواية مؤيّدةً لغيرها من الأدلّة.

و كيفيّة الاستدلال بها نفس ما مضت الإشارة إليه في التعليق على الرواية السابقة عليها(2).

و يرد عليه: إنّ الظاهر من الرواية انّه تبيّن حكم السؤال بالكفّ‌، و انّه لايجوز إلّافي «دينٍ موجّعٍ أو عزمٍ مفظّعٍ أو فقرٍ مدقّعٍ‌». فلاترتبط بالمقام.

دليلا الثّاني و الثالث:

إنّ أصالة الصحّة في المقام تحكم بوجوب تقبّل قوله من غير أن يُحتاج فيه إلى دليلٍ‌، و لافرق في جريان أصالة الصحّة بين القول و الفعل، فهي تجري في قول الغير كما تجري في فعله(3).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 211 الحديث 11861، «الكافي» ج 4 ص 47 الحديث 7؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 43 ص 320.

2) . و انظر: «جواهر الكلام» ج 15 ص 323.

3) . راجع: نفس المصدر و المجلّد ص 320.

و يرد على هذا الدليل أمران:

الأمر الأوّل إنّ أصالة الصحّة لاتجري إلّافي الفعل، إذ لم نعهد من الفقهاء جريانها في القول؛

الأمر الثاني إنّ أصالة الصحّة تحكم بحمل فعل الغير على الصحّة، أمّا ترتّب الأثر الشرعي عليها فممّا لايجوز. و قد دلّ عليه ما أرشد إليه مولانا الصادق عليه السلام ابنه إسماعيل حيث علّل فعله من اعطاء المال إلى شارب الخمر بجريان أصالة الصحّة في فعله.

فنهاه عليه السلام عن ذلك معلّلاً بأنّ هذا الأصل لايترتّب عليه أثرٌ شرعيٌّ‌(1).

فيجب احراز فقره من دليلٍ آخر غير التمسّك بهذا الأصل.

ثمّ زاد صاحب الجواهر رحمه الله في هذا الدليل فقال: بل أصالة العدالة تدلّ على وجوب تقبّل قوله(2).

و يرد عليه: إنّ هذا الأصل ليس بشيءٍ جملةً و تفصيلاً، و لم يتمسّك به أحدٌ من الفقهاء و لو في مسألةٍ واحدةٍ‌، لا صاحب الجواهر و لا غيره(3). نعم! ذكر الاصلَ العلّامة الحلّي في بعض كتبه(4)، و لكنّه أعرض عنه في غيره من آثاره؛ كما أعرض عنه جميع من تقدّم عليه أو تأخّر منه.

و كيف كان فلايجوز التعويل عليه.


1) . انظر: «الكافي» ج 5 ص 299 الحديث 1. و تفصيل الكلام في كيفيّة الاستشهاد بالحديث موكولٌ إلى المطوّلات من مسفورات الأصوليّين.

2) . لم أعثر عليه؛ و انظر: «جواهر الكلام» ج 16 ص 105.

3) . و عن الشَّيخ الأعظم رحمه الله في نفس المسألة: «و لأصالة الصحّة في دعوى المسلم، بل أصالة العدالة فيه»؛ راجع: «كتاب الزكاة» - له - ص 276. و عن الفقيه السيّد الحكيم رحمه الله: «و استدلّ له... بأصالة الصحّة في دعوى المسلم، أو أصالة العدالة فيه»؛ راجع: «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 229.

4) . لم أعثر عليه.

الدليل الرابع:

طلب البيّنة من الفقير يؤدّي إلى وهنه و الاستخفاف به، و هذا ممّا لايجوز في حقّ المؤمنين؛ فقد ورد في حديثٍ قدسيٍّ شريف: «من أهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة»(1). و هذا هو المراد من قول صاحب الجواهر رحمه الله حيث قال: «في مطالبته بالبيّنة إذلالٌ‌، و لاتجز»(2).

و يرد على هذا الدليل أيضاً أمران:

الأمر الأوّل: عدم صدق الإذلال على طلب البيّنة. و تشهد له سيرة العقلاء فيما يجرى بينهم كلّ يومٍ من مطالبة البيّنة على الأقوال و الدعاوي، و لم يُعهد منهم حملها على الإذلال و الاستخفاف؛

الأمر الثاني: لوسلّم صدق الإذلال عليه فلانسلّم حرمته في المقام، إذ الإذلال مترتّبٌ على الفقر - إذ لاخلاف في كون الفقر ذلّةً -، لا على مطالبة الدليل عليه.

الدليل الخامس:

ادّعاء الفقر ادعاءٌ لامعارض له، فيجب أن يُتقبّل(3).

و يرد عليه: كون هذا الدليل نفس المدّعى. و لم يقل أحدٌ من الفقهاء بوجوب قبول ادّعاءٍ‌


1) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 144 الحديث 6، «وسائل الشيعة» ج 12 ص 268 الحديث 16276؛ و انظر: «مستدرك الوسائل» ج 9 ص 103 الحديث 10350.

2) . لم أعثر عليه؛ و عن الشيخ الأعظم رحمه الله: «و لأنّ مطالبته بالبيّنة أو اليمين إذلالٌ للمؤمن منهيٌّ عنه»؛ راجع: «كتاب الزكاة» - له - ص 276؛ و انظر: «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 229.

3) . قال صاحب الجواهر رحمه الله: «و من هنا استدلّ عليه بعضهم بما حاصله: انّ الأصل قبول كلّ دعوى للمسلم مع عدم المعارض له فيها... و قد يناقش في هذا الدليل...»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 15 ص 321. و عن الشَّيخ الأعظم رحمه الله: «و لأنّه ادّعى استحقاق شيءٍ لاينكره عليه غيره»؛ راجع: «كتاب الزكاة» - له - ص 276.

لايعارضه ادعاءٌ آخر، لا في باب القضاء و لا في غيره من الأبواب الفقهيّة، فالصفح عن هذا الدليل أولى من الإشارة إليه.

الدليل السادس:

العلم متعذّرٌ في المقام، بل لايحصل إلّامن قبله، فيجب أن يقبل قوله كما يقبل قول المرأة بأنّها خليّةٌ‌، أو بنقائها(1).

و يرد عليه: إنّ حصول العلم ليس متعذّراً بالنسبة إلى فقره، لأنّه يمكن تحصيله بشهادة أسرته أو اشتهار فقره في البيئة. فليس تحصيل العلم بفقر المدّعي كتحصيل العلم بنقاء المرأة، بل بينهما بونٌ بعيدٌ.

الدليل السابع:

الحرج منفيٌّ في الشريعة الغرّاء، و في طلب البيّنة حرجٌ لمدّعي الفقر؛ فلايجب أن تُطلب منه، بل لايجوز أن تُطلب(2).

و يرد عليه:

أوّلاً: انّه لانسلّم ثبوت الحرج في طلب البيّنة، و تشهد له سيرة المتشرّعين حيث كانوا يطلبون البيّنة في كثيرٍ من الدعاوي؛

و ثانياً إنّ قاعدة الحرج أجنبيٌّ عن المقام، لأنّ تلك القاعدة تجري في عمل المكلّف


1) . قال الشَّيخ الأعظم رحمه الله: «و لتعذّر إقامة البيّنة عليه، فيشمله ما يستفاد منه سماع دعوى يتعذّر اقامة البيّنة عليها»؛ راجع: «كتاب الزكاة» - له - ص 276.

2) . قال الشَّيخ الأعظم قدس سره: «و للزوم الحرج لوكلّف الفقير الإثبات»؛ راجع: «كتاب الزكاة» - له - ص 227.

بالنسبة إلى نفسه، أمّا وجوب ترتّب الغير أثراً شرعيّاً عليها فلم يثبت، بل الثابت خلافه(1).

دليلا الثامن و التاسع:

التمسّك بإجماع الأصحاب على عدم وجوب طلب البيّنة منه؛ و جريان سيرة العقلاء عليه(2). و هذا الإجماع حجّةٌ‌، كما انّ هذه السيرة حجّة، فلايجب أن تُطلب.

و سنشير إلى ما في هذين الدليلين في التعليق على الدليل الآتي.

الدليل العاشر:

انّه لافرق في خبر الثقة بين أن يكون راجعاً إلى نفسه، و بين أن يكون راجعاً إلى غيره.

فكما انّه يُقبل خبر الثقة فيما يرتبط بغيره من الناس فكذلك يقبل فيما كان مرتبطاً بنفسه.

و يرد عليه:

أوّلاً: انّ المتيقّن من ذلك قبول خبر الثقة، و ليس كلّ مدّعي الفقر بثقةٍ‌، و هذا واضحٌ‌؛

و ثانياً: المشهور على عدم حجّيّة خبر الثقة في الموضوعات، و صاحب الجواهر رحمه الله تابعهم في ذلك. نعم! على ما اخترناه - بل أسّسناه - من قبول خبره في الموضوعات أيضاً فلهذا الدليل و كذلك للدليلين السابقين عليه وجهٌ‌؛ فيمكن الركون إلى هذه الثلاثة على المبنى المختار، لا على مختار القوم.

و تفصيل الكلام في ذلك موكولٌ إلى محلّه من علم الأصول.


1) . و تحقيق الكلام فيه خارجٌ عن وضع هذه الرسالة، بل و عن موضوعها.

2) . قال الشَّيخ الأعظم قدس سره: «و لاستمرار السيرة على ذلك»؛ راجع: «كتاب الزكاة» - له - ص 277.

الدليل الحادي عشر:

و هو التمسّك بالاستصحاب العدم الأزلي؛ إذ عند الشكّ في فقر الرجل يقال: كان فقيراً غير ثريٍّ في الأزل، و الآن كما كان، فهو فقيرٌ.

و يرد عليه: عدم حجّيّة هذا القسم من الاستصحاب، بل ليس له واقعٌ عرفيٌّ - كما كان سيّدنا الأستاذ الفقيه البروجرديّ قدس سره يذهب إليه -؛ أو ليست القضيّة المتيقّنة فيه نفس القضيّة المشكوكة، إذ لم توجد فيه القضيّة المتيقّنة أصلاً - كما أنّ سيّدنا الأستاذ الإمام الخمينيّ و سيّدنا الأستاذ المحقّق الداماد 0 كانا يذهبا إليه(1)

و كذلك ما طبع من تقريرات أو آثار السيّد الإمام الخمينيّ رحمه الله الأصوليّة ك‍ «تهذيب الأصول» و «أنوار الهداية» و «مناهج الوصول» لايشملها؛ أمّا المسألة فلم أجدها في ما كتبه بقلمه الشريف المسمّى ب‍ «الرسائل».

و هي أيضاً غير مذكورةٍ في «المحاضرات مباحث في أصول الفقه»، و هو التقرير الوحيد الّذي طبع من دراسات العلّامة البارع السيّد المحقّق الداماد رحمه الله.

-. و تفصيل الكلام فيه خارجٌ عن موضوع هذه الرسالة. و كيف كان فلايمكن الاعتماد على هذا الدليل أيضاً.

فتحصّل ممّا قلنا جميعاً انّ دلالة الأدلّة السابعة و الثامنة و التاسعة على المطلوب تامّةٌ لايمكن النقاش فيها، بينما انّ غيرها من الأدلّة لايمكن الركون إليه.

و عليه فيقبل قول الثقة المدّعي الفقر و البؤس، و لايُحتاج إلى طلب البيّنة منه، بل لايجوز ذلك.


1) . كنت أودّ أن أسند هذه الأقوال إلى أصحابها، و لكن ما ظفرت بمطلوبي. و ذلك لأنّ ما طبع من تقريرات آية اللّه العظمى البروجرديّ رحمه الله - ك‍ «نهاية الأصول» و «الحجّة في الفقه» و «تقريراتٌ في أصول الفقه» - لايشمل مبحث الاستصحاب؛ و المسألة غير مذكورةٍ في «الحاشية على الكفاية» أيضاً.

المسألة الثانية في الأدلّة الّتي أقيمت في باب السيادة
اشارة

أشرنا في صدر المبحث إلى أنّ المشهور ذهبوا إلى كفاية ادّعاء الفقر في باب الزكاة، فلايجب تثبّت قول مدّعي الفقر، هذا من ناحيةٍ‌؛ و من ناحيةٍ أخرى ذهبوا إلى عدم كفاية ادّعاء السيادة في باب الزكاة، فيجب تثبّت قول مدّعي السيادة. فلايجب طلب البيّنة عن الفقير بينما انّه يجب أن تطلب عن السيّد.

و قلنا انّ هذا المبحث عقدناه للتحقيق حول هذه المشكلة، إذ الظاهر تسوية أحكام بابي الخمس و الزكوة إلّاما أخرجة الدليل؛ فكلّ ما يجري في واحدٍ منهما يجري في الآخر أيضاً إلّاإذا دلّ دليلٌ على خلافه.

ثمّ بحثنا في المسألة الأولى عن الأدلّة الّتي أقامها صاحب الجواهر رحمه الله انتصاراً لمبنى المشهور في باب الزكاة. و المسألة الثانية متكفّلةٌ بتحقيق دليلين أقامهما في باب الخمس(1)و هما:

الدليل الأوّل:

ادّعاء السيادة ادّعاءٌ موضوعيٌّ‌، و لايُقبل ادّعاءٌ في الموضوعات إلّاببيّنةٍ‌؛ فلايُقبل قول مدّعي السيادة إلّاإذا أيّدته بيّنةٌ‌، كشهادة عدلين بثبوتها له.

الدليل الثاني:
اشارة

جريان استصحاب العدم الأزليّ في المقام، إذ عند الشكّ في ثبوت السيادة لأحدٍ يُقال: لم يكن منتسباً إلى النبيّ صلى الله عليه و آله في الأزل، و استصحاب عدم انتسابه إليه فيه يقضي بعدم


1) . راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 113.

انتسابه إليه الآن.

و قد تكلّمنا في التعليق على الأدلّة الّتي بحثنا عنها في المسألة الأولى عمّا يرجع إلى هذين الدليلين؛ و الآن نقول مراعياً للاختصار:

أمّا عدم قبول الأخبار في الموضوعات فهذا قولٌ لاواقع له، إذ العقلاء لايفرّقون بين خبر الثقة في الأحكام و بينه في الموضوعات؛ كما انّه لايفرّقون بين خبر الثقة في موضوعٍ يرجع إلى نفسه، و بينه في ما يرجع إلى غيره. فلوقال: جئت ساعة الثامنة صباحاً، أو قال:

جاء زيدٌ ساعة الثامنة صباحاً، يقبلون منه و لايفرّقون بين الخبرين. نعم! لامناص من كون المخبر متّصفاً بالوثوق، فلو لم يكن ثقةً لم يُقبل قوله، لا في الأحكام و لا في الموضوعات.

هذا بالنسبة إلى الدليل الأوّل.

أمّا بالنسبة إلى الدليل الثاني: فلامجال لجريان استصحاب العدم الأزليّ‌، لأنّه إذا فرض أنّ مدّعي السيادة ثقةٌ في قوله فقوله هذا بيّنةٌ في المقام، و لايجري الاستصحاب مع قيام البيّنة على الحكم. و لوفرض انّ مدعي السيادة لم يكن ثقةً في قوله فليس جريان هذا الاستصحاب وجيهاً أيضاً، لأنّا قد أشرنا إلى أنّ هذا القسم من الاستصحاب ليس حجّةً جملةً و تفصيلاً؛ لأنّ العرف لايقرّر عليه، بل هو حصيلة أفكار الأصوليّين؛ و تفصيل الكلام في ذلك يُطلب من دراساتنا الأصوليّة.

تنبيهٌ‌

و من الغريب ما وقع هيهنا لصاحبَي الجواهر(1)و العروة 0(2)من القول بامكان إبداع حيلةٍ في المقام لئلّايردّ مدّعي السيادة محروماً عن الخمس؛ و هي:


1) . لم أعثر عليه.

2) . قال قدس سره: «نعم! يمكن الاحتيال في الدفع إلى مجهول الحال بعد معرفة عدالته بالتوكيل على الإيصال إلى مستحقّه على وجهٍ يندرج فيه الأخذ لنفسه أيضاً»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 2 المسألة 4، ج 2 ص 404.

يجوز أن يوكَّل المدّعي في إيصال الخمس إلى السادات، فلوعدّ نفسه منهم - و لم تكن له بيّنةٌ عليها - ليجوز له أخذ حصّةٍ منه لنفسه؛ و بهذا التوكيل تسقط وظيفة طلب البيّنة من عاتق المعطي، و لم يكن المدّعي أيضاً محروماً عنه. فيجمع بين المطلوبين: طلب البيّنة، و: عدم حرمانه منه.

و هذا القول في غاية الغرابة، بل لاينقضى منه العجب!، إذ لايجري التوكيل إلّافي الموضوعات. فمعنى جواز توكيله في إيصال الخمس إلى أهله انّ قوله مقبولٌ و هو ثقةٌ‌؛ فإذا كان نفسه ثقةً و قوله مقبولةً فلِمَ لمْيُقبل قوله في ادّعاء السيادة‌؟ و لِمَيُطالب بالبيّنة‌؟.

و قد أشار صاحب الجواهر رحمه الله إلى ضعف هذا القول بقوله: «و هو ضعيفٌ‌»(1)بينما انّ صاحب العروة رحمه الله لم يشر إلى ضعفه، و هذا أمرٌ عجيبٌ آخر صدر منه.

فتحصّل ممّا قلنا جميعاً انّه لافرق بين مقام ادّعاء الفقر، و مقام ادّعاء السيادة؛ فيقبل قول مدّعي السيادة كما يقبل قول مدّعي الفقر. و الحمد للّه ربّ العالمين.



1) . قد أشرت إلى أنّ المطلب لم أعثر عليه في الجواهر.

المبحث الخامس هل يجوز صرف الخمس في واجبي النفقة

اشارة

هذا المبحث عقدناه للتحقيق حول شرطٍ آخر من شروط مَن يستحقّ الخمس؛ و هو:

أن لايكون من واجبي نفقة المعطي، فلايجوز للمعطي أن يعطي خمسه لمن يُعدُّ من عياله.

و تفصيل الكلام في هذا المبحث في مسائل.

المسألة الأولى في النفقة الواجبة
اشارة

و المبحوث عنه في هذه المسألة جواز صرف الخمس في النفقة الواجبة، و عدم جوازه.

و فيها نكاتٌ‌:

النكتة الأولى

المراد من العيال في هذا المبحث الطوائف الأربع:

الزوجة الدائمة؛ الأولاد؛ الأب و الأمّ‌. فلايجوز صرف الخمس في نفقة هذه الطوائف الأربع.

النكتة الثانية

الحكم بعدم جواز صرفه فيهم إجماعيٌّ‌، و لامخالف فيه بين المتقدّمين و المتأخّرين.

النكتة الثالثة
اشارة

و تدلّ على هذا الحكم أدلّةٌ أربعة:

الدليل الأوّل:

عدم إطلاق الفقير على الطوائف الأربع، لأنّه يجب على الرجل أن يدبّر أمر أسرته و

ينفق عليهم، فلايكونوا فقراء. إذ شأنهم في الفقر و عدم الفقر شأن المنفِق عليهم؛ فلوكان المنفق فقيراً فلامعنى لتعلّق الخمس به، و إن كان ثريّاً فيجب عليه أن ينفق عليهم، فلايكونوا فقراء.

الدليل الثاني:

انّ القول بجواز اعطاء الخمس لهم يؤدّي إلى اللغو في الجعل و التشريع، إذ إذن يجوز لكلّ أحدٍ أن يعطي خمسه لزوجته أو لولده، فيؤدّي الأمر إلى حرمان المستحقّين من آل محمّدٍ صلى الله عليه و آله عن الخمس كما يؤدّي إلى حرمان غيرهم من مستحقّي الزكاة عنها؛ و ما هذا إلّاكون جعل الخمس و الزكاة من قبل الشارع لغواً.

الدليل الثالث:

إباء العرف عن هذا الجواز، إذ العرف يحكم باستحسان إيصال الخمس إلى مستحقّيه، و قبح صرفه في من يجب على المعطي أن ينفق عليهم.

الدليل الرابع:
اشارة

روايات الباب، و هي العمدة في المقام. و الظاهر انّه لم ترد روايةٌ في خصوص المسألة في باب الخمس، و لكن يدلّ عليها في هذا الباب ما ورد في باب الزكاة؛ إمّا بالغاء الخصوصيّة عنه، و إمّا بالتمسّك بعموم العلّة المذكورة فيه؛ و الثاني أولى.

و هذه الروايات كثيرةٌ‌: منها:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن صفوان بن يحيى عن عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: خمسةٌ لايعطون من الزكاة شيئاً: الأب و الأمّ و الولد و المملوك و المرأة، و ذلك انّهم عياله لازمون له»(1).

السند صحيحٌ‌، و لاكلام فيه. و دلالة الحديث على المقصود تامّةٌ‌، حيث نصّ الإمام عليه السلام على الطوائف الأربع بأنّهم ليسوا من مصارف الزكاة. ثمّ علّله عليه السلام بقوله: «و ذلك انّهم عياله لازمون له»؛ و الظاهر انّ هذا التعليل يشير إلى ما ذكرناه في الدليل الأوّل؛ فراجعه!.

و هذا التعليل بعمومه يجري في باب الخمس أيضاً من دون أدنى تفاوتٍ‌، و ذلك ظاهرٌ.

و ذكر الإمام عليه السلام المملوك في الأصناف، و لامملوك اليوم - و الحمد للّه تعالى على ذلك -، فلاداعي لذكره في الأصناف و عدّها خمسةً‌.

الرواية الثانية

«و عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن عليّ بن الحكم عن عبدالملك بن عتبة عن إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن موسى عليه السلام في حديثٍ قال: قلت: فمن الّذي يلزمني من ذوي قرابتي حتّى لاأحتسب الزكاة عليهم‌؟ قال: أبوك و أمّك، قلت: أبي و أمّي‌؟ قال: الوالدان و الولد»(2).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 240 الحديث 11928، «الكافي» ج 3 ص 552 الحديث 5؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 56 الحديث 7، «الإستبصار» ج 2 ص 33 الحديث 2.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 241 الحديث 11929، «الكافي» ج 3 ص 551 الحديث 1؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 56 الحديث 6، «الإستبصار» ج 2 ص 33 الحديث 1.

السند لابأس به، و لاأقلّ من كونه موثّقاً، لمكان إسحاق بن عمّار و ما رموه به من كونه فطحيّاً(1).

و دلالتها أيضاً واضحةٌ‌، حيث كان من المرتكز عند السائل انّ من يلزم الإنسان من قرابته لايُعطى من الزكاة شيئاً، فسأله عليه السلام عن حدّه؛ و الإمام عليه السلام قرّر أوّلاً على مرتكزه ثمّ بيّن له حدّه. و من الواضح انّ الزوجة أشدّ قرباً إلى الرجل من الوالدين و الولد، لأنّ نفقتها واجبةٌ على الرجل في جميع الأحيان؛ فعدم ذكرها في عدادهم يرجع إلى هذا الوضوح.

الرواية الثالثة

«و عن أحمد بن إدريس و غيره عن محمّد بن أحمد عن محمّد بن عبدالحميد عن أبي جميلة عن زيدٍ الشحّام عن أبي عبداللّه عليه السلام قال في الزكاة: يُعطى منها الأخ و الأخت و العمّ و العمّة و الخال و الخالة و لايُعطى الجدّ و لا الجدّة»(2).

