دراسات فی الاخلاق و شوون الحکمة العلمیة جلد 2

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

سرشناسه : م‍ظاه‍ری‌، ح‍س‍ی‍ن‌، ‏‫۱۳۱۲ -‏‬

‏عنوان و نام پديدآور : دراسات فی‌الاخلاق و شوون‌الحکمة‌العلمیة/ حسین المظاهری.

‏مشخصات نشر : قم: دار شفق؛ [بی‌جا]: ‏‫موسسه‌الزهراالثقافیه، مرکزالدراسات والبحوث‌الاخلاقیه‏‫، ۱۴۱۳ق.‬‏‫= ۱۳۷۱ -‬.‬

‏مشخصات ظاهری : ج.

‏شابک : ‏‫۳۵۰۰ ریال‬

‏يادداشت : عربی.

‏يادداشت : عنوان عطف:‌الاخلاق.

‏یادداشت : کتابنامه.

‏موضوع : اخلاق اسلامی

‏شناسه افزوده : موسسه‌الزهراالثقافیه، مرکزالدراسات والبحوث‌الاخلاقیه

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۴۷/۸‏‫‬‭‏‫‬‭/م۶۲۵د۴ ۱۳۷۱

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۶۱

‏شماره کتابشناسی ملی : ۲۸۵۶۸۶۴

محرر رقمی میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

دراسات فی‌الاخلاق و شوون‌الحکمة‌العلمیة

حسین المظاهری.

بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم

الحمد للَّه والصَّلاة والسَّلام علىٰ رسول اللَّه وعلىٰ آله آل‌اللَّه

وبعد؛ فهذا هو المجلد الثَّالث من كتابنا

دراساتٌ في الأخلاق وشؤون الحكمة العَمَليَّة

ويبدأ هذا الجزء بالفصل الرَّابع‌عشر، و ينتهي بتمام الفصل الثَّالث‌عشر

والحمد للَّه أوَّلًا وآخرًا و ظاهرًا وباطنًا

الفهرس

الفصل الرَّابع‌عشر

الفضيلة الرّابعة‌عشرة: الرّحمة و الرّأفة 17

روايات في الرّحمة و الرّأفة 27

الفضيلة الخامسة‌عشرة: شرح الصَّدر 33

روايات في شرح الصّدر 40

الرذيلة السادسة‌عشرة: القسوة 43

ما يوجب القسوة و زوالها 49

روايات في القسوة 54

الفصل الخامس‌عشر

الفضيلة السّادسة‌عشرة: العفَّة 59

رواياتٌ في العفّة 74

الرذيلة السابعة‌عشرة: الشّره 83

في أقسام المحبّة 87

روايات في الشّرة 105

الرذيلة الثَّامن‌عشرة: الخمود 113

روايات في ذمّ الخمود 120

الفصل السادس عشر

الفضيلة السّابعة‌عشرة: الزّهد 133

رواياتٌ في ذمّ الدّنيا و الزّهد فيها 143

الرّذيلة التّاسعة‌عشرة: حبّ الدّنيا 151

روايات في حبّ الدّنيا 174

الفصل السابع عشر 185

الفضيلة الثّامنة‌عشرة: القناعة 187

رواياتٌ في القناعة 201

الرذيلة العشرون: الحرص 211

رواياتٌ في الحرص 223

الفصل الثَّامن‌عشر

الفضيلة التاسعة عشرة: الاستغناء عن الناس 229

رواياتٌ في الاِستغناء 238

الرذيلة الواحدة و العشرون: الطّمع 241

رواياتٌ في الطّمع 248

الفصل التاسع عشر

الفضيلة العشرون: السّخاء 253

رواياتٌ في السّخاء 267

الرذيلة الثانية والعشرون: البُخل 275

رواياتٌ في البخل 285

الفصل العشرون

الفضيلة الواحدة و العشرون: النّصيحة 299

روايات في نصيحة المؤمن 308

حق المؤمن على اخيه و اداء حقه 311

قضاء حاجة المؤمن 316

زيارة الإخوان 320

الحبّ في اللّٰه و البغض في اللّٰه 320

من لم‌يناصح أخاه المؤمن 322

باب التّعيير و طلب عثرات المؤمنين 325

الرذيلة الثالثة و العشرون: الحسد 329

رواياتٌ في الحسد 340

الفصل الحادي والعشرون

الفضيلة الثانية و العشرون: الغبطة 349

رواياتٌ في الغبطة 356

الرّذيلة الرّابعة و العشرون: القناعة في الفضائل 357

رواياتٌ في القناعة في الفضائل 361

الفصل الثَّاني و العشرون

الفضيلة الثالثة و العشرون: الزّهد في الرتبة و الوجاهة 365

الرّذيلة الخامسة و العشرون: حبّ الرّئاسة 377

رواياتٌ في طلب الرّياسة 389

الفصل الرَّابع‌عشر

اشارة

الفضيلة الرابعة عشرة: الرّحمة و الرّأفة

الفضيلة الخامسة عشرة: شرح الصدر

الرّذيلة السادسة عشرة: القسوة

الفضيلة الرّابعة‌عشرة: الرّحمة و الرّأفة

اشارة

و هي صفة تنشأ منها الخيرات و البركات كلها، و ما من خير و احسان الا و منشأه هو الرحمة، فمن رحمة اللّٰه تعالى نشأ الوجود و لذا اشتهر ان اللّٰه تعالى تجلى باسمه الرحيم فخلق وسائط الفيض و الحقائق المحمّدية و العلوية و الفاطميّة و أبناءهم الطاهرين عليهم السلام ثم تجلى باسمه الرحمن فخلق الخلق كله من الازل إلى الابد بواسطة تلك الوسائط و بما قلنا اشار بقوله تعالى:

(وَ مٰا أَمْرُنٰا إِلاّٰ وٰاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ).(1)

و بقوله تعالى: (وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى اَلنّٰاسِ وَ يَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً).(2)


1) . القمر، 50.

2) . البقرة، 143.

و قد ورد ان الرحمن اسم خاص للّٰه‌تعالى و لكن معناه عام و الرحيم اسم عام و يمكن ان يطلق على غيره تعالى و لكن معناه خاص فيختص بعباده الصالحين.

و من مصاديق تلك الرواية ما قلنا من ان اللّٰه تعالى خلق محمّداً و آله الطاهرين «صلوات اللّٰه عليهم اجمعين» باسمه الرحيم و خلق ما سوى اللّٰه و سواهم باسمه الرحمن.

و بما انّ اجود الصفات و اعلاها هي الرحمة فاجود اسماءه تعالى هو الرحمن و الرحيم فلذا وردا في الآية الشريفة (بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ‌) الّتي هي اُمّ آيات الكتاب الكريم و لذا ورد في مبتدأ جميع سور القرآن، و قد ورد انها اكرم الآيات(1)و خلاصة القرآن الشريف. هذا كلّه في الرحمة الحقة الحقيقية الذاتية.

و اما الرحمة في عباداللّٰه تعالى و هي ظلّ رحمته تعالى، فهى من اعظم النعم، لانها نواة بل بلٌّ من بحر تلك الرحمة الحقة الحقيقية الذاتية الّتي هي بحر الرحمة و تتشابه تلك الرحمة كمال التشابه، فما من فضيلة في الإنسان الا انها صبغت بصبغ الرحمة و ما من فعل خير أو قول حسن الا وينشأ منها، فهى في الإنسان أيضاً معدن الفضائل و الخيرات و البركات.

و كلّ من كان أقرب إليه تعالى يكون اتصافه بتلك الصفة اشد لانها نور يقذفه اللّٰه في قلب عباده‌الصالحين.

قال اللّٰه - تعالىٰ‌! -: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللّٰهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّٰاءُ عَلَى اَلْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 82 ص 20.

بَيْنَهُمْ‌) (1)

و قال اللّٰه تعالى: (لَعَلَّكَ بٰاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‌)(2)

و قد روى عن اميرالمؤمنين عليه السلام: «اللَّهُ رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ وَ مِنْ رَحْمَتِهِ أَنَّهُ خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ جَعَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً فِي الْخَلْقِ كُلِّهِمْ فَبِهَا يَتَرَاحَمُ النَّاسُ وَ تَرْحَمُ الْوَالِدَةُ وَلَدَهَا وَ تَحَنَّنُ الْأُمَّهَاتُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ عَلَى أَوْلَادِهَا فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَضَافَ هَذِهِ الرَّحْمَةَ الْوَاحِدَةَ إِلَى تِسْعٍ وَ تِسْعِينَ رَحْمَةً فَيَرْحَمُ بِهَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ثُمَّ يُشَفِّعُهُمْ فِيمَنْ يُحِبُّونَ لَهُ الشَّفَاعَةَ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ حَتَّى إِنَّ الْوَاحِدَ لَيَجِيءُ إِلَى مُؤْمِنٍ مِنَ الشِّيعَةِ فَيَقُولُ اشْفَعْ لِي فَيَقُولُ وَ أَيُّ حَقٍّ لَك عَلَيَّ فَيَقُولُ سَقَيْتُك يَوْماً مَاءً فَيَذْكُرُ ذَلِك فَيَشْفَعُ لَهُ فَيُشَفَّعُ فِيهِ وَ يَجِيئُهُ آخَرُ فَيَقُولُ إِنَّ لِي عَلَيْك حَقّاً فَاشْفَعْ لِي فَيَقُولُ وَ مَا حَقُّك عَلَيَّ فَيَقُولُ اسْتَظْلَلْتَ بِظِلِّ جِدَارِي سَاعَةً فِي يَوْمٍ حَارٍّ فَيَشْفَعُ لَهُ فَيُشَفَّعُ فِيهِ وَ لَا يَزَالُ يَشْفَعُ حَتَّى يَشْفَعَ فِي جِيرَانِهِ وَ خُلَطَائِهِ وَ مَعَارِفِهِ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِمَّا تَظُنُّونَ‌.(3)

و في روايات كثيرة ان اهل البيت هم بيت الرّحمة كما انهم معدن العلم(4).

فهو نظير المطر الّذي هو الرحمة و لكن قد يتبعه مضارّ كتخريب مسكن نمل أو بيت عجوز.

فتحصل من جميع ما ذكرنا ان الرحمة من المقولات المشكّكة، كغيرها من


1) . الفتح، 29.

2) . الشعراء، 3.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 8 ص 44.

4) . راجع: الكافي، ج 1 ص 221.

الفضائل و لها مراتب بحسب الضعف و الشدة، فكل من هو أقرب من معدنها يكون نيله منها ازيد حتّى يصير عين الرحمة فتُطلق عليه، كما قد أطلقت الرحمة على أهل بيت الطهارة عليهم السلام، و قد روى العلامة المجلسى قدس سره ازيد من عشر روايات في باب واحد مضافاً إلى ما رواه في أبواب مختلفة من انهم رحمة اللّٰه تعالى في القرآن،(1)فترى بعض الناس لا قسط له منها إلّاما يناله بالنسبة إلى اولاده، أو نفسه، و قسط بعضهم في أقربانه فقط، و هكذا حتّى تجد من له قسط وافرٌ منها بحيث يشمل رحمتة أعداءه ايضاً، فلا همّ له و لا غمّ أعظم من أن يرى عدوّه في المحن و الضلالات.

قال اللّٰه تعالى: لَقَدْ جٰاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ‌).(2)

و ممّا يُحكى عن سيرته الشريفة ان قومه رموه بالاحجار حتّى سال الدم عن ساقيه، ففر إلى البرارى و الجبال، فدعى لهم لا عليهم و قال: «اللهم اهد قومى فانهم لا يعلمون». هذا هو التخلق باخلاق اللّٰه تعالى.

فالقرآن الكريم تارةً يدلّ على انّ المحن و المشقّات ليست إلّالتنبيه الناس و توجّهم نحو ما خُلقوا له:

قال اللّٰه تعالى: (ظَهَرَ اَلْفَسٰادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ بِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنّٰاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ اَلَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‌).(3)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 35، ص 423.

2) . التوبة، 128.

3) . الروم، 41.

و نظيرها في القرآن كثير.

و أخرى يدلّ على انّ المحن ليست إلّاتوطئةً للمصالح الضروريّة:

قال تعالى: (وَ قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لاٰ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ اَلدِّينُ لِلّٰهِ‌).(1)

و نظيرها أيضاً كثير.

و ثالثة يدلّ على توقّف حيوة المجتمع و قوام الحرث و النسل و بقاء عبوديّته تعالى على تلك المحن:

قال تعالى: (وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ يٰا أُولِي اَلْأَلْبٰابِ‌).(2)

و قال تعالى: (وَ لَوْ لاٰ دَفْعُ اَللّٰهِ اَلنّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ اَلْأَرْضُ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى اَلْعٰالَمِينَ‌).(3)

و قال تعالى: (وَ لَوْ لاٰ دَفْعُ اَللّٰهِ اَلنّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوٰامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَوٰاتٌ وَ مَسٰاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اَللّٰهِ كَثِيراً).(4)

و نظير الآيات أيضاً كثير.

و من مطاوى ما ذكرنا ظهر ان الرحمة نور الهى، و نعمة عظمى يهديها من يشاء، و لا ينالها الا عباد اللّٰه الصالحين، فاهل التقوى هم اهل الرحمة فحسب، و ما يترائى من التراحم و التواصل بين بعض الظالمين و الاراذل و الفاسقين فهو (كَسَرٰابٍ بِقِيعَةٍ‌


1) . البقرة، 193.

2) . البقرة، 179.

3) . البقرة، 251.

4) . الحج، 40.

يَحْسَبُهُ اَلظَّمْآنُ مٰاءً‌) (1)و ينشأ من الشهوات و الاغراض الفاسدة، لا من ملكة الرحمة، و اقوى الدليل على ذلك، انه إذا زالت تلك الشهوة، و ذلك الغرض الدنيوى، زال ذلك التراحم و التواصل، بل يتبدل بالغلظة و الشدة، فهو اشبه شيء بالعشق المجازى، الّذي يكون ظاهره من المحبة، بل الظاهر انه من مراتب الحّب العليا، و لكن حقيقته ليست الا الشهوة الجنسية، و تلك الاعمال و الاقوال من العاشق لا تنشأ الا من تلك الشهوة، فربما يشتبه ذلك على العاشق فضلاً عن المعشوق و غيرهما، و يحسبون انّ العاشق يجول في فضاء الحبّ الواسع مع انه قد يكون مجنوناً في أعلى مراتبها جنوناً نشأ من الغريزة الجنسية، و الدليل على ذلك أنّه إذا فاز بما يرامه من الجنس، زال ذلك العشق، بل ربما تبدل بالنفرة الشديدة.

هذا قطرة من بحر ذلك المرض السوداوى، و ما يرتبط به و ارجو من اللّٰه ان يتيح لنا الفرصة كى نبحث عنه على ما يليق به من التفصيل، بمنّه و عونه.

و نتذكر هنا امراً هامّاً و ان كان محله في الاخلاقيات، و نرجو من اللّٰه ان يوفقنا لإفراد كتاب في ذلك.

و هو ان ملكة الرحمة توجب قضاء حوائج الناس، و اعانتهم، و رفع كرباتهم، و ادخال السرور عليهم، و اطعامهم، و الخدمة لهم، و اصلاح امورهم، و لااقل من نصحهم و ارشادهم و الدعاء لهم، و تلك الأمور من افضل العبادات، بل لا عبادة في الاسلام افضل منها، و قد رغب اهل البيت الناس اليها غاية الترغيب و قدوردت فيها عنهم آلاف روايات، و روى ثقة الاسلام الكلينى قدس سره في الكافي شطراً منها


1) . النور، 39.

يزيد على الف رواية فراجع الكافى، و لا تكن مراجعاً فحسب، بل استضىء من تلك الانوار و اعمل بها، فلك حينئذٍ خير الدنيا والآخرة.

و نحن نذكرهنا بعض تلك الروايات تذكراً و تنبهاً و ذخراً للقيامة.

الف: في روايات كثيرة ورد قوله عليه السلام أو ما هو بمعناه: مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْ‌ءٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ‌، أو قوله عليه السلام ان احب الاعمال إلى اللّٰه عزّوجلّ ادخال السرور على المؤمنين(1)

ب: في روايات كثيرة ورد قضاء حاجة المؤمن افضل من انفاق في سبيل اللّٰه أو عتق رقبات اوطواف، بل حج بل عشرين حجة أو انه دليله يوم القيامة حتّى يدخله الجنة أو تجب به الجنة له.(2)

ج: في روايات كثيرة: من فرج كرب المؤمنين، فرج اللّٰه كربه في الدنيا و الاخرة.(3)

د: في روايات كثيرة: انه من اخرج نفساً عن ضلال إلى الهدى فكانما احيى الناس جميعاً كما ان من اخرجها عن هدى إلى ضلال، فكانما قتل الناس جميعا، و فسّر في تلك الروايات قوله تعالى // (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الارض فكانّما قتل النّاس جميعاً، و من احياها فكانّما احيا النّاس جميعاً) //(4)بذلك(5).


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 188.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 192.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 199.

4) . المائدة، 32.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 210.

ه‍: عن عبداللّٰه بن جندب عن موسى بن جعفر عليه السلام في رواية: «أَنَّ مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ نُودِيَ مِنَ الْعَرْشِ وَ لَك مِائَةُ أَلْفِ ضِعْفٍ‌»(1).

و في الختام نشير إلى أنّ هذه الملكة و ان كانت مودعةً في جميع الناس بل و في الحيوانات و لكنها للسائرين و السالكين نحو جنابه الأقدس الأعلى ألزم من كلّ شىءٍ‌، فعليهم أن يجعلوا هممهم نحو احياءها في أنفسهم، و هذا ممّا يُستفاد من الوحى الكريم.

قال اللّٰه تعالى: (اَللّٰهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ اَلْحَدِيثِ كِتٰاباً مُتَشٰابِهاً مَثٰانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ اَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلىٰ ذِكْرِ اَللّٰهِ ذٰلِكَ هُدَى اَللّٰهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللّٰهُ فَمٰا لَهُ مِنْ هٰادٍ)(2)

فيظهر من الآية الشريفة ان العناية الخاصّة الالهيّة للاهتداء إلى حقيقة القرآن و التدرج إلى الدرجات الاعلى فالاعلى تحتاج إلى رحمة القلب و رقّته، نعم تحصيل تلك الرقة و الرحمة يتوقف على الخشية‌كمامر الكلام في ان هذه الملكة لا تحصل الا للمقربين.

و بالجملة ان الآية الشريفة تدل على ان من لا يرحم لا يرحم و ان من لا رحمة له لا يمكن ان يشمله العنايات الالهيّة و كذلك للقرآن الكريم دلالة واضحة على انّ هذه الملكة و ان كانت حسنةً لكلّ أحدٍ ولكنها لقائدى أمور الناس أحسن، فعليهم أن يتزيّنوا بها.


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 508.

2) . الزمر، 23.

قال تعالى: (فَبِمٰا رَحْمَةٍ مِنَ اَللّٰهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شٰاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ فَإِذٰا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّٰهِ إِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلْمُتَوَكِّلِينَ‌)(1)

فكانّ القرآن يترتب على ملكة الرحمة و الرأفة أموراً منها اللينة في الكلام و الرقة في القلب و العفو عن الذنوب و طلب الغفران للناس و حفظ حرمتهم و الاهتمام بآرائهم، و بعبارةٍ أخرى كما انه لابد من ان يكون رئيس القوم ذا شخصيةٍ و عزم و ارادة، فلا بدّ له أيضاً من الاهتمام بآراء القوم و حفظ حرماتهم.

و بالجملة انه يجب على رئيس القوم سيما رئيس البيت اللينة في الكلام و الرقة في القلب و العفو و الغفران في العمل و المشاورة في الرأى، و ترك الاستبداد في الامور، و كلّ ذلك من لوازم ملكة الرحمة و الرأفة.

تنبيهان:

الأوّل: ان كلمتى الرحمة و الرأفة و ان كانتا مترادفتين و يستعمل كلّ في مورد الآخر الا ان بينهما فرقاً ايضاً، و هو ان الرحمة تستعمل غالباً في اعطاء النعم، و الرأفة تستعمل غالباً في دفع النقم، فاللّٰه تعالى يوصف بالرحمانيّة و الرحيميّتة لان الخيرات كلها تنشأ منه، و اللّٰه تعالى رؤف لانه يدفع البلاء و الشرور و هو الحفيظ.

فمن هذه الجهة قد ورد ما يدلّ على ان من توسل إلى اللّٰه بهاتين الكلمتين و كررّهما - و في رواية مأة مرّة - يرفع اللّٰه عنه الشدّة.

و هذا الختم لرفع الشدائد، عند اهل القلوب مشهور، و لعلّ السر في ذلك ان رفع


1) . آل عمران، 159.

الهم و الغم من الإنسان نعمة ايضاً. فينبغى ان يقول العبد عند الشدائد يا رؤف يا رحيم مأة مرّة، و يستيقن الاجابة سيما للهموم و الغموم المعنوية.

الثانى: ان كلمة الرحمن و كلمة الرحيم و ان كانتا من اسماءه العُلى و اشتقّتا من صفة الرحمة فهما مترادفتان، الا انهما افترقتا، سيما إذا اجتمعتا - كما اشرنا في اوّل البحث -.

و يراد من الرحمن الرحمة العامة للناس كلهم من الكافر و المؤمن و الفاسق و الصالح بل للأشياء كلها من الجواهر و الاعراض بل لعالم الوجود كلها، فلذا اشتهر ان كلمة «كُن» الوجودية - (إِذٰا أَرٰادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‌) - هي كلمة الرحمن، و قد مر في صدر البحث تقريب ذلك.

و يراد من الرحيم الرحمة الخاصة لعباده الصالحين، و بعبارةٍ اوفىٰ‌، يراد منه العناية الخاصة بهم و بهذا المعنى ورد قوله تعالى في نعت رسوله الاكرم الّذي كان مظهر الرحمن و الرحيم معاً:

(لَقَدْ جٰاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ‌).(1)

فهو مظهر الرحمن لكل من المؤمن و الكافر و مظهر الرحيم للمؤمنين فقط.

و مما ذكرنا يظهر ان اللّٰه تعالى رحمن في الدنيا و الآخرة بالنسبة إلى المؤمن و الكافر و رحيم في الدنيا و الآخرة بالنسبة إلى المؤمن فقط، فما يترائى من بعض الكلمات من تفسير الرحمن، بان اللّٰه يرحم في الدنيا بالنسبة إلى المؤمن و الكافر و في


1) . التوبة، 128.

تفسير الرحيم بان اللّٰه يرحم في الآخرة بالنسبة إلى المؤمن قطّ فليس بتمام من جهات أشرنا إلى ما هو المهمّ منها.

روايات في الرّحمة و الرّأفة

عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ‌: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِنِّي لَأَلْقَى الرَّجُلَ لَمْ أَرَهُ وَ لَمْ يَرَنِي فِيمَا مَضَى قَبْلَ يَوْمِهِ ذَلِك فَأُحِبُّهُ حُبّاً شَدِيداً فَإِذَا كَلَّمْتُهُ وَجَدْتُهُ لِي مِثْلَ مَا أَنَا عَلَيْهِ لَهُ وَ يُخْبِرُنِي أَنَّهُ يَجِدُ لِي مِثْلَ الَّذِي أَجِدُ لَهُ فَقَالَ صَدَقْتَ يَا سَدِيرُ إِنَّ ائْتِلَافَ قُلُوبِ الْأَبْرَارِ إِذَا الْتَقَوْا وَ إِنْ لَمْ يُظْهِرُوا التَّوَدُّدَ بِأَلْسِنَتِهِمْ كَسُرْعَةِ اخْتِلَاطِ قَطْرِ السَّمَاءِ عَلَى مِيَاهِ الْأَنْهَارِ وَ إِنَّ بُعْدَ ائْتِلَافِ قُلُوبِ الْفُجَّارِ إِذَا الْتَقَوْا وَ إِنْ أَظْهَرُوا التَّوَدُّدَ بِأَلْسِنَتِهِمْ كَبُعْدِ الْبَهَائِمِ مِنَ التَّعَاطُفِ وَ إِنْ طَالَ اعْتِلَافُهَا عَلَى مِذْوَدٍ وَاحِدٍ(1).

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: خِيَارُكُمْ أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقاً الَّذِينَ يَأْلِفُونَ وَ يُؤْلَفُونَ‌(2).

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: أَقْرَبُكُمْ مِنِّي غَداً فِي الْمَوْقِفِ أَصْدَقُكُمْ لِلْحَدِيثِ وَ آدَاكُمْ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 288.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 150.

لِلْأَمَانَةِ وَ أَوْفَاكُمْ بِالْعَهْدِ وَ أَحْسَنُكُمْ خُلُقاً وَ أَقْرَبُكُمْ مِنَ النَّاسِ‌(1).

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: طُوبَى لِمَنْ يَأْلَفُ النَّاسَ وَ يَأْلَفُونَهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ‌(2).

عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قَالَ‌: قَالَ النَّبِيُّ ص: الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ وَ الْفَاجِرُ خَبٌّ لَئِيمٌ وَ خَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَانَ مَأْلَفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُؤْلَفُ وَ لَا يَأْلَفُ قَالَ وَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ شِرَارُ النَّاسِ مَنْ يُبْغِضُ الْمُؤْمِنِينَ وَ تُبْغِضُهُ قُلُوبُهُمْ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ وَ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ الْبَاغُونَ لِلْبِرَاءِ الْعَيْبَ أُولَئِك لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ ثُمَّ تَلَا ص هُوَ الَّذِي أَيَّدَك بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ - وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ‌(3).

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله في خبر المعراج: ثُمَ رَأَيْتُ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ جَعَلَ اللَّهُ أَمْرَهُ عَجِيباً نِصْفُ جَسَدِهِ النَّارُ وَ النِّصْفُ الآْخَرُ ثَلْجٌ فَلَا النَّارُ تُذِيبُ الثَّلْجَ وَ لَا الثَّلْجُ يُطْفِئُ النَّارَ وَ هُوَ يُنَادِي بِصَوْتٍ رَفِيعٍ وَ يَقُولُ سُبْحَانَ الَّذِي كَفَّ حَرَّ هَذِهِ النَّارِ فَلَا تُذِيبُ الثَّلْجَ وَ كَفَّ بَرْدَ هَذَا الثَّلْجِ فَلَا يُطْفِئُ حَرَّ هَذِهِ النَّارِ اللَّهُمَّ يَا مُؤَلِّفُ بَيْنَ الثَّلْجِ وَ النَّارِ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ عِبَادِك الْمُؤْمِنِينَ‌(4).

عن أبى جعفر عليه السلام في رواية: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَلَّفَ بَيْنَ وَلِيَّيْنِ لَنَا يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ تَأَلَّفُوا وَ تَعَاطَفُوا(5).


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 74، ص 151.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 75، ص 56.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 72، ص 265.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 56 ص 172.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 345.

عن نصر بن قابوس قال: قال لي أبو عبداللّٰه عليه السلام: إِذَا أَحْبَبْتَ أَحَداً مِنْ إِخْوَانِك فَأَعْلِمْهُ ذَلِك فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ ع قَالَ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي(1).

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: إِذَا أَحْبَبْتَ رَجُلًا فَأَخْبِرْهُ بِذَلِك فَإِنَّهُ أَثْبَتُ لِلْمَوَدَّةِ بَيْنَكُمَا.(2)

عَنْ شُعَيْبٍ الْعَقَرْقُوفِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا إِخْوَةً بَرَرَةً مُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ مُتَوَاصِلِينَ مُتَرَاحِمِينَ تَزَاوَرُوا وَ تَلَاقَوْا وَ تَذَاكَرُوا أَمْرَنَا وَ أَحْيُوهُ‌.(3)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: تَوَاصَلُوا وَ تَبَارُّوا وَ تَرَاحَمُوا وَ كُونُوا إِخْوَةً بَرَرَةً كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ‌(4).

أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ تَوَاصَلُوا وَ تَبَارُّوا وَ تَرَاحَمُوا وَ تَعَاطَفُوا.(5)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: يَحِقُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الِاجْتِهَادُ فِي التَّوَاصُلِ وَ التَّعَاوُنُ عَلَى التَّعَاطُفِ وَ الْمُوَاسَاةُ لِأَهْلِ الْحَاجَةِ وَ تَعَاطُفُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ حَتَّى تَكُونُوا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ مُتَرَاحِمِينَ مُغْتَمِّينَ لِمَا غَابَ عَنْكُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ عَلَى مَا


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 644.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 644.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 175.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 175.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 175.

مَضَى عَلَيْهِ مَعْشَرُ الْأَنْصَارِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ص.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ زَارَ أَخَاهُ لِلَّهِ لَا لِغَيْرِهِ الْتِمَاسَ مَوْعِدِ اللَّهِ وَ تَنَجُّزَ مَا عِنْدَ اللَّهِ وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَك يُنَادُونَهُ أَلَا طِبْتَ وَ طَابَتْ لَك الْجَنَّةُ‌.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ زَارَ أَخَاهُ فِي اللَّهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِيَّايَ زُرْتَ وَ ثَوَابُك عَلَيَّ وَ لَسْتُ أَرْضَى لَك ثَوَاباً دُونَ الْجَنَّةِ‌.(3)

عَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ‌: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ ع أُوَدِّعُهُ فَقَالَ يَا خَيْثَمَةُ أَبْلِغْ مَنْ تَرَى مِنْ مَوَالِينَا السَّلَامَ وَ أَوْصِهِمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَظِيمِ وَ أَنْ يَعُودَ غَنِيُّهُمْ عَلَى فَقِيرِهِمْ وَ قَوِيُّهُمْ عَلَى ضَعِيفِهِمْ وَ أَنْ يَشْهَدَ حَيُّهُمْ مَيِّتِهِمْ وَ أَنْ يَتَلَاقَوْا فِي بُيُوتِهِمْ فَإِنَّ لُقِيَّابَعْضِهِمْ بَعْضاً حَيَاةٌ لِأَمْرِنَا رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً أَحْيَا أَمْرَنَا يَا خَيْثَمَةُ أَبْلِغْ مَوَالِيَنَا أَنَّا لَا نُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِلَّا بِعَمَلٍ وَ أَنَّهُمْ لَنْ يَنَالُوا وَلَايَتَنَا إِلَّا بِالْوَرَعِ وَ أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَصَفَ عَدْلًا ثُمَّ خَالَفَهُ إِلَى غَيْرِهِ‌.(4)

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ جَنَّةً لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا ثَلَاثَةٌ رَجُلٌ حَكَمَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْحَقِّ وَ رَجُلٌ زَارَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ فِي اللَّهِ وَ رَجُلٌ آثَرَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ فِي اللَّهِ‌.(5)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: رَحْمَةُ الضُّعَفَاءِ تَسْتَنْزِلُ الرَّحْمَةَ‌(6).


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 175.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 175.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 175.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 175.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 178.

6) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 449.

عن اميرالمؤمنين عليه السلام في غرر الحكم:

عَجِبْتُ لِمَنْ يَرْجُو رَحْمَةَ مَنْ فَوْقَهُ كَيْفَ لَا يَرْحَمُ مَنْ دُونَهُ‌(1).

مَنْ لَمْ يَرْحَمْ لَمْ يُرْحَمْ‌(2).

مَنْ لَمْ يَرْحَمِ النَّاسَ مَنَعَهُ اللَّهُ رَحْمَتَهُ‌(3).

مِنَ الْكِرَامِ تَكُونُ الرَّحْمَةُ‌(4).

أَوْلَى النَّاسِ بِالرَّحْمَةِ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهَا(5).

أَبْلَغُ مَا تُسْتَدَرُّ بِهِ الرَّحْمَةُ أَنْ تُضْمَرَ لِجَمِيعِ النَّاسِ الرَّحْمَةُ‌(6).

عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ارْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْك مَنْ فِي السَّمَاءِ‌.(7)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام في الغرر: إرحم من دونك يرحمك من فوقك و قس سهوه بسهوك و معصيته لك بمعصيتك لربّك و فقره إلى رحمتك بفقرك إلى رحمة ربّك.(8)


1) . تصنيف غرر الحكم، ص 449.

2) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 449.

3) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 449.

4) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 449.

5) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 449.

6) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 449.

7) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 169.

8) . راجع: ميزان الحكمة، ج 4 ص 68.

الفضيلة الخامسة‌عشرة: شرح الصَّدر

اشارة

و هي ملكة يقتدر بها على تحمل عظام الامور، كالنبوة للانبياء و الولاية للاوصياء اللّتيا هما أعظما ما يُتحمّل و التبليغ للعلماء و الرياسة للرؤساء

و يقتدر بها على تحمل المشاكل بعد عدم امكان حلّها و الخلاص منها، و بعبارةٍ أخرى يقتدر بها على حلّ المشاكل، فلو كانت راسخة غير قابلةٍ للانحلال، فيقتدر بها على تحمّلها.

و هي ملكة يصير بها صاحبها عظيم الهمّة قوى الإرادة كثير النشاط فكانه في الحيواة لا يمسّ معنى الهم و الغم و الاضطراب فلا ييأس على مافاته و لا يفرح بما آتاه و ان شئت قلت انها ملكة تفيد صاحبها صدراً كالبحر لا يتلاطم بما يصيبه.

فكما ان البحر يقتدر على هضم كلّ ما يقع فيه و لا يلوّن بلونه و لا يتلوث به، بل يلون كلّ شيء بلون نفسه و يطهر كلّ ملوّث، بل يستحيله فيه، فكذلك من شرح اللّٰه

صدره، يقتدر بهمّته العليا على تسخير قلل الجبال الشاهقات لينال المقصود من غير أن يغلب عليه التوانى أو يمنعه مانع أو لومة لائم، فلذلك ان سيّدنا موسى بن عمران عليه السلام إذا اُمِر بالرسالة و الذهاب إلى فرعون ما سأل من اللّٰه تعالى عِدّة و لا عُدّة بل (قٰالَ رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَ اُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسٰانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي)(1).

و الآية الشريفة يستفاد منها بوضوحٍ تامٍّ أنّ شرح الصدر يوجب يسر الأمور و حل المشاكل و تحملها و قوة الإرادة، و السلطة على النفس، فيقتدر على التكلم أى المواجهة مع غيره و مخاطبتها من غير عقدة و لكنة، و على تفهيم المراد من غير اضطراب.

كما يفهم من الآية الشريفة أنّه ليس شيء اعلى و ألزم لمن بيده الحكم من شرح الصدر، فلذا نقل عن اميرالمؤمنين عليه السلام انه قال: «آلَةُ الرِّيَاسَةِ سَعَةُ الصَّدْر»(2)، لان اللّٰه تعالى في تلك السورة تسلياً على رسوله و ان شئت قلت منة عليه قال (أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‌)(3)

مع أنّه تعالى أنعم عليه بنعم جسام، فذكر هذه النعمة يدلّ على فضله عليها كلّها كما ان قوله (وَ وَضَعْنٰا عَنْكَ وِزْرَكَ * اَلَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَ رَفَعْنٰا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ‌


1) . طه، 28-25.

2) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 176.

3) . الانشراح، 1.

مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً) (1)يفيد ما يحصل منه، كرفع المشاكل و الاقتدار على حلّها أو تحمّلها، كما أنّه يوجب النيل بالمقصود، و يُسرّ كلّ عسيرٍ، فيمكن لصاحبها أن يتدرّج خطوةً خطوةً نحو المقصود، و هذا مراد قوله تعالى (فَإِذٰا فَرَغْتَ فَانْصَبْ‌)(2)

كما ان الاشتغال بالتنحّى نحو المقصود، لا يشغله عن ذكر اللّٰه تعالى، بل به الّذي مصداقه الاكمل هو الصلوة (وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاٰةِ‌)(3)يستعين في السير نحو الغاية، و لعل هذا مراد قوله تعالى (وَ إِلىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ‌)(4).

وبالجملة ان المشاكل و الغايات العظام و طلب الوصول اليها والنيل بها لاتمنعه عن النيل بما هو اعلى منها و هو الرغبة إلى اللّه و الوصول إلى رضوانه تعالى.

و يجب علينا الآن أن ننبّه على نكتةٍ هامّةٍ توضح شرف هذه الفضيلة و علوّها و هو كون هذه الفضيلة أمّ الفضائل بالنسبة إلى كثير من الفضائل الأخر، كالعفو و الصفح و الصبر و الحلم و السخاء و الشجاعة و التواضع و الرحمة و نحوها الّتي هي تتوقَّف على سعة الصدر، فتلك الفضائل هي البناء و شرح الصدر هو المبنى، و تلك الفضائل هي الزرع و شرح الصدر هو الحرث، فكما لا يمكن البناء بلا مبنى، و الزرع بلاحرث فكذلك لا يمكن تحصيل الفضائل بلا شرح الصدر، فبالرياضات الدينيّة و


1) . الانشراح، 26.

2) . الانشراح، 7.

3) . البقرة، 45.

4) . الانشراح، 8.

الدعاء و التوسل بالأنوار المطهّرة يُزيّن بتلك الزينة، ثم بالرياضات الدينيّة و الدعاء و التوسل تزين بتلك الفضائل، فهو الاصل و تلك الفضائل هي الفرع، هذا يكفي لبيان شرف هذه الفضيلة و قيمتها. و يزيدها شرفاً و كرامةً ما يظهر من مصدر الوحى و أهل العصمة من أنّ شرح الصدر نور من انوار اللّٰه‌تعالى يؤتيه من يشاء من عباده، فصاحبه ينظر بنور اللّٰه و يمشى بنور اللّٰه و يتكلم بنور اللّٰه، و بعبارةٍ أخرى فهو يركب على نور اللّٰه و يهدى بهداية اللّٰه فيعرج إلى اللّٰه تعالى.

قال تعالى: (أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللّٰهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ فَهُوَ عَلىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ‌)(1).

و قال تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اَللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ‌)(2).

و عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله في تفسير الأولى من هاتين الآيتين انه قال: انّ النّور إذا وقع في القلب انفسخ له و انشرح قالوا يا رسول اللّه فهل لذلك علامة يعرف بها قال التجافي عن دار الغرور و الانابة الى دار الخلود و الاستعداد للموت قبل نزوله.(3)

فهذه شرافة و كرامة لهذه الملكة، نعمت ما هى.

و يظهر من نصّ الوحى و أقوال اهل العصمة، انّ لهذه الفضيلة كرامةً أخرى أعلى بمراتب ممّا أشرنا اليه، و هي أنّ المتّصف بها، يمكن له أن يقبل الحقّ من غير أن يعتريه شبهةٌ فيه، فهو يقبل الاسلام كله من الاصول و الفروع و يقول: كلّ من عنداللّٰه، فبالعقل يدرك الاصول و بالقلب يجدها و بالوجدان يسلم بما يلزم ان يتعبد


1) . الزمر، 22.

2) . الانعام، 125.

3) . راجع: تفسير الصافي، ذيل الاية الشريفة.

به، ولايجد في نفسه حرجا ممّا أمر به أو نهى عنه، ولا حرجاً بما اصابته من النوائب و المصائب.

فهو يتبع ابراهيم عليه السلام و ملّته(1)، فكما انه إذا قيل له اسلم، قال اسلمت لرب العالمين(2)تشريعاً و تكويناً فكذلك انه إذا ورد عليه نائبة يقول: (إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ‌).(3)

و إذا رأى محكماً أو متشابهاًيقول كلّ من عند ربنا، من غير ان يتردّد فيهما، لمكان معارضة ظاهرية يمكن أن تُرى بينهما في بادىء النظر، فترى أن ابراهيم عليه السلام اسكن من ذريته بواد غير ذى زرع(4)لامر اللّٰه تعالى به، و صبر على المصائب الّتي نالها من نمرود و قومه صبرا جميلاً بل يمكن أن يصل المتّصف بها إلى المقام الّذي لا يرى النائبة نائبة، بل يرى انّها من الالطاف الخفيّة، كالمحكىّ عن زينب الكبرى عليها السلام في مجلس ابن زياد حيث تقول: ما رأيت الا جميلاً(5)، و لا يرى الاوامر التعبّدية تعبّدية، بل يرى انها مذكية و آيات شرح الصدر و رواياته لو لم تدلّ على نكتةٍ فلا اقلّ من دلالتها على هذه اللطيفة،

قال اللّٰه تعالى: (أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللّٰهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ فَهُوَ عَلىٰ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ‌


1) . النساء، 4.

2) . البقرة/ 131

3) . البقرة، 156.

4) . ابراهيم، 37.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 45 ص 116

لِلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌).(1)

و قال اللّٰه تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اَللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي اَلسَّمٰاءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اَللّٰهُ اَلرِّجْسَ عَلَى اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ‌)(2)

و بالجملة ان شرح الصدر نور و من لم يجعل اللّٰه له نوراً فماله من نور بل هو في ظلمات لا يقدر الخروج منها.

قال اللّٰه تعالى: (أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ وَ جَعَلْنٰا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنّٰاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي اَلظُّلُمٰاتِ لَيْسَ بِخٰارِجٍ مِنْهٰا)(3)

فهو في دهشة و وحشة و ظلمة بعد ظلمة، طيلة حياته، فليست هي إلّاموتاً تدريجياً فهو نسى نفسه فبعد ذلك لا يكون له الا رجساً من اللّٰه تعالى.

قال اللّٰه تعالى: (أَوْ كَظُلُمٰاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشٰاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحٰابٌ ظُلُمٰاتٌ بَعْضُهٰا فَوْقَ بَعْضٍ إِذٰا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرٰاهٰا وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ)(4)

و قال اللّٰه تعالى: (وَ لاٰ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اَللّٰهَ فَأَنْسٰاهُمْ أَنْفُسَهُمْ‌)(5)


1) . الزمر، 22.

2) . الأنعام، 125.

3) . الانعام، 122.

4) . النور، 40.

5) . الحشر، 19.

و قال اللّٰه تعالى: (كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اَللّٰهُ اَلرِّجْسَ عَلَى اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ‌)(1)

و لكن الّذي يكون اشد بلاءً و مصيبة له، هو عدم امكان اهتدائه، فهو يعيش من غير ان يخطو خطوةً نحو الاهتداء، لان الهداية يتوقف على ذلك النور.

قال اللّٰه تعالى: (يَهْدِي اَللّٰهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشٰاءُ‌)(2)

و قال اللّٰه تعالى: (وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ)(3)

و قال اللّٰه تعالى: (أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ اَلصُّمَّ وَ لَوْ كٰانُوا لاٰ يَعْقِلُونَ‌)(4)

و قال اللّٰه تعالى: (أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ اَلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي اَلْعُمْيَ وَ مَنْ كٰانَ فِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ‌)(5)

و في الخاتمة نوصيك ثم نوصيك ثم نوصيك بالتخلق بهذه الفضيلة و لا يمكن لك التخلق بها الا بالرياضات الدينيّة، فعليك بالاهتمام بالواجبات، سيما الصلوات في اول اوقاتها، و النوافل منها سيما صلوة الليل و الاجتناب عن المحرمات سيما حق النّاس، و عليك بالتوبة و الانابة و الدعاء و التوسل، سيما في آخر الليل، و عليك بخدمة خلق اللّٰه تعالى و قضاء حوائجهم بالميسور، و المواسات بين نفسك و بينهم بل الايثار لهم سيما للاقارب، فارجو ان يرحمك اللّٰه و يعطيك من ذلك النور العظيم ما يصلح لك.


1) . الانعام، 125.

2) . النور، 35.

3) . النور، 40.

4) . يونس، 42.

5) . الزخرف، 40.

روايات في شرح الصّدر

عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنِ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ‌: بَيْنَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ يَعِظُ أَصْحَابَهُ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَشَقَّ قَمِيصَهُ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ يَا مُوسَى قُلْ لَهُ لَا تَشُقَ قَمِيصَك وَ لَكِنِ اشْرَحْ لِي عَنْ قَلْبِك(1).

رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ص قَرَأَ أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَقَالَ إِنَّ النُّورَ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ انْفَسَحَ لَهُ وَ انْشَرَحَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلْ لِذَلِك عَلَامَةٌ يُعْرَفُ بِهَا قَالَ التَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ وَ الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ وَ الِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ‌.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً نَكَتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةً مِنْ نُورٍ فَأَضَاءَ لَهَا سَمْعُهُ وَ قَلْبُهُ حَتَّى يَكُونَ أَحْرَصَ عَلَى مَا فِي أَيْدِيكُمْ مِنْكُمْ وَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ سُوءاً - نَكَتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ فَأَظْلَمَ لَهَا سَمْعُهُ وَ قَلْبُهُ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآْيَةَ - فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 13 ص 352.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 122.

كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ‌(1)-(2).

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً نَكَتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةً بَيْضَاءَ وَ فَتَحَ مَسَامِعَ قَلْبِهِ وَ وَكَّلَ بِهِ مَلَكاً يُسَدِّدُهُ وَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ سُوءاً نَكَتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ وَ سَدَّ مَسَامِعَ قَلْبِهِ وَ وَكَّلَ بِهِ شَيْطَاناً يُضِلُّهُ‌(3).

1) . الانعام، 125.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 214.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 214.

الرذيلة السادسة‌عشرة: القسوة

اشارة

و هي لغة الصلب و الغلظ، و اصطلاحاً تطلق على قلب غير رؤفٍ رحيم، و تطلق على ذلك القلب الفظّ و الغليظ.

قال اللّٰه تعالى: (وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ‌)(1).

و تطلق على صاحب ذلك القلب غليظ القلب و بالفارسية «تندخو» و « سنگ دل» و كذلك في الاصطلاح تطلق على قلب لايقبل الهداية و لا يخضع للحق، و لو قبله حيناً مّا لايكون إلّابعسرٍ و حرجٍ شديد و يثقل عليه الخشوع و الخضوع له، فيقال لذلك القلب ضيّق الصدر. فكانّه ظرف لا يسع للهداية الالهيّة، و ما ينزل له من الحق بل كانّه سُدَّ بابه و لا ينفذ فيه شيء و يقال لصاحب ذلك القلب بالفارسية «تنگ نظر» و «سر سخت»


1) . آل عمران، 159.

قال تعالى: (وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي اَلسَّمٰاءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اَللّٰهُ اَلرِّجْسَ عَلَى اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ‌)(1)

فظهر ان القساوة ضد الرحمة و ضد شرح الصدر، فهى ملكة باعتبارها تفيد صلابة القلب و قساوته من غير أن تفيد ما يُنتفع به يقال لها القسوة و غلظة القلب، و لصاحبها قسى القلب و غليظ القلب و القاسى. و باعتبار ابائها عن قبول الحق و الخضوع له يقال لها ضيق الصدر و حرج الصدر و يطلق على صاحب تلك الملكة ضيق الصدر و حرج الصدر. فلو لم ترد مذمّة في هذه الملكة الا قوله تعالى:

(فَوَيْلٌ لِلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌) (2)

و قوله تعالى: (وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي اَلسَّمٰاءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اَللّٰهُ اَلرِّجْسَ عَلَى اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ‌)(3)

ليفى بياناً لكونها من أقبح الرذايل و أرذل الملكات حيث انّ كلمة الويل في الذكر الحكيم لتدلّ على عذابٍ اليم، فانظر كيف أردفه اللّٰه تعالى بقوله:

(كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اَللّٰهُ اَلرِّجْسَ عَلَى اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ‌) (4)

ليدلّ على غاية قبحها!. فحينئذٍ يظهر لك أن لا خير في المتّصف بهذه الرذيلة، بل بطن الأرض خيرٌ له من ظهرها، لأنّ الحياة لا تزيد له إلّارجساً على رجسٍ و اثماً


1) . الانعام، 125.

2) . الزمر، 22.

3) . الانعام، 125.

4) . الانعام، 125.

على اثمٍ و طغياناً على طغيانٍ‌.

قال اللّٰه تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجٰارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَ إِنَّ مِنَ اَلْحِجٰارَةِ لَمٰا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ اَلْأَنْهٰارُ وَ إِنَّ مِنْهٰا لَمٰا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ اَلْمٰاءُ وَ إِنَّ مِنْهٰا لَمٰا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللّٰهِ‌)(1)

و لهذه الملكة الخبيثة مراتب:

فالمرتبة الاولى منها: ان تهوّن لصاحبها ترك الواجبات و اتيان المحرمات و تشتد شيئاً فشيئاً حتّى تصل إلى الانكار و الاستكبار

قال تعالى: (ثُمَّ كٰانَ عٰاقِبَةَ اَلَّذِينَ أَسٰاؤُا اَلسُّواىٰ أَنْ كَذَّبُوا بِآيٰاتِ اَللّٰهِ‌)(2)

و قال تعالى: (وَ إِذْ قٰالُوا اَللّٰهُمَّ إِنْ كٰانَ هٰذٰا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنٰا حِجٰارَةً مِنَ اَلسَّمٰاءِ أَوِ اِئْتِنٰا بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ‌)(3)

فالإنذار و عدمه حينئذٍ له سيّان.

قال تعالى: (إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاٰ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اَللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ وَ عَلىٰ سَمْعِهِمْ وَ عَلىٰ أَبْصٰارِهِمْ غِشٰاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ‌)(4)

فقد يطلق على ذلك القلب القساوة و أخرى الختم و ثالثة الطبع و رابعة الزيغ و خامسة الرين، فتلك العبارات شتّى و المراد منها واحدٌ.

و المرتبة الثانية منها: غلظ القلب و عدم رقته فلايؤثّر موعظةً فيه و لا يقوم


1) . البقرة، 74.

2) . الروم، 10.

3) . الانفال، 32.

4) . البقره، 67.

بانفاقاته الواجبة و لا يؤلم و لا يتأثّر عن آلام غيره و لا يهتمّ بامور المسلمين. و المستفاد عن جملة آياتٍ و أحاديث كثيرة كون الغلظ هذا بلاءً عظيم يسلب عن صاحبه الايمان و يخرجه عن ربقة الاسلام داخلاً ايّاه في الكفر.

قال تعالى: (وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كٰافِرُونَ‌)(1)

و قال تعالى: (أَ رَأَيْتَ اَلَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذٰلِكَ اَلَّذِي يَدُعُّ اَلْيَتِيمَ * وَ لاٰ يَحُضُّ عَلىٰ طَعٰامِ اَلْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاٰتِهِمْ سٰاهُونَ * اَلَّذِينَ هُمْ يُرٰاؤُنَ * وَ يَمْنَعُونَ اَلْمٰاعُونَ‌)(2)

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ وَ مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُنَادِي يَا لَلْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ‌.(3)

و قال أبو عبداللّٰه عليه السلام: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ بَنُو أَبٍ وَ أُمٍ وَ إِذَا ضَرَبَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ عِرْقٌ سَهِرَ لَهُ الآْخَرُونَ‌.(4)

و قال أبو عبداللّٰه عليه السلام في رواية: سَبْعُ حُقُوقٍ وَاجِبَاتٍ مَا مِنْهُنَّ حَقٌّ إِلَّا وَ هُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ إِنْ ضَيَّعَ مِنْهَا شَيْئاً خَرَجَ مِنْ وِلَايَةِ اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ وَ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ فِيهِ مِنْ نَصِيبٍ قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاك وَ مَا هِيَ قَالَ يَا مُعَلَّى إِنِّي عَلَيْك شَفِيقٌ أَخَافُ أَنْ تُضَيِّعَ وَ لَا تَحْفَظَ وَ


1) . فصّلت، 67.

2) . الماعون، 17.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 164.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 165.

تَعْلَمَ وَ لَا تَعْمَلَ قَالَ قُلْتُ لَهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قَالَ أَيْسَرُ حَقٍّ مِنْهَا أَنْ تُحِبَّ لَهُ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِك وَ تَكْرَهَ لَهُ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ‌(1).

و المرتبة الثالثة منها: انه يلتذّ ممّا يهين بغيره، كوهنه، و ضربه و شتمه و قتله كما تلتذّ الهرّة من ان يعبث و يلعب بالفأرة،

قال تعالى: (قُتِلَ أَصْحٰابُ اَلْأُخْدُودِ * اَلنّٰارِ ذٰاتِ اَلْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهٰا قُعُودٌ * وَ هُمْ عَلىٰ مٰا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَ مٰا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّٰ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللّٰهِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَمِيدِ)(2)

هذا شهادة القرآن بأنّ اصحاب الاخدود كانوا يفرحون و يلتذّون بما زيّن لهم هذه الملكة الخبيثة، و هو احراقهم المؤمنين بما لا يؤمنوا به.

كما يشهد بأنّ فرعون و آله كانوا يذبّحون أبناء بنى اسرائيل و يستحيون نساءهم، فلو كان المراد من ذبح الابناء هو قتلهم و من استحياء النساء هو ترقيقهنّ كما هو ظاهر الآيات و عليه عموم المفسرين فمعناه ان قساوة فرعون و جنوده بلغت إلى ما كانوا يفعلون بالمستضعفين و المظلومين ما لا يقتدر الإنسان ان يسمعه فضلاً من ان يقوم به أو يراه.

و ان كان المراد منهما انهم كانوا يرفعون الغيرة و الحميّة من الرجال و الحياء و العفّة من النساء كما هو ديدن المستثمرين الآن، و هذا المعنى قريب جداً فيقول المؤمن الرؤوف ما قال اللّٰه تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌)(3)

بل القرآن يشهد بأن قسى القلب لا يكفي بذلك بل يهلك الحرث و النسل؛


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 169.

2) . البروج، 48.

3) . الزمر، 22.

قال تعالى: (وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ يُشْهِدُ اَللّٰهَ عَلىٰ مٰا فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ اَلْخِصٰامِ * وَ إِذٰا تَوَلّٰى سَعىٰ فِي اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهٰا وَ يُهْلِكَ اَلْحَرْثَ وَ اَلنَّسْلَ وَ اَللّٰهُ لاٰ يُحِبُّ اَلْفَسٰادَ * وَ إِذٰا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اَللّٰهَ أَخَذَتْهُ اَلْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ اَلْمِهٰادُ)(1).

و قد أشرنا إلى المشهور من مذهب المفسّرين في تلك الكريمات من أنّ المراد منها أنّ قسىّ القلب العادم الرحمة إذا غلب على الأرض لا يأمر أهلها إلّابخرابها و لا يريد إلّااهلاك الحرث و النسل، كما هو مذكورٌ في الحروب الصليبيّة و تواريخها و كما هو مشاهدٌ اليوم في اغتيالهم على أراضى المسلمين في هرزغوين حيث يقتلون رجالهم و يذبّحون أطفالهم و العياذ باللّٰه ممّا يفعلون بنسائهم، هذا مع أمر الدول العظمى بسكوت المجامع العالميّة المدافعة عن حقوق الناس، فليست هذه المجامع إلّا ملعبةً في أيدى المسلّطين على العالم جوراً و عدواناً، فهم مصداق قوله تعالى:

(وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ يُشْهِدُ اَللّٰهَ عَلىٰ مٰا فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ اَلْخِصٰامِ‌) (2).

يكفيك هذه الكريمة حذراً عن هذه الرذيلة و تهديداً بعواقبها و ما يترتّب عليها.

و امّا على المختار في تفسير الآية - و قد أشرنا إليه آنفاً -، فهذا أقبح من مختار المشهور في رؤية القرآن الكريم و رأيها، و هو أيضاً ممّا يترتّب على قسوة القلب و


1) . البقره، 206-204.

2) . البقرة، 204.

صلبها، نعوذ باللّٰه منها.

ما يوجب القسوة و زوالها

و في الختام نشير إلى علل حدوث هذه الرذيلة في النّفس، و ما يوجب ارتفاعها، مستضيئين من القرآن الشريف.

أمَّا الّذي يوجب القساوة، فهو:

الف: ان وقوع الذنب على ذنبٍ يوجب القساوة.

قال اللّٰه تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ‌)(1)

أي: بعد ذنبٍ حدث على ذنب آخر.

فالتوغّل في الآثام يوجب القساوة، و هي توجب مفاسد عظمى حتّى الكفر و قتل الانبياء.

قال تعالى: (وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ وَ اَلْمَسْكَنَةُ وَ بٰاؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اَللّٰهِ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كٰانُوا يَكْفُرُونَ بِآيٰاتِ اَللّٰهِ وَ يَقْتُلُونَ اَلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ ذٰلِكَ بِمٰا عَصَوْا وَ كٰانُوا يَعْتَدُونَ‌)(2).

فهذه الايات تدلّ على انّهم كانوا يعتدون و يعصون فبذلك قست قلوبهم فأدّى أمرهم إلى هذين الموبقين الكبيرين.

ب: ان الغفلة عن ذكر اللّٰه تعالى، سيما الصلوة الّتي سمّاها اللّٰه الذكر الكثير توجب القسوة و عماء القلب في الدارين.


1) . البقرة، 74.

2) . البقرة، 61.

قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌)(1)

و قال تعالى: (وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ أَعْمىٰ‌)(2)

و معلوم ان عماء القيامة ليست إلّاناشئةً من عماء الدنيا، و عماء الدنيا هي قسوة القلب فيها.

قال تعالى: (وَ مَنْ كٰانَ فِي هٰذِهِ أَعْمىٰ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمىٰ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً)(3)

ج: ان التوغّل في المشتهيات الدنياوية و طول الأمل فيها و تمنّى زخرفها و زبرجها يوجب قسوة القلب، فيترتّب عليها مفاسد اُخرى، كالغفلة عن الآخرة، و هي أشدّ ما يترتّب عليها و أعظمها.

قال تعالى: (فَطٰالَ عَلَيْهِمُ اَلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فٰاسِقُونَ‌)(4)

و قال تعالى: (إِنَّ اَلَّذِينَ لاٰ يَرْجُونَ لِقٰاءَنٰا وَ رَضُوا بِالْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ اِطْمَأَنُّوا بِهٰا وَ اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيٰاتِنٰا غٰافِلُونَ * أُولٰئِكَ مَأْوٰاهُمُ اَلنّٰارُ بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ‌)(5)

و قال تعالى: (وَ جِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ اَلْإِنْسٰانُ وَ أَنّٰى لَهُ اَلذِّكْرىٰ * يَقُولُ يٰا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيٰاتِي)(6).


1) . الزمر، 22.

2) . - ‍الزمر، 22.

3) . الاسراء، 72.

4) . الحديد، 16.

5) . يونس، 78.

6) . الفجر، 23.

هذا هو المستفاد من الوحى المبين في ما يوجب القسوة.

اما الّذي يوجب رفع هذه الرذيلة فهو:

الف: التوبة من الذنب و هي توجب رفع القساوة و لو وصل ذنوبه إلى النهاية

قال اللّٰه تعالى: (إِلاّٰ مَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صٰالِحاً فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اَللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ‌)(1).

فان المراد بالتبديل امحاء السيئات و ايجاد الحسنات الحاصلة من التوبة قلبها، كما هو ظاهر الآية الشريفة، و اللافت للنّظر أنّ هذا الامحاء و الايجاد لايمكن إلّابعد رفع القسوة عن القلب و تنويرها بنور الرحمة و الرأفة، لان تلك السيّئات تنشأ من تلك القسوة كما ان تلك الحسنات تنشأ من ذلك النور.

و اما ان كان المراد بالتبديل هو تبديل قسوة القلب بالرحمة و اللين و تنويره بنور التوبة فالآية الشريفة بلاتكلف تدلّ على المقصود، إذ اشدّ سيّئات القلب و أعظمها هو قسوته وأفضل حسناته هو رحمته ورأفته.

و عن ابى‌عبداللّٰه عليه السلام: إِذَا أَذْنَبَ الرَّجُلُ خَرَجَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِنْ تَابَ انْمَحَتْ وَ إِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يُفْلِحُ بَعْدَهَا أَبَداً(2).

ب: الذكر بمراتبه من اللفظى و القلبى و العملى و قد يقال له اليقظة، و هي التنبّه و التوجّه إلى اللّٰه، و إلى كون العوالم بأسرها بمحضره تعالى و بانه في مسيرٍ اَلا و منتهاه هو اللّٰه تعالى و ان له منزلاً لو نزل فيه فله مقام كريم كما أنّ له منزلاً في الجحيم


1) . الفرقان، 70.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 271.

لو نزل فيها لا يشمله إلّاغضب اللّٰه و عقابه - نعوذ به منه! -.

قال اللّٰه تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اَللّٰهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً)(1)

و عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: مِنْ أَشَدِّ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ ذِكْرُ اللَّهِ كَثِيراً ثُمَّ قَالَ لَا أَعْنِي سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَ إِنْ كَانَ مِنْهُ وَ لَكِنْ ذِكْرَ اللَّهِ عِنْدَ مَا أَحَلَّ وَ حَرَّمَ فَإِنْ كَانَ طَاعَةً عَمِلَ بِهَا وَ إِنْ كَانَ مَعْصِيَةً تَرَكَهَا.(2)

و بالجملة ان الذكر بمراتبه من اللفظى و القلبى و العملى جلاء القلب و لهذا جُعِل للسّائرين كدُستورٍ يعملون به، و أمر اللّٰه رسوله في سورة المزّمّل الّتي هي بمنزلة برنامج له في اول البعثة بقوله تعالى:

(وَ اُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً) (3)

ج: العبادات كلها من القلبية كالخلوص و الخضوع و التقرب، و البدنيّة كالصلوة و الصوم، و الماليّة كالانفاقات توجب جلاء القلب و الخروج من الظّلمات إلى النّور،

قال تعالى: (قَدْ جٰاءَكُمْ مِنَ اَللّٰهِ نُورٌ وَ كِتٰابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اَللّٰهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوٰانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاٰمِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلىٰ صِرٰاطٍ


1) . الاحزاب، 42-41.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 80.

3) . المزمل، 8.

مُسْتَقِيمٍ‌) (1).

و في الختام نذكر بعض الروايات الواردة من اهل البيت عليهم السلام في هذا البحث استضاء من نور مشكوة الولاية و استهداءً به.


1) . المائدة، 16-15.

روايات في القسوة

عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى رَفَعَهُ قَالَ‌: فِيمَا نَاجَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ مُوسَى ع يَا مُوسَى لَا تُطَوِّلْ فِي الدُّنْيَا أَمَلَك فَيَقْسُوَ قَلْبُك وَ الْقَاسِي الْقَلْبِ مِنِّي بَعِيدٌ.(1)

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع لَمَّتَانِ لَمَّةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ وَ لَمَّةٌ مِنَ الْمَلَك فَلَمَّةُ الْمَلَك الرِّقَّةُ وَ الْفَهْمُ وَ لَمَّةُ الشَّيْطَانِ السَّهْوُ وَ الْقَسْوَةُ‌.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِذَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَبْدَ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ كَافِراً لَمْ يَمُتْ حَتَّى يُحَبِّبَ اللَّهُ إِلَيْهِ الشَّرَّ فَيَقْرُبَ مِنْهُ فَابْتَلَاهُ بِالْكِبْرِ وَ الْجَبَرِيَّةِ فَقَسَا قَلْبُهُ وَ سَاءَ خُلُقُهُ وَ غَلُظَ وَجْهُهُ وَ ظَهَرَ فُحْشُهُ وَ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَ كَشَفَ اللَّهُ سِتْرَهُ وَ رَكِبَ الْمَحَارِمَ فَلَمْ يَنْزِعْ عَنْهَا ثُمَّ رَكِبَ مَعَاصِيَ اللَّهِ وَ أَبْغَضَ طَاعَتَهُ وَ وَثَبَ عَلَى النَّاسِ لَا يَشْبَعُ مِنَ الْخُصُومَاتِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ وَ اطْلُبُوهَا مِنْهُ‌.(3)

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: كَانَ الْمَسِيحُ ع يَقُولُ لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ فِي غَيْرِ ذِكْرِ


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 329.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 330.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 330.

اللَّهِ فَإِنَّ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ الْكَلَامَ قَاسِيَةٌ قُلُوبُهُمْ وَ لَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ‌.(1)

عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ‌: مَاتَ لِبَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع وَلَدٌ فَحَضَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع جِنَازَتَهُ فَلَمَّا أُلْحِدَ تَقَدَّمَ أَبُوهُ لِيَطْرَحَ عَلَيْهِ التُّرَابَ فَأَخَذَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع بِكَفَّيْهِ وَ قَالَ لَا تَطْرَحْ عَلَيْهِ التُّرَابَ وَ مَنْ كَانَ مِنْهُ ذَا رَحِمٍ فَلَا يَطْرَحْ عَلَيْهِ التُّرَابَ فَقُلْنَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَ تَنْهَى عَنْ هَذَا وَحْدَهُ فَقَالَ أَنْهَاكُمْ أَنْ تَطْرَحُوا التُّرَابَ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ فَإِنَّ ذَلِك يُورِثُ الْقَسْوَةَ وَ مَنْ قَسَا قَلْبُهُ بَعُدَ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ‌.(2)

في وصيّة امام الباقر عليه السلام لجابر:... وَ تَعَرَّضْ لِرِقَّةِ الْقَلْبِ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ فِي الْخَلَوَاتِ وَ اسْتَجْلِبْ نُورَ الْقَلْبِ بِدَوَامِ الْحُزْنِ وَ تَحَرَّزْ مِنْ إِبْلِيسَ بِالْخَوْفِ الصَّادِقِ وَ إِيَّاك وَ الرَّجَاءَ الْكَاذِبَ فَإِنَّهُ يُوقِعُك فِي الْخَوْفِ الصَّادِقِ وَ تَزَيَّنْ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِالصِّدْقِ فِي الْأَعْمَالِ وَ تَحَبَّبْ إِلَيْهِ بِتَعْجِيلِ الِانْتِقَالِ وَ إِيَّاك وَ التَّسْوِيفَ فَإِنَّهُ بَحْرٌ يَغْرَقُ فِيهِ الْهَلْكَى وَ إِيَّاك وَ الْغَفْلَةَ فَفِيهَا تَكُونُ قَسَاوَةُ الْقَلْب.(3)

فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ ص إِلَى عَلِيٍّ ع يَا عَلِيُّ أَرْبَعُ خِصَالٍ مِنَ الشَّقَاءِ جُمُودُ الْعَيْنِ وَ قَسَاوَةُ الْقَلْبِ وَ بُعْدُ الْأَمَلِ وَ حُبُّ الْبَقَاءِ‌.(4)

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع مَا جَفَّتِ الدُّمُوعُ إِلَّا لِقَسْوَةِ الْقُلُوبِ وَ مَا قَسَتِ الْقُلُوبُ إِلَّا لِكَثْرَةِ الذُّنُوبِ‌(5)

أَنَّ بَعْضَ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ شَكَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَسْوَةَ الْقَلْبِ وَ قِلَّةَ الدَّمْعَةِ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 14 ص 331.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 79 ص 35.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 164.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 52.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 55.

فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ كُلِ الْعَدَسَ فَأَكَلَ الْعَدَسَ فَرَقَّ قَلْبُهُ وَ كَثُرَتْ دَمْعَتُهُ‌.(1)

عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ‌: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرِقَ قَلْبُهُ فَلْيُدْمِنْ أَكْلَ الْبَلَسِ يَعْنِي التِّينَ‌(2).

1) . راجع: بحار الأنوار، ج 14 ص 460.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 63 ص 187.

الفصل الخامسة‌عشر

اشارة

الفضيلة السادسة‌عشرة: العفّة

الرّذيلة السابعة‌عشرة: الشرة

الرّذيلة الثامنة‌عشرة: الخمود

الفضيلة السّادسة‌عشرة: العفَّة

اشارة

و هي ملكة يُقتدَر بها على الغلبة على الشهوات، و كثيراً ما تطلق على الكفّ عن الشهوات بقهر كان أو بسهولة، يعنى كان الكفّ عن ملكةٍ أو لا عن ملكةٍ‌، بل بقهر النّفس من غير سهولةٍ‌، فلذا فسّرها القاموس بالكفّ عمّا لايحلّ و لايجمل، و لكن العفّة في هذا العلم لا يطلق إلّاإذا كان عن ملكةٍ راسخةٍ في نفس صاحبها، و التعفّف هو الكفّ و استعمال كلّ للآخر ضرب من المجاز.

و هذه الملكة كملكة الغيرة و ان كانت لها معنىً عريضٌ بحيث تشتمل الغلبة على اىّ شهوة ممّا لاتحلّ و لاتجمل، الا ان استعمالها في عفّة البطن و الفرج اكثر.

قال اللّٰه تعالى: (يَحْسَبُهُمُ اَلْجٰاهِلُ أَغْنِيٰاءَ مِنَ اَلتَّعَفُّفِ‌)(1)


1) . البقرة، 273.

و قال تعالى: (وَ لْيَسْتَعْفِفِ اَلَّذِينَ لاٰ يَجِدُونَ نِكٰاحاً حَتّٰى يُغْنِيَهُمُ اَللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ‌)(1)

و في روايات كثيرة عن اهل البيت عليهم السلام: «إِنَّ أَفْضَلَ الْعِبَادَةِ عِفَّةُ الْبَطْنِ وَ الْفَرْجِ‌»(2).

كما ان اطلاقها في علمنا هذا على عفّة الفرج سيّما في جانب النساء اكثر من اطلاقها على غيرها في غيرهنّ‌، بل يمكن ادّعاء ان لفظ الغيرة عند عامّة الناس تختصّ بالرجال و لفظ العفّة بالنساء و المراد منها ما يدلّ على تعفّف الناس فيما يرجع إلى الجنس و شهوته، و الامر سهل بعد وضوح المعنى.

و البحث هنا اوّلاً في عفّة الفرج ثمّ نذيّله بالبحث عن عفّة البطن انشاءاللّٰه، و اما البحث عن غيرهما من انواع العفاف، فيسأتى في البحث عن الحرص و الطمع و الرغبة عن الدنيا و غير ذلك انشاءاللّٰه تعالى.

و هذه الملكة بعد تمكّنها في النّفس تسرى إلى الجوارح، فتؤدّى بصاحبها إلى عفّة العين، فلا يرى ما لا يحلّ و لا يجمل، و إلى عفّة الأذن فلا يسمع ما لا يحلّ و لا يجمل، فلا يلفظ بقولٍ ركيك مستهجن، كما لا يسمع من أحدٍ كلاماً ركيكاً، و لا يرى أحدٌ قبائح اعضائه و جوارحه، كما لا يرى هو قبيح أعضاء غيره.

فالعفّة كالستر تستر المرء و المرأة و هي كالجلباب لهما، فالعفيف و العفيفة مستوران عن الناس حتّى عن المحارم إلّاما يرتبط بالزوج و الزوجة، كما هو مقتضى الفطرة.


1) . النور، 33.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 269.

و بعبارةٍ أخرى ان هذه الملكة تحدّد التمايلات و الشهوات تحديداً تامّاً، سيما الشهوة الجنسيّة و من حصّل على ذلك فهو اعبد الناس و له خير الدنيا و الآخرة.

قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ اَلْمُؤْمِنُونَ * اَلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاٰتِهِمْ خٰاشِعُونَ * وَ اَلَّذِينَ هُمْ عَنِ اَللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكٰاةِ فٰاعِلُونَ * وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ * إِلاّٰ عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ اِبْتَغىٰ وَرٰاءَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلعٰادُونَ‌)(1)

و عن ابى‌جعفر عليه السلام: «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْ‌ءٍ أَفْضَلَ مِنْ عِفَّةِ بَطْنٍ وَ فَرْجٍ‌»(2).

هذا اول مرتبة من مراتب هذه الملكة، حيث لها مراتب شدّةً و ضعفاً و أفضل مراتبها و أعظمها هي تسلّط هذه الملكة على القلب الّذي هو حرم اللّٰه، فلا يدخل فيه الا اللّٰه تبارك و تعالى، فاذاً يريه اللّٰه تعالى ملكوت السموات و الارض يعنى يجد و يأنس بقيّوميّة الحق كمن يجد ثلج فؤاده من شرب شرابٍ طهورٍ. و يجد سرابيّة عالم الوجود و انه فقر محض و يجد معنى قوله تعالى: (اَللّٰهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ‌)(3)و قوله تعالى: (كَسَرٰابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اَلظَّمْآنُ مٰاءً‌)(4)

و بعبارةٍ اولى يجد معنى قوله تعالى: (هُوَ اَلْأَوَّلُ وَ اَلْآخِرُ وَ اَلظّٰاهِرُ وَ اَلْبٰاطِنُ‌)(5).

فحينئذ يبارك اللّٰه له فيما يدرك و يرى، كما قال لموسى بن عمران و عائلته اذ


1) . المؤمنون، 17.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 79.

3) . البقرة، 255

4) . النور، 39.

5) . الحديد، 3.

وجدوا ذلك المقام،

قال تعالى: (فَلَمّٰا جٰاءَهٰا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي اَلنّٰارِ وَ مَنْ حَوْلَهٰا وَ سُبْحٰانَ اَللّٰهِ رَبِّ اَلْعٰالَمِينَ‌)(1)

فوجد موسى بن عمران قيّوميّة الحقّ حق اليقين و هو قوله تعالى: (مَنْ فِي اَلنّٰارِ)، و وجدتها عائلته عين اليقين و هو قوله تعالى: (وَ مَنْ حَوْلَهٰا) فطوبى لهم و حسن ماب.

ثم لا يخفى ان هذه الفضيلة للانسان سيما للنساء واجبةٌ لابدّ منها، كما أنّ الملح في الغذاء لازمٌ لا يصلح الطعام إلّابه فمن لا عفّة له جلف مزوّقٌ تضرّ مصاحبته و انه كمن يظهر عورته، فكما ان كشف العورة عار و شنار فكذلك من لا عفّة له سيرته عارٌ و شنار.

و عن أبي جعفر عليه السلام في تفسير قول اللّٰه تعالى: (يٰا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنٰا عَلَيْكُمْ لِبٰاساً يُوٰارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً وَ لِبٰاسُ اَلتَّقْوىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ) (2)فَأَمَّا اللِّبَاسُ فَالثِّيَابُ الَّتِي يَلْبَسُونَ وَ أَمَّا الرِّيَاشُ فَالْمَتَاعُ وَ الْمَالُ وَ أَمَّا لِبَاسُ التَّقْوَى‌فَالْعَفَافُ إِنَّ الْعَفِيفَ لَا تَبْدُو لَهُ عَوْرَةٌ وَ إِنْ كَانَ عَارِياً مِنَ الثِّيَابِ وَ الْفَاجِرُ بَادِي الْعَوْرَةِ وَ إِنْ كَانَ كَاسِياً مِنَ الثِّيَابِ يَقُولُ اللَّهُ وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِك خَيْرٌ يَقُولُ الْعَفَافُ خَيْرٌ».(3)

و من تامّل في قصة يوسف و المرأة الهائمة به رأى صدق كلام الباقر عليه السلام، لان


1) . النمل، 8.

2) . الاعراف، 26.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 271.

يوسف لم يكن له شيء من الدنيا و زخارفها فلم يكن له مال و لا مرتبة و لا قدرة و لا شوكة و لا اقرباء حتّى ان اخوته جنوا به ما أرادوا و لم يكن له رادعٌ عنهم حتّى أنّه لم يكن يملك نفسه بل كان عبداً لتلك المرأة المشار اليها و لكن كان عفيفاً في الجلوة و الخلوة حتّى حين قالت له هيت لك، بل أمرتْه به، و لم يكن حينئذٍ مانعٌ إلّاعفّته، و قد أخبر اللّٰه تعالى عن عظم خطر خلوتها به حيث قال: بعظمة خطر تلك الخلوة بقوله تعالى: (وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهٰا لَوْ لاٰ أَنْ رَأىٰ بُرْهٰانَ رَبِّهِ‌)(1)

فتلك العفّة أوجبت ان يقول: (قٰالَ رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّٰا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ‌)(2)حين حاصرتها الفتيات المتجمّلات داعيات له إلى نفسهنّ‌، فعفّته أنجته عن السقوط في ورطة الشهوات و مهالك الرذائل، و تلك العفّة منحته مرتبةً لو اجتمعت الجن و الانس على أن ترفعوه فوقها لم يكن لهم طريقٌ اليه!.

و امّا المرأة الهائمة بها، فكانت امرأة العزيز، و لها ما تتمنّاه امرأةٌ ذات شوكةٍ جميلةٍ‌، ولكن لم يكن لها الجمال الحقيقى أي: العفّة، فسقطت ما لا يمكن أرذل منه و القرآن الكريم يشير إلى رفعة يوسف بقوله: (مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ‌)(3)بعد بيان رتبته في الحكم كما يشير إلى انحطاط المرأة بقوله:

(قٰالَتِ اِمْرَأَةُ اَلْعَزِيزِ اَلْآنَ حَصْحَصَ اَلْحَقُّ أَنَا رٰاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ‌) (4)بعد بيان سقوطها في غياهب


1) . يوسف، 24.

2) . يوسف، 33.

3) . يوسف، 90.

4) . يوسف، 51.

الشهوات.

هذا مع انه لو لم يلزم العفّة شيء غير كون المجتمع و صلاحه مرهونٌ بها، و فساده أيضاً كذلك، ليكفيك ان تذعن انّها خير الصفات بالنسبة إلى الفرد و المجتمع، كما قد أشرنا إلى أنّ مثيري الفساد في المجامع الانسانيّة طمعاً للوصول إلى أميالهم، ليسعون في بثّ الفساد الاخلاقى فيها و فسّرنا قوله - تعالىٰ‌! -: (وَ يُهْلِكَ اَلْحَرْثَ وَ اَلنَّسْلَ‌) و قوله - تعالىٰ‌! -: (يُذَبِّحُ أَبْنٰاءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِسٰاءَهُمْ‌) بان المفسدين مثل فرعون كانوا يهلكون الرجال و النساء باخذ الغيرة منهم و اخذ العفة منهن.

و القرآن لاهتمامه البالغ بهذه كرّر ان مريم عليها السلام استحقت ان تكون آية للعالمين و ان ينفخ فيها من روح اللّٰه لكونها متصفةً بأعلى مدارج هذه الفضيلة.

قال تعالى: (وَ اَلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهٰا فَنَفَخْنٰا فِيهٰا مِنْ رُوحِنٰا وَ جَعَلْنٰاهٰا وَ اِبْنَهٰا آيَةً لِلْعٰالَمِينَ‌).(1)

كما نرى أنّ اللّٰه تعالى يذكر في القرآن الكريم العفّة كصفةٍ من صفات حور العين، و تكرارها يقيد كونها من أحسن صفاتها، أو أحسنها على الاطلاق، و هذا يدلّ على كونها أعلى صفات المرئة بل الرجل و أحسنها.

قال تعالى: (وَ عِنْدَهُمْ قٰاصِرٰاتُ اَلطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ‌)(2)

و قال تعالى: (فِيهِنَّ قٰاصِرٰاتُ اَلطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لاٰ جَانٌّ‌)(3)


1) . الانبياء، 91.

2) . الصفات، 49-48.

3) . الرحمن، 56.

و قال تعالى: (حُورٌ مَقْصُورٰاتٌ فِي اَلْخِيٰامِ‌)(1)

و قال تعالى: (وَ حُورٌ عِينٌ * كَأَمْثٰالِ اَللُّؤْلُؤِ اَلْمَكْنُونِ‌)(2)

فترى في تلك الآيات: أوّلاً: انّهن قاصرات الطرف أي: لا ينظرن إلّاإلى أزواجهنّ‌، و ثانياً: انّهن كاللؤلؤ المكنونة أي: لا ينظر اليهنّ إلّاازواجهنّ و ثالثاً:

تباعدهنّ عن المرئى و المنظر، فهنّ في بيوتهنّ لا يطمثهنّ حتّى نظر الاجنبىّ‌.

ثمّ انّ هذه الملكة و ان كانت فطرية و لا سيّما بالنسبة إلى النساء، و لكنّها كالقوارير المذهّبات الغاليات، يمكن أن تُكسر إذا أصابها ما يضادّها، و هذا سرّ اهتمام القرآن الكريم بحفظها عمّا يضادّها، فنهى أوّلاً عن نظر كلّ من الاجنبى و الاجنبيّة إلى الآخر، لئلّا يؤدّى بهما إلى ما لا يجوز.

قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكىٰ لَهُمْ إِنَّ اَللّٰهَ خَبِيرٌ بِمٰا يَصْنَعُونَ * وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ‌)(3).

ثم نهى ثانياً عن القول بما يخالف العفّة، صورةً و معنىً‌، لئلّا يؤدّى إلى طعنها.

قال اللّٰه تعالى: (فَلاٰ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ اَلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ‌)(4)

ثمّ نهى رابعاً عن التبرّج، و هو من سيرة الفواحش في الجاهلية، و هذا أضرّ


1) . الرحمن، 72.

2) . الواقعه، 23-22.

3) . النور، 31-30.

4) . الاحزاب، 32.

شىءٍ بالنسبة إلى العفّة.

قال تعالى: (وَ لاٰ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ اَلْجٰاهِلِيَّةِ اَلْأُولىٰ‌)(1)

ثمّ حذّر رابعاً عن مخالطة الجنسين و لو في القول، و علّل الحذر هذا بأنّه يوجب رفع العفّة عن المجتمع، بينما أنّ انفصالهما أبقى و أدوم لهذه الفضيلة.

قال تعالى: (وَ إِذٰا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتٰاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِهِنَّ‌)(2)

و قال تعالى: (مُحْصَنٰاتٍ غَيْرَ مُسٰافِحٰاتٍ وَ لاٰ مُتَّخِذٰاتِ أَخْدٰانٍ‌)(3)

و قال تعالى: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰافِحِينَ وَ لاٰ مُتَّخِذِي أَخْدٰانٍ‌)(4)

(و الخدن هو اخذ المصاحب من غير جنسه كاخذ المرء مرئة مصاحبة، أو اخذ المرئة مرءً مصاحبا).

ثمّ امرها خامساً بسترها نفسها من الرأس حتّى القدم، لأنّ سترها يدلّ على عفّتها.

قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ وَ بَنٰاتِكَ وَ نِسٰاءِ اَلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ‌)(5).

ثمّ هدّد سادساً السفلة من الناس بالنّفى و التغريب لو قاموا بما يخالف العفّة


1) . الاحزاب، 33.

2) . الاحزاب، 53.

3) . النساء، 25.

4) . المائدة، 5.

5) . الاحزاب، 59.

كمخالطة النّاس و مزاحمتهنّ‌، ثمّ هدّدهم بالقتل ليكون هذا التهديد أمكن في نفوسهم، و ذلك كلّه حفاظاً على العفّة.

قال تعالى: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ اَلْمُنٰافِقُونَ وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ اَلْمُرْجِفُونَ فِي اَلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاٰ يُجٰاوِرُونَكَ فِيهٰا إِلاّٰ قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمٰا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلاً)(1)

ثمّ عطف البيان سابعاً نحو البيت، و أمر باستيذان الأطفال للدخول إلى الأبوين حين أن خليا بأنفسهما لئلّا يرى الطفل ما يشين عفّته، و ذلك لكون البيت و الأسرة العفيفة اللبنة الأولى لبناء المجتمع العفيف.

