دراسات فی الاخلاق و شوون الحکمة العلمیة جلد 3

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

سرشناسه : م‍ظاه‍ری‌، ح‍س‍ی‍ن‌، ‏‫۱۳۱۲ -‏‬

‏عنوان و نام پديدآور : دراسات فی‌الاخلاق و شوون‌الحکمة‌العلمیة/ حسین المظاهری.

‏مشخصات نشر : قم: دار شفق؛ [بی‌جا]: ‏‫موسسه‌الزهراالثقافیه، مرکزالدراسات والبحوث‌الاخلاقیه‏‫، ۱۴۱۳ق.‬‏‫= ۱۳۷۱ -‬.‬

‏مشخصات ظاهری : ج.

‏شابک : ‏‫۳۵۰۰ ریال‬

‏يادداشت : عربی.

‏يادداشت : عنوان عطف:‌الاخلاق.

‏یادداشت : کتابنامه.

‏موضوع : اخلاق اسلامی

‏شناسه افزوده : موسسه‌الزهراالثقافیه، مرکزالدراسات والبحوث‌الاخلاقیه

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۴۷/۸‏‫‬‭‏‫‬‭/م۶۲۵د۴ ۱۳۷۱

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۶۱

‏شماره کتابشناسی ملی : ۲۸۵۶۸۶۴

محرر رقمی میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

دراسات فی‌الاخلاق و شوون‌الحکمة‌العلمیة

حسین المظاهری.

بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم

الحمد للَّه والصَّلاة والسَّلام علىٰ رسول اللَّه وعلىٰ آله آل‌اللَّه

وبعد؛ فهذا هو المجلَّد الرَّابع من كتابنا

دراساتٌ في الأخلاق وشؤون الحكمة العَمَليَّة

ويبدأ هذا الجزء بالفصل الثَّالث والعشرين

و ينتهي بتمام الفصل الثَّلاثين

والحمد للَّه أوَّلًا وآخرًا و ظاهرًا وباطنًا

الفهرس

الفصل الثالث و العشرون

الفضيلة الرّابعة و العشرون: الشعور بالمسؤولية... 15

رواياتٌ في المسئوليّة... 36

روايات في الدّين و العمل به... 38

روايات في الامر بالمعروف و النهى عن المنكر... 40

روايات في الروح... 44

روايات في الجسم... 48

روايات في العمر... 50

روايات في حقّ الوالدين... 52

روايات في حقّ الأولاد... 55

روايات في حقّ المرأة على الزّوج... 57

روايات في حقّ الزّوج على المرأة... 60

روايات في حقّ الجار... 63

روايات في المسؤوليّة الإجتماعيّة... 67

الرّذيلة السّادسة و العشرون: التّقصير قبال المسؤوليّة... 71

رواياتٌ في ذمّ الفشالة... 79

الفصل الرَّابع والعشرون الفضيلة الخامسة و العشرون: الوفاء... 85

رواياتٌ في الوفاء... 105

الرّذيلة السّابعة و العشرون: الغدر... 109

رواياتٌ في الغدر... 126

الفصل الخامس و العشرون

الفضيلة السّادسة و العشرون: الكياسة و الدَّهاء... 131

رواياتٌ في الكياسة و الفطانة... 141

الرّذيلة الثّامنة و العشرون: الاِغترار و الاِنخداع... 147

رواياتٌ في الغرور... 167

الفصل السّادس و العشرون

الفضيلة السّابعة و العشرون: الخلوص... 177

روايات في الاخلاص... 219

الرّذيلة التّاسعة و العشرون: الرّياء و السمعة... 231

تنبيهات... 237

روايات في الرّياء... 261

الفصل السَّابع والعشرون

الفضيلة الثّامنة و العشرون: التّوبة و الانابة... 277

روايات في التّوبة... 302

الرّذيلة الثّلاثون: العصيان و التجرّي علىٰ المولىٰ‌... 315

روايات في العصيان و التجرّي... 332

الفصل الثَّامن والعشرون

الفضيلة التّاسعة و العشرون: التّقوى و الورع... 341

روايات في الطّاعة و التقوى... 369

الفصل التّاسع و العشرون

الفضيلة الثّلاثون: حبّ اللّٰه - تعالىٰ‌! -... 383

روايات في حبّ اللّٰه تعالى... 408

الفصل الثَّلاثون

الفضيلة الواحدة و الثّلاثون: الوفاء... 417

روايات في الوفاء... 426

الرّذيلة الواحدة و الثّلاثون: الكفران... 429

روايات في كفران النّعمة... 436

الفضيلة الثّانية و الثّلاثون: الشّكر و الحمد... 441

روايات في الشّكر... 451

الفصل الثالث و العشرون

اشارة

الفضيلة الرابعة والعشرون: الشعور بالمسئولية

الرّذيلة السادسة و العشرون: الفشالة في قبال المسئولية

الفضيلة الرّابعة و العشرون: الشعور بالمسؤولية

اشارة

و هي ملكة فاضلة توجب خير الدّنيا و الآخرة و هي ملكة ترغّب صاحبها إلى العمل و الوفاء بما في عهدته من الملزوميّة شرعاً أو عقلاً أو عرفاً فالمتصّف بهذه الخصلة كانّه يقوم بانجاح ما عليه من غير أن يشعر به، فلا يحتاج إلى أمر آمرٍ أو تهديد منذرٍ.

أمَا سمعت انّ اميرالمؤمنين عليه السلام لمّا أُخبر بما فعله عسكر معاوية حين أن هجمت بانبار من نهب حُلى امرأةٍ يهوديّة غضب و قال: وَ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَ الْأُخْرَى الْمُعَاهِدَةِ فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَ قُلُبَهَا وَ قَلَائِدَهَا وَ رُعُثَهَا مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِالاسْتِرْجَاعِ وَ الِاسْتِرْحَامِ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلًا مِنْهُمْ كَلْمٌ وَ لَا أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيرًا.(1)


1) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 27.

و لو لم يرد في الحثّ و التّرغيب إلى هذه الفضيلة إلّاقوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكٰافِرِينَ يُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ لاٰ يَخٰافُونَ لَوْمَةَ لاٰئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ اَللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ اَللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ‌)(1)لكان وافياً لها.

و الظّاهر انّ المراد من الارتداد في الآية الشّريفة هو الرّجوع إلى الكفر العملى و بعبارةٍ أخرى عدم اتّصاف النّفس بالشعور بالمسؤولية و التّلبّس بضدّه و هو الارتداد العملى الّذي يقال له بالفارسية - بى تفاوتى -

فوعداللّٰه تعالى في القرآن الكريم ان يأتى بقومٍ لهم هذا الشعور بعد أن ارتدّ المسلمون فهم المجاهدون في سبيل اللّٰه من غير ان يمنعهم مانع، حتّى لومة اللائم ثمّ أشار إلى أنّ ايمانهم راسخٌ في أنفسهم، فلهم المراتب العليا منه، فاللّٰه تعالى يعشقهم كما أنّهم يعشقون اللّٰه سبحانه و تعالى.

و قد استفاضت الرّوايات بين العامّة و الخاصّة في فضل الجماعة هذه و فضيلتهم.

و هذه الفضيلة مع كونها مقولة بالتشكيك، تنقسم باعتبار المتعلّق باقسام:

1 - المسؤولية قبال الشريعة و هذا القسم اهمّ الاقسام و ليس في الاسلام شيء اهمّ من الدّين، و الانبياء كلّهم تهيئوا لأن يفدوا أنفسهم المقدّسة احياءً للشريعة كما قال الحسين عليه السلام: أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى الْحَقِّ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَ إِلَى الْبَاطِلِ لَا يُتَنَاهَى عَنْهُ لِيَرْغَبِ‌


1) . المائدة، 54.

الْمُؤْمِنُ فِي لِقَاءِ رَبِّهِ حَقّاً حَقًّا.(1)

من كان فينا باذلاً مهجته موطّناً على لقاء اللّٰه نفسه فليرحل معنا فانّى راحل مصبحاً، انشاءاللّٰه.(2)

و هذه المسئوليّة هي حفظ الدّين و للحفظ بعدان: بعد الايمان و العمل به، و بعد المشارفة العامّة، و بهذين البعدين اشار اللّٰه تعالى في سورة العصر:

قال اللّٰه تعالى: (وَ اَلْعَصْرِ * إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ وَ تَوٰاصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَوٰاصَوْا بِالصَّبْرِ)(3)

و امّا بعد الايمان و العمل الصّالح من الاتيان بالواجبات و المستحبّات و الاجتناب عن المحرّمات فهو الاذي ّهتمّ به رسول اللّٰه و الائمّة عليهم السلام و كثرة عبادات اهل العصمة عليهم صلوات اللّٰه و كونها من مشاقّها، يكفيك من ان يذكر شيء منها.

و للاشارة إلى هذا الاهتمام، نكتفى بحديثين شريفين مرويّين عن امير البيان عليه صلوات اللّٰه المنّان: قال: وَ اللَّهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَك السَّعْدَانِ مُسَهَّداً أَوْ أُجَرَّ فِي الْأَغْلَالِ مُصَفَّداً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ وَ غَاصِباً لِشَيْ‌ءٍ مِنَ الْحُطَامِ‌.(4)

و قال: وَ اللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 44 ص 381.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 44 ص 367.

3) . والعصر، 13.

4) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 224.

نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُه.(1)

و امّا بُعد المشارفة العامّة فيكفيه الآيات و الرّوايات الكثيرة الواردة في تلك الفريضة.

و القرآن اوّلاً اوجب قيام قسطٍ من الناس بتشكيل الحوزات العلميّة حفظاً لبيضة الإسلام.

قال تعالى: (فَلَوْ لاٰ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي اَلدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‌)(2)

و ثانياً: أوجب قيام قسطٍ آخر منهم بتشكيل منظّمة لتولّى شؤون الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر.

قال تعالى: (وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ)(3)

و ثالثاً: اوجب قيام الناس فرادىً بهذه الفريضة، حتّى علَّق كون الأمّة الاسلاميّة خير الامم على أدائهم هذا الأمر.

قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ)(4)


1) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 224.

2) . التّوبة، 122.

3) . آل عمران، 104.

4) . آل عمران، 110.

و رابعاً: اوجب على كلّ فردٍ فردٍ من أعضاء المجتمع النقد اللاذع دفعاً للعيوب عن المجتمع و طلباً للفضائل و عبّر عن هذا الأمر بالتواصى بالحقّ و الصبر و له فيه تأكيدٌ بليغ.

قال تعالى: (وَ اَلْعَصْرِ * إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ وَ تَوٰاصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَوٰاصَوْا بِالصَّبْرِ)(1)

و ليس هذا النقد من باب الهَمْز أو اللمز، أى ذكر عيوب الرجل ظهر غيبه أو بحضرته، بل هو ذكر العيوب طلباً لازالتها، كما في المرآة و قد روى عنهم: الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ هُوَ عَيْنُهُ وَ مِرْآتُهُ وَ دَلِيلُهُ - لَا يَخُونُهُ وَ لَا يَخْدَعُهُ وَ لَا يَظْلِمُهُ وَ لَا يَكْذِبُهُ وَ لَا يَغْتَابُهُ‌.(2)امّا الهمز و اللمز، فلا كلام في حرمتهما.

قال تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * اَلَّذِي جَمَعَ مٰالاً وَ عَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مٰالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلاّٰ لَيُنْبَذَنَّ فِي اَلْحُطَمَةِ * وَ مٰا أَدْرٰاكَ مَا اَلْحُطَمَةُ * نٰارُ اَللّٰهِ اَلْمُوقَدَةُ * اَلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى اَلْأَفْئِدَةِ * إِنَّهٰا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ‌)(3)

و قال تعالى: (وَ تَوٰاصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَوٰاصَوْا بِالصَّبْرِ)(4)

و خامساً: اوجب على المؤمنين أن ينقادوا قبال النقد، ثم رتّب عليه ثواباً عظيماً.

قال تعالى: (فَبَشِّرْ عِبٰادِ * اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ‌


1) . و العصر، 31.

2) . - راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 268.

3) . الهمزة، 71.

4) . والعصر، 3.

هَدٰاهُمُ اَللّٰهُ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ‌) (1)

هذا خلاصة القول في هذا الباب و تفصيله يحتاج إلى افراد كتابٍ به، و المرجوّ من فضله تعالى أن يوفّقنا لبسط الكلام فيه في الابواب الراجعة إلى الأخلاقيات.

2 - شعور الإنسان بمسؤوليّته قبال نفسه و روحه، و هي أيضاً مسؤوليّة عظيمة، لانّ الإنسان الّذي لا روح له أو أسدل الحجب وراء روحه أو يكون مريضاً، ليس في قاموس القرآن إلّاحيواناً.

قال تعالى: (وَ يَأْكُلُونَ كَمٰا تَأْكُلُ اَلْأَنْعٰامُ‌)(2)

بل هو اضلّ منه.

قال تعالى: (أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ‌)(3)

بل هو شرّ من كلّ دابّة.

قال تعالى: (إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْقِلُونَ‌)(4)

فرفع الحجب بالتّوبة و اليقظة الدّائمة، و بالتّخلية بالرّياضات الدّينيّة، و بالدّعاء و التّوسّل، و بعد ذلك يمكن له التحلّى بالفضائل بربطٍ وثيقٍ بينه و بين المبدأ تعالى، حتّى يصل إلى مقام التّجلية و حينئذٍ لا مناص له من هيوب ريح الرحمة و جذبها النّفس إلى مقام القدس.


1) . الزّمر، 17-18.

2) . محمّد، 12.

3) . الاعراف، 179.

4) . الانفال، 22.

قال تعالى: (قَدْ جٰاءَكُمْ مِنَ اَللّٰهِ نُورٌ وَ كِتٰابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اَللّٰهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوٰانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاٰمِ‌)(1)

و لو لا هذا السير من هذا الدار الفانى إلى ذلك الجناب المقدّس ليتوغّل الإنسان في المادّيات و يصوّر بصورها، فهو يصير حيواناً بل اضلّ منها.

و يختلج في النّفس انّ قوله تعالى: (أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ‌) و قوله تعالى: (إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْقِلُونَ‌) لا يكون تعييراً و شتماً، بل هو اخبار عن نفس الامر حيث إنّ الرؤية القرانيّة تحكم بأنّ المتوغّل في المادّة و المادّيات لا يشبه الإنسان إلّامن جهة مادّته، و امّا من حيث الصورة فليس إلّاحيواناً، فمادّة الإنسان تزيّنت بالصورة الحيوانيّة الحمارية، أو الكلبيّة و ما إليها من الحيوانات الخسيسة.

قال تعالى: (مَثَلُ اَلَّذِينَ حُمِّلُوا اَلتَّوْرٰاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهٰا كَمَثَلِ اَلْحِمٰارِ يَحْمِلُ أَسْفٰاراً)(2)

و قال تعالى: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ‌)(3)

3 - شعور الإنسان بمسؤليّته قبال جسمه، و لا يخفى اهميّة تلك المسؤليّة، لانّ الجسم للانسان كالبراق للعروج، و لولا الجسم لما يمكن لأحدٍ أن يترقّى إلى ذرى الكمال. فالمحافظة على الجسم مرغوبٌ فيه في الكتاب و السنّة.


1) . المائدة، 16-15.

2) . الجمعة، 5.

3) . الاعراف، 176.

قال تعالى: (وَ اِبْتَغِ فِيمٰا آتٰاكَ اَللّٰهُ اَلدّٰارَ اَلْآخِرَةَ وَ لاٰ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ اَلدُّنْيٰا)(1)

و قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللّٰهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ اَلطَّيِّبٰاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ‌)(2)

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلرُّسُلُ كُلُوا مِنَ اَلطَّيِّبٰاتِ وَ اِعْمَلُوا صٰالِحاً)(3)

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ كُلُوا مِمّٰا فِي اَلْأَرْضِ حَلاٰلاً طَيِّباً)(4)

و قال تعالى: (وَ لَقَدْ كَرَّمْنٰا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْنٰاهُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ وَ رَزَقْنٰاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبٰاتِ وَ فَضَّلْنٰاهُمْ عَلىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنٰا تَفْضِيلاً)(5)

و نظيرها في القرآن كثير، و قد استفاضت من اهل البيت عليهم السلام:

مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي، يعنى من رغب عن تنحية ميوله.

لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَرَك دُنْيَاهُ لآِخِرَتِهِ وَ لَا آخِرَتَهُ لِدُنْيَاهُ‌.(6)

فلا كلام في مسؤولية الرجل قبل جسمه، انّما الكلام في اسرافه أو تبذيره قباله، و هذا أيضاً حرام، حيث يؤدّى إلى ضعف الجسم أو سقمه، فالمرغوب فيه عقلاً و شرعاً هو حدّ التّوسّط.

قال تعالى: (وَ اَلَّذِينَ إِذٰا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كٰانَ بَيْنَ ذٰلِكَ قَوٰاماً)(7)


1) . القصص، 77.

2) . الاعراف، 32.

3) . المؤمنون، 51..

4) . البقرة، 168.

5) . الاسراء، 70.

6) . الفقيه، ج 3 ص 94.

7) . الفرقان، 67.

فلذا كما نُهِى عن اهمال الّتمايلات، نهى عن التّوغّل في المشتهيات.

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: ابغض النّاس عنداللّٰه الاكول.

ابغض النّاس عنداللّٰه النّوّام.

ابغض النّاس عنداللّٰه البطّال.

و أوجز الكلام في هذا الباب و أخصره لفظة الاسراف، حيث اشار القرآن الكريم إليه و حذّر عنه مبيّناً ما يترتّب عليه من المفاسد العظيمة المؤدّية إلى قهره و عذابه!

قال تعالى: (وَ أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ مٰا أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ * فِي سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ * وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لاٰ بٰارِدٍ وَ لاٰ كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كٰانُوا قَبْلَ ذٰلِكَ مُتْرَفِينَ * وَ كٰانُوا يُصِرُّونَ عَلَى اَلْحِنْثِ اَلْعَظِيمِ‌)(1)

و قال تعالى: (وَ إِذٰا أَرَدْنٰا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنٰا مُتْرَفِيهٰا فَفَسَقُوا فِيهٰا فَحَقَّ عَلَيْهَا اَلْقَوْلُ فَدَمَّرْنٰاهٰا تَدْمِيراً)(2)

تتمّة: انّ من أعظم البلايا لجسم الإنسان و روحه، الحزن و الهمّ و الغمّ و الاضطراب و الخوف بل ليس لهما بلاء اشدّ من ذلك البلاء، بل مضرّة الحزن و الخوف للروح أشدّ من مضرّة الرذائل له.

و بالجملة: انّ هذا البلاء يؤدّى إلى إماتة الروح، و لا يبقى من الجسم إلا ظاهره، لو لم يؤدّه إلى قتله.


1) . الواقعة، 41-46.

2) . الاسراء، 16.

و قد أقرّ عليه السيكولوجيون، حيث ذهبوا إلى أنّ جميع الامراض الا ما شذّ منها ناشىءٌ عن الهمّ و الحزن، فعبّروا عنه بداءٍ لا دواء له!.

امّا الاسلام فيشير أوّلاً إلى أنّ من دخل في حصن اللّٰه الحصين، فلا خوف عليه،

قال تعالى: (أَلاٰ إِنَّ أَوْلِيٰاءَ اَللّٰهِ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ‌)(1)

و ثانياً ينبّه الإنسان على ان لا فائدة في الحزن و الخوف بعد العلم بتقدير الأمور تقديراً ناشئاً عن المصلحة التّامّة اللازمة للنظام الأحسن،

قال تعالى: (مٰا أَصٰابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّٰ فِي كِتٰابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهٰا إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاٰ تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ وَ لاٰ تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ‌)(2)

وللّٰه درّ القائل:

رضا به داده بده و ز جبين گره بگشا *** زبهر من و تو در اختيار نگشودند

و ثالثاً: بعد اليقين بأنّ صفات اللّٰه تعالى عين ذاته، و منها الكرم و الرحمة و العلم و القدرة و الحكمة و العدل، نستيقن لِمّاً انّ ما يقع في الوجود ليس إلّامطابقاً للنّظام الاتمّ و فيه مصلحة تامّة، بحيث انّه لو يمكن أن يبدّل شىءٌ منه و لو كان مثقال حبّةٍ‌، لكان ذلك مخالفاً لحكمته، إذ الحكمة جعل الشّيء في موضعه، و الحكمة من صفاته و الحكيم من اسمائه، فالعالم بشراشره و أجزائه تامٌ ليس فيه ما يضادّ الرحمة و العدل و العلم.

و بعبارةٍ اخرى: لو لم‌يكن مطابقاً للمصلحة و الحكمة، فذلك امّا لعدم كرمه أو


1) . يونس، 62.

2) . الحديد، 22-23.

لعدم رحمته أو لجهله بالواقع أو لعجزه عن ايجاده أو لعدم كونه حكيماً عادلاً، و قد أشرنا إلى أنّ ذلك كلّه منتفٍ عنه، فالشكل الأوّل من الأقيسة الاقترانيه بطريق اللمّ يدلّ على المطلوب وللّٰه درّ الحكيم السبزوارى حيث قال في البحث عن الغاية:

ما ليس موزوناً لبعضٍ من نغم *** ففي نظام الكون كلٌّ منتظم

و رابعاً: انّ المناجى ربّه الذاكر له ذكراً كثيراً القارىء لكتابه حق الكتاب و داعيه حقّ الدعاء يصل إلى مقامَى التبتل و الانقطاع، فحينئذٍ لا خوف و لا حزن عليه، اذ لا موضوع للخوف و الحزن حتّى يبتلى به،

قال اللّٰه تعالى: (إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذٰا مَسَّهُ اَلشَّرُّ جَزُوعاً * وَ إِذٰا مَسَّهُ اَلْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاَّ اَلْمُصَلِّينَ * اَلَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلاٰتِهِمْ دٰائِمُونَ‌)(1)

و قال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصٰالِ * رِجٰالٌ لاٰ تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لاٰ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌)(2)

و قال تعالى: (قَدْ جٰاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفٰاءٌ لِمٰا فِي اَلصُّدُورِ)(3)

و قال تعالى: (أَلاٰ إِنَّ أَوْلِيٰاءَ اَللّٰهِ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ‌)(4)

و قال تعالى: (أَلاٰ بِذِكْرِ اَللّٰهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ‌)(5)

و هذه الآية بالاتيان بصيغة النداء اللافتة للنظر و تقدّم الجارّ و المجرور تدلّ‌


1) . المعارج، 19-23.

2) . النّور، 36-37.

3) . يونس، 57.

4) . يونس، 62.

5) . الرّعد، 28.

على ان لا دواء لهذا الداع إلّاالصّلوة و الدّعاء و الذّكر و لا سبيل للأولياء إلّاايّاه والاتي ّوردناها قبل هذه الآية تدلّ على انّهم لا خوف عليهم و لا هم يحزنون.

قال اميرالمؤمنين عليه السلام في دعاء الخضر المشتهر باسم صحابيه الجليل كميل بن زياد:

يا من اسمه دواء و ذكره شفاء و طاعته غنى، ارحم من رأس ما له الرّجاء و سلاحه البكاء.(1)

4 - الشعور بالمسؤولية قبال العمر:

و العمر من اعزّ الاشياء و لايمكن تقويمه بما في ايدى النّاس فلهذا ترى نفسك لا ترضى بشرائه و لو كان ثمنه الدنيا بما فيها، هذا ولكن مع الأسف أن غفلة الإنسان عن معاشه و معاده، يعدم العمر و يهلكه و القرآن الكريم تنبيهاً لنا على هذه الدقيقة يحكى ندامة الإنسان على تضييع العمر في مواقف الموت و القيامة و عند الدخول في الجحيم - أعاذنا اللّٰه منها -.

قال اللّٰه تعالى: (قٰالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صٰالِحاً فِيمٰا تَرَكْتُ كَلاّٰ)(2)

و قال اللّٰه تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يٰا حَسْرَتىٰ عَلىٰ مٰا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللّٰهِ‌)(3)

و قال تعالى: (وَ هُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهٰا رَبَّنٰا أَخْرِجْنٰا نَعْمَلْ صٰالِحاً غَيْرَ اَلَّذِي كُنّٰا نَعْمَلُ أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مٰا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَ جٰاءَكُمُ اَلنَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمٰا لِلظّٰالِمِينَ مِنْ‌


1) . راجع: مفاتيح الجنان، دعاء كميل.

2) . المؤمنون، 99-100.

3) . الزّمر، 56.

نَصِيرٍ) (1)

و الرّوايات في ذلك كثيرة منها قول الرسول صلى الله عليه و آله: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَمْ تَزُلْ قَدَمَا عَبْدٍ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَ عَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ وَ عَمَّا اكْتَسَبَهُ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَ فِيمَ أَنْفَقَهُ وَ عَنْ حُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ‌(2).

و اغتنام العمر و رعاية النّظم فيه، توجب ان يستفاد منه و لو كان قصيراً.

كما أنّ إضاعته و عدم النّظم فيه يوجب فواته من غير ان يستفاد منه و لو تجاوز المأة، هذا كما يشاهد من سيرة اعلام المخترعين و المؤلّفين و غيرهم، حيث وفّقوا بما يبهر منه العقول في أعمارٍ غير طويلة فكم منهم ألّف ما يربوا على مأة كتاب و رسالة و لم يكن له من العمر حظّاً وافراً، و كم منهم من لم يكن له عيش هنىءٌ و لكنّه بلغ ما أراد و رام، منهم شيخ الطائفة الطوسى حيث ألّف كثيراً من آثاره حين هجوم الأعداء على الشيعة و نهبهم دورات كتبهم و مساجدهم و حتّى بيوتهم، و كالشيخ الرئيس حيث الّف بعض آثاره في السجن، و كالشهيدين حيث ألّفا اللمعة و شرحه في السجن أو تحت رقابة العدو، و كالطباطبائى حيث الف الرياض حين هجوم العدوّ إلى النجف الأشرف و اباحتم دماء الشيعة فيها. و كالشيخ النجفى حيث ما وقف عن تأليف موسوعته الفقهيّة القيّمة و التحقيق فيها حتّى الليلة الّتي أصاب فيها بموت ولده، و كصدرالمتالهين و الخواجه نصيرالملّة و الدين و استاذنا السيد مؤسّس الدولة الاسلاميّة في ايران حيث كتبوا قسطاً من آثارهم في السجن أو المنفى، و قيل


1) . فاطر، 37.

2) . راجع: تحف العقول، ص 45.

ان العلّامة الحلى صنّف كتابه قواعد الاحكام في مسيره إلى الكربلاء المقدّسة و انّ المحقّق النراقى انشد منظومته الكبرى المسمّاة بالتاقديس في دقائق كان يتوظّأ فيها و كم لهم من الامثال!.

فهؤلاء الكبراء الذين جاؤا بهذه المكتبة الضخمة الثرية للشيعة الاماميّة ما دوّنوا آثارهم و ألّفوها إلّاتحت الضغط و كبس الاعداء و المحن الدائمة لكنّهم باغتنام الفرص نالوا بما نالوا فشكر اللّٰه سعيهم حيث كانوا عاملين بما روى عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ أَلَا فَتَعَرَّضُوا لَهَا.(1)

5 - الشعور بالمسؤولية قبال الأسرة و الاقربين: و هي تنقسم إلى أقسامٍ‌:

منها الشعور بالمسؤولية قبال الأبوين و هي من وجهة نظر القرآن من أعظم وظائف الإنسان.

قال اللّٰه تعالى: (وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلاّٰ تَعْبُدُوا إِلاّٰ إِيّٰاهُ وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً إِمّٰا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ اَلْكِبَرَ أَحَدُهُمٰا أَوْ كِلاٰهُمٰا فَلاٰ تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ وَ لاٰ تَنْهَرْهُمٰا وَ قُلْ لَهُمٰا قَوْلاً كَرِيماً * وَ اِخْفِضْ لَهُمٰا جَنٰاحَ اَلذُّلِّ مِنَ اَلرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ اِرْحَمْهُمٰا كَمٰا رَبَّيٰانِي صَغِيراً)(2)

و قال تعالى: (وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ عَلىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاٰ تُطِعْهُمٰا وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي اَلدُّنْيٰا مَعْرُوفاً)(3)

و في الآيتين من التأكيد البليغ ما يندر وجوده في غيرهما من المواضع.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 221.

2) . الاسراء، 23-24.

3) . لقمان، 15.

و قد ثبت بالرّوايات و السير و التّجربة انّ خير الدّنيا و الآخرة مرهون بالاحسان بالوالدين كما ثبت انّ العاقّ لا خير له في الدّارين و من آثار العقوق الوضعيّة الضّنك في المعيشة.

و منها: الشعور بالمسؤولية قبال الأولاد لانّه كما للابوين حقّ على الاولاد، كذلك للاولاد حقّ على الابوين و من تلك الحقوق: تربيتهم و تعليمهم العلوم سيّما علوم الدّين من آية محكمة و سنّة قائمة و فريضة عادلة، أي: علم اصول الدّين و فروعه و الأخلاق و تزويجهم حين بلغوا مبلغ الزواج، و العفو بل الصّفح عن زلّاتهم. فلو طردا اولادهما بالعقوق فليعلما انّ اللّٰه تعالى لايعفو عنهما و لايغفر لهما.

قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوٰاجِكُمْ وَ أَوْلاٰدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَ إِنْ تَعْفُوا وَ تَصْفَحُوا وَ تَغْفِرُوا فَإِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‌)(1)

و منها: شعور الزوجة بمسؤوليتها قبال زوجها و شعور الزوج بمسؤوليته قبال زوجته كلّ في تدبير أمر بيتهما. و تفصيل الكلام في هذا يحتاج إلى مجلّداتٍ عديدة، و نحن نكتفى هنا ببعض الكلام و لا نفصّله فيه، حيث صدر منا - والحمدللّٰه - كتبٌ في هذا الموضوع بألسنةٍ مختلفة.

و ممّا يناسب المقام على سبيل الاختصار: انّ الربع المسكون تشكلّ من ممالك و كلّ مملكة من بلاد، و كل بلدٍ من بيوت، فكلّ بيت كأنّها مملكة صغيرة و لابدّ لها من رئيس و من المعلوم انّ الرّئاسة فُوّضت على عاتق المرء لقوّة التعقّل فيه، و بوجوب النفقة عليه.


1) . التّفابن، 14.

قال اللّٰه تعالى: (اَلرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى اَلنِّسٰاءِ بِمٰا فَضَّلَ اَللّٰهُ بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ وَ بِمٰا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوٰالِهِمْ‌)(1)

ثمّ فُوّضت معاونة المرء على عاتق المرءة لقوّة العطف و الحنوّ فيها، فلها ترتيب أمور البيت و تربية الاولاد.

و على حدّ قول الرسول صلى الله عليه و آله حين قسّم امور البيت لاميرالمؤمنين و الزّهراء عليه السلام، «فَقَضَى عَلَى فَاطِمَةَ بِخِدْمَةِ مَا دُونَ الْبَابِ وَ قَضَى عَلَى عَلِيٍّ بِمَا خَلْفَهُ قَالَ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ فَلَا يَعْلَمُ مَا دَاخَلَنِي مِنَ السُّرُورِ إِلَّا اللَّهُ‌».(2)

و لايخفى أنّ نجاح الزوجين في سياسة البيت يحتاج إلى امورٍ: و هي اولاً:

توافقهما من حيث الرأى و النظر و هذا محال، بل لا يمكن أزيد من خمسين بالمأة بحسب العرف، فالاسرة و البيت بحاجةٍ ماسّةٍ إلى التواضع من جانب المرئة.

قال تعالى: (فَالصّٰالِحٰاتُ قٰانِتٰاتٌ حٰافِظٰاتٌ لِلْغَيْبِ بِمٰا حَفِظَ اَللّٰهُ‌)(3)

و بالمروءة و العفو و الصّفح و المغفرة من جانب المرء.

قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوٰاجِكُمْ وَ أَوْلاٰدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَ إِنْ تَعْفُوا وَ تَصْفَحُوا وَ تَغْفِرُوا فَإِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‌)(4).

و ثانياً: إلى مراقبة الزوجين على البيت حتّى يكون مستراحاً لهما و مزالاً


1) . النّساء، 34.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 43 ص 81.

3) . النّساء، 34.

4) . التّغابن، 14.

لهمومهما و توانيهما.

و تلك المراقبة تحتاج اوّلاً إلى كون كلّ منهما مسكناً للآخر - أي: محلاً لسكون نفسه - و مأمناً لقلبه.

قال اللّٰه تعالى: (وَ مِنْ آيٰاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوٰاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهٰا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً‌)(1)

و ثانياً: إلى سياسة شؤون البيت المختلفة و قد قلنا انّ سياسة امور البيت الداخلية على المرءة و سياستها الخارجية على المرء.

و بعد ذلك كلّه، انّ البيت يُعدّ مكتب و معلّم ذلك المكتب هو الزوجين و التّقصير في تعليم كلّ الآخر و تعليمهما أولادهما ذنب عظيم.

قال اللّٰه تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً)(2)

و قال تعالى: (إِنَّ اَلْخٰاسِرِينَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ أَلاٰ ذٰلِكَ هُوَ اَلْخُسْرٰانُ اَلْمُبِينُ‌)(3)

هذا موجز فرضهما، فلو قاما به فلهما مثلما للشهداء من الأجر الجزيل.

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: الْكَادُّ عَلَى عِيَالِهِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‌(4).

و عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ ع قَالَ‌: جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ‌(5).


1) . الرّوم، 21.

2) . التّحريم، 6.

3) . الزّمر، 15.

4) . راجع: الكافي، ج 5 ص 88.

5) . راجع: الكافي، ج 5 ص 507.

امّا لو قصرا فيه، فلهما الخسران و العذاب في الدارين، امّا في الدنيا فليس الدار لهما إلّاكجحيمٍ عاجلة فلهما حياةٌ مُرّةٌ و لأولادهما عيش غير هنىءٍ‌، فيموت قلوبهم فيصيرون كأمواتٍ بين الأحياء، و لايتصوّر للأسرة عذابٌ فوق هذا العذاب.

و امّا في الاخرة، فنكتفى هنا برواية، رواها الشيخ الحرّ في الوسائل عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله:

عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ‌: مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَةٌ تُؤْذِيهِ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ صَلَاتَهَا وَ لَا حَسَنَةً مِنْ عَمَلِهَا حَتَّى تُعِينَهُ وَ تُرْضِيَهُ وَ إِنْ صَامَتِ الدَّهْرَ وَ قَامَتْ وَ أَعْتَقَتِ الرِّقَابَ وَ أَنْفَقَتِ الْأَمْوَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ كَانَتْ أَوَّلَ مَنْ تَرِدُ النَّارَ ثُمَّ قَالَ‌: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ عَلَى الرَّجُلِ مِثْلُ ذَلِك الْوِزْرِوَ الْعَذَابِ إِذَا كَانَ لَهَا مُؤْذِياً ظَالِمًا.(1)

و منها الشعور بالمسؤولية قبال الجار:

و هذه مسؤولية هامّة أيضاً، و أسفاً لنا حيث أهملناها كأنّها لما وجبت علينا!.

و في الكتاب و السّنة قبال هذا الفرض ما تقشعرّ منه الجلود،

قال اللّٰه تعالى: (وَ اُعْبُدُوا اَللّٰهَ وَ لاٰ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً وَ بِذِي اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْيَتٰامىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينِ وَ اَلْجٰارِ ذِي اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْجٰارِ اَلْجُنُبِ وَ اَلصّٰاحِبِ بِالْجَنْبِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ وَ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ مَنْ كٰانَ مُخْتٰالاً فَخُوراً).(2)

و قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاٰتِهِمْ سٰاهُونَ * اَلَّذِينَ هُمْ‌


1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 14 ص 116.

2) . النّساء، 36.

يُرٰاؤُنَ * وَ يَمْنَعُونَ اَلْمٰاعُونَ‌) (1).

ثمّ في رواية فُسّر الماعون بما يحتاج الجار إليه من اساس البيت، و من الواضح انّ ذلك التعيين من باب الجرى و تعيين المصداق الكامل.

امّا الرّوايات فهى كثيرة، منها:

ما روى عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَ جَارُهُ جَائِعٌ‌.(2)

و ما روى عنه ايضاً صلى الله عليه و آله: وَ حُرْمَةُ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ كَحُرْمَةِ أُمِّهِ‌(3).

و منها قوله صلى الله عليه و آله: مَنْ كَانَ جَارُهُ مَرِيضاً فَتَرَك عِيَادَتَهُ اسْتِخْفَافاً بِحَقِّهِ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْهُ وَ مَنْ مَاتَ جَارُهُ فَتَرَك تَشْيِيعَ جَنَازَتِهِ تَهَاوُناً بِهِ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْهُ‌.(4)

و ما روي عن الكاظم عليه السلام: لَيْسَ حُسْنُ الْجِوَارِ كَفَّ الْأَذَى وَ لَكِنَّ حُسْنَ الْجِوَارِ صَبْرُك عَلَى الْأَذَى.(5)

و ما روي عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص كُلُّ أَرْبَعِينَ دَاراً جِيرَانٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ وَ عَنْ يَمِينِهِ وَ عَنْ شِمَالِهِ‌.(6)

7 - الشعور بالمسؤولية قبال المجتمع:

انّ الإنسان خُلِق مدنياً بحسب طبعه محتاجاً إلى آخرين و ليس له أن يعيش


1) . الماعون، 64.

2) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 8 ص 490.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 666.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 8 ص 168.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 667.

6) . راجع: الكافي، ج 2 ص 669.

فريداً منسلخاً عن الآخرين.

قال اللّٰه تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنٰا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّٰا يَجْمَعُونَ‌)(1).

فمن رحمة اللّٰه تعالى على الناس كما اشارت إليه هذه الآية الشّريفة انّ كلّا خلقوا بحسب الاستعداد لرفع حوائج الآخرين، فعلى كلّ طائفة منهم أن يقوم بقسطٍ من أمور المجتمع فمنهم مَن خُلق لحفظ الناموس، و منهم من خُلق لحفظ النظام، أو المعاش و ما إليها.

هذا بحسب التكوين، ثم شرع اللّٰه عليهم - رحمةً منه - أيضاً أن يهتمّ كلٌّ بالآخرين ليصلح أمر المجتمع، فيصلح معيشه الناس و حياتهم فيه ثمّ اكّد على ذلك حذراً من ضياع المجتمع و أمره.

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ‌.(2)

و قال صلى الله عليه و آله: وَ لَكِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ عَبْداً إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَحْكَمَهُ‌.(3)

و بعبارةٍ اجود، قد استفاضت عن اهل البيت عليهم السّلام انّ المؤمن من يحبّ لغيره ما يحبّ لنفسه و يكره لغيره ما يكره لنفسه.(4)


1) . الزّخرف، 32.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 163.

3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 2 ص 883.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 169.

و نسمّى هذا الاذي ّستظهرناه من الكتاب و السنة بقانون المواسات و معلوم انّه ان اجرى هذا القانون و عُمِل به تصير كلّ مدينةٍ مدينةً فاضلة، فلارفث و لا فسوق و لا جدال و لا خدعة و لا كذب و لا سرقة و لا نحو ذلك فيها. فلا فقر و لا فاقة و لا عزوبة و لا احتياج فيها.

فالمتراءى في عصرنا من الاختلافات العنصرية و الطبقيّة ثم كون بعض الناس من فئة الدخل الضعيف و بعضهم من الطبقة المالكة و العُدم بحسب الفرد و المجتمع و مشكلة الخوف و الحزن فليس إلّالعدم اجراء ذلك القانون.

و من المؤسّف عليه جدّاً في هذا العصر عدم اهتمام اصحاب المهن و الحِرَف بأمور متجانسيهم و لو بلغت أجورهم على حِرَفهم أضعاف ما يستحقّونه.

و هكذا الأسف على ضعفهم في صنائعهم و ما أنتجت أيديهم مع حضورهم في المجامع و المجالس الدينيّة و سماعهم توصية رجال الدين باستحكام العمل و اتقانه.

فهم منتحلون اسم المسلم و ليس لهم في الاسلام من خلاق.

قال اللّٰه تعالى: (أَ رَأَيْتَ اَلَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذٰلِكَ اَلَّذِي يَدُعُّ اَلْيَتِيمَ * وَ لاٰ يَحُضُّ عَلىٰ طَعٰامِ اَلْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاٰتِهِمْ سٰاهُونَ * اَلَّذِينَ هُمْ يُرٰاؤُنَ * وَ يَمْنَعُونَ اَلْمٰاعُونَ‌)(1)

و في الختام نذكر روايات تمسّكاً بأذيال كلام اهل البيت عليهم السلام و نرجوا منهم النّجاة من هذه العويصة و التنبّه بالقيام بهذا القانون و العمل به بما يتيسّر انشاءاللّٰه تعالى.


1) . الماعون، 71.

رواياتٌ في المسئوليّة

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَا مَعَاشِرَ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فِيمَا حَمَّلَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ فَإِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ إِنِّي مَسْئُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَ أَمَّا أَنْتُمْ فَتُسْأَلُونَ عَمَّا حُمِّلْتُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّتِي.(1)

•

عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله:... إِنِّي مَسْئُولٌ وَ إِنَّكُمْ مَسْئُولُون.(2)

•

عن النبىّ صلى الله عليه و آله: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَ كُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ‌.(3)

•

عن اميرالمؤمنين على بن ابيطالب عليه السلام:... اتَّقُوا اللَّهَ فِي عِبَادِهِ وَ بِلَادِهِ فَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَ الْبَهَائِمِ‌...(4)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام في قوله تعالى (إِنَّ اَلسَّمْعَ وَ اَلْبَصَرَ وَ اَلْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) قَالَ‌: إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِك كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا قَالَ يُسْأَلُ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 606.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 23 ص 141.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 72 ص 38.

4) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 167.

السَّمْعُ عَمَّا سَمِعَ وَ الْبَصَرُ عَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ وَ الْفُؤَادُ عَمَّا عَقَدَ عَلَيْهِ‌.(1)

• عن اميرالمؤمنين عليه السلام في غرر الحكم: كلّ امرىء مسئول عمّا ملكت يمينه و عياله(2).

1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 37.

2) . راجع: ميزان الحكمة، ج 4 ص 327.

روايات في الدّين و العمل به

•

قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ص مَنْ عَمِلَ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ‌.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا قَالَ اصْبِرُوا عَلَى الْفَرَائِضِ وَ صابِرُوا عَلَى الْمَصَائِبِ وَ رابِطُوا عَلَى الْأَئِمَّةِ ع.

وَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي السَّفَاتِجِ وَ زَادَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْكُم.(2)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص اعْمَلْ بِفَرَائِضِ اللَّهِ تَكُنْ أَتْقَى النَّاسِ‌.(3)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَك وَ تَعَالَى مَا تَحَبَّبَ إِلَيَ عَبْدِي بِأَحَبَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ‌.(4)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 81.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 81.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 82.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 82.

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: كُلُّ عَيْنٍ بَاكِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَيْرَ ثَلَاثٍ عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ عَيْنٍ فَاضَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَ عَيْنٍ غُضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ‌.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: فِيمَا نَاجَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ مُوسَى ع يَا مُوسَى مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ الْمُتَقَرِّبُونَ بِمِثْلِ الْوَرَعِ عَنْ مَحَارِمِي فَإِنِّي أُبِيحُهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ لَا أُشْرِك مَعَهُمْ أَحَداً.(2)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ تَرَك مَعْصِيَةً لِلَّهِ مَخَافَةَ اللَّهِ تَبَارَك وَ تَعَالَى أَرْضَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‌.(3)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 80.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 80.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 81.

روايات في الامر بالمعروف و النهى عن المنكر

• جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يُتَّبَعُ فِيهِمْ قَوْمٌ مُرَاءُونَ يَتَقَرَّءُونَ وَ يَتَنَسَّكُونَ حُدَثَاءُ سُفَهَاءُ لَا يُوجِبُونَ أَمْراً بِمَعْرُوفٍ وَ لَا نَهْياً عَنْ مُنْكَرٍ إِلَّا إِذَا أَمِنُوا الضَّرَرَ يَطْلُبُونَ لِأَنْفُسِهِمُ الرُّخَصَ وَ الْمَعَاذِيرَ يَتَّبِعُونَ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ وَ فَسَادَ عَمَلِهِمْ يُقْبِلُونَ عَلَى الصَّلَاةِ وَ الصِّيَامِ وَ مَا لَا يَكْلِمُهُمْ فِي نَفْسٍ وَ لَا مَالٍ وَ لَوْ أَضَرَّتِ الصَّلَاةُ بِسَائِرِ مَا يَعْمَلُونَ بِأَمْوَالِهِمْ وَ أَبْدَانِهِمْ لَرَفَضُوهَا كَمَا رَفَضُوا أَسْمَى الْفَرَائِضِ وَ أَشْرَفَهَا إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرِيضَةٌ عَظِيمَةٌ بِهَا تُقَامُ الْفَرَائِضُ هُنَالِك يَتِمُّ غَضَبُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِمْ فَيَعُمُّهُمْ بِعِقَابِهِ فَيُهْلَك الْأَبْرَارُ فِي دَارِ الْفُجَّارِ وَ الصِّغَارُ فِي دَارِ الْكِبَارِ إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ سَبِيلُ الْأَنْبِيَاءِ وَ مِنْهَاجُ الصُّلَحَاءِ فَرِيضَةٌ عَظِيمَةٌ بِهَا تُقَامُ الْفَرَائِضُ وَ تَأْمَنُ الْمَذَاهِبُ وَ تَحِلُّ الْمَكَاسِبُ وَ تُرَدُّ الْمَظَالِمُ وَ تُعْمَرُ الْأَرْضُ وَ يُنْتَصَفُ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَ يَسْتَقِيمُ الْأَمْرُ فَأَنْكِرُوا بِقُلُوبِكُمْ وَ الْفِظُوا بِأَلْسِنَتِكُمْ وَ صُكُّوا بِهَا جِبَاهَهُمْ وَ لَا تَخَافُوا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ فَإِنِ اتَّعَظُوا وَ إِلَى الْحَقِّ رَجَعُوا فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ - إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِك لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ هُنَالِك فَجَاهِدُوهُمْ بِأَبْدَانِكُمْ وَ أَبْغِضُوهُمْ بِقُلُوبِكُمْ غَيْرَ طَالِبِينَ‌

سُلْطَاناً وَ لَا بَاغِينَ مَالًا وَ لَا مُرِيدِينَ بِظُلْمٍ ظَفَراًحَتَّى يَفِيئُوا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وَ يَمْضُوا عَلَى طَاعَتِهِ قَالَ وَ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى شُعَيْبٍ النَّبِيِّ ص أَنِّي مُعَذِّبٌ مِنْ قَوْمِك مِائَةَ أَلْفٍ أَرْبَعِينَ أَلْفاً مِنْ شِرَارِهِمْ وَ سِتِّينَ أَلْفاً مِنْ خِيَارِهِمْ فَقَالَ ع يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَارُ فَمَا بَالُ الْأَخْيَارِ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ دَاهَنُوا أَهْلَ الْمَعَاصِي وَ لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَمْ يُؤْخَذْ لِضَعِيفِهَا مِنْ قَوِيِّهَا بِحَقِّهِ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ‌.(2)

•

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ ع يَقُولُ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ لَتَنْهُنَ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ‌.(3)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: وَيْلٌ لِقَوْمٍ لَا يَدِينُونَ اللَّهَ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ(4).

•

خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا هَلَك مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَيْثُ مَا عَمِلُوا مِنَ الْمَعَاصِي وَ لَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبَارُ عَنْ ذَلِك وَ إِنَّهُمْ لَمَّا تَمَادَوْا فِي الْمَعَاصِي وَ لَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبَارُ عَنْ ذَلِك نَزَلَتْ بِهِمُ الْعُقُوبَاتُ فَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ.(5)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بَعَثَ مَلَكَيْنِ إِلَى أَهْلِ مَدِينَةٍ لِيَقْلِبَاهَا


1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 55.

2) . راجع: الكافي، ج 5 ص 56.

3) . راجع: الكافي، ج 5 ص 56.

4) . راجع: الكافي، ج 5 ص 56.

5) . راجع: الكافي، ج 5 ص 57.

عَلَى أَهْلِهَا فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الْمَدِينَةِ وَجَدَا رَجُلًا يَدْعُو اللَّهَ وَ يَتَضَرَّعُ فَقَالَ أَحَدُ الْمَلَكَيْنِ لِصَاحِبِهِ أَ مَا تَرَى هَذَا الدَّاعِيَ فَقَالَ قَدْ رَأَيْتُهُ وَ لَكِنْ أَمْضِي لِمَا أَمَرَ بِهِ رَبِّي فَقَالَ لَا وَ لَكِنْ لَا أُحْدِثُ شَيْئاً حَتَّى أُرَاجِعَ رَبِّي فَعَادَ إِلَى اللَّهِ تَبَارَك وَ تَعَالَى فَقَالَ يَا رَبِّ إِنِّي انْتَهَيْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَوَجَدْتُ عَبْدَك فُلَاناً يَدْعُوك وَ يَتَضَرَّعُ إِلَيْك فَقَالَ امْضِ بِمَا أَمَرْتُك بِهِ فَإِنَّ ذَا رَجُلٌ لَمْ يَتَمَعَّرْ وَجْهُهُ غَيْظاً لِي قَطُّ.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّ رَجُلًا مِنْ خَثْعَمَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَا أَفْضَلُ الْإِسْلَامِ قَالَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ قَالَ ثُمَّ مَا ذَا قَالَ ثُمَّ صِلَةُ الرَّحِمِ قَالَ ثُمَّ مَا ذَا قَالَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ قَالَ فَقَالَ الرَّجُلُ فَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ قَالَ الشِّرْك بِاللَّهِ قَالَ ثُمَّ مَا ذَا قَالَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ قَالَ ثُمَّ مَا ذَا قَالَ الْأَمْرُ بِالْمُنْكَرِ وَ النَّهْيُ عَنِ الْمَعْرُوفِ‌.(2)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ‌ع قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ص أَنْ نَلْقَى أَهْلَ الْمَعَاصِي بِوُجُوهٍ مُكْفَهِرَّةٍ‌.(3)

•

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ خُلُقَانِ مِنْ خُلُقِ اللَّهِ فَمَنْ نَصَرَهُمَا أَعَزَّهُ اللَّهُ وَ مَنْ خَذَلَهُمَا خَذَلَهُ اللَّهُ‌.(4)

•

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا ع يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص


1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 58.

2) . راجع: الكافي، ج 5 ص 58.

3) . راجع: الكافي، ج 5 ص 58.

4) . راجع: الكافي، ج 5 ص 59.

يَقُولُ إِذَا أُمَّتِي تَوَاكَلَتِ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَلْيَأْذَنُوا بِوِقَاعٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: قَالَ النَّبِيُّ ص كَيْفَ بِكُمْ إِذَا فَسَدَتْ نِسَاؤُكُمْ وَ فَسَقَ شَبَابُكُمْ وَ لَمْ تَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ لَمْ تَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ فَقِيلَ لَهُ وَ يَكُونُ ذَلِك يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ نَعَمْ وَ شَرٌّ مِنْ ذَلِك كَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَمَرْتُمْ بِالْمُنْكَرِ وَ نَهَيْتُمْ عَنِ الْمَعْرُوفِ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ يَكُونُ ذَلِك قَالَ نَعَمْ وَ شَرٌّ مِنْ ذَلِك كَيْفَ بِكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ مُنْكَراً وَ الْمُنْكَرَ مَعْرُوفًا.(2)

•

قَالَ النَّبِيُّ ص إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَيُبْغِضُ الْمُؤْمِنَ الضَّعِيفَ الَّذِي لَا دِينَ لَهُ فَقِيلَ لَهُ وَ مَا الْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا دِينَ لَهُ قَالَ الَّذِي لَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَر.(3)


1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 59.

2) . راجع: الكافي، ج 5 ص 59.

3) . راجع: الكافي، ج 5 ص 59.

روايات في الروح

• عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الْغَنَوِيِّ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ‌: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ص فَقَالَيَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَ نَاساً زَعَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَزْنِي وَ هُوَ مُؤْمِنٌ وَ لَا يَسْرِقُ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ وَ لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ وَ لَا يَأْكُلُ الرِّبَا وَ هُوَ مُؤْمِنٌ وَ لَا يَسْفِك الدَّمَ الْحَرَامَ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَقَدْ ثَقُلَ عَلَيَّ هَذَا وَ حَرِجَ مِنْهُ صَدْرِي حِينَ أَزْعُمُ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ يُصَلِّي صَلَاتِي وَ يَدْعُو دُعَائِي وَ يُنَاكِحُنِي وَ أُنَاكِحُهُ وَ يُوَارِثُنِي وَ أُوَارِثُهُ وَ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِيمَانِ مِنْ أَجْلِ ذَنْبٍ يَسِيرٍ أَصَابَهُ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ص صَدَقْتَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ وَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ النَّاسَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ وَ أَنْزَلَهُمْ ثَلَاثَ مَنَازِلَ وَ ذَلِك قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْكِتَابِ فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَ السَّابِقُونَفَأَمَّا مَا ذَكَرَ مِنْ أَمْرِ السَّابِقِينَ فَإِنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ مُرْسَلُونَ وَ غَيْرُ مُرْسَلِينَ جَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ خَمْسَةَ أَرْوَاحٍ رُوحَ الْقُدُسِ وَ رُوحَ الْإِيمَانِ وَ رُوحَ الْقُوَّةِ وَ رُوحَ الشَّهْوَةِ وَ رُوحَ الْبَدَنِ فَبِرُوحِ الْقُدُسِ بُعِثُوا أَنْبِيَاءَ مُرْسَلِينَ وَ غَيْرَ مُرْسَلِينَ وَ بِهَا عَلِمُوا الْأَشْيَاءَ وَ بِرُوحِ الْإِيمَانِ عَبَدُوا اللَّهَ وَ لَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِرُوحِ الْقُوَّةِ جَاهَدُوا عَدُوَّهُمْ وَ عَالَجُوا

مَعَاشَهُمْ وَ بِرُوحِ الشَّهْوَةِ أَصَابُوا لَذِيذَ الطَّعَامِ وَ نَكَحُوا الْحَلَالَ مِنْ شَبَابِ النِّسَاءِ وَ بِرُوحِ الْبَدَنِ دَبُّوا وَ دَرَجُوا فَهَؤُلَاءِ مَغْفُورٌ لَهُمْ مَصْفُوحٌ عَنْ ذُنُوبِهِمْ ثُمَّ قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ - تِلْك الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ثُمَّ قَالَ فِي جَمَاعَتِهِمْ - وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ يَقُولُ أَكْرَمَهُمْ بِهَا فَفَضَّلَهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ فَهَؤُلَاءِ مَغْفُورٌ لَهُمْ مَصْفُوحٌ عَنْ ذُنُوبِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَ أَصْحَابَ الْمَيْمَنَةِ وَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا بِأَعْيَانِهِمْ جَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ أَرْبَعَةَ أَرْوَاحٍ رُوحَ الْإِيمَانِ وَ رُوحَ الْقُوَّةِ وَ رُوحَ الشَّهْوَةِ وَ رُوحَ الْبَدَنِ فَلَا يَزَالُ الْعَبْدُ - يَسْتَكْمِلُ هَذِهِ الْأَرْوَاحَ الْأَرْبَعَةَ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَيْهِ حَالاتٌ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هَذِهِ الْحَالاتُ فَقَالَ أَمَّا أُولَاهُنَّ فَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ - وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً فَهَذَا يَنْتَقِصُ مِنْهُ جَمِيعُ الْأَرْوَاحِ وَ لَيْسَ بِالَّذِي يَخْرُجُ مِنْ دِينِ اللَّهِ لِأَنَّ الْفَاعِلَ بِهِ رَدَّهُ إِلَى أَرْذَلِ عُمُرِهِ فَهُوَ لَا يَعْرِفُ لِلصَّلَاةِ وَقْتاً وَ لَا يَسْتَطِيعُ التَّهَجُّدَ بِاللَّيْلِ وَ لَا بِالنَّهَارِ وَ لَا الْقِيَامَ فِي الصَّفِّ مَعَ النَّاسِ فَهَذَا نُقْصَانٌ مِنْ رُوحِ الْإِيمَانِ وَ لَيْسَ يَضُرُّهُ شَيْئاً وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَقِصُ مِنْهُ رُوحُ الْقُوَّةِ فَلَا يَسْتَطِيعُ جِهَادَ عَدُوِّهِ وَ لَا يَسْتَطِيعُ طَلَبَ الْمَعِيشَةِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَقِصُ مِنْهُ رُوحُ الشَّهْوَةِ فَلَوْ مَرَّتْ بِهِ أَصْبَحُ بَنَاتِ آدَمَ لَمْ يَحِنَّ إِلَيْهَا وَ لَمْ يَقُمْ وَ تَبْقَى رُوحُ الْبَدَنِ فِيهِ فَهُوَ يَدِبُّ وَ يَدْرُجُ حَتَّى يَأْتِيَهُ مَلَك الْمَوْتِ فَهَذَا الْحَالُ خَيْرٌ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ هُوَ الْفَاعِلُ بِهِ وَ قَدْ تَأْتِي عَلَيْهِ حَالاتٌ فِي قُوَّتِهِ وَ شَبَابِهِ فَيَهُمُّ بِالْخَطِيئَةِ فَيُشَجِّعُهُ رُوحُ الْقُوَّةِ وَ يُزَيِّنُ لَهُ رُوحُ الشَّهْوَةِ وَ يَقُودُهُ رُوحُ الْبَدَنِ حَتَّى تُوْقِعَهُ فِي الْخَطِيئَةِ فَإِذَا لَامَسَهَا نَقَصَ مِنَ الْإِيمَانِ وَ تَفَصَّى مِنْهُ فَلَيْسَ يَعُودُ فِيهِ حَتَّى يَتُوبَ فَإِذَا تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ إِنْ عَادَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ نَارَ جَهَنَّمَ فَأَمَّا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ فَهُمُ‌

الْيَهُودُ وَ النَّصَارَى يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ - الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ يَعْرِفُونَ مُحَمَّداً وَ الْوَلَايَةَ فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ - وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّك أَنَّك الرَّسُولُ إِلَيْهِمْ - فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ فَلَمَّا جَحَدُوا مَا عَرَفُوا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِذَلِك فَسَلَبَهُمْ رُوحَ الْإِيمَانِ وَ أَسْكَنَ أَبْدَانَهُمْ ثَلَاثَةَ أَرْوَاحٍ رُوحَ الْقُوَّةِ وَ رُوحَ الشَّهْوَةِ وَ رُوحَ الْبَدَنِ ثُمَّ أَضَافَهُمْ إِلَى الْأَنْعَامِ فَقَالَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ لِأَنَّ الدَّابَّةَ إِنَّمَا تَحْمِلُ بِرُوحِ الْقُوَّةِ وَ تَعْتَلِفُ بِرُوحِ الشَّهْوَةِ وَ تَسِيرُ بِرُوحِ الْبَدَنِ فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ أَحْيَيْتَ قَلْبِي بِإِذْنِ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ‌.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِنَّ لِلْقَلْبِ أُذُنَيْنِ فَإِذَا هَمَّ الْعَبْدُ بِذَنْبٍ قَالَ لَهُ رُوحُ الْإِيمَانِ لَا تَفْعَلْ وَ قَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ افْعَلْ وَ إِذَا كَانَ عَلَى بَطْنِهَا نُزِعَ مِنْهُ رُوحُ الْإِيمَان.(2)

•

أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ لِقَلْبِهِ أُذُنَانِ فِي جَوْفِهِ أُذُنٌ يَنْفُثُ فِيهَا الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ وَ أُذُنٌ يَنْفُثُ فِيهَا الْمَلَك فَيُؤَيِّدُ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ بِالْمَلَك فَذَلِك قَوْلُهُ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ‌.(3)

•

عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ قَالَ‌: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ ع فَقَالَ لِي إِنَّ اللَّهَ تَبَارَك وَ تَعَالَى أَيَّدَ الْمُؤْمِنَ بِرُوحٍ مِنْهُ تَحْضُرُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ يُحْسِنُ فِيهِ وَ يَتَّقِي وَ تَغِيبُ عَنْهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ يُذْنِبُ فِيهِ وَ يَعْتَدِي فَهِيَ مَعَهُ تَهْتَزُّ سُرُوراً عِنْدَ إِحْسَانِهِ وَ تَسِيخُ فِي الثَّرَى عِنْدَ


1) . الكافي‌ى، ج 2 ص 281.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 267.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 267.

إِسَاءَتِهِ فَتَعَاهَدُوا عِبَادَ اللَّهِ نِعَمَهُ بِإِصْلَاحِكُمْ أَنْفُسَكُمْ تَزْدَادُوا يَقِيناً وَ تَرْبَحُوا نَفِيساً ثَمِيناً رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً هَمَّ بِخَيْرٍ فَعَمِلَهُ أَوْ هَمَّ بِشَرٍّ فَارْتَدَعَ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ نَحْنُ نُؤَيِّدُ الرُّوحَ بِالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَ الْعَمَلِ لَهُ‌.(1)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 268.

روايات في الجسم

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِنَّمَا بُنِيَ الْجَسَدُ عَلَى الْخُبْزِ.(1)

•

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا فِي الْخُبْزِ وَ لَا تُفَرِّقْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُ فَلَوْ لَا الْخُبْزُ مَا صُمْنَا وَ لَا صَلَّيْنَا وَ لَا أَدَّيْنَا فَرَائِضَ رَبِّنَا عَزَّ وَ جَلَّ‌.(2)

•

عَنِ ابْنِ أَخِي شِهَابِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ‌: شَكَوْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع مَا أَلْقَى مِنَ الْأَوْجَاعِ وَ التُّخَمِ فَقَالَ لِي تَغَدَّ وَ تَعَشَّ وَ لَا تَأْكُلْ بَيْنَهُمَا شَيْئاً فَإِنَّ فِيهِ فَسَادَ الْبَدَنِ أَ مَا سَمِعْتَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ - لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا.(3)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: أَصْلُ خَرَابِ الْبَدَنِ تَرْك الْعَشَاءِ‌.(4)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: تَرْك الْعَشَاءِ مَهْرَمَةٌ وَ يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ إِذَا أَسَنَّ أَلَّا يَبِيتَ إِلَّا وَ جَوْفُهُ مُمْتَلِئٌ مِنَ الطَّعَامِ‌.(5)


1) . راجع: الكافي، ج 6 ص 286.

2) . راجع: الكافي، ج 6 ص 287.

3) . راجع: الكافي، ج 6 ص 288.

4) . راجع: الكافي، ج 6 ص 288.

5) . راجع: الكافي، ج 6 ص 288.

•

عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ‌: كَانَ أَبُو الْحَسَنِ ع لَا يَدَعُ الْعَشَاءَ وَ لَوْ بِكَعْكَةٍ وَ كَانَ يَقُولُ ع إِنَّهُ قُوَّةٌ لِلْجِسْمِ وَ قَالَ وَ لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ وَ صَالِحٌ لِلْجِمَاعِ‌.(1)

•

عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ مَنْ تَرَك الْعَشَاءَ لَيْلَةَ السَّبْتِ وَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ مُتَوَالِيَتَيْنِ ذَهَبَتْ عَنْهُ قُوَّتُهُ فَلَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا.(2)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع عَلَيْكُمْ بِالْهَرِيسَةِ فَإِنَّهَا تُنَشِّطُ لِلْعِبَادَةِ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَ هِيَ مِنَ الْمَائِدَةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص.(3)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: أَكْلُ الْحِيتَانِ يُذِيبُ الْجِسْمَ‌.(4)

•

عَنْ يُوسُفَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ‌: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع وَ عَلَيَ جُبَّةُ خَزٍّ وَ طَيْلَسَانُ خَزٍّ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاك عَلَيَ جُبَّةُ خَزٍّ وَ طَيْلَسَانُ خَزٍّ فَمَا تَقُولُ فِيهِ فَقَالَ وَ مَا بَأْسٌ بِالْخَزِّ قُلْتُ وَ سَدَاهُ إِبْرِيسَمٌ قَالَ وَ مَا بَأْسٌ بِإِبْرِيسَمٍ فَقَدْ أُصِيبَ الْحُسَيْنُ ع وَ عَلَيْهِ جُبَّةُ خَزٍّ ثُمَّ قَالَ‌إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا بَعَثَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع إِلَى الْخَوَارِجِ فَوَاقَفَهُمْ لَبِسَ أَفْضَلَ ثِيَابِهِ وَ تَطَيَّبَ بِأَفْضَلِ طِيبِهِ وَ رَكِبَ أَفْضَلَ مَرَاكِبِهِ فَخَرَجَ فَوَاقَفَهُمْ فَقَالُوا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ بَيْنَا أَنْتَ أَفْضَلُ النَّاسِ إِذَا أَتَيْتَنَا فِي لِبَاسِ الْجَبَابِرَةِ وَ مَرَاكِبِهِمْ فَتَلَا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآْيَةَ - قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ فَالْبَسْ وَ تَجَمَّلْ فَإِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ وَ لْيَكُنْ مِنْ حَلَالٍ‌.(5)


1) . راجع: الكافي، ج 6 ص 288.

2) . راجع: الكافي، ج 6 ص 289.

3) . راجع: الكافي، ج 6 ص 319.

4) . راجع: الكافي، ج 6 ص 323.

5) . راجع: الكافي، ج 6 ص 442.

روايات في العمر

• قال اميرالمؤمنين عليه السلام في غرر الحكم:

إنّ عمرك مهر سعادتك إن أنفذته فى طاعة ربّك

إنّ عمرك عدد أنفاسك و عليها رقيب يحصيها

ج: فيالها حسرة على ذى غفلة ان يكن عمره عليه حجّة و ان تؤدّيه ايّامه إلى شقوة.

د: قصّر الأمل قان العمر قصير و افعل الخير فان يسيره كثير.

ه: ليس بشيءاعزّ من الكبريت الاحمر إلّامابقى من عمر المؤمن.

و: لا يعرف قدر مابقى من عمره إلّانبىّ أو صديق.

ز: طوبى لمن بادر الاجل و اغتنم المَهَل و تزوّد من العمل.

ح: ان عمرك وقتك الاذي ّنت فيه.

ط: انّ ماضى عمرك اجل و اتيه امل و الوقت عمل.

ى: الايّام صحائف آجالكم فخلّدوها احسن اعمالكم.

يا: بادر شبابك قبل هرمك و صحتك قبل سقمك.

يب: بئس الغريم النّوم، يفنى قصير العمر و يفوت كثير الاجر.

يج: زد من طول املك في قصر اجلك، و لا تغرّنّك صحّة جسمك و سلامة امسك، فانّ مدّة العمر قليلة و سلامة الجسم مستحيلة.

يد: السّاعات تنهب الاعمار.

يه: انّ اللّيل و النّهار مسرعان في هدم الاعمار.

يو: كيف يفرح بعمر تنقصه السّاعات.

يز: ما اسرع السّاعات في الايّام و اسرع الايام في الشّهور و اسرع الشّهور في السّنة و اسرع السّنة في العمر.

يح: لا بقاء لاعمار مع تعاقب اللّيل و النّهار.

يط: احفظ عمرك من التّضييع له في غير العبادة و الطّاعات.

ك: احذروا ضياع الاعمار فيما لا يبقى لكم ففائتها لا يعود.

كا: انّ انفاسك اجزاء عمرك فلا تفنها إلّافي طاعة تزلفك.

كب: انّ المغبون من غبن عمره و ان المغبوط من انفذ عمره في طاعة ربه.

كج: كفى بالرّجل غفلة ان يضيّع عمره فيما لا ينجيه.

كد: من قصّر في ايّام امله قبل حضور اجله فقد خسر عمره و ضرّه اجله.(1)


1) . راجع: تصنيف غرر الحكم، صص 160-159-158.

روايات في حقّ الوالدين

•

عَنْ أَبِي وَلَّادٍ الْحَنَّاطِ قَالَ‌: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً مَا هَذَا الْإِحْسَانُ فَقَالَ الْإِحْسَانُ أَنْ تُحْسِنَ صُحْبَتَهُمَا وَ أَنْ لَا تُكَلِّفَهُمَا أَنْ يَسْأَلَاك شَيْئاً مِمَّا يَحْتَاجَانِ إِلَيْهِ وَ إِنْ كَانَا مُسْتَغْنِيَيْنِ أَ لَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ - لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَقَالَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ‌ع وَ أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَك الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُماقَالَ إِنْ أَضْجَرَاك فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَ لَا تَنْهَرْهُمَا إِنْ ضَرَبَاك قَالَ وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً قَالَ إِنْ ضَرَبَاك فَقُلْ لَهُمَا غَفَرَ اللَّهُ لَكُمَا فَذَلِك مِنْك قَوْلٌ كَرِيمٌ قَالَ وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ قَالَ لَا تَمْلَأْ عَيْنَيْك مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِمَا إِلَّا بِرَحْمَةٍ وَ رِقَّةٍ وَ لَا تَرْفَعْ صَوْتَك فَوْقَ أَصْوَاتِهِمَا وَ لَا يَدَك فَوْقَ أَيْدِيهِمَا وَ لَا تَقَدَّمْ قُدَّامَهُمَا.(1)

•

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ص فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي فَقَالَ لا تُشْرِك بِاللَّهِ شَيْئاً وَ إِنْ حُرِّقْتَ بِالنَّارِ وَ عُذِّبْتَ إِلَّا وَ قَلْبُك مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَ وَالِدَيْك فَأَطِعْهُمَا وَ بَرَّهُمَا حَيَّيْنِ كَانَا أَوْ مَيِّتَيْنِ وَ إِنْ أَمَرَاك أَنْ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 157.

تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِك وَ مَالِك فَافْعَلْ فَإِنَّ ذَلِك مِنَ الْإِيمَانِ‌.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: قُلْتُ أَيُ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا وَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ‌.(2)

•

عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ع قَالَ‌: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّه ص - مَا حَقُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ قَالَ لَا يُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ وَ لَا يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لَا يَجْلِسُ قَبْلَهُ وَ لَا يَسْتَسِبُّ لَهُ‌.(3)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ وَ أَنَا عِنْدَهُ لِعَبْدِ الْوَاحِدِ الْأَنْصَارِيِ فِي بِرِّ الْوَالِدَيْنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً فَظَنَنَّا أَنَّهَا الآْيَةُ الَّتِي فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ - وَ قَضى رَبُّك أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ سَأَلْتُهُ فَقَالَ هِيَ الَّتِي فِي لُقْمَانَ - وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَ إِنْ جاهَداك عَلى أَنْ تُشْرِك بِي ما لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما - فَقَالَ إِنَّ ذَلِك أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَأْمُرَ بِصِلَتِهِمَا وَ حَقِّهِمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ - وَ إِنْ جاهَداك عَلى أَنْ تُشْرِك بِي ما لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ - فَقَالَ لَا بَلْ يَأْمُرُ بِصِلَتِهِمَا وَ إِنْ جَاهَدَاهُ عَلَى الشِّرْك مَا زَادَ حَقَّهُمَا إِلَّا عِظَمًا.(4)

•

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع مَا يَمْنَعُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ أَنْ يَبَرَّ وَالِدَيْهِ حَيَّيْنِ وَ مَيِّتَيْنِ يُصَلِّيَ عَنْهُمَا وَ يَتَصَدَّقَ عَنْهُمَا وَ يَحُجَّ عَنْهُمَا وَ يَصُومَ عَنْهُمَا فَيَكُونَ الَّذِي صَنَعَ لَهُمَا وَ لَهُ مِثْلُ ذَلِك فَيَزِيدَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِبِرِّهِ وَ صِلَتِهِ خَيْراً كَثِيراً.(5)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 158.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 158.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 158.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 159.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 159.

• عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ قَالَ‌: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا ع أَدْعُو لِوَالِدَيَّ إِذَا كَانَا لَا يَعْرِفَانِ الْحَقَّ قَالَ ادْعُ لَهُمَا وَ تَصَدَّقْ عَنْهُمَا وَ إِنْ كَانَا حَيَّيْنِ لَا يَعْرِفَانِ الْحَقَّ فَدَارِهِمَا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بِالرَّحْمَةِ لَا بِالْعُقُوقِ‌.(1)

1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 159.

روايات في حقّ الأولاد

•

عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ‌: أَحِبُّوا الصِّبْيَانَ وَ ارْحَمُوهُمْ فَإِذَا وَعَدْتُمُوهُمْ فَفُوا لَهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ إِلَّا أَنَّكُمْ تَرْزُقُونَهُمْ‌.(1)

•

وَ قَالَ ع: اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يَعْدِلُوا بَيْنَكُمْ فِي الْبِرِّ وَ اللُّطْفِ‌.(2)

•

عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ‌: سَمُّوا أَوْلَادَكُمْ أَسْمَاءَ الْأَنْبِيَاءِ وَ أَحْسَنُ الْأَسْمَاءِ عَبْدُ اللَّهِ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ‌.(3)

•

وَ قَالَ ع يَلْزَمُ الْوَالِدَيْنِ مِنْ عُقُوقِ الْوَلَدِ مَا يَلْزَمُ الْوَلَدَ لَهُمَا مِنَ الْعُقُوقِ‌.(4)

•

عَنِ الصَّادِقِ ع قَالَ‌: دَعْ ابْنَك يَلْعَبْ سَبْعَ سِنِينَ وَ يُؤَدَّبْ سَبْعاً وَ الْزَمْهُ نَفْسَك سَبْعَ سِنِينَ فَإِنْ أَفْلَحَ وَ إِلَّا فَإِنَّهُ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ‌.(5)

•

قَالَ النَّبِيُّ ص اغْسِلُوا صِبْيَانَكُمْ مِنَ الْغَمَرِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَشَمُّ الْغَمَرَ فَيَفْزَعُ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 101 ص 92.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 101 ص 92.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 101 ص 92.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 101 ص 93.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 101 ص 95.

الصَّبِيُّ فِي رُقَادِهِ وَ يَتَأَذَّى بِهِ الْكَاتِبَانِ‌.(1)

•

قَالَ‌: أَكْرِمُوا أَوْلَادَكُمْ وَ أَحْسِنُوا آدَابَهُمْ يُغْفَرْ لَكُمْ‌.(2)

•

قَالَ عَلِيٌّ ع أَبْصَرَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلًا لَهُ وَلَدَانِ فَقَبَّلَ أَحَدَهُمَا وَ تَرَك الآْخَرَ فَقَالَ ص فَهَلَّا وَاسَيْتَ بَيْنَهُمَا.(3)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 101 ص 95.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 101 ص 95.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 101 ص 97.

روايات في حقّ المرأة على الزّوج

•

عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ‌: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع مَا حَقُّ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا الَّذِي إِذَا فَعَلَهُ كَانَ مُحْسِناًقَالَ يُشْبِعُهَا وَ يَكْسُوهَا وَ إِنْ جَهِلَتْ غَفَرَ لَهَا وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع كَانَتِ امْرَأَةٌ عِنْدَ أَبِي ع تُؤْذِيهِ فَيَغْفِرُ لَهَا.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ص فَسَأَلَتْهُ عَنْ حَقِ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ فَخَبَّرَهَا ثُمَّ قَالَتْ فَمَا حَقُّهَا عَلَيْهِ قَالَ يَكْسُوهَا مِنَ الْعُرْيِ وَ يُطْعِمُهَا مِنَ الْجُوعِ وَ إِنْ أَذْنَبَتْ غَفَرَ لَهَا فَقَالَتْ فَلَيْسَ لَهَا عَلَيْهِ شَيْ‌ءٌ غَيْرُ هَذَا قَالَ لَا قَالَتْ لَا وَ اللَّهِ لَا تَزَوَّجْتُ أَبَداً ثُمَّ وَلَّتْ فَقَالَ النَّبِيُّ ص ارْجِعِي فَرَجَعَتْ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ وَ أَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَ‌.(2)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: اتَّقُوا اللَّهَ فِي الضَّعِيفَيْنِ يَعْنِي بِذَلِك الْيَتِيمَ وَ النِّسَاءَ وَ إِنَّمَا هُنَّ عَوْرَةٌ‌.(3)


1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 510.

2) . راجع: الكافي، ج 5 ص 511.

3) . راجع: الكافي، ج 5 ص 511.

•

عَنْ يُونُسَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ‌: زَوَّجَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع جَارِيَةً كَانَتْ لِإِسْمَاعِيلَ ابْنِهِ فَقَالَ أَحْسِنْ إِلَيْهَا فَقُلْتُ وَ مَا الْإِحْسَانُ إِلَيْهَا فَقَالَ أَشْبِعْ بَطْنَهَا وَ اكْسُ جُثَّتَهَا وَ اغْفِرْ ذَنْبَهَا ثُمَّ قَالَ اذْهَبِي وَسَّطَك اللَّهُ مَا لَهُ‌.(1)

•

عَنْ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ‌: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع مَا حَقُّ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا قَالَ يَسُدُّ جَوْعَتَهَا وَ يَسْتُرُ عَوْرَتَهَا وَ لَا يُقَبِّحُ لَهَا وَجْهاً - فَإِذَا فَعَلَ ذَلِك فَقَدْ وَ اللَّهِ أَدَّى حَقَّهَا قُلْتُ فَالدُّهْنُ قَالَ غِبّاً يَوْمٌ وَ يَوْمٌ لَا قُلْتُ فَاللَّحْمُقَالَ فِي كُلِّ ثَلَاثَةٍ فَيَكُونُ فِي الشَّهْرِ عَشْرَ مَرَّاتٍ لَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك قُلْتُ فَالصِّبْغُ قَالَ وَ الصِّبْغُ فِي كُلِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَ يَكْسُوهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ أَرْبَعَةَ أَثْوَابٍ ثَوْبَيْنِ لِلشِّتَاءِ وَ ثَوْبَيْنِ لِلصَّيْفِ وَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْقِرَ بَيْتَهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ دُهْنِ الرَّأْسِ وَ الْخَلِّ وَ الزَّيْتِ وَ يَقُوتُهُنَّ بِالْمُدِّ فَإِنِّي أَقُوتُ بِهِ نَفْسِي وَ عِيَالِي وَ لْيُقَدِّرْ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ قُوتَهُ فَإِنْ شَاءَ أَكَلَهُ وَ إِنْ شَاءَ وَهَبَهُ وَ إِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ وَ لَا تَكُونُ فَاكِهَةٌ عَامَّةٌ إِلَّا أَطْعَمَ عِيَالَهُ مِنْهَا وَ لَا يَدَعْ أَنْ يَكُونَ لِلْعِيدِ عِنْدَهُمْ فَضْلٌ فِي الطَّعَامِ أَنْ يُسَنِّيَ مِنْ ذَلِك شَيْئاً لَا يُسَنِّي لَهُمْ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ‌.(2)

•

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَوْصَانِي جَبْرَئِيلُ ع بِالْمَرْأَةِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي طَلَاقُهَا إِلَّا مِنْ فَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ‌.(3)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ص خَرَجَ فِي بَعْضِ حَوَائِجِهِ فَعَهِدَ إِلَى امْرَأَتِهِ عَهْداً أَلَّا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا حَتَّى يَقْدَمَ قَالَ وَ إِنَّ أَبَاهَا


1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 511.

2) . راجع: الكافي، ج 5 ص 511.

3) . راجع: الكافي، ج 5 ص 512.

مَرِضَ فَبَعَثَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى النَّبِيِّ ص فَقَالَتْ إِنَّ زَوْجِي خَرَجَ وَ عَهِدَ إِلَيَّ أَنْ لَا أَخْرُجَ مِنْ بَيْتِي حَتَّى يَقْدَمَ وَ إِنَّ أَبِي قَدْ مَرِضَ فَتَأْمُرُنِي أَنْ أَعُودَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا اجْلِسِي فِي بَيْتِك وَ أَطِيعِي زَوْجَك قَالَ فَثَقُلَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ ثَانِياً بِذَلِك فَقَالَتْ فَتَأْمُرُنِي أَنْ أَعُودَهُ فَقَالَ اجْلِسِي فِي بَيْتِك وَ أَطِيعِي زَوْجَك قَالَ فَمَاتَ أَبُوهَا فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ إِنَّ أَبِي قَدْ مَاتَ فَتَأْمُرُنِي أَنْ أُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَا اجْلِسِي فِي بَيْتِك وَ أَطِيعِي زَوْجَك قَالَ فَدُفِنَ الرَّجُلُ فَبَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ص أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَك وَ لِأَبِيك بِطَاعَتِك لِزَوْجِكِ‌.(1)

• خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ص النِّسَاءَ فَقَالَ يَا مَعَاشِرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَ لَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ وَ لَوْ بِتَمْرَةٍ وَ لَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ إِنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَ تَكْفُرْنَ الْعَشِيرَةَ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ لَهَا عَقْلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ لَيْسَ نَحْنُ الْأُمَّهَاتُ الْحَامِلَاتُ الْمُرْضِعَاتُ أَ لَيْسَ مِنَّا الْبَنَاتُ الْمُقِيمَاتُ وَ الْأَخَوَاتُ الْمُشْفِقَاتُ فَرَقَّ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ص فَقَالَ حَامِلَاتٌ وَالِدَاتٌ مُرْضِعَاتٌ رَحِيمَاتٌ لَوْ لَا مَا يَأْتِينَ إِلَى بُعُولَتِهِنَّ مَا دَخَلَتْ مُصَلِّيَةٌ مِنْهُنَّ النَّارَ.(2)

1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 513.

2) . فروع راجع: الكافي، ج 5 ص 513.

روايات في حقّ الزّوج على المرأة

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ص فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ فَقَالَ لَهَا أَنْ تُطِيعَهُ وَ لَا تَعْصِيَهُ وَ لَا تَصَدَّقَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَ لَا تَصُومَ تَطَوُّعاً إِلَّا بِإِذْنِهِ وَ لَا تَمْنَعَهُ نَفْسَهَا وَ إِنْ كَانَتْ عَلَى ظَهْرِ قَتَبٍ وَ لَا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ وَ إِنْ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَعَنَتْهَا مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَ مَلَائِكَةُ الْأَرْضِ وَ مَلَائِكَةُ الْغَضَبِ وَ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَقّاً عَلَى الرَّجُلِ قَالَ وَالِدُهُ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَقّاً عَلَى الْمَرْأَةِ قَالَ زَوْجُهَا قَالَتْ فَمَا لِي عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ مَا لَهُ عَلَيَّ قَالَ لَا وَ لَا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ وَاحِدَةٌ قَالَ فَقَالَتْ وَ الَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ نَبِيّاً لَا يَمْلِك رَقَبَتِي رَجُلٌ أَبَداً.(1)

•

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع أَيُّمَا امْرَأَةٍ بَاتَتْ وَ زَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ فِي حَقٍّ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهَا صَلَاةٌ حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا وَ أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ لِغَيْرِ زَوْجِهَا لَمْ تُقْبَلْ مِنْهَا صَلَاةٌ حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنْ طِيبِهَا كَغُسْلِهَا مِنْ جَنَابَتِهَا.(2)


1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 506.

2) . راجع: الكافي، ج 5 ص 507.

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: ثَلَاثَةٌ لَا يُرْفَعُ لَهُمْ عَمَلٌ عَبْدٌ آبِقٌ وَ امْرَأَةٌ زَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ وَ الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ خُيَلَاءَ‌.(1)

•

عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ ع قَالَ‌: جِهَادُ الْمَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ‌.(2)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ لَهُمْ صَلَاةٌ عَبْدٌ آبِقٌ مِنْ مَوَالِيهِ حَتَّى يَضَعَ يَدَهُ فِي أَيْدِيهِمْ وَ امْرَأَةٌ بَاتَتْ وَ زَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ وَ رَجُلٌ أَمَّ قَوْماً وَ هُمْ لَهُ كَارِهُونَ‌.(3)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّ قَوْماً أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ص فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا رَأَيْنَا أُنَاساً يَسْجُدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَوْ أَمَرْتُ أَحَداً أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا.(4)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَتْ مَا حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ فَقَالَ أَنْ تُجِيبَهُ إِلَى حَاجَتِهِ وَ إِنْ كَانَتْ عَلَى قَتَبٍ وَ لَا تُعْطِيَ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِنْ فَعَلَتْ فَعَلَيْهَا الْوِزْرُ وَ لَهُ الْأَجْرُ وَ لَا تَبِيتَ لَيْلَةً وَ هُوَ عَلَيْهَا سَاخِطٌ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ إِنْ كَانَ ظَالِماً قَالَ نَعَمْ قَالَتْ وَ الَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا تَزَوَّجْتُ زَوْجاً أَبَدًا.(5)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِلنِّسَاءِ لَا تُطَوِّلْنَ صَلَاتَكُنَّ لِتَمْنَعْنَ أَزْوَاجَكُنَّ‌.(6)


1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 507.

2) . راجع: الكافي، ج 5 ص 507.

3) . راجع: الكافي، ج 5 ص 507.

4) . راجع: الكافي، ج 5 ص 507.

5) . راجع: الكافي، ج 5 ص 508.

6) . راجع: الكافي، ج 5 ص 509.

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ص لِبَعْضِ الْحَاجَةِ فَقَالَ لَهَا لَعَلَّك مِنَ الْمُسَوِّفَاتِ قَالَتْ وَ مَا الْمُسَوِّفَاتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْمَرْأَةُ الَّتِي يَدْعُوهَا زَوْجُهَا لِبَعْضِ الْحَاجَةِ فَلَا تَزَالُ تُسَوِّفُهُ حَتَّى يَنْعُسَ زَوْجُهَا وَ يَنَامَ فَتِلْك لَا تَزَالُ الْمَلَائِكَةُ تَلْعَنُهَا حَتَّى يَسْتَيْقِظَ زَوْجُهَا.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ص النِّسَاءَ أَنْ يَتَبَتَّلْنَ وَ يُعَطِّلْنَ أَنْفُسَهُنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ‌.(2)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: لَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَطِّلَ نَفْسَهَا وَ لَوْ تُعَلِّقُ فِي عُنُقِهَا قِلَادَةً وَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَدَعَ يَدَهَا مِنَ الْخِضَابِ وَ لَوْ تَمْسَحُهَا مَسْحاً بِالْحِنَّاءِ وَ إِنْ كَانَتْ مُسِنَّةً‌.(3)


1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 508.

2) . راجع: الكافي، ج 5 ص 509.

3) . راجع: الكافي، ج 5 ص 509.

روايات في حقّ الجار

•

عَنْ عَمْرِو بْنِ عِكْرِمَةَ قَالَ‌: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَقُلْتُ لَهُ لِي جَارٌ يُؤْذِينِي فَقَالَ ارْحَمْهُ فَقُلْتُ لَا رَحِمَهُ اللَّهُ فَصَرَفَ وَجْهَهُ عَنِّي قَالَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَهُ فَقُلْتُ يَفْعَلُ بِي كَذَا وَ كَذَا وَ يَفْعَلُ بِي وَ يُؤْذِينِي فَقَالَ أَ رَأَيْتَ إِنْ كَاشَفْتَهُ انْتَصَفْتَ مِنْهُ فَقُلْتُ بَلَى أُرْبِي عَلَيْهِ فَقَالَ إِنَّ ذَا مِمَّنْ يَحْسُدُ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِذَا رَأَى نِعْمَةً عَلَى أَحَدٍ فَكَانَ لَهُ أَهْلٌ جَعَلَ بَلَاءَهُ عَلَيْهِمْ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَهْلٌ جَعَلَهُ عَلَى خَادِمِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ أَسْهَرَ لَيْلَهُ وَ أَغَاظَ نَهَارَهُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص أَتَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ إِنِّي اشْتَرَيْتُ دَاراً فِي بَنِي فُلَانٍ وَ إِنَّ أَقْرَبَ جِيرَانِي مِنِّي جِوَاراً مَنْ لَا أَرْجُو خَيْرَهُ وَ لَا آمَنُ شَرَّهُ قَالَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ص - عَلِيّاً ع وَ سَلْمَانَ وَ أَبَا ذَرٍّ وَ نَسِيتُ آخَرَ وَ أَظُنُّهُ الْمِقْدَادَ أَنْ يُنَادُوا فِي الْمَسْجِدِ بِأَعْلَى أَصْوَاتِهِمْ بِأَنَّهُ لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوَائِقَهُ فَنَادَوْا بِهَا ثَلَاثاً ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى كُلِّ أَرْبَعِينَ دَاراً مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ وَ عَنْ يَمِينِهِ وَ عَنْ شِمَالِهِ‌.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ ع قَالَ‌: قَرَأْتُ فِي كِتَابِ عَلِيٍّ ع أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 666.

كَتَبَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ مَنْ لَحِقَ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ أَنَّ الْجَارَ كَالنَّفْسِ غَيْرَ مُضَارٍّ وَ لَا آثِمٍ وَ حُرْمَةُ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ كَحُرْمَةِ أُمِّهِ‌.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: حُسْنُ الْجِوَارِ يَزِيدُ فِي الرِّزْقِ‌.(2)

•

عَنِ الْحَكَمِ الْخَيَّاطِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع حُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرُ الدِّيَارَ وَ يَزِيدُ فِي الْأَعْمَارِ.(3)

•

عَنْ عَبْدٍ صَالِحٍ ع قَالَ قَالَ‌: لَيْسَ حُسْنُ الْجِوَارِ كَفَ الْأَذَى وَ لَكِنَّ حُسْنَ الْجِوَارِ صَبْرُك عَلَى الْأَذَى.(4)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ وَ الْبَيْتُ غَاصٌ بِأَهْلِهِ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُحْسِنْ مُجَاوَرَةَ مَنْ جَاوَرَهُ‌.(5)

•

عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ الْمُؤْمِنُ مَنْ آمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ قُلْتُ وَ مَا بَوَائِقُهُ قَالَ ظُلْمُهُ وَ غَشْمُهُ‌.(6)

•

أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ص فَشَكَا إِلَيْهِ أَذًى مِنْ جَارِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص اصْبِرْ ثُمَّ أَتَاهُ ثَانِيَةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ص اصْبِرْ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ فَشَكَاهُ ثَالِثَةً فَقَالَ النَّبِيُّ ص لِلرَّجُلِ الَّذِي شَكَا إِذَا كَانَ عِنْدَ رَوَاحِ النَّاسِ إِلَى الْجُمُعَةِ فَأَخْرِجْ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 666.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 666.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 667.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 667.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 668.

6) . راجع: الكافي، ج 2 ص 668.

مَتَاعَك إِلَى الطَّرِيقِ حَتَّى يَرَاهُ مَنْ يَرُوحُ إِلَى الْجُمُعَةِ فَإِذَا سَأَلُوك فَأَخْبِرْهُمْ قَالَ فَفَعَلَ فَأَتَاهُ جَارُهُ الْمُؤْذِي لَهُ فَقَالَ لَهُ رُدَّ مَتَاعَك فَلَك اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ لَا أَعُودَ.(1)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَ جَارُهُ جَائِعٌ قَالَ وَ مَا مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ يَبِيتُ وَ فِيهِمْ جَائِعٌ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‌.(2)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: مِنَ الْقَوَاصِمِ الْفَوَاقِرِ الَّتِي تَقْصِمُ الظَّهْرَ جَارُ السَّوْءِ إِنْ رَأَى حَسَنَةً أَخْفَاهَا وَ إِنْ رَأَى سَيِّئَةً أَفْشَاهَا.(3)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: عَلَيْكُمْ بِحُسْنِ الْجِوَارِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَمَرَ بِذَلِكَ‌.(4)

•

فِي مَنَاهِي النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ‌: مَنْ خَانَ جَارَهُ شِبْراً مِنَ الْأَرْضِ جَعَلَهَا اللَّهُ طَوْقاً فِي عُنُقِهِ مِنْ تُخُومِ الْأَرَضِينَ السَّابِعَةِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُطَوَّقاً إِلَّا أَنْ يَتُوبَ وَ يَرْجِعَ وَ قَالَ مَنْ آذَى جَارَهُ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ رِيحَ الْجَنَّةِ - وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ وَ مَنْ ضَيَّعَ حَقَّ جَارِهِ فَلَيْسَ مِنَّا وَ مَا زَالَ جَبْرَئِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ‌.(5)

•

عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ مَنْ كَفَ أَذَاهُ عَنْ جَارِهِ أَقَالَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ مَنْ عَفَّ بَطْنُهُ وَ فَرْجُهُ كَانَ فِي الْجَنَّةِ مَلِكاً مَحْبُوراً وَ مَنْ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 668.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 668.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 668.

4) . بحار الانور، ج 71 ص 150.

5) . بحار الانور، ج 71 ص 150.

أَعْتَقَ نَسَمَةً مُؤْمِنَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ‌.(1)

• النَّبِيِّ ص قَالَ‌: مَنْ آذَى جَارَهُ طَمَعاً فِي مَسْكَنِهِ وَرَّثَهُ اللَّهُ دَارَهُ‌.(2)

1) . بحار الانور، ج 71 ص 150.

2) . بحار الانور، ج 71 ص 150.

روايات في المسؤوليّة الإجتماعيّة

•

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَنْسَك النَّاسِ نُسُكاً أَنْصَحُهُمْ جَيْبًا وَ أَسْلَمُهُمْ قَلْباً لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ‌.(1)

•

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاسَانِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ عَلَيْك بِالنُّصْحِ لِلَّهِ فِي خَلْقِهِ فَلَنْ تَلْقَاهُ بِعَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْهُ‌.(2)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ‌.(3)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْخَلْقُ عِيَالُ اللَّهِ فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ نَفَعَ عِيَالَ اللَّهِ وَ أَدْخَلَ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ سُرُوراً.(4)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 163.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 164.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 164.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 164.

•

أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ قَالَ أَنْفَعُ النَّاسِ لِلنَّاسِ‌.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً قَالَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَ لَا تَقُولُوا إِلَّا خَيْراً حَتَّى تَعْلَمُوا مَا هُوَ.(2)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً قَالَ قُولُوا لِلنَّاسِ أَحْسَنَ مَا تُحِبُّونَ أَنْ يُقَالَ فِيكُمْ‌.(3)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ قَالَ نَفَّاعًا.(4)

•

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ بَنُو أَبٍ وَ أُمٍ وَ إِذَا ضَرَبَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ عِرْقٌ سَهِرَ لَهُ الآْخَرُونَ‌.(5)

•

جَابِرٌ الْجُعْفِيِّ قَالَ‌: تَقَبَّضْتُ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي جَعْفَرٍ ع فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاك رُبَّمَا حَزِنْتُ مِنْ غَيْرِ مُصِيبَةٍ تُصِيبُنِي أَوْ أَمْرٍ يَنْزِلُ بِي حَتَّى يَعْرِفَ ذَلِك أَهْلِي فِي وَجْهِي وَ صَدِيقِي فَقَالَ نَعَمْ يَا جَابِرُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ طِينَةِ الْجِنَانِ وَ أَجْرَى فِيهِمْ مِنْ رِيحِ رُوحِهِ فَلِذَلِك الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ لِأَبِيهِ وَ أُمِّهِ فَإِذَا أَصَابَ رُوحاً مِنْ تِلْك الْأَرْوَاحِ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 164.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 164.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 165.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 165.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 165.