السند لابأس به. و أبوجميلة و إن ضعّفه بعضهم، و لكن هذا الضعف يرجع إلى رميه


1) . قال الشَّيخ رحمه الله: «إسحاق بن عمّار الساباطيّ‌، له أصلٌ و كان فطحيّاً، إلّاانّه ثقةٌ و أصله معتمدٌ عليه»؛ راجع: «الفهرست» ص 39 الرقم 52؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 3 ص 52 الرقم 1157-1160.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 241 الحديث 11930، «الكافي» ج 3 ص 552 الحديث 6؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 56 الحديث 8.

بالغلوّ، و لاواقع له(1). و لذلك قد وثّقه النجاشيّ‌(2)، فلايبعد إلحاق الرواية بالصحاح.

و ذكر الجدّ و الجدّة لكونهما من عيال الرجل في بعض الأحيان، فلايمكن أن يعطيا من الزكاة شيئاً. فإذاً تدلّ بمفهوم الموافقة على عدم جواز اعطائها لمن هو أقرب منهما إلى الرجل، و هم الطوائف الأربع المذكورة في صدر المبحث.

الرواية الرابعة

«محمّد بن عليّ بن الحسين في العلل عن محمّد بن عليٍّ ماجيلويه عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن أحمد عن إبراهيم بن هاشم عن أبي طالبٍ عبداللّه بن الصلت عن عدّةٍ من أصحابنا يرفعونه إلى أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال: خمسةٌ لايعطون الزكاة: الولد و الوالدان و المرأة و المملوك لأنّه يُجبر على النفقة عليهم»(3).


1) . هو أبوجميلة و أبوعلي المفضّل بن صالح الأسدي النخّاس؛ ضعّفه القوم و لم أعثر على من رماه بالغلوّ. نعم! هذا مبنى المحقّق الوحيد البهبهاني رحمه الله فيه حيث رام توثيقه، و لكن لم يتبيّن لي مبنى رأيه الشريف حيث روى بعضهم عنه انّه كان يقرّ بوضع بعض الأحاديث؛ راجع: «رجال الشيخ» ص 307 الرقم 4541، «معجم رجال الحديث» ج 21 ص 96 الرقم 14048، «نقد الرجال» ج 4 ص 406 الرقم 5396، «مجمع الرجال» ج 6 ص 122، «خلاصة الأقوال» ص 407 الرقم 1648، «جامع الرواة» ج 2 ص 256 القائمة 1، «تنقيح المقال» ج 3 ص 237 الرقم 12080.

2) . هذا؛ و لم أعثر عليه حيث لم يخصّص به النجاشيّ رحمه الله ترجمةً مستقلّةً‌. نعم! ذكره في ترجمة جابر بن يزيد و ضعّفه، قال: «روى عنه جماعةٌ غمز فيهم و ضُعّفوا، منهم... و مفضّل بن صالح»؛ راجع: «رجال النجاشيّ‌» ص 128 الرقم 332.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 241 الحديث 11931، «علل الشرائع» ج 2 ص 371 الحديث 1؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 93 ص 63.

السند لابأس به؛ و لايضرّه الإرسال الواقع فيه، لأنّ المرسل عدّةٌ من الأصحاب، و الظاهر جواز الاعتماد على مراسيلهم.

و كيفيّة الاستدلال بها نفس ما مرّ في التعليق على الرواية الثانية، و لانعيده حذراً عن التكرار؛ فراجعه.

فتحصّل ممّا قلنا انّه لايجوز صرف الخمس في النفقة الواجبة.

المسألة الثانية في النفقة غير الواجبة
اشارة

تكلّمنا في المسألة الأولى عن مسائل هذا المبحث عن جواز صرف الخمس في النفقة الواجبة و عدم جوازه، و قد أدّى بنا البحث إلى عدم الجواز.

و المبحوث عنه في مسألتنا هذه جواز صرف الخمس في النفقة غير الواجبة و عدم جوازه؛ فهل يجوز لمن عليه خمسٌ أن ينفقه في نفقة عياله غير الواجبة عليه بأن يتّسع في نفقتهم بصرفه فيها؟.

في هذه المسألة أيضاً نكاتٌ‌:

النكتة الأولى
اشارة

للمسألة صور ثلاث:

الصورة الأولى:

صرف الخمس مباشرةً في التوسعة على من يعول عليه، بأن ينفق عليهم من ماله قدر نفقتهم الواجبة عليه ثمّ ينفق عليهم من الخمس الواجب عليه لأن يكونوا في سعةٍ‌؛

الصورة الثانية:

صرفه في ضروريّات عياله و أسرته غير الواجبة عليه، كأن يعطي خمسه لابنه ليصرفه في شراء كتبه اللازمة له، إذ ليس على الوالد أن ينفق ماله في شراء

الكتب لولده. و ليس شراء الكتاب من قسم التوسعة على الولد، إذ هي من ضروريّاته.

فلايخفى الفرق بين الصورة الثانية و الصورة الأولى؛

الصورة الثالثة:

صرفه في عيال عياله، كزوجة ابنه، إذ ليس انفاق المال على زوجة الولد واجباً على الوالد.

النكتة الثانية

المشهور على عدم الجواز مطلقاً من غير أن يفرّقوا بين تلك الصور، و الشهيد(1)و المحقّق(2)الثانيين 0 و صاحب العروة رحمه الله(3)على الجواز مطلقاً(4)أيضاً(5).

و استدلّ المشهور برواياتٍ مضت الإشارة إليها في النكتة الثالثة من نكات المسألة


1) . نصّه رحمه الله يشير إلى ذهابه إلى الجواز في الصورة الأولى من الصور الثلاث فقط من غير أن يكون المعطي آثماً فيه، حيث قال في شرح قول المحقّق رحمه الله: «ألّا يكون ممّن تجب نفقته على المالك»: «لأنّ واجب النفقة غنيٌّ مع بذل المنفِق، فلو لم يبذل له قدر الكفاية من النفقة جاز. إلّاالزوجة، فإنّ نفقتها مستقرّةٌ في الذمّة لو لم يدفع؛ نعم! يجوز دفعها إليه في توسعته الزائدة على قدر الواجب بحيث لايخرج إلى حدٍّ يتجاوز عادةً نفقة أمثاله»؛ راجع: «مسالك الأفهام» ج 1 ص 423. و يؤيّده ما ذكره في «شرح اللمعة» ج 2 ص 52؛ فراجعه!.

2) . الظاهر أن لا إطلاق في كلامه أيضاً، بل خصّص الجوار بالعبد ثمّ بالزوجة على ترديدٍ فيها؛ قال رحمه الله في شرح قول العلّامة رحمه الله: «أو واجب النفقة»: «إلّا أن يكون عبده لأنّ يده كيده، و الظاهر انّ زوجته كذلك لأنّها غنيّةٌ به، بخلاف غيرها من واجب النفقة؛ و يحتمل في الزوجة العدم»؛ راجع: «جامع المقاصد» ج 3 ص 30.

3) . الظاهر أن لاإطلاق في كلامه أيضاً، بل المترأى من كلامه ذهابه إلى الجوار في الصورتين الأولى و الثالثة؛ قال رحمه الله في أوصاف المستحقّين للزكاة: «أن لايكون ممّن تجب نفقته على المزكّي... بل و لاللتوسعة على الأحوط و إن كان لايبعد جوازه إذا لم يكن عنده ما يوسّع به عليهم. نعم! يجوز دفعها إليهم إذا كان عندهم من تجب نفقته عليهم لا عليه، كالزوجة للوالد أو الولد و المملوك لهما مثلاً»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الزكاة الفصل 7 المسألة 9 ج 2 ص 319.

4) . و بما تلونا عليك من نصوصهم ظهر أن لا إطلاق في كلامهم أصلاً.

5) . و انظر: «جواهر الكلام» ج 15 ص 400، «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 286.

الأولى.

و الذاهبون إلى الجواز استدلّوا بروايتين تشعر بالجواز، و سنفصّل الكلام حولهما.

النكتة الثالثة

الظاهر وجوب التفصيل بين الصور الثلاث، و لامسير إلى إطلاق المجوّزين و كذلك إلى إطلاق النافين.

و تفصيل الكلام فيه:

أمّا في الصورة الثالثة فالمختار جواز صرفه فيها، لأنّه لافرق بين الأقرباء و غير الأقرباء في جواز اعطاء الصدقات من الزكاة و الخمس إليهم لو حازوا شرائطها، فلوكانت زوجة ولده هاشميّةً مستحقّةً للخمس يجوز له أن يصرفه في نفقتها بأن يعطيه لها.

أمّا في الصورة الأولى، فالمختار عدم جواز صرفه فيها، لأنّهم عياله، و مضى الكلام في المسألة الأولى في عدم جواز صرفه فيهم.

بقي الكلام في الصورة الثانية؛ و هي: أن يصرفه في نفقة ولده غير الواجبة عليه، كأن يعطيه ليشتري كتبه اللازمة له. و الظاهر انّ هذه الصورة هي مثار الخلاف في المسألة.

فعلينا أن نركّز البحث عليها.

النكتة الرابعة
اشارة

قلنا: هناك روايتان تمسّك بهما بعضهم. و من الواجب علينا هيهنا أن نبحث عنهما لنرى مدى دلالتهما على هذه الصورة. و هما:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن أحمد بن إدريس عن محمّد بن عبدالجبّار عن صفوان بن يحيى عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجلٌ له ثمانمائة

درهمٍ و لابن له مأتا درهم، و له عشرٌ من العيال و هو يقوتهم فيها قوتاً شديداً و ليس له حرفةٌ بيده، إنّما يستبضعها فتغيب عنه الأشهر ثمّ يأكل من فضلها؛ أ ترى له إذا حضرت الزكاة أن يخرجها من ماله فيعود بها على عياله يتسّع عليهم بها النفقة‌؟ قال: نعم، و لكن يخرج منها الشيء الدرهم»(1).

السند لابأس به، و لاأقلّ من كونه موثّقاً. و الظاهر انّ دلالتها على الجواز في الصورة الثانية تامّةٌ‌، و تدلّ بطريق الأولويّة على الجواز في الصورة الثالثة أيضاً.

الرواية الثانية

«و عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن أخيه الحسن عن زرعة عن سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون له ألف درهمٍ يعمل بها و قد وجب عليه فيها الزكاة و يكون فضله الّذي يكسب بماله كفاف عياله لطعامهم و كسوتهم و لايسعه لأُدمهم و إنّما هو ما يقوتهم في الطعام و الكسوة؛ قال: فلينظر إلى زكاة ماله ذلك فليخرج منها شيئاً قلّ أو كثر فيعطيه بعض من تحلّ له الزكاة، و ليعد بما بقي من الزكاة على عياله فليشتر بذلك إدامهم و ما يصلحهم من طعامهم في غير إسرافٍ‌، و لايأكل هو منه»(2).

الكلام في السند نفس الّذي مرّ في التعليق على السابق عليه. أمّا الظاهر منها فتماميّة دلالتها على الجواز في جميع الأقسام الثلاثة. و لااشكال في دلالتها عليه في القسم الثاني و


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 3 ص 561 الحديث 11932، «الكافي» ج 3 ص 561 الحديث 8.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 242 الحديث 11933، «الكافي» ج 3 ص 562 الحديث 11.

الثالث، بل الكلام كلّه في دلالتها على الجواز في القسم الأوّل. إذ أشرنا فيما سبق إلى أنّه لايمكن الذهاب إلى الجواز فيه.

و الظاهر وجوب كفّ اليد عمّا يظهر من هذه الرواية، و ذلك لاعراض الأصحاب عنها أوّلاً - كما أشار إليه صاحب الجواهر رحمه الله(1)-، و للزوم اللغو في الجعل و التشريع لوأخذنا بها ثانياً.

فالرواية الثانية ليست بحجّةٍ في المقام.

و المتحصّل من ذلك كلّه جواز صرف الزكاة و الخمس في الصورتين الثانية و الثالثة، و عدم جواز صرفهما في الصورة الأولى.

المسألة الثالثة في استثناء البخيل عن أحكام هذا الباب

لوكان أحدٌ بخيلاً مسّاكاً فأبى عن إعطاء النفقة الواجبة عليه لزوجته و عياله، فهل يجوز له أن يعطيهم زكاة ماله أو خمسه لوكانوا هاشميّين‌؟.

هذا البحث يدور حول قاعدة الترتّب. و المختار فيها الجواز(2)، تبعاً لكاشف الغطاء(3)و خلافاً للآخوند صاحب الكفاية 0(4). و عليه فيجوز له أن ينفق عليهم ممّا وجب عليه من الخمس أو الزكاة.

فإذن و إن يكون عاصياً من ناحية عدم القيام بما وجب عليه من أداء النفقة، و لكن


1) . لم أعثر عليه. نعم! قال رحمه الله بعد أن ذكر روايتين شبيهتين في الحكم بما نحن فيه: «و هما مع ضعف سندهما و قلّة عددهما و متروكيّتهما...»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 397.

2) . كما عن بعضهم؛ راجع: «مقالات الأصول» ج 2 ص 294.

3) . حيث يظهر من بعض كلماته ذهابه إلى صحّة القاعدة؛ راجع: «كشف الغطاء» ج 1 ص 26.

4) . راجع: «كفاية الأصول» ص 134.

برئت ذمّته ممّا كان عليها من الصدقة الواجبة. كمن صلّى في دارٍ مغصوبةٍ‌، فانّ صلاته صحيحةٌ و قد برئت ذمّته منها و إن كان عاصياً مستحقّاً للعقاب لتصرّفه في الغصب.

و لايسع هذا المختصر التفصيل حول القاعدة؛ و تفصيل الكلام فيها يُطلب من مسفورات الأصوليّين(1).



1) . و لتفصيل الكلام فيها بما لامزيد عليه راجع: «تحريراتٌ في الأصول» ج 3 ص 512.

المبحث السادس جواز التصرّف في المال بعد عزل الخمس منه و عدم الضمان لوتلف

اشارة

هيهنا مسألتان نبحث عنهما في هذا المبحث؛ و هما:

المسألة الأولى هل يجوز التصرّف في المال بعد عزل الخمس منه‌؟
اشارة

بمعنى أنّه لوتعلّق الخمس بماله فعزله عنه من غير أن يؤدّه إلى مالكه فهل يجوز له التصرّف في الباقي الّذي يُعدّ ملكه‌؟ أم لايجوز التصرّف إلّابعد ايصاله إلى مستحقّيه‌؟.

في المسألة نكاتٌ‌:

النكتة الأولى

ذهب الفقيه اليزديّ رحمه الله في العروة إلى أنّ التصرّف في المال لايجوز إلّابعد إيصال الخمس إلى مالكه(1)و بعبارةٍ أخرى: العزل لايكفي في تطهير ماله، بل لايمكن له أن يتصرّف فيه إلّابعد أن أوصله إلى مالكه. هذا في باب الخمس.

أمّا في باب الزكاة فذهب قدس سره إلى كفاية العزل في جواز التصرّف في الباقي(2). و تبعه في هذا القول المحقّقان الحكيم(3)و الخوئيّ 0(4).


1) . قال رحمه الله: «و لايجوز له التصرّف في العين قبل أداء الخمس و إن ضمنه في ذمّته»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 75، ج 2 ص 399.

2) . قال قدس سره: «يجوز للمالك عزل الزكاة و إفرازها من العين أو من مالٍ آخر... و فائدته صيرورة المعزول ملكاً للمستحقّين قهراً حتّى لايشاركهم المالك...»؛ راجع: نفس المصدر كتاب الزكاة الفصل 4 المسألة 34، ج 2 ص 301.

3) . راجع: «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 192.

4) . الموجود عندي المجلّد الأوّل من مستند العروة الوثقى في شرح كتاب الزكاة، و هذه المسألة لم توجد في هذا المجلّد، أمّا المجلّد الثاني منه فلم أظفر به و أظنّه لم يُطبع بعدُ. نعم! حواشي الفقيه الخوئي رحمه الله على متن العروة تشير إلى انّه وافق الفقيه اليزديّ في الحكم.

و المختار كفاية العزل للتصرّف في حصّته خلافاً لهم.

النكتة الثانية

مرّت الإشارة مراراً إلى أنّ كثيراً من فروعات باب الخمس قد ورد في باب الزكاة، و بتنقيح المناط أو الأخذ بعموم العلّة يُستفاد الحكم منه. هذا هو المتسالم عليه كما مشى عليه صاحب العروة في كثيرٍ من المسائل.

أمّا في مسألتنا هذه فقد خالف السيّد رحمه الله ممشاه، و حكم بالفرق بين الحكمين في البابين، و علّله المحقّقان الخوئيّ‌(1)و الحكيم 0(2)بأنّ مقتضى القاعدة في الباب عدم كفاية العزل.

النكتة الثالثة

مسلك السيّد هيهنا غريبٌ جدّاً، و أغرب منه قول الفقيهين المحقّقين الخوئيّ و الحكيم؛ إذ لاخلاف في ثبوت الولاية للمعطي على الخمس، و هذه الولاية تحكم بصحّة تبديله من مالٍ إلى مالٍ آخر، أو إلى النقود؛ كما له أن ينفقه قبل أن تمرّ عليه سنةٌ‌؛ و الولاية هذه أيضاً تحكم بكفاية عزله و جواز التصرّف في الباقي عندئذٍ.

أضف إلى ذلك انّ مقتضى التسوية بين أحكام البابين كفاية العزل في باب الخمس، كما حكم السيّد بكفايته في باب الزكاة.

أمّا قولهما ب‍: «أنّ مقتضى القاعدة في الباب عدم كفاية العزل»، فلم أتحقّق المراد منه، إذ القاعدة تقتضي كفاية العزل عند عدم العلم بها أو عند الشكّ فيها.

النكتة الرابعة
اشارة

و المهمّ هيهنا هي رواياتٌ تدلّ على جواز العزل في أبواب الصدقات و الكفّارات و


1) . راجع: «مستند العروة الوثقى» ص 284.

2) . قال رحمه الله: «و لعلّ ذلك مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن النصوص...»؛ راجع: «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 557.

كفايته في باب الزكوات، و نأتي بجملةٍ منها لتظهر مدى دلالتها على المختار.

الرواية الأولى

«و عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن الحسن بن عليٍّ عن يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: زكاتي تحلّ عليَّ في شهرٍ، أيصلح لي أن أحبس منها شيئاً مخافة أن يجيئني من يسألني‌؟ فقال: إذا حال الحول فاخرجها من مالك لاتخلطها بشيءٍ ثمّ اعطها كيف شئت؛ قال: قلت:

فإن أنا كتبتها و أثبتّها يستقيم لي‌؟ قال: لايضرّك»(1).

السند صحيحٌ‌، بل هو من الأسناد العالية. و دلالة قوله عليه السلام: «نعم لايضرّك» حينما سُئل: «فإن أنا كتبتها و أثبتّها يستقيم لي‌؟» على المراد تامّةٌ‌. حيث إنّ الكتابة بمعنى تعهّد إخراجه من المال و إيصاله إلى صاحبه تُعدُّ من أعلى أفراد العزل.

الرواية الثانية

«و عن عليّ بن محمّد عمّن حدّثه عن معلّي بن عبيد عن عليّ بن أبي حمزة عن أبيه عن أبي جعفرٍ عليه السلام قال: سألته عن الزكاة تجب عليَّ في موضعٍ لاتمكنني أن اؤدّيها؟ قال: اعزلها فإن أتجرت بها فأنت لها ضامنٌ و لها الربح، و إن تويت في حال ما عزلتها من غير أن تشغلها في تجارةٍ فليس عليك، فإن لم تعزلها فاتَّجرت بها في جملة مالك فلها بقسطها من الربح لاوضيعة عليها»(2).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 307 الحديث 12088، «الكافي» ج 3 ص 522 الحديث 3؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 45 الحديث 10.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 307 الحديث 12089، «الكافي» ج 4 ص 60 الحديث 2.

السند مرفوعٌ‌، و رافعه عليّ بن محمّد، فلايمكن الركون إلى الحديث بجعله دليلاً في المسألة؛ نعم! يُمكن أن يُعدَّ مؤيّداً لغيره من الأدلّة.

و قوله عليه السلام: «اعزلها» نصٌّ في المطلوب، كما انّ قوله عليه السلام: «و إن نويت في عزلها من غير أن تشغلها في تجارةٍ‌» نصٌّ في جواز عزل الخمس عن المال و التصرّف في الباقي قبل إيصاله إلى مالكيه و مستحقّيه. و الرواية قد تعرّضت لصورٍ يكون المعطي في بعضها ضامناً له، كما انّه لايكون ضامناً له في بعضها الآخر. و سنشير إليها فى المسألة الثانية من مسائل هذا المبحث.

الرواية الثالثة

«محمّد بن الحسن بإسناده عن سعد بن عبداللّه عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيدٍ عن النضر بن سويد عن عبداللّه بن سنانٍ عن أبي عبداللّه عليه السلام انّه قال في الرجل يخرج زكاته فيقسم بعضها و يبقى بعضٌ يلتمس لها المواضع فيكون بين أوّله و آخره ثلاثة أشهرٍ؟ قال: لابأس»(1).

السند صحيحٌ‌، بل هو من عوالي الأسناد نظراً إلى كون أحمد بن محمّد بن عيسى في من لايروي إلّاعن ثقةٍ‌(2).

و الظاهر منها انّ جواز العزل كان مرتكزاً عند السائل و الإمام عليه السلام، فسأله عليه السلام عن جواز التأخير في أدائه إلى مستحقّيه، فأجاب عنه عليه السلام بجواز التأخير لأنّه كان «يلتمس له المواضع». فدلالتها على كفاية العزل واضحةٌ‌.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 308 الحديث 12091، «التهذيب» ج 4 ص 45 الحديث 9؛ و انظر: «الكافي» ج 3 ص 523 الحديث 7، «مستطرفات السرائر» ص 605.

2) . انظر: «رجال النجاشي» ص 81 الرقم 198، «خلاصة الأقوال» ص 61 الرقم 67، «معجم رجال الحديث» ج 2 ص 295 الحديث 896.

الرواية الرابعة

«محمّد بن الحسن بإسناده عن الصفّار عن محمّد بن عيسى عن سليمان بن حفصٍ المروزيّ قال: سمعته يقول: إن لم تجد من تضع الفطرة فيه فاعزلها تلك الساعة قبل الصلاة - الحديث -»(1).

السند صحيحٌ‌. و المستفاد من ظاهر الرواية انّه لاخصوصيّة لقوله عليه السلام: «إن لم تجد من تضع الفطرة فيه»، بل الحكم بجواز العزل عامٌّ يشمل هذه الصورة كما يشمل غيرها من الصور. فلامفهوم لهذا الشرط كما لامفهوم لقولهم: «إن رُزِقت ولداً فاختنه». فهما في الصورة سيّان.

الرواية الخامسة

«و بإسناده عن سعد عن أحمد بن محمّدٍ عن العبّاس بن معروفٍ عن حمّاد بن عيسى عن حريز بن عبداللّه عن زرارة بن أعين عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجلٍ أخرج فطرته فعزلها حتّى يجد لها أهلاً؟ فقال: إذا أخرجها من ضمانه فقد برىء و إلّافهو ضامنٌ لها حتّى يؤدّيها إلى أربابها»(2).