قال تعالى: (لِيَسْتَأْذِنْكُمُ اَلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ وَ اَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا اَلْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاٰثَ مَرّٰاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاٰةِ اَلْفَجْرِ وَ حِينَ تَضَعُونَ ثِيٰابَكُمْ مِنَ اَلظَّهِيرَةِ وَ مِنْ بَعْدِ صَلاٰةِ اَلْعِشٰاءِ ثَلاٰثُ عَوْرٰاتٍ لَكُمْ‌)(2)

ثمّ أمر ثامناً بوجوب الاستيذان على الطفل إذا بلغ الحلم للدخول إلى أبويه، و ذلك لما أشرنا إليه آنفاً من الاحتفاظ على عفّته.

قال تعالى: (وَ إِذٰا بَلَغَ اَلْأَطْفٰالُ مِنْكُمُ اَلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اِسْتَأْذَنَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‌)(3).

ثمّ أمر تاسعاً الأمّة الاسلاميّة بالحفاظ على زواج الشّباب و المسارعة فيه، من غير خوفٍ عن العيلة و العُدم، و هذا كما يجب على الدولة و الحُكم، يجب على آحاد


1) . الاحزاب، 61-60.

2) . النور، 58.

3) . النور، 59.

المسلمين لو لم تقم به الدولة،

قال تعالى: (وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ اَلصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اَللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ‌).(1)

و ليس هذا إلّالكون الزواج أحكم للعفّة و أدوم لها، قال تعالى:

(وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوٰالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰافِحِينَ‌) (2).

يعنى ان من الحِكَم لِوضع النكاح هو العفة و الاجتناب عن السفاح و ما يخالف العفّة.

و قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «مَنْ تَزَوَّجَ أَحْرَزَ نِصْفَ دِينِهِ وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي النِّصْفِ الآْخَرِ أَوِ الْبَاقِي».(3)

هذا من ناحيةٍ‌، و من ناحيةٍ أخرى أمر اللّٰه تعالى بالتيسير و المساهلة فيما يرجع إلى مشاكل الزواج المادّية، أضف إلى ذلك تشريع الاسلام الزواج غير الدائم، لئلّا يكون حرجٌ على من لا يتمكّن من الزواج الدائم، ثمّ رغّب فيها حفاظاً على عفّة المجتمع و صلاحها. و بعد ذلك كان يقول اميرالمؤمنين عليه السلام: «لا يزنى بعد ذلك الا شقىّ‌».

ثمّ قام عاشراً بأمر من لا يجد إلى النكاح سبيلاً بالعفاف و ذلك بقلّة الأكل و بكثرة الرياضات الشرعيّة كالصوم و الصلاة، و بالاجتناب عن مخالطة غير جنسه


1) . النور، 32.

2) . النساء، 24.

3) . راجع: الكافي، ج 5 ص 328.

أو جنسها، و بالاجتناب عمّا يثير الشهوة الجنسيّة و يهيّجها، و ما إلى ذلك. فانظر هل ترى أطروحةً أحسن من أطروحة الاسلام للحفاظ على العفّة الفردية و الجماعيّة‌؟، و هل يمكن أن يخطّط لها أحسن من هذا التّخطيط؟. قال تعالى:

(وَ لْيَسْتَعْفِفِ اَلَّذِينَ لاٰ يَجِدُونَ نِكٰاحاً حَتّٰى يُغْنِيَهُمُ اَللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ‌).(1)

تتمّةٌ في عفّة البطن

قد استكثر في الروايات ذكر عفّة البطن و المراد منها الاجتناب عمّا لايحل و لايجمل اكله و شربه شريطة ان يكون عن ملكةٍ‌، فعفيف البطن له ملكة يقتدر بها على الاجتناب عن المحرمات من المأكولات و المشروبات، بل عن المشتبهات و المكروهات منهما، بل عن كثرة الاكل و الشرب، بل يجتنب عمّا لا يجب أكله، كالتنقّلات.

فبناء على ذلك لها مراتب، و المرتبة الضعيفة منها ان لايأكل و لايشرب إلّا الحلال الباتّ و ذلك من افضل العبادات:

عن أبي بصير قال: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي جَعْفَرٍ ع إِنِّي ضَعِيفُ الْعَمَلِ قَلِيلُ الصِّيَامِ وَ لَكِنِّي أَرْجُو أَنْ لَا آكُلَ إِلَّا حَلَالًا قَالَ فَقَالَ لَهُ أَيُّ الِاجْتِهَادِ أَفْضَلُ مِنْ عِفَّةِ بَطْنٍ وَ فَرْجٍ‌»(2).

و تشتدّ تلك الملكة بالمداومة عليها، فيرتقى إلى مرتبةٍ لا يأكل و لايشرب المشتبهات و المكروهات و ذلك افضل من المرتبة الاولى و قد فسر الائمّة عليهم السلام قوله


1) . النور، 33.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 79.

تعالى: (فَاتَّقُوا اَللّٰهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ‌)(1)و قوله تعالى: (اِتَّقُوا اَللّٰهَ حَقَّ تُقٰاتِهِ‌) (2)بهذه المرتبة، و في روايات كثيرة جعلت هذه المرتبة، من الرياضات المشروعة الّتي تنجّى من الهلكات، و ان عدم مراعات المشتبهات و الوقوع فيها، يوجب الوقوع في الهلكات من حيث لا يشعر:

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص حَلَالٌ بَيِّنٌ وَ حَرَامٌ بَيِّنٌ وَ شُبُهَاتٌ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ ذَلِك فَمَنْ تَرَك الشُّبُهَاتِ نَجَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَ مَنْ أَخَذَ بِالشُّبُهَاتِ ارْتَكَبَ الْمُحَرَّمَاتِ وَ هَلَك مِنْ حَيْثُ لَايَعْلَم».(3)

و افضل من هذه المرتبة ان لا يأكل و لا يشرب من الحلال الباتّ إلّابما يجب، حيث لم يكن بدٌّ منه؛

و في الرواية المعراجيَّة: «يَا أَحْمَدُ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْراً مِنْ لُؤْلُؤٍ فَوْقَ لُؤْلُؤٍ وَ دُرَّةٍ فَوْقَ دُرَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَصْمٌ وَ لَا وَصْلٌ فِيهَا الْخَوَاصُّ أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً فَأُكَلِّمُهُمْ كُلَّمَا نَظَرْتُ إِلَيْهِمْ وَ أَزِيدُ فِي مِلْكِهِمْ سَبْعِينَ ضِعْفاً وَ إِذَا تَلَذَّذَ أَهْلُ الْجَنَّةِ بِالطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ تَلَذَّذُوا أُولَئِك بِذِكْرِي وَ كَلَامِي وَ حَدِيثِي قَالَ يَا رَبِّ مَا عَلَامَةُ أُولَئِك قَالَ مَسْجُونُونَ قَدْ سَجَنُوا أَلْسِنَتَهُمْ مِنْ فُضُولِ الْكَلَامِ وَ بُطُونَهُمْ مِنْ فُضُولِ الطَّعَام».(4)

و قد حُدّد هذه المرتبه في الروايات و بُيّنت، استجلاباً للناس اليها، و من تلك


1) . التغابن، 16.

2) . آل عمران، 102.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 2 ص 221.

4) . آخر جزء الأوّل من ارشاد الديلمى؛ راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 23.

الروايات ما ورد عن ابى عبداللّٰه عليه السلام: «لَيْسَ لِابْنِ آدَمَ بُدٌّ مِنْ أَكْلَةٍ يُقِيمُ بِهَا صُلْبَهُ فَإِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَاماً فَلْيَجْعَلْ ثُلُثَ بَطْنِهِ لِلطَّعَامِ وَ ثُلُثَ بَطْنِهِ لِلشَّرَابِ وَ ثُلُثَ بَطْنِهِ لِلنَّفَسِ وَ لَا تَسَمَّنُوا تَسَمُّنَ الْخَنَازِيرِ لِلذَّبْحِ‌».(1)

و قال اميرالمؤمنين للحسن ابنه عليه السلام: «يَا بُنَيَّ أَ لَا أُعَلِّمُك أَرْبَعَ خِصَالٍ تَسْتَغْنِي بِهَا عَنِ الطِّبِّ فَقَالَ بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ لَا تَجْلِسْ عَلَى الطَّعَامِ إِلَّا وَ أَنْتَ جَائِعٌ وَ لَا تَقُمْ عَنِ الطَّعَامِ إِلَّا وَ أَنْتَ تَشْتَهِيهِ وَ جَوِّدِ الْمَضْغَ وَ إِذَا نِمْتَ فَأَعْرِضْ نَفْسَك عَلَى الْخَلَاءِ فَإِذَا اسْتَعْمَلْتَ هَذَا اسْتَغْنَيْتَ عَنِ الطِّبِّ‌».(2)

و هذا الحدّ هو الاذي ّكّد عليه علم الأبدان المسمّى بالطّب قديماً و حديثاً، و عن كبراء الأطبّاء: ليس شىءٌ في هذا العلم يُوصى به احتفاظاً على الصّحة أسدّ ممّا أوصى به الشريعة الغرّاء، من الأكل بعد تمام الجوع، و اتمام الأكل قبل تمام الشبع.

و هذا هو الّذي تصدقه التجربة و الاختبار، لان الاكول يجمع الفضولات و هي تبرز على صورة السمن، و هي تجلب الالام و الاسقام لتمام البدن، و ذلك لعدم جذب البدن فوق ما يحتاج من الأغذية، فهو لا يتحلّل، بل يجتمع في البدن فيسمنه، فيزيده داءً على داءٍ‌.

ثم ان الغزإلى عدّ فوائد عشرة لعفّة البطن، و لخّصها الامام اوّل النراقيّين في كتابه القيّم جامع السعادات، و نحن نذكرها نقلاً منه لحسن صنيعته في التلخيص، قال رحمه اللّٰه:


1) . راجع: الكافي، ج 6 ص 269.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 63 ص 415.

ثم للجوع فوائد و هي صفاء القلب و رقّته، و انقاد الذهن و حدته، و الالتذاذ بالمناجات و الطاعة، و الابتهاج بالذكر و العبادة، و الترحّم لارباب الفقر و الفاقة، و التذكّر لجوع يوم القيامة، و الانكسار المانع عن الطغيان والغفلة، و تيسّر المواظبة على الطاعة و العبادة، و كسر شهوات المعاصى المستولية بالشبع، و دفع النوم الّذي يضيع العمر و يكل الطبع و يفوت القيام و التهجد، و التمكّن من الايثار و التصدّق بزائد المال و خفّة المؤنة للاهتمام بالتحصيل و الاعداد و صحة البدن و دفع الامراض. انتهى كلامه رفع مقامه.

هذا مع انه اشتهر بين اصحاب القلوب و ارباب المعرفة ان القلب لو صلح صلح كلّ الاعضاء؛

قال اللّٰه - تعالىٰ‌! -: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ‌)(1)

و بصلوحه يقتدر النظر إلى ملكوت السموات و الارض.

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «لَوْ لَا أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَحُومُونَ عَلَى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ لَنَظَرُوا إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ‌».(2)

و يسهل للسّالك طىّ الطّريق باخراج الأغيار عنه و الّتمنى من صاحبه للنزول فيه.

في الحديث القدسى: «فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِ لَمْ يَسَعْنِي سَمَائِي وَ لَا أَرْضِي وَ


1) . الاسراء، 84.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 56 ص 163.

وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ‌»(1).

و هو لا يصلح إلّابالجوع و السّهر و العزلة و الصمت، أي: قلة الاكل و الشرب و قلة النوم سيما بقيام أواخر الليل ساعةً‌، و حين طلوع الفجر، و العزلة عمن لايفيد مصاحبته و قلّة الكلام و الاجتناب عمّا لايعنى و لايفيد.

و بعد هذه الاربعة تضبط و تصلح الجوارح سيما السمع و البصر، لان القلب بمنزلة البحر و الاعضاء كلها بمنزلة الانهار و الجداول الّتي تصب الماء فيه، فيشتغل القلب بما يصبّ فيه فلابد من ضبط الحواس كلها، حتّى يكون اشتغال القلب بما يصلحه و يصحّ له، حتّى ينغمر في عالم الوحدة و ينصرف عن عالم الكثرة، فيتجلى بنور اللّٰه.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 55 ص 39.

رواياتٌ في العفّة

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْ‌ءٍ أَفْضَلَ مِنْ عِفَّةِ بَطْنٍ وَ فَرْجٍ‌.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ص يَقُولُ أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الْعَفَافُ‌.(2)

عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ‌: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي جَعْفَرٍ ع إِنِّي ضَعِيفُ الْعَمَلِ قَلِيلُ الصِّيَامِ وَ لَكِنِّي أَرْجُو أَنْ لَا آكُلَ إِلَّا حَلَالًا قَالَ فَقَالَ لَهُ أَيُّ الِاجْتِهَادِ أَفْضَلُ مِنْ عِفَّةِ بَطْنٍ وَ فَرْجٍ‌.(3)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَكْثَرُ مَا تَلِجُ بِهِ أُمَّتِي النَّارَ الْأَجْوَفَانِ الْبَطْنُ وَ الْفَرْجُ‌.(4)

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص ثَلَاثٌ أَخَافُهُنَّ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي الضَّلَالَةُ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ وَ مَضَلَّاتُ الْفِتَنِ وَ شَهْوَةُ الْبَطْنِ وَ الْفَرْجِ‌.(5)

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ شَرِيفِ بْنِ سَابِقٍ أَوْ رَجُلٍ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 79.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 79.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 79.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 79.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 79.

عَنْ شَرِيفٍ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ أَبِي قُرَّةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: لَمَّا أَقَامَ الْعَالِمُ الْجِدَارَ أَوْحَى اللَّهُ تَبَارَك وَ تَعَالَى إِلَى مُوسَى ع أَنِّي مُجَازِي الْأَبْنَاءِ بِسَعْيِ الآْبَاءِ إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ وَ إِنْ شَرّاً فَشَرٌّ لَا تَزْنُوا فَتَزْنِيَ نِسَاؤُكُمْ وَ مَنْ وَطِئَ فِرَاشَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وُطِئَ فِرَاشُهُ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ‌.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: أَ مَا يَخْشَى الَّذِينَ يَنْظُرُونَ فِي أَدْبَارِ النِّسَاءِ أَنْ يُبْتَلَوْا بِذَلِك فِي نِسَائِهِمْ؟!.(2)

عَنْ مُفَضَّلٍ الْجُعْفِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع مَا أَقْبَحَ بِالرَّجُلِ مِنْ أَنْ يُرَى بِالْمَكَانِ الْمُعْوِرِ فَيُدْخَلَ ذَلِك عَلَيْنَا وَ عَلَى صَالِحِي أَصْحَابِنَا يَا مُفَضَّلُ أَ تَدْرِي لِمَ قِيلَ مَنْ يَزْنِ يَوْماً يُزْنَ بِهِ قُلْتُ لَا جُعِلْتُ فِدَاك قَالَ إِنَّهَا كَانَتْ بَغِيٌّ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُكْثِرُ الِاخْتِلَافَ إِلَيْهَا فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ مَا أَتَاهَا أَجْرَى اللَّهُ عَلَى لِسَانِهَا أَمَا إِنَّك سَتَرْجِعُ إِلَى أَهْلِك فَتَجِدُ مَعَهَا رَجُلًا قَالَ فَخَرَجَ وَ هُوَ خَبِيثُ النَّفْسِ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ غَيْرَ الْحَالِ الَّتِي كَانَ يَدْخُلُ بِهَا قَبْلَ ذَلِك الْيَوْمِ وَ كَانَ يَدْخُلُ بِإِذْنٍ فَدَخَلَ يَوْمَئِذٍ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَوَجَدَ عَلَى فِرَاشِهِ رَجُلًا فَارْتَفَعَا إِلَى مُوسَى ع فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ ع عَلَى مُوسَى ع فَقَالَ يَا مُوسَى مَنْ يَزْنِ يَوْماً يُزْنَ بِهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَقَالَ عِفُّوا تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ‌.(3)

عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع بَرُّوا آبَاءَكُمْ يَبَرَّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ وَ عِفُّوا


1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 553.

2) . راجع: الكافي، ج 5 ص 553.

3) . راجع: الكافي، ج 5 ص 553.

عَنْ نِسَاءِ النَّاسِ تَعِفَ نِسَاؤُكُمْ‌.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص عَلَيْكُمْ بِالْعَفَافِ وَ تَرْك الْفُجُورِ.(2)

عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ الْحَيِيَ الْمُتَعَفِّفَ وَ يُبْغِضُ الْبَذِيَّ السَّائِلَ الْمُلْحِفَ‌.(3)

عَنِ الْقَدَّاحِ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ص اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَ الْحَيَاءِ قَالُوا وَ مَا نَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ فَلَا يَبِيتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَ أَجَلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَ لْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَ مَا وَعَى وَ الْبَطْنَ وَ مَا حَوَى وَ لْيَذْكُرِ الْقَبْرَ وَ الْبِلَى وَ مَنْ أَرَادَ الآْخِرَةَ فَلْيَدَعْ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.(4)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ سَلِمَ مِنْ أُمَّتِي [مِنْ‌] أَرْبَعِ خِصَالٍ فَلَهُ الْجَنَّةُ مِنَ الدُّخُولِ فِي الدُّنْيَا وَ اتِّبَاعِ الْهَوَى وَ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَ شَهْوَةِ الْفَرْجِ‌.(5)

أَبوجَعْفَرٍ ع قَالَ‌: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً فَأَمَّا اللِّبَاسُ فَالثِّيَابُ الَّتِي يَلْبَسُونَ وَ أَمَّا الرِّيَاشُ فَالْمَتَاعُ وَ الْمَالُ وَ أَمَّا لِبَاسُ التَّقْوَى‌فَالْعَفَافُ إِنَّ الْعَفِيفَ لَا تَبْدُو لَهُ عَوْرَةٌ وَ إِنْ كَانَ عَارِياً مِنَ الثِّيَابِ وَ الْفَاجِرُ بَادِي الْعَوْرَةِ وَ إِنْ كَانَ كَاسِياً مِنَ الثِّيَابِ يَقُولُ اللَّهُ وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِك خَيْرٌ يَقُولُ‌


1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 554.

2) . راجع: الكافي، ج 5 ص 554.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 باب 77.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 باب 77.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 271.

الْعَفَافُ خَيْرٌ ذلِك مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ‌(1).

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ شَهِيدٌ وَ عَبْدٌ مَمْلُوك أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَ نَصَحَ لِسَيِّدِهِ وَ رَجُلٌ عَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِبَادَةٍ‌.(2)

عَنْ أَنَسٍ قَالَ‌: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ص عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ مَنْ ضَمِنَ لِي اثْنَيْنِ ضَمِنْتُ لَهُ الْجَنَّةَ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِدَاك أَبِي وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَضْمَنُهُمَا لَك مَا هُمَا قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ ضَمِنَ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ضَمِنْتُ لَهُ الْجَنَّةَ‌.(3)

سُئِلَ الْحَسَنُ ع عَنِ الْمُرُوَّةِ فَقَالَ الْعَفَافُ فِي الدِّينِ وَ حُسْنُ التَّقْدِيرِ فِي الْمَعِيشَةِ وَ الصَّبْرُ عَلَى النَّائِبَةِ‌.(4)

عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: قَالَ لَهُ رَجُلٌ إِنِّي ضَعِيفُ الْعَمَلِ قَلِيلُ الصَّلَاةِ قَلِيلُ الصَّوْمِ وَ لَكِنْ أَرْجُو أَنْ لَا آكُلَ إِلَّا حَلَالًا وَ لَا أَنْكَحَ إِلَّا حَلَالًا فَقَالَ وَ أَيُّ جِهَادٍ أَفْضَلُ مِنْ عِفَّةِ بَطْنٍ وَ فَرْجٍ‌.(5)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص اللَّهُمَّ ارْزُقْ مُحَمَّداً وَ آلَ مُحَمَّدٍ وَ مَنْ أَحَبَّ مُحَمَّداً وَ آلَ مُحَمَّدٍ الْعَفَافَ وَ الْكَفَافَ وَ ارْزُقْ مَنْ أَبْغَضَ مُحَمَّداً وَ آلَ مُحَمَّدٍ الْمَالَ وَ الْوَلَدَ.(6)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 271.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 272.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 272.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 273.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 273.

6) . راجع: الكافي، ج 2 ص 140.

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: وَ الْحِرْفَةُ مَعَ الْعِفَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْفُجُور(1).

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: الْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ وَ الشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى.(2)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: أَلَا وَ إِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِك وَ لَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَ اجْتِهَادٍ وَ عِفَّةٍ وَ سَدَاد.(3)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: قَدْرُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ وَ صِدْقُهُ عَلَى قَدْرِ مُرُوءَتِهِ وَ شَجَاعَتُهُ عَلَى قَدْرِ أَنَفَتِهِ وَ عِفَّتُهُ عَلَى قَدْرِ غَيْرَتِه.(4)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: وَ كَانَ أَهْلُ ذَلِك الزَّمَانِ ذِئَاباً وَ سَلَاطِينُهُ سِبَاعاً وَ أَوْسَاطُهُ أُكَّالًا [أَكَالًا] وَ فُقَرَاؤُهُ أَمْوَاتاً وَ غَارَ الصِّدْقُ وَ فَاضَ الْكَذِبُ وَ اسْتُعْمِلَتِ الْمَوَدَّةُ بِاللِّسَانِ وَ تَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ وَ صَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً وَ الْعَفَافُ عَجَبًا(5).

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: فَرَضَ اللَّهُ الْإِيمَانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّرْك وَ الصَّلَاةَ تَنْزِيهاً عَنِ الْكِبْرِ وَ الزَّكَاةَ تَسْبِيباً لِلرِّزْقِ وَ الصِّيَامَ ابْتِلَاءً لِإِخْلَاصِ الْخَلْقِ وَ الْحَجَّ [تَقْوِيَةً‌] تَقْرِبَةً لِلدِّينِ وَ الْجِهَادَ عِزّاً لِلْإِسْلَامِ وَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعَوَامِّ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ رَدْعاً لِلسُّفَهَاءِ وَ صِلَةَ الرَّحِمِ مَنْمَاةً لِلْعَدَدِ وَ الْقِصَاصَ حَقْناً لِلدِّمَاءِ وَ إِقَامَةَ الْحُدُودِ إِعْظَاماً لِلْمَحَارِمِ وَ تَرْك شُرْبِ الْخَمْرِ تَحْصِيناً لِلْعَقْلِ وَ مُجَانَبَةَ السَّرِقَةِ إِيجَاباً لِلْعِفَّةِ‌(6).


1) . راجع: نهج البلاغة، الكتاب 31.

2) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 68.

3) . راجع: نهج البلاغة، الكتاب 554.

4) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 47.

5) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 108.

6) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 252.

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: مَا الْمُجَاهِدُ الشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَعْظَمَ أَجْراً مِمَّنْ قَدَرَ فَعَفَ لَكَادَ الْعَفِيفُ أَنْ يَكُونَ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَة.(1)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام:

ألعفّة رأس كلّ خير

ألعفّة شيمة الأكياس

ألعفاف أفضل شيمة

ألعفّة أفضل الفتوّة

ألعفاف زهادة

ألعفاف يصون النّفس و ينزّهها عن الدّنايا

عليك بالعفاف فإنّه أفضل شيم الأشراف

ألعفاف أشرف الأشراف

زكاة الجمال العفاف

عليك بالعفّة فإنّها نعم القرين

سبب القناعة العفاف

ألرّضا بالكفاف يؤدّى إلى العفاف

من عقل عف

دليل غيرة الرّجل عفّته

ألصّبر عن الشّهوة عفّة و عن الغضب نجدة


1) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 474.

ألعفّة تضعف الشّهوة

ثمرة العفّة القناعة

ثمرة العفّة الصّيانة

من عفّ خفّ وزره و عظم عند اللّه قدره

من عفّت أطرافه حسنت أوصافه

لم يتحلّ بالعفّة من اشتهى ما لا يجد

ألنّزاهة آية العفّة

بالعفاف تزكو الأعمال

مَنْ أُتْحِفَ [التجف] الْعِفَّةَ وَ الْقَنَاعَةَ حَالَفَهُ الْعِزُّ.

ألقناعة أفضل العفّتين

أَلَا وَ إِنَّ الْقَنَاعَةَ وَ غَلَبَةَ الشَّهْوَةِ مِنْ أَكْبَرِ الْعَفَافِ‌.

على قدر العفّة تكون القناعة

ينبغي لمن عرف نفسه أن يلزم القناعة و العفّة(1).

قال اميرالمؤمنين على عليه السلام:.... إِنَّ أَصْلَ الْعَقْلِ الْعَفَافُ وَ ثَمَرَتَهُ الْبَرَاءَةُ مِنَ الآْثَامِ وَ أَصْلَ الْعَفَافِ الْقَنَاعَةُ وَ ثَمَرَتَهَا قِلَّةُ الْأَحْزَانِ‌.(2)

قال اميرالمؤمنين على عليه السلام: الْفَضَائِلُ أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ أَحَدُهَا الْحِكْمَةُ وَ قِوَامُهَا فِي الْفِكْرَةِ وَ الثَّانِي الْعِفَّةُ وَ قِوَامُهَا فِي الشَّهْوَةِ وَ الثَّالِثُ الْقُوَّةُ وَ قِوَامُهَا فِي الْغَضَبِ وَ


1) . راجع: ميزان الحكمة، ج 6 ص 359.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 7.

الرَّابِعُ الْعَدْلُ وَ قِوَامُهُ فِي اعْتِدَالِ قُوَى النَّفْسِ‌.(1)

من وصايا اميرالمؤمنين عليه السلام لمحمّد بن أبي بكر لما ولّاه مصر: يَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ اعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الْعِفَّةِ الْوَرَعُ فِي دِينِ اللَّهِ وَ الْعَمَلُ بِطَاعَتِه(2).

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله:.... وَ أَمَّا الْعَفَافُ فَيَتَشَعَّبُ مِنْهُ الرِّضَا وَ الِاسْتِكَانَةُ وَ الْحَظُّ وَ الرَّاحَةُ وَ التَّفَقُّدُ وَ الْخُشُوعُ وَ التَّذَكُّرُ وَ التَّفَكُّرُ وَ الْجُودُ وَ السَّخَاءُ فَهَذَا مَا يَتَشَعَّبُ لِلْعَاقِلِ بِعَفَافِهِ رِضىً بِاللَّهِ وَ بِقَسْمِه(3).

كانت امرأة على عهد داود عليه السلام يأتيها رجل يستكرهها على نفسها فالقى اللّٰه عزّوجلّ في قلبها فقالت له: كَانَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ دَاوُدَ ع يَأْتِيهَا رَجُلٌ يَسْتَكْرِهُهَا عَلَى نَفْسِهَا فَأَلْقَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي قَلْبِهَا فَقَالَتْ لَهُ إِنَّك لَا تَأْتِينِي مَرَّةً إِلَّا وَ عِنْدَ أَهْلِك مَنْ يَأْتِيهِمْ قَالَ فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ رَجُلًا فَأَتَى بِهِ دَاوُدَ ع فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أُتِيَ إِلَيَّ مَا لَمْ يُؤْتَ إِلَى أَحَدٍ قَالَ وَ مَا ذَاك قَالَ وَجَدْتُ هَذَا الرَّجُلَ عِنْدَ أَهْلِي فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ ع قُلْ لَهُ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ‌.(4)

عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْجَهْمِ قَالَ‌: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ ع وَ قَدِ اخْتَضَبَ بِالسَّوَادِ فَقُلْتُ أَرَاك قَدِ اخْتَضَبْتَ بِالسَّوَادِ فَقَالَ إِنَّ فِي الْخِضَابِ أَجْراً وَ الْخِضَابُ وَ التَّهْيِئَةُ مِمَّا يَزِيدُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي عِفَّةِ النِّسَاءِ وَ لَقَدْ تَرَك النِّسَاءُ الْعِفَّةَ بِتَرْك أَزْوَاجِهِنَّ لَهُنَّ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 81.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 392.

3) . راجع: تحف العقول، ص 20.

4) . راجع: من لا يحضره الفقيه، ج 4 ص 14.

التَّهْيِئَةَ‌.(1)

عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ص فَقَالَ‌: إِنَ خَيْرَ نِسَائِكُمُ الْوَلُودُ الْوَدُودُ الْعَفِيفَةُ‌.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ مَلَك نَفْسَهُ إِذَا رَغِبَ وَ إِذَا رَهِبَ وَ إِذَا اشْتَهَى وَ إِذَا غَضِبَ حَرَّمَ اللَّهُ جَسَدَهُ عَلَى النَّارِ.(3)


1) . راجع: الكافي، ج 6 ص 480.

2) . راجع: الكافي، ج 5 ص 324.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 358.

الرذيلة السابعة‌عشرة: الشّره

اشارة

الشّرّه بكسر الشين و تشديد الراء، لغةً جاء بمعانٍ منها الرغبة الشديدة في شيءٍ‌، و اصطلاحاً ملكة ترغب إلى الشهوات سيما شهوتى الفرج و البطن و يمكن القول بأنّها تختص في علم الاخلاق، و عند عموم استعمالها في شهوة الفرج.

و هي ضد العفّة، لان العفّة تمنع صاحبها عن الميل إلى المشتهيات غير المحلّلة و الشرّة ترغّب صاحبها إلى الشهوات و تدعوه اليها.

و نحن هيهنا نبحث اولاً عن شرّة الفرج ثمّ نذيّله بما يتعلّق بشرّة البطن و اما سائر الشرتات فسياتى كلّ في محله انشاءاللّٰه كما نهجنا هذا المنهج في البحث عن العفّة.

فنقول ان شرّة الفرج و الحرص على تلك الشهوة خطرها عظيم، و ان قلت ان هذا الخطر لا مثيل له في الرذائل و انّ كلّ أمرٍ محذورٍ منه ينشأ من هذا و انّ كلّ ما

وقع و يقع من الهلكات جنايةً كان أو خيانةً ينشأ من الميل الجنسى و العطف إلى النساء و الميل اليهنّ ما سلكتَ سبيل الجزاف!.

و السيرة الحاكمة على كثيرٍ من الناس في عصرنا هذا الّذي هو عصر الجاهلية الثانية من وجهة نظر القرآن، و لا سيّما سيرتهم في البلاد الأروبيّة و الأميركيّة، تدلّ على سقوطهم في ورطةٍ عسرةٍ لا يمكن الخروج عنها لتمكّن هذه الرذيلة فيهم، فحبّهم النّساء و التلذّذ منهنّ بأىّ طريقٍ أمكن، غرقهم في هذا البحر اللجّى الّذي لا ساحل له إلّاظهور الحجّة روحى لتراب مقدمه الفداء، كما لم يكن طريقٌ إلى الخلاص عن الجاهلية الأولى إلّابظهور سيّدنا محمّد صلى الله عليه و آله.

و من الغريب أنّ الأمم المسلمة مع علمهم بسقوط الاروبيّين و الاميركيّين و أضرابهم في هذه الورطة الّتي لا نهاية لها إلّاهلاك الحرث و النسل، تتبعهم و تشايعهم في كثيرٍ من جداول هذا البحر، و هذا من أغرب ما يُشاهد في هذا العصر.

گوش باز و چشم باز و اين عمى *** وه عجب از چشم بندى خدا

و للقرآن الكريم بيانٌ هامٌّ في سورة يوسف أحذر به الناس عن اتّباع الشهوات، و حذّرهم عمّا يسمّى بالعشق، و ليس الا فرط هيجان الشهوة، و الشره المتجلّى في زىٍّ يغوى به الشيطان كثيراً من الناس. و عجبٌ من قوم عدّوه كطريقٍ إليه سبحانه، و عجبٌ من قوم لا حظّ لهم من العلم، فتمسّكوا بنظم الكلام ليتّبعهم الغاوون فسمّوا أنفسهم شعراء، و لا شعور لهم حيث عدّوا العشق أحسن نِعَم اللّٰه و أجودها، مع ان التابع و المتبوع في واد يهيمون و في الخيال يتيهون، و هم الاخسرون

اعمالاً // (الّذين ضلّ سعيهم في الحيوة الدّنيا و هم يحسبون انّهم يحسنون صنعاً) //(1)

و لذا إذا سئل عن بعض السّادة الائمة عليهم السلام عن العشق فقالوا انه مرض سوداوى إذا خلى القلب عن ذكر اللّٰه تعالى استولى عليه. سئل أبو عبداللّٰه عليه السلام عن العشق قال: قُلُوبٌ خَلَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ حُبَّ غَيْرِهِ‌(2). و قد اقر الحكماء في الطب بذلك و كذلك علماء معرفة النّفس بل من الشعراء من اعترف بذلك مع ولعهم بنظم معانيه. و لما كان هذا من مصائد الشيطان و مكائده في هذا العصر، فلابأس بنا لو ذكرنا شيئاً يرتبط به، خارجين عن سبيل الايجاز.

العشق

هذا مرتبة من مراتب الهوى و المحبّة، فلهذا قيل انه افراط فيها، لان الهوى و المحبّة من المقولات التشكيكية لها مراتب ضعفاً و قوة و تسمّى كلّ مرتبة باسم.

1 - المحبّة: و هي المرتبة الضعيفة، و اوّل مرتبة من مراتبها و هي حالة و مرتبة من مراتب النّفس و حالاتها كسائر الحالات و الملكات فتكون النّفس معروضتها و هي عارضةٌ عليها.

2 - المودّة: و هي حالة تشتهى النّفس بها إلى المحبوب و تمنّيه فوق ما تمنّيه في المحبّة كالجائع و العطشان.

3 - العلاقة: و هي حالة تعلّق النّفس بالمحبوب، فيحصل نحو ارتباط بينهما


1) . الكهف، 104.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 158.

كارتباط الحديد بالمغناطيس، فكما انّ الحديد يُجذب بالمغناطيس، فانّ الحبيب يُجذب بما يحسّ من محبوبه.

4 - الهوى: و هي حالة اشتغال النّفس بمحبوبها، بحيث كلما تنصرف عنه طارت إليه من غير تراخٍ‌.

5 - الحيرة و الوله: و هي حالة تظهر من النّفس في الأعضاء اثر مّا يؤثّر في النّفس، فتكون الجوارح كمرآةٍ للنّفس، فيذكر الحيرانُ محبوبه مصحوباً لبروز الحمرة في الوجه و الارتعاش في البدن. و لا يمكن له أن ينصرف عن محبوبه و لو للحظةٍ ما.

6 - العشق: و هي حالة تلفّ المحبّة و الهوى على النّفس كلّها، و سمّيت هذه المرتبة من مراتب المحبّة بالعشق، لان العشق نبات يلفّ على الاشجار فتكون محفوفةً به، و حيث ان المحبّة إذا وصلت بهذه المرتبة تلفّ على النّفس و تصير النّفس محفوفة بها، يقال لها العشق، و هذا من باب تشبيه المعقول بالمحسوس.

7 - الشعف: و هي حالة حرق النّفس بها، فهى دائماً في حال الاحراق ممّا يجد من ودّه لمحبوبه، نعم احتراقها لا يخلو عن لذة نظير الحديد المحماة للجمل الجرّابة، حيث يُحرق الجمل بالحديد و هو يلتذّ منه.

8 - الشغب: و هي حالة تحيط على النّفس فينطوى النّفس فيها كاحاطة جلد السيف على السيف فلا يكون لها ارادة قبالها.

9 - اللّوعة: و هي حالة نفوذ الودّ في النّفس كنفوذ النار في الحطب حتّى تصيّره ناراً فالحطب حطب و النار نارٌ و هما مجتمعان فيه.

10 - الوله: و هي حالة تصير النّفس حيران سكران و هذا فوق ما ذكرناه في

القسم الخامس.

11 - الهيوم: و هي حالة جنون النّفس و عدم استيلائها على ما يصدر منها كجنون الجمل في فوران شهوته.

12 - الفناء: و هي حالة استيلاء حكم المحبوب على نفس الحبيب بحيث لا يكون شى فيها الا هو.

13 - المحو: و هي تصبيغ النّفس بآثار المحبوب و لوازمه و احكامه، و هو الّذي يقال له محو المحب في المحبوب بحسب الاثر.

14 - السَّحق: و هي حالة محو ذات المحبّ في المحبوب كمحو قطرة المطر في البحر بحيث لا يُعدّ القطرة منحازاً عن البحر، و يطلق على ذلك محو النّفس في المحبوب ذاتاً.

و من تفحص اشعار الشعراء و الادباء بين القدماء منهم و المعاصرين و بين العرب و الفُرس يجد في دواوينهم و زبرهم ما يشير إلى هذه المراتب، لا سيّما المتوغّلين منهم في المحبّة المسمّاة بالعرفان، الّذين ذاقوا من سكره حتّى سكروا فذكروا في ما نظموا ما يشير إلى تلك الحالات قوّةً و ضعفاً.

في أقسام المحبّة

ان للحب اقساماً بحسب الهوية:

القسم الأوّل: محبّة الشهوة:

و هو الحبّ الجسمانى الحيوانى الشهوانى، الّذي هو محلّ الكلام هذا، و الّذي قسّمناه بالاقسام الاربعة عشر، و هذا هو الّذي يذم الافراط فيه الّذي سمّى بالعشق

المجازى عرفاً و في غير واحد من الروايات، و يقبّحه الشرع و عرف أهله و لذلك لم يطلق على اللّٰه تعالى و على اوليائه الكرام في آية و لارواية، فاللّٰه تعالى و ان كان اشد حبا للعباد و أرأف عليهم من سبعين أباً و امّاً كما ورد في جملةٍ من الروايات بعبائر مختلفه و لكنه لم يطلق عليه لفظة «العاشق». و انّ رسول اللّٰه و الائمة عليهم السلام و ان كانوا محبّين للامّة بل لجميع الخلائق بحيث لا يمكن لنا تصوّره متوجّهين إلى مصدر الجلال و الجمال بحيث قد عدّوا التوجّه إلى الكثرات و عالمها ذنباً لا ذنب أقبح منه، و لكنّهم لم يطلق عليهم هذه اللفظة و لا مرّة واحدة في الوحى أو فيما صدر عنهم عليهم السلام و من هذا اطلاق لقب الخليل على ابراهيم و لقب الحبيب على نبيّنا عليه السلام و القاب كثيرة اُطلقت على ائمّتنا المعصومين بينما ان لفظ العاشق لم يطلق على احدٍ منهم و لا مرّة واحدة.

و هيهنا نكتة اُخرى يجب لفت الفظ اليها و هي انّ الادعية المعصوميّة مع توغّلها في معرفة اللّٰه و اتيانها بأعلى مضامين العرفان، لم يُر فيها قطّ لفظه العشق، أو العاشق أو ما يشتقّ منها، و هذا ان دلّ على شىءٍ فيدلّ على اختصاص هذه اللفظة بالبطّالين و اهل المجون الطالبين للشهوة الجسمانيّة نعم للرجل أن يحبّ زوجته و للزوجة أن تحبّ زوجها بما لا يزيد على مراتب الحب الأولى، امّا بالنسبة إلى غيرهما فليس العشق إلّاموبقةً و ذنباً كبيراً كما انّ مراتبه العليا لا تجوز بالنسبة إلى الزوج و الزوجة ايضاً، بل هي مختصّةٌ باللّٰه تعالى.

لا يقال ان لفظة الشغف استعملت في القرآن قال اللّٰه تعالى: (قَدْ شَغَفَهٰا حُبًّا)(1)


1) . يوسف، 30.

و هي مرتبة اعلى من العشق كما أنّ و لفظة العشق استعملت في الروايات منها:

في الكافي عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «أَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ عَشِقَ الْعِبَادَةَ فَعَانَقَهَا وَ أَحَبَّهَا بِقَلْبِهِ وَ بَاشَرَهَا بِجَسَدِهِ وَ تَفَرَّغَ لَهَا فَهُوَ لَا يُبَالِي عَلَى مَا أَصْبَحَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى عُسْرٍ أَمْ عَلَى يُسْرٍ»(1).

قلت نعم و لكن اللّٰه تعالى حكاها عن النسوة الفسقة اللاتى قطّعن ايديهنّ لما رأين من جمال يوسف ما يحرّك شهوتهنّ‌، فاستعاذ يوسف منهنّ و كان السجن احبّ إليه منهنّ و من اقوالهنّ‌،

قال اللّٰه تعالى: (قٰالَ رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّٰا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ‌)(2).

و مع ذلك كلّه فان اللّٰه تعالى لم يأت بلفظة العشق مع كونها ادلّ على المطلوب، لشدّة فبحها، فهى اشدّ قبحاً من الشغف و أمثالها. نعم وردت لفظة الحب كثيراً ما في الذكر الحكيم، و لا قبح فيها،

قال تعالى: (أَشَدُّ حُبًّا لِلّٰهِ‌)(3)

و قال تعالى: (وَ إِنَّهُ لِحُبِّ اَلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ)(4).

و اما الروايات فيكفيها ندرتها، كما أن هذه اللفظة لم ترد في الكافي الشريف مع كثرة ما ورد فيها من الروايات هذه الكثرة الهائلة، إلّافي هذا المورد و يختلج بالبال


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 83.

2) . يوسف، 33.

3) . البقرة، 165.

4) . العاديات، 8.

انّ الصحيح من الحديث هو «عسق» بالسين المهملة، لا بالشين المعجمة، و ذلك بقرينة قوله صلى الله عليه و آله: «أحبّها بقلبه» و العسق جاء بمعنى الولع.

و امّا في غير الكافي الشريف، فلم نجد هذه اللفظة إلّافي غاية الندرة في ثلّةٍ من رواياتٍ ضعاف، و الظاهر أنّ اسناد هذه الالفاظ إلى الراوى اقرب من اسنادها إلى المروىّ عنه، فلا حرج في استعمال اللفظة في تلك الروايات.

نعم جىء بهذه اللفظة في جملةٍ من الروايات ذامّاً لها:

ففى نهج البلاغة: «مَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ وَ أَمْرَضَ قَلْبَهُ فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ وَ يَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ وَ أَمَاتَتِ الدُّنْيَا قَلْبَهُ وَ وَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا وَ لِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْ‌ءٌ مِنْهَا حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا وَ حَيْثُمَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا لَا يَنْزَجِرُ مِنَ اللَّهِ بِزَاجِرٍ وَ لَا يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ»(1).

و في البحار عن المفضّل قال: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنِ الْعِشْقِ قَالَ قُلُوبٌ خَلَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ حُبَّ غَيْرِهِ‌»(2).

و عن التميمى عن الرّضا عليه السلام عن ابائه عليهم السلام «قال النبى صلى الله عليه و آله: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ حُبِ الْحُزْنِ‌».(3)

و عن الراوندى باسناده عن موسى بن جعفر عليه السلام عن آبائه عليهم السلام، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي هَذِهِ الْمَكَاسِبُ الْمُحَرَّمَةُ وَ الشَّهْوَةُ‌


1) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 109.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 158.

3) . بحار الأنوار ج 70 ص 158.

الْخَفِيَّةُ وَ الرِّبَا(1).

و المراد بالشهوة الخفية و ان كان عاماً إلّاان مصداقه الكامل - كما فهمه العلامة المجلسى قدس سره - هو العشق.

القسم الثانى محبّة الرّحمة:

و هي المحبّة العاطفة بين الاخوان و الارحام بحيث تجمع بينهم و يعطف بعضهم على بعضٍ‌. و هذا القسم يُعدّ من أعلى المشاعر الانسانيّة و ألطفها، فلذلك لا يرتبط بالجسم، بل هي تختصّ بالنّفس و الروح، و هذا هو سرّ اختصاصه بالانسان دون الحيوان، نعم يوجد فيها بالنسبة إلى أولادها على سبيل الغرائز فقط، امّا في بنى آدم، فالاختيار حاكمٌ فيه، و لذلك قد جُعِل علامة الايمان:

قال اللّٰه تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللّٰهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّٰاءُ عَلَى اَلْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ‌).(2)

و روى ثقة الاسلام في الكافي روايات في ذلك تدلّ على شموخ مرتبته، منها:

عن ابي‌بصير، عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: سمعته يقول: «إِنَّ الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ قَدْ أَضَاءَ نُورُ وُجُوهِهِمْ وَ نُورُ أَجْسَادِهِمْ وَ نُورُ مَنَابِرِهِمْ كُلَّ شَيْ‌ءٍ حَتَّى يُعْرَفُوا بِهِ فَيُقَالُ هَؤُلَاءِ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ‌».(3)

و منها: عن فضيل بن يسار قال: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنِ الْحُبِّ وَ الْبُغْضِ أَ مِنَ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 100 ص 54.

2) . الفتح، 29.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 125.

الْإِيمَانِ هُوَ فَقَالَ وَ هَلِ الْإِيمَانُ إِلَّا الْحُبُ وَ الْبُغْضُ‌».(1)

و منها: عَنْ عَمْرِو بْنِ مُدْرِك الطَّائِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِأَصْحَابِهِ أَيُّ عُرَى الْإِيمَانِ أَوْثَقُ فَقَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الزَّكَاةُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الصِّيَامُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الْحَجُوَ الْعُمْرَةُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الْجِهَادُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِكُلِّ مَا قُلْتُمْ فَضْلٌ وَ لَيْسَ بِهِوَ لَكِنْ أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَ الْبُغْضُ فِي اللَّهِ وَ تَوَالِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَ التَّبَرِّي مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ‌»(2).

و منها: عن أبي جعفر عليه السلام في روايات مستفيضة: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ عَلَى الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ الْحَجِّ وَ الْوَلَايَةِ وَ لَمْ يُنَادَ بِشَيْ‌ءٍ كَمَا نُودِيَ بِالْوَلَايَةِ‌»(3).

المراد من الولاية فيها هو الحبّ في اللّٰه كما قال به سيدنا الاستاذ الخمينى قدس سره نقلاً عن استاذه العلامة الشاه‌آبادى قدس سره و التولى و التبرى المذكوران في فروع الدّين ليس المراد منهما الا الحبّ في اللّٰه و البغض في اللّٰه، لانّ الولاية لو كانت بمعنى الامامة و التولى و التبرى لو كانتا بمعنى مودة اهل البيت و بغض اعدائهم فهى عند الشيعة من اصول الدّين و لايلائم ان توضع تلو فروع الدّين و في عدادها.

و هذا القسم من المحبّة من مهامّ مباحث علم الاخلاق، و ارجو من اللّٰه تعالى ان يوفّقنا لنضع له فصلاً مفصلاً في الأخلاقيّات بمنّه و كرمه.

القسم الثالث من المحبّة: محبّة العظمة.


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 125.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 125.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 18.

و هي أيضاً حبٌّ روحانى يختص بالانسان، و هي محبّة ذوى النّعم، كحبّ الرّجل المنعم الحقيقى جلّ و علا، و حب النبى و حبّ اهل‌البيت عليهم السلام و اولياء الدّين و من له يد تربيةٍ على الإنسان و نحو ذلك، بل الابوين لان لهما مضافاً إلى محبّة العطوفة محبّة العظمة أيضاً و القرآن ينبّه بذلك في آيات، و الروايات الكثيرة رغّبت إلى حبّهما، و كثرتها تدلّ على بلوغها حدّ الاستفاضة و البحث عن ذلك يأتى في الأخلاقيّات انشاءاللّٰه.

و القرآن الكريم عيّن حبّ الرجل أهلَ بيت العصمة أجراً لما قاساه النّبى في ابلاغ الرسالة، قال: (قُلْ مٰا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ‌)(1)

و ينبّه الذكر الحكيم على انّ هذا الأجر لا فائدة فيه إلّاما يرجع إلى المحبّ نفسه، لا إلى المحبوب، حيث انّ الحبّ يوجب المتابعة، و متابعة اهل البيت توجب سعادة الدارين، كما انّ المحبّة توجب مشاكلة الحبيب و المحبوب فيقرّب الحبيب إلى محبوبه، فبه يتمّ شفاعتهم عليهم السلام لمحبّيهم من الأمّة المرحومة.

قال تعالى: (مٰا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ‌)(2)

و أمَّا غير اهل البيت عليهم السلام من ذوى النعم فمضافاً إلى انّ الادب يقتضى تواضع الإنسان عند الكبراء و مضافاً إلى ان اداء الحق واجب يستقل به العقل فيجب حبّهم و المحبّة إليهم انّ ترغيب اللّٰه و العترة الطاهرة إلى حبّهم و تبجيلهم يدلّ على هذا الأمر العظيم، و نشير على سبيل المثال إلى الآيات الاولى من سورة الحجرات فقط،


1) . الشورى، 23.

2) . السبأ، 47.

قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ وَ لاٰ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمٰالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لاٰ تَشْعُرُونَ * إِنَّ اَلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوٰاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اَللّٰهِ أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ اِمْتَحَنَ اَللّٰهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوىٰ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ اَلَّذِينَ يُنٰادُونَكَ مِنْ وَرٰاءِ اَلْحُجُرٰاتِ أَكْثَرُهُمْ لاٰ يَعْقِلُونَ * وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّٰى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكٰانَ خَيْراً لَهُمْ وَ اَللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‌)(1).

هذه الآيات نزلت لتأديب الناس، فتدلّ اولاً على وجوب المتابعة في الكلام و المشى و العمل و التسليم للكبراء نبيّاً كان أو ولياً، اباً كان أو معلّماً، عالماً أو رئيساً شرعياً أو عرفياً، حتّى مشايخ العسرات.

و ثانياً تدلّ على عدم الترفع صوتاً و فعلاً و قولاً على الكبراء، فيجب التواضع عندهم

و ثالثاً تدلّ على وجوب احترامهم، و ما اشتهر من قول العامّة «تسقط الاداب عند الاحباب» غلط في حق الكبراء و انه يختص بالأحباب بعضهم لبعض.

و رابعاً تدلّ على ان ذلك التواضع يجب رعايته في المشهد و المغيب عند الاحباب و الاغيار.

و خامساً تدلّ على أنّ حمل الكبراء على ما لا يوافقونه في الخروج و الدخول، و في المشى و الجلوس، و في الاكل و الشرب و في النوم و غير ذلك خطأٌ لا يجوز في حقّهم، بل لابد من متابعة ارادتهم في كلّ شئ، نعم كلّ ذلك لاينافي التنبيه و التذكر مع


1) . الحجرات، 15.

مراعات الادب بتمامه و مع مراعات المتابعة و التواضع لهم.

و هذه الآيات من المعجزات الباهرات حيث اشتمل على كثيرٍ من مهامّ المباحث الاخلاقية وفّقنا اللّٰه و ايّاكم للعمل بها.

و يعجبنى أن أذكر هيهنا كلاماً للمحقق المدقّق مؤسّس الأصول الحديثة المولى الوحيد وحيد البهبهانى في فوائده الحائرية، فانّه قال ما معناه:

«عليك ثم عليك بمراعات الادب للفقهاء و علماء الدّين و بالتوسل إليهم حيّهم و ميّتهم، لاستجابة الدعوات و الوصول إلى الكمالات و السعادات الدنيوية و الاخروية، و اياك ثم اياك ثم اياك و التوهين و عدم مراعات الادب لحيّهم و ميّتهم في حضورهم و غيابهم لان ذلك يوجب الذلة و المسكنة و الخذلان، و الخبرة دلّت على ان من اهان العلماء في مشهدهم أو مغيبهم يتيه في وادى الخذلان و لا يبارك اللّٰه له في عمره و علمه و لا يجعل عاقبته خيراً» وللّٰه دره مع بركة علمه و عمره و درايته.

و ثبتت عندى أيضاً بالخبرة جميع ما افاده قدس سره و انصح اخوانى مؤكداً بنصحه الكريم، ارجو من اللّٰه ان يكون نصحه اسوة لي و لكم انّه ولىّ التوفيق.

القسم الرابع: محبة اللّذّة

و هي حبّ الفضايل و الظرائف و اللطائف، كحبّ العلم و العدالة و التقوى و نحو ذلك، و كمحبّة المناظر و المشاهد الطبيعيّة و الجمال و الجلال و نحو ذلك، و كحبّ الفنون المستظرفة، و هذه أيضاً تختص بالانسان و لا حظّ منها للحيوانات، نعم يترائى انّ لبعض الحيوانات ميلاً إلى جملةٍ منها، كحبّ البلبل الورد، و الكلب الوفاء، و لكنّه من الغرائز المودع فيها، فلا اختيار لها قباله.

و هي من اعظم نعم اللّٰه تعالى و من اعظم الأغذية الروحانيّة و الذّها، ألا ترى ان الروح كيف يفرح من المشاهد الطبيعيّة الجميلة كما يفرح من المباحث العلميّة و ادراكها؟

وللّٰه درّ من قال:

ثلاثة يذهبن عن قلب الحزن *** الماء و الخضراء و الوجه الحسن

و ذهاب الحزن عن القلب ليس إلّالنشاطه و فرحه بما يسرّه، كهذه الثلاثة و أشباحها.

و يكفيك في المقام كون القرآن الكريم مفتّناً للقلوب مستجذباً لها يُعدّ من اعجازه و هكذا فصاحته و بلاغته، و لا ريب أنّ ما زُيّن به الذكر الحكيم ليس إلّا من أعظم نعم اللّٰه النازل من عرشه الكريم، كما انّ ادراك جمال القرآن و جلاله أيضاً نعمةٌ أخرى يعطيها اللّٰه تعالى لمن يشاء منه عباده.

القسم الخامس: محبّة العبوديّة

و هي محبّة العبد اللّٰه تعالى، و ليس في هذا العلم فضيلة افضل منها و ليس في العوالم كلّها نعمة اشرف و اعلى و اعظم منها فمن ذاق قطرة من هذا البحر شمله العناية الخاصّة الالهيّة، فأعطاه تعالى ما هو أفضل من العالَمَين و خيرٌ فيهما. و سنخصّص بهذا المبحث فصلاً خاصّاً بتوفيقه و عونه تعالى.

و يجب الاشارة هنا إلى ان لهذه المحبّة مراتب ضعفاً و شدة، فاول مرتبة من تلك المراتب هو المتابعة،

قال اللّٰه تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللّٰهُ‌)(1)

و لهذه المرتبة مراتب ايضاً.

و اوسط المراتب الّتي هي ذات مراتب أيضاً هي انه لايشغل صاحبها شيء من الدنيا، بل شىءٌ من نعيم الآخرة أو عقابها.

قال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصٰالِ * رِجٰالٌ لاٰ تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لاٰ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌) (2)

و قال تعالى: (رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي اَلْجَنَّةِ وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ وَ نَجِّنِي مِنَ اَلْقَوْمِ اَلظّٰالِمِينَ‌) (3).

فترى ان رجال الاخرة لا يشغلهم الدنيا عن اللّٰه و ان رجال اللّٰه كأمرأة فرعون الّتي كانت منهم، لا يشغلهم الاخرة عنه تعالى، فهم مخاطبون بخطاب: (يٰا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ‌)(4).

و للّٰه‌درّ من أحسن و أجاد فقال:

نيست بر لوح دلم جز الف قامت دوست *** چه كنم حرف دگر ياد نداد استادم

وللّٰه درّ من زاد في حسنه و جودته فأنشد:


1) . آل عمران، 31.

2) . النور، 37-36.

3) . التحريم، 11.

4) . الفجر، 28-27.

دولت آن نيست كه گيرم دو جهان زير نگين *** دولت آنست كه من مهر تو را يافته‌ام

و اعلى المراتب الّتي لانهاية لها هي مرتبة الشوق و أطلق عليها في لسان الوحى و الاخبار: الصعق.

قال اللّٰه تعالى: (وَ خَرَّ مُوسىٰ صَعِقاً)(1).

و قال في مناجاته الشعبانيّة: إِلَهِي هَبْ لِي كَمَالَ الانْقِطَاعِ إِلَيْك وَ أَنِرْ أَبْصَارَ قُلُوبِنَا بِضِيَاءِ نَظَرِهَا إِلَيْك حَتَّى تَخْرِقَ أَبْصَارُ الْقُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ الْعَظَمَةِ وَ تَصِيرَ أَرْوَاحُنَا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِك إِلَهِي وَ اجْعَلْنِي مِمَّنْ نَادَيْتَهُ فَأَجَابَك وَ لاحَظْتَهُ فَصَعِقَ لِجَلالِك فَنَاجَيْتَهُ سِرّا وَ عَمِلَلَك جَهْرًا.(2)

و قال مولانا سيّد شهدا الأوّلين و الآخرين في دعاء عرفة: إِلَهِي تَرَدُّدِي فِي الآْثَارِ يُوجِبُ بُعْدَ الْمَزَارِ فَاجْمَعْنِي عَلَيْك بِخِدْمَةٍ تُوصِلُنِي إِلَيْك كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْك بِمَا هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْك أَ يَكُونُ لِغَيْرِك مِنَ الظُّهُورِ مَا لَيْسَ لَك حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَك مَتَى غِبْتَ حَتَّى تَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْك وَ مَتَى بَعُدْتَ حَتَّى تَكُونَ الآْثَارُ هِيَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَيْك عَمِيَتْ عَيْنٌ لا تَرَاك عَلَيْهَا رَقِيبا وَ خَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّك نَصِيبا إِلَهِي أَمَرْتَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الآْثَارِ فَأَرْجِعْنِي إِلَيْك بِكِسْوَةِ الْأَنْوَارِ وَ هِدَايَةِ الاسْتِبْصَارِ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْك مِنْهَا كَمَا دَخَلْتُ إِلَيْك مِنْهَا مَصُونَ السِّرِّ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهَا وَ مَرْفُوعَ الْهِمَّةِ عَنِ الاعْتِمَادِ عَلَيْهَا إِنَّك عَلَى كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ إِلَهِي هَذَا ذُلِّي ظَاهِرٌ بَيْنَ‌


1) . الاعراف، 143.

2) . راجع: مفاتيح الجنان، المناجاة الشعبانيَّة.

يَدَيْك وَ هَذَا حَالِي لا يَخْفَى عَلَيْك مِنْك أَطْلُبُ الْوُصُولَ إِلَيْك وَ بِك أَسْتَدِلُّ عَلَيْك فَاهْدِنِي بِنُورِك إِلَيْك وَ أَقِمْنِي بِصِدْقِ الْعُبُودِيَّةِ بَيْنَ يَدَيْك إِلَهِي عَلِّمْنِي مِنْ عِلْمِك الْمَخْزُونِ وَ صُنِّي بِسِتْرِك الْمَصُونِ إِلَهِي حَقِّقْنِي بِحَقَائِقِ أَهْلِ الْقُرْبِ وَ اسْلُك بِي مَسْلَك أَهْلِ الْجَذْبِ إِلَهِي أَغْنِنِي بِتَدْبِيرِك لِي عَنْ تَدْبِيرِي وَ بِاخْتِيَارِك عَنِ اخْتِيَارِي وَ أَوْقِفْنِي عَلَى مَرَاكِزِ اضْطِرَارِي إِلَهِي أَخْرِجْنِي مِنْ ذُلِّ نَفْسِي وَ طَهِّرْنِي مِنْ شَكِّي وَ شِرْكِي قَبْلَ حُلُولِ رَمْسِي بِك أَنْتَصِرُ فَانْصُرْنِي وَ عَلَيْك أَتَوَكَّلُ فَلا تَكِلْنِي وَ إِيَّاك أَسْأَلُ فَلا تُخَيِّبْنِي وَ فِي فَضْلِك أَرْغَبُ فَلا تَحْرِمْنِي وَ بِجَنَابِك أَنْتَسِبُ فَلا تُبْعِدْنِي وَ بِبَابِك أَقِفُ فَلا تَطْرُدْنِي إِلَهِي تَقَدَّسَ رِضَاك أَنْ يَكُونَ لَهُ عِلَّةٌ مِنْك فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ عِلَّةٌ مِنِّي إِلَهِي أَنْتَ الْغَنِيُّ بِذَاتِك أَنْ يَصِلَ إِلَيْك النَّفْعُ مِنْك فَكَيْفَ لا تَكُونُ غَنِيّا عَنِّي إِلَهِي إِنَّ الْقَضَاءَ وَ الْقَدَرَ يُمَنِّينِي وَ إِنَّ الْهَوَى بِوَثَائِقِ الشَّهْوَةِ أَسَرَنِي فَكُنْ أَنْتَ النَّصِيرَ لِي حَتَّى تَنْصُرَنِي وَ تُبَصِّرَنِي وَ أَغْنِنِي بِفَضْلِك حَتَّى أَسْتَغْنِيَ بِك عَنْ طَلَبِي أَنْتَ الَّذِي أَشْرَقْتَ الْأَنْوَارَ فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِك حَتَّى عَرَفُوك وَ وَحَّدُوك وَ أَنْتَ الَّذِي أَزَلْتَ الْأَغْيَارَ عَنْ قُلُوبِ أَحِبَّائِك حَتَّى لَمْ يُحِبُّوا سِوَاك وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى غَيْرِك أَنْتَ الْمُونِسُ لَهُمْ حَيْثُ أَوْحَشَتْهُمُ الْعَوَالِمُ وَ أَنْتَ الَّذِي هَدَيْتَهُمْ حَيْثُ اسْتَبَانَتْ لَهُمُ الْمَعَالِمُ مَا ذَا وَجَدَ مَنْ فَقَدَك وَ مَا الَّذِي فَقَدَ مَنْ وَجَدَك لَقَدْ خَابَ مَنْ رَضِيَ دُونَك بَدَلا وَ لَقَدْ خَسِرَ مَنْ بَغَى عَنْك مُتَحَوِّلا(1).

و نظيرهما في الادعية كثير و لايجوز لنا الآن السير في هذا الوادى اكثر من هذا لأنّنا لانكون اهله و اسئل اللّٰه لنا و لكم الاهليّة.

و لقد خرجنا عن طور البحث إلى التطويل ولكن لا بأس بنا في ذلك، حيث لم


1) . راجع: مفاتيح الجنان، دعاء العرفة.

يكن بدٌّ منه لا سيما في عصرنا الّذي شاع فيه اطلاق العشق و جملةٍ من مشتقّاته على اللّٰه و على انبيائه و على اهل بيت العصمة و الطهارة، فطوّلنا الكلام لانارة العقول و الافهام، و ارشادها إلى قبح العشق لكونه من مقولة الشرة و حسن محبّة اللّٰه لكونها من مقولة العبودية و الصدق مع اللّٰه تعالى. و لاجامع بينهما غير اشتراكهما في الرغبة إلى الشىء، و لكن بونٌ بعيدٌ في الرغبة إلى الشهوانيات، و الرغبة إلى القدسيات و عوالم اللاهوت، فما لهؤلاء القوم كيف يحكمون‌؟ و إلى اين يذهبون‌؟.

هذا كله في شرّة الفرج.

و اما شرّة البطن، فهى الحرص على الاكل و الشرب و الرغبة إلى المأكولات كيفاً و كماً و هي رذيلة تنشأ منها كثيرٌ من الرذائل، حتّى رذيلة شرّة الفرج تنشأ من شرّة البطن في غالب الأحيان و هي من الاسراف و التبذير و الاتراف.

قال تعالى: (كُلُوا وَ اِشْرَبُوا وَ لاٰ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاٰ يُحِبُّ اَلْمُسْرِفِينَ‌).(1)

و قال تعالى: (وَ اَلَّذِينَ إِذٰا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كٰانَ بَيْنَ ذٰلِكَ قَوٰاماً).(2)

و قال تعالى: (إِنَّ اَلْمُبَذِّرِينَ كٰانُوا إِخْوٰانَ اَلشَّيٰاطِينِ‌).(3)

و قال تعالى: (وَ أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ مٰا أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ * فِي سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ * وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لاٰ بٰارِدٍ وَ لاٰ كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كٰانُوا قَبْلَ ذٰلِكَ مُتْرَفِينَ * وَ كٰانُوا يُصِرُّونَ عَلَى اَلْحِنْثِ‌


1) . الاعراف، 31.

2) . الفرقان، 67.

3) . الأسراء، 27.

اَلْعَظِيمِ‌).(1)

و قال تعالى: (وَ إِذٰا أَرَدْنٰا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنٰا مُتْرَفِيهٰا فَفَسَقُوا فِيهٰا فَحَقَّ عَلَيْهَا اَلْقَوْلُ فَدَمَّرْنٰاهٰا تَدْمِيراً).(2)

و الفرق بين الاسراف و التبذير و الاتراف، ان الاسراف هو طلب الزيادة غير اللازمة في الاكل و الشرب و المسكن و الملبس و ما اليها، و التبذير هو الضياع في ذلك، و الاتراف هو الاستزادة المصحوبة لذنبٍ من الذنوب، و لمّا كان كلٌّ منهما يلازم الآخر في غالب الاحيان، ترى ان القرآن الكريم استبدل كلّاً منهما بالآخر في موارد استعمالها.

و بالجملة ان الاسراف يؤدّى إلى التبذير و التبذير يؤدّى إلى الاتراف، و الاتراف ليس فيه غير الفسق و الفجور.

و ورد مذمّة كثرة الأكل في كثيرٍ من الروايات، و قد أحسن الامام العلّامة ثانى المجلسيّين حيث جمع قسطاً وافراً منها،

فمنها قولهم مستفيضاً عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَ الْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ‌».(3)

و اختلف في معنى هذه الرواية:

فعن الرضى قدس سره: ان المؤمن يقنع في المطعم بمقدار الاحتياج و لكن الكافر عبد


1) . الواقعة، 46-41.

2) . الاسراء، 16.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 63 ص 325.

للّذّة و مطيع للشهوات.

و قيل: انّ المراد انّ المؤمن يأكل بمقدار الحاجة و لكن الكافر يأكل بالحواس الخمسة و بالشهوة و بالاحتياج و هي المراد بالسبعة، و هذا المعنى اوفى.

و منها قولهم عليهم السلام مستفيضاً: «حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ وَ لَا بُدَّ فَلْيَكُنِ الثُّلُثُ لِلطَّعَامِ وَ الثُّلُثُ لِلشَّرَابِ وَ الثُّلُثُ الآْخَرُ لِلنَّفَسِ‌».(1)

و منها قولهم مستفيضاً: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَك وَ تَعَالَى يُبْغِضُ كَثْرَةَ الْأَكْلِ‌».(2)

و منها مستفيضاً: «كَثْرَةِ الْأَكْلِ وَ هِيَ مُورِثَةٌ شَيْئَيْنِ قَسْوَةَ الْقَلْبِ وَ هَيَجَانَ الشَّهْوَةِ‌».(3)

و منها: «الْحِمْيَةُ رَأْسُ كُلِ دَوَاءٍ وَ الْمَعِدَةُ بَيْتُ الْأَدْوَاءِ‌».(4)

و منها: «لَوِ اقْتَصَدَ النَّاسُ فِي المَطْعَمِ لَاسْتَقَامَتْ أَبْدَانُهُمْ‌».(5)

و منها: «إِيَّاكُمْ وَ الْبِطْنَةَ فَإِنَّهَا مَفْسَدَةٌ لِلْبَدَنِ وَ مَوْرَثَةٌ لِلسَّقَمِ وَ مَكْسَلَةٌ عَنِ الْعِبَادَةِ‌».(6)

و منها: قال اميرالمؤمنين عليه السلام لابنه الحسن: يَا بُنَيَّ أَ لَا أُعَلِّمُك أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ تَسْتَغْنِي بِهَا عَنِ الطِّبِ فَقَالَ بَلَى قَالَ لَا تَجْلِسْ عَلَى الطَّعَامِ إِلَّا وَ أَنْتَ جَائِعٌ وَ لَا تَقُمْ عَنِ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 63 ص 329.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 63 ص 335.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 63 ص 337.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 59 ص 260.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 59 ص 266.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 59 ص 266.

الطَّعَامِ إِلَّا وَ أَنْتَ تَشْتَهِيهِ وَ جَوِّدِ الْمَضْغَ وَ إِذَا نِمْتَ فَأَعْرِضْ نَفْسَك عَلَى الْخَلَاءِ فَإِذَا اسْتَعْمَلْتَ هَذَا اسْتَغْنَيْتَ عَنِ الطِّبِّ وَ قَالَ إِنَّ فِي الْقُرْآنِ لآَيَةً تَجْمَعُ الطِّبَّ كُلَّهُ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا(1).

و بالجملة ان الاكول الحريص على الاكل و الشرب يصيب بأقسام الأسقام و الآلام الجسميّة و النفسيّة، و هذا قد ثبت في الطّب الحديث، و كما انّ في الروايات ذُكر جملة من الأمراض المعقبة لكثرة الأكل(2)، ككدورة القلب و قسوته و الغفلة و اثارة الشهوات و كثرة النوم و الكسالة و لولا قبح في الحرص على الأكل و تبعة للأكول إلّارفع ماء وجهه بين الناس حيث يلحّ عليهم و يسألهم بالكفّ ليشبع بطنه اكثر ممّا يحتاج اليه، لكان كافياً لقبح هذه الرذيلة و قبح هذا الفعل الصادر عن الأكول، فكيف إذا اصبح و كان اكثر همّه البطن، نعوذ باللّٰه من شر القبقب.

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «مَنْ وُقِيَ شَرَّ ثَلَاثٍ فَقَدْ وُقِيَ الشَّرَّ كُلَّهُ لَقْلَقِهِ وَ قَبْقَبِهِ وَ ذَبْذَبِهِ‌»(3).

و قال صلى الله عليه و آله: «وَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنَ الْقَبْقَبَيْنِ فَقِيلَ وَ مَا هُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْحَلْقُ وَ الْفَرْجُ‌»(4).

و قال صلى الله عليه و آله: «أَكْثَرُ مَا تَلِجُ بِهِ أُمَّتِي النَّارَ الْأَجْوَفَانِ الْبَطْنُ وَ الْفَرْجُ‌».(5)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 59 ص 267.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 63 ص 325.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 171.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 63 ص 337.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 269.

و قال صلى الله عليه و آله: «ثَلَاثٌ أَخَافُهُنَّ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي الضَّلَالَةُ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ وَ مَضَلَّاتُ الْفِتَنِ وَ شَهْوَةُ الْبَطْنِ وَ الْفَرْجِ‌».(1)

و الغزإلى بعد أن ذكر مذمّة الشرة و مدح اخماد الشهوتين الفرج و البطن، أطال الكلام في نقل جملةٍ من أقوال القوم في مدح الجوع، ثم ذكر روايات عن طرق العامّة في ذلك، فراجعه ان شئت.

و لكن الحقّ الّذي لا ريب فيه كما ثبت بالاقوال و الاختبار، انّه لم يصل احدٌ إلى مدرجٍ من مدارج الكمال و لم يتخطىء احدٌ خطوةً نحو جناب اللّٰه تعالى إلّا بتقليل الطّعام و اعراض النّفس عن شرة البطن، حيث انّها لا تجمع مع العفّة، الّتي هي رأس الفضائل كلّها. و قد اشتهر عن الشيخ‌الرئيس في المقام كلماتٌ يعجبنى أن أذكرها هينها، لا شتمالها على كثيرٍ ممّا ذكرناه، و هي قوله و للّٰه‌درّه:

اسمع جميع وصيّتى و اعمل بها *** فالطبّ مجموع بنظم كلامي

اقلل جماعك ما استطعت فانّه *** ماء الحيٰوة تُراق في الارحام

و اجعل غذائك كلّ يوم مرّة *** و احذر طعاماً قبل هضم طعامِ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 272.

روايات في الشّرة

روى عن النّبي صلى الله عليه و آله:... وَ إِيَّاكُمْ وَ اسْتِشْعَارَ الطَّمَعِ فَإِنَّهُ يَشُوبُ الْقَلْبَ بِشِدَّةِ الْحِرْصِ وَ يَخْتِمُ عَلَى الْقَلْبِ بِطَابَعِ حُبِ الدُّنْيَا وَ هُوَ مِفْتَاحُ كُلِّ مَعْصِيَةٍ وَ رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وَ سَبَبُ إِحْبَاطِ كُلِّ حَسَنَةٍ‌.(1)

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَلَا إِنَّ لِكُلِّ عِبَادَةٍ شِرَّةً ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى فَتْرَةٍ فَمَنْ صَارَتْ شِرَّةُ عِبَادَتِهِ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى وَ مَنْ خَالَفَ سُنَّتِي فَقَدْ ضَلَّ وَ كَانَ عَمَلُهُ فِي تَبَابٍ أَمَا إِنِّي أُصَلِّي وَ أَنَامُ وَ أَصُومُ وَ أُفْطِرُ وَ أَضْحَك وَ أَبْكِي فَمَنْ رَغِبَ عَنْ مِنْهَاجِي وَ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي وَ قَالَ كَفَى بِالْمَوْتِ مَوْعِظَةً وَ كَفَى بِالْيَقِينِ غِنًى وَ كَفَى بِالْعِبَادَةِ شُغُلًا.(2)

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع لِكُلِ أَحَدٍ شِرَّةٌ وَ لِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ فَطُوبَى لِمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى خَيْرٍ.(3)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 باب 105.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 85.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 85.

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ‌: مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَ لَهُ شِرَّةٌ وَ فَتْرَةٌ فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّةٍ فَقَدِ اهْتَدَى وَ مَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى بِدْعَةٍ فَقَدْ غَوَى(1).

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص ثَلَاثٌ أَخَافُهُنَّ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي الضَّلَالَةُ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ وَ مَضَلَّاتُ الْفِتَنِ وَ شَهْوَةُ الْبَطْنِ وَ الْفَرْجِ‌.(2)

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: أَكْثَرُ مَا تَلِجُ بِهِ أُمَّتِي النَّارَ الْأَجْوَفَانِ الْبَطْنُ وَ الْفَرْجُ‌(3).

عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ‌: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُدْخِلُ النَّارَ مِنْ أُمَّتِيَ الْأَجْوَفَانِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا الْأَجْوَفَانِ قَالَ الْفَرْجُ وَ الْفَمُ وَ أَكْثَرُ مَا يُدْخَلُ بِهِ الْجَنَّةَ تَقْوَى اللَّهِ وَ حُسْنُ الْخُلُقِ‌.(4)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: أَبْعَدُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا لَمْ يُهِمَّهُ إِلَّا بَطْنُهُ وَ فَرْجُهُ‌.(5)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ سَلِمَ مِنْ أُمَّتِي مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ فَلَهُ الْجَنَّةُ مِنَ الدُّخُولِ فِي الدُّنْيَا وَ اتِّبَاعِ الْهَوَى وَ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَ شَهْوَةِ الْفَرْجِ‌(6).

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَوَّلُ مَا عُصِيَ اللَّهُ تَبَارَك وَ تَعَالَى


1) . راجع: الكافي، ج 1 ص 70.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 79.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 269.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 271.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 319.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 93.

بِسِتِّ خِصَالٍ حُبِّ الدُّنْيَا وَ حُبِّ الرِّئَاسَةِ وَ حُبِّ النِّسَاءِ وَ حُبِّ الطَّعَامِ وَ حُبِّ النَّوْمِ وَ حُبِّ الرَّاحَةِ‌.(1)

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع الْفِتَنُ ثَلَاثٌ حُبُّ النِّسَاءِ وَ هُوَ سَيْفُ الشَّيْطَانِ وَ شُرْبُ الْخَمْرِ وَ هُوَ فَخُّ الشَّيْطَانِ وَ حُبُّ الدِّينَارِ وَ الدِّرْهَمِ وَ هُوَ سَهْمُ الشَّيْطَانِ فَمَنْ أَحَبَّ النِّسَاءَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعَيْشِهِ وَ مَنْ أَحَبَّ الْأَشْرِبَةَ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ وَ مَنْ أَحَبَّ الدِّينَارَ وَ الدِّرْهَمَ فَهُوَ عَبْدُ الدُّنْيَا(2).

عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ قَالَ‌: كَانَ فِيمَا سَأَلَ عَنْهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ابْنَهُ الْحَسَنَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ مَا الْفَقْرُ قَالَ الْحِرْصُ وَ الشَّرَهُ‌.(3)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام:

غَيْرُ مُنْتَفِعٍ بِالْحِكْمَةِ عَقْلٌ مَعْلُولٌ بِالْغَضَبِ وَ الشَّهْوَةِ‌.

غَيْرُ مُنْتَفِعٍ بِالْعِظَاتِ قَلْبٌ مُتَعَلِّقٌ [تَعَلَّقَ‌] بِالشَّهَوَاتِ‌.

غَلَبَةُ الشَّهْوَةِ أَعْظَمُ هُلْك وَ مِلْكُهَا أَشْرَفُ مِلْك.

غَلَبَةُ الشَّهْوَةِ تُبْطِلُ الْعِصْمَةَ وَ تُورِدُ الْهُلْك.

غَالِبِ الشَّهْوَةَ قَبْلَ قُوَّةِ ضَرَاوَتِهَا فَإِنَّهَا إِنْ قَوِيَتْ [عَلَيْكَ‌] مَلَكَتْك وَ اسْتَفَادَتْك وَ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى مُقَاوَمَتِهَا.

طَاعَةُ الشَّهْوَةِ تُفْسِدُ الدِّينَ‌.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 94.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 139.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 139.

طَهِّرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ دَنَسِ الشَّهَوَاتِ تُدْرِكُوا رَفِيعَ الدَّرَجَاتِ‌.

طَاعَةُ الشَّهْوَةِ هُلْك وَ مَعْصِيَتُهَا مُلْك.

الشَّرَهُ سَجِيَّةُ الْأَرْجَاسِ‌.

الشَّرَهُ مِنْ مَسَاوِي الْأَخْلَاقِ‌.

الشَّرَهُ يَشِينُ النَّفْسَ وَ يُفْسِدُ الدِّينَ وَ يُزْرِي بِالْفُتُوَّةِ‌.

بِالشَّرَهِ تُشَانُ الْأَخْلَاقُ‌.

احْذَرِ الشَّرَهَ فَكَمْ [مِنْ‌] أَكْلَةٍ مَنَعَتْ أَكَلَاتٍ‌.

احْذَرُوا الشَّرَهَ فَإِنَّهُ خُلُقٌ مُرْدِي.

إِيَّاك وَ الشَّرَهَ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الْوَرَعَ وَ يُدْخِلُ النَّارَ.

كَفَى بِالشَّرَهِ هُلْكًا.

الشَّرَهُ أُسُ كُلِ شَرٍّ.

إِيَّاك وَ الشَّرَهَ فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ دَنِيَّةٍ وَ أُسُّ كُلِّ رَذِيلَةٍ‌.

لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ بَذْرٌ وَ بَذْرُ الشَّرِّ الشَّرَهُ‌.

الشَّرَهُ جَامِعٌ لِمَسَاوِي الْعُيُوبِ‌.

رَأْسُ الْمَعَايِبِ الشَّرَهُ‌.

إِيَّاكُمْ وَ دَنَاءَةَ الشَّرَهِ وَ الطَّمَعِ فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِ شَرٍّ وَ مَزْرَعَةُ الذُّلِّ وَ مُهِينُ النَّفْسِ وَ مُتْعِبُ الْجَسَدِ.

الشَّرَهُ دَاعِيَةُ الشَّرِّ.

يُسْتَدَلُّ عَلَى شَرِّ الرَّجُلِ بِكَثْرَةِ شَرَهِهِ وَ شِدَّةِ طَمَعِهِ‌.

ثَمَرَةُ الشَّرَهِ التَّهَجُّمُ عَلَى الْعُيُوبِ‌.

الشَّرِهُ لَا يَرْضَى.

لَنْ يُلْقَى الشَّرِهُ رَاضِيًا.

الشَّرَهُ يُكْثِرُ [يُثِيرُ] الْغَضَبَ‌.

مَنْ شَرِهَتْ نَفْسُهُ ذَلَّ مُوسِراً.

الْحِرْصُ وَ الشَّرَهُ يَكْسِبَانِ الشَّقَاءَ وَ الذِّلَّةَ‌.

أَصْلُ الشَّرَهِ الطَّمَعُ وَ ثَمَرَتُهُ الْمَلَامَةُ‌(1).

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام: «... وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تَشْرَهَ أَنْفُسُكُمْ إِلَى شَيْ‌ءٍ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ مَنِ انْتَهَك مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَاهُنَا فِي الدُّنْيَا حَالَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَ نَعِيمِهَا وَ لَذَّتِهَا».(2)

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: «الْمُؤْمِنُ لَهُ قُوَّةٌ فِي دِينٍ وَ حَزْمٌ فِي لِينٍ وَ إِيمَانٌ فِي يَقِينٍ وَ حِرْصٌ فِي فِقْهٍ وَ نَشَاطٌ فِي هُدًى وَ بِرٌّ فِي اسْتِقَامَةٍ وَ عِلْمٌ فِي حِلْمٍ وَ كَيْسٌ فِي رِفْقٍ وَ سَخَاءٌ فِي حَقٍّ وَ قَصْدٌ فِي غِنًى وَ تَجَمُّلٌ فِي فَاقَةٍ وَ عَفْوٌ فِي قُدْرَةٍ وَ طَاعَةٌ لِلَّهِ فِي نَصِيحَةٍ وَ انْتِهَاءٌ فِي شَهْوَةٍ وَ وَرَعٌ فِي رَغْبَةٍ وَ حِرْصٌ فِي جِهَادٍ وَ صَلَاةٌ فِي شُغُلٍ وَ صَبْرٌ فِي شِدَّةٍ وَ فِي الْهَزَاهِزِ وَقُورٌ وَ فِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَ فِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ وَ لَا يَغْتَابُ وَ لَا يَتَكَبَّرُ وَ لَا يَقْطَعُ الرَّحِمَ وَ لَيْسَ بِوَاهِنٍ وَ لَا فَظٍّ وَ لَا غَلِيظٍ وَ لَا يَسْبِقُهُ بَصَرُهُ وَ لَا يَفْضَحُهُ‌


1) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 260-296.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 212.

