فقه الولایة و الحکومة الإسلامیة جلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

پدیدآورانده مظاهری، حسین (نويسنده) هادی زاده، مجید (محقق)

ناشرمؤسسة الزهراء عليهاالسلام الثقافية الدراسية

مکان نشرايران - قم

سال نشر1386ش/1428ق

شابک‌978-964-2985-00-5

زبان عربی

تعداد جلد3

کد کنگره‌ م6ف7 223/8 BP

محرر رقمی میثم حیدری

فقه الولاية و الحكومة الإسلامية، تقریر بخشی از دروس خارج فقه آیت‌الله حسین مظاهری (معاصر)، در موضوع ولایت فقیه و حکومت اسلامی است که مجید هادی‌زاده آن را به زبان عربی به نگارش درآورده است.

این کتاب، مطالعه مفصلی، برای نشان دادن و تحلیل تئوری ولایت فقیه و حکومت اسلامی بشمار می‌رود که توسط یکی از برجسته‌ترین شاگردان امام خمینی(ره) برای فضلای حوزه علمیه اصفهان تدریس و ارائه شده است.

اشارة

الصورة

M01

الصورة

M02

الصورة

M03

الفهرس الإجمالى

الصورة

M04

الصورة

M05

الصورة

M06

الصورة

M07

تصديرٌ

الحمدللّه و الصّلوة على رسول اللّه و على آله آل اللّه و لا سيّما بقيّة اللّه إلى يوم لقاء اللّه.

و امّا بعد؛ لا يخفىٰ على الباحثين فى علم الفقه، أنَّ نظريّة «ولاية الفقيه»، نظريّةٌ عريقة فى الفقه الإمامىّ، و الاعتقاد بهذه الفِكرة بين فقهاء الاماميّة قدس سرهم ليست طارئة أصلاً، و إنّما طُرحت مباحث فقه الحكومة و الولاية على بساط الدّراسةُ منذ عصر السّنةٌ الشريفة و هو عهد حضور الأَئمّة المعصومين عليهم السلام و حتّى اليوم. و لذا أنّ لجميع أركان الفقه و التّفقه، بحوثاً عديدة فى مضمار هذه الأطروحة فى الابواب الفقهيّة المختلفة، اعمّ من العباديّة و الإجتماعيّة و الإقتصاديّة و الجزائيّة و غير ذلك. فانّ هذه الحدود الإلهيّة الّتى يقيم بها حكم اللّه تعالىٰ و ينشر بها القسط و العدل فى المجتمع البشرىّ، بطبيعة الحال تستدعى وجود الحكم و الحكومة و لا يمكن إجرائها و تنفيذها إلّاتحت ظلال دولةٍ قويّة و عادلة و ولاية حاكمٍ صالحٍ و عادلٍ. فقد تناول أعلام الطّائفة الإماميّة قدس سرهم من الشيخ الصّدوق قدس سره إلى المعاصرين من فقهائنها العظام، هذه النّظرية بالبحث و التنقيب فى تصانيفهم و مسفوراتهم.

لكن يبدو للمتُتبِّع أنّ هذه الفِكرة كَسائر النّظريّات، قد طوت مراحل مختلفة وها هى تمرّ اليوم بمرحلتها الحاضرة و هى مرحلة التطبيق العملىّ. و هذا بمجاهدة أحد فقهاء الاماميّة العظام و هو مفجّر الثّورة الإسلاميّة و قائدها الرّاحل سماحة آية اللّه العظمى الإمام الخمينى - اعلى اللّه تعالىٰ كلمته و أرفع فى الخلد مقامه - و أنّ سماحته قد جاهد فى تنفيذ هذه النّظرية و تطبيقها و إجرائها، مجاهدةً عظيمةً علميّةً و عمليّةً. و بعد انتصار الثورة الإسلاميّة و استقرار الحكومة الإسلاميّة، كالنظام الجمهوريّة الإسلاميّة، فقد وقع على عاتق الفقهاء العظام و لٰاسيّما تلاميذ الإمام الرّاحل قدس سره و مروّجى مكتبه العلميّة و العمليّة، تبيين هذه الفكرة الأَساسيّة و البحث و التنقيب عنها.

و الكتاب الماثل المسمّىٰ ب «فقه الولاية و الحكومة الإسلاميّة» دراسةٌ مفصّلة فى هذا الصعيد لتبيين نظرية ولاية الفقيه و الحكومة الإسلاميّة و تحليلها. و هو تقريرات أَبحاث واحد من أبرز تلاميذ سماحة الإمام الخمينى قدس سره، الفقيه البارع و المرجع الدّينى سماحة آية اللّه العظمى الشيخ حسين المظاهرى - مدّظلّه العالى - الّتى ألقاها على جمعٍ كثيرٍ من الفضلاء فى الحوزة العلميّة بإصفهان.

و قد يترتّب الكتاب فى ثلاثة أجزاء. الجزءُ الاوّل منه يشتمل على البحث عن المقدّمات التمهيديّة و أصل مسألة ثبوت الولاية للفقيه و الشرائط العامّة لمن تصلح له الولاية ثم عن إشكالات و شبهات ترد على ثبوتها له أو سائر جهاتها و الجواب عن هذه الشبهات و الإشكالات. و الجزءُ الثّانى يشتمل على البحث عن المنابع الماليّة فى الحكومة و الدّولة الإسلاميّة و لذا يستغرق ما يتعلّق مِن أبحاث كتابَى الخمس و الأَنفال بمسألة الحكم و الحكومة. و الجزء الثّالث يشتمل عن البحث عن أهمّ وظائف الولىّ الفقيه و مسئوليّاتها الهامّة و ما يجب عليه القيام به و لذا يستغرق ما يتعلّق من أبحاث كتاب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و كتاب الحدود و التّعزيرات بمسألة الحكم و الحكومة.

و نرىٰ من الواجب علينا أن نتقدّم بخالص تقديرنا إلى مقرّر هذه البحوث، الفاضل المحقّق، حجة الاسلام والمسلمين الشيخ مجيد هادى زاده - دام عزّه - و هو من تلاميذ سماحة آية اللّه العظمى المظاهرى - مدّظلّه - و من أَساتذة حوزة إصفهان العلميَّة. و نحن نشكر من سماحته شكراً واسعاً جليلاً. فللّه درّه و عليه أجره.

و قد عزمت مؤسّسة الزّهرا عليها السلام الثقافيّة الدّراسيّة علىٰ إعداد هذا الكتاب و تنظيم فهارسه و نشره و تقديمه إلىٰ روّاد العلم و أصحاب الفقه و الفقاهة. فنحن نرجو أن يكون هذا الكتاب، إضافةً حديثةً إلى المكتبة الفقهيّة عند الشّيعة الإماميّة، يتزوّد منه العلماء و يحظى به المحقّقون. بعون اللّه و فضله و كرمه و جلاله، إنّه ذو الجلال و الإكرام.

مؤسّسة الزّهرا عليها السلام الثقافيه الدّراسية منتصف شعبان 1428

كلمة المقرِّر

الحمد للَّه ربِّ العالمين، و الصَّلاة و السَّلام على سيِّدنا محمَّدٍ و ٰ‌اله الطَّيِّبين الطَّاهرين، و اللَّعن الدَّائم على أعدائهم أجمعين.

و بعد؛ فهذا حصيلة ما كتبتُه و حقَّقتُه من أبحاث شيخنا الأستاذ الفقيه البارع سماحة الحجَّة آية اللَّه العظمىٰ الشَّيخ حسين المظاهري - متَّعنا اللَّه تعالى بطول بقائه الشريف -، و الَّتي ألقاها في حوزة إصفهان العلميَّة - صينت عن الحدثان -؛ و قد وسمتُ الكتاب ب «فقه الولاية و الحكومة الإسلاميَّة»؛ أقدِّمه إلى القارىء الكريم راجين من اللَّه - تعالى - و مبتهلين إليه لأنْ يكون موضع رضاه - تعالى -، و أن ينفع به روَّاد فقه مدرسة أهل البيت عليهم السلام، و أن يجعله ذريعةً بها نفوز برحمته في يوم لاينفع مالٌ و لابنون؛ إنَّه وليُّ الاجابة.


لاخفاء في مكانة علم الفقه السَّامية بين العلوم الإسلاميَّة، فإنَّه المتكفِّل الوحيد لبيان وظائف المكلَّفين طوال حياتهم، و المبيِّن لما عليهم تجاه الوقائع و المسائل. فهذه القيمة قد

أدَّت بعض الكبار من الباحثين و المثقِّفين إلى أن يجعلوه - مع علمَي العقائد و الأخلاق - أعظم العلوم و أنفعها؛ و لذلك نرىٰ فقهائنا العظام جيلًا بعد جيلٍ يبحثون في خبايا هذا العلم و زواياه للعثور على أدقِّ الآراء و أرسنها في مختلف المسائل، بين القديم منها و المولد. فهذا معلِّم الأمَّة، و هذا شيخها، و هذا محقِّقها، و هذا علَّامتها، و هذا شهيدها،... و هذا آلاف من كبار مصنِّفيها و مدرِّسيها و مؤسِّسيها قد أتحفوا بالمكتبة الفقهيَّة من الآراء و الآثار ما لايسع هذا المختصر ذكر عشرٍ من معشارها؛ فيا لهم من أولي جهودٍ واسعةٍ في سبيل تخليد فقه أهل البيت عليهم السلام كمدرسةٍ ذات غنىً لايوجد مسألةٌ ممَّا ابتلىٰ به المؤمنون أو يبتلون إلَّاو فيها جوابٌ أو أجوبةٌ عنها! - رحم اللَّه الغابرين منهم و أطال ظلَّ الباقين منهم، و وفَّق جيلًا من صالحي طلبة العلم للاِقتداء بصالح سيرتهم؛ ٰ‌امِّين ربَّ العالمين -.


و من هؤلاء الكبار أصحاب الفضل و الفضيلة الأستاذُ الفقيه المحقِّق البارع - جعله اللَّه عن كلِّ مكروهٍ في حفظه و رعيه -؛ فإنَّه - دام ظلّه - بعد أن استفاد من دروس مشائخه الكبار - كسماحة فقيه الأمَّة و فقيدها آية اللَّه العظمىٰ البروجردي قدس سره، و الفقيهين المدقِّقين سماحة آية اللّه العظمى الإمام الخميني قدس سره و سماحة آية اللَّه العظمىٰ المحقِّق الداماد رحمه الله و سماحة الحكيم الكبير العلَّامة الطَّباطبائي قدس سره - شمَّر الذِّيل لتدريس علم الفقه كأصوله، و التَّحقيق فيهما؛ فألقىٰ دورات من علم الأصول و كثيراً من كتب الفقه في حوزة قم المقدَّسة على مستوىٰ بحث الخارج؛ فحضر لديه جملةٌ من روَّاد العلم و الفضيلة في تلك الحوزة المباركة.

ثمَّ بعد أن هاجر - أدام اللّه عزَّه - إلى إصفهان بطلبٍ من علمائها الأعلام - و كان ذلك

في يوم الأحد 10 شهر الرَّجب المرجَّب لسنة 1416 ه. ق. الموافق ل 12 آذر 1374 ه. ش. - قام بالبحث عن كتاب الصَّلاة أوَّلًا، ثمَّ بعد أن فرغ منه شرع في مبحث «ولاية الفقيه» كمسألةٍ تُعدُّ من مهامِّ مسائل المسلمين حاليّاً، ثمَّ بحث عن كتاب الإجارة و المُضاربة و الشِّركة و الضِّمان و الحوالة و الكفالة و الصُّلح و الحَجر و القرض و الفَلْس و القضاء و القسمة و الشَّهادات؛ كما و قد ألقىٰ دورتين كاملتين من علم الأصول، ثمَّ عطف العنان نحو القواعد الفقهيَّة، و هو الآن - حفظه اللَّه - مشغولٌ بتدريس كتاب الحدود و التَّعزيرات فى علم الفقه، و القواعد الفقهيَّة فى علم الاصول؛ نرجوا من اللَّه - سبحانه و تعالى - أن يجعله في حصنه الحصين -.

ثمَّ من دواعي الفخر والاعتزاز أن وفَّقني اللَّه للحضور لديه و الاستفادة من أبحاثه و آرائه الشَّريفة، فكتبتُ ما كان يُلقي على الطَّلبة حرصًا على جمع أنظاره و حفظًا لها عن الضِّياع.

ثمَّ إنَّ ولده الفاضل البارَّ بأبيه أخي في اللَّه الشَّيخ محمَّد حسن مظاهري دعاني إلى تبويب مباحث «ولاية الفقيه و فقه الحكومة الاسلاميّة» و تدوينها و مقابلتها بالأبحاث المسجَّلة على أشرطة التَّسجيل، فقمتُ بما دعاني إليه، فصار هذا الكتاب الَّذي بين يدي القارىء الكريم حصيلةَ هذا الجهد المتواضع؛ و للَّه الحمد في الأولىٰ و الآخرة.

ثمَّ إنَّه يجب عليَّ أن أنوِّه بأمورٍ لايجوز لي الفراغ عن هذه التَّقدمة القصيرة إلَّابعد ذكرها:

1. جميع ما في الكتاب - إلَّاما يُذكر في الهوامش - يمثِّل مباحث الأستاذ - حفظه اللَّه - و آراءه؛ أمَّا الهوامش فخصَّصتُها بذكر مصادر الأحاديث و الآيات و منابع الأقوال و الكلمات. كما و قد ذكرتُ فيها ما كان يختلج ببالي الفاطر، و قد صفحتُ عن ذكر آرائي القاصرة غالباً لئلَّا يخرج الكتاب عن مستوى «التَّقرير» المصطلح عليه في الحوزات

العلميَّة.

2.

لشيخنا الأستاذ أراء خاصَّة في علم الرِّجال قد ذكرها في تقدمة كتابه القيِّم «الثِّقات الأخيار من رواة الأخبار»، فعلى الطَّالب الباحث الرُّجوع إليه ليكون على بصيرةٍ من أمر آرائه الشريفة الرِّجالية في المباحث الملقاة إليه في كتابنا هذا. و هذا الكتاب خرج من الطَّبع في الآونة الأخيرة.

3.

كان شروع الأستاذ - حفظه اللَّه - في أصل مبحث ولاية الفقيه يوم 1380/10/25 الهجريّة الشمسيّة، و قد فرغ منه في 1381/5/16؛ ثمَّ بحث عن كتابَي الخمس و الأنفال كمنابع الفقيه الولي الماليَّة في 1381/5/19، و ختَمَها في 1381/11/8؛ ثمَّ درَّس أبحاث الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر و الحدود و التَّعزيرات كوظائفه بدءً في 1381/11/9 و ختماً في 1382/3/25؛ فاستغرق البحث بأجمعه سنةً و خمسة أشهر.

4.

قد منَّ عليَّ الشَّيخ الأستاذ فقرأ المواقع المهمَّة من الكتاب، و أبدىٰ رأيه الشريف حول مواضع ممَّا كتبتُه لم يكن يرتضيه - و كان أربعة مواضع -؛ و قد راعيتُ هذه الآراء، فله الشُّكر المتواصل حيث نظر في الكتاب و منحني أنظاره العالية.

5.

في إرجاع الأقوال و الأحاديث إلى مصادرهما راعيتُ الإرجاع إلى أفضل طبعات الكتب و أحسنها. فعلى سبيل المثال ذكرُ «وسائل الشِّيعة» في الهوامش يشير إلى طبعة مؤسَّسة آل البيت عليهم السلام المحقَّقة المطبوعة في ثلاثين جزءً. و هكذا في جميع المصادر، إلَّاالنَّادر اليسير الَّذي لم أعثر على طبعةٍ محقَّقةٍ منه، فاكتفيتُ فيه بطبعته الحجريَّة.

6.

ثمَّ عليَّ أن أشير إلى ما لأخي الشيخ محمَّد حسن مظاهري من الحقِّ على هذا العمل

المتواضع، حيث نظر فيه بعد فراغي منه، فكان خير مشيرٍ لي في تصليح بعض العنوانين و ما إليه من الأمور، كما و إنَّه يجب عليَّ أن أشكر لأخي الشَّيخ شهريار مرادي، حيث شجَّعني على هذا العمل ثمَّ عقَّبه حتَّى فرغتُ منه؛ فلهما منِّي جزيل الشُّكر و الاِمتنان.


و الآن و أنا أضع هذه اللَّمسات الأخيرة - و بإتمامها أفرغ من أطروحة تدوين هذه الدُّروس و تحقيقها - لم يبق عليَّ شيءٌ إلَّاحمد اللَّه - سبحانه و تعالى - و الثَّناء عليه؛ فالحمد له، ثمَّ الحمد له، ثمَّ الحمد له.

مدَّ اللَّه - سبحانه و تعالى - في حياة شيخنا الأستاذ و بلغه غاية آماله و أمانيه.

و كتب المتمسِّك بأذيال أهل العصمة و الطَّهارة مجيد هادي زاده - آتاه اللَّه الحسنىٰ و زيادة - في 1386/3/5 الموافق ل 9 جمادى الأولىٰ 1428

الصورة

M08

تقريظُ سماحة آية اللّٰه العظمى المظاهرى - أدام اللّٰه ظلّه -

الحمدللّٰه ربّ العالمين و صلّى اللّٰه على سيّدنا محمّد و ٰ‌اله الطّاهرين

و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين.

و أمّا بعد؛ فإنّ من نِعم اللّٰه تبارك و تعالى على هذا العبد، اتّفاق صحابة جمٍّ من الأفاضل النُّبلاء - أيّدهم اللّٰه تعالىٰ - فى حلقات دروسنا الفقهيّة و الأصوليّة فى الحوزة العلميّة بإصبهان، بعد هجرتنا من القم المقدّسة.

و قد كنت قبل سنين، ألقيتُ بحوثاً تفصيليّاً فى موضوع ولاية الفقيه و فقه الحكومة الإسلاميّة. و قد كانت هذه المسألة من أُسس المسائل الإسلاميّة و الّتى تقع امتداداً لمسألة الولاية الكبرىٰ. فإن البحث في فقه الولاية و الحكومة من البحوث الفقهيّة الضّروريّة، و لا سيّما فى زماننا هذا.

و قد جمع دروسنا هذه، العالم المحقّق و الفاضل المدقّق، عماد الأعلام و حجّة الاسلام الشيخ مجيد هادى زاده - أدام اللّٰه تعالى تأييداته و وفّقه لمرضاته -.

فإنّى قد لاحظت المواقع المهمّة ممّا أودعه فى هذه الصحائف، و لقد أَحسن وأَجاد فى ضبط ما استفاد و تحريره ببيان رائق و تحقيقه بأسلوب فائق، بحُسن سليقته وجودة قريحته، فصار - بحمداللّٰه و له المنّة - صحيفة كافلة لمهمّات مباحث الولاية و الحكومة.

فللّه تعالىٰ درّه و عليه سبحانه أجره و جعله من العلماء العاملين و حملة شريعة سيّد المرسلين صلّى اللّٰه عليه و ٰ‌اله الطيّبين الطّاهرين.

والسّلام عليه و على جميع عباد اللّٰه الصّالحين

في تاريخ 28 / شهر ربيع / 1428-1386/2/26

حرّره العبد حسين المظاهري عفي عنه.

ولاية الفقيه و تحليلها

اشارة

إنّ الكلام حول مسألة ولاية الفقيه و تحليلها - كغيرها من المسائل الّتي يُبحث عنها في كلّ واحدٍ من العلوم -، يتوقّف في المرحلة الأولىٰ و المنزل الأوّل على تصوّر الموضوع الّذي تدور المسألة حوله. فعليه فقبل البدء في البحث عن المسألة من وجهة النفي و الإثبات يجب علينا أن نفصّل الكلام حول موضوع مسألتنا هذه، لنحصل على نتيجتين نستعين بهما في المبحث:

الأوّل: الحصول على موضوعٍ واحدٍ لتُحمل عليه المحمولات المبحوث عنها في الرسالة من أوّلها إلى آخرها؛

الثّاني: ليُجتنب من الخلط بين موضوع المسألة و بين الموضوعات الأُخرىٰ الّتي يمكن أن تشتبه معه لاشتراكهما في اللفظ.

فنحن بحاجةٍ ماسّةٍ إلى تبيين الموضوع ليُحترز عن الإيهام و الخلط بينه و بين ما يشترك معه في الاسم(1).

و زيادةً على ذلك؛ لو تأمّلنا في أنّ لفظة الولاية يُبحث عنها في كثيرٍ من العلوم و يراد منها في كلّ علمٍ غير ما يراد منها في آخر، لنرى من الواجب التحقيق حول هذه اللفظة


1) . فانظر على سبيل المثال: «حكمت و حكومت» ص 178.

ليُجتنب عن الخلط و الإيهام. فالولاية الّتي يُبحث عنها في الفقه غير الولاية الّتي توجد في الصحف العرفانيّة، و هما غير ما يُبحث عنه في علم الكلام.

و كيف كان فعلينا عقد الكلام في هذا المضمار في فصولٍ.

الفصل الاوّل مباحث تمهيديّة

اشارة

الفصل الأوَّل مباحث تمهيديّة

هذا الفصل يشتمل على مباحث تمهيديّة؛ عقدنا لتفصيل الكلام فيها ثلاث عشر مقدّمةً.


المقدّمة الأوليٰأقسام الولاية

اشارة

فنقول: الولاية تُطلق و يراد منها تارةً:

1 - الولاية التكوينيّة؛

2 - و تارةً أخرى: الولاية التشريعيّة؛

3 - و تارةً ثالثة: الولاية العنائيّة(1).

و لكلٍّ من القسمين الأوّلين أقسامٌ أربعة. فتصبح معاني الولاية تسعةً كالتالي؛ و هذا


1) . أي: الإشراقيّة، و الاصطلاح من الشيخ الأستاذ - حفظه اللّه -.

رسمٌ بيانيٌّ يمثّل أقسامها:

1 - الولاية التكوينيّة:

1-1: الولاية التكوينيّة بمعنى صحّة التصرّف في التكوين

1-2: الولاية التكوينيّة بمعنى زعامة الناس في سيرهم الكماليّ

1-3: الولاية التكوينيّة بمعنى زعامة ركب الوجود في مدرج الحياة

1-4: الولاية التكوينيّة بمعنى تعلّق حياة العالم بالمعصومين عليهم السلام

2 - الولاية التشريعيّة:

2-1: الولاية التشريعيّة بمعنى الولاية في التقنين

2-2: الولاية التشريعيّة بمعنى الولاية في القضاء

2-3: الولاية التشريعيّة بمعنى الولاية في وجوب الطاعة

2-4: الولاية التشريعيّة بمعنى الولاية في زعامة المجتمع و إمارته

3 - الولاية العنائيّة

و هنا نأتي بتوضيحٍ موجزٍ حول كلّ واحدٍ من هذه الأقسام لنحدّد ما هو موضوع دراستنا هذه.

توضيحٌ موجزٌحول كلّ واحدٍ من الأقسام التسعة

1-1: الولاية التكوينيّة بمعنى صحّة التصرّف في التكوين

هذه الولاية هي من أركان مباحث علم العرفان. و هي و إن يبحث عنها في هذا العلم خاصّةً، و لكن قد ورد ذكرها في لسان الشرع و قد أيّدها الشارع أيضاً بتأييداتٍ سنذكر بعضها.

و التصرّف في التكوين ممّا لاينبغي الارتياب فيه، إذ كلّ أحدٍ يرى نفسه قادراً على أخذ الكتاب من موضعٍ و وضعه في موضعٍ آخر، أو أن يكتب بالقلم فيتصرّف في القرطاس؛ و هذه نماذج من تصرّفاتٍ عامّة يستطيع كلّ أحدٍ من فعلها.

و هذا التصرّف هي حصيلة كون المتصرّف واسطةً في إيصال الفيض من مبدئه إلى المتصرَّف فيه. و كلّما يتّسع وجود المتصرِّف أكثر تكون تصرّفاته أكمل و أعم.

و على مبنى التوحيد الأفعاليّ القويم لاريب في أنّ هذه التصرّفات برمّتها هي من فعل اللّه - تعالى -، و ليس المتصرِّف إلّاواسطةً فيها؛ قال - سبحانه و تعالى -: «وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ»(1).

إليك نموذجاً ممّا ورد في لسان الشرع، و هو يؤيّد هذا القسم من أقسام الولاية:

الأوّل: قوله - سبحانه و تعالى -:

«قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيكَ طَرفُكَ»(2).


1) . كريمة 96 الصافات.

2) . كريمة 40 النمل.

تحكي لنا الآية المباركة أحد التصرّفات العجيبة الّتي جاء بها أحد خواصّ أصحاب النبيّ سليمان عليه السلام. و لو قلنا بأنّ تنوين لفظة «عِلْمٌ» تنوين التنكير الدالّ على القلّة(1)، لنرى بأنّ القليل من علم الكتاب مكّن صاحبه من هذا التصرّف الغريب المذهل؛ فكيف بمن عنده الكثير من هذا العلم!.

و النقطة هذه قد ذكرها سيّدنا السجّاد زين العابدين عليه السلام في كلامٍ له(2).

الثّاني: قوله - تعالى -:

«أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ»(3).

تدلّ الآية الكريمة على نقطتين أو شيئين:

الأوّل: انّ إفاضة الصورة الحيوانيّة هي من فعل اللّه، و قد حصلت بإذنه - سبحانه و تعالى -؛

الثّاني: انّ عيسى عليه السلام كان وسيطاً في إيصال الصورة من مبدء الصور إلى الطين فصار حيواناً يمشي و يطير. فهذا التصرّف في التكوين كان من فعل عيسى عليه السلام بما أنّه صار واسطةً في إيصال الصورة إلى المتصرَّف فيه.

الثّالث: عقد الشيخ الكلينيّ رحمه الله في جامعه الكافي باباً أسماه: «باب من آذى المسلمين و احتقرهم»(4)، و أورد في الباب أحاديث تدلّ على حرمة إيذاء المسلمين و هتكهم؛ منها: - و


1) . و عن العلّامة العماديّ: «و تنكير «علمٌ» للتفخيم و الرمز إلى أنّه علمٌ غير معهودٍ»؛ راجع: «تفسير أبي السعود» ج 6 ص 287. فلاحظ و تدبّر.

2) . لم أعثر عليه، و قريبٌ منه ما يوجد في تفسير «كنزالدقائق و بحرالغرائب» ج 9 ص 564 فما بعدها.

3) . كريمة 49 آل عمران.

4) . راجع: «الكافي» ج 2 ص 350.

هو الحديث الثّامن منه -:

«عدّةٌ من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد عن إسماعيل بن مهران عن أبي سعيد القمّاط عن أبان بن تغلب عن أبي جعفرٍ عليه السلام انّه قال -... فساق الحديث إلى قوله عليه السلام -: «و ما يتقرّب إليَّ عبدٌ من عبادي بشيءٍ أحبّ إليَّ ممّا افترضت عليه. و انّه ليتقرّب إليَّ بالنافلة حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت إذاً سمعه الّذي يسمع به و بصره الّذي يبصر به و لسانه الّذي ينطق به»(1).

أمّا السند فلابأس به؛ بل هو صحيحٌ لاإشكال فيه.

أمّا الدلالة، فهي واضحةٌ فيما نحن بصدده دون شكٍّ، إذ الحديث ناطقٌ بأنّ من أدّى الواجبات و النوافل المقرّرة في الشرع على ما هي عليها، يتقرّب إلى اللّه - سبحانه و تعالى - خطوةً فخطوةً، فيتّسع وجوده و سعته، فيصير اللّه - سبحانه و تعالى - يده و لسانه و رجله؛ فيستطيع من التصرّف في عالم الكون، إذ لامانع و رادع يمنعه من التصرّف فيما يشاء كيف يشاء.

و على ما قلنا ظهر انّ نبيّنا صلى الله عليه و آله و أهل بيته عليهم السلام لهم أعلى مدارج هذا التصرّف، لأنّهم أقرب الموجودات إلى اللّه - سبحانه و تعالى - مصدر القدرة و التصرّف، ثمّ من بعدهم للأنبياء عليهم السلام، ثمّ لغيرهم من المقرّبين، ثمّ لعامّة الناس، ثمّ لغيرهم من ذوي الحياة.

1-2: الولاية التكوينيّة بمعنى زعامة الناس في سيرهم الكماليّ‌

أي: في سيرهم إلى الكمال اللائق بهم.

لاريب في أنّ الإنسان خُلق لأجل الاستكمال و لأجل أن يصل إلى كماله اللائق به، و هذا أمرٌ سجّلت عليه ثقافة القرآن الكريم. بل نقول: انّ هذه الثقافة العليا تدلّ على أنّ عوالم


1) . راجع: «الكافي» ج 2 ص 352 الحديث 8.

الوجود خُلقت بأسرها لأجل الإنسان و استكماله؛ قال - سبحانه و تعالى -:

«أَلَمْ تَرَوا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَ مَا فِي الْأَرضِ وَ أَسبَغَ عَلَيكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَ بَاطِنَةً»(1)

و قال: «يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ»(2)

و قال: «إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى»(3)

و قال: «إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى»(4).

فالآية الأولىٰ تدلّ على أنّ ما يطلق عليه لفظ الموجود و كذلك آلاء اللّه - سبحانه و تعالى - ظاهرها و باطنها و خفيّها، خُلق لأجل الإنسان؛ و قد سخّره اللّه - سبحانه و تعالى - له.

و الثّانية تدلّ على أنّ الإنسان يسير آناً فاناً في صراطٍ غايته هو اللّه - سبحانه و تعالى -.

و الثّالثة و الرّابعة أيضاً تدلّان على هذا المسار و على غايته.

و في كلمةٍ جامعةٍ قال - سبحانه و تعالى -:

«إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ»(5).

و تدلّ هذه الكلمة الجامعة على أنّ مبدأ الوجود هو اللّه، و مرجعه و غايته أيضاً هو اللّه - سبحانه و تعالى -؛ و هذا أمرٌ لاريب فيه.

و قد فصّل بعض الأعلام بل كثيرٌ منهم الكلام فيه، و لاتسع رسالتنا هذه التحقيق حوله.


1) . كريمة 20 لقمان.

2) . كريمة 6 الانشقاق.

3) . كريمة 42 النجم.

4) . كريمة 8 العلق.

5) . كريمة 156 البقرة.

و لكن يجب أن نشير إلى نقطةٍ ذات صلةٍ بما نحن فيه، و هي: لو أنّ قافلة البشر تسير نحو مقصودٍ فيجب أن يكون فيها من له مرتبة هداية القافلة، و من له زعامتها و قيادتها في إيصالها إلى ما تقصده؛ و هو رئيس القافلة وأميرها، و الولاية التكوينيّة بمعناها الثّاني تحصل لمن له هذه المرتبة العليا و الدرجة العظمىٰ.

و بهدا القسم من الولاية فسّر سيّدنا الأستاذ العلّامة الطباطبائيّ‌(1)«الإمامة» الّتي حازها النبيّ إبراهيم عليه السلام بعد أن كان نبيّاً رسولاً، فأصبح عليه السلام صاحب قوسي الهداية:

قوس النبوّة؛

و: قوس الإمامة.

فبالأوّل كان يأخذ الأحكام من اللّه - تعالى - و يبلغها إلى الناس؛

و بالثاني كان يهدي الناس إلى ربّهم و يقود قافلتهم لتصل إلى مرجعها و مآبها.

و طلبه عليه السلام في ذيل الكريمة يدلّ على غاية فقره و افتقاره إلى اللّه - سبحانه - حيث طلب منه - تعالى - أن يبقى هذا المنصب في ذرّيته، فاستجاب له و جعله في غير الظالمين من ذرّيته. و هذا المنصب الآن متحقّقٌ في مولانا و سيّدنا سيّد العترة الإبراهيميّة مولانا الحجّة - عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف -.

و لايخفى انّ هذا القسم من الولاية أيضاً يدلّ على نوعٍ من الوساطة في الفيض.

1-3: الولاية التكوينيّة بمعنى زعامة رَكْب الوجود في مدرج الحياة

بالانتباه إلى ما مضى في توضيح القسم الأخير من أقسام الولاية يظهر لنا مغزى هذا


1) . قال رحمه الله: «قوله - تعالى -: «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» -... إلى آخره - أي: مقتدىً يقتدي بك الناس و يتّبعونك في أقوالك و أفعالك، فالإمام هو الّذي يقتدي و يأتّم به الناس»؛ راجع: «الميزان» ج 1 ص 273.

القسم و فحواه، إذ لو أنّ ركب الإنسانيّة يتّجه نحو الكمال و في هذا الاتّجاه يحتاج إلى زعيمٍ، فجميع عوالم الوجود أيضاً يتّجه نحو مقصودٍ و هو أيضاً يحتاج في هذا الاتّجاه إلى وليٍّ يولّي أمر هدايته و إيصاله إلى مقصوده.

و هذه الولاية هي من أقسام الولاية التكوينيّة، لا التشريعيّة؛ إذ بما أنّ عوالم الوجود لايكلّف بتكليفٍ شرعيٍّ فلايحتاج إلى وليٍّ يهديه في أمر تكليفه، هذا من جانبٍ؛ و من جانبٍ آخر فعوالم الوجود نفسها تحتاج في كلّ آنٍ إلى واسطةٍ بينها و بين مبدأ الحياة ليكون واسطةً في أخذ الفيض من المبدأ - سبحانه و تعالى - و إيصاله إلى العوالم كلّها لتستفيد منه في مدرجه القهريّ الحتميّ التكوينيّ.

ثمّ ليعلم انّ النبذة الأولىٰ من كريمة «وَ جَعَلنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا وَ أَوحَينَا إِلَيهِمْ فِعلَ الْخَيرَاتِ»(1)تدلّ على هذا القسم من الولاية؛

و النبذة الثّانية منها تدلّ على القسم التشريعيّ منها.

و إضافةً إلى مبنى الحركة الجوهريّة القويم، هناك بعض الايات والروايات تدلّ أيضاً يدلّ على هذه الحركة؛ منها قوله - سبحانه -:

«فَقَالَ لَهَا وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوعاً أَو كَرهاً قَالَتَا أَتَينَا طَائِعِينَ»(2).

و هذا القسم من أقسام الولاية قد سمّاه السيّد العلّامة الطباطبائيّ رحمه الله بالإيصال إلى المطلوب، فانّه - قدّس اللّه سرّه العزيز - في تفسير قوله - تعالى -: «وَ إِذِ ابْتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ»(3)سمّى الأقوال الصادرة من الأئمّة عليهم السلام بإراءة الطريق؛ و أطلق على إيصالهم الموجودات إلى كمالهم اللائق بهم: الإيصال إلى المطلوب(4).


1) . كريمة 73 الأنبياء.

2) . كريمة 11 فصّلت.

3) . كريمة 124 البقرة.

4) . قال رحمه الله: «و بالجملة فالإمام هادٍ يهدي بأمرٍ ملكوتيٍّ يصاحبه. فالإمامة بحسب الباطن نحو ولايةٍ للناس في أعمالهم، و هدايتها إيصالها إيّاهم إلى المطلوب بأمر اللّه دون مجرّد إرائة الطريق الّذي هو شأن النبيّ و الرسول و كلّ مؤمنٍ يهدي إلى اللّه - سبحانه - بالنصح و الموعظة الحسنة»؛ راجع: «الميزان» ج 1 ص 275.

1-4: الولاية التكوينيّة بمعنى تعلّق حياة العالَم بالأئمّة - عليهم السلام -

هذا المعنى من معاني الولاية هو من المعاني الظريفة الدقيقة، و هو و إن كان من أسرار الشيعة الإماميّة و لكن قد عثر عليه جمعٌ من عارفي العامّة.

و نعني بهذا القسم أنّه لوفرضنا خلوّ العالم عن المعصومين عليهم السلام بحيث لم يكن لأحدهم وجودٌ خارجيٌّ عينيٌّ فيه لينقرض العالم بأسره و ليضمحلّ بجميع أجزائه.

و علاوةً على الروايات العشر الّتي رواها الشيخ الكلينيّ في باب «انّ الأئمّة هم أركان الأرض» من جامعه الكافي(1)، يدلّ على هذا المعنى الدقيق بعض فقرات أدعيتنا المأثورة؛ فانّه يدلّ على تعلّق العالم كلّه بوجودهم الشريف.

منه: ما ورد في الدعاء المسمّاة بالعديلة:

«بوجوده ثبتت الأرض و السماء»(2)

و منه: ما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة:

«و بكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلّابإذنه»(3).

و من الغنيّ عن البيان انّ جميع ما في العالم من الفيض هو من اللّه - سبحانه و تعالى - و قد صدر منه من دون ريبٍ و ارتيابٍ؛ و لكن الكلام كلّه في أنّ هذا الفيض يحتاج إلى مجرىً و مسلكٍ ليجري فيه حتّى يصل إلى موطنه، و الأئمّة عليهم السلام هم المسلك التامّ الكامل لإيصاله إليها.


1) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 196.

2) . الدعاء مرويّةٌ في «مفاتيح الجنان»، و طبعاته مختلفةٌ، و لم أعثر عليها في مصادرنا الروائيّة.

3) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 2 ص 615.

و إمعان النظر إلى أنّ جميع أجزاء العالم من النُوَيَّة الصغيرة الّتي لاتُرى إلّابالباصرة المسلّحة إلى المسطبات و المجرّات الّتي لايمكن تقديرها إلّابالوهم يدور حول محورٍ واحدٍ و يسير على مداره يعيننا كثيراً في ما نحن بصدده الآن، إذ عالم الوجود أو قل جميع الوجود أيضاً يدور و يتمحور حول محورٍ واحدٍ، كما قضت بذلك أجزاؤه المفردة من النُوَيَّة إلى المسطبة. و هذا الركيزة هو الإمام عليه السلام في كلّ عصرٍ و زمانٍ.

و ممّا قلنا ظهر أنّ الأقسام الأربعة للولاية التكوينيّة تشترك في معنىً واحدٍ و هو الوساطة في الفيض و إن كان هو الأظهر في الأقسام الثلاثة الأخيرة.

هذا ما أردنا إيراده حول الولاية التكوينيّة و أقسامها. و بعد الفراغ منه نفصّل الكلام حول القسم الثّاني من أقسام الولاية، و هو الولاية التشريعيّة.


2-1: الولاية التشريعيّة بمعنى الولاية في التقنين و السنّ‌

و الكلام في هذا القسم يدور مدار التقنين، أي: جعل الدُستور و وضعه.

و الأصل في هذا القسم - كما يستفاد من القرآن الكريم - انّ التقنين لايجوز لأحدٍ إلّاللّه - سبحانه و تعالى -. و هذا الحكم يعمّ النبيّ صلى الله عليه و آله و أهل بيته عليهم السلام أيضاً؛ أي: لايجوز لهم التقنين و جعل الدُستور أيضاً تحرّراً و من قبل أنفسهم العليا. قال - سبحانه و تعالى -:

«وَ مَنْ لَمْيَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ»(1)

و قال: «وَ مَنْ لَمْيَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ»(2)


1) . كريمة 44 المائدة.

2) . كريمة 45 المائدة.

ثمّ قال: «وَ مَنْ لَمْيَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ»(1).

هذه الآيات الثلاث الّتي وردت في سورة المائدة المباركة تلزيقاً تنادي بأعلى صوتها أنّ الحكم ينحصر في «ما أنزل اللّه» و هو محدودٌ فيه؛ و ليس لأحدٍ أن يضع حكماً و تشريعاً، كان من كان.

و قوله - تعالى -: «وَ أَنْزَلنَا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ»(2)يصرّح بأنّ التقنين ليس في وسع النبيّ صلى الله عليه و آله أيضاً، بل هو مفسّرٌ و مبيّنٌ لما أنزل إليه. فالوضع و الجعل للّه - تعالى -، و تبيين ما وضع إنّما للنبيّ صلى الله عليه و آله.

و من الجدير بالذكر انّ القرآن الكريم يصف نفسه بقوله: «مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْ‌ءٍ»(3)، و بقوله الآخر: «وَ لَارَطْبٍ وَ لَايَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ»(4). و لوكان للقرآن الكريم هذا الشأن، فيجب أن يكون مفسّره أيضاً صاحب هذا الشأن من غير تفاوتٍ حتّى لايقصّر في تفسيره - إذ هذا التقصير ينافي الهداية الّتي من أجلها نزل القرآن الكريم -.

فللنبيّ صلى الله عليه و آله و من استخلفه عليهم السلام مرتبة التماميّة كما انّ للقرآن الكريم هذه المرتبة.

و يرشدك إلى ما قلنا قول السيّد الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله في وصيّته الإلهيّة السياسيّة حيث أشار إلى أنّ للّه - سبحانه و تعالى - تجلّيين تامّين، و بالتجلّي الثّاني ظهر النبيّ و أهل بيته عليهم السلام(5).


1) . كريمة 47 المائدة.

2) . كريمة 44 النحل.

3) . كريمة 38 الأنعام.

4) . كريمة 59 الأنعام.

5) . الظاهر انّه إشارةٌ إلى قوله رحمه الله: «ألّلهمّ صلّ على محمّدٍ و آله مظاهر جمالك و جلالك و خزائن أسرار كتابك الّذي تجلّى فيه الأحديّة بجميع أسمائك حتّى المستأثر منها الّذي لايعمله غيرك»؛ راجع: «وصيّة» السيّد الإمام الخمينيّ رحمه الله السياسيّة الإلهيّة، التقدمة ص 4.

فهم الكمّل التامّون، فلهم مرتبة تفسير ما هو الكامل التامّ؛ و هو القرآن الكريم أي:

الدُستور الإلهيّ الشامل لجميع ما يحتاج إليه الإنسان جيلاً بعد جيلٍ.

2-2: الولاية التشريعيّة بمعنى الولاية في القضاء و الفصل

هذا هو ثاني معاني الولاية التشريعيّة، و هو الولاية في القضاء و فصل الخصومات.

و لاريب في أنّ من كان صاحب هذه الولاية له الحكم النافذ، و لايجوز لأحدٍ التمرّد عمّا حكم به و قضاه و العنود منه.

و هذه المكانة ثابتةٌ للنبيّ صلى الله عليه و آله و أهل بيته عليهم السلام من غير ارتيابٍ؛ قال - سبحانه و تعالى -:

«فَلَا وَ رَبُّكَ لَايُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَايَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً»(1)

و قال: «وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لَامُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمرِهِمْ»(2).

فالآيتان تصرّحان بأنّ مرتبة الحكم و فصل القضاء في مشاجرات الناس و خصوماتهم قد أعطيت للنبيّ صلى الله عليه و آله، و لايجوز لهم انكار ما حكم به.

و لو فرضنا انّ «الحكم» و «القضاء» المذكورين في الآيتين وردا بمعنى الحكومة - كما عليه بعض الفقهاء و المفسّرين(3)- فلاضير، إذ القضاء و فصل الخصومات أيضاً من مراتب


1) . كريمة 65 النساء.

2) . كريمة 36 الأحزاب.

3) . كما قد فسّر العلّامة الطباطبائيّ رحمه الله القضاء في ثاني الآيتين بقوله: «هو التصرّف في شأنٍ من شؤون الناس بالولاية الّتي جعلها اللّه - تعالى - له»؛ راجع: «الميزان» ج 16 ص 341. و هذا كما عن الرازيّ في تفسير تلك الآية أيضاً حيث قال: «ليس لمؤمنٍ و لامؤمنةٍ أن يكون له اختيارٌ عند حكم اللّه و رسوله»؛ راجع: «التفسير الكبير» ج 25 ص 211، و انظر: «تفسير القرطبيّ» ج 14 ص 187. و عن الراغب: «القضاء فصل الأمر، قولاً كان أو فعلاً»؛ راجع: «المفردات» ص 674 القائمة 2.

الحكومة. و من له الحكومة فله مرتبة القضاء، إذ لايستقيم أمر الحكومة إلّابها.

و قد قلنا انّ هذه المكانة زيادةً على النبيّ صلى الله عليه و آله ثبتت لعترته عليهم السلام أيضاً، إذ إضافةً إلى ما روي منه صلى الله عليه و آله في إثبات مناصبه لهم - كحديث المنزلة المتواتر(1)المثبت لجميع مناصبه غير النبوّة لعترته الطاهرة عليهم السلام - نفس نصبه سيّدنا عليٍّ عليه السلام بالولاية و الإمامة يشير إلى إثبات مرتبة القضاء له عليه السلام؛ إذ قلنا انّ الولاية في القضاء من لوازم الولاية العامّة و الحكومة على المسلمين.

2-3: الولاية التشريعيّة بمعنى الولاية في الطاعة و الانقياد و الامتثال

و نطاق هذا القسم من الولاية أوسع من نطاق الولاية في القضاء وفصل الخصومة، إذ لو ثبت لأحدٍ وجوب الإنقياد و الامتثال فلاريب في ثبوت ولايته و وجوب قبول حكمه، قضاءً كان أو حكماً أو قنوعاً.

و قد أجمع الشيعة الإماميّة على ثبوت هذا القسم من الولاية للنبيّ صلى الله عليه و آله و عترته المعصومين عليهم السلام؛ و قد فُصّل الكلام حوله في علم الكلام(2).

و هنا نلمّح إلى قوله - تعالى -: «وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لَامُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً


1) . و قد تكفّل شيخ الباحثين العلّامة ميرحامد حسين الهنديّ رحمه الله مؤونة التحقيق حول هذاالحديث الشريف و اثبات تواترة في جزءٍ من موسوعته العظيمة «عبقات الأنوار»، فجزاه اللّه خير جزاء المحسنين.

2) . كما قال العلّامة الحلّيّ في بيان وجوب نصب الإمام على اللّه - تعالى -: «ما يجب على الرعيّة و هو مساعدته و النصرة له و قبول أوامره و امتثال قوله»؛ راجع: «كشف المراد» ص 286.

أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمرِهِمْ»(1)فقط، حيث لاتسع الرسالة التفصيل فيما لايتعلّق بالفقه.

و الآية الشريفة تنفي خيار المؤمنين - بل الناس - بعد أمر النبيّ صلى الله عليه و آله و حكمه، و اثبات وجوب إطاعته و امتثال أمره.

ذكر المفسّرون(2)أنّ الآية الشريفة نزلت في وقعة زيدٍ و أمر النبيّ صلى الله عليه و آله إيّاه بتطليق زوجته. و الّذي يبدو من ظاهر الآية أنّ أمر النبيّ صلى الله عليه و آله إيّاه ما كان حكماً و لاقضاءً، بل كان أرَباً و طلباً ساذجاً بسيطاً(3)و لكنّها أكّدت وجوب قبول أمره صلى الله عليه و آله و إنْ لم يكن حكماً و ذكّرت المؤمنين أن لاخيار لهم حيال أمره.

و الشيخ الكلينيّ رحمه الله أيضاً أورد بعض الروايات الدالّة على وجوب طاعة المعصومين عليهم السلام في مبتدء جامعه الكافي(4).

و اتّصف هذا القسم من الولاية بوجوب الانقياد و الامتثال.

2-4: الولاية التشريعيّة بمعنى الأمارة و مرتبة رئاسة المجتمع

لاريب أيضاً في ثبوت هذا القسم من الولاية للمعصومين عليهم السلام. و هو ممّا أُرسل إرسال


1) . كريمة 36 الأحزاب.

2) . هذا؛ و الظاهر انّها نزلت حينما أراد النبيّ صلى الله عليه و آله أن يزوّج زينب لزيد بن حارثة، أو يزوّج أمّكلثوم بنت عقبة بن أبي معيط له، و تطليق زيدٍ إيّاها لم يكن بأمرٍ من النبيّ صلى الله عليه و آله؛ راجع: «الميزان» ج 16 ص 340، «تفسير القرطبيّ» ج 14 ص 186، «التبيان» ج 8 ص 343، «تفسير أبي السعود» ج 7 ص 104، «التفسير الكبير» ج 25 ص 211، «تفسير البغويّ» ج 3 ص 530، «تفسير ابن كثير» ج 3 ص 496، «مجمع البيان» ج 8 ص 160.

3) . لكن الشيخ رحمه الله قال في تفسير قوله - تعالى -: «إِذَا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً»: «بمعنى الزاماًو حكماً»؛ راجع: «التبيان» ج 8 ص 343، فتأمّل!؛ و انظر أيضاً: «تفسير ابن كثير» ج 3 ص 496.

4) . راجع: «الكافي»، كتاب الحجّة، باب فرض طاعة الأئمّة، ج 1 ص 185.

المسلّمات بين الشيعة الإماميّة طوال القرون؛ قال اللّه - سبحانه و تعالى -:

«النَّبِيُّ أَولَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ»(1)

و قال: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمرِ مِنكُمْ»(2).

و تصرّح الآيتان بثبوت هذا القسم للنبيّ صلى الله عليه و آله؛ و قد أشرنا فيما سبق إلى تساوي الأحكام بين النبيّ صلى الله عليه و آله و عترته عليهم السلام، فالحكم ثابتٌ لهم عليهم السلام أيضاً.

و من الجدير بالذكر انّ مورد مسألة ولاية الفقيه و منجمها هو هذا القسم من الولاية؛ و السؤال الرئيسيّ الهامّ: «هل ثبتت الولاية للفقيه أم لا؟» يرجع إلى هذا السؤال: «هل مرتبة الأمارة و رئاسة المجتمع تنحصر في المعصومين عليهم السلام أم هي ثابتةٌ لفقهاء الإماميّة العدول أيضاً؟».

فبعد الفراغ من مقدّمات المبحث يجب علينا الرجوع إلى هذا القسم لنفصّل الكلام حوله.


3 - الولاية العنائيّة أو الالتفاتيّة

و نعني بهذا القسم من الولاية انّ الفرد الأعلى الواقع في المرتبة العليا من هرم الوجود له عنايةٌ خاصّةٌ ببعض مصاديق المرتبة الدنيا بحيث تصبح هذه العناية مميّزةً لبعض مصاديق تلك المرتبة أو الطبقة عن بعضٍ آخر.

فعلى ما قلنا ظهر انّ أعلى مراتب هذا القسم من الولاية هي مرتبة عناية اللّه - سبحانه و تعالى - بالنسبة إلى المعصومين عليهم السلام، ثمّ اهتمامهم عليهم السلام بالنسبة إلى خواصّ شيعتهم، ثمّ


1) . كريمة 6 الأحزاب.

2) . كريمة 59 النساء.

عمومهم، ثمّ غيرهم إلى أن تنتهي مراتب هذه الولاية بتمام مراتب الوجود بوصولها إلى مرتبة الهيولى الأولىٰ.

و أشار القرآن الكريم أكثر من مرّةٍ إلى هذه الولاية؛ منها قوله:

«لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ»(1).

و إيماء الآية إلى ما نحن فيه واضحٌ، حيث تشير إلى عنايةٍ خاصّةٍ و اهتمامٍ خاصٍّ من الرسول إلى المؤمنين. إذ يثبت صدر الآية اشتياقه صلى الله عليه و آله إلى اهتداء الناس أجمعين، فهو ذو عنايةٍ و مهتمٌّ بهم؛ و لكن ذيلها يشير إلى التفاته الخاصّ إلى المؤمنين.

و منها قوله: «شَهرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرآنُ هُدَىً لِلنَّاسِ»(2)

و قوله: «ذَلِكَ الكِتَابُ لَارَيبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ»(3)

فبانضمام الآيتين الشريفتين نحصل على نتيجةٍ، و هي ثبوت عنايةٍ خاصّةٍ من القرآن الكريم بالنسبة إلى المتّقين. إذ من البديهيّ أنّ الآية الأولىٰ تصف القرآن الكريم كهادٍ للناس أجمعين؛ أمّا الثّانية - حيث تختصّ المتّقين بالذكر - تثبت عنايةً خاصّةً منه بالنسبة إليهم.

فهذه هي ولاية القرآن الكريم العنائيّة.



1) . كريمة 128 التوبة.

2) . كريمة 185 البقرة.

3) . كريمة 2 البقرة.

المقدّمة الثّانية مصاديق أقسام الولاية

الغرض من تدوين هذا المقال أو الفصل هو الإجابة عن هذا السؤال البنّاء القاعديّ: مَن الّذين هم مصاديق كلّ واحدٍ من أقسام الولاية؟؛

و بعبارةٍ أخرى لنا أن نتساءل: هل تنحصر مصاديق أقسام الولاية في أفرادٍ خاصٍّ؟ أم يمكن لكلّ أحدٍ أن يكون أحد مصاديق قسمٍ من أقسام الولاية؟؛

و بعبارةٍ ثالثةٍ: الحصول في مرتبة الأولياء هل هو أمرٌ كسبيٌّ يجوز لكلٍّ أحدٍ أن يحوزه إذا أحرز شروطه الأساسيّة الأوّليّة؟ أم لايمكن لأحدٍ اكتساب هذه المرتبة؟، بل القرار فيها أمرٌ اختصّ ببعض الناس فقط و ليس لأحدٍ غيرهم بلوغها؟.

و لأن يكون الأمر أكثر تبياناً و اتّضاحاً نبحث عن مصاديق كلّ قسمٍ من أقسام الولاية على حدةٍ، أي: نفصّل الكلام حول مصاديق كلّ قسمٍ من أقسامها وحيداً و على انفرادٍ.

أمّا القسم الأوّل من أقسام الولاية التكوينيّة، فهو - كما مضى - ثابتٌ لكلٍّ أحدٍ من الناس، بل لكلّ موجودٍ من الموجودات و إن كانت سعته تتغيّر بالنسبة إلى كلّ واحدٍ منهم.

فلاريب في أنّ من خطى خطوةً في مسير الكمال و دنا من منبع الوجود له سعةٌ أوسع ممَّن ليست له هذه المرتبة. و ما يُحكى عن بعض العارفين - كالشيخ العارف الشيخ حسنعليّ

نخودكيّ الإصفهانيّ‌(1)- من الكرامات و الأمور الغريبة يشير إلى مرتبتهم الخاصّة في هذا القسم من الولاية.

فبما قلنا ظهر انّ القرار في مصاديق هذا القسم ليس ذاتيّاً لأحدٍ، بل كلّ مرتبةٍ من مراتبه اكتسبابيٌّ.

أمّا القسم الثّاني و الثّالث من أقسام الولاية التكوينيّة، فهما و إن كانا كسبيّاً للأنبياء عليهم السلام و لكن ليس لغيرهم أن يحوزهما، بل لاطريق لهم إليهما؛ قال - سبحانه و تعالى -:

«وَ إِذَا ابْتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَايَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ»(2).

فالآية الشريفة تشير بوضوحٍ إلى أنّ سيّدنا إبراهيم عليه السلام عندما بلغ مرتبة النبوّة الموهوبة تمكّن من اكتساب هذه الرتبة(3)، فصار إماماً للناس، بل إماماً و أميراً لقافلة الوجود في مسيرها الكماليّ.

فتلخّص ممّا قلنا انّ هذين القسمين من الولاية ذاتيّان للمعصومين الأربعة عشر عليهم السلام - و تُبحث عن أدلّة هذا القول في علم الكلام -، و كسبيٌّ للأنبياء عليهم السلام؛ و أمّا الآخرون فلاسبيل لهم إليهما.


1) . و قسطٌ من كراماته و خوارق عاداته رحمه الله جُمع في رسالةٍ كبيرةٍ في مجلّدين باهتمام ولده، و قدسمّاها «نشان از بى نشانها». و فيها بعض مكاتبيه و أقواله، و هو حريٌّ بالعناية من قبل طلّاب العلم و روّاد المعرفة.

2) . كريمة 124 البقرة.

3) . و بما قلنا ظهر ما في كلام الفخر من الخطأ حيث قال في تفسيرالكريمة: «قال أهل التحقيق: المراد من الإمام هيهنا النبيّ»؛ راجع: «التفسير الكبير» ج 4 ص 43. و انظر أيضاً: «تفسير غرائب القرآن و رغائب الفرقان» ج 1 ص 336.

أمّا القسم الرّابع من أقسام الولاية التكوينيّة، فهو يختصّ بالمعصومين الأربعة عشر عليهم السلام و لاسبيل إليه لغيرهم - حتّى للكبار من الأنبياء و أعاظمهم عليهم السلام -. فهي ليست جوهريّاً و ذاتيّاً لهم، و لايمكن لهم اكتسابها أيضاً؛ قال اللّه - سبحانه و تعالى -:

«إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَ هُمْ رَاكِعُونَ»(1).

فالآية الشريفة تدلّ على أنّ الولاية بمعنى العلّيّة للكون و صلته و تعلّقه بغيره تنحصر في اللّه - سبحانه و تعالى - و رسوله و أئمّتنا المعصومين عليهم السلام.

و من الجدير بالذكر في هذا المقام أنّ الفخر الرازيّ - و هو من أعلام العامّة - نظراً إلى وحدة السياق في الآية الشريفة ذهب إلى التسوية بين اللّه - سبحانه و تعالى - و بين رسوله و بين أميرالمؤمنين عليهما السلام في الولاية، أي: كلّ ما للّه من الولاية فهو ثابتٌ لنبيّه ولأميرالمؤمنين عليهما السلام أيضاً(2).

و زيادةً على القرآن الكريم تدلّ جملةٌ من أدعيتنا و أحاديثنا أيضاً تدلّ على انحصار هذا القسم من الولاية في المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام و كونهم مصاديقه الإنحصاريّة. فورد - على سبيل المثال -:

«بيمنه رزق الورى، بوجوده ثبتت الأرض و السماء»(3)


1) . كريمة 55 المائدة.

2) . هذا كلام شيخنا الأستاذ، و لم اهتد إلى مراده. إذ بالغ الفخر في تفسير الكريمة في تفنية عقائد الشيعة و الردّ على قولهم: «انّ الآية تدلّ على إمامة أميرالمؤمنين عليه السلام»؛ بل قال في كلامه الأخير في تفسير الآية: «... أصل الكلام: إنّما وليّكم اللّه، فجعلت الولاية للّه على طريق الأصالة ثمّ نظم في سلك اثباتها له اثباتها لرسول اللّه و المؤمنين على سبيل التبع. و لو قيل: انّما أوليائكم اللّه و رسوله و الّذين آمنوا، لم يكن في الكلام أصلٌ و تبعٌ»؛ راجع: «التفسير الكبير» ج 12 ص 31.

3) . مضى منّا انّ هذه القطعة هي من قطعات الدعاء المسمّاة بالعديلة، و هي مرويّةٌ في «مفاتيح الجنان»، و لم أعثر عليها في مصادرنا الروائيّة.

و أيضاً:

«بكم فتح اللّه و بكم يختم»(1).

أمّا الولاية التشريعيّة و إن كانت لها مصاديق متعدّدة و لكن تتفاوت مراتب تلك المصاديق تفاوتاً بيّناً ناصعاً. إذ هذه الولاية و الّتي بمعنى تبيين الأحكام و إيضاحها تختصّ في مرتبتها التامّة الكاملة بالمعصومين عليهم السلام، إذ ليس لأحدٍ غيرهم عليهم السلام الإحاطة التامّة بالقرآن الكريم و بالشريعة الغرّاء. فهم صاحبوا هذه المرتبة الكاملة من هذه الولاية.

و ممّا لايخفى انّه مَن انسلك في سلك الفقهاء الجامعي لشرائط الإفتاء علماً و عملاً فله مرتبةٌ منها، و يُعدّ من مصاديق أصحاب الولاية التشريعيّة كذلك.

و يؤيد العقل اقتضاء الرجوع إلى المتضلّع الماهر في كلّ فنٍ؛ و سيرة العقلاء أيضاً تؤيّده، بل استقرّت عليه طوال القرون.

فعليهما تثبت هذه الولاية للفقيه الجامع لشرائط الإفتاء.

و علاوةً على العقل و سيرة العقلاء يدلّ فريقٌ من روايات أهل البيت عليهم السلام على ثبوتها لهم؛ منها:

1 - مرسلة الاحتجاج: «... و قال رجلٌ للصادق عليه السلام: إذا كان هؤلاء العوامّ من اليهود لايعرفون الكتاب إلّابما يسمعونه من علمائهم، فكيف ذمّهم بتقليدهم و القبول من علمائهم؟، و هل عوامّ اليهود إلّاكعوامّنا يقلّدون علمائهم؟ -... إلى أن قال: - فقال عليه السلام: بين عوامّنا و عوامّ اليهود فرقٌ من جهةٍ و تسويةٌ من جهةٍ؛

أمّا من حيث الاستواء: فانّ اللّه ذمّ عوامّنا بتقليدهم علمائهم كما ذمّ عوامّهم؛

و أمّا من حيث افترقوا: فانّ عوامّ اليهود قد عرفوا علمائهم بالكذب الصراح


1) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 2 ص 615.

و أكل الحرام و الرشاء و تغيير الأحكام و اضطرّوا بقلوبهم إلى أنّ من فعل ذلك فهو فاسقٌ لايجوز أن يصدق على اللّه و لا على الوسائط بين الخلق و بين اللّه، فلذلك ذمّهم.

و كذلك عوامّنا إذا عرفوا من علمائهم الفسق الظاهر و العصبيّة الشديدة و التكالب على الدنيا و حرامها، فمن قلّد مثل هؤلاء فهو مثل اليهود الّذين ذمّهم اللّه بالتقليد لفسقة علمائهم. فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوامّ أن يقلّدوه. و ذلك لايكون إلّابعض فقهاء الشيعة، لاكلّهم.

فانّ من ركب من القبائح و الفواحش مراكب علماء العامّة فلاتقبلوا منهم عنّا شيئاً و لاكرامةً.

و انّما كثر التخليط فيما يُتحمّل عنّا أهل البيت لذلك، لأنّ الفسقة يتحمّلون عنّا فيحرّفونه بأسره لجهلهم، و يضعون الأشياء على غير وجهها لقلّة معرفتهم؛ و آخرون يتعمّدون الكذب علينا»(1).

الرواية و إن كانت مرسلةً و لكنّها نالت قبول الفقهاء، أي: امتثلوها و استجابوها جيلاً بعد جيلٍ. فالمحقّق رحمه الله و العلّامة رحمه الله الحلّيّان و الفقيه النجفيّ رحمه الله صاحب الجواهر(2)و الشيخ الأعظم الأنصاريّ رحمه الله(3)و المحقّق اليزديّ رحمه الله صاحب العروة(4)عدّوها صحيحةً و أرسلوا صحّتها إرسال المسلّمات و تمسّكوا بها من غير إشارةٍ منهم إلى إرسالها. و ذهب سيّدنا


1) . راجع: «الاحتجاج» ج 2 ص 456. و انظر: «التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ عليه السلام» ص 299، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 131 الحديث 33401.

2) . لم أعثر على موضعٍ في آثار المحقّق و العلّامة و صاحب الجواهر يوجد فيه الحديث.

3) . راجع: «كتاب القضاء و الشهادات» ص 241.

4) . راجع: «العروة الوثقى»، باب الاجتهاد و التقليد، المسألة 22 ج 1 ص 26.

الأستاذ المحقّق البروجرديّ رحمه الله إلى أنّ الرواية قد صحّحها صاحب الاحتجاج حيث رواها في كتابه، فنقله إيّاها في كتابه يدلّ على تصحيحه لها؛ قال المحقّق البروجرديّ رحمه الله: فالرواية مضارعة و نظيرة جازمات الصدوق سنداً.

أمّا دلالةً، فللمتن دلالةٌ واضحةٌ على ثبوت هذا القسم من الولاية للفقهاء العدول، إذ أجاب الصادق عليه السلام السائلَ عن لمّيّة بطلان تقليد اليهود علمائَهم و صحّة تقليد الشيعة علمائنا باختلاف علماء المذهبين في السيرة، فكأنّه عليه السلام أرسل صحّة التقليد ارسال المسلّمات و جعلها من المفروغ منه.

فالإمام عليه السلام من دون أن يورد إيراداً على جواز التقليد عدّ صيانة النفس و الاحتفاظ بالدين و إطاعة المولى من خصائص بعض فقهاء الشيعة الإماميّة، ثمّ عدّ الكذب و الإرتشاء و تحريف الأحكام من ميزات أحبار اليهود. فعوامّ اليهود يلامون لاقتدائهم بهؤلاء الفسقة و تقليدهم إيّاهم، و عوامّ الشيعة يُحمدون و يُمجّدون لتأسّيهم بهولاء الأخيار و تقليدهم لهم.

و في ذيل الحديث ما يدلّ دلالةً واضحةً على ماذكرنا، إذ ذيله يرفض و ينكر جواز تقليد من يكون على غرار فقهاء العامّة عملاً و إن كان عالماً بأحكام اللّه - سبحانه و تعالى -؛ فتقليده مع كونه عالماً كالتقليد لأحبار اليهود و علمائهم.

2 - محمّد بن إدريس في آخر السرائر نقلاً من كتاب هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «إنّما علينا أن نلقي الأصول و عليكم أن تفرّعوا»(1).

لاإشكال في الحديث سنداً. و من الجدير بالذكر أنّ بعض أصولنا الأربعمأة كان في متناول يد صاحب السرائر، و انّه مع عدم تبنيّه على الخبر الواحد - بل ردّه عليه و رفضه


1) . راجع: «مستطرفات السرائر» ص 575. و انظر: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 61 الحديث 33201، «بحار الأنوار» ج 2 ص 245، «عوالي اللآلي» ج 4 ص 63 الحديث 17.

إيّاه -، كان ينقل ماوجد في هذه الأصول، بل كان يعمل به؛ فلاريب في صحّة الحديث سنداً.

أمّا الكلام في دلالته فسيأتي منضمّاً بالكلام عن الحديث الآتي، لتشابه الحديثين جملةً و تفصيلاً.

3 - و نقل من كتاب أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرضا عليه السلام قال: «علينا إلقاء الأصول و عليكم التفرّع»(1).

لاإشكال في سند هذا الحديث أيضاً، فانّه - كسابقه - مرويٌّ من نوادر خاتمة السرائر.

و زيادةً على ذلك فانّ أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ يُعدّ من أصحاب الإجماع(2)، فتصحيح رواياته متّفقٌ عليه بين الفقهاء(3)و لاإشكال لهم عليها.

أمّا دلالة الحديثين على ولاية الفقهاء في تبيين الأحكام فممّا لاريب فيه و لايحتاج إلى مزيد بيانٍ، إذ من البيّن انّ المراد من «التفرّع» هو نفس الاستنباط و الاجتهاد، فإذا وضع الإمام عليه السلام مهمّة التفرّع على عاتق الفقهاء فكأنّه عليه السلام جعلهم وليّاً في تبيين الأحكام و استنباط ما يتجدّد منها.

و هذا بمكانٍ من الوضوح، حتّى انّ الشيخ الحرّ العامليّ رحمه الله مع ردّه على الاجتهاد و ردعه عن الاستنباط - لانخراطه في سلك الأخباريّين - ألجأ إلى أن يقول:


1) . راجع: «مستطرفات السرائر» ص 575. و انظر: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 62 الحديث 33202.

2) . كما ذكره الكشّيّ في جملتهم، راجع: «رجال الكشّيّ» ص 556 الرقم 1050.

3) . في هذا الاتّفاق نظرٌ، إذ الأصل في دعوى الإجماع هو الكشّيّ، ثمّ اختلف في المراد من عبارته حتّى حُكي في «عدّة الرجال» عن بعضهم: «إنّ هذا الإجماع لايقتضي الحكم بوثاقتهم فضلاً عمّن سواهم»؛ راجع: «عدّة الرجال» ج 1 ص 200. و انظر في هذا الموضوع: «مقباس الهداية» ج 2 ص 195، «الفوائد الرجاليّة» للوحيد - المطبوع مع «رجال الخاقاني» - ص 29، «الرواشح السماوية» ص 47، «منتهى المقال» ج 1 ص 56.

«أقول: هذان الخبران تضمّنا جواز التفريع على الأصول المسموعة منهم و القواعد الكلّيّة المأخوذة عنهم»(1).

فظهر ممّا قلنا انّ منزلة تبيين الأحكام منصبه. و هي و إن كانت في أعلى مراتبها مختصّةً بالمعصومين عليهم السلام و لكنّها فُوّضت إلى الفقهاء العدول، فلهم هذا القسم من الولاية التشريعيّة.

أمّا ولاية الفقهاء في أمر القضاء، فالظاهر عدم الخلاف في ثبوتها(2)، بل لم أجد فيه مخالفاً و لو شاذّاً(3).

و لاريب في انّ هذه المكانة ثابتةٌ للنبيّ صلى الله عليه و آله و أهل بيته عليهم السلام، و انّهم قد فوّضوها إلى الفقهاء بما أنّهم أهل خبرةٍ و آلها، و لهم استطاعة رفع المخاصمات و الدعاوي؛ قال - سبحانه و تعالى -:

«فَلَا وَ رَبِّكَ لَايُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لَايَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 62.

2) . كما قال الشيخ الأعظم الأنصاريّ رحمه الله: «إنّ ثبوت الإذن للفقهاء في القضاء ممّا لاشكّ فيه ولايبعد وصوله إلى حدّ ضروريّ المذهب»؛ راجع: «كتاب القضاء و الشهادات» - المطبوع في «تراث الشيخ الأعظم» - ج 10 ص 47.

3) . أمّا بعض أعاظم العصر - و هو العلّامة الآية الحجّة السيّد أحمد الخوانساريّ رحمه الله خالف فيه و ذهب إلى عدم ثبوتها لهم، فانّه رحمه الله قال: «و أمّا إقامة الحاكم حدود اللّه فبالنسبة إلى المنصوب بالخصوص من قبل الإمام و النبيّ صلى الله عليه و آله فلاكلام في جوازه و لزومها. و أمّا في عصر الغيبة فمحلّ الكلام». ثمّ بعد أن سرد الأدلّة الّتي يُستدلّ بها على وجوب إقامة الفقيه الحدود في زمن الغيبة قال: «و يمكن أن يقال بعد تسلّم كون المتصدّر لاقامة الحدود من نصبه المعصوم عليه السلام كالمنصوبين في عصر رسول اللّه صلى الله عليه و آله و أميرالمؤمنين عليه السلام في عصر سلطنته و خلافته لابدّ من اقامة الدليل على نصب الفقهاء، و مجرّد لزوم اجراء الحدود في كلّ عصرٍ و زمانٍ لايثبت»؛ راجع: «جامع المدارك» ج 7 ص 58.

حَرَجاً مِمَّا قَضَيتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً»(1).

تدلّ الآية الشريفة دلالةً واضحةً على ثبوت منصب القضاء للنبيّ صلى الله عليه و آله، و بعض أحاديث أهل البيت عليهم السلام أيضاً يدلّ على ثبوته لفقهاء الأمّة؛ إليك بعضها:

1 - محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن محمّد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة قال:

سألت أباعبداللّه عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعةٌ في دينٍ أو ميراثٍ، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة، أ يحلّ ذلك؟

قال: من تحاكم إليهم في حقٍّ أو باطلٍ فإنّما تحاكم إلى الطاغوت. و ما يُحكم له فإنّما يأخذ سحتاً و إن كان حقّاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت و ما أمر اللّه أن يُكفر به؛ قال اللّه - تعالى -: «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكفُرُوا بِهِ»(2)

قلت: فكيف يصنعان؟

قال: ينظران مَن كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإنّي جعلته عليكم حاكماً. فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبل منه فإنّما استخفّ بحكم اللّه و علينا ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على اللّه، و هو على حدّ الشرك باللّه»(3).

لاإشكال في الحديث سنداً. نعم استشكل رهطٌ من فقهائنا في عمر بن حنظلة، ولكن


1) . كريمة 65 النساء.

2) . كريمة 60 النساء.

3) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 67 الحديث 10. و انظر: نفس المصدر ج 7 ص 412 الحديث 5، «التهذيب» ج 6 ص 301 الحديث 52، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 136 الحديث 33416.

زيادةً على أنّ سيّدنا الصادق عليه السلام قد وثّقه(1)

و في الحديث ايراداتٌ:

منها: انّ يزيد بن خليفة واقفيٌّ لايصحّ الاستدلال بما يرويه، قاله بعضهم كما عن السيّد الخوئيّ رحمه الله - راجع: «معجم رجال الحديث» ج 13 ص 28 الرقم 8723 -؛

و الجواب: وقوفه لايضرّ في صحّة رواياته كما ثبت في محلّه، و انظر: «الوجيزة» ص 342 الرقم 2096؛

و منها: انّ التنوين في «إذاً» هو تنوين العوض، فلايدلّ الحديث على انتفاء الكذب عنه في جميع حالاته، بل دلالة الحديث على ذمّه أظهر من دلالته على مدحه - كما عن الوحيد في «التعليقة» ص 249، و «بهجة الآمال في شرح زبدة المقال» ج 5 ص 606 -، إذ الحديث قائلٌ بأنّه لم يكذب عليهم عليهم السلام في هذا الوقت، فدلّ بمفهوم اللقب انّه يكذب عليهم في باقي أحاديثه و على غيرهم من الناس؛

و الجواب: انّ مفهوم اللقب أضعف المفاهيم، فلاوجه للاستدلال به - كما ذكره المامقانيّ رحمه الله، راجع: «تنقيح المقال» ج 2 ص 342 -.

و أمّا كون التنوين في «إذاً» هو تنوين العوض فممّا لايسمع إليه، إذ ليس «إذاً» هذا «إذ» مع تنوين العوض، بل هي «إذن» الّتي هي حرف جوابٍ.

و قال العلّامة السيّد التفرشيّ رحمه الله بعد نقل الحديث: «و فيه ما فيه» من غير تفصيلٍ حوله، راجع: «نقد الرجال» ج 3 ص 353.

و انظر أيضاً: «منتقى الجمان» ج 1 ص 19، «منتهى المقال» ج 5 ص 129، «مستدركات علم رجال الحديث» ج 6 ص 85.

و في عمر بن حنظلة رواياتٌ أخرى تدلّ على تصحيحه، راجع: «تنقيح المقال» ج 2 ص 342.

، وقوعُ صفوان بن يحيي في سند الحديث - و

1) . إشارةٌ إلى مارواه الكلينيّ رحمه الله عن عليّ بن إبراهيم عن محمّد بن عيسىٰ عن يونس عن يزيد بن خليفة قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: «انّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقتٍ، فقال أبوعبداللّه عليه السلام: إذاً لايكذب علينا»؛ راجع: «الكافي» ج 3 ص 275 الحديث 1، «التهذيب» ج 2 ص 20 الحديث 7، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 85 الحديث 33275. و انظر أيضاً: «جامع الرواة» ج 1 ص 633 القائمة 1، حاشية القهبائيّ على كتابه «مجمع الرجال» ج 4 ص 257 الرقم 4.

هو من أصحاب الإجماع(1)- يدلّ على صحّته. و مع ذلك كلّه انّ الرواية اشتهرت بالمقبولة، و لاضير فيه؛ هذا بالنسبة إلى السند.

أمّا بالنسبة إلى ما يرجع إلى المتن، فدلالتها على ثبوت منصب القضاء للفقهاء واضحةٌ بيّنةٌ، إذ الإمام عليه السلام بعد ما نهى عوامّ الشيعة عن التحاكم إلى قضاة الجور أمرهم بالرجوع إلى فقيهٍ عالمٍ بأحكام أهل البيت عليهم السلام، فجعله و نصبه كقاضٍ يُرجع إليه في الدعاوي. بل أمرهم بالخضوع و التسليم عند حكمه و أوجبه، و جعل ردّه في حدّ الشرك باللّه العليّ العظيم!

و في المقام حديثان آخران رواهما أبوخديجة. و مع تعدّدهما في مصادر الحديث لاريب عندي في اتّحادهما، إذ النظر في مضامينهما يقضي بهذا الاتّحاد. و كان سيّدنا الأستاذ سماحة المحقّق البروجرديّ أيضاً يحكم باتّحاد الحديثين في مثل المقام. إليك نصّ الحديثين:

2 - محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن أبي الجحم عن أبي خديجة قال: بعثني أبوعبداللّه عليه السلام إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومةٌ أو تدارَى في شيءٍ من الأخذ و العطاء أن تحاكموا إلى أحدٍ من هؤلاء الفسّاق؛ اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا و حرامنا، فانّي قد جعلته عليكم قاضياً. و إيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر»(2).

السند صحيحٌ بالإجماع و لاإشكال فيه، و زيادةً على كون كلّ واحدٍ من الرواة معدوداً


1) . راجع: «رجال الكشّيّ» ص 556 الرقم 1050.

2) . راجع: «التهذيب» ج 6 ص 303 الحديث 846، و انظر: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 139 الحديث 33421.

في الصحاح فانّ احمد بن محمّد(1)ممّن لايروي إلّاعن ثقةٍ‌(2)، فلاريب في رواياته(3)، فلاريب في روايتنا هذه.

أمّا دلالةً فلها دلالةٌ واضحةٌ على ثبوت منصب القضاء لفقهائنا، إذ قوله عليه السلام: «فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً» صريحٌ في ثبوته لمن يكون عارفاً بالحلال و الحرام.

و في إضافة لفظتي «الحلال و الحرام» بالضمير دلالةٌ على العموم، فلايثبت هذا المقام إلّا لمن كان عارفاً بجميع الحلال و الحرام، أي: فقيهاً تامّاً مستنبطاً في جميع أبواب الفقه، لا مستنبطاً متجزّياً.

3 - محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن أحمد بن عائذ عن أبي خديجة سالم ابن مكرم الجمّال قال: قال أبو عبداللّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام: إيّاكم أن يُحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، و لكن انظروا إلى رجلٍ منكم يعلم شيئاً من قضايانا»(4).

الحديث صحيحٌ أيضاً كسابقه.


1) . استعلم الشيخ الأستاذ كونه أحمد بن محمّد بن عيسىٰ الأشعريّ القميّ، و ذلك بقرينة الراوي عنه و هو محمّد بن عليّ بن محبوب؛ راجع: «هداية المحدّثين» ص 175.

2) . لأنّه كان لايروي أوّلاً عن ابن محبوب ثمّ رجع و روى عنه، و ما روى قطّ عن ابن المغيرة و لا عن حسن بن خرزاذ؛ و انظر: «منتهى المقال» ج 1 ص 338، «منهج المقال» ج 2 ص 195، «نقد الرجال» ج 1 ص 169، «معجم رجال الحديث» ج 2 ص 296.

3) . و لكن يجب التثبّت في جميع رواياته، لأنّ اسمه يُعدّ من مواضع القلب، فيروى عنه حديثٌ مع انّه من مرويّات غيره. قال ثاني الشهيدين رحمه الله في توضيح الحديث المقلوب: «هو حديثٌ ورد بطريقٍ فيروى بغيره...، و قد يقع سهواً كحديثٍ يرويه محمّد بن أحمد بن عيسى عن أحمد بن محمّد بن عيسى، و كثيراً مّا يتّفق ذلك في أسناد التهذيب»؛ راجع: «الرعاية لحال البداية» ص 101.

4) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 3 ص 2 الحديث 3216. و انظر: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 13 الحديث 33083، «دعائم الإسلام» ج 2 ص 530 الحديث 1885.

أمّا دلالةً، ففي هذا الحديث أيضاً نهى الصادق عليه السلام عوامّ الشيعة عن التحاكم إلى قضاة الجور و طرح الدعاوي عندهم. و بما أنّ منصب القضاء هو من لوازم المجتمع و لايصلح مجتمعٌ إلّابوجوده، قد نصب عليه السلام مَن كان فقيهاً عارفاً بالشريعة قاضياً حاكماً في المرافعات؛ و هذا أمرٌ واضحٌ لاارتياب فيه.

أمّا قوله عليه السلام: «يعلم شيئاً من قضايانا»، ففيه شيءٌ من الغموض و الإغلاق(1). إذ الظاهر منه جواز القضاء لمن كان عارفاً بقسطٍ من الأحكام و جملةٍ منها، بينما انّ هذا الظهور مردودٌ في فقه أهل البيت عليهم السلام، و من المجمع عليه(2)عدم جواز القضاء لمن ليس عارفاً بجميع الشريعة مستنبطاً فيها. فالظاهر هو كون «مِن» بيانيّةً ليفيد قوله عليه السلام «شيئاً من قضايانا» العموم و الإستغراق. فلايجوز القضاء إلّالمن كان عارفاً بجميع مسائل فقه أهل البيت عليهم السلام.

و قوله عليه السلام: «يعلم» أيضاً لايخلو عن غموضٍ، إذ الظاهر انّ اللفظة تشتمل على العلمين الإجتهاديّ و غير الإجتهاديّ التقليديّ. و لاريب في عدم ثبوت منصب القضاء لمن كان عارفاً بالفقه من غير اجتهادٍ فيه. فمَن كان من المقلّدين و لكن حصلت له المعرفة بجميع أبواب الفقه لايجوز له تصدّي منصب القضاء، و هذا من المجمع عليه. فلامناص من الانصراف عن هذا الظهور و التخلّي عنه، و تخصيص اللفظة بمن له مرتبة الاستنباط و الاجتهاد.

و الآن بما تلونا عليك من الآية الشريفة و تلك الأحاديث الثلاثة ظهر انّ منصب القضاء قد فوّض من قبل النبيّ صلى الله عليه و آله إلى من له مرتبة الاجتهاد و الاستنباط. و هذا معنى ولاية الفقهاء على منصب القضاء.

أمّا الولاية بمعنى وجوب الطاعة و الإنقياد، فهل هي ثابتةٌ للفقيه أيضاً؟.

قد مضى انّه لاريب في ثبوتها للنبيّ صلى الله عليه و آله و أهل بيته عليهم السلام؛ و قد مضى أيضاً عدم الريب


1) . و هذا الإغلاق ألجأ المحقّق السبزواريّ صاحب «الكفاية» رحمه الله إلى القول بكفاية التجزّي في اجتهاد القاضيّ؛ راجع: «كفاية الأحكام» ص 261.

2) . في هذا الإجماع نظرٌ ظاهرٌ، فانظر: «جواهر الكلام» ص 15، «مستند الشيعة» - الطبعة الحجريّة - ج 2 ص 517، «جامع المدارك» ج 6 ص 3.

في عدم ثبوتها لمَن ليس أهلاً للاستنباط و الاجتهاد، بل سلبها عن العوامّ ضروريٌّ عند العقل. أمّا الكلام كلّه ففي ثبوتها للفقيه الجامع لجميع شرائط الإفتاء علماً و عملاً، فهل له هذه الولاية بحيث يجب قبول قوله و طاعته و الإنقياد منه؟(1).

قد تعرّض لهذه المسألة جمعٌ من فقهائنا في مبحثي الخمس و الزكاة، و قد أثبتوا هذا المنصب له فيها. فهذا الشيخ الأعظم الأنصاريّ رحمه الله، و هو - مع شدّة احتياطه فيما يرجع إلى الأموال - قد صرّح في مبحث الزكاة بوجوب أداء الزكاة لوطلبها الفقيه(2)، فذهب إلى وجوب قبول قوله، فهو من القائلين بوجوب الطاعة عنه و الإنقياد منه.

و ذلك لأنّ‌(3)الشيخ رحمه الله ذهب إلى ظهور أجزاءٍ من المقبولة في ثبوت أقسامٍ من الولاية للفقهاء:

1 - ظهور قوله عليه السلام: «فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً» في ثبوت الولاية على الأمارة لهم؛

2 - ظهور قوله عليه السلام: «فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً» في ثبوت الولاية على القضاء لهم؛

3 - ظهور قوله عليه السلام: «فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبل منه فإنّما استخفّ بحكم اللّه و علينا ردّ


1) . و لاريب في عدم الملازمة بين ثبوت أيّ قسمٍ من أقسام الولاية لأحدٍ و بين ثبوته لغيره، كما قال المحقّق ثاني النراقيّين رحمه الله: «و ليس القول بثبوت الولاية للفقيه متضمّناً لثبوت ولاية الغير، سيّما بعد كونه خير خلق اللّه بعد النبيّين... فيكون جواز تولّيه و ثبوت ولايته يقيناً و الباقون مشكوكٌ فيهم، تنفى ولايتهم و جواز تصرّفهم النافذ بالأصل المقطوع به»؛ راجع: «عوائد الأيّام» ص 538.

2) . قال رحمه الله: «لو طلب الإمام أو نائبه الخاصّ أو العامّ الزكاة فلم يجبه و دفعها هو بنفسه فهل يجزيء أم لا؟ قولان أصحّهما انّه لا يجزيء»؛ راجع: «كتاب الزكاة» - المطبوع في تراث الشيخ الأعظم، ج 10 - ص 356.

3) . هذا؛ و الظاهر انّ استظهار الشيخ الأستاذ لايوافق مبنى الشيخ الأعظم رحمه الله في المسألة، فانّه ذهب إلى هذا القول لأنّه يرى انّ الأمر بدفع الزكاة إلى الإمام أو نائبه الخاصّ أو العامّ لو طلبها يقتضي النهي عن دفعها إلى المستحقّ و عدم إيصالها إليهم. و لتفصيل رأي الشيخ راجع: نفس المصدر.

و الرادّ علينا كالرادّ على اللّه» في ثبوت الولاية على الطاعة لهم.

و هذا زيادةً على الزكاة ثابتٌ في سهم الإمام من الخمس أيضاً، إذ أجمعت فقهاؤنا بأسرهم على عدم جواز التصرّف في السهم من غير إذن الفقيه. نعم! لوأذن في التصرّف فيه فيجور للمقلّد أن يتصرّف فيه.

و كذلك التصرّف في سهم ذراري فاطمة الزهراء عليها السلام و حصّتهم المسمّى سهم السادة؛ إذ ذهب جمعٌ من فقهائنا - منهم العلّامة المجلسيّ في زادالمعاد(1)، و صاحب الجواهر(2)، و السيّد الأستاذ الإمام الخمينيّ‌(3)- إلى عدم جواز تصرّف المقلّد فيه من غير إذنٍ من الفقيه(4).

فالقائلون بهذا القول أثبتوا الولاية للفقيه و ذهبوا إلى عدم جواز خروج العامّيّ عنها.

و زيادةً على ذلك انّ سيرة علمائنا أيضاً تدلّ على ذهابهم إلى ثبوت هذه الولاية له؛ فالقرار الّذي أصدره الميرزه الشيرازيّ رحمه الله بتحريم شرب التتن بأيّ نحوٍ كان، و الحكم و الفرض الّذي أصدره السيّد محمّد المجاهد رحمه الله بوجوب الجهاد مع قوّاة الروس، و القضاء و الفصل الّذي أصدره الميرزه الشيرازيّ الثّاني رحمه الله بوجوب الجهاد مع قوّاة البريطانيا المحتلّتين أمثلةٌ تكشف لنا عن مبنىٰ فقهائنا في هذه المسألة.

و هي تدلّ على ذهابهم إلى ثبوت هذا القسم أيضاً من الولاية للفقيه الجامع لشرائط الإفتاء علماً و علماً.



1) . راجع: «زاد المعاد» - الطبعة الحجريّة التبريزيّة - ص 90.

2) . راجع: جواهر الكلام ج 16 ص 109.

3) . راجع: «كتاب البيع» ج 2 ص 492، «تحرير الوسيلة» ج 1 ص 367 المسألة 10.

4) . كما عن بعضٍ من المعاصرين أيضاً، منهم سماحة الحجّة الآية الشيخ صافي الگلپايگاني - حفظه اللّه -، راجع: مقال «ضرورت حكومت يا ولايت فقها در عصر غيبت» في مجلة «حكومت إسلامى» الرقم 4 ص 17.

رأينا فيما مضى انّ أقساماً من الولاية ثابتةٌ للفقهاء. أمّا الّذي هو الموضوع الرئيسيّ لهذه السلسلة من الدروس و الدراسات فهو الولاية بمعنى الحكم و منزلة رئاسة المجتمع، فهل هذه المنزلة أيضاً ثابتةٌ للفقيه؟، و هل لهم رئاسة المجتمع؟(1).

هذا هو الموضوع الرئيسيّ الّذي عليه تدور هذه الدراسات، فعلينا التفصيل حول هذا المبحث.

و قبل البدء في المطلب و استهلاله لابأس بنا لوقمنا بالبحث عن المسألة تاريخيّاً حتّى نهيّأ جواباً لهذا السؤال القاعديّ: ما هى سابقة هذه المسألة و أقدميّتها تاريخيّاً؟.



1) . هذا؛ و الظاهر انّه لو ثبتت الولاية بمعنى وجوب الطاعة و الانقياد للفقيه - كما مضت الإشارة إليه في الصفحة الماضية، و رأينا انّ الشيخ الأستاذ قائلٌ بثبوتها له -، فلاكثير جدوىٰ في هذا المبحث، إذ لايخفىٰ انّ رئاسة المجتمع من مناصب مَن له مرتبة وجوب الانقياد و الطاعة.

المقدّمة الثّالثة ما هي سابقة و قدمة مسألة ولاية الفقيه تاريخيّاً؟

اشارة

لو استعلمنا و بحثنا عن هذه المسألة في أهمّ مصادر فقه الشيعة الإماميّة، لرأينا انّ المسألة كانت مبحوثةً عنها منذ قرونٍ خلت. فهي من المسائل ذات القدمة في فقهنا، فنصوصهم تدلّ على أنّ الولاية هذه كانت مقبولةً عندهم، بل و كانت من الضروريّات عندهم.

و هذه الدراسة تدلّنا على أنّ المسألة كانت مطرحاً و مِقنباً من زمن الشيخ صلاح الدين الحلبيّ الّذي عدّ من أساتذة الشيخ المفيد. نعم! لوبحثنا عن المسألة تاريخيّاً لرأينا انّ لفقهائنا قبال المسالة قولين:

1 - القول بإجماع الشيعة الإماميّة على صحّة ولاية الفقيه؛

2 - القول بتسلّم الشيعة الإماميّة على صحّة ولاية الفقيه.

و للمسألة نشاطٌ و تفتيشٌ خاصٌّ في آراء المحقّق الكركيّ، ثمّ صارت في آراء صاحب الجواهر في عداد الضروريّات.

و مايظهر من بعضهم من إطلاق «سلطان الإسلام» على الفقيه أيضاً يدلّ على قولهم بولايته التامّة المطلقة.

سرد كلمات بعضٍ من فقهائنا في المسألة
اشارة

هذا مسرّد كلمات بعض فقهائنا في مسألة ولاية الفقيه و حيطتها. و في هذا المبحث نأتي بكلماتهم حرفيّاً لنسدّ طريق الشبهة القائلة بأنّ المسألة لاقدمة لها تاريخيّاً، و انّها من مستحدثات المسائل؛ و الحمد للّه - سبحانه و تعالى -.

1 - قول الشيخ المفيد رحمه الله في المقنعة

قال: «فأمّا إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل اللّه - تعالى -، و هم الأئمّة الهدىٰ من آل محمّدٍ عليهم السلام و من نصبوه لذلك من الأمراء و الحكّام؛ و قد فوّضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم»(1).

لا خفاء في أنّ المفيد ذهب إلى انّ الأئمّة منصوبون من قبل اللّه - سبحانه و تعالى -، ثمّ ذهب إلى ثبوت منصبي إجراء الحدود و إقامة الحكومة لنوّابهم الخاصّة و فقهاء الشيعة الّذين هم نوّابهم العامّة. إذ انّهم عليهم السلام قد فوّضوا هذين المنصبين إليهم و جعلوهم حاكماً على الناس زمن الغيبة.

فالمفيد رحمه الله يرى انّ اللّه - سبحانه و تعالى - قد فوّض الولاية إلى نبيّه صلى الله عليه و آله، و انّه فوّضها إلى أهل بيته عليهم السلام، ثمّ انّهم فوّضوها إلى نوّابهم الخاصّة و العامّة.

2 - قول الشيخ الطوسيّ رحمه الله في النهاية

قال: «فأمّا إقامة الحدود فليس يجوز لأحدٍ إقامتها إلّالسلطان الزمان المنصوب من قبل اللّه - تعالى -، أو مَن نصبه الإمام لإقامتها. و قد فوّضوا


1) . راجع: «المقنعة» ص 810.

ذلك إلى فقهاء شيعتهم»(1).

دلالة هذا الكلام على ما نحن بصدده واضحةٌ لاخفاء فيها.

و من الجدير بالذكر انّ متن النهاية كمتون قسطٍ آخر من كتب المتقدّمين الفقهيّة قد أنشأ من تأليف الأحاديث بعضها بالآخر، فالشيخ رحمه الله اقتبس قطعاتٍ من بعض الأحاديث ثمّ ركّبها فصار متناً، فسمّاه النهاية.

3 - قول سالار الديلميّ رحمه الله في المراسم

قال: «فأمّا القتل و الجراح في الإنكار فإلى السلطان أو من يأمره السلطان، فإن تعذّر الأمر لمانعٍ فوّضوا عليهم السلام إلى الفقهاء»(2).

الظاهر انّ المقصود من «السلطان»: مَن له السلطنة بالأصالة - أي: المعصوم عليهم السلام -، و المقصود من «مَن يأمره السلطان»: نوّابهم الخاصّة كالأشتر النخعيّ و محمّد بن الحنفيّة.

و دلالة ذيل الكلام على ما نحن فيه لاتحتاج إلى مزيد بيانٍ.

4 - قول أبي صلاح الحلبيّ رحمه الله في الكافي

قال: «يجب على كلّ من تعيّن عليه فرض زكاةٍ أو فطرةٍ أو خمسٍ أو أنفالٍ أن يخرج ما وجب عليه من ذلك إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبله - سبحانه و تعالى -، أو إلى من ينصبه(3). فإن تعذّر الأمران فإلى الفقيه


1) . راجع: «النهاية» ص 300.

2) . راجع: «المراسم العلويّة» ص 263.

3) . و بقية العبارة في المصدر: «لقبض ذلك من شيعته ليضعه مواضعه» راجع: المصدر المذكور في التعليقة الآتية؛ فتأمّل.

المأمون(1).

و إخوانه في الدين مأمورون بالتحاكم و حمل حقوق الأموال إليه و التمكين لأنفسهم لحدٍّ أو تأديبٍ تعيّن عليهم، لايحلّ لهم الرغبة عنه و لا الخروج عن حكمه.

فمتى تكاملت هذه الشروط فقد أذن له في تقلّد الحكم و إن كان مقلّده ظالماً متقلّباً. و عليه متى عرض لذلك أن يتولّاه لكون هذه الولاية أمراً بمعروفٍ و نهياً عن منكرٍ تعيّن فرضها بالتعريض للولاية عليه؛ و إن كان في الظاهر من قبل المتغلّب فهو نائبٌ عن وليّ الأمر - عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف - في الحكم»(2)- <a href="#ref-footnote3-page58" id="footnote3-page58" style="display:inline-block">(3).

الحلبيّ - و هو من قدماء أصحابنا الإماميّة - ذهب إلى أنّه لايجوز لأحدٍ أن يتصرّف في الزكاة إلّاأن ينوب عن الإمام نيابةً خاصّةً، أمّا المتأخّرون فلايفتون به و لايوافقونه فيه.

و يظهر من العبارة انّه لو لم يكن الإمام أو نائبه الخاصّ موجوداً أو ظاهراً بين الناس فأمر الحكم و الحكومة و الولاية يكون موكولاً إلى الفقيه المأمون - أي: المجتهد الجامع لشرائط الإفتاء علماً و عملاً -.

و وجوب الطاعة عنه و الإنقياد لحكمه أيضاً يظهر من قوله: «لايحلّ لهم الرغبة عنه و لا الخروج عن حكمه».

و يظهر أيضاً من العبارة انّه قائلٌ بوجوب قبول الولاية على الفقيه لو عُرضت عليه، و حينئذٍ لايكون نائباً عن سلطان الجور، بل يكون نائباً عن السلطان الحقيقيّ أي: الّذي له


1) . راجع: «الكافي» ص 172.

2) . راجع: نفس المصدر ص 423.

3) . حصل في العبارة تقديمٌ و تأخيرٌ، فانّ قوله: «فمتى تكاملت... في الحكم» مقدّمٌ في الأصل على قوله: «و إخوانه في... عن حكمه».

الحكم و الولاية أصالةً، و هو مولانا الحجّة المهديّ المنتظر - عجل اللّه تعالى فرجه و سهّل مخرجه -.

5 - قول ابن ادريس رحمه الله في السرائر

قال: «فمتى تكاملت هذه الشروط فقد أذن له في تقلّد الحكم و إن كان مقلِّده ظالماً متغلّباً. و عليه متى عرض لذلك أن يتولّاه لكون هذه الولاية أمراً بمعروفٍ و نهياً عن منكرٍ...؛ لأنّه في الحقيقة ما هو لذلك بإذن ولاة الأمر عليهم السلام. و إخوانه مأمورون بالتحاكم و حمل حقوق الأموال إليه، و التمكّن من أنفسهم لحدٍّ أو تأديبٍ تعيّن عليهم، و لايحلّ لهم الرغبة عنه و الخروج عن حكمه»(1).

انّ ابن إدريس رحمه الله بعد أن عدّ جملةً من الشروط للفقيه الجامع للشرائط الّذي استقرّت له الولاية، عدّه «صاحب الحكم». و لفظة «الحكم» و إن جاز حملها على القضاء و لكن لوأمعنّا النظر في ذيل عبارته لينكشف لنا انّ الحكم عنده بمعنى الولاية، لامنصب القضاء فقط. و ذيل العبارة هو نفس عبارة الحلبيّ رحمه الله في الكافي الّتي مضت قبل صفحاتٍ؛ فراجعها.

6 - قول المحقّق نجم الدين رحمه الله في الشرايع

قال: «و الحدود و التعزيرات بأقسامها مرجعها إلى الإمام عليه السلام أو نائبه الخاصّ مثل مالك أشتر؛ أو العامّ. فيجوز للمجتهد في زمان الغيبة إقامتها. و يجب على جميع المكلّفين تقويته»(2).


1) . راجع: «السرائر الحاوي» ج 3 ص 538.

2) . لم أعثر على العبارة في «الشرايع»، و لم أهتد إلى مراد الشيخ الأستاذ - حفظه اللّه -.

هذه الولاية عند المحقّق أمرٌ مفروغٌ عنه، فلذا لم يُبحث عنها في الشرايع. و لكنّه - كما يظهر من العبارة - زيادةً على القول بكون الفقيه صاحب الحكم ذهب إلى انّه يجب على الناس أن يأيّدوه و يقوّوه.

7 - قول العلّامة رحمه الله في قواعدالأحكام

قال: و أمّا إقامة الحدود فانّها إلى إلامام عليه السلام خاصّةً أو من يأذن له، و لفقهاء الشيعة في حال الغيبة ذلك. و لهم الحكم بين الناس و قسمة الزكوات و الأخماس و الإفتاء»(1).

لاخفاء في أنّ العلّامة عدّ جملةً من وظائف الفقيه - كإقامة الحدود و قسمة الزكوات و الأخماس و الإفتاء -، و عدّ من جملتها الحكم بين الناس؛ فهو قائلٌ بأنّ الحكم و إقامة الحكومة من وظائفهم كما انّ الإفتاء منها، فلافرق بينهما عنده.

8 - قول الشهيد الأوّل رحمه الله في الذكرىٰ‌

قال: «و الحدود و التعزيرات إلى الإمام أو نائبه و لو عموماً، فيجوز حال الغيبة للفقيه الجامع للشرائط إقامتها. و يجب على العامّة تقويته و منع المتغلّب مع الإمكان»(2).

و النكتة الهامّة في كلامه هو قوله: «منع المتغلّب مع الإمكان»، إذ يظهر منه انّه لوأمكن القيام لتحقّق الحكومة الإسلاميّة فيجب على الفقيه أن يُقدِم حتّى يشكّلها.

و هذه النكتة من مبتكرات الشهيد، إذ لم نعهدها في عبائر من سبق عليه من الفقهاء.


1) . راجع: «قواعدالأحكام» ج 1 ص 525.

2) . لم أعثر على العبارة في «الذكرىٰ»، و قريبٌ منها جدّاً ما في «الدروس الشرعيّة» ج 2 ص 47.

9 - قول ثاني الشهيدين رحمه الله في المسالك

قال: «المراد به الفقيه العدل الإماميّ الجامع لشرائط الفتوىٰ، لأنّه نائب الإمام عليه السلام و منصوبه»(1).

هذا شرح قول المحقّق نجم الدين رحمه الله في الشرايع حيث قال:

«يجب أن يتولّى صرف حصّة الإمام عليه السلام مَن إليه الحكم بحقّ النيابة».

فالشيخ زين الدين رحمه الله يرى انّ مَن إليه الحكم بحقّ النيابة هو الفقيه العدل الإماميّ الجامع لشرائط الإفتاء، و هو نائب الإمام عليه السلام.

10 - قول ثاني المحقّقين رحمه الله في جامع المقاصد

«اتّفق أصحابنا على أنّ الفقيه العادل الأمين الجامع للشرائط المعبّر عنه بالمجتهد نائبٌ من قبل أئمّة الهدى عليهم السلام في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه المدخل»(2).

دلالة قوله رحمه الله على ما نحن بصدده لاتحتاج إلى مزيد بيانٍ. إذ لاخفاء في أنّ المحقّق الكركيّ قائلٌ بأنّ جميع ما يقبل التفويض قد فُوّض إلى الفقيه الجامع للشرائط، و أكمل أفراد ما يقبل التفويض هو الحكومة بحيث يصير الفقيه الجامع نائباً عن الإمام فيها.

و على ما يظهر من عبارته انّ هذا المبنىٰ من المتّفق عليه بين فقهاء الشيعة.

11 - قول الشيخ جعفر النجفيّ رحمه الله في كشف الغطاء

قال: «و الحدود و التعزيرات بأقسامها مرجعها إلى الإمام أو نائبه الخاصّ أو


1) . راجع: «مسالك الأفهام» - الطبعة المحقّقة - ج 1 ص 476.

2) . راجع: «رسائل المحقِّق الكركي» ج 1 ص 142؛ و انظر: «جواهر الكلام» ج 21 ص 396.

العامّ. فيجوز للمجتهد في زمان الغيبة إقامتها و يجب على جميع المكلّفين تقويته و مساعدته»(1).

العبارة تعلن صريحاً انّ كاشف الغطاء يرى انّ جميع مناصب الإمام الحكوميّة ثابتةٌ للفقيه، و إلّافلامعنى لأن تكون تقويته و مساعدته واجبةً على جميع المكلّفين.

12 - قول المحقّق العامليّ رحمه الله في مفتاح الكرامة

قال: «إنّ الفقيه الجامع للشرائط نائبٌ و منصوبٌ عن صاحب الأمر - عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف -، و عليه العقل و الإجماع و الأخبار»(2).

العبارة لشدّة وضوحها لاتحتاج إلى بيانٍ.

و زيادةً على ذلك توجد عباراتٌ غير هذه في هذه الموسوعة العظيمة تشبه عبارتنا هذه.

13 - قول المحقّق ثاني النراقيّين رحمه الله في عوائدالأيّام

قال: «كلّما كان للنبيّ و الإمام عليهم السلام الّذين هم سلاطين الأنام و حصون الإسلام فيه الولاية و كان لهم فللفقيه أيضاً ذلك(3)»(4).

خصّ المحقّق النراقيّ رحمه الله إحدى رسائل كتابه العظيم عوائدالأيّام بدراسةٍ جامعةٍ حول مسألة ولاية الفقيه. و في هذه الدراسة بحث عن جميع ما للنبيّ صلى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام من


1) . راجع: «كشف الغطاء» ج 2 ص 420.

2) . راجع: «مفتاح الكرامة» ج 10 ص 21.

3) . و تتمّة كلامه: «إلّا ما أخرجه الدليل من إجماعٍ أو نصٍّ أو غيرهما»؛ راجع: المصدر المذكور في التعليقة الآتية. فتأمّل و لاحظ كلامه فانّه لايخلو عن فوائد جمّة.

4) . راجع: «عوائد الأيّام» ص 536.

الولاية، فأثبته للفقيه أيضاً كما لهم عليهم السلام. و أخال انّ المحقّق النراقيّ قد بحث عن ولاية الفقيه بجميع ما يتعلّق بها في هذه الدراسة، بل في هذه العبارة(1)!.

14 - قول الشيخ محمّد حسن النجفيّ رحمه الله في جواهرالكلام

قال: «..... بل لولا عموم الولاية لبقي كثيرٌ من الأمور المتعلّقة بشيعتهم معطّلةً. فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك، بل كأنّه ماذاق من طعم الفقه شيئاً و لافهم من لحن قولهم و رموزهم أمراً.... و بالجملة فالمسألة من الواضحات الّتي لاتحتاج إلى أدلّةٍ»(2).

كما يلوح من العبارة انّ المحقّق النجفيّ عدّ ردّ ولاية الفقيه من جملة الوساوس، و حكم بأنّ منكريها لانصيب لهم من شمّ الفقاهة!.

و قوله في باب الخمس أيضاً لايخلو عن دقّةٍ، بل هو جديرٌ بالذكر؛ قال:

«لكن ظاهرَ اصحاب عملاً و فتوىً فى سائر الأبواب عمومَها بل لعلّه من المسلّمات أو الضروريات عندهم»(3).

15 - قول الشيخ الأنصاريّ رحمه الله في كتاب المكاسب

قال: «اعترف به جمال المحقّقين في باب الخمس بعد الاعتراف بأنّه المعروف بين الأصحاب كون الفقهاء نوّاب الإمام عليه السلام»(4).


1) . و ما أقبح قول بعضهم في شأن هذا الفقيه الكبير الجامع، انظر: «حكمت و حكومت» ص 178.

2) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 397.

3) . راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 178.

4) . راجع: «كتاب المكاسب» - المطبوع في تراث الشيخ الأعظم -، ج 3 ص 559.

إنّ الشيخ الأعظم بعد أن نقل عبارة المحقّق جمال الدين عن حاشيته على شرح اللمعة الدمشقيّة، أخذ في البحث عن ولاية الفقيه. و لكنّه بعد اللُّتَيّا و الّتي لم يذهب إليها، بل نفاها و شكّك فيها.

و لكنّه رحمه الله اختارها و اجتباها في غيره من رسائله الفقهيّة، بل عليها ترتّب بعض الثمرات. فانظر إلى قوله هذا - و قد نقلناه عن كتاب القضاء و الشهادات له -:

«و منه يظهر كون الفقيه مرجعاً في الأمور العامّة»(1).

ثمّ قال:

«لانزاع في نفوذ حكم الحاكم في الموضوعات الخاصّة إذا كانت محلّاً للتخاصم، فحينئذٍ نقول: انّ تعليل الإمام عليه السلام وجوب الرضىٰ بحكومته في الخصومات بجعله حاكماً على الإطلاق و حجّة لذلك، يدلّ على أنّ حكمه في الخصومات و الوقائع من فروع حكومته المطلقة و حجّيّته العامّة، فلايختصّ بصورة التخاصم»(2).

و لا خفاء في أنّ الشيخ ذهب إلى أنّ الفقيه هو سلطان الإسلام و صاحب الحكومة و الولاية المطلقة.

و قوله و رأيه في كتاب الطهارة أيضاً جديرٌ بالذكر، قال:

«و ربّما أمكن القول بوجوب الدفع إلى المجتهد نظراً إلى عموم نيابته و كونه حجّة الإمام على الرعيّة و أميناً عنه و خليفةً له، كما استفيد كلّه عن الأخبار»(3).


1) . راجع: «كتاب القضاء و الشهادات» - المطبوع في تراث الشيخ الأعظم ج 22 - ص 49.

2) . راجع: نفس المصدر.

3) . راجع: «كتاب الطهارة» - المطبوع في تراث الشيخ الأعظم ج 1 - ج 2 ص 552.

16 - قول المحقّق الهمدانيّ رحمه الله في مصباح الفقيه

قال: «يفهم من تفريع إرجاع العوامّ إلى الرواة على جعلهم حجّةً عليهم أنّه أريد بجعلهم حجّةً إقامتهم مقامه فيما يرجع فيه إليه.

و كيف كان فلاينبغي الاستشكال في نيابة الفقيه الجامع للشرائط عن الإمام عليه السلام حال الغيبة كما يؤيّده التتبّع في كلمات الأصحاب حيث يظهر منها كونها لديهم من الأمور المسلّمة في كلّ بابٍ. حتّى أنّه جعل غير واحدٍ عمدة المستند لعموم نيابة الفقيه لمثل هذه الأشياء هو الإجماع»(1).

على مايظهر من صريح قوله انّ مسألة ولاية الفقيه كانت عند فقهائنا بمرتبةٍ من الوضوح حتّى انّ بعضهم حينما أراد اثبات المسألة تمسّك بالإجماع.

17 - قول الميرزه الشيرازيّ رحمه الله

إنّا و إن لم نعثر على عبارةٍ للشيخ المحقّق الميرزه الشيرازيّ رحمه الله - إذ لم يُعهد منه كتابٌ أو رسالةٌ -، لكنّا نجزم بأنّ مبناه في المسألة هو مبنى القوم المشهور بينهم. و هذا الجزم حصيلة ما أفتى به من حرمة استعمال التنباك و شرب التتن، و لامعنى لهذه الحرمة إلّاوجوب متابعة قول المفتيّ الفقيه على العامّة، بل ثبوت الحكم له بحيث يجب عليهم متابعته.

18 - قول المحقّق اليزديّ رحمه الله في العروة الوثقىٰ‌

قال: «النصف من الخمس الّذي للإمام أمره في زمان الغيبة راجعٌ إلى نائبه، و هو المجتهد جامع الشرائط»(2).


1) . راجع: «مصباح الفقيه» ج 3 ص 161.

2) . راجع: «العروة الوثقىٰ» ج 4 ص 308 المسألة 7.

و هذا الكلام في غنىً عن البيان.

19 - قول المحقّق النائينيّ رحمه الله في تنبيه الأمّة

قال ما نصّه بالفارسيّة: «اطاعت ولىّ امر در آيۀ شريفۀ «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ»(1)در عرض اطاعت خدا و رسول است، و بلكه اطاعت مقام رسالت و مقام امامت با هم در عرض اطاعت خدا آورده شده است.

پس همانطور كه اطاعت خدا بأيّ نحوٍ كان لازم است اطاعت پيامبر صلى الله عليه و آله و أئمّۀ طاهرين عليهم السلام هم لازم است. و همين طور در عصر غيبت براى نوّاب عام همان ولايتى كه براى پيامبر صلى الله عليه و آله و أئمّۀ طاهرين عليهم السلام فرموده اند ثابت است؛ و همان ولايت در عصر غيبت براى ولايت فقيه يك امر مسلّمى است»(2).

المحقّق النائينيّ رحمه الله في معامرة المشروطة ألّف كتابه هذا بالفارسيّة ليستفيد منه الإيرانيّون الّذين كانوا مخاطبي هذا الكتاب بالأصالة في ذلك العصر و الزمان. و قد قرّظه المحقّق الخراسانيّ رحمه الله و المحقّق المازندرانيّ رحمه الله. و يظهر من تقريظهما انّ هذين العلمين الكبيرين أيضاً وافقا النائينيّ في ما جاء به في كتابه هذا؛ و منه عبارته هذه.

20 - قول سيّدنا الأستاذ المحقّق البروجرديّ رحمه الله

أمّا أستاذنا العلّامة المحقّق البروجرديّ رحمه الله فقد شاهدنا منه مراراً القول بكون ولاية الفقيه في عداد مسلّمات فقه الشيعة الإماميّة. و كان يذهب إلى أنّ كثيراً من الأحاديث


1) . كريمة 59 النساء.

2) . راجع: «تنبيه الأمّة و تنزيه الملّة» ص 59.

المنقولة في أصولنا الأربعمأة كان يدور حول هذه المسألة و يشرح حدود ولاية الفقيه و ما إليها، فأعدمت و أفنت الأصول أيدي الأعداء الخونة ليصبح الشيعة محروماً عنها واشلَ الحظّ منها.(1)

21 - قول سيّدنا الأستاذ الإمام الخميني رحمه الله

أمّا سيّدنا الأستاذ الإمام الخميني رحمه الله فلسنا بحاجةٍ إلى ذكر قولٍ له في هذا المضمار، و ذلك نظراً إلى اشتهار رأيه في ثبوت الولاية للفقيه(2).

22 - قول المحقّق الخوئيّ رحمه الله
اشارة

قال: «إنّا لوقلنا بمشروعيّة أصل الجهاد في عصر الغيبة فهل يُعتبر فيه إذن الفقيه الجامع للشرائط أو لا؟. يظهر من صاحب الجواهر اعتباره لعموم ولايته لمثل ذلك في زمن الغيبة؛ و هذا الكلام غير بعيدٍ من باب الحسبة»(3).

للمحقّق الخوئيّ رحمه الله ثلاثة أقوال في هذه المسألة، و هي منقولةٌ عنه أو موجودةٌ في كتبه؛

القول الأوّل:

نفي ولاية الفقيه على نحوٍ مطلقٍ. و هذا الرأي منه رحمه الله لم يوجد في كتبه، بل حكاه عنه بعض تلاميذه و مقلّديه.

القول الثّاني:

التسليم بها و القول بصحّتها من باب قاعدة الحسبة - و سنأتي بتوضيحٍ موجزٍ حول هذه القاعدة -. فالمحقّق الخوئيّ رحمه الله في ثاني أقواله ذهب إلى ثبوت الولاية للفقيه، و هذا الثبوت عنده ناشٍ من قاعدة الحسبة.

و هذا الرأي اختاره فيما يقرب من ثلاثين سنة خلت حينما كان يدوّن رسالته الفقهيّة


1) . راجع: «البدر الزّاهر فى صلوة الجمعة و المسافر» - ص 57/52.

2) . و انظر: «كتاب البيع» - له رحمه الله - ج 2 ص 465.

3) . راجع: «منهاج الصالحين» ج 1 ص 366.

منهاج الصالحين. و ما نقلنا منه في مبتدأ هذا الفصل يُظهر و يُبرز رأيه هذا.

القول الثّالث:

التسليم بها و القول بصحّتها بقولٍ مطلقٍ. و هذا الرأي اختاره في الفترة الأخيرة من حياته المباركة؛ قال رحمه الله:

«لوليّ الأمر حقّ التصرّف فيه كيفما يشاء حسب ما يرى فيه من المصلحة قبل التقسيم، فانّ ذالك مقتضى ولايته المطلقة على تلك الأموال»(1).

و قال أيضاً:

«لافرق في مشروعيّة أخذ الجزية بين أن يكون في زمن الحضور أو في زمن الغيبة لإطلاق الأدلّة، و عدم التقييد. و وضعها عليهم في هذا الزمان إنّما هو بيد الحاكم الشرعيّ كمّاً و كيفاً حسب ما تقتضيه المصلحة العامّة للأمّة الإسلاميّة»(2).

و كذلك في التعليق على قوله في منهاج الصالحين:

«و يجوز للحاكم الجامع للشرائط إقامة الحدود على الأظهر»

قال:

«هذا هو المعروف و المشهور بين الأصحاب. و يدلّ على ما ذكرناه أمران:

الأوّل: انّ إقامة الحدود إنّما شُرّعت للمصلحة العامّة دفعاً للفساد و انتشار الفجور و الطغيان بين الناس، و هذا ينافي اختصاصه بزمانٍ دون زمانٍ. و ليس لحضور الإمام دخلٌ في ذلك قطعاً، فالحكمة المقتضية لتشريع الحدود تقتضي باقامتها في زمان الغيبة كما تقتضي بها زمان الحضور.

الثّاني: إنّ أدلّة الحدود كتاباً و سنّةً مطلقةٌ غير مقيّدةٍ بزمانٍ، كقوله


1) . راجع: نفس المصدر ج 1 ص 279 المسألة 36.

2) . راجع: نفس المصدر أيضاً ج 1 ص 392 المسألة 63.

• سبحانه -: «الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ»(1)، و قوله - تعالى -: «السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا»(2). و هذه الأدلّة تدلّ على أنّه لابدّ من إقامة الحدود، و من الضروريّ انّ ذلك لم يشرّع لكلّ فردٍ من أفراد المسلمين، فانّه يوجب اختلال النظام و أن لايثبت حجرٌ على حجرٍ!.... فإذن لابدّ من الأخذ بالمقدار المتيقّن، و المتيقّن هو مَن إليه الأمر و هو الحاكم الشرعيّ.

و تدلّ على ذلك عدّة رواياتٍ؛

منها: رواية إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمّد بن عثمان العمريّ... فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان... إلى أن قال: «فأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فانّهم حجّتي عليكم و أنا حجة اللّه»(3).

و منها: رواية حفص بن غياث: سألت أباعبداللّه عليه السلام: مَن يقيم الحدود؟ السلطان أو القاضي؟، فقال: «إقامة الحدود إلى مَن إليه الحكم»(4).

فإنّها بضميمة ما دلّ على أنّ مَن إليه الحكم في زمان الغيبة هم الفقهاء تدلّ على أنّ إقامة الحدود إليهم و وظيفتهم.

و أمّا الاستدلال على عدم الجواز بما في الدعائم(5)و الأشعثيّات(6)عن الصادق


1) . كريمة 2 النور.

2) . كريمة 38 المائدة.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 140 الحديث 33424، «بحارالأنوار» ج 2 ص 90، «الاحتجاج» ج 2 ص 469.

4) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 4 ص 71 الحديث 5135، «التهذيب» ج 6 ص 314 الحديث 78، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 299 الحديث 33794.

5) . راجع: «دعائم الإسلام» ج 1 ص 182.

6) . لم أعثر على طبعةٍ محقّقةٍ منه، و نقله عنه المحدّث النوريّ في «المستدرك» ج 18 ص 29 الحديث 21925. و انظر: «النوادر» - للراونديّ - ص 55.

من آبائه عليهم السلام عن عليٍّ عليه السلام: «لايصلح الحكم و لاالجمعة و لاالحجّة إلّا بإمامٍ»، فهما ضعيفان سنداً»(1)- <a href="#ref-footnote2-page70" id="footnote2-page70" style="display:inline-block">(2)

لكن استشكل في هذا الكلام السيّد الحجّة الآية السيّد أحمد الخوانساريّ رحمه الله؛ راجع: «جامع المدارك» ج 7 ص 60.

.

و لاخفاء في أنّ المحقّق الخوئيّ رحمه الله في عبارته هذه صحّح رواية حفص بن غياث و استند عليها، بل استند على التوقيع الشريف المنسوب إلى الإمام الحجّة - روحي فداه -(3).

و كان السيّد الأستاذ البروجردي رحمه الله أيضاً يعدّ هذا التوقيع من أسرار الشيعة الإماميّة، و كان يقول بأنّ الشيخ الكلينيّ رحمه الله قد صحّحه حينما نقله و رواه عن أخيه إسحاق بن يعقوب. و نقْلُه إيّاه يدلّ على تصحيحه و توثيقه من قبله(4).



1) . راجع: «مباني تكملة المنهاج» ج 1 ص 226 المسألة 178.

2) . كما قال صاحب الجواهر رحمه الله بعد أن أورد الحديث: «الضعيف سنداً، بل الكتاب المزبور على ما حُكي عن بعض الأفاضل ليس من الأصول المشهورة، بل و لا المعتبرة؛ و لايحكم أحدٌ بصحّته من أصحابنا. بل لم تتواتر نسبته إلى مصنّفه، بل و لم تصحّ على وجهٍ تطمئنّ النفس بها»؛ راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 398.

3) . للتفصيل حول رأي المحقّق الخوئيّ في هذا الموضوع انظر أيضاً إلى مقال «ولايت فقيه از ديدگاه شيخ انصارى و آية اللّه خوئى» في مجلة «انديشۀ حوزه» الرقم 17 ص 264.

4) . و لقائلٍ أن يعود و يقول: لوكان التوقيع عند الشيخ الكلينيّ رحمه الله بهذه المثابة من الصحّة و التوثيق فلماذا لم يروه في الكافي؟، إذ الطبرسيّ رحمه الله نقله عنه في الاحتجاج و لكن الكلينيّ نفسه مارواه في جامعه؛ و هذا جديرٌ بالتأمّل و الدقّة.

المقدّمة الرّابعة قاعدة الحِسبَة

اشارة

وعدنا فيما مضى من هذه الرسالة أن نأتي بتوضيحٍ موجزٍ حول قاعدة الحسبة، و ذلك لأنّ من الفقهاء مَن بنى ثبوت الولاية للفقيه على هذه القاعدة و تمسّك بها(1).

فنقول: قاعدة الحسبة هي إحدى القواعد الرائجة في فقه الشيعة من قرونٍ مبكّرةٍ، و قد عنونوها طوال القرون من غير انكارٍ من أحدٍ منهم عليها، بل صحّحوها و قبلوها و اتّخذوها كقاعدةٍ ثابتةٍ في جميع أبواب الفقه.

الف: اشتقاق اسم القاعدة
القول الأوّل:

ذهب جمعٌ من الفقهاء إلى أنّ اشتقاق اسم القاعدة من الحُسْبَان، أي: بما أنّ مصاديق القاعدة لها أهمّيّةٌ تامّةٌ بحيث تحاسب في الفقه و لايجوز للفقيه أن يُهمِلها يقال لها الحسبة، أي: ما يحاسب في الفقه و لايمكن إهمالها(2)

القول الثّاني:

و منهم من ذهب إلى أنّ اشتقاقه من الإحتساب، أي: التقرّب إلى اللّه - سبحانه و تعالى - و تحصيل رضاه. لأنّ مصاديق القاعدة تُعدّ من الأمور العباديّة و اللّه -


1) . و انظر في ذلك: «ولاية الأمر في عصر الغيبة» ص 96.

2) . و انظر أيضاً: «التنقيح» - الاجتهاد و التقليد - ص 423.

سبحانه و تعالى - يحتسبها و يؤجر عليها؛ فيقال لها: الحسبة، أي: الأمور الّتي يحتسبها اللّه و يجزي و يؤجر عليه.

ب: معنى القاعدة

لانريد أن نفصّل الكلام حول معنى القاعدة، لأنّ هذا التفصيل هو وظيفة ما كُتب حول القواعد الفقهيّة(1). فنقول في إيجازٍ تمامٍ تبعاً للفقهاء:

هناك عنوانٌ جامعٌ يقال له: «ما لايرضى الشارع بتركه»، فكلّ ما كان مصداقاً لهذا العنوان الجامع بحيث صدق عليه انّه ممّا لايرضى الشارع بتركه يكون مصداقاً لقاعدة الحسبة. فإذا رأى الفقيه انّ موضوعاً أو حكماً هو ممّا لايرضى الشارع بتركه - أي: له اهمّيّةٌ بالغةٌ عنده تعالى و لايرضى باهماله -، يمكن له أن يتمسّك بهذه القاعدة فيفتي بوجوبه - موضوعاً كان أو حكماً -.

و الموصول في «ما لايرضى» يشتمل الفعل و الترك.

و أدلّ الدلائل على حجّيّة القاعدة هو العقل، إذ العقل يحكم بوجوب تبعيّة المؤمن عن الشارع في كلّ ما حكم بفعله أو نهى عنه. فعلى المؤمن أن يفعله أو يتركه.

و من مصاديق القاعدة ما تمثّلت به الفقهاء من أحكام الميّت، كتغسيله و تكفينه و الصلاة عليه. قالوا: لو لم يكن وليّ الميّت حاضراً ليتولّى أموره يجب على جميع المؤمنين القيام بها، فلوتركوها أثموا جميعاً و استحقّوا العقاب(2).


1) . و إن لم أعثر على القاعدة في «القواعد الفقهيّة» للحجّة الآية الميرزا سيّد حسن الموسويّ البجنورديّ، و «القواعد الفقهيّة» للعلّامة الحجّة الآية الشيخ مكارم الشيرازيّ، و ما طبع من «القواعد الفقهيّة» للعلّامة الحّجة الآية الشيخ فاضل اللنكرانيّ، و «القواعد» للسيّد محمّد كاظم المصطفويّ.

2) . فانظر: «رياض المسائل» ج 4 ص 37، «منتهى المطلب» ج 1 ص 443، «المعتبر» ج 1 ص 264، «نهاية الاحكام» ج 2 ص 33، «الذخيرة» ص 327. خلافاً لشرذمةٍ قليلةٍ كالمحقّق البحرانيّ، انظر: «الحدائق الناضرة» ج 10 ص 387.

فبما قلنا ظهر انّ القاعدة تشتمل الواجبات الكفائيّة أيضاً.

و ممّا يتعلّق بالقاعدة انّها تناسب غيرها من الأصول و القواعد المستعملة في الفقه، فلو شكّ في موردٍ لايتعلّق بالأموال و الأنفس هل يجب فعله من غير إذنٍ من الفقيه أو لايجب إلّا بإذنٍ و نصٍّ منه، نفتي بوجوبه؛ لأنّ القاعدة تحكم به كما في ما يرجع إلى الميّت من تغسيله و تكفينه و الصلاة عليه. أمّا فيما يتعلّق بالأموال و الأنفس الّذي انعقد الإجماع على أنّ إذن الفقيه شرطٌ فيه فلايجوز للعامّيّ فعله، إذ قاعدة الإشتغال الحاكمة على قاعدة الحسبة تحكم بأنّ الشارع لايرضى بهذا الفعل من دون إذن الفقيه. فإذا انتفى الإذن انتفى وجوب الفعل.

و الفقيه الكبير أبوصلاح الحلبيّ رحمه الله الّذي يُعدّ من متقدّمي فقهائنا أجرى القاعدة في بابي الحدود و التعزيرات أيضاً. قال:

«بما أنّ الشارع لايرضى بترك الحدود و التعزيرات من ناحيةٍ، و بما انّ إذن الفقيه شرطٌ فيها بالإجماع من ناحيةٍ أخرى فيجب على الفقيه القيام بإجراء الحدود و التعزيرات و السعي في إقامتهما»(1).

و مستند هذا الرأي عنده هي قاعدة الحسبة.

و أعلى من ذلك و أكثر تقدّماً منه قول المحقّق صاحب الجواهر رحمه الله، حيث عدّ إذن الفقيه في الدفاع بل حكمه بالجهاد و الكفاح البدويّ الإبتدائيّ من مصاديق القاعدة(2)- <a href="#ref-footnote3-page73" id="footnote3-page73" style="display:inline-block">(3).


1) . لم أعثر على العبارة في «الكافي»، و الظاهر انّها منقولةٌ بالمعنىٰ.

2) . لم أهتد إلى مراد الأستاذ - حفظه اللّه -، و الشيخ صاحب الجواهر رحمه الله تعرّض لحكم الجهاد مع المنصوب من قِبل الإمام عليه السلام و لكن لم يستند فيه إلى قاعدة الحسبة؛ فانظر: «جواهر الكلام» ج 21 ص 15.

3) . و انظر أيضاً: «كتاب البيع» - للإمام الخمينيّ رحمه الله - ج 1 ص 498.

و على هذا الممشى مشى المحقّق الخوئيّ رحمه الله أيضاً في أحد أقواله، كما مضت الإشارة إليه.

و القول الأخير في هذا التوضيح الموجز الّذي ذكرناه حول هذه القاعدة ما ربما يتراءى من الشيخ الأعظم رحمه الله، فانّه رحمه الله حكم بوجوب القيام بالقضاء على الفقيه متمسّكاً بهذه القاعدة. أي: ذهب إلى أنّ الشارع لايرضى بترك القضاء بين الناس، فولاية الفقيه في أمر القضاء ثابتةٌ عنده بحكم القاعدة(1).

أمّا ولاية الفقيه بقولٍ مطلقٍ لتشتمل القيام بأمر الحكم و رئاسة المجتمع فلم يحكم بها و لم يعدّها من مصاديقها.

و هذا منه رحمه الله غريبٌ!، إذ الشيخ يرى انّ ثبوت ولاية الفقيه مشهورٌ من ناحيةٍ، و من ناحيةٍ أخرى يرى انّ مقبولة عمر بن حنظلة و غيرها من الأدلّة اللفظيّة لاتفي باثبات هذه الولاية، فأعرض عن الأدلّة اللفظيّة و سحَب يده منها و أوكل ولايته في أمر القضاء إلى قاعدة الحسبة، فأثبتها مستنداً إليها؛ قال رحمه الله:

«كلّ معروفٍ عُلم من الشارع ارادة وجوده في الخارج إن عُلم كونه وظيفة شخصٍ خاصٍّ كنظر الأب في مال ولده الصغير أو صنفٍ خاصٍّ كالافتاء و القضاء أو كلّ من يقدر على القيام به كالأمر بالمعروف فلااشكال في شيءٍ من ذلك؛ و إن لم يُعلم ذلك و احتمل كونه مشروطاً في وجوده أو وجوبه بنظر الفقيه وجب الرجوع فيه إليه»(2).

فنقول: لوثبت أوّلاً - ببداهة العقل - انّ الشارع لايرضى بترك القيام بأمر الحكم و الولاية، و لوشكّ ثانياً في أنّ القيام بهذه المهمّة هل يتوقّف على إذن الفقيه - نظراً إلى أهمّيّته البالغة بحيث لاتقصر أهمّيّتها عن مسألة النفوس و الأموال الّتي فوّض الشارع أمرها إلى


1) . لم أعثر على هذا الكلام منه في «كتاب القضاء و الشهادات» له.

2) . راجع: «كتاب المكاسب» ج 3 ص 554.

الفقيه - أم لا؟؛ فنستنتج نتيجةً، و هي: انّ قاعدة الحسبة تحكم بوجوب القيام بأمر السلطة و الولاية، و قاعدة الإشتغال تحكم بأنّ هذا القيام يُعدّ من وظائف الفقهاء و لايجوز لمن ليس من هذا الصنف القيام بها؛ فبانضمام القاعدتين نرى انّ ولاية الفقيه و رئاسته على المجتمع أيضاً تكون من مصاديق قاعدة الحسبة؛ فتثبت ولاية الفقيه بقولٍ مطلقٍ أيضاً.

و هذا ما توخّينا إيراده في هذا المجال.


المقدّمة الخامسة لزوم وجود الدولة في كلّ مجتمعٍ‌

لزوم وجود والٍ في كلّ مجتمعٍ ليجري الأمور فيه على ما ينبغي، أصلٌ تؤيّده زيادةً على العقل غريزة الحيوانات. فنرى حتّى الحيوانات الّتي تعيش في المجتمع و لها الحياة الإجتماعيّة لها عميدٌ يدبّر أمر المجتمع على ما تقتضيه مصالح أهله؛ كملكة النحل و أمير مجتمع السُمَيكَات و رئيس النمال و قائد مجتمع الأسد.

و وظيفة قائد المجتمع و فرضه قبال ساكنيه هو إيصالهم إلى ما يصلح أمرهم و يقتضيه كمالهم اللائق بهم.

و من الواضح انّ الكمال اللائق بكلّ مجتمعٍ و جمعٍ يتغيّر بالنسبة إلى المجتمع، فما يليق بهذا المجتمع يختلف مع ما يليق بغيره. فقائد كلّ مجتمعٍ على أساس غريزته يهديهم و يصلهم إلى ما هو المطلوب لهم.

و هذا الأصل - أي: أصل لزوم وجود الوالي - يجري في الجوامع الإنسانيّة أيضاً(1)، و العقل يحكم بهذا الجريان لوجود مقدّمتين بديهيّتين:

المقدّمة الأولى: إنّ الإنسان لايقدر على أن يعيش وحيداً فريداً، بل لابدّ و لاعلاج له إلّا بالحياة الإجتماعيّة، هذا من ناحيةٍ؛


1) . و انظر في ذلك إلى مقال «ضرورت حكومت يا ولايت فقها در عصر غيبت» لسماحة العلّامة الآية الشيخ صافي الگلپايگاني في مجلة «حكومت اسلامى» الرقم 4 ص 8.

المقدّمة الثّانية: و من ناحيةٍ أخرى انّ للإنسان بُعدين(1)، و بُعده الناسوتيّ يُلجأه إلى ما يخالف ما لغيره من المصالح و المنافع، أي: مصالح كلّ أحدٍ في المجتمع و ما هو مطلوبٌ له يختلف مع ما هو المطلوب لغيره، فيحدث الخلاف و التنازع و البون و التنافر بين الناس.

و هاتان المقدّمتان تحكمان بلزوم وجود والٍ يولّي أمر الحكم بين الناس ليعيش المجتمع على ما يصلحه و يقتضيه من المصالح. فوجود الدولة و الولاية من لوازم حياة الإنسان الإجتماعيّة(2).

قال سيّدنا الأستاذ العلّامة الطباطبائي رحمه الله:

إنّ قول الملائكة: «أَ تَجعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَ يَسْفِكُ الدِّمَاءَ»(3)يشير إلى ما للناس من بُعدهم الناسوتيّ. فانّ هذا البعد يوجب الهَرَج و غلبة القويّ على الضعيف و ينتهي في آخر الأمر إلى نقض قواعد المجتمع، فتفسد و تضمحّل الحياة.


1) . هذا من المتّفق عليه، و من مليح العبارات في هذا المضمار قول المعلّم الثّالث: «أ ليس من المنصرح المستبين لدىٰ المتبصّر انّ الإنسان الّذي هو نسخة نظام الكلّ و فذلكة طبقات العوالم من سنخين بحسب العالمين!، سنخ بحسب عالم الطبع و هو هيكله الجسدانيّ و بدنه الهيولانيّ، و سنخ بحسب عالم القدس و هو جوهره العاقل الّذي هو نفسه الناطقة المجرّدة»؛ راجع: «الرسالة الرضاعيّة» - المطبوع في «كلمات المحقّقين» - ص 145.

2) . و بما قلنا ظهر ما في كلام ولد بعض أكابر الدهر حيث قال: «در دين اسلام نيز حاكم فقط خدا بود و همۀ مردم با هم مساوى خلق شده و هيج كس را بر كسى برترى نبود. در چنين طرز فكرى جا براى قائد و پيشوا و سلطان وجود نداشت، ولى هنگاميكه با استفاده از يك كلمۀ اولى الامر كه يك بار در توجيه يك حادثۀ اجتماعى بيان شده بود، اطاعت از شاه و رهبر و حاكم را به صورت امرى واجب و عقيدتى جعل كردند دوران بسيار كوتاه دموكراسى اوّليۀ اسلام به سرعت سرآمد و خلافت سلطنتى و سپس سلطنت جانشين آن شد»؛ انظر: سلسلۀ «ايده آل بشر»، مجلّد «زردشت، مزديسنا و حكومت» ص 414.

3) . كريمة 30 البقرة.

فمن اللازم الضروريّ وجود الدولة و الولاية في كلّ مجتمعٍ ليعيش الإنسان على ما هو اللائق به و يصل إلى كماله المطلوب له»(1).

ففي مشهد السيّد الأستاذ رحمه الله و منظره بداهة العقل هو الحاكم بلزوم وجود الولاية(2).

و الشيخ الرئيس رحمه الله أيضاً مشى على هذا الممشى مستنداً إلى قاعدة اللطف، فانّه رحمه الله ذهب في النمط التّاسع من كتابه الإشارات و التنبيهات إلى أنّ قاعدة اللطف تحكم بضرورة وجود النبيّ كرئيس المجتمع و قائده، و من بعد النبيّ نفس القاعدة تحكم بضرورة وجود الحكومة و الدولة(3).


1) . قال رحمه الله: «قوله - تعالى -: «قَالُوا أَ تَجعَلُ فِيهَا» مشعرٌ بأنّهم إنّما فهموا وقوع الإفساد و سفك الدماء من قوله - سبحانه و تعالى -: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً» إلى آخره، حيث انّ الموجود الأرضيّ بما انّه مادّيٌّ مركّبٌ من القوى الغضبيّة و الشهويّة، و الدار دار التزاحم محدودة الجهات وافرة المزاحمات، مركّباتها في معرض الانحلال و انتظاماتها و اصلاحاتها في مظنّة الفساد و مصبّ البطلان، لاتتمّ الحياة فيها إلّابالحياة النوعيّة و لايكمل البقاء فيها إلّابالاجتماع و التعاون، فلاتخلو من الفساد و سفك الدماء. ففهموا من هناك انّ الخلافة المرادة لاتقع في الأرض إلّابكثرةٍ من الأفراد و نظامٍ اجتماعيٍّ بينهم يفضي بالأخرة إلى الفساد و السفك»؛ راجع: «الميزان» ج 1 ص 115.

2) . و هذا لايخلو عن شيءٍ، اذ العلّامة الطباطبائيّ رحمه الله عدّ الاجتماع من لوازم حياة الإنسان؛ و الدولة و إن كانت من لوازم الاجتماع و لكن العلّامة رحمه الله لم يتعرّض لها في كلامه هذا؛ فتأمّل.

3) . قال الشيخ الرئيس رحمه الله: «إشارةٌ. لمّا لم يكن الإنسان بحيث يستقلّ وحده بأمر نفسه إلّابمشاركة آخر من بني جنسه و بمعارضةٍ و معاوضةٍ تجريان بينهما يفرغ كلّ واحدٍ منهما لصاحبه عن مهمٍّ لوتولّاه بنفسه لازدحم على الواحد كثيرٌ و كان ممّا يتعسّر إن أمكن، وجب أن يكون بين الناس معاملةٌ و عدلٌ يحفظه شرعٌ يفرضه شارعٌ متميّزٌ باستحقاق الطاعة لاختصاصه بآياتٍ تدلّ على أنّها من عند ربّه. و وجب أن يكون للمحسن و المسيء جزاءٌ عند القدير الخبير. فوجب معرفة الُمجازي و الشارع و مع المعرفة سببٌ حافظٌ للمعرفة، ففرضت عليهم العبادة المذكّرة للمعبود و كرّرت عليهم ليستحفظ التذكير بالتكرير حتّى استمرّت الدعوة إلى العدل المقيم لحياة النوع»؛ راجع: «شرح الإشارات و التنبيهات» ج 3 ص 371.

و المحقّق نصيرالدين الطوسيّ رحمه الله يشير في شرح هذه القطعة من المتن إلى أنّ الإنسان خُلق للاستكمال - أي: لأن يصل إلى كماله اللائق به -، و لايمكن الوصول إلى هذا الكمال إلّا في مجتمعٍ صالحٍ متّسقٍ خالٍ عن الهَرَج و الإضطراب. فلوانضممنا هاتين المقدّمتين إلى قاعدة اللطف نستنتج انّه يجب على اللّه - سبحانه و تعالى - بمقتضى لطفه أن يعيّن أحداً لأن يولّى أمر المجتمع و ينتظم روابط الناس حتّى تكون حياة الناس على ما هو اللائق بهم و يصلهم إلى كمالهم المطلوب لهم(1).

و معنى قولنا: «يجب على اللّه»: انّ اللّه - سبحانه و تعالى - عالمٌ باحتياج الناس إلى الولاية، و هو جوادٌ يفعل ما ينبغي كما ينبغي، فمقتضى علمه و جوده أن يرسل الرسول و من بعده أن يعيّن الوالي لئلّا تقف قافلة المجتمع عن حركته الاستكماليّة(2).


1) . قال المحقّق الطوسيّ رحمه الله: «الإنسان لايستقلّ وحده بأمور معاشه، لأنّه يحتاج إلى غذاءٍ و لباسٍ و مسكنٍ و سلاحٍ لنفسه و لمن يعوله من أولاده الصغار و غيرهم. و كلّها صناعيّةٌ لايمكن أن يرتّبها صانعٌ واحدٌ إلّافي مدّةٍ لايمكن أن يعيش تلك المدّة فاقداً إيّاها أو يتعسّر إن أمكن. لكنّها تتيّسر لجماعةٍ يتعاونون و يتشاركون في تحصيلها يفرغ كلّ واحدٍ منهم لصاحبه عن بعض ذلك، فيتمّ بمعارضة، و هي أن يعمل كلّ واحدٍ مثل ما يعمله الآخر و معاوضةٍ و هي أن يعطي كلّ واحدٍ صاحبه من عمله بازاء ما يأخذه منه من عمله. فإذن الإنسان بالطبع محتاجٌ في تعيّشه إلى اجتماعٍ مؤدٍّ إلى صلاح حاله؛ و هو المراد من قولهم: الإنسان مدنيٌّ بالطبع، و التمدّن في اصطلاحهم هو هذا الاجتماع، فهذه قاعدةٌ. ثمّ نقول: و اجتماع الناس على التعاون لاينتظم إلّاإذا كان بينهم معاملةٌ و عدلٌ، لأنّ كلّ واحدٍ يشتهي ما يحتاج إليه و يغضب على من يزاحمه في ذلك و تدعوه شهوته و غضبه إلى الجور على غيره، فيقع من ذلك الهرج و يختلّ أمر الإجتماع، أمّا إذا كان معاملةٌ و عدلٌ متّفقٌ عليهما لم يكن كذلك، فإذن لابدّ من شريعةٍ... فإذن لابدّ من شارعٍ هو نبيٌّ ذو معجزةٍ، و هذه قاعدةٌ ثالثةٌ.... ثمّ إنّ جميع ذلك مقدّرٌ في العناية الأولى لاحتياج الخلق إليه، فهو موجودٌ في جميع الأوقات و الأزمنة»؛ راجع: نفس المصدر.

2) . هذا التوضيح دفعٌ لما أورده الإمام الرازيّ على هذا المبنى القويم، انظر: نفس المصدر أيضاً ص 373.

و هذه الضرورة العقليّة قد أشير إليها في بعض أحاديث أهل البيت عليهم السلام، منها قول أميرالمؤمنين عليه السلام لمّا سمع قول الخوارج: لا حكم إلّاللّه:

«كلمة حقٍّ يُراد بها الباطل. نعم! انّه لاحكم إلّاللّه ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلّاللّه و انّه لابدّ للناس من أميرٍ برٍّ أو فاجرٍ يعمل في إمرته المؤمن و يستمتع فيه الكافر، و يُبلغ اللّه فيه الأجل و يجمع به الفيء و يقاتل به العدوّ و تأمن به السبل و يؤخذ به للضعيف من القويّ حتّى يستريح به برٌّ و يستراح من فاجرٍ»(1).

نرى انّه عليه السلام رادّاً على الخوارج بيّن الفرق بين الحكم و الأمر، إذ لاريب في أنّ الحكم من خصائص اللّه - تعالى - و لايشترك فيه معه أحدٌ؛ أمّا الأمر و الولاية فهو من لوازم المجتمع.

فقولهم ناشٍ عن الخلط بين ما للّه - سبحانه و تعالى - وحده و ما للناس بمقتضى حياتهم الإجتماعيّة.

و في هذا الكلام الثقيل العالي المرتبة أدّى الأمر إلى لزوم وجود الحكومة و لوكانت فاجرةً غير برّةٍ، إذ في صورة فقد الولاية الصالحة لابدّ و لاحيلة من وجود حكومةٍ غير صالحةٍ، إذ وجودها خيرٌ من عدمها.

و في نفس الكلام أيضاً أشار أميرالمؤمنين عليه السلام إلى عددٍ و حَسَبٍ من وظائف الحكومة.

و منها: قول ثامن الحجج الرضا عليه السلام:

«فإن قال: فلِمَ جعل أولي الأمر و أمر بطاعتهم؟

قيل: لعللٍ كثيرةٍ؛ منها:

انّ الخلق لمّا وقعوا على حدٍّ محدودٍ و أُمروا أن لايتعدّوا ذلك الحدّ لما فيه من


1) . راجع: «نهج البلاغة» الخطبة 40 ص 82، و انظر: «شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 2 ص 307.

فسادهم لم يكن يثبت ذلك و لايقوم إلّابأن يُجعل عليهم فيه أميناً يمنعهم من التعدّي و الدخول فيما خطر عليهم...؛

و منها: إنّا لانجد فرقةً من الفرق و لاملّةً من الملل بقوا و عاشوا إلّابقيّمٍ و رئيسٍ لما لابدّ لهم منه في أمر دينهم و دنياهم، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق ممّا يعلم انّه لابدّ لهم منه و لاقوام لهم إلّابه، فيقاتلون به عدوّهم و يقسمون به فيئهم و يقيم لهم جمعتهم و جماعتهم و يمنع ظالمهم من مظلومهم؛

و منها: انّه لو لم يجعل لهم إماماً قيّماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملّة و ذهب الدين و غيّرت السنة و الأحكام، و لزاد فيهم المبتدعون. لأنّا قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع اختلافهم و اختلاف أهوائهم و تشتّت أنحائهم، فلو لم يجعل لهم فيها حافظاً لما جاء به الرسول لفسدوا على نحو ما بيّنا و غيّرت الشرائع و السنن و الأحكام و الإيمان؛ و كان في ذلك فساد الخلق أجمعين»(1).

ففي هذا الحديث الثمين الّذي يُعدّ من غرر الأخبار أشار مولانا و سيّدنا الرضا عليه السلام إلى أمورٍ ثلاثةٍ:

الأمر الأوّل: لمّيّة الاحتياج إلى الحكومة و الولاية، و هي تنظيم روابط الناس و إصلاح ما بينهم من التعاملات، إذ - كما حكينا في هذه الصفحات عن الأستاذ العلّامة


1) . راجع: «علل الشرايع» ج 1 ص 251 الحديث 9، «عيون أخبار الرضا» ج 2 ص 101 الحديث 1، «بحار الأنوار» ج 6 ص 60.

الطباطبائيّ عليه السلام - انّ الإنسان بما له من الوجه الناسوتيّ يختلف دائماً مع غيره، فلامناص من وجود حاكمٍ يرتفع الاختلافات و يصلح أمر المجتمع؛

الأمر الثّاني: الاجابة عن حاجة الفطرة و بُغيتها، فانّ سيّدنا الرضا عليه السلام عدّ وجود الولاية مجاوبةً عمّا تقتضيه الفطرة و تحتاج إليه في كلّ عصرٍ و مصرٍ؛

الأمر الثّالث: و في الختام لويحتاج الإنسان إلى الوالي و لوكان اللّه - سبحانه و تعالى - عالماً باحتياجه هذا فمن الواجب عليه أن يسنّ عليهم قواعد الحكومة و كيفيّتها و يعيّن من بينهم أحداً ليقوم بأمرها حتّى يصلح المجتمع و أحوالهم فيه.

و في خاتمة الحديث و مؤخّره أشار عليه السلام إلى فائدةٍ أخرى من فوائد الحكومة، و هي بقاء الدين و حفظه عن التغيير و التخويل و الإنقلاب.

و إمعان النظر في هذا الحديث يُظهر أنّ جميع ما نقلناه عن الشيخ الرئيس رحمه الله و المحقّق الطوسيّ رحمه الله و العلّامة الطباطبائيّ رحمه الله لو لم يكن منقولاً عن هذا الحديث مباشراً فلابدّ أن يكون مقتبساً منه، بل جميع كلماتهم و ما جاؤوا به من دقائق الأفكار مجموعٌ و مركّزٌ فيه. فيا للحديث من العظمة!.

و منها: ما رواه الكلينيّ رحمه الله عن الصادق عليه السلام:

«عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن الحسن بن إبراهيم عن يونس بن يعقوب قال:

كان عند أبي عبداللّه عليه السلام جماعةٌ من أصحابه منهم حمران بن أعين و محمّد بن النعمان و هشام ابن سالم و الطيّار و جماعةٌ فيهم هشام بن الحكم و هو شابٌّ؛ فقال أبو عبداللّه عليه السلام: يا هشام! ألَاتخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد و كيف سألته؟

فقال هشام: يا بن رسول اللّه انّي أجُلّك و استحييك و لايعمل لساني بين يديك،

فقال أبو عبداللّه عليه السلام: إذا أمرتكم بشيءٍ فافعلوا!.

قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد و جلوسه في مسجد البصرة، فعظم ذلك عليَّ. فخرجت إليه و دخلت البصرة يوم الجمعة فأتيت مسجد البصرة، فإذا أنا بحلقةٍ كبيرةٍ فيها عمرو بن عبيد و عليه شملةٌ سوداء متّزراً بها من صوفٍ و شملةٌ مرتدئاً و الناس يسألونه. فاستفرجت الناس فافرجوا لي، ثمّ قعدت في آخر القوم على ركبتيّ، ثمّ قلت: أيّها العالم إنّي رجلٌ غريبٌ تأذن لي في مسألةٍ؟،

فقال لي: نعم!،

فقلت: أ لك عينٌ؟

فقال: يا بُنيّ أيّ هذا من السؤال؟ و شيءٌ تراه كيف تسأل عنه؟،

فقلت: هكذا مسألتي!

فقال: يا بُنيّ سل و إن كانت مسألتك حمقاء!.

قلت: اجبني فيها،

قال لي: سل!

قلت: أ لك عينٌ؟

قال: نعم!،

قلت: فما تصنع بها؟

قال: أرى بها الألوان و الأشخاص،

قلت: فلك أنفٌ؟

قال: نعم!

قلت: فما تصنع به؟

قال: أشمّ به الرائحة،

قلت: أ لك فمٌ؟

قال: نعم!

قلت: فما تصنع به؟

قال: أذوق به الطعم،

قلت: فلك أذنٌ؟

قال: نعم!

قلت: فما تصنع بها؟

قال: أسمع بها الصوت،

قلت: أ لك قلبٌ؟

قال: نعم!

قلت: فما تصنع به؟

قال: أميّز به كلّ ما ورد على هذه الجوارح و الحواسّ،

قلت: أ و ليس في هذه الجوارح غنىً عن القلب؟

فقال: لا!

قلت: و كيف ذلك و هي صحيحةٌ سليمةٌ؟

قال: يا بُنيّ إنّ الجوارح إذا شكّت في شيءٍ شمّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردّته إلى القلب فيستيقن اليقين و يبطل الشكّ،

قال هشام: فقلت له: فإنّما أقام اللّه القلب لشكّ الجوارح؟

قال: نعم!،

قلت: لابدّ من القلب و إلّالم تستيقن الجوارح؟

قال: نعم!،

فقلت له: يا أبامروان! فاللّه - تبارك و تعالى - لم يترك جوارحك حتّى جعل لها إماماً يصحّح لها الصحيح و يتيقّن به ما شُكّ فيه، و يترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم و شكّهم و اختلافهم لايقيم لهم إماماً يردّون إليه شكّهم و حيرتهم، و يقيم لك إماماً لجوارحك تردّ إليه حيرتك و شكّك؟!؛

قال: فسكت و لم يقل لي شيئاً. ثمّ التف إليّ فقال لي: أنت هشام بن الحكم؟

فقلت: لا!،

قال: أ من جُلسائه؟

قلت: لا،

قال: فمن أين أنت؟

قال: قلت: من أهل الكوفة،

قال: فأنت إذاً هو.

ثمّ ضمّني إليه و أقعدني في مجلسه و زال عن مجلسه و ما نطق حتّى قمت.

قال: فضحك أبوعبداللّه عليه السلام و قال: يا هشام! من علّمك هذا؟

قلت: شيءٌ أخذته منك و ألّفته.

فقال: هذا و اللّه مكتوبٌ في صحف إبراهيم و موسى»(1).

الحديث صحيحٌ و لاإشكال فيه سنداً. و حسن بن إبراهيم و إن لم يذكر في مصادر علم الرجال - كرجال الشيخ(2)و رجال النجاشيّ -، و لكن لابأس به، إذ صحّحه جمعٌ من أساتذة هذا العلم. فابن الوليد مع كثرة دقّته و شدّة نظره و رأيه في توثيق الرجال صحّحه إذا استثنى خمسةً و عشرين رجلاً من رواة أحاديث كتاب نوادرالحكمة و صحّح غيرهم من رجال أسانيده، و هو من جملتهم؛ فصحّحه ابن الوليد. و ابن نوح و شيخنا الصدوق 0 و هما من تلامذة ابن الوليد أيضاً أيّدا قوله، فهما أيضاً قائلان بصحّة رواياته. فصحّحه ابن الوليد و ابن نوح و شيخنا الصدوق(3)و تصحيحهم - مع عِظَم قدرهم - كافٍ في الاعتماد


1) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 169 الحديث 3؛ و انظر: «بحار الأنوار» ج 23 ص 6، «الاحتجاج» ج 2 ص 367، «كمال الدين» ج 1 ص 207.

2) . هذا؛ و الظاهر ذكره في «رجال» الشيخ مرّتين في أصحاب سيّدنا عليّ بن موسى الرضا عليه السلام حيث قال رحمه الله: «الحسن بن إبراهيم الكوفي»؛ راجع: «رجال الشيخ» ص 354 الرقم 5250، ثمّ ص 356 الرقم 5282. و الدليل على اتّحاده مع المذكور في السند قول المحقّق الأردبيليّ الغرويّ الحائريّ رحمه الله حيث قال بعد أن ذكر اسمه: «عليّ بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن الحسن بن إبراهيم في الكافي كتاب التوحيد، و مرّةً أخرى في أوّل كتاب الحجّة»؛ راجع: «جامع الرواة» ج 1 ص 188 القائمة 1، و الثّاني هو نفس الحديث الّذي نحن بصدده الآن. و قال المامقانيّ رحمه الله: «... و ظاهره كونه إماميّاً إلّاأنّ حاله مجهولٌ»؛ راجع: «تنقيح المقال» ج 1 ص 625 الرقم 2448. و انظر أيضاً: «قاموس الرجال» ج 3 ص 180 الرقم 1828، «معجم رجال الحديث» ج 4 ص 275 الرقم 2677، «مستدركات علم رجال الحديث» ج 2 ص 336 الرقم 3301.

3) . إشارةٌ إلى قول النجاشيّ رحمه الله حيث قال في ترجمة محمّد بن أحمد بن يحيى الأشعريّ القمّيّصاحب كتاب «نوادر الحكمة»: «كان ثقةً في الحديث إلّاأنّ أصحابنا قالوا: كان يروي عن الضعفاء و يعتمد المراسيل و لايبالي عمّن أخذ، و ما عليه في نفسه مطعنٌ في شيءٍ. و كان محمّد بن الحسن بن الوليد يستثني من رواية محمّد بن أحمد بن يحيى مارواه عن.... [ثمّ عدّ من لم يعتمد ابن الوليد عليه و لم يذكر فيهم حسن بن ابراهيم]. قال ابوالعبّاس بن نوح: و قد أصاب شيخنا أبوجعفر محمّد بن الحسن بن الوليد في ذلك كلّه. و تبعه أبوجعفر بن بابويه على ذلك كلّه»؛ راجع: «رجال النجاشيّ» ص 348 الرقم 939. و الحسن بن إبراهيم من رواة «نوادر الحكمة»؛ انظر: «أصول علم الرجال» ص 138 الرقم 141.

عليه و على ما يرويه.

أمّا دلالة الحديث على ما نحن فيه فلاتحتاج إلى مزيد بيانٍ، إذ ليس المراد من «الإمام» في هذا الحديث أئمّتنا الإثنى عشر فقط، بل من يقوم بأمر الولاية والحكومة و يكون حاكماً على المجتمع ليقوم القسط و العدل و يحفظه و يمنعه عن الإنحراف و الزوال، كما انّ القلب يمنع جوارح الإنسان عن الإنحراف و يحفظها عن الخطأ.

المقدّمة السادسة أصالة عدم تسلّط أحدٍ على أحدٍ

من الأصول المقرّرة في الفقه الإسلاميّ هو أصل عدم تسلّط أحدٍ على أحدٍ. و بما لهذا الأصل من الدور البنّاء في مسألة ولاية الفقيه - حيث تمسّك به مخالفوها - نأتي بتوضيحٍ موجزٍ حول هذا الأصل ليكون الناظر في الرسالة على بصيرةٍ من أمره.

فنقول: انّ لهذا الأصل صورةً اثباتيّةً، و هي قاعدة: «الناس مسلّطون على أنفسهم و أموالهم». و الأصلان يشيران إلى أمرٍ واحدٍ يؤيّده العقل، و هو أصالة تسلّط كلّ أحدٍ على ماله و نفسه، و عدم تسلّط غيره على ما يتعلّق به من المال و النفس.

و لكن يجب أن يُعلم أنّ هذا الأصل يُعدّ من الأصول الحيثيّة، و الأصول الحيثيّة ما لاإطلاق له و إن يظهر منه الإطلاق و العموم. فلاإطلاق لهذا الأصل؛ فلاتسلّط للناس على أموالهم على وجهٍ مطلقٍ.

و هذا أيضاً يؤيّده العقل و تشهد له سيرة العقلاء، فنرى العقلاء يحكمون بعدم تسلّط الإنسان على ماله في بعض الموارد، بل يحكمون بهَجره و عدم جواز تصرّفه فيه.

فعلى سبيل المثال لوأراد أحدٌ أن يشتري بماله سمّاً أو قَشَباً قتّالاً ليدخله في قناة البلدة فيقتل به جميع أهلها، لايجوّز له العقلاء التمسّك بقاعدة التسليط، بل يحكمون بهَجره و عدم تسلّطه على أمواله؛ و هذا واضحٌ لامرية فيه.

أمّا زيادةً على ذلك فهيهنا خلافٌ نشأ بين فقهاء المسلمين من ناحيةٍ و بين غيرهم من علماء علم الحقوق من ناحيةٍ أخرى؛ و هو الخلاف في حيطة هذا الأصل، أي: ما هي حيطة تسلّط الناس على أموالهم؟، و متى يُحكم بهَجر المرء عن التصرّف في أمواله؟.

قال علماء علم الحقوق المادّيّون: يجوز للمرء أن يتصرّف في أمواله ما لم يكن هذا التصرّف ضرراً على الغير، فحيطة السلطة عندهم ما لم يكن التصرّف سبباً لتضرّر الآخرين و ألماً و تعباً لهم.

أمّا فقهاؤنا فقالوا: زيادةً على ذلك يجب أن يكون هذا التصرّف و التسلّط موافقاً لما حكم به الشرع و وافقه العقل، فجواز التصرّف من ناحيتي الشرع و العقل شرطٌ عندهم في صحّة التسليط، فلايجوز التمسّك بهذا الأصل في موارد لم يوافقها الشرع أو العقل.

هذا؛ و في المقام حديثٌ أورده الشيخ الكلينيّ رحمه الله في جامعه الكافي، و هو يؤيّد ما قلنا؛ قال:

عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن العبّاس بن عمر الفُقيميّ عن هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام انّه قال للزنديق الّذي سأله: من أين أثبتّ الأنبياء و الرسل؟

قال: إنّا لمّا أثبتنا انّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا و عن جميع ما خلق و كان ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم يجز أن يشاهده خلقه و لايلامسوه فيباشرهم و يباشروه و يحاجّهم و يحاجّوه، ثبت انّ له سفراء في خلقه يعبّرون عنه إلى خلقه و عباده و يدلّونهم على مصالحهم و منافعهم و ما به بقاؤهم و في تركه فنائهم، فثبت الآمرون و الناهون عن الحكيم العليم في خلقه و المعبّرون عنه - جلّ و عزّ -. و هم الأنبياء عليهم السلام و صفوته من خلقه، حكماء مؤدّبين بالحكمة مبعوثين بها غير مشاركين للناس - على مشاركتهم لهم في الخلق و

التركيب - في شيءٍ من أحوالهم. مؤيّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة. ثمّ ثبت ذلك في كلّ دهرٍ و زمانٍ ممّا أتت به الرسل و الأنبياء من الدلائل و البراهين لكي لاتخلو أرض اللّه من حجّةٍ يكون معه علمٌ يدلّ على صدق مقالته و جواز عدالته»(1).

الرواية صحيحةٌ و لاإشكال فيها سنداً. و عبّاس بن عمر و إن كان مجهولاً لم يُذكر في مصادر علم الرجال(2)لكن صحّحه عليّ بن إبراهيم حيث روى عنه، إذ ابن إبراهيم ممّن لايروي إلّاعن ثقةٍ‌(3)

الف: إنّ عليّ بن إبراهيم ممّن لايروي إلّاعن ثقةٍ؛

ب: و انّه روى عن عبّاس بن عمر الفقيميّ؛

و نتيجة المقدّمتين: انّ عبّاس بن عمر ثقةٌ، لأنّ عليّ بن إبراهيم روى عنه.

و لنا في المقدّمتين نظرٌ، إذ ليس عليّ بن إبراهيم في عداد المشايخ الّذين ادُّعِي في حقّهم انّهم لايروون إلّاعن ثقةٍ على الإطلاق، إذ هولاء سبعةٌ - راجع: «أصول علم الرجال» ص 443 -، و لم يوجد ابن إبراهيم بينهم، بل ابن إبراهيم ادّعى في مقدّمة تفسيره انّه لايروي في هذا التفسير إلّاعن ثقةٍ - انظر: مقدّمة «تفسير عليّ بن إبراهيم» ج 1 ص 2، و أيضاً: «مستدرك الوسائل» ج 3 ص 526 -، و الحال انّه لم يرو عن عبّاس بن عمر في تفسيره - لتفصيل ثقات «تفسير عليّ بن إبراهيم» راجع: «معجم الثقات و ترتيب الطبقات» ص 225 -. فثقات ابن إبراهيم منحصرون فيمن روى عنهم في تفسيره، و ليس عبّاس بن عمر منهم؛ فليس هو معدوداً في جملة ثقاته.

. و لاريب في أن تصحيحه ليس بأقلّ مرتبة من تصحيح النجاشيّ و أضرابه.

1) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 168 الحديث 1؛ و انظر: «بحارالأنوار» ج 10 ص 198، «التوحيد» ص 247، «علل الشرايع» ج 1 ص 120 الحديث 2.

2) . الظاهر انّه إشارةٌ إلى عدم ذكره في مصادر علم الرجال المتقدّمة، أمّا المتأخّرون من الرجاليّين فذكروه، فانظر: «تنقيح المقال» ج 2 ص 129 الرقم 6228، و انظر أيضاً: «المستدركات على علم رجال الحديث» ج 4 ص 353 الرقم 7455.

3) . هيهنا ملحوظةٌ، و هي: انّ كلام الأستاذ - حفظه اللّه تعالى - يتألّف من مقدّمتين:

و السيّد المحقّق الخوئيّ أيضاً مع شدّة احتياطه في أمر رجال الأسانيد ذهب إلى حجّيّة رواياته لمكان تصحيح عليّ بن إبراهيم إيّاه(1).

و الحديث كما يثبت حرّية الإنسان و سلطته على ماله و نفسه يذكّرنا انّه يحتاج إلى قانونٍ و دُستورٍ و شريعةٍ ليعيّن له ما له و ما عليه ليعيش الإنسان في مجالهما و حَقْلِهما حرّاً في غاية الحرّيّة.



1) . لم أهتد إلى مراد الأستاذ - حفظه اللّه -، إذ المحقّق الخوئي رحمه الله ذكره تارةً باسم العبّاس بن عمر الفقيميّ، و تارةً أخرى باسم العبّاس بن عمرو، و تارةً ثالثةً باسم العبّاس بن عمرو الفقيميّ، و لم ينصّ على تصحيحه أو توثيقه في هذه الموارد؛ راجع: «معجم رجال الحديث» ج 9 ص 237 الأرقام 6189، 6190، 6191.

المقدّمة السّابعة أجناس الحكومة و الدولة و أنواعها

اشارة

قُسّمت الدولة إلى أقسامٍ ثلاثةٍ:

1: الدولة التغليبيّة؛

2: الحكومة الإختياريّة أو الإنتخابيّة من قبل أعضاء المجتمع؛

3: الحكومة الإنتصابيّة من قبل اللّه - سبحانه و تعالى -.

و الّذي عليه تتركّز دراستنا و مراجعتنا الآن، هي الحكومة الإختياريّة، إذ الحكومة الإنتصابيّة هي نفس ولاية الفقيه و وظيفة رئاسة المجتمع الّتي فوّضها أئمّة أهل البيت عليهم السلام إلى الفقيه الجامع لشرائط الزعامة؛ و سنفصّل الكلام حول هذه الدولة فيما يأتي من فصول هذه الرسالة.

و لاكلام لنا في الدولة التغليبيّة أيضاً، إذ ما هي إلّاغلبة الشديد القويّ على الضعيف الواهي و اقتداره و صولته عليه، و ليست دولةً واقعيّةً صحيحةً. و هي حصيلة قاعدة:

«الحكم لمن غلب». و القاعدة لاريب في بطلانها و عدم جواز التمسّك بها في زعامة المجتمع و رئاستها.

و من الجدير بالذكر انّ هذا القسم من الدولة هو الّتي شاع عند أهل السنّة و الجماعة طوال القرون، إذ لو لم تُقبل الحكومة الإنتصابيّة فأكثر مايكون من الدولات هي الدولة

التغليبيّة؛ و هذا أمرٌ يشهد لصحّته صُراح التأريخ. فنركّز البحث على الدولة الإختياريّة.

الحكومة الإختياريّة

أشرنا فيما سبق إلى أنّ هذا القسم من أقسام الحكومة مع أخته - أي: الحكومة الإنتصابيّة - تمثّلا النوعين الرئيسيّين للدولة. و مخالفوا الحكومة الإنتصابيّة يميلون إليها، بل يدافعون عنها و يعدّوها الطريق الوحيد للدولة الصالحة.

و بما أنّنا لانقبل هذا القسم من الحكومة و لانخضع لها فعلينا أوّلاً أن نبيّن ما هي، ثمّ نبدي فحوصنا و انتقاداتنا حولها ليكون الطالب على بصيرةٍ من رأينا.

ما هي الحكومة الإختياريّة؟
اشارة

للحكومة الإختياريّة - و هي الّتي قامت على أساس الإنتخابات و الإختيارات العموميّة - ثلاث تقريرات جاء بكلّ واحدٍ منها جمعٌ من مدافعيها؛ و ببيانٍ آخر: انّ مدافعي هذا القسم من الحكومة و الّذين خضعوا لها قد أبدوا ثلاثة آراء حول ماهيّة هذه الدولة. و الآن نفصّل الكلام حول هذه الآراء و البلاغات.

البيان أو البلاغ الأوّل

هذا البيان قائمٌ على أساس الفصل بين الدين و الدولة، بمعنى انّ الناس و إن كانوا محتاجين إلى الدين ذوا الاقتضاء إليه و لكن يجب أن يُعلم أن لاارتباط بين الدين و الدولة؛ بل الدين أمرٌ يرتبط بحياة الإنسان في النشأة الأخرى، و هو الّذي يُريه طريق الفلاح و السعادة ليصل إلى كماله في تلك النشأة. أمّا النشأة الحاضرة و الحياة المادّيّة و ما إليها من الأمور - و منها الدولة والتسنين و الحكم -، فلايمكن أن يتكفّلها دينٌ و إن كان من الأديان

الإلهيّة. هذا كما انّه لايمكن أن يُرجىٰ و يُنتظر من العلوم البشريّة غير المأخوذة من الأنبياء و الرسل أن تتكفّل سعادة الإنسان في نشأته الأخرى. فالناس كما يعملون في تجاراتهم و استكشافهم الكرات المعلّقة في الجوّ على مقتضى عقولهم فعليهم أن يعملوا فيما يتعلّق بالدولة و الحكومة على مقتضاها من غير أن يحتاجون إلى الدين و الشريعة.

البيان أو البلاغ الثّاني

هذا البيان ليس على مستوى البيان الأوّل في التصريح بالفصل بين الدين و الدولة، و لكنّه قائمٌ على أساس التفويض؛ أي: انّ اللّه - سبحانه و تعالى - قد فوّض إلى الناس ما يتعلّق بحياتهم الدنياويّة، و لادخل له - تعالى - فيه.

و نظرية الخلافة و اقتراحها الّتي إليها ذهب أهل السنّة و الجماعة طوال القرون هي نفس تلك البلاغ في صورةٍ توافق آراء المتديّنين، إذ بناءً على نظرية الخلافة انّ اللّه - سبحانه و تعالى - لم يعيّن أحداً للقيام برئاسة المجتمع، بل فوّض إلى الناس أن يختاروا والٍ يولّي أمرهم و يرشدهم إلى كمالهم في جميع ما يرتبط بحياتهم في النشأة الأولى.

البيان أو البلاغ الثّالث

هذا البيان قائمٌ على أساس انّ لتشكّل الدولة مرحلتين و منزلين:

مرحلة الإنشاء و درجته؛

و مرحلة التنجّز و طوره. أي: انّ اللّه - سبحانه و تعالى - و إن جعل الدولة و الحكومة - أي: هي مجعولةٌ من قبله - و لكن هذا الجعل ليس إلّافي مرحلة الإنشاء. أمّا فعليّتها و تنجّزها فليس هي بجعل الشارع - تعالى -، بل مرحلة فعليّة الدولة ما تتمّ و لاتتكمّل إلّا

بالاختيارات و الإنتخابات العموميّة(1).

قال مدافعوا هذا البيان: على سبيل المثال إنّ اللّه - سبحانه و تعالى - جعل أميرالمؤمنين عليه السلام حاكماً على مجتمع المسلمين و ولايته مجعولةٌ من قبله، و لكن يُشترط في فعليّتها أن يختاره الناس للقيام بأمر الولاية. فجعله والياً لايرتبط بالناس، و لكن وقوفه في مسند الأمارة موقوفٌ على اختيارهم. و الكلام نفسه يجري في رئيس المجتمع حالياً، إذ لو فرضنا انّ اللّه - سبحانه و تعالى - جعل الفقيه حاكماً و وضعه في هذا المنصب لكن قيامه بأمر الأمارة موقوفٌ على اختيار الناس إيّاه، و ما لم ترفعه الاختيارات العموميّة إلى هذه المنزلة ليس له القيام بها.

هذه ثلاث تحريرات ذكرها مدافعوا هذا القسم من الدولة.

و الآن بعد بيان هذه التحريرات و الفراغ منه يجب علينا أن نذكر ما استدلّوا به لصحّة مذهبهم؛ ثمّ نبدي آراءنا حوله.



1) . «ولايت فقيه به مفهوم انشائى به معناى اين است كه بايد مردم از بين فقيهان بصيرترين و لايق ترين فرد را انتخاب كنند و ولايت و حاكميّت را به وى بدهند»؛ انظر: «ولايت فقيه يا حكومت صالحان» ص 50.

الأدلّة الّتي استُدلّت بها على صحّة الدولة الإختياريّة
اشارة

استدلّ الخاضعون للدولة الإختياريّة على صحّة مذهبهم بالأدلّة الأربعة الرائجة في فقه الشيعة الإماميّة؛ و هذا تفصيل كلامهم.

1 - القرآن الكريم
اشارة

استدلّوا بأربعة أصناف من آيات القرآن الكريم.

الصنف الأوّل: آيات البيعة
اشارة

و هذا الصنف يشتمل على آياتٍ ثلاثة:

الف: «إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ»(1)

ب: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِمْ وَ أَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً»(2)

ج: «إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَايُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً»(3).

قالوا هذه الآيات المباركات تعلن أنّ بيعة الناس لها مدخلٌ تامٌّ في دولة النبيّ صلى الله عليه و آله. و البيعة هي نفس ما يُطلق عليه اليوم «الإختيارات العموميّة»، فما صار النبيّ صلى الله عليه و آله حاكماً و والياً إلّابعد ما اختاره الناس و جعلوه في هذه المنزلة.

و لنا فيه نظرٌ:

إذ لادلالة فيها على ما ذهبوا إليه، بل هي تنفيه و تدلّ على خلافه، إذ تظهر من تلك


1) . كريمة 10 الفتح.

2) . كريمة 18 الفتح.

3) . كريمة 12 الممتحنة.

الآيات أن لاارتباط بين بيعة الناس و بين حكم النبيّ صلى الله عليه و آله و حكومته، لأنّ بيعة الرضوان انعقدت في وقعة الحديبيّة في السنة السادسة من الهجرة(1)، و كان النبيّ صلى الله عليه و آله يومئذٍ منذ ستّة سنوات قائماً على أمر الحكم و الدولة؛ فما معنى قولهم: البيعة صيّرته والياً؟.

نعم! المسلمون بايعوا النبيّ صلى الله عليه و آله على اصطحابه و مرافقته ماكونوا حيّاً. و كذلك بيعة النساء المؤمنات.

فهذه الآيات تدلّ على أن لادخل للبيعة في أمر الدولة.

الصنف الثّاني: آيات الشورىٰ‌
اشارة

و هذا الصنف يشتمل على آيتين:

الف: «وَ شَاوِرْهُمْ فِي الْأَمرِ فَإِذَا عَزَمتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ»(2)

ب: «وَ أَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَينَهُمْ»(3)- <a href="#ref-footnote4-page98" id="footnote4-page98" style="display:inline-block">(4).

قالوا: لفظة «الأمر» في الآية الأولى وردت بمعنى الحكومة، فالآية ناطقةٌ بأنّ الحكومة لاتستقيم إلّابالشورىٰ، فلاتستقرّ إلّاباختيار الناس.

ثمّ قالوا: و الآية الثّانية تدلّ على أنّ الحكم أمرٌ جُعِل على عاتق الناس، فاختيارهم تعيّنها لاانتصابه - سبحانه و تعالى -.

و لنا فيه نظران:

لم ترد قطّ لفظة «الأمر» في القرآن الكريم بمعنى الحكومة؛ و جميع ما ورد من هذا


1) . و انظر في ذلك: «الروض الأنف في شرح السيرة النبويّة» ج 7 ص 75، «تأريخ الطبريّ» ج 2 ص 632، «الكامل في التأريخ» ج 2 ص 202.

2) . كريمة 159 آل عمران.

3) . كريمة 38 الشورىٰ.

4) . و من غريب ما وقع هنا قول أعجوبة العصر السيّد الصدر رحمه الله، فانظر: الحلقة الرّابعة من حلقات «الإسلام يقود الحياة» ص 51، ثمّ «ولاية الأمر في عصر الغيبة» ص 161.

اللفظ فيه يدلّ على صحّة ما قلنا(1)

راجع: «معلّقة زهير» البيت 44. و لكن الكلام كلّه في أنّها لم ترد في القرآن الكريم بهذا المعنى، و الشاهد عليه قول المصنّفين في علم الوجوه، فانظر على سبيل المثال: «مفردات ألفاظ القرآن الكريم» ص 88 القائمة 1، «وجوه قرآن» - لحبيش التفليسيّ - ص 30.

. فعليهم أن يجيبوا لو سُئل: لماذا عنيتم بلفظ الأمرالحكومة؟، و لماذا ذهبتم إلى أنّ معناه الدولة؟.

و الثّاني: كأنّ هذا القائل لم يسمع قوله - تعالى - في ذيل الآية: «فَإِذَا عَزَمتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ»؛ إذ هذا الجزء من الآية - و هو الجزء المتمّم لها و لايمكن تفسيرها مع غضّ النظر عنه - يعلن انّ رأي الناس لادخل له في كيفيّة الأمر، بل الأمر موكولٌ إلى عزم النبيّ صلى الله عليه و آله و رأيه.

فلادلالة في هذا الصنف أيضاً على مذهبهم؛ بل الآية الثّانية تخالفه بوضوحٍ‌(2)

الف: سياق الإية، و هو: «فَبَِما رَحمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَ لَو كُنتَ» -... إلى آخره -، و هو يشهد لأنّ هذا أمرٌ استحبابيٌّ لا ارتباط بينه و بين أمر الحكم و الحكومة؛ قال الشافعيّ: «هو كقوله: و البكر تُستأمر، تطيّباً لقلبها لا انّه واجبٌ»؛ راجع: «تفسير القرطبيّ» ج 4 ص 250.

ب: قراءة ابن عبّاس: «في بعض الأمر» بدل: «فِي الْأَمرِ»؛ راجع: «البحر المحيط» ج 3 ص 99، «تفسير القرطبيّ» ج 4 ص 250، «المحتسب» - لابن جنّيّ - ج 1 ص 175.

ت: قول النيشابوريّ حيث قال: «قال الكلبيّ و كثيرٌ من العلماء: انّ الأمر بها مخصوصٌ بالحرب، لأنّ اللام في لفظ «الأَمر» ليس للاستغراق، لخروج ما نزل فيه بالوحي بالاتّفاق، فهو إذن لمعهودٍ سابقٍ، و ليس ذلك إلّاما جرى من أمر الحرب في قصّة أحد»؛ راجع: «غرائب القرآن و رغائب الفرقان» ج 1 ص 860. و قال العلّامة أبوالسعود العماديّ: ««وَ شَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» أي: في أمر الحرب، إذ هو المعهود، أو فيه و في أمثاله ممّا تجري فيه المشاورة عادةً»؛ راجع: «تفسير أبي السعود» ج 2 ص 105.

ث: قراءة جابر بن زيد و عكرمة و أبي نهيك و هي منسوبةٌ في بعض المصادر إلى سيّدنا جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام أيضاً: «عَزَمتُ» بدل: «عَزَمتَ»؛ راجع: «البحر المحيط» ج 3 ص 99، «تفسير القرطبيّ» ج 4 ص 252، «المحتسب» ج 1 ص 176.


1) . وردت هذه اللفظة في كلام العرب كثيراً بمعنى الحكم و الحكومة؛ قال زهير: لِحَيٍّ حِلَالٍ يَعصِمُ النَّاسَ أَمرُهُمْ إِذَا طَرَقَتْ إِحدَى اللَّيَالِي بِمُعظَمِ

2) . و تؤيّد قول الأستاذ - حفظه اللّه - أمورٌ:

الصنف الثّالث: الآيات الّتي تبيّن منزلة الإنسان و مكانته
اشارة

و هذا الصنف أيضاً يشتمل على آيتين:

الف: «وَ لَقَدْ كَتَبنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعدِ الذِّكرِ أَنَّ الْأَرضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ»(1)

ب: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً»(2).

قالوا: الآيتان تدلّان على أنّ الإنسان هو خليفة اللّه - سبحانه و تعالى - في الأرض، و ما معنى للخلافة إلّاالمالكيّة و الإختيار البالغ الكامل. فالناس مختارون فيما يرجع إليهم، و منه الدولة و الحكومة و كيفيّتها. فوكّل اللّه أمر الحكم إلى الناس كما وكّل إليهم غيره من أمورهم.

و لنا فيه نظرٌ:

إذ هاتان الآيتان و ما يشبههما من الآيات تدلّ على مرتبة الإنسان الروحانيّة، و تشير إلى أنّه هو الَمجلَى التامّ و المَظهَر الكامل لتجلّيه - سبحانه و تعالى - و ظهوره؛ فهو الُمجلِي و الظاهر و الإنسان الَمجلَى و المَظهَر. و لا دلالة فيها بوجهٍ على أنّ الإنسان له الاختيار فيما يرجع إليه و يتعلّق به حتّى يُستدلّ بها على أنّ تعيين الوالي فُوّض إليهم حتّى يختاروه و يجعلوا أمرهم تحت يده.

الصنف الرّابع: الآيات الّتي خاطبت الناس فيما يرتبط بالمجتمع
اشارة

و هذا الصنف يشتمل على ثلاثة آيات:

الف: «وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعتُمْ مِنْ قُوَّةٍ»(3)


1) . كريمة 105 الأنبياء.

2) . كريمة 30 البقرة.

3) . كريمة 60 الأنفال.

ب: «الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ»(1)

ج: «السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا»(2).

قالوا: خاطب القرآن الكريم عموم الناس فيما يرجع إلى المجتمع و أموره،

فمن ناحيةٍ جميع الناس قد خوطبوا في تلك الآيات؛

و من ناحيةٍ أخرى لايمكن للجميع القيام بهذه الأمور، إذ لايمكن لآحاد الناس القيام بأمر إعداد القوّة و جلد الزاني و الزانية و قطع أيدي السارق و السارقة، إذ هذا القيام ينجرّ إلى الهَرَج و الإضطراب. قالوا: فعليهم أن يختاروا حكومةً و والٍ ليولّى ما خوطبوا و أُمروا به. فتلك الآيات تدلّ على أنّ أمر اختيار الحكومة و كيفيّتها مفوّضٌ من قبل اللّه - سبحانه و تعالى - إلى ساكني المجتمع.

و لنا فيه نظرٌ:

إذ هذه الآيات نزلت لتبيّن وظائف الدولة الإسلاميّة، و قد خاطب اللّه - سبحانه و تعالى - فيها عموم الناس لأنّهم أيادي الدولة، و لايتمكّن الحكومة من أداء وظيفتها و نَفاذ ما فرض عليها إلّابمساعدةٍ و مظاهرةٍ منهم. و هذا كما في قوله - سبحانه و تعالى -: «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ»(3)حيث خاطب اللّه - سبحانه و تعالى - فيه نبيّه صلى الله عليه و آله و الحال انّ الخطاب راجعٌ إلى عموم الناس.

فالقرآن الكريم تارةً يخاطب أهل المجتمع و يريد به رئيسه، و تارةً يخاطب رئيس المجتمع و يريد به أهاليه. و السرّ في هذا الخطاب ما أشرنا إليه من كون الناس أيادي الدولة.


1) . كريمة 2 النور.

2) . كريمة 38 المائدة.

3) . كريمة 65 الزمر.

2 - السنّة الشريفة
اشارة

أشرنا فيما سبق إلى أنّ الّذين خضعوا للدولة الإختياريّة و اختاروها تمسّكوا لصحّتها بالأدلة الأربعة. و الآن بعد الفراغ من بيان استدلالهم بالآيات المباركات و إبداء ما لنا من الأنظار حوله، نبيّن ما استدلّوا به من السنّة الشريفة.

فنقول: انّهم استدلّوا بالرسالة السادسة من رسائل نهج البلاغة، و ذهبوا إلى أنّها تشهد بأنّ أميرالمؤمنين عليه السلام كان يرى دولته قائمةً على أساس اختيار الناس، لا على أساس الإنتصاب من قبل اللّه - سبحانه و تعالى -. إليك نصّ الرسالة الشريفة:

«إنّه بايعني القوم الّذين بايعوا أبابكرٍ و عمر و عثمان على ما بايعوهم عليه.

فلم يكن للشاهد أن يختار و لاللغائب أن يَرُدَّ. و إنّ الشورىٰ للمهاجرين و الأنصار، فإن اجتمعوا على رجلٍ و سمّوه إماماً كان ذلك لله رضىً. فإن خرج عن أمرهم خارجٌ بطعنٍ أو بدعةٍ رُدّوه إلى ما خرج منه، فإن أبىٰ قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين و ولّاه اللّه ما تولّى»(1).

قالوا: كما يلوح من هذه الرسالة الشريفة، انّ أميرالمؤمنين عليه السلام حينما أراد أن يستدلّ على قانونيّة ولايته و شرعيّتها، تمسّك بآراء الناس و اختيارهم إيّاه(2).

و قوله عليه السلام: «فإن اجتمعوا على رجلٍ و سمّوه إماماً كان ذلك للّه رضىً» يدلّ على أنّ اللّه - سبحانه و تعالى - قد فوّض إلى الناس أمر اختيار الوالي و انتخابه؛ فكان أميرالمؤمنين عليه السلام قائلاً بالدولة الاختياريّة الّتي اختارها الناس و جعلوها في تلك المكانة


1) . راجع: «نهج البلاغة» الكتاب 6 ص 366.

2) . و هذا قول المعتزلة لا قول الإماميّة، قال ابن أبي الحديد: «و اعلم! انّ هذا الفصل دالٌّ بصريحه على كون الاختيار طريقاً إلى الإمامة، كما يذكره المتكلّمون، لأنّه احتجّ على معاوية ببيعة أهل الحلّ و العقد له»؛ راجع: «شرح ابن أبي الحديد» ج 14 ص 35.

الرفيعة، لا بالدولة الإنتصابيّة المنصوبة من قبل اللّه - سبحانه و تعالى -(1).

و لنا فيه نظران

بهما يتمّ المطلوب من بيان ضعف قولهم هذا؛

النظر الأوّل: انّ الرسالة تدلّ على أنّ أبابكرٍ و عمر قاما في مقام الخلافة و رئاسة المجتمع باختيار الناس و انتخابهم. لكن من الواضح الّذي لايُشكّ فيه انّ حاضري السقيفة و منتخِبي أبي بكرٍ لم يبلغ عددهم حدّ الأصابع(2)و عمر أيضاً ما نال هذا المقام إلّاباستخلافه أبوبكرٍ(3)، فرئاستهما ما كانت باختيار الناس!.

النظر الثّاني: ظهور هذه الرسالة يدلّ على أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام كان خاضعاً لخلافة الشيخين، على أنّ خلافتهما و خلافة من ثلّثهما ما كانت إلّامخالفةً لصريح الحقّ الواضح الّذي جاء به النبيّ صلى الله عليه و آله في وقعة الغدير على رؤوس الأشهاد، و في وقائع غيرها. و هذا من المجمع عليه بين الإماميّة و من الثابت في أصولهم الكلاميّة.

فالظاهر عدم جواز الإعتماد على ظهور ألفاظ الرسالة، إذ لامعنى للقول بأنّ أميرالمؤمنين عليه السلام قد أمضى خلافة الثلاثة في هذه الرسالة و حكم بصحّتها؛ بل الّذي لاريب فيه - جمعاً بينها و بين غيرها من كلماته عليه السلام -: انّ هذه الرسالة ما كانت إلّامطابقةً لمباني مدرسة الخلفاء الكلاميّة، فاستفاد أميرالمؤمنين عليه السلام من هذه المباني للإحتجاج على معاوية الّذي كان من مدافعي تلك المدرسة من ناحيةٍ، و من مخالفي أميرالمؤمنين عليه السلام و منكري خلافته من ناحيةٍ أخرى. فالحاكم على الرسالة هي المجادلة مع الخصم بما يُسكته، لاتبيين آرائه عليه السلام في أمر الخلافة و رئاسة المجتمع(4).


1) . و انظر أيضاً: «دراسات في ولاية الفقيه» ج 1 ص 510.

2) . و انظر في أمر السقيفة: «الكامل في التأريخ» ج 2 ص 326، «تأريخ الطبريّ» ج 2 ص 456، «القرآن الكريم و روايات المدرستين» ج 2 ص 359.

3) . راجع: المصدر الأخير المذكور في التعليقة السالفة ص 376.

4) . و يؤيّد قول الأستاذ - حفظه اللّه - قول ابن أبي الحديد حيث قال: «فأمّا الإماميّة فتحمل هذا -

فلاظهور لهذه الرسالة على ما استفادوا منها(1).

نعم! له عليه السلام خطب و رسائل يعلن فيها آراءه و يبدي أنظاره حول خلافة من استخلف قبله عليه السلام. و تلك الخطب هي الحجّة في الباب، لا الرسالة الّتي خاطب بها أميرالمؤمنين عليه السلام أشدّ أعدائه و منكريه.

و من تلك الخطب الخطبة الشقشقيّة، و لابأس بنا لو زيّنا و وشّحنا هذه الدراسات بذكرها، لأنّ دلالتها على ما قلنا في غاية الوضوح.

روى السيّد السنّد الرضيّ رحمه الله:

«أمَا و اللّه لقد تقمّصها فلانٌ و إنَّه ليعلم أنَّ محلّي منها محلّ القطب من الرَحا.

ينحدر عنّي السيل و لايرقىٰ إليَّ الطير. فسدلت دونها ثوباً، و طويت عنها كشحاًو طفقت أَرتَئِي بين أن أَصُولَ بيدٍ جذّاء، أو أصبر على طَخْيَةٍ عَمياء، يَهرَم فيها الكبير و يشيب فيها الصغير، و يكدح فيها مؤمنٌ حتّى يلقى ربّه.

فرأيت الصبر على هاتا أحجىٰ، فصبرت و في العين قذىٰ و في الحلق شجاً، أرى تراثي نهْباً حتّى مضى الأوّل لسبيله، فأدلىٰ بها إلى فلانٍ بعده - ثمّ تمثّل بقول الأعشىٰ -:

شَتَّانَ مَا يَومِي عَلَى كُورِهَا *** وَ يَومُ حَيَّانَ أَخِي جَابِرِ


1) . و انظر أيضاٌ: مقال «نظريه زمامدارگمارى توده اى» للشيخ علي اكبر الرشاد في مجلة «كتاب نقد» الرقم 7 ص 83.

فيا عجباً! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته - لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرعَيهَا! -. فصيّرها في حوزةٍ خشناء يغلُظُ كَلْمُهَا و يخشُن مسُّها و يكثر العِثار فيها و الإعتذار منها. فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم، و إن أسلس لها تقحّم. فمُنِيَ الناس - لَعَمرُ اللّهِ - بخبطٍ و شماسٍ و تلوّنٍ و اعتراضٍ. فصبرت على طول المدّة و شدّة المحنة. حتّى إذا مضىٰ لسبيله جعلها في جماعةٍ زعم أنّي أحدهم، فيا لَلّه و يا لِلشورى!، متى اعترض الريب فيَّ مع الأوّل منهم حتّى صرت أُقرَنُ إلى هذه النظائر؟!. لكنّي أسففت إذا أسفُّوا و طرت إذ طاروا، فصغا رجلٌ منهم لِضِغنِهِ و مال الآخرُ لصِهرِه مع هنٍ و هَنٍ.

إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حِضنَيه بين نَثِيلِه و مُعتَلَفِه، و قام معه بَنُو أبيِه يَخضَمُونَ مالَ اللّهِ خِضمةَ الإِبل نِبتةَ الربيعِ، إلى أن انتكث عليه فَتلُهُ، و أجهَزَ عليه عملُه و كَبَتْ به بطنُه. فما راعني إلّاو الناس إليَّ كعُرْفِ الضَّبُع يَنثَالونَ عليَّ مِن كلّ جانِبٍ حتّى لقَد وُطِىءَ الحسنانِ وَ شُقَّ عِطفايَ، مجتمعين حولِي كرَبِيضة الغنمِ. فلمَّا نَهضتُ بِالأمرِ نَكثَت طائفةٌ و مَرقت أخرىٰ و فسق آخرون، كأنّهم لم يسمعوا اللّه - سبحانه - يقول: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجعَلُهَا لِلَّذِينَ لَايُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرضِ وَ لَافَسَاداً وَ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»(1). بلىٰ! و اللّه لقد سمِعوها و وعوها، و لكنّهم حَلِيَتِ الدُّنيا في أعينهم و راقَهُم زِبرِجُهَا.

أمَا و الّذي فلق الحبّة و برأ النَّسَمَة لولا حضورُ الحاضرِ و قيامُ الحجّةِ بوجودِ النَّاصرِ و ما أخذَ اللّهُ عَلَى العلماءِ أَلَّا يُقَارُّوا على كِظَّة ظالمٍ و لاسَغَبِ مظلومٍ، لأَلقيتُ حَبلَها علَى غارِبِها وَ لَسقَيتُ آخِرَهَا بكأسِ أوّلها، و لأَلفَيتم دنيَاكُم


1) . كريمة 83 القصص.

هذه أزهدَ عندِي مِن عَفطَة عَنزٍ»(1).

3 - العقل
اشارة

قد تُمسّك لصحّة الدولة الاختياريّة بالعقل أيضاً. فانّ مدافعي هذا القسم من الحكومة و مناضليه ذهبوا إلى انّ العقل بقسميه النظريّ و العمليّ يدلّ على صحّة مذهبهم.

و نحن نذكر أوّلاً كيفيّة تمسّكهم بالقسمين و استدلالهم بهما، ثمّ نذكر ما يختلج بالبال حوله.

بيان كيفيّة الاستدلال بالعقل النظريّ‌

قالوا: العقل النظريّ‌(2)يدلّ على صحّة الدولة الاختياريّة. و بيان دلالته: لاريب في أنّ أمر المجتمع من غير وجود الدولة و الحكومة ينجرّ إلى الهَرَج و الإضطراب - إذ لايستقيم أمر المجتمع بدونها -، و من الواجب على أهل المجتمع أن يمنعوا و يردعوا من فساده و اضطرابه؛ فيجب بحكم العقل أن يختاروا والياً لينتظم أمرهم و ينهى مجتمعهم عن الزوال و الدثور.

بيان كيفيّة الاستدلال بالعقل العمليّ‌

قالوا: العقل العمليّ‌(3)أيضاً يدلّ على صحّتها. و بيان دلالته: انّ قاعدة تسلّط الناس على أموالهم و أنفسهم قضت بولاية الناس على ما يتعلّق بهم من الأموال و الأنفس، ثمّ حكمت


1) . راجع: «نهج البلاغة» الخطبة 2 ص 48.

2) . و انظر في توضيح هذا القسم من العقل: «المعتبر في الحكمة» ج 2 ص 311، «مفاتيح الغيب» - لصدر المتألّهين - ص 517، «الشواهد الربوبيّة» ص 202، «شرح المنظومة» ص 310، «التحصيل» ص 789.

3) . و انظر في توضيح هذا القسم أيضاً: «شرح المنظومة» ص 310، «التحصيل» ص 789، «حاشية الباغنويّ على المحاكمات» ص 245، «مفاتيح الغيب» ص 523.

بأنّ لهم أن يختاروا مَن يحفظ ما يرتبط بهم؛ و هو الّذي يسمّى الحاكم و الوالي؛ فالحاكم وكيلٌ من قبلهم في حفظ الأموال و الأنفس.

و ببيانٍ آخر: يحكم العقل العمليّ بوجوب اختيار الناس مَن يكون وكيلاً من قبلهم في المحافظة عن أموالهم و أنفسهم. فالولاية مختارةٌ من قبلهم؛ و هذا معنى صحّة الدولة الاختياريّة بحكم العقل العمليّ.

و لنا في التقريرين أنظار،

إذ كلاهما قابلٌ للردّ و النقد من جهاتٍ:

الجهة الأولىٰ: على هذين التقريرين وجوب إقامة الدولة يكون من الأحكام الثانويّة، أي: لم تجب إقامتها إلّاصيانةً للمجتمع عن الدثور و الإضمحلال؛ و لكن على مذهب الدولة الإنتصابيّة فانّ إقامة الحكم من الأحكام الأوّليّة، أي: يفوّض اللّه - سبحانه و تعالى - ماله من الولاية إلى مَن له هذه المكانة، و ليس هذا من الأحكام الثانويّة في شيءٍ؛ و شتّان ما بين الرأيين من الفرق!.

الجهة الثّانية: انّ الدليلين لايطابق مدّعاهما، بل هما أخصّ منه.

و بيانه: لاريب في أنّ العقل بقسميه النظريّ و العمليّ يحكم بوجوب إقامة الحكم في كلّ مجتمعٍ، إذ هي من ضروريّات و جِهاز حياة الإنسان الجماعيّة؛ هذا ممّا لاريب فيه و لاشكّ يعتريه. ولكن كلّ الكلام في أنّ العقلين لايحكمان بأزيد من هذا، فلايحكمان بوجوب كون الحكم اختياريّاً و الدولة انتخابيّةً.

فهما يحكمان بضرورة إقامة الحكم، أمّا كيفيّة هذا الحكم و وجوب إقامته من قبل الناس فلادلالة فيهما عليه.

فالدليل أخصّ من المدّعى.

و الكلام الأخير: لوفرضنا انّ للعقل هذه الدلالة فلايمكننا الإعتماد عليها أيضاً، إذ هذا

الدليل مخصَّصٌ بما ورد في الذكر الحكيم، كقوله - سبحانه و تعالى -: «فَاللَّهُ هُوَ الوَلِيُّ»(1).

فحكم العقل - على فرض ثبوته - يُخصَّص به؛ فلاإطلاق فيه.

4 - الإجماع
اشارة

تمسّك المدافعون عن الحكومة الاختياريّة - دفاعاً عمّا ذهبوا إليه - بسيرة العقلاء، إذ لم يجدوا المسلمين مجمِعين على رأيهم فتمسّكوا بسيرة العقلاء بدلاً عن الإجماع.

قالوا: انّ السيرة المستمرّة تدلّ على اختيار الناس أميراً للأمارة

و لنا فيه نظرٌ:

إذ هذا العرْض يقوم على أساس تحريف السيرة المعصوميّة، بل على الخلاف و التضادّ الظاهر معها. فسيرة أميرالمؤمنين عليه السلام قبال الخلفاء و سيرة سيّدنا المجتبى عليه السلام قبال معاوية و سيرة سيّدالشهداء عليه السلام قبال يزيد و ما روي عن غيرهم من أهل بيت العصمة و الطهارة عليهم السلام يدلّ على عدم خضوعهم للدولة الاختياريّة؛ فيدلّ على مخالفتهم لهذه السيرة المفروضة.

فهذه السيرة المدّعاة بمكانٍ من البطلان، فالصفح عن الكلام حولها أولىٰ من التفوّه بها و جرحها و تضييفها.


هذا جميع ما تمسّك به مدافعوا الدولة الانتخابيّة. و قد رأينا أنّهم تمسّكوا بالأدلة الأربعة؛ و بما أبدينا حولها ظهر بطلان ما استدلّوا به و عدم جواز الاعتماد عليه. فهذه الأطروحة


1) . كريمة 9 الشورىٰ.

ليست عندنا بشيءٍ، بل ضعفها و سَخَافتها لايحتاج إلى مزيدٍ من البيان.


اشكالاتٌ على نظريّة الدّولة الإختياريّة
اشارة

إضافةً على ذلك لنا إثنىٰ عشر نظراً بل إشكالاً في هذه النظريّة و الأطروحة، و لوثبتت الإشكالات و وقعت موقع القبول - و لو واحدٌ منها - فلايمكن الدفاع عن هذه النظريّة، بل يجب الإنصراف عنها و الذهاب إلى ما يقابلها.

و هنا نأتي بهذه الإشكالات مع مراعاة الإختصار حذراً عن التطويل.

1 - الإشكال الأوّل:

القول بالدولة الاختياريّة يساوي نفيها، لأنّه لم توجد دولةٌ يختارها جميع الناس، بل في كلّ حكومةٍ مَن يرفضها و لم يقبلها. فالدولة الاختياريّة لم تتحقّق بعدُ!.

2 - الإشكال الثّاني:

قلنا في الإشكال السابق انّ في كلّ حكومةٍ يوجد قسطاً من أهالي المجتمع لايقبلونها و لايخضعون لحكمها. فالآن نقول: فما هو الدليل على وجوب قبول أحكامها و ما يصدر منها من قبلهم؟. إذ المناوىء الكاره لايختار تلك الحكومة، فليست هي مختارةً من قبله حتّى تكون وكيلاً عنه في ما يرجع إليه.

و مدافعوا الدولة الاختياريّة يتمسّكون في المقام بأطروحة الإلتزام، و يقولون: لو اختار جمعٌ بالغٌ من الناس دولةً فيجب على الباقين التسليم لحكمها و الإقرار بها، فاختيار الفئة الغالبة يدلّ على قانونيّة الدولة و شرعيّتها.

و لكن نقول: في هذه الأطروحة أيضاً مجالٌ واسعٌ للنظر؛ و نكتفي باثنين منها:

الأوّل: هذا الالتزام لايكون إلّامن باب العناوين الثانويّة لا اختيار الدولة و انتخابها حقيقةً، و هذا ينافي أصل الاختيار.

الثّاني: انّ الالتزام لاينفع إلّافي المحاورات العلميّة التئوريكيّة، أمّا في الواقع و عالم الخارج فلاينفع قطّ. و لذا نرى انّ المحاربة و التدافع قائمةٌ دائماً بين الأحزاب و الجمعيّات من ناحيةٍ و بين الدول من ناحيةٍ أخرىٰ في جميع العالم و تمامه. فهذه الأطروحة ينفع في القول فقط لا في العمل!.

3 - الإشكال الثّالث:

لو فرضنا انّ أطروحة الالتزام و ما شابهها من النظريّات حتّمت على كارهي الدولة الخضوع لحكمها و لكن ما هو المسوّق و السبب المجيز لتصرّفات الدولة فيما يتعلّق باللّه - سبحانه و تعالى - و رسوله صلى الله عليه و آله و الإمام عليه السلام؟، إذ قوله - سبحانه و تعالى -:

«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ»(1)

يُعلن انّه لايجوز أن يتصرّف أحدٌ في الأنفال إلّابإذنٍ من مالكيه؛ و من الأنفال الأراضي و المعادن. فكلّ دولةٍ اختياريّةٍ يتصرّف في الأراضي و المعادن و غيرها من مصاديق الأنفال يُعدّ غاصباً.

و لايمكن الحكم و تنسيق ما يتعلّق بالمجتمع و ترتيبه إلّابالتصرّف فيها، فكلّ دولةٍ اختياريّةٍ غاصبٌ لما لايجوز لها التصرّف فيه.

4 - الإشكال الرّابع:

بما انّ الدولة الأمويّة - و غيرها من الدول من زمن العبّاسيّين إلى عصرنا الحاضر -


1) . كريمة 1 الأنفال.

كانت دولةً مختارةً من قبل الناس(1)فيجب أن يكون جميع تصرّفات أهل البيت عليهم السلام - كتعيينهم القضاة و الوكلاء و... - غصباً مخالفاً للحقّ الواقع، و كذلك تصرّفات فقهائنا من زمن المفيد إلى زمننا - رحمهم اللّه جميعاً -. و من الواضح الّذي لايحتاج إلى مزيدٍ من البيان انّ هذا القول لايستقيم إلّاعلى مباني أهل السنّة و الجماعة، أمّا الشيعة الإماميّة فكانت ترفضه طوال القرون؛ فهذا القول لايوافق مبانيها.

5 - الإشكال الخامس:

من القواعد الواضحة الّتي سجّلتها ثقافة القرآن الكريم قاعدة ثبوت الولاية للأنبياء عليهم السلام من قبل اللّه - سبحانه و تعالى -، أي: كلّ نبيٍّ كان حاكماً على مجتمعه و هذا الحكم كان مفوّضاً إليه من قبل مرسله - تعالى -، قال - سبحانه و تعالى -:

«لَقَدْ أَرسَلنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنزَلنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسطِ»(2)

و نرى انّهم عليهم السلام ما كانوا يخضعون للدولة الحاكمة على مجتمعاتهم و إنْ كانت مختارةً من قبل الناس. فعدّهم أنفسهم والياً على المجتمع يخالف هذا القول جملةً و تفصيلاً.

6 - الإشكال السّادس:

لوكانت الدولة و القيام بها بيد المعصوم و من نصبه لهذا الأمر - كالمجتهد الجامع


1) . و في هذا الكلام نظرٌ واضحٌ، إذ الدولة العباسيّة و الأمويّة و أشباهها كانت أشبه بالدولة التغليبيّة من الدولة الاختياريّة، كما سلف من كلام الأستاذ - حفظه اللّه - في مبتدء مبحث «أجناس الحكومة و الدولة و أنواعها».

2) . كريمة 25 الحديد.

للشرائط - فلاريب في أنّ هذه الدولة تسير على الصراط المستقيم. و لكن لوكان الوالي ممّن ينتخبه الناس - و لايلزم أن يكون فقيهاً - فمن الممكن جدّاً وقوع الإنحراف في مسيرها؛ و أقلّ مضرّاته تبديل الأحكام و تغييرها أو امّحائها و اندراسها.

7 - الإشكال السّابع:

لايخفى ما للحكم من القيمة و المكانة لارتباطه بحياة الناس في كلّ الآنات و اللحظات. و أحاديث أهل البيت عليهم السلام تتكفّل لبيان ما يحتاجوا إليه في حياتهم، فكان من الواجب أن يُذكر هذا القسم من الدولة فيما يُروى عنهم عليهم السلام. و لكن لانجد ما يؤيّده فيه، بل لانجد له ذكراً و لاأثراً في مجاميعنا الروائيّة. و لهذا نرى انّ الدولة الاختياريّة لاتوافق ارتكاز الشيعة الإماميّة طوال القرون؛ أي: ليس من المرتكز في أذهان الشيعة القول بصحّة هذا القسم من الحكم؛ و لايخفى ما للارتكاز من القيمة في أمثال الباب.

8 - الإشكال الثامن:

قلنا في الإشكال السابق انّ الدولة الانتخابيّة لاتوافق ارتكاز الشيعة الإماميّة؛ و الآن نزيد و نقول: بل انّها تخالفه، إذ من الأصول المثبتة عندهم أصل الإمامة و الولاية و بقاؤها من زمن أميرالمؤمنين عليه السلام إلى مبتدء عصر الغيبة، و من مبتدء عصر الغيبة إلى زمن ظهور الحجّة عليه السلام، و من زمن ظهوره عليه السلام إلى قيام القيامة. و القول بأصل الإمامة في زمن الغيبة يساوي القول بكون رئاسة المجتمع مختصّةً بنوّاب الحجّة عليه السلام الخاصّة و العامّة؛ و على هذا الاختصاص أجمعت الإماميّة طوال القرون. فإجماعهم العمليّ على ثبوت الولاية للنوّاب

العامّة - و هم الفقهاء - أدلّ دليلٍ على صحّة الدولة الانتصابيّة و عدم صحّة ما يقابلها من أقسام الدول.

9 - الإشكال التّاسع:

قلنا فيما سبق من هذه الرسالة انّ من الأصول المثبتة عند الشارع و عقلاء العالم في جميع الأمصار و الأعصار أصل عدم ثبوت السلطة لأحدٍ على أحدٍ، أي: ليس لأحدٍ أن يسلّط نفسه على غيره. و الآن نقول: انّ هذا الأصل يخالف الدولة الاختياريّة، أمّا بالنسبة إلى الدولة الانتصابيّة فوردت على هذا الأصل مخصِّصات كقوله - تعالى -: «لَهُ مُلكُ السَّمَوَاتِ وَ الْأَرضِ»(1)، فخرج اللّه - سبحانه و تعالى - و مَن استخلفه و استولاه من هذه القاعدة الأوّليّة. فالأصل يخالف الدولة الاختياريّة بينما لاخلاف له بالنسبة إلى الدولة الانتصابيّة.

10 - الإشكال العاشر:

الدولة الاختياريّة تنافي توحّد اللّه - سبحانه و تعالى - في ربوبيّته و التوحيد في التشريع، و لاسنخيّة بينهما، إذ لاحكم و لاتقنين إلّاللّه - سبحانه و تعالى - وحده. أمّا في الدول الاختياريّة فليس التقنين بيد اللّه - تعالى -، بل لإجماع أهل المجتمع قسطٌ في وضع القوانين، بل هو الأصل فيه.

و هذا الإشكال يتأكّد عليه العرفاء و الأخلاقيّون، منهم سيّدنا الأستاذ العلّامة


1) . تكرّرت هذه الكريمة عشر مرّات في القرآن الكريم، فانظر على سبيل المثال: 107 البقرة.

الطباطبائيّ رحمه الله(1).

11 - الإشكال الحادي عشر:

ما معنى للدولة الاختياريّة إلّاقبول رأي السواد الأعظم و الأكثريّة و الخضوع له، و لايجوز هذا إلّاعلى القول باستطاعة السواد لاختيار مَن يصلح للقيام بالأمارة. و الحال انّ ثقافة القرآن الكريم تسجّل على أنّ عموم ساكني المجتمع لايستطيعون أن يختاروا مَن هو الأصلح للقيام بهذه المهمّة.

و عدم استطاعتهم هذا ينشأ من أمورٍ، كتبعيّتهم عن الغير بسبب الدِعايات الانتخابيّة و الإعلانات؛ قال - سبحانه و تعالى -:

«وَ لَقَدْ صَرَّفنَاهُ بَينَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً»(2)

«لَقَدْ جِئنَاكُمْ بِالحَقِّ وَ لَكِنَّ أَكثَرَكُمْ لِلحَقِّ كَارِهُونَ»(3)

«وَ لَكِنَّ أَكثَرَهُمْ يَجهَلُونَ»(4).

و كم لها من نظيرٍ في هذا الكتاب الكريم.


1) . الظاهر انّه إشارةٌ إلى قول السيّد العلّامة الطباطبائيّ رحمه الله حيث قال: «و نظريّة التوحيد الّتي يبني عليها القرآن الشريف بنيان معارفه لمّا كانت تثبت حقيقة التأثير في الوجود للّه - سبحانه - وحده لا شريك له... و بالجملة لمّا كان التأثير له - تعالى - كان الحكم الّذي هو نوعٌ من التأثير و الجعل له - تعالى -... و لو كان لغيره - تعالى - حكمٌ لكان له أن يعقّب حكمه و يعارض مشيّته»؛ راجع: «الميزان» ج 7 ص 117.

2) . كريمة 50 الفرقان.

3) . كريمة 78 الزخرف.

4) . كريمة 111 الأنعام.

و لانعني بهذا الترديد في خبرويّة الناس فيما يرجع إليهم و علمهم بالوقائع و كونهم على بيّنةٍ من أمورهم، و لكن نقول: هذه المسألة - بما لها من الأهمّيّة البالغة - لايمكن الرجوع فيها إلى الاقتراح العامّ و الآراء العموميّة.

12 - الإشكال الثّاني عشر:

هذا الإشكال مبنيٌّ على الإشكال السابق و متمّمٌ له. و هو: لاريب في أنّ الناس في كثيرٍ من أعمالهم و أفعالهم اليوميّة يتّبعون قاعدة المنابهة و المحاكاة، أي: التبعيّة عن الغير من غير علمٍ بسبب فعله و علّة عمله.

و في هذا الباب يتمثّل علماء علم النفس و السيكولوجيا غالباً بمتابعة الشياة بعضهم عن بعضٍ، فلو فرضنا انّ فصلاً و رادعاً نُصب في طريق قطيعٍ أو رعيلٍ من الشياة بحيث تلجأ الشياة الأولىٰ إلى الخامسة إلى القَفْر و الوَثْب ثمّ رُفع هذا الرادع بحيث يمكن لباقي الشياة السير من غير وثْبٍ، نرى الباقي يسيرون كما سار الأوّلون؛ أي: كلّ واحدٍ من الشياة إذا وصل إلى موضع الفصل و أراد أن يجوز منه يَثِب من هذا الموضع من غير وجود فصلٍ و رادعٍ؛ و هذا ما يسمّوه قاعدة المنابهة و المحاكاة.

و كثيرٌ من الناس في كثيرٍ من أفعالهم يتّبعون هذه القاعدة، و هذا أمرٌ يشهد لصحّته الإحصاء. فلواختار أحدٌ مجتمعاً احصائيّا و قام بدراسة ما يعمله الناس و البحث عنه في يومٍ واحدٍ يرى أنّ كثيراً من أعمالهم لاسبب له إلّاالتبعيّة عن الغير؛ فكيف يمكن الركون إلى آرائهم و الخصوع لها؟!

هذا هو الإشكال الثّاني عشر، و به تتمّ الإشكالات الإثني عشر الّتي قلنا بورودها على مختار البعض في مسألة كيفيّة الدولة و الحكم.

و لو ورد واحدٌ من هذه الإشكالات على مختارهم فقط ليجب عليهم الإقرار ببطلانه و الرجوع عنه. و الأمر إلى القارىء الكريم.


المقدّمة الثّامنة أنواع الولاية و أجناسها في فقه الشيعة الإماميّة

اشارة

سبقت فيما مضى الإشارة إلى أنّ قاعدة عدم تسلّط أحدٍ على أحدٍ هي من القواعد المقرّرة في فقه الإماميّة؛ و قلنا هناك: بناءً على هذه القاعدة لا ولاية لأحدٍ على أحدٍ، بل الولاية كلّها للّه - سبحانه و تعالى -. و هي منتفيةٌ من غيره - تعالى - و مثبتةٌ في حقّه.

لكن توجد في فقهنا موارد تخصّص هذه القاعدة، و هي مجمعٌ عليها عند جميع فقهائنا. و الآن نذكر فهرساً و ثبَتاً يشمل تلك الموارد، و هي تبلغ اثني عشر مورداً.

و السرّ في إيراد هذا الثبت كسر سورة ثبوت الولاية لأحدٍ على غيره، إذ استغربه بعضهم قائلاً: هذا يخالف العقل و الشرع؛ فها هوثبت الموارد.

ثبَتٌ لأقسام الولاية فى فقه الإماميّة
1 - ولاية الأب و الجدّ على الصغير و المجنون و السفيه

هذه الولاية زيادةً على الشرع يؤيّدها العقل. و بما انّ تربية الطفل و تثقيبه و ثقافته موكولٌ على الأبوين فالولاية هذه تثبت على نفسه زيادةً على أمواله.

و عليه فيجوز للأب تعزير الولد إذا كان تثقيبه موقوفاً عليه. و من هنا نقول: هذه

الولاية ثابتةٌ للأمّ أيضاً لاشتراكها مع الأب في هذه الفريضة و إن لم يذهب كثيرٌ من الفقهاء إلى هذا القول.

2 - ولاية أولياء الميّت على جسده

و هذه الولاية تجري في ما يرجع إليه من تغسيله و تكفينه و تدفينه. فعليه لو بادر أحدٌ بواحدٍ من الثلاثة من غير إذنٍ من وليّه فما فعله باطلٌ، و تصحيحه محتاجٌ إلى إذن الوليّ.

و في هذا القسم من الولاية لافرق عندنا بين الأب و الإبن و الأمّ، فهو عندنا ثابتٌ للأمّ أيضاً خلافاً للمشهور.

3 - ولاية أولياء المقتول على دمه

ثبت في فقهنا انّه لوقُتل أحدٌ فوليّه يختار أحداً من أمورٍ ثلاثةٍ:

الف: إمّا أن يعفو القاتل؛

ب: أو يأخذ منه الدية؛

ج: أو يطلب قصاصه.

و هذا معنى ولاية الوليّ على دم المقتول.

و أقرب نسيبٍ للمقتول الصالح للولاية هو وليّه، فلاتتعدّى هذه الولاية إلى أقربائه الصغار و المجانين و السفهاء.

4 - ولاية الوصيّ على أموال الموصيّ‌

اتّفقت الفقهاء على أن لووصّىٰ أحدٌ ثمّ مات فلوصيّه ولايةٌ على أمواله. و من مصاديق هذا القسم من الولاية انّه لووصّىٰ الموصيّ بما لايزيد على الثلث من غير تعيينٍ لموارد انفاقه

و كيفيّة صرفه، فللوصيّ أن يختار مورداً لانفاق المال فيه.

و هذه الولاية تتّسع بحيث لايمكن لولد الموصيّ أن يعترض على الوصيّ في مورد الانفاق، بل هو يفعل كيفما يشاء.

5 - ولاية القيّم على الصغار و السفهاء

للقيّم الولاية على الصغير و السفيه، فعليه تربيتهما و تثقيبهما من غير ريبٍ. و هذا يحكم به العقل و الشرع.

فعليه نقول: لو لم يستطع الأب و الجدّ لأن يولّى أمر تربية الطفل فنصبوا و استجاروا له قيّماً ليقوم بها فله الولاية عليه، فلو اضطرّ هذا القيّم إلى ضربه لايجب عليه دفع الدية و تأديتها؛ و هذا معنى ولاية القيّم - و منه المربّي - على الصغير.

6 - الولاية على الوقف

و هذه الولاية يختصّ بها الواقف، ثمّ من يتولّاه و يستولاه للمحافظة على مورد الوقف، ثمّ الدولة الإسلاميّة.

7 - ولاية الأب و الجدّ على نكاح الأبكار

و هذه ليست ولايةً استقلاليّةً، بل هي ولايةٌ إذنيّةٌ بمعنى انّ انعقاد العقد ترتبط و تتعلّق بإذن البنت، و لكن صحّته موقوفٌ على إذن الأب أو الجدّ. فلاولاية لهما عليه إلّابعد رضاها به. فإذا أذنت في النكاح فحينئذٍ تتجدّد الولاية لأبيها أو جدّها عليه.

8 - ولاية المؤمنين كلٍّ على الآخر في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر

و هي من أقسام الإشراف و المراقبة القوميّة و الأهليّة. بمعنى انّ اللّه - سبحانه و تعالى -

فوّض إلى كلّ مؤمنٍ ولايةً على غيره ليكون الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من الموظّف اللازم على كلّ واحدٍ منهم.

و لهذا ذهب جمعٌ من الفقهاء - منهم صاحب الجواهر(1)و سيّدنا الأستاذ الإمام الخمينيّ 0(2)- إلى أنّ الاستعلاء شرطٌ في تحقّق الأمر و النهي. و عليه فلوأمر و نهى من غير استعلاءٍ فما تحقّقا، و ما سقطت وظيفة الأمر و النهي عن عاتق الآمر و الناهي.

9 - ولاية المؤمنين على أموال الصغار و على ما يُعدّ من الأمور الحسبيّة

سبق منا التوضيح حول الأمور الحسبيّة؛ و قلنا: هذا العنوان يشتمل على كلّ ما لايرضى الشارع بتركه و إهماله في المجتمع. و من مصاديق القاعدة الحِفاظ على أموال الصغار و المجانين. فلو لم تتحقّق الدولة الإسلاميّة لتستولىٰ عليها فيجب على جميع المؤمنين القيام بالاحتفاظ عليها. و هذا معنى ولاية المؤمنين على أموال الصغار و ما يشبهه من مصاديق قاعدة الحسبة.

10 - ولاية المولىٰ على العبيد و الإماء

هذه الولاية و إن كانت ثابتةً في فقهنا و لكن بما أنّها سالبةٌ موضوعاً و منتفيةٌ من هذه الجهة - و الحمد للّه تعالى على ذلك - لانفصّل الكلام حولها.


1) . لم أهتد إلى قولٍ منه رحمه الله في «الجواهر» يدلّ على هذا الرأي.

2) . قال رحمه الله: «الأمر و النهي في هذا الباب مولويٌّ من قبل الآمر و الناهي و لوكانا سافلين، فلايكفي فيهما أن يقول: انّ اللّه أمرك بالصلاة أو نهاك عن شرب الخمر إلّاأن يحصل المطلوب منهما، بل لابدّ و أن يقول: صلّ مثلاً أو لاتشرب الخمر و نحوهما ممّا يفيد الأمر و النهي من قبله»؛ راجع: «تحرير الوسيلة»، كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ج 1 ص 339 المسألة 13.

11 - ولاية الزوج على الزوجة

و لايحتاج إلى مزيدٍ من البيان انّ هذه الولاية ليست كولاية القيّم على الصغير، بل هي كولاية رئيس المنظّمة أو الديوان على مستخدمه و مأموره و موظّفه.

و هذه الولاية زيادةً على الشرع يؤيّدها العقل، إذ الرجل بما وُهِبَ له من ذهنٍ جماعيٍّ فعليه أن ينظر في أسرته و أعضائها؛ فله الولاية على زوجته و أبنائه.

12 - ولاية الفقيه على غيره

و في رأينا هذا القسم من الولاية أيضاً يُعدّ من أجزاء فهرسة الولايات الثابتة في فقه الإماميّة؛ و يأتي تفصيل الكلام حولها إنشاء اللّه - تعالى -.


المقدّمة التّاسعة الفروق و التباينات بين الولاية و الوكالة

اشارة

ما هو الفاصل و الفارق الجوهريّ الضروريّ بين الاقتراحين الأساسيّين في كيفيّة الدولة؟، أي: ما هو التباين الصميم بين الدولة الاختياريّة الانتخابيّة و الدولة الانتصابيّة؟.

هذا الاختلاف عندنا تركّز على مكانة الحاكم في الدولتين. فمدافعوا الحكومة الاختياريّة يقولون: الحاكم في هذه الحكومة هو الوكيل من قبل الناس للقيام بالحفاظ على أموالهم و أنفسهم(1)

و مدافعوا الحكومة الانتصابيّة يقولون: بل هو الوليّ، و له الولاية عليهم.

فنرى انّ الفاصل الجوهريّ بين النظريّتين جعل مدافعي نظريّةٍ إيّاه وكيلاً، و جعل مدافعي نظريّةٍ أخرى إيّاه وليّاً. فعلينا الآن أن نفصّل الكلام حول الفروق بين الوكالة و الولاية ليكون الناظر في الرسالة على بصيرةٍ من التباينات بين النظريّتين. فنقول:

1 - الوكالة عقدٌ، و الولاية حكمٌ‌

بمعنى انّ الوكالة تُعدّ من العقود، فتنعقد على سبيل المثال بين الناس من جهةٍ و بين الدولة


1) . فانظر على سبيل المثال: «حكمت و حكومت» ص 177.

من جهةٍ أخرى؛ بينما انّ الولاية تُعدّ من الأحكام الوضعيّة(1)الّتي عيّنها اللّه - سبحانه و تعالى -.

ففي الدولة الاختياريّة على الناس أن يعيّنوا سعة وظائف الحاكم و ما له من القدرة و السلطة، و لكن في الحكومة الانتصابيّة ليس للناس رأيٌ في هذا، بل ولاية الحاكم الفقيه قد عُيّنت من قبل اللّه - سبحانه و تعالى -، نفس تلك الولاية و سعتها و جميع ما يرجع إليها.

2 - الرضا و القبول شرطٌ في الوكالة، لا في الولاية

من الواضح الّذي لايحتاج إلى توضيحٍ انّ وكالة الوكيل منوطةٌ برضىٰ الموكّل، أي: رضىٰ الموكّل و قبوله شرطٌ في وكالته؛ و لكن ليس كذلك في الولاية، كما أجمعت الفقهاء على أنّ عدم رضىٰ الصغير المهجور بولاية أبيه على أمواله لايؤثّر في ولايته، بل الأب له الولاية و إن لم يكن الإبن الصغير راضياً به. لأنّ الرضىٰ و القبول لم يُشترط في الولاية.

3 - تُعيَّن سعة الوكالة، لا سعة الولاية

بمعنى انّ الموكّل يعيّن سعة الوكالة و ما للوكيل من السلطة و المَلْك و الخيار؛ و لكن المولّى عليه لايعيّن سعة ولاية الوليّ و حيطة مشيّته. ففي الوكالة للموكّل التفوّق و الألويّة على الوكيل، فله أن يعيّن سعة سلطته؛ و لكن في الولاية للوليّ التفضيل و الامتياز على المولّى عليه، فلايمكن للمولّى عليه أن يعيّن حيطة مشيّته.

4 - للموكّل حقّ التصرّف، لاللمولّى عليه


1) . و قال الإمام الخمينيّ رحمه الله: «الولاية من الأمور الوضعيّة الاعتباريّة العقلائيّة»؛ راجع: «المكاسب المحرّمة» - له - ج 2 ص 160؛ و بين الرأيين فرقٌ لطيفٌ، فتأمّل!.

بمعنى انّ الموكّل و لو أعطى لوكيله الوكالة المطلقة - و على سبيل المثال استوكله في شراء داره على نحوٍ مطلقٍ -، و لكن له أن يبدي آراءه و أن يتصرّف فيها، فيمكن له أن يقول:

اشتر داري من زيدٍ، أو يقول: اشتر داري بثمن كذا؛ و لكن ليس للمولّى عليه حقّ التصرّف، فلوقال الإبن الصغير لأبيه - الّذي ولّى أمر شراء دار الإبن -: اشتر داري من زيدٍ، لانفوذ لكلامه، و ليس على الأب أن يقبل كلامه.

5 - البلوغ سنّ الرشد شرطٌ في الوكالة، لا في الولاية

يُشترط في صحّة الوكالة بلوغ الموكّل سنّ الرشد و كونه مدرِكاً راشداً، فلواستوكل مَن لم يبلغ سنّ الرشد أحداً في أمرٍ لايُحكم بصحّة الوكالة، بل بطلانها بديهيٌّ لاريب فيها.

فالبلوغ شرطٌ في الوكالة، و لكن ليس كذلك في الولاية؛ أي: لايشترط فيها بلوغ المولّى عليه سنّ الرشد و كونه مدرِكاً راشداً. بل أقسام الولاية تدور حول عدم رشده.

و لعدم الرشد أقسامٌ، و لانعني به عدم بلوغ الناس عقليّاً.

و سنفصّل الكلام حول معنى ولاية الفقيه على الناس فيما يأتي.

6 - الإقالة جائزةٌ في الوكالة، لا في الولاية

بمعنى أنّ الموكّل يجوز له إقالة الوكالة و عزل الوكيل، و لكن لايجوز للمولّى عليه أن يعزل الوليّ و يُقيل الولاية.

و بما قلنا ظهر أنّ الوكالة من العقود الجائزة، لا العقود اللازمة.

7 - الاستفسار و الاستنطاق يجوز في الوكالة، لا في الولاية

بمعنى انّ الموكّل يستطيع أن يستنطق الوكيل فيما يرتبط بالوكالة، و لكن المولّى عليه لايجوز له استنطاق الوليّ و الاستفسار منه.

8 - الوكالة موقّتةٌ، والولاية دائمةٌ‌

بمعنى جواز التوقيت في الوكالة. فيجوز للموكّل أن يستوكل أحداً لمدّة سنةٍ أو إلى أن يشتري داره. و لو أراد الموكّل أو الوكيل دوام الوكالة فيجب التنصيص به من أوّل الأمر. أمّا الولاية فهي دائمةٌ لايجوز فيها التوقيت. نعم! تزول الولاية بزوال موردها، فتُفسخ ولاية الوليّ على أموال الصغير بزوال الصغر، أو بفقد المال و انقراضه.

9 - الموت يبطل الوكالة، لا الولاية

بمعنى انّه لومات الموكّل تبطل الوكالة، أمّا لومات المولّى عليه فلاتبطل الولاية. فلو عيّن صغيرٌ أحداً لأن يكون وكيلاً في اشتراء داره ثمّ مات هذا الصغير تبطل وكالة الوكيل و ينعزل منها، أمّا ولاية أبيه على أمواله فلاتُفسخ بموته.

10 - الاختيار في الردّ و القبول ثابتٌ للوكيل، لا للوليّ‌

مضت الإشارة في الفارق الأوّل بين الوكيل و الوليّ من هذه الفهرسة إلى أنّ الوكالة من العقود و الولاية من الأحكام الوضعيّة. و الآن نزيد عليها و نقول: الوكيل مختارٌ في ردّ الوكالة أو قبولها و في استدامتها أيضاً، و لكن الوليّ لا اختيار له في الردّ و القبول، و لاسيّما لو كانت الولاية متعيّنةً في أحدٍ. فعليه لومات الأب فلاخيار للجدّ في قبول الولاية على أموال حفيده و سبطه، بل هو ضروريٌّ عليه.

أمّا الوكيل فيمكن له أن يقبل الوكالة أو يردّها.

قد تمّت هذه الفهرسة، و هي تشتمل على عشر فاصلٍ بين الوكالة و الولاية و الوكيل و الوليّ؛ و هي تمثّل إحدي الخلافات الرئيسيّة القاعديّة بين الدولة الاختياريّة و الحكومة الانتصابيّة. و الحمد للّه ربّ العالمين.


المقدّمة العاشرة الخاتميّة سند الدولة الانتصابيّة

اليوم - و نحن في مجتمعٍ اسلاميٍّ صميمٍ - نسمع أنّ بعض مدافعي الدولة الاختياريّة يقولون: يجب على الإنسان أن يتّبع الأنبياء عليهم السلام في ما يرجع إلى الديانة، أمّا فيما يرجع إلى الحكم فعليه أن يتّبع حِجاه و عقله. و هذا القول هو أساس الدولة الاختياريّة.

أمّا الحكم الانتصابيّ فهو في رأينا يمثّل استمرار حكم النبيّ عليه السلام؛ و بما انّ النبيّ صلى الله عليه و آله هو خاتم الرسل و الأنبياء بحيث لايمكن أن يُبعث نبيٌّ بعده، فأحكامه دائميّةٌ لاتوقيت فيها.

و من جملة أحكامه ما يتعلّق بالسطنة و فنّ الحكم و إدارة البلاد، فأحكامه صلى الله عليه و آله في الوالي و الولاية و الحاكم و الحكم أيضاً ثابتةٌ من غير توقيتٍ فيها. فالخاتميّة سند الدولة الانتصابيّة و عونها و هذا الحكم استمرارٌ لها.

و تدلّ على خاتميّة القرآن بالنسبة إلى الكتب المنزلة أدلّةٌ نقليّةٌ أخرى، و لكن بما أنّها

خارجةٌ عن موضوع هذه الدراسة لانتعرّض لها، و نحيل القارىء الكريم إلى المفصّلات في فنّ الكلام و العقائد الإلهيّة(1).



1) . فانظر بالنسبة إلى خاتميّة نبيّنا صلى الله عليه و آله و خاتميّة القرآن معاً: «جامع العلوم» ج 2 ص 74، «أصول الدين» - للبغداديّ - ص 163، «گوهر مراد» ص 261، «الإبانة عن أصول الديانة» ص 198.

المقدّمة الحادية عشرة وضعة مسألة ولاية الفقيه و مكانتها العلميّة

اشارة

من المباحث المطروحة حول مسألة ولاية الفقيه مبحث وضعتها العلميّة، بمعنى انّ هذه المسألة يجب أن يبحث عنها في أيّ علمٍ من العلوم الإسلاميّة؟؛ أ هي مسألةٌ فقهيّة؟، أم أصوليّةٌ؟، أم كلاميّةٌ؟، أم عرفانيّةٌ؟.

و قبل الخوض في الجواب عن هذه المسألة يجب التنبيه على أنّ هذا المبحث لافائدة فيه عمليّة و اجتماعيّة، بل هو من المباحث العلميّة الصرفة الصميمة؛ فنقول:

انّ هذه المسألة - في رأينا - ككثيرٍ من المسائل يمكن أن يُبحث عنها في شتّى العلوم، و ذلك بتفاوت المشاهد و المناظر. فعلى سبيل المثال قال الأصوليّون: انّ مسألة التجرّي لها جوانب متعدّدة بها يمكن أن يدارسها الفقيه و الأصوليّ و المتكلّم.

و لمبحثنا أيضاً مناظر و مرائي متعدّدة نذكر أهمّها:

1 - المنظر الفقهيّ‌

لو سُئل: هل يجب على الفقيه الجامع للشرائط قبول الولاية؟، و هل يجب على غيره امتثال أوامره؟، و هل يجب عليه القيام بأمر الحكومة؟، و هل....؟؛ فالإجابة عن هذه

الأسؤلة جواباتٌ فقهيّةٌ؛ فللمسألة مشهدٌ فقهيٌّ.

2 - المنظر الكلاميّ‌

لو بحثنا عن المسألة و ما يرتبط بها بما انّها استمرار أصل الإمامة، فالمسألة مسألةٌ كلاميّةٌ.

فإذن تتركّز المسألة على الإجابة عن هذا السؤال القاعديّ: هل الولاية هذه هي استمرار ولاية النبيّ صلى الله عليه و آله و أهل بيته عليهم السلام؟، أم هي مستقلّةٌ لا ارتباط لها بها و لا صلة بينهما؟.

3 - المنظر التفسيريّ‌

يُمكن جعل هذه المسألة من المسائل التفسيريّة لو نُظر إلى كثيرٍ من الآيات القرآنيّة بما له من الارتباط بمسألتنا هذه. فلوسُئل: قوله - سبحانه و تعالى -: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمرِ مِنكُمْ»(1)ما هو المراد منه، و من هو أولي الأمر؟، و هل يدلّ على ولاية الفقيه؟؛

و كذلك لو سُئل: هل يدلّ قوله - تعالى -: «وَ لَاتَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا»(2)على حرمة تأييد من يدّعي الولاية إزاء الفقيه و أمامه؟؛ فالإجابة عن هذه الأسؤلة إجاباتٌ تفسيريّةٌ. فللمسألة منظرٌ تفسيريٌّ أيضاً.

و لها مناظر أخرى كالمنظر العرفانيّ، أو الفلسفيّ، أو الأصوليّ‌(3).



1) . كريمة 59 النساء.

2) . كريمة 113 هود.

3) . و ليُجتنب عن الخلط بين المناظر، و يجب التثبّت في هذا المبحث فانّه من مزالّ الأقدام؛ فانظر على سبيل المثال: «فربه تر از ايدئولوژى» ص 49.

المقدّمة الثّانية عشرة الولاء والولاية نظرةٌ لغويّةٌ، قرآنيّةٌ، روائيّةٌ و فقهيّةٌ‌

اشارة

و في هذه المقدّمة نريد أن نبيّن معنى هذه الكلمة حسب ما جاء في مصادر اللغة و الكتاب الكريم و الأحاديث الشريفة و الجوامع الفقهيّة.

الوجهة اللغويّة:

قالوا: انّ معنى الوَِلاء و الوَِلاية - بكسر الأوّلين و فتحهما - هو القرب بلافصلٍ، كما إذا جلس رجلان بحيث لم يتخلّل بينهما فصلٌ، فهذا ولاءٌ أو ولايةٌ بينهما. و إليه يشير ما ذكروه من معاني هاتين اللفظتين، كالمحبّة - فهي قربٌ بلافصلٍ بين المحبّ و محبوبه -؛

و كالحكومة - فهي عدم الفصل بين الحاكم و بين من هو تحت حكمه -.

و من اللغوييّن من عدّ مأة معنىً لهذه المادّة، و كلّها يشير إلى ماذكرناه(1).

أمّا الراغب الأصفهانيّ فإنّه بعد أن نهج هذا المنهج عزا إلى بعضهم القول بأنّ معنى المادّة هو التولّي و الحكم، و انّ ما اشتهر بين اللغويّين - من أنّ معناه هو: «القرب بلافصلٍ» - ليس معناها الوضعيّ، بل هو الشايع في موارد استعمالها(2)


1) . لم أعثر عليه في ما بين يديّ من دواوين اللغوييّن.

2) . قال: «الولاء... أن يحصل شيئان فصاعداً حصولاً ليس بينهما ما ليس منهما... و قيل:... حقيقته تولّي الأمر»؛ راجع: «مفردات ألفاظ القرآن» ص 885 القائمة 1.

و الرجوع إلى مصادر اللغة يؤيّد قول الراغب، فهذا النهاية(1)و منتهى الإرب(2)من مصادر المتقدّمين و المتوسّطين، و المنجد(3)و أقرب الموارد(4)من مسفورات المتأخّرين؛ فقد أجمعت على أنّ معنى المادّة هو القرب بلافصلٍ؛ و أمّا غيره من معانيها فهو من المجاز المستعمل فيه لما بينهما من المناسبة و الارتباط.

و الّذي يبدو لي انّ معنى المادّة وضعاً هو السلطة و الحكم، و أمّا غيره ممّا ذكروه كمعنىً لها فهو من مصاديقه؛

فتفسير الولاء بالمحبّة يشير إلى تسلّط المحبّة على فؤاد المحبّ و ضميره؛

و تفسيره بالنصرة و المعاونة يشير إلى تسلّط الناصر على المنصور و إجراء حكمه عليه.

و ما ذكروه من معنى المادّة المشهور أيضاً ينطبق على ما قلنا، إذ القرب من غير فصلٍ أيضاً يشير إلى سلطة أحد المتقاربين على الآخر؛ إذ الملاصقة الواقعة بينهما نشأت من هذه السلطة.

و لنا كلامٌ مع اللغوييّن ملخّصه: إنّ ما ذهبوا إليه من ذكر معنى واحدٍ كمعنى حقيقيٍّ للفظةٍ ثمّ عدّوا غيره من معانيها من المعاني المجازيّة، ممّا لايؤيّده العقل، إذ الظاهر انّ الألفاظ وضعت للمعاني العامّة و لتلك المعاني مصاديق تنطبق عليها، و عليه فلامجاز في اللغة رأساً.


1) . قال: «... الوالي و هو: مالك الأشياء جميعها و المتصرّف فيها»؛ راجع: «النهاية» ج 5 ص 227.

2) . قال الصفي بوريّ: «وَليَ وَلْياً: نزديك شد. و يقال: تباعدنا بعد وليٍ. و كُلْ ممّا يليك أي: ممّا يقاربك»؛ راجع: «منتهى الإرب» ج 2 ص 1339.

3) . قال: «ولَى يلِي: تبعه من غير فصلٍ»؛ راجع: «المنجد» ص 918 القائمة 3.

4) . قال: «... ولاه... دنا منه و قرب... و يقال: الولْي: حصول الثّاني بعد الأوّل من غير فصلٍ»؛ راجع: «أقرب الموارد» ج 2 ص 1487 القائمة 1.

و لوأردت تطبيق الكلام على ما نحن فيه نقول: إنّ مادّة «ولي» - و من مشتقّاتها الولاء و الولاية - وُضعت لمعنى عامٍّ هو الحكم و السلطة؛

و من مصاديقه القرب من غير فصلٍ - كما إذا جلس رجلان من غير فصلٍ بينهما -؛

و منها المحبّة و الوداد - كما في الحنوّ الواقع بين الأمّ و ولدها و لوكانت بينهما المئات من الفراسخ، و هي الناشئة من حكومة الولد على قلب الوالدة و ضميرها -؛ و هذا من استعمال العامّ في الخاصّ، أي: استعمال معنى عامٍّ في مصداقٍ خاصٍّ جزئيٍّ. و عليه فلامجاز في اللغة أصلاً.

فتلخّص ممّا قلنا انّ الظاهر انّ مادّة «ولي» وُضعت للإشارة إلى معنى كلّيٍّ هو الحكم و السلطة، و أمّا غيره من المعاني الّتي ذكروها كمعاني المادّة المجازيّة فهي مصاديقه و موارد استعماله. هذا من الوجهة اللغويّة؛

الوجهة القرآنيّة:

فانّ المادّة و ما اشتقّ منها استعمل في هذا الكتاب الكريم ما يناهز مأتين و ثلاثين مورداً؛ و جميع تلك الموارد يشير إلى ما ذكرنا من معناها العامّ الموضوع له. و ما ربّما يتراءى في بادىء النظر من المعاني يجب إرجاعه إليه و جعله من مصاديقه. و من أشهرها قوله - تعالى -: «وَ الْمُؤْمِنُونَ و الْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَولِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ»(1)فانّ الولاية الواقعة بينهم الّتي جعلت بعضهم «أَولِيَاءُ بَعْضٍ» قد فُسّرت بالمحبّة و التودّد، أي: انّهم بما بينهم من المحبّة و الوداد يأمر بعضهم بعضاً بالمعروف و ينهى بعضهم بعضاً عن المنكر. هذا هو المشهور من مذهب المفسّرين(2).

و قد مضى منّا انّ المحبّة من مصاديق الحكم، فالسلطة الّتي أنشأها اللّه - سبحانه و


1) . كريمة 71 التوبة.

2) . و انظر: «التفسيرالكبير» ج 16 ص 131؛ «تفسير القرطبيّ» ج 8 ص 203.

تعالى - بين المؤمنين جعلت بعضهم أولياء بعضٍ، و هي نفسها حكمت بوجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و هذا ممّا قرّره سيّدنا الأستاذ الإمام الخميني رحمه الله - و مضت منّا الإشارة إلى قوله و فتواه بوجوب كون الآمر بالمعروف آمراً غير متلطّفٍ و ملتمسٍ في أمره، و هكذا الناهي عن المنكر -، و أكّده أيضاً أستاذنا العلّامة السيّد الطباطبائيّ رحمه الله(1)حيث ألحّ - مذيّلاً على بعض الآي الكريمة - على أنّ هذه المادّة لم تستعمل في الكتاب الكريم إلّا و فيها إشارةٌ إلى نوعٍ من الحكم و السلطة؛ و حيث استعملت المادّة مع لفظة «عن» فاستعملت في هذا المعنى أيضاً، إذ «تولّى عن» أي: أعرض، و الإعراض يشير إلى الفصل و قطع السلطة الواقعة بين أحدٍ و غيره.

الوجهة الروائيّة:

فمَن تأمّل في موارد استعمال اللفظة في المصادر الروائيّة - المتقدّمة منها و المتأخّرة -، يرى انّها - و لاسيّما في الأحاديث المتعلّقة بالاعتقادات، الباحثة عنها و الكاشفة عن خفيّاتها - قد استعملت في معنى الحكم و السلطة أيضاً؛ منها ما ذكره الشيخ الكلينيّ رحمه الله في قسم الأصول من جامعه الكافي(2)في بابٍ سمّاه: «باب دعائم الإسلام». و روى فيه عنهم عليهم السلام:

«بُني الإسلام على خمسٍ: الصلاة، و الزكاة، و الصوم، و الحجّ، و الولاية. و لم يناد بشيءٍ كما نودي بالولاية».

الرواية صحيحةٌ سنداً؛ و مضمونها يعدّ من المتواترات، إذ هذا المضمون ورد في كثيرٍ من مصادر القوم الروائيّة.

و من الجدير بالذكر هيهنا ما كان سيّدنا الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله ينقله عن شيخه و


1) . راجع: «الميزان» ج 6 ص 4.

2) . راجع: «الكافي» ج 2 ص 18 الحديث 1؛ نفس المصدر و المجلّد و الصفحة: الأحاديث 3، 8.

أستاذه العلّامة الأصفهانيّ الشاه آباديّ من القول بأنّ الولاية الواردة في الحديث هي بفتح الأوّل، و معناها المحبّة، لا الحكومة؛ قال رحمه الله في محكيّ كلامه:

«انّ الولاية بكسر الأوّل وردت بمعنى الحكومة، و بفتح الأوّل بمعنى المحبّة و الوداد. و المذكور في الحديث هو الثّاني»(1).

و استدلّ عليه بأنّ الولاية بمعنى الحكومة تُعدّ من الأصول، لا من الفروع؛ بينما وحدة السياق تحكم بأنّ الوارد في الحديث هو من فروع الدين لا أصوله، إذ الصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ كلّها من الفروع - و هذا من المجمع عليه -، فالولاية أيضاً من الفروع، فهي بفتح الأوّل بمعنى المحبّة. و المحبّة الواقعة بين المؤمنين هي الّتي تحكم بوجوب جريان الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في المجتمع الإسلاميّ. فهذان أيضاً من فروع الدين.

فتلخّص من كلامه رحمه الله أمران:

الأمر الأوّل: انّ فروع الدين عشرٌ لاثمان - كما هو المشهور -؛

و الأمر الثّاني: انّ الولاية الواردة في الحديث مفتوحة الأوّل، و معناها المحبّة و الودّ، إذ الولاية بمعنى الحكم هي من أصول المذهب لا من فروعه.

أقول: في كلامه رحمه الله مواقع للنظر:

الأوّل: إنّ قوله بوجود الفرق بين اللفظة حالكونها مفتوحة الأوّل و بينها لو كان مجروراً ممّا لم نعثر له على نصٍّ من اللغويّين(2)، بل لم تساعده اطلاقاتهم حينما سردوا معانيها؛

الثّاني: إنّ قوله بأنّ «الولاية» الواردة في الرواية هي بمعنى المحبّة حسنٌ، بل هو تعبيرٌ


1) . لم أعثر على قوله هذا في ما طبع من آثاره؛ ك «رشحات البحار» و «شذرات المعارف».

2) . كما سوّى الفيوميّ بين الكسر و الفتح في اللفظة، فقال: «الولاية بالفتح و الكسر: النصرة»؛ راجع: «المصباح المنير» ص 927؛ و انظر أيضاً: «مفردات ألفاظ القرآن» ص 885 القائمة 1. أمّا الفرق بين صورتي اللفظة فيظهر من كلمات بعضهم؛ فانظر: «القاموس المحيط» ص 1233 القائمة 2.

لطيفٌ و تحكم بحسنه وحدة السياق في الكلام، و هذا ممّا لاكلام فيه؛

الثّالث: إنّ هذا التعبير مع جودته و حسنه لايوافق غيرها من أحاديث الباب، إذ الظاهر من الجميع كون الولاية بمعنى الحكومة الّتي هي شأنٌ من شؤون الإمامة لا بمعنى المودّة و الحنوّ و الشفقة، و هذا منصوصٌ به فيه. و من تلك الروايات ما رواه الكلينيّ رحمه الله(1)في نفس الباب، و هو:

«عليّ بن إبراهيم عن أبيه و عبداللّه بن الصلت جميعاً عن حمادّ بن عيسى عن حريز بن عبداللّه عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: بُني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، و الزكاة، و الحجّ، و الصوم، و الولاية.

قال زرارة: فقلت: و أيّ شيءٍ من ذلك أفضل؟

فقال: الولاية أفضل، لأنّها مفتاحهنّ و الوالي هو الدليل عليهنّ -... إلى أن قال عليه السلام: - ذروة الأمر و سنامه و مفتاحه و باب الأشياء و رضا الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته. إنّ اللّه - عزّ و جلّ - يقول: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَ مَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً»(2). أمَا لو أنّ رجلاً قام ليله و صام نهاره و تصدّق بجميع ماله و حجّ جميع دهره و لم يعرف ولاية وليّ اللّه فيواليه و يكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على اللّه - جلّ و عزّ - حقٌّ في ثوابه، و لا كان من أهل الإيمان.

ثمّ قال: أولئك المحسن منهم يدخله اللّه الجنّة بفضل رحمته».

فانّ صدر الحديث يوافق ما ذهب إليه الشيخ العارف الشاه آباديّ رحمه الله، إذ السياق سياق سرد الفروع لا الأصول؛ أمّا قوله عليه السلام: «و الوالي هو الدليل عليهنّ»، و قوله عليه السلام: «...


1) . راجع: «الكافي» ج 2 ص 18 الحديث 5؛ و انظر: «وسائل الشيعة» ج 1 ص 13 الحديث 2.

2) . كريمة 80 النساء.

الطاعة للإمام» فصريحان في كون الولاية بمعنى الحكومة. و في مختتم كلامه عليه السلام أيضاً ما يدلّ عليه دلالةً واضحةً.

و أصرح منه ما في غيرها من قوله عليه السلام:

«... و لم يناد بشيءٍ ما نودي بالولاية يوم الغدير»(1).

فهو ينادي بأعلى صوته بأنّ الولاية هي الإمامة لاالخلّة و المحبّة.

و هذا أمرٌ قد حارت فيه الألباب!. إذ وحدة السياق تحكم بصحّة قوله رحمه الله و انضمام غيرها من الروايات إليها يحكم بالغاء قوله و تزييفه.

الوجهة الفقهيّة:

فكون الولاية بمعنى الحكم و السلطة فممّا لاريب فيه و لاشبهة تعتريه. و هذه جوامعنا الفقهيّة لايوجد فيها كون الولاية بمعنى المحبّة أو غيرها من معانيها و لامورداً واحداً. فنرى مثلاً انّ اللفظة وردت في العروة الوثقى ما يقرب من ستّةٍ و ثمانين مورداً(2)، و لم يوجد في تلك الموارد حتّى موردٍ واحدٍ يخالف ما ذهبنا إليه؛ منها قولهم بثبوت الولاية للحاكم على إقامة الجمعة؛ و إقامة العيد؛ و على رؤية الهلال؛ و على اجبار الناس في أمر الحجّ لوتركوه جميعاً؛ و على تصدّي الأنفال؛ و على تولية المغانم و تقسيم الغنائم؛ و على تصدّى القضاء و إجراء الحدود و التعزيرات و الديات؛ و على الحكم بالطلاق لوغاب الزوج مدّةً بلغت حدّ الطلاق؛ و على الحكم بازالة الخمر و تعزير من توجد عنده؛ و على تجهيز الميّت مع فقد أوليائه؛... و غيرها من الموارد الكثيرة الّتي تبلغ حدّ المئات بالنظر في جوامعنا المبسوطة - كالجواهر -؛ هذا.


1) . راجع: «الكافي» ج 2 ص 21 الحديث 8؛ «بحارالأنوار» ج 65 ص 332.

2) . هذا بالنظر إلى المادّة و مشتقّاتها. أمّا نفس لفظة الولاية فوردت فيه في اثنتين و أربعين مورداً، و في جميع الموارد استعملت بمعنى الحكم و السلطة.

فتلخّص ممّا قلنا انّ معنى لفظة الولاية العامّ الموضوع لها هي الحكومة و السلطة؛ و ما ذُكر من معانيها - كالمحبّة و الخلّة، أو النصرة و المعاونة، أو... - هي مصاديقه لامعانيها المجازيّة؛

و انّ الولاية لم ترد في الكتاب الكريم إلّامشيرةً إلى هذا المعنى. و هذا ممّا أصرّ عليه بعض أساتذتنا كالإمام الخمينيّ رحمه الله و الأستاذ العلّامة الطباطبائيّ رحمه الله؛

و في الأحاديث العقائديّة أيضاً لم ترد إلّافيه نفسه. و أمّا في غيرها من الأحاديث فوردت قليلاً في غيره من مصاديق معناها العامّ الكلّي - كالمحبّة و النصرة -؛

و أمّا في الفقه فلم يوجد و لومورداً واحداً لاستعمال المادّة في غير هذا المعنى، و جميع هذا تشهد لصحّته موارد استعمال اللفظة في الكتاب و السنّة و مسفورات الفقهاء.


المقدّمة الثّالثة عشرة بحثٌ ثبوتيٌّ حول حدود المسألة

اشارة

في رأينا هذا المبحث هو المبحث الأخير من المباحث التمهيديّة، و بعد الفراغ منه نفصّل الكلام حول أدلّة الولاية للفقيه الجامع لشرائط الولاية. و قبل الخوض في الأدلّة يجب علينا أن نبيّن مُطالَباتنا و دعاوينا في هذه المسألة.

و هذا لايخلو عن فائدةٍ، بل له أهمّيّةٌ بالغةٌ، ليكون القاريء على بصيرةٍ منها.

فهذه الفهرسة تشتمل على تلك الدعاوي.

1 - الدعوى الأولىٰ‌

القول بأنّ اللّه - سبحانه و تعالى - فوّض هذه الولاية إلى الفقيه، فهو منصوبٌ من قبله - سبحانه و تعالى -.

و ببيانٍ آخر: ندّعي انّ ولاية الفقيه هي استمرار ولاية أهل البيت عليهم السلام، و ولايتهم استمرار ولاية الرسول صلى الله عليه و آله، و ولايته صلى الله عليه و آله استمرار ولاية اللّه - سبحانه و تعالى -.

نعم! للنّاس تعيين المصداق؛ و سنبحث عنه.

2 - الدعوى الثّانية

القول بأنّ الواجبات و التكاليف الّتي كانت على عاتق أهل البيت عليهم السلام كلّها ثابتةٌ على عاتق الفقيه أيضاً. بمعنى انّ الولاية التشريعيّة كانت من واجباتهم عليهم السلام، فهي الآن على عاتق الفقيه من غير تفاوتٍ.

و هذا معنى ولاية الفقيه المطلقة.

3 - الدعوى الثّالثة

القول بأنّ ولاية الفقيه تُعدّ من الأحكام الأوّليّة، فهي كالصلاة و الصوم و غيرهما من الفرائض العباديّة. و بعبارةٍ أخرى: ليست هذه الولاية من الأحكام الثانويّة الّتي تختصّ بزمنٍ دون زمنٍ - كزمن الهَرَج و الاضطراب -، بل هي من الأحكام الأوّليّة الّتي شُرّعت لجميع الأعصار و الأمصار.

4 - الدعوى الرّابعة

القول بثبوت الولاية للفقيه على تغيير عناوين الأحكام لوكانت هناك مفسدةٌ و مصلحةٌ ملزمةٌ. فللفقيه بما له الولاية - و مضت الإشارة إلى أنّ ولايته من الأحكام الأوّليّة - أن يحكم بتغيير عناوين الأحكام لوتقتضيه مصلحةٌ أو مفسدةٌ تامّةٌ ملزمةٌ.

و ما صدر عن الميرزه الشيرازيّ الكبير رحمه الله بالنسبة إلى حرمة التنباك و من سيّدنا الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله بالنسبة إلى عطلة الحجّ يُعدّ من هذا القبيل.

5 - الدعوى الخامسة

القول بوجوب نصب الوليّ جميع الولاة و الحكّام في نظام الحكم بواسطةٍ أو بلاواسطةٍ.

فعلى سبيل المثال إذا اختار الناس الرئيس الجمهوريّة فعلى الوليّ تنفيذ حكمه، فهو منصوبٌ من قِبله، و كذلك في من يلي القوّة القضائيّة؛ و مثلهما غيرهما من الولاة - كالوزراء و العمّال على البلاد و مديري الفروع و المتصرّفين و قائدي القوّاة المسلّحة و غيرهم -. و السرّ فيه ما مضت الإشارة إليه - و سنعود إليه أيضاً - من أنّه «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ»(1)- سبحانه و تعالى -، و لمن عيّنه لهذا المسند و فوّضه إليه، و هو الفقيه الوليّ؛ فولاية جميع الولاة ملزوقةٌ و مقرونةٌ بولايته. فهو ينصبهم في مناصبهم ليكون حكمهم حكماً إلهيّاً و لايعدّون من الطواغيت.

6 - الدعوى السادسة

القول بأنّه لايقدر أحدٌ على نصب الفقيه الوليّ و لا على عزله، إذ ولاية الفقهاء مفوّضةٌ إليهم من قبل اللّه - تعالى -، فتمّت فيهم مرحلتى الاقتضاء و الانشاء، و ليس على أعضاء مجلس الخبراء و البارعين إلّاأن يكشفوا عن الأصلح لهذا المنصب، و بهذا الكشف تتمّ فيه مرحلة الفعليّة فيجلس على عرش الحكم العالى. فليس الوليّ منصوباً من قبلهم فليس لهم و لالغيرهم عزله عن مسنده و رفضه منه، إذ ليست ولايته معطاةً من قبلهم حتّى يرجعوا إلى ما أعطوه إليه.

نعم! سنبحث عن شرائط لايجوز للوليّ تولية الأمر إلّاباتّصافه بها، و لو أخلّ بها - و لو بواحدٍ منها - يسقط من منصبه و ليس له إذاً على الناس حكمٌ. و سنفصّل الكلام حولها.

7 - الدعوى السابعة

القول بوجوب الطاعة عنه في جميع ما يأمر به و ينهى عنه. و هذا كما يجري على آحاد


1) . كريمة 57 الأنعام.

الناس يجري على غيره من الفقهاء أصحاب الولاية أيضاً؛ و ذلك حذراً عن الهرج و الاضطراب في أمر الحكم. فولايته تحكم بوجوب متابعة الناس عنه حتّى المستنبطين منهم.

نعم! يجب أن يكون قابلاً للانعطاف، بل لو استبدّ في آرائه و أقواله و أفعاله يضرّ بعدالته؛ و بعض الأحيان لاستبداده ينعزل عن الحكومة!.

8 - الدعوى الثّامنة

القول بوجوب تقبّل الولاية و الاستجابة عنها على الفقيه الوليّ لو كان متعيّناً لها و كانت متعيّنةً فيه. و هذا الوجوب وجوبٌ عينيٌّ، فلو فرضنا - و العياذ باللّه منه - انحصار الاجتهاد في عصرٍ في واحدٍ و كان عادلاً ذاكفايةٍ للقيام بأمر الحكم يجب عليه أن يتقبّل الحكم من غير أن يأبى و يتمرّد منه. و كذلك القول في فرض تعدّد الفقهاء - كثّرهم اللّه تعالى -.

فيجب على جميعهم أن يستعدّوا و يتهيّؤوا لتقبّل الحكم. و هذا الوجوب وجوبٌ كفائيٌّ.

9 - الدعوى التّاسعة

إنّ التعدّد في الحكومة لمّا كان موجباً للهرج و اختلاف الآراء والأنظار، وينجرّ إلى ضعف الحكومة، فلابدّ من تعيين واحدٍ من المجتهدين الجامعين للشّرائط لهذا المنصب.

10 - الدعوى العاشرة

القول بانحصار الدولة الحقّة في دولة الفقيه، فالحكومات بأجمعها تُعدّ من حكومة الطاغوت و لاحكم لها، كما انّ الفقيه لاحكم له إلّاإذا فوّضه المعصوم عليهم السلام إليه.

و سنبحث عن أدلّة تفويضه إليه العقليّة و النقليّة.

11 - الدعوي الحادية عشرة

القول بأنّ ولاية الفقيه غير مقيّدةٍ بزمنٍ دون زمنٍ، أو مصرٍ دون مصرٍ. فحكمه نافذٌ ما لم يسقط عن منصبه باخلاله بما يشترط فيه. فلايمكن تقييد ولايته زمنيّاً - كما يجري في غيره من الولاة كالرئيس الجمهوريّة - كما لايمكن تقييدها بأمكنةٍ دون أمكنةٍ أخرى.

12 - الدعوى الثّانية عشرة

القول بأنّه لايجوز التقييد في سعة ولايته، إذ مرّت الإشارة إلى أنّ الولاية تُعدّ من الأحكام لا من العقود كالوكالة، فيمكن تقييد وكالة الوكيل سعةً كما يمكن تقييدها زمنيّاً. و لكن لايجوز تقييد سعة الولاية لأنّها تُعدّ من الأحكام، و اللّه - سبحانه و تعالى - قد قيّدها بوجوب كون الوليّ رجلاً مستنبطاً عادلاً ذاملكةٍ قدسيّةٍ مدبّرٍ للأمور -... و ما إليها -، و ما قيّدها - تعالى - سعةً، فلايمكن تقييد سعتها.


تلك هي دعاوينا في مسألة ولاية الفقيه و قد بلغت اثنتى عشرة دعوىً.

و هيهنا نكتةٌ هامّةٌ يجب الالمام بها، و هي: انّ ثبوت الولاية المطلقة للفقيه يستلزم القول بجميع تلك الدعاوي و الخضوع لها، إذ من البديهيّ أنّه لوثبت انّ الولاية هذه تُعدّ من أحكام اللّه فيجب على الفقيه أن يتقبّلها؛

و يجب على غيره أن يخضع لحكمه، إذ الولاية التشريعيّة الّتي كانت من واجبات المعصومين عليهم السلام قد فُوّضت على عاتقه؛

فله تغيير عناوين الأحكام لوكانت هناك مصلحةٌ أو مفسدهٌ تامّةٌ ملزمةٌ؛

و إذا كانت ولايته مفوّضةً إليه من قبل اللّه - تعالى - فولاية غيره من الولاة مقرونةٌ

بولايته، فكلّهم منصوبون من قِبله؛

و كذلك لايقدر أحدٌ على نصبه و لا على عزله؛

و يجب على الجميع - حتّى على الفقهاء - الخضوع لحكمه، بل يجب على الجميع المحافظة على دولته؛

و لاتقييد في ولايته، إذ انّها تُعدّ من الأحكام و لاحكم على الأحكام إلّاللّه - سبحانه و تعالى -.

فعلينا تفصيل الكلام حول أدلّة ثبوتها له، إذ الدعاوي كلّها فرعٌ على أصل ثبوتها له.


هذا ما أردنا تمهيده للورود في صلب المبحث. و قد ذكرنا ثلاث عشرة مقدّمةً يجب الإلمام بها ليكون المبحث أكثر إيضاحاً و أقلّ لورود الشُبه و الإيرادات مورداً.

و الآن و قد انتهينا من البحث حولها، يجب علينا الورود في كنه المبحث و أصله، فنذكر فيما يأتي من أَبحاثنا ما يدلّ من الأدلّة الأربعة على ثبوت الولاية للفقيه ثم عن شرائطها العامّة، ثم عن الشّبهات و الإشكالات حول هذه النّظرية و الرّدود و الاجوبة منها. و الحمد للّه - سبحانه و تعالى - على ذلك.


الفصل الثّاني الاستدلال بالأدلّة الأربعة على ثبوت الولاية للفقيه

اشارة

الفصل الثّاني الاستدلال بالأدلّة الأربعة على ثبوت الولاية للفقيه

بعد الفراغ من تبيين المقدّمات و تمهيد الممهّدات، نذكر ما استُدلّ به أو يُمكن أن يُستدلّ به على ثبوت الولاية بمعنى الأمارة و الحكم للفقيه الجامع لشرائط الإفتاء علماً و عملاً. و نرى أنّ الأدلّة الأربعة بأسرها تدلّ على ثبوتها له.

و نقدّم الأدلّة العقليّة لأنّها الهامّة في الباب، ثمّ نؤيّدها و نقرّرها بنصوص الكتاب و السنّة لأنّها إذن تكون أوقع في القلوب.


الأوّل: الأدلّة العقليّة الدالّة على ثبوت الولاية للفقيه

اشارة

فنقول: انّ الأدلّة العقليّة الدالّة على ثبوتها له كثيرةٌ جدّاً، و ورد قسطٌ منها في كلام بعضهم، و قسطٌ في كلام بعضٍ آخر. و نرى انّ مجموعها يبلغ إلى عشرة دلائل أو أكثر!.

و نذكر هيهنا ما هو المهمّ منها.

الأوّل من الأدلّة العقليّة

و هذا الدليل يتشكّل من مقدّمتين:

الف: لاريب في ثبوت أحكامٍ في الشريعة ترتبط بالمجتمع و شؤونه - ككثيرٍ من الأحكام العباديّة -؛

ب: و لانسخ في أحكام هذه الشريعة المقدّسة، بل هي باقيةٌ في جميع الأزمنة و الأعصار -: عصر النبيّ صلى الله عليه و آله و عصر حضور الإمام عليه السلام و عصر غيبته -؛

و النتيجة: فيجب على اللّه - سبحانه و تعالى - أن ينصب أحداً في كلّ عصرٍ للقيام بمهمّة الأحكام و إجرائها. و لا أحد أعلم بها من الفقيه، فالولاية على المجتمع ثابتةٌ له.

هذه صورة القياس بالاختصار. و الآن نأتي بتوضيحٍ موجزٍ حول المقدّمتين و ما استنتجنا منهما؛ فنقول:

إنّ من الأحكام العباديّة ما هو وظيفةٌ للمرء باعتبار كونه مسلماً - كالصلوات اليوميّة -،

و منها ما هو ثابتٌ على المرء باعتبار كونه من أعضاء المجتمع الإسلاميّ. و هذا كثيرٌ جدّاً، بل الأوّل لايزيد على ثلث الأحكام، و أمّا الثلثان الأخيران فهي أحكام الإسلام الجماعيّة - كصلاة الجمعة و جمع الزكوات و الأخماس و إقامة الحجّ و إجراء الديات و إقامة الحدود و القصاص،... إلى غيرها ممّا لايخفى على المتأمّل في الشريعة و أحكامها -؛

ثمّ إنّ من المجمع عليه بين جميع المسلمين و فرقهم عدم عروض النسخ لتلك الأحكام، فهي باقيةٌ منذ عصر التشريع إلى أن تقوم القيامة، إذ لم يعقل أن تُوضع الأحكام لمدّة حياة النبيّ صلى الله عليه و آله أو حضور المعصوم عليه السلام، بل: «حلال محمّدٍ حلالٌ إلى يوم القيامة و حرامه حرامٌ إلى يوم القيامة»(1).

و من الثابت عند العقل المبرهَن عليه في علمي الحكمة و الكلام: انّه يجب على اللّه - سبحانه و تعالى، بما هو رحيمٌ على عباده الطالب لايصالهم إلى ما فيه خيرهم في النشأتين -، أن ينصب أحداً للقيام بمهمّة اجراء الأحكام الجماعيّة في كلّ عصرٍ من العصور. أمّا في زمن النبي صلى الله عليه و آله فلاخلاف بين المسلمين في أنّه هو المنصوب له؛

و ذهبت الإماميّة إلى ثبوت هذا المنصب لخلفائه الّذين حازوا هذه المرتبة بالاستحقاق - و هم الأئمّة الاثنى عشر عليهم السلام -؛

أمّا في عصر الغيبة و عدم حضور النبيّ أو الإمام فيجب أيضاً على اللّه - سبحانه و تعالى - أن لايهمل أمر الناس، بل يرشدهم إلى ما هو الخير لهم، فيجب عليه أن يعيّن أحداً في كلّ زمنٍ ليقوم بأمر المجتمع و ولايته، إذ ليس هذا بأقلّ مرتبةً من جعل الهُدُب في فوق العين و أسفلها و تنظيم الأخمص و ما يشبههما من دقائق خلق الإنسان، بل و خلق الحيوان


1) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 58 الحديث 19، «بحارالأنوار» ج 86 ص 147، «بصائرالدرجات» ص 148 الحديث 7.

أيضاً. و هذا ما سمّاه الحكماء بقاعدة الحكمة(1)، و المتكلّمون بقاعدة اللطف(2)، و مغزاهما واحدٌ. و قد ذكرنا نبذاً يسيرةً حولها فيما مضى من هذه الرسالة. فنفس القاعدة الحاكمة على اللّه - سبحانه و تعالى - بوجوب ارسال الرسل و تعيين الأوصياء و الأئمّة حاكمةٌ عليه بوجوب نصب الحاكم في زمن غيبتهم؛

و لا أعرف بالأحكام و محيط التشريع و أبعد من الهوى و الفجور من الفقيه الجامع، فيجب عليه - سبحانه و تعالى - بحكم القاعدة أن ينصبه لئلّا يهمل أمر الناس طيلة زمن الغيبة البالغة حتّى الآن ما يزيد على ألفٍ من السنين - عجّل اللّه تعالى في فرج صاحبنا و مولانا وليّالعصر و الزمان -.

نعم! لايمكن التنصيص بأسماء جميع من يأتي من الفقهاء في زمن الغيبة لكثرتهم و عدم حصرهم في عددٍ معيّنٍ، بل و ذكر أسمائهم يحتاج إلى دواوين بسيطة تبلغ المئات من المجلّدات. فجعل الشارع الحكم معلّقاً على العنوان المنطبق على الفقيه؛ فقال مثلاً:

«من... نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا... فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً»(3)

أي: من انطبق عليه هذا العنوان الكلّيّ فهو الحاكم من قِبل اللّه - سبحانه و تعالى - على مجتمع المسلمين.


1) . و انظر في هذا المضمار: «المبدأ والمعاد» - لصدرالمتألّهين - ص 146، «الحكمة المتعالية» ج 3 ص 118، 127.

2) . فانظر: «إرشادالطالبين» ص 276، «أوائل المقالات» ص 62، «كشف المراد» ص 254، «شرح القوشجي» على التجريد ص 348.

3) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 67 الحديث 10، «التهذيب» ج 6 ص 218 الحديث 6، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 136 الحديث 33416، «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 311 الحديث 21439.

و هذا العنوان ينطبق طيلة زمن الغيبة - ختمها اللّه تعالى - على كلّ فقيهٍ حاز مراتب الفضل العلميّ و النقاء النفسيّ و الدَّهاء و الذكاء، هذه المراتب الثلاث الّتي هي اللوازم البنائيّة للقيام بأمر الحكم و السلطة، - و سنفصّل الكلام حول هذه الشروط -.

هذا تقرير الدليل الأوّل من الأدلّة العقليّة الدالّة على ثبوت الولاية للفقيه.

و هذا الدليل ذكره سيّدنا الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله(1)، و قد استدلّ به أيضاً سماحة العلّامة آية اللّه العظمى الخوئيّ رحمه الله(2)و سنأتي بنصّيهما بعد الفراغ من بيان الدليل الثّاني من الأدلّة العقليّة لما بين الأوّل و الثّاني من الأدلّة من الربط الوثيق.

الثّاني من الأدلّة العقليّة

و هذا الدليل أيضاً يتشكّل من مقدّمتين:

ألف: انّ الشريعة الإسلاميّة هي شريعةٌ كاملةٌ تامّةٌ جامعةٌ لجميع ما تحتاج إليه الناس في جميع الأعصار و الأمصار؛

ب: و نظام المجتمع و تنظيم روابط الناس و ما يرجع إليها من أهمّ ما يحتاجون إليه؛

و النتيجة: فأمر الحكم و رئاسة المجتمع قد تبيّن في الشريعة و قد فُوّض فيها إلى من يصلح للقيام به، و هو الفقيه العادل المدبّر الفطن الّذي لاأصلح منه للقيام بأمره.

و لنفصّل بعض الكلام حول المقدّمتين و النتيجة؛ فنقول:

أمّا الصغرى، فممّا لايحتاج إلى كثير بحثٍ، إذ كون هذا الدين ناسخاً لجميع الأديان المتقدّمة عليه و كونه خاتماً للشرايع يدلّ على احتوائه على جميع ما يحتاج إليه الإنسان. إذ لوفُرض وجود حكمٍ لم يُبيّن في هذه الشريعة يحكم العقل بنقصه و عدم كونه خاتماً للشرايع؛


1) . راجع: «كتاب البيع» - له - ج 2 ص 461.

2) . راجع: «مباني تكملة المنهاج» ج 1 ص 224.

و قد تكلّمنا حول خاتميّة الإسلام و معناها فيما سبق.

و يدلّ على الصغرى أيضاً قوله صلى الله عليه و آله:

«ما من شيءٍ يقرّبكم إلى الجنّة و يباعدكم من النار إلّاو قد أمرتكم به، و ما من شيءٍ يقرّبكم من النار و يباعدكم من الجنّة إلّاو قد نهيتكم عنه»(1).

أمّا الكبرى فمن البديهيّ الّذي لايحتاج إلى تفصيلٍ، إذ الإنسان مدنيٌّ بالطبع و هذا يحكم باحتياجه إلى قواعد تنظيم المجتمع و من يقوم باجرائها - و قد مضت الإشارة إلى جبلّته هذه -؛

أمّا النتيجة أيضاً فواضحةٌ، إذ المقدّمتان تحكمان بوجوب بيان أحكام القائد و القيادة في الشريعة؛

أمّا قولنا: «و هو الفقيه العادل المدبّر الفطن...» فهو ممّا يحكم به العقل فضلاً عمّا ورد فيها في شأنه، إذ بداهة العقل تقرّر أن ليس أحدٌ أصلح للرئاسة ممّن اتّصف بالعلم و تحلّى بالعدالة بعد أن كان فطناً ذكيّاً قابلاً للقيادة و تنظيم أمور المجتمع الداخليّة و الخارجيّة.

و يبدو انّ هذا الدليل - كالسابق عليه - تامٌّ لاغبار عليه و لاشبهة فيه.

و هذان الدليلان قد ذكرهما السيّدان الآيتان الإمام الخمينيّ و العلّامة الخوئيّ 0. و قد وعدنا قبل الورود في تقرير الثّاني من الأدلّة العقليّة أن نذكر نصّ كلامهما، لأنّ هذا لايخلو من فوائد.

قال السيّد الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله:

«إنّ الأحكام الإلهيّة سواءٌ الأحكام المربوطة بالماليّات أو السياسات أو الحقوق لم تُنسخ، بل تبقى إلى يوم القيامة. و نفس بقاء تلك الأحكام يقضي


1) . راجع: «الكافي» ج 2 ص 74 الحديث 2، «وسائل الشيعة» ج 17 ص 45 الحديث 21939، «مستدرك الوسائل» ج 13 ص 27 الحديث 14634، «مجموعة ورّام» ج 2 ص 229.

بضرورة حكومة و ولاية، و لايمكن إجراء أحكام اللّه إلّابها لئلّايلزم الهرج و المرج. مع أنّ حفظ النظام من الواجبات الأكيدة و اختلال أمور المسلمين من الأمور المبغوضة... و لايمكن ذلك إلّابتشكيل الحكومة. و كلّ ذلك من أوضح ما يحتاج إليه المسلمون و لايُعقل ترك ذلك من الحكيم الصانع. فما هو دليل الإمامة بعينه دليلٌ على لزوم الحكومة بعد غيبة وليّالأمر - عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف -. سيّما مع هذه السنين المتمادية و لعلّها تطول - و العياذ باللّه - آلافٍ من السنين، و العلم عنده.

و هل يُعقل من حكمة الباري اهمال الملّة الإسلاميّة و عدم تعيين تكليفٍ لهم؟ أو رضى الحكيم بالهرج و المرج و اختلال النظام؟ و لم يأت بشرطٍ قاطعٍ للعذر لئلّاتكون للناس عليه حجّةٌ.

و ما ذكرناه و إن كان من واضحات العقل فانّ لزوم الحكومة و بسط العدالة و التعليم و التربية و حفظ النظم و رفع الظلم و سدّ الثغور و المنع عن تجاوز الأجانب من أوضح أحكام العقول من غير فرقٍ بين عصرٍ و عصرٍ أو مصرٍ و مصرٍ»(1).

هذا نصّ كلامه. و قد حذفنا جملةً منه تجنّباً عن التكرار، و هي رواية العلل عن مولانا الرضا عليه السلام و قد أوردناها في ما مضى من هذه الرسالة. و سنشير إليها في الاستدلال بالأحاديث على ثبوت الولاية له.

و قال السيّد العلّامة آية اللّه العظمى الخوئيّ رحمه الله في تكلمة المنهاج - و الظاهر انّ «المنهاج» من منشئات بعض تلاميذه، أمّا «التكملة» فمن قلمه الشريف. فالعبارة هذه صدرت عن قلمه في أواخر حياته المباركة -:


1) . راجع: «كتاب البيع» - له - ج 2 ص 461.

«مسألة 177: يجوز للحاكم الجامع للشرائط إقامة الحدود على الأظهر. هذا هو المعروف و المشهور بين الأصحاب، بل لم ينقل فيه خلافٌ إلّاما حكي عن ابني زهرة و إدريس من اقتصار ذلك بالإمام أو بمن نصبه لذلك، و هو لم يثبت»؛

و عدم ثبوت النسبة هو الصحيح، حيث أوردنا فيما مضى نصّ عبارتهما. و عليه فهما من القائلين بثبوت منصب اقامة الحدود للحاكم. ثمّ قال:

«و يظهر من المحقّق في الشرايع و العلّامة في بعض كتبه التوقّف».

و لم يتردّد في هذا الظهور بينما ذكرنا عباراتهما عن الشرايع و التذكرة، فلامجال للقول بتوقّف الحلّيّين في المسألة. فلاخلاف فيها، بل هي إجماعيّةٌ.

ثمّ شرع في الاستدلال على صحّة مذهبه، فقال:

«و يدلّ عليه أمران:

الأوّل: انّ إقامة الحدود إنّما شُرّعت للمصلحة العامّة و دفعاً للفساد و انتشار الفجور و الطغيان بين الناس، و هذا ينافي اختصاصه بزمانٍ دون زمانٍ. و ليس لحضور الإمام عليه السلام دخلٌ في ذلك قطعاً، فالحكمة المقتضية لتشريع الحدود تقضي لاقامتها في زمان الغيبة كما تقضي بها زمان الحضور».

هذا تقريره رحمه الله للأوّل من الدليلين. و قد نهج فيه منهج قاعدة الحكمة، و قد سبقت الإشارة إليها. ثمّ قال مقرّراً لثانيهما:

«و أمّا الثّاني: فإنّ أدلّة الحدود كتاباً و سنّةً مطلقةٌ و غير مقيّدةٍ بزمانٍ دون زمانٍ، كقوله - سبحانه و تعالى -: «الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ»(1)و قوله - تعالى -: «السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا


1) . كريمة 2 النور.

أَيْدِيَهُمَا»(1).