السند صحيحٌ‌، بل هو من خيرها سنداً. و المفروض في الرواية كفاية العزل و براءة الذمّة من الضمان لوتلف بعد العزل، أمّا لو لم يعزله فتلف المال كلّه يكون ضامناً له.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 356 الحديث 12224، «التهذيب» ج 4 ص 87 الحديث 4، «الإستبصار» ج 2 ص 50 الحديث 4.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 356 الحديث 12225، «التهذيب» ج 4 ص 77 الحديث 8.

الرواية السادسة

«و عنه عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب عن ذبيان بن حكيمٍ عن الحارث عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: لابأس بأن تؤخّر الفطرة إلى هلال ذي القعدة»(1).

السند صحيحٌ‌، و في محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب كلامٌ لبعض الرجاليّين. و الظاهر جواز الاعتماد على الرجل، لأنّ القدح الوارد فيه لاسبب له إلّارميه بالغلوّ(2)، و للغلوّ عند المتقدّمين معنىً لانحسبه من القوادح لو لم يكن من المدائح؛ و تفصيل الكلام فيه موكولٌ إلى محلّه من علم دراية الحديث.

و دلالتها على المقصود أيضاً واضحةٌ‌، إذ لو لم تُعزل زكاة الفطرة يجب إعطاؤها لمستحقّيها قبل صلاة الفطر، أمّا في صورة العزل فيجوز تأخير أدائها إلى مدّةٍ‌. و عليه فدلالتها على جواز العزل بل كفايته تامّةٌ واضحةٌ‌.

الرواية السابعة

«و عنه عن محمّد بن عيسى عن يونس عن إسحاق بن عمّارٍ و غيره قال:


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 356 الحديث 12226، «التهذيب» ج 4 ص 76 الحديث 5، «الإستبصار» ج 2 ص 56 الحديث 4.

2) . الظاهر اتّفاق الكلّ على توثيقه، و لم أعثر على من رماه بالغلوّ؛ قال العلّامة: «جليلٌ من أصحابنا عظيم القدر... ثقةٌ عينٌ‌... مسكونٌ إلى روايته»؛ راجع: «خلاصة الأقوال» ص 240 الرقم 818؛ و انظر: «رجال النجاشي» ص 334 الرقم 897، «رجال الشيخ» ص 379 الرقم 5615، ص 391 الرقم 5771، ص 402 الرقم 5890، «جامع الرواة» ج 2 ص 96 القائمة 2، «رجال ابن داود» ص 168 الرقم 1345، «نقد الرجال» ج 4 ص 183 الرقم 4610، «تنقيح المقال» ج 3 ص 106 الرقم 10583، «منتهى المقال» ج 6 ص 27 الرقم 2583.

سألته عن الفطرة‌؟ فقال: إذا عزلتها فلايضرّك متى أعطيتها قبل الصلاة أو بعد الصلاة»(1).

السند لابأس به، و لاأقلّ من كونه موثّقاً، لمكان إسحاق(2). و اللائح من ظاهرها انّ العزل جائزٌ، فتبيّن انّ المعطي حينئذٍ يكون في سعةٍ زمنيّاً للاعطاء.

الرواية الثامنة

«و بإسناده عن عليّ بن الحسن بن فضّال عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال في الفطرة: إذا عزلتها و أنت تطلب بها الموضع أو تنتظر بها رجلاً فلابأس به»(3).

السند صحيحٌ‌، لأنّ مرسلات ابن أبي عمير كلّها حجّةٌ لايضرّها إرساله(4). و كيفيّة الاستدلال بها نفس الّتي مرّت في التعليق على السابقة عليها.

فالمتحصّل من الجميع كفاية العزل في الزكاة للتصرّف في الباقى.

ثمّ إنّ هذا الحكم و إن ورد في باب الزكاة إلّاأنّه لااختصاص له بهذا الباب، بل يجوز تعميمه إلى باب الخمس أيضاً؛ و قد فصّلنا الكلام حول جواز هذا التعميم مراراً - كما أشرنا


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 357 الحديث 12227، «التهذيب» ج 4 ص 77 الحديث 7، «الإستبصار» ج 2 ص 45 الحديث 6؛ و انظر: «الفقيه» ج 2 ص 181 الحديث 2080.

2) . قال الشَّيخ رحمه الله: «إسحاق بن عمّار الساباطيّ‌، له أصلٌ و كان فطحيّاً، إلّاانّه ثقةٌ و أصله معتمدٌ عليه»؛ راجع: «الفهرست» ص 39 الرقم 52؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 3 ص 52 الرقم 1157-1160.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 357 الحديث 12228، «التهذيب» ج 4 ص 55 الحديث 6، «الإستبصار» ج 2 ص 45 الحديث 5.

4) . لكونه منخرطاً في أصحاب الإجماع؛ راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 830.

إليه في النكتة الثانية من مقدّمات مسألتنا هذه أيضاً؛ فراجعها! -.

المسألة الثانية عدم الضمان بالنسبة إلى الخمس بعد عزله
اشارة

ثمّ لوعزل الخمس عن ماله فتلف قبل إيصاله إلى صاحبه و مستحقّه، هل يكون ضامناً له‌؟؛ هيهنا صورتان:

الصورة الأولى:

أن يكون التلف نتاج تفريطه، فحينئذٍ لاخلاف في كونه ضامناً له؛

الصورة الثانية:
اشارة

أن لايكون بتفريطه، المختار في هذه الصورة عدم الضمان و إن ذهب السيّد رحمه الله في العروة إلى الضمان(1)، و تبعه فيه المحقّقان الحكيم(2)و الخوئيّ 0(3).

و تدلّ على المختار جملةٌ من روايات الباب؛ منها:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عن حريزٍ عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجلٌ بعث بزكاة ماله لتُقسم فضاعت، هل عليه ضمانها حتّى تقسم‌؟ فقال: إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها إليه فهو لها ضامنٌ حتّى يدفعها، و إن لم يجد لها من يدفعها إليه


1) . قال رحمه الله: «و لو أتلفه بعد استقراره ضمنه»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 75، ج 2 ص 399.

2) . قال رحمه الله: «لقاعدة الاتلاف»؛ راجع: «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 557.

3) . قال رحمه الله: «فلو أتلف يضمن، لأنّه أتلف ما ليس له»؛ راجع: «مستند العروة الوثقى» كتاب الخمس ص 284.

فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمانٌ‌، لأنّها قدخرجت من يده»(1).

السند صحيحٌ‌، و دلالتها على عدم الضمان واضحةٌ‌. نعم! المفروض في هذا الحديث عدم الضمان «إن لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها»، و الظاهر حمل هذا القيد على الاستحباب، لِما يلي في الرواية الآتية.

الرواية الثانية

«و عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن محمّدٍ عن الحسن بن عليٍّ عن وهيب بن حفص عن أبي بصيرٍ قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: جُعلت فداك! الرجل يبعث بزكاة ماله من أرضٍ إلى أرضٍ فيُقطع عليه الطريق‌؟ فقال: قد أجزأته، و لوكنت أنا لأعدتّها»(2).

السند صحيحٌ‌، و علوّه ظاهرٌ. ثمّ قوله عليه السلام: «قد أجزأتْهُ عنه» على إطلاقه يشمل الصورتين المذكورتين في الرواية الأولى؛ فيحمل قوله عليه السلام فيها: «إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها إليه فهو له ضامنٌ حتّى يدفعها» على الاستحباب. و يشهد لصحّة هذا الحمل قوله عليه السلام في الثانية: «و لوكنتُ أنا لأعدتّها».

فالمتحصّل من الجميع عدم الضمان بعد العزل لو لم يكن التلف حاصلاً من تفريطه، و هو المختار. و الحمد للّه ربّ العالمين.



1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 285 الحديث 12033، «الكافي» ج 3 ص 553 الحديث 1؛ و انظر: «الفقيه» ج 2 ص 30 الحديث 1617، «التهذيب» ج 4 ص 47 الحديث 16.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 287 الحديث 12038، «الكافي» ج 3 ص 554 الحديث 9 - مع تغييرٍ يسيرٍ -.

المبحث السابع في جواز نقل الخمس من بلده إلى بلدٍ آخر

اشارة

هل يجوز نقل الخمس من البلد الّذي تعلّق فيه بمال المكلّف إلى بلدٍ غيره، أو لايجوز؟. في المسألة نكاتٌ‌.

النكتة الأولى

المشهور على الجواز، بل ادّعى بعضهم كون الحكم إجماعيّاً(1)، نعم! إنّ سيّدنا الأستاذ الإمام الخمينيّ كان ينقل عن شيخه الفقيه العارف الشاه آباديّ 0 انّه كان يصرّ على عدم الجواز، و وجوب صرف الخمس في نفس البلدة.

و سنبحث عن مدى دلالة الروايات على كلٍّ من القولين.

النكتة الثانية

مختار السيّد صاحب العروة رحمه الله في المسألة جواز النقل لو لم يكن فيه مَن يستحقّه. و كذلك ذهب إلى وجوب النقل لو لم يكن فيه من يستحقّه و لم يمكن للمعطي أن يحفظه فيه أو لم يتوقّع أن يوجد فيه(2).

و الظاهر انّ هذه الموارد أمثالٌ لمورد الجواز، و لاينحصر فيها؛ و منها - بل أهمٌّ من جميعها - ما لو لم يكن مرجِع المعطي أو وكيله في بلده، فأراد أن يذهب به إلى بلد المرجِع أو


1) . هذا؛ و الظاهر ذهاب جمٍّ غفيرٍ من الأعلام إلى خلافه؛ فانظر: «شرائع الإسلام» ج 1 ص 166، «إرشاد الأذهان» ج 1 ص 293، «تحرير الأحكام» ج 1 ص 74، «منتهى المطلب» - الطبعة الحجريّة - ج 1 ص 552، الدروس الشرعيّة» ج 1 ص 262، «رياض المسائل» ج 5 ص 250. نعم! ذهب جمعٌ آخر إلى الجواز؛ فانظر: «مسالك الأفهام» ج 1 ص 472، «ذخيرة المعاد» ص 489.

2) . قال رحمه الله: «لاإشكال في جواز نقل الخمس من بلده إلى غيره إذا لم يوجد المستحقّ فيه، بل قد يجب كما إذا لم يمكن حفظه مع ذلك أو لم يكن وجود المستحقّ فيه متوقّعاً بعد ذلك»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 8، ج 2 ص 405.

بلد وكيله، فيجوز له حينئذٍ نقله إليه.

النكتة الثالثة

ثمّ لنا مع السيّد رحمه الله كلامٌ آخر، و هو: وقوع التهافت بين قوله هذا و ما ذهب إليه فيما أشرنا إليه سابقاً من أنّ العزل لايكفي في براءة الذمّة من الخمس و جواز التصرّف في الباقي. لأنّ النقل و العزل متلازمان لايتصوّر الانفكاك بينهما، حيث لايُعقل أن يكون الواجب على المعطي نقل جميع المال إلى بلد المرجِع مثلاً ثمّ إخراج الخمس منه فيه.

فالقول بجواز النقل يساوق القول بجواز العزل.

ثمّ إنّ قوله هنا بجواز النقل يساوق عدم الضمان أيضاً، إذ أشرنا فيما سبق إلى أنّ يد المعطي على الخمس بعد العزل يدٌ أمانيٌّ‌، و لاضمان في اليد الأمانيّ‌، فلاشيء عليه لوتلف الخمس من غير تفريطٍ منه فيه. فعلى أيٍّ لاتوافق بين هذين القولين الَّذَيْن صدرا من السيّد رحمه الله في هذا المجال.

النكتة الرابعة
اشارة

و هيهنا رواياتٌ كثيرةٌ تدلّ على جواز النقل و عدم الضمان بالنسبة إليه. منها:

الرواية الأولى

«محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يُعطي الزكاة يقسمها، أ له أن يخرج الشيء منها من البلدة الّتي هو بها إلى غيرها؟

فقال: لابأس»(1).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 282 الحديث 12026، «الفقيه» ج 2 ص 31 الحديث 1621؛ و انظر: «الكافي» ج 3 ص 554 الحديث 7.

السند صحيحٌ‌، إذ لاكلام في سند الصدوق إلى هشام بن الحكم(1). و دلالتها على جواز النقل تامّةٌ‌، كما انّ عدم الإشارة إلى كونه ضامناً له ينبىء عن عدم الضمان، إذ لوكان ضامناً له لكان من الواجب على الإمام عليه السلام أن يشير إليه لئلّا يكون الكلام مبتوراً.

الرواية الثانية

«و بإسناده عن درست بن أبي منصور قال: قال أبوعبداللّه عليه السلام في الزكاة يبعث بها الرجل إلى بلدٍ غير بلده، قال: لابأس، يبعث بالثلث أو الربع»(2).

الكلام في السند كالكلام في سند السابقة عليه(3). و الظاهر من إطلاقها و كذلك من إطلاق السابقة عليها جواز نقل الخمس مطلقاً، يوجد في بلده مستحقٌّ أم لايوجد. و حملهما على صورة عدم وجدان المستحقّ لايلائم الإطلاق. أضف إلى ذلك انّ هذا الحمل حملٌ على الفرد النادر، و لاخلاف في قبحه.

و الكلام في دلالته على عدم الضمان قد سبق في التعليق على السابقة عليها.

الرواية الثالثة

«و عنه عن إبراهيم بن إسحاق عن عبداللّه بن حمّاد الأنصاريّ عن أبان بن


1) . سند الصدوق رحمه الله إلى هشام بن الحكم رحمه الله ينشعب إلى ثمانية طرق، و كلّها صحيحةٌ‌؛ راجع: «مستدرك الوسائل» / الخاتمة ج 5 ص 371 الرقم 341؛ و انظر: «نخبة المقال» ص 505 الرقم 354.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 283 الحديث 12027، «الفقيه» ج 2 ص 31 الحديث 1620؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 46 الحديث 11.

3) . حيث إنّ الطريق صحيحٌ و رجاله كلّهم من الثقات؛ راجع: «مستدرك الوسائل» / الخاتمة ج 4 ص 288 الرقم 113. و حكم بعض المعاصرين من الأعلام بضعف السند لمكان الحسن بن عليٍّ الوشّاء؛ راجع: «نخبة المقال» ص 409 الرقم 118.

عثمان عن يعقوب بن شعيبٍ الحدّاد عن العبدالصالح عليه السلام قال: قلت له:

الرجل منّا يكون في أرضٍ منقطعةٍ كيف يصنع بزكاة ماله‌؟ قال: يضعها في إخوانه و أهل ولايته، فقلت: فإن لم يحضره منهم فيها أحدٌ؟ قال: يبعث بها إليهم - الحديث -»(1).

السند لابأس به؛ و دلالتها ظاهرةٌ‌. و الرواية مبيّنةٌ لصورة فقد مستحقّيه في بلده، و الظاهر انّه لامنافاة بينها و بين السابقة عليها حيث كان المفروض فيها مطلق بعثه إلى بلدٍ غير بلده.

الرواية الرابعة

«محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيدٍ عن النضر بن سويد عن يحيى بن عمران عن ابن مسكان عن ضريس قال: سأل المدائني أباجعفرٍ عليه السلام فقال: إنّ لنا زكاةً نخرجها من أموالنا ففي من نضعها؟ فقال: في أهل ولايتك، فقلت: إنّي في بلادٍ ليس فيها أحدٌ من أوليائك‌؟ فقال: ابعث بها إلى بلدهم تدفع إليهم - الحديث -»(2).

السند صحيحٌ‌، و هو من عوالي الأسناد. و الظاهر انّه ليس المراد من قوله: «نخرجها من أموالنا» إلّاالعزل، و الإمام عليه السلام قد قرّر عليه و لم يمنعه منه.

فالمتحصّل من ذلك كلّه جواز النقل بعد العزل من بلده إلى بلدٍ غيره، و لافرق في ذلك بين أن يكون في بلده من يستحقّ لها أو لم يكن فيه من يستحقّ لها.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 283 الحديث 12028، «التهذيب» ج 4 ص 46 الحديث 12.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 284 الحديث 12030، «الكافي» ج 3 ص 555 الحديث 11.

النكتة الخامسة
اشارة

مضت الإشارة إلى أنّ القول بجواز العزل يساوق القول بعدم الضمان بالنسبة إليها، إذ العزل و عدم الضمان متلازمان لاانفكاك بينهما؛ أضف إلى ذلك انّ مقتضى القاعدة هو عدم الضمان أيضاً؛ هذا كلّه كما مرّت الإشارة إليه.

ثمّ هيهنا نزيد عليه و نقول: قد دلّت جملةٌ من روايات الباب على عدم الضمان أيضاً.

منها:

الرواية الأولى

«و بإسناده عن حريز عن زرارة قال: سألت أباعبداللّه عليه السلام عن رجلٍ بعث إليه أخٌ له زكاته ليقسمها فضاعت، فقال: ليس على الرسول و لا على المؤدّي ضمانٌ‌»(1).

السند صحيحٌ‌، لأنّ طريق الكلينيّ رحمه الله إلى حريزٍ صحيحٌ بالاتّفاق(2). و حكم الإمام عليه السلام بعدم الضمان مطلقٌ يشمل صورتي الارسال مع وجود مستحقّيها في بلده و الارسال مع عدم وجود المستحقّ لها فيه.

الرواية الثانية

«و عن حريز عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا أخرج الرجل الزكاة من ماله ثمّ سمّاها لقومٍ فضاعت أو أرسل بها إليهم فضاعت فلاشيء عليه»(3).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 286 الحديث 12034، «الكافي» ج 3 ص 553 الحديث 4؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 48 الحديث 17.

2) . الظاهر انّه ليس للكلينيّ طريقٌ إلى حريز كما للشيخ و للصدوق طرقٌ إليه، و ذلك لانحصار الطرق - بالمعنى المصطلح - في طرقهما فقط؛ فلاحظ!.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 286 الحديث 12035، «الكافي» ج 3 ص 553 الحديث 2؛ و انظر: «الفقيه» ج 2 ص 30 الحديث 1618، «التهذيب» ج 4 ص 47 الحديث 14.

السند صحيحٌ‌. و الظاهر انّ المراد من قوله عليه السلام: «إذا أخرج الرجل الزكاة»: العزل؛ ثمّ لباقي كلامه عليه السلام دلالةٌ تامّةٌ على عدم الضمان لوتلف الزكاة من غير تفريطه فيها.

الرواية الثالثة

«و عنه عن عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام انّه قال: إذا أخرجها من ماله فذهبت و لم يسمّها لأحدٍ فقد برىء منها»(1).

السند صحيحٌ‌؛ و كيفيّة الاستدلال بها نفس الّتي مرّت في التعليق على السابقة عليها، فراجعها!.

الرواية الرابعة

«و عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوب عن جميل بن صالح عن بكير بن أعين قال: سألت أباجعفر عليه السلام عن الرجل يبعث بزكاته فتُسرق أو تُضيع‌؟ قال: ليس عليه شيءٌ‌»(2).

السند صحيحٌ‌؛ و دلالتها واضحةٌ‌.

الرواية الخامسة

«و عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن الحسن بن عليّ عن وهب بن حفص عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: جُعلت فداك! الرجل


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 286 الحديث 12036، «الكافي» ج 3 ص 553 الحديث 3.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 287 الحديث 12037، «الكافي» ج 3 ص 554 الحديث 5؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 47 الحديث 15.

يبعث بزكاة ماله من أرضٍ إلى أرضٍ فيُقطع عليه الطريق‌؟ فقال: قد أجزأته عنه، و لوكنت أنا لأعدتّها»(1).

السند صحيحٌ أيضاً؛ و قوله عليه السلام: «قد أجزأته عنه، و لوكنت أنا لأعدتّها» يدلّ على إجزائه عنه في صورة التلف أيضاً و كون الحكم بالاعادة حكماً ندبيّاً، لاوجوبيّاً.

نعم! الظاهر انّ السيّد صاحب العروة رحمه الله قد تمسّك بهذه الرواية الّتي نرويها هيهنا حيث ذهب إلى الضمان لوتلف مع وجود المستحقّ في بلده؛ و هي:

الرواية السادسة

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عن حريز عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: رجل بعث بزكاة ماله لتُقسَّم فضاعت، هل عليه ضمانها حتّى تُقسّم‌؟ فقال: إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها إليه فهو لها ضامنٌ حتّى يدفعها، و إن لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمانٌ‌، لأنّها خرجت من يده»(2).

السند صحيحٌ‌، بل هو في أعلى مدارج الصحّة. و لكن في دلالتها شيءٌ‌، حيث يجب حملها على الاستحباب للتنافي الظاهر بينها و بين ما سبق عليها، و لاسيّما الرواية الخامسة؛ إذ الظاهر منها استحباب الإعادة بينما انّ الظاهر من الرواية السادسة وجوب الإعادة «إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها إليه».

و المتحصّل من جميع ما ذكرناه في هذا المبحث جواز نقل الزكاة من بلده إلى بلدٍ آخر من


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 287 الحديث 12038، «الكافي» ج 3 ص 554 الحديث 9 - مع تغييرٍ يسيرٍ -.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 285 الحديث 12033، «الكافي» ج 3 ص 553 الحديث 1؛ و انظر: «الفقيه» ج 2 ص 30 الحديث 1617، «التهذيب» ج 4 ص 47 الحديث 16.

غير أن يكون ضامناً لها لوتلفت من غير تفريطه فيها.

و حكم المسألة في بابي الزكاة و الخمس سيّان، فالحكم نفسه يجري في باب الخمس أيضاً.


المبحث الثامن في تبديل العين بعينٍ آخر أو بثمنه

اشارة

المسألة الّتي عقدنا هذا المبحث للتحقيق حولها تُعدُّ من أهمّ مسائل الباب، إذ لها دورٌ هامٌّ في كيفيّة اعطاء الخمس.

و المبحوث عنه فيها: هل يجوز تبديل عين الخمس بعينٍ آخر أو تبديله بثمنه، فيُعطى ذلك العين أو ثمنه بدلاً من العين الّذي تعلّق به الخمس‌؟؛ أم لايجوز؟.

و المسألة و إن ذكرناها في كتاب الخمس و لكن حكمها مشتركٌ بين جميع أبواب الصدقات، زكاةً كانت أو خمساً. و في المسألة نكاتٌ‌:

النكتة الأولى

المشهور بين الفقهاء - المتقدّمين منهم و المتأخّرين - جواز التبديل في الثمن فقط، فيجوز أن يبدّله بثمنه؛ أمّا تبديل العين بعينٍ آخر فلايجوز عندهم. و مذهب بعضهم - كالسيّد رحمه الله(1)و بعض محشّي عروته(2)- جواز تبديله مطلقاً، و لافرق بين الثمن و العين فيه. و هو المختار.

النكتة الثانية

لاريب في أنّه يُشترط في الجواز أن يكون التبديل أحسن للآخذ و أليق بحاله. فلوكان العين الّذي تعلّق به الخمس أنفع لمستحقّيه لايجوز تبديله بأيّ شيءٍ آخر، أمّا لوكان هناك عينٌ آخر كان الآخذ أشدّ حاجةً إليه من ذلك العين أو كان ثمنه أنفع له ففي هذه الصورة نقول بجواز التبديل، فمصلحة الآخذ هو الفاصل في المقام.