بَطْنُهُ وَ لَا يَغْلِبُهُ فَرْجُهُ‌».(1)

عن أبي بصير عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: قال لي: «يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ الْبَدَنَ لَيَطْغَى مِنْ أَكْلِهِ وَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ اللَّهِ إِذَا جَاعَ بَطْنُهُ وَ أَبْغَضُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ إِذَا امْتَلَأَ بَطْنُهُ‌».(2)

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص بِئْسَ الْعَوْنُ عَلَى الدِّينِ‌) قَلْبٌ نَخِيبٌ (وَ بَطْنٌ رَغِيبٌ وَ نَعْظٌ شَدِيدٌ».(3)

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: «إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كَثْرَةَ الْأَكْلِ وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع لَيْسَ بُدٌّ لِابْنِ آدَمَ - مِنْ أَكْلَةٍ يُقِيمُ بِهَا صُلْبَهُ فَإِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَاماً فَلْيَجْعَلْ ثُلُثَ بَطْنِهِ لِلطَّعَامِ وَ ثُلُثَ بَطْنِهِ لِلشَّرَابِ وَ ثُلُثَ بَطْنِهِ لِلنَّفَسِ وَ لَا تَسَمَّنُوا تَسَمُّنَ الْخَنَازِيرِ لِلذَّبْحِ‌».(4)

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعَاءٍ وَاحِدَةٍ وَ الْمُنَافِقُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ‌».(5)

عن عمرو بن ابراهيم قال: سمعت ابا الحسن عليه السلام يقول: «لَوْ أَنَّ النَّاسَ قَصَدُوا فِي) الطُّعَمِ لَاعْتَدَلَتْ (أَبْدَانُهُمْ‌».(6)

عن حفص بن غياث عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: «ظَهَرَ إِبْلِيسُ لِيَحْيَى بْنِ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 231.

2) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 16 ص 405.

3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 16 ص 406.

4) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 16 ص 406.

5) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 16 ص 406.

6) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 16 ص 406.

زَكَرِيَّا ع وَ إِذَا عَلَيْهِ مَعَالِيقُ مِنْ كُلِّ شَيْ‌ءٍ فَقَالَ لَهُ يَحْيَى مَا هَذِهِ الْمَعَالِيقُ فَقَالَ هَذِهِ الشَّهَوَاتُ الَّتِي) أُصِيبُ بِهَا (ابْنَ آدَمَ فَقَالَ هَلْ لِي مِنْهَا شَيْ‌ءٌ فَقَالَ رُبَّمَا شَبِعْتَ‌ ) فَشَغَلْنَاكَ (عَنِ الصَّلَاةِ وَ الذِّكْرِ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَمْلَأَ بَطْنِي مِنْ طَعَامٍ أَبَداً وَ قَالَ إِبْلِيسُ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَنْصَحَ مُسْلِماً أَبَداً ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع يَا حَفْصُ - لِلَّهِ عَلَى جَعْفَرٍ وَ آلِ جَعْفَرٍ - أَنْ لَا يَمْلَئُوا بُطُونَهُمْ مِنْ طَعَام أَبَداً وَ لِلَّهِ عَلَى جَعْفَرٍ وَ آلِ جَعْفَرٍ أَنْ لَا يَعْمَلُوا لِلدُّنْيَا أَبَداً»(1).

عن أبي بصير عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: «يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ الْبَدَنَ لَيَطْغَى مِنْ أَكْلِهِ وَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ اللَّهِ إِذَا جَاعَ بَطْنُهُ وَ أَبْغَضُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ إِذَا امْتَلَأَ بَطْنُهُ‌.»(2)

1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 16 ص 407.

2) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 16 ص 407.

الرذيلة الثَّامنة‌عشرة: الخمود

اشارة

و هي أيضاً ضد العفّة و ضد الشرّه ايضاً، لان الخمود تفريط و الشرّه افراط، و كلّ واحد منهما من الرذائل.

و هي ملكة و حالة تنشأ منها الرغبة غير المحمود عن الشهوات و الميول و كأنّ صاحبها غفل عن كونه ذا بعدين، و له تمايلات نفسانيّة، يجب عليه أن يقوم بها فحرّم على نفسه تلك التمايلات و هي رذيلة خبيثة بل في كثير من الناس هي رذيلة أشدّ قبحاً من الشرّه،

و هي مثل الشرّه اكثر استعمالها في خمود الشهوة الجنسيّة و عدم الالتفاب بها، و الاسلام ذمّها مبالغاً في ذلك

قال اللّٰه تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُحَرِّمُوا طَيِّبٰاتِ مٰا أَحَلَّ اَللّٰهُ لَكُمْ وَ لاٰ

تَعْتَدُوا إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ اَلْمُعْتَدِينَ‌) (1)

و قال تعالى: (يٰا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا وَ لاٰ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاٰ يُحِبُّ اَلْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللّٰهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ اَلطَّيِّبٰاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا خٰالِصَةً يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ‌)(2).

و قال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ اَلَّذِينَ هٰادُوا حَرَّمْنٰا عَلَيْهِمْ طَيِّبٰاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ‌)(3).

فترى ان اللّٰه تعالى يلوم اليهود و يذمّهم على تحريمهم الطيّبات على أنفسهم، فظلموها، كما ان غير واحد من الآيات جعل الطيّبات مثوبة للمؤمنين.

قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ وَ اُشْكُرُوا لِلّٰهِ‌)(4).

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلرُّسُلُ كُلُوا مِنَ اَلطَّيِّبٰاتِ وَ اِعْمَلُوا صٰالِحاً)(5)

و لتكريمه تعالى بنى آدم صور شتّى ذكر بعضها في القرآن الكريم، فتارةً يكرّمه و يهديه اكليل الكرامة، و تارةً أخرى يكرّمه بأن يهب له الطّيّبات ما أراد،

قال تعالى: (وَ لَقَدْ كَرَّمْنٰا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْنٰاهُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ وَ رَزَقْنٰاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبٰاتِ وَ فَضَّلْنٰاهُمْ عَلىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنٰا تَفْضِيلاً)(6).

فمن حرّم طيّبات الدنيا على نفسه و رغب عنها، قد ترك كرامةً وهبها اللّٰه تعالى


1) . المائدة، 87.

2) . الاعراف، 32-31.

3) . النساء، 160.

4) . البقرة، 172.

5) . المؤمنون، 51.

6) . الاسراء، 70.

له، فهو مذمومٌ و سيرته غير محمودةٍ عند اللّٰه، أضف إلى ذلك عدّه في الذكر الحكيم في عداد المفسدين في الأرض و هذا ينبىء عن بُعده عن ساحته تعالى.

قال تعالى: (وَ اِبْتَغِ فِيمٰا آتٰاكَ اَللّٰهُ اَلدّٰارَ اَلْآخِرَةَ وَ لاٰ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ اَلدُّنْيٰا وَ أَحْسِنْ كَمٰا أَحْسَنَ اَللّٰهُ إِلَيْكَ وَ لاٰ تَبْغِ اَلْفَسٰادَ فِي اَلْأَرْضِ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ اَلْمُفْسِدِينَ‌)(1)

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُحَرِّمُوا طَيِّبٰاتِ مٰا أَحَلَّ اَللّٰهُ لَكُمْ وَ لاٰ تَعْتَدُوا إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ اَلْمُعْتَدِينَ‌)(2)

و هو الّذي يصدق عليه أنّه تقدّم على اللّٰه و على رسوله صلى الله عليه و آله، و ان يرفع صوته فوق صوت النّبى لأنّه نهج منهجاً ما خطّه اللّٰه و رسوله له، فتجاوز سبيلهما، ولا سبيل له إلَّاحبط أعماله.

قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ وَ لاٰ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمٰالُكُمْ‌)(3)

بل في كثير من الروايات سُلِب عنه الايمان، مشيراً إلى أنّ المؤمنين لا خمود فيهم، فمن خمد عن مشتهياته الطيّبة لا يُطلق عليه المؤمن،

عن اميرالمؤمنين على عليه السلام قال: «إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمُ النِّسَاءَ وَ الْإِفْطَارَ بِالنَّهَارِ وَ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَأَخْبَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ص -


1) . القصص، 77.

2) . المائدة، 87.

3) . الحجرات، 12

فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَ تَرْغَبُونَ عَنِ النِّسَاءِ إِنِّي آتِي النِّسَاءَ وَ آكُلُ بِالنَّهَارِ وَ أَنَامُ بِاللَّيْلِ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي وَ أَنْزَلَ اللَّهُ لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ - فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَدْ حَلَفْنَا عَلَى ذَلِك فَأَنْزَلَ اللَّهُ لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ - إِلَى قَوْلِهِ ذلِك كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَ احْفَظُوا أَيْمانَكُمْ‌»(1).

و قال عليه السلام: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَرَك دُنْيَاهُ لآِخِرَتِهِ وَ لَا آخِرَتَهُ لِدُنْيَاهُ‌»(2).

و ما روى عنهم في ترغيب الناس إلى الزواج و ترغيبهم ايّاهم إلى طلب الحلال من الدنيا، يحيّر العقول و نحن نروى هيهنا روايتين منها:

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي ع فَقَالَ لَهُ هَلْ لَك مِنْ زَوْجَةٍ قَالَ لَا فَقَالَ أَبِي مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا وَ إِنِّي بِتُّ لَيْلَةً وَ لَيْسَتْ لِي زَوْجَةٌ ثُمَّ قَالَ الرَّكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا رَجُلٌ مُتَزَوِّجٌ أَفْضَلُ مِنْ رَجُلٍ أَعْزَبَ يَقُومُ لَيْلَهُ وَ يَصُومُ نَهَارَهُ ثُمَّ أَعْطَاهُ أَبِي سَبْعَةَ دَنَانِيرَ ثُمَّ قَالَ تَزَوَّجْ بِهَذِهِ ثُمَّ قَالَ أَبِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص اتَّخِذُوا الْأَهْلَ فَإِنَّهُ أَرْزَقُ لَكُمْ‌.(3)

و عن الراوى قال: رَأَيْتُ أَبَا الْحَسَنِ ع يَعْمَلُ فِي أَرْضٍ لَهُ قَدِ اسْتَنْقَعَتْ قَدَمَاهُ فِي الْعَرَقِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاك أَيْنَ الرِّجَالُ فَقَالَ يَا عَلِيُّ قَدْ عَمِلَ بِالْيَدِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَ مِنْ‌


1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 14 ص 8.

2) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 12 ص 49.

3) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 14 ص 7.

أَبِي فِي أَرْضِهِ فَقُلْتُ وَ مَنْ هُوَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع - وَ آبَائِي كُلُّهُمْ كَانُوا قَدْ عَمِلُوا بِأَيْدِيهِمْ وَ هُوَ مِنْ عَمَلِ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ وَ الْأَوْصِيَاءِ وَ الصَّالِحِينَ‌(1).

و نحوهما في هذا الباب كثير فراجع ان شئت.

و في الخاتمة يكفيك التنبّه بقوله تعالى: (وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنٰا آتِنٰا فِي اَلدُّنْيٰا حَسَنَةً وَ فِي اَلْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنٰا عَذٰابَ اَلنّٰارِ)(2)

فالحسنة في الدنيا هي أشياء بها يتمّ أمر الحياة، كالزوجة الصالحة و الكفاف من المال الحلال و السلامة في الجسم و نحو ذلك، كما ان الحسنة في الاخرة هي رضوان اللّٰه و الجنّة و نعيمها، نعم! الحسنة في الدنيا و الاخرة حسنة إذا كانت مع اللّٰه تعالى و رضاه.

قال تعالى: (رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي اَلْجَنَّةِ وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ وَ نَجِّنِي مِنَ اَلْقَوْمِ اَلظّٰالِمِينَ‌)(3).

فامرئة فرعون حين اغتالها آل فرعون و أرادت أن تقتلها سألت من ربّها الجنّة و لكن عنداللّٰه تعالى، لان النعم في الدنيا كلها بلاصاحبها الّذي هو خالقها و بارؤها وزر و عذاب، و عند اهل اللّٰه تعالى النعم الاخروية و الدنيويّة في ذلك سيّان، فالجنّة و نعيمها نعم و لذائذ إذا كانت ردفاً لقول اللّٰه تعالى: (سَلاٰمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ‌)(4)


1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 12 ص 23.

2) . البقرة، 201.

3) . التحريم، 11.

4) . يس، 58.

لا يقال ان القرآن مدح يحيى عليه السلام بكونه حصوراً، و الحصور هو من منع نفسه عن النساء و الزواج،

قال اللّٰه تعالى: (أَنَّ اَللّٰهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيىٰ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ سَيِّداً وَ حَصُوراً وَ نَبِيًّا مِنَ اَلصّٰالِحِينَ‌)(1).

و ان عيسى و امّه مريم عليه السلام أيضاً كانا حصورين، فهذا و امثاله يدل على جواز الاعراض عن النساء، بل على كونه حسناً، فيجوز التباعد عن الدنيا و لذّاتها.

لانه يقال ان الحصور في القرآن جاء بمعنى العفّة لا بمعنى العزوبة، فمدح اللّٰه تعالى يحيى بكونه عفيفاً ذا ورعٍ فيما يرجع إلى الجنس كما مدح مريم بذلك.

و اما عدم زواج مريم و ابنها، بل يحيى، فغير معلومٍ‌، وقوعاً و لمّيّةً و لو سلم بذلك، فهو مسئلة خارجية، غير معلومة لنا، و لعل الظروف الخاصّة بهم تمنعهم عن الزواج، كما يظهر من التاريخ، فربما يوجب الزمان أو المكان أو غيرهما من المقتضيات و الموانع رفع اليدعن كثير من المندوبات، كما يمنع في بعض الأحيان عن الاتيان بالواجبات.

و بالجملة ان مجرد فعل ظهر عن نبىّ أو ولىّ لا يوجب رفع اليد عن حكم الفطرة و الوحى و سيرة العترة الطاهرة، بعد عدم معلوميّة ذلك الفعل لميّةً و لعلّهم كانوا مزدوجين و التأريخ لم‌يرو لنا سيرتهم في ذلك، و هذا لا استبعاد فيه نظراً إلى البُعد الواقع بين زمانين، زمانهم و زماننا هذا، و لو سلّم كونهم مجردين، فعلة ذلك ليست بمعلومة لنا فليس سيرتهم حجّةٌ علينا.


1) . آل عمران، 39.

و لو سلّم ما اشتهر من سيرتهم من الإعراض عن الدنيا و طيّباتها، فسيرتهم نُسخت بشريعتنا الغرّاء، لتوافقها الفطرة. و قد دلّت على ما قلنا مضافاً إلى السيرة المعصوميّة، كثرة ما وردت من الآيات و الروايات في الحثّ على النكاح، و الّتمتع بطيّبات الدنيا.

روايات في ذمّ الخمود

عن أبى عبداللَّه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ فَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ - عَنْ بَعْضِ رِجَالِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع وَ بِلَالٍ وَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَأَمَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع فَحَلَفَ أَنْ لَا يَنَامَ فِي اللَّيْلِ أَبَداً وَ أَمَّا بِلَالٌ فَإِنَّهُ حَلَفَ أَنْ لَا يُفْطِرَ بِالنَّهَارِ أَبَداً وَ أَمَّا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَإِنَّهُ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ أَبَداً فَدَخَلْتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ عَلَى عَائِشَةَ وَ كَانَتِ امْرَأَةً جَمِيلَةً فَقَالَتْ عَائِشَةُ مَا لِي أَرَاك مُتَعَطِّلَةً فَقَالَتْ وَ لِمَنْ أَتَزَيَّنُ فَوَ اللَّهِ مَا قَرَبَنِي زَوْجِي مُنْذُ كَذَا وَ كَذَا فَإِنَّهُ قَدْ تَرَهَّبَ وَ لَبِسَ الْمُسُوحَ وَ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِذَلِك فَخَرَجَ فَنَادَى الصَّلَاةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يُحَرِّمُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمُ الطَّيِّبَاتِ أَلَا إِنِّي أَنَامُ بِاللَّيْلِ وَ أَنْكِحُ وَ أُفْطِرُ بِالنَّهَارِ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي فَقَامَ هَؤُلَاءِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ حَلَفْنَا عَلَى ذَلِك فَأَنْزَلَ اللَّهُ لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ

تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِك كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُم.(1)-(2)

عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ‌: حَجَجْتُ وَ سُكَيْنٌ النَّخَعِيُ فَتَعَبَّدَ وَ تَرَك النِّسَاءَ وَ الطِّيبَ وَ الثِّيَابَ وَ الطَّعَامَ الطَّيِّبَ وَ كَانَ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ إِلَى السَّمَاءِ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ دَنَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فَصَلَّى إِلَى جَانِبِهِ فَقَالَ جُعِلْتُ فِدَاك إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَك مِنْ مَسَائِلَ قَالَ اذْهَبْ فَاكْتُبْهَا وَ أَرْسِلْ بِهَا إِلَيَّ فَكَتَبَ جُعِلْتُ فِدَاك رَجُلٌ دَخَلَهُ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَتَّى تَرَك النِّسَاءَ وَ الطَّعَامَ الطَّيِّبَ وَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ أَمَّا الثِّيَابُ فَشَك فِيهَا فَكَتَبَ أَمَّا قَوْلُك فِي تَرْك النِّسَاءِ فَقَدْ عَلِمْتَ مَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ص مِنَ النِّسَاءِ وَ أَمَّا قَوْلُك فِي تَرْك الطَّعَامِ الطَّيِّبِ فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَأْكُلُ اللَّحْمَ وَ الْعَسَلَ وَ أَمَّا قَوْلُك إِنَّهُ دَخَلَهُ الْخَوْفُ حَتَّى لَا يَسْتَطِيعَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَأَكْثِرْ مِنْ تِلَاوَةِ هَذِهِ الآْيَاتِ الصَّابِرِينَ وَ الصَّادِقِينَ وَ الْقانِتِينَ وَ الْمُنْفِقِينَ وَ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ(3)-(4).

قال له (يعنى الرّضا عليه السلام) الصّوفيّة: إِنَّ الْمَأْمُونَ قَدْ رَدَّ هَذَا الْأَمْرَ إِلَيْك وَ أَنْتَ أَحَقُ النَّاسِ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ تَحْتَاجُ أَنْ يَتَقَدَّمَ مِنْك تَقَدُّمَك إِلَى لُبْسِ الصُّوفِ وَ مَا يُحْسِنُ لُبْسَهُ فَقَالَ وَيْحَكُمْ إِنَّمَا يُرَادُ مِنَ الْإِمَامِ قِسْطُهُ وَ عَدْلُهُ إِذَا قَالَ صَدَقَ وَ إِذَا حَكَمَ عَدَلَ وَ إِذْ وَعَدَ أَنْجَزَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ إِنَّ يُوسُفَ ع


1) . المائدة، 89..

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 116.

3) . آل عمران، 17.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 117.

لَبِسَ الدِّيبَاجَ الْمَنْسُوجَ بِالذَّهَبِ وَ جَلَسَ عَلَى مُتَّكَآتِ آلِ فِرْعَوْنَ‌.(1)

من كلام له عليه السلام بالبصرة و قد دخل على العلاء بن زياد الحارثى يعوده و هو من اصحابه فلّما رأى سعة داره قال: مَا كُنْتَ تَصْنَعُ [بِسَعَةِ‌] بِسِعَةِ هَذِهِ الدَّارِ فِي الدُّنْيَا [أَمَا] وَ أَنْتَ إِلَيْهَا فِي الآْخِرَةِ كُنْتَ أَحْوَجَ وَ بَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الآْخِرَةَ تَقْرِي فِيهَا الضَّيْفَ وَ تَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ وَ تُطْلِعُ مِنْهَا الْحُقُوقَ مَطَالِعَهَا فَإِذاً أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الآْخِرَةَ فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَشْكُو إِلَيْك أَخِي عَاصِمَ بْنَ زِيَادٍ قَالَ وَ مَا لَهُ قَالَ لَبِسَ الْعَبَاءَةَ [الْعَبَاءَ‌] وَ تَخَلَّى [مِنَ‌] عَنِ الدُّنْيَا قَالَ عَلَيَّ بِهِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ يَا عُدَيَّ نَفْسِهِ لَقَدِ اسْتَهَامَ بِك الْخَبِيثُ أَ مَا رَحِمْتَ أَهْلَك

وَ وَلَدَك أَ تَرَى اللَّهَ أَحَلَّ لَك الطَّيِّبَاتِ وَ هُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِك قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا أَنْتَ فِي خُشُونَةِ مَلْبَسِك وَ جُشُوبَةِ مَأْكَلِك قَالَ وَيْحَك إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ [الْحَقِ‌] الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ كَيْلَا يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُه.(2)

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام: نِعْمَ الْعَوْنُ الدُّنْيَا عَلَى الآْخِرَةِ‌.(3)

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام: لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَرَك دُنْيَاهُ لآِخِرَتِهِ وَ لَا آخِرَتَهُ لِدُنْيَاهُ‌.(4)

عن العالم عليه السلام: اعْمَلْ لِدُنْيَاك كَأَنَّك تَعِيشُ أَبَداً وَ اعْمَلْ لآِخِرَتِك كَأَنَّك تَمُوتُ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 118.

2) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 209.

3) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 94.

4) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 94.

غَداً.(1).

قِيلَ إِنَّ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ زَائِراً لِأَبِي الدَّرْدَاءِ فَوَجَدَ أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُبْتَذِلَةً فَقَالَ مَا شَأْنُك قَالَتْ إِنَّ أَخَاك لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ فِي شَيْ‌ءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا قَالَ فَلَمَّا جَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَحَّبَ لِسَلْمَانَ وَ قَرَّبَ إِلَيْهِ طَعَاماً فَقَالَ لِسَلْمَانَ اطْعَمْ فَقَالَ إِنِّي صَائِمٌ قَالَ أَقْسَمْتُ عَلَيْك إِلَّا مَا طَعِمْتَ فَقَالَ مَا أَنَا بِ‌آكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ قَالَ وَ بَاتَ عِنْدَهُ فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْلُ قَامَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَحَبَسَهُ سَلْمَانُ قَالَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنَّ لِرَبِّك عَلَيْك حَقّاً إِنَّ لِجَسَدِك عَلَيْك حَقّاً وَ لِأَهْلِك عَلَيْك حَقّاً فَصُمْ وَ أَفْطِرْ وَ صَلِّ وَ نَمْ وَ أَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَتَى أَبُو الدَّرْدَاءِ النَّبِيَّ ص فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ سَلْمَانُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ قَوْلِ سَلْمَانَ‌.(2)

عن جعفر بن محمّد عن ابائه عليهم السلام قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَأْتِي أَهْلَ الصُّفَّةِ وَ كَانُوا ضِيفَانَ رَسُولِ اللَّهِ ص كَانُوا هَاجَرُوا مِنْ أَهَالِيهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَسْكَنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ص صُفَّةَ الْمَسْجِدِ وَ هُمْ‌أَرْبَعُمِائَةِ رَجُلٍ فَكَانَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ بِالْغَدَاةِ وَ الْعَشِيِّ فَأَتَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَخْصِفُ نَعْلَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَرْقَعُ ثَوْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَتَفَلَّى‌وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَرْزُقُهُمْ مُدّاً مُدّاً مِنْ تَمْرٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ التَّمْرُ الَّذِي تَرْزُقُنَا قَدْ أَحْرَقَ بُطُونَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ أَمَا إِنِّي لَوِ اسْتَطَعْتُ أَنْ أُطْعِمَكُمُ الدُّنْيَا لَأَطْعَمْتُكُمْ وَ لَكِنْ مَنْ عَاشَ مِنْكُمْ مِنْ بَعْدِي يُغْدَى عَلَيْهِ بِالْجِفَانِ وَ يُرَاحُ عَلَيْهِ بِالْجِفَانِ وَ يَغْدُو أَحَدُكُمْ فِي قَمِيصَةٍ وَ يَرُوحُ فِي أُخْرَى وَ تُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُنَجَّدُ الْكَعْبَةُ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا إِلَى ذَلِك الزَّمَانِ بِالْأَشْوَاقِ فَمَتَى هُوَ قَالَ ص


1) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 94.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 128.

زَمَانُكُمْ هَذَا خَيْرٌ مِنْ ذَلِك الزَّمَانِ إِنَّكُمْ إِنْ مَلَأْتُمْ بُطُونَكُمْ مِنَ الْحَلَالِ تُوشِكُونَ أَنْ تَمْلَئُوهَا مِنَ الْحَرَامِ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ أَشَجَّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِنَا بَعْدَ الْمَوْتِ قَالَ الْحِسَابُ وَ الْقَبْرُ ثُمَّ ضِيقُهُ بَعْدَ ذَلِك أَوْ سَعَتُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ تَخَافُ أَنْتَ ذَلِك فَقَالَ لَا وَ لَكِنْ أَسْتَحْيِي مِنَ النِّعَمِ الْمُتَظَاهِرَةِ الَّتِي لَا أُجَازِيهَا وَ لَا جُزْءاً مِنْ سَبْعَةٍ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَشَجَّ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَ أُشْهِدُ رَسُولَهُ وَ مَنْ حَضَرَنِي أَنَّ نَوْمَ اللَّيْلِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَ الْأَكْلَ بِالنَّهَارِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَ لِبَاسَ اللَّيْلِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَ مُخَالَطَةَ النَّاسِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَ إِتْيَانَ النِّسَاءِ عَلَيَّ حَرَامٌفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ يَا سَعْدُ لَمْ تَصْنَعْ شَيْئاً كَيْفَ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ إِذَا لَمْ تُخَالِطِ النَّاسَ وَ سُكُونُ الْبَرِّيَّةِ بَعْدَ الْحَضَرِ كُفْرٌ لِلنِّعْمَةِ نَمْ بِاللَّيْلِ وَ كُلْ بِالنَّهَارِ وَ الْبَسْ مَا لَمْ يَكُنْ ذَهَباً أَوْ حَرِيراً أَوْ مُعَصْفَراً وَ آتِ النِّسَاءَ‌(1).

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام: لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُحِبُ جَمْعَ الْمَالِ مِنْ حَلَالٍ فَيَكُفَّ بِهِ وَجْهَهُ وَ يَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ وَ يَصِلَ بِهِ رَحِمَهُ‌.(2)

عن الفضل بن يسار قال: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ التِّجَارَةَ فَقَالَ لَا تَفْعَلْ افْتَحْ بَابَك وَ ابْسُطْ بِسَاطَك وَ اسْتَرْزِقِ اللَّهَ رَبَّك.(3)

دَخَلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَرَأَى عَلَيْهِ ثِيَابَ بَيَاضٍ كَأَنَّهَا غِرْقِئُ الْبَيْضِ فَقَالَ لَهُ إِنَّ هَذَا اللِّبَاسَ لَيْسَ مِنْ لِبَاسِك فَقَالَ لَهُ اسْمَعْ مِنِّي وَ عِ مَا أَقُولُ لَك فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَك عَاجِلًا وَ آجِلًا إِنْ كُنْتَ أَنْتَ مِتَّ عَلَى السُّنَّةِ وَ الْحَقِّ وَ لَمْ تَمُتْ عَلَى بِدْعَةٍ أُخْبِرُك


1) . بحار الأنوار، ج 67 ص 128.

2) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 102.

3) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 3 ص 100.

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ فِي زَمَانٍ مُقْفِرٍ جَشِبٍ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا فَأَحَقُّ أَهْلِهَا بِهَا أَبْرَارُهَا لَا فُجَّارُهَا وَ مُؤْمِنُهَا لَا مُنَافِقُوهَا وَ مُسْلِمُوهَا لَا كُفَّارُهَا فَمَا أَنْكَرْتَ يَا ثَوْرِيُّ فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَمَعَ مَا تَرَى مَا أَتَى عَلَيَّ مُذْ عَقَلْتُ صَبَاحٌ وَ لَا مَسَاءٌ وَ لِلَّهِ فِي مَالِي حَقٌّ أَمَرَنِي أَنْ أَضَعَهُ مَوْضِعاً إِلَّا وَضَعْتُه فَقَالَ ثُمَّ أَتَاهُ قَوْمُهُ مِمَّنْ يُظْهِرُ التَّزَهُّدَ وَ يَدْعُونَ النَّاسَ أَنْ يَكُونُوا مَعَهُمْ مِثْلَ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّقَشُّفِ فَقَالُوا إِنَّ صَاحِبَنَا حَصِرَ عَنْ كَلَامِك وَ لَمْ تَحْضُرْهُ حُجَّةٌ فَقَالَ لَهُمْ هَاتُوا حُجَجَكُمْ فَقَالُوا إِنَّ حُجَجَنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَالَ لَهُمْ فَأَدْلُوا بِهَا فَإِنَّهَا أَحَقُّ مَا اتُّبِعَ وَ عُمِلَ بِهِ‌. فَقَالُوا يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَك وَ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ص وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِك هُمُ الْمُفْلِحُونَ فَمَدَحَ فِعْلَهُمْ وَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراًفَنَحْنُ نَكْتَفِي بِهَذَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْجُلَسَاءِ إِنَّا مَا رَأَيْنَاكُمْ تَزْهَدُونَ فِي الْأَطْعِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَ مَعَ ذَلِك تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْخُرُوجِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَتَّى تَتَمَتَّعُوا أَنْتُمْ مِنْهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع دَعُوا عَنْكُمْ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ أَخْبِرُونِي أَيُّهَا النَّفَرُ أَ لَكُمْ عِلْمٌ بِنَاسِخِ الْقُرْآنِ مِنْ مَنْسُوخِهِ وَ مُحْكَمِهِ مِنْ مُتَشَابِهِهِ الَّذِي فِي مِثْلِهِ ضَلَّ مَنْ ضَلَّ وَ هَلَك مَنْ هَلَك مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَقَالُوا لَهُ أَوْ بَعْضِهِ فَأَمَّا كُلُّهُ فَلَا فَقَالَ لَهُمْ مِنْ هَاهُنَا أُتِيتُمْ وَ كَذَلِك أَحَادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ص فَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ إِخْبَارِ اللَّهِ إِيَّانَا فِي كِتَابِهِ عَنِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِحُسْن‌فِعَالِهِمْ فَقَدْ كَانَ مُبَاحاً جَائِزاً وَ لَمْ يَكُونُوا نُهُوا عَنْهُ وَ ثَوَابُهُمْ مِنْهُ عَلَى اللَّهِ وَ ذَلِك أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ تَقَدَّسَ أَمَرَ بِخِلَافِ مَا عَمِلُوا بِهِ فَصَارَ أَمْرُهُ نَاسِخاً لِفِعْلِهِمْ وَ كَانَ نَهَى اللَّهُ تَبَارَك وَ تَعَالَى رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَ نَظَراً لِكَيْ لَا يُضِرُّوا بِأَنْفُسِهِمْ وَ عِيَالاتِهِمْ مِنْهُمُ الضَّعَفَةُ الصِّغَارُ وَ الْوِلْدَانُ وَ الشَّيْخُ الْفَانِ وَ الْعَجُوزُ الْكَبِيرَةُ الَّذِينَ لَا يَصْبِرُونَ عَلَى

الْجُوعِ فَإِنْ تَصَدَّقْتُ بِرَغِيفِي وَ لَا رَغِيفَ لِي غَيْرُهُ ضَاعُوا وَ هَلَكُوا جُوعاً فَمِنْ ثَمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص خَمْسُ تَمَرَاتٍ أَوْ خَمْسُ قُرَصٍ أَوْ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ يَمْلِكُهَا الْإِنْسَانُ وَ هُوَ يُرِيدُ أَنْ يُمْضِيَهَا فَأَفْضَلُهَا مَا أَنْفَقَهُ الْإِنْسَانُ عَلَى وَالِدَيْهِ ثُمَّ الثَّانِيَةُ عَلَى نَفْسِهِ وَ عِيَالِهِ ثُمَّ الثَّالِثَةُ الْقَرَابَةِ وَ إِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ الرَّابِعَةُ عَلَى جِيرَانِهِ الْفُقَرَاءِ ثُمَّ الْخَامِسَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ هُوَ أَخَسُّهَا أَجْراً وَ قَالَ النَّبِيُّ ص لِلْأَنْصَارِيِّ حَيْثُ أَعْتَقَ عِنْدَ مَوْتِهِ خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً مِنَ الرَّقِيقِ وَ لَمْ يَكُنْ يَمْلِك غَيْرَهُمْ وَ لَهُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ لَوْ أَعْلَمْتُمُونِي أَمْرَهُ مَا تَرَكْتُكُمْ تَدْفِنُونَهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ تَرَك صِبْيَةً صِغَاراً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ثُمَّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى ثُمَّ هَذَا مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ رَدّاً لِقَوْلِكُمْ وَ نَهْياً عَنْهُ مَفْرُوضٌ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ قَالَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِك قَواماً أَ فَلَا تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَك وَ تَعَالَى قَالَ غَيْرَ مَا أَرَاكُمْ تَدْعُونَ النَّاسَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَثَرَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ سَمَّى مَنْ فَعَلَ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ مُسْرِفاً وَ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ يَقُولُ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ فَنَهَاهُمْ عَنِ الْإِسْرَافِ وَ نَهَاهُمْ عَنِ التَّقْتِيرِ لَكِنْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لَا يُعْطِي جَمِيعَ مَا عِنْدَهُ ثُمَّ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَهُ لِلْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّ أَصْنَافاً مِنْ أُمَّتِي لَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ دُعَاؤُهُمْ رَجُلٌ يَدْعُو عَلَى وَالِدَيْه‌وَ رَجُلٌ يَدْعُو عَلَى غَرِيمٍ ذَهَبَ لَهُ بِمَالٍ وَ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ وَ رَجُلٌ يَدْعُو عَلَى امْرَأَتِهِ وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَخْلِيَةَ سَبِيلِهَا بِيَدِهِ وَ رَجُلٌ يَقْعُدُ فِي الْبَيْتِ يَقُولُ يَا رَبِّ ارْزُقْنِي وَ لَا يَخْرُجُ يَطْلُبُ الرِّزْقَ فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ عَبْدِي أَ وَ لَمْ أَجْعَلْ لَك السَّبِيلَ إِلَى الطَّلَبِ وَ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ بِجَوَارِحَ صَحِيحَةٍ فَتَكُونَ قَدْ أُعْذِرْتَ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَك فِي الطَّلَبِ لِاتِّبَاعِ أَمْرِي وَ لِكَيْلَا تَكُونَ كَلًّا عَلَى أَهْلِك فَإِنْ شِئْتُ رَزَقْتُك وَ إِنْ شِئْتُ قَتَّرْتُ عَلَيْك وَ

أَنْتَ مَعْذُورٌ عِنْدِي وَ رَجُلٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا كَثِيراً فَأَنْفَقَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ يَدْعُو يَا رَبِّ ارْزُقْنِي فَيَقُولُ اللَّهُ أَ لَمْ أَرْزُقْك رِزْقاً وَاسِعاً أَ فَلَا اقْتَصَدْتَ فِيهِ كَمَا أَمَرْتُك وَ لَمْ تُسْرِفْ كَمَا نَهَيْتُك وَ رَجُلٌ يَدْعُو فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ ثُمَّ عَلَّمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ كَيْفَ يُنْفِقُ وَ ذَلِك أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ أُوقِيَّةٌ مِنْ ذَهَبٍ فَكَرِهَ أَنْ تَبِيتَ عِنْدَهُ فَصَدَّقَ وَ أَصْبَحَ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْ‌ءٌ وَ جَاءَهُ مَنْ يَسْأَلُهُ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُعْطِيهِ فَلَامَهُ السَّائِلُ وَ اغْتَمَّ هُوَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُعْطِيهِ وَ كَانَ رَحِيماً رَفِيقاً فَأَدَّبَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِأَمْرِهِ إِيَّاهُ فَقَالَ وَ لا تَجْعَلْ يَدَك مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِك وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراًيَقُولُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ يَسْأَلُونَك وَ لَا يَعْذِرُونَك فَإِذَا أَعْطَيْتَ جَمِيعَ مَا عِنْدَك كُنْتَ قَدْ حَسَرْتَ مِنَ الْمَالِ فَهَذِهِ أَحَادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ص يُصَدِّقُهَا الْكِتَابُ وَ الْكِتَابُ يُصَدِّقُهُ أَهْلُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ مَوْتِهِ أُوصِي بِالْخُمُسِ وَ الْخُمُسُ كَثِيرٌ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ رَضِيَ بِالْخُمُسِ فَأَوْصَى بِالْخُمُسِ وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ الثُّلُثَ عِنْدَ مَوْتِهِ وَ لَوْ عَلِمَ أَنَّ الثُّلُثَ خيرا [خَيْرٌ] لَهُ أَوْصَى بِهِ ثُمَّ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ بَعْدَهُ فِي فَضْلِهِ وَ زُهْدِهِ سَلْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ فَأَمَّا سَلْمَانُ فَكَانَ إِذَا أَخَذَ عَطَاءَهُ رَفَعَ مِنْهُ قُوتَهُ لِسَنَتِهِ حَتَّى يَحْضُرَهُ عَطَاؤُهُ مِنْ قَابِلٍ فَقِيلَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَنْتَ فِي زُهْدِك تَصْنَعُ هَذَا وَ إِنَّك لَا تَدْرِي لَعَلَّك تَمُوتُ الْيَوْمَ أَوْ غَداً وَ كَانَ جَوَابُهُ أَنْ قَالَ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِيَ الْبَقَاءَ كَمَا خِفْتُمْ عَلَيَّ الْفَنَاءَ أَ وَ مَا عَلِمْتُمْ يَاجَهَلَةُ أَنَّ النَّفْسَ قَدْ تَلْتَاثُ عَلَى صَاحِبِهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنَ الْعَيْشِ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فَإِذَا هِيَ أَحْرَزَتْ مَعِيشَتَهَا اطْمَأَنَّتْ فَأَمَّا أَبُو ذَرٍّ فَكَانَتْ لَهُ نُوَيْقَاتٌ وَ شُوَيْهَاتٌ يَحْلُبُهَا وَ يَذْبَحُ مِنْهَا إِذَا اشْتَهَى أَهْلُهُ اللَّحْمَ أَوْ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ أَوْ رَأَى بِأَهْلِ الْمَاءِ الَّذِينَ هُمْ مَعَهُ خَصَاصَةً نَحَرَ لَهُمُ الْجَزُورَ أَوْ مِنَ الشَّاةِ عَلَى قَدْرِ مَا يُذْهِبُ عَنْهُمْ قَرَمَ اللَّحْمِ فَيَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ وَ يَأْخُذُ كَنَصِيبِ أَحَدِهِمْ لَا يَفْضُلُ عَلَيْهِمْ وَ مَنْ أَزْهَدُ مِنْ‌

هَؤُلَاءِ وَ قَدْ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا قَالَ وَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ أَمْرِهِمَا أَنْ صَارَا لَا يَمْلِكَانِ شَيْئاً الْبَتَّةَ كَمَا تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِإِلْقَاءِ أَمْتِعَتِهِمْ وَ شَيْئِهِمْ وَ يُؤْثِرُونَ بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ عِيَالاتِهِمْ وَ اعْلَمُوا أَيُّهَا النَّفَرُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبِي يَرْوِي عَنْ آبَائِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ يَوْماً مَا عَجِبْتُ مِنْ شَيْ‌ءٍ كَعَجَبِي مِنَ الْمُؤْمِنِ إِنَّهُ إِنْ قُرِّضَ جَسَدُهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ كَانَ خَيْراً لَهُ وَ إِنْ مَلَك مَا بَيْنَ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبِهَا كَانَ خَيْراً لَهُ فَكُلُّ مَا يَصْنَعُ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ فَلَيْتَ شِعْرِي هَلْ يَحِيقُ فِيكُمُ الْيَوْمَ مَا قَدْ شَرَحْتُ لَكُمْ أَمْ أَزِيدُكُمْ أَ وَ مَا عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ اسْمُهُ فَرَضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ أَنْ يُقَاتِلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَشَرَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ وَجْهَهُ عَنْهُمْ وَ مَنْ وَلَّاهُمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ فَقَدْ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ثُمَّ حَوَّلَهُمْ مِنْ حَالِهِمْ رَحْمَةً مِنْهُ لَهُمْ فَصَارَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاتِلَ الرَّجُلَيْنِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تَخْفِيفاً مِنَ اللَّهِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ فَنَسَخَ الرَّجُلَانِ الْعَشَرَة‌وَ أَخْبِرُونِي أَيْضاً عَنِ الْقُضَاةِ أَ جَوْرٌ مِنْهُمْحَيْثُ يَفْرُضُونَ عَلَى الرَّجُلِ مِنْكُمْ نَفَقَةَ امْرَأَتِهِ إِذَا قَالَ أَنَا زَاهِدٌ وَ أَنَّهُ لَا شَيْ‌ءَ لِي فَإِنْ قُلْتُمْ جَوْرٌ ظَلَمْتُمْ أَهْلَ الْإِسْلَامِوَ إِنْ قُلْتُمْ بَلْ عَدْلٌ خَصَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ حَيْثُ يَرُدُّونَ صَدَقَةَ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى الْمَسَاكِينِ عِنْدَ الْمَوْتِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ أَخْبِرُونِي لَوْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ كَمَا تُرِيدُونَ زُهَّاداً لَا حَاجَةَ لَهُمْ فِي مَتَاعِ غَيْرِهِمْ فَعَلَى مَنْ كَانَ يُتَصَدَّقُ بِكَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ وَ النُّذُورِ وَ الصَّدَقَاتِ مِنْ فَرْضِ الزَّكَاةِ مِنَ الْإِبِلِ وَ الْغَنَمِ وَ الْبَقَرِ وَ غَيْرِ ذَلِك مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ النَّخْلِ وَ الزَّبِيبِ وَ سَائِرِ مَا قَدْ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَقُولُونَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَحْبِسَ شَيْئاً مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا إِلَّا قَدَّمَهُ وَ إِنْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ فَبِئْسَ مَا ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ وَ حَمَلْتُمُ النَّاسَ عَلَيْهِ مِنَ الْجَهْلِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ وَ أَحَادِيثِهِ الَّتِي يُصَدِّقُهَا الْكِتَابُ الْمُنْزَلُ وَ رَدِّكُمْ إِيَّاهَا

بِجَهَالَتِكُمْ وَ تَرْكِكُمُ النَّظَرَ فِي غَرَائِبِ الْقُرْآنِ مِنَ التَّفْسِيرِ بِالنَّاسِخِ مِنَ الْمَنْسُوخِ وَ الْمُحْكَمِ وَ الْمُتَشَابِهِ وَ الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ وَ أَخْبِرُونِي أَنْتُمْ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ع حَيْثُ سَأَلَ اللَّهَ مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ ذَلِك وَ كَانَ يَقُولُ الْحَقَّ وَ يَعْمَلُ بِهِ ثُمَّ لَمْ نَجِدِ اللَّهَ عَابَ ذَلِك عَلَيْهِ وَ لَا أَحَداً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ دَاوُدَ قَبْلَهُ فِي مُلْكِهِ وَ شِدَّةِ سُلْطَانِهِ ثُمَّ يُوسُفَ النَّبِيِّ حَيْثُ قَالَ لِمَلِك مِصْرَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌفَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ الَّذِي كَانَ أَنِ اخْتَارَ مَمْلَكَةَ الْمَلِك وَ مَا حَوْلَهَا إِلَى الْيَمَنِ فَكَانُوا يَمْتَارُونَ الطَّعَامَ مِنْ عِنْدِهِ لِمَجَاعَةٍ أَصَابَتْهُمْ وَ كَانَ يَقُولُ الْحَق‌وَ يَعْمَلُ بِهِ فَلَمْ نَجِدْ أَحَداً عَابَ ذَلِك عَلَيْهِ ثُمَّ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَبْدٌ أَحَبَّ اللَّهَ فَأَحَبَّهُ طَوَى لَهُ الْأَسْبَابَ وَ مَلَّكَهُ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا وَ كَانَ يَقُولُ بِالْحَقِّ وَ يَعْمَلُ بِهِ ثُمَّ لَمْ نَجِدْ أَحَداً عَابَ ذَلِك عَلَيْهِ فَتَأَدَّبُوا أَيُّهَا النَّفَرُ بِ‌آدَابِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ اقْتَصِرُوا عَلَى أَمْرِ اللَّهِ وَ نَهْيِهِ وَ دَعُوا عَنْكُمْ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْكُمْ مِمَّا لَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ وَ رُدُّوا الْعِلْمَ إِلَى أَهْلِهِ تُؤْجَرُوا وَ تُعْذَرُوا عِنْدَ اللَّهِ وَ كُونُوا فِي طَلَبِ عِلْمِ النَّاسِخِ مِنَ الْقُرْآنِ مِنْ مَنْسُوخِهِ وَ مُحْكَمِهِ مِنْ مُتَشَابِهِهِ وَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِيهِ مِمَّا حَرَّمَ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ أَبْعَدُ لَكُمْ مِنَ الْجَهْلِ وَ دَعُوا الْجَهَالَةَ لِأَهْلِهَا فَإِنَّ أَهْلَ الْجَهْلِ كَثِيرٌ وَ أَهْلَ الْعِلْمِ قَلِيلٌ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ (فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ‌) (1).


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 122.

الفصل السادس عشر

اشارة

الفضيلة السابعة عشرة: الزهد

الرّذيلة التاسعة عشرة: حبّ الدّنيا

الفضيلة السّابعة‌عشرة: الزّهد

اشارة

و هي ملكة يقتدر صاحبها على الانقطاع عن التّعلّقات و المهن و الاشتغالات الدنيويّة، و ان لايشغله شيء من حطامها حرامها و حلالها، كثيرها و قليلها، و بهذا المعنى اشار غير واحد من الائمة إذا سئلوا عن معنى الزهد، فقالوا: الزُّهْدُ كَلِمَةٌ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ‌(1).

و بهذا اشار الحافظ في شعره بالفارسية:

غلام همّت آنم كه زير چرخ كبود *** ز هر چه رنگ تعلّق پذيرد آزاد است

و لها مراتب و إلى كلّ واحدٍ منها أشير في الروايات و في كلمات علماء الأخلاق و يسمّى كلّ مرتبة من هذه المراتب باسم خاص و نحن نذكرها اجمالاً.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 309.

1 - زهد الفرض: و هو رفع التعلق عن المحرمات الدنياويّة، مالها و رئاستها و شهوتها.

و هذا القسم يرجع إلى ملكة العدالة و تحصلها لانها ملكة يقتدر بها على الاجتناب عن المحرمات كلّها، وعدّ صاحب هذا القسم في الروايات «ازهد الناس».

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام: أَوْرَعُ النَّاسِ مَنْ وَقَفَ عِنْدَ الشُّبْهَةِ أَعْبَدُ النَّاسِ مَنْ أَقَامَ الْفَرَائِضَ أَزْهَدُ النَّاسِ مَنْ تَرَك الْحَرَامَ أَشَدُّ النَّاسِ اجْتِهَاداً مَنْ تَرَك الذُّنُوبَ‌(1).

و صيغة افعل التفضيل في هذه الجملات كلها جيئت بها للتأكيد، و معناها ان الورع و العبادة و الزهد و الاجتهاد بهذا المقدار في الاسلام واجب مؤكّد، لابدّ منه لكلّ مسلم.

2 - زهد السلامة: و هو القدرة على ترك المكروهات و المشتبهات بحيث تكونا عنده مرغوب عنهما كالمحرّمات.

و هذا الزهد لازمٌ لابدّ منه لكلِّ من أراد السير و السلوك و التهذيب و التخلّق باخلاق اللّٰه، بل لايمكن ذلك الا به، لانه لو لم يترك الشبهات لايقدر على أخذ ناصية النفس، و قد اشار اهل العصمة عليهم السلام مستفيضةً بذلك، و منها

قول النبى صلى الله عليه و آله: حَلَالٌ بَيِّنٌ وَ حَرَامٌ بَيِّنٌ وَ شُبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِك فَمَنْ تَرَك الشُّبُهَاتِ نَجَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَ مَنْ أَخَذَ بِالشُّبُهَاتِ ارْتَكَبَ الْمُحَرَّمَاتِ وَ هَلَك مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَم.(2)

و قول اميرالمؤمنين عليه السلام: الْمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ فَمَنْ يَرْتَعْ حَوْلَهَا يُوشِك أَنْ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 305.

2) . راجع: الكافي، ج 1 ص 68.

يَدْخُلَهَا.(1)

و قول النبى صلى الله عليه و آله: فَإِنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ الشُّبْهَةِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الْهَلَكَةِ‌(2).

3 - زهد الكفاف: و هو القدرة على ان يترك كلّ ما هو زائد عمّا يكفيه في معاشه و حياته، بحيث يكون راغباً عنه فارّاً منه، و ورد مدحه و الترغيب فيه في روايات كثيرة، منها:

عن أبي جعفر عليه السلام يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِنَّ مِنْ أَغْبَطِ أَوْلِيَائِي عِنْدِي رَجُلًا خَفِيفَ الْحَالِ ذَا حَظٍّ مِنْ صَلَاةٍ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ بِالْغَيْبِ وَ كَانَ غَامِضاً فِي النَّاسِ جُعِلَ رِزْقُهُ كَفَافاً فَصَبَرَ عَلَيْهِ عَجِلَتْ مَنِيَّتُهُ فَقَلَّ تُرَاثُهُ وَ قَلَّتْ بَوَاكِيهِ‌.(3)

و نظيرها في الروايات كثير، فانظر على سبيل المثال ما ورد في باب الكفاف من الكافى، ج 2، ص 140

4 - زهد الحلال: و هو القدرة على ان يترك المشتهيات الا ممّا لا بدّ منه، امّا الزائد على الضرورة فيكرهه و يرغب عنه.

و بهذا القسم أيضاً اشار الائمة عليهم السلام في جملةٍ من الروايات و منها:

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: سَمِعْتُهُ يَقُولُ جُعِلَ الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي بَيْتٍ وَ جُعِلَ مِفْتَاحُهُ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا يَجِدُ الرَّجُلُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِهِ حَتَّى لَا يُبَالِيَ مَنْ أَكَلَ الدُّنْيَا ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع حَرَامٌ عَلَى قُلُوبِكُمْ أَنْ تَعْرِفَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ‌


1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 18 ص 129.

2) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 14 ص 193.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 140.

حَتَّى تَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا.(1)

5 - زهد النّفس: و هو ان لا يرى نفسه و و هواه، بل يكون هواه فانياً في مشيئة اللّٰه تعالى، فلم يكن له ارادةٌ غير ما أراده اللّٰه، كالميّت بين يدى الغسّال و هو ما سمّى عند اهل العرفان بالفناء، و هو حكم اللّٰه تعالى حكماً مطلقاً على قلبه، فحبّه ذاته الّذي هو من لوازم ذاته، فضلاً عن حبّه الدنيا يفنى في حبّ اللّٰه تعالى، فليس في قلبه شى، حتّى ما يشير إلى نفسه.

و بهذا المقام اشير في روايات، منها:

عن أبي‌جعفر عليه السلام قال: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي وَ عَظَمَتِي وَ عُلُوِّي وَ ارْتِفَاعِ مَكَانِي لَا يُؤْثِرُ عَبْدٌ هَوَايَ عَلَى هَوَى نَفْسِهِ إِلَّا كَفَفْتُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَ ضَمَّنْتُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ رِزْقَهُ وَ كُنْتُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَةِ كُلِّ تَاجِرٍ.(2)

و عن أبي جعفر عليه السلام قال: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي وَ عَظَمَتِي وَ بَهَائِي وَ عُلُوِّ ارْتِفَاعِي لَا يُؤْثِرُ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ هَوَايَ عَلَى هَوَاهُ فِي شَيْ‌ءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَّا جَعَلْتُ غِنَاهُ فِي نَفْسِهِ وَ هِمَّتَهُ فِي آخِرَتِهِ وَ ضَمَّنْتُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ رِزْقَهُ وَ كُنْتُ لَهُ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَةِ كُلِّ تَاجِرٍ.(3)

ثمّ ان علماء علم الأخلاق عدّوا من مراتب الزهد زهد الآخرة، و قد أشاروا اليها مبتهجين بها، و هو التوجه التام إلى اللّٰه تعالى، بحيث يكون غافلاً عن لذّات


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 128.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 137.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 137.

الاخرة، فضلاً عن حطام الدنيا، و أن لا يشغل قلبه شيء إلّااللّٰه تبارك و تعالى، فله أن يحكى قول اميرالمؤمنن عليه السلام: مَا عَبَدْتُك خَوْفاً مِنْ نَارِك وَ لَا طَمَعاً فِي جَنَّتِك لَكِنْ وَجَدْتُك أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ فَعَبَدْتُك.(1)

و معلوم ان لا جزاء لمن اتّصف بهذه المرتبة من الزهد إلّااللّٰه تعالى.

و في الرواية المعراجية: يَا أَحْمَدُ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْراً مِنْ لُؤْلُؤٍ فَوْقَ لُؤْلُؤٍ وَ دُرَّةٍ فَوْقَ دُرَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَصْمٌ وَ لَا وَصْلٌ فِيهَا الْخَوَاصُّ أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً فَأُكَلِّمُهُمْ كُلَّمَا نَظَرْتُ إِلَيْهِمْ وَ أَزِيدُ فِي مِلْكِهِمْ سَبْعِينَ ضِعْفاً وَ إِذَا تَلَذَّذَ أَهْلُ الْجَنَّةِ بِالطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ تَلَذَّذُوا أُولَئِك بِذِكْرِي وَ كَلَامِي وَ حَدِيثِي قَالَ يَا رَبِّ مَا عَلَامَةُ أُولَئِك قَالَ مَسْجُونُونَ قَدْ سَجَنُوا أَلْسِنَتَهُمْ مِنْ فُضُولِ الْكَلَامِ وَ بُطُونَهُمْ مِنْ فُضُولِ الطَّعَام.(2)

و أشير في جملةٍ من آيات الذكر الحكيم إلى هذا المقام منها:

قوله تعالى: (يٰا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبٰادِي * وَ اُدْخُلِي جَنَّتِي)(3)

و منها قوله تعالى: (إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنّٰاتٍ وَ نَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)(4)

و لكن هذا المقام رفيع لا يناله الا الاوحدى من الانام، و هو من درجات المحبّة


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 186.

2) . ارشاد الديلمى، آخر الجزء الأوّل؛ راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 23.

3) . الفجر، 30-27.

4) . القمر، 55-54.

للّٰه تعالى، و سياتى ذكره مفصلاً انشاءاللّٰه تعالى في فضيلة المحبّة، و لا يرتبط بالزهد، و لذلك لانفصّل الكلام عنه هيهنا، لان الزهد في اصطلاح علماء الاخلاق، و في عرف المتشرعة، بل عرف العقلاء، و في السنة العترة الطاهرة عليهم السلام ايضاً، هو الرغبة عن الدنيا و زينتها و زبرجها و له تلك المراتب الخمس الّتي ذكرناها.

ثمّ ان الزهد كما عرّفناه و ايّدناه بالروايات المستفيضة، ملكةُ ان يستوى عند صاحبها وجود الدنيا و فقدانها، فان وجدها لم‌يفرح بها، و ان فقدها لم يتاذّ بفقدانها، و هذا هو قولهم: الزُّهْدُ كَلِمَةٌ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ‌(1).

و قد احسن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله معنى الزهد بقوله:

«لَا يُبَالِيَ مَنْ أَكَلَ الدُّنْيَا»(2).

و قد احسن من اقتبس من العترة الطاهرة عليهم السلام فقال:

«ان الدنيا و ما فيها بمنزلة الأرض و ما فيها من الدودات و الحشرات».

فمن فسّر الزهد بان صاحبه يكره و يبغض الدنيا بمعناه العام، و جعل هذا المعنى من مراتبه العليا، ما أصاب الحقّ‌، لان الكراهة نفسها أيضاً اشتغال بالدنيا، و الزاهد هو الّذي لايشغله شيء عن اللّٰه حتّى الكراهة من الدنيا، نعم انه يكره الجيفة من الدنيا الّتي هي الحرام منها و يفرّ عنه، كما يفرّ من الجيفة و لعلّ قوله عليه السلام: «الدنيا جيفة


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 319.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 128.

و طالبها كلاب»(1)يكون بهذا المعنى، و إلّافمن يطلب حلال الدنيا لكفاية عيشه و معاشه، فليس غير زاهدٍ، بل هو كالمجاهد في سبيل اللّٰه:

عن النّبى صلى الله عليه و آله: «الشَّاخِصُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ الْحَلَالِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‌»(2).

فليس طلب الحلال بمذمومٍ‌، بل التعلّق بالدنيا و ما فيها حلالها و حرامها بمقدار الضرورة أو الكفاية أو الزائد عليهما هو الحجاب، و هو المذموم و يكون ضد الزهد، فرب متموّل و قائد قوم يكون زاهداً كما ان رب فقير و خاملٍ يكون ملتهياً بالدنيا، و رب زاهد كاره للدنيا أيضاً يكون مشغولاً ببغضه للدنيا و كراهته منها.

وللّٰه دَرّ الغزإلى في هذا المقام، حيث قال: ان الكاره للدنيا مشغول بالدنيا، كما ان الراغب فيها مشغول بها، و الشغل بما سوى اللّٰه حجاب عن اللّٰه تعالى، و لا حجاب بينك و بين اللّٰه الا شغلك بغيره و انت لا تزال مشغولاً بنفسك و شهواتها، فلا تزال محجوباً عنه حتّى ان شغلك ببغض نفسك و شهواتها، شغل عن اللّٰه، كحبك نفسك و شهواتها من غير فرق، لان الشغل، شغل، و مثاله مثال الرقيب في المجلس، فان التفت العاشق بالرقيب منصرفاً عن المعشوق فهو شرك، و ان التفت ببغض الرقيب و انصرف عن المعشوق بذلك البغض فهو أيضاً شرك في العشق، الا ان هذا اخف من ذلك.

انتهى بتقريرٍ منا.

فالكلام جيّد و ان نهج غير سبيل الحق و غلط في معنى الزهد فجعل هذا المعنى


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 84 ص 289.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 100 ص 17.

الّذي أشرنا اليها خارجاً عن الزهد، و فسّره بالكاره للدنيا ثمّ أطال الكلام في ذمّ الزهد و مدح مقام الابرار بهذا المثال و قال ان الزهد حسنة و لكنه سيئة للمقربين، و تمثّل بذلك المثال، مع ان المثال للزاهدين و المقرّبين الذين لايشغلهم الاخرة عن اللّٰه فضلاً عن الدنيا، فمن هذه الجهة، الزهد درجة رفيعة، و حسنة كريمة، و لكنه مع تلك الرتبة و الرفعة سيئة للمقربين، و لكن قدمّر ان الزهد بهذا المعنى خارج عن علم الاخلاق، بل عن المستفاد عن الروايات بل هو معنى ذوقى عرفانى يتذوّقه اهل القلوب و هو من درجات المحبّة و سياتى البحث عنها انشاءاللّٰه.

و الحاصل ان الزهد هو التحرّى عن جميع التعلقات الدنيوية و هو درجة و فضيلة مدحه اللّٰه تعالى في القرآن بما يفوق المدح:

قال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصٰالِ * رِجٰالٌ لاٰ تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لاٰ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌).(1)

و ذكر التجارة و البيع من باب المثال، و المعنى انهم لا يلهيهم شى من الدنيا بمعناه العام، عن ذكر اللّٰه تعالى، فلذلك أعرض عن ذكر البيع و التجارة في آيةٍ أخرى و عوّض عنها بالمال و الاولاد:

قال تعالى: (لاٰ تُلْهِكُمْ أَمْوٰالُكُمْ وَ لاٰ أَوْلاٰدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌)(2).

و بدل كلّ ذلك جاء في سوره التكاثر بالتكاثر:


1) . النور، 37-36.

2) . المنافقون، 9.

قال تعالى: (أَلْهٰاكُمُ اَلتَّكٰاثُرُ * حَتّٰى زُرْتُمُ اَلْمَقٰابِرَ).(1)

خلاصة هذا المقال، ان الزهد هو التحرير و الطلاقة عن التعلقات و ليس هو الفرار عن الدنيا، بمعناه العام، فمن يقدر على التحظّظ من الدنيا لنفسه أو لغيره و لاتشغله عن الاخرة و عن ذكر اللّٰه تعالى، فيجوز له أن يستفيد منه، بل واجب لبعض الناس على شريطة ما ذكرنا، لان الدنيا بمعناه العام لاتكون حسنة و لا سيّئة، بل انها ليس إلّاكالقلم للكاتب العالم، فالعالم الوفيّ بمبانى الانسانيّة العليا و مبادئها به يكتب ما يثمر الخيرات، كما أنّ الجاهل الغبى غير الملتزم بها به يكتب ما يثمر السيئات.

نعم الدنيا تغرّ و تضرّ و تلهى و تشغل الا للاوحدى من الناس و هو الزاهد الّذي أفاضه اللّٰه تحرير النّفس بعد مجاهدات مشروعةٍ طويلة، و بعد أن فاز بالتحلية بعد التخلية، أعنى بعد أن أخرج حب الدنيا الدنيّة عن قلبه و غرس شجرة الزهد فيه فحصّل ثمراتها.

و قد كرر ذلك في القرآن مرّات عديدة و لعلّها تزيد على عشرين مورداً.

قال - تعالىٰ‌! -: (يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ إِنَّ وَعْدَ اَللّٰهِ حَقٌّ فَلاٰ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا وَ لاٰ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّٰهِ اَلْغَرُورُ)(2)

و فرار اهل القلوب عنها كما يفرّ الغنم عن الذئب، ليس الا لهذا التهديد و التحذير.


1) . التكاثر، 12.

2) . فاطر، 5.

و لقد صنّفنا في سالف الزمان كتاباً سمّيناه التوازن بين الدنيا و الاخرة، و جمعنا فيه الآيات و الروايات الواردة في ذمّ الدنيا و مدحها و جمعنا بين تلك الآيات و الروايات المنافر بعضها لبعضٍ بحسب الظاهر و ألّفنا بينهما، و كان وجه الجمع انّ الدنيا حسنة لمن يشرى بها الاخرة و سيئة لمن يشرى بها غضب الرحمن.

و لكن ان قلنا ان هذا الكتاب المشار إليه و امثاله، قد جمع في كلمةٍ من كلمات اميرالمؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة لم نسلك سبيل الاغراق، فنحن نختم هذا الفصل المخصّص بهذه الفضيلة بفضيلة ذكر هذا الكلام.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع بِذِي قَارٍ وَ هُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ فَقَالَ لِي مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ فَقُلْتُ لَا قِيمَةَ لَهَا فَقَالَ ع وَ اللَّهِ لَهِيَ أَحَبُ إِلَيَ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا.(1)


1) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 33.

رواياتٌ في ذمّ الدّنيا و الزّهد فيها

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا أَثْبَتَ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ وَ أَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ وَ بَصَّرَهُ عُيُوبَ الدُّنْيَا دَاءَهَا وَ دَوَاءَهَا وَ أَخْرَجَهُ مِنَ الدُّنْيَا سَالِماً إِلَى دَارِ السَّلَامِ‌.(1)

عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ جُعِلَ الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي بَيْتٍ وَ جُعِلَ مِفْتَاحُهُ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا يَجِدُ الرَّجُلُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِهِ حَتَّى لَا يُبَالِيَ مَنْ أَكَلَ الدُّنْيَا ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع حَرَامٌ عَلَى قُلُوبِكُمْ أَنْ تَعْرِفَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى تَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا.(2)

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع إِنَّ مِنْ أَعْوَنِ الْأَخْلَاقِ عَلَى الدِّينِ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا.(3)

أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ ع عَنِ الزُّهْدِ فَقَالَ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ فَأَعْلَى دَرَجَةِ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 128.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 128.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 128.

الزُّهْدِ أَدْنَى دَرَجَةِ الْوَرَعِ وَ أَعْلَى دَرَجَةِ الْوَرَعِ أَدْنَى دَرَجَةِ الْيَقِينِ وَ أَعْلَى دَرَجَةِ الْيَقِينِ أَدْنَى دَرَجَةِ الرِّضَا أَلَا وَ إِنَّ الزُّهْدَ فِي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ‌(1).

عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع وَ هُوَ يَقُولُ كُلُ قَلْبٍ فِيهِ شَك أَوْ شِرْك فَهُوَ سَاقِطٌ وَ إِنَّمَا أَرَادُوا بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا لِتَفْرُغَ قُلُوبُهُمْ لِلآْخِرَةِ‌.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع إِنَّ عَلَامَةَ الرَّاغِبِ فِي ثَوَابِ الآْخِرَةِ زُهْدُهُ فِي عَاجِلِ زَهْرَةِ الدُّنْيَا أَمَا إِنَّ زُهْدَ الزَّاهِدِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَا يَنْقُصُهُ مِمَّا قَسَمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ فِيهَا وَ إِنْ زَهِدَ - وَ إِنَّ حِرْصَ الْحَرِيصِ عَلَى عَاجِلِ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لَا يَزِيدُهُ فِيهَا وَ إِنْ حَرَصَ فَالْمَغْبُونُ مَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الآْخِرَةِ‌.(3)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: خَرَجَ النَّبِيُّ ص وَ هُوَ مَحْزُونٌ فَأَتَاهُ مَلَك وَ مَعَهُ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ الْأَرْضِ يَقُولُ لَك رَبُّك افْتَحْ وَ خُذْ مِنْهَا مَا شِئْتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُنْقَصَ شَيْئاً عِنْدِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ وَ لَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ فَقَالَ الْمَلِك وَ الَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ نَبِيّاً لَقَدْ سَمِعْتُ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ مَلَك يَقُولُهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ حِينَ أُعْطِيتُ الْمَفَاتِيحَ‌.(4)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ص بِجَدْيٍ أَسَك مُلْقًى عَلَى مَزْبَلَةٍ مَيْتاً


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 128.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 129.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 129.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 129.

فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ كَمْ يُسَاوِي هَذَا فَقَالُوا لَعَلَّهُ لَوْ كَانَ حَيّاً لَمْ يُسَاوِ دِرْهَماً فَقَالَ النَّبِيُّ ص وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا الْجَدْيِ عَلَى أَهْلِهِ‌.(1)

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً زَهَّدَهُ فِي الدُّنْيَا وَ فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ وَ بَصَّرَهُ عُيُوبَهَا وَ مَنْ أُوتِيَهُنَّ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَ الآْخِرَةِ وَ قَالَ لَمْ يَطْلُبْ أَحَدٌ الْحَقَّ بِبَابٍ أَفْضَلَ مِنَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَ هُوَ ضِدٌّ لِمَا طَلَبَ أَعْدَاءُ الْحَقِّ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاك مِمَّا ذَا قَالَ مِنَ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَ قَالَ أَ لَا مِنْ صَبَّارٍ كَرِيمٍ فَإِنَّمَا هِيَ أَيَّامٌ قَلَائِلُ أَلَا إِنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تَجِدُوا طَعْمَ الْإِيمَانِ حَتَّى تَزْهَدُوا فِي الدُّنْيَا - قَالَ وَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ إِذَا تَخَلَّى الْمُؤْمِنُ مِنَ الدُّنْيَا سَمَا وَ وَجَدَ حَلَاوَةَ حُبِّ اللَّهِ وَ كَانَ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا كَأَنَّهُ قَدْ خُولِطَ وَ إِنَّمَا خَالَطَ الْقَوْمَ حَلَاوَةُ حُبِّ اللَّهِ فَلَمْ يَشْتَغِلُوا بِغَيْرِهِ‌. - قَالَ وَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ الْقَلْبَ إِذَا صَفَا ضَاقَتْ بِهِ الْأَرْضُ حَتَّى يَسْمُو.(2)

سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ مَا مِنْ عَمَلٍ بَعْدَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ وَ مَعْرِفَةِ رَسُولِهِ ص أَفْضَلَ مِنْ بُغْضِ الدُّنْيَا وَ إِنَّ لِذَلِك لَشُعَباً كَثِيرَةً وَ لِلْمَعَاصِي شُعَباً فَأَوَّلُ مَا عُصِيَ اللَّهُ بِهِ الْكِبْرُ وَ هِيَ مَعْصِيَةُ إِبْلِيسَ حِينَ أَبى وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ وَ الْحِرْصُ وَ هِي مَعْصِيَةُ آدَمَ وَ حَوَّاءَ حِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُمَا - فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَخَذَا مَا لَا حَاجَةَ بِهِمَا إِلَيْهِ فَدَخَلَ ذَلِك عَلَى ذُرِّيَّتِهِمَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ ذَلِك أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَطْلُبُ ابْنُ آدَمَ مَا لَا حَاجَةَ بِهِ إِلَيْهِ ثُمَّ الْحَسَدُ وَ هِيَ مَعْصِيَةُ ابْنِ آدَمَ حَيْثُ حَسَدَ أَخَاهُ فَقَتَلَهُ فَتَشَعَّبَ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 129.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 130.

مِنْ ذَلِك حُبُّ النِّسَاءِ وَ حُبُّ الدُّنْيَا وَ حُبُّ الرِّئَاسَةِ وَ حُبُّ الرَّاحَةِ وَ حُبُّ الْكَلَامِ وَ حُبُّ الْعُلُوِّ وَ الثَّرْوَةِ فَصِرْنَ سَبْعَ خِصَالٍ فَاجْتَمَعْنَ كُلُّهُنَّ فِي حُبِّ الدُّنْيَا فَقَالَ الْأَنْبِيَاءُ وَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ ذَلِك حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وَ الدُّنْيَا دُنْيَاءَ‌انِ دُنْيَا بَلَاغٌ وَ دُنْيَا مَلْعُونَةٌ‌.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا إِضْرَاراً بِالآْخِرَةِ وَ فِي طَلَبِ الآْخِرَةِ إِضْرَاراً بِالدُّنْيَا فَأَضِرُّوا بِالدُّنْيَا فَإِنَّهَا أَوْلَى بِالْإِضْرَارِ.(2)

عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ قَالَ‌: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ ع حَدِّثْنِي بِمَا أَنْتَفِعُ بِهِ فَقَالَ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ أَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ لَمْ يُكْثِرْ إِنْسَانٌ ذِكْرَ الْمَوْتِ إِلَّا زَهِدَ فِي الدُّنْيَا.(3)

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع مَلَك يُنَادِي كُلَّ يَوْمٍ ابْنَ آدَمَ لِدْ لِلْمَوْتِ وَ اجْمَعْ لِلْفَنَاءِ وَ ابْنِ لِلْخَرَابِ‌.(4)

عن أبي‌جعفرٍ عليه السلام قال: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ص إِنَّ الدُّنْيَا قَدِ ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةً وَ إِنَّ الآْخِرَةَ قَدِ ارْتَحَلَتْ مُقْبِلَةً وَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآْخِرَةِ وَ لَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا أَلَا وَ كُونُوا مِنَ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا الرَّاغِبِينَ فِي الآْخِرَةِ أَلَا إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطاً وَ التُّرَابَ فِرَاشاً وَ الْمَاءَ طِيباً وَ قُرِّضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْرِيضاً أَلَا وَ مَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ وَ مَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ رَجَعَ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِوَ مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ أَلَا إِنَّ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 130.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 131.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 131.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 131.

لِلَّهِ عِبَاداً كَمَنْ رَأَى أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ مُخَلَّدِينَ وَ كَمَنْ رَأَى أَهْلَ النَّارِ فِي النَّارِ مُعَذَّبِينَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ وَ قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ - أَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ وَ حَوَائِجُهُمْ خَفِيفَةٌ صَبَرُوا أَيَّاماً قَلِيلَةً فَصَارُوا بِعُقْبَى رَاحَةٍ طَوِيلَةٍ أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ وَ هُمْ يَجْأَرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ يَسْعَوْنَ فِي فَكَاك رِقَابِهِمْ وَ أَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ بَرَرَةٌ أَتْقِيَاءُ كَأَنَّهُمْ الْقِدَاحُ قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ مِنَ الْعِبَادَةِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَقُولُ مَرْضَى وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ أَمْ خُولِطُوا فَقَدْ خَالَطَ الْقَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ مِنْ ذِكْرِ النَّارِ وَ مَا فِيهَا.(1)

عن جابر قال: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ ع فَقَالَ يَا جَابِرُ وَ اللَّهِ إِنِّي لَمَحْزُونٌ وَ إِنِّي لَمَشْغُولُ الْقَلْبِ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاك وَ مَا شَغَلَك وَ مَا حَزَنَ قَلْبَك فَقَالَ يَا جَابِرُ إِنَّهُ مَنْ دَخَلَ قَلْبَهُ صَافِي‌خَالِصِ دِينِ اللَّهِ شُغِلَ قَلْبُهُ عَمَّا سِوَاهُ يَا جَابِرُ مَا الدُّنْيَا وَ مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ الدُّنْيَا هَلْ هِيَ إِلَّا طَعَامٌ أَكَلْتَهُ أَوْ ثَوْبٌ لَبِسْتَهُ أَوِ امْرَأَةٌ أَصَبْتَهَا يَا جَابِرُ إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَطْمَئِنُّوا إِلَى الدُّنْيَا بِبَقَائِهِمْ فِيهَا وَ لَمْ يَأْمَنُوا قُدُومَهُمُ الآْخِرَةَ يَا جَابِرُ الآْخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ وَ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَ زَوَالٍ وَ لَكِنْ أَهْلُ الدُّنْيَا أَهْلُ غَفْلَةٍ وَ كَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ هُمُ الْفُقَهَاءُ أَهْلُ فِكْرَةٍ وَ عِبْرَةٍ لَمْ يُصِمَّهُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ جَلَّ اسْمُهُ مَا سَمِعُوا بِ‌آذَانِهِمْ وَ لَمْ يُعْمِهِمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ مَا رَأَوْا مِنَ الزِّينَةِ بِأَعْيُنِهِمْ فَفَازُوا بِثَوَابِ الآْخِرَةِ كَمَا فَازُوا بِذَلِك الْعِلْمِ‌.(2)

عن أبي‌إبراهيم عليه السلام قال: قَالَ أَبُو ذَرٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ جَزَى اللَّهُ الدُّنْيَا عَنِّي مَذَمَّةً بَعْدَ رَغِيفَيْنِ مِنَ الشَّعِيرِ أَتَغَدَّى بِأَحَدِهِمَا وَ أَتَعَشَّى بِالآْخَرِ وَ بَعْدَ شَمْلَتَيِ الصُّوفِ أَتَّزِرُ


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 131.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 132.

بِإِحْدَاهُمَا وَ أَتَرَدَّى بِالْأُخْرَى.(1)

سَأَلَ أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ ع أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ أَخْوَفُهُمْ لِلَّهِ وَ أَعْمَلُهُمْ بِالتَّقْوَى وَ أَزْهَدُهُمْ فِي الدُّنْيَا.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: قِيلَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع مَا الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا قَالَ تَنَكُّبُ حَرَامِهَا.(3)

عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع يَقُولُ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا قَصْرُ الْأَمَلِ وَ شُكْرُ كُلِّ نِعْمَةٍ الْوَرَعُ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْك.(4)

قال أبو عبداللّٰه عليه السلام: لَيْسَ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا بِإِضَاعَةِ الْمَالِ وَ لَا بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ بَلِ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَا تَكُونَ بِمَا فِي يَدِك أَوْثَقَ مِنْك بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ‌.(5)

سُئِلَ الصَّادِقُ ع عَنِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا قَالَ الَّذِي يَتْرُك حَلَالَهَا مَخَافَةَ حِسَابِهِ وَ يَتْرُك حَرَامَهَا مَخَافَةَ عَذَابِهِ‌(6).

عَنْ حَفْصٍ قَالَ‌: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع جُعِلْتُ فِدَاك مَا حَدُّ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا فَقَالَ فَقَدْ حَدَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 134.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 309.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 310.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 310.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 310.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 310.

إِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِاللَّهِ أَخْوَفُهُمْ بِاللَّهِ وَ أَخْوَفَهُمْ لَهُ أَعْلَمُهُمْ بِهِ وَ أَعْلَمَهُمْ بِهِ أَزْهَدُهُمْ فِيهَا.(1)

قال رجل لعليّ بن الحسين عليه السلام: قَالَ رَجُلٌ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ع مَا الزُّهْدُ قَالَ الزُّهْدُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ فَأَعْلَى دَرَجَاتِ الزُّهْدِ أَدْنَى دَرَجَاتِ الرِّضَا أَلَا وَ إِنَّ الزُّهْدَ فِي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ‌.(2)

مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ رَفَعَهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع قَالَ‌: كُونُوا عَلَى قَبُولِ الْعَمَلِ أَشَدَّ عِنَايَةً مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا قَصْرُ الْأَمَلِ وَ شُكْرُ كُلِّ نِعْمَةٍ الْوَرَعُ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَنْ أَسْخَطَ بَدَنَهُ أَرْضَى رَبَّهُ وَ مَنْ لَمْ يُسْخِطْ بَدَنَهُ عَصَى رَبَّهُ‌.(3)

سَأَلَ النَّبِيُّ ص جَبْرَئِيلَ ع عَنْ تَفْسِيرِ الزُّهْدِ قَالَ الزَّاهِدُ يُحِبُ مَنْ يُحِبُّ خَالِقُهُ وَ يُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُ خَالِقُهُ وَ يَتَحَرَّجُ مِنْ حَلَالِ الدُّنْيَا وَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى حَرَامِهَا فَإِنَّ حَلَالَهَا حِسَابٌ وَ حَرَامَهَا عِقَابٌ وَ يَرْحَمُ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا يَرْحَمُ نَفْسَهُ وَ يَتَحَرَّجُ مِنَ الْكَلَامِ كَمَا يَتَحَرَّجُ مِنَ الْمَيْتَةِ الَّتِي قَدِ اشْتَدَّ نَتْنُهَا وَ يَتَحَرَّجُ عَنْ حُطَامِ الدُّنْيَا وَ زِينَتِهَا كَمَا يَتَجَنَّبُ النَّارَ أَنْ يَغْشَاهَا وَ أَنْ يُقَصِّرَ أَمَلَهُ كَأَنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَجَلَهُ‌.(4)

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: مَنْ أَصْبَحَ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ آمِناً فِي سَرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا خِيرَتْ لَهُ الدُّنْيَا يَا ابْنَ خَثْعَمٍ يَكْفِيك مِنْهَا مَا سَدَّ جُوعَك وَ وَارَى عَوْرَتَك فَإِنْ يَكُنْ بَيْتٌ يُكِنُّك فَذَاك وَ إِنْ تَكُنْ دَابَّةٌ تَرْكَبُهَا فَبَخٍ بَخٍ وَ إِلَّا فَالْخُبْزُ وَ مَاءُ الْجَرِّ وَ مَا


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 311.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 311.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 312.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 312.

بَعْدَ ذَلِك حِسَابٌ عَلَيْك أَوْ عَذَابٌ‌.(1)

عن أبي جعفر عليه السلام قال: كَانَ فِيمَا نَاجَى اللَّهُ بِهِ مُوسَى ع عَلَى الطُّورِ أَنْ يَا مُوسَى أَبْلِغْ قَوْمَك أَنَّهُ مَا يَتَقَرَّبُ إِلَيَ الْمُتَقَرِّبُونَ بِمِثْلِ الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَتِي وَ مَا تَعَبَّدَ لِيَ الْمُتَعَبِّدُونَ بِمِثْلِ الْوَرَعِ عَنْ مَحَارِمِي وَ لَا تَزَيَّنَ لِيَ الْمُتَزَيِّنُونَ بِمِثْلِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا عَمَّا بِهِمُ الْغِنَى عَنْهُ‌(2).

قال الصادق عليه السلام: الزُّهْدُ مِفْتَاحُ بَابِ الآْخِرَةِ وَ الْبَرَاءَةُ مِنَ النَّارِ وَ هُوَ تَرْكُك كُلَّ شَيْ‌ءٍ يَشْغَلُك عَنِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ تَأَسُّفٍ عَلَى فَوْتِهَا وَ لَا إِعْجَابٍ فِي تَرْكِهَا وَ لَا انْتِظَارِ فَرَجٍ مِنْهَا وَ لَا طَلَبِ مَحْمَدَةٍ عَلَيْهَا وَ لَا عِوَضٍ مِنْهَا بَلْ تَرَى فَوْتَهَا رَاحَةً وَ كَوْنَهَا آفَةً وَ تَكُونُ أَبَداً هَارِباً مِنَ الآْفَةِ مُعْتَصِماً بِالرَّاحَةِ وَ الزَّاهِدُ الَّذِي يَخْتَارُ الآْخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا وَ الذُّلَّ عَلَى الْعِزِّ وَ الْجَهْدَ عَلَى الرَّاحَةِ وَ الْجُوعَ عَلَى الشِّبَعِ وَ عَاقِبَةَ الآْجِلِ عَلَى مَحَبَّةِ الْعَاجِلِ وَ الذِّكْرَ عَلَى الْغَفْلَةِ وَ يَكُونُ نَفْسُهُ فِي الدُّنْيَا وَ قَلْبُهُ فِي الآْخِرَةِ‌(3).


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 313.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 313.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 315.

الرّذيلة التّاسعة‌عشرة: حبّ الدّنيا

اشارة

و هذه الرذيلة هو «رَأْسُ كُلِ خَطِيئَةٍ‌»(1)، و المراد منها هو تعلق القلب بالدّنيا بمعناه العام، شريطة أن يكون على نحو الملكة.

و بعبارةٍ أخرى هو تعلق النّفس بالشهوات على نحو الملكة، و على حدّ تعبير القرآن هو التلهّى بواحد من المشتهيات النفسيّة. و قد نهى اللّٰه تعالى عنه مؤكداً:

قال تعالى: (بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ * أَلْهٰاكُمُ اَلتَّكٰاثُرُ * حَتّٰى زُرْتُمُ اَلْمَقٰابِرَ * كَلاّٰ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاّٰ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاّٰ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اَلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ اَلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهٰا عَيْنَ اَلْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ اَلنَّعِيمِ‌).(2)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 51 ص 258.

2) . التكاثر، 18.

و قال اللّٰه تعالى: (لاٰ تُلْهِكُمْ أَمْوٰالُكُمْ وَ لاٰ أَوْلاٰدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌).(1)

و القرآن الكريم اطلق على هذه الرذيلة لفظة «الهوى»، و ذكر المتّصف بها في عداد اهل النار ثمّ أكّد على ذلك ليكون الناس على حذرٍ منها:

قال تعالى: (فَأَمّٰا مَنْ طَغىٰ * وَ آثَرَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا * فَإِنَّ اَلْجَحِيمَ هِيَ اَلْمَأْوىٰ‌).(2)

بل جعل الهوى من الاصنام و اخبر ان صاحبها ضالٌّ عالمٌ بضلالته:

قال تعالى: (أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ وَ أَضَلَّهُ اَللّٰهُ عَلىٰ عِلْمٍ‌)(3)

و قد تطابق لسان الوحى و العصمة على مذمّة تلك الرذيلة و تحذير الناس عنها و ذلك في كثيرٍ من الآيات و مرويّات اهل العصمة، حتّى أن لو قلنا انّ هذا التحذير و المذمّة يزيد على عشرها، لسنا مجازفاً في القول!.