فِي بَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ حُزْنٌ حَزِنَتْ هَذِهِ لِأَنَّهَا مِنْهَا.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ عَيْنُهُ وَ دَلِيلُهُ لَا يَخُونُهُ وَ لَا يَظْلِمُهُ وَ لَا يَغُشُّهُ وَ لَا يَعِدُهُ عِدَةً فَيُخْلِفَهُ‌.(2)

•

عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِنِ اشْتَكَى شَيْئاً مِنْهُ - وَجَدَ أَلَمَ ذَلِك فِي سَائِرِ جَسَدِهِ وَ أَرْوَاحُهُمَا مِنْ رُوحٍ وَاحِدَةٍ وَ إِنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ لَأَشَدُّ اتِّصَالًا بِرُوحِ اللَّهِ مِنِ اتِّصَالِ شُعَاعِ الشَّمْسِ بِهَا.(3)

•

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ هُوَ عَيْنُهُ وَ مِرْآتُهُ وَ دَلِيلُهُ لَا يَخُونُهُ وَ لَا يَخْدَعُهُ وَ لَا يَظْلِمُهُ وَ لَا يَكْذِبُهُ وَ لَا يَغْتَابُهُ‌.(4)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 166.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 166.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 166.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 166.

الرّذيلة السّادسة و العشرون: التّقصير قبال المسؤوليّة

اشارة

تقصير الإنسان قبال فرضه ينشأ في أكثر الموارد عن الفَشَل، و هو ضعف و تراخٍ يحدث عند شدّةٍ‌، كما أنّ الكسَل ضعفٌ يحدث للجسم عندها، فالفشَل و الكسَل يمنعان الإنسان من خير الدّنيا و الاخرة.

قال الكاظم عليه السلام: إِيَّاك وَ الضَّجَرَ وَ الْكَسَلَ فَإِنَّهُمَا يَمْنَعَانِك حَظَّ الدُّنْيَا وَ الآْخِرَةِ‌.(1)

إلّا انّ المراد من الفشل هيهنا - و ان كان عامّاً - هو التقصير قبال المفروض على الانسان، فالغافل عن مسؤوليّته غير دقيق الشعور بها هو الفَشِل.

قال اللّٰه تعالى: (وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اَللّٰهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّٰى إِذٰا فَشِلْتُمْ وَ تَنٰازَعْتُمْ فِي اَلْأَمْرِ وَ عَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مٰا أَرٰاكُمْ مٰا تُحِبُّونَ‌)(2)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 66 ص 395.

2) . آل عمران، 152.

قال تعالى: (وَ لَوْ أَرٰاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَ لَتَنٰازَعْتُمْ فِي اَلْأَمْرِ)(1)

و قال تعالى: (إِذْ هَمَّتْ طٰائِفَتٰانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاٰ وَ اَللّٰهُ وَلِيُّهُمٰا وَ عَلَى اَللّٰهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ‌)(2)

و قال تعالى: (وَ أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لاٰ تَنٰازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَ اِصْبِرُوا إِنَّ اَللّٰهَ مَعَ اَلصّٰابِرِينَ‌)(3)

و قال تعالى: (وَ إِذٰا قٰامُوا إِلَى اَلصَّلاٰةِ قٰامُوا كُسٰالىٰ يُرٰاؤُنَ اَلنّٰاسَ وَ لاٰ يَذْكُرُونَ اَللّٰهَ إِلاّٰ قَلِيلاً)(4)

و قال تعالى: (وَ لاٰ يَأْتُونَ اَلصَّلاٰةَ إِلاّٰ وَ هُمْ كُسٰالىٰ وَ لاٰ يُنْفِقُونَ إِلاّٰ وَ هُمْ كٰارِهُونَ‌)(5)

و قد اشارت هذه الآيات إلى نكتة لطيفة و هي تلازم هذه الرذيلة الرذائل الأُخر، كمحبة الدّنيا و الرّياء و الفسق و الفجور و مخالفة الرّسول على علمٍ بأنّه ولىّ الامر و متابعة النّفس و الهوى.

و لعلّ السّرّ في ذلك انّه إذا لم تشعر بفرضه الّذي هو يحرّكه نحو العمل، فلا محالة تحركه رذيلة، و هي الهوى الّتي تنجرّ إلى التشاجر بينه و بين متجانسيه و أبناء نوعه، و مخالفة الرّسول، و الرّئاء في العمل، و الخوف من الجهاد و الفرار عنه، و عن غيره


1) . الانفال، 43.

2) . آل عمران، 122.

3) . الانفال، 46.

4) . النّساء، 142.

5) . التّوبة، 54.

من فرائضه ثمّ تبريرها و توجيهها بما لا يقبله العقل، فهذه رذيلةٌ تلازمها رذائل آخر من ناحية، و تترتّب عليها رذائل و سيّئاتٌ من ناحيةٍ اُخرى و سير تواريخ الحضاراة يشهد بأنّ الشعور بالمسؤولية هو السبب الوحيد في تقدّم أقوامٍ‌، كما أنّ التقصير قبالها هو العامل الفريد في تأخّر آخرين.

فالذلّة تلازم هذه الرّذيلة، و انّ ذلك من سنّة اللّٰه الّتي لا تتغيّر و لا تتبدّل، و العزّة تلازم الشعور بالمسؤولية و قد نبّه القرآن بذلك حيث قال:

(وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اَللّٰهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّٰى إِذٰا فَشِلْتُمْ‌) (1)

و ما حدث قُبيل اليوم بمدينة الخليل بفلسطين من هجوم اليهود الصهيونيّين على مسجدٍ و اطلاق النار و الرصاص على المصلّين صلاة الفجر، ثم سموط الدول الاسلاميّة العربية و سكاتها قبال هذه المصيبة، لم يكن إلّاناتجاً عن تقصيرها قبال فرضها، و فَشَلها ما يجب عليها، أضف إلى ذلك سموط منظّمة الأمم المتّحدة مخافة الدول العُظمى، و كم لهذا الواقعة من نظائر تقع في كلّ شهرٍ إن لم نقل أنّها تقع في كلّ يوم! و ليس ضعف المسلمين ذلك إلّالاتّصافهم بهذه الرذيلة، و لايرضى عنهم الدول العظمى إلّابرسوخ تلك الرذيلة في أنفسهم، لتكونوا ربّاً لهم مالكاً على ثرواتهم الأرضيّة و غيرها، حتّى تخرجهم عن دين اللّٰه سبحانه و تعالى.

قال اللّٰه تعالى: (وَ لَنْ تَرْضىٰ عَنْكَ اَلْيَهُودُ وَ لاَ اَلنَّصٰارىٰ حَتّٰى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ‌)(2)

وللّٰه درّ من قال بالفارسيّة.


1) . آل عمران، 152.

2) . البقرة، 120.

چشم باز و گوش باز و اين عمى *** وه عجب از چشم بندىّ خدا

و لولا تعدّد مذمّة اللّٰه تعالى هذه الرذيلة في كتابه، ليكفيك ان تعرف انّ هذه الرّذيلة من أولى الرذائل و أقبحها، و هي موجبة لخسران الدّنيا و الآخرة.

قال اللّٰه تعالى: (قُلِ اَللّٰهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ‌)(1)

و قال تعالى: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ اَلْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‌)(2)

و قال تعالى: (مَنْ يُضْلِلِ اَللّٰهُ فَلاٰ هٰادِيَ لَهُ وَ يَذَرُهُمْ فِي طُغْيٰانِهِمْ يَعْمَهُونَ‌)(3)

و جاءت الآيات بعتابٍ مفضع، حيث أخبر اولاً بأنّه تعالى يكلهم إلى أنفسهم، فهم كدودة القزّ الّتي كلّما زادت في عمله، ازدادت القيود على نفسه، حتّى لايمكن لها أن تنجو منها.

قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ اَلْإِنْسٰانُ وَ أَنّٰى لَهُ اَلذِّكْرىٰ‌)(4)

ثمّ اخبر ثانياً بانّه تعالى يذرهم في طغيانهم يعمهون فكأنّهم حيوانٌ حتّى اخرجهم اللّٰه تعالى من ولايته، فالصورة صورة الإنسان و السيرة سيرة الوحوش و الحيوان. و قد أشرنا فيما مضى من هذا الكتاب انّ هذه الآيات ليست إلّافي مقام الاخبار، فلا انشاء فيها. و المراد اخبارها عن كونهم في مرتبة الحيوان بحسب الواقع و نفس الأمر، لا انتسابهم إليها خفةً لهم و ازدراءً بشأنهم.


1) . الانعام، 91.

2) . الحجر، 3.

3) . الاعراف، 186.

4) . الفجر، 23.

ثمّ انّ هذه الرّذيلة لمّا كانت من الملكات فلا محالة تكون مقولة بالتّشكيك، كما أنّ ضدها مقولة بالتشكيك و لها مراتب شدّة و ضعفاً، فالمرتبة الشّديدة منها هي لمن نزلت فيه: (قُلِ اَللّٰهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ‌) فلا شعور بالمسؤوليّة فيه اصلاً، فهو كميّت بين الاحياء.

و المرتبة الضّعيفة منها فيمن مهّد الشيطان عليه سبيلاً، فيما إذا غلب عليه حبّ الدّنيا بمعناه العامّ‌، أو اقبلت الموانع إليه فرفعت عنه ذلك الشعور، كغالب النّاس، بل كلّهم إلّامن شذّ منهم.

و المرتبة الوسطى الّتي لها عرض عريض توجد في المذبذبين بين الصنفين لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء، و هي أيضاً كضدّها تنقسم باعتبار المتعلّق إلى اقسام:

و هي التقصير في الدّين، و التقصير بحسب الرّوح، و التقصير بحسب الجسم، و التقصير بحسب العمر، و التقصير بحسب البيت، و التقصير بحسب المجتمع.

و بعض النّاس مقصّرون إلى الغاية في الدّين و المعنويّة، و لكنّهم يشعرون بمسؤوليتهم قبال أجسامهم و هم كثيرون و هذا دأب المنغمرين في المادّة من أبناء الزمان، حيث هجروا المعنويّة و رضوا بما استجلبوا من العوائد الفانية المادّية، يراعون الجسم و يهملون الرّوح، فاولئك كالانعام بل هم اضلّ‌، لانّ الغافل عن بعده النفسى هو شرّ الدّوابّ‌.

قال اللّٰه تعالى: (إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْقِلُونَ‌)(1)

و بعض النّاس يجتهدون فيما يرجع إلى بعدهم النفسى الروحى و لكن يقصّرون


1) . الانفال، 22.

في بعدهم المادّى و هذا أيضاً خطأٌ و قد فصلنا الكلام في حرمته لو انجرّ إلى متاركة الدنيا و الانسلاك في سلك الرهبان، و قد أوردنا ما ورد عن الصادق عليه السلام: لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَرَك دُنْيَاهُ لآِخِرَتِهِ وَ لَا آخِرَتَهُ لِدُنْيَاهُ‌.(1)

و بعض النّاس يضيّعون عمرهم و لايستفيدون عن فُرَصهم بل يهملون العمر والفُرَص اهمالاً، مع تقيّدهم الاجمالى بالشريعة و امورهم النفسيّة و البيت و المجتمع و ما إلى ذلك؛ و لاريب في خطأهم أيضاً و لو كان طريقتهم إلى الصواب أقرب من طريق الآخرين.

كما انّ الشاعر بمسؤوليّته قبال بيته الغافل عنها قبل مجتمعه أيضاً ليس إلّافي عداد المخطئين.

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ‌.(2)

و قال الشّاعر بالفارسيّة:

بنى آدم اعضاى يكديگرند *** كه در آفرينش ز يك گوهرند

چو عضوى به درد آورد روزگار *** دگر عضوها را نماند قرار

تو كز محنت ديگران بى غمى *** نشايد كه نامت نهند آدمى

و من النّاس من يشعر بمسؤوليّته الجماعيّة مع غفلته عن مسؤوليّته قبال أسرته و أقربائه كالأصدقاء و الجيران، فهو المبعد عن رحمة اللّٰه تعالى، حيث تمكّن فيه قسوة القلب و صلابته، فيا ترى لو غفل رجلٌ عن حيوانٍ جائع أليس قاسى


1) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 156.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 163.

القلب‌؟، فكيف بمن غفل عن حوائج أبيه، أو أمه، أو جاره، أو أسرته‌؟ و لاريب في أنّه لاسبيل للقساة إلى رحمته سبحانه و تعالى. قال: (فَوَيْلٌ لِلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌)(1)

فتلخّص انّ الإنسان الكامل الّذي حاز الكمالات كلّها، له الشعور التامّ بمسؤوليّاته فكلّما زاد في شعوره بها، زاد في كماله، و كلّما نقص عن شعوره هذا، نقص عن كماله، حتّى يهبط إلى مرتبة الدوّابات غير الشاعرات بما لها من الفرض.

و في الختام نأتى بنكتةٍ هامّة لافتين نظر القارىء الكريم إليها، و هي أنّ الاسلام ليس الا شريعة جامعة بأجزائها المتشتّتة المرتبط بعضها ببعضٍ‌، فلا يمكن أنّ يُقبل بعض أجزائها و يُرفَض الآخر، لا في العقيدة و لا في الاتيان بالاركان و الاعمال،

قال اللّٰه تعالى: (وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً * أُولٰئِكَ هُمُ اَلْكٰافِرُونَ حَقًّا وَ أَعْتَدْنٰا لِلْكٰافِرِينَ عَذٰاباً مُهِيناً)(2).

و من المؤسّف عليه ما جرت عليه سيرتنا من الأخذ بما يلائم أهوائنا و رفض الثقيل على أنفسنا، كمن يكون جليس الكتاب العزيز حمامة المسجد و لكنّه يفرّ من فرضه في ماله و لوكان ثريّاً، و كمن يتّصف بضدّه، فلا صلاة له و لاصوم و لاغيرهما من الفرائض مع كونه مولهاً باقامة مأتم الحسين عليه السلام و بزيارة العتبات و المشاهد المشرفة و هم الّذين ذكرهم اللّٰه تعالى في قوله: اولئك هم الكافرون حقّاً، فهم حمقاء الاسلام غير المتّصفين بواقعه.


1) . الزّمر، 22.

2) . النّساء، 150-151.

فتلخّص ممّا قلنا انّه لامعنى لأن يُكفّر ببعضه و يؤمن بالآخر، حيث ان انكار البعض و الكفر به يساوق انكار الكّل و الخروج عن ربقه الاسلام. و عليه فلا يمكن للمرء المسلم أن يشعر ببعض مسؤوليّاته و يهمل بعضها الآخر، لان فضيلة الشعور بالمسؤوليّة لايتأتّى إلّابالاتيان بجميعها.

و في الختام نأتى بروايات في ذمّ هذه الرّذيلة ان شاء اللّٰه تعالى.

رواياتٌ في ذمّ الفشالة

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: عَدُوُّ الْعَمَلِ الْكَسَلُ‌.(1)

•

عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ع قَالَ قَالَ أَبِي ع لِبَعْضِ وُلْدِهِ إِيَّاك وَ الْكَسَلَ وَ الضَّجَرَ فَإِنَّهُمَا يَمْنَعَانِك مِنْ حَظِّك مِنَ الدُّنْيَا وَ الآْخِرَةِ‌.(2)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ كَسِلَ عَنْ طَهُورِهِ وَ صَلَاتِهِ فَلَيْسَ فِيهِ خَيْرٌ لِأَمْرِ آخِرَتِهِ وَ مَنْ كَسِلَ عَمَّا يُصْلِحُ بِهِ أَمْرَ مَعِيشَتِهِ فَلَيْسَ فِيهِ خَيْرٌ لِأَمْرِ دُنْيَاهُ‌.(3)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: إِنِّي لَأُبْغِضُ الرَّجُلَ أَوْ أُبْغِضُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ كَسْلَاناً [كَسْلَانَ‌] عَنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ وَ مَنْ كَسِلَ عَنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ فَهُوَ عَنْ أَمْرِ آخِرَتِهِ أَكْسَلُ‌.(4)

•

عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ع قَالَ‌: إِيَّاك وَ الْكَسَلَ وَ الضَّجَرَ فَإِنَّك إِنْ كَسِلْتَ لَمْ تَعْمَلْ وَ إِنْ ضَجِرْتَ لَمْ تُعْطِ الْحَقَّ‌.(5)


1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 85.

2) . راجع: الكافي، ج 5 ص 85.

3) . راجع: الكافي، ج 5 ص 85.

4) . راجع: الكافي، ج 5 ص 85.

5) . راجع: الكافي، ج 5 ص 85.

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: لَا تَسْتَعِنْ بِكَسْلَانَ وَ لَا تَسْتَشِيرَنَّ عَاجِزاً.(1)

•

عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ تَجَنَّبُوا الْمُنَى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ بَهْجَةَ مَا خُوِّلْتُمْ وَ تَسْتَصْغِرُونَ بِهَا مَوَاهِبَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَكُمْ وَ تُعْقِبُكُمُ الْحَسَرَاتِ فِيمَا وَهَّمْتُمْ بِهِ أَنْفُسَكُم.(2)

•

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع إِنَّ الْأَشْيَاءَ لَمَّا ازْدَوَجَتْ ازْدَوَجَ الْكَسَلُ وَ الْعَجْزُ فَنُتِجَا بَيْنَهُمَا الْفَقْرَ.(3)

•

كَتَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَمَّا بَعْدُ فَلَا تُجَادِلِ الْعُلَمَاءَ وَ لَا تُمَارِ السُّفَهَاءَ فَيُبْغِضَك الْعُلَمَاءُ وَ يَشْتِمَك السُّفَهَاءُ وَ لَا تَكْسَلْ عَنْ مَعِيشَتِك فَتَكُونَ كَلًّا عَلَى غَيْرِك أَوْ قَالَ عَلَى أَهْلِكَ‌.(4)

•

عَنْ بَشِيرٍ الدَّهَّانِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى ع يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ يُبْغِضُ الْعَبْدَ النَّوَّامَ الْفَارِغَ‌.(5)

•

عَلِيُّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ‌: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع مَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاك أَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ وَ تَرَك التِّجَارَةَ فَقَالَ وَيْحَهُ أَ مَا عَلِمَ أَنَّ تَارِك الطَّلَبِ لَا يُسْتَجَابُ لَهُ - إِنَّ قَوْماً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ص لَمَّا نَزَلَتْ وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ أَغْلَقُوا الْأَبْوَابَ وَ أَقْبَلُوا عَلَى الْعِبَادَةِ وَ قَالُوا قَدْ


1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 85.

2) . راجع: الكافي، ج 5 ص 85.

3) . راجع: الكافي، ج 5 ص 86.

4) . راجع: الكافي، ج 5 ص 86.

5) . راجع: الكافي، ج 5 ص 84.

كُفِينَا فَبَلَغَ ذَلِك النَّبِيَّ ص فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى مَا صَنَعْتُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تُكُفِّلَ لَنَا بِأَرْزَاقِنَا فَأَقْبَلْنَا عَلَى الْعِبَادَةِ فَقَالَ إِنَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِك لَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ عَلَيْكُمْ بِالطَّلَبِ‌.(1)

•

وَ - قَالَ ع لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَرَك دُنْيَاهُ لآِخِرَتِهِ وَ لَا آخِرَتَهُ لِدُنْيَاهُ‌.(2)

•

الْعَالِمِ ع أَنَّهُ قَالَ اعْمَلْ لِدُنْيَاك كَأَنَّك تَعِيشُ أَبَداً وَ اعْمَلْ لآِخِرَتِك كَأَنَّك تَمُوتُ غَدًا.(3)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَرَى الرَّجُلَ مُتَحَرِّفاً فِي طَلَبِ الرِّزْقِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ - اللَّهُمَّ بَارِك لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا.(4)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ لَا تَكْسَلُوا فِي طَلَبِ مَعَايِشِكُمْ فَإِنَّ آبَاءَنَا كَانُوا يَرْكُضُونَ فِيهَا وَ يَطْلُبُونَهَا.(5)

•

وَ - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع إِنِّي أَجِدُنِي أَمْقُتُ الرَّجُلَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْمَكَاسِبُ فَيَسْتَلْقِي عَلَى قَفَاهُ وَ يَقُولُ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي وَ يَدَعُ أَنْ يَنْتَشِرَ فِي الْأَرْضِ وَ يَلْتَمِسَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ الذَّرَّةُ تَخْرُجُ مِنْ جُحْرِهَا تَلْتَمِسُ رِزْقَهَا.(6)


1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 84.

2) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 156.

3) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 156.

4) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 157.

5) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 157.

6) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 158.

•

وَ - قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع إِنَّ اللَّهَ تَبَارَك وَ تَعَالَى يُحِبُ الْمُحْتَرِفَ الْأَمِينَ‌.(1)

•

وَ - رُوِيَ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ التِّجَارَةَ فَقَالَ لَا تَفْعَلْ افْتَحْ بَابَك وَ ابْسُطْ بِسَاطَك وَ اسْتَرْزِقِ اللَّهَ رَبَّكَ‌.(2)

•

وَ - قَالَ ع لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُحِبُ جَمْعَ الْمَالِ مِنْ حَلَالٍ فَيَكُفَّ بِهِ وَجْهَهُ وَ يَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ وَ يَصِلَ بِهِ رَحِمَهُ‌.(3)

•

وَ - قَالَ ع مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ الْقَيِّمَ عَلَى عِيَالِهِ‌.(4)

•

وَ - قَالَ ع كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْماً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ‌.(5)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ إِيَّاك وَالْكَسَلَ وَ الضَّجَرَ فَإِنَّهُمَا مِفْتَاحُ كُلِ سُوءٍ إِنَّهُ مَنْ كَسِلَ لَمْ يُؤَدِّ حَقّاً وَ مَنْ ضَجِرَ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى حَقٍّ‌.(6)

•

قَالَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ ع إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُبْغِضُ الْعَبْدَ النَّوَّامَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُبْغِضُ الْعَبْدَ الْفَارِغَ‌.(7)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: عَلَيْك بِالسَّعْيِ وَ لَيْسَ عَلَيْك بِالنُّجْحِ‌.(8)


1) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 158.

2) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 165.

3) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 166.

4) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 168.

5) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 168.

6) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 168.

7) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 169.

8) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 443.

الفصل الرَّابع والعشرون

اشارة

الفضيلة الخامسة والعشرون: الوفاء

الرّذيلة السابعة والعشرون: الغدر

الفضيلة الخامسة و العشرون: الوفاء

اشارة

و هي ملكة توجب اتّجاه النّفس و التفاتها إلى النّعم الّتي أنعم اللّٰه بها عليه، ثمّ ما أنعم به عليه كلّ واحدٍ من المخلوقين في النعم الصغيرة و الجسيمة و المنعمين الصغار و الكبار فهذه الملكة تمنعه من أن ينساها أو يسترها ويلازمها شكره المنعِمَ باللسان و القلب و الجوارح، و عرفانه مكانة المنعم. فكأنّ الوفاء لاينفك عن شكر المنعم و عرفان قدره و مكانته.

و هذه الفضيلة عند اهل القلوب اجود الفضائل وهي احب الاشياء عندهم كما هي عنداللّٰه تعالى، و لكنها جوهرةٌ ثمينةٌ نادرة و قد اشار اللّٰه سبحانه و تعالى في كثيرٍ من آي الكتاب إلى قلّة وجودها و ندرتها،

قال اللّٰه تعالى: (وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبٰادِيَ اَلشَّكُورُ)(1)

و قال تعالى: (فَأَبىٰ أَكْثَرُ اَلنّٰاسِ إِلاّٰ كُفُوراً)(2)

و قال تعالى: (إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ‌)(3)

و قال تعالى: (إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَظَلُومٌ كَفّٰارٌ)(4)

و قال تعالى: (قُتِلَ اَلْإِنْسٰانُ مٰا أَكْفَرَهُ‌)(5)

و قال تعالى: (وَ مٰا قَدَرُوا اَللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ‌)(6)

و كم لها من نظيرٍ. و كثرة الآيات المتضمّنة للترغيب نحوها تدلّ على قلّتها اوّلاً، و على كونها أحبّ الأشياء عند اللّٰه ثانياً، و على كون ضدّها - و هي رذيلة القدر - أبغضها عنده تعالى ثالثاً، حتّى كأنّه تعالى قد غضب على من لا وفاء له، فقال:

(قُتِلَ اَلْإِنْسٰانُ مٰا أَكْفَرَهُ‌).

و الإنسان إذا سمع أو رأى وفاء من احد يدخل في قلبه سرور و شعف لا يقبل وصفاً و كانّ نوراً و ضياءً أحاط بالمتّصف بهذه الفضيلة حتّى انّ لفظ الوفاء يفوح منه النور و يُستشمّ منه البهجة و السرور. و هذا سرّ محبّة الإنسان للحيوانات الوفيّة كالكلب و الهدهد.


1) . السبأ، 13.

2) . الاسراء، 89؛ الفرقان، 50.

3) . الزخرف، 15.

4) . ابراهيم، 34.

5) . عبس، 17.

6) . الانعام، 91.

فلذا إذا سمع ان بعض الحيوانات ذو وفاء، يقع في القلب محبة ذلك الحيوان المشوبة بالسرور و قد اشتهر ان مثل الكلب من السباع و الهدهد من الوحوش ذو وفاء شديد.

في البحار عن الجاحظ ان هدهد وفاء حفوظ ودود و ذلك انه إذا غابت انثاه لم ياكل و لم يشرب و لم يشتغل بطلب طعم و لا غيره و لا يقطع الصيّاح حتّى تعود إليه فان حدث حادث اعدمه اياها لم يسفد بعدها انثى ابدا، و لم يزل صائحا عليها ما عاش و لم يشبع ابداً من طعم بل يناله منه ما يمسك رمقه إلى ان يشرف على الموت، فعند ذلك ينال منه يسيراً.(1)

و قد اشتهر بين الناس وفاء الكلب، و أنّها يجعل نفسها معرضاً للهلاك حفظاً لصاحبه و ماله و عرضه و بيته و إن لم يكن وفيّاً بها و انها لا تعرض عن صاحبها و ان كان غدراً، فالجوع عند صاحبها احسن لها من الشبع عند غيره و قيامها بمهمّتها عند صاحبها جائعة ألذّ لها من راحة عند غيره مشبعةً‌.

و ذلك مما اشتهر عند الناس و قد جرّبوا كثيراً وقائع تثبت ما قلنا.

فتبّاً لهذا الإنسان الاذي ّكرمه اللّٰه و أنعم عليه و اسبغ عليه نعمه ظاهرة و باطنة و لكنه إذا اصابته مصيبة و هي بما كسبت يداه كفّره تكفيراً لساناً و عملاً و حتّى عقيديّاً فلا تعجب من قوله تعالى: «قتل الإنسان ما اكفره»(2)

و بعد ذلك لو قلنا ان الإنسان أشدّ كفراً من جميع الحيوانات لم نقل جزافاً.


1) . بحار الانور، ج 61 ص 288.

2) . عبس، 17.

و لعل مثل قوله تعالى: «ان الإنسان لظلوم كفار»(1)اشارة إلى ما قلنا.

و هذه الفضيلة كسائر الفضائل مقولة بالتشكيك، فوفاء مثل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله بالنسبة إلى اللّٰه تعالى، بل بالنسبة إلى المخلوق حتّى العدوّ هي المرتبة الشديدة من هذه الفضيلة.

قال تعالى: (طه * مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لِتَشْقىٰ‌)(2)

و قد روى انه عبَدَاللّٰه حتّى ورمت قدماه فنزلت هذه الآية الشريفة.(3)

و إذا اعترض عليه لكثرة عبادته قال صلى الله عليه و آله: «أَ لَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً».(4)

و قال تعالى: (لَعَلَّكَ بٰاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‌)(5)

و قال تعالى: (لَقَدْ جٰاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ‌)(6)

بل هذه الفضيلة في اللّٰه تعالى اشد مما في الرسول صلى الله عليه و آله و الفرق بين الصّفتين في الرّب و العبد، كالفرق بين الذّاتين الواجبة و الممكنة.

و اخلاص اميرالمؤمنين عليه السلام في الوفاء بعهد اللّٰه و بعهد رسوله و بمن كان تحت حكمه و حتّى بالعدوّ مشهورٌ و من السّير و التواريخ معلوم لم ينكره أحدٌ حتّى


1) . ابراهيم، 34.

2) . طه، 2-1.

3) . راجع: تفسير الصافي، ذيل الآية الشريفة.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 95.

5) . الشعرا، 3.

6) . التوبة، 128.

معاوية مع شدّة بغضه له عليه السلام، و من وفائه اضطجاعه على فراش رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله ليلة المبيت فانزل اللّٰه تعالى في ذلك: (وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اَللّٰهِ‌)(1). و قال الباقر عليه السلام: «إنها نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السَّلام) حين بذل نفسه لله و لرسوله، ليلة اضطجع على فراش رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله) لما طلبته كفار قريش».(2)

و هذا العمل بالنسبة إلى اخلاصه في الوفاء بالنبى صلى الله عليه و آله نذرٌ يسيرٌ، فالآية الكريمة نبّهتنا على وفائه حيث جعل نفسه فداءً لنفس النبىّ‌.

و كاخلاص الخليل عليه السلام في وفائه بعهد ربّه، حتّى استحقّ به مرتبة الامامة بعد ان نجح في امتحاناتٍ كثيرٍ أدّاها من غير توانٍ فيها، فوصفه اللّٰه تعالى بكونه شديد الاخلاص في الوفاء حين ذكره وفيّاً.

قال تعالى: (وَ إِبْرٰاهِيمَ اَلَّذِي وَفّٰى)(3)

و اطلاق الوفّاء عليه بصيغة التفعيل، اشارة إلى كونه كثير الوفاء، و قد قيل ان باب التفعيل قد يدل على التاكيد.

و بالجملة فاخلاص الانبياء في وفائهم بالعهود و لا سيّما اخلاص خاتمهم فيه و كذلك اخلاص الاوصياء فيه و لا سيّما اخلاص أهل بيت النبى صلوات اللّٰه عليهم اجمعين فيه، هي المرتبة العليا من هذه الفضيلة الرفيعة.


1) . البقرة، 207.

2) . راجع: البرهان، ج 1 ص 206.

3) . النجم، 37.

قال تعالى: (وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قٰاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمٰا وَهَنُوا لِمٰا أَصٰابَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ مٰا ضَعُفُوا وَ مَا اِسْتَكٰانُوا وَ اَللّٰهُ يُحِبُّ اَلصّٰابِرِينَ * وَ مٰا كٰانَ قَوْلَهُمْ إِلاّٰ أَنْ قٰالُوا رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنٰا ذُنُوبَنٰا وَ إِسْرٰافَنٰا فِي أَمْرِنٰا وَ ثَبِّتْ أَقْدٰامَنٰا وَ اُنْصُرْنٰا عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْكٰافِرِينَ‌)(1).

و المرتبة الوسطى منها كوفاء اهل الحميّة و الغيرة و العفة بالنسبة إلى الناس و إلى اقربائهم و اهل بيتهم و يعجبنى أن أذكر هيهنا حكايتين لاتخلوان عن لطافة و عظةٍ‌، و اكتفى بهما عن كثير القول: الأولى: حُكى ان رجلاً أدبرت عنه الدنيا بعد أن كان في سعةٍ‌، و كانت تحته امرأة حسناء جميلة و كانت صابرةً وفيّةً و كان آنذاك مروان بن الحكم والياً من قبل معاوية على الكوفة، فسمع بما جرى على المرأ و بحسن زوجته، فأشخص الرجل إلى السجن طمعاً فيها، ثمّ تصرّفها و أطلق زوجها، فشكى الرجل منه عند معاوية، فطلبهما و صار مفتوناً بها، فاحتال حيلةً في تصرّفها، فخيّرها في الزواج به أو بمروان أو ببعلها، فصرفت نظرها عن حشمة الملك و جلال الوالى و اختارت بعلها قائلةً‌: شعرةٌ من بعلى المعدم خيرٌ عندى منكما و ممّا في أيديكما، فبهتا عن وفائها ثمّ أعادها معاوية إلى بيتها غفر اللّٰه لها و لزوجها، ما كانت وفيّةً‌!، و هي تليق أن تكون اسوةً حسنةً للنساء لا سيّما للجميلات منهنّ‌.

الثانية: حُكى أن إحدى بنات السلطان فتحعلى القاجارى أرادت أن تهاجر فتسكن المشاهد المشرّفة بالعراق فارسلت إلى بعض السادة و هو الامام العلامة السيد ابراهيم القزوينى طالبةً منه أن يزوّج بها، فردّها مستدلّاً بأنّه ليس كفواً لها، فأصرّت عليه و ضمّنت له قيامها بأمور بيته من غير أن تطلب منه شيئاً، فكلّما


1) . آل عمران، 147-146.

زادت في اصرارها زاد السيد في انكاره قائلاً انّ زوجتى رافقتنى في العسر و اليسر حين تحصيلى للعلوم و كانت تساعدنى سفراً و حضراً مع ما كان بى من الفقر و العدم و الفاقة، فلستُ أوجرها بضرّةٍ لا تهنىء لها الحياة معها أبداً، إذ ليس هذا من الوفاء في شىءٍ‌. فرضى اللّٰه تعالى عنه و أرضاه، حيث كان خير أسوةٍ للرجال في وفائهم بعهودهم.

و اما المرتبة الأدنى: الّتي لابد لكل مسلم منها بل يجب على كلّ انسانٍ أن يتّصف بها فهى الوفاء المعتاد المألوف الّذي لو لم يوجد في شخص فهو الغدر و الغادر ليس فيه شىءٌ من الاسلام، أو من مبانى الانسانيّة.

فالوفاء هو عرفان نعمة المنعِم عليه و شكره بما يقدر عليه من اللسان و القلب و الجوارح، كان المنعم هو اللّٰه تعالى أو أحداً من أبناء نوعه، و أن لا ينسى نعمه بسيّئته، و أن لا يسوء بنسيان نعم اللّٰه عليه و من المؤسّف عليه عموم هذا الحجاب في أنفس الناس و تغطيته نعم المنعم عليهم، فهم غادرون منكرون لنعم ارباب النعم، فيستحقوا ما قاله الجليل في كتابه: (قُتِلَ اَلْإِنْسٰانُ مٰا أَكْفَرَهُ‌)(1)

و قال الرّضا عليه السلام: من لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكر اللّٰه.(2)

و المراد منه أنّ من لا يفى بحقوق المخلوق عليه، فلا يفى بحقوق الخالق عليه أيضاً، لصغر الأوّل بالنسبة إلى الثانى.

فتلخص ان الوفاء بحسب مراتبه ينقسم إلى وفاء اخص الخواص، و وفاء


1) . عبس، 17.

2) . الوسائل، ج 11 ص 542.

الخواص، و وفاء العوام. و من أراد التشبه باللّٰه تعالى و التخلق باخلاقه تعالى لابد من ان يحصل اولاً وفاء العوام و يستعمله حتّى يصير ملكةً له ثم وفاء الخواص و يستعمله ثم بعض مراتب الأولى من مراتب اخص الخواص و يستعمله.

ثم انّ الوفاء باعتبار متعلّقه ينقسم إلى اقسام:

1 - الوفاء للّٰه‌تعالى و القرآن اكّد على ذلك الوفاء تأكيداً بليغاً.

قال اللّٰه تعالى: (بَلىٰ مَنْ أَوْفىٰ بِعَهْدِهِ وَ اِتَّقىٰ فَإِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلْمُتَّقِينَ‌)(1)

و قال تعالى: (وَ مَنْ أَوْفىٰ بِمٰا عٰاهَدَ عَلَيْهُ اَللّٰهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)(2)

و قال تعالى: (وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيّٰايَ فَارْهَبُونِ‌)(3)

و المراد بالعهد في الايات كما يظهر من سياق قوله تعالى «واتقى» و قوله « وايّاى فارهبون» هو التوحيد بمراتبه و اقسامه.

قال تعالى: (أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰا بَنِي آدَمَ أَنْ لاٰ تَعْبُدُوا اَلشَّيْطٰانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ‌)(4)

من المؤسّف عليه نقض العباد إلّاالمخلصين منهم هذا العهد، فهم غدرون بالنسبة إلى اللّٰه تعالى.

قال تعالى: (وَ مٰا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّٰهِ إِلاّٰ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ‌)(5)


1) . آل عمران، 76.

2) . الفتح، 10.

3) . البقرة، 40.

4) . يس، 60.

5) . يوسف، 106.

وأسبغ علينا نعمه ظاهرة و باطنة، الا ترى ان نعمة الايمان، و العقل، و القلب، و الشعور، و نحوها و نعمة صحّة الجسم و الاعضاء و الأمن و نحوها من النعم الّتي لا قيمة لأقلّها في الدنيا، لان الإنسان المنتبه إليها لايبيع احدى تلك النعم بالدنيا و ما فيها بل نعمة التنفس الّتي تتبعها نعم كثيرة لا يمكن شكر إحديها من المتفضّل بها على الإنسان وللّٰه درّ من قال بالفارسية:

«هر نفسى كه فرو مى‌رود ممدّ حيات است و چون بر مى‌آيد مفرّح ذات پس در هر نفسى دو نعمت موجود است و بر هر نعمتى شكرى واجب،

از دست و زبان كه برآيد *** كز عهدۀ شكرش بدر آيد(1)

قال اللّٰه تعالى: (اِعْمَلُوا آلَ دٰاوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبٰادِيَ اَلشَّكُورُ)(2).

2 - الوفاء بالنسبة إلى الرسل عليهم السلام.

و نعمة الرسالة مع كونها اعظم النعم و لكن الناس لم يوفوا حقّها و لم يوفوا حقّ الرسل بل قتلوهم و صلبوهم و شتموهم و لااقلّ من أن استهزئوا بهم بين حينٍ و حين.

قال تعالى: (يٰا حَسْرَةً عَلَى اَلْعِبٰادِ مٰا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّٰ كٰانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ‌)(3).

مع انهم جائوا لسعادة الدارين و بها، و اقامة العدل و القسط و الهداية و أعظم من الكل الّذي يتضمن جميع ما ذكرنا أنّهم جاؤوا لتهذيب النفوس، و ان يقوم


1) . صدر ديباجة كتاب گلستان للشيخ الاجل سعدى الشيرازى.

2) . السبأ، 13.

3) . يس، 30.

الناس بالقسط.

قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْمِيزٰانَ لِيَقُومَ اَلنّٰاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ‌).(1)

نعم نعمة ارساله تعالى خاتم الانبياء صلى الله عليه و آله افضل و اشرف و اعلى من جميع نعمه و لكنهم آذوه ايذاءً حتّى قال صلى الله عليه و آله: ما اوذى نبىّ مثل ما اوذيت.(2)و قال تعالى:

(وَ وَضَعْنٰا عَنْكَ وِزْرَكَ * اَلَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ‌) (3)

و المراد بالوزر في هذه الآية الشريفة - و اللّٰه أعلم - هو ما أصابه في مكّة و لايمكن لأحدٍ عدّ قليلٍ منها، هذا مع أنّ حروبه مع المشركين بقلّة عدد أنصاره و ضعف عُدّته و كون تلك الحروب اكثر من سبعين حرباً وقعت بالمدينة المنوّرة، فيا له ممّا أصابه في مكّة.

3 - الوفاء بالنسبة إلى القرآن و العترة:

و الامّة كلّها إلّامن شذّ منها لم‌يوف بهذين الأمرين مع ماللقرآن الكريم من الأهميّة البالغة حيث نزّل من عند اللّٰه و هو مخطّط عالمَي التكوين و التشريع و معجرة باهرة إلى يوم القيامة قال تعالى: (وَ لاٰ رَطْبٍ وَ لاٰ يٰابِسٍ إِلاّٰ فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ‌)(4)

و قال تعالى: (قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا اَلْقُرْآنِ لاٰ


1) . الحديد، 25.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 39 ص 56.

3) . الانشراح، 23.

4) . الانعام، 59.

يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كٰانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (1)

و هذا التحدى لحذف المتعلق يدل على العموم فيكون معنى الآية:

انّ هذا القرآن لاهل الفصاحة و البلاغة معجزة فيهما.

و لاهل الفلسفة معجزة في اقامة البرهان مع كون الرسول صلى الله عليه و آله اميّا و كلّ ما في الصحائف الحكميّة كالشفاء و الاسفار، لمعةٌ خاطفةٌ من لمعاته المنيرة بل يفتخر صدرالمتألهين و اضرابه بان يقتدر على فهه و تطبيق ما عثر عليه من الفلسفة عليه وجعل القرآن مدركاً لصحّة فهمه و استدلاله.

و لاهل الشهود معجزة في كونه نوراً و شفاء و رحمة بل حيّا مدركا ناطقا هادياً.

و لاهل التقوى معجزة في هدايته إلى سبل السلام و اخراجهم من الظلمات إلى النور و هدايتهم إلى الصراط المستقيم اى إلى اللّٰه تعالى.

و لاهل التنجيم و الهيئة معجزة في اخباره عن الثوابت و السّيارات بما يطابق المخبَر به بالمكبّرات الفعلية.

و لاهل التقنين معجزة في وضع القوانين الصالحة للعمل بها في الجوامع في كلّ عصرٍ و مصرٍ.

و لاهل معرفة النّفس معجزة لهم في معرفة الإنسان و هويّته و أطواره و صفاته و نحو ذلك ممّا يحيّر العقول في علم النّفس على حدٍّ كانوا يخضعون لهذا الرسول و لهذا المرسَل فيعظّمونهما و يبجّلونهما.


1) . الاسراء، 88.

و لكن الّذي هو اهم من الكل، ان القرآن لاهل الأخلاق معجزة في تهذيب النّفس و لو في قرائته فضلا عن محتواه فهو معلم الاخلاق، بقسميه النظرى و العملى.

الا ترى ان الكتب المخصَّصة بالاخلاق ظلمات حتّى تضيئ من نور القرآن فلو لم يكن في كلّ صفحة منه آيةٌ فهو (ظُلُمٰاتٌ بَعْضُهٰا فَوْقَ بَعْضٍ‌)(1)و هذا من عجائب القرآن.

فنفس القرآن اجود و احسن و افضل من كلّ كتاب دوّن في هذا العلم بل استعمال ما يدلّ على التفضيل كالأحسن و الاجود و الافضل غلط يشبه أن يكون جسارةً بالنسبة إليه - عظّم اللّٰه قدره -، فينبغى ان يقال انه هو معلم الأخلاق الوحيد و الكتب المؤلّفة في هذا الطريق ليست إلّاأطفال السبيل.

و يجب أن ننبّه على أنّ القرآن الكريم وإن اشتمل على جميع العلوم فيستفيد منه أعلام الفنون المتشتّتة، إلّاأن قطب رحاه ليس إلّاتكميل خُلُق الناس، فهو نُزّل لأن يكون معلّم اخلاقٍ يستفيد منه جميع الناس، صغيرهم و كبيرهم، وضيعهم و شريفهم، دانيهم و عاليهم، و قد أشار اللّٰه إلى هذه النكتة و ارشد الناس إليها فيه كراراً، كقوله تعالى:

(لَقَدْ مَنَّ اَللّٰهُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ‌) (2)

و يعجبنى أن أذيّل هذا الكلام باشارةٍ موجزةٍ إلى ما اشتهر في عصرنا هذا من


1) . النور، 40.

2) . ال عمران، 164.

النسبة العدديّة القائمة بين كثيرٍ من ألفاظ هذا الذكر الحكيم، بل و بين حروفه، و هذه النسبة القائمة سُمّيت بالمعجزة العدديّة، الدالّة على عدم تحريف الكتاب بالزيادة و النقصان و لو بلفظةٍ واحدةٍ‌.

و تفصيل ذلك يحتاج إلى افراد كتاب، و نحن من باب الّنموذج نذكر بعضاً منه:

1 - كلمة «الايمان» كرّرت في القرآن 17 مرّة و كلمة «الكفر» تكون بهذه المثابة ايضاً.

2 - كلمة «الدّنيا» فيه 115 مرّة و كلمة «الآخرة» أيضاً كذلك.

3 - كلمة «الطّيّب» فيه 7 مرّات و كلمة «الخبيث» أيضاً كذلك.

4 - كلمة «الغدوّ» 3 مرّات و كلمة «الآصال» كذلك.

5 - كلمة «النفع» 80 مرّات و كلمة «الضّرر» كذلك.

6 - كلمة «السفل» 4 مرّات و كلمة «العلوّ» أيضاً كذلك.

7 - كلمة «الصّادق» مرّتان و كلمة «الكاذب» كذلك.

8 - كلمة «المصدّق» 5 مرّات و كلمة «الكذّاب» كذلك.

9 - كلمة «الحرّ» مرّتان و كلمة «البرد» كذلك.

10 - كلمة «الامس» 4 مرّات و كلمة «الغد» كذالك.

11 - كلمة «رحمتى» مرّتان و كلمة «غضبى» مثل ذلك.

12 - كلمة «الاخ» 4 مرّات و كلمة «الاخت» مثل ذلك.

13 - كلمة «حيّاً» 5 مرّات و كلمة «ميّتاً» كذلك.

14 - كلمة «آكلون» مرّتان و كلمة «شاربون» كذلك.

15 - جملة «يأمرون» 7 مرّات و جملة «ينهون» مثل ذلك.

16 - كلمة «الأعلون» مرّتان و كلمة «الأسفلون» كذلك.

17 - كلمة «الحرب» 4 مرّات و كلمة «السّلم» كذلك.

18 - كلمة «الرّشد» 3 مرّات و كلمه «الغىّ‌» كذلك.

19 - كلمة «الشفاعة» 11 مرّات و كلمة «الخزى» كذلك.

20 - كلمة «المودّة» 8 مرّات و كلمة «العدوان» كذلك.

21 - جملة «تعلنون» 3 مرّات و جملة «تسترون» كذلك..

و نظير ذلك كثير و كذلك التوازن في المفرد و الجمع روعى في القرآن فعلى سبيل المثال:

1 - كلمة «الباب» و «الابواب» احد عشر مرّة.

2 - كلمة «اليد» و «الايدى» خمس مرّات.

3 - كلمة «المال» و «الاموال» احد عشر مرّة.

4 - كلمة «الرّأس» و «الرّوؤس» مرّتان.

5 - كلمة «العورة» و «العورات» مرّتان..

6 - كلمة «العين» و «العيون» تسع مرّات.

7 - كلمة «المحكم» و «المحكمات» مرّة واحدة.

8 - كلمة «الأمانة» و الأمانات» مرّة واحدة.

9 - كلمة «الأبيض» و «البيض» مرّة واحدة.

10 - كلمة «المجموع» و «المجموعون» مرّة واحدة.

11 - كلمة «الجناح» و «الاجنحة» مرّة واحدة.

12 - كلمة «القربة» و «القربات» مرّة واحدة.

13 - كلمة «القرطاس» و «القراطيس» مرّة واحدة.

14 - كلمة «المنصور» و «المنصورون» مرّة واحدة.

15 - كلمة «الخبيثة» و «الخبيثات» مرّتان.

16 - كلمة «الطريقة» و «الطرائق» مرّتان.

17 - كلمة «اللّون» و «الألوان» مرّتان.

18 - كلمة «الضّعيف» و «الضّعفاء» اربع مرّات..

19 - كلمة «الملوم» و «الملومين» مرّتان.

20 - كلمة «المصباح» و «المصابيح» مرّتان.

و نظيرها في القرآن كثير و ممّا روعى في القرآن الشّريف، هو التّوازن في الاضافة إلى الضمائر المختلفة، كضميرى المفرد و الجمع. و من تلك الموارد:

1 - كلمة «نوره» بالإضافة إلى ضمير المفرد اربع مرّات و مثل ذلك كلمة « نورهم» مع اضافتها إلى الجمع.

2 - كلمة «مثله» و «مثلهم» اربع مرّات.

3 - كلمة «أهلى» و «أهلنا» ثلاث مرّات.

4 - كلمة «زينتها» و «زينتهنّ‌» ثلاث مرّات.

5 - كلمة «مولاه» و «مولاهم» مرّتان.

6 - كلمة «حسبه» و «حسبهم» مرّتان.

7 - كلمة «سعيه» و «سعيهم» مرّتان.

8 - كلمة «بنيانه» و «بنيانهم» مرّتان.

9 - كلمة «طعامك» و «طعامكم» مرّة واحدة.

10 - كلمة «منامك» و «منامكم» مرّة واحدة.

11 - كلمة «بأسه» و «بأسهم» مرّة واحدة.

و ممّا روعى أيضاً في القرآن الشّريف، توازن المفرد و الجمع في الافعال ماضياً كانت أو مضارعاً أو أمراً، فعلى سبيل المثال جاء في الماضى:

1 - جملة «شهد» و «شهدوا» ستّ مرّات.

2 - جملة «مرّ» و «مرّوا» ثلاث مرّات.

3 - جملة «ذكر» و «ذكروا» مرّتان.

4 - جملة «أساء» و «أساؤوا» مرّتان.

5 - جملة «يئس» و «يئسوا» مرّتان.

و مثلها كثير جدّاً، و من المضارع جاء:

1 - جملة «يذكر» و «يذكرون» ستّ مرّات.

2 - جملة «يرى» و «يرون» ثمان مرّات.

3 - جملة «أدعو» و «ندعو» اربع مرّات.

4 - جملة «أبتغى» و «نبتغى» مرّة واحدة.

5 - جملة «يحرم» و «يحرمون» مرّة واحدة.

6 - جملة «يقنط» و «يقنطون» مرّة واحدة.

7 - جملة «يتكلّم» و «يتكلّمون» مرّة واحدة.

و نظيرها فيه كثير، و جاء في الأمر:

1 - جلمة «الق» و «القوا» أربع مرّات.

2 - جملة «اقرء» و «اقرؤا» ثلاث مرّات.

3 - جملة «ابن» و «ابنوا» مرّتان.

4 - جملة «ادع» و «ادعوا» مرّتان.

5 - جملة «استقم» و «استقيموا» مرّتان.

6 - جملة «اسئله» و «اسألوهم» مرّة واحدة.

7 - جملة «اسكن» و «اسكنوا» مرّتان.

8 - جملة «اركب» و «اركبوا» مرّة واحدة.

9 - جملة «أحسن» و «احسنوا» مرّة واحدة.

و نظيرها كثير، و لقد خرجنا عن طور البحث، و هذا الّذي ذكرناه لم يكن إلّا من باب المثال، فراجع مظانّه تجد ما يعجبك.

هذا بالنّسبة إلى القرآن، و امّا بالنسبة إلى العترة فهم الّذين أراد اللّٰه تعالى مودّتهم و متابعتهم، فصرّح بذلك في الذكر الحكيم فاجتمع في حبّ النّاس إيّاهم أمره تعالى و إرادته.

قال تعالى: (قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ‌)(1)

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ


1) . الشّورى، 23.

مِنْكُمْ‌) (1).

و كون اهل البيت عليهم السّلام هم اولوالامر في القرآن ممّا لا اشكال فيه عند الفريقين.

الا ترى إلى أحاديث الثّقلين و المنزلة و السّفينة و نحوها ممّا تواترت عند الفريقين صدورها عن النبى صلى الله عليه و آله أوّلاً، و كونها في حقّهم عليهم السلام ثانياً، و بعد تواتر تلك الرّوايات هل يبقى ريب في ذلك‌؟

و انت إذا تفحّصت في كلمات أعلام العامّة عبرالقرون المختلفة تجد انّه لاريب لهم في ذلك، و عدم القبول منهم مسألة سياسيّة اشتعل نارها الحميّة و اللّجاجة هذا بالنسبة إلى جميع الأزمنة، أمّا بالنسبة إلى زماننا هذا فأضف إليها ما للدول العظيمة من ايجاد الخلاف و الخلل بين المسلمين و من هذه الفكرة و الواقع ترسيخهم الوهابية في أمّ قرى الإسلام، لأنّها أبعد النحل الإسلاميّة عن مدرسة أهل البيت عليهم الاسلام و هذا من الغدر بالنسبة إليهم الّذي يدعو الشيطان إليه فيصير الإنسان ظالماً لنفسه كافراً بحقّهم قال اللّٰه تعالى: (إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَظَلُومٌ كَفّٰارٌ)(2)

و لنا هنا كلام طويل الذّيل برهاناً و موعظة و تحسّراً و لكن نطوى الكلام هيهنا راجين منه تعالى أن يوفّقنا لبسطه في موضعٍ آخر.

4 - وفاء الإنسان بالنّسبة إلى اهل بيته من زوجها و زوجته و من اولاده و اقربائه سيّما أبويه و كذلك بالنسبة إلى المرأة المسلمة.


1) . النّساء، 59.

2) . ابراهيم، 34.

و من المؤسّف عليه جدّاً قلّة هذا الوفاء في الناس، حيث أنّ حبّ الذّات مسيطرةٌ على نفوسهم و قلوبهم، فلا يحبّ أحدٌ أحداً و لايفى به إلّاحين رآه نافعاً لنفسه، امّا عند قصوره في ما يرجع إليه، فلا حبّ و لاوفاء، و قد مرّ الكلام في ذلك مجملاً، فلا نعيده هيهنا.

5 - الوفاء بالنّسبة إلى عموم النّاس، بل إلى جميع ذوات الأرواح كالحيوانات، و قد روى صاحب الوسائل روايات في تبيين حقوق الدّابّة، و في كلّها اوصى بها خيراً. و من تلك الرّوايات:

• عن جعفر بن محمّد، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «لِلدَّابَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا خِصَالٌ يَبْدَأُ بِعَلْفِهَا إِذَا نَزَلَ وَ يَعْرِضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ إِذَا مَرَّ بِهِ وَ لَا يَضْرِبُ وَجْهَهَا فَإِنَّهَا تُسَبِّحُ بِحَمْدِ رَبِّهَا وَ لَا يَقِفُ عَلَى ظَهْرِهَا إِلَّا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لَا يُحَمِّلُهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا وَ لَا يُكَلِّفُهَا مِنَ الْمَشْيِ إِلَّا مَا تُطِيقُ‌».(1)

فمن الوفاء دفعه ما يشين عِرض اخيه المؤمن في ظهره، فلا يسمح لأحدٍ أن يغتابه فضلاً عن ان يغتابه، و الغيبة غدر فضلاً عن التّهمة أو الّنميمة.

و من الوفاء صدق الحديث و اداء الأمانة و الوفاء بالعهد و العقد.

و من الوفاء إجراء قانون المواسات بين نفسه و بين غيره.

و لكن أسفاً على انّ الغيبة و التّهمة و الّنميمة و الكذب و خلف الوعد و العقد بين المنعم و المنعم عليه حتّى الأبوين و الأولاد، و الزّوجة و الزّوج دائرٌ بين الناس شائعٌ فيهم.


1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 8 ص 350.

نسأل اللّٰه الوفاء بمراتبه و أقسامه، لانّه يتضمّن كلّ خير و يمنع عن كلّ شرّ، و يلازم كثيراً من الفضائل، و يمنع عن كثير من الرّذائل.

و في الخاتمة اوصى أصحاب الجاه و الرئاسة و الأثرياء بالوفاء، لانّ الإنسان إذا آتاه اللّٰه خيراً يصير غدراً مع كونه وفيّاً، فاوصيهم ان لا ينسوا ما هو خيرٌ من الخير الموهوب لهم.

قال تعالى: (إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذٰا مَسَّهُ اَلشَّرُّ جَزُوعاً * وَ إِذٰا مَسَّهُ اَلْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاَّ اَلْمُصَلِّينَ‌)(1).


1) . المعارج، 19-22.

رواياتٌ في الوفاء

•

عَنْ أَبِي مَالِك قَالَ‌: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ع أَخْبِرْنِي بِجَمِيعِ شَرَائِعِ الدِّينِ قَالَ قَوْلُ الْحَقِ وَ الْحُكْمُ بِالْعَدْلِ وَ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: ثَلَاثٌ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ فِيهِنَ رُخْصَةً بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بَرَّيْنِ كَانَا أَوْ فَاجِرَيْنِ وَ وَفَاءٌ بِالْعَهْدِ بِالْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ وَ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ إِلَى الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ.(2)

•

الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ عَامَلَ النَّاسَ فَلَمْ يَظْلِمْهُمْ وَ حَدَّثَهُمْ فَلَمْ يَكْذِبْهُمْ وَ وَعَدَهُمْ فَلَمْ يُخْلِفْهُمْ فَهُوَ مِمَّنْ كَمَلَتْ مُرُوءَتُهُ وَ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ وَ وَجَبَتْ أُخُوَّتُهُ وَ حَرُمَتْ غِيبَتُهُ‌(3).

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ع قَالَ‌: أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَمَلَ إِسْلَامُهُ وَ مُحِّصَتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ وَ لَقِيَ رَبَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هُوَ عَنْهُ رَاضٍ مَنْ وَفَى لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِمَا يَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهِ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 92.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 92.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 92.

لِلنَّاسِ وَ صَدَقَ لِسَانُهُ مَعَ النَّاسِ وَ اسْتَحْيَا مِنْ كُلِّ قَبِيحٍ عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ النَّاسِ وَ حَسُنَ خُلُقُهُ مَعَ أَهْلِهِ‌.(1)

•

عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع قَالَ‌: أَوْفُوا بِعَهْدِ مَنْ عَاهَدْتُمْ‌.(2)

•

عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَقْرَبُكُمْ غَداً مِنِّي فِي الْمَوْقِفِ أَصْدَقُكُمْ لِلْحَدِيثِ وَ آدَاكُمْ لِلْأَمَانَةِ وَ أَوْفَاكُمْ بِالْعَهْدِ وَ أَحْسَنُكُمْ خُلُقاً وَ أَقْرَبُكُمْ مِنَ النَّاسِ‌.(3)

•

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ‌: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قَالَ الْعُهُودِ.(4)

•

عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ‌.(5)

•

فِي وَصِيَّتِهِ ع لِلْأَشْتَرِ: وَ إِيَّاك وَ الْمَنَ عَلَى رَعِيَّتِك بِإِحْسَانِك أَوِ التَّزَيُّدَ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِك أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَك بِخُلْفِك فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الْإِحْسَانَ وَ التَّزَيُّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ وَ الْخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ النَّاسِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ - كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ‌.(6)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 93.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 94.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 94.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 95.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 96.

6) . راجع: نهج البلاغة، الكتاب 53.

قال اميرالمؤمنين عليه السلام في الغرر

الف: اشرف الخلائق الوفاء.

ب: الوفاء كيل.

ج: الوفاء حصن السّؤدد.

د: الوفاة حفظ الذّمام.

ه: الوفاء حلية العقل و عنوان النّبل.

و: الوفاء عنوان و فور الدّين، و قوّة الأمانة.

ز: الوفاء توام الأمانة، و زين الاخوّة.

ح: نعم قرين الامانة الوفاء.

ط: نعم قرين الصّدق الوفاء.

ى: الوفاء توأم الصّدق.

يا: الكرم فضل، الوفاء نبل.

يب: افضل الأمانة الوفاء بالعهد.

يج: افضل الصّدق الوفاء بالعهد.

يد: اصل الدّين اداء الأمانة و الوفاء بالعهود.

يه: بحسن الوفاء يعرف الأبرار.

يو: من وفى بعهده اعرب عن كرمه.

يز: من احسن الوفاء استحق الإصطفاء.

يح: انجاز الوعد من دلائل المجد.

يط: من افضل الاسلام الوفاء بالعهد.

ك: من دلائل الايمان الوفاء بالعهد.

كا: لا تعتمد على مودّة من لا يوفي بعهده.(1)


1) . راجع: ميزان الحكمة، ج 10 ص 602.

الرّذيلة السّابعة و العشرون: الغدر

اشارة

و هي ضدّ الوفاء معنىً‌، و هي ملكة تمنع صاحبها عن ان يشكر من المنعم عليه و لااقلّ من ان لا يرى نعمة المنعم عليه حتّى يشكره لها.

و هذه الصفة الرذيلة لها مراتب:

المرتبة الاولى: ان لا يرى النّعمة.

و المرتبة الثّانية: أن يراها و يتوجّه إليها و لكنّه لا يشكرها.

و المرتبة الثّالثة: أن يستر النّعمة و يكذّبها.

و المرتبة الرّابعة: أن يبدل النّعمة، فيظهرها نقمة عند النّاس.

و المترتبة الخامسة: تبديلها بالنّقم عند نفسه، فيظهرها لنفسه كأنّها نقمة. و بعض تلك المراتب سيّما الاخيرة، يسمّى بالفارسيّة: منفى باف.

و هذه الرّذيلة، رذيلة شائعة بين الناس و كأنّ الإنسان خلق كفوراً فقلّما أن

يوجد انسان لا يكون كفوراً مع كون الكفران من الموبقات.

و القرآن اشار إلى ذلك كلّه مكرِّراً و معيداً تلك الاشارة فاشار اوّلاً إلى أنّ نعم اللّٰه على الناس كثيرةٌ و لكنّهم يكفرونها.

قال اللّٰه تعالى: (وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ لاٰ تُحْصُوهٰا إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَظَلُومٌ كَفّٰارٌ)(1)

و اشار ثانياً إلى انّ الإنسان من حيث هو انسان كفور و لااقلّ من أنّ اكثرهم بهذه الصفة.

قال تعالى: (فَأَبىٰ أَكْثَرُ اَلنّٰاسِ إِلاّٰ كُفُوراً).(2)

و قال تعالى: (وَ إِذٰا مَسَّكُمُ اَلضُّرُّ فِي اَلْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّٰ إِيّٰاهُ فَلَمّٰا نَجّٰاكُمْ إِلَى اَلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَ كٰانَ اَلْإِنْسٰانُ كَفُوراً)(3)

و أشار ثالثاً إلى أنّ الإنسان بما يصيبه من المصائب يصير آئساً كفوراً حيث يعدّ تلك المصائب نازلةً من عند اللّٰه، فينسى نعمه تعالى بل يعدّها من قبل نفسه، لا منه جلّ و علا.

قال تعالى: (وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ اَلْإِنْسٰانَ كَفُورٌ)(4)

و قال تعالى: (وَ لَئِنْ أَذَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ مِنّٰا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنٰاهٰا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ * وَ لَئِنْ أَذَقْنٰاهُ نَعْمٰاءَ بَعْدَ ضَرّٰاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ اَلسَّيِّئٰاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ)(5).


1) . ابراهيم، 34.

2) . الاسراء، 89.

3) . الاسراء، 67.

4) . الشّورى، 48.

5) . هود، 109.

و أشار رابعاً: إلى أنّ من الذنوب العظام ما يترتّب على هذه الموبقة، فأشار إلى بعض تلك الذنوب في ثلّةٍ من الايات منها:

قال تعالى: (وَ مٰا يَجْحَدُ بِآيٰاتِنٰا إِلاّٰ كُلُّ خَتّٰارٍ كَفُورٍ)(1)

و قال تعالى: (لَقَدْ كٰانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتٰانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمٰالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اُشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ سَيْلَ اَلْعَرِمِ وَ بَدَّلْنٰاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوٰاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْ‌ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذٰلِكَ جَزَيْنٰاهُمْ بِمٰا كَفَرُوا وَ هَلْ نُجٰازِي إِلاَّ اَلْكَفُورَ)(2).

و قال تعالى: (وَ ضَرَبَ اَللّٰهُ مَثَلاً قَرْيَةً كٰانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهٰا رِزْقُهٰا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكٰانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللّٰهِ فَأَذٰاقَهَا اَللّٰهُ لِبٰاسَ اَلْجُوعِ وَ اَلْخَوْفِ بِمٰا كٰانُوا يَصْنَعُونَ‌).(3)

و قال تعالى: (وَ لاٰ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذٰابِهٰا كَذٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ)(4)

و قال تعالى: (أَلْقِيٰا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّٰارٍ عَنِيدٍ * مَنّٰاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ‌)(5)

و هذه الصّفة الرّذيلة تلازم رذائل أخرى و تترتّب عليها كما أشرنا إليه مفاسد و كبائر موبقة أخرى و لاثبات المدّعى نكتفى بما ذكره سبحانه و تعالى في سورة البقرة نقلاً لما جرى على بنى اسرائيل و تلك الحكاية من الوجهة الاخلاقية تُعدّ من مهامّ حكايات القرآن، و نظراً إلى هذه الاهميّة البالغة قد فصّل اللّٰه تعالى فيه القول


1) . لقمان، 32.

2) . السباء، 17-15.

3) . النّحل، 112.

4) . فاطر، 36.

5) . ق، 24-25.

في ما يربو على ستّين آية، أضف إلى ذلك ذكرها في غير هذا الموضع من القرآن بأنحاء مختلفة حتّى قيل انّ القضيّة هذه اشتغلت ستمأئة آية من آيات الكتاب الحكيم.

فابتدأ اللّٰه تعالى اولاً بقوله: (يٰا بَنِي إِسْرٰائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيّٰايَ فَارْهَبُونِ‌)(1)

و من اللافت للنظر ان اللّٰه تعالى سيبيّن معنى وفاء العبد و المراد منه في ما يأتى قريباً من الايات، فيذكر انّه هو الاتيان بالواجبات سيّما الصّلوة و الاجتناب عن المحرّمات سيّما النّفاق.

و في سورة يس فسّر ذلك بعدم عبادة الشّيطان و هي الشّرك عباديّاً يعنى متابعة غير اللّٰه و عبادته.

قال تعالى: (أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰا بَنِي آدَمَ أَنْ لاٰ تَعْبُدُوا اَلشَّيْطٰانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ‌)(2)

و ان أردت كلاماً اشدّ ايجازاً و احسن بياناً من ذلك كلّه فهو قوله في نفس الآية: و ايّاى فارهبون.

و امّا الوفاء من اللّٰه تعالى: فهو اعطاءه الإنسان الحيوة الطيّبة في الدّارين.

قال: (مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰاةً طَيِّبَةً وَ


1) . البقرة، 40.

2) . يس، 60.

لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌) (1)

ثمّ بيّن اللّٰه تعالى النعم الاتي ّنعم بها على بنى اسرائيل من غير أن ينعم بها على غيرهم من الأمم و هي عظيمةٌ جزيلةٌ و لكنّهم كفروا بها، فاذاقهم عذابه بكفرانهم هذا، فاستأصلهم و اشار إلى انّ الغدر يترتّب عليه عذاب الدّارين.

و امّا النّعم الاتي ّنعم اللّٰه بها عليهم فهى:

1 - تفضيلهم على العالمين.

قال تعالى: (وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعٰالَمِينَ‌)(2)

و المراد بهذا التّفضيل هو تلك النّعم الاتي ّنعم بها عليهم و هي الّتي تذكر بعد هذه الآية الشّريفة، و ليس المراد بها سلطتهم على العالمين أو كونهم أشرف مرتبةً من غيرهم حتّى يرد الاشكال فيه و يحتاج إلى جواب سقيمٍ ذكره بعض المفسّرين و هو انّ المراد بالعالمين هم اهل مصر فقط و من حولها لا جميع الناس.

2 - انجائهم من آل فرعون الّذي يذبّح ابنائهم و يستحيى نسائهم و في ذلك بلاء عظيم.

قال تعالى: (وَ إِذْ نَجَّيْنٰاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ اَلْعَذٰابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِسٰاءَكُمْ وَ فِي ذٰلِكُمْ بَلاٰءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ‌)(3)

سيّما إذا ضمّت إلى هذا المعنى الظّاهر الاذي ّشتهربين المفسّرين قضيّة أخرى و


1) . النّحل، 97.

2) . البقرة، 47.

3) . البقرة، 49.

هي انّ آل فرعون كانوا ينسلخون الرجال عن لباس الغيرة و الحميّة، و ينسلخون من النساء الحياء و العفّة، فيقتلون أرواحهم لا أنفسهم و يسيرون نفسيّاتهنّ لا أجسادهنّ فحسب و هذا بلاء عظيم نجّاهم اللّٰه تعالى منه.

3 - انشقاق البحر لهم و انجائهم من آل فرعون ثم اهلاك ال فرعون في البحر على أعين بنى اسرائيل.

قال تعالى: (وَ إِذْ فَرَقْنٰا بِكُمُ اَلْبَحْرَ فَأَنْجَيْنٰاكُمْ وَ أَغْرَقْنٰا آلَ فِرْعَوْنَ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ‌)(1)

و هذه النّعمة، نعمة عظيمة و معجزة باهرة لهم و لعدوّهم و لكنّ آل أمر آل فرعون إلى ما آل، لطمعهم في إسر بنى اسرائيل، فدخلوا البحر و غرقوا بأجمعهم.

و اعجب من ذلك انّ بنى اسرائيل بعد رؤية تلك المعجزة الباهرة جعلوا تعدّد الطّرق بعدد تعدّد طوائفهم.

4 - و من تلك النعم أنّ اللّٰه سبحانه و تعالى قد قبل توبتهم من عبادة العجل الَّذي تّخذه السامرى من ذهبهم، كلّ ذلك مع أنّ هارون عليه السلام قد نهاهم عن ذلك لكنّهم خالفوه فعبدوا العجل، ثمّ تاب اللّٰه عليهم و قبلها عنهم.

قال تعالى: (وَ إِذْ قٰالَ مُوسىٰ لِقَوْمِهِ يٰا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخٰاذِكُمُ اَلْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلىٰ بٰارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بٰارِئِكُمْ فَتٰابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوّٰابُ اَلرَّحِيمُ‌)(2)


1) . البقرة، 50.

2) . البقرة، 54.

سيّما ان فسّرنا قوله تعالى: فاقتلوا انفسكم بالتوبة الحقيقية و هي قتل الهوى، لا ما اشتهر بين اهل التفسير من انّهم امروا ان يقتل بعضهم بعضاً و الانصاف انّ هذا بعيد من ظاهر الآية مع كونها بصدد بيان امتنانه عليهم و رحمته لهم.

5 - انبعاثهم من مراقدهم بعد موتهم بالصّاعقة الّتي كانت من غضب اللّٰه تعالى، لانّهم أرادوا أن يروه جهرةً فغضب اللّٰه عليهم، ثمّ أماتهم، ثم بعثهم فقبل توبتهم.

قال تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنٰاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‌)(1)

6‏-‏7 - و من تلك النعم الجسام جعلُ اللّٰه تعالى الغمام ظلّاً لهم و انزاله تعالى المائدة عليهم و فيها المنّ و السلوى طعاماً و اداماً لهم، و ذلك حين هجرتهم من مصر إلى بيت المقدس في تيه سينا.

قال تعالى: (وَ ظَلَّلْنٰا عَلَيْكُمُ اَلْغَمٰامَ وَ أَنْزَلْنٰا عَلَيْكُمُ اَلْمَنَّ وَ اَلسَّلْوىٰ كُلُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ‌)(2)

8 - انفجار الماء لهم من الحجر و جريان الماء بعدد أممهم و هم الاثنتاعشر.

قال تعالى: (وَ إِذِ اِسْتَسْقىٰ مُوسىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصٰاكَ اَلْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتٰا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنٰاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اَللّٰهِ وَ لاٰ تَعْثَوْا فِي اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ‌)(3)

هذا كلّه بيان ما أنعم اللّٰه به عليهم و قد كرّر اللّٰه تعالى ذكرها اهتماماً بشأنها و


1) . البقرة، 56.

2) . البقرة، 57.

3) . البقرة، 60.

لكنّ اليهود الغدر لم يشكروا بل كفروا بتلك الانعم كفراناً مبيناً، و ها نحن نذكر اولاً كفرانهم بتلك النّعم ثم نأتى بالنقمات المترتّبة عليه:

1 - انّهم عبدوا العجل بمجرّد تأخير موسى عليه السلام في رجوعه عن الميقات فأشركوا إلّامن شذّ منهم.

قال تعالى: (وَ إِذْ وٰاعَدْنٰا مُوسىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ اَلْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظٰالِمُونَ‌)(1)

2 - انّهم أرادوا ان يروا اللّٰه جهرةً و ذلك بعد رؤيتهم تلك المعجزات الباهرات و بعد أن وصف موسى لهم سمات الربوبية و صفاتها فأصروا عليه أن يأتى باللّٰه جهرةً‌.

قال تعالى: (وَ إِذْ قُلْتُمْ يٰا مُوسىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى نَرَى اَللّٰهَ جَهْرَةً‌)(2)

3 - بعد خروجهم عن البحر و اعدادهم للدخول في بيت المقدس و اخبار سيّدنا موسى عليه السلام ايّاهم بوفور النعم فيها فعليهم أن يدخلوها مستغفرين أبوا عن ذلك، فلم يدخلوها، أضف إلى ذلك طغيانهم عليه و استهزائهم به، فتقوّلوا بما لم يتقوّل به مؤمنٌ أو كافرٌ، حتّى ان اللّٰه سبحانه و تعالى لم يحكها عنهم في الذكر الحكيم و ذلك لشناعته و رداءته.

قال تعالى: (وَ إِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هٰذِهِ اَلْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهٰا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَ اُدْخُلُوا


1) . البقرة، 51.

2) . البقرة. 55.

اَلْبٰابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطٰايٰاكُمْ وَ سَنَزِيدُ اَلْمُحْسِنِينَ‌) (1)

و قال تعالى: (قٰالُوا يٰا مُوسىٰ إِنّٰا لَنْ نَدْخُلَهٰا أَبَداً مٰا دٰامُوا فِيهٰا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقٰاتِلاٰ إِنّٰا هٰاهُنٰا قٰاعِدُونَ‌)(2)

و قال تعالى: (فَبَدَّلَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ اَلَّذِي قِيلَ لَهُمْ‌)(3)

4 - بعد نزول المنّ و السّلوى كفروا بذلك الغذاء الدّى يُعدّ من أطائب الأطعمة و سألوا موسى البقل و القثّاء و الفوم و البصل و العدس و لسؤالهم هذا دلالة واضحة على دنائتهم و لجاجهم و خسّة أنفسهم كما هم عليه الآن،

قال تعالى: (وَ إِذْ قُلْتُمْ يٰا مُوسىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلىٰ طَعٰامٍ وٰاحِدٍ فَادْعُ لَنٰا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنٰا مِمّٰا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهٰا وَ قِثّٰائِهٰا وَ فُومِهٰا وَ عَدَسِهٰا وَ بَصَلِهٰا قٰالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ اَلَّذِي هُوَ أَدْنىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)(4)

5 - بعد أن فضّلهم اللّٰه على العالمين و ثبّت سلطتهم و وفّر نعمهم، استبدلوا الكفر بالايمان و التقوى بالفجور و مقاتلة العدوان بقتل الانبياء.

قال تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ أَيْنَ مٰا ثُقِفُوا إِلاّٰ بِحَبْلٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ حَبْلٍ مِنَ اَلنّٰاسِ وَ بٰاؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلْمَسْكَنَةُ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كٰانُوا يَكْفُرُونَ بِآيٰاتِ اَللّٰهِ وَ يَقْتُلُونَ اَلْأَنْبِيٰاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذٰلِكَ بِمٰا عَصَوْا وَ كٰانُوا يَعْتَدُونَ‌)(5)


1) . البقرة، 58.

2) . المائدة، 24.

3) . البقرة، 59.

4) . البقرة، 61.

5) . البقرة، 61.

6 - يظهر من هذه الايات، انّ بنى اسرائيل بعد احراق العجل لم يجعلوه ورائهم، بل كانوا معتقدين بربوبيّتها و لم يقلع هذا الاعتقاد عن قلوبهم مع رؤيتهم ما أتى به موسى عليه السلام من المعجزات الباهرات.

قال اللّٰه تعالى: (وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ اَلْعِجْلَ‌)(1)

فاعطاه اللّٰه معجزة أخرى عجيبة مهيبة و هي جعل جبل على رئوسهم، فقال موسى عليه السلام خذوا الميثاق لئلا يسقط الجبل عليكم و الميثاق هو التوراة و ما فيها، كما يظهر من الآيات التالية لهذه الكريمة، فهم اخذوها و لكن تولّوا و اعرضوا عنه.

و قال تعالى: (وَ إِذْ أَخَذْنٰا مِيثٰاقَكُمْ وَ رَفَعْنٰا فَوْقَكُمُ اَلطُّورَ خُذُوا مٰا آتَيْنٰاكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اُذْكُرُوا مٰا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ‌)(2)

و قال: (وَ إِذْ أَخَذْنٰا مِيثٰاقَكُمْ وَ رَفَعْنٰا فَوْقَكُمُ اَلطُّورَ خُذُوا مٰا آتَيْنٰاكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اِسْمَعُوا قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ عَصَيْنٰا)(3)

7 - حكى اللّٰه تعالى في مواضع من القرآن ما جرى لبنى اسرائيل في وقعة السبت، حيث كان من المحرّم عليهم صيد السمك في هذا اليوم، لكنهم خادعوا اللّٰه و احتالوه، حيث كانوا يسدّون الانهار في يوم السبت ثمّ يصطادوا السمكات يوم الأحد، فغضب اللّٰه عليهم بفعلهم هذا.

قال تعالى: (وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ اَلَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي اَلسَّبْتِ فَقُلْنٰا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً‌


1) . البقرة، 93.

2) . البقرة، 64-63.

3) . البقرة، 93.

خٰاسِئِينَ‌) (1)

8 - و من تلك النعم وقعة البقرة، حيث أمرهم اللّٰه بقتلها و ضرب بعضها على الرجل المقتول صيانةً لهم عن المقاتلة و المحاربة، ولكنّهم أبوا عن ذلك، و هذه الحكاية بطولها تدلّ على قبح المِراء و الجدال.

قال تعالى: (وَ إِذْ قٰالَ مُوسىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قٰالُوا أَ تَتَّخِذُنٰا هُزُواً قٰالَ أَعُوذُ بِاللّٰهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْجٰاهِلِينَ * قٰالُوا اُدْعُ لَنٰا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنٰا مٰا هِيَ قٰالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهٰا بَقَرَةٌ لاٰ فٰارِضٌ وَ لاٰ بِكْرٌ عَوٰانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ فَافْعَلُوا مٰا تُؤْمَرُونَ * قٰالُوا اُدْعُ لَنٰا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنٰا مٰا لَوْنُهٰا قٰالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهٰا بَقَرَةٌ صَفْرٰاءُ فٰاقِعٌ لَوْنُهٰا تَسُرُّ اَلنّٰاظِرِينَ * قٰالُوا اُدْعُ لَنٰا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنٰا مٰا هِيَ إِنَّ اَلْبَقَرَ تَشٰابَهَ عَلَيْنٰا وَ إِنّٰا إِنْ شٰاءَ اَللّٰهُ لَمُهْتَدُونَ * قٰالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهٰا بَقَرَةٌ لاٰ ذَلُولٌ تُثِيرُ اَلْأَرْضَ وَ لاٰ تَسْقِي اَلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاٰ شِيَةَ فِيهٰا قٰالُوا اَلْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهٰا وَ مٰا كٰادُوا يَفْعَلُونَ * وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّٰارَأْتُمْ فِيهٰا وَ اَللّٰهُ مُخْرِجٌ مٰا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنٰا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهٰا كَذٰلِكَ يُحْيِ اَللّٰهُ اَلْمَوْتىٰ وَ يُرِيكُمْ آيٰاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ‌)(2).

9 - ثمّ أشار اللّٰه تعالى في هذه الايات الشريفة اوّلاً إلى توغّلهم في المادّيات، فكأنّ ذاتهم عُجنت بماء محبّة الدنيا،

قال تعالى: (وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ اَلنّٰاسِ عَلىٰ حَيٰاةٍ وَ مِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ‌


1) . البقرة، 65.

2) . البقرة، 67 إلى 74.

لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ‌) (1)

و هذه المحبّة انجرّ بهم إلى مفاسد عظيمة ذُكِر هيهنا بعضها.

10 - تحريف الكتاب بما لا يرضى اللّٰه بل بما لا يرضى عقولهم، فبهذا التحريف ضلّوا على علم و هذا أقبح انواع الضلال.

قال تعالى: (أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَ قَدْ كٰانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاٰمَ اَللّٰهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مٰا عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‌)(2)

11 - النّفاق الّذي هو أشدّ خبثاً من الكفر و الشّرك و هو في الدّرك الاسفل من النّار.

قال تعالى: (وَ إِذٰا لَقُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا قٰالُوا آمَنّٰا وَ إِذٰا خَلاٰ بَعْضُهُمْ إِلىٰ بَعْضٍ قٰالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِمٰا فَتَحَ اَللّٰهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلاٰ تَعْقِلُونَ‌)(3)

12 - تحريف الكتاب بالزيادة فيه ناسباً إيّاها إليه تعالى.

قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ اَلْكِتٰابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هٰذٰا مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا يَكْسِبُونَ‌)(4)

13 - خضوعهم لبعض ما جاء في الكتاب و ردّهم بعضه الآخر، ثمّ عدم خضوعهم لما قاله الرسل الّذين جاؤوا بعد موسى إذا كان مخالفاً لهواهم، و بالجملة فما


1) . البقرة، 96.

2) . البقرة، 75.

3) . البقرة، 76.

4) . البقرة، 79.

كان يوافق امانيهم قبلوه و ما كان مخالفاً لها ردّوه. ففي حقّهم قال سبحانه:

(أُولٰئِكَ هُمُ اَلْكٰافِرُونَ حَقًّا) (1)

و قال تعالى: (وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاٰ يَعْلَمُونَ اَلْكِتٰابَ إِلاّٰ أَمٰانِيَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاّٰ يَظُنُّونَ‌)(2)

و قال تعالى: (أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِتٰابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمٰا جَزٰاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنْكُمْ إِلاّٰ خِزْيٌ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ يُرَدُّونَ إِلىٰ أَشَدِّ اَلْعَذٰابِ‌)(3)

و قال تعالى: (أَ فَكُلَّمٰا جٰاءَكُمْ رَسُولٌ بِمٰا لاٰ تَهْوىٰ أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ‌)(4)

14 - ادّعائهم انّهم لايدركون ما جاء به الرسل، و اللّٰه سبحانه و تعالى يشهد عليهم انّ هذا ليس افتراءً منهم على أنفسهم حيث لهم قلوب لا يفقهون لها.

قال تعالى: (وَ قٰالُوا قُلُوبُنٰا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اَللّٰهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مٰا يُؤْمِنُونَ‌)(5)

15 - تمكّن رذيلتى التكبر والاعجاب بالنفس في أنفسهم، أدّتهم إلى الغدر بالنسبة إلى اللّٰه تعالى حيث ادّعوا انّهم اعلى و افضل من النّاس أجمعين بل ادّعوا انّهم ابناءاللّٰه و احبّائه نعوذ باللّٰه من اعجاب المرء بنفسه.

قال تعالى: (وَ قٰالَتِ اَلْيَهُودُ وَ اَلنَّصٰارىٰ نَحْنُ أَبْنٰاءُ اَللّٰهِ وَ أَحِبّٰاؤُهُ‌)(6)


1) . النّساء، 151.

2) . البقرة، 78.

3) . البقرة، 85.

4) . البقرة، 87.

5) . البقرة، 88.

6) . المائدة، 18.

ثمّ هذا القول الجزاف الّذي أشبه بكلام المجنونين منه بكلام العقلاء، أدّاهم إلى دعاوى أُخر أشدّ قبحاً من كلام السفهاء، و قد جىء ببعضها في هذه الآيات المباركات:

16 - انّ الجنّة تختصّ بهم و لا يدخلها إلّامن كان هوداً اونصارى.

قال تعالى: (قُلْ إِنْ كٰانَتْ لَكُمُ اَلدّٰارُ اَلْآخِرَةُ عِنْدَ اَللّٰهِ خٰالِصَةً مِنْ دُونِ اَلنّٰاسِ فَتَمَنَّوُا اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ‌)(1)

17 - انّهم مبرّؤون عن دخول النار، ولو دخلوها لم يكن إلّاايّاما معدودة.

قال تعالى: (وَ قٰالُوا لَنْ تَمَسَّنَا اَلنّٰارُ إِلاّٰ أَيّٰاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ عَهْداً)(2)

18 - انّ النّبوّة و الكتاب يختصّان بهم و لن يرسل اللّٰه رسولاً و لن ينزّل كتاباً إلّا منهم و فيهم.

قال تعالى: (وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ قٰالُوا نُؤْمِنُ بِمٰا أُنْزِلَ عَلَيْنٰا وَ يَكْفُرُونَ بِمٰا وَرٰاءَهُ‌)(3)

19 - هؤلاء المجادلون الغُدَر بعد أن قُلِبوا فصاروا صاغرين، استعذروا بكون جبرائيل عدوّاً لهم و كونهم عدوّاً له، لأنّه جاء لهم بما فيه حرجٌ لهم، فلهذا لمّا دعاهم النبّى صلى الله عليه و آله إلى الاسلام، جهدوه معلّلين باستقرار العداوة بينهم و بين الملك المنزَل عليه فلا يؤمنوا حتّى يأتى إليه ميكائيل عليه السلام.


1) . البقرة، 94.

2) . البقرة، 80.

3) . البقرة، 91..

قال تعالى: (قُلْ مَنْ كٰانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اَللّٰهِ‌)(1)

و معناه انّكم عدوّ للّٰه‌و إلّافليس جبريل إلّاتابعاً لأمره تعالى فعداوتكم له عداوة للّٰه‌تعالى.

20 - و تلخيص القول انّ هذه الآيات الكريمات تشير إلى أنّه ليس لهم خلاقٌ في الايمان باللّٰه، و باليوم الآخر، و بالكتب و بالرسل، و لاينظرون إلى الكتاب إلّا كمجلبٍ للعوائد و مكسبٍ للفوائد الدنياويّة فحقّ فيهم القول أنّهم كافرون.

الا ترى اوائل هذه الآيات‌؟

قال اللّٰه تعالى: (وَ لاٰ تَكُونُوا أَوَّلَ كٰافِرٍ بِهِ وَ لاٰ تَشْتَرُوا بِآيٰاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَ إِيّٰايَ فَاتَّقُونِ‌)(2)

و الا ترى أواسطها؟

قال اللّٰه تعالى: (وَ إِذٰا لَقُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا قٰالُوا آمَنّٰا وَ إِذٰا خَلاٰ بَعْضُهُمْ إِلىٰ بَعْضٍ قٰالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِمٰا فَتَحَ اَللّٰهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ‌)(3)

و الا ترى أواخرها؟

قال تعالى: (قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ عَصَيْنٰا وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ اَلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ‌)(4)

و امّا عذاب الدّارين الّذي ذُكِر في هذه الآيات كنتيجة مترتّبة على سيرتهم


1) . البقرة، 97.

2) . البقرة، 41.

3) . البقرة، 76.

4) . البقرة، 93.

الجماعيّة، فكثيرٌ و نحن نذكر ثلّةً منه مستلّةً من الذكر الحكيم.

قال تعالى: (يُذَبِّحُونَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِسٰاءَكُمْ وَ فِي ذٰلِكُمْ بَلاٰءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ‌)(1)

يظهر من هذه الآيات انّ بنى اسرائيل كانوا يستحقون ذلك البلاء قبل بعث موسى عليه السلام و كان ذلك من باب الاستيصال و لاتظنَّنّ ان هذا كان من باب البلاء للولاء ثمّ الاولى فالاولى، حيث لم يقربوا إلى جنابه تعالى خطوةً حتّى يكونوا من أوليائه.

قال تعالى: (فَأَنْزَلْنٰا عَلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ اَلسَّمٰاءِ بِمٰا كٰانُوا يَفْسُقُونَ‌)(2)

و قال تعالى: (فَقُلْنٰا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خٰاسِئِينَ‌)(3)

و قال تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجٰارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً‌)(4)

و لاريب في أنّ هذه كلّها من باب الاستيصال، ليقفوا عمّا جرت عليه سيرتهم النكدة.

و قال تعالى: (وَ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ يُرَدُّونَ إِلىٰ أَشَدِّ اَلْعَذٰابِ‌)(5)

و قال تعالى: (فَلاٰ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ اَلْعَذٰابُ‌)(6)


1) . البقرة، 49.

2) . البقرة، 59.

3) . البقرة، 65.

4) . البقرة، 74.

5) . البقرة، 85.

6) . البقرة، 86.

و قال تعالى: (فَبٰاؤُ بِغَضَبٍ عَلىٰ غَضَبٍ وَ لِلْكٰافِرِينَ عَذٰابٌ مُهِينٌ‌)(1)

الحمدللّٰه الّذي هدانا إلى كتابه المبين و رزقنا أن نقتبس منه في هذا المبحث، و من يكون له قلب يظهر له من هذه الآيات قبح هذه الرّذيلة و ما يتبعها من المفاسد و الرّذائل و المهالك.

و دلالة القرآن على أنّ الغدر من أقبح الرذائل فيترتّب عليه موبقات كثيرةٌ‌، فيؤدّى بالمآل إلى موبقاتٍ كثيرةٍ‌، بحيث يُخرج المتصّف به عن نور الاسلام إلى ظلمة الكفر، واضحة جليةٌ‌، كما أشبعنا الكلام فيها، و الحمد للّٰه‌ربّ العالمين.


1) . البقرة، 90.

رواياتٌ في الغدر

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: الْوَفَاءُ لِأَهْلِ الْغَدْرِ غَدْرٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ الْغَدْرُ بِأَهْلِ الْغَدْرِ وَفَاءٌ عِنْدَ اللَّه.(1)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ وَ لَا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَى مِنْهُ وَ مَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ وَ لَقَدْ أَصْبَحْنَا فِي زَمَانٍ قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً وَ نَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلَى حُسْنِ الْحِيلَةِ مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ وَ دُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ نَهْيِهِ فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَ يَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لَا حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّين.(2)

•

وَ اللَّهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي وَ لَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَ يَفْجُرُ وَ لَوْ لَا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ وَ لَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ وَ كُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ وَ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ اللَّهِ مَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَكِيدَةِ وَ لَا أُسْتَغْمَزُ بِالشَّدِيدَة.(3)


1) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 259.

2) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 41.

3) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 200.

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام في كتابه للأشتر: فَلَا تَغْدِرَنَ بِذِمَّتِك وَ لَا تَخِيسَنَّ بِعَهْدِك وَ لَا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّك فَإِنَّهُ لَا يَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا جَاهِلٌ شَقِيٌّ وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَ ذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ وَ حَرِيمًا يَسْكُنُونَ إِلَى‌مَنَعَتِهِ وَ يَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ فَلَا إِدْغَالَ وَ لَا مُدَالَسَةَ وَ لَا خِدَاعَ فِيهِ وَ لَا [تَعْقِدْهُ‌] تَعْقِدْ عَقْداً تُجَوِّزُ فِيهِ الْعِلَلَ وَ لَا تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنِ [الْقَوْلِ‌] قَوْلٍ بَعْدَ التَّأْكِيدِ وَ التَّوْثِقَةِ وَ لَا يَدْعُوَنَّك ضِيقُ أَمْرٍ لَزِمَك فِيهِ عَهْدُ اللَّهِ إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ فَإِنَّ صَبْرَك عَلَى ضِيقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَ فَضْلَ عَاقِبَتِهِ خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ‌.(1)

•

عن أبي جعفر عليه السلام قال: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: أَرْبَعَةٌ أَسْرَعُ شَيْ‌ءٍ عُقُوبَةً رَجُلٌ أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ وَ يُكَافِيك بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ إِسَاءَةً وَ رَجُلٌ لَا تَبْغِي عَلَيْهِ وَ هُوَ يَبْغِي عَلَيْك وَ رَجُلٌ عَاهَدْتَهُ عَلَى أَمْرٍ فَمِنْ أَمْرِك الْوَفَاءُ لَهُ وَ مِنْ أَمْرِهِ الْغَدْرُ بِك وَ رَجُلٌ يَصِلُ قَرَابَتَهُ وَ يَقْطَعُونَهُ‌.(2)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام في الغرر:

الف: الغدر اقبح الخيانتين.

ب: الغدر شيمة اللّئام.

ج: الغدر يضاعف السّيئات.

د: الغدر يعظم الوزر و يزرى بالقدر.

ه: جانبوا الغدر فانّه مجانب القرآن.


1) . راجع: نهج البلاغة، الكتاب 53.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 72، ص 93، باب 47،.

و: ايّاك و الغدر فانّه اقبح الخيانة، انّ الغدور لمهان عنداللّٰه بغدره.

ز: الغدر بكلّ احد قبيح، و هو بذى القدرة و السلطان اقبح.

ح: اقبح الغدر اذاعة السّر.(1)

ط: الخائن لاوفاء له.

ى: من كثر مزحه قلّ و فائه.(2)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: لَوْ لَا أَنَّ الْمَكْرَ وَ الْخَدِيعَةَ فِي النَّارِ لَكُنْتُ أَمْكَرَ النَّاسِ‌.(3)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَجِيءُ كُلُ غَادِرٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِإِمَامٍ مَائِلٍ شِدْقُهُ حَتَّى يَدْخُلَ النَّارَ وَ يَجِيءُ كُلُّ نَاكِثٍ بَيْعَةَ إِمَامٍ أَجْذَمَ حَتَّى يَدْخُلَ النَّارَ.(4)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: سَأَلْتُهُ عَنْ قَرْيَتَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَلِك عَلَى حِدَةٍ اقْتَتَلُوا ثُمَ اصْطَلَحُوا ثُمَ إِنَّ أَحَدَ الْمَلِكَيْنِ غَدَرَ بِصَاحِبِهِ فَجَاءَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَغْزُوَ مَعَهُمْ تِلْك الْمَدِينَةَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَغْدِرُوا وَ لَا يَأْمُرُوا بِالْغَدْرِ وَ لَا يُقَاتِلُوا مَعَ الَّذِينَ غَدَرُوا وَ لَكِنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدُوهُمْ وَ لَايَجُوزُ عَلَيْهِمْ مَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الْكُفَّارُ.(5)


1) . راجع: ميزان الحكمة، ج 7 ص 174.

2) . راجع: ميزان الحكمة، ج 10 ص 604.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 336.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 336.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 336.

الفصل الخامس و العشرون

اشارة

الفضيلة السادسة و العشرون: الكياسة و الدهاء

الرّذيلة الثامنة و العشرون: الغرور

الفضيلة السّادسة و العشرون: الكياسة و الدَّهاء

اشارة

و هي ملكة تحفظ الإنسان من أن يُخْدَع و هي و ان كانت من مراتب العقل إلّا انها افضل للانسان و أثمر له من العقل المصطلح بين الحكماء حيث ان هذا العقل لا ثمرة له غير الوصول إلى النتائج في الأقيسة فيصير به العاقلُ عالماً، بينما انّ الدهاء يجعل العالم بصيراً بمواقع الحقّ بحيث لم يشتبه عليه بالباطل و لا يخفى ما في العالِم غير الدهيّ من المضرة لنفسه و لقومه، و هذا امرٌ قد جرّبناه مراراً. فلهذا تُعدّ هذه الفضيلة من اعزّ الفضائل عنداللّٰه و أجلّها له.