1) . قال رحمه الله: «يتخيّر المالك بين دفع خمس العين أو دفع قيمته من مالٍ آخر نقداً أو جنساً»؛ راجع: «العروة الوثقى» كتاب الخمس الفصل 1 المسألة 75، ج 2 ص 398.

2) . راجع: نفس المصدر.

النكتة الثالثة
اشارة

أمّا الروايات الدالّة على جواز التبديل فكثيرةٌ‌، و قد ذكر بعضها الشيخ الحرّ رحمه الله في أبواب زكاة الذهب و الفضّة، و بعضها في أبواب المستحقّين للزكاة، و بعضها الآخر في باب زكاة الفطرة.

و نأتي هيهنا بطائفةٍ منها:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن محمّد بن خالدٍ البرقيّ قال: كتبت إلى أبي جعفرٍ الثاني: هل يجوز أن أخرج ما يجب في الحرث من الحنطة و الشعير و ما يجب على الذهب دراهم قيمة ما يسوى أم لايجوز إلّاأن يخرج من كلّ شيءٍ ما فيه‌؟ فأجاب عليه السلام: أيّما تيسّر يُخرج»(1).

السند صحيحٌ‌، و لاإشكال فيه. و دلالتها على جواز تبديل العين بالثمن واضحةٌ‌. بقي علينا أن نشير إلى نكتةٍ‌، و هي: إنّ قوله عليه السلام: «أيّما تيسّر يُخرج» يشير إلى مصلحة المعطي في أمر الإخراج؛ و الظاهر وجوب رعاية مصلحة الآخذ أيضاً، كما يدلّ عليه غيرها من روايات الباب. و عليه فقوله عليه السلام هذا علّةٌ يمكن الأخذ بها و تعميمها إلى غير الحنطة و الشعير و الذهب و الفضّة من موارد تتعلّق الزكاة بها.

الرواية الثانية

«و عن محمّد بن يحيى عن العمركيّ عن عليّ بن جعفرٍ عليه السلام قال: سألت


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 192 الحديث 11812، نفس المصدر و المجلّد ص 167 الحديث 11753، «الكافي» ج 3 ص 559 الحديث 1؛ و انظر: «الفقيه» ج 2 ص 32 الحديث 1623، «التهذيب» ج 4 ص 95 الحديث 5.

أباالحسن موسى عليه السلام عن الرجل يعطي عن زكاته عن الدراهم دنانير و عن الدنانير دراهم بالقيمة، أ يحلّ ذلك‌؟ قال: لابأس به»(1).

السند صحيحٌ‌. و دلالتها على جواز تبديل العين بالثمن تامّةٌ‌، إذ لاخصوصيّة للدرهم و الدينار حتّى يُتوقّف عليهما.

الرواية الثالثة

«و عن محمّد بن أبي عبداللّه عن سهل بن زياد عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن سعيد بن عمر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قلت: يشتري الرجل من الزكاة الثياب و السويق و الدقيق و البطّيخ و العنب فيقسمه‌؟ قال:

لايعطيهم إلّاالدراهم كما أمر اللّه»(2).

السند لابأس به. و سهل بن زيادٍ و إن استشكل فيه جمعٌ من الرجاليّين(3)، لكنّه لابأس به على المختار، لاعتماد الأصحاب عليه. فهذا الشيخ الكلينيّ رحمه الله و قد روى عنه عدّة رواياتٍ تقرب ألف حديثٍ‌(4)، و هذا توثيقٌ عمليٌّ ينبىء عن جلالة قدره عند المتقدّمين من


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 165 الحديث 11754، «الكافي» ج 3 ص 559 الحديث 2؛ و انظر: «الفقيه» ج 2 ص 31 الحديث 1622، «التهذيب» ج 4 ص 95 الحديث 6، «بحار الأنوار» ج 10 ص 259.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 168 الحديث 11755، «الكافي» ج 3 ص 559 الحديث 3.

3) . كما عن النجاشيّ و الشَّيخ 0 في الفهرست؛ راجع: «رجال النجاشي» ص 185 الرقم 490، «الفهرست» ص 228 الرقم 339. و لكنّه وثّقه في كتاب الرجال؛ راجع: «رجال الطوسيّ‌» ص 387 الرقم 5699؛ و انظر: «خلاصة الأقوال» ص 356 الرقم 1411. و للشيخ كلامٌ فيه في الإستبصار ينبىء عن اتّفاق الكلّ على تضعيفه؛ قال: «أبوسعيد الآدميّ‌، و هو ضعيفٌ جدّاً عند نقّاد الأخبار»؛ راجع: «الإستبصار» ج 3 ص 261 ذيل الحديث 935.

4) . بل ورد هذا العنوان - أي: عنوان سهل بن زيادٍ - في هذا الكتاب 1537 مرّةً‌. و هذا - كما أشار إليه الشَّيخ الأستاذ حفظه اللّه تعالى و جعله في رعيه - يدلّ على اعتماد الشيخ الكلينيّ رحمه الله عليه و وثوقه به.

الأصحاب. و كيف كان فلابأس به عندنا.

أمّا الرواية فظاهرها لايخلو عن شيءٍ‌، إذ المستفاد من ظاهرها عدم جواز تبديل العين بعينٍ آخر مع حكمه عليه السلام بجواز تبديل العين بالثمن؛ ثمّ علّل الإمام عليه السلام هذين الحكمين بقوله: «كما أمر اللّه»، و اللّه و رسوله أعلم بمراده عليه السلام من قوله هذا. إذ لم يرد في القرآن الكريم الحكم بعدم جواز تبديل العين بعينٍ آخر مع جواز تبديله بالثمن، فالرواية مجملةٌ يجب كفّ اليد عن ظهورها و حملها على غيرها من روايات الباب.

الرواية الرابعة

«عبداللّه بن جعفر في قرب الإسناد عن محمّد بن الوليد عن يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها ثياباً و طعاماً و أرى أنّ ذلك خيرٌ لهم، قال: فقال:

لابأس»(1).

السند صحيحٌ‌، و هو من عوالي الأسناد. و دلالتها على جواز تبديل العين بعينٍ آخر تامّةٌ أوّلاً، و هذا يعارض ما حكم به الإمام عليه السلام في السابقة عليها، و قلنا هناك انّ الظاهر منها غير قابلٍ للأخذ و استفادة الحكم منه؛ ثمّ دلّت ثانياً على أنّ المناط في جواز التبديل هو كونه أليق بحال الآخذ و أنفع له، و ذلك يستفاد من قول السائل: «أرى انّ ذلك خيرٌ لهم». فدلالتها على المقصود كاملةٌ‌.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 168 الحديث 11756، «قرب الاسناد» ص 24؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 93 ص 60 الحديث 16.

الرواية الخامسة

«محمّد بن يعقوب عن عدّةٍ من أصحابنا عن أحمد بن محمّدٍ عن ابن فضّال و الحجّال جميعاً عن ثعلبة عن إبراهيم بن السنديّ عن يونس بن عمّارٍ قال: سمعت أباعبداللّه عليه السلام يقول: قرض المؤمن غنيمةٌ و تعجيل أجرٍ، إن أيسر قضاك و إن مات قبل ذلك احتسبت به من الزكاة»(1).

الرواية صحيحةٌ سنداً. و هناك رواياتٌ تدلّ على جواز التعجيل في أداء الخمس و الزكاة قبل تعلّقهما بالذمّة. فعلى سبيل المثال لو علم رجلٌ انّ ذمّته ستصير مشغولةً بألف درهمٍ و يرى انّ بعضاً من المؤمنين الهاشميّين محتاجٌ إليه الآن، و حاجته فوريّةٌ فيجوز له أن يعطيه ألف درهمٍ على سبيل القرض ثمّ بعد أن تنجّز الخمس عليها يحتسبه بدلاً من قرضه، فتبرىء ذمّته منه. و لهذا العمل فضلٌ كثيرٌ، و إليه يشير قوله عليه السلام: «و تعجيل أجرٍ خيرٌ».

و على أيٍّ لايخفى ما لهذه الروايات من الدلالة على جواز تبديل العين بالعين، لأنّ المعطي قد بدّل العين الخارجيّ بالعين الّذي صار في ذمّته و تعلّق بها.

الرواية السادسة

«و عنهم عن سهل بن زيادٍ عن أحمد بن الحسن بن عليٍّ عن أبيه عن عقبة بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام في حديثٍ‌: أنّ عثمان بن بهرام قال له: إنّي رجلٌ موسرٌ و يجيئني الرجل و يسألني الشيء و ليس هو إبّان زكاتي‌؟ فقال له أبوعبداللّه عليه السلام: القرض عندنا بثمانية عشر و الصدقة بعشرةٍ و ماذا عليك إذا كنت كما تقول موسراً أعطيته فإذا كان إبّان زكاتك احتسبت بها من الزكاة،


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 299 الحديث 12064، «الكافي» ج 3 ص 558 الحديث 1؛ و انظر: «الفقيه» ج 2 ص 58 الحديث 1700.

يا عثمان! لاتردّه فانّ ردّه عند اللّه عظيمٌ‌»(1).

السند لابأس به، و للقوم في سهل بن زيادٍ كلامٌ قد أشرنا فيما سبق إلى كونه مزيّفاً. و كيفيّة الاستدلال بها نفس الّتي مرّت في التعليق على السابقة عليها، فراجعها!.

الرواية السابعة

«محمّد بن عليّ بن الحسين باسناده عن محمّد بن اسماعيل بن بزيعٍ قال:

بعثت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام بدراهم لي و لغيري و كتبت إليه أخبره أنّها من فطرة العيال، فكتب بخطّه: قبضت»(2).

السند من عوالي الأسناد؛ و لاكلام في دلالة الحديث على جواز تبديل العين بالثمن، إذ قد بدّل ابن بزيعٍ زكاة الفطرة بثمنها، و الإمام عليه السلام قرّر على فعله من غير نكيرٍ له عليه.

الرواية الثامنة

«و عن ابي العبّاس الكوفيّ عن محمّد بن عيسى عن أبي عليّ بن راشدٍ قال:

سألته عن الفطرة لمَن هي‌؟ قال: للإمام؛ قال: قلت له: فأخبر أصحابي‌؟ قال:

نعم! مَن أردت أن تطهّره منهم.

و قال: لابأس بأن تعطي و تحمل ثمن ذلك ورقاً»(3).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 300 الحديث 12065.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 345 الحديث 12190، «الفقيه» ج 2 ص 183 الحديث 2083؛ و انظر: «الكافي» ج 4 ص 174 الحديث 22، «التهذيب» ج 4 ص 91 الحديث 3.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 346 الحديث 12191، «الكافي» ج 4 ص 174 الحديث 23؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 91 الحديث 1، «المقنعة» ص 265.

السند صحيحٌ‌. و المراد من قوله عليه السلام: «و تحمل ثمن ذلك ورقاً»: تبديل العين بالدراهم و الدنانيز، ثمّ اعطائهما لمستحقّيه بدلاً من العين الّذي تعلّقت به.

الرواية التاسعة

«و بإسناده عن الحسن بن محبوب عن عمر بن يزيد قال: سألت أباعبداللّه عليه السلام: تُعطى الفطرة دقيقاً مكان الحنطة‌؟ قال: لابأس، يكون أجر طحنه بقدر ما بين الحنطة و الدقيق»(1).

لابأس بسند الرواية. و دلالتها على جواز تبديل العين بعينٍ آخر مراعياً فيه مصالح الآخذ تامّةٌ غير قابلةٍ للنقاش فيها.

فتحصّل من ذلك كلّه انّ تبديل العين بعينٍ آخر و كذلك تبديله بالثمن جايزٌ. نعم! يجب أن تُراعى فيه مصلحة آخذ الخمس و الزكاة، فلوكان التبديل بهما أليق بحاله لامجال للتوقّف قبال القول بالجواز؛ و ذلك واضحٌ‌.

هذا تمام الكلام في المبحث الثّامن، و باتمامه تمّت مباحث الخمس.

و الآن بعد الفراغ منها سنتكلّم عمّا يتعلّق بكتاب الأنفال، و الحمد للّه ربّ العالمين.



1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 347 الحديث 12194، «التهذيب» ج 4 ص 332 الحديث 109.

كتاب الأَنفال

اشارة

المقدَّمات

المقدّمات

اشارة

الحمد للّه و كفى و سلامٌ على رسوله المصطفى و على ٰ‌اله أهل بيت العزّ و الوفاء.

بعد الفراغ من أبحاث كتاب الخمس لنشرع فيما يتعلّق بالأنفال، و ذلك لاشتراكهما في كونهما من ميزانيّات الدولة الإسلاميّة.

و قبل الخوض في صلب الموضوع نقدّم مقدّماتٍ يجب الإلمام بها ليكون المبحث أوضح. و هي:

المقدّمة الأولى: في معنى المادّة لغويّاً

«الأنفال» جمع نَفَل، و هو: الزائد من الأشياء. و بما انّه مالٌ لامالك معيّنٍ له - و سنشير إلى هذا التعريف - يقال له: النَفَل، و لجمعه: الأنفال. فالأنفال المبحوث عنها في هذا الكتاب تشمل جميع الثروات القوميّة، كالثروات الجوفيّة و الطبيعيّة.

المقدّمة الثانية: في المراد من الأنفال

قال اللّه - سبحانه و تعالى -: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ‌»(1). اختلف المفسّرون(2)و الفقهاء(3)في بيان المراد من «الأنفال» في هذه الكريمة بعد اتّفاقهم على أنّها تشمل كلّ ما لامالك معيّنٍ له. نعم! وقع الخلاف بينهم في مصاديقه - و سنشير إليها -.

المقدّمة الثالثة: في حكمها

قد دلّت الأدلّة الأربعة على كون الأنفال ملكاً للدولة الإسلاميّة. و هذا يظهر من آية الأنفال، لقوله - تعالى -: «قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ‌». و ليست ملكاً لشخصيّة الرسول صلى الله عليه و آله الطبيعيّة، بل هي ملكٌ لشخصيّته الاعتباريّة، فهي لمن تولّى أمر الحكم من بعده.

و في زمن الغيبة أيضاً هي من ميزانيّات الدولة الإسلاميّة، فأمرها بيد الحاكم الشرعيّ لينفقها فيما يراها صالحةً له. و قد مضى تفصيل الكلام في ذلك في التعليق على آية الخمس في مبتدأ كتاب الخمس، فراجعه!.

ثمّ إنّ هيهنا رواياتٍ كثيرةٍ لها دلالةٌ تامّةٌ على كونها متعلّقةً بالدولة الإسلاميّة؛ و سنفصّل الكلام حولها.


1) . كريمة 1 الأنفال.

2) . قال الشَّيخ رحمه الله: «اختلف المفسّرون في معنى الأنفال هنا، فقال بعضهم...»؛ راجع: «التبيان» ج 5 ص 71؛ و انظر: «تفسير القمّي» ج 1 ص 254، «تفسير فرات الكوفي» ص 151، «تفسير الصافي» ج 2 ص 266، «نور الثقلين» ج 2 ص 117، «الميزان» ج 2 ص 163.

3) . سنبحث عن أقوال الفقهاء فيها، و كذلك ممّا يرجع إلى الآية الكريمة من وجهة نظرهم.

أمّا الإجماع فقد اتّفقت كلمة الأعلام على أنّ ما لامالك معيّنٍ له فأمره بيد الفقيه الجامع لشرائط الفتيا. و من اللافت للنظر انّ القائلين بعدم ثبوت الولاية للفقيه أو الّذين لم يبحثوا عن ثبوتها له أيضاً وافقوا المشهور في هذا الحكم مستدلّين بدلالة قاعدة الحسبة عليه، فتمسّكوا بقاعدة الحسبة لثبوت ولاية الفقيه على الأنفال.

أمّا العقل فهو حاكمٌ بكونها لها، و قد جرت عليه سيرة العقلاء أيضاً في جميع الدول اليوم، إسلاميّةً كانت أو شيوعيّةً‌، أو رأس ماليّةٍ‌. و هذه السيرة تؤيّده الآية الكريمة و روايات الباب، فهي حجّةٌ في المقام.

فتحصّل من ذلك كلّه أنّ الأدلّة الأربعة متطابقةٌ على ثبوت الولاية للحكم على الأنفال، و أنّ أمرها بيده.

نعم! سيرة المسلمين زيادةً على الكريمة و روايات المبحث تدلّ على تخصيصها بالدولة الإسلاميّة؛ و هذا كلّه واضحٌ‌.

المقدّمة الرابعة: إجمال المبحث في مصادر القوم

إنّ المبحث لم يستوف حقّه في كتب القوم، سواءٌ في ذلك كتب المفسّرين و آثار الفقهاء، حتّى أنّ كثيراً من المصادر الفقهيّة - كالعروة الوثقى - لم يذكره مع ما له من الأهمّيّة(1)، و بعضها - كشرائع الإسلام - قد أوجز في البحث عنه، حتّى أنّ المحقّق الحلّي رحمه الله مع تضلّعه في الفقه لم يخصّص كتاباً للبحث عن أحكام الأنفال، بل جاء بها منضمّاً إلى كتاب الخمس(2). و من


1) . فإنّ الفقيه اليزديّ رحمه الله بعد أن فرق من كتاب الخمس شرع في كتاب الحجّ‌؛ انظر: «العروة الوثقى» ج 2 ص 408.

2) . فجعل كتاب الأنفال المقصد الأوّل من مقصدين ألحقهما بكتاب الخمس؛ انظر: «شرائع الإسلام» ج 1 ص 166.

الغريب في هذا المضمار انّ الفقيه النجفيّ رحمه الله أيضاً في جواهره لم يستوعب البحث عنها مع اقراره بإجمالها في كتب من تقدّم عليه(1). و يا ليته كان يفصّل الكلام عنها ليكون ذخراً لمن يأتي بعده من المجتهدين و الفقهاء.

المقدّمة الخامسة: في تَعداد مصاديق الأنفال

أشرنا في المقدّمة الثانية إلى الخلاف الواقع بين الفقهاء في تعداد مصاديق الأنفال بعد اتّفاقهم على أنّها تشمل كلّ ما لامالك معيّنٍ له.

أمّا تَعدادها فذهب المحقّق رحمه الله في الشرايع إلى كونها خمسةً‌(2)

و زاد عليها العلّامة قدس سره في القواعد حتّى عدّها عشرةً‌(3)

و المختار كونها تسعة عشر؛ و سنفصّل الكلام حولها.

هذه هي مقدّماتٌ أردنا أن نشير إليها ليكون الناظر في الرسالة على بصيرةٍ منها. و الآن ندخل في صلب الموضوع. فنقول - بعون اللّه و حسن توفيقه -:



1) . إشارةٌ إلى ما ذكره قدس سره بعد البحث عن فرعٍ من فروع الباب: «فتأمّل جيّداً، فإنّ المسألة غير محرّرةٍ في كلام الأصحاب مع احتياجها إليه»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 123. و الحكم جارٍ في جميع مسائل الباب.

2) . قال رحمه الله: «و هي خمسةٌ‌»؛ راجع: «شرائع الإسلام» ج 1 ص 166.

3) . قال رحمه الله: «و هي المختصّة بالإمام، و هي عشرةٌ‌»؛ راجع: «قواعد الأحكام» ص 364.

مصاديق الأَنفال وأَبحاثهاالمبحث الأَوَّل فى الأَراضي

المبحث الأوّل في الأراضي

اشارة

لاخلاف بين الأعلام في كونها من الأنفال؛ و تفصيل الكلام فيما يرجع إليها في عدّة مسائل.

المسألة الأولى في أقسام الأراضي

اشارة

قسّم الفقهاء الأرض إلى ستّة أقسام:

الأوّل: الأرضون الموات؛

و المراد منها غير العامرة من الأراضي. و هذا القسم هو الأصل فيها، إذ الأراضي بجميع أقسامها كانت غير عامرةٍ أوّلاً ثمّ صارت عامرةً‌؛

الثاني: الأراضي المعمورة؛

و المراد بها ما يقابل الأراضي المواتية في العرف؛

الثالث: الأراضي الخربة؛

و المراد بها الأرض الّتي كانت عامرةً أوّلاً ثمّ أعرض عنها مالكها فصارت خربةً‌؛

الرابع: الأراضي الّتي صارت ملكاً للمسلمين بعد محاربتهم الكافرين أو المشركين

من دون أن يظفروا عليهم؛ كخَيبَر، فإنّ اليهود صالحوا المسلمين بعد الحرب و قبل ظفرهم

عليهم على أن يكون الخيبر لهم(1)

الخامس: الفيء من الأراضي؛

و المراد بها الأراضي الّتي صارت ملكاً للمسلمين من دون محاربةٍ أصلاً. كأراضي بني النضير، فإنّهم بعد أن خانوا المسلمين في حرب الأحد(2)انجلوا عن المدينة الطيّبة فصارت أراضيهم ملكاً للمسلمين من دون أن تقع محاربةٌ‌(3)

السادس: الأراضي
اشارة

المفتوحة عنوةً‌؛ و المراد بها الأراضي الّتي صارت ملكاً للمسلمين بعد حربهم مع المشركين أو الكافرين.

و الأقسام كلّها للدولة الإسلاميّة. نعم! القسم الثاني منها ملكٌ لمن سَعى في عمرانه، و لكنّه أيضاً بتفويضٍ من الإمام عليه السلام. و الأراضي المفتوحة عنوةً أيضاً للمسلمين، و هي كالوقف في أنّ توليتها بيد الحكم. أمّا الأقسام الأربعة الباقية فهي لها من دون مدافعٍ‌.

و هيهنا نكتٌ‌:

النكتة الأولى

قلنا: إنّ الأراضي المفتوحة عنوةً كالوقف في أنّ أمرها بيد الدولة، و ليست هي من باب الوقف نفسه؛ إذ قوام الوقف بفكّ الملك، فلاوقف إلّابفكّه، بينما أنّ عنوان المسلمين هو المالك في تلك الأراضي، إذ هي قد تعلّقت بهم. فليست من باب الوقف.

النكتة الثانية

قد اختلفت كلمات الأصحاب في كيفيّة تمليك الأراضي العامرة الّتي كانت مواتيةً بعد اتّفاقها على جواز التصرّف فيها من غير نكيرٍ؛


1) . فانظر: «تاريخ المدينة» - لابن شبة النمريّ - ج 1 ص 176، «فتوح البلدان» ج 1 ص 25، «تاريخ الطبريّ‌» ج 2 ص 298.

2) . في هذا خلافٌ‌؛ فانظر: «البداية و النهاية» ج 4 ص 85.

3) . راجع: «إعلام الورى» ج 1 ص 188، «البداية و النهاية» ج 4 ص 87، «تاريخ اليعقوبي» ج 2 ص 49.

فذهب بعضهم(1)- و منهم السيّد الصدر رحمه الله في كتابه القيّم: اقتصادنا - إلى أنّه لاتمليك أصلاً، بل مَن سعى في عمرانها أحقّ بها من غيرها، فملكيّته ليست إلّاكحقّ التحجير، و له أن يبيع حقّه هذا فقط(2).

و المختار انّ «اللام» في قوله عليه السلام: «من أحيا أرضاً فهي له»(3)لام الملكيّة، فهي له على نحو التملّك الحقيقيّ‌(4). و لاثمرة عمليّة للمبحث بعد اتّفاق الكلّ على جواز التصرّف فيها.