و من جعل غايته و غاية حياته الدنيا بمعناه العام، فهو من وجهة نظر القرآن ليس إلّاحيواناً يشبه الانسان!

قال تعالى: (وَ يَأْكُلُونَ كَمٰا تَأْكُلُ اَلْأَنْعٰامُ‌)(4)

و قال تعالى: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ اَلْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‌)(5)

بل هو اضلّ منها!

قال تعالى: (وَ لَقَدْ ذَرَأْنٰا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاٰ يَفْقَهُونَ بِهٰا وَ


1) . المنافقون، 9.

2) . النازعات، 41-37.

3) . الجاثية، 23.

4) . محمّد، 12.

5) . الحجر، 3.

لَهُمْ أَعْيُنٌ لاٰ يُبْصِرُونَ بِهٰا وَ لَهُمْ آذٰانٌ لاٰ يَسْمَعُونَ بِهٰا أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْغٰافِلُونَ‌) (1)

و قد اخبر اللّٰه تعالى عن اتّصافه برذائل يكفي لهلاكه واحد منها فقط! و نحن نذكر بعضاً منها:

1 - ضعف ارادته

قال تعالى: (وَ خُلِقَ اَلْإِنْسٰانُ ضَعِيفاً)(2)

2 - الانغمار في المشتهيات المادّية، يوجب نسيان الفطرة، فيغفل هذا المنغمر عن بُعده العلوى، و عن ربّه، فلا نصيب له إلّاالجحيم.

قال تعالى: (وَ لَقَدْ ذَرَأْنٰا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاٰ يَفْقَهُونَ بِهٰا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاٰ يُبْصِرُونَ بِهٰا وَ لَهُمْ آذٰانٌ لاٰ يَسْمَعُونَ بِهٰا أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْغٰافِلُونَ‌)(3).

و قال تعالى: (فَإِذٰا رَكِبُوا فِي اَلْفُلْكِ دَعَوُا اَللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ فَلَمّٰا نَجّٰاهُمْ إِلَى اَلْبَرِّ إِذٰا هُمْ يُشْرِكُونَ‌)(4).

3 - انه يصير سلبيّاً، بمعنى انه ينسى النعم و يتذكر دائما النقم و السلبىّ يقال له بالفارسية: منفى باف.


1) . الاعراف، 179.

2) . النساء، 28.

3) . الاعراف، 179.

4) . العنكوت، 65.

قال تعالى: (وَ لَئِنْ أَذَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ مِنّٰا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنٰاهٰا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ)(1).

4 - انه فخور فَرِحٌ بما عنده من النعم، فهو في النعم فخور فرح و في النقم يئوس كفور؛

قال تعالى: (وَ لَئِنْ أَذَقْنٰاهُ نَعْمٰاءَ بَعْدَ ضَرّٰاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ اَلسَّيِّئٰاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ)(2).

5 - انه ظلوم جهول بمعنى انه ظلوم لنفسه حيث يبيع آخرته بدنياه، و النور بالظلمات، و انه جهول بنفسه، حيث لايعرف قدره و منزلته، و انه ينادى من العرش بل من فوقه فيجعل نفسه رهين سجن المادّة الخسيسة و للّٰه‌درّ من قال:

تو را ز كنگره عرش مى‌زنند صفير *** ندانمت كه در اين دامگه چه افتاد است

قال اللّٰه تعالى: (إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولاً)(3)

6 - و قد كرّر في القرآن انه كفور و انه كفَّارٌ و معناه ما يقال بالفارسيَّة:

نمك‌نشناس، بى‌وفا. و هذه الرذيلة مبغوضة عنداللّٰه تعالى و هذا يظهر ممّا دعا اللّٰه على صاحبها.

قال تعالى: (قُتِلَ اَلْإِنْسٰانُ مٰا أَكْفَرَهُ‌)(4).

7 - انه خصمٌ لكلّ من يسدّ طريقه إلى مشتهياته، و يمنعه عنها، أو لايعطيها، و لو


1) . هود، 9.

2) . هود، 10.

3) . الاحزاب، 72.

4) . عبس، 17.

كان المانع و الممسك هو اللّٰه تعالى و لذلك أكدّ اللّٰه تعالى على كون هذا الرذل خصماً له تعالى.

قال: (أَ وَ لَمْ يَرَ اَلْإِنْسٰانُ أَنّٰا خَلَقْنٰاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذٰا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ‌) (1).

8 - انه جاهل جهلاً مركّباً، فمن جهله يجعل الشرّ همّه في دعائه الرّب متخيّلاً أنّه الخير، فيدعوه كى يستجيبه له،

قال تعالى: (وَ يَدْعُ اَلْإِنْسٰانُ بِالشَّرِّ دُعٰاءَهُ بِالْخَيْرِ وَ كٰانَ اَلْإِنْسٰانُ عَجُولاً)(2)

9 - انه عجول فيتمنّى الشر في أغلب الأحيان.

قال تعالى: (وَ كٰانَ اَلْإِنْسٰانُ عَجُولاً)(3)

10 - انه يحبّ المال و الشهوات، فيمنعه الحبّ هذا عن صرف المال في ما يليق به من المصارف، فيبخل به فيه، فلهذه الرذيلة قد يغلب عليه الشيطان، فيكون مترفاً، و هو الّذي يصرف ما أنعم اللّٰه عليه في عصيانه تعالى، فينفقه في غير محلّه و لا ينفقه في محلّه.

قال تعالى: (وَ أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ مٰا أَصْحٰابُ اَلشِّمٰالِ * فِي سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ * وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لاٰ بٰارِدٍ وَ لاٰ كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كٰانُوا قَبْلَ ذٰلِكَ مُتْرَفِينَ * وَ كٰانُوا يُصِرُّونَ عَلَى اَلْحِنْثِ اَلْعَظِيمِ‌).(4)


1) . يس، 77.

2) . الاسراء، 11.

3) . الاسراء، 11.

4) . الواقعة، 41-46.

11 - انه كثير الجدال، فلايقبل الحق، و هذا ممّا أخبر اللّٰه تعالى به و أفصح عنه

قال تعالى: (وَ كٰانَ اَلْإِنْسٰانُ أَكْثَرَ شَيْ‌ءٍ جَدَلاً)(1)

هذا أوّلاً، ثمّ ترتّب تعالى على تلك الحالة عذابا اليما، و هو استنكافه عن الحقّ‌.

قال تعالى: (وَ إِذْ قٰالُوا اَللّٰهُمَّ إِنْ كٰانَ هٰذٰا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنٰا حِجٰارَةً مِنَ اَلسَّمٰاءِ أَوِ اِئْتِنٰا بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ‌)(2)

12 - كان هلوعًا، فهو كالزبد يذهب جفاءً و هو كتبن يذهبه الريح حيث يشاء، فلا تعقّل له، فلا استقامة له، فلا ارادة له، سواء في حالتى النّعم و النقم، فكلتى الحالتين تعذّبه فكأنّه و هو في الحياة الدنيا لا يكون إلّافي السّقر.

قال تعالى: (إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذٰا مَسَّهُ اَلشَّرُّ جَزُوعاً * وَ إِذٰا مَسَّهُ اَلْخَيْرُ مَنُوعاً)(3)

13 - انه يحبّ ان يفجر امامه، حتّى يقوم بما يشاء من غير أن يُقيّد بقيدٍ و لو شُرع من عند اللّٰه، فيعصى الشرع، و يعترض على الشارع، و لا يقبل ما يدلّ عليه العقل فينكر الجميع.

قال تعالى: (بَلْ يُرِيدُ اَلْإِنْسٰانُ لِيَفْجُرَ أَمٰامَهُ‌)(4)

14 - ان يكون طاغيا، و هذا من أقبح لوازم هذه الرذيلة، فيطغى حتّى على اللّٰه


1) . الكهف، 54.

2) . الانفال، 32.

3) . المعارج، 21-19.

4) . القيامة، 5.

تعالى، فيتجلّى نفسيّته الفرعونيّة أو فقل فرعونيّته عند استغناه.

قال اللّٰه تعالى: (كَلاّٰ إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَيَطْغىٰ * أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنىٰ‌)(1)

15 - انه في كبد و الم، لا لحفظ المال أو جمعه، و لا لجلب الشرف أو حفظه، و بالجملة لا في جلب المشتهيات و حفظها فقط، بل لان طبيعة الشهوات و الدّنيا بمعناه العام أن تكون اوائلها لذّة و اواسطها عادة و اواخرها محنة و همّ و غمّ و كبد، و هذا يؤدّى به على حدّ تعبير القرآن الكريم أن يعيش في هذه الحياة المادّية في جهنم من غير التذاذٍ له ممّا حصّله.

قال تعالى: (وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكٰافِرِينَ‌)(2)

و لا تختصّ الآية الشريفة بالآخرة و الاخبار عنها، بل المتصف بهذه الرذيلة كأنّه في دار الدنيا يكون كذلك، فظاهرها الرحمة و باطنها العذاب ظاهرها ماء و باطنها سراب.

قال تعالى: (وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمٰالُهُمْ كَسَرٰابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اَلظَّمْآنُ مٰاءً‌)(3)

فالمائل إلى المشتهيات المادّية يعيش في كبد و محنة و الم من جهات شتّى، فالكبد و المحنة محيطة به كاحاطة الماء بالغريق.

قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ فِي كَبَدٍ)(4)


1) . العلق، 67.

2) . التوبة، 49.

3) . النور، 39.

4) . البد، 4.

16 - انه قليل الخير، فلحبه الشديد المال يأبى ان ينفقه في سبيل اللّٰه، بل ان ينفق في حوائج نفسه و عياله و لاتنحصر تلك الرذيلة بالمال، بل تسرى إلى جميع ذات يده، من الشرف و الرئاسة و غيرهما، فلا انفاق له منهما في الواجب، فضلاً عن الايثار عنها، فكأنّه يُخيّل إليه أنّ ما سوى اللّٰه خُلق له، فلا واجب له عليه، و كأنّه لم يسمع قوله تعالى:

(لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّٰا آتٰاهُ اَللّٰهُ‌) (1)

نعم ان الارض الخبيثة لايخرج منها إلّانكداً و الإنسان المحب للدنيا لايخرج منه الا كنداً و عداوة و حقداً

قال تعالى: (إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَ إِنَّهُ عَلىٰ ذٰلِكَ لَشَهِيدٌ * وَ إِنَّهُ لِحُبِّ اَلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ)(2).

فهو لحبه المال لاينفق في سبيل اللّٰه بل انه لكنود حتّى على الّذي أعطاه كلّ شيء و من الغريب كونه عالماً بهذا شهيداً عليه، و لكنّه يبخل بالنسبة إلى مالكه و معطيه أيضاً:

قال تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجٰارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَ إِنَّ مِنَ اَلْحِجٰارَةِ لَمٰا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ اَلْأَنْهٰارُ وَ إِنَّ مِنْهٰا لَمٰا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ اَلْمٰاءُ وَ إِنَّ مِنْهٰا لَمٰا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللّٰهِ‌)(3).


1) . الطلاق، 7.

2) . العاديات، 68.

3) . البقرة، 74.

17 - ان المتّصف بهذه الرذيلة لفى خسر، فهو كغريقٍ لا مستمسك له يلعب به الخسران، فهو في أيدى الدهر يقلّبه حيث يشاء حتّى يموت و يخرج من الدنيا متحسّراً عليه.

قال تعالى: (وَ اَلْعَصْرِ * إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَفِي خُسْرٍ)(1).

و قال تعالى: (أَوْ كَظُلُمٰاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشٰاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحٰابٌ ظُلُمٰاتٌ بَعْضُهٰا فَوْقَ بَعْضٍ إِذٰا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرٰاهٰا وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ)(2).

18 - ان محب الدنيا لا يمكن له أن يجمع بين النشأتين الأولى و الأخرى، لأنّهما ضرّتان لايجتمعان.

قال تعالى: (مٰا جَعَلَ اَللّٰهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ‌)(3)

فمن غلب في قلبه محبّة الدّنيا و تعلّق بها فكيف يمكنه ان يحبّ الاخرة و يعلّق قلبه بها، فيبيع اخرته بدنياه، فلو لم تكن ثمرة لهذه الرذيلة إلّاهذه الثمرة الخبيثة، ليكفيها أن تُعدّ من أقبح الرذائل و شرّها، و إلى هذا يشير قول على بن الحسين عليه السلام:

حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة.(4)

قال تعالى: (أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ اِشْتَرَوُا اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا بِالْآخِرَةِ فَلاٰ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ اَلْعَذٰابُ وَ


1) . العصر، 12.

2) . النور، 40.

3) . الاحزاب، 4.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 317.

لاٰ هُمْ يُنْصَرُونَ‌) (1)

و قال تعالى: (وَ قٰالُوا لَوْ كُنّٰا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مٰا كُنّٰا فِي أَصْحٰابِ اَلسَّعِيرِ)(2)

19 - انّ المتّصف بهذه الرذيلة، يصير كجهنّم جائئاً لا شبع له، فلو حصّل ملأ الأرض ذهباً لَينادى هل من مزيد؟!،

قال اللّٰه تعالى: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ اِمْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)(3)

فما أشبهه، حيث توافق الظرف و المظروف فهو يشبه الظرف و الظرف يشبهه، و قد اختار اللّٰه تعالى له في الذكر الحكيم حكايةً تحكى عنه و عن نفسيّته،

قال تعالى: (إِنَّ هٰذٰا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ وٰاحِدَةٌ فَقٰالَ أَكْفِلْنِيهٰا وَ عَزَّنِي فِي اَلْخِطٰابِ‌)(4)

فترى ان اللّٰه تعالى ذمّ هذا المحبّ للدنيا لحرصه على نعجة من له نعجةٌ واحدة، أو على رَكَم عجوزٍ لا مأوى لها غيره.

20 - ان كلمة الملأ جىء به في الذكر الحكيم ثلاثين مرّة، و المراد منها من علَّق قلبه بالدنيا بمعناه العام، من المال و الشرف و الرتبة و نحوها، و سبر موارد استعمالها في القرآن ينبؤ عن نكتة و هي أن لا عدوّ للأنبياء إلّاايّاهم و لا يقتلهم و لا يخرجهم عن بلادهم و لا يسدّ طريقهم و لا يمنع الناس عن متابعتهم إلّاهذه الفئة الخبيثة الّتي


1) . البقرة، 86.

2) . الملك، 10.

3) . ق، 30.

4) . ص 23.

هي أسوء حالاً من الشياطين الجنّيّة.

قال تعالى: (قٰالَ اَلْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنّٰا لَنَرٰاكَ فِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ‌)(1)

و قال تعالى: (قٰالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنّٰا لَنَرٰاكَ فِي سَفٰاهَةٍ‌)(2)

و قال تعالى: (فَقٰالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مٰا نَرٰاكَ إِلاّٰ بَشَراً مِثْلَنٰا)(3)

فراجع إلى القرآن و انظر إلى سخافة كلماتهم الّتي غرّوا بها غيرهم من النّاس التابعين لهم و هم لا يشعرون و لا يعقلون و لا يتفكّرون.

و هذه الرذيلة رذيلةٌ ما أقبحها، و ما أخبث منها، و يكفيها كونها رأس كلّ الخطايا، فتبّاً لها و للمتّصف بها.

هذا عشرون خُلُق خبيث يلازم هذه الرذيلة و لكنك لو تفحّصت في الآيات و الروايات لتمكّن من ان تجمع مأة أو ازيد منها، و لكن يكفي هذا المقدار لمن كان له قلب.

قال تعالى: (إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَذِكْرىٰ لِمَنْ كٰانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى اَلسَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ)(4)

و علينا الآن أن ننبّه على نكتةٍ أخرى يستفيد منها ذوالقلب و الشهيد و هي كون الإنسان وديعة الهيّة في العوالم.

قال تعالى: (إِنّٰا عَرَضْنَا اَلْأَمٰانَةَ عَلَى اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا


1) . الاعراف، 60.

2) . ص، 23.

3) . هود، 27.

4) . ق، 37.

وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا اَلْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولاً) (1).

فما أعلى قيمته، و هي أعزّ من الجنّة،

قال تعالى: (يٰا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبٰادِي * وَ اُدْخُلِي جَنَّتِي)(2)

فترى ان اللّٰه تعالى جعل منزلته مقام القرب الّذي هو قرب المكانة في الجنّة و قيمته اغلى و اعلى منها.

و قال تعالى: (إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنّٰاتٍ وَ نَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)(3)

فجعل الإنسان بأمانته تلك خليفته في الأرض،

قال تعالى: (وَ إِذْ قٰالَ رَبُّكَ لِلْمَلاٰئِكَةِ إِنِّي جٰاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً‌)(4)

و قال تعالى: (وَ هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاٰئِفَ اَلْأَرْضِ‌)(5)

فسلّطه تعالى على الارض، بل على ما سوى اللّٰه و سخّر له ما في العوالم أجمعين.

قال تعالى: (أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اَللّٰهَ سَخَّرَ لَكُمْ مٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي اَلْأَرْضِ‌)(6)

و بتلك الامانة صار مظهر الصفات و الاسماء كلها، لا تظهر إلّافيها و هذه أعلى فضيلةٍ يتصّف بها أشرف أنواع الخلق و أقسامه.


1) . الاحزاب، 72.

2) . الفجر، 30-27..

3) . القمر، 55-54.

4) . البقرة، 30.

5) . الانعام، 165.

6) . لقمان، 20.

قال تعالى: (وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا)(1).

فبها صار اشرف المخلوقات كلها:

قال تعالى: (فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سٰاجِدِينَ * فَسَجَدَ اَلْمَلاٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّٰ إِبْلِيسَ‌).(2)

و قال تعالى: (وَ لَقَدْ كَرَّمْنٰا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْنٰاهُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ وَ رَزَقْنٰاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبٰاتِ وَ فَضَّلْنٰاهُمْ عَلىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنٰا تَفْضِيلاً).(3)

و لا بخفى ان الآية فضّل الإنسان على ما سوى اللّٰه بأجمعهم، لا على كثير منهم، كما توهّمه كثير من المفسرين، لان كلمة «من» بيانيّة لا تبعيضيّة، جىء بها لنكتة ظريفة و هي ان غير الإنسان و ان كانت كثيرة بالنسبة إلى الإنسان كثرة البحر على القطرة، و لكن تلك القطرة افضل من ذلك البحر كله.

فيا لهفاً على الإنسان حين يعلّق هذه الوديعة العليا الالهيّة على المادّة الخسيسة، فيصيّرها حطب جهنم:

قال تعالى: (إِنَّكُمْ وَ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ‌)(4).

ولهذا الهبوط أطلق عليه ما لايليق بشرفه و رتبته،

قال تعالى: (أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ‌)(5).


1) . البقرة، 31.

2) . الحجر، 31-29.

3) . الاسراء، 70.

4) . الانبياء، 98.

5) . الاعراف، 179.

و يالهفاً عليه من هبوطه، حتّى لا ثمن له عند اهل القلوب، كما لا ثمن لمطلوبه عندهم.

أمّا الدنيا، فقال اميرالمؤمنين عليه السلام: «دُنياكُم هَذِهِ أَزهَدُ عِندِي مِن عَفطَةِ عَنزٍ»(1)و قال عليه السلام في كلام آخر: «وَ إِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَة»(2)و قال عليه السلام أيضاً: «وَ اللَّهِ لَدُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَهْوَنُ فِي عَيْنِي مِنْ عِرَاقِ [عُرَاقِ‌] خِنْزِيرٍ فِي يَدِ مَجْذُوم»(3).

و أمَّا الإنسان الّذي علّق قلبه على هذه الدنيا، فقال اميرالمؤمنين عليه السلام فيه:

«من كانت همّته ما يدخل بطنه كانت قيمته ما يخرج منه»(4).

فكلام الامير امير الكلام و كلام يعسوب الدين يعسوب الكلام فيه فصل الخطاب و لبّ اللباب.

تتمَّةٌ‌:

قد ظهر ممّا أسلفنا في مبحث الزهد و مبحثنا هذا، أن لا حكم يجرى على الدنيا بمعناه العام بحيث يقتضى ذاته، فليس الدنيا و ماله كالنساء و البنين و الأموال بحسنةٍ محبوبة، و لا بقبيحةٍ مذمومةٍ بل كونه محبوباً أو مبغوضاً ليس إلّاباعتبار متعلّقه لا


1) . نهج البلاغة خطبة 3

2) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 224.

3) . راجع: نهج البلاغة، الكلمة 44.

4) . راجع: غرر الحكم، ج 2 ص 217.

باعتبار ذاته فهو حسنٌ إذا كان من فضل اللّٰه، و مصروفاً فيما أراد اللّٰه، و لم يسدّ القلب عن التعلّق باللّٰه، و هو قبيحٌ سىّ‌ءً إذا اصطيد من غير اللّٰه، و يُنفق في غير مراد اللّٰه، و كان ردماً عن تعلّق القلب باللّٰه تعالى.

فبهذا يجمع بين الآيات و الروايات الدّالة على مدحه و المشيرة إلى ذمّه، و كذلك يجمع بين كلمات اهل القلوب و كلمات علماء علم الاخلاق.

توضيح ذلك ان اللّٰه تعالى مدح في جملةٍ من آى الذكر الحكيم الدنيا بمعناه العام، ثمّ حذّر الناس في جملةٍ اُخرى منها عنه مشيراً إلى قبحه، و ليس هذا إلّالأنّ حفظ نظام الحياة و استمرار بقاء النوع على الأرض مع كونه مطلوباً له تعالى لا يتيسّر إلّا باستجلاب قلوب الناس إلى الدنيا و سعيهم فيها و تشجيعهم اليها، هذا من ناحيةٍ و من ناحيةٍ أخرى فانّ الدنيا لا بقاء له و لا قيمة، فمن المستقبح جدّاً تكالب الناس عليه، بل عليهم أن يوجّهوا إلى ما يدوم و ليس هو إلّاالدار الآخرة.

و تلخيص القول في هذا المضمار أنّ للقرآن الكريم دلالةً واضحةً على كون الدنيا و مشتهياتها خيراً لو نُظر اليها نظراً آلياً كمجلبٍ للآخرة، و كذريعةٍ للوصل اليها، لا كمقصدٍ يصل إليه السائر بانفاق لطيفته الروحانيّة و حياته الثمينة،

قال اللّٰه تعالى: (زُيِّنَ لِلنّٰاسِ حُبُّ اَلشَّهَوٰاتِ مِنَ اَلنِّسٰاءِ وَ اَلْبَنِينَ وَ اَلْقَنٰاطِيرِ اَلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ اَلذَّهَبِ وَ اَلْفِضَّةِ وَ اَلْخَيْلِ اَلْمُسَوَّمَةِ وَ اَلْأَنْعٰامِ وَ اَلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتٰاعُ اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ اَللّٰهُ عِنْدَهُ حُسْنُ اَلْمَآبِ * قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّٰاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا وَ أَزْوٰاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ رِضْوٰانٌ مِنَ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ بَصِيرٌ

بِالْعِبٰادِ) (1).

و قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللّٰهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ اَلطَّيِّبٰاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا خٰالِصَةً يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ‌)(2)

و قال تعالى: (وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنٰا آتِنٰا فِي اَلدُّنْيٰا حَسَنَةً وَ فِي اَلْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنٰا عَذٰابَ اَلنّٰارِ)(3).

و على هذا يُفسّر ما ورد من القدح بالنسبة إلى الدنيا، فهو قبيحٌ سىّ‌ءٌ لو كان متكالَباً للناس يشغلهم لهواً و لعباً و زينةً و تكاثراً عن أخراهم،

قال تعالى: (اِعْلَمُوا أَنَّمَا اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفٰاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكٰاثُرٌ فِي اَلْأَمْوٰالِ وَ اَلْأَوْلاٰدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ اَلْكُفّٰارَ نَبٰاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرٰاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطٰاماً وَ فِي اَلْآخِرَةِ عَذٰابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اَللّٰهِ وَ رِضْوٰانٌ وَ مَا اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا إِلاّٰ مَتٰاعُ اَلْغُرُورِ)(4).

فترى ان اللّٰه تعالى ينبّه على انه لو كانت الدّنيا بمعناه العام لهواً كما تكون كذلك للاطفال في سنين الطفولية و لعبا كما تكون كذلك للشباب في اوائل شبابهم و زينة كما تكون كذلك للشباب في أواسطهم و اواخرها و تفاخراً كما تكون كذلك للشيوخ في أوائلها و تكاثراً كما تكون كذلك في الشيخوخيّة و كلما يشيب يشبّ فيه ذلك


1) . آل عمران، 15-14.

2) . الاعراف، 32.

3) . البقرة، 201.

4) . الحديد، 20.

التكاثر، كما قال رسول‌اللّٰه صلى الله عليه و آله يشيب ابن آدم و يشبّ فيه خصلتان الحرص و طول الامل.(1)فهى ليست إلّاعذاباً، إذا هي غرورٌ مذمومٌ لا يفلح من علّق بها.

و قال تعالى: (لاٰ تُلْهِكُمْ أَمْوٰالُكُمْ وَ لاٰ أَوْلاٰدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌)(2)

و قال تعالى: (أَلْهٰاكُمُ اَلتَّكٰاثُرُ * حَتّٰى زُرْتُمُ اَلْمَقٰابِرَ)(3)

و قال تعالى: (فَلاٰ تُعْجِبْكَ أَمْوٰالُهُمْ وَ لاٰ أَوْلاٰدُهُمْ إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهٰا فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كٰافِرُونَ‌)(4).

و في الخاتمة نتذكر امراً مهماً و هو ان حبّ الدّنيا و تعلّق القلب بها و ان كان مذموماً، الا انه لما كان هذا الحبّ مقولاً بالتشكيك فقبحه أيضاً مقول بالتشكيك.

فقد يكون الحبّ في مراتبه الضعيفة، فهو مذموم حيث إنّه أيضاً حجاب و الحجاب يسدل بين العبد و ربّه يمنعه عن الخيرات و البركات و لانه تعلق للقلب و التعلق مذموم و ان كان ضعيفاً لأنّ الحجاب يُستحن لو يمنع عن الأغيار، لا عن صاحب الدار، و ما للقلب مالك إلّاالملك الجبّار تعالى ذكره.

و قد يكون الحبّ في مراتبه الشّديدة حتّى يصل إلى مرتبة العشق و الوانه و مافوقه فهو الّذي به يصير القلب وادٍ من أودية من جهنّم طالباً ما يزيد على ما حصّله، كالمصاب بالاستسقاء كلّما يروى لا يزيده إلّاعطشاً،


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 22.

2) . المنافقون، 9.

3) . التكاثر، 12.

4) . التوبة، 55.

هذا كله بحسب حبّ الدنيا بما هو حبّ الدّنيا.

و اما بحسب المتعلق فله مراتب و اقسام ايضاً.

1 - حبّ الدّنيا بمعناه العام لصرفه في سبيل اللّٰه

فان كان الدنيا عند صاحبه كالقلم بالنسبة إلى الكاتب فليس هذا من الدّنيا في شىءٍ بل ليس هذا إلّامجلباً للآخرة، و هو الّذي قال فيه اميرالمؤمنين عليه السلام: «وَ اللَّهِ لَهِيَ - أي: نعله ع - أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا»(1).

و اما ان تعلّق القلب به فهو مما يترتب عليه مفاسد و يكون من مصاديق حبّ الدّنيا المذموم.

2 - حبّ النفس، و قد مرّ الكلام فيه في باب الزهد، من أنّه ينافيه، و عند اهله حجاب بينه و بين اللّٰه، وللّٰه درّ من نظم بالفارسيّة:

حجاب چهره جان مى‌شود غبار تنم *** خوش آنزمان كه از اين چهره پرده برفكنم

و هو من مصاديق حبّ الدّنيا المذموم، إلّاان تخلية النّفس عن هذه الرذيلة صعبٌ لا تتيسّر إلّالمن سبقة الحسنى و شملته الهداية الالهيّة.

3 - حبّ ما يكفيه من الدنيا في معاشه و معاده، بحيث يكون مستغنياً غير محتاجٍ إلى أحدٍ من النّاس. و الكلام فيه كالكلام في سابقه.

4 - حبّ الحلال من الدّنيا، مع بعضه حرامها و مشتبهاتها. فهو أيضاً لو كان من التعلّقات فلا كلام في قبحه كما سبق ذكره إلّاأن ينظر إلى الدنيا كذريعةٍ للخلاص


1) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 33.

عن موبقات الآخرة، فهذا مستحسنٌ لا قبح فيه، و هذا لا يتيسّر إلّالمن حصّل على ملكة السخاء و هي نذيرةٌ بين الناس. و هذا هو سرّ فرار العارفين عن الدنيا و لو كان محلّلاً، كما تفرّ الغنم عن الذنب.

5 - حبّ المشتبهات و المكروهات:

فهى و لو كانت آلةً لا غاية، تكون أيضاً مانعة رادعة عن سلوك الإنسان سبيل الكمال، ونسب إلى الشيخ البهائى "ره" أشعاراً بالفارسية في ذلك:

لقمۀ نانى كه باشد شبهه‌ناك *** در حريم كعبه ابراهيم پاك

گر به دست خود نشاند تخم آن *** ور به گاو چرخ سازد شخم آن

ور به ماه نو حصادش داس كرد *** ور به سنگ كعبه‌اش دستاس كرد

ور به آب زمزمش سازد عجين *** مريم آسا پيكرى از حور عين

ور بخوانى بر خميرش بى عدد *** فاتحه يا قل هو اللّٰه احد

ور تو بر خوانى هزاران بسمله *** بر سر آن لقمه پر ولوله

عاقبت خاصيّتش ظاهر شود *** نفس از آن لقمه ترا قاهر شود

در ره طاعت ترا بى جان كند *** خانۀ دين تو را ويران كند

و قد أشرنا في باب الزهد، ان الائمة عليهم السلام كانوا يقولون: ان النّفس تجرء بالمشتبهات و توقعك في المحرمات، و الشيطان يجىء من قبل المشتبهات، بل المحللات، فيوقعه في المحرّمات.

هذا كله إذا احبّ المشتبهات آلةً‌، لا غايةً‌.

و امّا لو احبّ المشتبهات و المكروهات كغايته في حياته و تعلّق قلبه بها فلا

حجاب و لا ستر أضخم و أسدل بين العبد و ربّه من هذا الحجاب و لا يمكن خرقه بعد تمكّنه في النفس.

هذا فلو أردت سلوك سبيل الكمال و الانسلاك في سلك السائرين فعليك بكفّ جوارحك و جوانحك عن المشتبه فضلاً عن الحرام - أعاذنا اللّٰه منه -، فلايجوز أن تخطر بقلبك خاطرة سوءٍ‌، أو يفوّه لسانك بما يشتبه عليك حقّه من باطله، و من المؤسّف عليه جداً أنّ استجلاب الحلال الخالى عن المشتبه و تحصيله في عصرنا هذا يعدّ من المحال، إلّاأن يُتعرّب، فيُهاجر إلى الغُرى و الريفات، فيُترك الناس و يؤكل و يُشرب ممّا فيها، و هذا ممّا نهى عنه الشرع و بالغ فيه، كما قال الرسول صلى الله عليه و آله للمعرض عن الدّنيا و طيّباتها: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»(1).

نعم ان الاكل و الشرب و التكلم و نحو ذلك بمقدار الضرورة و الاضطرار، حلالٌ كما أنّ أكل الميتة في الاضطرار لا بأس به و لكن لا مجال للترديد في تأثيره في النّفس و تأثّرها عنه، لأنّ الدنيا ليست إلّاجيفةً محلّلة، و لذلك ترى انّ القرآن الكريم حينما يشير إلى جواز الاغتياب في موارد خاصّة ينصّ على كون الغيبة سوءً‌، قال اللّٰه تعالى: (لاٰ يُحِبُّ اَللّٰهُ اَلْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ اَلْقَوْلِ إِلاّٰ مَنْ ظُلِمَ‌)(2)

و لهذا قيل انّ الوصول إلى الغاية المطلوبة عن السير في مدارج الكمال صعبٌ لا يتمشّى إلّاللأوحدى عن السالكين و هو الاذي ّستعان بخير معينٍ اَلا و هو الثقلين، فيستنير عن كتاب اللّٰه المنير و يستمدد عن مظاهر الاسم المعين سلام الّه عليهم


1) . راجع: الكافي، ج 5 ص 496.

2) . النساء، 148.

اجمعين، بعد أن تحلّى بسعة الصدر و الاستقامة في الطريق.

و بعبارةٍ اخرى، ان سلوك هذا الطريق يحتاج اولاً إلى الهادى و هو اهل البيت عليهم السلام و ثانياً إلى نورٍ يمشى به و هو القرآن و ثالثاً إلى الزاد و هو التقوى و رابعاً إلى البراق و هو الجسم الّذي لجامه بيد الروح، و خامساً التهيأ و هو يتركب من العلم بكيفيّة الطريق و انه صعب مستصعب و من الصبر و سعة الصدر و من الاجتناب عن المشتهيات بما هو الميسور، فمن لا يقدر على الاجتناب عن المشتبهات في الاكل و الشرب كما هو الغالب في عصرنا فيجتنب عن المشتبهات في الكلام و يستعين حين الاكل و الشرب بكلمة (بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ‌) دفعاً لما في المشتبه من الآثار و يستعين بالاجتناب عن المحرّمات.

قال اللّٰه تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللّٰهَ وَ اِبْتَغُوا إِلَيْهِ اَلْوَسِيلَةَ‌)(1).

6 - حبّ المحرّمات، فهو قبيحٌ كحبّ الخمر و الجيفة الّتي لا يحبّها و لا يشتهيها سليم الفطرة و قد عدّ اميرالمؤمنين عليه السلام حبّ الحرام اشدّ قذراً من حب الجيفة المنتنّة،

قال عليه السلام: «وَ اللَّهِ لَدُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَهْوَنُ فِي عَيْنِي مِنْ عِرَاقِ [عُرَاقِ‌] خِنْزِيرٍ فِي يَدِ مَجْذُوم»(2).

فهو ان كان غايةً للمرء بحيث يعلّق قلبه بها كتعلّق القلب بامرئة محصنة، أو برياسة باطلة كاعانة الطواغيت أو بمال حرام كالربا و اموال اليتامى و نحو ذلك، فهو في حد الكفر و المسير إليه هو المسير إلى النار.


1) . المائدة، 35.

2) . راجع: نهج البلاغة، الكلمة 236.

قال تعالى: (إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ اَلْيَتٰامىٰ ظُلْماً إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً)(1)

و ذوالقلب البصير بحقائق الأمور يبصر انه يأكل النار كما يرى يوم القيامة بعينه الظاهرة أنّه يصلى سعيرا.

و اما ان كان آلةً‌، بمعنى انه لايتعلّق قلبه به، بل يمكن ان يكرهه أيضاً و لكنه يحبّ الحرام لان يصرفه في الخيرات، فهو سفهٌ‌، و صاحبه سفيهٌ‌.

و هؤلاء المحتجبون بهذا الحجاب كثيرون بين الناس، (نعوذ باللّٰه من شرور انفسنا).

كتب اميرالمؤمنين عليه السلام إلى معاوية: انى سمعت انك بنيت مسجداً، مثلك مثل امرئة في الجاهلية انها زنت، و ما اخذت من زناها، تصدّقت، فقيل لها: ويل لك لا تزن و لا تتصدق.

و مثل هذه المرئة في الناس كثير جداً، منهم من يأكل أموال الناس بالربى و الغش في المعاملات و الخيانة فيها، ثمّ ينفقها في اقامة مأتم الحسين عليه السلام و زيارة المشاهد المقدسة و منهم من لم يزك أمواله ممّا يجب عليه من الحقوق الشرعيّة، ولكنّه يصرفها في سبيل الخيرات و الصدقات المندوبة اَلا ترى من لم يصلّ و لكنّه يحجّ و يزور المشاهد؟ و اَلا ترى من يظلم الناس في السوق ثمّ يقدّم في الجماعة إلى الصفوف الأولى طلباً لفضلها و ثوابها؟ اَلا ترى من ينفق أمواله في المندوب و أسرته تعيشون في غاية العسرة‌؟ و هذا و أمثاله كثيرٌ في الناس و ليس هو إلّاكيدٌ من مكائد


1) . النساء، 10.

الشيطان به يغر السفهاء فيخرجهم من سبيل اللّٰه إلى السّقر و العذاب.

قال تعالى: (قٰالَ فَبِمٰا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمٰانِهِمْ وَ عَنْ شَمٰائِلِهِمْ وَ لاٰ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شٰاكِرِينَ‌)(1).

قال الباقر عليه السلام: من بين ايديهم يهوّن عليهم أمر آخرتهم و من خلفهم يزيّن لهم الدّنيا و متاعها و عن ايمانهم من ناحية الدين يضلّون و عن شمالهم من ناحية المعاصى ينحرفون.(2)

نعوذ باللّٰه من شرّه و كيده

و في الخاتمة نروى عن اهل البيت عليهم السلام روايات تناسب المقام لكونها مسكاً للختام.


1) . الاعراف، 17-16.

2) . راجع: تفسير الصافي، ذيل الآية الشريفة 17 الاعراف نقلاً بالمعنى.

روايات في حبّ الدّنيا

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: رأس كلّ خطيئة حبّ الدّنيا.(1)

عَنْ حَمَّادِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ فِي غَنَمٍ قَدْ فَارَقَهَا رِعَاؤُهَا أَحَدُهُمَا فِي أَوَّلِهَا وَ الآْخَرُ فِي آخِرِهَا بِأَفْسَدَ فِيهَا مِنْ حُبِّ الْمَالِ وَ الشَّرَفِ فِي دِينِ الْمُسْلِمِ‌(2).

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِنَّ الشَّيْطَانَ يُدِيرُ ابْنَ آدَمَ فِي كُلِّ شَيْ‌ءٍ فَإِذَا أَعْيَاهُ جَثَمَ لَهُ عِنْدَ الْمَالِ فَأَخَذَ بِرَقَبَتِهِ‌(3).

عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ الدِّينَارَ وَ الدِّرْهَمَ أَهْلَكَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ هُمَا مُهْلِكَاكُمْ‌.(4)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: فِي مُنَاجَاةِ مُوسَى ع يَا مُوسَى إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ عُقُوبَةٍ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 315.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 315.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 315.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 316.

عَاقَبْتُ فِيهَا آدَمَ عِنْدَ خَطِيئَتِهِ وَ جَعَلْتُهَا مَلْعُونَةً مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا مَا كَانَ فِيهَا لِي يَا مُوسَى إِنَّ عِبَادِيَ الصَّالِحِينَ زَهِدُوا فِي الدُّنْيَا بِقَدْرِ عِلْمِهِمْ وَ سَائِرَ الْخَلْقِ رَغِبُوا فِيهَا بِقَدْرِ جَهْلِهِمْ وَ مَا مِنْ أَحَدٍ عَظَّمَهَا فَقَرَّتْ عَيْنَاهُ فِيهَا وَ لَمْ يُحَقِّرْهَا أَحَدٌ إِلَّا انْتَفَعَ بِهَا.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَرَّ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ع عَلَى قَرْيَةٍ قَدْ مَاتَ أَهْلُهَا وَ طَيْرُهَا وَ دَوَابُّهَا فَقَالَ أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَمُوتُوا إِلَّا بِسَخْطَةٍ وَ لَوْ مَاتُوا مُتَفَرِّقِينَ لَتَدَافَنُوا فَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا رُوحَ اللَّهِ وَ كَلِمَتَهُ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَهُمْ لَنَا فَيُخْبِرُونَا مَا كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فَنَجْتَنِبَهَا فَدَعَا عِيسَى ع رَبَّهُ فَنُودِيَ مِنَ الْجَوِّ أَنْ نَادِهِمْ فَقَامَ عِيسَى ع بِاللَّيْلِ عَلَى شَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ يَا أَهْلَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ فَأَجَابَهُ مِنْهُمْ مُجِيبٌ لَبَّيْك يَا رُوحَ اللَّهِ وَ كَلِمَتَهُ فَقَالَ وَيْحَكُمْ مَا كَانَتْ أَعْمَالُكُمْ قَالَ عِبَادَةُ الطَّاغُوتِ وَ حُبُّ الدُّنْيَا مَعَ خَوْفٍ قَلِيلٍ وَ أَمَلٍ بَعِيدٍ وَ غَفْلَةٍ فِي لَهْوٍ وَ لَعِبٍ فَقَالَ كَيْفَ كَانَ حُبُّكُمْ لِلدُّنْيَا قَالَ كَحُبِّ الصَّبِيِّ لِأُمِّهِ إِذَا أَقْبَلَتْ عَلَيْنَا فَرِحْنَا وَ سُرِرْنَا وَ إِذَا أَدْبَرَتْ عَنَّا بَكَيْنَا وَ حَزِنَّا قَالَ كَيْفَ كَانَتْ عِبَادَتُكُمْ لِلطَّاغُوتِ قَالَ الطَّاعَةُ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي قَالَ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِكُمْ قَالَ بِتْنَا لَيْلَةً فِي عَافِيَةٍ وَ أَصْبَحْنَا فِي الْهَاوِيَةِ فَقَالَ وَ مَا الْهَاوِيَةُ فَقَالَ سِجِّينٌ قَالَ وَ مَا سِجِّينٌ قَالَ جِبَالٌ مِنْ جَمْرٍ تُوقَدُ عَلَيْنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ فَمَا قُلْتُمْ وَ مَا قِيلَ لَكُمْ قَالَ قُلْنَا رُدَّنَا إِلَى الدُّنْيَا فَنَزْهَدَ فِيهَا قِيلَ لَنَا كَذَبْتُمْ قَالَ وَيْحَك كَيْفَ لَمْ يُكَلِّمْنِي غَيْرُك مِنْ بَيْنِهِمْ قَالَ يَا رُوحَ اللَّهِ إِنَّهُمْ مُلْجَمُونَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ بِأَيْدِي مَلَائِكَةٍ غِلَاظٍ شِدَادٍ وَ إِنِّي كُنْتُ فِيهِمْ وَ لَمْ أَكُنْ مِنْهُمْ فَلَمَّا نَزَلَ الْعَذَابُ عَمَّنِي مَعَهُمْ فَأَنَا مُعَلَّقٌ بِشَعْرَةٍ عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ لَا أَدْرِي أُكَبْكَبُ فِيهَا أَمْ أَنْجُو مِنْهَا فَالْتَفَتَ عِيسَى ع‌إِلَى الْحَوَارِيِّينَ فَقَالَ يَا أَوْلِيَاءَ اللَّهِ أَكْلُ الْخُبْزِ الْيَابِسِ بِالْمِلْحِ‌

1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 317.

الْجَرِيشِ وَ النَّوْمُ عَلَى الْمَزَابِلِ خَيْرٌ كَثِيرٌ مَعَ عَافِيَةِ الدُّنْيَا وَ الآْخِرَةِ‌.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ أَصْبَحَ وَ أَمْسَى وَ الدُّنْيَا أَكْبَرُ هَمِّهِ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَ شَتَّتَ أَمْرَهُ وَ لَمْ يَنَلْ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ وَ مَنْ أَصْبَحَ وَ أَمْسَى وَ الآْخِرَةُ أَكْبَرُ هَمِّهِ جَعَلَ اللَّهُ الْغِنَى فِي قَلْبِهِ وَ جَمَعَ لَهُ أَمْرَه.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ كَثُرَ اشْتِبَاكُهُ بِالدُّنْيَا كَانَ أَشَدَّ لِحَسْرَتِهِ عِنْدَ فِرَاقِهَا.(3)

عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ مَنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِالدُّنْيَا تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِثَلَاثِ خِصَالٍ هَمٍّ لَا يَفْنَى - وَ أَمَلٍ لَا يُدْرَك وَ رَجَاءٍ لَا يُنَالُ‌.(4)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا لِي وَ لِلدُّنْيَا إِنَّمَا مَثَلِي وَ مَثَلُهَا كَمَثَلِ الرَّاكِبِ رُفِعَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَقَالَ تَحْتَهَا ثُمَّ رَاحَ وَ تَرَكَهَا.(5)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع مَثَلُ الْحَرِيصِ عَلَى الدُّنْيَا كَمَثَلِ دُودَةِ الْقَزِّ كُلَّمَا ازْدَادَتْ عَلَى نَفْسِهَا لَفّاً كَانَ أَبْعَدَ لَهَا مِنَ الْخُرُوجِ حَتَّى تَمُوتَ غَمّاً قَالَ وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع كَانَ فِيمَا وَعَظَ بِهِ لُقْمَانُ ابْنَهُ يَا بُنَيَّ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا قَبْلَك لِأَوْلَادِهِمْ فَلَمْ يَبْقَ مَا جَمَعُوا وَ لَمْ يَبْقَ مَنْ جَمَعُوا لَهُ وَ إِنَّمَا أَنْتَ عَبْدٌ مُسْتَأْجَرٌ قَدْ أُمِرْتَ بِعَمَلٍ وَ وُعِدْتَ عَلَيْهِ أَجْراً فَأَوْفِ عَمَلَك وَ اسْتَوْفِ أَجْرَك وَ لَا تَكُنْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ شَاةٍ وَقَعَتْ فِي زَرْعٍ أَخْضَرَ فَأَكَلَتْ حَتَّى سَمِنَتْ فَكَانَ حَتْفُهَا عِنْدَ سِمَنِهَا وَ لَكِنِ اجْعَلِ الدُّنْيَا


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 318.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 319.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 320.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 320.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 134.

بِمَنْزِلَةِ قَنْطَرَةٍ عَلَى نَهَرٍ جُزْتَ عَلَيْهَا وَ تَرَكْتَهَا وَ لَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهَا آخِرَ الدَّهْرِ أَخْرِبْهَا وَ لَا تَعْمُرْهَا فَإِنَّك لَمْ تُؤْمَرْ بِعِمَارَتِهَا وَ اعْلَمْ أَنَّك سَتُسْأَلُ غَداً إِذَا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْ أَرْبَعٍ شَبَابِك فِيمَا أَبْلَيْتَهُوَ عُمُرِك فِيمَا أَفْنَيْتَهُ وَ مَالِك مِمَّا اكْتَسَبْتَهُ وَ فِيمَا أَنْفَقْتَهُ فَتَأَهَّبْ لِذَلِك وَ أَعِدَّ لَهُ جَوَاباً وَ لَا تَأْسَ عَلَى مَا فَاتَك مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّ قَلِيلَ الدُّنْيَا لَا يَدُومُ بَقَاؤُهُ وَ كَثِيرَهَا لَا يُؤْمَنُ بَلَاؤُهُ فَخُذْ حِذْرَك وَ جِدَّ فِي أَمْرِك وَ اكْشِفِ الْغِطَاءَ عَنْ وَجْهِك وَ تَعَرَّضْ لِمَعْرُوفِ رَبِّك وَ جَدِّدِ التَّوْبَةَ فِي قَلْبِك وَ اكْمُشْ فِي فَرَاغِك قَبْلَ أَنْ يُقْصَدَ قَصْدُك وَ يُقْضَى قَضَاؤُك وَ يُحَالَ بَيْنَك وَ بَيْنَ مَا تُرِيدُ.(1)

عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ فِيمَا نَاجَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ مُوسَى ع يَا مُوسَى لَا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا رُكُونَ الظَّالِمِينَ وَ رُكُونَ مَنِ اتَّخَذَهَا أَباً وَ أُمّاً يَا مُوسَى لَوْ وَكَلْتُك إِلَى نَفْسِك لِتَنْظُرَ لَهَا إِذاً لَغَلَبَ عَلَيْك حُبُّ الدُّنْيَا وَ زَهْرَتُهَا يَا مُوسَى نَافِسْ فِي الْخَيْرِ أَهْلَهُ وَ اسْتَبِقْهُمْ إِلَيْهِ فَإِنَّ الْخَيْرَ كَاسْمِهِ وَ اتْرُك مِنَ الدُّنْيَا مَا بِك الْغِنَى عَنْهُ وَ لَا تَنْظُرْ عَيْنُك إِلَى كُلِّ مَفْتُونٍ بِهَا وَ مُوكَلٍ إِلَى نَفْسِهِ وَ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ فِتْنَةٍ بَدْؤُهَا حُبُّ الدُّنْيَا.(2)

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: إنّ في كتاب علىّ صلوات اللّٰه عليه: إنّما مثل الدّنيا كمثل الحيّة ما الين مسّها و في جوفها السّمّ النّاقع، يحذرها الرّجل العاقل، و يهوى اليها الصّبىّ الجاهل.(3)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 134.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 135.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 136.

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ مَاءِ الْبَحْرِ كُلَّمَا شَرِبَ مِنْهُ الْعَطْشَانُ ازْدَادَ عَطَشاً حَتَّى يَقْتُلَهُ‌.(1)

عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ يَعِظُهُ أُوصِيك وَ نَفْسِي بِتَقْوَى مَنْ لَا تَحِلُّ مَعْصِيَتُهُ وَ لَا يُرْجَى غَيْرُهُ وَ لَا الْغِنَى إِلَّا بِهِ فَإِنَّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ وَ قَوِيَ وَ شَبِعَ وَ رَوِيَ وَ رُفِعَ عَقْلُهُ عَنْ أَهْلِ الدُّنْيَا فَبَدَنُهُ مَعَ أَهْلِ الدُّنْيَا وَ قَلْبُهُ وَ عَقْلُهُ مُعَايِنُ الآْخِرَةِ فَأَطْفَأَ بِضَوْءِ قَلْبِهِ مَا أَبْصَرَتْ عَيْنَاهُ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا فَقَذِرَ حَرَامَهَا وَ جَانَبَ شُبُهَاتِهَا وَ أَضَرَّ وَ اللَّهِ بِالْحَلَالِ الصَّافِي إِلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ كِسْرَةٍ مِنْهُ يَشُدُّ بِهَا صُلْبَهُ وَ ثَوْبٍ يُوَارِي بِهِ عَوْرَتَهُ مِنْ أَغْلَظِ مَا يَجِدُ وَ أَخْشَنِهِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ثِقَةٌ وَ لَا رَجَاءٌ فَوَقَعَتْ ثِقَتُهُ وَ رَجَاؤُهُ عَلَى خَالِقِ الْأَشْيَاءِ فَجَدَّ وَ اجْتَهَدَ وَ أَتْعَبَ بَدَنَهُ حَتَّى بَدَتِ الْأَضْلَاعُ وَ غَارَتِ الْعَيْنَانِ فَأَبْدَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ ذَلِك قُوَّةً فِي بَدَنِهِ وَ شِدَّةً فِي عَقْلِهِ وَ مَا ذُخِرَ لَهُ فِي الآْخِرَةِ أَكْثَرُ فَارْفُضِ الدُّنْيَا فَإِنَّ حُبَّ الدُّنْيَا يُعْمِي وَ يُصِمُّ وَ يُبْكِمُ وَ يُذِلُّ الرِّقَابَ فَتَدَارَك مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِك وَ لَا تَقُلْ غَداً أَوْ بَعْدَ غَدٍ فَإِنَّمَا هَلَك مَنْ كَانَ قَبْلَك بِإِقَامَتِهِمْ عَلَى الْأَمَانِيِّ وَ التَّسْوِيفِ حَتَّى أَتَاهُمْ أَمْرُ اللَّهِ بَغْتَةً وَ هُمْ غَافِلُونَ فَنُقِلُوا عَلَى أَعْوَادِهِمْ إِلَى قُبُورِهِمُ الْمُظْلِمَةِ الضَّيِّقَةِ وَ قَدْ أَسْلَمَهُمُ الْأَوْلَادُ وَ الْأَهْلُونَ فَانْقَطِعْ إِلَى اللَّهِ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ مِنْ رَفْضِ الدُّنْيَا وَ عَزْمٍ لَيْسَ فِيهِ انْكِسَارٌ وَ لَا انْخِزَالٌ أَعَانَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاك عَلَى طَاعَتِهِ وَ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاك لِمَرْضَاتِهِ‌.(2)

عَنِ الْوَشَّاءِ قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَا ع يَقُولُ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ص - لِلْحَوَارِيِّينَ يَا


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 136.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 136.

بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنَ الدُّنْيَا كَمَا لَا يَأْسَى أَهْلُ الدُّنْيَا عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ دِينِهِمْ إِذَا أَصَابُوا دُنْيَاهُمْ‌.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ اخْفِضْ جَناحَك لِلْمُؤْمِنِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اللَّهِ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتٍ وَ مَنْ رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى مَا فِي يَدَيْ غَيْرِهِ كَثُرَ هَمُّهُ وَ لَمْ يُشْفَ غَيْظُهُ وَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةً إِلَّا فِي مَطْعَمٍ أَوْ مَلْبَسٍ فَقَدْ قَصُرَ عَمَلُهُ وَ دَنَا عَذَابُهُ وَ مَنْ أَصْبَحَ عَلَى الدُّنْيَا حَزِيناً أَصْبَحَ عَلَى اللَّهِ سَاخِطاً وَ مَنْ شَكَا مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ فَإِنَّمَا يَشْكُو رَبَّهُ وَ مَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِمَّنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَهُوَ مِمَّنْ يَتَّخِذُ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَ مَنْ أَتَى ذَا مَيْسَرَةٍ فَتَخَشَّعَ لَهُ طَلَبَ مَا فِي يَدَيْهِ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِه ثُمَّ قَالَ وَ لَا تَعْجَلْ وَ لَيْسَ يَكُونُ الرَّجُلُ يَنَالُ مِنَ الرَّجُلِ الْمِرْفَقَ فَيُبَجِّلُهُ وَ يُوَقِّرُهُ فَقَدْ يَجِبُ ذَلِك لَهُ عَلَيْهِ وَ لَكِنْ تَرَاهُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِتَخَشُّعِهِ مَا عِنْدَ اللَّهِ وَ يُرِيدُ أَنْ يَخْتِلَهُ عَمَّا فِي يَدَيْهِ‌.(2)

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِيَ الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَلِ أَمَّا الْهَوَى فَإِنَّهُ يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الآْخِرَةَ وَ هَذِهِ الدُّنْيَا قَدِ ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةً وَ هَذِهِ الآْخِرَةُ قَدِ ارْتَحَلَتْ مُقْبِلَةً وَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآْخِرَةِ وَ لَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَافْعَلُوا فَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ فِي دَارِ عَمَلٍ وَ


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 137.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 89.

لَا حِسَابَ وَ أَنْتُمْ غَداً فِي دَارِ حِسَابٍ وَ لَا عَمَلَ‌.(1)

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا تُكَثِّرُ الْهَمَّ وَ الْحُزْنَ وَ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا يُرِيحُ الْقَلْبَ وَ الْبَدَنَ‌.(2)

عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ مَنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِالدُّنْيَا تَعَلَّقَ مِنْهَا بِثَلَاثِ خِصَالٍ هَمٍّ لَا يَفْنَى وَ أَمَلٍ لَا يُدْرَك وَ رَجَاءٍ لَا يُنَالُ‌.(3)

عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ع قَالَ‌: الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَ الْقَبْرُ حِصْنُهُ وَ الْجَنَّةُ مَأْوَاهُ وَ الدُّنْيَا جَنَّةُ الْكَافِرِ وَ الْقَبْرُ سِجْنُهُ وَ النَّار مَأْوَاهُ‌.(4)

قَالَ الصَّادِقُ ع إِنَّا لَنُحِبُ الدُّنْيَا وَ أَنْ لَا نُؤْتَاهَا خَيْرٌ لَنَا مِنْ أَنْ نُؤْتَاهَا وَ مَا أُوتِيَ ابْنُ آدَمَ مِنْهَا شَيْئاً إِلَّا نَقَصَ حَظُّهُ مِنَ الآْخِرَةِ‌.(5)

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ‌: كَانَ النَّبِيُّ ص إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِفَاطِمَةَ ع فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَأَطَالَ عِنْدَهَا الْمَكْثَ فَخَرَجَ مَرَّةً فِي سَفَرٍ فَصَنَعَتْ فَاطِمَةُ مَسَكَتَيْنِ مِنْ وَرِقٍ وَ قِلَادَةً وَ قُرْطَيْنِ وَ سِتْراً لِبَابِ الْبَيْتِ لِقُدُومِ أَبِيهَا وَ زَوْجِهَا ع فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ص دَخَلَ‌عَلَيْهَا فَوَقَفَ أَصْحَابُهُ عَلَى الْبَابِ لَا يَدْرُونَ يَقِفُونَ أَوْ يَنْصَرِفُونَ لِطُولِ مَكْثِهِ عِنْدَهَا فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ قَدْ عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ حَتَّى جَلَسَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فَظَنَّتْ فَاطِمَةُ ع أَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِك رَسُولُ اللَّهِ لِمَا رَأَى مِنَ الْمَسَكَتَيْنِ وَ الْقِلَادَةِ وَ


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 90.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 91.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 91.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 91.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 81.

الْقُرْطَيْنِ وَ السِّتْرِ فَنَزَعَتْ قِلَادَتَهَا وَ قُرْطَيْهَا وَ مَسَكَتَيْهَا وَ نَزَعَتِ السِّتْرَ فَبَعَثَتْ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص وَ قَالَتْ لِلرَّسُولِ قُلْ لَهُ تَقْرَأُ عَلَيْك ابْنَتُك السَّلَامَ وَ تَقُولُ اجْعَلْ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ فَعَلَتْ فِدَاهَا أَبُوهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَيْسَتِ الدُّنْيَا مِنْ مُحَمَّدٍ وَ لَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ وَ لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْخَيْرِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى فِيهَا كَافِراً شَرْبَةَ مَاءٍ ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ عَلَيْهَا.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ أَوْحَى إِلَى الدُّنْيَا أَنْ أَتْعِبِي مَنْ خَدَمَك وَ اخْدُمِي مَنْ رَفَضَك ثُمَّ قَالَ ع عَلَيْكُمْ بِالْوَرَعِ وَ الِاجْتِهَادِ وَ الْعِبَادَةِ وَ ازْهَدُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا الزَّاهِدَةِ فِيكُمْ فَإِنَّهَا غَرَّارَةٌ دَارُ فَنَاءٍ وَ زَوَالٍ كَمْ مِنْ مُغْتَرٍّ فِيهَا قَدْ أَهْلَكَتْهُ وَ كَمْ مِنْ وَاثِقٍ بِهَا قَدْ خَانَتْهُ وَ كَمْ مِنْ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهَا قَدْ خَدَعَتْهُ وَ أَسْلَمَتْهُ‌.(2)

وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع فِي بَعْضِ خُطَبِهِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَ الآْخِرَةَ دَارُ بَقَاءٍ فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ وَ لَا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ أَسْرَارُكُمْ وَ أَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ فَفِي الدُّنْيَا حَيِيتُمْ وَ لِلآْخِرَةِ خُلِقْتُمْ وَ إِنَّمَا الدُّنْيَا كَالسَّمِّ يَأْكُلُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا مَاتَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا قَدَّمَ وَ قَالَ النَّاسُ مَا أَخَّرَ فَقَدِّمُوا فَضْلًا يَكُنْ لَكُمْ وَ لَا تُؤَخِّرُوا كُلًّا يَكُنْ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ الْمَحْرُومَ مَنْ حُرِمَ خَيْرَ مَالِهِ وَ الْمَغْبُوطَ مَنْ ثَقَّلَ بِالصَّدَقَاتِ وَ الْخَيْرَاتِ مَوَازِينَهُ وَ أَحْسَنَ فِي الْجَنَّةِ بِهَا مِهَادَهُ وَ طَيَّبَ عَلَى‌الصِّرَاطِ بِهَا مَسْلَكَهُ‌.(3)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 86.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 87.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 88.

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: إِنَّ الدُّنْيَا وَ الآْخِرَةَ عَدُوَّانِ مُتَفَاوِتَانِ وَ سَبِيلَانِ مُخْتَلِفَانِ فَمَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا وَ تَوَلَّاهَا أَبْغَضَ الآْخِرَةَ وَ عَادَاهَا وَ هُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ مَاشٍ بَيْنَهُمَا كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعُدَ مِنَ الآْخَرِ وَ هُمَا بَعْدُ ضَرَّتَانِ‌.(1)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: لَا يَتْرُك النَّاسُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ لِاسْتِصْلَاحِ دُنْيَاهُمْ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْه.(2)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْحَيَّةِ لَيِّنٌ مَسُّهَا وَ السَّمُّ النَّاقِعُ فِي جَوْفِهَا يَهْوِي إِلَيْهَا الْغِرُّ الْجَاهِلُ وَ يَحْذَرُهَا ذُو اللُّبِّ الْعَاقِلُ‌.(3)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ لَا دَارُ مَقَرٍّ وَ النَّاسُ فِيهَا رَجُلَانِ رَجُلٌ بَاعَ فِيهَا نَفْسَهُ فَأَوْبَقَهَا وَ رَجُلٌ ابْتَاعَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَهَا.(4)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: وَ اللَّهِ لَدُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَهْوَنُ فِي عَيْنِي مِنْ عِرَاقِ [عُرَاقِ‌] خِنْزِيرٍ فِي يَدِ مَجْذُومٍ‌.(5)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: مَرَارَةُ الدُّنْيَا حَلَاوَةُ الآْخِرَةِ وَ حَلَاوَةُ الدُّنْيَا مَرَارَةُ الآْخِرَةِ‌(6)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: النَّاسُ فِي الدُّنْيَا عَامِلَانِ عَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِلدُّنْيَا قَدْ


1) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 103.

2) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 106.

3) . راجع: نهج البلاعة، الحكمة 119.

4) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 133.

5) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 236.

6) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 251.

شَغَلَتْهُ دُنْيَاهُ عَنْ آخِرَتِهِ يَخْشَى عَلَى مَنْ يَخْلُفُهُ [يُخَلِّفُ‌] الْفَقْرَ وَ يَأْمَنُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَيُفْنِي عُمُرَهُ فِي مَنْفَعَةِ غَيْرِهِ وَ عَامِلٌ عَمِلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا فَجَاءَهُ الَّذِي لَهُ مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ عَمَلٍ فَأَحْرَزَ الْحَظَّيْنِ مَعاً وَ مَلَك الدَّارَيْنِ جَمِيعاً فَأَصْبَحَ وَجِيهاً عِنْدَ اللَّهِ لَا يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَةً فَيَمْنَعُهُ [فَيَمْنَعَهُ‌](1).

قال اميرالمؤمنين لابنه الحسن عليه السلام: يَا بُنَيَ لَا تُخَلِّفَنَ وَرَاءَك شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّك تَخَلِّفُهُ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ إِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ وَ إِمَّا رَجُلٌ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَشَقِيَ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ فَكُنْتَ عَوْناً لَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَ لَيْسَ أَحَدُ هَذَيْنِ حَقِيقاً أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِك قَالَ الرَّضِيُّ وَ يُرْوَى هَذَا الْكَلَامُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَ هُوَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الَّذِي فِي [يَدَيْك] يَدِك مِنَ الدُّنْيَا قَدْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ قَبْلَك وَ هُوَ صَائِرٌ إِلَى أَهْلٍ بَعْدَك وَ إِنَّمَا أَنْتَ جَامِعٌ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ رَجُلٍ عَمِلَ فِيمَا جَمَعْتَهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَسَعِدَ بِمَا شَقِيتَ بِهِ أَوْ رَجُلٍ عَمِلَ [فِيمَا جَمَعْتَهُ‌] فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ - [فَشَقِيَ‌] فَشَقِيتَ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ وَ لَيْسَ أَحَدُ هَذَيْنِ أَهْلًا أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى نَفْسِك.(2)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: خُذْ مِنَ الدُّنْيَا مَا أَتَاك وَ تَوَلَّ عَمَّا تَوَلَّى عَنْك فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَأَجْمِلْ فِي الطَّلَبِ‌.(3)


1) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 269.

2) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 416.

3) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 393.

الفصل السابع عشر

اشارة

الفضيلة الثامنة عشرة: القناعة

الرّذيلة العشرون: الحرص

الفضيلة الثّامنة‌عشرة: القناعة

اشارة

و هي ملكة يقتدر صاحبها على الاكتفاء في المشتهيات بقدر الحاجة.

توضيح ذلك: انّ كلّ انسانٍ له تمايلات، و لا محيص من تنحيتها عقلاً و شرعاً، فهو تارةً ينحيها بمقدار الحاجة، فيسمّى ذلك الإنسان قانعاً، و أخرى يَفرُط في ذلك، فهو الحريص و يقال لحالته الشره، و ثالثة يفرّط في ذلك فهو الخامد و يقال لحالته الخمود

فالقانع هو المعتدل في تنحية الغرائز و الشهوات، و هو السائر بين الافراط و التفريط، و الافراط هو الحرص، و التفريط هو الخمود، و ما بين الحالتين و هو الرضى بمقدار الحاجة هو القناعة، و هي صفة سامية تضمن سعادة صاحبها في الدارين، فهو المستريح الناعم البال فيهما، و يسلم عن كثير من الهلكات، فهى المنجية من الهلكات و الضامنة للسعادات بالتأكيد.

و القناعة و ان كانت عامّة المعنى، في كلّ المشتهيات كما فسرناها انفا، الا انها في علم الأخلاق تختصّ بالثروة، كما ان الحرص و ان كان عام المعنى، الا انه في هذا العلم يختصّ بالثروة ايضاً، فالقناعة و ضدها و هو الحرص يختصّان بمن يرضى من الثروة بمقدار الحاجة، و بمن لا يرضى من الثروة بذلك المقدار بل له نهبٌ بالثروة، فكان له مرض نظير مرض الاستسقاء، فكلّما زاد في ثروته زاد في حرصه، كما ان المستسقى يكون كذلك.

و بما ذكرنا من التفسير للقناعة و ضدها يظهر امران:

الاول: ان القناعة ليست الكفاية و الرضى بها، كما يترائى ذلك من كتب علم الاخلاق.

لانه ربّ قانع له ما فوق الكفاف بالوف، و ربّ من يرضى بالكفاف و ليس بقانع و يفرّط في الشهوات، فالكفاية و القناعة لم‌تكونا مترادفتين كما اشتهر، بل ربما تجتمعان و ربما تفترقان، فلايتوقّف إحداهما على الأخرى و لاتتلازمان كما لاتكونان مترادفتين.

نعم في المقام كلام آخر قد مرّ منّا مراراً، و هو ان الفضائل كلها بينها تلازمٌ ما كما ان الرذائل كذلك، فالقناعة و الزهد و الاستغناء عمّا في أيدى الناس و الكفاف و الرضا كثيراً ما تجتمع، كما ان الحرص و حبّ الدّنيا و الطمع و الولع في جمع الأعراض و نحوها كثيراً ما تجتمع.

و هذا غير ما اشتهر بين الاخلاقيّين، من ترادف بعضها بعضاً، أو نشوء بعضها من بعض.

الثانى: قد اشتهر بينهم، ان القناعة من شعب الزهد و من مصاديقه و الحرص من شعب حبّ الدّنيا و مصاديقه، و ليس الامر كما قالوا، و ان كان كثيراً ما تجتمع القناعة مع ملكة الزهد، و الحرص مع ملكة حبّ الدّنيا، لان الزهد كما مر هو كمال الانقطاع عن المشتهيات، و القناعة هي الرضى بمقدار الحاجة، و ليس بينهما ترادف و ليس احدهما سبباً للاخر و لا ملازماً عقليا له، و كثيراً ما يفترق احدهما عن الاخر و قد يجتمعان ايضاً، نعم الإنسان المتحلّى بالفضائل كثيراً ما يجمع بينهما و بين غيرهما من الفضائل.

و ان حبّ الدّنيا هو اشتغال القلب بالمشتهيات، و ان الحرص هو الافراط فيها، و ليس بينهما ترداف و لا سببّيه بينهما. و اما الإنسان المتصف بالرذائل كثيراً ما يجمع فيه كلاهما كغيرهما من الرذائل.

و قد خرجنا عن طور البحث الّذي كنا بصدده، فنرجع إليه و نقول ان القناعة صفة هي خير من الدنيا و ما فيها.

قال الصادق عليه السلام: «قَالَ الصَّادِقُ ع لَوْ حَلَفَ الْقَانِعُ بِتَمَلُّكِهِ عَلَى الدَّارَيْنِ لَصَدَّقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِذَلِك».(1)

و تترتب عليها آثار هامّة كلّ واحدٍ منها خير من الدّنيا و ما فيها أيضاً و نذكر نبذاً من تلك الآثار:

1 - ان القانع هو المقتصد، و الاقتصاد في الأمور من وجهة نظر القرآن من صفات المؤمنين


1) . راجع: مصباح الشريعة، ص 202.

قال اللّٰه تعالى: (وَ اَلَّذِينَ إِذٰا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كٰانَ بَيْنَ ذٰلِكَ قَوٰاماً)(1).

2 - ان القانع برىءٌ عن الاتراف الّذي هو من وجهة نظر القرآن من صفات الفاسقين.

قال اللّٰه تعالى: (وَ إِذٰا أَرَدْنٰا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنٰا مُتْرَفِيهٰا فَفَسَقُوا فِيهٰا فَحَقَّ عَلَيْهَا اَلْقَوْلُ فَدَمَّرْنٰاهٰا تَدْمِيراً)(2)

3 - ان القانع بعيد عن الهوى و الامل اللّذَين كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و اهل بيته عليهم السلام خائفين منهما على الأمّة قويًّا.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَلِ أَمَّا الْهَوَى فَإِنَّهُ يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الآْخِرَة.(3)

و قال اميرالمؤمنين عليه السلام: إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ اتِّبَاعَ الْهَوَى وَ طُولَ الْأَمَلِ أَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَإِنَّهُ يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الآْخِرَةَ‌.(4)

4 - ان القانع برىءٌ عن الخوف و الحزن، و تلك البراءة هي من صفات اولياء اللّٰه تعالى في القرآن الكريم.

قال اللّٰه تعالى: (أَلاٰ إِنَّ أَوْلِيٰاءَ اَللّٰهِ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ‌)(5)


1) . الفرقان، 67.

2) . الاسراء، 16.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 75.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 335.

5) . يونس، 62

5 - ان القانع يثق بوعد اللّٰه تعالى، و لا يخاف عن ايعاد الشيطان و هما أيضاً من صفات المؤمنين.

قال اللّٰه تعالى: (وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ إِلاّٰ عَلَى اَللّٰهِ رِزْقُهٰا)(1)

و قال اللّٰه تعالى: (اَلشَّيْطٰانُ يَعِدُكُمُ اَلْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشٰاءِ‌)(2)

6 - ان القانع برىء من ذل السؤال، فيكون عزيزاً عند الناس، و العزّة صفة المؤمنين ايضاً

قال اللّٰه تعالى: (يَحْسَبُهُمُ اَلْجٰاهِلُ أَغْنِيٰاءَ مِنَ اَلتَّعَفُّفِ‌)(3)

و قال اللّٰه تعالى: (وَ لِلّٰهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ‌)(4)

7 - ان القانع في العيش له عيشة انسانيّة كما ان الحريص له عيش حَيَوانىٌ‌، فمن افرط في الشهوة فهو يشبه الخنزير والديك و نحوهما، و من افرط في الاكل فهو يشبه الثور و الحمار و نحوهما، و من افرط في جمع الثروة فهو يشبه النمل و الفأرة و نحوهما، و بالجملة من افرط في شيء من الغرائز لا بدّ و أن تكون نفسيّته مشابهةً لنفسيّة صنفٍ من اصناف الحيوان.

فمن هذه الجهة يمكن أو لابدّ من ان يقال ان الحريص بحسب النفسية حيوانٌ و القانع بحسبها انسان يشبه الاولياء.


1) . هود، 6.

2) . البقرة، 268.

3) . البقرة، 273.

4) . المنافقون، 8.

و عندما تتجلّى تلك النفسيّات يرى ما لا يراه في هذه الدّنيا الّتي كلها حجاب و غطاء.

قال اللّٰه تعالى: (فَكَشَفْنٰا عَنْكَ غِطٰاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ)(1)

8 - القانع هو الغنىّ كما ورد بذلك روايات منها:

ما عن أبي جعفر عليه السلام: «مَنْ قَنِعَ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ فَهُوَ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ‌».(2)

و ما عن الكلينى قدس سره في الكافي و نحن نذكره فيما سيأتى انشاء اللّٰه.

9 - ان القانع يسلم عن خطر الطغيان ذلك الّذي يكون في حد الكفر و يترتب عليه مفاسد عظيمة كالكبر و الملأ و ترك الواجبات و الاتيان بالمحرمات بل الطغيان على اللّٰه تعالى.

قال اللّٰه تعالى: (كَلاّٰ إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَيَطْغىٰ * أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنىٰ‌)(3)

و قال تعالى: // (فامّا من طغى * و اثر الحيوة الدّنيا * فانّ الجنة هي المأوى) //(4)

10 - و هو العمدة، ان القناعة هي ردمٌ راسخٌ وثيقٌ يحفظ الإنسان عن عطفه وزلله نحو الافراط أو التفريط، فهى قوة تحفظ الإنسان عن الانحراف.

توضيح ذلك، انه لا اشكال في احتياج الإنسان إلى قوة حافظة لغرائزه و لولا ذلك ليصير الإنسان شر الدّوابّ‌.


1) . ق، 22.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 139.

3) . العلق، 67.

4) . النازعات، 39-37.

قال اللّٰه تعالى: (إِنَّ شَرَّ اَلدَّوَابِّ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلصُّمُّ اَلْبُكْمُ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْقِلُونَ‌)(1)

فما يمكن ان يكون ردماً مانعاً من الانحراف امور:

1 - العقل و هو قوة قدسية و لا اشكال في كونه سداً الا ان عمله فيما لا يعمل فيه حجاب الغفلة أو العصبيّة أو العلم أو الكبر أو نحو ذلك.

2 - العلم و هو أيضاً قوة قدسيّة و كونه سدّاً مما لا اشكال فيه في الجملة، الا ان الاشكال الّذي مرّ ذكره في العقل يأتى هنا ايضاً.

3 - الوجدان و الضمير الاخلاقى، و الانصاف أنّه سد وثيقٌ قبال طغيان الغرائز، الا ان الاشكال السابق يأتى هنا ايضا.

و يؤيّد هذا الاشكال في تلك الصور الثلاث ما يُرى في العالَم حالياً، هذا العالَم الّذي يُسمّى في الاصطلاح عالمٌ الغالب عليه هو العقل و العلم و الضمير الاخلاقى و هو في الحقيقة ليس إلّاعالم القساوة و السفاهة و الجهل جهلاً يشبه الجاهلية الاولى.

و ليس ذلك الا لأنّ حجاب حبّ المال و الكبر و الغرور و نحو ذلك يغطّى العقل و العلم و الوجدان فيستفيدون من العلم و العقل و الوجدان - كمنظّمة الأمم المتّحدة - ضدّ الضعفاء، بل ضدّ الانسانيّة.

4 - القانون، و هو و ان كان مشهوراً من حين أن صار الإنسان مدنيّاً و لا مناص منه إلى اَن تقوم القيامة و ان الاسلام امضاه،

كما قال اللّٰه تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْمِيزٰانَ‌


1) . الانفال، 22.

لِيَقُومَ اَلنّٰاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ‌) (1)و المراد بالكتاب هو الهيئة التشريعيّة، و بالميزان هو السُّلطة القضائية و بانزال الحديد هو السلطة التنفيذية، فدلّت الآية الشريفة على ان الانبياء كلّهم كانوا مقنّنين و حاكمين و قائمين بتلك القوانين و الاحكام و جاؤوا بتلك القوى لتهذيب النّفس بالنسبة إلى آحاد المجتمع و تأسيس المدينة الفاضلة، الا ان الاشكال في ان اجراء القوانين و القضاء و تبيين الاحكام لو كان بيد غير المعصوم، أو غير العادل، فكثيراً ما يفسّر القانون و يجريه على خلاف الواقع، و بالقانون يظلمون و ينشرون الفحشاء، ثمّ يُستعان بالقوانين ستراً على ذلك الظلم فالقانون حينئذ عدمه اولى من وجود.

و التجربة تدلّ على ذلك كما أنّ ما صدر عن منظّمة الأمم المتّحدة و غيرها من المنظّمات و المشروعات العالميّة، يدلّ على هذا المدّعى.

5 - التربية، و هي و ان كانت مؤثرة، بل هي أشدّ تاثيراً من كلّ ما ذُكِر، الا أنّها لو كانت بيد الصالحين، فيدور المجتمع حول الصلاح و السّداد و اما لو كانت بيد المفسدين، فيهلكون الحرث و النسل، فهى حينئذ أضرّ من كون المجتمع سُدىً‌.

الا ترى ان الممالك الاسلاميّة كيف ابتلت بالشُّبه و الحَوجاءات الماديّين حتّى آل الامر إلى انكار الضروريات الأوليّة نظير الحجاب و الصلوة في المعاهد العلميّة سيما في المدارس العُليا.

6 - الاشراف و المراقبة العامّة و هي باقسامها مما يرغب فيها الاسلام ترغيباً بالغاً حتّى قال اللّٰه تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ‌


1) . الحديد، 25.

عَنِ اَلْمُنْكَرِ) (1).

و النظارة هذه تطلب بحثاً مستقلاً مفصّلاً و سيأتى البحث عنها انشاء اللّٰه، الا ان تلك النظارة لو لم تكن بيد المهذب عن الرذائل و عن الافراط و التفريط ليؤول الأمر إلى نتيجة قبيحة مضرّة، كما يترائى ذلك من الاشراف الّذي يقوم به الجاهلون.

7 - الايمان و هو سدّ أوثق من كلّ ما ذكرنا، و القرآن جعله سداً بل في آيات كثيرة جعل المراتب السافلة منه كالظنّ به سداً فضلاً عن اليقين به:

قال اللّٰه تعالى: (أَ لاٰ يَظُنُّ أُولٰئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ‌).(2)

و قال اللّٰه تعالى: (اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاٰقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ‌).(3)

الا ان الايمان ان كان علميا عقيدًيا و هو ما يقبله العقل بالبرهان و الاستدلال و على حدّ تعبير القرآن الكريم تسليم العقل، فهو رادع مانع في الجملة، و اما إذا كان المؤمن مطيعاً لشهوات نفسه و غرائزها فلا يقدر على ان يقوم بواجبه، فهو سد إذا كانت الغرائز و شأنها، و لكن يحتاج الإنسان إلى معين عند ثورانها، و تلك الثورانات كثيرة جداً و الايمان العقلى لا يكفي في تلك الموارد.

و هذا الاشكال يرد في القوى الرادعة كلّها من العقل و الوجدان و العلم و القانون و التربية و الاشراف و الايمان، لان هذه القوى كلها رادعة في الجملة عند كون الإنسان في الحالة الطبيعية، و اما عند ثوران الغرائز لا تكون رادعة، و لو


1) . آل عمران، 110.

2) . المطففين، 45.

3) . البقرة، 46.

اجتمع بعضها لبعض ظهيرا، و الإنسان بحاجة ماسّة إلى رادعٍ يردعه في حالاته كلّها عمّا لايليق به.

نعم ان كان الايمان قلبيّا - راسخاً فيه بالغاً مرتبة الوجدان فهو ردمٌ وثيقٌ لا يُغلَب بحالٍ من الحالات.

قال الصادق عليه السلام: «المؤمن كالجبل الراسخ لاتحرّكه العواصف».

و لهذا الايمان مراتب شدة و ضعفا، فاوّل مراتبه هو اعتقاد القلب، المسمّى ب‍ «علم اليقين» ثمّ مرتبة متوسطة و هي رؤية القلب، المسمّاة ب‍ «عين اليقين» ثمّ مرتبة شديدة و هي وجدان القلب، المسمّاة ب‍ «حق اليقين» و هو الشهود.

و هذه الاصطلاحات كلها مأخوذةٌ من القرآن

و ظاهرٌ ان هذا الايمان رادع للانسان و حتّى عند ثوران الغرائز، و القرآن يشهد بذلك حتّى لمن حصلت له المرتبة الاولى فقط.

قال اللّٰه تعالى: (أَلْهٰاكُمُ اَلتَّكٰاثُرُ * حَتّٰى زُرْتُمُ اَلْمَقٰابِرَ * كَلاّٰ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاّٰ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاّٰ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اَلْيَقِينِ‌)(1)

و القرآن جعل من حصلت له المرتبتان العُليا مباركاً.

قال اللّٰه تعالى: (فَلَمّٰا جٰاءَهٰا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي اَلنّٰارِ وَ مَنْ حَوْلَهٰا وَ سُبْحٰانَ اَللّٰهِ رَبِّ اَلْعٰالَمِينَ‌)(2)

و لكن بعد اللّتيا و الّتى، لا بد ان نتذكر هنا كلاماً اخر، و هو ما اُنزل القرآن و


1) . الثكاثر، 15.

2) . الّنمل، 8.

الكتب السماوية كلها و اُرسل الرسل كلّهم له، و هذه المقدّمة المفصلة مُهّدت له، و هو انه لو حصل التهذيب و التخلية و التحلية للنفس، فليس فيها اعوجاج حتّى تحتاج إلى مانع و رادع.

توضيح ذلك: ان التخلية و التحلية، أعنى تهذيب النّفس عن الرذائل و رسوخ الملكات الفاضلة فيها هي ما أرسل الوسل لها.

قال اللّٰه تعالى: (هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ إِنْ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ‌)(1)

و قال اللّٰه تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْمِيزٰانَ لِيَقُومَ اَلنّٰاسُ بِالْقِسْطِ)(2)

و هي تُخرج الشيطان و اعوانه عن القلب و تعدّل الغرائز كلها، فليس في القلب رذيلة و ليس للنفس طغيان و ثوران حتّى تحتاج إلى التعديل و لا مخاصمة بين القوى حتّى نحتاج إلى المصالحة بينها، فالقلب منور بنور اللّٰه و النّفس و غرائزها تكون في حالة الاعتدال و لا مخاصمة و لا مغالبة. و هو يحصل بسلوك الطريق و الوصول إلى المطلوب و الترقى من منزل إلى آخر حتّى يصل إلى مقام اللقاء الّذي ليس له انتهاء، و هو الغاية العُليا من خَلق الانسان.

نعم يحتاج ذلك التهذيب و التخلية و التحلية إلى الايمان القلبى و لا يعقل الوصول إلى مقام التخلية و التحلية إلّاو قد قدّمه الايمان القلبى فلا يمكن الوصول


1) . الجمعة، 2.

2) . الحديد، 25.