و هذه الأدلّة تدلّ على أنّه لابدّ من إقامة الحدود و لكنّها لاتدلّ على أنّ المتصدّي لاقامتها من؟. و من الضروريّ انّ ذلك لم يُشرع لكلّ فردٍ من أفراد المسلمين، فانّه يوجب اختلال النظام و أن لايثبت حجرٌ على حجرٍ، بل يُستفاد من عدّة رواياتٍ انّه لايجوز إقامة الحدّ لكلّ أحدٍ؛... فإذن لابدّ من الأخذ بالمقدار المتيقّن، و المتيقّن هو مَن إليه الأمر، و هو الحاكم الشرعيّ».

هذا صراح الدليل. و فيه أثبت أنّ الحاكم الشرعي - أي: المجتهد العدل البصير - هو الّذي فُوّض إليه أمر إقامة الحدود و إجراء الأحكام - أي: القيام بمهمّة إدارة المجتمع الاسلاميّ -.

ثمّ أيّده بالمنقول فقال:

«و تؤيّد ذلك عدّة روايات، منها: رواية اسحاق بن يعقوب».

• و من الجدير بالذكر انّ المحقّق الخوئيّ رحمه الله توقّف في أبحاثه الرجاليّة في سند الرواية(2)، أمّا الآن فقد حكم بصحّتها و جواز الاستدلال بها. و هذا هو الصحيح. قال رحمه الله -:

«قال: سألت محمّد بن عثمان العمريّ أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه مسائل أشكلت عليَّ، فورد التوقيع الشريف بخطّ مولانا صاحب الزمان - عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف -: أمّا ما سألت عنه - أرشدك اللّه و ثبّتك،... إلى أن قال: - و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه»(3).


1) . كريمة 38 المائدة.

2) . حيث حكم بتضعيف ابن حنظلة؛ راجع: «معجم رجال الحديث» ج 13 ص 27 الرقم 8723.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 140 الحديث 33424، «بحارالأنوار» ج 75 ص 380، «الاحتجاج» ج 2 ص 469، «الخرائج والجرائح» ج 3 ص 1113.

فالرواية الشريفة تدلّ على لزوم الرجوع في الأحكام و كذلك في الحوادث إلى الفقيه. و من الحوادث ما يختصّ بأمر المجتمع و إدارته و رئاسة شؤونه، فهو مفوَّضٌ إليه، بل هو منصوبٌ له.

ثمّ أخذ رحمه الله في البحث عمّا يضادّها من المرويّات في بعض الجوامع؛ فقال:

«و أمّا الاستدلال على عدم الجواز بما في دعائم الإسلام(1)و الأشعثيّات(2)عن الصادق عليه السلام عن آبائه عن عليٍّ عليه السلام: «لايصلح الحكم و لا الحدود و لا الجمعة إلّابإمامٍ»(3)، ففيه: إنّ ما في دعائم الإسلام لارساله لم يثبت. و أمّا الأشعثيّات - المعبّر عنها بالجعفريّات - فهي أيضاًلم تثبت»(4).

هذا كلامه، و هو تمامٌ في اثبات هذه الولاية للفقيه.

و هيهنا نقطةٌ، و هي: انّ المحقّق الخوئيّ ذهب إلى أنّ ما في الدعائم و الأشعثيّات ضعيفٌ لايقاوم التوقيع الشريف. و هذا صحيحٌ، و لكنّ الكلام كلّه في أنّ لفظة «الإمام» الواردة في قول أميرالمؤمنين عليه السلام تشمل المعصوم، و مَن نصبه بالخصوص لاقامة الحكم و الجمعة و إجراء الحدود، و مَن إليه إلحكم و هو النائب العامّ عنه في هذه الأمور - أي: الفقيه الجامع -؛ فلاتهافت بين هذه الرواية و ذلك التوقيع بوجهٍ. و هذا لاغبار عليه.

الثّالث من الأدلّة العقليّة

انّه من المثبَت تأريخيّاً أو فقل من الضروريّات في علم تأريخ الإسلام نصب الحكّام و القضاة و الوكلاء من ناحية المعصومين عليهم السلام من زمن تأسيس الدولة الإسلاميّة في مدينة


1) . راجع: «دعائم الإسلام» ج 1 ص 182.

2) . راجع: «الأشعثيّات» ص 42.

3) . و انظر: «مستدرك الوسائل» ج 18 ص 29 الحديث 21925، «النوادر» - للراونديّ - ص 55.

4) . راجع: «مباني تكملة المنهاج» ج 1 ص 224.

النبيّ إلى أن آن عصر الغيبة الكبرى، فنرى انّ النبيّ صلى الله عليه و آله و أميرالمؤمنين عليه السلام و الإمام المجتبى عليه السلام حينما ارتأسوا قد عيّنوا لكلّ ناحيةٍ من نواحي أرض المسلمين أميراً و قاضياً و أميناً على بيت المال. و من صدر الزمن الّذي خرجت السلطة الظاهريّة من أيديهم استمرّوا هذه السيرة و عيّنوا في كلّ ناحيةٍ الخلّص من شيعتهم كالحاكم على مجتمع تابعيهم؛ و قد أمروهم بالرجوع إليهم و الانقياد لهم فيما حكموا به، و هذا معنى جعلهم عليهم السلام إيّاهم حاكماً على المجتمع. و لاريب في أنّه استمرّت هذه السيرة حتّى منتهى عصر الغيبة الصغرى، فهذا القاسم بن العلاء الهمداني كان وكيل الحجّة - عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف - في آذربيجان، كما في رجال النجاشيّ‌(1)و تنقيح المقال(2)و غيرهما(3)من مصادر علم الرجال. و بالرجوع إليها نرى انّ الرجالييّن قد صحّحوا كثيراً من الرواة معلّلين بانخراطهم في سلك الوكلاء(4). و هذا واضحٌ لمن له أدنى معرفةٍ بها.

ثمّ لايُعقل أن يستمرّ نظام الإمامة و الخلافة الإلهيّة الكبرىٰ إلّامع استمرار لوازمه و شؤونه الّتي منها بقاء سلسلة الولاة و الوكلاء، إذ لامعنى لأن يكون الصاحب - عجّل اللّه فرجه - وليَّ اللّه أميراً على دار الوجود - و منها مجتمع المسلمين - من غير أن يعيّن ولاةً لمجتمعات شيعته. و لامناص من أن تكون الفقهاء هم الولاة من قِبَله لمعرفتهم بأوامره و نواهيه، و ما له رغبةٌ إليه و رغبةٌ منه. و هذا معنى قوله عليه السلام:


1) . لم أعثر عليه في «رجال النجاشيّ».

2) . راجع: «تنقيح المقال» ج 2 / القسم الثّاني / ص 22 الرقم 9588.

3) . فانظر على سبيل المثال: «منتهى المقال» ج 5 ص 227 الرقم 2316، «معجم رجال الحديث» ج 14 ص 33. و انظر: «اعلام الورى» ص 449، «إكمال الدين» ص 442.

4) . في كون الوكالة عن بعض المعصومين عليهم السلام من أمارات التوثيق خلافٌ، فذهب الأكثر إلى أنّها من أمارته، و نفاها بعضهم. و لتفصيل المقال راجع: «حاوي الأقوال» ج 1 ص 101، «تكملة الرجال» ج 1 ص 51، «عدّة الرجال» ج 1 ص 134، «مقباس الهداية» ج 2 ص 258، «التعليقة على منهج المقال» ص 21.

«فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه»؛

أي: في عصر الغيبة أنا حجّة اللّه الكبرىٰ و الراوي لحديثنا العارف به الواعي لها هو حجّتي على الناس، الّذي يجب عليهم الانقياد له.

الرّابع من الأدلّة العقليّة

و هذا الدليل مبنيٌّ على بداهة بطلان اللغو في جعل الأحكام، إذ اللغو في الجعل قبيحٌ عند العقل و هو يحكم بقبحه، و لايصدر إلّاعن السفيه. و لايُفرَض في محيط التشريع و جعل الأحكام، إذ الحكيم المطلق هو الحاكم على ذاك المحيط، و هو الواضع لها. و لايُعقل أن يرجع فعله إلى اللغو بينما انّ القول بنفي الولاية عن الفقيه لايرجع إلّاإلى تعطيل الأحكام الإلهيّة و النواميس الشرعيّة، و هو يساوي اللغو في جعله - تعالى - إيّاها، إذ لامعنى له إلّاالقول بأنّه لايجب العمل بأحكام الشريعة الجماعيّة إلّافي دولة المعصوم عليهم السلام - أي: من زمن استقرار النبيّ صلى الله عليه و آله على عرش السلطة إلى أن صالح الإمام المجتبى عليه السلام معاوية. ثمّ عطّلت الأحكام إلى أن يقوم القائم عليه السلام و يستقرّ عليه. و لامعنى لهذا إلّاتعطيل الأحكام، و لامعنى للتعطيل إلّا سنوح اللغو في محيط التشريع؛ و هو قبيحٌ عن العقلاء فضلاً عن الحكيم على الاطلاق - سبحانه و تعالى -.

أمّا مع القول بثبوت الولاية للفقيه العارف بمجاري الأحكام فلايفرض اللغو في التشريع، و عدم اللغو من المجمَع عليه؛ فلامناص من القول بثبوتها له.

الخامس من الأدلّة العقليّة

و هذا الدليل مبنيٌّ على ما هو المطلوب المراد من خلق الإنسان.

لاريب في أنّ الإنسان خُلق لأنّ يصل إلى كماله اللائق به المطلوب له، و ما دخل في حيّز

الوجود داخلٌ إلّاو له دورٌ في هذا الوصول - قال سبحانه و تعالى: «أَ لَمْتَرَوا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الْأَرْضِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَ بَاطِنَةً»(1)و قال: «وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي»(2)-. و هذا ممّا قرّرته الثقافة الإسلاميّة، بل هو مذهب الحكماء الإلهيّين أيضاً(3).

ثمّ من أهمّ المعدّات لنيل الإنسان إلى هذه المرتبة إرسال الرسل و إنزال الكتب ليقوم الناس بالقسط و ليقوموا بمهمّة الحكم لتعيش الناس في مجتمعٍ قائمٍ على أساس القسط ليمكن لهم اقتناء ما هو المطلوب لهم و ما هو المراد من خلقهم.

و هذه سلسلة الأنبياء و الأوصياء من زمن أبينا النبيّ آدم عليه السلام - الّذي هبط إلى الأرض قبل أن يستقرّ فيه أحدٌ من هذا النوع -، إلى أن آن زمن الغيبة الكبرى. و هم الهادون للناس إلى ما هو الكمال لهم روحيّاً كان أو جسميّاً.

و لايمكن اقتناء الكمال إلّافي ظلّ دولةٍ قائمةٍ على النواميس الشرعيّة و الأحكام الإلهيّة؛

و لاريب في استمرار الخلق في زمن غيبة المعصوم عليهم السلام، و هو المشاهد الآن؛

فلامناص من القول بأنّ اللّه - تعالى - قد فوّض أمر الحكم إلى من هو الصالح له ليمهّد للناس الطريق إلى كمالهم اللائق لهم - إذ هو المقصود من خلقهم -؛

و لاأصلح ممّن جمع بين العلم و العدالة و الكفاية، و هو الّذي نسمّيه الفقيه الجامع لشرائط الولاية. فقضيّة المطلوب من الخلق تقضي بضرورة تعيين الوالي في زمن الغيبة لئلّا تهمل الناس و ما هو المقصود من خلقهم.


1) . كريمة 20 لقمان.

2) . كريمة 41 طه

3) . لم أعثر على نصٍّ من الحكماء في هذا المضمار، و إن كان ممّا لاريب فيه

السّادس من الأدلّة العقليّة

و هذا الدليل مبنيٌّ على أنّ للشيعة - كغيرهم من أهالي المجتمع - الصِلات و العِلاقات الجماعيّة، فيحتاجون إلى مدبّرٍ صالحٍ ينظّم و يدبّر تلك العِلاقات.

و يمكن أن نسبك مادّة الدليل في صورة قياسٍ استثنائيٍّ؛ و هذه صورته:

الف: انّ تنظيم العِلاقات الجماعيّة يحتاج إلى مدبّرٍ و سائسٍ صالحٍ له؛

ب: و قد نُهيت الشيعة عن الركون إلى الفسقة في تنظيمها؛

و النتيجة: فعلى الناهي أن يعيّن والٍ صالحٍ ليركنوا إليه.

و توضيحه: انّ لمتابعي أهل البيت عليهم السلام بما لهم من الطبع المدنيّ صِلاتٌ و علاقاتٌ مع غيرهم من أهالي المجتمع، و هذا ممّا لاريب فيه - إذ هو من المشاهَد المحسوس في كلّ عصرٍ، سواء فيه عصرنا هذا أو الأعصار المتقدّمة عليه أو اللاحقة به -؛

و لاتنتظم تلك العلاقات إلّابمن يدبّرها و يسوس أمرها لئلّا يؤول أمر المجتمع إلى الهرج و الاضطراب؛

و لكن قد نُهيت الشيعة عن الركون إلى الظلمة و الفسقة غاصبي الخلافة و متابعيهم، قال - سبحانه و تعالى -: «وَ لَاتَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا»(1)و قال: «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ»(2). و قد استدلّ مولانا الصادق عليه السلام بهذه الشريفة عند ما بيّن لعمر بن حنظلة حكم الرجوع إلى الفسقة. و في المرويّات عن أئمّة أهل البيت قسطٌ وافرٌ من تلك النواهي الناهية عن الرجوع إليهم. و لاريب في أنّ الناس بحاجةٍ ماسّةٍ إلى مَن يتكفّل أمر تنظيم عِلاقاتهم الجماعيّة؛

فعلى حجج اللّه و أصحاب الخلافة الكبرى بالأصالة أن يعيّنوا ولاةً ليولّوا أمر الحكم و


1) . كريمة 113 هود.

2) . كريمة 60 النساء.

تنظيم شؤون أهالي المجتمع؛

و لا أحد أصلح للقيام به من الفقيه الجامع لشرائط الإفتاء، فعليهم عليهم السلام أن يعيّنوه كوالٍ على مجتمع الشيعة؛ قال الصادق عليه السلام:

«ينظران إلى من... نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا... فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً»(1)

و قال الإمام الحجّة عليه السلام:

«فارجعوا فيها إلى رواة حديثا فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه»(2).

فقضيّة العِلاقات الجماعيّة تحكم بوجوب هذا النصب و الجعل لئلّا يختلّ أمر الهيئة الإجتماعيّة. و هذا عيانٌ جليٌّ لايمكن لعاقلٍ أن يرتاب فيه.


و تؤيّد الأدلّة العقليّة السيرة المستمرّة بين الشيعة الإماميّة الدالّة على وجوب الرجوع إلى الفقيه العدل الخبير بما تحتاج إليه الناس فيما يرجع إلى دينهم و دنياهم، و ليس هذا إلّا صورةً أخرى عمّا نحن بصدده من إثبات الولاية للفقيه فيما يرجع إلى حياة الناس الدنياويّة و الأخرويّة. و تلك السيرة كانت بمرأىً من المعصومين عليهم السلام، و هم لم يردعوا عنها بل و نصبوا جمعاً من أصحابهم للجلوس في المسجد و الإفتاء فيما يشكل على الناس و أمروا بالرجوع إليهم و الخضوع لما حكموا به.

فهذه السيرة حجّةٌ، و هي تؤيّد القول بثبوت الولاية له.



1) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 67 الحديث 10، «التهذيب» ج 6 ص 301 الحديث 52، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 136 الحديث 33416.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 140 الحديث 33424.

الثّاني: الاستدلال بالكتاب على ثبوت الولاية للفقيه

اشارة

و قبل الخوض في صلب المبحث يجب أن ننبّه على نكتتين:

النكتة الأولى:

يبدو من التأمّل في مسفورات الفقهاء انّهم لم يتمسّكوا لإثبات الولاية للفقيه بالآيات القرآنيّة، فمنهم من أوجز في البحث عنها - كالمتقدّمين -، و منهم من توسّع فيه - كثاني النراقيَّين رحمه الله من المتأخّرين و السيّد الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله من المعاصرين -، و كلّهم يشتركون في عدم التمسّك بها في ثبوتها له.

بينما نرى انّ قسطاً من الكريمات القرآنيّة يدلّ عليها و يزيد عددها على عشر آيات، فهذا بحثٌ مبكّرٌ يُعدُّ من فرائد هذه الرسالة، فهو يحتاج إلى مزيدٍ من البحث و التنقيح. إذ لإثباتها بواسطة القرآن الكريم شأنٌ من الشأن!.

النكتة الثّانية:

و لوفرضنا انّ الآيات لاتدلّ على اثباتها له فهذا الفرض لايضرّ المثبتين لها، و لاينفع جاحديها. و هذا ككثيرٍ من أحكامنا الفقهيّة الأوّليّة و ضروريّاتنا العقائديّة الّتي لم تذكر في هذا الكتاب الكريم، أو فقل ذُكرت و لكن علمها موكولٌ إلى أصحابه عليهم السلام.

و لنؤيّد هذا بما رواه الكلينيّ في جامعه الكافي(1)في الصحيح عن أبي بصير انّه قال:

«إنّ الناس يقولون: فما له لم يسمّ عليّاً و أهل بيته في كتاب اللّه - عزّ و جلّ -؟


1) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 286 الحديث 1؛ و انظر: «البرهان في تفسير القرآن» ج 1 ص 382.

قال: فقولوا لهم: إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله نزلت عليه الصلاة لم يسمّ اللّه لهم ثلاثاً و لاأربعاً حتّى كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله هو الّذي فسّر ذلك لهم، و نزلت عليه الزكاة و لم يسمّ لهم من كلّ أربعين درهماً درهمٌ حتّى كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله هو الّذي فسّر ذلك لهم، و نزل الحجّ فلم يقل لهم طوفوا أسبوعاً حتّى كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله هو الّذي فسّر ذلك لهم -... الحديث -».

و في هذا كفايةٌ عن التفصيل. فلندخل في أصل الاستدلال بالكريمات القرآنيّة على ثبوت الولاية للفقيه و صلبه.

الآية الأولى

قوله - سبحانه و تعالى -:

«أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْ‌ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ»(1).

لاريب في أنّ الظاهر من الآية المباركة هو إثبات أصل الدولة و السلطة الإسلاميّة، فهي بصدد اثباتها. و شأنها شأن الإشارة إلى ما لها من الأهميّة البالغة؛ و هذا ظهورها البدويّ و مايبدو منها في بادىء الأمر. و هذا الظهور بمكانٍ من الوضوح حتّى أنّ إخواننا السنّة و الجماعة تمسّكوا بها منذ أن ارتحل النبيّ صلى الله عليه و آله إلى حدّ الآن لوجوب الخضوع للحاكم و السلطان - كان من كان -. أمّا الاستدلال بها على ثبوت الولاية للفقيه فالظاهر انّه لم يرد في كلمات الأكابر، لا منّا و لا من العامّة(2).


1) . كريمة 59 النساء.

2) . و من اللافت للنظر هيهنا ما رواه النيشابوريّ عن ابن عبّاس و الحسن و مجاهد و الضحّاك انّهم قالوا في تقسير قوله - تعالى -: «أُولِي الأَمرِ»: «انّهم العلماء الّذين يفتون بالأحكام الشرعيّة و يعلّمون الناس دينهم»؛ راجع: «غرائب القرآن و رغائب الفرقان» ج 2 ص 59.

ثمّ نقول: قد رفض النبيّ صلى الله عليه و آله و أئمّة أهل البيت عليهم السلام وجوب الطاعة عمّن ترأّس و استوى على عرش السلطة و استقرّ عليه لوكان متغلّباً. و هذا الرفض يحكم به العقل، إذ لايجوّز العقل أن يحكم اللّه - سبحانه و تعالى - بوجوب المتابعة عن الظلمة و الفُسّاق، و ارسال الرسل خير شاهدٍ على عدم رضى اللّه - سبحانه و تعالى - بالمتابعة عنهم.

ثمّ ورد في بعض مرويّاتنا تفسير «أولي الأمر» بالأئمّة الإثنى عشر، و هذا التفسير هو السبب الوحيد في عدم الاستدلال بها على ثبوت الولاية للفقيه من قِبل أعلامنا و لو المتأخّرين منهم. فمن تلك المرويّات(1)ما رواه ابن بابويه(2)قال:

«حدّثنا غير واحدٍ من أصحابنا قالوا: حدّثنا محمّد بن همام عن حفص بن محمّد الفزاريّ عن الحسين بن محمّد بن سماعة عن أحمد بن الحرث قال:

حدّثني المفضّل بن عمر عن يونس بن ظبيان عن جابر بن يزيد الجعفيّ قال:

سمعت جابر بن عبداللّه الأنصاريّ يقول: لمّا أنزل اللّه - عزّ و جلّ - على نبيّه صلى الله عليه و آله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»، قلت: يا رسول اللّه! عرفنا اللّه و رسوله، فمن أولي الأمر الّذين قرن اللّه طاعتهم بطاعتك؟

فقال صلى الله عليه و آله: هم خلفائي يا جابر و أئمّة المسلمين من بعدي، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين - ثمّ سرد أسماء أبنائه عليه و عليهم السلام حتّى قال -: ثمّ سميّيّ محمّد و كنيّيّ حجّة اللّه في أرضه و بقيّته في عباده ابن الحسن بن عليّ -... إلى آخره -».


1) . و لتفصيل هذه الروايات راجع: «البرهان في تفسير القرآن» ج 1 ص 381.

2) . راجع: «كمال الدين» ج 1 ص 253. و انظر: «إعلام الورى» ص 397، «تأويل الآيات» ص 141، «بحارالأنوار» ج 36 ص 249.

و منها: ما رواه الكلينيّ رحمه الله(1)، و هو:

«محمّد بن يعقوب عن الحسين بن محمّد عن الحسن بن عليٍّ الوشّاء عن أحمد بن عائد عن أبي أذينة عن بريد العجليّ قال: سألت أباجعفر عليه السلام عن قول اللّه - عزّ ذكره -: «... يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» -... إلى آخره -؟

فقال: إيّانا عُني خاصّةً أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا».

و نظائرهما كثيرٌ في الباب. و قلنا انّ ما ورد في تلك الروايات من تفسير «أولي الأمر» بالأئمّة الإثنى عشر المعصومين هو السبب الوحيد في عدم الاستدلال بالآية الشريفة على ثبوت الولاية للفقيه.

و لكن لنا أن نتساءل: انّ ما ورد في تلك الروايات من حصر الأولياء في المعصومين هل هو حصرٌ حقيقيٌّ؟ أو حصرٌ إضافيٌّ؟؛

فلوكان الحصر إضافيّاً فالرواية صدرت لبيان نفي الولاية عمّن تصدّاها متغلّباً من غير أن يكون أهلاً لها، فالرواية وردت لتزييف ما استدلّت به أصحاب السقيفة و تابعوهم بالآية الشريفة على وجوب الطاعة عن الولاة الظلمة الفسقة، كمعاوية و ابنه، و مروان و آله، و العبّاسييّن المتجاهرين بالفجور الشاربين للخمر على رؤوس الأشهاد اللاعبين بالنرد و الشطرنج. أمّا من حذا حذو النبيّ صلى الله عليه و آله و خلفائه من التخلّي عن الجهل بالأحكام الشرعيّة و التحلّي بالعدالة و استيفاء الكفاية الذاتيّة فلالسان للرواية على نفي الولاية عنه، بل و لادلالة لها عليه. و الفقيه الجامع لشرائط الفتيا هو الّذي حاز السبق في ميدان العلم و العدالة و الكفاية، فهو المأمور بطاعته كما انّ النبيّ صلى الله عليه و آله و أهل بيته عليهم السلام هم المأمورون بطاعتهم.

فالآية الشريفة كما تدلّ على وجوب الطاعة عن المعصومين عليهم السلام تدلّ على وجوب الطاعة عن خلفائهم في كلّ عصرٍ و مصرٍ، و هم الفقهاء العدول. هذا لوفرضنا انّ الحصر الوارد في


1) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 276 الحديث 1. و انظر: «تأويل الآيات» ص 140.

تلك الروايات حصرٌ إضافيٌّ؛

و لوفرضنا انّ الحصر حصرٌ حقيقيٌّ فنقول: إنّ العلّة المستنبَطة أو قاعدة الجري تحكمان بوجوب الطاعة عمّن انخرط في سلكهم و تحلّى بأوصافهم. نعم! لاريب في اختصاص بعض مراتب الولاية بالمعصومين الأربعة عشر عليهم السلام - و قد مضى تفصيل الكلام في ذلك في صدر الكتاب -.

فالآية الشريفة تدلّ على ثبوت الولاية في التشريع - بمعنى تبيين الأحكام - و في القضاء و في رئاسة المجتمع للفقيه، كما تدلّ على ثبوتها و ثبوت ما هو أعلى منها لأئمّتنا الأربعة عشر؛ هذا. و الظاهر انّ الاستدلال بالآية الشريفة تامٌّ لاغبار عليه.

الآية الثّانية

قوله - سبحانه و تعالى -:

«أَ لَمْتَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعَمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَ يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيداً»(1).

للآية المباركة ظهورٌ جليٌّ في حرمة الرجوع إلى الطاغوت. و «الطاغوت» في لسان القرآن الكريم يُطلق و يُراد منه ما هو المضادّ للّه - سبحانه و تعالى - المخالف له؛ قال - سبحانه و تعالى -: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَولِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ»(2). إضافةً على أنّ الآية الأولى عدّت الرجوع إلى الطاغوت حراماً، انّ انضمامها


1) . كريمة 60 النساء.

2) . كريمة 257 البقرة.

بالثانية تدلّ على أنّ الرجوع إليهم و عدم الكفر بهم يخرج الإنسان من النور إلى الظلمات، و يجعل عاقبة أمره و مسيره إلى النار؛ فمن الواجب ترك الرجوع إليهم و عدم الاعتماد بهم.

و لكن من البديهيّ انّ الرجوع إلى الدولة و السلطة يُعدّ من لوازم حياة الإنسان الجمعيّة، و لامناص له منه؛ فترى ماذا يفعل؟. هل تراه يعمد على من أُمِر أن يكفر به؟، أو يخرج من المجتمع و يعيش فريداً وحيداً؟!.

لاريب في أنّ الأوّل محذورٌ شرعاً، و الثّاني ممتنعٌ عقلاً؛ فلاسبيل إليهما. و الطريق الّذي أبدعه الشارع هو الرجوع إلى حكم اللّه و الخضوع له، و لكن ما هو الطريق للوصول إلى حكم اللّه في زمن خروج الدولة عن أيدي أهل البيت عليهم السلام و استقرار غيرهم على عرش السلطة؟.

ليس له طريقٌ إلّاالرجوع إلى مَن كان نائباً عنهم عليهم السلام ذا سلطةٍ من قِبلهم حتّى لم يكن المراجع إليه معدوداً في المخرجين من النور إلى الظلمات. و العقل يحكم بأنّ النوّاب عن المعصوم في زمن خروج الأمر من أيديهم هم الفقهاء العدول أصحاب الدراية و الكياسة.

و يؤيّد حكم العقل ما روي عن الصادق عليه السلام في مقبولة عمر بن حنظلة حيث قال عليه السلام:

«من نظر في حلالنا و حرامنا... فليرضوا به حكماً... فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً»(1).

فالآية الشريفة تثبت أوّلاً حاجة الناس للرجوع إلى الحاكم و الدولة؛

ثمّ تثبت ثانياً حرمة الرجوع إلى الطواغيب و الدول غير المشروعة؛

فيحكم العقل من انضمام هاتين المقدّمتين بوجوب نصب والٍ إلهيٍّ لم يكن الرجوع إليه معدوداً في الرجوع إلى الطاغوت. و ليس هذا الوالي إلّاالفقيه الجامع لشرائط الفتيا علماً و عملاً.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 136 الحديث 33416.

و هذا الحصر حصرٌ حقيقيٌّ يحكم به كلٌّ من العقل و النقل. فللآية الشريفة دلالةٌ واضحةٌ على ثبوت منصب الولاية للفقهاء العدول طيلة زمن خروج الحكم و السلطة عن أيدي المعصومين عليهم السلام.

الآية الثّالثة
اشارة

قوله - تعالى -:

«وَ إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوفِ أَذَاعُوا بِهِ وَ لَو رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَ لَولَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً»(1).

دلالة الكريمة على اثبات الولاية للفقيه تتمّ بالنظر إلى هذه النكات المستخرجة من نصّها الشريف.

النكتة الأولى:

إنّ للحياة الجماعيّة مُشاخّاةٌ متنوّعةٌ منها مايرجع إلى السعة و الدعة، و منها ما هو من قبيل المشاكل و المعضلات. و عبّرت الكريمة عن الأوّل بالأمن، و عن الثّاني بالخوف. فقوله - تعالى -: «مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوفِ» يشير إلى مظاهرات الحياة الإنسانيّة المتنوّعة.

النكتة الثّانية:

إنّ من المرغوب فيه المأمور به ارجاع تلك المظاهرات إلى الرسول لوأمكن، و إلى أولي الأمر من بعده صلى الله عليه و آله.

النكتة الثّالثة:

إنّ من المنهيّ عنه الالتواء في تلك المظاهرات و عدم الرجوع إلى الرسول و إلى أولي الأمر من بعده. و إلى هذه النكتة يشير قوله - تعالى -: «أَذَاعُوا بِهِ»، أي:

الاستبداد بالفكر و الرأي عند ظهور الأمن أو الخوف و عدم ارجاع أمرهما إليهما.


1) . كريمة 83 النساء.

النكتة الرّابعة:

و لكن مَن أولي الأمر الّذين أُمِرنا باتّباعهم في تلك الوقائع؟ يجيب عن هذا السؤال البنّاء قوله - سبحانه و تعالى -: «الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ»، أي: إنّ اللّه - تعالى - قد فوّض ولاية الأمر في الوقائع الإجتماعيّة إلى مَن كان محيطاً بالشريعة - كالرسول صلى الله عليه و آله - خبيراً بما يحتاج إليه المجتمع، و ليس هو إلّاالفقيه الخبير - أي: الجامع للفقه و الخبرويّة بالنسبة إلى حوائج المجتمع -، و هذا ما نسمّيه بولاية المجتهد الجامع لشرائط الفتيا.

فدلالة الكريمة على وجوب الرجوع إلى الفقيه في المشاكل الإجتماعيّة و الخضوع لرأيه و حكمه تامّةٌ ظاهرةٌ.

أضف إلى ذلك تنصيص هذه الكريمة على تعيين مصداق الولاية بعد النبيّ، و هو المستنبط من الناس. فدلالة هذه الكريمة على ما نحن بصدده أولى من سابقتيه.

الآية الرّابعة
اشارة

قوله - تعالى -:

«أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَ مَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَ أَبْنَائِنَا فَلَمَّاكُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَ قَالَ لَهُمْنَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَ نَحْنُأَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْيُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَ زَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَ اللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ»(1).


1) . كريمتان 246، 247 البقرة.

و الاستدلال بالآية الشريفة لما نحن بصدده يتمّ بالنظر إلى عدّة نقاطٍ:

النقطة الأولى:

أكّدت الآية على لزوم الدولة و الرئاسة في المجتمع، و هذا يظهر من قوله - سبحانه و تعالى -: «ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً».

النقطة الثّانية:

إنّ القرآن الكريم يقرّر سيرة الملأ - و هم أشراف القوم و شرفائهم - حيث التمسوا إلى نبيّهم أن يعيّن لهم قائداً يولّي أمر الجيش في الحرب، و من هذا التقرير يظهر عدم كفاية الناس في اختيار الوالي، بل من اللازم أن يكون الوالي مختاراً من قبل اللّه - سبحانه و تعالى -. و كأنّ هذا الأمر كان مرتكزاً في أذهان الملأ حيث ما اجترؤوا في تعيين الو الي بالاستبداد بأهوائهم أو بالانتخابات العموميّة و القوميّة.

النقطة الثّالثة:

إنّ اللّه - سبحانه و تعالى - علّل ما فعل من تفويض الأمر إلى شابٍّ منهم لم يكن معدوداً في الأثرياء أو رؤساء الأقوام أو ذوي الشوكة بأنّ المدار في إعطاء الولاية ليس إلّاعلى أمرين:

الأوّل: العلم بمواقع الأمور؛

و الثّاني: الكفاية للقيام بأمرها، و عبّر اللّه - سبحانه و تعالى - عن الأمرين بقوله: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَ زَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ»، أي: له الكفاية لأن يكون القائد الأعلى يدبّر أمر الجيش و يهدي الناس إلى ما فيه الظفر و الفتح.

النقطة الرّابعة:

ثمّ أشار - سبحانه و تعالى - إلى قاعدةٍ كلّيّةٍ في أمر الولاة، و هي: انّه - سبحانه و تعالى - «يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ»، و هو - تعالى - حكيمٌ و فعله محكمٌ، فلايعطي ملكه إلّامن حاز مرتبتين:

مرتبة العلم؛

و مرتبة الكفاية.

النقطة الخامسة:

لنا أن نتساءل: هل الناس بعد انقطاع سلسلة الإمامة و الخلافة الإلهيّة

بالأصالة في سعةٍ من أمر الدولة و الولاية؟ أم يحتاجون إليه في كلّ الآنات من حياتهم الجماعيّة؟

لاريب في ثبوت حاجتهم إليه - و قد مضت الإشارة إلى لمّيّة هذا الاحتياج، و قلنا انّ الإنسان بما هو مدنيٌّ بالطبع يحتاج إلى أن يعيش في المجتمع، و الحياة الإجتماعيّة لابدّ لها من الانتظام و لاينتظم أمر المجتمع إلّابالدولة، فالناس بحاجةٍ دائمةٍ ماسّةٍ إلى الولاية -؛ و لاولاية إلّابالوالي؛ فالناس مضطرّون إلى وجود والٍ في كلّ عصرٍ و مصرٍ.

و لايصلح للولاية إلّامن حاز الشرطين: العلم و الجسم - أي: العلم و الكفاية -، و لاأعلم من الفقيه المستنبط. فلوحاز فقيهٌ مرتبة الكفاية و الخبرويّة بمواقع الأمور ليتمكّن من جعل الأمور في مجاريها فهو الّذي أعطاه اللّه ملكه. فله الولاية على المجتمع، و على الناس الخضوع لحكمه و رأيه؛ و هذا واضحٌ.

فدلالة الكريمة على ثبوت الولاية للفقيه تامّةٌ لامجال للارتياب فيها.

الآية الخامسة

قوله - سبحانه و تعالى -:

«قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَ مَّنْ لَايَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(1)؟.

دلّت هذه الكريمة على أنّ التبعيّة ممّن ليس له شأن الهداية قبيحٌ، ثمّ قرّر على هذه الدقيقة بقوله: «فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»، أي: للعقل أن يحكم بهذه الدقيقة فما لكم لاتتّبعون ما حكمت به العقول بل تخالفونه؟!.


1) . كريمة 35 يونس.

و قوله - تعالى -: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَ مَّنْ لَايَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى» يُستنبط منه انّ «الشركاء» المذكور في صدر الكريمة لاينحصر في الأوثان، لأنّ الوثن ليس من شأنه أن يُهدى. فالمراد منه: كلّ من التجأت إليه الناس في أمر دينهم أو دنياهم من غير أن يكون صالحاً لارشادهم إلى ما هو الخير لهم من أمرهما.

ثمّ إنّ تقدّم الهادي على المهديّ ممّا لامجال للنقاش فيه، بل العقل يحكم به من غير أن يحتاج فيه إلى تأمّلٍ أو تنقيبٍ؛ و هذا نظير قوله - سبحانه و تعالى -: «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لَايَعْلَمُونَ»(1)؟؛ و قوله - تعالى -: «هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَ الْبَصِيرُ»(2)؟، حيث يُجاب بتقدّم العالم و البصير على الجاهل و الأعمى.

و كذلك فيما نحن فيه، فانّ تقدّم الهادي على غيره بمكانٍ من الوضوح عند العقول.

فتلخّص ممّا قلنا انّ الآية دلّت على وجوب متابعة الناس عمّن يدبّر أمرهم؛

ثمّ دلّت على قبح المتابعة عمّن ليس له شأن هداية الناس إلى ما هو الخير لهم؛

و النتيجة الحاصلة عن المقدّمتين وجوب المتابعة عمّن له شأن الهداية فيما يرتبط بنشأة الناس الدنياويّة و حياتهم الأخرويّة؛ و ليس هو إلّاالفقيه البالغ مرتبتي الفقه و الكفاية لتدبير أمر المجتمع لئلّا يحكم العقل بقبح التبعيّة عنه؛ و هذا واضحٌ.

الآية السادسة

قوله - تعالى -:

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَاتَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَايَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَ مَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ


1) . كريمة 9 الزمر.

2) . كريمة 50 الأنعام، 16 الرعد.

الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ»(1).

قال الراغب: «قال - عزّ و جلّ -: «لَاتَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ»، أي: مختصّاً بكم يستبطن أموركم. و ذلك استعارةٌ من بطانة الثوب، بدلالة قولهم: لبست فلاناً: إذا اختصصته»(2).

فصدر الآية الشريفة دلّ على النهي عن اتّخاذ المؤمنين غيرَهم بطانةً - أي: اختصاصهم غيرهم بهم -. و لااختصاص أشدّ من تولية الأمر، فلايجوز أن يولّي أمر المؤمنين مَن ليس منهم، بل يجب أن يولّيه من كان منهم - بل من كان أعلمهم بمواقعه -؛ و ليس هو إلّاالفقيه العدل الخبير بمواقع الأمور.

و في قوله - تعالى -: «قَدْ بَيَّنَا الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ» إشعارٌ بأنّ العاقل لايرتاب في صحّة هذا القول، بل العقل يحكم بها و على العقلاء أن يتّبعوه.

الآية السابعة
اشارة

قوله - سبحانه و تعالى -:

«وَ قَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَومَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَ كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَ لَانُضِيعُ أَجْرَ الُْمحْسِنِينَ»(3).

و الاستدلال بها على المقصود يتمّ بالنظر إلى عدّة نكاتٍ:


1) . كريمة 118 آل عمران.

2) . راجع: «مفردات الفاظ القرآن» ص 131 القائمة 1.

3) . كريمات 54، 55، 56 يوسف.

النكتة الأولى:

المستفاد من الآية محبوبيّة الدولة الإلهيّة عند اللّه - تعالى -، و هي تظهر ممّا فعل النبيّ يوسف عليه السلام من الدخول في دولة عزيز و التعاون معه، و لازمه دخول النبيّ تحت حكم الطاغوت. و لكن ما كان محذوراً بالنظر إلى ما سيؤول إليه الأمر من كونه عليه السلام والياً على الملك مؤسّساً لدولةٍ إلهيّةٍ تابعةٍ لرأي النبيّ التابع لحكم اللّه - تعالى -. و يؤيّده ما روي عن أئمّة أهل البيت من أمرهم بعض شيعتهم باستدامة الوزارة و الأمارة في دولة الجور(1)، نظراً إلى أنّها يمكن أن تمهّد السبيل لتأسيس دولةٍ إسلاميّةٍ.

النكتة الثّانية:

يستفاد من الآية الشريفة انّ للحاكم في الدولة الإلهيّة شروطاً لايحقّ له الحكم إلّابإحرازها و الاتّصاف بها؛ و هي المشار إليها بقوله عليه السلام: «إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ»، حيث علّل عليه السلام ما طلب من عزيز من جعله ما نسمّيه اليوم وزير الماليّة بكونه حفيظاً عليماً - أي: القادر على أداء ما يقتضيه هذا المنصب من الوظائف و الإجابة عن حاجاته و متطلّباته -.

النكتة الثّالثة:

ليس قول يوسف عليه السلام إخباراً عن وقعةٍ جزئيّةٍ خارجيّةٍ، بل هو بيان قاعدةٍ كليّةٍ يؤيّدها العقل و تقرّر عليها سيرة العقلاء من أنّه لايجوز لأحدٍ القيام بأمرٍ إلّاو كان متمكّناً منه قادراً عليه. و كأنّ هذا كان مرتكزاً في ضمير الملك حيث قال: «إِنَّكَ الْيَومَ لَدَينَا مَكِينٌ أَمِينٌ» أي: ذومكنةٍ من القيام بالمناصب الهامّة الأمين عليها.

فالمحصّل من الآية الشريفة محبوبيّة القيام بتشكيل الدولة الإلهيّة و تأسيسها، بل وجوبه - و هذا يستفاد من سيرة النبيّ يوسف عليه السلام حيث ما بطؤَ و ما تأخّر في القرار في


1) . كما فعلوا بابن يقطين و أضرابه. روى الكشيّ: «محمّد بن اسماعيل عن اسماعيل بن مرار عن بعض أصحابنا: انّه لمّا قدم أبوإبراهيم موسى بن جعفر عليه السلام العراق قال عليّ بن يقطين: أمَا ترى حالي و ما أنا فيه؟ فقال له: يا عليّ انّ للّه - تعالى - أولياء مع أولياء الظلمة ليدفع بهم عن أوليائه، و أنت منهم يا عليّ!»؛ راجع: «رجال الكشيّ» ص 433 الحديث 817؛ و انظر: «بحارالأنوار» ج 72 ص 349.

منصب وزارة الماليّة، الّذي هو من أهمّ المناصب و أشرفها -؛

و وجوب كون الوالي ذا كفايةٍ للإجابة عن متطلّبات منصبه.

و بعد انقطاع سلسلة النبوّة و في عصر غيبة الإمام عليه السلام لا أحد أحقّ من الفقيه العادل المدبّر بالولاية، إذ هو العليم بأحكام اللّه المدبّر لمقتضيات هذا المنصب الجليل و العادل للاحتراز عن الجور و الفجور. والظاهر تماميّة دلالة الكريمة على ما نحن بصدده.

الآية الثّامنة
اشارة

قوله - سبحانه و تعالى -:

«لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ»(1).

و الاستدلال بهذه الكريمة أيضاً يتمّ بالنظر إلى مقدّمتين، إحداهما مأخوذةٌ من نفس الآية، و الأخرى من حكم العقل.

أمّا المقدّمة الأولى:

فالظاهر انّ الآية الكريمة تدلّ على نكاتٍ:

الأولى: شمول ولاية الأنبياء عليهم السلام الولايةَ في التشريع، و الولاية في القضاء؛ و إليها يشير قوله - تعالى -: «وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ».

الثّانية: شمول ولايتهم الولاية على المجتمع، بل لهم الرئاسة عليه؛ و إليها يشير قوله - تعالى -: «وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ».

فالمحصّل من هذه المقدّمة: انّ من غايات إرسال الرسل و الغرض منه تولية أمر المجتمع فيما يرجع إلى تبيين الأحكام و القضاء و السلطة و الرئاسة العامّة عليه.

أمّا المقدّمة الثّانية:

فهي ممّا حكم به العقل، و قد أشرنا إليها مراراً من كون المجتمع لابدّ له


1) . كريمة 25 الحديد.

من الدولة، و هذا لايختصّ بزمنٍ دون زمنٍ. فهذه القاعدة جاريةٌ في عصر الأنبياء عليهم السلام كما هي جاريةٌ في عصر المعصومين عليهم السلام، و هي بعينها جاريةٌ في عصر الغيبة.

ثمّ القائم في مقامهم عليهم السلام في مرتبة رئاسة المجتمع من كان متّصفاً بالشرطين الأوّلين - و هما: حيازة الولاية التشريعيّة و الولاية في القضاء -. فمن كان متحلّياً بالعلم محيطاً بالشريعة ثمّ تخلّق بالعدالة الّتي هي من أعظم صفات الأنبياء و أبرزها فله الولاية على المجتمع، و له الحكم عليه. و ليس هو إلّاالفقيه العدل.

أمّا شرط الكفاية فقد عُومل معه معاملة المفروغ منه، إذ الحكيم - جلّ و علا - لايفوّض الرئاسة إلّاإلى من كان كافياً لها، لا عاجزاً عنها.

هذا بيان كيفيّة الاستدلال بهذه الآية المباركة على ثبوت الولاية للفقيه العدل القابل لتدبير أمور المجتمع.

الآية التّاسعة
اشارة

قوله - تعالى -:

«لَايَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَولِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْ‌ءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ»(1).

و الظاهر من الآية الشريفة عدّة نكاتٍ:

النكتة الأولى:

تأكيدها البالغ على حرمة اتّخاذ المؤمنين الكافرين أولياء - و سنشير إليها في النكتة الآتية -. و هو يُصطاد من قوله - تعالى -: «وَ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْ‌ءٍ». و هذه العبارة لم ترد في القرآن الكريم إلّافي هذا الموضع، فالحكم الّذي أكّده اللّه -


1) . كريمة 28 آل عمران.

سبحانه و تعالى - بهذه العبارة الفخمة بمكانٍ من الأهمّيّة البالغة. أضف إلى ذلك غيره من تأكيدات الآية.

النكتة الثّانية:

ليس المراد من «الولاية» - في قوله تعالى: «لَايَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَولِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ» -: الحبّ و المودّة، بل المراد منها: الزعامة و الرئاسة؛ لقوله - تعالى -: «لَايَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْيُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْيُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَ ظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوهُمْ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ»(1)، إذ الظاهر من هذه الكريمة جواز مَحبّة الكافرين و مودّتهم و التعلّق و المواصلة بهم ما لم يكونوا محاربين، و لم يستعدّوا للقتال ضدّ المسلمين. فجواز المواصلة مع الكافرين - الّذي نطقت به الكريمة الثّانية - يفسّر الولاية في الآية الأولى الّتي هي محذورةٌ منها بأبلغ وجهٍ. فهي بمعنى تفويض رئاسة المجتمع إلى الكافرين دون المؤمنين، فالولاية ولاية الرئاسة لا ولاية المودّة.

و لوكان المراد منها هي المحبّة أيضاً فلايضرّ الاستدلال بالآية، إذ الفحوى تدلّ على المطلوب منها، إذ لو نهى اللّه - سبحانه و تعالى - عن مودّتهم و المواصلة بهم فينهى عن كونهم والياً على المسلمين و مجتمعهم بالفحوى، بل و بطريق الأولويّة؛ و هذا ظاهرٌ.

النكتة الثّالثة:

ليس المراد من «الكَافِرِينَ»: الّذين جحدوا ضروريّات الإسلام فقط و لم يؤمنوا بها قطّ، بل المراد من الكفر هيهنا معناه العامّ الشامل الّذي يشمل الكفر العمليّ أيضاً؛ كالحكم بغير ما أنزله اللّه، قال - تعالى -: «وَ مَنْ لَمْيَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَاؤُلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ»(2). فالمحصّل من الآية حرمة تفويض رئاسة المجتمع إلى من لم يكن مؤمناً تامّاً


1) . كريمات 8، 9 الممتحنة.

2) . كريمة 45 المائدة.

بحيث لم تشب ايمانَه شائبةُ كفرٍ.

فهي تدلّ على أنّ اللّه جعل العالم الّذي حكم بما أنزل اللّه والياً على الدولة، و على الناس أن يتّبعوه، إذ لوخالفوه و سلّموها إلى من هو دونه فليسوا «مِنَ اللَّهِ فِي شَيْ‌ءٍ»، أي: ليس فعلهم هذا مؤيّداً من عند اللّه. و ليس هو إلّاالفقيه الجامع لشرائط الافتاء.

فدلالة الآية على ثبوت الولاية للفقيه و نفيها عن غيره تامّةٌ واضحةٌ.

الآية العاشرة
اشارة

قوله - تعالى -:

«وَ لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الظَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ»(1).

الآية الشريفة تدلّ على أمورٍ:

الأمر الأوّل:

عموم حاجة الناس إلى الأنبياء، فعمّ الارسال جميع الملل و الأمصار، و لااختصاص له ببعضها - لقوله تعالى: «وَ لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً» -.

الأمر الثّاني:

بيان وظيفة الأنبياء بالنسبة إلى ما يرجع إلى العقائد و الأفعال العباديّة - أي: الدعوة إلى التوحيد و لوازمه من العبادات و الأعمال -، و هو مأخوذٌ من قوله: «أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ».

الأمر الثّالث:

بيان وظيفة الأنبياء بالنسبة إلى ما يرجع إلى المجتمع، و هو القيام لنفي الطواغيت و عزلهم عن عرش الحكم ليكون الحكم للّه - سبحانه و تعالى -، و قد دلّ عليه قوله - تعالى -: «وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ».


1) . كريمة 36 النحل.

الأمر الرّابع:

ثمّ في مختتم الآية ذكر اللّه - تعالى - ما كانت عليه الأقوام قبال دعوة الأنبياء، فقال: «فَمِنْهُمْ مَن هَدَى اللَّهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ».

الأمر الخامس:

ثمّ دعا المسلمين - بل جميع المخاطبين - إلى النظر و التأمّل في عاقبة الفريقين -: الّذين أجابوا دعوة نبيّهم و خضعوا لها؛ و الّذين لم ينقادوا لها، بل عصوه و جحدوا به -؛ قال - تعالى -: «فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ».

فالآية الشريفة تنادي بأعلى صوتها بأنّ الأمم الماضية جميعها كانت بحاجةٍ ماسّةٍ إلى من يقوم بأمرها في ناحيتي التشريع و القيام بأمر الدولة الإلهيّة، و على الناس أن يخضعوا لحكمه لئلّا تسير عاقبة أمرهم إلى البوار و الوبال.

ثمّ لا اختصاص لهم بهذا الأمر، بل حاجة المجتمع إليه حاجةٌ دائمةٌ مستمرّةٌ باستمرا الإنسان و حياته الجمعيّة. و هذا ممّا حكم به العقل و دلّت عليه خاتميّة نبيّنا صلى الله عليه و آله و شريعته، فمن الواجب أن يكون في كلّ عصرٍ من يقوم بأمر رئاسة المجتمع. و هذا شأن الأنبياء المبلّغين الّذين عرّفنا اللّه بهم في قوله: «الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَ يَخْشَونَهُ وَ لَايَخْشَونَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ»(1)، أي: العالمون بأحكام الشريعة و ذووا الكفاية لمهمّة السلطة و الدولة؛ و هذا شأن الفقيه العادل المدبّر للأمور لأن يجلس مجلس الأنبياء في ناحيتي تبيين الأحكام و إرشاد المجتمع إلى ما هو الخير له. فدلالة الآية على ثبوت الولاية له واضحةٌ لاخدشة فيها.

و في مختتم مبحث الاستدلال بالآيات الكريمات على ثبوتها له نشير إشارةً اجماليةً إلى جملةٍ من الآيات الدالّة عليها، و تلك الآيات كثيرةٌ جدّاً، بل يمكن أن تقرب من مأة آية.

فمنها الآيات الدالّة على إجراء الحدود؛ كقوله - تعالى -:

«وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ


1) . كريمة 39 الأحزاب.

عَزِيزٌ حَكِيمٌ»(1)

حيث دلّ على وجوب قطع أيدي السارقين، و لايمكن إجراء هذا الحكم إلّابحكومةٍ، و لاحكومة إلّابحاكمٍ، و لايصلح لهذا المنصب إلّامن عرف الحكم ليجريه على مقتضاه؛ و ليس إلّاالفقيه.

و كقوله - تعالى -:

«الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ»(2)

و منها الآيات الدالّة على وجوب تقوية الدولة الإسلاميّة؛ كقوله - تعالى -:

«وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ»(3)،

و لايمكن إعداد القوّة و تجهيز الجيش لمقابلة الأعداء إلّابحكومةٍ و دولةٍ.

و منها الآيات الدالّة على أخذ الأنفال و الزكوات و الأخماس؛ كقوله - تعالى -:

«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ»(4)،

الدالّ على وجوب استقرار أحدٍ في كلّ عصرٍ في مقام الرسول صلى الله عليه و آله من حيث ولايته على المجتمع ليدبّر أمر الأنفال من الأراضي و المعادن و المياه و الغنائم و غيرها.

و منها الآيات الدالّة على وجوب تأمين الأمنيّة الإجتماعيّة و الإقتصاديّة؛ كقوله - تعالى -:

«إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَونَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَو يُصَلَّبُوا أَو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُم مِنْ خِلَافٍ أَو يُنْفَوا مِنَ الْأَرْضِ


1) . كريمة 38 المائدة.

2) . كريمة 2 النور.

3) . كريمة 60 الأنفال.

4) . كريمة 1 الأنفال.

ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ»(1).

و تقريب الاستدلال بالآيتين الشريفتين ما مرّ في السابقة عليهما.

و منها الآيات الدالّة على وجوب ترويج الدين في ناحية عباديّاته و معاملاته و سياساته.

و غيرها كثيرةٌ لايسع هذا المختصر الإشارة إليه؛ و فيما ذُكر كفايةٌ.

فتلخّصت ممّا قلنا جميعاً صحّة الاستدلال بالآيات القرآنيّة على ثبوت الولاية للفقيه؛ و الحمد للّه ربّ العالمين.



1) . كريمة 33 المائدة.

الثّالث: الاستدلال بالإجماع على ثبوت الولاية للفقيه

قد أشرنا فيما سبق من هذه الرسالة إلى أقوال جمعٍ من فقهائنا المتقدّمين و المتأخّرين في المسألة، و رينا أنّهم قد أطبقوا على ثبوت الولاية للفقيه العدل الإماميّ. و الأقوال بلغت قدر خمسٍ و عشرين قولاً، و غيرها كثيرةٌ ربّما يعثر المتتبّع على ما يزيد عليها أضعافاً مضاعفةً.

و بهذا ندّعي ثبوت الإجماع المحصّل في المسألة(1)

و الإجماع على ذلك منقولٌ في العوائد أيضاً؛ راجع: «عوائدالأيّام» ص 536؛

و قال المراغيّ رحمه الله: «و الدليل على عموم الولاية الإجماع المنقول و المحصّل»؛ راجع: «العناوين» ص 355؛

و انظر أيضاً: «البدرالزاهر في صلاة الجمعة و المسافر» ص 52، «مهذّب الأحكام» ج 1 ص 121، «النورالمبين في شرح التحرير و منهاج الصالحين» ج 1 ص 320.

هذا؛ و الظاهر انّ للنظر في هذا الإجماع مجالاً واسعاً، إذ نرى كثيراً من الفقهاء لايقبلون ولاية الفقيه على نحو الإطلاق. فانظر على سبيل المثال: «كتاب القضاء و الشهادات» - للمحقّق الرشتيّ رحمه الله - ج 1 ص 49، «كتاب القضاء و الشهادات» - من فقه الباقر، للشيخ العلّامة البهاريّ الهمدانيّ رحمه الله - ص 24.

، بل هي معدودةٌ من معاقد الإجماعات القليلة في فقهنا، لأنّ المسائل المجمع عليها بين المتقدّمين و المتأخّرين قليلةٌ يسيرةٌ لاتبلغ عددها حدّ أصابع اليدين.

1) . و هذا الإجماع قد نُقل في كثيرٍ من مسفورات الفقهاء، ففي البلغة: «إنّ حكاية الإجماع على ذلك فوق حدّ الاحصاء»؛ راجع: «بلغة الفقيه» ج 3 ص 211؛

ثمّ إنّ المسألة من معاقد الإجماع المنقول أيضاً حيث ادّعى فيه كثيرٌ من الفقهاء ثبوت التسلّم و الاتّفاق، و لنكتف بذكر عبارتين من فقيهين فحلين من أكابر فقهاء الإماميّة، و العبارتان تدلّان على ثبوت الإجماع المنقول فيها.

الأوّل: قول المحقّق الثّاني رحمه الله في جامع المقاصد حيث قال:

«اتّفق أصحابنا على أنّ الفقيه العادل الأمين الجامع للشرائط المعبّر عنه بالمجتهد نائبٌ من قبل أئمّة الهدى عليهم السلام في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه المدخل»(1).

و ادّعاء الاتّفاق في مسألةٍ و لاسيّما من قِبَله - و هو من الأعلام المتّفق على سعة تتبّعه و احاطته بالآراء و المصادر - يشير إلى كون المسألة معقداً للإجماع؛ فهو إجماعٌ منقولٌ فيها.

الثّاني: قول الفقيه الكبير صاحب الجواهر رحمه الله حيث قال - بعد أن نقل قول المحقّق الكركيّ -:

«.... بل لولا عموم الولاية لبقي كثيرٌ من الأمور المتعلّقة بشيعتهم معطّلةً. فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك، بل كأنّه ماذاق من طعم الفقه شيئاً و لافهم من لحن قولهم و رموزهم أمراً.... و بالجملة فالمسألة من الواضحات الّتي لاتحتاج إلى أدلّةٍ»(2).

و عنه أيضاً:

«لكنّ ظاهرَ الأصحاب عملاً و فتوىً فى سائر الأبواب عمومَها بل لعلّه من المسلّمات، أو الضروريّات عندهم»(3).

و لو وسوس موسوسٌ في حجّية قول ثاني المحقِّقَين و الفقيه النجفيّ 0 و مدى حجّيّتهما،


1) . راجع: «رسائل المحقِّق الكركي» ج 1 ص 142؛ و انظر: «جواهر الكلام» ج 21 ص 396.

2) . راجع: «جواهر الكلام» ج 21 ص 397.

3) . راجع: «جواهر الكلام» ج 16 ص 178.

فعليه بالرجوع إلى ما نقلنا من عبائر الفقهاء فيما سلف من هذه الرسالة؛ و فيها كفايةٌ عن وسوسته. و لانعيدها حبّاً للإختصار و مجانبةً عن التطويل.


الرّابع الاستدلال بالروايات على ثبوت الولاية للفقيه و

اشارة

الروايات هي العمدة في الباب. و لنذكر قبل الورود في صلب المبحث أربع نكاتٍ تمهيديّةٍ:

النكتة الأولى:

إنّ من روايات الباب ما وفّت الفقهاء حقّه من البحث و التحقيق سنداً و متناً؛ و منها ما لم يستوفوا حقّها مع ما لها من الشأن والأهمّيّة. ونحن نذكر - بعون اللّه تعالى - قسطاً صالحاً من روايات الباب مع بحثٍ موجزٍ حول كلّ واحدٍ منها من ناحيتي السند و المتن.

النكتة الثّانية:

إنّ روايات الباب كثيرةٌ بحيث يبدو لنا أنّها متواترةٌ بالتواتر المعنويّ، إذ انّها تقرب من ثلاثين روايةً، و لاريب في أنّ هذا العدد الهائل يثبت التواتر المعنويّ. و لوثبت هذا القسم من التواتر في روايةٍ فلانحتاج إلى كثير بحثٍ من سندها أو كيفيّة دلالتها، لأنّ مجموعها بما هو مجموعٌ يسفر النقاب عن مضمونها و ما هو المراد منها؛ و مع ذلك فنأتي بتوضيحٍ حول كلّ روايةٍ على حدةٍ ليكون بحثنا هذا أسدّ للفراغ و أوقع في قلوب الباحثين.

النكتة الثّالثة:

من روايات الباب ما هو صحيحٌ سنداً و دلالةً، و منها ما هو صحيحٌ سنداً أو دلالةً، و منها ما هو ضعيفٌ سنداً أو دلالةً. و سيمرّ بك الكلام حول كلّ واحدٍ منها في تذييلاتنا عليها.

النكتة الرّابعة:

كان سيّدنا الأستاذ آية اللّه العظمى البروجرديّ رحمه الله يرى انّ قسطاً وافراً

من روايات الباب لم يصل إلينا، بل هو العمدة منها. و السرّ فيه انّ هذه المسألة ليست بأدنى مرتبة من مسألة الحجّ أو الخمس، و لقد نشاهد ما في البابين و أمثالهما من كثرة الروايات الواردة ما يسجّل على أنّ الروايات الصادرة في شأن هذه المسألة كانت أكثر ممّا بأيدينا اليوم، بل لايقاس الموجود منها بما فقدت و لم تصل إليه أيدينا.

و كان رحمه الله يذهب إلى أنّها كانت مبثوثةً في أصولنا الأربعمأة، لكن تناولتها أيدي الخونة فمنعتنا و حرّمتنا عن اقتنائها و الوصول إليها؛ و مع ذلك كلّه نرى انّ الموجود منها إلى حدّ الآن كافٍ في ثبوت مؤدّاها - و هو اثبات الولاية للفقيه العدل المدبّر -.


و الآن بعد الفراغ من هذه النكات التمهيديّة ندخل في صلب الموضوع - مستعيناً باللّه متوكّلاً عليه -، و نمطنا و أسلوبنا في هذا الباب ذكر الحديث أوّلاً ثمّ البحث عنه سنداً؛ ثمّ الكلام حول دلالته - بعون اللّه وتوفيقه -.

الرواية الأولى

ما رواه المشايخ الثلاث(1)بسندٍ صحيحٍ عن اسحاق بن يعقوب مكاتبةً عن الحجّة عليه السلام، فانّه عليه السلام قال في هذه المكاتبة الرفيعة:

«... و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه»(2).


1) . فانظر: «كتاب الغيبة» - للطوسيّ رحمه الله - ص 290، «كمال الدين» ج 2 ص 483 الحديث 4. أمّاالكلينيّ رحمه الله فلم يروه في جامعه، و لكنّه هو في سند الشيخين.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 140 الحديث 33424، و مضت الإشارة إلى تفصيل أسانيده.

أمّا السند فصحيحٌ لابأس به حيث رواها الكلينيّ عن أخيه 0. ثمّ إنّ طريق الشيخ و الصدوق 0 إليها موصولٌ إلى صاحب الكافي بواسطة الأجلّاء و زعماء الطائفة، منهم الشيخ المفيد(1)و ابن قولويه و أبوغالب الزراريّ‌(2).

نعم! هيهنا إشكالان يشبه أن يكونا وسوستين:

الأوّل: إنّ إسحاق بن يعقوب - و هو أخو محمّد بن يعقوب صاحب الكافي - لم يُوثّق في مصادر علم الرجال، فلم يُذكر في دواوين النجاشيّ و الشيخ و الكشّي و أضرابهم.

و الجواب:

إنّ عدم ذكر بعض الأعاظم في مصادر علم الرجال لايضرّ به و لاينحطّ مرويّاته عن مرتبة الإعتماد، لأنّ من المشايخ من كان بمرتبةٍ من الشهرة حتّى منعت شهرته أن يصحّح أو يُذكر في عداد الرواة(3).

و من أمثلته إبراهيم أبو عليّ بن إبراهيم حيث لم يُذكر في مصادر الرجاليّين بالتنصيص على تعديله(4)، بينما انّ رواياته في الكافي كثيرةٌ بحيث بلغت ما يقرب من ألف روايةٍ‌(5).


1) . لم أعثر على طريقٍ لها يشتمل على المفيد رحمه الله.

2) . فانّ الشيخ رحمه الله رواها عن جماعةٍ عن جعفر بن محمّد بن قولويه و أبي غالب الزراريّ عن محمّد بن يعقوب؛ راجع: «الغيبة» ص 290.

3) . قال الفقيه الهمدانيّ رحمه الله في محكيّ كلامه من كتاب الزكاة من مصباحه بعد ذكر إبراهيم بن هاشم: «و قد يُناقش في توصيف حديثه بالصحّة حيث انّ أهل الرجال لم ينصّوا بتوثيقه، و هذا ممّا لاينبغي الالتفات إليه»؛ راجع: «مستدركات علم رجال الحديث» ج 1 ص 222 الرقم 555.

4) . كما عن العلّامة: «لم أقف لأحدٍ من أصحابنا على قولٍ في القدح فيه، و لا على تعديله بالتنصيص»؛ راجع: «خلاصة الأقوال» ص 49 الرقم 9.

5) . و هذا كما عن بعض الأكابر من المعاصرين. قال العلّامة النمازيّ الشاهروديّ رحمه الله: «و كثيرٌ من روايات الكافي - بل أكثر من ألف روايةٍ - منقولةٌ عنه بواسطة ابنه عليّ»؛ راجع: «مستدركات علم رجال الحديث» ج 1 ص 222 الرقم 555. و قال الإمام الخوئيّ رحمه الله: «وقع إبراهيم بن هاشم في أسناد كثيرٍ من الروايات تبلغ ستّة الآف و أربعمأة و أربعة عشر مورداً. و لايوجد في الرواة مثله في كثرة الرواية!»؛ راجع: «معجم رجال الحديث» ج 1 ص 318.

و من أمثلته الصدوق!، و الكلينيّ نفسه 0! فهل يجترىء أحدٌ بأن يقول عدم ذكر الكلينيّ و الصدوق 0 في مصادر الرجال دليلٌ على عدم جواز الإعتماد عليهما و على أضرابهما؟. فما هو المبنى هناك هو المبنى هيهنا.

نعم! لأحدٍ أن يعود و يقول: إنّ كثرة روايات المشايخ الثلاث و أضرابهم و تداول الأيدي كتبهم و مرويّاتهم و تلقّي الأعلام إيّاهم بالقبول في جميع العصور يدلّ على تصحيحهم، بل على ما هو فوق التصحيح؛ و أين شأنهم و شأن إسحاق بن يعقوب الّذي لم يوجد منه حديثٌ إلّاهذه المكاتبة(1).

و الجواب عنه: إنّ تصحيح الكلينيّ يدلّ على تصحيح أخيه هذا حيث كان في مشهده و منظره و مرءاه، و نقله عنه يُعلن اعتماده عليه و تصحيحه و توثيقه إيّاه في رأيه؛ إذ لايُظنّ بالكلينيّ أن يروي ممّن لايثق به كائناً من كان. و لافرق بين أخيه و بين غيره في هذا المضمار.

الثّاني:

لماذا لم ترد هذه المكاتبة في الكافي؟ و لوكانت الكلينيّ رحمه الله قائلاً بتصحيحها لكان يجب عليه أن يذكرها في جامعه الكبير.

و الجواب:

عدم التسليم لهذا الوجوب، بل نقول: لامعنى لهذا الوجوب و اللابدّيّة، إذ كما انّ كثيراً ممّا رواه الصدوق في غير الفقيه لم يوجد فيه، و لم يقل أحدٌ بتضعيف ما لم يروه فيه و عدم جواز الركون إليه؛ فكذلك عدم رواية الكلينيّ رحمه الله مرويّاً من مرويّاته في الكافي لايدلّ على تضعيفه، بل لامعنى للقول بأنّه على المشايخ الثلاث أن يودّعوا في جوامعهم الأصليّة كلّما عثرت عليه أيديهم من الروايات. فهذا الصدوق رحمه الله و قد أشرنا إلى سيرته؛ و هذا الطوسيّ رحمه الله و من رواياته الّتي فصّل الكلام حولها في أماليه أو ذكرها في غيره من آثاره ما


1) . فانظر: «مستدركات علم رجال الحديث» ج 1 ص 590 الرقم 148، «معجم رجال الحديث» ج 3 ص 75 الرقم 1195.

لم يوجد في جامعه التهذيب؛ و هذا واضحٌ و لايحتاج إلى مزيد توضيحٍ. و هذا هو السبب فيما فعل المحقّق آية اللّه العظمى الخوئيّ رحمه الله من الإعتماد على المكاتبة و جعْل صحّته من المفروغ عنه(1). هذا بالنسبة إلى السند.

أمّا بالنسبة إلى المتن و دلالته فنقول: دلالة المكاتبة على إثبات الولاية للفقيه ظاهرةٌ.

و لايُصغى إلى مقالة من قال: «إنّ الألف و اللام في «الحوادث الواقعة» للعهد؛ فأمر الحجّة عليه السلام بالرجوع إلى الفقهاء يرجع إلى المورد المسؤول عنه في هذه المكاتبة، لا إلى جميع الموارد؛ فلاتدلّ على مطلق الولاية في جميع الحوادث الواقعة».

لأنّا نقول: قد مضت منّا كراراً الإشارة إلى لزوم وجود الوالي و الحاكم في جميع الجوامع؛ و الحوادث الواقعة اليوم و كلّما نبعد عن زمن النبيّ صلى الله عليه و آله تزيد على ما كانت في عهده صلى الله عليه و آله و في ما يقرب منه من الزمن، بل لايقاس ماتوجد اليوم من تلك الحوادث بما كانت تحدث في تلك الأيّام. فلو حكم الحجّة عليه السلام بوجوب الرجوع إلى الفقيه في الحوادث المتعلّقة بتلك الزمن ليحكم بالفحوى بالرجوع إليه فيما يحدث من الحوادث في زماننا هذا؛ بل و فيما مضى قبله من الأزمنة و ما يأتي في المستقبل. فلاوجه لاختصاص أمره عليه السلام بالرجوع إلى الفقيه بالحوادث المسؤول عنها في تلك التوقيع الشريف.

و لايُسمع أيضاً قول من قال: إنّ لفظة «رواة» الواردة في قوله عليه السلام: «رواة أحاديثنا» لاتدلّ على أنّ المراد منها هو المستنبط العدل، بل يمكن الرجوع إلى الراوي و لو لم يكن عالماً عادلاً؛ بل يمكن و لوكان عامّياً أو فاسقاً أو عامّياً فاسقاً؛

لأنّ من شرائط الراوي أن يكون عدلاً إماميّاً، فلايمكن الركون إلى الفاسق. و الراوي لو لم يكن عالماً بما يرويه غير فاهمٍ لدقائقه و ظرائفه فما هو الفرق بينه و بين غيره من الناس؟ و بأيّ سببٍ يجب الرجوع و الركون إليه؟ و كيف يصحّح العقل هذا الرجوع؟. فمن البيّن كون


1) . راجع: «مباني تكملة المنهاج» ج 1 ص 224.

المراد من الراوي: من كان عالماً عادلاً؛ و ليس هو إلّاما نسمّيه الفقيه الجامع لشرائط الإفتاء.

و زيادةً على ذلك كلّه فانّ عموم التعليل في قوله عليه السلام: «فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه» يشير إلى ما نحن بصدده، إذ علّل وجوب الرجوع إلى الفقيه بكونه حجّة الحجّة على الناس، فمن حاز هذه المرتبة و بلغ حدّ الولاية التشريعيّة بأن صار معدوداً في عداد الفقهاء و سلسلتهم فهو الحجّة على الناس من قِبل الحجّة عليه السلام؛ فله الولاية على الناس أجمعين.

فهل ترى من الممكن أن يُخدش في هذه المكاتبة و دلالتها على ثبوت الولاية للفقيه، لا؟! بل دلالتها عليها واضحةٌ جدّاً و لاتحتاج إلى مزيدٍ من التوضيح.

الرواية الثّانية
اشارة

ما رواه جمعٌ من الأعلام منهم الصدوق رحمه الله في الفقيه(1)في عداد جازماته حيث قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: ألّلهمّ ارحم خلفائي - ثلاث مرّات -،

فقيل له: يا رسول اللّه! و من خلفاؤك؟

قال: الّذين يأتون من بعدي يروون حديثي و سنّتي فيعلّمونها الناس من بعدي».

أمّا السند فلابأس به، إذ نذهب - تبعاً لكثيرٍ من الأعلام - إلى حجّيّة جازمات الصدوق. إذ الرواية كانت عنده صحيحةً ثابتة الإسناد إلى النبيّ صلى الله عليه و آله فنسبها إليه، فهذا شهادةٌ منه بصحّة الطريق. و ليس قوله بأدون و أقلّ مرتبة من كلام النجاشيّ و نظائره؛


1) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 4 ص 420 الحديث 5919. و انظر: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 91 الحديث 33295، «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 287 الحديث 21365، «بحارالأنوار» ج 2 ص 145.

فلابأس به.

أضف إلى ذلك انّ جمعاً من الأكابر - منهم صاحبا الجواهر(1)و المستند(2)- قد تلقّوها بالقبول و رووها و حكموا بصحّتها.

و أعلى من جميع ذلك و أرفع ما ذهب إليه السيّد الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله حيث عدّها من المتواترات، فانّه حكى في كتاب البيع مذيّلاً عليها انّها وردت في ما يقرب من مأتي موردٍ(3)و هذا يدلّ على ثبوت التواتر اللفظيّ فيها.

و على أيٍّ فلامجال للترديد في صحّة سندها.

و أمّا دلالتها على ما نحن بصدده، فتتمّ بالنظر إلى صدرها، و هو قوله صلى الله عليه و آله: «ألّلهمّ ارحم خلفائي». و «الخليفة» يجب أن يكون على ما هو عليه المستخلَف منه، فللخفاء ما للرسول في الولاية التشريعيّة - أي: تبيين الأحكام و منصب القضاء و مرتبة السلطة على المجتمع -.

و لاريب في أنّ المتيقّن من «الخليفة» الّذي لاأشبه منه بالمستخلَف - أي: النبي صلى الله عليه و آله -، هو المجتهد الجامع لشرائط الفتيا، لأنّه صلى الله عليه و آله فسّر الخليفة فقال: «... يروون عنّي أحاديثي و سنّتي فيعلّمونها الناس من بعدي»؛ و الراوي للأحاديث و السنّة الواعي لهما الّذي يعلّمهما الناس ليس إلّاالفقيه الجامع، فهو المتيقّن من مصاديق الخلافة، فهو خليفة الرسول صلى الله عليه و آله في جميع ما له من أنحاء الولاية التشريعيّة(4).

هذا تقرير تقريب الاستدلال بهذه الرواية على إثبات الولاية للفقيه.


1) . راجع: «جواهرالكلام» ج 11 ص 190. و راجع إليه و تأمّل فيه؛ فانّ كلامه رحمه الله حول الحديث صريحٌ في عدم اعتماده عليه.

2) . راجع: «مستندالشيعة» ج 10 ص 136.

3) . قال رحمه الله: «... كما و انّ محالّ نقل الحديث متفرّقةٌ فذكر في خلال ما يقرب من مأتي حديثٍ»؛ راجع: «كتاب البيع» - له - ج 2 ص 467.

4) . و للمحقّق الكمبانيّ رحمه الله نظرٌ في هذا القول؛ انظر: «حاشية المكاسب» ج 2 ص 385.

ثمّ هيهنا ثلاثة إشكالاتٍ وردت على استدلالنا هذا، و المحصّل منها عدم دلالتها على المطلوب منها؛ و هي:

الإشكال الأوّل:

إنّ المراد من «خلفائي» في هذه الرواية ليس مطلق من روى الحديث و السنّة و علّمهما الناس، بل المراد منها ينحصر في أئمّتنا الإثنى عشر، إذ ورد في كثيرٍ من مرويّات الخاصّة اطلاق «الخليفة» عليهم عليهم السلام(1)، فهم الخلفاء لا غيرهم. و إذ ثبت أنّ المراد بالخلفاء هم الأئمّة عليهم السلام فيُفهم انّ المراد من «العلماء» أيضاً نفسهم عليهم السلام، فهم الخلفاء العلماء لا غيرهم، فلايجوز الاستدلال بالرواية على ثبوت مناصب النبيّ صلى الله عليه و آله لغيرهم عليهم السلام - كالفقيه العدل المدبّر -؛ فلادلالة لها على ثبوتها له؛

و الجواب:

إنّ الفحص التامّ البالغ يدلّ على أنّ لفظتي «العالم»(2)و «العلماء»(3)

و انظر: «حاشيّة المحقّق الكمبانيّ» على المكاسب ج 2 ص 385.

و ما يشبههما لم تطلق على أهل البيت عليهم السلام قطّ، فهذه مجموعة أحاديث النبيّ في أهل بيته و خلفائه بالاستحقاق عليهم السلام؛ و هذه مجموعة أدعيتنا و مأثوراتنا عنهم عليهم السلام و لم نجد فيها و لامورداً واحداً قد أُطلقت اللفظة عليهم عليهم السلام. فليس المراد من «الّذين يأتون من بعدي و يروون أحاديثي...» أئمّتنا المعصومين. و هذه العبارة هو تفسير «الخلفاء»، فليس المراد من الخلفاء في هذه الرواية خصوص أهل البيت عليهم السلام.
الإشكال الثّاني:

هب! إنّ المراد من «الخلفاء» مطلق الفقهاء، و لكن لاإطلاق في


1) . فانظر على سبيل المثال: «الكافي» ج 2 ص 122 الحديث 4، «التهذيب» ج 1 ص 287 الحديث 5.

2) . بل في كثيرٍ من المصادر إطلاق «عالم آل محمّدٍ» على سيّدنا الرضا رحمه الله، فانظر: «الصراطالمستقيم» ج 2 ص 164، «الخرائج» ج 1 ص 17، «إعلام الورى» ص 328.

3) . بل في بصائرالدرجات: «باب انّ الناس يغدون على ثلاثةٍ عالمٍ و متعلّمٍ و غثاءٍ، و انّ الأئمّة من آل محمّدٍ هم العلماء...»، و في الباب أحاديث خمسة في جميعها روي عن الصادق عليه السلام انّه قال: «... فنحن العلماء»؛ راجع: «بصائرالدرجات» ص 8 الباب 5 الأحاديث 1 إلى 5.

خلافتهم و سعتها، فلايشمل الخلافة في الرئاسة على المجتمع. و الدليل عليه ما يظهر من قوله صلى الله عليه و آله: «الّذين يأتون من بعدي و يروون عنّي أحاديثي و سنّتي» من أنّ العبارة قيدٌ يقيّد سعة الخلافة، فهم خلفاؤه في رواية سنّته و تبيينه. فلهم الولاية التشريعيّة في تبيين الأحكام خلافةً عنه صلى الله عليه و آله، لا على نحوٍ مطلقٍ. فلاتشمل سعة خلافتهم الخلافة في الحكم و الدولة.

و الجواب عنه

يظهر بالتأمّل في قوله صلى الله عليه و آله: «الّذين يأتون...» حيث سأله السائل أن يعرّف له خلفائه، فقال: و من خلفاؤك - الظاهر في طلب التعريف بهم -؛ فقال صلى الله عليه و آله:

«الّذين يأتون...» فليست العبارة المتمّمة للرواية قيداً تقيّد الخلافة، بل هي صدرت لأن يعرّف الناس خلفائه، فلاتقييد فيها.

نعم! هيهنا دقيقةٌ أصوليّةٌ قد فصّلنا الكلام حولها في أصول الفقه، و هي ما ذهب إليه المحقّق الخراسانيّ صاحب الكفاية رحمه الله(1)من أنّه لوشكّ في كون شيءٍ مقيّداً من غير أن يكون القيد مذكوراً في الكلام فلنا أن ننفىٰ احتمال وجود القيد بأصالة عدم القيد و القرينة. أمّا لوشكّ في قيديّة الموجود فلاطاقة لهذا الأصل على نفي قيديّته.

و قد أوضحنا في محلّه انّ قوله هذا رحمه الله لايستقيم في رأينا و لانقبله و لانخضع له، حيث إنّ هذا الأصل له أن ينفى احتمال كون قرينةٍ غير موجودةٍ في الكلام كما له أن ينفى قرينيّة الموجود؛ و لاتسع هذا المختصر تحقيقه. فعلى ممشانا لوشكّ في كون العبارة قيداً مخصّصاً لسعة الخلافة فلنا أن نجحد قيديّتها بالأصل.

الإشكال الثّالث
• و هو ما أورده السيّد العلّامة آية اللّه العظمى الميلانيّ رحمه الله(2)، و هو و إن كان من القائلين بثبوت الولاية المطلقة للفقيه و لكنّه استشكل في الاستدلال بهذا الحديث

1) . راجع: «كفاية الأصول» ص 96.

2) . راجع: «محاضرات في فقه الإماميَّة» كتاب الخمس ص 270.

على ثبوتها له ب: أنّه لايفرض أن يكون خليفةً في عرض خليفةٍ أخرى، أي: جلوس خليفتين على مسند الخلافة بحيث يكون بعضهما في عرض الآخر أمرٌ لايقبله العقل؛ و الفقهاء في كلّ عصرٍ كثيرون بحيث لايمكن ضبطهم - لانتشارهم في البلاد و الأمصار المتعدّدة و النواحي الشتيتة -، فليس المراد من «الخلفاء»: الفقهاء، بل المراد منهم أئمّتنا الطاهرين عليهم السلام.

و الجواب:

نعم! لايُعقل أن تكون خليفتان في عرضٍ واحدٍ، و لكن لاإشكال في اتّصاف عدّةٍ بوصف الخلافة كلّ واحدٍ في طول الآخر، إذ القيام باقتناء مسند الرئاسة لايمكن في كلّ عصرٍ إلّالفقيهٍ واحدٍ - و هي الولاية التشريعيّة بمعنى الزعامة و الرئاسة -، أمّا اتّصاف عدّةٍ بوصف الخلافة بمعنى كونهم مصاديق الخلافة التشريعيّة بمعنى تبيين الأحكام فلامحذور فيه.

و إن شئت فنقول: قولكم: «لايُفرض أن يقوم رجلان في عصرٍ واحدٍ في مسند الخلافة» ما هو المراد منه؟

هل المراد عدم الفرض في جعلهما؟

أم في قيامهما بوظائف الخلافة؟

أمّا الثّاني فهو حقٌّ، إذ ليست الولاية و الحكومة في كلّ عصرٍ إلّامتحقّقةً في فقيهٍ واحدٍ حيث لم يُفرض وجود حكومتين و دولتين مستقلّتين يكون كلٌّ منهما في عرض الآخر؛

أمّا الأوّل فلا، إذ جعْل عدّةٍ من الصالحين لاقتناء مسند الخلافة في عصرٍ واحدٍ لامحذور فيه. و هذا كما نشاهد من سيرة أميرالمؤمنين عليه السلام و ابنيه الحسن عليه السلام و الحسين عليه السلام حيث كان كلّ واحدٍ منهم خليفة الرسول في تبيين الأحكام، و أمّا في رئاسة المجتمع فما تولّوا الخلافة إلّاواحداً بعد واحدٍ؛ فنرى انّ سيّدالشهداء عليه السلام كان تابعاً لأخيه عليه السلام تبعيّةً تامّةً حتّى استشهد المجتبى عليه السلام فصار أميراً على الناس رئيساً لهم. فلامحذور في جعْل خلفاءَ كلّ واحدٍ في طول الآخر. و تمام المحذور في قيام كلّ واحدٍ منهم بالاستقرار على عرش السلطة

في عرضٍ واحدٍ؛ و هذا واضحٌ.

فالظاهر تماميّة الاستدلال بهذا الحديث الشريف على ثبوت الولاية للفقيه.

الرواية الثّالثة
اشارة

و هي ما رواه:

«محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن محمّد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة قال:

سألت أباعبداللّه عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعةٌ في دينٍ أو ميراثٍ، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة، أ يحلّ ذلك؟

قال: من تحاكم إليهم في حقٍّ أو باطلٍ فإنّما تحاكم إلى الطاغوت. و ما يُحكم له فإنّما يأخذ سحتاً و إن كان حقّاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت و ما أمر اللّه أن يُكفر به؛ قال اللّه - تعالى -: «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكفُرُوا بِهِ»(1)

قلت: فكيف يصنعان؟

قال: ينظران مَن كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإنّي جعلته عليكم حاكماً. فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبل منه فإنّما استخفّ بحكم اللّه و علينا ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على اللّه، و هو على حدّ الشرك باللّه»(2).


1) . كريمة 60 النساء.

2) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 67 الحديث 10. و انظر: نفس المصدر ج 7 ص 412 الحديث 5، «التهذيب» ج 6 ص 301 الحديث 52، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 136 الحديث 33416.

أمّا السند فعندنا صحيحٌ لا إشكال فيه. نعم! استشكل رهطٌ فيه بأنّ عمر بن حنظلة مجهولٌ لم يذكر في مصادر الرجالييّن، فلايمكن الركون إلى مرويّاته. و لكن الظاهر انّ غفلة أهل الجرح و التعديل عن ذكره لايضرّ بحاله، إذ يوجد كثيرٌ من القرائن الّتي يستفاد منها جواز الركون إليه و الاعتماد على رواياته. و هي:

أوّلاً: توثيق الصادق عليه السلام إيّاه، فانّه ليس أدنى مرتبةً من توثيق الشيخ و النجاشيّ 0 و أضرابهما. روى يزيد بن خليفة انّه قال: «قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقتٍ؟ فقال أبوعبداللّه عليه السلام: إذاً لايُكذّب علينا»(1). و هذا صريحٌ في إمضائه عليه السلام مرويّاته؛

ثانياً: وقوع صفوان بن يحيى في السند يدلّ على صحّته، إذ صفوان من أصحاب الإجماع؛ بل هو و ابن أبي عمير و البزنطيّ رهطٌ لم يُحك عن أحدٍ من المتقدّمين الخلاف في تصحيحهم و تصحيح جميع ما وقعوا في سنده(2). و قد نصّ على ذلك شيخ المشايخ الطوسيّ رحمه الله في العُدّة(3). فالرواية مصحّحةٌ بصفوان.

ثالثاً: اعتماد كثيرٍ من المشايخ الأجلّاء عليه و على رواياته، فانّ الرواة عنه كثيرون منهم ما يقرب من سبعين رجلاً كلّهم من أجلّاء الأصحاب - كزرارة و ابن فضّال و ابن بكيرٍ و ابن رحام و ابن حازم و هشام بن سالم و أمثالهم(4)-. و هذا الاعتماد ينبىء عن كونه معروفاً بين القدماء بالفضل و الفضيلة.


1) . راجع: «الكافي» ج 3 ص 275 الحديث 1، «الاستبصار» ج 1 ص 260 الحديث 7، «وسائل الشيعة» ج 4 ص 156 الحديث 4790.

2) . راجع: «رجال الكشّي» ج 2 ص 673. و للتفصيل حول أصحاب الإجماع راجع: «أصول علم الرجال» ص 387.

3) . راجع: «العدّة في أصول الفقه» ج 1 ص 154.

4) . راجع: «معجم رجال الحديث» ج 13 ص 29.

رابعاً: اعتماد المحمّدين الثلاثة -: أصحاب الكتب الأربعة المتقدّمة - عليه؛ فإنّهم قد أودعوا في مجاميعهم من رواياته ما يقرب من سبعين روايةً‌(1).

خامساً: قد اشتهر الحديث بين فقهائنا ب: «المقبولة»، أي: تلقّوه بالقبول(2). و التسمية هذه تنادي بأنّ الحديث لم يكن عندهم مخدوشاً أو مشكوكاً في صحّته. و اعتماد الفقهاء - و لاسيّما المتقدّمين منهم - على روايةٍ تدلّ على تصحيحها و جواز الركون إليها.

سادساً: توثيق المتأخّرين إيّاه، و هذا و إن كان تصحيحاً عن حدسٍ و اجتهادٍ لا عن حسٍّ و عيانٍ و لكن ينبغي أن يُذكر، و لاأقلّ من كونه قرينةً على صحّة حاله و إن لم يكن دليلاً مستقلّاً عليها؛ منهم: ثاني الشهيدَين في الدراية(3)، و العلّامة المجلسيّ في الوجيزة(4)، و المامقانيّ في تنقيح المقال(5)، و الأردبيليّ في جامع الرواة(6).

فتلخّص ممّا قلنا جميعاً انّ السند لابأس به، و لاسيّما لوانضمّ بعض هذه القرائن الستّ إلى بعضٍ آخر. فالمحصّل منه جواز الأخذ برواياته و القول بتصحيحها.

و من الغريب ما فعله المحقّق العلّامة السيّد الخوئي رحمه الله حيث ذهب في معجمه(7)إلى كونه


1) . راجع: نفس المصدر.

2) . فانظر على سبيل المثال: «الحدائق الناظرة» ج 1 ص 47، «رياض المسائل» - الطبعة الحجريّة - ج 2 ص 388، «عوائدالأيّام» ص 240، «مستندالشيعة» ج 19 ص 238.

3) . قال: «و عمر بن حنظلة لم ينصّ الأصحاب فيه بجرحٍ و لاتعديلٍ، لكن أمره عندي سهلٌ لأنّي حقّقت توثيقه من محلٍّ آخر و إن كانوا قد أهملوه»؛ راجع: «الرعاية لحال البداية» ص 91.

4) . قال: «و عمر بن حنظلة (ح)»؛ راجع: «الوجيزة» - الطبعة الحجريّة، و الصفحات في هذه الطبعة غير مرقّمةٍ -. فلم يذهب إلى توثيقه، بل عدّه من الممدوحين.

5) . راجع: «تنقيح المقال» ج 2 ص 342 الرقم 8986.

6) . لم أعثر على توثيقٍ له فيه، بل ذكره المامقانيّ رحمه الله من غير أن يحكم بتوثيقه أو تضعيفه؛ راجع: «جامع الرواة» ج 1 ص 633 القائمة 1.

7) . راجع: «معجم رجال الحديث» ج 13 ص 27 الرقم 8723.

مجهولاً لم يوثّق، فلم يُعتمد على رواياته؛ بينما تلقّى المقبولة في كتاب القضاء و الشهادات(1)بالقبول و حكم بتصحيحها.

و الظاهر انّه رحمه الله في الحصّة الأخيرة من حياته المباركة قد حدث له رأيٌ جديدٌ، فذهب إلى ما ذهب إليه في فقهه و هجر ما مال إليه في أبحاثه الرجاليّة.

أمّا دلالة المقبولة على ثبوت الولاية - بمعنى السلطة و الرئاسة على المجتمع - للفقيه فلاخدشة فيها؛ بل هي أظهر من أن تُذكر. و مع ذلك نقول مراعياً للاختصار التامّ:

إنّ عمر بن حنظلة سأل الصادق عليه السلام عن حكم الرجوع إلى حكّام الجور و قضاتهم فيما يحدث للشيعة من الأمور الّتي هي بأيدي الحكّام - كالترافع في الديون -، أو بأيدي القضاة - كالترافع في المواريث -. فأجاب عليه السلام عن سؤاله بحرمة الرجوع إليهم، بل حكم بأنّ أحكامهم باطلةٌ، و لوأخذ المحقّ حقّه بواسطة حكمهم فانّ ما أخذه سحتٌ لايحلّ له التصرّف فيه.

ثمّ استدلّ عليه السلام بكريمةٍ تفسّر قوله، و هي: «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكفُرُوا بِهِ»(2)و هي ظاهرةٌ أشدّ الظهور في حرمة الرجوع إلى الطواغيت و الظلمة.

ثمّ لمّا كان من المرتكَز في بال ابن حنظلة انّ الشيعة بما لهم من الحياة الجماعيّة محتاجون إلى الولاية و الحكومة و الوالي و الحاكم سأل: «فكيف يصنعان» حيث لايحلّ لهم الرجوع إلى الطواغيت؟ فأجاب عليه السلام بوجود والٍ بينهم قد أمضى الشرع ولايته، قال: «ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا». فأشار عليه السلام إلى شرطين رئيسيّين من شرائط من يتصدّى لهذا المنصب، و هما:

كونه من الإماميّة؛


1) . راجع: «تكملة منهاج الصالحين» ج 2 ص 312.

2) . كريمة 60 النساء.

و كونه فقيهاً عارفاً بالأحكام و مستنداتها من الأحاديث.

ثمّ أشار عليه السلام إلى ما للشيعة من الوظيفة قباله، فقال: «فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً»، فحكم الفقيه و حكومته نشأ من حكم الصادق و حكومته عليه السلام. فأشار إلى هذه النكتة الرفيعة و قال: «فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبل منه فإنّما استخفّ بحكم اللّه و علينا ردّ» حيث انّ ولايته منشأةٌ من ولايتهم عليهم السلام، بل هي استمرارها. فمَن استخفّ بها و لم يقبلها فكأنّه لم يقبل ولايتهم عليهم السلام و ردّ عليهم؛ «و الرادّ علينا الرادّ على اللّه، و هو على حدّ الشرك باللّه»، فمن ردّ ولايته فمآل أمره إلى الشرك بالله - سبحانه و تعالى -.

و الظاهر ظهور المقبولة فيما نحن بصدده(1)

و للمحقّق العلّامة آية اللّه الشيخ مرتضى الحائريّ رحمه الله أيضاً في هذا التقريب نظرٌ؛ راجع: «كتاب الخمس» ص 835.

.

بقي علينا أن نشير إلى نكتتين هامّتين:

النكتة الأولى:

أشار عليه السلام في هذا الحديث إلى وجوب كون الوالي إماميّاً عالماً بالأحكام، أمّا كونه عادلاً فكأنّه عليه السلام أرسله إرسال المسلّمات حيث كان من المرتكَز عنده و عند ابن حنظلة انّ غير العادل لايصلح للاستقرار على عرش السلطة. ثمّ في بيان المرجّحات بين رجلين حازا شرائط اقتناء هذا المنصب أشار إلى أنّ الأعدليّة تُعدّ من مرجّحات أحدهما على الآخر؛ فقال: «الحكم ما حكم به أعدلهما»(2)، و هذا يدلّ على أنّ العدالة هي من شرائط الفقيه الحاكم.


1) . و عن المحقّق العلّامة السيّد مصطفى الخمينيّ رحمه الله: «و أمّا دلالتها على ولاية الفقيه بالمعنى المقصود و هو... دلالتها على ولاية الفقيه تحت عنوان جواز تصدّيه للحكومة الإسلاميّة و تشكيل الحكومات الجزئيّة و الكلّيّة فهو عندي غير واضحٍ»؛ راجع: «ثلاث رسائل»، رسالة ولاية الفقيه ص 33.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 136 الحديث 33416.

النكتة الثّانية:

استشكل بعضهم في دلالة الحديث على ثبوت الولاية للفقيه بأنّ قوله عليه السلام: «فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً» أي: قد جعلته عليكم قاضياً، فمراد الإمام من «حاكماً» أي: قاضياً. و للقاضي الولاية في القضاء، لا الولاية في رئاسة المجتمع، فلاتدلّ على ثبوتها له.

و قد أجاب الشيخ الأعظم رحمه الله عن هذا الإشكال بما ملخّصه: لا داعي لصرف ظهور اللفظة عن معناه الوضعيّ إلى معنى آخر، بل لاجواز لهذا الصرف، فإنّه عليه السلام لوأراد أن يتلفّظ بلفظة القاضي لكان يتلفّظ به، و ماكان شيءٌ رادعاً عنه. فاتيانه عليه السلام بهذه الكلمة يدلّ على أنّها حجّةٌ في معناها الوضعيّ الأصليّ. و الظاهر منها الولاية في الحكم لا في القضاء فقط(1).

و لنا عن هذا الإشكال جوابٌ آخر، و الظاهر انّها أدقّ ممّا مضت الإشارة إليه من قول الشيخ الأعظم رحمه الله؛ و هو: إنّ السائل سأل عن الرجوع إلى الحاكم و القاضي - أي: الرجوع إلى القوّة المجريّة و القوّة القضائيّة -، فلوكان المراد من «حاكماً»: قاضياً ليصير الجواب أخصّ من السؤال حيث لم يشر الإمام في جوابه حينئذٍ إلى ما يرجع إلى القوّة المجريّة، فيكون جوابه ناقصاً لم يف بمراد السائل. و هذا قبيحٌ عن المعصوم، بل سيرتهم عليهم السلام تشهد بأنّ أجوبتهم عن المسائل أجوبةٌ شاملة الأطراف جامعةٌ لجميع ما للسؤال فيه مدخلٌ. فالصحيح حمل الحاكم على ما هو الظاهر منه لئلّا يكون الجواب منافياً لشأن الإمام في الإجابة عمّا سُئل منه.

الرواية الرّابعة

و هي مشهورة أبي خديجة. و نصّها:


1) . فانّه رحمه الله بعد أن ذكر المقبولة قال: «ثمّ انّ الظاهر من الروايات المتقدّمة نفوذ حكم الفقيه في جميع خصوصيّات الأحكام الشرعيّة... لأنّ المتبادر عرفاً من لفظ الحاكم هو المتسّلط على الإطلاق... و يؤيّده العدول عن لفظ الحاكم إلى الحكم...»؛ راجع: «كتاب القضاء و الشهادات» - له - ص 48.

«محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن أبي الجهم عن أبي خديجة قال: بعثني أبوعبداللّه عليه السلام إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومةٌ أو تدارى في شيءٍ من الأخذ و العطاء أن تتحاكموا إلى أحدٍ من هؤلاء الفسّاق!، اجعلوا بينكم رجلاً ممّن قد عرف حلالنا و حرامنا فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً. و إيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر»(1).

أمّا السند فلابأس به، فرجاله صحاحٌ باتفاق الرجالييّن. و فيهم محمّد بن عليّ بن محبوب و أحمد بن محمّد بن عيسى(2)الَّذَين ادُّعي فيهما أنّهما لايرويان إلّاعن ثقةٍ. أضف إلى ذلك اشتهار الحديث بين الفقهاء بحيث سمّي ب: «المشهورة»؛ فكثيراً مّا نراهم يقولون: «في مشهورة أبي خديجة...»، أو: «روى أبوخديجة في مشهورته...»(3)و مايشبههما معنىً. فلامجال للخدشة فيه سنداً.

أمّا دلالةً فللمشهورة دلالةٌ واضحةٌ على ما نحن بصدده، إذ المراد من «وقوع الخصومة أو التداري في شيءٍ من الأخذ و العطاء» ليس إلّانموذجاً من المشاكل الحالية الجماعيّة و وقائعها المستحدثة الّتي تحدث للشيعة كغيرهم بما لهم من الحياة الإجتماعيّة. فمنعهم الإمام عليه السلام عن الرجوع فيها إلى هؤلاء الفسّاق.

ثمّ من البيّن حاجة الناس - و منهم الشيعة - إلى والٍ يولّي أمرهم؛ فقال عليه السلام: «اجعلوا بينكم...» أي: يحقّ لهذا المنصب الجليل الخطير من كان عارفاً بدقائق الفقه و رموزه ليتمكّن من جعل الأمور في مجاريها الّتي عيّنتها الشريعة؛


1) . راجع: «التهذيب» ج 6 ص 303 الحديث 53، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 139 الحديث 33421.

2) . راجع عن ذلك: «أصول علم رجال الحديث» ص 460.

3) . فانظر على سبيل المثال: «كتاب القضاء و الشهادات» - للشيخ الأنصاريّ رحمه الله - ص 47.

ثمّ أعلن أنّ ولاية هذا الفقيه العارف بمباني الأحكام مجعولةٌ من قبله عليه السلام، فقال: «فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً»؛

ثمّ أكّد عليه السلام كلامه بمؤكِّدٍ، فقال: «و إيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر».

و هيهنا إشكالٌ قد تعرّض له بعضهم، و هو: إنّ قوله عليه السلام: «فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً» لايشمل الحكم و السلطة، بل الظاهر منه جعل الفقيه في منصب القضاء؛ فله أن يحكم في المرافعات و الخصومات فقط. أمّا ثبوت الولاية بمعنى الحكم و السلطة للفقيه فلاظهور لهذا الكلام فيه؛

و الجواب: انّ لل «قضاء» معنيين:

الأوّل: القضاء المصطلح في الفقه، و هو رفع الخصومات على ما تقتضيه الأحكام المفصّلة في الشريعة. و هو الّذي يحتاج إلى الشاهد و البيّنة و غيرهما - ممّا فصّل الكلام فيه في كتاب القضاء -؛

و الثّاني: الحكم، ف «قضى» أي: حكم، و «القاضي» أي: الحاكم. و هذا المعنى شايعٌ جدّاً، قال - سبحانه و تعالى -:

«وَ قَضَى رَبُّكَ أَلَّاتَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ»(1)

و قال:

«وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لَامُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ»(2)

و كم لهما من نظيرٍ في الكتاب و السنّة.

فلو قلنا بأنّ المراد من «القاضي» في الحديث هو «الحاكم» و «الوالي» فيتمّ الاستدلال به


1) . كريمة 23 الإسراء.

2) . كريمة 36 الأحزاب.

على المطلوب.

و ليس لقائلٍ أن يقول: إنّ المراد من القاضي معناه اللغويّ، لأنّ الإمام منع شيعته عن الرجوع إلى الفسقة في أمرين:

في الخصومات و رفعها، و الحكم فيها من شأن القضاة؛

و في التداري في شيءٍ من الأخذ و العطاء، و الحكم فيه من شأن الحاكم؛ و الحاكم أعلى من القاضي المصطلح، فالمراد من «القاضي» هيهنا هو الحاكم، و القضاء المصطلح شأنٌ من شؤونه و مرتبةٌ من مراتبه.

و لو أصرّ هذا القائل على قوله فنقول: هب! انّ المراد من قوله عليه السلام: «فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً» القاضي المصطلح، و لكن ما هو المراد من قوله عليه السلام: «و إيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر»؟. لامجال للقول بأنّ الإمام عليه السلام قد جعل للشيعة قاضياً يرجعون إليه فيما يرتبط بالقضاء و لكن لم يجعل لهم سلطاناً يرجعون إليه فيما يرتبط بالسلطة و الحكم. إذ مرّ منّا مراراً انّ الدولة من لوازم المجتمع، و الإنسان مدنيٌّ بالطبع لاينتظم حياته و عيشه إلّافي مجتمعٍ، فلابدّ له من والٍ و حاكمٍ.

فلوتماشينا مع هذا القائل و خصصنا صدر الحديث بالقاضي المصطلح، فلامناص من القول بأنّ ذيله صدر لبيان انّ الإمام عليه السلام فوّض منصب الحكم و السلطة - زيادةً على منصب القضاء - إلى من كان عارفاً بدقائق الفقه، و ليس هو إلّاالفقيه الجامع لشرائط الإفتاء. فهو سلطان الإسلام الحاكم على المجتمع؛ فدلالة المشهورة على ما نحن بصدده واضحةٌ تامّةٌ.

الرواية الخامسة

و هي نفس مشهورة أبي خديجة أيضاً. و نصّها:

«محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن أحمد بن عائذ عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال: قال أبوعبداللّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام: «إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، و لكن انظروا إلى رجلٍ منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه».

هذه الرواية هي نفس الرواية الّتي مرّت قبل هذه - أي: هي نفس مشهورة أبي خديجة -، و الأوّل ما رواه الشيخ رحمه الله(1)، و الثّاني ما رواه الكلينيّ‌(2)و الصدوق(3)0.

و هيهنا نكتةٌ؛ و هي: انّ الروايات الّتي بأيدينا اليوم هي في غالب الموارد عباراتٌ حكاها الراوي عن كلام المعصوم عليهم السلام، فليس المنقول إلينا مطابقاً للصادر عنهم عليهم السلام تطابقاً تامّاً. و أظنّ أنّ أباخديجة قد حكى ما أمره الإمام عليه السلام به من إيصال أمره إلى الأصحاب بالاجتناب عن الرجوع إلى الظلمة مرّتين، و في كلا الموردين احتفظ على جوهر كلامه عليه السلام و مغزاه من غير احتفاظٍ على ألفاظه. فالأوّل ما رواه الشيخ رحمه الله بسنده عنه، و الثّاني ما رواه الكلينيّ و صدوق المحدّثين 0 بسندهما عنه أيضاً؛ و كلاهما واحدٌ.

و إلى هذا المذهب كان يذهب سيّدنا الأستاذ البروجرديّ رحمه الله من ارجاع المتشابهات إلى روايةٍ واحدةٍ.

هذا رأينا في اتّحاد الحديثين. أمّا ما أتينا به من ذكر الرواية مرّتين فقد اتّبعنا فيه رأي صاحب الوسائل من القول باختلافهما و صدورهما عن الإمام رحمه الله مرّتين، حيث روى الأوّل في الباب الحادي عشر(4)و الثّاني في الباب الأوّل(5)من أبواب صفات القاضي من


1) . راجع: «التهذيب» ج 6 ص 303 الحديث 53.

2) . راجع: «الكافي» ج 7 ص 412 الحديث 4.

3) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 3 ص 2 الحديث 3216؛ و انظر أيضاً: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 13 الحديث 33083، «عوالي اللآلئ» ج 2 ص 163 الحديث 448.

4) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 139 الحديث 33421.

5) . راجع: نفس المصدر و المجلّد ص 13 الحديث 33083.

كتاب القضاء. و كيف كان فالأمر في اتّحادهما أو اختلافهما سهلٌ بعد العلم بصدور المضمون عن الإمام رحمه الله قطعاً.

و تقريب الاستدلال بما نحن فيه نفس التقريب بالمتقدّم عليه، فلانطيل الكلام باعادته.

بقي الكلام في نكتةٍ، و هي: إنّ لفظة «شيئاً» في قوله عليه السلام: «يعلم شيئاً من قضايانا» توهم في بادىء النظر عدم اشتراط الفقاهة في الحاكم المنصوب من قبلهم عليهم السلام، إذ الظاهر منها انّ العالم بشيءٍ من الأحكام على منهج أهل البيت عليهم السلام الفقهيّة يصلح للقيام بأمر السلطة، بينما نرى انّ الصالح لهذا الأمر ليس إلّامَن يقتدر على الاستنباط في أبواب الفقه بتمامها.

و لكن هذا التوهّم نشأ من جعل لفظة «من» تبعيضيّةً، ثمّ انضمامها إلى «شيئاً» المتوغّل في التنكير.

و الخروج عن هذه المشكلة سهلٌ بعد إمعان النظر إلى أنّ لفظة «من» بيانيّةٌ، فقوله عليه السلام:

«من قضايانا» بيانٌ ل «شيئاً»، أي: كان عالماً بالفقه على منهجنا. فلاتخالف بين الظاهر من الحديث و بين المتّفق عليه بين الأصحاب من أنّ المستنبط الجامع لشرائط الفتيا هو الصالح لتولية أمر المجتمع لا غيره.

ثمّ بعد كسر سورة الإشكال نزيد و نقول: يمكن أن تكون لفظة «من» تبعيضيّةً، و المراد منها معنى رفيعٍ عرشيٍّ، و هو الإشارة إلى سعة علمهم عليهم السلام الّذي هو المُفاض عليهم من المعلّم الحقيقيّ العالم بجميع ما في الكون بالعلم العِلّيّ الإيجاديّ، لا العلم المعلوليّ الكسبيّ.

فالمراد من الحديث - و اللّه العالم -: من كان عالماً بشيءٍ يسيرٍ من فقهنا فهو الحاكم من قِبلنا، و لكن ذلك بالنظر إلى ما لنا من المعرفة التامّة باللّه - سبحانه و تعالى - و استخلافنا منه المقتضي للاستخلاف في جميع ما له من الكمالات و المراتب إلّاالمرتبة الوجوبيّة؛ فإنّه ربٌّ و نحن عبيده. و لكن لنا علمٌ لاتُقاس به علوم الأوائل و الأواخر، بل جميع ما وُهب من

العلم للناس ليس إلّاشيئاً يسيراً نذراً بالنسبة إلى ما لنا من العلم(1).

و بهذا التأويل أيضاً تظهر تماميّة الاستدلال بالحديث الشريف على ما نحن فيه.

الرواية السادسة
اشارة

و هي مصحّحة أبي حمزة، و نصّها:

«محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوب عن عليّ بن أبي حمزة قال:

سمعت أباالحسن موسى بن جعفر عليه السلام يقول: إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة و بقاع الأرض الّتي كان يعبد اللّه عليها، و أبواب السماء الّتي كان يصعد فيها بأعماله، و ثلم في الإسلام ثلمةً لايسدّها شيءٌ؛ لأنّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها»(2).

أمّا السند فلابأس به، بل هو مصحّحٌ.

و تفصيل الكلام فيه: إنّ عليّ بن أبي حمزة البطائنيّ الّذي روى الحديث عن مولانا موسى بن جعفر عليه السلام و إن كان من الواقفين عن مولانا عليّ بن موسى عليه السلام(3)فصارت عاقبة أمره إلى ما صارت إليه - أعاذنا اللّه من الخذلان و سوء العاقبة! -، و لكن لابأس بما روي منه؛


1) . و هذا كما عن العلّامة آية اللّه العظمى الخوئيّ رحمه الله حيث قال: «نعم! لامجال للاستدلال على ذلك بأنّ «شيئاً» نكرةٌ يصدق على العلم ببعض المسائل أيضاً؛ و ذلك لما قدّمناه من أنّ تنكير تلك اللفظة إنّما هو من جهة عدم تمكّن البشر من الاحاطة بجميع علومهم و قضاياهم عليهم السلام، فانّ الإنسان مهما بلغ من العلم و الفقاهة لم يعرف إلّاشيئاً من علومهم»؛ راجع: «كتاب الاجتهاد والتقليد» - له - ص 427.

2) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 38 الحديث 3، «وسائل الشيعة» ج 5 ص 187 الحديث 6289، «بحارالأنوار» ج 79 ص 177، «قرب الأسناد» ص 124.

3) . بل كان أصل الوقف - لعنه اللّه -. و لتفصيل الكلام حوله راجع: «منتهى المقال» ج 4 ص 327 الرقم 1932.

بل لاجرح في كلّ ما يوجد من مرويّاته في مصادر المتقدّمين. و هذا يرجع إلى أمورٍ:

الأوّل: إنّ جميع ما روي منه يرجع إلى زمن استقامته و عدم انحرافه، إذ لم يُعقل أن تروي الأصحاب منه شيئاً بعد أن كان من الواقفة القائلين بعدم إمامة مولانا الرضا عليه السلام. و يؤيّده قول مولانا الصادق عليه السلام حيث وصف المنحرف الخارج عن مسلك الإماميّة بالكلب الممطور(1)، إذ رفضتهم الشيعة كما يُرفض الكلب الممطور - لأنّه من مظانّ النجاسة -.

فلايُروى ممّن شأنه شأن الكلب الممطور.

الثّاني: اعتماد المشايخ الثلاث عليه، حيث رووا عنه هذا الحديث من غير خلافٍ فيه(2).

الثّالث: اعتماد المشايخ الأجلّاء من المتقدّمين عليه، و قد بلغ عددهم ما يقرب من خمسين شيخاً، منهم الأكابر الّذين لايُظنّ بهم الإهمال في أمر الأخذ عن الثقات - كابن أبي عمير، و صفوان بن يحيى، و حسن بن محبوب، و أبي نصرالبزنطيّ، و يونس بن عبدالرحمن، و أبان بن عثمان، و أبي بصير، و حمّاد بن عيسى، و عثمان بن عيسى -؛ و هؤلاء كلّهم من أصحاب الإجماع(3).

الرّابع: توثيق ابن الغضائريّ إيّاه بينما انّ تشديده في أمر الجرح و التعديل مشهورٌ


1) . قال المحقّق المجلسيّ رحمه الله: «و الممطورة هم الواقفيّة. لقّبوا بذلك لأنّهم لكثرة ضررهم على الشيعة و افتنانهم بهم كانوا كالكلاب الّتي أصابها المطر و ابتلّت و مشت بين الناس، فلامحالة يتنجّس الناس بها، فكذلك هؤلاء في اختلالهم بالإماميّة و افتنانهم بهم»؛ راجع: «بحارالأنوار» ج 82 ص 203. و انظر: «إعلام الورى» ص 314، «رجال الكشّي» ص 461 الحديث 878، «وسائل الشيعة» ج 6 ص 284 الحديث 7980.

2) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 38 الحديث 3، «علل الشرايع» ج 2 ص 462 الحديث 2. أمّا الشَّيخ فلم أعثر على الحديث بين مسفوراته، و لا على سندٍ له يشتمل عليه.

3) . قال الحائريّ: «و قيل بكونه موثّقاً... و يؤيّده رواية صفوان و ابن أبي عمير و... عنه»؛ راجع: «منتهى المقال» ج 4 ص 328.

معروفٌ بحيث اشتهر بالجارح، لقلّة تعديله الأكابر من الأصحاب(1).

الخامس: توثيق جمعٍ من المتأخّرين إيّاه، منهم: الأردبيليّ في جامعه(2)، و المامقانيّ في تنقيحه(3).

السّادس: ما حكاه الشيخ رحمه الله في العدّة من انتظامه في العصابة الّتي أجمعت الأصحاب على تصحيح ما يصحّ عنهم(4). و ليس هذا القول منه بأقلٍّ مرتبةً من تصحيحه في كتاب الرجال. فعدم ذكره إيّاه فيه لايضرّ بحاله.

السّابع: وقوع حسن بن محبوب - و هو من أصحاب الإجماع(5)- و أحمد بن محمّد بن عيسى - و هو ممّن لايروي إلّاعن ثقةٍ‌(6)- في سند الحديث، و لاخلاف في تصحيح ما يصحّ عنهما.

فالمتحصّل من ذلك كلّه انّ الرجل و إن كان من الواقفين عن إمامة مولانا الرضا عليه السلام و


1) . هذا؛ و الموجود في رجاله يخالف ما في المتن جملةً و تفصيلاً. قال: «عليّ بن أبي حمزة - لعنه اللّه - أصل الوقف أشدّ الخلق عداوةً للوليّ من بعد أبي إبراهيم»؛ راجع: «رجال ابن الغضائريّ» ص 83 الرقم 107.

2) . لم أعثر على ثوقيقه فيه؛ راجع: «جامع الرواة» ج 1 ص 547 القائمة 1.

3) . راجع: «تنقيح المقال» ج 2 ص 260 الرقم 8111.

4) . لم أعثر على هذا القول منه رحمه الله في العدّة. نعم! تعرّض لرواياته فيه و حكم بصحّتها إذا لم يكن هناك ما يخالفها و لم تكن مخالفةً لما تعمل به الأصحاب. قال رحمه الله: «و إن كان ما رووه ليس هناك ما يخالفه و لايُعرف من الطائفة العمل بخلافه وجب أيضاً العمل به إذا كان متحرّجاً في روايته موثوقاً في أمانته و إن كان مخطئاً في أصل الإعتقاد. و لأجل ما قلناه عملت الطائفة بأخبار... الواقفة مثل... عليّ بن أبي حمزة»؛ راجع: «العدّة في أصول الفقه» ج 1 ص 150.

5) . راجع: «أصول علم رجال الحديث» ص 388.

6) . راجع: نفس المصدر ص 460.

من المطرودين عن ساحة الرحمة و المغفرة و لكن لابأس برواياته؛ و هذا واضحٌ.

نعم! قلنا لابأس بسند الحديث، و ذلك بالنظر إلى هذه القرائن السبع.

أمّا دلالةً، فلدلالة الحديث على ما نحن بصدده تقريبان:

التقريب الأوّل:

ما ذكره سيّدنا الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله(1)و هو: إنّ الحديث من باب تشبيه المعقول بالمحسوس؛

و المحسوس: إنّ للحصن شأنيّة الاحتفاظ على جميع ما فيه من الناس و البيوت و المواشي و غيرها، و لايكون الحصن حصناً إلّاإذا اشتمل على جميع ما فيه و حفظه عمّا يخالفه و يضادّه؛

و المعقول: كون الفقيه حصناً للإسلام، و لامعنى له إلّاحفاظه على جميع ما للإسلام من الحدود و الثغور - كأحكامه العباديّة الجماعيّة و أحكامه المتعلّقة بالحدود و الديات و القصاص و السياسات -، و جميع هذا يرجع إلى سلطته على مجتمع تابعي الإسلام؛ فلايُعدّ الفقيه حصناً إلّاإذا كان مبسوط اليد ذاقدرةٍ على إجراء أحكامه الراجعة إلى المجتمع. و هو يتحقّق إذا استقرّ في منصب الولاية.

فللحديث على هذا التقرير دلالةٌ واضحةٌ على ثبوت منصب السلطة للفقيه.

التقريب الثّاني:

ما ذكره المحقّق النراقيّ‌(2)و الشيخ صاحب الجواهر(3)و أستاذنا الإمام(4)و هو: إنّ الحديث يبيّن كبرىً لصغرى عقليّةٍ، إذ العقل يحكم بلزوم وجود دولةٍ و حكومةٍ في كلّ مصرٍ، بل بضرورتها - و هذا أصلٌ قد مضت الإشارة إلى تفصيله فيما سبق من هذه الرسالة -. ثمّ إنّ هذا الحديث صدر ليبيّن الصالح للقيام بأمر الحكومة، فأشار الإمام عليه السلام فيه إلى أنّه هو المؤمن العارف بدقائق فقه أهل البيت، فهو حصن الإسلام الذابّ عنه عمّا يضاده؛ فقال: «لأنّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام». و القضيّة الحاصلة من انضمام


1) . راجع: «كتاب البيع» - له رحمه الله - ج 2 ص 472.

2) . راجع: «عوائدالأيّام» ص 189.

3) . لم أعثر على كلامٍ له في هذا المضمار.

4) . راجع: «كتاب البيع» ج 2 ص 472.

المقدّمتين: إنّ للمسلمين دولةً، و الصالح لرئاستها هو الفقيه، فالفقيه هو رئيس المسلمين.

فدلالة الحديث على ثبوت الولاية للفقيه بهذا التقريب أيضاً تامّةٌ لامجال للنقاش فيها.

الرواية السابعة

و هي ما رواه محمّد بن يعقوب بسنده(1)و نصّها:

«محمّد بن الحسين و عليّ بن محمّد عن سهل بن زياد و محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد جميعاً عن جعفر بن محمّد الأشعريّ عن عبداللّه بن ميمون القدّاح و عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عن القدّاح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك اللّه به طريقاً إلى الجنّة. و إنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً به، و إنّه يستغفر لطالب العلم من في السماء و من في الأرض حتّى الحوت في البحر. و فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر. و إنّ العلماء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً و لادرهماً و لكن ورَّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظٍّ وافرٍ».

أمّا السند فصحيحٌ عند القدماء و المتأخّرين لا إشكال لأحدهم فيه.

و دلالة هذا الحديث مع الآتي بعده على المطلوب مشتركةٌ، فنفصّل الكلام حولها مذيّلاً على الرواية الثّامنة.

و تتميم الكلام في سندهما أيضاً يأتي هناك.


1) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 34 الحديث 1؛ و انظر أيضاً: «بحارالأنوار» ج 1 ص 164، «الأمالي» - للصدوق رحمه الله - ص 60 الحديث 9، «بصائرالدرجات» ص 3 الحديث 2.

الرواية الثّامنة
اشارة

و هي:

«محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن محمّد بن خالد عن أبي البختريّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «إنّ العلماء ورثة الأنبياء، و ذاك أنّ الأنبياء لم يورثوا درهماً و لاديناراً، و إنّما أورثوا أحاديث من أحاديثهم. فمَن أخذ بشيءٍ منها فقد أخذ حظّاً وافراً. فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه، فإنّ فينا أهل البيت في كلّ خلفٍ عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين»(1).

أمّا السند فأنّ هذا الحديث يشترك مع السابق عليه في التواتر اللفظيّ، إذ قوله صلى الله عليه و آله: «إنّ العلماء ورثة الأنبياء» - كما في الأوّل - ورد في كثيرٍ من مصادر الفريقين الروائيّة بأسانيد متعدّدةٍ‌(2)، كما ورد في جملةٍ من روايات أهل البيت عليهم السلام - كما في الثّاني -. و كان سيّدنا الأستاذ الإمام الخميني رحمه الله يقول بتواتره، و يذهب إلى أنّ التواتر اللفظيّ لاينحصر في قولهم عليهم السلام: «الأعمال بالنيّات»(3)- كما قد اشتهر بين الطلبة(4)-؛ بل مصاديقه كثيرةٌ منها هذا الحديث الّذي نحن بصدده الآن.

هذا بالنسبة إلى ما يشترك فيه الحديثان معاً.


1) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 32 الحديث 2، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 78 الحديث 33247، «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 299 الحديث 21400، «بحارالأنوار» ج 2 ص 251.

2) . و مضت الإشارة آنفاً إلى بعض مصادره.

3) . فانظر: «التهذيب» ج 1 ص 83 الحديث 67، «وسائل الشيعة» ج 10 ص 13 الحديث 12713، «مستدرك الوسائل» ج 4 ص 131 الحديث 4310، «بحارالأنوار» ج 67 ص 212، «فقه القرآن» ج 1 ص 185.

4) . و انظر في ذلك: «الرعاية لحال البداية» ص 62.

أمّا بالنسبة إلى الثّاني سنداً، فإنّ أباالبختريّ - و هو وهب بن وهب - لم يوثّق، بل قال بعضهم: «إنّه كذّابٌ»(1). و لكن نقول: لابأس بالسند، بل انّه يُعدّ من الصحاح. و ذلك لعدّة أمورٍ:

الأوّل: إنّ أباالبختريّ لايوصف بالكذب إلّالما رواه في مراتب الأئمّة و درجاتهم الرفيعة، فقيل فيه: انّه غاليٌّ‌(2)، ثمّ رموه بالكذب لما شاهدوا فيه من الغلوّ. و للغلوّ عند المتقدّمين معنىً لانعدّه جرحاً إن لم يكن مدحاً، إذ قد رموا كثيراً من خلّص مريدي أهل البيت عليهم السلام و تابعيهم بالغلوّ نظراً إلى ما رووه في بعض مراتب الأئمّة العلياء، فما عدّوه كذّاباً إلّا من هذه الجهة؛ فلاقدح فيه.

الثّاني: إكثارُ المشايخِ الثلاث الروايةَ عنه، فهذا الكلينيّ رحمه الله و قد روى منه في مواضع تقرب من مأة موضعٍ، و نظيره ما فعل الشيخ و الصدوق 0(3). و من البعيد جدّاً أن يعدّوه كاذباً ثمّ يرووا منه هذا العدد الهائل.

الثّالث: توثيق المفيد(4)و ابن الغضائريّ 0 إيّاه؛ قال ابن الغضائريّ: «كذّابٌ عامّيٌّ إلّاأنّ له عن جعفر بن محمّد عليه السلام أحاديث كلٌّ يوثق بها»(5). و لايخفى ما لتوثيقه من القيمة و


1) . راجع: «منتهى المقال» ج 6 ص 400 الرقم 3149. بل قال الكشّي: «قال أبومحمّد الفضل بن شاذان: كان أبوالبختريّ من أكذب البريّة»؛ راجع: «رجال الكشّي» ص 309 ذيل الحديث 558.

2) . لم أعثر على من رماه بالغلوّ؛ فانظر: «معجم رجال الحديث» ج 19 ص 211 الرقم 13199، «نقدالرجال» ج 5 ص 31 الرقم 5647، «رجال الشيخ» ص 317، «رجال النجاشيّ» ص 430.

3) . هذا؛ و انظر: «معجم رجال الحديث» ج 19 ص 211، ثمّ ص 396 القائمة 1.

4) . لم أعثر على توثيق المفيد رحمه الله إيّاه.

5) . كذا؛ و في رجال ابن الغضائريّ: «... أحاديث كلّها لايوثق بها»؛ راجع: «الرجال» - لابن الغضائريّ - ص 100 الرقم 151. و الظاهر انّ الشيخ الأستاذ - أدام اللّه عزّه - نقل العبارة عن بعض المصادر الرجاليّة، و ما فيه يوافق المنقول في المتن؛ فانظر: «معجم رجال الحديث» ج 19 ص 212، «مجمع الرجال» ج 6 ص 198.

المرتبة!.

الرّابع: وقوع ابن أبي عمير في السند، و هو من أصحاب الإجماع بلاخلافٍ‌(1).

فهذه الأربعة أمورٌ تدلّ على أن لابأس بالسند، بل هو من الصحاح.

أمّا دلالةً فنقول: نرى - تبعاً للمحقّق النراقيّ‌(2)و الشيخ صاحب الجواهر(3)و سيّدنا الأستاذ الإمام الخمينيّ‌(4)- انّ للحديث دلالةً واضحةً على اثبات الولاية للفقيه. و ذلك بالنظر إلى شمول الوراثة بالنسبة إلى كلّ ما يُورَث، كمرتبة القضاء و مرتبة الولاية، فكما انّ الوراثة المذكورة في زيارة الوارث - حيث ورد فيها: «السلام عليك يا وارث نوح نبيّاللّه، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل اللّه،... السلام عليك يا وارث موسى كليم اللّه، السلام عليك يا وارث عيسى روح اللّه، السلام عليك يا وارث محمّد حبيب اللّه»(5)- تشمل وراثته عليه السلام عنهم عليهم السلام في جميع ما يورث، فكذلك وراثة العلماء عن الأنبياء. فلهم الولاية وراثةً عنهم.

نعم! لكلٍّ ما يتعلّق به من المراتب، فأفضل مراتب الولاية يختصّ بالأنبياء و الأئمّة المعصومين، كما انّ أفضل مراتب العلم و الحكمة و التدبير و الشَّجاعة و غيرها مختصٌّ بهم عليهم السلام؛ و لكن للعلماء أيضاً حظٌّ من ذلك و إن لم يُقس بما للأئمّة من ذلك.

بقي هيهنا أن نشير إلى إشكالين قد يُورد على دلالة الحديث على ما نحن فيه؛ و هما:


1) . راجع: «رجال الخاقانيّ» ص 61، «رجال الكشّي» ص 466.

2) . راجع: «مستندالشيعة» ج 10 ص 136.

3) . راجع: «جواهرالكلام» ج 29 ص 31.

4) . راجع: «كتاب البيع» ج 2 ص 482.

5) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 2 ص 604، «التهذيب» ج 6 ص 58، «كامل الزيارات» ص 311، «مصباح المتهجّد» ص 719.

الإشكال الأوّل:

المراد من «العلماء» هم الأئمّة المعصومون عليهم السلام، أي: انّ أئمّتنا المهديّين هم ورثة الأنبياء؛ و عليه فلادلالة على اثباتها للفقيه.

و الجواب:

ما مرّ من أنّه لم يُعهد إطلاق لفظتي «العالم» و «العلماء» على الأئمّة في زيارةٍ أو روايةٍ عن النبيّ أو أولاده المكرّمين(1)، بل هذا الإطلاق دون شأنهم حيث ورد فيهم: «السلام عليكم يا... خزّان العلم»(2)، فإنّهم خزّان العلم و معادن الحكمة؛ فلايجوز توصيفهم بما يدلّ على اتّصافهم بما هم خزّانه و معادنه؛ فهذا تنقيصهم لامدحٌ لهم و ثناء.

الإشكال الثّاني:

إنّ هذا الحديث يشير إلى استخلاف العلماء عن الأنبياء في تبيين الأحكام و ما يرجع إلى العلم فقط، فدائرة وراثتهم عنهم عليهم السلام محدودةٌ لاسعة لها حتّى تشمل الوراثة في ما لهم من الولاية، فلادلالة له على اثبات الولاية للفقيه(3).

و الجواب:

إنّ هذا الإشكال نشأ من توهّم كون ذيل الحديث قيداً لصدره، بينما نرى انّ ذيله معرِّفٌ و مفسرٌ لصدره، فلالسان للحديث على أنّ العلماء ورثة الأنبياء في علومهم فقط، بل لسانه: إنّ العلماء ورثة الأنبياء في جميع ما يُورث منهم؛

ثمّ كأنّه سُئل عليه السلام: و مَن العلماء الخلفاء عنهم؟

فأجاب عليه السلام: هم الّذين أورثوا علوم الأنبياء ثمّ اهتدوا بها الناس.

فلاتقييد في الحديث حتّى يحدّد سعة الوراثة؛ بل هذا تحديد مصداق الوراثة. و أمّا الوراثة نفسها فمطلقةٌ.


1) . و مضت الإشارة إلى ما يتعلّق بهذا الجواب؛ فراجعه.

2) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 2 ص 609 الحديث 3213، «مستدرك الوسائل» ج 10 ص 416 الحديث 12274، «البلدالأمين» ص 297.

3) . و عن المحقّق آية اللّه العظمى الخوئيّ رحمه الله: «و فيه أوّلاً: انّ الوراثة إنّما تكون في أمورٍ قابلةٍ للانتقال...؛ و ثانياً: لم نحرز كون الولاية من قبيل ما تقبل التوريث...؛ و ثالثاً: إنّ الولاية خارجةٌ عن حدودها تخصّصاً...»؛ راجع: «مصباح الفقاهة» ج 3 ص 288.

فالمحصّل من هذا كلّه انّ للفقهاء الوراثة عن الأنبياء في جميع ما يُورث، و من جملته الولاية في الحكم و السلطة؛ فدلالة الحديثين على ما نحن فيه تامّةٌ لايجوز الارتياب فيها.

الرواية التّاسعة

و هي ما رواه الصدوق رحمه الله في العلل(1)عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام، و نصّها:

«قال:... فإن قيل: فلِمَجعل أولي الأمر و أمر بطاعتهم؟

قيل: لعللٍ كثيرةٍ! منها: إنّ الخلق لمّا وقفوا على حدٍّ محدودٍ و أُمروا أن لايتعدّوا ذلك الحدّ لما فيه من فسادهم لم يكن يثبت ذلك و لايقوم إلّابأن يُجعل عليهم فيه أميناً يمنعهم من التعدّي و الدخول فيما خطر عليهم. لأنّه لو لم يكن ذلك كذلك لكان أحدٌ لايترك لذّته و منفعته لفساد غيره، فجعل عليهم قيّماً يمنعهم من الفساد و يقيم فيهم الحدود و الأحكام».

أمّا السند فذكر الصدوق رحمه الله صدره فقط(2)، و تمامه: «محمّد بن عليٍّ عن عبدالواحد بن عبدوس عن عليّ بن محمّد بن قتيبة عن فضل بن شاذان»، و السند صحيحٌ؛ و تفصيل الكلام فيه:

أمّا عبدالواحد بن عبدوس فيُعدّ من مشايخ الصدوق، و قد أكثر من الرواية عنه(3)


1) . راجع: «علل الشرايع» ج 1 ص 251 الحديث 9. و انظر أيضاً: «عيون الأخبار» ج 2 ص 99 الحديث 1، «بحارالأنوار» ج 23 ص 32. و لم ينسب الحديث في مصدرين الأوّلين إلى مولانا الرضا عليه السلام، بل الظاهر انّه من كلام الفضل. أمّا المحقّق المجلسيّ رحمه الله فنسبه إليه؛ فلاحظ و تأمّل.

2) . أمّا في ما بين يديّ من نسخ «العلل» و «العيون» فقد ذكر السند بتمامه، و في سند «العيون» ذكرالسنة الّتي سمعها فيها عن شيخه أيضاً.

3) . قال الحائريّ: «حسّنه خالي (أي: المحقّق المجلسيّ) لرواية الشيخ الصدوق عنه، و قد أكثر من الرواية عنه»؛ راجع: «منتهى المقال» ج 4 ص 275 الرقم 1843.

أضف إلى ذلك ما نصّ عليه الرجاليّون من وثاقته، منهم الكشّي و ابن داود(1)و العلّامة - في ترجمة يونس بن عبدالرحمن(2)-.

أمّا ابن قتيبة فهو أيضاً من المشايخ الأجلّاء، و قد صحّحه كلٌّ من الكشّي(3)و ابن داود(4)و العلّامة(5)و ثاني الشهيدَين(6)و الأردبيليّ‌(7)و المامقانيّ‌(8).

فالسند في غاية الرفعة لامجال للخدشة فيه.

أمّا دلالة الحديث على ما نحن بصدده فظاهرةٌ، و قد ذكرنا شيئاً حولها فيما مضى من هذه الرسالة. و نزيد عليه هيهنا و نقول: أشار الإمام عليه السلام في هذا الحديث إلى لمّيّة احتياج الناس إلى الوالي، و ما هي إلّاالتضادّ الواقع بين منافعهم و أهوائهم، فلو لم تكن دولةٌ تقوم بأمر تنظيم أمورهم الجماعيّة و ما يرجع إليها ليؤول أمر المجتمع إلى الفساد و الهرج و الإضطراب.

فلابدّ من وجود ولايةٍ، و لاولاية إلّابالوالي، و الوالي هو الّذي «يقيم فيهم الحدود و الأحكام»، و ليس هو إلّاالفقيه العارف بهما.


1) . لم أعثر على ترجمةٍ له في «رجال الكشّي» و لا في «رجال ابن داود»؛ و انظر: «المعجم الموحّد» ج 2 ص 81 القائمة 1.

2) . لم أعثر عليه فيه، و انظر: «خلاصة الأقوال» ص 296 الرقم 1103 ترجمة يونس بن عبدالرحمن. و الظاهر انّ كلام الشيخ الأستاذ - أطال اللّه بقاءه - يرجع إلى ابن قتيبة، لا إلى ابن عبدوس، إلّاأن يقال: انّ تصحيح طريق ابن قتيبة يرجع إلى تصحيح مشايخ طريقه، و منهم ابن عبدوس. و لم يُذكر عبدالواحد في هذا الكتاب.

3) . لم أعثر على ترجمةٍ له في «اختيار معرفة الرجال» المعروف ب: «رجال الكشّي».

4) . لم أعثر عليه فيه أيضاً.

5) . راجع: «خلاصة الأقوال» ص 177 الرقم 527.

6) . قال في تعداد ألفاظ التعديل: «... شيخٌ جليلٌ صالح الحديث مشكورٌ خيّرٌ فاضلٌ؛ اتّفق هذا الوصف لجماعةٍ ك... عليّ بن قتيبة القتيبيّ»؛ راجع: «الرعاية لحال البداية» ص 121.

7) . راجع: «جامع الرواة» ج 1 ص 601 القائمة 1.

8) . راجع: «تنقيح المقال» ج 2 ص 308 الرقم 8505.

فدلالته أيضاً على ثبوت الولاية للفقيه تامّةٌ ظاهرةٌ.

بقي الكلام في نكتةٍ؛ و هي: إنّ الحديث صدر أوّلاً لاثبات ولاية المعصومين عليهم السلام حيث قال عليه السلام: «فلِمَجعل أولي الأمر و أمر بطاعتهم»، و لاخلاف بين الإماميّة في أنّ «أولي الأمر» بإطلاقه ينصرف إليهم عليهم السلام؛ و لكنّ العلّة المشروحة في الحديث معمّمةٌ حيث لاخلاف في ثبوت حاجة الناس إلى الولاية و الوالي في كلّ عصرٍ - سواءٌ فيه زمن الغيبة و غيره -. و في زمن الغيبة الفقيه هو الّذي يقوم بإقامة الحدود و الأحكام، لأنّه هو العارف بها الواقف عليها، فهذه العلّة عمّمت الحديث و أخرجته عن مصاديقه الأوّليّة الأصليّة إلى كلّ من يصلح لأن يستخلف عنهم عليهم السلام، و هو الفقيه الجامع لشرائط الفتيا.

و للحديث تتمّةٌ لها شأنٌ عال لاثبات ما نحن فيه، و لكن بما أنّها مضت فيما تقدّم من هذه الرسالة لانعيدها و نهيل القارىء الكريم إليها.

الرواية العاشرة

و من الروايات الدالّة على ثبوت الولاية للفقيه ما علّق أحكام الإسلام السياسيّة و الجماعيّة على وجود الدولة. و مضت الإشارة إلى أنّ من الأحكام االإسلاميّة ما هو فرديٌّ يجب على المكلّف بما هو مسلمٌ مكلّفٌ - كالصلاة و الزكاة -؛

و منها ما هو جماعيٌّ يجب على المكلّف بما هو مسلمٌ يعيش في مجتمع المسلمين - كالجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و القضاء و إجراء القصاص و الديات و ما إليها -. و هذه تزيد على النصف من أحكامه، بل تبلغ ثلثيه!.

و لذلك الروايات دلالةٌ تامّةٌ على ثبوت منصب الولاية لمن يستطيع أن يقوم بأمر هذه الأحكام، إذ من البيّن عدم طروّ التعطيل للأحكام في زمن الغيبة، أي: من المستحيل عند العقل أن يُشَرَّع حكمٌ لمدّةٍ قليلةٍ كانت زمن دولة النبيّ و أميرالمؤمنين و الإمام المجتبى عليهم السلام

ثمّ يعرضه التعطيل إلى قيام مولانا الحجّة عليه السلام. فلكلّ روايةٍ دالّةٍ على تعليق أحكام الإسلام الجماعيّة على وجود الدولة و الحكم دلالةٌ على ثبوت الحكم و الولاية للفقيه.

و هنا نأتي بثلاثةٍ من هذه الروايات فقط تجنّباً عن التطويل، و أمثالها كثيرةٌ تظهر لمن تفحّص أبواب القضاء و صفات القاضي من كتاب الوسائل؛

فمنها ما رواه الكلينيّ رحمه الله(1)، و نصّه:

«محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن عليّ بن النعمان عن سويد القلانسيّ عن بشيرٍ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قلت له: إنّي رأيت في المنام انّي قلت لك:

انّ القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرامٌ مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير، فقلت لي: نعم! هو كذلك؛

فقال أبو عبداللّه عليه السلام: هو كذلك، هو كذلك، هو كذلك».

السند صحيحٌ، و دلالة الحديث على ما نحن بصدده واضحةٌ. إذ الجهاد من أحكام الإسلام الجماعيّة و لايصحّ مع كلّ حاكمٍ متغلّبٍ أو مع من اختاره الناس من غير أن يكون مفترض الطاعة، و لامفترض الطاعة إلّاالفقيه - كما دلّ عليه مقبولة عمر بن حنظلة، و مشهورة أبي خديجة، و التوقيع الشريف -.

و منها صحيحة الحلبيّ، و نصّها:

«الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن حمّاد عن الحلبيّ قال: قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ربما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء


1) . راجع: «الكافي» ج 5 ص 27 الحديث 2، و انظر: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 45 الحديث 19954.

فيتراضيان برجلٍ منّا؟

فقال: ليس هو ذاك! إنّما هو الّذي يجبر الناس على حكمه بالسيف و السوط»(1).

سند الحديث صحيحٌ، و دلالته واضحةٌ حيث دلّ على لزوم وجود والٍ يجبّر الناس على الخضوع لحكمه بالقوّة المجرية - أي: بالسيف و السوط -. و للحديث لسانٌ ظاهرٌ على عدم كفاية التراضي في القاضي. فلايكفي أن يتراضى كلّ اثنين برجلٍ يحكم بينهما، بل يجب أن تكون دولةٌ مقتدرةٌ لتقوم بوظائف الحكم و منها تعيين القضاة لكلّ بلدٍ حتّى لايتشتّت أمر المسلمين.

و منها صحيحة جعفر بن الغياث، و نصّها:

«روى سليمان بن داود المنقريّ عن حفص بن غياث قال: سألت أباعبداللّه عليه السلام: من يقيم الحدود؟ السلطان أو القاضي؟

فقال عليه السلام: إقامة الحدود إلى من إليه الحكم»(2).

و هذه الصحيحة دالّةٌ على وجود الحاكم بل على ضرورته - إذ من المستحيل أن ينتظم المجتمع من غير أن يسلّط عليه أحدٌ يقيم الحدود -، و ليس هو القاضي أو السلطان المرسومين في ذلك الزمن، فهو الرجل الخبير بأحكام الإسلام المفوَّض إليه الحكم من قبل المعصومين عليهم السلام، و ليس هو إلّاالفقيه الجامع لشرائط الفتيا.


1) . راجع: «التهذيب» ج 6 ص 223 الحديث 24، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 65 الحديث 33086، «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 312 الحديث 21440، «دعائم الإسلام» ج 2 ص 529 الحديث 1879.

2) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 4 ص 71 الحديث 5135، «التهذيب» ج 6 ص 314 الحديث 78، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 299 الحديث 33794.

و منها ما رواه صاحب الوسائل(1)من قوله:

«قال المفيد: فأمّا إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قِبل اللّه، و هم أئمّة الهدى من آل محمّد صلى الله عليه و آله و من نصبوه لذلك من الأمراء و الحكّام، و قد فوّضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان».

هذا نصّ عبارة المفيد رحمه الله(2)في المقنعة، و قد ذكره الحرّ كحديثٍ، فلوكان حديثاً فنعمّا هو! إذ فيه بيان الحكم و تعيين الموضوع معاً - أي: وجوب إقامة الحدود و غيرها من أحكام الإسلام الجماعيّة و بيان من يصلح للقيام بإقامة هذه الأحكام -.

و قوله:

«و قد فوّضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان»

صريحٌ في المطلوب.

و لو لم تكن العبارة نصّ حديثٍ بل كانت من قلم المفيد الشريف فلاضير فيه، إذ انّها مستنبطةٌ من عدّة رواياتٍ، منها صحيحة جعفر بن غياث الّتي مرّ ذكرها قبل المنقول عن المفيد رحمه الله.

و تلك الروايات كثيرةٌ و قد أشرنا إلى كثرتها و انتشارها في جميع أبواب الفقه، فعلى الطالب أن يتفحّص أبواب الأحكام من الطهارات إلى الديات ليقف على كثيرٍ منها قد دلّ على ثبوت الولاية لمن يستطيع أن يقوم بإجراء أحكام الإسلام الجماعيّة كما هو حقّها.

الرواية الحادي عشرة
اشارة

و هذا العنوان يشير إلى جمعٍ من الأحاديث لها دلالةٌ على شمول الإسلام و جامعيّته


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 28 ص 49 الحديث 34187.

2) . راجع: «المقنعة» ص 809.

بالنسبة إلى جميع ما تحتاج إليه الناس في حياتهم. و هي كثيرةٌ؛

منها موثّقة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام، و فيها:

«عن النبيّ صلى الله عليه و آله: يا أيّها الناس! و اللّه ما من شيءٍ يقرّبكم من الجنّة و يباعدكم من النار إلّاو قد أمرتكم به، و ما من شيءٍ يقرّبكم من النار و يباعدكم من الجنّة إلّاو قد نهيتكم عنه»(1).

و الحديث و ما يشبهه يُمكن أن يراد منه أحد معنيين:

الأوّل:

إنّ قوله صلى الله عليه و آله هذا إشارةٌ إلى القرآن الكريم، إذ القرآن الكريم يكون «تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ»(2)، و وصف نفسه بقوله: «مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْ‌ءٍ»، و: «لَارَطْبٍ وَ لَايَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ»(3). فمعنى قوله صلى الله عليه و آله: «... إلّاو قد أمرتكم به... إلّاو قد نهيتكم عنه»:...

إلّا و قد أمرتكم به في القرآن و نهيتكم عنه فيه. و هذا المعنى لابأس به، و لكن لوكان هذا هو مراده صلى الله عليه و آله من قوله فلادلالة له على ما نحن بصدده، بل هو إجنبيٌّ عن المقام.

الثّاني:

أن يكون المراد: إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله جاء بقواعد كلّيّةٍ هي مشروحةٌ في شريعته و العارف بالشريعة و دقائقها يقتدر على الإجابة عمّا يحتاج إليه الناس في جميع الصور بالنظر إلى هذه القواعد الكلّيّة، فالفقيه لوكان خبيراً بأحكام الإسلام الأوّليّة ثمّ مستنبطاً في قواعده الثانويّة فله أن يجيب عمّا يحدث للمجتمع من الحوادث الواقعة. فقول الرسول يرجع إلى أنّ النبي و أهل بيته عليهم السلام هم الهادون للناس الرافعون لحوائجهم بما لهم من العلم التامّ الموهوب لهم من عنداللّه - سبحانه و تعالى -؛ و مِن بعدهم للفقيه - بما له المعرفة بأحكام


1) . راجع: «الكافي» ج 2 ص 74 الحديث 2، «وسائل الشيعة» ج 17 ص 45 الحديث 21939، «مستدرك الوسائل» ج 13 ص 29 الحديث 14652، «بحارالأنوار» ج 74 ص 187.

2) . كريمة 89 النحل.

3) . كريمة 59 الأنعام.

الإسلام الأوّليّة و الثانويّة - أن يتصدّى لما قد تصدّى له أهل العصمة عليهم السلام، فكما أنّهم قادرون على تقريب الناس إلى الجنّة و تبعيدهم عن النار فللفقيه أيضاً أن يبيّن لهم كلّ ما يحتاجون إليه ليتقرّبوا إلى الجنّة و يتبعّدوا عن النار.

و هذا المعنى جعل الحديث دالّاً على ثبوت الولاية للفقيه؛ و لاخفاء فيه.

و منها: صحيحة محمّد بن مسلم، و هي:

«إنّ أميرالمؤمنين عليه السلام قال: الحمد للّه الّذي لم يخرجني من الدنيا حتّى بيّنت للأمّة جميع ما تحتاج إليه»(1).

الرواية صحيحةٌ، و هي لم ترد في الوسائل(2)و لكن رواها المحدّث المحقّق الفيض رحمه الله في الوافي(3)و قد أوردها السيّد الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله في كتاب البيع(4).

و تقريب الاستدلال بها ما مضى في السابقة عليها؛ هذا.

و قد ورد في كثيرٍ من جوامعنا الروائيّة ما يشبه الحديثين، و بعض ذلك و إن كان بالنظر إلى سنده ضعيفاً غير قابلٍ للركون إليه و لكن الحقّ انّ انضمام بعض هذه الجملة إلى بعضٍ آخر يفيد الوثوق إلى صدور المضمون عن المعصومين عليهم السلام. فلنذكر قسطاً منها ليفيدنا في المقام.

منه قوله صلى الله عليه و آله:


1) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 3 ص 112 الحديث 3432، «التهذيب» ج 6 ص 319، «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 405 الحديث 21677.

2) . الظاهر ورودها فيه؛ راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 302 الحديث 33799.

3) . راجع: «الوافي» - الطبعة الحجريّة - ج 1 ص 62.

4) . راجع: «كتاب البيع» ج 2 ص 462.

«العلماء بمنزلة الأنبياء»(1).

و المشهور منه: «العلماء أفضل من أنبياء بني إسرائيل»، و لكن لم أعثر عليه في المصادر الروائيّة(2). أمّا قوله صلى الله عليه و آله: «العلماء بمنزلة الأنبياء» فقد ورد في كثيرٍ من المصادر؛ منها:

البحار(3)، و العوالي(4).

و منه: ما ورد في فقه الرضا(5)من أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قال:

«منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الأنبياء في بني إسرائيل».

و منه: ما ورد في جامع الأخبار(6)- و هو كتابٌ نفيسٌ، و من الجدير بأهل الخطابة الجالسين على عروش المنابر أن يهتمّوا به، إذ فيه ما ينفعهم و يعينهم في أمر الإرشاد و إبلاغ رسالات اللّه تعالى -، من قول النبيّ صلى الله عليه و آله:

«أفتخر يوم القيامة بعلماء أمّتي فأقول: حكماء أمّتي كسائر الأنبياء قبلي».


1) . لم أعثر عليه في مصادرنا الروائيّة.

2) . و هذا هو الصحيح، حيث لم أجد الحديث في المصادر الروائيّة بعد الفحص البالغ.

3) . راجع: التعليقة الآتية.

4) . لم أعثر على هذه الصورة من الرواية فيه، و المذكور فيه: «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل»؛ راجع: «عوالي اللآلئ» ج 4 ص 77 الحديث 67؛ و انظر أيضاً: «بحارالأنوار» ج 24 ص 307، «الصراطالمستقيم» ج 1 ص 131، «الألفين» ص 332.

5) . راجع: «فقه الرضا» ص 338، و انظر: «بحارالأنوار» ج 75 ص 346.

6) . لم أعثر عليه فيه بنصّه، و المنقول فيه: «أفتخر يوم القيامة بعلماء أمّتي على سائر الأنبياء قبلي»؛ راجع: «جامع الأخبار» ص 38. و لم أعثر عليه في غيره، و هو من حديث أبي هريرة.

و منه: ما رواه الآمديّ في الغرروالدرر(1)عن مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام انّه قال:

«العلماء حكّامٌ على الناس. إنّ أقرب الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به».

و المتحصّل من هذه الأحاديث الّتي بلغ عددها حدّاً يوجب الوثوق بصدور مضمونها عن المعصوم: إنّ للفقهاء شأناً كشأن الأنبياء المبلّغين الّذين كانوا تابعين للأنبياء أصحاب التشريع، كالنبيّ لوط عليه السلام حيث كان مبلّغاً لما جاء به الرسول إبراهيم عليه السلام. فإبراهيم من أصحاب التشريع - و هم قليلون بالنسبة إلى عدد الأنبياء، بل لايزيد عددهم حدّ أصابع يدٍ واحدةٍ -، و لوط من أصحاب التبليع.

و لهذه الروايات دلالةٌ على أنّ للفقهاء شأناً مثل ما كان للأنبياء المبلّغين، و مضت منا الإشارة في التذييل على قوله - تعالى -: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ»(2)إلى أنّ للأنبياء مرتبة الحكم و مرتبة القضاء و مرتبة التبليغ، فللفقيه أيضاً هذه المراتب الثلاث(3).


1) . القطعة الأولى من الحديث - أي: قوله عليه السلام: «العلماء حكّامٌ على الناس» - توجد فيه فقط؛ راجع: «الغرر و الدرر» ص 47 الحديث 205؛ و انظر: «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 321 الحديث 21471.

2) . كريمة 25 الحديد.

3) . قال المحقّق النائينيّ رحمه الله بعد أن نقل جملةً من الآيات و الأحاديث المستشهد بها لثبوت الولاية للفقيه: «و لايخفى عدم دلالة شيءٍ من المذكورات على أزيد من اثبات وظيفة تبليغ الأحكام إلى الناس، و انّ أقوالهم حجّةٌ في مقام التبليغ و يجب على الناس متابعتهم فيما يبلّغونه. و كونهم كأنبياء بني إسرائيل ليس دليلاً على اثبات الولاية العامّة لهم إلّابتخيّل عموم التشبيه، و لكنّه مدفوعٌ بأنّه لم يُعلم من أنبياء بني إسرائيل كونهم بما انّهم الأنبياء ولاة على الناس، بل الظاهر المستفاد من الرجوع إلى سيرهم عدم تصدّي أكثرهم إلّالتبليغ الأحكام. نعم! كان جملةٌ منهم عليهم السلام ملوكاً مثل موسى و داود و سليمان و كانوا متصدّين لوظائف الولاة، لكن لا بما هم أنبياء بل بما هم ملوك»؛ راجع: «كتاب المكاسب و البيع» - تقريرات المحقّق النائينيّ بقلم العلّامة الآمليّ 0 - ج 2 ص 336.

الرواية الثّانية عشرة
اشارة

ما رواه ابن شعبه الحرّاني في تحف العقول(1)عن مولى العالَمَين و سيّدالكونين أبي عبداللّه الحسين عليه السلام في خطبةٍ طويلةٍ له أنشأها في مكّة؛ و منها قوله عليه السلام:

«مجاري الأمور و الأحكام على أيدي العلماء باللّه الأمناء على حلاله و حرامه».

أمّا السند ففيه خلافٌ، و هو نشأ ممّا فعل ابن شعبة في كتابه من حذف الأسانيد و جعل الأحاديث مراسيل. و لاريب في أنّ هذا ممّا فعله ابن شعبة نفسه، لا كما فعلته أيدي الدهور بتفسير العيّاشي من حذف أسانيده حبّاً للإختصار. و هذا ممّا لاتوجيه له؛ و يا ليته لم تُفعَل!.

أمّا أحاديث تحف العقول فقد ذهب جمعٌ إلى تصحيحها نظراً إلى أنّ الشيخ الحرّاني قد وثّقها حينما نقلها من غير ذكر سندٍ لها(2)، منهم الشيخ الأعظم رحمه الله حيث أورد حديثاً منه في صدر كتابه المتاجر(3)ثمّ فرّع عليه جملةً من مسائله. و منهم جمعٌ من أساتذتنا الكرام كآية اللّه العظمى البروجرديّ رحمه الله و سماحة الإمام الخمينيّ رحمه الله و آية اللّه العظمى المحقّق الداماد رحمه الله؛ و الظاهر انّ الشيخ المؤسّس آية اللّه العظمى الحائريّ رحمه الله كان يذهب إلى هذا المذهب، و هو قد أخذ عن السيّد الفشاركيّ رحمه الله، و هو عن المحقّق الميرزه الشيرازيّ الكبير رحمه الله، و هو عن الشيخ الأعظم رحمه الله. فتوثيق مراسيل التحف مشهورٌ، و إليه نمشي. هذا بالنسبة إلى السند.

أمّا بالنسبة إلى الدلالة، فالظاهر تماميّتها على اثبات الولاية للفقيه حيث إنّ المراد من «مجاري الأمور» هو: الموضوعات و المشاكل الجماعيّة؛ و المراد ب «الأحكام»: الفقه؛ أي:


1) . راجع: «تحف العقول» ص 237؛ و انظر أيضاً: «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 315 الحديث 21454، «بحارالأنوار» ج 97 ص 79.

2) . و لتفصيل الكلام حول تصحيح رواياته راجع: «أصول علم الرجال» ص 274.

3) . راجع: «كتاب المكاسب» - الطبعة المحقّقة - ج 1 ص 5.

جميع الموضوعات و المشاكل و أحكامها بأيدي العلماء، و لهم الولاية عليها؛ و منها الموضوعات الّتي تحدث في المجتمع.

فلها لسانٌ ظاهرٌ على ثبوتها له.

و هيهنا كلمتان لبعضهم وقعتا في طرفي الإفراط و التفريط؛ و هما:

الكلمة الأولى:

إنّ الحديث يشير إلى أصحاب العصمة، و المراد ب: «العلماء باللّه» هم الأئمّة. فلادلالة لها على ثبوتها له.

و الجواب:

قد مضى منّا الكلام حول عدم إطلاق «العالم» و «العلماء» على أئمّتنا في الأدعية و الروايات(1). فإنّهم معادن العلم و خزّان المعرفة و الحكمة، فلايجوز أن يُطلق عليهم ما يدلّ على الاتّصاف بما هم معدنه و منبعه.

و الكلمة الثّانية:

ما تفوّه بها بعضهم من أنّ لقوله عليه السلام: «العلماء باللّه» إطلاقاً يشمل جميع من له معرفةٌ بالأحكام و لوكانت اجماليّةً، فالحديث يشمل أدنى طالبٍ للعلم قد بلغ مرتبةً دنيّةً منه.

و هذا أيضاً في جانب التفريط!، إذ من المرتكز عند العقول عدم جواز ايداع الأمور إلى من لامعرفة له بها معرفةً تامّةً؛ هذا.

و المتيقّن من اطلاق «العلماء» هو الفقيه، فهو الّذي بيده مجاري الأمور و الأحكام(2). و إلى هذا الممشى مشى الشيخ الأعظم حيث ذهب في كتاب القضاء و الشهادات إلى أنّ


1) . و أشرنا إلى ما فيه في الهامش، فراجعه.

2) . و عن المحقّق النائينيّ رحمه الله: «فانّ مثل قوله: «مجاري الأمور...» بقرينة ذيله لايدلّ على أزيد من اثبات منصب التبليغ لهم في بيان الأحكام من الحلال و الحرام»؛ راجع: «كتاب المكاسب و البيع» - تقريرات المحقّق النائينيّ بقلم العلّامة الآمليّ 0 - ج 2 ص 336. و الظاهر عدم تماميّة كلامه رحمه الله؛ و ذلك بالنظر إلى قوله عليه السلام: «الأمور»، فانّ تفسير النائينيّ رحمه الله للحديث لايشمل عليه.

الحديث هذا خير الأحاديث دلالةً على ثبوتها له(1).

الرواية الثّالث عشرة

و هناك رواياتٌ لها دلالةٌ واضحةٌ على المطلوب بينما أن لا سند لها بحيث يمكن الركون إليها. فمنها ما هو الضعيف؛ و منها ما هو المرسل من غير وجهٍ لتقويته؛ و ما إلى ذلك. و في ختام هذا المبحث نأتي بجملةٍ منها لأنّ كثرتها تفيد الوثوق بصدور مضمونها عن المعصومين عليهم السلام و إن لم يكن لها سندٌ يجوز الإعتماد على كلّ واحدٍ منها على حدةٍ.

فمنها: ما عن أميرالمؤمنين عليه السلام انّه حينما سُئل عن خير خلق اللّه بعد أئمّة الهدى عليهم السلام قال:

«العلماء إذا صلحوا»(2).

و له لسانٌ ظاهرٌ على أنّ المراد من «العلماء»: علماء الأمّة لا أهل البيت عليهم السلام. و قوله: «إذا صلحوا» يشير إلى ما للوليّ من الشرائط كالعدالة و مايشبهها - و سنأتي بتفصيل الكلام حولها -. و إذا كانوا هم خير خلق اللّه فلهم الولاية على غيرهم ليهدوهم إلى ما هو الخير لهم.

و منها: المرسل، و فيه:

«إنّ اللّه - تعالى - قال لعيسى عليه السلام: عظِّم العلماء و اعرف فضلهم!، فإنّي


1) . لم أعثر على قوله هذا في «كتاب القضاء والشهادات» له.

2) . راجع: «بحارالأنوار» ج 2 ص 88، «الاحتجاج» ج 2 ص 458، «التفسير» المنسوب إلى الإمام العسكريّ عليه السلام ص 302 الحديث 144.

فضّلتهم على جميع خلقي إلّاالنبيّين و المرسلين كفضل الشمس على الكوكب، و كفضل الآخرة على الدنيا، و كفضلي على كلّ شيءٍ»(1).

و هو يدلّ على فضل العالم على غيره، و من مصاديق الفضل الفضل في السلطة و الحكم.

و الظاهر شمول الحديث له.

و منها: الضعيف، و فيه عن الصادق عليه السلام:

«الملوك حكّامٌ على الناس و العلماء حكّامٌ على الملوك»(2).

الظاهر في سريان حكم العلماء على الملوك الدالّ بالفحوى على سريانه على الناس.

و منها: المرسل، و فيه عن النبيّ صلى الله عليه و آله:

«فضل العالم على الناس كفضلي على أدناكم»(3).

و منها المرسل، و فيه عن الصادق عليه السلام:

«الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا»(4).

و المراد من كونهم «أمناء الرسل»: كونهم نوّاباً عنهم فيما يرجع إليهم من الوظائف -


1) . راجع: «بحارالأنوار» ج 2 ص 25، «منية المريد» ص 121.

2) . راجع: «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 316 الحديث 21455، «بحارالأنوار» ج 1 ص 183، «شرح ابن أبي الحديد» على نهج البلاغة ج 20 ص 304.

3) . راجع: «منية المريد» ص 100، «بحارالأنوار» ج 67 ص 139؛ و فيهما: «فضل العابد على العابد...».

4) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 46 الحديث 5 - و ليس الحديث فيه مرسلاً و إن كان ضعيفاً -، «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 312 الحديث 21443، «بحارالأنوار» ج 2 ص 36، «دعائم الإسلام» ج 1 ص 81، «النوادر» - للراونديّ - ص 27.

كتبيين الأحكام و تطبيقها على موضوعاتها -؛ و المراد من عدم «دخولهم في الدنيا»: عدم كونهم مكبّين عليها حريصين على حطامها. و هذا ما يُشاهد من فعل بعض فقهاء العامّة المعاصرين لمولانا الصادق عليه السلام حيث كانوا مولعين بجمع الأموال و اقتناء الجواري و الغلمان بخدمة السلاطين، و تحريف الأحكام على مذاقهم و الإتيان بما يعجبهم من الفتاوي الّتي لاأصل لها في الشريعة المقدّسة. فللفقيه العادل غير المكبّ على الدنيا النيابة عن الرسل فيما لهم، فله الولاية على المجتمع.

و منها: ما هو عن مولانا الهاديّ عليه السلام في روايةٍ طويلةٍ له في فضل العلماء، و فيها:

«لولا من يبقى بعد غيبة قائمنا عليه السلام من العلماء الداعين إليه و الدالّين عليه و الذابّين عن دينه... لما بقي أحدٌ إلّاارتدّ عن دين اللّه... أولئك هم الأفضلون عند اللّه - عزّ و جلّ -»(1).

لاريب في أنّ الحديث صدر لبيان شأن العلماء في عصر الغيبة و بيان ما لهم من الفضيلة عند اللّه - سبحانه و تعالى -، فهم الأفضلون عند اللّه - تعالى - لما يقومون به من الدعوة إلى الحجّة عليه السلام و الدلالة إليه و الذبّ عن دينه. و لايمكن ذلك إلّابسلطتهم على المجتمع و ولايتهم على الناس.

أمّا فضلهم فهو من المفروغ عنه في الحديث، فعليهم القيام بهذه الوظائف، فلهم الولاية و السلطة.

هذه جملةٌ من الأحاديث الّتي لها دلالةٌ على المطلوب(2).


1) . راجع: «بحارالأنوار» ج 2 ص 6؛ و انظر أيضاً: «الاحتجاج» ج 2 ص 455، «الصراط المستقيم» ج 3 ص 56، «عوالي اللآلئ» ج 1 ص 19 الحديث 8.

2) . و للمحقّق الخوئيّ رحمه الله نظرٌ في دلالتها على المطلوب؛ راجع: «كتاب الاجتهاد و التقليد» ص 419.

نعم! لاسند لها بحيث يمكن الركون إليها. و لكن هيهنا نكتةٌ؛ و هي: انّه قد مضت منّا الإشارة مراراً إلى أنّ العقل يحكم بلزوم وجود الدولة و السلطة في المجتمع، و مضى الكلام في لمّيّته. ثمّ لا دولة إلّابالوالي و لاحكومة إلّابالحاكم، و لاأقلّ من أنّ لهذه الروايات دلالةً ظاهرةً على تعيين من يصلح لأن يكون حاكماً. فلو لم يمكن الركون إليها - بالنظر إلى سندها - فانضمامها إلى هذه المقدّمة العقليّة يدلّ على تماميّة الاستدلال بها؛ و هذا ظاهرٌ لامجال للارتياب فيه.


تتميمٌفي الروايات النافية ثبوت الولاية للفقيه
اشارة

ثمّ إنّ من رواياتنا ما هو المعارض في بادىء النظر لما مرّ من الروايات الدالّة على ثبوتها له. و هي جملةٌ من الأحاديث تدلّ على حرمة القيام بأمر الولاية، بل الأمر بالإعراض و الانصراف عنه.

و لابدّ لنا من النظر في هذه الجملة، فإنّها أرفع مستمسكٍ و أعلى دليلٍ يتمسّك به النافون و يستدلّ به المانعون عن كون الفقيه والياً من قبل اللّه - سبحانه و تعالى - على المجتمع. و هي كثيرةٌ، منها ما هو صحيحٌ سنداً، و منها ما هو ظاهرٌ دلالةً. و أعلى من الجميع و الأحسن ما رواه الشيخ الحرّ رحمه الله(1)بسندٍ صحيحٍ عن مولانا الصادق عليه السلام انّه قال:

«كلّ رايةٍ تُرفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوتٌ يُعبد من دون اللّه - عزّ و جلّ -».

و للحديث - اضافةً على سنده الصحيح - دلالةٌ ظاهرةٌ في بادىء الرأي على حرمة القيام بأمر المجتمع. و قد عدّ صاحب الراية طاغوتاً، و لافرق فيه بين الفقيه و غيره؛ فلايجوز للفقيه أن يقوم باقتناء الولاية، فلاولاية له.

و هذا الحديث قد تمسّك به جمعٌ من المعاصرين، و قد عدّه بعضهم سنداً لحرمة التعاون مع الدولة الإسلاميّة بل و وجوب الإعراض عن كلّما له دخلٌ في تقويتها و معاضدتها، لأنّ الدولة الإسلاميّة قد رفعت الراية قبل قيام الوليّ بالأصالة الخليفة من قِبل اللّه بالحقيقة -


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 52 الحديث 19969؛ و انظر أيضاً: «الكافي» ج 8 ص 295 الحديث 452، «مستدرك الوسائل» ج 11 ص 34 الحديث 12364، «الغيبة» - للنعمانيّ - ص 29.

عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف -؛ فهي طاغوتٌ و يجب الإعراض عنها.

هذه مقالة النافين لثبوت الولاية للفقيه. و علينا أن نتكلّم عن هذا الحديث ليبيّن المراد منه حتّى يظهر ما في استدلالهم به و مدى صحّة تمسّكهم به لما هو المطلوب لهم. و نتكلّم حوله في ستّ نكاتٍ. فنقول:

النكتة الأولى:

إنّ هذا الحديث لايوافق ما يحكم به العقل من وجوب القيام لبسط العدالة و قطع أيدي المتغلّبين غير الصالحين للولاية، فما هو إلّاكقوله - تعالى -: «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى»(1)فكما انّ العقل يحكم بعدم جواز كونه - تعالى - جسماً مستوياً على العرش، بل يحكم بوجوب التأويل ليُصرَف عن ظاهره المخالف لحكم العقل الصريح. فكذلك لايقبل الأمر بالإعراض عن القيام و الخضوع للجبابرة و الطواغيت الّذين لاولاية لهم من قبل اللّه، بل لاحكم لهم إلّابالتغلّب على الناس بوسائط تتشبّث بها الدول طوال القرون. و ضرب ما يخالف العقل الصريح على الجدار من المجمع عليه بين الإماميّة، فلوكان المراد منه هذا الّذي ذكروه فلامناص من ضربه على الجدار و الاعراض عنه بالكلّيّة. و لكن المراد منه شيء آخر سنبيّنه؛ فانتظر!.

النكتة الثّانية:

قد أعرضت الأصحاب عن هذا الحديث و جميع ما يشترك معه في المضمون، فقد ذكرنا فيما مضى عبارات فئةٍ من الفقهاء الدالّة على وجوب معاضدة الناس للفقيه و تقويته. و هذه سيرة أعلامنا في عدّهم أنفسهم ولاةً على الناس، و تشهد لها ما فعله شيخنا البهائيّ رحمه الله و الحكيم الميرالداماد رحمه الله و العلّامة الإمام المجلسيّ رحمه الله و ثاني المحقّقَين رحمه الله و الخوانسارّيان 0 من الدخول في الحكم و عدّهم الحكّام نائباً عنهم حيث أمكن؛ و هذا واضحٌ لمن له أدنى تأمّلٍ في التأريخ.

النكتة الثّالثة:

معارضة هذه الجملة ما مضى من الروايات الدالّة على ثبوت الولاية له؛


1) . كريمة 5 طه.

و الثّاني أشهر، بل مضمونه متواترٌ لفظاً - و قد تكلّمنا عنه -، فالشهرة الّتي عُدّت من المرجّحات تدلّ على الأخذ به و الاعراض عن الأوّل.

النكتة الرّابعة:

معارضة هذه الجملة القرآن الكريم، لأنّ الآيات الدالّة على وجوب الجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و ما إليها من الأحكام الجماعيّة كثيرةٌ، و هي مطلقةٌ تشمل زمن حضور المعصوم و زمن غيبته عليه السلام؛ بينما انّ هذه الروايات استُدلّت بها على وجوب الكفّ عن الجهاد و غيره ممّا يحتاج إلى الولاية و الوالي. فالمعارضة الواقعة بينهما تحكم بصرف اليد عن هذا الظهور و الأخذ بما في القرآن الكريم من الآيات الكثيرة.

النكتة الخامسة:

معارضة هذه الجملة الروايات المؤيّدة الثورات العاميّة و الجماعيّة، بل المادحة لها. و تلك الروايات كثيرةٌ، و هي قد صدرت لتعظيم شأن الثورات الجماعيّة الّتي لا هدف لها إلّاإعلاء كلمة اللّه - سبحانه و تعالى -. و هنا نشير إلى عددٍ منها.

فمنها: ما روي بسندٍ صحيحٍ عن أبي الحسن الأوّل عليه السلام انّه قال:

«رجلٌ من أهل قم يدعو الناس إلى الحقّ يجتمع معه قومٌ كزبر الحديد لاتزلّهم الرياح العواصف و لايملّون في الحرب و لايجبنون، و على اللّه يتوكّلون؛ و العاقبة للمتّقين»(1).

فله - مع غضّ النظر عن مصداقه، و لايبعد أن يحمل على سيّدنا الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله - دلالةٌ واضحةٌ على أنّ هذه الثورة تدعو إلى الحقّ و أنصارها على الحقّ، و هم المتّقون، و لهم الحروب و لاحرب إلّابقائدٍ يقود الجيش و يدبّر أمره.

و منها: ما ورد في تفسير قوله - تعالى -: «فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أَولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً


1) . راجع: «بحارالأنوار» ج 57 ص 216، و لم أعثر عليه في غيره

لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَ كَانَ وَعْداً مَفْعُولاً»(1). في تفسير البرهان و الميزان و الصافي(2)من قول إمامنا الصادق عليه السلام حيث قُرئت عنده هذه الآية فقال ثلاث مرّات:

«هم و اللّه أهل قم»(3).

و منها: ما ورد في المصادر المتقدّم ذكرها(4)في تفسير قوله - تعالى -: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لَايَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَ اللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ»(5)من أنّه ضرب رسول اللّه صلى الله عليه و آله بيده على عاتق سلمان - رضي اللّه عنه - فقال:

«هذا و ذووه»(6).

فهذه الروايات الناهية عن جواز القيام ضد الجبابرة - بل الآمرة بالخضوع لهم و الكفّ عن مخالفتهم! - تعارض تلك الأحاديث المادحة للثورات الجماعيّة، الدالّة على فضل أصحابها و مؤيّديها لو كانت للّه في سبيل إعلاء كلمته - حقّت كلمته -. و كثرة تلك الأحاديث و انضمامها إلى غيرها ممّا مضى من الروايات المثبة لثبوت الولاية للفقيه تدلّ على


1) . كريمة 5 الإسراء.

2) . من الغريب انّني لم أعثر على قوله عليه السلام في هذه المصادر؛ فانظر: «البرهان» ج 2 ص 406، «الميزان» ج 13 ص 39، «تفسيرالصافي» ج 3 ص 178.

3) . و انظر: «بحارالأنوار» ج 57 ص 216.

4) . راجع: «الميزان» ج 5 ص 425. أمّا البرهان و الصافي فلم أعثر عليه فيهما، فانظر: البرهان ج 1 ص 478، «تفسير الصافي» ج 2 ص 42.

5) . كريمة 54 المائدة.

6) . راجع: «فقه القرآن» - للراونديّ - ج 1 ص 371، و لم أعثر عليه في غيره.

وجوب الأخذ بالثاني و الكفّ عن الأوّل.

النكتة السادسة:
• و هي العمدة في الباب -: الظاهر انّ الحديث و ما يشبهه صدر لأن يأمر الناس بعدم الطاعة عن المتمهديّين، فإنّ كثيراً من المنتسبين إلى التشيّع قد خرجوا على الدول و لاسيّما في فترة إقبال الضعف إلى الأمويّين و انقراضهم و عدم استقرار العباسيّين على عرش السلطة استقراراً تامّاً(1). ففي هذه الفترة نرى بعضهم قد خرجوا داعين إلى أنفسهم، و كانوا يدّعون الإمامة و الخلافة و يعدّون أنفسهم المهديّ الموعود قيامه لاضمحلال الطواغيت و بسط العدل. فأحاديث الراية و ما يشبهها تريد أن تبيّن موضع الإمامة الحقّة بالنسبة إلى هؤلاء الكذّابين المدّعين للإمامة. قال الإمام الرضا عليه السلام:

«فانظروا على أيّ شيءٍ تخرجون؟، و لاتقولوا خرج زيدٌ، فانّ زيداً كان عالماً و كان صدوقاً، و لم يدعكم إلى نفسه، و إنّما دعاكم إلى الرضا(2)من آل محمّد صلى الله عليه و آله»(3).

فانّه ما خرج إلّاداعياً إلى أخيه الباقر عليه السلام و لم يكن مدّعٍ للإمامة؛ فلم تكن رايته راية طاغوتٍ. أمّا غيره من الخارجين فلم يكن مآل أمرهم الى الخير، لأنّهم خرجوا من غير أن يكون خروجهم بإذنٍ من الإمام و لم يكونوا داعين إليه. فمنهم زيد النار -: أخو الرضا عليه السلام -، فانّه خرج من غير رضاه و سعى في خراب الأرض و فسادها حتّى أشعل


1) . و للهاشم معروف الحسني «الانتفاضات الشيعيّة عبر التأريخ»، يعين الباحث في المقام.

2) . كذا كما هو المشهور، و الظاهر «الرضيّ» كما ضبطه المحقّق التستريّ رحمه الله، راجع: «قاموس الرجال» - الطبعة القديمة - ج 4 ص 260. و من الغريب ضبط اللفظة في الطبعة الجديدة من الكتاب بما يوافق المشهور!؛ راجع: نفس المصدر - الطبعة الجديدة - ج 4 ص 564.

3) . راجع: «الكافي» ج 8 ص 264 الحديث 381، «وسائل الشيعة» ج 15 ص 50 الحديث 19964، «بحارالأنوار» ج 52 ص 301.

النار في البقيع المبارك و أوقدها فيه!(1)فقال الرضا عليه السلام في حقّه:

«لاتقس أخي زيداً إلى زيد بن عليٍّ، فانّه كان من علماء آل محمّد صلى الله عليه و آله غضب للّه فجاهد أعداءه حتّى قتل في سبيله. و لقد حدّثني أبي موسى بن جعفر انّه سمع أباه جعفر بن محمّد عليه السلام يقول: رحم اللّه عمّي زيداً، إنّه دعا إلى الرضا من آل محمّد»(2).

و أظهر من ذلك كلّه ما ورد في سند الصحيفة الشريفة(3)من عدم رضا الإمام عليه السلام بخروج ابني عمّه محمّدٍ و إبراهيم، ثمّ خروجهما و قتلهما و قتل كثيرٍ من الشيعة و نهب أموالهم؛ فقال عليه السلام:

«ما خرج و لايخرج منّا أهل البيت إلى قيام قائمنا أحدٌ... إلّا... كان قيامه زيادةً في مكروهنا و شيعتنا».

و هذا ظاهرٌ في نهيه عن متابعة المتمهديّين الداعين إلى غير المعصوم من شرفاء بني هاشم.

و قد ذكر الشيخ الحرّ رحمه الله عدّةً من أحاديث الباب في الباب الثّالثة عشر من أبواب جهاد العدوّ من كتابه الوسائل(4).

فبما قلنا في هذه النكتة الشريفة ظهر ما في استدلالهم بهذا الحديث على عدم جواز القيام


1) . كذا؛ و الظاهر انّه أوقد النار في «البقاع» لا في «البقيع». و للتحقيق حوله راجع: «جامع الأنساب» ص 64.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 53 الحديث 19974، «بحارالأنوار» ج 46 ص 174، «عيون الأخبار» ج 1 ص 248 الحديث 1.

3) . راجع: «الصحيفة السجّاديّة» ص 20 القطعة 62.

4) . و هذا الباب سمّاه ب: «باب حكم الخروج بالسيف قبل قيام القائم عليه السلام»؛ راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 50 الحديث 19964 فما بعده.

لاعلاء كلمة الإسلام و استقرار الدولة الإلهيّة، و تبيّنت مدى صحّة قولهم؛ فلاتهافت بين حديث الراية و أمثاله و بين الروايات الكثيرة الّتي مضت الإشارة إلى بعضها الدالّة على ثبوت الولاية للفقيه الجامع لشرائط الافتاء؛ و الحمد للّه رب العالمين.


الفصل الثّالث الشرائط العامّة لمن يصلح للولاية

اشارة

نكات حول هذا الشرائط

اشارة

هذا الفصل قد انعقدناه للتحقيق في الشرائط الّتي عُدّت كالشروط العامّة لمن يصلح للقيام بأمر الولاية؛ أو إن شئت فقل: الشروط العامّة الّتي لايكون الفقيه وليّاً و لايصلح للولاية إلّابحيازتها و اقتنائها.

و قبل الورود في صلب المبحث لابدّ لنا من أن نشيرإلى خمس نكاتٍ حول هذه الشروط:

النكتة الأولى:

لاريب في أنّ هذا المنصب من المناصب الّتي لها حيطةٌ واسعةٌ من حيث الوظائف و الأعمال، فعلى عاتق الوليّ وظائف لاتعادل ما على غيره من الولاة و الأمراء كرئيس الجمهوريّة و الوكلاء و الوزراء و القائد العسكريّ و القائد الأعلى؛ بل لايقاس ما على عاتقه بما على عاتقهم.

و بما أنّ عليه هذه الحيطة الواسعة من الوظائف فله سلطةٌ لاتقاس بما لغيره من السلطة، بل هو مطلق التفويض و اُطلِقت يده في الأمر - و سنبحث عن مدى سلطانه في هذه الرسالة -.

ثمّ إنّ العقل يحكم بأنّ لمن يسلّط على المجتمع أو فقل لسلطانه شروطاً لايمكن للوالي أن يولّي أمر الولاية إلّابأن يكون متّصفاً بها، حيث أن ليست للفقيه في الدولة الإسلاميّة ولايةٌ ذاتيّةٌ، بل ولايته مفوَّضةٌ إليه من قِبل اللّه - سبحانه و تعالى -. فعليه فيجب أن يكون الوالي قادراً على اهتداء المجتمع إلى ما فيه رشده في الدنيا و صلاحه في الآخرة. و هذه الشروط هي ما نسمّيه: الشروط العامّة للوليّ الفقيه.

النكتة الثّانية:

إنّ هذه الشروط كثيرةٌ، و قد أنحناها فبلغت إلى ثلاثة عشر شرطاً؛ و سنبحث عن كلّ واحدٍ منها.

النكتة الثّالثة:

إنّ هذه الشروط قد تطابق عليها العقل و النقل، فكما انّ النقل يدلّ على وجوب اتّصاف الوالي بها كذلك يدلّ العقل على اشتراطها فيه. و هذا التطابق يدلّ على انّ الولاية هذه مجمَعٌ عليها بين العقلاء و الديّانين.

النكتة الرّابعة:

إنّ لبعض هذه الشروط من الأهمّيّة ما ليس لبعضٍ آخر، فليست خطورة هذه الشروط و زنتها على مستوىً واحد.

النكتة الخامسة:

إنّ بعض هذه الشروط قد كثر فيه الكلام بين المعاصرين، بل ربما صار محلّاً لأنظارهم نفياً و اثباتاً - كاشتراط الأعلميّة في الوليّ أو عدم اشتراطها فيه -، و هذا هو السرّ فيما يرى القارىء الكريم من التوسّع في البحث عن بعضها و الإجمال في بعضٍ آخر.

أضف إلى ذلك ما مضى في النكتة الرّابعة من عدم استواء الشروط في الزنة و الخطورة.

و الآن بعد الفراغ من بيان هذه النكات الخمس نأخذ في سرد الشرائط و التحقيق حول كلّ واحدٍ منها؛ و الحمد للّه ربّ العالمين.


الشرط الأوّل: الإسلام

و هذا ممّا لايحتاج إلى كثير كلامٍ، إذ من المتركز عند العقول السليمة أن لاولاية لغير المسلم على المسلمين؛ إذ هذا يفضي إلى انحراف المجتمع عن أحكام الإسلام العلياء، بل إلى نقض الغرض، و ليس هو من فعل الحكيم.

و تدلّ عليه طائفةٌ من النصوص؛ كقوله - سبحانه و تعالى -:

«لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً»(1)و قال - تعالى -:

«وَ لَاتَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ»(2)و قال - تعالى -:

«لَايَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَولِيَاءَ»(3)و قال - تعالى -:

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَاتَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ»(4).و هذه النصوص كلّها تشير إلى أن لاولاية لغير المسلم على المسلمين.


1) . كريمة 141 النساء.

2) . كريمة 113 هود.

3) . كريمة 28 آل عمران.

4) . كريمة 118 آل عمران.

الشرط الثّاني التشيّع

و لاخلاف في أنّ الولاية أُختصّت بمن سلك في العقائد و المناهج الفقهيّة مسلك أهل البيت عليهم السلام؛ قال - سبحانه و تعالى -:

«وَ لَاتَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا»؛ و لاظلم أقبح و أفحش من غصب الخلافة و جعل النفس ظلماً في منصبٍ لا صلاحيّة لها به. و قد دلّت عليه مقبولة عمر بن حنظلة أيضاً، بل دلالتها عليه واضحةٌ أشدّ الوضوح حيث سأل عن الرجوع إلى ولاة العامّة و حكّامهم، فنهاه عليه السلام عن الرجوع و الركون إليهم مستشهداً بقوله - تعالى -: «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ»(1).


1) . كريمة 60 النساء.

الشرط الثّالث: الإجتهاد

اشارة

أو فقل: ملكة استنباط المسائل من أدلّتها التفصيليّة. و هو من أهمّ الشروط، بل هو معقد مبحث ولاية الفقيه، إذ لنا أن نتساءل: هل الولاية أُختصّت بمن له ملكة الإجتهاد و استنباط الأمور من محالّها - من الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل -؟، أو لااختصاص لها به؟.

و قد مرّت الإشارة إلى الأدلّة الأربعة الدالّة على ثبوتها له.

و الآن نزيد عليها و نقول: بل هي مختصّةٌ به، إذ لامعنى لأن يولّي أمر المسلمين من لادربة له بالإسلام. و إليه يرشد قول مولانا الصادق عليه السلام حيث قال:

«ينظران إلى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا»(1).

أي: كان بصيراً بالأحكام خبيراً بمبانيها. و لايخفى ما للجمع من الظهور في إفادة العموم، فقوله عليه السلام: «نظر في حلالنا و حرامنا» يدلّ على اشتراط الفقاهة التامّة و ملكة الإستنباط المطلقة.

و له غيره من الشروط الراجعة إلى الملكات العلميّة - كالخبرويّة في علوم التفسير و الحكمة و الرجال و الأدب و الأصولين و غيرها من مقدّمات المعرفة التامّة بالثقافة الإسلاميّة، و سنبحث عنها -.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 136 الحديث 33416.

تذييلٌهل الأعلميّة شرط فى الولىّ؟
اشارة

و هيهنا بحثٌ يجب علينا الإلمام به، و قد كثر الكلام فيه بين المعاصرين؛ و هو اشتراط الأعلميّة أو عدم اشتراطها في الوليّ.

فمنهم من ذهب إلى أنّها تُعدّ من شرائطه، بل لاولاية على المجتمع إلّاللأعلم فقاهةً؛

و منهم من نفاها و ذهب إلى كفاية الإجتهاد و ملكة الاستنباط في كون الفقيه صالحاً للجلوس على عرش الحكم.

و لنمهّد تمهيداً قبل الخوض فيه؛ و هو: إنّ للفقيه وظائف،

منها: تبيين الأحكام و استنباط الحوادث الواقعة من مظانّها من شرايع الإسلام، و هو على عاتق عالمٍ يُرجع إليه فيما يرتبط بالأحكام الفقهيّة، و هو الّذي نسمّيه اليوم ب:

«المرجِع»؛

و منها: رئاسة المجتمع و تنظيم شؤونها الداخليّة و الخارجيّة و تنضيد ما له من السياسة و القوى الثلاث و القوّاة الحربيّة و غيرها. و المتكفّل لها هو الّذي نسمّيه ب: «الوليّ الفقيه».

فالوليّ هو الفقيه الّذي اجتمع فيه شرط الفقاهة مع غيره من الشروط. و هو مصبّ البحث، أي: هل يُشترط فيه الأعلميّة أم تكفي فيه قوّة الاستنباط فقط.

و تفصيل الكلام فيه: إنّ الشهرة العظيمة الواقعة بين العلماء دالّةٌ على عدم اشتراطها فيه، و لكن هناك رواياتٌ استُدلَّت بها على أنّ الأعلميّة شرطٌ في الوليّ.