النكتة الثالثة

المستفاد من الروايات - كما سنبحث عنها - انّ الأرض المفتوحة عنوةً لاتشمل بعنوانها الأراضي المواتيّة، لأنّها ملكٌ للإمام عليه السلام قبل الحرب و بعده، و لايحقّ للمسلمين أن يتصرّفوا في ملكه عليه السلام. نعم! هذا العنوان يشمل الأراضي العامرة الّتي كانت بأيدي


1) . كشيخ الطائفة رحمه الله حيث قال: «فأمّا الموات فإنّها لاتغنم، و هي للإمام خاصّةً فإن أحياها أحدٌ من المسلمين كان أولى بالتصرّف فيها، و يكون للإمام طسقها»؛ راجع: «المبسوط» ج 2 ص 29.

2) . قال قدس سره: «و أمّا الأرض الميتة عند الفتح فقد سمحت الشريعة للأفراد بممارسة إحيائها و إعمارها، و منحتهم حقّاً خاصّاً فيها على أساس ما يبذلون من جهدٍ في سبيل إحياء الأرض و عمارتها... فلايحصل الفرد على حقٍّ خاصٍّ في أرض [كذا في المطبوعة؛ و الظاهر: عرض] الملكيّة العامّة مهما قدم لها من خدماتٍ أو جدّد عمرانها بعد الخراب... إنّ عمليّة الإحياء لاتغيّر من شكل ملكيّة الأرض، بل تظلّ الأرض ملكاً للإمام أو لمنصب الإمامة، و لايسمح للفرد بتمّلك رقبتها و إن أحياها؛ و إنّما يكتسب بالإحياء حقّاً في الأرض دون مستوى الملكيّة، و يخول له بموجب هذا الحقّ استثمار الأرض و الاستفادة منها، و منع غيره ممّن لم يشاركه جهده و عمله من مزاحمته و انتزاع الأرض منه مادام قائماً بواجبها»؛ راجع: «إقتصادنا» ص 439.

3) . فانظر: «التهذيب» ج 4 ص 145 الحديث 26، «وسائل الشيعة» ج 9 ص 549 الحديث 12678، «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 111 الحديث 20902، «عوالي اللآلىء» ج 3 ص 480 الحديث 2.

4) . و انظر: «جواهر الكلام» ج 38 ص 9.

المشركين أو الكفّار أوّلاً ثمّ صارت ملكاً للمسلمين بعد الحرب ثانياً، و ذلك لثبوت ملكيّة الإمام عليه السلام عليها.

النكتة الرابعة

المستفاد من الروايات أيضاً: إنّ ثبوت الملكيّة على الأراضي المواتيّة لمَن سعى في عمرانها غير مختصٍّ بالمسلمين، بل الكافر لو لم يكن حربيّاً له أن يملك أرضاً عمّرها و أخرجها عن كونها ميتةً‌. فقوله عليه السلام: «من أحيى أرضاً من المسلمين» لايدلّ على انحصار الحكم في المسلمين فقط. و سنفصّل الكلام عن ذلك أيضاً.

المسألة الثانية في روايات الباب

اشارة

و هناك رواياتٌ كثيرةٌ تدلّ على ما ذكرناه؛

فطائفةٌ منها تدلّ على أنّ الأرض باطلاقها للدولة الإسلاميّة؛

و طائفةٌ منها تدلّ على أنّ الأراضي الخراجيّة لعنوان المسلمين؛

و طائفةٌ منها تدلّ على أنّ الأراضي المواتيّة للدولة الإسلاميّة.

إليك نبذةٌ منها.

الرواية الأولى

«و عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن ابن محبوب عن هشام بن سالمٍ عن أبي خالدٍ الكابليّ عن أبي جعفر عليه السلام قال: وجدنا في كتاب عليٍّ عليه السلام: «إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‌»(1)، أنا و أهل بيتي الّذين أورثنا الأرض، و نحن المتّقون و الأرض كلّها لنا»(2).

السند صحيحٌ و لاكلام في رفعته. و لها دلالةٌ تامّةٌ على أنّ الأرض بجميع أقسامها ملكٌ للدولة الإسلاميّة. نعم! يُخصّص عمومها بالنسبة إلى قسمين منها؛ و هما:

الأراضي العامرة؛

و الأراضي المفتوحة عنوةً‌. و ملكيّة مَن عمّرها بالنسبة إلى الأولى و المجاهدين على الثانية أيضاً بإذنهم و امضائهم عليهم السلام، فهما أيضاً كانتا للدولة بالأصالة ثمّ صارتا ملكاً


1) . كريمة 128 الأعراف.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 25 ص 414 الحديث 32246، «الكافي» ج 5 ص 279 الحديث 5؛ و انظر: «التهذيب» ج 7 ص 152 الحديث 23.

لمالكيهما بالعرض و بعنوانٍ ثانويٍّ‌.

الرواية الثانية

«محمّد بن الحسن بإسناده عن الصفّار عن أيّوب بن نوح عن صفوان بن يحيى عن أبي بردة بن رجاء قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: كيف ترى في شراء أرض الخراج‌؟ قال: و من يبيع ذلك‌؟ هي أرض المسلمين! قال: قلت:

يبيعها الّذي هي في يده، قال: و يصنع بخراج المسلمين ماذا؟ ثمّ قال:

لابأس، اشترى حقّه منها و يحوّل حقّ المسلمين عليه»(1).

السند صحيحٌ و لابأس به؛ و أبي بردة قد وثّقه جمعٌ من كبار الرجاليّين(2). المراد من أرض الخراج: الأراضي الخراجيّة، و هي الأراضي المفتوحة عنوةً‌. و المتراءى من قوله:

«كيف ترى في شراء أرض الخراج» و ما أجاب به عليه السلام عن سؤاله انّه كان من المرتكز في بالهم انّه لاريب في أنّ تلك الأراضي ملكٌ لعنوان المسلمين و لايجوز لمن تولّاها أن يبيعها. ثمّ قرّر الإمام عليه السلام على هذا الارتكاز مراعياً حقوق الساعين في فتحها و عمرانها؛ فقال عليه السلام: «اشترى حقّه منها...»؛ فله حقٌّ فيها و يجوز له أن يبيعه.

الرواية الثالثة

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عميرٍ عن حفص


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 155 الحديث 20197، «التهذيب» ج 4 ص 146 الحديث 28، «الإستبصار» ج 3 ص 109 الحديث 4.

2) . لم أعثر عليه، حيث أهمله كثيرٌ من الرجاليّين، كالنجاشيّ و العلّامة و التفرشيّ‌؛ و انظر: «تنقيح المقال» ج 3 ص 4 - من باب الكنى -، «معجم رجال الحديث» ج 21 ص 43 الرقم 13951.

بن البختريّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: الأنفال ما لم يوجف عليه بخيلٍ و لاركابٍ أو قومٍ صالحوا أو قوم أعطوا بأيديهم، و كلّ أرضٍ خربةٍ و بطون الأودية؛ فهو لرسول اللّه صلى الله عليه و آله، و هو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء»(1).

السند صحيحٌ‌، بل هو من عوالي الأسناد. و دلالتها على كون الأراضي للدولة تامّةٌ‌، إذ المراد من: «ما لم يوجف عليه بخيلٍ و لاركابٍ‌»: الأراضي الّتي صارت ملكاً للمسلمين من دون محاربةٍ أصلاً - كأراضي بني نضير -؛

و المراد من: «أو قوم صالحوا أو قوم اعطوا بأيديهم»: المشركون الّذين صالحوا المسلمينَ على أن يكون أراضيهم لهم - كمنطقة خيبر، حيث صالح اليهود المسلمين عليها -؛

و المراد من: «كلّ أرضٍ خربةٍ‌»: الأراضي المواتيّة، و هي تشمل الأراضي الّتي كانت عامرةً ثمّ صارت خربةً بانجلاء أهلها أو بسببٍ غيره، كما تشمل الأراضي المواتية بالأصالة؛

و قوله عليه السلام: «و بطون الأودية» يشمل الأراضي المواتية أيضاً. فدلالة الرواية على كون الأراضي بإطلاقها ملكاً للامام عليه السلام تامّةٌ واضحةٌ‌.

و روايات الباب كثيرةٌ قد ذكر بعضها الشيخ الحرّ رحمه الله في كتاب الجهاد، و بعضها في أقسام البيع، و بعضها في أبواب إحياء الموات، و بعضها في أحكام الأنفال؛ و فيما ذكرناه كفايةٌ‌.

فتحصّل ممّا قلنا جميعاً أنّ أربعةً من أقسام الأراضي الستّة تُعدُّ من الأنفال بالأصالة، و القسمين الآخرين أيضاً كانا منها أوّلاً ثمّ صارا لبعض المسلمين ثانياً و بالعرض.



1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 523 الحديث 12625، «الكافي» ج 1 ص 539 الحديث 3؛ و انظر أيضاً: «بحارالأنوار» ج 93 ص 209، «تفسير العيّاشي» ج 2 ص 47 الحديث 5.

المبحث الثّانى في البحار

المبحث الثاني في البحار

اشارة

و هذا العنوان هو الخامس من أقسام الأنفال على المختار، بل يُعدُّ من أهمّها. و نأتي بتفصيل الكلام فيه في مسائل.

المسألة الأولى الأقوال فيه

ذهب معلّم الطائفة و مفيدها رحمه الله في المقنعة إلى أنّ البحار تُعدُّ من الأنفال(1)، و وافقه فيه الحلبيّ في الكافي قدس سره. أمّا غيرهما من الأصحاب فلم يذكرها في عدادها، حتّى أنّ المحقّق في الشرايع و العلّامة 0 في القواعد لم يذكراها مع اهتمامهما بمواردها.

و لاينقضي العجب ممّا فعله الشيخ رحمه الله في التهذيب حيث غضّ النظر عنها و لم يذكرها جملةً و تفصيلاً مع ورودها في كلام المفيد.

و هيهنا نكتةٌ‌؛ و هي:

لاخلاف بين الفقهاء في أنّ الخمس ثابتٌ في الغوص، فعلى من غاص البحار و استخرج منها لؤلؤاً أن يعطي خمسه للإمام عليه السلام، هذا من ناحيةٍ‌؛ و من ناحيةٍ أخرى ذكروا الغوص


1) . قال رحمه الله: «و الأنفال كلّ أرضٍ فُتحت... و الآجام و البحار...»؛ راجع: «المقنعة» ص 287.

قسيماً لأرباح المكاسب، لاقسماً منها، فليس تعلّق الخمس بالغوص من باب كونه ربحاً، بل له وجهٌ آخر. و يمكن أن يقال: الوجه كونها من الأنفال، إذ لامعنى لتعلّق الخمس به إلّاكونها من أموال الإمام عليه السلام. فيمكن أن يقال: إنّ الفقهاء و إن لم يذكروا البحار في عداد الأنفال و لكن ذهابهم إلى تعلّق الخمس بما يستخرج منها من اللؤلؤ و المرجان و غيرهما ينبىء عمّا ارتكز في أذهانهم من القول بكونها منها.

و يؤيّده قولهم بأن لاخمس في السمك المصطاد من البحار، إذ الإمام عليه السلام قد عفا عن خمسه و وهبه لصائده، أمّا اللؤلؤ فلم يعف عن خمسه. و قولهم هذا عبارةٌ أخرى عن كون البحار ملكاً له عليه السلام.

المسألة الثانية أدلّتنا على المختار

اشارة

و تدلّ على المختار من كونها منها أدلّةٌ‌. و هي:

الأوّل:

تعلّق الخمس بما يصطاد منها من اللؤلؤ و المرجان و غيرهما وجوباً. فالبحار ملك الإمام، و لا معنى لملكيّته عليه السلام عليها إلّاكونها من الأنفال.

و قد مرّ تفصيل الكلام فيه في باب الخمس، كما مرّت الإشارة إليه آنفاً أيضاً.

الثاني:

كونها ممّا لاربّ له. فتشملها القاعدة المتسالم عليها: «ما لا ربّ له فهو من الأنفال»(1). و الفقيه اليزديّ رحمه الله قد تمسّك بالقاعدة في كثيرٍ من فروعات عروته، فحكم بكونه منها ثمّ بثبوت ملكيّة الإمام عليه السلام عليها. و من الغريب غفلته عن كون البحار من جملتها فلم يعدّها من الأنفال هيهنا. و لافرق في ذلك بين الصحاري و الفلوات و البحار.

الثالث:

الظاهر انّ «الأرض» المذكورة في روايات الباب لايراد منها إلّاما يقابل السماء، فهي تشمل البحر أيضاً، كاشتمالهاعليه في قوله - تعالى -: «لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَ الْأَرْضِ‌»(2)،


1) . فانظر: «كتاب المكاسب و البيع» - لسماحة الحجّة الآمليّ رحمه الله - ج 2 ص 368، «حاشية المكاسب» - للمحقّق الأصفهانيّ قدس سره - ج 3 ص 25، «كتاب البيع» - للإمام الخمينيّ رحمه الله - ج 3 ص 66.

2) . تكرّرت هذه الكريمة في القرآن الكريم؛ فانظر: كريمة 126 و 131 و 132 و 170 النساء.

إذ ليس المراد من «الْأَرْضِ‌» في هذه الكريمة ما لايشمل البحر، بل المراد منه ما يقابل السماء، فيشمل البحر أيضاً. و هذا كما في صحيحة الكابلي الّتي مرّت الإشارة إليها، فانّ قوله عليه السلام: ««إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‌»(1)و الأرض كلّها لنا»(2)يشير إلى أنّ الأرض و ما حوت عليه تتعلّق بالإمام عليه السلام، و من جملته البحار أيضاً، فهي له عليه السلام. و يؤيّد المختار بل تدلّ عليه صريحاً صحيحة أبي سيّار، و نصّها:

«و بإسناده عن سعد بن عبداللّه عن أبي جعفرٍ عن الحسن بن محبوب عن عمرو بن يزيد عن أبي سيّار مسمع بن عبدالملك في حديثٍ قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: إنّي كنت وُلّيت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهمٍ‌، و قد جئت بخمسها -: ثمانين ألف درهمٍ - و كرهت أن أحبسها عنك و أرض لها و هي حقّك الّذي جعل اللّه - تعالى - لك في أموالنا؛ فقال: و ما لنا من الأرض و ما أخرج اللّه منها إلّاالخمس، يا أباسيّار! الأرض كلّها لنا فما أخرج اللّه منها من شيءٍ فهو لنا»(3).

السند صحيحٌ‌، و لاكلام لأحدٍ فيه. و دلالتها على أنّ لفظة الأرض تشمل البحار أيضاً واضحةٌ‌، حيث إنّ أباسيّار ذكر انّه ولّى الغوص، و ليس الغوص إلّافي البحر، فقال الإمام عليه السلام: «و ما لنا من الأرض... الأرض كلّها لنا».


1) . كريمة 128 الأعراف.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 25 ص 414 الحديث 32246، «الكافي» ج 5 ص 279 الحديث 5؛ و انظر: «التهذيب» ج 7 ص 152 الحديث 23.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 548 الحديث 12686؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 144 الحديث 25، «الكافي» ج 1 ص 408 الحديث 3 - مع تغييرٍ في المصدرين الأخيرين -.

الرابع:
اشارة

صحيحة حفص بن البختريّ‌، و لها دلالةٌ تامّةٌ على كون البحار منها. و نصّها:

«محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن حفص بن البختريّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: إنّ جبرئيل عليه السلام كرى برجله خمسة أنهارٍ و لسان الماء يتبعه: الفرات، و دجلة، و نيل مصر، و مهران، و نهر بلخ. فما سقت أو سقي منها فللإمام. و البحر المطيف بالدنيا و هو أفسيكون»(1).

أشرنا إلى أنّ السند صحيحٌ‌. و الشاهد في قوله عليه السلام: «و البحر المطيف بالدنيا». و المراد من المطيف: المحيط، و لا خصوصيّة فيه، فجميع البحار للإمام عليه السلام، كما تشهد له هذه الصحيحة.

نكتةٌ‌

قوله عليه السلام: «و هو أفسيكون» لم يرد في بعضٍ من الجوامع الّتي ورد الحديث فيه. كما قال الشيخ الحرّ رحمه الله معلّقاً على نفس الحديث:

«و رواه الكلينيّ‌(2)عن محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان و عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه جميعاً عن ابن أبي عمير عن حفص بن البختريّ‌؛ إلّاانّه حذف قوله: و هو أفسيكون»(3).

و العبارة و إن كانت مجملةً غير مبيّنة المعنى و لكن لايسري إجمالها إلى متن الحديث، لانعقاد الكلام عند قوله عليه السلام: «و البحر المطيف بالدنيا». فلاتكون الرواية مجملةً غير قابلةٍ‌


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 530 الحديث 12642، «الفقيه» ج 2 ص 45 الحديث 1663.

2) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 409 الحديث 8.

3) . أشرنا آنفاً إلى مصدره.

للاعتماد، بل الظاهر جواز الاستناد إليها(1)

الأوّل: إنّ الصدوق رحمه الله قد روى الحديث مرّةً أخرى في الخصال و لم يوجد فيه هذه العبارة؛ راجع: «الخصال» ج 1 ص 291 الحديث 54؛

الثاني: إنّ الكلينيّ رحمه الله أيضاً حينما ذكر الحديث لم يذكر هذه القطعة - كما أشار إليه المحدّث الحرّ رحمه الله، و قد أشرنا إلى مصدره في التعليقة السالفة -.

قال العلّامة المجلسيّ قدس سره بعد أن نقل الحديث: «و هذا الخبر رواه في الفقيه... و زاد في آخره: و هو أفسبكون، و لعلّه من الصدوق فصار سبباً للإشكال»؛ راجع: «بحار الأنوار» - الطبعة البيروتيّة - ج 57 ص 44.

و قال أبوه العلّامة: «و هو أفسيكون، من الصدوق لعدم ذكره في الكافي»؛ راجع: «روضة المتّقين» ج 3 ص 139.

.
الخامس:

سيرة العقلاء أيضاً تدلّ على المختار، حيث إنّ المشاهَد من العقلاء في جميع الدول و أقسام الحكومات عدُّ البحار من الأنفال و الثروات القوميّة. فلايقولون بجواز التصرّف فيه لأحدٍ من غير إذنٍ من الدولة. كما انّ الدول تمنعون عن صيد السمك من البحار و الغوص فيها في بعض الأيّام، كأيّام تناسل السماك.

فتحصّل من سرد هذه الأدلّة الخمسة أنّ البحار أيضاً تُعدُّ من الأنفال، و هي القسم الخامس منها.



1) . الظاهر بل المقطوع به انّ قوله: «و هو أفسيكون» ليس من متن الحديث، بل قد زاده الصدوق رحمه الله بعده شارحاً قوله عليه السلام: «البحر المطيف بالدنيا». و يدلّ عليه أمران:

المبحث الثّالث في أسياف البحار و الأَنهار

المبحث الثالث في أسياف البحار و الأنهار

اشارة

و سيف البحر هو السادس من الأنفال. و المراد منه: سواحله و شواطئه. و فيه نكاتٌ‌.

النكتة الأولى

لادليل بخصوصه على كون الساحل من الأنفال، إذ لم يرد ذكره في آيةٍ كريمةٍ أو سنّةٍ شريفةٍ‌؛ و أهمل ذكره كثيرٌ من الأصحاب، بل المشهور منهم. نعم! ذكره بعضهم كالمحقّق(1)و العلّامة 0(2)و أفضل المتأخّرين كاشف الغطاء رحمه الله(3)و هو المختار(4).

النكتة الثانية

أشرنا إلى انّه لم يرد ذكر سواحل البحار في الآيات و الروايات. و لكن يدلّ على كونها


1) . راجع: «شرائع الإسلام» ج 1 ص 166.

2) . لم أعثر عليه بين كتبه؛ فانظر: «منتهى المطلب» - الطبعة الحجريّة - ج 1 ص 553، «تحرير الأحكام» - الطبعة الحجريّة - ج 1 ص 74، «تبصرة المتعلّمين» ص 76، «قواعد الأحكام» ج 1 ص 364، «مختلف الشيعة» ج 3 ص 337؛ و انظر أيضاً: «إيضاح الفوائد» ج 1 ص 218.

3) . لم أعثر على نصٍّ منه رحمه الله فيه أيضاً؛ فانظر: «كشف الغطاء» ج 2 ص 363.

4) . و انظر: «كتاب الخمس» - للشيخ الأعظم رحمه الله - ص 358، «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 600، «كتاب الخمس» للشيخ مرتضى الحائريّ قدس سره - ص 642، «كتاب الخمس» - للمحقّق الخوئيّ رحمه الله - ج 1 ص 361.

منها انخراطها في الموات من الأراضي، و لاخلاف في كونها من الأنفال. و كذلك انخراطها في ما لا ربّ له، و مضى تفصيل الكلام في دلالة القرآن الكريم و السنّة الشريفة و الإجماع و العقل على أنّ كلّ ما لا ربّ له فهو للإمام، فهو من الأنفال؛ فسواحل البحار و أسيافها من الأنفال أيضاً.

نعم! قاعدة الإحياء - و هي القائلة ب‍: «أنّ من أحيى أرضاً فهي له» - تشمل سيف البحر أيضاً، إذ لافرق بين الصحاري و الأسياف في إطلاق اسم الأرض عليهما. فهي من الأنفال أوّلاً إلّاانّه يجوز للناس أن يسعوا في احيائها و عمرانها، ثمّ تصير ملكاً لهم و تخرج من كونها نفلاً؛ هذا.

النكتة الثالثة

ذكر المحقّق صاحب الشرائع رحمه الله سيف البحار في عداد الأنفال، ثمّ ذهب المحقّق النجفيّ قدس سره شارحاً كلامه هذا إلى كونه معطوفاً إلى «المفاوز» في عبارته(1)، فهو من أقسام الأراضي المواتيّة، لا قسيماً لها.

و هذا لايستقيم في نظرنا، بل الظاهر كونه قسيماً لها. فالصحيح عدّه على رأسه من الأنفال، لا جعله تبعاً للأراضي المواتيّة.



1) . قال رحمه الله: «و ذكر المصنّف من الأنفال سيف البحار... لكن يحتمل عطفه في كلامه على المفاوز»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 199. و له احتمالٌ آخر في عبارة الماتن يوافق ما ذهب إليه الشَّيخ الأستاذ - جعله اللّه في حفظه -؛ راجع: نفس المصدر.

المبحث الرابع في المياه

المبحث الرابع في المياه

اشارة

و في المبحث مسألتان.

المسألة الأولى المشهور في المسألة و المختار فيها

المختار كون المياه كلّها من الأنفال أيضاً. و لا فرق فيها بين النابعات من الآبار و العيون و السائلات الجاريات في الأنهار و الساكنات في البحار - و قد أشرنا إلى كون البحار من الأنفال -. و من الغريب انّ القوم برمّتهم قد غفلوا عن ذكرها، فلم يذكروها في عدادها!.