إلّا به بل الشروع في التوبة و اليقظة أيضاً يحتاج إلى ذلك الايمان و لو بمرتبة ضعيفة منه.

قال اللّٰه تعالى: (فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صٰالِحاً وَ لاٰ يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)(1)

و لكن الكلام كلّه في أنّ هذا الايمان، لا ينفع لرفع ثوران الرذائل و الغرائز لانه ليست رذيلة بعد التهذيب حتّى نحتاج إلى رفعها.

فالايمان القلبى حينئذ يكون براقاً للعروج، و به ينظر إلى ملكوت السموات و الارض (ينظر إلى قيوميّة الحق تعالى). قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: لَوْ لَا أَنَ الشَّيَاطِينَ يَحُومُونَ عَلَى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ لَنَظَرُوا إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ‌.(2)

و الشياطين المذكورة في الرواية الشريفة، ليست الا الرذائل المسلّطة على النّفس و وساوس الشياطين الجنيّة و الانسيّة.

و هذا المقام، مقام اللقاء، و هو الَّذي أعطاه اللّٰه تعالى ابراهيم عليه السلام بعد ما ابتلى به من الابتلاءات.

قال اللّٰه تعالى: (وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ‌)(3).

هذا ملخّص الكلام، و لاخذ النتيجة منه نحتاج إلى تفصيل فيه و نكتفى حالياً بامثلة و لعلّ اللّٰه يحدث بعد ذلك امرا.


1) . الكهف، 110.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 56 ص 163.

3) . الانعام، 75.

ان الكبر رذيلة تترتب عليها مفاسد سيما إذا عصت و ثارت، فهو حين الثوران كالكلب إذا يلهث و كالذئب إذا يهاجم، و كالاسد إذا يجوع، فالقتل و هتك الاعراض و استيغار الاموال و اهلاك الحرث و النسل أمر عادى له، بل يلتذ به، فيحتاج إلى مانع و رادع، و اجود الأمور و احسنها لرفع طغيانه هو الايمان القلبى.

و اما لو وفّق الإنسان لقمعه و تهذيب النّفس عنه و وضَعَ التواضع موضعه فاذاً لا كبر حتّى تترتب عليه المفاسد، بل التواضع نور يخرجه من الظلمات و يذهب به إلى الخيرات.

ثمّ ان الغضب جنون و ان لم يحصل للغاضب الندامة عليه فهو جنون مستمر.

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «إِيَّاك وَ الْغَضَبَ فَأَوَّلُهُ جُنُونٌ وَ آخِرُهُ نَدَمٌ‌».(1)

و قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «الْحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ فَإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنُونُهُ مُسْتَحْكَمٌ‌».(2)

و حينما يغلب على الإنسان تترتب عليه المفاسد حتّى الكفر و العصيان و شتم اللّٰه و اوليائه الكرام تعالوا عن ذلك علواً كبيراً.

فالايمان القلبى رادع و مانع عن ذلك الطغيان و تلك المفاسد

و اما لو قدر على قمع تلك الرذيلة و تحلّى بالحلم فليس في النّفس رذيلة حتّى تترتب عليها المفاسد، بل الحلم فضيلة يُقدِر الحليم على ان يعمل ما يعجز عنه الآخرون و طوبى له و حسن مآب.


1) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 302.

2) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 301.

فاذاً لا نزاع في النّفس حتّى تحتاج إلى رادع و مانع

فقس عليها كلّ الرذائل و الفضائل.

و الاحسن و الاوضح لاثبات المدّعى من بين تلك الفضائل هو القناعة، فلذا جعلنا هذه المقالة باحثةً عنها و ان كانت المقالة عامّة عائدة إلى الرذائل و الفضائل كلّها.

و ذلك لان القناعة كما فسرناها في صدر البحث هي ملكة يُقتدَرُ بها على تنحية المشتهيات من غير افراط و لا تفريط، فمن اكتسب هذه الملكة و هذّب نفسه عن الافراط أعنى الحرص و التفريط أعنى الخمود، فنفسه طائرةٌ من ضيق ظلمات الحرص و الخمود و ما يترتب عليهما من المفاسد العظيمة - نظيرمامرّ في بحث الشره و حبّ الدّنيا و ما سيأتى انشاءاللّٰه في بحث الحرص و الطمع - إلى نور سعة القناعة و ما يترتّب عليها من المصالح العظيمة الّتي مضى ذكر بعضها.

حُكى ان ابراهيم الادهم كان سلطاناً فبينما كان في قصره، رأى ان رجلاً معدماً استترب عند نهر على حدته فاكل خبزاً و شرب كفّة ماءٍ و وضع أحذئته تحت راسه فنام نوماً تسبيخاً ملتذّا. فانتبه انه طوال سلطنته لم يلتذ من تلك الاغذية و الاشربة هذه اللّذّة، و لم‌ينم في قصره هذا النوم قطّ، فعرف ان لذّة القناعة ليست كاللذات المادّية.

رواياتٌ في القناعة

قال أبو جعفر عليه السلام: إِيَّاك أَنْ تُطْمِحَ بَصَرَك إِلَى مَنْ فَوْقَك فَكَفَى بِمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ - لِنَبِيِّهِ ص فَلا تُعْجِبْك أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْوَ قَالَ - وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَإِنْ دَخَلَك مِنْ ذَلِك شَيْ‌ءٌ فَاذْكُرْ عَيْشَ رَسُولِ اللَّهِ ص فَإِنَّمَا كَانَ قُوتُهُ الشَّعِيرَ وَ حَلْوَاهُ التَّمْرَ وَ وَقُودُهُ السَّعَفَ إِذَا وَجَدَهُ‌.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ رَضِيَ مِنَ اللَّهِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْمَعَاشِ رَضِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَمَلِ‌.(2)

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ ابْنَ آدَمَ كُنْ كَيْفَ شِئْتَ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ مَنْ رَضِيَ مِنَ اللَّهِ بِالْقَلِيلِ مِنَ الرِّزْقِ قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ الْيَسِيرَ مِنَ الْعَمَلِ وَ مَنْ رَضِيَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْحَلَالِ خَفَّتْ مَئُونَتُهُ وَ زَكَتْ مَكْسَبَتُهُ وَ خَرَجَ مِنْ حَدِّ


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 137.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 137.

الْفُجُورِ.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ص يَقُولُ ابْنَ آدَمَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ مِنَ الدُّنْيَا مَا يَكْفِيك فَإِنَّ أَيْسَرَ مَا فِيهَا يَكْفِيك وَ إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُرِيدُ مَا لَايَكْفِيك فَإِنَّ كُلَّ مَا فِيهَا لَا يَكْفِيك.(2)

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ فَلْيَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِ غَيْرِهِ‌.(3)

أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ قَنِعَ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ فَهُوَ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ‌.(4)

عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ ع يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِنَّ مِنْ أَغْبَطِ أَوْلِيَائِي عِنْدِي رَجُلًا خَفِيفَ الْحَالِ ذَا حَظٍّ مِنْ صَلَاةٍ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ بِالْغَيْبِ وَ كَانَ غَامِضاً فِي النَّاسِ جُعِلَ رِزْقُهُ كَفَافاً فَصَبَرَ عَلَيْهِ عَجِلَتْ مَنِيَّتُهُ فَقَلَّ تُرَاثُهُ وَ قَلَّتْ بَوَاكِيهِ‌.(5)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص طُوبَى لِمَنْ أَسْلَمَ وَ كَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا.(6)

النَّوْفَلِيُّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص اللَّهُمَّ ارْزُقْ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 137.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 138.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 139.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 139.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 140.

6) . راجع: الكافي، ج 2 ص 140.

مُحَمَّداً وَ آلَ مُحَمَّدٍ وَ مَنْ أَحَبَّ مُحَمَّداً وَ آلَ مُحَمَّدٍ الْعَفَافَ وَ الْكَفَافَ وَ ارْزُقْ مَنْ أَبْغَضَ مُحَمَّداً وَ آلَ مُحَمَّدٍ الْمَالَ وَ الْوَلَدَ.(1)

عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيِّ رَفَعَهُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ص قَالَ‌: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ص بِرَاعِي إِبِلٍ فَبَعَثَ يَسْتَسْقِيهِ فَقَالَ أَمَّا مَا فِي ضُرُوعِهَا فَصَبُوحُ الْحَيِ وَ أَمَّا مَا فِي آنِيَتِنَا فَغَبُوقُهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص - اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَ وُلْدَهُ ثُمَّ مَرَّ بِرَاعِي غَنَمٍ فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَسْتَسْقِيهِ فَحَلَبَ لَهُ مَا فِي ضُرُوعِهَا وَ أَكْفَأَمَا فِي إِنَائِهِ فِي إِنَاءِ - رَسُولِ اللَّهِ ص وَ بَعَثَ إِلَيْهِ بِشَاةٍ وَ قَالَ هَذَا مَا عِنْدَنَا وَ إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ نَزِيدَك زِدْنَاك قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص - اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ الْكَفَافَ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعَوْتَ لِلَّذِي رَدَّك بِدُعَاءٍ عَامَّتُنَا نُحِبُّهُ وَ دَعَوْتَ لِلَّذِي أَسْعَفَك بِحَاجَتِك بِدُعَاءٍ كُلُّنَا نَكْرَهُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ مَا قَلَّ وَ كَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَ أَلْهَى اللَّهُمَّ ارْزُقْ مُحَمَّداً وَ آلَ مُحَمَّدٍ الْكَفَافَ‌.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ يَحْزَنُ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنُ إِنْ قَتَّرْتُ عَلَيْهِ وَ ذَلِك أَقْرَبُ لَهُ مِنِّي وَ يَفْرَحُ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنُ إِنْ وَسَّعْتُ عَلَيْهِ وَ ذَلِك أَبْعَدُ لَهُ مِنِّي.(3)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «كَفَى بِالْقَنَاعَةِ مُلْكاً وَ بِحُسْنِ الْخُلُقِ نَعِيماً وَ سُئِلَ ع عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً فَقَالَ هِيَ الْقَنَاعَةُ‌.(4)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «وَ قَالَ ع فِي ذِكْرِ [خَبَّابٍ‌] خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ [رَحِمَ‌]


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 140.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 140.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 140.

4) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 229.

يَرْحَمُ اللَّهُ خَبَّابَ بْنَ الْأَرَتِّ فَلَقَدْ أَسْلَمَ رَاغِباً وَ هَاجَرَ طَائِعاً وَ [عَاشَ مُجَاهِداً طُوبَى لِمَنْ ذَكَرَ الْمَعَادَ وَ عَمِلَ لِلْحِسَابِ وَ قَنِعَ بِالْكَفَافِ وَ رَضِيَ عَنِ اللَّهِ‌] قَنِعَ بِالْكَفَافِ وَ رَضِيَ عَنِ اللَّهِ وَ عَاشَ مُجَاهِدًا».(1)

و قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «طُوبَى لِمَنْ ذَكَرَ الْمَعَادَ وَ عَمِلَ لِلْحِسَابِ وَ قَنِعَ بِالْكَفَافِ وَ رَضِيَ عَنِ اللَّه».(2)

و قال اميرالمؤمنين عليه السلام لرجل سأله ان يعظه: «لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الآْخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ وَ [يَرْجُو] يُرَجِّي التَّوْبَةَ بِطُولِ الْأَمَلِ يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِ الزَّاهِدِينَ وَ يَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِ الرَّاغِبِينَ إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ وَ إِنْ مُنِعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعْ‌».(3)

و قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «الْقَنَاعَةُ مَالٌ لَا يَنْفَد».(4)

و قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «لَا كَنْزَ أَغْنَى مِنَ الْقَنَاعَةِ‌».(5)

و قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «وَ ايْمُ اللَّهِ يَمِيناً أَسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لَأَرُوضَنَ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهِشُّ مَعَهَا إِلَى الْقُرْصِ إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مَطْعُوماً وَ تَقْنَعُ بِالْمِلْحِ مَأْدُومًا...».(6)

و قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «... وَ لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي


1) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 43.

2) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 44.

3) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 150.

4) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 57.

5) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 371.

6) . راجع: نهج البلاغة، الكتاب 45.

عَزَائِمِهِمْ وَ ضَعَفَةً فِيمَا تَرَى الْأَعْيُنُ مِنْ حَالاتِهِمْ مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلَأُ الْقُلُوبَ وَ الْعُيُونَ غِنًى وَ خَصَاصَةٍ تَمْلَأُ الْأَبْصَارَ وَ الْأَسْمَاعَ أَذًى...».(1)

و قال اميرالمؤمنين عليه السلام: (لما بلغه ان شريح اشترى على عهده دارا بثمانين دينارا) «... اشْتَرَى هَذَا الْمُغْتَرُّ بِالْأَمَلِ مِنْ هَذَا الْمُزْعَجِ بِالْأَجَلِ هَذِهِ الدَّارَ بِالْخُرُوجِ مِنْ عِزِّ الْقَنَاعَةِ وَ الدُّخُولِ فِي ذُلِّ الطَّلَبِ وَ الضَّرَاعَةِ‌!...».(2)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «أَلْهِمْ نَفْسَك الْقُنُوعَ‌».(3)

قال على عليه السلام: «انْتَقِمْ مِنْ حِرْصِك بِالْقُنُوعِ كَمَا تَنْتَقِمُ مِنْ عَدُوِّك بِالْقِصَاصِ‌».(4)

قال على عليه السلام: «مَا أَحْسَنَ بِالْإِنْسَانِ أَنْ يَقْنَعَ بِالْقَلِيلِ وَ يَجُودَ بِالْجَزِيلِ‌».(5)

قال على عليه السلام: «مَنْ قَنِعَتْ نَفْسُهُ أَعَانَتْهُ عَلَى النَّزَاهَةِ وَ الْعَفَافِ‌».(6)

قال على عليه السلام: «مِنْ شَرَفِ الْهِمَّةِ لُزُومُ الْقَنَاعَةِ‌».(7)

قال على عليه السلام: «من عزّ النّفس لزوم القناعة».(8)


1) . راجع: نهج البلاغة، الخطبه 192.

2) . راجع: نهج البلاغة، الكتاب 3.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 9.

4) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 391.

5) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 391.

6) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 393.

7) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 391.

8) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 392.

قال على عليه السلام: «الْقَنَاعَةُ تُغْنِي».(1)

قال على عليه السلام: «الْقَانِعُ غَنِيٌ وَ إِنْ جَاعَ وَ عَرَى».(2)

قال على عليه السلام: «الْقَنَاعَةُ رَأْسُ الْغِنَى [العنى]».(3)

قال على عليه السلام: «عَلَى قَدْرِ الْعِفَّةِ تَكُونُ الْقَنَاعَةُ‌».(4)

مَنْ عَقَلَ قَنِعَ‌.

يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ أَنْ يَلْزَمَ الْقَنَاعَةَ وَ الْعِفَّةَ‌.

ثَمَرَةُ الْقَنَاعَةِ الْإِجْمَالُ فِي الْمُكْتَسَبِ وَ الْعُزُوفُ عَنِ الطَّلَبِ‌.

أَعْوَنُ شَيْ‌ءٍ عَلَى صَلَاحِ النَّفْسِ الْقَنَاعَةُ‌.

قال على عليه السلام: «لَنْ تُوجَدَ الْقَنَاعَةُ حَتَّى يُفْقَدَ الْحِرْصُ‌».(5)

قال على عليه السلام: «من عقل قنع».(6)

قال على عليه السلام: «ينبغى لمن عرف نفسه ان يلزم القناعة و العفّة».(7)

قال على عليه السلام: «كيف يستطيع صلاح نفسه من لا يقنع بالقليل».(8)


1) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 392.

2) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 392.

3) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 392.

4) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 393.

5) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 393.

6) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 391.

7) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 391.

8) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 238.

قال على عليه السلام: «ثمرة القناعة الإجمال في المكتسب و العزوف عن الطّلب».(1)

قال على عليه السلام: «ثمرة القناعة العزّ».(2)

قال على عليه السلام: «اعون شيء على صلاح النّفس القناعة».(3)

قال على عليه السلام: «مَنْ قَنِعَ لَمْ يَغْتَمَّ‌».(4)

قال على عليه السلام: «بِالْقَنَاعَةِ يَكُونُ الْعِزُّ».(5)

قال على عليه السلام: «اقْنَعُوا بِالْقَلِيلِ مِنْ دُنْيَاكُمْ لِسَلَامَةِ دِينِكُمْ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ الْبُلْغَةُ الْيَسِيرَةُ مِنَ الدُّنْيَا تُقْنِعُهُ‌».(6)

قال على عليه السلام: «مَنْ قَنِعَتْ نَفْسُهُ عَزَّ مُعْسِراً».(7)

قال على عليه السلام: «أَنْعَمُ النَّاسِ عَيْشاً مَنْ مَنَحَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْقَنَاعَةَ وَ أَصْلَحَ لَهُ زَوْجَهُ‌».(8)

قال على عليه السلام: «الْقَنَاعَةُ أَهْنَأُ عَيْشٍ‌».(9)


1) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 393.

2) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 392.

3) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 391.

4) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 393.

5) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 392.

6) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 393.

7) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 392.

8) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 393.

9) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 393.

قال على عليه السلام: «مَنْ كَانَ بِيَسِيرِ الدُّنْيَا لَا يَقْنَعُ لَمْ يُغْنِهِ مِنْ كَثِيرِهَا مَا يَجْمَعُ‌.(1)

سُئِلَ الرِّضَا ع عَنْ صِفَةِ الزَّاهِدِ فَقَالَ مُتَبَلِّغٌ بِدُونِ قُوتِهِ مُسْتَعِدٌّ لِيَوْمِ مَوْتِهِ مُتَبَرِّمٌ بِحَيَاتِهِ وَ سُئِلَ ع عَنِ الْقَنَاعَةِ فَقَالَ الْقَنَاعَةُ تَجْتَمِعُ إِلَى صِيَانَةِ النَّفْسِ وَ عِزِّ الْقَدْرِ وَ طَرْحِ مُؤَنِ الِاسْتِكْثَارِ وَ التَّعَبُّدِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا وَ لَا يَسْلُك طَرِيقَ الْقَنَاعَةِ إِلَّا رَجُلَانِ إِمَّا مُتَعَلِّلٌ يُرِيدُ أَجْرَ الآْخِرَةِ أَوْ كَرِيمٌ مُتَنَزِّهٌ عَنْ لِئَامِ النَّاسِ‌.(2)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «مَنْ لَمْ يُقْنِعْهُ الْيَسِيرُ لَمْ يَنْفَعْهُ الْكَثِيرُ».(3)

قال الحسين بن على عليه السلام: «الْقُنُوعُ رَاحَةُ الْأَبْدَانِ‌».(4)

(من وصايا اميرالمؤمنين لابنه الحسن عليه السلام) «وَ لَا مَالَ أَذْهَبُ بِالْفَاقَةِ مِنَ الرِّضَا بِالْقُوتِ وَ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى بُلْغَةِ الْكَفَافِ تَعَجَّلَ الرَّاحَةَ وَ تَبَوَّأَ خَفْضَ الدَّعَةِ‌».(5)

عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ‌: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِرَجُلٍ وَ هُوَ يُوصِيهِ أَقْلِلْ مِنَ الشَّهَوَاتِ يُسَهَّلْ عَلَيْك الْفَقْرُ وَ أَقْلِلْ مِنَ الذُّنُوبِ يُسَهَّلْ عَلَيْك الْمَوْتُ وَ قَدِّمْ مَالَك أَمَامَك يَسُرَّك اللَّحَاقُ بِهِ وَ اقْنَعْ بِمَا أُوتِيتَهُ يَخِفَّ عَلَيْك الْحِسَابُ‌.(6)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: وَ الْقَنَاعَةُ غُنْيَةٌ وَ الِاقْتِصَادُ بُلْغَةٌ‌.(7)


1) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 394.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 349.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 71.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 127.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 238.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 189.

7) . بحار الانور، ج 75 ص 10.

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: أَشْكَرُ النَّاسِ أَقْنَعُهُمْ وَ أَكْفَرُهُمْ لِلنِّعَمِ أَجْشَعُهُمْ‌.(1)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: طَلَبْتُ الْغِنَى فَمَا وَجَدْتُ إِلَّا بِالْقَنَاعَةِ عَلَيْكُمْ بِالْقَنَاعَةِ تَسْتَغْنُوا.(2)

أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ ع يَا دَاوُدُ إِنِّي وَضَعْتُ خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ وَ النَّاسُ يَطْلُبُونَهَا فِي خَمْسَةٍ غَيْرِهَا فَلَا يَجِدُونَهَا وَضَعْتُ الْعِلْمَ فِي الْجُوعِ وَ الْجَهْدِ وَ هُمْ يَطْلُبُونَهُ فِي الشِّبَعِ وَ الرَّاحَةِ فَلَا يَجِدُونَهُ وَضَعْتُ الْعِزَّ فِي طَاعَتِي وَ هُمْ يَطْلُبُونَهُ فِي خِدْمَةِ السُّلْطَانِ فَلَا يَجِدُونَهُ وَ وَضَعْتُ الْغِنَى فِي الْقَنَاعَةِ وَ هُمْ يَطْلُبُونَهُ فِي كَثْرَةِ الْمَالِ فَلَا يَجِدُونَهُ وَ وَضَعْتُ رِضَايَ فِي سَخَطِ النَّفْسِ وَ هُمْ يَطْلُبُونَهُ فِي رِضَا النَّفْسِ فَلَا يَجِدُونَهُ وَ وَضَعْتُ الرَّاحَةَ فِي الْجَنَّةِ وَ هُمْ يَطْلُبُونَهَا فِي الدُّنْيَا فَلَا يَجِدُونَهَا.(3)

قال الباقر عليه السلام في وصيته لجابر بن يزيد الجعفى:... وَ انْزِلْ سَاحَةَ‌الْقَنَاعَةِ بِاتِّقَاءِ الْحِرْصِ وَ ادْفَعْ عَظِيمَ الْحِرْصِ بِإِيثَارِ الْقَنَاعَةِ‌.(4)

عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ‌: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ لِحُمْرَانَ يَا حُمْرَانُ انْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَك وَ لَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَك فِي الْمَقْدُرَةِ فَإِنَّ ذَلِك أَقْنَعُ لَك بِمَا قُسِمَ لَك.(5)

قَالَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ع إِنَّ فِيمَا نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ يَسِيلَانِ ذَهَباً وَ فِضَّةً لَابْتَغَى إِلَيْهِمَا ثَالِثاً يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّمَا بَطْنُك بَحْرٌ مِنَ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 423.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 66 ص 399.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 75. ص 453.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 163.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 198.

الْبُحُورِ وَ وَادٍ مِنَ الْأَوْدِيَةِ لَا يَمْلَأُهُ شَيْ‌ءٌ إِلَّا التُّرَابُ‌.(1)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام:... الصَّبْرُ مَطِيَّةٌ لَا تَكْبُو وَ الْقَنَاعَةُ سَيْفٌ لَا يَنْبُو.(2)

1) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 4 ص 300.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 96.

الرذيلة العشرون: الحرص

اشارة

و هو ضد القناعة، و قد مرّ معنا الحرص في صدر البحث عن القناعة، حيث قلنا انه ملكة الافراط في المشتهيات، و بعبارةٍ أخرى هي جوعٌ روحىٌ‌، كمرض الاستسقاء فكما انه لو شرب المبتلى بهذا المرض حتّى مات لا يرتفع عطشه، فكذلك الحريص لو بالغ في تنحية غريزة واحدة طوال حياته لاينجح في تنحيتها.

و الحرص بمعناه يشمل جميع الغرائز إلّاانّ علماء الأخلاق خصّوها بصفةٍ واحدة هي حبّ المال و الجاه و قد يستعملونه في حبّ الدّنيا الدنيّة بمعناها العام و على كلّ تقدير انّها رذيلة، المتصف بها يشبه السقر، حيث لاتشبع و تنادى دائماً هل من مزيد، و كلما زاد في عمر الحريص زاد في حرصه:

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «وَ يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَ تَشِبُ مِنْهُ اثْنَتَانِ الْحِرْصُ وَ الْأَمَلُ‌.»(1)


1) . راجع: تحف العقول، ص 45.

حكى في معراج السعادة انّ شيخاً هرماً كان أدرك رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و لم يقدر على الحركة لاجل هرمه جىء به إلى هارون الرشيد لعنة اللّٰه عليه، فسأل عنه رواية سمعها من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، فروى له هذه الرواية، فامر له بماة الف درهم، فسرعان أن أمر بالعود بعد أنّ خرج من عند الأمير، فظنوا انه تذكر رواية أخرى من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، فاذا دخل على هارون سأل عنه هذه العطيّة مستمرة في كلّ سنة أو تخص بهذه السنة فقط، فضحك هارون و قال صدق رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله ثمّ قال له مستمرة في كلّ سنة، فلما خرج ما مضى لحظات إلّاو قد مات و مضى سبيله. و نظير هذا كثير جدّاً.

و العجب أنّ الحريص قد لايكون محباً للدّنيا بمعناها العام و لكنّه حريص فيها، فلهذا ليس ما اشتهر من علماء علم الأخلاق من عدّ الحريص من مصاديق محبّ الدّنيا بسديد، لانّه ربما نرى غير المهتمّ بالدنيا بمعناها العام أو غير القادر على الاهتمام بها يكون حريصاً فيها فالحريص حريص في جمع المال و لو لم يقدر على حفظه، و الحريص حريص في ملكه و رياسته و لو لم يقدر على حفظها، و قس على ذلك و التجربة اثبتت ذلك حيث يُرى أنّ الحريص يكون كالنملة، و الحرص واد من أودية جهنم:

قال الصادق عليه السلام: «إِنَّ فِيمَا نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ يَسِيلَانِ ذَهَباً وَ فِضَّةً لَابْتَغَى إِلَيْهِمَا ثَالِثاً يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّمَا بَطْنُك بَحْرٌ مِنَ الْبُحُورِ وَ وَادٍ مِنَ الْأَوْدِيَةِ لَا يَمْلَأُهُ شَيْ‌ءٌ إِلَّا التُّرَابُ‌».(1)


1) . راجع: من لايحضره الفقيه، ج 4 ص 300.

رايت سائلاً بالكف، يسأل النّاس ملحّاً متذلّلاً، فحكى لي بعض من أثق به أنّ هذا السائل حينما حضره الموت كان يصرُّ على أنّ يُحضَر له برذعة حمار كان يركبه لمرض شللٍ أصاب رجليه فلما اُحضِرَ نظر إليه نظرة حاسر، فكرّر النّظر حتّى مات، فشقّوا البرذعة فوجدوها مملوءة من النقود، و نظيره كثير.

و تترتب على الحرص مفاسد عظيمة نذكر شطراً منها:

الاوّل: انّ الحريص محروم من الدّنيا و الآخرة ممنوعٌ عنهما و لو لم‌يكن الا كونه مطروداً غير معظّم عنداللّٰه ليكفى في شقاءه في الدّارين:

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «من اصبح و كان اكبر همّه الدّنيا فليس من اللّٰه في شيء و الزم اللّٰه قلبه اربع خصال، همّاً لاينقطع عنه ابداً و شغلاً لايفرغ عنه ابداً و فقراً لاينال غناه ابداً و املاً لايبلغ منتهاه ابداً».

و قال العارف الكامل الحجّة الميرزا جواد الملكى في المراقبات: لو لم يكن لشقاوته الا قوله صلى الله عليه و آله فليس من اللّٰه في شيءٍ‌، ليكفيه شقاوةً‌.

وللّٰه درّه حيث إنّ القرآن لم يستعمل هذه الجملة الا في اتخاذ المؤمنين الكّفار أولياء، و بعبارةٍ أخرى جعلهم بطانة:

قال اللّٰه تعالى: (لاٰ يَتَّخِذِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَللّٰهِ فِي شَيْ‌ءٍ إِلاّٰ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللّٰهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اَللّٰهِ اَلْمَصِيرُ)(1).

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا بِطٰانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاٰ يَأْلُونَكُمْ خَبٰالاً


1) . آل عمران، 28.

وَدُّوا مٰا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ اَلْبَغْضٰاءُ مِنْ أَفْوٰاهِهِمْ وَ مٰا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ).(1)

و لمّا كان ذلك من اعظم الكبائر - حيث يؤدّى إلى وقوع الاسلام في المخاطرة و ضعف الدّول الاسلاميّة و بطلان استقلالهم - استعمل اللّٰه تعالى هذه الجملة «فليس من اللّٰه في شيءٍ‌» في مقام الاخبار عن تلك الكبيرة العظمى.

فيفهم ممّا قاله الرسول في الحريص، ان الحرص رذيلة موبقة موجبة لشقاء الدّارين.

الثانى: انّ الحريص لايزال مهموماً، مغموماً، مضطرباً، خأئفاً، لانّه لن يصل إلى مطلوبه أبداً، فالغمّ و الحرمان يلازمانه كما اخبر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله في ما رويناه آنفاً «همّاً لاينقطع عنه ابداً» و بعبارةٍ أخرى ليس له الأمن النفسى، و الحالة هذه اسوء الحالات و هي حالة اهل النار:

قال اللّٰه تعالى: (كُلَّمٰا أَرٰادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهٰا أُعِيدُوا فِيهٰا).(2)

كما انّ الأمن النفسى حالة اهل الجنّة و هي من احسن النعم، بل لا نعمة احسن منها:

قال اللّٰه تعالى: (وَ قٰالُوا اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ اَلَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا اَلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنٰا لَغَفُورٌ شَكُورٌ).(3)

و هي صفة اولياء اللّٰه تعالى في هذه الدّنيا فضلاً عن الاخرة:


1) . آل عمران، 118.

2) . الحج، 22.

3) . فاطر، 34.

قال اللّٰه تعالى: (أَلاٰ إِنَّ أَوْلِيٰاءَ اَللّٰهِ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ‌).(1)

كما يشهد القرآن الكريم في آيات عديدة، بان الهمّ و الوحشة و عدم الأمن النفسى تلازم الكفّار و الفجّار:

قال اللّٰه تعالى: (وَ لاٰ يَزٰالُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمٰا صَنَعُوا قٰارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دٰارِهِمْ‌).(2)

و كانّه من سنن اللّٰه تعالى ان يلازم الأمن النفسى المؤمن، و عدمه الكافر الفاجر:

قال اللّٰه تعالى: (فَأَيُّ اَلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولٰئِكَ لَهُمُ اَلْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ‌).(3)

الثالث: الحريص قلبه مشغولٌ بهذه الدّنيا الدّنيّة دَوماً، فهو غافل عن آخرته و سعادته و بارئه فهو في نوم الغفلة حتّى ينتبه بالموت:

قال اللّٰه تعالى: (أَلْهٰاكُمُ اَلتَّكٰاثُرُ * حَتّٰى زُرْتُمُ اَلْمَقٰابِرَ).(4)

و قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «النَّاسُ نِيَامٌ فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا».(5)

و إلى هذه الحالة، اشار رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله في الرواية الاخيرة أيضاً حيث قال: «و شغلاً لا يفرغ عنه ابداً» و هو صلى الله عليه و آله شبّهه في رواية أخرى بدودة القزّ و قد احسن


1) . يونس، 62.

2) . الرّعد، 31.

3) . الانعام، 8182.

4) . التكاثر، 12.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 50 ص 134.

الإمام أبوجعفر محمّد الباقر عليه السلام في هذا التشبيه:

قال: «قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع مَثَلُ الْحَرِيصِ عَلَى الدُّنْيَا مَثَلُ دُودَةِ الْقَزِّ كُلَّمَا ازْدَادَتْ مِنَ الْقَزِّ عَلَى نَفْسِهَا لَفّاً كَانَ أَبْعَدَ لَهَا مِنَ الْخُرُوجِ حَتَّى تَمُوتَ غَمًّا».(1)

الرّابع: أنّ الحرص فقرٌ، و الحريص فقير و لو كان ثريّاً غنياً و له مكنةٌ فوق ما للآخرين من المكنة

الخامس: الحريص طويل الأمل، و طول الأمل ممّا يخاف منه جداً. و لهذا قد ورد الانذار من هذه الرذيلة فيما رُوى عن الرسول و اهل بيته عليهم السلام حيث قالوا: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ خَلَّتَانِ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَل».(2)

و ربما سمعنا و رأينا انّ طول الامل يُخيّل لصاحبه الشعرَ كأنّه جبلٌ‌!، و يخيّل له أنّه يمكنه أن يقعد على رأس هذا الجبل الخيالى تفاخراً! و كأنّ التفاخر و التخيّل و الوساوس الفكرية يلازم طول الامل. و سيأتى زيادة توضيح لذلك و بهذه النقمة أيضاً اشار رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله في الرواية الشريفة حيث قال: «و املاً لايبلغ منتهاه ابداً».

السادس: انّ الحريص يكون متشتّت الأمر ضيّق المعيشة و يظهر من بعض الروايات ان اللّٰه يشتِّت أمره و باله، فكل أمر يريده يواجه الخذلان و عدم التّوفيق:

قال أبو عبداللّٰه عليه السلام: «مَنْ أَصْبَحَ وَ أَمْسَى وَ الدُّنْيَا أَكْبَرُ هَمِّهِ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْفَقْرَ


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 316.

2) . راجع: الكافي، ج 8 ص 58.

بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَ شَتَّتَ أَمْرَهُ‌».(1)

و السر في ذلك ان الحريص معرض عن ذكر اللّٰه تعالى و من اعرض عن ذكر اللّٰه فهو كذلك:

قال اللّٰه تعالى: (وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً).(2)

و نحن ذكرنا في القناعة فضائل للقانع و اضداد تلك الفضائل كلّها ثابتةٌ للحريص، لان القناعة و الحرص ضدان، كما مضى في تعريفها فما ثبت لأحدهما، مسلوبٌ عن الآخر، فكلّ ما يكون للقناعة من الفضائل مسلوبٌ عن الحرص، بل أضدادها ثابتةٌ له.

توضيح ذلك:

1 - ان القانع مقتصد، فالحريص مفرط.

2 - ان القانع ليس بمترف، فالحريص مترف.

3 - ان القانع ليس له هوىً‌، فالحريص له الهوى.

4 - ان القانع مطمئن القلب، فالحريص خائفٌ مضطرب البال.

5 - ان القانع يثق باللّٰه تعالى و بوعده، فالحريص واثقٌ بالشيطان و بوعده ( الشّيطان يعدكم الفقر)(3)

6 - ان القانع لم‌يسأل احداً سؤال ذلّة، فالحريص يكون السؤال شعاره و الذلّ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2، ص 319.

2) . طه، 124.

3) . البقرة، 268.

لباسه.

7 - ان القانع سيرته سيرة الإنسان الكامل، فالحريص سيرته سيرة الحيوانات في تنحية غرائزه.

8 - ان القانع هو الغنى إذ القناعة هي الغنى الحاضر، فالحريص هو الفقير، لان الحرص هو الفقر الحاضر.

9 - ان القانع يسلم من خطر الطغيان فالحريص في ذلك المخاطرة دائماً.

10 - ان القانع تحفظه القناعة كأنّها سدّ وثيقٌ من الانحراف، فالحريص في خطر الانحرافات دائماً فهو في واد من السقر حتّى يصل إلى السقر الموعود.

فهذا عشرة افات و اثرات، فاذا ضمّت اليها تلك الستة تحصل ستّ عشرة آفةً‌، نعم بعض تلك الآفات قريب المخرج من بعض، بل بين بعضها مع بعضٍ نحوٌ من الاتّحاد فتامل.

و يظهر من رواية مصباح الشريعة افات و تبعات أُخر و لما كانت الرواية نوراً و هي من غرر الأحاديث فنذكرها بتمامها ثمّ نعدّ لك آفاتٍ و تبعاتٍ تُستفاد منها.

قال الصادق عليه السلام: «لَا تَحْرِصْ عَلَى شَيْ‌ءٍ لَوْ تَرَكْتَهُ لَوَصَلَ إِلَيْك وَ كُنْتَ عِنْدَ اللَّهِ مُسْتَرِيحاً مَحْمُوداً بِتَرْكِهِ وَ مَذْمُوماً بِاسْتِعْجَالِك فِي طَلَبِهِ وَ تَرْك التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَ الرِّضَا بِالْقِسْمِ فَإِنَّ الدُّنْيَا خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِمَنْزِلَةِ ظِلِّك إِنْ طَلِبْتَهُ أَتْعَبَك وَ لَا تَلْحَقْهُ أَبَداً وَ إِنْ تَرَكْتَهُ تَبِعَك وَ أَنْتَ مُسْتَرِيحٌ‌

وَ قَالَ النَّبِيُّ ص الْحَرِيصُ مَحْرُومٌ وَ هُوَ مَعَ حِرْمَانِهِ مَذْمُومٌ فِي أَيِّ شَيْ‌ءٍ كَانَ وَ كَيْفَ لَا يَكُونُ مَحْرُوماً وَ قَدْ فَرَّ مِنْ وَثَاقِ اللَّهِ وَ خَالَفَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَيْثُ يَقُولُ‌

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ وَ الْحَرِيصُ بَيْنَ سَبْعِ آفَاتٍ صَعْبَةٍ فِكْرٍ يَضُرُّ بَدَنَهُ وَ لَا يَنْفَعُهُ وَ هَمٍّ لَا يَتِمُّ لَهُ أَقْصَاهُ وَ تَعَبٍ لَا يَسْتَرِيحُ مِنْهُ إِلَّا عِنْدَ الْمَوْتِ وَ يَكُونُ عِنْدَ الرَّاحَةِ أَشَدَّ تَعَباً وَ خَوْفٍ لَا يُورِثُهُ إِلَّا الْوُقُوعَ فِيهِ وَ حُزْنٍ قَدْ كَدِرَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ بِلَا فَائِدَةٍ وَ حِسَابٍ لَا يُخَلِّصُهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ وَ عِقَابٍ لَا مَفَرَّ لَهُ مِنْهُ وَ لَا حِيلَةَ وَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ يُمْسِي وَ يُصْبِحُ فِي كَنَفِهِ وَ هُوَ مِنْهُ فِي عَافِيَةٍ وَ قَدْ عَجَّلَ لَهُ كِفَايَتَهُ وَ هُيِّئَ لَهُ مِنَ الدَّرَجَاتِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ وَ الْحِرْصُ مَا يَجْرِي فِي مَنَافِذِ غَضَبِ اللَّهِ وَ مَا لَمْ يُحْرَمِ الْعَبْدُ الْيَقِينَ لَا يَكُونُحَرِيصاً وَ الْيَقِينُ أَرْضُ الْإِسْلَامِ وَ سَمَاءُ الْإِيمَانِ‌»(1).

تظهر من هذه الرواية الشريفة تبعات موبقة و اثرات هالكة.

1 - كون الحريص مذموماً عنداللّٰه.

2 - كون الحرص على خلاف التوكل.

3 - كون الحرص منافياً للرضا.

4 - كون الحريص عبيد الدّنيا و تابعاً لها كتبعيّة الظلّ الإنسان.

5 - كون الحريص محروماً من فيض الربّ تعالى.

6 - كون الحريص فارّاً من وثاق اللّٰه تعالى.

7 - كون الحريص مخالفاً القرآن عملاً.

8 - كون فكر الحريص مضرّاً بدينه.

9 - كون الحريص مهموماً دائماً و لا نهاية لهمّه.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 165.

10 - كون الحريص دائماً في تعب و مشقة حتّى أنّ يموت.

11 - كون الحريص خائفاً دائماً و هو يقع فيما يخاف منه.

12 - كون حرص الحريص موجبا لكدورة عيشه.

13 - كون حساب الحريص يوم القيامة عسراً، يترتب عليه العذاب، فهو من اهل السقر إلّاان يعفو اللّٰه تعالى عنه.

14 - كون الحريص له عذاب لا محيص عنه، لان الحرص في الدّنيا لاينفك عن المحرّمات و الشبهات إلّالمن يعينه اللّٰه تعالى.

15 - كون الحريص في غضب اللّٰه تعالى كالماء النافذ في المنافذ.

و لو لم‌يكن للحريص شيء إلّاهذه التبعة ليكفيه خسارةً و خذلاناً و شقاءً‌، نعوذ باللّٰه من غضبه، فويل لمن غضب اللّٰه عليه و لو طرفة عينٍ‌، و كان من دعاء الرسول صلى الله عليه و آله سيما عند مظان الاستجابة: اللّهم لا تكلنى إلى نفسى طرفة عين ابداً.

16 - كون الحريص غير مؤمن و لاموقن، و إلّافايمانه و يقينه سدّ لحرصه. و هذا هو المهمّ‌، بل الاهمّ‌، و هو الّذي ذيّلنا به مبحث القناعة، و قلنا ان الايمان القلبى سدّ وثيقٌ من الانحرافات، فالصادق عليه السلام قال في مختتم الحديث: ان الايمان القلبى، و هو اليقين، يحفظ الإنسان من الفتن، و من تلك الفتن الحرص، و ما لم يحرم العبد من اليقين، لايكون حريصا و اليقين ارض الاسلام و سماء الايمان.

فاضمم هذه التبعات إلى ما مرّ، تصل إلى اثنين و ثلاثين، و ان كان لوتأمّلت بعضها يرجع إلى بعض، بل بعضها عين الآخر.

فتلخّص ممّا ذكرنا ان الحرص رذيلة موجبة للذلّة في الدّنيا و الاخرة، و ان

الحريص مهانٌ عنداللّٰه و عند الناس، و هو يلطم و يلبخ على ذاتيّته و هويّته دائما ضربات شديدة، و ينقض شرفه و كرامته و عرضه عنداللّٰه و عند الناس و يوجب الوهن لا هله و عياله عاجلاً و آجلاً، و يسقط في الذنوب سقوط الاعمى في البئر و يقع في الهلكات من حيث لا يعلم.

و ما لا بدّ من ان يتذكر به الحريص، ان الحرص يلازم رذائل اخر، و انفكاكه عنها في غاية الصعوبة، و لو عزم على الانفكاك عنها سيقع فيها غفلةً‌، و من تلك الرذائل حبّ الدّنيا بمعناه العام، من الشهوة الجنسيّة و شهوة الرئاسة و المال و القدرة و نحو ذلك.

و من تلك الرذائل، الوقاحة، بمعنى رفع الحياء عنه، لان الحرص و الحياء ضرّتان، لايمكن أنّ يجتمعا عادة.

و من تلك الرذائل الجرئة على ارتكاب المعاصى حتّى بالنسبة إلى اموال الناس بل اعراضهم و انفسهم. فربما يُشاهد ما يرتكبه الحريص من الكبائر العظيمة حتّى نرى ان الكفر سهل عنده فضلاً عن الموبقات الأُخر.

و من تلك الرذائل، الطمع الّذي هو رذيلةٌ تترتب عليه رذائل أخرى و سياتى البحث عنه انشاءاللّٰه.

و من تلك الرذائل المكر و الحيلة و الخدعة و هي من عمل الشّيطان و يلزمه النفاق، فالحريص يلازم النفاق ايضاً.

و من تلك الرذائل، التهوّر و الجبن، لان الحريص متهوّر لتنحية الغرائز من جهة، و من جهة أخرى جبان خائفٌ ممّا يفوت ممّا يشتهيه.

و من تلك الرذائل دنائة الهمّة، فلا غيرة له و لا حمية، فالحريص دنى همة و طبعاً.

فربما نرى ان الحريص يفعل لتنحية غرائزه ما لايفعل أراذل الناس مع كونه بحسب العلم في غاية العلو و الشرافة.

و من تلك الرذائل حرمانه من التوبة، لان الحريص لايقدر عليها إلّاان يكفّ عن حرصه لانه كلّما تاب عن ذنبه الاذي ّوقعه الحرص فيه، يقع في ذلك الذنب أو ذنب آخر، فهو دائماً في مخالفة اللّٰه تعالى و على قول الإمام الصادق عليه السلام انه دائماً في غضب اللّٰه و سخطه تعالى، فالكفران و عدم الرضا و التسليم يلازم الحرص و لايمكن ان يكون الحريص شاكراً راضيا تسليماً للّٰه‌تعالى.

و من تلك الرذائل العجلة، لان الحرص و العجلة قرينان، كفران الخف مع قرينه، و العجلة من عمل الشيطان و وساوسه، فالحريص أيضاً قرينٌ للشيطان.

فهذه عشرة كاملة، و لكنّها نبذة ممّا يلازم الحرص، و انت تستطيع ان تضمّ اليها ملازمات اخرى. و لنختم البحث بروايات حتّى يكون ختامه مسكاً.

رواياتٌ في الحرص

عَنِ الصَّادِقِ ع إِنْ كَانَ الرِّزْقُ مَقْسُوماً فَالْحِرْصُ لِمَا ذَا؟(1)

عَنِ الصَّادِقِ ع قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ص أَغْنَى النَّاسِ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحِرْصِ أَسِيرًا.(2)

عَنِ الصَّادِقِ ع نَاقِلًا عَنْ حَكِيمٍ الْحَرِيصِ الْجَشِعُ أَشَدُّ حَرارَةً مِنَ النَّارِ.(3)

سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع أَيُّ ذُلٍ أَذَلُ قَالَ الْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا.(4)

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ‌: مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ مَنْهُومُ عِلْمٍ وَ مَنْهُومُ مَالٍ‌.(5)

أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: حُرِمَ الْحَرِيصُ خَصْلَتَيْنِ وَ لَزِمَتْهُ خَصْلَتَانِ حُرِمَ الْقَنَاعَةَ فَافْتَقَدَ الرَّاحَةَ وَ حُرِمَ الرِّضَا فَافْتَقَدَ الْيَقِينَ‌.(6)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 160.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 160.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 160.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 160.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 160.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 160.

النّبىّ صلى الله عليه و آله قال: يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَ يَشِبُّ مِنْهُ اثْنَانِ الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ وَ الْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ.(1)

عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ‌: يَهْلِك أَوْ قَالَ يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَ يَبْقَى مِنْهُ اثْنَتَانِ الْحِرْصُ وَ الْأَمَلُ‌.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ ع قَالَ‌: لَا يُؤْمِنُ رَجُلٌ فِيهِ الشُّحُ وَ الْحَسَدُ وَ الْجُبْن وَ لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَاناً وَ لَا حَرِيصاً وَ لَا شَحِيحًا.(3)

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: كَانَ فِيمَا أَوْصَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ص عَلِيّاً ع يَا عَلِيُّ أَنْهَاك عَنْ ثَلَاثِ خِصَالٍ عِظَامٍ الْحَسَدِ وَ الْحِرْصِ وَ الْكَذِبِ‌.(4)

عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مِنْ عَلَامَاتِ الشَّقَاءِ جُمُودُ الْعَيْنِ وَ قَسْوَةُ الْقَلْبِ وَ شِدَّةُ الْحِرْصِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ وَ الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ‌.(5)

عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع قَالَ‌: إِظْهَارُ الْحِرْصِ يُورِثُ الْفَقْرَ.(6)

عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع قَالَ‌: الْحِرْصُ مَفْقَرَةٌ‌.(7)

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص اعْلَمْ يَا عَلِيُّ أَنَّ الْجُبْنَ وَ الْبُخْلَ وَ الْحِرْصَ غَرِيزَةٌ وَاحِدَةٌ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 160.

2) . بحار الانور، ج 70 ص 160.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 160.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 160.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 160.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 30 ص 160.

7) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 160.

يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ‌.(1)

فِيمَا سَأَلَ عَنْهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ابْنَهُ الْحَسَنَ ع أَنَّهُ قَالَ لَهُ مَا الْفَقْرُ قَالَ الْحِرْصُ وَ الشَّرَهُ‌.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: لَمَّا هَبَطَ نُوحٌ ع مِنَ السَّفِينَةِ أَتَاهُ إِبْلِيسُ فَقَالَ لَهُ مَا فِي الْأَرْضِ رَجُلٌ أَعْظَمَ مِنْهُ عَلَيَّ مِنْك دَعَوْتَ اللَّهَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْفُسَّاقِ فَأَرَحْتَنِي مِنْهُمْ أَ لَا أُعَلِّمُك خَصْلَتَيْنِ إِيَّاك وَ الْحَسَدَ فَهُوَ الَّذِي عَمِلَ بِي مَا عَمِلَ وَ إِيَّاك وَ الْحِرْصَ فَهُوَ الَّذِي عَمِلَ بِآدَمَ مَا عَمِلَ‌.(3)

قَالَ الصَّادِقُ ع لَا تَحْرِصْ عَلَى شَيْ‌ءٍ لَوْ تَرَكْتَهُ لَوَصَلَ إِلَيْك وَ كُنْتَ عِنْدَ اللَّهِ مُسْتَرِيحاً مَحْمُوداً بِتَرْكِهِ وَ مَذْمُوماً بِاسْتِعْجَالِك فِي طَلَبِهِ وَ تَرْك التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَ الرِّضَا بِالْقِسْمِ فَإِنَّ الدُّنْيَا خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِمَنْزِلَةِ ظِلِّك إِنْ طَلِبْتَهُ أَتْعَبَك وَ لَا تَلْحَقْهُ أَبَداً وَ إِنْ تَرَكْتَهُ تَبِعَك وَ أَنْتَ مُسْتَرِيحٌ‌. - وَ قَالَ النَّبِيُّ ص الْحَرِيصُ مَحْرُومٌ وَ هُوَ مَعَ حِرْمَانِهِ مَذْمُومٌ فِي أَيِّ شَيْ‌ءٍ كَانَ وَ كَيْفَ لَا يَكُونُ مَحْرُوماً وَ قَدْ فَرَّ مِنْ وَثَاقِ اللَّهِ وَ خَالَفَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَيْثُ يَقُولُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ وَ الْحَرِيصُ بَيْنَ سَبْعِ آفَاتٍ صَعْبَةٍ فِكْرٍ يَضُرُّ بَدَنَهُ وَ لَا يَنْفَعُهُ وَ هَمٍّ لَا يَتِمُّ لَهُ أَقْصَاهُ وَ تَعَبٍ لَا يَسْتَرِيحُ مِنْهُ إِلَّا عِنْدَ الْمَوْتِ وَ يَكُونُ عِنْدَ الرَّاحَةِ أَشَدَّ تَعَباً وَ خَوْفٍ لَا يُورِثُهُ إِلَّا الْوُقُوعَ فِيهِ وَ حُزْنٍ قَدْ كَدِرَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ بِلَا فَائِدَةٍ وَ حِسَابٍ لَا يُخَلِّصُهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِلَّا


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 160.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 160.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 163.

أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ وَ عِقَابٍ لَا مَفَرَّ لَهُ مِنْهُ وَ لَا حِيلَةَ وَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللَّهِ يُمْسِي وَ يُصْبِحُ فِي كَنَفِهِ وَ هُوَ مِنْهُ فِي عَافِيَةٍ وَ قَدْ عَجَّلَ لَهُ كِفَايَتَهُ وَ هُيِّئَ لَهُ مِنَ الدَّرَجَاتِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ وَ الْحِرْصُ مَا يَجْرِي فِي مَنَافِذِ غَضَبِ اللَّهِ وَ مَا لَمْ يُحْرَمِ الْعَبْدُ الْيَقِينَ لَا يَكُونُ حَرِيصاً وَ الْيَقِينُ أَرْضُ الْإِسْلَامِ وَ سَمَاءُ الْإِيمَانِ‌».(1)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: كَمْ مِنْ أَكْلَةٍ تَمْنَعُ أَكَلَاتٍ‌.(2)

كنز الكراجكى: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ فِي كُلِّ يَوْمٍ تُؤْتَى بِرِزْقِك وَ أَنْتَ تَحْزَنُ وَ يَنْقُصُ مِنْ عُمُرِك وَ أَنْتَ لَا تَحْزَنُ تَطْلُبُ مَا يُطْغِيك وَ عِنْدَك مَا يَكْفِيك.

وَ رُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع عَنِ الْحِرْصِ مَا هُوَ قَالَ هُوَ طَلَبُ الْقَلِيلِ بِإِضَاعَةِ الْكَثِيرِ.(3)

1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 165.

2) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 171.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 167.

الفصل الثَّامن‌عشر

اشارة

الفضيلة التاسعة عشرة: الاستغناء

الرّذيلة الحادية و العشرون: الطمع

الفضيلة التاسعة عشرة: الاستغناء عن الناس

اشارة

و هي غنى النفس، و بهذا عرّفها رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله حيث قال: لَيْسَ الْغِنَى مِنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَ لَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ‌.(1)

و هي عنداللّٰه عظيمة القدر حتّى أنّ المستغنى عمّا في أيدى الناس تستجاب دعوته، و قد ورد في روايات مستفيضة ان المستغنى عن الناس لايسئل اللّٰه الا اعطاه، و من تلك الروايات

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ لَا يَسْأَلَ رَبَّهُ شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاهُ فَلْيَيْأَسْ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ وَ لَا يَكُونُ لَهُ رَجَاءٌ إِلَّا عِنْدَ اللَّهِ فَإِذَا عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ذَلِك مِنْ قَلْبِهِ لَمْ‌

1) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 162.

يَسْأَلِ اللَّهَ شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاهُ‌.(1)

و قد ورد ما يدلّ على ان الخير كله مخبوءٌ تحت هذه الصفة الكريمه.

عن على بن الحسين صلوات اللّٰه عليهما قال: رَأَيْتُ الْخَيْرَ كُلَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ فِي قَطْعِ الطَّمَعِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ‌.(2)

و روايات مستفيضة أخرى تدلّ على أن عزّ المؤمن في استغنائه عن الناس، منها:

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: شَرَفُ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ وَ عِزُّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ‌.(3)

و القرآن اهتمّ بذلك حيث عرّف الفقير المؤمن بانه لايسئل بالكفّ الحافاً فهو مستغنٍ عمّا في ايديهم، فيحسب الجاهل بحاله انه غنى ثمّ أوصى بالانفاق له.

قال اللّٰه تعالى: (يَحْسَبُهُمُ اَلْجٰاهِلُ أَغْنِيٰاءَ مِنَ اَلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمٰاهُمْ لاٰ يَسْئَلُونَ اَلنّٰاسَ إِلْحٰافاً)(4)

و الانصاف ان هذه الفضيلة فضيلة عالية، سيما للمعدم، و كمال لاكمال فوقه، بل انه كلّ الكمال.

و لها مراتب ضعفاً و شدة.

فالمرتبة الاولى منها هي الاستغناء عن شرار الناس من السفهاء و الحمقاء و الاراذل و نحوهم سيما عمّن يمنّ عليه، و على حدّ تعبير القرآن من يبطل عمله بالمنّ و


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 148.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 148.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 148.

4) . البقرة، 273.

الاذى.

و في الادعية المعصوميّة سؤال اللّٰه الايمان و العافية و الغنى عن شرار الناس، فيفهم منها ان الاستغناء عن الناس و الغناء عن شرارهم هامٌّ ذو مكانةٍ بحيث يتلو تلو الايمان و العافية، إليك هذه الدعاء: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك الْأَمْنَ وَ الْإِيمَانَ بِك وَ التَّصْدِيقَ بِنَبِيِّك وَ الْعَافِيَةَ مِنْ جَمِيعِ الْبَلَاءِ وَ الشُّكْرَ عَلَى الْعَافِيَةِ وَ الْغِنَى عَنْ شِرَارِ النَّاسِ‌(1).

و المرتبة المتوسطة منها هي الاستغناء عن عامّة الناس، فهذا كمال و نعمة من نعم اللّٰه.

و هذه المرتبة هي محطّ الكلام، إذ الإنسان سيّما المؤمن عزيز، و لايجوز له أنّ يبادل عزّه بما في ايدى الناس، بل على حدّ تعبير الرسول صلى الله عليه و آله: لايبالى من أكل الدّنيا.(2)

و من لايستغنى عمّا في ايدى الناس فهو اسيرهم، و للناس إمرةٌ عليه، سيّما عند الاحسان إليه.

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: «وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ع تَفَضَّلْ عَلَى مَنْ شِئْتَ فَأَنْتَ أَمِيرُهُ وَ اسْتَغْنِ عَمَّنْ شِئْتَ فَأَنْتَ نَظِيرُهُ وَ افْتَقِرْ إِلَى مَنْ شِئْتَ فَأَنْتَ أَسِيرُهُ‌».(3)

و لابد ان نتذكر هنا، ان الإنسان مدنى بالطبع، فيحتاج بعض الناس إلى بعض.

قال اللّٰه تعالى: (أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنٰا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا)(4).


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 587.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 128.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 169.

4) . الزخرف، 32.

فرفع اللّٰه بعض الناس في كمالٍ‌، و رفع بعضهم في كمال آخر، و ثالثاً في غيره و هكذا فكلّ مرفوعٌ من اللّٰه من جهة و موضوعٌ من جهة اخرى، ليتخذ بعضهم بعضا لرفع الحوائج سخريا، و هذا من سنة اللّٰه تعالى و نعمه الخفية. فكما ان الفقر في ذات الامكان ضرورىٌ فكذلك الحاجة في العيش، فهذا أمر ضرورى لا شبهة فيه، و لكن هذا لاينافي الاستغناء عنهم بمعنى ان تكون نفس الإنسان و طبعه غنيّاً غير متوقّع و لا مائلٍ إلى نعمهم، و لايرضى ان يقضى حوائجه بدلاً عن عزّه و شرفه فكلّما يتوقّف رفع حوائجه على استبدال العزّ و الشرف فهو يفرّ من ذلك فرار الغنم من الذئب، و كلّما لم يكن كذلك، يسعى في رفع حوائجه، و الفرد الشايع من ذلك هو المعاملات المتداولة بين الناس، عوضاً، لا بالمجّان و اكراميًّا و بذلك كلّه اشار اميرالمؤمنين عليه السلام.

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ص يَقُولُ لِيَجْتَمِعْ فِي قَلْبِك الِافْتِقَارُ إِلَى النَّاسِ وَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُمْ فَيَكُونَ افْتِقَارُك إِلَيْهِمْ فِي لِينِ كَلَامِك وَ حُسْنِ بِشْرِك وَ يَكُونَ اسْتِغْنَاؤُك عَنْهُمْ فِي نَزَاهَةِ عِرْضِك وَ بَقَاءِ عِزِّكَ‌.(1)

و المرتبة العليا من الاستغناء، هي الاستغناء عن ذوى الانساب و الاحساب و عن الاشراف، أو فقل عن ذوى النعم، و بهذه المرتبة اشار اميرالمؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة.

قال عليه السلام: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَك وَ بَيْنَ اللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَل.(2)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 149.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 228.

حُكى انه سئل الحاتم الطائى، هل رايت احداً اسخى منك‌؟ قال: نعم، رايت في البر من احتطب فقلت له لِمَ لم تذهب إلى الحاتم حتّى يستغنيك عن الاحتطاب‌؟ قال:

تحمّل الاذى من الاحتطاب خير من ذلك. وللّٰه درّ من أنشد بالفارسية:

هر كه نان از عمل خويش خورد *** منت حاتم طائى نبرد

روى ان جبرئيل لمّا رأى ابراهيم عليه السلام في النار قال له: يا إبراهيم، هل لك إلي من حاجة‌؟ فقال إبراهيم) عليه السلام (أما إليك فلا، و أما إلى رب العالمين فنعم.(1)

و التجربة فضلاً عن الروايات و السير، دلّت على أن من استغنى عن الناس فهو حاكم على قلوبهم حتّى قلوب الامراء و الشرفاء و العلماء و انه وجيه ذومكانة عندهم، فمن أراد عزّاً بلا عشيرة و هيبة بلا سلطنة و وجاهة بلا علم و شوكة بلا مال و قدرة بلا عدّة فليخرج من ذلّ الطمع إلى الاستغناء عن الناس، فمن اعطاه اللّٰه هذه الفضيلة فقد اعطاه خيراً جسيما فعليه الشكر كثيراً.

و هذه الفضيلة تلازم فضائل كثيرة، و يترتب عليها حسنات وافرة، كسائر الفضائل. و لكن ينبغى ان نذكر، ان التوكل، و هو الافتقار إلى اللّٰه تعالى و الرجاء منه دون الخلق، و الثّقة بالنفس و هو الاستقلال و عدم التدلى إلى الغير يُعدّان من اللوازم القريبة غير المنفكّة عن هذه الفضيلة، فمن استغنى عن الناس افتقر إلى اللّٰه و اعتمد في اموره على نفسه و هما فضيلتان من معاليها، و لم يصل و لايصل انسان إلى مقاصده الدنياوية و الأخروية الا بالثقة بالنفس و التوكل على اللّٰه تعالى، فكانّهما جناحان بهما يطير الإنسان إلى مطلوبه، و لايمكن الوصول إليه بدونهما كما لايمكن


1) . راجع: البرهان، ج 4 ص 62.

للطّائر أنّ يطير بدون الجناحين. و يتوقف تحصيل الفضيلتين على الاستغناء عن الناس و يلازم كلّ الآخر.

فلذا أُمِرنا في القرآن كراراً بالاستغناء عن الناس، ثمّ التوكل و الثّقة بالنفس و العزم و الجزم و العمل، و من الايات الّتي أمرت بالاستغناء عن الناس، و نهت عن النظر إلى ما في ايدى الناس، قوله تعالى: // (و لاتمدّنّ عينيك إلى ما متّعنا به ازواجاً منهم زهرة الحيوة الدّنيا لنفتنهم فيه و رزق ربّك خير و ابقى) //(1)

و عن الصادق عليه السلام: لمّا نزلت هذه الآية استوى رسول اللّه جالساً ثم قال من لم يتعزّ بعزاء اللّه تقطّعت نفسه على الدّنيا حسرات و من أتبع بصره ما في ايدي الناس طال همّه و لم يشف غيظه و من لم يعرف ان للّه عليه نعمة الّا في مطعم و مشرب قصر اجله و دنا عذابه.(2)

و من الآيات الاتي ّمرت بالتوكّل ثمّ العزم و العمل، قوله تعالى: (وَ شٰاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ فَإِذٰا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّٰهِ‌)(3).

و ليس التوكّل توكّلاً إلا إذا اقترن بالعزم و العمل و الثقة بالنفس، كما ان العزم و الثقة بلا توكّل يكون ابترا غير منتجٍّ‌.

روى أنَّه رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ص قَوْماً لَا يَزْرَعُونَ قَالَ مَا أَنْتُمْ قَالُوا نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ قَالَ لَا


1) . طه، 131.

2) . راجع: تفسير الصافي، ذيل الآية 131 طه.

3) . آل عمران، 159.

بَلْ أَنْتُمُ الْمُتَّكِلوُن.(1)

و قال صلى الله عليه و آله: كل امر ذي بال لم يذكر فيه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فهو أبتر.(2)

و هذا بحث طويل الذيل نأتى به مفصلاً في باب التوكّل انشاءاللّٰه.

و ما لابد لنا من أنّ نتذكّر ههنا، ان الاستغناء و الاعتماد و التوكل، يلازم كلّ الآخر، و كلّ سعادة في الدنيا و الاخرة معلّقٌ على تلك الثلاثة و ملازم لها.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ‌(3).

و للسيد الاستاذ في كتابه القيّم الميزان كلام جيّد يشهد لما ذكرنا.

قال: ان الظفر بالمراد يحتاج إلى اسباب طبيعيّة و اسباب روحية، و الإنسان إذا أراد الورود في أمر و هيّأ الاسباب الطبيعيّة فقد تختل الاسباب الروحيّة، كضعف الإرادة و الخوف و الشرة و السفه و سوء الظن و غير ذلك، فاذا توكّل على اللّٰه، قويت ارادته قوة لايغلبها شيءٌ‌، فكان نيلاً و سعادة، هذا خلاصة كلامه بتحريرٍ منّا.(4)

هذا من حيث تلازم الفضائل.

و اما من حيث ترتب التكليف، فالمؤمن عزيز و لايجوز له ان يذلّ نفسه.

قال اللّٰه تعالى: (وَ لِلّٰهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لٰكِنَّ اَلْمُنٰافِقِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ‌)(5).

و عن الصادق عليه السلام: إن الله عز و جل فوض إلى المؤمن أموره كلها، و لم يفوض

1) . راجع: مستدرك الوسائل، ج 11 ص 217.

2) . راجع: تفسير الصافي، ج 1، ذيل آية 1 الفاتحة.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 71 ص 151.

4) . راجع: الميزان، ج 4 ص 65.

5) . المنافقون، 8.

إليه أن يذل نفسه، ألم تسمع لقول الله عز و جل: وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ‌، فالمؤمن ينبغي أن يكون عزيزا و لا يكون ذليلًا.(1)

و ذُكر في القرآن و الروايات عقوبات عظيمة لمن يغفل عن هذه الفضيلة العظمى سيما للخواص و خواصّهم، و بعبارةٍ أخرى كلّ من كان ارفع درجة فعند الغفلة عن هذه الفضيلة يكون اعظم عقوبة.

فمن الايات قوله تعالى: (وَ قٰالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نٰاجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسٰاهُ اَلشَّيْطٰانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي اَلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ‌)(2)

و روى الطبرسى في المجمع مذيّلاً على الآية الشريفة انه «جاء جبرائيل (ع) فقال يا يوسف من جعلك أحسن الناس قال ربي قال فمن حببك إلى أبيك دون إخوانك قال ربي قال فمن ساق إليك السيارة قال ربي قال فمن صرف عنك الحجارة قال ربي قال فمن أنقذك من الجب قال ربي قال فمن صرف عنك كيد النسوة قال ربي قال فإن ربك يقول ما دعاك إلى أن تنزل حاجتك بمخلوق دوني البث في السجن بما قلت بضع سنين».(3)

و من الروايات رواية حسين بن علوان، قال: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ نَطْلُبُ فِيهِ الْعِلْمَ وَ قَدْ نَفِدَتْ نَفَقَتِي فِي بَعْضِ الْأَسْفَارِ فَقَالَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَنْ تُؤَمِّلُ لِمَا قَدْ نَزَلَ بِك فَقُلْتُ فُلَاناً فَقَالَ إِذاً وَ اللَّهِ لَا تُسْعَفُ حَاجَتُك وَ لَا يَبْلُغُك أَمَلُك وَ لَا تُنْجَحُ طَلِبَتُك قُلْتُ وَ مَا


1) . راجع: تفسير البرهان، ج 4 ص 339.

2) . يوسف، 42.

3) . راجع: تفسير مجمع البيان، ج 5 ص 359.

عَلَّمَك رَحِمَك اللَّهُ قَالَ إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع حَدَّثَنِي أَنَّهُ قَرَأَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَك وَ تَعَالَى يَقُولُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي وَ مَجْدِي وَ ارْتِفَاعِي عَلَى عَرْشِي لَأَقْطَعَنَّ أَمَلَ كُلِّ مُؤَمِّلٍ [مِنَ النَّاسِ‌] غَيْرِي بِالْيَأْسِ وَ لَأَكْسُوَنَّهُ ثَوْبَ الْمَذَلَّةِ عِنْدَ النَّاسِ وَ لَأُنَحِّيَنَّهُ مِنْ قُرْبِي وَ لَأُبَعِّدَنَّهُ مِنْ فَضْلِي أَ يُؤَمِّلُ غَيْرِي فِي الشَّدَائِدِ وَ الشَّدَائِدُ بِيَدِي وَ يَرْجُو غَيْرِي وَ يَقْرَعُ بِالْفِكْرِ بَابَ غَيْرِي وَ بِيَدِي مَفَاتِيحُ الْأَبْوَابِ وَ هِيَ مُغْلَقَةٌ وَ بَابِي مَفْتُوحٌ لِمَنْ دَعَانِي فَمَنْ ذَا الَّذِي أَمَّلَنِي لِنَوَائِبِهِ فَقَطَعْتُهُ دُونَهَا وَ مَنْ ذَا الَّذِي رَجَانِي لِعَظِيمَةٍ فَقَطَعْتُ رَجَاءَهُ مِنِّي جَعَلْتُ آمَالَ عِبَادِي عِنْدِي مَحْفُوظَةً فَلَمْ يَرْضَوْا بِحِفْظِي وَ مَلَأْتُ سَمَاوَاتِي مِمَّنْ لَا يَمَلُّ مِنْ تَسْبِيحِي وَ أَمَرْتُهُمْ أَنْ لَا يُغْلِقُوا الْأَبْوَابَ بَيْنِي وَ بَيْنَ عِبَادِي فَلَمْ يَثِقُوا بِقَوْلِي أَ لَمْ يَعْلَمْ [أَنَ‌] مَنْ طَرَقَتْهُ نَائِبَةٌ مِنْ نَوَائِبِي أَنَّهُ لَا يَمْلِك كَشْفَهَا أَحَدٌ غَيْرِي إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِي - فَمَا لِي أَرَاهُ لَاهِياً عَنِّي أَعْطَيْتُهُ بِجُودِي مَا لَمْ يَسْأَلْنِي ثُمَّ انْتَزَعْتُهُ عَنْهُ فَلَمْ يَسْأَلْنِي رَدَّهُ وَ سَأَلَ غَيْرِي أَ فَيَرَانِي أَبْدَأُ بِالْعَطَاءِ قَبْلَ الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ أُسْأَلُ فَلَا أُجِيبُ سَائِلِي أَ بَخِيلٌ أَنَا فَيُبَخِّلُنِي عَبْدِي أَ وَ لَيْسَ الْجُودُ وَ الْكَرَمُ لِي أَ وَ لَيْسَ الْعَفْوُ وَ الرَّحْمَةُ بِيَدِي أَ وَ لَيْسَ أَنَا مَحَلَّ الآْمَالِ فَمَنْ يَقْطَعُهَا دُونِي أَ فَلَا يَخْشَى الْمُؤَمِّلُونَ أَنْ يُؤَمِّلُوا غَيْرِي فَلَوْ أَنَّ أَهْلَ سَمَاوَاتِي وَ أَهْلَ أَرْضِي أَمَّلُوا جَمِيعاً ثُمَّ أَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِثْلَ مَا أَمَّلَ الْجَمِيعُ مَا انْتَقَصَ مِنْمُلْكِي مِثْلَ عُضْوِ ذَرَّةٍ وَ كَيْفَ يَنْقُصُ مُلْك أَنَا قَيِّمُهُ فَيَا بُؤْساً لِلْقَانِطِينَ مِنْ رَحْمَتِي وَ يَا بُؤْساً لِمَنْ عَصَانِي وَ لَمْ يُرَاقِبْنِي.(1)

و في الخاتمة نذكر روايات ممّا وردت في فضيلة الاستغناء عن الناس، حتّى يكون ختام البحث نوراً و مسكاً.


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 66.

رواياتٌ في الاِستغناء

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ سَأَلَنَا أَعْطَيْنَاهُ وَ مَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ‌.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: اشْتَدَّتْ حَالُ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ص فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ص فَسَأَلْتَهُ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ص فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ ص قَالَ مَنْ سَأَلَنَا أَعْطَيْنَاهُ وَ مَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ فَقَالَ الرَّجُلُ مَا يَعْنِي غَيْرِي فَرَجَعَ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَعْلَمَهَا فَقَالَتْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص بَشَرٌ فَأَعْلِمْهُ فَأَتَاهُ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ مَنْ سَأَلَنَا أَعْطَيْنَاهُ وَ مَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ حَتَّى فَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِك ثَلَاثاً ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ فَاسْتَعَارَ مِعْوَلًا ثُمَّ أَتَى الْجَبَلَ فَصَعِدَهُ فَقَطَعَ حَطَباً ثُمَّ جَاءَ بِهِ فَبَاعَهُ بِنِصْفِ مُدٍّ مِنْ دَقِيقٍ فَرَجَعَ بِهِ فَأَكَلَهُ ثُمَّ ذَهَبَ مِنَ الْغَدِ فَجَاءَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِك فَبَاعَهُ فَلَمْ يَزَلْ يَعْمَلُ وَ يَجْمَعُ حَتَّى اشْتَرَى مِعْوَلًا ثُمَّ جَمَعَ حَتَّى اشْتَرَى بَكْرَيْنِ وَ غُلَاماً ثُمَّ أَثْرَى حَتَّى أَيْسَرَ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ص فَأَعْلَمَهُ كَيْفَ جَاءَ يَسْأَلُهُ وَ كَيْفَ سَمِعَ النَّبِيَّ ص فَقَالَ النَّبِيُّ ص قُلْتُ لَك مَنْ سَأَلَنَا


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 138.

أَعْطَيْنَاهُ وَ مَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ‌.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: شَرَفُ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ وَ عِزُّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ‌.(2)

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ لَا يَسْأَلَ رَبَّهُ شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاهُ فَلْيَيْأَسْ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ وَ لَا يَكُونُ لَهُ رَجَاءٌ إِلَّا عِنْدَ اللَّهِ فَإِذَا عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ذَلِك مِنْ قَلْبِهِ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ‌.(3)

عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ص قَالَ‌: رَأَيْتُ الْخَيْرَ كُلَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ فِي قَطْعِ الطَّمَعِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَ مَنْ لَمْ يَرْجُ النَّاسَ فِي شَيْ‌ءٍ وَ رَدَّ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ اسْتَجَابَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ فِي كُلِّ شَيْ‌ءٍ‌.(4)

عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَعْيَنَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ طَلَبُ الْحَوَائِجِ إِلَى النَّاسِ اسْتِلَابٌ لِلْعِزِّ وَ مَذْهَبَةٌ لِلْحَيَاءِ وَ الْيَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ عِزٌّ لِلْمُؤْمِنِفِي دِينِهِ وَ الطَّمَعُ هُوَ الْفَقْرُ الْحَاضِرُ.(5)

عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ‌: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا ع جُعِلْتُ فِدَاك اكْتُبْ لِي إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ دَاوُدَ الْكَاتِبِ لَعَلِّي أُصِيبُ مِنْهُ قَالَ أَنَا أَضَنُّ بِك أَنْ تَطْلُبَ مِثْلَ هَذَا وَ شِبْهَهُ وَ لَكِنْ عَوِّلْ عَلَى مَالِي.(6)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 139.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 148.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 148.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 148.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 148.

6) . راجع: الكافي، ج 2 ص 148.

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: الْيَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ عِزُّ الْمُؤْمِنِ فِي دِينِهِ أَ وَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ حَاتِمٍ‌:

إذا ما عزمت اليأس الفيته الغنى *** إذا عرفته النفس، و الطمع الفقر(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ص يَقُولُ لِيَجْتَمِعْ فِي قَلْبِك الِافْتِقَارُ إِلَى النَّاسِ وَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُمْ فَيَكُونَ افْتِقَارُك إِلَيْهِمْ فِي لِينِ كَلَامِك وَ حُسْنِ بِشْرِك وَ يَكُونَ اسْتِغْنَاؤُك عَنْهُمْ فِي نَزَاهَةِ عِرْضِك وَ بَقَاءِ عِزِّكَ‌.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَقَرَّ عَيْنُك وَ تَنَالَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَ الآْخِرَةِ فَاقْطَعِ الطَّمَعَ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَ عُدَّ نَفْسَك فِي الْمَوْتَى وَ لَا تُحَدِّثَنَّ نَفْسَك أَنَّك فَوْقَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ وَ اخْزُنْ لِسَانَك كَمَا تَخْزُنُ مَالَكَ‌.(3)

وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ع تَفَضَّلْ عَلَى مَنْ شِئْتَ فَأَنْتَ أَمِيرُهُ وَ اسْتَغْنِ عَمَّنْ شِئْتَ فَأَنْتَ نَظِيرُهُ وَ افْتَقِرْ إِلَى مَنْ شِئْتَ فَأَنْتَ أَسِيرُهُ‌.(4)

عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ ع قَالَ‌: جَاءَ أَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي وَ أَقْلِلْ لَعَلِّي أَنْ أَحْفَظَ قَالَ أُوصِيك بِخَمْسٍ بِالْيَأْسِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَإِنَّهُ الْغِنَى وَ إِيَّاك وَ الطَّمَعَ فَإِنَّهُ الْفَقْرُ الْحَاضِرُ وَ صَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ وَ إِيَّاك وَ مَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ وَ أَحِبَّ لِأَخِيك مَا تُحِبُّ لِنَفْسِك.(5)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 149.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 149.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 168.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 169.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 168.

الرذيلة الواحدة و العشرون: الطّمع

اشارة

و هو ضدّ الاستغناء عن الناس، و هو شوق النّفس إلى ما في ايدى الناس، من اموالهم و اعراضهم و مراتبهم الدنياوية و نحو ذلك، و لكن اكثر استعمالها في اشتياق النّفس إلى اموالهم، كما هو في ضدها و هو استغناء النّفس عما في ايدى الناس، فهو و ان كان عامة المعنى، الا ان اكثر استعماله في الاستغناء عمّا في ايدى الناس من اموالهم، و هي رذيلة فبيحة،

قال أبو عبداللّٰه عليه السلام: «مَا أَقْبَحَ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ لَهُ رَغْبَةٌ تُذِلُّهُ‌».(1)

و القرآن نهى عنه نهياً بالغاً، و الروايات دلّت على أنّه تترتب عليها عقوبات في الدّنيا و الاخرة.

قال اللّٰه تعالى: (وَ لاٰ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىٰ مٰا مَتَّعْنٰا بِهِ أَزْوٰاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 320.

لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقىٰ‌) (1)

و قال اللّٰه تعالى: (لاٰ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىٰ مٰا مَتَّعْنٰا بِهِ أَزْوٰاجاً مِنْهُمْ وَ لاٰ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ اِخْفِضْ جَنٰاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ‌)(2).

و المراد من مدّ العين إلى متاع الناس هو الطمع، و فسّر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله الايتين بذلك و قال: و من أتبع بصره ما في ايدي الناس طال همّه و لم يشف غيظه.(3)

و اما الروايات فنأتى بها بعد الفراغ عن صلب المبحث و نكتفى هنابواحدةٍ منها:

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: اشْتَدَّتْ حَالُ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ص فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ص فَسَأَلْتَهُ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ص فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ ص قَالَ مَنْ سَأَلَنَا أَعْطَيْنَاهُ وَ مَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ فَقَالَ الرَّجُلُ مَا يَعْنِي غَيْرِي فَرَجَعَ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَعْلَمَهَا فَقَالَتْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص بَشَرٌ فَأَعْلِمْهُ فَأَتَاهُ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ مَنْ سَأَلَنَا أَعْطَيْنَاهُ وَ مَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ حَتَّى فَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِك ثَلَاثاً ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ فَاسْتَعَارَ مِعْوَلًا ثُمَّ أَتَى الْجَبَلَ فَصَعِدَهُ فَقَطَعَ حَطَباً ثُمَّ جَاءَ بِهِ فَبَاعَهُ بِنِصْفِ مُدٍّ مِنْ دَقِيقٍ فَرَجَعَ بِهِ فَأَكَلَهُ ثُمَّ ذَهَبَ مِنَ الْغَدِ فَجَاءَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِك فَبَاعَهُ فَلَمْ يَزَلْ يَعْمَلُ وَ يَجْمَعُ حَتَّى اشْتَرَى مِعْوَلًا ثُمَّ جَمَعَ حَتَّى اشْتَرَى بَكْرَيْنِ وَ غُلَاماً ثُمَّ أَثْرَى حَتَّى أَيْسَرَ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ص فَأَعْلَمَهُ كَيْفَ جَاءَ يَسْأَلُهُ وَ كَيْفَ سَمِعَ النَّبِيَّ ص فَقَالَ النَّبِيُّ ص قُلْتُ‌

1) . طه، 131.

2) . الحجر، 88.

3) . راجع: تفسير الصافي، ذيل آية 131 طه.

لَك مَنْ سَأَلَنَا أَعْطَيْنَاهُ وَ مَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ‌.(1)

و هذه الرواية تعلّمنا رموزاً كثيرة و دروساً عالية منها ان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله كان يقلع الطمع عن قلوب الاصحاب و لو كان واحدٌ منهم بحاجة إلى مُدّ طعام و لعلّ ما روى من عقيل و اميرالمؤمنين عليه السلام و الحديدة المحماة من هذا القبيل، فلو رأى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و عترته الطاهرة ان قلع صفة الطمع عن رجل يحتاج إلى اعمال الشّدة لقاموا به، كرفع الجرب عن الجمل بالحديدة المحماة، و انه و ان كان شديداً على ذلك الطامع، و لكن لاتُرفَع تلك الرذالة إلّابتلك الشّدة.

و من تلك الدروس ان اليأس عمّا في ايدى الناس يوجب رفع الفقر، و هذا من آثاره الوضعية.

و منها، ان الغنى و السعادة رهين النشاط و الهمّة، و لو قام الإنسان بما أراد لوصل إليه و ان كان في غاية العسر، و لقد اجاد من قال بالفارسية: نمى‌شود، نمى‌توانم در قاموس انسان راه ندارد....

ثمّ ان الطمع يلازم رذائل أخرى و تترتب عليه مفاسد خلقية و معاصى كبيرة كثيرة، و لو لم‌يلزمه إلّاحب الدّنيا فيكفيك ان تقول انه جار سوء و لازم سوء.

و لو لم يلزمه مفسدة خلقية إلّاالتّلهى عن ذكر اللّٰه و التكالب على اموال الناس فيكفى ان يقال انه خلقٌ سوء يترتّب عليه أسواء اخرى، و هذا يخرج الإنسان عن انسانيّته و المؤمن عن ايمانه و يجعل الإنسان حيران كالسكران، لا مسلما و لا كافرا.

حُكى ان عجوزة حضرت عند فتاة محتضرة لتسدّ فمها و عينيها إذا مات، و كان


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 139.

البيت بيت عزاء، فاذاً سمعوا ان المحتضرة تتضرّع بالفارسية و تقول: بگذار بميرم و در آور، فرأوا ان العجوزة أرادت ان تخرج من يدها خاتمها الّذي كان هدية من بعلها.

فان تعجبت من هذه الحكاية و وجدتها غريبةً‌، فانظر إلى سيرة الدول المستكبرة الامبريالية فترى انّها تقوم بقتل الأنفس و احراق ما في الارض و ذبح الابناء و ذهاب الأعراض و هلاك الحرث و النسل طلباً للسلطة على العالم، و ما ذلك إلّا لرسوخ هذه الصفة الرذيلة في صميم نفسيّة قائديها و رؤسائها، فبؤساً ثمّ بؤساً للطمع و الطامع، و بالجملة ان الطمع سكر من الشيطان، و من يسكره الشيطان فيشترى الضلالة بالهدى و يخرج من رقبة الايمان من حيث لايشعر.