فنقول: قال صاحب الجواهر:

«بل لعلّ أصل تأهّل المفضول و كونه منصوباً يجري على قبضه و ولايته مجرى قبض الأفضل من القطعيّات الّتي لاينبغي الوسوسة فيها، خصوصاً بعد ملاحظة نصوص النصب الظاهرة في نصب الجميع الموصوفين بالوصف

المزبور، لا الأفضل منهم»(1).

فثبوت الولاية للمستنبط و إن لم يُوصف بالأعلميّة ثابتٌ عند المحقّق النجفيّ رحمه الله، و لايجوز عنده الوسوسة فيه.

و هو قد اختار هذا المذهب نظراً إلى ما للأدلّة من الإطلاق؛ قال عليه السلام:

«و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا»(2)

و لم يقل: «فارجعوا فيها إلى الأفضل و الأعلم من رواة أحاديثنا». و إليه أشار حيث قال:

«و إلّالوجب القول: انظروا إلى الأفضل منكم، لا: رجل منكم؛ كما هو واضحٌ بأدنى تأمّلٍ»(3).

ثمّ إنّ ما اختاره رحمه الله من عدم اشتراط الأعلميّة في الحاكم و القاضي قد صار من المجمع عليه بعده حيث لم نجد مَن خالفه فيه. نعم! للشيخ الأعظم رحمه الله تذييلٌ عليه، و قوله هذا نشأ من رأيه الشريف في كيفيّة الأخذ بالإطلاق من الأدلّة الّتي هي في مقام تشريع أصل الحكم و جعله. فإنّه رحمه الله قد ادّعى في كتاب القضاء و الشهادات إجماع العلماء و إطباقهم على عدم اشتراط الأعلميّة في الحكّام، و لكن له إشكالٌ في صحّة القول بكون الروايات مطلقةً. و لايهمّنا البحث عن رأيه الشريف بعد وفاقه مع المشهور في القول بالعدم.

ثمّ لاخلاف بين المتأخّرين عنه أيضاً في عدم اشتراطها فيه، منهم المحقّق الرشتيّ رحمه الله في


1) . راجع: «جواهرالكلام» ج 40 ص 44.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 140 الحديث 33424.

3) . راجع: «جواهرالكلام» ج 40 ص 45.

كتاب الإجتهاد و التقليد(1)، و المحقّق الآشتيانيّ رحمه الله في كتاب القضاء(2)، و السيّد المحقّق الفشاركيّ رحمه الله في كتاب الإجتهاد و التقليد(3)أيضاً، و المحقّق الكمبانيّ رحمه الله أيضاً فيه، و السيّد الفقيه اليزديّ رحمه الله في العروة(4)، و أكابر المتأخّرين في حواشيهم عليه كالسيّد الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله و آيات اللّه العظام الحكيم رحمه الله و الخوئيّ رحمه الله و السيّد عبدالهادي الشيرازيّ رحمه الله(5)فإنّهم وافقوا على عدم اشتراطها فيه مستدلّين بما للأدلّة المثبتة للولاية من الإطلاق(6).

ثمّ في المقام كلامٌ آخر؛ و هو ما ذكره المحقّق الآخوند رحمه الله من أنّ عدم الوجدان فيما يعمّ به البلوى يدلّ على عدم الوجود، فانّه ذهب في المجلد الثّاني من كفايته في مبحث قصد الوجه و التمييز إلى أنّ الفحص البالغ في الأدلّة و عدم العثور فيها على شيءٍ يدلّ على عدمه(7). إذ قد كثر السؤال و الجواب في موارد يعمّ بها البلوى، و كثيرٌ من هذه الأسؤلة و الأجوبة قد دُوّن


1) . بل فيه: «حكم الترافع في زمن الغيبة حكم الاستفتاء، فيجب المرافعة إلى الأعلم على القول بوجوب تقليده. و به اعترف صاحب المفاتيح مدّعياً لنفي الخلاف ظاهراً بين الأصحاب...»؛ راجع: «الاجتهاد و التقليد» ص 100.

2) . بل هو قائلٌ بالتفصيل في صور المسألة الشتيتة، و لايقبل تقدّم قول المفضول على الفاضل في الأحكام؛ راجع: «كتاب القضاء» ص 22.

3) . لم أعثر عليه. و له ستّ رسائل قد طبعت في «الرسائل الفشاركيّة»، و لم توجد فيها رسالةٌ في الإجتهاد و التقليد.

4) . حيث نصّ على عدم اعتبار «الأعلميّة فيما أمره راجعٌ إلى المجتهد إلّافي التقليد»، و منه الحكم و رئاسة المجتمع. «نعم الأحوط في القاضي أن يكون أعلم من في ذلك البلد»؛ راجع: «العروة الوثقى» ج 1 ص 25 المسألة 68. فعلى أيٍّ لايعتبر الأعلميّة في الحاكم.

5) . و جميع الحواشي مطبوعةٌ في ذيل المسألة، و هي في مرأى الباحثين و منظرهم.

6) . و انظر: «تعليقة» المحقّق العراقيّ رحمه الله على العروة ص 14 المسألة 68، «كتاب الاجتهاد و التقليد» - للسيّد الخوئيّ رحمه الله - ص 427.

7) . راجع: «كفاية الأصول» ص 366.

في مجاميعنا الروائيّة و هي بأيدينا اليوم. فلو لم يعثر الفقيه على شيءٍ يدلّ على جزئيّة شيءٍ أو شرطيّة ما شُكَّ في جزئيّته أو شرطيّته فنفس عدم العثور عليه يدلّ على عدم صدوره عن المعصوم عليه السلام.

و قضيّة الحكم و الحاكم و الولاية و الوالي ممّا يعمّ به البلوى، بل لا أهمّ منها بالنظر إلى ما لها من الدور في هداية المجتمع و إيصال المسلمين إلى ما يليق بهم من الكمال و الفوز. و عدم اشتراط الأعلميّة في الأدلّة و عدم إشارة المعصوم إلى هذا الشرط يدلّ على عدم اشتراطه في الوليّ؛ و هذا واضحٌ.

ثمّ يمكن الاستدلال لعدم الشرطيّة بما يظهر من مقبولة عمر بن حنظلة حيث أهال الإمام عليه السلام أمر الحكم إلى «من نظر في حلالنا و حرامنا»، و لم يشترط الأعلميّة. ثمّ لمّا سأله السائل عن تعدّد من يصدق عليه هذا العنوان بحيث يمكن أن يصدق هذا العنوان على مصاديق متعدّدة أمره عليه السلام بالأخذ بالأعدل و الأتقى، فالعنوان يصدق على المجتهد العادل التقيّ، و في صورة التعارض بين الصالحين للقيام بهذا المنصب يجب الرجوع إلى الأعلم الأتقى.

فتلخّص ممّا قلنا انّ الأعلميّة في الفقاهة ليست من شروط الوليّ.

و تدلّ على نفيه هذه الأدلّة الخمسة:

الأوّل: قول صاحب الجواهر بكونه من المقطوع عليه؛

ثانياً: كونه من المجمع عليه بين الأصحاب؛

ثالثاً: إطلاق الروايات؛

رابعاً: عدم وجدان دليلٍ يدلّ عليه؛

خامساً: ما في مقبولة عمر بن الحنظة.

أمّا القائلون باشتراط الأعلميّة فقاهةً في الوليّ فقد استدلّوا على مذهبهم بالعقل و النقل؛ و هيهنا نأتي بتفصيل كلامهم ثمّ نبدوا ما لنا حول كلّ واحدٍ من أدلّتهم من الأنظار.

أوّلاً: الاستدلال بالعقل على لزوم الأفقهيّة في الوليّ‌
اشارة

قالوا: إنّ الرجوع إلى الأعلم أمرٌ يسجلّه العقل و تشهد له سيرة العقلاء، إذ الناس في جميع ما لهم من الأمور - و لاسيّما في مهامّها - يرجعون إلى الأعلم؛ و لايُقاس منصبٌ بمنصب الولاية، فتشترط فيه الأعلميّة.

و الجواب:

إنّ هذا القول قولٌ صحيحٌ لاغبار عليه صغرويّاً، إذ الرجوع إلى الأعلم و لاسيّما في مهامّ الأمور ممّا لاشكّ فيه و لاشبهة تعتريه. و لكنّ الكلام كلّه في أنّ الأعلميّة في كلّ أمرٍ بحسب ذلك الأمر، فالأعلميّة في الطبيب ترجع إلى حذاقته في فنّه؛ و الأعمليّة في المرجِع ترجع إلى إحاطته بمباني الفقه و آراء الأعلام في كلّ مسألةٍ ثمّ ملكة استنباط الحكم و الاستدلال لمايختلج بباله؛ و كذلك الأعلميّة في الوليّ ترجع إلى ما هو معدودٌ من وظائفه و جُعل على عاتقه. فالخبرويّة في السياسة الدوليّة و ما للمجتمع من الأمور اليوميّة و الشؤون الخارجيّة هي ملاك الأعلميّة في الوليّ، لاكثرة الإحاطة بآراء الأعاظم و مبانيهم في فروع الفقه و أدلّتها، إذ هي من شأن الفقيه المرجِع، لا الفقيه الوليّ.

فلاخلاف بيننا و بينهم في اشتراط الأعلميّة، و لكنّهم اشترطوا فيه الأعلميّة في الفقه و نحن اشترطنا فيه الأعلميّة فيما يرجع إلى الدولة و الولاية؛ و الأمر في اختيار الشرطين إلى القارىء الكريم.

ثانياً: الاستدلال بالروايات على لزوم الأفقهيّة في الوليّ‌
اشارة

و استدلّوا على لزوم اشتراطها فيه بما في بعض الأخبار. و هذه الأخبار كثيرةٌ بحيث يبلغ عددها إلى ما يقرب من عشرين حديثاً؛ فمضمونها متواترٌ معنىً. أضف إلى ذلك انّ منها ما هو صحيحٌ سنداً، و منها ما هو أعلى من الصحيح - كالمنقول من نهج البلاغة -. فعلينا أن نفصّل الكلام حول كلّ واحدٍ منها حتّى تظهر مدى دلالته على ما ذهبوا إليه.

الرواية الأولى

صحيحة عيص بن قاسم، و هي:

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن صفوان بن يحيى عن عيص بن القاسم قال: سمعت أباعبداللّه عليه السلام يقول:... فو اللّه إنّ الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي، فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الّذي هو فيها يخرجه و يجيء بذلك الرجل الّذي هو أعلم بغنمه من الّذي كان فيها»(1).

قالوا: إنّ سندها صحيحٌ، و دلالتها على لزوم الأعلميّة في كلّ أمرٍ تامّةٌ. فانّ الممثّل به فيها هي الرعاية، و هي من سافل الأمور و خسيسها الّتي لا قيمة لها؛ فإذا تطابق النقل و العقل


1) . راجع: «الكافي» ج 8 ص 264 الحديث 381، «وسائل الشيعة» ج 15 ص 50 الحديث 19964، «بحارالأنوار» ج 52 ص 301.

على اشتراطها في مثلها، فما ظنّك بالولاية الّتي لا أشرف منها و لاأرفع؟!. فهي شرطٌ فيها.

و الجواب: إنّ لنا في دلالتها على مطلوبهم أنظارٌ ثلاثة، و هي:

النظر الأوّل: و هو يتمّ بالنظر إلى ما لقوله عليه السلام: «هو أعلم بغنمه» من المعنى، فانّ هيئة «أفعل» تارةً تطلق و يراد منها معنى التفضيل، و تارةً أخرى تطلق و يراد منها معنى الوصف. و الثّاني لايدلّ على التفضيل بل على انحصار الوصف في مَن أُطلق عليه من غير مشاركةٍ لغيره معه فيه. قال - سبحانه و تعالى -:

«أُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَولَي بِبَعْضٍ»(1)

و قال - تعالى -:

«فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ»(2)

و لاخلاف في أنّ الطبقة الأولى تمنع غيرها من الطبقات من أن يرث شيئاً من تركة الميّت، كما انّه لاخالق إلّااللّه - سبحانه و تعالى -؛ فلايراد من قوله: «أُولَي» و من قوله:

«أَحْسَنَ» معنى التفضيل، بل المراد انحصار وصف القرابة في الطبقة الأقرب و انحصار الخالقيّة في اللّه - سبحانه و تعالى -.

و كذلك فيما نحن فيه، فانّ الحديث صدر لبيان نفي الولاية عن الولاة الغاصبين الّذين منعوا أهل البيت عليهم السلام عن حقّهم و جلسوا في مقامهم غصباً و بغياً بغير حقٍّ. فلادلالة له على لزوم الأعلميّة، بل معناه انحصار حقّ الولاية فيهم عليهم السلام لا أنّ لغيرهم حقّاً فيها و لكنّهم أحق بها من غيرهم؛ و هذا ظاهرٌ.

النظر الثّاني: هب! انّ هيئة «أعلم ب» استعلمت هيهنا في معناه المشهور - و هو التفضيل -، و لكن مضت منّا الإشارة إلى أنّ التفضيل في كلّ شيءٍ بحسب ذلك الشيء،


1) . كريمة 75 الأنفال، 6 الأحزاب.

2) . كريمة 14 المؤمنون.

فالأعلميّة الّتي تُعدّ من المطلوب في الراعي غير الأعلميّة المطلوبة في الطبيب، و هما غير ما هو المطلوب في الفقيه المرجِع، و الكلّ غير ما هو المطلوب في الفقيه الوليّ؛ و هذا ممّا يحكم به العقل و للحديث أيضاً إرشادٌ إليه؛ و قد مضت آنفاً الإشارة إلى تفصيله.

النظر الثّالث: لو دلّ الحديث على ما استدلّوا به عليه فلاضير، إذ انّه من المعرَض عنه عند الأصحاب. و قد أشرنا إلى قول صاحب الجواهر و الشيخ الأعظم 0 وتلاميذه طبقةً بعد طبقةٍ، و رأينا انّهم جميعاً وافقوا على عدم اشتراط الأعلميّة في غير المرجعيّة من مناصب الفقيه - كالحكم و القضاء و الوكالة و غيرها -.

فتلخّص ممّا قلنا أن لا دلالة في الصحيحة على مطلوبهم؛ إذ:

أوّلاً: انّ هيئة «أفعل» استُعمِلت هيهنا في معناها الوصفيّ لا التفضيليّ؛

ثانياً: إنّ الأعلميّة في كلّ شيءٍ بحسبه، و الأعلميّة المطلوبة في الفقيه الوليّ هي غير المطلوبة في الفقيه المرجِع؛

ثالثاً: لوكان المراد منها ما أشاروا إليه فهي من المعرض عنه عند الأصحاب.

فبهذه الثلاثة ظهر أن لادلالة فيها على ما استدلّوا بها عليه.

الرواية الثّانية

«محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن زرارة عن عبدالكريم بن عتبة الهاشميّ عن الصادق عليه السلام في روايةٍ طويلةٍ، و فيها قال:... إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من ضرب الناس بسيفه و دعاهم إلى نفسه و في المسلمين من هو أعلم منه فهو ضالٌّ متكلّفٌ»(1).


1) . راجع: «الكافي» ج 5 ص 23 الحديث 1، «التهذيب» ج 6 ص 148 الحديث 7، «مستدرك الوسائل» ج 11 ص 29 الحديث 12353، «الاحتجاج» ج 2 ص 364.

الرواية صحيحةٌ سنداً، و هي صحيحة عبدالكريم بن عتبة. أمّا دلالةً فيظهر المطلوب منها بالنظر إلى ما مضى منّا في السابقة عليها، إذ هي ناطقةٌ بأنّ الداعي إلى المعصوم - كزيد بن عليٍّ - لايوصف بالضلالة و التكلّف بينما انّ الداعي إلى نفسه - كزيد النار - ضالٌّ في طريقه متكلّفٌ يتطلّب لنفسه ما ليس له حقٌّ فيه. فهيئة أفعل فيها أيضاً استُعمِلت في معناها الوصفيّ، لا التفضيليّ.

ثمّ الأعلميّة في كلّ شيءٍ بحسبه - و قد مضى تفصيل الكلام فيه، و لانعيده -. فمَن دعا إلى نفسه و في المسلمين من هو أعلم بتدبير الملك و تنظيم أمور المجتمع منه فهو ضالٌّ متكلّفٌ. و أين هذا من دلالتها على اشتراط الأعلميّة فقاهةً في الفقيه الوليّ؟!.

و هذه الرواية قد عدّها بعضٌ - حبّاً للاكثار من الأدلّة - أربعاً، نظراً إلى أنّها رُويت في كتاب سليم بن قيس، و في تحف العقول، و في الإختصاص(1)، و في الوسائل(2)و لكنّ كلّها واحدةٌ فلامجال لجعلها أربعة أحاديث.

الرواية الثّالثة

«محمّد بن الحسن باسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن محمّد بن الحسين بن العبّاس بن عامر و أيّوب بن نوح عن العباس بن داود بن الحصين عن سفيان الجريري عن الرزميّ عن أبيه رفع الحديث إلى النبيّ صلى الله عليه و آله قال: من أمّ قوماً و فيهم من هو أعلم منه لم يزل أمرهم إلى السفال إلى يوم القيامة».

للرواية طرقٌ؛ منها طريق صاحب الوسائل(3)إليها، و هذا الطريق مرفوعٌ لوجود سقطٍ


1) . لم أعثر عليها في هذه المصادر، لا في «كتاب سليم» و لا في «تحف العقول» و لا في «الاختصاص».

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 15 ص 41 الحديث 19950.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 8 ص 346 الحديث 10866.

ظاهرٍ في السند بين أبي العرزميّ و النبيّ صلى الله عليه و آله. و لكن لها طرقٌ صحاح كطريق ابن ادريس رحمه الله إليها في مستطرفات السرائر(1)و قد نقلها الصدوق في الفقيه(2)و البرقيّ 0 في المحاسن(3)في عداد الجازمات قاطِعَين بكونها من أقواله صلى الله عليه و آله. و كيف كان فلابأس بسندها.

أمّا دلالةً، فإنّ الشيخ صاحب الوسائل رحمه الله ذكرها في أبواب أحكام الإمام في الصلاة(4)، حيث توهّم أنّها صدرت لبيان حكم الأعلميّة في الإمام بالنسبة إلى من يؤمّ به.

و هذا وهمٌ لاأساس له، حيث إنّ أوْل أمر القوم إلى السفال إلى يوم القيامة أمرٌ لاارتباط له بمن يؤمّ لهم؛ بل شأنه أعظم من أمر الإمامة في الصلاة. نعم! لإمامة المجتمع و رئاسته شأنٌ يمكن أن يؤول أمر القوم بواسطتها إلى الصلاح أو إلى الفساد؛ فالإمامة في الرواية هي الإمامة بمعنى السلطة و الحكومة، لا الإمامة في صلاة الجماعة.

و لكن لنا في دلالتها على ما استدلّوا بها عليه نظرٌ يظهر من التأمّل في الأنظار الّتي أبديناها في التعليق على الروايات السابقة. حيث قلنا انّ هيئة أفعل في جميع تلك الروايات لايراد منها إلّامعناها الوصفيّ، لا التفضيليّ؛ و قد مضى تفصيله.

نعم! لبعض الفضلاء في المقام إشكالٌ، و هو توهّم عدم ورود الأفعل في معناه الوصفيّ في القرآن الكريم؛ و قد أيّد قوله بالمنقول عن بعض الأدباء، و ليس هيهنا مجال التفصيل حوله.

و هذا غريبٌ جدّاً!، فمن تأمّل في موارد استعمال هذه الهيئة في القرآن الكريم يرى انّ


1) . راجع: «مستطرفات السرائر» ص 635.

2) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 1 ص 378 الحديث 1102.

3) . راجع: «المحاسن» ج 1 ص 93 الحديث 49.

4) . ذكرها في الباب 26 من أبواب صلاة الجماعة، و مضت آنفاً الاشارة إلى محلّها فيه.

المراد من أكثريّة هذه الموارد ليس إلّامعناها الوصفيّ.

و لنؤيّد هذا بمثالٍ، و هي موارد استعمال لفظة «أحقّ» في هذا الكتاب الكريم. و هذه الموارد تسعةٌ، و سترى انّ الأوّل منها ورد في معناه التفضيليّ، أمّا غيره من الموارد فورد في معناه الوصفيّ؛ إليك تفصيل الموارد:

1: «وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ»(1)

حيث إنّ المراد منها: انّ الزوج أولى بزوجته المطلّقة من غيره من الرجال.

2: «قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ»(2)

3: «فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا»(3)

4: «فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ»(4)

5: «أَ تَخْشَونَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»(5)

6: «لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَومٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ»(6)

7: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَ مَّنْ لَايَهِدِّى إِلَّا أَنْ يُهْدَى»(7)

8: «وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَ كَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَ أَهْلَهَا»(8)

9: «وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ»(9).

حيث إنّ المراد من هيئة أفعل في جميع هذه الموارد معناها الوصفيّ. فعلى سبيل المثال انّ الآية الأخيرة لاتثبت جواز الخشية من الناس و أولويّة اللّه - سبحانه و تعالى - بها منهم،


1) . كريمة 228 البقرة.

2) . كريمة 247 البقرة.

3) . كريمة 107 المائدة.

4) . كريمة 81 الأنعام.

5) . كريمة 13 التوبة.

6) . كريمة 108 التوبة.

7) . كريمة 35 يونس.

8) . كريمة 26 الفتح.

9) . كريمة 37 الأحزاب.

بل تدعو إلى عدم الخشية من الناس بتاتاً و تثبتها بالنسبة إلى اللّه - تعالى -؛ و هذا واضحٌ.

الرواية الرّابعة

ما روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام انّه قال:

«إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه و أعلمهم بأمر اللّه فيه».

الرواية منقولةٌ عن نهج البلاغة(1)، فلاخلاف في سندها صحّةً. و قريبٌ منها ما رواه سليم عنه عليه السلام انّه قال:

«أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه و أعلمهم بأمرهم فيه»(2).

و في كتاب سليم خلافٌ حيث لم يثبت انّ ما بأيدنا اليوم من هذاالكتاب هل هو نفس ما جمعه سليم؟ أم فيه زياداتٌ بالنسبة إلى الأصل؟. و كيف كان فلاريب في سند الرواية نظراً إلى أنّ السيّد أوردها في النهج.

أمّا دلالتها على مطلوب المستدلّين بها، فقد ذهبوا إلى تماميّتها نظراً إلى قوله عليه السلام:

«أعلمهم بأمر اللّه»، حيث فسّروه بالعلم في مباني الفقاهة و دقائق الاستنباط.

ولكن لنا في كيفيّة استدلالهم نظران:

الأوّل: إنّ قوله عليه السلام: «أعلمهم بأمر اللّه فيه» ظاهرٌ في أنّ من المشترط في الوليّ كونه أعلم الناس بأمر الولاية، حيث إنّ العائد المخفوض يرجع إلى «الأمر»؛

و الثّاني: ما مضى تفصيله في التذييل على الأحاديث المتقدّمة من أنّ المراد بهيئة أفعل هيهنا معناها الوصفيّ، لا التفضيليّ، حيث لاحقّ لأصحاب السقيفة و غاصبي الخلافة فيها


1) . راجع: «نهج البلاغة» الخطبة 173 ص 247؛ و انظر أيضاً: «شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 8 ص 328.

2) . لم أعثر عليه في «كتاب سليم»، و فيه: «فينبغي أن لايكون الخليفة على الأمّة إلّاأعلمهم بكتاب اللّه و سنّة نبيّه»؛ راجع: «كتاب سليم» ص 651.

حتّى يكون عليٌّ عليه السلام أحقّ بها منهم؛ بل لاحقّ لهم فيها أصلاً و هو المحقّ فيها بتّاً. فمعنى قول أميرالمؤمنين عليه السلام - و اللّه أعلم -: لاحقّ لغيري في الخلافة لانحصار القوّة عليها و العلم بها في نفسي.

فالأعلميّة المطلوبة هيهنا الأعلميّة فيما يرجع إلى الحكم و السلطة و اهتداء المجتمع إلى ما فيه صلاحه، لا الأعلميّة في الفقاهة و ظرائف استنباط ما يتعلّق بأفعال المكلّفين.

الرواية الخامسة

ما عن أميرالمؤمنين عليه السلام أيضاً انّه قال:

«يجب الإمام أن يكون أزهد الناس و أعلم الناس و أشجع الناس و أكرم الناس و أعلم بحلال اللّه و حرامه و ضروب أحكامه و أمره و نهيه و جميع ما يحتاج الناس إليه، و يحتاج الناس إليه و يستغني عنهم».

الحديث أورده المرتضى رحمه الله في رسالة المحكم و المتشابه(1)نقلاً عن تفسير النعمانيّ. و التفسير قد فُقد و لم توجد منه نسخةٌ في هذه الأعصار، و لكنّه كان بيد السيّد فنقل عنه شيئاً كثيراً.

أمّا الحديث فمرسلٌ حيث إنّ السيّد نقله منه من غير ذكر سندٍ له إلى مصدره عليه السلام. و لكن للكلام في صحّة المنقول عن هذا التفسير مجالٌ واسعٌ حيث إنّ مراسيل هذا الكتاب يمكن أن تُعدّ كجازمات الصدوق رحمه الله حيث ذهب الأكثر إلى تصحيحها. و إنّهم و إن لم ينصّوا على تصحيح ما في تحف العقول و رسالة المحكم و المتشابه و ما يشبههما من المصادر الّتي ورد فيها قسطٌ من أحاديثنا مرسلاً، إلّاانّه لايبعد أن يميل أحدٌ إلى تصحيحها نظراً إلى


1) . لم أعثر على هذا الكتاب، و لم يوجد في «رسائل الشريف المرتضى» الّتي طبعت في أربعة مجلّدات. و انظر: «بحارالأنوار» ج 25 ص 164.

انّها من جازمات المرتضى و الحرّاني 0 و غيرهما.

و كيف كان فتحقيق المطلب - كما يليق به - موكولٌ إلى علم الرجال.

أمّا دلالةً، فالظاهر عدم انطباقها على مذهب من استدلّ بها على اشتراطها له، حيث إنّ الظاهر منها انّها في مقام التعريف بمقام العصمة و الإمامة بالأصالة؛ فانّ الشروط المذكورة فيها - من كون الإمام أزهد الناس و أعلمهم و أشجعهم و أكرمهم و محلّاً لحوائج الناس و هو مستغنٍ عنهم - لاينطبق على أحدٍ إلّاعلى النبيّ صلى الله عليه و آله و ذريّته الكرام أصحاب العصمة و الخلافة الإلهيّة الكبرى عليهم السلام؛ أمّا في غيرهم من الناس فلايوجد أحدٌ يمكن أن يتّصف بهذه الصفات العلياء. فهيئة أفعل في هذا الحديث أيضاً ما يُراد منها إلّامعناها الوصفيّ حيث لاشجاعة و لاكرم و لاعلم لغاصبي الخلافة و لااستغناء لهم عن الناس، و سيرتهم و ما جروا عليها و ما نقل من أقوالهم خير شاهدٍ على عدم اتّصافهم بها؛ بينما انّ جميعها ثابتةٌ لأميرالمؤمنين عليه السلام بالنقل الثابت المتواتر بين الفريقين. فالحديث يشير إليه و ينفي الخلافة عن غاصبيها؛ هذا.

فظهر أن لا ارتباط بينه و بين اشتراط الأعلميّة في الفقيه الوليّ.

و لو كابر أحدٌ و أصرّ على ما استدلّوا به له فنقول: إنّ وحدة السياق تردّ على مذهبكم حيث لاقائل بوجوب كون الوليّ أزهد الناس و أشجعهم و أكرمهم و مستغنٍ عن الناس و الناس محتاجون إليه، فوحدة السياق تحكم بنفي اشتراط الأعلميّة فيه. فالحديث يدلّ على ما نحن بصدده، لا ما استشهدتم به عليه.

الرواية السادسة

ما رواه ابن أبي الحديد(1)من رسالةٍ لأميرالمؤمنين عليه السلام أرسلها إلى معاوية، و فيها:


1) . راجع: «شرح ابن أبي الحديد» على نهج البلاغة ج 3 ص 210.

«فإنَّ أولى النّاس بأمر هذه الأمَّة قديماً و حديثاً أقربها من الرّسول و أعملها بالكتاب و أفقها في الدين».

الحديث مرسلٌ، و مرسِله ابن أبي الحديد، فلاسند له بحيث يمكن الركون إليه.

أمّا دلالةً فهو قريبٌ ممّا نقله المرتضى رحمه الله عنه عليه السلام و قد أوردناه في الفقرة السابقة. حيث إنّ أميرالمؤمنين عليه السلام يبيّن مباني مكتبه في أمر الولاية قِبال مباني مكتب الخلفاء، فيعلن انّه إذا دارالأمر بين إمامته و إمامة ابن أبي سفيان و وقع الخلاف بين المسلمين في أنّ أيّهما هو الصالح لها «فإنّ أولى الناس بهذا الأمر» من غيره من يكون «أقرب من رسول اللّه»؛ و هو صهره و ابن عمّه و كاشف الكرب من وجهه، بل نفسه؛ و هو «أعلمهم بالكتاب و أفقههم في الدين» بالنصّ المتواتر عن النبيّ صلى الله عليه و آله. فهو الأولى و الأحق بهذا الأمر، بل لا حقّ لغيره فيها.

فلالسان للحديث على ما استشهدوا به حيث لا علم و لافقه لمعاوية و لاقرابة له برسول اللّه حتّى يكون أميرالمؤمنين أعلم و أفقه منه و أقرب منه إليه صلى الله عليه و آله. فهيئة «افعل» في هذا الحديث أيضاً في جميع مواردها ما استعملت إلّافي معناها الوصفيّ.

الرواية السابعة

ما في سنن البيهقيّ‌(1)عن ابن عبّاس قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من استعمل عاملاً من المسلمين و هو يعلم انّ فيهم أولى بذلك منه و أعلم بكتاب اللّه و سنّة نبيّه فقد خان اللّه و رسوله و جميع المسلمين».

الرواية لاسند لها عندنا - إذ لم ترد في طرقنا -. و المحقّق الكبير الذابّ عن حريم الولاية


1) . راجع: «السنن الكبرى» ج 10 ص 118.

العلّامة الأمينيّ رحمه الله أيضاً أوردها في الغدير(1)من نفس المصدر(2)، و المعاصرين أيضاً نقلوها من الغدير.

أمّا دلالةً، فظهورها في الإرشاد إلى حكمٍ عقليٍّ صريحٍ صريحٌ لايُنكر، حيث يقول: من فوّض أمراً من أمور المسلمين إلى رجلٍ و وكّله عليه و هو يعلم انّ فيهم من هو أعلم بهذا الأمر منه و أصلح منه له فقد خان اللّه و الرسول و جميع المسلمين حيث منعهم عمّن هو خيرٌ لهم؛ و هذا حكمٌ عقليٌّ لاينكر، بل عليه إجماع العقلاء.

و من الجدير بالذكر انّ قوله صلى الله عليه و آله: «أولى بذلك منه» يفسّر قوله: «و أعلم بكتاب اللّه و سنّة نبيّه» أي: في هذا الأمر. فالوليّ من يكون أولى بالولاية من حيث الكفاية و العلم بكتاب اللّه و سنّة النبيّ صلى الله عليه و آله فيما يرتبط بالولاية، لا في غيرها - كالفقه -؛ و هذا واضحٌ.

الرواية الثّامنة

ما روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام انّه قال:

«أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به».

الرواية مرسلةٌ، و مرسِله هو العلّامة المجلسيّ رحمه الله(3)، و لاسبيل إلى تصحيح مرسلاته نظراً إلى بون العهد بينه و بين المرسَل إليه عليه السلام.

ثمّ لادلالة لها على اشتراط الأعلميّة في الوليّ حيث إنّ ما جاء به الأنبياء تنوّع بحسب شؤونهم عليهم السلام، فمنها تبيين الأحكام؛ و منها القضاء و فصل الخصومات؛ و منها الحكم و السلطة. و أولى الناس بهم في كلّ واحدٍ من شؤونهم من كان أعلمهم به في هذا الشأن؛


1) . راجع: «الغدير» ج 8 ص 291.

2) . و لم يذكر الأمينيّ رحمه الله المصدر الّذي أخذ عنه هذا الحديث.

3) . راجع: «بحارالأنوار» ج 68 ص 189. و لها طرقٌ عال؛ فانظر: «نهج البلاغة» ص 484 الكلمة 96، «شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 18 ص 252، «غررالحكم» ص 110 الكلمة 1958.

فلادلالة لها على وجوب كون الوليّ أعلم الناس فقاهةً، بل تدلّ على اشتراط الأعلميّة فيه فيما يرتبط بشأن الحكم. و هذا ارشادٌ إلى حكم العقل؛ و قد مضى تفصيله مراراً.


هذا جميع ما احتجّ به مثبتوا الأعلميّة فقاهةً في الفقيه الوليّ. و هو بالنظر إلى تعدّد أسانيده يزيد على عشرين حديثاً، و بالنظر إلى الصحاح منه يرجع إلى حديثين أو ثلاثة أحاديث. و كيف كان فبالنظر إلى ما أبدينا حوله ظهر أنْ لا دلالة له على مذهبهم.

و تلخيص الكلام فيه:

أوّلاً: إنّ هيئة أفعل في هذه الأحاديث ما استعملت إلّافي معناها الوصفيّ، لا التفضيليّ. و هذا لاغرابة فيه حيث شهدت بصحّة إرادة هذا المعنى منها موارد كثيرةٌ من استعمالاتها في القرآن الكريم و المنقول من السنّة؛ و قد ذكرنا قائمةً احصائيّةً لاستعمال لفظة «أحقّ» في القرآن الكريم حيث بلغت موادّها تسعاً، و ما كان المراد منها معناها التفضيليّ إلّافي موردٍ واحدٍ، أمّا في الثمانية الأخيرة فاستُعملت الهيئة في معناها الوصفيّ.

ثانياً: إنّ من تلك الأحاديث ما صدر من مصادره عليهم السلام لبيان شأن الإمامة بالأصالة و الخلافة الإلهيّة من غير واسطةٍ؛ و لاارتباط بينه و بين مسألة ولاية الفقيه نفياً و لا اثباتاً.

ثالثاً: إنّ من تلك الأحاديث ما يُرشد إلى حكم العقل بتقدّم الأعلم على العالم في جميع الأمور، و الأعلميّة في كلّ أمرٍ بحسبه. فالأعلميّة المطلوبة من الفقيه الوليّ غير الأعلميّة المطلوبة من الفقيه المرجِع، و هذا واضحٌ.

و قد تجتمع هذه الثلاثة في موردٍ واحدٍ.

فلادلالة لتلك الأحاديث على ما ذهبوا إليه. نعم! لاشكّ في أنّ الوليّ يجب أن يكون أعلم

الناس فيما يرتبط بأمرالولاية، أي: منصبه الخاصّ به - من تنظيم أمور المجتمع و نظاماته الداخليّة و الخارجيّة -؛ و هذا ممّا حكم به العقل و أرشد إليه الشرع و نهجت على منواله سيرة العقلاء و الديّانين. و لكن لاارتباط بينه و بين اشتراط الأعلميّة فقاهةً فيه.

فثبت ممّا قلنا انّ الأعلميّة في دقائق الأحكام و ظرائف استنباط ما يرجع إلى أفعال المكلّفين ليست من شروط الوليّ؛ و الحمد للّه.

الشرط الرّابع: الأعلميّة في دقائق السلطة

أي: كونه أعلم الناس في تدبير أمر المجتمع و ما يرجع إليه من دقائق الحكم و السياستين الداخليّة و الخارجيّة و السياسة الدوليّة و العِلاقات و المواصلات الديبلوماسيّة و غيرها من متطلّبات منصب الولاية الرفيع.

و قد مضى تفصيل الكلام حول هذا الشرط في التذييل على الشرط الثّالث.

الشرط الخامس: العدالة

اشارة

و لاريب في أنّها تُعدّ من شرائط الوليّ، بل هي من أهمّها.

و قبل الخوض في صلب المطلب يجب الإلمام إلى ثلاث نكاتٍ.

النكتة الأولى: في تعريفها.

و هي - كما عليه المشهور، كصاحب الجواهر(1)و الشيخ الأعظم 0(2)-: «ملكةٌ بها يُقتدر على التقيّد بظواهر الشرع»؛ و سنرجع إليه.

النكتة الثّانية: في تأكيد الشريعة عليها.

إن الإسلام قد أكّد على اشتراط العدالة في جميع الأعمال الّتي ترجع إلى المجتمع، و ذلك حرصاً على بسط العدالة و تجنّباً عن الهرج و الإضطراب في أموره. فاشترطها في القاضي و في الشاهد في باب القضاء، و في إمام الجماعة و في الوالي. و لايقاس ما للمهن من الأهمّيّة - كانت ما كانت - بما للوليّ منها؛ فاشتراطها فيه ممّا يحكم به العقل زيادةً على الشرع.

النكتة الثّالثة: في أنّها من الملكات أو من الأفعال.
اشارة

و المشهور على كونها من الملكات، و إليه يشير عدّهم إيّاها من الفضائل - كالشَّجاعة و السخاء -. قالوا: من حاز ملكةً بها يقدر على إتيان الواجبات و ترك المحرّمات - صغيرةً


1) . قال رحمه الله: «و قيل: العدالة عبارةٌ عن ملكةٍ نفسانيةٍ تبعث على ملازمة التقوى و المروءة»؛ راجع: «جواهرالكلام» ج 13 ص 294.

2) . قال رحمه الله: «العدالة عبارةٌ عن صفةٍ نفسانيّةٍ توجب التقوى و المروءة»؛ راجع: «كتاب الطهارة» ج 2 ص 406.

كانت أو كبيرةً - و الاجتناب عمّا يخالف المروءة فله ملكة العدالة(1). فمن استطاع من البذل من غير أن يكون متبذّلاً فيه - أي: كان البذل و العطاء في موضعه طبيعةً له من غير أن يتكلّف نفسه به - فهو السخيّ، و له ملكة السخاء؛ و من اقتدر على مباراة الخصم من غير أن يكون متكلّفاً فيه فهو الشجاع، و له ملكة الشجاعة؛ و من اقتدر على ترك المحرّمات بأقسامها و إتيان الواجبات و التجنّب عمّا يشين مروءته فهو العادل، و له ملكة العدالة.

فالعدالة - كالشجاعة و السخاء - تُعدّ من الملكات، لا من الأفعال.

و عليه فمن تقيّد نفسه بأحكام الشريعة فأتى بما يجب الإتيان به و ترك ما يجب تركه من غير أن يكون ذلك طبيعةً له لايُعدّ عادلاً و إن كان مؤمناً مثاباً.

و بما قلنا ظهر انّ بعض ما ورد في الشريعة الغرّاء - كقوله عليه السلام: «أشجع الناس من غلب هواه»(2)، و قوله عليه السلام: «أسخى الناس من أدّى زكاة ماله»(3)- يجب أن يُحمل على المجاز؛ أو على محامل أخرى إلّاإذا كان غلبته على هواه و أدائه زكاة ماله من طبعه. فحينئذٍ يُمكن أن يوصف بالشجاعة و السخاء، و إلّافكلّ من غلب هواه فاجتنب عن المحرّمات أو أدّى زكاة ماله من غير أن يكون ذلك من طبعه و طبيعته يوصف بالإيمان و لايوصف بكونه شجاعاً أو سخيّاً.

نعم! إذا كانت العدالة من الملكات فتحتاج إلى كاشفٍ يكشف عن وجودها في من يتّصف بها، و الكاشف عنها هو ما يصدر عنه من الأفعال؛ إذ الملكة ممّا ارتكز في النفس و لاتناله الأيدي إلّابوساطة كاشفٍ أو دليلٍ يكشف عن وجوده و يدلّ عليه. هذا ما عليه


1) . و انظر في ذلك: «بلغة الفقيه» ج 3 ص 193.

2) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 4 ص 394 الحديث 5840، «مستدرك الوسائل» ج 12 ص 111 الحديث 13658، «بحارالأنوار» ج 67 ص 76، «أعلام الدين» ص 322.

3) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 4 ص 394 الحديث 5840، «وسائل الشيعة» ج 9 ص 12 الحديث 11392، «بحارالأنوار» ج 93 ص 11، «الأمالي» - للصدوق - ص 20 الحديث 4.

المشهور من الفقهاء(1).

و خالفهم الفقيه الهمداني رحمه الله حيث ذهب إلى أن لافرق بين ملكة العدالة و بين الأفعال الصادرة عن الناس، فمن أتى بالواجبات و ترك المحرّمات و ما يشين المروءة يُعدّ عادلاً و إن كان متكلّفاً في ذلك كلّه(2).

و استدل المحقّق الهمدانيّ رحمه الله(3)- كما استدلّ المشهور - بما رواه ابن أبي يعفور في الصحيح

«عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: بِمَ تُعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتّى تُقبل شهادته لهم و عليهم؟

فقال عليه السلام: أن تعرفوه بالستر و العفاف و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، و تُعرف باجتناب الكبائر الّتي أوعد اللّه - عزّ و جلّ - عليها النار»(4).

و الظاهر وقوع الخلط بين الكاشف و المنكَشَف في نظره الشريف، إذ العمل كاشفٌ عن العدالة و العدالة منكشَفةٌ به، لا انّ العمل كاشفٌ عن العدالة الّتي هي نفس العمل؛ هذا.

و ذهب المحقّق الخوئيّ رحمه الله أيضاً إلى أنّ العدالة هي نفس العمل(5)، و ليس العمل كاشفاً


1) . و انظر أيضاً: «النورالمبين في شرح التحرير و منهاج الصالحين» ج 1 ص 347.

2) . قال رحمه الله: «و الأولى أن يقال في تعريفها ب: أنّها عبارةٌ عن كون الرجال مبالياً بدينه بحيث يبعثه تديّنه في العادة على فعل الواجبات و ترك المحرّمات»؛ راجع: «مصباح الفقيه»، كتاب الصلاة - الطبعة الحجريّة - ص 668.

3) . راجع: نفس المصدر ص 669.

4) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 3 ص 38 الحديث 3280، «التهذيب» ج 6 ص 241 الحديث 1، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 391 الحديث 34032.

5) . قال رحمه الله: «فالعدالة المطلقة... هي الاستقامة العمليّة كما يقتضيه معناها اللغويّ... و المتحصّل انّ العدالة ليست لها حقيقةٌ شرعيّةٌ و انّما استعملت في الكتاب و الأخبار بمعناها اللغويّ، أعني: الاستقامة و عدم الاعوجاج و الانحراف... كما ظهر انّ العدالة ليست من الأوصاف النفسانيّة و إنّما هي صفةٌ عمليّةٌ»؛ راجع: «كتاب الاجتهاد و التقليد» ص 254.

عن ملكةٍ هي العدالة؛

و الجواب عنه نفس الجواب عن المحقّق الهمدانيّ.

و الآن بعد الفراغ من تبيين هذه النكت الثلاث آن لنا أن ندخل في صلب الموضوع، و هو اشتراط العدالة في الفقيه الوليّ؛ فنقول:

قد دلّت الأدلّة الأربعة على وجوب كون الوليّ متّصفاً بالعدالة؛ و تفصيل الأدلّة:

أوّلاً: العقل

و دلالته عليه لايحتاج إلى كثير كلامٍ، إذ العقل السليم من غير أدنى تأمّلٍ و تصفّحٍ يحكم بأنّ الظالم الكذّاب الّتي لايخشى اللّه و لايُبالي بما يفعل لايصحّ أن يترأّس على المجتمع، بل هذا قبيحٌ في غاية القبح. و القول بأنّ اللّه - سبحانه و تعالى - قد فوّض إليه أمر الحكم ممّا يُنكره العقل السليم، إذ هذا ممّا يخالف حكمته، و الحكمة حاكمةٌ على أفعاله - تعالى -؛

فكما انّ جعل الظالم وليّاً قبيحٌ من قِبله - تعالى - فكذلك قبيحٌ من قِبل الناس.

ثانياً: الإجماع

و هذا لانعني به إجماع الفقهاء عليه فقط، بل هو من المتسالم عليه بين الشيعة الإماميّة طوال القرون. حيث ذهبوا إلى اشتراط العدالة و ما هو فوقها - أي: العصمة - في خلفاء الرسول صلى الله عليه و آله، ثمّ اشترطوا العدالة - من غير اشتراط العصمة - في من ينوب عنهم في مراتبهم و وظائفهم؛

فاشترطوا العدالة في الفقيه الوليّ الّذي ينوب عنهم في ولايتهم على المجتمع؛

و اشترطوها في الفقيه المرجِع الّذي ينوب عنهم في ولايتهم على تبيين المستحدثات من الأحكام؛

و اشترطوها في القاضي الّذي ينوب عنهم في ولايتهم على القضاء؛

و اشترطوها في إمام الجمعة و الجماعة الّذي ينوب عنهم في ولايتهم على إقامة الجمعة و الجماعة؛ و هذا ممّا لاخلاف فيه بين آحاد الشيعة - عالماً كان أو عامّياً -.

و هذا من النقاط الهامّة الّتي وقع فيها الخلاف بيننا و بين أهل السنّة و الجماعة حيث خضعوا لولاية الفاسق الفاجر المدمن للخمر الّذي لايبالي بما يفعل - من إراقة الدماء و قتل الأنفس و ما إليه -. و هذا كتبهم الكلاميّة(1)و سيرتهم طوال التأريخ تشهد بأنّهم ما ذهبوا إلى اشتراط العدالة في الوليّ، بل قبلوا ولاية المتغلِّب على المجتمع و خضعوا لها كان من كان.

و هذا ممّا لاينقضي منه العجب!.

ثالثاً: الكتاب
اشارة

و قد دلّ قسطٌ من آيات الكتاب الكريم على اشتراطها فيه. و من الآيات ما تمسّك به قومٌ من الفقهاء، و منها ما لم يتمسّك به أحدٌ إلى حدّ الآن و لكن دلالته عليه تامّةٌ عندنا.

فلابأس بنا لو ذكرناها و بحثنا عن مدى دلالتها على ما نحن فيه.

الآية الأولى

فمنها قوله - تعالى -:

«وَ إِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَ


1) . و انظر: «التمهيد» - للباقلانيّ - ص 186.

مِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَايَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ»(1).

و يتمّ الاستدلال بالكريمة بالنظر إلى ما مضى تفصيل الكلام حوله من أنّ الولاية عهدٌ قد فوّضه اللّه إلى نبيّه و المعصومين من أهل بيته عليهم السلام، و انّهم قد فوّضوه إلى الفقيه، فالولاية عهد اللّه - سبحانه و تعالى -، و الآية ناطقةٌ بأنّ عهد اللّه لايناله الضالمون.

و للظلم مراتب؛ منها: الكفر؛ و منها: الشرك؛ و منها: البغي و العدوان؛ و منها: ترك الواجبات و إتيان المحرّمات؛ و منها غيرها. فالكافر و المشرك و الباغي و تارك الواجبات و فاعل المحرّمات لاسبيل لهم إلى عهده - سبحانه -، فلايمكن أن يُتَّصَفوا بالولاية؛ و هذا ظاهرٌ.

الآية الثّانية

و منها قوله - تعالى -:

«وَ لَاتُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ»(2).

للكريمة دلالةٌ ظاهرةٌ على عدم جواز المتابعة في الأعمال اليوميّة عمّن غفل عن ذكر اللّه و نسى أنّ العالم كلّه في حضرته - سبحانه، بل هو محضره -؛ فلها - بطريق الأولويّة القطعيّة - دلالةٌ على عدم جواز التبعيّة عنه في أمر الحكم و السلطة.

فدلالتها على اشتراط العدالة في الوليّ تامّةٌ.

الآية الثّالثة

و منها قوله - تعالى -:


1) . كريمة 124 البقرة.

2) . كريمة 28 الكهف.

«فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لَاتُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَو كَفُوراً»(1).

قوله - تعالى -: «كَفُوراً» إمّا أن يرجع إلى الكفر في العقيدة، فحينئذٍ يدلّ على أنّ الكافر لا ولاية له؛

و إمّا أن يرجع إلى الكفر في العمل، فيكون مؤكّداً أو مفسّراً لما قبله من قوله - تعالى -:

«آثِماً». و في كلتي الصورتين يدلّ على أنّ الآثم الكافر أو الآثم و الكافر لايحقّ لهما أن يترأّسا على المجتمع؛ و قد نهى اللّه - سبحانه - عن متابعتهما.

الآية الرّابعة

و منها قوله - تعالى -:

«فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيهِ يَلْهَثْ أَو تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ»(2)

و مثله قوله - تعالى -:

«كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً»(3).

و الأوّل ورد في شأن بلعام بن باعوراء(4)و الثّاني في شأن كلّ عالمٍ لا عمل له على مقتضى علمه.

و تقريب الاستدلال بهما: انّ اللّه - سبحانه و تعالى - قد شبّه العالِم المكبّ على الدنيا - الّذي قطن في قلبه حبّ الرياسة و جمع الأموال - بالكلب و الحمار؛ هذا على مبنى المشهور من المفسّرين حيث ذهبوا إلى أنّهما و ما يشبههما من باب التشبيه. فهو إنشاءٌ، و لابأس به؛


1) . كريمة 24 الإنسان.

2) . كريمة 176 الأعراف.

3) . كريمة 5 الجمعة.

4) . للتفصيل حول من قيل بورود الآية في شأنه - و منهم بلعام - راجع: «تفسير ابن كثير» ج 2 ص 268.

و إن كان القول بأنّهما إخبارٌ عن سريرته و واقعه أحسن من القول بكونهما من باب التشبيه، إذ لاتشبيه، بل الآيتان إخباران عن حاقّ ذاته حيث جعله ما له من الرذائل الأخلاقيّة و الصفات البهيميّة كلباً أو حماراً. فالعالم المكبّ على الدنيا كلبٌ و العالم الّذي لاعمل له حمارٌ. و هما مطرودان عن ساحته - تعالى - و بعيدان عن حرمه، فلامعنى لأن يفوّض اللّه إليهما أمراً من أموره، فكيف بما له الأهمّيّة البالغة بحيث لايُقاس به غيره؟!.

فظهر انّ الاستدلال بالقرآن الكريم على اشتراط العدالة في الفقيه الوليّ تامٌّ، و لابأس بنا لوذكرناه في عداد الأدلّة على اشتراطها فيه.

رابعاً: السنّة
اشارة

و نعني بها هيهنا الحديث الشريف. و استدلّ - أو يُمكن أن يُستدلّ - على اشتراط العدالة في الفقيه الوليّ بطائفةٍ من الأحاديث؛ و منها ما هو صحيحٌ سنداً و تامٌّ دلالةً.

و تفصيل الكلام يستدعي سردها و التحقيق حول كلّ واحدٍ منها؛ فنقول:

الرواية الأوّلى

و هي منقولةٌ عن الكافي الشريف(1)، و نصّها:

«عليّ بن إبراهيم عن صالح بن السنديّ عن جعفر بن بشير عن حنّان عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لاتصلح الإمامة إلّا لرجلٍ فيه ثلاث خصالٍ: ورعٌ يحجزه عن معاصي اللّه، و حلمٌ يملك به


1) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 407 الحديث 8؛ و انظر: «الخصال» ج 1 ص 116 الحديث 97، «بحارالأنوار» ج 25 ص 137.

غضبه، و حسن الولاية على من يلي حتّى يكون لهم كالوالد الرحيم».

الرواية صحيحةٌ سنداً، و قد رواها جمعٌ من الأكابر كما رواه الشيخ الكلينيّ رحمه الله في بابٍ سمّاه: «باب ما يجب من حقّ الإمام على الرعيّة و حقّ الرعيّة على الإمام».

و الاستدلال بهذا الحديث الشريف على المطلوب يتمّ بالنظر إلى ما للورع من المعنى، حيث إنّ الورع مرتبةٌ فوق مرتبة التقوى - إذ مرتبة التقوى تتمّ بالاجتناب عن المحرّمات و كفّ النفس عمّا لايجوز، أمّا الورع فهو لايتمّ إلّابتطهير القلب و الفؤاد عن الوساوس و الهواجس -؛ فالورع ملكة التقوى. و هو لايحصل إلّاباستيفاء حقوق منزل التقوى كما هو حقّها ثمّ السير في منازل الكمال حتّى تصير التقوى ملكةً للسائر فيجتنب قلبه و سرّه و فؤاده و باطنه عمّا لايليق به، كما تجتنب جوارحه عمّا يحرم عليها.

و قوله صلى الله عليه و آله: «و حلمٌ يملك به غضبه» إشارةٌ إلى شرطٍ آخر من شروط الوليّ، و هو كونه مهذّباً - و سنفصّل الكلام حوله -، فهو من باب المثال.

و قوله صلى الله عليه و آله: «و حسن الولاية على من يلي» أيضاً إشارةٌ إلى شرطٍ آخر من شروطه، و هو كونه مدبّراً بحيث يتمكّن من تدبير أمر المجتمع - و سنفصّل الكلام حوله أيضاً -.

فتلخّص ممّا قلنا انّ الحديث يشير إلى ثلاثة شروطٍ من شرائط الوالي و الأوّل منها ما نحن الآن بصدده - و هو قوله صلى الله عليه و آله: «ورعٌ يحجزه عن معاصي اللّه» -.

الرواية الثّانية

قول أبي عبداللّه عليه السلام:

«لاتصلّ خلف الغالي و إن كان يقول بقولك، و المجهول، و المجاهر بالفسق و إن كان مقتصداً»(1).


1) . راجع: «التهذيب» ج 3 ص 31 الحديث 21؛ و انظر أيضاً: «من لايحضره الفقيه» ج 1 ص 379 الحديث 1110، «وسائل الشيعة» ج 8 ص 310 الحديث 10754، «مستدرك الوسائل» ج 6 ص 463 الحديث 7249، «بحارالأنوار» ج 85 ص 23.

الحديث ورد في شأن من يؤمّ الجماعة. و اشترط فيه أموراً لايصلح للإمامة في الصلاة إلّا باحرازها، و الأولويّة القطعيّة تدلّ على اشتراطها بعينها في من يؤمّ المجتمع، أي: الوليّ.

فلايصلح للولاية إلّامن اتّصف بها.

ثمّ نهى عليه السلام أوّلاً عن الصلاة خلف الغالي - فلاحقّ للغالي في الولاية -؛

و نهى ثانياً عن الصلاة خلف المجهول، و الظاهر انّه هو الّذي لم تُحرز عدالته؛ فاتّصافه بالملكة لايكفي، بل يجب احرازها. فمن لم تُحرز ملكة العدالة فيه لايحقّ للإمامة في الصلاة، فلايحقّ لإمامة المجتمع بطريق الأولويّة؛

ثمّ نهى ثالثاً عن الصلاة خلف المجاهر بالفسق. و هذا تعريضٌ بالعامّة حيث صحّحوا الصلاة خلفه، بل خضعوا لحكمه!.

فالحديث ينهى عن إمامة من كان غالياً - أي: فاسداً في العقيدة -؛

و من كان مجاهراً بالفسق - أي: فاسداً في العمل -؛

و من كان مجهولاً - أي: لم تُحرز عدالته -؛

فلايحقّ للإمامة و الولاية إلّامن كان عادلاً محرز العدالة.

فدلالته على ما نحن بصدده تامّةٌ.

الرواية الثّالثة

ما رواه الصدوق رحمه الله عن الصادق عليه السلام حيث سُئل عن الصلاة خلف من عقّه والديه أو كان قاطعاً للرحم؟ و نصّ الجواب:

«فقال عليه السلام: لاتقرأ خلفه ما لم يكن عاقّاً قاطعاً»(1).

و دلالتها على المطلوب تتمّ بالنظر إلى أن لاخصوصيّة للعقّ و قطع الرحم، بل بما أنّهما يُعدّان من الذنوب يمنعان عن صحّة الصلاة خلف من اتّصف بهما، و مثلهما غيرهما من الذنوب. فالذنب و عدم الاتّصاف بملكة العدالة يمنع عن الإمامة في الصلاة كما يمنع عن الولاية على المجتمع.

الرواية الرّابعة

و هي قريبةٌ من السابقة عليها؛ و نصّها:

«رجلٌ يقارف الذنوب و هو عارفٌ بهذا الأمر، أصلّي خلفه؟

قال: لا»(2).

الظاهر من الحديث إنّ بطلان الصلاة خلف المخالفين كان من المرتكز عند الشيعة، فسأل السائلُ الإمامَ عن الصلاة خلف العارف بهذا الأمر المغارف بالذنوب - أي: الرجل الإماميّ الّذي لايبالي بما يفعل -، فأجاب الإمام عليه السلام عنه بالنهي عنها. و دلالته على اشتراط العدالة في إمام الجماعة و بطريق الأولويّة في والي المجتمع تامّةٌ.

الرواية الخامسة

«قال: قلت لأبي جعفرٍ الثّاني عليه السلام: قومٌ من مواليك يجتمعون فتحضر الصلاة


1) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 1 ص 379 الحديث 1113؛ و انظر أيضاً: «التهذيب» ج 3 ص 30 الحديث 18، «وسائل الشيعة» ج 8 ص 313 الحديث 10764، «بحارالأنوار» ج 85 ص 40.

2) . راجع: «التهذيب» ج 3 ص 31 الحديث 22، «وسائل الشيعة» ج 8 ص 316 الحديث 10773.

فيقدّم بعضهم فيصلّي بهم جماعةً؟

فقال: إن كان الّذي يؤمّ بهم ليس بينه و بين اللّه طلبةٌ فليفعل»(1).

المسؤول عنه هو مولانا جوادالأئمّة عليه السلام، و قد سأله الراوي عن الصلاة خلف بعض الشيعة، فأجابه عليه السلام باشتراط العدالة فيه حيث قال: «إن كان الّذي يؤمّ بهم ليس بينه و بين اللّه ظلّةٌ فليفعل». و لاكاشف عن العدالة إلّاالعمل، فمن كان في أعماله و ما يصدر عنه مجتنباً عن الكبائر و الصغائر و ما يُشين مروءته فله خصلة العدالة، فيمكن الاقتداء به في الصلاة كما يمكن الاقتداء به في قيادة المجتمع.


فتلخّص ممّا قلنا جميعاً انّ الأدلّة الأربعة بأسرها تدلّ على اشتراط العدالة في الفقيه الوليّ. و الآن نزيد عليه و نقول: إنّ ما استدللنا به من الآيات و الأحاديث لاحكم له تأسيساً، بل جميع الآيات و الأحاديث يرشد إلى حكم العقل بقبح تفويض الولاية إلى من لم تكن له خصلة العدالة؛ و إجماع العلماء و السيرة المستمرّة بين الشيعة الإماميّة أيضاً كاشفٌ عن هذا الّذي يحكم به العقل؛ و الحمد للّه وحده.


1) . راجع: «مستطرفات السرائر» ص 570، «بحارالأنوار» ج 85 ص 107؛ و انظر: «وسائل الشيعة» ج 8 ص 316 الحديث 10775.

الشرط السّادس: الطهارة الروحيّة

اشارة

و المراد منها هيهنا كونه مهذبّاً - أي: متخلّياً عن الرذائل متحلّياً بالفضائل -، فإن لم يتمكّن من غرس شجرة الفضائل كلّها في نفسه فلابدّ له من قلع الرذائل(1).

و هذا الشرط قد نصّ عليه كثيرٌ من الفقهاء من المتقدّمين و المتأخّرين؛

فالسلّار و ابن ادريس 0 - كما مضى فيما حكينا من نصوصهما - قد سمّياه بالزهد؛

و قد سمّاه المحقّق الوحيد البهبهانيّ رحمه الله في فوائده بالملكة القدسيّة(2)

و الفقيه اليزديّ في العروة(3)و سيّدنا الأستاذ الإمام الخمينيّ 0(4)قد سمّياه بعدم الكبّ على الدنيا. فكون الفقيه المرجِع - و بطريق الأولويّة كون الفقيه الوليّ - زاهداً أو ذاملكةٍ قدسيّةٍ أو غير مكبٍّ على الدنيا - أو غيرها من العبارات - تعبيراتٌ شتّى عمّا سمّيناه بالطهارة الروحيّة.

و هذا واضحٌ، حيث لا ولاية لمن لم يقتد بالمعصومين من الأنبياء و الأئمّة الطاهرين عليهم السلام


1) . و الفرق بينها و بين العدالة: الظاهر انّ العدالة تشير إلى ملكة التخلّي عن الرذائل، و الطهارة الروحيّة تشير إلى التحلّي بالفضائل؛ فمرتبة الثّاني أعلى و أرفع من الأوّل.

2) . قال رحمه الله: «و من الشرائط القوّة القدسيّة و الملكة القويّة، و هو أصل الشرائط»؛ راجع: «الفوائد الحائريّة»، الفائدة 36 ص 337.

3) . قال: «يشترط في المجتهد أمورٌ... و أن لايكون مقبلاً على الدنيا و طالباً لها مكبّاً عليها مجدّاً في تحصيلها»؛ راجع: «العروة الوثقى» ج 1 ص 9 المسألة 22.

4) . قال: «يجب أن يكون المرجِع للتقليد... بل غير مكبٍّ على الدنيا و لاحريصاً عليها»؛ راجع: «تحريرالوسيلة» ج 1 ص 7 المسألة 3.

فيما هو أبرز خصائصهم و أرفع خصالهم - أي: الطهارة الروحيّة -. نعم! لاشكّ في أنّ للطهارة مراتب بعضها مختصٌّ بالمعصومين الأربعة عشر و لايمكن لغيرهم العثور عليه، بل و لاتخيّله. فالمراد من الطهارة الروحيّة هيهنا مايمكن للناس أن يتّصفوا به و ما هو في وسعهم، فلايحقّ للولاية إلّامن بذل جهده في اقتناء أعلى مراتب الطهارة الروحيّة بحسب القوّة البشريّة؛ و هذا واضحٌ.

و يُرشد إليه ما ورد في بعض رواياتنا؛ منها:

الرواية الأولى

«عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن القاسم عن المنقريّ عن حفص بن غياث عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: إذا رأيتم العالم محبّاً لدنياه فاتّهموه على دينكم»؛

• أي: اجتنبوا عنه فيما يرجع إلى دينكم، فلاتسألوا عنه شيئاً و لاتستفتوا منه -

«فإنّ كلّ محبٍّ لشيءٍ يحوطه ما أحبّ. و قال صلى الله عليه و آله: أوحى اللّه إلى داود عليه السلام:

لاتجعل بيني و بينك عالماً مفتوناً بالدنيا فيصدّك عن طريق محبّتي، فإن أولئك قطّاع طريق عبادي المريدين. إنّ أدنى ما أنا صانعٌ بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي عن قلوبهم»(1).

فإنّ كلّ محبٍّ يميل إلى محبوبه، فالعالم المكبّ على الدنيا يميل إليها فيبعد عن اللّه في كلّ آنٍ؛ و كذلك من اقتدى به. فلايجوز بطريق الأولويّة أن يُقتدى به في ولاية المجتمع و تفويض أموره إليه.


1) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 46 الحديث 4، «علل الشرايع» ج 2 ص 394 الحديث 12، «منية المريد» ص 138.

الرواية الثّانية

«عليٌّ عن أبيه عن النوفليّ عن السكونيّ عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا.

قيل: يا رسول اللّه! و ما دخولهم في الدنيا؟

قال: اتّباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم»(1).

الرواية موثّقةٌ سنداً، و هي تؤيّد الصحيحة الّتي مضت قبلها، فإن لم يكن لها سندٌ يمكن الركون إليه فلاأقلّ من كونها مؤيّدةً لغيرها من الأحاديث.

و الظاهر انّ المراد ب: «اتّباع السلطان»: طلب الزعامة و الرئاسة، فمن قرب إلى السلطان قرب إلى سلطنته، فله لمحةٌ منها. و لافرق بين أن يكون حبّ الرئاسة بالتقرّب إلى السلطان أو بجمع المريدين أو بما يشبههما ممّا يدلّ عليه. فعلى أيٍّ يجب أن يكون الوليّ ذا طهارةٍ روحيّةٍ بحيث لايميل إلى الدنيا، و لايحبّ أن يترأّس فيها.

و اضمم هذا إلى ما روي منهم عليهم السلام: «آخر ما يخرج عن قلوب الصدّيقين حبّ الجاه!»(2)، فمن تخلّى قلبه عن حبّها يوشك أن ينتظم في عداد الصدّيقين. فله الطهارة الروحيّة، فله أن يولّى أمر المجتمع.


1) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 46 الحديث 5، «مستدرك الوسائل» ج 13 ص 124 الحديث 14961، «بحارالأنوار» ج 2 ص 110، «أعلام الدين» ص 90، «عوالي اللآلئ» ج 4 ص 77 الحديث 65.

2) . لم أعثر عليه. و في شرح الحديديّ: «من كلام بعض الصالحين: آخر ما يخرج من رؤوس الصدّيقين حبّ الرئاسة»؛ راجع: «شرح ابن أبي الحديد» ج 2 ص 181.

الرواية الثّالثة

و منها ما تمسّك به الفقيه اليزديّ في العروة(1)و سيّدنا الأستاذ الإمام الخمينيّ 0(2)في التحرير من قول مولانا العسكريّ عليه السلام:

«فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه، و ذلك لايكون إلّابعض فقهاء الشيعة»(3).

الرواية مرسلةٌ سنداً و لكن تلقّاها بالقبول جمعٌ من المتقدّمين و المتأخّرين، منهم صاحب الجواهر(4)و الشيخ الأعظم 0(5).

و كيفيّة الاستدلال بها: الظاهر - و العلم عند اللّه - إنّ قوله عليه السلام: «صائناً لنفسه» يشير إلى اشتراط العدالة فيه؛

و قوله عليه السلام: «حافظاً لدينه» يشير إلى اشتراط التقوى فيه؛

و قوله عليه السلام: «مخالفاً لهواه» يشير إلى اشتراط الطهارة الروحيّة فيه بحيث لم تكن الدنيا و ما فيها عنده سبباً لمعصية اللّه؛ و هذا كما قال مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام: «و اللّه لوأُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصى اللّه في نملةٍ أسلبها جُلب شعيرةٍ ما فعلته!»(6).

فثبت انّ الطهارة الروحيّة أيضاً تُعدّ من الخصال الّتي لاتصلح أحدٌ للقيام بأمر الولاية و الأمارة إلّابالاتّصاف بها.


1) . راجع: «العروة الوثقى» ج 1 ص 10 ذيل المسألة 22.

2) . راجع: «تحريرالوسيلة» ج 1 ص 7 ذيل المسألة 3.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 131 الحديث 33401، «بحارالأنوار» ج 2 ص 88، «الاحتجاج» ج 2 ص 458.

4) . لم أعثر عليها فيه.

5) . راجع: «كتاب القضاء و الشهادات» ص 241.

6) . راجع: «نهج البلاغة» الكلمة 224 ص 346، «شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 11 ص 245، «الصراطالمستقيم» ج 1 ص 163، «ارشادالقلوب» ج 2 ص 216.

الشرط السّابع: كمال العقل

اشارة

و اشتراطه في الفقيه الوليّ و الفقيه المرجِع ممّا لايُنكر، حيث لايجوّز العقل التقليد عمّن لاعقل له في ما يتعلّق بالدين أو بالدنيا، بل وجوده شرطٌ في كلّ من يتكفّل أمراً جماعيّاً - كالقاضي و قائد الجيش و ناظر الشرطة و مدير الفرع و غيرهم -.

نعم! بما أنّ للعقل مراتب خمس فلايحتاج كلّ من يتكفّل أمراً من أمورهما أن يكون متّصفاً بجميع مراتبه، بل يُشترط في إمام الجماعة بعضها، و في القاضي أزيد منه، و في الفقيه المرجِع أيضاً أزيد منه - أو فقل جميعها -، و لكن في الفقيه الوليّ يُشترط اتّصافه بجميع مراتبه؛ و لوأخلّ بواحدٍ منها لم يصلح للولاية، و هذا من المجمع عليه.

ثمّ الأقسام الخمسة تصطاد من العقل أو الكتاب أو السنة؛ و تفصيلها:

إنّ العقل يُطلق و يُراد منه أشياء؛ و هي:

الأوّل:

العقل الّذي يُقابل الجنون الإدواري - بكسر الأوّل أو فتحه - أو العَتَه الذِّهنيّ، و هو من يجنّ عنه عقله في بعض الأحيان و يفيق في بعض الأزمان. و عليه وُضع قلم التكليف حين اتّصافه بالعقل. ففي الحديث ما مضمونه: «يجب التكليف عليه حين افاقته»(1).


1) . ورد: «... إنّ القلم مرفوعٌ... عن المجنون حتّى يفيق...»؛ راجع: «وسائل الشيعة» ج 1 ص 45 الحديث 81، «بحارالأنوار» ج 5 ص 303، «شرح الحديديّ» ج 12 ص 205؛ و انظر أيضاً: «نهج الحقّ» ص 465.

و من هذا القسم الجنون بالنسبة إلى بعض الأعمال و سلامة العقل بالنسبة إلى بعضها الآخر، كشيخٍ فاضلٍ كان يعيش في قم المقدّسة مستحضراً لما ألقاه عليه أستاذه المحقّق الحائريّ رحمه الله، بل كان عيبة علم الأستاذ و لكن كان مجنوناً تاركاً للصلاة و لما تحكم عليه الحياة الإجتماعيّة!؛ و كنّا نسأل عنه عن بعض آراء الشيخ الحائريّ و كان يجيبنا عنه بما يوافي المقصود، ثمّ كنّا نذكّره الصلاة و وجوبها فكان يقول: أُخذ ما وُهب و سقط ما وجب!!. و قد مات و كانت موته نتيجةً لحالته هذه - نسأل اللّه سبحانه و تعالى حسن العاقبة -.

الثّاني:

العقل الّذي يقابل الجهل و الجهالة. و المراد من الجهل هيهنا الغطاء الّذي يستر العقل فيعمل الإنسان ما لايطابق عقله و لايوافقه، ثمّ بعد أن رفع هذا الغطاء يعلم أنّ ما فعله ما كان إلّاجهلاً و جهالةً؛ و في كثيرٍ من الأحيان يندم عليه؛ قال - سبحانه و تعالى -:

«إِنَّمَا التَّوبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ»(1).

كمن يرتكب ما لايليق به لثوران الشهوة ثمّ بعد أن خمدت شهوته يندم على ما فعله فيتوب منه؛ و كان هذا نتيجة ستر الشهوة عقله. فمن أقسام العقل ما يقابل الجهل. و الجهالة الواردة في الآية الشريفة هي بهذا المعنى.

الثّالث:

العقل الّذي يقابل السفاهة، و من لم يصاحب هذا العقل يُقال له: السفيه - أي:

من لم يبلغ رشده فلايعرف ما فيه خيره ممّا هو شرٌّ له -. و له أحكامٌ خاصّةٌ به كوجوب هجره و عدم جواز تصرّفه في أمواله؛ قال - سبحانه و تعالى -:

«فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ»(2).

فالسفيه من لم يبلغ رشده، فلاولاية له على أمواله حتّى يبلغه.

الرّابع:

العقل الّذي يقابل عدم البصيرة، فالمصاحب لهذا العقل يقال له البصير؛ و يقابله


1) . كريمة 17 النساء.

2) . كريمة 6 النساء.

الأبله أو الغبيّ أو الساذج أو خفيف العقل. فالأبله من يمكن أن يُغتَرَّ و يُنخدع في صِلاته الجماعيّة و عِلاقاته الّتي له مع غيره. و الظاهر انّ لفظتي العقل و الجهل وردتا في قسطٍ من أحاديثنا في معنى البصيرة و الحُمق؛ قال مولانا الرضا عليه السلام:

«و الإمام عالمٌ لايجهل...، عالمٌ بالسياسة مفروض الطاعة».

و هو جزءٌ من حديثٍ طويلٍ رواه الكلينيّ رحمه الله(1). و روى(2)أيضاً عن مولانا الصادق عليه السلام إنّه قال:

«العالم بزمانه لاتهجم عليه اللوابس».

و روى(3)أيضاً عن أبي جعفرٍ عليه السلام عن النبيّ صلى الله عليه و آله إنّه قال:

«لاتصلح الإمامة إلّالرجلٍ فيه ثلاث خصالٍ: ورعٌ يحجزه عن معاصي اللّه، و حلمٌ يملك به عقله، و حسن الولاية على من يلي حتّى يكون لهم كالوالد الرحيم».

فالظاهر - و اللّه العالم - انّ المراد بالعلم و العقل و ما يقابلهما من الجهل في هذه الأحاديث هو البصيرة و الغباوة؛ فالعالم بصيرٌ و الجاهل غبيٌّ.

الخامس:

العقل الّذي يقابل عقل المعاش، و هو المسمّى بعقل المعاد. و هو العناية التامّة بأمر الآخرة و عدم الاغترار بالدنيا. فمن الناس من له ذكاوةٌ في ما يرجع إلى دنياه - بل هو


1) . راجع: «الكافي» ج 6 ص 206 الحديث 1؛ و انظر: «الاحتجاج» ج 2 ص 436، «الأمالي» - للصدوق رحمه الله - ص 677، «الغيبة» - للنعمانيّ رحمه الله - ص 221.

2) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 26 الحديث 29، و انظر: «بحارالأنوار» ج 75 ص 269، «تحف العقول» ص 356.

3) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 407 الحديث 8؛ و انظر أيضاً: «من لايحضره الفقيه» ج 2 ص 274 الحديث 2424، «وسائل الشيعة» ج 12 ص 10 الحديث 15508، «بحارالأنوار» ج 27 ص 250.

شعلةٌ جوّالةٌ فيه! -، و لكنّه مغترٌّ به لايبالي بما سيؤول إليه أمره في الآخرة، فلاعقل له بالنسبة إلى المعاد و ان كان عاقلاً في دنياه؛ قال - سبحانه و تعالى - حكايةً عن بعض أصحاب النار:

«لَو كُنَّا نَسْمَعُ أَو نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ»(1).

و قد مضى في صدر المبحث انّ كلّ من يتكفّل أمراً من أمور الجماعة يجب أن يتّصف بالعقل بالنسبة إلى الأهمّيّة الّتي حازتها مهنته؛

ففي إمام الجماعة يُشترط أن لايكون مجنوناً مطلقاً، بل لوكان مفيقاً في بعض الأحيان يصحّ الاقتداء به فيه؛

و في قيّم السفيه يشترط زيادةً على ذلك أن لايكون سفيهاً لئلّا يُهجر؛

و في القاضي يشترط زيادةً على ذلك أن يكون بصيراً بمواقع الأمور؛

و جميع مراتب العقل يشترط في الفقيه الوليّ، فلايصلح للولاية من لم تكن فيه مرتبةٌ من هذه المراتب الخمس.

و هذا واضحٌ، إذ لمنصبه من الأهمّيّة البالغة ما ليس لغيره من المناصب، فيجب اتّصافه بكمال العقل لئلّا يُخدَع فيما يُقبل إليه من الأمور؛

أمّا الغبيّ أو الجاهل فلايجوز الإعتماد على ما صمّما عليه؛

و من لاعقل له بالنسبة إلى المعاد فلاولاية له، إذ لايهتدي المجتمع إلى ما فيه خيره، حيث لاتمييز له بالنسبة إلى نفسه فكيف بالنسبة إلى غيره!.


1) . كريمة 10 الملك.

الشرط الثّامن: الشَّجاعة

اشارة

و الشجاعة تُعدّ من الشرائط اللازمة للولاية، بل لامناص للوليّ منها.

و لها معانٍ ثلاثة، و المراد من اشتراطها فيه جميع تلك المعاني؛ و هي:

الأوّل:

الشجاعة الّتي تراد منها القدرة و القوّة في الروح، بل و في الجسم أيضاً. فكلّ من اتّصف بالشجاعة في أمرٍ قام به فهو شجاعٌ فيه؛ قال - سبحانه و تعالى - حكايةً عمّا أجاب به نبيٌّ عليه السلام قومه حيث سألوه عن لمّيّة جعل شابٍ لايُعرف أميراً عليهم:

«إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَ زَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ»(1)

إشارةً إلى تمكّنه من القيام بإدارة الجيش و اهتدائه إلى الفوز في الحرب، فهو شجاعٌ في كونه أمير اللواء.

الثّاني:

الشجاعة الّتي تراد منها الغلبة على النفس و هواها؛ قال عليه السلام:

«أشجع الناس من غلب هواه»(2).

فمن غلب هواه و فاز في الحرب مع نفسه فهو المتّصف بالشجاعة بمعناها الثّاني، و هو الجهاد الأكبر الّذي لاجهاد أكبر و لاحرب أشقّ منه؛ قال النبيّ صلى الله عليه و آله حينما أقبل إليه وفدٌ أرسله إلى سريةٍ:


1) . كريمة 247 البقرة.

2) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 4 ص 394 الحديث 5840، «مستدرك الوسائل» ج 12 ص 111 الحديث 13658، «بحارالأنوار» ج 74 ص 113، «معاني الأخبار» ص 195 الحديث 1.

«مرحباً بقومٍ قضوا الجهاد الأصغر و بقي عليهم الجهاد الأكبر!

قيل: يارسول اللّه و ما الجهاد الأكبر؟

قال: جهاد النفس»(1).

و لاريب انّ الشجاعة من لوازم الفوز في الحرب، فلايمكن الحرب مع النفس و الجهاد معها إلّابهذه الشجاعة.

الثّالث:

الشجاعة الّتي يراد منها عدم الارتباك و الاضطراب في الأمور و لاسيّما عندما أقبلت مهامّها، فمن سلّط على نفسه بحيث لم يرتبك و لم يضطرب في ما للأيّام من الإقبال و الإدبار فهو المتّصف بالشجاعة بهذا المعنى الثّالث؛ قال - سبحانه و تعالى -:

«إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَ إِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ»(2).

فالإنسان هلوعٌ بطبعه، أي: مضطربٌ فيما يُقبل إليه من الشرّ و الخير؛ و الشجاع من كان راسخاً في النِّعَم و النِّقَم كلّها. و لاطريق لاكتسابها إلّابالاتّصال به - سبحانه و تعالى -، و قد أشار اليه - تعالى - بقوله: «إِلَّا الْمُصَلِّينَ».

فلبحر الحياة جذرٌ كما له مدٌّ، و الشجاع من كان سابحاً فيه غير متأثّرٍ منهما؛ قال - سبحانه و تعالى -:

«وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ»(3).


1) . راجع: «الكافي» ج 5 ص 12 الحديث 3، «وسائل الشيعة» ج 15 ص 161 الحديث 20208، «مستدرك الوسائل» ج 11 ص 137 الحديث 12639، «الاختصاص» ص 240.

2) . كريمات 22-19 المعارج.

3) . كريمة 11 الحجّ.

فمن لم يرسخ الإيمان به - سبحانه و تعالى - في قلبه بحيث لم يتزلزل عند إقبال النعم أو تهاجم النقم لاثبات له، فيؤول أمره إلى الخسران. فالشجاعة بمعناها الثّالثة من لوازم الفوز و السعادة.

و يدلّ على اشتراط الشجاعة - بجميع معانيها - في الفقيه الوليّ زيادةً على العقل النقلُ؛ قال أميرالمؤمنين عليه السلام:

«يجب على الوالي أن يكون أزهد الناس و أعلم الناس و أشجع الناس و أكرم الناس».

ثمّ يشير عليه السلام إلى أنّ من لم يكن شجاعاً - بل لم يكن أشجع الناس - فلايصلح للولاية، قال:

«و إذا لم يكن أشجع الناس سقط فرض إمامته»؛

ثمّ علّله عليه السلام بقوله:

«لأنّه في الحرب فئة المسلمين، فلو فرّ لدخل فيمن قال اللّه - تعالى -: «وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَومَئِذٍ دُبُرَهَ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَو مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ»(1)»(2).

أي: إنّ الوالي هو ملجأ المسلمين و ملاذهم و مأواهم، فإذا لم يكن ثابتاً في أمره يزلّ و يزلق و يضطرب، فيزلّ معه المسلمون؛ بل يفسد مجتمعهم.

و عنه عليه السلام قال:

«إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه و أعلمهم بأمر اللّه فيه»(3).


1) . كريمة 16 الأنفال.

2) . راجع: «بحارالأنوار» ج 90 ص 45، و لم أعثر عليه في غيره.

3) . راجع: «نهج البلاغة» الخطبة 172 ص 247؛ و انظر «شرح الحديديّ» عليه ج 9 ص 328، «بحارالأنوار» ج 34 ص 248.

و القويّ على الأمر هو الشجاع فيه. و القوّة و العلم في كلّ شيءٍ بحسبه، فالوليّ من كان قويّاً في ولايته بحيث لم يضطرب و لم يزلق فيما يُقبل عليه من مشكلات الدهر و صعابها.

و عنه عليه السلام أيضاً في رسالةٍ كتبها لابن أشتر حينما وجّهه إلى مصر:

«و لاتدخلنّ في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل و يعدك الفقر، و لاجباناً يضعفك عن الأمور»(1).

نهى عليه السلام الوالي عن أن يدخل الجبان الضعيف النفس في من يشاورهم في الأمور كما نهاه عن مشاورة البخيل، لأنّ البخيل يمنعه عن بذل الأموال في مواقعه، و الجبان يضطربه في الأمر؛ فتصير عاقبة أمر الملك إلى الضعف و الهوان.

و نظائر هذه الأحاديث كثيرةٌ، و فيما ذكرنا كفايةٌ. فاتّضح انّ النقل يؤيّد العقل في حكمه باشتراط الشجاعة في الفقيه الوليّ.


1) . راجع: «نهج البلاغة» الكتاب 52 ص 430؛ و انظر: «شرح الحديديّ» عليه ج 17 ص 36، «مستدرك الوسائل» ج 8 ص 249 الحديث 9629، «تحف العقول» ص 128.

الشرط التّاسع: شرح الصدر

اشارة

و هو المسمّى بسعة الصدر. و قد ورد في التأكيد عليه كثيرٌ من آيات الكتاب العزيز و المنقول من أهل بيت الوحي عليهم السلام؛ إضافةً على حكم العقل بحسنه و وجوب الاتّصاف به لاسيّما لمن يلي أمراً من الشؤون الجماعيّة.

و لنشر إلى بعض خصائصه ممّا ورد في لسان الوحي و أهله:

الأوّل: المهديّ يجب أن يكون منشرح الصدر

لاريب في أنّ للاهتداء إلى الإسلام - كغيره من الأفعال و الموضوعات - ظروفاً لايوجد إلّا فيها. و تلك الظروف هي الّتي سمّاها الأصوليّون ب: «شرائط الاقتضاء». فللاهتداء إلى الحقّ أيضاً اقتضاءٌ، و ما هو إلّاشرح الصدر!؛ قال - سبحانه و تعالى -:

«فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ»(1).

فمن أراد اللّه أن يهديه إلى الحقّ يشرح صدره ليقبله. و يقابله ضيق الصدر و هو المعطىٰ من قِبل اللّه - تعالى - لمن أراد أن يضلّه، و قد عبّر عنه بالرجس. و في هذا كفايةٌ عن بيان قبحه و انحطاطه.


1) . كريمة 125 الأنعام.

الثّاني: الهادي يجب أن يكون منشرح الصدر

ثمّ إنّ الّذي يريد أن يستخلف من اللّه - تعالى - في اهتداء عباده إليه - تعالى - يجب أن يتّصف بشرح الصدر أيضاً، إذ لولا ذلك لما يطيق على ما يرى من جهلهم بالحقّ و إبائهم عن الخضوع له؛ قال - تعالى - حكايةً عن النبيّ موسى عليه السلام حين أرسله إلى قومه لينذرهم و يهديهم:

«رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَولِي»(1).

فإنّ شرح الصدر كان أوّل ما يراه موسى عليه السلام من لوازم النبوّة، فطلبه من اللّه قبل أن يطلب تيسير الأمر منه - تعالى -. إذ لايطيق الهادي على هداية الناس و لايتيسّر أمره فيها إلّابسعة الصدر و شرحه.

و قد استجاب له قبل أن يبعثه، فكان منشرح الصدر طليق اللسان. و بما قلنا ظهر ما في كلام بعض المفسّرين من العامّة حيث حملوا قول أخيه عليه السلام: «لَاتُأْخُذْ بِلِحْيَتِي»(2)على أنّه ظلم أخاه في أخذه بلحيته!(3)إذ الظلم لاينشأ إلّامن الجهل أو ضيق الصدر، و كلاهما منفيّان عن موسى الّذي كان من أكابر الأنبياء عليهم السلام، بل من أولي عزمهم.

الثّالث: الوليّ يجب أن يكون منشرَح الصدر

قلنا انّ الهادي يجب أن يتّصف بسعة الصدر، فالوالي الّذي يريد أن يهدي المجتمع إلى ما


1) . كريمات 28-25 طه.

2) . كريمة 94 طه.

3) . لتفصيل الكلام حول مذاهب مفسّري العامّة حول هذه الكريمة راجع: «تفسيرالقرطبيّ» ج 7 ص 286، ثمّ ج 11 ص 238، «التفسيرالكبير» ج 22 ص 107، «تفسير ابن كثير» ج 3 ص 168، «تفسيرالبغويّ» ج 3 ص 229.

فيه رضى اللّه من طرق الكمال يجب أن يتّصف بها. و هذا قول يوسف عليه السلام في إخوته عند ما وصل إلى أبيه يعقوب عليه السلام:

«إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَ جَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَينِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي»(1)

حيث أسند إلى الشيطان ما فعلته به إخوته، فكأنّه أبرأهم ممّا عملوا به من المكر و الإلقاء في غيابت الجبّ، فآل أمره إلى السجن و الدخول تحت حكم الطواغيت و ما إليها من محنه و مشاكله الصعاب. و ما هذا الابراء إلّاممّا اتّصف به من سعة الصدر.

و هذا نبيّنا صلى الله عليه و آله و قد تخلّق بأعلى ما تخلّق به جميع الأنبياء و المرسلين، فانّه صلى الله عليه و آله حينما فتح مكّة و كان من المقدور له أن يضع السيف في أهلها و ينتقم منهم ممّا فعلوا به - من إخراجه من بلده و قتلهم أقاربه و أصحابه - تمثّل بقول يوسف حينما عرفته إخوته:

«لَاتَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَومَ»(2). فإنّ نبيّنا صلى الله عليه و آله عفا عنهم و قال: «لَاتَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَومَ».

فلو عفا يوسف عن إخوته - و هم بنو أبيه - فقد عفا محمّدٌ صلى الله عليه و آله عن جميع المشركين ساكني مكّة و ما كانوا من عشيرته، فضلاً من أن يكونوا من أسرته!(3).

و ما هذا إلّالسعة صدره الّتي إليها أشار - سبحانه و تعالى - في قوله: «أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ»(4)؟.

فعلى من يستخلف من الأنبياء في اهتداء الناس أن يتّصف بما اتّصفوا به ليصحّ


1) . كريمة 100 يوسف.

2) . كريمة 92 يوسف.

3) . هذا كما عن البلاذريّ و اليعقوبيّ؛ راجع: «فتوح البلدان» ج 1 ص 47، «تاريخ اليعقوبيّ» ج 2 ص 60. و لتفصيل أخباره صلى الله عليه و آله في وقعة فتح مكّة راجع: «مروج الذهب» ج 2 ص 290، «الروض الأنف» في شرح السيرة النبويّة لابن هشام ج 7 ص 232.

4) . كريمة 1 الشرح.

استخلافه عنهم عليهم السلام.

الرّابع: لاولاية إلّابسعة الصدر

و الآن نزيد على ما مضى و نقول: بل لاولاية إلّابها، حيث لايتمّ عملٌ إلّابما يلزم له من اللوازم و الآلآت، و هذا بديهيٌّ يحكم به العقل. فاضمم هذا الحكم إلى قول مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام حيث قال:

«آلة الرئاسة سعة الصدر»(1)،

لترى أن لاتصحّ الرئاسة إلّالمن اتّصف بسعته.

فتلخّص ممّا قلنا انّ شرح الصدر من لوازم الولاية؛ و قد اتّصف به جميع الأنبياء و المرسلين، بل كان من أبرز خصالهم.

فعلى من يريد أن يستخلف منهم في ولايتهم على المجتمع أن يتّصف به، إذ الضيّق الصدر لايُهدى إلى الخير، فيكف يمكن له أن يهدي إلى الحقّ؟!.


1) . راجع: «نهج البلاغة» الكلمة 176 ص 501، «شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 18 ص 407، «غررالحكم» ص 342 الكلمة 7825، «بحارالأنوار» ج 72 ص 357.

الشرط العاشر: الرجوليّة

اشارة

و لاتكفي في الوليّ الذكوريّة، و سيأتي الكلام في اشتراط البلوغ فيه. و هذا من أهمّ الشرائط فيه، فالمرأة لاتصلح للولاية و الولاية لاتصلح لها و إن اجتمعت الشرائط فيها بأسرها.

و هذا ممّا أجمعت العصابة عليه؛ فجميع المناصب الجماعيّة الّتي فيه نوعٌ من الولاية مصلوبٌ عن المرأة؛ فلاتحقّ للإمامة في الصلاة لو اقتدت بها الرجال، و لايمكن أن تشغل منصب القضاء؛ و لامنصب الإمامة و الولاية.

نعم! حُكي عن المحقّق الأردبيليّ رحمه الله الخلاف في جواز القضاء لها، و سنفصّل الكلام حول المحكيّ منه.

ثمّ إنّ اشتراط الرجوليّة فيه ممّا كثر فيه الخلاف و طال فيه التشاجر بين ثلّةٍ من المعاصرين الّذين يميلون إلى آراء الغربيّين في أمر إدارة الملك و الدولة. فلايخضعون لما حكمت به الشريعة من عدم جواز الترأّس لها و عدم جعل الولاية على عاتقها؛ بل يرون انّها صالحةٌ لجميع المناصب الجماعيّة حتّى للرئاسة الجمهوريّة. فعلينا أن نفصّل الكلام حول دلالة الأدلّة الأربعة على عدم صلاحيّتها للقيام بالولاية حتّى يتبيّن انّ هذا من أحكام الشريعة الغرّاء، لا ممّا حكمت به الأهواء حتّى يمكن لهم أن يخالفوها.

و قد دلّت الأدلّة الأربعة على عدم جواز توليتها ما فيه نوعٌ من الولاية - كالشهادة و القضاء و الإمامة في الصلاة و المرجعيّة و الولاية على المجتمع -. إليك تفصيلها:

أوّلاً: العقل

إنّ القول بجواز الولاية للرجل لايُعدّ فضلاً له، كما انّ القول بعدم جوازها للمرأة لايُعدّ نقصاً لها؛ إذ المدح على الذاتيّات قبيحٌ عند العقلاء. فلايُمدح العِطر لرائحته الطيّبة، إذ لاتنفكّ الرائحة عن العِطر مادام كونه عِطراً؛ نعم! يجوز أن تمدح الرائحة نفسها لأنّ بعضها أحسن من بعضٍآخر.

و كذلك فيما نحن فيه، فإنّ اللّه - سبحانه و تعالى - قد خلق الرجل بحيث يصلح للقيام بمشاقّ الأمور و صعاب المِهَن، و قد خلق المرأة بحيث لاتصلح لها، و هذا لايحكم بفضلٍ له و لابنقصٍ لها، إذ لكلٍّ منهما مهمّةٌ لايمكن لغيره أن يليها. فهذه سيّدتنا الزهراء عليها السلام و قد بلغت من معارج الكمال ما لم تبلغه إلّاأصحاب العصمة الإلهيّة، و قد حارت في كمالها و مراتب قربها من اللّه الكبار من الأنبياء، و مع ذلك فما جعلها اللّه إماماً و إن كانت وليّةً؛ و لايصدر من اللّه إلّاما يوافق حكمته، و لاظلم و لااهمال و لاتعطيل في عمله و فعله. فلوكانت المرأة صالحةً لإمامة المجتمع و الولاية عليه لكان من الواجب على اللّه - بمقتضى حكمته - أن يجعلها إماماً - إذ إعطاء الشيء ما يستحقّه و ما يطلبه بلسان استعداده ممّا قضى اللّه به -.

فلوكانت ذات المرأة و ماهيّتها مستحقّةً للولاية لكانت سيّدتنا الزهراء عليها السلام في عداد الأئمّة و أصحاب الولاية على المسلمين، إذ لااهمال و لاظلم في ما يفعله الحكيم العدل - سبحانه و تعالى -.

و قس عليها غيرها من النساء ذوات الرتبة العالية - كآسية و مريم و أمّهات الأئمّة النجباء -، فما ظنّك بمن كانت مستودعةً لسرّ اللّه - سبحانه - و مهبطاً للأجساد الطاهرة و الأرواح المطهّرة. و هذا ينبىء عن عدم صلاحيّة المرأة لها.

و إليه تشير سيرة سيّدتنا الزهراء عليها السلام حينما سرّت بما اختاره لها النبيّ صلى الله عليه و آله من القيام

بأعمال البيت و اختار لبعلها أن يقوم بأعمالٍ ترجع إلى وراء البيت. و هذه السيرة قد رواها صاحب الوسائل(1)، إليك تفصيلها:

«عبداللّه بن جعفر في قرب الإسناد(2)عن السنديّ بن محمّد عن أبي البحتريّ عن أبي عبداللّه عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: «تقاضى عليٌّ و فاطمة إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله في الخدمة. فقضى على فاطمة عليها السلام بخدمتها ما دون الباب و قضى على عليٍّ عليه السلام بما خلفه. قال: فقالت فاطمة: فلايعلم ما دخلني من السرور إلّا اللّه بإكفائي رسول اللّه صلى الله عليه و آله تحمّل أرقاب الرجال».

السند صحيحٌ؛ و في أبي البختريّ إشكالٌ مضى الجواب عنه. و كيف كان فلايحتاج الحديث إلى تحقيقٍ واسعٍ سنداً، إذ لايُثبت به حكمٌ من الأحكام، بل قد ذكرناه إشارةً إلى سيرتها الطاهرة.

ثانياً: القرآن الكريم

فقد دلّ كثيرٌ من آيها على أنّ المطلوب في المرأة تستّرها و عدم اختلاطها بالرجال، هذا هو الحكم الأوّلي بالنسبة إليها. ثمّ لم يجز أن يضع اللّه - تعالى - لها ما ينافي هذا الحكم، لأنّ هذا يؤدّي إلى شيئين على سبيل منع الخلوّ:

الأوّل: وقوع الهرج و الإضطراب في محيط التشريع؛


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 20 ص 172 الحديث 25341؛ و انظر أيضاً: «مستدرك الوسائل» ج 13 ص 48 الحديث 14705، «بحارالأنوار» ج 43 ص 81.

2) . راجع: «قرب الإسناد» ص 25.

الثّاني: وقوع التعطيل في الأحكام، إذ يلزم أن يكون المطلوب منها أوّلاً شيئاً ثمّ يُشرع لها حكمٌ ينافي ما هو الموضوع أوّلاً؛

و كلاهما قبيحان على الحكيم، إذ مرجعهما إمّا إلى الجهل، و إمّا إلى عدم الحكمة. و هو العليم الحكيم، فلايشرع لها ما ينافي تستّرها. و عدم التستّر و الاختلاط بالرجال من لوازم المهن الجماعيّة - كإمامة الجمعة و الجماعة و القضاء و الولاية -، فيحكم العقل بعدم تشريع هذه المناصب لها.

فانضمام الآيات إلى ما يحكم به العقل يدلّ على منعها من أن تولّي هذه الأمور.

أمّا الآيات فكثيرةٌ؛ منها قوله - تعالى -:

«وَ إِذَا سَأَلُْتمُوهُنَّ مَتَاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِهِنَّ»(1)و قوله - تعالى -:

«وَ قُرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ»(2)و قوله - تعالى -:

«إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّى إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى»(3)و قوله - تعالى -:

«وَ لَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاس يَسْقُونَ وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ


1) . كريمة 53 الأحزاب.

2) . كريمة 33 الأحزاب.

3) . كريمتان 36، 35 آل عمران.

امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَانَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَ أَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ»(1).و أمثالها كثيرةٌ، و فيما ذكرناه كفايةٌ؛ حيث دلّت الأولى على وجوب الحجاب لهنّ عند المحادثة مع الرجال؛

و الثّانية على أنّ المطلوب منهنّ القرن في بيوتهنّ و عدم الخروج منه إلّالما يضطررن إليه؛

و الثّالثة على أنّ الذكر خُلق للمهن الجماعيّة و «لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى»، فهي لم تُخلق لها؛

و الرّابعة على أنّ بنتي شعيب عليه السلام ما تكفّلتا أمر الغنم و الرعاية إلّالما أشارتا إليه بقولهما:

«وَ أَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ»، فالرعاية - و هي ممّا يحتاج إلى مخالطة الرجال - من وظائف الرجل، ثمّ لو لم يطق القيام بما هو عليه فهو على المرأة.

فالحكم الأوّلي عدم جواز دخول المرأة في المجتمع لوأدّى هذا الدخول إلى مخالطة الرجال. نعم! لاريب في وجوب تخصيص هذا الحكم بموارد يحتاج المجتمع فيها إلى النساء كدخولهنّ في أمر الطبابة و رئاسة مجامع النساء و تعليمهنّ أبناء جنسهنّ و ما إليها من المهن الّتي قيام النساء بها يزيد في سلامة المجتمع. فالمجتمع الإسلاميّ بحاجةٍ ماسّةٍ إلى الطبيبات و المديرات و الناظرات و الأساتذة و المدرّسات - زاد اللّه في توفيقهنّ لتقمن بما هو اللائق بهنّ من تلك الوظائف و ما يشبهها -.

ثالثاً: الروايات
اشارة

و كثيرٌ منها يدلّ على أنّها لاتنال الولاية و لاتستحقّ لها. و هي تنقسم إلى أقسامٍ؛

القسم الأوّل:

ما يدلّ على أنّ شهادتها لاتُقبل، بل لاتحقّ للشهادة إلّافي طفيفٍ من الأحكام على


1) . كريمة 23 القصص.

اختلافٍ فيها. و المحصّل من اختلاف الفقهاء أن لاشهادة لها إلّافي ما يختصّ بالنساء - كأبحاث الدماء الثلاثة -، و في بعض فروع باب الديون و الديات.

و قد ادّعى صاحب الجواهر رحمه الله الإجماع على بطلان شهادتها في ما يرجع إلى المجتمع و الأمور الجماعيّة(1). و ذكر صاحب الوسائل رحمه الله أحاديث الباب في الباب الأربعة عشر من أبواب الشهادات(2)فراجعه.

ثمّ لاخلاف عند العقل في أنّ من لايصلح للشهادة لايصلح للقضاء، و من لايصلح للقضاء لايصلح للحكم؛ فلاحكومة للنساء أبداً.

القسم الثّاني:

ما يدلّ على أنّها لاتصلح للإمامة في الصلاة، و قد أورد صاحب الوسائل رحمه الله أحاديث الباب في الباب العشرين من أبواب الجماعة(3).

و في كثيرٍ من أحاديث الباب سُئل الإمام عليه السلام عن جواز إمامة النساء للنساء(4)، فكان عدم جواز إمامتهنّ للرجال من المفروغ عنه؛ و العقل يدلّ بالأولويّة القطعيّة على أنّ من لاصلاحيّة له في أمر إمامة الصلاة لايصلح للإمامة و الولاية في ما هو أرفع منها - كالولاية على المجتمع -.

القسم الثّالث:

الأحاديث الكثيرة الّتي تبلغ عدداً هائلاً قريباً من ستّمأة حديثٍ، و قد ذكرها صاحب الوسائل رحمه الله في جمعٍ من أبواب المجلّد الرّابع من كتابه. و هذه الأحاديث تدلّ على معنى واحدٍ، و هو عدم جواز دخول النساء في المجتمع. و لاأقلّ من دلالتها على الكراهة


1) . قال رحمه الله: «... للعمومات و معلوميّة كون الرجال هم الأصل في الشهادة، بل لم أتحقّق فيه خلافاً»؛ راجع: «جواهرالكلام» ج 41 ص 171.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 332.

3) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 8 ص 333.

4) . كما في الحديث الأوّل منه؛ راجع: «وسائل الشيعة» ج 8 ص 333 الحديث 10825.

الشديدة، و لايجوز على اللّه - سبحانه و تعالى - أن يعطي الولاية المقتضية للدخول في المجتمع و مخالطة الرجال مَن حرم دخولها فيه، أو حكم - تعالى - بكراهيّته لها؛ و هذا واضحٌ.

القسم الرّابع:
• و هو الأصل في الباب -: ما هو صريحٌ في عدم جواز قيامها بأمر الولاية، بل لوولّت امرأةٌ على المجتمع فلاسبيل له إلى السداد و الفلاح، و يصير أمره إلى الزوال و البوار؛ و مضمونها - كما هو صريح بعضها -:

«لايفلح قومٌ ملكت عليهم امرأةٌ»(1).

و نظيره:

«لن يفلح قومٌ أسندوا أمرهم إلى امرأةٍ»(2)

«لن يفلح قومٌ ولّوا أمرهم امرأةً»(3)

«لن يفلح قومٌ تلي أمرهم امرأةٌ»(4)

«لن يفلح قومٌ تدبّر أمرهم امرأةٌ»(5)

و هذا المضمون ورد بألسنةٍ مختلفةٍ في كثيرٍ من مصادر الخاصّة و العامّة. و إذ كان الحكم قد وُضع لاهتداء الناس - الّذين يعيشون في مجتمعٍ واحدٍ - إلى ما فيه خيرهم دنيىً و عقبىً فلايُفرض أن يجعله اللّه على من لاسبيل للمجتمع مع قيادته إلى الفلاح. فهذه الأحاديث تدلّ على أن لاولاية للمرأة على المجتمع.

و لنختم الكلام في دلالة الأحاديث على عدم صلوحها له بحديثين لهما ظهورٌ تامٌّ على المطلوب:


1) . راجع: «مستدرك الوسائل» ج 14 ص 263 الحديث 16660.

2) . راجع: «بحارالأنوار» ج 15 ص 212، «تحف العقول» ص 35.

3) . راجع: «بحارالأنوار» ج 32 ص 194، «العمدة» ص 455.

4) . راجع: «الجمل» ص 297.

5) . راجع: «شرح ابن أبي الحديد» على النهج ج 6 ص 227.

الأوّل: ما رواه العامّة عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله انّه قال:

«إذا كان أمرائكم خياركم و أغنيائكم سمحائكم و أمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خيرٌ لكم من بطنها؛ و إذا كان أمرائكم شراركم و أغنيائكم أخلائكم و أموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خيرٌ لكم من ظهرها»(1).

الثّاني: ما روي عن مولى الكونين أبي عبداللّه الحسين عليه السلام حيث قال:

«و أيم اللّه! ليقتلني الفئة الباغية و لتلبسنّهم اللّه ذلّاً شاملاً و سيفاً قاطعاً، و ليسلّطنّ عليهم من يذلّهم حتّى يكون أذلّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأةٌ منهم، فحكمت في أموالهم و دمائهم»(2).

و الحديث لايحتاج إلى زيادة توضيحٍ!.

رابعاً: الإجماع

أمّا الإجماع فهو أيضاً يدلّ على عدم جواز توليتها أمرها، حيث انعقد إجماع الشيعة الاماميّة على أنّها لاتصلح لإمامة الجماعة و لا لإمامة الجمعة و لالمنصب القضاء، فهو منعقدٌ على أنّها لاتصلح لما هو فوق جميع هذه المناصب - أي: الولاية -. و قد ادّعى صاحب الجواهر رحمه الله - كما مضت الإشارة إليه - ثبوت الإجماع على أنّ منصب القضاء لايصلح إلّا للرجال.

نعم! حُكي عن المحقّق الأردبيليّ رحمه الله القول بالجواز؛ بل ذهب بعض المعاصرين إلى أنّ الإجماع لايُعبؤ به لمكان خلافه.


1) . لم أعثر عليه؛ و انظر: «موسوعة أطراف الحديث النبويّ الشريف» ج 1 ص 379 القائمة 2.

2) . القطعة الأولى من الحديث - إلى قوله عليه السلام: «من يذلّهم» - توجد في «بحارالأنوار» ج 44 ص 313، «الأمالي» - للصدوق - ص 153 الحديث 1؛ أمّا الحديث بتمامه فلم أعثر عليه في المجامع الروائيّة.

و لانذهب إلى مذهبه، بل نقول بتماميّة انعقاد الإجماع في المسألة؛ و ذلك لأمرين:

الأمر الأوّل: انّ صحّة هذه النسبة إليه لم تثبت، بل الظاهر من كلامه القول بعدم تماميّة الأدلّة على منعها من هذا المنصب(1)، و هذا لايُفضي إلى القول بالجواز. بل لو لم تنهض الأدلّة على المنع فلادلالة لدليلٍ على الجواز. فحينئذٍ الحكم مايقتضيه الأصل، و قد أشرنا في مقدّمات الرسالة إلى أنّ الأصل في المقام هو «عدم تسلّط أحدٍ على أحدٍ إلّاما أخرجه الدليل»؛ و القضاء تسلّط القاضي على المتحاكمين، فثبوتها لأحدٍ يحتاج إلى الدليل؛ و حيث لادليل فلاجواز؛ فليس المحقّق الأردبيليّ رحمه الله قائلاً بما نُسب إليه من القول بجواز القضاء لها.

و حيث لاتحقّ لمسند القضاء فالأولويّة العقليّة تحكم بأنّها لاتحقّ لمسند الولاية.

الأمر الثّاني: لوسلّمنا صحّة النسبة إليه فلاضير أيضاً، إذ هو من الشذوذات الّتي لايعبؤ بها، و حكمه قبال المشهور الّذي هو مذهب الفقهاء قاطبةً أن يُرفض و يُرمى على الجدار؛ قال عليه السلام:

«خذ بما اشتهر بين أصحابك، فإنّ المجمع عليه لاريب فيه، و دع الشاذّ النادر»(2).

فاتّضح بما قلنا أنّ للأدلّة الأربعة دلالةً تامّةً على أنّ الرجوليّة هي من شرائط الفقيه الوليّ.


1) . و هذا يظهر من نصّ كلامه رحمه الله حيث قال: «و أمّا اشتراط الذكورة فذلك ظاهرٌ فيما لم يجزللمرأة فيه أمرٌ، و أمّا في غير ذلك فلانعلم له دليلاً واضحاً. نعم! ذلك هو المشهور، فلوكان إجماعاً فلابحث و إلّافالمنع بالكلّيّة محلّ بحثٍ»؛ راجع: «مجمع الفائدة و البرهان» ج 12 ص 15.

2) . راجع: «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 303 الحديث 21413، «بحارالأنوار» ج 2 ص 245، «عوالي اللآلئ» ج 4 ص 133 الحديث 229. و لم يوجد في المصادر قوله عليه السلام: «فانّ المجمع عليه لاريب فيه».

الشرط الحادي عشر: عدم كونه رديء السمعة مشهّراً

اشارة

فمن اتّصف في شبابه أو في غيره من أدوار حياته بما لايليق إلّابالأراذل من الناس لايحقّ لهذا المسند. فمن شُهِّر بين الناس بأن أُجري الحدّ عليه لزنىً ارتكبه أو لسرقةٍ فعلها أو اشتهر بالقبائح - كشرب الخمر - و لوتاب و صار من الزاهدين - كفضيل بن عياض، و بشر الحافي - لايجوّز العقل أن يترأّس على المجتمع.

و تدلّ عليه الأدلّة الأربعة؛ إليك تفصيل دلالتها.

أوّلاً: العقل

و دلالته على براءة الوليّ من رداءة السمعة واضحةٌ، حيث يقبح عنده أن يكون مجتمع المسلمين تحت حكم من كان يُعدّ فاسقاً، فلاولاية عنده للفاسق على المسلم. إذ لااعتماد لأهل المجتمع على ما يحكم به، فيصير أمرهم إلى الاضطراب؛ بينما انّ الولاية شُرِّعت لئلّايصير أمرهم إليه. ففي جعل المشهَّر وليّاً نقض غرضٍ لايليق بالحكيم كما لايليق بأهل العقل من الناس.

و لذلك قد عدّ المحقّق الطوسيّ رحمه الله الطهارة ممّا يشين الآباء و الأمّهات من شرائط

النبوّة(1)و كذلك فعل الشيَّخ رحمه الله في إشاراته و الطوسيّ في شرحه عليه(2)و هذا حسنٌ جدّاً.

ثانياً: القرآن الحكيم

أمّا القرآن الحكيم فدلالته على وجوب براءته منها تامّةٌ؛ و ذلك بالنظر إلى سيرة سيّدنا النبيّ يوسف عليه السلام، فإنّه بعد أن دخل في السجن «فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ»(3)فطلبه عزيز ليستشيره في ما أراه اللّه في المنام، علم أنّه سيكون من خواصّه و من أصحاب الولاية؛ فلم يخرج من السجن حتّى قال: «مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ»(4)أي: أراد أن يبيّن أنّ ما اتُّهم به - من دعوة امرأة عزيز إلى الفجور - لاحقيقة له؛ بل الواقع الّذي جرى عليه الأمر انّه لم يكن فاسقاً فاجراً في زمن شبابه و ثورة هيجان الشهوة.

ثمّ أعلن انّ قوله هذا لايريد منه أن ينتقم من امرأة عزيز أو «النِّسْوَةِ الَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ»، بل يريد أن يعلم الوالي و آحاد الناس انّه يُعدّ من الصلحاء لا الفجّار، فقال:

«ذَلِكَ لِيَلْعَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ»(5).


1) . قال في عداد صفات الأنبياء السلبيّة: «و كلّما ينفرّ عنه من دناءة الآباء و عهر الأمّهات و...»؛ راجع: «كشف المراد» - طبعة جماعة المدرّسين - ص 472؛ و انظر أيضاً: «قواعدالمرام» ص 127.

2) . لم أعثر على نصٍّ لهما فيهما؛ و انظر: «شرح الطوسيّ على الإشارات و التنبيهات» ج 3 ص 371.

3) . كريمة 42 يوسف.

4) . كريمة 50 يوسف.

5) «. كريمة 52 يوسف.

لأنّ مقرّبي السلطان يجب أن لم يكونوا مشهَّرين. فقالت امرأة عزيز: «الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ»(1)، فعلم عزيز و الناس أنّ ذيله طاهرٌ لم تشنه معصية الفجور؛ فصار من مقرّبي السلطان حيث قال عزيز: «إِنَّكَ الْيَومَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ»(2).

هذه سيرة النبيّ يوسف عليه السلام في تطهير ذيله أوّلاً ثمّ الدخول في عداد الأمراء ثانياً لئلّا يكون رديء السمعة؛ فما ظنّك بالوليّ الّذي يحكم على جميع الأمراء؟.

فدلالة الكريمة على وجوب طهارته من الفضاحة و الانثلام بيّنةٌ لاكلام فيها.

ثالثاً: الإجماع

أمّا الإجماع فقد انعقد على أنّ من أُجري عليه حدٌّ لمعصيةٍ أو فسقٍ أو أصيب ببرصٍ أو جذامٍ فلايحقّ للإمامة في الصلاة، و لايمكن أن يشغل منصب القضاء لأنّه أُجري عليه الحدّ، فلايمكن أن يجريه. فالأولويّة القطعيّة تدلّ على انعقاده على أنّ الفضيح المنثلم لايليق بمسند الولاية؛ إذ لا اعتماد لآحاد المجتمع على أوامره و لاوثوق لهم بنواهيه.

فالإجماع منعقدٌ؛ و سرّه واضحٌ.

رابعاً: الروايات

أمّا الروايات فقد دلّ قسطٌ منها على أنّ من اشتهر برداءة السمعة و ما يشين حسن السابقة فلاحقّ له في هذا المنصب. فمن كفر باللّه - سبحانه و تعالى - أو أشرك به طرفة عينٍ


1) كريمة 51 يوسف.

2) . كريمة 54 يوسف.

أو كانت آباؤه أو أمّهاته من الكفّار أو المشركين لايمكن أن يستقرّ على عرش النبوّة و لا على عرش الإمامة العظمى، و لا على عرش إمامة المجتمع و ولايته؛ و إليه أشار عليه السلام في قوله:

«أشهد أنّك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة و الأرحام المطهّرة لم تنجّسك الجاهليّة بأنجاسها و لم تلبسك من مدلهمّات ثيابها»(1).

و هذا نفس ما أشرنا إليه من كلام الرئيس و المحقّق الطوسيّ 0. و روى أيضاً هشام بن سالم في الصحيح عن أبي عبداللّه الصادق عليه السلام انّه قال:

«من عبد صنماً أو وثناً لايكون إماماً، لقوله - تبارك و تعالى -: «لَايَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ»(2)»(3).

و في الباب أحاديث كثيرة تفسّر الآية المباركة؛ و قد روى قسطاً منها صاحب الكافي رحمه الله في جامعه(4)، و أورد صاحبا البرهان(5)و الميزان 0(6)أيضاً جملةً منها؛ فارجع إليها تنل المراد.


1) . راجع: «التهذيب» ج 6 ص 113 الحديث 17، «بحارالأنوار» ج 98 ص 259، «الإقبال» ص 589، «البلدالأمين» ص 287.

2) . كريمة 124 البقرة.

3) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 174 الحديث 1، «بحارالأنوار» ج 11 ص 55، «الاختصاص» ص 22، «بصائرالدرجات» ص 373 الحديث 20؛ مع تغييرٍ يسيرٍ بين ما في المتن و بين ما في جميع المصادر.

4) . في بابٍ سمّاه: «باب طبقات الأنبياء و الرسل و الأئمّة عليهم السلام»؛ راجع: «الكافي» ج 1 ص 174.

5) . راجع: «البرهان في تفسير القرآن» ج 1 ص 147.

6) . راجع: «الميزان» ج 1 ص 267.

الشرط الثّاني عشر: استقامة السليقة

و يجتمع في هذا العنوان شيئان:

الأوّل: عدم الاتّصاف بكثرة الخطأ و كثرة السهو و الغفلة؛

الثّاني: استقامة السليقة و الطبيعة و الفطرة و البراءة من اعوجاجها.

أمّا الأوّل: فقد ادّعى صاحب الجواهر رحمه الله الإجماع على وجوب كون القاضي ضابطاً بريئاً من كثرة الخطأ و الغفلة(1)

و أمّا الثّاني فقد ادّعى المحقّق البهبهانيّ رحمه الله في الفوائدالحائريّة الإجماع على أنّ القاضي يجب أن يكون ذا حظٍّ وافرٍ من استقامة الطبيعة و بريئاً من اعوجاج الفطرة، بل تردّد رحمه الله في صحّة اجتهاد من لم يكن حضيضاً منها(2).

و الدليل على صحّة هذا الشرط: انّ العقل لايقبل قول من لاضبط له و قد كثر سهوه و كثرت غفلته، فإنّ الأصوليّين قد بحثوا عند الكلام في حجّيّة خبر الواحد عن عدّة أصولٍ لايمكن الذهاب إلى حجّيّته إلّاباجرائها. و هي تبلغ إلى سبعة عشر أصلاً، منها: أصالة عدم الخطأ، و أصالة عدم السهو، و أصالة عدم الغفلة، و غيرها كأصالة عدم النسيان - على القول بالفرق بينها و بين أصالة عدم السهو -. فمن كان سريع التصديق ساذجاً أو لاحظّ له


1) . لم أعثر على هذا الإجماع في كلامه رحمه الله، بل له في هذه المسألة ترديدٌ؛ راجع: «جواهرالكلام» ج 40 ص 20.

2) . قال رحمه الله في بيان شرائط الاجتهاد: «... أن لايكون معوّج السليقة، فانّه آفةٌ للحاسّة الباطنة»؛ راجع: «الفوائدالحائريّة» الفائدة 36 ص 337.

من استقامة الفطرة أو كثر خطأه أو نسيانه أو غفلته لااعتماد على قوله و لا على خبره، إذ لايحكم العقل باجراء تلك الأصول في أقواله و أخباره؛ فلايصدّقهما.

و كذلك في بابي القضاء و الافتاء، فإنّ الإجماع الّذي ادّعاه صاحب الجواهر رحمه الله في باب القضاء يجري في باب الافتاء أيضاً. فلوكان أحدٌ خبيراً بمباني الفقه و أصوله و ما يتعلّق به من العلوم - كالرجال و الدراية و الحديث - و لكن قلّ ضبطه و كثر نسيانه و سهوه، لايمكن أن يُعدّ مفتياً و إن كان فقيهاً. إذ مضى في باب الإجتهاد و التقليد انّ حجّيّة فتوى المفتي من باب سيرة العقلاء حيث تحكم سيرتهم بوجوب الرجوع في كلّ مسألةٍ إلى المخصّص في ذلك الفنّ.

و في أحكام الشريعة أيضاً تحكم بوجوب الرجوع إلى الفقيه المفتي، كما تحكم نفس السيرة بأنّ الكثير الخطأ القليل الضبط لايعدّ من المخصّصين، بل كثرة خطائه تمنع من الاعتماد على قوله و رأيه.

و كذلك فيما نحن فيه، فلاقضاء لمن كملت فيه شرائط القضاء علماً و عملاً من غير اتّصافه بقلّة الخطأ و السهو و النسيان و كثرة الضبط و أمثالها. و لاافتاء لمن حاز جميع الشرائط من غير اتّصافه بهما أيضاً.

و من خصائص الشيعة و أسرارها القول بوجوب العصمة في من له الخلافة الإلهيّة العظمى. و من مراتب العصمة عدم الخطأ و النسيان و مايشبههما، فمن استخلف منه عليه السلام يجب أن يتّصف بصفاته على ما تقتضيه القدرة البشريّة و يطيقه الإنسان.

و من هذا الباب استقامة السليقة، فمن كثر خلافه مع القوم في فتاويهم ففي صحّة اجتهاده - بل في نفس اجتهاده - نظرٌ نشأ من أنّ استقامة الفطرة قد عُدّت من شرائط الاجتهاد. فهذا ابن جنيدٍ رحمه الله و قد كان من أكابر قدماء الإماميّة، و لكن خالفهم في كثيرٍ من

الفتاوى(1)بحيث اشتهر انّ مخالفة ابن جنيدٍ لا تضرّ بالإجماع!، إذ يوجد كثيرٌ من معاقد الإجماعات لايُرى فيه مخالفٌ إلّاهو.

و بالنظر إلى هذا المعنى قد اخترنا في محلّه من علم الأصول انّ قوله عليه السلام: «خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذّ النادر»(2)إرشادٌ منه عليه السلام إلى حكم العقل برفض الشاذّ النادر، لا تأسيسٌ منه عليه السلام. فليس هذا الحكم حكماً تعبّدياً، بل يُعدّ من الأحكام العقليّة.

هذا في القاضي و المفتي، فما ظنّك بالوليّ!. فمن شرائط الوليّ اتّصافه بالضبط و براءته من كثرة السهو و النسيان و الخطأ؛ و كونه ذا حظٍّ وافرٍ من استقامة الطبيعة و الفطرة لئلّا يحكم العقل بوجوب رفض أقواله، بل يخضع لها و لما يحكم به؛ و هذا واضحٌ.


1) . و انظر في هذا المضمار: «مجموعة فتاوى ابن الجنيد»، و يوجد فيها كثيرٌ من المسائل قد خالف فيها القوم.

2) . راجع: «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 303 الحديث 21413، «بحارالأنوار» ج 2 ص 245، «عوالي اللآلئ» ج 4 ص 133 الحديث 229.

الشرط الثّالثة عشر: براءته ممّا يشين مروءته

اشارة

و هذا الشرط من متمّمات مبحث العدالة، و قد أشرنا إليه و إلى أنّها أيضاًمن شرائطه، بل من أهمّها.

و لنفصّل الكلام حوله؛ فنقول: إنّ البراءة ممّا يشين المروءة تُعدّ من شرائط من يولّي أمراً جماعيّاً، لأنّ العقل يستقلّ بالحكم بأنّ من لامروءة له لايحسن الاعتماد عليه. لأنّ عدم المروءة ينبىء عن شيئين:

الأوّل: عدم بلوع العقل و كماله؛

الثّاني: عدم حلول ملكة العدالة؛

و العقل و العدالة من الشرائط العامّة لإمام الجماعة و للقاضي و للفقيه المرجِع و للفقيه الوليّ و لكلّ من يلي أمراً يدلّ على ولايته على غيره؛ فيُشترط في الوليّ أن لايصدر منه ما يخالف المروءة و يشينها.

و زيادةً على العقل تدلّ جملةٌ من أحاديثنا على اشتراطها فيه؛ و سنبحث عنها.

ثمّ انّ المروءة تُطلق و يُراد منها أحد أمورٍ ثلاثةٍ:

الأوّل:

فعل ما ينبىء عن عدم تقيّد المرء بالشريعة و أحكامها و إن لم يكن الفعل نفسه حراماً.

فلوفرضنا انّ رجلاً من أصحاب العِمّة يشرب التتن و يستعمل السيجارة في سوق المسلمين في مرءاهم و منظرهم، و إن لم يكن هذا الفعل حراماً و لكن له دلالةٌ على أنّ

الشارب لاتقيّد له بالأحكام الشرعيّة؛ و مثله من يأكل المكسّرات في الحفلة و الضيافة. إذ لكلّ مجتمعٍ قواعد تحكم عليه، و لمجتمع المتشرّعين و حزبهم و فئتهم أيضاً قواعد قد أنشأها الشرع. فمن خرج عن حكمها بل خالفها يحكم العقل بأنّه لامبالاة له بغيرها من أحكام الشرع أيضاً، فلايُعدّ من المتشرّعين، فلاولاية له عليهم.

و مثله لبس لباس الشهرة، و قد مثّل له صاحب الجواهر(1)تبعاً لصاحب الوافي 0(2)بحرمة التلبّس بما كان لبسه مشروعاً أو معدوداً في جملة المستحبّات، ثمّ تُرك حتّى صار مذكوراً في ألبسة الشهرة؛ كارسال الحنك في غير الصلاة حيث كان من المستحبّات ثمّ تُرك حتّى لوأرسل اليوم أحدٌ حنك عمّته في غير الصلاة يُعدّ هذا من متروكات المجتمع، فينظر إليه الناس فيصير سبباً لشهرته؛ و ربّما كان سبباً لإعانة الغير على الإثم بأن يعيّروه و يغتابوه.

فارسال الحنك كان مستحبّاً فصار من ألبسة الشهرة، فهو مخالفٌ للمروءة، فلاريب في حرمته - كما أفتى بها صاحبا الجواهر و الوافي 0 -.

و دونه ركوب الحمار و أخذ العصاء للشبّان، فإنّهما كانا يُعدّان من أسباب التواضع و عدم التبختر و التفرعن؛ كما روي انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان يركب الحمار مشاركاً فيه غيره(3)، و لاريب في أنّ هذا الفعل في المدن و الأمصار يُعدّ اليوم ممّا يدلّ على السفاهة. فالمرتكب له لامروءة له، فلايصحّ أن يولّي منصب القضاء و إقامة الصلاة و ولاية المجتمع. و إليه يشير ما روي من مناظرة مولانا الصادق عليه السلام مع سفيان الثوريّ حيث استشكل عليه عليه السلام بتركه


1) . قال رحمه الله: «و في المفاتيح: انّ التحنّك صار في هذا الزمان لباس الشهرة؛ قلت: فينبغي أن يكون محرّماً»؛ راجع: «جواهرالكلام» ج 8 ص 252.

2) . قال رحمه الله: «بل التحنّك سنّةٌ مطلقاً، إلّاانّه قد ترك اليوم بحيث صار من لباس الشهرة المنهيّ عنه»؛ راجع: «مفاتيح الشرائع» المفتاح 126 ج 1 ص 111.

3) . كما روي: «كان رسول اللّه... يركب الحمار العاري و يردف خلفه»؛ راجع: «بحارالأنوار» ج 16 ص 284.

سنّة جدّه أميرالمؤمنين عليه السلام في المأكول و الملبوس(1). و ما أجاب به عليه السلام من سؤاله يدلّ على وجوب رعاية القواعد الحاكمة على المجتمع.

الثّاني:

الاحتفاظ على الهوية الجماعيّة و ذاتيّتها.

و هو الثّاني من معاني المروءة الثلاثة. فإنّ من لم يحتفظ على هويّته الجماعيّة فقد خرج عن المروءة. و كان سيّدنا الأستاذ الفقيه البروجرديّ رحمه الله كثيراً مّا يقول: «لايجب تحصيل الهويّة الجماعيّة و لكن يجب الاحتفاظ عليها و المحافظة عنها». و هذا من شرائط القاضي و الشاهد و الفقيه المرجِع و الفقيه الوليّ؛ كما ذكر المحقّق الأوّل في باب الشهادات من الشرائع انّ السائل بالكفّ لايصلح للشهادة(2)، و تبعه في هذا القول المشهور من الفقهاء(3).

و السرّ فيه: إنّ السائل بالكفّ يخلع من نفسه ستر المروءة، فيصدر منه ما لايليق بالمؤمنين، فتسلب منه ملكة العدالة فلايحقّ لمسند القضاء و ما فوقه من المساند الجماعيّة، كما في ما هو أقلّ منه مرتبةً - كامرتبة الشهادة -. و قد عدّ بعض الأصحاب عدم الاحتفاظ على الهويّة الجماعيّة من الذنوب قائلاً:

«لافرق بين الإهانة بالغير و بين الإهانة بالنفس و انتهاك ما له من الحرمة؛ قال - سبحانه و تعالى -: «من أهان وليّاً فقد بارزني بالمحاربة»(4)فسُئل عن


1) . لم أعثر عليه في مضانّه، كباب احتجاجات الصادق عليه السلام من كتاب «الاحتجاج».

2) . قال: «لاتُقبل شهادة السائل في كفّه... لأنّ ذلك يؤذن بمهانة النفس»؛ راجع: «شرايع الإسلام» ج 4 ص 119.

3) . قال الفقيه النجفيّ رحمه الله: «بلاخلافٍ أجده فيه، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه»؛ راجع: «جواهرالكلام» ج 41 ص 81؛ و انظر أيضاً: «مستندالشيعة» ج 18 ص 226، «جامع المدارك» ج 6 ص 123، «مباني تكملة المنهاج» ج 1 ص 98 المسألة 89، «كتاب الشهادات» - لآية اللّه العظمى الكلبايكاني رحمه الله - القسم الأوّل ص 177.

4) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 144 الحديث 6، «وسائل الشيعة» ج 12 ص 268 الحديث 16276، «مستدرك الوسائل» ج 9 ص 103 الحديث 10350، «بحارالأنوار» ج 4 ص 65.

الصادق رحمه الله عن المراد من «الوليّ»؟ فقال رحمه الله: «هم شيعتنا»(1). فمن لم يحتفظ على ذاتيّته الجماعيّة فقد أهان نفسه، فبارز اللّه - سبحانه و تعالى - بالمحاربة، و من حارب اللّه - تعالى - فلاعدالة له إن لم يُحكم بفسقه».

و قول هذا القائل أيضاً لابأس به.

الثّالث:

نبالة المحتد.

و المراد منه انّ نُبلَ الَمحْتِد و شرافة الأسرة من معاني المروءة، فمن كان من أسرةٍ لئيمٍ سافلٍ لايصحّ عند العقل أن يلي أمراً من مهامّ أمور المجتمع.

و هذا لانعني به التمييز العنصريّ و التفاوت بين طبقات الناس من أهالي المجتمع، فإنّه شيءٌ زيادةً على قبحه عند العقل قد رفضه الإسلام أشدّ رفضٍ. بل المراد منه: انّ للتربية الأسرويّة دوراً هامّاً في تكوين شخصيّة الإنسان؛ قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله:

«إيّاكم و خضراء الدمن!

قيل: يا رسول اللّه و ما خضراء الدمن؟

قال: المرأة الحسناء في منبت السوء»(2).

فللمنبت السوء دورٌ في تربية المرأة لايمكن أن يُتغافل عنها. فمن لم ينتسب إلى أسرةٍ شريفةٍ بحيث كان له حظٌّ وافرٌ من التربية الأسرويّة لايحقّ لمساند الجماعيّة الرفيعة - كاللئام و الأراذل و السفلة -.

و هذا قد أشير إليه في كثيرٍ من المرويّات عن أهل بيت العصمة و الطهارة عليهم السلام؛ فلنشر إلى قسطٍ منها و لنكتف بما روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام في هذا المضمار فقط، لأنّها كثيرةٌ جدّاً.


1) . لم أعثر عليه.

2) . راجع: «الكافي» ج 5 ص 332 الحديث 4، «التهذيب» ج 7 ص 403 الحديث 17، «وسائل الشيعة» ج 20 ص 48 الحديث 25001؛ و قريبٌ منه ما في «شرح الحديديّ» ج 1 ص 252.

فمنه قوله:

«زوال الدول باصطناع السفل»(1)

و منه:

«دول اللئام من نوائب الأيّام»(2)

و منه:

«دولة اللئام مذلّة الكرام»(3)

و منه:

«إذا ملك الأراذل هلك الأفاضل»(4)

و منه:

«إذا استولى اللئام استهنّ الكرام»(5)

و منه:

«إذا ساد السفل خاب الأمل»(6)

و منه:

«دولة الأدنان تنجرّ إلى الظلم و الفساد»(7)

و منه:


1) . راجع: «غررالحكم و دررالكلم» ص 343 الكلمة 7858.

2) . راجع: «غررالحكم و دررالكلم» ص 347 الكلمة 8013.

3) . راجع: «غررالحكم و دررالكلم» ص 347 الكلمة 8039.

4) . راجع: «غررالحكم و دررالكلم» ص 348 الكلمة 8036.

5) . راجع: «غررالحكم و دررالكلم» ص 348 الكلمة 8037؛ و فيها: «... اضطهد الكرام».

6) . راجع: «غررالحكم و دررالكلم» ص 348 الكلمة 8038.

7) . لم أعثر عليه.

«دولة الأراذل و الأحداث دليلٌ على الانحلال»(1)

و منه:

«دولة اللئيم تكشف مساويه»(2).

فتلخّص ممّا قلنا جميعاً انّ للمروءة معانٍ ثلاثة:

الأوّل: فعل ما ينبىء عن عدم تقيّد المرء بالشريعة؛

الثّاني: الاحتفاظ على الهويّة الجماعيّة و ذاتيّتها؛

الثّالث: نبالة المحتد.

و الثلاثة برمّتها هي من شرائط الوليّ حتّى لم ينه العقل عن متابعة أقواله و آرائه. و قد أيّد الشرع حكم العقل؛ فوجوب براءة الوليّ ممّا يشين المروءة ممّا اتّفق العقل و النقل عليه.


هذا تلخيص الكلام في شرائط الفقيه الوليّ، و قد بلغت إلى ثلاثة عشر شرطاً. و رأى القارىء الكريم أن لايصلح أحدٌ لمنصب الولاية على المجتمع إلّاباحراز هذه الشرائط كلّها؛ فلوأخلّ بواحدٍ منها لايحقّ له أن يقوم بهذا المسند الرفيع.

و الظاهر توافق العقل و النقل على اشتراط هذه الشرائط فيه، كما أيّدهما الإجماع في موارد يمكن أن يقال بحجّيّته فيها.

و فيما ذكرنا كفايةٌ؛ فلنختم الكلام في هذا الفصل حذراً من التطويل؛ و الحمد للّه ربّ العالمين.


1) . لم أعثر عليه؛ و روي: «تولّي الأراذل و الأحداث الدولَ دليل انحلالها و ادبارها»؛ راجع: «غررالحكم و دررالكلم» ص 345 الكلمة 7925.

2) . راجع: «غررالحكم و دررالكلم» ص 342 الكلمة 7828.

الفصل الرّابع شبهاتٌ حول ولاية الفقيه و الرُّدود عليها

اشارة

الفصل الرّابع شبهاتٌ حول ولاية الفقيه و الرُّدود عليها

إنّه قد استشكلت على مسألة ولاية الفقيه إشكالاتٌ كثيرةٌ ربّما يبلغ عددها مأة إشكالٍ.

و ذلك - زيادةً على أهمّيّة هذه المسألة من الناحية الفقهيّة - يرجع إلى ما لها من المكانة الإجتماعيّة الرفيعة.

و هذا أمرٌ بديهيٌّ، فإنّ إثبات ما للمعصومين عليهم السلام من الولاية في تبيين الأحكام و القضاء و الاجراء لغيرهم - كان من كان - أمرٌ لايدانيه غيره من الأمور الفقهيّة و الكلاميّة.

و عطف النظر إلى كثرة الشّبهات و الإشكالات و الأسؤلة الواردة في أبواب الطهارة و الصلاة و الشهادات و الديات و غيرها من الأبواب الفقهيّة ينبىء عن أنّ ما أثير حول هذه المسألة من الإشكالات و الأسؤلة أمرٌ بديهيٌّ لايستقبحه العقل، بل يستحسنه للأهمّيّة البالغة الّتي حازتها مسألة ولاية الفقيه.

فعلينا أن نذكر أهمّ هذه الشّبهات أوّلاً ثمّ نجيب عنها بما تقتضيه الأدلّة، و ذلك بعد الفصح و التحقيق في هذه الشّبهات و مبانيها.

أمّا عدم ذكر جميع هذه الشّبهات و الإشكالات و الأسؤلة في هذه الرسالة فيرجع إلى أمرين:

الأوّل: إنّ من التفت النظر إلى هذه الشّبهات و الأسؤلة يرى انّ بعضها تقريرٌ لبعضٍ آخر، إذ ربّما قرّر بعضهم إشكالاً على صورةٍ غير ما قرّره الآخرون؛ فربّما يرجع قسطٌ منها إلى إشكالٍ واحدٍ. و الرّد و الاجابة عنه جوابٌ عن جميعها.

الثّاني: إنّ مباني هذه الشّبهات و الأسؤلة مشتركةٌ في غالب الموارد، إذ سيرى القارىء الكريم انّ لثلّةٍ منها مبنىً واحداً، و التحقيق حول هذا المبنى و الرّد و الاجابة عنه في بيان الجواب عن إشكالٍ يفحص عن رأينا حول غيره من الإشكالات الّتي تشترك معه في المبنى.

فنذكر أهمّ هذه الشّبهات و الإشكالات و نذيّل على كلّ واحدٍ منها بما لنا حوله من الآراء و الإيرادات؛ و الحمد للّه ربّ العالمين.

الإشكال الأوّل: الإيراد على مقبولة عمر بن حنظلة سنداً و دلالةً‌

اشارة

و هو ما تعرّض له سيّدنا الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله في كتاب البيع و أجاب عنه(1). و هو يتركّب من مقدّمتين:

الأوّل: إنّ مقبولة عمر بن حنظلة على فرض تماميّة دلالتها على ثبوت الولاية له هو السند الوحيد لها؛

و الثّاني: إنّ مولاناالصادق عليه السلام قد فوّض في هذه المقبولة الولاية إلى الفقيه، ثمّ بموته عليه السلام ينعزل الفقيه عن ولايته؛

و النتيجة: فلاولاية بعده عليه السلام للفقيه.

و الجواب:

عدم تماميّة هذا الإشكال، بل لنا في مقدّمتيه نظرٌ ظاهرٌ؛

أمّا المقدّمة الأولى القائلة بأنّ المقبولة «هو السند الوحيد لها»، فهي لايتفوّه بها إلّامن لم يتدبّر في أدلّة ثبوتها له. إذ قد مضى منّا أنّ الأدلّة الأربعة بأسرها قد تعاضدت عليها، و من جملتها مكاتبة الحجّة عليه السلام حيث قال:

«و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه»(2).

فولايته مفوّضةٌ إليه من قبل الحجّة عليه السلام، و الحجّة باقٍ بضرورة المذهب؛ فولايته المفوَّضة إليه من قبله عليه السلام باقيةٌ.


1) . راجع: «كتاب البيع» ج 2 ص 480.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 140 الحديث 33424.

و من الغريب قول بعضهم حيث فسّر قوله عليه السلام: «فإنّهم حجّتي عليكم» ب: أنّ «الحجّة» هو ما يُحتجّ به، فإذا بيّن الفقيه حديثاً للناس يصير هذا الحديث حجّةً، فلايجوز للناس أن يتخلّفوا منه لأنّه صار حجّةً بينهم و بين اللّه - سبحانه و تعالى -. فليس الفقيه هو الحجّة، بل الحجّة هو الحديث الّذي بيّنه للناس.

و لاتخفى عليك غرابة هذا القول!، إذ تمّم الحجّة عليه السلام قوله هذا بقوله: «و أنا حجّة اللّه»، و لاخلاف في أنّه هو الحجّة لا ما يبيّنه للناس؛ فوحدة السياق تحكم بأنّ الفقيه حجّةٌ كما انّه عليه السلام حجّةٌ.

أضف إلى ذلك انّ هذا المعنى الّذي ذكره هذا القائل لايقبله العقل السليم الخالي عن الشوائب و الأوهامات.

أمّا المقدّمة الثّانية فهي أيضاً غير تامّةٍ، إذ مضت الإشارة في مقدّمات المبحث إلى الفرق بين الولاية و الوكالة؛ و قد قلنا هناك انّ من الفوارق بينهما: إنّ الوكيل ينعزل بموت موكّله، أمّا الوليّ فلاينعزل بموت من ولّاه على أمرٍ. كمن عيّنه الفقيه لولاية أمر أوقاف البلدة، فانّ من المجمع عليه عدم عزله بموت الفقيه، بل ولايته باقيةٌ حتّى يُنصّ على عزله، فهو حينئذٍ معزولٌ عن ولايته(1)

و ذهب الشيخ رحمه الله إلى الأوّل، و المحقّق الأردبيليّ رحمه الله إلى الثّاني؛ راجع: «المبسوط» ج 8 ص 127، «مجمع الفائدة و البرهان» ج 12 ص 27. و انظر أيضاً: «كتاب القضاء» - للمحقّق الآشتيانيّ رحمه الله - ص 49.

.

و قد ذكر السيّد الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله لهذا الإشكال جواباً آخر؛ و هو:


1) . قال ثاني الشهيدين رحمه الله: «لومات الإمام الأصل هل ينعزل القضاة أم لا؟ فقيل: ينعزلون مطلقاً، لأنّهم نوّابه و ولايتهم فرعٌ على ولايته، فإذا زال الأصل تبعه الفرع؛ و قيل: لاينعزلون... و الأظهر هو الأوّل. و قد يقدح هذا في ولاية الفقيه حال الغيبة، فانّ الإمام الّذي جعله قاضياً و حاكماً قد مات... إلّاانّ الأصحاب مطبقون على استمرار تلك التولية»؛ راجع: «مسالك الأفهام» ج 13 ص 359.

«إنّ سيرة العقلاء تخالف هذا القول، إذ لو عيّن السلطان أحداً لولاية بلدةٍ فلاينعزل هذا الوالي بموت السلطان. فليست ولاية العامل على البلد مشروطةً بحياة السلطان، بل لومات السلطان فهو باقٍ على مسنده حتّى ينصّ الّذي يلي السلطان في سلطنته على عزله و عدم ابقائه على عمله. و هذا قد حكمت به سيرة العقلاء في جميع الأعصار و الأمصار، فلامعنى لعزل الفقيه عن ولايته بموت مولانا الصادق عليه السلام»(1)..


1) . راجع: «كتاب البيع» ج 2 ص 480.

الإشكال الثّاني لزوم اللغوعن القول بإعطاء الإمام الصّادق عليه السلام الولاية للفقيه

اشارة

و قد تعرّض له السيّد الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله أيضاً في كتاب البيع(1)في البحث عن ثبوت الولاية للفقيه؛ و هو: لزوم اللغو على القول باعطاء الصادق عليه السلام الولاية للفقيه.

و توضيحه: إنّ من البيّن الّذي لايحتاج إلى مزيدٍ من البيان انّ مولانا الصادق عليه السلام لم يكن مبسوط اليد في زمن حياته الظاهريّة، بل كان محكوماً بأحكام السلاطين في حياته البشريّة الجماعيّة؛ فما معنى جعله أحداً للحكم و الحكومة؟. إذ الحكم بحاجةٍ ماسّةٍ إلى مؤيّدٍ و مثبِّتٍ ليقبله الناس و يرضوا به، فإذا لم يكن الإمام عليه السلام مبسوط اليد لم يكن لمن يجعل على عاتقه أمر الحكم مؤيّدٌ ليخضعوا الناس أمام حكمه و ما يحكم به. فجعْله عليه السلام الفقيه وليّاً على الشيعة لغوٌ، و لايصدر اللغو عن المعصوم عليه السلام. هذا توضيح الإشكال.

و الجواب عنه:

إنّ القائلين بثبوت الولاية للفقيه يذهبون إلى أنّها من أحكام الشريعة المطهّرة، بل من أهمّ أحكامها. و ما هو المؤيّد و المثبِّت في غيرها من أحكام الشريعة هو المؤيّد و المثبّت فيها بعينه. فانّ اللّه - سبحانه و تعالى - جعل الجنّة و النار مثبِّتاً لما وضعه من الأحكام، فجعل الجنّة مآل أمر المؤمنين و النار عاقبة أمر الكافرين.

و قد نهج مولانا الصادق عليه السلام نفس المنهج في هذا الحكم الّذي هو من أهمّ الأحكام - بل أهمّ الأحكام الجماعيّة الشرعيّة على الإطلاق؛ فقال عليه السلام:

«... فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبل منه فإنّما بحكم اللّه استخفّ و علينا ردّ، و


1) . راجع: نفس المصدر و المجلّد ص 481.

الرادّ علينا الرادّ على اللّه و هو على حدّ الشرك باللّه»(1).

و ما أعظم هذا الإنذار و ما أشدّ! حيث جعل عليه السلام عدم الخضوع لحكم الفقيه الوليّ على حدّ الشرك باللّه؛ و هو أعظم من ترك الصلاة و الصوم و غيرهما من أحكام الشريعة الغرّاء.

فما هو المؤيِّد لتلك الأحكام هو المؤيّد لهذا الحكم أيضاً.

أضف إلى ذلك انّ من المجمع عليه بين الشيعة انّ الفقيه هو المنصوب لأخذ الأخماس و الزكوات و الحكم في الحدود و الديات و غيرهما ممّا يرجع إلى حياة الناس في المجتمع، فالفقيه مبسوط اليد في المجتمع و من لم يقبل حكمه قد سلك سبيل النار. فلحكمه مؤيّدٌ و مثبّتٌ في ناحيتي الدنيا و العقبى؛ فلايلزم اللغو على القول بدلالة الأدلّة على جعل الفقيه في منصب الولاية؛ فالإشكال مردودٌ لايُصغى إليه.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 136 الحديث 33416.

الإشكال الثّالث: لزوم الهرج و الإضطراب فى المجتمع

اشارة

و هذا الإشكال يرجع إلى لزوم الهرج و الاضطراب في المجتمع على القول بثبوت الولاية للفقيه. و توضيحه: هب! انّ الإمام عليه السلام قد فوّض أمر تولية المجتمع إلى الفقيه، و لكن لاخلاف في أنّ الولاية قد فُوِّضت إلى مصاديق هذا العنوان - إذ من البديهيّ امتناع تسمية الفقهاء من عهد الإمام إلى زمن قيام القائم عليه السلام -، فالحكم جُعل على العنوان - أي: الولاية فُوِّضت على عاتق من حاز مرتبة الفقاهة؛ و إلى هذا يشير قول الصادق عليه السلام: «من نظر في حلالنا و حرامنا فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً» -؛ هذا من ناحيةٍ؛

و من ناحيةٍ أخرى لاخلاف أيضاً في كثرة الفقهاء بين الشيعة الإماميّة في كلّ عصرٍ، بل في كلّ بلدٍ و مصرٍ، و لكلّ فقيهٍ منصب الحكم، و لامعنى لهذا إلّاتعدّد الحكّام في كلّ بلدٍ في آنٍ واحدٍ. و هذا ممّا لايقبله العقل السليم، إذ اللازم منه وقوع الهرج و الاضطراب في المجتمع لما لكلّ واحدٍ من الحكّام من الأحكام، فهذا يحكم بحكمٍ و الآخر يحكم بحكمٍ آخر. و لايؤول هذا إلّاإلى الاضطراب فتنتفي فائدة جعل الدولة و وضعها؛ إذ السرّ في وضعها هو انتظام الأمور، و هو لايتمّ إلّابتوحّد الحكم و الحاكم.

فلامعنى لجعل الصادق عليه السلام الولاية على العنوان.

و من البديهيّ عدم جعله عليه السلام إيّاها على عاتق جمعٍ من الفقهاء قد خصّهم بالذكر - لامتناع تسمية الفقهاء، لكثرتهم و بثّهم في بلادٍ شتيتةٍ -، فإذا انتفى جعل الولاية على العنوان و على المخصوصين بالذكر معاً فلاجعل أصلاً؛ لامتناع فرض صورةٍ ثالثةٍ فيه.

و الجواب عنه:

إنّ هذا الإشكال صحيحٌ من ناحيةٍ، و لكنّه ناقصٌ من ناحيةٍ أخرى؛

أمّا الناحية الأولى فهو بيان السرّ في جعل الدولة و وضعها - و هو انتظام الأمور -، و هذا تامٌّ لاخدشة فيه؛

أمّا الناحية الثّانية فبأنّ الولاية قد فُوِّضت على عاتق من حاز شرائط الاتّصاف بهذا العنوان، فمن حاز عنوان الفقيه - في ناحيتي العلم و العمل - فله الولاية على تبيين الأحكام و القضاء. أمّا الولاية على الحكم و الحكومة فلاتُفرض في كلّ عصرٍ إلّالواحدٍ منهم، و هو المختار من قِبلهم. فمن اختاروه لهذا المنصب فهو الفقيه الوليّ. و مستند هذا القول قوله عليه السلام:

«فليرضوا به حكماً»،

فإنّ الحاكم هو الّذي اختاره أصحاب مسند الفقاهة؛

أمّا في عصرنا فهذا من وظائف مجلس الفقهاء و الشيوخ، فإنّهم يكشفون عن الأصلح لهذا المسند و يعرّفونه بالمجتمع؛

و أمّا في الأعصار المتقدّمة فكان هذا الأمر على عاتق الفقهاء، كما فعله صاحب الجواهر من نصب الشَّيخ الأعظم 0 في هذا المسند(1)و كما فعله أصحاب الشيخ من نصب الميرزه الشيرازيّ الكبير 0 في مسنده من بعده،... و هكذا.

فلايلزم من هذا وقوع الهرج في المجتمع، بل جعل الحكم على العنوان خير معاضدٍ لبقاء الحكم، و على مصاديق العنوان أن يعيّنوا أحداً لمنصب الحكم حتّى لايؤول الأمر إلى الاضطراب. و هذا واضحٌ؛ فهذا الإشكال أيضاً مردودٌ من أصله.


1) . فانظر في ذلك: «زندگانى و شخصيّت شيخ انصارى» ص 72.

الإشكال الرّابع التهافت بين ولاية الفقيه و حكومة الجمهوريّة

اشارة

و هذا الإشكال يرجع إلى ما هو الحاصل من فعليّة الولاية للفقيه، و هو الجمهوريّة الإسلاميّة؛ فهذا الإشكال أخصّ من الإشكالات الأُخر.

و توضيح الإشكال: هب! انّ الولاية ثابتةٌ للفقيه، ثمّ قام الفقيه بأمر الحكم فأسّس الجمهوريّة الإسلاميّة، فحكومة الفقيه هي الجمهوريّة الإسلاميّة. و لكن ما معنى هذا العنوان؟ إذ الجمهوريّة ترجع إلى بسط يد الناس في أمر الحكم؛ بينما انّ الإسلاميّة لامعنى لها إلّا ثبوت الحكم للّه - تعالى - و لمن فوّضه إليه - و هو الفقيه -. فحكم الفقيه مفوّضٌ إليه من قبل اللّه - تعالى -، فلادخل للناس في أمر الحكم. و ليس هذا إلّاتهافتاً بيّناً بين الجمهوريّة و الإسلاميّة بحيث لايمكن القول باجتماع الجزئين في عنوانٍ واحدٍ. فلامعنى للجمهوريّة الإسلاميّة؛ و حيث لامعنى لها فلامعنى لحكومة الفقيه، فلاولاية له.

و الجواب:

إنّ هذا الإشكال يتمّ بالقول بأنّ الجزئين وقع كلٌّ واحدٍ منهما في عرض الآخر، و لكن لانقول به.

و توضيحه: إنّ ولاية الفقيه مفوّضةٌ من قبله - تعالى - إليه، و لكن ليست ولاية الفقيه كولاية الأئمّة عليهم السلام، إذ ولايتهم عليهم السلام ذاتيّةٌ لهم لادور للناس فيها. فإنّ أميرالمؤمنين عليه السلام كان وليّاً قبل أن يُخلق أبونا آدم عليه السلام؛ و كذلك في أبنائه المعصومين عليهم السلام.

أمّا في ولاية الفقيه فليس الأمر كذلك، بل لافعليّة لولايته إلّاباختيار الناس، فعلى الناس أن يختاروا عصابةً من الفقهاء لتختار الفقيه الوليّ. إذ أمر الولاية من مهامّ الأمور، بل لا أهمّ منه؛ و العقل يحكم بوجوب الرجوع فيه إلى أصحاب الخبرة - و هم الفقهاء -. و

كذلك في غيره من مهامّ الأمور، كوجوب الرجوع لاختيار الحاذق من الأطبّاء إليهم، و وجوب الرجوع على من يحتاج إلى خريطة المساحة و تصميم البناء إلى المهندسين و المعمارين ليختاروا له الحاذق في هذه الصناعة.

فجمهوريّة الدولة ترجع إلى اختيار الناس أعظاء مجلس الفقهاء و الشيوخ ليختاروا الفقيه الوليّ و يعرّفوه بهم، و اسلاميّتها ترجع إلى أنّ حكمه مفوّضٌ من قبل اللّه - تعالى - إليه. فلاتهافت بين الجمهوريّة و الإسلاميّة، فلايمكن القول بنفي الولاية عنه لوقوع التهافت بين جزئي العنوان؛ فهذا الإشكال مردودٌ أيضاً.

الإشكال الخامس الدَّور

اشارة

و هذا الإشكال أيضاً يرجع إلى فعليّة ثبوت الحكم لأحدٍ من الفقهاء و كيفيّتها. فلالسان لهذا الإشكال على نفي الولاية عن الفقيه، بل رجوعه إلى كيفيّة ثبوت هذا المنصب له.

و توضيحه: إنّ من وظائف الحاكم في الدولة الإسلاميّة تعيين أعضاء مجلس مراقبي القانون الدُّستوريّ، فهو يختار ثلّةً من الفقهاء كأعضاء هذا المجلس العالي؛

ثمّ إنّ من وظائفهم أن يعيّنوا جمعاً من الفقهاء الصالحين لعضويّة مجلس الفقهاء و الشيوخ، فيختار الناس بعضهم ليكونوا أعضاء هذا المجلس؛

ثمّ على المنتخبين لعضويّة هذا المجلس أن يختاروا الفقيه الوليّ.

فالوليّ يختار أعضاء مجلس مراقبي القانون الدُّستوريّ؛

و أعضاء هذا المجلس يختارون الصالحين لعضويّة مجلس الفقهاء و الشيوخ؛

و أعضاء هذا المجلس يختارون الفقيه الوليّ؛

و هذا دورٌ واضحٌ!، و الدور باطلٌ؛ فهذه الكيفيّة الّتي بها تثبت الولاية لأحدٍ من الفقهاء باطلةٌ؛ فنفس فعليّة ولايته باطلةٌ.

و الجواب:

بالتنبيه بالفرق بين أقسام الدور، و هذا أمرٌ قد فُصِّل فيه الكلام في علمي المنطق و الحكمة الإلهيّة، إذ الدور الباطل هو الدور في توقّف وجود شيءٍ على شيءٍ آخر و توقف هذا الشيء الثّاني في وجوده على الشيء الأوّل نفسه. كالأب و الابن حيث إنّ وجود الابن متوقّفٌ على وجود الأب، فلوكان وجود الأب متوقّفاً على وجود الإبن أيضاً يحكم العقل ببطلانه.

و هو الدور المصطلح الّذي حكم العقل ببطلانه. و السرّ فيه وجوب تقدّم الشيء على نفسه، إذ اللازم منه أن يكون «ألف» مثلاً علّةً ل «ب» بينما انّ «ب» علّةٌ «لألف»؛ ف «الألف» مقدّمٌ على نفسه بمرحلتين، إذ هو العلّة ل «ب» و «ب» هو العلّة له. و بطلانه بديهيٌّ؛

أمّا الدور المسمّى بالدور اللِّبنيّ فلامحذور فيه، إذ ليس كلٌّ من اللِّبنتين متوقّفاً على الآخر في الوجود، بل كلٌّ منهما في وجوده معلولٌ لعلّةٍ غير الآخر، و إنّما افتقار كلٍّ منهما إلى الآخر في قيام الأوّل بالثاني و الثّاني بالأوّل؛ و تفصيل الكلام فيه موكولٌ إلى محلّه(1).

و كذلك فيما نحن فيه. إذ ليس وجود كلٍّ من هذه الثلاثة متوقّفاً على غيره. بل لاارتباط بين الثلاثة إلّاباختيار الأوّل أعضاء الثّاني، و اختيار الثّاني الصالحين لعضويّة الثّالث، و اختيار الثّالث الصالح لمسند الولاية.

أضف إلى ذلك ما لآراء الناس من الدور البنّاء الهامّ في اختيار أعضاء مجلس الفقهاء و الشيوخ؛ فلادور أيضاً.


1) . و انظر في هذا الشأن: «مطالع الأنظار» ص 152، «الحكمة المتعالية» ج 7 ص 141.

الإشكال السّادس كفاية العقل فى الحكم و الحكومة

اشارة

و مدار هذا الإشكال على كفاية العقل في الحكم بعدم لزوم الولاية للفقيه؛ فهذا الإشكال يدور على أنّ العقل يحكم بأنّه لا لزوم في جعل الولاية على عاتق أحدٍ - فقيهاً كان أو غير فقيهٍ -. فلالسان له على نفي أصل الولاية عنه، بل له لسانٌ على عدم لزوم ثبوتها له.

و تفصيل الإشكال: إنّ للعقل قضيّةً عقليّةً يقبلها و يحكم بصحّتها، و هي تتركّب من مقدّمتين؛ و هما:

الصغرى: لاريب في لزوم الحكم و الحكومة في المجتمع حذراً عن وقوع الهرج و الاضطراب في حياة الناس الجمعيّة؛

و الكبرى: و كلّ من يقتدر على تدبير الملك و سياسته فله أن يترأّس على المجتمع؛

و النتيجة: انّ الولاية ثابتةٌ بحكم العقل لكلّ من هو قادرٌ للقيام بها. و هذا العنوان أعمّ من الفقيه، فلايلزم أن يكون الفقيه وليّاً على المجتمع مفوّضٌ إليه الولاية من قِبل اللّه - سبحانه و تعالى -.

و الجواب
اشارة

عن هذا الإشكال يتمّ بالنظر في ما لنا من الإيرادات حول هذه القضيّة.

فنقول:

النظر الأوّل:

فانّ هذه القضيّة أخصّ ممّا نحن فيه، إذ ليس الكلام في البحث عن لزوم أصل الولاية في المجتمع - فهو من المفروغ منه -، بل الكلام كلّه في كيفيّة الدولة في المجتمعات الإسلاميّة.

و بعبارةٍ أخرى: إنّ المسألة الّتي نبحث عنها هيهنا هي: هل للإسلام نظريّةٌ و عرضٌ في

مسألة الحكم و الحكومة كما له أحكامٌ في العبادات و المعاملات؟ أم هو ساكتٌ عن مسألة الحكم لا كلام له فيها؟.

و لاريب في أنّ المسلمين - بما لهم من الطبع المدنيّ كغيرهم من الناس - بحاجةٍ إلى العيش في المجتمع، و مجتمعهم مجتمعٌ إسلاميٌّ يحكم عليه الإسلام بما له من الأحكام، و لاريب في ثبوت الأحكام الفرديّة في الإسلام؛ فهل له الأحكام الجماعيّة أيضاً؟.

و قد كفانا مؤونة الجواب عنه ما مضى في هذه الرسالة من الآيات و الروايات الكثيرة الدالّة على ثبوت الحكم للأنبياء و الأئمّة و المستخلفين منهم عليهم السلام.

فالصحيح من صورة القياس هو:

الصغرى: لاريب في لزوم الحكم و الحكومة في المجتمع الإسلاميّ حذراً عن وقوع الهرج و الاضطراب في حياة الناس الجمعيّة؛

و الكبرى: و كلّ من يقتدر على تدبير الملك و سياسته على ما تقتضيه الشريعة و تعيّنها و ترسمها فله أن يترأّس على المجتمع؛

و النتيجة: إنّ الولاية ثابتةٌ بحكم العقل لكلّ من هو قادرٌ للقيام بها، و ليس هو إلّاالفقيه العادل المدبّر الّذي يستطيع أن يحمل أعباء الحكم و السلطة.

النظر الثّاني:

إنّ كبرى القضية القائلة ب: «أنّ كلّ من يقدر على تدبير الملك و سياسته فله أن يترأّس على المجتمع» ممّا لايقبله العقل، إذ لاريب في أنّ منصب الولاية و الحكم من أرفع المناصب و أعلاها، بل لا أرفع منه في المناصب الإجتماعيّة؛ فيحكم العقل بأنّ من يلي هذا المسند يجب أن يتّصف بكثيرٍ من الأوصاف و الشرائط ليتمكّن من تدبير أمر الناس على ما يليق بهم. و المتيقّن من هذه الشرائط - الّذي لايتردّد العقل في وجوب اتّصاف الوالي به - هو الخبرويّة و العدالة و الكفاية لسياسة الأمور، بينما انّ الشرطين الأوّلين قد خُبِتَ ذكرُهما في كبرى القضيّة؛ فهي إذاً ناقصةٌ.

و لامعنى للخبرويّة في المجتمع الإسلاميّ إلّاالخبرويّة في معرفة آراء الإسلام في العقائد و الأحكام. فالصحيح من صورة الكبرى يحصل بانضمام هذين الشرطين إليها. فهي إذن مثبتةٌ لما نحن بصدده و لاتهافت بينهما بوجهٍ.

النظر الثّالث:

إنّ هذه القضية العقليّة تنافي ما مضت الإشارة إليه من أنّ للعقل قاعدةً أخرى يحكم بصحّتها من بادىء الأمر، و هي قاعدة «لايجوز لأحدٍ أن يسلّط على أحدٍ إلّا ما أخرجه الدليل». و هذه القاعدة هي من مقتضيات العقل النظريّ كما يحكم العقل العمليّ بجريانها في أمر الحكم و الدولة؛ و لامعنى لتعارض العقليّين إلّابطلان أحدهما و كونه شبهةً مزيّفةً في صورة البرهان. و الجمع بينهما - بل تحقيق ما هو الحقّ من بين القضيّتين - يقضي بتقدّم الثّانية على الأولى.

فليس لكلّ من يقتدر على تدبير الملك أن يولّى أمره، بل «لاحكم لأحدٍ على أحدٍ إلّاما أخرجه الدليل». و الناس كلّهم عباد اللّه و «لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ»(1). فلو عيّن اللّه - سبحانه و تعالى - أحداً للقيام بالولاية و فوّضها إليه فهو الدليل لتخصيص القاعدة القائلة بنفي الحكم لأحدٍ على أحدٍ، بل له الحكم على الناس. و لاخلاف في ثبوت هذا التفويض للنبيّ صلى الله عليه و آله و أئمّة أهل البيت عليهم السلام، و لاخلاف أيضاً في حاجة الناس في عصر الغيبة إلى السلطة. فمَن فوّض اللّه - سبحانه و تعالى - إليه أمر الولاية في عصر الغيبة هو الّذي له أن يترأّس على المجتمع، لا «كلّ من يقتدر على إدارته و سياسته». و ليس هو إلّا الفقيه العادل المدبّر.

و قد كفانا مؤونة التفصيل حول هذا الحصر ما مضى في هذه الرسالة من دلالة الأدلّة الأربعة على ثبوتها له.

النظر الرّابع:

هب! إنّ العقل يحكم بلزوم الحكم على المجتمع، و لكن هيهنا اقتراحان:


1) . وردت هذه الكريمة في القرآن الكريم ثمان مرّات؛ فانظر: 189 آل عمران.

الاقتراح الأوّل: و هو القول بكفاية التدبير في الوالي؛

الاقتراح الثّاني: و هو القول بأنّ التدبير يُعدّ من أهم شرائطه و لكن لايكفي في الو الي أن يكون مدبّراً فحسب، بل يجب أن يتّصف بالفقاهة و العدالة أيضاً؛

و عند تعارض الاقتراحين يحكم العقل بصحّة الثّاني منهما، نظراً إلى أهميّة هذا المسند البالغة.

فتلخّص ممّا قلنا انّ هذه الأنظار الأربعة تحكم بعدم تماميّة هذا الإشكال، بل تقرير تلك القضيّة العقليّة على ما هو الحقّ فيها اللائق بها يؤيّد ثبوت الولاية له، و لاتنافي بينهما بوجهٍ.

الإشكال السّابع ولاية الفقيه تلازم الإستبداد و الدّكتاتوريّة

اشارة

إنّ ثبوت الولاية لأحدٍ - كالفقيه - يلازم الاستبداد و الدكتاتوريّة و السلطة المطلقة؛ و لاريب في أنّ الاستبداد من المرغوب منه عند العقل - بل يحكم ببطلانه و وجوب حفظ المجتمع منه -، فولاية الفقيه ممّا يحكم برفضها و عدم الخضوع لها.

و الجواب:
اشارة

إنّ لنا في هذه الأطروحة أنظارٌ أيضاً، و يتمّ الجواب بالنظر في هذه الأنظار؛ و تفصيلها:

النظر الأوّل:

إنّ قولكم: «إنّ ثبوت الولاية لأحدٍ - كالفقيه - يلازم الاستبداد» يعارض ما انعقد عليه إجماع الإماميّة من ثبوت الحكم و الولاية للنبيّ صلى الله عليه و آله و المعصومين من أهل بيته عليهم السلام؛ إذ من المجمع عليه بينهم طيلة القرون انّ اللّه قد جعل النبيّ و الأئمّة أولياء على الناس - بل على دار الوجود -؛ فهل يلزم من هذا الجعل الدكتاتوريّة و السلطة المطلقة.

و إن أجابوا بأنّ العصمة من خصائص المعصومين و هي تمنعهم عن الفجور و السلطة المطلقة؛

نردّ عليهم ب: أنّ العدالة أيضاً من شرائط الوليّ، و العدالة هي المرتبة الأدنى من مراتب العصمة؛ و هي تمنع الفقيه الوليّ عن الفجور و السلطة المطلقة أيضاً.

فما هو مذهبكم في ولاية المعصومين عليهم السلام هو بنفسه مذهبنا في ولاية الفقيه العدل.

النظر الثّاني:

إنّ قولكم هذا يؤيّد القول بثبوت الولاية للفقيه، إذ مضى منّا مراراً اشتراط العدالة في الوليّ بينما انّ الوالي في سائر الأطروحات السياسيّة لايشترط فيه إلّا التغلّب على الحكم - إمّا بواسطة الآراء و الانتخابات العموميّة، أو بغيره من الوسائط -، و

هو من مظانّ الاستبداد لا الوليّ الّذي يجب أن يتّصف أوّلاً بالعدالة و التحلّي بمكارم الأخلاق و التخلّي عن سفسافها ثمّ يصلح للقيام بأمر الحكم؛ و هذا واضحٌ. فهذا الإشكال يرجع إلى مبناهم و يرد عليه لا على مبنى ثبوتها له.

النظر الثّالث:

إنّا اشترطنا في الفقيه الوليّ الفقاهة، و نفس عنوان الوالي في الدولة الإسلاميّة يشير إليه. و الفقيه لمعرفته بأحكام اللّه لايأمر إلّابما أمر اللّه - تعالى - به و لاينهي إلّاعمّا نهى اللّه - تعالى - عنه؛ و بالجملة لا رأي له إلّاعلى ما تقتضيه الشريعة الغرّاء، فلااستبداد على هذه الأطروحة. و أمّا على غيره من الاقتراحات السياسيّة فالوالي لايحكم إلّاعلى ما يقتضيه رأيه.

فلاسبيل للفقيه الوليّ إلى الدكتاتوريّة بينما أن لاسبيل لغيره من الولاة إلّاإليها.

النظر الرّابع:

ما هو المراد من الاستبداد؟

إن كان المراد منه: السلطة المطلقة، فقد فرغنا من الاجابة منه؛

و إن كان المراد منه انّ قول الفقيه الوليّ هو القول الفصل و الأخير عند تزاحم الآراء و الأقوال، فهذا ممّا لابدّ منه؛ إذ في كلّ حكومةٍ و دولةٍ لامناص من أن يُتلقّى قول الوالي كقول الفصل - كما انّ اليوم يُعدّ قول السلطان أو الرئيس الجمهوريّة القول الأخير في جميع نظامات العالم السياسيّة -.

و هذا زيادةً على سيرة العقلاء يشهد لصحّته الشرع أيضاً، قال - سبحانه و تعالى -:

«وَ شَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ»(1).

و لم يقل: و شاورهم في الأمر فإذا عزموا فتوكّل على اللّه.

نعم! على الحكومة أن تستشير المخصّصين في جميع ما يُقبل إليها، و لكن القول الفصل و الأخير هو للوالي فقط. و هذا لايختصّ بالدولة الإسلاميّة فقط، بل كذلك جرت السيرة في


1) . كريمة 159 آل عمران.

جميع نظامات الحاكمة في جميع الأعصار و الأمصار.

فتلخّص ممّا قلنا أن لاسبيل للوالي في الدولة الإسلاميّة إلى الدكتاتوريّة، لأنّ الفقاهة و العدالة المشترطتان فيه تمنعانه من الفجور و التحكّم و العَسْف؛ فالإشكال يرجع إلى القائلين بغير هذه الأطروحة من الأطروحات السياسيّة، لا إلى القائلين بها.

الإشكال الثامن تداخل الدّولتين

اشارة

و هذا الإشكال يدور على كيفيّة الحكم في الدولة الإسلاميّة أيضاً.

و تفصيله: لاريب في أن التوحّد في الحكم من لوازم الدولة في جميع الأطروحات السياسيّة - و هذا ممّا يحكم به العقل، إذ فرض وجود الدولتين يؤدّي إلى الهرج في أمر الملك -، هذا من ناحيةٍ؛

و من ناحيةٍ أخرى فانّ في الدولة الإسلاميّة - المسمّاة بالجمهوريّة الإسلاميّة - لامناص من ثبوت الدولة في الدولة، بل ثبوت دولتين كلٌّ منهما في عرض الآخر، و هما:

الأوّل: الدولة الّتي ينتخبه الناس بواسطة الآراء العموميّة، و رئيسها هو الرئيس الجمهوريّة، و هذا مقتضى جمهوريّة النظام؛

الثّاني: الدولة الّتي لادخل للناس في اختيارها، و رئيسها هو الفقيه الوليّ، و هذا مقتضى إسلاميّته.

فهيهنا دولتان: دولةٌ انتصابيّةٌ؛ و دولةٌ اختياريّة.

و لاريب في أنّ العقل و سيرة العقلاء يحكمان ببطلان هذه الأطروحة، فمن الواجب - نظراً إلى ما لآراء الناس من الأهمّيّة - رفض الدولة الإنتصابيّة و الخضوع لأحكام الدولة الانتخابيّة.

و الجواب:

إنّ هذا الإشكال لايُعدّ شيئاً، بل هو محض خطابةٍ لابرهان عليه جملةً و تفصيلاً!.

و تفصيله: مضت مراراً الإشارة إلى حكم العقل ب:

«أنّه لايجوز لأحدٍ أن يسلّط على أحدٍ»؛

و حكم الشرع بأنّه:

«إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ»(1)

و بأنّه:

«مَنْ لَمْيَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ»(2)

و هذا مقتضى ربوبيّته - تعالى - في التكوين كما انّ له الربوبيّة في التشريع، فلاحكم إلّا حكمه، سواءٌ فيه التشريع و التكوين و ما يرجع إلى الأمور الفرديّة أو الجماعيّة. و من ذلك أمر الدولة و السلطة، فحكمه - تعالى - بتفويض الولاية إلى الفقيه هو الحكم المتَّبع في أمر الدولة.

بقي الكلام في الرئيس الجمهوريّة و الوكلاء و الوزراء و مديري الفروع و غيرهم من أصحاب السلطة، فإنّهم جميعاً يُعدّون من أيدي الفقيه الوليّ لتدبير الملك و أموره الداخليّة و الخارجيّة. فلاتُفرض دولتان في آنٍ واحدٍ في قطرٍ و موطنٍ واحدٍ، بل الناس بواسطة الآراء العموميّة يختارون الأصلح ليكون عضْداً للوالي فيما يرتبط به. فالرئيس الجمهوريّة فيما يرتبط به، و الوكلاء فيما يرتبط بهم كلّهم أيدي الوليّ.

فليست في الدولة الإسلاميّة إلّادولةٌ واحدةٌ، لادولتين مستقلّتين. و لهذا قلنا انّ هذا الإشكال ليس إلّامحض خطابةٍ لايعضده برهانٌ قطّ.


1) . كريمة 57 الأنعام، 40 يوسف، 67 يوسف.

2) . كريمة 44 المائدة.

الإشكال التّاسع مخالفة فلسفة إرسال الرّسل عليهم السلام

اشارة

و هذا الإشكال يدور حول نقطةٍ بنّائةٍ، و هي فلسفة ارسال الرسل عليهم السلام و حيطة اختيارهم و ما جعله اللّه - تعالى - على عاتقهم.

و تفصيله: إنّه ليس على الأنبياء و الأئمّة و نوّابهم الخاصّة و العامّة إلّاهداية الناس بالرفق و المماشاة معهم، فعليهم تزكية الناس و إرائة الطريق لهم؛ قال - سبحانه و تعالى:

«وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ»(1).

و ليس عليهم القيام بأمر الحكم؛ قال - سبحانه و تعالى -:

«لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ»(2)

و قال:

«مَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ»(3)

و قال:

«إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً»(4)

و ليس لدعوتهم مؤيِّدٌ و مثبِّتٌ غير الجنّة و النار؛ قال - تعالى -:

«فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَ لَايُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ


1) . كريمة 164 آل عمران، 2 جمعة.

2) . كريمة 22 الغاشية.

3) . كريمة 45 ق.

4) . كريمة 3 الإنسان.

أَحَداً»(1).

و تلخيص القول في وظائف الأنبياء و الأئمّة و الفقهاء أن:

«لَاإِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»(2).

فلايجوز للفقهاء أن يترأّسوا على المجتمع، لأنّ الجفاءة و الغلاظة من لوازم الحكم و لابدّ للحاكم منها؛ بينما أن ليس على الهداة التوسّل إلى الجفاءة، إذ «لَاإِكْرَاهَ فِي الدِّينِ». فعلى الفقهاء اهتداء الناس بتدوينهم الرسائل العمليّة و انذار المجتمع ببيان المواعظ و توضيح دقائق كلام اللّه و سنّة المعصومين. وليس عليهم أمرٌ غير هذا الأمر، و ليس شأنهم إلّاشأن المذكِّرين و الخطباء.

و الجواب:
اشارة

إنّ لنا في هذا الإشكال نظرين:

النظر الأوّل:

إنّ هذه النظريّة في فلسفة ارسال الرسل لاتوافق كتاب اللّه - تعالى - و مقتضى وحيه المبين. أمّا قوله - تعالى - «لَاإِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» فإنّ الكريمة تشير إلى مقام التكوين، لامرحلة الشريع؛ أي: لايكلّف اللّه أحداً بالخضوع لدينٍ أو شريعةٍ و لايكرهه عليه، هذا في مقام التكوين؛ أمّا في مرحلة التشريع فليس كذلك. و هذا مقتضى الجمع بين هذه الكريمة و غيرها من الآيات الدالّة على ثبوت العُنف في الأحكام الجماعيّة. إليك بعضها:

منها: الآيات الدالّة على وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر؛ كقوله - تعالى -:

«وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ»(3)

و منها: آيات القتال و الجهاد؛ كقوله - تعالى -:

«قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَاتَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ»(4)


1) . كريمة 110 الكهف.

2) . كريمة 256 البقرة.

3) . كريمة 104 آل عمران.

4) . كريمة 193 البقرة.

و قوله - تعالى -:

«فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَاأَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ»(1)

و منها: آيات القصاص؛ كقوله - تعالى -:

«إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَونَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَو يُصَلَّبُوا أَو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَو يُنْفُوا مِنَ الْأَرْضِ»(2).

و هذا مقتضى تماميّة الشريعة و كمالها الناشئة من كمال اللّه - سبحانه و تعالى -، فانّ الشريعة مقتضى علمه و حكمته، و هما تمامان بحيث لايتصوّر أتمّ منهما؛ و في دعاء الافتتاح:

«إنّك أنت أرحم الراحمين في موضع العفو و الرحمة، و أشدّ المعاقبين في موضع النكال و النقمة»(3).

فما تمسّكوا به من الآيات إمّا راجعةٌ إلى مقام التكوين؛

و إمّا راجعةٌ إلى مقام الرحمة و العفو. و من هذا المقام بعث الأنبياء و أرسل الرسل و وضع الشرايع و جعل الحكم و الدولة؛ و لكن هو «أشدّ المعاقبين» في موضع النكال و النقمة أيضاً. و من هذا المقام قال: «وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ»(4)، و وضع القصاص و أمر بالجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

فعلى الأنبياء و الأئمّة و نوّابهم و المستخلفين عنهم القيام بأمر الحكم من باب الرحمة، ثمّ العمل بمقتضى آيات النكال - كآيات القصاص و الجهاد -. و كلاهما ممّا دلّت عليه الشريعة


1) . كريمة 12 التوبة.

2) . كريمة 33 المائدة.

3) . راجع: «التهذيب» ج 3 ص 108 الحديث 28، «الإقبال» ص 55، «البلدالأمين» ص 193، «مصباح المتهجّد» ص 577.

4) . كريمة 25 الحديد.

الغرّاء؛ و هذا واضحٌ.

النظر الثّاني:

و هذا النظر يقوم على أساس سيرة النبيّ صلى الله عليه و آله الّتي لايختلف فيها اثنان. و هي: بداهة قيامه صلى الله عليه و آله بتشكيل الحكم و الدولة. ثمّ لاخلاف بين الإماميّة في أنّه صلى الله عليه و آله قد نصّ على أهل بيته و عيّنهم لولاية المسلمين؛ فمن أنكره و تمسّك بقوله - تعالى -: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّييِّنَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ايَاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ»(1)فقد أنكر البديهيّ المثبَت في الجوامع التاريخيّة.

أضف إلى ذلك انّ الكتاب الكريم خير شاهدٍ على ما نحن بصدده؛ قال - سبحانه و تعالى -:

«النَّبِيُّ أَولَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»(2)

و قال - تعالى -:

«لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنَافِعُ لِلنَّاسَ»(3).

فهذا الإشكال لايوافق نصّ الوحي و لاسيرة النبيّ العمليّة، و لاسيرة أميرالمؤمنين و سيرة سيّدنا المجتبى عليهم السلام. فهذا الإشكال ليس بشيءٍ.


1) . كريمة 2 الجمعة.

2) . كريمة 6 الأحزاب.

3) . كريمة 25 الحديد.

الإشكال العاشرالخاتميّة تدلّ على نفى ولاية الفقيه

اشارة

و هذا الإشكال يقوم على أساس القول بأنّ الخاتميّة تدلّ على نفي الحكومة الإسلاميّة، فهذا الإشكال من أهمّ الإشكالات الواردة على مبنى ثبوت الولاية للفقيه الّذي هو أساس الحكومة الإسلاميّة.

و تقريره: إنّ على الأنبياء عليهم السلام أن يكمّلوا عقول الناس بإرشادها إلى ما هو الخير لهم و فيه خيرهم. فإذا كملت دائرة النبوّة بظهور نبيّنا صلى الله عليه و آله فقد كملت عقول الناس، فإذن يصير العقل خلفاً و وارثاً و بديلاً و نائباً عن الوحي؛ فيستغني الناس عن الوحي إلّافي الأحكام التوقيفيّة - كعدد ركعات الصلاة و الشهر الّذي يجب فيه الصوم و غيرهما -.

أمّا في غيرها - كأحكام الحكم و الحكومة - فلاحاجة للناس إلى الوحي، بل عليهم الاكتفاء بما تحكم به العقول و السير على مقتضاه.

فعلى أساس هذا الإشكال لايجب بناء الحكم على مقتضى أحكام الشريعة، فلاحكومة لها، فلاولاية للفقيه؛ هذا تقرير إشكالهم العاشر.

أمّا الجواب عنه:
اشارة

فيتمّ بالنظر في هاتين النكتتين:

النكتة الأولى:

إنّ هذه الأطروحة في تفسير الخاتميّة لاتوافق الكتاب و السنّة؛ قال اللّه - تعالى -:

«مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَ لَكِنْ رَسُولَاللَّهِ وَ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ»(1)

و قال الصادق عليه السلام:


1) . كريمة 40 الأحزاب.

«حلال محمّدٍ حلالٌ إلى يوم القيامة و حرامه حرامٌ إلى يوم القيامة»(1)

و هما نصّان على ثبوت أحكامه الفرديّة و الجماعيّة طيلة الزمن و القرون.

أضف إلى ذلك إنّ عدم سنوح النسخ لأحكام شريعته صلى الله عليه و آله من ضروريّات الدين و عليه إجماع المسلمين، و لافرق فيه بين أحكامه الفرديّة و الجماعيّة؛ بينما انّ من فسّر الخاتميّة بختم دائرة الشرائع باختتام زمن الوحي و خلافة العقل عنه قد حكم بنسخ الشريعة الإسلاميّة في أحكامه الإجتماعيّة و لو لم يكن ملتفتاً إلى لازم قوله هذا.

و قد أتينا بتوضيحٍ موجزٍ حول معنى الخاتميّة في مقدّمات الرسالة؛ فراجعه.

النكتة الثّانية:

إنّ هذا القول يساوي القول بعدم حاجة الناس إلى العلم، بل بانسداد باب العلوم؛ إذ من البيّن الّذي لاترديد للعقل فيه انّ الناس بحاجةٍ ماسّةٍ دائمةٍ إلى المخصّصين في كلّ فنٍ من فنون العلم، بل و إلى المخصّصين في الصنائع أيضاً - كالطبيب و المهندس و الحدّاد و الجصّاص و غيرهم -، و هذا مقتضى حياتهم الدنياويّة. و لاريب في حاجتهم الدائمة أيضاً إلى علمٍ يبيّن لهم سبيل السعادة في العقبى؛ و لايكفي له العقل، و هذا واضحٌ.

فإنّهم بحاجةٍ إلى علم الشريعة، فلايصحّ القول باستخلاف العقل عنه.


1) . راجع: «بصائرالدرجات» ص 148 الحديث 7؛ و قريبٌ منه ما في «الكافي» ج 1 ص 58 الحديث 19.

الإشكال الحادي عشرالنّاس لا يحتاجون إلى القيِّم

اشارة

و هذا الإشكال يقوم على أساس الإشكال العاشر.

و تفصيله: هب! انّ حاجة الناس إلى الوحي لاينقطع أبداً، و لكن الوحي كمل بشريعة الإسلام و الإسلام خاتم الأديان، فهو كاملٌ. و لكن هذا الكامل لايحتاج إلى مفسّرٍ فقيهٍ، بل الناس بما لهم من العقل مستطيعون في تعيين الحكم و الحكومة كما يأخذون أحكامهم العباديّة و كذلك ما يرجع إلى معاملاتهم منه. فلانحتاج إلى فقيهٍ يولّي أمر الحكم، بل لاحاجة للناس في أمورهم الفرديّة و الجماعيّة إلى فقيهٍ يرجعون إليه. فلاحاجة إلى الفقيه ليفوّض اللّه - سبحانه و تعالى - إليه الولاية على المجتمع.

و الجواب

عن هذا الإشكال قد مضى في الاجابة عن الإشكال السابق عليه، بل لاحاجة إلى الاجابة عنه. فهذا الكلام لايصدر إلّاعمّن لادربة له بالعلوم، بل و لا إلى نظامات المجتمع. فإنّ حاجة الناس إلى المخصّصين في كلّ فنٍّ تزيد يوماً فيوماً، و هذا مقتضى ارتقاء العلوم و عمران الجوامع. فانّ العلوم تتّسع في كلّ شهرٍ - بل و في كلّ أسبوعٍ - بحيث لايمكن أن يُقاس الغابر منها بالموجود عنها؛ و كذلك الجوامع البشريّة كلّ يومٍ يزيد في عمرانها، فحاجتها إلى العلوم تصير أكثر ممّا كانت عليها - كحاجتها إلى الطبّ و فنّ المساحة و معرفة دقائق كلام اللّه و سنّة نبيّه -. فهل ترى أحداً من العقلاء يحكم بعدم الحاجة إلى الطبيب و المسّاح و بأنّ الناس يكفيهم كتابا القانون و المجسطي؟ هذا لايصدر عن عاقلٍ أبداً!؛ فكذلك القول بأن لاحاجة للمجتمع إلى الفقيه. فهذا قول جاهلٍ إن لم يكن قول مغرضٍ.

نعم! قد أسّس هذا القول من قال: «حسبنا كتاب اللّه»(1)ليجعل الناس في استغناءٍ عن أميرالمؤمنين و أهل بيته المعصومين عليهم السلام. و هذا الإشكال لايحتاج إلى مزيدٍ من هذا الجواب.


1) . فانظر: «شرح أصول الكافي» - للمازندرانيّ - ج 12 ص 412، «المسترشد» - للطبريّ - ص 553، «الرواشح السماويّة» ص 140، «صحيح البخاري» ج 5 ص 138، ج 7 ص 9، «مسندأحمد» ج 1 ص 325.

الإشكال الثّاني عشرليس من شأن الفقيه تعيين الموضوعات

اشارة

و هذا الإشكال ينشأ من نكتةٍ فقهيّةٍ كأنّ المستشكل ما فهمها أو فهمها على غير ما هو اللائق بها.

و تفصيله: إنّ الحكم و الحكومة يحتاج إلى تعيين الموضوعات و لاسيّما الموضوعات الإجتماعيّة ممّا يرتبط بالاقتصاد و السياسة و الثقافة و عمران البلاد و غيرها، هذا من ناحيةٍ؛

و من ناحيةٍ أخرى قد اشتهر انّ تعيين الموضوع ليس من شأن الفقيه، أي: على الفقيه تعيين الحكم في كلّ واقعةٍ من غير مداخلةٍ له في الموضوعات، فليس من شأن الفقيه التدخّل فيما يرتبط بالحكم و السلطة.

و الجواب
اشارة

عن هذا الإشكال يتمّ بالنظر إلى هاتين النقطتين:

النقطة الأولى:

انّ قولكم: «ليس تعيين الموضوعات من شأن الفقيه» قولٌ لاريب في صحّته. و لكن ليس المراد منه ما ذهبتم إليه، بل المراد منه: انّ الفقيه بما هو فقيهٌ عالمٌ بدقائق علوم الشريعة لايجوز له تعيين موضوعات الأحكام، لأنّ تعيين الموضوعات أمرٌ قد فُوّض على عاتق العرف. لأنّ العقل و الشرع قد تطابقا على أنّ قول كلّ مخصّصٍ في فنٍّ من الفنون حجّةٌ في نفس الفنّ لا في غيره من الفنون. و الفقيه بما هو فقيهٌ له مهارةٌ تامّةٌ في الفقه، فشأنه من جهة انّه فقيهٌ شأن بيان الحكم على ما يقتضيه استنباطه، لا بيان الموضوعات.

و هذا لايراد منه انّ الفقيه بما انّه من آحاد الناس و أعضاء المجتمع - لا بما انّه فقيهٌ - لو عيّن موضوعاً فهو مخطىءٌ فيه، أو لايحقّ له أن يتداخل فيما هو شأن آحاد الناس. فللفقيه

أيضاً تعيين موضوعات الأحكام و لكن مع خلوّ باله عن المصطلحات العلميّة و الدقائق الفقهيّة.

و لنأت لمزيد البيان بمثالٍ؛ و هو: إنّ على الفقيه بما هو فقيهٌ أن يعيّن حكم ماء البئر طهارةً و نجاسةً، و ليس عليه من جهة انّه فقيهٌ أن يعيّن ماهيّة البئر و الفرق بينها و بين العين و الأردَبَّة، إذ هذا شأن العرف و فرضه و واجبه. أمّا الفقيه بما انّه من أعضاء المجتمع إن استطاع أن يكون كأحدٍ من الناس خالي البال عن المصطلحات و النكت العلميّة فله أن يشترك مع غير المخصّصين في الفقه في تعيين الموضوعات. و هذا يجري في غيره من أساتذة العلوم - كأساتذة الطبّ و الحكمة و الفِيزياء و غيرهم -.

و نؤيّد هذا بما جرت عليه سيرة الفقهاء من زمن المعصومين عليهم السلام إلى الآن من تعيين الموضوع لكثيرٍ من الأحكام الفقهيّة، فهذا حكمهم بأن لون الدم الباقي على الثوب بعد تطهيره لايُعدّ نجساً، بينما انّ عقل الفقيه بما هو فقيهٌ يحكم بأنّ اللون لاينفصل عن الدم - إذ هو من أعراضه، و بقاء العرض يشير إلى بقاء الذات -، فيجب أن يكون الثوب الّذي عليه بقيّةٌ من اللون نجساً. و لكن الفقيه بما انّه من أعضاء المجتمع يرى انّ العرف لايعدّ اللون دماً، فيحكم بطهارته.

و كم له نظيرٌ في الفقه من مبتدأ باب الطهارات إلى نهاية باب الديات. فلايصحّ منع الفقيه بما انّه من آحاد الناس عن المداخلة في تعيين الموضوعات.

النقطة الثّانية:

مضت منّا الإشارة إلى أنّ للفقيه شؤوناً ثلاثةً:

شأن تبيين الأحكام؛

و شأن القضاء بين الناس؛

و شأن الحكم على المجتمع.

و ليس معنى القضاء غير تعيين الموضوعات أوّلاً ثمّ القضاوة على ما تقتضيها. نعم! عليه

الرجوع إلى العرف أوّلاً و إلى المخصّصين في كلّ فنٍ ثانياً لتكون معرفته بالموضوعات و ما يفتي به من الأحكام مطابقةً للواقع مهما أمكن. و هذا واضحٌ؛ فهذا الإشكال أيضاً لايرد على مبنى القائلين بثبوت الولاية للفقيه.

الإشكال الثّالث عشرادارة المُلك تحتاج إلى غير الفقه من العلوم

اشارة

و هذا الإشكال قد تعرّض له بعض أعاظم العصر قدس سره(1).

و تفصيله: أن لاارتباط بين الفقه و بين ما تقتضيه السلطة من دقائق أمر الحكم و السياسة و الأمور اليوميّة و الشؤون الداخليّة و الخارجيّة، فإدارة المُلك تحتاج إلى غير الفقه من العلوم، فعلى الفقيه أن لايحوم حول هذا المنصب؛ و هذا الاشكال هو الّذى قد يعبّر عنه فى عصرنا «المديريّة الفقهيّة و المديريّة العلميّة».

و الجواب

عن هذا الإشكال يظهر بالتأمّل فيما مضى من شرائط الفقيه الوالي، فقد بينّا فيما مضى من هذه الرسالة انّ للوالي في الدولة الإسلاميّة شروطاً لايصلح للولاية و لاتتمّ الولاية له إلّاباحرازها؛ و أهمّ الشروط الفقاهة و العدالة و الكفاية لتدبير جميع ما يرجع إلى أمر الحكم و السلطة.

نعم! لاتكفي الفقاهة للجلوس على عرش الحكومة، و هذا كلامٌ لانقاش فيه؛ و لكن القائلين بثبوت الولاية له و الذاهبين إليه ما اكتفوا باشتراط الفقاهة فيه فحسب، بل نصّوا باشتراط التدبير فيه أيضاً؛ و قد أكّدوا على هذا الشرط أبلغ تأكيدٍ.

فهذا الإشكال لايعدّ إشكالاً وارداً على مبنانا، بل هو مؤيّدٌ لما ذهبنا إليه من صحّة اشتراط الفقاهة و العدالة و الكفاية معاً في الفقيه الوليّ.


1) . راجع: «المكاسب المحرّمه» - لآية اللّه العظمى الشيخ محمد على الاراكى - ص 93 و 94

الإشكال الرّابع عشرالآيات القرآنيّة تدلّ على الحكومة الإختياريّة

اشارة

و هذا الإشكال أوردوه بما يظهر من بعض الآيات القرانيّة.

و تفصيله: إنّ اللّه - سبحانه و تعالى - قد خاطب الناس في كثيرٍ من الآيات بما يدلّ على أنّهم هم المسؤولون لتشكيل الدولة و تركيبها، و ليس على الفقيه أن يقوم بهذا الأمر و لاسبيل للناس إلى تشكيل الدولة إلّاباختيار من ينوب عنهم في القيام به.

منها: آيات الجهاد كقوله - تعالى -.

«فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَاأَيْمَانَ لَهُمْ»(1)

و قوله - تعالى -:

«وَ قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَاتَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ»(2).

و منها: آيات الحدود كقوله - تعالى -:

«الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ»(3)

و قوله - تعالى -:

«السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ»(4).

حيث إنّ الأوامر الواردة فيها - أي: قوله تعالى: «فَقَاتِلُوا»؛ «قَاتِلُوهُمْ»؛ «فَاجْلِدُوا»؛ «فَاقْطَعُوا» - تخاطب الناس برمّتهم.

فالوالي هو الحاكم المختار من قبل الناس، لاالفقيه المنصوب من قبل اللّه - تعالى -.


1) . كريمة 12 التوبة.

2) . كريمة 39 الأنفال.

3) . كريمة 2 النور.

4) . كريمة 38 المائدة.

و الجواب
اشارة

بعدم تماميّة دلالة الآيات على مطلوبهم. إذ لاريب في دلالتها على وجوب تشكيل الدولة في المجتمع، إذ لايُعقل أن يقوم كلّ واحدٍ من الناس بما أُمروا به - من مقاتلة أئمّة الكفر و جلد الزاني و الزانية و قطع أيدي السارق و السارقة و ما يشبهها -، إذ هذا يؤدّي إلى الهرج في أمر الملك. فمن الواجب أن تكون دولةٌ لتقوم بانفاذ هذه الأوامر و غيرها من الأوامر الّتي لولاها لما ينتظم أمر الملك و لايطيب عيش الناس المادّيّ و الروحانيّ فيه.

و لكنّ الكلام كلّه في أنّ هذه الآيات لا دلالة لها على أزيد من ذلك، فلادلالة لها على وجوب قيام الناس بتشكيل الحكم والدولة.

و لايخفى على الفطن انّ التمسّك بها للقول بوجوب قيام الناس به من باب التمسّك بالعامّ في الشبهات المصداقيّة، و هذا التمسّك ليس بحجّةٍ - كما فصّل الأصوليّون الكلام حوله في مسفوراتهم(1)-. فالقول بوجوب نصب الحاكم من اللّه أو وجوب تشكيل الحكم على الناس يحتاج إلى دليلٍ آخر، و لادلالة لتلك الآيات على أحد القولين.

أمّا القائلون بثبوت الولاية للفقيه الذاهبون إلى وجوب نصب الحاكم من اللّه ففي فصحةٍ، إذ مضى تفصيل الكلام في الأدلّة الّتي أقاموها على ثبوتها له. فبانضمام الآيات إلى الأدلّة العقليّة و النقليّة الّتي مضت الإشارة إليها نستنتج نتيجةً؛ و هي: وجوب نصب الوالي منه - تعالى -، لا وجوب تشكيل الدولة على الناس.

و هيهنا نكتٌ ثلاث يجب الالمام بها؛ و هي:

النكتة الأولى:

لوكابر مكابرٌ و ذهب إلى عدم تماميّة دلالة الأدلّة على ثبوتها له فلاضير أيضاً، إذ العقل و النقل تطابقا على أنّه «لاولاية لأحدٍ على أحدٍ إلّاما أخرجه الدليل»؛ فلايجوز لأحدٍ من الناس أن يجلس على عرش السلطة إلّاأن يدلّ دليلٌ على جوازه؛ و الدليل مفقودٌ في الباب.


1) . فانظر: «المحاضرات في أصول الفقه» ج 5 ص 187، «منتقى الأصول» ج 6 ص 225.

النكتة الثّانية:

إن قلت: فلماذا خاطب اللّه - تعالى - جميع الناس في هذه الأوامر و كان من المقدور له أن يوجّه الأمر إلى الحكّام المنصوبين من قِبله فقط؟

قلت: قد خاطب اللّه - تعالى - جميع الناس لما لهم من الدور الهامّ في إقامة شرايع الإسلام، فإنّه لاقدرة و لااستطاعة للدولة على اقامتها إلّابمعاونةٍ من الناس و معاضدتهم إيّاها؛ فهذا هو السرّ في توجيه الخطاب نحوهم.

النكتة الثّالثة:

لاريب في دلالة الأمر على الوجوب، فيجب الإتيان بمقتضى هذه الأوامر و مدلولاتها. و لاريب أيضاً في أنّ تشكيل الحكم يعدّ مقدّمةً للاتيان بهذه الأوامر، فالقيام بتشكيل الدولة يكون من مقدّمات الواجب.

و لكن هيهنا نكتةٌ لطيفةٌ؛ و هي انّا قد فصّلنا الكلام في علم الأصول - تبعاً للقوم - حول الفرق بين مقدّمة الواجب و مقدّمة الوجوب. و قلنا هناك انّ مقدّمة الوجوب ليست بواجبةٍ، فلايجب على المكلّف تحصيل الاستطاعة ليجب عليه الحجّ؛ بينما انّ مقدّمة الواجب واجبةٌ، فيجب عليه تحصيل الماء ليتمكّن من الوضوء عند وجوب الصلاة.

فلوكان القيام بتشكيل الحكم من باب مقدّمة الواجب يجب على الناس القيام به ليتمكّنوا من الإتيان بما أمروا به في تلك الآيات المباركات؛ و لكن لوكان من باب مقدّمة الواجب فلايجب عليهم القيام به، إذ ليس تحصيل مقدّمة الوجوب واجباً على المكلّف.

فعلى القائلين بوجوب تشكيل الحكم على آحاد الناس أن يثبتوا أوّلاً كونه من باب مقدّمة الواجب و يبرهنوا عليه، و أنّى لهم ذلك؟!. و لكن القائلين بعدم وجوبه عليهم ففي فصحةٍ من ذلك، إذ الأصل عند الشكّ في كون شيءٍ مقدّمة الواجب أو الوجوب يقتضي أن يكون مقدّمة الوجوب، فلاشيء عليهم.

و تفصيل الكلام فيه موكولٌ إلى محلّه من علم الأصول(1).


1) . راجع: «نهاية الأصول» ص 145، «حقائق الأصول» ج 1 ص 223.

فتلخّص ممّا قلنا:

أوّلاً: إنّ دلالة الآيات على وجوب تشكيل الحكم و الحكومة تامّةٌ؛

و ثانياً: لادلالة فيها على وجوب القيام بأمر الحكم على آحاد الناس؛

و ثالثاً: فالذهاب إلى القول بوجوبه عليهم أو وجوبه من اللّه يحتاج الي دليلٍ آخر؛

و رابعاً: انّ الأدلّة الكثيرة من الأدلّة الأربعة الّتي أقمناها على وجوب تعيين الحاكم من اللّه تدلّ على صحّة الذهاب إلى قولنا هذا؛ و هو يساوي القول بثبوت الولاية للفقيه الجامع لشرائط الفتيا.

الإشكال الخامس عشردلالة القرآن الكريم على لزوم إذن النّاس فى الحكومة و التصرف

اشارة

و هذا الإشكال أيضاً يقوم على ما يُستفاد من بعض الآيات الكريمات.

و تفصيله: إنّ بعض آيات الكتاب يدلّ على أنّ اللّه - سبحانه و تعالى - خلق للناس الأرض و ما فيها، فلجميعهم أن يستفيدوا منه؛ قال - تعالى -:

«خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً»(1).

بل و في بعضها دلالةٌ واضحةٌ على تعميم الحكم إلى جميع ما دخل في حيّز الوجود؛ كقوله - تعالى -:

«أَ لَمْ تَرَوا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الْأَرْضِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَ بَاطِنَةً»(2)،

الدالّ على أنّ لجميعهم حقّ السيادة عليه على السواء. فعليه فمن يريد أن يستقرّ على عرش الحكم يجب أن يكون بإذن الناس، إذ الحكم يساوي التصرّف في ما في الأرض الّذي وهبه اللّه - تعالى - للناس. فصحّة تصرّف الحاكم موقوفةٌ على إذنهم، فالحكم حكمهم و السلطة سلطتهم؛ و هذا معنى صحّة الدولة الإختياريّة.

و الجواب
اشارة

عن هذا الإشكال يتمّ بالنظر إلى هذه النقاط:

النقطة الأولى:

إنّ قولكم هذا يدلّ على زهق الدولة الاختياريّة و بوارها، إذ لايمكن أن يرضى جميع أهالي المجتمع بدولةٍ - و هذا ممّا يُشاهد في جميع الأمصار و الدول -؛ فما رأيكم


1) . كريمة 29 البقرة.

2) . كريمة 20 لقمان.

في المناوىء الكاره الّذي لايرضى بالحكم و لايقنع به؟ أ ليس هو ممّن وهب اللّه له ما في الأرض؟ فما هو المبرز و المصحّح لتصرّف الدولة فيما يتعلّق بهذا المناوىء من المياه و الأراضي و المعادن و غيرها؟.

فهذا أدلّ دليلٍ على تزييف تصرّفات الدولة الاختياريّة؛

و حيث لاتصرّف لها فلاحكم لها، إذ حقّ التصرّف في الملك من مقوّمات الدولة، و لادولة إلّابه، و لايمكن قيام الدولة بفرائضها إلّابعد الفراغ من جواز تصرّفها في الملك.

النقطة الثّانية:

إنّ قولكم هذا و إن كان صحيحاً في نفسه و لكن تعميمه إلى جميع ما في الأرض باطلٌ مزيّفٌ؛ إذ تلك الآيات قد خُصّصت بغيرها من الآيات الدالّة على أن لاتصرّف لأحدٍ في الأنفال، و لاحقّ لأحدٍ عليها إلّاللّه - سبحانه و تعالى - و من عيّنه و نصّ عليه للتصرّف فيها؛ منها قوله - تعالى -.:

«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ»(1).

و الأنفال تشتمل المياه و الأراضي و المعادن و غيرها، و لاريب في أنّ الدولة بحاجةٍ ماسّةٍ إلى التصرّف فيها ليتمكّن من أداء ما فُرض عليها - من القيام باصلاح معيشة الناس و تسطيح شوارعهم و زقاقاتهم و ضمان أمنهم و تأمينه -، فلايحلّ للناس أن يتصرّفوا فيها إلّا بإذنه - تعالى -. و هو قد أذن لنبيّه صلى الله عليه و آله و أئمّتنا المعصومين عليهم السلام في التصرّف فيها، و قد نصّ اللّه - تعالى - عليه - كما مضت الإشارة إليه في هذه السطور -؛ و الأدلّة الّتي أقمناها على استخلاف الفقيه عنهم عليهم السلام في زمن الغيبة تدلّ على جواز تصرّفه فيها؛ كقوله عليه السلام:

«فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً»(2)

و قوله صلى الله عليه و آله:


1) . كريمة 1 الأنفال.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 136 الحديث 33416.

«العلماء ورثة الأنبياء»(1)

• و قد مضى تفصيل الكلام حول كيفيّة الاستدلال بهما و بما يشبههما من الآيات و الأحاديث الكثيرة -. فلاحكم إلّاللفقيه العدل المدبّر لأنّه المجاز للتصرّف في الأنفال طيلة عصر الغيبة.
النقطة الثّالثة:

الظاهر انّ الجارّ في قوله - تعالى -: «خَلَقَ لَكُمْ» لايراد منه معنى الملكيّة، بل المراد منه الاختصاص؛ فمعنى الكريمة - واللّه العالم -: إنّ اللّه خلق الأرض و اختصّها ببني آدم ليتصرّفوا فيها على مقتضى ما عيّنه لهم، ليسعوا في عمرانها لتكون مهداً و مِنزّاً لسيرهم إلى اللّه و نيلهم إلى الكمال المطلوب لهم. فليس المراد من تلك الكريمة ما لفّقوه ثمّ بنوا عليه هذا الإشكال.

فتلخّص ممّا قلنا انّ هذا الإشكال أيضاً لايرد على مبنى القائلين بثبوت الولاية للفقيه.


1) . راجع: «الكافي» ج 1 ص 32 الحديث 2، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 78 الحديث 33247، «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 299 الحديث 21400، «بحارالأنوار» ج 2 ص 251، «الاختصاص» ص 4.

الإشكال السّادس عشرولاية الفقية تخالف نظريّة اميرالمؤمنين عليه السلام السّياسيّة

اشارة

و هذا الإشكال مبنيٌّ على جملٍ من أقوال أميرالمؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة.

و تفصيله: إنّ ما ورد في النهج حول نظريّة الإمام السياسيّة يدلّ على أنّه عليه السلام قد أمضى سيرة المسلمين حين اجتمعوا على مبايعة أبي بكرٍ ثمّ مبايعة عمر ثمّ مبايعة عثمان؛ و قد خضع لحكم الخلفاء بما أنّهم كانوا مختارين من قبل الناس. و تلك الأقوال تدلّ على أنّه عليه السلام ما كان يرى لنفسه مرتبة الاستخلاف عن النبيّ صلى الله عليه و آله و الجلوس على عرش السلطة إلّاإذا اتّفقت كلمة المسلمين على اعطائهم إياه عليه السلام هذا المسند، بل كان ينكَف عن قبوله. فكان عليه السلام - كما ورد في النهج - يقول حينما أقبلوا إليه ليقوم بأمر الحكم:

«دعوني و التمسوا غيري»؛

و عنه في نفس الخطابة:

«و أنا لكم وزيراً خيرٌ لكم منّي أميراً»(1).

و لوكان عليه السلام قائلاً بالدولة الانتصابيّة لما كان يجوز له أن يأبىٰ عن رئاسة المجتمع، إذ المنصوب من قبل اللّه - تعالى - لتعاطي أمرٍ و نَفاذه لااختيار له في ردّه و قبوله، و لايجوز له الاستنكاف عنه - و تفصيل الكلام في ذلك موكولٌ إلى باب النبوّة من علم الكلام -.

أضف إلى ذلك ما ورد في كلماته عليه السلام من بيان ما للبيعة من الأهمّيّة، فإنّه عليه السلام قد عدّها أمراً هامّا لاتستقيم الخلافة و الرئاسة لأحدٍ إلّابه؛ قال عليه السلام حينما أقبل إليه الناس للبيعة بعد


1) . راجع: «نهج البلاغة» الخطبة 91 ص 136؛ و انظر: «شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 7 ص 33، «بحارالأنوار» ج 32 ص 35.

أن قُتل عثمان:

«فأقبلتم إليَّ إقبال العوذ المطافيل على أولادها تقولون: البيعة! البيعة!»(1).

و لهذا و نظائره الكثيرة الّتي وردت في النهج بين حينٍ و حينٍ دلالةٌ واضحةٌ على موافقة الإمام على نظريّة الدولة الإختياريّة و إقراره بها.

و قبل الخوض في الجواب عن هذا الإشكال يجب علينا أن نشير إلى نكتةٍ، و هي لمّيّة تكرار هذا الإشكال و الجواب عنه في رسالتنا هذه؛ فقد ذكرنا الإشكال بعينه و أجبنا عنه في فصلٍ عقدناه لبيان ما استدلّ به مدافعوا الدولة الاختياريّة على صحّة القول بها فيما مضى من الرسالة؛ و لكن للأهمّيّة الهامّة الّتي حازها هذا الإشكال في رأي الذاهبين إلى نفي الولاية عن الفقيه قد أتينا به ثانياً في هذا المقام. و لكن نلخّص القول في الاجابة عنه هيهنا حذراً عن التطويل و نهيل القاريء الكريم إلى ما ذكرناه هناك.

أمّا الجواب
اشارة

عنه فنقول: لنا عن هذا الإشكال جوابان:

الأوّل:

إنّا لاننكر ورود ما ذكروه من خطبه و أقواله عليه السلام في النهج و غيره من الجوامع الروائيّة، و لكنّ الكلام كلّه في أنّ له عليه السلام أقوالاً يدلّ على عدم خضوعه عليه السلام لدولة الخلفاء الّذين سبقوا منه إلى هذا المسند، بل كان يعدّهم غاصبي هذا المنصب و يرى نفسه أمير المسلمين من غير مدافعٍ؛ كما وصفهم في الخطبة الشقشقيّة بأقبح ما يكون. فعنه عليه السلام في نفس الخطبة:

«أمَا و اللّه لقد تقمّصها فلانٌ و انّه ليعلم انّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى».

و هذا يدلّ على أنّه عليه السلام كان يرى نفسه صالحاً لرداء الخلافة، بل صاحبها الوحيد من


1) . راجع: «نهج البلاغة» الخطبة 137 ص 195؛ و انظر: «شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 9 ص 38، «بحارالأنوار» ج 32 ص 78.

غير أن يكون لاقبال الناس عليه مدخلٌ فيه.

ثمّ جعل يحكي عليه السلام نفسيّته حينما مُنع عن حقّه و جلس غيره في محلّه؛ فقال عليه السلام:

«و طفقت أرتئي بين أن أصول بيدٍ جذّاءٍ أو أصبر، فرأيت أنّ الصبر أحجى.

فصبرت و في العين قذى و في الحلق شجى»(1).

هذا شكواه عليه السلام عمّا أُجري على المسلمين على غفلةٍ منهم، فمنعوه عن حقّه و بايعوا غيره. فماذا ترى؟ هل هذا قول من يخضع لما فعل الناس من اختيار والٍ من قبل أنفسهم؟! أم هذا قول من لايرضى بما فعلوه و لايمضيه؟.

فمن البيّن وقوع التعارض بين هذين القسمين من أقواله عليه السلام؛ فلايمكن التمسّك بهما إلّا بعد القول بترجيح أحدهما على الآخر، فإذن يُقبل الراجح و يُرفض المرجوح.

و الجمع بين ما يدلّ على صحّة الدولة الاختياريّة و بين ما يدلّ على تزييفها بل وجوب الرجوع إلى الدولة الانتصابيّة يقتضي القول بأنّ الطائفة الأولى ليست إلّامن باب الزام الخصم بما هو قائلٌ به؛ فكان عليه السلام يخاطب القاسطين و المارقين و الناكثين بالمجادلة الحسنة لابالحكمة، إذ كانوا قائلين بصحّة خلافة الثلاثة لمبايعة الناس إيّاهم، و لكن ما خضعوا لخلافته و جلوسه على مسند الحكم؛ فكان يستدلّ بالمبايعة الّتي كانوا يستدلّون بها بالنسبة إلى الثلاثة.

أمّا الطائفة الثّانية فكانت تنبىء عن نظريّته السياسيّة و رأيه في كيفيّة الدولة، فكانت من باب الدعوة إلى اللّه «بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوعِظَةِ الْحَسَنَةِ»(2).

و ما في النهج من أقواله عليه السلام في هذا المضمار يدلّ على صحّة ما قلنا.


1) . راجع: «نهج البلاغة» الخطبة 2 ص 48؛ و انظر: «شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 1 ص 151، «الجمل» ص 126، «الأمالي» - للطوسيّ - ص 372 الحديث 803.

2) . كريمة 125 النحل.

الثّاني:

إنّ لتلك الخطب و الأقوال تعارضاً بيّناً مع ما يدلّ على انتصابه عليه السلام من قبل اللّه؛ و زيادةً على ما في القرآن الكريم من الآيات الدالّة عليه - كقوله تعالى:

«يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْتَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ»(1)

و قوله تعالى:

«الْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً»(2)

و غيرهما من الآيات الكثيرة الّتي اجمعت الإماميّة على دلالتها عليه -، فإنّ وقعة الغدير خير شاهدٍ على أن جعله اللّه - تعالى - وليّاً للمسلمين إماماً لهم.

فلوتمّ استدلالهم بهذه الخطب و الأقوال فلاضير أيضاً، إذ انّها تصير مخالفاً لما في الكتاب و السنّة من الآيات و الإشارات؛ فلامناص من رفضها، و قد أمر النبيّ صلى الله عليه و آله بضرب ما يخالف الكتاب على الجدار(3).


1) . كريمة 67 المائدة.

2) . كريمة 3 المائدة.

3) . لهذه الروايات الدالّة على طرح ما يخالف الكتاب راجع: «الكافي» ج 1 ص 69 الحديث 1، «وسائل الشيعة» ج 27 ص 109 الحديث 33343، «مستدرك الوسائل» ج 17 ص 325 الحديث 21484.

الإشكال السّابع عشردوام الولاية للفقيه يلازم الإستبداد

اشارة

و أساس هذا الإشكال على تحليل ثبوت الولاية للوالي، على الدّوام من غير تقييدها ببرهةٍ و فترةٍ من الزمن.

و تفصيله: إنّه يلزم على القول بثبوت الولاية للفقيه ما تنفرّ منه العقول السليمة، إذ القائلون بثبوتها له يثبتونها من غير تقييدها بفترةٍ دون فترةٍ؛ و هذا يؤدّي إلى العَسْف و حكومة الفرد من ناحيةٍ، و العناد و اللجاجة من ناحيةٍ أخرى، و منْع من هو الأصلح للولاية ممّا يليق به من ناحيةٍ ثالثةٍ. إذ يمكن أن يرُبَّ المجتمع من يكون أصلح للقيام بهذا المسند و لكن ثبوت الولاية للوالي مادام حيّاً يمنع هذا الأصلح عن رئاسة المجتمع و يمنع المجتمع عن الاستفادة عن قابليّاته و مستطاعه.

و الجواب

عن هذا الإشكال مضى في الجواب عن الإشكال السّابع، و لانعيده بتفصيله حذراً عن الاطالة. و لكن نقول مراعياً للايجاز التامّ: قد مضى تفصيل الكلام في الشرائط الّتي يجب اتّصاف الوالي بها لتصحّ الولاية له و يصلح هو لها؛ و من جملة الشروط: اقتناء العدالة و الملكة القدسيّة بحيث لم يكن مكبّاً على الدنيا محبّاً لحطامها، بل كان متحليّاً بأوصاف من استخلف عنهم عليهم السلام متخلّقاً بأخلاقهم. و من أخلاقهم عليهم السلام كون الدنيا عندهم كفيء الظلّ‌(1)بحيث لاقيمة لها عندهم، فثبت عن أميرالمؤمنين عليه السلام انّه قال:

«و اللّه لوأُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصيَ اللّه في نملةٍ


1) . فانظر: «نهج البلاغة» الخطبة 63 ص 94، «شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 5 ص 143، «روضة الواعظين» ج 2 ص 440.

أسلبها جُلب شعيرةٍ ما فعلته»(1).

و مثبتوا الولاية للفقيه يشترطون فيه اتّصافه بمكارم الأخلاق، بل صيرورتها ملكةً له.

و من جملتها الاتّصاف بعدم الكبّ على الدنيا - كما أشار إليه أميرالمؤمنين عليه السلام في هذا الحديث الشريف -؛ فكيف يمكن أن يكون عنوداً لجوجاً؟ أم كيف يمكن أن يرى في المجتمع من هو أصلح منه للقيام بهذه المهمّة من غير أن يتزحزح عن مسنده و يؤيّده للجلوس عليه؟!. فكأنّ المستشكل لم يفهم مغزى مراد القائلين بهذه النظريّة.


1) . راجع: «نهج البلاغة» الكلمة 224 ص 346؛ و انظر: «شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 11 ص 245، «الأمالي» - للصدوق - ص 622 الحديث 7، «إرشادالقلوب» ج 2 ص 216.

الإشكال الثّامن عشرالحقوق المتقابل و فلسفة الحقوق تنافى ولاية الفقيه

اشارة

و مبنى هذا الإشكال أيضاً على ما يُستفاد من نكتةٍ قد نسب إبداعها إلى علماء فلسفة الحقوق الغربيّين، و لكن توجد نظائرها في كثيرٍ من أحاديث أهل البيت عليهم السلام.

و هي: من المقرَّر في فلسفة الحقوق انّ للناس حقّاً على الحكّام، و للحكّام حقّاً على الناس؛ و علم الحقوق الحديث قد بُني على ما لهما من الحقّ المتقابل.

و من حقوق الناس على الحاكم أن يكون مختاراً من قبلهم بينما أن لاصلة بين الولاية المفوَّضة من قِبل اللّه - تعالى - إلى الفقيه و بين اعطاء الناس الحكم أحداً. فهذه النكتة تدلّ على وجوب اختيار الوالي من قبل الناس؛ و ليس هو إلّاالدولة الاختياريّة.

قال الذاهبون إلى هذا المذهب: و يؤيّد ما قلنا ما روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام في النهج(1)انّه قال:

«أيّها الناس! إنّ لي عليكم حقّاً و لكم عليَّ حقٌّ؛ فأمّا حقّكم عليَّ فالنصيحة لكم و توفير فيئكم عليكم و تعليمكم كيلا تجهلوا و تأديبكم كيما تعلموا؛ و أمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة و النصيحة في المشهد و المغيب و الاجابة حين أدعوكم و الطاعة حين آمركم».

و قوله عليه السلام هذا يدلّ على ثبوت الحقّ للناس على الوالي، و لاحقّ لهم أعظم من اختيارهم إيّاه.


1) . راجع: «نهج البلاغة» الخطبة 24 ص 79؛ و انظر: (شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 2 ص 189، «الغارات» ج 1 ص 21، «بحار الأنوار» ج 27 ص 251.

و الجواب

عن هذا الإشكال يتمّ بالنظر إلى أنّ ثبوت الحقوق المتقابلة للناس على الولاة و للولاة على الناس ممّا لايُنكر، بل العقل الصريح يحكم به؛ و لكنّ الكلام كلّه في أنّ ثبوتها لهم عليه لايدلّ على وجوب اختيارهم إيّاه. إذ من الثابت الّذي لايُنكر أيضاً ثبوتها لهم على من اختاره اللّه و جعل مقاليد الحكم في كفّه.

فالقول بثبوت الحقوق المتقابلة لايؤدّي إلى القول بوجوب اختيار الدولة الاختياريّة، اذ نفس الحقوق ثابتٌ لهم على الفقيه الوليّ أيضاً؛ و عليه أن يراعيها من غير تكاسلٍ و فشلٍ و فتورٍ منه فيها.

و قوله عليه السلام في رسالةٍ أرسلها إلى معاوية يدلّ على جدّه و اجتهاده في هذا الأمر، فإنّه عليه السلام كتب فيها:

«ما أصبح بالكوفة أحدٌ إلّاناعماً، إنّ أدناهم منزلةً ليأكل البرّ و يجلس في الظلّ و يشرب من ماء الفرات»(1).

و هذا يُعدّ من الواجب على الفقيه الوليّ أيضاً، إذ جدّ الحاكم في سبيل الراحة و الرفاهيّة و المصالح العامّة من أهمّ ما فرض عليه.

فتلخّص ممّا قلنا انّ ثبوت الحقوق المتقابلة للناس على الوالي و له عليهم لايدلّ على صحّة الذهاب إلى الدولة الاختياريّة، بل هذه الحقوق ثابتةٌ أيضاً لهم على الوالي المنصوب من قِبل اللّه - سبحانه و تعالى -.


1) . راجع: «بحارالأنوار» ج 40 ص 327، «المناقب» ج 2 ص 99.

الإشكال التّاسع عشرولاية الفقيه تنافى الحُرّيّة

اشارة

و هذا الإشكال مبنيٌّ على مغالطةٍ ظاهرةٍ في تقسير الحرّيّة و ما هو المطلوب منها.

و تفصيله: إنّ اللّه خلق الإنسان حرّاً من غير أن يكون عبداً لغيره، و حرّيّته تقتضي ثبوت الخيار له فيما يرجع إليه من أموره الفرديّة و الجماعيّة، فله الخيار في اختيار الحكّام؛

و لكن من البيّن الّذي لايُشكّ فيه انّ نظريّة الانتصاب لاتوافق خيار الناس في تفويض الولاية إلى من يختاروه، فمن الواجب رفضها و الذهاب إلى الدولة الاختياريّة.

و الجواب

عن هذا الإشكال ببيان مغالطةٍ وقعت فيه، و هي الخلط بين حرّيّة الإنسان و بين خياره لاختيار الوالي. فانّ ثبوت الحرّيّة ممّا لاينكر، بل لاينبغي الترديد فيه، فإنّ فكّ الأغلال عن أيدي الناس قد عُدّ من الفرائض على الأنبياء عليهم السلام؛ قال - تعالى -:

«وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ»(1).

فلاريب في صحّة ثبوتها لهم. و لكنّ الكلام كلّه في أنّ العقل لايحكم بصحّة الحرّيّة المطلقة للإنسان، و عليه جرت سيرة العقلاء أيضاً.

فهذا المجتمع البشريّ من القبائل البدويّة الّتي لامدنيّة لها إلى الدول المتمدّنة الّتي حازت السبق في مجال الصنايع و الفنون كلٌّ يحكم بلزوم الدُّستور في المجتمع و عدم جواز تمرّد الناس عنه و عصيانهم منه. كما انّ في جميع دستورات البلاد نرى قد قُيّدت حرّيّته من نواحي شتيتة - كعدم جواز خروج الناس على الحكم و الحاكم، و عدم جواز بيع السلاح لمخالفي الدولة، و عدم جواز القيام بما ينجرّ إلى فساد المجتمع أمنه أو اقتصاده أو غيرهما من المصالح


1) . كريمة 157 الأعراف.

العامّة -؛ فليست سيرة العقلاء جاريةً على الخضوع لحرّيّة الإنسان المطلقة من غير أيّ تقييدٍ فيها؛ و هذا واضحٌ.

و للإسلام أيضاً دُستورٌ هو الوحي المبين و السنّة الشريفة الّتي هي مفسّرةٌ له، فلودلّ هذا الدُّستور على تقييدٍ في ناحيةٍ من نواحي حرّيّة الإنسان فلايجوز التمرّد عنه. و قد ذكرنا طائفةً من الآيات و الأحاديث الدالّة على أنّ اللّه «يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ»(1)زيادةً على حكم العقل بأنّه يجب من اللّه أن يفوّض الولاية إلى من هو الصالح لها كي لايؤدّي أمر المجتمع إلى الهرج و الاضطراب؛ قال - سبحانه و تعالى -:

«إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ»(2)

و قال - تعالى -:

«وَ مَنْ لَمْيَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ»(3).

فمن لم يخرج عن رقبة الإسلام بالخروج عن حكم الفقيه الوليّ فله الحرّيّة على ما يرسمه دُستور الإسلام.

فخلقُ اللّهِ الإنسانَ حرّاً أمرٌ نؤيّده و نقرّر عليه، و لكن من غير خضوعٍ لحرّيّته المطلقة.

و هذا ممّا حكم به العقل و جرت عليه سيرة العقلاء في جميع الأمصار و الأعصار.


1) . كريمة 247 البقرة.

2) . كريمة 57 الأنعام، 40 يوسف، 67 يوسف.

3) . كريمة 44 المائدة.

الإشكال المتمّم للعشرين تباين السّياسة و الشّريعة

اشارة

و هو الأخير ممّا نبحث عنه من الإشكالات الّتي أوردها خاضعوا الدولة الاختياريّة على مبنى الدولة الانتصابيّة.

قالوا: إنّ بين السياسة و بين الشريعة تبايناً جوهريّاً بحيث لاصِلة بينهما، إذ الأوّل بُني على الخدعة و الكذب و الإفك و الشَّطارة و ما يشبهها؛ بينما انّ الثّاني بُني على سلامة النيّة و الكرامة و الصلاح و السداد. فلايمكن أن يكون السياسيّ صالحاً سديداً كما لايمكن أن يكون المتشرّع الزاهد خدّاعاً كذّاباً؛ فلكلٍّ شرعةٌ و منهاجٌ يوصلهما إلى ما هو المطلوب لهما.

و تباين الطريقين يدلّ على تباين الغايتين و الغرضين، فعلى السياسيّ أن يترك الشرع و على المتشرّع أن يهجر السياسة.

و الجواب:

إن هذا الإشكال مع ما له من الضوضاء و الحَيصة البالغة يُعدّ من أوهن الإشكالات، بل لاوقع له عند العقل السليم. إذ مضت الإشارة إلى الآيات و الأحاديث الدالّة على أنّ للإسلام - كغيره من الشرايع الإلهيّة - دولةً و حكماً، و لاحكم إلّابالسياسة؛ فثبوت السياسة في الشريعة ممّا لاينبغي أن يُنكر. نعم! للسياسة الإسلاميّة ميزاتٌ خاصّةٌ تحكم بافتراقها عن السياسة غير الإلهيّة؛ قال - سبحانه و تعالى -:

«لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ

بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ»(1).

فللرسل حكمٌ، فلهم سياسةٌ كما للمستخلفين عنهم. و قال سيّد الخلفاء و الوصيّين مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام:

«لولا كراهيّة الغدر لكنت من أدهى الناس»(2).

فلسياستهم ميزاتٌ منها الاجتناب عن الغدر و المكر. فبما قلنا ظهر أنّ السياسة الغدريّة لاصلة لها بالإسلام، بل للإسلام سياسةٌ إلهيّةٌ صالحةٌ غير مبتنيةٍ على المكر و الإفك.

و هذا بعينه يجري في زمن الغيبة أيضاً. فللدولة الإسلاميّة و الفقيه الّذي يُعدّ قائدها نفس السياسة الصالحة؛ فهذا الإشكال أيضاً لايردّ على مبنى القائلين بثبوت الولاية له؛ و الحمد للّه ربّ العالمين.


هذا تمام الكلام في الرّد و الإجابة عن أهمّ ما استشكلوا به على مبنى الخاضعين للدولة الانتصابيّة، و قد فرغنا من بيان تفصيله و الاجابة عنه. و بالرجوع إلى هذه الإيرادات يظهر ما لنا من الآراء حول غيرها من الإشكالات؛ فلاحاجة إلى ذكر غيرها و الاجابة عنها، إذ هذا يؤدّي إلى التطويل من غير فائدةٍ علميّةٍ أو عمليّةٍ؛ فآن لنا أن نطوي الكلام في هذا الفصل حامداً للّه مصلّياً على نبيّه و آله الطاهرين عليهم السلام.



1) . كريمة 25 الحديد.

2) . راجع: «نهج البلاغة» الكلمة 200 ص 318؛ و انظر: «شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 10 ص 211، «الكافي» ج 2 ص 338 الحديث 6، «بحارالأنوار» ج 72 ص 290، «وسائل الشيعة» ج 15 ص 70 الحديث 20005.

الفصل الخامس أسؤلة حول ولاية الفقيه و أجوبتها

اشارة

الفصل الخامس أسؤلةٌ حول ولاية الفقيه و أجوبتها

قد ذكرنا في الفصل الرّابع قسطاً من الإشكالات الّتي أوردت على مبنى ثبوت الولاية للفقيه؛ و قد فرغنا من الاجابة عنها.

و هناك أسؤلةٌ قد اقترحها المحقّقون لايضاح هذه الأطروحة أكثر ممّا كانت عليه، فعلينا أن نذكر الأسؤلة ثمّ نجيب عنها لتنوير المبحث و إضاءته.

و هذه الأسؤلة أيضاً كثيرةٌ، و نحن هيهنا ذاكرون ما هو ألأهمّ منها حذراً من التطويل و خوفاً من الاطالة و نذيّل على كلّ واحد منها بما لنا حوله من الجواب؛ و اللّه الهادي.

فنقول:

السؤال الأوّل: هل لولىّ الفقيه رتبةٌ فوق رتبةِ الدُّستور؟

اشارة

هل للفقيه الوليّ مرتبةٌ فوق مرتبة القانون و الدُّستور؟ أم مرتبته دونه؟. و بعبارةٍ أخرى:

هل هو في مستوىً أعلى من مستوى القانون أم هو محكومٌ بأحكامه أيضاً؟.

و الجواب:

مضى منّا الكلام في أنّ الفقيه الوليّ له مرتبة الخلافة العامّة عن سادات الكونين عليهم السلام، فحكمه في المسألة نفس حكمهم عليهم السلام فيها. و هو: إنّهم يُعدّون من ناحيةٍ في مستوىً أعلى من مستوى القانون، و من ناحيةٍ أخرى لافرق بينهم و بين غيرهم في وجوب الطاعة عن الدستور و الناموس الإلهيّ؛ و هي الشريعة الإسلاميّة.

و تفصيل الكلام فيه: إنّ للحكم مراتب أربع:

مرتبة الاقتضاء؛

و مرتبة الإنشاء؛

و مرتبة الفعليّة؛

و مرتبة التنجّز.

أمّا في المرتبة الأولى فلاحكم؛

و في المرتبة الثّانية قد أنشأ اللّه الحكم من غير أن يوحى به إلى النبيّ عليه السلام؛

و في المرتبة الثّالث يبلّغه - تعالى - إليه عليه السلام؛

و في المرتبة الرّابع يتنجّز الحكم على جميع المكلّفين - كان من كان -.

و المرتبة الثّالث هو مرتبة تبيين الأحكام الّذي قد فوّضها اللّه - تعالى - إلى نبيّه؛ قال - سبحانه و تعالى -:

«وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ»(1).

و مستوى تبيين الذكر - أي: الدُّستور - فوق مستوى الذكر، فالنبيّ في هذه المرتبة في مستوىً أعلى من مرتبة القانون؛

أمّا في المرتبة الرّابع فلافرق بين النبيّ و بين غيره في تنجّز الأحكام عليهم، فهو محكومٌ بها و لايجوز له التمرّد عنها.

و هيهنا نكتةٌ لطيفةٌ؛ و هي: انّه صلى الله عليه و آله بما كان له من القرب إلى اللّه - تعالى - و مرتبة العبوديّة التامّة كان أشدّ رعايةً من غيره بالنسبة إلى الأحكام، بل كان يجب عليه ما لم يكن واجباً على غيره. فبعد تنجّز التكليف كان أشدّ خضوعاً للدستور الإلهيّ من غيره، و كذلك خلفاؤه المعصومون عليهم السلام.

و الحكم في عصر الغيبة نفس الحكم أيضاً، فالفقيه الوليّ في مرحلة جعل الدُّستور من قِبل مجلس الشورى الإسلاميّ يُعدّ في مرتبةٍ أعلى من مرتبة القانون، أمّا بعد تنفيذه من قبله و إمضائه إيّاه فلافرق بينه و بين غيره في وجوب المتابعة عنه، بل يجب عليه - بما له من الخلافة العامّة - أن يكون أشدّ مواظبةً من غيره عليه؛ قال مولانا الصادق عليه السلام:

«إنّ الحسن من كلّ أحدٍ حسنٌ و إنّه منك أحسن لمكانك منّا، و إنّ القبيح من كلّ أحدٍ قبيحٌ و إنّه منك أقبح لمكانك منّا»(2).

أضف إلى ذلك انّ التمرّد عن القانون لاسبب له إلّااستكثار المنافع الفرديّة و الإفراط في


1) . كريمة 44 النحل.

2) . راجع: «بحارالأنوار» ج 47 ص 349، «شرح ابن أبي الحديد» على النهج ج 18 ص 205، «العدد القويّة» ص 153، «المناقب» ج 4 ص 236.

مسألة ما يتعلّق بالغير - مرتبةً كان أو حقّاً أو منفعةً مادّيّةً -، و قد اشترطنا في الوالي اتّصافه بالعدالة؛ فلايطلب ما ليس له فيه حقٌّ، فلايحتاج إلى التمرّد و العنود عن الدُّستور.

فظهر بما قلنا أن لافرق بينه و بين آحاد الناس في وجوب الطاعة عن القوانين بعد تنجّزها و صيرورتها بالفعل بعد أن كان في المراتب الثلاث الأولى.

و لافرق في ما قلنا بين الأحكام الأوّليّة و الثانويّة، فإذا حكم الفقيه - مرجِعاً كان أو وليّاً - بحكمٍ بما له من العناوين الثانويّة فهو منجّزٌ عليه أيضاً، و لايمكن له العصيان عنه. كحكم المجدّد الشيرازيّ رحمه الله بحرمة التنباك في فترةٍ خاصّةٍ، فلايجوز له شرب التتن فيها كما لايجوز لغيره من المؤمنين.

السؤال الثّاني ما هى النّسبة بين الولىّ الفقيه و مجلس الدُّستور؟

اشارة

ما هى النسبة بين الفقيه الوليّ و مجلس الشورى الإسلامي؟.

و الجواب

عن هذا السؤال ظهر ممّا ذكرنا في الاجابة عن السؤال الأوّل، حيث ظهر أنّ فرض البرلمان و واجبه هو إنشاء الدُّستور و الناموس، و لايتنجّز هذا الناموس إلّابعد ما رسم عليه الوليّ، و هذا من وظائفه و قد فوّضها اليوم إلى مجلس صيانة الدّستور و الفقهاء النظّار على ما يأتي به الندوة النيابيّة من القوانين.

ثمّ بعد أن أقرّه و صار الناموس فعليّاً بعد أن كان في مرحلة الإنشاء لافرق بينه و بين الوكلاء و بين آحاد الناس في وجوب الطاعة عنه؛ ففي مرحلة الإنشاء هو في مستوىً أعلى من مرتبة مجلس النوّاب أمّا في مرحلة التنجّز فهو محكومٌ بما صوّبه ممّا قرّره المجلس النيابيّ.

فالمجلس النيابيّ يُعدّ عضْداً من أعضاد الوالي بعينه في وضع النواميس الّتي يحتاج إليها المُلك و الدولة بين حينٍ و حينٍ.

السؤال الثّالث ما هو المخرج عن معضلة تعدّد الولاة بتعدّد الفقهاء؟

اشارة

ما هي الحيلة للخروج عن معضلة تعدّد الولاة في زمنٍ واحدٍ، إذ من البيّن الّذي قد قرّرتم عليه انّ اللّه - تعالى - قد علّق حكم الولاية على العنوان؛ قال الحجّة عليه السلام:

«و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه»(1).

فمجرى الولاية في زمن الغيبة هو «من نظر في حلالنا و حرامنا»(2)- لبداهة امتناع تَعداد الفقهاء و تذكارهم من لدن ظاهرة الغيبة إلى قيام الحجّة عليه السلام -، هذا من ناحيةٍ؛

و من ناحيةٍ ثانيةٍ نرى تعدّد الفقهاء العدول في كلّ عصرٍ و حتّى في مصرٍ واحدٍ، و لايؤدّي هذا إلّاإلى تعدّد الولاة، و هذا ممّا يحكم العقل ببطلانه؛ بل بسفاهة القائل بامكانه، إذ توحّد الحكم و الدولة ممّا لامناص منه.

و الجواب
اشارة

عن هذا السؤال قد مضى فيما سبق من هذه الرسالة؛ و هيهنا نقول مراعياً للاختصار:

نعم! لاريب في صدق العنوان على فئةٍ من الأعلام في كلّ عصرٍ، و لكن عليهم أن يقدّموا من له الصلاحيّة التامّة للقيام بأمر الولاية ثمّ يطيعوه في كلّ ما أمر به و نهى عنه. و قد تعرّض الأصحاب لحكم المسألة في أبواب القضاء، فقد أجمعوا على أنّ المستنبط لايجوز له نقض ما قضى به القاضي لبطلانه على مقتضى رأيه و فتواه، بل عليه أن يخضع لحكمه.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 140 الحديث 33424.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 136 الحديث 33416.

نعم! لو لم يكن الخلاف مستنداً إلى اختلافهما في المباني - بل كان مستنداً إلى ما يرجع إلى الحسّ - فله أن لايعمل بما حكم به القاضي و الحاكم؛ كحكم الحاكم بالخروج عن شهر اللّه و الدخول في شوّال مستنداً فيه إلى شهادة عدلين لم تثبت عدالتهما عند فقيهٍ آخر - بل ثبت عنده عدم اتّصافهما بالعدالة -؛ فلهذا الفقيه أن لايعمل بما حكم به الحاكم. أمّا تنصيصه بعدم الخروج عن شهر الصيام بحيث يؤدّي إلى وهن الحاكم فممّا لايجوز عليه؛ و قد نصّ عليه الأصحاب في كتاب القضاء(1).

و لما ذهب إليه الفقهاء طيلة القرون من ثبوت الإجزاء في بابي الإجتهاد و التقليد أيضاً إشارةٌ إلى منعهم عن نقض الفقيه ما حكم و أفتى به غيره و لوكان مخالفاً لما أدّى إليه رأيه و نظره.

قالوا: يصحّ الاقتداء بإمامٍ يكتفي بتسبيحةٍ واحدةٍ و يجزيها في الصلاة لمن يقلّد من مستنبطٍ لايجزي إلّاتسبيحاتٍ ثلاث، و ليس له أن يُنكر صلاة الإمام مستنداً إلى ما أفتى به مرجِعه؛ و هذا معنى الاجزاء في التقليد. فلوكان كذلك فمن البيّن عدم جواز نقضه ما حكم به القاضي و الحاكم مقلِّداً كان أو مقلَّداً.

نعم! لا منع من تعدّد الآراء فيما لايرجع إلى الدولة، فاختلاف آراء الفقهاء في أبواب العبادات و المعاملات و غيرهما ممّا لامساس له بالدولة و ضرورة توحّدها لايُعدّ قبيحاً، بل لاخلاف في حسنه - لأنّه يؤدّي إلى ارتقاء الفقه و ازدهاره خطوةً فخطوةً -.

فظهر ممّا قلنا في الاجابة عن هذا السؤال أمورٌ:

الأوّل:

وجوب طاعة المقلَّدين و مقلِّديهم عن الحاكم فيما يرتبط بأمور الحكم؛


1) . فانظر على سبيل المثال: «المبسوط» ج 8 ص 302، «قواعدالأحكام» ج 2 ص 433، «تحريرالأحكام» ج 2 ص 219، «إيضاح الفوائد» ج 4 ص 319، «القضاء في الفقه الإسلاميّ» - للسيّد العلّامة الحجّة السيّد كاظم الحائريّ - صص 200، 800.

و الثّاني:

جواز اختلافهم فيما لايرتبط بها؛

الثّالث:

جرت السيرة على عدم نقض بعض الفقهاء حكم الآخر فيما لايرجع إليها أيضاً، إذ أجمعوا في الفقه على ثبوت الإجزاء في بابي الإجتهاد و التقليد.

فبما قلنا ظهر انّ صدق العنوان على ثلّةٍ من الأعلام في زمنٍ واحدٍ لامناص عنه، و لكن هذا لايؤدّي إلى عدم توحّد الدولة و ظهور الهرج و الاضطراب في أمر الحكم.

السؤال الرّابع هل تجب الطّاعة عن جميع أوامر الولىّ و نواهيه؟

اشارة

هل تجب طاعة الوليّ في كلّ ما يأمر به أو ينهى عنه؟، و بعبارةٍ أخرى: هل يكون الفقيه الوليّ مفترض الطاعة؟.

و الجواب:

لاخلاف بين الشيعة الإماميّة في وجوب الطاعة عن النبيّ صلى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام في أوامرهم و نواهيهم، حكماً كان أو موضوعاً؛ قال - سبحانه و تعالى -:

«وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لَامُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرةُ مِنْ أَمْرِهِمْ»(1).

أمّا الوليّ فذهب فريقٌ إلى وجوب الطاعة منه؛ و جماعةٌ إلى نفيه. فالمسألة بين قائلٍ بالاثبات و قائلٍ بالنفي.

أمّا النافون فاستندوا إلى أنّ هذا المستوى لايليق بغير المعصومين عليهم السلام. نعم! يجب طاعة الفقيه في بابي الأحكام و القضاء، أمّا في الموضوعات فلايجب الطاعة عنه.

أمّا المثبتون فاستدلّوا على ما ذهبوا إليه بأمرين:

الأمر الأوّل: قالوا: إنّ الآيات الدالّة على وجوب الطاعة عن النبيّ صلى الله عليه و آله لاترجع إلى شخصه، و لاارتباط بينها و بينه؛ بل الآيات كلّها تشير إلى وجوب الطاعة عنه بما هو وليّ المسلمين و هادي المجتمع إلى ما فيه خيره. و هذا المنصب ثابتٌ للفقيه الوليّ في عصر الغيبة أيضاً، فلافرق بينه و بين النبيّ صلى الله عليه و آله و أهل بيته المعصومين عليهم السلام في هذا المضمار. و هذا الدليل قد ذكره الشيخ الأعظم رحمه الله في كتاب القضاء و الشهادات، و قد أومأنا إليه فيما مضى


1) . كريمة 36 الأحزاب.

من هذه الرسالة.

الأمر الثّاني: قالوا: إنّ مجرى حكم الحاكم هو الموضوعات، إذ لاحكم له في الأحكام - كحكمه بالخروج عن شهر اللّه و الدخول في الشوّال -، هذا من ناحيةٍ؛

و من ناحيةٍ أخرى قد انعقد الإجماع - بل هو من الضروريّات في فقه أهل البيت عليهم السلام - على نفوذ حكم الحاكم على المسلمين - كان من كان، و لوكان مجتهداً جامعاً لشرائط الإفتاء -، فيجب بالإجماع الطاعة عنه فيما يحكم به، و لاحكم له إلّافي الموضوعات؛ فهو مفترض الطاعة. و لافرق بينه و بين المعصومين من هذه الوجهة و الناحية.

نعم! هيهنا نكتةٌ و بالغفلة أو التغافل عنها قد يعيّرنا مثبتوا الدولة الاختياريّة قائلين: إنّ هذا القول يساوي نفي الخيار عن الناس، إذ من البيّن انّ للوليّ ما لغيره من الناس من الأميال و الأهواء، فلوحكم بما تقتضيه أهواؤه لايحكم العقل بوجوب الطاعة منه بينما انّكم قد أوجبتم على المسلمين التبعيّة منه في كلّ ما أمر به و نهى عنه.

و الجواب عن هذا التعيير باستلفات نظرهم إلى ما مضى من شرائط الوليّ الّتي لايصلح للجلوس على عرش الحكم إلّاباقتنائها، حيث قلنا انّ العدالة من الشرائط اللازمة له، فلايحكم بما تقتضيه أمياله. بل لوحكم به ليصير فاسقاً و ليسقط من الإمارة و ليكون متغلّباً لاوليّاً مفترض الطاعة.

فظهر بما قلنا انّ تعييرهم هذا لاينشأ إلّاعن عدم التثبّت و الدقّة فيما اشترطناه فيه.

السؤال الخامس ماهى النّسبة بين الولىّ الفقيه و مسألة الشّورىٰ؟

اشارة

ما هي النسبة بين القول بثبوت الولاية للفقيه الجامع لشرائط الإفتاء و بين الشورى الّتي أكّد و شدّد عليها القرآن الكريم في بعض آياته، كقوله - تعالى -:

«وَ أَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَينَهُمْ»(1)

و قوله - تعالى -:

«وَ شَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ»(2).

أ ليس قولكم هذا مخالفاً لمدلول الكريمتين و ما يشبههما؟.

و الجواب
اشارة

عن هذا السؤال قد مضى في هذه الرسالة؛ و تلخيص القول فيه يتمّ بالإشارة إلى الأدلّة المثبتة إيّاها له، فتلك الأدلّة دالّةٌ على أن ليس الحكم بالشورى.

نعم! هيهنا نكتٌ يجب علينا أن نشير إليها:

النكتة الأولى:

الظاهر انّ قوله - تعالى -: «وَ أَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ» إرشادٌ إلى حكمٍ أخلاقيٍّ يشدّد عليه العقل أيضاً، و هو: وجوب الرجوع في مهامّ الأمور إلى رأي الناس و عدم جواز الاستبداد فيها. فمن أراد أن يزوّج بنته عليه أن يشاور في زواجها، و كذلك من أراد أن يشتري داراً؛... و هكذا.

النكتة الثّانية:

إنّ سريان الآية إلى أمر الحكم لتكون دالّةً على وجوب كونه بالشورى لايخلو عن شيءٍ، إذ لايتمّ هذا إلّابأخذ الإطلاق عنها، و هذا من المحذور منه، إذ الآية نزلت


1) . كريمة 38 الشورى.

2) . كريمة 159 آل عمران.

في مقام تشريع الحكم فلاإطلاق لها حتّى يؤخذ به.

النكتة الثّالثة:

لوكابر مكابرٌ و أصرّ على جواز أخذ الإطلاق منها فنقول: إنّ المتيقّن من إطلاقها وجوب رجوع الولاة و الحكّام في كلّ مسألةٍ إلى آراء المخصّصين فيها، لا كون أصل الحكم بالمشاورة بحيث لم تكن للوليّ ولايةٌ فيه.

النكتة الرّابعة:

و على فرض تماميّة دلالة الآية على مطلوبهم نقول: إنّ الأدلّة الّتي اقمناها على ثبوت الولاية للفقيه في زمن الغيبة تُخصّص هذه الآية الكريمة، فلادلالة فيها على ما استدلّوا بها له.

النكتة الخامسة:

و قول الفصل في المسألة هو قوله - تعالى - حيث قال:

«فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ»(1)

حيث دلّ على حكومة قول الوالي على غيره من الأقوال. و قد مضى تفصيل الكلام فيما يرتبط بالمقام.


1) . كريمة 159 آل عمران.

السؤال السّادس هل يمكن تعدّد الولاة فى الدّول المتعدّدة؟

اشارة

أشرنا في السؤال الثّالث إلى امتناع تعدّد الولاة في مصرٍ واحدٍ في عصرٍ؛ و الآن بدا لنا شيءٌ آخر، و هو: هل يمكن تعدّد الولاة الفقهاء في الدول المتعدّدة؟ أم يجب توحّد الفقيه الوليّ في جميع الدول؟

و الجواب:

إنّا أشرنا في الجواب عن ذلك السؤال إلى أنّ السرّ في امتناع عدد الولاة هو لزوم الهرج و الاضطراب في المُلك لو كان هناك وليّان لكلٍّ منهما أوامر و نواهٍ، أمّا في الدول المتعدّدة فلامانع من ثبوت الولاية و فعليّتها لطائفةٍ من الفقهاء يسلّط كلٌّ منهم على عرش الحكم في دولةٍ بالاستقلال، إذ لايلزم من ذلك ظهور الاضطراب في أمر الملك.

نعم! لاخلاف في ثبوت التوحّد في الأولى العزم من الرسل و في أئمّة أهل البيت عليهم السلام، فلايمكن اجتماع أولي العزمين في زمنٍ واحدٍ و كذلك إمامين حالكونهما قائمين على مسند الإمامة.

نعم! توحّد الولاية أمرٌ مطلوبٌ يفضي إلى عمران البلاد و أمن الناس، و لكن الظاهر أن لاسبيل إليه إلّابقيام الحجّة عليه السلام.

أضف إلى ذلك ما مضت الإشارة إليه من ثبوت الولاية لجميع الفقهاء و لوكانوا في بلدةٍ واحدةٍ، و لكن ذلك فيما لايرتبط بالحكم - كأخذ الأخماس و الزكوات و القيام بإدارة الحوزات العلميّة و القضاء بين الناس و الإفتاء لهم -؛ و ذلك لأنّه لايؤدّي إلى التهافت و

الهَلَع في أمر الملك.

فظهر بما قلنا انّه لامانع من ثبوت الولاية للولاة الفقهاء في الدول المتعدّدة بحيث يسلّط كلٌّ منهم على دولةٍ من غير أن يصير هذا سبباً لتضعيف حكم الإسلام و دولته.

السؤال السّابع هل ولاية الولىّ الفقيه تقبل التفويض أم لا؟

اشارة

هل هذه الولاية ممّا تقبل التفويض؟ أم لا؟؛ و بعبارةٍ أخرى: هل يجوز للوليّ أن يفوّض منصبه إلى آخر؟ أم لا؟. و لو لم يجز له ذلك فكيف تُوجَّه الإدارات و الدواوين الحكوميّة الّتي لها ولايةٌ على بعض الأعمال؟.

و الجواب:
اشارة

انّ هيهنا نكتاً:

النكتة الأولى:

مضى فيما سبق من هذه الرسالة تفصيل الكلام في أنّ الولاية مفوَّضةٌ من قبل اللّه - تعالى - إلى الفقيه العادل المدبّر، فهو من الأحكام لا من الحقوق، و من الفروق البنائيّة بين الحقّ و الحكم: انّ الأوّل يقبل التفويض بينما أنّ الثّاني لا تفويض فيه(1).

و هذا جار في جميع الأحكام إلّاما أخرجه الدليل. فلايجوز أن يفوّض أحدٌ الصلاة الواجبة عليه إلى آخر ليصلّي بدلاً منه؛ و هكذا في الصوم و غيرهما من الأحكام. نعم! قد استثنى الشارع الحجّ، فيجوز أن ينوب أحدٌ عمّن لا استطاعة له بدنيّاً لأن يحجّ؛ أمّا في غيره من الأحكام فلا نيابة و لاتفويض فيه. فثبوت التفويض في الولاية أيضاً يحتاج إلى دليلٍ، و هو مفقودٌ في المقام.

النكتة الثّانية:

إنّ المفوَّض إليه إمّا أن يكون مجتهداً عادلاً مدبّراً؛

و إمّا أن لم يكن؛

أمّا الثّاني فبطلان التفويض فيه ظاهرٌ لايحتاج إلى مزيد بيانٍ، إذ من البديهيّ اشتراط اثني عشر شرطاً في الوليّ، و من لم يتّصف بها - و لو بواحدٍ منها - فلايصلح للقيام بهذا


1) . و انظر: «رسالة الحقّ و الحكم» - للعلّامة الشيخ هادي الطهرانيّ - ص 106.

المسند؛ فلايتصوّر أن يُفوّض إليه ما لاحقّ له فيه.

أمّا الأوّل فمضى في الجواب عن السؤال السّادس انّ الولاية ثابتةٌ لجميع الفقهاء في كلّ عصرٍ، و لكن يحكم العقل بلزوم التوحّد في الحكم، فعليهم أن يقدّموا من هو الأصلح لهذا الأمر ثمّ يطيعوه كما تجب الطاعة عنه على آحاد الناس. فلايجوز تفويض الولاية بحيث يؤدّي إلى الهرج في المجتمع.

نعم! في موارد لاتوجب الاضطراب لامانع من هذا التفويض، بل نفس الولاية ثابتةٌ للفقهاء من غير أن يحتاج إلى تفويضٍ.

النكتة الثّالثة:

أمّا بالنسبة إلى غير الفقهاء فلاتفويض - كما مضت الإشارة إليه في النكتة الثّانية -.

بقي الكلام في الإدارات و الدواوين الحكوميّة الّتي لها ولايةٌ على ما يرتبط بها و رؤساء تلك الدواوين - كالعامل على البلد و المتصرّف و المحافظ و رئيس المجلس البلديّ و غيرهم من رؤساء الدوائر -؛ فنقول: الحقّ أن لاتفويض هناك، بل كلّهم أعضاد الوالي. و هذا مقتضى طبع الحكم و الحكومة، إذ لايقوم الحكم إلّابفئةٍ من الرؤساء و العمّال على البلاد و الوكلاء و المتصرّفين و غيرهم؛ و قلنا انّ هذا من مقتضى طبع الحكم، لا انّه نشأ من تفويض الوالي الولاية إليهم.

و هذا إمّا من باب الإجارة، أو من باب النصب، أو من باب الوكالة؛ و الأوّل أولى.

و تفصيل الكلام فيه موكولٌ إلى محلّه من علم الفقه.

السؤال الثّامن ما هو حكمُ مَن خالف الولىّ الفقيه؟

اشارة

ما هو الحكم في مَن خالف الوالي في أحكامه؟؛ و هل يجب على الناس أن يطيعوه في كلّ ما أمر به و نهى عنه؟.

و الجواب:

أمّا الجواب عن الشقّ الأخير فقد مضى تفصيل الكلام فيه؛ أمّا الأوّل من الشقّين فالجواب عنه في عهدة هذه الأسطار. فنقول:

إنّ لنفس الولاية أحكاماً؛ منها ما يرجع إلى الوالي؛

و منها ما يرجع إلى غيره؛

و غير الوالي إمّا أن يكون مجتهداً عادلاً؛

و إمّا أن لايكون بهذه المثابة. فهيهنا أقسامٌ ثلاثةٌ؛ و تفصيل الكلام في كلٍّ من الأقسام:

أمّا الوالي فيجب عليه قبول الولاية و التصدّر لهذا المنصب لوكان متعيّناً فيه، فلوفرض - و العياذ باللّه منه! - أن لايوجد في موطنٍ و قطرٍ إلّافقيهٌ واحدٌ و اجتمع فيه مع الفقاهة العدل و التدبير للأمور يتعيّن عليه أن يقوم بهذا المنصب، و وجوبه عليه وجوبٌ عينيٌّ. و ذلك لأنّها من مهامّ الأحكام، بل لايبعد القول بأنّه لا أهمّ منها؛ قال عليه السلام:

«و لم يناد بشيءٍ كما نودي بالولاية»(1).

أمّا في فرض تعدّد مصاديق هذا العنوان بحيث تكون في زمنٍ واحدٍ فئةٌ من الموصوفين بالفقاهة و العدالة و التدبير فوجوب القيام بهذا المنصب عليهم وجوبٌ كفائيٌّ بحيث يسقط


1) . راجع: «الكافي» ج 2 ص 18 الحديث 1، «وسائل الشيعة» ج 1 ص 17 الحديث 10، «بحارالأنوار» ج 65 ص 332، «المحاسن» ج 1 ص 286 الحديث 429.

من الجميع لوقام واحدٌ منهم به؛ هذا في الفقيه الوليّ.

و هكذا الكلام في الفقيه المرجِع و وجوب قيام من يصلح لهذا المسند به و سقوط الوجوب عن غيره ممّن يصلح له.

هذا ما يتعلّق بالقسم الأوّل من الأحكام.

أمّا القسم الثّاني فانّ لمخالفة المستنبطِ الفقيهَ الوليَّ صورتين بعد التسالم على أنّ خلافه مستندٌ إلى ما أدّى إليه نظره و رأيه. فالفقيه بعد أن أدّى رأيه إلى ما يخالف رأي الوالي هل يجوز له أن يعلن نظره و يقابل به رأي الوالي؟ أم لا؟

أقول: إنّ لهذه المخالفة صورتين:

الصورة الأولى: ما إذا كان خلافه في فتوىً من الفتاوي بحيث لم يؤدّ إلى تزييف الحكم و تضعيفه، و هذا ممّا لامانع منه، إذ له - بما هو من الأخصّائيّين - أن يعلن ما أدّى إليه نظره من غير أن يردّ فيه على الوليّ؛

الصورة الثّانية: ما إذا كان خلافه في ما يرتبط بالحكم، لا فيما يرتبط بالفتوى. ففي هذه الصورة يجب على جميع الفقهاء - بحكم العقل و السيرة المستمرّة بين العقلاء - أن يخضعوا لحكمه حذراً عن الهرج في الملك المؤدّي إلى نقض ما هو الغرض المطلوب من تشكيل الحكم و تشكّله. و المسألة قد تعرّض لها الأصحاب في باب القضاء و الشهادات؛ و قد سبقت الإشارة إلى أنّهم ذهبوا إلى عدم جواز نقض الفقيه حكم القاضي و لو كان أعلم و أفقه بالنسبة إليه. و في مقبولة عمر بن حنظلة دلالةٌ واضحةٌ عليه حيث قال الإمام عليه السلام:

«فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبل منه فإنّما استخفّ بحكم اللّه و علينا ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على اللّه و هو في حدّ الشرك باللّه»(1).


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 136 الحديث 33416.

فلايجوز لفقيهٍ الردّ على الوالي بحيث يؤدّي إلى وهن الحكم و الدولة. هذا ما يتعلّق بالقسم الثّاني من الأقسام.

أمّا القسم الثّالث، فله أيضاً صورتان:

الصورة الأولى: ما إذا كان تمرّده عن حكم الوالي غير مضرٍّ بسيطرة الحكم، و بعبارةٍ أخرى: إذا كانت مخالفته مخالفةً في القول من غير أن يضرّ باستمرار الدولة و سيطرتها على المجتمع. فهذا حرامٌ و لاريب في أنّ فاعله يُعدّ آثماً؛

الصورة الثّانية: ما إذا كان تمرّده عن حكم الوالي مضرّاً بسيطرة الحكم بحيث يؤدّي إلى وهن الحكم و الدولة الإسلاميّة، بل ربّما يكون موطّئاً لدولة الجور و سيطرة من لاحقّ له في الولاية على المسلمين. فهذا - زيادةً على حرمته - محكومٌ في عرف المتشرّعين و العقلاء، فيجب على الدولة و الوالي القيام لصيانة الحكم عن وساوسه و القاءاته.

فظهر بما قلنا انّ امتناع الفقيه الّذي يجب عليه القيام بهذا المسند على نحو الوجوب العينيّ عن قبوله حرامٌ و إثمٌ؛

و كذا مخالفة المستنبط الوليّ لوأدّت مخالفته إلى وهن الحكم؛

و هكذا مخالفة غير الفقيه.

السؤال التّاسع ما هو معنى الإطلاق فى ولاية الفقيه المطلقة؟

اشارة

ما هو المراد من قيد «الإطلاق» في «ولاية الفقيه المطلقة»، فإنّا نسمع كثيراً انّ الذاهبين إلى ثبوتها له يقولون: ولاية الفقيه مطلقةٌ؛ أو يقولون: الولاية الّتي ثابتةٌ للفقيه هي مطلقةٌ.

فماذا عنوا من كون ولايته مطلقةً؟.

و الجواب
اشارة

عن هذا السؤال يتمّ بالنظر إلى نكاتٍ خمسٍ:

النكتة الأولى:

مضى تفصيل الكلام حول تفويض المعصوم ما له من الولاية على التشريع و القضاء و الحكم إلى الفقيه الجامع لشرائط الافتاء، فللفقيه أن يبيّن الأحكام على سبيل الإطلاق. بل لو لم يستطع من الاجابة عمّا يُسأل منه لم يُعدّ فقيهاً، و ليس له أن يتصدّر لمنصب المرجعيّة. إذ المتدرّب في علمي الفقه و أصوله يستطيع أن يستخرج و يبيّن أجوبة المسائل من الأدلّة التفصيليّة الّتي بحث عنها الفقهاء في مسفوراتهم، إذ لاريب في أنّ الأمارات و الأصول العمليّة تكفي مهمّة الاستنباط إن لم يكن الفقيه قاطعاً بالحكم.

فمعنى كون ولايته على تبيين الأحكام مطلقةً هو استطاعته للنهوض بمهمّة استنباط ما يُقبل إليه من المسائل المستحدثة.

النكتة الثّانية:

أمّا بالنسبة إلى منصب القضاء، فيجب أن يكون ذاملكةٍ مطلقةٍ فيما يرجع إلى أمر القضاء و فصل الخصومات بحيث لم يعجز عن استنباط الحكم في ما يرجع إليه من الدعاوي و لو في واحدٍ منها. فلوعجز القاضي عن فصل الخصومة - و لو في موردٍ واحدٍ - لايُعدّ قاضياً و لايحقّ له أن يغصب هذا المنصب الرفيع.

و هذا من المتّفق عليه بين فقهاء مدرسة أهل البيت عليهم السلام المتقدّمين منهم و المتأخّرين،

حيث نصّوا على أنّ القاضي لايجوز أن يكون متجزّياً في الإجتهاد، بل عليه أن يكون ذاملكة الاستنباط في جميع أبواب الفقه - من باب الطهارة إلى أبواب الديات -. و يدلّ عليه قول مولانا الصادق عليه السلام في المقبولة:

«من... نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا»(1)

و من المبرهَن عليه في فنّ أصول الفقه ثبوت الاستغراق في المصدر و صيغة الجمع إذا أضيفا إلى ما يليهما. فالمراد من ثبوت الإطلاق في منصب القضاء كون الفقيه بحيث لم يعجز عن فصل الخصومات.

النكتة الثّالثة:

أمّا ثبوت الإطلاق في الحكم فمعناه أن يكون مقتدراً على إجراء الأحكام بحيث لم يعجز عنه، إذ لو لم يستطع منه لم يشمله قوله عليه السلام:

«و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه»(2).

إذ يجب في الخليفة أن يكون على وزان المستخلَف منه، و المعصوم لايعجز عن شيءٍ ممّا يرجع إليه، فيجب أن يكون الوالي الّذي قد استخلف منه عليه السلام في شؤونه غير عاجزٍ عن القيام بما يرجع إليه من فصل المشاكل الجماعيّة و الصعوبات الحكوميّة.

و لايذهب عليك انّ كلّ ما هو ثابتٌ للمعصوم من الفضائل و المكارم ثابتٌ للفقيه الوليّ أيضاً، فإنّ هذا من الأوهام الواهية الّتي زيادةً على حكم العقل ببطلانها قد انعقد الإجماع على خلافها، إذ للمستخلَف منه ما لايحوم حوله وهم الخليفة؛ فورد فيهم عليهم السلام في الزيارة الجامعة الكبيرة:

«السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة و موضع الرسالة و مختلف الملائكة و مهبط


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 136 الحديث 33416.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 140 الحديث 33424.

الوحي و معدن الرحمة و خزّان العلم...»(1)

و أين الفقيه من هذا المقام السامي و الرتبة العليّة؟. بل المراد من وجوب كون المستخلِف على وزان المستخلَف منه أن يكون قادراً على تدبير الأمور متمكّناً من إجراء ما هو الأصلح للمجتمع. و هذا واضحٌ.

النكتة الرّابعة:

مضى تفصيل الكلام في أنّ الوليّ في مستوىً دون مستوى القانون بعد أن صار الدُّستور منجّزاً واجب الطاعة، و عليه أن يخضع له - قال عليه السلام:

«إنّ الحسن من كلّ أحدٍ حسنٌ و إنّه منك أحسن لمكانك منّا»(2)-.

و قلنا هناك انّ الدُّستور لايصير منجّزاً إلّاإذا قرّر عليه الفقيه الوليّ بما له من الإختصاص في الفقه و مباديه و المعرفة بمواقع الأمور الحكوميّة.

النكتة الخامسة:

أمّا في الفراغات القانونيّة الّتي يحتاج الحكم فيها إلى قانونٍ و ناموسٍ لئلّا يؤدّي أمر المجتمع إلى الاضطراب و لاتفشل الدولة فيها، فعلى الفقيه الوليّ أن يحكم بما يؤدّي إليه نظره كحكمٍ أوّليٍّ لو كان الفراغ في المسائل المستحدثة، و كحكمٍ ثانويٍّ لو لم يف القانون بما تحتاج إليه الدولة لتدبير أمر الملك في موردٍ خاصٍّ.

فوضع القانون في المضائق الإجتماعيّة يُعدّ من وظائفه. و عليه أن يكون متهيّئاً و مستعدّاً للقيام بهذه الوظيفة الخطيرة. و مضى تفصيل الكلام في الاجابة عن السؤال الرّابع حول وجوب الخضوع على الناس قبال قوله و رأيه.

فمعنى ثبوت الولاية المطلقة للفقيه الوليّ:

كونه بحيث يقتدر على تبيين الأحكام؛


1) . راجع: «من لايحضره الفقيه» ج 2 ص 609 الحديث 3213، «التهذيب» ج 6 ص 95 الحديث 1، «بحارالأنوار» ج 99 ص 148، «عيون الأخبار» ج 2 ص 272 الحديث 1.

2) . راجع: «بحارالأنوار» ج 47 ص 349، «شرح ابن أبي الحديد» على النهج ج 18 ص 205، «العددالقويّة» ص 153، «المناقب» ج 4 ص 236.

و فصل الخصومات؛

و القيام بإجراء الأحكام؛

ثمّ كونه محكوماً بالقوانين كغيره من آحاد الناس؛

ثمّ كونه متهيّئاً لأن يجيب عن مستحدثات المسائل الحكوميّة و يستعدّ لأن يسدّ الفراغات القانونيّة بأحكامه الأوّليّة و الثانويّة لئلّا يؤدّي أمر الحكم و المجتمع إلى الاضطراب و الفشل.

السؤال العاشرمَن هو الّذى يعيّن خيارات الولىّ و مسئوليّاتها؟

اشارة

هب! انّ للفقيه الوليّ هو مطلق التصرّف و التفويض فيما يرجع إليه من أمر الحكم - و قد مضى تفصيل هذا الكلام و تفسيره في السؤال التّاسع -. و لكن من هو الّذي يعيّن خياراته و سعة تصرّفاته؟ أ على الناس أن يعيّنوها؟ أم على الدُّستور؟ أم على اللّه - سبحانه و تعالى -؟ أم على نفسه أن يعيّنها؟.

و الجواب

عن هذا السؤال يظهر بالتأمّل فيما مضى من هذه الرسالة في بيان ثبوت أصل الولاية له، و قلنا هناك انّها مفوَّضةٌ إليه من قِبل اللّه - تعالى -، فهو منصوبٌ لهذا المنصب لامختارٌ له؛ فعلى من نصبه أن يعيّن سعة خياراته.

و قلنا انّ هذا المسند قد ورثه من النبيّ صلى الله عليه و آله و قد قال اللّه - تعالى - فيه:

«النَّبِيُّ أَولَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»(1)

و لافرق بينه صلى الله عليه و آله و بين المعصومين عليهم السلام من آله بإجماع الشيعة الإماميّة، فإنّهم أيضاً أولى بالمؤمنين من أنفسهم؛ فالوليّ أيضاً أولى بهم من أنفسهم. و مضى تفسير الكلام و تعيين المراد منه بما لم يكن لنافيها عنه تعييرٌ علينا.

و هذا الحكم - زيادةً على النقل - يؤيّده العقل، ففي جميع الأطروحات السياسيّة و أقسام الحكم - استبداديّاً كان، أو جمهوريّاً، أو نيابيّاً، أو مَلِكِيّاً، أو غيرها، كان ما كان - إنّ ثبوت الخيار المطلق للوليّ - و بخاصّةٍ في المضائق الجماعيّة - يُعدّ من لوازم الحكم، و لاحكم إلّا به؛ قال - سبحانه و تعالى -:


1) . كريمة 6 الأحزاب.

«وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لَامُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ»(1)و قال - تعالى -:

«فَلَا وَ رَبِّكَ لَايُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَايَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً»(2).و قال أميرالمؤمنين عليه السلام:

«لا رأي لمن لايُطاع»(3).فظهر بما قلنا أن ليس لأحدٍ أن يعيّن سعة اختيار الوالي إلّامَن فوّض إليه مسند الولاية، و ليس هو إلّااللّه - سبحانه و تعالى -.

ثمّ العقل يؤيّد ما نصّ عليه الكتاب و السنّة من سعة اختياره، و يقرّر عليه، إذ الإنسان بحاجةٍ ماسّةٍ إلى المجتمع، و لامجتمع إلّابالدولة، و لا دولة إلّابالتفويض التامّ؛ و هذا من المتّفق عليه بين جميع الأطروحات و النظريّات السياسيّة. و مضت الإشارة مراراً إلى اشتراط العدالة في الوليّ لئلّا تؤدّي سعة اختياره إلى العَسْف و الدكتاتوريّة.


1) . كريمة 36 الأحزاب.

2) . كريمة 65 النساء.

3) . راجع: «نهج البلاغة» الخطبة 27 ص 70، «شرح ابن أبي الحديد» عليه ج 18 ص 412، «الصراطالمستقيم» ج 1 ص 237، «العمدة» ص 329، «الاحتجاج» ج 1 ص 173.

السؤال الحادي عشرهل يمكن تقييد ولاية الفقيه لمدّةٍ معلومة؟

اشارة

أ لايحسن التقييد زمنيّاً في ولاية الوليّ بحيث يُشترط فيها تفويضها إليه لمدّةٍ معلومةٍ - كخمس سنوات على سبيل المثال -؟، و هذا نظراً إلى احتمالاتٍ يقرّر عليها العقل - كصيرورته شيخاً هَرِماً غير قادرٍ على تدبير المُلك، أو ظهور من هو أصلح منه بهذا المنصب، أو تأدية أمره إلى الدكتاتوريّة،... و ما إليها -. فهذه احتمالاتٌ قائمةٌ في المقام، فيحسن عند العقل تقييد ولايته ببرهةٍ خاصّةٍ من الزمن حذراً عنها.

و الجواب
اشارة

عن هذا السؤال قد مضى فيما سبق من هذه الأسؤلة. و هيهنا نعيده في غاية الاختصار حذراً عن التطويل.

و هذا يتمّ باستلفات نظر السائل إلى أربع نكاتٍ:

النكتة الأولى:

أشرنا فيما سبق مراراً إلى أنّ مسند الولاية لايصحّ للفقيه و هو لايصلح له إلّاإذا حاز اثنى عشر شرطاً، منها الفقاهة و ملكة الاستنباط، و منها التحرّز التامّ عن الآثام بحيث يصدق عليه انّه عادلٌ -... و غيرهما ممّا ذكرناه في محلّه، و قد مضى تفصيل الكلام فيها -.

النكتة الثّانية:

قلنا هناك أن لاولاية لأحدٍ على أحدٍ إلّالمن اتّصف بهذه الشروط، و ليس اتّصاف الوالي بها شرطاً في حدوث الولاية له فقط، بل و في ثباتها. فلواتّصف بها أوّلاً ثمّ تلبّس بما يضادّها فلاولاية له؛ و بعبارةٍ أخرى نقول: دوام هذه الشرائط و بقاؤها فيه شرطٌ في استدامة الولاية له.

النكتة الثّالثة:

و بهاتين النكتتين ظهر انّ السائل قد غفل عن مبنانا في هذه المسألة

الهامّة، إذ الوليّ وليٌّ ما لم يكن هَرِماً عاجزاً عن الاستنباط و النظر في الأدلّة، أمّا إذا عجز عن الاستنباط أو القيام بأمر الملك أو ظهر في المجتمع من هو أصلح منه بهذا المسند فلانحكم بدوام الولاية له، بل يسقط من هذا المنصب بفقد واحدٍ منها.

فمذهبنا في ثبوت الولاية له لايؤدّي إلى ما استشهد السائل بالعقل لصحّته، و لافرق بين الفقيه الوليّ و الفقيه المرجِع في هذا الأمر.

النكتة الرّابعة:

أمّا إذا لم يكن الوليّ فاقداً هذه الشرائط بل كان صالحاً لأن يترأّس على المجتمع فما هو الوجه في تقييد ولايته بزمنٍ دون زمنٍ؟، إذ المجرّب الخبير الّذي كثرت مزاولته لعملٍ خيرٌ ممّن لاخبرة و لاتجربة له به. فلودار الأمر بين استدامة الحكم لفقيهٍ مجرّبٍ و بين حدوثه لمن لاتجربة له يحكم العقل بحسن استدامته للمجرّب الخبير؛ و عليه استقرّت سيرة العقلاء أيضاً.

أضف إلى ذلك ما أشرنا إليه مراراً عديدةً من أنّ الولاية مفوّضةٌ إليه من قبل اللّه - تعالى -، نفسها و سعتها و جميع ما يرجع إليها، و منه ثبوتها له مادام يتّصف بشرائطها، إذ قوله عليه السلام: «فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً»(1)و قوله عليه السلام: «فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه»(2)ليس مقيّداً بزمنٍ دون زمنٍ، بل للثاني إيماءٌ إلى استقراره على منصب الحكم دوماً كما انّ الحجّة عليه السلام حجّةٌ طيلة حياته.

فبما قلنا ظهر أن لاحسن في تقييد ولاية الوالي زمنيّاً و تحديدها ببرهةٍ خاصّةٍ دون برهةٍ أخرى.


1) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 136 الحديث 33416.

2) . راجع: «وسائل الشيعة» ج 27 ص 140 الحديث 33424.

السؤال الثّاني عشرما هو معنى الإلتزام القلبىّ و العملىّ بولاية الفقيه؟

اشارة

ما هو المراد من الالتزام و العِقد القلبيّ و العمليّ الّذي يُشترط في الوكلاء و المديرين و الرؤساء؟ و هل يجب على كلّ أحدٍ أن يلتزم بأطروحة ثبوت الولاية للفقيه قلباً و عملاً؟.

و الجواب:
اشارة

أمّا الالتزام القلبيّ فمعناه أن يقبل المرء انّ للشريعة حكماً و دولةً في زمن الغيبة، و انّ اللّه - سبحانه و تعالى - فوّض الولاية إلى الفقيه كرئيسٍ على المجتمع. و لافرق في قبوله إيّاه بين أن يكون مستنداً إلى الأدلّة الفقهيّة و بين أن يكون عن تقليدٍ من غير تحقيقٍ تامٍّ فيه. فاقرار المرء في باله بأنّ الفقيه العادل المدبّر هو الّذي يصلح للقيام بأمر الحكم يكفي في ثبوت الالتزام له قلباً.

و أمّا الالتزام العمليّ فمعناه المشي في السيرة الجماعيّة و الأعمال اليوميّة على ما يقتضيه اعتقاده و رأيه في ثبوتها له؛ و قد أشار الصادق عليه السلام إلى هذين المعنيين حين سُئل عن معنى الإيمان، فقال عليه السلام:

«الإيمان هو الاقرار باللسان و عقدٌ في القلب و عملٌ بالأركان»(1).

و للحديث الشريف دلالةٌ واضحةٌ على أنّه يجب على المسلم أن يكون ملتزماً بالشريعة في ناحيتي الاعتقاد و العمل.

أمّا الجواب عن ثاني السؤالين فيتمّ بالنظر إلى هاتين النكتتين:

النكتة الأولى:

انّ الإلتزام بهذه النظريّة في ناحيتي العلم و العمل ليس من ضروريّات الشريعة و أصولها، بل هو من المسائل الفقهيّة و إن كان من أهمّها بالنظر إلى ما له من الدور


1) . راجع: «الكافي» ج 2 ص 27 الحديث 1، «بحارالأنوار» ج 65 ص 256.

الهامّ في سير المجتمع إلى ما هو اللائق به. فمن أنكره عن اجتهادٍ أو من غير أن يكون مستنبطاً فيه محقّقاً لاشيء و لا لؤم عليه؛ هذا بالنسبة إلى آحاد الناس.

النكتة الثّانية:

أمّا بالنسبة إلى العمّال و الوسائط فللمسألة صورةٌ أخرى يحكم العقل بصحّتها، و هو وجوب التزام العمّال و الحكّام بأطروحة ثبوت الولاية للفقيه في ناحيتي القلب و العمل، إذ مضت الإشارة إلى أن الوسائط في الدولة الإسلاميّة أعضاد الوالي، و لامعنى لأن يكون العَضْد مخالفاً مضادّاً لمن قام بمعاونته. إذ هذا لاينتهي إلّابظهور الهرج و الاضطراب في أمر الحكم، بل يختلّ النظام و يضعف بحيث لايمكن له أن يقوم بما فُرض عليه من واجباته العديدة. و قد جرت عليها سيرة العقلاء أيضاً، إذ النظر في الدول - من دولةٍ قاهرةٍ كبيرةٍ إلى دولة شيخ البلد أو القرية - يبدي لنا انّ سيرة العقلاء استقرّت على تفويض المناصب إلى من وافق الحكم في أصوله و دُستوره في ناحيتي الإعتقاد و العمل.

و هذا أمرٌ واضحٌ، إذ السرّ في تشكيل الحكم - كما مرّت الإشارة إليه - كون الإنسان مدنيّاً بالطبع محتاجاً إلى المجتمع، و لاينتظم أمر المجتمع إلّابالحكم، و لايصلح للحكم إلّامن لامضادّة بينه و بين دُستور الدولة و أصولها.

فتلخّص ممّا قلنا انّ الالتزام بما نذهب إليه من ثبوتها له لايجب على آحاد الناس، لا في ناحية العقد القلبيّ و لا في ناحية الالتزام العلميّ؛ أمّا بالنسبة إلى الوسائط و العمّال فلاشكّ في لزومه عليهم.


هذا تمام الكلام في الأسؤلة الّتي وُجّهت نحو هذا المبنى القويم ليكون أشدّ انجلاءً ممّا كان عليه؛ و بتمامه فرغنا من البحث عن مسألة إثبات الولاية للفقيه؛ و بيان ما يدلّ عليه من الأدلّة الأربعة؛ و ما استشكلوا به أو يمكن أن يُستشكل به عليه.

و بقي علينا أن نتكلّم في توابع المسألة و ما يرتبط بها من منابع الوليّ الماليّة؛ و أَهم وظائفها و مسئوليّاتها. و يتلوها - ان شاء اللّٰه تعالى - فى المجلّد الثّانى و المجلّد الثّالث من الكتاب. و الحمد للّه ربّ العالمين و صلَّى اللّٰه على محمّدٍ و آله الطّاهرين و سلّم تسليماً كثيراً؛ و حسبنا اللّٰه و نعم الوكيل، نعم المولىٰ و نعم النصير.

الفهرس التفصيلى

الصورة

M09

الصورة

M10

الصورة

M11

الصورة

M12

الصورة

M13

الصورة

M14

الصورة

M15

الصورة

M16

الصورة

M17

الصورة

M18

الصورة

M19

الصورة

M20

الصورة

M21

الصورة

M22

الصورة

M23

الصورة

M24

الصورة

M25

الصورة

M26

الصورة

M27

الصورة

M28

الصورة

M29