المسألة الثانية أدلّتنا على المختار

اشارة

و تؤيّد المختار أدلّةٌ ثلاثة:

الدليل الأوّل:

كون المياه كلّها من الأراضي المواتيّة، أو فيها، أو عليها. فعلى كلٍّ هي منها؛ و هذا ظاهرٌ. فإذا ثبت كون الأراضي المواتيّة من الأنفال يثبت كون ما يتعلّق بها و يخرج منها أو يجري فيها أو عليها من الأنفال أيضاً. لعدم ثبوت مخصّصٍ في المقام أوّلاً حتّى يخصّص المياه فيخرجها عن كونها منها؛

و دلالة العرف عليه ثانياً، لأنّ عرف العقلاء يشهد بأنّ من اشترى داراً فله ما يتعلّق بها أيضاً، حتّى لوأثلجت السماء فانّ الثلج النازل على سطح الدار يتعلّق بمالكها، و هذا ممّا لايختلف فيه اثنان.

ثمّ الحكم يجري في ملك الإمام أيضاً، فما يخرج من الأراضي المواتيّة الّتي كلّها تتعلّق به عليه السلام أو ما يجري عليها أو فيها كلّه له عليه السلام أيضاً؛ فالمياه ملكه، فهي من الأنفال.

الدليل الثاني:

كونها ممّا لا ربّ له، و لاخلاف في أنّ «ما لا ربّ له فهو للإمام». و مضى تفصيل الكلام حول هذه القاعدة. و انطباقها على المياه ظاهرٌ، فهي ملكٌ للإمام، فهي من الأنفال.

نعم! لقاعدة الإحياء - القائلة ب‍: «أنّ مَن أحيى أرضاً فهي له» - تقدّمٌ بالنسبة إلى عموم ملكيّته عليه السلام على المياه، فمن أحيا أرضاً فله أن يحفر فيها بئراً و يستخرج منها الماء.

و يمكن أن يقال: انّ هذا مقتضى قاعدة الإحياء أيضاً، فلاتنافي بين القاعدة و بين كون المياه من الأنفال.

الدليل الثالث:
اشارة

و هو العمدة في الباب، و هو روايتان تدلّان على كونها منها. و نصّهما:

الرواية الأولى

«محمّد بن عليّ بن الحسين باسناده عن حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: إنّ جبرئيل كرى برجله خمسة أنهارٍ لسان الماء يتّبعه: الفرات، و دجلة، و نيل مصر، و مهران، و نهر بلخ. فما سقت أو سقي منها فللإمام. و البحر المطيف بالدنيا و هو أفسيكون»(1).

السند صحيحٌ‌، بل هو من عوالي الأسناد. أضف إلى ذلك انّ المشايخ الثلاثة قد رووها؛ كما انّ صاحب الوسائل رحمه الله رواها من طريقي الكلينيّ و الصدوق 0(2). و دلالة الرواية على المقصود تتمّ بالنظر إلى أنّ ذكر الأنهار الخمسة ليس إلّاعلى سبيل المثال، فما سُقِي منها يتعلّق بالإمام كما انّ ما سُقِي من غيرها من الأنهار له عليه السلام أيضاً. فالمياه كلّها له عليه السلام.

الرواية الثانية

«محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن أحمد عن محمّد بن عبداللّه بن أحمد عن عليّ بن النعمان عن صالح بن حمزة عن أبان بن مصعبٍ عن يونس بن ظبيان أو المعلّي بن خنيسٍ قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ما لكم من هذه الأرض‌؟ فتبسّم ثمّ قال: إنّ اللّه بعث جبرئيل و أمره أن يخرق بإبهامه ثمانية أنهارٍ في الأرض، منها سيحان و جيهان و هو نهر بلخٍ‌، و


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 530 الحديث 12642، «الفقيه» ج 2 ص 45 الحديث 1663.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 530.

الخشوع و هو نهر الشاش، و مهران و هو نهر الهند، و نيل مصر، و دجلة و الفرات، فما سقت أو استقت فهو لنا»(1).

السند لابأس به، و يونس بن ظبيان و معلّي بن خنيس لا شيء فيهما إلّاكونهما من خلّص الأصحاب، فرماهما بعض الرجاليّين بالغلوّ(2)- <a href="#ref-footnote3-page364" id="footnote3-page364" style="display:inline-block">(3)، و هذا الغلوّ لابأس به.

و تفصيل الكلام في كيفيّة الاستشهاد بها قد مضى في التعليق على الرواية السابقة عليها؛ فراجعه!.

فتحصّل ممّا قلنا انّ المياه تعدُّ من الأنفال أيضاً، و ذلك بالنظر إلى دلالة هذه الأدلّة الثلاثة عليه.



1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 550 الحديث 12691، «الكافي» ج 1 ص 409 الحديث 5؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 62 ص 124.

2) . أمّا يونس بن ظبيان فذكره الشَّيخ رحمه الله من غير أن يتكلّم فيه؛ راجع: «رجال الطوسيّ‌» ص 323 الرقم 4829، «الفهرست» ص 512 الرقم 815. و عن النجاشيّ قدس سره: «ضعيفٌ جدّاً لايلتفت إلى ما رواه، كلّ كتبه تخليطٌ»؛ راجع: «رجال النجاشي» ص 448 الرقم 1210؛ و قال ابن الغضائريّ رحمه الله: «غالٍ كذّابٌ وضاعٌ للحديث»؛ راجع: «رجال ابن الغضائريّ‌» ص 101 الرقم 152؛ و انظر: «نقد الرجال» ج 5 ص 108 الرقم 5898، «منتهى المقال» ج 7 ص 88 الرقم 3304.

3) . أمّا معلّي بن خنيس فرماه النجاشيّ قدس سره بانّه «ضعيفٌ جدّاً، لايعوّل عليه»؛ راجع: «رجال النجاشيّ‌» ص 417 الرقم 1114؛ و قال ابن الغضائريّ رحمه الله: «و الغلاة يضيفون إليه كثيراً»؛ راجع: «رجال ابن الغضائريّ‌» ص 87 الرقم 116. أمّا الشيخ رحمه الله فوثّقه في كتاب الغيبة حيث قال: «كان من قوّام أبي عبداللّه عليه السلام... و كان محموداً عنده و مضى على منهاجه»؛ راجع: «كتاب الغيبة» ص 210، أمّا في كتاب الرجال فلم يأت بشيءٍ حوله؛ راجع: «رجال الطوسيّ‌» ص 304 الرقم 4473؛ و انظر: «رجال الكشّي» ج 2 ص 674، «معجم رجال الحديث» ج 18 ص 237 الرقم 12496، «تنقيح المقال» ج 3 ص 230 الرقم 11994. و للتحقيق التامّ حول الرجل راجع: «أصول علم الرجال» ص 589.

المبحث الخامس في منافع البحار و الأَنفال من الأَراضي

المبحث الخامس في منافع البحار و الأنفال من الأراضي

اشارة

و هي الثامن من الأنفال. و المراد منها جميع ما في البحار من المنافع - كالسماك و اللآلىء و العنبرات و غيرها -؛ و كذلك جميع ما في الأنفال من الأراضي منها - كالشُجيرات و الأيكات و الحيوانات الوحشيّة و الضائعة، كالغزالات؛ و هكذا غيرهما من منافعها -.

المسألة الاولى المختار في المسألة

ثمّ انّه قد أشرنا مراراً إلى انّ القوم قد أجملوا في البحث عن الأنفال و مصاديقها، كما قد أذعن و أقرّ به صاحب الجواهر رحمه الله في البحث عنها(1). و الظاهر انّ ذلك يتبع اجمال البحث عنها في الروايات. فإنّ كثيراً منها - كما نحن فيه الآن - لم يذكر في روايات الباب. و كيف كان فالمختار انّ هذه المنافع أيضاً تعدّ منها.


1) . قد أشرنا في مبتدأ هذا الباب إلى انّه رحمه الله قال بعد تحقيق مبحث الآجام: «... فانّ المسألة غير محرّرةٍ في كلام الأصحاب مع احتياجها إليه»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 123. و هذا حكمٌ يجري في جميع مسائل الباب.

المسألة الثانية أدلّتنا على المختار

اشارة

و تدل على المختار أدلّةٌ‌.

الدليل الأوّل:

قاعدة «لا حمى». فانّ من المقرّر في الشريعة انّه «لا حمى في الإسلام إلّالرسول اللّه صلى الله عليه و آله» كما انّه «لا حمى في الاسلام إلّاللإمام عليه السلام»(1). و معنى القاعدة انّه يجوز لكلّ أحدٍ أن يرعى غنمه في الصحاري كما انّه يجوز له أن يأخذ و يستفيد من أيكاتها، و لكن لايجوز لأحدٍ أن يُحرِّجَ و يحظّر أرضاً من الأراضي المواتيّة لقطيعه و ثَلَّته، فيجعلها محجراً لها؛ هذا من المتّفق عليه بين العامّة و الخاصّة.

و من المتّفق عليه بين الفريقين أيضاً جواز ذلك للحكم و الدولة، كما انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد حظّر الناس عن رعي غنمهم في قطعةٍ من صحاري المدينة الطيّبة و جعلها محجراً للحيوانات الذكويّة(2). نعم! لكلّ قريةٍ حريمٌ و حومةٌ يختصّ بأهلها، و لكن هذا لايعدّ من الأنفال.

و هيهنا نكتةٌ‌؛ و هي: انّه لاخصوصية للإسلام في قولهم: «لا حمى في الإسلام إلّا...»، كما انّه لاخصوصية له في قولهم: «لاضرر و لاضرار في الإسلام». إذ القاعدتان ممّا حكم به


1) . راجع: «الخلاف» ج 3 ص 528، «المبسوط» ج 3 ص 270، «الغنية» ص 294، «السرائر» ج 2 ص 381، «مسالك الأفهام» ج 12 ص 421، «جواهر الكلام» ج 38 ص 62؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 31 ص 229.

2) . راجع: «المبسوط» ج 3 ص 270، «السرائر» ج 2 ص 381، «قواعد الأحكام» ج 2 ص 269. و روى ابن شبة النمريّ عن بعضهم: «إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله حمى النقيع لخيل المسلمين ترعى فيه»؛ راجع: «تأريخ المدينة» ج 1 ص 155؛ و انظر: «فتوح البلدان» ج 1 ص 8، «ذكر أخبار أصفهان» ج 2 ص 116. و بين النقيع و المدينة عشرون فرسخاً، و قيل: عشرون ميلاً؛ انظر: «كتاب الفتن» - للمروزي - ص 368 الهامش 1.

العقلاء في جميع الأعصار و الأمصار، فهذا القيد لا مدخليّة له في القاعدة.

و الحاصل من ذلك كلّه انّ قاعدة «لا حمى» تدلّ على كون المنافع الموجودة في الصحاري و الفلوات و البحار من الأنفال، إذ ذلك مقتضى كونها ملكاً للإمام عليه السلام.

الدليل الثاني:

عدم تعقّل الانفكاك بين الظرف و المظروف، فإنّا قد فصّلنا الكلام في كون الظرف - أي: البحار و الصحاري - من الأنفال، و لايجوز - بل لايُعقل - أن لايكون مظروفه منها، إذ لايعقل انفكاكه منه. فالتلازم بين الظرف و المظروف من ناحيةٍ‌، و كون الظرف من الأنفال من ناحيةٍ أخرى يحكمان بكونها منها.

الدليل الثالث:

انخراطها في ما لا ربّ له، و قد مضى تفصيل الكلام في أنّ ما لا ربّ و لا مالك له يعدّ من أملاك الإمام عليه السلام، فجميع الأيكات و الحيوانات الضائعة البرّيّة و البحريّة ملكٌ له عليه السلام، فهو من الأنفال.


المبحث السّادس في رؤُوس الجبال و بطون الأَودية

المبحث السادس في رؤوس الجبال و بطون الأودية

اشارة

و هما التاسع و العاشر من الأنفال. و فيه مسائل.

المسألة الأولى تحديد مصبّ الكلام

الظاهر انّ تقييد الجبال برؤوسها و كذلك تقييد الأودية ببطونها ممّا لامدخليّة له في المبحث، إذ الجبال و الأودية كلّها من الأنفال. و لا فرق في ذلك بين رؤوس الجبال و سفحها، كما انّه لافرق بين بطون الأودية و جدرانها؛ إذ العرف لايفرّق بين أجزاء الجبال و الأودية في كونها ملكاً لجميع الناس، كما هو المشاهَد اليوم من سيرة العقلاء في جميع نواحي العالم.

فالظاهر انّه لادور للقيدين إلّاتقرير كونهما من الأنفال حتّى رؤوس الأوّل و بطون الثاني.

المسألة الثانية ما هو الوجه في تخصيصهما بالذكر؟

لا خلاف بين الأعلام في كون الأراضي الميتة و الأراضي الّتي لاربّ لها من الأنفال، و لاخلاف أيضاً في صحّة إطلاق الميتة على رؤوس الجبال و بطون الأودية، كما انّه يصدق عليهما أنّهما ممّا لاربّ له.

فما هو الوجه في ذكرهما بخصوصهما في الروايات‌؟ و ما هو الوجه في تخصيص الفقهاء إياهما بالذكر قسيماً للأراضي الميتة و ما لا ربّ له‌؟ - كما فعله كثيرٌ منهم، كالمحقّق(1)و العلّامة(2)و صاحب الجواهر(3)و السيّد الحكيم(4)-؟ قال الصادق عليه السلام في صحيحة الكابليّ - الّتي مرّ الكلام فيها فيما سبق من هذه الرسالة -:

«و الأرض كلّها لنا»(5)

و لاريب في شمول عنوان «الأرض» بالنسبة إليهما، فهما للإمام عليه السلام؛ فما هو المصحِّح لذكرهما بخصوصهما مع صحّة إطلاق «الأرض» عليهما؟. و الظاهر انّ المحقّق النجفيّ رحمه الله كان ناظراً إلى هذا الإشكال حيث فسّر قول المحقّق رحمه الله في تعداد الأنفال: «و الأرضون الموات» ب‍: «المفازة»(6)، لتخرج منها الجبال و الأودية.


1) . راجع: «شرائع الإسلام» ج 1 ص 166.

2) . راجع: «منتهى المطلب» - الطبعة الحجريّة - ج 1 ص 553، «تذكرة الفقهاء» - الطبعة الحجريّة أيضاً - ج 1 ص 254.

3) . راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 120.

4) . راجع: «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 601.

5) . انظر: «الكافي» ج 1 ص 407 الحديث 1، «وسائل الشيعة» ج 25 ص 414 الحديث 32246.

6) . حيث لم يفصّل بين الأرضين الموات و المفاوز في شرح عبارة الماتن؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 117.

و لكن كلامه هذا لايؤيّده العرف، إذ أشرنا إلى أنّه يصحّ إطلاق اسم الأرض عليهما، كما انّه لايصحّ سلب هذا العنوان عنهما. فالظاهر انّه ليس هذا التكرير إلّامن باب التأكيد على كون جميع الموات من الأراضي من الأنفال، مفازةً كانت، أو جبلاً، أو أوديةً‌.

المسألة الثالثة ما يدلّ على كونهما منها

اشارة

و تدلّ على كونهما من الأنفال - زيادةً على ما دلّ على كون الأراضي المواتيّة منها؛ و زيادةً على دلالة قاعدة «ما لا ربّ له فهو للإمام عليه السلام» عليه؛ و كذلك زيادةً على عدم انفكاك الظّرف عن المظروف - جملةٌ من الروايات.

منها:

الرواية الأولى

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حفص البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: الأنفال ما لم يوجف عليه بخيلٍ و لاركابٍ أو قومٍ صالحوا أو قوم أعطوا بأيديهم، و كلّ أرضٍ خربةٍ و بطون الأودية؛ فهو لرسول اللّه صلى الله عليه و آله، و هو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء»(1).

السند صحيحٌ‌، و هو من عوالي الأسناد. ذكر الإمام عليه السلام بطون الأودية، و لم يذكر فيها رؤوس الجبال. فدلالتها على كون الأوّل منها تامّةٌ كاملةٌ‌.

الرواية الثانية

«و عنه عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح عليه السلام في حديثٍ قال: و له بعد الخمس الأنفال. و الأنفال كلّ أرضٍ خربةٍ باد أهلها و كلّ أرضٍ لم يوجف عليها بخيلٍ و لاركابٍ و لكن صالحوا


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 523 الحديث 12625، «الكافي» ج 1 ص 539 الحديث 3؛ و انظر أيضاً: «بحارالأنوار» ج 93 ص 209، «تفسير العيّاشي» ج 2 ص 47 الحديث 5.

صلحاً و اعطوا بأيديهم على غير قتالٍ‌، و له رؤوس الجبال و بطون الأودية و الآجام و كلّ أرضٍ ميتةٍ لاربّ لها»(1).

السند صحيحٌ‌. و لابأس بالارسال الواقع فيه، إذ المرسِل هو حمّاد بن عيسى الّذي يُعدُّ من أصحاب الإجماع(2)فلاضير في إرساله. و دلالتها على المقصود واضحةٌ‌. حيث إنّ الإمام عليه السلام خصّ أوّلاً رؤوس الجبال و بطون الأودية بالذكر في عداد الأنفال، ثمّ عمّم فقال: «كلّ أرضٍ ميتة لا ربّ لها»؛ فهما من قبيل الخاصّ و هي من قبيل العامّ‌. و هذا واضحٌ‌.

الرواية الثالثة

«و عنه عن إبراهيم بن هاشم عن حمّاد بن عيسى عن محمّد بن مسلمٍ عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سمعه يقول: إنّ الأنفال ما كان من أرضٍ لم يكن فيها هراقة دمٍ‌، أو قومٌ صولحوا و أعطوا بأيديهم، و ما كان من أرضٍ خربةٍ أو بطون أوديةٍ فهذا كلّه من الفيء؛ و الأنفال للّه و للرسول، فما كان للّه فهو للرسول يضعه حيث يحبّ‌»(3).

السند صحيحٌ‌؛ و المذكور فيها بطون الأودية فقط، فهي تدلّ على كونها منها.

الرواية الرابعة

«و عنه عن سنديّ بن محمّدٍ عن علاء عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 524 الحديث 12628، «الكافي» ج 1 ص 541 الحديث 4؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 130 الحديث 2.

2) . راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 673.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 526 الحديث 12634، «التهذيب» ج 4 ص 133 الحديث 4.

قال: سمعته يقول: الفيء و الأنفال ما كان من أرضٍ لم يكن فيها هراقة الدماء و قومٌ صولحوا و أعطوا بأيديهم و ما كان من أرضٍ خربةٍ أو بطون أوديةٍ فهو كلّه من الفيء»(1).

السند صحيحٌ أيضاً. و دلالتها كدلالة السابقة عليها.

الرواية الخامسة

«و عنه عن أحمد بن محمّد عن بعض أصحابنا رفع الحديث - إلى أن قال: - قال: و ما كان من فتحٍ لم يقاتل عليه و لم يوجف عليه بخيلٍ و لاركابٍ‌، إلّا انّ أصحابنا يأتونه فيعاملون عليه فكيف ما عاملهم عليه‌؟ النصف أو الثلث أو الربع أو ما كان يسهم له خاصّةً و ليس لأحدٍ فيه شيءٌ إلّاما أعطاه هو منه و بطون الأودية و رؤوس الجبال و الموات كلّها هي له؛ و هو قوله - تعالى -: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ‌»(2)»(3).

السند صحيحٌ‌، و كيفيّة الاستدلال بها نفس ما مرّ في التعليق على الرواية الثانية؛ و لانعيده حذراً عن التطويل، فراجعه!.

فتحصّل ممّا قلنا انّ الجبال و الأودية كلّها - رؤوسها و بطونها و غيرهما من أجزائها - تعدّ من الأنفال؛ و ذلك بدلالة هذه الأدلّة الثلاثة عليه.



1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 527 الحديث 12636؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 134 الحديث 10.

2) . كريمة 1 الأنفال.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 529 الحديث 12641، «التهذيب» ج 4 ص 126 الحديث 5.

المبحث السّابع في الآجام

المبحث السابع في الآجام

اشارة

و هي الحادي عشر من الأنفال. و فيه مسائل.

المسألة الاولى في المراد منها

ف الآجام جمع: الأَجَمْ‌، و هو جمع: الأَجَمَةْ‌. فالآجام جمع جمعها.

و المراد منها: الشجر الكثير الملتفّ‌، كما نصّ عليه جمعٌ من اللغويّين - كأصحاب القاموس(1)و المصباح(2)و منتهى العرب(3)و المنجد(4)و أقرب الموارد(5)و غيرهم(6)-. و هي


1) . قال: «الأَجَمَة - محرّكةً -: الشجر الكثير الملتفّ‌، ج: أُجْمٌ‌»؛ راجع: «القاموس المحيط» ص 992 القائمة 1.

2) . قال: «الأَجَمَة: الشجر الملتفّ‌، و الجمع: أجم... و الآجام: جمع الجمع»؛ راجع: «المصباح المنير» ص 8.

3) . قال: «درختهاى بسيار به هم پيچيده»؛ راجع: «منتهى الارب» ج 1 ص 12 القائمة 4.

4) . قال: «الأَجَمَة ج أجَم و أجُم و أجمات، و جج: آجام: الشجر الكثير الملتفّ‌»؛ راجع: «المنجد» ص 4 القائمة 2.

5) . قال: «الأَجَمَة: الشجر الكثير الملتفّ‌، ج: أُجْمٌ و أجَمات، و جج: آجام»؛ راجع: «أقرب الموارد» ج 1 ص 5 القائمة 3.

6) . فانظر: «صحاح اللغة» ج 5 ص 1858 القائمة 1.

يشمل الحَرْج و الغابة و القصباء و ما يشبهها في الاشتمال على كثيرٍ من النباتات. و كون المراد منها الحالّ و المحلّ معاً واضحٌ لايحتاج إلى بيانٍ‌، إذ الآجام تُطلق على المحلّ الّذي كثرت فيه الأشجار، لا على نفس الأشجار؛ كما انّه لايطلق الآجام على المحلّ لو لم تكن فيه الأشجار الملتفّة(1). و هذا هو مراد المحقّق جمال الدين الخوانساريّ في ما حكاه الشيخ الأعظم 0(2)عن حاشيته على شرح اللمعة من أنّ المراد منها: «الأرض ذات الشجر الملتفّ‌»(3).


1) . كما عن المحقّق السيّد الحكيم رحمه الله: «و هي الأرض المملوءة قصباً، أو: الشجر الكثيف الملتفّ بعضه ببعضٍ‌؛ لكن على هذا يكون النفل الأرض ذات الأجمة لا الأجمة نفسها»؛ راجع: «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 601.

2) . راجع: «كتاب الخمس» - له رحمه الله - ص 356؛ و انظر: «الحدائق الناضرة» ج 12 ص 475، «مصباح الفقيه» ج 14 ص 245، «كتاب الخمس» للمحقّق الشيخ مرتضى الحائرى قدس سره - ص 681.

3) . و يؤيّده قول الخليل رحمه الله حيث صرّح فقال: «الأَجَمة: مَنبتُ الشجر»؛ راجع: «ترتيب كتاب العين» ج 1 ص 69 القائمة 1.

المسألة الثانية ما يدلّ على كونها منها

اشارة

و تدلّ على كونها من الأنفال أدلةٌ‌.

الدليل الأوّل:

كونها ممّا لاربّ له، و قد مضى تفصيل الكلام في أنّ ما لا ربّ له فهو للإمام. أمّا عدم ثبوت ملكيّة أحدٍ عليها فظاهرٌ أيضاً لايحتاج إلى مزيد بيانٍ‌.