قال الصادق عليه السلام: الطَّمَعُ خَمْرُ الشَّيْطَانِ يَسْقِي بِيَدِهِ لِخَوَاصِّهِ فَمَنْ سَكِرَ مِنْهُ لَا يَصْحُو إِلَّا فِي أَلِيمِ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِمُجَاوَرَةِ سَاقِيهِ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الطَّمَعِ سَخْطَةٌ إِلَّا مثارات [مُشَارَاةُ‌] الدِّينِ بِالدُّنْيَا لَكَانَ سَخَطاً عَظِيماً قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ أُولئِك الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ‌(1)و الطامع منزوع عنه الايمان و هو لايشعر.(2)

و في روايه اخرى، قلت لابى عبداللّٰه عليه السلام: مَا الَّذِي يُثْبِتُ الْإِيمَانَ فِي الْعَبْدِ قَالَ الْوَرَعُ وَ الَّذِي يُخْرِجُهُ مِنْهُ قَالَ الطَّمَعُ‌.(3)

و من المؤسّف عليه أنّه يظهر من القرآن الكريم أنّ الناس بأجمعهم إلّاقليلاً منهم


1) . البقرة، 175.

2) . راجع: مصباح الشريعة، باب الطمع.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 320.

مبتلون بهذه الرذيلة الخُلقية.

قال اللّٰه تعالى: (إِنَّ هٰذٰا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ وٰاحِدَةٌ فَقٰالَ أَكْفِلْنِيهٰا وَ عَزَّنِي فِي اَلْخِطٰابِ * قٰالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤٰالِ نَعْجَتِكَ إِلىٰ نِعٰاجِهِ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلْخُلَطٰاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ وَ قَلِيلٌ مٰا هُمْ‌)(1).

فترى ان اللّٰه تعالى قد نصّ على ثبوت هذه الرذيلة في جميع الناس إلّاالمؤمنين منهم الّذين هم في حصن الايمان المانع عنها ثمّ على أنّ الطمّاع يشتاق إلى ضمّ ما في ايدى الناس إلى أمواله، و لو كانوا معدمين، و لا يفرّق في ذلك بين الحلال و الحرام و الاجانب و الارحام و العوام و الخواص.

قال اللّٰه تعالى: (إِنَّ هٰذٰا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ وٰاحِدَةٌ فَقٰالَ أَكْفِلْنِيهٰا وَ عَزَّنِي فِي اَلْخِطٰابِ‌)(2)

و قال اللّٰه تعالى: (وَ مِنَ اَلَّذِينَ هٰادُوا سَمّٰاعُونَ لِلْكَذِبِ * سَمّٰاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّٰالُونَ لِلسُّحْتِ‌)(3).

و قال اللّٰه تعالى: (وَ تَأْكُلُونَ اَلتُّرٰاثَ أَكْلاً لَمًّا * وَ تُحِبُّونَ اَلْمٰالَ حُبًّا جَمًّا)(4).

و قال اللّٰه تعالى: (فَلاٰ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ اَلَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ‌)(5).

فترى ان القرآن يشير إلى ان الطمّاع، كما يطمع في الحلال، يطمع في الحرام و السحت


1) . ص، 24-23.

2) . ص، 23.

3) . المائدة، 42-41.

4) . الفجر، 20-19.

5) . الأحزاب، 32.

فكما ياكل أموال الاجانب، ياكل ميراث الاقارب، و كما ينظر إلى الاجانب و يطمع فيهنّ ينظر إلى نساء النبى صلى الله عليه و آله نظرَ طامعٍ غير حيىٍ‌.

و يشير أيضاً إلى أنّ الطمّاع لايرضى بتصاحب اموال الناس فقط، بل يشتهى اَن يتصاحب مذاهبهم و مللهم،

قال اللّٰه تعالى: (وَ لَنْ تَرْضىٰ عَنْكَ اَلْيَهُودُ وَ لاَ اَلنَّصٰارىٰ حَتّٰى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ‌)(1).

بل يدلّ على ان ذلك الطامع السفيه يتخيّل ان الجنّة تختصّ به فكان يطمع فيها أيضاً.

قال اللّٰه تعالى: (وَ قٰالُوا لَنْ يَدْخُلَ اَلْجَنَّةَ إِلاّٰ مَنْ كٰانَ هُوداً أَوْ نَصٰارىٰ تِلْكَ أَمٰانِيُّهُمْ‌)(2).

فسيرة الطمّاع سيرة الذئب و عمله عمله فيحشر على صورته و سيرته وللّٰه درّ مَن قال:

اى دريده يوستين يوسفان *** گرگ برخيزى ازاين خواب گران

نعم قد ذكرنا في مبحث الاستغناء عن الناس انّ له مراتب ضعفاً و شدة فلهذه الرذيلة أيضاً مراتب.

فمن الناس من يطمع في الحلال و لايرضى بالحرام.

و من الناس من يرضى بذلك و يطمع في الحرام ايضاً.

و من الناس من له الطمع في الاجانب دون الارحام و الاقارب.

و من الناس من لا يفرّق بين الصغير و بين الكبير و بين الاجنبى و بين الرحم.

و من الناس من يتّقى من الخواص و يطمع إلى ما في أيدى العوام.


1) . البقرة، 120.

2) . البقرة، 111.

و من الناس من لايرحم حتّى على الأقارب كالآباء و الأمّهات، كما لايرحم على اموال الخواص و اعراضهم، كاموال رسول اللّٰه و الائمة عليهم السلام، فهو يأكل الخمس اكلاً لمّا من غير أن يبالى بها.

فاليهود و من يحذو حذوهم، و هم كثيرون، يريدون ان ياكلوا الدّنيا و ما فيها فبطونهم وادٍ من اودية السقر، و مع هذا يتخيّلون انّ الجنّة لهم خاصة و الناس كلّهم هالكون مبعّدون عنها، فتبّاً للطمع و الطامع.

فراجع الشّره و حبّ الدّنيا و الحرص و بالجملة جميع الرذائل و ما يترتب عليها من المفاسد، ثمّ احمل تلك المفاسد كلها على الطمع و كُن على يقينٍ ممّا فعلتَ‌، فانّه امّ الرذائل بأجمعها، و نأتى بطائفةٍ من روايات الباب مذيلاً على هذا المبحث متيمّناً و متبرّكاً.

رواياتٌ في الطّمع

عَنِ الصَّادِقِ ع قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ص أَفْقَرُ النَّاسِ الطَّمِعُ‌.(1)

عَنْ أَبَانِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: قُلْتُ مَا الَّذِي يُثْبِتُ الْإِيمَانَ فِي الْعَبْدِ قَالَ الَّذِي يُثْبِتُهُ فِيهِ الْوَرَعُ وَ الَّذِي يُخْرِجُهُ مِنْهُ الطَّمَعُ‌.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَا أَقْبَحَ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ لَهُ رَغْبَةٌ تُذِلُّهُ‌.(3)

أَبَا جَعْفَرٍ ع قَالَ بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ لَهُ طَمَعٌ يَقُودُهُ وَ بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ لَهُ رَغْبَةٌ تُذِلُّهُ‌.(4)

عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ع قَالَ‌: رَأَيْتُ الْخَيْرَ كُلَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ فِي قَطْعِ الطَّمَعِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ‌.(5)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَتَى ذَا مَيْسَرَةٍ فَتَخَشَّعَ لَهُ طَلَبَ مَا فِي يَدَيْهِ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ ثُمَّ قَالَ وَ لَا تَعْجَلْ وَ لَيْسَ يَكُونُ الرَّجُلُ يَنَالُ مِنَ الرَّجُلِ الْمِرْفَقَ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 168.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 168.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 320.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 320.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 320.

فَيُجِلَّهُ وَ يُوَقِّرَهُ فَقَدْ يَجِبُ ذَلِك لَهُ عَلَيْهِ وَ لَكِنْ تَرَاهُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِتَخَشُّعِهِ مَا عِنْدَ اللَّهِ أَوْ يُرِيدُ أَنْ يَخْتِلَهُ عَمَّا فِي يَدَيْهِ‌.(1)

قَالَ الصَّادِقُ ع بَلَغَنِي أَنَّهُ سُئِلَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ مَا الْأَصْلَحُ فِي الدِّينِ وَ مَا الْأَفْسَدُ فَقَالَ الْأَصْلَحُ الْوَرَعُ وَ الْأَفْسَدُ الطَّمَعُ فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ صَدَقْتَ يَا كَعْبَ الْأَحْبَارِ وَ الطَّمَعُ خَمْرُ الشَّيْطَانِ يَسْتَقِي بِيَدِهِ لِخَوَاصِّهِ فَمَنْ سَكِرَ مِنْهُ لَا يَصْحُو إِلَّا فِي أَلِيمِ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ مُجَاوَرَةِ سَاقِيهِ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الطَّمَعِ إِلَّا مُشَارَاةُ الدِّينِ بِالدُّنْيَا كَانَ عَظِيماً قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ أُولئِك الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ.
وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ع تَفَضَّلْ عَلَى مَنْ شِئْتَ فَأَنْتَ أَمِيرُهُ وَ اسْتَغْنِ عَمَّنْ شِئْتَ فَأَنْتَ نَظِيرُهُ وَ افْتَقِرْ إِلَى مَنْ شِئْتَ فَأَنْتَ أَسِيرُهُ وَ الطَّمِعُ مَنْزُوعٌ عَنْهُ الْإِيمَانُ وَ هُوَ لَا يَشْعُرُ لِأَنَّ الْإِيمَانَ يَحْجُبُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَ بَيْنَ الطَّمَعِ مِنَ الْخَلْقِ وَ يَقُولُ يَا صَاحِبِي خَزَائِنُ اللَّهِ مَمْلُوَّةٌ مِنَ الْكَرَامَاتِ وَ هُوَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا وَ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَإِنَّهُ مَشُوبٌ بِالْعِلَلِ وَ يَرُدُّهُ إِلَى التَّوَكُّلِ وَ الْقَنَاعَةِ وَ قَصْرِ الْأَمَلِ وَ لُزُومِ الطَّاعَةِ وَ الْيَأْسِ مِنَ الْخَلْقِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِك لَزِمَهُ وَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِك تَرَكَهُ مَعَ شُؤْمِ الطَّمَعِ وَ فَارَقَهُ‌.(2)
قال امير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة:

الف: أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ الطَّمَعَ وَ رَضِيَ بِالذُّلِّ مَنْ كَشَفَ عَنْ ضُرِّهِ وَ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمَّرَ عَلَيْهَا لِسَانَه.(3)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 169.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 169.

3) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 2.

ب: الطَّمَعُ رِقٌ مُؤَبَّدٌ.(1)

ج: أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِع.(2)

د: الطَّامِعُ فِي وِثَاقِ الذُّل.(3)

ه: وَ مَنْ أَتَى غَنِيّاً فَتَوَاضَعَ لَهُ لِغِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ‌.(4)

و: إِنَّ الطَّمَعَ مُورِدٌ غَيْرُ مُصْدِرٍ وَ ضَامِنٌ غَيْرُ وَفِيٍ وَ رُبَّمَا شَرِقَ شَارِبُ الْمَاءِ قَبْلَ رِيِّهِ وَ كُلَّمَا عَظُمَ قَدْرُ الشَّيْ‌ءِ الْمُتَنَافَسِ فِيهِ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ لِفَقْدِهِ وَ الْأَمَانِيُّ تُعْمِي أَعْيُنَ الْبَصَائِرِ وَ الْحَظُّ يَأْتِي مَنْ لَا يَأْتِيه.(5)


1) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 180.

2) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 219.

3) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 226.

4) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 228.

5) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 275.

الفصل التاسع عشر

اشارة

الفضيلة العشرون: السّخاء

الرّذيلة الثانية و العشرون: البخل

الفضيلة العشرون: السّخاء

اشارة

و هي ملكة تحضّض صاحبها على بذل قسطٍ ممّا رزقه اللّٰه تعالى لمن احتاج إليه بلا رغبةٍ منه إلى عوض مادى أو معنوى، و القرآن الشريف عرّفها بقولٍ موجزٍ حيث قال: (وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ‌)(1).

و الانفاق هو البذل و الصرف فيما يُستحن و حذف متعلّق الانفاق في الكريمة يفيد العموم و هو سبيل اللّٰه تعالى، أي: ما يحبّه تعالى، من النفقات الواجبة و المستحبة، و من ترفيه العائلة، و من الضيافات اللائقة و نحو ذلك، نعم لو لم‌تكن النفقة نفقة لائقة كالضيافات غير المحتاج اليها و كالتجملات و نحو ذلك، فهو اسراف و تبذير و اتراف، في سبيل الطاغوت، لا في سبيله تعالى.


1) . البقرة، 3.

و عموم قوله (وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ‌)، يدلّ على انه لايختص بالمال، بل الانفاق يشمل بذل المال و الجاه و القدرة و ما إليها من المواهب المعنوية و المادّية في سبيله تعالى.

نعم لابد في الانفاق من ان يكون بلاعوض و ذلك أيضاً مستودع في حاق معناه و سياتى الايات الّتي تدل على ذلك.

و القرآن الكريم ذكر اولاً الانفاق في عداد صفات المتقين كما في الآية الّتي مرّ ذكرها.

و ثانياً ذكره كوظيفة كلّ مؤمن بل كلّ انسان، بقوله تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّٰا آتٰاهُ اَللّٰهُ‌)(1)

و ثالثاً ذكره و رغّب فيه ترغيباً بليغاً، و هذا في ازيد من ستّين موردٍ.

قال اللّٰه تعالى: (مَثَلُ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنٰابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اَللّٰهُ يُضٰاعِفُ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ اَللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ‌)(2)

و قال اللّٰه تعالى: (وَ مَثَلُ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمُ اِبْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اَللّٰهِ وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصٰابَهٰا وٰابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهٰا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهٰا وٰابِلٌ فَطَلٌّ وَ اَللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(3)

و في هاتين الايتين الشريفتين نكات هامّة نذكر منها هيهنا ما يرتبط بالمبحث:

1 - ان الكريمة الاولى تدل على ان الانفاق يثمر بحسب المنفقين و نيّاتهم و أعمالهم و أحوالهم المختلفة، كما ان الجنة تكون كذلك.


1) . الطلاق، 7.

2) . البقرة، 261.

3) . البقرة، 265.

2 - ان الانفاق ينمو دائماً، و ثمراته عائدة إلى صاحبه في الدّنيا و الاخرة، كما ان ثمراتها تنمو دائماً و يستفيد صاحبها منها أيضاً، فهو كالشجرة الطيّبة المذكورة في القرآن من حيث الإنماء و يمكن ان يقال انه مصداقها،

قال اللّٰه تعالى: (أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اَللّٰهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهٰا ثٰابِتٌ وَ فَرْعُهٰا فِي اَلسَّمٰاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهٰا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهٰا)(1)

فالانفاق كاشجار الجنّة، بل هو هى، لان الدّنيا مزرعة الاخرة، فكما ان اشجار الجنّة تكون دائمة الانماء، فكذلك الانفاق و ثمراته.

قال اللّٰه تعالى: (مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهٰارُ أُكُلُهٰا دٰائِمٌ وَ ظِلُّهٰا تِلْكَ عُقْبَى اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ عُقْبَى اَلْكٰافِرِينَ اَلنّٰارُ)(2)

3 - و الكريمة الثانية مضافاً إلى افادتها ما استفدنا من الآية الاولى تدلّ على ان الانفاق يقوّى ملكة السخاوة، لان كلّ ملكة تحتاج إلى التقوية و التشديد و تشديد كلّ ملكة بما يناسبها من الاعمال و الافكار.

4 - للغرض دخلٌ في الانفاق، فلو لم‌يكن فيه قصد القرية فلايتحقق اصلاً و لو أنفق ابتغاء وجه اللّٰه تعالى، فهو كالجنّة طرىٌّ دائمة الاثمار.

و لو كان قصد القربة من قبيل الداعى على الداعى مثلاً، كمن ينفق لخوف من النّار أو للدخول في الجنّة أو لتعود ثمرات انفاقه إليه أو إلى اولاده في الدّنيا و نحو ذلك فانفاقه يثمر و ينمو على قدر داعيه.


1) . ابراهيم، 25-24.

2) . الرعد، 35.

5 - «ابتغاء مرضات اللّٰه» جملة ارشادية بيانية، لان مادة الانفاق كما مرّ في صدر البحث، تدلّ على وجوب كون الاعطاء بلاعوض، فلو أراد العوض و لوكان شكراً و حمداً فهو ليس بانفاق.

قال اللّٰه تعالى: (وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعٰامَ عَلىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً * إِنَّمٰا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللّٰهِ لاٰ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزٰاءً وَ لاٰ شُكُوراً)(1)

6 - كما أن قوله // (و تثبيتاً من انفسهم) // تكون كذلك، لانها ارشاد إلى قوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ‌)(2).

و العقل يستقل بذلك، فتبيين الشارع له ليس إلّامن باب الارشاد.

ثمّ ان القرآن اخبر بحبط الانفاق الّذي يصاحبه منُّ أو أذىً‌، كما دلّ على بطلان الانفاق الّذي يرافقه رياءٌ‌، و من تلك الايات، قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اَلْأَذىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مٰالَهُ رِئٰاءَ اَلنّٰاسِ وَ لاٰ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ)(3).

فهل البطلان و الفساد لاجل وقوع المانع، كما هو ظاهر التفاسير أو لاجل عدم الاقتضاء؟ الاقوى هو الثانى، لان الانفاق يتمّ إذا نشأ عن محبّة بلا ارادة عوض، كما مرّ تفسيره في اول البحث، و الرياء و المنّ و الاذى و نحو ذلك يكشف عن عدم وجود انفاق اصلاً، فهذا صورته صورة الانفاق و واقعه الاعطاء لغرض فاسد نظير


1) . الإنسان، 89.

2) . الاسراء، 84.

3) . البقرة، 264.

الرياء و ارادة الشكر و اخذ العوض و نحو ذلك، فالبطلان في الآية الشريفة من قبيل القضيّة السالبة بانتفاء الموضوع، فلم يوجد اقتضاء الانفاق حتّى يمنع الرياء أو المنّ و الاذى عنه.

ثمّ ان الانفاق و السخاء مشكّك كسائر الفضائل.

فالمرتبة الضعيفة منها هي الانفاقات الواجبة، كاعطاء الخمس و الزكوة و النفقات و نحو ذلك إذا كان على سبيل الملكة، لا لقهر قاهر نظير الخوف من مخالفة التكليف الالهى و إلّافهو من مقولة الجبر و هذا المنفق يكون متسخّياً لا سخيّا، قام بما يؤدى تكليفه و ليس لهذا الانفاق اجر إلّااجر المتقين الذين يطيعون اللّٰه خوفاً من ناره، أو طمعاً في جنّته.

و المرتبة المتوسطة منها هي الانفاقات المندوبة كاعانة الفقراء و المحتاجين بالمال و الجاه و القدرة، و على حدّ تعبير الكريمة: (وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ‌).

و تلك الاعانة ان كانت في غير الضروريّات، فهى مندوبة يترتب عليها ثواب عظيم و ليس في الاسلام أجرٌ أعظم منها.

قال الصادق عليه السلام: مَنْ سَعَى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فَاجْتَهَدَ فِيهَا فَأَجْرَى اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ قَضَاءَهَا كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ حَجَّةً وَ عُمْرَةً وَ اعْتِكَافَ شَهْرَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَ صِيَامَهُمَا وَ إِنِ اجْتَهَدَ فِيهَا وَ لَمْ يُجْرِ اللَّهُ قَضَاءَهَا عَلَى يَدَيْهِ كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ حَجَّةً وَ عُمْرَةً‌.(1)

عن صفوان الجمال قال: كُنْتُ جَالِساً مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 198.

مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ مَيْمُونٌ فَشَكَا إِلَيْهِ تَعَذُّرَ الْكِرَاءِ عَلَيْهِفَقَالَ لِي قُمْ فَأَعِنْ أَخَاك فَقُمْتُ مَعَهُ فَيَسَّرَ اللَّهُ كِرَاهُ فَرَجَعْتُ إِلَى مَجْلِسِي فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع مَا صَنَعْتَ فِي حَاجَةِ أَخِيك فَقُلْتُ قَضَاهَا اللَّهُ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي فَقَالَ أَمَا إِنَّك أَنْ تُعِينَ أَخَاك الْمُسْلِمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَوَافِ أُسْبُوعٍ بِالْبَيْتِ مُبْتَدِئاً ثُمَّ قَالَ إِنَّ رَجُلًا أَتَى الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ع فَقَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي أَعِنِّي عَلَى قَضَاءِ حَاجَةٍ فَانْتَعَلَ وَ قَامَ مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى الْحُسَيْنِ ص وَ هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَقَالَ لَهُ أَيْنَ كُنْتَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ تَسْتَعِينُهُ عَلَى حَاجَتِك قَالَ قَدْ فَعَلْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي فَذُكِرَ أَنَّهُ مُعْتَكِفٌ فَقَالَ لَهُ أَمَا إِنَّهُ لَوْ أَعَانَك كَانَ خَيْراً لَهُ مِنِ اعْتِكَافِهِ شَهْراً.(1)

و نظير الروايتين كثير جداً و نحن نذكر شطراً منها في آخر هذا المبحث بعونه تعالى.

و اما لو كانت في الضروريات كاشباع الجائع و إرواء العطشان و تزويج المحتاج إليه و اكساء العريان و اسكان من لا سكنى له و نحو ذلك من الحوائج الضرورية الشخصيّة أو الجماعيّة، فهو من قبيل الانفاقات الواجبة و يجب على من يقدر على إملاءِ ذلك الخلأ ان يقوم به، كان ذلك الخلأ من الحوائج الشخصيّة كتلك الأمثلة، أو الحوائج الجماعية كالانفاق للجهاد ان احتاج إلى الاعانة.

و اوجب اللّٰه ذلك الانفاق مؤكّداً، و نهى عن تركه و البخل فيه و نحن و ان نفصّل الكلام عن البخل و نورد الايات و الروايات هناك مع ما برتبط بالمقام من الاحاديث الا ان هيهنا نذكر بعض الايات و الروايات أيضاً لشدة ارتباطه بما نحن فيه:

قال اللّٰه تعالى: (وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لاٰ يُنْفِقُونَهٰا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَبَشِّرْهُمْ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 198.

بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمىٰ عَلَيْهٰا فِي نٰارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هٰذٰا مٰا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مٰا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ‌) (1)

قد دلّت الآية الشريفة دلالة واضحة على انه لو كان المجتمع الاسلامى بحاجة إلى ما يُصلح أمره، يجب على القادر على هذا الانفاق القيام به، و لو لم يسدّ هذا الخلأ فله ما أوعد اللّٰه تعالى به من العذاب الاليم. و لا وجه لاختصاص الآية الشريفة بالزكوات الواجبة أو اهل الكتاب أو نحو ذلك.

و عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: أَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَنَعَ مُؤْمِناً شَيْئاً مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَ هُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ مِنْ عِنْدِ غَيْرِهِ أَقَامَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُسْوَدّاً وَجْهُهُ مُزْرَقَّةً عَيْنَاهُ مَغْلُولَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ فَيُقَالُ هَذَا الْخَائِنُ الَّذِي خَانَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ.(2)

و أمَّا المرتبة الشديدة منها فهو الايثار و هو انفاق ما يحتاج إليه المنفق، و القرآن رغّب فيه ترغيبا بليغاً حتّى أن ذكر جمعاً من المؤثرين طالباً منّا الاقتداء بهم.

قال اللّٰه تعالى: (وَ اَلَّذِينَ تَبَوَّؤُا اَلدّٰارَ وَ اَلْإِيمٰانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هٰاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لاٰ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حٰاجَةً مِمّٰا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ‌)(3)

يظهر من الآية الشريفة انهم بذلوا بيوتهم فضلاً عن غذائهم و شرابهم و لباسهم محبّين ذلك البذل غير مختلجٍ في انفسهم حرج من ذلك الايثار.


1) . التوبة، 35-34

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 367.

3) . الحشر، 9.

روي ان انصاريا وهب داره لأحدٍ من المهاجرين و سكن معبراً، فراه رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و استفسر عن ذلك، فقال لو سكن المهاجر المعبر و كنتُ أنا في الدار، لم يكن لي هناك راحة و لا نوم و لكن أرحتُ بذلك حيث جعلتُ المعبر منامًا لنفسى!.

و نظيره في الرجال الالهيّين في كلّ زمان كثير، نعم هذا العمل عند ابناء الدّنيا عمل الحمقاء، و ليس هذا إلّالأنّ ديدن ابناء الدنيا ليس الا كديدن الأنعام قال تعالى:

(وَ يَأْكُلُونَ كَمٰا تَأْكُلُ اَلْأَنْعٰامُ‌) (1)و قوله تعالى: (أُولٰئِكَ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ‌)(2)

و قد اخبر اللّٰه تعالى في سورة الإنسان بما فعله اهل البيت عليهم السلام حتّى يكون فعلهم اسوة لنا.

قال تعالى: (وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعٰامَ عَلىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً * إِنَّمٰا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللّٰهِ لاٰ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزٰاءً وَ لاٰ شُكُوراً)(3)

و ليس للمنغمر في المشتهيات المادّية لذّة اِلّا لذّة الاكل و الشرب و النكاح و تهيئة المال و الرئاسة و نحوها، و لايمكن له ان يدرك لذّة فوق تلك اللّذّات، و اما الالهيّون فليس لهم لذّة إلّالذّة الايثار و الانفاق و قيام الليل و نحو ذلك و شتّان ما بين اللذّتين.

قال اللّٰه تعالى: (تَتَجٰافىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ اَلْمَضٰاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ‌


1) . محمّد، 12.

2) . الاعراف، 179.

3) . الإنسان، 89.

يُنْفِقُونَ * فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌) (1).

تتمة: ان الفقر و العزوبة و مسئلة الهمّ و الغمّ و الخوف و الاضطراب تُعدّ من المسائل الجماعيّة و مشكلاتها في كلّ زمان و آن، لا سيّما في عصرنا هذا الّذي نعيش فيه، و من آمال الالهيّين و أمنياتهم رفع تلك المصائب الجماعيّة عن المجتمع الانسانى.

لا كما توهّمه افلاطون في مدينته الفاضلة، أو ماركس في مجتمعه الاشتراكى، و لا كما توهّمه المعاصرون من أهل أوروبا حيث هدموا بنيان المجتمع بترويج السفاح و الزواج الاختبارى و المساكنة، كلّ ذلك لرواج العُدم و تداول فساد الأخلاق بينهم.

امّا الاسلام فقد التفت إلى هذه المشكلة التفاتاً خاصّاً حيث ذكر الانفاق في مبتدأ الوحى المبين، فقد فك هذه العقدة حيث قال:

(هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ‌) (2)

توضيح ذلك، ان من آمن باللّٰه و ثبت ذلك الايمان في قلبه يعلم بل يوقن ان اللّٰه تعالى عادل حكيم جواد عالم قادر مقدّرٌ للمقدّرات بالحكمة و المصلحة التامّة.

و أنّه سبحانه و تعالى جعل في العلل و اسباب تلك المقدّرات اسباباً ظاهريةً كالفكر و التعقّل و النشاط و نحو ذلك و جعل فيها اسباباً معنويّة كالصلوة و الدعاء و الاعانة على الفقراء و نحو ذلك، فحينئذٍ لو قام بنشاطاته الجماعية و الاقتصادية من غير فوزٍ و فلاحٍ فيها، يجزم بأنّ مصلحته و مصلحة المجتمع كانت في ذلك، فالهموم و الغموم و الخوف و الاضطرابات لاتجد إليه سبيلاً بل تلك هي تكون سالبة بانتفاء


1) . السجدة، 17-16.

2) . البقرة، 23.

الموضوع.

قال اللّٰه تعالى: (مٰا أَصٰابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّٰ فِي كِتٰابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهٰا إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاٰ تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ وَ لاٰ تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ‌)(1)

نعم لو اهمل و تقاصر عن تهيئة الاسباب و العلل فهذا أمرٌ آخر وللّٰه درّ من قال:

تو گر اختر خويش را مى‌كنى بد *** مدار از فلك چشم نيك اخترى را

فبما قلنا يظهر أن الاتّكال في الأمور بالبخت و الاتفاق و كثرة القول به «لعلّ‌» أو «ليت» لم‌ينشأ إلّامن الغفلة، و الجهل.

و هو القائل حقيقةً لا مجازاً:

به جهان خرّم از آنم كه جهان خرّم از اوست *** عاشقم بر همه عالم كه همه عالم از اوست

به حقيقت بخورم زهر كه شاهد ساقى است *** به حقيقت بكشم درد كه درمان هم از اوست

و هذا هو سرّ ما روي عن زينب اخت الحسين عليه السلام أنها قالت في مجلس ابن زياد لعنة اللّٰه عليه: «ما رأيت إلّاجميلاً» قولاً حاسمًا.

و نظيرها في كلمات اهل القلوب لاتعدّ و لاتحصى، فهؤلاء هم الذين لا خوف عليهم من الغد و لا حزن لهم من الامس،

قال اللّٰه تعالى: (أَلاٰ إِنَّ أَوْلِيٰاءَ اَللّٰهِ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ‌)(2)


1) . الحديد، 23-22.

2) . يونس، 62.

نعم لو هاجم عليهم الحزن فيتوسّلون بالصلوة و يستعينون بها

قال تعالى: (وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاٰةِ وَ إِنَّهٰا لَكَبِيرَةٌ إِلاّٰ عَلَى اَلْخٰاشِعِينَ‌)(1)

و يتوسّلون بالدعاء لانه كلام صاعد و رابط بين العبد و بين الربّ‌

قال تعالى: (اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ رَبَّنٰا مٰا خَلَقْتَ هٰذٰا بٰاطِلاً سُبْحٰانَكَ فَقِنٰا عَذٰابَ اَلنّٰارِ)(2)

فعندئذٍ يضمحلّ جميع الغُصص و الاضطرابات و ليس للانسان اليومَ سبيلٌ إلى النجاة إلّاالأخذ بقوله تعالى: (أَلاٰ إِنَّ أَوْلِيٰاءَ اَللّٰهِ لاٰ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاٰ هُمْ يَحْزَنُونَ‌)، حتّى تنجوا عن جميع هذه الاحزان و المهن الهالكة.

و امّا الفقر و العُدم الفردي و الاجماعى فلا عين له و لا اثر بعد قيام النّاس بما يعيّن لهم قوله تعالى: // (ممّا رزقناهم ينفقون) // كوظيفةٍ فرديةٍ و جماعيّة.

و قوله تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّٰا آتٰاهُ اَللّٰهُ‌)(3)

و قوله تعالى: (وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لاٰ يُنْفِقُونَهٰا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ‌)(4)

و قوله صلى الله عليه و آله: مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ‌.(5)


1) . البقرة، 45.

2) . آل عمران، 191.

3) . الطلاق، 7.

4) . التوبة، 34.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 163.

و قوله صلى الله عليه و آله: مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَ جَارُهُ جَائِعٌ‌.(1)

و نظير ذلك في الآيات و المأثورات كثير جداً.

و بما ذكرنا يظهر انه لا معنى لكون بعض الشُّبّان عُزّاباً في المجتمع الاسلامى.

قال اللّٰه تعالى: (وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ اَلصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اَللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ‌)(2).

هذا اطروحة الاسلام في رفع مشكلة العزوبة و لكن يجب في الزواج رعاية التوسّط و الاقتصاد لئلّا يؤدّى الأمر إلى الزواجات الزّخرفيّة فتكون مشكلة أخرى كغيرها من المشاكل.

قال اللّٰه تعالى: (وَ إِذٰا أَرَدْنٰا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنٰا مُتْرَفِيهٰا فَفَسَقُوا فِيهٰا فَحَقَّ عَلَيْهَا اَلْقَوْلُ فَدَمَّرْنٰاهٰا تَدْمِيراً)(3).

فهذا زواج الزهرا عليها السلام بأميرالمؤمنين عليه السلام، و فيه اُسوة للمؤمنين و المؤمنات مهراً و جهازاً؛ و على هذه الاطروحة قال اللّٰه تعالى: (وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ وَ اَلصّٰالِحِينَ مِنْ عِبٰادِكُمْ وَ إِمٰائِكُمْ‌)(4).

و اما مسئلة متانة الأسرة و استحكامها، فالاسلام اولاً ذكر ان البيت كمسكنٍ للقلب و مستشفى للآلام الروحية فلا بدّ لكلّ انسانٍ منه ليكون الزواج كردمٍ مانعٍ‌


1) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 8 ص 490.

2) . النور، 32.

3) . الاسراء، 16.

4) . النور، 32.

عن توافر العُقَد و المشاكل الشخصيّة.

قال تعالى: (وَ مِنْ آيٰاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوٰاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهٰا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً‌)(1)

و ثانياً بيّن الأطروحة المقبولة المستحسنة في معيشة الناس

قال تعالى: (وَ اَلَّذِينَ إِذٰا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كٰانَ بَيْنَ ذٰلِكَ قَوٰاماً)(2)

و ثالثاً وضع رئاسة الاسرة على عاتق المرء دون المرئة.

قال تعالى: (اَلرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى اَلنِّسٰاءِ بِمٰا فَضَّلَ اَللّٰهُ بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ وَ بِمٰا أَنْفَقُوا)(3).

و رابعاً امره بالمعاشرة بالطريقة المعروفة من غير الترفّع على اسرته،

قال تعالى: // (و عاشروهن بالمعروف) //(4)

و خامساً أوجب تمكين الزوجة عن زوجها كما أوجب عليها العفاف في الخلوة و الجلوة و جعل العفاف من علائم الصالحات

قال تعالى: (فَالصّٰالِحٰاتُ قٰانِتٰاتٌ حٰافِظٰاتٌ لِلْغَيْبِ بِمٰا حَفِظَ اَللّٰهُ‌)(5).

و سادساً عند مخافة الشقاق و الخلافات العائليّة أمر اوّلاً بعظة الزوجين، ثمّ بالهجر زمناًمّا ثمّ بما يظهر الكراهة و البغضاء - كضربٍ خفيف - ثم بالمباينة و الطلاق.


1) . الروم، 21.

2) . الفرقان، 67.

3) . النساء، 34.

4) . النساء، 19.

5) . النساء، 34.

قال تعالى: (وَ اَللاّٰتِي تَخٰافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اُهْجُرُوهُنَّ فِي اَلْمَضٰاجِعِ وَ اِضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاٰ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اَللّٰهَ كٰانَ عَلِيًّا كَبِيراً * وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقٰاقَ بَيْنِهِمٰا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهٰا إِنْ يُرِيدٰا إِصْلاٰحاً يُوَفِّقِ اَللّٰهُ بَيْنَهُمٰا إِنَّ اَللّٰهَ كٰانَ عَلِيماً خَبِيراً)(1).

تلك هي نواميس الاسلام و أصوله لمتانة الاسرة، فللعامل بها عيشٌ هنىءٌ لا يجد الشيطان إلى بيته سبيلاً و لا شقاق و لا خاف فيه.

هذا قليلٌ من كثيرٍ و قد خرجنا عن طور البحث لكونه من المباحث الهامّة. ثمّ نختم الكلام بذكر شريعةٍ أخرى من شرائع الاسلام اَلا و هو قانون المواساة، و ما هو إلّا لجعل المجتمع الاسلامى في سعة العيش و الراحة و حصم داء الفقر من بين المسلمين و ليس لسعادة المجتمع المادّية طريقٌ إلّاالخضوع أمام هذا الأصل، لا ما ذهب إليه غير المنتحلين إلى الاسلام كماركس و لا ما ذهب إليه الأثرياء من المنتحلين إلى الاسلام.

و هيهنا نأتى بطائفة من روايات أئمة اهل البيت عليهم السلام ليكون ختام المبحث مسكاً، وفقّنا اللّٰه تعالى للاستضاءة من اَنوار كلامهم و الاستبصار من بصائر مرويّاتهم.


1) . النساء، 35-34..

رواياتٌ في السّخاء

عَنْ عَلِيٍّ ع قَالَ‌: سَادَةُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا الْأَسْخِيَاءُ وَ فِي الآْخِرَةِ الْأَتْقِيَاءُ‌.(1)

عَنِ الصَّادِقِ ع أَنَّهُ قَالَ‌: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَك وَ تَعَالَى رَضِيَ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَأَحْسِنُوا صُحْبَتَهُ بِالسَّخَاءِ وَ حُسْنِ الْخُلُقِ‌.(2)

عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع خِيَارُكُمْ سُمَحَاؤُكُمْ وَ شِرَارُكُمْ بُخَلَاؤُكُمْ وَ مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ الْبِرُّ بِالْإِخْوَانِ وَ السَّعْيُ فِي حَوَائِجِهِمْ وَ ذَلِك مَرْغَمَةٌلِلشَّيْطَانِ وَ تَزَحْزُحٌ عَنِ النِّيرَانِ وَ دُخُولُ الْجِنَانِ يَا جَمِيلُ أَخْبِرْ بِهَذَا الْحَدِيثِ غُرَرَ أَصْحَابِك قَالَ فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاك مَنْ غُرَرُ أَصْحَابِي قَالَ هُمُ الْبَارُّونَ بِالْإِخْوَانِ فِي الْعُسْرِ وَ الْيُسْرِ ثُمَّ قَالَ يَا جَمِيلُ أَمَا إِنَّ صَاحِبَ الْكَثِيرِ يَهُونُ عَلَيْهِ ذَلِك وَ قَدْ مَدَحَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ صَاحِبَ الْقَلِيلِ فَقَالَ وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِك هُمُ الْمُفْلِحُونَ‌.(3)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 350.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 350.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 350.

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع عَنْ آبَائِهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى الْمَعْرُوفُ هَدِيَّةٌ مِنِّي إِلَى عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ فَإِنْ قَبِلَهَا مِنِّي فَبِرَحْمَةٍ مِنِّي فَإِنْ رَدَّهَا فَبِذَنْبِهِ حُرِمَهَا وَ مِنْهُ لَا مِنِّي وَ أَيُّمَا عَبْدٍ خَلَقْتُهُ فَهَدَيْتُهُ إِلَى الْإِيمَانِ وَ حَسَّنْتُ خُلُقَهُ وَ لَمْ أَبْتَلِهِ بِالْبُخْلِ فَإِنِّي أُرِيدُ بِهِ خَيْراً.(1)

سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا الْحَسَنِ ع وَ هُوَ فِي الطَّوَافِ فَقَالَ لَهُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْجَوَادِ فَقَالَ إِنَّ لِكَلَامِك وَجْهَيْنِ فَإِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْمَخْلُوقِ فَإِنَّ الْجَوَادَ الَّذِي يُؤَدِّي مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَ الْبَخِيلُ مَنْ بَخِلَ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَ إِنْ كُنْتَ تَعْنِي الْخَالِقَ فَهُوَ الْجَوَادُ إِنْ أَعْطَى وَ هُوَ الْجَوَادُ إِنْ مَنَعَ لِأَنَّهُ إِنْ أَعْطَى عَبْداً أَعْطَاهُ مَا لَيْسَ لَهُ وَ إِنْ مَنَعَ مَنَعَ مَا لَيْسَ لَهُ‌.(2)

قَالَ الرِّضَا ع فِي الدِّيك الْأَبْيَضِ خَمْسُ خِصَالٍ مِنْ خِصَالِ الْأَنْبِيَاءِ مَعْرِفَتُهُ بِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَ الْغَيْرَةُ وَ السَّخَاءُ وَ الشَّجَاعَةُ وَ كَثْرَةُ الطَّرُوقَةِ‌.(3)

عَنِ الْوَشَّاءِ قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَا ع يَقُولُ السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ وَ الْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ وَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ السَّخَاءُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ مَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ‌.(4)

عَنِ الرِّضَا ع قَالَ‌: السَّخِيُ يَأْكُلُ مِنْ طَعَامِ النَّاسِ لِيَأْكُلُوا مِنْ طَعَامِهِ وَ الْبَخِيلُ لَا يَأْكُلُ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 351.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 351.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 352.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 352.

مِنْ طَعَامِ النَّاسِ لِئَلَّا يَأْكُلُوا مِنْ طَعَامِهِ‌.(1)

عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحُسَيْنِيِّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ فَرُّوخَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْلَمَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ السَّخَاءَ شَجَرَةٌ مِنْ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ لَهَا أَغْصَانٌ مُتَدَلِّيَةٌ فِي الدُّنْيَا فَمَنْ كَانَ سَخِيّاً تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا فَسَاقَهُ ذَلِك الْغُصْنُ إِلَى الْجَنَّةِ وَ الْبُخْلُ شَجَرَةٌ مِنْ أَشْجَارِ النَّارِ لَهَا أَغْصَانٌ مُتَدَلِّيَةٌ فِي الدُّنْيَا فَمَنْ كَانَ بَخِيلًا تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا فَسَاقَهُ ذَلِك الْغُصْنُ إِلَى النَّارِ.

قَالَ أَبُو الْمُفَضَّلِ قَالَ لَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ فَحَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِنَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِحَدِيثِهِ هَذَا حَدِيثِ السَّخَاءِ وَ الْبُخْلِ قَالَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع لَيْسَ السَّخِيُ الْمُبَذِّرَ الَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَ لَكِنَّهُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَا فَرَضَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ مِنَ الزَّكَاةِ وَ غَيْرِهَا وَ الْبَخِيلُ الَّذِي لَا يُؤَدِّي‌حَقَّ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي مَالِهِ‌.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: قُلْتُ لَهُ مَا حَدُّ السَّخَاءِ قَالَ تُخْرِجُ مِنْ مَالِك الْحَقَّ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْك فَتَضَعُهُ فِي مَوْضِعِهِ‌.(3)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: السَّخِيُ الْكَرِيمُ الَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ فِي حَقٍّ‌.(4)

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع السَّخَاءُ أَنْ تَسْخُوَ نَفْسُ الْعَبْدِ عَنِ الْحَرَامِ أَنْ تَطْلُبَهُ فَإِذَا ظَفِرَ بِالْحَلَالِ طَابَتْ نَفْسُهُ أَنْ يُنْفِقَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ‌.(5)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 352.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 352.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 357.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 357.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 357.

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص السَّخَاءُ شَجَرَةٌ أَصْلُهَا فِي الْجَنَّةِ وَ هِيَ مُطَلَّةٌ عَلَى الدُّنْيَا مَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْهَا اجْتَرَّهُ إِلَى الْجَنَّةِ‌.(1)

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع لِلْحَسَنِ يَا بُنَيَّ مَا السَّمَاحَةُ قَالَ الْبَذْلُ فِي الْعُسْرِ وَ الْيُسْرِ.

رُوِيَ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ بِإِسْنَادٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع لِلْحَسَنِ مَا السَّمَاحَةُ قَالَ إِجَابَةُ السَّائِلِ وَ بَذْلُ النَّائِلِ‌.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع ثَلَاثٌ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ سَخَاءُ النَّفْسِ وَ طِيبُ الْكَلَامِ وَ الصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى.(3)

اروى عن العالم عليه السلام انّه قال: السَّخَاءُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ أَغْصَانُهَا فِي الدُّنْيَا فَمَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْهَا أَدَّتْهُ إِلَى الْجَنَّةِ وَ الْبُخْلُ شَجَرَةٌ فِي النَّارِ أَغْصَانُهَا فِي الدُّنْيَا فَمَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا أَدَّتْهُ إِلَى النَّارِ أَعَاذَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ مِنَ النَّارِ

وَ نَرْوِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ طَيِّئٍ دُفِعَ عَنْ أَبِيك الْعَذَابُ الشَّدِيدُ لِسَخَاءِ نَفْسِهِ‌.

وَ رُوِيَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْأُسَارَى جَاءُوا بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَأَمَرَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع بِضَرْبِ أَعْنَاقِهِمْ ثُمَّ أَمَرَهُ بِإِفْرَادِ وَاحِدٍ لَا يَقْتُلُهُ فَقَالَ الرَّجُلُ لِمَ أَفْرَدْتَنِي مِنْ أَصْحَابِي وَ الْجِنَايَةُ وَاحِدَةٌ فَقَالَ لَهُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَك وَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيَّ أَنَّك سَخِيُّ قَوْمِك

وَ لَا أَقْتُلُك فَقَالَ الرَّجُلُ فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّك مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 357.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 357.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 354.

فَقَادَهُ سَخَاؤُهُ إِلَى الْجَنَّةِ‌.

وَ رُوِيَ الشَّابُّ السَّخِيُّ الْمُعْتَرِفُ لِلذُّنُوبِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الشَّيْخِ الْعَابِدِ الْبَخِيلِ‌.

وَ رُوِيَ مَا شَيْ‌ءٌ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ مِنْ إِطْعَامِ الطَّعَامِ وَ إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ‌.

وَ رُوِيَ أَطِيلُوا الْجُلُوسَ عِنْدَ الْمَوَائِدِ فَإِنَّهَا أَوْقَاتٌ لَا تُحْسَبُ مِنْ أَعْمَارِكُمْ‌.

وَ رُوِيَ لَوْ عَمِلْتَ طَعَاماً بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهُ مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ لَمْ تُعَدَّ مُسْرِفاً.

وَ رُوِيَ عَنِ الْعَالِمِ ع أَنَّهُ قَالَ‌: أَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَ أَفْشُوا السَّلَامَ وَ صَلُّوا وَ النَّاسُ نِيَامٌ وَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ‌.

وَ أَرْوِي إِيَّاك وَ السَّخِيَّ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَأْخُذُ بِيَدِهِ‌.

وَ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَك وَ تَعَالَى يَأْخُذُ بِنَاصِيَةِ السَّخِيِّ إِذَا أُعْثِرَ.(1)

قال الصادق عليه السلام: السَّخَاءُ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ وَ هُوَ عِمَادُ الْإِيمَانِ وَ لَا يَكُونُ مُؤْمِنٌ إِلَّا سَخِيّاً وَ لَا يَكُونُ سَخِيّاً إِلَّا ذُو يَقِينٍ وَ هِمَّةٍ عَالِيَةٍ لِأَنَّ السَّخَاءَ شُعَاعُ نُورِ الْيَقِينِ وَ مَنْ عَرَفَ مَا قَصَدَ هَانَ عَلَيْهِ مَا بَذَلَ وَ قَالَ النَّبِيُّ ص وَ مَا جُبِلَ وَلِيُّ اللَّهِ إِلَّا عَلَى السَّخَاءِ وَ السَّخَاءُ مَا يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ أَقَلُّهُ الدُّنْيَا وَ مِنْ عَلَامَةِ السَّخَاءِ أَنْ لَا يُبَالِيَ مَنْ [أصحاب] أَكَلَ الدُّنْيَا وَ مَنْ مَلَكَهَا مُؤْمِناً أَوْ كَافِراً وَ عَاصِياً أَوْ مُطِيعاً شَرِيفاً أَوْ وَضِيعاً يُطْعِمُ غَيْرَهُ وَ يَجُوعُ وَ يَكْسُو غَيْرَهُ وَ يَعْرَى وَ يُعْطِي غَيْرَهُ وَ يَمْتَنِعُ مِنْ قَبُولِ عَطَاءِ غَيْرِهِ وَ يَمُنُّ بِذَلِك وَ لَا يَمْتَنُّ وَ لَوْ مَلَك الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا لَمْ يَرَ نَفْسَهُ فِيهَا إِلَّا أَجْنَبِيّاً وَ لَوْ بَذَلَهَا فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ مَا مَلَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ وَ الْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنَ‌

1) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 354.

النَّاسِ بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ وَ لَا يُسَمَّى سَخِيّاً إِلَّا الْبَاذِلُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَ لِوَجْهِهِ وَ لَوْ بِرَغِيفٍ أَوْ شَرْبَةِ مَاءٍ قَالَ النَّبِيُّ ص السَّخِيُّ بِمَا مَلَك وَ أَرَادَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ وَ أَمَّا السَّخِيُّ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَحَمَّالُ سَخَطِ اللَّهِ وَ غَضَبِهِ وَ هُوَ أَبْخَلُ النَّاسِ عَلَى نَفْسِهِ فَكَيْفَ لِغَيْرِهِ حَيْثُ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَ قَالَ النَّبِيُّ ص يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مِلْكِي مِلْكِي وَ مَالِي مَالِي يَا مِسْكِينُ أَيْنَ كُنْتَ حَيْثُ كَانَ الْمِلْك وَ لَمْ تَكُنْ وَ هَلْ لَك إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَبْقَيْتَ إِمَّا مَرْحُومٌ بِهِ وَ إِمَّا مُعَاقَبٌ عَلَيْهِ فَاعْقِلْ أَنْ لَا يَكُونَ مَالُ غَيْرِك أَحَبَّ إِلَيْك مِنْ مَالِك فَقَدْ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع مَا قَدَّمْتَ فَهُوَ لِلْمَالِكِينَ وَ مَا أَخَّرْتَ فَهُوَ لِلْوَارِثِينَ وَ مَا مَعَك فَمَا لَك عَلَيْهِ سَبِيلٌ سِوَى الْغُرُورِ بِهِ كَمْ تَسْعَى فِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَ كَمْ تَدَّعِي أَ فَتُرِيدُ أَنْ تُفْقِرَ نَفْسَك وَ تُغْنِيَ غَيْرَكَ‌.(1)

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: الْجَنَّةُ دَارُ الْأَسْخِيَاءِ‌.

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع السَّخِيُّ الْكَرِيمُ الَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ فِي حَقٍّ‌.

رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: لَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَفْضَلُ مِنْ سَائِحٍ بَخِيلٍ‌.

وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَشَابٌّ مُرَهَّقٌ فِي الذُّنُوبِ سَخِيٌّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ شَيْخٍ عَابِدٍ بَخِيلٍ‌.

الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَشَّاءُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا ع يَقُولُ السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ وَ الْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 355.

وَ قَالَ النَّبِيُّ ص الرِّجَالُ أَرْبَعَةٌ سَخِيٌّ وَ كَرِيمٌ وَ بَخِيلٌ وَ لَئِيمٌ فَالسَّخِيُ‌الَّذِي يَأْكُلُ وَ يُعْطِي وَ الْكَرِيمُ الَّذِي لَا يَأْكُلُ وَ يُعْطِي وَ الْبَخِيلُ الَّذِي يَأْكُلُ وَ لَا يُعْطِي وَ اللَّئِيمُ الَّذِي لَا يَأْكُلُ وَ لَا يُعْطِي.(1)

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ صَدَّقَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ‌.(2)

قال الحسين بن على عليه السلام: مَنْ قَبِلَ عَطَاءَك فَقَدْ أَعَانَك عَلَى الْكَرَمِ‌.

قَالَ ع مَالُك إِنْ لَمْ يَكُنْ لَك كُنْتَ لَهُ فَلَا تُبْقِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُبْقِي عَلَيْك وَ كُلْهُ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَك.

وَ قَالَ الصَّادِقُ ع جَاهِلٌ سَخِيٌّ أَفْضَلُ مِنْ نَاسِك بَخِيلٍ‌.

قَالَ ع السَّخَاءُ مَا كَانَ ابْتِدَاءً فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ مَسْأَلَةٍ فَحَيَاءٌ وَ تَذَمُّمٌ‌.

وَ قَالَ ع الْكَرَمُ أَعْطَفُ مِنَ الرَّحِمِ‌.(3)

عن جعفر ابن محمّد عن ابيه عن آبائه عليهم السلام قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص طَعَامُ السَّخِيِ دَوَاءٌ وَ طَعَامُ الشَّحِيحِ دَاءٌ‌.(4)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام في غرر الحكم:

ألسّخاء سجيّة

ألسّخاء و الشّجاعة غرائز شريفة يضعها اللّه سبحانه فيمن أحبّه و أمتحنه


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 356.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 357.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 357.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 68 ص 357.

أشجع النّاس أسخاهم

أكرم الأخلاق السّخاء و أعمّها نفعا العدل

ألسّخاء ثمرة العقل و القناعة برهان النبل

ألسّخاء ستر العيوب

غطاء العيوب السّخاء و العفاف

غطّوا معايبكم بالسّخاء فإنّه ستر للعيوب

ألسّخاء يزرع المحبّة

ألسّخاء يثمر الصّفاء

ألسّخاء يكسب المحبّة و يزيّن الأخلاق

ألسّخاء يمحص الذّنوب و يجلب محبّة القلوب

عليكم بالسّخ‌آء و حسن الخلق فإنّهما يزيدان الرّزق و يوجبان المحبّة

ما إستجلبت المحبّة بمثل السّخا و الرّفق و حسن الخلق.(1)


1) . راجع: ميزان الحكمة، ج 4 ص 418.

الرذيلة الثانية والعشرون: البُخل

اشارة

و هي ملكة تمنع صاحبها عن البذل ممّا رزقه اللّٰه فيما ينبغى البذل فيه.

و هو ضد السخاء معنىً‌، و نظيرها في عدم الاختصاص بالمال و ان اشتهر الاختصاص، بل يعمّ المال و جميع ما رزقه اللّٰه من العلم و القدرة و الوجاهة و نحو ذلك و ورد ذمّه في القرآن و الروايات كثيراً.

قال اللّٰه تعالى: (وَ لاٰ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ وَ لاٰ تَبْسُطْهٰا كُلَّ اَلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً)(1)

و قال تعالى: (وَ اَلَّذِينَ إِذٰا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كٰانَ بَيْنَ ذٰلِكَ قَوٰاماً)(2)


1) . الاسراء، 29.

2) . الفرقان، 67.

و قال تعالى: (وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ‌)(1).

و قال تعالى: (وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لاٰ يُنْفِقُونَهٰا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمىٰ عَلَيْهٰا فِي نٰارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هٰذٰا مٰا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مٰا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ‌)(2).

و قال تعالى: (وَ لاٰ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمٰا آتٰاهُمُ اَللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ‌)(3)

و قال تعالى: (اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ اَلنّٰاسَ بِالْبُخْلِ وَ يَكْتُمُونَ مٰا آتٰاهُمُ اَللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ أَعْتَدْنٰا لِلْكٰافِرِينَ عَذٰاباً مُهِيناً)(4)

و قال تعالى: (وَ لاٰ تُطِعْ كُلَّ حَلاّٰفٍ مَهِينٍ * هَمّٰازٍ مَشّٰاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنّٰاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذٰلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كٰانَ ذٰا مٰالٍ وَ بَنِينَ * إِذٰا تُتْلىٰ عَلَيْهِ آيٰاتُنٰا قٰالَ أَسٰاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى اَلْخُرْطُومِ‌)(5).

و قال تعالى: (وَ أُحْضِرَتِ اَلْأَنْفُسُ اَلشُّحَّ‌)(6)

و قال تعالى: (وَ مِنْهُمْ مَنْ عٰاهَدَ اَللّٰهَ لَئِنْ آتٰانٰا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَ لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلصّٰالِحِينَ * فَلَمّٰا آتٰاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَ تَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ (76)


1) . الحشر، 9.

2) . التوبة، 35-34.

3) . آل عمران، 180.

4) . النساء، 37.

5) . القلم، 16-10.

6) . النساء، 128.

فَأَعْقَبَهُمْ نِفٰاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمٰا أَخْلَفُوا اَللّٰهَ مٰا وَعَدُوهُ وَ بِمٰا كٰانُوا يَكْذِبُونَ‌) (1)

و قال تعالى: (إِنَّمَا اَلْحَيٰاةُ اَلدُّنْيٰا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَ لاٰ يَسْئَلْكُمْ أَمْوٰالَكُمْ * إِنْ يَسْئَلْكُمُوهٰا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَ يُخْرِجْ أَضْغٰانَكُمْ (37)

هٰا أَنْتُمْ هٰؤُلاٰءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَ مَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمٰا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَ اَللّٰهُ اَلْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ اَلْفُقَرٰاءُ وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاٰ يَكُونُوا أَمْثٰالَكُمْ‌) (2)

و قال تعالى: (اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ اَلنّٰاسَ بِالْبُخْلِ وَ مَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ)(3).

و قال تعالى: (وَ أَمّٰا مَنْ بَخِلَ وَ اِسْتَغْنىٰ * وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرىٰ * وَ مٰا يُغْنِي عَنْهُ مٰالُهُ إِذٰا تَرَدّٰى)(4)

و قال تعالى: (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزٰائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ اَلْإِنْفٰاقِ وَ كٰانَ اَلْإِنْسٰانُ قَتُوراً)(5)

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا كَسَبْتُمْ وَ مِمّٰا أَخْرَجْنٰا لَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ وَ لاٰ تَيَمَّمُوا اَلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّٰ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ‌


1) . التوبة، 77-75.

2) . محمّد، 38-36.

3) . الحديد، 24.

4) . الليل، 11.

5) . الاسراء، 100.

اَللّٰهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * اَلشَّيْطٰانُ يَعِدُكُمُ اَلْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشٰاءِ‌) (1)

و قال تعالى: (اَلْمُنٰافِقُونَ وَ اَلْمُنٰافِقٰاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمَعْرُوفِ وَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اَللّٰهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ اَلْمُنٰافِقِينَ هُمُ اَلْفٰاسِقُونَ‌)(2)

و قال تعالى: (وَ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ مَنْ يَتَّخِذُ مٰا يُنْفِقُ مَغْرَماً وَ يَتَرَبَّصُ بِكُمُ اَلدَّوٰائِرَ عَلَيْهِمْ دٰائِرَةُ اَلسَّوْءِ‌)(3)

و قال تعالى: (وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ لاٰ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ‌)(4)

هذا ما وجدنا من الآيات و لعلّك لو فحصت تجد ازيد من ذلك.

و اما الروايات فنذيّل البحث بها انشاءاللّٰه حتّى يكون ختامه مسكاً.

و حيث ان الآيات تعرّضت لكلّ ما يمكن ان يقال في مذمّة البخل و اشتملت على جميع ما يرجع إلى هذا المبحث فينبغى لنا ان نتأمّل فيها.

فنقول انّها أشارت أوّلاً إلى ان هذه الرذيلة شائعة بين الناس و الإنسان بطبعه بخيلاً قتوراً (و احضرت الانفس الشح).

و اشارت ثانياً، إلى ان هذه الرذيلة تؤدىّ إلى الكفر - اعاذنا اللّٰه منه - (فلما اتاهم من فضله بخلوا به و تولّوا و هم معرضون) و قد اشتهر بين المفسرين ان الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب حيث امتنع عن اداء زكوة ماله و اعترض على الرسول بأن


1) . البقرة، 268-267.

2) . التوبة، 67.

3) . التوبة، 98.

4) . البقرة، 195.

الزكاة جزية فما الفرق بيننا و بين الكفار؟، فقال اللّٰه تعالى (فَأَعْقَبَهُمْ نِفٰاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ‌) و قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله إذا سمع منه هذا القول: «يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ يَا وَيْحَ ثَعْلَبَة».(1)

و نظير هذه الآيات شاناً الآيات النازلة في قارون بعد بخله عن الزكوة مع أنّ موسى عليه السلام خفّف له في ادائها، و لكنّه لم‌يؤدّها، بل نقل انه أراد ان يتّهمه بالزنا، ثمّ صرف اللّٰه عنه السوء و افتضح قارون و أهلكه.

قال اللّٰه تعالى: (إِنَّ قٰارُونَ كٰانَ مِنْ قَوْمِ مُوسىٰ فَبَغىٰ عَلَيْهِمْ وَ آتَيْنٰاهُ مِنَ اَلْكُنُوزِ مٰا إِنَّ مَفٰاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي اَلْقُوَّةِ إِذْ قٰالَ لَهُ قَوْمُهُ لاٰ تَفْرَحْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ اَلْفَرِحِينَ * وَ اِبْتَغِ فِيمٰا آتٰاكَ اَللّٰهُ اَلدّٰارَ اَلْآخِرَةَ وَ لاٰ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ اَلدُّنْيٰا وَ أَحْسِنْ كَمٰا أَحْسَنَ اَللّٰهُ إِلَيْكَ وَ لاٰ تَبْغِ اَلْفَسٰادَ فِي اَلْأَرْضِ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ اَلْمُفْسِدِينَ * قٰالَ إِنَّمٰا أُوتِيتُهُ عَلىٰ عِلْمٍ عِنْدِي أَ وَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اَللّٰهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ اَلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعاً وَ لاٰ يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ اَلْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قٰالَ اَلَّذِينَ يُرِيدُونَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا يٰا لَيْتَ لَنٰا مِثْلَ مٰا أُوتِيَ قٰارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَ قٰالَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوٰابُ اَللّٰهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً وَ لاٰ يُلَقّٰاهٰا إِلاَّ اَلصّٰابِرُونَ * فَخَسَفْنٰا بِهِ وَ بِدٰارِهِ اَلْأَرْضَ فَمٰا كٰانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ وَ مٰا كٰانَ مِنَ اَلمُنْتَصِرِينَ‌)(2)

و أشارت ثالثاً، إلى أنّ البخل يبرز العداوة و البغضاء في أفواه البخلاء، حتّى أنّهم يبرزون البغض و العداوة للّٰه‌تعالى (وَ مٰا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ)، (وَ يُخْرِجْ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 22 ص 40.

2) . القصص، 81-76.

أَضْغٰانَكُمْ‌)، (وَ يَتَرَبَّصُ بِكُمُ اَلدَّوٰائِرَ).

و اشارت رابعاً، إلى ان البخل يجعل الإنسان مغلولاً ممنوعاً عن الانفاقات فكلّما أراد أن يأتى بنفقةٍ يمنعه منها و يستحكم هذه الرذيلة في نفس البخيل يوماً فيوماً حتّى تمنعه عن الانفاق على عياله و اسرته و لوكانوا في عسرةٍ شديدةٍ و كان متمكّناً من الانفاق عليهم. و في كتب التاريخ و السير ذُكر كثيرٌ من امثال هؤلاء البخلاء غير القائمين بما يجب عليهم من الانفاقات و ما يستحبّ منها. (وَ لاٰ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ‌).

و اشارت خامساً، إلى ان البخيل لن‌يفلح ابداً حيث كرّرت: (وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ‌).

و اشارت سادساً، إلى ان البخيل كما يبخل، يأمر بالبخل ايضاً، فهو يأمر بالمنكر فهو الآمر بالمنكر و الناهي عن العروف!، (اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ اَلنّٰاسَ بِالْبُخْلِ‌).

و اشارت سابعاً، إلى ان معيشة البخيل ضنك، فهو في عسرة الدنيا حتّى يرد على الآخرة الّتي هي اشدّ عسراً عليه، (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرىٰ‌).

و اشارت ثامناً، إلى كون البخيل منافقاً حيث اطلق اللّٰه تعالى على البخيل هذه اللفظة الذّامّة (اَلْمُنٰافِقُونَ وَ اَلْمُنٰافِقٰاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمَعْرُوفِ وَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ‌).

و اشارت تاسعاً، إلى ان البخيل دائماً يخاف من الفقر، فلذلك الخوف يأتى بالفحشاء و لو بكبائرها (اَلشَّيْطٰانُ يَعِدُكُمُ اَلْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشٰاءِ‌)، (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزٰائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ اَلْإِنْفٰاقِ‌).

و اشارت عاشراً، إلى ان البخيل يبخل على نفسه لانه مضافاً إلى منع نفسه من الجنّة، يمنع نفسه من الدنيا أيضاً، لانه مبغوض عند الناس حتّى عند عياله و أسرته، لانه لحبّ التكنّز و جمع المال و الثروة يمحق ماله إذا المال يُمحَق بالبخل و بمنع الصدقات الواجبة عنه، قال تعالى: (يَمْحَقُ اَللّٰهُ اَلرِّبٰا وَ يُرْبِي اَلصَّدَقٰاتِ‌)(1)فكما ان الربا يمحق المال فكذلك البخل (وَ مَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمٰا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ‌).

و اشارت حادى عشراً، إلى اَنّه يكتم ماله و لا يسمح باشتهاره بين الناس ليكون عوناً لمعدمى المجتمع (وَ يَكْتُمُونَ مٰا آتٰاهُمُ اَللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ‌).

و أشارت ثانى عشراً و هو الاهمّ في المقام، و ان كان عند اهل القلوب كفره و نفاقه و بغضه و اظهار عداوته للّٰه‌تعالى أهم امنه ان البخيل يفتضح يوم القيامة لأنّه يؤتىٰ بها و في عنقه طوقٌ ممّا بخل به في دنياه، فما تكنّز به الدنيا يُكوى بها في نار جهنّم و بئس المصير مصيره!. (سَنَسِمُهُ عَلَى اَلْخُرْطُومِ‌)، (سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ‌)، (يَوْمَ يُحْمىٰ عَلَيْهٰا فِي نٰارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ‌).

هذا ما يظهر من القرآن، و يظهر من المرويات المعصوميّة أيضاً نكت نشير إلى بعضها هيهنا:

اولاً، ان البخيل يبتلى بان ينفق فيما يسخط اللّٰه،

فعن الباقر عليه السلام: وَ قَالَ ع مَا مِنْ عَبْدٍ يَمْتَنِعُ مِنْ مَعُونَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَ السَّعْيِ لَهُ فِي حَاجَتِهِ قُضِيَتْ أَوْ لَمْ تُقْضَ إِلَّا ابْتُلِيَ بِالسَّعْيِ فِي حَاجَةٍ فِيمَا يَأْثَمُ عَلَيْهِ وَ لَا يُؤْجَرُ وَ مَا مِنْ‌

1) . البقرة، 276.

عَبْدٍ يَبْخَلُ بِنَفَقَةٍ يُنْفِقُهَا فِيمَا يُرْضِي اللَّهَ إِلَّا ابْتُلِيَ بِأَنْ يُنْفِقُ أَضْعَافَهَا فِيمَا أَسْخَطَ اللَّهَ‌.(1)

و ثانياً، انه لايجتمع البخل مع الايمان حيث بينهمابونٌ بعيدٌ:

عن الباقر عليه السلام عن ابيه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا مَحَقَ الْإِيمَانَ مَحْقَ الشُّحِّ شَيْ‌ءٌ ثُمَّ قَالَ إِنَّ لِهَذَا الشُّحِّ دَبِيباً كَدَبِيبِ النَّمْلِ وَ شُعَباً كَشُعَبِ الشِّرْكِ‌.(2)

و ثالثاً، ان الشاب السخى المذنب احبّ إلى اللّٰه من العابد البخيل،

عن الصادق عليه السلام: شَابٌ سَخِيٌ مُرَهَّقٌ فِي الذُّنُوبِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ شَيْخٍ عَابِدٍ بَخِيلٍ‌.(3)

و رابعاً، ان السخى قريب من اللّٰه و من الناس و من الجنّة و البخيل بعيد من ذلك كلّه

عن الباقر عليه السلام عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ وَ الْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ.(4)

ثم ان لهذه الرذيلة مراتب شدة وضعفاً كما هي ثابتةٌ بأضدادها لما يضادّها، و هي السخاوة.

امّا المرتبة الشديدة منها فهى منع الحقوق الواجبة كالزكوة و الخمس و النفقات، فلذلك وردت مستفيضةً ان البخيل حق البخيل من منع ما فرض اللّٰه عليه.

عن الكاظم عليه السلام قال: الْبَخِيلُ مَنْ بَخِلَ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ‌.(5)

1) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 173.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 301.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 307.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 308.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 305.

و المرتبة الوسطى منها ترك النفقات المندوبة و الضيافات المستحبّة و الإقراءات المألوفة و ترك البخيل هذه الأمور و ان كان غير محرّم في نفسه إلّاأنّ الكلام كلّه في تأدية هذه الرذيلة صاحبها إلى موبقاتٍ و مهلكاتٍ لا شك في حرمتها، هذا مضافاً إلى انها في حد ذاتها ابغض عنداللّٰه من كلّ شيء و جامع لمساوى الأخلاق كما اشرنا إليه.

و المرتبة الضعيفة منها هي ترك الايثار، فهذه المرتبة و ان قلّت في النّاس إلّاأنّ العقل يحكم بحسنها في بعض الأحيان - كايثار المرء زوجته على نفسه عند العُدم -، و بوجوبها في آخر - كحين وجوب الجهاد، و ضغط الأعداء على بلاد المسلمين -.

ثم ان لهذه الرذيلة مراتب اُخر باعتباراتٍ اُخر، و بعض تلك المراتب أقبح و أشؤم من بعضها:

1 - فمنها ان يبخل في ماله و لايرضى ان يُصرَف و يبذل في سبيل اللّٰه أو في نفقة الاخوان و نحو ذلك، بل من البخلاء من يبخل على نفسه فضلاً عن غيره كان قريباً أو بعيداً و كان في واجب أو مندوبٍ‌.

2 - و منها ان يبخل في مال غيره ايضا، فيأمر الناس بالبخل، فهو كما يبخل على ما رزقه اللّٰه يبخل على ما في ايدى الناس، فهو لايرضى بأن يَفْعل الخير أو يُفعَل (اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ اَلنّٰاسَ بِالْبُخْلِ‌).(1)

و هذا هو معنى الشحّ‌، و هو شائع بين الناس، بل كلّ بخيل شحيح لانه لاينفق و لايرضى بأن ينفق، بل يأمر بترك الانفاق.


1) . النساء، 37.

3 - و منها: ان يكون بخيلاً على صرف الناس اموالهم في معيشتهم، فلو رأى ان أحداً ينفق على نفسه و عياله و لا يبخل عليهما ينزعج و يشتغل قلبه عليه و ينهاه عن التوسّع في الرزق، فالبخيل و الشحيح و اللئيم بمعنى واحد من حيث المعنى و يفترق كلّ الآخر بحسب المرتبة ضعفاً و شدة، فالمرتبة الضعيفة تسمّى باسم البخل و المرتبة الوسطى تسمّى باسم الشحّ و المرتبة الشديدة باسم اللؤم، كما ان السخاء و الجود و الكرم كذلك، و الفارق بين الثلاثة التشكيك و الشدة و الضعف، فالسخى من يحبّ ان يبذل ممّا رزقه اللّٰه، و الجواد من يحبّ ان يبذل غيره أيضاً ممّا رزقه اللّٰه، و يأمر بذلك و يرغّب فيه، و الكريم من يحبّ ان يكون الناس يبذلون مما في ايديهم فيما يحبّه اللّٰه، كما هو يبذل كذلك و يحبّ ان يكون الناس في سعة كما يحبّ و يأمر بذلك و ينهى عن ضدّه، فيحب للناس ما يحبّ لنفسه و يكره للناس ما يكره لنفسه، فالبخيل ضد السخى، و الشحيح ضد الجواد و اللئيم ضد الكريم و في الختام يجب ان نشير إلى أمر هامٍّ لابّد في المقام من التنبيه عليه و هو أنّ المتراءى من سيرة بعض الناس من البخل في اداء الصدقات الواجبة كالخمس و الزكاة والتوّسع في البذل في المندوبات كاقاقة مأتم الحسين عليه السلام و تجهيز العرس للمعدمين و نحوهما، ليس إلّامن مكائد الشيطان و شبكاته، حيث أن لاقيمة للمندوب مع ترك الواجب. فالبخيل حق البخيل من ترك ما افترض اللّٰه عليه و هذا الّذي يتراءى منهم ليس الا رياء و هو شرك خفى و إن لم‌يلتفتوا به. قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اَلْأَذىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مٰالَهُ رِئٰاءَ اَلنّٰاسِ وَ لاٰ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ)(1).


1) . البقرة، 264.

رواياتٌ في البخل

عن الصادق عليه السلام قال: إِنْ كَانَ الْخَلَفُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَقّاً فَالْبُخْلُ لِمَا ذَا.(1)

عن الصادق عليه السلام قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَقَلُّ النَّاسِ رَاحَةً الْبَخِيلُ وَ أَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ‌.(2)

قال الصادق عليه السلام: عَجِبْتُ لِمَنْ يَبْخَلُ بِالدُّنْيَا وَ هِيَ مُقْبِلَةٌ عَلَيْهِ أَوْ يَبْخَلُ بِهَا وَ هِيَ مُدْبِرَةٌ عَنْهُ فَلَا الْإِنْفَاقُ مَعَ الْإِقْبَالِ يَضُرُّهُ وَ لَا الْإِمْسَاك مَعَ الْإِدْبَارِ يَنْفَعُهُ‌.(3)

عن عبداللّٰه بن الحسن بن الحسن، عن امّه فاطمة بنت الحسين عن ابيها قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ صَلَاحَ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالزُّهْدِ وَ الْيَقِينِ وَ هَلَاك آخِرِهَا بِالشُّحِّ وَ الْأَمَلِ‌.(4)

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِأَنْ يَتَمَنَّى لِلنَّاسِ الْغِنَى الْبُخَلَاءُ لِأَنَّ النَّاسَ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 300.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 300.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 300.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 300.

إِذَا اسْتَغْنَوْا كَفُّوا عَنْ أَمْوَالِهِمْ وَ إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِأَنْ يَتَمَنَّى لِلنَّاسِ الصَّلَاحَ أَهْلُ الْعُيُوبِ لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا صَلَحُوا كَفُّوا عَنْ تَتَبُّعِ عُيُوبِهِمْ وَ إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِأَنْ يَتَمَنَّى لِلنَّاسِ الْحِلْمَ أَهْلُ السَّفَهِ الَّذِينَ يَحْتَاجُونَ أَنْ يُعْفَى عَنْ سَفَهِهِمْ فَأَصْبَحَ أَهْلُ الْبُخْلِ يَتَمَنَّوْنَ فَقْرَ النَّاسِ وَ أَصْبَحَ أَهْلُ الْعُيُوبِ يَتَمَنَّوْنَ مَعَايِبَ النَّاسِ وَ أَصْبَحَ أَهْلُ السَّفَهِ يَتَمَنَّوْنَ سَفَهَ النَّاسِ وَ فِي الْفَقْرِ الْحَاجَةُ إِلَى الْبَخِيلِ وَ فِي الْفَسَادِ طَلَبُ عَوْرَةِ أَهْلِ الْعُيُوبِ وَ فِي السَّفَهِ الْمُكَافَاةُ بِالذُّنُوبِ‌.(1)

في خبر مناهي النبىّ صلى الله عليه و آله قال: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْمَنَّانِ وَ الْبَخِيلِ وَ الْقَتَّاتِ‌.(2)

عن الفضل بن أبي قرّة قال: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَطُوفُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى الصَّبَاحِ وَ هُوَ يَقُولُ اللَّهُمَ قِنِي شُحَّ نَفْسِي فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاك مَا سَمِعْتُك تَدْعُو بِغَيْرِ هَذَا الدُّعَاءِ قَالَ وَ أَيُّ شَيْ‌ءٍ أَشَدُّ مِنْ شُحِّ النَّفْسِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِك هُمُ الْمُفْلِحُونَ‌.(3)

عن جعفر عن ابيه عليه السلام قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا مَحَقَ الْإِيمَانَ مَحْقَ الشُّحِ شَيْ‌ءٌ ثُمَّ قَالَ إِنَّ لِهَذَا الشُّحِّ دَبِيباً كَدَبِيبِ النَّمْلِ وَ شُعَباً كَشُعَبِ الشِّرْكِ‌.(4)

عن أبي سعيد الخدرى قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُسْلِمٍ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 300.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 301.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 301.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 301.

الْبُخْلُ وَ سُوءُ الْخُلُقِ‌.(1)

عن أبي جعفر عليه السلام قال: الْمُوبِقَاتُ ثَلَاثٌ شُحٌّ مُطَاعٌ وَ هَوًى مُتَّبَعٌ وَ إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ‌.(2)

عن أبي عبداللّٰه عن ابيه عليه السلام قال: لَا يُؤْمِنُ رَجُلٌ فِيهِ الشُّحُ وَ الْحَسَدُ وَ الْجُبْنُ وَ لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَاناً وَ لَا حَرِيصاً وَ لَا شَحِيحاً.(3)

عن جعفر، عن ابيه عليه السلام أَنَّ عَلِيّاً ع سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ الشَّحِيحُ أَعْذَرُ مِنَ الظَّالِمِ فَقَالَ كَذَبْتَ إِنَّ الظَّالِمَ يَتُوبُ وَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَ يَرُدُّ الظُّلَامَةَ عَلَى أَهْلِهَا وَ الشَّحِيحُ إِذَا شَحَّ مَنَعَ الزَّكَاةَوَ الصَّدَقَةَ وَ صِلَةَ الرَّحِمِ وَ إِقْرَاءَ الضَّيْفِ وَ النَّفَقَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ أَبْوَابَ الْبِرِّ وَ حَرَامٌ عَلَى الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَهَا شَحِيحٌ‌.(4)

عن جعفر، عن ابيه عليه السلام قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص السَّخَاءُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ أَغْصَانُهَا فِي الدُّنْيَا مَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْهَا قَادَهُ ذَلِك الْغُصْنُ إِلَى الْجَنَّةِ وَ الْبُخْلُ شَجَرَةٌ فِي النَّارِ أَغْصَانُهَا فِي الدُّنْيَا مَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْهَا قَادَهُ ذَلِك الْغُصْنُ إِلَى النَّارِ.(5)

عن النبىّ صلى الله عليه و آله قال: إِيَّاكُمْ وَ الشُّحَ فَإِنَّمَا هَلَك مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ أَمَرَهُمْ بِالْكَذِبِ فَكَذَبُوا وَ أَمَرَهُمْ بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا وَ أَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا.(6)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 301.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 302.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 302.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 302.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 303.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 303.

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: إِيَّاكُمْ وَ الْفُحْشَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يُحِبُّ الْفَاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ وَ إِيَّاكُمْ وَ الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ الظُّلُمَاتُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ إِيَّاكُمْ وَ الشُّحَّ فَإِنَّهُ دَعَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ حَتَّى سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَ دَعَاهُمْ حَتَّى قَطَّعُوا أَرْحَامَهُمْ وَ دَعَاهُمْ حَتَّى انْتَهَكُوا وَ اسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ‌.(1)

عن أبي على بن راشد رفعه إلى الصادق عليه السلام انّه قال: خَمْسٌ هُنَ كَمَا أَقُولُ لَيْسَتْ لِبَخِيلٍ رَاحَةٌ وَ لَا لِحَسُودٍ لَذَّةٌ وَ لَا لِمُلُوك وَفَاءٌ وَ لَا لِكَذَّابٍ مُرُوَّةٌ وَ لَا يَسُودُ سَفِيهٌ‌.(2)

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: لَا يَطْمَعَنَ ذُو الْكِبْرِ فِي الثَّنَاءِ الْحَسَنِ وَ لَا الْخَبُّ فِي كَثْرَةِ الصَّدِيقِ وَ لَا السَّيِّئُ الْأَدَبِ فِي الشَّرَفِ وَ لَا الْبَخِيلُ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ‌.(3)

عن الحسين بن على عليه السلام قال: خَطَبَنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع فَقَالَ سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ يَعَضُّ الْمُؤْمِنُ عَلَى مَا فِي يَدِهِ وَ لَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِك قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَ لا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.(4)

فِيمَا سَأَلَ عَلِيٌّ ع ابْنَهُ الْحَسَنَ ع أَنْ قَالَ لَهُ مَا الشُّحُ قَالَ أَنْ تَرَى مَا فِي يَدَيْك شَرَفاً وَ مَا أَنْفَقْتَ تَلَفًا.(5)

عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: الْبَخِيلُ مَنْ بَخِلَ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ‌.(6)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 303.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 303.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 304.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 304.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 305.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 305.

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: الْبَخِيلُ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ‌.(1)

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْبَخِيلُ حَقّاً مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ‌.(2)

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع أَ تَدْرِي مَنِ الشَّحِيحُ فَقُلْتُ هُوَ الْبَخِيلُ فَقَالَ الشَّحِيحُ أَشَدُّ مِنَ الْبَخِيلِ إِنَّ الْبَخِيلَ يَبْخَلُ بِمَا فِي يَدَيْهِ وَ إِنَّ الشَّحِيحَ يَشُحُّ بِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ حَتَّى لَا يَرَى فِي أَيْدِي النَّاسِ شَيْئاً إِلَّا تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لَهُ بِالْحِلِّ وَ الْحَرَامِ وَ لَا يَشْبَعُ وَ لَا يَقْنَعُ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى.(3)

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَيْسَ الْبَخِيلُ مَنْ يُؤَدِّي أَوِ الَّذِي يُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ مِنْ مَالِهِ وَ يُعْطِي النَّائِبَةَ فِي قَوْمِهِ وَ إِنَّمَا الْبَخِيلُ حَقُّ الْبَخِيلِ الَّذِي يَمْنَعُ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ فِي مَالِهِ وَ يَمْنَعُ النَّائِبَةَ فِي قَوْمِهِ وَ هُوَ فِيمَا سِوَى ذَلِك يَبْذُرُ.(4)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: ثَلَاثٌ إِذَا كُنَّ فِي الرَّجُلِ فَلَا تَحَرَّجْ أَنْ تَقُولَ إِنَّهُ فِي جَهَنَّمَ الْجَفَاءُ وَ الْجُبْنُ وَ الْبُخْلُ وَ ثَلَاثٌ إِذَا كُنَّ فِي الْمَرْأَةِ فَلَا تَحَرَّجْ أَنْ تَقُولَ إِنَّهَا فِي جَهَنَّمَ الْبَذَاءُ وَ الْخُيَلَاءُ وَ الْفَخْرُ.(5)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَا كَانَ فِي شِيعَتِنَا فَلَا يَكُونُ فِيهِمْ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ لَا يَكُونَ فِيهِمْ‌


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 305.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 306.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 306.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 306.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 306.

مَنْ يَسْأَلُ بِكَفِّهِ وَ لَا يَكُونُ فِيهِمْ بَخِيلٌ وَ لَا يَكُونُ فِيهِمْ مَنْ يُؤْتَى فِي دُبُرِهِ‌.(1)

عن أبي جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى الْمَعْرُوفُ هَدِيَّةٌ مِنِّي إِلَى عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ فَإِنْ قَبِلَهَا مِنِّي فَبِرَحْمَتِي وَ مِنِّي وَ إِنْ رَدَّهَا عَلَيَّ فَبِذَنْبِهِ حَرَمَهَا وَ مِنْهُ لَا مِنِّي وَ أَيُّمَا عَبْدٍ خَلَقْتُهُ فَهَدَيْتُهُ إِلَى الْإِيمَانِ وَ حَسَّنْتُ خُلُقَهُ وَ لَمْ أَبْتَلِهِ بِالْبُخْلِ فَإِنِّي أُرِيدُ بِهِ خَيْراً.(2)

عن الصادق عليه السلام خِيَارُكُمْ سُمَحَاؤُكُمْ وَ شِرَارُكُمْ بُخَلَاؤُكُمْ وَ مِنْ خَالِصِ الْإِيمَانِ الْبِرُّ بِالْإِخْوَانِ وَ السَّعْيُ فِي حَوَائِجِهِمْ‌.(3)

وَ عَنْهُ ع قَالَ‌: شَابٌ سَخِيٌ مُرَهَّقٌ فِي الذُّنُوبِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ شَيْخٍ عَابِدٍ بَخِيلٍ‌.(4)

وَ قَالَ النَّبِيُّ ص مَنْ أَدَّى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَهُوَ أَسْخَى النَّاس(5)

قال الصادق عليه السلام: قَالَ الصَّادِقُ ع حَسْبُ الْبَخِيلِ مِنْ بُخْلِهِ سُوءُ الظَّنِّ بِرَبِّهِ مَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ جَادَ بِالْعَطِيَّةِ‌.(6)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: الْبُخْلُ عَارٌ وَ الْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ‌.(7)

1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 306.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 307.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 307.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 307.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 307.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 307.

7) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 3.

و قال عليه السلام: الْبُخْلُ جَامِعٌ لِمَسَاوِئِ الْعُيُوبِ وَ هُوَ زِمَامٌ يُقَادُ بِهِ إِلَى كُلِّ سُوءٍ‌.(1)

عن الرّضا عليه السلام قال: قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع إِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنْ رَبِّي أَنْ أَرَى الْأَخَ مِنْ إِخْوَانِي فَأَسْأَلَ اللَّهَ لَهُ الْجَنَّةَ - وَ أَبْخَلَ عَلَيْهِ بِالدِّينَارِ وَ الدِّرْهَمِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ لِي لَوْ كَانَتِ الْجَنَّةُ لَك لَكُنْتَ بِهَا أَبْخَلَ وَ أَبْخَلَ وَ أَبْخَلَ‌.(2)

وَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الثَّالِثُ ع الْحَسَدُ مَاحِقُ الْحَسَنَاتِ وَ الزَّهْوُ جَالِبُ الْمَقْتِ وَ الْعُجْبُ صَارِفٌ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ دَاعٍ إِلَى الغَمْطِ وَ الْجَهْلِ وَ الْبُخْلُ أَذَمُّ الْأَخْلَاقِ وَ الطَّمَعُ سَجِيَّةٌ سَيِّئَةٌ‌.(3)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام:... الْبُخْلُ جِلْبَابُ الْمَسْكَنَةِ‌.(4)

قال الصادق عليه السلام: مَنْ بَرِئَ مِنْ ثَلَاثَةٍ نَالَ ثَلَاثَةً مَنْ بَرِئَ مِنَ الشَّرِّ نَالَ الْعِزَّ وَ مَنْ بَرِئَ مِنَ الْكِبْرِ نَالَ الْكَرَامَةَ وَ مَنْ بَرِئَ مِنَ الْبُخْلِ نَالَ الشَّرَفَ‌.(5)

عن الرّضا عليه السلام: قال:... وَ إِيَّاكُمْ وَ الْبُخْلَ فَإِنَّهَا عَاهَةٌ لَا تَكُونُ فِي حُرٍّ وَ لَا مُؤْمِنٍ إِنَّهَا خِلَافُ الْإِيمَان.(6)


1) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 378.

2) . راجع: وسائل الشِّيعة، ج 11 ص 598.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 69 ص 198.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 238.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 229.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 346.

قال الرّضا عليه السلام:... وَ الْبُخْلُ يُمَزِّقُ الْعِرْضَ‌.(1)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام:... النَّظَرُ إِلَى الْبَخِيلِ يُقْسِي الْقَلْبَ‌.(2)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: عَجِبْتُ لِلْبَخِيلِ الَّذِي اسْتَعْجَلَ الْفَقْرَ الَّذِي مِنْهُ هَرَبَ وَ فَاتَهُ الْغِنَى الَّذِي إِيَّاهُ طَلَبَ يَعِيشُ فِي الدُّنْيَا عَيْشَ الْفُقَرَاءِ وَ يُحَاسَبُ فِي الآْخِرَةِ حِسَابَ الْأَغْنِيَاءِ‌.(3)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام:... وَ حَاجَتُك إِلَى الْبَخِيلِ أَبْرَدُ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ.(4)

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: أَبْعَدُكُمْ بِي شَبَهاً الْبَخِيلُ الْبَذِيُّ الْفَاحِشُ‌.(5)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام:... وَ كَثْرَةُ الْعِلَلِ آيَةُ الْبُخْلِ‌.(6)

عن الصّادق عن آبائه عليهم السلام عن النّبىّ صلى الله عليه و آله قال: تُكَلِّمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةً أَمِيراً وَ قَارِئاً وَ ذَا ثَرْوَةٍ مِنَ الْمَالِ فَتَقُولُ لِلْأَمِيرِ يَا مَنْ وَهَبَ اللَّهُ لَهُ سُلْطَاناً فَلَمْ يَعْدِلْ - فَتَزْدَرِدُهُ كَمَا يَزْدَرِدُ الطَّيْرُ حَبَّ السِّمْسِمِ وَ تَقُولُ لِلْقَارِئِ يَا مَنْ تَزَيَّنَ لِلنَّاسِ وَ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمَعَاصِي فَتَزْدَرِدُهُ وَ تَقُولُ لِلْغَنِيِ يَا مَنْ وَهَبَهُ اللَّهُ دُنْيَا كَثِيرَةً وَاسِعَةً فَيْضاً وَ سَأَلَهُ الْحَقِيرَ الْيَسِيرَ قَرْضاً فَأَبَى إِلَّا بُخْلًا فَتَزْدَرِدُهُ‌.(7)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 357.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 53.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 94.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 31.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 149.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 209.

7) . راجع: بحار الأنوار، ج 72 ص 337.

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: إِنَّ أَعْجَزَ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ مِنَ الدُّعَاءِ وَ إِنَّ أَبْخَلَ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ‌.(1)

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام: أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع بَعَثَ إِلَى رَجُلٍ بِخَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرِ المعينعة [الْبُغَيْبِغَةِ‌] وَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى البقيعة وَ كَانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ يُرْجَى نَوَافِلُهُ وَ يُؤَمَّلُ تائله [نَائِلُهُ‌] وَ رِفْدُهُ وَ كَانَ لَا يَسْأَلُ عَلِيّاً وَ لَا غَيْرَهُ شَيْئاً فَقَالَ رَجُلٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع وَ اللَّهِ مَا سَأَلَك فُلَانٌ وَ لَقَدْ كَانَ يُجْزِيهِ مِنَ الْخَمْسَةِ الْأَوْسَاقِ وَسْقٌ وَاحِدٌ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع لَا أَكْثَرَ اللَّهُ فِي الْمُؤْمِنِينَ ضَرْبَك أُعْطِي أَنَا وَ تَبْخَلُ أَنْتَ [اللَّهَ أَنْتَ‌] إِذَا لَمْ أُعْطِ الَّذِي يَرْجُونِّي إِلَّا مِنْ بَعْدِ الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ أَعْطَيْتُهُ مِنْ بَعْدِ الْمَسْأَلَةِفَلَمْ أُعْطِهِ ثَمَنَ مَا أَخَذْتُ مِنْهُ‌.(2)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام في غرر الحكم:

الف: البخل بالموجود سوء ظنّ بالمعبود.

ب: من بخل بماله ذلّ‌، و من بخل بدينه جلّ‌.

ج: بالبخل تكثر المسبّة.

د: البخيل خازن لورثته.

ه: البخيل يذلّ مصاحبه، و يعزّ مجانبه.

و: البخيل يبخل على نفسه باليسير، و يسمح لوارثه بكلّها.

ز: البخيل يسمح من عرضه باكثر ممّا امسك من عرضه.


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 73 ص 4.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 41 ص 35.

ح: ليس لبخيل حبيب.

ط: ابخل النّاس من بخل على نفسه بماله و خلّفه لوارثه.

ى: البخل باخراج ما افترضه اللّٰه سبحانه من الاموال، اقبح البخل.

ك: انّ سخاء النّفس عمّا في ايدى النّاس، لاًفضل من سخاء البذل.

ل: البخيل متحجّج بالمعاذير و التعاليل.(1)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام لجابر بن عبداللّٰه الانصارى: يَا جَابِرُ قِوَامُ الدِّينِ وَ الدُّنْيَا بِأَرْبَعَةٍ عَالِمٍ [يَسْتَعْمِلُ‌] مُسْتَعْمِلٍ عِلْمَهُ وَ جَاهِلٍ لَا يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَتَعَلَّمَ وَ جَوَادٍ لَا يَبْخَلُ بِمَعْرُوفِهِ وَ فَقِيرٍ لَا يَبِيعُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ فَإِذَا ضَيَّعَ الْعَالِمُ عِلْمَهُ اسْتَنْكَفَ الْجَاهِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ وَ إِذَا بَخِلَ الْغَنِيُ بِمَعْرُوفِهِ بَاعَ الْفَقِيرُ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ‌.(2)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: خِيَارُ خِصَالِ النِّسَاءِ شِرَارُ خِصَالِ الرِّجَالِ الزَّهْوُ وَ الْجُبْنُ وَ الْبُخْلُ فَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مَزْهُوَّةً لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِهَا وَ إِذَا كَانَتْ بَخِيلَةً حَفِظَتْ مَالَهَا وَ مَالَ بَعْلِهَا وَ إِذَا كَانَتْ جَبَانَةً فَرِقَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‌ءٍ يَعْرِضُ لَهَا.(3)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: يَا بُنَيَّ احْفَظْ عَنِّي أَرْبَعاً وَ أَرْبَعاً لَا يَضُرُّك مَا عَمِلْتَ مَعَهُنَّ إِنَّ أَغْنَى الْغِنَى الْعَقْلُ وَ أَكْبَرَ الْفَقْرِ الْحُمْقُ وَ أَوْحَشَ الْوَحْشَةِ الْعُجْبُ وَ أَكْرَمَ الْحَسَبِ حُسْنُ الْخُلُقِ يَا بُنَيَّ إِيَّاك وَ مُصَادَقَةَ الْأَحْمَقِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَك فَيَضُرُّك وَ إِيَّاك وَ مُصَادَقَةَ‌


1) . راجع: ميزان الحكمة، ج 1 صص 375-378.

2) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 372.

3) . راجع: نهج البلاغة،، الحكمة 234.

الْبَخِيلِ فَإِنَّهُ يَقْعُدُ عَنْك أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إلَيْه.(1)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام:... وَ لَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِك بَخِيلًا يَعْدِلُ بِك عَنِ الْفَضْلِ وَ يَعِدُك الْفَقْر.(2)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ وَ الدِّمَاءِ وَ الْمَغَانِمِ وَ الْأَحْكَامِ وَ إِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُه.(3)

1) . راجع: نهج البلاغة، الحكمة 38.

2) . راجع: نهج البلاغة، الكتاب 53.

3) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 131.

الفصل العشرون

اشارة

الفضيلة الحادية و العشرون: النُّصح

الرّذيلة الثالثة و العشرون: الحسد

الفضيلة الواحدة و العشرون: النّصيحة

اشارة

و هي حبّ الخير و النعمة للغير عن ملكة، فالناصح يحبّ بقاء الخير لغيره كما أنّه يحبّ حصوله له إن لم يكن متوفّراً لديه. و هو دليل الايمان بل دليل الانسانية.

ففى روايات بلغت حدّ الاستفاضة عن أئمّة اهل البيت عليهم السلام انّهم قالوا: هَلِ الْإِيمَانُ إِلَّا الْحُبُ وَ الْبُغْض‌؟(1).

و قالوا: مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ‌.(2)

و الاهتمام بامور المسلمين، فرع حبّ الخيرات و النعمات لهم عن ملكة، بل لا معنى للحبّ الا كونه عن ملكة و لو ملكة ضعيفة و ما اشتهر بين الناس من ابياتٍ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2، ص 125.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 163.

للشيخ الاريب السعدى الشيرازى مأخوذٌ من هذه الروايات:

بنى آدم اعضاء يكديگرند *** كه در آفرينش ز يك گوهرند

چو عضوى به درد آورد روزگار *** دگر عضوها را نماند قرار

تو كز محنت ديگران بى غمى *** نشايد كه نامت نهند آدمى

و لا يختصّ النصح بالمسلمين و للمسلمين فقط، بل يعمّ المسلمين و غيرهم لكافّة النّاس كما أنشأه الشيخ السعدى في أبياته نعم ان المسلمين اولى به ناصحاً و منصوحاً، و إلّافالبرّ و الاحسان عن ملكة، من الفضائل فهى حسنة كما ان ما ينشأ منها من فعل الخيرات و الحسنات حسن، من غير فرق بين المسلمين و بين غيرهم، بل من غير فرق بين الإنسان و الحيوان.

قال اللّٰه تعالى: (لاٰ يَنْهٰاكُمُ اَللّٰهُ عَنِ اَلَّذِينَ لَمْ يُقٰاتِلُوكُمْ فِي اَلدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيٰارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ * إِنَّمٰا يَنْهٰاكُمُ اَللّٰهُ عَنِ اَلَّذِينَ قٰاتَلُوكُمْ فِي اَلدِّينِ وَ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيٰارِكُمْ وَ ظٰاهَرُوا عَلىٰ إِخْرٰاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلظّٰالِمُونَ‌)(1).

فترى ان القرآن رغّب بقوله (أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ‌) في البرّ بالكفار، ثمّ اشار إلى ان البر بالمحارب ليس ببرّ و إلّافما يصدق عليه عنوان البرّ فهو حسنٌ عقلاً و شرعاً، و قد اشارت إليه آيات كثيرة مشيرةً إلى أنّ القتال من الطاف الحقّ تعالى الخفيّة.


1) . الممتحنة، 89.

قال اللّٰه تعالى: (وَ قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لاٰ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ اَلدِّينُ لِلّٰهِ‌)(1).

و قال تعالى: (وَ قٰاتِلُوا اَلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمٰا يُقٰاتِلُونَكُمْ كَافَّةً‌)(2)

و قال تعالى: (فَقٰاتِلُوا أَئِمَّةَ اَلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاٰ أَيْمٰانَ لَهُمْ‌)(3)

بل يظهر من القرآن انّ السّرّ في وضع القصاص ليس إلّاتوقّف المجتمع و حياته عليه.

قال تعالى: (وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ يٰا أُولِي اَلْأَلْبٰابِ‌)(4)

و مع ذلك كلّه أمر اولياء الدم بالعفو عن الجانى.

قال تعالى: (وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا فَمَنْ عَفٰا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اَللّٰهِ إِنَّهُ لاٰ يُحِبُّ اَلظّٰالِمِينَ‌)(5)

و قد فسّرها بعض اهل القلوب بان جزاء سيّئة سيّئة، و المؤمن لايفعل ما هو السيّئة و لا تليق به، بل يعفو عنها.

و للنصيحة اقسام، بعضها من مقولة الجوانح و بعضها من مقولة الجوارح.

و على مصطلحٍ أسّسناه في هذا الكتاب، بعضها من مقولة الأخلاق و بعضها من مقولة الاخلاقيات.

و بعبارةٍ أخرى بعضها من مقولة الفضائل و بعضها من مقولة الاعمال الصالحة.


1) . البقرة، 193.

2) . التوبة، 36.

3) . التوبة، 12.

4) . البقرة، 179.

5) . الشورى، 40.

فما يكون من قبيل الفضائل مرتبطاً بالقلب ذاصلةٍ به ان تحبّ لغيرك ما تحبّ لنفسك و ان تكره له ما تكره لها، و قد استفاضت الروايات في ذلك، بل في بعضها أنّ هذه الفضيلة من دلائل الايمان.

و الكلينى رضوان اللّٰه تعالى عليه، مضافاً إلى ما نقل من تلك الروايات في أبواب متفرقة خصّ بها باباً، و أورد فيه ستة عشر رواية منها:

سألت ابا عبداللّٰه عليه السلام عن الحبّ و البغض، امن الايمان هو؟ فقال: هل الايمان الا الحبّ و البغض، ثمّ تلا هذه الآية (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ اَلْإِيمٰانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ اَلْكُفْرَ وَ اَلْفُسُوقَ وَ اَلْعِصْيٰانَ أُولٰئِكَ هُمُ اَلرّٰاشِدُونَ‌)(1).

و منها ما، عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِأَصْحَابِهِ أَيُّ عُرَى الْإِيمَانِ أَوْثَقُ فَقَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الزَّكَاةُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الصِّيَامُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الْحَجُ‌

وَ الْعُمْرَةُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الْجِهَادُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِكُلِّ مَا قُلْتُمْ فَضْلٌ وَ لَيْسَ بِهِ وَ لَكِنْ أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَ الْبُغْضُ فِي اللَّهِ وَ تَوَالِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَ التَّبَرِّي مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ‌.(2)

و ما يكون من قبيل الاعمال الصالحة فهو كثير، نظير الدفاع عن نفسه و ماله و عرضه و حريمه و الاهتمام بامور أسرته و ادخال السرور عليهم و قضاء حوائجهم و السعى في رفع مشاكلهم بأىّ طريقٍ أمكن، و رفع الكرب عنهم و القيام بما يجب عليه


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 125.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 125.

و عليهم كتعليمهم الشرائع و السنن و امرهم بالمعروف و نهيهم عن المنكر.

هذا هو أهمّ مواردها و صاحب الكافي قدس سره روى في ذلك ما يربو على خمسماة روايةٍ و نحن نذيل البحث ببعض تلك الروايات بعونه تعالى، إلّاانه لا بأس بنا لو أوردنا هيهنا روايةً تتضمّن جلائل النكات مستدلاً بها على ما أسلفنا من البحث.

عَنْ مُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: قُلْتُ لَهُ مَا حَقُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ قَالَ لَهُ سَبْعُ حُقُوقٍ وَاجِبَاتٍ مَا مِنْهُنَّ حَقٌّ إِلَّا وَ هُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ إِنْ ضَيَّعَ مِنْهَا شَيْئاً خَرَجَ مِنْ وِلَايَةِ اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ وَ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ فِيهِ مِنْ نَصِيبٍ قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاك وَ مَا هِيَ قَالَ يَا مُعَلَّى إِنِّي عَلَيْك شَفِيقٌ أَخَافُ أَنْ تُضَيِّعَ وَ لَا تَحْفَظَ وَ تَعْلَمَ وَ لَا تَعْمَلَ قَالَ قُلْتُ لَهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قَالَ أَيْسَرُ حَقٍّ مِنْهَا أَنْ تُحِبَّ لَهُ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِك وَ تَكْرَهَ لَهُ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِك وَ الْحَقُّ الثَّانِي أَنْ تَجْتَنِبَ سَخَطَهُ وَ تَتَّبِعَ مَرْضَاتَهُ وَ تُطِيعَ أَمْرَهُ وَ الْحَقُّ الثَّالِثُ أَنْ تُعِينَهُ بِنَفْسِك وَ مَالِك وَ لِسَانِك وَ يَدِك وَ رِجْلِك وَ الْحَقُّ الرَّابِعُ أَنْ تَكُونَ عَيْنَهُ وَ دَلِيلَهُ وَ مِرْآتَهُ وَ الْحَقُّ الْخَامِسُ أَنْ لَا تَشْبَعَ وَ يَجُوعُ وَ لَا تَرْوَى وَ يَظْمَأُ وَ لَا تَلْبَسَ وَ يَعْرَى وَ الْحَقُّ السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ لَك خَادِمٌ وَ لَيْسَ لِأَخِيك خَادِمٌ فَوَاجِبٌ أَنْ تَبْعَثَ خَادِمَك فَيَغْسِلَ ثِيَابَهُ وَ يَصْنَعَ طَعَامَهُ وَ يَمْهَدَ فِرَاشَهُ وَ الْحَقُّ السَّابِعُ أَنْ تُبِرَّ قَسَمَهُ وَ تُجِيبَ دَعْوَتَهُ وَ تَعُودَ مَرِيضَهُ وَ تَشْهَدَ جَنَازَتَهُ وَ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ لَهُ حَاجَةً تُبَادِرُهُ إِلَى قَضَائِهَا وَ لَا تُلْجِئُهُ أَنْ يَسْأَلَكَهَا وَ لَكِنْ تُبَادِرُهُ مُبَادَرَةً فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِك وَصَلْتَ وَلَايَتَك بِوَلَايَتِهِ وَ وَلَايَتَهُ بِوَلَايَتِكَ‌.(1)

و المُؤمّن الّذي يقرّ به النّفس قبال هذه الرواية، هو تساقط حقوق المسلمين


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 169.

بالتهاتر، حيث لم يقم أحدٌ منهم بما يجب عليه من أخيه المسلم، و الا فويل لنا ثمّ ويل لنا و لاخواننا المسلمين، اللهم ارحمنا و تفضّل علينا و اغفرلنا انك انت ارحم الراحمين.

ثمّ ان النُّصح باعتبار متعلّقه ينقسم إلى اقسام بعضها اوجب من بعض:

1 - النصيحة لائمّة المسلمين و إليها اشار اميرالمؤمنين عليه السلام:... أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً وَ لَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصِيحَةُ 190 لَكُمْ وَ تَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ وَ تَعْلِيمُكُمْ كَيْلَا تَجْهَلُوا وَ تَأْدِيبُكُمْ كَيْمَا تَعْلَمُوا وَ أَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَيْعَةِ وَ النَّصِيحَةُ فِي الْمَشْهَدِ وَ الْمَغِيبِ وَ الْإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ وَ الطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُم.(1)

2 - نصيحة الأقرباء، بادئاً بالأقرب فالاقرب و يجب على المسلم القيام بهذا القسم قبل أقسامها الأُخر،

قال اللّٰه تعالى: (وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ‌)(2)

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً)(3)

و قال تعالى: (وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلاّٰ تَعْبُدُوا إِلاّٰ إِيّٰاهُ وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً إِمّٰا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ اَلْكِبَرَ أَحَدُهُمٰا أَوْ كِلاٰهُمٰا فَلاٰ تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ وَ لاٰ تَنْهَرْهُمٰا وَ قُلْ لَهُمٰا قَوْلاً كَرِيماً * وَ اِخْفِضْ لَهُمٰا جَنٰاحَ اَلذُّلِّ مِنَ اَلرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ اِرْحَمْهُمٰا كَمٰا رَبَّيٰانِي صَغِيراً)(4).


1) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 34.

2) . الشعرا، 214.

3) . التحريم، 6.

4) . الاسراء، 24-23.

و قال تعالى: (وَ اَلَّذِينَ يَصِلُونَ مٰا أَمَرَ اَللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخٰافُونَ سُوءَ اَلْحِسٰابِ * وَ اَلَّذِينَ صَبَرُوا اِبْتِغٰاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَ أَقٰامُوا اَلصَّلاٰةَ وَ أَنْفَقُوا مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ سِرًّا وَ عَلاٰنِيَةً وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ اَلسَّيِّئَةَ أُولٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى اَلدّٰارِ * جَنّٰاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهٰا وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبٰائِهِمْ وَ أَزْوٰاجِهِمْ وَ ذُرِّيّٰاتِهِمْ‌)(1).

3 - نصح الجار

قال تعالى: (وَ اُعْبُدُوا اَللّٰهَ وَ لاٰ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً وَ بِذِي اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْيَتٰامىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينِ وَ اَلْجٰارِ ذِي اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْجٰارِ اَلْجُنُبِ وَ اَلصّٰاحِبِ بِالْجَنْبِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ وَ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ مَنْ كٰانَ مُخْتٰالاً فَخُوراً)(2)

4 - نصح المؤمنين

قال اللّٰه تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللّٰهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّٰاءُ عَلَى اَلْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ‌)(3).

5 - النصيحة لعامّة الناس إلّاان يمنع عنه مانعٌ يؤدّى إلى وهن الشريعة أو يوجب المقدّر السوء بالنسبة إليها و هذا سرّ ما رُوى عن سيرة الرسول صلى الله عليه و آله أنّه حينما آذاه العرب دعا لها - لا عليها - فقال: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُون»(4).

حتّى قال سبحانه و تعالى:


1) . الرعد، 23-21.

2) . النساء، 36.

3) . الفتح، 29.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 11 ص 298.

(لَعَلَّكَ بٰاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‌) (1)

و اشار إلى سيرته المرضيّة حيث قال: (لَقَدْ جٰاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ‌)(2).

6 - النُّصح الّذي يشمل كلّ ما مرّ، و هو الامر بالمعروف و النهى عن المنكر، و هي مشارفة عامّة ثابتةٌ لآحاد المسلمين، فللأئمّة بالنسبة إلى الرّعية و للرعيّة بالنسبة إلى الأئمّة و لكلّ أحدٍ بالنسبة إلى غيره من قاطنى المجتمع و هذا الأمر و النهى أحسن نُصحٍ يجرى بين الناس بلا مدافع.

قال تعالى: (وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ)(3).

و هذا النُّصح العامّ هو الّذي يدور عليه صلاح المجتمع و لا سبيل إلى المدينة الفاضلة إلّابالقيام به و حينئذٍ يفتّح على المجتمع بركات السماوات و الأرض، و لكنّ الناس في عصرنا هذا تركوه وراء ظهورهم فأخذهم اللّٰه بذنوبهم تمّ سلّط سبحانه عليهم الأجانب و شرار الناس كما اخبر بذلك النّبى صلى الله عليه و آله حيث قال: «إِذَا لَمْ يَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ لَمْ يَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لَمْ يَتَّبِعُوا الْأَخْيَارَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شِرَارَهُمْ فَيَدْعُو خِيَارُهُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ‌».(4)


1) . الشعراء، 3.

2) . التوبة، 128.

3) . التوبة، 71.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 369.

و يطول البحث عنه فنبحث عنه في الأخلاقيّات انشاءاللّٰه.

7 - النّصح بالانفاقات الواجبة و المندوبة و الايثار و العفو و الصفح، و قد مرّ الكلام عنه في البحث عن السخاء فراجع.

روايات في نصيحة المؤمن

المراد بنصح المؤمن للمؤمن ارشاده إلى مصالح دينه و دنياه و تعليمه إذا كان جاهلاً و تنبيهه على ما يليق به حيث كان غافلاً و الذبّ عنه و عن عِرضه إذا كان وضيعاً و توقيره في صغره و كبره و ترك حسده و غشّه و دفع الضرر عنه و جلب النفع إليه و لو لم‌يقبل النّصح منه ان يسلك معه طريق الرفق حتّى يقبله و لو كان متعلقاً بما يرجع إلى الشريعة الغرّاء يسلك معه طريق الامر و النهى على أحسن الوجوه.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: يَجِبُ لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يُنَاصِحَه.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: يَجِبُ لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ النَّصِيحَةُ لَهُ فِي الْمَشْهَدِ وَ الْمَغِيب.(3)

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِيَنْصَحِ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ كَنَصِيحَتِهِ‌


1) . مرآت العقول

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 208.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 208.

لِنَفْسِهِ‌.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْشَاهُمْ فِي أَرْضِهِ بِالنَّصِيحَةِ لِخَلْقِهِ‌.(2)

عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِالنُّصْحِ لِلَّهِ فِي خَلْقِهِ فَلَنْ تَلْقَاهُ بِعَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْهُ‌.(3)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ‌.(4)

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَنْسَك النَّاسِ نُسُكاً أَنْصَحُهُمْ جَيْباً وَ أَسْلَمُهُمْ قَلْباً لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين.(5)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ‌: مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ وَ مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُنَادِي يَا لَلْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ‌.(6)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْخَلْقُ عِيَالُ اللَّهِ فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ نَفَعَ عِيَالَ اللَّهِ وَ أَدْخَلَ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ سُرُوراً.(7)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 208.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 208.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 208.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 163.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 163.

6) . راجع: الكافي، ج 2 ص 163.

7) . راجع: الكافي، ج 2 ص 163.

عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ ص قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ رَدَّ عَنْ قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَادِيَةَ [مَاءٍ‌] أَوْ نَارٍ أُوجِبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ‌.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً قَالَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَ لَا تَقُولُوا إِلَّا خَيْراً حَتَّى تَعْلَمُوا مَا هُو؟(2).

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً قَالَ قُولُوا لِلنَّاسِ أَحْسَنَ مَا تُحِبُّونَ أَنْ يُقَالَ فِيكُمْ‌.(3)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ - وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ قَالَ نَفَّاعًا.(4)

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ بَنُو أَبٍ وَ أُمٍّ وَ إِذَا ضَرَبَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ عِرْقٌ سَهِرَ لَهُ الآْخَرُونَ‌.(5)

عُقْبَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ عَيْنُهُ وَ دَلِيلُهُ لَا يَخُونُهُ وَ لَا يَظْلِمُهُ وَ لَا يَغُشُّهُ وَ لَا يَعِدُهُ عِدَةً فَيُخْلِفَهُ‌.(6)

عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِنِ اشْتَكَى شَيْئاً مِنْهُ - وَجَدَ أَلَمَ ذَلِك فِي سَائِرِ جَسَدِهِ وَ أَرْوَاحُهُمَا مِنْ رُوحٍ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 164.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 164.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 164.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 164.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 165.

6) . راجع: الكافي، ج 2 ص 166.

وَاحِدَةٍ وَ إِنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ لَأَشَدُّ اتِّصَالًا بِرُوحِ اللَّهِ مِنِ اتِّصَالِ شُعَاعِ الشَّمْسِ بِهَا.(1)

عَنْ جَمِيلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ خَدَمٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ قُلْتُ وَ كَيْفَ يَكُونُونَ خَدَماً بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ قَالَ يُفِيدُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً الْحَدِيث(2).

حق المؤمن على اخيه و اداء حقه

عَنْ مُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: قُلْتُ لَهُ مَا حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ قَالَ لَهُ سَبْعُ حُقُوقٍ وَاجِبَاتٍ مَا مِنْهُنَّ حَقٌّ إِلَّا وَ هُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ إِنْ ضَيَّعَ مِنْهَا شَيْئاً خَرَجَ مِنْ وِلَايَةِ اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ وَ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ فِيهِ مِنْ نَصِيبٍ قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاك وَ مَا هِيَ قَالَ يَا مُعَلَّى إِنِّي عَلَيْك شَفِيقٌ أَخَافُ أَنْ تُضَيِّعَ وَ لَا تَحْفَظَ وَ تَعْلَمَ وَ لَا تَعْمَلَ قَالَ قُلْتُ لَهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قَالَ أَيْسَرُ حَقٍّ مِنْهَا أَنْ تُحِبَّ لَهُ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِك وَ تَكْرَهَ لَهُ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِك وَ الْحَقُّ الثَّانِي أَنْ تَجْتَنِبَ سَخَطَهُ وَ تَتَّبِعَ مَرْضَاتَهُ وَ تُطِيعَ أَمْرَهُ وَ الْحَقُّ الثَّالِثُ أَنْ تُعِينَهُ بِنَفْسِك وَ مَالِك وَ لِسَانِك وَ يَدِك وَ رِجْلِك وَ الْحَقُّ الرَّابِعُ أَنْ تَكُونَ عَيْنَهُ وَ دَلِيلَهُ وَ مِرْآتَهُ وَ الْحَقُّ الْخَامِسُ أَنْ لَا تَشْبَعَ وَ يَجُوعُ وَ لَا تَرْوَى وَ يَظْمَأُ وَ لَا تَلْبَسَ وَ يَعْرَى وَ الْحَقُّ السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ لَك خَادِمٌ وَ لَيْسَ لِأَخِيك خَادِمٌ فَوَاجِبٌ أَنْ تَبْعَثَ خَادِمَك فَيَغْسِلَ ثِيَابَهُ وَ يَصْنَعَ طَعَامَهُ وَ يَمْهَدَ فِرَاشَهُ وَ الْحَقُّ السَّابِعُ أَنْ تُبِرَّ قَسَمَهُ وَ تُجِيبَ دَعْوَتَهُ وَ تَعُودَ مَرِيضَهُ وَ تَشْهَدَ جَنَازَتَهُ وَ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ لَهُ حَاجَةً تُبَادِرُهُ إِلَى قَضَائِهَا وَ لَا تُلْجِئُهُ أَنْ يَسْأَلَكَهَا وَ لَكِنْ تُبَادِرُهُ مُبَادَرَةً فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِك وَصَلْتَ وَلَايَتَك

1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 166.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 166.

بِوَلَايَتِهِ وَ وَلَايَتَهُ بِوَلَايَتِكَ‌.(1)

عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَعْيَنَ قَالَ‌: كَتَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَسْأَلُونَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ أَشْيَاءَ وَ أَمَرُونِي أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ فَسَأَلْتُهُ فَلَمْ يُجِبْنِي فَلَمَّا جِئْتُ لِأُوَدِّعَهُ فَقُلْتُ سَأَلْتُك فَلَمْ تُجِبْنِي فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا إِنَّ مِنْ أَشَدِّ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ ثَلَاثاً إِنْصَافَ الْمَرْءِ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى لَا يَرْضَى لِأَخِيهِ مِنْ نَفْسِهِ إِلَّا بِمَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ مِنْهُ وَ مُوَاسَاةَ الْأَخِ فِي الْمَالِ وَ ذِكْرَ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَيْسَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَكِنْ عِنْدَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَدَعُهُ‌.(2)

عَنْ أَبِي الْمَأْمُونِ الْحَارِثِيِّ قَالَ‌: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع مَا حَقُّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ قَالَ إِنَّ مِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْمَوَدَّةَ لَهُ فِي صَدْرِهِ وَ الْمُوَاسَاةَ لَهُ فِي مَالِهِ وَ الْخَلَفَ لَهُ فِي أَهْلِهِ وَ النُّصْرَةَ لَهُ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ وَ إِنْ كَانَ نَافِلَةٌ فِي الْمُسْلِمِينَ وَ كَانَ غَائِباً أَخَذَ لَهُ بِنَصِيبِهِ وَ إِذَا مَاتَ الزِّيَارَةَ إِلَى قَبْرِهِ وَ أَنْ لَا يَظْلِمَهُ وَ أَنْ لَا يَغُشَّهُ وَ أَنْ لَا يَخُونَهُ وَ أَنْ لَا يَخْذُلَهُ وَ أَنْ لَا يُكَذِّبَهُ وَ أَنْ لَا يَقُولَ لَهُ أُفٍّ وَ إِذَا قَالَ لَهُ أُفٍّ فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا وَلَايَةٌ وَ إِذَا قَالَ لَهُ أَنْتَ عَدُوِّي فَقَدْ كَفَرَ أَحَدُهُمَا وَ إِذَا اتَّهَمَهُ انْمَاثَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ‌.(3)

عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ‌: كُنْتُ أَطُوفُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَعَرَضَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا كَانَ سَأَلَنِي الذَّهَابَ مَعَهُ فِي حَاجَةٍ فَأَشَارَ إِلَيَّ فَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع وَ


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 169.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 170.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 171.

أَذْهَبَ إِلَيْهِ فَبَيْنَا أَنَا أَطُوفُ إِذْ أَشَارَ إِلَيَّ أَيْضاً فَرَآهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع فَقَالَ يَا أَبَانُ إِيَّاك يُرِيدُ هَذَا قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَمَنْ هُوَ قُلْتُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ هُوَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَاذْهَبْ إِلَيْهِ قُلْتُ فَأَقْطَعُ الطَّوَافَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَ إِنْ كَانَ طَوَافَ الْفَرِيضَةِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَذَهَبْتُ مَعَهُ ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ بَعْدُ فَسَأَلْتُهُ فَقُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ فَقَالَ يَا أَبَانُ دَعْهُ لَا تَرِدْهُ قُلْتُ بَلَى جُعِلْتُ فِدَاك فَلَمْ أَزَلْ أُرَدِّدُ عَلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَانُ تُقَاسِمُهُ شَطْرَ مَالِك ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَرَأَى مَا دَخَلَنِي فَقَالَ يَا أَبَانُ أَ مَا تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ ذَكَرَ الْمُؤْثِرِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ قُلْتُ بَلَى جُعِلْتُ فِدَاك فَقَالَ أَمَّا إِذَا أَنْتَ قَاسَمْتَهُ فَلَمْ تُؤْثِرْهُ بَعْدُ إِنَّمَا أَنْتَ وَ هُوَ سَوَاءٌ إِنَّمَا تُؤْثِرُهُ إِذَا أَنْتَ أَعْطَيْتَهُ مِنَ النِّصْفِ الآْخَرِ.(1)

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ‌: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَدَخَلَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ كَيْفَ مَنْ خَلَّفْتَ مِنْ إِخْوَانِك قَالَ فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ وَ زَكَّى وَ أَطْرَى فَقَالَ لَهُ كَيْفَ عِيَادَةُ أَغْنِيَائِهِمْ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَقَالَ قَلِيلَةٌ قَالَ وَ كَيْفَ مُشَاهَدَةُ أَغْنِيَائِهِمْ لِفُقَرَائِهِمْ قَالَ قَلِيلَةٌ قَالَ فَكَيْفَ صِلَةُ أَغْنِيَائِهِمْ لِفُقَرَائِهِمْ فِي ذَاتِ أَيْدِيهِمْ فَقَالَ إِنَّك لَتَذْكُرُ أَخْلَاقاً قَلَّ مَا هِيَ فِيمَنْ عِنْدَنَا قَالَ فَقَالَ فَكَيْفَ تَزْعُمُ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ شِيعَةٌ‌.(2)

عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ‌: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَا وَ ابْنُ أَبِي يَعْفُورٍ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَلْحَةَ فَقَالَ ابْتِدَاءً مِنْهُ يَا ابْنَ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص سِتُ خِصَالٍ مَنْ كُنَ فِيهِ كَانَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ عَنْ يَمِينِ اللَّهِفَقَالَ ابْنُ أَبِي يَعْفُورٍ وَ مَا هُنَّ جُعِلْتُ فِدَاك قَالَ يُحِبُّ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِأَعَزِّ أَهْلِهِ وَ يَكْرَهُ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ لِأَخِيهِ مَا


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 171.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 173.

يَكْرَهُ لِأَعَزِّ أَهْلِهِ وَ يُنَاصِحُهُ الْوَلَايَةَفَبَكَى ابْنُ أَبِي يَعْفُورٍ وَ قَالَ كَيْفَ يُنَاصِحُهُ الْوَلَايَةَ قَالَ يَا ابْنَ أَبِي يَعْفُورٍ إِذَا كَانَ مِنْهُ بِتِلْك الْمَنْزِلَةِ بَثَّهُ هَمَّهُ فَفَرِحَ لِفَرَحِهِ إِنْ هُوَ فَرِحَ وَ حَزِنَ لِحُزْنِهِ إِنْ هُوَ حَزِنَ وَ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَا يُفَرِّجُ عَنْهُ فَرَّجَ عَنْهُ وَ إِلَّا دَعَا اللَّهَ لَهُ قَالَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع ثَلَاثٌ لَكُمْ وَ ثَلَاثٌ لَنَا أَنْ تَعْرِفُوا فَضْلَنَا وَ أَنْ تَطَئُوا عَقِبَنَا وَ أَنْ تَنْتَظِرُوا عَاقِبَتَنَا فَمَنْ كَانَ هَكَذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَيَسْتَضِيءُ بِنُورِهِمْ مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُمْ وَ أَمَّا الَّذِينَ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ فَلَوْ أَنَّهُمْ يَرَاهُمْ مَنْ دُونَهُمْ لَمْ يَهْنِئْهُمُ الْعَيْشُ مِمَّا يَرَوْنَ مِنْ فَضْلِهِمْ فَقَالَ ابْنُ أَبِي يَعْفُورٍ وَ مَا لَهُمْ لَا يَرَوْنَ وَ هُمْ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ فَقَالَ يَا ابْنَ أَبِي يَعْفُورٍ إِنَّهُمْ مَحْجُوبُونَ بِنُورِ اللَّهِ أَ مَا بَلَغَك الْحَدِيثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ يَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ خَلْقاً عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ وُجُوهُهُمْ أَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ وَ أَضْوَأُ مِنَ الشَّمْسِ الضَّاحِيَةِيَسْأَلُ السَّائِلُ مَا هَؤُلَاءِ فَيُقَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَحَابُّوا فِي جَلَالِ اللَّهِ‌.(1)

عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ قَالَ‌: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ ع جُعِلْتُ فِدَاك إِنَّ الشِّيعَةَ عِنْدَنَا كَثِيرٌ فَقَالَ فَهَلْ يَعْطِفُ الْغَنِيُّ عَلَى الْفَقِيرِ وَ هَلْ يَتَجَاوَزُ الْمُحْسِنُ عَنِ الْمُسِيءِ وَ يَتَوَاسَوْنَ فَقُلْتُ لَا فَقَالَ لَيْسَ هَؤُلَاءِ شِيعَةً - الشِّيعَةُ مَنْ يَفْعَلُ هَذَا.(2)

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع أَ يَجِيءُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ فَيُدْخِلُ يَدَهُ فِي كِيسِهِ فَيَأْخُذُ حَاجَتَهُ فَلَا يَدْفَعُهُ فَقُلْتُ مَا أَعْرِفُ ذَلِك فِينَا فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع فَلَا شَيْ‌ءَ إِذاً قُلْتُ فَالْهَلَاك إِذاً فَقَالَ إِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يُعْطَوْا أَحْلَامَهُمْ بَعْدُ.(3)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 172.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 173.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 174.

إدخال السرور على المؤمنين

عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ ع يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ سَرَّ مُؤْمِناً فَقَدْ سَرَّنِي وَ مَنْ سَرَّنِي فَقَدْ سَرَّ اللَّهَ‌.(1)

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: تَبَسُّمُ الرَّجُلِ فِي وَجْهِ أَخِيهِ حَسَنَةٌ وَ صَرْفُ الْقَذَى عَنْهُ حَسَنَةٌ وَ مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْ‌ءٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ‌.(2)

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ إِذَا بَعَثَ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ قَبْرِهِ خَرَجَ مَعَهُ مِثَالٌ يَقْدُمُ أَمَامَهُ كُلَّمَا رَأَى الْمُؤْمِنُ هَوْلًا مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ لَهُ الْمِثَالُ لَا تَفْزَعْ وَ لَا تَحْزَنْ وَ أَبْشِرْ بِالسُّرُورِ وَ الْكَرَامَةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَتَّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَيُحَاسِبُهُ حِساباً يَسِيراً وَ يَأْمُرُ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَ الْمِثَالُ أَمَامَهُ فَيَقُولُ لَهُ الْمُؤْمِنُ يَرْحَمُك اللَّهُ نِعْمَ الْخَارِجُ خَرَجْتَ مَعِي مِنْ قَبْرِي وَ مَا زِلْتَ تُبَشِّرُنِي بِالسُّرُورِ وَ الْكَرَامَةِ مِنَ اللَّهِ حَتَّى رَأَيْتُ ذَلِك فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ أَنَا السُّرُورُ الَّذِي كُنْتَ أَدْخَلْتَ عَلَى أَخِيك الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا خَلَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْهُ لِأُبَشِّرَكَ‌.(3)

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ قَالَ‌: كَانَ النَّجَاشِيُ وَ هُوَ رَجُلٌ مِنَ الدَّهَاقِينِ عَامِلًا عَلَى الْأَهْوَازِ وَ فَارِسَ فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ عَمَلِهِ - لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِنَّ فِي دِيوَانِ النَّجَاشِيِّ عَلَيَّ خَرَاجاً وَ هُوَ مُؤْمِنٌ يَدِينُ بِطَاعَتِك فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَكْتُبَ لِي إِلَيْهِ كِتَاباً قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 188.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 188.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 190.

عَبْدِ اللَّهِ ع سُرَّ أَخَاك يَسُرَّك اللَّهُ قَالَ فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَيْهِ دَخَلَ عَلَيْهِ وَ هُوَ فِي مَجْلِسِهِ فَلَمَّا خَلَا نَاوَلَهُ الْكِتَابَ وَ قَالَ هَذَا كِتَابُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع فَقَبَّلَهُ وَ وَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَ قَالَ لَهُ مَا حَاجَتُك قَالَ خَرَاجٌ عَلَيَّ فِي دِيوَانِك فَقَالَ لَهُ وَ كَمْ هُوَ قَالَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَدَعَا كَاتِبَهُ وَ أَمَرَهُ بِأَدَائِهَا عَنْهُ ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْهَا وَ أَمَرَ أَنْ يُثْبِتَهَا لَهُ لِقَابِلٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ سَرَرْتُك فَقَالَ نَعَمْ جُعِلْتُ فِدَاك ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِمَرْكَبٍ وَ جَارِيَةٍ وَ غُلَامٍ وَ أَمَرَ لَهُ بِتَخْتِ ثِيَابٍ فِي كُلِّ ذَلِك يَقُولُ لَهُ هَلْ سَرَرْتُك فَيَقُولُ نَعَمْ جُعِلْتُفِدَاك فَكُلَّمَا قَالَ نَعَمْ زَادَهُ حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ قَالَ لَهُ احْمِلْ فُرُشَ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي كُنْتُ جَالِساً فِيهِ حِينَ دَفَعْتَ إِلَيَّ كِتَابَ مَوْلَايَ الَّذِي نَاوَلْتَنِي فِيهِ وَ ارْفَعْ إِلَيَّ حَوَائِجَك قَالَ فَفَعَلَ وَ خَرَجَ الرَّجُلُ فَصَارَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع بَعْدَ ذَلِك فَحَدَّثَهُ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ عَلَى جِهَتِهِ فَجَعَلَ يُسَرُّ بِمَا فَعَلَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ كَأَنَّهُ قَدْ سَرَّك مَا فَعَلَ بِي فَقَالَ إِي وَ اللَّهِ لَقَدْ سَرَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‌.(1)

قضاء حاجة المؤمن

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع لَقَضَاءُ حَاجَةِ امْرِئٍ مُؤْمِنٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ عِشْرِينَ حَجَّةً كُلُّ حَجَّةٍ يُنْفِقُ فِيهَا صَاحِبُهَا مِائَةَ أَلْفٍ‌.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ‌: مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ طَوَافاً وَاحِداً كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ سِتَّةَ آلَافِ حَسَنَةٍ وَ مَحَا عَنْهُ سِتَّةَ آلَافِ سَيِّئَةٍ وَ رَفَعَ اللَّهُ لَهُ سِتَّةَ آلَافِ دَرَجَةٍ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الْمُلْتَزَمِ فَتَحَ اللَّهُ لَهُ سَبْعَةَ أَبْوَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاك


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 190.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 193.

هَذَا الْفَضْلُ كُلُّهُ فِي الطَّوَافِ قَالَ نَعَمْ وَ أُخْبِرُك بِأَفْضَلَ مِنْ ذَلِك قَضَاءُ حَاجَةِ الْمُسْلِمِ أَفْضَلُ مِنْ طَوَافٍ وَ طَوَافٍ وَ طَوَافٍ حَتَّى بَلَغَ عَشْراً.(1)

عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَارِقِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ مَنْ مَشَى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ يَطْلُبُ بِذَلِك مَاعِنْدَ اللَّهِ حَتَّى تُقْضَى لَهُكَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ بِذَلِك مِثْلَ أَجْرِ حَجَّةٍ وَ عُمْرَةٍ مَبْرُورَتَيْنِ وَ صَوْمِ شَهْرَيْنِ مِنْ أَشْهُرِ الْحُرُمِ وَ اعْتِكَافِهِمَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَ مَنْ مَشَى فِيهَا بِنِيَّةٍ وَ لَمْ تُقْضَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِذَلِك مِثْلَ حَجَّةٍ مَبْرُورَةٍ فَارْغَبُوا فِي الْخَيْرِ.(2)

عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ ع يَقُولُ مَنْ أَتَاهُ أَخُوهُ الْمُؤْمِنُ فِي حَاجَةٍ فَإِنَّمَا هِيَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَبَارَك وَ تَعَالَى سَاقَهَا إِلَيْهِ فَإِنْ قَبِلَ ذَلِك فَقَدْ وَصَلَهُ بِوَلَايَتِنَا وَ هُوَ مَوْصُولٌ بِوَلَايَةِ اللَّهِ وَ إِنْ رَدَّهُ عَنْ حَاجَتِهِ وَ هُوَ يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهَا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ شُجَاعاً مِنْ نَارٍ يَنْهَشُهُ فِي قَبْرِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَغْفُوراً لَهُ أَوْ مُعَذَّباً فَإِنْ عَذَرَهُ الطَّالِبُ كَانَ أَسْوَأَ حَالًا.(3)

عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ ع يَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً فِي الْأَرْضِ يَسْعَوْنَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ هُمُ الآْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى مُؤْمِنٍ سُرُوراً فَرَّحَ اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‌.(4)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 194.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 194.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 196.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 197.

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ سَعَى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ طَلَبَ وَجْهِ اللَّهِ كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ يَغْفِرُ فِيهَا لِأَقَارِبِهِ وَ جِيرَانِهِ وَ إِخْوَانِهِوَ مَعَارِفِهِ وَ مَنْ صَنَعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفاً فِي الدُّنْيَا فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ لَهُ ادْخُلِ النَّارَ فَمَنْ وَجَدْتَهُ فِيهَا صَنَعَ إِلَيْك مَعْرُوفاً فِي الدُّنْيَا فَأَخْرِجْهُ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاصِبًا.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ سَعَى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فَاجْتَهَدَ فِيهَا فَأَجْرَى اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ قَضَاءَهَا كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ حَجَّةً وَ عُمْرَةً وَ اعْتِكَافَ شَهْرَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَ صِيَامَهُمَا وَ إِنِ اجْتَهَدَ فِيهَا وَ لَمْ يُجْرِ اللَّهُ قَضَاءَهَا عَلَى يَدَيْهِ كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ حَجَّةً وَ عُمْرَةً‌.(2)

عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ قَالَ‌: كُنْتُ جَالِساً مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ مَيْمُونٌ فَشَكَا إِلَيْهِ تَعَذُّرَ الْكِرَاءِ عَلَيْهِ فَقَالَ لِي قُمْ فَأَعِنْ أَخَاك فَقُمْتُ مَعَهُ فَيَسَّرَ اللَّهُ كِرَاهُ فَرَجَعْتُ إِلَى مَجْلِسِي فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع مَا صَنَعْتَ فِي حَاجَةِ أَخِيك فَقُلْتُ قَضَاهَا اللَّهُ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي فَقَالَ أَمَا إِنَّك أَنْ تُعِينَ أَخَاك الْمُسْلِمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَوَافِ أُسْبُوعٍ بِالْبَيْتِ مُبْتَدِئاً ثُمَّ قَالَ إِنَّ رَجُلًا أَتَى الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ع فَقَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي أَعِنِّي عَلَى قَضَاءِ حَاجَةٍ فَانْتَعَلَ وَ قَامَ مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى الْحُسَيْنِ ص وَ هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَقَالَ لَهُ أَيْنَ كُنْتَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ تَسْتَعِينُهُ عَلَى حَاجَتِك قَالَ قَدْ فَعَلْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي فَذُكِرَ أَنَّهُ مُعْتَكِفٌ فَقَالَ لَهُ أَمَا إِنَّهُ لَوْ أَعَانَك كَانَ خَيْراً لَهُ مِنِ اعْتِكَافِهِ شَهْراً.(3)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 197.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 198.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 198.

إطعام المؤمن

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ سَقَى مُؤْمِناً شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ مِنْ حَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِكُلِّ شَرْبَةٍ سَبْعِينَ أَلْفَ حَسَنَةٍ وَ إِنْ سَقَاهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ عَشْرَ رِقَابٍ مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ‌.(1)

عَنْ حُسَيْنِ بْنِ نُعَيْمٍ الصَّحَّافِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع أَ تُحِبُّ إِخْوَانَك يَا حُسَيْنُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ تَنْفَعُ فُقَرَاءَهُمْ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ أَمَا إِنَّهُ يَحِقُّ عَلَيْك‌أَنْ تُحِبَّ مَنْ يُحِبُ‌اللَّهُ أَمَا وَ اللَّهِ لَا تَنْفَعُ مِنْهُمْ أَحَداً حَتَّى تُحِبَّهُ أَ تَدْعُوهُمْ إِلَى مَنْزِلِك قُلْتُ نَعَمْ مَا آكُلُ إِلَّا وَ مَعِيَ مِنْهُمُ الرَّجُلَانِ وَ الثَّلَاثَةُ وَ الْأَقَلُّ وَ الْأَكْثَرُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع أَمَا إِنَّ فَضْلَهُمْ عَلَيْك أَعْظَمُ مِنْ فَضْلِك عَلَيْهِمْ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاك أُطْعِمُهُمْ طَعَامِي وَ أُوطِئُهُمْ رَحْلِي وَ يَكُونُ فَضْلُهُمْ عَلَيَّ أَعْظَمَ قَالَ نَعَمْ إِنَّهُمْ إِذَا دَخَلُوا مَنْزِلَك دَخَلُوا بِمَغْفِرَتِك وَ مَغْفِرَةِ عِيَالِك وَ إِذَا خَرَجُوا مِنْ مَنْزِلِك خَرَجُوا بِذُنُوبِك وَ ذُنُوبِ عِيَالِكَ‌.(2)

عَنْ مِسْمَعٍ أَبِي سَيَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً نَفَّسَ‌اللَّهُ عَنْهُ كُرَبَ الآْخِرَةِ وَ خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ وَ هُوَ ثَلِجُ الْفُؤَادِ وَ مَنْ أَطْعَمَهُ مِنْ جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَ مَنْ سَقَاهُ شَرْبَةً سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ‌.(3)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 201.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 201.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 199.

زيارة الإخوان

عَنْ أَبِي غُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ مَنْ زَارَ أَخَاهُ فِي اللَّهِ فِي مَرَضٍ أَوْ صِحَّةٍ لَا يَأْتِيهِ خِدَاعاً وَ لَا اسْتِبْدَالًا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَك يُنَادُونَ فِي قَفَاهُ أَنْ طِبْتَ وَ طَابَتْ لَك الْجَنَّةُ فَأَنْتُمْ زُوَّارُ اللَّهِ وَ أَنْتُمْ وَفْدُ الرَّحْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْزِلَهُ فَقَالَ لَهُ يُسَيْرٌ جُعِلْتُ فِدَاك وَ إِنْ كَانَ الْمَكَانُ بَعِيداً قَالَ نَعَمْ يَا يُسَيْرُ وَ إِنْ كَانَ الْمَكَانُ مَسِيرَةَ سَنَةٍ فَإِنَّ اللَّهَ جَوَادٌ وَ الْمَلَائِكَةُ كَثِيرَةٌ يُشَيِّعُونَهُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهِ‌.(1)

الحبّ في اللّٰه و البغض في اللّٰه

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَ أَبْغَضَ لِلَّهِ وَ أَعْطَى لِلَّهِ فَهُوَ مِمَّنْ كَمَلَ إِيمَانُهُ‌.(2)

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص وُدُّ الْمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ فِي اللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ شُعَبِ الْإِيمَانِ أَلَا وَ مَنْ أَحَبَّ فِي اللَّهِ وَ أَبْغَضَ فِي اللَّهِ وَ أَعْطَى فِي اللَّهِ وَ مَنَعَ فِي اللَّهِ فَهُوَ مِنْ أَصْفِيَاءِ اللَّهِ‌.(3)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ قَدْ أَضَاءَ نُورُ وُجُوهِهِمْ وَ نُورُ أَجْسَادِهِمْ وَ نُورُ مَنَابِرِهِمْ كُلَّ شَيْ‌ءٍ حَتَّى


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 177.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 124.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 125.

يُعْرَفُوا بِهِ فَيُقَالُ هَؤُلَاءِ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ‌.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِأَصْحَابِهِ أَيُّ عُرَى الْإِيمَانِ أَوْثَقُ فَقَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الزَّكَاةُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الصِّيَامُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الْحَجُ وَ الْعُمْرَةُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الْجِهَادُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِكُلِّ مَا قُلْتُمْ فَضْلٌ وَ لَيْسَ بِهِ وَ لَكِنْ أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَ الْبُغْضُ فِي اللَّهِ وَ تَوَالِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَ التَّبَرِّي مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ‌.(2)

عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ع قَالَ‌: إِذَا جَمَعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْأَوَّلِينَ وَ الآْخِرِينَ قَامَ مُنَادٍ فَنَادَى يُسْمِعُ النَّاسَ فَيَقُولُ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ قَالَ فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمُ اذْهَبُوا إِلَى الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ قَالَ فَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَيَقُولُونَ إِلَى أَيْنَ فَيَقُولُونَ إِلَى الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ قَالَ فَيَقُولُونَ فَأَيُّ ضَرْبٍ أَنْتُمْ مِنَ النَّاسِ فَيَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ قَالَ فَيَقُولُونَ وَ أَيَّ شَيْ‌ءٍ كَانَتْ أَعْمَالُكُمْ قَالُوا كُنَّا نُحِبُّ فِي اللَّهِ وَ نُبْغِضُ فِي اللَّهِ قَالَ فَيَقُولُونَ نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ‌.(3)

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام، قَالَ‌:» إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَ فِيك خَيْراً، فَانْظُرْ إِلى قَلْبِك، فَإِنْ كَانَ يُحِبُّ أَهْلَ طَاعَةِ اللَّهِ وَ يُبْغِضُ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ فَفِيك خَيْرٌ وَ اللَّهُ يُحِبُّك؛ وَ إِنْكَانَ يُبْغِضُ أَهْلَ طَاعَةِ اللَّهِ وَ يُحِبُّ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ‌، فَلَيْسَ فِيك خَيْرٌوَ اللَّهُ يُبْغِضُك، وَ


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 125.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 125.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 126.

الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ‌.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: كُلُّ مَنْ لَمْ يُحِبَّ عَلَى الدِّينِ وَ لَمْ يُبْغِضْ عَلَى الدِّينِ فَلَا دِينَ لَهُ‌.(2)

من لم‌يناصح أخاه المؤمن

عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْأَعْشَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ سَعَى فِي حَاجَةٍ لِأَخِيهِ فَلَمْ يَنْصَحْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‌.(3)

عَنْ مُصَبِّحِ بْنِ هِلْقَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِنَا اسْتَعَانَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِهِ فِي حَاجَةٍ فَلَمْ يُبَالِغْ فِيهَا بِكُلِّ جُهْدٍ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ أَبُو بَصِيرٍ قُلْتُ - لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع مَا تَعْنِي بِقَوْلِك وَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ مِنْ لَدُنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى آخِرِهِمْ‌.(4)

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع أَيُّمَا مُؤْمِنٍ كَانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مُؤْمِنٍ حِجَابٌ ضَرَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجَنَّةِ سَبْعِينَ أَلْفَ سُورٍ مَا بَيْنَ السُّورِ إِلَى السُّورِ مَسِيرَةُ أَلْفِ عَامٍ‌.(5)

عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاك مَا تَقُولُ فِي مُسْلِمٍ أَتَى مُسْلِماً زَائِراً أَوْ طَالِبَ حَاجَةٍ وَ هُوَ فِي مَنْزِلِهِ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 126.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 127.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 362.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 362.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 364.

قَالَ يَا أَبَا حَمْزَةَ أَيُّمَا مُسْلِمٍ أَتَى مُسْلِماً زَائِراً أَوْ طَالِبَ حَاجَةٍ وَ هُوَ فِي مَنْزِلِهِ فَاسْتَأْذَنَ لَهُ وَ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ لَمْ يَزَلْ فِي لَعْنَةِ اللَّهِ حَتَّى يَلْتَقِيَا فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاك فِي لَعْنَةِ اللَّهِ حَتَّى يَلْتَقِيَا قَالَ نَعَمْ يَا أَبَا حَمْزَةَ‌.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ شِيعَتِنَا أَتَى رَجُلًا مِنْ إِخْوَانِهِ فَاسْتَعَانَ بِهِ فِي حَاجَتِهِ فَلَمْ يُعِنْهُ وَ هُوَ يَقْدِرُ إِلَّا ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِأَنْ يَقْضِيَ حَوَائِجَ غَيْرِهِ مِنْ أَعْدَائِنَا يُعَذِّبُهُ اللَّهُ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ‌.(2)

عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ أَبِي الْحَسَنِ ع قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَنْ قَصَدَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِن‌إِخْوَانِهِ مُسْتَجِيراً بِهِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ فَلَمْ يُجِرْهُ بَعْدَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ فَقَدْ قَطَعَ وَلَايَةَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ‌.(3)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: أَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَنَعَ مُؤْمِناً شَيْئاً مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَ هُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ مِنْ عِنْدِ غَيْرِهِ أَقَامَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُسْوَدّاً وَجْهُهُ مُزْرَقَّةً عَيْنَاهُ مَغْلُولَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ فَيُقَالُ هَذَا الْخَائِنُ الَّذِي خَانَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ.(4)

عَنْ يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع يَا يُونُسُ مَنْ حَبَسَ حَقَّ الْمُؤْمِنِ أَقَامَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ عَلَى رِجْلَيْهِ حَتَّى يَسِيلَ عَرَقُهُ أَوْ دَمُهُ وَ يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هَذَا الظَّالِمُ الَّذِي حَبَسَ عَنِ اللَّهِ حَقَّهُ قَالَ فَيُوَبَّخُ أَرْبَعِينَ يَوْماً ثُمَّ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 365.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 366.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 366.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 367.

يُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ.(1)

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع مَنْ كَانَتْ لَهُ دَارٌ فَاحْتَاجَ مُؤْمِنٌ إِلَى سُكْنَاهَا فَمَنَعَهُ إِيَّاهَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَا مَلَائِكَتِي أَ بَخِلَ عَبْدِي عَلَى عَبْدِي بِسُكْنَى الدَّارِ الدُّنْيَا وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَا يَسْكُنُ جِنَانِي أَبَداً.(2)

عَنْ عَلِيِّ بْنِجَعْفَرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ ع يَقُولُ مَنْ أَتَاهُ أَخُوهُ الْمُؤْمِنُ فِي حَاجَةٍ فَإِنَّمَا هِيَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ سَاقَهَا إِلَيْهِ فَإِنْ قَبِلَ ذَلِك فَقَدْ وَصَلَهُ بِوَلَايَتِنَا وَ هُوَ مَوْصُولٌ بِوَلَايَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِنْ رَدَّهُ عَنْ حَاجَتِهِ وَ هُوَ يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهَا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ شُجَاعاً مِنْ نَارٍ يَنْهَشُهُ فِي قَبْرِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَغْفُورٌ لَهُ أَوْ مُعَذَّبٌ فَإِنْ عَذَرَهُ الطَّالِبُ كَانَ أَسْوَأَ حَالًا قَالَ وَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَنْ قَصَدَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِهِ مُسْتَجِيراً بِهِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ فَلَمْ يُجِرْهُ بَعْدَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ فَقَدْ قَطَعَ وَلَايَةَ اللَّهِ تَبَارَك وَ تَعَالَى.(3)

الهجرة

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام يقول: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ لَا يَفْتَرِقُ رَجُلَانِ عَلَى الْهِجْرَانِ إِلَّا اسْتَوْجَبَ أَحَدُهُمَا الْبَرَاءَةَ وَ اللَّعْنَةَ وَ رُبَّمَا اسْتَحَقَّ ذَلِك كِلَاهُمَا فَقَالَ لَهُ مُعَتِّبٌ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاك هَذَا الظَّالِمُ فَمَا بَالُ الْمَظْلُومِ قَالَ لِأَنَّهُ لَا يَدْعُو أَخَاهُ إِلَى صِلَتِهِ وَ لَا يَتَغَامَسُ لَهُ عَنْ كَلَامِهِ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ إِذَا تَنَازَعَ اثْنَانِ فَعَازَّ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ فَلْيَرْجِعِ الْمَظْلُومُ إِلَى

1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 367.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 367.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 367.

صَاحِبِهِ حَتَّى يَقُولَ لِصَاحِبِهِ أَيْ أَخِي أَنَا الظَّالِمُ حَتَّى يَقْطَعَ الْهِجْرَانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ صَاحِبِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَك وَ تَعَالَى حَكَمٌ عَدْلٌ يَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ‌.(1)

سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ قَالَ أَبِي ع قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَيُّمَا مُسْلِمَيْنِ تَهَاجَرَا فَمَكَثَا ثَلَاثاً لَا يَصْطَلِحَانِ إِلَّا كَانَا خَارِجَيْنِ مِنَ الْإِسْلَامِ وَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا وَلَايَةٌ فَأَيُّهُمَا سَبَقَ إِلَى كَلَامِ أَخِيهِ كَانَ السَّابِقَ إِلَى الْجَنَّةِ - يَوْمَ الْحِسَابِ‌.(2)

باب التّعيير و طلب عثرات المؤمنين

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالا أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إِلَى الْكُفْرِ أَنْ يُوَاخِيَ الرَّجُلَ عَلَى الدِّينِ فَيُحْصِيَ عَلَيْهِ عَثَرَاتِهِ وَ زَلَّاتِهِ لِيُعَنِّفَهُ بِهَا يَوْماً مَا.(3)

عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَ لَمْ يَخْلُصِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لَا تَذُمُّوا الْمُسْلِمِينَ وَ لَا تَتَبَّعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَاتِهِمْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَ مَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ تَعَالَى عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَ لَوْ فِي بَيْتِهِ‌.(4)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ أَنَّبَ مُؤْمِناً أَنَّبَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَ الآْخِرَةِ‌.(5)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَذَاعَ فَاحِشَةً كَانَ كَمُبْتَدِئِهَا وَ مَنْ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 344.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 344.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 354.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 354.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 356.

عَيَّرَ مُؤْمِناً بِشَيْ‌ءٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرْكَبَهُ‌.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ‌ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْغِيبَةُ أَسْرَعُ فِي دِينِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْأَكِلَةِ فِي جَوْفِهِ‌.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا رَأَتْهُ عَيْنَاهُ وَ سَمِعَتْهُ أُذُنَاهُ فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ - إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‌.(3)-(4)

عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ بَهَتَ مُؤْمِناً أَوْ مُؤْمِنَةً بِمَا لَيْسَ فِيهِ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي طِينَةِ خَبَالٍ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ قُلْتُ وَ مَا طِينَةُ الْخَبَالِ قَالَ صَدِيديَخْرُجُ مِنْ فُرُوجِ المُومِسَاتِ‌.(5)

عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ أُفٍ خَرَجَ مِنْ وَلَايَتِهِ وَ إِذَا قَالَ أَنْتَ عَدُوِّي كَفَرَ أَحَدُهُمَا وَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ مُؤْمِنٍ عَمَلًا وَ هُوَ مُضْمِرٌ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ سُوءاً.(6)

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: مَا مِنْ إِنْسَانٍ يَطْعُنُ فِي عَيْنِ مُؤْمِنٍ إِلَّا مَاتَ بِشَرِّ مِيتَةٍ وَ


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 356.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 357.

3) . النّور، 19.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 357.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 357.

6) . راجع: الكافي، ج 2 ص 361.

كَانَ قَمِناً أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَى خَيْرٍ.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِذَا اتَّهَمَ الْمُؤْمِنُ أَخَاهُ انْمَاثَ الْإِيمَانُ مِنْ قَلْبِهِ كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ‌.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنِ اسْتَذَلَ مُؤْمِناً وَ اسْتَحْقَرَهُ لِقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ وَ لِفَقْرِهِ شَهَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ‌.(3)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَقَدْ أَسْرَى رَبِّي بِي فَأَوْحَى إِلَيَّ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ مَا أَوْحَى وَ شَافَهَنِي إِلَى أَنْ قَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَذَلَّ لِي وَلِيّاً فَقَدْ أَرْصَدَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَ مَنْ حَارَبَنِي حَارَبْتُهُ قُلْتُ يَا رَبِّ وَ مَنْ وَلِيُّك هَذَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ مَنْ حَارَبَك حَارَبْتَهُ قَالَ لِي ذَاك مَنْ أَخَذْتُ مِيثَاقَهُ لَك وَ لِوَصِيِّك وَ لِذُرِّيَّتِكُمَا بِالْوَلَايَة(4).

قال أبو عبداللّٰه عليه السلام: إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ أَيْنَ الصُّدُودُ لِأَوْلِيَائِي فَيَقُومُ قَوْمٌ لَيْسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ لَحْمٌ فَيُقَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ آذَوُا الْمُؤْمِنِينَ وَ نَصَبُوا لَهُمْ وَ عَانَدُوهُمْ وَ عَنَّفُوهُمْ فِي دِينِهِمْ ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ‌.(5)

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ‌: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ص قَالَ يَا رَبِّ مَا حَالُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَكَ - قَالَ يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَ أَنَا أَسْرَعُ شَيْ‌ءٍ إِلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِي وَ مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْ‌ءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي عَنْ وَفَاةِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَ أَكْرَهُ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 361.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 361.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 353.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 353.

5) . راجع: الكافي، ج 2 ص 351.

مَسَاءَتَهُ وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْغِنَى وَ لَوْ صَرَفْتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِك لَهَلَك وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْفَقْرُ وَ لَوْ صَرَفْتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِك لَهَلَك وَ مَا يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِشَيْ‌ءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّافِلَةِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ إِذاً سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَ بَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَ لِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ وَ يَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ‌.(1)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 352.

الرذيلة الثالثة و العشرون: الحسد

اشارة

و هي ملكة تقتضى تمنّى زوال النعمة من صاحبها أو تمنّى عدم حصولها لمن هو بصددها.

و هي ضدّ النصح و لعلّه ليس في الرذائل رذيلةٌ هي أشدّ قبحاً من الحسد و مع ذلك فقد شاع بين الناس و هو مألوفٌ بينهم إلّاالكمّل منهم. و النّفس الّتي تمكّنت فيها هذه الرذيلة، لا يجتنب عن القبائح كلّها، حتّى القتل و اراقة الدم ظلماً، حتّى انّه لم يكن سببٌ لاول قتلٍ حدث على الارض إلّاثوران الحسد، حيث قتل قابيل أخاه هابيل حسداً عليه قال اللّٰه سبحانه و تعالى (وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اِبْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبٰا قُرْبٰاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمٰا وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ اَلْآخَرِ قٰالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قٰالَ إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اَللّٰهُ مِنَ اَلْمُتَّقِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ اَلْخٰاسِرِينَ‌)(1).


1) . المائدة، 30-27.

و تترتب على هذه الرذيلة مفاسد عظمى و كبائر موبقة كالظلم حتّى على أبويه و على أولاده و أقربائه، و كذلك القتل و نهب الاموال و إحراقها و إفنائها باىّ وجه أمكن، و ترك اعانة الغير و لو كان اخيه، و ترك النصح لهم، و ترك الارشاد، بل ترك الامر بالمعروف و النهى عن المنكر، و تجويز التباعد عنهم، و قطع الرحم، و الهمز و اللّمز عليهم، و كشف السرّ و السّتر عنهم، و طلب عثراتهم.

و لكن الدارج المألوف منه الغيبة و التهمة و السخرية و الكذب و الافتراء حتّى على اللّٰه تعالى، و ترك الدعاء للمؤمنين و لقائهم، و سوء الظن بهم، و قد استفاضت الروايات بانّه يوجب الكفر، و دلّت التجربة و الخُبر على انّه نارٌ يحترق صاحبه بها قبل أن تصيب المحسود فهو يوجب الهمّ و الغمّ و الخوف و الاضطراب و ضيق العيش و الرقابة و إفناء الاموال فيما لايسمن و لايغنى و لايفيد و فضول العيش الّذي دقّت و رقّت و استرقّت اعناق الحسود.

هذا من حيث ترتب مفاسد يكفي للشقاء واحدٌ منها فقط!.

و أمَّا من حيث اللوازم، فالحسد يلازم رذائل كثيرة كالشك و الحيرة و سوء الظن باللّٰه تعالى و المكر و الحيلة و الغضب و دنائة الهمّة حتّى يؤدّى إلى عدم الغيرة و الحميّة بالنسية إلى اقربائه فضلاً عن اخوانه المؤمنين، و الكبر و القساوة، و حبّ الدّنيا بالمعنى العام حتّى يرضى الحاسد بقتل ابنه أو بحْق عينه - كما يُشاهد كثيراً في سير السلاطين في أرجاء العالَم -، و البخل حتّى عن النفقات الواجبة، و الغرور، و طول الامل، و الهوى، و العجب، و الفخر، و الغفلة، و البغضاء حتّى على اللّٰه تعالى فضلاً عن المحسود و من تبعه، و العزلة، و الخمول، و السخط و عدم الرضا و التسليم،

و ترك التوكل و عدم الاعتماد على اللّٰه تعالى، و الكفران، و الغدر حتّى مع اللّٰه تعالى فضلاً عن محسوده، و الجزع بترك الصبر.

و هذا أيضاً شطر من اللوازم فقط لا جميعها، فالحسد مجمع الرذائل و المفاسد.

الم تر ان انكار الرسل لم ينشأ إلّامن الحسد؟

الم تر ان السقيفة و اجتماع الفئة فيها لم تكن إلّالهذه الرذيلة الموبقة‌؟

الم تر ان الحقّ مع كونه في غاية الجلاء يستره الحسد.

الم تر ان الحسد هو الحجاب الاعظم يستر كثيراً من الفضائل.

هذا و لكن من المؤسّف عليه ان هذه الرذيلة تبتلى بها عامّة الناس، كما أشرنا إليه و لاتختصّ بالنساء و ضرّاتهنّ بل يبتلى به العلماء فضلاً عن غيرهم من العوام.

و لشياعه هذا قد رفع اللّٰه تعالى المؤاخذة عليه منّةً على الأمّة مادام في النّفس غير ظاهرٍ على اللسان أو غيره من الجوارح، و هذا من أعظم منن اللّٰه على الأمّة المرحومة.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعُ خِصَالٍ الْخَطَأُ وَ النِّسْيَانِ وَ مَا لَا يَعْلَمُونَ وَ مَا لَا يُطِيقُونَ وَ مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ وَ مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَ الطِّيَرَةُ وَ الْوَسْوَسَةُ فِي التَّفَكُّرِ فِي الْخَلْقِ وَ الْحَسَدُ مَا لَمْ يُظْهِرْ بِلِسَانٍ أَوْ يَدٍ.(1)

ثمّ ان القرآن الكريم نبّه اولاً على ان الحسد يوجب كتمان الحق، ثمّ أنّه مضافاً إلى انه يوجب الضلال يوجب الاضلال، فيوجب تضليل الغير و اخراجه من الاسلام إلى الكفر و من الهداية إلى الضلال،


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 463.

قال اللّٰه تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتٰابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمٰانِكُمْ كُفّٰاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُمُ اَلْحَقُّ‌)(1)

ثمّ نبّه ثانياً على أنّ الحسد يوجب استعانة الحاسد و لو من الكافر للتغلّب على المحسود حيث يتعاهد الحاسد معهم و يستعين منهم و من الطواغيت ليصل إلى ما اقتضاه حسده فبهذا يستحق لعن اللّٰه و البُعد عن رحمته.

قال تعالى: (أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتٰابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ اَلطّٰاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هٰؤُلاٰءِ أَهْدىٰ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اَللّٰهُ وَ مَنْ يَلْعَنِ اَللّٰهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ اَلْمُلْكِ فَإِذاً لاٰ يُؤْتُونَ اَلنّٰاسَ نَقِيراً * أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اَللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ‌)(2)

ثمّ نبّه ثالثاً على ما يترتّب على الحسد من المفاسد فاشار إلى اخوة يوسف الحاسدين على نعمه، و ما ترتّب على حدسهم من الذنوب العظيمة كالخدعة و الإفك و الكذب و القائهم إيّاه في الجبّ‌، و شرائه بثمن بخس دراهم معدودة، و نسبة الضلالة و السرقة إلى أبيهم و اخيهم النبيَّين غير مدافعين.

قال تعالى: (إِذْ قٰالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلىٰ أَبِينٰا مِنّٰا وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبٰانٰا لَفِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ * اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صٰالِحِينَ‌)(3).


1) . البقرة، 109.

2) . النساء، 54-51.

3) . يوسف، 89.

ثمّ نبّه رابعاً على ان الحسد هي الغاية في السّفه لأنّ لمّيّة التفاضل بين النّاس من خفيّات الأمور راجعٌ إلى المصالح القدرية و ان لكل انسان نصيباً بحسب التكوين يتوقّف المجتمع و الحياة الجماعية عليه و لو لا ذلك لاختل النظام فمرجع الحسد حينئذ إلى الكفر، و ما ذلك إلّاالسّفه!.

قال تعالى: (وَ لاٰ تَتَمَنَّوْا مٰا فَضَّلَ اَللّٰهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلىٰ بَعْضٍ لِلرِّجٰالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا وَ لِلنِّسٰاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ وَ سْئَلُوا اَللّٰهَ مِنْ فَضْلِهِ‌)(1).

و قال اللّٰه تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنٰا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ رَفَعْنٰا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّٰا يَجْمَعُونَ‌)(2).

ثمّ نبّه خامساً على أنّ انكار الملأ الرسلَ ليس إلّالما تمكّن في أنفسهم من الحسد عليهم - عليهم صلوات اللّٰه -، و قد كررّ اللّٰه تعالى هذا الأمر في كتابه الحكيم ليكون تذكرةً للحسّاد ليقلعوا عن أنفسهم هذه الشجرة الخبيثة.

قال تعالى: (فَقٰالَ اَلْمَلَأُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مٰا هٰذٰا إِلاّٰ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ‌)(3)

و قال تعالى: (وَ قٰالَ اَلْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِلِقٰاءِ اَلْآخِرَةِ وَ أَتْرَفْنٰاهُمْ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا مٰا هٰذٰا إِلاّٰ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمّٰا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَ يَشْرَبُ مِمّٰا تَشْرَبُونَ * وَ لَئِنْ‌


1) . النساء، 32.

2) . الزخرف، 32.

3) . المؤمنون، 24.

أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخٰاسِرُونَ‌) (1)

و قال تعالى: (فَقٰالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنٰا وَ قَوْمُهُمٰا لَنٰا عٰابِدُونَ * فَكَذَّبُوهُمٰا فَكٰانُوا مِنَ اَلْمُهْلَكِينَ‌)(2)

ثمّ نبّه سادساً على أنّ الحسد يؤدّى بصاحبه إلى الهمّ إذا رأى غيره ناجحاً في أموره فائزاً بما يبتغيه و يؤدّى به إلى الفرح لو رآه مصاباً بالشرور و العاهات بينما أنّ اطروحة الاسلام في المجتمع بُنى على ان ايسر حقّ المسلم على المسلم ان يحب له ما يحب لنفسه و يكره له ما يكره لنفسه.(3)

قال تعالى: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهٰا)(4)

ثمّ نبّه سابعاً على وجوب العياذ عن الحسود عند اشتعال حسده و لهيبه فجعل الحسد تالياً لأمورٍ هامّة مفزعةٍ يجب العياذ منها كشرّ الشرار من الخلق من الانس و الجن، و من شر الظلمات إذا اشتدّت ظلمة الليل، و ظلمة النّفس الامارة و ظلمة وساوس الشّياطين الجنيّة و الانسيّة و من شر النفاثات في العقد من السحرة الكفرة، و من الوساوس الانسيّة و الجنيّة سيما الصديق السوء، و من النساء الماجنات عند ثوران الشهوة و الاستلذاذ من الفتيان.

قال تعالى: (بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ * قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مٰا خَلَقَ * وَ


1) . المؤمنون، 34-33.

2) . المؤمنون، 48-47.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 269.

4) . آل عمران، 120.

مِنْ شَرِّ غٰاسِقٍ إِذٰا وَقَبَ * وَ مِنْ شَرِّ اَلنَّفّٰاثٰاتِ فِي اَلْعُقَدِ * وَ مِنْ شَرِّ حٰاسِدٍ إِذٰا حَسَدَ) (1)تلك هي امورٌ ثلاثة ذكرها اللّٰه تعالى متتالياً، و وحدة السياق تدلّ على أنّ الحاسد كالغاسق و النفّاث يجب العياذ منه و الابتعاد عنه.

هذا شطر من ثمرات هذه الرذيلة، و لها مراتب شدة و ضعفاً،

فالمرتبة الضعيفة هي تمنّى سلب النعم عن غيره و جلبها له و يظهر من القرآن الكريم انّ هذه المرتبة توجد في كثيرٍ من الناس.

قال تعالى: (إِنَّ هٰذٰا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ وٰاحِدَةٌ فَقٰالَ أَكْفِلْنِيهٰا وَ عَزَّنِي فِي اَلْخِطٰابِ * قٰالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤٰالِ نَعْجَتِكَ إِلىٰ نِعٰاجِهِ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلْخُلَطٰاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ وَ قَلِيلٌ مٰا هُمْ‌)(2)

و المرتبة الوسطى هي تمنّى سلب النعمة عن غير الحاسد، سواء انتقلت إليه ام لا.

و هذا المرتبة هي الّتي يبحث عنها في علم الاخلاق.

و المرتبة الشديدة هي تمنّى سلب النعم عن غير الحاسد و استبدالها بالبلايا و المصائب فيحبّ ان يصيب المحسود من البلايا و المصائب ما يعلمه اللّٰه فقط!.

قال تعالى: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهٰا)(3)

و العامّة من العلماء و الامراء و الأثرياء غير المهذّبين تكون كذلك في كلّ حين و زمان.


1) . الفلق، 5-1.

2) . ص، 24-23.

3) . آل عمران، 120.

قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَتَّخِذُوا بِطٰانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاٰ يَأْلُونَكُمْ خَبٰالاً وَدُّوا مٰا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ اَلْبَغْضٰاءُ مِنْ أَفْوٰاهِهِمْ وَ مٰا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ)(1)

كما أنّ للحسد باعتبار المتعلّق اقسام:

1 - أن يحسد الكفّار و الاجانب و الفسّاق و الفجّار، أو فقل من ليس له اهليّة تلك النعم فيتمنّى سلب النعم عنه، فهذا الحسد و إن كان من الرذائل الا ان الغيرة الدينيّة تقتضى ذلك التمنّى.

فهذا القسم قبيح من ناحية و حسن من ناحية أخرى و تقدّم احدى الناحيتين على الأخرى لابدّ و ان يكون على سبيل الاهمّ و المهمّ‌.

2 - ان يحسد على ابناء نوعه الصالحين لتلك النعم، مسلماً كانوا أو غير مسلمٍ و هذا القسم هو مورد الكلام لانه هو الرائج بين النّاس.

3 - ان يحسد على اقربائه و لو كانوا أبنائه و اخوته أو من ذوى النعم عليه.

و هذا القسم يعدّ من أشدّ الرذائل قبحاً و يصاحبه الكفر و الخديعة و الخلاعة.