و الكياسة لغة جودة القريحة و انتقالها من المبادىء إلى النتائج بسرعةٍ من غير تراخٍ و استنباط ما هو الصحيح في الواقعة و تمييز الجيّد من الردىء و الخبيث من الطيّب و الحسن من القبيح لئلّا يضلّ قدم العالِم في الوقائع العلميّة أو الجماعية أو غيرهما.

و العقل و الكياسة قد يجتمعان و قد يفترقان، و كلٌّ حسنٌ‌، لكن الأحسن من الكلّ و أشدّ من النوعين مطلوبيّةً هو اجتماعهما في رجلٍ حتّى يكون عالماً كيّساً، فطوبى لهذا الرجل الّذي منحه اللّٰه تعالى هذه النعمة العظيمة.

و في روايات كثيرة أشير إليها كنعمةٍ عظيمةٍ و من تلك الرّوايات:

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ‌»(1)

و قال صلى الله عليه و آله: «الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ».(2)

و قال على بن الحسين عليه السلام: «أَنَّ صَلَاحَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا فِي كَلِمَتَيْنِ إِصْلَاحِ شَأْنِ الْمَعَايِشِ مِلْ‌ءَ مِكْيَالٍ ثُلُثَاهُ فِطْنَةٌ وَ ثُلُثُهُ تَغَافُلٌ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَغَافَلُ إِلَّا عَنْ شَيْ‌ءٍ قَدْ عَرَفَهُ فَفَطَنَ لَهُ‌».(3)

و قد ذُكر هذه الخصلة في الذكر الحكيم و اُطلق عليها لفظة الوحى و الالهام و التّوسّم.

قال اللّٰه تعالى: (وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ أُمِّ مُوسىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذٰا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اَلْيَمِّ وَ لاٰ تَخٰافِي وَ لاٰ تَحْزَنِي إِنّٰا رَادُّوهُ إِلَيْكِ‌)(4)

و قال تعالى: (وَ نَفْسٍ وَ مٰا سَوّٰاهٰا * فَأَلْهَمَهٰا فُجُورَهٰا وَ تَقْوٰاهٰا)(5)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 38 ص 79.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 64 ص 307.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 46 ص 231.

4) . القصص، 7.

5) . الشمس، 78.

و قال تعالى: (إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ‌)(1)

و قد حكى اللّٰه تعالى في كتابه الكريم ما يشير إلى شرافة هذه الفضيلة و علوّ رتبتها، منها ما ورد في حكاية ام موسى مع ابنتها و مع زوجة فرعون.

قال تعالى: (وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ أُمِّ مُوسىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذٰا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اَلْيَمِّ وَ لاٰ تَخٰافِي وَ لاٰ تَحْزَنِي إِنّٰا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جٰاعِلُوهُ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَ هٰامٰانَ وَ جُنُودَهُمٰا كٰانُوا خٰاطِئِينَ * وَ قٰالَتِ اِمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ لاٰ تَقْتُلُوهُ عَسىٰ أَنْ يَنْفَعَنٰا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَ هُمْ لاٰ يَشْعُرُونَ * وَ أَصْبَحَ فُؤٰادُ أُمِّ مُوسىٰ فٰارِغاً إِنْ كٰادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لاٰ أَنْ رَبَطْنٰا عَلىٰ قَلْبِهٰا لِتَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ * وَ قٰالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَ هُمْ لاٰ يَشْعُرُونَ * وَ حَرَّمْنٰا عَلَيْهِ اَلْمَرٰاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقٰالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ نٰاصِحُونَ * فَرَدَدْنٰاهُ إِلىٰ أُمِّهِ‌)(2)

فالتأمُّل في هذه الآيات المباركات يدلّنا على كياسة تلك النساء المؤمنات، حيث حفظن موسى عليه السلام و هو طفلٌ صغير لا يدافع عن نفسه، عن القتل حتّى رضى فرعون و آله أن يربّوه كأنّه من أولادهم.

قال اللّٰه تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً)(3)

فهنّ بفطانتهنّ بلغن مرتبةً كمرتبة الانبياء حتّى اطلق اللّٰه على عملهنّ لفظة الوحى و لايخفى مراتبه.


1) . الحجر، 75.

2) . القصص، 713.

3) . القصص، 8.

قال تعالى: (وَ أَوْحَيْنٰا إِلىٰ أُمِّ مُوسىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ‌)(1)

و من تلك الحكايات حكاية حبيب النّجار الاذي ّشتهر في الرّوايات بمؤمن آل يس و صاحب يس قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «الصِّدِّيقُونَ ثَلَاثَةٌ حَبِيبٌ النَّجَّارُ مُؤْمِنُ آلِ يس الَّذِي قَالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ وَ حِزْقِيلُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ هُوَ أَفْضَلُهُمْ‌».(2)

قال تعالى: (وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحٰابَ اَلْقَرْيَةِ إِذْ جٰاءَهَا اَلْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنٰا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمٰا فَعَزَّزْنٰا بِثٰالِثٍ فَقٰالُوا إِنّٰا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قٰالُوا مٰا أَنْتُمْ إِلاّٰ بَشَرٌ مِثْلُنٰا وَ مٰا أَنْزَلَ اَلرَّحْمٰنُ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّٰ تَكْذِبُونَ * قٰالُوا رَبُّنٰا يَعْلَمُ إِنّٰا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَ مٰا عَلَيْنٰا إِلاَّ اَلْبَلاٰغُ اَلْمُبِينُ * قٰالُوا إِنّٰا تَطَيَّرْنٰا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّٰا عَذٰابٌ أَلِيمٌ * قٰالُوا طٰائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ * وَ جٰاءَ مِنْ أَقْصَا اَلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعىٰ قٰالَ يٰا قَوْمِ اِتَّبِعُوا اَلْمُرْسَلِينَ * اِتَّبِعُوا مَنْ لاٰ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ * وَ مٰا لِيَ لاٰ أَعْبُدُ اَلَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ اَلرَّحْمٰنُ بِضُرٍّ لاٰ تُغْنِ عَنِّي شَفٰاعَتُهُمْ شَيْئاً وَ لاٰ يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ قٰالَ يٰا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمٰا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ اَلْمُكْرَمِينَ‌)(3)

يظهر من الايات انّ الثّالث من الرّسل الّذي عزّز الاثنين لم يقم بارشاد الناس


1) . القصص، 7.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 89 ص 296.

3) . يس، 13 إلى 27.

إلّا بدهاءٍ بالغ، حتّى آمن جمٌّ غفيرٌ من الناس به، فوقع بينهم الخلاف و التشاجر حتّى أوجب له تلخيص الرسولين من السجن، فهو و ان قُتل بيد اشرار أمّته، ولكنّه استطاع ان يرسخ الايمان في قلوب جمعٍ منهم، و ما كان ذلك إلّابكياسته و دهاءه.

و ينبغى ان تكون هذه الحكاية اسوةً لنا حتّى نخطّى كلّ خطوةٍ من خطواتنا بالدّهاء غير عمياء و غير متّبعى سبيل الغىّ‌.

و من سنن القرآن درج بعض الكلام في بعضٍ و اتباع بعضه لبعضٍ‌، و على هذه السنّة قال: قيل ادخل الجنّة قال يا ليت قومى يعلمون بما غفرلى ربّى و جعلنى من المكرمين.(1)

فهو و ان قتل بيد القوم إلّاانّه بعد القتل و دخول الجنّة أراد أن يريه اللّٰهُ قومَه ليهدوا به، و هو لم‌يكتف بان يعفو و يصفح عنهم، بعد أراد استهدائهم و لو كانوا قاتليه.

و من تلك الدروس العليا حكاية مؤمن آل فرعون التّى بيّنها اللّٰه في آيات و نظراً إلى ما لها من الأهميّة البالغة، قد سُمّى هذه السورة بسورة المؤمن.

قال تعالى: (وَ قٰالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسىٰ وَ لْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخٰافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي اَلْأَرْضِ اَلْفَسٰادَ * وَ قٰالَ مُوسىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاٰ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ اَلْحِسٰابِ * وَ قٰالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمٰانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اَللّٰهُ وَ قَدْ جٰاءَكُمْ بِالْبَيِّنٰاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَ إِنْ يَكُ كٰاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صٰادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ اَلَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّٰابٌ * يٰا قَوْمِ‌


1) . يس، 26-27.

لَكُمُ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ ظٰاهِرِينَ فِي اَلْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنٰا مِنْ بَأْسِ اَللّٰهِ إِنْ جٰاءَنٰا قٰالَ فِرْعَوْنُ مٰا أُرِيكُمْ إِلاّٰ مٰا أَرىٰ وَ مٰا أَهْدِيكُمْ إِلاّٰ سَبِيلَ اَلرَّشٰادِ * وَ قٰالَ اَلَّذِي آمَنَ يٰا قَوْمِ إِنِّي أَخٰافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ اَلْأَحْزٰابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَ عٰادٍ وَ ثَمُودَ وَ اَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَ مَا اَللّٰهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبٰادِ * وَ يٰا قَوْمِ إِنِّي أَخٰافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ اَلتَّنٰادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مٰا لَكُمْ مِنَ اَللّٰهِ مِنْ عٰاصِمٍ وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللّٰهُ فَمٰا لَهُ مِنْ هٰادٍ * وَ لَقَدْ جٰاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنٰاتِ فَمٰا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّٰا جٰاءَكُمْ بِهِ حَتّٰى إِذٰا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اَللّٰهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذٰلِكَ يُضِلُّ اَللّٰهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتٰابٌ * اَلَّذِينَ يُجٰادِلُونَ فِي آيٰاتِ اَللّٰهِ بِغَيْرِ سُلْطٰانٍ أَتٰاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللّٰهِ وَ عِنْدَ اَلَّذِينَ آمَنُوا كَذٰلِكَ يَطْبَعُ اَللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّٰارٍ * وَ قٰالَ فِرْعَوْنُ يٰا هٰامٰانُ اِبْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ اَلْأَسْبٰابَ * أَسْبٰابَ اَلسَّمٰاوٰاتِ فَأَطَّلِعَ إِلىٰ إِلٰهِ مُوسىٰ وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كٰاذِباً وَ كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَ صُدَّ عَنِ اَلسَّبِيلِ وَ مٰا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّٰ فِي تَبٰابٍ * وَ قٰالَ اَلَّذِي آمَنَ يٰا قَوْمِ اِتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ اَلرَّشٰادِ * يٰا قَوْمِ إِنَّمٰا هٰذِهِ اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا مَتٰاعٌ وَ إِنَّ اَلْآخِرَةَ هِيَ دٰارُ اَلْقَرٰارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاٰ يُجْزىٰ إِلاّٰ مِثْلَهٰا وَ مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولٰئِكَ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهٰا بِغَيْرِ حِسٰابٍ * وَ يٰا قَوْمِ مٰا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى اَلنَّجٰاةِ وَ تَدْعُونَنِي إِلَى اَلنّٰارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللّٰهِ وَ أُشْرِكَ بِهِ مٰا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى اَلْعَزِيزِ اَلْغَفّٰارِ * لاٰ جَرَمَ أَنَّمٰا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي اَلدُّنْيٰا وَ لاٰ فِي اَلْآخِرَةِ وَ أَنَّ مَرَدَّنٰا إِلَى اَللّٰهِ وَ أَنَّ اَلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مٰا أَقُولُ لَكُمْ وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اَللّٰهِ إِنَّ اَللّٰهَ بَصِيرٌ بِالْعِبٰادِ * فَوَقٰاهُ اَللّٰهُ سَيِّئٰاتِ مٰا مَكَرُوا) (1)


1) . المؤمن 26 إلى 45.

فترى انّ هذا المؤمن بفطنته و كياسته و تبليغه خفية و علانيّة، تقيّة و جهاراً أنجى موسى عليه السلام من القتل و غلب على فرعون و ما أراد من قتل موسى عليه السلام، حيث الطف في القول اوّلاً ثم استبدّ فيه لينصرفه عن قتله، فاجبره على صرف الخاطر ممّا أراد، من غير أن يسوء به فرعون و آله و حاق بآل فرعون سوء العذاب.

و نظير هذه الحكاية في القرآن كثير و لمّا اهتمّ القرآن بهذه القصص الثلاث ايّدنا بحثنا بها حتّى نأتى بنتائج:

أوّلاً: الفطن الكيّس له أن يصل إلى مراده، لو توكّل على اللّٰه و اتّكأ عليه، حتّى يلهمه اللّٰه تعالى ما خفى عليه و حينئذٍ يمكن له أن يقول: افوّض امرى إلى اللّٰه انّ اللّٰه بصير بالعباد.

و ثانيا: انّ الفطن الكيّس يسوس عواطفه و مشاعره، بحيث لم يتأثر منها تأثّر النساء من بعض ما لا واقع له، كالغول و الميّت القاتل و ما إليهما. و لا تظننَّ انّ هذا سهلٌ له، بل يُعدّ هذا أشدّ من الجهاد الأكبر و بهذا ذكره اللّٰه سبحانه و تعالى حين أخبر عن سيرة رسوله كأنّه من معاجزه.

قال تعالى: (وَ اَلنَّجْمِ إِذٰا هَوىٰ * مٰا ضَلَّ صٰاحِبُكُمْ وَ مٰا غَوىٰ‌)(1)

فترى انّ اللّٰه تعالى جعل عدم ضلالته صلى الله عليه و آله بين القوم الضالّ و عدم انحرافه إليهم و ميله عن الحقّ معجزةً من معجزاته صلى الله عليه و آله.

و هكذا يكون ضرورة أنّه لو أريق قدراً من ماءٍ قراح في خزّانٍ فيه الماء القذر الوسخ، ثمّ لم يلث الأوّل بالثانى و لم ينصبغ بصبغة، يعدّ هذا من خرق العادة.


1) . النّجم، 12.

ففى تلك الآيات اشارة واضحة إلى صلوح الإنسان لأن لايُخدع لو أخذ الفطنة بيده و اتسمّ بسماتها، فالفطنة و الكياسة سلاحاه في عدم ميله عن الحقّ إلى الباطل.

قال عليه السلام: المؤمن كالجبل الرّاسخ لا تحّركه العواصف.

تنبيه: و لاتتوهّم انّ الفطانة و الكياسة أمر ذاتى غير اكتسابى فمن شملته العناية الالهيّة و المصالح الأزليّة فله تلك الفضائل الرّحمانيّة فتلك فضل اللّٰه يؤتيه من يشاء لانّ الفضائل كلّها و إن كانت ذاتيّة و لكنّها على نحو الاقتضاء لا الفعليّة فمقام فعليّتها اكتسابى و الإنسان يقدر ان يكتسبه بل مهمّة علم الأخلاق هو تبديل الرذائل بالفضائل، بل الانبياء كلّهم كما نُصّ عليه في اشرفهم خاتم الانبياء بُعثوا لتهذيب النّفس و ازالة الرذائل و تبديلها بالفضائل.

قال اللّٰه تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْمِيزٰانَ لِيَقُومَ اَلنّٰاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ‌)(1)

و قال تعالى: (هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ إِنْ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ‌)(2)

نعم، تهذيب النّفس و تبديل الرذائل بالفضائل يُعدّ من صعاب الأمور و لهذا وُصف بأنّه هو الجهاد الاكبر.

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «مَرْحَباً بِقَوْمٍ قَضَوُا الْجِهَادَ الْأَصْغَرَ وَ بَقِيَ عَلَيْهِمُ الْجِهَادُ


1) . الحديد، 25.

2) . الجمعة، 2.

الْأَكْبَرُ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ قَالَ جِهَادُ النَّفْسِ‌».(1)

و لكن افضل الاعمال احمزها - كما ورد - و نحن خُلقنا لذلك و لا طريق إلى الوصول إلّابهذا الجهاد.

قال تعالى: (فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صٰالِحاً وَ لاٰ يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)(2).

و بالجملة: انّ تأديب النّفس كتعليمها فكما أنّه يمكن ان يرتقى الإنسان نفسه من حضيض الجهل إلى مرتبةٍ راقية من العلم و العرفان الّذي هو أعلى مرتبةً من العلم فكذلك له أن يرتقيها من بلّاعة الرذائل إلى جنّة الفضائل حتّى يصل إلى مقام القرب.

قال تعالى: (إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنّٰاتٍ وَ نَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)(3)

و لا تنحصر الآية الشّريفة في الآخرة و ما يتعلّق بها لان الإنسان له أن يصل في هذه الدنيا الدنيّة إلى ما لا تعلم نفس قال تعالى: (تَتَجٰافىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ اَلْمَضٰاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌)(4)

فهم في هذه الدّنيا عنداللّٰه فما ظنّك بهم و هم في الآخرة‌؟!.


1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 11 ص 122.

2) . الكهف، 110.

3) . القمر، 54-55.

4) . السّجدة، 16-17.

و لا يمكن ان يصل الإنسان في العقبى إلى ربّه حتّى يصل إليه في الدّنيا لانّ الدّنيا مزرعة الاخرة فمن كان زرعه من نبات الجنّة ففى الآخرة يحصدها و من كان زرعه اللّقأ فيصل إليه و من كان زرعه النّار فيوردها.

فلنرجع إلى ما كنّا بصدده فنقول: انّ من أراد اكتساب الفطنة و الكياسة فعليه أن يفكّر أوّلاً فيما يغويه أو له أن يغويه من أمر الدنيا و ما إليه ثم عليه أن يجتهد في تجربة الأمور خيرها و شرّها، نعم لا مناص للانسان من الوقوع في الزلل، ولكن له أن لا يقع فيه ثانيًا و ثالثًا.

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «الْمُؤْمِنُ لَا يُلْسَعُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ‌».(1)

فبالمراقبتين العلميّة و العمليّة يحصل له الكياسة كما أنّه لا طريق إلى تحصيل العلم إلّابهاتين المراقبتين بل الذّاتى من كلّ فضيلة يحتاج إلى اكتسابى منها و لولا الاكتسابى منها لزال الذّاتى و تلف كما انّ الاكتسابى منها يحتاج إلى اجتناء ثمارها و هو اشرابها بماء الفطنة أوّلاً ثمّ ترقّب الأمور ثانياً ثمّ الأخذ بالصحيح منها و الاجتناب عن المشتبه و الردىء منها ثالثاً، حتّى يحصل له ملكة الفراسة شيئاً فشيئاً، و له الحمد.

و لقد أفردنا في المجلّد الأوّل من هذا الكتاب بحثاً لتهذيب النّفس و تحليتها بالفضائل أغنانا عن اعادته في كلّ مبحث فراجع. و في الختام نذكر روايات الباب و التكرار فيها لا يُعدّ من المستقبح نظراً إلى أهميّة هذه الفضيلة.


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 241.

رواياتٌ في الكياسة و الفطانة

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ حُكْماً فَوَعَى وَ دُعِيَ إِلَى رَشَادٍ فَدَنَا وَ أَخَذَ بِحُجْزَةِ هَادٍ فَنَجَا رَاقَبَ رَبَّهُ وَ خَافَ ذَنْبَهُ قَدَّمَ خَالِصاً وَ عَمِلَ صَالِحاً اكْتَسَبَ مَذْخُوراً وَ اجْتَنَبَ مَحْذُوراً وَ رَمَى غَرَضاً وَ أَحْرَزَ عِوَضاً كَابَرَ هَوَاهُ وَ كَذَّبَ مُنَاهُ جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ وَ التَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ رَكِبَ الطَّرِيقَةَ الْغَرَّاءَ وَ لَزِمَ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ اغْتَنَمَ الْمَهَلَ وَ بَادَرَ الْأَجَلَ وَ تَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَل.(1)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْحَيَّةِ لَيِّنٌ مَسُّهَا وَ السَّمُّ النَّاقِعُ فِي جَوْفِهَا يَهْوِي إِلَيْهَا الْغِرُّ الْجَاهِلُ وَ يَحْذَرُهَا ذُو اللُّبِ الْعَاقِلُ‌.(2)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ فَمَا خُلِقَ امْرُؤٌ عَبَثاً فَيَلْهُوَ وَ لَا تُرِك سُدًى فَيَلْغُوَ وَ مَا دُنْيَاهُ الَّتِي تَحَسَّنَتْ لَهُ بِخَلَفٍ مِنَ الآْخِرَةِ الَّتِي قَبَّحَهَا سُوءُ النَّظَرِ عِنْدَهُ وَ مَا الْمَغْرُورُ الَّذِي ظَفِرَ مِنَ الدُّنْيَا بِأَعْلَى هِمَّتِهِ كَالآْخَرِ الَّذِي ظَفِرَ مِنَ الآْخِرَةِ بِأَدْنَى


1) . راجع: نهج البلاغة، الخطبه 76.

2) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 119.

سُهْمَتِه(1).

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الطَّاعَةَ غَنِيمَةَ الْأَكْيَاسِ عِنْدَ تَفْرِيطِ الْعَجَزَة.(2)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَ الظَّمَأُ وَ كَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ وَ الْعَنَاءُ حَبَّذَا نَوْمُ الْأَكْيَاسِ وَ إِفْطَارُهُم.(3)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام:... وَ الْيَقِينُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ عَلَى تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ وَ تَأَوُّلِ الْحِكْمَةِ وَ مَوْعِظَةِ الْعِبْرَةِ وَ سُنَّةِ الْأَوَّلِينَ فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي الْفِطْنَةِ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ وَ مَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ عَرَفَ الْعِبْرَةَ وَ مَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الْأَوَّلِينَ‌.(4)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: فَإِنَّ لِلطَّاعَةِ أَعْلَاماً وَاضِحَةً وَ سُبُلًا نَيِّرَةً وَ مَحَجَّةً نَهْجَةً وَ غَايَةً مُطَّلَبَةً يَرِدُهَا الْأَكْيَاسُ وَ يُخَالِفُهَا الْأَنْكَاسُ‌.(5)

•

سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ قَالَ أَكْثَرُهُمْ ذِكْراً لِلْمَوْتِ وَ أَشَدُّهُمْ لَهُ اسْتِعْدَاداً.(6)

•

سئل الامام اميرالمؤمنين عليه السلام اىّ الناس اكيس‌؟ قَالَ‌: مَنْ أَبْصَرَ رُشْدَهُ مِنْ‌


1) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 307.

2) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 331.

3) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 145.

4) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 331.

5) . راجع: نهج البلاغة، الكتاب 30.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 266.

غَيِّهِ فَمَالَ إِلَى رُشْدِه.(1)

•

في وصيّة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله لابى‌ذر: يَا أَبَا ذَرٍّ الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَ عَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَ الْعَاجِزُ مَنِ اتَّبَعَ نَفْسَهُ وَ هَوَاهَا وَ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الْأَمَانِيَّ‌.(2)

•

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: أَكْيَسَ الْكَيْسِ التُّقَى وَ أَحْمَقَ الْحُمْقِ الْفُجُورُ.(3)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِأَكْيَسِ الْكَيِّسِيْنَ وَ أَحْمَقِ الْحَمْقَى قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَكْيَسُ الْكَيِّسِينَ مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ وَ عَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَ أَحْمَقُ الْحَمْقَى مَنِ اتَّبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ‌.(4)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام في الغرر:

ألكيّس من عرف نفسه و أخلص أعماله

ألكيّس أصله عقله و مروءته خلقه و دينه حسبه

ألكيّس من كان يومه خيرا من أمسه و عقل الذّمّ عن نفسه

ألكيّس من أحيى فضائله و أمات رذائله بقمعه شهوته و هواه

ألكيّس من كان غافلا عن غيره و لنفسه‌كثير التّقاضي

ألكيّس من ملك عنان شهوته


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 378.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 81.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 117.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 89 ص 250.

ألكيّس من تجلبب الحياء و ادّرع الحلم

الْكَيِّسُ صَدِيقُهُ الْحَقُ وَ عَدُوُّهُ الْبَاطِلُ‌.

ألكيس تقوى اللّه سبحانه و تجنّب المحارم و اصلاح المعاد

إنّ الكيّس من كان لشهوته مانعا و لنزوته عند الحفيظة واقما قامعا

إنّما الكيّس من إذا أساء استغفر و إذا أذنب ندم

أَشْرَفُ الْمُؤْمِنِينَ أَكْثَرُهُمْ كَيْساً [كِيَاسًا]

ضادّوا الغباوة بالفطنة

ألمرء بفطنته لا بصورته

ألفهم بالفطنة

ألفطنة هداية

إنّ الأكياس هم الّذين للدّنيا مقتوا و أعينهم عن زهرتها أغمضوا و قلوبهم عنها صرفوا و بالدّار الباقية تولّهوا

ألدّنيا مطلّقة الأكياس

اكيس النّاس من رفض دنياه

إِنَّ أَكْرَمَ [أَكْيَسَ‌] النَّاسِ مَنِ اقْتَنَى الْيَأْسَ وَ لَزِمَ الْقُنُوعَ وَ الْوَرَعَ وَ بَرِئَ مِنَ الْحِرْصِ وَ الطَّمَعِ‌

أفضل النّاس أعلمهم بالرّفق و أكيسهم أصبرهم على الحق

أكيس الأكياس من مقت دنياه و قطع منها أمله و مناه و صرف عنها طمعه و رجاه

أكيس الكيس التّقوى

كفى بالمرء كيسا أن يغلب الهوى و يملك النّهى

كفى بالمرء كيسا أن يقف على معايبه و يقتصد في مطالبه

كفى بالمرء كيسا أن يقتصد في م‌آربه و يحمل في مطالبه(1).

•

عَنْ سُلَيْمَانَ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ‌: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ ع قَالَ يَا سُلَيْمَانُ اتَّقِ فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ فَسَكَتُّ حَتَّى أَصَبْتُ خَلْوَةً فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاك سَمِعْتُك تَقُولُ اتَّقِ فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ يَا سُلَيْمَانُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْمُؤْمِنَ مِنْ نُورِهِ وَ صَبَغَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ وَ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ لَنَا بِالْوَلَايَةِ وَ الْمُؤْمِنُ أَخُ الْمُؤْمِنِ لِأَبِيهِ وَ أُمِّهِ أَبُوهُ النُّورُ وَ أُمُّهُ الرَّحْمَةُ وَ إِنَّمَا يَنْظُرُ بِذَلِك النُّورِ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ‌.(2)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ثُمَّ تَلَا إِنَّ فِي ذلِك لآَياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِين(3).


1) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ج 1 ص 145.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 64 ص 73.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 64 ص 74.

الرّذيلة الثّامنة و العشرون: الاِغترار و الاِنخداع

اشارة

و هي ضدّ الفطنة و الكياسة و هي ملكة يكون صاحبها شديد التّأثّر عن ظواهر الأمور و هي تمنع صاحبها غير الفطن الكيّس عن اختيار الصحيح من الأمرين، لا سيّما إذا اشتبها في البين.

و بعبارةٍ اخرىٰ‌: الغرور هو الخدعة و المتّصف به هو المغرور و المخدوع به، فيُخدع بسهولةٍ‌.

و بهذا المعنى لايخلو انسانٌ عن الغرور، بل خلوّه منه يدلّ على كونه تالياً تلو المعصوم، و هو الأوحدىّ من الناس.

قال اللّٰه تعالى: (إِنَّ وَعْدَ اَللّٰهِ حَقٌّ فَلاٰ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا وَ لاٰ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّٰهِ اَلْغَرُورُ).(1)


1) . لقمان، 33.

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ إِنَّ وَعْدَ اَللّٰهِ حَقٌّ فَلاٰ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا وَ لاٰ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّٰهِ اَلْغَرُورُ)(1)

و قال تعالى: (وَ نٰادىٰ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ أَصْحٰابَ اَلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنٰا مِنَ اَلْمٰاءِ أَوْ مِمّٰا رَزَقَكُمُ اَللّٰهُ قٰالُوا إِنَّ اَللّٰهَ حَرَّمَهُمٰا عَلَى اَلْكٰافِرِينَ * اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَ لَعِباً وَ غَرَّتْهُمُ اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا فَالْيَوْمَ نَنْسٰاهُمْ كَمٰا نَسُوا لِقٰاءَ يَوْمِهِمْ هٰذٰا).(2)

و قال تعالى: (وَ قِيلَ اَلْيَوْمَ نَنْسٰاكُمْ كَمٰا نَسِيتُمْ لِقٰاءَ يَوْمِكُمْ هٰذٰا وَ مَأْوٰاكُمُ اَلنّٰارُ وَ مٰا لَكُمْ مِنْ نٰاصِرِينَ * ذٰلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اِتَّخَذْتُمْ آيٰاتِ اَللّٰهِ هُزُواً وَ غَرَّتْكُمُ اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا فَالْيَوْمَ لاٰ يُخْرَجُونَ مِنْهٰا)(3)

و قال تعالى: (وَ مَا اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا إِلاّٰ مَتٰاعُ اَلْغُرُورِ)(4)

و قال تعالى: (اِعْلَمُوا أَنَّمَا اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفٰاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكٰاثُرٌ فِي اَلْأَمْوٰالِ وَ اَلْأَوْلاٰدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ اَلْكُفّٰارَ نَبٰاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرٰاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطٰاماً وَ فِي اَلْآخِرَةِ عَذٰابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اَللّٰهِ وَ رِضْوٰانٌ وَ مَا اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا إِلاّٰ مَتٰاعُ اَلْغُرُورِ)(5)

فتأمّل في الآيات كيف هدّد المغرور بالمادّيات و المشتهيات النفسانيّة.

فمن يُخدِع هو الغَرور - بالفتح - و من يُخدَع هو المغرور و الحالة هي الغرور -


1) . فاطر، 5.

2) . الاعراف، 51-50.

3) . الجاثية، 35-34.

4) . آل عمران، 185.

5) . الحديد، 20.

بالضّم -.

قال في المفردات: يقال غررت فلاناً اصبت غرّته و نلت منه ما اريده واصل ذلك من الغرّ و هو الاثر الظّاهر من الشّيء، إلى ان قال: فالغرور كلّ ما يغرّ الإنسان من مال و جاه و شهوة و شيطان.

و القرآن الشريف حذّر الإنسان عن هذه الرّذيلة مراراً في آىٍّ كثيرة مع بيان ما يغرّ الإنسان من الدّنيا أو الشيطان أو الهوى حتّى عدّ من جملته الرّحمة العميمة الالهيّة لانّ من غرّ برحمة اللّٰه من غير ان يكون أهلاً لها فهو أشدّ حمقاً ممّن أيس عنها، و هذا قد جعله القرآن الكريم من مصاديق الغرور.

قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ إِنَّ وَعْدَ اَللّٰهِ حَقٌّ فَلاٰ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا وَ لاٰ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّٰهِ اَلْغَرُورُ)(1).

و هذه الرّذيلة بذاتها مقولة بالتشكيك و لها مراتب شدّة و ضعفاً.

إلّا انّ المهمّ انقسامها بحسب متعلّقها بأقسام، كما ان القرآن الكريم اهتمّ بها بهذا الاعتبار:

1 - الغرور بظواهر الحياة، كالجاه و السلطنة و الجمال و ما إليها و كلّ واحدٍ منها لمن يخصّه، فمن الناس من يكون غروراً بالمال، و منهم من يكون بأزيد منه، و هكذا و أشدهم حمقاً من يغرّ بما لا طائل تحته، كالمناصب الدنيويّة و هذه المرتبة تلازم الكبر و العجب و تنافي التّوحيد الصّفاتى.

ثمّ المتّصفون بهذه المرتبة قد هدّدهم القرآن بأن لا مآل لأمرهم إلّاالاستهزاء


1) . فاطر، 5.

بالدين - ذلك بانّكم اتّخذتم آيات اللّٰه هزواً -.

حتّى يجعلون الدين لهواً و لعباً - الّذين اتّخذوا دينهم لهواً و لعباً -.

ثمّ هدّدهم بما هو أشدّ من السابقين إليهما،

قال تعالى: (وَ ذَرِ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً وَ غَرَّتْهُمُ اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا وَ ذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمٰا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهٰا مِنْ دُونِ اَللّٰهِ وَلِيٌّ وَ لاٰ شَفِيعٌ وَ إِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاٰ يُؤْخَذْ مِنْهٰا أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمٰا كَسَبُوا لَهُمْ شَرٰابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ عَذٰابٌ أَلِيمٌ بِمٰا كٰانُوا يَكْفُرُونَ‌)(1)

و قال تعالى: (وَ غَرَّتْهُمُ اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا وَ شَهِدُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كٰانُوا كٰافِرِينَ‌)(2)

حيث إنّ الايتين تدلّ على تجسّم الاعمال و على انّ الإنسان رهين ما اكتسب ان كان خيراً فخيراً وان كان شرّاً فشرّاً فله صورةٌ توافق عمله، و حشره ليس إلّا مصحوباً بتلك الصورة فان كانت الصورة خيراً فهو على صورة الخير و الإنسان الكامل. و ان كانت شرّاً فهو على تلك الصورة فان كانت كلباً فهو كلب و ان كانت خنزيراً فهو عليها و هكذا... فتلك الصّورة شاهدة له شهيدةٌ تكويناً على كونه من اهل الجنّة أو من اهل النّار فصاحب الصورة شاهد لنفسه أو على نفسه والآيتان لمكان قوله تعالى: و ذكر به ان تبسل نفس بما كسبت و قوله تعالى: اولئك الّذين ابسلوا بما كسبوا و قوله تعالى: و شهدوا على انفسهم تدلّان على انّ المغرورين بحيوة الدّنيا يردون النار و يشهد عليهم هويتهم و صورتهم لانّ البسل هو الضّميمة و


1) . الانعام، 70.

2) . الانعام، 130.

الملازمة فلذا يقال للعبوس و كريه الوجه باسل.

قال في المفردات: البسل ضمّ الشىء و منعه و لتضمّنه لمعنى الضمّ استعير لتقطيب الوجه فقيل هو باسل و مبتسل الوجه - يعنى كريه المنظر -.

و قال في المجمع يقال: ابسلته بجريرته أي: اسلمته و المستبسل المستسلم الّذي يعلم انّه لا يقدر على التّخلّص.

و قال في المنجد: بسل بسولاً الرجل عبس من الغضب أو الشّجاعة إلى ان قال:

البسيل الكريه الوجه.

ولو لم ترد مذمةٌ أخرى لهم غير هاتين الآيتين، لكان كافياً في تحذيرهم عن سيرتهم غير المرضيّة الّتي تتمثّل للناس اجمعين في يوم القيامة. و لعلّ اعادة قوله تعالى: الّذين اتّخذوا دينهم لهواً و لعباً في تلك الايات اشارة إلى انّهم يحشرون يوم القيامة على صورة القردة اللاهي اللاعب نعوذ باللّٰه من المزق و الهتر في الدّنيا و الاخرة.

كما انّ قوله تعالى: ليس لها من دون اللّٰه ولىّ و لا شفيع لتهديد عظيم و يدلّ على عدم شمول شفاعة الشّافعين عليهم السلام لهم و ليس لهم إلّاما اكتسبوا بأيديهم من شراب من حميم و من عذاب اليم.

2 - الغرور بالشياطين، جنيّاً كانوا أو إنسيّاً، و لكون تلك المرتبة من أشد مراتب هذه الرذيلة، جعلها اللّٰه سبحانه تلواً للغرور بالدنيا، ثم أمر بالاجتناب عنها في كثيرٍ من آى القرآن الكريم.

قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ إِنَّ وَعْدَ اَللّٰهِ حَقٌّ فَلاٰ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا وَ لاٰ يَغُرَّنَّكُمْ‌

بِاللّٰهِ اَلْغَرُورُ) (1)

و الغرور - بفتح الغين - كلّ ما يغرّ الإنسان و المراد منه في الآية هو الشّيطان انسيّة كانت أو جنيّة و الشيطان يغرّ الإنسان من حيث لايحتسب، بل يخيّل إليه أنّه من الرّشد، لا من الغىّ و الغرور، فيغرّه من وراء سبعين حجابٍ‌. و الكتاب الكريم بما أنّه كتاب هدايةٍ أخبر الناس بذلك.

قال تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلنّٰاسِ * مَلِكِ اَلنّٰاسِ * إِلٰهِ اَلنّٰاسِ * مِنْ شَرِّ اَلْوَسْوٰاسِ اَلْخَنّٰاسِ * اَلَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ اَلنّٰاسِ * مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنّٰاسِ‌)(2)

و قال تعالى: (وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيٰاطِينَ اَلْإِنْسِ وَ اَلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ اَلْقَوْلِ غُرُوراً وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ مٰا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ مٰا يَفْتَرُونَ * وَ لِتَصْغىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ لِيَرْضَوْهُ وَ لِيَقْتَرِفُوا مٰا هُمْ مُقْتَرِفُونَ‌)(3)

و كلمة الخنّاس و الوحى بمعنى - و هو على ما يختلج في الصدر - الالقاء في حجاب و هذا الحجاب هو زخرف القول أى قولٌ لا واقع له لكنّه حُشى بظواهر يقبلها الخيال، فيخيّله إلى العقل، فيقع في شبكة الشيطان، فيغرّ من لا ناصر له من اللّٰه تعالى، و لا طريق إلى الخلاص منه إلّابالنصر الالهى.

قال تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطٰانٌ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمٰا


1) . لقمان، 33.

2) . النّاس، 17.

3) . الانعام، 113-112.

سُلْطٰانُهُ عَلَى اَلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ‌) (1)

و قال تعالى: (وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ اَلرَّحْمٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطٰاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ‌)(2)

و الذكر الحكيم ذكر في جملةٍ من آياته كيفيّة اغترار الابليس الإنسان حيث إنّ منهم من يوحى إلى آخر، حتّى يلقاه في صدر الانسان، و ايحاء الشيطان و القاء الوساوس في صدر الإنسان ليس بغريبٍ‌، انّما الغريب ايحاء بعض الناس في عصرنا بعض الوساوس في صدر اللعين حيث انّهم يفعلون ما لا يتخيّله الشيطان!.

قال تعالى: (وَ إِنَّ اَلشَّيٰاطِينَ لَيُوحُونَ إِلىٰ أَوْلِيٰائِهِمْ‌)(3)

و قال تعالى: (وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيٰاطِينَ اَلْإِنْسِ وَ اَلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ اَلْقَوْلِ غُرُوراً)(4)

و للايجاء و الالغاء طرق مختلفة، ذُكر بعضها في القرآن:

قال تعالى: (لَعَنَهُ اَللّٰهُ وَ قٰالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبٰادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً * وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذٰانَ اَلْأَنْعٰامِ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللّٰهِ وَ مَنْ يَتَّخِذِ اَلشَّيْطٰانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اَللّٰهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرٰاناً مُبِيناً * يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَ مٰا يَعِدُهُمُ اَلشَّيْطٰانُ إِلاّٰ غُرُوراً * أُولٰئِكَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ وَ لاٰ يَجِدُونَ عَنْهٰا مَحِيصاً)(5)

فهذه الايات تدلّ على انّ غرور الشّيطان يؤدّى بالغرور إلى الاضلال ثم


1) . النّحل، 100-99.

2) . الزخرف، 36.

3) . الانعام، 121.

4) . الانعام، 112.

5) . النساء، 118-121.

السقوط في بحر الامانيات فلا محالة يوجب ستر الفطرة، بل كسر هذا الدر اليتيم، و ينجرّ إلى الخسران المبين في الدّنيا و الاخرة.

و قال تعالى: (قٰالَ فَبِمٰا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمٰانِهِمْ وَ عَنْ شَمٰائِلِهِمْ وَ لاٰ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شٰاكِرِينَ‌)(1)

روى في البرهان مذيّلاً على هذه الكريمة عن أبي جعفر عليه السلام: «مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ‌:

أهون عليهم أمر الآخرة وَ مِنْ خَلْفِهِمْ آمرهم بجمع الأموال و منعها عن الحقوق لتبقى لورثتهم وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ أفسد عليهم أمر دينهم، بتزيين الضلالة، و تحسين الشبهة وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ‌: بتحبيب اللذات إليهم، و تغليب الشهوات على قلوبهم».(2)

و قال تعالى: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلىٰ يَوْمِ اَلْقِيٰامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّٰ قَلِيلاً * قٰالَ اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزٰاؤُكُمْ جَزٰاءً مَوْفُوراً * وَ اِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ وَ شٰارِكْهُمْ فِي اَلْأَمْوٰالِ وَ اَلْأَوْلاٰدِ وَ عِدْهُمْ وَ مٰا يَعِدُهُمُ اَلشَّيْطٰانُ إِلاّٰ غُرُوراً * إِنَّ عِبٰادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطٰانٌ وَ كَفىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً)(3).

و في الايات الشريفة تنبيه خاصٌّ على ان الشّيطان و اعوانه الجنيّة و الانسيّة كانّهم خلقوا و امروا باغواء الناس بطرق مختلفة - و الظّاهر انّ الأوامر في هذه الايات أوامر تكوينيّة بمعنى انّ ذاتهم و جبلّتهم جُبّلت على الاغواء بصور مختلفة - كالأصوات اللافتة للنظر نظير الغناء و آلات اللّهو و كاعلاماتهم الفاسدة المعنى


1) . الاعراف، 16-17.

2) . راجع: البرهان، ذيل الآية الشريفة.

3) . الاسراء، 62 إلى 65.

البهيّة المنظر المتزيّنة بشعائر الدين حتّى يجلب بها من لا رسوخ للشريعة في قلبه، فينحرف تارة بما يُفشى من الأنوثيّة، أو بما يُكتب ببعض الأقلام المتّسمة بأقلام العلماء و أهل المعرفة و ما إلى ذلك من الوساوس الابليسيّة.

و من أقوى مصائد الشيطان في عصرنا هذا، اغوائه الناس بجمع الأمور خلطاً بين الحلال و الحرام، و له طرق كبناء الرِّجزات الدوليّة أو شركات المحاصَّة و لا سيّما في الدول الثريَّة بالذخائر الأرضيّة و كاقواء الناس باستجلاب قلوبهم إلى الجنس، و مآل هذا ليس إلّاإلى إهلاك الحرث و النسل.

و قال اللّٰه تعالى: (وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ يُشْهِدُ اَللّٰهَ عَلىٰ مٰا فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ اَلْخِصٰامِ * وَ إِذٰا تَوَلّٰى سَعىٰ فِي اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهٰا وَ يُهْلِكَ اَلْحَرْثَ وَ اَلنَّسْلَ وَ اَللّٰهُ لاٰ يُحِبُّ اَلْفَسٰادَ * وَ إِذٰا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اَللّٰهَ أَخَذَتْهُ اَلْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ اَلْمِهٰادُ)(1).

و من أهمّ طرقه الغاء الوسوسة في صدور الشباب منهم بأنّ الانكفاف عن مبانى الدين القويمة يُعدّ من حرية الفكر و التَّثقّف حيث لا ملائمة بين العلم و الدين و لا سيّما في العصر الحالى و هذه الوسوسة و إن كانت موجودةً من قديم الزمن و لكنّها الآن صارت أشدّ ممّا كانت عليه.

و الذكر الحكيم خير شاهد على استمرار تلك الوساوس طيلة الدهر بين وساوس الأبالسة الجنّية و الانسيّة.

3 - و من خدائع اللعين، اغراء الناس بالخليل السوء، و قد اهتمّ به القرآن


1) . البقرة، 204 إلى 206.

الكريم حيث أنزل فيه سورة كاملة، و على الكلّ و لا سيّما على الشباب المسلم أن يتعوّذوا من مكره صباحاً و مساءً بقراءة هذا السورة المباركة.

قال تعالى: (سورة الفلق بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مٰا خَلَقَ * وَ مِنْ شَرِّ غٰاسِقٍ إِذٰا وَقَبَ * وَ مِنْ شَرِّ اَلنَّفّٰاثٰاتِ فِي اَلْعُقَدِ * وَ مِنْ شَرِّ حٰاسِدٍ إِذٰا حَسَدَ)(1)

و لا ريب في أنّ القدر المتيقّن من شرّ ما خلق، هو شرّ الخليل السوء، و منهم الخُدَنة، فيشيعون في الناس رذائلهم الخُلقية كالميل إلى الجنس من غير باعثٍ من الشرع و لذا فُسّر قوله تعالى من شرّ غاسقٍ إذا وقب بثوران الغريزة الجنسيّة لأنّ ثورانها و تحرّكها ليس إلّاكظلمةٍ شديدةٍ أحاطت بصاحبها.

و القدر المتيقّن من قوله و من شرّ النفّاثات في العقد هو شرّ النّفوس الخبيثة من الشياطين الانسيّة إذا وسوسن و نفثن في الرّوع بالتّخيلات الواهية و التّحريكات المفسدة فلو فسّرت بالنّساء السّاحرات فهو من باب المثال و إلّافلا خصوصيّة للنّساء و لا خصوصيّة لسحرهنّ و نفثهنّ في العقد بل يمكن تعميمها لغيرهنّ‌.

و القدر المتيقّن من قوله تعالى: و من شرّ حاسد إذا حسد، هو شرّ حسد الخليل السّوء.

فلا ريب في انّ السورة بعمومها تدلّ على المقصود.

و قال تعالى: (بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ * قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلنّٰاسِ * مَلِكِ اَلنّٰاسِ * إِلٰهِ اَلنّٰاسِ * مِنْ شَرِّ اَلْوَسْوٰاسِ اَلْخَنّٰاسِ * اَلَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ اَلنّٰاسِ * مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ


1) . الفلق، 1 إلى 6.

اَلنّٰاسِ‌) (1)

و هذه السّورة من غير تكلّف تدلّ على وجوب الاستعاذة من وسوسة الخليل السّوء سيّما الخنّاس منه الّذي يعلم كيفيّة النفذ و الثقب في القلوب كما ينفذ الماء تحت التّبن.

فعلى الناس و لا سيّما على الشباب منهم أن يجتنبوا من تلكم الأخلّاء قبل أن يأتى لهم يوماً يندمون فيها على عمرهم و قوّة شبابهم.

قال تعالى: (وَ يَوْمَ يَعَضُّ اَلظّٰالِمُ عَلىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يٰا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ اَلرَّسُولِ سَبِيلاً * يٰا وَيْلَتىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاٰناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ اَلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جٰاءَنِي وَ كٰانَ اَلشَّيْطٰانُ لِلْإِنْسٰانِ خَذُولاً * وَ قٰالَ اَلرَّسُولُ يٰا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هٰذَا اَلْقُرْآنَ مَهْجُوراً)(2)

و قال تعالى: (كُلَّمٰا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهٰا حَتّٰى إِذَا اِدّٰارَكُوا فِيهٰا جَمِيعاً قٰالَتْ أُخْرٰاهُمْ لِأُولاٰهُمْ رَبَّنٰا هٰؤُلاٰءِ أَضَلُّونٰا فَآتِهِمْ عَذٰاباً ضِعْفاً مِنَ اَلنّٰارِ)(3)

و قال تعالى: (وَ قٰالُوا رَبَّنٰا إِنّٰا أَطَعْنٰا سٰادَتَنٰا وَ كُبَرٰاءَنٰا فَأَضَلُّونَا اَلسَّبِيلاَ * رَبَّنٰا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ اَلْعَذٰابِ وَ اِلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً)(4)

و قال تعالى: (وَ إِذٰا أَرَدْنٰا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنٰا مُتْرَفِيهٰا فَفَسَقُوا فِيهٰا فَحَقَّ عَلَيْهَا


1) . النّاس، 17.

2) . الفرقان، 27 إلى 30.

3) . الاعراف، 38.

4) . الأحزاب، 68-67.

اَلْقَوْلُ فَدَمَّرْنٰاهٰا تَدْمِيراً) (1)

و قال تعالى: (وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ اَلرَّحْمٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطٰاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ اَلسَّبِيلِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتّٰى إِذٰا جٰاءَنٰا قٰالَ يٰا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ اَلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ اَلْقَرِينُ * وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ اَلْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي اَلْعَذٰابِ مُشْتَرِكُونَ‌)(2).

4 - الإغراء باللّٰه تعالى و برحمته و فضله، حيث إنّ الشيطان يغرّ الإنسان بأنّ رحمة اللّٰه واسعةٌ فافعل ما شئت و لا تخف منه! و القرآن الكريم حذّر الناس من ذلك حيث كرّر ذكره تنبيهاً لهم عليه،

قال تعالى: (إِنَّ وَعْدَ اَللّٰهِ حَقٌّ فَلاٰ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا وَ لاٰ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّٰهِ اَلْغَرُورُ)(3)

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ إِنَّ وَعْدَ اَللّٰهِ حَقٌّ فَلاٰ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا وَ لاٰ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّٰهِ اَلْغَرُورُ)(4)

يظهر من الايتين انّ من حيل الشيطان اغرائه عباداللّٰه تعالى برحمته و مغفرته فهم مغمرون في المعاصى الكبيرة بينما يرجون رحمته تعالى و ليس هذا برجاء بل حمق يحمّله الشياطين الانسيّة و الجنيّة على بعض النّاس عامّيهم و غافليهم.


1) . الاسراء، 16.

2) . الزخرف، 36 إلى 39.

3) . لقمان، 33.

4) . فاطر، 5.

توضيح ذلك: انّ الرّجاء على قسمين، قسم هو من النّعم الالهيّة و الكمال كلّ الكمال رهين هذا القسم و هو انّ الرّاجى كالزّارع الّذي يزرع و يرجو من اللّٰه تعالى البركة و الرّحمة لانّ الزّارع هو اللّٰه و لسنا إلّاالحارث.

قال تعالى: (أَ فَرَأَيْتُمْ مٰا تَحْرُثُونَ * أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلزّٰارِعُونَ * لَوْ نَشٰاءُ لَجَعَلْنٰاهُ حُطٰاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ‌)(1)

و هذا القسم من الرّجاء يلازم الخوف كما قاله الرّاغب في المفردات.(2)

قال تعالى: (تَتَجٰافىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ اَلْمَضٰاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌)(3).

و هذا القسم ضدّ اليأس فمن تزيّن به لايكون آئساً عن ابتغاء نعم اللّٰه تعالى و فضله فهو من افضل النّعم و لولاه لما وجد كمال و لا خير كما انّ ما يضادّه و هو اليأس يعدّ من النّقم الالهية الموجبة لشرّ الدّنيا و الآخرة و يمنع الإنسان من كلّ خير و القرآن الكريم ذكره، ثمّ نبّه الإنسان على أنَّه لا يليق إلّابالكافر، فلا ينبغى للمؤمن أن يتّصف به.

قال تعالى: (وَ لاٰ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اَللّٰهِ إِنَّهُ لاٰ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللّٰهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكٰافِرُونَ‌)(4)


1) . الواقعة، 63 إلى 65.

2) . راجع: المفردات، ص 195.

3) . السّجدة، 16-17.

4) . يوسف، 87.

و القسم الثانى ما أشرنا إليه آنفاً من أنّه رجاء الحمقاء لا رجاء الرّاجين، كمن لايزرع و لا يقوم بما يجب على الزّارع، بينما يرجو أن يحصد من الأرض أفضل أقسام الّثمار.

و من المؤسف عليه أنّ الناس لم يتنبّهوا بما تنبّههم به القرآن، و أكّد عليه ما روى عن المعصومين عليهم السلام، فمنهم من اغترّ به، و ما هم بنذير، بل كثيرٌ منهم ابتلوا بهذه الرذيلة، فلازمهم البطالة و الفشل، و لا مآل لهم إلّاالخسران في الأولى و الندامة في الأخرى.

قال تعالى: (يَوْمَ تَرَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ يَسْعىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمٰانِهِمْ بُشْرٰاكُمُ اَلْيَوْمَ جَنّٰاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا ذٰلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ اَلْمُنٰافِقُونَ وَ اَلْمُنٰافِقٰاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونٰا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ اِرْجِعُوا وَرٰاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بٰابٌ بٰاطِنُهُ فِيهِ اَلرَّحْمَةُ وَ ظٰاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ اَلْعَذٰابُ * يُنٰادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قٰالُوا بَلىٰ وَ لٰكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ اِرْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ اَلْأَمٰانِيُّ حَتّٰى جٰاءَ أَمْرُ اَللّٰهِ وَ غَرَّكُمْ بِاللّٰهِ اَلْغَرُورُ)(1)

و لو لم يرد شىءٌ في التحذير عن هذه الرذيلة إلّاهذه الآيات المباركات، لكانت وافيةً للناس لأن لايبتلوا بهذه الرذيلة و لايخدعوا بهذه الخديعة. و واللّٰه انّه يليق أن يرتعد الجلود ممّا جاء في هذه الآيات، خوفاً من الابليس و اشفاقاً على النفس.

5 - الغرور بالآمال و الا مانىّ‌، و هذا الغرور أيضاً قد اهتمّ به القرآن و المراد منهما هو رجاء الحمقاء الّذي مضى آنفاً معناه لانّ الامل لغة هو الرّجاء و المنىٰ لغة


1) . الحديد، 12 إلى 14.

التقدير فان وقعا في محلّهما و هو تقدير العاقل عاقبة العمل مع التأمّل فهو من النّعم و السّعادة رهينةٌ لهما و قد أكّد الوحى و ما صدر عن المعصومين عليهم السلام على ذلك بل ليس الاسلام إلّادين التدبّر و التّقدير و يظهر من غير واحد من الايات انّ القرآن نزّل للتّدبير و التّدبّر و التّعقّل و التّقدير و التأمّل.

و قال تعالى: (كِتٰابٌ أَنْزَلْنٰاهُ إِلَيْكَ مُبٰارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيٰاتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ‌)(1)

و قال اللّٰه تعالى: (فَبَشِّرْ عِبٰادِ * اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ هَدٰاهُمُ اَللّٰهُ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ‌)(2)

بل القرآن جعل شرّ الدّواب الّذين لا يتفكّرون و لا يتأمّلون في عواقب الأمور و لاتقدير لهم فيما يقومون به،

قال تعالى: (إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْقِلُونَ‌)(3)

و امّا ان وقعا في غير محلّهما بحيث يُقدّر الأمور بالظّن و يطلب الشّيء من غير الاجتهاد في تحصيله، فهو رذيلةٌ‌، و لاسبب لها إلّااغترار الابليس الانسىّ و الجنى. و من اللافت للنظر المؤسّف عليه أنّ أمانى الناس و ما يرجونه يُعدّ من هذا القسم، و لذلك ترى أنّ القرآن الكريم لايستعمل لفظه الأمانى و ما يشتقّ منها إلّاو يريد بها هذا المعنى، و هكذا روايات المعصومين، و يشهد له سبر المادّة فيهما و تدقيق النظر


1) . ص، 29.

2) . الزّمر، 18-17.

3) . الانفال، 22.

فيها.

قال في المفردات في ذيل لغة منىٰ‌: الّتمنى تقدير شيء في النّفس و تصويره فيها و ذلك قد يكون عن تخمين و ظنّ و قد يكون عن رويّة و بناء على اصل لكن لمّا كان اكثره عن تخمين صار الكذب له املك فاكثر الّتمنى تصوّر ما لا حقيقة له.(1)

و قد وردت من منبعى النبوّة و الولاية ما يدلّ على مذامّ تلك الرّذيلة منها قوله صلى الله عليه و آله: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَلِ أَمَّا الْهَوَى فَإِنَّهُ يَصُدُّ عَنِ الْحَقِ وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الآْخِرَةَ‌».(2)

و امّا القرآن فيحذّر عن المنيّة و الامل مؤكّداً على تحذيره،

قال اللّٰه تعالى: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ اَلْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‌)(3)

و قال تعالى: (وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذٰانَ اَلْأَنْعٰامِ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللّٰهِ‌)(4)

قال تعالى: (يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَ مٰا يَعِدُهُمُ اَلشَّيْطٰانُ إِلاّٰ غُرُوراً)(5)

و قال تعالى: (وَ لٰكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ اِرْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ اَلْأَمٰانِيُّ حَتّٰى جٰاءَ أَمْرُ اَللّٰهِ وَ غَرَّكُمْ بِاللّٰهِ اَلْغَرُورُ)(6)


1) . راجع: المفردات، ص 496.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 119.

3) . الحجر، 3.

4) . النساء، 119.

5) . النّساء، 120.

6) . الحديد، 14.

6 - اغترار الابليس الشَّباب فيمدّهم إلى الفسق و الفجور. و لهذا قد عُبِّر عن الشبيبة و الصباء بالجنون أو الفسق و الفجور.

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «الشَّبَابَ شُعْبَةٌ مِنَ الْجُنُونِ‌».(1).

و قال الصادق عليه السلام: «تَظُنُّونَ أَنَّ الْفُتُوَّةَ بِالْفِسْقِ وَ الْفُجُورِ كَلَّا الْفُتُوَّةُ وَ الْمُرُوَّةُ طَعَامٌ مَوْضُوعٌ وَ نَائِلٌ مَبْذُولٌ وَ اصْطِنَاعُ الْمَعْرُوفِ وَ أَذًى مَكْفُوفٌ فَأَمَّا تِلْك فَشَطَارَةٌ وَ فِسْقٌ‌».(2)

و السّرّ في ذلك: استيلاء المشاعر و العواطف و المشتهيات و الأمانى على الشباب، و ذلك لقوّتهم الجسدانيّة من ناحيةٍ‌، و ضعف عقولهم من ناحيةٍ أخرى فكأنّهم في بحرٍ لجىٍّ لاخيار لهم فيه، فكأنّهم و المجانين سيّان!. هذا مع ما لهذا المنزل من العمر من الفضائل الجمّة، بحيث لايستعمل لفظة الفتى في ألسن الوحى و المعصومين إلّاعلى المتّصف بالمحامد و المكارم الخُلقيّة.

قال اللّٰه تعالى: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْنٰاهُمْ هُدىً‌)(3)

و قال الصادق عليه السلام في رواية: «أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ كَانُوا كُلُّهُمْ كُهُولًا فَسَمَّاهُمُ اللَّهُ فِتْيَةً بِإِيمَانِهِمْ‌».(4)

و قال تعالى: (وَ لاٰ تُكْرِهُوا فَتَيٰاتِكُمْ عَلَى اَلْبِغٰاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً)(5)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 21 ص 211.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 73 ص 311.

3) . الكهف، 13.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 14 ص 428.

5) . النّور، 33.

و الظّاهر انّ الاطلاق لمكان تحصنهنّ الّتي هي من أرقى الفضائل. و نظير هاتين الايتين في القرآن الكريم كثير.

و السّر في ذلك: أنّ صفاء القلب و قوّة نور المعرفة في الشباب اكثر من المعمّر المتقدّم في العمر، أضف إلى ذلك قدرته على مخالفة النّفس و المباراة معها فحينئذٍ ان اجتمع له مربّيان يربّيانه من باطنه و من خارجه فيصل إلى ما لا يصل إليه الطاعن في السّن، امّا من الباطن فيربّيه عقله و وجدانه و ضميره، و نعم المربّى لو انضّم إليه النُّصح و المشورة امّا من الخارج فيربّيه أبواه، و مجتمعه و بيعته، و الحكم، و علماء الدين و رجاله، ثمّ لو كان في قلبه ايمانٌ رسخ في زواياه، فأعان ذلكي المربّيين الداخلى و الخارجى، فطوبى له و حسن مآب فعلى الشباب بتقوية ايمانهم باختلافهم إلى رجال الدين الصلحاء، ليصلوا إلى ما جُبّل في طبعهم و طينتهم من المكارم و المحامد.

فايّاك أيها الشّاب ثمّ ايّاك ثمّ ايّاك من التنفّر و التّباعد من ذلكم الرجال الصالحين لانّك حينئذٍ تكون طعمة للشياطين الانسيّة و الجنيّة فيطمعون فيك كما يطمع البازىّ في فريسته.

و على من يقوم بتربية الجيل الشابّ من الوالدين و المعلّم و الحكم و رجال الدين و المجتمع أن يرغبوهم إلى الحضور في المساجد و تحت المنابر و المراودة مع العلماء.

و الخبرة دلّت على انّ هذا الجيل لو كان مرتبطاً متّصلاً بأعلام الشريعة من الوعّاظ و المساجد و المنابر، فلا سبيل للأبالسة إلى أنّ يصيدوه.

قال على عليه السلام: «فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ على [مَعَ‌] الْجَمَاعَةِ وَ إِيَّاكُمْ وَ الْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ كَمَا أَنَّ الشَّاذَّةَ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ‌».(1)

7 - غرور الملاء، و الملاء اشراف القوم و يقال لهم الملاء امّا لكونهم يملئون عيون النّاس لشرفهم و رتبتهم العليا عندهم و امّا لكونهم يملاءون قلوب الناس بالمال و القدرة و الرّياسة و الجمال و العشيرة و نحوها.

و اكثر استعماله في القرآن في اشراف القوم المغرورين بالعلم و المال و الوجاهة و الرّئاسة و نحوها حيث إنّ اللفظة توجد في الكتاب الكريم ما يربوا على ثلاثين مورداً، و المراد منها فيه الّذين يصدون سبيل الحقّ و يمنعون النّاس عن الاقبال إلى اللّٰه تعالى.

و المفهوم منه أنّ هؤلاء المغترّين المعجبين بأنفسهم لما لهم من المكنة و الجاه، صدوا عن سبيل الأنبياء، بل اتّهموهم بما لايليق بهم و هو الجنون و السَّفه؛ و ما ذلك إلّا لأنّ العلم و الجاه يتبعهما الكبر في غالب الأحيان، إلّامن عصمه اللّٰه عن هذا الزلل، اَلا ترى ان العلم لو لم يقترن بالمعرفة و بالتقوى، كيف يصير حجاباً يغطّى ستراً على النفّس يمنعها عن كمالها الخاصّ بها، فهو الحجاب الاكبر.

و لعلّ كثرة استعماله في اشراف السّوء لانّ العلم و الوجاهة غالباً يغرّان الإنسان و يوجبان التكبّر و العجب و الاستكبار إلّامن حفظه اللّٰه تعالى.

الا ترى انّ العلم بدون التّقوى كيف يكون حجاباً للانسان بل انّه حجاب اكبر فكذلك انّه صدّ لترقّى الجامعة بل يترائى ان من يكون في ذىّ اهل العلم و ليس له


1) . راجع: البحار، ج 33 ص 373.

نصيب من العلم مع علمه بانّه لا يعلم شيئاً انّه في كمال التّكبر و العجب و يغرّه ذىّ الرّوحانيّة إذا لم‌يكن من اهل التّقوى.

الا ترى انّ من فاز برئاسةٍ من غير أن يكون متحلّياً بحلى التقوى كيف يتعزز للنّاس مع كونه متذلّلاً عن من هو فوقه، و كيف يغترّ بمنصبه مع ان هذا المنصب ليس عند الناس إلّامن الأضحوكات‌؟ و بالجملة: هذا الغرور اشدّ ضلالة و ارذل من جميع تلك الاقسام. فقل: اعوذ باللّٰه من الغرور سيّما ما يختصّ منه بالملأ.

8 - الاغترار بالتّقوى، و هذا الاغترار يلازم الكبر، و هو يلازم العجب، و هلمّ جرّا حتّى يصل إلى ما لايدرك قبحه إلّااللّٰه تعالى. و من مفاسد هذا الغرور، ضعف المتّصف به، و سقوطه فيما يخاف منه، و هذا من آثاره الوضعيّة الّتي لاتنفك عنه.

قال تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللّٰهُ فِي مَوٰاطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضٰاقَتْ عَلَيْكُمُ اَلْأَرْضُ بِمٰا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ‌)(1)

و تدبّر فيما صدر عن صاحب الولاية الالهيّة الكبرىٰ حتّى تعرف انّ بالعجب يصير العابد فاسقاً و بالندم و الاقرار بالتقصير يصير الفاسق صدّيقاً، هذا لعجبه يسقط، و هذا لندمه يعلو و يرتقى!. قال الصادق عليه السلام: «دَخَلَ رَجُلَانِ الْمَسْجِدَ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَ الآْخَرُ فَاسِقٌ فَخَرَجَا مِنَ الْمَسْجِدِ وَ الْفَاسِقُ صِدِّيقٌ وَ الْعَابِدُ فَاسِقٌ وَ ذَلِك أَنَّهُ يَدْخُلُ الْعَابِدُ الْمَسْجِدَ مُدِلًّا بِعِبَادَتِهِ يُدِلُ بِهَا فَتَكُونُ فِكْرَتُهُ فِي ذَلِك وَ تَكُونُ فِكْرَةُ الْفَاسِقِ فِي التَّنَدُّمِ عَلَى فِسْقِهِ وَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مِمَّا صَنَعَ مِنَ‌الذُّنُوبِ‌».(2)


1) . التّوبة، 25.

2) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 1 ص 76.

رواياتٌ في الغرور

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: يَا أَبَا النُّعْمَانِ لَا يَغُرَّنَّك النَّاسُ مِنْ نَفْسِك فَإِنَّ الْأَمْرَ يَصِلُ إِلَيْك دُونَهُمْ وَ لَا تَقْطَعْ نَهَارَك بِكَذَا وَ كَذَا فَإِنَّ مَعَك مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْك عَمَلَك وَ أَحْسِنْ فَإِنِّي لَمْ أَرَ شَيْئاً أَحْسَنَ دَرَكاً وَ لَا أَسْرَعَ طَلَباً مِنْ حَسَنَةٍ مُحْدَثَةٍ لِذَنْبٍ قَدِيمٍ‌.(1)

•

أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: كَمْ مِنْ مَغْرُورٍ بِمَا قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِسَتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ كَمْ مِنْ مَفْتُونٍ بِثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ‌.(2)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: لَا تَغْتَرُّوا بِصَلَاتِهِمْ وَ لَا بِصِيَامِهِمْ فَإِنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا لَهِجَ بِالصَّلَاةِ وَ الصَّوْمِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ اسْتَوْحَشَ وَ لَكِنِ اخْتَبِرُوهُمْ عِنْدَ صِدْقِ الْحَدِيثِ وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ‌.(3)

•

عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا يَغُرَّنَّكُمْ رَحْبُ الذِّرَاعَيْنِ بِالدَّمِ فَإِنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَاتِلًا لَا يَمُوتُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا قَاتِلٌ لَا يَمُوتُ فَقَالَ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 454.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 452.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 104.

النَّارُ.(1)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام في وصيته لابنه محمّد بن الحنفية رضى اللّٰه عنه:... وَ كُلٌّ مَقْرُونٌ بِهِ الْفَنَاءُ الْيَوْمُ لَك وَ أَنْتَ مِنْ بُلُوغِ غَدٍ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ وَ لَرُبَّ مُسْتَقْبِلٍ يَوْماً لَيْسَ بِمُسْتَدْبِرِهِ وَ مَغْبُوطٍ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ قَامَ فِي آخِرِهَا بَوَاكِيهِ فَلَا يَغُرَّنَّكَمِنَ اللَّهِ طُولُ حُلُولِ النِّعَمِ وَ إِبْطَاءُ مَوَارِدِ النِّقَمِفَإِنَّهُ لَوْ خَشِيَ الْفَوْتَ عَاجَلَ بِالْعُقُوبَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ‌.(2)

•

عن أبي جعفر عليه السلام قال: لَا تَذْهَبْ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ فَوَ اللَّهِ مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ‌.(3)

•

عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال لى: يَا جَابِرُ أَ يَكْتَفِي مَنِ انْتَحَلَ التَّشَيُّعَ أَنْ يَقُولَ بِحُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَوَ اللَّهِ مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَ أَطَاعَهُ وَ مَا كَانُوا يُعْرَفُونَ يَا جَابِرُ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ وَ التَّخَشُّعِ وَ الْأَمَانَةِ وَ كَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ وَ الصَّوْمِ وَ الصَّلَاةِ وَ الْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ وَ التَّعَاهُدِ لِلْجِيرَانِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَ أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَ الْغَارِمِينَ وَ الْأَيْتَامِ وَ صِدْقِ الْحَدِيثِ وَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَ كَفِّ الْأَلْسُنِ عَنِ النَّاسِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ وَ كَانُوا أُمَنَاءَ عَشَائِرِهِمْ فِي الْأَشْيَاءِ قَالَ جَابِرٌ فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا نَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَداً بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَقَالَ يَا جَابِرُ لَا تَذْهَبَنَّ بِك الْمَذَاهِبُ حَسْبُ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ أُحِبُّ عَلِيّاً وَ أَتَوَلَّاهُ ثُمَّ لَا يَكُونَ مَعَ ذَلِك فَعَّالًا فَلَوْ قَالَ إِنِّي أُحِبُّ رَسُولَ اللَّهِ - فَرَسُولُ اللَّهِ ص خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ ع ثُمَّ لَا يَتَّبِعُ سِيرَتَهُ وَ لَا يَعْمَلُ بِسُنَّتِهِ مَا نَفَعَهُ حُبُّهُ إِيَّاهُ شَيْئاً فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْمَلُوا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَ


1) . راجع: الكافي، ج 7 ص 272.

2) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 4 ص 284.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 73.

بَيْنَ أَحَدٍ قَرَابَةٌ أَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَكْرَمُهُمْ عَلَيْهِ أَتْقَاهُمْ وَ أَعْمَلُهُمْ بِطَاعَتِهِ يَا جَابِرُ وَ اللَّهِ مَا يُتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ تَبَارَك وَ تَعَالَى إِلَّا بِالطَّاعَةِ وَ مَا مَعَنَا بَرَاءَةٌ مِنَ‌النَّارِ وَ لَا عَلَى اللَّهِ لِأَحَدٍ مِنْ حُجَّةٍ مَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعاً فَهُوَ لَنَا وَلِيٌّ وَ مَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِياً فَهُوَ لَنَا عَدُوٌّ وَ مَا تُنَالُ وَلَايَتُنَا إِلَّا بِالْعَمَلِ وَ الْوَرَعِ‌.(1)

•

عن أبي جعفر عليه السلام قال: يَا مَعْشَرَ الشِّيعَةِ شِيعَةِ آلِ مُحَمَّدٍ كُونُوا النُّمْرُقَةَ الْوُسْطَى يَرْجِعُ إِلَيْكُمُ الْغَالِي وَ يَلْحَقُ بِكُمُ التَّالِي فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَعْدٌ جُعِلْتُ فِدَاك مَا الْغَالِي قَالَ قَوْمٌ يَقُولُونَ فِينَا مَا لَا نَقُولُهُ فِي أَنْفُسِنَا فَلَيْسَ أُولَئِك مِنَّا وَ لَسْنَا مِنْهُمْ قَالَ فَمَا التَّالِي قَالَ الْمُرْتَادُ يُرِيدُ الْخَيْرَ يُبَلِّغُهُ الْخَيْرَ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا مَعَنَا مِنَ اللَّهِ بَرَاءَةٌ وَ لَا بَيْنَنَا وَ بَيْنَ اللَّهِ قَرَابَةٌ وَ لَا لَنَا عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ وَ لَا نَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا بِالطَّاعَةِ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُطِيعاً لِلَّهِ تَنْفَعُهُ وَلَايَتُنَا وَ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ عَاصِياً لِلَّهِ لَمْ تَنْفَعْهُ وَلَايَتُنَا وَيْحَكُمْ لَا تَغْتَرُّوا وَيْحَكُمْ لَا تَغْتَرُّوا.(2)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام في غرر الحكم:

الف: طوبى لمن لم تقتله قاتلات الغرور.

ب: سكر الغفلة و الغرور ابعد افاقة من سكر الخمور.

ج: غرور الامل يفسد العمل.

د: غرور الجهال بمحالات الباطل.

ه: غرور الغنىٰ يوجب الاشر.


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 74.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 75.

و: كفى بالاغترار جهلاً.

ز: احمق الحمق الاغترار.

ح: لا يلقى العاقل مغروراً.

ط: جماع الشّرّ في الاغترار بالمهل و الاتكال على العمل.

ى: جماع الغرور في الاستنامة إلى العدوّ.

يا: لم يفكّر في عواقب الامور، من وثق بزور الغرور، و صبا إلى زور السّرور.

يب: من اغترّ بالمهل، اغتصّ بالاجل.

يج: من اغترّ بمسالة الزّمن، اغتصّ بمصادمة المحن.

يد: من غرّه السّراب، تقطّعت به الاسباب.

يه: كفى بالمرء غروراً ان يثق بكلّ ما تسوّل له.

يو: الحذر، الحذر ايّها المغرور فواللّٰه لقد ستر حتّى كانّه قد غفر.

يز: اتّقوا غرور الدّنيا فانّها تسترجع ابداً ما خدعت به من المحاسن، و تزعج المطمئنّ اليها و القاطن.

يح: الاغترار بالعاجلة خرق.

يط: الدّنيا حلم و الاغترار بها ندم.

ك: سكون النّفس إلى الدّنيا من اعظم الغرور.

كا: من اغترّ بالدّنيا اغترّ بالمنى.

كب: لا يغرنّك العاجلة بزور الملاهى، فانّ اللّهو ينقطع و يلزمك ما اكتسبت من المآثم.

كج: لا يغرنّك ما اصبح فيه اهل الغرور بالدّنيا فانّما هو ظلّ ممدود إلى اجل محدود.

كد: من جهل اغترّ بنفسه و كان يومه شرّاً من امسه.

كه: من اغترّ بنفسه اسلمته إلى المعاطب.

كو: الشّقى من اغترّ بحاله و انخدع بغرور آماله.

كز: من اغترّ بحاله قصر عن احتياله.(1)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام عند تلاوته (يٰا أَيُّهَا اَلْإِنْسٰانُ مٰا غَرَّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِيمِ‌ :...) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا جَرَّأَك عَلَى ذَنْبِك وَ مَا غَرَّك بِرَبِّك وَ مَا أَنَّسَك بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ‌.(2)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام و قد مرّ بقتلى الخوارج يوم النّهروان: بُؤْساً لَكُمْ لَقَدْ ضَرَّكُمْ مَنْ غَرَّكُمْ فَقِيلَ لَهُ مَنْ غَرَّهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ الشَّيْطَانُ الْمُضِلُ وَ الْأَنْفُسُ [النَّفْسُ‌] الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ غَرَّتْهُمْ بِالْأَمَانِيِّ وَ فَسَحَتْ لَهُمْ بِالْمَعَاصِي [فِي الْمَعَاصِي] وَ وَعَدَتْهُمُ الْإِظْهَارَ فَاقْتَحَمَتْ بِهِمُ النَّار.(3)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: وَ لَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا كَمَا غَرَّتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ‌.(4)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: وَ حَقّاً أَقُولُ مَا الدُّنْيَا غَرَّتْك وَ لَكِنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ وَ لَقَدْ


1) . ميران الحكمة، ج 7 ص 180.

2) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 223.

3) . راجع: نهج البلاغة، الكلمة 323.

4) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 230.

كَاشَفَتْك الْعِظَاتِ وَ آذَنَتْك عَلَى سَوَاءٍ وَ لَهِيَ بِمَا تَعِدُك مِنْ نُزُولِ الْبَلَاءِ بِجِسْمِك وَ [النَّقْضِ‌] النَّقْصِ فِي قُوَّتِك أَصْدَقُ وَ أَوْفَى مِنْ أَنْ تَكْذِبَك أَوْ تَغُرَّكَ‌.(1)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام:... فَلَا يَغُرَّنَّك سَوَادُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ‌.(2)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: أَيُّهَا النَّاسُ انْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا الصَّادِفِينَ عَنْهَا فَإِنَّهَا وَ اللَّهِ عَمَّا قَلِيلٍ تُزِيلُ الثَّاوِيَ السَّاكِنَ وَ تَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الآْمِنَ لَا يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ وَ لَا يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا [فَيُنْتَظَرُ] فَيُنْتَظَرَ سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ وَ جَلَدُ الرِّجَالِ فِيهَا إِلَى الضَّعْفِ وَ الْوَهْنِ فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا.(3)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام:... فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ الْغُرُور.(4)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ الْمُؤَمِّلَ لَهَا وَ الْمُخْلِدَ إِلَيْهَا.(5)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام فِي صِفَةِ الدُّنْيَا: [الدُّنْيَا] تَغُرُّ وَ تَضُرُّ وَ تَمُرُّ.(6)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَ ذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ وَ تُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَك وَ قَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَك وَ شَدَدْتَ لَهُ أَزْرَك وَ لَا يَأْتِيَك بَغْتَةً فَيَبْهَرَك وَ إِيَّاك أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَيْهَا وَ تَكَالُبِهِمْ‌


1) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 223.

2) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 132.

3) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 103.

4) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 889.

5) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 178.

6) . راجع: نهج البلاغة، الكلمة 415.

عَلَيْهَا.(1)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ وَ تَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ وَ رَاقَتْ بِالْقَلِيلِ وَ تَحَلَّتْ بِالآْمَالِ وَ تَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ لَا تَدُومُ حَبْرَتُهَا وَ لَا تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ نَافِدَةٌ بَائِدَةٌ أَكَّالَةٌ غَوَّالَةٌ لَا تَعْدُو إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَ الرِّضَاءِ بِهَا أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى سُبْحَانَهُ - كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَ كانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ‌ءٍ مُقْتَدِراً لَمْ يَكُنِ امْرُؤٌ مِنْهَا فِي حَبْرَةٍ إِلَّا أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةً وَ لَمْ يَلْقَ فِي [مِنْ‌] سَرَّائِهَا بَطْناً إِلَّا مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً - وَ لَمْ تَطُلَّهُ فِيهَا دِيمَةُ رَخَاءٍ إِلَّا هَتَنَتْ عَلَيْهِ مُزْنَةُ بَلَاءٍ وَ حَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنْتَصِرَةً أَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكِّرَةً وَ إِنْ جَانِبٌ مِنْهَا اعْذَوْذَبَ وَ احْلَوْلَى أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى لَا يَنَالُ امْرُؤٌ مِنْ غَضَارَتِهَا رَغَباً إِلَّا أَرْهَقَتْهُ مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً وَ لَا يُمْسِي مِنْهَا فِي جَنَاحِ أَمْنٍ إِلَّا أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِمِ خَوْفٍ غَرَّارَةٌ غُرُورٌ مَا فِيهَا.(2)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: وَ الشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ وَ غُرُورِهِ‌.(3)

•

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: (العاصون) زَرَعُوا الْفُجُورَ وَ سَقَوْهُ الْغُرُورَ وَ حَصَدُوا الثُّبُورَ.(4)


1) . راجع: نهج البلاغة، الكتاب 31.

2) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 111.

3) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 86.

4) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 122.

الفصل السّادس و العشرون

اشارة

الفضيلة السّابعة و العشرون: الخلوص

الرّذيلة التّاسعة والعشرون: الرّياء والسُّمعة

الفضيلة السّابعة و العشرون: الخلوص

اشارة

و هو سرّ من اسرار اللّٰه تعالى يؤتيه من يشاء من عباده و هي ملكة توجب ان لا يكون في ذُكر صاحبها إلّااللّٰه تعالى.

قال اللّٰه تعالى: (صِبْغَةَ اَللّٰهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللّٰهِ صِبْغَةً‌).(1)

و قال تعالى: (إِنّٰا أَخْلَصْنٰاهُمْ بِخٰالِصَةٍ ذِكْرَى اَلدّٰارِ).(2)

و لها مراتب، و المرتبة الضعيفة منها ان لا يكون في ذُكر صاحبها عند اعماله من افعاله و اقواله شىءٌ غير اللّٰه.

قال تعالى: (فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صٰالِحاً وَ لاٰ يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً).(3)


1) . البقرة، 138.

2) . ص، 46.

3) . الكهف، 110.

و المرتبة الوسطى منها ان لا يكون دائماً في ذُكره إلّااللّٰه سواءٌ كان في حركةٍ أو سكونٍ‌.

قال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصٰالِ * رِجٰالٌ لاٰ تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لاٰ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌).(1)

و المرتبة الأخيرة منها ان لايحكم على قلبه غير اللّٰه تعالى بل يختصّ قلبه به تعالى و لا يكون فيه شيء غيره فلايملك قلبه إلّااللّٰه تعالى و قد اطلق القرآن على المتّصف بهذه المرتبة المخلص (بالفتح).

قال تعالى: (كَذٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ اَلسُّوءَ وَ اَلْفَحْشٰاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبٰادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ‌)(2).

و يظهر من الآية الشّريفة انّه لمّا كان من المخلصين فقد استظلّ بظلّ عنايته تعالى و حكومته فصرف اللّٰه عنه السّوء و الفحشاء و لا سلطان للشيطان بعد ذلك عليه.

و بهذا المعنى المستفاد من هذه الآية الشريفة اشارت آيات أخر.(3)

و حيث انّ كلّ مرتبة من المراتب الثلاث الضّعيفة و المتوسّطة و الشّديدة لها مراتب أخر شدّة و ضعفاً فلا محالة يكون صرف السّوء و الفحشاء مختلفاً ضعفاً و شدّة في كلٍّ من مراتب هذه المراتب الثلاث.

فالمرتبة الضّعيفة منها تتلو تلو العصمة و المرتبة المتوسّطة منها هي العصمة و المرتبة الأخيره هي ما فوق العصمة، و المرتبة الضّعيفة للكمّلين و المرتبة المتوسّطة للانبياء و


1) . النّور، 36-37.

2) . يوسف، 46.

3) . الحجر، 40؛ الصّافات، 40-74-128-160-169؛ ص، 83.

المرتبة الشّديدة الأخيرة هي لأهل البيت عليهم السلام و لقد اجاد الفيلسوف السّبزواري حيث قال في منظومته:

كدرج التوب مراتب التقى *** من حرمة أو حلّ أو غير اللقاء

ثمّ انّه يظهر من القرآن انّ بعث الرسل عليهم السلام و انزال الكتب ليس إلّاللامر بهذه الفضيلة و ابلاغها و تبليغها و ليس فضيلة من الفضائل بهذه المثابة من الاهتمام و العظمة.

قال تعالى: (قُلْ إِنَّمٰا أَعِظُكُمْ بِوٰاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّٰهِ مَثْنىٰ وَ فُرٰادىٰ‌).(1)

و قال تعالى: (إِنّٰا أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ اَلْكِتٰابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اَللّٰهَ مُخْلِصاً لَهُ اَلدِّينَ * أَلاٰ لِلّٰهِ اَلدِّينُ اَلْخٰالِصُ وَ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيٰاءَ مٰا نَعْبُدُهُمْ إِلاّٰ لِيُقَرِّبُونٰا إِلَى اَللّٰهِ زُلْفىٰ إِنَّ اَللّٰهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مٰا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي مَنْ هُوَ كٰاذِبٌ كَفّٰارٌ * لَوْ أَرٰادَ اَللّٰهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاَصْطَفىٰ مِمّٰا يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ سُبْحٰانَهُ هُوَ اَللّٰهُ اَلْوٰاحِدُ اَلْقَهّٰارُ * خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اَللَّيْلَ عَلَى اَلنَّهٰارِ وَ يُكَوِّرُ اَلنَّهٰارَ عَلَى اَللَّيْلِ وَ سَخَّرَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلاٰ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْغَفّٰارُ * خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وٰاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهٰا زَوْجَهٰا وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْأَنْعٰامِ ثَمٰانِيَةَ أَزْوٰاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهٰاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمٰاتٍ ثَلاٰثٍ ذٰلِكُمُ اَللّٰهُ رَبُّكُمْ لَهُ اَلْمُلْكُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ فَأَنّٰى تُصْرَفُونَ * إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اَللّٰهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَ لاٰ يَرْضىٰ لِعِبٰادِهِ اَلْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَ لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ ثُمَّ إِلىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذٰاتِ اَلصُّدُورِ * وَ إِذٰا مَسَّ اَلْإِنْسٰانَ ضُرٌّ دَعٰا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذٰا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مٰا كٰانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ‌


1) . السبأ، 46.

قَبْلُ وَ جَعَلَ لِلّٰهِ أَنْدٰاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحٰابِ اَلنّٰارِ * أَمَّنْ هُوَ قٰانِتٌ آنٰاءَ اَللَّيْلِ سٰاجِداً وَ قٰائِماً يَحْذَرُ اَلْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ * قُلْ يٰا عِبٰادِ اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هٰذِهِ اَلدُّنْيٰا حَسَنَةٌ وَ أَرْضُ اَللّٰهِ وٰاسِعَةٌ إِنَّمٰا يُوَفَّى اَلصّٰابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسٰابٍ * قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اَللّٰهَ مُخْلِصاً لَهُ اَلدِّينَ * وَ أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ اَلْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخٰافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذٰابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اَللّٰهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي) (1).

و قال تعالى: (وَ مٰا أُمِرُوا إِلاّٰ لِيَعْبُدُوا اَللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ حُنَفٰاءَ وَ يُقِيمُوا اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُوا اَلزَّكٰاةَ وَ ذٰلِكَ دِينُ اَلْقَيِّمَةِ‌)(2).

و في هذه الآيات و نظائرها نكتة جالبة للنظر لا بدّ لنا من التّنبّه اليها و هى:

انّ اللّٰه تعالى بيّن في تلك الآيات انّ حصول الخلوص لا يكون بالعمل فقط، بل الخلوص يتمّ إذا كان في الدّين، و الدّين يركّب من الاعتقاد و الاقرار باللّسان و العمل بالجوارح.

فمن أخلص في الدّين أي في الاعتقادات و الاقوال و الافعال بأجمعها فهو المخلص حقّاً، و أمّا من أخلص في الاعمال و الاقوال دون الاعتقادات فهو المرائى، كما انّ من أخلص بحسب الاعتقادات و الاقوال و لا يخلص في الاعمال فهو المرائى ايضاً.

فالمخلص الحقيقى من أخلص في المجموع من الثلاث لا في بعضه، فلهذه النكتة لم


1) . الزّمر، 2-14.

2) . البيّنة، 5.

يكتف القرآن الشّريف في آيات الاخلاص بالاخلاص في العمل فقط و لم يقل: و ما امروا إلّاليعبدوا اللّٰه مخلصين له العبادة، بل صرّح في جميع الآيات بالدين، منها قوله تعالى: (وَ مٰا أُمِرُوا إِلاّٰ لِيَعْبُدُوا اَللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ حُنَفٰاءَ وَ يُقِيمُوا اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُوا اَلزَّكٰاةَ وَ ذٰلِكَ دِينُ اَلْقَيِّمَةِ‌).(1)

و كون الدّين بمعنى الطّاعة في جميع هذه الآيات مضافاً إلى كونه خلاف الظاهر و مضافاً إلى سلب هذه النكتة اللطيفة الّتي بيّنّاها عنها، ينافي هذه الآية الشّريفة لأنّها تقول: «و ذلك دين القيّمة» إذ الدّين هو الاعتقادات و الاقوال و الاعمال بأجمعها لا الاعمال فقط.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا انّ الآيات تدلّ على انّ المخلص من أخلص - اخلاصاً راسخاً - في اعتقاداته و لا تشوبها بما ليس من الاسلام، و في الاقوال أيضاً من غير أن تشوبها الاوهام و الخرافات و هو القائل لا اله إلّااللّٰه حقّاً، و في الاعمال أيضاً و لا يشوبها غير اللّٰه تعالى من المنافع المادّيّة أو المعنويّة فهو المخلص و لقد اجاد الرّاغب في مفرداته حيث قال: الاخلاص، التّبرّي عن كلّ ما دون اللّٰه تعالى.(2)

قال تعالى: (وَ مَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّٰهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ وَ اِتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً وَ اِتَّخَذَ اَللّٰهُ إِبْرٰاهِيمَ خَلِيلاً).(3)

و قال تعالى: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ حَنِيفاً وَ مٰا أَنَا مِنَ‌


1) . البيّنة، 5.

2) . راجع: المفردات، ص 155.

3) . النّساء، 125.

اَلْمُشْرِكِينَ‌).(1)

و المراد من الوجه في الآيتين هو الذّات، ففي الآية الاولى يقول: انّ احسن الدّين هو تسليم الإنسان بهويّته القلبيّة و العقائديّة و القوليّة و الفعليّة للّٰه‌تعالى و هو دين ابراهيم عليه السلام الّذي جعله اللّٰه خليلاً، لمقام تسليمه.

و في الآية الثّانية دلالة على انّ ابراهيم عليه السلام بعد الوصول إلى بعض مراتب اليقين العُليا، رأى رؤيةً قلبيّة قيّوميّة الحقّ تعالى و تدلّى ما سواه و فقره و امكانه و ظلّيّته.

و بعبارة أخرى، رأى برؤية القلب الظّلّ و ذي الظّلّ‌، الغنى المطلق و الفقر المحض، اليمّ و النمّ‌، الرّبّ و المربوب.

قال تعالى: (وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ‌).(2)

فردع عن كلّ ما سوى اللّٰه و توجّه بتمامه نحو اللّٰه تعالى كانّه لم ير بعد ذلك إلّاإيّاه.

و بعبارة أخرى، حصل له الخلوص العلمى.

و في آية أخرى ينبّأ عن حصول مقام التسليم له.

قال تعالى: (وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرٰاهِيمَ إِلاّٰ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَ لَقَدِ اِصْطَفَيْنٰاهُ فِي اَلدُّنْيٰا وَ إِنَّهُ فِي اَلْآخِرَةِ لَمِنَ اَلصّٰالِحِينَ * إِذْ قٰالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قٰالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ اَلْعٰالَمِينَ‌).(3)

و نظير الآيتين في القرآن كثير ينبغى ذكر بعضها:


1) . الانعام، 79.

2) . الانعام، 75.

3) . البقرة، 130-131.

قال تعالى: (بَلىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّٰهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ‌).(1)

و قال تعالى: (وَ مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اَللّٰهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ اَلْوُثْقىٰ‌)(2).

و يظهر من الكتاب العزيز ان الخلوص هو حقيقة العمل بل هو حقيقة القلب، و العمل الخالى منه ليس بعمل و كأنّه جسمٌ بلا روح، بل انه يُعدّ من السيّئات الكبار الّتي هي في حدّ الكفر و الشرك باللّٰه العظيم. و القلب الخالى عن هذه الفضيلة ليس بقلب بل هو محلّ الرّجس و الظّلمة و فيه ظلمات بعضها فوق بعض و فيه قسوة على قسوة فهو حجارة بل اشدّ منها بحيث لا يرجى منه الخير.

قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اَلْأَذىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مٰالَهُ رِئٰاءَ اَلنّٰاسِ وَ لاٰ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوٰانٍ عَلَيْهِ تُرٰابٌ فَأَصٰابَهُ وٰابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاٰ يَقْدِرُونَ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ مِمّٰا كَسَبُوا وَ اَللّٰهُ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكٰافِرِينَ * وَ مَثَلُ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمُ اِبْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اَللّٰهِ وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصٰابَهٰا وٰابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهٰا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهٰا وٰابِلٌ فَطَلٌّ وَ اَللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(3).

و قال تعالى: (مَثَلُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمٰالُهُمْ كَرَمٰادٍ اِشْتَدَّتْ بِهِ اَلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عٰاصِفٍ لاٰ يَقْدِرُونَ مِمّٰا كَسَبُوا عَلىٰ شَيْ‌ءٍ ذٰلِكَ هُوَ اَلضَّلاٰلُ اَلْبَعِيدُ).(4)

و قال تعالى: (وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمٰالُهُمْ كَسَرٰابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اَلظَّمْآنُ مٰاءً حَتّٰى إِذٰا جٰاءَهُ لَمْ‌


1) . البقرة، 112.

2) . لقمان، 22.

3) . البقرة، 264-265.

4) . إبراهيم، 18.

يَجِدْهُ شَيْئاً وَ وَجَدَ اَللّٰهَ عِنْدَهُ فَوَفّٰاهُ حِسٰابَهُ وَ اَللّٰهُ سَرِيعُ اَلْحِسٰابِ * أَوْ كَظُلُمٰاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشٰاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحٰابٌ ظُلُمٰاتٌ بَعْضُهٰا فَوْقَ بَعْضٍ إِذٰا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرٰاهٰا وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ).(1)

و قال تعالى: (مَنْ كٰانَ يُرِيدُ اَلْعٰاجِلَةَ عَجَّلْنٰا لَهُ فِيهٰا مٰا نَشٰاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنٰا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاٰهٰا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَ مَنْ أَرٰادَ اَلْآخِرَةَ وَ سَعىٰ لَهٰا سَعْيَهٰا وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولٰئِكَ كٰانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً)(2).

و أمثال هذه الآيات في القرآن كثيرةٌ و في روايات أهل البيت عليهم السلام ما يزيد على نصوص الكتاب العزيز عدداً و روى صاحب الوسائل في اوّل المجلّد الأوّل منه كثيراً منها و من تلك الرّوايات الّتي اشتهرت بين العامّة و الخاصّة بالتواتر اللفظى قول الرسول صلى الله عليه و آله: انّما الاعمال بالنّيّات. و قد اشتهر منهم عليهم السلام: لكلّ امرء مانوى، و قولهم: «لَا عَمَلَ إِلَّا بِالنِّيَّة».(3)

قال تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصّٰالِحُ يَرْفَعُهُ‌).(4)

بناء على أنّ معناها انّه بالكلم الطيّب و هو النيّة يرفع الاعمال الصّالحة و بدونها لا ترفع الاعمال اصلاً و لن يقبلها اللّٰه تعالى قطّ.

و بالجملة، انّ الآيات و الرّوايات قد تطابقت على انّ العمل بلا خلوص كالجسم بلا


1) . النّور، 39-40.

2) . الإسراء، 18-19.

3) . راجع وسائل الشِّيعة، ج 1 ص 33-35.

4) . فاطر، 10.

روح و هو ليس إلّاكسراب بقيعة يحسبه الظّمأن ماء فهو ليس بشيء فضلاً عن انضمام التظّاهر و الرّياء و النّفاق اليه.

و على حدّ تعبير الكتاب العزيز لو أراد العامل عن عمله غير اللّٰه تعالى و هو الدّنيا بمعنى العامّ فليس له إلّاجهنّم يصليٰها مذموماً مدحوراً.

فلابدّ للعمل مضافاً إلى حسن الفعل من حسن الفاعل، و حسن الفعل من دون انضمام حسن الفاعل إليه غير كاف بل روح العمل هو حسن الفاعل، نعم قد يتّفق ان يكون لحسن الفعل منفعة عامّة كبناء المستشفى و كابداء الكهرباء مثلاً فتلك المنفعة لها مثوبة و قد كرّر اللّٰه تعالى في الكتاب الحكيم الاشارة إلى أنّ حسن الفعل ينتج مثوبةً لفاعله، كقوله تعالى: (إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ‌)(1).

توضيح ذلك، انّ للعمل جهة مرتبطة بالفاعل بها ينفخ فيه الرّوح و هو النيّة، كان الفاعل بفعله مهاجراً إلى اللّٰه تعالى فبقدمٍ واحدٍ يصل به، ألا و هو وطأ الهوى و تذليل النّفس لانّه لا فاصلة بين العبد و بين اللّٰه الّا بأن يطأ نفسه ألا ترى كيف يصل العبد إلى مقام اللّقاء بتوبة محضة و بكلمة و بقطرة دمع تفيض من حقيقة قلبه و سويداه، و أمّا ان كانت هجرته إلى النّفس الأمّارة فقد يتمّ له الوصول إلى الطّاغوت، فقد يصل إليه من غير تراخٍ لانّه ايضاً لا فصل بينه و بين الطّاغوت إلّا بقدم، اَلا ترى ان التفوّه بكلمة كفر كيف يسقط الانسان، اَ لا ترى انّ قدم ضلالة كيف يوصل الإنسان إلى الدّرك الاسفل من النّار.

و جهة مرتبطة بنفس العمل كابداء الكهرباء و كشف المكروب، فلا نعلم انّ اديسون


1) . التّوبة، 120.

و باستور بايّ وجه من الوجهين اخترعا و كشفا هذين الأمرين و لكن نعلم انّ العمل في غاية المنفعة و انّه ينفع للّناس، هذا من حيث المنفعة و أمّا من حيث المضرّة كابداء السِّلاح المهدم المكروبى أو الكيمياوي فهو ظلمات بعضها فوق بعض.

فالعمل له باعتبار الجهة الاولى الحسن الفاعلى و باعتبار الجهة الثّانية الحسن الفعلى ان كان حسناً و القبح الفعلى إن كان سيّئاً.

فالعمل باعتبار الحسن الفعلى أو القبح الفعلى و ان كان يترتّب عليه المثوبة أو العقوبة و قد روي عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: مَنْ سَنَ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْ‌ءٌ‌، وَ مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ لَهُ وِزْرُهَا وَ وِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا.(1)و لكنّه ليس للعمل ان يدرج الإنسان منزلة منزلة إلى السّعادة ان كان خيراً و إلى الشقاوة ان كان شرّاً.

و أمّا إذا كان العمل الصالح ذا روحٍ و هو النيّة، فان كانت خيراً، الّذي عبّر عنها في القرآن و الرّوايات بالخلوص فهو الكلم الطيّب الّذي يرفع العمل حتّى يوصله إلى حضرته تعالى كما يرفع صاحبه إلى حدّ لقائه تعالى و تقدّس.

قال تعالى: (يٰا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ‌).(2)

كما انّه إذا كانت شرّاً فهي الّتي عبّر عنها في القرآن و الرّوايات بالرّياء و النّفاق و الكفر و الشّرك فيسقط صاحبه إلى الجهيم درجة درجة حتّى إلى الدّرك الاسفل من النّار.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 204.

2) . الفجر، 28-27.

قال اللّٰه تعالى: (إِنَّ اَلْمُنٰافِقِينَ فِي اَلدَّرْكِ اَلْأَسْفَلِ مِنَ اَلنّٰارِ).(1)

فبعد ذلك فلا تعجب ممّا يظهر من الذكر الحكيم انّ بعث الرسل و انزال الكتب، ليس إلّا لإشاعة الخلوص بين الناس.

قال تعالى: (وَ مٰا أُمِرُوا إِلاّٰ لِيَعْبُدُوا اَللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ‌).(2)

و قال اللّٰه تعالى: (قُلْ إِنَّمٰا أَعِظُكُمْ بِوٰاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّٰهِ مَثْنىٰ وَ فُرٰادىٰ‌).(3)

و بعد ماتلونا عليك يسهل لك معنى الرّواية المشهورة بين الفريقين عن النبى صلى الله عليه و آله انّه قال: نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ وَ نِيَّةُ الْكَافِرِ شَرٌّ مِنْ عَمَلِه.(4)

و العلّامة المجلسى قدس سره أوردها و ذكر فيها اثنى عشر احتمالاً.(5)

و لكن ارادة الجميع منها ليست ببعيدة و ان كان ما قوّيناه من اظهر المصاديق.

ثمّ انّ الخلوص باعتبار الدّواعى ينقسم إلى أقسامٍ‌.

توضيح ذلك، انّ العمل لا بدّ ان يكون خالصاً للّٰه‌تعالى من غير ان يشوبه شيء، فلو ضمّ إليه شيء فلا يكون خالصاً له تعالى بل يكون له و لمن ضُمّ إليه تعالى فيه، مع انّه أمر تعالى ان يُؤتى به له فقط.

قال تعالى: (وَ مٰا أُمِرُوا إِلاّٰ لِيَعْبُدُوا اَللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ‌).(6)


1) . النّساء، 145.

2) . البيّنة، 5.

3) . السّباء، 46.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 84.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 189.

6) . البيّنة، 5.

و لا فرق في الضّميمة بين ان يكون انسيّاً، أو غيره، حلالاً أو حراماً، من الدّنيا أو الآخرة.

فكما انّه لو اتى بالعمل للّٰه‌و لغيره مرائياً فيه فهو فاسد و العامل مشرك و ذنب عمله في حدّ الشّرك.

كما قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اَلْأَذىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مٰالَهُ رِئٰاءَ اَلنّٰاسِ وَ لاٰ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ).(1)

فكذلك لو اتى بالعمل للّٰه‌و لأغراض أُخر، كالتسخّس و التبرّد و النّظافة مثلاً، لانّ العمل لم يؤت به للّٰه‌فقط فهو غير خالص، فهذا العامل مشرك و قد أمر اللّٰه ان لا يشرك بعبادة ربّه احداً.

قال تعالى: (فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صٰالِحاً وَ لاٰ يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)(2).

و من هذه الجهة ذهب الشهيد الأوّل في الذّكرى إلى بطلان العمل إذا ضمّ إليه مثل ذلك.

حتّى انّه إذا اتى بالعمل لان يصيبه خير في الدّنيا كالعرض و كثرة المال و رفع الشّرور أو في الآخرة كدخول الجنّة أو حذراً من النّار يكون فاسداً لأنّه ليس خالصاً للّٰه‌و لا فرق من حيث عدم الخلوص بين تلك الأمور اصلاً.

فلذا قد اشتهر بين الاصحاب بطلان العمل إذا اتى به لدخول الجنّة أو رفع العقاب


1) . البقرة، 264.

2) . الكهف، 110.

عن نفسه.(1)

بل ادّعى الشّهيد في القواعد قطع الاصحاب به و إجماعهم عليه.(2)

فتلخّص من ذلك كلّه انّ العبادة لا بدّ من ان يؤتى بها للّٰه‌تعالى فقط و لا يقصد منه إلّا إيّاه، فلو دخل في نيّته هذه شيء آخر دنيويّاً كان أو أخرويّاً بطل العمل و صار صاحبه مشركاً و ذنب الشّرك عظيم.

نعم انّ دواعى العمل مختلفة و تلك الدّواعى غير نيّة الاتيان بالفعل للّٰه‌تعالى، فيمكن ان يكون الدّاعى شيئاً و النيّة شيئاً آخر و ذلك الدّاعى يدعو إلى ان يؤتى بالعمل له تعالى و يقال لهذا الداعى إلى العمل في الفقه: الدّاعى على الدّاعى، و تلك الدّواعى مختلفة و هي على اقسام:

القسم الاوّل: ما يكون الدّاعى امراً من الأمور الدنيويّة و هو ايضاً على اقسام:

1 - أن يكون الدّاعى امراً راجحاً عقلاً و شرعاً كطلب الذريّة الصالحة و ماء الوجه و المال النافع و العيش الهنىء.

و يجمع المذكورات و غيرها الحيوة الطّيّبة.

و القرآن وعدها في آيات كثيرة للمتّقين، جزاءً لهم بما صدر عنهم في الدّنيا و من تلك الآيات:

قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰاةً طَيِّبَةً وَ


1) . راجع: جواهر الكلام، ج 2، ص 87.

2) . راجع: جواهر الكلام، ج 2 ص 87.

لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(1)

و قد أمر اللّٰه عباده في آيات كثيرة بطلبهم تلك الحيوة في حياتهم الدنياويّة و من تلك الآيات:

قوله تعالى: (وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنٰا آتِنٰا فِي اَلدُّنْيٰا حَسَنَةً وَ فِي اَلْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنٰا عَذٰابَ اَلنّٰارِ)(2).

2 - أن يكون امراً مباحاً عقلاً و شرعاً كارادة الشكّر أو الجزاء من الخلق في عباداته و اعماله الصّالحة أو كالتّكسّب أو اللّذّة كالتبرّد و التسخّن و النّظافة في الغسل و الوضوء و من هذا القسم العبادات الاستيجاريّة و زيارة المشاهد المنعشة و نحو ذلك.

3 - أن يكون امراً مرجوحاً عقلاً و شرعاً كالامثلة المذكورة إذا اراد فضول العيش و التّوغّل في المشتهيات ككون الدّاعى إلى العبادات الاستيجاريّة الترفّه أو جمع المال أو أراد إتيان المزارات المشرّفة أو المساجد طلباً للأعمال أو الأقوال الّتي لاتفيد إلّاتضييع العمل و امتلاء صحيفة الاعمال ممّا لا يغنى و من المؤسّف عليه جدّاً انّ هذا القسم هو الشائع بين الناس.

4 - أن يكون امراً محرّماً - و العياذ باللّٰه من شرّ الهوى و النّفس الأمّارة عقلاً و شرعاً.

و لا يتوهّم انّ هذا القسم قليل شاذّ بل يوجد كثيراً عند عامّه النّاس كما إذا كان


1) . النّحل، 97.

2) . البقرة، 201.

محرّكه و داعيه في الحجّ أو الزّيارات اخذ مال الغير ظلماً كبعض رؤساء القوافل و هاديها في سالف الزمن أو امرئة يصيبها حراماً أو بيع أو شراء الاجناس المحرّمة بحيث انّه لو لا أخذ تلك الاموال أو نيل تلك الإمرأة أو شراء تلك الاجناس المحرّمة لما يحجّ اصلاً و نظير تلك الأمثلة كثيرٌ في سيرة النّاس فانظر فيها و تعجّب من وفورها فيها.

بل الامثلة في الخواصّ ايضاً كثيرة، فهل جميع من اشتغل بالعلوم الدينيّة و ترويج الشّريعة المقدّسة و كتابة الرّسالة العمليّة يكون مريداً له تعالى خالصاً فعله لوجهه و لا يكون محرّكه هو الهوىٰ و الشّهوات! و لااقّل من الشّهوات العقليّة فلا يمكن إلّاان يقال انّ العمل للّٰه‌تعالى و لكن الدّاعى إليه هو أمر محرّم عقلاً و شرعاً حتّى أنّه إن كان المحرّك هو الشّهوات العقليّة لا النّفسيّة فهو ايضاً حرام عند أهل اللّٰه و إن لم يكن محرّماً عقلاً و شرعاً.

القسم الثّانى من الدّواعى: ما يرتبط بالاخرة لا بالدّنيا و اصحاب هذا الدّاعى على صنفين: صنف يفعل الخير للّٰه‌تعالى بداعى دخول الجنّة و القرآن اكّد على ذلك في آيات كثيرة منها:

قوله تعالى: (لِمِثْلِ هٰذٰا فَلْيَعْمَلِ اَلْعٰامِلُونَ‌).(1)

و ما من صفحة من صفحات القرآن إلّاو فيها ترغيب العباد إلى الأعمال الصّالحة للفوز بالجنّة و نعيمها و هؤلاء الافراد بحسب الهمّة و الايمان على أصنافٍ‌:

الف: فمنهم طائفةٌ يريدون في عباداتهم و خيراتهم الجنّة و نعيمها من الانهار و


1) . الصّافات، 61.

القصور و الحور و اللّذّات بمراتبها الّتي وعدها القرآن من الجنّة و العدن و الرّضوان و هم أكثر النّاس بل كلّهم إلّاشاذّاً، فهذا سرّ مايترائى من انّ القرآن اكّد على ذلك ليرغّبهم إلى العبادات فهم عند اصحاب القلوب، اصحاب البطن و الشهوة.

ب: و منهم طائفةٌ يريدون من اعمالهم الخير نيل مجالسة الاخيار من النّبيّين و الصّالحين في الدار الآخرة، و القرآن وعدها لمن أرادها.

قال تعالى: (وَ مَنْ يُطِعِ اَللّٰهَ وَ اَلرَّسُولَ فَأُولٰئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللّٰهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَدٰاءِ وَ اَلصّٰالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً)(1).

و قد أمر اللّٰه تعالى عباده بطلب ذلك المقام في الصّلوات كلّها بقوله: (اِهْدِنَا اَلصِّرٰاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ * صِرٰاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ‌).(2)

و هم عند أهل القلوب، أصحاب الذّوق و العشق.

ج: و منهم طائفةٌ لا يريدون من اعمالهم الخير إلّاقربه تعالى، فالمحرّك لهم كلّ المحرّك هو طلب ذلك المقام، و القرآن حكى عن امرئة فرعون انّها طلبته من اللّٰه تعالى.

قال تعالى حكاية عنها: (رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي اَلْجَنَّةِ وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ وَ نَجِّنِي مِنَ اَلْقَوْمِ اَلظّٰالِمِينَ‌).(3)

و القرآن الكريم وعد تلك المنزلة لمن اتّقى اللّٰه حقّ تقاه و لاصحاب النّفس المطمئنّة.


1) . النّساء، 69.

2) . الحمد، 7-6.

3) . التّحريم، 11.

قال تعالى: (إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنّٰاتٍ وَ نَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ).(1)

و قال تعالى: (يٰا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ‌).(2)

و هم العرفاء عند اصحاب القلوب.

هذا كلّه حال الصنف الأوّل الّذين تكون دواعيهم و محرّكهم في الخيرات هو الطمع في الجنّة.

و أمّا الصنف الاخر، فهم الّذين يعملون الخير خوفاً من النّار، و هم أكثر عدداً من الصنف الاوّل، بل لو ادّعى أحدٌ انّه لو لم تكن الجحيم و عذابها لا يعبد اللّٰه إلّا الاوحدي من النّاس، لايجازف في القول.

و هم على اصناف و دواعيهم ايضاً على اقسام:

الف: الخوف من النّار و ما فيها من نقماتها الّتي تتحيّر العقول بسماعها و لا تقدر على قبولها إلّابالتأمّل في أنّها من غضب اللّٰه و قهره و كما أنّه لا يمكن درك ذاته و صفاته العليا، لا يمكن درك حقيقة افعاله العظمى و كنهها، و لذلك أنّ الصادق المصدّق كان يشير في جميع أحواله صلى الله عليه و آله إلى دلالة كلّ واحدٍ من أوراق أشجار العالَم على قدرته تعالى فبالنظر إلى قدرته التامّة يمكن للعقل تجويز هذه العقابات الهائلة؛ إليك نموذجاً منها:

قال تعالى: (اِنْطَلِقُوا إِلىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاٰثِ شُعَبٍ * لاٰ ظَلِيلٍ وَ لاٰ يُغْنِي مِنَ اَللَّهَبِ * إِنَّهٰا


1) . القمر، 55-54.

2) . الفجر، 28-27.

تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمٰالَتٌ صُفْرٌ).(1)

و قال تعالى: (لَيْسَ لَهُمْ طَعٰامٌ إِلاّٰ مِنْ ضَرِيعٍ * لاٰ يُسْمِنُ وَ لاٰ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ‌).(2)

و قال اللّٰه تعالى: (وَ أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ مٰا أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ * فِي سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ * وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لاٰ بٰارِدٍ وَ لاٰ كَرِيمٍ‌).(3)

و قال تعالى: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ اَلْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهٰا سَبْعُونَ ذِرٰاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كٰانَ لاٰ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ اَلْعَظِيمِ * وَ لاٰ يَحُضُّ عَلىٰ طَعٰامِ اَلْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ اَلْيَوْمَ هٰاهُنٰا حَمِيمٌ * وَ لاٰ طَعٰامٌ إِلاّٰ مِنْ غِسْلِينٍ * لاٰ يَأْكُلُهُ إِلاَّ اَلْخٰاطِؤُنَ‌).(4)

و الانصاف انّ نظير هذه الآيات الكثيرة البالغة عدداً هائلاً، يحرّك القلوب و أهلها نحو السداد، و نعم المحرّك هو.

ب: الخوف من مجالسة اعداء اللّٰه و اعداء الرّسل القرناء السوء، الّذين ليس مجالستهم بخيرٍ من النار!، سيّما للصالحين، و لذلك يحكى الذكر الحكيم طلبَ أهل النار المفارقة بينهم و بين قرنائهم.

قال تعالى: (وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ اَلرَّحْمٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطٰاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَ إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ اَلسَّبِيلِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتّٰى إِذٰا جٰاءَنٰا قٰالَ يٰا لَيْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ بُعْدَ اَلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ اَلْقَرِينُ * وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ اَلْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي اَلْعَذٰابِ‌


1) المرسلات، 30-33.

2) . الغاشية، 7-6.

3) . الواقعة، 41-44.

4) الحاقّة، 30-37.

مُشْتَرِكُونَ‌).(1)

و قال تعالى: (قٰالَ اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ فِي اَلنّٰارِ كُلَّمٰا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهٰا حَتّٰى إِذَا اِدّٰارَكُوا فِيهٰا جَمِيعاً قٰالَتْ أُخْرٰاهُمْ لِأُولاٰهُمْ رَبَّنٰا هٰؤُلاٰءِ أَضَلُّونٰا فَآتِهِمْ عَذٰاباً ضِعْفاً مِنَ اَلنّٰارِ قٰالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَ لٰكِنْ لاٰ تَعْلَمُونَ وَ قٰالَتْ أُولاٰهُمْ لِأُخْرٰاهُمْ فَمٰا كٰانَ لَكُمْ عَلَيْنٰا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا اَلْعَذٰابَ بِمٰا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ‌).(2)

و قال تعالى: (هٰذٰا وَ إِنَّ لِلطّٰاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهٰا فَبِئْسَ اَلْمِهٰادُ * هٰذٰا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَ غَسّٰاقٌ * وَ آخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوٰاجٌ * هٰذٰا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لاٰ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صٰالُوا اَلنّٰارِ * قٰالُوا بَلْ أَنْتُمْ لاٰ مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنٰا فَبِئْسَ اَلْقَرٰارُ * قٰالُوا رَبَّنٰا مَنْ قَدَّمَ لَنٰا هٰذٰا فَزِدْهُ عَذٰاباً ضِعْفاً فِي اَلنّٰارِ * وَ قٰالُوا مٰا لَنٰا لاٰ نَرىٰ رِجٰالاً كُنّٰا نَعُدُّهُمْ مِنَ اَلْأَشْرٰارِ * أَتَّخَذْنٰاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زٰاغَتْ عَنْهُمُ اَلْأَبْصٰارُ * إِنَّ ذٰلِكَ لَحَقٌّ تَخٰاصُمُ أَهْلِ اَلنّٰارِ).(3)

و قال أميرالمؤمنين عليه السلام في الدعاء المسمّاة بدعاء الكميل: فَلَئِنْ صَيَّرْتَنِي لِلْعُقُوبَاتِ مَعَ أَعْدَائِكَ‌، وَ جَمَعْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَ أَهْلِ بَلَائِكَ‌، وَ فَرَّقْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَ أَحِبَّائِك وَ أَوْلِيَائِكَ‌، فَهَبْنِي يَا إِلَهِي وَ سَيِّدِي وَ مَوْلَاي.(4)

ج: الخوف من بعده عن اللّٰه تعالى و كونه محجوباً عنه و محروماً من رحمته و فضله و


1) الزّخرف، 36-39.

2) الاعراف، 39، 38.

3) سورة ص، 55-64.

4) الجنان، دعاء كميل.

كرمه و هذا اشدّ عذاباً و اشدّ خوفاً لأهل اللّٰه تعالى من النقمات الأخرى،

قال تعالى: (إِذٰا تُتْلىٰ عَلَيْهِ آيٰاتُنٰا قٰالَ أَسٰاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ * كَلاّٰ بَلْ رٰانَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ مٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاّٰ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ‌).(1)

و قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بٰاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهٰا فٰاقِرَةٌ‌).(2)

و قال أميرالمؤمنين عليه السلام في دعاء الكميل: فَهَبْنِي يَا إِلَهِي وَ سَيِّدِي وَ مَوْلَايَ وَ رَبِّي صَبَرْتُ عَلَى عَذَابِكَ‌، فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلَى فِرَاقِكَ‌، وَ هَبْنِي صَبَرْتُ عَلَى حَرِّ نَارِكَ‌، فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ إِلَى كَرَامَتِكَ‌، أَمْ كَيْفَ أَسْكُنُ فِي النَّارِ وَ رَجَائِي عَفْوُك.(3)

فالخوف الأوّل لعامّة النّاس و الثّانى لخواصّهم و الثالث لاخصّ خواصّهم.

و على كلّ تقدير انّه نعم المحرّك إلى ابتعاد النّاس عمّا يسخط الربّ تعالى، و نعم الدّاعى لهم إلى رحمته، و انّه لعموم النّاس يكون داعياً بمراتبه الثّلاث.

القسم الثّالث من الدّواعى: تجسّم العمل و هو ايضاً على اقسام، و قبل الشّروع في بيان الاقسام لابدّ ان نذكر اجمالَ ما مضى تفصيله و هو انّ لاعمالنا كلّها من الاقوال و الافعال بل الافكار و النيّات تجسّماً في نفس الامر و الواقع يناسبها، فيتجسّم كلّ قول أو فعلٍ أو نيّةٍ منا بصورةٍ يناسبها ان كانت خيراً فخيراً و ان كانت شرّاً فشّراً.

فسعادة الدّارين و راحتهما لكّل أحدٍ من النّاس مرهونةٌ لأعماله و شقاوة الدّارين و


1) المطفّفين، 13-15.

2) . القيامة، 22-25.

3) . راجع: مفاتيح الجنان، دعاء كميل.

مشقّاتهما مرهونة لها أيضاً و التوجّه إلى هذا الأمر الّذي تسالم عليه الوحى و الحديث و العقل يحرّك إلى صالح الأعمال و يدعو إليه.

إذا تقرّر هذا فنقول: انّه يظهر من تتبّع آي القرآن و الرّوايات المستفيضة الواردة في الباب كما يقرّره الفلسفة و العرفان انّ تجسّم العمل على اقسام، فلا محالة تكون داعويّته على اقسام:

الف: تجسّم الاعمال الصّالحة أو الفاسدة في هذه الدّنيا بصورٍ تناسبها و وصول تلك الصور إلى صاحبها فتوجب الاعمال الصّالحة في هذه الدار لصاحبها بل لذريّته و أقرباءه و مجتمعه السعادة و سعة العيش و الراحة.

كما أنّ الاعمال السيّئة توجب لصاحبها و ذرّيته و اقربائه و مجتمعه الشّقاوة و المحنة.

قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰاةً طَيِّبَةً‌).(1)

و قال تعالى: (وَ أَمَّا اَلْجِدٰارُ فَكٰانَ لِغُلاٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي اَلْمَدِينَةِ وَ كٰانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمٰا وَ كٰانَ أَبُوهُمٰا صٰالِحاً فَأَرٰادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغٰا أَشُدَّهُمٰا وَ يَسْتَخْرِجٰا كَنزَهُمٰا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ‌).(2)

و قال تعالى: (وَ يٰا قَوْمِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ اَلسَّمٰاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرٰاراً وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلىٰ قُوَّتِكُمْ‌).(3)

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ إِنَّمٰا بَغْيُكُمْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ مَتٰاعَ اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا ثُمَّ إِلَيْنٰا مَرْجِعُكُمْ‌


1) . النّحل، 97.

2) . الكهف، 82.

3) . هود، 52.

فَنُنَبِّئُكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‌).(1)

و قال تعالى: (وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعٰافاً خٰافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اَللّٰهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً)(2).

و قال تعالى: (وَ لاٰ يَزٰالُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمٰا صَنَعُوا قٰارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دٰارِهِمْ‌).(3)

و قال تعالى: (وَ ضَرَبَ اَللّٰهُ مَثَلاً قَرْيَةً كٰانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهٰا رِزْقُهٰا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكٰانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللّٰهِ فَأَذٰاقَهَا اَللّٰهُ لِبٰاسَ اَلْجُوعِ وَ اَلْخَوْفِ بِمٰا كٰانُوا يَصْنَعُونَ‌).(4)

و قال تعالى: (ظَهَرَ اَلْفَسٰادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ بِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنّٰاسِ‌).(5)

و نظير الآيات في القرآن كثير و لها دلالة واضحة على أن لاسبيل إلى سعادة الدارين و شقائها إلّابالاعمال الصالحة أو الطالحة. فتلخّص ممّا قلنا أنّه يستظهر من سبر آي الذكر الحكيم ستّة دواعى لاتيان العبادة للّٰه‌تعالى من غير أن تكون خالصةً له،

1 - ان يكون المحرّك سعادة نفسه و تدلّ عليه الآية الاولىٰ‌.

2 - ان يكون المحرّك سعادة اقربائه و تدلّ عليه الآية الثّانية.

3 - ان يكون المحرّك سعادة ملّته أو أمّته و تدلّ عليه الآية الثّالثة.


1) . يونس، 23.

2) . النّساء، 9.

3) . الرّعد، 31.

4) . النّحل، 112.

5) . الرّوم، 41.

4 - ان يكون الدّاعى رفع الشقاء عن نفسه و تدلّ عليه الآية الرّايعة.

5 - ان يكون الدّاعى رفع الشقاء عن اقربائه و تدلّ عليه الآية الخامسة و السّادسة.

6 - ان يكون الدّاعى رفع الشقاء عن مجتمعه و تدلّ عليه آيتان السّابعة و الثّامنة.

ب: تجسّم الاعمال الصّالحة أو الطّالحة يوم القيامة، بمعنى ظهورهما له و لغيره في هذا اليوم بعد أن كانا موجودين متجسّمين في عالم الامر، فتظهر له عند الموت و تصاحبه في القبر و هي معه يوم القيامة فتظهر له من حين موته و لغيره من حين أن تقوم الساعة و لاتخفى عنهما أبداً.

قال تعالى: (فَكَشَفْنٰا عَنْكَ غِطٰاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ).(1)

و المراد من اليوم هو حين الموت إلى أبد الآباد، لا يوم القيامة، لانّ رفع الغطاء عن البصر و كونها حديداً من الموت إلى ما لانهاية له زمناً يُعدّ من الواضحات، و ادّعى العلّامة المجلسى نقلاً و تحصيلاً تواتر الاخبار عليه و كونها من ضروريات التّشيّع، بل الإسلام فراجع البحار ج 6، ص 144 إلى 294.

و بالجملة، انّ تجسّم الاعمال الصالحة أو الطالحة من الموت إلى الابد لنفسه و تجسّمهما من يوم القيامة إلى الابد لنفسه و لغيره ممّا لا اشكال فيه و عليه تواتر الرّوايات و ضرورة الفريقين، فبناء عليه تكون داعوّية هذا القسم ايضاً على اقسام:

1 - كون المحرّك إلى صالح الأعمال تحصيل القرين الحسن و تهيئة العيش لقبره و برزخه إلى يوم القيامة.

و قد رغّب القرآن إليه في موارد عدّة منها:


1) . ق، 22.

قال تعالى: (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ اُدْخُلِ اَلْجَنَّةَ قٰالَ يٰا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمٰا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ اَلْمُكْرَمِينَ‌).(1)

و فيها دلالة واضحة على انّه بمجرد استشهاده بيد قومه دخل الجنّة و ليس هي إلّا جنّة البرزخ و هو في تلك الجنّة نادىٰ‌: يا ليت قومى كانوا عالمين بغفران اللّٰه و كرامته.

فتأمّل في سماحته كيف كان يطلب النّجاة و السّعادة لقتلته!.

و الآية الشّريفة و ان لم تدلّ على أنّ تكريم اللّٰه تعالى إيّاه كان من باب تجسّم العمل إلّا أنّه يستفاد ذلك بل حصر النّعم و النقم فيها ممّا يزيد على عشرين آية من آيات الكتاب كقوله تعالى: (ذٰلِكَ بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ‌).

2 - يكون داعيه في اعمال الخير حفظه عن عذاب القبر.

و القرآن في آيات كثيرة، أشار إلى ذلك و ليس هذا البيان قبل حلول الأجل إلّا لترغيب النّاس إلى فعل الخير، فلا كلام في كونه داعياً و محرّكاً لهم إليه، منها قوله تعالى: (فَوَقٰاهُ اَللّٰهُ سَيِّئٰاتِ مٰا مَكَرُوا وَ حٰاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ اَلْعَذٰابِ * اَلنّٰارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهٰا غُدُوًّا وَ عَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسّٰاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اَلْعَذٰابِ‌)(2).

و قوله تعالى: (وَ لَوْ تَرىٰ إِذْ يَتَوَفَّى اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلْمَلاٰئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبٰارَهُمْ وَ ذُوقُوا عَذٰابَ اَلْحَرِيقِ‌).(3)


1) يس، 25-27.

2) . غافر، 45-46.

3) . الانفال، 50.

3 - يدعوه إلى الأعمال الصالحة و يحرّكة إليها المُقام يوم القيامة عند الأولياء تحت لواء الحمد و يكون اعماله نوراً يحصد فيها ثمراتها.

و إن استفاضت الرّوايات في ذلك لكنّ العمدة فيه الآيات الكثيرة الدالّة عليه و منها قوله تعالى: (يَوْمَ تَرَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ يَسْعىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمٰانِهِمْ بُشْرٰاكُمُ اَلْيَوْمَ جَنّٰاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا ذٰلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ اَلْمُنٰافِقُونَ وَ اَلْمُنٰافِقٰاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونٰا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ اِرْجِعُوا وَرٰاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بٰابٌ بٰاطِنُهُ فِيهِ اَلرَّحْمَةُ وَ ظٰاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ اَلْعَذٰابُ * يُنٰادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قٰالُوا بَلىٰ وَ لٰكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ اِرْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ اَلْأَمٰانِيُّ حَتّٰى جٰاءَ أَمْرُ اَللّٰهِ وَ غَرَّكُمْ بِاللّٰهِ اَلْغَرُورُ).(1)

4 - كون داعيه إلى أعماله الصالحة الحذر عن ظهور طوالح أعماله بمرئى النّاس يوم الجزاء، لئلّا يفتضح بها عندهم و يسوّد وجهه لديهم.

و للقرآن اشاراتٌ كثيرة إلى هذا النحو من التجسّم و انّه من أقوى المحرّكات و أحسن الدواعى إلى فعل الصالحات و اجتناب القبائح و هذا سرّ تكراره في كثيرٍ من مواضيع الكتاب الحكيم منها قوله تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مٰا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللّٰهُ نَفْسَهُ وَ اَللّٰهُ رَؤُفٌ بِالْعِبٰادِ).(2)

5 - كون داعيه إلى الاعمال الصّالحة اجتلاب نعم اللّٰه، لما يرى انّ نعم اللّٰه ليست إلّا


1) . الحديد، 12-14.

2) . آل عمران، 30.

حصيلة اعماله و ثمرتها، فليست الجنّات أو الحور أو القصور إلّاما قدّمته يداه، و للذكر المبارك أيضاً اشاراتٌ كثيرة إلى هذا الدّاعى.

قال تعالى: (كُلُوا وَ اِشْرَبُوا هَنِيئاً بِمٰا أَسْلَفْتُمْ فِي اَلْأَيّٰامِ اَلْخٰالِيَةِ‌).(1)

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ مٰا قَدَّمَتْ لِغَدٍ).(2)

و قال تعالى: (وَ مٰا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اَللّٰهِ‌).(3)

و قال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‌).(4)

6 - كون داعيه إلى الاعمال الصّالحة و الاجتناب عن المشتهيات النّفسانيّة ما يرى من انّ عذاب الجحيم و ما فيها من الحميم و الغسّاق و الحيّات و العقارب و السّلاسل و الاغلال ليس إلّاثمرة اعماله الطّالحة.

و قد تواتر على ذلك روايات الفريقين، كما قد دلّت عليه جملةٌ من الايات، منها قوله تعالى: (وَ نَقُولُ ذُوقُوا عَذٰابَ اَلْحَرِيقِ * ذٰلِكَ بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اَللّٰهَ لَيْسَ بِظَلاّٰمٍ لِلْعَبِيدِ).(5)

و قوله تعالى: (يَوْمَ يَنْظُرُ اَلْمَرْءُ مٰا قَدَّمَتْ يَدٰاهُ وَ يَقُولُ اَلْكٰافِرُ يٰا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرٰاباً).(6)

و قوله تعالى: (وَ جِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ اَلْإِنْسٰانُ وَ أَنّٰى لَهُ اَلذِّكْرىٰ * يَقُولُ‌


1) . الحاقّة، 24.

2) . الحشر، 18.

3) . البقرة، 110.

4) . الزّلزلة، 8، 7.

5) . آل عمران، 182-181.

6) . النّباء، 40.

يٰا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيٰاتِي).(1)

ج: تجسّم الاعمال بمعنى ادقّ من القسمين المذكورين و هو تأثير الاعمال و الاقوال و الافكار على النفس، فان كانت خيراً فيتوغّل نفس فاعلها في مراتب الانسانيّة و يستكمل متدرّجاً حتّى يصير انساناً كاملاً و يترقّى خطوةً خطوةً حتّى يصل إلى مراتب اولياء اللّٰه تعالى فهو معهم اينما كانوا.

قال تعالى: (وَ مَنْ يُطِعِ اَللّٰهَ وَ اَلرَّسُولَ فَأُولٰئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللّٰهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَدٰاءِ وَ اَلصّٰالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً).(2)

فله قلب و هو عرش اللّٰه في الدّنيا و له نور في الآخرة كنور القمر ليلة البدر يستضيىء لأهل المحشر كما يستضيىء القمر لأهل الدّنيا و لذلك يحشر مع أهل البيت عليهم السلام في الآخرة.

و أمّا ان كانت شرّاً فيتوغّل النّفس في الحيوانيّة و مراتبها الخسيسة حتّى تصوّر بصورة متناسبة لتلك الاعمال فتصير كلباً أو قردة أو خنزيراً أو ذئباً أو غيرها ممّا يناسب أفعاله.

فله عمى القلب في الدّنيا إذ صار حمىً للشّياطين فليس له في الآخرة إلّاالظلمة المطبّقة و ليس حشره إلّامع أقرانه، كما أنّه لا منزل له إلّادركات الجحيم يسقط فيها حسب سقوطه في مدارج البهيميّة حتّى يصل إلى الدرك الأسفل من النار.


1) . الفجر، 24-23.

2) . النّساء، 69.

قال تعالى: (إِنَّ اَلْمُنٰافِقِينَ فِي اَلدَّرْكِ اَلْأَسْفَلِ مِنَ اَلنّٰارِ).(1)

و هذا القسم ايضاً ينقسم بحسب الدّاعى إلى اقسام ستّة: لانّه قد يكون الدّاعى إلى الأعمال الصّالحة أو الاجتناب عن اعماله الطّالحة هو الشرف عند أهل القلوب في الدّنيا و عند النّاس في الآخرة و لا بأس به، بل هو من الدواعى الحسان، و اعلى منهما هو تحصيل الشرف عند اللّٰه تعالى ضرورة انّ من توجّه إلى صعود الإنسان في مراتب الكمال أو سقوطه في مراتب الخسران بحسب أعماله الصالحة أو القبيحة يعمل بالأوّل و يترك الثانى، لئلّا يندرج في سلك الهائم بمسخ صورته بالصورة الملائمة لفعله فيراه أهل القلوب في الدّنيا و أهل المحشر في الآخرة بتلك الصّورة و ليس له عذاب اسوء منه.

فتأمّل في انّ الإنسان لو توجّه إلى إشراف مولانا ولىّ العصر عجّل اللّٰه تعالى فرجه الشّريف العلمى عليه فيراه على ما هو عليه من الواقع فان كان خيراً فخير و ان كان شرّاً فشرّ أ لايدعوه ذلك إلى العمل بالصّالحات و ينهاه عن المحرّمات فهو نعم الداعى إلى الخير، و اعلى و اشدّ منه لو توجّه بانّه حين الحشر يُحشر على وجهه عمياً و بكماً و صمّاً و كتب في وجهه انّه أهل النّار،

قال تعالى: (وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ عَلىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ‌).(2)

فيفتضح بين النّاس و بذلك يُعذّب عذاباً ليس فوقه عذابٌ‌!. فداعويّة ذلك في كمال القوّة كما انّه لو توجّه بانّ المؤمن يحشر على صورة كالبدر يتوجّه إليه أهل المحشر و


1) . النّساء، 145.

2) . الاسراء، 97.

هو يفتخر بذلك كما قال تعالى: (هٰاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتٰابِيَهْ‌).(1)

فانّه ايضاً نعم الدّاعى إلى الانسلاك في سبيل المؤمنين، و اعلى و اشدّ منه هو التوجّه إلى انّ الاعمال الصّالحة توصل صاحبها في مراتب الانسانيّة إلى حدّ يليق ان يسلّم اللّٰه تعالى عليه.

قال تعالى: (سَلاٰمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ‌).(2)

و انّ الاعمال الطّالحة توصل صاحبها في مهالك الحيوانيّة إلى حدّ يخاطبه اللّٰه تعالى بقوله: (قٰالَ اِخْسَؤُا فِيهٰا وَ لاٰ تُكَلِّمُونِ‌).(3)

القسم الرّابع من الدّاعى: هو اللّٰه تعالى و هذا القسم اولى و أشرف من الاقسام السابقة و هو ايضاً على اقسام:

الف: ان يكون الدّاعى هو التقرّب إلى اللّٰه، تقرّب العبد إلى مولاه و لاريب أنّ القرب من باب التشكيك، فله مراتب ضعفاً و شدّة.

1 - فالمرتبة الاولى منه هو تقرّب العموم إلى المولىٰ‌.

2 - و المرتبة المتوسّطة، تقرّب الخواصّ إلى المولىٰ‌.

3 - و المرتبة الشّديدة، تقرّب اخصّ الخواصّ إلى المولىٰ‌.

و معلوم انّ لكلّ هذه المراتب الثّلاث أيضاً مراتب أخرى ضعفاً و شدّة.

ب: ان يكون الدّاعى، هو طاعة أمر المولى و هذا ايضاً كسابقه في التشكيك فله


1) . الحاقّه، 19.

2) . يس، 58.

3) . المؤمنون، 108.

مراتب:

1 - طاعة العوام للمولى.

2 - طاعة الخواصّ للمولى.

3 - طاعة اخصّ الخواصّ للمولىٰ‌.

و لكلّ هذه المراتب، مراتب أُخر أيضاً.

ج: ان يكون الدّاعى استحياء العبد من المولى و هو ايضاً ذو مراتب و لكلّ مرتبة منها مراتب:

1 - استحياء العموم من المولى.

2 - استحياء الخواصّ من المولى.

3 - استحياء اخصّ الخواصّ من المولى.

د: ان يكون الدّاعى هو شكر المنعم عليه و هو ايضاً ذو مراتب و لكلّ مرتبة منها مراتب:

1 - شكر عوام النّاس لمولاهم و المنعم عليهم.

2 - شكر خواصّ النّاس لمولاهم و المنعم عليهم.

3 - شكر اخصّ الخواصّ للمولى و المنعم عليهم.

ه‍: ان يكون الدّاعى هو رضى المولى و هذا القسم قد عدّ في القرآن اكبر من الجنّة بل جُعل من جنّة عدن.

قال اللّٰه تعالى: (وَعَدَ اَللّٰهُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ‌

فِيهٰا وَ مَسٰاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّٰاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوٰانٌ مِنَ اَللّٰهِ أَكْبَرُ ذٰلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ‌).(1)

و تلك الجنّة هي الّتي جعلها جزاءً في الدّنيا للكمّلين من النّاس و المخلصين لهم.

قال تعالى: (مٰا كَتَبْنٰاهٰا عَلَيْهِمْ إِلاَّ اِبْتِغٰاءَ رِضْوٰانِ اَللّٰهِ‌).(2)

و هي الّتي وعدها لمن اتّصف بالهداية العنائيّة في الدّنيا و رضوان اللّٰه الّذي أعلى من الجنّة في الآخرة.

قال تعالى: (قَدْ جٰاءَكُمْ مِنَ اَللّٰهِ نُورٌ وَ كِتٰابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اَللّٰهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوٰانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاٰمِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ‌).(3)

و هذا الدّاعى مقول بالتشكيك كسابقه، فله مراتب شدّة وضعفاً.

1 - المرتبة الضّعيفة مع مراتبها للعموم.

2 - المرتبة المتوسّطة مع مراتبها للخواصّ‌.

3 - المرتبة الشّديدة مع مراتبها لاخصّ الخواصّ‌.

و: ان يكون الدّاعى هو محبّة اللّٰه تعالى.

و لمّا كانت المحبّة مقولة بالتشكيك فلا محالة هذا الدّاعى متفاوت بحسب الافراد.

1 - المرتبة الضّعيفة داعية للعموم و هم المحبّون للّٰه‌تعالى.

2 - المرتبة المتوسّطة داعية للخواصّ و هم الوجلون قلوبهم للّٰه‌تعالى.

3 - و المرتبة الشّديدة داعية لاخصّ الخواصّ و هم الاحرار عند أهل القلوب


1) . التّوبة، 72.

2) . الحديد، 27.

3) . المائدة، 16-15.

العشّاق عند أهل الذّوق و هم الّذين وصفهم اللّٰه تعالى بقوله: (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكٰافِرِينَ يُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ لاٰ يَخٰافُونَ لَوْمَةَ لاٰئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ اَللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ اَللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ‌).(1)

ز: ان يكون الدّاعى هو اللّٰه تعالى فقط، من غير أن يشاركه تعالى فيه غيره.

و هذا الدّاعى هو الّذي لا تصل إليه ايدى الاغيار و يختصّ بأولياء اللّٰه و أهل اللّٰه الّذين لا تصل إليهم ايدى الشّياطين و قد أعاد الوحى الكريم التعبير عنهم بالمخلصين‌بالفتح - و هم نوادر الدّهر و بخاصّة المراتب الخاصّ و الأخصّ منهم لانّه ايضاً مقولة بالتشكيك.

1 - المرتبة الاولى منه ان يكون الدّاعى هو صفات فعله تعالى كالرّحمة و الرّأفة و الهداية و العناية و الخلق و الرّبوبيّة و نحو ذلك.

2 - المرتبة المتوسّطة منه ان يكون الدّاعى هو صفات ذاته تعالى كالعلم و القدرة و الملكيّة و القدّوسيّة و الجبروتيّة و إلى بعض تلك الصّفات اشير في آخر سورة الحشر.

قال تعالى: (هُوَ اَللّٰهُ اَلَّذِي لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ عٰالِمُ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهٰادَةِ هُوَ اَلرَّحْمٰنُ اَلرَّحِيمُ * هُوَ اَللّٰهُ اَلَّذِي لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ اَلْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ اَلسَّلاٰمُ اَلْمُؤْمِنُ اَلْمُهَيْمِنُ اَلْعَزِيزُ اَلْجَبّٰارُ اَلْمُتَكَبِّرُ سُبْحٰانَ اَللّٰهِ عَمّٰا يُشْرِكُونَ * هُوَ اَللّٰهُ اَلْخٰالِقُ اَلْبٰارِئُ اَلْمُصَوِّرُ لَهُ اَلْأَسْمٰاءُ اَلْحُسْنىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مٰا


1) . المائدة، 54.

فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ‌).(1)

و يمكن ان يقال: تلك الصّفات المذكورة في هذه الآيات، كلّها باعتبار تُعدّ من صفات الذّات و ان كان بعضها من صفات الفعل و لكن النظر إليها ههنا باعتبار أنّها من صفات الذّات ايضاً فتأمّل.

و بالجملة، انّ عبادة الخاضعين الخاشعين الّتي تنشأ من خشية اللّٰه و عظمته هي من هذا القسم.

3 - ان يكون الدّاعى هو وجه اللّٰه تعالى الّذي أشير إليه في اوّل سورة الحديد.

قال تعالى: (هُوَ اَلْأَوَّلُ وَ اَلْآخِرُ وَ اَلظّٰاهِرُ وَ اَلْبٰاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ‌).(2)

و قد نُبّه في القرآن الكريم مراراً على أنّ أولياء تعالى لايعملون شيئاً إلّاله و لوجهه، كما أنّه نُبّه على أنّ سعادة الدارين مرهونة للاخلاص هذا.

قال تعالى: (بَلىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّٰهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ‌).(3)

و قال تعالى: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّٰهِ وَ مَنِ اِتَّبَعَنِ‌).(4)

و قال تعالى: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ حَنِيفاً وَ مٰا أَنَا مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ‌).(5)

و قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاٰتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيٰايَ وَ مَمٰاتِي لِلّٰهِ رَبِّ اَلْعٰالَمِينَ * لاٰ شَرِيكَ لَهُ‌


1) . الحشر، 24-22.

2) الحديد، 3.

3) البقرة، 112.

4) . آل عمران، 20.

5) . الانعام، 79.

وَ بِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ اَلْمُسْلِمِينَ‌).(1)

و قال تعالى: (وَ لاٰ تَطْرُدِ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ اَلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ‌).(2)

و قال تعالى: (ذٰلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اَللّٰهِ وَ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ‌).(3)

و قال تعالى: (إِنَّمٰا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللّٰهِ لاٰ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزٰاءً وَ لاٰ شُكُوراً * إِنّٰا نَخٰافُ مِنْ رَبِّنٰا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً).(4)

و نظير هذه الآيات في القرآن الكريم و ان كان كثيراً إلّاانّه يختلج بالبال انّ هذه الآيات لا تدلّ على وحدة الدّاعى و المدعوّ له الّتي نحن بصدد بيانها الآن، بل لها دلالةٌ على وجوب ايتاء العمل للّٰه، و لاتدلّ على أزيد من ذلك فالمصير إلى استظهار وجوب اتيان العمل بداعى وجهه تعالى منها، في غاية الاشكال.

بل مثل قوله تعالى (إِنّٰا نَخٰافُ مِنْ رَبِّنٰا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً) يدلّ على انّهم اتوا بالعمل للّٰه‌بداعى الأمن يوم القيامة مع كون هذه الآية الشّريفة لمكان نزوله في العترة الطّاهرة اجود و اعلى من الآيات بل مثل قوله تعالى (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ‌) لمّا كان بصدد رفع الشّرك كلّه ينبغى ان يكون اظهر دلالة على ذلك مع ظهوره لمكان قوله: (فٰاطِرِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ‌) في كون الدّاعى ربوبيّة الحقّ تعالى لا ذاته المقدّسة.


1) . الانعام، 162-163.

2) . الانعام، 52.

3) . الرّوم، 83.

4) . الدّهر، 9-10.

و بالجملة، انّا لم نجد آية و لا رواية تكون ظاهرة في ذلك إلّاما نسب إلى أميرالمؤمنين عليه السلام، انّه قال: مَا عَبَدْتُك خَوْفاً مِنْ نَارِك وَ لَا طَمَعاً فِي جَنَّتِك لَكِنْ وَجَدْتُك أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ فَعَبَدْتُك(1).

ففي هذه الرّواية ايضاً نحو ايهام لاشتمالها على ما يخالف غيرها من الروايات، كالمروىّ عن علىّ بن الحسين عليهما السلام فانّها تدلّ على انّ الدّاعى غير المدعوّ له، فانّه قال: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ لِأَغْرَاضٍ لِي وَ لِثَوَابِهِ فَأَكُونَ كَالْعَبْدِ الطَّمِعِ الْمُطِيعِ إِنْ طُمِّعَ عَمِلَ وَ إِلَّا لَمْ يَعْمَلْ وَ أَكْرَهُ أَنْ أَعْبُدَهُ لِخَوْفِ عِقَابِهِ فَأَكُونَ كَالْعَبْدِ السَّوْءِ إِنْ لَمْ يَخَفْ لَمْ يَعْمَلْ قِيلَ فَلِمَ تَعْبُدُهُ قَالَ لِمَا هُوَ أَهْلُهُ بِأَيَادِيهِ عَلَيَّ وَ إِنْعَامِهِ‌.(2)

و هذه الرواية كماترى تدلّ على كون الدّاعى هو شكر المنعم فاللّٰه تعالى أهل للعبادة لكونه منعماً و لكن مع ذلك كلّه لا اشكال و لا كلام في انّ أهل البيت عليهم السلام بلغوا ما بلغوا من مقامات العبوديّة الّتي لايمكننا أن نتخيّلها، فهم عباده الحقيقيّون أي:

يعبدون اللّٰه تعالى و لا نظر لهم إلّاإلى هو، و انت تعلم انّ ضمير (هو) اشارة إلى مقام الغيب الغيوبى و هو مقام الذّات المقدّسة البحت البسيط و معلوم انّ العبوديّة بهذا المعنى اعظم من الرّسالة و لعلّ لزوم الشّهادة بكونه عبده قبل الشّهادة بكونه رسوله في قول المصلّى في تشهّداته (و اشهد انّ محمّداً عبده و رسوله) يشير إلى ذلك.

و بعبارة أخرى، إنّا و إن لم نجد آية و لا رواية تدلّ على ذلك و لكنّ المسئلة ثبوتاً في حقّ أهل البيت عليهم السلام و مَنْ يتلوهم من الرّسل و الاوصياء و الاولياء، ممّا لا اشكال


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67، ص 186.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 198.

فيه.

ثمّ انّه يظهر من الرّوايات انّ أهل البيت عليهم السلام قد يعبدون اللّٰه خوفاً من القيامة و قد يعبدون اللّٰه طلباً لمرضاته و قد يعبدون اللّٰه حبّاً له و قد يعبدونه شكراً له و قد يعبدون اللّٰه طاعة و قد يعبدونه لكونه اهلاً للعبادة.

و لعلّ السرّ في ذلك، انّهم لمّا كانوا من حيث الوجود تامّاً فلهم مرتبة جمع الجمع من مراتبه فقد بلغوا أعلى مراتب العبودية، فلهم إذن التجلّى بجميع مراتبها و جلواتها.

و بعبارة أخرى، قد يتجلّى في قلوبهم صفات الجمال فيعبدونه طمعاً، و قد يتجلّى في قلوبهم صفات الجلال فيعبدونه خوفاً.

قال تعالى: (تَتَجٰافىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ اَلْمَضٰاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً).(1)

و قد يتجلّى في قلوبهم حبّ اللّٰه تعالى فيعبدونه حبّاً له، و قد يتجلّى في قلوبهم الوفاء و لزوم شكر المنعم فيعبدونه شكراً له، و قد يعبدونه لمرضاته لتجلّى الرّضا و التّسليم عليهم، و قد يعبدون اللّٰه تعالى لكونه ربّاً فاطر السّموات و الأرض لتجلّى ذلك الاسم عليهم، و قد يعبدون اللّٰه تعالى خشية منه لكون التجلّى حينئذ بجبروته، كما انّهم يعبدون اللّٰه لكونهم عباداً و هو المولى لتجلّى مقام العبوديّة على قلوبهم و ذلك أشرف مقاماتهم و أعلاها و هو المقام الّذي لا يتحمّله ملك مقرّب و لا نبىّ مرسل و لا خطر ببال احد سواهم، فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرّة اعين.

و بما ذكرنا تستطيع ان تجمع بين الرّوايات المتخالفة بظاهرها، و نحن نذكرها انشاء اللّٰه تتميماً للبحث.


1) . السّجدة، 16.

فتلخّص من جميع ما ذكرناه اوّلاً: انّ غالب النّاس يعبدون اللّٰه تعالى و لكن دواعيهم في العبادات مختلفة.

و قد ذكرنا لك ازيد من خمسين داعياً، و لعلّك تقدر ان تعدّ ازيد من ذلك بعد التأمّل.

و اتيان العمل رياءً لا يكون إلّالقليل من النّاس و هم الكفرة الفجرة و هم المشركون حقّاً، و سيجىء البحث انشاء اللّٰه تعالى عن الرّياء و الرائى.

و ثانياً: انّ عبادات الكمّلين حتّى أهل البيت عليهم السلام الّذين يُطلق عليهم كلمة العباد و عباد اللّٰه حقّاً لا تكون على نسق واحد بل انّها بحسب الدّواعى مختلفة.

فكانوا قد يعبدونه للحوائج الدنياويّة و قد يعبدون اللّٰه للآخرة و قد يعبدونه تعالى للّٰه بمراتبها، و استظهار ذلك من القرآن ليس ببعيد بل يظهر منه انّهم قد كانوا يجمعون بين دواعى مختلفة في عمل واحد.

قال تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخٰافُونَ يَوْماً كٰانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعٰامَ عَلىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً * إِنَّمٰا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللّٰهِ لاٰ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزٰاءً وَ لاٰ شُكُوراً * إِنّٰا نَخٰافُ مِنْ رَبِّنٰا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقٰاهُمُ اَللّٰهُ شَرَّ ذٰلِكَ اَلْيَوْمِ وَ لَقّٰاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً * وَ جَزٰاهُمْ بِمٰا صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً).(1)

فلكّل مكلّف ان يأتى بتكليفه للّٰه‌تعالى مع انضمامه إلى عدّة دواعٍ اُخر، فيقيم الصّلوة و يؤتى الزّكوة و يجاهد في سبيل اللّٰه لسعادة الدّنيا و الآخرة و لمرضات اللّٰه تعالى و لحبّه للّٰه‌تعالى، و هكذا يجمع بين الدّواعى كلّها.

نعم، طوبى لمن يكون عبداً له حقّاً و لا يطلب في عباداته إلّامولاه و لا نظر له إلى


1) . الإنسان، 7-12.

شيء سواه.

و معلوم انّ تحصيل هذه الحالة يحتاج إلى طىّ مراحل و منازل من التّوبة و اليقظة و التّخلية و التّحلية و التّجلية و الفناء و اللّقاء.

و هذه سبعة منازل اشار اليها الشّاعر بالفارسيّة.

هفت شهر عشق را عطّار گشت *** ما هنوز اندر خم يك كوچه‌ايم

و نحن نشك في سير العطّار و اتمامه تلك المراحل بقدم السير كما نعلم و نقطع بأنّا بعدُ لم‌نرد مدينة من تلك المدن فضلاً عن تردّدنا في شارع منها و كان الشّاعر يحسن الظّن بالعطّار بل بنفسه و بغيره.

و في الخاتمة تذكر امور لابدّ منها:

الف: انّ مسئلة الخلوص تعدّ من باب السّهل الممتنع، لانّه سهل باعتبار تعدّد الدّواعى و ممتنع باعتبار وحدة الدّاعى إلّاللاوحدىّ من النّاس.

توضيح ذلك، انّ اتيان العمل للّٰه‌تعالى بداعى طلب الدّنيا أو طلب الآخرة ليس بمشكل و أكثر النّاس من عامّيهم فضلاً عن خواصّهم يأتون باعمالهم للّٰه‌بالدّواعى الدنيويّة أو الاخرويّة.

و أمّا الاتيان بالعمل للّٰه‌من غير توجّه إلى شيء غيره ففي غاية الصّعوبة و الاشكال سيّما الاتيان به من غير توجّه إلى اسمائه الحسنى و صفاته العليا و من غير توجّه إلى قربه و مرضاته و خشيته و عظمته.

و بعبارة أخرى، اتيان العمل لوجه اللّٰه تعالى بحيث لا نظر للعامل في مقام العمل إلّا إلى عبوديّة نفسه و مولويّة ربه تعالى.

و هذا يحتاج إلى رياضات شاقّة دينيّة وطىّ المنازل السّبعة مع سبق فضل اللّٰه و رحمته.

قال تعالى: (وَ لَوْ لاٰ فَضْلُ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ مٰا زَكىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ يُزَكِّي مَنْ يَشٰاءُ‌).(1)

و بهذا البيان يجمع بين الاقوال.

فمن قال: انّ اتيان الاعمال على وجه الخلوص سهل، اراد بقوله اتيان العمل للّٰه‌مع امكان انضمام دواعى مختلفة إليه، من طلب الدّنيا أو الآخرة كما هو عبادات غالب النّاس من العوام و الخواص.

و من قال: انّ ذلك مشكل يحتاج إلى رياضات من التّخلية و التّحلية، فاراد بذلك اتيان العمل للّٰه‌من غير تكرّر الدواعى حين العمل، فالنزاع لفظىٌ‌.

فراجع البحار مستظهراً ما ذكرناه حتّى تظهر لك حقيقته.(2)

ب: انّ فوائد الخلوص للدّنيا و الآخرة كثيرة و لا اظنّ ان تكون فضيلة من الفضائل اعظم فائدة و أكثر نتيجة من هذه الفضيلة بل لايقاس به فضيلةٌ أخرى.

بل يمكن ان يدّعى انّ جميع الفضائل يتوقّف على هذه الفضيلة، و عظمتها و نورها و جلائها و فائدتها تتوقّف على هذه الفضيلة و عظمتها و نورها و جلالها، لأنّها هي صبغة اللّٰه.


1) . النّور، 21.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 185-198؛ 234-239.

قال تعالى: (صِبْغَةَ اَللّٰهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللّٰهِ صِبْغَةً‌).(1)

فكلّ شيء يصبّغ بهذه الصّبغة فهو عظيم و جلىّ و كثير الفائدة بمقدار صبغه، فكلّما كان أشدّ صبغاً فجلائه و عظمته و فائدته أكثر حتّى يصل إلى ان ينزّل اللّٰه تعالى فيه آية أو سورة و لو كان ذلك الشّيء بحسب القيمة بخساً.

اَ لا ترى انّ اطعام أهل البيت عليهم السلام السّائلين بحسب القيمة لم يكن بشيء ثمناً و لم يكن ازيد من خبزات شعيرة و لكن خلوص الصّدّيقة الطّاهرة عليها السلام في فعلها هذا اوصله إلى مقام انزل اللّٰه تعالى فيه سورة الانسان.

و اَ لا ترى انّ استقرار أميرالمؤمنين عليه السلام في منام رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله ليلة الهجرة، كان سهلاً له عليه السلام و لكن اخلاصه فيه صيّره مفخراً له و لمتابعيه من المسلمين.

قال تعالى: (وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اَللّٰهِ‌).(2)

و اَ لا ترى انّ آية الولاية اعظم آيات الذكر الحكيم في بابها و لها نور و جلال خاصّ بين آيات الولاية بحيث لا اظنّ آية افضل و اجلى و أكثر نوراً و فائدةً منها في اخواتها، و الشّيعة و السّنة يقرّ بأنّها نزلت في أميرالمؤمنين عليه السلام إذا تصدّق بخاتمه في صلوته.

قال تعالى: (إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ‌)(3).


1) . البقرة، 138.

2) . البقرة، 207.

3) . المائدة، 55.

مع كون الخاتم بحسب القيمة رخيساً يساوى درهماً أو ازيد أو اقلّ لانّ أميرالمؤمنين عليه السلام في ذلك الزّمان سيّما مع زهده الّذي لم ير الدّهر مثله لم يختّم بخاتمٍ غال الثمن، فما يترائى في بعض المختلقات من غلاء ثمن خاتمه حتّى قيل انّه كان يساوى خراج الشام، فليس إلّامن قلّة البصيرة، إن لم ينشأ من عداوة القائل.

نعم يزيد خلوص مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام في قدر فعله و قيمة خاتمه بما لايمكن أن يُعدّد، و يكفيك نزول الآية الشريفة فيه.

و أمّا لو لم يصبّغ شيء بتلك الصبغة، فلا قيمة له، بل التراب أغلى منه، و لو كان ذلك الشّيء بحسب الظاهر ذا قيمة بالغة و يكفيك في ذلك هذا الحديث النبوّى الشريف:

أَنَ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَ رَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ رَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِلْقَارِي أَ لَمْ أُعَلِّمْك مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي فَيَقُولُ بَلَى يَا رَبِّ فَيَقُولُ مَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ قُمْتُ بِهِ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَ أَطْرَافِ النَّهَارِ فَيَقُولُ اللَّهُ كَذَبْتَ وَ تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ كَذَبْتَ وَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ذَلِك وَ يُؤْتَى بِصَاحِبِ الْمَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَ لَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْك الْمَالَ حَتَّى لَمْ أَدَعْك تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ فَيَقُولُ بَلَى يَا رَبِّ فَيَقُولُ فَمَا عَمِلْتَ بِمَا آتَيْتُك قَالَ كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَ أَتَصَدَّقُ فَيَقُولُ اللَّهُ كَذَبْتَ وَ تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ كَذَبْتَ وَ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ جَوَادٌ وَ قَدْ قِيلَ ذَلِك وَ يُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقُولُ اللَّهُ مَا فَعَلْتَ فَيَقُولُ أَمَرْتَ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِك فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ فَيَقُولُ اللَّهُ كَذَبْتَ وَ تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ كَذَبْتَ وَ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ شُجَاعٌ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ذَلِك ثُمَّ قَالَ رَسُولُ‌

اللَّهِ ص أُولَئِك خَلْقُ اللَّهِ تُسْعَرُ بِهِمْ نَارُ جَهَنَّمَ‌.(1)

و بالجملة، انّ الخلوص مقام عال شامخ فيه خير الدّنيا و الآخرة و لصاحبه مقام خاصٌ بحسب شدّته و ضعفه فيه.

قال العسكرىّ عليه السلام: لَوْ جَعَلْتُ الدُّنْيَا كُلَّهَا لُقْمَةً وَاحِدَةً وَ لَقَّمْتُهَا مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ خَالِصاً لَرَأَيْتُ أَنِّي مُقَصِّرٌ فِي حَقِّهِ وَ لَوْ مَنَعْتُ الْكَافِرَ مِنْهَا حَتَّى يَمُوتَ جُوعاً وَ عَطَشاً ثُمَّ أَذَقْتُهُ شَرْبَةً مِنَ الْمَاءِ لَرَأَيْتُ أَنِّي قَدْ أَسْرَفْت(2). و في روايات مستفيضة عن أهل البيت عليهم السلام انّ التزام الخلوص في ايّام قليلة يوجب وصول الملتزم إلى مقام الفرقان و التّجلية، و من تلك الرّوايات قول النبىّ صلى الله عليه و آله: مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً فَجَّرَ اللَّهُ يَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ‌(3). و في روايات مستفيضة انّه يوجب خير الدّنيا و الآخرة منها قول سيّدة النّساء صلوات اللّٰه عليها: مَنْ أَصْعَدَ إِلَى اللَّهِ خَالِصَ عِبَادَتِهِ أَهْبَطَ اللَّهُ إِلَيْهِ أَفْضَلَ مَصْلَحَتِه(4). ج: كيفيّة تحصيل هذه الفضيلة العظمى كتحصيل سائر الفضائل، و قد مرّ الكلام فيه في المجلّد الأوّل من هذا الكتاب و لكن مرّ منّا في مبحثنا هذا انّ تحصيل هذه الفضيلة يحتاج‌طىّ المنازل السّبعة، و يوجد في الرّوايات تأكيدٌ على ذلك، منها قول أميرالمؤمنين عليه السلام في مواضع عدّة: الاخلاص ثمرة اليقين، اخلاص العمل من قوّة اليقين، على قدر قوّة الدّين يكون خلوص النيّة.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 305.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 245.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 249.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 249.

روايات في الاخلاص

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - حَنِيفاً مُسْلِماً قَالَ خَالِصاً مُخْلِصاً لَيْسَ فِيهِ شَيْ‌ءٌ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ‌.(1)

•

عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا ع أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ص كَانَ يَقُولُ طُوبَى لِمَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ الْعِبَادَةَ وَ الدُّعَاءَ وَ لَمْ يَشْغَلْ قَلْبَهُ بِمَا تَرَى عَيْنَاهُ وَ لَمْ يَنْسَ ذِكْرَ اللَّهِ بِمَا تَسْمَعُ أُذُنَاهُ وَ لَمْ يَحْزُنْ صَدْرَهُ بِمَا أُعْطِيَ غَيْرُهُ‌.(2)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ‌: «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» قَالَ‌: لَيْسَ يَعْنِي أَكْثَرَكُمْ عَمَلًا، وَ لكِنْ أَصْوَبَكُمْ عَمَلًا، وَ إِنَّمَا الْإِصَابَةُ خَشْيَةُ اللَّهِ وَ النِّيَّةُ الصَّادِقَةُ وَ الْحَسَنَةُ‌.

ثُمَّ قَالَ‌: «الْإِبْقَاءُ عَلَى الْعَمَلِ حَتّى يَخْلُصَ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَلِ‌، وَ الْعَمَلُ الْخَالِصُ الَّذِي لَا تُرِيدُ أَنْ يَحْمَدَك عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ‌، وَ النِّيَّةُ أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ‌، أَلَا وَ إِنَّ النِّيَّةَ هِيَ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 15.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 16.

الْعَمَلُ «، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ عَزَّ وَ جَلَّ‌:» قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ «:» يَعْنِي عَلى نِيَّتِهِ‌».(1)

•

عن سفيان ابن عيينه قال: سألت أبا عبداللّٰه عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ قَالَ الْقَلْبُ السَّلِيمُ الَّذِي يَلْقَى رَبَّهُ وَ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ سِوَاهُ قَالَ وَ كُلُّ قَلْبٍ فِيهِ شِرْك أَوْ شَك فَهُوَ سَاقِطٌ وَ إِنَّمَا أَرَادُوا الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا لِتَفْرُغَ قُلُوبُهُمْ لِلآْخِرَةِ‌.(2)

•

عن أبي جعفر عليه السلام قال: مَا أَخْلَصَ الْعَبْدُ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ أَرْبَعِينَ يَوْماً أَوْ قَالَ مَا أَجْمَلَ عَبْدٌ ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَرْبَعِينَ يَوْماً إِلَّا زَهَّدَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الدُّنْيَا وَ بَصَّرَهُ دَاءَهَا وَ دَوَاءَهَا فَأَثْبَتَ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ وَ أَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ ثُمَّ تَلَا - إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ ذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ كَذلِك نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ فَلَا تَرَى صَاحِبَ بِدْعَةٍ إِلَّا ذَلِيلًا وَ مُفْتَرِياً عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ عَلَى رَسُولِهِ ص وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ ص إِلَّا ذَلِيلًا.(3)

•

قال أميرالمؤمنين عليه السلام في غرر الحكم:

الْإِخْلَاصُ أَشْرَفُ نِهَايَة

الْإِخْلَاصُ غَايَةُ الدِّينِ‌.

الْإِخْلَاصُ عِبَادَةُ الْمُقَرَّبِينَ‌.

الْإِخْلَاصُ مِلَاك الْعِبَادَةِ‌.

الْإِخْلَاصُ أَعْلَى الْإِيمَانِ‌.


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 16.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 16.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 16.

الْإِخْلَاصُ شِيمَةُ أَفَاضِلِ النَّاسِ‌.

فِي إِخْلَاصِ الْأَعْمَالِ تَنَافُسُ أُولِي [النُّهَى وَ] الْأَلْبَاب

كُلَّمَا أَخْلَصْتَ عَمَلًا بَلَغْتَ مِنَ الآْخِرَةِ أَمَلا

غَايَةُ الْيَقِينِ الْإِخْلَاصُ‌.

أَيْنَ الَّذِينَ أَخْلَصُوا أَعْمَالَهُمْ لِلَّهِ وَ طَهَّرُوا قُلُوبَهُمْ لِمَوَاضِعِ نَظَرِ اللَّهِ‌.

لَوِ ارْتَفَعَ الْهَوَى لَأَنِفَ غَيْرُ الْمُخْلِصِ مِنْ عَمَلِهِ‌.

الْعَمَلُ كُلُّهُ هَبَاءٌ إِلَّا مَا أُخْلِصَ فِيه

ضَاعَ مَنْ كَانَ لَهُ مَقْصَدٌ غَيْرُ اللَّهِ‌.

ألعبادة الخالصة أن لا يرجوا الرّجل الّا ربّه و لا يخاف إلّا ذنبه

الزُّهْدُ سَجِيَّةُ الْمُخْلِصِينَ‌.

سَبَبُ الْإِخْلَاصِ الْيَقِينُ‌.

الْإِخْلَاصُ ثَمَرَةُ الْيَقِينِ‌.

إِخْلَاصُ الْعَمَلِ مِنْ قُوَّةِ الْيَقِينِ وَ صَلَاحِ النِّيَّةِ‌.

الْإِخْلَاصُ ثَمَرَةُ الْعِبَادَةِ‌.

عَلَى قَدْرِ [قُوَّةِ‌] الدِّينِ يَكُونُ خُلُوصُ النِّيَّةِ‌.

ثَمَرَةُ الْعِلْمِ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ‌.

قَلِّلِ الآْمَالَ تَخْلُصْ لَك الْأَعْمَال

أَوَّلُ الْإِخْلَاصِ الْيَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ‌.

أَصْلُ الْإِخْلَاصِ الْيَأْسُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ‌.

مَنْ رَغِبَ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ أَخْلَصَ عَمَلَهُ‌.

مَنْ رَغِبَ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ أَخْلَصَ عَمَلَه

كَيْفَ يَسْتَطِيعُ الْإِخْلَاصَ مَنْ يَغْلِبُهُ الْهَوَى

غَايَةُ الْإِخْلَاصِ الْخَلَاصُ‌.

الْمُخْلِصُ حَرِيٌ بِالْإِجَابَةِ‌.

عِنْدَ تَحَقُّقِ الْإِخْلَاصِ تَسْتَنِيرُ الْبَصَائِرُ.

بِالْإِخْلَاصِ تُرْفَعُ الْأَعْمَالُ‌

لَوْ خَلَصَتِ النِّيَّاتُ لَزَكَتِ الْأَعْمَالُ‌.

مَنْ أَخْلَصَ النِّيَّةَ تَنَزَّهَ عَنِ الدَّنِيَّة

فِي إِخْلَاصِ النِّيَّاتِ نَجَاحُ الْأُمُورِ.

أَخْلِصْ تَنَل

مَنْ أَخْلَصَ بَلَغَ الآْمَالَ‌.(1)

• عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ص النَّاسَ بِمِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ نَضَّرَ اللَّهُ عَبْداً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ثُمَّ بَلَّغَهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ وَ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَ النَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَ اللُّزُومُ لِجَمَاعَتِهِمْ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ مُحِيطَةٌ مَنْ وَرَاءَهُمْ الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ‌

1) . راجع: ميزان الحكمة، ج 3 ص 56-68.

يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَ هُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ‌.(1)

•

عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ ع قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع الدُّنْيَا كُلُّهَا جَهْلٌ إِلَّا مَوَاضِعَ الْعِلْمِ وَ الْعِلْمُ كُلُّهُ حُجَّةٌ إِلَّا مَا عُمِلَ بِهِ وَ الْعَمَلُ كُلُّهُ رِيَاءٌ إِلَّا مَا كَانَ مُخْلَصاً وَ الْإِخْلَاصُ عَلَى خَطَرٍ حَتَّى يَنْظُرَ الْعَبْدُ بِمَا يُخْتَمُ لَهُ‌.(2)

•

عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا أَخْلَصَ عَبْدٌ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً إِلَّا جَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَة مِنْ قَلبِهِ عَلَى لِسٰانِهِ‌.(3)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام يقول: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَ فِيهِ أَوْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَ كَانَ فِي ظِلِّ عَرْشِ اللَّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ رَجُلٌ أَعْطَى النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ مَا هُوَ سَائِلُهُمْ لَهَا وَ رَجُلٌ لَمْ يُقَدِّمْ رِجْلًا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِك لِلَّهِ رِضًا أَوْ يَحْبِسَ وَ رَجُلٌ لَمْ يَعِبْ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ بِعَيْبٍ حَتَّى يَنْفِيَ ذَلِك الْعَيْبَ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَفِي عَنْهُ عَيْبٌ إِلَّا بَدَا لَهُ عَيْبٌ وَ كَفَى بِالْمَرْءِ شُغُلًا بِنَفْسِهِ عَنِ النَّاسِ‌.(4)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: إِنَ الْمُؤْمِنَ لَيَخْشَعُ لَهُ كُلُ شَيْ‌ءٍ وَ يَهَابُهُ كُلُّ شَيْ‌ءٍ ثُمَّ قَالَ إِذَا كَانَ مُخْلِصًا لِلَّهِ أَخَافَ اللَّهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْ‌ءٍ حَتَّى هَوَامَّ الْأَرْضِ وَ سِبَاعَهَا وَ طَيْرَ السَّمَاءِ‌.(5)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: مَنْ أَحَبَ لِلَّهِ وَ أَبْغَضَ لِلَّهِ وَ أَعْطَى لِلَّهِ وَ مَنَعَ لِلَّهِ فَهُوَ مِمَّنْ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 242.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 242.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 242.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 243.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 248.

كَمَلَ إِيمَانُهُ‌.(1)

• قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: خَرَجَ ثَلَاثُ نَفَرٍ يَسِيحُونَ فِي الْأَرْضِ فَبَيْنَا هُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ فِي كَهْفٍ فِي قُلَّةِ جَبَلٍ حَتَّى بَدَتْ صَخْرَةٌ مِنْ أَعْلَى الْجَبَلِ حَتَّى الْتَقَمَتْ بَابَ الْكَهْفِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عِبَادَ اللَّهِ وَ اللَّهِ مَا يُنْجِيكُمْ مِمَّا وَقَعْتُمْ إِلَّا أَنْ تَصْدُقُوا اللَّهَ فَهَلُمَّ مَا عَمِلْتُمْ لِلَّهِ خَالِصاً فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ بِالذُّنُوبِ فَقَالَ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي طَلَبْتُ امْرَأَةً لِحُسْنِهَا وَ جَمَالِهَا فَأَعْطَيْتُ فِيهَا مَالًا ضَخْماً حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا وَ جَلَسْتُ مِنْهَا مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنَ الْمَرْأَةِ ذَكَرْتُ النَّارَ فَقُمْتُ عَنْهَا فَرَقاً مِنْك اللَّهُمَّ فَادْفَعْ عَنَّا هَذِهِ الصَّخْرَةَ فَانْصَدَعَتْ حَتَّى نَظَرُوا إِلَى الصَّدْعِ ثُمَّ قَالَ الآْخَرُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ قَوْماً يَحْرُثُونَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ فَلَمَّا فَرَغُوا أَعْطَيْتُهُمْ أُجُورَهُمْ فَقَالَ أَحَدُهُمْ قَدْ عَمِلْتُ عَمَلَ اثْنَيْنِ وَ اللَّهِ لَا آخُذُ إِلَّا دِرْهَماً وَاحِداً وَ تَرَك مَالَهُ عِنْدِي فَبَذَرْتُ بِذَلِك النِّصْفِ الدِّرْهَمِ فِي الْأَرْضِ فَأَخْرَجَ اللَّهُ مِنْ ذَلِك رِزْقاً وَ جَاءَ صَاحِبُ النِّصْفِ الدِّرْهَمِ فَأَرَادَهُ فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ ثَمَانَ عَشْرَةَ آلَافٍ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّمَا فَعَلْتُهُ مَخَافَةً مِنْك فَادْفَعْ عَنَّا هَذِهِ الصَّخْرَةَ قَالَ فَانْفَجَرَتْ عَنْهُمْ حَتَّى نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ إِنَّ الآْخَرَ قَالَ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ أَبِي وَ أُمِّي كَانَا نَائِمَيْنِ فَأَتَيْتُهُمَا بِقَعْبٍ مِنْ لَبَنٍ فَخِفْتُ إِنْ أَضَعْهُ أَنْ تَمُجَّ فِيهِ هَامَّةٌ وَ كَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا فَيَشُقَّ ذَلِك عَلَيْهِمَا فَلَمْ أَزَلْ كَذَلِك حَتَّى اسْتَيْقَظَا وَ شَرِبَا اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِك ابْتِغَاءَ وَجْهِك فَادْفَعْ عَنَّا هَذِهِ الصَّخْرَةَ فَانْفَرَجَتْ لَهُمْ طَرِيقَهُمْ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ص مَنْ صَدَقَ اللَّهَ نَجَا.(2)

1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 248.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 244.

•

عن المفضّل بن صالح قال: قَالَ لِي مَوْلَايَ الصَّادِقُ ع يَا مُفَضَّلُ إِنَ لِلَّهِ تَعَالَى عِبَاداً عَامَلُوهُ بِخَالِصٍ مِنْ سِرِّهِ فَقَابَلَهُمْ بِخَالِصٍ مِنْ بِرِّهِ فَهُمُ الَّذِينَ تَمُرُّ صُحُفُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَارِغاً فَإِذَا وَقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ مَلَأَهَا لَهُمْ مِنْ سِرِّ مَا أَسَرُّوا إِلَيْهِ فَقُلْتُ وَ كَيْفَ ذَاك يَا مَوْلَايَ فَقَالَ أَجَلَّهُمْ أَنْ تَطَّلِعَ الْحَفَظَةُ عَلَى مَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُمْ‌.(1)

•

قال الصادق عليه السلام: الْإِخْلَاصُ يَجْمَعُ حَوَاصِلَ الْأَعْمَالِ وَ هُوَ مَعْنًى مِفْتَاحُهُ الْقَبُولُ وَ تَوْقِيعُهُ الرِّضَا فَمَنْ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ وَ رَضِيَ عَنْهُ فَهُوَ الْمُخْلِصُ وَ إِنْ قَلَّ عَمَلُهُ وَ مَنْ لَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْهُ فَلَيْسَ بِمُخْلِصٍ وَ إِنْ كَثُرَ عَمَلُهُ اعْتِبَاراً بِ‌آدَمَ ع وَ إِبْلِيسَ وَ عَلَامَةُ الْقَبُولِ وُجُودُ الِاسْتِقَامَةِ بِبَذْلِ كُلِّ الْمَحَابِّ مَعَ إِصَابَةِ عِلْمِ كُلِّ حَرَكَةٍ وَ سُكُونٍ فَالْمُخْلِصُ ذَائِبٌ رُوحُهُ بازل [بَاذِلٌ‌] مُهْجَتَهُ فِي تَقْوِيمِ مَا بِهِ الْعِلْمُ وَ الْأَعْمَالُ وَ الْعَامِلُ وَ الْمَعْمُولُ بِالْعَمَلِ لِأَنَّهُ إِذَا أَدْرَك ذَلِك فَقَدْ أَدْرَك الْكُلَّ وَ إِذَا فَاتَهُ ذَلِك فَاتَهُ الْكُلُّ وَ هُوَ تَصْفِيَةُ مَعَانِي التَّنْزِيهِ فِي التَّوْحِيدِ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ هَلَك الْعَامِلُونَ إِلَّا الْعَابِدُونَ وَ هَلَك الْعَابِدُونَ إِلَّا الْعَالِمُونَ وَ هَلَك الْعَالِمُونَ إِلَّا الصَّادِقُونَ وَ هَلَك الصَّادِقُونَ إِلَّا الْمُخْلِصُونَ وَ هَلَك الْمُخْلِصُونَ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَ هَلَك الْمُتَّقُونَ إِلَّا الْمُوقِنُونَ وَ إِنَّ الْمُوقِنِينَ لَعَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ص وَ اعْبُدْ رَبَّك حَتَّى يَأْتِيَك الْيَقِينُ وَ أَدْنَى حَدِّ الْإِخْلَاصِ بَذْلُ الْعَبْدِ طَاقَتَهُ ثُمَّ لَا يَجْعَلُ لِعَمَلِهِ عِنْدَ اللَّهِ قَدْراً فَيُوجِبَ بِهِ عَلَى رَبِّهِ مُكَافَاةً بِعَمَلِهِ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَوْ طَالَبَهُ بِوَفَاءِ حَقِّ الْعُبُودِيَّةِ لَعَجَزَ وَ أَدْنَى مَقَامِ الْمُخْلِصِ فِي الدُّنْيَا السَّلَامَةُ مِنْ جَمِيعِ الآْثَامِ وَ فِي الآْخِرَةِ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ وَ الْفَوْزُ بِالْجَنَّةِ‌.(2)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 252.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 245.

•

عن النبىّ صلى الله عليه و آله قال: مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً فَجَّرَ اللَّهُ يَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ‌.(1)

•

عن أبي جعفر الجواد عليه السلام قال: أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الْإِخْلَاصُ‌.(2)

•

عن الصادق عليه السلام قال: مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ عَلَى عَبْدٍ أَجَلَّ مِنْ أَنْ لَا يَكُونَ فِي قَلْبِهِ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ غَيْرُهُ‌.(3)

•

عن سيّدة النساء صلوات اللّٰه عليها قالت: مَنْ أَصْعَدَ إِلَى اللَّهِ خَالِصَ عِبَادَتِهِ أَهْبَطَ اللَّهُ إِلَيْهِ أَفْضَلَ مَصْلَحَتِه.(4)

•

عن العسكرى عليه السلام قال: لَوْ جَعَلْتُ الدُّنْيَا كُلَّهَا لُقْمَةً وَاحِدَةً ثُمَ لَقَّمْتُهَا مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ خَالِصاً لَرَأَيْتُ أَنِّي مُقَصِّرٌ فِي حَقِّهِ وَ لَوْ مَنَعْتُ الْكَافِرَ مِنْهَا حَتَّى يَمُوتَ جُوعاً وَ عَطَشاً ثُمَّ أَذَقْتُهُ شَرْبَةً مِنَ الْمَاءِ لَرَأَيْتُ أَنِّي قَدْ أَسْرَفْتُ‌.(5)

•

و كان عيسى عليه السلام يقول للحواريين: إِذَا كَانَ صَوْمُ أَحَدِكُمْ فَلْيُدَهِّنْ رَأْسَهُ وَ لِحْيَتَهُ وَ يَمْسَحْ شَفَتَيْهِ بِالزَّيْتِ لِئَلَّا يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ صَائِمٌ وَ إِذَا أَعْطَى بِيَمِينِهِ فَلْيُخْفِ عَنْ شِمَالِهِ وَ إِذَا صَلَّى فَلْيُرْخِ سَتْرَ بَابِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْسِمُ الثَّنَاءَ كَمَا يَقْسِمُ الرِّزْقَ‌.(6)

•

عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَعْظَمُ الْعِبَادَةِ أَجْراً


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 249.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 249.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 249.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 249.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 250.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 250.

أَخْفَاهَا.(1)

•

أوحى الله إلى نبي من أنبيائه و أن العمل الصالح إذا كتمه العبد و أخفاه أبى الله عز و جل إلا أن يظهره ليزينه به مع ما يدخره له من ثواب الآخرة.(2)

•

عن عبّاس بن هلال قال: سَمِعْتُ الرِّضَا ع يَقُولُ الْمُسْتَتِرُ بِالْحَسَنَةِ تَعْدِلُ سَبْعِينَ حَسَنَةً وَ الْمُذِيعُ بِالسَّيِّئَةِ مَخْذُولٌ وَ الْمُسْتَتِرُ بِالسَّيِّئَةِ مَغْفُورٌ لَهُ‌.(3)

•

قال علىّ بن أبى طالب عليه السلام: مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ إِخْفَاءُ الْعَمَلِ وَ الصَّبْرُ عَلَى الرَّزَايَا وَ كِتْمَانُ الْمَصَائِبِ‌.(4)

•

عن الرضا عليه السلام قال: مَنْ شَهَّرَ نَفْسَهُ بِالْعِبَادَةِ فَاتَّهِمُوهُ عَلَى دِينِهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يُبْغِضُ شُهْرَةَ الْعِبَادَةِ وَ شُهْرَةَ اللِّبَاس.(5)

•

قال أميرالمؤمنين عليه السلام:... طُوبَى لِمَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ عَمَلَهُ وَ عِلْمَهُ وَ حُبَّهُ وَ بُغْضَهُ وَ أَخْذَهُ وَ تَرْكَهُ وَ كَلَامَهُ وَ صَمْتَهُ وَ فِعْلَهُ وَ قَوْلَه.(6)

•

قال أميرالمؤمنين عليه السلام:... تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ خَيْرٌ مِنَ الْعَمَل.(7)

•

قال أميرالمؤمنين عليه السلام:... تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَلِ وَ تَخْلِيصُ النِّيَّةِ عَنِ الْفَسَادِ


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 251.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 251

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 251.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 251.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 251.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 291.

7) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 90.

أَشَدُّ عَلَى الْعَامِلِينَ مِنْ طُولِ الْجِهَاد.(1)

•

فيما ناجى اللّٰه تعالى موسى: يَا مُوسَى مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهِي فَكَثِيرٌ قَلِيلُهُ وَ مَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرِي فَقَلِيلٌ كَثِيرُهُ‌.(2)

•

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله (مخاطباً لابن مسعود): يَا ابْنَ مَسْعُودٍ إِذَا عَمِلْتَ عَمَلًا فَاعْمَلْ لِلَّهِ خَالِصًا لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ مِنْ عِبَادِهِ الْأَعْمَالَ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصاً فَإِنَّهُ يَقُولُ وَ ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَ لَسَوْفَ يَرْضى.(3)

•

قال النبىّ صلى الله عليه و آله: إِنَ لِكُلِ حَقٍ حَقِيقَةً وَ مَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِخْلَاصِ حَتَّى لَا يُحِبَّ أَنْ يُحْمَدَ عَلَى شَيْ‌ءٍ مِنْ عَمَلٍ لِلَّهِ‌.(4)

•

قال على عليه السلام: إِنَ لِلَّهِ عِبَاداً عَامَلُوهُ بِخَالِصٍ مِنْ سِرِّهِ فَشَكَرَ لَهُمْ بِخَالِصٍ مِنْ شُكْرِهِ فَأُولَئِك تَمُرُّ صُحُفُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُرُغاً فَإِذَا وَقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ مَلَأَهَا لَهُمْ مِنْ سِرِّ مَا أَسَرُّوا إِلَيْهِ‌.(5)

•

قال الباقر عليه السلام: يا جابر... وَ ادْفَعْ عَنْ نَفْسِك حَاضِرَ الشَّرِّ بِحَاضِرِ الْعِلْمِ وَ اسْتَعْمِلْ حَاضِرَ الْعِلْمِ بِخَالِصِ الْعَمَلِ وَ تَحَرَّزْ فِي خَالِصِ الْعَمَلِ مِنْ عَظِيمِ الْغَفْلَةِ بِشِدَّةِ التَّيَقُّظِ - وَ اسْتَجْلِبْ شِدَّةَ التَّيَقُّظِ بِصِدْقِ الْخَوْف.(6)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 288.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 36.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 103.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 304.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 64.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 163.

•

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله:... أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصاً لَمْ يَخْلِطْ مَعَهَا غَيْرَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ فَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ص بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي وَ كَيْفَ يَقُولُهَا مُخْلِصاً لَا يَخْلِطُ مَعَهَا غَيْرَهَا فَسِّرْ لَنَا هَذَا حَتَّى نَعْرِفَهُ فَقَالَ نَعَمْ حِرْصاً عَلَى الدُّنْيَا وَ جَمْعاً لَهَا مِنْ غَيْرِ حِلِّهَا وَ رَضًى بِهَا وَ أَقْوَامٌ يَقُولُونَ أَقَاوِيلَ الْأَخْيَارِ وَ يَعْمَلُونَ أَعْمَالَ الْجَبَابِرَةِ فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَيْسَ فِيهِ شَيْ‌ءٌ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ وَ هُوَ يَقُولُ - لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَلَهُ الْجَنَّةَ فَإِنْ أَخَذَ الدُّنْيَا وَ تَرَك الآْخِرَةَ فَلَهُ النَّار.(1)

•

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ لَا أَطَّلِعُ عَلَى قَلْبِ عَبْدٍ فَأَعْلَمَ مِنْهُ حُبَّ الْإِخْلَاصِ لِطَاعَتِي لِوَجْهِي وَ ابْتِغَاءِ مَرْضَاتِي إِلَّا تَوَلَّيْتُ تَقْوِيمَهُ وَ سِيَاسَتَهُ وَ مَنِ اشْتَغَلَ فِي صَلَاتِهِ بِغَيْرِي فَهُوَ مِنَ الْمُسْتَهْزِءِينَ بِنَفْسِهِ وَ مَكْتُوبٌ اسْمُهُ فِي دِيوَانِ الْخَاسِرِينَ‌.(2)

•

قال على بن الحسين عليه السلام:... فَأَمَّا حَقُ اللَّهِ الْأَكْبَرُ عَلَيْك فَأَنْ تَعْبُدَهُ لَا تُشْرِك بِهِ شَيْئاً فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِك بِإِخْلَاصٍ جَعَلَ لَك عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَكْفِيَك أَمْرَ الدُّنْيَا وَ الآْخِرَة(3).

•

في وصيّة أبي الحسن موسى عليه السلام لهشام بن الحكم: يا هشام انّ المسيح عليه السلام قال للحواريّين:... يَا عَبِيدَ السَّوْءِ نَقُّوا الْقَمْحَ وَ طَيِّبُوهُ وَ أَدِقُّوا طَحْنَهُ تَجِدُوا طَعْمَهُ وَ يَهْنِئْكُمْ أَكْلُهُ كَذَلِك فَأَخْلِصُوا الْإِيمَانَ وَ أَكْمِلُوهُ تَجِدُوا حَلَاوَتَهُ وَ يَنْفَعْكُمْ غِبُّه.(4)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 73 ص 360.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 82 ص 136.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 3.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 307.

•

قال على عليه السلام:... تَمَامُ الْإِخْلَاصِ تَجَنُّبُ الْمَعَاصِي.(1)

•

في دعاء لعلىّ بن الحسين عليه السلام: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ اجْعَلْنَا مِمَّنْ جَاسُوا خِلَالَ دِيَارِ الظَّالِمِينَ وَ اسْتَوْحَشُوا مِنْ مُؤَانَسَةِ الْجَاهِلِينَ وَ سَمَوْا إِلَى الْعُلُوِّ بِنُورِ الْإِخْلَاص.(2)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 213.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 91 ص 126.

الرّذيلة التّاسعة و العشرون: الرّياء و السمعة

اشارة

الرّياء من الرّؤية، و السّمعة من السّماع، و المراد منهما في هذا العلم طلب الرفعة عند النّاس بما يعرض عليهم من الأفعال و الأقوال حيث يُخيّل إليهم أنّه لايعمل إلّاللّٰه، فله منزلةٌ عاليةٌ عنده تعالى و من المعلوم انّ ذلك يتوقّف على القصد و النيّة و ذلك القصد قد يكون ملكة و هو المراد هنا و قد لا يكون ملكة و هو و ان كان من المحرّمات الكبيرة عقلاً و شرعاً إلّاانّه ليس مورد البحث هنا.

فالبحث فعلاً في الرّياء و السمعة الّذَين ينشئان من الملكة.

و تلك الرذيلة كسائر الملكات مقولة بالتشكيك و المرتبة الضعيفة منها خدعةً بعرض خير الخصال عليهم مع الاعتقاد بالمبدأ الواحد الأحد و بالمعاد. فهو مع عقد القلب على معتقدات المسلمين يعمل الخيرات رياءً و سمعة و يطلب بذلك منزلةً عند النّاس و هذا هو موضوع البحث و عليه يترتّب الذّنب العظيم الّذي هو في حدّ الكفر

باللّٰه تعالى و بطلان العمل اجماعاً من الاعلام. و ما يترائى من المرتضى من ذهابه إلى صحّة العمل مع عدم الثواب عليه فمضافاً إلى كونه خرق الاجماع فلا يُلتف إليه، لا يُعبأ به لأنّه كلام مجمل لا يُعلم مراده.

قال اللّٰه تعالى: (لاٰ تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اَلْأَذىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مٰالَهُ رِئٰاءَ اَلنّٰاسِ وَ لاٰ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ).(1)

و قال تعالى: (وَ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ رِئٰاءَ اَلنّٰاسِ وَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لاٰ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ مَنْ يَكُنِ اَلشَّيْطٰانُ لَهُ قَرِيناً فَسٰاءَ قَرِيناً).(2)

و قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاٰتِهِمْ سٰاهُونَ * اَلَّذِينَ هُمْ يُرٰاؤُنَ * وَ يَمْنَعُونَ اَلْمٰاعُونَ‌).(3)

و هذه المرتبة ايضاً مقولة بالتشكيك و هي على ثلاثة اقسام و ان شئت قلت على ثلاث مراتب:

الف: ان يأتى بالعمل للّٰه‌تعالى و لكن المحرّك و الدّاعى هو طلب المنزلة في قلوب النّاس بارائة العمل عليهم أو اسماعه لهم فهى من باب الدّاعى على الدّاعى، فالدّاعى هو الرّئاء و السمعة لا اصل العمل.

و لمّا كان هذا العمل مصداق الرّئاء و السمعة عرفاً، فهو المنهىّ عنه في الآيات و الرّوايات السالف ذكرها آنفاً، ففيه مضافاً إلى فساده، ذنب عظيم.


1) . البقره، 264.

2) . النّساء، 38.

3) . الماعون، 4-7.

و ادّعاء انّ هذا ليس مصداقاً للآيات و الروايات ضعيف جدّاً بل يمكن ان يدّعى انّ هذه المرتبة هي الشائعة عند المرائيّين فهو الفرد الأجلى من الرئاء، و غيرها من المراتب غير شائعةٍ عندهم.

ب: ان يأتى بالعمل للّٰه‌تعالى و للنّاس، فهو مع انّه يأتى بالعمل لاسقاط التكليف و التقرّب إلى اللّٰه تعالى، ينوى به التقرّب إلى النّاس ايضاً فالعمل فاسد و صاحبه مشرك، و في كثيرٍ من الروايات عُدَّ هذا العامل مشركاً منها قول أبي جعفر عليه السلام: لَوْ أَنَ عَبْداً عَمِلَ عَمَلًا يَطْلُبُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ الدَّارَ الآْخِرَةَ فَأَدْخَلَ فِيهِ رِضَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ كَانَ مُشْرِكًا.(1)

ج: ان يأتى بالعمل للتقرّب إلى النّاس و رضاهم من غير دخلٍ للقرب إلى اللّٰه فيه فالعامل كافرٌ كما قد عُدَّ في جملةٍ من النصوص منهم، منها قول الصادق عليه السلام عن ابيه عليه السلام: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص سُئِلَ فِيمَا النَّجَاةُ غَداً قَالَ النَّجَاةُ أَلَّا تُخَادِعُوا اللَّهَ فَيَخْدَعَكُمْ فَإِنَّ مَنْ يُخَادِعُ اللَّهَ يَخْدَعُهُ وَ نَفْسَهُ يَخْدَعُ لَوْ شَعَرَ فَقِيلَ لَهُ وَ كَيْفَ يُخَادِعُ اللَّهَ قَالَ يَعْمَلُ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ثُمَّ يُرِيدُ بِهِ غَيْرَهُ فَاتَّقُوا الرِّيَاءَ فَإِنَّهُ شِرْك بِاللَّهِ إِنَّ الْمُرَائِيَ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ يَا كَافِرُ يَا فَاجِرُ يَا غَادِرُ يَا خَاسِرُ حَبَطَ عَمَلُك وَ بَطَلَ أَجْرُك وَ لَا خَلَاقَ لَك الْيَوْمَ فَالْتَمِسْ أَجْرَك مِمَّنْ كُنْتَ تَعْمَلُ لَهُ‌.(2)

و قد أشرنا إلى اطلاق المشرك على هذا العامل أيضاً في عدّةٍ من الروايات، كما في هذا الحديث الشريف.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 297.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 295.

فهو كافر لانّه لم يرد اللّٰه تعالى بل اراد غيره من المخلوقين و مشرك لانّه كمن يعبد الاصنام، و عبدة الاصنام مشركون لأنّهم أرادوا قرب اللّٰه تعالى و لكنهم بما جعلوا الاصنام وسيلة لهم فقد أشركوا في عملهم، كما يُشاهد في هذا العامل.

و أمّا المرتبة الوسطى من الرّياء، فهى ان يخدع اللّٰه بان يريد القرب إليه تعالى بعمله مع انّه لم يكن له تعالى، و هذا حال كثير من النّاس بما يحكم عليهم الجهل المركّب.

سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع عَنْ عَظِيمِ الشقاق [الشَّقَاءِ‌] قَالَ رَجُلٌ تَرَك الدُّنْيَا لِلدُّنْيَا فَفَاتَتْهُ الدُّنْيَا وَ خَسِرَ الآْخِرَةَ وَ رَجُلٌ تَعَبَّدَ وَ اجْتَهَدَ وَ صَامَ رِئَاءَ النَّاسِ فَذَلِك الَّذِي حُرِمَ لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَ لَحِقَهُ التَّعَبُ الَّذِي لَوْ كَانَ بِهِ مُخْلِصاً لَاسْتَحَقَّ ثَوَابَهُ فَوَرَدَ الآْخِرَةَ وَ هُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ عَمِلَ مَا يَثْقُلُ بِهِ مِيزَانُهُ فَيَجِدُهُ هَبَاءً مَنْثُوراً.(1)

و قال اللّٰه تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمٰالاً * اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً).(2)

بل كثير من النّاس يخدعون اللّٰه مع علمهم بقيح خداع اللّٰه، نعوذ باللّٰه من الرّذائل، و لا تتوهّم انّه غير سائغ في الناس، لاتّفاق الوحى و الحديث على الإخبار عن شيوعه فيهم.

قال تعالى: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللّٰهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمٰا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ أَلاٰ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْكٰاذِبُونَ‌).(3)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 300.

2) . الكهف، 104-103.

3) . مجادلة، 18.

و سئل عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فِيمَا النَّجَاةُ غَداً قَالَ النَّجَاةُ أَلَّا تُخَادِعُوا اللَّهَ فَيَخْدَعَكُمْ فَإِنَّ مَنْ يُخَادِعُ اللَّهَ يَخْدَعُهُ وَ نَفْسَهُ يَخْدَعُ لَوْ شَعَرَ فَقِيلَ لَهُ وَ كَيْفَ يُخَادِعُ اللَّهَ قَالَ يَعْمَلُ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ثُمَّ يُرِيدُ بِهِ غَيْرَهُ فَاتَّقُوا الرِّيَاء.(1)

و السرّ في ذلك انّ الرّذيلة - أيّ رذيلة كانت - تستقرّ في النّفس بعد رسوخها فيها فتصير ستراً و حجاباً لنفس الامر و الواقع فهو صمّ بكم عمي لايتعقّل و لا يدرك الواقع بل يعمل على شاكلته فالكذّاب يكذب مع علمه بانّ مخاطبه يعلم انّه يكذب، و المرائى يعمل مع علمه بانّ اللّٰه تعالى يعلم حاله، و الظّالم يرى نفسه محقّاً مع علمه بانّ النّاس يعلمون عدم استحقاقه و هكذا في غيرها من الرذائل.

قال تعالى: (أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ وَ أَضَلَّهُ اَللّٰهُ عَلىٰ عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلىٰ سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلىٰ بَصَرِهِ غِشٰاوَةً‌).(2)

و قال تعالى: (وَ لَقَدْ ذَرَأْنٰا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاٰ يَفْقَهُونَ بِهٰا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاٰ يُبْصِرُونَ بِهٰا وَ لَهُمْ آذٰانٌ لاٰ يَسْمَعُونَ بِهٰا أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْغٰافِلُونَ‌).(3)

و أمّا المرتبة الشديدة من الرّئاء فهو النّفاق و هو ان يتظاهر بالايمان حالكونه يعمل لغير اللّٰه طلباً للمنزلة في قلوب النّاس و هو اسوء حالاً من الكافر.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 295.

2) . الجاثية، 23.

3) . الاعراف، 179.

قال تعالى: (إِنَّ اَلْمُنٰافِقِينَ فِي اَلدَّرْكِ اَلْأَسْفَلِ مِنَ اَلنّٰارِ)(1).

و هم الّذين انزل اللّٰه فيهم آيات في اوّل سورة البقرة و يظهر من تلك الآيات انّ المنافق اسوء حالاً و اضرّ وجوداً من الكافر و انزل اللّٰه فيهم سورة سمّيت بالمنافقين كما قد انزل اللّٰه تعالى في مطاوى القرآن آيات كثيرة أخرى فيهم و من تلك الآيات ما يدلّ على انّهم يخادعون اللّٰه و الّذين آمنوا و ذلك برئائهم في أعمالهم.

قال تعالى: (إِنَّ اَلْمُنٰافِقِينَ يُخٰادِعُونَ اَللّٰهَ وَ هُوَ خٰادِعُهُمْ وَ إِذٰا قٰامُوا إِلَى اَلصَّلاٰةِ قٰامُوا كُسٰالىٰ يُرٰاؤُنَ اَلنّٰاسَ وَ لاٰ يَذْكُرُونَ اَللّٰهَ إِلاّٰ قَلِيلاً * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاٰ إِلىٰ هٰؤُلاٰءِ وَ لاٰ إِلىٰ هٰؤُلاٰءِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللّٰهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً).(2)

و قال اللّٰه تعالى: (وَ لاٰ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ بَطَراً وَ رِئٰاءَ اَلنّٰاسِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ بِمٰا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).(3)

و ما أصاب الإسلام من المنافقين و يصيب منهم هو اضرّ ممّا نال و ينال من الكافرين و المشركين كما يُشاهد في عصرنا هذا.

انّا للّٰه‌و انّا إليه راجعون، كتبت هذه الاسطر في الساعة الأخيرة من يوم العاشر لمحرّم سنة 1415 و نبّهت فيها على أنّ النفاق و المنافقين أشدّ خطراً على الإسلام من الكفّار و المشركين فاذاً بالتلفزة القوميّة اذاعت خبراً عمّا قام به منافقٌ من انفجار قنبلةٍ قرب ضريح ثامن الحّج المقدّس سلام اللّٰه عليه، حيث قتل أزيد من عشرين


1) . النّساء، 145.

2) . النّساء، 142، 143.

3) . الانفال، 47.

زائراً كما قد جرح منهم ما يقرب من مأتي نفس أو أريد، فيا للإنسان إذا غلب عليه الشقاء و تمكّن في نفسه الرذائل يقوم بما يحذر منه السباع.

فالإنسان لو غلب عليه رذيلة يهبط إلى أسفل الدرجات فيقتل ولىّ اللّٰه في بيت اللّٰه قربة إلى اللّٰه و يقتل اولياء اللّٰه في حرم الامام يوم العاشوراء بلا جرم و ذنب بما يخيّل إليه الشيطان، حيث كان له قريناً فيتمكّن من خداعه.

اللّهمّ بحقّ صاحب يوم العاشور و بحقّ صاحب تلك الروضة الشريفة و بحقّ اولئك الشّهداء الّذين استُشهِدوا فيها، خذ المنافقين اخذ عزيز مقتدر و سلّط عليهم من لا يرحمهم و افضحهم و استشف قلوبنا بقتلهم و قصاصهم سريعاً عاجلاً انشاء اللّٰه.(1)

تنبيهات

التنبيه الاول: قد اشتهر انّ الرئاء باعتبار الحكم ينقسم باقسام خمسة، و هي الحرام و المكروه و المباح و المستحبّ و الواجب.

أمّا الحرام، فقد مضى ذكره و هو طلب المنزلة في قلوب النّاس بعرضه عليهم عمل خير كالصّلوة واجبةً أو مستحبّةً و الانفاق كذلك، و هو الّذي سلب الوحىُ الايمانَ عن صاحبه ثمّ أخبر عن سوء ختامه بقوله فويلٌ‌....

قال تعالى: (أَ رَأَيْتَ اَلَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذٰلِكَ اَلَّذِي يَدُعُّ اَلْيَتِيمَ * وَ لاٰ يَحُضُّ عَلىٰ طَعٰامِ اَلْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاٰتِهِمْ سٰاهُونَ * اَلَّذِينَ هُمْ‌


1) . و لا يخفى انّ اللّٰه استجاب هذا الدّعاء من الاستاذ المعظّم بعد ايّام اقلّ من الشهر و قُتل عامل الانفجار - اسمه مهدى نحوى - في مدينة طهران بيد قُوى الأمن الايرانى.

يُرٰاؤُنَ * وَ يَمْنَعُونَ اَلْمٰاعُونَ‌).(1)

و أمّا المكروه، فهو طلب المنزلة عند النّاس بعرض عمل مكروه عليهم كاظهار الفقر - سيّما مع غناه - قولاً أو عملاً بحسب ملبسه أو مسكنه أو نحو ذلك مع انّ الإسلام كتاباً و سنّةً نهى تنزيهاً عنه و أمر ندباً باظهار الغناء.

قال تعالى: (يَحْسَبُهُمُ اَلْجٰاهِلُ أَغْنِيٰاءَ مِنَ اَلتَّعَفُّفِ‌).(2)

و قال تعالى: (وَ أَمّٰا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ‌).(3)

و في روايات كثيرة نهى تنزيهاً عن اظهار الذلّة و المسكنة و السؤال من غير احتياج بل استفادة الحرمة من بعضها ليس ببعيدٍ، فلذا اتّفق الاصحاب على عدم قبول شهادة السّائل بالكفّ‌.

و من المعلوم، انّ الحرمة فيما إذا كان اظهار المسكنة أو الذلّة و السؤال موجباً لذلّته و إلّافليس بحرام و على كلّ حال انّ اظهار الفقر مكروه بلا اشكال إلّاان يترتّب عليه عنوان آخر فيحرّمه أو يرجّحه، فراجع الروايات و اجمع بينها.

و أمّا المباح، فهو طلب المنزلة في قلوب النّاس بامر مباح كالفصاحة و البلاغة في الكلام سيّما إذا لم يكن فصيحاً بليغاً و التزيّن باللّباس و الدّار و نحو ذلك سيّما إذا لم يكن أهلاً لذلك التّجمّل فهو المرائى الّذي يريد طلب المنزلة بمثل هذه الأمور المباحة.


1) . الماعون، 1-7.

2) . البقرة، 273.

3) . الضّحىٰ‌، 11.

و أمّا المستحبّ من الرّئاء، فهو طلب المنزلة بعرض عمل مرغوب فيه عقلاً و شرعاً كالنّظافة و الخلق الحسن و نحوهما سيّما إذا كانتا على وجه التصنّع.

و أمّا الواجب من الرّئاء، فهو كالتّقيّة الّتي أمر بها الائمّة الطّاهرون عليهم السلام حتّى قال الصادق عليه السلام: لَا دِينَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَه.(1)

و ليست التقيّة إلّاعرض العمل مثل الصّلوة طبقاً لفتوى المخالفين و رأيهم طلباً للمنزلة عندهم و لو لعدم تعرّضهم له.

هذا خلاصة ما ذهب إليه الاصحاب من تقسيم الرّئاء باعتبار الاحكام، تقريراً و تحريراً و توضيحاً منّا،

و لكنّه للنّظر فيما اشتهر مجال واسع.

لانّه اوّلاً: انّ مقسم الرّئاء في هذا التّقسيم هو الرّئاء اللّغوى لا الرّئاء المصطلح عليه في علم الأخلاق، و الرّئاء المصطلح عليه و هو ضدّ الاخلاص يختصّ بالخير قولاً و فعلاً و لا يأتى في الأمور المكروهة و المرغوبة فيها عقلاً و المباحة، بل يمكن ان يقال انّها بحسب الاصطلاح مختصّةٌ بالتّعبّديات المشروطة بقصد القربة.

فمن البعيد صدق الرئاء على التوصّليات الّتي لاتبطل بالرئاء فيها؛ فتأمّل.

و ثانياً: انّ هذا التقسيم تكون بحسب تعلّق الصّفة بحال متعلّق الموصوف لا بالموصوف يعنى انّ متعلّق الرّئاء يكون مكروهاً أو مباحاً أو مستحبّاً أو واجباً لا نفس الرّياء.

فالرّئاء في التّقيّة لا يكون بواجب بل الواجب هو الصّلوة طبقاً لفتوى المخالفين،


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 217.

و الرّئاء في النّظافة ليس بمستحبّ بل النّظافة نفسها خلوة أو جلوة تكون مرغوباً فيها عقلاً و شرعاً.

و الرّئاء في التّعفّف ليس بمستحبّ و كذلك الرّياء في الفقر ليس بمكروه بل التّعفّف مرغوب فيه و الذّلّة مرغوب عنه.

و الرّئاء في التّلبّس و التّزيّن ليس بمباح بل المباح هو التّلبّس بالبسة فاخرة و التّزيّن بما يكون زينة.

فالرّئاء في غير العبادات لا يكون له حكم اصلاً بل انّه وسيلة لطلب المنزلة عند الناس، و طلب المنزلة ليس بواجب و لا بمستحبّ و لا بمكروه بل هو مباح كطلب المال إلّاان يترتّب عليه عنوان آخر خارج عن محلّ الكلام.

و بالجملة، انّ تقسيم الرّئاء باعتبار الاحكام الخمسة بالواجب و المندوب و المباح و المكروه و الحرام ليس له وجه، و لعلّ من أبدى هذا التقسيم نظر إلى متعلّق الرّئاء لا إلى نفس الرّئاء.

التنبيه الثانى: قد اشتهر انّ الرّئاء قد يكون بالقول كتغليظ الألفاظ في الصّلوة و كالمداومة على الأذكار المندوبة بمرئى النّاس أو الامر بالمعروف و النّهى عن المنكر عندهم، فلا اشكال في حرمة ذلك و فساد العمل.

و قد يكون في العمل كطول الرّكوع و السّجود و اطعام الفقراء و الانفاق عليهم، فلا اشكال في فساد العمل و حرمته.

و قد يكون في البدن كصفر اللّون و خفض الجناح و طول اللّحية و نحو ذلك و كالتّخشّع و التّأدّب في الصّلوة، فلا اشكال في حرمته و فساد العمل أيضاً.

و قد يكون في الزّىّ كلبس البسة محقّرة و التّعمّم و التّحنّك و نحو ذلك، فلا اشكال في الحرمة كما انّ الظّاهر فساد العمل لرجوع ذلك إلى الوصف للصّلوة فيسرى الرّئاءالصّلوة.

و قد يكون في الاعمال الخارجة عن العمل كالصّلوة في اوّل الوقت أو في المسجد أو في الجماعة و نحو ذلك، فلا اشكال في حرمة العمل و بطلان الصّلوة لرجوع ذلك كلّه إلى وصف العمل.

نعم، لو كان الرّئاء في مقدّمات العمل أو بعد العمل فهو حرام قطعاً إلّاانّه لا يوجب فساد العمل بمعنى لزوم الاعادة أو القضاء عليه، إلّاانّه يظهر من القرآن و بعض الرّوايات بطلان العمل كالمنّ و الأذى بعد العمل، بمعنى عدم ترتّب الثواب عليه بل لايبعد ترتّب العقاب عليه كذلك.

قال تعالى: (لاٰ تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اَلْأَذىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مٰالَهُ رِئٰاءَ اَلنّٰاسِ وَ لاٰ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ).(1)

و عن أبي جعفر عليه السلام انّه قال: الْإِبْقَاءُ عَلَى الْعَمَلِ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَلِ قَالَ وَ مَا الْإِبْقَاءُ عَلَى الْعَمَلِ قَالَ يَصِلُ الرَّجُلُ بِصِلَةٍ وَ يُنْفِقُ نَفَقَةً لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيك لَهُ فَكُتِبَ لَهُ سِرّاً ثُمَّ يَذْكُرُهَا وَ تُمْحَى فَتُكْتَبُ لَهُ عَلَانِيَةً ثُمَّ يَذْكُرُهَا فَتُمْحَى وَ تُكْتَبُ لَهُ رِيَاءً‌.(2)

قال العلّامة المجلسى قدس سره في مرآت العقول مذيّلاً على هذه الرّواية: أي: تبطل


1) . البقرة، 264.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 296.

ثوابه بل يعاقب عليه، و كذا في البحار في ذيل الرّواية.(1)

و هذا من موارد الحبط الّذي اتّفق عليه الآيات و الرّوايات بل ادّعى العلّامة المجلسى قدس سره في البحار تواتر الرّوايات عليه.(2)

التنبيه الثالث: مسئلة الحبط و التّكفير مسئلة كلاميّة مفصّلة خارجة عن هذا البحث إلّاانّه لا بأس بالتعرض لها على نحو الايجاز.

اشتهر بين المتكلّمين من الاماميّة بطلان الحبط و التّكفير، بمعنى بطلان عملٍ بعملٍ آخر من العقاب أو الثّواب فهذا لا يجوز عندهم عقلاً و شرعاً.

قال الخواجه نصير الدّين في التّجريد في بحث المعاد: و الاحباط باطل لاستلزامه الظّلم و لقوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره.(3)

و مراده من استلزام الظّلم، انّ الحبط يستلزم ان يكون المطيع بعد العصيان كالعاصى الّذي لم يطع اللّٰه اصلاً و هذا ظلم.

و فيه، انّه لو فرضنا انّ العصيان كالنّار الّتي تحرق المال و كالسّيل الّذي يهدم البناء فالمطيع بعد العصيان يكون بلا مال و بلا بناء فهو يساوى المعدم و هذا ليس بظلم اصلاً.

و بهذا يجاب عن الآية الشّريفة لانّ المثاب يرى يوم القيامة ثواب عمله مادام العمل له باقياً بل يظهر من الآية الشريفة انّه يرى نفس ما يعمل، لا جزائه و هذا من


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 292.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 5 ص 334.

3) . راجع: شرح التّجريد، ص 327 ط المصطفوى.

باب تجسّم العمل الّذي مرّ الكلام فيه سابقاً و أمّا لو عصى و احبط ما عمله فليس له عمل حتّى براه.

و العجب انّ هذا المحقّق الّذي يُعدّ مفخر الشّيعة ذهب قبل هذا الفصل بجواز الموافات، بانّ نيل الثواب على عمل مشروط بعدم وقوع معصية بعده كما أنّ نيل العقاب عليه مشروط بعدم وقوعها بعدها.

قال: و يجوز توقّف الثّواب على شرط و إلّالاثيب العارف باللّٰه تعالى خاصّة و هو مشروط بالموافاة لقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ‌) و قوله تعالى:

(مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ‌).(1)

و فيه، انّه يرد عليه نفس ما يرد على الحبط و التّكفير طابق النّعل بالنّعل.

و لقد اجاد العلّامة المجلسى قدس سره موجزاً في المجلّد الخامس و مفصّلاً في المجلّد الثّامن و الستّين من البحار، حيث استفاد مغزى الحقّ الحقيق بالتصديق من الآيات و الرّوايات بعد جعل كلام النصير و غيره من المتكلّمين من النزاع اللّفظى فراجع و تأمّل.(2)

و لقد افاد سيّدنا الاستاذ قدس سره في الميزان في المقام ما هو فوق المراد فراجع.(3)

اقول: يظهر من القرآن الكريم ظهوراً لايقبل التّأويل و من الرّوايات الّتي ادّعى حامل روايات أهل البيت - العلّامة المجلسى - تواترها: انّ بعض الحسنات


1) . راجع: شرح التجريد، ص 326 ط المصطفوى.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 5 ص 332-334؛ ج 68 ص 197-203.

3) . راجع: الميزان، ج 2 صص 167-191.

يُكفّر بعض السّيّئات و انّ بعض السّيّئات يُحبط بعض الحسنات.

فالحبط و التّكفير في الجملة على نحو القضايا المهملة و على نحو القضايا الحقيقيّة لا بالجملة كانّهما من ضروريّات القرآن و الرّوايات و نحن هيهنا نشير إلى بعض تلك الموارد.

و قبل ذلك ينبعى ان نشير إلى قانون يستظهر من القرآن و روايات أهل البيت عليهم السلام و هو تأثير اعمال العباد الصالحة و الطالحة تأثيراً بيّناً في انفسهم تارة و في مجتمعهم سيّما في اقربائهم أخرى و من اظهر الآيات في ذلك قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰاةً طَيِّبَةً‌)(1)و قوله تعالى: (وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرىٰ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ بَرَكٰاتٍ مِنَ اَلسَّمٰاءِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنٰاهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ‌)(2)و قوله تعالى: (ظَهَرَ اَلْفَسٰادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ بِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنّٰاسِ‌).(3)

و في تجسّم العمل ثالثة و في كون الاعمال نعماً في الجنّة و نقماً في السّقر رابعة.

و في آيات كثيرة دلالة على الوجهين ايضاً و من أظهرها:

قوله تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مٰا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللّٰهُ نَفْسَهُ وَ اَللّٰهُ رَؤُفٌ بِالْعِبٰادِ).(4)


1) . النّحل، 97.

2) . الاعراف، 96.

3) . الرّوم، 41.

4) . آل عمران، 30.

و قوله تعالى: (كُلُوا وَ اِشْرَبُوا هَنِيئاً بِمٰا أَسْلَفْتُمْ فِي اَلْأَيّٰامِ اَلْخٰالِيَةِ‌).(1)

و قوله تعالى في موارد عدّة بعد ذكر نقمات السّعير: (ذٰلِكَ بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اَللّٰهَ لَيْسَ بِظَلاّٰمٍ لِلْعَبِيدِ).(2)

و جملة القول انّ لاعمالنا من الاقوال و الافعال و الافكار أثراً هامّاً في انفسنا من حيث السّعادة و الشّقاوة، ان خيراً فخيراً و ان شرّاً فشرّاً و في مجتمعنا كذلك، هذا بحسب الدّنيا.

و في الآخرة لها تأثير في تجسّمها و ظهورها لنا أو علينا و في كونها مصوِّراً لحيٰوتنا الاخرويّة فان كانت خيراً فهى نعم لنا و ان كانت شرّاً فهى عذاب اليم.

إذا تقرّر هذا فنقول: يظهر من القرآن الكريم و روايات أهل البيت عليهم السلام وجود الحبط و التّكفير في كلّ نشأة من النّشآت الاربعة.

أمّا نشأة النّفس، فقال اللّٰه تعالى: (اَللّٰهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيٰاؤُهُمُ اَلطّٰاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ اَلنُّورِ إِلَى اَلظُّلُمٰاتِ‌).(3)

فترى انّ الآية الشريفة و نظائرها الكثيرة تدلّ على انّ اللّٰه تعالى كما يمحق الباطل و يحقّ الحقّ‌، يمحو ما يشاء و يثبت ما يشاء.

قال تعالى: (وَ يَمْحُ اَللّٰهُ اَلْبٰاطِلَ وَ يُحِقُّ اَلْحَقَّ‌).(4)


1) . الحاقّة، 24.

2) . آل عمران، 182 و الانفال، 51.

3) . البقرة، 257.

4) . الشورى، 24.

و قال تعالى: (يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ‌).(1)

فكذلك يكفّر الظّلمات بالنّور و يحبط النّور بالظّلمات و يخرج المؤمن من الظّلمات‌النّور و يخرج الكافر و الفاسق من النّور إلى الظّلمات.

و أمّا نشأة الحيوة الجماعيّة فقد دلّت آيات كثيرة على الحبط و التّكفير فيها و منها:

قوله تعالى: (وَ ضَرَبَ اَللّٰهُ مَثَلاً قَرْيَةً كٰانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهٰا رِزْقُهٰا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكٰانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللّٰهِ فَأَذٰاقَهَا اَللّٰهُ لِبٰاسَ اَلْجُوعِ وَ اَلْخَوْفِ بِمٰا كٰانُوا يَصْنَعُونَ‌).(2)

و قوله تعالى: (وَ يٰا قَوْمِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ اَلسَّمٰاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرٰاراً وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلىٰ قُوَّتِكُمْ وَ لاٰ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ‌).(3)

و أمّا النّشأة البرزخيّة التّجسّميّة، و بعبارة أخرى نشأة بروز الاعمال الصّالحة أو الطّالحة و ظهورها فآيات الحبط و التّكفير الكثيرة واردة فيها و من تلك الآيات:

قوله تعالى: (وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئٰاتِهِمْ وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ اَلَّذِي كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(4)

و قوله تعالى: (مَنْ كٰانَ يُرِيدُ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمٰالَهُمْ فِيهٰا وَ هُمْ فِيهٰا لاٰ يُبْخَسُونَ * أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ إِلاَّ اَلنّٰارُ وَ حَبِطَ مٰا صَنَعُوا فِيهٰا وَ


1) . الرّعد، 39.

2) . النّحل، 112.

3) . هود، 52.

4) . العنكبوت، 7.

بٰاطِلٌ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(1)

و أمّا نشأة الجنّة و النّار فبالضّرورة إذا حبطت اعمالهم فمأواهم النّار كما يدلّ على ذلك غير واحد من آيات حبط الاعمال و كذلك إذا كفّرت سيّئاتهم فمأواهم الجنّة كما يدلّ على ذلك غير واحد من آيات تكفير السيّئات.

هذا، مضافاً إلى انّ نعم الجنّة و نقم النّار كما مرّ الكلام فيهما ليس إلّانفس اعمالهم، فقوله تعالى: (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ‌)، و قوله تعالى: (وَ حَبِطَ مٰا صَنَعُوا فِيهٰا وَ بٰاطِلٌ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌) كما يشمل صور الأعمال البرزخيّة المجسّمة بما يناسب العمل يشمل نعم الجنّة و نقم الجحيم بالفحوى و لااقلّ من اشتماله عليهما بالمساواة.

هذا، مع انّك لو تأمّلت في آيات الحبط و التكفير ترى فيها اشعاراً بحبط تلك النّشأة الرّابعة و تكفيرها ايضاً و من تلك الآيات قوله تعالى: (وَ اَلَّذِينَ لاٰ يَدْعُونَ مَعَ اَللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ وَ لاٰ يَقْتُلُونَ اَلنَّفْسَ اَلَّتِي حَرَّمَ اَللّٰهُ إِلاّٰ بِالْحَقِّ وَ لاٰ يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً * يُضٰاعَفْ لَهُ اَلْعَذٰابُ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهٰاناً * إِلاّٰ مَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صٰالِحاً فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اَللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ وَ كٰانَ اَللّٰهُ غَفُوراً رَحِيماً).(2)

و قوله تعالى: (وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كٰافِرٌ فَأُولٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ‌).(3)

و في حبط الأعمال بعد الموت في الدّنيا كما تدلّ عليه هذه الآية الشّريفة ابهامٌ لم


1) . هود، 15-16.

2) . الفرقان، 68-70.

3) . البقرة، 217.

نجد من يكشف النقاب عن وجهه لانّ حبط الأعمال الدّنيويّة بعد الموت لا معنى له ظاهراً إلّاان يقال انّ الآيات الشّريفة مشعرة بانّ الارتداد كما يحبط ما للمرتدّ من الاعمال البرزخيّة التّجسّميّة يحبط ما له في الجنّة من حورها و قصورها و جنّاتها الّتي فضّل اللّٰه تعالى عليه بأعماله الصالحة، كما انّ تبديل السّيّئات بالحسنات في الآية الشريفة لو لم يكن ظاهراً في انّ اللّٰه تعالى بتوبة عبده يكفّر ما تهيّأ العبد في السّقر بتوبته و بأعماله الصالحة و يفضّل عليه في الجنّة فيهبه من قصورها و حورها و جنّاتها و سائر نعمها، ما لايحصيه إلّاهو؛ فلااقلّ من اطلاقها و شمولها لذلك سيّما بمعونة روايات مستفيضة في ذلك و سيأتى ذكر روايات يحكى عن أمر اللّٰه تعالى بارسال الترياق لاعدام العقارب و الحيّات البرزخيّة أو النّاريّة.

و روايات دالّة على انّ اللّٰه تعالى نهى عن تقديم العبد ما يحرق و يخرّب و يعدم ما غرس أو بنى في الجنّة بأعماله الطّالحة و ذلك ليس إلّاالتكفير و الحبط.

أو يقال: انّ قوله تعالى: «فيمت و هو كافر» يفهم منه معنى آخر و هو انّ الارتداد يوجب الحبط و أمّا لو رجع عن ارتداده قبل الموت فيرجع اللّٰه تعالى إليه و يعطيه ما قد حبط منه و هذا قوىّ جدّاً و استقرّ عليه رأينا، و من ذهب إلى انّ توبة المرتدّ غير مقبولة فليس له وجه، و تفصيل ذلك موكولٌ إلى الفقه.

و اَعتَذر إليكم للخروج عن موضوع الكتاب و طوره.

و بعد اللّتيا و الّتى، فلا اشكال في دلالة آياتٍ كثيرة و روايات وفيرة على الحبط و التكفير في بعض الاعمال.

أمّا الحبط، فلمثل الكفر و الشّرك و النّفاق بعد الإسلام و تدلّ عليه آيات منها:

قوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ‌).(1)

و قوله تعالى: (وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمٰانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ‌).(2)

و قوله تعالى: (وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كٰافِرٌ فَأُولٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ‌).(3)

و لمثل المنّ و الأذى بعد العمل و كذلك الرّئاء بعده.

قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اَلْأَذىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مٰالَهُ رِئٰاءَ اَلنّٰاسِ وَ لاٰ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ).(4)

و لمثل طلب الدنيا و بثّ الهمّ عليها.

قال تعالى: (أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ إِلاَّ اَلنّٰارُ وَ حَبِطَ مٰا صَنَعُوا فِيهٰا وَ بٰاطِلٌ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(5)

و لمثل الفرار من الزّحف بأيّ نحو كان.

قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ لاٰ تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ‌).(6)

و لمثل سوء الادب في محضر الرسول صلى الله عليه و آله بحيث يوجب ايذائه، يدلّ عليه قوله


1) . الزّمر، 65.

2) . المائدة، 5.

3) . البقرة، 217.

4) . البقرة، 264.

5) . هود، 16.

6) . محمّد، 33.

تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ وَ لاٰ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمٰالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لاٰ تَشْعُرُونَ * إِنَّ اَلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوٰاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اَللّٰهِ أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ اِمْتَحَنَ اَللّٰهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوىٰ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ اَلَّذِينَ يُنٰادُونَكَ مِنْ وَرٰاءِ اَلْحُجُرٰاتِ أَكْثَرُهُمْ لاٰ يَعْقِلُونَ * وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّٰى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكٰانَ خَيْراً لَهُمْ وَ اَللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‌).(1)

و هذه الآيات لها ظاهر و باطن فظاهرها يدلّ على لزوم مراعات الادب بأيّ نحو كان بحضرة الرسول و أهل بيته عليهم السلام حيّاً و ميّتاً.

و باطنها يدلّ على وجوب التّسليم بأيّ نحو كان قِبَل قوانينهم و اوامرهم واجبة كانت أو مستحبّة، وضعيّة كانت أو تكليفيّة.

و يختلج بالبال انّ مثل هذه الآيات الشّريفة نزلت لبيان هذا المعنى فلا يكون من البواطن بل هو من الظّواهر الّتي سيقت الآيات له و بعبارة أخرى انّ المعنى الأوّل ليس إلّاقنطرة يوصلنا إلى المعنى الثّانى كالكنايات و المجازات الّتي اخترنا في علم اصول الفقه كونها كذلك يعنى انّ الكنايات و المجازات تفيد معناها من باب القنطرة فالمتكلّم بهما أراد من اللّفظ المعنى الموضوع له حقيقة ثمّ القرينة تذهب بالمخاطب إلى المعنى غير الموضوع له فالمعنى الموضوع له يراد من اللّفظ الكنائى أو المجازىّ حقيقة و واقعاً و لكن الكلام سيقت لافهام شيء آخر و هو المعنى الكنائى أو المجازى.


1) . الحجرات، 1-5.

و نظير ذلك في الذكر الحكيم كثير جدّاً.

و المختار أنّ تلك الآيات ليست من باب المجاز و الكناية حتّى تفيد معنىً ثمّ تُظهِر معنىً آخر، بل المراد منها وجوب التسليم عند الرسول و خلفائه من الأئمّة المعصومين عليهم السلام و والى الحكم الاسلامى و علماء الأمّة الصالحين؛ هذا هو المنزّل له في تلك الايات السائقة بظاهرها لبيان عدم جواز التقدّم - عملاً كان أو نظراً - على النّبى و خلفائه الخاصّة و العامّة فلا يجوز لأحدٍ التقدّم عليهم بالافراط في عملٍ أو رأى أو التأخّر عنهم بالتفريط فيهما، و الافراط و التفريط هما الغالب على عموم الناس؛ و الاستقامة على الصّراط المستقيم مشكل جدّاً.

و بالجملة، انّ التّسليم من الأمور الهامّة في علم الأخلاق سيّما التّسليم في التّشريع و قليل من عباد اللّٰه الصّالحين نالوا هذا المقام.

و النّاس قبال القوانين و الشرايع أمّا خاضعين خاشعين و هم الاوحدىّ من النّاس و أمّا خاضعين غير خاشعين فهم مسلمون الّذين يثقل عليهم التّكاليف.

قال تعالى: (وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاٰةِ وَ إِنَّهٰا لَكَبِيرَةٌ إِلاّٰ عَلَى اَلْخٰاشِعِينَ‌)(1).

و الصّلاة في الآية الشريفة ليست إلّامن باب المثال فغير الخاشع يثقل عليه التكاليف إلّاما يلائم نفسيّاته بل كثير منهم يأوّلون الأحكام حتّى كانوا يطلبون من الرسول صلى الله عليه و آله توجيهها إلى ما يرضونه، و بعبارة أخرى يطلبون ديناً يلائم دنياهم و نفسيّاتهم بل يصرّحون بذلك من قديم الزمن إلى الآن.


1) . البقرة، 45.

قال تعالى: (قٰالَ اَلَّذِينَ لاٰ يَرْجُونَ لِقٰاءَنَا اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هٰذٰا أَوْ بَدِّلْهُ‌).(1)

قال تعالى: (وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً * أُولٰئِكَ هُمُ اَلْكٰافِرُونَ حَقًّا وَ أَعْتَدْنٰا لِلْكٰافِرِينَ عَذٰاباً مُهِيناً).(2)

و أمّا التكفير فقوله تعالى: (إِنَّ اَلْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئٰاتِ‌)(3)و نظائره و ان كانت ظاهرة في انّ مطلق الحسنة يكفّر مطلق السيّئة ولكن لا يمكن الالتزام بهذا المعنى لها عقلاً و لا شرعاً و ان التزم به بعض المعتزلة.

كما انّ قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ لاٰ تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ‌)(4)و نظائره تدلّ على انّ مطلق مخالفة اللّٰه و الرّسول يحبط مطلق الحسنات و لكن لا يمكن الالتزام به عقلاً و لا شرعاً و ان التزم به بعض المعتزلة حيث ذهبوا إلى انّ الإنسان أمّا مطيع فقط أو عاص فقط و ليس له حالاً ثالثة فالطاعة تحبط العصيان كما أنّ العصيان يحبط الطّاعة، هذا مع انّ القرآن الكريم مع قطع النّظر عن ضرورة العقل و الشّرع يخالف ذلك.

قال تعالى: (وَ آخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صٰالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اَللّٰهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‌).(5)

فلابدّ من ان يقال كما مرّ تفصيل الكلام فيه، انّ التكفير كالحبط من الحقائق


1) . يونس، 15.

2) . النّساء، 150-151.

3) . هود، 114.

4) . محمّد، 33.

5) . التوبة، 102.

القرآنيّة الّتي دل الكتاب العزيز عليها، و لكن يدلّ عليها على سبيل المهملة لا القضايا الحقيقيّة.

فالوحى و الأحاديث قد طابقا على انّ بعض الحسنات يُذهب بعض السيّئات.

فمثل الاجتناب عن الكبائر يذهب بعض السيّئات و يمحوه.

قال تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ‌).(1)

و مثل الصّلوات اليوميّة تكفّر بعض السيّئات.

قال تعالى: (وَ أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ طَرَفَيِ اَلنَّهٰارِ وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ إِنَّ اَلْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئٰاتِ‌).(2)

و في روايات مستفيضة انّ قضاء حوائج النّاس يكفّر السيّئات.

و في روايات مستفيضة انّ زيارة المشاهد المشرّفة و التوسّلات سيّما اقامة عزاء الحسين روحى و ارواح العالمين لمجالس تعزيته فداء كفّارة الذّنوب.

و لكن كلّ ذلك ليس إلّاعلى نحو القضايا الطبيعيّة المهملة لا الحقيقيّة.

نعم، ما يكون مكفّراً على نحو الاطلاق بضرورة القرآن و الحديث و الفقه و الأخلاق - و بعبارة أخرى بضرورة الإسلام - هو التّوبة فهى تكفّر كلّ سيّئة حتّى الكفر و الشّرك والنفاق و الارتداد فضلاً عن الذنوب كبيرة أو صغيرة، قليلة أو كثيرة.

قال تعالى: (قُلْ يٰا عِبٰادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ لاٰ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللّٰهِ إِنَّ‌


1) . النّساء، 31.

2) . هود، 114.

اَللّٰهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً).(1)

فخلاصة القول في ذلك انّ الارتداد يحبط الحسنات كلّها فهو على سبيل القضايا الحقيقيّة و انّ التّوبة يكفّر السيّئات كلّها فهو ايضاً على سبيل القضايا الحقيقيّة.

و أمّا غيرهما فالحبط مسلّم على مبادىء الشريعة القويمة في الجملة و التكفير مسلّم عليها في الجملة أيضاً.

و من تلك الجملة انّ الرّياء بعد العمل يحبط العمل المرائىٰ فيه.

و منها انّ الصّلوات اليوميّة تكفّر السيّئات في الجملة.

التنبيه الرابع: يترائى من روايات باب الرّئاء انّه أمر قصدىّ‌،(2)فالعامل هو الّذي يتوجّه إلى خلوص عمله أو كونه مشوباً فلذا تمسّك أهل البيت عليهم السلام في تلك الرّوايات بقوله تعالى: (بَلِ اَلْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَ لَوْ أَلْقىٰ مَعٰاذِيرَهُ‌).(3)

فبناء عليه انّه لو أراد المرائي من عمله ترغيب النّاس إلى الخيرات أو تحذيرهم عن السيّئات فليس هو من الرّياء بل في روايات كثيرة التّرغيب إليه حيث يُعدّ من احسن مصاديق الامر بالمعروف و النّهى عن المنكر و من تلك الرّوايات:

عن عبداللّٰه بن بكير قال: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع الرَّجُلُ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ فَيُجَوِّدُ صَلَاتَهُ وَ يُحَسِّنُهَا رَجَاءَ أَنْ يَسْتَجِرَّ بَعْضَ مَنْ يَرَاهُ إِلَى هَوَاهُ قَالَ لَيْسَ هُوَ مِنَ الرِّيَاءِ‌.(4)


1) . الزّمر، 53.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 285.

3) . القيامة، 15-14.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 301.

التنبيه الخامس: انّ الرّياء هو اتيان العمل لغير اللّٰه أو بداعى غير اللّٰه كما مرّ الكلام فيه مفصّلاً.

و أمّا إذا اتى بالعمل للّٰه‌و بداعى أمر اللّٰه و لكن يحبّ ان يحمده النّاس عليه، و بعبارة أخرى لم يصل إلى مرتبةٍ لسان حاله يقول: لا نريد منكم جزاءً و لا شكوراً فقد اختلفت الرّوايات في ذلك:

فجملةٌ منها تدلّ على كونه مرائياً مشركاً و لكن ريائه و شركه مغفور.

منها: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: سَأَلْتُهُ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآْيَةِ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِك بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً قَالَ مَنْ صَلَّى أَوْ صَامَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ حَجَ يُرِيدُ مَحْمَدَةَ النَّاسِ فَقَدْ أَشْرَك فِي عَمَلِهِ وَ هُوَ شِرْك مَغْفُورٌ.(1)

و يظهر منها انّ تلك العبادات و إن لم تكن موصولةً إلى حضرة اللّٰه تعالى أو صالحةً للسّلوك إلى جنابه، و لكنّها ترفع التكليف و تسقطه.

نعم، انّ الطريق ادقّ و ارقّ من الشّعر و اشدّ حدّة و احراقاً من السيف و النّار.

عن أبي محمّد عليه السلام قال: الشِّرْك فِي النَّاسِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى الْمِسْحِ الْأَسْوَدِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ‌.(2)

و لكن رفع التكليف و ادائه ليس بصعبٍ إذ الإسلام سمحة سهلة و عفو اللّٰه و فضله و رحمته اوسع من ان يكتب أو يقال بل ان يتصوّر و ان يخطر ببال احد و الحمد للّٰه‌ربّ العالمين.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 301.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 298.

التنبيه السادس: من عمل عملاً ثمّ رآه أحدٌ بعد فراغه عنه، فسرّ بذلك، فهل ذلك السّرور يفسد ذلك العمل كالرّياء بعد العمل ام لا؟

يظهر من بعض الرّوايات أنّه لا يضرّ.

منها: عن أبي جعفر عليه السلام قال: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَعْمَلُ الشَّيْ‌ءَ مِنَ الْخَيْرِ فَيَرَاهُ إِنْسَانٌ فَيَسُرُّهُ ذَلِك فَقَالَ لَا بَأْسَ مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَ هُوَ يُحِبُّ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ فِي النَّاسِ الْخَيْرُ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَنَعَ ذَلِك لِذَلِكَ‌.(1)

و نظير ذلك السّرور باظهار أحدٍ خصاله الجميلة أو تعريفه بفعاله الحميدة، أو اظهار الخير علانية لرفع التّهمة أو دفع المذمّة عنه و نحو ذلك.

و الامام عليه السلام في هذه الرّواية الشّريفة القى كبرى كلّيّة ليُنطبق عليها جزئيّاتها و هي قوله عليه السلام: إذا لم يكن صنع ذلك لذلك.

فالفرق بين الرّياء المبطل و غيره مستورٌ في هذه الكبرى الكلّيّة.

و لكن لا تنس انّ الامام عليه السلام القى تلك الكبرى الكلّيّة لبيان حكم عامّة النّاس لا لخواصّه الّذين لهم قدمٌ في السّير و السّلوك و إرادة الوصول إلى مقام اللّقاء بطىّ المنازل السّبعة لأنّ السالك عليه أن يترك هذه الوساوس و الخواطر الشيطانيّة، ليدركه نور اللّٰه الّذي لا محيص عنه في سلوك السبيل.

و بهذا يجمع بين الرّوايات.

فهذه الرّواية الشّريفة تدلّ على أنّه لابأس بالمحمدة و السّرور و إرادة رفع التّهمة إذا لم يكن يصنع ذلك لذلك.


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 297.

و رواية السّكونى و نظائرها تدلّ على انّ المرائى هو الّذي يحبّ ان يحمد في جميع اموره.(1)

فوجه الجمع هو الّذي تفضّل به علينا في رواية أخرى بقوله عليه السلام: انّ مثل ذلك رياء مغفور(2)و بقوله عليه السلام في هذه الرّواية: ما من احد إلّاو هو يحبّ ان يظهر له في النّاس الخير، أي: ما من احد من عموم النّاس لا من خواصّهم.

و نحو ذلك من الرّوايات التّى تدلّ على انّ الرّياء المفسد (و هو الرّئاء المصطلح عليه في الفقه) غير الرّياء الصّادّ للطّريق (و هو الرّياء المصطلح عليه في الأخلاق) و لكن يجب على من يريد السّير و السلوك ان يخلّى نفسه عن كليهما.

و تخلية النّفس عن الرّياء المصطلح في الفقه ليس بمشكل سيّما لمن اتّقى و آمن ايماناً قلبيّاً.

و أمّا التّخلية و التنزّه عن الرّياء الاخلاقى فمشكلةٌ جدّاً، تحتاج إلى الدّعاء و الانابة و التّوسّل و الاجتناب عن مخالفة اللّٰه تعالى.

التنبيه السابع: قد ظهر ممّا حقّقناه في معنى الرّياء، انّ الرّياء بمراتبه يُعدّ من أقسام النفاق و هو الترفّع في قلوب النّاس بعرض خصال الخير عليهم ليخيّل إليهم أنّه ما يفعلها إلّاللّٰه‌تعالى فالمنافق المرائى لا يريد إلّاتسخير قلوب النّاس بفعله حالكونه يظهرها خالصةً لوجهه الكريم.

فبناءً عليه لو فعل الخير لا لذلك بل لتسخير قلوب النّاس فهو ليس برياء بل


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 295.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 301.

كثيراً ما يُعدّ مطلوباً.

فمن يتعلّم العلم و يمارسه لقضاء حوائجه المادّية أو يحصل التميّز في فنٍّ لان يطلب به المال و الرّئاسة و المنزلة في قلوب النّاس، أو من يجالس الكبراء لتحصيل الأبّهة في قلوب النّاس، أو من يجالس الفقراء لتسخير قلوبهم، و امثال ذلك، فهذه الأفعال كلّها ليست برياء.

و بعبارة أخرى انّ طلب المنزلة و الرفعة في هذه الامثلة كطلب المال، فكما انّه ليس برئاء فكذلك طلب المنزلة ليس برئاء.

نعم، لو كان طلب المنزلة في قلوب النّاس خدعةً فهو كطلب المال من غير طريق الحقّ فهو حرامٌ ولكن حرمته ليست بما أنّه رئاء، بل بما أنّه خدعةٌ مع الناس.

نعم، انّ ذلك كلّه غير مفيد للآخرة و غير معاضدٍ في السير إلى جنابه تعالى، بل كلّه يوم القيامة محبوط و بذلك اشار تعالى في آيات منها قوله تعالى: (مَنْ كٰانَ يُرِيدُ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمٰالَهُمْ فِيهٰا وَ هُمْ فِيهٰا لاٰ يُبْخَسُونَ * أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ إِلاَّ اَلنّٰارُ وَ حَبِطَ مٰا صَنَعُوا فِيهٰا وَ بٰاطِلٌ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(1)

و هم أهل النّار لانّهم لم يعملوا للآخرة بل ليس سعيهم إلّاللدنيا، و ما يؤتى به للدنيا ليس في الآخرة إلّاكسرابٍ لا يثمن عن ضمأ.

و بالجملة العمل لو كان دنياويّاً، فلا فائدة فيه إلّافي الدنيا، و إن كان أخروياً فله أثرٌ بالغٌ هامٌ دنيىً و عقباً.


1) . هود، 16-15.

قال تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ‌).(1)

نعم، قد يكون لعمل فائدة ترجع إلى المجتمع كابداء الكهرباء و كشف المكروب و بناء الابنية العامّة فهذا العمل يفيد صاحبه لقوله تعالى: (إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ‌)(2)و قول رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: مَنِ اسْتَنَ بِسُنَّةٍ حَسَنَةٍ فَلَهُ أَجْرُهَا وَ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْ‌ءٌ وَ مَنِ اسْتَنَّ بِسُنَّةٍ سَيِّئَةٍ فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَ وِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْ‌ءٌ‌(3)في الآخرة نصيب مشروطاً بانّه لم يرد الشرّ بذلك العمل.

و لقد مرّ الكلام في ذلك مفصّلاً في بعض مباحث هذا الكتاب.

التنبيه الثامن: انّ أهل القلوب كانوا يوصون تلامذتهم اوّلاً بالخلوص قائلاً:

عليكم ثمّ عليكم ثمّ عليكم بالخلوص الّذي هو الاكسير للعمل، و لولا هذا الاكسير فلا قيمة للعمل اصلاً بل التراب أغلى منه!

ثمّ يذكّروهم مرّةً بعد أخرى انّ اخلاص العمل من الشّوائب و الاوهام في غاية الصعوبة.

و مع الوصف كانوا يحذّرونهم عن شَرَك من أَشراك الابليس و هو الوسوسة في الخلوص لانّها لجامٌ يلجم به الابليس من يريد السّير إلى اللّٰه تعالى، فكانوا يحذّرونهم عن ترك العمل بالخطورات القلبيّة و بالوسوسة الشيطانيّة، لانّهما ردمان


1) . الأنبياء، 84.

2) . التوبة، 120.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 24.

يمنعان عن الأعمال الصالحة و الثبات عليهما يسلّط على السالك الكسل و البطالة.

و لا كلام في أنّ هذه الحالة تفريط كما انّ ملكة الرّياء افراط و كلاهما من المهلكات، عصمنا اللّٰه من الزلل و من الافراط و التّفريط في القول و الفكر و العمل.

هذا آخر ما اردنا ايراده في هذا البحث، و لا بأس لتتميم البحث بالاستعانة بروايات أهل البيت عليهم السلام.

روايات في الرّياء

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ لِعَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ الْبَصْرِيِّ فِي الْمَسْجِدِ وَيْلَك يَا عَبَّادُ إِيَّاك وَ الرِّيَاءَ فَإِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ‌.(1)

•

عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ لِلَّهِ وَ لَا تَجْعَلُوهُ لِلنَّاسِ فَإِنَّهُ مَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ لِلَّهِ وَ مَا كَانَ لِلنَّاسِ فَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ‌.(2)

•

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع كُلُ رِيَاءٍ شِرْك إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِلنَّاسِ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى النَّاسِ وَ مَنْ عَمِلَ لِلَّهِ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى اللَّهِ‌.(3)

•

فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِك بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً قَالَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الثَّوَابِ لَا يَطْلُبُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِنَّمَا يَطْلُبُ تَزْكِيَةَ النَّاسِ - يَشْتَهِي أَنْ يُسْمِعَ بِهِ النَّاسَ فَهَذَا الَّذِي أَشْرَك بِعِبَادَةِ رَبِّهِ ثُمَّ قَالَ مَا مِنْ عَبْدٍ أَسَرَّ خَيْراً فَذَهَبَتِ الْأَيَّامُ أَبَداً حَتَّى يُظْهِرَ اللَّهُ لَهُ خَيْراً وَ مَا مِنْ عَبْدٍ يُسِرُّ شَرّاً فَذَهَبَتِ الْأَيَّامُ أَبَداً حَتَّى يُظْهِرَ اللَّهُ لَهُ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 293.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 293.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 293.

شَرّاً.(1)

•

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ قَالَ لِيَ الرِّضَا ع وَيْحَك يَا ابْنَ عَرَفَةَ اعْمَلُوا لِغَيْرِ رِيَاءٍ وَ لَا سُمْعَةٍ فَإِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى مَا عَمِلَ وَيْحَك مَا عَمِلَ أَحَدٌ عَمَلًا إِلَّا رَدَّاهُ اللَّهُ إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ وَ إِنْ شَرّاً فَشَرٌّ.(2)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ص إِنَ الْمَلَك لَيَصْعَدُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ مُبْتَهِجًا بِهِ فَإِذَا صَعِدَ بِحَسَنَاتِهِ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ اجْعَلُوهَا فِي سِجِّينٍ إِنَّهُ لَيْسَ إِيَّايَ أَرَادَ بِهَا.

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام، قَالَ‌: «قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله: إِنَ الْمَلَك لَيَصْعَدُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ مُبْتَهِجاً بِهِ‌، فَإِذَا صَعِدَ بِحَسَنَاتِهِ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ‌: اجْعَلُوهَا فِي سِجِّينٍ‌، إِنَّهُ لَيْسَ إِيَّايَ أَرَادَ بِهَا».(3)

•

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ لِلْمُرَائِي يَنْشَطُ إِذَا رَأَى النَّاسَ وَ يَكْسَلُ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ وَ يُحِبُّ أَنْ يُحْمَدَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ‌.(4)

•

عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَالِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ أَنَا خَيْرُ شَرِيك مَنْ أَشْرَك مَعِي غَيْرِي فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لَمْ أَقْبَلْهُ إِلَّا مَا كَانَ لِي خَالِصًا.(5)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ أَظْهَرَ لِلنَّاسِ مَا يُحِبُ اللَّهُ وَ بَارَزَ اللَّهَ بِمَا كَرِهَهُ لَقِيَ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 293.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 294.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 294.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 295.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 295.

اللَّهَ وَ هُوَ مَاقِتٌ لَهُ‌.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَا يَصْنَعُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُظْهِرَ حَسَناً وَ يُسِرَّ سَيِّئاً أَ لَيْسَ يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِهِ فَيَعْلَمَ أَنَّ ذَلِك لَيْسَ كَذَلِك وَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ - بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ إِنَّ السَّرِيرَةَ إِذَا صَحَّتْ قَوِيَتِ الْعَلَانِيَةُ‌.(2)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ أَرَادَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ بِالْقَلِيلِ مِنْ عَمَلِهِ أَظْهَرَ اللَّهُ لَهُ أَكْثَرَ مِمَّا أَرَادَ وَ مَنْ أَرَادَ النَّاسَ بِالْكَثِيرِ مِنْ عَمَلِهِ فِي تَعَبٍ مِنْ بَدَنِهِ وَ سَهَرٍ مِنْ لَيْلِهِ أَبَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَّا أَنْ يُقَلِّلَهُ فِي عَيْنِ مَنْ سَمِعَهُ‌.(3)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَخْبُثُ فِيهِ سَرَائِرُهُمْ وَ تَحْسُنُ فِيهِ عَلَانِيَتُهُمْ طَمَعاً فِي الدُّنْيَا لَا يُرِيدُونَ بِهِ مَا عِنْدَ رَبِّهِمْ يَكُونُ دِينُهُمْ رِيَاءً لَا يُخَالِطُهُمْ خَوْفٌ يَعُمُّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ فَيَدْعُونَهُ دُعَاءَ الْغَرِيقِ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ‌.(4)

•

عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ‌: إِنِّي لَأَتَعَشَّى مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِذْ تَلَا هَذِهِ الآْيَةَ - بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَ لَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ يَا أَبَا حَفْصٍ مَا يَصْنَعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِخِلَافِ مَا يَعْلَمُ اللَّهُ تَعَالَى - إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ يَقُولُ مَنْ أَسَرَّ سَرِيرَةً رَدَّاهُ اللَّهُ رِدَاءَهَا إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ وَ إِنْ شَرّاً فَشَرٌّ.(5)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع أَنَّهُ قَالَ‌: الْإِبْقَاءُ عَلَى الْعَمَلِ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَلِ قَالَ وَ مَا الْإِبْقَاءُ عَلَى


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 295.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 295.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 296.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 296.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 296.

الْعَمَلِ قَالَ يَصِلُ الرَّجُلُ بِصِلَةٍ وَ يُنْفِقُ نَفَقَةً لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيك لَهُ فَكُتِبَ لَهُ سِرّاً ثُمَّ يَذْكُرُهَا وَ تُمْحَى فَتُكْتَبُ لَهُ عَلَانِيَةً ثُمَّ يَذْكُرُهَا فَتُمْحَى وَ تُكْتَبُ لَهُ رِيَاءً‌.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ص اخْشَوُا اللَّهَ خَشْيَةً لَيْسَتْ بِتَعْذِيرٍ وَ اعْمَلُوا لِلَّهِ فِي غَيْرِ رِيَاءٍ وَ لَا سُمْعَةٍ فَإِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى عَمَلِهِ‌.(2)

•

عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَعْمَلُ الشَّيْ‌ءَ مِنَ الْخَيْرِ فَيَرَاهُ إِنْسَانٌ فَيَسُرُّهُ ذَلِك فَقَالَ لَا بَأْسَ مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَ هُوَ يُحِبُّ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ فِي النَّاسِ الْخَيْرُ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَنَعَ ذَلِك لِذَلِكَ‌.(3)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع مَنْ كَانَ ظَاهِرُهُ أَرْجَحَ مِنْ بَاطِنِهِ خَفَ مِيزَانُهُ‌.(4)

•

قَالَ ص وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَجْتَلِبُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنْ لِينِ أَلْسِنَتِهِمْ كَلَامُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَ بِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِءُونَ فَوَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَأَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً تَذَرُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانَ‌.(5)

•

عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ‌: إِنَ أَوْلَى النَّاسِ أَنْ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيك حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَ لَكِنَّك قَاتَلْتَ لِيُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ذَلِك ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 296.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 297.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 297.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 365.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 175.

أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَ رَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَ عَلَّمَهُ وَ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَ عَلَّمْتُهُ وَ قَرَأْتُ فِيك الْقُرْآنَ قَالَ كَذَبْتَ وَ لَكِنَّك تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَ قَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ قَارِئُ الْقُرْآنِ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.

•

وَ قَالَ ص إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَ إِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى أَمْرِ دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ‌.

•

وَ قَالَ ص نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ‌.

وَ فِي لَفْظٍ آخَرَ أَبْلَغُ مِنْ عَمَلِهِ‌.

•

وَ قَالَ ص إِنَّمَا يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ‌.

•

وَ قَالَ ص مُخْبِراً عَنْ جَبْرَئِيلَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّهُ قَالَ‌: الْإِخْلَاصُ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِي اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْتُ مِنْ عِبَادِي.(1)

•

عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ‌: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْك فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَك فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ فَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ‌.(2)

•

قَالَ ص إِنَ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ عَمَلًا فِيهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ رِئَاءٍ‌.(3)

•

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع مَنْ عَمِلَ لِلنَّاسِ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى النَّاسِ إِنَ كُلَ رِيَاءٍ شِرْكٌ‌.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 249.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 282.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 304.

وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَنْ عَمِلَ لِي وَ لِغَيْرِي هُوَ لِمَنْ عَمِلَ لَهُ‌.(1)

•

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: إِنَ الْجَنَّةَ تَكَلَّمَتْ وَ قَالَتْ إِنِّي حَرَامٌ عَلَى كُلِ بَخِيلٍ وَ مُرَاءٍ‌.(2)

•

عَنِ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ ع أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص سُئِلَ فِي مَا النَّجَاةُ غَداً فَقَالَ إِنَّمَا النَّجَاةُ فِي أَنْ لَا تُخَادِعُوا اللَّهَ فَيَخْدَعَكُمْ فَإِنَّهُ مَنْ يُخَادِعِ اللَّهَ يَخْدَعْهُ وَ يَخْلَعْ مِنْهُ الْإِيمَانَ وَ نَفْسَهُ يَخْدَعُ لَوْ يَشْعُرُ فَقِيلَ لَهُ وَ كَيْفَ يُخَادِعُ اللَّهَ قَالَ يَعْمَلُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ثُمَّ يُرِيدُ بِهِ غَيْرَهُ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ اجْتَنِبُوا الرِّيَاءَ فَإِنَّهُ شِرْك بِاللَّهِ إِنَّ الْمُرَائِيَ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ يَا كَافِرُ يَا فَاجِرُ يَا غَادِرُ يَا خَاسِرُ حَبِطَ عَمَلُك وَ بَطَلَ أَجْرُك وَ لَا خَلَاقَ لَك الْيَوْمَ فَالْتَمِسْ أَجْرَك مِمَّنْ كُنْتَ تَعْمَلُ لَهُ‌.(3)

•

عَنْ عُبَيْدٍ قَالَ‌: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع الرَّجُلُ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ فَيُجَوِّدُ صَلَاتَهُ وَ يُحَسِّنُهَا رَجَاءَ أَنْ يَسْتَجِرَّ بَعْضَ مَنْ يَرَاهُ إِلَى هَوَاهُ قَالَ لَيْسَ هُوَ مِنَ الرِّيَاءِ‌.(4)

•

عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ع أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ‌: إِذَا أَتَى الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ وَ هُوَ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ إِنَّك مرائي [مُرَاءٍ‌] فَلْيُطِلْ صَلَاتَهُ مَا بَدَا لَهُ مَا لَمْ يَفُتْهُ وَقْتُ فَرِيضَةٍ وَ إِذَا كَانَ عَلَى شَيْ‌ءٍ مِنْ أَمْرِ الآْخِرَةِ فَلْيَتَمَكَّثْ مَا بَدَا لَهُ وَ إِذَا كَانَ عَلَى شَيْ‌ءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَلْيَبْرَح.(5)

•

قَالَ عَلِيٌّ ع قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ص الرَّجُلُ مِنَّا يَصُومُ وَ يُصَلِّي فَيَأْتِيهِ الشَّيْطَانُ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 298.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 305.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 295.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 301.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 295.

فَيَقُولُ إِنَّك مُرَاءٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص فَلْيَقُلْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ ذَلِك أَعُوذُ بِك أَنْ أُشْرِك بِك شَيْئاً وَ أَنَا أَعْلَمُ وَ أَسْتَغْفِرُك لِمَا لَا أَعْلَمُ‌.(1)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ص عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ الآْيَةَ فَقَالَ مَنْ صَلَّى مُرَاءَ‌اةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِك وَ مَنْ زَكَّى مُرَاءَ‌اةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِك وَ مَنْ صَامَ مُرَاءَ‌اةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِك وَ مَنْ حَجَّ مُرَاءَ‌اةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِك وَ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مُرَاءَ‌اةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِك وَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلَ مُرَاءٍ‌.(2)

•

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله في وصيته لأميرالمؤمنين عليه السلام: وَ أَمَّا عَلَامَةُ الْمُرَائِي فَأَرْبَعَةٌ يَحْرِصُ فِي الْعَمَلِ لِلَّهِ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ أَحَدٌ وَ يَكْسَلُ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ وَ يَحْرِصُ فِي كُلِّ أَمْرِهِ عَلَى الْمَحْمَدَةِ وَ يُحْسِنُ سَمْتَهُ بِجُهْدِه.(3)

•

عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: سَأَلْتُهُ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآْيَةِ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِك بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً قَالَ مَنْ صَلَّى أَوْ صَامَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ حَجَّ يُرِيدُ مَحْمَدَةَ النَّاسِ فَقَدْ أَشْرَك فِي عَمَلِهِ وَ هُوَ شِرْك مَغْفُورٌ.(4)

•

عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: يُجَاءُ بِعَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَدْ صَلَّى فَيَقُولُ يَا رَبِّ صَلَّيْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِك فَيُقَالُ لَهُ بَلْ صَلَّيْتَ لِيُقَالَ مَا أَحْسَنَ صَلَاةَ فُلَانٍ اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ وَ يُجَاءُ بِعَبْدٍ قَدْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ تَعَلَّمْتُ الْقُرْآنَ ابْتِغَاءَ وَجْهِك


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 303.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 297.

3) . راجع: تحف العقول، ص 23.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 301.

فَيُقَالُ لَهُ بَلْ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ مَا أَحْسَنَ صَوْتَ فُلَانٍ اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ وَ يُجَاءُ بِعَبْدٍ قَدْ قَاتَلَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ قَاتَلْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِك فَيُقَالُ لَهُ بَلْ قَاتَلْتَ لِيُقَالَ مَا أَشْجَعَ فُلَاناً اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ وَ يُجَاءُ بِعَبْدٍ قَدْ أَنْفَقَ مَالَهُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَنْفَقْتُ مَالِيَ ابْتِغَاءَ وَجْهِك فَيُقَالُ بَلْ أَنْفَقْتَهُ لِيُقَالَ مَا أَسْخَى فُلَاناً اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ.(1)

•

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: أَنَ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَ رَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ رَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِلْقَارِي أَ لَمْ أُعَلِّمْك مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي فَيَقُولُ بَلَى يَا رَبِّ فَيَقُولُ مَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ قُمْتُ بِهِ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَ أَطْرَافِ النَّهَارِ فَيَقُولُ اللَّهُ كَذَبْتَ وَ تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ كَذَبْتَ وَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ذَلِك.(2)

•

عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ص أَ رَأَيْتَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ وَ يَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ قَالَ تِلْك عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ يَعْنِي الْبُشْرَى الْمُعَجَّلَةَ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْبُشْرَى الْأُخْرَى قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.(3)

•

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله:... يَا ابْنَ مَسْعُودٍ إِذَا عَمِلْتَ عَمَلًا مِنَ الْبِرِّ وَ أَنْتَ تُرِيدُ بِذَلِك غَيْرَ اللَّهِ فَلَا تَرْجُ بِذَلِك مِنْهُ ثَوَاباً فَإِنَّهُ يَقُولُ - فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا.(4)

•

قال الصّادق عليه السلام:... الرِّيَاءُ مَعَ الْمُنَافِقِ فِي دَارِهِ عِبَادَةٌ وَ مَعَ الْمُؤْمِنِ شِرْك.(5)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 301.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 305.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 294.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 103.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 72 ص 421.

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَظَرَ رِضْوَانُ خَازِنُ الْجَنَّةِ إِلَى قَوْمٍ لَمْ يَمُرُّوا بِهِ فَيَقُولُ مَنْ أَنْتُمْ وَ مِنْ أَيْنَ دَخَلْتُمْ قَالَ يَقُولُونَ إِيَّاك عَنَّا فَإِنَّا قَوْمٌ عَبَدْنَا اللَّهَ سِرّاً فَأَدْخَلَنَا اللَّهُ سِرّاً.(1)

•

قال الباقر عليه السلام:... يَا ذَوِي الْهَيْئَةِ الْمُعْجِبَةِ وَ الْهِيمِ الْمُعْطَنَةِ مَا لِي أَرَى أَجْسَامَكُمْ عَامِرَةً وَ قُلُوبَكُمْ دَامِرَةً أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ عَايَنْتُمْ مَا أَنْتُمْ مُلَاقُوهُ وَ مَا أَنْتُمْ إِلَيْهِ صَائِرُونَ لَقُلْتُمْ - يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِ‌آياتِ رَبِّنا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين.(2)

•

قال أميرالمؤمنين عليه السلام:... وَ مِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآْخِرَةِ وَ لَا يَطْلُبُ الآْخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا قَدْ طَأْمَنَ مِنْ شَخْصِهِ وَ قَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ وَ شَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ وَ زَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلْأَمَانَةِ وَ اتَّخَذَ سِرَّ اللَّهِ تَعَالَى ذَرِيعَةً إِلَى الْمَعْصِيَةِ‌.(3)

•

قال أميرالمؤمنين عليه السلام: الْمُؤْمِنُ يَرْغَبُ فِيمَا يَبْقَى وَ يَزْهَدُ فِيمَا يَفْنَى.... لَا يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الْخَيْرِ رِيَاءً وَ لَا يَتْرُكُهُ حَيَاء.(4)

•

عن أميرالمؤمنين عليه السلام: فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ الْعَبْدِيُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِين....

فَأَيُ الْخَلْقِ أَعْمَى قَالَ الَّذِي عَمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ يَطْلُبُ بِعَمَلِهِ الثَّوَابَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَل.(5)

• قال أميرالمؤمنين عليه السلام: مَا أَقْبَحَ بِالْإِنْسَانِ بَاطِناً عَلِيلًا وَ ظَاهِراً جَمِيلًا.(6)

1) . راجع: بحار الأنوار، ج 72 ص 411.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 171.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 4.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 26.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 378.

6) . راجع: ميزان الحكمة، ج 4 ص 22.

•

قال أميرالمؤمنين عليه السلام: الْمُرَائِي ظَاهِرُهُ جَمِيلٌ وَ بَاطِنُهُ عَلِيلٌ‌.(1)

•

قال أميرالمؤمنين عليه السلام: كُلُ حَسَنَةٍ لَا يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَيْهَا قُبْحُ الرِّيَاءِ وَ ثَمَرَتُهَا قُبْحُ الْجَزَاء.(2)

•

قال أميرالمؤمنين عليه السلام: اعْلَمُوا أَنَ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْك.(3)

•

قال أميرالمؤمنين عليه السلام: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ أَنْ تُحَسِّنَ [تَحْسُنَ‌] فِي لَامِعَةِ الْعُيُونِ عَلَانِيَتِي وَ تُقَبِّحَ [تَقْبُحَ‌] فِيمَا أُبْطِنُ لَك سَرِيرَتِي مُحَافِظاً عَلَى رِثَاءِ [رِيَاءِ‌] النَّاسِ مِنْ نَفْسِي بِجَمِيعِ مَا أَنْتَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مِنِّي فَأُبْدِيَ لِلنَّاسِ حُسْنَ ظَاهِرِي وَ أُفْضِيَ إِلَيْك بِسُوءِ عَمَلِي تَقَرُّباً إِلَى عِبَادِك وَ تَبَاعُداً مِنْ مَرْضَاتِك.(4)

•

عن رجل عن معاذ بن جبل قال: قُلْتُ حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص حَفِظْتَهُ وَ ذَكَرْتَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ دِقَّةِ مَا حَدَّثَك بِهِ قَالَ نَعَمْ وَ بَكَى مُعَاذٌ فَقُلْتُ اسْكُتْ فَسَكَتَ ثُمَّ نَادَى بِأَبِي وَ أُمِّي حَدَّثَنِي وَ أَنَا رَدِيفُهُ قَالَ فَبَيْنَا نَسِيرُ إِذْ يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَقْضِي فِي خَلْقِهِ مَا أَحَبَّ قَالَ يَا مُعَاذُ قُلْتُ لَبَّيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ إِمَامَ الْخَيْرِ وَ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ فَقَالَ أُحَدِّثُك مَا حَدَّثَ نَبِيٌّ أُمَّتَهُ إِنْ حَفِظْتَهُ نَفَعَك عَيْشُك وَ إِنْ سَمِعْتَهُ وَ لَمْ تَحْفَظْهُ انْقَطَعَتْ حُجَّتُك عِنْدَ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ سَبْعَةَ أَمْلَاك قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ فَجَعَلَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ مَلَكاً قَدْ جَلَّلَهَا بِعَظَمَتِهِ وَ جَعَلَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْهَا


1) . راجع: ميزان الحكمة، ج 4 ص 22.

2) . راجع: ميزان الحكمة، ج 4 ص 34.

3) . راجع: نهج البلاغة، 86.

4) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 276.

مَلَكاً بَوَّاباً فَتَكْتُبُ الْحَفَظَةُ عَمَلَ الْعَبْدِ مِنْ حِينِ يُصْبِحُ إِلَى حِينِ يُمْسِي ثُمَّ يَرْتَفِعُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِهِ لَهُ نُورٌ كَنُورِ الشَّمْسِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ سَمَاءَ الدُّنْيَا فَيُزَكِّيهِ وَ يُكْثِرُهُ فَيَقُولُ لَهُ قِفْ فَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ أَنَا مَلَك الْغِيبَةِ فَمَنِ اغْتَابَ لَا أَدَعُ عَمَلَهُ يُجَاوِزُنِي إِلَى غَيْرِي أَمَرَنِي بِذَلِك رَبِّي قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ مِنَ الْغَدِ وَ مَعَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ فَيَمُرُّ بِهِ وَ يُزَكِّيهِ وَ يُكْثِرُهُ حَتَّى يَبْلُغَ السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَيَقُولُ الْمَلَك الَّذِي فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ قِفْ فَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا الْعَمَلِ عَرَضَ الدُّنْيَا أَنَا صَاحِبُ الدُّنْيَا لَا أَدَعُ عَمَلَهُ يَتَجَاوَزُنِي إِلَى غَيْرِي قَالَ ثُمَّ يَصْعَدُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ مُبْتَهِجاً بِصَدَقَةٍ وَ صَلَاةٍ فَتَعْجَبُ الْحَفَظَةُ وَ يُجَاوِزُهُ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَيَقُولُ الْمَلَك قِفْ فَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ وَ ظَهْرَهُ أَنَا مَلَك صَاحِبِ الْكِبْرِ فَيَقُولُ إِنَّهُ عَمِلَ وَ تَكَبَّرَ فِيهِ عَلَى النَّاسِ فِي مَجَالِسِهِمْ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ لَا أَدَعَ عَمَلَهُ يَتَجَاوَزُنِي إِلَى غَيْرِي قَالَ وَ تَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ يَزْهَرُ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ فِي السَّمَاءِ لَهُ دَوِيٌّ بِالتَّسْبِيحِ وَ الصَّوْمِ وَ الْحَجِّ فَيَمُرُّ بِهِ إِلَى مَلَك السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَيَقُولُ لَهُ قِفْ فَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ وَ بَطْنَهُ أَنَا مَلَك الْعُجْبِ فَإِنَّهُ كَانَ يُعْجَبُ بِنَفْسِهِ وَ إِنَّهُ عَمِلَ وَ أَدْخَلَ نَفْسَهُ الْعُجْبَ أَمَرَنِي رَبِّي لَا أَدَعُ عَمَلَهُ يَتَجَاوَزُنِي إِلَى غَيْرِي وَ أَضْرِبُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِهِ قَالَ وَ تَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ كَالْعَرُوسِ الْمَزْفُوفَةِ إِلَى أَهْلِهَا فَيَمُرُّ بِهِ إِلَى مَلَك السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ بِالْجِهَادِ وَ الصَّلَاةِ مَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَ لِذَلِك رَنِينٌ كَرَنِينِ الْإِبِلِ عَلَيْهِ ضَوْءٌ كَضَوْءِ الشَّمْسِ فَيَقُولُ الْمَلَك قِفْ أَنَا مَلَك الْحَسَدِ فَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ وَ تَحَمَّلْهُ عَلَى عَاتِقِهِ إِنَّهُ كَانَ يَحْسُدُ مَنْ يَتَعَلَّمُ وَ يَعْمَلُ لِلَّهِ بِطَاعَتِهِ فَإِذَا رَأَى لِأَحَدٍ فَضْلًا فِي الْعَمَلِ وَ الْعِبَادَةِ حَسَدَهُ وَ وَقَعَ فِيهِ فَيَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَ يَلْعَنُهُ عَمَلُهُ قَالَ وَ تَصْعَدُ الْحَفَظَةُ فَيَمُرُّ بِهِمْ إِلَى مَلَك السَّمَاءِ‌

السَّادِسَةِ فَيَقُولُ الْمَلَك قِفْ أَنَا صَاحِبُ الرَّحْمَةِ اضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ وَ اطْمِسْ عَيْنَيْهِ لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يَرْحَمْ شَيْئاً إِذَا أَصَابَ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ذنبا [ذَنْبٌ‌] لِلآْخِرَةِ أَوْ ضرا [ضَرٌّ] فِي الدُّنْيَا يُشْمَتُ بِهِ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ لَا أَدَعَ عَمَلَهُ يُجَاوِزُنِي إِلَى غَيْرِي وَ قَالَ وَ تَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ أَعْمَالًا بِفِقْهٍ وَ اجْتِهَادٍ وَ وَرَعٍ لَهُ صَوْتٌ كَالرَّعْدِ وَ ضَوْءٌ كَضَوْءِ الْبَرْقِ وَ مَعَهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ مَلَك فَيَمُرُّ بِهِمْ إِلَى مَلَك السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَيَقُولُ الْمَلَك قِفْ وَ اضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ أَنَا مَلَك الْحِجَابِ أَحْجُبُ كُلَّ عَمَلٍ لَيْسَ لِلَّهِ إِنَّهُ أَرَادَ رِفْعَةً عِنْدَ الْقُوَّادِ وَ ذِكْراً فِي الْمَجَالِسِ وَ صَوْتاً فِي الْمَدَائِنِ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ لَا أَدَعَ عَمَلَهُ يُجَاوِزُنِي إِلَى غَيْرِي مَا لَمْ يَكُنْ خَالِصاً قَالَ وَ تَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ مُبْتَهِجاً بِهِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ وَ صَمْتٍ وَ ذِكْرٍ كَثِيرٍ تُشَيِّعُهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَةُ بِجَمَاعَتِهِمْ فَيَطَئُونَ الْحُجُبَ كُلَّهَا حَتَّى يَقُومُوا بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَشْهَدُوا لَهُ بِعَمَلٍ صَالِحٍ وَ دُعَاءٍ فَيَقُولُ اللَّهُ أَنْتُمْ حَفَظَةُ عَمَلِ عَبْدِي وَ أَنَا رَقِيبٌ عَلَى مَا نَفْسُهُ عَلَيْهِ لَمْ يُرِدْنِي بِهَذَا الْعَمَلِ عَلَيْهِ لَعْنَتِي فَيَقُولُ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِ لَعْنَتُك وَ لَعْنَتُنَا قَالَ ثُمَّ بَكَى مُعَاذٌ وَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعْمَلُ قَالَ اقْتَدِ بِنَبِيِّك يَا مُعَاذُ فِي الْيَقِينِ قَالَ قُلْتُ إِنَّك أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَالَ وَ إِنْ كَانَ فِي عَمَلِك تَقْصِيرٌ يَا مُعَاذُ فَاقْطَعْ لِسَانَك عَنْ إِخْوَانِك وَ عَنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ وَ لْتَكُنْ ذُنُوبُك عَلَيْك لَا تُحَمِّلْهَا عَلَى إِخْوَانِك وَ لَا تُزَك نَفْسَك بِتَذْمِيمِ إِخْوَانِك وَ لَا تَرْفَعْ نَفْسَك بِوَضْعِ إِخْوَانِك وَ لَا تُرَاءِ بِعَمَلِك وَ لَا تُدْخِلْ مِنَ الدُّنْيَا فِي الآْخِرَةِ وَ لَا تَفَحَّشْ فِي مَجْلِسِك لِكَيْ يَحْذَرُوك بِسُوءِ خُلُقِك وَ لَا تُنَاجِ مَعَ رَجُلٍ وَ عِنْدَك آخَرُ وَ لَا تَتَعَظَّمْ عَلَى النَّاسِ فَيَقْطَعَ عَنْك خَيْرَاتِ الدُّنْيَا وَ لَا تُمَزِّقِ النَّاسَ فَتُمَزِّقَك كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ قَالَ اللَّهُ وَ النَّاشِطاتِ نَشْطاً أَ تَدْرِي مَا النَّاشِطَاتُ كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ تَنْشِطُ اللَّحْمَ وَ الْعَظْمَ‌

قُلْتُ مَنْ يُطِيقُ هَذِهِ الْخِصَالَ قَالَ يَا مُعَاذُ أَمَا إِنَّهُ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ وَ مَا رَأَيْتُ مُعَاذاً يُكْثِرُ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ كَمَا يُكْثِرُ تِلَاوَةَ هَذَا الْحَدِيثِ‌.(1)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 246.

الفصل السَّابع والعشرون

اشارة

الفضيلة الثّامنة والعشرون: التّوبة والإنابة

الرّذيلة الثّلاثون: العصيان على المولىٰ‌

الفضيلة الثّامنة و العشرون: التّوبة و الانابة

اشارة

و هي الرّجوع من الطّغيان إلى العبوديّة و من طاعة النّفس إلى طاعة الرب و من الطّاغوت إلى اللّٰه و من طلب الماديات إلى الميل إلى الروحانيات و من الظّلمات إلى النّور و من المعصية إلى فعل الصواب و من الغفلة إلى التّوجّه و من البُعد إلى القرب و من الجفاءالوفاء و من الدّنس و الكدورة إلى طهارة النّفس و نزاهتها.

و ان شئت قلت: انّ التّوبة هي رفع الصّدود و الأغلال و خرق الحجب و رفع الظلمة و احراق الاصنام الّتي في بيت اللّٰه تعالى.

و ان شئت قلت: انّ التوبة هي التّجلية.

و لعلّ الجملة الاولى و هي انّ التوبة هي الرّجوع إلى العبوديّة، و الجملة

الاخيرة و هي ان التّوبة هي التّجلية، أوفى بالمراد و أحسنها مع ايجازهما.

و على كلّ تقدير تلازم التّوبة النّدم و العزم على الاستقامة و عدم العود و جبران ما فات لو امكن للتائب كقضاء الصّلوات و اداء حقوق النّاس.

و للندم مراتب و من تلك المراتب الرّياضات الدّينيّة جبراً لما نال من اللذّات و الشّهوات المحرّمة و من تلك المراتب اذابة اللّحوم الّتي نبتت من الحرام، و بهذه المراتب اشار أميرالمؤمنين عليه السلام في قوله لمن قال بحضرته استغفراللّٰه: ثَكِلَتْك أُمُّك أَ تَدْرِي مَا الِاسْتِغْفَارُ - [إِنَّ لِلِاسْتِغْفَارِ دَرَجَةَ الْعِلِّيِّينَ‌] الِاسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ الْعِلِّيِّينَ وَ هُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ أَوَّلُهَا النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى وَ الثَّانِي الْعَزْمُ عَلَى تَرْك الْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً وَ الثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اللَّهَ [عَزَّ وَ جَلَ‌] أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْك تَبِعَةٌ وَ الرَّابِعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْك ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا وَ الْخَامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اللَّحْمِ الَّذِي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بِالْأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ الْجِلْدَ بِالْعَظْمِ وَ يَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ وَ السَّادِسُ أَنْ تُذِيقَ الْجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلَاوَةَ الْمَعْصِيَةِ فَعِنْدَ ذَلِك تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللَّه.(1)

و لم يكن أميرالمؤمنين عليه السلام في هذا الكلام بصدد الحصر لانّ استقامة التائب و ثباته على الشّرع و العمل بالصّالحات من المراتب الّتي أصرّ عليها القرآن، أمّا شدّة البكاء و الحزن و الاستحياء و نحو ذلك فهى من مراتبها عند أهل القلوب لا من


1) . راجع: نهج البلاغة، الكلمة 417.

مراتبها الّتي لا توبة إلّابها حتّى روى انّ آدم عليه السلام لم يرفع رأسه إلى السّماء استحياءً من اللّٰه تعالى منذ مأتى سنة.

كما انّ أميرالمؤمنين عليه السلام لم يكن بصدد بيان الشّرائط حتّى يقال ان الاخيرين من شروط الكمال و الباقى من شروط الصحّة.

و لعلّ قوله عليه السلام «و هو اسم واقع على ستّة معان» يفيد انّ التوبة هي النّدم فقط و لكن لها مراتب ضعفاً و شدّةً‌.

و جملة القول في هذا انّ التوبة أمر بسيط مقول بالتشكيك فاوّل مراتبها الّذي به يتحقّق التوبة هو الندم و هي نار إذا اوقدت في قلب عبدٍ و اطّلعت عليه تحرق الكدورات و تنوّر القلب و تخلصه من الظّلمات و يحصل الرّبط بينه و بين اللّٰه و لو غفل عن سائر المراتب، و يكون مصداقاً لقوله تعالى: (يٰا عِبٰادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ لاٰ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللّٰهِ إِنَّ اَللّٰهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً).(1)

و أمّا العمل بالصّالحات و اداء حقوق النّاس و قضاء ما فاته من الفرائض و غيرها من المراتب الواجبة أو المستحبّة فهى من المراتب الوسطى أو الشّديدة الّتي لا ربط لها بحقيقة التوبة الّتي تحصل بمجرّد الندم.

عن أبي جعفر عليه السلام: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع كَفَى بِالنَّدَمِ تَوْبَة.(2)


1) . الزّمر، 53.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 426.

و قد دلّت روايات و قصص على انّ مجرّد النّدامة تغفر الذّنوب كلّها، و من تلك الرّوايات هي خطبة الرسول المشهورة بين الفريقين و هي آخر خطبه و فيها: مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَ إِنَّ السَّنَةَ لَكَثِيرَةٌ مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَ إِنَّ الشَّهْرَ لَكَثِيرٌ مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَ إِنَّ يَوْماً لَكَثِيرٌ مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَاعَةٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَ إِنَّ السَّاعَةَ لَكَثِيرَةٌ مَنْ تَابَ وَ قَدْ بَلَغَتْ نَفْسُهُ هَذِهِ وَ أَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ‌.(1)

و في الكافي رواها عن أبي عبداللّٰه عليه السلام عنه صلى الله عليه و آله، إلّاانّ فيها من تاب قبل ان يعاين قبل اللّٰه توبته(2)بدل قوله صلى الله عليه و آله من تاب قبل موته و قد بلغت نفسه هذا.

حكى له ثقةٌ انّه كان بالنجف الاشرف رجلٌ ضخمٌ كان النّاس يستوحشونه لغلظه و دناءة خُلقه. و بينما كان يوماً في الصحن العلوى المطهّر، إذ بالآخوند ملّا حسينقلى الهمدانى، فنظر الآخوند إليه نظر القهر - طوبى لمن ينظر اللّٰه تعالى أو ولىّ من أوليائه إليه نظر القهر لتأديبه لا لتعذيبه - و سأله متحكّماً: ما اسمك‌؟ فأجابه معجباً بنفسه: ألا تعرفنى‌؟ انا عبد الفرّار، فقال له الآخوند: ممّن فررت‌؟ افررت من اللّٰه أو من رسوله‌؟! فاثّر ذلك الكلام على قلبه تأثير النّار في القطن فرجع إلى بيته مكرّراً قول الشّيخ الآخوند و بكى بكاءً شديداً حتّى فارق نفسه بدنه، فغداً جاء


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 6 ص 15.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 440.

الآخوند إلى مدرسه و عطّل الدّرس و قال: انّ وليّاً من اولياء اللّٰه مات، فذهبوا كلّهم لتجهيز جسده و مشايعته.

و نظير هذه الحكاية - كحكاية قوم يونس و كحكاية الشابّ الّذي أمر اللّٰه تعالى موسى عليه السلام ان يخرجه من المدينة - كثير جدّاً.

نعم، النّدم يلازم السوق إلى الصلاح و العمل الصّالح و جبران ما فات بل يلازم البكاء و الحزن و الرّياضات المشروعة و لكنّه ليس من شرائط التّوبة بل كلٌّ واحدٍ منه مرتبة من مراتبها و كلٌّ يلازم النّدم.

و بعبارة أخرى، من ندم على ذنوبه و رجع عمّا كان عليه فعزم على عدم العود بل عزم على القيام بالصالحات و اصلاح الأمر، و إلّافهو المستهزء و ان شئت قلت:

انّه لم يندم و إلّافالنّدامة يلازم ذلك كلّها.

عن الامام أبي جعفر عليه السلام: التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ وَ الْمُقِيمُ عَلَى الذَّنْبِ وَ هُوَ مُسْتَغْفِرٌ مِنْهُ كَالْمُسْتَهْزِئِ‌.(1)

و بذلك يظهر انّه لا شرط للتّوبة اصلاً و هي حال الندم فقط فاذا حصلت يغفر اللّٰه ذنوبه كلّها، أمّا ما يظهر من الذكر الحكيم من تقييد التّوبة بالعمل الصّالح تارةً و بالاصلاح تارة أخرى فليس من باب الشرطيّة بل من باب الاشارة إلى أنّ التّوبة تلازم العزم على الاستقامة على الشّرع و إلى انّ التوبة و هي الندم لا تتحقّق بدون


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 435.

ذلك العزم و كانّها هو، فلا دلالة للقرآن الحكيم على انّ التوبة تتوقف على العمل الصالح بحيث انّه إذا تاب لا تُقبل توبته حتّى يصلح عمله، لانّ ذلك ممّا لم يقل به احد و كانّه ضرورىّ البطلان.

و أمّا قوله تعالى: (إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللّٰهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهٰالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولٰئِكَ يَتُوبُ اَللّٰهُ عَلَيْهِمْ وَ كٰانَ اَللّٰهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئٰاتِ حَتّٰى إِذٰا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قٰالَ إِنِّي تُبْتُ اَلْآنَ وَ لاَ اَلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفّٰارٌ أُولٰئِكَ أَعْتَدْنٰا لَهُمْ عَذٰاباً أَلِيماً).(1)

فهو في بيان امور هامّة و لا دلالة له على بيان الشرطيّة ايضاً.

توضيح ذلك، انّ الإنسان قد يذنب لغلبة الهوى و النّفس الأمّارة فحينئذٍ علمه بمضرّات الذّنب محجوب بالهوى و يطلق على هذا المذنب الجاهل لغةً و اصطلاحاً و عرفاً، و لعلّ السرّ فيه انّ العلم لا يؤثّر فيه حينئذ، بل بعد دفع الشّهوة و الهوى يحصل للمذنب حال الندم، فكأنّه ليس حينئذٍ له علمٌ بقبح عمله.

و أمّا لو كان ذنبه عن عناد و لجاج بل لعادةٍ أو للتّوجيهات و الوساوس الشّيطانيّة فحصول الندم بعد الذّنب مشكل جدّاً و قد اطلق اللّٰه تعالى عليه الضّلالة مع علمٍ‌.


1) . النّساء، 17-18.

قال: (وَ أَضَلَّهُ اَللّٰهُ عَلىٰ عِلْمٍ‌).(1)

و القرآن في هذه الشّريفة ينبّه الإنسان رحمةً و تفضّلاً على أن لا توبة للعالم بفعله، قال (إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللّٰهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهٰالَةٍ‌).

فهى تحذّر العنيد اللاجّ عن اغتراف المعاصى، مشيرةً إلى أن لا توبة له.

و أمّا قوله تعالى: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ‌) فهو لطف و تنبيه رحمانىّ آخر و هو تحذير عن تسويف التوبة لانّ تأخيرها و عدم الاهتمام بها ينسى الذنب شيئاً فشيئاً بل كثيراً ما تحصل له حالة الاستدراج و الانغمار في الذّنوب من غير التفات منه إليها فتسوّد الذنوب صحيفة قلبه و حينئذ لا فلاح له ابداً و الذكر الحكيم أخبر عن سوء حاله بما اطلق عليه من كلمة الويل:

قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌).(2)

و أمّا قوله تعالى: (وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئٰاتِ حَتّٰى إِذٰا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قٰالَ إِنِّي تُبْتُ اَلْآنَ‌). فهو لطف ثالث و تحذير آخر و هو انّ الإنسان إذا رأى العذاب دنيويّة أو أخرويّة يظهر له النّدامة و لكن تلك النّدامة ليست بتوبة بل هي لمشاهدة وبال ذنبه و آثاره السوء.


1) . الجاثية، 23.

2) . الزّمر، 22.

قال تعالى: (وَ أَسَرُّوا اَلنَّدٰامَةَ لَمّٰا رَأَوُا اَلْعَذٰابَ‌).(1)

و كثيرٌ من آي الذكر الحكيم يدلّ على انّ هذا الندم ليس بصادق، بل هو ندمٌ كاذبٌ لا واقع له.

قال تعالى: (قٰالَ رَبِّ اِرْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صٰالِحاً فِيمٰا تَرَكْتُ كَلاّٰ إِنَّهٰا كَلِمَةٌ هُوَ قٰائِلُهٰا).(2)

و قال تعالى: (وَ لَوْ رُدُّوا لَعٰادُوا لِمٰا نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكٰاذِبُونَ‌).(3)

و أمّا قوله تعالى: (وَ لاَ اَلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفّٰارٌ) فمضافاً إلى انّ التّوبة يوم القيامة كالتّوبة حين الموت ليست بتوبة لانّها و إن كانت حقيقيّة ولكنّها لا فائدة فيها، لانّ المقام مقام الجزاء، لا دارالتكليف، فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً أو شرّاً يرى ذلك الخير أو الشرّ إلّاان يبدّل الشرّ بالخير بالعفو أو الشّفاعة، و الكفّار لا يليقون بهما اصلاً.

فجملة القول: انّا لم نجد آية و لارواية تدلّ على كون التوبة مشروطةً - و هي الندم الحقيقى - بشيء و كذلك لم نجد آية و لا رواية تدلّ على أنّه لا يقبل توبة النادم ندامةً حقيقيّة.

نعم، في المرتدّ كلام آخر مذكورٌ في الفقه، و القول الحقّ فيه ايضاً ان اللّٰه سبحانه


1) . سبأ، 33.

2) . المؤمنون، 99-100.

3) . الانعام، 28.

و تعالى يقبل توبته بصرف ندمه عمّا مضى عليه و ان لم يترتّب على تلك التّوبة بعض الأمور الوضعيّة الدّنيويّة.

حتّى انّ المعاند اللّجوج ان تاب حقّاً أو من سوّف و اخّر التّوبة و لم يتب بعد الذنب و لكنّه بعد زمان بعيدٍ تاب حقاً أو من رأى الموت ثمّ تاب فيقبل توبته بلا اشكلال عقلاً و شرعاً كما تدلّ عليه الرواية الآنف ذكرها، و نظيرها غيرها من روايات الباب.

فعلى ما قلنا يجوز لقائل ان يقول: انّ العفو و الشّفاعة يوم القيامة يختصّان بمن تاب توبةً حقيقيّة. و هذا قولٌ صادق ليس قائله بمجازفٍ فيه.

و في المقام امور لابدّ من ذكرها:

الف: التوبة بعد التوبة بفصل ذنبٍ بينهما مقبولةٌ عنده سبحانه، فلو تاب العبد ثم غلب عليه هواه فارتكب ذنباً ثم تاب و هكذا إلى مرّاةٍ عديدة، فانّ توبته في جميع المرّاة مقبولة و لا يجوز له ان يقنط من رحمة اللّٰه و ذلك القنوط يُعدّ من اكبر الكبائر و هو الّذي يوجب اليأس عن توبته و ورود العبد المذنب غير التائب إلى حضرته من غير توبةٍ مقبولة.

قال تعالى: (وَ لاٰ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اَللّٰهِ إِنَّهُ لاٰ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللّٰهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكٰافِرُونَ‌).(1)


1) . يوسف، 87.

يدلّ عليه اطلاق لفظة التّوّاب في كثير من مواضع القرآن على اللّٰه و على العبد في مقام المدح و التكريم، منها قوله تعالى: (إِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلتَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ اَلْمُتَطَهِّرِينَ‌).(1)

و قوله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوّٰابُ اَلرَّحِيمُ‌).(2)

و احتمال كون التّوّاب في الموردين صفة مشبهة ليس ببعيد، و لكن الأقرب منه المطابق للذّوق القرآنى كونه في الموردين من صيغ المبالغة و المعنى: كلّما عاد العبد إلى اللّٰه تعالى بالتوبة و لو ازيد من الف مرّة عاد اللّٰه تعالى إليه بالغفران، فاللّٰه يحبّ ان لا يقنط العبد من رحمته و كلّما اذنب يستغفره، فاللّٰه تعالى توّاب فكلّما رجع العبد إليه يقبله تعالى و يغفر له، و في هذا المعنى وردت روايات منها قول أبي جعفر عليه السلام:...

كُلَّمَا عَادَ الْمُؤْمِنُ بِالاسْتِغْفَارِ وَ التَّوْبَةِ عَادَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ‌... وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ فَإِيَّاك أَنْ تُقَنِّطَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ‌.(3)

وللّٰه درّ من قال بالفارسيّة:

بازا بازا هر آنچه هستى بازا *** گر كافر و گبر و بت پرستى بازا

اين درگه ما درگه نوميدى نيست *** صد بار اگر توبه شكستى بازا

ب: انّ التّوبة باعتبار المتعلّق تنقسم إلى اقسام.


1) . البقرة، 222.

2) . البقرة، 37.

3) . راجع: الكافي، ج 2، ص 434، ذيل.

و ان شئت قلت: انّها مقولة بالتشكيك باعتبار ذاتها كما أنّها مقولة بالتشكيك باعتبار متعلّقها ايضاً، و للّٰه‌درّ الحكيم النحرير السّبزوارى حيث قال في منظومته:

مراتب التّوب كمراتب التّقى *** من حرمة أو حلّ أو غير اللّقا

و يطلق على تلك المراتب: توبة العوام و توبة الخواصّ و توبة اخصّ الخواصّ‌.

فعموم النّاس عليهم أن يتوبوا من ذنوبهم، و هي اغتراف السيّئات كبيرة أو صغيرة و ترك الواجبات ذات شأنها أو غير ذات شأنها.

و خصوص النّاس كالانبياء قد كانوا تائبين عن ذنوبهم و هي بالنسبة إليهم ارتكاب المكروهات الارشاديّة أو المولويّة و ترك المندوبات بمعنى مخالفتها لا مطلق التّرك، كعصيان آدم و يونس و يعقوب و يوسف عليهم السلام، فآدم عليه السلام ذاق من الشّجرة و يونس عليه السلام ترك قومه بلا إذنٍ من ربّه تعالى و يعقوب عليه السلام كان متوكّلاً على ابنائه و يوسف عليه السلام توكّل على آدميٍّ آخر في انجائه عن السّجن.

و اخصّ الخواصّ كاهل البيت عليهم السلام قد تابوا من ذنوبهم، و هي بالنسبة إليهم التّوجّه إلى المادّيات و المشتهيات الّتي توجب حدوث الغين على قلوبهم المقدّسة و الانصراف عن حضرة اللّٰه تعالى الّذي هو لهم ذنبٌ عظيم.

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي حَتَّى أَسْتَغْفِرُ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ‌.

ثمّ انّه لابدّ من التوجّه إلى انّ مراتب عموم النّاس أيضاً متفاوتة فمقام العلماء غير مقام عامّة النّاس و مقام المنسوبين إليهم كنسائهم و ابنائهم بل خدّامهم و

مريديهم غير عامّة النّاس و هكذا.... و بالضّرورة ذنوبهم غير ذنوبهم و توبتهم ايضاً كذلك.

قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلاً * وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلدّٰارَ اَلْآخِرَةَ فَإِنَّ اَللّٰهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنٰاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً * يٰا نِسٰاءَ اَلنَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضٰاعَفْ لَهَا اَلْعَذٰابُ ضِعْفَيْنِ وَ كٰانَ ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ يَسِيراً * وَ مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ تَعْمَلْ صٰالِحاً نُؤْتِهٰا أَجْرَهٰا مَرَّتَيْنِ وَ أَعْتَدْنٰا لَهٰا رِزْقاً كَرِيماً * يٰا نِسٰاءَ اَلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ اَلنِّسٰاءِ‌).(1)

فترى انّ القرآن عدّ سعة العيش لنساء النّبى كالعيش الزخرفي لعموم النّاس، فنهى و بالغ في نهيهنّ عنها، كما قد بالغ في النهى عنه لهم، و لا فرق في ذلك بين حياتهم الفرديّة أو الجماعيّة.

قال تعالى: (وَ أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ مٰا أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ * فِي سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ * وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لاٰ بٰارِدٍ وَ لاٰ كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كٰانُوا قَبْلَ ذٰلِكَ مُتْرَفِينَ * وَ كٰانُوا يُصِرُّونَ عَلَى اَلْحِنْثِ اَلْعَظِيمِ‌).(2)

و قال تعالى: (وَ إِذٰا أَرَدْنٰا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنٰا مُتْرَفِيهٰا فَفَسَقُوا فِيهٰا فَحَقَّ عَلَيْهَا


1) . الاحزاب، 28-32.

2) . الواقعة، 41-46.

اَلْقَوْلُ فَدَمَّرْنٰاهٰا تَدْمِيراً).(1)

و ليس هذا إلّاانّ شأن الخواصّ غير شأن عموم النّاس و ذنوبهم ايضاً غير ذنوبهم و شدّة الحساب عليهم غير ما يحاسب به عمومهم.

قال الصادق عليه السلام: يُغْفَرُ لِلْجَاهِلِ سَبْعُونَ ذَنْباً قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لِلْعَالِمِ ذَنْبٌ وَاحِدٌ.(2)

و لعلّ من اسرار ذلك، كونهم اسوة للناس نموذجاً للاسلام عندهم فما يصدر عنهم من الافعال و الاقوال يوجب تقوية الشرع المبين أو تضعيفه.

و على كلّ تقدير لا شك في انّ للقسطين من الناس، شأنان عند اللّٰه تعالى به يعامل بهم و يحاسب عليهم.

ج: انّ التّوبة لابدّ من ان تكون للّٰه‌تعالى فقط، بمعنى انّ الندم يجب ان لا يعرض على التائب إلّالأنّه عصى اللّٰه تعالى فلذا قلنا في تعريفها انّها رجوع من الشّهوات إليه تعالى.

و أمّا لو تاب لا لكونه عاصٍ بل خوفاً من النّار أو لكون ما فعله كان قبيحاً عقلاً أو شرعاً، فندمه ليس بتوبة للّٰه‌تعالى.

و بذلك اشار القرآن في عدّة من آيات الباب، منها:


1) . الأنبياء، 16.

2) . راجع: الكافي، ج 1 ص 47.

قوله تعالى: (قُلْ هُوَ رَبِّي لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ مَتٰابِ‌).(1)

و قوله تعالى: (وَ مَنْ تٰابَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اَللّٰهِ مَتٰاباً).(2)

و بذلك اشار المحقّق نصير الملّة و الدّين في التجريد: و يندم على القبيح لقبحه و إلّا لانتفت التّوبة و خوف النّار ان كانت الغاية فكذلك و كذا الاخلال بالواجب(3).

نعم، يرد على هذا المحقّق انّ الندم على القبيح قبيح فهو كالندم على القبيح لخوف النّار، فحكمهما سيّان، ان صحّ الأوّل صحّ الثّانى و ان بطل الثّانى بطل الأوّل ايضاً.

فالتوبة هي الندم على مخالفة اللّٰه تعالى و انّ الاتيان بالسّيّئات و ترك الواجبات مخالفة للّٰه‌فيندم على القبيح و على الاخلال بالواجب لكونهما مخالفة للّٰه‌تعالى.

و لكنّ الّذي يسهّل الخطب انّ التوبة و ان كانت معناها هو الندم على مخالفة اللّٰه تعالى إلّاانّ الدّواعى لها مختلفة، فقد يتوب خوفاً من ناره و قد يتوب طمعاً في جنّته و لكن قد يتوب لانّ عبوديّة التائب و ربوبيّة المعاد إليه يقتضى ذلك، و قد يتوب خوفاً من البلايا و قد يتوب طمعاً في النّعم الدّنيويّة و قد يتوب للّٰه‌تعالى فقط من غير داع من الدّواعى و قد يتوب للّٰه‌و يندم لكونه عبداً فرّاراً، فذلك هي التّوبة حقّها و لكن قد يتوب و الدّاعى هو الاستحياء منه أو شكر نعمه أو حبّه له فذلك هو التّوبة على نحو الدّاعى على الدّاعى.


1) . الرّعد، 30.

2) . الفرقان، 71.

3) . راجع: شرح التجريد، ص 331.

و قد مرّ في باب الاخلاص ما ينفع في المقام، فراجع.

و الحاصل، انّ التوبة حكمها حكم العبادات أى لابدّ من ان يؤتى بها للّٰه‌تعالى فقط من غير أن يشوبها شيء من الغايات و الدّواعى و لكن لا يضرّ بها الغايات و الدّواعى المحرّكة إليها من الغايات و الدّواعى دنيويّة كانت كالخوف من العذاب الدّنيويّة و كالطّمع في النّيل إلى النّعم الدّنيويّة، أو أخرويّة كالخوف من نار جهنّم أو الطّمع في الجنّة.

فالاحسن ان يتوب التائب لا لتلك الدّواعى بل يتوب استحياءً منه تعالى أو حبّاً له أو نحو ذلك.

و الأحسن من الكلّ أن يتوب إليه لأنّه تعالى أهلٌ لذلك و لا يكون له نظر إلى غير هذا المقام الأسنى، و ان يتوب إلى اللّٰه لاقتضاء العبوديّة و الرّبوبيّة ذلك.

و هذا هو الطريق الوحيد للوصول إلى جنابه تعالى في طرفة عينٍ المعبّر عنه بمقام اللقاء الّذي لا يخطر مغزاه ببال أحدٍ سوى من أدركه و نال لذّته.

د: انّ التّبعّض في التّوبة جائز و ما اشتهر بين المتكلّمين من عدم جوازه لا وجه له لانّه لمّا كانت الدّواعى مختلفة فيمكن للعاصى ان يدعوه داعٍ إلى التوبة عن معصية دون معصية أخرى.

و كذلك لمّا كانت المعاصى من حيث الكبر و الصّغر مختلفة و كذلك من حيث المتعلّق، فيجوز للعاصى ان يتوب بحسب ادراكه من بعض دون بعض.

و كذلك لمّا كانت المعاصى بحسب عادة المذنب مختلفة حتّى صار بعضها سجيّةً له كالكذب أو الغيبة فلا حياء له بالنسبة إليه، أمّا غيره من الذنوب فله حياءٌ منه كالسّرقة و القتل، فيمكن للمذنب التائب التّبعيض في التّوبة ايضاً بتلك الجهة.

و لكن طوبى لمن يرى انّ كلّ ذنب و لو كان صغيراً، فهو مخالفة للّٰه‌تعالى و بارتكابه يبطل رسم العبوديّة فبمجرّد اغترافه يتوب و يجدّد الإيمان، فحينئذٍ لا معنى لهذا التائب أن تبعّض في الندم على الذنب و التّوبة منه و لا معنى لان يتوب من معصية دون معصية.

ه: انّ السيّد الاستاذ في الميزان كرّر افادة لطيفة رحمانيّة استفادها من الذكر الحكيم و هي انّ توبة العبد محفوفة بتوبة الرّبّ مقدّماً عليها و مؤخّراً منها، و بعبارة اوضح انّ توبة العبد دائماً محفوفة بتوبتين من اللّٰه الرّحيم الغفور لانّ اللّٰه تعالى اوّلاً يرجع إلى عبده المذنب و ينبّهه و ينقلبه فيوفّقه لان يتوب إليه و يندم على ما فعل و ثانياً يقبل توبة العبد المذنب و رجوعه إلى اللّٰه تعالى.

ففي كلّ رجوع من العبد رجوعان من اللّٰه تعالى و هذا معنى قوله قدّس اللّٰه سرّه: لكلّ توبة من العبد توبتان من الرّبّ‌، و إلى هذه اللّطيفة اشار القرآن الكريم بقوله تعالى: (ثُمَّ تٰابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلتَّوّٰابُ اَلرَّحِيمُ‌).(1)

فترى انّ هذه الآية الشريفة كيف حفّفت توبة العبد - ليتوبوا - بالتّوبتين من اللّٰه


1) . التّوبة، 118.

تعالى - (ثُمَّ تٰابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلتَّوّٰابُ اَلرَّحِيمُ‌).

و نظيرها في القرآن كثير، كقوله تعالى: (فَتَلَقّٰى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمٰاتٍ فَتٰابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوّٰابُ اَلرَّحِيمُ‌).(1)

و: انّ التّوبة فضله تعالى على العبد و قبول التّوبة فضل آخر منه عليه و لكن الفضل كلّ الفضل ما حكم اللّٰه سبحانه و تعالى به من ترتّب الخيرات كلّها دنيويّةً و أخروية عليها.

و لا اظنّ في الإسلام شيئاً افضل عنداللّٰه من توبة العبد و لو لا شيء في التّوبة إلّا كونها مطهّرة للقلوب تصيغ للتائب أن يخلّص نفسه عن الكدورات و الدنسات، فيتجاوز من منزل التّوبة و اليقظة إلى منزل التّخلية بل التّحلية بل التّجلية في أقلّ طرفة عين، ليكفيك ان تصدّق انّها افضل الاعمال نماءً و منفعةً و بذلك اشار اللّٰه تعالى في جملة آيات منها:

قوله تعالى: (إِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلتَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ اَلْمُتَطَهِّرِينَ‌).(2)

و قوله تعالى: (إِلاّٰ مَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صٰالِحاً فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اَللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ وَ كٰانَ اَللّٰهُ غَفُوراً رَحِيماً).(3)


1) . البقرة، 37.

2) . البقرة، 222.

3) . الفرقان، 70

و في رواية: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَعْطَى التَّائِبِينَ ثَلَاثَ خِصَالٍ لَوْ أَعْطَى خَصْلَةً مِنْهَا جَمِيعَ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ لَنَجَوْا بِهَا قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ - إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‌... و قوله الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ‌...

فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَك وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‌ ...... وَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِك يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ‌(1)-(2).

و قال الصادق عليه السلام: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ إِذَا تَابَ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِضَالَّتِهِ إِذَا وَجَدَهَا.(3)

هذا كلّه من جهة عوائدها المعنويّة الاخرويّة.

و أمّا من جهة عوائدها الدّنيويّة فقد ورد في جملةٍ من الآيات و الأحاديث انّ التوبة أنفع شيء لجلب البركات و المنافع و حتّى المادّية منها، و من تلك الآيات:

قوله تعالى: (وَ يٰا قَوْمِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ اَلسَّمٰاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرٰاراً وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلىٰ قُوَّتِكُمْ‌).(4)


1) . الفرقان، 70.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 432.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 436.

4) . هود، 52.

هذا، ولكن لافخر للتائبين أعلى و أشرف ممّا توّجهم اللّٰه به من التسليم عليهم و الغفران لهم.

قال تعالى: (وَ إِذٰا جٰاءَكَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيٰاتِنٰا فَقُلْ سَلاٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلىٰ نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهٰالَةٍ ثُمَّ تٰابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‌).(1)

ز: يظهر من القرآن الشريف توقّف قبول التّوبة على التوسّل إلى النّبى و أهل بيته عليهم السلام كما يظهر منه أيضاً توقّف مطلق اجابة الدّعاء عليه، و بدونه لا اجابة كما أنّه لا توبة، إذ أبى اللّٰه ان يجرى الأمور الّا بأسبابها، و هو تعالى أمر بابتغاء الوسيله سبباً إلى قبولها.

قال تعالى: (وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جٰاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اَللّٰهَ وَ اِسْتَغْفَرَ لَهُمُ اَلرَّسُولُ لَوَجَدُوا اَللّٰهَ تَوّٰاباً رَحِيماً).(2)

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ اِبْتَغُوا إِلَيْهِ اَلْوَسِيلَةَ‌).(3)

فيا ايّها التّائبون و يا ايّها المضطرّون و يا ايّها المحتاجون إلى اللّٰه تعالى، عليكم ثمّ عليكم ثمّ عليكم بالتّوسّل إلى أهل البيت عليهم السلام لانّ التغافل عن هذا الفيض


1) . الانعام، 54.

2) . النّساء، 64.

3) . المائدة، 35.

العظيم يوجب الخذلان و الحرمان في الدّنيا و لا يعقل النّيل إلى سعادة إلّابواسطة الفيض المعبّر عنه في لسان الوحى و الحديث بالشفاعة.

اللّهمّ ارزقنا شفاعتهم في النّيل إلى السّعادات الدنيويّة و الاخرويّة بحقّهم صلوات اللّٰه عليهم اجمعين.

ح: قد فصّلنا القول سابقاً في كيفيّة التّخلية و التّحلية و بذلك التفصيل ظهر كيفيّة تحصيل التّوبة ايضاً إلّاأنّه نظراً إلى ما لهذه الفضيلة من الأهميّة البالغة، لا بأس بافراد قولٍ موجز في كيفيّة تحصيلها و الاتّصاف بها فنقول:

الطريق إليها اوّلاً: ان يتفكّر في كلّ يوم و ليلة و لو لحظة حتّى يثاب مما لايقلّ عن ثواب عبادة سنة.

قال أبو عبداللّٰه عليه السلام: تفكّر ساعة خير من عبادة سنة.(1)

و أن يتفكّر في عاقبة المذنبين و هو السّير الّذي أمر به اللّٰه في القرآن فيما يزيد عن عشرة موارد.

قال تعالى: (فَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كٰانَ عٰاقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ‌).(2)

و لقد اجاد في جامع السّعادات بقوله: اَما سمعت انّ أباك آدم قد اُخرج من الجنّة بتركه الاولى حتّى روى انّه لمّا اكل الشّجرة تطايرت الحلل عن جسده و بدت


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 327.

2) . النّحل، 36.

عورته و جاء جبرئيل عليه السلام و اخذ التّاج من رأسه و خلّى الاكليل عن جنبيه و نودى من فوق العرش: اهبطا من جوارى فانّه لا يجاورنى من عصانى، فالتفت آدم إلى حوّاء باكياً و قال: هذا اوّل شؤم المعصية أخرجنا من جوار الحبيب... و قد روى انّ آدم بكى على ذنبه مأتى سنة حتّى قبل اللّٰه توبته و تجاوز عمّا ارتكبه من ترك الاولى فان كانت مؤاخذته في نهى تنزيه مع حبيبه و صفيّه هكذا فكيف معاملته مع الغير في ذنوب لا تحصى‌؟!.(1)

و ثانياً: ان يتفكّر في انّ الذّنب داء للنّفس عظيم فلو لم يداوه بالتّوبة لقسى قلبه و ويل لذلك القلب حينئذٍ.

قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌).(2)

و لو بقيت القساوة و رسخت في القلب لينجرّ إلى سلب الايمان منه.

قال تعالى: (ثُمَّ كٰانَ عٰاقِبَةَ اَلَّذِينَ أَسٰاؤُا اَلسُّواىٰ أَنْ كَذَّبُوا بِآيٰاتِ اَللّٰهِ‌).(3)

و ثالثاً: ان يتفكّر في انّ كلّ ما يتلقّاه الإنسان في الدّنيا و الآخرة من المصائب و المشاكل لا سيّما المشاكل النفسيّة ليس إلّامن آثار ذنوبه.

قال تعالى: (وَ لاٰ يَزٰالُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمٰا صَنَعُوا قٰارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ‌


1) . راجع: جامع السّعادات، ج 3 ص 48.

2) . الزّمر، 22.

3) . الرّوم، 10.

دٰارِهِمْ‌).(1)

و قال تعالى: (فَأَيُّ اَلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولٰئِكَ لَهُمُ اَلْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ‌).(2)

و رابعاً: ان يتفكّر في أنّ السلوك إلى اللّٰه تعالى هو الغاية المتوخّاة من خلق الانسان، و هو يتوقّف على التّوبة الّتي هي اوّل منزلٍ من المنازل السبع الواقعة في مسيره إليه سبحانه، و لولا السلوك فلا فرق بين الآدميّ و الحيوانات، بل الضالّ من النّاس هو أضلّ من الحيوانات غير الناطقة.

قال تعالى: (إِنّٰا جَعَلْنٰا فِي أَعْنٰاقِهِمْ أَغْلاٰلاً فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقٰانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَ جَعَلْنٰا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنٰاهُمْ فَهُمْ لاٰ يُبْصِرُونَ‌).(3)

فبهذه التفكّرات سيّما إذا دام عليه الإنسان في كلّ يوم تحصل الدّواعى للتوبة إلى اللّٰه و الرجوع من العصيان إلى العبوديّة.

و أهمّ من هذا كلّه، هو التفطّن إلى انّ العالم بشراشره و منها الإنسان لا يكون إلّا بمحضرٍ من اللّٰه تعالى، فلا شيء إلّاهو بمحضره تعالى و لا شيء في التوبة اهم من هذا التفطّن و لو كان لحظةً في كلّ يومٍ‌.

و التّوجّه - ايضاً - إلى أنّ النّعم الالهيّة لا تعدّ و لا تحصى ظاهرة و باطنة و


1) . الرّعد، 31.

2) . الانعام، 81-82.

3) . يس، 8-9.

استخدامها في معصية اللّٰه تعالى جفاء بل ظلم عظيم.

قال تعالى: (وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ لاٰ تُحْصُوهٰا).(1)

و قال تعالى: (وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً‌).(2)

و قال تعالى: (إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‌).(3)

ط: انّ الذّنوب باعتبار المضاف إليه تنقسم إلى اقسام:

1 - حقّ اللّٰه الّذي لا تدارك له كالكذب و استماع الغناء و المزأمير و الزّنا بغير ذات البعل و شرب الخمر و نحو ذلك، فالتوبة عنها هي الندم فقط و بعد الندم انّ اللّٰه تعالى يغفرها جميعاً.

2 - حقّ اللّٰه تعالى الّذي يمكن تداركه كترك الصّلوة و الصّوم و الحجّ و نحو ذلك، فالتّوبة عنه و ان كانت صرف الندم كما مرّ الكلام فيه، إلّاانّه لو لم يتداركها فقد اغترف ذنباً عظيماً يجب التوبة عنه و توبتها تداركها، هذا لو لم نقل بأنّ عدم تداركها كاشف عن عدم توبته.

3 - حقّ النّاس الّذي يجب تداركه كأكل اموال النّاس حتّى الخمس و الزّكوة و كاضلال الغير سيّما في اصول الدّين و كالقتل عمداً أو خطاءً و كالاضرار بالأبدان


1) . ابراهيم، 34.

2) . لقمان، 20.

3) . لقمان، 13.

كالجرح و القطع و بالجملة كاتلاف المال أو النّفس أو الاطراف، فالتّوبة عن مثل ذلك و ان كانت صرف الندم إلّاانّ عدم تداركها، من الذّنوب الموبقة الّتي لابدّ من التّوبة عنها و توبتهاتداركها.

نعم، لو لم يقدر على تداركها على وجهها فيجب عليه بما يقدر و لااقلّ من الدّعاء للمجنيّ عليه، و يوم القيامة انّ اللّٰه يُرضى من له الحقّ بدلاً و نيابةً عنه و أمّا لو لم يتب و مات على ذنبه، فيبدّل اللّٰه تعالى صالح أعماله بطالح أعمال ذي‌الحقّ‌، بدلاً عمّا جنى عليه.

و على ذلك دلالة جملةٍ من الآيات و الروايات، منها: قوله تعالى: (وَ قَدِمْنٰا إِلىٰ مٰا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنٰاهُ هَبٰاءً مَنْثُوراً).(1)

و قد وردت روايات مذيّلاً على هذه الشريفة تدلّ على انّ اللّٰه تعالى يعطي المديون طاعات الدائن المقصّر حتّى نودى استهزاءً عليه: انّ هذا الّذي أكل أعماله عياله.

و قال تعالى: (وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقٰالَهُمْ وَ أَثْقٰالاً مَعَ أَثْقٰالِهِمْ‌).(2)

4 - حقّ النّاس الّذي لا تدارك له كالخيانة في الأهل و الاولاد أو في العرض كالغيبة و التّهمة و نحو ذلك، فالتّوبة عن مثل تلك الأمور هي الندم عليها فقط حيث


1) . الفرقان، 23.

2) . العنكبوت، 13.

انّه لا وجه للاستحلال اذ اظهارها طلباً للعفو منها يوجب غيظ ذي‌الحق و سخطه على المستعفي، فيترتّب عليه مفاسد عظيمة حتّى انّ الاستحلال في الغيبة غالباً - إلّا ماشذّ - يوجب الكدورة و هي اذيّة أخرى ذنبها عظيم، نعم لو سمع المغتاب غيبته فيجب الاستحلال منه لرفع غيظه و سخطه كما انّه لوامكن رفع التّهمة عن المتّهم ظلماً و عدواناً و رفع العيب عنه بذكر محاسنه على رؤوس الاشهاد و لو بتكذيب نفسه لوجب، نعم لو تاب و استحلّ من المغتاب و لكنه لم يرض عنه فتوبته مقبولة واللّٰه تعالى هو الحاكم الرئوف الّذي يقبل التّوبة عن عباده، فعليه ترضية المغتاب يوم القيامة.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا انّه لا مورد في الإسلام إلّاان يقبل فيه التّوبة.

فصرف الندم من كلّ ذنبٍ‌، حقّ اللّٰه كان أو حقّ النّاس هي التّوبة، و اللّٰه تعالى يقبل التّوبة عن عباده إلّاانّ كلّ مورد يمكن جبره كقضاء بعض العبادات في حقّ اللّٰه و كردّ مظالم العباد في حقّ النّاس يجب أن يُجبر و كلّ مورد لايمكن جبره كالخيانة في الأهل و الاولاد فصرف الندم كافٍ فيه، و اللّٰه تعالى جابر العثرات فيقبل التّوبة و يجبر في الآخرة للمظلوم بما يرضى به من الظّالم.

هذا تلخيص الكلام في هذا المرام، و لمّا كان البحث فقهيّاً يطلب تفصيله هناك و بهذا المقدار نكتفى هنا و نختم البحث عنها بما نورده من كلمات المعصومين عليهم السلام الّتي هي أنوارٌ صادرة من أنوار اللّٰه تعالى.

روايات في التّوبة

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام: إِذَا تَابَ الْعَبْدُ تَوْبَةً نَصُوحاً أَحَبَّهُ اللَّهُ فَسَتَرَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَ الآْخِرَةِ فَقُلْتُ وَ كَيْفَ يَسْتُرُ عَلَيْهِ قَالَ يُنْسِي مَلَكَيْهِ مَا كَتَبَا عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَ يُوحِي إِلَى جَوَارِحِهِ اكْتُمِي عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ وَ يُوحِي إِلَى بِقَاعِ الْأَرْضِ اكْتُمِي مَا كَانَ يَعْمَلُ عَلَيْك مِنَ الذُّنُوبِ فَيَلْقَى اللَّهَ حِينَ يَلْقَاهُ وَ لَيْسَ شَيْ‌ءٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِشَيْ‌ءٍ مِنَ الذُّنُوبِ‌.(1)

•

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَحَدِهِمَا ع فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ قَالَ الْمَوْعِظَةُ التَّوْبَةُ‌.(2)

•

عن أبي الصّباح الكنانى قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً قَالَ يَتُوبُ الْعَبْدُ مِنَ الذَّنْبِ ثُمَ لَا يَعُودُ فِيهِ‌.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ سَأَلْتُ عَنْهَا أَبَا الْحَسَنِ ع فَقَالَ يَتُوبُ مِنَ الذَّنْبِ ثُمَّ لَا يَعُودُ فِيهِ وَ


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 430.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 431.

أَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْمُفَتَّنُونَ التَّوَّابُون.(1)

•

عن أبي بصير قال: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً قَالَ هُوَ الذَّنْبُ الَّذِي لَا يَعُودُ فِيهِ أَبَداً قُلْتُ وَ أَيُّنَا لَمْ يَعُدْ فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ‌.(2)

•

و في رواية: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَعْطَى التَّائِبِينَ ثَلَاثَ خِصَالٍ لَوْ أَعْطَى خَصْلَةً مِنْهَا جَمِيعَ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ لَنَجَوْا بِهَا قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ - إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ فَمَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ لَمْ يُعَذِّبْهُ وَ قَوْلُهُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ‌... وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَك وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ وَ مَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَ ذلِك هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ - وَ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَ لا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لا يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِك يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِك يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَ كانَ اللَّهُ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 432.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 432.

غَفُوراً رَحِيماً.(1)-(2)

•

عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: يَا مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ ذُنُوبُ الْمُؤْمِنِ إِذَا تَابَ مِنْهَا مَغْفُورَةٌ لَهُ فَلْيَعْمَلِ الْمُؤْمِنُ لِمَا يَسْتَأْنِفُ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَ الْمَغْفِرَةِ أَمَا وَ اللَّهِ إِنَّهَا لَيْسَتْ إِلَّا لِأَهْلِ الْإِيمَانِ قُلْتُ فَإِنْ عَادَ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَ الِاسْتِغْفَارِ مِنَ الذُّنُوبِ وَ عَادَ فِي التَّوْبَةِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ أَ تَرَى الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ يَنْدَمُ عَلَى ذَنْبِهِ وَ يَسْتَغْفِرُ مِنْهُ وَ يَتُوبُ ثُمَّ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَهُ قُلْتُ فَإِنَّهُ فَعَلَ ذَلِك مِرَاراً يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ وَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فَقَالَ كُلَّمَا عَادَ الْمُؤْمِنُ بِالاسْتِغْفَارِ وَ التَّوْبَةِ عَادَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ‌... وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ فَإِيَّاك أَنْ تُقَنِّطَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ‌.(3)

•

عن أبي بصير، عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِذامَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ قَالَ هُوَ الْعَبْدُ يَهُمُ بِالذَّنْبِ ثُمَّ يَتَذَكَّرُ فَيُمْسِك فَذَلِك قَوْلُهُ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ‌.(4)

•

عن أبي جعفر عليه السلام: إِنَ اللَّهَ تَعَالَى أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ وَ زَادَهُ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ فَوَجَدَهَا فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ ذَلِك الرَّجُلِ بِرَاحِلَتِهِ حِينَ‌


1) . الفرقان، 68-70.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 432.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 434.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 434.

وَجَدَهَا.(1)

•

قال أبو عبداللّٰه عليه السلام: إِنَ اللَّهَ يُحِبُ الْعَبْدَ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ وَ مَنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِك مِنْهُ كَانَ أَفْضَلَ‌.(2)

•

عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: سَمِعْتُهُ يَقُولُ التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ وَ الْمُقِيمُ عَلَى الذَّنْبِ وَ هُوَ مُسْتَغْفِرٌ مِنْهُ كَالْمُسْتَهْزِئِ‌.(3)

•

عن أبي جعفر عليه السلام: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْحَى إِلَى دَاوُدَ ع أَنِ ائْتِ عَبْدِي دَانِيَالَ فَقُلْ لَهُ إِنَّك عَصَيْتَنِي فَغَفَرْتُ لَك وَ عَصَيْتَنِي فَغَفَرْتُ لَك وَ عَصَيْتَنِي فَغَفَرْتُ لَك فَإِنْ أَنْتَ عَصَيْتَنِيَ الرَّابِعَةَ لَمْ أَغْفِرْ لَك فَأَتَاهُ دَاوُدُ ع فَقَالَ يَا دَانِيَالُ إِنَّنِي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْك وَ هُوَ يَقُولُ لَك إِنَّك عَصَيْتَنِي فَغَفَرْتُ لَك وَ عَصَيْتَنِي فَغَفَرْتُ لَك وَ عَصَيْتَنِي فَغَفَرْتُ لَك فَإِنْ أَنْتَ عَصَيْتَنِيَ الرَّابِعَةَ لَمْ أَغْفِرْ لَك فَقَالَ لَهُ دَانِيَالُ قَدْ أَبْلَغْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَلَمَّا كَانَ فِي السَّحَرِ قَامَ دَانِيَالُ فَنَاجَى رَبَّهُ فَقَالَ يَا رَبِّ إِنَّ دَاوُدَ نَبِيَّك أَخْبَرَنِي عَنْك أَنَّنِي قَدْ عَصَيْتُك فَغَفَرْتَ لِي وَ عَصَيْتُك فَغَفَرْتَ لِي وَ عَصَيْتُك فَغَفَرْتَ لِي وَ أَخْبَرَنِي عَنْك أَنَّنِي إِنْ عَصَيْتُك الرَّابِعَةَ لَمْ تَغْفِرْ لِي فَوَ عِزَّتِك لَئِنْ لَمْ تَعْصِمْنِي لَأَعْصِيَنَّك ثُمَّ لَأَعْصِيَنَّك ثُمَّ لَأَعْصِيَنَّكَ‌.(4)

•

عن معاوية بن وهب قال: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ إِذَا تَابَ الْعَبْدُ تَوْبَةً‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 435.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 435.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 435.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 435.

نَصُوحاً أَحَبَّهُ اللَّهُ فَسَتَرَ عَلَيْهِ فَقُلْتُ وَ كَيْفَ يَسْتُرُ عَلَيْهِ قَالَ يُنْسِي مَلَكَيْهِ مَا كَانَا يَكْتُبَانِ عَلَيْهِ وَ يُوحِي اللَّهُ إِلَى جَوَارِحِهِ وَ إِلَى بِقَاعِ الْأَرْضِ أَنِ اكْتُمِي عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ فَيَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ حِينَ يَلْقَاهُ وَ لَيْسَ شَيْ‌ءٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِشَيْ‌ءٍ مِنَ الذُّنُوبِ‌.(1)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: إِنَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ إِذَا تَابَ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِضَالَّتِهِ إِذَا وَجَدَهَا.(2)

•

عن زرارة قال: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ إِنَ الْعَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً أُجِّلَ مِنْ غُدْوَةٍ إِلَى اللَّيْلِ فَإِنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ‌.(3)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً أُجِّلَ فِيهَا سَبْعَ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ فَإِنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُ الْقَيُّومُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ‌.(4)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً أَجَّلَهُ اللَّهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ فَإِنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْ‌ءٌ وَ إِنْ مَضَتِ السَّاعَاتُ وَ لَمْ يَسْتَغْفِرْ كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ وَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُذَكَّرُ ذَنْبَهُ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً حَتَّى يَسْتَغْفِرَ رَبَّهُ فَيَغْفِرَ لَهُ وَ إِنَّ الْكَافِرَ لَيَنْسَاهُ مِنْ سَاعَتِهِ‌.(5)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 436.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 436.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 437.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 437.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 437.

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُقَارِفُ فِي يَوْمِهِ وَ لَيْلَتِهِ أَرْبَعِينَ كَبِيرَةً فَيَقُولُ وَ هُوَ نَادِمٌ - أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ * ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ وَ أَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيَّ إِلَّا غَفَرَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ وَ لَا خَيْرَ فِيمَنْ يُقَارِفُ فِي يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ كَبِيرَةً‌.(1)

•

قال أبو عبداللّٰه عليه السلام: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُذْنِبُ ذَنْباً إِلَّا أَجَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ سَبْعَ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ فَإِنْ هُوَ تَابَ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْ‌ءٌ وَ إِنْ هُوَ لَمْ يَفْعَلْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَيِّئَةً فَأَتَاهُ عَبَّادٌ الْبَصْرِيُّ فَقَالَ لَهُ بَلَغَنَا أَنَّك قُلْتَ مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْباً إِلَّا أَجَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ سَبْعَ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ فَقَالَ لَيْسَ هَكَذَا قُلْتُ وَ لَكِنِّي قُلْتُ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ وَ كَذَلِك كَانَ قَوْلِي.(2)

•

عن أبي عبداللّٰه أو عن أبي جعفر عليه السلام قال: إِنَّ آدَمَ ع قَالَ يَا رَبِ سَلَّطْتَ عَلَيَ الشَّيْطَانَ وَ أَجْرَيْتَهُ مِنِّي مَجْرَى الدَّمِ فَاجْعَلْ لِي شَيْئاً فَقَالَ يَا آدَمُ جَعَلْتُ لَك أَنَّ مَنْ هَمَّ مِنْ ذُرِّيَّتِك بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ وَ مَنْ هَمَّ مِنْهُمْ بِحَسَنَةٍ فَإِنْ لَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ فَإِنْ هُوَ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْراً قَالَ يَا رَبِّ زِدْنِي قَالَ جَعَلْتُ لَك أَنَّ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ سَيِّئَةً ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لَهُ غَفَرْتُ لَهُ قَالَ يَا رَبِّ زِدْنِي قَالَ جَعَلْتُ لَهُمُ التَّوْبَةَ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 438.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 439.

أَوْ قَالَ بَسَطْتُ لَهُمُ التَّوْبَةَ حَتَّى تَبْلُغَ النَّفْسُ هَذِهِ قَالَ يَا رَبِّ حَسْبِي.(1)

•

عن معاوية بن وهب قال: خَرَجْنَا إِلَى مَكَّةَ وَ مَعَنَا شَيْخٌ مُتَأَلِّهٌ مُتَعَبِّدٌ لَا يَعْرِفُ هَذَا الْأَمْرَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ فِي الطَّرِيقِ وَ مَعَهُ ابْنُ أَخٍ لَهُ مُسْلِمٌ فَمَرِضَ الشَّيْخُ فَقُلْتُ لِابْنِ أَخِيهِ لَوْ عَرَضْتَ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى عَمِّك لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَهُ فَقَالَ كُلُّهُمْ دَعُوا الشَّيْخَ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى حَالِهِ فَإِنَّهُ حَسَنُ الْهَيْئَةِ فَلَمْ يَصْبِرْ ابْنُ أَخِيهِ حَتَّى قَالَ لَهُ يَا عَمِّ إِنَّ النَّاسَ ارْتَدُّوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ص إِلَّا نَفَراً يَسِيراً وَ كَانَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع مِنَ الطَّاعَةِ مَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ص وَ كَانَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ الْحَقُّ وَ الطَّاعَةُ لَهُ قَالَ فَتَنَفَّسَ الشَّيْخُ وَ شَهَقَ وَ قَالَ أَنَا عَلَى هَذَا وَ خَرَجَتْ نَفْسُهُ فَدَخَلْنَا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَعَرَضَ عَلِيُّ بْنُ السَّرِيِّ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَقَالَ هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ السَّرِيِّ إِنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئاً مِنْ هَذَا غَيْرَ سَاعَتِهِ تِلْك قَالَ فَتُرِيدُونَ مِنْهُ مَا ذَا قَدْ دَخَلَ وَ اللَّهِ الْجَنَّةَ‌.(2)

•

عن محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: قُلْتُ لَهُ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ قَالَ الْهَنَةُ بَعْدَ الْهَنَةِ أَيِ الذَّنْبُ بَعْدَ الذَّنْبِ يُلِمُّ بِهِ الْعَبْدُ.(3)

•

عن محمّد بن مسلم عن احدهما عليه السلام قال: قُلْتُ لَهُ أَ رَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ - الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ قَالَ هُوَ الذَّنْبُ يُلِمُّ بِهِ الرَّجُلُ فَيَمْكُثُ مَا


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 440.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 440.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 441.

شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُلِمُّ بِهِ بَعْدُ.(1)

•

قال أبو عبداللّٰه عليه السلام: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ لَهُ ذَنْبٌ يَهْجُرُهُ زَمَاناً ثُمَ يُلِمُ بِهِ وَ ذَلِك قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ إِلَّا اللَّمَمَ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ قَالَ الْفَوَاحِشُ الزِّنَى وَ السَّرِقَةُ وَ اللَّمَمُ الرَّجُلُ يُلِمُّ بِالذَّنْبِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهُ‌.(2)

•

قال أبو عبداللّٰه عليه السلام: مَنْ جَاءَنَا يَلْتَمِسُ الْفِقْهَ وَ الْقُرْآنَ وَ تَفْسِيرَهُ فَدَعُوهُ وَ مَنْ جَاءَنَا يُبْدِي عَوْرَةً قَدْ سَتَرَهَا اللَّهُ فَنَحُّوهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ جُعِلْتُ فِدَاك وَ اللَّهِ إِنَّنِي لَمُقِيمٌ عَلَى ذَنْبٍ مُنْذُ دَهْرٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَحَوَّلَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ فَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّك وَ مَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقُلَك مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا لِكَيْ تَخَافَهُ‌.(3)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: مَا مِنْ ذَنْبٍ إِلَّا وَ قَدْ طُبِعَ عَلَيْهِ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَهْجُرُهُ الزَّمَانَ ثُمَّ يُلِمُّ بِهِ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ قَالَ اللَّمَّامُ الْعَبْدُ الَّذِي يُلِمُّ الذَّنْبَ بَعْدَ الذَّنْبِ لَيْسَ مِنْ سَلِيقَتِهِ أَيْ مِنْ طَبِيعَتِهِ‌.(4)

•

قال أبو عبداللّٰه عليه السلام: إِنَ الْمُؤْمِنَ لَا يَكُونُ سَجِيَّتُهُ الْكَذِبَ وَ الْبُخْلَ وَ الْفُجُورَ وَ رُبَّمَا أَلَمَّ مِنْ ذَلِك شَيْئاً لَا يَدُومُ عَلَيْهِ قِيلَ فَيَزْنِي قَالَ نَعَمْ وَ لَكِنْ لَا يُولَدُ لَهُ مِنْ تِلْك


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 441.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 442.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 442.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 442.

النُّطْفَةِ‌.(1)

•

صَعِدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع بِالْكُوفَةِ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الذُّنُوبَ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ أَمْسَك فَقَالَ لَهُ حَبَّةُ الْعُرَنِيُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قُلْتَ الذُّنُوبُ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ أَمْسَكْتَ فَقَالَ مَا ذَكَرْتُهَا إِلَّا وَ أَنَا أُرِيدُ أَنْ أُفَسِّرَهَا وَ لَكِنْ عَرَضَ لِي بُهْرٌ حَالَ بَيْنِي وَ بَيْنَ الْكَلَامِ نَعَمْ الذُّنُوبُ ثَلَاثَةٌ فَذَنْبٌ مَغْفُورٌ وَ ذَنْبٌ غَيْرُ مَغْفُورٍ وَ ذَنْبٌ نَرْجُو لِصَاحِبِهِ وَ نَخَافُ عَلَيْهِ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَبَيِّنْهَا لَنَا قَالَ نَعَمْ أَمَّا الذَّنْبُ الْمَغْفُورُ فَعَبْدٌ عَاقَبَهُ اللَّهُ عَلَى ذَنْبِهِ فِي الدُّنْيَا فَاللَّهُ أَحْلَمُ وَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُعَاقِبَ عَبْدَهُ مَرَّتَيْنِ وَ أَمَّا الذَّنْبُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ فَمَظَالِمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَك وَ تَعَالَى إِذَا بَرَزَ لِخَلْقِهِ أَقْسَمَ قَسَماً عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَا يَجُوزُنِي ظُلْمُ ظَالِمٍ وَ لَوْ كَفٌّ بِكَفٍّ وَ لَوْ مَسْحَةٌ بِكَفٍّ وَ لَوْ نَطْحَةٌ مَا بَيْنَ الْقَرْنَاءِ إِلَى الْجَمَّاءِ فَيَقْتَصُّ لِلْعِبَادِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى لَا تَبْقَى لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ مَظْلِمَةٌ ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ لِلْحِسَابِ وَ أَمَّا الذَّنْبُ الثَّالِثُ فَذَنْبٌ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ وَ رَزَقَهُ التَّوْبَةَ مِنْهُ فَأَصْبَحَ خَائِفاً مِنْ ذَنْبِهِ رَاجِياً لِرَبِّهِ فَنَحْنُ لَهُ كَمَا هُوَ لِنَفْسِهِ نَرْجُو لَهُ الرَّحْمَةَ وَ نَخَافُ عَلَيْهِ الْعَذَابَ‌.(2)

•

عن أبي جعفر عليه السلام قال: إِنَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ إِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ يُكْرِمَ عَبْداً وَ لَهُ ذَنْبٌ ابْتَلَاهُ بِالسُّقْمِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِك لَهُ ابْتَلَاهُ بِالْحَاجَةِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بِهِ ذَلِك شَدَّدَ عَلَيْهِ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 442.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 443.

الْمَوْتَ لِيُكَافِيَهُ بِذَلِك الذَّنْبِ قَالَ وَ إِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ يُهِينَ عَبْداً وَ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةٌ صَحَّحَ بَدَنَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بِهِ ذَلِك وَسَّعَ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ فَإِنْ هُوَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِك بِهِ هَوَّنَ عَلَيْهِ الْمَوْتَ لِيُكَافِيَهُ بِتِلْك الْحَسَنَةِ‌.(1)

•

قال أبو عبداللّٰه عليه السلام: إِنَ الْعَبْدَ إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ وَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يُكَفِّرُهَا ابْتَلَاهُ بِالْحُزْنِ لِيُكَفِّرَهَا.(2)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ لَيْسَ مِنِ الْتِوَاءِ عِرْقٍ وَ لَا نَكْبَةِ حَجَرٍ وَ لَا عَثْرَةِ قَدَمٍ وَ لَا خَدْشِ عُودٍ إِلَّا بِذَنْبٍ وَ لَمَا يَعْفُو اللَّهُ أَكْثَرُ فَمَنْ عَجَّلَ اللَّهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَجَلُّ وَ أَكْرَمُ وَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي عُقُوبَتِهِ فِي الآْخِرَةِ‌.(3)

•

عن أبي جعفر عليه السلام قال: مَرَّ نَبِيٌ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِرَجُلٍ بَعْضُهُ تَحْتَ حَائِطٍ وَ بَعْضُهُ خَارِجٌ مِنْهُ قَدْ شَعَّثَتْهُ الطَّيْرُ وَ مَزَّقَتْهُ الْكِلَابُ ثُمَّ مَضَى فَرُفِعَتْ لَهُ مَدِينَةٌ فَدَخَلَهَا فَإِذَا هُوَ بِعَظِيمٍ مِنْ عُظَمَائِهَا مَيِّتٍ عَلَى سَرِيرٍ مُسَجًّى بِالدِّيبَاجِ حَوْلَهُ الْمِجْمَرُ فَقَالَ يَا رَبِّ أَشْهَدُ أَنَّك حَكَمٌ عَدْلٌ لَا تَجُورُ هَذَا عَبْدُك لَمْ يُشْرِك بِك طَرْفَةَ عَيْنٍ أَمَتَّهُ بِتِلْك الْمِيتَةِ وَ


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 444.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 444..

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 445.

هَذَا عَبْدُك لَمْ يُؤْمِنْ بِك طَرْفَةَ عَيْنٍ أَمَتَّهُ بِهَذِهِ الْمِيتَةِ فَقَالَ عَبْدِي أَنَا كَمَا قُلْتَ حَكَمٌ عَدْلٌ لَا أَجُورُ ذَلِك عَبْدِي كَانَتْ لَهُ عِنْدِي سَيِّئَةٌ أَوْ ذَنْبٌ أَمَتُّهُ بِتِلْك الْمِيتَةِ لِكَيْ يَلْقَانِي وَ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْ‌ءٌ وَ هَذَا عَبْدِي كَانَتْ لَهُ عِنْدِي حَسَنَةٌ فَأَمَتُّهُ بِهَذِهِ الْمِيتَةِ لِكَيْ يَلْقَانِي وَ لَيْسَ لَهُ عِنْدِي حَسَنَةٌ‌.(1)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: إِنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِمَنْ يُصَلِّي مِنْ شِيعَتِنَا عَمَّنْ لَا يُصَلِّي مِنْ شِيعَتِنَا وَ لَوْ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْك الصَّلَاةِ لَهَلَكُوا وَ إِنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِمَنْ يَصُومُ مِنْهُمْ عَمَّنْ لَا يَصُومُ مِنْ شِيعَتِنَا وَ لَوْ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْك الصِّيَامِ لَهَلَكُوا وَ إِنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِمَنْ يُزَكِّي مِنْ شِيعَتِنَا عَمَّنْ لَا يُزَكِّي مِنْهُمْ وَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى تَرْك الزَّكَاةِ لَهَلَكُوا وَ إِنَّ اللَّهَ لَيَدْفَعُ بِمَنْ يَحُجُّ مِنْ شِيعَتِنَا عَمَّنْ لَا يَحُجُّ مِنْهُمْ وَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى تَرْك الْحَجِّ لَهَلَكُوا وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ فَوَ اللَّهِ مَا أُنْزِلَتْ إِلَّا فِيكُمْ وَ لَا عُنِيَ بِهَا غَيْرُكُمْ‌.(2)

•

قال أبو عبداللّٰه عليه السلام: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِنَ الْعَبْدَ مِنْ عَبِيدِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ مِمَّا يَسْتَوْجِبُ بِهِ عُقُوبَتِي فِي الدُّنْيَا وَ الآْخِرَةِ فَأَنْظُرُ لَهُ فِيمَا فِيهِ صَلَاحُهُ فِي آخِرَتِهِ فَأُعَجِّلُ لَهُ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا لِأُجَازِيَهُ بِذَلِك الذَّنْبِ وَ أُقَدِّرُ عُقُوبَةَ ذَلِك الذَّنْبِ وَ أَقْضِيهِ وَ أَتْرُكُهُ عَلَيْهِ مَوْقُوفاً غَيْرَ مُمْضًى وَ لِي فِي إِمْضَائِهِ الْمَشِيئَةُ وَ مَا يَعْلَمُ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 446.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 451.

عَبْدِي بِهِ فَأَتَرَدَّدُ فِي ذَلِك مِرَاراً عَلَى إِمْضَائِهِ ثُمَّ أُمْسِك عَنْهُ فَلَا أُمْضِيهِ كَرَاهَةً لِمَسَاءَتِهِ وَ حَيْداً عَنْ إِدْخَالِ الْمَكْرُوهِ عَلَيْهِ فَأَتَطَوَّلُ عَلَيْهِ بِالْعَفْوِ عَنْهُ وَ الصَّفْحِ مَحَبَّةً لِمُكَافَاتِهِ لِكَثِيرِ نَوَافِلِهِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَيَّ فِي لَيْلِهِ وَ نَهَارِهِ فَأَصْرِفُ ذَلِك الْبَلَاءَ عَنْهُ وَ قَدْ قَدَّرْتُهُ وَ قَضَيْتُهُ وَ تَرَكْتُهُ مَوْقُوفاً وَ لِي فِي إِمْضَائِهِ الْمَشِيئَةُ ثُمَّ أَكْتُبُ لَهُ عَظِيمَ أَجْرِ نُزُولِ ذَلِك الْبَلَاءِ وَ أَدَّخِرُهُ وَ أُوَفِّرُ لَهُ أَجْرَهُ وَ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ وَ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ أَذَاهُ وَ أَنَا اللَّهُ الْكَرِيمُ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ‌.(1)

•

قال أبو عبداللّٰه عليه السلام: إِنَ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً فَأَذْنَبَ ذَنْباً أَتْبَعَهُ بِنَقِمَةٍ وَ يُذَكِّرُهُ الِاسْتِغْفَارَ وَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرّاً فَأَذْنَبَ ذَنْباً أَتْبَعَهُ بِنِعْمَةٍ لِيُنْسِيَهُ الِاسْتِغْفَارَ وَ يَتَمَادَى بِهَا وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ بِالنِّعَمِ عِنْدَ الْمَعَاصِي.(2)

•

سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع عَنِ الِاسْتِدْرَاجِ فَقَالَ هُوَ الْعَبْدُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُمْلَى لَهُ وَ تُجَدَّدُ لَهُ عِنْدَهَا النِّعَمُ فَتُلْهِيهِ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ مِنَ الذُّنُوبِ فَهُوَ مُسْتَدْرَجٌ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَم.(3)

•

عن سماعة بن مهران قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ قَالَ هُوَ الْعَبْدُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَتُجَدَّدُ لَهُ النِّعْمَةُ مَعَهُ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 449.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 452.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 452.

تُلْهِيهِ تِلْك النِّعْمَةُ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ مِنْ ذَلِك الذَّنْبِ‌.(1)

• عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: كَمْ مِنْ مَغْرُورٍ بِمَا قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِسَتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ كَمْ مِنْ مَفْتُونٍ بِثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ‌.(2)

1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 452.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 452.

الرّذيلة الثّلاثون: العصيان و التجرّي علىٰ المولىٰ‌

اشارة

و هي ملكة التجرّى على المولى و بعد تجرّئه عليه يُسلب عن الإنسان النّفس اللّوّامة فيعصى و لا يندم عليه بل ربما يُعدّ تلك المعصية حُسناً.

و بعبارة أخرى، انّ الإنسان قد يعصى اللّٰه لغلبة الشّهوة عليه فبعد خمودها يندم عليها و لكن قد يعصى اللّٰه عن ملكة فبعد العصيان لا يحصل له الندم بل لو سئل عن لميّة مخالفته للّٰه‌تعالى يذكر لها وجهاً ليخلّص نفسه عن ملامته إيّاها بل قد يعصى اللّٰه و يعدّه حسناً لجهله المركب أو لطغيانه أو لنحو ذلك.

أو فقل: الاستدامة على المعاصى تقتل اللوّامة و يقوّى في نفس العاصي ملكة العصيان، و لا ثمرة لهذه الملكة الّا ما هو أمرّ من الحنظل.

و بعبارة رابعة، انّ نفس المعصية هي من المصائب العظمى و يحرم العاصى بمعصيته من خير الدّنيا و الآخرة و لو كانت تلك المعصية صغيرة فضلاً عمّا إذا كانت كبيرة إلّاإذا رجع و تاب إليه سبحانه.

قال اللّٰه تعالى: (وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ‌)(1)أي: سقط من مقامه لانّه باغترافة تلك المعصية سُلب عن رأسه تاج الكرامة و اُخذت منه الحلل الّتي كان يستر بها و بدت سوأته فرأى نفسه بخارج عن الجنّة بعيدةً عنها و هبط عن ذلك المقام و لو لم يرد تهديداً للعاصي إلّاهذه الآية الشّريفة ليكفيه ان يحذّر نفسه عنها أمّا لو حصلت حالة العصيان للانسان و استولت تلك الملكة على قلبه، فيهبط إلى مرتبةٍ تأبى عنها الحيوانات و هي مرتبة قتل الأنبياء عالماً بكونهم وسائط الهداية و بكونهم مقدّسين عن الشين و اليمن.

قال تعالى: (وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ وَ اَلْمَسْكَنَةُ وَ بٰاؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اَللّٰهِ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كٰانُوا يَكْفُرُونَ بِآيٰاتِ اَللّٰهِ وَ يَقْتُلُونَ اَلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ ذٰلِكَ بِمٰا عَصَوْا وَ كٰانُوا يَعْتَدُونَ‌).(2)

فملكة اغتراف المعاصى من الرّذائل الموبقة المهلكة و هي ضدّ التّوبة كما انّها ضدّ ملكة التّقوى و الورع ايضاً و تلك الملكة الرّذيلة ذات تشكيك كغيرها من الرّذائل.


1) . طه، 121.

2) . البقرة، 61.

و المرتبة الضّعيفة منها، ان تسلّط على القلب فتخرج ابّهة الذنب منه بقتل النّفس اللّوّامة فيغتاب مثلاً أو يكذب و لكن كأنّه لم يحم حول قبيحٍ‌!. بل يقتل المظلوم و كانّه لم يفعل امراً بل كانّه قتل حماماً و هذه المرتبة قد تكون للمعاصى كلّها و قد تكون في خصوص معصية كالكذب أو الغيبة أو نحو ذلك الّتي تكون شائعة في النّاس إلّا من عصمه اللّٰه تعالى منها.

و المرتبة الوسطى منها، أن يكون كذلك مع توجيه ما يفعله من المعصية أو المعاصى إلى أسباب واهيه يخيّلها الشيطان إليه، و هذه المرتبة اشهر في عامّة النّاس و خاصّيهم من المرتبة الاولىٰ‌.

قال تعالى: (قٰالَ اَلَّذِينَ لاٰ يَرْجُونَ لِقٰاءَنَا اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هٰذٰا أَوْ بَدِّلْهُ‌).(1)

و التّحريفات كلّها، لفظيّة كانت أو معنويّة تنشأ من هذه المرتبة.

توضيح ذلك، انّ الشّياطين الانسيّة يوحي إليهم الشياطين الجنيّة ما يرضي شهواتهم فيتمسّكون بالبدع و ادخال ما ليس من الدّين في الدّين و الاديان الخرافيّة كلّها و اختلاف المذاهب و الفرق و الخرافيّات الدينيّة كلّها تنشأ من هذا و يقال له التّحريف اللّفظى.

و من المؤسّف عليه ان العوامّ يعضدون الخواض في إثارة تلك الآراء و الاهواء في المجتمع.


1) . يونس، 15.

قال تعالى: (وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاٰ يَعْلَمُونَ اَلْكِتٰابَ إِلاّٰ أَمٰانِيَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاّٰ يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ اَلْكِتٰابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هٰذٰا مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا يَكْسِبُونَ‌).(1)

و أبوهريرة و كعب‌الاحبار و من حاذىٰ حذوهما في كلّ زمان مصاديق بارزة لهذا الامر و قد يجيئون بأمر أشدّ قبحاً من ذلك و هو التحريف المعنوي و ارجاع اللّفظ عن المعنى الواقعى إلى المعنى المطابق لأهوائهم.

و قد نبهّ أميرالمؤمنين عليه السلام على هذا لَمَّا سَمِعَ قَوْلَهُمْ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ قَالَ كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِل(2).

و هذا القسم من التّحريف شائع بين العلماء السّوء في جميع الأزمنة كانّه حربة لهم لاضلال النّاس.

حكى أميرالمؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله انّه قال: يَا عَلِيُ إِنَ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ وَ يَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَ يَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ وَ يَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ وَ يَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ وَ الْأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ وَ السُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ وَ الرِّبَا بِالْبَيْعِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبِأَيِّ الْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذَلِك أَ بِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ فَقَالَ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَة(3).


1) . البقرة، 78-79.

2) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 40.

3) . راجع: نهج البلاغة، ذيل الخطبة 156.

كما أنّ في زماننا هذا قد اشتهر تحليل الحرام بالتّوجيهات المنبعثة عن الشرع و لا انسى انّ السيّد الاستاذ الامام الخمينى قدس سره كان يقول: وصل الامر إلى انّ العالم المتهتّك و الجاهل المتنسّك ينسبان الىّ تحليل القمار و الغناء و الموسيقى.

نعم ظهر الفاسد في البرّ و البحر لا سيّما في عاصمة الشيعة، فيُرى في البلاد و الشوارع، بل في التلفزه و الإذاعة الوطنيّة ما لا يجوز ذكره، من تبرّج النساء و سفورهنّ و من بيع ما لا يحلّ بيعه كآلات اللهو و اللعب و الأفلام الخليعة و من تحليل الربا في البنوك و نظائرها الكثيرة الجارية في بلاد الكفر منسوباً إلى الديمقراطيّة و في بلاد الإسلام منسوباً إليه، فياله من غريبٍ غير معمول به بين المسلمين.

نعتذر من خروجنا عن طور البحث فنختم الكلام هيهنا بهذا الدّعاء: اللّهمّ اصلح مفاسد امور آخرتنا و دنيانا.

و خلاصة القول: انّ المرتبة الوسطى من ملكة العصيان هي تسلّطه على القلب فيوجّه الذّنب إلى ما يرضى منه ليفعله من غير أن يلوم نفسه و قد هدّد اللّٰه تعالى في قصّة اصحاب السبت أصحاب هذه المرتبة حيث حكى مسخه إياهم بالقرود و الخنازير.

قال تعالى: (فَلَمّٰا عَتَوْا عَنْ مٰا نُهُوا عَنْهُ قُلْنٰا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خٰاسِئِينَ‌).(1)


1) . الاعراف، 166.

و أمّا المرتبة الأخيرة منها فهى تحسين الذّنب حيث يستولى العصيان على قلبه فيحسبه حسناً.

قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمٰالاً * اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً).(1)

فيصل شقاؤه إلى انّه يقتل ولىّ اللّٰه قربة إلى اللّٰه و يتصرّف في اموال النّاس قربةً إلى اللّٰه و في بيت المال كالابل و يستحقّ نفسه لذلك.

و المرتبة الاشدّ من المرتبة الأخيرة هي الطّغيان و هي تسلّط العصيان على الرّوح و النّفس و مسخها بما هو اقبح من الذّئب و الاسد.

قال تعالى: (إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْقِلُونَ‌).(2)

و لا تتوهّم انّ الآية الشّريفة نزلت لتقبيح العاصى و تشبيهه بالحيوان، بل الامر اهمّ من ذلك بل انّ الآية الشّريفة ليست إلّابصدد عرض العاصي و حقيقته و انّ هويّته شرّ من الدّوابّ‌.

قال تعالى: (فَكَشَفْنٰا عَنْكَ غِطٰاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ).(3)

فيرى العاصى نفسه شرّ الدوابّ‌، كما يراه النّاس كذلك، نعوذ باللّٰه من سخطه و من يوم تبلى السّرائر فيه.


1) . الكهف، 104-103.

2) . الانفال، 22.

3) . ق، 22.

و المتّصف بهذه المرتبة سمّى في الذكر الحكيم بالطاغوت، و تلك المرتبة خسارة عظمى له، إذ لا همّ له إلّاافساد المجتمع و اتلاف الحرث و النسل.

قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاٰ فِي اَلْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَهٰا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طٰائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنٰاءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِسٰاءَهُمْ إِنَّهُ كٰانَ مِنَ اَلْمُفْسِدِينَ‌).(1)

و في آيات سمّى هذا الرّجل المتّصف بها بالمفسد و الطّاغى.

قال تعالى: (اِذْهَبْ إِلىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغىٰ‌).(2)

و يظهر من القرآن انّ الطّاغى لو تولّىٰ بلداً أو امراً لا سعي له إلّاالافساد فيه و افساده.

قال تعالى: (وَ إِذٰا تَوَلّٰى سَعىٰ فِي اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهٰا وَ يُهْلِكَ اَلْحَرْثَ وَ اَلنَّسْلَ‌).(3)

و قال تعالى: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوٰاهٰا * إِذِ اِنْبَعَثَ أَشْقٰاهٰا * فَقٰالَ لَهُمْ رَسُولُ اَللّٰهِ نٰاقَةَ اَللّٰهِ وَ سُقْيٰاهٰا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهٰا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوّٰاهٰا * وَ لاٰ يَخٰافُ عُقْبٰاهٰا).(4)

بل الطّاغى يخاصم اللّٰه في اليوم الآخر كما قد نقل القرآن مخاصمة الشّيطان مع اللّٰه تعالى.


1) . القصص، 4.

2) . طه، 24.

3) . البقرة، 205.

4) . الشّمس، 11-15.

قال تعالى: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاّٰ عِبٰادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ‌).(1)

و قال تعالى: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللّٰهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمٰا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ أَلاٰ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْكٰاذِبُونَ‌).(2)

نعم، انّ الطاغى و الطاغوت له سجيّة كسجيّة العقرب، حيث يقتضي طبعه الاضرار بالناس، نعم لا شعور للعقرب في فعله و لكن الطاغى يضرّهم عن علمٍ و عمدٍ و اختيارٍ.

و للّٰه‌درّ من أنشد بالفارسية:

نيش عقرب نه از ره كين است *** اقتضاء طبيعتش اين است

ثمّ انّ لهذه الملكة الرّذيلة آثاراً للعاصى و لغيره سيّما لأقربائه و نحن نذكرها على سبيل الاختصار:

الف: انّ الذّنب يوجب الهمّ و الغمّ و الخوف و الاضطراب و الذّلّة و المسكنة و المشاكل الفرديّة و الجماعية، و بعبارة أخرىٰ يوجب المعيشة الضنكى.

قال تعالى: (وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً).(3)

و قال تعالى: (فَأَيُّ اَلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ‌


1) . ص، 82-83.

2) . المجادلة، 18.

3) . طه، 124.

يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولٰئِكَ لَهُمُ اَلْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ‌).(1)

و نظير الآيتين في القرآن كثير جدّاً و يفهم من بعضها انّ الذّنب يوجب معيشةً ضنكى لمجتمعه و يسرى من المذنب إلى غيره سيّما إلى أقربائه.

قال تعالى: (وَ لاٰ يَزٰالُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمٰا صَنَعُوا قٰارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دٰارِهِمْ‌).(2)

و قال تعالى: (ظَهَرَ اَلْفَسٰادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ بِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنّٰاسِ‌).(3)

و لا يتوهّم انّ حمل الغير وزر العاصى ليس في محلّه و لا معنى لسراية ظلم الظّالم و وزره إلى غيره من اقربائه أو مجتمعه، لانّ العاصى بعصيانه اشتعل النّار فبتلك النّار يحرق نفسه و غيره سيّما اقربائه و هذا اثر وضعىّ للنّار فعلى ذويه و أقربائه أن يمنعوه عن فعله، فلو قصروا في منعه عنه فهم شركاؤوه فيما يترتّب على فعله.

ثمّ انّ اللّٰه تعالى لا يضيع اجر المظلومين فما اثابهم من وزر العاصى فهو المثوبة لهم في الدّارين و لااقلّ في الآخرة و للعاصى عقوبتان فيهما سيّما في الآخرة، فهو يحمل وزره و وزر ما يصيب مجتمعه أو أقربائه من المصائب الدّنيويّة.


1) . الانعام، 82-81.

2) . الرّعد، 31.

3) . الرّوم، 41.

قال تعالى: (وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقٰالَهُمْ وَ أَثْقٰالاً مَعَ أَثْقٰالِهِمْ‌).(1)

ب: انّ الذّنب يوجب الهمّ و الغمّ و العذاب في الآخرة، تدلّ عليه آياتٌ كثيرة.

قال تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيٰابٌ مِنْ نٰارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ اَلْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مٰا فِي بُطُونِهِمْ وَ اَلْجُلُودُ * وَ لَهُمْ مَقٰامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمٰا أَرٰادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهٰا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهٰا).(2)

و يظهر من غير واحد من الآيات انّ ذلك الثّياب و الحميم و تلك المقامع و الهموم و الغموم كلّه هو الّذي عمله في الدّنيا، ففي الدّنيا هي الذّنوب صورةً و فى الآخرة هي العذاب بأقسامه من ثياب النّار و نقمات النّار، و قد أخبر اللّٰه تعالى في كتابه انّه يُقال لأهل النّار يوم القيامة: (ذٰلِكَ بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اَللّٰهَ لَيْسَ بِظَلاّٰمٍ لِلْعَبِيدِ).(3)

بل يظهر من آيات كثيرة ايضاً انّ المصائب الدّنيويّة كالمصائب الاخرويّة لاتكون على نحو الجزاء بل على نحو العينيّة، فذنوب العباد تتصوّر بصور المصائب الدنيويّة، و من تلك الآيات، قوله تعالى: (وَ إِذٰا أَذَقْنَا اَلنّٰاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهٰا وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذٰا هُمْ يَقْنَطُونَ‌).(4)


1) . العنكبوت، 13.

2) . الحجّ‌، 19-22.

3) . آل عمران، 182.

4) . الرّوم، 36.

ج: انّ الذّنوب تتصوّر بصور مختلفة متناسبة لتلك الذّنوب و هي قرين صاحبها و مونسته في القبر و البرزخ و يوم القيامة، يدلّ على ذلك كثير من الآيات و الروايات المستفيضة.

قال تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مٰا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مٰا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللّٰهُ نَفْسَهُ وَ اَللّٰهُ رَؤُفٌ بِالْعِبٰادِ).(1)

و هل يرجع هذا القسم إلى القسم الثّانى ام لا، بل انّ هذا النّحو من التّجسّم غير التّجسّم في القسم الثّانى‌؟ ظاهر الآيات هو التغاير بينهما و انّ هذا القسم غير القسم الثّانى، فتأمّل.

د: انّ الذّنوب تحوّل جوهر الإنسان إلى صور تناسبها، فكما انّ الحسنات تحوّل جوهر ذاته إلى ما هو أعلى منه كمالاً و شرفاً و يتدرّج في المراتب بتلك الاعمال الصّالحة حتّى يصل إلى أعلى مراتب الانسانيّة فكذلك الذّنوب و الاعمال الطّالحة تحوّل جوهر ذات العاصى إلى ما هو أخسّ من السباع و أشباههم و في الآيات و الرّوايات اشعار إلى ذلك.

قال تعالى: (وَ كُلَّ إِنسٰانٍ أَلْزَمْنٰاهُ طٰائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ كِتٰاباً يَلْقٰاهُ مَنْشُوراً * اِقْرَأْ كِتٰابَكَ كَفىٰ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً).(2)


1) . آل عمران، 30.

2) . الأنبياء، 13-14.

بناء على ان يكون المعنى انّ سعادة الإنسان و شقاءه يظهر له يوم القيامة من صميم ذاته، لانّه يوم ظهور السّرائر، فنفسه كتابه، فيه سعادته و شقاءه لأنّه لكلّ فعله اثرٌ راسخٌ في نفسه، فيقال له: كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً.

و بما فسّرنا الآية الشّريفة فسّرها الفيض رحمه اللّٰه في تفسيره و يختلج بالبال انّ الآية الشّريفة من الآيات الظّاهرة في تجسّم العمل في ذات الإنسان الدالّة عليه فبها يبرز يوم القيامة.

قال تعالى: (وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ عَلىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ‌).(1)

و ان قبلتَ دلالة الآيتين على تجسّم العمل بهذا المعنى فيسهل لك ان تقبل انّ الآيات الّتي يُشبّه فيها بعض النّاس بالحمار و الكلب و سائر الحيوانات بل فيها قوبل بعض النّاس بشرّ الدّوابّ‌، ليست في مقام التّشبيه الصرف بل في مقام تبيين حقيقة من الحقائق الواقعة في نفس الأمر و انّ حقيقة بعض النّاس حمار أو كلب أو غيرهما من القردة و الخنازير بل بعضهم شرّ من تلك الحيوانات كلّها بحسب هويّته و حقيقته و ذاته.

قال تعالى: (أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ‌).(2)


1) . الأنبياء، 97.

2) . الاعراف، 179.

و قال تعالى: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ‌).(1)

و قال تعالى: (مَثَلُ اَلَّذِينَ حُمِّلُوا اَلتَّوْرٰاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهٰا كَمَثَلِ اَلْحِمٰارِ يَحْمِلُ أَسْفٰاراً).(2)

و قال تعالى: (إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْقِلُونَ‌).(3)

ه: انّ الذّنب على الذّنب يوجب قساوة القلب و هي داء عظيم كما أخبر اللّٰه سبحانه عمّن ابتلى بهذا الداء بكلمة «ويل» الدالّة على البلاء و الشدّة في الأمر:

قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌).(4)

و لهذه القساوة مراتب و لكلّ مرتبة بحسب الضّعف و الشّدّة آثار شؤم و هي:

1 - ان يذهب حلاوة العبادة عن قلبه فتكبر عليه الصلوة، و تشقّ عليه النفقات الواجبه و المستحبّة و قراءة القرآن و الاتيان بالأدعية و الأذكار، و عند أهل القلوب و ان كانت هذه القساوة من أضعف مراتبها و لكن اثرها من البلايا العظيمة، كما عدّ ذلك منها في لسان المعصومين عليهم السلام.

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام: إِنَ الرَّجُلَ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْرَمُ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَ إِنَّ الْعَمَلَ السَّيِّئَ‌


1) . الاعراف، 176.

2) . الجمعة، 5.

3) . الانفال، 22.

4) . الزّمر، 22.

أَسْرَعُ فِي صَاحِبِهِ مِنَ السِّكِّينِ فِي اللَّحْمِ‌.(1)

و معنى حرمانه عن صلاة اللّيل يحتمل ان يكون ان لا يوفّقه اللّٰه لها و يحتمل قويّاً ان يكون انّها كبيرة عليه لا لذّة له فيها.

2 - ان يذهب ابّهة الذّنب عن قلبه فيصير له أمراً عادّياً و هذا هو من اشدّ البلايا على الانسان.

قال تعالى: (وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَكَأَنَّمٰا خَرَّ مِنَ اَلسَّمٰاءِ فَتَخْطَفُهُ اَلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ اَلرِّيحُ فِي مَكٰانٍ سَحِيقٍ‌).(2)

و عن أبي عبداللّٰه عليه السلام: مَا مِنْ شَيْ‌ءٍ أَفْسَدَ لِلْقَلْبِ مِنْ خَطِيئَةٍ إِنَّ الْقَلْبَ لَيُوَاقِعُ الْخَطِيئَةَ فَمَا تَزَالُ بِهِ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَيْهِ فَيُصَيِّرَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ‌.(3)

3 - ان يخلو قلبه عن الرحمة فيصير كالحجارة أو اشدّ قسوةً فلا ينشأ منه خير و ان نشأ منه خير فلدنياه لا لآخرته فلا خير في قلبه.

قال تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجٰارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَ إِنَّ مِنَ اَلْحِجٰارَةِ لَمٰا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ اَلْأَنْهٰارُ وَ إِنَّ مِنْهٰا لَمٰا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ اَلْمٰاءُ وَ إِنَّ مِنْهٰا لَمٰا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللّٰهِ وَ مَا اَللّٰهُ بِغٰافِلٍ عَمّٰا تَعْمَلُونَ‌).(4)


1) . راجع: الكافي، ج 2، ص 272.

2) . الحجّ‌، 31.

3) . راجع: الكافي، ج 2، ص 268.

4) . البقرة، 74.

و لا تتوهّم انّ ذلك أمر يسير لا خطر له لانّ الإنسان ان خرج عن قلبه العطف و الرّأفة و الرّحمة فهو شرّ الدّوابّ سيّما إذا حاز الاقتدار على أمور النّاس يشهد بذلك التأريخ العام، فنرى في بسيط الأرض و أرجائها ثلّةً من القاسية قلوبهم لا شيء لهم أحلى و ألذّ من سفك دماء النّاس و اهلاك الحرث و النسل، كما نرى اليوم في العالم من القتل و النهب و استرقاق النّاس بأيدي الدول العظمى ما يشهد لذلك، و كفى به شاهداً و شهيداً.

و ليس هذا كلّه إلّالاستبدال الرحمة و الرأفة في قلوبهم بالعلم و المدنية غير المتّصفة بمبادىء الانسانية.

4 - انّ اقتراف الذّنب على الذّنب يوجب تسلّط العصيان على القلب فيموت القلب به.

عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: أَرْبَعٌ يُمِتْنَ الْقَلْبَ الذَّنْبُ عَلَى الذَّنْبِ وَ كَثْرَةُ مُنَاقَشَةِ النِّسَاءِ يَعْنِي مُحَادَثَتَهُنَّ وَ مُمَارَاةُ الْأَحْمَقِ تَقُولُ وَ يَقُولُ وَ لَا يَرْجِعُ إِلَى خَيْرٍ وَ مُجَالَسَةُ الْمَوْتَى فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا الْمَوْتَى قَالَ كُلُ‌

غَنِيٍّ مُتْرَفٍ‌.(1)

و إذا مات القلب فلايمكن ان يتفقّه شيئاً ممّا يجب عليه أن يفقّهه.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 349.

قال تعالى: (إِنَّكَ لاٰ تُسْمِعُ اَلْمَوْتىٰ وَ لاٰ تُسْمِعُ اَلصُّمَّ اَلدُّعٰاءَ‌).(1)

و في الحقيقة، المراد بموت القلب هو تحوّل ذات الإنسان بما يناسب ذلك الذّنب و قد مرّ الكلام فيه، فالأخيران من مراتب القسوة و العصيان متّحدان.

و في الختام أوصى الجيل الشاب بالاحتراز عن اقتراف الذنوب، إذ به يحصل ملكة العصيان، و بحصولها و تسلّطها على القلب لا فلاح للانسان!.

قال تعالى: (إِذٰا تُتْلىٰ عَلَيْهِ آيٰاتُنٰا قٰالَ أَسٰاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ * كَلاّٰ بَلْ رٰانَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ مٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاّٰ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ‌).(2)

و عن أبي عبداللّٰه عليه السلام: إِذَا أَذْنَبَ الرَّجُلُ خَرَجَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِنْ تَابَ انْمَحَتْ وَ إِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يُفْلِحُ بَعْدَهَا أَبَداً.(3)

و شتّان بين هؤلاء و بين الّذين لا حجاب على قلوبهم فيرون في الدّنيا نور القرآن و في الآخرة نوراللّٰه تعالى.

قال تعالى: (وَ إِذٰا سَمِعُوا مٰا أُنْزِلَ إِلَى اَلرَّسُولِ تَرىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ اَلدَّمْعِ مِمّٰا عَرَفُوا مِنَ اَلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنٰا آمَنّٰا فَاكْتُبْنٰا مَعَ اَلشّٰاهِدِينَ * وَ مٰا لَنٰا لاٰ نُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ مٰا جٰاءَنٰا مِنَ اَلْحَقِّ وَ نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنٰا رَبُّنٰا مَعَ اَلْقَوْمِ اَلصّٰالِحِينَ‌).(4)


1) . المزمل، 80

2) . المطففين، 13-15.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 271.

4) . المائدة، 83-84.

و قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ * إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ‌).(1)

اللّهمّ ارزقنا توفيق الطّاعة و بعد المعصية، اللّهمّ ارزقنا رفع الحجب بالتّوبة و تهذيب النّفس، اللّهمّ ارزقنا حلاوة العبادة و الاجتناب عن المعصية بحقّ محمّد و آله الطّاهرين.

و نختم البحث بروايات أهل البيت عليهم السلام حتّى يكون ختامه مسكاً.


1) . القيامة، 22-23.

روايات في العصيان و التجرّي

•

عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّهُ مَا مِنْ سَنَةٍ أَقَلَ مَطَراً مِنْ سَنَةٍ وَ لَكِنَّ اللَّهَ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا عَمِلَ قَوْمٌ بِالْمَعَاصِي صَرَفَ عَنْهُمْ مَا كَانَ قَدَّرَ لَهُمْ مِنَ الْمَطَرِ فِي تِلْك السَّنَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ وَ إِلَى الْفَيَافِي وَ الْبِحَارِ وَ الْجِبَالِ وَ إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْجُعَلَ فِي جُحْرِهَا بِحَبْسِ الْمَطَرِ عَنِ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ بِمَحَلِّهَا بِخَطَايَا مَنْ بِحَضْرَتِهَا وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهَا السَّبِيلَ فِي مَسْلَك سِوَى مَحَلَّةِ أَهْلِ الْمَعَاصِي قَالَ ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِنَ الرَّجُلَ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْرَمُ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَ إِنَّ الْعَمَلَ السَّيِّئَ أَسْرَعُ فِي صَاحِبِهِ مِنَ السِّكِّينِ فِي اللَّحْمِ‌.(2)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ هَمَ بِسَيِّئَةٍ فَلَا يَعْمَلْهَا فَإِنَّهُ رُبَّمَا عَمِلَ الْعَبْدُ السَّيِّئَةَ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 272.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 272.

فَيَرَاهُ الرَّبُّ تَبَارَك وَ تَعَالَى فَيَقُولُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَا أَغْفِرُ لَك بَعْدَ ذَلِك أَبَداً.(1)

•

عَنْ أَبِي الْحَسَنِ ع قَالَ‌: حَقٌ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعْصَى فِي دَارٍ إِلَّا أَضْحَاهَا لِلشَّمْسِ حَتَّى تُطَهِّرَهَا.(2)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: إِنَ الْعَبْدَ لَيُحْبَسُ عَلَى ذَنْبٍ مِنْ ذُنُوبِهِ مِائَةَ عَامٍ وَ إِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى أَزْوَاجِهِ فِي الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمْنَ‌.(3)

•

قال أميرالمؤمنين عليه السلام: لَا وَجَعَ أَوْجَعُ لِلْقُلُوبِ مِنَ الذُّنُوبِ وَ لَا خَوْفَ أَشَدُّ مِنَ الْمَوْتِ وَ كَفَى بِمَا سَلَفَ تَفَكُّراً وَ كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظاً.(4)

•

سمعت الرّضا عليه السلام يقول: سَمِعْتُ الرِّضَا ع يَقُولُ كُلَّمَا أَحْدَثَ الْعِبَادُ مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ‌.(5)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ إِذَا عَصَانِي مَنْ عَرَفَنِي سَلَّطْتُ عَلَيْهِ مَنْ لَا يَعْرِفُنِي.(6)

•

عَنْ أَبِي الْحَسَنِ ع قَالَ‌: إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ مُنَادِياً يُنَادِي مَهْلًا


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 272.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 272.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 272.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 275.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 275.

6) . راجع: الكافي، ج 2 ص 276.

مَهْلًا عِبَادَ اللَّهِ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ فَلَوْ لَا بَهَائِمُ رُتَّعٌ وَ صِبْيَةٌ رُضَّعٌ وَ شُيُوخٌ رُكَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ صَبّاً تُرَضُّونَ بِهِ رَضّاً.(1)

•

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع اتَّقُوا الْمُحَقَّرَاتِ مِنَ الذُّنُوبِ فَإِنَّهَا لَا تُغْفَرُ قُلْتُ وَ مَا الْمُحَقَّرَاتُ قَالَ الرَّجُلُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَقُولُ طُوبَى لِي لَوْ لَمْ يَكُنْ لِي غَيْرُ ذَلِكَ‌.(2)

•

عَنْ سَمَاعَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ ع يَقُولُ لَا تَسْتَكْثِرُوا كَثِيرَ الْخَيْرِ وَ لَا تَسْتَقِلُّوا قَلِيلَ الذُّنُوبِ فَإِنَّ قَلِيلَ الذُّنُوبِ يَجْتَمِعُ حَتَّى يَكُونَ كَثِيراً وَ خَافُوا اللَّهَ فِي السِّرِّ حَتَّى تُعْطُوا مِنْ أَنْفُسِكُمُ النَّصَفَ‌.(3)

•

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص نَزَلَ بِأَرْضٍ قَرْعَاءَ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ ائْتُوا بِحَطَبٍ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ بِأَرْضٍ قَرْعَاءَ مَا بِهَا مِنْ حَطَبٍ قَالَ فَلْيَأْتِ كُلُّ إِنْسَانٍ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ فَجَاءُوا بِهِ حَتَّى رَمَوْا بَيْنَ يَدَيْهِ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص هَكَذَا تَجْتَمِعُ الذُّنُوبُ ثُمَّ قَالَ إِيَّاكُمْ وَ الْمُحَقَّرَاتِ مِنَ الذُّنُوبِ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ طَالِباً أَلَا وَ إِنَّ طَالِبَهَا يَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‌.(4)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ وَ لَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ.(5)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 276.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 287.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 287.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 287.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 288.

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ قَالَ الْإِصْرَارُ هُوَ أَنْ يُذْنِبَ الذَّنْبَ فَلَا يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ وَ لَا يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِتَوْبَةٍ فَذَلِك الْإِصْرَارُ.(1)

•

عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبداللّٰه عليه السلام يقول: لا و اللّٰه لا يقبل اللّٰه شيئاً من طاعته على الاصرار على شيء من معاصيه.(2)

•

عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: مِنْ عَلَامَاتِ الشَّقَاءِ جُمُودُ الْعَيْنِ وَ قَسْوَةُ الْقَلْبِ وَ شِدَّةُ الْحِرْصِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَ الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ‌.(3)

•

عن الصادق عن ابيه عليه السلام قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: أَرْبَعٌ يُمِتْنَ الْقَلْبَ الذَّنْبُ عَلَى الذَّنْبِ وَ كَثْرَةُ مُنَاقَشَةِ النِّسَاءِ يَعْنِي مُحَادَثَتَهُنَّ وَ مُمَارَاةُ الْأَحْمَقِ تَقُولُ وَ يَقُولُ وَ لَا يَرْجِعُ إِلَى خَيْرٍ وَ مُجَالَسَةُ الْمَوْتَى فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا الْمَوْتَى قَالَ كُلُ غَنِيٍّ مُتْرَفٍ‌.(4)

•

عَنِ الصَّادِقِ ع قَالَ‌: تَأْخِيرُ التَّوْبَةِ اغْتِرَارٌ وَ طُولُ التَّسْوِيفِ حَيْرَةٌ وَ الِاعْتِلَالُ عَلَى اللَّهِ هَلَكَةٌ وَ الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ أَمْنٌ لِمَكْرِ اللَّهِ وَ لَا يَأْمَنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 288.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 288.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 349.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 349.

الْخَاسِرُون(1)

•

عَنِ الرِّضَا ع قَالَ‌: مَثَلُ الِاسْتِغْفَارِ مَثَلُ وَرَقٍ عَلَى شَجَرَةٍ تُحَرَّك فَيَتَنَاثَرُ وَ الْمُسْتَغْفِرُ مِنْ ذَنْبٍ وَ يَفْعَلُهُ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ‌.(2)

•

قال أميرالمؤمنين عليه السلام: الِاسْتِغْفَارُ مَعَ الْإِصْرَارِ ذُنُوبٌ مُجَدَّدَةٌ‌.(3)

•

قال أميرالمؤمنين عليه السلام في الغرر:

الف: أَعْظَمُ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ ذَنْبٌ أَصَرَّ عَلَيْهِ عَامِلُهُ‌.

ب: عَجِبْتُ لِمَنْ عَلِمَ شِدَّةَ انْتِقَامِ اللَّهِ مِنْهُ وَ هُوَ مُقِيمٌ عَلَى الْإِصْرَار.(4)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام: الْمُقِيمُ عَلَى الذَّنْبِ وَ هُوَ مِنْهُ مُسْتَغْفِرٌ كَالْمُسْتَهْزِئِ‌.(5)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ كَانَ أَبِي ع يَقُولُ مَا مِنْ شَيْ‌ءٍ أَفْسَدَ لِلْقَلْبِ مِنْ خَطِيئَةٍ إِنَّ الْقَلْبَ لَيُوَاقِعُ الْخَطِيئَةَ فَمَا تَزَالُ بِهِ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَيْهِ فَيُصَيِّرَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ‌.(6)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: الذُّنُوبُ كُلُّهَا شَدِيدَةٌ وَ أَشَدُّهَا مَا نَبَتَ عَلَيْهِ اللَّحْمُ وَ الدَّمُ لِأَنَّهُ إِمَّا مَرْحُومٌ وَ إِمَّا مُعَذَّبٌ وَ الْجَنَّةُ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا طَيِّبٌ‌.(7)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 209.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 504.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 63.

4) . راجع: ميزان الحكمة، ج 3 ص 463.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 6 ص 36.

6) . راجع: الكافي، ج 2 ص 268.

7) . راجع: الكافي، ج 2 ص 268.

•

عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ اتَّقُوا الْمُحَقَّرَاتِ مِنَ الذُّنُوبِ فَإِنَّ لَهَا طَالِباً يَقُولُ أَحَدُكُمْ أُذْنِبُ وَ أَسْتَغْفِرُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ - وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ - إِنَّها إِنْ تَك مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ.(1)

•

عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ إِذَا أَذْنَبَ الرَّجُلُ خَرَجَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِنْ تَابَ انْمَحَتْ وَ إِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يُفْلِحُ بَعْدَهَا أَبَداً.(2)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: إِنَ الْعَبْدَ يَسْأَلُ اللَّهَ الْحَاجَةَ فَيَكُونُ مِنْ شَأْنِهِ قَضَاؤُهَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ أَوْ إِلَى وَقْتٍ بَطِيءٍ فَيُذْنِبُ الْعَبْدُ ذَنْباً فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَك وَ تَعَالَى لِلْمَلَك لَا تَقْضِ حَاجَتَهُ وَ احْرِمْهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ تَعَرَّضَ لِسَخَطِي وَ اسْتَوْجَبَ الْحِرْمَانَ مِنِّي.(3)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 270.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 271.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 271.

الفصل الثَّامن والعشرون

اشارة

الفضيلة التّاسعة و العشرون: التّقوىٰ و الورع

الفضيلة التّاسعة و العشرون: التّقوى و الورع

اشارة

و هي ملكة رادعة عن مخالفة اللّٰه تعالى و هي ضدّ العصيان و هي - اعني:

التقوى - كلمة مقدّسة جيئت بها في القرآن مع مرادفاتها أكثر من مأتى و خمسين مرّة و قد كرّر اللّٰه تعالى وعده بأنّ الخير دنيويّاً كان أو اُخرويّاً منطوٍ فيه. وعد اللّٰه تعالى مكرّراً بانّ فيها خير الدّنيا و الآخرة.

قال تعالى: (وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرىٰ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ بَرَكٰاتٍ مِنَ اَلسَّمٰاءِ وَ اَلْأَرْضِ‌).(1)

و قال تعالى: (إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنّٰاتٍ وَ نَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ).(2)


1) . الاعراف، 96.

2) . القمر، 55-54.

و قال تعالى: (إِنْ تَتَّقُوا اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقٰاناً).(1)

بل يظهر من آيات عديدة انّ المتّقين هم الّذين يرثون الأرض كما يرثون الفردوس.

قال تعالى: (وَ لَقَدْ كَتَبْنٰا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهٰا عِبٰادِيَ اَلصّٰالِحُونَ‌).(2)

و قال تعالى: (إِنَّ اَلْأَرْضَ لِلّٰهِ يُورِثُهٰا مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ وَ اَلْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‌).(3)

و قال تعالى: (أُولٰئِكَ هُمُ اَلْوٰارِثُونَ * اَلَّذِينَ يَرِثُونَ اَلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ‌).(4)

و بالجملة، يظهر من القرآن انّه لا كرامة إلّاو هي لأهل التّقوى و لا قبول عمل إلّا من أهل التّقوى و انّ عالم الآخرة بما لها من النعم و المكارم خُلقت لأهل التّقوى كما انّ القرآن نزل لهم خاصّةً‌.

قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ‌).(5)

و قال تعالى: (إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اَللّٰهُ مِنَ اَلْمُتَّقِينَ‌).(6)

و قال تعالى: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ‌)(7).


1) . الانفال، 29.

2) . الأنبياء، 105.

3) . الاعراف، 128.

4) . المؤمنون، 10-11.

5) . الحجرات، 13.

6) . المائدة، 27.

7) . آل عمران، 133.

و قال تعالى: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‌)(1).

و هذه الكلمة - لغةً - من الوقاية، فمن وقى نفسه عن مخالفة اللّٰه تعالى فهو المتّقى.

و في اصطلاح علم الفقه هي وقاية النّفس عن مخالفة اللّٰه تعالى عن ملكةٍ‌، فمن كانت له ملكة التّقوى أي: ملكة رادعة عن مخالفة اللّٰه تعالى فهو المتّقى و يقال لصاحب هذه الملكة العادل ايضاً.

و في اصطلاح علم الأخلاق هي وقاية القلب من رذائل الصفات فمن حاز مقامى التّخلية و التّحلية فهو المتّقى، و للمتقي علامة في القرآن اَلا و هي تعظيم شعائر الإسلام أى مظاهره و ما يتحقّق هو به.

قال تعالى: (ذٰلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اَللّٰهِ فَإِنَّهٰا مِنْ تَقْوَى اَلْقُلُوبِ‌).(2)

و المراد من تعظيم الشّعائر هو الاهتمام بها كاقامة الصّلوة و الحجّ و كاقامة الولاية و ما اكدّ عليه الشرع كالستر و العفّة للمرئة و الغيرة للمرء و كاقامة قانون المواسات و إن شئت فقل في عبارةٍ موجزة هي تعظيم ما اهتمّ به الإسلام و تقيّد به، و لعلّ هذا قريب ممّا قال الفقهاء به من انّ العدالة هي الملكة و علامة تلك الملكة هي حسن الظّاهر أي: التقيّد بظواهر الشّرع.

و عند أهل القلوب هي الاقتدار على عرض ما له من الاعمال و الافكار و النيّات على غيره، بل على مولاه جلّ و علا. فمن يقتدر ان يجعل في مرأى النّاس اعماله و افكاره و نيّاته كلّها فهو المتّقى و لعلّ أصل هذا الكلام مأخوذٌ من القرآن


1) . البقرة، 2.

2) . الحجّ‌، 32.

الشريف لأنّ الذكر الحكيم عرّف المتّقى بعرضه أعماله يوم القيامة و عرّف الفاسق باخفائه ايّاها فيها.

قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاٰ تَخْفىٰ مِنْكُمْ خٰافِيَةٌ * فَأَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هٰاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتٰابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاٰقٍ حِسٰابِيَهْ‌).(1)

و قد جاء الوحى المنير في اوّل سورة البقرة بأوصافٍ لأهل التُقى و هي الايمان بالغيب و اقامة الصّلوة و الانفاق ممّا آتاه اللّٰه تعالى و الايمان بالنبىّ و بما جاء به و اليقين بالآخرة فمن يؤمن باللّٰه و باليوم الآخر و بالنبوّة و الامامة - لانّها من اهمّ ما جاء به النبىّ - و يعمل الصالحات و يردع نفسه عن الطالحات فهو المتّقى.

و حيث انّ الصّلوة و اقامتها و الانفاق ممّا آتاه اللّٰه ممّا جاء به النبىّ فافرادهما بالذكر يدلّ على اهتمام الشرع بهما، و في ذكر الايمان و اليقين للمتّقين دون العلم اشعارٌ على انّه يشترط في صدق التّقوى مضافاً إلى تصديق العقل بالمبدأ و المعاد و النبوّة و الامامة و ما جاء به النبىّ‌، تصديق القلب بذلك ايضاً فالمتّقى من وجهة نظر القرآن هو الّذي أيقن و أذعن بقلبه بالمبدء و المعاد و النبوّة و الرّسالة و عمل بما جاء به النبىّ صلى الله عليه و آله مضافاً إلى علمه بذلك و إدراكه ايّاها عقلاً.

فعلى النظرة القرآنيّة المتّقي هو الّذي رأى اللّٰه بالبصيرة لا بالبصر، فما يكون غيباً لعامّة النّاس يكون له شهوداً و يرى حقيقة الرّسالة و الامامة، فما يكون مختفياً عن عامّة النّاس و هم بحاجةٍ إلى الاستدلال عليه يكون له ظاهراً، واضحاً لا يحتاج إلى السّؤال و الاستدلال و يرى القيامة و ما فيها من القبر و البرزخ و الحساب و


1) . الحاقّة، 18-26.

الكتاب و الجنّة و النّار كعلمه بنفسه لا خفاء فيها و لااقلّ من رؤيتها كرؤيته الأمور المحسوسة و بعد ذلك يعمل الصّالحات كعبدٍ يرى نفسه بمحضرٍ من مولاه العليم بل نظير عمل الجائع و العطشان عند الاديم لرفع جوعه و عطشه و يجتنب عن المحرّمات كهذا العبد بل نظير فرار النّاس عن النار المشتعلة.

فجملة القول، انّ التّقوى في نظر القرآن هو الاعتقاد القلبى و العمل عليه و على مقتضاه الّذي لا ينفك عن الاعتقاد عادة، فالاعتقاد و العمل فيه متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر.

و تحصيل التّقوى يحتاج إلى رياضات دينيّة من التّوبة و اليقظة و التّخلية و التّحلية و التّجلية، و بهذا اشار تعالى بقوله: (إِنْ تَتَّقُوا اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقٰاناً).(1)

و الفرقان هو التّجلية و تنوير القلب بنوره تعالى.

كما انّه بحاجةٍ إلى الاهتمام بالواجبات كلّها و الاجتناب عن المحرّمات كلّها و الاهتمام بالمندوبات بالميسّر له و الاجتناب عن المشتبهات بل المكروهات كذلك.

فالتقوى لا يحصل بالتعلّم لانّه ليس بعلمىّ بل يحصل بالعمل لانّه وجدانىّ كشفىّ شهودىّ و الوجدان لا يحصل الّا بالعمل.

و في آيات كثيرة دلالة واضحة على أنّ الغاية المتوخّاة عن التشريع بل التّكوين‌التّقوى و من المعلوم انّ ما يكون علّة غائيّة لشىء فذلك الشّيء موجد تلك العلّة فبالتّشريع يحصل التّقوى.


1) . الانفال، 29.

قال تعالى: (الم * ذٰلِكَ اَلْكِتٰابُ لاٰ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‌).(1)

و قال تعالى: (إِنَّنِي أَنَا اَللّٰهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ لِذِكْرِي).(2)

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‌).(3)

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‌).(4)

و قال تعالى: (وَ أَنَّ هٰذٰا صِرٰاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاٰ تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصّٰاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‌).(5)

فهذه الآيات الّتي تمثّل نموذجاً ممّا أشرنا اليه، تدلّ على انّ التّقوى هي العلّة الغائية للتّشريع بل قوله سبحانه (يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ اُعْبُدُوا...) تدلّ على انّه علّة غائيّة للتّكوين ايضاً. تدلّ على شرف التقوى و فضلها كما تدلّ على أنّها لا تحصل إلّا بالّتمسّك بالقرآن و الأفعال العبادية كالصلوة و الصوم و غيرهما، و بعبارة موجزة تدلّ على وجوب متابعة الصراط المستقيم و السير فيه.

اضف إلى الآيات قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ اِبْتَغُوا إِلَيْهِ‌


1) . البقرة، 1، 2.

2) . طه، 14.

3) . البقرة، 183.

4) . البقرة، 21.

5) . الانعام، 153.

اَلْوَسِيلَةَ‌).(1)

فتلك الآية الشّريفة تدلّ على انّ الّتمسّك بالولاية شرط آخر في تحصيلها.

فيمكن الجمع بين الآيات بأنّ التّقوى لا تحصل إلّابالّتمسّك بالقرآن و العترة كما دلّ عليه رواية الثّقلين المتواترة بين الفريقين.

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله في موارد عدّة ذات خطرٍ كقبل حضور أجله صلوات اللّٰه و سلامه عليه بساعةٍ أو ساعتين، و وصّى أن يُكتب، لكن حال بينه و بين أمره أيدى السّائسين الّذين رأوا أنّ في كتابة الوصيّة مانعاً عن نيلهم إلى غاياتهم: «انّى تارك فيكم الثّقلين كتاب اللّٰه و عترتى أهل بيتى، فانهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض»(2).

ثمّ ان موضوع البحث هيهنا هو الملكة، إلّاأنّ التقوى تستعمل في معان أخر أيضًا:

1 - الاهتمام بالواجبات و الاجتناب عن المحرّمات لاعن ملكة بل بتحميلها على النّفس و تكليفهما عليها و التّقوى هذه حسن عقلاً و شرعاً و موجبةٌ للمثوبات الدّنيويّة و الاخرويّة، بل من الفقهاء من ذهب إلى انّ التّقوى و العدالة التين تشترطان في امام الجماعة و القاضى و الحاكم و الشّاهد ليس إلّاهذا، و البحث فيه موكول إلى الفقه.

و لكن الّذي ينبغى ان نذكر هنا انّ هذه التّقوى هي الّتي تكون مقدّمة لحصول


1) . المائدة، 35.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 132.

الملكة لانّ الملكات كلّها تحت لواء الافعال، فمن اهتمّ بالواجبات و دام عليه و اجتنب عن المحرّمات كذلك فباستدامته عليهما تحصل له الملكة و هذا كاف في تبيين شرفه و منزلته.

فالملكة ايّة ملكة كانت محفوفة بعملين: العمل الّذي يحصّلها و العمل الّذي ينشأ منها، فالاعمال بعد تحقّق الملكة تنشأ عن الملكة و الاعمال قبل تحقّقها محصّلة لها.

و لا يبعد ان يقال: انّ الاهتمام بالواجبات و الاجتناب عن المحرّمات قبل حصول الملكة افضل ثواباً من الاعمال النّاشئة عن الملكة، لقاعدة: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا.(1)

نعم، ما لم تحصل الملكة تكون الاعمال بلا عرق و أصل نظير شجرة لا عرق لها و اجتثّت من فوق الأرض ما لها من قرار.

قال اللّٰه تعالى: (وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَعْبُدُ اَللّٰهَ عَلىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصٰابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصٰابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ اَلْخُسْرٰانُ اَلْمُبِينُ‌).(2)

فلذا نرى كثيراً من النّاس الّذين لم تستقرّ ملكة التّقوى في قلوبهم يهتمّون بالواجبات و يجتنبون عن المحرّمات هذا كلّه ما لم تعرض لهم معصيةٌ‌، أمّا بعد عروضها فهم ولهون إليها، و إذا اصابتهم بليّة يتركون الواجبات انتقاماً من اللّٰه تعالى فيتركون الصّلوة فضلاً عن غيرها من الواجبات.

2 - يأتون بالواجبات و يتركون المحرّمات باختيار الاعتزال عن المجتمع


1) . المأخوذة عن السنّة.

2) . الحجّ‌، 11.

فيتركون النشاط الجماعى ذاهبين إلى المساجد و المعابد و الامكنة المقدّسة مجاورين في تلك الأمكنة تاركين أقربائهم و اصدقائهم فهم يعبدون اللّٰه لانّه لا عمل لهم إلّا ايّاها، و يتركون المحرّمات فهم لا يأكلون اموال النّاس و لا يغتابونهم و لا يكذبونهم و لا يظلمونهم لانّهم بعيدون عنهم فلا مخاطبة حتّى يحصل الاغتياب و الكذب، و هذا النّحو من التّقوى قد وصّى به بعض الشّعراء و الصّوفيّة و المقدّسين، كما يُرى في هذين البيتين بالفارسيّة:

ز دست ديده و دل هر دو فرياد *** كه هر چه ديده بيند دل كند ياد

بسازم خنجرى نيشش ز فولاد *** زنم بر ديده تا دل گردد آزاد

و هذا النّحو من التّقوى حسن لو لم يكن الانعزال بمذموم، بمعنى انّه فرّ عن مخالفة اللّٰه تعالى، لكنّه لم يكن له مثوبة كما أنّه ليس له عقوبة ايضاً.

إلّا انّه يرد عليه ما أوردناه على القسم الثانى من ولع المنعزل عن المجتمع على المحرّمات لو أقبلت عليه فيهلك من حيث يعلم و يضلّ على علم.

3 - التّقوى النّخبّية بمعنى انّه يتّقى بالنّسبة إلى بعض الواجبات عن ملكة كالصّلوة مثلاً و بالنّسبة إلى بعض المحرّمات كذلك كالاجتناب عن أكل أموال النّاس بالباطل و لكنّه لا تقوى و لا ورع له بالنّسبة إلى بعض آخر فهو يقيم الصّلوة و لكنّه بالنّسبة إلى الخمس و الزّكوة فاسق، أو يجتنب عن أكل اموال النّاس و لكنّه لا ورع له فيما يرجع إلى غريزته الشّهويّة.

و هذا النّحو من التّقوى هو الشائع بين النّاس فكثيراً ما يُرى من النّاس من يتبعّض في تقواه فهم الّذين لا يخافون اللّٰه تعالى و مأواهم جهنّم إلّاان يتوبوا و

يرجعوا عن مخالفته إلى طاعته تعالى.

قال تعالى: (وَ آخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صٰالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اَللّٰهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‌).(1)

و من المعلوم انّ آثار التّقوى في علمي الفقه و الأخلاق لا يترتّب على هذا القسم منها، و بعبارة أخرى انّ هذا المتّقى - لوصّح اطلاق هذا اللفظ عليه - لا يُعدّ بعادلٍ في الفقه و لا بالسالك إلى اللّٰه تعالى السائر إليه في الاخلاق.

و بما ذكرناه يظهر حال من يتبعّض في تقواه لا عن ملكة و لكنّه يأتى ببعض الواجبات دائماً و يترك بعض المحرّمات كذلك و اسوء حالاً منه من يتبعّض فيها لا عن ملكة و لا عن دوام فهو قد يصلّى و قد يتركها و قد يزكّى ماله و قد يتركها و هكذا و قد يغتاب و قد يتركها و قد يفعل ما يرجع إلى شهواته كالاجتناب عن النظر إلى الاجنبيّة و قد يتركه و هكذا...

هذا حال عموم النّاس إلّاقليلاً منهم، فهم مصاديق الآية الشّريفة ايضاً، فهم ان تابوا و إلّافلهم عذاب جهنّم إلّاان يرحم اللّٰه تعالى عليهم بالشفاعة أو عفوه تعالى.

و لا يخفى انّهم بالنّسبة إلى اعمالهم الصّالحة مأجورون مثابون.

قال تعالى: (إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ‌).(2)

و قال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا


1) . التّوبة، 102.

2) . التّوبة، 120.

يَرَهُ‌).(1)

بل يظهر من آيات كثيرة انّ يوم القيامة يوم الحساب و مقابلة كفّى الميزان فمن ثقلت موازينه فهو من أهل الجنّة.

فكما أنّه تعالى في هذه الدّنيا يعفو عن كثير بقوله: (وَ مٰا أَصٰابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ).(2)

فكذلك يوم القيامة و قد أخبر عنه بقوله: (وَ اَلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ اَلْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوٰازِينُهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ‌)(3)و بقوله: (فَأَمّٰا مَنْ ثَقُلَتْ مَوٰازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رٰاضِيَةٍ‌).(4)

و الظّاهر منها كون حسنات المرء أزيد من سيّئاته، فيعفو عنها و لو بشفاعة الشّافعين.

ثمّ انّ ملكة التقوى كسائر الملكات ذات مراتب شدّةً و ضعفاً.

الف: الاقتدار على الاتيان بالواجبات و الاجتناب عن المحرّمات كلّها بسهولة، بل من غير التفاتٍ منه يأتى بالأوّل و يجتنب عن الثانى.

ب: الاقتدار على ترك المشتبهات بل المكروهات بسهولة إلّاان يمنعه مانع يرجّح له فعل المكروه أو المشتبه بحيث لولا هذا المرجّح لَتَرَك المشتبه أو المكروه،


1) . الزّلزلة، 7-8.

2) . الشورى، 30.

3) . الاعراف، 8.

4) . القارعة، 6-7.

مثلاً انّ الإنسان لو اراد ان يأكل حلالاً بيّناً لا يحتاج إلى جريان اصالة الحلّ‌، أو ان يأكل طاهراً بيّناً لا يحتاج إلى اصالة الطّهارة ليختلّ نظام عيشه و ليس له بدّ من العزلة و التّعيّش في البرّ و الجبال و الصّحارى فباصالة الحلّ و الطّهارة يرجّح ان يأكل المشتبهات أو المكروهات، فبجريان الأصل و وجود هذا المرجّح يشرّع له جواز اكلها بل حسن اكلها.

روى: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يُحِبُ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ كَمَا يُؤْخَذُ بِعَزَائِمِه.(1)

و استفادة الاستحباب عن الرّواية ليست بصعب بل سهلة يسيرة.

فلذلك قد استقرّت سيرة النبىّ صلى الله عليه و آله و الائمّة عليهم السلام و كبراء الشيعة على عدم الاجتناب عن المشتبهات سيّما في بابي الطّهارة و النّجاسة.

نعم، انّ الضّرورات تتقّدر بقدرها، ففيما لا حرج و لا عسر و لا اختلال في العيش يجتنب عنها و عن المكروهات لانّه لا ترجيح للفعل، بل التّقوى يقتضى التّرك فالفعل خلاف التّقوى و للخواصّ معصية و معصية الرّسل الّتي جيئت في القرآن كمعصية آدم و يونس و داود و يعقوب و يوسف عليهم السلام و امثالهم من هذا القبيل.

ج: يقتدر على ترك التّوغّل في المشتهيات النّفسانيّة و زوائد العيش، لانّ المادّيات و المعنويّات ضدّان، فكلّما ثقلت كفّة إحداهما خفّت كفّة الأخرى.

فالتّوغّل في المشتهيات حتّى غير المحرّمة منها يوجب الفغلة عن المعنويّات و هو ردمٌ مستحكمٌ يمنع عن سلوك الطريق إلى اللّٰه تعالى و عقالٌ يحجب عن النظر إلى


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 360.

الملكوت الاعلىٰ‌، فايّاكم ثمّ ايّاكم ثمّ ايّاكم و التّوغّل في المشتهيات متمسّكاً بحلّيته لانّ كثيراً من المحلّلات مانعٌ عن التّرقّى و التّعالى، فمن شغل نفسه باغذية طيّبة و اشربة لذيذة و حسناء النساء و الدّور العاليات و الاصدقاء المتوغّلة في عالم الكثرة فلا محالة لا يقتدر على تحصيل العلم و غيره من الفضائل الانسانيّة فضلاً عن ان يطلب عالم الوحدة و يوفّق للسير إلى اللّٰه تعالى و التّوغّل في عالم المعنى، و يحرم بل يستحيل عليه الوصول إليه مع توغّله في المادّيات و الشّهوات و لو كان من حلالها، فمن كان سيره إلى المادّيات فبكلّ خطوة من خطواته يبعد عن المعنويّات، فكيف يمكن ان يصل اليها؟! هيهات هيهات، و ان توهّم امكان الجمع بينهما و خُيّل إليه ذلك فهو توهّم من الشّيطان الجنّى و الانسىّ سيّما شيطان النّفس الّذي هو أخبث الشياطين و اكبر الاصنام.

د: يقتدر على ترك المباحات و يكتفى بالعيش الضّرورى مجتنباً عن زوائد العيش كاجتنابه عن العيش التجمّلى و هذا القسم من التّقوى هو المشهور من الزهد.

و قد مرّ في باب الزّهد انّ الزّهد في الأخلاق هو عدم تعلّق القلب بشيء غير اللّٰه تعالى إلّاانّه عند النّاس هو الاجتناب عن المباحات و الكفاية بمقدار الضّرورة فهو و ان لم يكن مصداق الزّهد و لكنّه مصداق التّقوى و من مراتبها و هو أمر حسن سيّما لمن اراد السّير و السّلوك إلى جنابه تعالى، و لا شيء اجود و احسن زاداً و راحلةً لمن اراد لقاء اللّٰه تعالى إلّاالتّقوى بمراتبها.

قال اللّٰه تعالى: (وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ اَلزّٰادِ اَلتَّقْوىٰ‌).(1)


1) . البقرة، 197.

و هو عيش يترتّب عليه فوائد كثيرة كالاستغناء عن النّاس و الرّاحة عمّا في ايديهم و النّشاط و الحرّية و الفراغ و سعة الصّدر و التّهيّؤ للآخرة و امكان السير إلى اللّٰه و أعلى من ذلك كلّه فراغه عن المحاسبة في يوم الجزاء؛ إذ الحوائج و الهموم و الغموم كلّها مانعٌ عن السير إليه و الترفّه في العيش يوجب الحساب في الآخرة.

قال أميرالمؤمنين عليه السلام بناء على ما نسب اليه:

و قد دقّت و رقّت و استرقّت *** فضول العيش اعناق الرّجال

أمّا المعاش على قدر الكفاف فواجبٌ على من نصب نفسه أسوةً للمجتمع كالنبيّ و الائمّة عليهم السلام و العلماء سيّما المشهورين منهم كائمّة الجمعة و الجماعة و كالمراجع الديني و الحكّام الاسلامى.

و قد أُكدّ على ذلك في نصوصي الوحي و أهل العصمة، و من الآيات قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلاً * وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلدّٰارَ اَلْآخِرَةَ فَإِنَّ اَللّٰهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنٰاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً).(1)

و من الرّوايات، رسالة أميرالمؤمنين عليه السلام إلى عامله بالبصرة، عثمان بن حنيف و فيها: أَلَا وَ إِنَ لِكُلِ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ وَ يَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ أَلَا وَ إِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ وَ مِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ أَلَا وَ إِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِك وَ لَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَ اجْتِهَادٍ وَ عِفَّةٍ وَ سَدَادٍ فَوَاللَّهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً وَ لَا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً وَ لَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً وَ لَا حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْراً وَ لَا أَخَذْتُ مِنْهُ‌


1) . الاحزاب، 28-29.

إِلَّا كَقُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ وَ لَهِيَ فِي عَيْنِي أَوْهَى وَ أَوْهَنُ مِنْ عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَك مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ آخَرِينَ وَ نِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ وَ مَا أَصْنَعُ بِفَدَك وَ غَيْرِ فَدَك وَ النَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَثٌ تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا وَ تَغِيبُ أَخْبَارُهَا وَ حُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا وَ أَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا لَأَضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَ الْمَدَرُ وَ سَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ الْمُتَرَاكِمُ وَ إِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ وَ تَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ وَ لَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا الْعَسَلِ وَ لُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ وَ نَسَائِجِ هَذَا الْقَزِّ وَ لَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ وَ يَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الْأَطْعِمَةِ وَ لَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لَا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ وَ لَا عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَ حَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَ أَكْبَادٌ حَرَّى أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ -

وَ حَسْبُك [عَاراً] دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ *** وَ حَوْلَك أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ

أَ أَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ لَا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْش...(1)

و نظير هذا الكلام في خطبه و رسائله و كلمات غيره من المعصومين كثير.

و لكنّه مع الوصف قد يرجّح العيش الهنىء الزائد عن قدر الكفاف فضلاً عن جوازه بالعنوان الثانوىّ كجعل عياله الّذين لا يرضون بالضّرورىّ من المعاش في الترفّه لمن لا يكون اسوة للمجتمع و قد حصل ذلك من امواله الشّخصيّة و كدفع التّعيير عن العدوّ بل عن الصّديق و نحو ذلك الّذي يقتضيه الزّمان و المكان و


1) . راجع: نهج البلاغة، الرسالة 45.

الافراد، هذا كما ورد فيما يُحكى عن اعتراض بعض الزّهاد على أبي عبداللّٰه الصادق عليه السلام في كيفيّة معاشه و ملبسه، فأجاب عنهم بما فيه أبواب من العلم و الأخلاق و يفتّح من كلّ بابه أبواب، فراجع.(1)

ه: يقتدر على دفع الوساوس النّفسانيّة و الخطورات الشّيطانيّة و التّخيّلات و التوهّمات و بهذه المرتبة من التّقوى تحصل له النّفس المطمئنّة الّتي تليق ان تخاطب بخطاب (اِرْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ‌).

قال تعالى: (يٰا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبٰادِي * وَ اُدْخُلِي جَنَّتِي).(2)

و يظهر من غير واحد من الرّوايات انّ تلك الخطورات و الوساوس و التوهّمات و التّخيّلات ذنب مغفور عنه، فتلك الرّوايات تدلّ على مبغوضيّتها و لكن عناية اللّٰه و رحمته توجب عدم ترتّب عقاب عليها.

فمن شملته العناية الخاصّة الالهيّة و حصلت له هذه المرتبة من ملكة التّقوى فهى رادعة مانعة من تلك الخطورات و الوساوس فطوبى له.

و: يقتدر على ان لا يلهيه شيء من الدّنيا بل من الآخرة عن ذكر اللّٰه فهو دائم التّوجّه و ان كان في الدّنيا و مشتغلاً بها.

قال اللّٰه تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ


1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 65.

2) . الفجر، 27-30.

وَ اَلْآصٰالِ * رِجٰالٌ لاٰ تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لاٰ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌).(1)

و لكن من المعلوم الفرق الواضح بين من لم تشغله الدنيا و لو بحلالها، و من شغلته الدنيا بحرامها و حلالها، فشتّان بينهما!.

هذا كما في المعصومين عليهم السلام، فانّهم و إن لا خطر للدنيا عندهم حتّى تلهيهم عن حبيبهم، و لكن حالهم في آنات العيش ليست كحالهم في آنات الصلاة و مناجاة الحبيب، إذ الاولى حالة قطع و الثّانية حالة وصل و هل يمكن قياس احدهما بالآخر؟

فما يترائى في حالاتهم من التضرّع و البكاء حتّى تعرض عليهم الغشي و الاستغفار و الاقرار بالتقصير و المعصية ليس إلّالهذا القطع و ان كان ذلك ممّا لابدّ منه و هل يمكن ان يجتاز احد بنهرٍ و لا يبلّ ثوبه و بدنه و بذلك اشار اللّٰه تعالى بقوله:

(وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّٰ وٰارِدُهٰا كٰانَ عَلىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا).(2)

فالعبور من جسر العالم و تأثيره في النّفس ممّا لابدّ منه فاهل الدّنيا يتأثّرون منها على حسب تأثّرهم من الدّنيا الدّنيّة و أهل الآخرة ايضاً يتأثّرون منها حسب تأثّرهم من الدّنيا الدّنيّة، فان شئت قلت:

انّ ذلك الجسر هو باطن هذه الدّنيا الدّنيّة فالورود فيه ممّا لابدّ منه و النّاس كلّهم يتأثّرون حسب تأثّرهم من الدّنيا، فهذا هو ميزان تقواهم، كما انّ استغفارهم و عودهم إلى ربّهم أيضاً على وزانه، وللّٰه درّ من أنشد:


1) . النّور، 36-37.

2) . مريم، 71.

و درج التّوب كمراتب التّقى *** من حرمة أو حلّ أو غير اللّقاء

و في الخاتمة نذكر بعض فوائد هذه الملكة النّورانيّة.

1 - درك حقيقة القرآن و نفوذ نوره في القلوب و اهتدائه إلى سبل السلام، و يستفاد من القرآن بوضوح تامّ انّ الخروج من الظلمة إلى النور المطلق و الوصول إلى المطلوب و المقصود و هو اللّٰه تعالى بحاجّةٍ إلى التّقوى.

قال تعالى: (قَدْ جٰاءَكُمْ مِنَ اَللّٰهِ نُورٌ وَ كِتٰابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اَللّٰهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوٰانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاٰمِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ‌).(1)

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اَللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‌).(2)

بناء على كون المراد من «الكفلين» هما نور القرآن و نور الولاية، و كون قوله (وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ‌) عطفاً تفسيريّاً فيكون المعنى انّ التّقوى يوجب الوصول إلى نور القرآن و نور الولاية فمن اتّصل بهما فلن يضلّ ابداً بل يهدى غيره بالنّورين و ينفذ كلامه فيه لأنّ كلامه يخرج من قلب فيه نور الايمان.

و قال تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ * لاٰ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ‌).(3)

بناء على ان يكون المعنى انّ القرآن الكريم كتاب له حقيقة وراء ظاهره


1) . المائدة، 15-16.

2) . الحديد، 28.

3) . الواقعة، 77-79.

المحسوس للناس و تلك الحقيقة لا يمسّها إلّاالمطهّرون و هم المتّقون المتزيّنون نفوسهم بتقوَى الظاهر و القلب.

توضيح ذلك، انّه يظهر من القرآن الكريم انّ لهذا الكتاب المبين مراتب و الّتمسّك باىّ مرتبة من مراتبه مفيد للانسان بل واجب عليه، و المرتبة الاولى منه هي أن يستفيد الإنسان من ظاهره و هي قرائته.

قال تعالى: (فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ اَلْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضىٰ وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي اَلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اَللّٰهِ وَ آخَرُونَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنْهُ‌).(1)

و هذا التّأكيد البالغ لايوجد في غير الآية الشريفة من آى الذكر الحكيم.

و المرتبة الثّانية هي التّدبّر في القرآن ليدرك معناه و الاجتهاد و التدقيق فيه و الاستذكار منه.

قال تعالى: (أَ فَلاٰ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا).(2)

و قال تعالى: (وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ).(3)

و المرتبة الثّالثة هي إدراك نور القرآن و الاستهداء بهدايته الخاصّة العنائيّة، أي: الوصول إلى اللّٰه تعالى باهتدائه. و تحصيل هذه المرتبة تحتاج إلى التّقوى فكلّما زاد في تقواه زاد في إدراكه و استهدائه و وصوله إلى مرامه.


1) . المزمّل، 20.

2) . محمّد، 24.

3) . القمر، 17.

2 - انّ الإنسان بذاته يطلب عيشاً هنيئاً لا همّ و لا غمّ و لا اضطراب و لا نصب و لا لغوب فيه، و القرآن وعد أن يحصل ذلك في الدّنيا و الآخرة للمتّقين.

أمّا في الاخرة، فقال تعالى: (وَ قٰالُوا اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ اَلَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا اَلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنٰا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * اَلَّذِي أَحَلَّنٰا دٰارَ اَلْمُقٰامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لاٰ يَمَسُّنٰا فِيهٰا نَصَبٌ وَ لاٰ يَمَسُّنٰا فِيهٰا لُغُوبٌ‌).(1)

و قال تعالى: (إِنَّ أَصْحٰابَ اَلْجَنَّةِ اَلْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فٰاكِهُونَ * هُمْ وَ أَزْوٰاجُهُمْ فِي ظِلاٰلٍ عَلَى اَلْأَرٰائِكِ مُتَّكِؤُنَ * لَهُمْ فِيهٰا فٰاكِهَةٌ وَ لَهُمْ مٰا يَدَّعُونَ * سَلاٰمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ‌).(2)

و الظّاهر انّ المراد منها فرح اصحاب الجنّة بما يشتغلون به فيها، و هو النّظر إلى وجه اللّٰه تعالى، و اشار بذلك قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ * إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ‌).(3)

فهم بذلك الاشتغال دائموا السّير من كمال إلى كمال و هو السّير من الحقّ في الحقّ الّذي لا يتناهى بل لا يتصوّر له نهاية، و هم في ظلّ اللّٰه تعالى على اريكة العظمة و لهم ما يدّعون بحسب الرّوح و الجسم و لهم سلام من اللّٰه تعالى، و لو لم يكن لهم شيء إلّا السّلام منه تعالى ليكفيهم ان يكونوا صعقين دائماً.

و أمّا في الدّنيا، فقال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰاةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(4)


1) . فاطر، 34-35.

2) . يس، 55-58.

3) . القيامة، 23-22.

4) . النّحل، 97.

و قال تعالى: (فَأَيُّ اَلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولٰئِكَ لَهُمُ اَلْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ‌).(1)

و لا يخفى انّ الحيواة الطّيّبة الآمنة لا تحتاج إلى الّتمكّن و التّجمّل و الّتموّل و الرّئاسة بل هذا كلّه يوجب خروج العيش عن الطيب و الأمن.

و الحيواة الطيّبة الآمنة هي حيواة فرحون فيها بما آتاهم من فضله و يستغنون من النّاس و لا يحتاجون إلّاإلى اللّٰه تعالى و لا ينظرون إلّاإلى رحمة اللّٰه فهم قاصرون الطّرف محبّون للّٰه‌تعالى فهم في شغل فاكهون فليس لهم سلطان إلّااللّٰه و انّهم على ربّهم يتوكّلون و لهم في اللّيل لذّة من مناجاته تعالى لا يعلمها إلّاهو و لهم في انفاقاتهم للّٰه‌تعالى لذّة لا يدركها إلّامن وصل إلى ذلك المقام.

قال تعالى: (تَتَجٰافىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ اَلْمَضٰاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(2)

فهم في ظلّ اللّٰه تعالى و ليس لهم سلطان إلّااللّٰه تعالى فهم في نور اللّٰه تعالى و ليس لهم ظلمة و لا وحشة.

قال تعالى: (اَللّٰهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ).(3)

3 - افضل النّعم المتصوّرة لكلّ أحدٍ أو لكلّ مجتمعٍ هو حُسن العاقبة، فلذا حينما سُئل المعصوم عليه السلام: اىّ شيء نسئل اللّٰه تعالى ليلة القدر؟ اجاب: حسن العاقبة.


1) . الانعام، 82-81.

2) . السجدة، 16-17.

3) . البقرة، 257.

و الذكر الحكيم في كثيرٍ من آيه وعد للمتّقين حسن العاقبة و ذلك بمنطوق الآيات أو مفهومها. و معنى حسن العاقبة أن لا يخرج الإنسان في أواخر حياته الدنياويّة و معاشه عن طريق السداد و العافية و الحرمة بين الأقارب و الأباعد، و أن لايحتاج إليهم و لا يفتضح بينهم.

قال اللّٰه تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ اَلْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ‌).(1)

و قال تعالى: (نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَ اَلْعٰاقِبَةُ لِلتَّقْوىٰ‌).(2)

و قال تعالى: (إِنَّ اَلْأَرْضَ لِلّٰهِ يُورِثُهٰا مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ وَ اَلْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‌).(3)

و تدلّ آيات على انّ العاقبة السّوء محتومةٌ للمجرمين، منها،

قوله تعالى: (فَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كٰانَ عٰاقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ‌).(4)

و قوله تعالى: (ثُمَّ كٰانَ عٰاقِبَةَ اَلَّذِينَ أَسٰاؤُا اَلسُّواىٰ أَنْ كَذَّبُوا بِآيٰاتِ اَللّٰهِ‌).(5)

و المعنى الاخر لحسن العاقبة هو ان يرزق اللّٰه للمرء أن يموت و هو مؤمنٌ‌، فله روح و ريحان و جنّة نعيم.

و بهذا المعنى ايضاً انزل آيات كثيرة، منها قوله تعالى: (تِلْكَ اَلدّٰارُ اَلْآخِرَةُ نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لاٰ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فَسٰاداً وَ اَلْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‌).(6)


1) . هود، 49.

2) . طه، 132.

3) . الاعراف، 128.

4) . آل عمران، 137.

5) . الرّوم، 10.

6) . القصص، 83.

و قوله تعالى: (وَ مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اَللّٰهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ اَلْوُثْقىٰ وَ إِلَى اَللّٰهِ عٰاقِبَةُ اَلْأُمُورِ).(1)

4 - الايمان ينقسم إلى اقسامٍ‌:

الف: الايمان المنبعث عن القول الواقع في طرف اللسان، و هو مفيد لعموم النّاس و لكنّه لا يحفظ الإنسان عن الأخطار في المهالك.

قال تعالى: (وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَعْبُدُ اَللّٰهَ عَلىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصٰابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصٰابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ اَلْخُسْرٰانُ اَلْمُبِينُ‌).(2)

ب: الايمان العقلى و الاستدلالى و هو مفيد للخواصّ و له ان يحفظ الإنسان عند عروض الشبهات في المباحثات العلميّة و عند المهالك فى الجملة سيّما إذا صبغ القلب بلونه.

قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي اَلْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اَلْحَقُّ‌).(3)

و يقال لهذا القسم من الايمان علم اليقين لانّه يحتاج إلى تعلّم مبادىء التوحيد و علومه و التوغّل في هذا العلم حتّى يرسخ في العقل و يصبغ القلب بلونه.

ج: الايمان القلبى و الوجدانى و الفطرى و هو مقول بالتشكيك و سمّى المرتبة الاولى منه بعين اليقين والمرتبة الشّديدة منه بحقّ اليقين و في الذكر الحكيم شُبّه المتّصف بالمرتبة الأولى بمن قرب من النار و لكنه لن يمسّها، و المتّصف بالثانية بمن


1) . لقمان، 22.

2) . الحجّ‌، 11.

3) . فصّلت، 53.

دخل فيها.

قال اللّٰه تعالى: (فَلَمّٰا جٰاءَهٰا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي اَلنّٰارِ وَ مَنْ حَوْلَهٰا وَ سُبْحٰانَ اَللّٰهِ رَبِّ اَلْعٰالَمِينَ‌).(1)

و هذه المرتبة هي الحافظة للنائل إليها من المهالك و المزالّ‌، و هي ردمٌ يمنع عن طغيان الغرائز، و هي لا تحصل إلّابالتّقوى.

قال تعالى: (وَ اُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّٰى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ‌).(2)

5 - انّ الإنسان بفطرته يطلب العزّ و الأبّهة في قلوب النّاس و هذا سرّ ما يُرى من كثيرٍ من النّاس من اعطائهم جزئل الأموال ليحصل لهم العزّ في المجتمع، بل لا قدر عندهم للمال إذا قوبل بها العزّ و الشرف، بل لا قدر لمذهبهم و شرعهم آنذاك.

ولكن لسان الوحى و اقوال أهل العصمة عليهم السلام يدلّان على انّ العزّة كلّها للّٰه‌و هي لا تحصل إلّابالتّقوى. و استجلابه من غير طريق التّقوى كسراب بقيعة يحسبه الظّمأن ماءً فهو وبال و وزر و لا عاقبة محمودة فيه، فالطّريق منحصر في التّقوى.

قال تعالى: (أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيٰانَهُ عَلىٰ تَقْوىٰ مِنَ اَللّٰهِ وَ رِضْوٰانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيٰانَهُ عَلىٰ شَفٰا جُرُفٍ هٰارٍ فَانْهٰارَ بِهِ فِي نٰارِ جَهَنَّمَ وَ اَللّٰهُ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظّٰالِمِينَ‌).(3)

و قال تعالى: (إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ اَلرَّحْمٰنُ وُدًّا).(4)


1) . النمل، 8.

2) . الحجر، 99.

3) . التّوبة، 109.

4) . مريم، 96.

و قال سيدنا الإمام المجتبى الحسن عليه السلام: وَ إِذَا أَرَدْتَ عِزّاً بِلَا عَشِيرَةٍ وَ هَيْبَةً بِلَا سُلْطَانٍ فَاخْرُجْ مِنْ ذُلِّ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَى عِزِّ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَل.(1)

و قال الامام سيّد شهداء الأوّلين و الآخرين الحسين عليه السلام: مَنْ حَاوَلَ أَمْراً بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ كَانَ أَفْوَتَ لِمَا يَرْجُو وَ أَسْرَعَ لِمَا يَحْذَرُ.(2)

6 - قد اشتهر اشكال عند بعض من لا خبرة له من العلماء و المتعلّمين في العلوم غير الدّينيّة و هو انّه لماذا انقطع الوحى و الربط بين اللّٰه تعالى و بين النّاس في عصرنا مع حصول الربط بين اللّٰه تعالى و عباده في عصورٍ متقدّمة، و ذلك بألوفٍ من الرسل و الانبياء عليهم السلام و ليس هذا إلّاظلم عظيم و امتياز ملّةٍ دون ملّة في الاهتداء مع انّ زماننا هذا بحسب الاستعداد لذلك و الاخذ و القبول من اللّٰه تعالى احسن بمراتب من العصور السالفة، اَ لاترى انّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و الائمّة الطّاهرين عليهم السلام كانوا في الأمّيّين من الناس.

قال تعالى: (هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ‌).(3)

و القرآن الّذي لا يدانيه كتاب آخر في العلم و العمل نزل في قوم لاخلاق لهم من الانسانيّة، كما انّ بيئة نزوله آنذاك كان أشدّ البيئات انحطاطاً و سقوطاً في الاخلاق.

و هذا اشكال يجلب نظر من لا خبرة له بالمباحث العلميّة الاسلامية.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 44 ص 139.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 119.

3) . الجمعة، 2.

و الجواب: انّ الوحى بمعنى ارسال الرّسل و انزال الكتب بعد بعثة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و انزال القرآن الكريم لغو لا فائدة فيه حيث ان انزال كتابٍ آخر بعد القرآن و ارسال رسولٍ بعد نبيّنا صلى الله عليه و آله ليس إمّا لنقصان ذلك الكتاب و هذا الرسول، أو لفقدانهما، و كلاهما منتفيان عنهما، حيث لا نقصان في الكتاب لا في معانيه و لا في حفظه عن ايدى الخونة و الاعداء، أو لنسيان ذكر الرسول و جعْل النّاس تعاليمه وراء ظهورهم، و ليس كذلك، فلا معنى لارسال رسول آخر أو كتاب آخر بعدهما.

هذا ما يدّعيه القرآن في آيات كثيرة منها:

قوله تعالى: (وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ اَلْإِسْلاٰمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي اَلْآخِرَةِ مِنَ اَلْخٰاسِرِينَ‌).(1)

و قوله تعالى: (لاٰ يَأْتِيهِ اَلْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاٰ مِنْ خَلْفِهِ‌).(2)

و أمّا الوحى بمعنى تلقّى القول من عالم الملكوت و بمعنى وجود الربط و الصّلة بين اللّٰه تعالى و بين عباده، و بين عالم الملكوت و بين عالم الملك فهو موجود لا انقطاع فيه و قد دلّت على ذلك آيات كثيرة و روايات جازت حدّ الاستفاضة.

قال تعالى: (وَ اَلَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا وَ إِنَّ اَللّٰهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ‌).(3)

و قال تعالى: (إِنْ تَتَّقُوا اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقٰاناً).(4)


1) . آل عمران، 85.

2) . فصّلت، 42.

3) . العنكبوت، 69.

4) . الانفال، 29.

و قال تعالى: (إِنَّ اَلَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اَللّٰهُ ثُمَّ اِسْتَقٰامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ أَلاّٰ تَخٰافُوا وَ لاٰ تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ اَلَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيٰاؤُكُمْ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ فِي اَلْآخِرَةِ‌).(1)

و قال تعالى: (فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صٰالِحاً وَ لاٰ يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً).(2)

و قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: مَنْ أَخْلَصَ الْعِبَادَةَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ‌.(3)

و قال أبو عبداللّٰه عليه السلام في رواية: انّ اللّٰه تعالى قال: وَ إِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّافِلَةِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ إِذاً سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَ بَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَ لِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ وَ يَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ وَ إِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُه(4).

و لأهل الكشف و الشهود خلوات مع ربّهم لا تصل اليها يد الاغيار و لهم حكايات لا تليق ان تسمعها اُذن الخواصّ فضلاً عن العوام و لا يجوز لهم ان يتكلّموا بها لغير أهل الاسرار.

و البحث و الورود في هذا الوادى خارج عن هذا المقال، و الأليق بهذا الكتاب هو كتاب اللّٰه الكريم و روايات أهل العصمة عليهم السلام كما ذكرنا قسطاً منهما كأنموذجٍ‌


1) . فصّلت، 30-31.

2) . الكهف، 110.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 53 ص 326.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 352.

يحكي عنهما.

فتلخّص من جميع ما ذكرناه انّ المتّقى يقتدر على ان يرتبط بالملكوت الاعلى و ان يتكلّم الملائكة المقرّبين و ان يرى ما لا يراه النّاس و ان يتلقّى الالهامات من اللّٰه تعالى و ان يصل إلى مقام اللّقاء و كلّما كان أتقى و ارتقى في مدارجها كان ربطه بذاك العالم أشدّ و اوثق.

رزقنا اللّٰه و ايّاكم تلك السّعادة و للّٰه‌درّ الشاعر حيث قال تحسّراً على مقام عشّاق اللّٰه الّذين يتجرّعون ماء الحيوة جرعةً جرعةً في جوف اللّيل عند قيامهم و سجودهم و يترنّمون بقوله تعالى: (اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ رَبَّنٰا مٰا خَلَقْتَ هٰذٰا بٰاطِلاً سُبْحٰانَكَ فَقِنٰا عَذٰابَ اَلنّٰارِ * رَبَّنٰا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ اَلنّٰارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَ مٰا لِلظّٰالِمِينَ مِنْ أَنْصٰارٍ * رَبَّنٰا إِنَّنٰا سَمِعْنٰا مُنٰادِياً يُنٰادِي لِلْإِيمٰانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّٰا رَبَّنٰا فَاغْفِرْ لَنٰا ذُنُوبَنٰا وَ كَفِّرْ عَنّٰا سَيِّئٰاتِنٰا وَ تَوَفَّنٰا مَعَ اَلْأَبْرٰارِ * رَبَّنٰا وَ آتِنٰا مٰا وَعَدْتَنٰا عَلىٰ رُسُلِكَ وَ لاٰ تُخْزِنٰا يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ إِنَّكَ لاٰ تُخْلِفُ اَلْمِيعٰادَ * فَاسْتَجٰابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ‌):(1)

هنيئاً لارباب النّعيم نعيمهم *** و للعاشق المسكين ما يتجرّع


1) . آل عمران، 191-195.

روايات في الطّاعة و التقوى

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: لَا تَذْهَبْ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ فَوَ اللَّهِ مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ‌.(1)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ع فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ وَ اللَّهِ مَا مِنْ شَيْ‌ءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ وَ يُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلَّا وَ قَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَ مَا مِنْ شَيْ‌ءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ وَ يُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا وَ قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ أَلَا وَ إِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ وَ لَا يَحْمِلْ أَحَدَكُمْ اسْتِبْطَاءُ شَيْ‌ءٍ مِنَ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِغَيْرِ حِلِّهِ فَإِنَّهُ لَا يُدْرَك مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ‌.(2)

•

عَنْ جَابِرٍ: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام، قَالَ‌: قَالَ لِي: «يَا جَابِرُ، أَ يَكْتَفِي مَنْ يَنْتَحِلُ التَّشَيُّعَ أَنْ يَقُولَ بِحُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَوَ اللَّهِ مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَ أَطَاعَهُ‌، وَ مَا كَانُوا يُعْرَفُونَ يَا جَابِرُ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ‌، وَ التَّخَشُّعِ‌، وَ الْأَمَانَةِ‌، وَ كَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ‌، وَ الصَّوْمِ‌،


1) . راجع: الكافي، ج 2، ص 73.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 74.

وَ الصَّلَاةِ‌، وَ الْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ‌، وَ التَّعَاهُدِ لِلْجِيرَانِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَ أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَ الْغَارِمِينَ وَ الْأَيْتَامِ‌، وَ صِدْقِ الْحَدِيثِ‌، وَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ‌، وَ كَفِّ الْأَلْسُنِ عَنِ النَّاسِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، وَ كَانُوا أُمَنَاءَ عَشَائِرِهِمْ فِي الْأَشْيَاءِ‌».

قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ‌: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ‌، مَا نَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَداً بِهذِهِ الصِّفَةِ‌.

فَقَالَ‌: «يَا جَابِرُ، لَاتَذْهَبَنَ بِك الْمَذَاهِبُ‌، حَسْبُ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ‌: أُحِبُّ عَلِيّاً وَ أَتَوَلَّاهُ‌، ثُمَّ لَايَكُونَ مَعَ ذلِك فَعَّالًا؟! فَلَوْ قَالَ‌: إِنِّي أُحِبُّ رَسُولَ اللَّهِ‌، فَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ عليه السلام، ثُمَّ لَايَتَّبِعُ سِيرَتَهُ‌، وَ لَا يَعْمَلُ بِسُنَّتِهِ‌، مَا نَفَعَهُ حُبُّهُ إِيَّاهُ شَيْئاً؛ فَاتَّقُوا اللَّهَ‌، وَ اعْمَلُوا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ‌، لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَ بَيْنَ أَحَدٍ قَرَابَةٌ‌، أَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَكْرَمُهُمْ عَلَيْهِ أَتْقَاهُمْ‌، وَ أَعْمَلُهُمْ بِطَاعَتِهِ‌.

يَا جَابِرُ، وَ اللَّهِ مَا يُتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ - تَبَارَك وَ تَعَالى - إِلَّا بِالطَّاعَةِ‌، وَ مَا مَعَنَا بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَ لَا عَلَى اللَّهِ لِأَحَدٍ مِنْ حُجَّةٍ‌؛ مَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعاً، فَهُوَ لَنَا وَلِيٌّ‌؛ وَ مَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِياً، فَهُوَ لَنَا عَدُوٌّ؛ وَ مَا تُنَالُ وَلَايَتُنَا إِلَّا بِالْعَمَلِوَ الْوَرَعِ‌».(1)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ص يَقُولُ لَا يَقِلُ عَمَلٌ مَعَ تَقْوَى وَ كَيْفَ يَقِلُّ مَا يُتَقَبَّلُ‌.(2)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ فَيَأْتُونَ بَابَ الْجَنَّةِ فَيَضْرِبُونَهُ فَيُقَالُ لَهُمْ مَنْ أَنْتُمْ فَيَقُولُونَ نَحْنُ أَهْلُ الصَّبْرِ فَيُقَالُ لَهُمْ عَلَى مَا صَبَرْتُمْ فَيَقُولُونَ كُنَّا نَصْبِرُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَ نَصْبِرُ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ صَدَقُوا


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 74.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 75.

أَدْخِلُوهُمُ الْجَنَّةَ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ‌.(1)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: يَا مَعْشَرَ الشِّيعَةِ شِيعَةِ آلِ مُحَمَّدٍ كُونُوا النُّمْرُقَةَ الْوُسْطَى يَرْجِعُ إِلَيْكُمُ الْغَالِي وَ يَلْحَقُ بِكُمُ التَّالِي فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَعْدٌ جُعِلْتُ فِدَاك مَا الْغَالِي قَالَ قَوْمٌ يَقُولُونَ فِينَا مَا لَا نَقُولُهُ فِي أَنْفُسِنَا فَلَيْسَ أُولَئِك مِنَّا وَ لَسْنَا مِنْهُمْ قَالَ فَمَا التَّالِي قَالَ الْمُرْتَادُ يُرِيدُ الْخَيْرَ يُبَلِّغُهُ الْخَيْرَ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا مَعَنَا مِنَ اللَّهِ بَرَاءَةٌ وَ لَا بَيْنَنَا وَ بَيْنَ اللَّهِ قَرَابَةٌ وَ لَا لَنَا عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ وَ لَا نَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا بِالطَّاعَةِ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُطِيعاً لِلَّهِ تَنْفَعُهُ وَلَايَتُنَا وَ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ عَاصِياً لِلَّهِ لَمْ تَنْفَعْهُ وَلَايَتُنَا وَيْحَكُمْ لَا تَغْتَرُّوا وَيْحَكُمْ لَا تَغْتَرُّوا.(2)

•

عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ‌: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَذَكَرْنَا الْأَعْمَالَ فَقُلْتُ أَنَا مَا أَضْعَفَ عَمَلِي فَقَالَ مَهْ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ لِي إِنَّ قَلِيلَ الْعَمَلِ مَعَ التَّقْوَى خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ الْعَمَلِ بِلَا تَقْوَى قُلْتُ كَيْفَ يَكُونُ كَثِيرٌ بِلَا تَقْوَى قَالَ نَعَمْ مِثْلُ الرَّجُلِ يُطْعِمُ طَعَامَهُ وَ يَرْفُقُ جِيرَانَهُ وَ يُوَطِّئُ رَحْلَهُ فَإِذَا ارْتَفَعَ لَهُ الْبَابُ مِنَ الْحَرَامِ دَخَلَ فِيهِ فَهَذَا الْعَمَلُ بِلَا تَقْوَى وَ يَكُونُ الآْخَرُ لَيْسَ عِنْدَهُ فَإِذَا ارْتَفَعَ لَهُ الْبَابُ مِنَ الْحَرَامِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ‌.(3)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام يقول: مَا نَقَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَبْداً مِنْ ذُلِ الْمَعَاصِي إِلَى عِزِّ التَّقْوَى إِلَّا أَغْنَاهُ مِنْ غَيْرِ مَالٍ وَ أَعَزَّهُ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَةٍ وَ آنَسَهُ مِنْ غَيْرِ بَشَرٍ.(4)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 75.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 75.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 76.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 76.

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: قُلْتُ لَهُ إِنِّي لَا أَلْقَاك إِلَّا فِي السِّنِينَ فَأَخْبِرْنِي بِشَيْ‌ءٍ آخُذُ بِهِ فَقَالَ أُوصِيك بِتَقْوَى اللَّهِ وَ الْوَرَعِ وَ الِاجْتِهَادِ وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ اجْتِهَادٌ لَا وَرَعَ فِيهِ‌.(1)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام يقول: اتَّقُوا اللَّهَ وَ صُونُوا دِينَكُمْ بِالْوَرَع(2).

•

عَنْ يَزِيدَ بْنِ خَلِيفَةَ قَالَ‌: وَعَظَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع فَأَمَرَ وَ زَهَّدَ ثُمَ قَالَ عَلَيْكُمْ بِالْوَرَعِ فَإِنَّهُ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِالْوَرَعِ‌.(3)

•

قَالَ أَبُو الصَّبَّاحِ الْكِنَانِيُّ - لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع مَا نَلْقَى مِنَ النَّاسِ فِيك فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع وَ مَا الَّذِي تَلْقَى مِنَ النَّاسِ فِيَّ فَقَالَ لَا يَزَالُ يَكُونُ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ الرَّجُلِ الْكَلَامُ فَيَقُولُ جَعْفَرِيٌّ خَبِيثٌ فَقَالَ يُعَيِّرُكُمُ النَّاسُ بِي فَقَالَ لَهُ أَبُو الصَّبَّاحِ نَعَمْ قَالَ فَقَالَ مَا أَقَلَّ وَ اللَّهِ مَنْ يَتَّبِعُ جَعْفَراً مِنْكُمْ إِنَّمَا أَصْحَابِي مَنِ اشْتَدَّ وَرَعُهُ وَ عَمِلَ لِخَالِقِهِ وَ رَجَا ثَوَابَهُ فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابِي.(4)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ابْنَ آدَمَ اجْتَنِبْ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْك تَكُنْ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ‌.(5)

•

عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ‌: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنِ الْوَرِعِ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ الَّذِي


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 76.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 76.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 76.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 77.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 77.

يَتَوَرَّعُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ‌.(1)

•

عَنْ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ عَلَيْك بِتَقْوَى اللَّهِ وَ الْوَرَعِ وَ الِاجْتِهَادِ وَ صِدْقِ الْحَدِيثِ وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَ حُسْنِ الْخُلُقِ وَ حُسْنِ الْجِوَارِ وَ كُونُوا دُعَاةً إِلَى أَنْفُسِكُمْ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ وَ كُونُوا زَيْناً وَ لَا تَكُونُوا شَيْناً وَ عَلَيْكُمْ بِطُولِ الرُّكُوعِ وَ السُّجُودِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَطَالَ الرُّكُوعَ وَ السُّجُودَ هَتَفَ إِبْلِيسُ مِنْ خَلْفِهِ وَ قَالَ يَا وَيْلَهُ أَطَاعَ وَ عَصَيْتُ وَ سَجَدَ وَ أَبَيْتُ‌.(2)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: أَعِينُونَا بِالْوَرَعِ فَإِنَّهُ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ مِنْكُمْ بِالْوَرَعِ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ فَرَجاً وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ - مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِك مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِك رَفِيقاً فَمِنَّا النَّبِيُّ وَ مِنَّا الصِّدِّيقُ وَ الشُّهَدَاءُ وَ الصَّالِحُونَ‌.(3)

•

عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ ع قَالَ‌: كَثِيراً مَا كُنْتُ أَسْمَعُ أَبِي يَقُولُ لَيْسَ مِنْ شِيعَتِنَا مَنْ لَا تَتَحَدَّثُ الْمُخَدَّرَاتُ بِوَرَعِهِ فِي خُدُورِهِنَّ وَ لَيْسَ مِنْ أَوْلِيَائِنَا مَنْ هُوَ فِي قَرْيَةٍ فِيهَا عَشَرَةُ آلَافِ رَجُلٍ فِيهِمْ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَوْرَعُ مِنْهُ‌.(4)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع يَقُولُ إِنَ لِأَهْلِ التَّقْوَى عَلَامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا صِدْقُ الْحَدِيثِ وَ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَ وَفَاءٌ بِالْعَهْدِ وَ قِلَّةُ الْعَجْزِ وَ الْبُخْلِ وَ صِلَةُ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 76.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 77.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 78.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 79.

الْأَرْحَامِ وَ رَحْمَةُ الضُّعَفَاءِ وَ قِلَّةُ الْمُؤَاتَاةِ لِلنِّسَاءِ وَ بَذْلُ الْمَعْرُوفِ وَ حُسْنُ الْخُلُقِ وَ سَعَةُ الْحِلْمِ وَ اتِّبَاعُ الْعِلْمِ فِيمَا يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ طُوبى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَ‌آبٍ وَ طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ أَصْلُهَا فِي دَارِ رَسُولِ اللَّهِ فَلَيْسَ مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ فِي دَارِهِ غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا لَا يَنْوِي فِي قَلْبِهِ شَيْئاً إِلَّا آتاه [أَتَاهُ‌] ذَلِك الْغُصْنُ وَ لَوْ أَنَّ رَاكِباً مُجِدّاً سَارَ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ مَا خَرَجَ مِنْهَا وَ لَوْ أَنَّ غُرَاباً طَارَ مِنْ أَصْلِهَا مَا بَلَغَ أَعْلَاهَا حَتَّى يَبْيَاضَّ هَرَماً أَلَا فَفِي هَذَا فَارْغَبُوا إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي نَفْسِهِ شُغُلًا وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ إِذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَرَشَ وَجْهَهُ وَ سَجَدَ لِلَّهِ بِمَكَارِمِ بَدَنِهِ يُنَاجِي الَّذِي خَلَقَهُ فِي فَكَاك رَقَبَتِهِ أَلَا فَهَكَذَا فَكُونُوا.(1)

•

عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع يَا عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَا يَغُرَّنَّك بُكَاؤُهُمْ فَإِنَ التَّقْوَى فِي الْقَلْبِ‌.(2)

•

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَّهُ قَالَ‌: خَصْلَةٌ مَنْ لَزِمَهَا أَطَاعَتْهُ الدُّنْيَا وَ الآْخِرَةُ وَ رَبِحَ الْفَوْزَ بِالْجَنَّةِ قِيلَ وَ مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ التَّقْوَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ أَعَزَّ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ ثُمَّ تَلَا وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ‌.(3)

•

و في مكاتبة أبي عبداللّٰه عليه السلام إلى رجل من اصحابه: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيك بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ ضَمِنَ لِمَنِ اتَّقَاهُ أَنْ يُحَوِّلَهُ عَمَّا يَكْرَهُ إِلَى مَا يُحِبُ وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يُخْدَعُ عَنْ جَنَّتِهِ وَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 282.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 283.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 285.

بِطَاعَتِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: أَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَقْبَلَ قِبَلَ مَا يُحِبُ اللَّهُ أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ قِبَلَ كُلِّ مَا يُحِبُّ وَ مَنِ اعْتَصَمَ بِاللَّهِ بِتَقْوَاهُ عَصَمَهُ اللَّهُ وَ مَنْ أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ عَصَمَهُ لَمْ يُبَالِ لَوْ سَقَطَتِ السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ وَ إِنْ نَزَلَتْ نَازِلَةٌ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَشَمِلَهُمْ بَلِيَّةٌ كَانَ فِي حِرْزِ اللَّهِ بِالتَّقْوَى مِنْ كُلِّ بَلِيَّةٍ أَ لَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ‌.(2)

•

قال النبىّ صلى الله عليه و آله: لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ كَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتْقاً ثُمَ اتَّقَى اللَّهَ لَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجا.(3)

•

وَ عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ‌: لَيَجِيئَنَّ أَقْوَامٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُمْ مِنَ الْحَسَنَاتِ كَجِبَالِ تِهَامَةَ فَيُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ فَقِيلَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَ مُصَلُّونَ قَالَ كَانُوا يُصَلُّونَ وَ يَصُومُونَ وَ يَأْخُذُونَ وَهْناً مِنَ اللَّيْلِ لَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا لَاحَ لَهُمْ شَيْ‌ءٌ مِنَ الدُّنْيَا وَثَبُوا عَلَيْه(4).

•

عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ قَالَ هُوَ الذَّنْبُ يَهُمُ بِهِ الْعَبْدُ فَيَتَذَكَّرُ فَيَدَعُهُ‌.(5)

•

عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ‌: أَتْقَى النَّاسِ مَنْ قَالَ الْحَقَ فِيمَا لَهُ وَ


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 285.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 285.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 285.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 286.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 287.

عَلَيْهِ‌.(1)

•

عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع لَا كَرَمَ أَعَزُّ مِنَ التَّقْوَى وَ سُئِلَ ع أَيُّ عَمَلٍ أَفْضَلُ قَالَ التَّقْوَى.(2)

•

عن النبىّ صلى الله عليه و آله قال: أَوَّلُ مَا يُدْخِلُ النَّارَ مِنْ أُمَّتِيَ الْأَجْوَفَانِ قَالُوا وَ مَا الْأَجْوَفَانِ قَالَ الْفَرْجُ وَ الْفَمُ وَ أَكْثَرُ مَا يُدْخَلُ بِهِ الْجَنَّةُ تَقْوَى اللَّهِ وَ حُسْنُ الْخُلُقِ‌.(3)

•

عن الصادق عليه السلام قال: مَنْ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ ذُلِ الْمَعْصِيَةِ إِلَى عِزِّ التَّقْوَى أَغْنَاهُ اللَّهُ بِلَا مَالٍ وَ أَعَزَّهُ بِلَا عَشِيرَةٍ وَ آنَسَهُ بِلَا بَشَرٍ وَ مَنْ خَافَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَخَافَ اللَّهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْ‌ءٍ وَ مَنْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَخَافَهُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‌ءٍ‌.(4)

•

قال أميرالمؤمنين على عليه السلام: اتَّقِ اللَّهَ بَعْضَ التُّقَى وَ إِنْ قَلَّ وَ دَعْ بَيْنَك وَ بَيْنَهُ سِتْراً وَ إِنْ رَقَّ‌.(5)

•

قال أميرالمؤمنين على عليه السلام: كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الظَّمَأُ وَ كَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا الْعَنَاءُ حَبَّذَا نَوْمُ الْأَكْيَاسِ وَ إِفْطَارُهُمْ‌.(6)

•

قَالَ الصَّادِقُ ع التَّقْوَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ تَقْوَى بِاللَّهِ فِي اللَّهِ وَ هُوَ تَرْك الْحَلَالِ فَضْلًا عَنِ الشُّبْهَةِ وَ هُوَ تَقْوَى خَاصِّ الْخَاصِّ وَ تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَ هُوَ تَرْك الشُّبُهَاتِ فَضْلًا


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 288.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 288.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 288.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 76 ص 289.

5) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 242.

6) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 145.

عَنْ حَرَامٍ وَ هُوَ تَقْوَى الْخَاصِّ وَ تَقْوَى مِنْ خَوْفِ النَّارِ وَ الْعِقَابِ وَ هُوَ تَرْك الْحَرَامِ وَ هُوَ تَقْوَى الْعَامِّ وَ مَثَلُ التَّقْوَى كَمَاءٍ يَجْرِي فِي نَهَرٍ وَ مَثَلُ هَذِهِ الطَّبَقَاتِ الثَّلَاثِ فِي مَعْنَى التَّقْوَى كَأَشْجَارٍ مَغْرُوسَةٍ عَلَى حَافَّةِ ذَلِك النَّهَرِ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ وَ جِنْسٍ وَ كُلُّ شَجَرَةٍ مِنْهَا يَسْتَمِصُّ الْمَاءَ مِنْ ذَلِك النَّهَرِ عَلَى قَدْرِ جَوْهَرِهِ وَ طَعْمِهِ وَ لَطَافَتِهِ وَ كَثَافَتِهِ ثُمَّ مَنَافِعُ الْخَلْقِ مِنْ ذَلِك الْأَشْجَارِ وَ الثِّمَارِ عَلَى قَدْرِهَا وَ قِيمَتِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ الآْيَةَ فَالتَّقْوَى لِلطَّاعَاتِ كَالْمَاءِ لِلْأَشْجَارِ وَ مَثَلُ طَبَائِعِ الْأَشْجَارِ وَ الثِّمَارِ فِي لَوْنِهَا وَ طَعْمِهَا مَثَلُ مَقَادِيرِ الْإِيمَانِ فَمَنْ كَانَ أَعْلَى دَرَجَةً فِي الْإِيمَانِ وَ أَصْفَى جَوْهَراً بِالرُّوحِ كَانَ أَتْقَى وَ مَنْ كَانَ أَتْقَى كَانَتْ عِبَادَتُهُ أَخْلَصَ وَ أَطْهَرَ وَ مَنْ كَانَ كَذَلِك كَانَ مِنَ اللَّهِ أَقْرَبَ وَ كُلُّ عِبَادَةٍ غَيْرِ مُؤَسَّسَةٍ عَلَى التَّقْوَى فَهُوَ هَبَاءٌ مَنْثُورٌ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ الآْيَةَ وَ تَفْسِيرُ التَّقْوَى تَرْك مَا لَيْسَ بِأَخْذِهِ بَأْسٌ حَذَراً عَمَّا بِهِ بَأْسٌ وَ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ طَاعَةٌ وَ ذِكْرٌ بِلَا نِسْيَانٍ وَ عِلْمٌ بِلَا جَهْلٍ مَقْبُولٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ.(1)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: أَوْرَعُ النَّاسِ مَنْ وَقَفَ عِنْدَ الشُّبْهَةِ أَعْبَدُ النَّاسِ مَنْ أَقَامَ الْفَرَائِضَ أَزْهَدُ النَّاسِ مَنْ تَرَك الْحَرَامَ أَشَدُّ النَّاسِ اجْتِهَاداً مَنْ تَرَك الذُّنُوبَ‌.(2)

•

عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله قال: إِنَ لِكُلِ مَلِك حِمًى وَ إِنَ حِمَى اللَّهِ حَلَالُهُ وَ حَرَامُهُ وَ الْمُشْتَبِهَاتُ بَيْنَ ذَلِك كَمَا لَوْ أَنَّ رَاعِياً رَعَى إِلَى جَانِبِ الْحِمَى لَمْ تَلْبَثْ غَنَمُهُ أَنْ تَقَعَ فِي


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 295.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 305.

وَسَطِهِ فَدَعُوا الْمُشْتَبِهَاتِ‌.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ‌: اتَّقُوا اللَّهَ اتَّقُوا اللَّهَ عَلَيْكُمْ بِالْوَرَعِ وَ صِدْقِ الْحَدِيثِ وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَ عِفَّةِ الْبَطْنِ وَ الْفَرْجِ تَكُونُوا مَعَنَا فِي الرَّفِيعِ الْأَعْلَى.(2)

•

عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع قَالَ‌: أَيُّهَا النَّاسُ لَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا تَفَقُّهَ فِيهِ وَ لَا خَيْرَ فِي دُنْيَا لَا تَدْبِيرَ فِيهَا وَ لَا خَيْرَ فِي نُسُك لَا وَرَعَ فِيهِ‌.(3)

•

قَالَ الصَّادِقُ ع أَغْلِقْ أَبْوَابَ جَوَارِحِك عَمَّا يَرْجِعُ ضَرَرُهُ إِلَى قَلْبِك وَ يَذْهَبُ بِوَجَاهَتِك عِنْدَ اللَّهِ وَ تُعْقِبُ الْحَسْرَةَ وَ النَّدَامَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ الْحَيَاءَ عَمَّا اجْتَرَحْتَ مِنَ السَّيِّئَاتِ وَ الْمُتَوَرِّعُ يَحْتَاجُ إِلَى ثَلَاثَةِ أُصُولٍ الصَّفْحِ عَنْ عَثَرَاتِ الْخَلْقِ أَجْمَعَ وَ تَرْك خَوْضِهِ فِيهِمْ وَ اسْتِوَاءِ الْمَدْحِ وَ الذَّمِّ وَ أَصْلُ الْوَرَعِ دَوَامُ الْمُحَاسَبَةِ وَ صِدْقُ الْمُقَاوَلَةِ وَ صَفَاءُ الْمُعَامَلَةِ وَ الْخُرُوجُ مِنْ كُلِّ شُبْهَةٍ وَ رَفْضُ كُلِّ عَيْبَةٍ وَ رِيبَةٍ وَ مُفَارَقَةُ جَمِيعِ مَا لَا يَعْنِيهِ وَ تَرْك فَتْحِ أَبْوَابٍ لَا يَدْرِي كَيْفَ يُغْلِقُهَا وَ لَا يُجَالِسُ مَنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ الْوَاضِحُ وَ لَا يُصَاحِبُ مُسْتَخِفِّي

الدِّينِ وَ لَا يُعَارِضَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يَحْتَمِلُ قَلْبُهُ وَ لَا يَتَفَهَّمُهُ مِنْ قَائِلٍ وَ يَقْطَعَ مَنْ يَقْطَعُهُ عَنِ اللَّهِ‌.(4)

• عَنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: قَالَ لِي يَا فُضَيْلُ أَبْلِغْ مَنْ لَقِيتَ مِنْ مَوَالِينَا

1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 306.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 306.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 307.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 307.

عَنَّا السَّلَامَ وَ قُلْ لَهُمْ إِنِّي لَا أُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِلَّا بِالْوَرَعِ فَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ وَ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ وَ الصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين(1).

• عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: دَخَلْتُ عَلَيْهِ لِأُوَدِّعَهُ فَقَالَ أَبْلِغْ مَوَالِيَنَا السَّلَامَ عَنَّا وَ أَوْصِهِمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَظِيمِ وَ أَعْلِمْهُمْ يَا خَيْثَمَةُ أَنَّا لَا نُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِلَّا بِعَمَلٍ وَ لَنْ يَنَالُوا وَلَايَتَنَا إِلَّا بِوَرَعٍ وَ إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَصَفَ عَدْلًا ثُمَّ خَالَفَهُ إِلَى غَيْرِهِ‌.(2)

1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 308.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 309.

الفصل التّاسع و العشرون

اشارة

الفضيلة الثّلاثون: حبُّ اللّٰه تعالى

الفضيلة الثّلاثون: حبّ اللّٰه - تعالىٰ‌! -

اشارة

و هو حالة تنشأ من صميم ذات الإنسان فتسلّط على القلب، و بعبارة أخرى هو ما يخرج من القوّة إلى الفعل فيرسخ في القلب، و على حدّ تعبير القرآن هو نور يهدى اللّٰه به عباده و يقذفه في قلب من يشاء فيخرجهم به من الظّلمات.

قال اللّٰه تعالى: (أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللّٰهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ فَهُوَ عَلىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ‌).(1)

و قال تعالى: (أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ وَ جَعَلْنٰا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنّٰاسِ‌).(2)

و قال تعالى: (اَللّٰهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ).(3)

و تلك الملكة كغيرها من الملكات مقولة بالتشكيك فان حصل المرتبة الاولى


1) . الزّمر، 22.

2) . الانعام، 122.

3) . البقرة، 257.

منها في قلب فهو تابع للّٰه‌و لرسوله ولن يخالف اللّٰه تعالى أبداً.

قال تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي).(1)

و ان حصل المرتبة الوسطى منها في قلب فلا يلهيه شيء من ذكر اللّٰه تعالى.

قال تعالى: (رِجٰالٌ لاٰ تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لاٰ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌).(2)

و ان حصل المرتبة الأخيرة منها في قلب فلايرى في الكون إلّاإيّاه تعالى، و لسان حاله دائماً يترنّم بقول القائل: ليس في الدّار غيره ديّار.

قال تعالى حكاية عن ابراهيم عليه السلام: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ حَنِيفاً وَ مٰا أَنَا مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ‌).(3)

و قال تعالى: (فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ‌).(4)

وللّٰه درّ من أنشد بالفارسيّة:

به صحرا بنگرم صحرا تو بينم *** به دريا بنگرم دريا تو بينم

به هر جا بنگرم كوه و در و دشت *** نشان از قامت رعنا تو بينم

فذلك القلب هو الّذي يدرك و يفهم و يرى.

قال تعالى: (هُوَ اَلْأَوَّلُ وَ اَلْآخِرُ وَ اَلظّٰاهِرُ وَ اَلْبٰاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ‌).(5)

فبتلك الحالات الثّلاث و المراتب الضّعيفة و الشّديدة قد يكون المرء مصداقاً


1) . آل عمران، 31.

2) . النّور، 37.

3) . الانعام، 79.

4) . البقرة، 115.

5) . الحديد، 3.

لقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي اَلْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اَلْحَقُّ‌) (1)(علم اليقين).

و قد يكون مصداقاً لقوله تعالى: (أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ شَهِيدٌ) (2)(عين اليقين).

و قد يكون مصداقاً لقوله تعالى: (أَلاٰ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقٰاءِ رَبِّهِمْ أَلاٰ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ مُحِيطٌ) (3)(حقّ اليقين).

و تلك المراتب من اليقين الّتي تستفاد من الآيات الثلاث تحصل للمرء بحبّه تعالى و لا يمكن تحصيل هذه الانوار إلّابأنوار اُخر، فبتلك المحبّة قد يرى اللّٰه تعالى رؤيةً عقليّة و هو قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي اَلْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اَلْحَقُّ‌) و قد يرى اللّٰه تعالى رؤيةً قلبيّة و هو قوله تعالى: (أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ شَهِيدٌ) و قد يرى اللّٰه تعالى رؤيةً فطريةً منبعثةً عن صميم روحه و هو اللّقاء و هو قوله تعالى: (أَلاٰ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقٰاءِ رَبِّهِمْ أَلاٰ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ مُحِيطٌ) و هؤلاء الّذين بارك اللّٰه تعالى في رؤيتهم، بل في الّذين رءاه تعالى بقلوبهم.

قال تعالى: (فَلَمّٰا جٰاءَهٰا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي اَلنّٰارِ وَ مَنْ حَوْلَهٰا وَ سُبْحٰانَ اَللّٰهِ رَبِّ اَلْعٰالَمِينَ‌).(4)


1) . فصّلت، 53.

2) . الفصّلت، 53.

3) . فصّلت، 54.

4) . النمل، 8.

فهم اصحاب التّسابق كما انّ من يرى اللّٰه تعالى بعين العقل فهو من اصحاب الميمنة.

قال تعالى: (فَأَصْحٰابُ اَلْمَيْمَنَةِ مٰا أَصْحٰابُ اَلْمَيْمَنَةِ * وَ أَصْحٰابُ اَلْمَشْئَمَةِ مٰا أَصْحٰابُ اَلْمَشْئَمَةِ * وَ اَلسّٰابِقُونَ اَلسّٰابِقُونَ * أُولٰئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ‌).(1)

نعم، من كان في هذه اعمى فهو الآخرة اعمى و هم الّذين لم يرد ذلك النّور في قلوبهم فهم عميان في الدار الأولى تائهون في الظلمات في الدار الآخرة، و هم من أصحاب المشئمة.

قال تعالى: (وَ مَنْ كٰانَ فِي هٰذِهِ أَعْمىٰ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمىٰ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً).(2)

و قال تعالى: (يَوْمَ يَقُولُ اَلْمُنٰافِقُونَ وَ اَلْمُنٰافِقٰاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونٰا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ اِرْجِعُوا وَرٰاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً).(3)

و قال تعالى: (وَ أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ مٰا أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ * فِي سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ * وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لاٰ بٰارِدٍ وَ لاٰ كَرِيمٍ‌).(4)

و بالجملة، يظهر من القرآن بوضوحٍ تام ان من أراد رؤية اللّٰه تعالى في الآخرة بعين العقل أو القلب أو الفطرة، فلا محالة ليرد ان يرى اللّٰه تعالى بنور العقل أو بنور القلب أو بنور الفطرة في هذه الدّنيا و إلّافمن غضّ عين قلبه في هذه الدّنيا فاللّٰه تعالى


1) . الواقعة، 8-11.

2) . الاسراء، 72.

3) . الحديد، 13.

4) . الواقعة، 41-44.

محجوب عنه يوم القيامة و ليس له ان يراه بعين العقل أو القلب أو الفطرة.

قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ * إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ‌).(1)

قال تعالى: (كَلاّٰ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ‌).(2)

و لهذه المحبّة لذّة لاهلها لايمكن دركها إلّالمن التذّ بها،

قال تعالى: (تَتَجٰافىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ اَلْمَضٰاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(3)

بناءً على كون المراد من قوله تعالى «ما اخفى لهم من قرّة اعين» اللذّات المقدّرة لهم في جوف الليل في هذه الدنيا، فلا تختصّ بالآخرة و ارادة العموم من الآية الشريفة قريب جدّاً.

و بالجملة، انّها لذّة لا يمكن دركها إلّالمن كان له قلب وللّٰه درّ من أنشد بالفارسيّة:

آنكس داند حال دل مسكينم *** كو را هم از اين نمد كلاهى باشد

صفت بادۀ عشق از من سرمست مپرس *** ذوق اين مى نشناسى به خدا تا نچشى

فمن غلب عليه الصّعق في جوف اللّيل خوفاً من ستر الحجاب على قلبه قائلاً لسان حاله: يَا إِلَهِي وَ سَيِّدِي وَ مَوْلَايَ وَ رَبِّي صَبَرْتُ عَلَى عَذَابِكَ‌، فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلَى


1) . القيامة، 23-22.

2) . المطففين، 15.

3) . السّجدة، 16-17.

فِرَاقِكَ‌، وَ هَبْنِي صَبَرْتُ عَلَى حَرِّ نَارِكَ‌، فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ إِلَى كَرَامَتِك(1)، لا يدرك حاله من لم يذقها.

فهو عليه السلام في الجزء الأخير من مناجاته هذه إذا انغمر في توحيده تعالى و استولى عليه الحب استدامها فقال: يا ربّ يا ربّ يا ربّ اسئلك بحقّك و قدسك و اعظم صفاتك و اسمائك ان تجعل اوقاتى فى اللّيل و النّهار بذكر معمورة و بخدمتك موصولة و اعمالى عندك مقبولة حتّى تكون اعمالى و اورادى كلّها وردا واحدا و حالى فى خدمتك سرمدا.(2)

فلا عذاب و لا معصية لأميرالمؤمنين عليه السلام أشدّ من الفراق و الغفلة عن اللّقا فلذا يستدامها و يستغفر اللّٰه تعالى عن غيرها و يخرّ صعقاً و ليس التّضرّعات و الاستغفارات و الاقرارات بالذّنوب العظيمة الواردة في قسطٍ من الادعية إلّابهذا المعنى، و هذه الحالات و هذه اللّذّات يختصّ باهلها و ليس لعامّة النّاس نصيب منها، فطوبى لهم و حسن مآب، اللّهمّ شرّكنا معهم في ادراك حلاوة ذلك.

ثمّ‌، انّه لمّا كان هذا الحبّ مساوقاً للوجود فلكلّ من الموجودات بمقدار وجوده نصيب منها يدلّ عليه تسبيح الموجودات بأسرها و صلوتها و تضرّعها و انابتها و سجودها.

قال تعالى: (وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاّٰ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لٰكِنْ لاٰ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‌).(3)


1) . راجع: مفاتيح الجنان، دعاء كميل بن زياد عليه الرّحمة.

2) . راجع: مفاتيح الجنان، دعاء كميل بن زياد عليه الرّحمة.

3) . الاسراء، 44.

و قال تعالى: (أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللّٰهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلطَّيْرُ صَافّٰاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاٰتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ بِمٰا يَفْعَلُونَ‌).(1)

و قال تعالى: (وَ سَخَّرْنٰا مَعَ دٰاوُدَ اَلْجِبٰالَ يُسَبِّحْنَ وَ اَلطَّيْرَ).(2)

و قال تعالى: (أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللّٰهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ وَ اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ وَ اَلنُّجُومُ وَ اَلْجِبٰالُ وَ اَلشَّجَرُ وَ اَلدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ اَلنّٰاسِ‌).(3)

و قال تعالى: (وَ لَقَدْ آتَيْنٰا دٰاوُدَ مِنّٰا فَضْلاً يٰا جِبٰالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ اَلطَّيْرَ).(4)

و نظيرها كثير وارد في الذكر الحكيم. و لكن من المؤسّف عليه جدّاً انّه ليس لنا سمع حتّى نسمع تلك التّسبيحات و التّضرّعات و ليست لنا عين حتىّ نرى تلك الصّلوات و تلك السّجدات، فلو كانت لنا العين الدّاوُدية و الأذن الدّاوُدية لكنّا نسمع و نرى. هذا من الضروريّات عند أهل القلوب فمن غلب على قلبه محبّة اللّٰه تعالى و استنار قلبه بتلك المحبّة و اتّصل بنور اللّٰه تعالى فهذه الأمور و ما يشابهها ليس عليه إلّاسهلاً يسيراً و قد مضى في رواية معتبرة من الكافي انّ سمع المحبّ و بصره متّصل بنور اللّٰه تعالى فبعد ذلك لا يثقل عليه أن يسمع تسبيح الموجودات و أن يرى صلواتها و سجودها.

و قد اشتهر انّ تسبيح الموجودات كلّها غير الإنسان على سبيل الجبر و القسر،


1) . النّور، 41.

2) . الأنبياء، 79.

3) . الحجّ‌، 18.

4) . سبأ، 10.

و الفرق بينها و بين تسبيح الإنسان يتمّ بهذا، فالإنسان في عبادته مختار و غيره في عبادته مجبور و قد استدلّ المشهور لهذا القول بقوله تعالى: (ثُمَّ اِسْتَوىٰ إِلَى اَلسَّمٰاءِ وَ هِيَ دُخٰانٌ فَقٰالَ لَهٰا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيٰا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قٰالَتٰا أَتَيْنٰا طٰائِعِينَ‌).(1)

و المعنى انّ اللّٰه تعالى خلق السّموات و الأرض و امرهما تكويناً بالمقدّر لهما بالامر المحتوم، فأجابا تكويناً: انّا طائعون، فيعملان بما قدّر لهما جبراً.

و استدلّوا أيضاً بقوله تعالى: (مٰا مِنْ دَابَّةٍ إِلاّٰ هُوَ آخِذٌ بِنٰاصِيَتِهٰا إِنَّ رَبِّي عَلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ‌).(2)

و لكن المراد - و العلم عند اللّٰه تعالى! - من هاتين الآيتين و اضرابهما بيان الهداية التكوينيّة الالهيّة و اهتداء العوالم بها، فمَثل الآيتين مَثل قوله تعالى: (قٰالَ رَبُّنَا اَلَّذِي أَعْطىٰ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىٰ‌).(3)

فللموجودات كلّها و منها الإنسان هداية عامّة تسمّى بالهداية التّكوينيّة و بتلك الهداية يعلم كلّ موجودٍ بعلمه التكويني طرقَ اعاشته و الخروج عن عهدة وظيفته.

فهذه الآيات و أمثالها خارجةٌ عن محلّ الكلام.

فبهذا يتصحّح قول القائل: انّ عبادات الموجودات كلّها على سبيل الاختيار و تنشأ من حبٍّ نشأ من صميم ذاته المساوق لوجوده و لكن مثل هذه المطالب يحتاج


1) . فصّلت، 11.

2) . هود، 56.

3) . طه، 50.

إلى الشّهود، و هو خارج عن العلم و القيل و القال، فالأجدر ان نكله إلى أهله و نصرف عنه البيان‌مقال آخر، و هو انّ هذه المحبّة تضادّ محبّة الدّنيا و لا يمكن الجمع بينهما أصلًا؛

قال تعالى: (مٰا جَعَلَ اَللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‌).(1)

فمن اشتغل قلبه بالدّنيا بالمعنى العام فليس له ان يُنوَّرَ بنور محبّة اللّٰه فلذا نهى اللّٰه تعالى عن شغله في عدّةٍ من الآيات منها.

قال تعالى: (لاٰ تُلْهِكُمْ أَمْوٰالُكُمْ وَ لاٰ أَوْلاٰدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌).(2)

و قال تعالى: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ اَلْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‌).(3)

كما انّ من اشتغل قلبه باللّٰه غير موجّهٍ وجهه إلى غيره فليس له أن يُكدّر بحبّ الدنيا الدنيئة.

قال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصٰالِ * رِجٰالٌ لاٰ تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لاٰ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌).(4)

حُكى عن بعض مسامرات أهل القلوب أنّ واحداً منهم قال: ليس بصادق في دعوى حب مولاه من لم يرض على بلائه، فقال الآخر: ليس بصادق في دعواه من لم يشكر على بلائه، فقال الآخر: ليس بصادق في دعواه من لم يتلذّد من بلائه، و قال


1) . الاحزاب، 4.

2) . المنافقون، 9.

3) . الحجر، 3.

4) . النّور، 37-36.

الآخر منهم: ليس بصادق في دعواه من شغله بلائه عن مشاهدة مولاه!.

نعم، انّ حبّ المولى لو رسخ في القلب فكثيراًما لا يرى إلّاالمولى كما انّه ان رسخ و فيه حبّ الدّنيا لا يرى إلّاايّاها. و فيما حكى اللّٰه تعالى في الذكر الحكيم من فعل النسوة حين ورود سيدنا يوسف عليه السلام إليهنّ حيث قطّعن ايديهنّ ناسيات القطع و الدم و الداء، اشارةٌ إلى ذلك.

قال تعالى: (وَ قٰالَ نِسْوَةٌ فِي اَلْمَدِينَةِ اِمْرَأَتُ اَلْعَزِيزِ تُرٰاوِدُ فَتٰاهٰا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهٰا حُبًّا إِنّٰا لَنَرٰاهٰا فِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ * فَلَمّٰا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَ آتَتْ كُلَّ وٰاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَ قٰالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّٰا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حٰاشَ لِلّٰهِ مٰا هٰذٰا بَشَراً إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قٰالَتْ فَذٰلِكُنَّ اَلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَ لَقَدْ رٰاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مٰا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ اَلصّٰاغِرِينَ * قٰالَ رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّٰا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلاّٰ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ اَلْجٰاهِلِينَ‌).(1)

فترى الآيات الحاكية عمّا جرى على يوسف عليه السلام تطابق المأثور: حبّ الشّيء يعمى و يصم؛ فنسوة المدينة ما كان في قلوبهنّ إلّاحبّ يوسف المذموم، فأدّاهنّ ذلك إلى اغتراف الذنوب واحداً بعد آخر؛ كما انّ اخوة يوسف - و قد مضى ذكر جملةٍ من سيرتهم معه عليه السلام في صدر السورة المباركة - كانوا يعبدون أهواءَهم، فجنوا عليه ثم أجرموا بما اتّهموه به من كونه سارقاً؛ أمّا يوسف فما كان في قلبه شيءٌ غير حبّه تعالى، ففعل ما لا يفعله إلّامن عصمه سبحانه؛


1) . يوسف، 30-33.

قال تعالى: (وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهٰا لَوْ لاٰ أَنْ رَأىٰ بُرْهٰانَ رَبِّهِ‌).(1)

و لمزيد التوضيح نقول: انّ اخوة يوسف غلب عليهم الهوى فارتكبوا ذنوباً كثيرة كتضليل أبيهم النبىّ وارادتهم قتل اخيهم النبي و تلك الهوى جعلتهم في عمى فسلّط عليهم هواهم و قضت عليهم ففعلوا ما فعلوا و بلغوا ما بلغوا من الدناءة و الخسّة.

و انّ امرئة العزيز غلبت عليها هواها و ارتكبت ذنوباً لا يجوّزها العقل و لا يقرب منها الأحرار كحنين المرءة إلى غير بعلها و الخلوة معه طالبةً منه الفسوق؛ ثم بعد الإياس من الظّفر به تطهير نفسها من الذنوب و اسنادها إليه ثم الأمر بسجنه و الظلم عليه بما ينفرّ منه الآذان و الأسماع.

أمّا النبى يوسف عليه السلام ففرّ من الذنب فرار الغنم من الذئب لتمكّن حبّه تعالى في قلبه بحيث لم يكن في قلبه فراغاً يشغله غيره. هذا مع تمام المعدّات لاغترافه اشدّ المعاصى التذاذاً، حيث كان شابّاً و كانت جميلةً و كان مملوكاً و كانت مالكةً محبّةً ولهةً ايّاه، فأمرته بالفسوق مع خلوّ المجلس عن الأغيار، و لكن حبّه تعالى عصمه منها فتركها لئلّا يكون مع العاصين. فطوبى لمن يرى ذلك النّور و تلك الظّلمة و طوبى لمن تستشمّ ريح ذلك النّور الطيب و ريح تلك الظّلمة النتن و من كان له قلب و سمع و عين فلا ألذّ لقلبه من رؤية ذلك النور المشار إليه في جملةٍ من الآيات و الروايات.

قال تعالى حكاية عنه: (اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هٰذٰا فَأَلْقُوهُ عَلىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ * وَ لَمّٰا فَصَلَتِ اَلْعِيرُ قٰالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لاٰ أَنْ‌


1) . يوسف، 24.

تُفَنِّدُونِ * قٰالُوا تَاللّٰهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاٰلِكَ اَلْقَدِيمِ * فَلَمّٰا أَنْ جٰاءَ اَلْبَشِيرُ أَلْقٰاهُ عَلىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قٰالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اَللّٰهِ مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ‌).(1)

و روى انّ اويس القرنى سافر إلى مدينة النبى ليلاقيه صلى الله عليه و آله فلم يكن الرسول فيها، فرجع، فاذا عاد اليها النبى قال: ارى نوراً و اشمّ ريحاً طيّباً؟ فقيل له: جاء اويس، فقال: و اشوقاه يا اويس.

و قال تعالى: (وَ أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لاٰ تَنٰازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ‌).(2)

فما هذا الرّيح الّذي تذهب بالمخالفة و تحصل بالمتابعة، فطوبى لمن يشمّها.

قال تعالى: (أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ وَ جَعَلْنٰا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنّٰاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي اَلظُّلُمٰاتِ لَيْسَ بِخٰارِجٍ مِنْهٰا).(3)

فما هذا النّور الّذي يَظهر للمؤمن فيُظهره و ما تلك الظّلمات الّتي يراها المؤمن و لا يدخلها.

و للّٰه‌درّ من أنشد بالفارسيّة:

مردان رهش زنده به جان دگرند *** مرغان هواش ز آشيان دگرند

منگر تو بدين چشم بايشان كايشان *** بيرون ز دو كون و در جهان دگرند

فتلخّص ممّا ذكرنا، انّ حبّ اللّٰه تعالى ينافي حبّ الدّنيا و هم ضدّان لا يجتمعان بتاتاً.


1) . يوسف، 93-96.

2) . الانفال، 46.

3) . الانعام، 122.

نعم، لو كان حبّ غير اللّٰه لأجله تعالى فهو يرجع إلى حبّ اللّٰه تعالى و هو افضل القربات و يجتمع مع حبّه بل لو لم يكن فيه حبّ في اللّٰه فليس فيه حبّ اللّٰه.

فالأمر الوارد بحبّنا الصالحين و على رأسهم أهل بيت الطهارة عليهم السلام ليس إلّامن حبّه تعالى، فلا تعارض بين الحبّين، بل الأوّل يمدّ الثاني و يضاعفه.

قال تعالى: (قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ‌).(1)

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكٰافِرِينَ يُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ لاٰ يَخٰافُونَ لَوْمَةَ لاٰئِمٍ‌).(2)

و للّٰه‌درّ القائل:

أمر على الدّيار ديار ليلى *** اقبل ذا الجدار و ذا الجدارا

و ما حبّ الدّيار شغفن قلبي *** و لكن حبّ من سكن الدّيارا

و هذا أمر فطرىّ لا يحتاج إلى تطويل، كما انّ مضمون البيتين ورد في كثيرٍ من مناسك الإسلام المستحبّة، كاستحباب استلام الحجر الاسود و تقبيله و استحباب تقبيل ضرائح رسول اللّٰه و الائمّة عليهم السلام المطهّرة و تقبيل الابواب و العتبات و التّبرّك بقبورهم، و هذه الأمور كلها ليس الّا من هذا الباب الّذي يدركه ذوق العوام فضلاً عن الخواصّ و هذا هو الدليل على كونه فطريّاً.

بقى امر، و هو حبّ الإنسان ما لا يرجع ببادىء النظر إلى الحبّ في اللّٰه العائد


1) . الشورى، 23.

2) . المائدة، 54.

إليه تعالى كحبّ الازواج و الاولاد و الاقرباء و كحّب العلم و الفضائل و المتّصف بهما و كحبّ الوجه الحسن و كحّب ما يرضى غرائز الإنسان كالمأكولات و المشروبات و الملبوسات، و هذا الحبّ ايضاً فطرىّ غريزىّ لكلّ انسان بل كثيرٌ منها لكثيرٍ من الحيوانات هذا بحسب العرف و إن امكن بالدقّة العلميّة بالتدقيق العلمي ارجاع الحبّ هذا إلى الحبّ للّٰه‌و فيه تعالى.

و الجواب عن الاشكال، انّ هذ الحبّ ليس منافياً لحبّه تعالى بل بينهما كمال الاجتماع و الملائمة.

فحبّ الدّنيا الّذي يضادّ حبّه تعالى هو الحبّ المشتغِل الإنسان عن حبّه تعالى، و الذكر الحكيم أعاد الاشارة إلى هذا المطلب السامي مرّةً بعد أخرى.

قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُلْهِكُمْ أَمْوٰالُكُمْ وَ لاٰ أَوْلاٰدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌).(1)

و قال تعالى: (رِجٰالٌ لاٰ تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لاٰ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌).(2)

و أمّا الحبّ المخالف لحبّ اللّٰه الّذي يمكن ان يُجمع بينه و بينه، فليس بمذمومٍ‌، بل لايعبد ان يُقال: انّ بقاء النسل و الحرث موقوفٌ عليه، كما قد جعله سبحانه فضلاً و رحمة و عناية منه بل نهى عن تحريم طيّبات الدّنيا معلّلاً بانّها خلقت للمؤمنين.

قال تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ‌).(3)


1) . المنافقون، 9.

2) . النّور، 37.

3) . البقرة، 198.

و قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللّٰهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ اَلطَّيِّبٰاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ‌).(1)

و نظير الآيتين في القرآن كثير و قد مرّ الكلام في ذلك مفصّلاً في البحث عن رذيلتي الشّرة و حبّ الدّنيا، فراجع.

ثمّ اعلم انّ محبّة اللّٰه تعالى عناية خاصّة منه لا يؤتيها إلّالمن كان أهلاً لها و تشبيهها بالدّرّ و تثمينها و تقويمها بما هو أغلى من الدّنيا و ما فيها تشبيه غير جدير لانّ الدّرّ ليس إلّاحجراً قلّ وجوده في المعادن و انّ الدّنيا و ما فيها عند أهل القلوب لا يقابلها، بل ليس إلّاكالنمّ و اليم فما هي حتّى تُقابل بها؟، فمن رسخت محبّة اللّٰه في قلبه لم ير إلّااللّٰه فليس للآخرة عنده قدرٌ فضلاً عن الدّنيا و ما فيها و يعجبنى في هذا المقام قول القائل:

نيست بر لوح دلم جز الف فامت دوست *** چه كنم حرف دگر ياد نداد استادم

و لكنّ النّاس إلّاالاوحدىّ منهم محرومون عن هذه العطيّة فضلاً عن درك قيمتها و السرّ في ذلك انّهم بدّلوا محبّة اللّٰه بمحبّة الدّنيا و باعوها بثمنٍ قليل و اعرضوا عنها و اشتروا بها معيشةً ضنكاً.

قال تعالى: (وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً).(2)

فحصل لهم بإعراضهم هذا هبوطٌ آخر و هو منزلة المحجوبين.

قال تعالى: (كَلاّٰ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ‌).(3)


1) . الاعراف، 32.

2) . طه، 124.

3) . المطففين، 15.

و من المعلوم انّه بعد ذلك الهبوط، هبطوا إلى مهوىً آخر و هو منزلة المطرودين فزيد في ظلالتهم الأولىٰ‌.

قال تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اَللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي اَلسَّمٰاءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اَللّٰهُ اَلرِّجْسَ عَلَى اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ‌).(1)

و بعد ذلك يتساقطون إلى ما هو اسفل منه و هو منزل المبغوضين و قد اشار القرآن الكريم إلى ذلك المنزل بقوله: (صِرٰاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ اَلضّٰالِّينَ‌).(2)

بل اشار بجملة (لاٰ يُحِبُّ اَللّٰهُ‌) إلى ذلك السّقوط؛

قال تعالى: (وَ اَللّٰهُ لاٰ يُحِبُّ اَلظّٰالِمِينَ‌).(3)

و قال تعالى: (إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ اَلْمُعْتَدِينَ‌).(4)

و من اراد الخلاص منه فليس له بدّ إلّاالعود إليه تعالى بالتّوبة الحقيقيّة و اليقظة الواقعيّة حتّى يخرج من تيه الظلمة و يصعد إليه خطوةً فخطوة و اوّل الخطوات هو التّقوى لانّ الهداية الخاصّة العنائيّة موقوفةٌ عليها.

قال تعالى: (ذٰلِكَ اَلْكِتٰابُ لاٰ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‌).(5)


1) . الانعام، 125.

2) . الحمد، 7.

3) . آل عمران، 140.

4) . البقرة، 190.

5) . البقرة، 2.

و المنزل الثانى هو منزل الموقنين.

قال تعالى: (وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولٰئِكَ عَلىٰ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ‌).(1)

و بعده منزل المحسنين الّذين وعد اللّٰه ان يستظلّوا بظلّ رحمته الخاصّة.

قال تعالى: (وَ اَلَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا وَ إِنَّ اَللّٰهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ‌).(2)

و بعد ذلك يتوّجه اللّٰه تعالى بتيجان البرّ، فيكون منهم.

قال تعالى: (وَ مٰا عِنْدَ اَللّٰهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرٰارِ).(3)

فاذاً يصل إلى الفوز الأكبر و هو مقام المحبّين المتذوّقين من ماء الحيوة و هم الفائزون بأعلى درجات الحبّ‌.

قال تعالى: (رَضِيَ اَللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذٰلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ‌).(4)

فهو اوّل منازل المحبّين، فتحرق تلك المحبّة الاغيار كلّها و تتهيّأ القلب لمصاحبة صاحبه و هو اللّٰه تعالى و قد روى انّه عرش الرّحمن و انّ اللّٰه تعالى مع تنزّهه عن المكان و لكنّه ينظر إليه نظر الرّحمة و التّلطّف، و ورد في القدسيّات: أَنَّ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ‌.(5)

و ورد ايضاً فيها انّه تعالى قال: لَمْ يَسَعْنِي سَمَائِي وَ لَا أَرْضِي وَ وَسِعَنِي قَلْبُ‌


1) . البقرة، 4-5.

2) . العنكبوت، 69.

3) . آل عمران، 198.

4) . المائدة، 119.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 55 ص 39.

عَبْدِي الْمُؤْمِنِ‌(1).

فاذاً يلتذّ بالعبادات البدنيّة و الماليّة و القلبيّة، بل لا شيء ألذّ له منها، فيسرّ بالايثار اليسير عليه.

قال تعالى: (وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعٰامَ عَلىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً * إِنَّمٰا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللّٰهِ‌).(2)

و قال تعالى: (تَتَجٰافىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ اَلْمَضٰاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ‌).(3)

و قال تعالى: (إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ إِذٰا ذُكِرَ اَللّٰهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذٰا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيٰاتُهُ زٰادَتْهُمْ إِيمٰاناً).(4)

فبذلك البراق يعرج إلى ما لا نهاية له فالاتيان بالعبادات البدنيّة و الماليّة و القلبيّة و لو كانت بالغةً حدّ النّهاية كعبادات أهل البيت عليهم السلام ليست عليه عسيراً، بل لا قدر لها عنده.

قال تعالى: (وَ اَلَّذِينَ يُؤْتُونَ مٰا آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ‌).(5)

و بعد ذلك يحصل لهم مقام الفناء فلايرون طاعاتهم، بل لا يرون في الوجود غيره تعالى و هو الانقطاع، نعم قد يحصل لهم الفناء بعد الفناء أو فناء الفناء و هو ان


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 55 ص 39.

2) . الإنسان، 8-9.

3) . السّجدة، 16.

4) . الانفال، 2.

5) . المؤمنون، 60.

لا يرى الانقطاع ايضاً و هو كمال الانقطاع الّذي عبرّ عنها في المناجات الشعبانيّة، بقوله عليه السلام: إِلَهِي هَبْ لِي كَمَالَ الِانْقِطَاعِ إِلَيْك وَ أَنِرْ أَبْصَارَ قُلُوبِنَا بِضِيَاءِ نَظَرِهَا إِلَيْك حَتَّى تَخْرِقَ أَبْصَارُ الْقُلُوبِ حُجَبَ النُّورِ فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ الْعَظَمَةِ وَ تَصِيرَ أَرْوَاحُنَا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِك إِلَهِي وَ اجْعَلْنِي مِمَّنْ نَادَيْتَهُ فَأَجَابَك وَ لَاحَظْتَهُ فَصَعِقَ لِجَلَالِك فَنَاجَيْتَهُ سِرّاً وَ عَمِلَ لَك جَهْرا.(1)

فلهم بعد الفناء السير من الحقّ في الحقّ فيغنمون كمالاً بعد كمال و ليس لسيرهم هذا نهايةٌ ابداً، بل بعد الموت سيّما بعد القيامة يكون سيرهم و استكمالهم احسن و اجود و اعلى و اظهر، فله صعق و محو و صحو في هذه الدّنيا كما انّ لهم كمالاً في الآخرة أشدّ و أعلى منها بل لا يكون الّا في استكمالٍ أبداً و من ظنّ انّ السّير ينقطع بالموت فلا نصيب له من الواقع.

قال تعالى: (إِنَّ أَصْحٰابَ اَلْجَنَّةِ اَلْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فٰاكِهُونَ * هُمْ وَ أَزْوٰاجُهُمْ فِي ظِلاٰلٍ عَلَى اَلْأَرٰائِكِ مُتَّكِؤُنَ * لَهُمْ فِيهٰا فٰاكِهَةٌ وَ لَهُمْ مٰا يَدَّعُونَ * سَلاٰمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ‌).(2)

فيأتى السؤال عن شغل أهل الجنة ما هي‌؟ و ما هذه الظّلال و الارائك‌؟ و ما تلك الفاكهة‌؟ و ما هو الّذي يدّعونه أهل الجنّة‌؟ و ما سلام الرّحمن لهم‌؟

و انحصار ذلك كلّه في المشتهيات النّفسانيّة لا يُعدّ كمالاً لهم، بل هو كمال قصورهم و نحن لا نفهم من الشغل في الآية الشّريفة إلّاسيرهم و فنائهم في اللّٰه تعالى و انقطاعهم إليه تعالى و فراغهم عمّا سواه تعالى، و لا نرى الظلال إلّاظلال رحمته


1) . راجع: مفاتيح الجنان، مناجات الشعبانيّة.

2) . يس، 55-58.

تعالى و لا نرى الارائك إلّااتّكائهم على اريكة عظمته تعالى.

و ان ابيت عن اختصاص الآية بهذا المعنى فلا اقلّ من القول بعمومها للمعنيين و عدم اختصاصها باشتغال أهل الجنّة بالأكل و الشّرب و الحور و القصور لانّ ذلك لا يلائم قول اللّٰه تعالى: (سَلاٰمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ‌) لانّ ذلك السلام من مناجاته الّتي أشير إليها في المناجات الشّعبانيّة: و اجعلنى ممّن ناديته فاجابك و لاحظته فصعق لجلالك فناجيته سرّاً.

و لا يمكن للمشتغل بنعم الجنّة ان يصعق فيناجيه اللّٰه تعالى بل ذلك يختصّ بمن لا يرى إلّااللّٰه تعالى، و ليس ذلك كلّه إلّاللفناء في الدّنيا و الآخرة.

قد طغى القلم فخرجنا عن طور البحث و وردنا فيما يختصّ باهله، رزقنا اللّٰه و ايّاكم حلاوة ذلك و جعلنا من اهله.

ثمّ‌، انّ للمحبّة فوائد لا تحصى و ليس شيء يضاهي هذه العطيّة الالهيّة في كثرة فوائدها.

منها تحصيل مقام الرّضا و التسليم الّذي هو من العطايا الخاصّة الالهيّة ايضاً فرضاه تابع لرضا المولى بل يندك رضاه في رضاه.

قال مولانا سيّد شهداء الأوّلين و الآخرين الحسين عليه السلام لمّا عزم على الخروج‌العراق: رِضَى اللَّهِ رِضَانَا أَهْلَ الْبَيْت.(1)

أ لاترى انّ القرآن الحكيم كيف يحكى فعل الخليل عليه السلام من اسكان طفله الوحيد و امّه بوادٍ غير ذرع اعتماداً فيه إلى الرّب الجليل، ليحيي تعالى به البيت و الصلاة، و لم


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 44 ص 366.

يكن له داعٍ إلّااللّٰه كما لم يكن له ولد إلّاهذا الرضيع‌؟

قال تعالى: (رَبَّنٰا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوٰادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ اَلْمُحَرَّمِ رَبَّنٰا لِيُقِيمُوا اَلصَّلاٰةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ اَلنّٰاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ اُرْزُقْهُمْ مِنَ اَلثَّمَرٰاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنٰا إِنَّكَ تَعْلَمُ مٰا نُخْفِي وَ مٰا نُعْلِنُ‌).(1)

ثمّ بعد نيله عليه السلام بما كان يتمنّاه من عمارة البيت، لمّا بلغ اسماعيل رشداً رضى بان يذبحه طاعةً لأمره سبحانه و تعالى.

قال تعالى: (فَلَمّٰا بَلَغَ مَعَهُ اَلسَّعْيَ قٰالَ يٰا بُنَيَّ إِنِّي أَرىٰ فِي اَلْمَنٰامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مٰا ذٰا تَرىٰ قٰالَ يٰا أَبَتِ اِفْعَلْ مٰا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شٰاءَ اَللّٰهُ مِنَ اَلصّٰابِرِينَ‌).(2)

و الامر من هذا الخليل مهمّ و لكنّ الاهمّ هو أمر الخليل العاشور الّذي أفدى مع علم و يقين ما له حتّى الرّضيع لدين المحبوب، قال: أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى الْحَقِ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَ إِلَى الْبَاطِلِ لَا يُتَنَاهَى عَنْهُ لِيَرْغَبِ الْمُؤْمِنُ فِي لِقَاءِ رَبِّهِ حَقًّا حَقًّا.(3)

و بالجملة، انّ المحبّ للّٰه‌تعالى تابع له، تسليم لامره، راض برضاه.

حُكى ان الملك العظيم الغزنوي محمود نظر إلى درٍّ يتلألؤ كأنّه الشمس، ثمّ أعطاه إلى بعض ذوي‌اختصاصه و أمره بكسره فأبى عن ذلك، فأعطاه إلى آخر مكرِّراً أمره، فأبى منه أيضاً، و هكذا إلى ان اتّصل النوبة بأياز، فانكسر الدرّ من غير ان يتأمّل فيه و لو لحظةً‌، فلامه أهل المجلس مؤسّفين على الدرّ الضائع، فأجاب عنهم


1) . ابراهيم، 37-38.

2) . الصّافات، 102.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 44 ص 381.

أياز: انّ الدر هو كلام السلطان الّذي ضيّعتموه، لا هذا الجوهر!، و للّٰه‌درّ من أنشد بالفارسيّة:

گوهر امر شه بود اى ناكسان *** جمله بشكستيد گوهر را عيان

و من فوائد الحبّ أنّ المحبّ لا يرى في الوجود مصيبةً و بلاءً‌، بل ما يوجد في دار الوجوه إمّا أن يكون من الطافه الجليّة و إمّا من الطافه الخفيّة ففسّر قوله صلى الله عليه و آله البلاء للولاء ثمّ الاولى فالاولى، هذا سرّ قول السيّدة زينب عليه السلام في مجلس ابن زياد حين خاطبها بما لا يليق بها: مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلا(1)، كما اشار جلال الدين إلى حال المحبّين بالفارسيّة:

عاشقم بر لطف و بر قهرش بجدّ *** اى عجب من عاشق اين هر دو ضدّ

و هو مع كونه من أهل هذه المعانى و لكن أخطأ في تسمية البلاء بالقهر ثم في ابداء العجب من الهيمان بهما، ثمّ في جعلها مضادّاً للّطف و بهذا يظهر الفرق بين الكلامين، و انّهما على قدر صاحبيهما، و قد قرب من كلام السيدة بنت أميرالمؤمنين عليه السلام ما قيل بالفارسيّة:

اى روى دل آرايت مجموعه زيبائى *** مجموعه ز غم دارد از من كه پريشانم

با وصل نمى‌پيچم و ز هجر نمى‌نالم *** حكم آنچه تو فرمائى من بندۀ فرمانم

در ذوق تو مدهوشم در وصف تو حيرانم *** دردام تو محبوسم، در دست تو مغلولم

و نظير هذه الاشعار كثير، كقول بعضهم:


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 45 ص 116-115.

به جهان خرّم از آنم كه جهان خرّم از اوست *** عاشقم بر همه عالم كه همه عالم از اوست

به ارادت بخورم زهر كه شاهد ساقى است *** به ارادت بچشم درد كه درمان هم از اوست

و لكن مع الوصف انّ تلك الكلمات لا تصل أيدي بلاغتها و فصاحتها إلى قولها عليها السلام: ما رأيت إلّاجميلاً.

و من فوائد تلك العطيّة، دفع الغمّ و الهمّ و الاضطراب و الخوف و انّ القلب الذّى ذاق حلاوتها تطمئنّ فلا غمّ فيه و لا خوف، لافي الدّنيا و لا في الاخرة.

قال تعالى: (أَلاٰ بِذِكْرِ اَللّٰهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ‌).(1)

و قال تعالى: (أَلاٰ إِنَّ أَوْلِيٰاءَ اَللّٰهِ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ‌).(2)

و قال تعالى: (يٰا عِبٰادِ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ وَ لاٰ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ‌).(3)

و يظهر من الآية الاولى حصر اطمئنان القلب في ذكره تعالى، و ذلك لتقدّم المتعلِّق على متعلَّقه.

و أنّ الحبّ يوجب رفع الهموم و الاضطرابات لانّ المحبّ إذا كان مع اللّٰه فهو يمشى في النّاس أو يرد المحشر مصاحباً نوره تعالى فليس بوحيد و لا في ظلمة حتّى يستوحش فيغلب عليه الهمّ و الاضطراب و الخوف على خلاف قلبٍ لم يحم حول


1) . الرّعد، 28.

2) . يونس، 62.

3) . الزّخرف، 68.

محبّته، فهو في ظلمةٍ‌، فيضطرب و يخاف و يغتمّ من كلّ شىءٍ صغير و كبير.

قال تعالى: (وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيٰاؤُهُمُ اَلطّٰاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ اَلنُّورِ إِلَى اَلظُّلُمٰاتِ‌).(1)

و من فوائد حبّ اللّٰه تعالى الاجتناب عن المعاصى كما اشرنا إليه في اوّل البحث لانّ المحبّ يرى اللّٰه تعالى بنور العقل أو بنور القلب أو بنور الفطرة فيرى انّه في حضرة الرّب فيجد انّ العالم بمحضرٍ من اللّٰه تعالى فبعد ذلك كيف يرتكب ما نهى اللّٰه عنه‌؟

و كلّما اشتدّت المحبّة استحكم ذلك حتّى يعصم من الأخطاء و قد اشتهر انّ العصمة من مراتب العلم و مرادهم منه انّها من مراتب حقّ اليقين و ان قيل: انّ العصمة هي الأعلى من مراتب المحبّة فهو عبارة أخرى عن القولة الشهيرة.

و بالجملة، انّ حبّ اللّٰه تعالى و ان كان في مرتبة ضعيفةٍ‌، يمنع عن المعصية، و قد نسب إلى مولانا الصّادق عليه السلام بيتان نختم الكلام بهما.

تَعْصِي الْإِلَهَ وَ أَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ - *** هَذَا مُحَالٌ فِي الْفِعَالِ بَدِيعُ -

لَوْ كَانَ حُبُّك صَادِقاً لَأَطَعْتَهُ - *** إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيع(2)

و هذا البحث طويل الذّيل و لهذه العطيّة فوائد شتّى وجهات شتية من البحث و يكفيك تصديقاً لذلك ملىء صحف العرفاء و صحائف الشعراء المتألّهين عن مصطلح الحبّ و ما يشتقّ منه.


1) . البقرة، 257.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 15.

و نحن نكتفى بهذا المقدار معتذرين عن أهل القلوب لو هام طائر الروح حول ساحتهم.

و اظنّ انّ احسن الحديث في هذا المجال هو ما صدر عن أهل البيت عليهم السلام سيّما ادعيتهم، فلو قلنا انّ مفاتيح الجنان كتاب الحبّ و دعاء كميل بن زياد و دعاء عرفة و المناجات الشّعبانيّة يكفي السائر إلى اللّٰه من كلّ كتاب إذ هي زبدة المعرفة الالهية و معارفها لا نُنسب إلى الجزاف في القول، فعليك ثمّ عليك بمداومة الأدعية المأثورة إن أردت تحصيل المعارف لانّها منهل لكلّ الظّمأن و مشرب لكلّ عطشان.

و نحن نذكر في ختام هذا الفصل بعض الرّوايات الواردة في الحبّ ليكون ختامه ما يتنافس فيه المتنافسون.

روايات في حبّ اللّٰه تعالى

•

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعْمَةٍ وَ أَحِبُّونِي لِحُبِّ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: كَانَ فِيمَا نَاجَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ بِهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ ع أَنْ قَالَ لَهُ يَا ابْنَ عِمْرَانَ كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِبُّنِي فَإِذَا جَنَّهُ اللَّيْلُ نَامَ عَنِّي أَ لَيْسَ كُلُّ مُحِبٍّ يُحِبُّ خَلْوَةَ حَبِيبِهِ هَا أَنَا ذَا يَا ابْنَ عِمْرَانَ مُطَّلِعٌ عَلَى أَحِبَّائِي إِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ حَوَّلْتُ أَبْصَارَهُمْ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَ مَثَّلْتُ عُقُوبَتِي بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ يُخَاطِبُونِّي عَنِ الْمُشَاهَدَةِ وَ يُكَلِّمُونِّي عَنِ الْحُضُورِ يَا ابْنَ عِمْرَانَ هَبْ لِي مِنْ قَلْبِك الْخُشُوعَ وَ مِنْ بَدَنِك الْخُضُوعَ وَ مِنْ عَيْنِك الدُّمُوعَ فِي ظُلَمِ اللَّيْلِ وَ ادْعُنِي فَإِنَّك تَجِدُنِي قَرِيباً مُجِيباً.(2)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: خَمْسَةٌ لَا يَنَامُونَ الْهَامُّ بِدَمٍ يَسْفِكُهُ وَ ذُو مَالٍ كَثِيرٍ لَا أَمِينَ لَهُ وَ الْقَائِلُ فِي النَّاسِ الزُّورَ وَ الْبُهْتَانَ عَنْ عَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا يَنَالُهُ وَ الْمَأْخُوذُ بِالْمَالِ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 14.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 14.

الْكَثِيرِ وَ لَا مَالَ لَهُ وَ الْمُحِبُّ حَبِيباً يَتَوَقَّعُ فِرَاقَهُ‌.(1)

• قال أبو عبداللّٰه عليه السلام: ما احبّ اللّٰه عزّوجلّ من عصاه ثمّ تمثّل فقال:

تَعْصِي الْإِلَهَ وَ أَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ - *** هَذَا مُحَالٌ فِي الْفِعَالِ بَدِيعُ -

لَوْ كَانَ حُبُّك صَادِقاً لَأَطَعْتَهُ - *** إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيع(2).

•

في الزّبور: يَا دَاوُدُ اسْمَعْ مِنِّي مَا أَقُولُ‌... مَنْ أَتَانِي وَ هُوَ يُحِبُّنِي أَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ الْخَبَرَ.(3)

•

عَنِ النَّبِيِّ ص عَنْ جَبْرَئِيلَ قَالَ‌: قَالَ اللَّهُ تَبَارَك وَ تَعَالَى... مَا يَتَقَرَّبُ إِلَيَ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَ لَا يَزَالُ عَبْدِي يَبْتَهِلُ إِلَيَّ حَتَّى أُحِبَّهُ وَ مَنْ أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعاً وَ بَصَراً وَ يَداً وَ مَوْئِلًا إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ وَ إِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُه....(4)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ أَحَبَ أَنْ يَعْلَمَ مَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ فَلْيَعْلَمْ مَا لِلَّهِ عِنْدَه.(5)

•

قَالَ الصَّادِقُ ع إِنَ النَّاسَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ فَطَبَقَةٌ يَعْبُدُونَهُ رَغْبَةً إِلَى ثَوَابِهِ فَتِلْك عِبَادَةُ الْحُرَصَاءِ وَ هُوَ الطَّمَعُ وَ آخَرُونَ يَعْبُدُونَهُ خَوْفاً مِنَ النَّارِ فَتِلْك عِبَادَةُ الْعَبِيدِ وَ هِيَ الرَّهْبَةُ وَ لَكِنِّي أَعْبُدُهُ حُبّاً لَهُ فَتِلْك عِبَادَةُ الْكِرَامِ وَ هُوَ الْأَمْنُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ فَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَ مَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ كَانَ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 15.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 15.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 16.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 16.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 18.

مِنَ الآْمِنِينَ‌.(1)

•

عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَوْحَى عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى نَجِيِّهِ مُوسَى أَحْبِبْنِي وَ حَبِّبْنِي إِلَى خَلْقِي قَالَ رَبِّ هَذَا أُحِبُّك فَكَيْفَ أُحَبِّبُك إِلَى خَلْقِك قَالَ اذْكُرْ لَهُمْ نَعْمَايَ عَلَيْهِمْ وَ بَلَائِي عِنْدَهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَذْكُرُونَ أَوْ لَا يَعْرِفُونَ مِنِّي إِلَّا كُلَّ الْخَيْرِ.(2)

•

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِدَاوُدَ ع أَحْبِبْنِي وَ حَبِّبْنِي إِلَى خَلْقِي قَالَ يَا رَبِ نَعَمْ أَنَا أُحِبُّك فَكَيْفَ أُحَبِّبُك إِلَى خَلْقِك قَالَ اذْكُرْ أَيَادِيَّ عِنْدَهُمْ فَإِنَّك إِذَا ذَكَرْتَ ذَلِك لَهُمْ أَحَبُّونِي.(3)

•

قَالَ الصَّادِقُ ع نَجْوَى الْعَارِفِينَ تَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةِ أُصُولٍ الْخَوْفِ وَ الرَّجَاءِ وَ الْحُبِّ فَالْخَوْفُ فَرْعُ الْعِلْمِ وَ الرَّجَاءُ فَرْعُ الْيَقِينِ وَ الْحُبُّ فَرْعُ الْمَعْرِفَةِ فَدَلِيلُ الْخَوْفِ الْهَرَبُ وَ دَلِيلُ الرَّجَاءِ الطَّلَبُ وَ دَلِيلُ الْحُبِّ إِيْثَارُ الْمَحْبُوبِ عَلَى مَا سِوَاهُ فَإِذَا تَحَقَّقَ الْعِلْمُ فِي الصَّدْرِ خَافَ فَإِذَا كَثُرَ الْمَرْءُ فِي الْمَعْرِفَةِ خَافَ وَ إِذَا صَحَّ الْخَوْفُ هَرَبَ وَ إِذَا هَرَبَ نَجَا وَ إِذَا أَشْرَقَ نُورُ الْيَقِينِ فِي الْقَلْبِ شَاهَدَ الْفَضْلَ وَ إِذَا تَمَكَّنَ مِنْ رُؤْيَةِ الْفَضْلِ رَجَا وَ إِذَا وَجَدَ حَلَاوَةَ الرَّجَاءِ طَلَبَ وَ إِذَا وُفِّقَ لِلطَّلَبِ وَجَدَ وَ إِذَا تَجَلَّى ضِيَاءُ الْمَعْرِفَةِ فِي الْفُؤَادِ هَاجَ رِيحُ الْمَحَبَّةِ وَ إِذَا هَاجَ رِيحُ الْمَحَبَّةِ اسْتَأْنَسَ ظِلَالَ الْمَحْبُوبِ وَ آثَرَ الْمَحْبُوبَ عَلَى مَا سِوَاهُ وَ بَاشَرَ أَوَامِرَهُ وَ اجْتَنَبَ نَوَاهِيَهُ وَ اخْتَارَهُمَا عَلَى كُلِّ شَيْ‌ءٍ غَيْرِهِمَا وَ إِذَا اسْتَقَامَ عَلَى بِسَاطِ الْأُنْسِ بِالْمَحْبُوبِ مَعَ أَدَاءِ أَوَامِرِهِ وَ اجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ وَصَلَ إِلَى رَوْحِ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 17.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 18.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 22.

الْمُنَاجَاةِ وَ الْقُرْبِ وَ مِثَالُ هَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ كَالْحَرَمِ وَ الْمَسْجِدِ وَ الْكَعْبَةِ فَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ أَمِنَ مِنَ الْخَلْقِ وَ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَمِنَتْ جَوَارِحُهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا فِي الْمَعْصِيَةِ وَ مَنْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ أَمِنَ قَلْبُهُ مِنْ أَنْ يَشْغَلَهُ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَانْظُرْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُ فَإِنْ كَانَتْ حَالَتُك حَالَةً تَرْضَاهَا لِحُلُولِ الْمَوْتِ فَاشْكُرِ اللَّهَ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَ عِصْمَتِهِ وَ إِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَانْتَقِلْ عَنْهَا بِصِحَّةِ الْعَزِيمَةِ وَ انْدَمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ عُمُرِك فِي الْغَفْلَةِ وَ اسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَى تَطْهِيرِ الظَّاهِرِ مِنَ الذُّنُوبِ وَ تَنْظِيفِ الْبَاطِنِ مِنَ الْعُيُوبِ وَ اقْطَعْ زِيَادَةَ الْغَفْلَةِ عَنْ نَفْسِك وَ أَطْفِ نَارَ الشَّهْوَةِ مِنْ نَفْسِك.(1)

• قَالَ الصَّادِقُ ع حُبُ اللَّهِ إِذَا أَضَاءَ عَلَى سِرِّ عَبْدٍ أَخْلَاهُ عَنْ كُلِّ شَاغِلٍ وَ كُلِّ ذِكْرٍ سِوَى اللَّهِ عِنْدَ ظُلْمَةٍ وَ الْمُحِبُّ أَخْلَصُ النَّاسِ سِرّاً لِلَّهِ وَ أَصْدَقُهُمْ قَوْلًا وَ أَوْفَاهُمْ عَهْداً وَ أَزْكَاهُمْ عَمَلًا وَ أَصْفَاهُمْ ذِكْراً وَ أَعْبَدُهُمْ نَفْساً تَتَبَاهَى الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ مُنَاجَاتِهِ وَ تَفْتَخِرُ بِرُؤْيَتِهِ وَ بِهِ يَعْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى بِلَادَهُ وَ بِكَرَامَتِهِ يُكْرِمُ عِبَادَهُ يُعْطِيهِمْ إِذَا سَأَلُوا بِحَقِّهِ وَ يَدْفَعُ عَنْهُمُ الْبَلَايَا بِرَحْمَتِهِ فَلَوْ عَلِمَ الْخَلْقُ مَا مَحَلُّهُ عِنْدَ اللَّهِ وَ مَنْزِلَتُهُ لَدَيْهِ مَا تَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ إِلَّا بِتُرَابِ قَدَمَيْهِ‌.

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع حُبُّ اللَّهِ نَارٌ لَا يَمُرُّ عَلَى شَيْ‌ءٍ إِلَّا احْتَرَقَ وَ نُورُ اللَّهِ لَا يَطْلُعُ عَلَى شَيْ‌ءٍ إِلَّا أَضَاءَ وَ سَحَابُ اللَّهِ مَا يَظْهَرُ مِنْ تَحْتِهِ شَيْ‌ءٌ إِلَّا غَطَّاهُ وَ رِيحُ اللَّهِ مَا تَهُبُّ فِي شَيْ‌ءٍ إِلَّا حَرَّكَتْهُ وَ مَاءُ اللَّهِ يَحْيَا بِهِ كُلُّ شَيْ‌ءٍ وَ أَرْضُ اللَّهِ يَنْبُتُ مِنْهَا كُلُّ شَيْ‌ءٍ فَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ أَعْطَاهُ كُلَّ شَيْ‌ءٍ مِنَ الْمَالِ وَ الْمُلْكِ‌.

قَالَ النَّبِيُّ ص إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْداً مِنْ أُمَّتِي قَذَفَ فِي قُلُوبِ أَصْفِيَائِهِ وَ أَرْوَاحِ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 22.

مَلَائِكَتِهِ وَ سُكَّانِ عَرْشِهِ مَحَبَّتَهُ لِيُحِبُّوهُ فَذَلِك الْمُحِبُّ حَقّاً طُوبَى لَهُ ثُمَّ طُوبَى لَهُ وَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ شَفَاعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‌.(1)

•

قَالَ الصَّادِقُ ع الْمُشْتَاقُ لَا يَشْتَهِي طَعَاماً وَ لَا يَلْتَذُّ بِشَرَابٍ وَ لَا يَسْتَطِيبُ رُقَاداً وَ لَا يَأْنَسُ حَمِيماً وَ لَا يَأْوِي دَاراً وَ لَا يَسْكُنُ عُمْرَاناً وَ لَا يَلْبَسُ لَيِّناً وَ لَا يَقِرُّ قَرَاراً وَ يَعْبُدُ اللَّهَ لَيْلًا وَ نَهَاراً رَاجِياً أَنْ يَصِيرَ إِلَى مَا اشْتَاقَ إِلَيْهِ وَ يُنَاجِيَهُ بِلِسَانِ شَوْقِهِ مُعَبِّراً عَمَّا فِي سَرِيرَتِهِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْ مُوسَى ع فِي مِيعَادِ رَبِّهِ بِقَوْلِهِ وَ عَجِلْتُ إِلَيْك رَبِّ لِتَرْضى وَ فَسَّرَ النَّبِيُّ ص عَنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا أَكَلَ وَ لَا شَرِبَ وَ لَا نَامَ وَ لَا اشْتَهَى شَيْئاً مِنْ ذَلِك فِي ذَهَابِهِ وَ مَجِيئِهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً شَوْقاً إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَإِذَا دَخَلْتَ مَيْدَانَ الشَّوْقِ فَكَبِّرْ عَلَى نَفْسِك وَ مُرَادِك مِنَ الدُّنْيَا وَ وَدِّعْ جَمِيعَ الْمَأْلُوفَاتِ وَ أَحْرِمْ عَنْ سِوَى مَعْشُوقِك قَدْ وَلَّتْ بَيْنَ حَيَاتِك وَ مَوْتِك لَبَّيْك اللَّهُمَّ لَبَّيْك أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك وَ مَثَلُ الْمُشْتَاقِ مَثَلُ الْغَرِيقِ لَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ إِلَّا خَلَاصُهُ وَ قَدْ نَسِيَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ دُونَهُ‌.(2)

•

قال الصادق عليه السلام: لَا يُمَحِّضُ رَجُلٌ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَ أَبِيهِ وَ أُمِّهِ وَ وُلْدِهِ وَ أَهْلِهِ وَ مَالِهِ وَ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ‌.(3)

•

قال علىّ أميرالمؤمنين عليه السلام: مَنْ أَحَبَ أَنْ يَعْلَمَ كَيْفَ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ خُيِّرَ لَهُ أَمْرَانِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَ أَمْرُ الآْخِرَةِ فَاخْتَارَ أَمْرَ الآْخِرَةِ عَلَى الدُّنْيَا فَذَلِك الَّذِي يُحِبُّ اللَّهَ وَ مَنِ اخْتَارَ أَمْرَ الدُّنْيَا فَذَلِك الَّذِي لَا مَنْزِلَةَ لِلَّهِ عِنْدَهُ‌.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 23.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 24.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 24.

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع الْقَلْبُ حَرَمُ اللَّهِ فَلَا تُسْكِنْ حَرَمَ اللَّهِ غَيْرَ اللَّهِ‌.(1)

• لِلشَّهِيدِ الثَّانِي رَفَعَ اللَّهُ مَقَامَهُ فِي أَخْبَارِ دَاوُدَ ع يَا دَاوُدُ أَبْلِغْ أَهْلَ أَرْضِي أَنِّي حَبِيبُ مَنْ أَحَبَّنِي وَ جَلِيسُ مَنْ جَالَسَنِي وَ مُونِسٌ لِمَنْ أَنِسَ بِذِكْرِي وَ صَاحِبٌ لِمَنْ صَاحَبَنِي وَ مُخْتَارٌ لِمَنِ اخْتَارَنِي وَ مُطِيعٌ لِمَنْ أَطَاعَنِي مَا أَحَبَّنِي أَحَدٌ أَعْلَمُ ذَلِك يَقِيناً مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا قَبِلْتُهُ لِنَفْسِي وَ أَحْبَبْتُهُ حُبّاً لَا يَتَقَدَّمُهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِي مَنْ طَلَبَنِي بِالْحَقِّ وَجَدَنِي وَ مَنْ طَلَبَ غَيْرِي لَمْ يَجِدْنِي فَارْفُضُوا يَا أَهْلَ الْأَرْضِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ غُرُورِهَا وَ هَلُمُّوا إِلَى كَرَامَتِي وَ مُصَاحَبَتِي وَ مُجَالَسَتِي وَ مُؤَانَسَتِي وَ آنِسُونِي أُؤَانِسْكُمْ وَ أُسَارِعْ إِلَى مَحَبَّتِكُمْ وَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى بَعْضِ الصِّدِّيقِينَ أَنَّ لِي عِبَاداً مِنْ عَبِيدِي يُحِبُّونِّي وَ أُحِبُّهُمْ وَ يَشْتَاقُونَ إِلَيَّ وَ أَشْتَاقُ إِلَيْهِمْ وَ يَذْكُرُونِّي وَ أَذْكُرُهُمْ فَإِنْ أَخَذْتَ طَرِيقَهُمْ أَحْبَبْتُك وَ إِنْ عَدَلْتَ عَنْهُمْ مَقَتُّك قَالَ يَا رَبِّ وَ مَا عَلَامَتُهُمْ قَالَ يُرَاعُونَ الظِّلَالَ بِالنَّهَارِ كَمَا يُرَاعِي الشَّفِيقُ غَنَمَهُ وَ يَحِنُّونَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ كَمَا تَحِنُّ الطَّيْرُ إِلَى أَوْكَارِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ فَإِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ وَ اخْتَلَطَ الظَّلَامُ وَ فُرِشَتِ الْفُرُشُ وَ نُصِبَتِ الْأَسِرَّةُ وَ خَلَا كُلُّ حَبِيبٍ بِحَبِيبِهِ نَصَبُوا إِلَيَّ أَقْدَامَهُمْ وَ افْتَرَشُوا إِلَيَّ وُجُوهَهُمْ وَ نَاجَوْنِي بِكَلَامِي وَ تَمَلَّقُونِي بِأَنْعَامِي مَا بَيْنَ صَارِخٍ وَ بَاك وَ بَيْنَ مُتَأَوِّهٍ وَ شَاك وَ بَيْنَ قَائِمٍ وَ قَاعِدٍ وَ بَيْنَ رَاكِعٍ وَ سَاجِدٍ بِعَيْنِي مَا يَتَحَمَّلُونَ مِنْ أَجْلِي وَ بِسَمْعِي مَا يَشْكُونَ مِنْ حُبِّي أَوَّلُ مَا أُعْطِيهِمْ ثَلَاثاً الْأَوَّلُ أَقْذِفُ مِنْ نُورِي فِي قُلُوبِهِمْ فَيُخْبِرُونَ عَنِّي كَمَا أُخْبِرُ عَنْهُمْ وَ الثَّانِي لَوْ كَانَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرَضُونَ وَ مَا فِيهِمَا مِنْ مَوَارِيثِهِمْ لَاسْتَقْلَلْتُهَا لَهُمْ وَ الثَّالِثُ أُقْبِلُ بِوَجْهِي

1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 25.

عَلَيْهِمْ أَ فَتَرَى مَنْ أَقْبَلْتُ عَلَيْهِ بِوَجْهِي يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَهُ‌.(1)

• رُوِيَ أَنَّ مُوسَى ع قَالَ‌: يَا رَبِ أَخْبِرْنِي عَنْ آيَةِ رِضَاك عَنْ عَبْدِك فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ إِذَا رَأَيْتَنِي أُهَيِّئُ عَبْدِي لِطَاعَتِي وَ أَصْرِفُهُ عَنْ مَعْصِيَتِي فَذَلِك آيَةُ رِضَايَ‌.(2)

1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 26.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 26.

الفصل الثَّلاثون

اشارة

الفضيلة الثلاثون: الوفاء

الرّذيلة الواحدة و الثّلاثون: الكفران

الفضيلة الثّانية والثّلاثون: الحمد

الفضيلة الواحدة و الثّلاثون: الوفاء

اشارة

و هي ملكة يذكّر صاحبها بما انعم اللّٰه تعالى عليه أو غيره من ذوي الأيدي و الحقوق و أن لا ينساه ابداً، و لها مصاديق و قبل الورود في صلب البحث نشير إلى انّ تكرار هذا المبحث هيهنا بعد الفراغ عنه في المجلّد الثاني لعلوّه، و لفوائد جمّة نأتي بها الآن. و أمّا المصاديق:

الف: ان يتذكَّر النّعم السّابقة و يحمد صاحبها عليها، و ان كانت من غير اللّٰه تعالى فيجزيه بالقدر الميسور حتّى بعد موت المنعم عليه، له و لاعقابه و لمن يتعلّق به و هذا المصداق هو المشهور من مصاديقه و يضادّه الجفاء و هو نسيان النّعم فلا يحمده عليها و لا يجزيه به حتّى حين حياته. و هذا الجفاء كثيراً ما يترائى في النّاس سيّما فيمن حصل رئاسةً أو مالاً أو علماً أو غيرها من أقسام المرجّحات.

قال اللّٰه تعالى: (إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَيَطْغىٰ * أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنىٰ‌).(1)

و الشّاهد عليه سيرة عموم النّاس إلّاالاوحدى منهم حتّى بالنّسبة إلى اقربائهم و ذويهم كالابوين و حتّى الزّوج و الزّوجة، فقد نقل لى بعض الثقات: انّ كبيراً من العلماء قال لشريك بحثه: انّى ارى في وجهك سمات المرجعيّة فاكتب لى انّك إذا نلتَ بها و أردتَ أن أزورك، لا يمنعنى بوّابك عنك. فقال له ايّها الفلان اكتب الوثيقة حتّى أختمها لك ولكن استيفن بعدم جواز اللقاء، و لو اتّفقت لكانت ملاقاة المرئوس و الرئيس، لا شريك البحث و الشريك. و من الغريب أن وافق تدبيرَهما تقدُيره تعالى، فوقع بينهما ما تكلّما فيه!، رحمة اللّٰه عليهما.

كما يُرى في بعض الأسرات من تقلّب أحوال الزوجين حتّى ينسيا ما كان لأحدهما من النعم على الآخر فيأمّل الزوج موت الزوجة، أو على العكس من ذلك.

كما يرتكبونه في حق اللّٰه تعالى.

قال تعالى: (وَ مٰا قَدَرُوا اَللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ‌).(2)

و قال تعالى: (قُتِلَ اَلْإِنْسٰانُ مٰا أَكْفَرَهُ‌).(3)

ب: ان يذكّر بالنّعم فلا ينساها و يحمد صاحبها عليها و يشكره لها، و ان كانت من غير اللّٰه تعالى يجزيه بالقدر الميسور مثلها أو احسن منها و هو المسمّى بالشكر و سيأتى البحث عنه فباعتبار التحميد هو الشكر و باعتبار التّقدير هو الوفاء فهذا


1) . العلق، 6-7.

2) . الانعام، 91؛ الزّمر، 67.

3) . عبس، 17.

المصداق من مصاديق الوفاء يجمع بين فضيلتين كبيرتين، و ضدّه هو الكفران ان لم يحمده و لا يجزيه عليه، و الغدر ان اساء إليه ايضاً، و رذيلة الكفران كما يكون ضدّ الوفاء يضادّ الشكر و سيأتى انشاء اللّٰه تفصيل ذلك.

و الوفاء بهذا المعنى ايضاً قليل و ان لم يكن كالأوّل لانّ الإنسان كفور بل كفور ظلّام غدر.

قال تعالى: (فَأَبىٰ أَكْثَرُ اَلنّٰاسِ إِلاّٰ كُفُوراً).(1)

و قال تعالى: (وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ لاٰ تُحْصُوهٰا إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَظَلُومٌ كَفّٰارٌ).(2)

و كثيراًما نرى انّ عموم النّاس يستفيدون من النّعم و لا يحمدون صاحبها عليها فضلاً من ان يجزونه بها بل يسيئون إلى المنعم و هم عند أهل القلوب ادون مرتبةً من الكلب.

و للّٰه‌درّ من قال:

آنكس كه نمك خورد و نمكدان بشكست *** نزد رندان حقيقت سگ به از اوست

ج: ان يذكّر نفسه بالنعم فيفى بالعهود و لا ينسيها و يعمل بمقتضاها و ضدّ هذا المصداق هو نقض العهد و البيعة.

قال تعالى: (وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ اَلْعَهْدَ كٰانَ مَسْؤُلاً).(3)


1) . الاسراء، 89.

2) . ابراهيم، 34.

3) . الاسراء، 34.

و انّ هذا المصداق ايضاً قليل الوجود سيّما من النّاس معه تعالى.

قال تعالى: (أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰا بَنِي آدَمَ أَنْ لاٰ تَعْبُدُوا اَلشَّيْطٰانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ‌).(1)

و النّاس عموماً إلّاالمتّصفين بالفضائل ينقضون عهودهم، اَ لا ترى انّ النّاس بعد وفاة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله كيف نقضوا عهد اللّٰه و بيعة رسوله مع تلك النّعم الّتي أنعم اللّٰه و رسوله عليهم‌؟!

و لقد اجادت الزّهراء عليها السلام في خطبتها: ايّها النّاس..... لقد جائكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم..... و كنتم على شفا حفرة من النّار فانقذكم منها مذقّة الشارب و نهزة الطّامع و قبسة العجلان و موطئ الاقدام تشربون الطّرق و تقتانون القد اذلّة خاشعين تخافون ان يتخطّفكم النّاس من حولكم فانقذكم اللّٰه بنبيّه صلى الله عليه و آله... فلمّا اختار اللّٰه لنبيّه صلى الله عليه و آله دار انبيائه و اتمّ عليه ما وعده ظهرت حسيكة النّفاق و سمل جلباب الإسلام.... اَ لا في الفتنة سقطوا و انّ جهنّم لمحيطة بالكافرين....(2)

و هذه الفضيلة العظمى بمصاديقها و مراتبها سرٌّ من اسرار اللّٰه و عطيّة من أعطياته الّتي لاينالها إلّاالاوحدى من خواصّه إذ هي تلازم فضائل شتّى و لا تنفك عنها فهى تلازم الحبّ و الرّأفة و الرّحمة و الرّضا و التّسليم و الحبّ في اللّٰه و البغض في اللّٰه و الصّبر للّٰه‌و الاخلاص و التّواضع و نحو ذلك و تمنع عن كثير من الرّذائل


1) . يس، 60

2) . راجع: كشف الغمّة، ج 2 ص 111.

كغلظ القلب و السّخط و الجزع و الكبر و نحو ذلك.

و لكن عند أهل القلوب و الذّوق و الأخلاق هذه الفضيلة نفسها اشرف و اعلى من تلك الفضائل كلّها و يرون انّ السيرة الانسانيّة مرهونة لهذه الفضيلة، فمن لا وفاء له، لا صلة له بها و هو بالسّبعيّة اشبه من الانسانيّة.

و انّها كلمة نورانيّة و كأنّ النّور و اللّطافة محيط بها حتّى أنّ سماعها يثير في القلب بهجةً فضلاً عن العمل على مقتضاها. و أنا احبّ الهدهد و الكلب اذ سمعت انّ هذه الفضيلة قد تمكّنت في نفسهما.

قال الجاحظ: انّ الهدهد وفّاء حفوظ ودود و ذلك انّه إذا غابت انثاه لم يأكل و لم يشرب و لم يشتغل بطلب طعم و لا غيره و لا يقطع الصّياح حتّى تعود اليه، فان حدث حادث اعدمه ايّاها لم يسفد بعدها أنثى ابداً و لم يزل صائحاً عليها ما عاش و لم يشبع ابداً من طعم بل يناله منه ما يمسك رمقه إلى ان يشرف بالموت فعند ذلك ينال منه يسيراً.(1)

و قيل في تفسير قوله تعالى: (مٰا لِيَ لاٰ أَرَى اَلْهُدْهُدَ أَمْ كٰانَ مِنَ اَلْغٰائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذٰاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطٰانٍ مُبِينٍ‌) المراد من شديد عذابه انّه اراد ان يفرّق بينه و بين انثاه.

و أمّا الكلب فوفائه مشهورٌ فصار من الامثلة عند العرب و العجم في المنثور من المتون و المنظوم منها. وللّٰه درّ من أنشد:

سگى را لقمه‌اى هرگز فراموش *** نگردد گر زنى صد نوبتش سنگ


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 61 ص 288.

و گر عمرى نوازى سفله‌اى را *** به كمتر چيزى آيد با تو در جنگ

و فيه ورد حكايات قديماً و حديثاً، بالغتين العربية و الفارسية، منظوماً و منثوراً، و من تلك الحكايات ما أورده الدميري في حيات الحيوان:

انّ ملكاً له كلب فخرج يوماً إلى التفرّج فحضر الطبّاخ الطّعام فرأى الكلب انّ حيّة شربت من ذلك الطّعام، فجاء الملك و أمر بالطّعام فوضع بين يديه فاراد الملك ان يشربه فمنعه الكلب، فاذا رأى الكلب انّ الملك لا يردع من منعه فهو ولع من ذلك الطّعام فلم يمض مدّة إلّامات ففهم الملك انّه فدى نفسه للملك.(1)

و من تلك الحكايات، انّه كان لبعض رؤساء العرب ندماء و كان شديد الحبّ لهم فخرج من منزله يوماً و معه ندماؤه فتخلّف واحد منهم عنه، ثمّ خلّى بزوجته فأكلا و شربا ثمّ اضطجعا فوثب الكلب عليهما و قتلهما فلمّا رجع و عرف الامر أنشأ:

فيا عجباً للخلّ يهتك حرمتى *** و يا عجباً لكلب كيف يصون(2)

هذا تحرير الحكايتين ملخّصاً.

و نظير هذه القضايا كثيرٌ، لأنّ المتخلّق بهذه الفضيلة يكون عبرةً لاولى الابصار و اسوة لأهل الوفاء.

حُكى ان رجلاً أدبرت عنه الدنيا بعد أن كان في سعةٍ‌، و كانت تحته امرأة حسناء جميلة و كانت صابرةً وفيّةً و كان آنذاك مروان بن الحكم والياً من قبل معاوية على الكوفة، فسمع بما جرى على المرأ و بحسن زوجته، فأشخص الرجل إلى


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 62 ص 58.

2) - بحار الانوار، ج 62، ص 58، نقلاً عن الدّميرى.

السجن طمعاً فيها، ثمّ تصرّفها و أطلق زوجها، فشكى الرجل منه عند معاوية، فطلبهما و صار مفتوناً بها، فاحتال حيلةً في تصرّفها، فخيّرها في الزواج به أو بمروان أو ببعلها، فصرفت نظرها عن حشمة الملك و جلال الوالى و اختارت بعلها قائلةً‌:

شعرةٌ من بعلى المعدم خيرٌ عندى منكما و ممّا في أيديكما، فبهتا عن وفائها ثمّ أعادها معاوية إلى بيتها غفر اللّٰه لها و لزوجها، ما كانت وفيّةً‌!، و هي تليق أن تكون اسوةً حسنةً للنساء لا سيّما للجميلات منهنّ‌.

و حُكى أن إحدى بنات السلطان فتحعلى القاجارى أرادت أن تهاجر فتسكن المشاهد المشرّفة بالعراق فارسلت إلى بعض السادة و هو الامام العلامة السيد ابراهيم القزوينى طالبةً منه أن يزوّج بها، فردّها مستدلّاً بأنّه ليس كفواً لها، فأصرّت عليه و ضمّنت له قيامها بأمور بيته من غير أن تطلب منه شيئاً، فكلّما زادت في اصرارها زاد السيد في انكاره قائلاً انّ زوجتى رافقتنى في العسر و اليسر حين تحصيلى للعلوم و كانت تساعدنى سفراً و حضراً مع ما كان بى من الفقر و العدم و الفاقة، فلستُ أوجرها بضرّةٍ لا تهنىء لها الحياة معها أبداً، إذ ليس هذا من الوفاء في شىءٍ‌. فرضى اللّٰه تعالى عنه و أرضاه، حيث كان خير أسوةٍ للرجال في وفائهم بعهودهم.

و قد مضت هاتان الحكايتان في بعض المباحث، و التّكرار لا يخلو من لطف.

و الانصاف انّ الحكايتين تصلحان أن تكونا اسوة لمن كان يرجو الفضائل سيّما الفضائل الراجعة إلى تدبير المنزل من أجزاء الحكمة العمليّة و عليهذا يكون الزواج مصداقًا لقوله تعالى: (وَ مِنْ آيٰاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوٰاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهٰا وَ

جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً‌).(1)

و اعلم انّ لهذه الفضيلة العظمى مراتب ضعفاً و شدّة، فاوّل مراتبها هي متابعة المنعم عليه و عدم خلافها و استرضاءه و خدمته بالميسور و هذه المرتبة الّتي هي اضعف المراتب عزيزة في النّاس جدّاً كما اشار سبحانه و تعالى إلى قلّته في جملةٍ من الآيات:

قال تعالى: (وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبٰادِيَ اَلشَّكُورُ).(2)

و قال تعالى: (وَ مٰا قَدَرُوا اَللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ‌).(3)

و قال تعالى: (وَ مٰا وَجَدْنٰا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَ إِنْ وَجَدْنٰا أَكْثَرَهُمْ لَفٰاسِقِينَ‌).(4)

و المرتبة الثانية، هي الاجتناب عمّا يكرهه المولى بل كفّ النّفس عن محتمل الكراهة له و الاهتمام بما يرضيه و الفرار عن سخطه.

هذا ما أمر اللّٰه تعالى عباده به، لا سيّما الخواصّ منهم، و هذا سرّ ملامة سيّدنا آدم عليه السلام في الذكر الحكيم.

قال تعالى: (وَ لَقَدْ عَهِدْنٰا إِلىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً).(5)

و المرتبة الشّديدة منها، هي استفداء نفسه لمولاه و الفخر به، كما يُحكى في ذلك عن سيّد شهداء الأوّلين و الآخرين أبي عبداللّٰه الحسين و أخته السّتّة السّيدة عليه السلام ما


1) . الرّوم، 21.

2) . سبأ، 13.

3) . الانعام، 91؛ الزّمر، 67.

4) . الاعراف، 102.

5) . طه، 115.

تبهر منه العقول.

قال سيّد الأحرار الحسين عليه السلام: أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى الْحَقِ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَ إِلَى الْبَاطِلِ لَا يُتَنَاهَى عَنْهُ لِيَرْغَبِ الْمُؤْمِنُ فِي لِقَاءِ رَبِّهِ حَقًّا حَقًّا(1).

و قال عليه السلام ايضاً: مَنْ كَانَ فِينَا بَاذِلًا مُهْجَتَهُ مُوَطِّناً عَلَى لِقَاءِ اللَّهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنَا فَإِنِّي رَاحِلٌ مُصْبِحاً إِنْ شَاءَ اللَّه.(2)

و قالت زينب عليها السلام (حين سألها ابن زياد لا يغفر اللّٰه له شماتةً عليها: كيف رأيت صنع اللّٰه باخيك و أهل بيتك‌؟): مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا(3)و

و إلى هذه المرتبة اشار القرآن الكريم في آيات كثيرة منها: قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكٰافِرِينَ يُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ لاٰ يَخٰافُونَ لَوْمَةَ لاٰئِمٍ‌).(4)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 44، ص 381.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 44 ص 367.

3) راجع: بحار الأنوار، ج 45 ص 116-115.

4) . المائدة، 54.

روايات في الوفاء

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنَانِ فَمُؤْمِنٌ صَدَقَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ وَفَى بِشَرْطِهِ وَ ذَلِك قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَذَلِك الَّذِي لَا تُصِيبُهُ أَهْوَالُ الدُّنْيَا وَ لَا أَهْوَالُ الآْخِرَةِ وَ ذَلِك مِمَّنْ يَشْفَعُ وَ لَا يُشْفَعُ لَهُ وَ مُؤْمِنٌ كَخَامَةِ الزَّرْعِ تَعْوَجُّ أَحْيَاناً وَ تَقُومُ أَحْيَاناً فَذَلِك مِمَّنْ تُصِيبُهُ أَهْوَالُ الدُّنْيَا وَ أَهْوَالُ الآْخِرَةِ وَ ذَلِك مِمَّنْ يُشْفَعُ لَهُ وَ لَا يَشْفَعُ‌.(1)

•

خَضِرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنَانِ مُؤْمِنٌ وَفَى لِلَّهِ بِشُرُوطِهِ الَّتِي شَرَطَهَا عَلَيْهِ فَذَلِك مَعَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِك رَفِيقاً وَ ذَلِك مَنْ يَشْفَعُ وَ لَا يُشْفَعُ لَهُ وَ ذَلِك مِمَّنْ لَا تُصِيبُهُ أَهْوَالُ الدُّنْيَا وَ لَا أَهْوَالُ الآْخِرَةِ وَ مُؤْمِنٌ زَلَّتْ بِهِ قَدَمٌ فَذَلِك كَخَامَةِ الزَّرْعِ كَيْفَمَا كَفَأَتْهُ الرِّيحُ انْكَفَأَ وَ ذَلِك مِمَّنْ تُصِيبُهُ أَهْوَالُ الدُّنْيَا وَ الآْخِرَةِ وَ يُشْفَعُ لَهُ وَ هُوَ عَلَى خَيْرٍ.(2)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع إِنَ لِأَهْلِ الدِّينِ عَلَامَاتٍ يُعْرَفُونَ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 248.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 248.

بِهَا صِدْقَ الْحَدِيثِ وَ أَدَاءَ الْأَمَانَةِ وَ وَفَاءً بِالْعَهْدِ وَ صِلَةَ الْأَرْحَام....(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِنَّكُمْ لَا تَكُونُونَ صَالِحِينَ حَتَّى تَعْرِفُوا - وَ لَا تَعْرِفُوا حَتَّى تُصَدِّقُوا وَ لَا تُصَدِّقُوا حَتَّى تُسَلِّمُوا أَبْوَاباً أَرْبَعَةً لَا يَصْلُحُ أَوَّلُهَا إِلَّا بِ‌آخِرِهَا ضَلَّ أَصْحَابُ الثَّلَاثَةِ وَ تَاهُوا تَيْهاً بَعِيداً إِنَّ اللَّهَ تَبَارَك وَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ إِلَّا الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الْوَفَاءَ بِالشُّرُوطِ وَ الْعُهُودِ فَمَنْ وَفَى لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِشَرْطِهِ وَ اسْتَعْمَلَ مَا وَصَفَ فِي عَهْدِهِ نَالَ مَا عِنْدَهُ وَ اسْتَكْمَلَ مَا وَعَدَهُ - إِنَّ اللَّهَ تَبَارَك وَ تَعَالَى أَخْبَرَ الْعِبَادَ بِطُرُقِ الْهُدَى وَ شَرَعَ لَهُمْ فِيهَا الْمَنَارَ وَ أَخْبَرَهُمْ كَيْفَ يَسْلُكُونَ فَقَالَ وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى وَ قَالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ فَمَنِ اتَّقَى اللَّهَ فِيمَا أَمَرَهُ لَقِيَ اللَّهَ مُؤْمِناً بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ص هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ فَاتَ قَوْمٌ وَ مَاتُوا قَبْلَ أَنْ يَهْتَدُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ آمَنُوا وَ أَشْرَكُوا مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُون...(2)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام: ثَلَاثَةٌ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِيهَا أَدَاءُ الْأَمَانَةِ إِلَى الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ وَ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ إِلَى الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ وَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بَرَّيْنِ كَانَا أَوْ فَاجِرَيْنِ‌.(3)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 239.

2) . راجع: الكافي، ج 1 ص 181.

3) . راجع: الكافي، ج 5 ص 132.

الرّذيلة الواحدة و الثّلاثون: الكفران

اشارة

و هي ملكة نسيان النعم، بحيث لا يتذكّر الكافر بالنعمة إيّاها و لا صاحبها، كانت من اللّٰه تعالى أو غيره من ذوي الأيدي و النّعم.

قال الرّاغب في المفردات: و كفر النعم و كفرانها سترها بترك اداء شكرها.

و هي رذيلة موبقة توجب خسران الدارين.

قال اللّٰه تعالى: (وَ إِذْ قٰالَ إِبْرٰاهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هٰذٰا بَلَداً آمِناً وَ اُرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ اَلثَّمَرٰاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ قٰالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلىٰ عَذٰابِ اَلنّٰارِ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ)(1).

و قال تعالى: (وَ ضَرَبَ اَللّٰهُ مَثَلاً قَرْيَةً كٰانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهٰا رِزْقُهٰا رَغَداً مِنْ‌


1) . البقرة، 126.

كُلِّ مَكٰانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللّٰهِ فَأَذٰاقَهَا اَللّٰهُ لِبٰاسَ اَلْجُوعِ وَ اَلْخَوْفِ بِمٰا كٰانُوا يَصْنَعُونَ‌).(1)

و قال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ).(2)

و قال تعالى: (قٰالَ هٰذٰا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمٰا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ‌).(3)

و قال تعالى: (وَ لاٰ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذٰابِهٰا كَذٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ).(4)

و قال تعالى: (وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ اَلْإِنْسٰانَ كَفُورٌ).(5)

و قد كثرت تلك الآيات و الروايات الآمرة بهذه الفضيلة و لكن من المؤسّف عليه جدّاً انّ الإنسان بطبعه كفور إلّاان يعصمه اللّٰه تعالى.

قال تعالى: (قُتِلَ اَلْإِنْسٰانُ مٰا أَكْفَرَهُ‌).(6)

و قال تعالى: (فَأَبىٰ أَكْثَرُ اَلنّٰاسِ إِلاّٰ كُفُوراً).(7)

و قال تعالى: (إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَكَفُورٌ).(8)


1) . النّحل، 112.

2) . ابراهيم، 7.

3) . الّنمل، 40

4) . فاطر، 36.

5) . الشّورى، 48.

6) . عبس، 17.

7) . الاسراء، 89.

8) . الحجّ‌، 66.

و قال تعالى: (إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ‌).(1)

و قال تعالى: (إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَظَلُومٌ كَفّٰارٌ).(2)

اعلم أنّ الكفر كضدّيه - الوفاء و الشّكر - ينقسم إلى اقسام:

الف: ستر النّعم بترك شكرها و هذا هو الّذي ذكره الرّاغب في المفردات تفسيراً له، و هو ضدّ الشّكر لانّ الشّكر - كما يأتى تفصيله - هو اظهار النّعم باداء شكرها بمراتبه القلبى و القولى و العملى و كما قد دلّ غير واحد من الآيات و الروايات انّه يوجب زوال النعم و تبديلها بالنغم، حتّى أشدّها عذاباً و هو الجحيم.

ب: نسيان النّعم المسمّى بالجفاء و هو وبال على الإنسان في هذه الدنيا و عذابٌ عليه في الآخرة و لا خلاق للمتّصف به عن الانسانية عند أهل القلوب، بل هو أضلّ من الأنعام عندهم وللّٰه درّهم في تسميتهم هذا القسم بالجفاء لانّ الجفاء (بالفتح و الضمّ‌) هو الباطل الّذي لا بقاء و لا عرق له كالغثاء و الزّبد فكما انّ الزّبد في الماء هو خبثه، و هكذا في الحديد و الذّهب و الفضّة و نحوها، فلا نفع له و لا قدر و لا بقاء فهكذا الإنسان الّذي اتّصف بهذه الرّذيلة.

قال تعالى: (وَ لاٰ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اَللّٰهَ فَأَنْسٰاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْفٰاسِقُونَ‌).(3)


1) . الزّخرف، 15.

2) . ابراهيم، 34.

3) . الحشر، 19.

و قال تعالى: (نَسُوا اَللّٰهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ اَلْمُنٰافِقِينَ هُمُ اَلْفٰاسِقُونَ‌).(1)

و قال تعالى: (وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ أَعْمىٰ * قٰالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمىٰ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قٰالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيٰاتُنٰا فَنَسِيتَهٰا وَ كَذٰلِكَ اَلْيَوْمَ تُنْسىٰ‌).(2)

و قال تعالى: (لِلَّذِينَ اِسْتَجٰابُوا لِرَبِّهِمُ اَلْحُسْنىٰ وَ اَلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مٰا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ أُولٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ اَلْحِسٰابِ وَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمِهٰادُ).(3)

و تلك الآيات الدّالّة على انّ الجفاء و نسيان النّعم يجعل الإنسان كالغثاء و انّ اللّٰه تعالى ينسيه و يكله على نفسه كثيرةٌ‌، و معلومٌ انّه يسقط من مرتبته آناً فآناً، بل هو في هبوط دائم حتّى انّه لو افتدى به ما في الأرض و مثله لا يقدر على الجبران.

نعوذ باللّٰه منه!.

و لهذا الجفاء مراتب، المرتبة الاولى منه شدّة تختصّ بعامّة النّاس و ان شئت قلت انّها المرتبة المتداولة الدارجة و هي مخالفة اللّٰه تعالى في اوامره و نواهيه و نسيان نعمه و آلائه و أنّه بحضرته فيعصيه في حضرته تعالى و يعرض عن اوامره في مرءاه و منظره تعالى.

و الآيات المذكورة هيهنا ناظرة إلى هذه المرتبة.


1) . التّوبة، 67.

2) . طه، 124-126.

3) . الرّعد، 18.

و المرتبة الوسطى منه هو ترك آداب حضرة اللّٰه تعالى و عدم رعاية الأدب معه تعالى و ان شئت قلت انّ هذه المرتبة تختصّ بالخواصّ من عباده.

قَالَ النَّبِيُّ ص يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ أَحْدَثَ وَ لَمْ يَتَوَضَّأْ فَقَدْ جَفَانِي وَ مَنْ أَحْدَثَ وَ تَوَضَّأَ وَ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ فَقَدْ جَفَانِي وَ مَنْ أَحْدَثَ وَ تَوَضَّأَ وَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَ دَعَانِي وَ لَمْ أُجِبْهُ فِيمَا سَأَلَنِي مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَ دُنْيَاهُ فَقَدْ جَفَوْتُهُ وَ لَسْتُ بِرَبٍّ جَاف.(1)

و روى انّ آدم عليه السلام لم يكن يرفع رأسه إلى السّماء حياءً من اللّٰه لما فعله من ذنبه.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع وَضْعُ الرَّجُلِ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى فِي الصَّلَاةِ عَمَلٌ وَ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ عَمَلٌ‌.(2)

و قال السيد الاستاذ البروجردى رحمهم الله حكى لي بعض مؤدّبي الأطفال أنّه كان لي تلميذاً و كان ممتازاً بين أقرانه أدباً و درايةً‌، حتّى طغى عليه طفوليّته في بعض الوقائع فشكى إلىَّ امّه من سيرته فيها، فلُمتُه على ما فعل ثمّ أمرت أن يرفع يديه لأضربهما تأديباً، فخجل منى و استحيا حتّى سلبتْ عنه القدرة فلم يقدر على رفع يديه، فحينئذٍ نُبّهت على معنى قول علىّ بن الحسين عليه السلام حيث قال: انّ التّكتّف عمل و ليس في الصّلوة عمل.

و عن أبي عبداللّٰه عليه السلام: إذا كنت في صلوتك فعليك بالخشوع و الإقبال على صلوتك، فان الله تعالى يقول: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ‌.(3)


1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 1 ص 268.

2) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 4 ص 1264.

3) راجع: وسائل الشِّيعة، ج 4، ص 684، باب 2 من أبواب افعال الصّلوة،.

و عن أبان بن تغلب قال: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِنِّي رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ ع - إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ غَشِيَ لَوْنَهُ لَوْنٌ آخَرُ فَقَالَ لِي وَ اللَّهِ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ كَانَ يَعْرِفُ الَّذِي يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ‌.(1)

و نظير الرّوايتين في ذلك الباب كثير.

و المرتبة الأخيرة الضّعيفة منه تختصّ باهل البيت عليهم السلام، هي التوجّه إلى غير اللّٰه تعالى آناً مّا و قد مّر الكلام في ذلك في باب التّوبة و قلنا هناك انّ توجّهم إلى غير اللّٰه تعالى يعدّ لهم ذنباً عظيماً و تضرّعاتهم إليه و خشيتهم منهم و توبتهم إليه و بكائهم كلّ ذلك لم يكن إلّالذلك.

نعم، خشيتهم من عظمة اللّٰه تعالى يوجب لهم ذلك، كما يوجب أن يصعقوا في عباداتهم، كما حكى اللّٰه تعالى عن حال موسى عليه السلام.

قال تعالى: (وَ خَرَّ مُوسىٰ صَعِقاً).(2)

و تلك الحالة تشبه الغشيان الطارىء على النّاس عند حدوث بعض الأحوال و لم تكن لأهل القلوب سيّما لأهل البيت عليهم السلام الغشوة و لكن لهم الصعق الّذي يطرىء عليهم عند غلبات الشّوق أو الخشية و لا تنال ايدى الاغيار اليها، فطوبى لهم و حسن مآب.

ج: المعادات لصاحب النّعم و الطّغيان عليه و نقض عهده و قطع الصّلة به، و هذه المرتبة من الرّذائل العظمى و الذكر الحكيم لعن المتّصف به و ذكره شرّاً من


1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 4 ص 685.

2) . الاعراف، 143.

الدّوابّ و مفسداً في الأرض و جعله من الخاسرين و قاسية القلوب و عند أهل القلوب ليس حقيقته إلّاكالمرئة الّتي نقضت غزلها كما شُبّه بها في بعض الآيات.

قال تعالى: (اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اَللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مٰا أَمَرَ اَللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْخٰاسِرُونَ‌).(1)

و قال تعالى: (فَبِمٰا نَقْضِهِمْ مِيثٰاقَهُمْ لَعَنّٰاهُمْ وَ جَعَلْنٰا قُلُوبَهُمْ قٰاسِيَةً‌).(2)

و قال تعالى: (إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاٰ يُؤْمِنُونَ * اَلَّذِينَ عٰاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ‌).(3)

و قال تعالى: (وَ اَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اَللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مٰا أَمَرَ اَللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي اَلْأَرْضِ أُولٰئِكَ لَهُمُ اَللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ اَلدّٰارِ).(4)

و قال تعالى: (وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اَللّٰهِ إِذٰا عٰاهَدْتُمْ وَ لاٰ تَنْقُضُوا اَلْأَيْمٰانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهٰا وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اَللّٰهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اَللّٰهَ يَعْلَمُ مٰا تَفْعَلُونَ * وَ لاٰ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهٰا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكٰاثاً).(5)


1) . البقرة، 27.

2) . المائدة، 13.

3) . الانفال، 55، 56.

4) . الرّعد، 25.

5) . النّحل، 91-92.

روايات في كفران النّعمة

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ ع قَالَ‌: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْعَمَ عَلَى قَوْمٍ بِالْمَوَاهِبِ فَلَمْ يَشْكُرُوا فَصَارَتْ عَلَيْهِمْ وَبَالًا وَ ابْتَلَى قَوْماً بِالْمَصَائِبِ فَصَبَرُوا فَصَارَتْ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً‌.(1)

•

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع مَنْ لَمْ يُنْكِرِ الْجَفْوَةَ لَمْ يَشْكُرِ النِّعْمَةَ‌.(2)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام: مَنْ لَمْ تُغْضِبْهُ الْجَفْوَةُ لَمْ يَشْكُرِ النِّعْمَة.(3)

•

عَنِ الرِّضَا ع قَالَ‌: مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْمُنْعِمَ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ‌.(4)

•

في حديث عن أبي جعفر الثانى عن آبائه عليهم السلام قال: وَ دَعَا سَلْمَانُ أَبَا ذَرٍّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى ضِيَافَةٍ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ مِنْ جِرَابِهِ كِسَراً يَابِسَةً وَ بَلَّهَا مِنْ رَكْوَتِهِ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ مَا أَطْيَبَ هَذَا الْخُبْزَ لَوْ كَانَ مَعَهُ مِلْحٌ فَقَامَ سَلْمَانُ وَ خَرَجَ فَرَهَنَ رَكْوَتَهُ بِمِلْحٍ وَ حَمَلَهُ إِلَيْهِ فَجَعَلَ أَبُو ذَرٍّ يَأْكُلُ ذَلِك الْخُبْزَ وَ يَذُرُّ عَلَيْهِ ذَلِك الْمِلْحَ وَ يَقُولُ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 41.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 42.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 42.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 44.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنَا هَذِهِ الْقَنَاعَةَ فَقَالَ سَلْمَانُ لَوْ كَانَتْ قَنَاعَةٌ لَمْ تَكُنْ رَكْوَتِي مَرْهُونَةً‌.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: طُوبَى لِمَنْ لَمْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً طُوبَى لِلْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ‌.(2)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَ لِلَّهِ عَلَيْهِ حُجَّةٌ إِمَّا فِي ذَنْبٍ اقْتَرَفَهُ وَ إِمَّا فِي نِعْمَةٍ قَصَّرَ عَنْ شُكْرِهَا.(3)

•

عَنِ الصَّادِقِ عَنْ آبَائِهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص ضَغْطَةُ الْقَبْرِ لِلْمُؤْمِنِ كَفَّارَةٌ لِمَا كَانَ مِنْهُ مِنْ تَضْيِيعِ النِّعَمِ‌.(4)

•

قال أبو عبداللّٰه عليه السلام: كُفْرٌ بِالنِّعَمِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ أَكَلْتُ كَذَا وَ كَذَا فَضَرَّنِي.(5)

•

قَالَ الْجَوَادُ ع نِعْمَةٌ لَا تُشْكَرُ كَسَيِّئَةٍ لَا تُغْفَرُ.(6)

•

قال على أميرالمؤمنين عليه السلام في الغرر:

الْجَزَاءُ عَلَى الْإِحْسَانِ بِالْإِسَاءَةِ كُفْرَانٌ‌.

إِنَ كُفْرَ النِّعْمَةِ لُؤْمٌ وَ مُصَاحَبَةَ الْجَاهِلِ شُؤْم

آفَةُ النِّعَمِ الْكُفْرَانُ‌.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 45.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 46.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 46.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 50.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 50.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 53.

شَرُّ النَّاسِ مَنْ لَا يَشْكُرُ النِّعْمَةَ وَ لَا يَرْعَى الْحُرْمَةَ‌.

كَافِرُ النِّعْمَةِ كَافِرُ فَضْلِ اللَّهِ‌.

كُفْرُ النِّعَمِ مَجْلَبَةٌ لِحُلُولِ النِّقَم.

كَافِرُ النِّعْمَةِ مَذْمُومٌ عِنْدَ الْخَالِقِ وَ الْخَلَائِقِ‌.

لَيْسَ مِنَ التَّوْفِيقِ كُفْرَانُ النِّعَمِ‌.

مَنِ اسْتَعَانَ بِالنِّعْمَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَهُوَ الْكَفُورُ.

مَنْ كَفَرَ حُسْنَ الصَّنِيعَةِ اسْتَوْجَبَ قُبْحَ الْقَطِيعَةِ‌.

مَنْ أَنْعَمَ عَلَى الْكَفُورِ طَالَ غَيْظُهُ‌.

مَنْ كَفَرَ النِّعَمَ حَلَّتْ بِهِ النِّقَم

لَا تَضَعْ نِعْمَةً مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَك وَ لْيُرَ عَلَيْك أَثَرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ‌.

لَا نِعْمَةَ مَعَ كُفْرٍ.

النِّعَمُ يَسْلُبُهَا الْكُفْرَانُ‌.

رُبَ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً‌.

سَبَبُ زَوَالِ النِّعَمِ الْكُفْرَانُ‌.

سَبَبُ تَحَوُّلِ النِّعَمِ الْكُفْرُ.

فِي كُفْرِ النِّعَمِ زَوَالُهَا.

كُفْرُ النِّعْمَةِ مُزِيلُهَا وَ شُكْرُهَا مُسْتَدِيمُهَا.

كُفْرَانُ النِّعَمِ يُزِلُ الْقَدَمَ وَ يَسْلُبُ النِّعَمَ‌.

كُفْرَانُ الْإِحْسَانِ يُوجِبُ الْحِرْمَانَ‌.

مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النِّعْمَةَ عُوقِبَ بِزَوَالِهَا.

مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَظَلَمَ فِيهَا إِلَّا كَانَ حَقِيقاً [أَنْ‌] يُزِيلَهَا عَنْه.

لَا تُعِنْ عَلَى مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْك فَمَنْ أَعَانَ عَلَى مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ سُلِبَ الْإِمْكَان(1).


1) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 322-323.

الفضيلة الثّانية و الثّلاثون: الشّكر و الحمد

اشارة

و هي ملكة تقتضي تذكّر النّعم و الشكّر عليها و طلب الجزاء لمن أنعم على الشاكر و إلى هذا المعنى اشار اللّٰه تعالى بقوله: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اُشْكُرُوا لِي وَ لاٰ تَكْفُرُونِ‌).(1)

و هي من الفضائل المؤكّد عليها في التنزيل العزيز، و فى آيات كثيرة ورد قوله تعالى (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‌) تنويهاً إلى أنّ الشّكر من العلل الغائية لنعم اللّٰه تعالى على عباده و هذا يُظهر أنّ الشكر على النعم محبوبٌ له تعالى و في آيات كثيرة أشار بل صرّح على انّ الشكر موجب لخير الدّنيا و الآخرة و يوجب ازدياد النعم، نأتى هيهنا بثلّةٍ منها تبرّكاً بها:


1) . البقرة، 152.

قال تعالى: (وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمٰا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ‌).(1)

و قال تعالى: (مٰا يَفْعَلُ اَللّٰهُ بِعَذٰابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ‌).(2)

و قال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‌).(3)

و قال تعالى: (وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ‌).(4)

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ وَ اُشْكُرُوا لِلّٰهِ‌).(5)

و قال تعالى: (بَلِ اَللّٰهَ فَاعْبُدْ وَ كُنْ مِنَ اَلشّٰاكِرِينَ‌).(6)

و قال تعالى: (اِعْمَلُوا آلَ دٰاوُدَ شُكْراً).(7)

لكن أسفًا على انّ العباد كلّهم كافرون إلّاالاوحدى منهم و قد أشار اللّٰه تعالى في كثيرٍ من آي الذكر الحكيم إلى ذلك، مؤسّفاً عليه محذِّراً العباد عنه، منها:

قال تعالى: (وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ اَلنّٰاسِ لاٰ يَشْكُرُونَ‌).(8)

و قال تعالى: (إِنَّ اَللّٰهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى اَلنّٰاسِ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاٰ يَشْكُرُونَ‌).(9)


1) . النمل، 40.

2) . النّساء، 147.

3) . ابراهيم، 7.

4) . الزّمر، 7.

5) . البقرة، 172.

6) . الزّمر، 66.

7) . سباء، 13.

8) . البقرة، 243.

9) . يونس، 60

و قال تعالى: (وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبٰادِيَ اَلشَّكُورُ).(1)

و قال تعالى: (وَ لاٰ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شٰاكِرِينَ‌).(2)

ثمّ اعلم انّ الشكر كسائر الفضائل مقولٌ بالتشكيك.

فالمرتبة الضّعيفة منها هو الشكر على ما انعم اللّٰه عليه من النعم الظاهرة و الباطنة.

قال تعالى: (وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً‌).(3)

و لا يمكن لأحدٍ أن يشكرها حقّ شكرها، لأنّ احصاءها ليس في قدرة أحدٍ.

قال تعالى: (وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ لاٰ تُحْصُوهٰا).(4)

فهل يمكن لشاكرٍ شكر نعمة الاعضاء الموهوبة له كالعين و السّمع و نعمة الجوانح كالفؤاد و العقل و النّعم الظاهرة كالصحّة و الأمن و النّعم الباطنة كالاسلام و الولاية و الهداية بمراتبها كلّا ليس لأحدٍ أن يقوم بشكرها و لو بجزءٍ منها.

قال تعالى: (وَ جَعَلَ لَكُمُ اَلسَّمْعَ وَ اَلْأَبْصٰارَ وَ اَلْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‌).(5)

و قال تعالى حكاية عن ابراهيم: (اَلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَ اَلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ * وَ إِذٰا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَ اَلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَ اَلَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي


1) . سباء، 13.

2) . الاعراف، 17.

3) . لقمان، 20.

4) . ابراهيم، 34.

5) . النّحل، 78.

خَطِيئَتِي يَوْمَ اَلدِّينِ‌).(1)

و قال تعالى: (وَ رَزَقَكُمْ مِنَ اَلطَّيِّبٰاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‌).(2)

و للّٰه‌درّ الشّيخ الأجل حيث أفاض بالدرّر الفارسيّة فقال:

«هر نفسى كه فرو مى‌رود ممدّ حيات است و چون برمى‌آيد مفرّح ذات پس در هر نفسى دو نعمت موجود است و بر هر نعمتى شكرى واجب.

از دست و زبان كه برآيد *** كز عهدۀ شكرش به در آيد

قال اللّٰه تعالى: (اِعْمَلُوا آلَ دٰاوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبٰادِيَ اَلشَّكُورُ).(3)

و من الواضح أنّ أهمّ النّعم كلّها هو نعمة الولاية و الاهتداء بالقرآن الحكيم.

قال اللّٰه تعالى: (اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً).(4)

و قال تعالى: (قَدْ جٰاءَكُمْ مِنَ اَللّٰهِ نُورٌ وَ كِتٰابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اَللّٰهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوٰانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاٰمِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ‌).(5)

و لكنّ الويل للمسلمين حيث استقرّت سيرتهم على هجر الثقلين و التباعد عنهما، فنالوا بهذا لعن الرسول صلى الله عليه و آله، و لا مصيبة في الدارين اعظم منه.


1) . الشّعراء، 78-82.

2) . الانفال، 26.

3) . سبأ، 13.

4) . المائدة، 3.

5) . المائدة، 15-16.

قال تعالى: (وَ قٰالَ اَلرَّسُولُ يٰا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هٰذَا اَلْقُرْآنَ مَهْجُوراً).(1)

و قال تعالى: (وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَلرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَ لَوْ لاٰ فَضْلُ اَللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ اَلشَّيْطٰانَ إِلاّٰ قَلِيلاً).(2)

و ممّا استقرّت سيرتهم عليه، التّعامل مع الذكر المبارك عضةً عضة، فيأخذون منه ما هو الموافق لأميالهم، و يتركون من أوامرها و نواهيها المخالف لها.

قال تعالى: (قٰالَ اَلَّذِينَ لاٰ يَرْجُونَ لِقٰاءَنَا اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هٰذٰا أَوْ بَدِّلْهُ‌).(3)

و قال تعالى: (كَمٰا أَنْزَلْنٰا عَلَى اَلْمُقْتَسِمِينَ * اَلَّذِينَ جَعَلُوا اَلْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌).(4)

فهم الّذين تركوا و هجروا قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ‌).(5)

و قوله تعالى: (اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً).(6)

و ما يشبههما، ثمّ اخذوا بمثل الصلوة و الصوم و الزكوة و الحجّ و الجهاد، و لكن في اخذهم بمثل هذا ايضاً تأمّل لقوله تعالى: (وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ‌) و قوله


1) . الفرقان، 30.

2) . النّساء، 83.

3) . يونس، 15.

4) . الحجر، 90-93.

5) . المائدة، 67.

6) . المائدة، 3.

تعالى: (وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً).

و هذه السيرة هي الحاكمة اليوم عليهم و على مجاري أفعالهم و أعمالهم، بلا استحياء منهم فيها.

و اخبر النبىّ و الائمّة عليهم السلام بذلك في جملةٍ من روايات الملاحم.

و بالجملة، انّ الشاكر المداوم عليه في غاية القلّة، و ما نلنا المصائب و المشاكل و ما أصبنا بها إلّالذلك.

قال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ).(1)

و قال تعالى: (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللّٰهِ فَأَذٰاقَهَا اَللّٰهُ لِبٰاسَ اَلْجُوعِ وَ اَلْخَوْفِ بِمٰا كٰانُوا يَصْنَعُونَ‌).(2)

و أمّا المرتبة الوسطى من الشكر، هو الشكر على البلايا و النّقم و هي صعب مستصعب لايمكن ان يتحمّلها إلّاالخواصّ من اوليائه تعالىٰ‌، لانّ درك أنّ البلايا و النّقم ليست إلّامن الالطاف الخفيّة مشكل جدّاً، و على فرض إدراكه الشكر عليها أصعب و الاوحدىّ من النّاس يمكن ان يدركوا هذا، فيفهمون ما أشار إليه القائل بالفارسيّة:

اگر با ديگرانش بود ميلى *** چرا ظرف مرا بشكست ليلى

و هل هو شعر أو شعور محلّ تأمّل.

توضيح ذلك، انّ عامّة النّاس لا يجاوز ايمانهم من كلماتٍ تصدر عن ألسنتهم،


1) . ابراهيم، 7.

2) . النّحل، 112.

فهم خارجون عن هذه الدائرة،.

قال تعالى: (وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَعْبُدُ اَللّٰهَ عَلىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصٰابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصٰابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةَ ذٰلِكَ هُوَ اَلْخُسْرٰانُ اَلْمُبِينُ‌).(1)

و أمّا الخواصّ من النّاس الّذين استسلموا لربّ العالمين عقلاً و ايماناً بعد أن رسخ الايمان في قلوبهم فيعلمون انّ البلايا و النقم ممّا كسبت ايدى النّاس و انّ اللّٰه تعالى ابتلى عباده بها لان يرجعوا و يتضرّعوا إليه.

قال تعالى: (وَ مٰا أَصٰابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ).(2)

و قال تعالى: (ظَهَرَ اَلْفَسٰادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ بِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنّٰاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ اَلَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‌).(3)

و قال تعالى: (وَ مٰا أَرْسَلْنٰا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّٰ أَخَذْنٰا أَهْلَهٰا بِالْبَأْسٰاءِ وَ اَلضَّرّٰاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ‌).(4)

فبعد ذلك يعلمون انّ البلايا و النّقم من الالطاف الخفيّة فيجب شكرها.

و قد وردت في الرّوايات انّه إذا اصابتكم المصيبة فقولوا: الحمد للّٰه‌على كلّ حال، و إذا انعم اللّٰه عليكم بنعمة فقولوا: الحمد للّٰه‌على كلّ نعمة.

و لكن الوصول إلى هذا المقام لهؤلاء الخواصّ غير مفيد بحسب العمل، و للّٰه‌درّه


1) . الحجّ‌، 11.

2) . الشورى، 30.

3) . الروم، 41.

4) . الاعراف، 94.

من قال:

پاى استدلاليان چوبين بود *** پاى چوبين سخت بى تمكين بود

و بهذا المقدار من الايمان العقلى لايمكن الوصول إلى هذه المرتبة من الشكر بل الوصول إليها يحتاج إلى الايمان القلبى و ذلك يختصّ باخصّ الخواصّ و هم الّذين دخل الايمان في قلوبهم فلهم ايمانٌ لايشوبه شىءٌ كما لهم العلم بان البلايا و النّقم من الالطاف الخفيّة وانّها اشرف و اعلى من النّعم الظّاهرة لاستكمال السائرين و لرفع الكدورات عن قلوبهم، كما يُخلّص الذهب و الفضة بالنار.

و حصول هذه الحالة يحتاج إلى رياضات دينيّة و تحصيل رضى اللّٰه تعالى و رضى الوسائط في فيضه و عنايته الخاصّة حتّى يصل إلى اليقين بمراتبه و بعبارة أخرى حتّى يتجاوز من مرتبة العلم إلى مرتبة الايمان.

و المرتبة الشّديدة منها هو الشكر لكون المشكور له اهلاً لذلك و حينئدٍ لا نظر للشاكر إلى نعمائه الظّاهرة و الباطنة و لا إلى الطافه الجليّة و الخفيّة بل إلى نفس المنعم عليه، و هذا الشكر يسمّى بالحمد، لانّ الفرق بين الشكر و الحمد عند أهل اللّغة هو انّ الشكر للمنعم و الحمد للكامل، فمن شكر اللّٰه تعالى لنعمه على عباده فقد شكره و من شكر اللّٰه تعالى لكونه ذا كمال فقد حمده.

و هذه المرتبة من الشكر من افضل العبادات و هي من اعلى مراتب العبوديّة و ليس شيء عند أهل اللّٰه افضل و اعلى من الحمد و الدليل على ذلك ابتداء اللّٰه تعالى ذكره الحكيم بعد البسملة بالتحميد بقوله: (اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ اَلْعٰالَمِينَ‌).(1)


1) . الفاتحة، 2.

و اوّل كلام أهل الجنّة فيها هو حمده تعالى.

قال تعالى: (وَ آخِرُ دَعْوٰاهُمْ أَنِ اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ اَلْعٰالَمِينَ‌).(1)

ثمّ انّ الشكر إلى ينقسم إلى أقسام:

الف: الشكر بحسب الاعتقاد، و هذالمن يعرف أنّ الوفاء بالعبوديّة يقتضى شكر المنعم عليه، و من لم يشكره فقد كفر بنعمه؛ هذا هو الشكر العقلى؛ ثم من عرج من هذا المدرج فاستيقن بذلك، فهو الشاكر بالشكر القلبى و الوصول إلى الأوّل سهل يسير و لكن الوصول إلى الثّانى يحتاج إلى عباداتٍ حتّى يصل إليه.

ب: الشكر اللّسانى، و هو ان يقول معتقداً أنّ اللّٰه قد أنعم عليه بالنعم الظاهرة و الباطنة: الحمد للّٰه‌ربّ العالمين.

و بعبارة أخرى، هو اظهار ما في الضمير باللسان و هذا القسم هو المتيقّن من المأمور به في لسانى الوحي و الحديث.

و هذا هو الّذي يترتّب عليه المثوبة في القرآن و الرّوايات و لااقلّ من كونه من مصاديقه البارزة، و ما اشتهر بين أهل القلوب من الاوراد و الاذكار و التّحميد و التّقديس هو نفس هذا القسم، و كذلك المراد من الختومات المجرّبة لقضاء الحوائج و رفع البلايا.

ج: الشكر العملى و هو صرف العبد ما انعم اللّٰه عليه فيما يرضاه.

و هذا القسم هو الشكر الحقيقي، و الوصول إليه في كمال الصّعوبة سيّما إلى بعض مراتبه.


1) . يونس، 10.

فعلى سبيل المثال انّ اللّٰه تعالى خلق القلب محلاًّ لانواره، فمن ملاء قلبه منها و لم يُدخل فيه غيرها فقد شكره تعالى، و أمّا من سلّط على قلبه هواه أو رذيلة من الرّذائل فقد كفر بأنعمه، و من صرف عمره في غير رضى اللّٰه فقد كفر به في نعمة عظيمة لانّ العمر من اشرف النّعم، و الشكور هو الّذي يصرفه فيما خلق لاجله و هو تحصيل المراتب العالية حتّى الوصول إلى اللّقاء، و من صرف اعضائه في تحصيل الكمالات فقد شكره تعالى، و من صرف ماله في رضى اللّٰه تعالى فقد شكره، فالكافر هو الّذي يعصى اللّٰه تعالى بماله أو بعضو من اعضائه.

فطوبى لمن كان شكره مركّباً من الاعتقاد العقلى و القلبى و من اللّسان و العمل فيقرّ بأنعمه و يعمل بمقتضاها و يعقتد بها و لا يمكن الوصول إلى مثوبة الشكر و آثاره إلّابهذا التّركيب.

نعم، قوله «الحمد للّٰه‌أو شكراً للّٰه» له المثوبة كما مرّ الكلام فيه سيّما إذا تابع القلب اللّسان حين الذّكر، و أمّا الوصول إلى مقام الشّاكرين فيحتاج إلى تلك التركيب، رزقنا اللّٰه و ايّاكم ذلك انشاء اللّٰه تعالى.

روايات في الشّكر

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَجْرِ الصَّائِمِ الْمُحْتَسِبِ وَ الْمُعَافَى الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَجْرِ الْمُبْتَلَى الصَّابِرِ وَ الْمُعْطَى الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَجْرِ الْمَحْرُومِ الْقَانِعِ‌.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ اشْكُرْ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْك وَ أَنْعِمْ عَلَى مَنْ شَكَرَك فَإِنَّهُ لَا زَوَالَ لِلنَّعْمَاءِ إِذَا شُكِرَتْ وَ لَا بَقَاءَ لَهَا إِذَا كُفِرَتْ الشُّكْرُ زِيَادَةٌ فِي النِّعَمِ وَ أَمَانٌ مِنَ الْغِيَرِ.(2)

•

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّك فَحَدِّثْ قَالَ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْك بِمَا فَضَّلَك وَ أَعْطَاك وَ أَحْسَنَ إِلَيْك ثُمَّ قَالَ فَحَدَّثَ بِدِينِهِ وَ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ وَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ‌.(3)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص عِنْدَ عَائِشَةَ لَيْلَتَهَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 94.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 94.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 94.

اللَّهِ لِمَ تُتْعِبُ نَفْسَك وَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَ مَا تَأَخَّرَ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ أَ لَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً قَالَ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَقُومُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى - طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْك الْقُرْآنَ لِتَشْقى.(1)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: ثَلَاثٌ لَا يَضُرُّ مَعَهُنَ شَيْ‌ءٌ الدُّعَاءُ عِنْدَ الْكَرْبِ وَ الِاسْتِغْفَارُ عِنْدَ الذَّنْبِ وَ الشُّكْرُ عِنْدَ النِّعْمَةِ‌.(2)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ مِنْ نِعْمَةٍ فَعَرَفَهَا بِقَلْبِهِ وَ حَمِدَ اللَّهَ ظَاهِراً بِلِسَانِهِ فَتَمَّ كَلَامُهُ حَتَّى يُؤْمَرَ لَهُ بِالْمَزِيدِ.(3)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: شُكْرُ النِّعْمَةِ اجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ وَ تَمَامُ الشُّكْرِ قَوْلُ الرَّجُلِ - الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‌(4)

•

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: شُكْرُ كُلِ نِعْمَةٍ وَ إِنْ عَظُمَتْ أَنْ تَحْمَدَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهَا.(5)

•

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع إِنَ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ مِنَ الْمَاءِ فَيُوجِبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا الْجَنَّةَ ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ لَيَأْخُذُ الْإِنَاءَ فَيَضَعُهُ عَلَى فِيهِ فَيُسَمِّي‌ثُمَّ يَشْرَبُ فَيُنَحِّيهِ وَ هُوَ يَشْتَهِيهِ فَيَحْمَدُ اللَّهَ ثُمَّ يَعُودُ فَيَشْرَبُ ثُمَّ يُنَحِّيهِ فَيَحْمَدُ اللَّهَ ثُمَّ يَعُودُ فَيَشْرَبُ ثُمَّ يُنَحِّيهِ فَيَحْمَدُ اللَّهَ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 95.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 95.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 95.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 95.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 95.

فَيُوجِبُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهَا لَهُ الْجَنَّةَ‌.(1)

•

عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ‌: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ أَنْ يَرْزُقَنِي مَالًا فَرَزَقَنِي وَ إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي وَلَداً فَرَزَقَنِي وَلَداً وَ سَأَلْتُهُ أَنْ يَرْزُقَنِي دَاراً فَرَزَقَنِي وَ قَدْ خِفْتُ أَنْ يَكُونَ ذَلِك اسْتِدْرَاجاً فَقَالَ أَمَا وَ اللَّهِ مَعَ الْحَمْدِ فَلَا.(2)

•

خَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع مِنَ الْمَسْجِدِ وَ قَدْ ضَاعَتْ دَابَّتُهُ فَقَالَ لَئِنْ رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيَّ لَأَشْكُرَنَّ اللَّهَ حَقَّ شُكْرِهِ قَالَ فَمَا لَبِثَ أَنْ أُتِيَ بِهَا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ جُعِلْتُ فِدَاك أَ لَيْسَ قُلْتَ لَأَشْكُرَنَّ اللَّهَ حَقَّ شُكْرِهِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع أَ لَمْ تَسْمَعْنِي قُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ‌.(3)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَمْرٌ يَسُرُّهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ وَ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَمْرٌ يَغْتَمُّ بِهِ قَالَ - الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ‌.(4)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: تَقُولُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى الْمُبْتَلَى مِنْ غَيْرِ أَنْ تُسْمِعَهُ - الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاك بِهِ وَ لَوْ شَاءَ فَعَلَ قَالَ مَنْ قَالَ ذَلِك لَمْ يُصِبْهُ ذَلِك الْبَلَاءُ أَبَداً.(5)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ فِي سَفَرٍ يَسِيرُ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ إِذَا


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 96.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 97.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 97.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 97.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 97.

نَزَلَ فَسَجَدَ خَمْسَ سَجَدَاتٍ فَلَمَّا أَنْ رَكِبَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا رَأَيْنَاك صَنَعْتَ شَيْئاً لَمْ تَصْنَعْهُ فَقَالَ نَعَمْ اسْتَقْبَلَنِي - جَبْرَئِيلُ ع فَبَشَّرَنِي بِبِشَارَاتٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَسَجَدْتُ لِلَّهِ شُكْراً لِكُلِّ بُشْرَى سَجْدَةً‌.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِذَا ذَكَرَ أَحَدُكُمْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ فَلْيَضَعْ خَدَّهُ عَلَى التُّرَابِ شُكْراً لِلَّهِ فَإِنْ كَانَ رَاكِباً فَلْيَنْزِلْ فَلْيَضَعْ خَدَّهُ عَلَى التُّرَابِ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلَى النُّزُولِ لِلشُّهْرَةِ فَلْيَضَعْ خَدَّهُ عَلَى قَرَبُوسِهِ وَ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيَضَعْ خَدَّهُ عَلَى كَفِّهِ ثُمَّ لْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ‌.(2)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى مُوسَى ع يَا مُوسَى اشْكُرْنِي حَقَ شُكْرِي فَقَالَ يَا رَبِّ وَ كَيْفَ أَشْكُرُك حَقَّ شُكْرِك وَ لَيْسَ مِنْ شُكْرٍ أَشْكُرُك بِهِ إِلَّا وَ أَنْتَ أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ قَالَ يَا مُوسَى الآْنَ شَكَرْتَنِي حِينَ عَلِمْتَ أَنَّ ذَلِك مِنِّي.(3)

•

قال على بن الحسين عليه السلام: إِنَ اللَّهَ يُحِبُ كُلَ قَلْبٍ حَزِينٍ وَ يُحِبُ كُلَ عَبْدٍ شَكُورٍ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَك وَ تَعَالَى لِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَ شَكَرْتَ فُلَاناً فَيَقُولُ بَلْ شَكَرْتُك يَا رَبِّ فَيَقُولُ لَمْ تَشْكُرْنِي إِذْ لَمْ تَشْكُرْهُ ثُمَّ قَالَ أَشْكَرُكُمْ لِلَّهِ أَشْكَرُكُمْ لِلنَّاسِ‌.(4)

•

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: الْعَبْدُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ بَلَاءٍ وَ قَضَاءٍ وَ نِعْمَةٍ فَعَلَيْهِ فِي الْبَلَاءِ مِنَ اللَّهِ الصَّبْرُ فَرِيضَةً وَ عَلَيْهِ فِي الْقَضَاءِ مِنَ اللَّهِ التَّسْلِيمُ فَرِيضَةً وَ عَلَيْهِ فِي النِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 98.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 98.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 98.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 99.

عَزَّ وَ جَلَّ الشُّكْرُ فَرِيضَةً‌.(1)

•

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: قَالَ رَجُلٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع بِمَا ذَا شَكَرْتَ نَعْمَاءَ رَبِّك قَالَ نَظَرْتُ إِلَى بَلَاءٍ قَدْ صَرَفَهُ عَنِّي وَ أَبْلَى بِهِ غَيْرِي فَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ أَنْعَمَ عَلَيَّ فَشَكَرْتُهُ‌.(2)

•

عَنْ دَاوُدَ بْنِ سِرْحَانَ قَالَ‌: كُنَّا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ سَدِيرٌ الصَّيْرَفِيُّ فَسَلَّمَ وَ جَلَسَ فَقَالَ لَهُ يَا سَدِيرُ مَا كَثُرَ مَالُ رَجُلٍ قَطُّ إِلَّا عَظُمَتِ الْحُجَّةُ لِلَّهِ عَلَيْهِ فَإِنْ قَدَرْتُمْ تَدْفَعُونَهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَافْعَلُوا فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ بِمَا ذَا قَالَ بِقَضَاءِ حَوَائِجِ إِخْوَانِكُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ ثُمَّ قَالَ تَلَقَّوُا النِّعَمَ يَا سَدِيرُ بِحُسْنِ مُجَاوَرَتِهَا وَ اشْكُرُوا مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ وَ أَنْعِمُوا عَلَى مَنْ شَكَرَكُمْ فَإِنَّكُمْ إِذَا كُنْتُمْ كَذَلِك اسْتَوْجَبْتُمْ مِنَ اللَّهِ الزِّيَادَةَ وَ مِنْ إِخْوَانِكُمُ الْمُنَاصَحَةَ ثُمَّ تَلَا لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ‌.(3)

•

أَوْصَى عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع بَعْضَ وُلْدِهِ فَقَالَ يَا بُنَيَ اشْكُرِ اللَّهَ لِمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْك وَ أَنْعِمْ عَلَى مَنْ شَكَرَك فَإِنَّهُ لَا زَوَالَ لِلنِّعْمَةِ إِذَا شَكَرْتَ وَ لَا بَقَاءَ لَهَا إِذَا كَفَرْتَ وَ الشَّاكِرُ بِشُكْرِهِ أَسْعَدُ مِنْهُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي وَجَبَ عَلَيْهِ الشُّكْرُ بِهَا وَ تَلَا يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ ع قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ إِلَى آخِرِ الآْيَةِ‌.(4)

•

قَالَ الرِّضَا ع اتَّقُوا اللَّهَ وَ عَلَيْكُمْ بِالتَّوَاضُعِ وَ الشُّكْرِوَ الْحَمْدِ إِنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ فَأَتَاهُ فِي مَنَامِهِ مَنْ قَالَ لَهُ إِنَّ لَك نِصْفَ عُمُرِك سَعَةً فَاخْتَرْ أَيَّ النِّصْفَيْنِ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 43.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 43.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 47.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 49.

شِئْتَ فَقَالَ إِنَّ لِي شَرِيكاً فَلَمَّا أَصْبَحَ الرَّجُلُ قَالَ لِزَوْجَتِهِ قَدْ أَتَانِي فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ رَجُلٌ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ نِصْفَ عُمُرِي لِي سَعَةً فَاخْتَرْ أَيَّ النِّصْفَيْنِ شِئْتَ فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ اخْتَرِ النِّصْفَ الْأَوَّلَ فَقَالَ لَك ذَاكَ‌. فَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَكَانَ كُلَّمَا كَانَتْ نِعْمَةٌ قَالَتْ زَوْجَتُهُ جَارُك فُلَانٌ مُحْتَاجٌ فَصِلْهُ وَ تَقُولُ قَرَابَتُك فُلَانٌ فَتُعْطِيهِ وَ كَانُوا كَذَلِك كُلَّمَا جَاءَتْهُمْ نِعْمَةٌ أَعْطَوْا وَ تَصَدَّقُوا وَ شَكَرُوا فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي أَتَاهُ الرَّجُلُ فَقَالَ يَا هَذَا إِنَّ النِّصْفَ قَدِ انْقَضَى فَمَا رَأْيُك قَالَ لِي شَرِيك فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَتَانِي الرَّجُلُ فَأَعْلَمَنِي أَنَّ النِّصْفَ قَدِ انْقَضَى فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْنَا فَشَكَرْنَا وَ اللَّهُ أَوْلَى بِالْوَفَاءِ قَالَ فَإِنَّ لَك تَمَامَ عُمُرِكَ‌.(1)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 54.