الدليل الثاني:

و تشهد له سيرة العقلاء في جميع أقطار الأرض أيضاً حيث إنّ الدول اليوم أيضاً تحكمون بكونها من الثروات العموميّة الّتي أمرها مفوّضٌ إلى الحكم.

الدليل الثالث:

اجماع الفقهاء، حيث إنّ الفقهاء - القدماء منهم و المتأخّرين - قد حكموا بكونها منها، و هذا يتّضح بالرجوع إلى مسفوراتهم الفقهيّة(1).

الدليل الرابع:
اشارة
و هو الأصل في المسألة -: روايات الباب؛ و هي جملةٌ من الروايات قد نصّ فيها المعصوم عليهم السلام على كونها منها. و هي:
الرواية الأولى

و هي صحيحة حمّاد بن عيسى و قد أتينا بها آنفاً في الرواية الثانية من المبحث السادس،


1) . فانظر: «مختلف الشيعة» ج 3 ص 337، «المهذّب البارع» ج 1 ص 566، «ذخيرة المعاد» ج 3 ص 487، «مستند الشيعة» ج 10 ص 144، «جواهر الكلام» ج 16 ص 120، «غنائم الأيّام» ج 4 ص 376، «كتاب الخمس» - للشَّيخ الأعظم رحمه الله - ص 356، «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 601.

و لانعيدها حذراً عن التطويل؛ فراجعها!. و فيها:

«و له رؤوس الجبال و بطون الأودية و الآجام و...».

و دلالتها على المقصود تامّةٌ‌.

الرواية الثانية

«و عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: لنا الأنفال، قلت: و ما الأنفال‌؟ قال: منها المعادن و الاجام و كلّ أرضٍ لاربّ لها، و كلّ أرضٍ باد أهلها فهو لنا»(1).

الرواية من مرسلات العيّاشي، و قد مضى الكلام في أنّه لايبعد القول بصحّة مرسلاته و الحاقها بمرسلات أصحاب الإجماع و من لايروي إلّاعن الثقات. و كيف كان فدلالتها تامّةٌ‌.

الرواية الثالثة

«و عن داود بن فرقد عن أبي عبداللّه عليه السلام في حديثٍ قال: قلت: و ما الأنفال‌؟ قال: بطون الأودية و رؤوس الجبال و الآجام و المعادن و كلّ أرضٍ لم يوجف عليها بخيلٍ و لاركابٍ‌، و كلّ أرضٍ ميتةٍ قد جلا أهلها و قطايع الملوك»(2).

الكلام في سندها نفس الكلام الّذي سبق في التعليق على السابقة عليها. و دلالتها على المطلوب أيضاً ظاهرةٌ‌. و لا أقلّ من كون الأخيرتين مؤيّدتين للأولى.

فالمتحصّل من ذلك كلّه انّ الآجام تعدّ من الأنفال، و قد أشرنا إلى انعقاد إجماع الأصحاب عليه.



1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 533 الحديث 12652، «تفسير العيّاشي» ج 2 ص 48 الحديث 11؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 93 ص 210.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 534 الحديث 12656.

المبحث الثّامن في المعادن

المبحث الثامن في المعادن

اشارة

و هي الثانية عشر من الأنفال. و فيه أيضاً مسائل.

المسألة الأولى الآراء في المسألة

و المختار كونها منها، تبعاً لعدّةٍ من أعلام المتقدّمين كالديلميّ‌(1)و المفيد(2)و ابن برّاج(3)و قليلٍ من المتأخّرين ككاشف الغطاء(4). أمّا المشهور كالمحقّق صاحب الشرايع و العلّامة و صاحب الجواهر و المحقّق الهمدانيّ و كثيرٍ من الأكابر فقد غفلوا عن عدّها في عدادها، فلم يذكروها فيها.


1) . راجع: «المراسم العلويّة» ص 142.

2) . راجع: «المقنعة» ص 278.

3) . راجع: «المهذّب» ج 1 ص 186.

4) . راجع: «كشف الغطاء» ج 2 ص 364. و اختاره السيّد الحكيم قدس سره أيضاً؛ راجع: «مستمسك العروة الوثقى» ج 9 ص 602.

المسألة الثانية ما يدلّ على المختار

اشارة

و تدلّ على المختار جملةٌ من الأدلّة.

الدليل الأوّل:

كونها ممّا لا ربّ له، و قد مضى تفصيل الكلام في ثبوت ملكيّة الإمام عليه مراراً؛ و كونها منه أيضاً ظاهرٌ.

الدليل الثاني:

استقرار سيرة العقلاء على جعلها منها، كما تشهد له سيرتهم في جميع الدول اليوم.

الدليل الثالث:

عدم تعقّل الانفكاك بين الظرف و المظروف. إذ المعادن توجد في غالب الأحيان في الجبال و المفاوز و الأودية، هذا من ناحيةٍ‌؛ و من ناحيةٍ أخرى مضى تفصيل الكلام في كون الثلاثة من الأنفال، فالظرف منها. و لايعقل أن يكون الظرف في عداد الأنفال و لم يكن المظروف في عدادها؛ فالمظروف منها أيضاً.

الدليل الرابع:
اشارة

روايات الباب. و جملةٌ من الروايات تؤيّد المختار، منها:

الرواية الأولى

«عليّ بن إبراهيم فى تفسيره عن أبيه عن فضالة بن أيّوب عن أبان بن عثمان عن إسحاق بن عمّارٍ قال: سألت أباعبداللّه عليه السلام عن الأنفال‌؟ فقال:

هي القرى الّتي قد خربت و انجلى أهلها فهي للّه و للرسول، و ما كان للملوك فهو للإمام، و ما كان من الأرض الخربة لم يوجف عليه بخيلٍ و لاركابٍ‌، و كلّ‌

أرضٍ لاربّ لها، و المعادن منها، و من مات و ليس له مولىً فماله من الأنفال»(1).

السند لابأس به، و لاأقلّ من كونه موثّقاً، لمكان إسحاق بن عمّار الّذي قيل فيه انّه كان فطحيّاً(2). و دلالتها على كون المعادن من الأنفال تامّةٌ‌.

ثمّ ذهب صاحب الجواهر رحمه الله إلى أنّ المجرور في قوله عليه السلام: «و المعادن منها» يرجع إلى «الأرض» في قوله عليه السلام: «و كلّ أرضٍ لا ربّ لها»(3)

و لا ضير في قوله هذا، و لكن الظاهر رجوعه إلى «الأنفال» لا إلى «الأرض». و المراد على الجميع واحدٌ، و هو ثبوت كونها منها.

الرواية الثانية

«و عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: لنا الأنفال، قلت: و ما الأنفال‌؟ قال: منها المعادن و الآجام و كلّ أرضٍ لاربّ لها و كلّ أرضٍ باد أهلها فهو لنا»(4).

الرواية من مرسلات العيّاشي، و قد أشرنا إلى رأينا فيها مراراً عديدة. و دلالتها على المطلوب تامّةٌ بحيث لايمكن أن يُخدش فيها.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 531 الحديث 12644، «تفسير القمّي» ج 1 ص 254؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 19 ص 269.

2) . قال الشَّيخ رحمه الله: «إسحاق بن عمّار الساباطيّ‌، له أصلٌ و كان فطحيّاً، إلّاانّه ثقةٌ و أصله معتمدٌ عليه»؛ راجع: «الفهرست» ص 39 الرقم 52؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 3 ص 52 الرقم 1157-1160.

3) . حيث لم يذكرها في عداد الأنفال - كما أشرنا إلى رأيه في المسألة الأولى من مسائل المبحث -.

4) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 533 الحديث 12652، «تفسير العيّاشي» ج 2 ص 48 الحديث 11؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 93 ص 210.

الرواية الثالثة

«و عن داود بن فرقد عن أبي عبداللّه عليه السلام في حديثٍ قال: قلت: و ما الأنفال‌؟ قال: بطون الأودية و رؤوس الجبال و الاجام و المعادن و كلّ أرضٍ لم يوجف عليها بخيلٍ و لاركابٍ‌، و كلّ أرضٍ ميتةٍ قد جلا أهلها و قطايع الملوك»(1).

الكلام في سندها و كيفيّة دلالتها على المقصود كالكلام في السابقة عليها؛ فراجعه!. و هذه الثلاثة و إن لم تكن صحيحةً سنداً بحيث يمكن الركون إليها و لكن انضمامها إلى الأدلّة السابقة عليها يدلّ على المختار، و هو صحّة عدّ المعادن في قائمة الأنفال.

ثمّ هيهنا مسألةٌ قد مضى تفصيل الكلام فيها في باب الخمس؛ و هي: لو وجد معدِنٌ في أرضٍ اشتراها أحدٌ أو في داره، فهل يحكم بكونه تابعاً للأرض و الدار فيكون ملكاً له‌؟ أو هو من الأنفال أيضاً؟؛

قد حقّقنا القول في كونه من الأنفال في كتاب الخمس، و لانعيده هيهنا خوفاً من التكرار؛ فراجعه!.



1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 534 الحديث 12656.

المبحث التّاسع في قطائع الملوك و صفوها

المبحث التاسع في قطايع الملوك و صفوها

اشارة

و هما الثالث عشر و الرابع عشر من الأنفال. و في المبحث مسائل.

المسألة الأولى هو المراد من قطايع الملوك‌؟

اشارة

ذهب صاحب الجواهر رحمه الله إلى أنّ المراد منها الأراضي الّتي تتعلّق بالسلطان، و لاتشمل غيرها ممّا يتعلّق به(1). و ذهب كاشف الغطاء قدس سره إلى أنّ المراد منها ما يشمل الأراضي و غيرها ممّا يتعلّق بالسلطان و السلطنة(2)فأراضي السلطان و داراته و أملاك السلطنة و


1) . حيث فسّر قول المحقّق رحمه الله: «فما كان لسلطانهم من قطائع» ب‍: «أراضي» و لم يزد عليه؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 123. لكنّه قدس سره قال بعد أن نقل روايات المسألة: «بل ظاهر بعضها اندراج سائر ما للملوك فيها، صفايا و قطايع كان أو غيرهما من الأموال المعتادة الاقتناء، كما هو قضيّة الضابط الّذي في المدارك، بل و المنتهى و الحدائق من أنّ كلّ أرضٍ فتحت من أهل الحرب فما كان يختصّ به ملكهم فهو للإمام؛ أللّهمّ إلّاأن يريدوا بالإختصاص خصوص المصطفى من الأموال لاغيره؛ و لعلّه المنساق من الأخبار السابقة المعاضدة للأصل»؛ راجع: نفس المصدر و المجلّد ص 124.

2) . قال رحمه الله: «و منها صواف الملوك و قطائعهم من المنقول و غيره من الأرض و غيرها ما يختصّ بهم»؛ راجع: «كشف الغطاء» ج 2 ص 364. و قال المحقّق الهمداني قدس سره: «و إذا فُتحت دار الحرب فما كان لسلطانهم من قطائع هي الأراضي المنقطعة له أو صفايا - أي: المنقولات النفيسة الّتي تكون للملوك - فهي للإمام عليه السلام»؛ راجع: «مصباح الفقيه» - الطبعة الحجريّة - ج 3 ص 152.

الحكم و بالجملة جميع ما يتعلّق بدولة الكفر ينتقل إلى المسلمين و دولتهم، و لا فرق في ذلك بين الأراضي و غيرها من أموال الكفار. هذا كلّه بالنسبة إلى متعلّقات دولة الكفر، فهي تُعدّ من غنائم المسلمين و تقسّم بينهم.

هيهنا نكتتان:

النكتة الاولى

أمّا صفو الملوك فلاحقّ للمسلمين فيه، بل هو للإمام عليه السلام فقط، فدار السلطان الّتي كانت مسكناً له و جاريته الفارهة و سيفه الماضي و فرسه الهملاج كلّها له عليه السلام. و الظاهر انّ هذا الحكم شرّع لئلّايثير الخلاف و الهَرَج و الاضطراب بين المسلمين طلباً لها.

النكتة الثانية

والمختار أن لاخصوصيّة للسطان و لا لأراضيه في عنوان «قطايع الملوك»؛ بل المراد منها - وفاقاً لكاشف الغطاء رحمه الله - جميع ما يتعلّق بدولة الكفر، فهو للمسلمين. نعم! صفايا الملوك للإمام خاصّةً و غيرها لهم.

المسألة الثانية ما يدلّ على المختار

اشارة

و يدلّ على المختار دليلان:

الدليل الأوّل: روايات الباب
اشارة

و تدل على الحكم جملةٌ من روايات الباب؛ منها:

الرواية الأولى

«و بإسناده عن سعد بن عبداللّه عن أبي جعفرٍ عن عليّ بن الحكم عن سيف بن عميرة عن داود بن فرقدٍ قال: قال أبوعبداللّه عليه السلام: قطائع الملوك كلّها للإمام و ليس للناس فيها شيءٌ‌»(1).

السند صحيحٌ و لابأس به. و الظاهر انّ المراد من قطايع الملوك أموالها غير المنقولة، و قلنا انّه لاخصوصيّة للملوك في المسألة.

فهي تعمّ جميع أموال السلطان و أجزاء حكومته، كوزرائه و عمّاله و مديري فروعها و غيرهم من رؤساء دوائرها.

الرواية الثانية

«و عنه عن أبي جعفرٍ عن عثمان بن عيسى عن سماعة بن مهران قال: سألته عن الأنفال‌؟ فقال: كلّ أرضٍ خربةٍ أو شيءٌ يكون للمولك فهو خالصٌ‌


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 525 الحديث 12630، «التهذيب» ج 4 ص 134 الحديث 11.

للإمام، و ليس للناس فيها سهمٌ‌...»(1).

السند لابأس به، و لاأقلّ من كونه موثّقاً، لمكان سماعة بن مهران(2). ثمّ انّ الرواية نصٌّ في المختار، إذ حكَم الإمام عليه السلام فيها بكون «كلّ شيءٍ يكون للملوك فهو خالصٌ للإمام»، و هذا عامٌّ يشمل صفايا الملك و غيرها من أمواله، و لافرق فيها بين داراته و سراريه و مركوباته و حليّاته و جواهره.

الرواية الثالثة

«عليّ بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن فضالة بن أيّوب عن أبان بن عثمان عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أباعبداللّه عليه السلام عن الأنفال‌؟ قال:

هي القرى الّتي قد خربت و انجلى أهلها فهي للّه و للرسول، و ما كان للملوك فهو للإمام، و ما كان من الأرض بخربةٍ لم يوجف عليه بخيلٍ و لاركابٍ‌، و كلّ أرضٍ لاربّ لها و المعادن منها، و من مات و ليس له مولىً فماله من الأنفال»(3).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 526 الحديث 12632، «التهذيب» ج 4 ص 133 الحديث 7.

2) . الّذي يقال فيه انّه كان وافقيّاً، كما نصّ عليه الشَّيخ و العلّامة 0؛ راجع: «رجال الطوسيّ‌» ص 337 الرقم 5021، «خلاصة الأقوال» ص 356 الرقم 1411. أمّا إمام الفنّ النجاشيّ رحمه الله فلم يشر إلى كونه واقفيّاً مع أنّه بسط الكلام حوله؛ راجع: «رجال النجاشيّ‌» ص 193 الرقم 517؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 8 ص 297 الرقم 5546، «منتهى المقال» ج 3 ص 407 الرقم 1387.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 531 الحديث 12644، «تفسير القمّي» ج 1 ص 254؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 19 ص 269.

الرواية موثّقةٌ أيضاً، لمكان إسحاق بن عمّار(1). و دلالتها على المقصود أيضاً واضحةٌ‌، حيث إنّ قوله عليه السلام: «و ما كان للملوك فهو للإمام» نصٌّ في تعلّق جميع ما كان للحكم بدولة المسلمين.

الدليل الثاني: قاعدة الغُنْم

و تدلّ على المختار قاعدة الغُنْم أيضاً، إذ من المتّفق عليه بين الفقهاء انّ «مَن له الغنم فعليه الغرم»، كما انّه «من عليه الغرم فله الغنم». و على الحكم سدّ حوائج المسلمين المجاهدين و السعي في حفظ ثغورهم و اصلاح معايشهم و غيرها، و هذا كلّه بحاجةٍ ماسّةٍ إلى ميزانيّةٍ‌، فالغنم له كما انّ الغرم عليه.


1) . قال الشَّيخ رحمه الله: «إسحاق بن عمّار الساباطيّ‌، له أصلٌ و كان فطحيّاً، إلّاانّه ثقةٌ و أصله معتمدٌ عليه»؛ راجع: «الفهرست» ص 39 الرقم 52؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 3 ص 52 الرقم 1157-1160.

المسألة الثالثة لاحقّ للمجاهدين في صفايا الملوك

اشارة

أشرنا إلى أنْ لاحقّ للمجاهدين في صفايا الملوك، بل هي كلّها تتعلّق بالإمام عليه السلام. و تدلّ عليه رواياتٌ‌؛ منها:

الرواية الأولى

«و عنه عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح عليه السلام في حديثٍ قال: و له بعد الخمس الأنفال. و الأنفال كلّ أرضٍ خربةٍ باد أهلها و كلّ أرضٍ لم يوجف عليها بخيلٍ و لاركابٍ و لكن صالحوا صلحاً و اعطوا بأيديهم على غير قتالٍ‌، و له رؤوس الجبال و بطون الأودية و الاجام و كلّ أرضٍ ميتةٍ لاربّ لها؛ و له صوافي الملوك و ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب»(1).

السند صحيحٌ‌، و المرسِل حمّاد بن عيسى، و هو من أصحاب الإجماع(2)، فلاضير في الارسال الواقع فيه. ثمّ الظاهر من قوله عليه السلام: «من غير وجه الغصب»: انّ الرواية صدرت لبيان خصوصيّات الحكم، فلوكانت الصفايا غصبيّةً تُردُّ إلى مالكيها، و لو لم تكن غصبيّةً فهي للإمام خاصّةً‌، و لاحقّ لغيره فيها.

الرواية الثانية

«و بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوبٍ عن أحمد بن هلالٍ عن ابن أبي عميرٍ


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 524 الحديث 12628، «الكافي» ج 1 ص 541 الحديث 4؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 130 الحديث 2.

2) . راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 673.

عن أبان بن عثمان عن أبي بصيرٍ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: سألته عن صفو المال‌؟ قال: الإمام يأخذ الجارية الروقة و المركب الفاره و السيف القاطع و الدرع قبل أن تقسم الغنيمة، فهذا صفو المال»(1).

السند لابأس به، و أحمد بن هلال و إن ضعّفه القوم و رموه بكونه غالياً(2)و لكن المختار انّه لابأس به، نظراً إلى ما أشرنا إليه سابقاً من أنّ للغلوّ في رأي المتقدّمين معنىً لانحسبه جرحاً و قدحاً إن لم يكن مدحاً، فلابأس بالسند.

و دلالتها أيضاً على المختار تامّةٌ‌، حيث إنّ ذكر الجارية الفارهة و السيف القاطع و غيرهما ليس إلّاعلى سبيل المثال.

فالمتحصّل من ذلك كلّه انّ جميع ما يتعلّق بدولة الكفر ينتقل إلى دولة الإسلام، و لافرق في ذلك بين الأراضي و الدارات و النقود و غيرها ممّا يتعلّق بالسلطان و أجزاء حكمه؛ ثمّ إنّ صفو الملوك منها ينتقل إلى الإمام و غيرها يُقسَّم بين المسلمين؛ و هذا كلّه واضحٌ‌.



1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 528 الحديث 12639، «التهذيب» ج 4 ص 134 الحديث 9.

2) . أمّا النجاشيّ رحمه الله و إن وصفه بكون «صالح الرواية» و لكنّه ضعّفه من دون إشارةٍ إلى انخراطه في عداد الغلاة؛ راجع: «رجال النجاشي» ص 83 الرقم 199. و العلّامة قدس سره قد أشار إلى كونه غالياً ثمّ قال: و «عندي انّ روايته غير مقبولةٍ‌»؛ راجع: «خلاصة الأقوال» ص 320 الرقم 1259. و الشَّيخ رحمه الله أيضاً قد أشار إلى غلوّه؛ راجع: «رجال الطوسي» ص 384 الرقم 5647؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 2 ص 354 الرقم 1005، «منهج المقال» ج 2 ص 221 الرقم 384.

المبحث العاشر في غنائم حربٍ لم يكن بإِذن الإِمام عليه السلام

المبحث العاشرفي غنائم حربٍ لم يكن بإذن الإمام

اشارة

و هذه الغنيمة هي الخامس عشر من الأنفال. و المراد انّه لو وقعت محاربةٌ من غير إذن الإمام فلاغنيمة فيها للمسلمين المجاهدين، بل جميع غنائمها يُعدُّ من الأنفال، و هو للإمام عليه السلام. و هذا من المجمع عليه بين المتقدّمين و المتأخّرين.

و هيهنا مسألتان:

المسألة الأولى حكم الأراضي المفتوحة في زمن الخلفاء

كون جميع الغنائم متعلّقاً بالإمام يستدعي أن تكون الأراضي المفتوحة عنوةً في زمن بني أميّة و العبّاسيّين أيضاً معدودةً من الأنفال، لأنّ تلك الحروب لم تكن بإذنه عليه السلام. بينما انّ الفقهاء لم يتعرّضوا لبيان كونها منها، بل الظاهر من عباراتهم كونها متعلّقةً بالمسلمين. و هذا غريبٌ منهم جدّاً!.

و قد أشرنا إلى هذه المسألة في مبحث تحليل الخمس، و مضى هناك انّ روايات التحليل تُحمل على وجوهٍ منها حلّيّة الأراضي و غيرها من المغانم ممّا يتعلّق بالإمام للشيعة، لئلّا تبطل صلاتهم فيها و تكثر فيهم أولاد الزنا.

و كيف كان فمدّعانا في المسألة انّه لافرق بين المنقول من المغانم و غير المنقول منها في كونها ملكاً للإمام معدودةً من الأنفال إذا حصلت في حربٍ لم يكن بإذنه عليه السلام و أمره.

المسألة الثانية ما يدلّ على المختار

اشارة

و تدلّ على المختار روايتان نأتي بهما هيهنا. و القوم و إن خصّصوهما بالمنقول و جعلوا غير المنقول ممّا يُقسّم بين المجاهدين و لكن لم يظهر لنا الوجه في هذا التخصيص، بل ظهور الروايتين في عموم تمليك الإمام بالنسبة إلى الغنائم تامٌّ لايقبل التخصيص. و هما:

الرواية الأولى

«و عنه عن أبيه عن ابن محبوبٍ عن معاوية بن وهبٍ قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: السرية يبعثها الإمام فيصيبون غنائم، كيف يُقسم‌؟ قال:

إن قاتلوا عليها مع أميرٍ أمّره الإمام عليهم أخرج منها الخمس للّه و للرسول و قسم بينهم ثلاثة أخماسٍ‌، و إن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للإمام يجعله حيث أحبّ‌»(1).

السند صحيحٌ‌. و الرواية رواها المشايخ الثلاثة(2)بطرقهم عن معاوية بن وهب، و طرق الجميع إليه صحاحٌ‌(3). و لقوله عليه السلام: «... كان كلّ ما غنموا للإمام» دلالةٌ واضحةٌ على العموم، بل هو يأبى عن التخصيص.

و يجدر بنا أن نشير إلى أنّ قوله: «و قسم بينهم ثلاثة أخماسٍ‌» على ما رواه الشيخ


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 524 الحديث 12627.

2) . فانظر «الكافي» ج 5 ص 43 الحديث 1؛ أمّا طريق الصدوق و الشَّيخ 0 إلى هذا الحديث فلم أظفر به.

3) . لطريق الصدوق رحمه الله إليه راجع: «مستدرك الوسائل» / الخاتمة ج 5 ص 276 الرقم 315. و قد حكم بعض المعاصرين من الأعلام بضعف الطريق، راجع: «نخبة المقال» ص 494 الرقم 326. و لطريق الشيخ رحمه الله إليه راجع: نفس المصدر ص 296.

الحرّ رحمه الله(1)غير مطابقٍ لما في غيره من المصادر، كالكافي(2)، و غير مطابقٍ أيضاً لما هو معدودٌ في محكمات الفقه من أنّ الإمام يقسم بينهم أربعة أخماسٍ من الغنائم، لا ثلاثة أخماسٍ منها.

الرواية الثانية

«و بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار عن الحسن بن أحمد بن يسارٍ عن يعقوب عن العبّاس الورّاق عن رجلٍ سمّاه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: إذا غزا قومٌ بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلّها للإمام، و إذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس»(3).

السند مرسلٌ‌، فلايمكن الركون إلى الرواية و إن كانت رجال سندها في غاية الوثاقة و الرفعة. و دلالتها أيضاً تامّةٌ‌، و ذلك بالنظر إلى قوله عليه السلام: «... الغنيمة كلّها للإمام». و هو يشمل المنقول منها و غير المنقول.

فالمتحصّل ممّا ذكرنا في هذا المبحث انّه لافرق بين الأراضي و غيرها من الغنائم في كونها من الأنفال لوحصلت في حربٍ لم يكن بإذن الإمام عليه السلام و أمره.



1) . و هو رحمه الله رواها مرّةً أخرى في «باب كيفيّة قسمة الغنائم و نحوها» طبقاً لما هو الصحيح المتّفق عليه؛ راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 110 الحديث 20088.

2) . و قد أشرنا إلى موضعه فيه آنفاً.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 529 الحديث 12640، «التهذيب» ج 4 ص 135 الحديث 12.

المبحث الأحد عشرفي إِرث من لا وارث له

المبحث الأحدعشرفي إرث من لا وارث له

اشارة

و هو السادس عشر من الأنفال. و فيه مسألةٌ واحدةٌ‌.

مسألةٌفي ما يدلّ على كونه منها

اشارة

و تدلّ على كونه منها أدلّةٌ‌:

الدليل الأوّل:

انخراطه في «ما لامالك و لاربّ له». و قد أشرنا مراراً إلى أنّ كلّ ما لاربّ له فهو للإمام، كما اتّفقت الفقهاء عليه في جميع أبواب الفقه. فإرث من لا وارث له يتعلّق بالدولة الإسلاميّة. نعم! من له الغُنم فعليه الغرم، فعلى الدولة القيام بتكفينه و تدفينه و أداء ديونه و استيجار أحدٍ لقضاء صلواته الفائتة و صومه و غيرها ممّا يحتاج إليه.

الدليل الثاني:
اشارة

روايات الباب؛ منها:

الرواية الأولى

«و عنه عن القاسم بن محمّد الجوهريّ عن رفاعة بن موسى عن أبان بن

تغلب عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يموت و لاوارث له و لامولىً‌، قال:

هو من أهل هذه الآية: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ‌»(1)»(2).

السند صحيحٌ‌. و دلالتها أيضاً واضحةٌ‌، حيث عدّ الإمام عليه السلام ميراثه من مصاديق الأنفال بجعلها من مصاديق قوله - تعالى -: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ‌».

الرواية الثانية

«و عنه عن أحمد بن محمّد عن بعض أصحابنا رفع الحديث - إلى أن قال: - قال: و ما كان من فتحٍ لم يقاتل عليه و لم يوجف عليه بخيلٍ و لاركابٍ إلّا أنّ أصحابنا يأتونه فيعاملون عليه، فكيف ما عاملهم عليه‌؟ النصف أو الثلث أو الربع أو ما كان يسهم له خاصّةً و ليس لأحدٍ فيه شيءٌ إلّاما أعطاه هو منه و بطون الأودية و رؤوس الجبال و الموات كلّها هي له، و هو قوله - تعالى -: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ‌» أن تعطيهم منه، «قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ‌»، و ليس هو يسئلونك عن الأنفال؛ و ما كان من القربى و ميراث من لاوارث له فهو له خاصّةً‌، و هو قوله - عزّ و جلّ -: «مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى»(3)»(4).


1) . كريمة 1 الأنفال.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 528 الحديث 12638، «التهذيب» ج 4 ص 134 الحديث 8؛ و انظر: «الفقيه» ج 2 ص 44 الحديث 1661، «فقه القرآن» ج 1 ص 262.

3) . كريمة 7 الحشر.

4) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 529 الحديث 12641، «التهذيب» ج 4 ص 126 الحديث 5.

السند لابأس به، و هو و إن كان مرفوعاً إلّاانّه لايضرّ به، لمكان أحمد بن محمّد بن عيسى الّذي لايروي إلّاعن الثقات(1). و دلالة قوله عليه السلام: «و ميراث من لاوارث له فهو له خاصّةً‌» على كونه من الأنفال واضحةٌ‌؛ و قد أيّده الإمام عليه السلام بقوله: «و هو قوله - عزّوجلّ -: «مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ‌» - الآية -.

الرواية الثالثة

«عليّ بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن فضالة بن أيّوب عن أبان بن عثمان عن إسحاق بن عمّارٍ قال: سألت أباعبداللّه عليه السلام عن الأنفال‌؟ قال:

هي القرى الّتي قد خربت و انجلى أهلها فهي للّه و للرسول، و ما كان للملوك فهو للإمام، و ما كان من الأرض الخربة لم يوجف عليه بخيلٍ و لاركابٍ‌، و كلّ أرضٍ لاربّ لها و المعادن منها، و من مات و ليس له مولىً فماله من الأنفال»(2).

السند لابأس به، و لا أقلّ من كونه موثّقاً لمكان إسحاق بن عمّار(3). و دلالتها أيضاً ظاهرةٌ‌.

فتلخّص ممّا قلنا جميعاً انّ إرث من لاوارث له يُعدُّ من الأنفال، فهو للدولة الإسلاميّة.



1) . راجع: «رجال النجاشي» ص 81 الرقم 198، «خلاصة الأقوال» ص 61 الرقم 67؛ و انظر: «أصول علم الرجال» ص 460، «معجم رجال الحديث» ج 2 ص 295 الرقم 896.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 531 الحديث 12644، «تفسير القمّي» ج 1 ص 254؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 19 ص 269.

3) . قال الشَّيخ رحمه الله: «إسحاق بن عمّار الساباطيّ‌، له أصلٌ و كان فطحيّاً، إلّاانّه ثقةٌ و أصله معتمدٌ عليه»؛ راجع: «الفهرست» ص 39 الرقم 52؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 3 ص 52 الرقم 1157-1160.

المبحث الثّانى عشرفي ما أَحبَّ الإِمام عليه السلام من الغنائم

المبحث الثاني عشرفي ما أحبّ الإمام من الغنائم

اشارة

هو السابع عشر من الأنفال. قد مضى الكلام في أنّ قطايع الملوك و صفوها تُعدُّ من الأنفال. و لكن الظاهر من بعض روايات الباب - و سنبحث عنها - أنّ الأنفال من الغنائم لاتختصّ بهما فقط، بل زيادةً عليهما كلّ ما أحبّ النبيّ صلى الله عليه و آله و من استخلف منه في أمر الحكم يُعدُّ من الأنفال أيضاً و يتعلّق به. و هيهنا مسائل:

المسألة الأولى لاجور على المجاهدين و لاظلم في الإسلام

إنّ عصمة النبيّ صلى الله عليه و آله و خلفائه الاثنى عشر -: الّذين استحقّوا الخلافة منه بالاستحقاق - ممّا أجمعت الفرقة الحقّة عليها؛ ثمّ مضى تفصيل الكلام في اشتراط العدالة في الفقيه الوليّ‌، فالعصمة و العدالة يمنعهم من الإجحاف في حقّ المسلمين بأن يختصّوا بأنفسهم ما ليس لهم فيه حقٌّ‌؛ و هذا واضحٌ‌. فهذا الحكم لايؤدي إلى الظلم و الجور على المجاهدين و غيرهم من المسلمين.

المسألة الثانية الغنائم كلّها للإمام

المستفاد من مجموع ما مضى انّ الغنائم كلّها للإمام بالأصالة، و هو يتفضّل على المجاهدين بأن يعطيهم قسماً منها تشويقاً لهم حيث خاضوا في معارك الحرب و انتصروا دين اللّه بالمشاركة في الجهاد؛ و هذا مقتضى قوله - سبحانه و تعالى -: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبَى»(1). إذ الآية تخصّصها أدلّة كون القطائع و صفو الملوك و ما شاء الإمام و أحبّه من الأنفال. فالغنائم بالأصالة له، و هو يقسّمها بين نفسه و بين المجاهدين تفضّلاً عليهم.

و تدلّ عليه سيرة النبيّ الأعظم صلى الله عليه و آله في غزوة حنين حيث خصّ المهاجرين بالغنائم و لم يعط شيئاً منها للأنصار(2)، و سيرته هذه تدلّ على أنّ أمرها كانت بيده صلى الله عليه و آله.


1) . كريمة 41 الأنفال.

2) . انظر في ذلك: «البداية و النهاية» ج 4 ص 416، «تاريخ ابن خلّدون» ج 2 / القسم الثاني ص 48، «سيرة ابن هشام» ج 4 ص 933.

المسألة الثالثة أدلّة هذا الحكم

اشارة

و كيف كان فتدلّ على كون ما أحبّه الإمام عليه السلام من الأنفال رواياتٌ‌؛ منها:

الرواية الأولى

«و عنه عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل عن زرارة قال: الإمام يُجري و يُنفّل و يعطي ما شاء قبل أن تقع السهام، و قد قاتل رسول اللّه صلى الله عليه و آله بقومٍ لم يجعل لهم في الفيء نصيباً و إن شاء قسم ذلك بينهم»(1).

السند صحيحٌ‌، بل هو من عوالي الأسناد. و دلالتها على كون أمر الغنائم كلّها تحت يده صلى الله عليه و آله تامّةٌ‌. و الظاهر انّ المراد من قوله عليه السلام: «و قد قاتل رسول اللّه صلى الله عليه و آله بقومٍ لم يجعل لهم في الفيء نصيباً»: ما أشرنا إليه من سيرته صلى الله عليه و آله في غزوة حنين.

الرواية الثانية

«و عنه عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح عليه السلام في حديثٍ قال: و للإمام صفو المال أن يأخذ من هذه الأموال، صفوها الجارية الفارهة و الدابّة الفارهة و الثوب و المتاع ممّا يحبّ أو يشتهي، فذلك له قبل القسمة و قبل إخراج الخمس، و له أن يسدّ بذلك المال جميع ما ينوبه من مثل إعطاء المؤلّفة قلوبهم و غير ذلك ممّا ينوبه، فإن بقي بعد ذلك شيءٌ أخرج الخمس منه فقسمه في أهله و قسم الباقي على من ولي


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 523 الحديث 12626، «الكافي» ج 1 ص 544 الحديث 9.

ذلك...»(1).

مرّت منّا مراراً الإشارة إلى صحّة الحديث سنداً و إن وقع في سندها ارسالٌ‌، و ذلك لأنّ المرسِل هو حمّاد بن عيسى الّذي يُعدّ من أكابر أصحاب الإجماع و من خيارهم(2). و كيف كان فلابأس بسندها. و دلالتها على المقصود واضحةٌ‌، حيث إنّ الإمام نصّ على أنّه يجوز لمن تولّى أمر المسلمين أن يأخذ من الغنائم صفوها و ما يحبّه أو يشتهيه، «فإن بقي بعد ذلك شيءٌ أخرج الخمس منه... و قسّم الباقي على من ولي ذلك». فالرواية زيادةً على دلالتها على كون ما يحبّه الإمام و يشتهيه ملكاً له عليه السلام تدلّ على أنّ الغنائم كلّها من الأنفال، و ليس للمجاهدين فيها سهمٌ بالأصالة. و الحمد للّه ربّ العالمين.



1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 9 ص 524 الحديث 12628، «الكافي» ج 1 ص 539 الحديث 4؛ و انظر: «التهذيب» ج 4 ص 128 الحديث 2.

2) . راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 673.

المبحث الثّالث عشرفي مجهول المالك

المبحث الثالث عشرفي مجهول المالك

و هو الثامن عشر من الأنفال. و هذا العنوان يشتمل على شيئين:

الأوّل: المجهول المالك المصطلح عليه في الفقه؛

الثاني: اللقطة.

و بينهما تفاوتٌ من ناحيتين:

الناحية الأولى: وجوب الفحص على مَن وجد اللقطة، فعليه أن يتفحّص عن مالكها، بينما انّه لايجب على من وجد مجهول المالك أن يتفحّص عن مالكه؛

الناحية الثانية: المشهور على أنّ أمر مجهول المالك بيد الحاكم الشرعيّ‌؛ و اختلفت الأقوال في شأن اللقطة؛

فمنهم من قال: إنّها لمَن وجدها و لوكان ثريّاً غير محتاجٍ إليها؛

و منهم من قال: إنّها لمَن وجدها لوكان فقيراً محتاجاً إليها؛

و منهم من قال: إنّ أمرها بيد الحاكم الشرعيّ أيضاً(1).


1) . و لتفصيل الآراء راجع: «المقنعة» ص 646، «النهاية» ص 320، «المبسوط» ج 3 ص 320، «المهذّب» ج 2 ص 567، «الوسيلة» ص 277، «المختصر النافع» ص 254.

و كيف كان فلاخلاف في كون مجهول المالك من الأنفال. و الظاهر ان تعدّد الأقوال مستندٌ إلى تعدّد الروايات في الباب، و الجمع بينها يقتضي القول بأنّه يُعدُّ من أملاك الإمام، و كلّما أذن الإمام عليه السلام في تصرّفه كان إذناً خاصّاً للسائل الّذى وجده، و إذنه عليه السلام في صرف اللقطة أيضاً كان إذناً عامّاً لواجديها.

و تدلّ عليه صحيحة داود بن أبي زيدٍ. و نصّها:

«محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن موسى بن عمر عن الحجّال عن داود بن أبي زيدٍ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قال رجلٌ‌:

إنّي قد أصبت مالاً و إنّي قد خفت فيه على نفسي، و لوأصبت صاحبه دفعته إليه و تخلّصت منه. قال: فقال له أبوعبداللّه عليه السلام: و اللّه أن لوأصبته كنت تدفعه إليه‌؟ قال: إي و اللّه؛ قال: فأنا و اللّه، ما له صاحبٌ غيري. قال:

فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره، قال: فحلف، فقال: فاذهب فاقسمه في إخوانك و لك الأمن ممّا خفت منه. قال: فقسّمته بين اخواني»(1).

السند صحيحٌ‌. و ما في الطبعة القديمة من الوسائل من كون الراوي داود بن «أبي يزيد»(2)سهوٌ(3)، و الصحيح داود بن «أبي زيد»، كما في الطبعة الحديثة منه؛ و كذلك كما في الكافي


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 25 ص 450 الحديث 32331، «الكافي» ج 5 ص 138 الحديث 7؛ و انظر: «الفقيه» ج 3 ص 296 الحديث 4063.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» - طبعة الإسلامية - ج 17 ص 357 الحديث 32315.

3) . و هذا السهو حدث من قبل المصنّف رحمه الله، إذ في الطبعة الحديثة المطبوعة من على النسخة الأصل وردت اللفظة كذلك؛ نعم! قال الشيخ الحرّ معلّقاً على السند: «في الفقيه: أبي زيدٍ»؛ راجع: «وسائل الشيعة» - الطبعة الحديثة - ج 25 ص 450 الهامش 2 من هوامش الحديث 32331.

الشريف(1). أمّا دلالةً‌، فالرواية تشمل مجهول المالك و اللقطة معاً، لأنّ السائل قال: «إنّي قد أصبت مالاً»، و المال هذا يشملهما معاً.

ثمّ قوله عليه السلام: «فأنا و اللّه!، ما له صاحبٌ غيري» يدلّ على كونهما من الأنفال، و هذا مقتضى كونهما ملكاً له عليه السلام.



1) . و قد أشرنا إلى موضعه في الوسائل و الكافي معلّقاً على متن الحديث.

المبحث الرابع عشرفي الجوِّ و المهوى

المبحث الرابع عشرفي الجوّ و المهوى

اشارة

و هو التاسع عشر و الأخير من مباحث الأنفال. و الجوّ لم يذكره القوم في عداد الأنفال، لاالمتقدّمون منهم و لاالمتأخّرون.

و في المبحث مسائل:

المسألة الأولى في ماهيّة الجوّ

المراد من الجوّ هيهنا ما أحاط على كرة الأرض من الهواء؛ قال علماء علم الطبيعة:

يحيط بالأرض قشرٌ من الهواء شعاعه من كلّ جانبٍ ثمانية عشر كيلومتراً. أمّا بعده فخلأٌ لم توجد فيه هواءٌ‌. و هو المسمّى بالفضاء، و لايمكن تحديده. قال - سبحانه و تعالى -:

«وَ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ‌»(1). و الظاهر إنّ الفضاء هو السماء الدنيا، إذ المكشوف منها محفوفٌ بالثوابت و السيّارات.


1) . كريمة 12 فصّلت.

المسألة الثانية في كون الجوّ من الأنفال

اتّفقت كلمة العقلاء اليوم على أنّ جوّ كلّ مملكةٍ يُعدُّ ملكاً لها، فلكلّ دولةٍ أن يمنع غيرها من الدول من عبور طيّاراته عن جوّها. و هذا أمرٌ عرفيٌّ قد قرّرت عليه القوانين الدوليّة. فلسنا في إثبات كون الجوّ ملكاً لكلّ دولةٍ إلى مزيدٍ من البيان.

و هذا هو معنى كونه من الأنفال، إذ المراد أن أمرها بيد الإمام في زمن الحضور و بيد الدولة الإسلاميّة في زمن الغيبة.

المسألة الثالثة الجوّ ملكٌ أو حقٌّ؟

ثمّ هيهنا نكتةٌ لابأس بنا لو تعرّضنا إليها، هي: إنّ كون جوّ كلّ مملكةٍ ملكاً لها هل يكون من باب الملكيّة الحقيقيّة‌؟ أو من باب الحقّ؟؛ فالجوّ على الأوّل يكون ملكاً للدول، و على الثاني يكون كلّ دولةٍ أحقّ بالنسبة إلى جوّ مملكته من غيره من الدول.

و هذا كحقّ التحجير، فلو حجّر أحدٌ أرضاً ليبنى فيها داراً أو يقوم فيها بالزراعة فله حقّ التحجير بالنسبة إليها، و لكن لايكون مالكاً لها إلّابعد أن بنى فيها داره أو أسّس فيها مزرعته و حقله.

و لاتترتّب على هذا الخلاف ثمرةٌ عمليّةٌ‌، إذ على كلا المبنيين يجوز للدولة أن تتصرّف في جوّ مملكته كما يجوز لها أن تمنع الدول عن التصرّف فيه.

المسألة الرابعة في ما يدلّ على المختار

اشارة

يدلّ على المختار من صحّة عدّه من الأنفال قولهم: «كلّ ما لاربّ له فهو للإمام». و ذلك بالنظر إلى مقدّمتين:

المقدّمة الأولى:

كونه ممّا يملك، إذ العقلاء لايعدّونه أقلّ مرتبةً من البحار، و ذلك ظاهرٌ بالنظر إلى سيرة العقلاء اليوم في جميع أقطار الأرض؛

المقدّمة الثانية:

عدم كونه ملكاً لأحدٍ، و قد فصّلنا القول في أنّ للملكيّة حدّاً عرفيّاً، فمن اشترى داراً لايكون مالكاً لها من تخوم أرضها إلى عنان سمائها، بل هو مالكٌ لما يُطلق عليه عنوان الدار في العرف فقط.

فظهر بالتأمّل في هاتين المقدّمتين أنّ الجوّ ينخرط في «كلّ مالٍ لاربّ و لامالك له»، و هذا المال أمره مفوّضٌ إلى الإمام، فأمر الجوّ مفوّضٌ إلى الإمام، فهو من الأنفال.

لايقال: لاحكم للشريعة بالنسبة إلى الجوّ، لأنّ هذا الموضوع لم يكن ممّا يُعتنى به في زمن المعصومين عليهم السلام فلم يصدر منهم حكمٌ فيه؛

لأنّا نقول: نعم! لم يصدر منهم حكمٌ في خصوصه، و لكن يدلّ على كونه منها عموم قولهم: «ما لا ربّ له فهو للإمام». و هذا كغيره من الأحكام الّتي يُبيّن الحكم فيها على نحو القضيّة الحقيقيّة، لاالقضايا الخارجيّة؛ كقوله - تعالى -: «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‌»(1)، و قوله:


1) . كريمة 275 البقرة.

«لَاتَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ‌»(1)، و قوله: «أُوفُوا بِالْعُقُودِ»(2). حيث إنّ كثيراً من المعاملات و العقود الّتي توجد اليوم لم يكن شايعاً في زمن المعصومين عليهم السلام، و لكن تبيّن حكمه الآيتان الأولى و الثالثة؛ كما انّ كثيراً من المعاملات الباطلة لم يكن في زمنهم، و تبيّن حكمه الآية الثانية، و هذا واضحٌ‌.

و ما نحن فيه أيضاً من هذا القبيل، فإنّ الجوّ و إن لم يكن مبحوثاً عنه في زمن الأئمّة عليهم السلام فلم يصدر منهم حكمٌ فيه و لكن يظهر كونه من الأنفال بالتأمّل في أنّ القاعدة القائلة بأنّ كلّ ما لامالك له فهو للإمام تصدق عليه. فهو من الأنفال أيضاً.

هذا تمام الكلام في المبحث الرابع عشر. و بتمامه قد فرغنا من أبحاث كتاب الأنفال أيضاً؛ و الحمد للّه ربّ العالمين؛ وصلَّى اللَّه على محمَّد و ٰ‌اله الطَّاهرين و سلّم تسليماً كثيراً؛ و حسبنا اللّٰه و نعم الوكيل، نعم المولىٰ و نعم النصير.


1) . كريمتان 188 البقرة، 29 النساء.

2) . كريمة 1 المائدة.

الفهرس التفصيلى

الصورة

N07

الصورة

N08

الصورة

N09

الصورة

N10

الصورة

N11

الصورة

N12

الصورة

N13

الصورة

N14

الصورة

N15

الصورة

N16

الصورة

N17

الصورة

N18

الصورة

N19

الصورة

N20

الصورة

N21

الصورة

N22

الصورة

N23

الصورة

N24

الصورة

N25

الصورة

N26

الصورة

N27

الصورة

N28

الصورة

N29

الصورة

N30

الصورة

N31

الصورة

N32

الصورة

N33

الصورة

N34

الصورة

N35

الصورة

N36

الصورة

N37