كما ان للحسد باعتبار ما يستجلب من الضرر للمحسود له اقساماً:

فقسمٌ منه يضرّ بنعمه.

و قسمٌ آخر يضرّ بعرضه أو عرض اولاده.

و قسم ثالث يضرّ بحياته، حتّى يؤدّى إلى قتله أو قتل ذويه.

اعوذ باللّٰه من الرذائل سيما رذيلة الحسد، حيث يؤدّى إلى استدعاء قتل المحسود له، كما يتراءى كثيراً من التاريخ.


1) . آل عمران، 118.

عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: لمّا نصب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله عليّاً عليه السلام يوم غدير خم... فشاع ذلك في البلاد فقدم النبىّ صلى الله عليه و آله النعمان بن الحارث الفهرى فقال: امرتنا من اللّٰه ان نشهد ان لا اله الا اللّٰه و انك رسول اللّٰه و امرتنا بالجهاد و الحج و الصوم و الصلاة و الزكوة فقبلناها ثم لم‌ترضى حتّى نصبت هذا الغلام فقلت: من كنت مولاه فعلى مولاه، فهذا شيء منك أو أمر من اللّٰه‌؟ فقال: بلى واللّٰه الّذي لا اله الا هو ان هذا من اللّٰه فولّى النعمان بن الحارث و هو يقول: اللّهم ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب اليم.(1)

قال اللّٰه تعالى: (وَ إِذْ قٰالُوا اَللّٰهُمَّ إِنْ كٰانَ هٰذٰا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنٰا حِجٰارَةً مِنَ اَلسَّمٰاءِ أَوِ اِئْتِنٰا بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ‌)(2)

وروى ان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يمرّ بجهنم فمن اهل النار من يستشمّ نسمة الرحمة فيسئل عنها ثمّ يستدعى من خزنة النار أن يغلق عليه الأبواب حتّى لايراه بغضاً و حسداً عليه!.

ثمّ ان الحسد كسائر الرذائل أمر ذاتى كحب الدّنيا و حبّ المشتهيات و نحوهما من الغرائز، نعم ان الرذائل كلها ليست من الذاتيات الّتي لاتزول، فبا لرياضات الدينيّة و بالطرق الّتي مرّت الإشارة إليها تفصيلاً يمكن التخلية و التحلية و التجلية، و بعبارةٍ أخرى ان الرذائل بحسب الاقتضاء ذاتية، و يمكن ان يمنع من فعلية ذلك الاقتضاء كما يمكن ان يصير ذلك الاقتضاء فعليّاً بمتابعة النّفس عنه و ليس ارسال


1) . راجع: البرهان، ج 5 ص 382.

2) . الانفال، 32.

الرسل و انزال الكتب إلّالزجر الناس عن متابعة الرذائل، حتّى لا تكون فعليةً في أنفسهم.

قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْمِيزٰانَ لِيَقُومَ اَلنّٰاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ‌)(1)

فلو لم تصلح النّفس للتخلية و التجلية فما كانت بعثهم إلّاعبثاً و لغواً سبحان اللّٰه عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

فليس للحسد كغيره من الرذائل علّةٌ غير أنّه من الذاتيات، أي: كونه مرتكزاً في النّفس فكما يكون له حبّ المشتهيات يكون له الحسد و الكبر و العجب شدة و ضعفاً.

نعم قانون الوراثة و قانون المحيط و قانون التغذية و قانون الصداقة و الصديق و نحوها من القوانين التكوينيّة أو التشريعيّة يقتضى الشدة أو الضعف لتلك الرذائل و الفضائل، و لكن يجب أن يُعلم أن للرذائل كلّها (كما انّ للفضائل كلّها) نحو ارتباط مع الاخرى خفيّاً كان أو جليّاً و يسمّى الجلىّ منه بالملازمة فلذا قلنا ان الحسد يلازم الكبر و العجب و سوء الظن و حبّ الدّنيا بمعناه العام و البغضاء و نحو ذلك.

فليس ذلك الربط كالعلّيّة كما انه ليس ذلك الترتّب المذكور بين أقسام الرذائل أيضاً كذلك فما اشتهر بين علماء علم الأخلاق من ان الحسد منبعث من الكبر و البغضاء و حبّ الرياسة و الخوف من فوت المقاصد و التعزز و الجبروت و الرعونة و العجب و غير ذلك منفرداً أو جمعاً ليس بسديد، لأنّه لا علّيّة بين تلك الرذائل و


1) . الحديد، 25.

بين الحسد اصلاً، بل الحسد ينشأ من النّفس الامارة الداعية إلى صرف النعم عن الغير و كذلك ساير الرذائل.

كما ان الفضائل كلها تنشأ من البعد المَلَكى المركوز في النّفس مع أنّ التلازم المذكور بينها ليس من باب العلّيّة المذكور في العلوم الحكميّة.

و في الختام نذكر قسطاً من روايات الباب راجين ممّن بيده الخُلُق و الخلق ان يهدينا و يزكّينا من الرذائل بكلام العترة الطاهرة الّذي هو نور و هداية.

رواياتٌ في الحسد

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِي بِأَيِ بَادِرَةٍ فَيَكْفُرُ وَ إِنَّ الْحَسَدَ لَيَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ‌.(1)

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْراً وَ كَادَ الْحَسَدُ أَنْ يَغْلِبَ الْقَدَرَ.(2)

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع آفَةُ الدِّينِ الْحَسَدُ وَ الْعُجْبُ وَ الْفَخْرُ.(3)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ع يَا ابْنَ عِمْرَانَ لَا تَحْسُدَنَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَيْتُهُمْ مِنْ فَضْلِي وَ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إِلَى ذَلِك وَ لَا تُتْبِعْهُ نَفْسَك فَإِنَّ الْحَاسِدَ سَاخِطٌ لِنِعَمِي صَادٌّ لِقَسْمِيَ الَّذِي قَسَمْتُ بَيْنَ عِبَادِي وَ مَنْ يَك كَذَلِك فَلَسْتُ مِنْهُ وَ لَيْسَ مِنِّي.(4)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 306

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 307.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 307.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 307.

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغْبِطُ وَ لَا يَحْسُدُ وَ الْمُنَافِقُ يَحْسُدُ وَ لَا يَغْبِطُ.(1)

عَنِ الصَّادِقِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَقَلُّ النَّاسِ لَذَّةً الْحَسُودُ.(2)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ لِلْحَاسِدِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ يَغْتَابُ إِذَا غَابَ وَ يَتَمَلَّقُ إِذَا شَهِدَ وَ يَشْمَتُ بِالْمُصِيبَةِ‌.(3)

عن أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَا عَلِيُّ أَنْهَاك عَنْ ثَلَاثِ خِصَالٍ عِظَامٍ الْحَسَدِ وَ الْحِرْصِ وَ الْكَذِبِ‌.(4)

فِيمَا أَوْصَى بِهِ الصَّادِقُ ع لَا رَاحَةَ لِحَسُودٍ.(5)

عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع قَالَ‌: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يُعَذِّبُ سِتَّةً بِسِتٍ الْعَرَبَ بِالْعَصَبِيَّةِ وَ الدَّهَاقِنَةَ بِالْكِبْرِ وَ الْأُمَرَاءَ بِالْجَوْرِ وَ الْفُقَهَاءَ بِالْحَسَدِ وَ التُّجَّارَ بِالْخِيَانَةِ وَ أَهْلَ الرُّسْتَاقِ بِالْجَهْلِ‌.(6)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَتَعَوَّذُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ سِتٍّ مِنَ الشَّك وَ الشِّرْك وَ الْحَمِيَّةِ وَ الْغَضَبِ وَ الْبَغْيِ وَ الْحَسَدِ.(7)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 307.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 250.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 251.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 261.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 252.

6) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 252.

7) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 252.

عَنِ الصَّادِقِ ع لَا يَطْمَعَنَ الْحَسُودُ فِي رَاحَةِ الْقَلْبِ‌.(1)

عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى عَنْ آبَائِهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص ذَاتَ يَوْمٍ لِأَصْحَابِهِ أَلَا إِنَّهُ قَدْ دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ هُوَ الْحَسَدُ لَيْسَ بِحَالِقِ الشَّعْرِ لَكِنَّهُ حَالِقُ الدِّينِ وَ يُنْجِي مِنْهُ أَنْ يَكُفَّ الْإِنْسَانُ يَدَهُ وَ يَخْزُنَ لِسَانَهُ وَ لَا يَكُونَ ذَا غَمْزٍعَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ‌.(2)

قَالَ الصَّادِقُ ع الْحَاسِدُ مُضِرٌّ بِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُضِرَّ بِالْمَحْسُودِ كَإِبْلِيسَ أَوْرَثَ بِحَسَدِهِ لِنَفْسِهِ اللَّعْنَةَ وَ لآِدَمَ ع الِاجْتِبَاءَ وَ الْهُدَى وَ الرَّفْعَ إِلَى مَحَلِّ حَقَائِقِ الْعَهْدِ وَ الِاصْطِفَاءِ فَكُنْ مَحْسُوداً وَ لَا تَكُنْ حَاسِداً فَإِنَّ مِيزَانَ الْحَاسِدِ أَبَداً خَفِيفٌ بِثِقَلِ مِيزَانِ الْمَحْسُودِ وَ الرِّزْقُ مَقْسُومٌ فَمَا ذَا يَنْفَعُ حَسَدُ الْحَاسِدِ فَمَا يَضُرُّ الْمَحْسُودَ الْحَسَدُ وَ الْحَسَدُ أَصْلُهُ مِنْ عَمَى الْقَلْبِ وَ جُحُودِ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَ هُمَا جَنَاحَانِ لِلْكُفْرِ وَ بِالْحَسَدِ وَقَعَ ابْنُ آدَمَ فِي حَسْرَةِ الْأَبَدِ وَ هَلَك مَهْلَكاً لَا يَنْجُو مِنْهُ أَبَداً وَ لَا تَوْبَةَ لِلْحَاسِدِ لِأَنَّهُ مُصِرٌّ عَلَيْهِ مُعْتَقِدٌ بِهِ مَطْبُوعٌ فِيهِ يَبْدُو بِلَا مُعَارِضٍ لَهُ وَ لَا سَبَبٍ وَ الطَّبْعُ لَا يَتَغَيَّرُ عَنِ الْأَصْلِ وَ إِنْ عُولِجَ‌.(3)

عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ قَالَ‌: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع عَنْ قَوْلِ اللَّهِ وَ لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ قَالَ لَا يَتَمَنَّى الرَّجُلُ امْرَأَةَ الرَّجُلِ وَ لَا ابْنَتَهُ وَ لَكِنْ يَتَمَنَّى


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 252.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 253.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 255.

مِثْلَهُمَا.(1)

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع بَيْنَمَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ يُنَاجِي رَبَّهُ وَ يُكَلِّمُهُ إِذْ رَأَى رَجُلًا تَحْتَ ظِلِ عَرْشِ اللَّهِ فَقَالَ يَا رَبِّ مَنْ هَذَا الَّذِي قَدْ أَظَلَّهُ عَرْشُك فَقَالَ يَا مُوسَى هَذَا مِمَّنْ لَمْ يَحْسُدِ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ‌.(2)

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع مَا رَأَيْتُ ظَالِماً أَشْبَهَ بِمَظْلُومٍ مِنَ الْحَاسِدِ نَفَسٌ دَائِمٌ وَ قَلْبٌ هَائِمٌ وَ حُزْنٌ لَازِمٌ‌.

وَ قَالَ ع الْحَاسِدُ مُغْتَاظٌ عَلَى مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ إِلَيْهِ بَخِيلٌ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ‌.

وَ قَالَ ع الْحَسَدُ آفَةُ الدِّينِ وَ حَسْبُ الْحَاسِدَ مَا يَلْقَى.

وَ قَالَ ع لَا مُرُوَّةَ لِكَذُوبٍ وَ لَا رَاحَةَ لِحَسُودٍ.

وَ قَالَ ع يَكْفِيك مِنَ الْحَاسِدِ أَنَّهُ يَغْتَمُّ فِي وَقْتِ سُرُورِكَ‌.

وَ قَالَ ع الْحَسَدُ لَا يَجْلِبُ إِلَّا مَضَرَّةً وَ غَيْظاً يُوهِنُ قَلْبَك وَ يُمْرِضُ جِسْمَك وَ شَرُّ مَا اسْتَشْعَرَ قَلْبُ الْمَرْءِ الْحَسَدُ.

وَ قَالَ ع الْحَسُودُ سَرِيعُ الْوَثْبَةِ بَطِيءُ الْعَطْفَةِ‌.

وَ قَالَ ع الْحَسُودُ مَغْمُومٌ وَ اللَّئِيمُ مَذْمُومٌ‌.

وَ قَالَ ع لَا غِنَى مَعَ فُجُورٍ وَ لَا رَاحَةَ لِحَسُودٍ وَ لَا مَوَدَّةَ لِمُلُوكٍ‌.

وَ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ إِيَّاك وَ الْحَسَدَ فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ فِيك وَ لَا يَتَبَيَّنُ فِيمَنْ تَحْسُدُهُ‌.(3)


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 255.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 255.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 256.

قال اميرالمؤمنين عليه السلام في غرر الحكم:

ألحسد مرض لا يؤسى

ألحسد دأب السّفّل و أعداء الدّول

ألحسد مقنصة إبليس الكبرى

ألحسد حبس الرّوح

ألحسد شرّ الأمراض

ألحسد أحد العذابين

ألحسد عيب فاضح و شحّ فادح لا يشفي صاحبه إلّا بلوغ آماله فيمن يحسده

إِذَا أَمْطَرَ التَّحَاسُدُ أَنْبَتَ التَّفَاسُد

ثمرة الحسد شقاء الدّنيا و الآخرة

ألحاسد لا يشفيه إلّا زوال النّعمة

ألحاسد يفرح بالشّرور و يغتمّ بالسّرور

ألحاسد يرى أنّ زوال النّعمة عمّن يحسده نعمة

ألحاسد يظهر ودّه في أقواله و يخفي بغضه في أفعاله فله إسم الصّديق و صفة العدو

ألحسود كثير الحسرات متضاعف السّيّئات

ألحسود لا يبرء

ألحسود لا خلّة له

الْحَسُودُ لَا خُلَّةَ لَهُ [لَا خِلَالَ لَهُ‌]

ألحسود لا يسود

ألحسود غضبان على القدر

بئس الرّفيق الحسود

ألحسد يضنى

ألحسد يذيب الجسد

الْحَسَدُ يُنْشِئُ الْكَمَدَ.

ألحسود أبدا عليل

عجبت لغفلة الحسّاد عن سلامة الأجساد

صِحَّةُ الْجَسَدِ مِنْ قِلَّةِ الْحَسَد

ألحسود دائم السّقم و إن كان صحيح الجسم(1).

قال اميرالمؤمنين عليه السلام: لِلَّهِ دَرُّ الْحَسَدِ حَيْثُ بَدَأَ بِصَاحِبِهِ فَقَتَلَهُ‌.(2)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام:... مَنْ وَلِعَ بِالْحَسَدِ وَلِعَ بِهِ الشُّؤْم(3)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام:... وَ الْحَسَدُ مَطِيَّةُ التَّعَب(4)

عن أبي عبداللّٰه عليه السلام قال: أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع أَنَّهُ قَالَ‌: خَمْسٌ مِنْ خَمْسَةٍ مُحَالٌ النَّصِيحَةُ مِنَ الْحَاسِدِ مُحَالٌ‌...(5).


1) . راجع: ميزان الحكمة، ج 2 صص 422-427.

2) . راجع: ميزان الحكمة، ج 2 ص 422.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 12.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 13.

5) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 194.

قال أبو عبداللّٰه عليه السلام: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع لَيْسَ لِحَاقِنٍ رَأْيٌ وَ لَا لملوك [لِمَلُولٍ‌] صَدِيقٌ وَ لَا لِحَسُودٍ غِنًى...(1).

1) . راجع: بحار الأنوار، ج 75 ص 197.

الفصل الحادي والعشرون

اشارة

الفضيلة الثانية و العشرون: الغبطة

الرّذيلة الرابعة و العشرون: القناعة في الفضائل

الفضيلة الثانية و العشرون: الغبطة

اشارة

هذه الفضيلة تُسمّى في الذكر الحكيم بالمنافسة و السباق و المسارعة و المراقبة.

و معنى هذه الفضيلة استجلاب الفضائل و النعم الفردية و الجماعية لنفسه و لذويه من اولاده و اقربائه و بلديّه و مواطنيه ليكونوا في زمرة الا فاضل مترقّين إلى ذرى الكمال، بل مضافاً إلى السباق يتمنّى الغابط ان يكون مائزاً بينهم غير متمنٍّ أن يُسلب عنهم النعم.

قال في المفردات: و المنافسة مجاهدة النّفس للتشبّه بالافاضل و اللحوق بهم من غير ادخال ضرر على غيره و هذا كقوله (وَ فِي ذٰلِكَ فَلْيَتَنٰافَسِ اَلْمُتَنٰافِسُونَ‌) و هذا كقوله (سٰابِقُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ‌).(1)


1) . راجع: المفردات، ص 501.

و للقرآن الكريم اهتمامٌ بالغ بهذه الفضيلة فوق الاهتمام.

قال تعالى: (وَ فِي ذٰلِكَ فَلْيَتَنٰافَسِ اَلْمُتَنٰافِسُونَ‌)(1)

و قال تعالى: (فَبَشِّرْ عِبٰادِ * اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ هَدٰاهُمُ اَللّٰهُ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ‌)(2)

و قال تعالى: (وَ سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّمٰاوٰاتُ وَ اَلْأَرْضُ‌)(3)

و قال تعالى: (يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ يُسٰارِعُونَ فِي اَلْخَيْرٰاتِ وَ أُولٰئِكَ مِنَ اَلصّٰالِحِينَ‌)(4).

و قال تعالى: (أُولٰئِكَ يُسٰارِعُونَ فِي اَلْخَيْرٰاتِ وَ هُمْ لَهٰا سٰابِقُونَ‌)(5)


1) . المطففين، 26.

2) . الزمر، 18-17.

3) . آل عمران، 133.

4) . آل عمران، 114.

5) . المؤمنون، 61.

و قال تعالى: (فَاسْتَجَبْنٰا لَهُ وَ وَهَبْنٰا لَهُ يَحْيىٰ وَ أَصْلَحْنٰا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كٰانُوا يُسٰارِعُونَ فِي اَلْخَيْرٰاتِ وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً وَ كٰانُوا لَنٰا خٰاشِعِينَ‌)(1)

و قال تعالى: (وَ اَلسّٰابِقُونَ اَلسّٰابِقُونَ * أُولٰئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ‌)(2)

و قال تعالى: (سٰابِقُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهٰا كَعَرْضِ اَلسَّمٰاءِ وَ


1) . الانبياء، 90.

2) . الواقعة، 11-10.

اَلْأَرْضِ‌) (1)

و قال تعالى: (وَ اَلسّٰابِقُونَ اَلْأَوَّلُونَ مِنَ اَلْمُهٰاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصٰارِ وَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسٰانٍ رَضِيَ اَللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ‌)(2)

و قال تعالى: // (يا ايّها الّذين امنوا اصبروا و صابروا و رابطوا و اتّقوا اللّٰه لعلّكم تفلحون) //(3)

و قال تعالى: (وَ جٰاهِدُوا فِي اَللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ‌)(4)

و قال تعالى: (وَ اَلَّذِينَ هٰاجَرُوا وَ جٰاهَدُوا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ أُولٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اَللّٰهِ‌)(5)

و نظير هذه الآيات كثير فراجع، و اجتهد حتّى يجتمع عندك ازيد من ذلك.

و يظهر من الكريمات القرآنيّة ان العبد الصالح يريد الترقّى لنفسه و لذويه، بل يريد أن لايوجد مثيلاً له بين أقرانه في زمانه.

قال اللّٰه تعالى: (رَبَّنٰا هَبْ لَنٰا مِنْ أَزْوٰاجِنٰا وَ ذُرِّيّٰاتِنٰا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اِجْعَلْنٰا لِلْمُتَّقِينَ إِمٰاماً)(6)

و قال تعالى: (رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لاٰ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ‌


1) . الحديد، 21.

2) . التوبة، 100.

3) . آل عمران، 200.

4) . الحج، 78.

5) . البقرة، 218.

6) . الفرقان، 74.

اَلْوَهّٰابُ‌) (1)

و غير خفى أنّ حكاية القرآن مثل هذه الادعية من عباده المقرّبين ليس إلّا لترغيب الناس و تحريصهم إلى المسارعة إلى الخيرات، بحيث يقدّموا على اقرانهم، بل على افاضلهم في الدّنيا و الاخرة.

و السباق في الفضائل هو مفتاح سعادة الأمم، و عدم الاهتمام به هو مفتاح سقوطها و تدانيها و هذا هو سرّ ما يتراءى من الجبابرة في كلّ عصر من بثّ الرخاوة و الفشل في الأمم المقهورة، كما نشاهد اليوم في العالم.

و من المؤسّف عليه جدّاً بحيث ينبغى أن يموت المرء عليه أنّ المسلمين و لا سيما جيلهم الشابّ ابتلوا بذلك الفشل و الرخوة.

فهم غفلوا عن قوله تعالى: (رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لاٰ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ اَلْوَهّٰابُ‌)(2).

و يا ليت انهم لو غفلوا عن مثل هذه الآية الشريفة لتنبّهوا بما امرهم اللّٰه تعالى به في مثل قوله (وَ سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ‌)(3)و قوله: (سٰابِقُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ‌)(4).

الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ قَالَ‌: دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع فَقُلْتُ يَا


1) . ص، 35.

2) . ص، 35.

3) . آل عمران، 133.

4) . الحديد، 21.

أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّا إِذَا كُنَّا عِنْدَك سَمِعْنَا الَّذِي نَسُدُّ بِهِ دِينَنَا وَ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِك سَمِعْنَا أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةً مَغْمُوسَةً لَا نَدْرِي مَا هِيَ قَالَ أَ وَ قَدْ فَعَلُوهَا قُلْتُ نَعَمْ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ أَتَانِي جَبْرَئِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِك فِتْنَةٌ قُلْتُ فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا فَقَالَ كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ بَيَانُ مَا قَبْلَكُمْ مِنْ خَيْرٍ وَ خَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَ حُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ وَ هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ مَنْوَلِيَهُ مِنْ جَبَّارٍ فَعَمِلَ بِغَيْرِهِ قَصَمَهُ اللَّهُ وَ مَنِ الْتَمَسَ الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ وَ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَ هُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ لَا تُزَيِّفُهُ الْأَهْوَاءُ وَ لَا تُلَبِّسُهُ الْأَلْسِنَةُ وَ لَا يَخْلُقُ عَنِ الرَّدِّ وَ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ‌(1).

و تلازم هذه الفضيلة فضائل أخرى كالنشاط و الرجاء و الاستقامة و الصبر و الحلم و معاونة غيره و نحوها، لان من يتمنّى نعمةً على أن لا تحوّل عن صاحبها يهدى مجتمعه إلى سبيل السعادة أو يعينه عليه.

قال اللّٰه تعالى: (مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰاةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ‌)(2).

و يظهر من كثيرٍ من الكريمات الّتي تزيد على مأةٍ أو أكثر، أن السبيل الوحيد للوصول إلى السعادات فرديةً كانت أو جماعية هو المنافسة إلى الفضائل، فتلك المنافسة هي مفتاح السعادات كلّها. و ليس ما ذكره اللّٰه سبحانه و تعالى في كتابه الكريم من كون الإنسان خليفته و وارثه و انّ العالَم خُلق له إلّالبعثه نحو السبق إلى


1) . راجع: بحار الأنوار، ج 89 ص 24.

2) . النحل، 97.

الخيرات حتّى يصل إلى مقام قربه جلّ و علا، فيكون متصرّفاً في جميع العوالم. و نحن نذكر نموذجاً من تلك الآيات المباركات، ثم نذيّلها بقسط من روايات الباب، لنعُدّ من المتمسّكين بكتاب اللّٰه و سنّة المعصومين، سلام اللّٰه عليهم اجمعين.

قال اللّٰه تعالى: (وَ هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاٰئِفَ اَلْأَرْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مٰا آتٰاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ اَلْعِقٰابِ‌)(1)

تأمّل في هذه الآية الشريفة كيف نفث في روع الإنسان روح المراقبة إلى التعالى، و ذلك في قوله (وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجٰاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مٰا آتٰاكُمْ‌).

و قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنٰاكُمْ خَلاٰئِفَ فِي اَلْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ‌)(2)

و قال تعالى: (أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اَللّٰهَ سَخَّرَ لَكُمْ مٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي اَلْأَرْضِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً‌)(3).

و قال تعالى: (فَإِذٰا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سٰاجِدِينَ‌

فَسَجَدَ اَلْمَلاٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّٰ إِبْلِيسَ‌) (4)

و قال تعالى: (إِنَّ اَلَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اَللّٰهُ ثُمَّ اِسْتَقٰامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ‌)(5)

و قال تعالى: (فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صٰالِحاً وَ لاٰ يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ‌

أَحَداً) (6)

و قال تعالى: (وَ لَقَدْ كَتَبْنٰا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهٰا عِبٰادِيَ اَلصّٰالِحُونَ‌)(7)


1) . الأنعام، 165.

2) . يونس، 14.

3) . لقمان، 20.

4) . الحجر، 31-29.

5) . فصّلت، 30.

6) . الكهف، 110.

7) . الأنبياء، 105.

رواياتٌ في الغبطة

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغْبِطُ وَ لَا يَحْسُدُ وَ الْمُنَافِقُ يَحْسُدُ وَ لَا يَغْبِطُ.(1)

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع:... وَ الْمَغْبُونَ مَنْ غُبِنَ دِينَهُ وَ الْمَغْبُوطَ مَنْ غُبِطَ يَقِينَهُ‌(2).

عن اميرالمؤمنين عليه السلام:... الْمَغْبُونُ مَنْ غُبِنَ دِينَهُ وَ الْمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ وَ حَسُنَ يَقِينُه(3)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام في الغرر: أَغْبَطُ النَّاسِ الْمُسَارِعُ إِلَى الْخَيْرَاتِ‌.(4)

قال اميرالمؤمنين عليه السلام في الغرر: إِنَّ الْمَغْبُونَ مَنْ غُبِنَ عُمُرَهُ وَ إِنَّ الْمَغْبُوطَ مَنْ أَنْفَذَ عُمُرَهُ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ‌.(5)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 307.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 67 ص 176.

3) . راجع: بحار الأنوار، ج 74 ص 291.

4) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 105.

5) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 160.

الرّذيلة الرّابعة و العشرون: القناعة في الفضائل

اشارة

المراد به ضدّ ما مرّ ذكره في السبق إلى الفضائل، و هي رذيلة تمنع صاحبها عن التّرقّى و التّعالى، فهذه الملكة تمنع صاحبها عن الوصول إلى الدّرجات العليا و الدخول في الصلحاء و الفضلاء.

توضيح ذلك: انّ الإنسان كما انه ليس له حدّ يقف عليه فيما يرجع إلى المادّيات، بحيث لا يقنع بماله و لو كان ضخماً جداً كما اشار إليه سبحانه و تعالى: (إِنَّ هٰذٰا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ وٰاحِدَةٌ فَقٰالَ أَكْفِلْنِيهٰا وَ عَزَّنِي فِي اَلْخِطٰابِ * قٰالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤٰالِ نَعْجَتِكَ إِلىٰ نِعٰاجِهِ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلْخُلَطٰاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ وَ قَلِيلٌ مٰا هُمْ‌)(1)

و قد مرّ الكلام فيه في البحث عن القناعة و الحرص و الاستغناء و الطّمع،


1) . ص، 23-24.

فكذلك ليس له حدٌّ يقف عنده فيما برجع إلى عالمه الروحانى، علوّاً و خسّةً فله أن يترقّى إلى ما لا نهاية له، حيث إنّ مقام اللقاء ليس إلّامن مقدّمات السلوك، و بترقيه إلى منازل السير من الحقّ في الحق و من الحقّ إلى الحق، يظهر له أنْ لا ختام لسيره، لأنّ الحق لا نهاية له عدّةً و مدّةً و شدّةً‌.

و كذلك في الوصول إلى الفضائل، العلميّة و العمليّة، فكلّما عثر على نكتةٍ علميّة يعلم أنّه لا معرفة له بغيرها و شتّان بين ما يعلم و ما لا يعلم، فيلتذّبها آناً فآناً. و اظهار الحقّ في الوقائع و نشر العدل يعدّان من الفضائل، فمن سجايا الإنسان النفسيّة أن يجتهد في بسط العدل على بسيط الأرض، و نشر الرفق عليه، و قد وعد اللّٰه سبحانه أن يحقّق له أمله و لا يخيّب سعيه، حيث قال:

(وَعَدَ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضىٰ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) (1)


1) . النّور، 55.

فهذا وعد اللّٰه الّذي لايخلفه قطعاً، و يظهر من هذا الوعد انّ ارادة الإنسان سجيّة، فلو تخلّف عن هذه السّجيّة فقد تخلّف عن ارادة اللّٰه تعالى التشريعيّة و هو محرّم قطعاً.

فالانسان الكامل قانع في تنحية الشّهوات، و حريص في تنحية الرّوح و استجلاب المنافع.

فالقناعة في تنحية المشتهيات تعدّ من الفضائل و هي ضدّ الحرص الممنوع.

و القناعة في استجلاب الفضائل تُعدّ من الرّذائل و هي ضدّ الغبطة و التنافس.

كما انّ الحرص في تنحية الشّهوات تعدّ من الرّذائل، و الحرص في استجلاب الفضائل تعدّ من الفضائل و هو الغبطة و التّنافس و الترقّب الاتي ّمراللّٰه تعالى به في كثيرٍ من آي الكتاب العزيز.

ثمّ انّ القناعة في الفضائل و عدم الاهتمام باستجلابها يلازم رذائل أخرى كالكسل و الفشل و حبّ الدّنيا بمعناه العامّ‌، فلا مآل لهذا الفشل إلّاتسلّط غيره عليه، فرادىً و جمعا فيصير ذلك الإنسان أو تلك الملّة غثاء كغثاء السّيل.

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «يوشك الامم تداعى عليكم تداعى الأكلة على قصعتها « قال قائل منهم: من قلّة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم كثير، و لكنّكم غثاء كغثاء السيل، و لينزعنّ اللّه من عدوّكم المهابة منهم و ليقذفنّ في قلوبكم الوهن قال قائل: يا رسول اللّه و ما الوهن‌؟ قال:» حبّ الدنيا و كراهية الموت».(1)

و أشرنا إلى التلازم الواقع بين الرذائل، فكلّما ازداد الفشل فيه، ازداد الحرص على الدنيا و الخوف من الموت فيه، و لا نتيجة لجمع الرذائل و اجتماعها إلّاالهبوط عن مدارج الكمال الانسانيّة فيتسلّط حجب المادّة على القلب، فيكون ذلك الفرد أو تلك الملّة حينئذٍ غثاء كغثاء السّيل لا نشاط له و لها فيما يرجع إليهما.

و هذا هو سرّ مايتراءى اليوم من الملل و الدّول الاسلاميّة من الذلّة و التّوان، حيث همّت بعاجلها من غير اهتمامٍ لها باستجلاب الفضائل الدنيويّة و الأخرويّة فويلٌ لها ثمّ ويل لها من هذا الفشل و الكسل المؤدّى إلى سلطة الاجانب عليها.

فبما قدّمنا يظهر لك ان رذيلة القناعة في الفضائل، هي أمّ جميع الرذائل من غير مدافعٍ‌!. نعوذ باللّٰه منها.


1) . راجع: سنن أبي‌داود، ح 3745.

رواياتٌ في القناعة في الفضائل

عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى ع قَالَ قَالَ لِبَعْضِ وُلْدِهِ يَا بُنَيَّ عَلَيْك بِالْجِدِّ لَا تُخْرِجَنَّ نَفْسَك مِنَ حَدِّ التَّقْصِيرِ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ طَاعَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعْبَدُ حَقَّ عِبَادَتِهِ‌.(1)

عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ لِي‌أَبُو جَعْفَرٍ ع يَا جَابِرُ لَا أَخْرَجَك اللَّهُ مِنَ النَّقْصِ وَ [لَا] التَّقْصِيرِ.(2)

عَنْ أَبِي الْحَسَنِ ع قَالَ قَالَ‌: أَكْثِرْ مِنْ أَنْ تَقُولَ - اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِنَ الْمُعَارِينَ وَ لَا تُخْرِجْنِي مِنَ التَّقْصِيرِ - قَالَ قُلْتُ أَمَّا الْمُعَارُونَ فَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ الرَّجُلَ يُعَارُ الدِّينَ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ فَمَا مَعْنَى لَا تُخْرِجْنِي مِنَ التَّقْصِيرِ فَقَالَ كُلُّ عَمَلٍ تُرِيدُ بِهِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَكُنْ فِيهِ مُقَصِّراً عِنْدَ نَفْسِك فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ فِي أَعْمَالِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ اللَّهِ مُقَصِّرُونَ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ‌.(3)

قَالَ رَجُلٌ لاميرالمؤمنين: أَوْصِنِي فَقَالَ ع أُوصِيك أَنْ لَا يَكُونَنَّ لِعَمَلِ الْخَيْرِ عِنْدَك غَايَةٌ فِي الْكَثْرَةِ وَ لَا لِعَمَلِ الْإِثْمِ عِنْدَك غَايَةٌ فِي الْقِلَّةِ‌.(4)


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 72.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 72.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 73.

4) . راجع: تحف العقول، ص 150.

أَلَا إِنَّ أَبْصَرَ الْأَبْصَارِ مَنْ نَفَذَ فِي الْخَيْرِ طَرْفُهُ‌.(1)

لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنَّ أَحَداً أَوْلَى بِفِعْلِ الْخَيْرِ مِنِّي فَيَكُونَ وَ اللَّهِ كَذَلِك إِنَّ لِلْخَيْرِ وَ الشَّرِّ أَهْلًا فَمَهْمَا تَرَكْتُمُوهُ كَفَاكُمُوهُ أَهْلُهُ‌.(2)

عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله:... وَ أَمَّا أَعْدَاؤُك مِنَ الْجِنِّ فَإِبْلِيسُ وَ جُنُودُهُ فَإِذَا أَتَاك فَقَالَ مَاتَ ابْنُك فَقُلْ إِنَّمَا خُلِقَ الْأَحْيَاءُ لِيَمُوتُوا وَ تَدْخُلُ بَضْعَةٌ مِنِّي الْجَنَّةَ إِنَّهُ لَيَسُرُّنِي فَإِذَا أَتَاك وَ قَالَ قَدْ ذَهَبَ مَالُك فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْطَى وَ أَخَذَ وَ أَذْهَبَ عَنِّي الزَّكَاةَ فَلَا زَكَاةَ عَلَيَ وَ إِذَا أَتَاك وَ قَالَ لَك النَّاسُ يَظْلِمُونَك وَ أَنْتَ لَا تَظْلِمُ فَقُلْ إِنَّمَا السَّبِيلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَ إِذَا أَتَاك وَ قَالَ لَك مَا أَكْثَرَ إِحْسَانَك يُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَك الْعُجْبَ فَقُلْ إِسَاءَتِي أَكْثَرُ مِنْ إِحْسَانِي وَ إِذَا أَتَاك وَ قَالَ لَك مَا أَكْثَرَ صَلَاتَك فَقُلْ غَفْلَتِي أَكْثَرُ مِنْ صَلَاتِي وَ إِذَا قَالَ لَك كَمْ تُعْطِي النَّاسَ فَقُلْ مَا آخُذُ أَكْثَرُ مِمَّا أُعْطِي.(3)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع إِذَا أَخَذَ كِتَابَ عَلِيٍّ ع فَنَظَرَ فِيهِ قَالَ مَنْ يُطِيقُ هَذَا مَنْ يُطِيقُ ذَا قَالَ ثُمَّ يَعْمَلُ بِهِ وَ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ حَتَّى يُعْرَفَ ذَلِك فِي وَجْهِهِ وَ مَا أَطَاقَ أَحَدٌ عَمَلَ عَلِيٍّ ع مِنْ وُلْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ إِلَّا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ع.(4)


1) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 205.

2) . راجع: تصنيف غرر الحكم، ص 105.

3) . راجع: تحف العقول، ص 24.

4) . راجع: الكافي، ج 8 ص 143.

الفصل الثانى و العشرون

اشارة

الفضيلة الثالثة و العشرون: الزهد في الجاه

الرّذيلة الخامسة و العشرون: حبّ الرياسة

الفضيلة الثالثة و العشرون: الزّهد في الرتبة و الوجاهة

و هي ملكة توجب عدم تعلّق القلب بالرّئاسة و الوجاهة و المقام و لو بلغت له ما بلغت، كحكم رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله على قلوب النّاس، و كحكم مولانا ولىّ العصر عجّل اللّٰه تعالى فرجه الشّريف على العالم، فلايشتغل قلب الزاهد عن الرئاسة بها اصلاً، إذ ليست الرئاسة له إلّاآلة لنشر الحقيقة و لازهاق الباطل، حيث لاهمّ له إلّا اللّٰه، و ما أمر به سبحانه و تعالى.

و قد مرّ كلام مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام لابن عباس إذا اعترض عليه عند ما رآه كأنّه اسكاف، فقال له: مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ فَقُلْتُ لَا قِيمَةَ لَهَا فَقَالَ ع وَ اللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا.(1)

فالزّاهد لا رغبة له في الرّئاسة، و لاتقتدر الرّئاسة و الحكم على قلوب النّاس


1) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 33.

ان تلهيه عن ذكر اللّٰه تعالى، فهو لايحبّها حبّ المولهين لها، فان حصلت له لايستعملها إلّا في الخير، و إن فقدت عنه لايسوء به قلبه بل يفرّ منها فرار الغنم عن الذنب - كما يرى في سيرة أوليائه تعالى -، لما فيها من المشاكل و المزالق، و خوفاً من سوء الخاتمة - نعوذ باللّٰه منه -.

و بيّن القرآن الكريم هذه الفضيلة في الكلمتين: (لِكَيْلاٰ تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ وَ لاٰ تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ‌)(1)

و هذا البحث و البحث عن ضدّها و هو رذيلة حبّ الوجاهة و المقام و ان مضى الكلام فيه مفصّلاً في البحث عن فضيلة الزّهد و رذيلة حبّ الدّنيا، إلّاانّ القوم لمّا افردوا لهذه الفضيلة و تلك الرذيلة فصلاً و استوفوا فيه البحث عنهما، فنحن نتّبعهم نظراً إلى ما لهما من المكانة الهامّة، لانّ فضيلة الزّهد في الرّئاسة و رذيلة حبّها من الأمور الهامّة في الأخلاق سيّما عند اهل القلوب.

و بالجملة انّ البحث عن فضيلة الزّهد في الرّئاسة و عدم تعلّق القلب بها تعدّ من مصاديق فضيلة الزّهد، و نحن قد تكلّمنا فيه مستوفىً‌، كما قد تكلّمنا في حبّ الدنيا و أقسامه كحبّ الرئاسة لكن نعيد البحث عنه - كما أشرنا إليه - لمكانته الهامّة في هذا العلم.

قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: آخر ما يخرج عن قلوب الصّدّيقين حبّ الجاه.

فنرجو من اللّٰه تعالى أن لايجرى على القلم إلّاما فيه صلاح الأمّة، و ان لانكون معيدين ما مرّ ذكره، بل يجرى عليه نكات مميّزة عمّا مضى، مستمدّين من


1) . الحديد، 23.

مولانا اميرالمؤمنين الّذي فاز بأعلى المراتب و المراقى الّتي لايحوم حولها ملك مقرّبٌ في ليلتنا هذه الّتي نكتب فيها هذا الفصل، و هي ليلة استشهاده صلوات اللّٰه و سلامه عليه.

و قبل الورود في صلب البحث لابدّ من ان نتذكّر ما وقع للقوم من الاشتباه و هو انّهم بعد ما فصّلوا الكلام في رذيلة حبّ الرّئاسة و المقام ذكروا حبّ الخمول كفضيلة تقابلها، فجعلوها في عداد الفضائل، فوقع لهم في هذا الفصل خطاءان:

الأوّل: جعلهم حبّ الخمول من الفضائل، مع أنّه أيضاً ليس إلّاحبّاً شاغلاً للقلب عن اللّٰه فهو صنمٌ يُعبَد من دون اللّٰه!؛

و الثانى: غفلتهم عن كون الرئاسة طريقاً وحيداً لنشر الحق و احياءه و ازهاق الباطل و ابطاله، و لاريب انّ الناس لم يخضعوا قبال الشريعة إلّابعد أنّ سلّط اللّٰه رسوله عليهم. فعلى قلب السالك أن لا يشتغل بغير اللّٰه، لا بحبّ المكانة و لا بالخمول عنها، و هذا هو القلب الّذي ينورّه اللّٰه سبحانه و تعالى بنوره، و ما أحسن من قال:

غلام همّت آنم كه زير چرخ كبود *** ز هر چه رنگ تعلّق پذيرد آزاد است

فبما قلنا ظهر أنّه يمكن أنّ يكون للخامل عن الرئاسّة خاتمٌ رخيصٌ بخسٌ ولكن لقلبه تعلّقٌ به كتعلّق العابد الوله بصنمه، كما يمكن أنّ لايكون لقلب الحاكم على المجتمع غير الخامل عن الحكم تعلقاً به، كما قد عاينّا كثيراً منهم و سمعنا بكثيرٍ منهم أيضاً.

و قد حكينا لك آنفاً حكاية المحقّق النراقى العارج إلى معراج السعادة مع الرجل الصوفي المعدم، و فيها خير شاهدٍ على ما نحن بصدده الآن، فراجعها.

نعم انّ مثل اميرالمؤمنين عليه السلام مع كونه ذاالرئاستين الدينيّة الالهيّة و الدنيويّة كان يقول: و اللّٰه لهى - أي: النّعل - احبّ الىّ من امرتكم هذه، هذا من ناحيةٍ و من ناحيةٍ أخرى انّ المولهين بالدنيا كطلحة و زبير و معاوية و عمرو بن العاص بدّلوا الدّين بالدّنيا، و الشّرافة بالرّياسة، فخسروا خسراناً مبيناً.

فتلخّص انّ حبّ الخمول لايضادّ حبّ الجاه و المكانة، بل انّهما مخالفان و لهما ضدّ و احدٌ ألّا و هو الزّهد في الرّئاسة، فما اشتهر بين علماء علم الأخلاق من جعله ضدّ حبّ الجاه ليس بسديد.

إذا تقرر هذا فنقول: فضيلة الزهد في الرئاسة فضيلة هامة ولولا فضل اللّه ورحمته لم يصل اليها احدٌ وهي تختصّ بالانبياء والاولياء ومن يحذو حذوهم ممّن سبقت لهم الحسنى. هذا كلّه بالنسبة إلى عظم خطرها، ولكن مع ذلك كلّه رغّب اللّٰه عباده إليها حيث جعل الجنّة ثمن هذه الفضيلة مختصّةً بمن حازها،

قال سبحانه و تعالى: (تِلْكَ اَلدّٰارُ اَلْآخِرَةُ نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لاٰ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فَسٰاداً وَ اَلْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‌)(1)

و المفهوم من هذه الكريمة توقّف حسن العاقبة على هذه الفضيلة الخُلقية، كما يُفهم منها أنّ الفساد في الارض و الابتعاد عن الجنّة لاينشأ إلّاعمّا يضادّها و هو حبّ الرئاسة و المكانة في الدنيا.

و من آثار هذه الفضيلة انّ صاحبها كسائر النّاس مسكناً و ملبساً و مأكلاً و مشرباً بل أدون منهم بمراتب.


1) . القصص، 83.

الا ترى انّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله لم يضع لبنة على لبنة و كان حجراته من ليف النّخل و الحصير، و كان له ملبسٌ رخيصٌ بحيث إذا اشترى له قميص بأربعة دراهم لم‌يقبله معلّلا بانّه غالى الّثمن، فأقال البيع و اشترى قميصاً بدرهمين و انفق الدّرهمين الآخرين، و لم‌يأكل و لم‌يشرب إلّابقدر الحاجة من أرخص ارزاق الناس كالّتمر و الشعير.

الاترى انّ جهاز بنته الزّهراء عليها السلام كان سبع عشرة قطعة غالبها من الطّين، فبكى و قال: اللّهمّ باركها، و ترى انّ مهرها كان خمسأة دراهم.

الاترى أنّه صلى الله عليه و آله كان يأمر أصحابه بالجلوس في مجلسه على هيئة الدائرة، حذراً من الترأّس في المجلس بحيث لم يكن للوارد عليه فيه أنّ يعرفه أو يميّزه عن أصحابه، فهو اقوى من الكلّ فضيلة و اضعف من الكلّ مؤنة.

الاتسمع انّ عليّاً عليه السلام لم يلبث بعد مبايعة الناس له بالخلافة أن رجع إلى حفر البئر و غرس النّخل اعانة للفقراء.

ثمّ لم يدنّسه الدنيا و الحكم عليها حتّى أنّ بعض حواريّه و هو الضمرة بكى و قال: رأيت افطاره من الخبز الشّعير اليابس و الملح.

حتّى أنّه عليه السلام لمّا بات ليلته الآخيرة في بيت بنته، فرأى المائدة مزيّنةً بالخبز و اللّبن و الملح تعجّب و قال لها: هل رأيت في اديمى غير ادامٍ واحدٍ قطّ؟! و لمّا ارادت ان تأخذ منه الملح امرها بأخذ اللّبن.

و ما احسن في هذا الباب ما كتبه إلى عثمان ابن حنيف و هو عامله على البصرة:

وَ إِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ وَ مِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ أَلَا وَ إِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ‌

عَلَى ذَلِك وَ لَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَ اجْتِهَادٍ وَ عِفَّةٍ وَ سَدَادٍ فَوَاللَّهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً وَ لَا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً وَ لَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً وَ لَا حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْراً وَ لَا أَخَذْتُ مِنْهُ إِلَّا كَقُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ وَ لَهِيَ فِي عَيْنِي أَوْهَى وَ أَوْهَنُ مِنْ عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَك مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ آخَرِينَ وَ نِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ وَ مَا أَصْنَعُ بِفَدَك وَ غَيْرِ فَدَك وَ النَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَثٌ تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا وَ تَغِيبُ أَخْبَارُهَا وَ حُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا وَ أَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا لَأَضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَ الْمَدَرُ وَ سَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ الْمُتَرَاكِمُ وَ إِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ وَ تَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ وَ لَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَاالْعَسَلِ وَ لُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ وَ نَسَائِجِ هَذَا الْقَزِّ وَ لَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ وَ يَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الْأَطْعِمَةِ وَ لَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لَا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ وَ لَا عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ‌.(1)

و من جملة آثار هذه الفضيلة تواضع المتحلّى بها عند النّاس سيّما عند الفقير و الوضيع، فيجعل نفسه مثله غير مترفّع عليه.

امّا سمعتَ انّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله لمّا رأى كبر رجلٍ متموّلٍ على فقير اعمى، غضب حتّى ظهرت آثار الغضب على وجهه فنزلت الآيات الأولى من سورة عبس:

(عَبَسَ وَ تَوَلّٰى * أَنْ جٰاءَهُ اَلْأَعْمىٰ * وَ مٰا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّٰى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ اَلذِّكْرىٰ‌) (2)


1) . راجع: نهج البلاغة، الكتاب 45.

2) . عبس، 41.

اما سمعت انّ اميرالمؤمنين عليه السلام اعان الضّعفاء و الفقراء حتّى حمل الحطب لهم على ظهره‌؟!.

و من جملة آثار هذه الفضيلة انّ الزاهد في الرّئاسة لايبيع أخراه أو عرضه طلباً للرّئاسة، بل يطلب الرئاسّة طلباً للعثور عليها، فلا يرضى بالخداع طلباً لها. هذا كما رُوى عن سيرة الرسول صلى الله عليه و آله أنّه لم يقبل ان يجعل الرئاسّة في آل شيخ طائفة بنى العامر و زعيمها حين طلب منه صلى الله عليه و آله اقراره و اقرار اهل بيته على زعامة الطائفة على ان يسلم هو و طائفته جمعاء، هذا مع كثرة عددهم و قوّتهم و ضعف الاسلام و قلّة المسلمين آنذاك، و كما روى عن سيرة اميرالمؤمنين حين اشارإليه عبدالرحمن بن عوف في الشورى بالخلافة على ان يتمسّك بالقرآن و بالسنة و بطريقة الشيخين، ولكنّه عليه السلام لم يقبل المعاهدة، فقبلها عثمان ثمّ خرج عن الشرط فكان ما كان و حدث ما حدث، و قال عليه السلام: وَ اللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُه.(1)

اما سمعتَ قول القوم له عليه السلام: ابق معاوية، و هو كان يقول: أ أطلب الرّياسة بالجور، و إذا عيّروه بانّه لم‌يكن من السّائسين قال: لولا التّقى لكنت ادهي العرب.

و قد خرجنا عمّا كان دأبنا من الاختصار في تدوين هذا الأثر.

و موجز القول انّ هذه الفضيلة تلازم فضائل كثيرة، و تترتّب عليها حسنات و بركات جمّة. فان اردت ان تعرف هل فزت بهذه المكرمة الكبرى‌؟ فعليك بالبحث عن آثارها و الفحص عن علائمها في نفسك.


1) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 224.

و اعلم انّ تهذيب النّفس عن ضدها و هو حبّ الرّياسة و التّحلية بهذه الفضيلة بحاجةٍ ماسّة إلى كفاحٍ و مجاهدةٍ نفسيّة، بعد أنّ ادركتْه رحمة اللّٰه سبحانه و عنايته، و لا ينحج لها إلّاالأوحدى من الناس في كلّ عصرٍ. فمن تزيّن بهذه الفضيلة فلا غضب له، و لا جدال، و لا فخر، و لا عجب، ولا ما يماثل ذلك.

فبعد ذلك لا عجب ان سمعت انّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله قال: آخر ما يخرج عن قلوب الصّدّيقين حبّ الجاه.

و ربّما عاينا و جرّبنا رجالاً متّقين مقيّدين بظواهر الشّرع في غاية التّقوى و التّقيّد و لكن عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان؛

نعم انّ الواصلين إلى ذرى هذه الفضيلة و هم الصّدّيقون و الاحرار ليس عليهم اصر و لاغلّ‌، حيث انّ الرسالة و الرسول و المرسَل ليس إلّالوضع الغلّ عنهم.

قال اللّٰه تعالى: (اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلرَّسُولَ اَلنَّبِيَّ اَلْأُمِّيَّ اَلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي اَلتَّوْرٰاةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهٰاهُمْ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّبٰاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبٰائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ اَلْأَغْلاٰلَ اَلَّتِي كٰانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ‌)(1)

توضيح ذلك انّ الإنسان له ضالّ و هو اللّٰه تعالى، فيطلبه دائماً من غير فتورٍ و توانٍ ولكنّ اكثر الناس إلّاالاوحدى منهم يظنّون أنّ الدنيا هي هذه الضالّة فيطلبونها بدلاً من اللّٰه سبحانه و تعالى و لايجدونها فيموتون غمّاً لها فان كانوا من اهل الجنّة ففى الدار الآخر ينزع عنهم غلّهم و يصلون على حسب مقامهم إلى


1) . الاعراف، 157.

مقصودهم.

قال تعالى: (وَ نَزَعْنٰا مٰا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ اَلْأَنْهٰارُ وَ قٰالُوا اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ اَلَّذِي هَدٰانٰا لِهٰذٰا وَ مٰا كُنّٰا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لاٰ أَنْ هَدٰانَا اَللّٰهُ‌)(1)

و ان كانوا من اهل النّار فيوضَع غلٌّ على غلِّهم من غير ان يُراحوا منه.

قال تعالى: (إِنّٰا جَعَلْنٰا فِي أَعْنٰاقِهِمْ أَغْلاٰلاً فَهِيَ إِلَى اَلْأَذْقٰانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ‌)(2)

فكذلك يكونون مغلولين بتلك الاغلال في الآخرة كما كانوا في الأولى.

قال تعالى: (إِذِ اَلْأَغْلاٰلُ فِي أَعْنٰاقِهِمْ وَ اَلسَّلاٰسِلُ يُسْحَبُونَ‌)(3)

و قال تعالى: (وَ أَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ بِشِمٰالِهِ فَيَقُولُ يٰا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتٰابِيَهْ * وَ لَمْ أَدْرِ مٰا حِسٰابِيَهْ * يٰا لَيْتَهٰا كٰانَتِ اَلْقٰاضِيَةَ * مٰا أَغْنىٰ عَنِّي مٰالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطٰانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ اَلْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهٰا سَبْعُونَ ذِرٰاعاً فَاسْلُكُوهُ‌)(4).

ف‌الواصلون إلى هذه الفضيلة هم الصديقون، السائرون بفضله و رحمته تعالى من منزل إلى آخر، و من مرتبةٍ إلى أخرى، بقلوب خاليةٍ عن كدورات الدنيا و أدناسها، منوّرةٍ بنوره تعالى. فبخلوّ القلب عن الشواغل يعبدونه عبادة الأحرار، و هم الاوحدى من الناس.

فطوبى لهم و حسن مآب، فهم الّذين في هذه الدّنيا لاتعلم نفس ما اخفى لهم من


1) . الاعراف، 43.

2) . يس، 8.

3) . الغافر، 71.

4) . الحاقّة، 25-32.

قرّة اعين جزاء بما كانوا يعملون، إذ انّهم في هذه الدّنيا عنداللّٰه، و مصيرهم إلى اللّٰه، و رجوعهم إلى اللّٰه تعالى.

قال تعالى: (يٰا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ‌)(1)

و قال تعالى: (إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنّٰاتٍ وَ نَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)(2)

فهم في هذه الدّنيا احرار قلوبهم خالية من جميع التّعلّقات، فخرجت من قلوبهم التّعلّقات و الظّلمات كلّها و دخل فيها نور اللّٰه تعالى.

قال تعالى: (اَللّٰهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيٰاؤُهُمُ اَلطّٰاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ اَلنُّورِ إِلَى اَلظُّلُمٰاتِ أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ‌)(3)

فالخلود في نور اللّٰه تعالى هيهنا هو الخلود في جوار اللّٰه تعالى هناك.

قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ * إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ‌)(4)

و الخلود في الظّلمات و الحجب هيهنا خلود في الظّلمات و الحجب هناك.

قال تعالى: (كَلاّٰ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ‌)(5)

و الاغلال هيهنا اغلال هناك و العبادات هيهنا جنّات هناك.


1) . الفجر، 28-27.

2) . القمر، 55-54.

3) . البقرة، 257.

4) . القيامة، 23-22.

5) . المطفّفين، 15.

قال تعالى: (ذٰلِكَ بِمٰا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ‌)(1)

و قال تعالى: (كُلُوا وَ اِشْرَبُوا هَنِيئاً بِمٰا أَسْلَفْتُمْ‌)(2)

يا رب ليلتنا هذه هي ليلة عزاء عبدك الخالص مولنا اميرالمؤمنين عليه السلام - ليلة 21 رمضان المبارك لسنة 1414 -، و هي ليلة الجمعة المختصّة بمولانا ولى العصر و الدهر عجل الله تعالى فرجه، و هي ليلة القدر الاتي ّنزلت فيها كتابك دفعةً على قلب سيد الاولين و الآخرين مولى الكل رسولك و نبيك صلّى الله عليه و آله و سلّم،

و كتبت هذه الاوراق فيها لما روى من انّ احبّ الاعمال إليك في هذه الليلة مذاكرة العلم و كتابته، فاجعلها لي ذخراً و وفّقنا لأن نكون اهلاً لها، و اجعلنا بالقرآن و من نزل إليه و الذين ذكرت اسماءهم فيه و هم العترة الطّاهرة صلوات اللّٰه و سلامه عليهم اجمعين وجيهاً في الدّنيا و الاخرة.

(رَبَّنٰا هَبْ لَنٰا مِنْ أَزْوٰاجِنٰا وَ ذُرِّيّٰاتِنٰا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اِجْعَلْنٰا لِلْمُتَّقِينَ إِمٰاماً) (3)


1) . آل عمران، 182.

2) . الحاقّة، 24.

3) . الفرقان، 74.

الرّذيلة الخامسة و العشرون: حبّ الرّئاسة

اشارة

و هي تعلّق النّفس بها، و رغبتها فيها، و تلهّيها اليها، و هي من شعب حبّ الدّنيا الّذي هو رأس كلّ خطيئة، و قد أفردناها بالذكر نظراً إلى خطرها و عظمها بين المهالك، كما أفرد القوم فصلاً للبحث عنها فلا يجوز إهمالها و غضّ البصر عنها. و قلّ من نجى منها، و كثير من النّاس هلكوا بها من حيث يشعرون، و اضلّتهم على علم، كما انّ كثيراً منهم هلكوا بها من حيث لا يشعرون، و اضلّتهم على غير علم.

و انّ كثيراً من المتّقين فازوا بالخلاص من سائر الرّذائل، و لكن لم يفوزوا بالخلاص عن هذه الرّذيلة فاذهبتهم إلى وادى الضّلالة، فهلكوا و اهلكوا.

و الاديان الباطلة و المذاهب العبثة لم تنشأ إلّامن هذه الرّذيلة، فأظلّ أصحابُها جمعاً قفيراً بها.

الاترى انّ الاسلام مانال المحن و المصائب سيّما في بدء بعث الرسول صلى الله عليه و آله الاّ

بهذه الرذيلة.

و انّ جميع الانبياء و الاوصياء حتّى علماء الأمّة منذ بدء غيبة الامام عليه السلام إلى عصرنا هذا لم يسدّ طريقهم إلّاالمتّصفون بهذه الرذيلة الموبقة‌؟.

قال اللّٰه تعالى: (وَ مٰا أَرْسَلْنٰا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّٰ قٰالَ مُتْرَفُوهٰا إِنّٰا بِمٰا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كٰافِرُونَ‌)(1)

و قال تعالى: (قٰالَ اَلْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنّٰا لَنَرٰاكَ فِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ‌)(2)

و نظير هاتين الكريمتين كثيرٌ في الكتاب المبين، حتّى أنْ ذكر اللّٰه تعالى فيه الملأ الّذين يصدّون عن سبيله ما يقرب من ثلاثين مورداً.

و المترف و الملأ هم الّذين تمكّنت فيهم هذه الرّذيلة، لانّ الاتراف هو التّوسّع في النّعم و الملأ هم الّذين يملأون عيون الناس خداعاً كالرؤساء و العلماء و الأثرياء و لا يسدّ عن سبيله تعالى إلّاهذه الجماعة.

و من المؤسّف عليه انّ هذه الرّذيلة تمكّنت في قلوب النّاس كلّهم إلّامن ايّده اللّٰه تعالى بفضله، فاقتدر على ازالتها بالرّياضات الشرعيّة.

فهذا سرّ ما اشتهر بين ارباب القلوب من انّ نفسية الفرعون توجد في كلّ انسان، فلوأهملت من غير مباراةٍ معها، لتؤدّى إلى ادّعاء الربوبيّة، كما كان عليه الفرعون و من الواضح أنْ لاسبيل إلى ادّعا النيابة أو الامامة أو النبوّة أو الالوهيتة إلّا بعد أن تمكنّت رذيلة حب الجاه في النفس، فيتنزّل المتصّف بها عن مدارج الكمال


1) . سباء، 34.

2) . الاعراف، 60.

حتّى يدّعى الحلول و الالوهيّة - نعوذ باللّٰه منها -.

فهذه النفسيّة لها مراتب شدة وضعفاً، فالمرتبة الشّديدة منها هي الرّعونة الفرعونيّة الّتي لم تزل و لاتزال في كلّ عصر و زمن، و المرتبة الضّعيفة منها هي حبّ رئاسة الأسرة و التحكّم عليها، زوجاً كان أو زوجةً‌.

بل المتراءى من بعض الناس في قيامهم و قعودهم، بل في ما يجب عليهم من العبادات أو في المندوب منها كاتيان المشاهد المشرفة و اقامة مأتم الحسين عليه السلام و ما يشبهها ليس إلّاحصيلة هذه الرذيلة؛ فيأتى بذلك كلّه طلباً للجاه و الصيت بين الناس.

ثمّ انّ حبّ الجاه و هو حبّ تسخير قلوب النّاس، و حبّ الرّئاسة و هو حبّ تسخير أنفسهم، و حبّ السمعة و هو حبّ كونه مشيراً بالبنان و الألسن، أمر لا ينفك عن الإنسان بمعنى انّه لامنشأ له غير ذاته، فهو كحبّ المأكول و المشروب و النّساء و امثال ذلك، إلّاانّ ذلك الحبّ امثاله قد يلازم حبّاً آخر أو يترتّب عليه حبّ آخر.

مثلاً حبّ الرّئاسة يلازم الكبر و العجب و الغرور و الرّئاء و نحو ذلك، كما انّه يترتّب عليه الفساد و الظّلم، بل كثيراً ما يكون بعض ذلك داعياً لطغيان الآخر، كحب الدنيا الّذي يوجب محبّة المكانة و الرتبة.

و لكن كلّ ذلك يعدّ من الذّاتيات و مقتضيات النّفس الامّارة، لا أن ينشأ بعضه عن الآخر. فما اشتهر بين القوم من نشأ بعضه عن الآخر غير سديدٍ، و في هذا البحث وقعت لهم اشتباهات بيّنة فراجع و تأمّل فيها.

منها تصريحهم بأنّ حب الرئاسّة ممّا لابدّ منه في تنظيم أمر المعاش، فليس من الرذائل بالاطلاق، بل الزائد على المحتاج إليه الّذي فيه رعونهٌ و نفسيةٌ فرعونية، هو القبيح فحسب؛

و ليس الأمر كذلك، إذ الحبّ ليس إلّاتعلّق القلب بالمحبوب، و تعلّق القلب بغير المحبوب الأوّل الحقيقى جلّ و علا قبيحٌ قليلاً كان أو كثيراً، و لا حرية إلّابتحرير القلب عن جميع الشواغل و المشاغل غيره تعالى. هذا كلّه بالنسبة إلى حبّ الجاه و الرئاسّة امّا نفس الرئاسة و المرتبة، فلبست بمذمومةٍ بل الظاهر عن عدّة من آي القرآن الكريم كونها حسنةً مطلوبة.

قال اللّٰه تعالى: (وَ لَقَدْ كَتَبْنٰا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهٰا عِبٰادِيَ اَلصّٰالِحُونَ‌)(1)

و قال تعالى: (وَعَدَ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ‌)(2)

و قال تعالى: (وَ اَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنٰا هَبْ لَنٰا مِنْ أَزْوٰاجِنٰا وَ ذُرِّيّٰاتِنٰا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اِجْعَلْنٰا لِلْمُتَّقِينَ إِمٰاماً)(3)

و قال تعالى: (إِذْ قٰالَتِ اَلْمَلاٰئِكَةُ يٰا مَرْيَمُ إِنَّ اَللّٰهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اِسْمُهُ اَلْمَسِيحُ‌


1) . الانبياء، 105.

2) . النّور، 55.

3) . الفرقان، 74.

عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي اَلدُّنْيٰا وَ اَلْآخِرَةِ وَ مِنَ اَلْمُقَرَّبِينَ‌) (1)

و قال تعالى: (رَبَّنٰا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوٰادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ اَلْمُحَرَّمِ رَبَّنٰا لِيُقِيمُوا اَلصَّلاٰةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ اَلنّٰاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ اُرْزُقْهُمْ مِنَ اَلثَّمَرٰاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ‌)(2)

و قال تعالى: (قٰالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لاٰ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ اَلْوَهّٰابُ‌)(3)

و قال تعالى: (قٰالَ اِجْعَلْنِي عَلىٰ خَزٰائِنِ اَلْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ‌)(4)

و قال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصٰالِ * رِجٰالٌ لاٰ تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لاٰ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ‌)(5)

و قال تعالى: (أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَ وَضَعْنٰا عَنْكَ وِزْرَكَ * اَلَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَ رَفَعْنٰا لَكَ ذِكْرَكَ‌)(6)

يظهر من الآيات بجلاءٍ و وضوح انّ الرّئاسة و الشهرة من خير النّعم الالهيّة فكان الانبياء عليهم السلام يطلبونها و كان اللّٰه سبحانه و تعالى يجازيهم بها.

بل يظهر من بعض الآيات انّه تعالى أراد ان يسخّر الإنسان ما في السّموات و


1) . آل عمران، 45.

2) . ابراهيم، 37.

3) . ص، 35...

4) . يوسف، 55.

5) . النّور، 36-37.

6) . الإنشراح، 41.

ما في الأرض.

قال تعالى: (أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اَللّٰهَ سَخَّرَ لَكُمْ مٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي اَلْأَرْضِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً‌)(1)

فتسخير القلوب و تسخير النّفوس، و كون الإنسان مشيراً بالبنان مذكوراً في الألسن و الكتب، من الطاف اللّٰه تعالى، حيث لا طريق إلى احقاق الحق و ازهاق الباطل إلّابالرئاسة و المكانة فلا تعدّان مذمومتين غير مطلوبتين. امّا تعلق النّفس بها و تلهّيها و اشتغالها بحيازتها، فهو مذموم من غير ترديد كان في قليلها كتسخير قلب امراءة أو كثيرها كالحكم على النّاس طرّاً.

فتلخّص ممّا ذكرنا انّ الجاه و المقام و الرّياسة و الشّهرة ذاتها من حيث هي هي لا مطلوبة و لا مبغوضة، و المبغوض هو حبّ هذه الأشياء و المحبوب هو حبّها طلباً لاثبات الحقّ و ابطال الباطل بها.

فلوحازها من لا تعلّق لقلبه بها، فقد وقع الحق في محلّه كالانبياء و الاوصياء و من يحذو حذوهم.

و بهذا صرّح اميرالمؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة حيث قال لابن عبّاس: وَ اللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلا.(2)

و هذا هو الّذي جعله تعالى جزاءً للمتّقين، و عطيّةً للأنبياء و الكمّلين، و هم بهذا يقيمون الحقّ و يحفظونه، و يبطلون الباطل، و لولا ذلك لاندرس الحقّ بيد الجبابرة.


1) . لقمان، 20.

2) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 33.

قال تعالى: (وَ لَوْ لاٰ دَفْعُ اَللّٰهِ اَلنّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ اَلْأَرْضُ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى اَلْعٰالَمِينَ‌)(1)

و قال تعالى: (اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّٰ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اَللّٰهُ وَ لَوْ لاٰ دَفْعُ اَللّٰهِ اَلنّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوٰامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَوٰاتٌ وَ مَسٰاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اِسْمُ اَللّٰهِ كَثِيراً وَ لَيَنْصُرَنَّ اَللّٰهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اَللّٰهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * اَلَّذِينَ إِنْ مَكَّنّٰاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ أَقٰامُوا اَلصَّلاٰةَ وَ آتَوُا اَلزَّكٰاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ اَلْمُنْكَرِ)(2)

و امّا ان حازها المكبّ على الدّنيا، و المحبّ لها المتعلّق قلبه بها، فويل له و لذلك المجتمع الّذي أمره بيده، حيث لا سبيل له إلّاإلى الفساد و هلاك الحرث و النّسل، و بذلك اشار اللّٰه تعالى في آيات:

قال: (إِنَّ اَلْمُلُوكَ إِذٰا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهٰا وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهٰا أَذِلَّةً‌)(3)

و قال اللّٰه تعالى: // (و لو اتّبع الحقّ اهوائهم لفسدت السّموات و الارض و من فيهنّ‌) //(4)

و قال تعالى: (وَ إِذٰا تَوَلّٰى سَعىٰ فِي اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهٰا وَ يُهْلِكَ اَلْحَرْثَ وَ اَلنَّسْلَ‌)(5)

و قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاٰ فِي اَلْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَهٰا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طٰائِفَةً‌


1) . البقرة، 251.

2) . الحجّ‌، 40-41.

3) . الّنمل، 34.

4) . المؤمنون، 71.

5) . البقرة، 205.

مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنٰاءَهُمْ وَ يَسْتَحْيِي نِسٰاءَهُمْ إِنَّهُ كٰانَ مِنَ اَلْمُفْسِدِينَ‌) (1)

و قال تعالى: (اِتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اَللّٰهِ‌)(2)

و قال تعالى: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلْأَحْبٰارِ وَ اَلرُّهْبٰانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ اَلنّٰاسِ بِالْبٰاطِلِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ‌)(3)

و قد أشرنا إلى أنّ القرآن الكريم يشير إلى الملأ الذين كانوا يصدّون عن سبيل اللّٰه في ما يقرب من ثلاثين آية. و لا علّة لصدّهم عن الحقّ إلّاأنّ حب الرئاسة تمكّن في قلوبهم، و لا سيما في قلوب علمائهم و أوليائهم السوء، هذا بالنسبة إلى اصل هذه الرذيلة. امّا بالنسبة إلى ما يلازمها، فكفاها قبحاً عدم فكّها عن النفاق و الرئاء، حيث إنّ التلازم بين الثلاثة أمر قهرىٌ قلّما يمكن انفكاك بعضها عن بعضٍ‌.

توضيح ذلك: انّ المحبّ للجاه لا همّ له إلّااستجلاب انظار النّاس إلى نفسه و بسط الحكم على قلوبهم، و هذا يلازم التظاهر بمحاسن الاخلاق، و بالمحسّنات الشّرعيّة و العرفية، بل هو لايبالى ان يكذب مرة و يتفاخر أخرى و يغتب ثالثاً بل لا يتمالك نفسه عن أن يباهت ليستجلب الناس، فلا شعار له الا المكر و لا دثار له إلّا الخديعة ثمّ إذا تمالك قلوبهم و سلّط عليهم، يحتاج إلى خديعة أخرى محافظةً على سلطته و ابقاءً لها.


1) . القصص، 4.

2) . التّوبة، 31.

3) . التّوبة، 34.

قال تعالى: (إِنَّ اَلْمُلُوكَ إِذٰا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهٰا وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهٰا أَذِلَّةً‌)(1)

و ممّا يجب ان نعلم، انّ هذه الرّذيلة عند المتّصف بها تعدّ اعلى قدراً و شأناً على سائر الرّذائل، فهو يغضّ البصر عن غيرها طلباً لها، فيكفّ عن أمواله و مَلَذّاته استجلاباً للمكانة في قلوب الناس فضلاً عن رفعه اليد عن زوجته و عرضه ليصل إليها.

و كلّ ذلك دليل على انّ الرّئاسة احبّ إلى الإنسان غير المهذّب من كلّ المشتهيات، و ليس هذا من طلبة الدنيا الدنيّة بعجب.

حكى أنّ حميد بن قحطبة و كان من رؤساء عسكر الرشيد، استفطر في شهر رمضان، فلمّا سئل عن ذلك‌؟ قال: إياساً من رحمة اللّٰه و غفرانه، حيث قتلتُ من ذريّة الزهراء سلام اللّٰه عليها ستّين ذكراً بين غلام و رجلٍ‌. و ذلك انّ الرشيد هارون سألنى ليلة عن مدى محافظتى على عهده فأجبته افديك بمالى فلم يرض ففديته بنفسى فلم يرض ففديته بعرضى فلم يرض فقلت له افديك بدينى فطاب وقته و أعطانى سيفاً و قال افعل كلّما أمرك به هذا الغلام فأذهب بى الغلام إلى سجن فيه ستّون ذكراً من بنى الزهراء و أمرنى بقتلهم، فقتلهم ذبحاً! فلا أطمع في رحمته و غفرانه تعالى. هذ تلخيص الحكاية بتحريرٍ منا.

و كم لهذه الحكاية من نظيرٍ، و لو كانت هذه اكذوبة ولكن ما نشاهد اليوم ليس ممّا لاواقع له، فعلى سبيل المثال المحافظة الّتي تُدعى جمعيّة حقوق الإنسان، مع كونها متشكّلة عن أعلام علم الحقوق، فهل ترى فيما تقوم به شيئاً غير ازهاق الحّق تقريباً


1) . الّنمل، 34.

بالشياطين و الظلمة‌؟

ا و لانرى انّ القرآن الكريم يقصّ علينا قصص نوح و ابراهيم و موسى و عيسى و خاتم الأنبياء - عليهم افضل صلوات اللّٰه تعالى - و معجزاتهم، و لكنّ الملأ مع العلم بحقّانيّتهم انكروهم، بل اضلّوا النّاس بخدعهم و مكرهم بل أراقوا دماء الأنبياء الطاهرة المقدّسة علماً منهم بأنّه لاذنب لهم غير ايمانهم باللّٰه العظيم.

قال تعالى: (وَ مٰا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّٰ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللّٰهِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَمِيدِ)(1)

و في الختام نتذكّر امراً هامّاً رفعاً لاشتباه وقع للقوم في المقام، و هو انّ المشتهيات و الملذّات و كذلك الآلام و الأسقام تنقسم إلى أقسام ثلاثة:

1 - ما يكون مرتبطاً بالجسم، كالأكل و الشّرب و الاراحة و اطفاء الشّهوة الجنسيّة و نحو ذلك، و كالجوع و الظّمأ و التّوانى و نحوها، و هذا القسم من اللّذّات و الآلام مشترك بين الإنسان و سائر الحيوانات، بل الحيوان أقوى من الإنسان في ساحة المشتهيات و اصبر منه في ساحة الآلام.

2 - اللّذّات الوهميّة و الخيالة، كالرّياسة و الجاه و جمع المال و نحو ذلك، و كالخمول و الانعزال و الفقر ممّا ليس بازائه شيء في الخارج فهو لاينشأ إلّامن الوهم و الخيال.

وللّٰه درّ الحكيم السّبزوارى قدس سره حيث أنشد في منظومته:

كلّ ما في الكون وهمٌ أو خيال *** أو عكوس في المرايا أو ظلال

لانّ الوقاع و الاكل و الشّرب، و كذلك الجوع و الظّمأ، لها ما يقابلها في العالم


1) . البروج، 8.

العينى المادى، و امّا الرّئاسة و نحوها فليست إلّاوهماً أو خيالاً.

و لكن أسفاً على ابناء الدّنيا حيث يقدّ مونها على كلّ من الاكل و الشّرب و الوقاع و نحوها، و لعلّ السّرّ في ذلك قوّة عالَمَى الوهم و الخيال بالنسبة إلى عالم الجسم و المادّة، فلا مردّ من كون آثار ذاك العالَم أقوى من آثار هذا العالم.

و هذه اللّذّات و الآلام أيضاً مشتركة بين الإنسان و الحيوان.

الا ترى انّ النمر و الأسد كيف تحبّ التّقدّم، و انّ الّنمل و الذّئب كيف يحرص على جمع المال و نهبه‌؟.

3 - اللّذّات و الآلام الرّوحية كالعلم و الاعانة، و الغلبة على الظّلم، و العدالة، و ابطال الباطل و اثبات الحقّ‌، و الاتصاف بالفضائل، و التهذيب عن الرّذائل و نحو ذلك.

فهذه اللّذّات و الآلام تختصّ بالانسان و لا نصيب للحيوان فيها و حقيقة الإنسان ليست إلّامن هذه اللذات أو الآلام. و قد أشرنا إلى ما جرى بين اميرالمؤمنين عليه السلام و بين ابن عباس لمّا رآه يختصف النعل بيده، فاعترض عليه، فأجابه عليه السلام: وَ اللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلا(1).

فأراد عليه السلام اعلام الناس أن لا عناية له بالدنيا و ما يرجع إليها من المكانة و الرئاسة إلّاما يؤدّى إلى اثبات حق أو ازهاق باطل. و هذه هي سيرة الالهيّين حيث لا يشتغل قلبهم بخسائس الدنيا الدنيّة كالأكل و الشرب و الوقاع اِلّا بما لابدّ منه.


1) . راجع: نهج البلاغة، الخطبة 33.

النّفس المتألّهة تحبّ اللّٰه تعالى، و تحبّ ما يحبّه اللّٰه تعالى، و تحبّ الفضائل كلّها، و ليس شيء يصرفها عنها، و هي متوغّلة في ذلك الحبّ‌، و هو غالب على قلبها.

قال اللّٰه تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصٰالِ * رِجٰالٌ لاٰ تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لاٰ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اَللّٰهِ وَ إِقٰامِ اَلصَّلاٰةِ وَ إِيتٰاءِ اَلزَّكٰاةِ يَخٰافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ اَلْقُلُوبُ وَ اَلْأَبْصٰارُ)(1)

بل انّها خلقت لذلك، قال تعالى: (وَ اِصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي)(2)

و وقع للغزإلى في هذا البحث اشتباهات، و من المؤسّف عليه أنّ الفيض المقدّس و النراقيّين تبعوه في ذلك الخطا و لكن لمّا لم‌يكن في كتابنا هذا مجالاً للمقاولة و الرّدّ و القبول، فلانخرج عمّا كنّا فيه من الاختصار، فراجع "إحياء العلوم" و "المحجّة البيضاء" و "جامع السّعادات" و "معراج السّعادة" و تأمّل فيها، تقف على خطأهم و زلّتهم في هذا الباب.

اللّهمّ احفظنا عن الزّلل و الخطأ بحقّ سيّدنا محمّد و آله الطّاهرين المعصومين من الزّلل و الخطأ صلوات اللّٰه و سلامه عليهم اجمعين.

و نختم الكلام بذكر طائفةٍ من كلمات اهل البيت استنارةً منها.


1) . النّور، 36-37.

2) . طه، 41.

رواياتٌ في طلب الرّياسة

عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ ع أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا فَقَالَ إِنَّهُ يُحِبُّ الرِّئَاسَةَ فَقَالَ مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ فِي غَنَمٍ قَدْ تَفَرَّقَ رِعَاؤُهَا بِأَضَرَّ فِي دِينِ الْمُسْلِمِ مِنَ الرِّئَاسَةِ‌.(1)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ‌: مَنْ طَلَبَ الرِّئَاسَةَ هَلَك.(2)

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ إِيَّاكُمْ وَ هَؤُلَاءِ الرُّؤَسَاءَ الَّذِينَ يَتَرَأَّسُونَ فَوَ اللَّهِ مَا خَفَقَتِ النِّعَالُ خَلْفَ رَجُلٍ إِلَّا هَلَك وَ أَهْلَك.(3)

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع مَلْعُونٌ مَنْ تَرَأَّسَ مَلْعُونٌ مَنْ هَمَّ بِهَا مَلْعُونٌ مَنْ حَدَّثَ بِهَا نَفْسَهُ‌.(4)

عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع إِيَّاك وَ الرِّئَاسَةَ وَ إِيَّاك أَنْ تَطَأَ أَعْقَابَ الرِّجَالِ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاك أَمَّا الرِّئَاسَةُ فَقَدْ عَرَفْتُهَا وَ أَمَّا أَنْ أَطَأَ أَعْقَابَ الرِّجَالِ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 297.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 297.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 297.

4) . راجع: الكافي، ج 2 ص 298.

فَمَا ثُلُثَا مَا فِي يَدِي إِلَّا مِمَّا وَطِئْتُ أَعْقَابَ الرِّجَالِ فَقَالَ لِي لَيْسَ حَيْثُ تَذْهَبُ إِيَّاك أَنْ تَنْصِبَ رَجُلًا دُونَ الْحُجَّةِ فَتُصَدِّقَهُ فِي كُلِّ مَا قَالَ‌.(1)

عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الشَّامِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ قَالَ لِي وَيْحَك يَا أَبَا الرَّبِيعِ لَا تَطْلُبَنَّ الرِّئَاسَةَ وَ لَا تَكُنْ ذِئْباً - وَ لَا تَأْكُلْ بِنَا النَّاسَ فَيُفْقِرَك اللَّهُ وَ لَا تَقُلْ فِينَا مَا لَا نَقُولُ فِي أَنْفُسِنَا فَإِنَّك مَوْقُوفٌ وَ مَسْئُولٌ لَا مَحَالَةَ فَإِنْ كُنْتَ صَادِقاً صَدَّقْنَاك وَ إِنْ كُنْتَ كَاذِباً كَذَّبْنَاك.(2)

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ أَ تَرَى لَا أَعْرِفُ خِيَارَكُمْ مِنْ شِرَارِكُمْ بَلَى وَ اللَّهِ وَ إِنَّ شِرَارَكُمْ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوطَأَ عَقِبُهُ إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كَذَّابٍ أَوْ عَاجِزِ الرَّأْيِ‌.(3)

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَوَّلُ مَا عُصِيَ اللَّهُ تَبَارَك وَ تَعَالَى بِسِتِّ خِصَالٍ حُبِّ الدُّنْيَا وَ حُبِّ الرِّئَاسَةِ وَ حُبِّ الطَّعَامِ وَ حُبِّ النِّسَاءِ وَ حُبِّ النَّوْمِ وَ حُبِّ الرَّاحَةِ‌.(4)

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع إِيَّاك وَ الرِّئَاسَةَ فَمَا طَلَبَهَا أَحَدٌ إِلَّا هَلَك فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاك قَدْ هَلَكْنَا إِذاً لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا إِلَّا وَ هُوَ يُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ وَ يُقْصَدَ وَ يُؤْخَذَ عَنْهُ فَقَالَ لَيْسَ حَيْثُ تَذْهَبُ إِلَيْهِ إِنَّمَا ذَلِك أَنْ تَنْصِبَ رَجُلًا دُونَ الْحُجَّةِ فَتُصَدِّقَهُ فِي كُلِّ مَا قَالَ وَ تَدْعُوَ النَّاسَ‌


1) . راجع: الكافي، ج 2 ص 298.

2) . راجع: الكافي، ج 2 ص 298.

3) . راجع: الكافي، ج 2 ص 299.

4) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 153.

إِلَى قَوْلِهِ‌.(1)

قَالَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ ع مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ فِي غَنَمٍ قَدْ غَابَ عَنْهَا رِعَاؤُهَا بِأَضَرَّ فِي دِينِ الْمُسْلِمِ مِنْ حُبِ الرِّئَاسَةِ ثُمَّ قَالَ لَكِنَّ صَفْوَانَ لَا يُحِبُّ الرِّئَاسَةَ‌.(2)

1) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 153.

2) . راجع: بحار الأنوار، ج 70 ص 154.

إلى هنا تمَّ الجزء الثَّالث من هذا الكتاب

و يليه - إن شاءاللَّه - الجزء الرَّابع

وأوَّله: الفصل الثَّالث والعشرون، ويُبحَث فيه عن

فضيلة الشُّعور بالمسؤوليَّة

وعن رذيلة الفشالة قِبَل المسؤوليَّة

والحمد للَّه أوَّلًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا