إفاضة العوائد تعلیق علی درر الفوائد جلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

إفاضة العوائد: تعلیق علی درر الفوائد

سایر عناوین:تعلیق علی درر الفوائد / درر الفوائد. شرح

شارح: گلپایگانی، محمدرضا

سایر نویسندگان

نویسنده: حائری، عبد الکریم

تعداد جلد:2

زبان: عربی

ناشر: دار القرآن الکريم - قم - ایران

سال نشر:1410 هجری قمری

کد کنگره:/ح 2 د 4028 159/8 BP

محرر رقمی میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

مقدمة المؤلف

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله الذي علمنا معالم الدين و معارج اليقين، و انار قلوبنا بلوامع السنة و الكتاب المبين، و وفقنا لتمهيد القواعد و القوانين لاستنباط احكام سيد المرسلين، و الصلاة و السلام على اشرف سفرائه المقربين محمّد خاتم النبيين و على آله الطيبين الطاهرين و لعنة الله على اعدائهم اجمعين الى يوم الدين.

أما بعد فيقول العبد الذنب المستجير برحمة ربّه الكريم، عبد الكريم الحائرى غفر دنوبه و ستر عيوبه لما صنفت فى سالف الزمان تصنيفا شريفا و تأليفا منيفا فى علم الاصول، و أودعت فيه غالب مسائلها المهمة، مراعيا فيه غاية الايجاز و الاختصار، مع التوضيح و التنقيح ببيانات شافية و عبارات وافية، بحيث يكون سهل التناول لطالبه مجتنيا عن ذكر ما لا ثمرة فيه، و سميّته ب (درر الفوائد) فحددت النظر فيه فالحقت به ما خطر ببالى الفاتر و فكرى القاصر اخيرا مما اختلف فيه رايى، و ارجو من الله ان يكون نافعا لاخواني من اهل العلم و ان يجعله خير الزاد ليوم المعاد.

مقدمة الشارح

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله الذي فقهنا فى الدين، و فرض علينا معرفة اصوله و كلفنا بالعمل بفروعه و وفقنا لاستنباط احكام شريعته من كتابه و سنة نبيه و اوصيائه الائمّة الغر الميامين و الصلاة و السلام على خاتم الانبياء و المرسلين محمّد و عترته الطيبين الطاهرين و لعنة الله على اعدائهم اجمعين الى يوم الدين.

و بعد فيقول العبد الفقير الى رحمة ربه الغنى محمّد رضا بن محمّد باقر الموسوي الگلپايگاني قد طلب اليّ جمع من افاضل الطلاب تدريسهم كتاب (درر الفوائد) تأليف المرحوم المبرور المغفور له شيخنا و استاذنا مؤسس الحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة العلامة الفقيه و الاصولي الشهير آية الله العظمى و حجته الكبرى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي تغمده الله برحمته فاجبت الطلب و علقت عليه ما خطر ببالى ابان الدرس و كان القسم الكثير منه في حياته و الجزء الاخير منه بعد وفاته. و كنت قد دونته عندى لمراجعتى لدى الحاجة فرغب جمع في طبع المدونات فنزلت عند رغبتهم و ذيلت المتن بها و اسميتها (افاضة العوائد في التعليق على درر الفوائد) و الله تبارك و تعالى أسأل و ايّاه ارجو أن ينفعنى بها يوم لا ينفع فيه مال و لا بنون الاّ من اتى الله بقلب سليم.

(تعريف علم الأصول)

اعلم ان علم الأصول هو العلم (1) بالقواعد الممهدة لكشف حال الأحكام الواقعيّة المتعلقة بافعال المكلّفين، سواء وقعت في طريق العلم بها، كما في بعض القواعد العقليّة، أو كانت موجبة للعلم بتنجزها

الشرح

<تعريف العلم> (1) المراد بالعلم في المقام هو اما مطلق الإدراك و اما خصوص الإدراك الراسخ المعبر عنه بالملكة، و لذا صح تعديته إلى (القواعد) بالباء. و ليس المراد منه نفس (القواعد) قطعا بتلك القرينة. و هو و إن كان يطلق على نفس القواعد في كثير من الأحيان، لكن ما لم يضف إلى الاسم الموضوع لذلك العلم، كالنحو و الصرف و الأصول و نحوها فان النحو و الصرف و الأصول و أمثالها أسماء وضعت للقواعد المبحوث عنها في تلك العلوم، و لها واقعيات في نفس الأمر، سواء علم بها أحد أم لم يعلم، و لذا يقال: فلان (عالم بالنحو) أو (ليس بعالم به).

و قد يطلق العلم و يراد به ما هو معنى (النحو و الصرف و الأصول) مثلا، لكن ما لم يضف إلى تلك العلوم، و أما مع إضافته إليها، فلا يراد به الا الإدراك قطعا.

و ذلك واضح لا سترة فيه.

و الأستاذ دام ظلّه في المقام قال في تعريف علم الأصول: (هو العلم بالقواعد)

على تقدير الثبوت، أو كانت موجبة للعلم بسقوط العقاب كذلك. و لعل هذا أحسن مما هو المعروف من أنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة، لاستلزامه الالتزام بالاستطراد في بعض المسائل المهمة، مثل مسائل الأصول العملية، (2) و مسألة حجية الظن في حال

الشرح

لا في تعريف الأصول، فمن أراد تعريف الأصول يقول: (هو القواعد الممهدة.). كما عبر صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في مقام تعريف الأصول، بأنه (صناعة.). و ان أسند إلى القوم تعريف الأصول ب (العلم بالقواعد الممهدة) لكن لا يخلو ذلك عن مسامحة لا بد لها من بعض التوجيهات التي لا داعي لها.

كما أن تعريف العلوم بالصناعة - باعتبار أنها حرفة و شغل، ثم توصيف الصناعة ب (تعرف بها القواعد) الظاهر في كون الباء للسببية، و مغايرة الصناعة للمعرفة - مع أنها عينها - أيضا لا يخلو عن مسامحة و الأمر سهل.

أما العقلية منها مثل قاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو وجوب رفع الضرر المحتمل، و التخيير في دوران الأمر بين المحذورين فلوضوح عدم استنتاج حال الأحكام منها لا واقعيا و لا ظاهريا، و ليست هي إلاّ أحكاما عقلية محضة لا يستكشف منها حكم شرعي حتى بقاعدة الملازمة، لأن مجرى القاعدة - على القول بها - هو ما إذا كان للعقل في نفس الواقعة حكم يستقل به كالظلم حيث يستقل بقبحه، و الإحسان حيث يستقل بحسنه، أمّا ما لا حكم له في نفس الواقعة و يجوز كونها ذات مفسدة و مصلحة لكن لعدم الحجة على العقاب يستقل بقبحه، فلا يستكشف من ذلك الحكم حكم شرعي لنفس الواقعة، و في الحقيقة لا حكم للعقل في الواقعة حتى يستكشف منه حكم الشرع.

و أما الشرعية منها، فان قلنا بأنها ليست إلاّ أعذارا للمكلف فحالها حال العقلية، و ان قلنا بأنها أحكام شرعية ظاهرية فالظاهر دخولها في التعريف - بناء على أن «الأحكام الواقعيّة» في التعريف أعم من الظاهرية كما هو كذلك - لأن الأصول المقررة في الأحكام الكلية يبحث فيها لتمهيد قاعدة تستنبط منها الأحكام الكلية الفرعية،

الانسداد، بناء على الحكومة، (3) لعدم تمهدها لاستنباط.

الأحكام كما هو واضح و انما قيدنا القواعد بكونها الممهدة لكشف

الشرح

كما صرّح به في الكفاية في مبحث الاستصحاب.

نعم قد يقال: ان الظاهر لزوم مغايرة المستنبط مع المستنبط منه ذاتا، و القاعدة المستنبط منها الأحكام الظاهرية مثل: «لا تنقض» و «كل شيء حلال». لا يغاير المستنبط - أعنى وجوب صلاة الجمعة المستصحب، أو حلية المشكوك - إلا بالإجمال و التفصيل، لأن المستنبط مصداق من مصاديق الكبرى المستنبط منها تلك الأحكام، فلم يشمل التعريف تلك الأصول لكن سيأتي ما فيه في الفرق بين المسائل الأصولية و الفقهية.

(3) و بما ذكرنا في الأصول العملية ظهر حال الظن في حال الانسداد بناء على الحكومة، فان العقل في تلك الحالة لا يحكم إلاّ بقبح العقاب على الممتثل ظنا، و استحقاق العقاب لتاركه على تقدير تحقق الحكم في الواقع، و كذلك الثواب، و أما على تقدير عدم التحقق، فالممتثل منقاد و التارك متجر، فلا يستفاد منها حكم شرعي.

و أما الملازمة فقد عرفت أنها في مورد حكم العقل مستقلا في الواقعة بحكم، كالظلم حيث يحكم العقل بقبحه، و الإحسان حيث يحكم بحسنه، و أما في أمثال المقام - التي لم يستقل بحكم نفس الواقعة، بل يحكم مع فرض الجهل به بحكم - فلا يستكشف بها الا نفس ما أسند إلى الشارع في ذلك التقدير، و هو عدم العقاب على تقدير المخالفة الواقعية، و أما تحقق التقدير فمجهول بالفرض.

و أما التعريف المذكور في المتن فيدخل فيه جميع مسائل الأصول، لأن البحث عن القواعد العقلية (كمقدمة الواجب، أو الملازمة، أو الضدين، أو اجتماع الأمر و النهي، أو النهي في العبادات، أو القطع) يستكشف منها حال الحكم من حيث الثبوت أو العدم.

و أما بحث الحجية مطلقا، سواء تعلق بتشخيص موضوعها (كالبحث في الظواهر في مباحث الألفاظ، و البحث عما تثبت به الظواهر) أو تعلق بإثباتها

..........

الشرح

(كالبحث عن حجية خبر الواحد و أشباهه مما يبحث عن حجية) فيستكشف منها حال تنجز الحكم الواقعي لو أدّى أحدها إليه على تقدير تحققه واقعا، و عدم تنجزه فيما لو أدّى الطريق إلى خلافه.

و كذلك الأصول، فان الأصول الجارية على خلاف الأحكام الواقعية - كأصل البراءة أو استصحاب العدم أو التخيير - يستكشف منها حال الأحكام من حيث عدم تنجزها، الأصول الجارية في وفاقها - كالاحتياط أو الاستصحاب الموافق - يستكشف منها تنجزها.

فظهر شموله لجميع مباحث الأصول من أول مباحث الألفاظ إلى آخر مباحث الأصول العملية.

لكن مع ذلك في شمول ذلك التعريف لمباحث الاجتهاد و التقليد ما لا يخفى، لأن البحث عن وجوب التقليد على العامي أو تقليد الأعلم عليه، و اشتراط العدالة و الأعلمية و غير ذلك في المجتهد، لا يستكشف منها حكم شرعي كما في تعريف القوم و لا وصف المجتهد كما في ذلك التعريف، نعم يستكشف منها الحكم و حال المقلد على تقدير رجوعه إلى المجتهد، و يكون البحث فيها حقيقة بحثا في حجية قول المجتهد أو خصوص الأعلم مع الشرائط المعتبرة في المقلّد.

و بذلك وجّه بعض المشايخ في رسالته في تقليد الأعلم دخوله في الأصول على تعريف القوم.

و قد تفطنت له، لكنه أيضا لا يخلو عن شيء، لأن مراد القوم من «القواعد الممهدة لاستنباط الأحكام» هي: القواعد الممهدة لاستنباط الأحكام للمجتهد لا للمقلد، بل يمكن نفي الاستنباط عن فعل المقلد، كما يشهد بذلك تعريفهم للاجتهاد و الاستنباط و جعلهم المجتهد و المستنبط مترادفين. و اما على هذا التعريف و ان كان يصدق أن حال الحكم يستكشف للمقلد، لكن هذا خلاف ظاهر المقام.

و لو فرض التزام من بصدد التعريف بأن المراد من كشف الحال هو الأعم من كشفه للمقلد و المجتهد، لا لخصوص المجتهد كما هو ظاهر، لا يتأتى ذلك التوجيه في بعض

حال الأحكام، لخروج مثل علم النحو و الصرف و أمثالهما (4) مما احتيج إليها في طريق كشف حال الأحكام، و علم الفقه أما الأوّل، فلان مسائله ليست ممهدة لخصوص ذلك. و أما الثاني، فلان مسائله هي

الشرح

مسائله المهمة مثل البحث عن وجوب الاجتهاد، و كونه عينيا أو كفائيا، و البحث عن أصل وجوب التقليد، فان المقلد لا يستكشف من ذلك الحكم وجوب التقليد، فانه لو لم يكن بحسب طبعه مجبولا على التقليد لا يؤثر حكم المجتهد عليه بوجوب التقليد في وجوب التقليد عليه، لأن وجوب التقليد في ذلك الحكم عليه أيضا يحتاج إلى التقليد إلى أن يتسلسل.

(4) كالمنطق و المعاني و البيان مثلا، فان لها أو لبعضها مدخلية تامة في استنباط الأحكام و قد تقع في طريق الاستنباط لكنها لم تمهد لذلك، و بذلك يظهر ما في تعريف الأصول بأنها «صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق الاستكشاف» من عدم الانعكاس، لشموله لتلك العلوم.

و قد تفصّي عن الإشكال بأن المراد بالقواعد هي: «الكبريات الواقعة في طريق الاستكشاف» و المسائل النحوية و الصرفية و غير ذلك تقع صغرى لتلك الكبريات، مثلا علم الصرف و اللغة يبحث فيهما عن تشخيص الظاهر، و في الأصول يبحث عن حجية كل ظاهر، و في علم الرّجال يبحث عن تشخيص حال الرّواة و في الأصول يبحث عن حجية خبر الثقة، فيقال في الفقه: «هذا المخبر عن قول الإمام عليه السلام بوجوب صلاة الجمعة ثقة، و كل ثقة يجب الأخذ بخبره فهذا الخبر يجب الأخذ بخبره، فتجب صلاة الجمعة» و قس على ذلك.

لكن ذلك يستلزم استطراد مباحث الألفاظ من أول الوضع إلى آخر العام و الخاصّ و المطلق و المقيد، الا بعض المباحث العقلية منها كاجتماع الأمر و النهي و الضدين و أمثال ذلك، و لا وجه لاستطراد ذلك.

و يمكن أن يقال: ان ذلك التعريف أيضا لا ينعكس حيث يشمل علم الرّجال، لأنه لم يمهد الا لكشف حال رواة الأحكام الشرعية.

الأحكام الواقعية الأولية، و ليس ما وراءها أحكام أخر تستكشف حالها بتلك المسائل (5).

إذا حفظت ما ذكرنا، تقدر على دفع ما ربما يتوهّم من دخول بعض مسائل الأصول في الفقه كمسألة الاستصحاب (6) بناء على أخذه من الاخبار و ما يشابهها، تقريره أن الاستصحاب على هذا ليس إلاّ

الشرح

و فيه - مع عدم اختصاص الغرض في الرّجال بكشف حال رواة الأحكام الشرعية، بل لكشف حال جميع ما تضمنته الاخبار من التواريخ و الأحكام الراجعة إلى الأصول و الفروع و غير ذلك - أن المراد بالقواعد هي القواعد الكلية، و علم الرّجال يبحث فيه عن أحوال كل واحد من افراد الرّجال، و ليست قواعده أحكاما كلية كما هو واضح.

المراد بالأحكام المستكشف حالها بقواعد الأصول هي الأحكام الكلية الفقهية، كوجوب الصلاة كل يوم على كل مكلف، و حرمة كل فرد من افراد الخمر على كل فرد من أفراد المكلفين، و أمثال ذلك، فيخرج بذلك الأصول الجارية في الموضوعات كالاستصحاب و قاعدة الطهارة فيها، و قاعدة الشك بعد العمل، و بعض قواعد الشكوك، فانها و ان كان يستكشف منها حال الأحكام الواقعية من حيث التنجز و عدمه، لكن لا يستكشف منها إلا حال حكم جزئيّ جرت فيه إحدى القواعد المذكورة.

نعم قاعدة الطّهارة الجارية في الأحكام داخلة في التعريف، فانه يستكشف منها حال أحكام كلية، كطهارة خرء الخفاش مثلا إذا شككنا في طهارته، و قد التزم الأستاذ في مجلس البحث بكونها أصولية، ثمّ اعتذر عن عدم تعرضهم لها في الأصول بعدم كونها مسألة نظرية تحتاج إلى بحث مستقل، و قد التزم به في الكفاية أيضا.

(6) المراد هو الاستصحاب الجاري في الأحكام، و أما الجاري في الموضوعات فقد مرّ أنه من القواعد الفقهية.

وجوب البناء على طبق الحالة السابقة، بل يمكن هذا التوهم فيه حتى بناء على اعتباره من باب الظّن، فيسري الإشكال في جل مسائل الأصول: كحجية الخبر و الشهرة و ظاهر الكتاب و ما أشبه ذلك، بناء على أن الحجية ليست إلاّ وجوب العمل بالمؤدى.

الشرح

و توضيح الإشكال: ان الفقه على ما عرّفوه هو: «العلم بالاحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية» و موضوعه: «أفعال المكلفين» و الاستصحاب حقيقته ليس إلاّ وجوب العمل على طبق الحالة السابقة، و هو حكم فرعي موضوعه عمل المكلف، و كذلك كل ما يبحث فيه عن الحجية، لأن الحجية ليست إلاّ وجوب العمل بمؤدى الحجة.

و حاصل الجواب: ان المستنبط في المسائل الفقهية هي الأحكام التي تطلب نفسها للعمل، و ليس وراءها أحكام كلية أخر يستكشف حالها منها.

لكن لا يخفى أن ذلك الفارق أيضا لا يتم، لأن قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» و «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» و «كل ما يصح بيعه تصح إجارته» و أمثال ذلك قواعد كلية، و لا يبحث فيها لمطلوبية نفسها بل لاستكشاف أحكام كلية أخر، مثل: «كل بيع يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» و «كل هبة لا يضمن بصحيحها لا يضمن بفاسدها» و «كل مجهول لا يصح بيعه مثلا لا تصح إجارته».

و قد أجيب عنه: بأن الظاهر من لفظ الاستنباط مغايرة المستنبط مع المستنبط منه ذاتا، و في مثل تلك القضايا لا مغايرة بينهما الا بالإجمال و التفصيل، كما مرّ في الحاشية الراجعة إلى الأصول العملية فراجع.

لكن فيه: ان الالتزام بذلك يستلزم خروج مثل البحث عن «مقدمة الواجب» و البحث عن «كل ما حكم به العقل حكم به الشرع» و أمثال ذلك، عن مسائل الأصول فان الكليات المستكشفة من تلك القواعد لا مغايرة ذاتية بينها و بين

و حاصل الجواب أن مسائل الفقه ليست عبارة عن كلّ حكم شرعي متعلق بفعل المكلف، بل هي عبارة عن الأحكام الواقعيّة الأوّلية، الّتي تطلب من حيث نفسها، فكل ما يطلب من جهة كونه مقدمة لإحراز حال الحكم الواقعي، فهو خارج عن مسائل الفقه و لا إشكال في ان تمام مسائل الأصول من قبيل الثاني.

الشرح

تلك القواعد، و لم يلتزم أحد بخروج مثل ذلك عن الأصول.

ان قلت: في بحث المقدمة و الملازمة يبحث عن الملازمة بين وجوب شيء و وجوب مقدمته، و عن الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع و الحكم المستنبط منها (و هو وجوب الوضوء أو حرمة الظلم) يغاير الملازمة ذاتا.

قلت: في قاعدة «كلّ ما يضمن...» أيضا يبحث عن الملازمة بين الضمانين، و في قاعدة «كل ما يصح بيعه..» يبحث عن الملازمة بين الصحتين، و هي غير الحكم بالضمان في البيع و الحكم بعدمه في الهبة، أو الحكم بصحة إجارة الأعيان و عدم صحة إجارة غيرها مثلا.

و الحاصل ان بعض مسائل الأصول و ان كان يغاير ما استنبط منه ذاتا، لكن ليس كلها كذلك.

و قد يقال: بأن تطبيق الكبرى على الصغرى لا يسمى استنباطا، بل الاستنباط يحتاج إلى إعمال نظر و اجتهاد، فلا يصدق على مثل المقام.

قلنا: أوّلا: فيه منع، فان ذلك يستلزم خروج البحث عن الملازمة عن الأصول، لأن العقل يحكم بقبح الظلم، بلا إعمال للنظر و ينطبق عليه «كل ما حكم به العقل حكم به الشرع» و لا يحتاج إلى إعمال نظر الا تطبيق الكبرى على الصغرى.

و ثانيا: لو قلنا بلزوم الأعمال للنظر في صدق الاستنباط فانه يكفي فيه أن يكون بعض مقدماته نظرية، و لو كان صغراه، بأن كان موضوع القضية مأخوذا فيه حكم يحتاج إلى إعمال نظر، مثل مقدمة الواجب واجبة، فان تشخيص مقدمة الواجب يحتاج إلى إعمال النّظر لتشخيص الواجب فكذلك في المقام، فان تشخيص ضمان

و لا يخفى عليك أن ما ذكرنا من الميزان أسلم مما ذكر: من أن مسائل الفقه عبارة عن كل حكم، يقدر المقلّد على العمل به بعد ما أفتى به المجتهد، كحرمة الخمر مثلا و نظائرها. بخلاف مسائل الأصول، فإنّه لا يقدر على العمل بها، و إن أفتى بها المجتهد، كحجية خبر الواحد و أمثال ذلك، فان هذا مخدوش بان قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و بالعكس من القواعد الفقهية (7). و من المعلوم عدم تمكن المقلّد من العمل بها بعد فتوى المجتهد بتلك القاعدة، بل يحتاج إلى تعيين ما هو صغرى لتلك القاعدة.

الشرح

صحيح البيع يحتاج إلى نظر و اجتهاد، فبمئونته نستكشف حكم الفاسد منها مع ضميمة الكبرى.

و الحاصل انه لا إشكال في صدق الاستنباط في المقام.

و بذلك يظهر عدم انعكاس ما في الكفاية، حيث يشمل تلك القواعد التي ذكرت، فانها تقع في طريق استنباط الأحكام، و لا يندفع بمجرد تقييد الأحكام المستكشفة بالكلية - كما عن بعض - لأن الأحكام المستكشفة منها أيضا كلية كما لا يخفى.

(7) بل مخدوش بمثل «الصلاة واجبة» أيضا، حيث ان المقلد لا يقدر على العمل به ما لم يعلم بموضوعه، و معلوم ان موضوعه الواجد للاجزاء و الشرائط من المستنبطات و يحتاج إلى إعمال نظر و اجتهاد زائدا على وجوبه، و كذلك بمثل «كل ما لا يؤكل لحمه لا يجوز استصحاب أجزائه في الصلاة»، و كل حكم شرعي يتعلق بموضوع يحتاج إلى النّظر و الاجتهاد، أو إلى موضوع ذي حكم شرعي توقف استنباط حكمه على الاجتهاد و إعمال النّظر، و كذلك ما كان ناظرا إلى الأدلة لتعميم حكمها أو تخصيصه بلسان الحكومة، مثلا «لا ضرر» و «لا حرج» و «لا شك لكثير الشك» و غير ذلك، فانها ناظرة إلى الأدلة و لا حظّ للمقلّد فيها قبل المراجعة إلى المجتهد.

(موضوع علم الأصول)

ثم اعلم ان موضوع هذا العلم (8) عبارة عن أشياء متنه تعرضها تلك المسائل كخبر الواحد و الشهرة و الشك في الشيء مع العلم بالحالة السابقة و الشك في التكليف مع عدم العلم بالحالة السابقة و أمثال ذلك مما يبحث عن عوارضه في هذا العلم و لا يجمعها الأدلّة لا بعنوانها و لا بذواتها.

الشرح

<موضوع علم الأصول> (8) لمّا كان حقيقة موضوع كل علم هو نفس موضوعات مسائله مثل الصلاة و الصوم و الزكاة في الفقه، و الفاعل و المفعول و المبتدأ و الخبر في النحو، و ما ذكر في المتن في الأصول، و أمثال ذلك، عبّر الأستاذ - دام بقاؤه - عن الموضوع بأشياء متشتتة إلخ. و أما الجامع فليس بما هو أولا و بالذات موضوع العلم، بل ان كان بين تلك الموضوعات جامع ذاتي و معلوم، كالكلمة و الكلام في النحو، أو فعل المكلف في الفقه مثلا فيؤخذ به و يشار به إلى موضوعات المسائل تارة و يقال: «موضوع علم النحو الكلمة و الكلام» و «موضوع علم الفقه هو أفعال المكلفين» و يسند الموضوعية إلى نفس ذلك الجامع أخرى إذا أخذ لا بشرط، باعتبار أن العارض لفرد من افراد الطبيعة عارض على نفس الطبيعة، مثلا: لو كان فرد من أفراد

اما الأول فللزوم خروج مسائل حجية الخبر و الشهرة و الظواهر (9).

الشرح

الإنسان عالما يصح أن يقال: «الإنسان عالم» و لا يصح ان يقال: «الإنسان ليس بعالم» و ان صح أن يقال: «الإنسان جاهل» باعتبار فرد آخر منه، و أما طبيعة الجامع من حيث هي طبيعة الجامع فلم تكن موضوعا في مسألة من مسائل العلوم، فان الصلاة في الفقه بما هي صلاة واجبة لا بما هي فعل المكلف، و كذا الفاعل في النحو بما هو فاعل مرفوع لا بما هو كلمة و أمثال ذلك، فالموضوع في الحقيقة اشخاص تلك الموضوعات، و الإسناد إلى ذلك الجامع أو الإشارة به إلى ذلك انما هو لتسهيل الأمر.

و ان لم يكن بينهما جامع ذاتي معلوم فنعبّر عنه بجامع عرضي، و لو بعنوان أنه:

«ما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتيّة» كما يعرّفون موضوع كل علم بذلك.

و المراد بالعرض الذاتي في المقام ما يعرض الشيء بلا واسطة في العروض - كما في الكفاية - و ان لم يكن ذاتيا باصطلاح المنطق أو المعقول، لأن الوجوب للصلاة ما يعرض فعل المكلف لذاته، كإدراك الكليات العارض للناطق، لا لجزئه المساوي أو الأعم منه كالإدراك العارض للإنسان بتوسط الناطق، أو التحرك بالإرادة العارض له بتوسط الحيوان، و لا لأمر مساو له كالضحك العارض للإنسان بواسطة التعجب، بل أمر مجعول من قبل الشارع يعرضه من جهة أمر خارج أخص، و هو كونه ذا مصلحة ملزمة، و قس على ذلك حجية خبر الواحد في الأصول، و غير ذلك من موضوعات مسائل العلوم.

و حيث علم عدم الدخل للجامع في الموضوعية، يعلم عدم لزوم العلم بعنوان الجامع لو قلنا بتحققه قطعا، لاشتراك جميع القضايا في تحصيل غرض خاص باعث على تدوين العلم، مع تسليم أن الواحد لا يصدر إلاّ من الواحد، بل لا نحتاج إلى العنوان المذكور. و من ذلك يعلم عدم لزوم الالتزام بأن موضوع علم الأصول هي الأدلة بعنوانها أو ذاتها حتى يورد عليه ما أورد.

(9) و ذلك لوضوح أن البحث عن الحجية بحث عن إثبات عنوان الدليل لا عن عوارضه، فيدخل في المبادي، و كذا يلزم عليه خروج الأصول العمليّة أيضا، لأن

و أمثال ذلك مما يبحث فيه عن الحجيّة في علم الأصول و دخولها في المبادي بل للزوم ذلك في مسألة التعادل و التراجيح لأن الحالة جائز.

و اما الثاني فلعدم تماميته في تمام المسائل كالأصول العملية (10) و الالتزام بكونها استطرادا كما ترى و قد تكلف «شيخنا المرتضى ره» في إرجاع البحث عن حجية الخبر إلى البحث عن الدليل حيث قال (قده) ان البحث فيها راجع إلى ان السنة الواقعية هل تثبت بخبر الواحد أم لا (11) و أنت خبير بان هذا على فرض تماميته في مسألة

الشرح

البحث فيها ليس بحثا عن ذات الدليل فضلا عن عارضه، لأن الشكوك ليست من الأدلة الأربعة، و انما لم يتعرض لها لوضوحها، خصوصا بعد ما تعرّض لخروجها على الثاني.

(10) و لعدم تماميته أيضا في مثل مباحث الألفاظ، مثل ان الأمر للوجوب أو للندب، و النهي للحرمة أو الكراهة، و الفور أو التراخي، و المرة أو التكرار و أمثال تلك المباحث، و كذلك البحث في العموم و الخصوص، و المطلق و المقيد، و البحث عن حجية الظاهر، فان موضوع تلك المباحث ليس ذوات الأدلة أيضا، لأن البحث فيها لا ينحصر بخصوص أوامر الكتاب و السنة، و العموم و الخصوص و المطلق و المقيد الوارد فيها، و كذلك البحث عن حجية الظاهر لا ينحصر بخصوص ظواهر الكتاب و السنة، و ان كان الغرض في جميعها معرفة أحوال الكلمات الواردة في الكتاب و السنة، لكن الكلام في الموضوع لا في الغرض و خروج جميع المسائل المذكورة - مع تمام مسائل الأصول العملية عن علم الأصول - مما لم يلتزم به أحد.

(11) قد أورد شيخنا الأستاذ - دام بقاؤه - على ما أفاده الشيخ رحمه اللّه بان اللازم علينا ملاحظة ان الموضوع و المحمول في القضية المبحوث عنها عند الأصولي ما ذا؟ و لا إشكال في أن المبحوث عنه في الأصول و الموضوع في القضية هو: «خبر

..........

الشرح

الواحد» و المحمول «حجة» أو «ليس بحجة» و ذلك خارج عن البحث عن الأدلة و أما إمكان إرجاع البحث إلى السنة حتى يدخل في البحث عنها فلا داعي له بعد ما عرفت من عدم الحاجة إلى الجامع المعلوم، مع ان ما يمكن إرجاعه إليه ليس مناطا في تعيين البحث، بل المناط فعلية البحث، مثلا يمكن إرجاع البحث في «الصلاة واجبة» إلى ان «وجوب الصلاة ثابت أم لا» أو «إيجاب اللّه تعالى للصلاة ثابت أم لا» حتى يصير البحث كلاميا، و لكن ذلك ليس مناطا في تعيين البحث.

و أورد عليه صاحب الكفاية - فيها و في الحاشية - بما حاصله: ان المراد بالثبوت ان كان الثبوت الواقعي فالبحث عنه بحث عن ثبوت الموضوع بمفاد كان التامة، و البحث في ذلك داخل في مبادئ العلم - ان لم ينقح في علم آخر سابق عليه رتبة - و لا يعد من مسائل العلم، لأن المسائل لا بد أن يبحث فيها عن مفاد كان الناقصة، و إثبات عرض للموضوع أو نفيه و ان كان المراد الثبوت التعبدي (و هو وجوب العمل على طبقها) فهو و ان كان من العوارض و لكنه من عوارض الخبر الحاكي لا السنة الواقعية، لأن وجوب العمل على السنة الواقعية أيضا و ان كان من العوارض لها، لكن محل بحثه علم الكلام، لا الأصول.

و أورد عليه شيخنا الأستاذ - دام بقاؤه - على تقدير الشق الأول: بعدم لزوم كون البحث في المسائل بحثا عن العوارض و مفاد كان الناقصة، بل يمكن تدوين علم يبحث في جميع مسائله أو بعضها عن وجود شيء أو أشياء في العالم، و لا مانع لذلك من عقل و لا غيره، بل لا يبعد وقوعه في علم الكلام، فان عمدة البحث فيه عن وجود الصانع و وجود المعاد بمفاد كان التامة، و إرجاع البحث إلى ان: من الوجود:

«الواجب» أو لا؟ و من الوجود: «المعاد» أو لا؟ لا داعي له، و ان التزموا به لم يكن مناطا كما مر آنفا.

أقول: و ان كان ذلك مصححا للبحث عن العوارض، فنقول في المقام: هل من السنة: «الخبر المحكي بقول زرارة» أو لا؟ و على الشق الثاني: ان وجوب العمل و ان كان من عوارض الخبر الحاكي، و لكن يمكن جعله من عوارض السنة بمعنى ان نقول:

..........

الشرح

«ماهية الخبر هل يجب العمل عليه و لو كان مشكوكا؟» مثل ما لو أخبر العادل برؤية الهلال يمكن ان يقال: «هل الهلال يثبت بقول العادل؟» و يمكن ان يقال: «هل قول زيد حجة أو لا؟» و معنى الثبوت و الحجية على التقديرين وجوب العمل على طبق ثبوت الهلال واقعا و ان لم يكن محرزا.

أقول: اما كون مراد الشيخ رحمه اللّه بالثبوت الثبوت الواقعي بمفاد كان التامة فمما لا يرضى أحد ان ينسب إلى الشيخ، و هل يمكن أن ينسب إلى الأصولي ان حقيقة قول المعصوم عليه السلام غير منوط بقول زرارة، و اما الثبوت التعبدي و ان أمكن ان يوجه كما ذكرنا، لكنه خلاف الظاهر كلامه.

و الّذي يقوى في النّظر هو: أنّ المراد بالثبوت الثبوت في مرحلة الظاهر.

و بعبارة أوضح: البحث في إثبات قول المعصوم عليه السلام لا في ثبوته، و المقصود بالثبوت هو الثبوت عندنا لا في نفس الأمر، كما يقول الحاكم: «ثبت ان المال لزيد» و معلوم ان هذا البحث بحث عن مفاد كان الناقصة، لأن ثبوت السنة عند تحققه واقعا من عوارضها.

فان قلت: كما أن الأصولي لا يرضى بالبحث عن ثبوت السنة بمفاد كان التامة لوضوح عدم ارتباطها بالخبر الحاكي، كذلك لا يرضى بالبحث عن ثبوتها عندنا أيضا، لأن من الواضح عدم ثبوت السنة الواقعية بالخبر الحاكي بذلك، لأن الفرض انها بعد مشكوكة.

قلت: نعم، نفس القول مشكوك صدوره عن الإمام عليه السلام لكن رأيه عليه السلام يتضح لنا على تقدير تحققه.

بيان ذلك: ان الإمام عليه السلام لو أمرنا بإتيان صلاة الجمعة واقعا، ثم منع مانع عن وصول ذلك الخطاب إلينا، فأمرنا بمتابعة قول زيد، و قال زيد: «قال الإمام عليه السلام: صلاة الجمعة واجبة» و خالفنا قول زيد، فيصح أن يؤاخذنا بترك صلاة الجمعة، فان قلنا: ما كنا عالمين بذلك، فيصح ان يقول: أ لم تسمعوا مني وجوب متابعة زيد؟ فان قلنا: بلى، فقد اعترفنا بكوننا عالمين بوجوب صلاة الجمعة،

حجية خبر الواحد و أمثالها لا يتم في الأصول العملية (12) فالأوفق بالصواب ان يقال: لا نلتزم بكون الجامع بين شتات الموضوعات هو الأدلّة و لا بلزوم ان يكون للجامع بينها اسم خاص يعبر عنه.

فتلخص مما ذكرنا ان وحدة العلم ليست بوحدة الموضوع و لا

الشرح

لأنه مصداق متابعة زيد، و بالفرض كنا عالمين بوجوب متابعته، فيصح ان يقال: لو كان خبر الواحد حجة (يعنى لو ثبت وجوب العمل به من المعصوم) يثبت نفس رأيه الواقعي.

لا يقال: وجوب المتابعة غير وجوب الجمعة، و ما هو معلوم وجوبها لا وجوب الجمعة و ان كانا متحدين مصداقا، كما إذا علم بوجوب إكرام العالم الهاشمي لكونه عالما لا لكونه هاشميا، فيصح ان يقال: وجوب إكرام العالم معلوم و وجوب إكرام الهاشمي غير معلوم، و ان كان وجوب إكرام المصداق معلوما.

لأنا نقول: نعم، لو كان الوجوبان حكمين مستقلين جعل كل منهما في موضوع في عرض الآخر صح ما ذكر. و اما لو كان أحدهما طريقا و علامة إلى الآخر، فعلى تقدير المطابقة لم يكن الا نفس الواقع، و قد علم بذلك و لو لم يكن في الواقع فليس الحكم الطريقي الا صوريا لا واقع له - كما صرح بذلك في الكفاية - و ذلك معنى ما قلنا من ثبوت السنة الواقعية عندنا.

نعم، يمكن ان يقال بأن السنة هي قول الحجة أو فعله أو تقريره - على ما قرّبه الشيخ رحمه اللّٰه - و معلوم ان قول الحجة لا يثبت بالخبر الحاكي، لما مرّ من أنه بعد مشكوك فيه، و انما يثبت به رأيه عليه السلام لو كان الطريق موافقا، فالسنة لم تثبت، و الثابت ليس بسنّة.

إلاّ ان يوجّه بأن رأى الإمام عليه السلام أيضا دليل باعتبار كونه كاشفا عن حكم اللّٰه تبارك و تعالى، فبذلك يتم التوجيه، و الظاهر ان ما قلنا أحسن حمل لكلامه، زيد في علو مقامه.

(12) و كذلك لا يتم فيما ذكرنا عند قوله: و اما الثاني، فراجع.

بوحدة المحمول (13) بل انّما هي بوحدة الغرض المتعلق بتدوينه و لذلك يمكن ان يكون بعض المسائل مذكورا في علمين لكونه منشأ لفائدتين صار كل منهما سببا لتدوينه في علم.

هذا إذا عرفت ما ذكرنا فلنشرع فيما هو المقصود و قد رتبته على مقدمات و مقاصد،

اما المقدمات

(حقيقة الوضع)

فمنها ان الألفاظ ليست لها علاقة مع معانيها مع قطع النّظر عن الوضع و به يوجد نحو ارتباط بينهما و هل الارتباط المذكور مجعول ابتدائي للواضع

الشرح

(13) بعد ما التزم بعدم لزوم ان يكون للجامع بين شتات الموضوعات اسم خاص، فلازم ذلك عدم صلاحية الموضوع لتمايز العلوم، لأن ما هو غير معلوم بعنوانه كيف يميز به العلم، و كذلك المحمول، بل هو أسوأ حالا من الموضوع، و لذا لم يعرف الالتزام به من أحد.

و حيث نفى التمايز بالموضوع و المحمول أثبت كونه بالغرض، و جعل برهان ذلك إمكان ذكر بعض المسائل في علمين، و المقصود ذكره فيهما مع اتحاد الموضوع و المحمول و الحيثية، مثل: قاعدتي التحسين و التقبيح العقليين في الأصول و الكلام، و قبح العقاب بلا بيان على الشارع فيهما، و أمثال ذلك، مثل كثير من مسائل النحو و البيان و الأصول، مثلا حقيقة معاني الحروف و الأسماء يبحث عنها في الأصول و النحو و البيان، و شطر من مباحث الأوضاع مما يذكر في البيان بعينها يذكر في الأصول بلا تغيير حيثية، و الالتزام بكونها مبادئ الأصول - كما عن بعض - مما لا وجه له، فإمكان ذلك و وقوعه دليل مستقل على بطلان كون التمايز بالحيثيات كالموضوع و المحمول، و ان كان ذكر لبطلانه وجوه عقلية أخر لا مجال لذكرها.

بحيث كان فعله إيجاد ذلك الارتباط و تكوينه أم لا (14) أو فعل امرا آخر و الارتباط المذكور صار نتيجة لفعله لا يعقل جعل العلاقة بين الأمرين الذين لا علاقة بينهما أصلا و الّذي يمكن تعقله ان يلتزم الواضع انه متى أراد معنى و تعقله و أراد افهام الغير تكلم بلفظ كذا فإذا التفت المخاطب بهذا الالتزام ينتقل إلى ذلك المعنى عند استماع ذلك اللفظ منه فالعلاقة بين

<حقيقة الوضع>

الشرح

(14) و تحقيق ذلك يحتاج إلى مقدمة و هي: ان الارتباط بين اللفظ و المعنى هل هو من الأمور الاعتبارية التي لا حقيقة لها الا البناء و الاعتبار، كالارتباط بين المالك و المملوك و الزوج و الزوجة، حتى تناله يد الجعل؟ فان مثل الملكية و الزوجية، و ان لم تكن من الأمور الفرضية الصرفة، التي لا واقعية لها في الخارج، و لا في الذهن إلاّ بفرض وجودها، كأنياب الأغوال (كأن نفرض أغوالا و نفرض لها أنيابا، و نعبّر عنها بذلك التعبير). و لكن ليس أيضا من الأمور الواقعية التي لها تحقق في الخارج كالجواهر و الاعراض، و لا من الأمور المتأصلة في الواقع و نفس الأمر، و ان لم يكن لها وجود في الخارج كالارتباط بين العلة و المعلول، بل لها وجود بنائي و اعتباري حقيقة لا فرضا و لا ريب أن تلك الأمور قابلة للجعل ابتداء على القول بتأصلها، لأن الوجودات البنائية توجد بالبناء و لا تحتاج في وجودها إلى أزيد منه، و تتبع في الضيق و السعة و الشرائط و الموانع أيضا ذلك البناء، فلو بنى العرف على وجود الملكية عند قول البائع: «بعت» باللفظ العربي مقدما على القبول قاصدا إيجاد ذلك تتحقق الملكية العرفية بتلك الشرائط، و ان لم يشترطوا فيها اللفظ أو العربية أو التقدم تتحقق الملكية العرفية مع فقدها أيضا.

أو من الأمور الواقعية التي لها تأصل في نفس الأمر، كالملازمة بين العلة و المعلول، التي لها تحقق و واقعية في الواقع و نفس الأمر، و ان لم يكن معتبر يعتبرها و لاحظ يلاحظها، و لا ريب أن مثل ذلك الارتباط غير قابل للجعل، بل ان كان الشيء بحسب خلقته الذاتيّة علة لشيء كان ذلك الارتباط بينهما موجودا، و إلاّ فلا يمكن جعله،

..........

الشرح

كالملكية و الزوجية، و ذلك واضح، فان الجمد بعد ما لم يكن علة للإحراق كيف يمكن جعله علة له، و كيف يمكن جعل الملازمة بينه و بين الإحراق. و الارتباط بين اللفظ و المعنى من قبيل الثاني لا من قبيل الأول.

و لا يخفى أن المقصود من الارتباط ليس الارتباط بين اللفظ و ذات المعنى الخارجي، فان ذات المعنى حالها بعد الوضع حالها قبل الوضع، و لا ارتباط بين لفظ زيد و ذاته في الخارج - و هو واضح - و لا في الذهن، لأنه قد يتصور ذات المسمى بلا تصور اللفظ، و قد يتصور اللفظ من دون تصور معناه كما تقول: «لفظ زيد - مثلا - ساكن الوسط» بل المقصود الملازمة بين وجود اللفظ و إرادة المتكلم لمعناه - و سيأتي إن شاء الله توضيح ذلك في البحث عن كون الألفاظ موضوعة لمعاني مرادة لا لذات المعاني - لكن فيما إذا كانت شرائط التكلم موجودة مثل كون المتكلم عاقلا في مقام الإفادة مع مراعاة متابعة الواضع، فانه مع تلك الشرائط واقعا لا يمكن تخلف اللفظ عن إرادة المعنى.

لا يقال: بناء على ذلك تكون دلالة الألفاظ على إرادة معانيها مقطوعة بحكم العقل، و ذلك ينافي ما هو واضح من أن الألفاظ غالبا لا تفيد إلاّ الظن، مع ما هو المصطلح المشهور من كون دلالتها على معانيها وضعية، فلو كانت بينهما ملازمة عقلا خرجت عن كونها وضعية.

فانه يقال: ما قلنا من عدم إمكان التخلف انما هو بعد إحراز الشرائط من عدم كون المتكلّم غافلا و كونه في مقام التفهيم و مقام متابعة الواضع، و أما إحراز تلك الشرائط غالبا فلا يكون الا بأصول عقلائية، و وظيفة اللفظ هو الكشف عن المراد بعد إحراز ما ذكر، و معلوم أن النتيجة تابعة لأخس المقدمتين، و لذا يكون المراد ظنيا، و أما مع إحراز جميع ذلك فهو موجب للقطع بالمراد، كما هو واضح.

و أما كونها وضعية فباعتبار أن اللفظ و المعنى قبل الوضع لم تكن بينهما تلك الملازمة العقلية، و انما حدثت بعد الوضع كما يقال في دلالة سرعة النبض على الحمى أنها طبيعة، لاقتضاء الطبع ذلك، مع أن العقل يحكم بوجود الحمى عند السرعة،

اللفظ و المعنى تكون نتيجة لذلك الالتزام و ليكن على ذكر منك ينفعك في بعض المباحث الآتية إن شاء اللّٰه و كيف كان الدال على التعهد تارة

الشرح

لكن هذا الحكم باقتضاء الطبع ذلك و يكون إحرازه بالتجربة، ففي المقام يحكم العقل بوجود إرادة المعنى عند إرادة اللفظ و ان كان منشأ ذلك جعل الواضع.

إذا عرفت ذلك تعرف: ان الملازمة المذكورة بين اللفظ و المعنى غير قابلة للجعل ابتداء بعد ما لم تكن بينهما قطعا، حيث أنها ليست مما لا واقعية لها - كما مر في الملكية - و لذا لا يمكن للعالم بالوضع بعد سماع اللفظ عدم الانتقال إلى إرادة المعنى، بخلاف الملكية، فانه يمكن لبعض الناس أن يبني على خلاف ما بنى عليه العقلاء نعم يمكن جعل شيء هو علة عقلية للانتقال عند الانتقال، بأن يتعهد الواضع و يبني على ذكر اللفظ عند إرادة المعنى، و ذلك البناء علة لإرادة المعنى عند ذكر اللفظ، لأن ما في نفس الغير مجهول و لا يعلم به غيره، فإذا تعهد بذكر لفظ خاص عند تحقق معنى خاص لبيان أغراضه، فلا محالة يفهم إرادته له عند ذكره مع اجتماع ما ذكر من الشرائط، و بعد حفظ تلك المباني يحكم العقل بوجود إرادة المعنى عند ذكر اللفظ.

و لا يرد على ذلك ما عن بعض في بعض ما كتبه. و حاصله: ان إرادة المعنى من اللفظ فرع الدلالة، و الدلالة على هذا فرع للعلم بالتعهد، و هو متأخر عن نفس التعهد، و كيف يمكن الالتزام بالإرادة المتأخرة عن الوضع بمرتبتين قبل الوضع؟ و محصل الدفع: ان الواضع بعد ما أخبر بحالة خاصة في نفسه، حين ذكر اللفظ الفلاني يفهم المخاطب بعد ذلك من ذلك اللفظ تلك الحالة، و ان لم يكن يفهم قبله، فلا يتأخر الالتزام بإرادة الإفهام عن الدلالة مع قطع النّظر عن ذلك التعهد، بل بذلك توجد الدلالة، و هذا التعهد للعالم به علة للانتقال عند الانتقال، ففي الحقيقة فعل الواضع إيجاد للعلة لا للعلية حتى يستحيل، و معلوم أن المراد بالتعهد ليس التعهد تفصيلا بل: «سميته كذا» متضمن لذلك بالإجمال.

و أنت إذا قرأت ما تلوناه عليك من أوّله إلى آخره تعرف معنى قوله دام ظله:

«لا يمكن جعل العلاقة» إلى قوله: «و الّذي يمكن تعقله...».

يكون تصريح الواضع و أخرى كثرة الاستعمال و لا مشاحة في تسمية الأول وضعا تعيينا و الثاني تعينا (15).

(أقسام الوضع)

ثم ان الملحوظ حال الوضع اما ان يكون معنى عاما كليا و اما ان يكون خاصا و على الأول اما ان يوضع اللفظ بإزاء ذلك المعنى العام و اما ان يوضع بإزاء جزئياته و على الثاني لا يمكن ان يوضع الا بإزاء الخاصّ الملحوظ فالأقسام ثلاثة لأن الخاصّ الملحوظ ان لوحظت الخصوصية فيه حين الوضع فالموضوع له لا يكون إلاّ خاصا و ان جرد عن الخصوصية فهو يرجع إلى تصور العام هكذا قال بعض الأساطين دام بقاؤه.

أقول يمكن ان يتصور هذا القسم أعني ما يكون الوضع فيه خاصا و الموضوع له عاما فيما إذا تصور شخصا و جزئيا خارجيا من دون ان يعلم تفصيلا بالقدر المشترك بينه و بين سائر الافراد، و لكنه يعلم إجمالا باشتماله على جامع مشترك بينه و بين باقي الافراد (مثلا) كما إذا رأى جسما من بعيد و لم يعلم بأنه حيوان أو جماد و على أي حال لم يعلم انه داخل في أي نوع فوضع لفظا بإزاء ما هو متحد مع هذا الشخص في الواقع، فالموضوع له لوحظ إجمالا و بالوجه، و ليس الوجه عند هذا

الشرح

(15) بل لا يخلو عن مناسبة، حيث أن التعهد المذكور لما كان سببا لتعيين اللفظ للمعنى، فان كان الدال عليه التصريح فيكون الوضع تعيينيا، لأنه عيّن بذلك تلك اللفظة لذلك المعنى، و ان كان باعثه كثرة الاستعمال، بمعنى عدم تعهد شخص خاص، بل استعمل فيه حتى حصل تعهد قهري لجميع أهل اللسان، فيصح أن يقال تعيّن اللفظ للمعنى من دون تعيين أحد، فيكون التعهد قهريا و وضعا تعيّنيا.

الشخص الا الجزئي المتصور، لأن المفروض ان الجامع ليس متعقلا عنده إلاّ بعنوان ما هو متحد مع هذا الشخص (16).

<أقسام الوضع:>

الشرح

(16) و توضيح ذلك يحتاج إلى بيان القسم الثالث و هو يتوقف على ذكر أمور:

الأول: ان وضع اللفظ للمعنى حيث أنه حكم من الأحكام، يتوقف على تصور موضوعه اما تفصيلا و اما إجمالا، لكي لا يكون اختصاص اللفظ به تصديقا بلا تصور.

الثاني: ان ما يتوقف عليه الحكم هو تصور نفس الموضوع المجعول له الحكم، عاما كان أو خاصا، مثلا لا يمكن جعل حكم لزيد بشخصه إلاّ بتصوّر ذاته الشخصية و لو إجمالا و كذا الإنسان.

الثالث: ان العام و الخاصّ و ان كانا متحدين ذاتا و لكنهما متباينان صورة، و صورة العام ليست بصورة الخاصّ لا تفصيلا و لا إجمالا، فلا يمكن وضع اللفظ للخاص بمجرد تصور العام، لما قلنا من أن الوضع حكم و يحتاج إلى تصور نفس الموضوع، و تصور العام غير تصور الخاصّ، نعم يمكن بعد تصور العام أن يشار إشارة إجمالية إلى افراده بعنوان ما هو متحد مع هذا العام، و بتلك الإشارة الإجمالية نجعل الافراد موضوعا للحكم، فبتصور العام نتصور الخاصّ إجمالا، لا أن تصوره تصور له من وجه، فانهما متباينان كما ذكر، و لذا يحتاج في الاستغراق إلى لفظ «كل» أو غيره من دوال الاستغراق، فانها في الحقيقة تشير إلى ذلك، و ذلك معنى مرآتية العام.

إذا عرفت ذلك فنقول: ان ذلك المعنى بعينه موجود في طرف الخاصّ، بمعنى أن الواضع بعد ما يتصور الفرد يشير إجمالا إلى ما هو متحد معه من الجامع، و يضع اللفظ له كما في العام، هذا هو التحقيق في المقام.

و لو قيل في مرآتية العام: أن تصوره و ان كان مباينا لتصور الخاصّ، لكن اتحادهما ذاتا يكفي لجعل الحكم للخاص بتصور العام، لأن ذات الخاصّ صار مرئيا

و الحاصل انه كما يمكن ان يكون العام وجها لملاحظة الخاصّ لمكان الاتحاد في الخارج، كذلك يمكن ان يكون الخاصّ وجها و مرآتا لملاحظة العام لعين تلك الجهة. نعم فيما إذا علم بالجامع تفصيلا لا يمكن ان يكون الخاصّ. و جهالة، لتحقق الجامع في ذهنه تفصيلا بنفسه لا بوجهه فليتدبر.

ثم انه لا ريب في ثبوت القسمين أعني ما يكون الوضع فيه خاصا و الموضوع له كذلك كوضع الاعلام الشخصية و ما يكون الوضع فيه عاما و الموضوع له كذلك كوضع أسماء الأجناس. و اما الأخير فهو - على تقدير إمكانه كما مر - غير ثابت و اما الوضع العام و الموضوع له الخاصّ فقد يتوهم وضع الحروف و ما أشبهها كأسماء الإشارة و نحوها و مما يمكن ان يكون منشأ التوهم امران (أحدهما) ان معاني الحروف مفاهيم لوحظت في الذهن آلة لملاحظة حال الغير، مثلا لفظة من موضوعة للابتداء الّذي لوحظ في الذهن آلة و مرآة لملاحظة حال الغير. و لا إشكال في ان مفهوم الابتداء و ان كان بحسب ذاته كليا و لكن بعد تقيده بالوجود الذهني يصير جزئيا حقيقيا، كما ان المفهوم بعد تقيده بالوجود الخارجي يصير جزئيا كذلك (ثانيهما) - انه لما كان المأخوذ فيها كونها آلة لتعرف متعلقاتها الخاصة فهي

الشرح

تحت العام و ان لم تتحقق صورته الشخصية في الذهن، و هذا المقدار يكفى لجعل الحكم له، نظير أن يتصور أحد عنواني ذي عنوانين، و يجعل ذاته موضوعا للحكم، فان تصور وجه الشيء تصوره بوجه.

قلنا: ذلك الملاك أيضا بعينه موجود في طرف الخاصّ، فانّه بعد اتحاده مع العام يمكن أن يقال: تصور أحد المتحدين تصور لذات الآخر و ان لم يتصور عنوانه، فبعد ما رأى الواضع شيئا لم يعلم حقيقته يتصور ذلك الفرد و يضع اللفظ لما هو متحد معه، من دون تصور له إلاّ بعنوان متّحد معه و هو الفرد، و هذا معنى قوله: «و الحاصل».

تصير جزءها، إذ لا تعقل لها بدونها، مثلا لا يمكن تعقل معنى لفظة من الا بعد ارتباطه بالسير و البصرة و نظيرهما فلهما و لنظائرهما من العناوين الخاصة دخل في مفهوم معنى لفظة من (17) و هكذا غيرها من الألفاظ الأخر التي وضعت لمعنى حرفي.

هذا و الحق ان معاني الحروف كلها كليات وضعت ألفاظها لها و تستعمل فيها، و لا تحتاج هذه الدعوى بعد تعقل المدعى إلى دليل آخر إذ من المعلوم انه ما ادعى القائل بجزئية المعنى الحرفي الا عدم تعقل كونه كليا (18).

الشرح

(17) لا يخفى أنه على الفرض يصير معنى الحروف جزئيا إضافيا، لأن عنوان السير و البصرة و أمثالهما لا يخرجه عن الكلية، حيث أن ابتداء السير المتعلق بالبصرة له أفراد كثيرة، نعم لو أخذ فيه كل جزئي من جزئيات متعلقاته الخاصة ليكون شخص السير الخارجي و نقطة المبدأ منه من البصرة مأخوذا فيها يكون جزئيا خارجيا و كذا لو كان الموضوع له للفظة «من» مثلا كل جزئي من الابتداءات الخارجية المأخوذة آلة و مرآة لحال متعلقاتها الخاصة - كما احتملها صاحب الفصول - و الفرق بينها و بين ما ذكره الأستاذ - دام علاه - أولا أن الأول جزئي حقيقي ذهني، و ان كان في الخارج له أفراد كثيرة مع قطع النّظر عن الوجود الذهني، بخلافه على القسمين فانه جزئي خارجي.

(18) لعله - دام ظله - أراد نفى الدعوى الصحيحة المطابقة للوجدان، و إلاّ فصريح الفصول دعوى تبادر المعنى الجزئي، و ان شئت فراجع، نعم الإنصاف أن المتبادر من لفظة «من» في «سرت من البصرة إلى الكوفة» عين المتبادر منه في:

«سرت من البصرة إلى الشام» و الخصوصيات الأخر تفهم من دوال أخر - كما سيتضح إن شاء اللّٰه في طي البحث - فالتبادر يشهد بكلية الموضوع له فيها خلافا للفصول كما مر، فيصح أن يقال: لا مانع من دعوى الكلية الا عدم تعقلها بتقريب ما قلنا، لا بما هو ظاهر المتن، فافهم.

فنقول انه لا إشكال في ان بعض المفاهيم نحو وجودها في الخارج هو الوجود التبعي، فهي موجودة بالغير لا بنفسها. و هذا واضح لا يحتاج إلى البيان. و أيضا لا إشكال في ان تلك المفاهيم قد تتصور في الذهن مستقلة أي من دون قيامها بالغير، كما ان الإنسان يلاحظ لفظ الضرب في الذهن مستقلا، و هذا المفهوم بهذا النحو من الوجود ليس في الخارج، إذ لا يوجد في الخارج الا تبعا للغير. و قد يتصور تلك المفاهيم على نحو ما تتحقق في الخارج، فكما انها باللحاظ الأول كليات، كذلك باللحاظ الثاني، إذ حقيقتها لم تتغير باختلاف اللحاظين. و كما ان قيد الوجود الذهني ملغى في الأول و ينتزع الكلية منها، كذلك في الثاني. نعم تصورها على النحو الثاني في الذهن يتوقف على وجود مفهوم آخر في الذهن يرتبط به، كما ان وجودها في الخارج يتوقف على محل يقوم به. و لا يوجب مجرد احتياج الوجود الذهني لتلك المفاهيم إلى شيء آخر يرتبط به كون ذلك جزءا منها، كما ان مجرد احتياج الوجود الخارجي منها إلى محل خاص لا يوجب كونه جزءا منها. مثلا حقيقة الابتداء تتحقق لها ثلاثة أنحاء من الوجود:

(الأول) - الوجود النّفس الأمري الواقعي القائم بالغير.

(الثاني) - الوجود الذهني المستقل بالتصور.

(الثالث) - الوجود الذهني على نحو الوجود النّفس الأمري و هو الوجود الآلي و الارتباطي.

و كما ان تصور مفهوم الابتداء على الأول من الأخيرين لا يوجب صيرورته جزئيا، بل تنتزع منه الكلية بعد تعريته عن الوجود الذهني، كذلك تصوره على الثاني منهما إذ لا يعقل الاختلاف في المتصور باختلاف أنحاء التصور.

فهذا المفهوم باللحاظ الأول هو معنى لفظ الابتداء و باللحاظ الثاني معنى لفظة من،

فمعنى لفظة من مثلا حقيقة الابتداء الآلي و الربطي (19) و لا شك انه كلي كحقيقة الابتداء الاستقلالي. نعم تحقق الأول في الذهن يحتاج إلى محل يرتبط به، كما ان تحققه في الخارج يحتاج إلى محل يقوم به. و كما ان

الشرح

(19) فالموضوع له للفظة «من» على هذا التقرير هو المفهوم المنتزع من القدر المشترك بين الافراد الخارجية للابتداء، معراة عن التقيد بالوجود الذهني، كمفهوم لفظ «الابتداء»، فانه أيضا شيء موجود في الذهن منتزع من الافراد الخارجية من دون تقيد بوجوده الذهني، إلاّ أن الأول هو الموجود في الذهن بنحو الآليّة، و الثاني هو الموجود في الذهن بنحو الاستقلاليّة، و معلوم أن ذلك المفهوم لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين، فلا يكون جزئيا ذهنيا لعدم تقيده بالوجود الذهني، و لا خارجيا لكونه جامعا بين الخارجيات، و لا إضافيا لعدم كون المتعلقات قيدا أو جزءا للموضوع له، و ان كان لا يتحقق في الذهن الا تبعا لها، لما بيّن من أن الاحتياج عند الوجود إلى شيء لا يستلزم كونه جزءا للموضوع له كالإعراض، و لا فرق في ذلك بين تحققه في ضمن تحقق مفهوم متعلق يصلح للتعدد كابتداء السير من البصرة، أو غير صالح كابتداء السير من نقطة خاصة خارجية، فان كلا منهما خارج عن مفهوم «من» و مدلول بدال آخر، فالحصة للفظة «من» ليست إلاّ أصل الابتداء الملحوظ آلة، لكن لا بنحو يكون اللحاظ قيدا له، و أما السير و البصرة و سائر الخصوصيات فمدلولة بدوال أخر.

و بذلك اتضح صحة انطباقه على الخارج مثل سائر الكليات، فان مفهوم الإنسان أو الابتداء ما لم يتعر عن المفهومية و كونه في الذهن لا ينطبق على الخارج.

و بذلك أيضا اتضح عدم احتياج تصور المعنى الحرفي إلى تصور التصور، فانه لو احتاج تصور ذلك الموضوع له إلى تصور التصور، لكان تصور الموضوع له للفظ الإنسان محتاجا إلى ذلك أيضا، فانك تقول انه مفهوم منتزع من القدر المشترك بين الخارجيات، و تصور المفهوم يحتاج إلى تصور التصور ان كان وصف المفهومية قيدا له، غاية الأمر أن في المقام لا بد من التصور الاستقلالي، لا التصور الآلي كما في المعنى الحرفي.

و أيضا علم صحة انطباقه على الخارج كسائر المفاهيم، لأن المانع له ليس إلاّ التقييد بالوجود الذهني، و قد عرفت عدم دخله في الموضوع له.

احتياجه في الخارج إلى محل خاص خارجي لا يوجب جعل ذلك المحل جزءا لمعنى اللفظ كذلك احتياجه في الوجود الذهني إلى محل لا يوجب كونه جزءا لمعنى اللفظ أيضا.

و أنت إذا أحطت بما تلوناه عليك تعرف بطلان كلا الأمرين اللذين أوجبا توهّم جزئية معاني الحروف. اما تقييدها بالوجود الذهني فلما مر في طي البيان من ان المقصود كونها كليات مع قطع النّظر عن التشخص الذهني، إذ بملاحظة ذلك التشخص ليست معاني أسماء الأجناس أيضا كليات، إذ المفهوم المقيد بالوجود الذهني الاستقلالي بقيد انه كذلك أيضا جزئيّ لا ينطبق على كثيرين فكما ان الوجود الاستقلالي في الذهن في معاني أسماء الأجناس لا يخرجها عن الكلية لكون الوجود الذهني ملغى عند اعتبار المعنى كذلك الوجود الآلي في الذهن في معاني الحروف، و اما احتياجها إلى محال في الذهن ترتبط به فلما مر أيضا من ان الاحتياج في التحقق إلى شيء لا يوجب كون ذلك الشيء جزءا للمعنى.

و من هنا تعرف ان الحروف التي معانيها إنشاءات أيضا لا تخرج معانيها بما هي معانيها عن كونها كليات و انما التشخص جاء من قبل احتياج تحقق تلك المعاني، مثلا لفظة يا النداء موضوعة لحقيقة النداء المتحقق في الخارج (20) و هو يحتاج إلى المنادى الخاصّ بالكسر و المنادى الخاصّ بالفتح و الدال على تلك الخصوصيات أمور أخر غير هذه اللفظة.

الشرح

(20) ربما يتوهم جزئية المعاني الإنشائية و لو فرض تسليم كلية المعاني التصورية للحروف، و ذلك حيث أن الكلية في الحروف باعتبار أنها وضعت لكلي صادق على الذهن و الخارج، و ان كان تبعا لغيره في الوجود كما مر، بخلاف المعاني الإنشائية فان الموضوع له فيها هو نفس الموجود الخارجي، كالنداء الخارجي و الطلب الإنشائي

و ما يكون مستندا إلى لفظة يا ليس إلاّ حقيقة النداء الخارجي. و لا إشكال في ان هذا - مع قطع النّظر عما جاء من قبل أمور أخر - كلي.

و بعبارة أخرى ينتقل السامع من لفظة يا زيد الصادر من المتكلم إلى ان خصوص زيد منادى بنداء هذا المتكلم و هذا المعنى ينحل إلى اجزاء (الأول) - وقوع حقيقة النداء (الثاني) - كون المنادي بالكسر هذا المتكلم الخاصّ (الثالث) - كون المنادى بالفتح زيدا، و الّذي افادته لفظة يا هو الجزء الأول و الباقي جاء من قبل غيره. نعم يحتاج تحقق هذا المعنى - أعني حقيقة النداء الخارجي - إلى باقي الخصوصيات.

و هكذا الكلام في هيئة افعل و نظائرها مما يتضمن معنى

الشرح

الموجود في موطن الذهن و هو خارجه، و لو لم يتحقق النداء و الطلب في الخارج لم يكن للفظهما معنى، و معلوم أن طبيعة النداء و الطلب و ان كانت كلية لكن بعد تقيدهما بالوجود الخارجي ليست إلاّ جزئية، لأن الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد.

و لكنه فاسد: لأن الموضوع له في الحروف و ان كان مقيدا بالوجود بل نفس الموجود بحيث يكون الخارج ظرفا لنفسه لا ظرفا لوجوده كما في خصوص الإنشاءات منها، إلاّ أن المأخوذ فيها أيضا ليس الوجود الخاصّ بل طبيعة الوجود، و هو كلي يصدق على جميع أفراد الوجودات.

و ما يقال من أن الوجود مطلقا مساوق للجزئية، فهو خلاف الوجدان. لا مكان تصور الجامع بين الموجودات بما هي موجودات، و الشاهد على ذلك إمكان تعلق العلم الإجمالي بأصل وجود الطبيعة في الخارج مع الجهل بشخص الموجود، فلو لم يكن بين الموجودات جامع يلزم كون ذلك العلم جهلا مركبا، لعدم تعلقه بالفرد المعين بالفرض، و عدم الواقعية للفرد المنتشر بالوجدان كي يدعى تعلقه به، فالموضوع له في الإنشائيات أيضا كلي، و هو أصل الطبيعة الموجودة، و سائر الخصوصيات من مدلول دوال أخر، كما أوضح ذلك في المتن.

الإنشاء (21) مثلا يقال ان هيئة افعل موضوعة لحقيقة الطلب الإيقاعي، من دون ان يكون لمشخصات أخر دخل في معنى الهيئة. و لا إشكال في ان تلك الحقيقة لا تتحقق الا مع وجود الطالب الخاصّ و المطلوب منه كذلك و المطلوب كذلك. و لكن بعد تحقق الطلب المشخص بهذه المشخصات ما يستند فهمه إلى الهيئة هو حقيقة الطلب. و اما المشخصات الأخر فلها دوالّ أخر غيرها، فمدلول الهيئة كلي و ان صار جزئيا بواسطة تلك الخصوصيات التي جاءت من قبل غيرها.

ثم لا يخفى عليك ان المعنى الاسمي و الحرفي مختلفان بحسب كيفية المفهوم (22) بحيث لو استعمل اللفظ الموضوع للمعنى الحرفي في المعنى الاسمي أو بالعكس يكون مجازا أو غلطا، فان مفهوم الابتداء الملحوظ في الذهن استقلالا يغاير الابتداء الملحوظ في الذهن تبعا للغير، و التقييد بالوجود الذهني و ان كان ملغى في كليهما، لكن المتعقل في مفاد لفظ الابتداء غيره في مفاد لفظة من.

الشرح

(21) كأسماء الإشارة مثلا، فانها وضعت لمعنى مركب من معنى حرفي إنشائي و معنى اسمي، بحيث يستفاد منه ابتداء المركب منهما، بخلاف الإنشائيات فانها موضوعة للبسيط المنحل عند التحليل إلى الطبيعة و الوجود، مثلا كلمة «هذا» وضعت لكلي المفرد المذكر المقيد بكونه مشارا إليه بالإشارة الموجودة في الذهن، و هو نحو توجه له إلى الخارج، لكن لا بنحو يكون شخصي وجود الإشارة الخارجية جزءا لمعناها، بل طبيعة الإشارة الموجودة الصادقة على الكثيرين، و سائر الخصوصيات اللازمة لوجودها خارجة عن مدلول لفظة «هذا» و مستفادة من دوال أخر كما مر مرارا.

(22) ربما يقال: ان المستفاد مما مرّ عدم الفرق بين المعنى الاسمي و المعنى الحرفي، إلاّ في أن الأول يوجد في الذهن بالوجود الاستقلالي و الثاني بالوجود الآلي، و الآلية و الاستقلالية من أطوار اللحاظ و خصوصياته، و هو الّذي يصح أن يتصف بهما

و بعبارة أخرى المقامان مشتركان في تعرية المفهوم من حيث كونه متعقلا في الذهن، لكن يختلف ذات المتعقل في مفاد لفظ الابتداء معها في مفاد لفظة من، فلا يحتاج إلى الالتزام بان المعنى و الموضوع له في كليهما

الشرح

لا المتصور، و أوصاف اللحاظ و الإرادة لا تسرى إلى الملحوظ و المتصور بل لا يمكن، و بالفرض يكون قيد اللحاظ في المقام ملغى في المعنيين، و لم يبق في البين إلاّ حقيقة المعنى، فلا محيص عن الالتزام باتحاد المعنى فيهما، و التفصي عن لزوم الترادف و صحة استعمال كل منهما في موضع الآخر باشتراط الواضع على المستعملين ان لا يستعمل الأول الا عند تصوره مستقلا، و الثاني عند تصوره آلة.

و فيه: ان الآلية و الاستقلالية و ان كانتا من أطوار اللحاظ و خصوصياته، لكن لا نسلم كلية عدم سراية أوصاف اللحاظ إلى الملحوظ، فان بين الطبيعة الملحوظة لا بشرط و بشرط لا و بشرط شيء لا ميز إلاّ من قبل اللحاظ، و مع ذلك تختلف الأقسام بحيث لا يصح استعمال اللفظ الموضوع لأحدها في الآخر، فلا يصح استعمال لفظ المقيد في المطلق و لا المطلق في المقيد بما هو مقيد الا مجازا، و أيضا: ما يحمل عليه كلي بالحمل الشائع و هي الطبيعة المعرّاة عن خصوصيات الوجود، و المجردة عن جميع القيود حتى قيد التجرد، إذ هو مع لحاظه جزئي خارجا أو ذهنا، و التجريد و التعرية ليسا الا من صفات اللحاظ، و مع ذلك يمتاز الملحوظ المجرد عن المقيد، و أحدهما كلي و الآخر جزئي.

و لعل ذلك الإيراد نشأ من توهّم: أن اللحاظ من عوارض الملحوظ فلو نشأ اختلاف في الملحوظ من اختلاف اللحاظ لزم كون اللحاظ دخيلا في تحققه، و ذلك يستلزم الدور، لأن اللحاظ يتوقف على الملحوظ و الملحوظ بالفرض يتوقف على اللحاظ و هو دور صريح. و هو توهم فاسد، لأن عروض اللحاظ على الملحوظ ليس من قبيل عروض سائر العوارض بحيث يتوقف وجوده على وجودها، بل من قبيل عروض الوجود على الماهية، لا يتوقف عروضه على وجوده من قبل بل به يوجد، و لا فرق في ذلك بين الوجودات الذهنية و الخارجية، فتحصل من جميع ذلك أنّ نفس الموجود في الذهن آلة غير الموجود استقلالا، و لو كان اللحاظ فيهما ملغى.

واحد (23) و انما الاختلاف في كيفية الاستعمال بان الواضع بعد ما وضع لفظ الابتداء و لفظة من لمعنى واحد، و هو حقيقة الابتداء جعل على المستعملين ان لا يستعملوا لفظ الابتداء الا على نحو إرادة المعنى مستقلا، و لفظة من الأعلى نحو إرادة المعنى تبعا. هذا و قد أطلنا الكلام لكون المقام من مزال الإقدام.

استعمال اللفظ في ما يناسبه

و منها انه لا إشكال في انه قد يحسن استعمال اللفظ في غير معناه الموضوع له اما لمناسبة بين المعنيين و اما لمناسبة بين اللفظ و المستعمل فيه كاستعمال اللفظ في اللفظ فانه يصح و ان لم يكن له معنى وضع له كاستعمال لفظة ديز في نوعه. و من هنا يظهر ان استعمال اللفظ في غير معناه لا يحتاج إلى ترخيص الواضع بل هو بالطبع، إذ لو لا ذلك لم يصح استعمال اللفظ المهمل في اللفظ إذ لا وضع له بالفرض.

ثم ان استعمال اللفظ في اللفظ على أنحاء تارة يستعمل في نوعه و أخرى في صنفه و ثالثة في شخص مثله. و مثال كل منها واضح. و هل يصح استعماله في شخصه أم لا؟ قيل لا لاستلزامه اتحاد الدال و المدلول أو تركيب القضية من جزءين. بيان ذلك انه ان اعتبرت دلالته على نفسه حينئذ لزم الاتحاد و إلاّ لزم تركب القضية من جزءين فان القضية اللفظية حينئذ حاكية عن المحمول و النسبة لا الموضوع، مع امتناع تركب القضية

الشرح

(23) و فيه: - مع عدم الحاجة إليه - ان لازم ذلك أن يكون السامع في فسحة من الشرط المذكور، و يكون الملقى إليه مجرّدا عن القيدين، لأن الفرض أن الشرط شرط كيفية الإلقاء و الاستعمال، لا قيد المستعمل فيه و الملقى، نعم يلتفت بعد العلم بالشرط ان السامع لاحظهما كذلك، و هذا غير كون المستفاد منه كذلك، و ذلك خلاف الوجدان.

الا من ثلاثة اجزاء، ضرورة امتناع النسبة بدون الطرفين.

أقول ينبغي للمستدل ان يقتصر على قوله لاستلزامه اتحاد الدال و المدلول لأن عدم اعتبار دلالته على نفسه حتى يلزم تركب القضية من جزءين خلاف الفرض، لأن المفروض إطلاق اللفظ و إرادة شخصه و الإنصاف عدم جواز استعمال اللفظ في شخص نفسه، لما ذكره المستدل من الاتحاد، فان قضية الاستعمال ان يتعقل معنى و يجعل اللفظ حاكيا و مرآتا له. و هذا لا يتحقق إلاّ بالاثنينية و التعدد.

لا يقال: يكفى التعدد الاعتباري بان يقال ان لفظ زيد - مثلا من حيث انه لفظ صدر من المتكلم - دال و من حيث ان شخصه و نفسه مراد مدلول.

لأنا نقول: هذا النحو من الاعتبار يطرأ بعد الاستعمال، فلو أردنا تصحيح الاستعمال بهذا النحو من التعدد يلزم الدور (24) لكن يمكن مع ذلك القول بصحة قولنا زيد لفظ أو ثلاثي، مع كون الموضوع في القضية

الشرح

(24) <استعمال اللفظ في ما يناسبه> ربما يقال بجواز استعمال اللفظ في شخصه بلا لزوم الدور و الاتحاد، إذا جعل اللفظ فانيا في تصور إيجاده، من حيث أنه فعل اختياري، و لا بد له قبل الإيجاد من التصور، و معلوم أن تصور التلفظ غير نفس اللفظ، و الاستعمال لا يحتاج إلى أكثر من شيئين: أحدهما من الألفاظ و الأصوات. و الثاني من التصورات الذهنية، مع كون الأول فانيا في الثاني.

لا يقال بأن ذلك خروج عن الفرض، لأن الكلام في استعمال اللفظ في شخصه لا في شيء آخر غيره، سواء كان ذلك تصوره أو غيره. لأنا نقول بلزوم ذلك المحذور، فيما إذا كان التصور بما هو مرئيا و مستعملا فيه، و أما إذا كان بوجوده السرابي و المرآتي فيكون المرئي و المستعمل فيه في الحقيقة هو المرئي، و هو شخص اللفظ.

..........

الشرح

و فيه أولا: ان ذلك كرّ على ما فر، لأن التصور لو لم يجعل بحياله و استقلاله مستعملا فيه لم ير اللافظ حين تصوره الا اللفظ، و هو مع قطع النّظر عن الإفناء لا تعدد فيه و لو اعتبارا.

و ثانيا: ان دلالة اللفظ الصادر عن اختيار على تصور لافظه ليس من دلالة الألفاظ، بل يحسب من الدلالة العقلية، و ليس هذا إلاّ كإيجاد الدخان لإفهام الغير بوجود النار، و إعلاء الصوت للاعلام بوجود صاحبه، و معلوم أن مثل ذلك لا يعد استعمالا للفظ في المعنى.

و ربما يقال بكفاية التعدد الاعتباري، مثل اعتبار الإيجاد و الوجود، بأن يجعل الحاكي حيثية كونه إيجادا و المحكي حيثية كونه وجودا.

و فيه أولا: ان ذلك التعدد يطرأ بعد الإيجاد و هو الاستعمال، و لا بد في الاستعمال من التعدد مع قطع النّظر عنه كما مرّ نظيره.

و ثانيا: ان الإيجاد لو لوحظ مستقلا في قبال الوجود (بأن يرى كلّ منهما شيئا) خرج أيضا عن استعمال اللفظ في شخصه، و لو الغى التعدد الاعتباري لم يبق دال و لا مدلول في البين، لأن اللفظ مع قطع النّظر عن الاعتبار ليس إلاّ نفسه.

و ثالثا: ان الإيجاد لو دلّ على الوجود لم تكن دلالته من دلالة الألفاظ بل من الدلالة العقلية، و هي دلالة كل فعل على نتيجته، كدلالة القيام المصدري على اسم المصدر.

هذا كلّه مع قطع النّظر عن أن لحاظ الشيء للإيجاد غير لحاظه للاستعمال، لأن الثاني هو لحاظ الشيء المفروغ عن إيجاده للإخطار عند المخاطب، و أما أن المتكلم لما كان قاطعا بالوجود يمكن لحاظه الفراغي للشيء قبل وجوده، كالقضايا الحقيقية، فانها حكم على الموضوع قبل وجوده لكن على تقدير الوجود، فلا يغني في دفع الإشكال، لأن القاطع المفروض لو نظر إليه نظر الفراغي لا يمكن ان يكون بصدد الإيجاد في هذا النّظر، و إلاّ فلا يمكن ان يكون بصدد الإحضار.

و الحاصل: ان الإحضار يتوقّف على الفراغ من الوجود، و الإيجاد على عدمه،

شخص اللفظ الموجود، بان يكون المتكلم بلفظ زيد بصدد إيجاد الموضوع لا بصدد الحكاية عن الموضوع، حتى يلزم اتحاد الدال و المدلول (25) فيخرج حينئذ من باب استعمال اللفظ.

فتحصل ان زيدا في قولنا زيد لفظ أو ثلاثي يمكن ان يراد منه نوعه فيكون هناك لفظ و معنى، و ان يقصد المتكلم إيجاد الموضوع فلا يكون من باب استعمال اللفظ. هذا في المحمولات التي يمكن ان تحمل على الشخص المذكور في القضية. و اما في المحمولات التي لا تعم هذا الشخص كقولنا ضرب فعل ماض، فلا يمكن إلاّ ان يكون من باب الاستعمال.

(هل ان الألفاظ موضوعة لذوات المعاني أو للمعاني المرادة)

و منها هل ان الألفاظ موضوعة بإزاء المعاني من حيث هي أو بإزائه من حيث انها مرادة للافظها؟ قد أسلفنا سابقا انه لا يتعقل ابتداء جعل علقة بين اللفظ و المعنى. و ما يتعقل في المقام بناء الواضع و التزامه بأنه متى

الشرح

و المفروض في المقام كون الإحضار و الإيجاد واحدا، و الجمع بين النظرين محال، فافهم و تدبر جيدا.

(25) لا يخفى أن الحمل أيضا يحتاج إلى تصور الموضوع بعد الفراغ عن وجوده، و هو في المقام مفقود، فلا يمكن الحمل أيضا كالاستعمال، و ما هو موجود في المقام هو تصور الشيء مقدمة لإيجاده، و هذا لا يكفي في الحمل كما هو واضح.

لا يقال: ان التصور في المقام و ان كان حادثا قبل الفراغ، لكنه باق بعد و لم يذهب بمجرد الإيجاد، و هذا المقدار كاف لصحة الحمل.

أراد المعنى الخاصّ و تعلق غرضه بإفهام الغير ما في ضميره، تكلم باللفظ الكذائي (26) فبعد هذا الالتزام يصير اللفظ المخصوص دليلا على إرادة المعنى المخصوص عند الملتفت إلى هذا البناء و الالتزام. و كذا الحال لو صدر ذلك اللفظ من كل من يتبع الواضع، فان أراد القائل - بكون الألفاظ موضوعة لمعانيها من حيث انها مرادة - هذا الّذي ذكرناه فهو حق، بل لا يعقل غيره. و ان أراد ان معانيها مقيدة بالإرادة بحيث لوحظت الإرادة بالمعنى

الشرح

لأنه يقال: ان الباقي أيضا لم يكن الا ما لا يكفي في تصوّر الشيء للإيجاد، و قد مرّ عدم كفايته.

<هل ان الألفاظ موضوعة لذوات المعاني أو للمعاني المرادة> (26) بل يمكن - على القول بإمكان جعل العلقة ابتداء بين اللفظ و المعنى - أن يقال: ان المجعول هي العلقة بين اللفظ و إرادة المعنى، لأن العلقة و الاختصاص ان كانا بين اللفظ و ذات المعنى فاللازم كون اللفظ دالا عليهما، بلا صحة اسناد الإرادة و التصور إلى اللافظ، كالحس الواقع على الشيء الخارجي، و ذلك لأن مجرد إحضار المعنى في ذهن المخاطب و الانتقال من اللفظ إليه لا يستلزم صحة الإسناد، و لذا لو قال:

«ما وضعت لفظ زيد لهذا الرّجل فبعد ما يسمع الإنسان اللفظ المذكور ينتقل إلى زيد بلا صحة الإسناد.

و الظاهر ان الدلالة التصديقية التي اعترف المنكر بكونها موقوفة على الإرادة في معنى كلام الشيخ هي نتيجة الوضع، لا التصورية فقط، فانها قد تحصل بلا وضع كما في المثال.

نعم يبقى على هذا القول أن مجرّد كون العلقة بين اللفظ و إرادة المعنى لا يوجب الا كون اللفظ موجبا لانتقال السامع إلى الإرادة و التصور المضافين إلى المتكلم، و أما التصديق بوجودهما و صحة الإسناد إلى المتكلّم فلا محيص له عن القول بكون الوضع عبارة عن التزام الواضع بالتكلّم بلفظ خاص عند إرادة معنى مخصوص، فتدبر جيدا.

الاسمي قيدا لها حتى يكون مفاد قولنا زيد هو الشخص المتصف بكونه مرادا و متعقلا في الذهن، فهو بمعزل عن الصواب.

و الحاصل انه فرق بين القول بان لفظ زيد مثلا موضوع لأن يدل على تصور الشخص المخصوص (27) بحيث يكون التصور معنى حرفيا و مرآة صرفا للمتصور عند المتكلم و السامع، و بين القول بأنه موضوع لأن يدل على الشخص المقيد بالتصور الذهني، على ان يكون القيد المذكور ملحوظا بعنوانه و بمعناه الاسمي. و الأول لا يرد عليه إشكال أصلا، بل. لا يتعقل غيره.

و الثاني ترد عليه الإشكالات التي سنذكرها.

قال شيخنا الأستاذ دام بقاؤه في الكفاية في مقام الرد على هذا القول ان قصد المعنى على أنحائه من مقومات الاستعمال، فلا يكاد يكون من قيود المستعمل فيه. هذا مضافا إلى ضرورة صحة الحمل و الإسناد في الجملة بلا تصرف في ألفاظ الأطراف، مع انه لو كانت موضوعة لها بما هي مرادة لما صح بدونه، بداهة ان المحمول على زيد في زيد قائم و المسند إليه في ضرب زيد مثلا هما نفس القيام و الضرب، لا بما هما مرادان، مع انه يلزم كون وضع

الشرح

(27) لا يقال: فاللازم على هذا تغاير الملحوظ عند السامع مع الملحوظ عند المتكلم، و كون المتصور عند الثاني ذات المعنى، و عند الأوّل المعنى بوصف كونه متصوّرا و مرادا عند السامع، و هو خلاف الوجدان.

لأنا نقول: نحن نلتزم بذلك، و ان شئت توضيح ذلك فانظر إلى قضية «زيد قائم» الصادرة من المتكلم، فان السامع لا يتصور و لا يصدق إلاّ النسبة الجزمية المضافة إلى المتكلم، و ليس حاله في هذه النسبة كالمتكلم، و لذا لا يصح اسناد الكذب و الصدق إليه، و كذلك بالنسبة إلى موضوع القضية و محمولها، فان السامع يصدق بالنسبة المضافة إلى المتكلم من المحمول الملحوظ عنده على الموضوع الملحوظ عنده، و كذلك الحال في سائر القضايا من الإخباريات و الإنشائيات.

عامة الألفاظ عاما و الموضوع له خاصا، لمكان اعتبار خصوص إرادة اللافظين فيما وضع له اللفظ، فانه لا مجال لتوهم أخذ مفهوم الإرادة فيه كما لا يخفى. و هكذا الحال في طرف الموضوع. انتهى كلامه أدام اللّٰه أيامه.

أقول ليس الاستعمال على ما ذكرنا إلاّ الإتيان باللفظ الخاصّ لإفادة إرادة المعنى الخاصّ. و هذا لا محذور فيه أصلا (28).

و اما ما ذكره ثانيا فلا يرد على ما قررناه، فانه بعد اعتبار التصور الّذي هو مدلول الألفاظ طريقا إلى ملاحظة ذات المتصور، يصح الإسناد و الحمل في مداليل الألفاظ بلا مئونة و عناية. نعم هذا الإشكال وارد على الطريق الآخر الّذي قررناه.

و اما ما ذكره ثالثا ففيه ان كل لفظ يدل على إرادة المعنى العام بواسطة الوضع (29) جعلوه مما يكون الموضوع له فيه عاما في مقابل الألفاظ التي تدل على إرادة المعنى الخاصّ. و لا مشاحة في ذلك. و من هنا تعرف

الشرح

(28) أقول: فإذا كان الاستعمال ذلك كان اللفظ كاشفا و الإرادة منكشفة بلا لزوم محذور الدور، و كأنّه توهم أن الاستعمال عبارة عن ذكر اللفظ مع إرادة المعنى، بحيث تكون الإرادة من اللوازم العقلية للاستعمال، فيكون مدلول اللفظ بالجعل غيرها، فيورد بأن ما هو من الشرائط العقلية للاستعمال كيف يمكن أخذه في المستعمل فيه؟ و بعد التأمل فيما ذكر يندفع الإشكال، نعم ما لا يمكن أخذه في المستعمل فيه هو تصور نفس ذلك الاستعمال الّذي هو عبارة عن ذكر اللفظ و إرادة المعنى.

(29) و ان شئت قلت: ان الموجود في الذهن و المتصور إذا كان بحيث لم يمتنع انطباقه على كثيرين فهو عام و معلوم أن ذات المعنى إذا كان قابلا للانطباق المذكور لم يكن التصور بالمعنى الحرفي مانعا عنه كما هو واضح، و سنوضحه في طي الجواب الآتي إن شاء الله، إذا عرفت ذلك فقد عرفت عدم ورود الإشكالات المذكورة.

نعم، قد يشكل تعقل ما قاله - دام ظله - بأن معنى التصور المرآتي أن لا يرى المتصوّر الا ذات المتصور و الملحوظ، و حينئذ لم تكن في الذهن الا صورة واحدة و هي

صحة القول بان الدلالة تابعة للإرادة (30) و ما يرى من الانتقال إلى المعنى من الألفاظ و ان صدرت من غير الشاعر، فهو من باب أنس الذهن و ليس من باب الدلالة، أ لا ترى انه لو صرح واحد بأني ما وضعت اللفظ الكذائي بإزاء المعنى الكذائي، و سمع منه الناس هذه القضية ينتقلون إلى

الشرح

صورة ذات الملحوظ، و أما نفس تلك الصورة فغير متصورة و لا ملتفت إليها لا بتصور آخر، للزوم انقلاب الآلي إلى الاستقلالي، و لا بنفس ذلك التصور، للزوم تأخر الشيء عن نفسه، فإذا كان التصور المذكور مغفولا عنه فكيف جعله الواضع مع غفلته عنه جزءا أو قيدا للموضوع له؟ و كيف يجعل تابعوا الواضع اللفظ الصادر منه كاشفا للمعنى. مع كونهم غافلين عنه؟ و الالتفات إلى التصور المذكور بالنحو المرآتية بالتفات آخر - كالالتفات إلى المرآة بتلك النحوة، بحيث يحكم عليه بنقصان حكايته أو تماميّتها - و ان كان ممكنا و لا نمنعه بنحو الإيجاب الجزئي، لكن ذلك لا يكفي لمدعي الكلية، إلاّ إذا ادعى الملازمة بين الالتفات إلى الشيء و الالتفات إلى التفاته، و هو ينجر إلى التسلسل.

و لكن فيه: ان مجرد عدم كون التصور متصورا بتصور آخر غير ملازم لكونه مغفولا عنه، بحيث لم يمكن للواضع جعله جزءا للموضوع له أو جزءا للمكشوف لتابعيه، بل يكون حضور المتصور عند النّفس بحضور صورته و حضور الصورة بحضور نفسها، و لذا يقال: لحاظ الشيء على قسمين: آلي و استقلالي، و لو كان عن اللحاظ الآلي غفلة لما صحّ تقسيم اللحاظ إليهما، فمعنى التصور الآلي انه ملحوظ بالمعنى الحرفي، و هو خلاف الاستقلالي بأن توجد صورة الصورة في الذهن مستقلا، لا أنه غير ملحوظ و غير ملتفت إليه أصلا، مثلا: الناظر إلى المرآة آلة غير غافل عن آليتها و إلاّ لسقطت لو كانت في يده، و لترتب عليه آثار نفس المرئي بلا توسط كونه في المرأة، و هو خلاف الوجدان.

(30) أي - بعد ما عرفت من كون مدلول اللفظ إرادة المعنى و المعنى المراد بنحو ما مر - تعرف أن الإرادة لو لم تكن لم يكن ذلك بدلالة، بل جهالة و ضلالة - كما عبّر بها في الكفاية في مقام الدلالة التصديقية - و قد مر أنها عين دلالة اللفظ فراجع.

ذلك المعنى عند سماع ذلك اللفظ، مع ان هذا ليس من باب الدلالة قطعا.

وضع المركبات

و منها أنه اختلف في أن المركبات أعني القضايا التامة هل لها وضع آخر غير وضع المفردات، أو ليس لها وضع سوى وضع المفردات أقول ان كان غرض مدعى وضع آخر للمركبات انها بموادها الشخصية لها وضع آخر غير وضع المفردات، بمعنى ان لقضية زيد قائم وضعا آخر يكون لفظ زيد بمنزلة جزء الكلمة في ذلك الوضع، فهو في غاية الفساد، إذ وجدان كل أحد يشهد ببطلان هذا الكلام، مضافا إلى لغويته. و ان كان الغرض ان وضع مفردات القضية لا يفي بصدق القضية التامة التي يصح السكوت عليها، لأن معاني المفردات معان تصورية، و تعدد المعاني التصورية لا يستلزم القضية التامة التي يصح السكوت عليها، فلا بد ان تكون القضية المستفادة من قولنا زيد قائم مسببة من وضع آخر غير وضع المفردات، و هو الوضع النوعيّ لهذه الهيئة، فهو صحيح فيما لم تشتمل المفردات على وضع تتم به القضية، كالقضايا الخبرية في لسان العرب، فان وضع زيد و وضع قائم مادة و هيئة لا يفي بإفادة نسبة تامة يصح السكوت عليها. و اما في مثل القضية الإنشائية كاضرب زيدا لا وجه للالتزام بذلك (31) فليتدبر.

<وضع المركبات>

الشرح

(31) منشأ الفرق: ان مثل «اضرب» وضع بالهيئة و المادة لإنشاء وجوب صدور الضرب من المكلف و وقوعه على المضروب، فنفس تلك اللفظة بمنزلة هيئة

علامات الحقيقة و المجاز

و منها انهم ذكروا لتشخيص الحقيقة عن المجاز أمارات: كالتبادر و عدم صحة السلب. و استشكل في كونهما علامة بالدور، و أجابوا عنه بالإجمال و التفصيل. و لا بحث لنا في ذلك انما الكلام في انهم ذكروا في جملتها

الشرح

المبتدأ و الخبر الموضوعة لإيجاد النسبة بين موضوع ما و محمول ما، و أما لفظة زيد فبمنزلة زيد في «زيد قائم» حيث يعيّن ذلك الموضوع، فالنسبة التامة تستفاد منها من دون احتياج إلى الهيئة.

لكن مع ذلك يمكن أن يقال: ان دلالة «اضرب» على ما ذكر أيضا موقوفة على عدم وقوعها بعد القول و أمثاله، مثل قولك: «هل سمعت اضرب زيدا» و قولك: «ان قال اضرب زيدا فاضربه» فان اضرب في أمثال المقام لا تستفاد منه النسبة، فتختلف باختلاف الهيئة، و هذا بخلاف مثل «زيد» فتأمل.

هذا حال اضرب و أمثاله، و أما النهي فحاله بعينه حال اضرب، و أمّا النفي و الجحد و الاستفهام فليس حالها الا كحال أدوات الشرط، حيث تدل على مجرد التعليق و تختلف معاني مدخولاتها باختلاف هيئاتها، فالمذكورات أيضا موجدة لنفس معانيها البسيطة من النفي و الاستفهام و الجحد، و أما مدخولاتها فتختلف معانيها باختلاف هيئاتها.

و مما ذكر يظهر الجواب عما توهّم من عدم احتياج وضع الهيئة في مثل «ضرب زيد» أيضا، حيث أنها وضعت بالمادة و الهيئة لإيجاد الإسناد إلى فاعل ما كما مر في اضرب، و ذلك لأن استفادة ذلك منها أيضا مشروط بما ذكر في اضرب، و بعدم وقوعه بعد الشرط، كما تقول: «ان ضرب زيد فاضربه».

الاطراد (32) قال شيخنا الأستاذ في الكفاية و لعله بملاحظة نوع العلائق المذكورة في المجازات، حيث لا يطرد صحة استعمال اللفظ معها، و إلاّ فبملاحظة خصوص ما يصح معه الاستعمال، فالمجاز مطرد كالحقيقة و زيادة قيد من غير تأويل، أو على وجه الحقيقة، و ان كان موجبا لاختصاص الاطراد كذلك بالحقيقة، إلاّ انه حينئذ لا يكون علامة لها الا على وجه دائر و لا يتأتى التفصي عن الدور بما ذكر في التبادر هنا، ضرورة أنّه مع العلم بكون الاستعمال على نحو الحقيقة لا يبقى مجال لاستعلام حال الاستعمال بالاطراد أو بغيره انتهى.

الشرح

(32) <علامات الحقيقة و المجاز> أقول: قد ذكر للحقيقة علائم، منها: «الاطراد». و أورد عليه بأن المجاز أيضا مطّرد، و زيادة قيد «من غير تأويل» دور واضح، و لذا احتمل في الكفاية كونه بملاحظة نوع العلائق المذكورة في المجازات، حيث لا يطّرد صحة استعمال اللفظ معها.

قال قدس سره: «و إلاّ فبملاحظة خصوص ما يصح معه الاستعمال، فالمجاز مطّرد كالحقيقة» انتهى.

و معلوم: أن الاحتمال المذكور لا يرفع الإشكال عن القول، لأن ما يصح معه الاستعمال مطّرد، و ما لا يطّرد لا يصح معه الاستعمال، إذ العلاقة ليس نوع المشابهة مثلا، بل مع خصوصيات أخر يصح معها الاستعمال، و يطّرد حينئذ كما لا يخفى.

و يمكن أن يقال: ان المجازات و ان كان استعمالها كثيرا في حد نفسه لكن لا يطّرد مع ذلك في جميع المقامات، بخلاف الحقيقة، توضيح ذلك: ان الواضع - كما مر - يجعل اللفظ كاشفا و مرآة للمعنى من دون خصوصية أخرى، فإذا أراد المتكلم إحضار ذات المعنى يتكلم بذلك الكاشف عنه، و أما إذا أراد افهام شيء آخر غير مجرد ذات المعنى، بل يكون في مقام إظهار البلاغة و الفصاحة مثل مقام الإشعار و الخطب، فيعبر عن الرّجل الشجاع بالأسد، و عن الوجه الحسن بالقمر أو الشمس و أمثال ذلك، فيصح أن يقال: ان اطراد الاستعمال بغير تأويل علامة للحقيقة،

أقول يمكن توجيه كونه علامة بدون لزوم الدور، بان يقال ان المراد من الاطراد حسن استعمال اللفظ في كل موقع، من غير اختصاص له بمواقع خاصة، كالخطب و الإشعار مما يطلب فيها إعمال محاسن الكلام و رعاية الفصاحة و البلاغة، بخلاف المجاز، فانه انما يحسن في تلك المواقع خاصة، و إلاّ ففي مورد كان المقصود ممحضا في إفادة المدلول لا يكون له حسن، كما لا يخفى. و هذا كما ترى يمكن حصوله لغير أهل اللسان أيضا إذا شاهد استعمال أهل اللسان.

(الحقيقة الشرعية)

و منها أنه اختلف في ثبوت الحقيقة الشرعية و عدمه.

أقول لا مجال ظاهرا لإنكار ان ألفاظ العبادات كانت في زمن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله بحيث يفهم منها عند الإطلاق المعاني المستحدثة، و هل كان ذلك من جهة الوضع التعييني أو التعيني، أو كانت موضوعة لتلك المعاني في الشرائع السابقة أيضا؟ لا طريق لنا لإثبات أحد الأمور. نعم الوضع التعييني بمعنى تصريح النبي صلّى اللّٰه عليه و آله بالوضع لتلك المعاني بعيد غاية البعد. لكن يمكن الوضع التعييني بنحو آخر بان استعمل صلى اللّٰه عليه و آله تلك الألفاظ في المعاني المستحدثة بقصد انها معانيها.

الشرح

و الدور يرتفع بالإجمال و التفصيل، بأن يقال: ان ما هو المرتكز في الذهن إجمالا استعماله لمجرد افهام المعنى، فيعلم تفصيلا أنه حقيقة، و ما لا يجوز إلاّ في أمثال ما قلنا فهو مجاز. فتأمل تعرف.

و هذا أيضا نحو من الوضع التعييني (33) فانك لو أردت تسمية ابنك زيدا، فتارة تصرح بأني جعلت اسم هذا زيدا، و أخرى تطلق هذا اللفظ عليه بحيث يفهم بالقرينة أنك تريد ان يكون هذا اللفظ اسما له. و هذا القسم من الوضع التعييني ليس بمستبعد في الشرع.

و قد يستدل ببعض الآيات من قبيل قوله تعالى: (و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حيا)(1)و قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)(2)و قوله تعالى: (و اذن في الناس بالحج)(3)على كون هذه الألفاظ حقائق لغوية لا شرعية.

تقريب الاستدلال ان هذه الآيات تدل على وجود معاني هذه الألفاظ في الشرائع السابقة و يثبت وضع هذه الألفاظ لها فيها بضم مقدمة أخرى، و هي ان العرب المتدينين بتلك الأديان لما سمعوا هذه الآيات فلا يخلو اما انهم ما فهموا منها هذه المعاني المعروفة أو فهموها بمعونة القرائن

الشرح

(33) <الحقيقة الشرعية> و كون الاستعمال صحيحا حقيقيا موقوف على كون الوضع عبارة عن مجرد التعهد في النّفس، و كون اللفظ كاشفا عنه، لا عبارة عن المنتزع عن مرتبة إظهار التعهد كما ذكره - دام ظله - في حاشية منه.


1) سورة مريم 19 الآية 31

2) سورة البقرة 2 الآية 183

3) سورة الحج 22 الآية 27

الموجودة في البين. أو فهموها من حاق اللفظ و الأول واضح البطلان لا يمكن الالتزام به (34) و كذلك الثاني، إذ من البعيد جدا احتفاف جميع تلك الألفاظ الموجودة في القرآن بالقرينة، فلم يبق الا التزام بأنهم فهموا تلك المعاني من حاق اللفظ و هو المطلوب. و لعل هذا هو المراد من بعض العبارات المشتملة على الاستدلال بهذه الآيات، لا ما يتوهم من ان المراد

الشرح

(34) عدم تمامية الاستدلال المذكور لإثبات كون الألفاظ المتداولة في لساننا حقائق لغوية واضح، نعم يمكن أن يستدل بها لإثبات أصل تلك الحقائق في رد من جزم بعدم كونها حقائق لغوية لكونها مستحدثة، إذ بعد إثباتها لا يصح الجزم بذلك بل تبقى الاحتمالات بحالها و لعل ذلك أيضا مراد المستدل، لا ما ردّ عليه في المتن: لكن الإنصاف ان ظاهر عبارة الكفاية يوهم المعنى الأول، فتأمل.

«تقريب الاستدلال: ان هذه الآيات تدل على وجود معاني هذه الألفاظ في الشرائع السابقة، و يثبت وضع هذه الألفاظ لها فيها بضم مقدمة أخرى، و هي ان العرب المتدينين بتلك الأديان لما سمعوا هذه الآيات فلا يخلو إمّا أنهم لم يفهموا منها هذه المعاني المعروفة أو فهموها بمعونة القرائن الموجودة في البين أو فهموها من حاق اللفظ. و الأول واضح البطلان لا يمكن الالتزام به، و كذلك الثاني، إذ من البعيد جدا احتفاف جميع تلك الألفاظ الموجودة في القرآن بالقرينة، فلم يبق إلاّ الالتزام بأنهم فهموا تلك المعاني من حاق اللفظ. و هو المطلوب. و لعلّ هذا هو المراد من بعض العبارات المشتملة على الاستدلال بهذه الآيات، لا ما يتوهم من أن المراد إثبات تداول هذه الألفاظ في الشرائع السابقة».

قلت: انا نلتزم بالشق الثاني، و لا بعد في احتفاف الألفاظ الموجودة في القرآن بالقرينة كقوله صلّى اللّٰه عليه و آله «صلّوا كما رأيتموني أصلي»(1)بالنسبة إلى الصّلاة، على أن هذه الألفاظ لم تكن بهذه الصورة في الشرائع السابقة لاختلاف لغتها عن لغة شرعنا، فلا مناص من الالتزام بوجود قرائن كانوا يفهمون بها تلك المعاني من هذه الألفاظ العربية.


1) عوالي اللئالي 3-85.

إثبات تداول هذه الألفاظ في الشرائع السابقة.

ثم انه تظهر الثمرة بين القولين في حمل الألفاظ الصادرة من الشارع بلا قرينة على معانيها الشرعية، بناء على ثبوت الوضع و العلم بتأخر الاستعمال (35). عنه و على معانيها اللغوية، بناء على عدمه. و لو شك في تأخر الاستعمال و تقدمه اما بجهل التاريخ في أحدهما أو كليهما فالتمسك - بأصالة عدم الاستعمال إلى ما بعد زمان الوضع فيثبت بها تأخر الاستعمال - مشكل، فانه مبنى على القول بالأصول المثبتة إما مطلقا أو في خصوص المقام (36) مضافا إلى معارضتها بالمثل في القسم الثاني (37) نعم يمكن إجراء أصالة عدم النقل فيما إذا جهل تاريخه و علم تاريخ الاستعمال، بناء على ان خصوص هذا الأصل من الأصول العقلائية، فيثبت به تأخر النقل عن الاستعمال. و لا معارض له. أما على عدم القول بالأصل المثبت في الطرف الآخر فواضح. و أما على القول به، فلان تاريخه معلوم بالفرض و احتمال ان يكون بناء العقلاء على عدم النقل - في خصوص ما جهل

الشرح

(35) لا يخفى أن الحمل على المعنى الشرعي بمجرد العلم بالوضع و تأخر الاستعمال يصح لو لم تكن الألفاظ المذكورة منقولة، بل كانت مستحدثة بألفاظها و معانيها، و إلاّ فلا بد من مقدمة أخرى و هي كون معانيها الأولى مهجورة، و قد أشار إليه في حاشية منه.

(36) بادعاء كون الأصل الجاري في باب الألفاظ من الأصول العقلائية، كي يكون المثبت منها أيضا حجة، لكن الكلام في صحتها.

(37) بناء على جريان الأصل في مجهولي التاريخ، و سيأتي منه - دام ظله - في مباحث الاستصحاب عدم جريانها فيهما من جهة الشبهة المصداقية ل - «لا تنقض» لاحتمال نقض اليقين باليقين، و بناء على ذلك لو لم يكن معارض في البين، بأن كان أحدهما بلا أثر شرعي لا يجري الاستصحاب أيضا لما ذكر، لا للمعارضة.

رأسا لا فيما إذا علم إجمالا و شك في تاريخه - بعيد لظهور أن بناءهم على هذا من جهة ان الوضع السابق عندهم حجة، فلا يرفعون اليد عنها الا بعد العلم بالوضع الثاني.

(الصحيح و الأعم)

و منها أنهم قد اختلفوا في أن ألفاظ العبادات هل هي موضوعة بإزاء خصوص الصحيحة أو الأعم منها و من الفاسدة؟ اعلم ان جريان النزاع على القول بثبوت الحقيقة الشرعية واضح و أما على القول بالعدم فيمكن جريانه أيضا، بان يقال هل الأصل في استعمال الشارع بعد العلم بعدم إرادة المعنى اللغوي (38) هو المعاني الشرعية الصحيحة إلى ان يعلم خلافها أم لا؟ فمن يدعى الأول يذهب إلى ان العلاقة بينها و بين المعاني اللغوية أشد، فحملها بعد العلم بعدم إرادة المعاني الحقيقية على المعاني الشرعية الصحيحة أولى و أسد و كيف كان يتم هذا المبحث بذكر أمور:

(الأول) - أنه لا إشكال في ان الصحيحي إن قال بان الصلاة الصحيحة على اختلافها إجزاء و شرائط كلها افراد للمعنى الجامع الواحد الّذي هو الموضوع له للفظ الصلاة، فلا بد له من تصور معنى واحد جامع

الشرح

(38) <الصحيح و الأعم> هذا على القول بكونها مجازات لغوية، و أما على القول بكونها حقائق لغوية، و كون الاستعمال فيها من تطبيق الكلي بنحو تعدد الدال، فيمكن النزاع في أن اللفظ شاع في أي المعينين في لسان الشارع أو المتشرعة، بحيث ينصرف إليه حتى يحتاج استعماله في غيره إلى قرينة أزيد من ذلك.

لشتات تلك الحقائق المختلفة، كما ان الأعمّي أيضا لا بد له من تصور جامع يكون أوسع دائرة من الأول نعم لو ادعى كل واحد منهما ما ادعاه على نحو الاشتراك اللفظي، يمكن هذه الدعوى مع عدم القدر الجامع بين تلك الحقائق، لكن هذه المقالة مع كونها بعيدة في نفسها لا تناسب كلماتهم، كما لا يخفى (39).

إذا عرفت هذا، فنقول لا يتعقل أخذ القدر الجامع بين ذوات تلك الحقائق المختلفة المتصفة بالصحّة (40) مع قطع النّظر عن اعتبار امر خارج عنها، لأن معنى أخذ القدر الجامع إلغاء الخصوصيات و أخذ ما هو مشترك سار في جميع الافراد، و المفروض ان لتلك الخصوصيات دخلا في الصحة. مثلا الصلاة التي يأتي بها القادر قائما يتقوم صحتها بالقيام، فلو اعتبر القيام مثلا في الموضوع له، فلا يصدق على الصلاة التي يأتي بها المريض جالسا، و إن لم يعتبر فيلزم صدقها على الصلاة التي يأتي

الشرح

(39) و ذلك، لأن المتبادر من تلك الألفاظ عند استعمالها في معاني مختلفة الاجزاء و الشرائط شيء واحد، و لا فرق في ذلك بين القولين، و الشاهد هو الوجدان.

(40) و بعبارة أخرى: المركب الاعتباري عبارة عن مفهوم واحد يؤخذ و يشار به إلى الاجزاء و الشرائط بالإشارة الإجمالية، كالصلاة مثلا، فانه يشار بها إجمالا إلى أجزاء متعددة و شرائط متكثرة من التكبير إلى التسليم، و كذلك الحج يشار بها إجمالا إلى ما أوله التحريم و آخره التحليل، فإذا كان بين شرطين أو جزءين من صلاتين مثلا مناقضة أو مضادة بحيث لم يمكن أخذ الجامع، مثل القيام و اللاقيام أو القعود، و الجهر و الإخفات في محل «واحد» من الصلاتين، و الركعة الرابعة و عدمها، و الثالثة و عدمها، و أمثال ذلك من الشرائط و الاجزاء المختلفة للصلوات المختلفة، فلا يمكن أخذ مفهوم واحد يشار به إلى ذلك الجامع المحال و سائر الاجزاء و الشرائط بالإشارة الإجمالية، لأن المركب من المحال محال.

بها القادر جالسا، و كلاهما خلاف مذهب الصحيحي.

و الّذي يمكن ان يقال في تصوير الجامع بين الافراد الصحيحة ان كل واحد من تلك الحقائق المختلفة إذا أضيفت إلى فاعل خاص، يتحقق لها جامع بسيط، يتحد مع هذه المركبات، اتحاد الكلي مع افراده. مثلا قيام الشخص القادر لتعظيم الوارد و إيماء الشخص المريض له يشتركان في معنى واحد، و هو إظهار عظمة الوارد يقدر الإمكان، و هذا المعنى يتحد مع قيام القادر، كما أنه يتحد مع إيماء المريض و على هذا فالصلاة بحسب المفهوم ليست هي التكبيرة و القراءة و الركوع و السجود و كذا و كذا، بل هي بحسب المفهوم المعنى الواحد البسيط الّذي يتحد مع تمام المذكورات (تارة) و مع بعضها (أخرى) و مع ما قيد بكيفية خاصة (تارة) و بنقيضها (أخرى) و هذا المعنى و ان كان امرا متعقلا، بل لا محيص عن الالتزام به بعد ما يعلم أن لتلك الحقائق المختلفة فائدة واحدة، و هي النهي عن الفحشاء و المنكر، و لا يكاد أن تؤثر الحقائق المتباينة في الشيء الواحد، من دون رجوعها إلى جهة واحدة، و لكن كون هذا المعنى مفاد لفظ الصلاة محل إشكال من وجهين:

(أحدهما) أن الظاهر مما ارتكز في أذهان المتشرعة هو أن الصلاة عبارة عن نفس تلك الاجزاء المعهودة التي أو لها التكبير و آخرها التسليم (41).

(ثانيهما) أن مقتضى ما ذكر من الجامع ان الصحيحي لا بد ان

الشرح

(41) هذا على تقدير كون الموضوع له البسيط الخارج عن الاجزاء المنطبق معها، و أما لو كان نفس تلك الاجزاء مع تحديدها بإفادة القرب أو النهي عن الفحشاء أو غير ذلك مما يلازم الصحة، فلم يكن خلاف المرتكز في الأذهان.

يلتزم بالاشتغال في موارد الشك في الجزئية أو الشرطية، و إن بنى في الأقل و الأكثر على البراءة عقلا، لأنه مكلف بإتيان ذلك المعنى الواحد، فمتى شك في جزئية شيء أو شرطيته، يرجع شكه إلى ان ذلك المعنى الواحد هل يتحقق بدون الإتيان بالمشكوك أم لا، مع أن القائلين بالصحيح قائلون بالبراءة فيهما.

و قد تصدى لدفع هذا الإشكال شيخنا الأستاذ في الكفاية بأن الجامع انما هو مفهوم واحد منتزع من هذه المركبات المختلفة زيادة و نقيصة، بحسب اختلاف الحالات، يتحد معها نحو اتحاد و في مثله تجري البراءة، و انما لا تجري فيما إذا كان المأمور به امرا واحدا خارجيا مسببا عن مركب مردد بين الأقل و الأكثر، كالطهارة المسببة عن الغسل و الوضوء فيما إذا شك في أجزائهما (انتهى كلامه).

أقول: لا إشكال في أنه إذا كان الشيء مجمعا و مصداقا لعناوين عديدة، فكل عنوان منها وقع في حيز التكليف، كان المكلف مأخوذا بذلك العنوان و العناوين الأخر و ان كانت متحققة مع العنوان الواقع في حيز التكليف، و لكن ليس لوجودها و لا لعدمها دخل في براءة ذمة المكلف و اشتغاله و هذا واضح جدا، فحينئذ ان قلنا بان الواقع في

الشرح

(لا يقال): ان الموضوع له ان كان العنوان العرضي، أي مفهوم الاجزاء المفيدة للقرب، فيلزم كون الصلاة مثلا مرادفة لهذا العنوان، و ان كان مصداق الاجزاء المقيدة بهذا القيد، فهو كر على ما فر من عدم تصوير الجامع.

(لأنا نقول): الموضوع له على هذا ليس المفهوم المذكور، و لا الجامع بين الخارجيات، بل نفس الاجزاء الخارجية كما قلنا مقيدة بذلك القيد، فيكون الجامع لشتات المتفرقات ذلك القيد، و ذلك لا ينافي عدم الجامع لها بغير هذا العنوان، و هذا التقرير و ان سلم عن مخالفة المرتكزات لكن يبقى إشكال الاشتغال الآتي على حاله.

حيز التكليف هو هذا المركب من التكبيرة و الحمد و كذا و كذا، يصح للقائل بالبراءة ان يقول ان ما علم انه متعلق للتكليف من هذه الاجزاء يؤتى به، و ما يشك فيه يدفع بالبراءة. و أما إن قلنا بان ما وقع في حيز التكليف ليس هذا المركب بهذا العنوان، بل هو عنوان بسيط ينطبق على قسم من هذا المركب في بعض الحالات، فلا يتصور معلوم و مشكوك (42) حتى يقال: إن المعلوم قد أتي به و المشكوك فيه يدفع بالأصل، بل في ما نحن فيه معلوم شك في وقوعه. و لا شبهة في انه مورد للاشتغال.

الشرح

(42) هذا على مبناه - من كون متعلق الأمر و النهي هي الطبيعة - صحيح و أما على مبنى الكفاية من تعلقهما بالمصاديق حقيقة و كون العنوان عبرة لها - كما صرّح بذلك في اجتماع الأمر و النهي - فيكون حقيقة المتعلق منحلا، و ان كان المرآة بسيطا.

لا يقال: ان الخارج بما هو داخل تحت هذا المفهوم متعلق للأمر و ملزم به بحكم العقل.

لأنا نقول: على الفرض ليس المفهوم الا عبرة لإفهام المصداق و كونه متعلقا للإرادة، و ليس له مدخلية في المحبوبية و المبغوضية.

و أما ما أفاده من أن المكلف لا يؤاخذ الا بالعنوان الواقع في حيّز التكليف، فلان ذلك العنوان طريق و واسطة لإثبات الإرادة إلى المصداق، لا لدخله في متعلق الإرادة، و لذا يؤاخذ المكلف بعنوان هؤلاء بقوله: «أ لم أقل لك أكرم هؤلاء، فلم لم تكرم زيدا مع كونه منهم؟» و حينئذ لو كان المفهوم مبينا أو كان المصداق مرددا بين المتباينين يؤاخذ بحقيقة المأمور به و يكون حجة لها، و إلاّ فلا يكون حجة الا في المقدار المتيقن.

نعم قد يقال: على فرض كون موطن الأمر الطبيعة أيضا يسري إلى الفرد لمكان الاتحاد، فيكون الفرد مأمورا به و لو بالإرادة التبعيّة، و هو أيضا واجب الامتثال، و لذا قلتم في المطلق و المقيّد بالانحلال، فصح أن يقال: ان الأقل اما عين المأمور به بالأمر

(الثاني) أنه قد يستشكل في تصوير القدر الجامع بين افراد الصلاة الصحيحة و الفاسدة بحيث ينطبق عليها انطباق الكلي على الافراد.

و حاصل الإشكال أن أجزاء الصلاة ان كان لكل منها دخل في الموضوع له، فلا تطلق تلك اللفظة الا على ما اشتمل على الكل، و ان كان لبعضها دخل دون الآخر، فيلزم ان لا يحمل مفهوم لفظ الصلاة الا على الأبعاض المأخوذة في الموضوع له، فيكون المركب من تلك الأبعاض و غيرها بعضها صلاة و بعضها خارجا عنها و كل منهما مما لا يقول به المدعى للأعم. و قد قيل في تصوير الجامع وجوه لا يهمنا ذكرها.

و الحق أن يقال إن القدر المشترك بين افراد الصلاة الموجودة في الخارج امر متعقل (بيان ذلك) أن الوحدة كما انها قد تكون لشيء حقيقة كذلك قد تكون لشيء اعتبارا (مثال الأول): مفاد الاعلام الشخصية، فانه لا تنثلم وحدة معانيها على اختلاف حالاتها المختلفة العارضة لها. (و مثال الثاني): الأشياء العديدة التي يوجدها الموجد بقصد واحد، فان تلك الأشياء و ان كانت وجودات مختلفة متعددة، لكن عرضت لها وحدة اعتبارية بملاحظة وحدة الغرض و القصد، يطلق على كل منها عنوان الجزء بتلك الملاحظة.

الشرح

التبعي و اما مقدّمة له، فيكون معلوم الوجوب، و الأكثر مشكوك الوجوب، فتجري فيه البراءة.

و فيه: أنّ الفرد و إن تعلقت به الإرادة التبعيّة إن لم يتعلّق الأمر بصرف الوجود و ينحل العلم بها كما ذكر، لكن ذلك لا ينفع في انحلال متعلق الإرادة الأصلية، و العقل من إجماله يحكم بالاحتياط، و أما إجراء البراءة بادعاء كون الجامع ذا مراتب، و كون كل من اجزاء المركب محققا لمرتبة منه، فهو خلاف فرض الصحيحي، و ان لم يكن في اجزاء البراءة عليه إشكال.

إذا عرفت هذا، فنقول: يصح للأعمّي أن يقول: ان الواضع لاحظ جميع اجزاء الصلاة المأتي بها بقصد واحد، و قد قلنا بان الأشياء المتعددة بهذه الملاحظة واحدة اعتبارا، و بعد طرو الوحدة الاعتبارية، حال تلك الأشياء بأجمعها حال الواحد الحقيقي، فكما أن الواحد الحقيقي يمكن أخذه في الموضوع له على نحو لا تنثلم وحدته باختلاف الحالات الطارئة عليه (43) كذلك الواحد الاعتباري قد يعتبر على نحو ليس فيه حد خاص. و لازم ذلك أنه متى ما وجد مقدار من ذلك المركب مقيدا بما يوجب وحدة الاجزاء اعتبارا و هو وحدة القصد، يصدق عليه ذلك المعنى، سواء وجد في حد التام أو الناقص، فالذي وضع له اللفظ هو

الشرح

(43) لا يخفى أن للموضوع له للفظ الصلاة على هذا وحدة اعتباريّة من جهتين.

(إحداهما): كونه جامعا لشتات الاجزاء المختلفة، كالتكبير و القراءة و السورة و الركوع و السجود و أمثال ذلك، فانها أشياء متعددة حقيقة، يعتبرها المعتبر واحدة و يعبّر عنها بالصلاة.

(ثانيتهما): كونه جامعا منتزعا من أفراد متعددة مختلفة الاجزاء، فان مقدارا ما من الاجزاء و الشرائط - محاطا بقصد إتيان الصلاة للّٰه أو لإراءة الناس - ليست له وحدة كلية حقيقية، كالوحدة الكلية لمفهوم الخطّ، و هو مقدار ما من طرف السطح يقبل القسمة طولا، حيث لا تنثلم وحدته الكلية باختلاف الخطوط طولا و قصرا، بل له وحدة اعتبارية يعتبرها المعتبر من جهة كون تلك الأشياء المتعددة في جميع الافراد محاطة بالقصد المذكور.

و المقصود في المقام تشبيه تلك الوحدة الكلية الاعتبارية بالوحدة الحقيقية الشخصية أو الكلية، فكما لا تنثلم الوحدة الشخصية باختلاف الحالات و الوحدة الكلية الحقيقية باختلاف الافراد، كذلك لا تنثلم تلك الوحدة الاعتبارية الكلية، فكما لا تنثلم وحدة حقيقة الماء باختلاف أفراده زيادة و نقيصة، و حقيقة مفهوم البيت

مقدار من تلك الأشياء الملحوظة على سبيل الإهمال أو تعيين ما، مثل أن يلاحظ عدم كونه أقل من ثلاثة اجزاء أو أربعة اجزاء، و هكذا على اختلاف نظر الواضع، فإذا وجد في الخارج غير زائد على مقدار ما وضع له، فلا إشكال في صدق معنى اللفظ عليه، و إذا وجد زائدا على ذلك المقدار، فلكون الزائد جزءا و متحدا مع ما يقوم به المعنى، يصدق عليه المعنى أيضا، فالزائد في الفرض الثاني جزء للفرد لا جزء لمقوم المعنى و لا خارج عنه، فافهم و تدبر.

(الثالث) أنه بعد ما عرفت ما ذكرنا من تصور الجامع على كلا القولين فاعلم ان طريق إحراز المعنى و تصديق أحد القائلين، ليس إلاّ التبادر و صحة السلب و عدمهما، فان قطعنا بالمعنى بالتبادر القطعي فهو، و إلاّ فمقتضى القاعدة التوقف. و الوجوه الأخر التي استدل بها كل من الفريقين لا تخلو عن شيء، كما سننبه عليه.

و الإنصاف انا لا نفهم من الصلاة و نظائرها الا الحقيقة التي تنطبق على الصحيح و الفاسد، و نرى ان لفظ الصلاة في قولنا الصلاة اما صحيحة أو فاسدة ليس فيه تجوز، و ملاحظة علاقة صورية بين ما أردنا من اللفظ و بين المعنى الحقيقي له. و هذا ظاهر عند من راجع وجدانه

الشرح

باختلاف أفراده سعة و ضيقا و غير ذلك من المشككات الحقيقية، كذلك لا تنثلم الوحدة الاعتبارية مما ذكر من مفهوم الصلاة باختلاف الافراد، من حيث كونها واجدة لجميع الاجزاء أو فاقدة لبعضها، مع اختلاف الاجزاء الفاقدة و الواجدة، و كما تضاف الزيادة و النقيصة في تلك المشككات إلى الفرد لا إلى الحقيقة، كذلك في الصلاة.

هذا، و يمكن أن يستشهد لوجود الجامع بين الصحيح و الفاسد بما هو المرتكز في ذهن الخواصّ و العوام، من صحة تقسيم الصلاة إلى الصحيح و الفاسد و لو مجازا، و إرادة المسمى بلفظ الصلاة خلاف الواقع قطعا.

و أنصف، و كذا نرى من أنفسنا ان من صلى صلاة فاسدة لا يصح سلب معنى لفظ الصلاة عما فعله في الخارج، و لو قلنا أحيانا بان ما فعله ليس بصلاة، فليس نفى الصلاة عن فعله كنفي الصلاة عن الصوم و غيره من موضوع آخر كالحجر و الإنسان، إذ يصح الثاني بلا عناية أصلا بخلاف الأول.

و استدل أيضا للمذهب الأعمّي بان الصلاة استعملت في غير واحد من الاخبار في الفاسدة، كقوله: (بنى الإسلام على خمس الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم و الولاية، و لم يناد أحد بشيء كما نودي بالولاية، فأخذ الناس بالأربع و تركوا هذه، فلو ان أحدا صام نهاره و قام ليله و مات بغير ولاية لم يقبل له صوم و لا صلاة) و محل الاستشهاد قوله عليه السلام: (فأخذ الناس بالأربع) و قوله: (فلو ان أحدا صام نهاره و قام ليله إلخ) و كقوله عليه السلام: (دعى الصلاة أيام أقرائك) حيث أن المراد لو كان الصحيحة لم تكن بقادرة عليها، فلا يجوز نهيها عنها.

و الجواب ان الإطلاق أعم من الحقيقة مضافا إلى ان لفظ الصلاة في الخبر الثاني استعمل في المعنى المجازي، حتى على مذهب الأعمّي، لأن المنهي عنه من الحائض ليس كلما يطلق عليه معنى لفظ الصلاة، فان الحائض لو أتت بالصلاة فاقدة لبعض الشرائط أو الاجزاء المعتبرة فيها من غير جهة الحيض، لم يكن ما فعلته محرما (44) فالصلاة في قوله عليه السلام:

(دعى الصلاة) استعملت في الفرد الخاصّ أعني المستجمع لجميع الاجزاء و الشرائط، ما عدا كونها حائضا و استعمال العام في الخاصّ مجاز،

الشرح

(44) لا إشكال في حرمته التشريعية و ان قلنا بخروجه عن مفاد الرواية للانصراف.

إلا أن يقول بإرادة الخاصّ هنا من غير اللفظ.

هذا و استدل لهم أيضا بأنه لا شبهة في صحة تعلق النذر و شبهه بترك الصلاة في مكان تكره فيه، و حصول الحنث بفعلها، و لو كانت الصلاة المنذور تركها خصوص الصحيحة، لا يحصل بها الحنث، لأن الصلاة المأتي بها فاسدة لأجل النهي عنها، بل يلزم أن يكون فسادها موجبا لصحتها، لأنها لو كانت فاسدة لم تكن مخالفة للنهي. و لا وجه لعدم كونها صحيحة الا كونها مخالفة للنهي. و هذا بخلاف ما لو كانت الصحة خارجة عن معناها، فانه على هذا لا يلزم محذور.

و الجواب ان مدعى الوضع للصحيح لا يدعى انها موضوعة للصحيح من جميع الجهات، حتى من الجهات الطارئة، كالنذر و شبهه، بل يدعى أنها موضوعة للصحيح من حيث الجهات الراجعة إلى نفسها (45) و لو فرض انه يدعى ان الموضوع هو الصحيح الفعلي حتى من الجهات الطارئة، فله ان يجيب بان نذر الناذر في المقام قرينة على عدم إرادة هذا المعنى، إذ ليس المعنى المأخوذ فيه الصحة من جميع الجهات قابلا للنهي و لو فرضنا أن الناذر قصد هذا المعنى في نذره، نلتزم بعدم انعقاده لعدم صحة تعلق النهي بالفعل المذكور.

و استدل للصحيحي - مضافا إلى دعوى التبادر و صحة السلب من الفاسد - بالأخبار الظاهرة في إثبات بعض الخواصّ و الآثار لحقيقة الصلاة و الصوم، مثل قوله عليه السلام: (الصلاة عمود الدين، أو انها معراج

الشرح

(45) الإنصاف: أن الدعوى المذكورة خلاف الواقع، و إلاّ فيمكن أن يدعى أنها موضوعة للصحيح من حيث الاجزاء و الشرائط لا من حيث الموانع، أو التفصيل بين الاجزاء و الشرائط أيضا.

المؤمن، و ان الصوم جنة من النار) أو نفى الطبيعة بفقدان بعض الشروط و الاجزاء مثل قوله عليه السلام: (لا صلاة إلاّ بطهور)، و كذا (لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب) و أمثال ذلك.

و الجواب عن الأول ان الاستدلال بها مبنى على إفادة تلك الاخبار أن الآثار المذكورة لتلك الطبائع على إطلاقها، إذ بذلك يستكشف أن الفرد الّذي ليس فيه تلك الخواصّ ليس فردا لتلك الطبائع، لكن الاخبار المذكورة واردة في بيان خاصية تلك الطبائع من حيث نفسها، في مقابل أشياء أخر. و لا ينافي أن تكون لظهور تلك الخواصّ في تلك الطبائع شرائط أخر زائدة عليها، كما يظهر من المراجعة إلى أمثال هذه العبارات.

و عن الثاني أن استعمال هذا التركيب في نفى الصحة شايع في الشرع (46) بحيث لم يبق له ظهور عرفي في نفى الماهية.

و استدلوا أيضا بان طريقة الواضعين و ديدنهم وضع الألفاظ للمركبات التامة، كما هو قضية الحكمة الداعية إليه، و ان مست الحاجة إلى استعمالها في غيرها، فلا يقتضى أن يكون على نحو الحقيقة، بل و لو كان مسامحة، تنزيلا للفاقد منزلة الواجد. و الظاهر عدم التخطي من الشارع عن هذه الطريقة.

هذا و لا يخفى ما فيه لأن دعوى القطع مجازفة، و الظن بعد إمكان المنع لا يغنى عن الحق شيئا.

الشرح

(46) الظاهر: ان ذلك مصادرة، لأن الشيوع المذكور موقوف على الوضع للأعم، و الصحيحي يدعي أن تلك القضية ظاهرة في عدم الوضع له أصلا، و نفي الصحة عنده ملازم لنفي الحقيقة، نعم لو ادّعى ان استعماله في نفي الكمال أيضا شايع بحيث لم يبق له ظهور في الحقيقة فيلزم عليه.

(الرابع) أنه تظهر الثمرة بين القولين في صحة الأخذ بالإطلاق و عدمه، إذ على القول بكون ألفاظ العبادات موضوعة للصحيح لا يمكن الأخذ بالإطلاق فيها، إذ مورده بعد الأخذ بمدلول اللفظ الموجود في القضية و الشك في القيود الزائدة. و المفروض إجمال مدلول اللفظ، و كلما احتمل اعتباره قيدا يرجع إلى مدخليته في مفهوم اللفظ. و أما بناء على القول الآخر فيصح التمسك بالإطلاق على تقدير تمامية باقي المقدمات، إذ القيد المشكوك فيه مما لا مدخلية له في تحقق الحقيقة التي جعلت موضوعة في القضية. و كذا تظهر الثمرة بين القولين في الأصل العملي، إذ على القول بالصحيح على نحو ما بيناه في أول البحث لا محيص عن القول بالاحتياط ظاهرا، لكن على القول الآخر يبتنى القول بالبراءة و الاحتياط فيه على مسألة الشك في الأقل و الأكثر.

(الخامس) أن أسامي المعاملات ان قلنا بأنها موضوعة للمسببات فلا مجال للنزاع في كونها أسامي للصحيحة منها أو الأعم، لأن الأمر فيها دائر بين الوجود و العدم لا الصحة و الفساد كما لا يخفى (47) و ان قلنا بأنها موضوعة للأسباب، فيأتي النزاع في انها موضوعة للأعم مما يترتب عليه الأثر أو لخصوص الصحيح أعني ما يترتب عليه الأثر. و على كل حال فلا مانع من الأخذ بالإطلاق فيها. أما بناء على كونها موضوعة للأسباب من

الشرح

(47) هذا على ما عليه المحققون من أن الموضوع له في المعاملات عند العرف و الشرع واحد، و إمضاء الشارع تصويب لهم، و رده تخطئة، و أما لو قيل بأن الموضوع له عند العرف هو المسبب عندهم، مثلا لفظ البيع موضوع للنقل و الانتقال الحاصل ببنائهم سواء أمضاه الشارع أو ردّه، و ليس له واقعية غير البناء المذكور حتى يخطئهم الشارع، فيمكن النزاع في أن الموضوع له عند الشارع هل المسبب عنده أو الأعم منه و من المسبب عند العرف و ان لم يوجد عنده، فيشبه نزاع الصحيح و الأعم.

دون ملاحظة حصول الأثر، فواضح، و أما على القول بكونها موضوعة لخصوص الأسباب المؤثرة للأثر، أو موضوعة لنفس المسبب، فلان لمفاهيمها مصاديق عرفية و الأحكام المتعلقة بالعناوين - في القضية اللفظية التي وردت لبيان تفهيم المراد - تحمل على المصاديق العرفية لها.

و بعد تعلق الحكم في القضية اللفظية بالمصاديق العرفية، يستكشف ان الشيء الّذي يحكم العرف بأنه مصداق يراه الشارع مصداقا أيضا، و لذا تراهم يتمسكون في أبواب المعاملات بإطلاقات أدلتها، مع ذهابهم إلى كونها موضوعة للصحيح. نعم لو شك في الصدق العرفي، فلا مجال للأخذ 0 بالإطلاق فليتدبر في المقام.

استعمال اللفظ في أكثر من معنى

و (منها) أنه اختلف - في جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد بان يراد كل واحد مستقلا (48) كما إذا استعمل فيه وحده - على أقوال لا يهمنا ذكرها بعد ما تطلع على ما هو الحق في هذا الباب و الحق الجواز بل لعله يعد في بعض الأوقات من محسنات الكلام، لأن ما وضع له

الشرح

(48) <(الاستعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد)> لا يخفى أن إرادة المعنى مستقلا على قسمين: الأول: أن يتصور و يراد منفردا، و الثاني: أن يتصور و يراد مع الغير، لكن لا بنحو يكون المنظور شيئا واحدا و كان كل واحد منهما جزءا له، أو كان المنظور أحدهما و كان الآخر قيدا له، فيكون كل منهما مرادا و متصورا بحياله و استقلاله، بنحو تكون الإرادة و التصور واحدا و المراد و المتصور متعددا، مثلا. لو نظرت بعينك إلى شخصين بنظرة واحدة و نظرت إليهما بنظرتين، فلا تفاوت في القسمين من حيث أن كل واحد من الشخصين منظور إليه

اللفظ هو ذوات المعاني بأوضاع عديدة، و ليس في كل وضع تقييد المعنى بكونه مع قيد الوحدة بالوجدان و لا يكون منع من جهة الواضع أيضا، ضرورة ان كل أحد لو راجع نفسه حين كونه واضعا للفظ زيد بإزاء ولده

الشرح

مستقلا في كلا النظرين، و وحدة النّظر في الأولى و تعدده في الثانية غير مؤثر في إحاطة الذهن بكل منهما بحياله، و الشاهد على إمكان ذلك وقوعه بالوجدان.

إذا عرفت ذلك فنقول: ان كان الاستعمال عبارة عن إفناء اللفظ في المعنى و ذكر اللفظ و إرادة المعنى مستقلا بالمعنى الأول، فلا إشكال في عدم جواز الاستعمال في أكثر من معنى، بل هو بديهي كالضرورية بشرط المحمول، و ان كان عبارة عن إفناء اللفظ في المعنى و إرادته بنحو لم يكن اللافظ حين ذكر اللفظ ملتفتا الا إلى المعنى - و كأنه يلقي المعنى إلى المخاطب - لكن لا بحيث يكون ذلك المعنى تبعا لغيره في اللحاظ و الإرادة فلا إشكال في جوازه، لأن المانع ان كان عدم إمكان تعقل الشيئين مستقلا على نحو ما ذكرنا فالوجدان حاكم بإمكانه، و ان كان عدم تحقق معنى الإفناء فلا نتعقل للإفناء معنى زائدا على ما ذكر من كون اللافظ حين إيجاد اللفظ غير ملتفت إلى اللفظ، ملقيا للمعنى إلى المخاطب، و لا فرق في ذلك بين أن يجعله فانيا في الواحد أو المتعدد مع عدم التفاته إلى اللفظ أصلا.

و قد ذكر إشكال على أصل الاشتراك لا بأس بالإشارة إليه لمناسبة المقام، و هو: ان الوضع ان كان قصر اللفظ في المعنى فوضع الثاني مخالف للأول، و ان كان قصر المعنى على اللفظ فينسد باب الاستفادة إلاّ بالقرينة حتى في غير المشترك، لأن معنى الوضع على هذا التزام إرادة المعنى من اللفظ لا عنده، و هو كما ترى.

و الظاهر: ان الوضع عبارة عن قصر اللفظ على المعنى بالتخصيص أو بالتعهد أو غيرهما من معانيه، و لا نتحاشى عن مخالفة الوضع الثاني للأول بهذا المقدار، فان مقتضى الأول عدم إرادة غير المعنى الأول من اللفظ إلاّ بالقرينة الصارفة، و مقتضى الثاني إرادة المعنى الثاني أيضا بدون قرينة، و كذا الثالث و الرابع إلى ما شاء اللّٰه، و لذا يحتاج إلى القرينة المعيّنة و لا يتعين شيء منها عند المخاطب الا بها، فيصير مقتضى الأوضاع المتعددة جواز إرادة تلك المعاني من ذلك اللفظ من دون قرينة صارفة، لكن

ليس مانعا من استعمال ذلك اللفظ في غيره (49) و لا يتصور مانع عقلي في المقام، فالمجوز للاستعمال موجود، و هو الوضع، و ليس هناك ما يقبل المنع.

و ذهب شيخنا الأستاذ دام بقاؤه إلى الاستحالة العقلية، قال في الكفاية، ان حقيقة الاستعمال ليس مجرد جعل اللفظ علامة لإرادة المعنى، بل وجها و عنوانا له، كأنه يلقى إليه نفس المعنى و لذا يسرى إليه قبحه و حسنه. و لا يمكن جعل اللفظ كذلك الا لمعنى واحد، ضرورة ان لحاظه هكذا في إرادة معنى، ينافي لحاظه كذلك في إرادة الآخر، حيث ان لحاظه كذلك، لا يكاد يكون إلاّ بتبع لحاظ المعنى، فانيا فيه فناء الوجه في ذي الوجه، و العنوان في المعنون. و معه كيف يمكن إرادة معنى آخر معه كذلك في استعمال واحد، مع استلزامه للحاظ آخر غير لحاظه كذلك في هذه الحال (انتهى).

أقول يمكن ان يكون حاصل مرامه دام بقاؤه أنه بعد ما يكون

الشرح

لا تقيد بوحدتها و لا تعددها، فكما يجوز إرادة الواحد يجوز إرادة المتعدد بتفصيل ما مر، و كما يحتاج تعيين المراد و تشخيصه إلى القرينة المعيّنة فكذلك يتوقف تعيين الوحدة و التعدد أيضا إليها.

(49) قد يقال - كما قيل -: ان الأوضاع توقيفية لا يجوز التعدي عن متابعة الواضع، و الواضع حين الوضع لم يلاحظ الا ذات المعنى في حال الوحدة، فلا بد لتابعيه أن يستعملوه كذلك.

فان قلت: هذا لو كان حال الوحدة قيدا له. و أما لو لم يكن له دخل في الموضوع له فلا يجب مراعاته قطعا، كالأعلام الموضوعة للأشخاص في حال الصغر و لم تخرج بالكبر و الهرم عن قيد الموضوع له، و من المعلوم أن الواضع لم يضع اللفظ للمعنى مع قيد الوحدة.

اللفظ وجها و إشارة إلى ذات المعنى، فاللفظ من حيث كونه إشارة إلى معناه ليس إشارة إلى آخر لتباين المعنيين، و بالعكس. و لو جعل إشارة واحدة و وجها واحدا لكلا المعنيين، فهو من باب استعمال واحد في معنى واحد، لأن المعنيين بهذا اللحاظ يكونان معنى واحدا في هذا الاستعمال، نظير استعمال لفظ اثنين في معناه، فاستعمال اللفظ في المعنيين غير معقول.

قلت لا إشكال في إمكان إرادة شيئين من لفظ واحد على نحو بقائهما على صفة التعدد، كما انه لا إشكال في إمكان إرادتهما على نحو الوحدة الاعتبارية، فلو استعمل لفظ في المتعدد على النحو الثاني، فلا إشكال في انه من باب استعمال اللفظ في المعنى الواحد، فان كان ذلك المعنى موضوعا له اللفظ، يكون الاستعمال حقيقيا، و إلاّ يكون مجازيا. و ان استعمل في المتعدد على النحو الأول، يكون من باب استعمال اللفظ الواحد في المعنيين. و حينئذ إن كان الملحوظ في هذا الاستعمال هو الوضعين، فيكون من باب استعمال اللفظ في المعنيين

الشرح

قلت: لا يلزم من عدم ملاحظة القيدية لها عدم دخلها في الموضوع له فرب وصف لم يلحظ قيدا في الموضوع لكنه دخيل في الحكم، بمعنى عدم الحكم مع عدمه، مثلا موضوع الكلية لم يقيد بحال التجرّد عن كل قيد حتى قيد التجرّد، لكن المحمول لم يحمل عليه الا في ذلك الحال كما هو واضح، فما المانع من ان يكون حال الوحدة في الوضع مثل التجرد في الكلية و بذلك يمكن حمل كلام المحقق القمي - رحمه اللّٰه - عليه، فراجع.

فأجاب عنه - دام ظله - بأنا و ان لم ننكر إمكان الدخل بنحو ما قيل لكن نجد من أنفسنا حين وضع لفظ لولدنا عدم المنع من استعماله في غيره و عدم دخل حالة الوحدة بنحو من الأنحاء. و لا يجدي الإمكان في شيء نرى الوجدان بخلافه.

الحقيقيّين و ان كان الملحوظ ثبوت العلاقة في كل منهما، فيكون من باب استعمال اللفظ في المجازيين، و ان كان الملحوظ ثبوت العلاقة في أحدهما، و الوضع في الآخر، فيكون من باب استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي و المجازي.

(ليت شعري) أن دعوى الاستحالة هل هي راجعة إلى إرادة الإنسان الذوات المتعددة من دون ملاحظة عنوان الاجتماع، أو راجعة إلى امر آخر؟ فان كانت راجعة إلى الأول، فيرده وقوع هذا الأمر في العام الاستغراقي، فانه انما صار كذلك لعدم ملاحظة الآمر هيئة الاجتماع في مرتبة تعلق الحكم، بل لاحظ الآحاد كلا منها إجمالا على انفرادها، غاية الأمر هذه الملاحظة في العام الاستغراقي انما هي في مرتبة تعلق الحكم دون الاستعمال (50) فإذا صار هذا النحو من الملاحظة - أعني ملاحظة الآحاد على انفرادها ممكنا في مرتبة تعلق الحكم - فليكن ممكنا في مرحلة الاستعمال أيضا، فكما أن كل واحد في الأول يكون موردا للحكم مستقلا، كذلك في الثاني يصير مستعملا فيه.

و (ليت شعري): أي فرق بين ملاحظة الآحاد بذواتها في مرتبة

الشرح

(50) لا يقال: فرق بين الاستعمال و تعلق الحكم، فان الأول إفناء اللفظ في المعنى، و لا يمكن إفناء الواحد في المتعدد، بخلاف تعلق الحكم فانه يتوقف على لحاظ موضوعه بأي نحو كان، من دون لزوم إفناء الواحد في الاثنين، و لا تقوم الواحد باللحاظين.

لأنه يقال: أولا: قد أوضحنا جواز إفناء الواحد في الاثنين مع عدم لزوم تقوم الواحد باللحاظين.

و ثانيا: ان إنشاء الحكم أيضا إفناء، فان من يقول: «أكرم زيدا» يوجد بذلك الوجوب، و نفس ذلك الإيجاد استعمال على رأي، و إظهار إرادة الإكرام

تعلق الحكم، و بين ملاحظتها كذلك في مرتبة الاستعمال؟ و أيضا من المعلوم إمكان الوضع عاما و الموضوع له خاصا، و هو بان يلاحظ الواضع معنى عاما و يضع اللفظ بإزاء خصوصياته، فيكون كل من الجزئيات موضوعا له، و لو عامل الشخص هذه المعاملة في مرحلة الاستعمال، بأن لاحظ معنى عاما مرآة للخصوصيات، و استعمل اللفظ في تلك الخصوصيات، يصير كل واحد منها مستعملا فيه، كما أنه صار في الصورة الأولى موضوعا له، و ان كانت الدعوى راجعة إلى امر آخر فلا نعقل وجها آخر للاستحالة. و لا استبعد كون ذلك من قصوري لإدراكها.

و اما أدلة القائلين بالمنع من قبل الوضع، فموهونة جدا، فان اعتبار قيد الوحدة في المعنى مما يقطع بخلافه، و كون الموضوع له في حال الوحدة لا يقتضى إلاّ عدم كون المعنى الآخر موضوعا له بهذا الوضع، و يتبعه عدم صحة الاستعمال فيه بملاحظة هذا الوضع، و لا يوجب ذلك عدم وضع آخر له و لا عدم صحة استعماله بملاحظة ذلك الوضع الآخر فيه.

و أما تجويز البعض ذلك في التثنية و الجمع بملاحظة وضعهما لإفادة التعدد بخلاف المفرد، فمدفوع بان علامة التثنية و الجمع تدل على تكرار ما أفاده المفرد، لا على حقيقة أخرى في قبال الحقيقة التي دل عليها المفرد. كيف؟ و لو كانت كذلك لما دلت علامة التثنية على التعدد، لأن

الشرح

و إلقاؤها إلى المخاطب على رأي آخر، و على كلا التقديرين فإيجاد أحكام عديدة ب «أكرم» أو إظهار إرادات متكثرة به عين إفناء الواحد في المتعدد، فان كلا من الإرادات المذكورة المتعلقة بكل واحد من الموضوعات بحيالها و استقلالها موجدة أو مظهرة و ملقاة إلى المخاطب، مع أن قضية عدم إمكان تصور أشياء عديدة مستقلا لو كانت صادقة فلا اختصاص لها بمقام الإفناء كما هو واضح.

المفرد الّذي دخلت عليه تلك العلامة أفاد معنى واحدا، فالعلامة أيضا أفادت معنى واحدا، فأين التعدد المستفاد من علامة التثنية.

المشتق

اشارة

و (منها) أنهم اختلفوا في معاني بعض المشتقات من قبيل اسم الفاعل و المفعول و الصفة المشبهة و أمثال ذلك، مما يجري على الذوات، و يحمل عليها على نحو من الحمل، هل هي ما يطلق على الذوات في خصوص حال التلبس أو أن معانيها أعم من ذلك، بمعنى أنها موضوعة لمعان تحمل على الذوات، و ان انقضى عنها التلبس، بعد الاتفاق على ان إطلاقها - على الذوات التي لم تتلبس بعد بملاحظة الزمن الآتي - مجاز.

و تنقيح المرام يستدعى رسم أمور:

(الأول) أن النزاع ليس في جميع المشتقات، لأن الماضي و المضارع و الأمر و النهي خارجة عن محل النزاع قطعا، و كذا المصادر - و ان قلنا بأنها مشتقات أيضا - و كذا ليس النزاع مختصا بالمشتقات الجارية على الذوات: من قبيل اسم الفاعل و المفعول و الصفة المشبهة و أمثال ذلك، بل يجري في كل لفظ موضوع بإزاء مفهوم منتزع من الذوات، باعتبار عروض امر خارج عنها، مثل الزوج و العبد و الحر و أمثال ذلك، و ان كان من الجوامد.

فالنزاع في المقام راجع إلى ان الألفاظ الموضوعة بإزاء المفاهيم المنتزعة من الذوات باعتبار الأمور الخارجة عنها، هل هي موضوعة للمتلبس الفعلي بذلك العارض، أو لما يعمه و ما انقضى عنه ذلك العارض، سواء أ كان من المشتقات أم من الجوامد. نعم الألفاظ الموضوعة

بإزاء المفاهيم المنتزعة. من الذاتيات - من دون ملاحظة امر خارج عنها - ليست محلا للنزاع، إذ لا شبهة لأحد في أن لفظ الإنسان و الحجر و الماء و النار و أمثالها لا تطلق على ما كان كذلك، ثم انخلعت عنه تلك الصور النوعية. و الدليل على ما ذكرنا من دخول مثل الزوج و أمثاله في محل النزاع، ما عن الإيضاح في باب الرضاع في مسألة من كانت له زوجتان كبيرتان أرضعتا زوجته الصغيرة، قال: (تحرم المرضعة الأولى و الصغيرة مع الدخول بالكبيرتين، و أما المرضعة الأخرى، ففي تحريمها خلاف، فاختار والدي المصنف و ابن إدريس تحريمها، لأن هذه يصدق عليها أم زوجته، لأنه لا يشترط في المشتق بقاء المشتق منه). و عن المسالك (في هذه المسألة ابتناء الحكم على الخلاف في مسألة المشتق).

(الثاني) أنه اتفق أهل العربية على عدم دلالة الاسم على الزمان، و منه الصفات الجارية على الذوات، بخلاف الأفعال، فقد اشتهر بينهم دلالتها على الزمان، حتى جعلوا الاقتران بأحد الأزمنة من اجزاء معرفها.

و الحق في المقام أن يقال: إن الأمر و النهي لا يدلان على الزمان أصلا (51) بداهة أن قول القائل اضرب لا يدل إلاّ على إرادة وقوع الفعل من الفاعل إما في الآن الحاضر أو المتأخر، فلا دلالة له على واحد منهما.

نعم زمان الحال ظرف لإنشاء المنشئ، كما أنه ظرف لاخبار المخبر في القضية الخبرية. و كذا الكلام في النهي.

الشرح

(51) <المشتق>:

و لو قلنا بحمل إطلاقه على الزمان المتصل العرفي، لأن إرادة المولى تقتضي إتيان الفعل من دون تقيد بالزمان، و العقل حاكم بأن المؤثر في شيء يؤثّر أثره

و أما الفعل الماضي، فالظاهر أن دلالته على مضى صدور الفعل عن الفاعل مما لا يقبل الإنكار (52) و المقصود من المضي المضي بالنسبة إلى حال الإطلاق، حتى يشمل مثل يجيء زيد غدا، و قد ضرب غلامه في الساعة التي قبل مجيئه. و لا يخفى أن المعنى الّذي ذكرناه غير اعتبار الزمان في الفعل، لأن المضي قد ينسب إلى نفس الزمان و يقال مضى الزمان، فمن أنكر اعتبار الزمان في الفعل الماضي ان كان مقصوده ما ذكرنا، فمرحبا بالوفاق، و ان أنكر دلالته على المضي الّذي ذكرنا فالتبادر حجة عليه.

الشرح

حين وجوده، كالعلة المؤثرة لإيجاد المعلول الخارجي، نعم لو كان المطلق مقيدا بالزمان المتأخر فالإرادة علة لإيجاده متأخرا، هذا و لكنه غير كون الحال مدلول الهيئة.

لا يقال: اللغات توقيفية، و إنكار دلالة الفعل على الزمان اجتهاد في مقابل نصّ علماء العربية.

لأنه يقال: ان مرجعيتهم انما هي في تعيين معاني المواد و تخصيص بعض الهيئات ببعض المواد كفعل يفعل على مادة «ع، ل، م» مثلا أو غيرها. و اما تعيين معاني هيئات المواد بعد العلم بأنها وضعت لما وضعت لها بالهيئات الفارسية فمرجعه وجداننا بما نحن من أهل الفن، فكل ما يتبادر من لفظ «بزن» في لغة الفرس نقطع بأنه معنى «اضرب» في لغة العرب، و لا نبالي بمخالفتنا في ذلك لعلماء أهل العربية.

و نحن نرى بالوجدان أن لفظ «بزن» لا يدل إلاّ على طلب الضرب، و أما في أي زمان فخارج عن مدلوله.

(52) ليس المراد بيان دخل المضي أو الصدور في مدلوله حتى يقال:

«علم اللّٰه» أو «كان اللّٰه» تجوّز، بل المراد نفس دلالته على الزمان و دلالته على أصل التحقق، فان كان صدوريا زمانيا فلا محالة كان صادرا في الماضي، و إلاّ فلا، و لا يفهم منه الا أصل التحقق فمثل «كان اللّٰه» و أمثال ذلك أيضا حقيقة كما سيصرح به.

و اما المضارع فقد اشتهر انه يدل على نسبة الفعل إلى الفاعل في زمان أعم من الحال و الاستقبال (53) فان أريد من الحال الحال الّذي يعتبر في مثل قائم و قاعد و أمثالهما عند من اعتبره، فالوجدان شاهد على خلافه، لظهور عدم صحة إطلاق قولك يقوم على من كان متلبسا بالقيام فعلا، و كذلك قولك يقعد على من كان متلبسا بالعقود. و أما إطلاق يصلى و يذكر و يقرأ و يتكلم و أمثال ما ذكر على المتلبس بتلك المبادئ، فانما هو بملاحظة الاجزاء اللاحقة التي لم توجد بعد، كما انه يصح الإطلاق بنحو المضي بملاحظة الاجزاء الماضية السابقة. و كذا يصح التعبير بنحو الوصف نحو ذاكر و مصل و قارئ و متكلم بلحاظ أن المجموع وجود واحد متلبس به فعلا.

الشرح

(53) لا يبعد أن يكون المضارع موضوعا لإظهار وقوع ما لم يكن واقعا قبل النسبة، و لازم الزماني وقوعه في الحال أو الاستقبال، فيكون في عدم الدلالة على الزمان بمدلوله كالماضي.

و أما ما أفاده - دام بقاؤه - من عدم صدق «يقوم» و «يجلس» على المتلبس بهما في الحال كصدق «القائم» و «الجالس» فلعله لكون الأفعال موضوعة للمعاني الحدثية، و المعنى الحدثي فيهما نفس إحداثهما و قد مضى عن المتلبس بهما فعلا، و أما بقاؤهما فيشبه الأوصاف و لا يعد من الأفعال، و لذا لا يقال «يقوم» و «يقعد» حتى لإظهار القيام الواقع بعد هذا القيام ما لم تنثلم وحدته: نعم إبقاؤهما يعد من الأفعال، و لذا يقال يبقى قيامه بلحاظ الحال و الاستقبال إلى أن ينتهي، و معنى «يقعد إلى كذا» أي يبقى قعوده إلى كذا.

و أما الأفعال التي توجد آناً فآنا و يعد وجودها في كل ان فعلا على حدة و ان أطلق على مجموعها أيضا أنها فعل واحد مسامحة بنحو من الاعتبار، فتستعمل و تجري على المتلبس في الحال كالاستقبال بلا تأمل و لا إشكال، فهل ترى أن إطلاق يأكل و يشرب و ينظر و يمشي و يركض و يضرب و يخيط و يغسل و ينظف و يكتب و أمثال

و الحاصل ان إطلاق صيغ المضارع إنما يصح فيما إذا لم يكن الفاعل حين الإطلاق متلبسا بالفعل و ان أراد من الحال الحال العرفي - أعنى الزمان المتصل بحال الإطلاق - فهو مرتبة من مراتب الاستقبال، و ليس فعل المضارع دالا الا على الاستقبال. نعم لما لم يدل على مرتبة خاصة من الاستقبال، يصح إطلاقه على أي مرتبة منه، و لو أطلق الحال على هذه المرتبة من الاستقبال، يمكن إطلاقه على هذه المرتبة من الماضي أيضا، فهلا قيل بان فعل الماضي يدل على الماضي و الحال.

و كيف كان تحصل من جميع ما ذكرنا أن الماضي يدل على استناد المبدأ إلى الفاعل على نحو المضي بالنسبة إلى حال الإطلاق، و المضارع يدل على اسناده إليه حال الإطلاق و مما ذكرنا يعلم أن نسبة بعض الصيغ

الشرح

ذلك إلى ما شاء اللّٰه من الأفعال على المتلبس في الحال مجاز، أو يلاحظ فيها الاجزاء الآتية في الاستقبال؟ كلا. و بذلك يعرف عدم احتياج صحة إطلاق يصلي و يذكر و يقرأ و أمثال ذلك إلى لحاظ الاستقبال، و أيضا هل يصح أن يدعي أحد أن «يعلم» و «يظن» و «يشك» و أمثال ذلك لا يطلق على من يطلق عليه العالم بالفعل؟ و هل ادّعاء ذلك الا مخالفة لوجدانه إذا قال: أعلم و...؟ بل يمكن ادّعاء انصراف أمثال ذلك إلى خصوص الحال، و لذا يحتاج الاخبار بها عن الاستقبال إلى السين أو سوف و تقول: سيعلم أو سوف يعلم.

فان قيل: ما الفرق بين بقاء العلم و أمثاله مع بقاء القيام و القعود؟ و كيف لا يصح إطلاق «يقوم» لمن يبقى قيامه و يصح «يعلم» لمن يبقى علمه مع انه كالقيام يشبه الأوصاف؟ قلت: الفرق أن بقاء العلم و أمثاله من أفعال القلوب ليس إلاّ بتوجه النّفس في كل آن كتوجهها حين حدوث الفعل أو الصفة المذكورة، و لذا يسند إليه في الآن الثاني كإسناده في الأول، بخلاف القيام فقد ذكرنا أنه لا يعد بقاؤه فعلا على حدة فافهم و اغتنم.

الماضية إلى الباري جل ذكره من قبيل علم اللّٰه أو إلى نفس الزمان ليس فيه تجوز و تجريد فليتدبر.

(الثالث) أن المراد بالحال في عنوان المسألة هو حال الإطلاق و الأجراء، لا حال النطق، ضرورة عدم تطرق التوهم إلى أن مثل (زيد كان ضاربا بالأمس، أو يكون ضاربا غدا) مجاز و ما قيل - من الاتفاق على ان مثل (زيد ضارب غدا) مجاز - لعله فيما إذا كان الغد قيدا للتلبس بالمبدإ، مع فعلية الإطلاق، لا فيما إذا كان ظرفا للإطلاق.

و بالجملة لا ينبغي الإشكال في كون المشتق حقيقة فيما تلبس بالمبدإ في ظرف الحمل و الإطلاق، و ان كان ماضيا أو مستقبلا بالنسبة إلى زمان النطق. و إنما الإشكال في أنه هل يختص معناه بذلك أو يعمه و ما انقضى عنه المبدأ في ظرف الحمل و الإطلاق؟ (الرابع) أن المشتقات الدالة على الحرفة و الملكة و الصنعة، كسائر المشتقات في مفاد الهيئة من دون تفاوت أصلا و صحة إطلاقها على من ليس متلبسا بالمبدإ فعلا بل كان متلبسا قبل ذلك، من دون إشكال، من جهة أحد أمرين: إما استعمال اللفظ الدال على المبدأ في ملكة ذلك أو حرفته أو صنعته، و إما من جهة تنزيل الشخص منزلة المتصف بالمبدإ دائما، لاشتغاله به غالبا، بحيث يعد زمان فراغه كالعدم، أو لكونه ذا قوة قريبة بالفعل، بحيث يتمكن من تحصيله بسهولة، فيصح أن يدعى أنه واجد له. و الظاهر هو الثاني. و على أي حال هيئة المشتق استعملت في المعنى الّذي استعملت فيه في باقي الموارد.

(الخامس) أنه لا أصل في المسألة يرجع إليه في تعيين المعنى الموضوع له، كما هو واضح، بل المتعين الرجوع إلى الأصل العملي، و هو يختلف باختلاف المقامات، فإذا وجب إكرام العالم في حال اتصافه

بالعلم ثم زالت عنه تلك الصفة، فمقتضى الاستصحاب بقاء الوجوب، و إذا وجب في حال زوال تلك الصفة، فمقتضى الأصل البراءة عن التكليف.

إذا عرفت ما ذكرنا فنقول اختلف في المسألة، و قيل فيها أقوال عديدة لا يهمنا ذكرها، خوفا من الإطالة. و الحق انها موضوعة لمعنى يعتبر فيه التلبس الفعلي، و لا يطلق حقيقة الا على من كان متصفا بالمبدإ فعلا.

و الدليل على ذلك انك عرفت عدم اعتبار المضي و الاستقبال و الحال في معاني الأسماء و بعد ما فرضنا عدم اعتبار ما ذكر في مثل ضارب و أمثاله من المشتقات، فلم تكن مفاهيمها الا ما أخذ من الذوات مع اعتبار تلبسها بالمبادئ الخاصة، إما على نحو التقييد و التركيب، و إما على نحو انتزاع المعنى، كما سيأتي. و على أي حال المعنى المتحقق بالذات و المبدأ - من دون اعتبار امر زائد - لا يصدق إلاّ على الذات مع المبدأ لدخالة المبدأ في تحقق المعنى بنحو من الدخالة (54).

و بعبارة أخرى كما أن العناوين المأخوذة من الذاتيات لا تصدق الا على ما كان واجدا لها، كالإنسان و الحجر و الماء و النار، كذلك العناوين التي تتحقق بواسطة عروض العوارض، إذ وجه عدم صدق

الشرح

(54) و ذلك لأن معنى المشتق إما عين المبدأ الملحوظ لا بشرط - كما هو ظاهر عبارة أهل المعقول - و إما مفهوم بسيط منتزع من الذات و المبدأ بنحو يصح حمله على الذات - كما فسر به كلام المعقوليين في الكفاية على الظاهر - و إما منتزع عن الذات بلحاظ قيام المبدأ بها، فيكون الفرق بينه و بين المبدأ الفرق بين الشيء و ذي الشيء - كما في الفصول - و إما مركّب من الذات و الصفة بنحو يكون كل منهما جزءا لمعناه أو كان أحدهما قيدا له.

أما على العينية فمعلوم أن المبدأ بأي نحو لوحظ لم يصدق الا على نفسه، مثلا:

..........

الشرح

مفهوم الضرب لم يصدق الا على الضرب، كمفاهيم سائر الألفاظ الموضوعة للأشياء، و المفروض أن الضارب عين الضرب الملحوظ لا بشرط، فما ليس بضرب فعلا لم يصدق عليه الضرب و لا الضارب.

و أما على التركيب و الانتزاع، فمن الواضح أن الواضع إذا لاحظ حقيقة مركّبة عند التحليل من شيئين، و انتزع مفهوما واحدا منهما، و وضع له لفظا كالإنسان الموضوع لما هو منحل عند العقل إلى الجنس و الفصل، أو لاحظ الشيئين واحدا و وضع لهما لفظا على أن يكون كل منهما جزءا للموضوع له كأسماء الاعداد مثلا، فلا يصدق المفهوم المنتزع من الجزءين أو المركّب منهما الا على ما كان واجدا للجزءين فعلا، و ذلك واضح، و الظاهر أن وضع اللفظ للمركّب من شيئين أو المنتزع منهما سواء كان أحدهما موجودا أو غير موجود غير معقول و خلف، كوضع لفظ «زيد» مثلا لزيد سواء كان شخصه أو غيره أو لم يكن شيء أصلا.

ان قلت: هذا إذا كان الموضوع مركبا أو منتزعا من جزءين فعليين، و أما لو كان مركبا من الذات و الصفة سواء تحقق في الماضي أو الحال فلا مجال للإشكال كما هو واضح، و بذلك يمكن الجواب حتى على العينية، لأنه وضع للمبدإ الملحوظ لا بشرط سواء تحقق في الماضي أو الحال.

قلت: نعم، بناء على ذلك يرتفع ما ذكرنا من الخلف، لكن يلزم أن يكون معنى المشتق مقترنا بأحد الزمانين كالاستقبال على زعم القوم، و قد أجمع الكل على عدم دلالته على الزمان أصلا، و انما أوردنا ما أوردنا مبنيا على هذا الأصل المسلم المجمع عليه، و معلوم أنه لو لم يلحظ في معناه الا ذات المركّب منهما أو المنتزع منهما من دون لحاظ الزمان فلا مناص مما ذكرنا.

و لا يخفى أن التقريب المذكور و ان أغنانا عن التبادر، لكن الوجدان أيضا شاهد على تبادر المتلبس بالمبدإ و صحة السلب عمن انقضى عنه، فنقول لمن لم يتلبس فعلا بالضرب: «ليس بضارب» بلا عناية و اعتبار و ان كان ضاربا قبل، و صحة سلب ذلك بلا عناية دليل على كون التبادر مستندا إلى حاق اللفظ.

العناوين المأخوذة من الذاتيات - الا على ما كان واجدا لها - انها لم تؤخذ الا من الوجودات الخاصة من جهة كيفياتها الفعلية، من دون اعتبار المضي و الاستقبال، و إلاّ كان من الممكن ان يوضع لفظ الإنسان لمفهوم يصدق حتى بعد صيرورته ترابا، كأن يوضع لمن كان له الحيوانية و النطق في زمان ما مثلا، أو يوضع لفظ الماء لما كان جسما سيالا في زمن ما.

و الحاصل أن العناوين المأخوذة من الموجودات - بملاحظة بعض الخصوصيات إذا لم يلاحظ شيء زائد عليها - لا تطلق الا على تلك الموجودات، مع تلك الخصوصيات، سواء كانت تلك الخصوصيات من ذاتيات الشيء أو من العوارض. و لعل هذا بمكان من الوضوح. و لعمري إن ملاحظة ما ذكرنا في المقام تكفي المتأمل.

حجة من ذهب إلى ان المشتق موضوع للأعم من المتلبس و من انقضى عنه المبدأ أمور مذكورة في الكتب المفصلة. و الجواب عنها يظهر لك بأدنى تأمل و من جملتها استدلال الإمام عليه السلام بقوله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) على عدم لياقة من عبد الصنم لمنصب الإمامة تعريضا بمن تصدى لها بعد عبادته الأوثان مدة. و من المعلوم أن صحة الاستدلال المذكور تتوقف على كون المشتق موضوعا للأعم، إذ الظاهر أن حال الإطلاق

الشرح

و أما ما استند إليه في الكفاية للاستناد المذكور و دفع احتمال كونه مستندا إلى كثرة الاستعمال من قوله: «قلت:... إلخ» فالظاهر أنه لا يتم إلاّ بأخذ «الانقضاء» في قوله: «لكثرة الاستعمال في موارد الانقضاء لو لم يكن بأكثر...» على الانقضاء من زمان النطق، حتى يصح ترديد الأمر بين المجاز و الحقيقة بلحاظ حال النسبة على ما يذكر بعد في دفع الشبهة الثانية، إذ لو كان المقطوع كثرة استعماله في موارد الانقضاء من زمان النسبة لم يكن لاحتمال إطلاقه بلحاظ حال النسبة وجه، و على ذلك لم ترتفع شبهة المورد من احتمال استناد تبادر المتلبس إلى كثرة الاستعمال فيه. في موارد الانقضاء من زمان النسبة فالأولى في الجواب ما ذكرنا.

متحد مع حال عدم نيل العهد (55) فلو لم يكن حقيقة فيما يصح إطلاقه حال الانقضاء، لما صح التمسك بالآية، لعدم قابلية الجماعة المعهودين الذين تصدوا الإمامة.

و الجواب ان الظلم على قسمين قسم له دوام و استمرار مثل الكفر و الشرك، و قسم ليس له إلاّ وجود آنيّ من قبيل الضرب و القتل و أمثال ذلك، و هو بمقتضى الإطلاق - بكلا قسميه - موضوع للقضية، و الحكم المترتّب على ذلك الموضوع امر له استمرار، إذ لا معنى لعدم نيل الخلافة في الآن العقلي، فإذا جعل الموضوع الّذي ليس له إلاّ وجود آنيّ موضوعا لأمر مستمر، يعلم ان الموضوع لذلك الأمر ليس إلاّ نفس ذلك الوجود الآنيّ، و ليس لبقائه دخل، إذ لا بقاء له بمقتضى الفرض.

فمقتضى الآية - و اللّٰه أعلم - ان من تصدى للظلم في زمن، غير قابل لمنصب الإمامة، و إن انقضى عنه الظلم. و لا يتفاوت في حمل الآية

الشرح

(55) هذا الظهور مع قطع النّظر عن القرينة الصارفة لا إشكال فيه، مثل:

«لا يجوز الاقتداء بالفاسق» فانه ظاهر في عدم جواز الاقتداء في حال فسقه لا بعده، و لذا لو قيل في ردّ الاستدلال بإمكان إطلاق الظالم بلحاظ حال التلبس حتى يكون معنى الآية: «من كان ظالما و لو آناً ما في الزمان السابق لا يناله عهدي أبدا» لا يصح لأنه خلاف ذلك الظاهر، كما أن القول بأن عظم شأن الولاية قرينة على خلاف ذلك الظاهر، أو على إرادة المجاز من الظالم مخالف لمقام الاستدلال في قبال من لا يقول بذلك و لا يتعبّد بقول المعصوم بما يتعبد به الشيعة.

فالظاهر أن ما في المتن أسلم لأن آنية المبدأ - و لو في بعض أقسامه مما لا مجوّز لخروجه عن الموضوع - قرينة واضحة على عدم اتحاد زمان الحكم و التلبس، كاقتل القاتل و اجلد الزاني و اقطع يد السارق، فتلك القرينة كاشفة عن المراد، سواء كان حقيقة أو مجازا، كان المشتق للأعم أو لخصوص المتلبس.

الشريفة على المعنى الّذي ذكرنا، بين أن نقول بان المشتق حقيقة في الأخص، أو في الأعم، إذ الحكم المذكور في القضية ليس قابلا لأن يترتب إلا على من انقضى عنه المبدأ، فاختلاف المبنى في المشتق لا يوجب اختلاف معنى الآية، فلا يصير احتجاج الإمام عليه السلام بها دليلا لإحدى الطائفتين، كما لا يخفى.

بساطة مفهوم المشتق أو تركبه

(تتمة) هل المشتقات موضوعة لمفاهيم بسيطة تنطبق على الذوات، أو هي موضوعة للمعاني المركبة؟ و على الأول هل يكون ذلك المفهوم البسيط الّذي فرضناه معنى للمشتق قابلا للانحلال إلى أجزاء أو لا يكون كذلك؟ قد يقال إنها موضوعة للمعاني البسيطة التي لا يكون لها جزء حتى

الشرح

هذا كلّه على تقدير كون الإمام عليه السلام في مقام الاستدلال بظاهر الآية، لكن الناظر في أخبار الباب يجدها بكثرتها صادرة عن النبي و الأئمة صلّى اللّٰه عليه و عليهم أجمعين - في بيان المراد الواقعي لا الاستدلال بظاهرها، و يكفيك شاهدا قول النبي صلّى اللّٰه عليه و آله ناقلا عن إبراهيم عليه السلام قال: «و من الظالم من ولدي الّذي لا ينال عهدك؟ قال: من سجد لصنم من دوني لا أجعله إماما أبدا و لا يصلح ان يكون إماما»(1).

و الحاصل: ان الجميع ظاهر في كشف المراد الواقعي الّذي لا يفهمه غير من خوطب به، سواء فهم من الظاهر أم لا، و على ذلك يسقط الاستدلال و يقلّ القيل و القال، و مع ذلك فعليك بمراجعتها لعلّك تعثر على ما لم أعثر عليه، أو تفهم منها ما فهموا - رضوان اللّٰه عليهم -.


1) عوالي اللئالي 3-85

عند التحليل، نظرا إلى ما يستفاد مما نقل عن أهل المعقول من أن الفرق بين المشتق و مبدأه هو الفرق بين الشيء لا بشرط و الشيء بشرط لا (56) و ظاهر هذا الكلام بل صريحه أن المشتق و المبدأ يشتركان في أصل المعنى، و يختلفان بملاحظة الاعتبار.

و تحقيق المقام هو ان الأعراض و إن كان لها وجود، و لكن ليس وجودها الا مندكا في وجود المحل، بحيث يعد من أطوار المحل و كيفياته و هذا النحو من الوجود التبعي الاندكاكي قابل لأن يلاحظ في الذهن على قسمين (تارة) يلاحظ على نحو يحكى عن الوجود التبعي المندك في الغير، و هو المراد من قولهم: (ملاحظته على نحو اللابشرط) و (أخرى) يلاحظ على نحو الاستقلال و يتصور بحياله في قبال وجود المحل،

الشرح

(56) <بساطة مفهوم المشتق أو تركبه؟:> ظاهر كلام أهل المعقول ما استظهره في المتن من أن الفرق بين المشتق و مبدئه ليس إلاّ باللحاظ و الاعتبار، و ان الحقيقة فيهما واحدة، و أن المشتق عين المبدأ الملحوظ لا بشرط، و بذلك الظاهر أخذ الفصول، و أورد عليه ما أورد من عدم صحة حمل العلم و الحركة على الذات و ان لوحظا لا بشرط، و الظاهر أن عدم صحة الحمل المذكور بديهي يصدقه الوجدان، و معه لا حاجة إلى تكلّف البرهان.

و دفع الإشكال المذكور في الكفاية بتوجيه الكلام المزبور بأن: «المقصود من بشرط لا و لا بشرط إباء الحمل على الذات و عدمه، فيكون المشتق موضوعا لمفهوم لا يأبى عن الحمل على الذات، بخلاف المبدأ و أصل ذلك المعنى» و ان كان صحيحا لا مناص منه، حيث أن المبدأ آب عن الحمل على الذات و المشتق يحمل عليه بالوجدان، لكن اسناده إلى أهل المعقول لا يخلو من تأمل، لعدم ملائمة كلماتهم لذلك، مع عدم كونه شيئا دقيقا يسند إليهم بما هم أهل المعقول، لأن كل مدرك للمشتق يدرك صحة الحمل.

..........

الشرح

و الأستاذ - دام بقاؤه - لما رأى ذلك خلاف شأنهم و كلماتهم و كون المعنى الأول خلاف الوجدان وجّه كلامهم بما في المتن، و هو و ان كان أيضا مخالفا لظاهر كلمات الأكثر منهم لكنه موافق لما نقل عن بعض أهل الفن، و يكون معنى اللابشرط على هذا: ان الذهن إذا توجه إلى المبدأ الخارجي بلا زيادة شرط عليه و لا تصرّف فيه فلا يراه شيئا في قبال الذات، بل لا يرى غير الذات، و المبدأ من أطواره و كيفياته، لأن تصوّر كيف الشيء بنحوه الكيفي لا يمكن إلاّ بتصور ذات المكيف، كما مر نظيره في المعنى الحرفي من أن تصوره بمعناه الحرفي غير ممكن إلاّ بتصور السير المتكيف بكون ابتدائه البصرة مثلا، و معلوم أن العرض في هذا اللحاظ لم يكن شيئا في قبال المعروض، بل من مراتب ظهوره و حد وجوده و تشخصاته، و هذا الملحوظ الكذائي يكون موضوعا له للمشتق: و كذلك ملاحظة القطرة المندكة في البحر بنحو اندكاكها لا يمكن إلاّ بملاحظة البحر، و حينئذ لا يرى اللاحظ غير وجود البحر شيئا، فيكون لحاظ العرض لا بشرط عين لحاظ المعروض، و لحاظ الجزء لا بشرط عين لحاظ الكل.

و هذا المفهوم الّذي يحمل عليه العرضية و الجزئية مفهوم بشرط لا يشار به إلى حقيقتها، كمفهوم الابتداء المندك الّذي يشار به إلى المعنى الحرفي مع كونه في نفسه مفهوما اسميا، و معنى بشرط لا أن يتوجّه إليه الذهن بشرط عدم الاندكاك، لا بمعنى انفكاكه عن المحل، بل بمعنى تصوره شيئا في قبال المحل و ان كان موجودا بوجوده، و هذا الملحوظ الكذائي يكون موضوعا له للمبدإ و للفظ الجزء، و بهذا المعنى يقال للأول انه عرض غير المحل، و للثاني انه مقدمة للكل، بخلاف اللحاظ الأول، فان الأول عليه عين المحل و الثاني عين الكل، و لذا يصح الحمل.

لكن الإنصاف: ان هذين اللحاظين و ان كانا حقا في العرض و الجزء، و يكون العرض في اللحاظ الأول متحدا مع المعروض، و كذلك الجزء مع الكل، إلاّ أن ذلك الاتحاد غير مفيد في صحة الحمل، لأن معنى الاتحاد المذكور ان العرض لم يكن موجودا بوجود منفك عن المعروض محدود بحدود خاصة، و كذلك الجزء لم يكن له وجود منحاز في قبال الكل حتى يلزم فعلا وجود اجزاء لا تتجزأ مثلا عند وجود

و هو المراد من قولهم: (ملاحظته على نحو بشرط لا) فإذا لوحظ على النحو الأول، يكون عين المحل، لأنه من كيفيات وجود المحل و أطواره، و ليس وجودا مستقلا في قباله و إذا لوحظ على النحو الثاني، فهو وجود مستقل في قبال المحل. و على النحو الأول يصح أن يقال باتحاده مع المحل، و هو مفاد هيئة المشتق، كضارب و قاتل و قاعد و أمثالها مما يحمل على الذوات.

و على النحو الثاني هو مفاد الألفاظ الدالة على المواد كضرب و قعود و نحوهما. و نظير ما ذكرنا هنا من الاعتبارين ذكروا في اجزاء المركب من انها - بملاحظتها لا بشرط - عين الكل، و بملاحظتها بشرط لا غيره و مقدمة لوجوده.

و الإنصاف أن الاتحاد المستفاد من هيئة المشتقات مع الذوات غير الاتحاد الملحوظ في العرض، باعتبار قيامه بالمحل، فان معنى اتحاد العرض مع المحل عدم كونه محدودا بحد مستقل، لأنه متحد بحيث لم يكن له ميز بنحو من الأنحاء، كيف و قد يشار إلى العرض في حال قيامه بالمحل في الخارج، و يحكم عليه بحكم يخصه و لا يعم المحل (57) كقولك

الشرح

الكل، و مع ذلك تمتاز حقيقة العرض عن المعروض و حقيقة الجزء عن الكل، بحيث يمكن أن يشار إلى حقيقة العرض، و يقال انها غير المعروض، و إلى حقيقة الجزء و يقال انها غير الكل، و يحمل عليهما غير ما يحمل على المعروض و مع العلم بالحقيقة.

و بالاختلاف الواقعي لا يجوز الحمل و الكل، و بالعكس، و هذا بخلاف المشتق، فان المستفاد منه ما لا ميز له مع الذات واقعا و يحمل عليه ما يحمل على الذات و بالعكس، و يحمل على الذات بنحو الاتحاد و الهوهوية و لذا قال - دام ظله - «و الإنصاف ان الاتحاد المستفاد من هيئة...».

(57) المقصود: ان العرض بوصف اتحاده مع المعروض في الوجود و في هذا اللحاظ يحمل عليه غير ما يحمل على المعروض، فلا يقاس بالكلية و الجزئية العارضتان على الإنسان و زيد، مع صحة الحمل فيهما كي يقال: مجرد اختلاف المحمول لا يدل على

• مشيرا إلى السواد القائم بجسم - بان هذا لون.

و الحاصل ان هذا الاتحاد نظير اتحاد اجزاء المركب، فان معنى اتحادها أنها محدودة بحد واحد، و ان كان كل منها ممتازا عن الآخر من وجوه أخر، بل يمكن أن يكون كل منها معروضا لعرض مضاد لعرض الآخر. و المعنى المستفاد - من لفظ ضارب مثلا الّذي يحمل على الذات في الخارج - هو معنى يتحد مع الذات، بحيث لا يكون بينهما ميز في الخارج بوجه. و لعل هذا واضح بعد أدنى تأمل. و تظهر الثمرة بين هذا المعنى الّذي ادعيناه للفظ المشتقات، و بين ما يقوله أهل المعقول أنه لو قال الآمر جئني بالضارب، و لا تجئني بالقاعد، فلا بد من تعيين أحد الخطابين في مورد الاجتماع، بناء على عدم جواز اجتماع الأمر و النهي و بناء على ما ذكرنا للمشتق من المدلول، فان معنى القائم و الضارب انطبقا في الخارج

الشرح

الاثنينية و لا يوجب عدم الحمل، حيث أن القياس مع الفارق، لأن الكلية لا تعرض الإنسان الا في لحاظ التجرّد عن جميع القيود حتى قيد التجرّد، و أما في لحاظ اتحاده مع زيد فلا يحمل عليه الا ما يحمل على زيد من الجزئية، و لعمري أن الفرق بينهما واضح.

لا يقال: ان حمل «لون» على «السواد» المتحد مع الجسم أيضا لا يكون إلاّ بعد لحاظه بشرط لا، و أما في لحاظه لا بشرط فغير قابل لحمل الشيء عليه، لأنه كما فصل في الحاشية السابقة ليس شيئا مستقلا في اللحاظ يقبل الحمل، بل من أطوار الملحوظ و كيفيّاته كالمعنى الحرفي.

لأنا نقول: نعم و ان كان المعنى المذكور غير قابل للحمل عليه مستقلا، لكن قد مرّت الإشارة إلى إمكان أن يشار إلى حقيقته بذلك المفهوم المستقل الملحوظ بشرط لا، و يخبر عنه بما يختص به، دون المعروض و لو مع لحاظه بوجوده الكيفي. و معلوم أن الاختلاف المذكور كاشف عن عدم اتحادهما حقيقة بنحو مصحح للحمل، فان محمول أحد المتحدين - كذلك - لا ينفكّ عن الآخر في ذلك اللحاظ.

على الوجود الشخصي. و أما على ما ذكره أهل المعقول فلا تنافي بينهما، لأن مورد الأمر هو الهيئة الخاصة المرتبطة بالمحل، و مورد النهي هيئة أخرى كذلك و نفس المحل خارج عن مورد الأمر و النهي.

و الحاصل ان مقتضى ما ذكرنا أن مفهوم المشتق هو مفهوم آخر مباين لمفهوم المبدأ، لا أنهما متحدان ذاتا مختلفان بالاعتبار. و هل يكون هذا المفهوم مركبا من الذات و غيرها، كما اشتهر في ألسنتهم: من أن معنى الضارب مثلا ذات ثبت لها الضرب، و كذا باقي المشتقات، أو لا يكون كذلك بل هو مفهوم واحد من دون اعتبار تركيب فيه، و إن جاز التحليل في مقام شرح المفهوم، كما يصح أن يقال في مقام شرح مفهوم الحجر أنه شيء أو ذات ثبت لها الحجرية؟ الحق هو الثاني (58) لأنا بعد المراجعة إلى أنفسنا، لا نفهم من لفظ ضارب مثلا إلا معنى يعبر عنه بالفارسية (به زننده) و بعبارة أخرى (داراى ضرب) و لا إشكال في وحدة هذا المفهوم الّذي ذكرنا، و ان جاز في مقام الشرح ان يقال شيء أو ذات ثبت لها الضرب. و ليس في باب

الشرح

(58) الظاهر أن العقل كما ينتزع من ذوات أفراد الإنسان - مع قطع النّظر عن خصوصية فيها مثلا - جامعا بسيطا هو قدر مشترك بين جميع أفراده، و يحكم بأنه شيء في قبال الافراد الخارجيّة، بل يحكم بأنه إنسان، و الخارجيّات افراده، بمعنى أنه يحمل عليه الإنسان بالحمل الأولي، و على الافراد بالحمل الشائع الصناعي، كذلك يمكن أن ينتزع - من أفراد الإنسان - في حال اتصافها بصفة كالضحك مثلا - جامعا بسيطا هو قدر مشترك بينها، مع وصف كونها واجدة لتلك الصفة، و يعده شيئا في قبال الافراد الخارجية، و يحكم بأن الخارجيات أفراده، و يحمله عليها بالحمل الشائع الصناعي، و كما وضع لفظ الإنسان للجامع المنتزع من افراده الخارجية، كذلك لفظة ضاحك - مثلا - وضعت للجامع بين

..........

الشرح

افرادها المنتزع منها، و كما أن انحلال الأول - عند العقل - إلى الجنس و الفصل، أو إلى شيء له الإنسانية مثلا لا يضر ببساطته، كذلك انحلال الثاني إلى ذات لها الصفة.

فالموضوع له في المشتقات هو المنتزع من بين مصاديق الذات و الأشياء، بلحاظ كونها واجدة لصفة، سواء كانت تلك الصفة ذاتية أو عرضية، من قبيل الأفعال أم غيرها، اعتبارية كانت أم متأصّلة، بل كانت تلك الصفة عين الذات أم غيرها - كما تأتي الإشارة إليه إن شاء اللّٰه تعالى. و حينئذ تحمل المشتقات على مصاديق الذوات المتلبسة بالمبدإ حمل المفهوم على المصداق، كحمل الإنسان على افراده، بلا حاجة إلى شيء غير الموضوع و المحمول. و لا فرق من حيث صحة الحمل بين (زيد إنسان) و (زيد ضارب)، و الفرق بين كلي المشتق و الجامد هو أن الثاني وضع للمنتزع من نفس الذوات، بلا ملاحظة صفة فيها، بخلاف الأول فانه لوحظ فيه كونها واجدة للصفة كما ذكرنا.

و لا يتوهّم ان منشأ إشكال السيد الشريف، كون الذات مأخوذة في المشتق، و لا فرق في ذلك بين كون الموضوع له مركبا أو بسيطا. و قد جعلت الذات دخيلة في حقيقة الموضوع، فيأتي السؤال المذكور.

لأنه يدفع بأنه لو سئل أن الموضوع له في الإنسان هل هو مفهوم الحيوان الناطق، أو مصداقه؟ أجيب: بأنه ليس شيئا منهما، بل الموضوع له مفهوم منتزع من افراد، حقيقتها ينحل إلى كذا، كما لو سئل أن الموضوع له في المشتقات هل هو مفهوم الذات أو مصداقه؟ و قد علم من ذلك امران: (أحدهما) - أن ملاك الحمل هو الاتحاد الحقيقي و الهوهوية، بنحو لا يبقى ميز بين الموضوع و المحمول في ذلك النّظر، و لا يمكن حمل محمولين مختلفين عليهما - كما ذكر في العرض و المعروض و الاجزاء مع المركّب - فما في الفصول - من وجه صحة حمل المتغايرين بالحقيقة، و المتحدين بالاعتبار باعتبار مجموعهما شيئا واحدا، و صحة الحمل في هذا اللحاظ -

فهم معاني الألفاظ شيء امتن من الرجوع إلى الوجدان.

و قد استدل على اعتبار الذات في مفهوم المشتق بما لا يخلو عن إشكال. قال السيد الشريف - في وجه عدم اعتبار الذات في مفهوم المشتقات على ما. حكى عنه - انها لو كانت مأخوذة فيها بمفهومها، لزم دخول العرض العام في الفصل، فان لفظ الناطق - الّذي يؤتى به في مقام ذكر فصل الإنسان - من المشتقات، فلو اعتبر فيه مفهوم الذات، لزم ما ذكر من دخول العرض العام في الفصل، و لو كانت معتبرة بمصداقها، لزم انقلاب مادة الإمكان الخاصّ ضرورة، فان الشيء الّذي له الضحك هو

الشرح

لا يستقيم، لأن اللحاظ المذكور يستلزم لحاظ الجزئية و الكلية. و قد عرفت عدم صحة حمل الكل على الكل في أي لحاظ، و ان اتحادهما غير الاتحاد المصحح للحمل.

و اما ما ذكر في النّفس و البدن بقوله: (فان الإنسان مركب في الخارج حقيقة من بدن و نفس، لكن اللفظ انما وضع بإزاء المجموع من حيث كونه شيئا واحدا و لو بالاعتبار، فان أخذ الجزء ان بشرط لا - كما هو مفاد لفظ البدن و النّفس - امتنع حمل أحدهما على الآخر، و حملهما على الإنسان، لانتفاء الاتحاد بينهما) فانه أيضا غير مستقيم، لأنه مع لحاظ البشرطلائية لا يصح حمل العرض المحمول على البدن كالطول و العرض على النّفس.

(ثانيهما) - ان عينيّة الصفات مع الذات في وجوده - تبارك و تعالى - لا ينافي إطلاق المشتقات عليه تبارك و تعالى، و ذلك لما مرّت الإشارة إليه من كون المشتقات موضوعة للذات مع وصف كونها واجدة للصفة، و أما كون تلك الصفة عينها أو زائدة عليها، فلم يشترط فيه شيء منها. فالفرق - بين لفظة الجلالة و المشتقات الجارية عليه جلّ و علا - هو أن الأولى حاكية عن نفس الذات، من غير نظر إلى كونها واجدة لتلك الصفات بوجدان نفسها، و ان كانت حقيقة مستجمعة لجميعها، و أما الثانية، فانها - كما مر - حاكية عنها مع لحاظ كونها واجدة لها.

و اما كونها عين الذات فيه عزّ و جل و غيرها في غيره، فخارج عن مدلولها.

الإنسان، و ثبوت الشيء لنفسه ضروري. هذا ملخص ما أفاده.

و فيه إمكان اختيار الشق الأول، و الالتزام بأن ما هو مفهوم لفظ الناطق ليس بفصل حقيقة، إما بتجريد المفهوم عن الذات، ثم جعله فصلا للإنسان و إما بأن ما هو فصل حقيقة غير معلوم و إنما جعل هذا مكان الفصل. لكونه من خواص الإنسان، فعلى هذا لا بأس بأخذ مفهوم الشيء مجردا عن الوصف، بل هو مقيد بالوصف و عليه فلا يلزم انقلاب مادة الإمكان الخاصّ ضرورة، ضرورة أن كون زيد زيدا المتصف بالضرب ليس ضروريا، غاية ما يمكن ان يقال في توجيه هذا الكلام أن القضايا المشتملة على الأوصاف تدل على الاخبار بوقوع تلك الأوصاف، و إن لم تكن الأوصاف المذكورة محمولة في القضية مثلا لو قلت أكرمت اليوم زيدا العالم تدل القضية على حكايتين: (إحداهما) حكاية أن زيدا عالم و (الأخرى) حكاية إكرامك إياه. و على هذا فقولك: زيد ضارب لو كان معناه زيد زيد المتصف بالضرب، فيدل هذا القول على اخبار اتصاف زيد بالضرب، و على أن زيدا المتصف بالضرب زيد. و لا إشكال في أن الاخبار الثاني بديهي، و ان كان الأول ليس كذلك فالقضية بناء على هذا تشتمل على قضية ضرورية، و قضية ممكنة، مع أنه لا شبهة لأحد في أن قولنا زيد ضارب لا يفيد امرا ضروريا.

و فيه ان اشتمال القضية المشتملة على الأوصاف على حكايتها انما هو بانحلال النسبة التامة الموجودة فيها، لا انها مركبة من قضيتين أو قضايا، و تلك النسبة الواحدة ينظر فيها، فان كانت مثبتة لأمر ضروري،

الشرح

و بعبارة أخرى: المغايرة المعتبرة بين الذات و المبدأ هي المغايرة المفهومية للمصداقية.

تعد القضية من الضرورية، و ان كانت مثبتة لأمر ممكن، تعد من الممكنة و لا شبهة في أن النسبة التامة الواقعة بين الذات المقيدة بقيد ممكن، و الذات المجردة لا تحكى امرا ضروريا و هذا واضح.

(فائدة)

لا إشكال في ألفاظ المشتقات الجارية عليه سبحانه، و لا حاجة إلى ارتكاب النقل أو التجوز فيها، بملاحظة أن المعتبر في معنى المشتق ذات ثبت لها المبدأ، فلا يتمشى في صفاته تعالى، بناء على المذهب الحق من عينيتها مع ذاته سبحانه.

وجه عدم الإشكال انه كما أن الذهن يلاحظ القطرة تارة بحد ماء الحوض مثلا، و أخرى بحد مستقل و في كل منهما يعتبر الملحوظ امرا خارجيا، كذلك لا مانع في صفاته تعالى من أن يعتبر الذهن ذاتا و مبدأ و عروضا للثاني على الأول، و ينتزع من الذات المعروضة مفهوما يعبر عنه بالمشتق، و من المبدأ العارض مفهوما آخر يعبر عنه بالمبدإ و لا ينافى ذلك اعتقاد العينية، كما ان ملاحظة القطرة بحد الاستقلال، لا ينافى اعتقاد عينيتها مع ماء الحوض و من هنا تظهر الخدشة فيما تفصى به في الكفاية عن الإشكال، من كفاية التعدد المفهومي بين الذات و المبدأ مع وجود العينية الخارجية في صحة الحمل، فان هذا المعنى موجود بعينه في مبدأ المشتقات المذكورة مع ذاته سبحانه، مع عدم صحة الحمل.

هنا تمت المقدمات

فلنشرع في المقاصد

:

(المقصد الأول - في الأوامر) و تمام الكلام فيه في طي فصول:

(الفصل الأول) (في تحقيق معنى صيغة افعل)

(و ما في معناها و تميز معناها عن معنى الجملة الخبرية) فنقول: قد يقال في الفرق بينهما: أن الجمل الخبرية موضوعة للحكاية عن مداليلها في نفس الأمر و في ظرف ثبوتها، سواء كان المحكي بها مما كان موطنه في الخارج، كقيام زيد أم كان موطنه في النّفس، كعلمه. و المستفاد من هيئة افعل ليس حكاية عن تحقق الطلب في موطنه، بل هو معنى يوجد بنفس القول، بعد ما لم يكن قبل هذا القول له عين و لا أثر. و قيل في توضيح ذلك ان مفهوم الطلب له مصداق واقعي يوجد في النّفس، و يحمل عليه ذلك المفهوم بالحمل الشائع الصناعي، و له مصداق اعتباري، و هو أن يقصد المتكلم - بقوله اضرب - إيقاعه بهذا الكلام. و هذا نحو من الوجود، و ربما يكون منشأ لانتزاع اعتبار مرتب عليه شرعا و عرفا آثار، و هكذا الحال في سائر الألفاظ الدالة على المعاني

الإنشائية، كليت و لعل و أمثال ذلك.

و الحاصل - في الفرق بين الجمل الخبرية و الإنشائية على ما ذهب إليه بعض - ان مداليل تلك الألفاظ توجد بنفس تلك الألفاظ اعتبارا، و لا يعتبر في تحقق مداليلها سوى قصد وقوعها بتلك الألفاظ، سواء كان مع تلك المداليل ما يعد مصداقا واقعيا و فردا حقيقيا أم لا. نعم الغالب كون إنشاء تلك المداليل ملازما للمصاديق الواقعية، بمعنى ان الغالب أن المريد لضرب زيد واقعا يبعث المخاطب نحوه، و كذا المتمني واقعا، و كذا المترجي كذا يتكلم بكلمة ليت و لعل.

هذا و لي فيما ذكر نظر أما كون الجمل الخبرية موضوعة لأن تحكى عن مداليلها في موطنها، ففيه ان مجرد حكاية اللفظ عن المعنى في الموطن لا يوجب إطلاق الجمل الخبرية عليه و لا يصير بذلك قابلا للصدق و الكذب (59) فان قولنا قيام زيد في الخارج يحكى عن معنى قيام زيد

الشرح

(59) <(الأوامر)> المستفاد من المحقق الخراسانيّ (ره) كون معنى الهيئة في الجمل الخبرية هو النسبة الثابتة المتحققة بين الموضوع و المحمول في موطنه خارجا، كما في (زيد قائم) أو ذهنا، كما في (الإنسان كليّ)، و حيث أن الواضع اشترط على المستعملين جعل الألفاظ حاكية عن ثبوت معانيها، بخلاف الهيئة الإنشائية، كما سيأتي، فانّها تحكى عن ثبوت النسبة في موطنه.

فاستشكل عليه الأستاذ - دام بقاؤه - بأن مجرّد حكاية اللفظ عن المعنى - يعني مجرّد حكاية اللفظ عن النسبة التي هي معناه - لا يكون مناطا للخبرية، و لا موجبا لصحة إطلاق اسم الخبر عليه، و إلاّ لزم أن تكون جملة (قيام زيد) و نظائرها أيضا خبرا، لأن هيئتها تحكي عن النسبة بين زيد و القيام، من حيث أنها معناها، و شأن اللفظ الحكاية عن المعنى، و معلوم أنها ليست بخبر، إذ لا تحتمل الصدق

في الخارج، ضرورة كونه معنى اللفظ المذكور، و اللفظ يحكى عن معناه بالضرورة و مع ذلك لا يكون جملة خبرية فالتحقيق انه لا بد من اعتبار امر

الشرح

و الكذب.

(لا يقال): إن القياس مع الفارق، حيث أنها تحكي عن النسبة الناقصة، بخلاف الجملة الخبرية، فانها تحكي عن النسبة التامة.

(لأنا نقول): نعم، و لكن لو كان المعنى و الموضوع له في الاخبار مجرد النسبة الواقعية، فلم صارت الأولى ناقصة و الثانية تامّة، مع أن كلتيهما حاكيتان عنها؟ (لا يقال): إنّ الأولى تحكي عن النسبة التقييدية، بنحو الاخبار عن النسبة بين الموضوع الملحوظ شيئا مستقلا في قبال المحمول قبل النسبة. و المحمول كذلك، بخلاف الثانية فانها تحكى عن النسبة بينهما كذلك.

(لأنه يقال): فما تقول في قول القائل (زيد - المتصف بالقيام - شيء) في قبال القيام الّذي هو صفة له، و القيام الموصوف به زيد شيء في قبال زيد المتصف به، فانه يحكي عما ذكر بعينه. و مع ذلك ليس بخبر؟ فبذلك يستكشف أن معنى الهيئة الخبرية غير مجرّد النسبة الثابتة في موطنه.

(أقول): مبنى الإشكال هو أن يستفاد من كلامه (ره) أن معنى الهيئة ذات النسبة الواقعية القابلة لحمل (موجودة) أو (معدومة) عليها، كما في جملة (قيام زيد) و حينئذ فلا محيص عما ذكر من الإشكال. و لكن الظاهر أن معنى الاخبار - كما صرّح به في غير مورد - هو ثبوت النسبة، بنحو تكون آبية عن حمل (موجودة) أو (معدومة) عليها. و هذا هو الفارق بين المعاني المفردة و الجمل الخبرية، بمعنى أن الواضع اشترط في الاخبار جعل الهيئة حاكية عن ثبوت النسبة، لانفسها.

و أما المفردات فهي حاكية عن ذات الموضوع له لا ثبوتها، و كذلك هيئة (قيام زيد) و أمثالها، فانها لا تحكي عن الثبوت بل عن أصل النسبة.

زائد على ما ذكر، حتى تصير الجملة به جملة يصح السكوت عندها (60) و هو وجود النسبة التامة. و لا شبهة في أن النسب المتحققة في الخارج ليست على قسمين، قسم منها (تامة) و قسم منها (ناقصة) بل النقص و التمام إنما هما باعتبار الذهن، فكل نسبة ليس فيها إلاّ مجرد التصور، تسمى نسبة ناقصة، و كل نسبة تشتمل على الإذعان بالوقوع، تسمى نسبة تامة.

ثم إن الإذعان بالوقوع المأخوذ في الجمل الخبرية، ليس هو العلم الواقعي بوقوع النسبة، ضرورة أنه قد يخبر المتكلم و هو شاك، بل قد يخبر و هو عالم بعدم الوقوع، بل المراد منه هو عقد القلب على الوقوع جعلا، على نحو لا يكون القاطع معتقدا. و كان سيدنا الأستاذ (نور اللّٰه ضريحه) يعبر عن هذا المعنى بالتجزم.

الشرح

(60) توضيح ذلك يحتاج إلى مقدمات:

(الأولى) - أنه لا إشكال في أن المتبادر من هيئة الجملة الخبرية (كزيد قائم) النسبة التامة، و المتبادر من الجملة التقييدية (كزيد القائم) و (قيام زيد) النسبة الناقصة.

(الثانية): أنه لا إشكال في أن النسب الواقعية، و الارتباطات النّفس الأمرية، كارتباط القيام بزيد في الخارج - بنحو يوجب صحة حمل القائم عليه - لا يطرأ عليها التمامية و النقصان، باختلاف القضايا الحاكية عنها، بل التمامية و النقصان صفتان للموجود في الذهن في القضيتين.

(الثالثة): أنه لا إشكال في أن كلتا القضيتين مشتركتان في الحكاية عن النسبة الواقعية في موطنها.

إذا عرفت هذه، تعرف أن مجرد النسبة الخارجية - المحكية للجملة الخبرية بحكم المقدمة الثالثة - ليست معنى للهيئة في الاخبار، لعدم قابلية اتصافها

..........

الشرح

بالتمامية بحكم المقدمة الثانية. و المفروض أن المتبادر منها التمامية بحكم الأولى، بل معناها شيء يوجد في الذهن، و يتصف بالتمامية، و ليس ذلك إلاّ إذعانا بالوقوع، فان النسبة الخارجية ان وجدت في الذهن مجردة عن الإذعان فتصور، و تسمى نسبة ناقصة، و ان وجدت مع الإذعان فتصديق، و تسمى تامة، لكن المقصود من الإذعان المذكور ليس هو العلم البسيط، كالعلم بوجود القيام لزيد، لمن يرى زيدا قائما، فان مجرد ذلك ليس تصديقا و لا مدلولا للقضية، بل التصديق هو الإذعان و الاعتقاد بوجود النسبة الملحوظة بين الموضوع و المحمول الملحوظ كل واحد منهما شيئا مستقلا في قبال الآخر، منفكا عنه قبل الحمل و النسبة.

و أيضا ليس المقصود هو الإذعان الحقيقي و الاعتقاد بوقوع النّسبة واقعا و لو في نظر المتكلم، بحيث لا يجتمع مع الكذب، بل المقصود عقد القلب و بناء النّفس على وجود النسبة و التجزم عليه، و هو كما يوجد بعد العلم الحقيقي و الاعتقاد الواقعي للنسبة المذكورة، كذلك قد يوجد بخلق النّفس تلك الحالة مع القطع بالخلاف أو الشكّ، كما ترى في القضايا الكاذبة، فان الموجود من مدلول القضية فيها ليس بأنقص من الصادقة بالوجدان.

و أيضا: ليس المقصود هو التجزّم بمعناه الاسمي المستفاد من لفظ التجزم و عقد القلب، حتى يرد عليه أنه معنى اسمي مستقل، و معنى الهيئة معنى حرفي غير مستقل، فلا يمكن أن يكون ذلك معناها - كما أورد عليه بعض في حاشية الكفاية - بل المقصود التجزم بمعناه الحرفي غير المستقل باللحاظ، الموجود في النّفس مرآة للخارج بلا التفات تفصيلي إليه، كما مر نظيره في بيان كون الألفاظ موضوعة للمعاني المرادة. و ان شئت فراجع، و معنى صدق القضية و كذبها ليس إلاّ مطابقة التجزم المذكور للخارج المحكي و عدمها، لا عبارة عن وجود التجزم المذكور في نفس المتكلم و عدمه - كما توهّم - لأنه موجود في نفس الكاذب أيضا - كما ذكرنا - بل لو لم تكن تلك الحالة في نفس المتكلم موجودة لم يكن مستعملا، للفظ في معناه، بل هو اما لاغ و اما مستعمل له في غير ما وضع له. و لا يتوهم وجود

و حاصل الكلام أنه كما أن العلم قد يتحقق في النّفس بوجود أسبابه، كذلك قد يخلق في النّفس حالة و صفة على نحو العلم حاكية عن الخارج، فإذا تحقق هذا المعنى في الكلام، يصير جملة يصح السكوت عليها، لأن تلك الصفة الموجودة تحكى جزما عن تحقق النسبة في الخارج، و يتصف الكلام بالقابلية للصدق و الكذب بالمطابقة و المخالفة. هذا في الجمل الخبرية.

و أما الإنشائيات، فكون الألفاظ فيها علة لتحقق معانيها مما لم أفهم له معنى محصلا (61) ضرورة عدم كون تلك العلية من ذاتيات

الشرح

التجزم المذكور في الجمل التقييدية أيضا، لأن المقصود هو البناء على ثبوت النسبة بحيث يأبى عن جعل العدم محمولا لها، و الموجود في ما ذكر لا يأبى عنه كما هو واضح، و لذا لا يتصف بالصدق و الكذب، لعدم بناء جزمي من النّفس حتى يقال إنه مطابق للخارج أو غير مطابق، و لم يتعهّد المتكلم بشيء من وجود النسبة و عدمها حتى يكذّب أو يصدق.

و اما ما توهم - من وجود التجزم في (زيد العالم جاءني) و لذا لو لم يكن بعالم يكذّب المتكلم، كما لو لم يجئ - ففاسد لأن اتصاف القضية بالصدق و الكذب في المقام ليس إلاّ ببركة المحمول الواقع على الموضوع المتصف، فان عدم تطابق التجزم للنسبة بين الموضوع و المحمول قد يتحقق بعدم الموضوع أو قيوده و صفاته، و قد يتحقق بعدم المحمول كذلك، فليس لنفس زيد العالم تجزم و لا صدق و لا كذب. و الظاهر أن التجزم المذكور ثابت عند من يقول بتركب القضية من ثلاثة أجزاء، غاية الأمر هو يجعل التجزم من كيفيات النسبة، لا أنه شيء في قبالها، بخلاف القائل بتركبه من أربعة اجزاء، فانه يجعله في قبالها و يعبّر عنه بالحكم بالوقوع و اللاوقوع.

(61) لا بأس بالإشارة إلى مقصود المحقق الخراسانيّ (قدس سره) ثم بيان

اللفظ و ما ليس علة ذاتا لا يمكن جعله علة، لما تقرر في محله من عدم قابلية العلية و أمثالها للجعل.

الشرح

ما أفاده الأستاذ - دام بقاؤه - في مقام النّظر إليه، فأقول و عليه التكلان: إن مقصوده - كما يستفاد من كلماته في موارد متعددة - أن صيغة افعل و ما في معناها وضعت لمفهوم الطلب، لكنّ الواضع اشترط على المستعملين ان لا يستعملوها إلاّ في مقام إيجاد المعنى، بأن يقصدوا بها إيجاده، بلا قصد حكاية له، بخلاف الاخبار حيث اشترط عليهم جعلها حاكية عن ثبوت معناها في موطنه، كما مرّ تفصيله، و هو الفرق بين الجمل الخبرية و الإنشائية، و إلاّ فالموضوع له في (اضرب) و (أطلب منك الضرب) مثلا واحد، و هو مفهوم الطلب، و لكن في الثاني تكون الهيئة كاشفة عن ثبوت الطلب في موطنه، و في الأول تكون الهيئة مع قصد الإيجاد موجدة له، بلا كشف فيه. و ليس المراد كون الموجود بوصف الموجودية موضوعا له، حتى يرد عليه أن الاستعمال يتوقف على المعنى، فلو كان المعنى موجودا و معلولا للاستعمال للزم الدور، بل المقصود أن المعنى هو المفهوم، و استعماله إيجاده، فمدلول الصيغة ذات الموجود، و خصوصياته المشخصة خارجة عنه و من لوازم وجوده.

و بعبارة أخرى: ليس المصداق معنى للهيئة حتى يرد ما ذكر، بل المعنى هو المفهوم، و بإيجاده يصير مصداقا، و ليس المقصود من كون الاستعمال موجدا جعل اللفظ أولا حاكيا عن المفهوم، ثم يقصد الإيجاد بالكاشف، بل المقصود أنّ الاستعمال عبارة عن ذكر اللفظ بلا حكاية عن شيء و قصد إيجاد المعنى به، و بنفس ذكر اللفظ و قصد الإيجاد يوجد عند العقلاء نحو وجود للطلب، هو وجوده الإنشائي، و يكون منشأ لآثار عند العقلاء: منها عدم معذورية العبد مع العلم به لو ترك الامتثال، و كذلك في إنشاء الملكية و أمثالها، فانه يقصد ب «بعت» إيجاد معناه و هو تمليك ما له لغيره بعوض معيّن، فيوجد بذلك اللفظ و القصد ذلك المعنى عند العقلاء، و يكون منشأ لحصول الملكية و تترتب آثارها عليه، لكن بشرائط معلومة عندهم كتمول العوضين و أمثال ذلك.

و أما إيجاد تلك المفاهيم بما ذكر من اللفظ و القصد فليس ببعيد، لأنها

..........

الشرح

أمور اعتبارية انتزاعية ليس منشأ اعتبارها غير اعتبار معتبر خاص بكيفية خاصة، و نظيرها مفهوم التعظيم حيث انه يتحقق بالقيام بقصد التعظيم، و بدون القصد لا يتحقق، فكما أن منشأ التعظيم هو القيام بقصد التعظيم - و غير القيام عند قوم كرفع القلنسوة مثلا - كذلك إنشاء الطلب و ذكر اللفظ مع قصد إيجاده، و ليس وجوده الإنشائي، و كذلك سائر الإنشائيات، كالأعيان الثابتة و الاعراض المتأصلة، و الانتزاعيات التي لها منشأ حقيقي، كالفوقية و التحتية، و كلية مقولات الإضافات، حتى لا يمكن جعلها بالاعتبار، لعدم كونها من الانتزاعيات أو عدم انتزاعها الا من منشأ حقيقي، و ذلك معنى قوله: ان الإنشاء خفيف المئونة، لعدم حقيقة له الا الاعتبار و البناء على وجوده من العقلاء كالتشريع.

و لا يخفى - مع ذلك - الفرق بينه و بين الفرضيات المحضة، كفرض الإنسان جمادا و فرض الجماد إنسانا، فانه ليس إلاّ مجرد فرض، بخلاف البنائيات، فانها و ان لم يكن بحذائها شيء في الخارج، و ليست إلاّ البناء، لكن نفس ذلك البناء له حقيقة و واقعية. هذا مجمل مرامه زيد في علوّ مقامه.

لكن أورد عليه الأستاذ - دام بقاؤه - بأن المفاهيم الاعتبارية و الانتزاعية كالمقابلة بين العينين و الفوقية و التحتية، و جميع مقولة الإضافات، بل و كذلك الارتباطات التي اشتهر أنها اعتبارية صرفة، و منشأها اعتبار من بيده الاعتبار، و ان لم تكن في التحقّق كالأعيان الثابتة و الاعراض المتأصلة - لها تحقق خاص بحيث يمكن أن يشار إليها، و ذلك معنى انتزاعها، لا أن النّفس تخلق شيئا بلا حقيقة له و لا واقعية، كالتخيلات الصرفة، فحقيقة الفوقية شيء واقعي يتحقق في نفس الأمر عند تحقق منشأها، و لو لم يكن في العالم لاحظ يلحظها، و يدركها العقل عند تحققها، و لذا لا ينتزعها من غير منشأها، و كذا الملكية فانّها أولوية واقعية للمالك بالتصرف في ملكه كيف ما شاء، و لو لم يكن لاحظ يلحظها و معتبر يعتبرها، و كذلك الزوجية هي أمر في نفس الأمر و ارتباط معنوي يستتبع الحسن و القبح، حتى ادعي وجودها في الحيوانات لمشاهدة آثارها، و كيف يدّعى ان أمثال ذلك مما اجتمع العقلاء

و الّذي أتعقل من الإنشائيات انها موضوعة لأن تحكى عن حقائق موجودة في النّفس (62) مثلا هيئة افعل موضوعة لتحكي عن حقيقة الإرادة الموجودة في النّفس، فإذا قال المتكلم (اضرب زيدا) و كان في نفسه مريدا لذلك، فقد أعطت الهيئة المذكورة معناها. و إذا قال ذلك، و لم يكن مريدا واقعا، فالهيئة المذكورة ما استعملت في معناها. نعم بملاحظة حكايتها عن معناها، ينتزع عنوان آخر لم يكن متحققا قبل ذلك، و هو عنوان يسمى بالوجوب، و ليس هذا العنوان المتأخر معنى للهيئة، إذ

الشرح

على تخيله عند منشئه، و كذلك التعظيم فهو عبارة عن إظهار تأثر النّفس من المعظّم للمعظّم و إفشاء وقعه و عظمته عنده، و لا بأس باختلاف المظهر وضعا أو طبعا، مثلا انحناء القامة و انخفاض الرّأس و أمثال ذلك تدل على التعظيم بالطبع، و بعض الأفعال و الأقوال بالوضع، و لا يختلف في الأزمنة و الأمكنة، و على هذا يكون التمليك عبارة عن سلخ الأولوية المذكورة عن نفسه و إعطائها للغير، فانها قابلة لذلك، و كذلك التزويج فانه عبارة عن إيجاد الارتباط الواقعي و هكذا.

إذا عرفت ذلك فنقول: ان كان المراد من قصد إيجاد المعنى باللفظ تخيل أمر بلا واقعيّة عند ذكر اللفظ، فذلك ممكن، لكنه خلاف الواقع لما عرفت. و ان كان المراد قصد إيجاد شيء له واقعية، فيرد عليه: انه بعد ما لم يكن اللفظ موجدا للمعنى قبل الوضع، كيف صار بالوضع موجدا؟ مع ان العلية لا بد لها من سنخية كما ثبت في محله، و ما لم يكن لها تلك السنخية لا يمكن جعلها له، و الظاهر أن عدم إمكان جعل ما ليس بعلة علة من الواضحات و مستغن عن الدليل، و ليس شأن اللفظ الا الكشف و إظهار المعنى، فلو تحقق مفهوم بإظهار معنى أمكن أن يكون اللفظ موجدا لمنشئه و قد تقدم تفصيل ذلك عند تحقق الوضع فراجع، و إلاّ فلا يمكن جعل شيء بمجرد أداء لفظ بلا معنى و محكي.

(62) بيان ذلك يحتاج إلى مقدمتين، (الأولى): ما مرّ تفصيله من عدم إمكان جعل ما ليس علة ذاتا علة لشيء. و لا نعيده

هو منتزع من كشف اللفظ عن معناه، و لا يعقل أن يكون عين معناه.

(ان قلت): قد يؤتى بالألفاظ الدالة على المعاني الإنشائية، و ليس في نفس المريد معانيها، مثلا قد تصدر من المتكلم صيغة افعل كذا في مقام امتحان العبد، أو في مقام التعجيز و أمثال ذلك، و قد يتكلم

الشرح

(الثانية) - أن إظهار بعض الأشياء قد يورث شيئا لا يورثه نفسه، ما لم يبلغ مرتبة الظهور. و ذلك إما بنحو العلّية لشيء خارجي، كإظهار المحبة المورث للمحبة، و إظهار البغض المورث للبعض، و إظهار التألم الموجب لتألم الغير، و أمثال ذلك، لمناسبة ذاتية بينهما، كسائر العلل و المعلولات و إما بنحو الموضوعية و العلية للحكم إما من الشارع، كإظهار الشهادتين، حيث أنه يورث الطهارة و حقن الدم و حل النكاح و غيرها من الأحكام، و إظهار الشرك من المسلم حيث انه يورث النجاسة و وجوب القتل و غيرهما من أحكامه، و إمّا من العقلاء، كإظهار الطغيان الموجب للحكم باستحقاق الذم و انحطاط الدرجة أكثر ممن لم يظهره، و إن كان في الباطن غير منقاد. و أمثال ذلك كثير، و هذا في مرحلة الثبوت لا إشكال فيه، و أما في مرحلة الإثبات في الأحكام الشرعية فموقوف على دلالة الدليل، و في أحكام العقلاء موقوف على تحقق بنائهم و حكمهم عليه.

إذا عرفت هذا فنقول: إن شأن الألفاظ دائما هو الكاشفية و الحكاية عن المعاني ببركة الوضع و تعهّد الواضع لإرادتها عند التلفظ بها - كما فصلّ في مقامه - و لا يكون الاستعمال أبدا الا ذكر اللفظ و إرادة المعنى، أي إرادة افهامه للمخاطب.

و بعبارة أخرى: كأن المستعمل يلقي بذكر اللفظ نفس المعنى إلى المخاطب، و لا نتعقّل موجدية اللفظ للمعنى - كما ذكر في المقدمة الأولى - سواء في ذلك الإنشاء و الاخبار، فهيئة افعل مثلا كاشفة عن إرادة المتكلم للفعل من المأمور و تلك معناها، و معنى الاستفهام حقيقة طلب العلم و الفهم في النّفس، و معنى حرف التمني حقيقة الميل النفسانيّ لوقوع ذلك الشيء، و معنى حرف الترجي حقيقة الرجاء المكنون في نفس المتكلم، و جملة (بعت) الإنشائية كاشفة

..........

الشرح

عن قطع المالك علقته عن الملك و إعطائه للغير، و قس على ذلك باقي الإنشائيات.

ثم إنه بعد كشف الألفاظ المذكورة بموادها أو بهيئاتها عما ذكر من المعاني تنتزع - من مرحلة إظهارها مع شرائطها عند العقلاء - عناوين الأمور الإنشائية، كالوجوب من إظهار إرادة المولى مع علوّه أو مع استعلائه - لو قيل إنه من شرائط الانتزاع عند العقلاء - و الاستفهام عند إظهار طلب الفهم في النّفس، و الترجي و التمني عند إظهار الرجاء القلبي و الميل الباطني، و التمليك عند إظهار قطع العلقة في نفسه و إعطائها للغير، و التزويج عند إظهار إيجاد العلقة الخاصّة بين الزوجين، حيث أن الملكية و الزوجية قابلتان للقطع و الإيجاد، و ذلك الإظهار موضوع لحكم العقلاء بحصول العلقة المذكورة مع شرط إظهارها، و كذلك لحكم الشارع مع وجود الشرائط المعتبرة عنده.

و هذا ما قلناه في المقدمة الثانية: من كون الإظهار موضوعا لحكم العقلاء أو الشارع، و معلوم أن مجرد ذلك لا يوجب كون اللفظ موجدا للمعنى، و ان كان موجدا لشيء آخر بهذا المعنى، لكن الموجود ليس بمعناه، بل في طول كشف اللفظ عن المعنى، و رتبة متأخرة عنه، و لو كان اللفظ بهذا يستحق اسم الموجدية للمعنى، لكان الاخبار أيضا موجدا، لما قلنا من أن إظهار بعض الأشياء موضوع لأحكام شرعية و عقلائية و لو كان بالأخبار، كما مرّ تفصيله.

بقي في المقام شيء، و هو سؤال الفرق بين الجمل الإنشائية و الاخبارية، حيث أن الجمل الإنشائية - على هذا - حاكية و كاشفة كالإخبارية عن المعنى، و لازمه اتصافها بالصدق و الكذب أيضا، و هو كما ترى.

لكنه يجاب - بعد التصديق بكونهما حاكيتين عمّا في الضمير، و عدم الفرق بين اضرب و أطلب، أو أريد منك الضرب الاخباري مثلا، من حيث حكايتهما عن معناهما في موطنه - بالفرق، بأن الهيئة في الثانية كاشفة عن وجود التجزّم في نفس المتكلم بما أخبر به، بخلافها في الأولى، فانها كاشفة عن حقيقة ما يتجزّم به

..........

الشرح

لو كانت الجملة خبرية، فهيئة اضرب في المثال كاشفة عن حقيقة الإرادة النفسانيّة، بحيث لو لم تكن موجودة في النّفس لم تكن مستعملة في معناها، بل تكون إما مهملة و إما مستعملة في غير ما وضعت له، و اما في المثال الثاني فهي كاشفة عن التجزّم بثبوت الإرادة في النّفس، فلو لم يكن التجزم موجودا لما استعملت الهيئة في معناها، و لا دخل للإرادة في الموضوع له.

نعم لما أخذ التجزم المذكور بمعناه الحرفي مع كاشفيته عن ثبوت ما يتجزّم به في الموضوع له - كما أشرنا إليه في معنى الاخبار - فلو لم تكن حقيقة الإرادة في المثال متحققة في نفس المتكلم كانت القضية كاذبة، لعدم مطابقة معناها لما تحكى عنه، و تلك المطابقة مع الخارج المحكي عنه و عدمها مناط للصدق و الكذب في القضايا الخبرية، لا وجود المعنى و عدمه، فانه مناط في كون القضية مهملة أو مستعملة، و لذا قلنا بأنه لو كان معنى الاخبار حقيقة النسبة الثابتة في موطنه يلزم كون القضية مهملة عند عدمها في موطنه، و هذا بخلاف الإرادة في المثال الأول، فانها عين ما وضع له اللفظ، بحيث لو لم تكن كانت القضية مهملة، لكن لو لم يكن لها كشف عن شيء آخر وراء نفسها حتى تتصف القضية بالصدق و الكذب، فأمرها دائر بين كونها مستعملة أو مهملة.

(ان قلت): و ان سلّم أن المستفاد من هيئة اضرب و الموضوع لها حقيقة الإرادة الكامنة في نفس المتكلم، لكن لا يلزم من عدم تحققها إهمال القضية، و هل يلتزم أحد بأن لوجود زيد في الخارج دخلا في كون لفظ زيد مستعملا؟ (قلت): فرق بينهما، فان الألفاظ المفردة وضعت للذوات عارية عن الوجود و العدم، بحيث لا تأبى عن حمل العدم عليها، و لذا تقول زيد موجود أو معدوم، و أما الجمل الإنشائية فوضعت للإرادة الموجودة، بحيث يكون لوجودها أيضا دخل في الموضوع له، لكن بجامع الوجود لا شخص الوجود الخاصّ، حتى ينافي كلية المعنى - و سيأتي تحقيق ذلك في مقامه إن شاء الله تعالى.

و الجمل الخبرية موضوعة للتجزم الموجود في النّفس، بحيث يكون وصف

بلفظة ليت و لعل، و لا معنى في النّفس يطلق عليه التمني أو الترجي، فيلزم مما ذكرت أن تكون الألفاظ في الموارد المذكورة غير مستعملة أصلا، أو مستعملة في غير ما وضعت له و الالتزام - بكل منهما لا سيما الأول - خلاف الوجدان.

(قلت) تحقق صفة الإرادة أو التمني أو الترجي في النّفس، قد يكون لتحقق مباديها في متعلقاتها (63)، كمن اعتقد المنفعة في ضرب زيد، فتحققت في نفسه إرادته، أو اعتقد المنفعة في شيء مع الاعتقاد بعدم

الشرح

الموجودية دخيلا فيه، لكن بنحو لا ينافي الكلية، و معلوم انه لو كان للموجود دخل فيما وضع له، فعند العدم تكون القضية مهملة، و لا يخفى أنه كما قلنا بأن التجزم أخذ في الاخبار بمعناه الحرفي الآلي من دون التفات المتكلم و المخاطب إليه تفصيلا، بل مندكا في ما يخبر به، كذلك الإرادة في هيئة الإنشاء أخذت بمعناها الحرفي الموجودة في نفس المتكلم متعلقة بالمراد، من دون استقلالها بالمفهومية، فلا يتوهم متوهم لزوم كون (اضرب) مرادفا لإرادة الضرب، لأن الأول كاشف عن الإرادة الموجودة الخارجيّة، التابع وجودها للغير، و الثانية كاشفة عن مفهوم مستقل بالوجود، بحيث لا يكون لها في الخارج هذا النحو من الوجود، فالفرق بينهما هو الفرق بين المعنى الاسمي و الحرفي. فتأمّل تعرف.

(63) لا يخفى أن ما ذكره - دام ظله - يستلزم أن لا تكون الإرادة عبارة عن العلم بالنفع أو الشوق المؤكد - كما هو المعروف - لأنها لو كانت كذلك لكان تحققها - من دون إدراك نفع في المتعلق أو تعلق حب و شوق إليه - محالا، فالوجدان الحاكم بتحققها من دون ذلك - كما في المثال - شاهد على عدم كونها عبارة عما ذكر، بل هي عبارة عن حالة نفسانية يتعقّبها تحريك العضلات نحو الفعل في الإرادة الفاعلية و نحو الجعل في التشريعية، و هي كما تحدث غالبا بتصوّر المراد و إدراك الغاية، كذلك قد توجد مع العلم بعدم نفع المراد و الانزجار عنه، لمصلحة قوية في ذات الإرادة بمقدار يصلح لمزاحمة حزازة نفس المراد، كما قد

وقوعه، فتحققت في نفسه حالة تسمى بالتمني، أو اعتقد النّفع في شيء مع احتمال وقوعه، فتحققت في نفسه حالة تسمى بالترجي، و قد يكون تحقق تلك الصفات في النّفس لا من جهة متعلقاتها، بل توجد النّفس تلك الصفات من جهة مصلحة في نفسها، كما نشاهد ذلك وجدانا في الإرادة التكوينية التي قد توجدها النّفس لمنفعة فيها، مع القطع بعدم منفعة في متعلقها، و يترتب عليها الأثر.

مثال ذلك إن إتمام الصلاة من المسافر يتوقف على قصد الإقامة عشرة أيام في بلد، من دون دخل لبقائه في ذلك البلد بذلك المقدار وجودا و عدما، و لذا لو بقي في بلد بالمقدار المذكور من دون قصد لا يتم، و كذا لو لم يبق بذلك المقدار، و لكن قصد من أول الأمر البقاء بذلك

الشرح

يتفق في المسافر المفروض في المتن.

و لا يخفى انه على ذلك تكون الإرادة اختيارية مطلقا، أما لو تحققت من العلم بالمنفعة في ذاتها فواضح، لأنّها على ذلك تصير كسائر الأمور الاختيارية مسبوقة بالإرادة الناشئة عن العلم بالنفع.

(لا يقال): إن العلم بالنفع في إرادة شيء لا ينفك عن العلم بالنفع في ذلك الشيء، لأنه يكفي في نافعية الشيء نافعية الإرادة المتعلقة به، و لذا لم تكن في الإرادة المتعلّقة بغيرها تلك المنفعة.

(لأنه يقال): لا يكفي ذلك في العلم بالنفع في ذات الشيء مع قطع النّظر عن الإرادة، حتى تحدث الإرادة عن ذلك العلم، أو يكون هو نفس الإرادة، للزوم الدور. و لو كان ذلك ممكنا لكان حب المبغوض و بغض المحبوب لمصلحة في نفس الحب و البغض ممكنا، و هو كما ترى. و اما لو تحققت من العلم بالنفع في المراد، فلأنها و ان كانت معلولة لذلك العلم، لكن كون المريد متمكنا من التأمل في أن ذلك النّفع هل هو مزاحم بالمفسدة في ذات الإرادة أم لا؟ حتى يمنع عن

المقدار يتم و مع ذلك يتمشى قصد البقاء من المكلف، مع علمه بان ما هو المقصود ليس منشأ للأثر المهم، و انما يترتب الأثر على نفس القصد، و منع تمشي القصد منه - مع هذا الحال - خلاف ما نشاهد من الوجدان، كما هو واضح فتعين ان الإرادة قد توجدها النّفس لمنفعة فيها لا في المراد، فإذا صح ذلك في الإرادة التكوينية صح في التشريعية أيضا، لأنها ليست بأزيد مئونة منها. و كذا الحال في باقي الصفات، من قبيل التمني و الترجي.

الشرح

حدوث الشوق، و العلم بالنفع - السالم عن المزاحم عند المزاحمة بما هو أقوى - كاف في الاختيارية، فانه لا فرق - في كون الشيء تحت القدرة و الاختيار - بين كون المقتضى مقدورا أو المانع. و لذا يصح النهي عن إيجاد شخص آخر فعلا في الخارج مع قدرته على المنع.

ثم إنه بعد ما علم المقصود من اختيارية الإرادة على كلا التقديرين يظهر حال ردّ اختيارية الإرادة بالتسلسل، بزعم أن المقصود كونها مسبوقة بالإرادة مطلقا.

و قد عرفت أنه على الثاني لم تكن مسبوقة بالإرادة أصلا، و على الأول و إن كانت إرادة الشيء مسبوقة بالإرادة، لكن إرادتها ليست مسبوقة بإرادة أخرى، بل ناشئة عن العلم بالمصلحة فيها، كباقي الاختياريات.

هذا و لكن لا يخفى أن ذلك فيما لا يكون المراد محالا، و إلاّ فلا يمكن تحقق إرادة المحال لمصلحة في نفسها، لأن إرادة المحال مع العلم بالاستحالة محال، فحينئذ لا بد - في تصحيح الأمر التعجيزي مع العلم باستحالته الذاتيّة أو العادية كقوله تعالى: (فأتوا بسورة من مثله) - من ارتكاب المجازية، باستعمال الهيئة في العجز النّفس الأمري، فتكون الهيئة كاشفة عن العجز لا عن إرادة شيء. و أما في غيره مما يكون المراد ممكنا فيمكن إيجاد الإرادة لمصلحة في نفسها، و استعمال الهيئة في الإرادة. و معلوم أن ما ذكرنا من اختيارية الإرادة لا فرق فيه بين الإرادة التكوينية و التشريعية، فكما أن الإرادة التكوينية لا فرق في تأثيرها بين تولّدها من العلم بالمصلحة في المراد أو العلم بالمصلحة في ذات الإرادة، كذلك الإرادة التشريعية

إذا عرفت هذا فنقول: إن المتكلم - بالألفاظ الدالة على الصفات الخاصة الموجودة في النّفس - لو تكلم بها و لم تكن مقارنة لوجود تلك الصفات أصلا، نلتزم بعدم كونها مستعملة في معانيها. و أما إن كانت مقارنة لوجود تلك الصفات، فهذا استعمال في معانيها، و إن لم يكن تحقق تلك الصفات بواسطة تحقق المبدأ في متعلقاتها فتأمل جيدا.

(الفصل الثاني) (في الطلب و الإرادة)

قد اشتهر النزاع بين العدلية و الأشاعرة في أن الطلب هل هو عين الإرادة أو غيرها؟ و ذهب الأول إلى الأول و الثاني إلى الثاني. و ملخص الكلام في المقام أن يقال: إن أراد الأشاعرة

الشرح

لا فرق في تأثيرها بين تحققها من مصلحة المراد أو مصلحة ذاتها، فكما ان في الأولى تجب الإطاعة و تحرم المخالفة، كذلك في الثانية تجب الإطاعة و تحرم المخالفة، و يترتب عليها جميع ما يترتب على الإرادة الناشئة عن العلم بالمصلحة في المراد.

هذا في الأوامر و النواهي الصادرة لغير مصلحة في الفعل من الامتحان و التعجيز و التهديد و السخرية و أمثال ذلك. و أما التمني و الترجي فهما كاشفان عن حالة نفسانية ناشئة (تارة) عن الميل النفسانيّ بوقوع الفعل مع العلم باستحالته أو رجاء وقوعه، و (تارة) عن العلم بالنفع في إيجاد تلك الحالة مع العلم بوقوعه، أو عدم الميل إلى وقوعه و كذا الاستفهام كاشف عن حالة نفسانية تحصل بعد الجهل بالواقع، مع اشتياق التعلم و السؤال (تارة)، و من العلم بالمصلحة في إيجادها (أخرى) و لو مع العلم بكيفية الحال.

أنه في النّفس صفة أخرى غير الإرادة تسمى بالطلب، فهو واضح الفساد، ضرورة أنا إذ نطلب شيئا لم نجد في أنفسنا غير الإرادة و مباديها (64) و إن أرادوا ان الطلب معنى ينتزع من الإرادة في مرتبة

الشرح

(64) <(الطلب و الإرادة)> توضيح ذلك: أنه كما أن الفاعل المختار بعد تحقق مبادئ الإرادة تحدث في نفسه صفة نفسانية توجب تحريك عضلاته نحو الفعل، كذلك في الآمر بعد تحقق المبادي تحدث في نفسه حالة نفسانية تحركه نحو الجعل. و لا فرق بينهما، إلا أن في الأولى لما تعلق الغرض بصدور الفعل من جوارحه توجب تلك الحالة تحريك عضلات نفسه نحو الفعل، و في الثانية لمّا تحقق الغرض بصدور الفعل من جوارح الغير و يرى الآمر جعل الوجوب من مقدمات صدوره، فلا محالة يتحرك نحو الجعل و الأمر، و لذا لا تنفك الأولى عن المراد بخلاف الثانية، فانها - حيث احتاجت في إيجاد المراد إلى الجعل و موافقة المكلّف - قد تتخلف عن المراد، كما إذا منع مانع عن الأمر أو عصى المأمور، و لذلك ينقدح مع إرادة الآمر الاذن في الترك في المستحبات، حيث لا يرى الآمر تلك الإرادة علة تامة للفعل، بخلافها في الإرادة الفاعلية، فانها علة تامة. و لا يتصوّر فيها الاستحباب، و كيف كان فليس في النّفس حالة و صفة أخرى عند الآمر غير ما ذكرنا حتى يقال انها طلب.

هذا و لكن يمكن النزاع بأن يقال: هل الموجود - في نفس الفاعل و الآمر المحرك لهما نحو الفعل و الجعل - هو العلم بالنفع و الحب و الشوق النفسانيّ لا غيرها، حتى لا يبقى مجال للتعدد، أو حالة نفسانية أخرى يعبّر عنها مثلا بتجمّع النّفس، و هي الطلب الباعث للتحريك دائما، دون العلم بالنفع و الشوق المؤكد المجرد عنه، و تلك الحالة و ان كانت تحدث غالبا بعد العلم بالنفع و الشوق المؤكد، لكن قد تنفك عنهما، كما ذكرنا في الإرادة الاختيارية. و الأمر في الحقيقة كاشف عن تلك الحالة، و يكون إظهارها موضوعا لحكم العقل بوجوب

الإظهار و الكشف (65) دون الإرادة المجردة، فهما متغايران مفهوما و ان اتحدا ذاتا، فهو كلام معقول، و لكن لا ينبغي أن يذكر في عداد المسائل العقلية، فان انتزاع مفهوم آخر من مرتبة ظهور الإرادة مما لا ينكر، كما أشرنا إليه سابقا، فالكلام المذكور يرجع إلى دعوى ان لفظ الطلب موضوع

الشرح

الإطاعة، سواء نشأت من العلم بالنفع في المراد أو من العلم بالمصلحة في إيجاد تلك الحالة.

نعم لو علم بأنها نشأت من داعي التهديد و التعجيز و السخرية و أمثال ذلك، لم تكن منشأ لوجوب الإطاعة، و كذلك إنشاء البيع قد يكون بداعي الجد فيترتب عليه الأثر، و قد يكون صوريا فلا يترتب عليه أثر.

(65) بمعنى أن الموجود في النّفس ليس إلاّ الإرادة و مبادئها المعروفة، لكن لفظ الطلب وضع للإرادة المظهرة، فيكون الطلب و الإرادة من قبيل المطلق و المقيد. و لا إشكال في إمكان النزاع هكذا، إذ لا إشكال في صيرورة الإرادة بعد استعمال الهيئة فيها معنونة بعنوان المظهرية، و اللفظ بعنوان المظهريّة، و الاستعمال بعنوان الإظهار، مع عدم كونها معنونة بالعناوين المذكورة قبل الوضع و الاستعمال، فيدعي أحد أنهما موضوعان لصفة واحدة، بلا تقيّد بشيء، و الآخر بأن الطلب وضع لها مقيدة بظهورها، بخلاف الإرادة فانها وضعت لها من دون قيد فيصير النزاع لفظيا.

و يمكن أن يكون النزاع معنويا مع التصديق بعدم صفة في النّفس غير الصفات المعروفة، بأن يقال: هل يمكن إيجاد مفهوم ابتداء باللفظ و لو كان من مقولة الاعتبار - كما ادعاه المحقق الخراسانيّ - أم لا؟ و ليس شأن اللفظ الا الإظهار، - كما فصّلناه في مقامه - فراجع، فالقائل بإمكان ذلك يلتزم بتعددهما، و كون معنى الطّلب ذلك المفهوم الاعتباري، بمعنى أن الجامع بين المفاهيم الاعتبارية شيء غير الصفة النفسانيّة، و يجعلها موضوعا له للطلب، و لا وجه لجعله مفهوما اعتباريا لشيء آخر، كما جعله المحقق الخراسانيّ (ره). و أورد عليه الأستاذ - دام ظله - و أوضح برهانه، و القائل بعدم إمكان الإيجاد المذكور يجعل الموضوع له فيهما شيئا واحدا و هي الصفة النفسانيّة.

لهذا المعنى، بخلاف لفظ الإرادة، فانه موضوع للصفة الخاصة النفسانيّة، سواء تحقق لها كاشف أم لا.

قال شيخنا الأستاذ - دام بقاؤه في الكفاية في توضيح عينية الطلب مع الإرادة - ما لفظه «إن الحق - كما عليه أهله وفاقا للمعتزلة، و خلافا للأشاعرة - هو اتحاد الطلب و الإرادة، بمعنى ان لفظهما موضوعان بإزاء مفهوم واحد، و ما بإزاء أحدهما في الخارج يكون بإزاء الآخر. و الطلب المنشأ بلفظ أو بغيره عين الإرادة الإنشائية.

و بالجملة هما متحدان مفهوما و إنشاء و خارجا، لا ان الطلب الإنشائي الّذي هو المنصرف إليه إطلاقه كما عرفت متحد مع الإرادة الحقيقة التي ينصرف إليها إطلاقها أيضا، ضرورة أن المغايرة بينهما أظهر من الشمس و أبين من الأمس.

إذا عرفت المراد من حديث العينية و الاتحاد ففي مراجعة الوجدان عند طلب شيء و الأمر به كفاية، فلا يحتاج إلى مزيد بيان و إقامة برهان، فان الإنسان لا يجد غير الإرادة القائمة بالنفس صفة أخرى قائمة بها تكون هي الطلب غيرها» (انتهى).

أقول: ما أفاده - من أن الإنسان لا يجد من نفسه غير الإرادة القائمة بالنفس صفة أخرى قائمة بها عند طلبه شيئا - حق لا محيص عنه.

و أما التزامه بأن المفهوم الّذي هو بإزاء لفظ الإرادة أو الطلب له نحو ان من التحقق (أحدهما) التحقق الخارجي و (الآخر) التحقق الاعتباري، فهو مبنى على ما حققه من أن معاني الهيئة أمور اعتبارية توجد باللفظ بقصد الإيقاع.

و فيه - مضافا إلى ما عرفت سابقا من عدم تعقل كون اللفظ موجدا لمعناه - أن الأمور الاعتبارية التي فرضناها متحققة بواسطة الهيئة

(الفصل الثالث معنى الصيغة)

في الموارد الجزئية، يؤخذ منها جامع، تكون تلك الجزئيات مصداقا حقيقيا له. و هذا كما في الفوقية، فانها و ان كانت من الأمور الاعتبارية، و لكن يؤخذ من جزئياتها جامع يحمل على تلك الجزئيات، كحمل باقي المفاهيم على مصاديقها و لا معنى لجعل تلك الأمور مصاديق اعتبارية لمفهوم آخر لا ينطبق عليها. و الحاصل أنه ليس للمفهوم سوى الوجود الذهني و الخارجي نحو آخر من التحقق يسمى وجودا اعتباريا له.

هل الصيغة حقيقة في الوجوب أو في الندب أو فيهما على سبيل الاشتراك اللفظي أو المعنوي؟ وجوه أقواها الأخير، (66) و لكنها عند الإطلاق تحمل على الأول (67). و لعل السر في ذلك أن الإرادة المتوجهة إلى الفعل تقتضي وجوده ليس إلاّ، و الندب انما يأتي من قبل الاذن في الترك، منضما إلى الإرادة المذكورة، فاحتاج الندب إلى قيد زائد، بخلاف

الشرح

(66) <معنى الصيغة> و الشاهد على ذلك هو الوجدان، فان الآمر مع الاذن في الترك لم يعد عند العرف خارجا عن تعهّد الواضع، و لا عن مقتضى الوضع و لو لقرينة، كمن قال: رأيت أسدا يرمي، و أيضا نرى بالوجدان ان المفهوم من الهيئة في الواجب و المستحب شيء واحد و لا تباين بينهما، و هذا شاهد صدق على وحدة المعنى فيهما و ان كانت المصاديق مختلفة.

(67) و يشهد بذلك ان أهل العرف لا يعدّون المأمور معذورا في المخالفة باحتمال إرادة الندب.

الوجوب، فانه يكفى فيه تحقق الإرادة، و عدم انضمام الرخصة في الترك إليها. و هل الحمل على الوجوب عند الإطلاق يحتاج إلى مقدمات الحكمة (68)، و حيثما اختلت لزم التوقف أم لا، بل يحمل على الوجوب عند تجرد القضية اللفظية من القيد المذكور؟ الأقوى الثاني لشهادة العرف

الشرح

(68) و تقريب التمسّك بها - على تقدير الحاجة إليها، بناء على ما أسلفنا - من كون الإرادة التشريعية حالة نفسانية متعلقة بفعل الغير، و يمكن التعبير عنها بتجمع النّفس و بنائها على صدور الفعل المراد من المأمور و هي الباعثة لتحريك الآمر نحو الجعل و البعث - بأن يقال: ان الحالة المذكورة لو خليت و نفسها مقتضية لإيجاد الفعل و صدوره من المكلف، و ينتزع - من إظهارها مجردة بدون قيد - الوجوب، كما ان الإرادة التكوينية مقتضية لإيجاد المراد و صدوره من نفس المريد بلا توسط الغير، بل لا ينفك عن تحريك عضلات المريد نحو المراد، و لذا لا يتصور فيها الندب أصلا. و ان انضم إلى إظهارها الاذن في الترك ينتزع عنها الندب، لكن لا بنحو يكون الاذن في الترك عدولا عمّا أظهر أولا، بل بحيث يكون كل من إظهار الإرادة و الاذن في الترك جزءا لمنشإ انتزاع عنوان الندب، و جزءا لهذا المقدار من التأثير المشوب بجواز الترك في المأمور، و الفرق بينها و بين التكوينية هو أن التكوينية لا تنفك عن تحريك العضلات بعد تحققها، بخلاف التشريعية فانها بعد التحقق تحتاج في تأثيرها إلى الجعل و موافقة المكلف، و لذا لا تنافي بينها و بين الاذن في الترك، حيث ان الآمر لا يراها علة تامة للفعل حتى لا تنفك عنه، فله أن يكتفي بإظهارها مجردة عن الاذن في الترك حتى ينتزع منه الوجوب، و له ان يظهرها مع الاذن حتى ينتزع منه الندب، لنقصان في مصلحة المراد و لمصلحة في الاذن أقوى من مصلحته - و قد مرّ نظيره في اختيارية الإرادة - فلا يتوهم أن لازم ما ذكرنا كون تلك الحالة الموجودة في نفس المريد علة تامة للفعل مع قطع النّظر عن معصية المكلف، لما ذكر من احتياج تأثيرها إلى وسائط منها الأمر و البعث بإظهار الإرادة مجردا أو مع الاذن، فعند كل منهما تؤثر نحوا من الأثر.

..........

الشرح

و على هذا يكون باب الإيجاب و الندب باب الزائد و الناقص، و قضية مقدمات الحكمة عند تردد المجعول بين الزائد و الناقص تعين الناقص، لكونه أخف مئونة و هو الوجوب.

و اما ما يقال: من ان الفرق بينهما بالشدة و الضعف و ان الوجوب عبارة عن إرادة شديدة متعلقة بالفعل فتحتاج إلى بيان حد الشدة، سواء قلنا بأن الندب أيضا يحتاج إلى بيان حدّ الضعف أو قلنا بعدم احتياجه، لعدم احتياج عدم القوة إلى مئونة زائدة حتى ينتج عدم كون الوجوب أخف مئونة.

فمدفوع: بأن الحالة النفسانيّة على ما ذكرنا أمرها دائر بين الوجود و العدم، و لا نتعقّل فيها الضعف و الشدة، فان من يتصور فعلا و يعلم منافعه و مضاره فإمّا أن يكون الجزم و التصميم و البناء على إتيانه أو إتيان عبده موجودا في نفسه أو لا يكون، و يمكن ان يكون في نفسه تصميم ضعيف تارة و قوي أخرى، نعم الشدة و الضعف يتصور في الداعي الباعث لهذا البناء و التصميم، و هو المصلحة الموجودة في الفعل، و هذا الاختلاف في الدواعي فارق بين الإرادة التي لا يزيلها بعض الموانع الضعيفة و الإرادة التي يزيلها، فلا تكون الشدة و الضعف في نفس الحالة الموجودة.

و ما ذكرنا من انتزاع الوجوب عن إظهار الإرادة بدون الاذن في الترك و الندب منه مع الاذن، لا فرق فيه بين أحكام الموالي العرفية و أحكام اللّٰه - تبارك و تعالى - سواء قلنا بانقداح الإرادة فيها في نفس النبي و الولي، و احداث تلك الحالة النفسانيّة لهما عليهما السلام أم لا، لأن اختلاف الإرادة فيهما ذاتا لا يوجب اختلاف المظهر، فان إظهار الإرادة منه - تبارك و تعالى - بلا اذن منه في الترك منشأ لانتزاع الوجوب، و موضوع لحكم العقل بوجوب الإطاعة و استحقاق العقاب بالمخالفة، و مع الاذن في الترك منشأ لانتزاع الندب و موضوع لحكم العقل برجحان الفعل مع الترخيص في الترك، و ذلك لعدم اختصاص الشرع بلسان غير لسان أهل العرف في مقام إظهار مراداتهم و افهام مقاصدهم، بل أحكم طريقتهم

..........

الشرح

و أمضاها بقوله عزّ من قائل - «و ما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه»(1).

و كما أن باب الوجوب و الاستحباب باب الزائد و الناقص ثبوتا و إثباتا، - أما ثبوتا فلأنه ليس في نفس الآمر في الوجوب إلاّ إرادة الفعل، و في الاستحباب هي مع الرضا بالترك، و اما إثباتا فقد تبيّن مما مضى، و عند الشك يتعيّن الوجوب بمقتضى الإطلاق - كذلك باب النفسيّ و الغيري، و العيني و الكفائي، و التعييني و التخييري أيضا باب الزائد و الناقص، و قضية الإطلاق هو الوجوب النفسيّ العيني التعييني ثبوتا و إثباتا، اما ثبوتا فلان تلك الحالة الموجودة و الإرادة المتعلقة بشيء متوجهة إلى شخص بلا قيد يقتضي إتيانه معيّنا نفسا من هذا الشخص، و مع انضمام الغير إليه يصير غيريا، و مع انضمام البدل إلى الفعل يصير تخييريا، و إلى المكلف يصير كفائيا، و أمّا إثباتا فلأن الأول ينتزع من صرف إظهار الإرادة المتعلقة بشيء من مكلف، و اما غيره فيحتاج إلى إظهار القيد من الغير و البدل.

ثم ان هذا كله على ما بيّنا من معنى الإرادة و الوجوب و الهيئة على مختار الأستاذ - دام بقاؤه - و اما على مختار صاحب الكفاية من إيجاد مفهوم الطلب اعتبارا بالصيغة، فيمكن ان يقال أيضا ان باب إيجاد مفهوم الوجوب و الندب باب الزائد و الناقص، لأن الوجوب ينتزع من نفس إيجاد مفهوم الطلب اعتبارا، و الندبية مع الاذن في الترك، و هذا معنى التمسك بالإطلاق على مبناه، و اما الشدة و الضعف في الإرادة الحقيقية - لو قلنا بهما على المبنى - فلا دخل لهما بمدلول الصيغة و هو الإرادة الإنشائية، و لو فرض التشكيك فيه بأن قيل المفهوم الاعتباري للإرادة الضعيفة مثلا أضعف من المفهوم الاعتباري للإرادة القوية، لم يكن امر الاستحباب أخف مئونة من الوجوب، بل اما يتساويان في الاحتياج إلى المئونة، و اما يحتاج إليها الوجوب دون الندب، فلا يستقيم الأخذ بالإطلاق و تعيين الوجوب بهذا المعنى.

هذا كله على تقدير عدم ظهور في البين و الحاجة إلى مقدمات الإطلاق،


1) سورة إبراهيم 14 الآية 4.

..........

الشرح

لكن الظاهر ان نفس الهيئة ظاهرة بالظهور اللفظي في الوجوب النفسيّ العيني التعييني بلا احتياج إلى المقدمات، نظير «الكل» الظاهر في الاستيعاب بلا احتياج إليها، بل الظهور ناف لاحتمال ما لولاه ينفيه الإطلاق.

ثم إنه لو كان في المقام ظاهر أو إطلاق أخذنا به، و اما مع عدمهما فهل يحكم العقل بالبراءة - عند الشك في أحد القيود المذكورة - أو الاشتغال؟ الظاهر الثاني، بمعنى ان العقل يحكم بصحة المؤاخذة على تقدير العينية و النفسيّة و التعيينية، لا للعلم الإجمالي بين وجوب شيء أو شيئين في النفسيّ و الغيري، و انحلاله إلى العلم بوجوب الأقل و الشك في وجوب الأكثر حتى يلزم على القائلين بعدم الانحلال الإتيان بهما، و لا يجري التقريب المذكور في الشك في الكفائية و التخييرية، بل لأن الإنسان يجد من نفسه المأخوذية بالنسبة إلى ما سمع و علم بتوجه إرادة المولى إليه قبل الالتفات إلى العلم الإجمالي، فالعلم بتلك الحالة التي يعبّر عنها بالإرادة كاف في صحة المؤاخذة، إلاّ إذا علم كونها بحيث لا يجب موافقتها و لا تورث العقاب مخالفتها، إما مطلقا كما في الغيرية الغير المنجّز ذيها لعدم العلم أو لعدم القدرة، و إما على تقدير قيام الغير كما في الكفائي، و مع إتيان بدله كما في التخييري.

و أما احتمال كونها بحيث لا يجب موافقتها فلا ينهض لرفع اليد عن تلك الحجة العقلية، و ليس المناط في الحجة على التكليف العلم بالعقاب حتى يقال بعدم العلم به في المقام على الفرض، بل يكفي العلم بالتكليف مع احتمال العقاب، و إلاّ فاللازم عدم حجية الطرق، لانتفاء العلم بالعقاب فيها كما هو واضح.

و يمكن أن يلتزم في المقام بكون العلم بالإرادة المرددة طريقا إلى الإرادة النفسيّة العينية التعيينية كالأوامر الطريقية، و الفرق بين التقريبين هو أن العلم - بالإرادة المرددة مع احتمال العقاب على الأول - موضوع لوجوب الإطاعة و استحقاق العقاب من دون لحاظ الطريقية، و على الثاني طريق إلى ما يورث العلم أو الطريق إليه

بعدم صحة اعتذار العبد عن المخالفة، باحتمال الندب، و عدم كون الآمر في مقام بيان القيد الدال على الرخصة في الترك.

و نظير ما ذكرنا هنا - من استقرار الظهور العرفي بمجرد عدم ذكر القيد في الكلام، و ان لم يحرز كون المتكلم في مقام البيان - القضايا المسورة بلفظ الكل و أمثالها، فان تلك الألفاظ موضوعة لبيان عموم افراد مدخولها، سواء كان مطلقا أم مقيدا، ففي قضية (أكرم كل رجل عالم)، و (أكرم كل رجل لفظ الكل مفيد لمعنى واحد، و هو عموم افراد ما تعلق به و ما دخل عليه، غاية الأمر مدخوله في الأولى الطبيعة المقيدة، و في الثانية المطلقة، فالتقيد في الرّجل الّذي هو مدخول الكل ليس تصرفا في لفظ الكل. و هذا واضح، لكنه مع ذلك لو سمعنا من المتكلم (أكرم كل رجل لا نرى من أنفسنا في الحكم بالعموم في افراد الرّجل الاحتياج إلى مقدمات الحكمة في لفظ الرّجل بحيث لولاها نتوقف في أن المراد من القضية المذكورة إكرام جميع افراد الرّجل أو جميع افراد الصنف الخاصّ منه، و لا يبعد أن يكون نظير ذلك حمل الوجوب على النفسيّ و التعييني عند احتمال كونه غيريا أو تخييريا، فان عدم اشتمال القضية على ما يفيد كون وجوبه لملاحظة الغير، و كذا على ما يكون طرفا للفعل الواجب، يوجب استقرار ظهورها في كون الوجوب نفسيا تعيينيا، فلا يحتاج إلى

الشرح

العقاب، هذا على المختار من تحقق الحالة الموجودة في النّفس في جميع الأقسام و احتياج بعض الأقسام إلى قيد، و اما على الفرق بين الوجوب و الندب بالشّدة و الضعف و احتياج الوجوب إلى الحجة على الإرادة الشديدة، فالعلم بالإرادة المرددة بين الضعيفة و الشديدة ليس حجة على خصوص الشديدة منها، و مقتضى الأصل البراءة، لكن المبنى غير سديد.

إحراز مقدمات الحكمة. و الشاهد على ذلك كله المراجعة إلى فهم العرف، إذ لا دليل في أمثال ذلك امتن مما ذكر. و يحتمل أن يكون حمل الإرادة على الوجوب التعييني النفسيّ - عند عدم الدليل على الخلاف - من باب كونها حجة على ذلك عند العقلاء، لو كان الواقع كذلك، نظير حجية الأوامر الظاهرية على الواقعيات على تقدير التطابق، من دون أن يستقر الظهور اللفظي فيما ذكرنا، فافهم (69).

(الفصل الرابع) (الجمل الخبرية المستعملة في مقام الطلب)

الجمل الخبرية - التي يؤتى بها في مقام الطلب - ظاهرة في الوجوب، سواء قلنا بأنها مستعملة في الطلب مجازا، أم قلنا بأنها مستعملة في معانيها من الحكاية الجزمية عن الواقع بداعي الطلب، كما هو الظاهر.

أما على الأول فلما مر من ان الندب يحتاج إلى مئونة زائدة (70) و أما على الثاني فلان الاخبار بوقوع المطلوب في الخارج يدل على عدم تطرق نقيضه عند الأمر، فيكون هذا أبلغ في إفادة الوجوب من صيغة افعل و أمثالها.

الشرح

(69) لعلّه إشارة إلى استقرار الظهور في المقامين من دون حاجة إلى التقريب المذكور.

(70) <الجمل الخبرية المستعملة في مقام الطلب> بل يجري الوجه الثاني فيه أيضا، لأن استعمال الهيئة الموضوعة في الطلب لا بد له من نكتة، كاستعمال اللفظ الموضوع للحيوان المفترس في الإنسان، و النكتة في المقام عدم تطرق نقيضه عند الأمر، نعم لعلّ الثاني أبلغ في ذلك

(لا يقال): لازم حمل الجمل الخبرية في مقام الطلب على الاخبار وقوع الكذب فيما لم يأت المكلف بالمطلوب (لأنا نقول): الصدق و الكذب يلاحظان بالنسبة إلى النسبة الحكمية المقصودة بالأصالة، دون النسبة التي جيء بها توطئة لإفادة امر آخر. و لذا لا يستند الكذب إلى القائل بان زيدا كثير الرماد، توطئة لإفادة جوده، و إن لم يكن له رماد، أو كان و لم يكن كثيرا و انما يسند إليه الكذب لو لم يكن زيد جوادا.

(الفصل الخامس) (مفاد هيئة افعل)

هيئة افعل تدل بوضع المادة على الطبيعة اللابشرط من جميع الاعتبارات، حتى الوجود و العدم، و حتى الاعتبار الّذي به صار مفادا للمصدر (71) ضرورة أن المعنى المذكور آب عن الحمل على الذات، فيمتنع وجوده في الهيئة التي تحمل على الذات. هذا وضع المادة، و تدل

الشرح

المعنى و لا يخفى وجهه، كما لا يخفى أن النكتة المذكورة توجب ظهورها في الوجوب، لا كونها بحيث تأبى عن الحمل على الاستحباب، بل قد يؤتى بها لبيان تأكد الاستحباب.

(71) <مفاد هيئة افعل:> المادة عبارة عن أصوات خاصة غير مقيدة بهيئة خاصة لا يمكن التلفظ بها وحدها، بل لا بد لتلفظها من إحدى الهيئات. نعم يمكن إفهامها بالإشارة إليها بأن يقال (ض، ر، ب) مثلا لمادة ضرب و هكذا غيرها. و معناها أيضا مجرد عن جميع القيود حتى الوجود و العدم، و لا يمكن إيجاده في الذهن مستقلا و منفكا عن الهيئة، نعم يشار إليه بما هو موجود في جميع الهيئات. و الهيئة عبارة عن كيفية

بواسطة وضع الهيئة على الطلب القائم بالنفس، فالمركب من الوضعين يفيد الطلب المتعلق بتلك الطبيعة اللابشرط. و حيث أن الطبيعة اللابشرط حتى من حيث الوجود و العدم لا يمكن ان تكون محلا للإرادة عقلا يجب اعتبار وجود ما زائدا على ما يقتضيه وضع المادة و الهيئة (72)، و الوجود المذكور الّذي يجب اعتباره عقلا على أنحاء:

(أحدها) الوجود الساري في كل فرد كما في قوله تعالى أحل اللّٰه البيع (ثانيها) الوجود المقيد بقيد خاص، و من القيود المرة و التكرار، و الفور أو الوجود الأول و أمثال ذلك (ثالثها) أن يعتبر صرف الوجود مقابل العدم الأزلي، من دون امر آخر وراء ذلك.

و بعبارة أخرى كان المطلوب انتقاض العدم الأزلي

الشرح

أداء الحروف، و لا يمكن تحققها مجردة عن المادة، نعم يمكن إفهامها أيضا بالإشارة و يقال: ما لا يمكن تحقّقه إلاّ في ضمن صيغة من الصّيغ، و معناها الطلب المتعلّق بالمادة المتحقق في نفس المتكلّم.

(72) لا يخفى ان اعتبار واحد من الوجود أو العدم في متعلق الطلب عقلي، لعدم إمكان تعلق الطلب بنفس معنى المادة، و هو المفهوم المجرد عن جميع الطواري حتى الوجود و العدم كما هو الفرض، لعدم قابلية الماهية المجردة لأن تقع معروضا لشيء من العوارض، و لذا يقال: الماهية من حيث هي هي ليست إلاّ هي، و أمّا اعتبار خصوص الوجود دون العدم فليس بحكم العقل، لإمكان تعلق الطلب بترك الطبيعة، نعم يمكن ادعاء تبادره إلى الذهن في مقام الطلب بعد كونه و العدم سيّان بحكم العقل، مثلا لو قيل: الطهارة شرط أو النجاسة مانع، أمكن عقلا أن يكون عدم النجاسة شرطا و أن يكون عدم الطهارة مانعا، لكن يتبادر من تلك القضايا بعد الحكم العقلي المذكور - كون الوجود معتبرا دون العدم، إلاّ إذا صرّح المتكلّم باعتبار العدم في القضيّة.

بالوجود (73)، من دون ملاحظة شيء آخر، و حيثما لا يدل الدليل على أحد الاعتبارات، يتعين الثالث لأنه المتيقن من بينها، و غيره يشتمل على هذا المعنى و أمر زائد فيحتاج إلى مئونة أخرى زائدة مدفوعة بمقتضى الإطلاق.

و مما ذكرنا يظهر ان الفور و التراخي و المرة و التكرار و غيرها كلها خارجة عن متفاهم اللفظ. نعم لو دل الدليل على أحدها، لم يكن منافيا لوضع الصيغة لا بمادتها و لا بهيئتها. و لازم ما ذكرنا الاكتفاء بالمرة سواء أتى بفرد واحد من الطبيعة أم أزيد منه، لانطباق الطبيعة المعتبرة فيها حقيقة الوجود، من دون اعتبار شيء آخر على ما وجد أولا، فيسقط الأمر، إذ بعد وجود مقتضاه في الخارج لو بقي على حاله لزم طلب الحاصل، و هو محال. نعم يمكن أن يقال في بعض الموارد بجواز إبطال ما أتى به أولا، و تبديله بالفرد الّذي يأتي به ثانيا، كما يأتي بيانه في محله.

(الفصل السادس) (في الاجزاء)

اشارة

لا إشكال في ان الإتيان بالمأمور به بجميع ما اعتبر فيه شرطا و شطرا، يوجب الاجزاء عنه، بمعنى عدم وجوب الإتيان به ثانيا، باقتضاء ذلك الأمر، لا أداء و لا قضاء، لسقوط الأمر بإيجاد متعلقه،

الشرح

(73) هذا على مختاره سابقا، لكنه - دام بقاؤه - رجع عنه و ردّه بأن وجود الطبيعة المجردة عن جميع الطواري غير مقيّد بالناقضية للعدم، و ان كان ناقضا له في الخارج، لكن لا بنحو التقيّد بحيث لو اجتمع أكثر من سبب واحد لإيجابه لم يكن

ضرورة أنه لو كان باقيا بعد فرض حصول متعلقه لزم طلب الحاصل، و هو محال. و لا فرق في ذلك بين الواجبات التعبدية و التوصلية.

و ما قد يتوهم في التعبديات: من أنه قد يؤتى بالواجب بجميع ما اعتبر فيه، و مع ذلك لم يسقط الأمر، لفقد التقرب الّذي اعتبر في الغرض، فهو بمعزل عن الصواب، لما ذكرنا من استحالة بقاء الأمر مع وجود عين ما اقتضاه في الخارج. و أما وجوب الإتيان ثانيا في التعبديات لو أخل بقصد القربة، فاما من جهة اعتبار ذلك في المأمور به، و إما من جهة تعلق الأمر بالإتيان بالفعل ثانيا، بعد سقوط الأمر الأول، لعدم حصول الغرض الأصلي. و ستطلع على تفصيل ذلك عند البحث عن وجوب مقدمة الواجب إن شاء الله.

و الحاصل ان الأمر إذا أتى بما اقتضاه بجميع ما اعتبر فيه لا اقتضاء له ثانيا. نعم يتصور امر آخر يتعلق بإيجاد الفعل ثانيا. و هذا غير عدم الاجزاء عن الأمر الأول. و لعمري إن هذا من الوضوح بمكان. و كذا لا فرق فيما ذكرنا بين الأوامر المتعلقة بالعناوين الأولية، و بين الأوامر الملحوظ فيها الحالات الطارية، من قبيل العجز و الاضطرار و الشك و أمثال ذلك، لوجود الملاك الّذي ذكرنا في الجميع. و انما الإشكال

الشرح

قابلا للتكرار، فقيد الناقضية أيضا قيد يدفعه الإطلاق، و تمام الكلام مع بيان الثمرة في باب تداخل الأسباب - إن شاء الله تعالى - إذ لا ثمرة بين القولين في ما لم تكن أسباب متعددة و يكتفى بالمرة في الامتثال، نعم بناء على الناقضية لا يعقل التكرار، و بناء على عدمها يعقل التكرار لكن لا مقتضى له، لأن الأمر الأول لم يكن الا مقتضيا لأصل الطبيعة و قد تحققت و لا امر آخر بالفرض.

و الكلام في أن الأوامر المتعلقة بالمكلف بملاحظة العناوين الطارية (74) لو أتى المكلف بمتعلقاتها، هل تجزى عن الواقعيات الأولية، بحيث لو ارتفعت تلك الحالة الطارية في الوقت أو خارجه، لا يجب عليه الإتيان بما اقتضت الأوامر الواقعية الأولية أو لا يكون كذلك؟ إذا عرفت ذلك فنقول: إن العناوين الطارية التي توجب التكليف على قسمين (أحدهما) ما يوجب حكما واقعيا في تلك الحالة مثل الاضطرار (ثانيهما) ما يوجب حكما ظاهريا، مثل الشك، فهاهنا مقامان يجب التكلم في كل منهما.

الشرح

(74) <الاجزاء:> المراد بالعنوان الطاري هو العنوان المأخوذ في طول الواقعيات غير المقيدة بحال، سواء كان ظاهريا مجعولا في مرتبة الشك في الواقع، أو واقعيا ثانويا مجعولا في مرتبة العجز عن الواقعي الأولى، مثل «ان لم تجدوا ماءً فتيمّموا» فان وجوب التيمم على الفاقد و ان كان حكما واقعيا ليس وراءه حكم آخر في اللوح المحفوظ كالاحكام الظاهرية، لكن لما كان في مرتبة العجز عن الواقع الأولى و فقدان الماء يقال له الواقعي الثانوي، و كذا جميع ما جعل بلحاظ العجز عن الواقعيات الأولية، فيخرج مثل السفر و الحضر، فانّ أحد العنوانين لم يؤخذ مع العجز عن الآخر، بل هما ملحوظان في عرض واحد، بمعنى ان الآمر قسّم المكلف إلى صنفين: الحاضر و المسافر، و أوجب على الأول التمام، و على الثاني القصر، من دون تقدم لأحدهما على الآخر. فليس المحكوم بأحد الحكمين محكوما بالحكم الآخر أيضا، حتى يقال هل الامتثال لأحدهما مجز عن الآخر أم لا؟ بل لا موضوع لأحدهما مع تحقق الآخر.

1 - (اجزاء الاضطراري عن الاختياري)

اما القسم الأول فينبغي التكلم فيه (تارة) في أنحاء ما يمكن أن يقع عليه و (أخرى) فيما وقع عليه. أما الأول فنقول: يمكن أن يكون التكليف بشيء في حال عدم التمكن من شيء آخر، و الاضطرار العرفي بتركه، من جهة أن ذلك الشيء مشتمل على عين المصلحة التي تقوم بالفعل الاختياري، من دون تفاوت أصلا، مثلا الصلاة مع الطهارة المائية في حق واجد الماء، و الترابية في حق فاقده سيان في ترتب الأثر الواحد المطلوب الموجب للأمر (75) و يمكن أن يكون الفعل في حق المضطر مشتملا على مصلحة وجوبية، لكن من غير سنخ تلك المصلحة القائمة بالفعل الاختياري، و ان كانت مثلها في كونها متعلقة لغرض الآمر في الحالة التي يكون المكلف عليها (76). و يمكن أن يكون مشتملا على مرتبة أدنى من المصلحة القائمة بالفعل الاختياري. و على هذا يمكن بلوغ الزائد حدا يجب استيفاؤه و يمكن عدم بلوغه إلى هذه المرتبة. و على الأول يمكن كون الزائد مما يمكن استيفاؤه بعد زوال العذر، و يمكن عدم كونه كذلك.

هذه أنحاء الصور في التكاليف الاضطرارية (77).

الشرح

(75) <اجزاء الاضطراري عن الاختياري:> كما في إيماء المريض و قيام القادر للتعظيم، فان الظاهر اتحاد أثرهما عينا.

(76) بحيث لو اجتمع العنوانان في مكلف واحد لأوجبهما عليه.

(77) و جميع الأنحاء المذكورة في المكلف به متصورة في نفس التكليف أيضا، بأن

و لازم الأول من الأقسام المذكورة الاجزاء، بداهة مساواة الفعل الاضطراري للفعل الاختياري في تحصيل الغرض على الفرض المذكور، فكما أن الفعل الاختياري يوجب الاجزاء كذلك الاضطراري.

و لازم الثاني منها عدم الاجزاء، إذا لفعل الاضطراري - و إن كان مشتملا على المصلحة التامة كالاختياري - لكن المصلحة القائمة بكل منهما تغاير الأخرى، فلا يكون أحد الفعلين مجزيا عن الآخر. نعم يمكن أن يكون أحد الفعلين في الخارج موجبا لعدم إمكان استيفاء مصلحة الآخر. و لا يخفى أن لازم كلا القسمين المذكورين جواز تحصيل الاضطرار اختيارا (78).

و لازم الثالث عدم الاجزاء (79). مع اتصاف الزائد بوجوب الاستيفاء و إمكانه معا، و في غيره الاجزاء. ثم إنه إن كانت المصلحة الزائدة بمرتبة اللزوم، و لا يمكن الاستيفاء بعد إتيان الفعل الاضطراري، لا يجوز للآمر الإيجاب و البعث إلى الاضطرار في الوقت، إن علم بزوال عذره قبل زوال الوقت، لأنه تفويت للمصلحة اللازمة. و في غير الصورة المذكورة يجوز الإيجاب، و إن علم بزوال عذره في الوقت. و وجهه ظاهر.

و لازم الصورة الأولى عدم جواز البدار إلى الفعل الاضطراري، إلا إذا علم باستيعاب العذر لتمام الوقت، كما ان لازم الثانية جواز ذلك، و ان علم

الشرح

لا يكون في نفس الفعل فائدة، و لكن كان في الإيجاب و البعث به أحد الفوائد المذكورة.

(78) و كذا جواز البدار للمكلف، و جواز الإيجاب للآمر مع العلم بانقطاع العذر في الأثناء.

(79) بشرط عدم تداركه بمصلحة في التكليف.

بانقطاع العذر. و القول بعدم جواز البعث للآمر و البدار للمكلف في الصورة الأولى، إنما هو فيما لم تكن للتكليف مصلحة تتدارك بها المصلحة الزائدة الفائتة، و إلاّ جاز. و تنتفي الثمرة بين الصورتين. هذه أنحاء التصور في التكاليف الاضطرارية.

و اما ما وقع بمقتضى النّظر في أدلتها، فالظاهر أن المأتي به في حال الاضطرار لو وقع مطابقا لمقتضى الأمر، يسقط الإعادة ثانيا، فان ظاهر أدلتها ان المعنى الواحد يحصل من المختار بإتيان التام، و من المضطر بإتيان الناقص (80). نعم في كون موضوع تكليف المضطر هو الاضطرار

الشرح

(80) و ذلك لظهور الأدلة في تقسيم المكلفين بصرف الوجود إلى القادر و العاجز و الواجد و الفاقد مثل «ان لم تجدوا...» و «التراب أحد الطهورين» و «رب الماء و رب التراب واحد» و «يكفيك التراب عشر سنين» و «اذكروا اللّٰه قياما و قعودا» بناء على ما فسّر في الاخبار من وجوب الصلاة على القادرين قياما، و على العاجزين قعودا و غير ذلك من أدلة الباب، فانها ظاهرة في ان التكليف واحد، و يأتي به كل بحسب حاله، و لا يجب على مكلف واحد الإتيان بوظيفتين، لكن لا يخفى أنها و ان كانت ظاهرة في عدم الوجوب ثانيا بعد ارتفاع الاضطرار، إما ان ذلك لحصول تلك المصلحة بتمامها حتى يجوز تحصيل الاضطرار للقادر و البدار للعاجز العالم بزوال عذره في الوقت، و إما لتفويت محلها حتى يحرما، و لذا يشكل الحكم بجواز تحصيل الاضطرار على من تنجّز عليه تكليف التمام لتمكنه من إتيانه، لأن العقل لا يجوّز مخالفة التكليف المنجز، و لو بتفويت المحل بمجرد احتمال التدارك، بل يحتاج إلى المؤمّن من قبل الشارع و المفروض انتفاؤه، نعم لو اجترأ و صار مضطرا يجب عليه إتيان الناقص لتحقق موضوعه، اللهم إلاّ أن يكون في الأدلة إطلاق يشمل العجز في بعض الوقت ليرخّص البدار، فيستكشف منه عدم التفويت، لاستلزامه الإلقاء في المفسدة، فيجوز تحصيل الاضطرار، لكن استكشاف ذلك منها مبنى على ان لا يكون التجويز لمصلحة في الجعل فتأمل.

الحالي أو الاضطرار المستوعب لتمام الوقت كلام، لا بد في تنقيح ذلك من النّظر في الأدلة (81) و للكلام فيه محل آخر. و يتفرع على الأول سقوط الإعادة لو انقطع العذر في الأثناء، و على الثاني عدم السقوط، لا لعدم اجزاء امتثال الأمر في حال الاضطرار، بل لكشف انقطاع العذر عن عدم كون المأتي به متعلقا للأمر. و أما القضاء فيما إذا استوعب العذر مجموع الوقت و انقطع بعده، فيسقط عنه على كلا التقديرين.

ثم انه لو فرضنا الشك في ظواهر الأدلة، فأصالة البراءة محكمة، لرجوع المقام إلى الشك في التكليف (82) و لا فرق في ذلك بين الإعادة و القضاء.

(لا يقال): مقتضى وجوب قضاء ما فات وجوب العمل التام عليه، لصدق فوت العمل التام عنه.

(لأنا نقول): يعتبر في صدق الفوت اشتمال العمل على المصلحة المقتضية للإيجاب عليه، و لم يستوفها المكلف. و المفروض احتمال استيفاء المكلف العاجز تلك المصلحة بإتيان الناقص. و مع هذا الاحتمال يشك في صدق الفوت الّذي هو موضوع أدلة القضاء هذا حال التكليف الاضطراري.

الشرح

(81) لا يبعد استفادة الأول منها، فان من لم يتمكن من تحصيل الماء بحسب الأسباب العادية يصدق عليه انه لم يجد الماء فيجب عليه التيمّم، و ان علم أنه يصير بعد ساعة واجدا للماء، لنزول المطر أو غيره من الأمور غير الاختيارية، نعم لو كان عدم التمكن فعلا من جهة احتياجه إلى مقدمات اختيارية و لو بمشي مقدار من المسافة لم يصدق عليه فاقد الماء، و تمام الكلام في محله.

(82) في غير الاضطرار الطاري بعد التمكن من إتيان التمام في الوقت، و أما فيه

..........

الشرح

فالظاهر أن العقل يحكم بالاشتغال لما مضى في تحريم تحصيل الاضطرار عليه، من أن العقاب المنجز على التمام لا يرتفع باحتمال التدارك، و مع التكرار ثانيا و ان لم يحصل القطع بالبراءة أيضا، لاحتمال التفويت بفعل الناقص، لكن يجب بحكم العقل تقليل الاحتمال، كمن اشتبهت عليه القبلة و عجز عن الصلاة إلى أربع جهات، فان العقل يحكم بإتيانها إلى ثلاث جهات و ان لم يقطع بالبراءة معها.

ان قلت: ان كان في المقام إطلاق يدل على أن المضطر في ساعة يجب عليه الناقص، حتى يجوز البدار و تحصيل الاضطرار، فقد مرّ - في الحاشية السابقة - أنه يستكشف منه عدم التفويت، و ان لم يكن إطلاق يشمل ذلك الاضطرار المرتفع بعد ساعة، فموضوع الحكم بالناقص بعد غير محرز حتى يقال هل الإتيان به مجز عن التام أم لا؟ بل الأمر بالتام معلوم و الشك في ارتفاعه، و الظاهر ان القائل بالبراءة لا يقصد المقام قطعا، لأن المقام مقام استصحاب الحكم بالتام لا البراءة عنه.

قلت: أولا: هذا إشكال آخر على القائل بالبراءة، لأنه مع الإطلاق لا مجال للبراءة، و مع عدمه يستصحب وجوب التام.

و اما ثانيا: فيما قلنا في الحاشية السابقة من ان الإطلاق لا ينهض دليلا على عدم التفويت لاحتمال المصلحة في الجعل، و هي ملازمة للإذن في البدار لا في تحصيل الاضطرار، فيمكن في خصوص الفرض الحكم بالاشتغال، و ان كان الإطلاق موجودا، و ان فرض في المتن محل النزاع خصوص المورد الخالي عن الإطلاق، بل قد يقال في غير الفرض أيضا بوجوب التام، يعنى أن من كان عاجزا في أول الوقت و أتى بالناقص يجب عليه الإتيان بالتام عند حصول القدرة أيضا بمقتضى الاستصحاب التعليقي، فانه لو كان قادرا لكان يجب عليه التام، فيستصحب الملازمة بين القدرة و وجوب التام، للعلم بوجودها قبل فعل الناقص و الشك فيها بعده، و لا تنقض اليقين... و مقتضى ذلك إيجاب التام عند حصول القدرة، و هو مقدم على استصحاب عدم وجوبه الفعلي، كما حقق في محله.

..........

الشرح

و لكنه مخدوش، بيان ذلك: ان الحكم المعلّق على شيء قد يعلّق عليه بلا لحاظ زمان فيهما، بل يتحقق الحكم عند تحقق الشرط، لكن لا مقيدا بخصوص زمانه بل يبقى الحكم و ان انقضى زمان الشرط، كتعليق حرمة العصير على غليانه، و قد يلاحظ فيه زمان خاص و لو كان ذلك نفس زمان المعلق عليه، كتعليق وجوب الوضوء على وجدان الماء، و وجوب التيمم على فقدانه و جواز الاقتداء على العدالة و عدمه على الفسق، فوجوب الوضوء في خصوص حال الوجدان معلق على الوجدان لا وجوبه و لو بعد الوجدان، و كذا التيمم في خصوص حال الفقدان، و الاقتداء في خصوص حال العدالة، و عدمه في حال عدمها و لا إشكال في جريان الاستصحاب التعليقي في القسم الأول. لأن الملازمة الشرعية بين الغليان و الحرمة كانت متيقّنة في حال العنبية فإذا شككنا بعد الزّبيبية في بقائها فلا مانع من إبقائها مع اتحاد الموضوع عرفا.

و اما في القسم الثاني فحيث علّق وجوب الوضوء في خصوص زمان الوجدان على تقدير تحققه، فقبل مضي كل زمان يصح ان يقال ان تحقق الوجدان في هذا الزمان يجب الوضوء في هذا الزمان، و اما بعد فوت الزمان فلم تبق تلك القضية الشرعية بحالها، لأن حكم الموقت ينتفي بانتفاء وقته، نعم يصح ان يقال لو كان واجدا لكان يجب عليه الوضوء، لكنها قضية عقلية منتزعة من الأولى انتفت بانتفاء وقتها، و مثل تلك القضية العقلية لا تكون منشأ للآثار الشرعية و هي فرضية عقلية، كقولنا المائع الفلاني لو كان خمرا لحرم شربه، و لو كان ماء لجاز شربه، و لو كان دما لوجب اجتنابه، و أمثال هذه مما لا تحصى كثرة، هذا بالنسبة إلى الزمان الماضي، و اما بالنسبة إلى الزمان الآتي فتصدق قضية شرعية أخرى و هي ان واجد الماء يجب عليه الوضوء في خصوص ذلك الزمان، و لا ربط لهذه القضية بالسابقة حتى يستصحب، فان كانت في نفسها متيقنة فهو، و إلاّ فالمرجع فيها البراءة. و في المقام وجوب التمام مسلّم على من لم يصل الناقص، و اما من صلّى الناقص فوجوب التمام عليه في خصوص الزمان المذكور مشكوك فيه من أول الأمر.

2 - (اجزاء الظاهري عن الواقعي)

و اما التكاليف المتعلقة بالمكلف في حال الشك في التكليف الواقعي، فملخص الكلام فيها أنه إن قلنا باشتمال متعلقاتها في تلك الحالة على المصالح، فحالها حال التكاليف المتعلقة بالافعال في حال الاضطرار (83)، من دون تفاوت. و إن قلنا بأنها تكاليف جعلت لرفع تحير المكلف عن الواقعيات في مقام العمل، فلازم ذلك عدم الاجزاء،

الشرح

و الحاصل: ان في المقام قضيتين إحداهما: أنه لو كان قادرا لوجب عليه التمام في الزمان الماضي، و الثانية: أنه ان قدر في الزمان اللاحق يجب عليه التمام في تلك الحالة.

أما في الأولى: فمعلوم أنها لم تكن شرعية و لو كانت لم تكن مفيدة لوجوب التمام في الآن اللاحق، لأنهما حكمان غير مرتبط أحدهما بالآخر.

و اما الثانية: فهي متيقنة في حق غير مصلي الناقص، و أمّا في حقه فمشكوك من رأس، و هذا بخلاف (إذا غلا ينجس أو يحرم) فان فيها حيث لم يقيّد الحكم بزمان خاص، فلا محالة يصدق في كل زمان قضيتان، إحداهما حلال و طاهر فعلا، و الأخرى إذا غلا ينجس و يحرم و هي قضية واحدة باقية تستصحب عند الشك.

(83) <اجزاء الظاهري عن الواقعي:> اما ثبوتا، فلا مكان كون مصلحة العمل بالحكم الظاهري عين المصلحة الواقعية في ذلك الموضوع، و كونها سنخا آخر، و كونها أنقص منها بمقدار لازم الاستيفاء مع إمكان استيفائه أو بدونه أو بمقدار مستحب. و اما إثباتا، فلظهور أدلتها في أن العمل المذكور لمن قامت عليه الأمارة هو المكلّف به واقعا و ان كان موضوعها خاصا، فمن قامت أمارة له في كيفية صلاته فما دام موضوعا لها تكون تلك الصلاة له صلاة حقيقة لا تعبدا و تنزيلا، و معلوم ان الصلاة لا تطلب من مكلّف مرتين.

لعدم حصول الغرض الموجب للتكليف بالواقع على هذا الفرض. غاية الأمر كون الامتثال لتلك التكاليف عذرا عن الواقع المتخلف عنه، و حد إمكان العذر عن الشيء كونه مشكوكا فيه، فإذا علم لا يمكن عقلا ان يكون معذورا فيه، لوجوب امتثال الحكم المعلوم و حرمة مخالفته. و لا فرق فيما ذكرنا بين ان يكون مورد الأحكام الظاهرية الشبهات الموضوعية أو الحكمية (84).

و حاصل الكلام: أن الغرض الموجب للحكم حدوثا موجب له بقاء ما لم يحصل. و بعد ما فرضنا أن متعلقات الأحكام الظاهرية ليست مشتملة على مصالح، حتى يتوهم حصول تلك الأغراض الموجبة للتكليف بالواقعيات بإتيانها، و انما فائدتها تنجيز الواقعيات في مورد ثبوتها، و كونها عذرا عنها في صورة التخلف، فلا وجه لتوهم الاجزاء، لأنه ان كان المراد

الشرح

و اما عند الشك في ظواهر الأدلة فنحكم بالبراءة، الا فيما حكمنا فيه في السابق بالاشتغال لعين ما قلناه آنفا، نعم قد يقال: مقتضى إطلاق الأدلة الدالة على حجية الأمارة مع إمكان تحصيل العلم عدم تفويت الواقع بلا تدارك، لاستلزامه المحال.

و هو صحيح لو لا احتمال المصلحة في الجعل كما مرّ.

(84) و توهم الفرق بإمكان تقييد الأحكام الواقعية بالعلم في الأول بخلاف الثاني مندفع، بأن مجرّد إمكان التقييد في الأول في مرحلة الثبوت غير موجب للحكم به في مرحلة الإثبات، مع أن لسان الأدلة فيهما واحد «فكل شيء مطلق» و «كل شيء حلال» يرخّص ترك الواقعيات في الشبهات الحكمية و الموضوعية على نسق واحد، و جعل الحكم في بعض أفراده واقعيا و في بعضها ظاهريا كما ترى، و كذا أدلة الأمارات و الطرق، و لو فرض اختصاص دليل بالشبهات الموضوعية فيدور الأمر بين تقييد كل من دليلي الحكمين بالعلم و الجعل، و بين الجمع بينهما بجعل أحدهما واقعيا و الثاني ظاهريا من دون تقييد لأحدهما، و معلوم أن الجمع أولى.

سقوط الأمر بالواقعيات بمجرد امتثال الأمر الظاهري، فلا يعقل مع بقاء الغرض الّذي أوجب الأمر، و إن كان المراد كونه معذورا فيها مع بقاء الأمر بها و ارتفاع الشك، فلا يعقل أيضا، لاستقلال العقل بعدم معذوريّة من علم بتكليف المولى. نعم يمكن ان يوجب امتثال الأمر الظاهري عدم القابلية لاستدراك المصلحة القائمة بالواقع، فيسقط الأمر به من هذه الجهة. و هذا الاحتمال - مع كونه بعيدا في حد نفسه - لا يصير منشأ للتوقف، إذ غايته الشك في السقوط، و هو بعد العلم بالثبوت مورد للاشتغال.

هذا إذا علم ان جعل الأحكام الظاهرية من باب الطريقية و لو شك في أنه كذلك أو من باب السببية، أو علم انه من باب السببية، و لكن شك في ان الإتيان بالمشكوك فيه هل هو واف بتمام الغرض الموجب للأمر بالواقع، أو بمقدار يجب استيفاؤه أو لم يكن كذلك، فهل الأصل في تمام ما ذكرنا يقتضى الاجزاء أو عدمه، أو التفصيل بين ما إذا كان منشأ الشك في الاجزاء و عدمه الشك في أن جعل الأحكام الظاهرية من باب السببية أو الطريقية، و ما إذا كان منشأ الشك فيه الشك في كيفية المصلحة القائمة بالفعل المشكوك فيه المتعلق للأمر، بعد إحراز أن الجعل من باب السببية؟ الحق أن يقال: ان مقتضى الأصل عدم الاجزاء مطلقا.

بيان ذلك أن الأحكام الواردة على الشك - سواء قلنا بأنها جعلت لمصلحة في متعلقاتها، أو قلنا بأنها جعلت من جهة الطريقية - إنما جعلت في طول الأحكام الواقعية، لأن موضوعها الشك في الواقعيات بعد الفراغ عن جعلها، فلا يمكن أن تكون رافعة لها، غاية الأمر أن الإتيان

بمتعلقاتها - ان قلنا بان الجعل فيها من باب السببية، و انها وافية بمصالح الواقعيات - مجزئ عنها. و هذا غير ارتفاع الأحكام الواقعية، و انحصار الحكم الفعلي بمؤدى الطريق.

إذا عرفت ذلك فنقول: لو أتى المكلف بما يؤدى إليه الطريق، فان قطع باشتمال ما أتى به على المصلحة المتحققة في الواقع فهو، و إلاّ فبعد انكشاف الخلاف يجب عليه إتيان الواقع، سواء كان الشك في السقوط و عدمه مستندا إلى الشك في جهة الحكم الظاهري، أو في وفاء المصلحة المتحققة في متعلق الحكم الظاهري لتدارك ما في الواقع، بعد إحراز أن الجعل انما يكون من جهة المصلحة الموجودة في المتعلق، إذ يشترك الجميع في أن المكلف يعلم - حين انكشاف الخلاف - بثبوت تكليف عليه في الجملة، و يشك في سقوطه عنه. و هذا الشك مورد للاشتغال العقلي (85).

و مما ذكرنا يظهر لك الفرق بين المقام و المقام السابق الّذي قلنا فيه بالبراءة من الإعادة و القضاء، بعد إتيان ما اقتضاه التكليف في حال الاضطرار. توضيح الفرق أن المكلف في حال الاضطرار، ليس عليه الا

الشرح

(85) هذا انما يصح بناء على فعلية الأحكام الواقعية كما هو مختار الأستاذ - دام ظله - لأن المكلف يعلم فعلا بالوجوب الفعلي قبل ذلك الآن و لكن يشك في سقوطه، و أما بناء على إنشائية الأحكام فلا يستقيم، لأن المكلف لا يعلم بتكليف فعلي في آن من الآنات، أما حين الجهل فإنشائي بالفرض، و أما بعده فيحتمل السقوط، إلاّ أن يقال بحكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة تكليف كان - مع قطع النّظر عن احتمال سقوط ما كان - فعليّا. و لا يخفى أن القاطع بالخلاف خارج عن مسألة الاجزاء، لعدم جعل حكم في حقه حتى يقال بأن الامتثال على طبقه مجز أو غير مجز.

الفعل الناقص الّذي اقتضاه تكليفه في تلك الحال، فلو كلف بعد ارتفاع العذر بالفعل التام، فهو تكليف ابتدائي جديد، فالشك فيه مورد للبراءة، بخلاف حال الشك، فان ما وراء هذا التكليف - الّذي اقتضاه الدليل في حال الشك - واقع محفوظ، فإذا ارتفع الشك يتبين له ذلك الواقع الثابت، و يشك في سقوطه عنه. هذا ما ادى إليه نظري القاصر في المقام و عليك بالتأمل التام.

المقصد الثاني في مقدمة الواجب

اشارة

اعلم أن الواجب في الاصطلاح عبارة عن الفعل المتعلق للإرادة الحتمية المانعة عن النقيض، فلا يشمل ترك الحرام، و ان كان ينتزع - من مبغوضية الفعل و عدم الرضا به - كون تركه متعلقا للإرادة الحتمية المانعة عن النقيض، إلا أنه لا يسمى واجبا في الاصطلاح فلو اقتصر في العنوان المبحوث عنه هنا بمقدمة الواجب - كما فعله الأصوليون - فاللازم جعل الحرام عنوانا مستقلا يتكلم فيه، فالأولى جعل البحث هكذا (هل الإرادات الحتمية للمريد - سواء كانت متعلقة بالفعل ابتداء أو بالترك من جهة مبغوضية الفعل - تقتضي إرادة ما يحتاج ذلك المراد إليه أم لا)؟ حتى يشمل مقدمة الفعل الواجب و الترك الواجب.

ثم انه على القول بالاقتضاء يحكم بوجوب جميع مقدمات الفعل الواجب من المعد، و المقتضى، و الشرط، و عدم المانع، و مقدمات المقدمات.

و أما الترك الواجب، فلا يجب بوجوبه الا ترك إحدى مقدمات وجود الفعل. و السر في ذلك أن الفعل في طرف الوجود يحتاج إلى جميع المقدمات، و لا يوجد إلاّ بإيجاد تمامها، و لكن الترك يتحقق بترك إحداها (86)،

الشرح

(86) <المقصد الثاني في مقدمة الواجب> لو قلنا بوجوب ترك مقدمة الحرام لكونه مقدمة للواجب أعني ترك

..........

الشرح

الحرام فلا فرق بين الفعل و الترك. و محصّل الكلام: ان كلا من الفعل و الترك إذا كان واجبا، فاما ان تكون له مقدمات طولية بحيث يكون بعضها مقدمة لبعضها الآخر، و هكذا إلى ان تنتهي إلى مقدمة المقدمات، فلا إشكال في وجوب الجميع تعينا على الملازمة لتوقف الواجب عليها، و كذا الحال في الاجزاء المنحصرة لما يتوقف عليه الفعل منحصرا، و اما ان تكون له مقدمات عرضية بحيث يتوقف الفعل أو الترك على إحداها لا على الجميع كالعلل الكثيرة لفعل واحد، فيجب كل منها تخييرا لا تعيينا.

و بعبارة أخرى: كل مقدمة منحصرة للفعل أو لأحد مقدماتها المنحصرة واجب تعيينا، و كل مقدمة غير منحصرة له أو لأحد مقدماته واجب تخييرا، من غير فرق بين الفعل و الترك، لكن إذا كان للفعل مقدمات طولية منحصرة فعند وجوبه تجب لتوقف المطلوب عليها، و أما عند وجوب تركه فلما كان ترك كل منها علة لتركه يكون ترك كل من المقدمات واجبا تخييرا، لتوقف الواجب على أحد هذه التروك لا على الجميع، و إذا كان للفعل مقدمات عرضية كالعلل الكثيرة، فعند وجوب الفعل لا تجب المقدمات الا تخييرا، لعدم توقف الواجب الا على إحداها، و أما إذا وجب تركه فيجب ترك جميع العلل تعيينا، لتوقف حصول الواجب عليها كما هو واضح، فالمناط في التعيين و التخيير في وجوب المقدمات في الفعل الواجب أو الترك تابع لكيفية التوقّف، و لا خصوصية للفعل أو الترك.

هذا لو لم نجعل لمقدمات الحرام عنوانا مستقلا و اما عليه فنقول: هل يسرى بعض الشيء إلى جميع مقدماته مطلقا، أو بشرط الإيصال، أو إلى بعض منها، أو إلى الأخير فقط، أو لا يسري إلى شيء منها أصلا؟ و الظاهر عدم السراية الا إلى ما يستلزم المبغوض و لا ينفك عنه، و هو مجموعها بوصف المجموع، فيما إذا كان للمبغوض مقدمات منحصرة طولية، بحيث يتوقف وجوده على الجميع، أو عرضية و لكن كان كل منها جزءا منحصرا للعلة المنحصرة، فإتيان المجموع مبغوض من حيث انه ملازم للمبغوض، و اما كل واحدة منها فلا مناط للمبغوضية فيه، و لا بأس بإتيان الجميع إذا ترك منها واحدة مخيرا في أيتها شاء، نعم إذا قصد بواحدة منها التوصل إلى

فلا يحتاج إلى تروك متعددة، حتى تجب تلك التروك بوجوب ذلك الترك.

و من هنا ظهر أنه إن لم يبق الا مقدمة مقدورة واحدة إما بوجود الباقي، و إما بخروجه عن حيز القدرة، فحرمة ذلك الفعل تقتضي حرمة تلك المقدمة المقدور عليها عينا، كما هو الشأن في كل تكليف تخييري امتنع أطرافه الا واحدا، فانه يقتضى إرادة الطرف الباقي تحت القدرة معينا. و هذا واضح، فلو فرض أن صب الماء على الوجه مثلا يترتب عليه التصرف في المحل المغصوب قطعا، بحيث لا يقدر بعد الصب على إيجاد المانع أو رفع المحل عن تحت الماء، فحرمة الغصب و وجوب تركه تقتضي حرمة صب الماء على الوجه عينا.

و على هذا بنى سيد أساتيذنا الميرزا الشيرازي (قدس سره) في حكمه ببطلان الوضوء، و إن لم يكن المصب منحصرا في المغصوب (87)، إذا كانت الطهارة بحيث يترتب عليها التصرف، فلا يرد عليه (قدس سره)

الشرح

الحرام فيدخل تحت عنوان التجري - ان لم نقل بصدق الاشتغال بالحرام عليه كما ادّعاه الشيخ (ره) - فتتحد النتيجة مع العنوان السابق. و اما في العلل المتعددة فلمّا كان كلّ منها مستلزما للحرام يسرى البغض إلى المجموع.

(87) هذا في قبال من قال ببطلان الوضوء في خصوص ما إذا كان المصب منحصرا في المغصوب، لاستلزامه التصرف في المغصوب فيتحقق فقدان الشرط شرعا، و اما إذا لم يكن منحصرا فالطبيعة لا تستلزمه، و ان استلزمه فرد منها، و يكفي للأمر بالطبيعة وجود فرد مباح، و اما على ما ذكر - من عدم القدرة على ترك الحرام إلاّ بترك الصب - فيحرم الصب الخاصّ، و يتعين الواجب التخييري قهرا في غيره، و لا يصح الإتيان بالفرد المذكور بداعي إتيان الطبيعة، لأن حرمته و مبغوضيته مانعة عن حصول القرب به، فلا فرق بين الانحصار و عدمه في بطلان الوضوء.

ان صب الماء ليس علة تامة للغصب حتى يحرم بحرمته، بل هو من المقدمات. و ما هو كذلك لا يجب تركه شخصا، حتى ينافى الوجوب.

و حاصل الجواب: أن صب الماء و ان لم يكن علة، إلا أنه بعد انحصار المقدمات المقدورة فيه - كما هو المفروض - يجب تركه عينا.

(فان قلت): ليس المقدور منحصرا في الصب، بل الكون في المكان المخصوص أيضا من المقدمات، و هو باق تحت قدرة المكلف، فلم تثبت حرمة صب الماء عينا.

(قلت): ليس الكون المذكور من مقدمات تحقق الغصب في عرض صب الماء، بل هو مقدمة لتحقق الصب الخاصّ الّذي هو مقدمة لتحقق الغصب. و النهي عن الشيء يقتضي النهي عن أحد الأفعال التي هي بمجموعها علة لذلك الشيء، فإذا انحصر المقدور من هذه الأفعال في واحد يقتضى حرمته عينا.

هذا و إذ قد عرفت أن حرمة مقدمات الحرام إنما تكون على سبيل التخيير، بمعنى ان الواجب ترك إحدى المقدمات، منها يتبين لك أنه إذا اقتضت جهة من الخارج وجوب إحدى تلك المقدمات عينا، فلا تزاحمه الحرمة التخييرية التي جاءت من قبل النهي، لأن الأول ليس له بدل، بخلاف الثاني، فلا وجه لرفع اليد عن أحدا لغرضين الفعليين إذا أمكن الجمع بينهما، فاللازم بحكم العقل قصر أطراف الحرام التخييري على غير ما اقتضت المصلحة وجوبه عينا. و هكذا الكلام في الواجب التخييري بالنسبة إلى الحرام التعييني، فان اللازم بحكم العقل تقييد مورد الوجوب بغير الحرام، و لا يلاحظ هنا الأهم و غيره، فان هذه الملاحظة إنما تكون فيها إذا كان فوت أحد الغرضين مما لا بد منه. و أما فيما يمكن الجمع بينهما، فلا وجه لغيره.

و من هنا ظهر أنه بناء على عدم جواز اجتماع الأمر و النهي، يجب الحكم بكون الصلاة في الدار المغصوبة محرمة، و تقييد مورد الصلاة بغير هذا الفرد، و ان كانت الصلاة أهم من الغصب بمراتب، و لو كان الواجب تخييريا. و كذلك الحرام، فهل يمكن اجتماعهما في محل واحد، بناء على عدم جواز اجتماعهما في غير هذا المورد، أم لا؟ مثاله: لو كان صب الماء على الوجه مقدورا، و هكذا أخذه على تقدير الصب، بحيث لا يقع في المحل المغصوب، فهل يمكن أن يكون ترك هذا الصب واجبا، بدلا لكونه مما يترتب عليه ترك الحرام؟ و كذلك فعله، لكونه أحد افراد غسل الوجه في الوضوء أم لا؟ قد يقال بالعدم، لأن كون الشيء طرفا للوجوب التخييري، يقتضى أن يكون تركه مع ترك باقي الافراد مبغوضا للمولى (88)، و كونه طرفا للحرمة التخييرية، يقتضى أن يكون الترك المفروض مطلوبا له.

الشرح

(88) فوجوب الصب تخييرا - مع كون المصب مغصوبا و كون المكلف قادرا على إيجاد المانع - يقتضي تعيينه عند ترك الصب في باقي الأمكنة، و حرمته تخييرا تقتضي تعيين تركه عند اختيار سائر مقدمات الغصب، و منها ترك إيجاد المانع، فيجتمع الحرام و الواجب العينيان في موضوع واحد.

و فيه: ان المرجع في الخطاب التخييري ان كان إلى خطابين تعيينيين أو أكثر على كل من الطرفين أو الأطراف بشرط ترك غيره من الأطراف في الواجب، أو اختيار غيره في الحرام، فما ذكر من اقتضائهما اجتماع الواجب و الحرام التعيينيّين حق على المبنى، لكن من المعلوم خلاف ذلك، فان التكليف التخييري نحو وجود من التكليف يمكن إنشاؤه و يتعلق إمّا بهذا و إمّا بهذا، و الواحد المردد و ان لم تكن له حقيقة خارجية، لكن له اعتبار عقلائي، و هو يكفي في تعلق الوجوب به، كما يكون مورد تعلق العلم الإجمالي، و كذلك يمكن الاخبار عنه مثل أن تقول: إما زيد جاء و اما

و الّذي يقوى في النّفس أن يقال: إن فعل ذلك الشيء المفروض - على تقدير قصد ترك أحد الأطراف الّذي هو بدل له في الحرمة - لا مانع من تحقق العبادة به، لأنه على هذا التقدير ليس قبيحا عقلا، بل على تقدير عدم قصد التوصل به إلى الحرام. نعم على غير هذين التقديرين - و هو ما إذا كان الآتي بذلك الفعل قاصدا إلى إيجاد فعل الحرام - لا يمكن ان يكون ذلك الفعل عبادة، فحينئذ نقول في المثال: إن صابّ الماء على الوجه، إن لم يقصد به إيجاد فعل الغصب، فلا مانع من صحة وضوئه، و إلاّ فالحكم بالبطلان متجه (89). و ستطلع على زيادة توضيح لا مثال هذا المقام في مسألة اجتماع الأمر و النهي.

ثم إن هذه المسألة هل هي داخلة في المسائل الأصولية أو الفقهية؟ أقول مسألتنا هذه ان كان البحث فيها راجعا إلى الملازمة العقلية، فهي من المسائل الأصولية، و ان كان عن وجوب المقدمة، فهي من المسائل الفقهية. و قد تقدم في أول الكتاب ما يوضح ذلك. و الظاهر

الشرح

عمرو، و هو اخبار واحد عن مجيء أحدهما، و لا ينحل إلى خبرين أحدهما مجيء زيد عند عدم مجيء عمرو، و الثاني مجيء عمرو عند عدم مجيء زيد، حتى يسند إليه كذبان عند مجيئهما أو عدمه، و على هذا لا منافاة بين الخطابين و ان اجتمعا في جميع الأطراف كافعل أحدهما و لا تفعل أحدهما، فضلا عن مثل المثال الّذي اتفق الاجتماع في بعض الأطراف فيه.

(89) لا لكون الصّب المذكور حراما تخييريا، فانه غير مانع كما أشار إليه - دام ظله - و ذكرنا وجهه، بل لأن الاشتغال بمقدمة بقصد التوصل إلى الحرام اما حرام رأسا لصدق العصيان عليه عرفا، و اما لكونه تجريا، و بطلان الوضوء على الأول واضح، لعدم صلاحية المبغوض للمقربية، و اما على الثاني فلعدم الحسن الفاعلي و لو لم يكن بحرام، و هو مما تحتاج إليه العبادة و تبطل بفقدانه.

الأول. و كيف كان

فتمام الكلام في هذا المقام في ضمن أمور:

(الأول (ان الواجب (تارة) يلاحظ فيه إضافته إلى الفاعل (90) و (أخرى) لم يلاحظ فيه ذلك،

بل المطلوب إيجاد الفعل و لو بتسبيب منه و على الأول قد يلاحظ فيه مباشرة الفاعل بيده، و قد يكون المقصود أعم من ذلك و من ان يأتي به نائبه. و أيضا قد لا يحصل الغرض الا باعمال اختياره في الفعل، و لو بإيجاد سببه، و قد لا يكون كذلك بمعنى عدم دخل الاختيار في الغرض. و أيضا قد يكون لقصد عنوان المطلوب دخل في تحصيل الغرض، و قد يكون الغرض أعم من ذلك. و المقصود في هذا البحث بيان انه هل الأمر بنفسه ظاهر في تشخيص المقدمة أو لا ظهور له

الشرح

(90) و هي أعم من المباشرة، لأن فعل الوكيل و النائب و من يتحرك بتحريك المكلّف يصح إضافته إليه، و لذا يحترز عنه بقيد المباشرة استقلالا.

ثم ان تقسيم الواجب إلى ما يعتبر فيه الإضافة أو المباشرة و ما لا يعتبر فيه شيء منهما في عرض تقسيمه إلى التوصلي و التعبدي، لأنه يمكن اعتبارهما في التوصلي بحيث لم يسقط عن المكلّف لو صدر من غيره بلا تأثير منه و لو تسبيبا، أو من دون المباشرة و لكن لم يسقط عنه لو أتى بالتسبيب أو بمباشرة غيره، بل يتوقف على المباشرة و لو بلا قصد القربة، كما لو آجر لبعض الأعمال كذلك، و كأداء بعض الحقوق الواجبة القائمة بالشخص، و يمكن عدم اعتبارهما و لو في التعبّدي كما في تجهيز الميت، حيث لا تعتبر فيه الإضافة إلى شخص المخاطب، و كالزكاة حيث لا تعتبر فيه المباشرة، و لا الإضافة أيضا، و لذا يتصدى الحاكم عن الممتنع، و أما تقسيمه إلى ما اعتبر فيه الاختيار و غيره فلا يجري في العبادة، لعدم تحقق العبادة بلا اختيار، و كذا قصد العنوان إلاّ إذا تمشي منه قصد القربة بدونه، كمن قصد عنوانا آخر غير المأمور به، لكن بنحو لا تكون الخصوصية بما هي موردا للقصد، و يرجع ذلك أيضا إلى كفاية القصد الإجمالي لا عدم القصد أصلا.

فيه مطلقا، أو يفصل بين تلك الوجوه؟ و على تقدير عدم الظهور، الأصل ما ذا؟.

فنقول و باللّٰه الاستعانة: القيد على ضربين (الأول) ما يحتاج إليه الطلب بحكم العقل (الثاني) غيره، و الأول إما أن يكون مذكورا في القضية أولا، أما ما كان من هذا القبيل و لم يذكر في القضية، فالظاهر أن المطلوب غير مقيد بالنسبة إليه، و لذا نفهم من دليل وجوب الصلاة أنها مطلوبة حتى من النائم الّذي لا يقدر عليها. و من هنا يقال بوجوب القضاء، مع انه تابع لصدق الفوت الّذي لا يصدق إلاّ مع بقاء المقتضى في حقه. و الدليل على ذلك أن الآمر المتصدي لبيان غرضه لا بد ان يبين جميع ما له دخل فيه (91) فليستكشف إذا من عدم التنبيه عليه عدم دخله في غرضه، و ان كان له دخل في تعلق الطلب مثل القدرة، فعلى هذا

الشرح

(91) هذا تمسك بإطلاق المادّة و عدم تقييدها لإثبات مطلوبية الطبيعة حتى من العاجز و النائم، لكن لا يخفى انه يتوقف على إثبات قابلية الهيئة في مقام الثبوت، لشمول مثل العاجز و النائم، حتى يستدل بعدم تقييد المادة لإثبات الحكم لجميع حالات المادة، و اما مع عدم القابلية فلا مجال للتمسك المذكور، لأن مقام الإثبات فرع للثبوت.

بيان ذلك: أن الهيئة تارة تستعمل في الطلب الحيثي و بيان مطلوبية الفعل من قبل الآمر، مع قطع النّظر عن الأمور التي يشترطها العقل في تنجّز الخطاب، و أخرى تستعمل في الطلب الفعلي من جميع الجهات حتى الجهات الراجعة إلى العقل، بحيث لم تبق - بعد مثل هذا الأمر للانبعاث و الامتثال - حالة منتظرة، فان كانت من قبيل الأولى فلا مانع من شمولها لمثل العاجز، لأن المولى ليس إلاّ بصدد بيان الجهات الراجعة إلى نفسه مع قطع النّظر عن العجز و أمثاله، و لا مانع عقلا من كون الفعل مطلوبا بهذا المعنى من العاجز، فمع تمامية المقدمات نستكشف من عدم تقييد المادة كونها مطلوبة كذلك في جميع الأحوال، و مع عدم التمامية نحكم بالإهمال و الإجمال، و مقتضى تلك المطلوبية لزوم الامتثال بعد فعليّة الطلب و تمامية الجهات العقلية، و عدم اللزوم عند

نقول: قوله (أنقذ الغريق) مثلا يستكشف منه ان الإنقاذ في كل فرد مطلوب له، حتى فيما إذا وجد غريقان و لم يقدر على إنقاذهما. هذا حال القيود التي يتوقف عليها حسن الطلب و لم تذكر في القضية. و اما إذا ذكر مثل تلك القيود فيها، كما إذا قال (اضرب زيدا ان قدرت عليه) فالظاهر إجمال المادة به (92). من حيث ان ذكر هذا القيد يمكن ان يكون لتقييد المطلوب، و ان يكون لتوقف الطلب عليه، فلا يحكم بتقييد

الشرح

عدم التمامية، و أما ان كانت من قبيل الثاني فلا يمكن شمولها للعاجز عقلا، لأنه يرجع إلى التكليف بالمحال و مع ذلك كيف يمكن استكشاف المطلوبية بهذا المعنى حتى من المعاجز.

و المطلوبية بالمعنى الأول و ان كانت ممكنة، لكن الهيئة لم تكن في مقام بيانها بالفرض و معلوم أن إطلاق المادة لا يثبت إلاّ شمول الحكم المجعول في القضية لحالات الموضوع، و لا يثبت به ما هو غير مجعول بالهيئة كما في المقام، فحقيقة الإطلاق في الهيئة كان أو في المادة عبارة عن شمول الحكم، إلاّ انه اصطلح لعدم التقييد بتقييد المادة بإطلاق المادة في قبال عدم تقييد الحكم بتقييد الهيئة كالقضايا المشروطة.

فثبت ان التمسك بإطلاق المادة على المطلوبية المطلقة يتوقف على إثبات كون المجعول في القضية من قبيل الأول، و لا يبعد دعوى ظهور الأوامر - المجعولة في مقام جعل القوانين الكلية المجردة عن ذكر القيود العقلية - في أن الآمر ليس إلاّ بصدد بيان الأمور الراجعة إلى نفسه لا جميع الجهات، و ان كان الأمر في القضايا الشخصية ظاهرا في الفعلية، و ذلك لكثرة اختلاف حالات المكلفين في الأوامر الكلية بالنسبة إلى الأمور الراجعة إلى العقل، مع ظهور توجّه الخطاب الحيثي إلى شخص إلى عامة المكلّفين، و أما الشخصية فللغوية توجه الخطاب مع العلم بعدم قدرته. و الحاصل: انه مع إحراز إمكان الشمول بأي نحو كان يمكن التمسك بإطلاق المادة و إلاّ فلا.

(92) و ذلك لأنه ان كان الآمر بصدد جعل الحكم الحيثي، فالقيد المذكور راجع إلى المادة، لعدم احتياج الهيئة إليه، و ان كان بصدد الحكم الفعلي فالهيئة لا محالة محتاجة إليه، سواء كان دخيلا في المادة أيضا أم لا، و قد مرّ الكلام في عدم جواز

المطلوب و لا بإطلاقه، بل يعمل فيه بمقتضى الأصول العملية. و أما إذا كان القيد مما لا يتوقف حسن الطلب عليه، كتقييد الرقبة المأمور بعتقها بالمؤمنة و نظائره، فلا إشكال في انه متى لم يذكر في الكلام نتمسك

الشرح

التمسك بإطلاق المادة على هذا التقدير في الحاشية السابقة، و لا ظهور في المقام لتعيين الحيثي، لأن ما ذكرنا من ان الأوامر الكلية ظاهرة فيها مختص بما إذا لم يذكر القيد و اما معه فلا ظهور، و لا يتوهم أن إرجاع القيد إلى الهيئة يستلزم إرشادية الحكم، و هو خلاف ظاهر حال المولى الّذي هو بصدد جعل الحكم، لأن الإرشادية فرع لثبوت حكم العقل قبل حكم الشرع. و المفروض عدمه، بل الأمر دائر بين حكمين مولويين أحدهما موضوع لحكم العقل بلزوم القيد المذكور و لا ظهور في المقام لتعيين أحدهما، و من هنا يعلم دفع توهم ان ظاهر القيد الاحتراز، لأنه أيضا فيما أمكن الاحتراز مع كون الحكم في القضية معلوما، و اما لتعيين الحكم المجعول فلا ظهور له.

ثم لا يخفى: ان العلم كالقدرة في عدم إمكان فعلية التكليف مع عدمه، لكن لا يمكن تقييد التكليف به من الشارع، فلذا اشتهر أنه من شرائط التنجّز، و في الغالب تكون القدرة أيضا قيدا للتنجز و استحقاق العقاب، كالعلم و ساير الشرائط العقلية، و ليس للحكم الشرعي بالنسبة إليها إطلاق و لا تقييد، فيكون حال العلم في جميع القضايا كحال سائر الشرائط في الغالب.

و كيف كان فلا خطاب فعلى مع انتفاء كل منها، و لذا لا منافاة بين ذلك الحكم و بين الأحكام المجعولة عند انتفاء أحد الشروط المذكورة من غير فرق بين انتفاء القدرة و العلم، الا في عدم إمكان تقييد الحكم الأولى في العلم و إمكانه في غيره، و المقصود من الفعلية التي قلنا بانتفائها عند فقد الشرائط العقلية هي الفعلية من جميع الجهات، حتى الجهات الراجعة إلى العقل، بحيث لم يبق عقيب الأمر حالة منتظرة للانبعاث و التحرك، لا ما يقابل الحكم الإنشائي، فانه بهذا المعنى فعلى حتى عند الفقدان، فيصح ان يقال ان العاجز كالجاهل له حكم فعلي معذور في تركه، الا فيما كان مقيدا كما إذا أنشأ الحكم الفعلي من جميع الجهات، فيخرج العاجز عن تحت الحكم دون الجاهل، فيمتاز العلم عن ساير الشرائط في خصوص تلك الجهة.

بإطلاقه، و نحكم بعدم دخله ان وجدت هناك شرائط الأخذ بالإطلاق، و إلاّ فبمقتضى الأصول، كما انه لا إشكال في انه متى ذكر في القضية، فالظاهر ان له دخلا في المطلوب، إلا إذا استظهر من الخارج إلغاؤه.

إذا عرفت هذا فنقول: إن شككنا في اعتبار إضافة الفعل إلى المأمور (93)، فان كان اللفظ مفيدا لهذا القيد، فنحكم باعتباره في المطلوب، لأنه ليس مما يتوقف عليه الطلب، لأنه من الممكن ان يأمر بتحقق هذا الفعل على سبيل الإطلاق، بان يقول: أريد منك تحقق هذا الفعل مطلقا، سواء توجده بنفسك، أو تبعث غيرك عليه فلو قال:

اضرب زيدا مثلا الظاهر في أن المطلوب الضرب المضاف إلى المأمور، فاللازم بمقتضى هذا الظهور الحكم بتقييد المطلوب، و أن الغرض لا يحصل بضرب غيره إياه، إلا ان يستظهر من الخارج عدم دخل هذه الإضافة في الغرض، مثل أن يكون الغالب في أوامر الشارع عدم اعتبار الإضافة

الشرح

(93) الظاهر أن حال القيد المذكور في إمكان تعلق التكليف بدونه و عدم إمكانه حال الاختيار، لعدم إمكان تعلق التكليف بخصوص الفعل الصادر من غير إضافة إلى المأمور به، فعلى القول بسراية التكليف إلى الافراد ذكر القيد يوجب الإجمال، لحكم العقل باحتياج الطلب إليه، و قد مرّ التفصيل فيه، و اما على القول بعدم السراية فيؤخذ بالقيد من دون إجمال، لكفاية وجود فرد يحسن الخطاب إليه في توجه الخطاب إلى الطبيعة من دون تقييد - كما يأتي في المتن - و أما ما ذكر من المثال لصحة الإطلاق فهو مثال لإلغاء قيد المباشرة لا الإضافة، فلا يخفى، نعم لو لم يكن ظهور في البين يكون حكم الشك في اعتبار الإضافة حكم الشك في اعتبار المباشرة في عدم جواز التمسك بالبراءة، لأن توجه الخطاب عند العقل حجة عقلية توجب صحة المؤاخذة على تقدير مطلوبية الإضافة واقعا - و قد مرّ نظيره في الشك في التعيين و التخيير - دون حكم الشك في اعتبار الاختيار، حيث ان الحكم فيه بالبراءة كما سيجيء.

المذكورة، كما ادعى أو ان يكون الغالب في الأوامر العرفية عدم اعتبارها (94) و لم يتحقق في الأوامر الشرعية ما يوهن الغلبة العرفية.

و اما الاختيار و قصد العنوان، فملخص الكلام فيهما أنه لا إشكال في عدم إمكان تعلق التكليف بخصوص الفعل الصادر من غير اختيار المكلف، و لا بخصوص ما لم يكن عنوانه مقصودا، و لو كان ملتفتا إليه أما الأول فواضح و أما الثاني فلعدم إمكان بعث الآمر إلى غير العنوان المطلوب (95)، و هذا واضح بعد أدنى تأمل فانحصر الفعل القابل لتعلق التكليف في الاختياري الّذي قصد عنوانه، فحينئذ إن قلنا بان التكاليف المتعلقة بالطبيعة تسرى إلى افرادها و قد عرفت أن الفرد القابل للحكم منحصر في الأخير، فالقيدان المذكوران - أعني الاختيارية و قصد العنوان - من القيود التي يحكم العقل باحتياج الطلب إليها. و قد عرفت حكمها.

و أما إن قلنا بعدم السراية كما هو التحقيق فيكفى في حسن الخطاب بنفس الطبيعة من دون تقييد وجود فرد لها يحسن الخطاب بالنسبة إليه. و على هذا فلو فرض تكليف متعلق بفعل مع قيد صدوره عن اختيار المكلف، أو مع قصد العنوان، يستكشف به تقييد الغرض،

الشرح

(94) الغلبة المذكورة محل منع، بل الظاهر أنهم يلومون من بادر إلى امتثال أمر توجّه إلى غيره بأنه لم فعلت و قد أمر غيرك؟ و ذلك شاهد على اعتبار الإضافة عندهم، إلاّ إذا علم عدمه.

(95) و ذلك لأن الغرض من الأمر التحريك إلى المأمور به، و هو لا يحصل إلاّ بإحداث قصد إتيانه للمكلّف، فلو قيد بعدم هذا القصد لكان مناقضا لأصل الأمر كما لو أخذ فيه عدم تحريك الأمر.

إذ هما من القيود التي يستغنى عنها الطلب عقلا، فذكرهما في الكلام يدل على تقييد الغرض كما عرفت. نعم قدرة المكلف بالنسبة إلى أصل الطبيعة مما يحتاج إليه صحة الطلب عقلا، فلو لم تذكر في القضية، فإطلاق المادة بحاله (96) و ان ذكرت تكون موجبة لإجمالها كما عرفت.

و اما الشك في ان الفعل هل يجب ان يؤتى به بمباشرة بدنه أو يجتزئ بإتيان النائب؟ فالكلام فيه في مقامين (أحدهما) في إمكان ذلك عقلا في الواجبات التعبدية التي يعتبر فيها تقرب الفاعل، و انه كيف يمكن كون فعل الغير مقربا لآخر حتى يكون مجزيا عنه (ثانيهما) بعد الفراغ عن الإمكان في مقتضى القواعد من الأصول اللفظية و العملية.

الشرح

(96) لكن بشرط كون الحكم المجعول حيثيا حتى يمكن شمول الهيئة للعاجز، ليستكشف بإطلاق المادة سريان الحكم إلى جميع الحالات، كما مرّ تفصيله.

ثم إن هذا كله في مقام استكشاف الغرض من إطلاق أو تقييد، و اما مع الإجمال و عدم الكاشف، فهل لا يجوز التمسك بالبراءة عند الشك في اعتبار الاختيارية و قصد العنوان - و إن قلنا بها في غير المقام - كما ذكرنا في الشك في اعتبار الإضافة أم لا خصوصية للمقام، فمن يقول بالبراءة في غير المقام يحكم بها فيه؟ الظاهر الثاني، لأن الذات معلوم الوجوب و القيد مشكوك فيه، فالعقاب عليه عقاب بلا بيان كما في الشك في سائر القيود.

اللهم إلا أن يقال: بأن البراءة مختصة بما إذا كان الأمر بالجامع صالحا للتحريك على تقدير العلم تفصيلا حتى يقوم العلم الإجمالي مقامه، فيقال: الجامع معلوم و لو إجمالا، و القيد الزائد مشكوك فيه، و أما مثل المقام مما لا صلاحية له للتحريك إلى غير المقدور و المقصود، فلا تأثير للعلم بالجامع، حتى يقال يجب علينا اتباع المعلوم دون المشكوك فيه. لكن الظاهر أن مناط البراءة كون العقاب على القيد عقابا بلا بيان، فافهم.

أما الكلام في المقام الأول، فنقول: ما يصلح أن يكون مانعا عقلا وجهان (أحدهما) انه - بعد فرض كون الفعل مطلوبا من المنوب عنه و الأمر متوجها إليه - كيف يعقل ان يصير ذلك الأمر المتوجه إليه داعيا و محركا للنائب مع انه قد لا يكون امر بالنسبة إلى المنوب عنه أيضا، كما إذا كان ميتا (ثانيهما) أنه بعد فرض صدور الفعل من النائب بعنوان الأمر المتعلق بالمنوب عنه، كيف يعقل ان يصير هذا الفعل مقربا له (97)، مع انه لم يحصل منه اختيار في إيجاد الفعل بوجه من الوجوه في بعض الموارد، كما إذا كان ميتا. و الفعل ما لم يتحقق من جهة الإرادة و الاختيار لا يمكن عقلا أن يصير منشأ للقرب.

اما المانع الأول فيندفع بأن مباشرة الفاعل قد تكون لها خصوصيّة في غرض الآمر. و عليه لا يسقط الأمر بفعل الغير قطعا، و لو لم يكن تعبديا و هذا واضح، و قد لا يكون لها دخل في غرض الآمر. و هكذا الكلام في اختياره، فلو فرضنا تعلق الأمر بمثل هذا الفعل الّذي ليست المباشرة و الاختيار فيه قيد المطلوب، فإمكان صيرورة الأمر المتعلق بمثل هذا الفعل داعيا لغير المأمور إليه بديهي، لوضوح أنه بعد تعلق الأمر بهذا الفعل - الّذي لم يقيد حصول الغرض فيه بأحد القيدين المذكورين - لا مانع

الشرح

(97) و هذا واضح لأن العقل يمنع استحقاق الشخص للمثوبة و صيرورته ذا وجاهة الا بعمل نفسه، و اما ما يتراءى من مثوبة الابن لأجل أبيه فليس من استحقاق نفسه، بل من استحقاق أبيه.

ثم ان هذا مختص بالقرب عن استحقاق، و أما مثل المحبة إلى الأشياء النفيسة أو المحبة الحاصلة تكوينا بين شخصين من الرءوف الرحيم كالولد و الوالدين أو غيرهما فهو خارج عن محل الكلام كما لا يخفى.

من صيرورة الأمر المتعلق به محركا للغير لإيجاد ذلك الفعل، مراعاة لصديقه و استخلاصه من المحذورات المترتبة على ذلك الأمر: من العقاب و البعد عن ساحة المولى. و هذا واضح و منه يظهر عدم الإشكال فيما إذا لم يكن امر في البين، كما في النيابة عن الميت، ضرورة إمكان فعل ذلك لحصول أغراض المولى المترتبة على الفعل، ليستريح الميت من العقاب المترتب على فوتها و هذا لا إشكال فيه.

انما الإشكال في المانع الثاني، و هو صيرورة هذا الفعل مقربا للغير عقلا، إذ لو لم يكن كذلك لم يسقط غرض الآمر، فلم يسقط عنه العقاب. و هذا الإشكال يسرى في المقام الأول أيضا إذ بعد ما لم يكن فعله مقربا للغير و لم يسقط غرض الآمر عنه، لا يعقل كون مراعاته سببا لإيجاد ذلك الفعل.

و يمكن التفصي عنه بأن يقال إنه بعد فرض انحصار جهة الإشكال في حصول القرب يكفى في حصوله رضا المنوب عنه بحصول الفعل من النائب، كما انه قد يؤيد ذلك ببعض الاخبار الواردة في (أن من رضي بعمل قوم أشرك معهم(1)و هذا المقدار من القرب يكفى في عبادية العبادة، بل يمكن أن يقال بعدم الفرق عقلا بين الفعل الصادر من الإنسان بنفسه، و بين الصادر من نائبه في حصول القرب، لأنه بعد حصول هذا الفعل من النائب لا بد و ان يكون المنوب عنه ممنونا منه و متواضعا له، من جهة استخلاصه من تبعات الأمر المتعلق به و هذه الممنونية تصير منشأ لقربه عند المولى، لأن أمره صار سببا لها.

و فيه ان الرضا و الممنونية يتفرعان على كون الفعل الصادر من النائب مقربا له، إذ لولاه لم يكن وجه لهما، و لو توقف القرب عليهما لزم


1) الوسائل، الباب 5 من أبواب الأمر و النهي، ج 11، ص 408.

الدور (98).

و يمكن ان يقال ان للقرب مراتب باختلاف الجهات الداعية للمكلف، أدناها إتيان الفعل بداعي الفرار من العقاب، مثل أن يكون حال العبد بحيث لو علم بعدم العقاب لم يأت بالفعل أصلا، فإتيانه به خوفا من المولى مقرب له عند العقل، كما أنا نرى الفرق عند العقلاء بين هذا العبد و بين العبد الّذي لم يكن خوف مؤاخذة المولى مؤثرا فيه، و هذا المقدار من القرب - أعنى كون العبد بحيث يكون له جهة امتياز بالنسبة إلى غيره في الجملة - يكفى في العبادة. و نظير هذا المعنى موجود في المقام، إذ لو فرضنا عبدين أحدهما لم يأت بالمأمور به بنفسه و لا أحد بدله، و الثاني لم يأت به، و لكن أتى به نائبه، نرى بالوجدان أن حالهما ليس على حد سواء عند المولى (99)، بل للثاني عنده جهة خصوصية ليست للأول، و ان لم يصل إلى مرتبة من أتى بالمأمور به بنفسه.

فنقول: هذه المرتبة الحاصلة له بفعل الغير تكفي في العبادة،

الشرح

(98) لا يخفى ان الرضا و الامتنان بشيء لا يتوقف على العلم بالفائدة مع قطع النّظر عنهما، بل يكفي العلم بتحققها و لو بهما في تحققهما، و ذلك مثل قصد القربة بالفعل، فانه لو توقف على العلم بحصول القرب مع قطع النّظر عن القصد يلزم الدور، نعم يرد عليه ان العبادة ما يوجب نفسه القرب و لا يكفي القرب الحاصل من الرضا في العبادية، فان القرب الحاصل بالرضا لو قلنا بتأثير الرضا في النشأة الآخرة غير الحاصل من العمل، و المفروض ان العمل غير مقرب حتى بعد الرضا، و لذا وقع في كلفة الجواب.

(99) لا يخفى ما في هذا الجواب من المصادرة، لأن الامتياز عند المولى عين محل النزاع، و مجرد الامتياز الخارجي لا يكفي، و إلاّ لصحت عبادة من يأتي بها بلا قصد، لامتيازه في الخارج عمن لا يأتي بها أصلا.

و يمكن أن يقال: إن تقرب المنوب عنه بتسليمه للفعل المتلقى من النائب إلى الآمر بعنوان أنه مولى (100) و لا فرق في حصول القرب بين أن يسلمه إليه ابتداء و يسلمه إليه بعد أخذه من نائبه. هذا حاصل الوجوه التي أفادها سيدنا الأستاذ طاب ثراه و لكن لم تطمئن بها النّفس.

أقول: و يمكن أن يقال إن الأفعال على وجوه: (منها) ما لا يضاف الا إلى فاعله الحقيقي الصادر منه الفعل مباشرة كالأكل و الشرب و نظائرهما. و (منها) ما يضاف إليه و إلى السبب أيضا: كالقتل و الإتلاف و الضرب و نظائرها و (منها) ما يضاف إلى الغير و ان لم يكن فاعلا و لا سببا، و من ذلك العقود إذا صدرت عن رضا المالك، بل و لو لم يكن عنه أيضا ابتداء إذا رضى بذلك بعده، كما في الإجازة بناء على صيرورة العقد بها عقدا للمالك عرفا، كما قيل.

و لعل الضابط كل فعل يتوقف تحقق عنوانه في الخارج على القصد، و أوقعه واحد بقصد الغير، و كان ذلك الفعل حقا لذلك الغير ابتداء مع رضاه بصدوره بدلا عنه، فلو صحت هذه الإضافة العرفية و أمضاها الآمر، فلا بد من ان يعامل هذا الفعل معاملة الفعل الصادر من شخصه (101) كما هو واضح. (مثلا) لو فرضنا أن تعظيم زيد عمراً بدلا

الشرح

(100) حصول القرب بسبب التسليم ليس إلاّ كحصوله بالرضا. و يأتي فيه ما مضى فيه إيرادا و جوابا.

(101) توضيح ذلك: ان القرب على قسمين: قسم منهما يحصل عن استحقاق العبد بالعمل بحيث يكون منع الثواب اللازم لهذه الدرجة ظلما و قبيحا، كالعقاب مع الامتثال، و هذا النحو من القرب أثر قهري للعمل لا ينفكّ عنه، و بهذه الكيفية لا يترتب على غيره، و قسم منهما يحصل بجعل الآمر، و ان لم يكن - مع قطع النّظر عن

..........

الشرح

جعله - مرتبا على العمل، و هو من سنخ العفو و الإحسان على العبد، مثل العفو عن العقاب مع الاستحقاق و إعطاء الثواب تفضلا، فان ذلك أيضا نحو من القرب، لأن من كان بعيدا عن ساحة المولى بحيث يستحق العقاب فأكرمه تفضلا و رفع عنه العقاب و أعطاه الثواب، فقد تقرب منه بعد ما كان بعيدا عنه، و هذا النحو من القرب لا يتوقف على العمل أصلا، فضلا عن عمل نفس العبد، بل تابع لجعل المولى، فقد يجعل التوبة رافعة للعقاب، و قد يجعل بعض الحسنات مذهبا للسيئات، و قد يتفضل على من يشاء، فانه مبدل السيئات بالحسنات.

و على هذا فلا مانع من أن يقول: إذا أتى غيرك بهذا العمل أو من قبلك أرفع عنك العقاب و أعطيك ما كنت أعطيك لو كنت أتيت به، و المفروض أنه لا مانع من ذلك عقلا، فحينئذ لو دلّ دليل على كفاية عبادة النائب المتبرع أو الأجير - سواء عن تسبيب من المكلف أو بلا تسبيب منه أصلا - فلا مانع عقلا من الأخذ به، و معلوم انه مع عدم دليل لا يصح القول به، و على هذا لا إشكال للعامل أن يقصد القربة للمنوب عنه، لأنه بهذا المعنى تحصل القربة له.

و اما الإشكال - بأن قصد القربة يتوقف على كون العمل قريبا، مع قطع النّظر عن القربة، و هو لا يكون قربيا إلاّ بالقصد - فمندفع: بكفاية كونه قربيا و لو بالقصد في تحقق القصد، كما في قصد القربة بالنسبة إلى عمل نفسه، و حينئذ لو قصد القرب بهذا المعنى، فلا يحتاج إلى رضا المنوب عنه أو تسليمه، بل يكفيه إمضاء الشارع، فلا يتوقف الا على الدليل.

و يمكن أن يجاب عن الإشكال بوجه آخر و هو أن المسلّم في العبادة عدم تحققها بدون قصد القربة من رأس سواء صدرت من نفس المكلف أو ممن يعمل من قبله و أما أن اللازم قصد القربة من الفاعل نائبا أو متبرعا لخصوص المكلف. و ان الغى المباشرة و أتى به غيره فليس بإجماعي، بل يمكن أن يكتفى فيها بقصد القربة من النائب لنفسه، فيكون المطلوب من المكلّف هو الجامع بين فعله و فعل غيره، و لم يطلب من الغير، إما لمانع عن البعث إليه و اما لعدم حق عليه في خصوص ذلك الأمر.

و ذلك مثل أداء الدين الثابت على زيد مثلا، فانه و ان لم يتوجه الا إليه لكن لم يؤخذ

..........

الشرح

فيه قيد المباشرة، و لذا يسقط بأداء الغير، و على هذا لا يحتاج إلى قصد تقرب المنوب عنه و لا قصد النيابة و تنزيل النّفس منزلة المنوب عنه.

و لذا أفتى جمع بصحة الزكاة مع قصد القربة من الحاكم لنفسه، إذا أدّى زكاة الممتنع، من دون قصد تقرب الممتنع، و لا تنزيل نفسه منزلته، بل يسقط بأداء الغير من مال نفسه، نظير ساير الديون من دون حاجة إلى شيء غير قصد أداء دين ذلك الغير، فيمكن ان يكتفى فيها بقصد القربة من السبب في تسبيبه، كما في تجهيز الميت على ما قيل، فان دلّ دليل من عقل أو نقل على لزوم الأول جرى ما ذكر من الإشكال، و لا محيص للجواب عنه إلاّ بما ذكر، و إلاّ فلا يحتاج إلى قصد القربة للمنوب عنه حتى يلزم المحذور، بل على الثالث لا يحتاج إلى قصد القربة من النائب أصلا، و يصح صدوره من الكافر إلاّ إذا كان إسلام المباشر شرطا في العمل كالطهارة من الخبث. نعم يمكن أن يستشكل في استئجار العبادة على الأولين، حيث اشترط فيها كون الداعي خالصا في حصول القرب، إما للفاعل أو للمنوب عنه و هو لا يجتمع مع قصد الأجرة. و أما تصحيحه بأن قصد الأجرة داع إلى قصد القرب بنحو الداعي على الداعي فليس بصحيح، لأن اللازم في العبادة أن يكون الداعي الأول - و هو داعي الدواعي - حسنا، فلا تصح صلاة من صلى ركعتين بقصد القربة و كان داعيه في ذلك تمكنه من الوصول إلى أحد المحرمات.

و لا يتوهم على ذلك بطلان عبادة من يأتي بها خوفا من النار و طمعا في الجنة، لرجوعها إلى الدواعي النفسانيّة، لأن الداعي في الحقيقة حب النّفس، لأنه أيضا يرجع إلى كون نظر العبد إلى المولى، و كون رجائه و خوفه منه، و هو شيء مطلوب للمولى حسن عند العقل.

و يمكن أن يجاب عنه بأن أخذ الأجرة ان كان في نفسه راجحا، كما إذا أراد صرفها في النفقة الواجبة أو المستحبة، فلا إشكال، لأن الداعي إلى الداعي أيضا حسن، و أما في غيره فيمكن ان يؤجر نفسه ابتداء بداعي تملك مال الإجارة، ثم بعد الإجارة يتوجه إليه الأمر بوجوب الوفاء بما التزم به في الإجارة، فيقصد الوفاء بأمرها، و لذا يأتي بالعبادة مع قصد القربة، فيكون الداعي إلى داعيه أيضا راجحا.

عن بكر إذا كان عن رضا بكر، و تقبل عمرو الّذي هو المعظم بالفتح، يحسب تعظيما لبكر عنده، فاللازم عليه أن يرتب على هذا التعظيم أثر التعظيم الصادر من شخص بكر، فلو فرضنا حصول القرب من هذا الفعل للمعظم بالكسر عند المعظم بالفتح، فاللازم حصوله للمنوب عنه. هذا ما أمكن لي من التصور في المقام و لعل اللّٰه يحدث بعد ذلك امرا.

إذا عرفت هذا، فنقول: لا إشكال في ان مقتضى القواعد عدم الاكتفاء بالفعل الصادر عن الغير في الاجزاء، لأن الظاهر من الأمر المتوجه إلى المكلف إرادة خصوص الفعل

الشرح

ثم ان هذا كله في مقام الثبوت و تصوير الوجوه الممكنة في تصوير القربة بعد إلغاء قيد المباشرة، و أما في مقام الإثبات و الاستظهار من الأدلة فيمكن استظهار الثاني من رواية الخثعمية، حيث شبّه الحج -. فيها بعد إلغاء قيد المباشرة و طرو العجز - بدين الناس، و حكم بأنه أحق ان يقضى، و من عامة أدلة صحة عبادة المتبرع أو الولي عن الميت، مع عدم ذكر تنزيل النّفس منزلة الميت و لا قصد تقرب المنوب عنه، بادعاء ان المرتكز في أذهان المتشرعة عدم تنزيل نفوسهم منزلة الميت، و لا قصد تقربه، بل لا يقصدون إلاّ الإتيان بعمل الميت.

ثم انا إن استظهرنا من الأدلة لزوم قصد القربة بأحد الأنحاء المذكورة فهو، و إلاّ فهل الأصل في المقام الاحتياط بأن يجمع بين قصد تقرب المنوب عنه و الفاعل، و كذا السبب في تسبيبه يقصد القرب للمنوب عنه و نفسه، أو البراءة بمعنى كفاية أي نحو من أنحاء القصد حصل؟ الظاهر هو الثاني لأن احتياج العبادة المذكورة - بعد إلغاء قيد المباشرة - إلى قصد التقرب معلوم، و الخصوصية الزائدة مشكوك فيها، فالعقاب عليها عقاب بلا بيان.

لا يقال: إن الشك شك في سقوط الدين، و العقل يحكم بالاشتغال في مثله.

لأنه يقال: نعم، ان الشك فيه مسبّب. لو لا كون الدين مرددا بين الأقل و الأكثر، كما في المقام فتأمل.

الصادر منه (102)، نعم لو دل دليل من الخارج على الاكتفاء بما يصدر من النائب، و انه عند الآمر بمنزلة ما يصدر عن نفسه، نأخذ به و إلاّ فلا.

(الأمر الثاني) (في التعبدي و التوصلي)

اشارة

لا إشكال في ان الواجب في الشريعة على قسمين: تعبدي و توصلي، و لو شك في كون الواجب توصليا أو تعبديا فهل يحمل على الأول أو الثاني؟ و توضيح المقام يتوقف على تصور الواجبات التعبدية و شرح حقيقتها، حتى يتضح الحال في صورة الشك، فنقول و باللّٰه الاستعانة:

أنه قد اشتهر في ألسنة العلماء انها عبارة عما يعتبر فيه إتيانه بقصد إطاعة الأمر المتوجه إليه. و أورد على ذلك بلزوم الدور، فان

الشرح

(102) هذا الظاهر مما لا ينكر، و حيث أن المباشرة ليست من قيود الطلب عقلا، فلا يوجب ذكرها الإجمال، بل يوجب تقييد المادة نعم لو احتمل سقوط الأمر بإتيان الغير من دون إضافة للمكلف أصلا، فبيان دخل أصل الإضافة يوجب الإجمال. و قد مر تفصيله في اعتبار الإضافة فراجع.

ثم إنه لو فرض عدم الدليل، فهل العقل يحكم بالبراءة عند الشك في اعتبار المباشرة أو الاشتغال؟ الظاهر هو عدم جريان البراءة فيه، لما مر - في الشك في اعتبار الإضافة - من أن توجه الأمر إلى المكلف حجة عقلية يصح الاحتجاج به عند الشك، و إن لم يكن كاشفا عن المراد. و ليس احتمال كفاية فعل الغير كاحتمال كفاية الفعل الصادر من نفسه بلا اختيار و لا قصد العنوان، حيث لا حجة للثاني، فتجري البراءة بخلاف الأول، و قد مرّت الإشارة إليه في ما تقدم.

الموضوع مقدم على الحكم رتبة، لأنه معروض له. و لا إشكال في تقدمه على العرض بحسب الرتبة. و هذا الموضوع يتوقف على الأمر، لما أخذ فيه من خصوصية وقوعه بداعي الأمر التي لا تتحقق الا بعد الأمر، فالامر يتوقف على الموضوع لكونه عرضا له، و الموضوع يتوقف على الأمر لأنه لا يتحقق بدونه.

و فيه ان توقف الموضوع على الأمر فيما نحن فيه مسلم لكونه مقيدا به، و المقيد لا يتحقق في الخارج بدون القيد. و أما توقف الأمر على الموضوع، فان أردت توقفه عليه في الخارج فهو باطل، ضرورة ان الأمر لا يتعلق بالموضوع الا قبل الوجود. و أما بعده فيستحيل تعلقه به، لامتناع طلب الحاصل. و إن أردت توقفه عليه تصورا فمسلم و لكن لا يلزم الدور أصلا، فان غاية الأمر أن الموضوع هنا بحسب وجوده الخارجي يتوقف على الأمر و الأمر يتوقف على الوجود الذهني له (103).

و قد يقرر الدور بأن القدرة على الموضوع الّذي اعتبر وقوعه بداعي الأمر لا يتحقق إلاّ بعد الأمر، و الأمر لا يتعلق بشيء الا بعد تحقق القدرة، فتوقف الأمر على القدرة بالبداهة العقلية، و توقف القدرة على الأمر بالفرض.

الشرح

(103) <في التعبدي و التوصلي:> و ذلك واضح، لأن الإرادة المتعلقة بالافعال مثل الطلب العارض للافعال، من قبيل عوارض الوجود كالحرارة و البرودة و البياض و السواد و أمثال ذلك العارضة للأجسام بحيث يتوقف وجودها في الخارج على وجود المراد في الخارج، لأن إرادة الفعل - كما مر - عبارة عن الشوق المؤكد بإيجاده في الخارج، أو تجمع النّفس به، و معلوم انهما لا يتحققان إلاّ قبل وجود الفعل، فانه بعد التحقق لا يعقل إرادة الإيجاد

و فيه ان الممتنع بحكم العقل تعلق الأمر بشيء يعجز عن إتيانه في وقت الامتثال و أما انه يجب أن تكون القدرة سابقة على الأمر حتى يصح الأمر فلا، ضرورة أنه لا يمتنع عند العقل أن يحكم المولى بشيء يعجز عنه المأمور في مرتبة الحكم (104). و لكن تحصل له القدرة عليه بنفس ذلك الحكم، فحينئذ نقول: إن توقف القدرة على الأمر مسلم و اما توقف

الشرح

إذ هو ليس إلاّ طلب الحاصل، فلا مورد لتنظيره بالشدة للضرب المنتفية بانتفائه، ففي الحقيقة يشترط في تحقق الإرادة عدم وجود المراد في الخارج، لكن لا بنحو يكون العدم قيدا للمراد، بل تتحقق الإرادة في حال عدم المراد أيضا و لا يكون من قبيل عوارض الماهية كالزوجية للأربعة، بحيث لا ينفك عنها في جميع العوالم، حيث أنها زوج في عالم التقرر و الذهن و الخارج، فان الانفكاك الخارجي قد مر بيانه، و في عالم التقرر ليست الصلاة محكومة بحكم أصلا لا الوجوب و لا عدمه، بل الإرادة عارضة للوجود الذهني للافعال، لكن لا بما هو وجود تصوري، بل بما هو حاك عن الخارج، كالكلية العارضة للإنسان.

فتحصل: ان موضوع الأمر هو الوجود التصوري لا الخارجي، فلا دور من هذه الجهة، انما الكلام في ان دخل قصد الأمر في الموضوع لا يمكن إلاّ بعد فرض وجود الأمر، و تحقّقه في الخارج عند لحاظ الموضوع، و في حال لحاظ وجود الأمر الخارجي لا يمكن إيجاده، لأن إيجاد الشيء يلازم بل يتوقف على لحاظه معدوما فيوجده، فلا يتصور الموضوع الا في لحاظ لا يمكن جعل الحكم فيه، إلاّ ان يقال: ان الأمر المفروض الوجود ان كان شخص الأمر المجعول في القضية يلزم المحذور المذكور، و أما إن كان طبيعة الأمر فلا، لعدم الملازمة بين لحاظ وجود الطبيعة و عدم لحاظ وجود شخص الأمر المجعول كما هو واضح.

(104) و ذلك لأن القدرة لم تكن دخيلة في الموضوع، حتى يلزم من تأخرها عن الأمر رتبة تأخر الموضوع عن الحكم، بل العقل يحكم بقبح العقاب على ما لا يطاق، و يكفي في رفع القبح تحقق القدرة حين العمل و ان كان بنفس الأمر.

الأمر على القدرة بمعنى لزوم كونها قبله رتبة فلا، لما عرفت من جواز حصولها بنفس الأمر. و هاهنا كذلك، لأنه بنفس الأمر تحصل القدرة على إتيان الفعل بداعيه.

و قد يقال ان الأمر بإتيان الفعل بداعي الأمر و ان لم يكن مستلزما للدور، إلاّ انه مستحيل من جهة عدم قدرة المكلف على إيجاد هذا المقيد أصلا، حتى بعد الأمر بذلك المقيد، فان القدرة - على إيجاد الصلاة بداعي الأمر بها مثلا - تتوقف على الأمر بذات الصلاة، و الأمر بها - مقيدة بكونها بداعي الأمر - ليس امرا بها مجردة عنه، لأن الأمر بالمقيد ليس امرا بالمجرد عن القيد، فالتمكن من إيجاد الفعل مقيدا بحصوله بداعي الأمر لا يحصل إلاّ بعد تعلق الأمر بذات الفعل.

(و فيه) ان الأمر المتعلق بالمقيد ينسب إلى الطبيعة المهملة حقيقة، لأنها تتحد مع المقيد، فهذا الأمر - المتعلق بالمقيد بملاحظة تعلقه بالطبيعة المهملة - يوجب قدرة المكلف على إيجادها بداعيه (105) نعم لو أوجدها فيما هو مباين للمطلوب الأصلي، لا يمكن ان يكون هذا الإيجاد

الشرح

(105) لا يقال: ان الأمر المذكور و ان كان نسب إلى المهملة لكن ليس مؤثرا في نفسه و محركا لإيجاد المهملة ليصح جعله داعيا لها، بل هو امر انتزاعي لا أثر له مستقلا.

لأنا نقول: ان لم يكن لهذا الأمر الانتزاعي أثر، فكيف يحكم بالبراءة فيما دار الأمر بين المطلق و المقيد في غير المقام؟ و هل مبنى البراءة فيه أن الأمر بالمهملة معلوم و القيد مشكوك فيه؟ فلو كان الأمر بالمهملة غير مؤثر لاستشكل بأن ما هو المعلوم غير مؤثر و المؤثر مردد فيجب الاحتياط.

لا يقال: نعم لو لم يعلم القيد فالمعلوم مؤثر، لأنه بعد الجهل بالقيد يكون بمنزلة المطلق، لأن المناط في التأثير عند العقل هو المقدار المعلوم، و المفروض ان المقدار المعلوم

بداعي ذلك الأمر، كما لو أمر بعتق رقبة مؤمنة، فأعتق رقبة كافرة، لأن الموجود في الخارج ليس تمام المطلوب، بل يشتمل على جزء عقلي منه.

أما لو لم ينقص الفعل المأتي به بداعي الأمر بالطبيعة المهملة عن حقيقة المطلوب الأصلي أصلا - كما في المقام - فلا مانع من بعث الأمر المنسوب إلى المهملة للمكلف.

و يمكن ان يقال - في وجه عدم إمكان أخذ التعبد بالأمر في موضوعه - ان الأمر و ان كان توصليا يشترط فيه ان يصلح لأن يصير داعيا للمكلف نحو الفعل الّذي تعلق به، لأنه ليس إلاّ إيجاد الداعي للمكلف، و الأمر المتعلق بالفعل بداعي الأمر لا يمكن ان يكون داعيا للمكلف إلى إيجاد متعلقه، لأنه اعتبر في متعلقه كونه بداعي الأمر، و لا يمكن ان يكون الأمر محركا إلى محركية نفسه (106) فافهم هذا ان قلنا بان العبادات يعتبر فيها قصد إطاعة الأمر.

الشرح

ليس المهملة، و اما مع العلم بالقيد فلا أثر للأمر بالمهملة، و لذا لا يجب امتثاله عند العجز عن القيد.

لأنه يقال: نعم لو لم يكن إتيان المهملة ملازما للقيد، فالامر بها لا يؤثر في إتيان المهملة منفكا عن القيد، و أما مع الملازمة فذلك الأمر موضوع لوجوب الامتثال في حكم العقل، بل لا يمكن الإتيان بالقيد و المقيد إلاّ بذلك.

و الحاصل: ان القول - بالبراءة فيما ذكر - يلازم إمكان قصد القربة في المقام، نعم على القول بالاشتغال هناك لا محيص عن الإشكال.

(106) لا يخفى أن محركية ما ليس بمحرك ذاتا و ان كانت غير قابلة للجعل، كالعلية على ما مر في الوضع، لكن لا مانع من إيجاد ما هو المحرك ذاتا و المتحد عنوانا مع محركية ما ليس بمحرك، فيستنتج منه جعل المحركية.

بيان ذلك: ان المحرك الذاتي - في الأفعال و التروك الموجودة فيها المصالح

و يمكن ان يقال: إن المعتبر فيها ليس إلاّ وقوع الفعل على وجه يوجب القرب عند المولى، و هذا لا يتوقف على الأمر. (بيان ذلك): أن الفعل الواقع في الخارج على قسمين (أحدهما) ما ليس للقصد دخل في تحققه، بل لو صدر من الغافل لصدق عليه عنوانه (ثانيهما) ما يكون قوامه في الخارج بالقصد، كالتعظيم و الإهانة و أمثالهما. و أيضا لا إشكال في ان تعظيم من له أهلية ذلك بما هو أهل له، و كذا شكره و مدحه بما يليق به، حسن عقلا، و مقرب بالذات، و لا يحتاج في تحقق القرب إلى وجود امر بهذه العناوين. نعم قد يشك في أن التعظيم المناسب له أو المدح اللائق بشأنه ما ذا؟ و قد يتخيل كون عمل خاص تعظيما له، أو ان القول الكذائي مدح له. و الواقع ليس كذلك، بل هذا الّذي يعتقده تعظيما توهين له،

الشرح

و المفاسد بعد العلم بها، و جعل الأمر داعيا للفعل - أيضا فعل من الأفعال، فان علم الإنسان أن فيه مصلحة ملزمة و في تركه مفسدة لازمة الدفع فهذه المصلحة عند العلم بها محرك ذاتي و كذا المفسدة. و معلوم انه ما لم يجعل تحت الأمر ليس فيه مصلحة و لا في تركه مفسدة، و اما لو جعل تحت الأمر ففي تركه العقاب و في فعله الثواب، لأنه مصداق لامتثال الواجب. و العلم بهما محرك ذاتي، مثلا لو كان امر الوالد بلا مصلحة ذاتية تصلح للمحركية، فأمر الشارع بوجوب إطاعته و وجوب جعل امره محركا في ما امر و علم به المكلف، علم أن في امتثال أمر الوالد مصلحة و في تركه مفسدة، لأنه مصداق لامتثال أمر اللّٰه - تبارك و تعالى - و لا نتيجة في جعل المحركية الا ذلك.

ان قلت: نعم هذا إذا جعلت المحركية تحت امر آخر، و الكلام في جعل المحركية بنفس هذا الأمر.

قلت: نرجع إلى الإشكال الأول، من عدم إمكان أخذ جعل الحكم في موضوع نفسه، و يمكن تصحيحه بالقضية الطبيعية، بأن يقال تجب الصلاة مثلا بقصد طبيعة الأمر، فمحركية الطبيعة موضوع للأمر المذكور، لا محركية نفسه حتى يلزم المحذور.

و هذا الّذي اعتقده مدحا ذم بالنسبة إلى مقامه.

إذا تمهد هذا فنقول: لا إشكال في أن ذوات الأفعال و الأقوال الصلاتية مثلا من دون إضافة قصد إليها ليست محبوبة و لا مجزية قطعا، و لكن من الممكن كون صدور هذه الهيئة المركبة من الحمد و الثناء و التسبيح و التهليل و الدعاء و الخضوع و الخشوع مثلا مقرونة بقصد نفس هذه العناوين محبوبة للآمر، غاية الأمر ان الإنسان لقصور إدراكه لا يدرك أن صدور هذه الهيئة منه بهذه العناوين مناسب لمقام الباري عزّ شأنه، و يكون التفاته موقوفا على إعلام اللّٰه سبحانه، فلو فرض تمامية العقل و احتواؤه بجميع الخصوصيات و الجهات، لم يحتج إلى إعلام الشرع أصلا.

و الحاصل ان العبادة عبارة عن إظهار عظمة المولى و الشكر على نعمائه و ثناؤه بما يستحق و يليق به، و من الواضح ان محققات هذه العناوين مختلفة بالنسبة إلى الموارد، فقد يكون تعظيم شخص بان يسلم عليه، و قد يكون بتقبيل يده، و قد يكون بالحضور في مجلسه، و قد يكون بمجرد اذنه بان يحضر في مجلسك أو يجلس عندك، إلى غير ذلك من الاختلافات الناشئة عن خصوصيات المعظم بالكسر و المعظم بالفتح. و لما كان المكلف لا طريق له إلى استكشاف ان المناسب لمقام هذا المولى تبارك و تعالى ما هو إلاّ بإعلامه تعالى، لا بد ان يعلمه، و إلاّ لم يتحقق به تعظيمه، ثم يأمره به. و ليس هذا المعنى مما يتوقف تحققه على قصد الأمر، حتى يلزم محذور الدور.

و يمكن أن يقال بوجه آخر، و هو أن ذوات الأفعال مقيدة بعدم صدورها عن الدواعي النفسانيّة محبوبة عند المولى و توضيح ذلك يتوقف على مقدمات ثلاث:

(الأولى) ان المعتبر في العبادة يمكن أن يكون إتيان الفعل بداعي امر المولى، بحيث يكون الفعل مستندا إلى خصوص امره و هذا معنى بسيط يتحقق في الخارج بأمرين (أحدهما) جعل الأمر داعيا لنفسه (الثاني) صرف الدواعي النفسانيّة عن نفسه. و يمكن أن يكون المعتبر إتيان الفعل خاليا عن سائر الدواعي و مستندا إلى داعي الأمر، بحيث يكون المطلوب المركب منهما. و الظاهر هو الثاني، لأنه أنسب بالإخلاص المعتبر في العبادات.

(الثانية) أن الأمر الملحوظ فيه حال الغير (تارة) يكون للغير، و (أخرى) يكون غيريا، مثال الأول الأمر بالغسل قبل الفجر على احتمال، فان الأمر متعلق بالغسل قبل الأمر بالصوم، فليس هذا الأمر معلولا لأمر آخر، إلاّ أن الأمر به إنما يكون لمراعاة حصول الغير في زمانه (الثاني) الأوامر الغيرية المسببة من الأوامر المتعلقة بالعناوين المطلوبة نفسا.

(الثالثة) أنه لا إشكال في أن القدرة شرط في تعلق الأمر بالمكلف، و لكن هل يشترط ثبوت القدرة سابقا على الأمر و لو رتبة، أو يكفى حصول القدرة و لو بنفس الأمر؟ الأقوى الأخير، لعدم وجود مانع عقلا في أن يكلف العبد بفعل يعلم بأنه يقدر عليه بنفس الأمر.

إذا عرفت هذا فنقول: الفعل المقيد بعدم الدواعي النفسانيّة - و ثبوت الداعي الإلهي الّذي يكون موردا للمصلحة الواقعية - و ان لم يكن قابلا لتعلق الأمر به بملاحظة الجزء الأخير، للزوم الدور أما من دون ضم القيد الأخير، فلا مانع منه.

لا يقال ان هذا الفعل - من دون ملاحظة تمام قيوده التي منها الأخير - لا يكاد يتصف بالمطلوبية، فكيف يمكن تعلق الطلب بالفعل

من دون ملاحظة تمام القيود التي يكون بها قوام المصلحة.

لأنا نقول: عرفت أنه قد يتعلق الطلب بما لا يكون مطلوبا في حد ذاته، بل يكون تعلق الطلب لأجل ملاحظة حصول الغير، و الفعل المقيد بعدم الدواعي النفسانيّة و ان لم يكن تمام المطلوب النفسيّ مفهوما، لكن لما لم يوجد في الخارج إلاّ بداعي الأمر، لعدم إمكان خلو الفاعل المختار عن كل داع يصح تعلق الطلب به (107) لأنه يتحد في الخارج مع ما هو مطلوب حقيقة، كما لو كان المطلوب الأصلي إكرام الإنسان، فانه لا شبهته في جواز الأمر بإكرام الناطق، لأنه لا يوجد في الخارج الا متحدا مع الإنسان الّذي إكرامه مطلوب أصلي.

و كيف كان فهذا الأمر ليس امرا صوريا بل هو امر حقيقي و طلب واقعي لكون متعلقه متحدا في الخارج مع المطلوب الأصلي. نعم يبقى الإشكال في أن هذا الفعل - أعني الفعل المقيد بعدم الدواعي النفسانيّة - مما لا يقدر المكلف على إيجاده في مرتبة الأمر، فكيف يتعلق

الشرح

(107) ذكر الفاعل المختار لبيان ان المطلوب هو الفعل الاختياري المقيد بخلو الدواعي الراجعة إلى غير اللّٰه - تبارك و تعالى - فلا ينتقض بالغافل، لأنه ان بلغ حدا يسلب عنه الاختيار فهو خارج عن محل الكلام و إلاّ فلا محالة لا يخلو عن الداعي الإلهي أو غيره، و الفرق - بين تقييد المأمور به بخلوه عن الدواعي النفسانيّة و الأمر بالذات بلا تقييدها بشيء - كما يأتي في المتن - مع كون الغرض فيهما أخص و كون الأمر فيهما للغير: - هو أن الأمر على الأول لا يسقط مع عدم قصد القربة لعدم تحقق المأمور به، فلا يحتاج في إثبات بقائه إلى ان الغرض المحدث للأمر علة للبقاء أيضا حتى يرد عليه ما أورد عليه في المتن، و أيضا: على الأول لا مانع من التمسك بالإطلاق عند الشك في التعبدية و تمامية المقدمات، و أيضا: لا إشكال في جريان البراءة مع الإجمال، لأن الشك في القيد الزائد.

الأمر به و قد عرفت جوابه في المقدمة الثالثة.

هذا و قد يقال في العبادات بان الأمر متوجه إلى ذات الفعل، و الغرض منه جعل المكلف قادرا على إيجاد الفعل بداعي الأمر الّذي يكون موردا للمصلحة في نفس الأمر. و العقل بعد التفاته إلى أخصية الغرض يحكم بلزوم الإطاعة على نحو يحصل به الغرض. أما توجه الأمر إلى ذات الفعل فلعدم إمكان أخذ حصوله بداعي الأمر في المطلوب من جهة لزوم الدور. و أما أن العقل يحكم بلزوم إتيان الفعل بداعي الأمر، فلأنه ما لم يسقط الغرض لم يسقط الأمر، لأن الغرض كما صار سببا لحدوثه كذلك يصير سببا لبقائه، لأن البقاء لو لم يكن أخف مئونة من الحدوث فلا أقل من التساوي. و العقل حاكم بلزوم إسقاط الأمر المعلوم.

و فيه انه لا يعقل بقاء الأمر مع إتيان ما هو مطلوب به على ما هو عليه (108) لأن بقاء الأمر مع ذلك مستلزم لطلب الحاصل و هذا واضح

الشرح

(108) و ذلك لأن المأمور به بالفرض ليس إلاّ الطبيعة بلا أخذ شيء فيها، نعم هي لا تكون مطلوبة في نفسها بل امر بها لتمكن المكلف من إتيانها مع القيد، و حينئذ ان كان بقاء الأمر بمعنى لزوم إتيان أصل الطبيعة من دون أخذ شيء فيها حتى الوجود الثاني منها، فهو طلب للحاصل، و ان أخذ فيها ذلك فهو غير ما امر بها أولا، نعم يمكن تصحيح ذلك بتقريب يأتي تفصيله في المقدمة الموصلة - إن شاء الله تعالى - و إجماله في المقام أن الأمر بالذات لما لم يكن لنفسها، بل يكون لمطلوب آخر - و هو الذات مع قصد القربة - لم تلاحظ الذات حين الأمر الا مقرونة بالقصد، لا بنحو يكون قيدا للمأمور به، بل لا ترى الذات محبوبة الا ملحوظة مع القصد، فيكون للحال المذكور دخل في الحكم، و لازم ذلك عدم سقوط الأمر إلاّ بإتيان الذات بقصد الأمر، لا لعدم حصول قيد المأمور به، بل لعدم إطلاق للحكم يشمل غير الحالة المذكورة، و هي مقارنته للقصد المذكور، و سيجيء تفصيله إن شاء اللّٰه تعالى.

بأدنى تأمل.

فالأولى ان يقال - في وجه حكم العقل بإتيان الفعل على نحو يسقط به الغرض - ان الإتيان به على غير هذا لنحو و ان كان يسقط الأمر إلاّ ان الغرض المحدث له ما دام باقيا يحدث امرا آخر، و هكذا ما دام الوقت الصالح لتحصيل ذلك الغرض باقيا، فلو أتى بالفعل على نحو يحصل به الغرض فهو، و إلاّ يعاقب على تفويت الغرض.

لا يقال فوت الغرض الّذي لم يدخل تحت التكليف ليس منشأ للعقاب، (لأنا نقول) نعم لو لم يكن الآمر بصدد تحصيله. و أما لو تصدى لتحصيله بالأمر، و لكن لم يقدر على ان يأمر بتمام ما يكون محصلا لغرضه، كما فيما نحن فيه، و المكلف قادر على إيجاد الفعل بنحو يحصل به الغرض الأصلي، فلا إشكال في حكم العقل بلزوم إتيانه كذلك (109).

و من هنا يعلم انه لا وجه للالتزام بأمرين أحدهما بذات الفعل و الثاني بالفعل المقيد بداعي الأمر، لأن الثاني ليس إلاّ لإلزام المكلف بالفعل المقيد، و قد عرفت انه ملزم به بحكم العقل، مضافا إلى ما أفاده في

الشرح

(109) لا يخفى انه لو قلنا بلزوم مثل ذلك الغرض، فلا وجه للالتزام بان الغرض يحدث أمرا آخر، لأنه بعد ما علم أن الأمر بالذات نشأ عن غرض خاص، يحكم العقل باستحقاق العقاب في ترك تحصيل الغرض، فلا مناص من الأمر المولوي ثانيا.

لا يقال: نعم لكن لو أتى المكلف بالفعل بلا قصد، فلا مناص عن الأمر ثانيا، لإيجاد الداعي له ثانيا، و تحصيل التمكن من إتيانه، و إلاّ فلا داعي للمكلف على إيجاده ثانيا، و لا قدرة له.

لأنا نقول: أما قدرة المكلف فمحفوظة بعد بإمكان تبديل امتثال الأمر الأول، فقد حقق في محله إمكانه و أما الداعي الملزم، فالعلم بأنه لو لم يتبدل يستحق العقاب في ترك تحصيل الغرض اللازم الحصول، مع التمكن من تحصيله فلا مناط للأمر ثانيا.

بطلانه شيخنا الأستاذ دام بقاؤه، من ان القول به يوجب اما الالتزام بما قلنا من بقاء الأمر الأول ما لم يحصل غرض الآمر. و إما الالتزام بعدم وصول الآمر إلى غرضه الأصلي، لأن المكلف لو أتى بذات الفعل من دون داعي الأمر لا يخلو اما ان نقول ببقاء الأمر الأول، و إما أن نقول بسقوطه، فعلى الأول فاللازم التزامك بما التزمنا، و عليه لا يحتاج إلى الأمر الثاني، و على الثاني يلزم سقوط الأمر الثاني أيضا، لارتفاع موضوعه فيلزم ما ذكرنا من عدم الوصول إلى غرضه الأصلي.

هذا و لقائل ان يقول نختار الشق الثاني من سقوط الأمر الأول بإتيان ذات الفعل، و سقوط الثاني أيضا بارتفاع موضوعه، و لا يلزم محذور أصلا، لأن الوقت اما باق بعد و اما غير باق، فعلى الأول يوجب الغرض إيجاد امرين آخرين على ما كانا، و على الثاني يعاقب المكلف على عدم امتثال الأمر الثاني، مع أنه كان قادرا عليه بوجود الأمر الأول، لأن الأمر الثاني لو فرضناه امرا مطلقا فعدم إيجاد متعلقه معصية بحكم العقل، سواء كان برفع المحل، أو كان بنحو آخر و هذا واضح.

فاتضح مما ذكرنا من أول العنوان إلى هنا وجوه خمسة في تصوير العبادات (110) و أنت خبير بأنه كلما قلنا في الواجبات النفسيّة العبادية

الشرح

(110) (أولها) اعتبار قصد الأمر في العبادة مع كونه مأخوذا فيها شرطا أو شطرا.

(ثانيها): عدم اعتباره فيها، بل المعتبر إتيان الفعل بقصد الخضوع للمولى و الخشوع له مع كونه أيضا مأخوذا في المأمور به.

(ثالثها): اعتبار قصد الأمر فيها، مع كون ملازمه مأخوذا في المأمور به.

(رابعها): اعتباره فيها مع عدم أخذه، و لا ملازمه فيه، و بقاء الأمر ببقاء

يجري مثله في الواجبات المقدمية العبادية (111)، فلا يحتاج إلى إطالة الكلام بجعل عنوان لها مستقلا و لما كان الغرض في هذا البحث هو التكلم في الأصل اللفظي و العملي فيما لو تردد امر الواجب بين ان يكون عباديا أو توصليا، فلنشرع في المقصود الأصلي.

تأسيس الأصل

فنقول لو شك في الواجب في انه تعبدي أو توصلي؟ فعلى ما قدمناه من عدم احتياج العبادة إلى التقييد بصدورها بداعي الأمر (112) لا إشكال في أن احتمال التعبدية احتمال قيد زائد فالشك فيه من جزئيات الشك في المطلق و المقيد، فان كانت مقدمات الأخذ

الشرح

الغرض أو سقوطه و إحداث الغرض أمرا آخر عند إتيان الفعل بلا قصد للأمر.

(خامسها): اعتباره فيها مع عدم دخله في المأمور به الأول، مع التزام أمر آخر بلزوم إتيان الأول بقصد أمره، و قد عرفت وجها آخر و هو دخل القصد في الحكم لا في المأمور به.

(111) لا يخفى عدم جريان الوجوه الثلاثة الأخيرة من الوجوه الخمسة، لرجوع الجميع إلى جعل امر مستقل متعلق بغير المطلوب، مقدمة لحصول المطلوب، و هو الوجوب للغير، و الأمر المقدمي الغيري لا يتعلق إلاّ بنفس ما يكون مناط المقدمية فيه موجودا، فلو سلّم عدم إمكان تعلق الأمر بها، فلا طلب غيري و لا محالة ينشأ الوجوب للغير.

(112) <تأسيس الأصل:> بل و كذا لو قيل باحتياجها إلى التقيد المذكور، مع إمكان أخذه في المأمور به و لو بعنوان ملازمه.

بالإطلاق موجودة، يحكم بإطلاق الكلام و يرفع القيد المشكوك، و إلاّ فالمرجع هو الأصل الجاري في مقام دوران الأمر بين المطلق و المقيد. و لما كان المختار فيه بحسب الأصل العملي البراءة، يحكم بعدم لزوم القيد.

و أما على ما قيل من لزوم تعلق الطلب على تقدير التعبدية بذات الفعل، مع أخصية الغرض، فقد يقال - كما يظهر من كلمات شيخنا المرتضى قدس سره - بعدم جواز التمسك بإطلاق اللفظ لرفع القيد المشكوك كذلك لا يمكن إجراء أصالة البراءة فيه، بل المقام مما يحكم العقل فيه بالاشتغال. و ان قلنا بالبراءة في دوران الأمر بين المطلق و المقيد.

(اما الأول) فلان رفع القيد بأصالة الإطلاق انما يكون فيما لو احتملنا دخول القيد في المطلوب. و المفروض عدم هذا الاحتمال، و القطع بعدم اعتباره فيه أصلا. و انما الشك في أن الغرض هل هو مساو للمطلوب أو أخص منه، و حدود المطلوب معلومة لا شك فيها على أي حال.

(و اما الثاني) فلأنه بعد العلم بتمام المطلوب في مرحلة الثبوت لو شك في سقوطه بإتيان ذاته، و عدم سقوطه بواسطة بقاء الغرض المحدث للأمر، لا مجال إلاّ للاحتياط، لأن اشتغال الذّمّة بالأمر الثابت المعلوم متعلقه يقتضى القطع بالبراءة عنه، و لا يكون ذلك إلاّ بإتيان جميع ما يحتمل دخله في الغرض.

و مما ذكر تعرف الفرق بين المقام و سائر الموارد التي شك في مدخلية قيد في المطلوب. و ملخص الفرق أن الشك فيها راجع إلى مرحلة الثبوت، و في المقام إلى مرحلة السقوط.

هذا، و الحق عدم التفاوت بين المقام و ساير الموارد مطلقا أعني من جهة الأخذ بالإطلاق و من جهة إجراء أصالة البراءة.

(أما الأول)، فلان القيد المذكور و ان لم يحتمل دخله في المطلوب لعدم الإمكان، و لكن لو فرضنا وجود مقدمات الأخذ بالإطلاق التي من جملتها كون المتكلم في مقام بيان تمام المقصود و ما يحصل به الغرض، يحكم بعدم مدخلية شيء آخر في تحقق غرضه، إذ لو كان لبين و لو ببيان مستقل (113) و حيث لم يبين يكشف عن كون متعلق الطلب تمام ما يحصل به غرضه. نعم الفرق بين المورد و سائر الموارد ان فيها يحكم - بعد تمامية مقدمات الحكمة - بإطلاق متعلق الطلب، و فيه بإطلاق الغرض و الأمر سهل.

و يمكن أن يستظهر من الأمر التوصلية، من دون حاجة إلى مقدمات الحكمة بوجه آخر اعتمد عليه سيدنا الأستاذ طاب ثراه، و هو ان الهيئة عرفا تدل على ان متعلقها تمام المقصود، إذ لو لا ذلك لكان الأمر

الشرح

(113) لا يخفى ان التمسك بإطلاق الغرض يتوقف على كون القيد مغفولا عنه عند العامة، ليكون ترك البيان نقضا للغرض، مثل قصد الوجه و التمييز، أو على كون حكم الشك فيه البراءة عند العقل، أما لو كان القيد غير مغفول عنه، و كان حكم العقل عند الشك فيه الاشتغال، فللآمر ان يكتفي في تحصيل القيد بحكم العقل، من دون بيان، بلا لزوم نقض الغرض. و الظاهر أن قصد الأمر ليس مغفولا عنه عند العامة، بل يمكن أن يقال: إنه حاصل غالبا، لأن الداعي للمكلفين غالبا ليس إلاّ العلم بالأمر، و إدراك وجوب إطاعته حتى في التوصليات، و لا نعنى بقصد الأمر الا هذا.

و أما التفات أحدهم بالتوصلية و قصد غير الأمر أو إتيان المأمور به غافلا عن الأمر بداعي غيره نادر لا يعبأ به عند الآمر، و هذا بيان آخر لعدم نقض الغرض، و اما حكم العقل بالاشتغال أو البراءة فسيأتي الكلام فيه عن قريب - إن شاء الله تعالى - و الحاصل: ان الفرق بين الإطلاق في مقام الغرض و الإطلاق في مقام الإفهام، هو احتياج الأول إلى ما ذكر من القيدين بخلاف الثاني المفروض في الكلام انتفاؤه.

توطئة و تمهيدا لغرض آخر، و هو خلاف ظاهر الأمر.

(و اما الثاني) فلأنه بعد إتيان ذات الفعل لا يعقل بقاء الأمر الأول، لما عرفت سابقا من استلزامه لطلب الحاصل، فلا يعقل الشك في سقوط هذا الأمر. نعم يحتمل وجود امر آخر من جهة احتمال بقاء الغرض. و ظاهر أن هذا شك في ثبوت امر آخر، و الأصل عدمه. و لو سلمنا كون الشك في سقوط الأمر الأول نقول: إن هذا الشك نشأ من الشك في ثبوت الغرض الأخص.

و حينئذ نقول في تقريب جريان أصالة البراءة ان اقتضاء الأمر ذات الفعل متيقن. و اما الزائد عليه فلا نعلم، فلو عاقبنا المولى من جهة عدم مراعاة الخصوصية المشكوك اعتبارها في الغرض، مع الجهل به، و عدم إقامة دليل يدل عليه، مع ان بيانه كان وظيفة له، لكان هذا العقاب من دون إقامة بيان و حجة، و هو قبيح بحكم العقل. و لو كان الشك في السقوط كافيا في حكم العقل بالاشتغال، للزم الحكم به في دوران الأمر بين المطلق و المقيد مطلقا (114) ضرورة أنه بعد إتيان الطبيعة في ضمن غير الخصوصية التي يحتمل اعتبارها في المطلوب، يشك في سقوط الأمر و عدمه.

الشرح

(114) و يمكن الفرق بين المقامين بان الشك في السقوط في المطلق و المقيد ناش عن الشك في حدود المأمور به، فينحل إلى ان الأمر بالذات معلوم و بالقيد مشكوك فيه، و لا ملزم لغير المعلوم، و في المقام حدود المأمور به معلومة و الشك في السقوط ناش عن كيفية الأمر، فان التعبدي لا يسقط إلاّ بقصد الأمر، بخلاف التوصلي.

(الأمر الثالث) (في الواجب المطلق و المشروط)

ينقسم الواجب - ببعض الاعتبارات - إلى مطلق و مشروط، فالأوّل عبارة عما لا يتوقف وجوبه على شيء و الثاني ما يقابله، و لا يهمنا التعرض للتعريفات المنقولة عن القوم، و النقض و الإبرام المتعلقين بها.

و قد يستشكل في تقسيم الواجب باعتبار وجوبه إلى القسمين من جهة امرين:

(أحدهما) أن مقتضى كون وجوب الشيء مشروطا بكذا عدم تحقق الوجوب قبل تحقق الشرط (115). و المفروض ان الآمر قد أنشأ

الشرح

و العقل يحكم بلزوم الخروج عن عهدة الأمر المعلوم.

و بعبارة أخرى: في المطلق و المقيد يتردد الحكم بين الأمر بالزائد و الناقص، و في المقام يتردد الامتثال بين الزائد و الناقص و العقل يحكم فيه بالاشتغال فلا تغفل.

(115) <الواجب المطلق و المشروط:> و نظير هذا الإشكال جار في الخبر المشروط أيضا، فان مقتضى كون الخبر مشروطا عدم تحقق الخبر قبل تحقق الشرط، و لازمه اما تفكيك الخبر عن الاخبار و اما إهمال القضية الخبرية، هذا ان لم يكن القيد راجعا إلى المخبر به، بل كان راجعا إلى الهيئة، و اما عليه فيأتي الكلام فيه - إن شاء الله تعالى -.

و قد يتوهم اختصاص توجّه الإشكال على القول بكاشفية الهيئة عن الإرادة البتة كما هو مبنى الأستاذ - دام بقاؤه - حيث ان الإرادة الواقعية المكشوفة لا يخلو امرها عن الوجود و العدم، اما الأول فهو خلاف ما اقتضاه الاشتراط، و اما الثاني فمستلزم لخلو القضية عن المعنى

الوجوب بقوله: (ان جاءك زيد فأكرمه) فان الهيئة قد وضعت لإنشاء الطلب. و على هذا فالقول بان الوجوب لا يتحقق إلاّ بعد تحقق الشرط مستلزم لتفكيك الإيجاب عن الوجوب.

و ان التزم بعدم تحقق الإيجاب، لزم إهمال هذه القضية.

(ثانيهما) - ان الطلب المستفاد من الهيئة انما يكون معنى حرفيا غير مستقل بالنفس، و ليس دخوله في الذهن الا من قبيل وجود العرض في الخارج في كونه متقوما بالغير، و الإطلاق و التقييد فرع إمكان ملاحظة المفهوم في الذهن.

و أيضا قد تقرر في محله أن معاني الحروف معان جزئية بمعنى ان

الشرح

و إهماله، و اما على القول بكون الهيئة موجدة لمفهوم الطلب إنشاء فلا محذور فيه حيث ان الإنشاء خفيف المئونة، فكما يصح الإنشاء منجزا و حقيقته ليس إلاّ البناء على وجوده، فكذلك الإنشاء على تقدير، و معناه يصح بالبناء على وجود على ذلك التقدير.

و لكن فيه: ان الوجود الإنشائي أيضا نحو من الوجود النّفس الأمري و ليس من قبيل أنياب الأغوال بلا تأصل و حقيقة الا الفرض، و هذا النحو من الوجود الإنشائي أيضا لا يخلو أمره عن الوجود و العدم فعلا و الأول ينفيه الاشتراط، و الثاني مستلزم لإهمال القضية فعلا و بذلك يظهر ما في ما التزم به في الكفاية من أن المنشأ إذا كان هو الطلب على تقدير حصول شيء، فلا بد أن لا يكون قبل حصوله طلب و بعث و إلاّ لتخلّف عن إنشائه.

وجه النّظر: أن عدم تفكيك الإيجاد عن الوجود لا فرق فيه بين الوجود الإنشائي و الخارجي، فان الوجود الإنشائي لا يمكن تفكيكه عن الإيجاد الإنشائي كالخارجي، بل الإيجاد و الوجود الفرضيان أيضا لا ينفكان، فكيف التزم بالتفكيك بينهما؟ و اما ما وجّه به بعض المحشين: - بأن الهيئة على هذا جزء العلة، و يبقى جزؤها الآخر، و هو القيد - فهو خلاف مرام المتن، لأن الظاهر منه أن الإيجاد و الإنشاء حاصل، لكن المنشأ أمر استقبالي، و يشهد بذلك تنظيره بالإخبار، فانه لا يلتزم أحد بأن اخبار المشروط جزء العلة للخبر.

الواضع لاحظ في وضع الحروف عنوانا عاما إجماليا و وضع اللفظ بإزاء جزئياته، فالوضع أي آلة الملاحظة فيها عام و الموضوع له أعني جزئيات ذلك العام خاص. و من الواضح أن الجزئي لا يكون مقسما للإطلاق و التقييد (116).

هذا و مما ذكرنا سابقا في بيان معاني الحروف من أنها كليات كمعاني بعض الأسماء، ظهر لك عدم المانع عن إطلاق الطلب و تقييده من جهة جزئية المعنى المستفاد من الهيئة. أما المانع الآخر و هو كونه مما لا تحصل له في الذهن استقلالا، و الإطلاق و التقييد الواردان على المفهوم تابعان لملاحظته في الذهن مستقلا، فالجواب عنه بوجهين.

(أحدهما) - أن المعنى المستفاد من الهيئة و ان كان حين استعمالها فيه لا يلاحظ إلاّ تبعا، لكن بعد استعمالها يمكن أن يلاحظ بنظرة ثانية، و يلاحظ فيه الإطلاق أو التقييد (117).

الشرح

(116) قد يقال: لو سلم ذلك، فانما يمنع عن التقييد لو أنشئ أولا غير مقيد، لا ما إذا أنشئ من الأول مقيدا، غاية الأمر قد دلّ عليه بدالين، كما هو عين عبارة الكفاية.

لكن الظاهر انه لا محيص عن القول بكون المنشأ بالصيغة أصل الطلب المهمل، و الخصوصيات الزائدة عليه تستفاد من دوال أخر، مثل أداة الشرط و نحوها، و إلاّ يلزم استعمال الهيئة مجازا في طلب خاص، مع كون أداة الشرط و غيرها مما يدل على الخصوصيات، كرفع الفاعل و نصب المفعول علامة، أو ك (يرمي) قرينة على هذا التجوز. و كلاهما خلاف ما هو التحقيق في التقييد، كما هو خلاف ما التزموا به.

(117) لا يقال: ان الموجود في الذهن سواء كان بالنظرة الأولى أو بالنظرة الثانية إذا كان مستقلا، بحيث يقبل الإطلاق و التقييد، بمعنى انه يوجد في الذهن و يلاحظ أنه قابل للحكم بإطلاقه، أو غير قابل له الا بالتقييد ببعض القيود، فهو معنى اسمي غير مربوط بالهيئة، لأن معنى الهيئة معنى حرفي لا يكون وجوده في الذهن إلا

(ثانيهما) - ورود الإطلاق و التقييد بملاحظة محله، مثلا ضرب زيد إذا تعلق به الطلب المستفاد من الهيئة، يتكيف بكيفية خاصة في الذهن، و هي كيفية المطلوبية، فضرب زيد بهذه الملاحظة قد يلاحظ فيه الإطلاق، و يلزم منه كون الطلب الطاري عليه مطلقا و قد يلاحظ فيه الاشتراط. و اللازم من ذلك كون الطلب أيضا مشروطا (118).

الشرح

عرضا لموجود آخر فيه، بحيث لا يمكن إرجاع الضمير إليه، و لا الإشارة إليه، كما مر في معاني الحروف، فكيف يمكن ان يلاحظ انه قابل للحكم بنحو الإطلاق أو غير قابل له إلاّ مقيدا؟، فما هو القابل لهما - و هو الملحوظ الثاني - غير معنى الهيئة، و معنى الهيئة - و هو الملحوظ أولا - غير قابل لهما.

لأنا نقول: ان الملحوظ ثانيا و ان كان معنى اسميا، لكنه أخذ بنحو الحكاية و العبرة عن المعنى الحرفي، فيرى به ما وجد أولا و استعمل فيه، و يحكم بخروج بعض حالاته عن الحكم لبا. و لا إشكال من هذه الجهة، نعم احتياج القضايا المشروطة و المقيدة إلى النظرة الثانية خلاف الوجدان.

(118) بمعنى أن تضييق الموضوع بوصف كونه موضوعا للحكم، يستلزم تضييق الحكم قهرا. و لا ينافي ذلك تعدد الدال و المدلول في الهيئة، و المحل اللازم منه كون مدلولهما في الذهن تدريجيّا، لأنه بعد تمام اللفظ و دخول المداليل التدريجية في الذهن، يكون الحاضر في الذهن امرا بسيطا، و هو الموضوع المتصف بالحكم، فيقيّده، أي يظهر أنه بحسب اللب مقيد و مضيّق، و ان كان في مقام الاستعمال مطلقا.

لكن لا يخفى أن ذلك أيضا يحتاج إلى تعدد لحاظ الموضوع في القضايا المشروطة، لأن لحاظ الموضوع - المجرد عن الحكم الّذي لا محيص عنه قبل الحكم - غير لحاظ الموضوع المتصف به الّذي لا يمكن إلاّ في ظرف وجود الحكم، و قد مرّ آنفا: أن الوجدان بخلاف ذلك، فان لحاظ الموضوع في القضايا المشروطة كالمطلقة واحد فلا تغفل.

لا يقال: إن هذه الإشكالات على تقدير إرجاع القيد إلى الهيئة. و أما على

و لنا في المقام مسلك آخر و هو ان المعنى المستفاد من الهيئة لم يلاحظ فيه الإطلاق في الوجوب المطلق، و الاشتراط في الوجوب المشروط، و لكن القيد المأتي به في القضية (تارة) يعتبر على نحو يتوقف تأثير الطلب على وجوده في الخارج، و يقال لهذا الطلب: الطلب المشروط.

بمعنى أن تأثيره في المكلف موقوف على شيء و (أخرى) يعتبر على نحو يقتضى الطلب إيجاده، و يقال لهذا الطلب المتعلق بذلك المقيد: الطلب المطلق، أي لا يبتنى تأثيره في المكلف على وجود شيء.

و توضيح ذلك أن الطالب قد يلاحظ الفعل المقيد و يطلبه، أي يطلب المجموع. و هذا الطلب يقتضى إيجاد القيد إن لم يكن موجودا، كما

الشرح

تقدير إرجاعه إلى المادة، بأن يقال: المطلوب هو المادة المقيدة بتقدير خاص، لا المادة المطلقة. و اما الطلب فلا تعليق فيه و لا تقييد.

لأنا نقول: لو كانت المادة المقيدة مطلوبة بنحو الإطلاق، يلزم ان يكون القيد واجب التحصيل فيكون مفاد (ان تطهّرت فصلّ) متحدا مع (صل مع الطّهارة) مثلا، و هو خلاف الوجدان و خلاف ما التزموا به في الواجب المشروط. و معلوم ان محبوبية شيء على تقدير لا ينافي مبغوضية التقدير.

ان قلت: هذا لو لم تكن المادة مقيدة ابتداء، و أما معه فلا يستلزم وجوب تحصيل القيد و لا يقع تحت الهيئة.

قلت: مع ذلك يلزم أن يكون الفعل المقيد بأمر اختياري مطلوبا فعلا، بحيث لو لم يفعله المكلّف يلزم تفويت الغرض من المولى، لكن لا يعاقب عليه لتقييد المطلوب بأمر اختياري، و هو أيضا خلاف الوجدان و خلاف ما التزموا به. فتأمل جيدا.

و كذلك لا يدفع ما ذكر من الإشكال في الاخبار المشروطة، بإرجاع القيد إلى المخبر به مع عدم تعليق في الإخبار، و ذلك لا يستلزم كون الاخبار بوجود النّهار مشروطا بطلوع الشمس اخبارا بوجود النهار فعلا بعد طلوع الشمس، بحيث لو لم تكن الشمس طالعة لم تكن القضية صادقة، كما لو لم تكن ملازمة و هو كما ترى.

في قوله (صل مع الطهارة) و قد يلاحظ القيد موجودا في الخارج، أي يفرض في الذهن وجوده في الخارج، ثم بعد فرض وجوده في الخارج ينقدح في نفسه الطلب، فيطلب المقيد بذلك القيد المفروض وجوده، فهذا الطلب المتعلق بمثل هذا المقيد المفروض وجود قيده، و ان كان متحققا فعلا بنفس الإنشاء، لكن تأثيره في المكلف يتوقف على وجود ذلك القيد المفروض وجوده حقيقة.

و وجهه ان هذا الطلب انما تحقق مبنيا على فرض وجود الشيء.

و هذا الفرض في لحاظ الفارض حاك عن حقيقة وجود ذلك الشيء، فكأنه طلب بعد حقيقة وجوده، فكما انه لو طلب بعد وجود ذلك الشيء المفروض وجوده حقيقة لم يؤثر الطلب في المكلف الا بعد وجود ذلك الشيء واقعا، لعدم الطلب قبله، كذلك لو طلب بعد فرض وجوده لم يؤثر الا بعد وجوده الخارجي، و ان كان الطلب الإنشائي محققا قبله أيضا. فهذا الطلب يقع على نحو يشترط تأثيره في المكلف على شيء في الخارج فتدبر جيدا.

و مما ذكرنا يظهر الجواب عن إشكال آخر تقدم في صدر المبحث (119) و هو ان المعنى الإنشائي كيف يعلق على وجود شيء؟

الشرح

(119) و كذلك يظهر الجواب عن الإشكال في الجمل الخبرية، و ذلك لأن الاخبار مطلق و متحقق فعلا، لكن بعد فرض المخبر تحقق الشرط خارجا، لا يجامع الحكم بعدمه، و من هذه الجهة يكون اخباره ذا ضيق ذاتيّ، و ان لم يقيد بشيء، كما لو أخبر بعد حصول الشرط بوجود المشروط، و الصدق و الكذب تابعان للمطابقة و عدمها عند حصول الشرط، فالمخبر بوجود النهار عند طلوع الشمس يكون طلوع الشمس موجودا في فرضه، ثم في هذا الفرض يخبر بوجود النهار، فان كان الخبر بعد تحقق

و محصل الجواب أن المعنى المستفاد من الهيئة و المنشأ بها متحقق فعلا، من دون ابتنائه على شيء، و لكن تأثيره في المكلف موقوف على وجود شيء.

الواجب المعلق (الأمر الرابع):

بعد ما عرفت انقسام الواجب إلى مطلق و مشروط، اعلم ان الناظر في كلمات الأصحاب، يرى أنه عندهم من المسلمات عدم اتصاف مقدمات الواجب المشروط بالوجوب المطلق، و يوضح ذلك اعتراض بعضهم على من جعل عنوان البحث أن الأمر بالشيء يقتضى إيجاب مقدماته، بان النزاع ليس في مطلق الأمر، بل هو في الأمر المطلق. و اعتذار بعضهم بأن إطلاق الأمر ينصرف إلى المطلق منه، فلا احتياج في افادته إلى ذكر القيد. و اعتذار بعض ردا على المعترض في أصل المبنى، بأنه لا وجه لتخصيص محل النزاع بالأمر المطلق، بل هو يجري في المشروط أيضا، غاية الأمر أنه لو قلنا بالملازمة بين الأمر بالشيء و الأمر بمقدماته، نقول بثبوت الأمر للمقدمة على نحو ما ثبت لذيها، إن مطلقا فمطلق، و ان مشروطا فمشروط.

و من مجموع هذه الكلمات يظهر أنه من المسلمات عندهم عدم الوجوب المطلق للمقدمة، مع كون ذيها متصفا بالوجوب المشروط. و عليه يقع الإشكال في بعض المقدمات الّذي اتصف بالوجوب المطلق، مع عدم اتصاف ذيها به، بل يكون من الواجبات المشروطة. و من ذلك الغسل

الشرح

الفرض خارجا مطابقا كانت القضية صادقة، كما لو أخبر بوجود النهار بعد طلوع الشمس

قبل الفجر في ليلة رمضان، فانهم حكموا بوجوبه قبل الفجر، مع أنه لم يتعلق الوجوب بالصوم بعد. و الّذي قيل في حل هذه العويصة امران:

(إحداهما) - المحكي عن بعض أعاظم المحققين في تعليقاته على المعالم. و ملخصه أن الوجوب المتعلق بالغسل قبل الفجر - و أمثاله من المقدمات التي يتعلق بها الوجوب قبل ذيها - ليس من الوجوب الغيري أي الوجوب المعلول من وجوب ذي المقدمة، بل هو وجوب نفسي لوحظ فيه الغير، بمعنى ان الشارع لاحظ في إيجابه النفسيّ تمكن المكلف من امتثال الواجب النفسيّ الّذي يتحقق وجوبه فيما بعد.

(ثانيهما) - ما أفاده صاحب الفصول (قدس سره) من الفرق بين الواجب المشروط و المعلق. و حاصل ما أفاده أن الواجب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مطلق، و مشروط، و الأول على قسمين، منجز و معلق، و المنجز ما كان زمان الوجوب فيه متحدا مع زمان الواجب، و المعلق ما كان زمان الوجوب فيه منفكا عن زمان الواجب.

توضيح ذلك أن نسبة الفعل إلى الزمان و المكان متساوية، و لا ريب في إمكان كون الفعل المطلوب مقيدا بوقوعه في مكان خاص، كالصلاة في المسجد، و كذا في إمكان كون وجوبه مشروطا بكون المكلف في المكان الخاصّ، و على الأول فاللفظ الكاشف عن ذلك الطلب لا بد أن يكون على وجه الإطلاق، كأن يقول: (صل في المسجد) و على الثاني لا بد ان يكون على وجه الاشتراط، كان يقول: (إذا دخلت المسجد فصل) و هذان الوجهان بعينهما جاريان في الزمان أيضا، فيمكن أن يلاحظ الآمر الفعل المقيد بوقوعه في زمان خاص، فيطلب على هذا الوجه من المكلف، و لا بد أن يكون التعبير عن ذلك المعنى على وجه الإطلاق، كأن يقول: (صل صلاة واقعة في وقت كذا) و يمكن أن يلاحظ الفعل

المطلق، لكن وجوبه المتعلق به و طلبه يكون مشروطا بمجيء وقت كذا، فالوجوب على الأول فعلى، و لا بأس باتصاف مقدمات الفعل على هذا الوجه بالوجوب، إذ لا خلف حينئذ لأن ذاها أيضا متصف بالوجوب، بخلاف الوجوب على الوجه الثاني، فان الفعلية منتفية في الواجب المشروط، فيمتنع اتصاف مقدماته بالوجوب الفعلي، ففي الموارد التي حكموا فيها بوجوب المقدمة قبل وجوب ذيها، يلتزم بان الواجب معلق، بمعنى ان المطلوب هو الفعل المقيد بوقت كذا، و وجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها، فيمكن ان يكون وقت إيقاعها قبل زمان إيجاده، لأن زمان اتصاف الفعل المقيد بالوجوب ليس متأخرا عن زمان اتصاف المقدمة به، بل يقارنه و ان كان زمان وقوع الفعل متأخرا عن زمان وقوع المقدمة.

ثم تصدى (قدس سره) لما يرد على هذا النحو من الواجب و بيان دفعه. و محصل ما أورده على نفسه أمران:

(أحدهما) - أن المكلف قد لا يكون حيا في زمان الفعل، فلا يمكن توجه التكليف بنحو الإطلاق إليه.

(ثانيهما) - أن الفعل المقيد بالزمان الغير الموجود بعد ليس مقدورا للمكلف بواسطة قيده، و ما لا يكون تحت قدرة المكلف يمتنع ان يكلف به فعلا و على نحو الإطلاق.

و أجاب (قدس سره) عن الأول بان التكليف متوجه إلى من يكون حيا في ذلك الزمان الّذي فرض قيدا للمطلوب، و عن الثاني (أولا) بالنقض (تارة) بالتكليف المتعلق بالصوم في أول الفجر، فان الصوم عبارة عن الإمساك في قطعة خاصة من الزمان، أعنى ما بين الفجر و الغروب. و لا إشكال في عدم قدرة المكلف في أول الفجر على الإمساك في الجزء الأخير من الوقت، فكيف يلتزم بوجود الوجوب المطلق حين

الفجر، مع عدم تحقق قطعة الزمان التي أخذ في المطلوب إلا جزؤها و (أخرى) بالتكليف بكل ما يحتاج إلى مقدمات لا بد في الإتيان بها من مضي زمان، و لا يقدر على الإتيان به في زمان صدور التكليف، كما لو كلفه بأن يكون في مكان كذا، و يحتاج ذلك الكون إلى مشى فرسخ أو فراسخ مثلا، فان من الواضح عدم قدرة المكلف حال التكليف على الكون في ذلك المكان. و انما يقدر عليه بعد مضي ساعتين أو ثلاث ساعات مثلا.

و (ثالثة) بالتكليف المتعلق بكل فعل تدريجي كالصلاة، حيث أن القدرة على الجزء الأخير يتوقف على إتيانه بالاجزاء السابقة.

و (ثانيا) - بالحل بان القدرة التي تكون شرطا في التكاليف عقلا، هي القدرة في زمان الفعل، لا القدرة حال التكليف، فاندفع الإشكال بأسره. هذا حاصل ما أفاده قدس سره في هذا المقام.

أقول: المهم بيان كيفية الإرادات اللبية المتعلقة بالافعال، لكي يتضح حال هذا القسم من الواجب المسمى بالتعليقي، فنقول ان الفعل المقيد المتعلق للإرادة (تارة) على نحو تقتضي تلك الإرادة تحصيل قيده في الخارج لو لم يكن موجودا، و (أخرى) على نحو لا تقتضي ذلك، كما لو اراده على فرض وجود ذلك القيد، مثلا قد تتعلق الإرادة بالصلاة في المسجد على نحو الإطلاق، سواء كان المسجد موجودا في الخارج أم لا، و قد تتعلق بها على فرض وجود المسجد. و على الأول تقتضي تلك الإرادة بناء المسجد لو لم يكن في الخارج، مقدمة لحصول الصلاة فيه. و على الثاني لا تقتضي ذلك، بل اللازم الصلاة لو فرض وجود المسجد، و لا نتعقل قسما آخر من الإرادة في النّفس خارجا عما ذكرنا، فتقسيم الواجب إلى الأقسام الثلاثة مما لا وجه له، بل ينحصر في القسمين المذكورين عقلا

و محصل ذلك ان القيد اما خارج عن حيز الإرادة و اما داخل فيه. و لا ثالث عقلا. و هذا واضح لا سترة عليه.

إذا عرفت هذا فنقول القيود الخارجة عن قدرة المكلف من قبيل الأول قطعا (120) لاستحالة تعلق الطلب بما ليس تحت قدرة المكلف، فيكون الطلب المتعلق بالفعل المقيد بالزمان من أقسام الطلب المشروط.

(فان قلت) على ما ذكرت يلزم أن لا يكون الخطاب في أول

الشرح

(120) <الواجب المعلق:> أقول: العمدة في إنكار الواجب المعلق نفي إمكان تعلق الطلب الفعلي بما ليس تحت قدرة المكلف فعلا، و ان كان مقدورا حين العمل، لا انحصار الإرادة في قسمين، لأن القائل به لا ينكر ذلك، و يعترف بأن الواجب إما مطلق و إما مشروط، فان تعلقت الإرادة بشيء من دون انتظار شيء فهو مطلق، و حينئذ فان تعلقت بما هو مقدور فعلا فمنجز، و إن تعلقت بغير المقدور فمعلق، فان ثبت امتناع تعلقها بغير المقدور فعلا فهو، و إلاّ فانحصار الإرادة لا يضرّه.

و أما امتناعه و إمكانه فقد اختلف فيه، و أصر في الكفاية على إمكانه حتى أسند إلى القائلين بامتناعه الغفلة عن معنى الإرادة، و قال ما حاصله: (إن الإرادة عبارة عن الشوق المؤكد المحرك نحو المراد، أعم من أن يكون نحو مقدماته أو نحو نفس الفعل فيما ليس له مقدمة، و الجامع ان يكون محركا نحو المقصود).

ثم استدرك و رجع عن ذلك، و اختار أن الإرادة عبارة عن مرتبة من الشوق تكون محركة للعضلات، لو كان الفعل حاليا أو استقباليا محتاجا إلى المقدمة، و ان لم تكن محركة بالفعل أصلا، لكونه استقباليا غير محتاج إلى المقدمة. و معلوم ان الشوق المتعلق بالاستقبالي قد يكون أشد بمراتب من المتعلق بالحالي. و أورد النقض بالافعال التي لها مقدمات كثيرة، حيث أن تحمل المشاق فيها ليس إلاّ لأجل كونه مريدا (إلى أن قال): مع أنه لا يكاد يتعلق البعث إلاّ بأمر متأخر عن زمان البعث، ضرورة أن البعث إنما يكون لإحداث الداعي للمكلف إلى المكلف به (إلى أن قال) و لا يكاد

..........

الشرح

يكون هذا الا بعد البعث بزمان، فلا محالة يكون البعث نحو أمر متأخر عنه بزمان، و لا يتفاوت طوله و قصره فيما هو ملاك الاستحالة، انتهى ما هو المقصود من كلامه زيد في علو مقامه.

لكن الظاهر عدم تمامية شيء مما ذكر من الدعوى و النقض، و الحق امتناع تعلق الطلب الفعلي من جميع الجهات بغير المقدور الفعلي، و يتم ذلك ببيان معنى الإرادة إجمالا، ثم الجواب عن النقض المذكور في كلامه (ره).

فنقول: ان الإرادة على ما قررنا عبارة عن حالة نفسانية جزميّة، و عبّرنا عنها بتجمع النّفس على فعل شيء، بنحو لا تنفك تلك الحالة عن تحريك العضلات.

و معلوم ان تلك الحالة في النّفس لا تتحقق ما لم تجزم بأنها لو تحركت نحوه تقدر على إتيانه. و تصديق ذلك موكول إلى الوجدان. أ ترى تحقق تلك الحالة لأحد بالنسبة إلى الطيران إلى السماء، كما تتحقق عند شرب الماء مثلا، و لو كان الشوق إلى الطيران أشد بمراتب من الشرب. و يكفيك ذلك برهانا. و ليس الفعل الموقت قبل وقته الا كالطيران فعلا، فلا يمكن تحقق تلك الحالة قبل الوقت.

و اما على ما اختار في الكفاية: من أن الإرادة عبارة عن الشوق المؤكد، فهي أيضا ليست عبارة عن مجرد مرتبة من الشوق، و ان كان ساير مقدمات الفعل معدومة أو ممتنعة، و لذا لا يقول أحد إني أريد الطيران مثلا، و إن كان مشتاقا إليه كمال الاشتياق، بل هي عبارة عن مرتبة خاصة من الشوق تحصل بعد العلم بالنفع، و العلم بعدم الضرر و المانع، مع إحراز إمكان الفعل، و معلوم ان تلك المرتبة منه مع ما ذكر من الشرائط ملازمة لتحريك العضلات. و لذا اشتهر أن الإرادة جزء أخير للعلة التامة، و لو كانت مجرد ذلك المقدار من الشوق، لكانت أيضا - كسائر ما له دخل في الفعل - أحد الاجزاء لا الجزء الأخير. و الحاصل أن كون الإرادة عبارة عن مجرد مقدار من الشوق خلاف الوجدان، و خلاف ما اصطلحوا عليه.

و أما النقض بالافعال التي لها مقدمات كثيرة، فالجواب (أولا) - بالفرق بين الأفعال التي ليس بينها و بين المريد واسطة الا إعمال القدرة، و لو في مقدماتها، بمعنى كونها مقدورة له بالفعل و لو بالواسطة، و بين الأفعال التي ليست مقدورة له بوجه من

..........

الشرح

الوجوه، و لو لتقيّدها بزمان مستقبل، فانها بالفعل خارجة عن حيّز القدرة بجميع أنحائها، فان تحقق الحالة النفسانيّة المحركة نحو المقصود الممكن، بمكان من الإمكان، فان كان مقدورا بلا واسطة توجب تحريك العضلات نحوه، و ان كان مقدورا بالواسطة، توجب التحريك نحو مقدماته. و أما في الخارج عن حيز القدرة، فلا يمكن تحققها.

و على تقرير آخر: الشوق المنفك عن جميع أنحاء القدرة، لا تطلق عليه الإرادة، بخلاف المجتمع مع القدرة بالواسطة.

و (ثانيا) - بأنا نلتزم بعدم تحقق الإرادة في الأفعال المذكورة، و ليس الموجود فيها إلا إرادة المقدمات. و لا ينافي كون الإرادة فيها تابعة لإرادة ذي المقدمة، فان معنى تبعيتها لها أنها لم تتحقق لو لا الشوق إلى ذي المقدمة، فيكون الشوق إلى ذي المقدمة - و إن لم يبلغ حد الإرادة، لانتفاء القدرة الفعلية - ملازما لتحقق الإرادة في المقدمة المقدورة فعلا.

هذا كله في الإرادة التكوينية. و أما الإرادة التشريعية فهي و إن كانت تخالف التكوينية في أنها تتعلق بالفعل الصادر عن اختيار الغير، لا بفعل نفس المريد كالتكوينية، لكن من حيث الشرائط و الموانع لا ميز بينهما، فكما أنها لا تتحقق في التكوينية ما لم يكن متعلقها مقدورا، كذلك في التشريعية ما لم ير المريد قدرة المأمور، لا تتحقق الإرادة له، حتى تحركه نحو البعث، حيث أن التحريك في التشريعية نحو البعث، لأن المريد يرى أن من مقدمات مطلوبه الجعل و البعث نحو المطلوب، ليكون ذلك داعيا و محركا للمأمور نحو مطلوبه.

و الحاصل ان تصوير الواجب المعلق بإمكان تعلق الإرادة الفعلية - تكوينية كانت أم تشريعية - بالمحال دون إثباته خرط القتاد.

نعم يمكن أن يقرر بوجه آخر، و هو أن الواجبات التشريعية على قسمين:

(أحدهما) - الفعلي من جميع الجهات، و ينشئه الآمر بداعي تحريك المأمور فعلا، بلا انتظار شيء، و لا بد فيه من اجتماع جميع شرائط التكليف التي منها القدرة الفعلية.

و لا يمكن تعلق مثل تلك الإرادة بغير المقدور الفعلي، و لو من جهة تقيد المراد بأمر استقبالي و ان كان نفس الوقت.

دخول الوقت مطلقا أيضا، ضرورة عدم قدرة المكلف على الامتثال في الجزء الأخير من الوقت مثلا. و مقتضى ما ذكرت سابقا كون الإرادة بالنسبة إلى القيود الغير الاختيارية مشروطة، فمتى يصير خطاب الصوم مطلقا؟ (قلت) نلتزم بعدم صيرورة الخطاب مطلقا، و لكن نقول: إن الواجب المشروط - بعد العلم بتحقق شرطه في محله - يقتضى التأثير في نفس المكلف، بإيجاد كل شيء منه و من مقدماته الخارجية في محله.

مثلا لو قال (أكرم زيدا إن جاءك)، فمحل الإكرام بعد مجيئه، و محل مقدماته إن كان قبل المجيء، فمجرد علم المكلف بالمجيء يقتضى إيجادها

الشرح

(ثانيهما) - ما ينشئه الآمر بعنوان جعل القانون، من دون لحاظ إلى الجهات الفعلية، فالمرجع في هذه الجهات هو العقل، فكلّما يراه العقل مانعا من فعلية التكليف بالمعنى الأول، و يحكم بقبح العقوبة، فلا يؤثر في نفس المأمور شيئا، و إذا حكم العقل بعدم المانع من العقوبة، يحكم بالفعلية و يؤثر اثره. و لا مانع من تعلق مثله بذات الفعل، و إن لم تجتمع فيه الشرائط العقلية، بل مبناه على بيان أصل المطلوبية من قبل الآمر، و إيكال تلك الشرائط إلى العقل. و قد مرّت الإشارة إليه في مسألة الإطلاق فراجع.

فعلى هذا يمكن أن يقال: ان ما ليس وجوبه مشروطا بشيء، و لا بفرض شيء عند وجوبه، بل لا يلحظ عند الجعل الا نفسه إن كان جميع الشرائط العقلية فيه موجودا، فهو منجز، سواء كان الجعل فيه كالقسم الأول أو كالقسم الثاني. و ما لم تجتمع فيه الشرائط فهو معلق، لكنه لا يمكن فيه الجعل إلاّ بالنحو الثاني. فالواجب قبل الوقت إن أخذ الوقت فيه مفروض الوجود عند الجعل، فهو مشروط، و إن لم يلحظ فيه إلا الذات المقيدة بالوقت، مع قطع النّظر عن لحاظ كونه مقدورا أو غير مقدور، فهو معلق. و أما جعل الوجوب الفعلي من جميع الجهات له قبل الوقت، فغير ممكن - كما مرّ تفصيله - هذا غاية توجيه الواجب المعلق، فراجع كلام الفصول، فان كان لا يأبى ما ذكرنا فهو، و إلا فهذا تصوير بنفسه.

قبله. و لو قال: (إن مشى زيد فامش مقارنا مع مشيه)، فمحل المشي زمان مشى زيد، فلو علم تحقق المشي من زيد في زمان خاص، يجب عليه المشي في ذلك الزمان، حتى يصير مشيه مقارنا معه. و لو قال: (ان جاء زيد فاستقبله) فمحل الاستقبال قبل مجيئه، فلو علم بمجيئه غدا مثلا، يجب عليه الاستقبال في اليوم.

و الحاصل أن طلب الشيء على فرض تحقق شيء لا يقتضى إيجاد ذلك الشيء المفروض وجوده، و لكن بعد العلم بتحقق ذلك الشيء يؤثر في المكلف، و يقتضى منه أن يوجد كلا من الفعل و مقدماته في محله، فقد يكون محل الفعل بعد تحقق ذلك الشيء في الخارج، و قد يكون قبله، و قد يكون مقارنا له، و هكذا محل مقدماته، قد يكون قبله، و قد يتسع زمان إتيان المقدمة، كما لو توقف إكرام زيد غدا على شيء ممكن تحصيله في اليوم و في الغد. و المقصود أن الوجوب المعلق على شيء بعد الفراغ عن ذلك الشيء، يجب بحكم العقل متابعته. و من هنا عرفت الجواب عن أصل الإشكال، فلا يحتاج إلى التكلفات السابقة. و أنت بعد الإحاطة و التأمل في الأمثلة المذكورة لا أظن ان ترتاب فيما ذكرنا.

(فان قلت): على ما ذكرت يقتضى ان تكون مقدمات الواجب المشروط - بعد العلم بشرطه - واجبة مطلقا، فما وجه فتوى القوم بعدم وجوب الوضوء قبل دخول الوقت، و أيضا فما وجه الفرق بين الليل و اليوم السابق بالنسبة إلى الغسل الّذي يكون مقدمة للصوم، و لأي جهة أفتوا بوجوبه في الليل و عدم وجوبه في النهار السابق؟ (قلت): بعد فرض وجود الدليل على عدم وجوب الوضوء قبل الوقت، نستكشف منه أن وجوب الصلاة - مضافا إلى ابتنائه على الوقت - مبتن على القدرة فيه، فكأنه قال إذا دخل الوقت، و كنت قادرا

عنده فصل مع الطهارة. و قد عرفت سابقا أن الوجوب المبنى على فرض وجود شيء لا يقتضى إيجاد ذلك المفروض فحينئذ لو علم المكلف بأنه لو لم يتوضأ قبل الوقت، لا يتمكن منه بعده، لا يجب عليه الوضوء، لأنه موجب لحصول القدرة في الوقت التي هي شرط وجوب الواجب. و قد عرفت عدم وجوب تحصيله. و هكذا الكلام في غسل الجنابة للصوم في النهار السابق، فانه بعد فرض وجود الدليل على عدم وجوبه، نستكشف اشتراط القدرة في الليل، فلا يجب تحصيلها.

(فان قلت): نفرض علم المكلف بكونه قادرا في الوقت على أي حال، بمعنى أنه لا يمكنه سلب قدرته فيه، فعلى هذا يلزم ان يكون الوضوء مثلا عليه واجبا موسعا، فيجوز أن يأتي به بقصد الوجوب، مع أنهم لا يلتزمون به.

(قلت): يمكن تصور الواجب على نحو لا يلزمه ذلك، و هو بان يقال: ان الواجب إقدام المكلف على الفعل بقدرته الموجودة في الوقت.

و محصله ان المصلحة (تارة) قائمة بإكرام زيد بعد دخول الوقت مطلقا سواء أ عمل في إيجاد هذا العنوان قدرته الموجودة قبل الوقت أم بعده.

و (أخرى) المصلحة قائمة باعمال القدرة في الوقت في إكرام زيد، و يرجع محصل هذا التكليف إلى انه بعد دخول الوقت و تحقق القدرة على إكرام زيد، يجب إعمال تلك القدرة، فإعمال القدرة في هذا المثال نظير نفس إكرام زيد في المثال السابق (121)، فكما أنه لا يقتضي الأمر بإكرام زيد

الشرح

(121) يعني ان المصلحة لما كانت قائمة باعمال القدرة في الوقت، فلا محالة ما لم يفرض الآمر وجود الوقت، و لم يره موجودا، لم تنقدح له الإرادة. و هذه الإرادة المتحققة - مع فرض وجود الوقت - لا تقتضي إيجاب إعمال القدرة قبله، كما في (ان

بعد دخول الوقت إكرامه قبله، كذلك الأمر باعمال القدرة في الوقت، لا يقتضى إعمال القدرة قبله.

فتحصل من مجموع ما ذكرنا أنه إذا راجعنا وجداننا، نقطع بأن إرادتنا المتعلقة بالافعال الخاصة، لا تخرج عن قسمين (إما) أن تكون على نحو يقتضى إيجاد تمام مقدماتها. و (إما) ان تكون على نحو لا يقتضى إيجاد بعضها.

الشرح

جاءك زيد فأكرمه)، حيث لا يقتضي إيجاب إعمال القدرة في الإكرام قبل المجيء.

لكن يشكل عليه: بأن تقيد المصلحة بخصوص إعمال القدرة في الوقت، يستلزم عدم اجزاء الوضوء قبل الوقت في المثال، و لو قصد فيه الغاية المشروعة قبله، مثلا: من توضأ قبل المغرب لصلاة العصر، لا خلاف في صحة صلاة المغرب معه، و على ما قرر لا تصح، لفرض عدم المصلحة فيه لصلاة المغرب.

و الحاصل: أنه إن كانت المقدمة نفس الوضوء و تحصيل الطهارة، من دون تقيد بكونه في الوقت فيلزم جواز قصد الوجوب قبل الوقت، لأنه يكون حينئذ واجبا موسعا على مبنى من يلتزم بوجوب مقدمات الواجب المشروط قبل الوقت، و ان كانت خصوص الوضوء الحاصل في الوقت، فيلزم عدم اجزاء الحاصل قبل الوقت. و كلاهما مما لم يلتزم به.

و يمكن أن يجاب عنه: بأن ما هو المقدمة أصل الوضوء المحصل للطهارة، و ليس المقصود الا الطهارة. و لا فرق فيها بين الوضوء الحاصل قبل الوقت أو بعده، و لكن لم يجب الوضوء قبل الوقت، لمانع في وجوبه، لا لعدم المقتضي فيه. نظير ما إذا كان بعض المقدمات محرمة.

ان قلت: بعد تسليم وجود المقتضي فيه، فأي مانع يمنع من وجوبه؟ و المانع في المقدمات المحرمة معلومة.

قلت: بعد الإجماع - على عدم الوجوب قبل الوقت، و جواز الاكتفاء به على فرض بقائه بعد دخول الوقت - لا نحتاج إلا إلى إثبات إمكانه بأيّ وجه كان، و ما ذكرنا كاف في إثبات إمكانه.

(أما القسم الأول) فواضح و (اما القسم الثاني) فهو يتصور على أقسام كلها راجعة إلى الاختلاف فيما تتعلق به الإرادة، لا إلى الاختلاف فيها، لأن الآمر قد يريد إكرام زيد على تقدير مجيئه، بحيث لو أتى و لم يكرم صار نقضا لغرضه، و إن كان في زمن مجيئه غير قادر على إيجاد الفعل، فان عدم القدرة يوجب سقوط التكليف، و لا ينافى كون ترك الإكرام مبغوضا للآمر و نقضا لغرضه. و قد يريد إكرامه على تقدير كون المكلف قادرا على إكرامه في زمن مجيئه. و حينئذ لو فرض ترك إكرامه مستندا إلى عدم قدرته في زمن مجيئه، لم يكن مبغوضا للآمر و نقضا لغرضه. و هذا واضح.

و قد يكون المطلوب إكرام زيد بمقدماته الاختيارية الموجودة في زمن المجيء على فرض وجود القدرة في زمن المجيء فحينئذ لا يجب عليه الإتيان بمقدمات الإكرام قبل المجيء (122)، و ان كان في زمن المجيء غير قادر على فرض عدمه، لأن المفروض اشتراط القدرة في ذلك الزمان، و كذلك ان كان قادرا في ذلك الوقت، لأن المطلوب إعمال القدرة في ذلك الوقت، لا قبله. هذا تمام الكلام في المقام و عليك بالتأمل التام.

ثم انك قد عرفت أن الواجب التعليقي - عند القائل به - من

الشرح

(122) بل لا يجزى على الثالث، لأن الشرط إعمال القدرة في الوقت.

و محصل الكلام: أن القدرة في الوقت إن كانت كنفس الوقت قيدا للطلب، فلازم ذلك جواز الإتيان بالمقدمات قبل الوقت بقصد الوجوب، بعد العلم بتحققه في موطنه، بناء على القول بوجوب مقدمات الواجب المشروط. و كذلك لو كانت قيدا للمطلوب، فانه بعد العلم بتحققه في موطنه، تكون المقدمة فعلا واجبا موسعا. و أما إن كان المطلوب صرف القدرة في الوقت، فلم يكن الآتي قبل الوقت آتيا بالمطلوب. و أما لو لم يكن للقدرة دخل أصلا - لا في المطلوب و لا في الطلب - فيجب الإتيان بالمقدمات المضيقة قبل الوقت، و لا يجوز تركها، و يجوز الإتيان بالمقدمات الموسعة كسائر

أقسام الواجب المطلق. و صحته - مع أن المكلف قد لا يدرك زمن الواجب - مبنية على الالتزام بتوجه الخطاب به مشروطا بالعنوان المنتزع من بلوغ ذلك الزمان. مثلا: التكليف بالصوم في الليل متوجه إلى من يدرك النهار، و يكون حيا في تمام زمان المطلوب في علم اللّٰه تعالى.

و كذلك التكليف بالحج في زمان خروج الرفقة متوجه إلى من يدرك شهر ذي الحجة. و هكذا و قد عرفت ذلك في طي توضيح كلامه (قدس سره) و المقصود من إعادته هنا التعرض لبعض ما فرع عليه من الفروع: التي منها صحة الوضوء إذا كان الماء منحصرا في الآنية المغصوبة، و منها وجوب الحج مطلقا فيما إذا لم يتمكن منه الا مع الركوب على الدّابّة المغصوبة.

بيانه: أن التكليف في الأول متوجه إلى من يغترف من الآنية المغصوبة، و في الثاني إلى من يركب الدّابّة المغصوبة عصيانا (123). و فيه

الشرح

الواجبات الموسعة، سواء كان الوقت قيدا للطلب أو للمطلوب، على القول بإمكان تعلق الطلب بغير الممكن فعلا، أو على ما ذكرنا، من تعلق الطلب الحيثي.

ثم إن هذا كله في مقام الثبوت و التصور. و أما في مقام الإثبات، و أن الدليل الدال على قيود المطلوب كيف يستكشف منه أحد الوجوه؟ فلا يبعد أن يقال: إن الظاهر - من مثل جملة (ان استطعت فحج) الظاهرة في أن الموضوع هو شخص المكلف، و المطلوب أصل الحج، و الشرط الاستطاعة المالية - هو عدم لحاظ شيء آخر بعد حصول الاستطاعة المالية، فيجب حفظ القدرة من الجهات الأخر، قبل حصول الاستطاعة من حيث المال، مع العلم بحصوله. و الظاهر من مثل جملة (أيها المستطيع حج) هو إيجاد القدرة بعد حصول الاستطاعة، فلا يجب عليه حفظ القدرة من سائر الجهات، و ان علم بحصوله قبلا.

(123) محصل الكلام: أن إطلاق تكليف (لا تغصب) لا يشمل عنوان

• مع ما عرفت في القول بالواجب التعليقي - أن توجه التكليف المطلق بالوضوء - مع انحصار المقدمة في المنهي عنها، و كذلك الحج - تكليف بما لا يطاق.

نعم على القول بالترتب - كما يأتي تفصيله في محله إن شاء الله - يصح ذلك، و لكن مع ذلك القول بصحة الوضوء محل إشكال، من حيث أن تصحيح التكليفين - المتعلقين بالفعلين اللذين لا يمكن الجمع

الشرح

العاصي حتى ينافي الأمر المقدمي المتعلق بعنوان العاصي للنهي. و محصل الجواب: أن الإطلاق و إن لم يشمل العاصي بعنوانه، لكن الإشكال أيضا في أن النهي لا يسقط بمجرد كونه معنونا في علم اللّٰه بعنوان انه يعصي، بل السقوط يترتب على المعصية الخارجية. و المفروض عدم تحققه بعد، فيكون ما هو المأمور به - لصدق العنوان المذكور عليه - هو المنهي عنه فعلا، لعدم سقوط النهي، فيجتمع الأمر و النهي في موضوع واحد، و لا يمكن تصحيحه بترتب الأمر بالمقدمة على عنوان العصيان في النهي، حتى على القول بالترتب، لأن المناط - في تصحيح الأمر بالضدين بنحو الترتب - ترتب المهم على المعصية الخارجية للأهم، كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، فلا يجتمع مقتضاهما، بل المهم يقتضي الإيجاد في مرتبة لا يقتضي الأهم شيئا، و ذلك بخلاف الترتب على عنوان تحقق عنوان العاصي، فانه يجتمع مع اقتضاء النهي للترك، فلا يصلح للتصحيح.

و لا يتوهم أن العنوان المذكور متأخر رتبة عن المعصية الخارجية، لانتزاعه منها، و الأمر إذا كان متأخرا عنه رتبة، لا يقتضى النهي في تلك المرتبة تركه، فهذا أولى من الترتب في الضدين، لأنه يتأخر الأمر بالمهم عن الأمر بالأهم بمرتبة واحدة. و في المقام يتأخر الأمر المقدمي عن (لا تغصب) بمرتبتين، لأن تأخر مرتبة العنوان المنتزع عن الخارج مما لا يصدقه الوجدان، فان زيدا مثلا في علم اللّٰه معنون بعنوان أنه يعصي، مع أنه ليس منه في الخارج عين و لا أثر، فكيف يمكن أن يكون ذلك معلولا للمعدوم و متأخرا عنه؟ بل العنوان المذكور معلول لعلم الباري جل شأنه. و سيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى في المقدمة الموصلة.

بينهما الا على نحو الترتب - انما هو بعد الفراغ عن وجود المقتضى في كلا الفعلين. أما الوضوء في صورة انحصار الماء في الآنية المغصوبة، فيمكن ان يستكشف من الأدلة عدم وجود المقتضى فيه، حيث أن المقام مما شرع فيه التيمم، من جهة صدق عدم وجدان الماء، كما في ما إذا كان استعماله مضرا.

و الحاصل ان عدم وجدان الماء - على ما قالوا - عبارة عن عدم التمكن من استعماله، سواء كان من جهة عدمه أو لمانع عقلي أو شرعي لا يجوز للمكلف استعماله. و متى كان التيمم مشروعا لا يكون الوضوء مشروعا بالإجماع. ذكره سيدنا الأستاذ طاب ثراه. و على تقدير الغض عن الإجماع أيضا، لا طريق لنا لإثبات المشروعية الذاتيّة الكاشفة عن ثبوت المقتضى، إذ الدليل إنما شرعه في موضوع المتمكن من استعمال الماء، و المكلف - في حال يحرم عليه استعمال الماء من قبل الشارع - ليس متمكنا من استعمال الماء عرفا.

و من هنا يظهر الجواب عن توهم آخر يوشك أن يرد في المقام، و هو أنه هب عدم إمكان تعلق التكليف بالوضوء على نحو الترتب، لكن يكفى في الصحة قصد جهة الفعل.

المقدمة الموصلة (الأمر الخامس)

لو بنينا على وجوب المقدمة، فهل الواجب ذاتها أو مع قيد الإيصال إلى ذيها، سواء قصد بها الإيصال أم لا مع قصد الإيصال، سواء ترتب عليها ذوها أم لا؟.

و ينبغي أن يعلم (أولا) - انه على تقدير القول بان الواجب

ذات المقدمة، لا ينافى الالتزام في بعض الموارد بمدخلية قصد الإيصال في موضوع الواجب، لجهة خارجية (124)، كما لو توقف إنقاذ الغريق على خصوص التصرف في ملك الغير، فحينئذ نقول بأن الواجب من ناحية الإنقاذ هو التصرف بقصد الإنقاذ، لأن إذن الشارع في الغصب - مع كونه مبغوضا في حد ذاته - إنما هو من جهة أهمية الإنقاذ، إذ لا يقدر المكلف على ترك الغصب و فعل الإنقاذ معا.

و لما كان ترك الإنقاذ أبغض من فعل الغصب، رضى بفعله. و لا شك أن الاذن في المبغوض - من جهة المزاحمة - إنما هو من الضرورة التي تقدر بقدرها. و حيث تدفع الضرورة بالإذن في الغصب المقصود به الإنقاذ، فلا وجه للإذن في قسم آخر، و هو الغصب الغير المقصود به ذلك.

هذا، و لنشرع في المقصود، فنقول: ذهب بعض الأساطين قدس سره إلى اعتبار قيد الإيصال، و أن المقدمة - مع قطع النّظر عن الإيصال - لا تتصف بالوجوب. و نحن نذكر الاحتمالات المتصورة في

الشرح

(124) <المقدمة الموصلة:> توضيح ذلك: أن بعض المقدمات قد لا تتصف بالوجوب الفعلي، لمانع خارجي يمنع عن ذلك، نظير ما إذا كان للواجب مقدمتان على البدل: إحداهما محرمة و الأخرى محللة، فلا تتصف المحرمة بالوجوب، لممانعة الحرمة له، مع وجود مقتضي الوجوب فيهما، بلا تفاوت بينهما من حيث الاقتضاء. و معلوم أن ذلك لا يوجب تقييد الواجب من المقدمة بكونها مباحة. و لذا لم يقيدها أحد بذلك، ففي المقام أيضا حيث أن عدم اتصاف الدخول - بلا قصد الإنقاذ - بالوجوب مستند إلى مانع خارجي، و هو حفظ الغرض الآخر المتعلق بترك الغصب حتى الإمكان، ما لم يزاحم الأهم، كالدخول مع القصد المذكور، بلا حدوث نقص في اقتضاء الدخول للمقدمية، فلا وجه لتقييد العنوان بمثل الفرض.

مدخلية هذا القيد، و ما يلزم على كل منها، حتى يتضح الحال إن شاء الله تعالى.

فاعلم أن مراده قدس سره من المقدمة الموصلة إما أن يكون ما يترتب على وجودها ذوها، أعني ما ينطبق عليه الموصل بالحمل الشائع، أو يكون عنوان الموصل. و على الثاني إما أن يكون المراد هو الإيصال الخارجي، أو العنوان المنتزع منه. و على الأول من هذه الاحتمالات إما أن يكون المراد ما يترتب عليه ذو المقدمة، على وجه يكون هو المؤثر فيه، أو يكون أعم من ذلك.

و الفرق بينهما: أنه على الأول ينحصر في العلة التامة، و على الثاني يعم العلة و ما يلازمها وجودا، فان كان المراد المعنى الأول، لزم ان يكون مفصلا بين العلة التامة و غيرها على التقدير الأول، أو مفصلا بين العلة و ما يلازمها و بين سائر المقدمات على التقدير الثاني. و هذا - مع عدم التزام القائل المذكور به - غير سديد، لما سنشير إليه فيما بعد: من أن وجوب العلة المركبة من الاجزاء و القيود، مستلزم لوجوب القيود و الاجزاء. و إن كان مراده الثاني - أعني كون القيد عنوان الإيصال - فقد عرفت ان في هذا احتمالين:

(أحدهما) كون القيد هو الإيصال الخارجي.

(ثانيهما) - العنوان المنتزع منه أي كونها بحيث توصل إلى ذي المقدمة. و على أي تقدير إما أن يكون القيد راجعا إلى الطلب، و اما أن يكون راجعا إلى المطلوب، فهذه أربعة احتمالات:

الأول: ان يكون المراد الإيصال الانتزاعي، و يكون القيد راجعا إلى الطلب.

الثاني: هذا الفرض لكن يكون القيد راجعا إلى المطلوب.

الثالث: ان يكون المراد هو الإيصال الخارجي، و يكون القيد راجعا إلى الطلب.

الرابع: هذا الفرض، و يكون القيد راجعا إلى المطلوب.

أما الاحتمال الأول، فان كان المراد أن خطاب المقدمة مشروط بكون المكلف آتيا بذيها في علم اللّٰه تعالى، فيكون محصله (افعل المقدمة إن كنت ممن تفعل ذاها في نفس الأمر) فهذا باطل لا ينبغي أن يسند إلى أحد، فضلا عن مثل هذا المحقق الجليل، لأن هذا الشخص المتصف بالعنوان المذكور يأتي بالمقدمة قطعا. نعم يمكن بأن يوجه هذا الاحتمال على نحو لا يلزمه ذلك، و هو أن يقال علي تقدير أن المقدمة لو وجدت يترتب عليها ذوها، أو على تقدير كون الفاعل بحيث لو أتى بالمقدمة يأتي بذيها، تجب عليه المقدمة. و هذا و إن كان خاليا عن الإشكال المتقدم، إلا أنه يرد عليه أمران:

(الأول) - التفكيك بين وجوب المقدمة و وجوب ذيها من حيث الإطلاق و الاشتراط.

(الثاني) - عدم تعلق التكليف ببعض العصاة، و هو من لو أتى بالمقدمة لم يأت بذيها عصيانا، و إن كان المراد الثاني، و هو أن يكون القيد في هذا الفرض راجعا إلى المطلوب، فيرد عليه أن تقييد المأمور به بأمر خارج عن اختيار المكلف تكليف بما لا يطاق. و هو قبيح. و هذا العنوان ليس في حيز اختيار المكلف.

(لا يقال) إنه يكفى في كونه مختارا له، كونه منتزعا من فعله الاختياري، نظير الأفعال التوليدية من الأسباب الاختيارية للمكلف، فان الحق أنها اختيارية بواسطة تلك الأسباب، و يصح تعلق التكليف بنفس تلك الأفعال، و لا يجب إرجاع التكليف إلى الأسباب كما يأتي إن شاء الله

تعالى.

(لأنا نقول) فرق بين الصفات المنتزعة من الأفعال الخارجية للمكلف في ظرف وجودها - كعنوان الاتصال و الانفصال و نظائرهما، مما ينتزع من إيجاد ما هو منشأ لانتزاعه، فحينئذ يصح أن يكلف بالاتصال و الانفصال مثلا، لكونهما في حيز اختياره، بواسطة اختيارية منشأ انتزاعهما - و بين الصفات المنتزعة من الأفعال الموجودة في المستقبل، نظير كونه بحيث يضرب أو يجلس في المستقبل و أمثالهما من العناوين المنتزعة من الأفعال الموجودة في الزمن المتأخر في علم اللّٰه، فان ثبوت تلك العناوين أو نقيضها مما ليس باختيار الشخص (125) كيف؟ و هي أو نقيضها ثابتة مع غفلته و نومه، بل قبل وجوده في الخارج، فان ماهية زيد توجد في الخارج و يضرب عمراً في علم اللّٰه. و هذا - بعد أدنى تأمل - لعله من الواضحات.

الشرح

(125) قد يتوهم أن الوصف إذا كان عبارة عن أنه يفعل بالاختيار، فالاختيارية فيه محفوظة، لكنه مندفع: بأن الاختياري هو نفس الفعل الخارجي. و أما هذا المفهوم بعنوانه الاستقبالي، فخارج عن الاختيار، لعدم تأثير أفعاله الاختيارية في وجوده و عدمه، بل لعدم إمكان تأثيرها فيه، للزوم تأثير المتأخر في المتقدم، أو المعدوم في الموجود.

إن قلت: لا إشكال في أن الفاعل يقدر على طرفي الفعل و الترك، و أيضا لا إشكال في أنه إن اختار الفعل ينتزع عنوان (يفعل)، و إن اختار الترك ينتزع عنوان (لم يفعل)، و لا تحتاج الاختيارية إلى أزيد من ذلك.

قلت: و إن كان ينتزع عنوان (يفعل) إن اختار الفعل في الواقع، و (لم يفعل) إن اختار الترك، لكن ليس ذلك بنحو العلية و المعلولية، بل بنحو الملازمة التي لا ينفك أحدهما عن الآخر، فإذا اختار كلا من الفعل و الترك، يكشف عن أن المنتزع

و إن أراد الثالث، و هو أن يكون المقصود الإيصال الخارجي، و يكون القيد راجعا إلى الطلب، فهو أيضا باطل قطعا، لأن التكليف راجع إلى طلب المقدمة على فرض وجود ذيها، و هو طلب الحاصل. و أيضا يلزم التفكيك بين وجوب المقدمة و وجوب ذيها في الاشتراط و الإطلاق، و كذا يلزم عدم كون العصاة مكلفين بالمقدمة. و بالجملة هذا الاحتمال أيضا لا ينبغي ان يسند إليه (قدس سره) و لا إلى أحد من العقلاء.

و إن أراد الرابع، و هو ان يكون القيد في هذا الفرض راجعا إلى المطلوب، فيرد عليه أمور:

(أحدها) - ان لا يكون ممتثلا للأمر المقدمي، الا بعد إتيان ذي المقدمة. و قضية الوجدان خلاف ذلك.

(ثانيها) - أن لا تحصل الطهارة بالوضوء و الغسل، إلا بعد إتيان الصلاة، لأن الطهارة لا تحصل الا بعد امتثال الأمر المقدمي. و المفروض

الشرح

مطابق لما اختاره، لا أنه إذا اختار أحدهما ينقلب العنوان، و يصير عنوانا آخر.

ان قلت: لا يخلو العنوان المذكور من ان يكون إما واجبا غير معلول للغير، و إما ممكنا معلولا لغيره، فعلى الأول يلزم تعدد القدماء، و على الثاني هو يكون معلولا لمنشإ انتزاعه لا محالة.

قلت (أولا): إن هذه العناوين ليست أشياء موجودة في قبال الموجودات، حتى يلزم بوجودها أزلا تعدد القدماء، بل هي نظير مفهوم الإمكان للممكنات، و الامتناع للممتنعات و (ثانيا): أن العناوين المذكورة منتزعة من المفاهيم الموجودة في الذهن الكاشفة عن الخارج معلولة لعلم الباري - جل شأنه - و كيف كان لا نتعقل كونها معلولة لما ليس بموجود أصلا. و نظير ذلك كل عنوان ينتزع من موجودات مستقبلة، كقبلية اليوم من الغد و أمثاله.

أنه لا يحصل إلاّ بعد إتيان الصلاة، فلزم تحقق الصلاة من دون تحقق الطهارة، بل يلزم عدم حصول الطهارة بعد الصلاة أيضا، إذ هي بدون الطهارة كعدمها.

(ثالثها) - أن هذا القيد لا يخلو إما أن يكون له دخل في مقدمية المقدمة أو لا، فعلى الأول يلزم الدور، لأن الإيصال عنوان ينتزع من تأثير المقدمة في وجود ذيها (126)، فيتوقف على المقدمية، فلو توقفت المقدمية على الإيصال، لزم الدور. و على الثاني يلزم صيرورة الطلب نفسيا، لأن الأمر إذا تعلق بشيء لا تكون له جهة المقدمية، فلا بد من كون ذلك الأمر نفسيا. و لا تخلو هذه الوجوه من نظر.

(أما الأول) فلان لزوم كون امتثال الأمر المقدمي - بعد الإتيان بذي المقدمة - لا مانع له عقلا، و ليس ما ذكر إلاّ مجرد استبعاد. و لا يمكن جعل هذا الاستبعاد في قبال الوجدان الّذي يدعيه القائل.

و (اما الثاني) فلان كون الامتثال منوطا بإتيان ذي المقدمة، لا يستلزم كون الطهارة منوطة به، لإمكان ترتب الطهارة على الغسلتين و المسحتين، مع قصد التوصل، و لو لم يتوصل إلى ذي المقدمة، أو يقال أنه يشترط مع القصد المذكور كون الفعل بحيث تترتب عليه الصلاة في علم اللّٰه تعالى.

الشرح

(126) قد يقال: إن عنوان الإيصال ينتزع من نفس المقدمة، بملاحظة بلوغها إلى حد يترتب عليها ذوها، و لا ينفك عنها، و هو ملازم لذي المقدمة، و لا ينتزع من تأثير المقدمة حتى يلزم التأخر و الدور، لكن ذلك لا يؤثر في دفع الإشكال، لأن العنوان - على الفرض - ينتزع من ذات المقدمة بما هي مقدمة، بملاحظة بلوغها إلى الحد المذكور، و المفروض توقف المقدمية على العنوان المذكور، فيلزم الدور.

و الحاصل أنه بعد قضاء العقل بكون القيد مأخوذا في موضوع الواجب، و تحقق الإجماع على توقف الصلاة على الطهارة، يستكشف أن الطهارة ليست من أثر امتثال الأمر المقدمي للوضوء، بل هي مترتبة على فعل الوضوء، مع قصد الإيصال قبل تحققه.

و (أما الثالث) فبأنا نختار الشق الثاني، أعنى عدم مدخلية هذا القيد في مقدمية المقدمة، و لا يلزم من ذلك محذور أصلا، لشيوع مثل هذا التقييد الّذي لا دخل له في المقدمية، بحيث ليس لأحد إنكاره، مثل ما إذا كان للواجب مقدمتان إحداهما مباحة، و الأخرى محرمة، فانه لا إشكال في تعلق الأمر الغيري بالمباح منهما، مع القطع بعدم دخل الخصوصية في المقدمية.

(فان قلت): تقييد الموضوع في المثال المذكور إنما يكون من جهة المانع الخارجي و هو كون الفرد الأخير مبغوضا غير قابل لتعلق الأمر به.

(قلت): بعد ما صار مثل هذا التقييد الّذي ليس له دخل في المقدمية ممكنا، لا يرجع الطلب المتعلق به إلى الطلب النفسيّ، فللمدعي أن يدعى هنا أن المقتضى للطلب الغيري ليس إلا فيما كان متصفا بقيد الإيصال.

فالأولى في الجواب أن يقال - بعد بداهة عدم كون مناط الطلب الغيري إلا التوقف، و احتياج ذي المقدمة إلى غيره - ان تقييد موضوع الطلب بقيد يجب إما أن يكون من جهة دخله في الغرض. و بعبارة أخرى المصلحة المقتضية للطلب لا تحصل الا في المقيد - و إما أن يكون من جهة غرض آخر مع تحقق المناط، و الجهة الموجبة للإيجاب في ذات الموضوع من دون ذلك القيد أيضا. و الأول كتقييد الصلاة بالطهارة، و الثاني كتقييدها بوقوعها في المكان المباح، فان هذه الخصوصية لا دخل لها في

تحقق الجهة الموجبة للصلاة، بل إنما جاءت من قبل مبغوضية الغصب.

و بعبارة أخرى هذا التقييد إنما نشأ من الجمع بين الغرضين، لا من جهة مدخليته في تحقق غرض الصلاة. و لا إشكال في أن هذا القيد ليس من قبيل الثاني، فانحصر في الأول، و هو كونه من جهة دخله في مناط طلب المقدمة. و هذا - بعد بداهة أن المناط ليس إلاّ التوقف - غير معقول، لأن الإيصال عنوان ينتزع من وجود ذي المقدمة، فهو موقوف عليه، فلو توقف ذو المقدمة على الفعل المقيد بالإيصال، لزم الدور. و هذا واضح بأدنى تأمل. و أيضا يلزم من وجوب المقدمة الموصوفة وجوب ذاتها، مقدمة لتحقق هذا الموصوف.

(لا يقال) إن المطلق عين المقيد وجودا في الخارج، و ليس مقدمة له، حتى يجب بوجوبه.

(لأنا نقول) فرق بين القيود المتحدة في الوجود مع المقيد، كما في الفصول اللاحقة للأجناس، و القيود المغايرة في الوجود له، كما إذا امر المولى بإتيان زيد المتعقب بعمرو، أعني إتيان زيد المتصف بهذا العنوان، لا إشكال في أن الواجب على الصورة الأولى أمر واحد في الخارج، لا ينفك القيد فيها عن المقيد، و لو أراد المكلف امتثاله. و لا وجه للقول بأنه يجب إيجاد المطلق مقدمة لإيجاد المجموع، و إيجاد القيد مقدمة لإيجاده، إذ المفروض وحدة الوجود فيهما. و لا يعقل التفكيك بين امرين متحدين في الوجود بالسبق و اللحوق، كما انه لا ينبغي الإشكال في ان الواجب على الثانية إيجاد ذات المطلق، ثم إيجاد القيد ليتصف به المقيد، لأن المفروض تغايرهما في الوجود.

إذا عرفت هذا فنقول لا إشكال في أن التقييد في المقدمة الموصلة من قبيل الثاني، لأن ما يصير منشأ لانتزاع صفة الإيصال هو وجود الغير،

فلو وجبت عليه المقدمة المقيدة بوصف ينشأ من وجود الغير، فالواجب عليه من باب المقدمة إيجاد ذات المقدمة، ثم إتيان ما يوجب اتصافها بتلك الصفة، و أيضا يلزم من وجوب المقدمة الموصلة وجوب ذي المقدمة من باب المقدمة، لأن اتصاف المقدمة بالإيصال يتوقف على إيجاد ذي المقدمة، و هو من الغرائب.

و يمكن ان يقال ان الطلب متعلق بالمقدمات في لحاظ الإيصال، لا مقيدا به حتى تلزم المحذورات السابقة (127). و المراد أن الآمر بعد تصور المقدمات بأجمعها يريدها بذواتها، لأن تلك الذوات بهذه الملاحظة لا تنفك عن المطلوب الأصلي، و لو لاحظ مقدمة منفكة عما عداها

الشرح

(127) و حاصل الكلام أنا نرى بالوجدان عدم مطلوبية المقدمة، و ان كانت منفكّة عن ذيها، و لا نتعقل التقييد بالبيان الماضي، بل بوجدان سقوط إرادة المقدمة بعد حصولها، و عدم بقاء شيء في النّفس بعدها، غير إرادة نفس ذي المقدمة. و أما القول بأن سقوطها مراعى، فمع أنه خلاف الوجدان مخالف لما يحكم به العقل: من أن الإيصال إن كان قيدا للمطلوب المقدمي، فيلزم عدم السقوط قطعا، و ان لم يكن قيدا له، بحيث يحصل المطلوب المقدمي بدونه - فلا وجه لعدم السقوط و كونه مراعى.

و الّذي يسلم من تلك المحاذير، و لا يخالف الوجدان هو أن يقال: إن مطلوبية المقدمة - لما كانت بلحاظ مطلوبية ذيها - لم ير الآمر ذلك المطلوب مطلوبا الا بعد لحاظ كونه موصلا إلى مطلوبه الآخر، بمعنى أن في هذا اللحاظ يراه مطلوبا، و في غيره لا يراه مطلوبا، لكن لا بحيث يكون المطلوب أو الطلب المنشأ مقيدا به، بل يرى مطلوبه الأصلي وراء المقدمات، فينشئ الطلب نحوه و يتبعه الطلب نحو مقدماته في هذا اللحاظ، ففي غير هذا اللحاظ لم يكن مطلوبا، بلا لزوم محذور التقييد، و ذلك مثل الحكم الواقعي المجعول لذات الموضوع في لحاظ تجريدها عن الشك، و سيأتي تفصيل الكلام فيه - إن شاء الله تعالى - في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري.

لا يريدها جزما، فان ذاتها و ان كانت موردا للإرادة، لكن لما كانت المطلوبية في ظرف ملاحظة باقي المقدمات معها، لم تكن كل واحدة مرادة بنحو الإطلاق، بحيث تسرى الإرادة إلى حال انفكاكها عن باقي المقدمات. و هذا الّذي ذكرناه مساوق للوجدان. و لا يرد عليه ما ورد على القول باعتبار الإيصال قيدا، و إن اتحد معه في الأثر.

الأمر بالمسبب هل يرجع إلى السبب؟ (الأمر السادس)

هل أن الأمر المتعلق بالمسبب يجب إرجاعه إلى السبب عقلا، أو هو حقيقة متعلق بنفس المسبب؟ و السبب إن وجب إنما يجب من باب المقدمة؟ الوجوه المتصورة في المقام ثلاثة:

(الأول) أن يقال: إن الأمر بالسبب مطلقا راجع إلى السبب عقلا.

(الثاني) أن يقال: إن الأمر بالمسبب متعلق بنفسه مطلقا.

(الثالث) التفصيل بين ما إذا كانت الواسطة من قبيل الآلات، مثل انكسار الخشبة المتحقق بإيصال الآلة قوة الإنسان إليها، و بين ما إذا لم يكن كذلك، كما لو كان في البين فاعل آخر، كما في إلقاء النّفس إلى السبع فيتلفها، أو إلقاء شخص في النار فتحرقه.

احتج للأول بأن متعلق الإرادة و التكليف انما هو فعل المكلف، إذ لا معنى للأمر بما ليس من فعله، و الأفعال المترتبة على أسباب خارجية ليست من فعله، بل هي من فعل تلك الأسباب و الوسائط، لانفكاكها عن المكلف في بعض الأحيان، كما إذا رمى سهما فمات، فأصاب زيدا بعد موت الرامي، فلو كان الفاعل هو الرامي لما جاز وجود القتل في ظرف عدم الرامي، لامتناع انفكاك المعلول عن علته زمانا، فيكشف

ذلك عن عدم كون الفاعل في المثال هو الرامي، بل هو السهم، غاية الأمر أنه لم يكن فاعلا بالطبع، و إنما تكون فاعليته من جهة احداث الرامي القوة فيه. و قس على ذلك سائر الأمثلة.

و أجيب عنه بأنا نسلم أن التكليف لا يتعلق إلاّ بما يعد فعلا للمكلف، إلا أنا نقول ان الفعل الصادر عنه، له عنوان أولى، و عناوين ثانوية متحدة معه، بواسطة ترتب الآثار عليه، مثلا حركة اليد المؤثرة في حركة المفتاح لها عنوان أولى، و هو حركة اليد و تحريك اليد، و بملاحظة تأثيرها في حركة المفتاح ينطبق عليها تحريك المفتاح، و بملاحظة تأثيرها في انفتاح الباب ينطبق عليها فتح الباب. و لا إشكال في أن حركة اليد التي هي الفعل الأول للفاعل كما انها فعل له، كذلك العناوين المتحدة معها، لمكان اتحادها مع فعله الأول في الخارج. و حينئذ لو تعلق التكليف بتحريك المفتاح الّذي يتحد مع تحريك اليد الّذي هو فعل للمكلف، فلا موجب لإرجاعه إلى التعلق بتحريك اليد، إذ كما أنه فعل اختياري له كذلك ما يتحد معه.

و قد يناقش في هذا الجواب بان تحريك المفتاح في المثال لا يمكن ان ينطبق على تحريك اليد، لأنه عين حركة المفتاح في الخارج، لما تقرر من وحدتهما في الخارج. و انما الفرق من حيث الاعتبار، و هي غير حركة اليد المتحدة مع تحريكها، فيجب ان يكون تحريك المفتاح أيضا غير تحريك اليد، و إلا لزم كون حركة اليد و حركة المفتاح متحدتين أيضا و المفروض خلافه.

و الجواب أنا لا نقول بانطباق العنوانين في عرض واحد، بل نقول ان الفعل الّذي يكون عنوانه تحريك اليد في الآن الأول، ينقلب عنوانه إلى تحريك المفتاح في الآن الثاني فافهم.

هذا و لكن لا يخفى أن هذا إنما يصح فيما إذا كانت الواسطة من قبيل الآلة. و أما إذا كان هناك فاعل آخر يصدر عنه الفعل، فلا يمكن القول باتحاد الفعل الصادر عنه مع الفعل الصادر عن الفاعل الأول و هذا واضح.

و قد يجاب أيضا عن أصل الدليل: بأنا لا نسلم لزوم تعلق الإرادة بالفعل الصادر عن الفاعل، بل يكفى في قابلية تعلق الحكم بشيء كونه مستندا إلى المكلف بنحو من الاستناد، سواء كان بنحو الفاعلية علية، أم بنحو تأثير الشرط في وجود المشروط، أم غير ذلك.

و بعبارة أخرى الكلام في المقام إنما هو في أن متعلق الإرادة بحسب حكم العقل ما ذا؟ فنقول: ما يقطع العقل باعتباره في متعلق الطلب، هو ارتباط المطلوب بالمكلف بنحو من أنحاء الارتباط، فخرج به ما ليس للمكلف تأثير فيه بنحو من الأنحاء. و أما لو كان له ربط بالمكلف بوجه، بحيث يكون وجوده منوطا باختياره، بحيث لو شاء يوجد و لو لم يشأ لم يوجد، فنمنع استحالة تعلق التكليف به عقلا.

و فيه انه لو أراد أن التكليف - فيما ليس بيد المكلف إلا إيجاد شرطه كالإحراق بالنار مثلا - متعلق بما هو شأن الواسطة، كما إذا تعلق التكليف بما هو شأن النار في المثال، فهذا غير معقول، و إن أراد أن التكليف متعلق بما هو شأن المكلف، فهو راجع إلى الأمر بإيجاد الواسطة.

توضيح المقام على وجه يرفع الإبهام عن وجه المرام: أن الأعراض باعتبار النسبة إلى محالها تختلف (فتارة) تكون نسبتها إليها بمجرد كونها حالّة بها، من دون أن تكون صادرة عن محالّها، كالموت و الحياة و السواد و البياض، و (أخرى) تكون نسبتها إليها من جهة انها صادرة عنها، كالضرب و القيام. أما ما كان من قبيل الأول، فلا إشكال في عدم قابلية

تعلق الطلب به، ضرورة ان الطلب يقتضى صدور الفعل عن الفاعل، و ما ليس من مقولة الحركة و الفعل لا يمكن تعلق الطلب به (128) لأن إرادة الأمر مثل إرادة الفاعل في كونها موجبة لتحريك العضلات، غاية الأمر

الشرح

(128) <الأمر بالمسبب هل يرجع إلى السبب؟:> لكن الظاهر عدم لزوم ذلك، بل قد تتعلق الإرادة بما ليس بفعل، كسواد شيء أو بياضه، مع كون مقدماته مقدورة، و كذلك موت شخص و أمثاله. و لا فرق في ذلك بين إرادة الآمر و الفاعل، فان إرادة الفاعل أيضا قد تتعلق بوجود شيء من ذلك، و يتحرك نحو مقدماته. و ليست مقدماته مرادة له إلا تبعا، فمتى ما كان المراد من قبيل الأفعال، توجب الإرادة تحريك العضلات نحوه، و متى ما كان من قبيل ما ذكرنا توجب تحريك العضلات نحو مقدماته، بان تترشح منها إرادة أخرى تبعا نحو المقدمات.

فإن قلت: كيف توجد الإرادة نحو المراد قبل الإتيان بالمقدمات، و قد مر اشتراط اتصال زمان المراد بزمان الإرادة الفعلية؟ قلت: - بعد النقض بالافعال المرادة المحتاجة إلى المقدمات - إنه قد مرّ أيضا عدم المانع من تحقق الإرادة لو لم يكن بين المريد و المراد إلا إعمال قدرته، و لو كان ذلك محتاجا إلى الزمان أيضا. و ما أنكرناه هو تحقق الإرادة فيما لم يكن الفعل مقدورا أصلا، من جهة تأخر زمانه.

و الحاصل: أنه يكفي في الإرادة مجرد كون المراد حاصلا من فعل المكلف أو مرتبطا به بنحو من الارتباط، بحيث يكون قادرا على إيجاده و لو بوسائط. نعم لو قيل بأن المقدور بالواسطة ليس بمقدور أصلا، صح إنكار الأمر بالمسبب مطلقا.

ثم إنه لو سلّم لزوم تعلق الإرادة بالمعنى المصدري للمأمور، فأي ملزم لكونه فعلا له بلا واسطة، أو متحدا معه، حتى يحتاج إلى الالتزام بما التزم به في مثل حركة اليد و المفتاح، مع وضوح تعددهما و كون أحدهما معلولا للآخر، و أوضح من ذلك تعدد القتل و الرمي، فانه قد يتفق الفصل بينهما بدقائق، فكيف يمكن ادعاء اتحادهما عنوانا؟

أن الأولى موجبة لتحريك عضلات المأمور، و الثانية موجبة لتحريك عضلات المريد. و ظاهر أن ما ليس من قبيل الحركة، لا يمكن تعلق إرادة الفاعل به، فكذلك إرادة الآمر فلو تعلق الطلب بحسب الصورة بمثل ما ذكر، يجب إرجاعه إلى ما يرجع إلى فعل المأمور.

و الحاصل ان متعلق الطلب لا بد و ان يكون معنى مصدريا صادرا عن المخاطب بالخطاب، فلو لم يكن كذلك، بان لم يكن من معنى المصدر، أو كان و لم يكن صادرا من المأمور، لم يمكن تعلق الأمر به. أما الأول، فلما عرفت. و أما الثاني، فلما مضى من ان الإرادة ما يوجب تحريك عضلات الفاعل إلى الفعل، و لا يمكن تحريكها الا إلى فعل نفسه.

فتحصل مما ذكرنا أن الطلب إذا تعلق صورة بما ليس من الفعل الصادر من الفاعل، يجب توجيهه بما يرجع إلى ذلك. و من هنا يقوى التفصيل بين ما إذا تعلق التكليف بما ليس بينه و بين المكلف إلا آلة توصل قوة الفاعل إلى القابل، و بين ما إذا تعلق بالافعال التي ليست فعلا له، بل هي افعال الواسطة، ففي الأول التكليف متعلق بنفس ذلك الفعل، و في الثاني يجب إرجاعه إلى السبب، فليتأمل جيدا.

المقدمات الداخلية (الأمر السابع)

أنه لو بنينا على وجوب المقدمة، فهل أجزاء المركب المتصف بالوجوب النفسيّ تتصف به، أو بالوجوب المقدمي؟ و الحق هو الثاني، فهنا دعويان (إحداهما) عدم اتصاف الاجزاء بالوجوب النفسيّ و (الثانية) اتصافها بالوجوب المقدمي.

لنا على الأولى أن الأوامر تتعلق بالأمور الموجودة في الذهن باعتبار

حكايتها عن الخارج فالشيء ما لم يوجد في الذهن لا يعقل تعلق الأمر به (129) و هذه المقدمة في الوضوح مما يستغنى عن البرهان فحينئذ نقول: إن الاجزاء الموجودة في ذهن الآمر لا تخلو من أنها إما أن يلاحظ كل واحد منها بوجوداتها المستقلة الغير المرتبط بعضها ببعض، نظير العام الأفرادي. و إما أن يلاحظ المجموع منها على هيئتها الاجتماعية.

فعلى الأول لا بد و أن تنحل الإرادة إلى إرادات متعددة، كما في العام الأفرادي، إذ الإرادة أمر قائم بنفس المريد متعلق بالافعال، فكما انها تتعدد بتعدد المريد، كذلك تتعدد بتعدد المراد، إذ لا يعقل وحدة العرض مع تعدد المعروض.

و على الثاني أي على تقدير كون الملحوظ الاجزاء على نحو الاجتماع، فالملحوظ بهذا الاعتبار امر واحد، و لا يعقل أن يشير اللاحظ في هذا اللحاظ إلى أمور متعددة، فوجود الاجزاء - بهذا الاعتبار في ذهن الآمر - نظير وجود المطلق في ذهن من لاحظ المقيد في أنه و إن كان موجودا، إلا أنه لا على وجه يشار إليه، بل هو موجود تبعا للمقيد و مندكا فيه.

و الحاصل أن الموجود بهذا الاعتبار ليس إلاّ الكل، و الاجزاء بوجوداتها الخاصة لا وجود لها، فمتعلق الأمر النفسيّ لا يعقل إلاّ ان يكون الكل الموجود في الذهن مستقلا، و الاجزاء - لعدم وجودها في الذهن بهذا اللحاظ - لا يمكن أن تكون متعلقة للأمر (130).

الشرح

(129) <المقدمات الداخليّة> قد مرّ التفصيل فيه في تصوير كيفية تعلق الأمر بالعبادات فراجع.

(130) و ذلك لأن جعل الشيء موضوعا لحكم من الأحكام - اخبارا كان أو إنشاء - يتوقف على تصوره مستقلا، و لا يكفى فيه تصوره مندكا في الغير، كما في

نعم يمكن استناد الأمر إليها بالعرض، نظير استناد الأمر المتعلق بالمقيد إلى ذات المطلق، أعني الطبيعة المهملة، و هذا هو المراد من كلام شيخنا المرتضى (قدس سره) في التقريرات: أن الجزء إذا لوحظ لا بشرط، فهو عين الكل، و إذا لوحظ بشرط لا، فهو غيره و مقدمة لوجوده. و المراد من قوله (قدس سره) لا بشرط عدم اشتراط أن يكون في ذهن الآمر معه شيء أم لا، و هو الصالح لأن يتحد مع الكل. و من قوله بشرط لا، عدم ملاحظة الآمر معه شيئا، أعني ملاحظته مستقلا (131). و لا إشكال في أن الجزء بهذا اللحاظ لا يصلح أن يتحد مع الكل، و يحمل عليه، إذ

الشرح

المعاني الحرفية، فانها تتصور كذلك، و لكن لا يمكن جعلها موضوعا لحكم من الأحكام.

و قد حقق في محله. و معلوم أن الجزء لا يتصور بتصور الكل إلا مندكا في الكل، و لا يقاس الكل و الجزء بالكلي و الفرد، لأن كل فرد من الافراد يلاحظ تحت الكلي مستقلا، و لكن إجمالا بوجه الكلي، بخلاف الاجزاء، فان كلا منها باستقلالها مباين مع الكل، فلا يمكن أن يكون الكل مرآة لها. و بذلك ظهر الإشكال على ما في الكفاية من اتصاف الاجزاء بالوجود البسيط، لأن ما لا يتصور لا يعقل اتصافه بالوجوب، نعم يصح اسناد الواجب إليه مجازا، و لكن ذلك لا يلائم تعليل عدم اتصاف الاجزاء بالوجوب الغيري بلزوم اجتماع المثلين، كما لا يخفى.

لا يقال: إن موضوع الوجوب عنده هي الاجزاء بأسرها لا كل واحد منها، و معلوم انها لا تتصور إلاّ بتصور الكل.

لأنه يقال: أما (أولا) فالكل عنده الاجزاء بشرط الاجتماع، و الاجزاء بدون هذا الشرط لا تلاحظ عند تصورها مع الشرط. و اما (ثانيا): فليس موضوع الوجوب البسيط عنده إلا ما هو موضوع للوجوب الغيري، و هو كل واحد من الاجزاء، و إلاّ فلا وجه لعدم اتصاف كل منها بالوجوب الغيري فتأمل.

(131) هذا المعنى - من بشرط لا و لا بشرط - و إن كان خلاف ظاهر المصطلح، لكنه أوفق بمراد الشيخ (ره) مما هو ظاهره. و قد مرّ من الأستاذ - دام بقاؤه -

لا يصدق على الحمد و لا على غيره من اجزاء الصلاة انه صلاة (132).

و لنا على الثانية أن الآمر - إذا لاحظ الجزء بوجوده الاستقلالي، أي غير ملحوظ معه شيء آخر - يرى أنه مما يحتاج إليه تلك الهيئة الملتئمة

الشرح

عين هذا التوجيه من العبارتين في لسان أهل المعقول في الفرق بين المشتق و مبدأه، فراجع.

و حاصل التوجيه في المقام: ان الجزء حيث لا استقلال لوجوده في الخارج، بل وجوده مندك في الكل إن لوحظ وجوده كما في الخارج، من دون تمحل شيء زائد عليه، و لا اشتراط شيء معه، و لا مع لحاظه، و لا اشتراط عدم شيء معه، و لا مع لحاظه، فهو عين وجود الكل، و لحاظه عين لحاظه. و لا يمكن لحاظه كذلك إلاّ بلحاظ الكل مستقلا، و لا يمكن أن يرى اللاحظ في هذا اللحاظ الا الكل مستقلا. و إن لوحظ مستقلا لا مندكا، بان يعريه عما هو عليه في الخارج، و يرى ذات الجزء بشرط ان لا يرى شيئا آخر معه، فهو جزء، لكن لا بشرط الانفكاك عن سائر الاجزاء، فانه مع ذلك الشرط ليس بجزء، بل ان لوحظ الجزء منفكا، و ان لم يشترط فيه الانفكاك أيضا لا تنتزع منه الجزئية، بل الجزئية تنتزع من ذات الجزء إذا لوحظ بنفسه في ضمن الكل، كالحمد في الصلاة مثلا، أو القطرة في البحر.

و لا يخفى أن ما ذكرنا من اللحاظين لا فرق فيه بين المركب الحقيقي و الاعتباري، لأن اجزاء المركب الاعتباري و ان كان لكل منها وجود مستقل في الخارج، كالحمد و السورة و الركوع و السجود، و لكن لا استقلال لشيء منها في هذا الاعتبار الوحدانيّ، و يكون في هذا النّظر كالمركب الخارجي.

(132) لا يخفى ان ذلك لا يصدق مع اللحاظ الأول أيضا، و يصح سلب الصلاة عنه.

(لا يقال): على اللحاظ الأول لا استقلال للحمد في اللحاظ، حتى يمكن الاخبار عنه بأنه صلاة أو ليس بصلاة.

(لأنا نقول): نعم و لكنه يمكن ان يلاحظ الجزء مستقلا، و يجعل مرآتا لما يلاحظ

من اجتماع الاجزاء، فحاله حال سائر المقدمات الخارجية (133)، من دون تفاوت أصلا. هذه خلاصة الكلام في المقام و عليك بالتأمل التام.

الشرح

مندكا، و يخبر عنه كما في المعنى الحرفي، حيث يقال: المعنى الحرفي لا يخبر عنه، فان الموضوع ليس إلاّ المعنى الاسمي، و لكنه يجعل مرآتا للمعنى الحرفي، كما مرّ. و من هذا يعلم أن شيئا من الاجزاء ليس بصلاة، نعم الاجزاء بأسرها على هذا المعنى عين الصلاة من دون احتياج إلى قيد شرط الاجتماع. و لكن الكلام في الفرق بين كل جزء إذا لوحظ مستقلا أو مندكا، لا الاجزاء بالأسر مع الكل.

و الّذي يسهّل الخطب أن عدم الصدق و الحمل غير مضر بالعينية المذكورة، لأن التركيب الّذي يتحد كل جزء منه مع الكل، بل مع الجزء الآخر أيضا، هو التركيب الحقيقي الّذي تكون أجزاؤه موجودة بوجود واحد حقيقة، كالجنس و الفصل، فان وجودهما حقيقة واحد، بخلاف مثل القطرة و البحر، و النقطة و الخطّ، فان وجود القطرة و ان لم ينفك عن وجود البحر، و كذلك النقطة عن الخطّ، بمعنى عدم كون وجودهما محدودا بحد على حدة، لكن حقيقة وجود كل من القطرات و النقاط غير الأخرى. و لذا تتصف بأوصاف وجودية متضادة، كالحرارة و البرودة، و بألوان مختلفة، بخلاف الجنس و الفصل.

و الحاصل أن العينية في المقام غير ملازمة للصدق، و عدم الصدق غير ملازم لعدم العينية بهذا المعنى، فتدبر جيدا.

(133) قد يقال: بالفرق بين الجزء و سائر المقدمات، إما بأن اتصاف الاجزاء بالوجوب الغيري يستلزم اجتماع المثلين، كما في الكفاية. و إما بعدم إمكان لحاظ هذه المقدمة في عرض لحاظ ذيها، حتى تجب بوجوبه، لاستحالة اجتماع لحاظي الاجزاء مندكا و مستقلا.

و يرد الأول بمبناه، لعدم اتصاف الاجزاء بالوجوب النفسيّ، كما مرّ و الثاني بعدم لزوم لحاظ جميع المقدمات تفصيلا في الوجوب الغيري، حتى يستشكل بعدم الإمكان في خصوص تلك المقدمة، بل يكفي لحاظها إجمالا بعنوان ما يتوقف عليه

..........

الشرح

الواجب، فتتعلق الإرادة بها تبعا لذي المقدمة، و إن لم يكن كل منها ملحوظا تفصيلا.

بل لا يلزم ان تكون المقدمة مطلوبة فعلا، و يكفي في المدعى أن يكون الآمر إذا التفت إلى المقدمة يراها مطلوبة كنفس ذيها كما يأتي في المتن.

نعم قد يستشكل في أصل المقدمية، بتقريب أن المقدمة انما تلاحظ بالنسبة إلى عنوان الكل و المجموع، و عنوان الكلية كالجزئية من المعقولات الثانوية التي لا واقعية لها في اللحاظ الأول الّذي فيه يكون الموضوع مركبا للإرادة، فما يتعلق به الوجوب - و هو حقيقة الاجزاء بالأسر - لا مقدمة لها و ما له المقدمة و هو عنوان الكل و المجموع لم يتعلق به الوجوب نعم فيه كيفية خاصة يمكن أن تنتزع منها العنوان المذكور، و لذا نرى بالوجدان أن من يريد إيجاد خط، لا يريد إيجاد نقاط متعددة، بل اجزاء غير متناهية، و كذلك من يريد إيجاد عشرة أشياء، لا تتعلق إرادته بإيجاد الآحاد مستقلة، بحيث يتولد من إرادة المجموع إرادات عديدة نحو إيجاد الاجزاء، كما في المقدمات الخارجية.

لكن فيه أن حقيقة الاجزاء بالأسر و ما ينتزع منه عنوان المجموع و الكل، لا تتحقق إلاّ بتحقق كل من الاجزاء، و إن لم يمكن انتزاع المقدمية إلا في اللحاظ الثاني، ففي اللحاظ الأول و إن لم تكن المقدمية و ذو المقدمية متحققين بعنوانهما، و لكن حقيقتهما و ملاكهما متحققان في الواقع و نفس الأمر، و ملاك الوجوب - على القول بالوجوب - ليس إلاّ ذلك، فيرجع الإشكال أيضا إلى عدم إمكان اجتماعهما في اللحاظ و قد مرّ الجواب عنه.

و أما عدم تعدد الإرادة في مثال الخطّ أو إيجاد عشرة أجزاء مثلا، فان أريد عدم الإرادة بالنسبة إلى كل نقطة بحدها، أو كل جزء من العشرة كذلك فعلا فمسلم و لا يلتزم به القائل بالمقدمية. و ان أريد انقداح الإرادة إلى ذات كل نقطة عند التفات الآمر إليها، من دون نظر إلى إحداها، فلا محيص عنه، فهل يلتزم أحد بأن من يقرأ الحمد مثلا في الصلاة - مع الالتفات إليها - لا يريد قراءتها و لو بالإرادة الغيرية؟ بل توجد بنفس إرادة الصلاة، و الوجدان في ذلك أقوى شاهد.

استدلال القائلين بوجوب المقدمة (الأمر الثامن)

في ذكر حجج القائلين بوجوب المقدمة. أقول ما تمسك به في هذا المقام وجوه، أسدها و أمتنها ما احتج به شيخنا المرتضى (قدس سره) من شهادة الوجدان، فان من راجع وجدانه و أنصف من نفسه، يقطع بثبوت الملازمة بين الطلب المتعلق بالفعل و المتعلق بمقدماته (134).

لا نقول بتعلق الطلب الفعلي بها، كيف؟ و البداهة قاضية بعدمه، لجواز غفلة الطالب عن المقدمة، إذ ليس النزاع منحصرا في الطلب الصادر من الشارع، حتى لا يتصور في حقه ذلك، بل المقصود أن الطالب للشيء إذا التفت إلى مقدمات مطلوبه، يجد من نفسه

الشرح

(134) <أدلة القائلين بوجوب المقدمة:> لا إشكال في ثبوت الملازمة بين إرادة الشيء و إرادة مقدماته، لأن من تعلقت إرادته بالكون على السطح، و يعلم بأنه لا يتمكن منه الا بنصب السلّم فلا محالة توجد إرادة تبعية منه تتعلق بالنصب، و يتحرك نحوه، و إلاّ ينجر الأمر إلى نقض غرضه.

و أما في الإرادة التشريعية فيمكن نفيها، لأن الآمر إذا أراد الكون على السطح من عبده، فليس في نفسه إلاّ إيجاد المحرك التام و الداعي للعبد على إتيان مطلوبه، و بعد ما يرى أن تشريع الحكم نحو مطلوبه كاف في محركية العبد و واف في احداث خوف المخالفة في نفسه، بحيث تحركه تلك الإرادة النفسيّة إلى مطلوبه، مع ما يتوقف عليه من المقدمات، فما الملزم بل و ما الباعث له في تشريع الحكم نحو المقدمات أو انقداح الإرادة نحوها؟ و هل هذا الا لغو، لأن المقدمة بالفرض ليست مطلوبة نفسا، و لا يحتاج البعث إلى ذيها إلى البعث نحوها، فلا ملازمة في البين.

حالة الإرادة على نحو الإرادة المتعلقة بذيها، كما قد يتفق هذا النحو من الطلب النفسيّ أيضا، فيما إذا غرق ابن المولى و لم يلتفت إلى ذلك، أو لم يلتفت إلى كونه ابنه، فان الطلب الفعلي في مثله غير متحقق، لابتنائه على الالتفات، لكن المعلوم من حاله أنه لو التفت إلى ذلك لأراد من عبده الإنقاذ، و هذه الحالة - و ان لم تكن طلبا فعليا إلاّ انها - تشترك معه في الآثار. و لهذا نرى بالوجدان - في المثال المذكور - أنه لو لم ينقذ العبد ابن المولى، عد عاصيا و يستحق العقاب.

و (منها) - اتفاق أرباب العقول كافة عليه، على وجه يكشف عن ثبوت ذلك عند العقل، نظير الإجماع الّذي ادعى في علم الكلام على وجود الصانع، أو على حدوث العالم، فان اتفاق أرباب العقول كاشف قطعي إجمالا عن حكم العقل، فلا يرد على المستدل أن المسألة - لكونها عقلية - لا يجوز التمسك لها بالإجماع، لعدم كشفه عن رأي المعصوم عليه السلام، لأن الإيراد متوجه لو أراد من الإجماع المستدل به عليه الإجماع الاصطلاحي. أما على الوجه الّذي قررناه، فلا مجال للإيراد. هذا و لكن الشأن في إثبات مثل هذا الاتفاق.

و (منها) أن المقدمة لو لم تكن واجبة، لجاز تركها، فحينئذ إن بقي الواجب على وجوبه، يلزم التكليف بالمحال، و إلاّ يلزم خروج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا. و بطلان اللازمين مما لا كلام فيه، فكذا الملزوم.

و الجواب أن ما أضيف إليه الظرف - في قوله فحينئذ - إن كان الجواز، نختار الشق الأول، أعني بقاء الواجب على وجوبه، و لا يلزم المحذور قطعا، لعدم معقولية تأثير الوجوب في القدرة، و إن كان الترك مع كونه جائزا، فان فرض إمكان إيجاد المقدمة عند ذلك، بأن كان الوقت

موسعا، فنختار أيضا الشق الأول، و لا يلزم التكليف بالمحال. و هو واضح.

و إلا بان انقضى زمان الإتيان بها، فنختار الشق الثاني.

و قوله (قدس سره) يلزم خروج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا، إن أراد خروجه من أول الأمر عن كونه كذلك - كما هو ظاهر عبارته - فنمنع الملازمة، و إن أراد خروجه بعد ترك المقدمة و انقضاء زمانها، فليس اللازم باطلا، لأن الوجوب قد يسقط بالإطاعة، و قد يسقط بالعصيان.

و (منها) - ما حكى عن المحقق السبزواري (ره) و هو أنها لو لم تكن واجبة، يلزم عدم كون تارك الواجب المطلق مستحقا للعقاب.

(بيان الملازمة) أنه إذا كلف الشارع بالحج، و لم يصرح بإيجاب المقدمات، فتارك الحج - بترك قطع المسافة الجالس في بلده - إما أن يكون مستحقا للعقاب في زمان ترك المشي، أو في زمان ترك الحج في موسمه المعلوم، لا سبيل إلى الأول، لأنه لم يصدر منه في ذلك الزمان إلا ترك الحركة. و المفروض أنها غير واجبة عليه، و لا إلى الثاني، لأن الإتيان بافعال الحج في ذي الحجة ممتنع بالنسبة إليه، فكيف يكون مستحقا للعقاب بما يمتنع صدوره عنه؟ أ لا ترى أن الإنسان إذا أمر عبده بفعل معين في زمان معين في بلد بعيد، و العبد ترك المشي إلى ذلك البلد، فان ضربه المولى عند حضور ذلك الزمان معترفا بأنه لم يصدر منه إلى الآن فعل قبيح يستحق به التعذيب، لكن القبيح أنه لم يفعل في هذه الساعة هذا الفعل في ذلك البلد، لنسبه العقلاء إلى سخافة الرّأي و ركاكة العقل، بل لا تصح العقوبة إلا على الاستحقاق السابق قطعا.

ثم نقول: إذا فرضنا أن العبد بعد ترك المقدمات كان نائما في زمان الفعل، فإما أن يكون مستحقا للعقاب، أولا، لا وجه للثاني، لأنه ترك

المأمور به مع كونه مقدورا، فثبت الأول، فاما أن يحدث استحقاق العقاب في حالة النوم، أو حدث قبل ذلك، لا وجه للأول، لأن استحقاق العقاب إنما يكون لفعل القبيح، و فعل النائم و الساهي لا يتصف بالحسن و القبح بالاتفاق. و لا وجه للثاني، لأن السابق على النوم لم يكن الا ترك المقدمة. و المفروض عدم وجوبها. هذا حاصل ما أفاده (قدس سره) و قد نقلناه ملخصا.

و الجواب أنه لا محذور في اختيار كل واحد من الشقين، فلنا أن نختار الشق الأول، و هو استحقاق العقاب في زمان ترك المشي، لا على ترك المشي، بل على ترك الحج المستند إلى ترك المقدمة اختيارا، فان طريقة الإطاعة و المعصية مأخوذة من العقلاء، و هم يحكمون بحسن عقاب العبد التارك للمقدمة في زمن تركها، و لا يلزمون المولى بانتظار زمن الفعل، و ليس هذا التزاما بترتب العقاب على ترك المقدمة، بل المقصود إثبات العقاب المترتب على ترك ذيها في زمن ترك المقدمة، و امتناع ذيها اختيارا.

و لنا ان نختار الشق الثاني، فنقول: إن تارك المقدمة مستحق للعقاب في زمان الحج، و قوله (قدس سره) - ان فعل الحج هناك غير مقدور، فلا يمكن اتصافه بالقبح - غير وجيه، لأنا نقول: يكفى في اتصافه بالمقدورية كون المكلف قادرا على إتيان مقدمته في زمانها، فاتصاف مثل هذا الفعل المقدور بواسطة مقدورية مقدماته بالقبح لا مانع له. و أي قبح أعظم من ترك الواجب مع الاقتدار عليه؟ (و اما) ما ذكره أخيرا من فرض كون تارك المقدمة نائما في زمن الفعل (فالجواب عنه) أن ما لا يمكن ان يتصف بالحسن و القبح من فعل النائم إنما يكون فيما استند إلى النوم، مثل ما إذا ترك الصلاة مستندا إلى

النوم، و ليس هذا الترك مما نحن فيه مستندا إلى النوم، حتى لا يمكن اتصافه بالقبح، بل هو مستند إلى ترك المقدمة في زمانها اختيارا. و هذا النوم المفروض وقوعه زمن امتناع الفعل وجوده و عدمه سيان. و هذا واضح.

و (منها) - ما حكى عن المحقق المذكور أيضا، و هو أنها لو لم تكن واجبة لزم ان لا يستحق تارك الفعل العقاب أصلا. و بيانه: أن المريد للشيء إذا تصور أحوالا مختلفة يمكن وقوع كل واحد منها، فاما أن يريد الإتيان بذلك على أي تقدير من تلك التقادير، أو يريد الإتيان به على بعض تلك التقادير. و هذا مما لا إشكال فيه.

و حينئذ نقول إذا امر أحد بالإتيان بالواجب في زمانه، و في ذلك الزمان يمكن وجود المقدمات و يمكن عدمها، فاما ان يريد الإتيان به على أي تقدير من تقديري الوجود و العدم، فيكون في قوة قولنا: ان وجدت المقدمة فافعل، و ان عدمت فافعل. و إما أن يريد الإتيان به على تقدير الوجود. و الأول محال، لأنه يستلزم التكليف بما لا يطاق، فثبت الثاني، فيكون وجوبه مقيدا بحضور المقدمة، فلا يكون تاركه بترك المقدمة مستحقا للعقاب، لفقدان شرط الوجوب. و المفروض عدم وجوب المقدمة، فينتفى استحقاق العقاب رأسا.

و الجواب (أما أولا) فبأنه لو تم ما ذكره هنا، لزم أن لا يقع الكذب في الاخبار المستقبلة (135).

(بيان الملازمة) أنه لو أخبر المخبر بأني غدا اشترى اللحم، فعلى تقدير

الشرح

(135) الظاهر عدم لزوم ذلك على القائل بالملازمة، لأن القائل بها يلتزم بان الاخبار بذي المقدمة اخبار بالمقدمة، و انما هو إشكال آخر على القائل بعدم الملازمة.

عدم الشراء لا وجه لتكذيبه، إذ له أن يقول: إن الاخبار بشراء اللحم إما أن يكون على تقدير إيجاد جميع المقدمات أو الأعم من ذلك و عدمها، لا سبيل إلى الثاني، لأوله إلى الاخبار عن الممتنع، فثبت الأول، فيئول إلى الاخبار بشراء اللحم على تقدير وجود جميع المقدمات. و المفروض عدم وجود واحدة منها، إذ لا أقل من ذلك، فلا يكون كذبا، إذ عدم تحقق اللازم في صورة عدم تحقق الملزوم ليس كذبا في القضية الشرطية الخبرية.

و (أما ثانيا) فبان اللازم - على ما ذكره - عدم استحقاق العقاب على ترك واجب أصلا، لرجوع الواجبات بأجمعها إلى الواجب المشروط.

(بيان ذلك) أن كل واجب لا بد له من مقدمة، و لا أقل من إرادة الفاعل، فحينئذ نقول: إما أن يريد ذلك الفعل في حالتي وجود المقدمة و عدمها، أو في حالة وجودها فقط. و الأول مستلزم للتكليف بما لا يطاق، و الثاني مستلزم لعدم استحقاق العقاب على ترك واجب من الواجبات، إذ ترك الواجب المشروط بترك شرطه ليس موجبا للعقاب و ليت شعري هل ينفعه وجوب المقدمة في دفع هذا الإشكال (136).

الشرح

(136) بيان ذلك: ان وجوب المقدمة لا يؤثر في رفع توقف ذي المقدمة عليها، لأنه مستلزم للتكليف بما لا يطاق بالفرض، و حينئذ نقول: ان ترك المأمور المقدمة فلا يستحق العقاب بشيء، أما على ذي المقدمة، فلعدم حصول ما يتوقف عليه، و أما على المقدمة، فلأن ترك الواجب الغيري لا يؤثر في العقاب، بل على الفرض لم تكن المقدمة واجبة أصلا، لأن وجوبها تابع لوجوب ذي المقدمة، و هو منتف بالفرض، لانتفاء شرطه. و أيضا يستلزم ذلك الاشتراط - مع القول بوجوب تلك المقدمة المتوقف عليها ذوها: - إمّا التفكيك بين وجوب المقدمة و وجوب ذيها في الاشتراط و الإطلاق، و إمّا كون وجوب الشيء متوقفا على وجوده. و بطلانهما واضح.

و (أما ثالثا) فبان الحالات التي تؤخذ في موضوع الطلب إطلاقا أو تقييدا هي ما يمكن تعلق الطلب بالموضوع معه، و يجوز كونه في تلك الحالة باعثا للمكلف نحو الفعل. و أما ما لم يكن كذلك بان لا يمكن معه أن يكون الطلب باعثا للمكلف نحو الفعل، فلا يعقل تقييد الطلب به و لا إطلاقه. أما الأول، فللزوم لغوية الطلب. و أما الثاني، فلأنه تابع لإمكان التقييد. و حالتا وجود المقدمة و عدمها من قبيل الثاني، لأنه على الأول يصير الفعل واجبا، فلا يمكن تعلق الطلب به على تقدير وجوبه. و على الثاني يصير ممتنعا، فلا يمكن أيضا تعلق الطلب به على هذا التقدير. و بعد عدم إمكان تقييد الطلب بأحدهما، لا يمكن ملاحظة الإطلاق أيضا بالنسبة إليهما، بل الطلب متعلق بذات الفعل مع قطع النّظر عنهما إطلاقا و تقييدا، و هو يقتضى إيجاد الفعل، و لو لم يوجد يستحق العقاب. و هذا واضح.

و قد ذكروا وجوها أخر غير ناهضة على المطلوب طوينا ذكرها، اقتصارا على ما هو الأهم في الباب. و هو الهادي إلى الصواب.

مقدمات الحرام (الأمر التاسع)

في بعض الكلام في مقدمات الحرام، و ليعلم (أولا) أن الالتزام بحرمة مقدمة الحرام - بقصد التوصل إليه - ليس قولا بحرمة مقدمة الحرام، لأن هذا من جزئيات مسألة التجري، فعد بعض الأساطين حرمة مقدمات الحرام بقصد التوصل إلى ذيها من باب مقدمة الحرام - و اقتضاء النهي المتعلق بذيها لها - مما لم يعرف له وجه، لأن الجهة المقبحة الموجودة في إتيان المقدمة بقصد التوصل إلى الحرام، ليست منوطة بوجود محرم واقعي تكون هذه المأتي بها بقصد التوصل مقدمة له، بل

هي بعينها موجودة فيما لو اعتقد حرمة شيء، و أتى بمقدماته بقصد التوصل إليه، و لم يكن ذلك الشيء محرما في الواقع، أو اعتقد مقدمية شيء لمحرم، و أتى به بقصد التوصل إلى ما اعتقد ترتبه عليه. و أعجب من ذلك قياسه بباب مقدمة الواجب، فان ما تحقق هناك أن إتيان ذات المقدمة من دون قصد التوصل إلى ذيها لا يعد طاعة، لا ان موضوع الطلب التبعي هو الفعل المقرون بهذا القصد.

و كيف كان، فالمهم في هذا الباب بيان ان المقدمات الخارجية للحرام هل تتصف بالحرمة، نظير ما قلنا في المقدمات الخارجية للواجب، أم لا تتصف أصلا، أم يجب التفصيل بينها؟ فنقول: إن العناوين المحرمة على ضربين: (أحدهما) أن يكون العنوان بما هو مبغوضا، من دون تقييده بالاختيار و عدمه من حيث المبغوضية، و ان كان له دخل في استحقاق العقاب، إذ لا عقاب الا على الفعل الصادر عن اختيار الفاعل. (ثانيهما) ان يكون الفعل الصادر عن إرادة و اختيار مبغوضا، بحيث لو صدر عن غير اختيار، لم يكن منافيا لغرض المولى، فعلى الأول علة الحرام هي المقدمات الخارجية، من دون مدخلية الإرادة، بل هي علة لوجود علة الحرام. و على الثاني تكون الإرادة من اجزاء العلة التامة.

إذا عرفت هذا فنقول: نحن إذا راجعنا وجداننا، نجد الملازمة بين كراهة الشيء و كراهة العلة التامة له، من دون سائر المقدمات، كما إذا راجعنا الوجدان في طرف إرادة الشيء نجد الملازمة بينها و بين إرادة كل واحدة من مقدماته، و ليس في هذا الباب دليل امتن و أسد منه. و ما سوى ذلك مما أقاموه غير نقي من المناقشة. و على هذا ففي القسم الأول إن كانت العلة التامة مركبة من أمور يتصف المجموع منها بالحرمة، و تكون إحدى المقدمات

لا بشخصها محرمة، إلا إذا وجد باقي الاجزاء، و انحصر اختيار المكلف في واحدة منها، فتحرم عليه شخصا، من باب تعين أحد افراد الواجب التخييري بالعرض، فيما إذا تعذر الباقي، فان ترك أحد الاجزاء واجب على سبيل التخيير، فإذا وجد الباقي و انحصر اختيار المكلف في واحد معين، يجب تركه معينا. و اما القسم الثاني - أعنى فيما إذا كان الفعل المقيد بالإرادة محرما - فلا تتصف الاجزاء الخارجية بالحرمة، لأن العلة التامة للحرام هي المجموع المركب منها و من الإرادة، و لا يصح اسناد الترك الا إلى عدم الإرادة. لأنه أسبق رتبة من سائر المقدمات الخارجية (137).

الشرح

(137) <مقدمات الحرام> لا يخفى أنه لا وجه لا سبقية رتبة عدم الإرادة من عدم سائر المقدمات في المقام، لأن علة وجود الحرام مركبة بالفرض من الإرادة و سائر المقدمات، و ليست إرادة الحرام علة منحصرة لسائر المقدمات، حتى يكون عدمها علة لترك جميع المقدمات، لأنه خلاف الفرض من تحقق المقدمة مع عدم إرادة ذيها، بل قد تتولد إرادة المقدمات منها، و قد توجد بداع آخر، و لو لم يكن ذو المقدمة بنظره أصلا، بل ليست الإرادة أحد الفردين من العلة التامة لها أيضا، بل هي من أجزاء العلة الغير المنحصرة للمقدمات، فإذا كان هذا حال الوجود، فمن طرف العدم أيضا قد ينعدم الفعل بانعدام مقدماته الأخرى، و قد ينعدم بانعدام الإرادة. و لا سبق لعدم شيء منها على الأخرى، لكون كل من المقدمات - على الفرض مع الإرادة في عرض واحد - علة للوجود، فبعدم كل منها ينعدم الوجود رأسا.

نعم، سبق الرتبة يصح - على ما زعم صاحب الفصول - في خصوص مقدمية فعل الضد لترك الضد الآخر، حيث أن الترك إذا استند إلى الصارف، لا يستند إلى فعل الضد، لتقدم عدم المقتضى على وجود المانع، و ليس في المقام مقتض و لا مانع، حتى

فقد فهم مما ذكرنا أن القول بعدم اتصاف المقدمات الخارجية للحرام بالحرمة - مطلقا لسبق رتبة الصارف، و عدم استناد الترك إلا إليه مطلقا - مما لا وجه له، بل ينبغي التفصيل، لأنه في القسم الأول لو فرض وجود باقي المقدمات مع عدم الإرادة، تحقق المبغوض قطعا، فعدم إحداها علة لعدم المبغوض فعلا. و أما في القسم الثاني، فلو فرضنا وجود باقي المقدمات مع الصارف، لم يتحقق المبغوض، لكونه مقيدا بصدوره عن

الشرح

تكون رتبة عدم المقتضى متقدمة على المانع، بل كل واحدة من المقدمات في عرض واحد علة للترك، كما عرفت، فإذا كان الفعل مبغوضا و قلنا في مقدمات المبغوض انها مبغوضة على البدل، كانت الإرادة مع كل واحد من المقدمات منهيا عنها بالنهي التخييري، من غير فرق في ذلك بين ما يكون الاختيار فيه دخيلا و غيره، و لا بين التوليديات و غيرها، مما يكون الاختيار لنفس الفعل بعد المقدمات موجودا أيضا، حيث توهم فيه أيضا عدم اتصاف غير الإرادة بالحرمة، لبقاء الاختيار بعد المقدمات أيضا، فان أريد عدم حرمة المقدمات الخارجية تعيينا، فمعلوم. و ان أريد عدم حرمتها تخييرا، فلا وجه له، إلاّ على القول بأن المقدمات لا تتصف بالحرمة إلا ما لا تبقى معه القدرة على الحرام. و قد توهم فيه أيضا تقدم رتبة عدم الإرادة على سائر المقدمات، لشأنية الإرادة، لأن تكون علة لها في بعض الأوقات، و قد مر بطلانه.

و نقول: في توضيح ذلك زيادة على ما مر: أن الإرادة لو فرض كونها علة تامة في بعض الأوقات لسائر المقدمات، لكن ليست رتبة عدم المعلول متأخّرة عن رتبة كل واحدة من العلل الغير المنحصرة، لأن العلة في مثل المقام في الحقيقة ليس إلاّ الجامع بين العلل، فتكون رتبة عدم المعلول متأخرة عن رتبة الجامع. و معلوم أنه لا ينعدم إلاّ بانعدام جميع افراده لا خصوص فرد منه، بخلاف طرف الوجود فانه يوجد بوجود فرد، فإذا ثبت عدم تأخر رتبة عدم المقدمات عن عدم الإرادة، فلا محيص عن القول بالحرمة التخييرية في المقدمات الخارجية، إلا فيما مثّل به صاحب الفصول على زعمه، و إن كان هو في نفسه مخدوشا، كما سيجيء إن شاء اللّٰه تعالى.

الإرادة، فالمقدمات الخارجية - من دون انضمامها إلى الإرادة - لا توجد المبغوض، ففي طرف العدم يكفى عدم إحدى المقدمات. و لما كان الصارف أسبق رتبة منها، يستند ترك المبغوض إليه دون الباقي، فيتصف بالمحبوبية، دون ترك إحدى المقدمات الخارجية، فلا يكون فعلها متصفا بالحرمة.

المقصد الثالث في الضد

اشارة

هل الأمر بالشيء يقتضى النهي عن ضده الخاصّ أم لا؟ أقول لما كانت المسألة مبتنية على مقدمية ترك الضد لفعل ضده (138)، فاللازم

الشرح

(138) <مبحث الضد:> يعني عند عمدة القائلين بالاقتضاء، حيث أسندوا حرمة الضد الخاصّ إلى مقدمية تركه لضده الواجب، و إلاّ فقد ادعى أن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده، أو مركب منه و من طلب الفعل في مقام الثبوت، و دلالة الأمر على النهي عن الضد - بالمطابقة، أو بالتضمن أو بالالتزام - في مقام الإثبات، مع اختلاف أقوالهم في بعض ما ذكر بالنسبة إلى الضد الخاصّ أو العام، بل يمكن أن يقال في مقام الثبوت بالملازمة العقلية، و لو لم نقل بالمقدمية، بتقريب أن يقال: لا ريب في أن إرادة الفاعل للفعل ملازمة لإرادة ترك ضده، و انه يترك ضد مطلوبه عن إرادة إذا التفت إليه، فكذلك الإرادة التشريعية لفعل الشيء تلازم الإرادة التشريعية لترك ضده، و لو لم تكن مقدمة له، فتكون الإرادتان من قبيل المتلازمين في الوجوب.

نعم من أنكر الملازمة و المشابهة بين التشريع و التكوين - كما ذكرنا في نفي وجوب المقدمة - ينكرها في المقام أيضا.

و أيضا يمكن القول بالمقدمية مع عدم حرمة الضد، لاستناد الترك إلى الصارف، كما عليه صاحب الفصول، فالابتناء عند الأكثر لا عند الكل.

التكلم فيها، فنقول: هل ترك الضد مقدمة لفعل ضده، أو فعله مقدمة لترك ضده، أو كل منهما مقدمة للآخر، أو لا توقف في البين؟ و المعروف من تلك الاحتمالات، هو الأول و الأخير، فلا نتعرض لغيرهما. و ستطلع على بطلانه في أثناء البحث. و القائل - بتوقف فعل الضد على ترك ضده الآخر - إما أن يقول مطلقا، كما عليه جل أرباب هذا القول، أو يفصل بين الرفع و الدفع، بمعنى أنه لو كان الضد موجودا، و أراد إيجاد الآخر، يتوقف إيجاده على رفع ضده، و إن لم يكن موجودا، و أراد إيجاد ضده، لم يكن موقوفا على ترك الضد.

ثم إن وجه التوقف يمكن أن يكون أحد أمور ثلاثة: (الأول) - أن يقال بان ترك الضد ابتداء مقدمة لفعل الضد (الثاني) - أن تكون مقدمية الترك من باب مانعية الفعل (الثالث) - أن يكون من جهة عدم قابلية المحل، فان المحل - لما لم يكن قابلا لأن يقع فيه كلاهما - صار وجود كل منهما متوقفا على خلو المحل عن الآخر.

و كيف كان فلنشرع فيما هو المقصود. و قبل ذكر أدلة الطرفين، لا بد و أن يعلم حكم حال الشك، لنرجع إليه إذا عجزنا عن القطع بأحد الطرفين.

فنقول: لو شك في كون ترك الضد مقدمة، بعد العلم بوجوب مقدمة الواجب، و العلم بوجوب فعل الضد الآخر، فهل الأصل يقتضى الحكم بصحة العمل إن كان من العبادات، أو الفساد؟ قد يقال بالأول، لأن فعلية الخطاب مرتفعة بواسطة الشك، خصوصا في الشبهة الموضوعية التي قد أطبقت - على إجراء البراءة فيها - كلمة العلماء رضوان اللّٰه عليهم من الأصوليين و الأخباريين، و إذا لم يكن الوجوب فعليا لا مانع من صحة العمل، لأن المانع - كما قد تحقق في محله -

هو الوجوب الفعلي. و لذا أفتى العلماء بصحة الصلاة في الأرض المغصوبة في صورة نسيان الغصبية، و لو انكشف الخلاف بعد ذلك لم تجب عليه الإعادة و القضاء. و ما نحن فيه من هذا القبيل، و أوضح من ذلك صورة القطع بعدم المقدمية (139) و انكشاف خطأ قطعه بعد ذلك، فان الحكم بفساد صلاته موجب لفعلية الخطاب حين القطع بعدمه.

و الحق أن الشك في المقام ليس موردا لأصالة البراءة لا عقلا و لا شرعا.

أما الأول فلان مقتضاها هو الأمن من العقاب على مخالفة

الشرح

(139) لا يخفى أن القطع في المقام لا ينفع كالشك، لأن الأمر بذي المقدمة معلوم مع كونه مقدورا له، فلو تركه و أتى بالضد استحق العقاب عليه، و ان كان قاطعا بعدم المقدمية، يعنى ما يأتي منه - دام ظله - في الشك.

و حاصله: أن العقل يحكم باستحقاق العقاب عند العصيان عن عمد، و ان لم يعلم المكلّف بأنه مستند إلى أيّ شيء، أو علم استناده إلى ما ليس بمستند واقعا، بعد ما لم يخرج الفعل بذلك عن العمد و الاختيار. فمن صلّى و ترك الإزالة في سعة الوقت، يستحق العقاب على الترك، و إن كان قاطعا بعدم المقدمية، و لذا لو علم بعد ذلك تجب عليه الإعادة أو القضاء، لأن تلك الصلاة مبعدة له واقعا، لكونها سببا لترك الواجب المعلوم و إن لم يعلم حين الإتيان، و ما يكون مبعدا لا يؤثر في القرب نعم لو قيل بأن العبادة لا تحتاج إلى القرب، بل يكفيها قصد القربة، فلا إعادة و لا قضاء، لكنه خلاف التحقيق. و كذا تجب الإعادة أو القضاء على القاطع بجواز اجتماع الأمر و النهي إذا صلى في الدار المغصوبة، ثم انكشف خلافه، و ذلك لأنه ارتكب الغصب عالما بحرمته، و ان لم يعلم باتحاد الصلاة معه، فتكون تلك الحركة الشخصية مبعدة له عن ساحة المولى، و لا تصلح للمقربية، و لا يضر بمبغوضيتها الجهل باتحاد الصلاة و موطن الأمر معها، كما مر، نعم من مات و لم ينكشف خطأه، فهو معذور عند اللّٰه في كلتا المسألتين.

التكليف الواقعي على تقدير ثبوته، و لا يمكن جريانها هنا، لأن العقاب لا يترتب على مخالفة التكليف المقدمي، و لا يمكن الحكم بسقوط العقاب عن التكليف النفسيّ، إذا استند تركه إلى هذه المقدمة المشكوك مقدميتها، لأن التكليف النفسيّ معلوم، و يعلم أن الإتيان به ملازم لهذا الترك الّذي يحتمل كونه مقدمة. انما الشك في أن هذا الترك - الّذي قد علم كونه ملازما لفعل الواجب المعلوم - هل هو مقدمة أولا؟ و هذا لا يوجب سقوط العقاب عن الواجب النفسيّ المعلوم كما هو واضح.

و أما الثاني، فلأنه على تقدير كون الترك مقدمة، فالوجوب المتعلق به بحكم العقل على حد الوجوب المتعلق بفعل ضده، فكما أنه في هذا الحال يكون فعليا منجزا، كذلك مقدمته. و على هذا الفرض لا يعقل الترخيص. و المفروض احتمال تحقق الفرض في نظر الشاك، و إلاّ لم يكن شاكا. و مع هذا الاحتمال يشك في إمكان الترخيص و عدمه عقلا، فلا يمكن القطع بالترخيص و لو في الظاهر.

(لا يقال) بعد احتمال كون الترخيص ممكنا، لا مانع من التمسك بعموم الأدلة الدالة على إباحة جميع المشكوكات، و استكشاف الإمكان بالعموم الدال على الفعلية.

(لأنا نقول) على هذا يلزم من ثبوت هذا الحكم عدمه، إذ لو بنينا على انكشاف الإمكان بعموم الأدلة، فاللازم الالتزام بدلالة العموم على عدم كون ترك الضد مقدمة، إذ مع بقاء هذا الشك لا يمكن انكشاف الإمكان، فلو علم من عموم الحكم عدم كون ترك الضد مقدمة فلا مجرى له (140)، لأن موضوعه الشك. و بالجملة، فلا أرى وجها

الشرح

(140) و ذلك واضح، لأن موضوع الحكم بالبراءة هو الشك في الوجوب،

لجريان أصالة الإباحة في المقام. هذه خلاصة الكلام في حكم الشك، فلنعد إلى أصل البحث.

فنقول: الحق - كما ذهب إليه الأساطين من مشايخنا - هو عدم التوقف و المقدمية، لا من جانب الترك و لا من جانب الفعل. أما عدم كون ترك الضد مقدمة لفعل ضده، فلان مقتضى مقدميته لزوم ترتب عدم ذي المقدمة على عدمه، لأنه معنى المقدمية و التوقف، فعلى هذا يتوقف عدم وجود الضد على عدم ذلك الترك المفروض كونه مقدمة، و هو فعل الضد الآخر. و المفروض أن فعل الضد أيضا يتوقف على ترك ضده الآخر، ففعل الضد يتوقف على ترك ضده، كما هو المفروض، و ترك الضد يتوقف على فعل ضده، لأنه مقتضى مقدمية تركه.

هذا مضافا إلى عدم إمكان تأثير العدم في الوجود (141)، و هو من الواضحات، و إلاّ لأمكن انتهاء سلسلة الموجودات إلى العدم. و أما

الشرح

و انكشاف عدم المقدمية ملازم للعلم بعدم الوجوب، و معه ينتفي موضوعه، و استكشاف - ما ينتفي معه موضوع الحكم من عموم الحكم - محال.

و لا يتوهم إمكان جعل الحكم للشك مع قطع النّظر عن الحكم، لاستلزامه بقاء الحكم الظاهري، مع العلم بالحكم الواقعي. و هو كما ترى، مع أن ذلك مختص بما إذا احتمل ان يكون الآمر بصدد تشخيص المصاديق، كما لو قال: (أكرم العلماء) مع احتمال العبد أن يكون أحدهم عدوا له، فيستكشف العبد من العموم عدم العدو، مع احتمال التشخيص له، لا في مثل الحكم المجعول للشك المفروض إيكال تشخيص الموضوع إلى العبد فافهم.

(141) ان قلت: فكيف اشتهر أنّ عدم المانع من المقدمات؟ قلت: ذلك الإطلاق ليس إلاّ مسامحة عرفية، و أما بحسب الدقة، فليس الأثر الا للمقتضى، لأن دخل العدم في التأثير إن كان بمعنى أن له شيئا من التأثير ففساده

عدم كون فعل الضد علة و مؤثرا في ترك ضده، فلأنه لو كان كذلك، لزم - مع عدمه و عدم موجود يصلح لأن يكون علة لشيء - إما ارتفاع النقيضين، أو تحقق المعلول بلا علة، أو استناد الوجود إلى العدم (142).

بيان ذلك أنه لو فرضنا عدم الفعل الّذي فرضناه علة لعدم الضد، و عدم كل شيء من السكنات يصلح لأن يكون علة لشيء، فلا يخلو الواقع من أمور، لأنك إما أن تقول بوجود ذلك الفعل الّذي كان عدمه معلولا أولا؟ فعلى الأول يلزم استناد الوجود إلى العدم، إذ المفروض عدم وجود شيء في العالم يصلح لأن يكون علة، و على الثاني إما أن تقول بعدم تحقق العدم المفروض معلولا أولا؟ فعلى الثاني يلزم ارتفاع النقيضين، و على الأول يلزم تحقق المعلول بلا علة، مضافا إلى أن مقتضى كون الفعل علة لترك ضده كون تركه مقدمة لفعل ضده الآخر، لأن عدم المانع شرط فيلزم الدور.

الشرح

واضح، و إن كان بمعنى أنه موجد لقابلية المحل، فيقال: القابلية أيضا أمر وجودي، فان صح تأثير العدم فيها صحّ تأثيره في كل أمر وجودي، إذ لا خصوصية لها، فيصح أن تكون جميع الموجودات معلولات للأعدام.

(142) لا يخفى أن ذلك إنما يلزم على القول بأن فعل الضد علة منحصرة لترك الضد. و أما على القول بأن ترك الضد قد يستند إلى الصارف و عدم الإرادة، و قد يستند إلى الضد فلا تلزم تلك المحاذير، إذ لو فرض عدم شيء في العالم يصلح لعلية الترك، لكفى عدم المقتضي لوجوده. نعم مع وجود المقتضى للضد، لو فرض عدم شيء يصلح لعلية الترك، فلا محالة يوجد لتحقق مقتضية مع عدم المانع، و معلوم أن أحدا لا يقول بأن فعل الضد علة منحصرة لترك الضد، حتى يلزم ذلك، و لذا ألجئ في تسجيل الدور إلى الالتزام بأن شأنية تقدم الشيء رتبة يكفي في عدم جواز تأخره عنه.

فتدبر جيدا.

(فان قلت) إن الدور الّذي أوردته - على القائل بمقدمية ترك الضد لفعل ضده الآخر - انما يتوجه لو التزم بكون الفعل أيضا علة للترك، و هو لا يلتزم به. و إنما يقول بكون ترك الضد مستندا إلى الصارف، لكونه أسبق رتبة من الفعل. و معلوم أن المعلول إذا كانت له علل، فهو يستند إلى أسبق علله، فحينئذ نقول بان فعل الضد يتوقف على ترك ضده الآخر، و لكن ترك الضد لا يتوقف على فعل ضده الآخر، بل يكفى فيه الصارف، فاندفع بذلك الدور.

(قلت) الإسناد الفعلي و ان كان إلى الصارف ليس إلاّ، لما ذكر من كونه أسبق العلل، إلا أنه يكفى في البطلان وقوع الفعل في مرتبة علة الترك لاستلزام ذلك التقدم عليه، مع كون الترك أيضا مقدما على الفعل بمقتضى مقدميته، لأن وجه بطلان الدور تقدم الشيء على نفسه، و هذا الوجه موجود هنا بعينه، فان ترك الضد بمقتضى المقدمية مقدم طبعا على فعل ضده، و كذلك فعل الضد بمقتضى شأنيته للعلية يجب أن يكون مقدما على ترك ضده، فترك الضد مقدم على فعل ضده الّذي هو مقدم على ذلك الترك، فيجب أن يكون ترك الضد مقدما على نفسه.

و كذلك فعل الضد.

و مما ذكرنا يظهر عدم الفرق بين الرفع و الدفع، لأن البرهان الّذي ذكرناه على عدم التوقف يجري فيهما على نهج واحد، و أنت إذا تأملت فيما ذكرنا، لم تجد بدا من القول بعدم التوقف، فلا نطيل المقام بذكر ما أوردوه في بيان المقدمية و المناقشة فيه.

إنما المهم التعرض للمسألة التي فرعوها على مقدمية ترك الضد و عدمها أعني بطلان فعل الضد لو كان عباديا، و قد وجب ضده على الأول، و صحته على الثاني.

فنقول: اما بناء على كون ترك الضد مقدمة، فلا إشكال في بطلان العمل، بناء على بطلان اجتماع الأمر و النهي، بل قد يقال بالبطلان، حتى على القول بإمكان الاجتماع، لأن محل النزاع في مسألة جواز اجتماع الأمر و النهي فيما إذا كان هناك عنوانان يتفق تحققهما في وجود واحد، و ليس المقام من هذا القبيل، لأن عنوان المقدمية ليس مما يتوقف عليه المطلوب، بل المطلوب إنما يتوقف على نفس ترك الصلاة مثلا إذا كان ضدها مطلوبا، فلو جاز تعلق الأمر بها، لزم اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد، فيكون ذلك من باب النهي في العبادات (143).

هذا على القول بكون ترك الضد مقدمة. و أما على القول بعدم مقدميته فان قلنا بكفاية الجهة في صحة العبادة، و إن لم يتعلق به الأمر لمانع عقلي - كما هو الحق - فلا إشكال في الصحة. و أما لو لم نقل بكفاية الجهة، فيشكل الأمر بان الأمر بالضد و ان لم يقتض النهي عن ضده لعدم المقدمية، و لكنه يقتضى عدم الأمر به، لامتناع الأمر بإيجاد الضدين في

الشرح

(143) و قد يتوهم كونه من باب الاجتماع، لدخل عنوان المقدمية في الوجوب الغيري. و خلافه واضح، لأن المؤثر ذات المقدمة، و عنوان المقدمية منتزع في مرتبة متأخرة عن تأثيرها، كعنوان العلية. و معلوم أن العقل يحكم بالملازمة بين إرادة الشيء و إرادة ما هو مؤثر فيه واقعا، من دون نظر إلى العناوين المنتزعة في المرتبة المتأخرة عن التأثير.

هذا و لكن يظهر من تقريرات الشيخ (قدس سره) - في بيان عدم اتصاف المقدمة بالوجوب إلا ما كان منها مأتيا به بقصد الوجوب - دخل العنوان، لكنه خلاف ما صرح به في جواب نفي قيد الإيصال. و دفع التهافت في كلامه يحتاج إلى تأمل.

زمان واحد. و حيث لا أمر فلا يقع صحيحا، لأن المفروض عدم كفاية جهة الأمر في الصحة. فالمناص حينئذ منحصر في تصحيح تعلق الأمر فعلا بالضد، مع كون ضده الآخر مأمورا به. و الّذي يمكن أن يكون وجها لذلك أحد امرين: - (الأول) - ما نقل عن بعض الأساطين من أن الأمر بالضد إنما ينافى الأمر بضده الآخر لو كانا مضيقين. أما لو كان أحدهما مضيقا و الآخر موسعا، فلا مانع من الأمر بكليهما، لأن المانع ليس إلاّ لزوم التكليف بما لا يطاق. و هذا المانع منحصر فيما إذا كانا مضيقين، إذ لو كان أحدهما موسعا، فلا يلزم ذلك قطعا، سواء كان الآخر موسعا أيضا أم لا. و أي مانع من أن يقول المولى لعبده أريد منك من أول الظهر إلى الغروب إنقاذ هذين الغريقين، أو يقول أريد منك إنقاذ هذا الغريق فعلا، و أريد منك أيضا إنقاذ الغريق الآخر في مجموع الوقت الّذي يكون أعم من هذا الوقت و غيره؟ (أقول): تمامية ما أفاده (قدس سره) مبتنية على مقدمتين:

(الأولى) - أن يكون الوقت المضروب ظرفا للواجب، من قبيل الكلي الصادق على جزئيات الوقت، فيصير المحصل من التكليف بصلاة الظهر إيجاب إيجاد الصلاة في طبيعة الوقت المحدود بحدين، إذ لو كان التكليف راجعا إلى التخيير الشرعي بين الجزئيات من الأزمنة، فلا يصح ذلك، لأن البعث على غير المقدور قبيح عقلا، و ان كان على سبيل التخيير بينه و بين فعل آخر مقدورا، أ لا ترى قبح الخطاب التخييري بين الطيران إلى السماء و إكرام زيد مثلا.

(الثانية) - أن الأمر بالطبيعة لا يستلزم السراية إلى الافراد، و إلاّ لكان اللازم منه المحذور الأول بعينه. و حيث أن عدم السراية إلى الافراد

هو المختار - كما سيجيء تحقيقه في مسألة اجتماع الأمر و النهي إن شاء الله تعالى - لا يبعد صحة المقدمة الأولى، فلا بأس بالالتزام بتحقق الأمر الفعلي بالصلاة في مجموع الوقت، مع إيجاب ضدها في أول الوقت مضيقا، بل يمكن ان يقال لا مانع من الأمر حتى على القول بالتخيير الشرعي، أو على القول بسراية حكم الطبيعة إلى الافراد، لأن المانع من التكليف بما لا يطاق ليس إلاّ اللغوية، و هي مسلمة فيما إذا كان نفس الفعل غير مقدور كالطيران إلى السماء. و اما إذا كان نفسه مقدورا - كما فيما نحن فيه - غاية الأمر يجب عليه بحكم العقل امتثال امر آخر من المولى، و لا يقدر مع الامتثال على إتيان فعل آخر، فلا يلزم اللغوية، إذ يكفى في ثمرة وجود الأمر - أنه لو أراد المكلف عصيان الواجب المعين - يقدر على إطاعة هذا الأمر (144) و من ذلك يظهر أن قياس مقامنا هذا بمثال الطيران إلى السماء ليس في محله.

مسألة الترتب

اشارة

الوجه الثاني ما أفاده سيد مشايخ عصرنا الميرزا الشيرازي

الشرح

(144) لا يخفى أنه لو لم تكن ثمرة الا مع العصيان، فصحة الأمر كذلك تتوقف على إثبات صحة الترتب في التعييني بالبيان الآتي، و إلاّ فلا يصح في التخييري أيضا.

ثم انه بناء على التخيير الشرعي أو السراية، بناء على عدم صحة الترتب، فهل يمكن إيجاد الفرد المزاحم بداعي الأمر الموجود في غيره؟ قد يقال برجوع ذلك إلى قصد الجهة، فان قلنا بكفايته فهو و إلاّ فلا يكفي. و الظاهر كفايته لتحقق قصد الأمر في المقام، و عدمه تحققه في الجهة الخالية عن الأمر. و قد مر ما ينفع المقام في تصوير تبديل الامتثال فراجع.

(قدس سره)، و شيد أركانه و أقام برهانه و تلميذه الجليل و النحرير الّذي ليس له بديل، سيدنا الأستاذ السيد محمد الأصفهاني جزاهما اللّٰه عن الإسلام و أهله أفضل الجزاء، و هو أن يتعلق الأمر أولا بالضد الّذي يكون أهم في نظر الآمر مطلقا، من غير تقييد بشيء، ثم يتعلق امر آخر بضده متفرعا على عصيان ذلك الأمر الأول.

و إثبات هذا المطلب يستدعى رسم مقدمات:

(الأولى)

و لعلها العمدة في هذه المسألة - توضيح الواجب المشروط، و هو و إن مر ذكره في مبحث مقدمة الواجب مفصلا، إلا أنه لا بد من أن نشير إليه ثانيا توضيحا لهذه المسألة التي نحن بصددها، فنقول - و على اللّٰه التوكل أن الإرادة المنقدحة في النّفس المتعلقة بالعناوين على ضربين (تارة) تكون على نحو تقتضي إيجاد متعلقها بجميع ما يتوقف عليه، من دون إناطتها بوجود شيء أو عدمه، و (أخرى) على نحو لا تقتضي إيجاد متعلقها إلا بعد تحقق شيء آخر وجودي أو عدمي (145). مثلا إرادة إكرام الضيف (تارة) تكون على نحو يوجب تحريك المريد إلى تحصيل الضيف و إكرامه، و (أخرى) على نحو لا يوجب

الشرح

(145) <مسألة الترتب:> لكن لا بحيث يكون الشرط ذلك الشيء بتحققه الخارجي، حتى لا تكون الإرادة متحققة قبل تحققه، لأن ذلك خلاف الوجدان في الواجب المشروط، لأنا نرى تحقق الإرادة المشروطة قبل تحقق الشرط بعد فرض تحققه، و ان علمنا بعدم حصول الشرط. و أيضا نرى بالوجدان تحقق الإرادة مع الجهل المركب بوجود الشرط، كما في صورة العلم الحقيقي، و إن لم تؤثر في نفس المأمور، مع عدم العلم بحصول الشرط كما سيجيء. فلو كان الشرط نفس الشرط، فلا وجه لتحققها في الصورتين.

تحريكه إلى تحصيل الضيف، بل يقتضى إكرامه على تقدير حصوله.

ثم إن الثانية على أنحاء (تارة) تقتضي إيجاد متعلقها بعد تحقق ذلك الشيء المفروض وجوده في الخارج، كما في مثال أكرم زيدا ان جاءك و (أخرى) تقتضي إيجاده مقارنا له، كما في إرادة الصوم مقارنا للفجر إلى غروب الشمس، و كما في إرادة الوقوف في عرفات مقارنا لأول الزوال إلى الغروب، و أمثال ذلك. و (تارة) تقتضي إيجاده قبل تحقق ذلك الشيء، كما لو أراد استقبال زيد في اليوم على تقدير مجيئه غدا، و هذه الأنحاء الثلاثة كلها مشتركة في انها مع عدم العلم بتحقق ذلك المفروض تحققه لا تؤثر في نفس الفاعل (146)، كما أنها مشتركة في أنه على تقدير العلم بذلك مؤثرة في الجملة. إنما الاختلاف في أنه على التقدير

الشرح

و لا بحيث يكون الشرط علم الآمر أو المأمور بحصول الشرط، فان ذلك أيضا يستلزم لزوم الامتثال حقيقة عند الجهل المركب من أحدهما بحصول الشرط، و بطلانه واضح. بل الشرط هو الخارج لا حقيقة بل فرضا، لكن لا بنحو يكون للفرض موضوعية، بل بحيث يكون طريقا إلى الخارج، فعند الفرض تكون الإرادة موجودة، لكن لا واقعية لها عند عدم الشرط واقعا.

و نظير ذلك العلم بالتالي عند وجود المقدم في القضية الشرطية، فان شرط القطع بوجود التالي هو فرض المقدم، و إن كان قاطعا بعدم وجوده فعلا، لكن مع حفظ طريقية الفرض في المقام أيضا. و قد يتوهم أن المقطوع به في القضية الشرطية هي الملازمة، و لكنه فاسد، لرجوع القضية حينئذ إلى الحملية، و هي الملازمة - ثابتة أو موجودة - و هو كما ترى.

(146) و ذلك لأن الإرادة - على الفرض - متوقفة على فرض التحقق عند الآمر، و لو علم المأمور بعدم واقعية الفرض المذكور لا تؤثر، لأن الفرض - كما مر - أخذ طريقا، و المأمور يعلم بأنه لا واقعية له، و كذلك عند الشك فيه، فانه أيضا شاك في كونها إرادة حقيقية، فلا تؤثر الا عند العلم بحصول الشرط.

الأول العلم بتحقق ذلك في الزمن الآتي لا يوجب تحريك الفاعل نحو المراد، لأن المقصود إيجاد الفعل بعد تحقق ذلك الشيء لا قبله.

نعم لو توقف الفعل في زمان تحقق ذلك الشيء على مقدمات قبل ذلك، اقتضت الإرادة المتعلقة بذلك الفعل - على تقدير وجود شيء خاص - إيجاد تلك المقدمات قبل تحقق ذلك الشيء، كما نرى من أنفسنا أن الإنسان إذا أراد إكرام زيد - على تقدير مجيئه، و علم بمجيئه في الغد، و توقف إكرامه في الغد على مقدمات قبله - يهيئ تلك المقدمات، و هكذا حال إرادة الآمر، فلو امر المولى بإكرام زيد - على تقدير مجيئه، و علم العبد بتحقق مجيئه غدا، و توقف إكرامه غدا على إيجاد مقدمات في اليوم - وجب عليه إيجادها، و لا عذر له عند العقل لو ترك تلك المقدمات. و هذا واضح لا سترة عليه.

و على التقدير الثاني باعثية الإرادة - بالنسبة إلى الفاعل - إنما تكون بالعلم بتحقق ذلك الشيء المفروض وجوده في الآن الملاصق للآن الّذي هو فيه، كما انه على الثالث تؤثر إذا علم بتحققه في الزمن الآتي.

و ان شئت قلت هذه الإرادة - المعلقة على وجود شيء إذا انضم إليها العلم بتحقق ذلك الشيء - تقتضي إيجاد كل من الفعل و مقدماته في محله، فمحل الإكرام - في الفرض الأول - بعد تحقق المجيء، و محل مقدماته قبله، و محل الفعل في المثال الثاني مقارن للشرط، و محل مقدماته قبله، كما في الوقوف في عرفات مقارنا للزوال، و محل الفعل في المثال الثالث قبل تحقق الشرط.

و الحاصل أنه لا نعنى بالواجب المشروط إلا الإرادة المتعلقة بالشيء مبتنية على تحقق أمر في الخارج، و هذه الإرادة لا يعقل أن تؤثر في نفس الفاعل، إلا بعد الفراغ من حصول ذلك الأمر.

و بعبارة أخرى هذه الإرادة من قبيل جزء العلة لوجود متعلقها، و إذا انضم إليها العلم بتحقق ذلك الشيء تؤثر في كل من الفعل و مقدماته في محله، كما عرفت، فالإرادة المبتنية على امر مقدر، سواء علم بتحقق ذلك الأمر أم لم يعلم، بل و لو علم بعدمه موجودة، و لكن تأثيرها في الفاعل يتوقف على العلم بتحقق ذلك الأمر.

(المقدمة الثانية)

أن الإرادة المبتنية على تقدير امر في الخارج، لا يعقل ان تقتضي إيجاد متعلقها على الإطلاق، أي سواء تحقق ذلك المقدر أم لا، و إلاّ خرجت عن كونها مشروطة بوجود شيء، فمتى ترك الفعل بترك الأمر المقدر، لا يوجب مخالفة لمقتضى الإرادة. نعم المخالفة إنما تتحقق فيما إذا ترك مع وجود ذلك المقدر، و هذه المقدمة في الوضوح بمثابة لا تحتاج إلى برهان.

(المقدمة الثالثة)

أن الإرادة المتعلقة بشيء من الأشياء لا يقدح في وجودها كون المأمور بحيث يترك في الواقع أو يفعل (147)، إذ لا مدخلية لهذين الكونين في قدرة المكلف، فالإرادة - مع كل من هذين الكونين - موجودة، و لكن لا يمكن أن يلاحظ الآمر كلا من تقديري الفعل و الترك في المأمور به، لا إطلاقا و لا تقييدا. أما الثاني فواضح، لأن إرادة الفعل على تقدير الترك طلب المحال، و إرادة الفعل على تقدير الفعل طلب الحاصل. و أما الأول، فلان ملاحظة الإطلاق فرع إمكان التقييد، و حيث يستحيل الثاني يستحيل الأول، فالإرادة تقتضي إيجاد ذات

الشرح

(147) و الحاصل أن إرادة الشيء لا تنقدح في لحاظ وجود الشيء أو عدمه، بل يشترط في انقداحها لحاظ الشيء في حال عدمه مجردا عن لحاظ كل واحد من الوجود و العدم، و مثل تلك الإرادة غير مؤثرة في امتثال الفعل مع أحد القيدين.

متعلقها، لا انها تقتضي إيجاده في ظرف عدمه، و لا إيجاده في ظرف وجوده، و لا إيجاده في كلتا الحالتين، لأن هذا النحو من الاقتضاء يرجع إلى طلب الشيء مع نقيضه، أو مع حصوله، فظهر أن الأمر يقتضى وجود ذات الفعل من دون ملاحظة تقييد الفعل بالنسبة إلى الحالتين المذكورتين، و لا إطلاقه بالنسبة إليهما. نعم الأمر المتعلق بذات الفعل موجود، سواء كان المكلف ممن يترك أو يفعل، و لكن هذا الأمر الموجود يقتضى عدم تحقق الترك و تحقق الوجود، لا انه يقتضى الوجود على تقدير الترك.

و بعبارة أخرى يقتضى عدم تحقق هذا المقدر، لا أنه يقتضى وجود الفعل في فرض وقوعه، لأن الثاني يرجع إلى اقتضاء اجتماع النقيضين، دون الأول، فافهم فانه لا يخلو عن دقة.

(المقدمة الرابعة)

أنه لم يرد في خبر و لا آية بطلان تعلق امرين بالضدين في زمان واحد، حتى يتمسك بإطلاق ذلك الخبر و تلك الآية في بطلانه، إنما المانع حكم العقل بقبح التكليف بما لا يطاق، و هو منحصر فيما إذا كان الطلبان بحيث يقتضى كل واحد منهما سلب قدرة المكلف عن الإتيان بمقتضى الآخر، لو أراد الإتيان بما يقتضيه. أما لو كانا بحيث لا يوجب ذلك، فلا مانع أصلا.

إذا عرفت المقدمات المذكورة، فنقول: لو أمر الآمر بإيجاد فعل مقارنا لترك ضده الآخر، فهذا الأمر باعث في نفس المأمور لو علم بتحقق ذلك الترك في الآن المتصل بالآن الّذي هو فيه، إذ لو صبر إلى ان يتحقق ذلك الترك لم يقع المأمور به بالعنوان الّذي امر به، و هو المقارنة، فمحل تأثير هذا الأمر في نفس المأمور إنما يكون مقارنا لوقوع الترك، فيجب أن يؤثر في ذلك المحل بمقتضى المقدمة الأولى. و هذا الأمر المبتني على ترك

الضد لا يوجب التأثير في المتعلق مطلقا، حتى يستلزم لا بدية المكلف من ترك الضد بحكم المقدمة الثانية. و الأمر المتعلق بالضد الآخر - الّذي فرضناه مطلقا - لا يقتضى إيجاد المتعلق في ظرف عدمه بحكم المقدمة الثالثة، حتى يلزم منه وجود التكليف بالضدين في ظرف تحقق هذا الفرض، بل الأمر بالأهم يقتضى عدم تحقق هذا الفرض، و الأمر بالمهم يقتضى إيجاده على تقدير تحقق الفرض.

و من هنا يتضح عدم تحقق المانع العقلي في مثل هذين الأمرين، لأن المانع كما عرفت ليس إلاّ لزوم التكليف بما لا يطاق، لأن ذلك إنما يلزم من الخطابين لو كانا بحيث يلزم من امتثال كل منهما معصية الآخر.

و قد عرفت أنه لا يلزم منهما فيما نحن فيه ذلك، لأن المكلف لو امتثل الأمر بالأهم لم يعص الأمر الآخر الّذي تعلق بالمهم، إنما ترتب على هذا الامتثال انتفاء ما كان شرطا للأمر بالمهم. و قد عرفت أن عدم إتيان الواجب المشروط بترك شرطه ليس مخالفة للواجب.

و الحاصل أنه لا يقتضى وجود الخطابين بعث المكلف على الجمع بين الضدين و مما يدلك على هذا أنه لو فرضنا محالا صدور الضدين من المكلف، لم يقع كلاهما على صفة المطلوبية (148)، بل المطلوب هو الأهم لا غير، لعدم تحقق ما هو شرط لوجوب المهم.

(فان قلت): سلمنا إمكان الأمر بالضدين على النحو الّذي فرضته، و لكن بم يستدل على الوقوع فيما إذا وجبت الإزالة عن المسجد

الشرح

(148) بل لو فرضنا محالا صدور الضدين مع ترك الأهم أيضا، لم يقع كلاهما على صفة المحبوبية، لأن إطاعة الأهم إن حصلت بذلك، فلم يكن شرط المهم موجودا، و إلاّ فلم يؤثر الأهم في لحاظ عصيانه.

مطلقا، و كان في وقت الصلاة، فان حمل دليل الصلاة - على الوجوب المعلق على ترك إزالة النجاسة - يحتاج إلى دليل.

(قلت): المفروض أن المقتضى لوجوب الصلاة محقق بقول مطلق (149) و ليس المانع الا حكم العقل بعدم جواز التكليف بما لا يطاق. و بعد ما علمنا عدم كون هذا النحو من التكليف تكليفا بما لا يطاق، يجب بحكم العقل تأثير المقتضى.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في المقام و عليك بالتأمل التام، فانه من مزال الإقدام.

حجة المانع أن الضدين مما لا يمكن إيجادهما في زمان واحد عقلا، و جعلهما في زمان واحد - متعلقين للطلب المطلق - تكليف بما لا يطاق، و هاتان المقدمتان مما لا يقبل الإنكار إنما الشأن بيان ان تعلق الطلبين بالضدين في زمان واحد - و لو على نحو الترتب - يرجع إلى تعلق الطلب المطلق بهذا و الطلب المطلق بذاك في زمان واحد. و بيانه أن الأمر بإيجاد الضد مع الأمر بإيجاد ضده الآخر لا يخلو من أنه إما أمر بإيجاده مطلقا في زمان الأمر بضده كذلك، و إما أمر بإيجاده مشروطا بترك الآخر. و الثاني على قسمين، لأنه إما أن يجعل الشرط هو الترك الخارجي للضد الآخر، أو يجعل الشرط كون المكلف بحيث يترك في علم اللّٰه.

أما الأول فلا يلتزم به كل من أحال التكليف بما لا يطاق. و أما

الشرح

(149) لا يقال: هذا مناف لما مر آنفا من أنه مع الجمع على الفرض المحال لم يكن المهم مطلوبا مع طلب الأهم.

لأنه يقال: إن المراد من عدم المطلوبية نفي فعليتها، فانه يكفى في حكم رفع التكليف بما لا يطاق، فافهم.

الأول من الأخيرين، فلا مانع منه إلا أنه عليه لا يصير الأمر مطلقا إلا بعد تحقق الترك و مضى زمانه. و هذا و إن كان صحيحا، لكنه خارج عن فرض القائل بالترتب، لأنه يدعى تحقق الأمرين في زمان واحد.

و أما الأخير منهما فلازمه القول بإطلاق الأمر المتعلق بالمهم في ظرف تحقق شرطه. و المفروض وجود الأمر بالأهم أيضا، لأنه مطلق، ففي زمان تحقق شرط المهم يجتمع الأمر ان المتعلقان بالضدين، و كل واحد منهما مطلق، أما الأمر المتعلق بالأهم فواضح، و اما الأمر المتعلق بالمهم، فلان الأمر المشروط بعد تحقق شرطه يصير مطلقا.

و الجواب يظهر مما قدمناه في المقدمات. و حاصله أن الأمر بالأهم مطلق، و الأمر بالمهم مشروط. أما قولك بان الشرط إما هو الترك الخارجي أو العنوان المنتزع منه، فنقول: إنه هو الترك الخارجي، و قولك - إنه على هذا يلزم تأخر الطلب عن زمان الترك - مدفوع بما عرفت من عدم لزوم اقتضاء الطلب المشروط إيجاد متعلقه، بعد تحقق الشرط (150) بل قد يقتضيه كذلك. و قد يقتضى مقارنة الفعل للشرط كما عرفت ذلك كله مشروحا.

الشرح

(150) لا يخفى عدم نهوض الجواب لدفع الإيراد، لأن اختلاف أنحاء الشرط - من المتقدم و المتأخر و المقارن - لا يؤثر في رفع استحالة تحقق الإرادة قبل تحقق شرطها، فلا بد في ردّ ذلك من الالتزام بما التزمنا به، من عدم كون الشرط نفس التحقق الخارجي، بل الخارج بوجوده الفرضي، لكن مع بقاء طريقية الفرض، بحيث لا يرى تفكيك بينه و بين الخارج، و ذلك الفرض محقق قبل تحقق الطلب كما مر، فراجع.

ان قلت: ما الفرق بين الترك الخارجي بهذا المعنى و العنوان المنتزع، و كيف انحصر دفع الإشكال على الأول دون الثاني؟

(فان قلت) سلمنا كون الشرط نفس الترك الخارجي للضد، و لا يلزم من ذلك تأخر الطلب عن مضى زمان الترك، و لكن نقول في ظرف فعلية الطلب المشروط إما ان تقول ببقاء الطلب المطلق أولا.

و الثاني خلاف الفرض، و الأول التزام بالأمر بما لا يطاق (151).

الشرح

قلت: الفرق هو أن الأمر بالأهم لا يؤثر على فرض تركه الخارجي، و لا صلاحية له في التأثير، بخلافه مع العنوان، فانه - مع العلم بأنه يعصى و يترك في علم اللّٰه - لا يسقط الأمر بالأهم، و لا يخرج بذلك العلم عن صلاحية التأثير، و هو لا ينافي الأمر بالمهم بالفرض.

(151) و ذلك لأنه يجب الأهم في هذا الزمان بالفرض، و المهم أيضا واجب، لحصول شرطه، و ما ذكر - من تقييد المهم بمعصية الأهم، مع عدم تأثير الأهم في تلك المرتبة - انما يؤثر في رفع التمانع و التضاد بين الإرادتين في زمان واحد، لا في إقدار المكلف على إيجاد الضدين، و أيضا يستلزم ذلك عقابين على تقدير عدم إتيان المكلف بشيء منهما، و لا يلتزم به القائل بالترتب.

و حاصل الجواب: أن الجمع بين التكليفين - على نحو يكون أحدهما مقيدا بمعصية الآخر - ليس بمحال، و ليس من التكليف بما لا يطاق، و إن لم يكن المكلف قادرا على الجمع، لعدم اقتضائهما الجمع في آن واحد، و عدم مطاردة مقتضى الإرادتين.

و اما تعدد العقاب، فلا مانع من الالتزام به، بعد مساعدة الوجدان، و عدم مخالفته للبرهان. و بعد التأمل لا يكون العقاب عليهما إلا كالعقاب على ترك الفعلين غير الضدين، و ان شئت فراجع وجدانك لترى هل لا يمكن تحقق الإرادة الآمرية من الآمر على شيء، و بعد العلم بمعصية المأمور تحقق الإرادة الفاعلية على ضده، مثل أن تأمر عبدك بتهيئة أسباب السفر ليوم الجمعة مقارنا لطلوع الفجر، ثم بعد العلم بالمعصية بنوم العبد في تلك الساعة مطمئنا، و مع ذلك تعاقب العبد على ترك تهيئة أسباب سفرك، و لا يصح منه الاعتذار بعدم القدرة على امتثال أمرك في تلك الساعة للنوم، لأن النوم لم يكن الا بعد العلم بتحقق المعصية منه، فافهم و اغتنم.

(قلت) نختار الشق الأول، و لكن لا يقتضى الطلب الموجود حينئذ الا عدم تحقق الترك الّذي هو شرط لوجوب الآخر، لا أنه يقتضى إيجاد الفعل في ظرف تحقق هذا الترك، كما أوضحناه في المقدمات، فليتأمل في المقام فانه مما ينبغي ان تصرف لأجله الليالي و الأيام.

المقصد الرابع إمكان اجتماع الأمر و النهي و امتناعه

اشارة

و ليعلم (أولا) أن النزاع المذكور إنما يكون بعد فرض وجود المندوحة (152) و تمكن المكلف من إيجاد عنوان المأمور به في غير مورد النهي، و إلاّ فالمسلم عند الكل عدم الجواز، لقبح التكليف بما لا يطاق.

الشرح

(152) <اجتماع الأمر و النهي:> لا يقال: قيد المندوحة لغو، لأن النزاع - في الجواز و الامتناع - حيثي يقع في أن تعدد العنوان و الحيثية، هل يكفي في تعدد مركب الأمر و النهي، حتى لا يلزم محال أم لا؟ و لا ربط للنزاع المذكور باجتماع سائر شرائط التنجز من القدرة على الامتثال و غيرها.

لأنا نقول: إن النزاع - و إن كان حيثيا - لكنه في اجتماع الأمر و النهي الموجودين، و لا يكونان إلاّ مع المندوحة. و أما بدونها فلا بد من أن يجعل النزاع فرضيا، بان يقال: لو فرضنا محالا صدور الأمر و النهي، فهل يجوز اجتماعهما. و هو كما ترى، و لا تقاس تلك الجهة بسائر الجهات، لأن فقدان سائر الجهات اتفاقي.

و لا يقال: إن المندوحة أيضا لا تثمر، لأن المكلف - في مورد الاجتماع أيضا - لا يقدر على الامتثالين.

لأنا نقول: يكفي في صحة تعلق الأمر بالطبيعة كون بعض افرادها مقدورا.

نعم ذهب المحقق القمي (قدس سره) إلى التفصيل بين ما كان العجز مستندا إلى سوء اختيار المكلف و عدمه، فخص القبح بالثاني. و من هنا حكم بأن المتوسط في الأرض المغصوبة منهي عن الغصب فعلا، و مأمور بالخروج كذلك.

و لكنك خبير بأن هذا التفصيل يأبى عنه العقل، بل لعل قبح التكليف بما لا يطاق مطلقا من البديهيات الأولية. و كيف كان

فقبل الشروع في المقصود ينبغي رسم أمور:

(الأول)

أنه قد يتوهم ابتناء المسألة على كون متعلق التكاليف هو الطبيعة أو الفرد، فينبغي التكلم في هذه المسألة على وجه الاختصار، حذرا من فوت المهم، و النّظر فيها يقع في مقامات: (أحدها) في تشخيص مرادهم (ثانيها) في أنه هل يبتنى النزاع في مسألتنا هذه عليها، بمعنى أنه لو أخذ بأحد طرفي النزاع فيها لزم الأخذ بأحد طرفي المسألة فيما نحن فيه أم لا؟ (ثالثها) في أدلة الطرفين.

أما المقام الأول، فيمكن أن يكون مرادهم أنه بعد فرض لزوم اعتبار الوجود في متعلق الطلب، فهل الوجود المعتبر هو وجود الطبيعة، أو وجود الفرد؟ (153) و يمكن أن يكون مرادهم أنه بعد فرض اعتبار الوجود، هل

الشرح

نعم قد يقال - على القول بكفاية الجهة في صحة العبادة - انه لا وجه لقيد المندوحة، لجريان النزاع في ما لا مندوحة فيه أيضا، من حيث جهة المطلوبية و المبغوضية، و ان لم يكن تكليف في البين.

و فيه: انه لا تزاحم بين الجهتين حتى على القول بالامتناع، و إنما التزاحم في مقام الإرادة، كما سيأتي تفصيله إن شاء اللّٰه تعالى. و الإرادتان لا محالة لا تجتمعان في ما لا مندوحة فيه، فيكون النزاع فيه لغوا.

(153) و الفرق بين المعنيين اعتباري، و على الأول تكون المادة بمعناها

المعتبر اشخاص الوجودات الخاصة، أو المعنى الواحد الجامع بين الوجودات؟.

أما المقام الثاني، فالحق عدم ابتناء مسألة جواز اجتماع الأمر و النهي و عدمه عليه، إذ يمكن القول بأن متعلق الأحكام هو الطبائع بكلا المعنيين اللذين احتملنا في مرادهم، و مع ذلك يمنع جواز اجتماع الأمر و النهي، اما لما ذكره صاحب الفصول (قدس سره): من أن متعلق الطلب إنما يكون الوجودات الخاصة (154)، لعدم جامع لها في البين و إما لأنه - على تقدير تعلق الطلب بالجامع - يلزم سرايته إليها، لمكان الاتحاد و العينية. و كذلك يمكن القول بتعلق الطلب بالفرد بكلا الاحتمالين

الشرح

الاسمي متعلقة للطلب، و الوجود المعتبر فيها يكون بمعناه الحرفي، و انما اعتبر فيها، لأن المادة - من حيث هي لو لم يعتبر فيها الوجود أصلا - غير قابلة لتعلق الطلب بها، فانها من حيث هي ليست إلاّ هي، و على الثاني يكون الوجود - اللازم أخذه فيها بمعناه الاسمي - متعلقا للطلب في حال إضافته إلى المادة، فعلى الأول يقع النزاع في أن متعلق الطلب و المادة هل هو الطبيعة اللابشرط، باعتبار وجودها أو افرادها؟ و على الثاني في أن الوجود المضاف إلى المادة المأخوذ في متعلق الطلب، هل هو جامع الوجودات أو أشخاصها؟ هذا و الّذي يظهر من الكفاية: أن النزاع في أن المتعلق للطلب هل هي الماهية الصرفة، أو هي بلوازمها الوجودية، و يظهر منه انحصار النزاع بمرحلة الإثبات، حيث اكتفى في الاستدلال على مدعاه بمجرد الوجدان. لكن الظاهر من كلمات القوم خلافه، كما يظهر من استدلال الطرفين بعدم معقولية مدعى الآخر. كما سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى.

(154) لا يخفى أن كلام صاحب الفصول - رحمه اللّٰه - مناف لكون متعلق التكاليف هو الطبيعة بالمعنى الثاني، لأنه على الفرض لا جامع للوجودات، حتى يتعلق الطلب به. و هو واضح بل قيل بمنافاة كلامه له حتى على المعنى الأول، لأنه بعد عدم الجامع بين الوجودات فلا محالة يكون متعلق الطلب الطبيعة بوجوداتها الخاصة.

أيضا، و الالتزام بجواز الاجتماع، لأن الفرد الموجود في الخارج يمكن تعريته في الذهن عن بعض الخصوصيات، و مع ذلك لا يخرج عن كونه فردا (155).

(مثلا) الصلاة في الدار المغصوبة - الموجودة بحركة واحدة شخصية - لو لوحظت تلك الحركة الشخصية من حيث أنها مصداق للصلاة، و جرد النّظر عن كونها واقعة في الدار المغصوبة، لم تخرج عن كونها حركة شخصية، فللمجوز - بعد اختياره أن متعلق التكاليف هو

الشرح

و لكنه مخدوش بعدم المنافاة بين كون الطبيعة متعلقة للطلب، و كون الوجودات متباينة، غاية الأمر انه عند ما يتعلق الطلب بها بلحاظ الوجود، و الوجودات متباينة، يكون جميع الافراد متعلّقة للحكم، لكن بمرآتية نفس الطبيعة، نظير العام الاستغراقي و الوضع العام و الموضوع له الخاصّ، فتأمل، فانه أيضا لا يخلو عن مناقشة.

(155) نعم الحركة الشخصية في المثال لا تخرج عن كونها فردا، بمجرد تعرية الذهن إيّاها عن بعض الخصوصيات، لأن الجزئية و الكلية تعرضان المفهوم بلحاظ إباء صدقه على كثيرين و عدم إبائه، و معلوم أن مفهوم الحركة الشخصية يأبى الصدق على كثيرين و ان جرد عن الخصوصيات، لكن الإشكال في أن متعلق الأمر لو كان شخص الوجود الخارجي للحركة - مثلا، كما هو مقتضى القول الأول بالمعنى الثاني - فكلما يعرّيه الذهن عن الخصوصيات، و يصرف النّظر عنها، لا يخرج عن شخص الوجود.

و بالفرض يكون متعلق النهي أيضا هذا الشخص، فيكون مورد الأمر و النهي وجودا شخصيا واحدا. و هو محال. و لا يعقل تعرية الشخص عن تشخصه، حتى يصير بكلا الاعتبارين موجودين في الذهن أحدهما موطن الأمر، و الثاني موطن النهي، فجريان النزاع على هذا القول لا يخلو عن إشكال، و كذلك يشكل جريان النزاع على القول بتعلق الحكم بالافراد، على ما فسره في الكفاية من كون المراد أن لوازم الوجود داخلة في المأمور به على تقدير كون المقصود شخصيات اللوازم. نعم على تقدير إرادة ماهيات اللوازم يمكن النزاع، لكنه خلاف ظاهر العبارة.

الافراد - ان يقول: إن هذه الحركة من حيث كونها مصداقا للصلاة محبوبة و مأمور بها، و من حيث أنها مصداق للغصب منهي عنها.

أما المقام الثالث فالذي يمكن أن يحتج به - على كون متعلق التكاليف هو الافراد على المعنى الأول - امران: (أحدهما) - عدم كون الطبيعة موجودة في الخارج، و إنما الوجود مختص بأفرادها، و ليس لها حظ من الوجود، بناء على عدم وجود الكلي الطبيعي في الخارج، كما ذهب إليه بعضهم و (ثانيها) - ان المقدور ليس إلا الفرد، و لا يمكن الطلب بغير المقدور. (أما الثاني) فواضح و (أما الأول) فلان الطبيعة - مجردة عن الخصوصيات و انضمام الأمور الخارجية - لا يمكن ان تتحقق في الخارج، فلو أراد إيجادها، فاللازم إيجاد الفرد مقدمة، حتى تتحقق الطبيعة في ضمنه (156).

و الجواب عن الأول بالمنع عن الأصل المذكور - أعني امتناع وجود الكلي الطبيعي في الخارج - بل نقول: عند التحقيق يمتنع إضافة الوجود في الخارج الا إليه، بداهة أن الفرد المتشخص الموجود في الخارج - الّذي هو مجمع الحيثيات و العناوين - كالجسمية و الحيوانية و الناطقية، و أنه طويل أو قصير أو ذو لون كذا - لو جرد النّظر فيه عن هذه الحيثيات، لم يبق شيء حتى يكون الوجود مضافا إليه، فعلم أن فردية الفرد لا تتحقق الا بعد اجتماع هذه الحيثيات المتعددة في الوجود (157).

الشرح

(156) لا يخفى مغايرة الدليل للمدّعى، لأن المدعى إنكار وجود الطبيعة في الخارج رأسا، و الدليل ينفي استقلال وجودها و يثبتها ضمنا.

(157) و بعبارة أخرى: الفرد هو الطبيعة الموجودة، فلو لم يكن ما يتعلق به الوجود فلا فرد أيضا، هذا على أصالة الماهية و اما على أصالة الوجود فلا حقيقة لغير

و اما الجواب عن الثاني، فبان الممتنع ما إذا قيدت الطبيعة بشرط عدم انضمامها بالخصوصيات. و أما إذا جردت عن هذه الاعتبارات، فلا إشكال في تعلق القدرة بها. و أما وجود الفرد، فليس مقدمة لوجود الطبيعة، لمكان اتحادهما في الخارج، كما هو واضح.

حجة من يقول - بأن الطلب يتعلق بوجود الطبيعة - ان الطلب يتوقف على تصور المحل، و الفرد لا يمكن أن يتصور الا بعد التحقق و حينئذ غير قابل لتعلق الطلب به، أما عدم إمكان تصور الفرد قبل تحققه، فلان الصور الذهنية مأخوذة من الخارج، فحيث لم يتحقق الفرد بعد في عالم الخارج، لا يمكن أن يحيط به الذهن و ينتقش فيه صورة، فكلما يتصور حينئذ لا يخرج عن كونه كليا، غاية الأمر يمكن تقييده في الذهن بقيود عديدة، حتى يصير منحصرا في فرد واحد. و لكنه مع ذلك لا يخرج عن كونه كليا قابلا للصدق على كثيرين. و أما عدم قابليته للطلب، بعد تحققه فواضح.

و الجواب: أن ما ذكرت - من توقف الطلب على تصور المحل - ان أردت لزوم تصوره تفصيلا، فهذه المقدمة ممنوعة، و ان أردت لزوم تصوره و لو بالوجه و العنوان الإجمالي، فهو مسلم و لكن استحالة تصور الفرد قبل وقوعه بهذا النحو من التصور ممنوعة، ضرورة إمكان تصور افراد الطبيعة بعنوان انها افراد لها (158) و الّذي يمكن أن يحتج به لتعلق الطلب

الشرح

الوجود، من غير فرق بين الطبيعة و الفرد، و حينئذ فجريان النزاع - في تعلق الأحكام بالطبائع أو الافراد بالمعنى الثاني - واضح، و اما بالمعنى الأول فلا يخلو عن إشكال فافهم.

(158) نعم الظاهر أن النّفس - عند تصوّر الافراد قبل وجودها - توجد للطبيعة أفرادا عرضية في الذهن إجمالا، لكن بوصف حكايتها عن الخارج، و بعد ذلك

بالفرد بالمعنى الثاني: أن الوجودات بأسرها متباينات، بمعنى أنه ليس لها جامع.

و استدل القائل بتعلق الطلب بالطبيعة بالمعنى الثاني أيضا بوجهين: (أحدهما) أن وجود الشخص لا يدخل في الذهن، و إلاّ لانقلب خارجا و (الثاني) أن إمكان تصور الوجود الشخصي إنما يكون بعد تحققه، و في ذلك الوقت لا يمكن تعلق الطلب به.

و الجواب عن حجج الأولين منع عدم الجامع بين الوجودات، كما ترى بالوجدان أنه قد تتعلق الإرادة بإيجاد الماء لرفع العطش، من دون مدخلية خصوصيات الوجود في الإرادة، و ستطلع على زيادة توضيح في ذلك إن شاء اللّٰه تعالى.

و عن حجج الآخرين أما عن الأول، فبأنه لا يلزم من تعلق الطلب بالموجودات الشخصية كونها - بوصف تحققها في الخارج - متصورة في الذهن، حتى يلزم الانقلاب، بل يكفى انتقاش صورها في الذهن، و يتعلق الطلب بهذه الصور الذهنية حاكية عن الخارجيات. و أما عن الثاني، فبما عرفت مما سبق فلا نعيد (159).

الشرح

تعريها عن الوجودات الذهنية، و ترى نفس الموجودات، و تشير إليها بعنوان كل ما يمكن أن يكون فردا للطبيعة، و كما مر أن الموجود في الخارج لا يخرج عن الجزئية و الفردية بمجرد صرف النّظر عن وجوده، و لذا تكون قضية (زيد موجود) قضية جزئية، مع أن الوجود غير ملحوظ في موضوعها، كذلك ما يوجد في الذهن - بعنوان الفردية للطبيعة - لا يخرج عن الفردية الفرضية، بتعرية الوجود عنه و لحاظ نفس الموجود.

(159) من إمكان تصور الفرد قبل وجوده و قد عرفت توضيحه. و المحصل من جميع ما أفاده - دام ظله - هو إمكان تعلق التكاليف بالافراد و الطبائع، بكلا المعنيين

(الأمر الثاني)

أن الموجود الخارجي - من أي طبيعة كان - امر وحداني محدود بحد خاص، سواء قلنا بأصالة الوجود أو أصالة الماهية، غاية الأمر أنه على الأول يكون الثاني منتزعا، و على الثاني يكون الأول منتزعا.

نعم يمكن أن ينحل في الذهن إلى ماهية و وجود، و إضافة الوجود إلى الماهية. فحينئذ لو قلنا بان الوحدة في الخارج مانعة عن اجتماع الأمر و النهي، فاللازم أن نقول بالامتناع، سواء قلنا بأصالة الوجود أو الماهية، و لو قلنا بعدم كونها مانعة. و يكفى تعدد المتعلق في الذهن، فاللازم القول بالجواز، سواء قلنا أيضا بأصالة الوجود أو بأصالة الماهية.

(الأمر الثالث)

أن الظاهر - من العنوان الّذي جعلوه محلا للنزاع - ان الخلاف في جواز اجتماع الأمر و النهي و عدمه. و لا يخفى أنه غير قابل للنزاع، إذ من البديهيات التضاد بين الأحكام و ملاكاتها. إنما النزاع في أنه هل يلزم - على القول ببقاء إطلاق دليل وجوب الصلاة مثلا بحاله، و كذا إطلاق دليل الغصب في مورد اجتماعهما - اجتماع

الشرح

في مرحلة الثبوت. و أما في مرحلة الإثبات فقد مر أن الهيئة لا تدل الا على أصل الطلب، و المادة أيضا لا تدل الا على أصل الطبيعة، لكن لما لم تكن الطبيعة من حيث هي قابلة لتعلق الطلب بها يعتبر بحكم العقل أخذ الوجود في متعلقها إما بمعناه الاسمي و إما بمعناه الحرفي، كما ذكرنا في تشريح المعنيين فراجع.

و كيف كان لا يدل أصل الهيئة و المادة بضميمة حكم العقل إلا على تعلق الطلب بأصل الطبيعة بأحد المعنيين، و لا يفهم الفرد لو لم تكن قرينة في البين.

و كذلك لو قيل بأن الوجود أخذ في الهيئة وضعا، بمعنى انها وضعت لطلب الوجود في الأمر، و لطلب الترك في النهي، فان المأخوذ في الموضوعية - على هذا القول - هو المأخوذ بحكم العقل على القول الآخر، و قد عرفت مقتضاه. و بذلك يظهر وجه استظهار الكفاية خروج لوازم وجود الماهية عن متعلق الطلب.

الأمر و النهي في شيء واحد، حتى يجب عقلا تقييد أحدهما بغير مورد الآخر أو لا يلزم؟ بل يمكن ان يتعقل للأمر محل، و للنهي محل آخر و لو اجتمعا في مصداق واحد؟ فهذا النزاع في الحقيقة راجع إلى الصغرى، نظير النزاع في حجية المفاهيم.

(الأمر الرابع)

أنه لا إشكال في خروج المتباينين عن محل النزاع، بمعنى عدم الإشكال في إمكان أن يتعلق الأمر بأحدهما، و النهي بالآخر إلا على تقدير التلازم بينهما في الوجود، كما لا إشكال في خروج المتساويين في الصدق، لما عرفت من اعتبار وجود المندوحة، كما لا إشكال في دخول العامين من وجه في محل النزاع (160) انما النزاع في أن العام المطلق و الخاصّ أيضا يمكن ان يجري فيه النزاع المذكور أم لا،

الشرح

(160) هذا فيما إذا كانا متغايرين بحسب المفهوم، كالصلاة و الغصب، فلا إشكال فيه، و أما فيما إذا كانا متحدين بحسب المفهوم، كصلاة الصبح و الصلاة في الحمام، فالظاهر عدم جريان النزاع المذكور فيه، لعدم جريان أدلة الجواز فيه.

توضيح ذلك: ان غاية ما يتمسك به القائل بالجواز هو تعدد موطن الأمر و النهي، حيث أن الموضوع فيهما عنده هو الموجود في الذهن، و هو في المفهومين المتغايرين متعدد. و سيأتي تفصيله - إن شاء الله تعالى - فلو كان متعلّقهما في الذهن أيضا واحدا، لم يلتزم أحد بجواز اجتماعهما، للزوم اجتماع الأمر و النهي في الواحد ذهنا و خارجا، و هو محال.

و الظاهر أن العامين من وجه مع اتحادهما مفهوما - كصلاة الصبح و الصلاة في الحمام - يكونان كالعام و الخاصّ المطلقين في وحدة موضوع الأمر و النهي ذهنا و خارجا، لو فرض اجتماعهما، لأن معنى محبوبية صلاة الصبح بنحو الإطلاق، ليس إلاّ محبوبية طبيعة تلك الصلاة بنفسها، من دون دخل قيد وجودي أو عدمي - حتى قيد الإطلاق - فيه كما سيأتي منه - دام ظله - في المطلقين إذا اتحدا من حيث المفهوم،

..........

الشرح

و لازم ذلك أن تكون طبيعة صلاة الصبح في الحمام أيضا مطلوبة بما هي صلاة الصبح، فلو كان متعلق النهي امرا خارجا عن موضوع الأمر، مثل إضافة الصلاة إلى الحمام، فلا إشكال. و اما إذا كان نفس هذه الصلاة الموجودة في الحمام مبغوضة و متعلقة للنهي، فينا في ذلك إطلاق محبوبية صلاة الصبح. و في الحقيقة تكون مطلوبيتها مقيدة بعدم تحققها في الحمام.

و لا يمكن أن يقال أن مفهوم صلاة الصبح في الذهن غير مفهوم الصلاة في الحمام، و إنما المتحد هو الفرد كالصلاة و الغصب، لأن مفهوميهما في الذهن و ان كانا متعددين، لكن مثل ذلك التعدد لا يكفي في وقوعهما موضوعين لحكمين مختلفين، كتعدد مفهومي المطلق و المقيد، أو كتعدد المفهوم في تصور الشيء مرتين، و ذلك لأن من يرى صلاة الصبح بلا قيد مطلوبة، ففي الحقيقة يرى صلاة الصبح في الحمام أيضا مطلوبة، لأنها ليست إلاّ صلاة الصبح مع الخصوصية الخاصة، و بالفرض لم تكن الخصوصيات دخيلة في المطلوب وجودا و عدما، فإذا كانت تلك الصلاة أيضا مبغوضة و منهيا عنها، يلزم اتحاد موضوع الأمر و النهي ذهنا و خارجا، و هو محال.

و بعين هذا التقريب يخرج المطلق و المقيد في متحدي المفهوم عن محل النزاع، لأن مفهومهما و ان كان متعددا ذهنا، لكن وجودا لا ذاتا، لأن المقيد - كما ذكرنا - ليس إلاّ ذات المطلق مع إضافة قيد، فإذا تعلق به الأمر لا يمكن تعلق النهي به و لو في نظرة أخرى، سواء أضيف إليه قيد أم لا، لأنّ الذات الموجودة في المقيد ليست إلاّ ذات المطلق حتى في الذهن، فلا تعدد في الذهن، حتى يقال أن موطن الأمر و النهي هو الموجود في الذهن.

نعم لو كانا متغايرين مفهوما كالحركة و الدنو إلى مكان خاص مثلا، أمكن أن يقال: إن مفهوم الحركة في الذهن غير مفهوم الدنو إلى ذلك المكان، فلو تعلق الأمر بصرف طبيعة الحركة و النهي عن شخص هذه الحركة بما هي دنو، فيقال: إن الموجود في الذهن من هذه الحركة غير الموجود فيه من أصل الحركة، بل كذلك منشأ انتزاع المفهومين أيضا متعدد واقعا، و لذا يمكن اتصاف أحدهما بالعلم و الآخر بالشك،

قال المحقق القمي (قدس سره) ان العام المطلق خارج عن محل النزاع، بل هو مورد للنزاع في النهي في العبادات. و اعترض عليه المحقق الجليل صاحب الفصول (قدس سره) بأنه ليس بين العامين من وجه و المطلق من حيث هاتين الجهتين فرق، بل الملاك أنه لو كان بين العنوان المأمور به و العنوان المنهي

الشرح

بخلاف المتحدين مفهوما، فانه لا يمكن تحقق المطلق في ذلك المقام مع الشك في ذات المقيد.

نعم الشك في المقيد - أو فيه بما هو متصف الراجع إلى القيد أيضا - ممكن، لكن هذا غير ذات المقيد، و لعل هذا هو السر في حمل المطلق على المقيد المرتكز في الأذهان، و إلاّ فلا وجه له لو كان مركب الأمرين متعددا.

و لا يخفى أنه لا فرق فيما ذكرنا بين التعبدي و التوصلي فلو امر بالخياطة بنحو الإطلاق، لا يمكن النهي عنها في مكان خاص. و أيضا لا فرق بين الحكم الفعلي و الحيثي، فلا يمكن الجمع بين إطلاق الحلية الذاتيّة في الغنم مع حرمة الغنم المغصوب أو الموطوء بما هو مغصوب أو موطوء.

نعم يمكن الجمع بين عنوان الموطوء و المغصوب من دون دخل عنوان الغنم فيهما، فيكون من أقسام المسألة، و لا يقاس الإطلاق بالكلية: بأن يقال: كما أن الإنسان كلي و زيد جزئي، يمكن أن يكون المطلق محبوبا و المقيد مبغوضا، و لا فرق في المضادة بين العارضين، فما هو الجواب فيها؟ نجيب بما أجبنا فيها، حيث أن حال تجرّد معروض الكلية يكون دخيلا في عروضها، بخلاف الإطلاق، فان معناه عروض الحكم على الذات، بلا قيد في العارض و المعروض و العروض، و ذلك واضح.

إذا عرفت ما ذكرنا كله تعرف أن الأقوى ما عليه صاحب الفصول من اختصاص مورد نزاع المسألة بما إذا كان مورد الأمر و النهي مختلفي المفهومين، من غير فرق بين كون النسبة بينهما عموما و خصوصا من وجه أو مطلقا. نعم في اختصاص النزاع الآتي بما إذا كان الموردان من قبيل المطلق و المقيد ما لا يخفى، لأن النزاع في المسألة الآتية جار في جميع الموارد الا في مورد الاجتماع على القول بالجواز، و وجهه واضح.

عنه مغايرة، يجري فيه النزاع، و ان كان بينهما عموم مطلق، كالحيوان و الضاحك، و ان اتحد العنوانان، و تغايرا ببعض القيود، لم يجر النزاع فيهما، و ان كان بينهما عموم من وجه، نحو (صل الصبح، و لا تصل في الأرض المغصوبة).

هذا و يشكل بأنه لو اكتفى المجوز بتغاير المفهومين و وجود المندوحة، فلا فرق بين أن يكون بينهما عموم من وجه أو مطلق، و أن يكون العنوان المأخوذ في النهي عين العنوان المأخوذ في الأمر، مع زيادة قيد من القيود أو غيره، ضرورة كون المفاهيم متعددة في الذهن في الجميع، و لو لم يكتف بذلك، فليس لتجويز الاجتماع في العامين من وجه أيضا مجال.

فاللازم على من يدعى الفرق بيان الفارق.

قال شيخنا المرتضى - أعلى اللّٰه مقامه - في التقريرات المنسوبة إليه - بعد نقل كلام المحقق القمي و صاحب الفصول - ما هذا لفظه: (أقول إن ظاهر هذه الكلمات يعطى انحصار الفرق بين المسألتين في اختصاص إحداهما بمورد دون أختها، و ليس كذلك، بل التحقيق ان المسئول عنه في إحداهما غير مرتبط بالأخرى. و توضيحه أن المسئول عنه في هذه المسألة هو إمكان اجتماع الطلبين فيما هو الجامع لتلك الماهية المطلوب فعلها و الماهية المطلوب تركها، من غير فرق في ذلك بين موارد الأمر و النهي، فانه كما يصح السؤال عن هذه القضية فيما إذا كان بين المتعلقين عموم من وجه، فكذا يصح فيما إذا كان عموم مطلق، سواء كان من قبيل قولك (صل و لا تصل في الدار المغصوبة) أو لم يكن كذلك. و المسئول عنه في المسألة الآتية هو أن النهي المتعلق بشيء هل يستفاد منه أن ذلك الشيء مما لا يقع به الامتثال، حيث أن المستفاد من إطلاق الأمر حصول الامتثال بأي فرد كان، فالمطلوب فيها هو استعلام أن النهي المتعلق بفرد من افراد

المأمور به، هل يقتضى دفع ذلك الترخيص المستفاد من إطلاق الأمر أولا؟ و لا ريب أن هذه القضية كما يصح الاستفسار عنها، فيما إذا كان بين المتعلقين إطلاق و تقييد، كذلك يصح فيما إذا كان بينهما عموم من وجه، كما إذا كان بينهما عموم مطلق. و بالجملة، فالظاهر أن اختلاف المورد لا يصير وجها لاختلاف المسألتين، كما زعموا بل لا بد من اختلاف جهة الكلام) انتهى موضع الحاجة من كلامه، قدّس سرّه»(1).

أقول: و الحق ان العنوانين لو كانا بحيث أخذ أحدهما في الآخر، و كان بينهما عموم مطلق، أيضا لا يتطرق فيهما هذا النزاع (161).

و توضيحه أنه لا إشكال في تغاير المفاهيم بعضها مع بعض في الذهن، سواء كان بينها عموم مطلق أو من وجه أو غيرهما، و سواء كان أحدهما مأخوذا في الآخر أم لا، إلا أنه لا يمكن أن يقال فيهما - إذا كان بين المفهومين عموم مطلق، و كان أحدهما مشتملا على الآخر - ان المطلق يقتضى الأمر، و المقيد يقتضى النهي، لأن معنى اقتضاء الإطلاق شيئا ليس إلاّ اقتضاء نفس الطبيعة، إذ لا يعقل الاقتضاء لصفة الإطلاق، و المقيد ليس إلاّ نفس تلك الطبيعة منضمة إلى بعض الاعتبارات، و لو اقتضى المقيد شيئا منافيا للمطلق، لزم أن يقتضى نفس الطبيعة امرين متنافيين.

و بعبارة أخرى بعد العلم بأن صفة الإطلاق لا تقتضي تعلق الحب

الشرح

(161) يعني ان المسألتين و ان كانتا مختلفتين من حيث الجهة، كما قال به الشيخ و صاحب الكفاية (قدس سرهما)، لكن تفترقان بحسب المورد أيضا، باختصاص الأولى بغير مثل المطلق و المقيد إذا كانا متحدي المفهوم، و قد مرّ تفصيله في الحاشية السابقة. و لعل نظر الفاضلين (قدس سرهما) أيضا إلى ذلك، لا إلى عدم الفرق الا من حيث المورد، فانهما أجل شأنا من أن يخفى عليهما اختلاف جهة المسألتين.


1) مطارح الأنظار، الهداية الثانية من حيث اجتماع الأمر و النهي، ص 128

بالطبيعة، فالمقتضى له نفسها، و هي متحدة في عالم الذهن مع المقيد، لأنها مقسم له و للمطلق، فلو اقتضى المقيد الكراهة، لزم أن يكون المحبوب و المبغوض شيئا واحدا حتى في الذهن. و هذا غير معقول، بخلاف مثل مفهوم الصلاة و الغصب مثلا، لعدم الاتحاد في الذهن أصلا.

(الأمر الخامس)

قد يتراءى تهافت بين الكلمات، حيث عنونوا مسألة جواز اجتماع الأمر و النهي و مثلوا له بالعامين من وجه، و اختار جمع منهم الجواز، و أنه لا تعارض بين الأمر و النهي في مورد الاجتماع، و في باب تعارض الأدلة جعلوا أحد وجوه التعارض التعارض بالعموم من وجه، و جعلوا علاج التعارض الأخذ بالأظهر إن كان في البين، و إلاّ فالتوقف أو الرجوع إلى المرجحات السندية على الخلاف. و كيف كان لم يتمسك أحد لدفع المنافاة بجواز اجتماع الأمر و النهي.

و الجواب ان النزاع في مسألتنا هذه مبنى على إحراز وجود الجهة و المناط في كلا العنوانين (162)، و ان المناطين هل هما متكاسران عند العقل إذا اجتمع العنوانان في مورد واحد - كما يقوله المانع - أولا، كما يقوله المجوز. و لا إشكال في ان الحاكم في هذا المقام ليس إلاّ العقل.

الشرح

(162) لكن الظاهر عدم تمامية الجواب المذكور، و كأنه من المسلم عندهم عدم عدّ المثال من مسائل الاجتماع، حتى مع إحراز الجهة، و صرّح بعض بالتعارض أيضا مع إحراز الجهة، لو كان الدليلان بصدد الحكم الفعلي، و بالتزاحم لو كانا لإثبات مجرد الاقتضاء، من دون ابتناء على الاجتماع و الامتناع على ما هو ببالي، فلا بد من جواب آخر يلتئم مع كلماتهم.

و أجاب الأستاذ - دام بقاؤه - بإمكان الفرق بين ما إذا كان بين نفس موضوع التكليفين عموم من وجه، كالصلاة و الغصب، و ما إذا كان بين متعلق التكليفين تلك النسبة، كأكرم العالم و لا تكرم الفاسق، حيث أن موضوع الحكم و متعلقه في

..........

الشرح

الأول عند القائل بالاجتماع ليس إلاّ الوجود الذهني، و في الذهن وجود الغصب مباين لوجود الصلاة فيه، و إن اتّحدا مصداقا، بخلاف الثاني، فانه لمّا تعلق الوجوب بإكرام كل عالم، و العالم لا محالة أخذ في تلك القضية مفروض الوجود في الخارج، و كذلك الحرمة في لا تكرم الفاسق، فيرجع الأمر إلى أن ذلك العالم الخارجي، يجب إكرامه بما هو عالم، و يحرم إكرامه بما هو فاسق، فيجتمع الوجوب و الحرمة في الواحد الخارجي، و هو محال، و لو أخذ الصلاة و الغصب أيضا مفروض الوجود، مثل أن يقول إن غصبت فتصدّق مثلا، و ان صلّيت فلا تخرج من جيبك درهما، فيأتي فيه الإشكال المذكور، و لا بد من التعارض أو التزاحم بين وجوب التصدق و حرمة الإخراج، على تقدير تحقق ذلك الواحد الشخصي بإيجاد الصلاة في المكان الغصبي.

لكن الظاهر عدم تمامية ذلك أيضا، لأن حقيقة لا تغصب ليس إلاّ النهي عن التصرف في الملك المفروض وجوده و ملكيته للغير، و كذلك امر اسجد على الأرض في ضمن الصلاة توجه إلى وضع الجبهة على الأرض المفروض الوجود، و كذلك الحال بالنسبة إلى سائر أكوان الصلاة، و مع ذلك لم ينقدح التعارض بينهما عند الاجتماعي.

و أما في المثال، فان صلّى في الدار المغصوبة، فيجب عليه التصدق بغير درهم و يحرم عليه إخراج الدرهم، و لو تصدق بالدرهم لسوء الاختيار فهو مورد لاجتماع الأمر و النهي، و عاص و مطيع على القول بالاجتماع، من غير فرق بينه و بين سائر موارده.

و الّذي يخطر ببالي: أن السر في ذلك ليس إلاّ ما ذكرنا من عدم جريان نزاع الاجتماع و الامتناع في العامين من وجه إذا اتحدا مفهوما، و قد مر تفصيله فراجع.

و إجماله في المقام: ان محبوبية إكرام العالم - بنحو الإطلاق، من دون دخل قيد وجودي و لا عدمي - لا تجتمع مع مبغوضية إكرام الفاسق كذلك، لأن معنى محبوبية الإكرام كذلك محبوبيته و لو في ضمن إكرام الفاسق، و مع فرض مبغوضية إكرام الفاسق المتحد مع العالم، يلزم اتحاد موطن الأمر و النهي ذهنا و خارجا، و هو محال، و لذا لو قال: أكرم العلماء، و لا تبتسم في وجه الفساق، فأكرم المخاطب عالما فاسقا بنفس التبسم في وجهه، فهو من موارد الاجتماع، فالمنشأ اتحاد مفهوم موضوع الأمر

و باب تعارض الدليلين مبنى على وحدة المناط و الملاك في الواقع، و لكن لا يعلم أن الملاك الموجود في البين هل هو ملاك الأمر أو النهي مثلا، فلا بد ان يستكشف ذلك من الشارع بواسطة الأظهرية، إن كان أحد الدليلين أظهر، و إلاّ فالتوقف أو الرجوع إلى المرجحات السندية حسبما قرر في محله. نعم يبقى سؤال و هو أن طريق استكشاف ما هو من قبيل الأول و ما هو من قبيل الثاني ما ذا؟ و هذا خارج عن المقام.

إذا عرفت ذلك فلنشرع فيما هو المقصود من ذكر حجج المجوزين و المانعين، فنقول و على اللّٰه التوكل: أحسن ما قيل في تقريب احتجاج المجوزين، هو أن المقتضى موجود و المانع مفقود. أما الأول فلما عرفت من أن فرض الكلام ليس إلاّ فيما يكون المقتضى موجودا. و أما الثاني، فلان المانع ليس إلاّ ما تخيله الخصم، من لزوم اجتماع المتضادين من الحكمين، و الحب و البغض و المصلحة و المفسدة في شيء واحد، و ليس كما زعمه.

و توضيحه يحتاج إلى مقدمة، و هي أن الاعراض على ثلاثة أقسام:

(منها) ما يكون عروضه و اتصاف المحل به في الخارج كالحرارة العارضة للنار، و البرودة العارضة للماء، و أمثالهما من الاعراض القائمة بالمحال في الخارج.

و (منها) ما يكون عروضه في الذهن و اتصاف المحل به في الخارج، كالأبوة و البنوة و الفوقية و التحتية و أمثالها (163).

الشرح

و النهي و هو الإكرام، لا أخذ العالم مفروض الوجود فيهما. و لا فرق فيما ذكرنا بين (أكرم العالم و لا تكرم الفسّاق) أو (أكرم العلماء و لا تكرم الفساق) لأن الإكرام المحبوب بذاته لا يمكن ان يتصف بالمبغوضية، مع قيد من القيود، من غير فرق بين أخذه بنحو الاستغراق أو العام البدلي فتأمل.

(163) يعني أن أصل الصفة شيء يدركه العقل، و ليس بإزائه في الخارج

و (منها) ما يكون عروضه في الذهن و اتصاف المحل به فيه أيضا، كالكلية العارضة للإنسان، حيث أن الإنسان لا يصير متصفا بالكلية في الخارج قطعا، فالعروض في الذهن، لأن الكلية إنما تنتزع من الماهية المتصورة في الذهن، و اتصاف الماهية بها أيضا فيه، لأنها لا تقبل الكلية في الخارج.

فنقول حينئذ لا إشكال في أن عروض الطلب - سواء كان امرا أم نهيا - لمتعلقه ليس من قبيل الأول، و إلاّ لزم أن لا يتعلق إلاّ بعد وجود متعلقه (164)، كما أن الحرارة و البرودة لا تتحققان الا بعد تحقق النار و الماء، فيلزم البعث على الفعل الحاصل و الزجر عنه، و هو غير معقول.

و لا من قبيل الثاني، لأن متعلق الطلب إذا وجد في الخارج مسقط للطلب و معدم له، و لا يعقل ان يتصف في الخارج بما هو ينعدم بسببه، فانحصر الأمر في الثالث، فيكون عروض الأمر و النهي لمتعلقاتهما كعروض الكلية للماهيات.

إذا عرفت ذلك فنقول: إن طبيعة الصلاة و الغصب و ان كانتا

الشرح

شيء، نعم له منشأ انتزاع في الخارج، و معلوم أن الصفة التي موطن وجودها العقل، لا يكون عروضها الا في الذهن لكن المتصف بهذه الصفة هو الشيء الخارجي، بخلاف الثالث، فان الشيء المتصف بها أيضا لا وجود له إلا في الذهن.

(164) و أيضا: لا يمكن القول بأن المتعلّق هو الوجود الخارجي بنحو كان التامة، لأنه إن أريد به تعلق الطلب به قبل تحققه، بلا توسط لحاظه و تحقق صورته في الذهن، فهو أيضا كالسابق في الاستحالة و استلزام تحقق العرض قبل تحقق صورة الوجود بنحو كان التامة، أو صورة الماهية بلحاظ الوجود كذلك في الذهن، قبل تحقق الخارج، لكن بنحو تكون حاكية عن الخارج و غير ملتفت إليها، فهذا عين ما قصدناه من العروض و الاتّصاف في الذهن.

موجودتين بوجود واحد، و هي الحركة الشخصية المتحققة في الدار المغصوبة، إلا أنه ليس متعلق الأمر و النهي الطبائع الموجودة في الخارج، لما عرفت من لزوم تحصيل الحاصل، بل هي بوجوداتها الذهنية. و لا شك أن طبيعة الصلاة في الذهن غير طبيعة الغصب كذلك، فلا يلزم من وجود الأمر و النهي حينئذ اجتماعهما في محل واحد.

فان قلت: لا معنى لتعلق الطلب بالطبائع الموجودة في الذهن، لأنها ان قيدت بما هي في ذهن الآمر، فلا يتمكن المكلف من الامتثال، و ان قيدت بما هي في ذهن المأمور، لزم حصول الامتثال بتصورها في الذهن، و لا يجب إيجادها في الخارج. و هو معلوم البطلان.

قلت: نظير هذا الإشكال يجري في عروض الكلية للماهيات، لأنه بعد ما فرضنا أن الماهية الخارجية لا تقبل ان تتصف بالكلية، و كذا الماهية من حيث هي، لأنها ليست إلا هي، فينحصر معروض الكلية في الماهية الموجودة في الذهن، فيتوجه الإشكال بأنه كيف يمكن أن تتصف بالكلية، مع انها من الجزئيات، و لا تنطبق على الافراد الخارجية، ضرورة اعتبار الاتحاد في الحمل. و لا اتحاد بين الماهية المقيدة بالوجود الذهني و بين الافراد الخارجية.

و حل هذا الإشكال في كلا المقامين أنه بعد ما فرضنا أن الماهية - من حيث هي مع قطع النّظر عن اعتبار الوجود - ليست إلاّ هي، و لا تتصف بالكلية و الجزئية و لا بشيء من الأشياء، فلا بد من القول بأن اتصافها بوصف من الأوصاف يتوقف على الوجود، و ذلك الوجود قد يكون وجودا خارجيا، كما في اتصاف الماء و النار بالبرودة و الحرارة، و قد يكون وجودا ذهنيا، لكن لا من حيث ملاحظة كونه كذلك، بل من حيث كونه حاكيا عن الخارج، مثلا ماهية الإنسان تلاحظ في الذهن،

و يعتبر لها وجود مجرد عن الخصوصيات حاك عن الخارج، فيحكم عليها بالكلية، فمورد الكلية في نفس الأمر ليس إلاّ الماهية الموجودة في الذهن، لكن لا بملاحظة كونها كذلك، بل باعتبار حكايتها عن الخارج.

فنقول موضوع الكلية و موضوع التكاليف المتعلقة بالطبائع شيء واحد (165)، بمعنى أن الطبيعة - بالاعتبار الّذي صار موردا لعروض

الشرح

(165) لا يخفى أن موضوع الكلية و التكاليف و إن كانا سيّان في أن العروض و الاتصاف في كليهما في الذهن، لكنه فرق بينهما من حيث أن حال التجرد من جميع القيود دخيل في عروض الكلية، حتى أنه لو لوحظت الماهية في الذهن متحدة مع الافراد لا تعرض عليها، و لا يصح أن يقال كل إنسان كلي مثلا - و لو قبل وجود الافراد في الخارج - و هذا بخلاف الأمر و النهي، فانهما قد يتعلقان بالطبيعة قبل وجودها، مع لحاظ اتحادها مع الخارجيات.

و بعبارة أخرى: قد تكون الطبيعة بوجودها الساري محبوبة أو مبغوضة، بل الغالب في المبغوضية ذلك، بحيث يكون تعلّق النهي بصرف الطبيعة - بلا لحاظ السريان - نادرا أو معدوما. نعم قد يتعلقان بالطبيعة الصرفة بما هي، بحيث تكون الافراد خارجة عن تحت الطلب، و يكون حال التجرّد عن لحاظ الاتحاد مع الافراد أيضا دخيلا في الحكم و في المحبوبية، بحيث لا يصدق على فرد من الافراد أنه محبوب أو مبغوض، بل يكون كل فرد مصداقا لما يكون محبوبا كما في الكلية، و لعل الغالب في الأوامر هو ذلك.

و حاصل الفرق: انه في الأول يكون كل فرد من افراد المحبوب محبوبا بنفسه، لأن المحبوب هو الوجود الساري للطبيعة، و من الوجودات هذا الفرد، بل يمكن أن يقال ان لوازم وجود كل فرد أيضا محبوبة، غاية الأمر بالتبع، و كذلك في المبغوض، بخلاف الثاني فانه لا يصدق على فرد من الافراد أنه محبوب، بل يقال انه شيء ينطبق عليه المحبوب و يتحقق به، و لا يسري إليه الطلب. و ليكن هذا الفرق على ذكر منك، لعلّه ينفعك في مقام النتيجة.

وصف الكلية - تكون موضوعة للتكاليف من دون تفاوت أصلا.

فان قلت سلمنا ذلك كله، لكن مقتضى كون الوجود حاكيا عن الخارج بلحاظ المعتبر أن يحكم باتحاده مع الوجودات الخارجية، فاللازم من تعلق إرادته بهذا الوجود السعي تعلقها أيضا بالوجودات الخارجية، لمكان الاتحاد الّذي يحكم به اللاحظ.

قلت: الحكم - باتحاد الوجود السعي مع الوجودات الخاصة في الخارج - لا بد له من ملاحظة مغايرة بين الموضوع و المحمول، حتى يجعل أحدهما موضوعا و الآخر محمولا، و لا ينافى ذلك الحكم بالاتحاد، لأنه بنظر آخر.

و بعبارة أخرى للاحظ لحاظان أحدهما تفصيلي و الآخر إجمالي، فهو باللحاظ الأول يرى المغايرة بين الموضوع و المحمول، و لذا يجعل أحدهما موضوعا و الآخر محمولا، و باللحاظ الثاني يرى الاتحاد، فحينئذ لو عرض المحمول شيء في لحاظه التفصيلي، فلا وجه لسريانه إلى الموضوع، لمكان المغايرة في هذا اللحاظ (166)، و بهذا اندفع الإشكال عن المقام و نظائره مما لم تسر الأوصاف القائمة بالطبيعة إلى افرادها، من قبيل الكلية العارضة

الشرح

(166) هذا فيما إذا كان لتجرد الموضوع - حتى عن لحاظه متحدا مع الافراد، كما بينّاه في الحاشية - دخل في الموضوع، لأن المحمول يكون على هذا كالكلية بعينها.

و حينئذ موضوع الأمر و النهي متعدد، و لا مساس لأحدهما بالآخر. و سيأتي توضيحه إن شاء الله تعالى. و أما لو لم يكن للحالة المذكورة دخل، بل كانت الطبيعة بوجودها الساري محبوبة، بأن لاحظها الآمر قبل وجودها و جعلها - بلحاظ وجودها بما هو وجود مع أيّ شيء اتحد - موضوعا للأمر، أو جعل الموضوع في الذهن نفس الوجود كذلك على اختلاف المعنيين - كما مر - فلا يتم التقريب المذكور للاجتماع، لأن موضوع الأمر - على هذا - يكون متحدا مع كل فرد من الافراد الخارجية في لحاظ

..........

الشرح

اتصافه بالمحمول، و موضوع النهي أيضا كذلك في الغالب - كما مر - فيلزم اتحاد موضوع الأمر و النهي في الخارج و الذهن، و هو محال.

و هذا هو ما أشرنا إليه في السابق من الفرق بين متعلّق التكاليف و معروض الكلية، من إمكان أخذ الموضوع في الأول، بحيث يكون متعلقه التكاليف، بخلاف الكلية. و العمدة فيما هو - دام بقاؤه - بصدده إثبات ما ذكرناه من دخل التجرد في موضوع الأوامر، حتى عن لحاظ الاتحاد، و لا شاهد لها الا الوجدان، فانه قد يتعلق الحب بالطبيعة بما هي، من دون سرايته إلى الافراد، بحيث لو نظر إلى كل فرد لا يراه مطلوبا، بل يراه مصداقا لما تعلق به الحب في حالة تجرّده عن اتحاده معه، كما في الكلية. و هذا وجداني، و حينئذ لا تنافي بين محبوبية الصلاة و طبيعة الحركة في ضمنها، مع مبغوضية الحركة الخاصة لكونها غصبا، لأن معروض الأول هي الطبيعة بلحاظ التجرد، و لا ربط له مع المتحد كما في المثال.

لا يقال: ان طبيعة الصلاة في ضمن الحركة الشخصية الغصبية تصير مبغوضة، لما مر من أن النهي إذا تعلق بالطبيعة بوجودها الساري، كان الخاصّ مبغوضا حتى بخصوصياته غاية الأمر خصوصياته بالتبع، فحيثيّة الصلاتية أيضا مبغوضة بالتبع، و لا يجتمع ذلك مع المحبوبية.

لأنه يقال: نعم الخاصّ مبغوض، و الخصوصية الصلاتية المتحدة في الخارج مع الغصب أيضا مبغوضة، لكن مر أن موضوع الأمر هي الطبيعة المجردة عن ذلك الاتحاد في لحاظ الآمر، مع دخل تلك الحالة، فلا مورد لهذا الإشكال.

و لا يقال: قد مر من الماتن - دام بقاؤه - أن عوارض الفرد تسري إلى المهملة، بحيث يصح أن يقال: (الإنسان موجود إذا وجد فرد منه) و كذلك (عالم أو أبيض) و على هذا فإذا اعترفت بأن هذا الفرد من الصلاة المتحد مع الغصب مبغوض، فيصح أن يقال الصلاة مبغوضة، و ذلك ينافي محبوبيتها على الإطلاق.

لأنا نقول: ليست المبغوضية كالعوارض الوجودية، بحيث يصح إسنادها إلى المهملة باتصاف فرد بها، بل هي نظير العدم في أنّه ما لم ينعدم جميع الافراد لم يسند

للإنسان، و كذا وصف التعدد العارض لوجود الإنسان بما هو وجود الإنسان، مع أن الفرد ليس بكلى و لا متعدد، و كذا الملكية العارضة للصاع الكلي الموجود في الصيعان الموجودة في الصبرة، حيث حكموا بان من اشترى صاعا من الصبرة الموجودة، يصير مالكا للصاع الكلي بين الصيعان، و الخصوصيات ليست ملكا له، و فرعوا على هذا لو تلف منها شيء، فالتالف من مال البائع ما بقي مقدار ما اشترى المشتري. فافهم و اغتنم.

فان قلت: كيف يمكن ان يكون هذا الوجود المجرد عن الخصوصيات محبوبا أو مبغوضا، و ليس له في الخارج عين و لا أثر، لأن ما في الخارج ليس إلاّ الوجودات الخاصة. و لا شبهة في ان المحبوب و المبغوض لا يمكن أن يكون الا من الأمور الخارجية، لأن تعلق الحب و البغض بشيء ليس إلاّ من جهة اشتماله على آثار توجب ملائمة طبع الآمر له، أو منافرته له، و ليس في الخارج الا الوجودات الخاصة المباين بعضها لبعض.

قلت: إن أردت من عدم كون الوجود الجامع في الخارج عدمه

الشرح

العدم إلى المهملة فتأمل.

و لا يقال: إن ذلك مناف لما ذكر في مقدمات الحكمة و مورد الأخذ بالإطلاق، من أن الطبيعة إذا صارت معروضة لحكم بلا قيد، فهي معروضة له حيثما تدور مع أي قيد كانت.

لأنه يقال: نعم، يدور الحكم مدارها مع أي قيد كانت، و لكن لا ينافي ذلك عدم سريانه إلى الفرد، لما ذكر من دخل التجرد في الحكم. و المقصود في مقام الإطلاق عدم خروج الطبيعة من تحت الحكم، بحيث لا يكون الفرد مصداقا لما هو مطلوب أيضا. و ذلك لا ينافي ما نحن بصدده في المقام. و ذلك واضح.

مع وصف كونه جامعا و متحدا مع كثيرين، فهو حق لا شبهة فيه، لأن الشيء مع وصف كونه جامعا لا يتحقق إلاّ في الذهن، و إن أردت عدمه في الخارج أصلا، فهو ممنوع، بداهة أن العقل بعد ملاحظة الوجودات الشخصية التي تحويها طبيعة واحدة، يجد حقيقة واحدة في تمام تلك الوجودات. و أقوى ما يدل على ذلك الوجدان، فانا نرى من أنفسنا تعلق الحب بشرب الماء مثلا، من دون دخل للخصوصيات الخارجية في ذلك، و لو لم تكن تلك الحقيقة في الخارج، لما أمكن تعلق الحب بها (167).

و الّذي يدل على تحقق صرف الوجود في الخارج ملاحظة وحدة الأثر من افراد الطبيعة الواحدة، و لو لم يكن ذلك الأثر الواحد من المؤثر الواحد، لزم تأثر الواحد من المتعدد. و هذا محال عقلا.

الشرح

(167) و أيضا: لا إشكال في أنه قد يكون تحقق الجامع في الخارج معلوما، مع الجهل بتحقق كل واحد من الافراد، فلو لم يكن له واقع يلزم كون العلم به جهلا مركبا، لأن كل فرد من الافراد المعينة مجهول بالفرض، و لا يمكن اتصافه بالمعلومية مع ذلك، للزوم اتصافه بالضدين. و الفرد المنتشر لا واقع له تحقيقا، فينحصر المعلوم في الجامع.

و أيضا: لا إشكال في أنه قد تترتب خاصيّتان على الموجود الخارجي تسند إحداهما إلى لجامع و الأخرى إلى لفرد، فلو لم يكن في الخارج الا واحد، لزم صدور الاثنين من الواحد، فكما يرتفع إشكال ذلك بقيام واقعين محفوظين، و قيام كل من الأثرين على أحدهما، كذلك يرتفع الإشكال عن اتحاد موطن الأمر و النهي.

و أيضا قد يستند الخاصّ إلى علة و داع، و الجامع إلى أخرى، مثل أن يكون أصل الوضوء بداع إلهي، و اختيار الخاصّ بداع نفساني، كالحرارة و البرودة و أمثالهما و كل ذلك ناش عن التعدد.

و لا يخفى أنا لا نقول بتحقق موجودين محسوسين في الخارج، بحيث يمكن الإشارة إلى كل منهما منحازا عن الآخر و متميزا عنه بالفصل و الجنس، كالبقر و الإنسان، أو بالوجود الشخصي كزيد و عمرو، أو بالذات كالقطرات في البحر مثلا، أو

فان قلت: ما ذكرت إنما يتم في الماهيات المتأصلة التي لها حظ من الوجود في الخارج، كالإنسان و نحوه. و أما ما كان من العناوين المنتزعة من الوجودات الخارجية كالصلاة و الغصب، فلا يصح فيه ذلك، لأن هذه العناوين ليس لها وجود في الخارج، حتى يجرد من الخصوصيات و يجعل موردا للتكاليف، بل اللازم في أمثالها هو القول بان مورد التكاليف الوجود الخارجي الّذي يكون منشأ لانتزاع تلك المفاهيم. و لا ريب في وحدة الوجود الخارجي الّذي يكون منشأ للانتزاع.

و بعبارة أخرى تعدد العناوين مفهوما لا يجدى، لعدم الحقيقة لها الا في العقل (168) و ما يكون موردا للزجر و البعث ليس إلاّ الوجود

الشرح

النقاط في الخطّ الواحد، حيث يمكن الإشارة إلى كل منها. و يمكن اتصاف كل فرد بعرض خارجي غير عرض الآخر، بل نقول ان الجامع موجود مع الخاصّ بوجود واحد، و لا ميز في الخارج بين الحيثيات، و لا يمكن الإشارة إلى كل منها حسا، و لا يمكن اتصافها بصفات متباينة، إلا أن العقل عند التحليل يدرك أشياء متعددة واقعا، كما يدرك تعدد الجنس و الفصل.

و لا يخفى أن التعدد في المقامين واقعي، لكن لا يدركه إلاّ العقل، لا انه اعتباري محض جاء من قبل العقل، و لعل هذا معنى أن الوجود واحد، و الحيثيات متعددة، لا أن الحيثيات اعتبارية صرفة. و إذا ثبت التعدد واقعا عند العقل، فلا مانع من تعلق الأمر بشيء في الذهن، و النهي بشيء آخر لا اتحاد بينهما في النّظر التفصيليّ الانحلالي، و ان كان الوجود الخارجي لهما واحدا، لأن موطنهما - كما مرّ - هو الذهن لا الخارج.

ثم لا يخفى أيضا عدم صحة قياس إرادة الآمر بإرادة الفاعل، فان الآمر لو اختار المجمع ينجر إلى نقض غرضه، و هو محال. بخلاف المأمور، فانه يمكن أن يختار المجمع بسوء اختياره. نعم في مقام تعلق الإرادة لا فرق بين الإرادتين، و موطنهما في النّظر التفصيلي.

(168) و حاصل الإشكال أن الأمور الانتزاعية ليست كالمتأصلة، بحيث تكون

الخارجي الّذي تنتزع منه هذه العناوين. و لا شبهة في وحدته.

قلت بعد ما حققنا تحقق صرف الوجود في الخارج، لا مجال لهذه الشبهة، لأن العناوين المنتزعة لا تنتزع الا من صرف الوجود، من دون ملاحظة الخصوصيات. (مثلا) مفهوم (ضارب) ينتزع من ملاحظة حقيقة وجود الإنسان، و اتصافه بحقيقة وجود المبدأ، من دون دخل لخصوصيات افراد الإنسان أو كيفيات الضرب في ذلك.

الشرح

لها في الخارج حقيقة، حتى يقال إن لها طبيعة و فردا، مثل ما يقال عند وجود زيد أن أصل طبيعة الإنسان شيء واقعي غير زيد في النّظر التفصيليّ، موجود بوجوده متحد معه في النّظر الإجمالي، فان الفوقية ليس لها في الخارج الا منشأ الانتزاع. و معلوم أن المنشأ لها ليس الجامع بين الأجسام المستقر بعضها فوق بعض، بل المنشأ شخص الجسم الخارجي المتهيئ بهيئة خاصة، و كذلك منشأ الصلاة و الغصب شخص الحركات الخارجية المتكيفة بكيفيات خاصة. و الشخص الخارجي غير قابل لتعلق الأمر و النهي به، و المفروض ان الأمر بهما يرجع إلى الأمر بالمنشإ حقيقة.

و حاصل الجواب: أن الانتزاع و ان كان من الخارج، و الأمر بالأمور المنتزعة راجع إلى إتيان المنشأ، لكن المنشأ ليس الخارج بشخصه، بل هو الطبيعة في حال تجردها عن الاتحاد مع الافراد. فمرجع الأمر بالصلاة إلى الأمر بإتيان الحركات و السكنات و الأقوال الخاصة، لكن بجامعها لا بخصوصياتها التي منها كونها تصرفا في ملك الغير، و النهي عن الغصب و ان كان متوجها إلى كل واحد من اشخاص الحركات التي منها شخص الحركة الصلاتية، لأن المنهي عنه هي الطبيعة بوجودها الساري، لكن لما كان معروض الأمر الطبيعة - في لحاظ تجردها عن اتحادها مع الافراد - لا تنافي بين العرضين. نعم لو كان معروض الأمر أيضا الوجود الساري، لكان اجتماعهما محالا، كما مر بل لو كان الواجب تخييريا شرعا، لا يمكن اجتماعه مع الحرام أيضا، لأن كل واحد من الافراد في هذا الفرض متعلق للأمر التخييري. و ما كان كذلك لا يمكن أن يتعلق به النهي تعيينا، كما هو واضح.

إذا عرفت هذا فنقول مفهوم الغصب ينتزع من حقيقة التصرف في ملك الغير، من دون دخل لخصوصيات التصرف من كونه من الأفعال الصلاتية أو غيرها في ذلك، و مفهوم الصلاة ينتزع من الحركات و الأقوال الخاصة، مع ملاحظة اتصافها ببعض الشرائط، من دون دخل لخصوصية وقوعها في محل خاص. و قد عرفت مما قررنا سابقا قابلية ورود الأمر و النهي على الحقيقتين المتعددتين، بملاحظة الوجود الذهني، المتحدتين بملاحظة الوجود الخارجي. و هنا نقول أن المفاهيم الانتزاعية و إن كانت - حقيقة البعث أو الزجر المتعلق بها ظاهرا - راجعة إلى ما يكون منشأ لانتزاعها، لكن لما كان فيما نحن فيه منشأ انتزاع الصلاة و الغصب متعددا، لا بأس بورود الأمر و النهي و تعلقهما بما هو منشأ لانتزاعهما.

هذا غاية الكلام في المقام، و عليك بالتأمل التام فانه من مزال الإقدام.

و ينبغي التنبيه على أمور:

من توسط أرضا مغصوبة (الأمر الأول)

أنه لا إشكال في أن من توسط أرضا مغصوبة، لا مناص له من الغصب بمقدار زمن الخروج بأسرع وجه يتمكن منه، لأنه في غيره يتحقق منه هذا المقدار مع الزائد. و فيه يتحقق منه هذا المقدار ليس إلاّ. و هذا لا شبهة فيه إنما الإشكال في أن الخروج من تلك الدار ما حكمه؟ و المنقول فيه أقوال:

(الأول) - أنه مأمور به و منهي عنه. و هذا القول محكي عن أبي هاشم، و اختاره الفاضل القمي (قدس سره) و نسبه إلى أكثر أفاضل المتأخرين، و ظاهر الفقهاء. و صحته تبتنى على أمرين (أحدهما) كفاية

تعدد الجهة في تحقق الأمر و النهي، مع كونهما متحدتين في الوجود الخارجي (ثانيهما) جواز التكليف فعلا بأمر غير مقدور، إذا كان منشأ عدم القدرة سوء اختيار المكلف. و الأمر الأول قد فرغنا منه و اخترنا صحته (169) و لكن الثاني في غاية المنع، بداهة قبح التكليف بما لا يقدر عليه، لكونه لغوا و عبثا.

و اما ما يقال من أن الامتناع أو الإيجاب بالاختيار لا ينافى الاختيار، فهو في قبال استدلال الأشاعرة للقول بان الأفعال غير اختيارية، بان الشيء ما لم يجب لم يوجد، فكل ما تحققت علته يجب وجوده، و كل ما لم تتحقق علته يستحيل وجوده.

و حاصل الجواب ان ما صار واجبا بسبب اختيار المكلف، و كذا ما صار ممتنعا به، لا يخرج عن كونه اختياريا له، فيصح عليه العقاب، لا ان المراد انه بعد ارتفاع القدرة يصح تكليفه بغير المقدور فعلا.

القول الثاني أنه مأمور به مع جريان حكم المعصية عليه، كما اختاره صاحب الفصول (قدس سره).

القول الثالث أنه مأمور به بدون ذلك.

و الحق أن يقال: إن بنينا على كون الخروج مقدمة لترك الغصب الزائد، فالأقوى هو القول الثاني، سواء قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهي أم لم نقل. و ان لم نقل بمقدمية الخروج، بل قلنا بصرف الملازمة بين ترك

الشرح

(169) لكن في غير هذا المورد مما لا يكون للعنوان دخل في المأمور به، و قد مر أن المقدمية ليست مثل الصلاة و الغصب و أمثالهما، بحيث يكون لها دخل في الحكم، بل الأمر المقدمي يتعلق بنفس ما هو مقدمة في الخارج و في مثله لا تجري أدلة الاجتماع.

الغصب الزائد و الخروج - كما هو الحق، و قد مر برهانه في مبحث الضد - فالأقوى أنه ليس مأمورا به و لا منهيا عنه فعلا، و لكن يجري عليه حكم المعصية.

لنا على الأول أنه قبل الدخول ليس للخروج عنوان المقدمية، ضرورة إمكان ترك الغصب بأنحائه، و لا يتوقف ترك شيء منه على الخروج، فيتعلق النهي بجميع مراتب الغصب من الدخول في الأرض المغصوبة و البقاء و الخروج (170) لكونه قادرا على جميعها، و لكنه بعد الدخول فيها يضطر إلى ارتكاب الغصب مقدار الخروج، فيسقط النهي عنه بهذا المقدار، لكونه غير قادر فعلا على تركه. و التكليف الفعلي قبيح بالنسبة إليه. و هذا واضح. و لكنه يعاقب عليه، لوقوع هذا الغصب بسوء اختياره، و لما توقف عليه بعد الدخول ترك الغصب الزائد، كما هو المفروض. و هذا الترك واجب بالفرض، لكونه قادرا عليه، فيتعلق به الوجوب بحكم العقل الحاكم بالملازمة بين وجوب ذي المقدمة و وجوب مقدمته، فالخروج من الدار المغصوبة منهي عنه قبل الدخول، و لذا يعاقب عليه، و مأمور به بعد الدخول، لكونه بعده مقدمة للواجب المنجز الفعلي.

فان قلت ما ذكرت إنما يناسب القول بكفاية تعدد الجهة في الأمر و النهي. و اما على القول بعدمها، فلا يصح، لأن هذا الموجود الشخصي

الشرح

(170) لكن لا يخفى عدم شمول إطلاق النهي للخروج قبل الدخول، لأن تركه بوصف وقوعه بعد الدخول خارج عن القدرة، نعم ذات الغصب حرام من دون نظر إلى حال العجز، فمن تعمّد في سلب القدرة عن نفسه معاقب من هذه الجهة، و إلاّ فلو كان الخروج حراما قبل الدخول و واجبا بعده، لزم أن تكون هذه الحركة الشخصية الواقعة في آن واحد حراما في ساعة، و واجبة في ساعة، من دون نسخ في البين. و هو محال، كاجتماع الحكمين في ساعة واحدة.

• أعني الحركة الخروجيّة - مبغوض فعلا، و ان سقط عنه النهي لمكان الاضطرار، و كما أن الأمر و النهي لا يجتمعان في محل واحد، كذلك الحب و البغض الفعليان، ضرورة كونهما متضادين كالأمر و النهي.

قلت اجتماع البغض الذاتي مع الحب الفعلي مما لا ينكر، أ لا ترى أنه لو غرقت بنتك أو زوجتك، و لم تقدر على إنقاذهما، ترضى بأن ينقذهما الأجنبي، و تريد هذا الفعل منه، مع كمال كراهتك إياه لذاته.

فان قلت الكراهة في المثال الّذي ذكرته ليست فعلية، بخلاف المقام، فان المفروض فعليتها فلا تجتمع مع الإرادة.

قلت ليت شعري ما المراد بعدم فعلية الكراهة في المثال، و فعليتها في المقام فان كان المراد أنه لا يشق عليه هذا الفعل الصادر من الأجنبي، بل حاله حال الصورة التي يصدر هذا الفعل من نفسه، بخلاف المقام، فان الفعل يقع مبغوضا للآمر، فالوجدان شاهد على خلافه. و لا أظن أحدا تخيله. و إن أراد به أن الفعل - و ان كان يقع في المثال مبغوضا و مكروها للشخص المفروض - إلاّ ان هذا البغض لا أثر له، بمعنى أنه لا يحدث في نفس الشخص المفروض إرادة ترك الفعل المفروض، لأن تركه ينجر إلى هلاك النّفس، و من هذه الجهة هذا البغض المفروض لا ينافى إرادة الفعل، فهو صحيح. و لكنه يجري بعينه في المقام، فان الحركة الخروجيّة و ان كانت مبغوضة حين الوقوع، لكن هذا البغض لما لم يكن منشأ للأثر و موجبا لزجر الآمر عنها، فلا ينافى إرادة فعلها، لكونه فعلا مقدمة للواجب الفعلي.

و محصل ما ذكرنا في المقام: أن القائل بامتناع اجتماع الأمر و النهي إنما يقول بامتناع اجتماعهما و اجتماع ملاكيهما، إذا كان كل واحد من الملاكين منشأ للأثر و موجبا لإحداث الإرادة في النّفس. و اما إذا

سقطت جهة النهي عن الأثر - كما هو المفروض - فلا يعقل أن يتخيل أن الجهة الساقطة عن الأثر تزاحم الجهة الموجودة المؤثرة في الأمر، مثلا لو فرضنا أن المولى نهى عبده عن مطلق الكون في المكان الفلاني، فأوقع العبد نفسه في ذلك المكان بسوء اختياره، ثم لم يمكنه الخروج من ذلك المكان أبدا، فلا شك أن الأكوان الصادرة من العبد كلها تقع مبغوضة للمولى، و يستحق عليها العقاب، و ان سقط عنها النهي، لعدم تمكن العبد من الترك فعلا.

ثم انه لو فرضنا أن خياطة الثوب مطلوبة للمولى من حيث هي، فهل تجد من نفسك أن تقول لا يمكن للمولى ان يأمره بخياطة الثوب في ذلك المكان، لأن أنحاء التصرفات و الأكوان المتحققة في ذلك المكان مبغوضة للمولى، و منها الخياطة، فلا يمكن أن تتعلق إرادته بما يبغضه، و هل ترضى أن تقول ان المولى - بعد عدم وصوله إلى الغرض الّذي كان له في ترك الكون في ذلك المكان - يرفع يده من الغرض الآخر من دون مزاحم أصلا؟ و هل يرضى أحد ان يقول إنه في المثال المذكور تكون أنحاء التصرفات في نظر المولى على حد سواء. و بالجملة أظن ان هذا من الوضوح بمكان، بحيث لا ينبغي أن يشتبه على أحد، و ان صدر خلافه عن بعض أساتيذ العصر دام بقاؤه فلا تغفل.

و الحاصل أن جهة النهي انما تزاحم جهة الأمر إذا أمكن للمكلّف بعث المكلّف إلى ترك الفعل. و أما إذا لم يمكنه ذلك، لكون الفعل صادرا قهرا من غير اختيار المكلّف، فلو وجدت فيه جهة الأمر و لم يأمر به، لزم رفع اليد عن مطلوبه و غرضه من دون جهة و مزاحم (171).

الشرح

(171) و أيضا يلزم عدم صحة صلاة من وقع في ملك الغير اختيارا، و ان لم

هذا إذا اخترنا أول شقي الترديد، و هو كون الخروج مقدمة لترك الغصب الزائد. و اما على ثانيهما، فعدم كون الخروج موردا للحكم الشرعي واضح، لعدم كونه مقدمة للواجب، حتى يصير واجبا كما هو المفروض، و عدم قدرة المكلف على ترك الغصب بمقدار الخروج، حتى يصير حراما.

و لكن لو طبق تلك الحركة الخروجيّة على عبادة كأن صلى في تلك الحالة نافلة، بحيث لا يستلزم غصبا زائدا على المقدار المضطر إليه، أو صلى المكتوبة كذلك في ضيق الوقت، كانت تلك العبادة صحيحة، لما ذكرنا من الوجه، و هو عدم قابلية الجهة الغير المؤثرة في نفس المريد، للمزاحمة مع الجهة المؤثرة.

فان قلت: هب صحة الأمر التوصلي في أمثال المقام، و لكن نمنع صحة الأمر التعبدي. و السر في ذلك أن الغرض في الأوامر التوصلية وقوع الفعل في الخارج كيف ما كان، لترتب الغرض عليه، و ان اتحد مع مبغوض آخر. و أما الغرض في التعبديات، فليس كذلك، بل الغرض وقوع العبادة على وجه يحصل به القرب، و لا يحصل القرب بما هو مبغوض فعلا، لأنه موجب لاستحقاق العقوبة و البعد عن ساحة المولى.

قلت: بعد وجود جهة القرب في الفعل - كما هو المفروض، و عدم مزاحمة شيء للأمر كما عرفت - لا وقع لهذا الإشكال، لأنه لا نعنى بالقرب المعتبر في العبادات الا صيرورة العبد بتلك العبادة ذا مرتبة لم تكن له على تقدير عدمها، و لا إشكال في أن العبد - بعد اضطراره إلى

الشرح

يمكنه الخروج إلى آخر عمره، و الظاهر أنهم لا يلتزمون بذلك، بل و كذلك من وقع بغير اختيار، لأن المانع من الأمر ملاك النهي، و هو لا يرتفع بالمعذورية، فيرد على هذا القائل عدم الوجه للتفصيل.

مخالفة المولى بمقدار ساعة مثلا - لو عمد إلى إتيان مقصود آخر له، يكون اقرب - إلى المولى بحكم العقل - منه لو لم يفعل ذلك. و هذا واضح جدا.

و على هذا نقول: لا منافاة بين كون هذا الفعل موجبا للبعد و العقوبة، من جهة اختياره السابق، و موجبا للقرب إذا طبقه على عبادة من العبادات، بمعنى أنه في الحال التي يقع منه هذا المقدار من الغصب قطعا، لو طبقه على عبادة من العبادات التي فيها جهة حسن، أحسن من أن يوجده مبغوضا صرفا. و هذا المقدار من القرب يكفى في العبادة.

و بعبارة أخرى لو فرضنا عبدين أوقعا نفسهما في المكان المغصوب بسوء اختيارهما، فاضطرا إلى ارتكاب الغصب بمقدار الخروج، فأوجد أحدهما في حال الخروج عملا راجحا في حد ذاته، طلبا لمرضاة اللّٰه دون الآخر، فالعبدان مشتركان في استحقاق العقاب على الدخول في المكان المغصوب، و الخروج، و يختص الأول بما ليس للثاني. و لا نعنى بالقرب إلا هذا المعنى.

و مما ذكرنا يظهر أن الحكم - بصحة العبادة المتحدة مع الحركات الخروجيّة - لا يحتاج إلى إحراز أن في تلك العبادة مصلحة راجحة على مفسدة الغصب، و انها أهم عند الشارع من ترك الغصب، لأن ملاحظة الأهم و تقديمه على غيره، إنما يكون فيما إذا كان كل منهما تحت اختيار العبد، فيجب عليه اختيار الأهم و ترك غيره. و اما إذا لم يكن المكلف مختارا على ترك الغصب أصلا، فلا يكون مجرد المفسدة الخالية عن الأثر مانعا للأمر بعنوان آخر متحد مع فعل الغصب، و ان كان ترك الغصب أهم من فعل ذلك بمراتب، فلا تغفل.

(الأمر الثاني)

و مما استدل به المجوزون أنه لو لم يجز، لما وقع نظيره

و قد وقع كما في العبادات المكروهة، كالصلاة في الحمام و مواضع التهمة و أمثال ما ذكرنا مما لا يحصى.

بيان الملازمة أنه ليس المانع الا التضاد بين الوجوب و الحرمة، و عدم كفاية تعدد الجهة مع وحدة الوجود في الخارج، و هو موجود بعينه في اجتماع الوجوب مع الكراهة، و اجتماع الوجوب مع الاستحباب، إذ الأحكام متضادة بأسرها. و التالي باطل لوقوع الاجتماع في موارد كثيرة، فيكشف عن بطلان المقدم، و هو عدم جواز اجتماع الوجوب و الحرمة.

و أجيب عنه بأجوبة كثيرة لا نطيل الكلام بذكرها.

و التحقيق - في الجواب عن النقض بالعبادات المكروهة - أنها على ثلاثة أصناف (أحدها) ما تعلق النهي بعنوان آخر يكون بينه و بين العبادة عموم من وجه، كالصلاة في موارد التهمة بناء على ان تكون كراهتها من جهة النهي عن الكون فيها المجامع للصلاة (ثانيها) ما تعلق النهي بتلك العبادة مع تقيدها بخصوصية، و هو على قسمين:

(الأول) - ما يكون للفرد المكروه بدل كالصلاة في الحمام.

(الثاني) - ما ليس كذلك، كالصوم يوم عاشوراء و النوافل المبتدأة في بعض الأوقات.

اما القسم الأول: فمحصل الكلام فيه: أنه بعد دلالة الدليل على وجوب الصلاة - من حيث هي - أعنى مع قطع النّظر عن اجتماعها في الوجود مع الحرام التعييني أو مع المكروه كذلك، فكما أن اللازم بحكم العقل عدم فعلية الأمر بالصلاة في صورة الاجتماع مع الحرام التعييني، بناء على عدم جواز اجتماع الأمر و النهي كذلك اللازم على هذا القول عدم فعلية وصف الكراهة في صورة الاجتماع مع العنوان المكروه. و الوجه في ذلك أن الحرمة التعيينية تقتضي عدم وجود كل

شخص من افراد الطبيعة المنهي عنها، و منها الفرد المجتمع مع عنوان الواجب، و الوجوب - المتعلق بالطبيعة التي قد يتفق اجتماعها مع الحرام - لا يقتضى خصوص ذلك الفرد المجتمع مع الحرام، بل أي فرد وجد و طبقت عليه تلك الطبيعة يحصل الغرض الداعي إلى الأمر بها، فعلى هذا مقتضى الجمع بين الغرضين أن يقيد الآمر مورد الأمر بغير الفرد الّذي اجتمع مع الحرام.

و من هنا ظهر أن تقيد عنوان المأمور به - و إخراج الفرد المنهي عنه عن موضوع الوجوب - لا يبتنى على إحراز ان مصلحة ترك الحرام أعظم و أهم عند الشارع من مصلحة إيجاد المأمور به، لأن هذا الكلام إنما يصح فيما إذا كان بينهما تزاحم، بحيث لا يمكن الجمع بينهما. و أما بعد فرض إمكان الجمع بينهما - كما فيما نحن فيه - فالواجب بحكم العقل تقييد مورد الوجوب، و لو كان من حيث المصلحة أهم و أعظم من ترك الحرام.

و الحاصل أنه إذا اجتمع عنوانان أحدهما فيه جهة الوجوب، و الآخر فيه جهة الحرمة، و الأولى تقتضي فردا اما، و الثانية ترك كل فرد تعيينا، و قلنا بعدم كفاية تعدد الجهة في تعلق الأمر و النهي، فاللازم بحكم العقل تقييد مورد الوجوب. و هذا لا شبهة فيه بعد أدنى تأمل.

و اما إذا اجتمع عنوان الواجب مع المكروه، فالامر بالعكس (172)، لأن جهة الكراهة و إن كانت تقتضي عدم تحقق كل

الشرح

(172) يعني بعد البناء على الامتناع، لا محالة يحكم العقل بتقييد أحد الحكمين، و كما أن في صورة اجتماع الوجوب المتعلق بالطبيعة مع النهي يقيد الوجوب بحكم العقل من إحراز الأهمية، كذلك في صورة اجتماع الوجوب مع الكراهة تقيد

فرد تعيينا، بخلاف جهة الوجوب، كما في الواجب و الحرام، إلا ان الكراهة لما لم تكن مانعة للفعل على وجه اللزوم، فلا تقاوم جهة الوجوب الملزمة للفعل، فعلى هذا إذا اجتمع عنوان الواجب مع المكروه، فاللازم بحكم العقل انتفاء وصف الكراهة فعلا، و لكن لما كان الفرد الموجود الخارجي مشتملا على جهة الكراهة، توجد فيه حزازة، فيكون امتثال الواجب في هذا الفرد أقل فضلا و ثوابا من امتثاله في غيره، لمكان تلك الحزازة.

فان قلت: ما معنى الكراهة، مع أن الفعل المفروض مصداق للواجب، و يعتبر في صدق الكراهة رجحان الترك؟ قلت: الأحكام الشرعية التي تدل عليها الأدلة على قسمين (تارة) يستظهر من الأدلة أنها أحكام فعلية تعلقت بالموضوعات، بملاحظة جميع الخصوصيات و الضمائم، و (أخرى) يستظهر منها أحكام حيثية تعلقت بموضوعاتها من حيث هي، أعني مع قطع النّظر عن الضمائم الخارجية، و ما يكون من قبيل الثاني تتوقف فعليته على عدم عروض مانع للعنوان يقتضى خلاف ذلك الحكم الجاري عليه، نظير قوله: (الغنم حلال) فان الحلية و ان كانت مجعولة، إلا أن هذا الجعل لا يلازم الفعلية في جميع افراد الغنم، فان الغنم الموطوءة أو المغصوبة حرام، مع كون الغنم من حيث الطبع

الشرح

الكراهة، لعدم كونها مانعة من لزوم الفعل أو ترخيصه.

و بتقريب آخر: كما قد يكون ملاك الحكم موجودا، و مع ذلك لا يؤثّر في إنشاء الإرادة - كما مر في المبغوض مع عدم القدرة - كذلك قد تكون حزازة الفعل موجودة و محفوظة في حد نفسها، لكن لما كان ملاك الوجوب أيضا تاما لا تؤثر الحزازة في إنشاء الإرادة الكراهية، و ان كان يصح النهي إرشادا إلى ما ليست فيه.

حلالا، و ليس إطلاق الحلال على طبيعة الغنم - مع كون بعض افرادها حراما - جاريا على خلاف الاصطلاح، بل يصح إطلاق الحلال بالمعنى المذكور على خصوص الفرد الحرام أيضا، إذ المعنى أن هذا الفرد مع قطع النّظر عن كونه مغصوبا مثلا حلال.

إذا عرفت ما ذكرنا فنقول إطلاق المكروه على الوجود الّذي يكون فعلا مصداقا للواجب لاتحاده معه، نظير إطلاق الحلال على الفرد المجامع للحرام من الغنم (173) بمعنى أن هذا الوجود مع قطع النّظر عن اتحاده مع الواجب يكون مكروها.

هذا و اما أول القسمين، من الثاني - أعني ما إذا تعلق النهي بالعبادة مع خصوصية زائدة كالصلاة في الحمام - فمحصل الكلام فيه أن النهي المتعلق بتلك العبادة الخاصة، لا بد و ان يرجع إلى نفس الخصوصية، أعني كونها في الحمام. و قد مر بيانه في مقدمات المبحث (174) فحينئذ نقول: هذا النهي إما أن يكون لبيان الكراهة

الشرح

(173) و لا يخفى ان الفرد المذكور - على ما ذكر - ليس بأقل ثوابا من سائر الافراد، و لا تنافي الحزازة الثواب المترتب، حتى يقال ان الفرد المذكور أقلّ ثوابا، فلا محالة يكون مكروها فعلا بهذا المعنى.

(174) يعني مر ان الاجتماعي أيضا لا يقول بالاجتماع، فيما إذا كان عنوان المأمور به و المنهي عنه متحدي المفهوم، و كان بينهما عموم و خصوص مطلق، ففي مثل (صلّ و لا تصلّ في الحمام) لا يجوز الاجتماع عند الاجتماعي، حتى يجعل وقوعه دليلا على إمكانه، فلا بد للفريقين من علاج، فنلتزم بان المنهي عنه إيقاع الصلاة في الحمام لا الصلاة فيه، و لا الكون فيه حال الصلاة، فما هو مأمور به ليس بمبغوض، و المبغوض لم يؤمر به و لا مانع منه حتى عند الامتناعي، و لذا يصح النهي عنه مولويا فعلا، بخلاف هذا القسم كما عرفت، نعم لا يصح الأمر بذات الفرد شخصا أو في ضمن العام

الذاتيّة لهذه الخصوصية، و ان لم يكن وصف الكراهة الفعلية موجودا، نظير ما قدمنا، فيكون اللازم كون هذا الفرد أقل ثوابا من سائر الافراد. و على هذا يكون هذا النهي مولويا تستفاد منه الكراهة الشرعية. و إما أن يحمل على الإرشاد و ترغيب المكلف إلى إتيان فرد آخر من الطبيعة يكون خاليا عن المنقصة، و تستكشف الكراهة الذاتيّة منه بطريق الإنّ.

و اما ثاني القسمين، و هو ما إذا تعلق النهي بالعبادة و لا بدل لها، كالصوم في يوم عاشوراء و أمثاله - فيشكل الأمر فيه، من حيث ان حمل النهي - فيه على بيان الكراهة الذاتيّة مع الالتزام بكونه راجحا و مستحبا فعليا - ينافى التزام الأئمة عليهم السلام بتركه، و أمرهم شيعتهم بالترك أيضا، و حمله على الإرشاد يستلزم الإرشاد إلى ترك المستحب الفعلي من دون بدل، و القول بكونه مكروها فعلا ينافى كونه عبادة.

و الّذي يمكن أن يقال في حل الإشكال امران: (الأول) ما أفاده سيدنا الأستاذ نور اللّٰه مضجعه، و هو أن يقال برجحان الفعل من حيث أنه عبادة، و رجحان الترك من حيث انطباق عنوان راجح عليه، و لكون رجحان الترك أشد من رجحان الفعل، غلب جانب الكراهة، و زال وصف الاستحباب. و لكن الفعل لما كان مشتملا على الجهة الراجحة لو أتى به يكون عبادة، إذ لا يشترط في صيرورة العمل عبادة وجود الأمر، بل يكفى تحقق الجهة فيه على ما هو التحقيق، فهذا الفعل مكروه فعلا لكون تركه أرجح من فعله، و إذا أتى به يقع عبادة، لاشتماله على الجهة.

الشرح

الاستغراقي، مع كون الخصوصية منهيا عنها، لأنه تكليف بالمحال و بالجمع بين الضدين، و أما إذا تعلق الأمر بالطبيعة من دون نظر إلى وجوداتها الخاصة، فلا إشكال، و لا يحتاج إلى التقييد بالمقدور، لأنه مع القدرة على فرد يصح الأمر بالطبيعة.

و يشكل بأن العنوان الوجوديّ لا يمكن ان ينطبق على العدم (175)، لأن معنى الانطباق هو الاتحاد في الوجود الخارجي، و العدم ليس له وجود.

(الثاني) ان يقال: إن فعل الصوم راجح، و تركه مرجوح، و أرجح منه تحقق عنوان آخر لا يمكن ان يجتمع مع الصوم و يلازم عدمه.

و لما كان الشارع عالما بتلازم ذلك العنوان الأرجح مع عدم الصوم، نهى عن الصوم للوصلة إلى ذلك العنوان، فالنهي على هذا ليس إلاّ للإرشاد و لا يكون للكراهة، إذ مجرد كون الضد أرجح لا يوجب تعلق النهي بضده الآخر، بناء على عدم كون ترك الضد مقدمة، كما هو التحقيق. و لعل السر - في الاكتفاء بالنهي عن الصوم بدلا عن الأمر بذلك العنوان الأرجح - عدم إمكان إظهار استحباب ذلك العنوان.

هذا و مما ذكرنا يظهر الجواب عن النقض بالواجبات التي تعرض عليها جهة الاستحباب، كالصلاة في المسجد و نحوها. هذا تمام الكلام في المقام، و عليك بالتأمل التام.

تداخل الأسباب و المسببات

ثم انه نسب إلى بعض أن إجزاء غسل واحد عن الجنابة و الجمعة إنما هو بواسطة اجتماع الواجب و المندوب في فرد واحد، فيكون من موارد

الشرح

(175) الظاهر عدم الإشكال في تطبيق بعض العناوين الوجودية على العدميات، مثلا يصدق إجابة المؤمن على عدم الصوم إذا استدعى المؤمن تركه، و الإطاعة على عدم معصية العبد، و كذا المخالفة لبني أمية على ترك صوم العاشور و الأمر سهل.

اجتماع حكمين متضادين. و مثله ما عن البعض من عد مطلق تداخل الأسباب - كما في منزوحات البئر و نحوها - من هذا القبيل، و لا بأس بتحقيق مسألة الأسباب و المسببات في الجملة، ليعرف أن الاستدلال بما ذكر مما لا وجه له.

أقول إذا جعل الشارع طبيعة شيء سببا، فلا يخلو هذا في نفس الأمر من وجوه:

(أحدها) - أن يكون السبب صرف الوجود لتلك الطبيعة، أعني حقيقته التي هي في مقابل العدم الكلي (176)، و كذلك المسبب، مثل أن يقول إذا انتقض عدم النوم بالوجود، يوجب انتقاض عدم الوضوء بالوجود.

(ثانيها) - أن تكون الطبيعة باعتبار مراتب الوجود سببا لوجود طبيعة أخرى كذلك، مثل قولك (النار سبب للحرارة) و المراد أن النار

<تداخل الأسباب و المسببات:>

الشرح

(176) المقصود - من صرف الوجود في الأقسام المذكورة في الحقيقة - هو المقيد بالوجود الأول، و ما لا يمكن تعدّده. و لعله خلاف الاصطلاح في صرف الوجود، فان الصرف عبارة عن أصل الطبيعة الصادقة على القليل و الكثير القابلة للتكرار بشخصها و وجودها، نعم لا تكرار بالنوع و الطبيعة، و كيف كان لو فرض الأخذ في طرف السبب أو المسبب على أحد الوجوه المذكورة، فالحكم كما ذكر، بمعنى أنه لو أخذ في أحد الطرفين بنحو لا يمكن تكرره، فمعلوم ان السبب و المسبب واحد، و لا ربط له باجتماع الحكمين، و لو أخذ بحيث يمكن تكراره في الطرفين، فكل سبب يحتاج إلى مسبب خاص من دون اجتماع حكمين. نعم يمكن جعل كل من الأسباب سببا لنوع من المسببات المختلفة نوعا، مع اتحادها مصداقا، فتدخل تحت النزاع لو لم يؤكد الوجوب فتأمل.

باعتبار مراتب الوجود سبب للحرارة كذلك، بمعنى أن كل وجود ثبت للنار يؤثر في حرارة خاصة.

(ثالثها) - ان يعتبر في طرف السبب صرف الوجود، و في طرف المسبب مراتبه.

(رابعها) - العكس.

و لا إشكال في ما إذا ثبت أحد الوجوه، لأنه على الأول لا يكون السبب و لا المسبب قابلا للتكرار، بداهة أن ناقض العدم لا ينطبق إلا على أول الوجودات ان وجدت مرتبة، و على المجموع إن وجدت دفعة. و على هذا لا يكون السبب الا واحدا، و كذا المسبب، كما أنه على الثاني يتكرر السبب بلا إشكال. و على الثالث لا تؤثر الافراد الموجودة من طبيعة واحدة آثارا متعددة، لأن المفروض وحدة السبب. نعم لو اختلف السبب نوعا و وجد من كل من النوعين فرد. يجب ان يتعدد المسبب، لأن المفروض قابلية التعدد في طرف المسبب. و على الرابع لا يتكرر المسبب و ان تكرر السبب، سواء كان التكرر من جهة فردين من طبيعة واحدة أم من طبيعتين مختلفتين، لعدم قابلية المسبب للتكرار.

و لا إشكال في شيء مما ذكرنا ظاهرا إنما الإشكال في الاستظهار من القضايا الملقاة من الشارع، و انها ظاهرة في أي شيء ليكون هو الأصل المعول عليه، إلى أن يثبت خلافه. و الّذي يظهر من مجموع الكلمات المتفرقة في مصنفات شيخنا العلامة المرتضى (قدس سره) ان مقتضى إطلاق أدلة السببية كون كل واحد من افراد الطبيعة - سواء وجدت دفعة أم بالتفاوت - سببا مستقلا، مثلا لو قال الشارع (ان نمت فتوضأ) فالنوم اللاحق إذا أثر في وضوء آخر فهو المطلوب. و أما إذا لم يؤثر، فاللازم تقييد موضوع الشرط بالنوم الخاصّ، و هو النوم الأول أو الغير

المسبوق بمثله.

فان قلت: ظاهر القضية وحدة المسبب، و هو حقيقة الوضوء في القضية المفروضة، فلم لا يكون هذا صارفا عن ظهور إطلاق السبب لو سلم؟ مع أنه لنا ان نمنع اقتضاء إطلاق السببية كون كل فرد سببا مستقلا، أ لا ترى أنه لو جعلت الطبيعة معروضة للأمر، لا يقتضى إطلاقها كون كل واحد من افرادها واجبا مستقلا، و أي فرق بين كون الشيء معروضا للأمر و بين كونه معروضا للسببية؟ قلت: قد حقق في محله أن الألفاظ الدالة على المفاهيم، لا تدل بحسب الوضع الا على الطبيعة المهملة المعراة عن اعتبار الإطلاق و التقييد و الوجود و العدم (177) لكنها بهذا النحو لا يمكن أن تكون معروضة لحكم من الأحكام، فاللازم بحكم العقل اعتبار الوجود حتى يصح بهذا الاعتبار كونها موضوعة للحكم. و الوجود اللازم اعتباره بحكم العقل أعم من أن يكون وجودا خاصا مقيدا بقيد وجودي أو عدمي، أو كل واحد من الوجودات الخاصة، أو صرف الوجود في مقابل العدم الكلي. فلو دل دليل

الشرح

(177) لا يخفى ان هذا الجواب لا يستفاد من كلمات الشيخ (قدس سره) فيما عثرت عليها في كتاب الطهارة في منزوحات البئر، و التقريرات في ذلك المبحث، بل المستفاد منها أن الوحدة المتبادرة من المسبب هي الوحدة النوعية لا الشخصية، و تعدد الواحد بالنوع شخصا بسبب تعدد علل وجوده أمر عقلي، و ليس تصرفا في ظاهر اللفظ، و لا تقييدا في إطلاقه، حتى نرفع اليد بسببه عن مقتضى دليل سببية كل نوع أو كل شخص مثلا، و يحسن نقل عين عبارته في ردّ من تمسك لنفي التعدد بظهور الدليل في اتحاد المسبب و هي هذه:

(و يضعّف بأن تعدّد الواحد النوعيّ شخصا بسبب تعدد علل وجوده ليس تصرفا في اللفظ، فان كان مقتضى إطلاق الأدلة سببية جميع مصاديق السبب من غير

على اعتبار الوجود بوجه من الوجوه المذكورة، فهو المتبع، و إلاّ فاللازم هو الأخذ بصرف الوجود، لأنه ثابت على كل حال، و هو المتيقن.

الشرح

فرق بين المسبوق بسبب آخر و غيره، لزم عقلا تعدد الحكم الواحد بالنوع في الخارج، بخلاف صرف الدليل عن التأثير المستقل) انتهى كلامه زيد في علو مقامه(1).

و الظاهر أن العبارة المذكورة كالصريحة فيما ذكرنا، و لا مساس لها بما في المتن من مزاحمة مقتضى إطلاق المسبب مع ظاهر دليل السبب. و انما يرفع اليد عن إطلاق المسبب، لأنه يؤخذ من باب القدر المتيقن مثل ذلك، و لا يصلح لمعارضة الظواهر، فانه على ما صرح به لا منافاة أصلا بين الوحدة النوعية و التعدد الشخصي، حتى نحتاج إلى الترجيح بهذا التوجيه، و الظاهر أنه - دام ظله - التزم بهذا التوجيه إذ كان في سالف الزمان عليه: من عدم قابلية صرف الوجود الّذي هو أخف مئونة للتكرار. و أما على ما هو الحق و اختاره أخيرا من أن الأخف مئونة هي الطبيعة القابلة للتكرار. فالجواب ما ذكره (قدس سره).

و الفرق بين الأسباب و إلاّ و امر أن الأمر الواحد - بمعونة الإطاعة - علة واحدة لإيجاد الطبيعة، و معلوم أن العلة الواحدة - لوجود الطبيعة المعراة عن جميع القيود - لا توجد الا وجودا واحدا منها. و اما المستفاد من أدلة السبب أن كل وجود شخصي من الأسباب أو نوعي علة لأصل الطبيعة. و العقل يحكم باقتضاء إيجاد كل علة معلولا على حدة، إلا مع عدم قابلية المعلول للتكرار و المفروض ان المسبب قابل له، لأنه أخذ عاريا عن جميع القيود، و منها الوجود الأول.

بل نقول بناء على ما ذكرنا لا نحتاج في استفادة تعدد السبب إلى كون القضايا العرفية كذلك، بل حتى لو كانت جميع القضايا العرفية بعكس ذلك، لكن لو علمنا بان الشيء الفلاني سبب لطبيعة - من غير تقييد في الطرفين - لاقتضى ذلك التكرار في الطرفين، لأن الأسباب بوجودها تؤثر، و الوجودات متكثرة، و المسبب قابل للتكرار نعم لو علمنا أن السبب بماهيته يؤثر، فلا يتكرر إلاّ بتكرار النوع.


1) مطارح الأنظار تقريرات العلامة الأنصاري للعلامة الشيخ أبو القاسم الكلانتري - 141 قريبا من ذلك.

إذا عرفت هذا فنقول: السر - في الأخذ بصرف الوجود في موضوع الأمر، و الاكتفاء في مقام الامتثال بفرد واحد - هو كونه متيقنا، و عدم دلالة دليل على أزيد منه، فلو دل دليل على اعتبار أزيد، فلا تعارض بينهما، لما عرفت من أن الأخذ به انما هو من باب القدر المتيقن، و عدم ما يبين الزائد.

و حينئذ نقول: لو قال الشارع (إذا نمت فتوضأ) فمقتضى الجزاء - مع قطع النّظر عن الشرط - كون موضوع الأمر صرف الوجود، لما عرفت آنفا. و مقتضى السببية الفعلية المستفادة من القضية الشرطية، كون كل فرد من افراد النوم سببا فعليا، لأن الأسباب العادية و المؤثرات الخارجية تكون بهذه المثابة، بمعنى أن كل طبيعة تكون في الخارج مؤثرة، يؤثر كل فرد منها. و من هذه الجهة تحمل السببية - المستفادة من القضية الملقاة من الشارع - على ما هو المتعارف من الأسباب.

و بعبارة أخرى يفهم من القضية الشرطية أمران (أحدهما) يكون مدلولا لأداة الشرط، و هو العلية الفعلية لما جعل شرطا في القضية (ثانيهما) يكون مفهوما من القضية، من جهة ما ارتكز في أذهان أهل العرف، من الأمر المتعارف، و هو كون كل وجود لهذا الشرط علة فعلية. و على هذا فاللازم هو الحكم بتعدد التأثير عند تعدد تلك الافراد، لأنه لو حكمنا به لم نرتكب خلافا لظاهر القضية، لما عرفت من أن الأخذ بصرف الوجود في موضوع الأمر إنما كان من جهة عدم البيان، و هذا الظهور العرفي للقضية يصير بيانا له، بخلاف ما لو حكمنا بعدم تعدد التأثير، فانه لا بد حينئذ من التصرف إما في الظاهر المستفاد من أداة الشرط، بحملها على إفادة كون تاليها مقتضيا لا علة تامة، و إما في الظاهر الآخر المستفاد من العرف من غير دليل.

فان قلت: سلمنا ذلك كله، و لكن المسبب ليس فعل المكلف حتى يقتضى تعدد افراد السبب الفعلي تعدده، بل المسبب هو الوجوب، و لا يقتضى تعدد أسباب الوجوب تعدده، بل يتأكد بتعدد أسبابه.

قلت: ظاهر القضية أن السبب الشرعي يقتضى نفس الفعل، و امر الشارع إنما جاء من قبل هذا الاقتضاء، بمعنى أن الشارع أمرنا بإعطاء كل ذي حق حقه، فافهم فانه دقيق.

فان قلت: يمكن أن يكون السببان مؤثرين في عنوانين مجتمعين في فرد واحد، فلا يقتضى تعدد السبب تعدد الوجود، كما لو قال الآمر: (إن جاءك عالم فأكرمه، و ان جاءك هاشمي فأكرمه) فجاءك عالم هاشمي، فلا شبهة في أنه لو أكرمت ذلك العالم الهاشمي امتثلت كلا الأمرين.

قلت: أما (أولا) فظاهر القضية وحدة عنوان المسبب (178)، و لا شك في انه مع وحدة عنوان المسبب لا يمكن القول بتعدد التأثير، إلاّ بالتزام تعدد الوجود، لعدم معقولية تداخل الوجودين من طبيعة واحدة.

و أما (ثانيا) فنقول - بعد الإغماض عن هذا الظهور - لا أقل من الشك في أن المفهومين المتأثرين من السببين هل يجتمعان في مصداق واحد أم لا؟ و مقتضى القاعدة الاشتغال، لأن الاشتغال بالتكليفين ثابت، و لا يعلم

الشرح

(178) خصوصا مع وحدة عنوان السبب، حيث أن الظاهر أن المؤثر حينئذ هو الجامع، و لا يحصل من الواحد بالنوع إلا الواحد بالنوع. و اما مع اختلاف الأسباب نوعا، فالتعدد في المسبب بحسب النوع - و ان كان موافقا للقاعدة - لكن حيث لم نعلم بحدود ماهيته، فاجتماعهما على فرض التعدد مشكوك فيه، فيرجع إلى الشك في الامتثال بعد اليقين بالاشتغال، و معلوم انه يستدعى البراءة اليقينية.

الفراغ الا من إيجادين. هذا محصل ما استفدناه من كلمات شيخنا الأجل المرتضى (قدس سره) مع تنقيح منا.

أقول: و التحقيق عندي أن القضايا الشرطية لا يستفاد منها كون الشرط - أعني ما جعل تلو إن و أخواتها - علة تامة، بل إنما يستفاد منها أن الجزاء يوجد في ظرف وجود الشرط، مع ارتباط بين الشرط و الجزاء على نحو الترتب (179)، سواء كان الشرط علة تامة للجزاء أم كان أحد اجزاء العلة التامة، بعد الفراغ من باقيها. و ما قيل - في بيان دلالة أدوات الشرط على كون تاليها أعنى مدخولها علة تامة للجزاء - مخدوش. و سيأتي توضيح ذلك في بحث المفاهيم إن شاء اللّٰه تعالى.

إذا عرفت هذا فنقول: يكفى في صدق القضايا الشرطية المتعددة - التي جزاؤها حقيقة واحدة - تحقق تلك الحقيقة مرة واحدة، و لو تعدد ما جعل شرطا في الخارج. و كذا في صورة تعدد افراد الطبيعة الواحدة التي جعلت شرطا. نعم لو وجد الجزاء، ثم تحقق فرد من افراد ما جعل شرطا، يجب إتيان الجزاء ثانيا، لأن مقتضى القضية الشرطية تحقق الجزاء في ظرف وجود الشرط، فالفعل الموجود قبل تحقق الشرط لا يكفى.

و مما ذكرنا يظهر أن الأصل - في باب الأسباب - كفاية المسبب الواحد في صورة تعدد السبب، و عدم تخلل المسبب و أما في صورة التخلل، فيجب الإتيان بفعل آخر للوجود اللاحق. فتدبر جيدا.

الشرح

(179) لا يخفى أنّ الظاهر - من قولك: إن تكلمت في الصلاة فاسجد سجدتي السهو مثلا - ان التكلم موجب للسجدة، سواء وقع قبله شيء أم لا، و لازم ذلك تكرار المسبب من غير فرق بين جزء العلة و تمامها، و لا يبقى إلاّ ما مر من ان عدم قابلية المسبب قرينة على إرادة خلاف الظاهر في السبب، و قد مر جوابه.

هذا، و أنت بعد الإحاطة بما ذكرنا، تعرف أن استدلال المجوز - باجتماع المثلين أو الضدين في باب الأسباب - مما لا وجه له أصلا.

و توضيحه أنه في صورة تعدد الافراد من الطبيعة الواحدة، إن قلنا بان السبب ليس إلاّ صرف الوجود، و كذا المسبب، فلا يكون هناك الا سبب واحد و مسبب واحد، و ليس من مورد اجتماع المثلين أصلا. و كذا إن قلنا بصرف الوجود في طرف المسبب فقط، أو السبب كذلك. و ان قلنا بكون السبب مراتب الوجود، و كذلك المسبب فالأسباب متعددة و كذلك المسببات، فلا اجتماع للمثلين أيضا. و هكذا الأمر في صورة تعدد الفردين من طبيعتين (180) لأنه ان جعلنا المسبب صرف الوجود، فالواجب واحد بوجوب واحد، و ان جعلناه مراتب الوجود، فالواجب متعدد بتعدد السبب. و الوجوب أيضا كذلك، فلا اجتماع للمثلين أيضا.

و اما قضية اجتماع الضدين كالوجوب و الاستحباب في غسل الجمعة و الجنابة، فنقول إن قلنا بتعدد الحقيقة في الغسلين، فلا يكون من مورد اجتماع الضدين، لأنه على هذا يكون من قبيل وجوب إكرام العالم، و استحباب إكرام الهاشمي. و إن قلنا بوحدتهما حقيقة، فان بنينا على عدم كفاية غسل واحد عنهما، فلا شبهة أيضا في عدم اجتماع الضدين، و إن

الشرح

(180) لا يخفى انه لو كان المسبب عن كل سبب عنوانا غير المسبب عن الآخر، و لم يؤخذ فيهما قيد عدم اجتماعهما في الوجود، فلا مانع من اجتماع الحكمين، بتقريب مر من الاجتماعي، فلو كان مثل غسل الحيض و الجنابة نوعين مختلفين، فقصد المكلف إتيانهما بحركة واحدة، فلا مانع من أن يقال بأنها مصداق لواجبين من دون محذور في البين. و كذا في مثل الجمعة و الجنابة بالنسبة إلى الوجوب و الاستحباب. نعم في مثل (أكرم عالما و هاشميا) لا بد من الالتزام بتأكد الحكم، لما مر من عدم جريان دليل المجوز في مثله.

بنينا على كفاية غسل واحد، فالموجود في الخارج من قبيل الصلاة في المسجد، في كونه مصداقا للواجب فقط، مع أفضليته من ساير المصاديق، من جهة اشتماله على جهة الوجوب و جهة الاستحباب. هذا تمام الكلام في حجج المجوزين و قد عرفت ان أمتنها ما ذكر أولا.

بيان حجة المانعين

اعلم أن أحسن ما قرر في هذا المقام ما أفاده شيخنا الأستاذ دام بقاؤه في فوائده، و نحن نذكر عباراته لئلا يسقط شيء مما اراده، قال بعد اختيار القول المشهور - و هو الامتناع - ما هذا لفظه:

(و تحقيقه على وجه يتضح فساد ما قيل أو يمكن ان يقال للقول بالجواز من وجوه الاستدلال يتوقف على بيان أمور:

(أحدها) - أنه لا إشكال في تضاد الأحكام الخمسة بأسرها في مقام فعليتها و مرتبة واقعيتها، لا بوجوداتها الإنشائية، من دون انقداح البعث و الزجر و الترخيص فعلا، نحو ما أنشأ وجوبه أو حرمته أو ترخيصه، فلا امتناع في اجتماع الإيجاب و التحريم في فعل واحد إنشاء، من دون بعث نحوه و زجر عنه، مع وضوح الامتناع معهما. و من هنا ظهر أنه لا تزاحم بين الجهات المقتضية لها إلا في مرتبة فعليتها و واقعيتها، و أنه يمكن إنشاء حكمين اقتضائيين لفعل واحد، و إن لم يمكن ان يصير فعليا إلا أحدهما. و مما ذكرنا ظهر أن تعلق الأمر و النهي الفعليين بشيء واحد محال، و لا يتوقف امتناعه على استحالة التكليف بالمحال.

(ثانيها) - انه لا ريب في أن متعلق الأحكام إنما هو الأفعال بهويتها و حقيقتها، لا بأسمائها و عناوينها المنتزعة عنها. و إنما يكون أخذ

اسم أو عنوان خاص في متعلق الأمر و النهي، لأجل تحديد ما يتعلق به أحدهما منها و تعيين مقداره، فلا تنثلم وحدة المتعلق بحسب الهوية و الحقيقة واقعا بتعدد الاسم أو العنوان، و لا تعدده كذلك بوحدتهما، فالحركة - الخاصة الكذائية المحدودة بحدود معينة - لا تتعدد إذا سميت باسمين، أو انتزع منها عنوانان من وجهين، كما أن الحركتين - الخاصتين اللتين يكون كل منهما محدودة بحدود معينة - لا تصير ان واحدة إذا سميتا باسم واحد، و انتزع منهما مفهوم واحد. و هذا من أوائل البديهيات.

و بالجملة إنما تتعلق الأحكام في الأدلة بالأسامي و العناوين - بما هي حاكية عن المسميات و المعنونات و فانية فيها - لا بما هي بنفسها. و من الواضح أنه لا يتكثر المحكي و المرئي الواحد بتكثر الحاكي و المرآة، و لا يتحد المتكثر بوحدتها.

(ثالثها) - ان الطبيعتين - اللتين يتعلق بإحداهما الأمر، و بالأخرى النهي - إذا تصادقتا في مورد، يكشف عن أنهما ليستا بحاكيتين عن هويتين و حقيقتين مطلقا، بل في غير مورد التصادق، و إلاّ يلزم أن تكون له هويتان و ماهيتان، و لا يكون لوجود واحد الا ماهية و حقيقة واحدة، و لا عن موجودين متغايرين في الخارج، و لو كانا متحدين بحسب الحقيقة و الماهية، كالضرب الواقع في الخارج (تارة) ظلما و (أخرى) تأديبا إلا في غير المورد.

و بالجملة تعدد الوجه و اختلاف الجهة المأخوذ في أصل عنوان المسألة لا يجدى شيئا في مورد الاجتماع، لا تعدده بحسب الحقيقة و الماهية، و لا بحسب الوجود في الخارج، بل هو واحد ماهية و وجودا. نعم يجدى تعدد ما يحكيه و يراه، و هو لا يجدى مع وحدة المرئي و المحكي ذاتا و وجودا، لما عرفت من أن متعلقات الأحكام نفس الأفعال الخاصة

المسماة بأسماء أو المعنونات بعناوين متباينات أو متصادقات مطلقا أو في الجملة، من غير تفاوت في ذلك بين القول بأصالة الوجود و القول بأصالة الماهية، لوحدة المورد ماهية و وجودا. و اما الطبيعة المأمور بها و الطبيعة المنهي عنها، فان كان كل منها عنوانا للفعل الّذي تعلق به الأمر و النهي، فهما مفهومان اعتباريان انتزعا عن الفعل المعنون بهما، و لو قلنا بأصالة الماهية، و إلاّ فخصوص ما كان عنوانا منهما، بداهة اعتبارية المفاهيم التي ليست بإزائها شيء في الخارج، و لا وجود لها الا بوجود ما انتزعت عنه، و لا موطن لها الا الذهن. و اختصاص الأصالة - على القول بأصالة الماهية - بالحقائق الخارجية التي يكون بإزائها شيء في الخارج، و يكون لها موطنان الذهن و الخارج، غاية الأمر تلزمها الجزئية في الخارج، و تعرضها الكلية تارة و الجزئية أخرى في الذهن.

و من هنا ظهر عدم ابتناء المسألة على القول بأصالة الوجود و الماهية أصلا، كما تخيله الفصول، و ان الأصيل في مورد الاجتماع واحد وجودا كان أو ماهية. فظهر مما بيناه أن مورد الاجتماع - لوحدته ذاتا و وجودا لما حقق في هذا الأمر، و كونه بنفسه متعلقا للحكم واقعا و حقيقة، و إن أخذ في الدليل اسمه أو عنوانه، لما حقق في سابقه - لا يمكن أن يكون بالفعل واجبا و حراما يبعث نحوه و يزجر عنه فعلا، للتضاد بين الأحكام في هذا المقام، و ان لم يكن بينها تضاد بحسب وجوداتها الإنشائية، كما عرفت في الأمر الأول.

و لا يخفى ان تعلق الأحكام بالطبائع لا الافراد لا يرفع غائلة هذا التضاد في مورد الاجتماع، فان غاية تقريبه أن يقال: ان الطبائع من حيث هي و ان كانت ليست إلاّ هي، و لا تصلح لأن تتعلق بها الأحكام الشرعية كالآثار العادية و العقلية، إلا انها - مقيدة بالوجود، بحيث كان

الوجود خارجا و التقييد به داخلا - صالحة لتعلق الأحكام بها. و من الواضح أن متعلقي الأمر و النهي على هذا ليسا بمتحدين أصلا، لا في مقام تعلق البعث و الزجر بهما، و لا في مقام الامتثال لأحدهما و عصيان الآخر بإتيان المورد بسوء الاختيار.

أما في المقام الأول فلبداهة تعددهما و مباينة أحدهما عن الآخر بما هو متعلق الأمر أو النهي، و ان اتحدا فيما هو خارج عنهما بما هما كذلك.

و أما في المقام الثاني، فلسقوط أحدهما بالإطاعة و الآخر بالعصيان بمجرد الإتيان، فأين اجتماعهما في واحد؟ و انتزاع المأمور بهية و المنهي عنهية عنه إنما هو لمجرد كونه مما ينطبق عليه ما امر به و نهى عنه، من دون ان يتعلق به بنفسه البعث و الزجر. و هذا لا يجدى بعد ما عرفت - بما لا مزيد عليه - أن تعدد ما يؤخذ في دليلهما من الاسم أو العنوان لا يوجب تعدد ما هو المتعلق لهما في مورد الاجتماع، لا ماهية و لا وجودا، بل الاسمان أو العنوانان حاكيان في هذا المورد عن واحد يكون متعلقا لهما حسب توسعة متعلقهما واقعا، بحيث يعمانه.

و توهم الجدوى في ذلك إما لتخيل أن تعدد العنوان حاك عن تعدد المحكي ماهية و ذاتا مطلق و لو فيما اتحدا وجودا، كما في مورد التصادق، أو ان تعدده كاف بان يكون بنفسه متعلقا للبعث أو الزجر لا بما هو حاك و فان. و قد عرفت - بما لا مزيد عليه - فسادهما، و ان المورد الواحد واحد وجودا و ماهية، و أن العنوان بما هو هو ليس إلا أمرا انتزاعيا لا وجود له إلا بوجود منشأ الانتزاع، و لا واقعية له إلا بواقعيته، و ليس ما يوجب البعث و الطلب - من الآثار المطلوبة و المبغوضة و الصفات الحسنة و الذميمة - إلا في المنشأ دونه، فليس بما هو كذلك محكوما بالأمر أو النهي، بل بما هو حاك، فيكون المأمور به أو المنهي عنه هو المحكي. و هذا

• فيما إذا كان المأخوذ في الدليلين أو أحدهما من قبيل أسامي الماهيات - أوضح من ان يخفى على عاقل، فضلا عن فاضل.

هذا مضافا إلى أن هذا التقريب يقتضى الجواز مطلقا و لو كان العنوانان متساويين، لتعددهما في مقام البعث و سقوطهما بالإطاعة و العصيان بإتيان واحد من مصاديقهما، و لا يقول به أيضا إلا أن يدعى أنه إنما لا يقول به لأجل انه طلب المحال حينئذ لا من أجل ان الطلب محال، فتدبر جيدا.

و مما حققناه - من كون العناوين بمعنوناتها تكون متعلقة للأحكام كما في الأسماء بلا إشكال و لا كلام - ظهر أن غائلة التضاد في مورد الاجتماع في نفس الطلب على حالها، سواء قلنا بتعلق الأحكام بالطبائع أو بالافراد - و قد عرفت بما لا مزيد عليه - أو بالاختلاف، فانه على هذا تكون افراد حقيقة واحدة متعلقة للبعثين، إذ تكون الطبيعة المأمور بها - على سعتها بحسب الوجود، بحيث لا يشذ عنها فرد - متعلقة للأمر، و ان كانت خصوصيات الافراد و مشخصاتها خارجة عنها بما هي مأمور بها، و لازمة لها، و كان بعض ما يسعها من الافراد التي تكون بالفعل مبعوثا إليها، حسب قضية البعث إليها على سعتها الّذي لازمه عقلا التخيير فيها، بما هي منهي عنها، فيكون هذا البعض - بوجوده الشخصي بما هو وجود تلك الحقيقة و الماهية، من دون ملاحظة خصوصية - مبعوثا إليه، و بما هو وجودها مع ملاحظة الخصوصية - ممنوعا فعلا. و ملاحظة الخصوصية و عدم ملاحظتها لا توجب تعدده، بل هو واحد حقيقة و ماهية و وجودا، كما لا يخفى على من له أدنى التفات. انتهى كلامه(1).

أقول: و أنت - بعد الإحاطة بتمام ما قدمناه - تعرف موارد الإشكال في كلامه، فان ما أفاده في المقدمة الثانية - من كون متعلق


1) الفوائد «المطبوعة ضميمة تعليقة الفرائد» الفائدة الآخرة، ص 7-335.

الأوامر و النواهي إنما هي الأفعال بهوياتها و حقائقها - غير معقول، للزوم طلب الحاصل إن تعلق الطلب بنفس الحقيقة الخارجية. و لا دافع لهذه الغائلة الا الالتزام بكون متعلق التكاليف صورا ذهنية من حيث حكايتها عن الخارج.

و أما ما أفاده في طي كلماته من عدم تعلق التكاليف بالأسماء، فهو من الواضحات، و لا يتوهم أحد تعلق التكاليف بصرف الأسماء، لأنها ليست إلاّ ألفاظا كاشفة عن معانيها، بل القائل يدعى تعلقها بالمفاهيم المتعلقة في الذهن، باعتبار حكايتها عن الخارج، كما حققناه.

و أما ما أفاده في المقدمة الثالثة من وحدة مورد تصادق العناوين، فان أراد عدم كونها موجودات متميزا بعضها عن بعض في الخارج، فهو من البديهيات، و إن أراد عدم تحقق لها في نفس الأمر، بمعنى كونها صورا ذهنية لا واقعية لها، فهو مقطوع البطلان. و يكفى في تعلق التكاليف بتلك العناوين تحققها في نفس الأمر.

و بالجملة أظن أن التأمل التام - فيما ذكرنا من دليل المجوزين - يوجب القطع بصحة هذا القول، فتدبر جيدا.

العبادة المنطبق عليها عنوان محرم تذييل

لا إشكال في بطلان العبادة على تقدير القول بعدم جواز الاجتماع إذا علم حرمة الفرد المنطبق عليه عنوان العبادة (181) و ذلك

الشرح

(181) قد يقال: بصحة العبادة - حتى على الامتناع - و تغليب جانب النهي بوجهين: (الأول): بالالتزام بكفاية الجهة في صحتها، من دون حاجة إلى الأمر،

..........

الشرح

و الجهة موجودة بالفرض، و إلاّ لم يكن موردا لاجتماع الحكمين.

الثاني: بالالتزام بالترتب و تحقق الأمر مشروطا و مرتبا على معصية النهي، فان المحال اجتماعهما في مرتبة واحدة. و أما في مرتبتين فلا استحالة، كما مرّ مشروحا في الأمر بالضدين.

و يردّ الأول: بان العبادة لا بد فيها من جهتين لا تتم الا بهما، إحداهما الحسن الفعلي، و الثانية الحسن الفاعلي.

و الجهة الأولى و إن كانت موجودة بالفرض، لكن الفاعل إذا علم بغلبة جهة المبغوضية في شيء، و أتى به تقربا إلى المولى لم يكن في صدور ذلك الفعل منه حسن، و لم يستحق بذلك مدحا.

و الجهة الثانية مختلّة. و لا يقاس المقام بالعبادة المتحدة مع المبغوض الّذي سلبت القدرة عن تركه، حيث اختار الماتن صحته، لأنه - مع العجز عن ترك المبغوض، و عدم تأثير الإرادة، و تحقق جهة المحبوبية فيه - لو أتى به تقربا إلى المولى، كان ذلك غاية الانقياد يستحق المدح بحسن اختياره، بخلاف القادر على ترك المبغوض و إتيان المحبوب في غير مورد الاجتماع، فلو أتى به لم يكن الفاعل فيه ممدوحا و لا حسن في صدوره منه.

و يرد الثاني: بالفرق بين المقامين، فان الأمر بشيء بشرط ترك شيء آخر بمكان من الإمكان، بخلاف الأمر بشيء مشروطا بتركه، فانه محال. و معلوم أن الأمر بشيء بشرط معصية نهيه يرجع إلى شرط تركه. فتحصل أنه لا وجه للتصحيح على الامتناع مع كون ملاك النهي غالبا.

و اما فيما إذا كان ملاك الأمر غالبا، فقد يقال بصحة العبادة و عدم محذور لصحتها، إلا مزاحمتها للصلاة في غير الدار المغصوبة، فعلى القول باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده تبطل، لأهمية الصّلاة في غير المكان الغصبي، لكن على القول بعدم الاقتضاء، فهي صحيحة و إن لم تكن مأمورا بها للمضادة. و قد التزم بذلك في الكفاية صريحا.

لكن فيه: أن التزاحم في المقام ليس في الجهتين، بحيث لم يبق للنهي مع غلبة

..........

الشرح

ملاك الأمر ملاك أصلا، حتى يلزم عدم المؤاخذة عليه أصلا، و يلزم مع غلبة ملاك النهي بطلان العبادة واقعا و لو مع الجهل. و قد صرّح في الكفاية و الحاشية بخلافه، بل التزاحم لم يكن في مثل المقام الا في انقداح الإرادة، بمعنى أن قوة الملاك في أحدهما تمنع عن انقداح الإرادة في الآخر. و على هذا لا وجه لرفع إرادة الترك عن مورد النهي، لقوة ملاك الأمر إلا فيما إذا كان حفظ الغرض المطلوب مع بقاء المنع محالا. و معلوم أنه لا استحالة في ذلك إذا كان المطلوب صرف الطبيعة، لأنه إذا قيّد مورد الأمر بغير مورد الاجتماع، فيكون ذلك جمعا بين الغرضين. نعم لو كان المطلوب في طرف الأمر أيضا كل واحد من وجودات الطبيعة، كما في طرف المبغوض لكان العلاج منحصرا في رفع المنع. و على هذا فالقول ببطلان الصلاة - و ان كانت أقوى مناطا من المنهي عنه بمراتب - متعين. و العقل بعد حفظ المقدمتين - أعني عدم تقييد الواقع و تعلق الأمر بالطبيعة و النهي بكل فرد منها - يحكم بذلك جزما. و لا يتوهم لزوم التقييد حتى على الاجتماع بذلك التقريب أيضا، لأنه عليه لا مزاحمة أصلا، حتى يحتاج إلى التقييد.

ثم إنه على فرض التزاحم في الجهتين، يبتنى ما في الكفاية على إحراز كون مصلحة الصلاة في الدار المغصوبة أقوى من مصلحة ترك الغصب بمقدار ملزم، ليبقى وجوبها - بعد التزاحم لجهة الغصب - مزاحما لوجوب الصلاة في غير المغصوب، بشرط سلامة مقدار من المصلحة الملزمة فيها عن المزاحم، لتحقق الأهمية الملزمة. و استكشاف الأول و إن كان ممكنا، خصوصا مع لزوم الصلاة عند الاضطرار إلى الغصب، لكن أهمية الصلاة في المكان المباح بمقدار اللزوم لا دليل عليها. هذا كلّه على الامتناع.

و اما على الاجتماع، فلا مانع من الصحة بعد فرض وجود الأمر، و الجهة في مورد الامتثال لا تتحقق إلاّ بالفرد، لكن بعد ما حققناه سابقا: من أن في الخارج شيئين واقعا، و ان لم يكونا موجودين الا بوجود واحد - كما مر مفصلا - فالظاهر عدم المانع من حصول القرب بإيجاد أحد العنوانين و البعد بالآخر.

هذا كله مع قطع النّظر عن اخبار قد يستدل بها على بطلان العبادة المجتمعة مع عنوان محرم. أما في خصوص الصلاة، فمثل ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: (يا كميل

حاصل من العلم بفردية هذا الموجود للعنوان المحرم، و العلم بكون ذلك العنوان محرما أيضا. و لو لم يكن له علم بالصغرى أو بالكبرى، فهل يحكم بصحة العبادة أو البطلان على القول المذكور؟ تحقيق المقام أن الفرض المذكور (تارة) بتحقق بالنسيان لإحداهما و (أخرى) بالجهل، و هو إما أن يكون بسيطا أو مركبا.

و جملة القول في المجموع أنه لا يخلو محل الكلام من أنه إما أن يكون قد ورد فيه ترخيص من جانب الشارع أولا، و على الثاني إما أن يكون المكلف معذورا بحكم العقل أولا (اما القسم الأول) فلا ينبغي الإشكال في صحة العبادة، ضرورة عدم الفرق بين الترخيص و الأمر، فإذا صح الترخيص في ذلك المحل، مع كونه في نفس الأمر محرما، كذلك يصح

الشرح

انظر فيم تصلّي و على م تصلي، فان لم يكن على وجه حلّه لم يقبل ذلك)(1)الوسائل، الجزء 6، الباب 4 من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام و فيه روايات تدل على ذلك.(2)بناء على كون المراد ب (على م) المكان و ب «فيم» اللباس. و المراد ب (لم يقبل) عدم القبول حتى ظاهرا، لا مثل ما ورد من عدم قبول العبادة من البخيل و نظائره.

و أما في مطلق العبادات فمثل ما روي من أنه: (لا يطاع اللّٰه من حيث يعصى) و ما روي من تعليل إباحتهم عليهم السلام الخمس لشيعتهم بتصحيح عباداتهم(2).

لكن الظاهر أن الاخبار المذكورة لو تمت دلالتها، لم يلتزم مشايخنا بجميع لوازمها من اشتراط العبادات شرعا بعدم اجتماعها مع الحرام واقعا ليلزم بطلانها حتى مع الجهل بذلك. اللهم إلا أن لا يستفاد منها أزيد من اشتراطهما بعدم العلم، لكنه خلاف الظاهر خصوصا في القسم الثاني.


1) الوسائل، الجزء 3 الباب

2) من أبواب مكان المصلى - الحديث (2).

الأمر، لعدم الفرق بين الترخيص و الأمر في كون كل واحد منهما ضدا للنهي.

و بعبارة أخرى إما أن يجمع بين النهي الواقعي و الإباحة الظاهرية، بحمل النهي الواقعي على النهي الشأني الّذي لا ينافى جعل حكم فعلى على خلافه، أو يقال بعدم التنافي بينهما، لترتب موضوعهما.

و على أي حال لا تفاوت بين الترخيص و الأمر (182). و هذا واضح جدا (و أما القسم الثاني) فالأقرب فيه صحة العبادة أيضا لوجهين:

(أحدهما) - أن يقال إن الأمر و إن امتنع تعلقه بهذا الفرد - لكونه منهيا عنه في الواقع - إلا انه لا تتوقف صحة العبادة على الأمر، بل يكفى فيها وجود الجهة، كما مر في باب الضد. و لا إشكال في وجود الجهة، لأن النزاع مبنى على الفراغ منها.

إن قلت: فعلى هذا ينبغي أن يحكم بالصحّة في مورد العلم بالحرمة أيضا، لأن الجهة موجودة فيه.

قلت: الوجه - في عدم الحكم بالصحّة فيما إذا علم بالحرمة - هو ان الجهة لا تؤثر في قرب الفاعل، لوجود الجهة المبعدة، بخلاف ما نحن

الشرح

(182) لا يقال: إنه و إن لم يكن تفاوت بينهما من حيث التزاحم و التضاد، لكن من أين يستكشف الأمر، حيث لا إطلاق له يشمل صورة التزاحم، لأنها من حالات الحكم، و الإطلاق لا يتعرض الا لحالات الموضوع. و لا فرق في ذلك بين كون المزاحم فعليا أو شأنيا؟ فانه يقال: إن الإطلاق و ان لم يشمل تلك الحالة، لكن العقل - بعد العلم بتحقق الجهة و عدم المانع للأمر - يحكم بفعليته، و الجهة موجودة بالفرض، و المانع ليس إلاّ النهي، و هو ليس بفعلي، فاستكشاف الأمر في المقام نظير استكشافه في الواحد المخيّر بين الضدين، مع عدم الأهمية، أو خصوص الأهم معها، من دون إطلاق في البين.

فيه، فان الجهة المقبحة لا تؤثر في البعد، لمعذورية المكلف، فلا مانع من تأثير الجهة المحسنة.

فان قلت: إن الجهة المقبحة و ان لم تؤثر في الفاعل، إلا أنها منافية للجهة المحسنة في نفس الأمر و مزاحمة لها، فلا يبقى للفعل الخارجي حسن في نفس الأمر، حتى يتقرب به الفاعل في إتيانه.

قلت: ليست الجهتان متضادتين من حيث ذاتهما، أ لا ترى وجود الخاصية الموافقة للطبع و المنافرة له في شرب دواء خاص واحد، بل التزاحم في رتبة تأثير كل منهما فيما تقتضيه من إرادة الشرب و عدمه، و كذلك في مرحلة مدح العقلاء مرتكب ذلك الفعل المشتمل على جهتين أو ذمهم إياه، و كما أن الجهة الملاءمة للطبع لا تزاحم الجهة المنافرة له في الواقع، كذلك الجهة الملاءمة للقوة العاقلة و المنافرة لها. و على هذا لو لم تؤثر الجهة المنافرة للعقل في استحقاق الفاعل للذم، فلا مانع من تأثير الجهة الملاءمة له في استحقاقه للمدح.

(الوجه الثاني) أن العناوين الطارئة على التكاليف - مما لا تشملها أدلتها - يمكن ان تجعل موردا لحكم آخر غير ما تعلق بنفس الواقع (183)، و بهذا يجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري، و من العناوين الطارئة على التكليف كون المكلف معذورا من ذلك التكليف المتوجه إليه.

الشرح

(183) لا يخفى أن مجرد إمكان جعل الحكم في مورد لا يكفي في الحكم بالفعلية، ما لم يستكشف ان المزاحم إنشائي، أو ان حال التجرد عن الشك دخيل فيه، فانه قد تكون مبغوضية الفعل في حالة الجهل محفوظة بلا نقصان فيها، و لكن لا يمكن إعلام المكلف بها. و معلوم أن المبغوضية الفعلية من جميع الجهات لا تجتمع مع

و أما القسم الثالث فالحق فيه بطلان العبادة (184)، فان الجهة المقبحة مؤثرة فعلا في تبعيد العبد عن ساحة المولى، فلا يمكن أن تكون الجهة المحسنة مؤثرة في القرب. و به يعلم عدم إمكان تعلق الأمر به أيضا، لأن العنوان الطارئ لو كان بحيث لا يوجب عذرا للمكلف، فحاله حال العلم بالحرمة، فكما أنه في مورد العلم بالحرمة لا يمكن بقاء الأمر و صحة العبادة، كذلك في حال لا يعذر فيها عقلا. فتأمل جيدا.

فصل في النهي عن العبادة

اشارة

هل النهي عن الشيء يقتضى فساده أولا،

و لنقدم أمورا:

(الأول)

أن الفرق - بين هذه المسألة و المسألة السابقة - ان

الشرح

الإرادة الفعلية، و لا يمكن استكشاف عدم الفعلية للمبغوض الا بإعلامه، كما في موارد الترخيص. و اما في غيرها فلا طريق للاستكشاف. نعم لو قلنا بدلالة حديث الرفع على الترخيص في موارد النسيان و الجهل حتى المركب منه، فيستكشف منه عدم الفعلية، لكن المستفاد منه في مثل تلك الموارد رفع المؤاخذة لا الترخيص.

و اما تصحيح الأمر به بالترتب، بان يأمر على تقدير العذر، ففيه (أولا): ما مر من عدم إمكان الأمر بشيء مترتبا على تركه، و لو عن عذر.

و (ثانيا): لغوية هذا الأمر، لأنه ما دام معذورا لا يلتفت إلى هذا العنوان، حتى يؤثر الأمر فيه، و يشترط في الأمر صلاحيته للداعوية.

(184) ان قلت: ما الفرق بين الغافل و العاجز، حيث اختار المصنف - دام ظله - إمكان انقداح الإرادة في الأول دون الثاني؟ فان كان المناط عدم تأثير ملاك النهي في الفعل مع العجز، فلا تنقدح إرادة المنع، فليكن في الغافل أيضا كذلك.

قلت: الفرق بينهما واضح، بإمكان إرادة الترك في حال الغفلة لا بوصفها، غاية الأمر هو معذور مع القصور، و عند التقصير معاقب.

المسئول عنه في السابقة جواز بقاء الأمر و النهي فيما كان موردهما متحدا بحسب المصداق و متعددا بحسب المفهوم و عدمه، و في هذه المسألة ملازمة النهي المتعلق بالشيء لفساده. قال المحقق القمي (قدس سره) في بيان الفرق:

أن مورد المسألة السابقة هو ما كان بين المأمور به و المنهي عنه عموم من وجه، و مورد المسألة ما كان بينهما عموم مطلق.

ورد عليه في الفصول بأن هذا الفرق ليس بسديد، بل الفرق: أنه إذا كان العنوانان بحيث لم يؤخذ أحدهما في الآخر، فهو من المسألة السابقة، سواء كان بينهما عموم من وجه أم مطلق. (الأول) مثل صل و لا تغصب، و الثاني مثل جئني بحيوان و لا تجئني بضاحك. و ان كان أحد العنوانين مأخوذا في الآخر فهو من المسألة سواء كان بينهما عموم من وجه أم مطلق أيضا (الأول) مثل (صل و لا تصل في الحمام) و الثاني مثل (صل الصبح و لا تصل في الحمام).

أقول: إن كان مرادهما أن المسألتين متحدتان من جهة المسئول عنه، و ليس الفرق بينهما إلا في اختلاف المورد، ففيه أن مجرد اختلاف المورد لا يوجب تعددهما و صيرورتهما مسألتين، و إن كان المراد بيان اختصاص كل من النزاعين بمورد، بمعنى ان النزاع في المسألة السابقة له مورد خاص لا يجري فيه النزاع في هذه المسألة و بالعكس، ففيه أن ما محضه كل من الفاضلين للنزاع الثاني يجري فيه النزاع الأول، لأن جهة كلام المجوز في المسألة السابقة هي تعدد العنوان، كما ان جهة كلام المانع هناك الاتحاد في الوجود، و كلاهما متحققان فيما فرضه الفاضلان مختصا بهذه المسألة، كما هو واضح.

نعم في مثل (صل و لا تصل في الحمام) لو أحرز ان النهي تعلق بالمقيد لا بخصوصية إيجاده في المكان الخاصّ لا يمكن فيه النزاع

السابق (185) و السر فيه أن المطلق و المقيد و إن كانا متغايرين بحسب المفهوم، إلا ان مغايرة الأول للثاني إنما هو بملاحظة الإطلاق، إذ لو جرد النّظر عن ذلك، يكون المقسم المتحد مع المطلق و المقيد في الذهن. و لا إشكال في ان الجهة - التي بها يغاير المقيد، و يصير في قباله في الذهن، و هي جهة الإطلاق - لا دخل لها في المطلوبية، لأن هذه الجهة عبارة عن عدم مدخلية شيء في المطلوب، سوى أصل الطبيعة، ففي الحقيقة جهة المطلوبية قائمة بأصل الحقيقة التي تكون مقسما بين المطلق و المقيد، و مع كون المطلوب ما ذكر يمتنع تعلق النهي بالمقيد، لاتحاد مورد الأمر و النهي حتى في الذهن، فليتدبر.

(الثاني)

أن النزاع في المسألة يمكن أن يكون عقليا فقط، و يمكن ان يرجع إلى اللفظ، و يمكن أن لا يكون ممحضا في أحدهما.

اما الأول فبان يكون في صحة العبادة، بعد الفراغ عن كون النهي متعلقا بالخصوصية، و وجود الجهة الموجبة للأمر في الطبيعة (186)، فيرجع محصل النزاع إلى ان وجود الجهة في الطبيعة هل يكفى في كونها عبادة و محصلة للقرب، و ان كان المأتي به الفرد المشتمل على الخصوصية المبغوضة فعلا أولا.

الشرح

(185) <فصل في النهي عن العبادة:> قد مر في مبحث اجتماع الأمر و النهي توجيه كلام الفاضلين (قدس سرهما)، و أن في مثل (صل الصبح و لا تصل في الحمام) أيضا لا يجري ذلك النزاع، فراجع.

(186) و بعبارة أخرى: يقع النزاع في نفس مضادة النهي لتحقق العبادة، بعد تحقق جميع شرائط العبادة شرعا، مع قطع النّظر عن موانعها العقلية.

و اما الثاني فبان يكون النزاع في أن القضايا الدالة على حرمة عبادة خاصة - بعد كون أصلها مأمورا بها - هل تدل عرفا على فساد تلك العبادة أولا؟ و اما الثالث فبان يكون المدعى في هذه المسألة صحة العبادة و بطلانها، سواء كان طريق الإثبات في ذلك اللفظ أم العقل.

و الظاهر كون النزاع هنا راجعا إلى المسألة العقلية كالسابقة، و الدليل على ذلك أنهم يعنونون النهي في العبادات، و يتمسك القائل بالبطلان بعدم إمكان صيرورة المبغوض عبادة، و هذا يكشف عن أن مورد الكلام ما إذا فهم ثبوت المقتضى للطبيعة، و إنما النزاع في أن اتحادها مع المبغوض هل هو مانع من القرب أولا؟ و لو كان النزاع راجعا إلى اللفظ لما احتاج المانع إلى هذا الكلام، و لا اختص ما ادعاه بالعبادة، إذ كما يمكن ان يدعي أن النواهي الواردة في العبادة تدل على الفساد، كذلك يمكن أن يدعي ان النواهي الواردة في المعاملات أيضا كذلك.

(الثالث)

أنه لا فرق بين النهي النفسيّ و الغيري و الأصلي و التبعي، لوجود الملاك في الجميع. نعم يختص النزاع بالنواهي التحريمية، لعدم قابلية النهي التنزيهي الوارد على الخصوصية لإسقاط الأمر بالطبيعة. و الوجه في ذلك أن الكراهة - لعدم منعها من النقيض - لا تمنع الوجوب المانع عنه، فإذا اجتمعت جهة الوجوب مع الكراهة، فلا بد من صيرورة الوجوب فعليا و الكراهة شأنية، فيكون الفرد المشتمل على الخصوصية الموجبة للكراهة مجزيا عن الواجب. و لكنه أقل ثوابا من باقي الافراد. و قد مر تفصيل ذلك في البحث السابق:

(الرابع)

أن محل النزاع انما هو في غير النواهي المستفاد منها الوضع ابتداء، كالنهي المتعلق بالصلاة في اجزاء ما لا يؤكل لحمه و أمثال ذلك،

لأن تلك النواهي تنبئ عن عدم المصلحة في العمل الخاصّ، فلا يتطرق إليه احتمال الصحة بعد ذلك، و ليس الفساد مرتبا على النهي، بل النهي جاء قبل الفساد.

(الخامس)

أنه لو شك في اقتضاء النهي للبطلان، فلا إشكال في عدم وجود أصل في هذا العنوان يعين أحد طرفي الترديد (187) فيجب الرجوع إلى القواعد الجارية في نفس المسألة الفرعية، فنقول: لو تعلق نهى بالصلاة في محل خاص مثلا، و شككنا في إيجابه لبطلان العمل، فلو أتى المكلف بتلك الصلاة المنهي عنها، فهل الأصل يقتضى البطلان أو الصحة؟ يمكن ابتناء ذلك على كون النزاع في المسألة لفظيا أو عقليا.

فعلى الأول يرجع الشك في المسألة إلى الشك في التقييد، فان القائل - بان الخطاب المشتمل على النهي يدل على فساد العمل عرفا - يرجع قوله إلى دعوى أن مورد الوجوب مقيد بغير الخصوصية المنهي عنها، فالصلاة المأتي بها في محل ورد النهي عن إتيانها فيه باطلة، لفقدان الشرط الشرعي على مذهب هذا القائل، فلو شك في ذلك يرجع الشك إلى أن

الشرح

(187) و ذلك لأن الشك إن كان في حكم العقل، بمعنى عدم جزمه بالامتناع و الإمكان، لكون المطلب نظريا، فلا أصل يعيّن ذلك. نعم اشتهر: (كل ما قرع سمعك.). لكنه في مجرد الاحتمال، لا في تعيين الإمكان واقعا، كما هو واضح، و ان كان في دلالة اللفظ، فلا أصل أيضا ليعيّن أحد الطرفين، بل يمكن منع الشك فيها، بمعنى أن الشك فيها مساوق لعدمها، كالشك في العلم أو الحجية. نعم يمكن الشك في وجود القرينة الدالة على الفساد في مورد خاص، و تجري فيه أصالة عدمها.

و كذلك يمكن الشك في إطلاق دليل العبادة، لكن النزاع فيها نزاع في المسألة الفرعية.

المأمور به هل هو مقيد شرعا بان لا يؤتى به في المحل المخصوص أولا (188).

و على الثاني أعنى على تقدير كون النزاع عقليا، فمقتضى الأصل فساد العمل، لأن المأمور به معلوم من حيث القيود و الشروط، بحيث لو كان توصليا لكان مجزيا. و إنما الشك في أن القرب المعتبر في العبادات هل يحصل بإيجاد العمل في ضمن فرد محرم أم لا؟ و لا إشكال في لزوم الإتيان ثانيا، حتى يقطع بفراغ ذمته.

إذا عرفت ذلك كله فنقول: إن الأفعال المتعلقة للنهي على قسمين: قسم اعتبر في صحته قصد القربة، و هو الّذي يسمى بالعبادة، و قسم لم يعتبر فيه ذلك، فان جعلنا النزاع في المقام راجعا إلى الأمر العقلي و هو أنه - بعد الفراغ عن وجود الجهة في الطبيعة - هل يقتضى مبغوضية إيجادها في ضمن خصوص فرد فساد العمل لو أتى به في الفرد المحرم أم لا؟

الشرح

(188) و حينئذ إن كان لدليل العبادة إطلاق مع انفصال النهي - كما هو المفروض - نأخذ بالإطلاق فيما إذا كانت الحرمة التكليفية معلومة، و كان الشك في الوضعيّة فقط. و أما إذا كان النهي مرددا بين الوضعي و التكليفي، فلا يجوز التمسك بالإطلاق، لدوران الأمر بين تقييد الهيئة و المادة. و لا ترجيح. نعم على القول بترجيح تقييد الهيئة، فإطلاق المادة محفوظ.

ثم إنه لو لم يكن إطلاق أو كان و لم يكن بحجة - لدوران الأمر بين أحد التقييدين - فالمرجع الأصول العملية، و هي البراءة في المقام، للشك بين الأقل و الأكثر.

ثم إنه لو قلنا بإمكان اجتماع النهي التحريمي مع العبادة، و تردد النهي بين الوضعي و التكليفي، فيتعارض الأصلان في الطرفين فيتساقطان. نعم لو قيل في الأقل و الأكثر بالاشتغال، فلا مانع من إجراء الأصل في الطرفين، إلا انهما عقليان. و الأصل العقلي لا يوجب انحلال العلم الإجمالي، كما يوجبه الأصل الشرعي.

فالحق أنه لا يقتضى الفساد مطلقا. أما في العبادات، فلان ما يتوهم كونه مانعا عن الصحة كون العمل مبغوضا، فلا يحصل القرب المعتبر في العبادات به.

و فيه أنه من الممكن ان يكون العمل المشتمل على الخصوصية موجبا للقرب من حيث ذات العمل (189) و ان كان إيجاده في تلك الخصوصية مبغوضا للمولى.

الشرح

(189) ان قلت: لا يخرج النهي المتصور في المقام عن قسمين، لأنه اما أن يتعلق بذات المقيّد في مقابل العدم، و اما أن يتعلق بالإضافة و الخصوصية.

اما الأول: فقد مر منه - دام ظله - مفصلا امتناع الاجتماع فيه، و خروجه عن محل نزاع الاجتماع و الامتناع، كما اعترف به في المقام أيضا.

و اما الثاني: فقد مر منه - دام ظله - في العبادات المكروهة عدم الإشكال فيه، حتى عند الامتناعي، لتعدد موطن الحكمين، إذ لا منافاة بين محبوبية الخاصّ و مبغوضية الخصوصية، فما معنى ابتناء الصحة و الفساد على الاجتماع و الامتناع؟ قلت: يمكن تصوير قسم ثالث يصح الابتناء المذكور فيه، بان يتعلق النهي بعنوان متحد مع الذات مصداقا، مع التغاير المفهومي، مثل إيقاع الصلاة في الحمام مثلا، فانه عنوان متحد مع الصلاة في الحمام، و لكنه غير الذات مفهوما و غير الخصوصية مفهوما و مصداقا، بل منتزع من الذات و الخصوصية، و قد مر في بحث الاجتماع أن موطن الحكمين إذا كانا مختلفي المفهوم يجري النزاع، و ان كان أحدهما أخص مطلقا فالمنهي عنه و المبغوض عنوان الإيقاع، و المأمور به عنوان الصلاة، و لا مانع من الحكمين إلاّ الاتحاد المصداقي على الامتناع، هذا غاية التوجيه لمرامه - دام ظله -.

لكن فيه: ان عنوان إيقاع الصلاة في الحمام مفهوم انتزاعي، و قد مر ان الأمر بمثله راجع إلى الأمر بمنشئه، و منشأ الانتزاع ليس إلاّ نفس الصلاة مع الخصوصية، فيرجع النهي عن إيقاعها إلى النهي عنها مع الخصوصية، فتكون الصلاة في الحمام بما هي منشأ للمبغوض مبغوضة و بما هي صلاة محبوبة، فيرجع الأمر إلى اجتماع الحكمين

و بعبارة أخرى فكما أنا قلنا في مسألة اجتماع الأمر و النهي بإمكان أن يتحد العنوان المبغوض مع العنوان المقرب، كذلك هنا من دون تفاوت، فان أصل الصلاة شيء، و خصوصية إيقاعها في مكان مخصوص مثلا شيء آخر مفهوما، و إن كانا متحدين في الخارج. نعم لو تعلق النهي بنفس المقيد و هي الصلاة المخصوصة، فلازمه الفساد من جهة عدم إمكان كون الطبيعة - من دون تقييد - ذات مصلحة توجب المطلوبية، و الطبيعة المقيدة بقيد خاص ذات مفسدة توجب المبغوضية.

و الحاصل أنه كلما تعلق النهي بأمر آخر يتحد مع الطبيعة المأمور بها، فالصحة و الفساد فيه يبتنيان على كفاية تعدد الجهة في تعدد الأمر و النهي و لوازمهما من القرب و البعد و الإطاعة و العصيان و المثوبة و العقوبة، و حيث اخترنا كفاية تعدد الجهة في ذلك، فالحق في المقام الصحة، و كلما تعلق النهي بنفس المقيد لا يمكن كون الفعل صحيحا، و إن قلنا بكفاية تعدد الجهة، فان الجهة الموجبة للمبغوضية ليست مباينة لأصل الطبيعة، حتى في عالم الذهن، فلا يمكن أن تكون مبغوضة، و يكون أصل الطبيعة محبوبة من دون تقييد.

و بعبارة أخرى لو بقيت المحبوبية التي هي ملاك الصحة في العبادة في المثال، يلزم كون الشيء الواحد خارجا و جهة محبوبا و مبغوضا، و هو مستحيل.

هذا حال العبادات و أما غيرها، فلا ينافى النهي فيها الصحة

الشرح

في الواحد ذهنا و خارجا و لا يقاس الإيقاع بالغصب، لأن منشأ الغصب كما مر طبيعة الحركة في حال عدم اتحادها مع الخصوصيات، بخلاف إيقاع الصلاة فان منشأه نفس الصلاة كما هو واضح.

مطلقا، لوضوح إمكان أن تكون الطبيعة مشتملة على غرض من أغراض الآمر مطلقا، فيحصل ذلك الغرض في الفرد المبغوض. و لا نعنى بالصحّة الا ذلك.

هذا في غير العقود و الإيقاعات. و أما فيهما فالنهي يدل على الصحة إذا تعلق بهما بلحاظ الآثار، (190) إذ لو لا ذلك لزم التكليف بالمحال، كما هو واضح. نعم لو تعلق بنفس الأسباب مع قطع النّظر عن ترتب المسببات، فليس النهي دليلا على الصحة و لكنه لا ينافيها أيضا، لوضوح إمكان ترتب الآثار المتوقعة من تلك الأسباب على ما يكون مبغوضا منها.

نعم قد يستفاد من بعض النواهي أن ورودها إرشاد إلى فساد متعلقها.

الشرح

(190) و إجمال القول فيهما ان النهي إما أن يتعلق بالسبب أو المسبب أو التسبيب في نظر العرف في كل منهما: و إما ان يتعلق بكل منهما بلحاظ الواقع، و في كل منها إما أن يكون الردع و الإجازة من الشارع بعنوان الردع و الإجازة من المالك، حيث انه - تعالى شأنه - مالك الملوك، و إما أن يكون بعنوان التشريع و الجعل الإلزامي امرا كان أو نهيا أو الترخيص عند التحليل و الإجازة. أما النهي التشريعي إذا تعلق بكل واحد من السبب أو المسبب أو التسبيب مقيدا بالنظر العرفي، فلا يلازم الصحة و لا الفساد و وجهه واضح.

و اما إذا تعلق بواحد منها مقيدا بالواقعي، فهو لا محالة دال على الصحة، لأنه لو لم يصح يلزم تعلق النهي بغير المقدور و هو محال.

و اما النهي المالكي إذا تعلق بالمسبب، فواضح أنه يوجب الفساد، و كذا التسبيب من غير فرق فيهما بين العرفي و غيره.

و أما إذا تعلق بالسبب، فالظاهر فيه أيضا الفساد، لظهوره في عدم الإمضاء كما في المالك المجازي إذا قال لا أرضى بذلك العقد، نعم يمكن عقلا رضاه بالمسبب على تقدير وقوع السبب، لكنه خلاف الظاهر.

و هذا لوجود قرائن في المقام، و لولاه لزم حمله على ما هو ظاهر فيه من التحريم الغير المنافي للصحة (191)، بل موجب لها في بعض المقامات، كما عرفت.

هذا، و قد يقال إن مقتضى القواعد و ان كان كذلك إلاّ ان في الاخبار ما يدل على أن التحريم ملازم للفساد شرعا، مثل ما رواه في الكافي و الفقيه عن زرارة عن الباقر عليه السلام «سأله عن مملوك تزوج بغير اذن سيده، فقال: ذاك إلى سيده إن شاء أجازه و إن شاء فرق بينهما، قلنا أصلحك اللّٰه تعالى إن حكم بن عيينة و إبراهيم النخعي و أصحابهما يقولون: إن أصل النكاح فاسد، و لا يحل إجازة السيد له، فقال أبو جعفر عليه السلام إنه لم يعص اللّٰه و انما عصى سيده، فإذا أجاز فهو له جائز»(1).

حيث أنه يدل على انه لو كان النكاح محرما شرعا لبطل، بل يشعر بان الملازمة بين المعصية و الفساد من المسلمات بين الأصحاب، و إنما اشتبه من قال بفساد النكاح في الفرض، من جهة تخيل ان التحريم المستلزم للفساد أعم من أن يكون متعلقا بعنوان المعاملة بأصل الشرع، أو يكون من جهة وجوب متابعة السيد.

و يمكن أن يقال ليس المراد من المعصية في الرواية مخالفة النهي التحريمي، بل مخالفة النهي الوضعي، إذ من المتعارف إطلاق المعصية عرفا

الشرح

(191) لكن الظاهر أن النواهي المتعلقة بعنوان المعاملات - دون امر خارج عنها كالبيع وقت النداء - ظاهرة في الوضعي كما لا يخفى. و لعلّه الوجه في الإجماع المدعى على ذلك.


1) وسائل الشيعة الجزء (14) الباب (24) من أبواب نكاح العبيد و الإماء، الحديث (1).

على عقد لم يشرعه الشارع و لم يمضه (192) و من المعلوم أن العصيان بهذا المعنى ملازم للفساد، فتأمل.

الشرح

(192) لكن الإنصاف أنه خلاف الظاهر، فان إطلاق المعصية على مثل بيع الهواء كما ترى، و لعلّه لذلك أو بعض ما يأتي امر بالتأمل.

ان قلت: إن المعصية في مورد الرواية - أعني معصية العبد للسيد - لم تكن تكليفية كما هو الظاهر من قول السائل (تزوج بغير اذن مولاه) و إلا كان الا نسب أن يقول (مع نهي مولاه) فحمل المعصية على التكليفي يستلزم خروج المورد.

قلت: أولا: أنه يحتمل قريبا أن يكون المراد من التزويج بغير الاذن هو التزويج مع النهي، فان إطلاق تلك العبارة في هذا المعنى شايع، و حملها عليه أظهر من حمل المعصية على مخالفة النهي الوضعي.

و ثانيا: أنه لو سلّم ظهور المورد فيما ذكر، نقول: خصوصية المورد لا تخصص عموم العلة، و المعصية التي جعلت في الرواية علة للبطلان أعم من معصية الحكم الوضعي و التكليفي، فإطلاقها يقتضي بطلان المعاملة المنهي عنها، و لو بالنهي التكليفي.

نعم لا يستفاد منها الا فساد ما كان بذاته منهيا عنه، لا بعنوان آخر، بل يستفاد منها الصحة فيه كما هو واضح.

و الحاصل: أن دلالة الرواية على الفساد غير قابلة للإنكار. و يمكن أن يستدل له أيضا برواية تحف العقول، حيث قال عليه السلام: (و اما وجوه الحرام من البيع و الشراء، فكل امر يكون فيه مما هو منهي عنه من جهة أكله و شربه - إلى قوله - فجميع تقلّبه في ذلك حرام)(1)فانه عليه السلام ذكر في عداد ما فيه وجه من وجوه الفساد البيع بالربا الّذي لا فساد في متعلقه، و إنما يكون الفساد في نفسه، فكأن الرواية صريحة في أن المعاملة المحرمة في نفسها أيضا من وجوه الحرام. و الظاهر أن المقصود من وجوه الحرام هو الفاسد من المعاملات، و يكون وجوه الحرام و وجوه الحلال هما الوضعيّان أو ما يشملهما، لا خصوص التكليفي، نظير (أحل اللّٰه البيع) و يشهد له قوله عليه السلام: (و جميع


1) وسائل الشيعة الجزء (12) الباب (2) من أبواب ما يكتسب الحديث (1)

فصل في المفاهيم

اشارة

و المراد من المفهوم هو القضية الغير المذكورة التابعة للمذكورة لخصوصية مستفادة منها (193). و اعلم ان النزاع في باب المفاهيم راجع

الشرح

التقلّب فيه إلا في حال الضرورة)(1)فانه لا معنى لحرمة جميع التقلّبات في المأخوذ بالمعاملة المحرمة إلا البطلان.

و الحاصل: أن الروايتين ظاهرتان في المقصود، مع أنه نقل الأستاذ - دام بقاؤه - في مجلس الدرس عن سيده الأستاذ: تحقق الإجماع على بطلان المعاملة المنهي عنها بذاتها، و لعله و الخبرين يغنيان عن كلفة الاستدلال بشيء آخر.

لا يقال: إن الظهار محرم، و مع ذلك تترتب عليه الآثار.

لأنا نقول: إن الظهار بمعناه المتداول بين أهل الجاهلية باطل لا يترتب عليه أثر في شرعنا، لأنهم كانوا يعاملون معه معاملة الطلاق، و تلك الآثار المترتبة عليه في شرعنا مترتبة على فاسدة و المنفي بالرواية أو الإجماع هو الآثار المترتبة على المعاملة، مع قطع النّظر عن النهي.

ثم إنه نقل عن أبي حنيفة التمسّك لصحة العبادة بالنهي عنها، كما استدل به غيره في المعاملات. و الظاهر أن من لا يرى منافاة بين النهي و صحة العبادة، بان يقول باجتماع الأمر و النهي، و بعدم لزوم القرب، و كفاية الجهة، فيمكن ان يستدل به على الصحة بالتقريب الّذي مر، و اما القائل بالمنافاة عقلا، فلا مجال له للاستدلال لها به، لأن الصحة مع النهي محال بالفرض، فلا بد أن يحمل النهي على ما لو لا النهي لكان عبادة أو على الإرشاد إلى عدم الأمر، فتكون الحرمة تشريعية لا مولوية.

(193) <فصل في المفاهيم> شرطية كانت أو غيرها، موافقة للمنطوق كانت أو مخالفة، خبرية كانت أو


1) وسائل الشيعة الجزء (12) الباب (2) من أبواب ما يكتسب به الحديث (1)

إلى الصغرى و ان القضية الكذائية هل لها مفهوم أو لا فلو أحرز المفهوم فلا إشكال في حجيته.

1 - مفهوم الشرط

اشارة

و من المفاهيم مفهوم الشرط، و اختلف في أن الجملة الشرطية هل تدل على الانتفاء عند الانتفاء، كما تدل على الثبوت عند الثبوت إما بالوضع و إما بقرينة عامة يظهر منها ذلك، بحيث لو أراد المتكلم غيره، فلا بد له من إقامة قرينة خاصة أم لا؟ إذا عرفت هذا فنقول ما يحتمل ان يكون مدلولا للقضية أمور:

(أحدها) - أن يكون مدلولها مجرد الثبوت عند الثبوت على أي نحو كان، و لو من باب المقارنات الاتفاقية، من دون دلالة على الارتباط و اللزوم أصلا، فضلا عن أن تكون دالة على الحصر.

(ثانيها) - ان يكون مفادها ما ذكر مع زيادة ارتباط و لزوم بين المقدم و التالي، بأي نحو من اللزوم، سواء كان الأول علة للثاني أو الجزء الأخير لها، أم كان الثاني علة للأول، أم كانا معلولين لثالثة و نحو ذلك.

(ثالثها) - ان يكون اللزوم المستفاد منها تأثير المقدم في الجزاء، سواء

الشرح

إنشائية و الظاهر أن تعريف المفهوم بذلك أولى من التعريف بأنه حكم لغير مذكور، لأن الظاهر منه عدم اتحاد موضوع القضيتين، و سيجيء اشتراط اتحادهما، و يظهر من التعريف المذكور كون المفهوم من المداليل الالتزامية، يحكم بها العقل لخصوصية مستفادة من اللفظ. و بهذا الاعتبار يعدّ من دلالة الألفاظ.

ثم إنه هل يطلق المفهوم على كل مدلول التزامي، و يجري فيه النزاع كلوازم الأمارات مثلا؟ الظاهر عدم التزامهم بذلك، و تحقيقه يحتاج إلى تأمل.

كان علة تامة أم كان أحد اجزائها.

(رابعها) - ذلك مع زيادة أن المقدم علة تامة للتالي.

(خامسها) - أحد الأخيرين مع زيادة دلالتها على الحصر.

و الإنصاف ان الاحتمال الأول ليس مفادا للقضية، و لا يبعد دعوى ظهورها في ترتب التالي على المقدم (194) و اما كون المقدم من قبيل العلة المنحصرة أو جزئها المنحصر، فلا نجزم به بعد مراجعة الوجدان مرارا، أ ترى أنه لو قال المتكلم (إن جاءك زيد فأكرمه) فسأل المخاطب إن لم يجئ، و لكنه أكرمني هل أكرمه أولا، فأجاب أكرمه هل يكون كلاما منافيا للظهور المنعقد لكلامه الأول (195). لا أظنك تجزم بذلك بعد التأمل.

و اما الأدلة التي يستدل بها في المقام فكلها مخدوش.

(منها) - أن القضية المشتملة على كلمة (لو) تدل على امتناع التالي لامتناع المقدم بالاتفاق، و بشهادة التبادر و الوجدان. و ليس ذلك إلاّ لدلالتها على حصر العلة (196)، إذ لو لا ذلك فمجرد امتناع العلة التي

الشرح

(194) <1 - مفهوم الشرط> الظاهر عدم ظهورها في الترتب أيضا، بل المتيقن أنه يستفاد منها الملازمة بين المقدم و التالي، و ان كانا معلولين لعلة ثالثة. و لذا يصح قولنا (إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود) مع عدم الترتب، نعم لا يبعد ظهورها في ذلك ابتداء في الإنشائيات. لكن الظاهر أن ذلك أيضا بدوي.

(195) الظاهر عدم المنافاة حتى بنحو يستلزم التخصيص، مع انه لو استفيدت العلية المنحصرة لكان ذكر علة أخرى منافيا لها بنحو التباين، فانه فرق بين تخصيص العام و بيان علة أخرى بعد إظهار انحصارها كما لا يخفى.

(196) الظاهر ان كلمة (لو) قد تستعمل لإثبات عدم العلة بعدم تحقق المعلول وجدانا، كما في قوله - تبارك و تعالى - (لو كان فيهما آلهة إلاّ اللّٰه لفسدتا)

جعلت مدخولة لكلمة لو، لا يستلزم انتفاء المعلول، فعلم ان كلمة (لو) تدل على أن مدخولها علة منحصرة للجزاء. و من البعيد التفكيك بينها و بين سائر أدوات الشرط.

و فيه انه من الممكن أن يقال إن امتناع التالي يستفاد من مفاد كلمة (لو) كامتناع المقدم في عرض واحد (197) لا أنه مستفاد من حصر العلة. هذا مضافا إلى أن مجرد الاستبعاد لا يعد دليلا يعتمد عليه.

و (منها) - انه بعد فهم اللزوم بين المقدم و التالي، يحمل على العلية المنحصرة، لكونها أكمل افراد اللزوم (198).

الشرح

و في هذا المقام لا تستفاد العلية المنحصرة، كما لا يتوقف إثبات مثل ذلك المقصود عليها، لأن عدم المعلول كاشف عن عدم وجود العلة منحصرة كانت أم متعددة، فان عدم الفساد يدل على عدم التعدد، سواء كان للفساد علة أخرى معدومة مثل التعدد أم كانت منحصرة.

و قد تستعمل لبيان انتفاء المعلول الموجود على تقدير انتفاء العلة الخاصة مثلا، مثل (لولاك لما خلقت الأفلاك)، أو (لو لا على لهلك عمر) و في هذا المقام و إن كان يستفاد عدم علة فعلا للمعلول المذكور غير ما ذكر بعد (لو) بحيث لو لم يكن، لم يكن هذا المعلول موجودا، و كانت القضية مسوقة لذلك، لكن هل ذلك من عدم العلة أصلا و من رأس، أو عدمها فعلا و ان كانت متعددة بالذات؟ فلا دلالة لها على أحدهما، فانها تستعمل في الثاني أيضا بلا تحمل، كما تقول (لو لا إحسانك لمتّ) فكيف كان لا يستفاد من القضية المشتملة على (لو) انحصار العلة ذاتا فتأمل.

(197) الظاهر ان امتناع الثّاني فيما يستفاد انما يستفاد من حصر العلة و لو فعلا، لا انه يستفاد من كلمة (لو) ابتداء، و الدليل على ذلك الوجدان، فان قضية لو لا علي عليه السلام لهلك عمر يستفاد منها أن العلة لعدم هلاك عمر منحصرة و لو فعلا بوجود على - سلام اللّٰه عليه - و ذلك واضح.

(198) قد يجاب عن ذلك بعدم إمكان طرو التقييد في المعنى المستفاد من

و فيه (أولا) ان انحصار العلية في شيء لا يوجب أكمليتها، إذ بعد كون شيء علة، فوجود شيء آخر مثله في العلية لا يوجب نقصا فيه، كما أن عدمه ليس كمالا له، كما هو واضح.

و (ثانيا) انصراف الشيء إلى الفرد الكامل ممنوع، لأنه ليس منشأ للانصراف، و هل ترى من نفسك أن الإنسان ينصرف إلى خاتم الأنبياء صلّى اللّٰه عليه و آله؟ و الحاصل أن ميزان الانصراف أنس اللفظ إلى معنى خاص، بحيث يفهم العرف منه ذلك المعنى، و أكملية الشيء لا ربط لها بهذا المقام.

و (منها) - ان اللزوم المستفاد من الجملة يحمل على العلية المنحصرة بمقدمات الحكمة، كما أن الطلب يحمل على النفسيّ عند الإطلاق دون الغيري، كما أنه يحمل على التعييني دون التخييري.

و فيه (أولا) انه ليس حمل الطلب على النفسيّ و التعييني من جهة الإطلاق، بل يحمل على النفسيّ عند الشك في كونه نفسيا أو غيريا، و على التعييني عند الشك في كونه تعيينيا أو تخييريا، إما من جهة ظهوره عرفا فيها عند خلو اللفظ عما يدل على غيرهما، و إما من جهة أن الطلب المتعلق بشيء حجة عقلا على كونه واجبا نفسيا تعيينيا، بمعنى أنه لو كان كذلك في الواقع لصحت العقوبة على مخالفته، و لا يجوز عند العقل الإتيان بما يحتمل أن يكون بدلا له.

الشرح

أداة الشرط، لأنه معنى حرفي، و لا إطلاق فيه أصلا، حتى يقال بعدمه في مورد بالانصراف.

و فيه: أنه قد مر في المعاني الحرفية إمكان طرو التقييد فيها، فراجع و العمدة في الجواب ما في المتن.

(ثانيا) أنه لو سلم أن حمله عليهما إنما يكون من جهة مقدمات الإطلاق، فقياس ما نحن فيه عليه قياس مع الفارق، فان حمل الطلب على النفسيّ و التعييني عند الإطلاق، إنما هو من جهة أنهما قسمان من الطلب في قبال قسمين آخرين منه، و لكل من الأقسام أثر خاص، فلو لم يحمل على قسم خاص، فلا بد من الالتزام بالإهمال. و المفروض كونه في مقام البيان، فيجب أن يحمل على ما هو أخف مئونة من الأقسام، و النفسيّ أخف مئونة من الغيري، فان الغيري يحتاج إلى لحاظ الغير، و كذا التعييني أخف مئونة من التخييري، لأنه يحتاج إلى ذكر البدل. و هذا بخلاف انحصار العلة، فانه عنوان منتزع من عدم علة أخرى. و من المعلوم أن وجود علة أخرى و عدمها ليسا موجبين لتفاوت العلة أصلا، فلو أراد بيان الانحصار يحتاج إلى دال مستقل آخر، كما أنه لو أراد بيان عدمه، يحتاج إلى مبين آخر فافهم (199).

و مما استدل به المثبتون إطلاق ترتب الجزاء على الشرط. و تقريب الاستدلال به أن مقتضى إطلاق ذلك أن يكون الجزاء مستندا إلى خصوص الشرط دائما، سواء وجد شيء آخر سابقا عليه أو مقارنا له أم لا. و هذا لا ينطبق إلا على العلة المنحصرة، فانه لو تعددت العلة، فلو كانت سابقة على ما ذكر في القضية، يكون الجزاء مستندا إليها، و إن كانت مقارنة له، يكون الجزاء مستندا إلى مجموع العلتين.

و الجواب أنه لو تكرر المسبب بتعدد الأسباب، يلزم إهمال السبب

الشرح

(199) لعله إشارة إلى ان المتكلم إذا كان بصدد بيان تمام العلل، و اقتصر على ذكر واحدة أو اثنتين، يستفاد منه الانحصار لكن لا يخفى أن ذلك منحصر في مثل المقام، و هو قرينة خارجية غير مدلول أداة الشرط، بما هو، كما هو مورد النزاع.

أو استناد المسبب إلى مجموع السببين، فيحفظ الإطلاق المستفاد من القضية، و هو أنه متى يوجد الشرط يترتب عليه الجزاء، من دون لزوم القول بالحصر. و اما لو فرضنا أن الجزاء واحد على كل حال، فاللازم على تقدير تعدد الأسباب و إن كان عدم ترتبه على الشرط أصلا أحيانا، و عدم كونه مستقلا كذلك لكنك عرفت مما تقدم أنا لم نسلم دلالة القضية على كون الشرط علة تامة، بل المقدار المسلم وقوع الجزاء عقيب الشرط مع ربط بينهما، و يكفى في الربط كونه صالحا للتأثير فيه (200)، و ان منع من تأثيره سبق علة أخرى.

الشرح

(200) الظاهر أنه فيما تستفاد العلية تستفاد العلية الفعلية لا مجرد الصلاحية، نعم لو أحرز عدم قابلية المحل في مورد، فذلك قرينة قطعية على إرادة خلاف الظاهر، فاللازم الحمل على الظاهر ما لم يكشف الخلاف.

و قرّر الإطلاق في الفصول بتقريب آخر، و هو ان ظاهر اللفظ في مثل (ان جاءك زيد فأكرمه) ان المجيء بنفسه علة لوجوب الإكرام، لا ان العلة هي القدر المشترك بينه و بين شيء أو أشياء أخر. و انما ذكر المجيء من باب ذكر أحد الافراد، نظير ما يأتي من الأستاذ - دام بقاؤه - في تقريب عدم الحاجة إلى مقدمات الحكمة في المطلق: من أن ظاهر اسناد الحكم إلى المطلق أنه بنفسه موضوع للحكم، لا ان الموضوع هو الخاصّ، و أسند إلى المطلق من باب اتحاده مع الخاصّ.

و قد أجيب عنه: بأن الظاهر من القضية المذكورة ليس إلا أن ذات زيد بما هي ليست موضوعا للقضية، من دون قيد خارج و أما أن القيد خصوص المجيء أو جيء به من باب المثال، أو أنه أحد الافراد، فلا ظهور لها فيه.

لكن الظاهر عدم تماميته: لأن الظاهر من القضية أن المجيء بنفسه مؤثر في الإكرام و دخيل فيه، فالأولى في الجواب أن يقال: إن ظهور القضية في تأثير خصوص المجيء مما لا ينكر، لكن الطبيعة إذا كانت بوجودها الساري مؤثرة في شيء، فيصح إسناد المؤثرية إلى كل فرد منها بالخصوص، كما يصح الإسناد إلى أصل الطبيعة. فكما

ثم إن كل من استدل على ثبوت المفهوم بالإطلاق المستفاد من الحكمة، فكلامه - على فرض تماميته - خارج عن المدعى، لأن المدعى ثبوت المفهوم للقضية الشرطية دائما، و أن القضية الشرطية تنحل إلى عقد إيجابي و سلبي، و الإطلاق المستفاد من المقدمات ليس دائميا، لأنه تابع لوجود المقدمات.

حجة المنكرين أمور: (الأول): أن ما استدل به السيد (قدس سره) من أن تأثير الشرط هو تعليق الحكم عليه، و ليس يمتنع ان يخلفه و ينوب منابه شرط آخر يجري مجراه، و لا يخرج عن كونه شرطا، فان قوله تعالى: (فاستشهدوا شهيدين من رجالكم)(1)يمنع عن قبول الشاهد الواحد حتى ينضم إليه شاهد آخر، فانضمام الثاني إلى الأول شرط في القبول. ثم علمنا أن ضم اليمين يقوم مقامه أيضا، فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن تحصى، مثل الشمس فان انتفاءها لا يستلزم انتفاء الحرارة، لاحتمال قيام النار مقامها. و الأمثلة لذلك كثيرة عقلا و شرعا انتهى).

و الظاهر انه (قدس سره) قد استظهر من كلام القائلين بالمفهوم أن ذلك من جهة الشرطية، و أن لازمها انتفاء المشروط بانتفاء الشرط، فورود ما أفاده على هذا الكلام واضح لا إشكال فيه. و لكن المدعين لم

الشرح

يصح أن يقال: (النار محرقة) كذلك يصح أن يقال (هذه النار المخصوصة محرقة). نعم لو كان المؤثر صرف الطبيعة بحيث لا يسري التأثير إلى الخارجيات، فلا يكون الإسناد إلى الافراد الا من باب الاتحاد.

إذا عرفت ذلك تعلم أن استظهار العلية لخصوص الشرط من القضية، لا يلازم الانحصار، و من دونه لا تدل على المفهوم.


1) سورة البقرة، الآية 282.

يتشبثوا بمجرد إطلاق الشرط، بل يدعون ظهور الجملة في كون مدخول أداة الشرط علة منحصرة للجزاء، فلا يصح التقابل معهم الا بنفي هذا الظهور.

(الثاني) - أنه لو دل لكان بإحدى الدلالات، و الملازمة كبطلان التالي واضحة. و أجيب بمنع بطلان التالي، و أن الالتزام ثابت. و قد عرفت الكلام في ذلك.

(الثالث) - قوله تعالى: (و لا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا) و فيه أن القائل بالمفهوم يشترط أن لا يكون الشرط محققا للموضوع، و الشرط في القضية المذكورة محقق للموضوع، فان الإكراه لا يتحقق إلاّ مع إرادة التحصن.

هذا مضافا إلى ان استعمال القضية الشرطية فيما لا مفهوم له أحيانا مما لا ينكر، إنما الكلام في ظهورها فيما له مفهوم وضعا أو بقرينة عامة و عدمه، و المدعى يقول بالأول. و مجرد الاستعمال بقرائن خارجية في بعض المقامات لا ينافى دعواه.

ينبغي التنبيه على أمور
(الأول)

أن المفهوم لو قلنا به هو انتفاء سنخ الحكم عن الموضوع المذكور في القضية في غير مورد الشرط لا شخصه، ضرورة أن ارتفاع شخص الحكم بارتفاع بعض قيود الموضوع عقلي. و هذا ليس من المفهوم المتنازع فيه، و هكذا مفهوم الوصف و باقي المفاهيم التي وقعت موردا للنزاع، فيكون مورد النزاع منحصرا فيما كان الحكم بسنخه قابلا للثبوت و عدمه في غير مورد الشرط.

و من هنا ظهر انه ليس من باب المفهوم الحكم بالانتفاء عند

الانتفاء في باب الوصايا و الأوقاف و نظائرهما، فانه لو أوصى بثلث ما له مثلا للعلماء، فمن كان خارجا عن العنوان لا يكون موردا لهذه الوصية قطعا، و لا يمكن ان يكون المال - بعد انتقاله إلى العلماء بموت الموصى، و كونه ملكا لهم - مالا لغيرهم. و هكذا حال الوقف و أمثاله، فعدم كون المال لغير المتصف في مثال الوصية، و كذا عدمه لغير المتصف بعنوان الموقوف عليه، فيما لو وقف على عنوان خاص ليس من باب مفهوم اللفظ.

هذا و قد خالف فيما ذكرنا - من أن المناط في باب المفهوم انتفاء سنخ الحكم - بعض أساطين الفن، و جعل المفهوم في قولنا (أكرم زيدا ان جاءك) انتفاء شخص الوجوب المتحقق في هذه القضية، على تقدير انتفاء الشرط، و لعل نظره إلى أن هيئة افعل موضوعة بالوضع العام و الموضوع له الخاصّ بإزاء جزئيات الطلب، فما هو جزاء في القضية المذكورة هو الوجود الجزئي الشخصي المتعلق بإكرام زيد، دون حقيقة الوجوب المتعلق بإكرام زيد، و لم تحضرني عبارته حتى أتأمل في مراده (قدس سره).

أقول: لو كان الوجه ما ذكرنا، ففيه (أولا) ما عرفت في تحقيق معنى الحروف، و انها موضوعة كأسماء الأجناس للمعنى العام، و مستعملة فيه حينئذ لا مورد لهذا الكلام.

و (ثانيا) ان الشرط - في قولنا إن جاءك زيد فأكرمه - يستدعى حقيقة إيجاب الإكرام، لا الإيجاب الجزئي الشخصي المتحقق بجميع الخصوصيات، إذ ليس لنا شرط في القضايا الشرطية يكون كذلك، غاية الأمر حقيقة الإيجاب لا تتحقق الا في ضمن الإيجاب الخاصّ، و نسلم منك أنه ليس لتلك الحقيقة لفظ موضوع، و لكنا نفهم أن الإيجاب الجزئي المدلول عليه باللفظ الخاصّ ليس معلولا للشرط المذكور في

القضية، بل المعلول هو الحقيقة الموجودة في ضمنه. و حينئذ فبعد فهم حصر السبب من القضية لازمه ارتفاع حقيقة وجوب إكرام زيد في مورد عدم الشرط.

(الثاني)

أنه لا بد - في مفهوم القضية الشرطية على القول به - من حفظ الموضوع مع تمام ما اعتبر قيدا في الموضوع أو الشرط أو في طرف الجزاء، و ينحصر اختلافه مع المنطوق في امرين: - (أحدهما) - انتفاء الشرط في المفهوم و ثبوته في المنطوق.

(ثانيهما) - ان يكون الحكم الثابت في المفهوم نقيض ما ثبت في المنطوق، فمفهوم قولك: - إن جاءك زيد راكبا يوم الجمعة فاضربه ضربا شديدا - إن لم يجئك زيد راكبا يوم الجمعة، فلا يجب عليك أن تضربه ضربا شديدا.

و من الاعتبارات الراجعة إلى القضية الشرطية الكل المجموعي، فلو قال: إن جاءك زيد فتصدق بكل مالك، على نحو الكل المجموعي، فمفهومه عدم وجوب التصدق بمجموع المال على تقدير عدم الشرط. و هذا مما لا إشكال فيه. أما لو وقع العموم الاستغراقي في موضوع الجزاء، فهل تقتضي القاعدة مراعاته في طرف المفهوم، فيكون المفهوم من قولنا: - (ان جاءك زيد فأكرم كل عالم على نحو الاستغراق الأفرادي - عدم وجوب إكرام الكل على تقدير عدم الشرط، حتى لا ينافى وجوب إكرام البعض أو عدم مراعاته، حتى يكون المفهوم من القضية المذكورة السالبة الكلية.

و من هنا وقع النزاع بين إمامي الفن الشيخ محمد تقي و شيخنا المرتضى قدس سرهما في حديث إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيء، فادعى الأول بداهة أن المفهوم هو الإيجاب الكلي و استدل - في الطهارة على ما هو ببالي - بان العموم لوحظ مرآة و آلة لملاحظة الافراد،

فكأنه لم يذكر في القضية الا الأحكام الجزئية المتعلقة بالافراد، فيكون تعليق هذا الحكم - المنحل إلى أحكام جزئية عديدة على بلوغ الكرية - منحلا إلى تعليقات عديدة، و لازم حصر العلة كما هو المفروض أنه في صورة انتفاء الكرية ينقلب كل نفى إلى الإثبات.

و يمكن أن يستدل لهذا المطلب بوجه آخر، و هو أنه بعد فرض حصر العلة في الكرية يلزم ان لا يكون لبعض افراد العام علة أخرى إذ لو كان لبعض الافراد علة أخرى يتحصل المجموع من علتين و هذا خلف و لازم ذلك في القضية المذكورة الإيجاب الكلي في صورة عدم الكرية و هذا واضح.

و الحق أن القضية المذكورة و أمثالها ظاهرة في أن عمومها ملحوظ و أن المفهوم في القضية المذكورة هو الإيجاب الجزئي، و الدليل على ذلك التبادر (201) و لا ينافى دعوى التبادر المذكور ما تقدم سابقا من إنكار أصل المفهوم في القضايا الشرطية، فان هذا التبادر المدعى هنا يكون في

الشرح

(201) قد يقال: باستحالة ما ادعى التبادر عليه في المتن، بتقريب أن المنشأ إذا كان هو الحكم على كل واحد من الافراد استغراقا، فلا يكون الملحوظ و المجعول في القضية إلا كل واحد من الأحكام، و معلوم أن النسبة الملحوظة هي التي علقت على الشرط، و لم يلحظ شيء واحد حتى يقال: انه معلّق على الشرط، و بانتفاء الشرط ينتفي هذا الواحد، و الجامع بين الافراد و إن كان واحدا لكن لم يلحظ في المقام إلا مرآتا لملاحظة الافراد. و معلوم أن الملحوظ كذلك غير قابل للحمل و الإسناد استقلالا، حتى تعلق النسبة إليه على الشرط، فلا يكون المعلق على الكرّية في المثال إلا عدم انفعال الماء بملاقاة كل فرد من افراد النجاسات، و لازمه على القول بالمفهوم كون الكرّية علة منحصرة لعدم انفعال الماء بملاقاة كل فرد من افراد النجاسات.

و فيه: أن لازم تعليق الحكم كذلك و ان كان ما ذكر، لكن يمكن التعليق

..........

الشرح

بنحو يكون المعلّق على الشرط أمرا واحدا، و ذلك لأنه لا إشكال في ان النسبة في العام الاستغراقي و ان كانت متعددة انحلالا، لكنها شيء واحد ابتداء، ضرورة انه فرق بين أكرم زيدا، و أكرم عمراً، و أكرم خالدا، و أكرم كل واحد منهم، فان الإنشاء في الثاني واحد بخلاف الأول.

إذا عرفت ذلك فنقول: تعليق الحكم و ارتباطه في العام الاستغراقي يتصور على وجهين: (أحدهما): - تعليقه و ارتباطه على نحو المرآتية، بحيث يكون المرتبط و المعلق انحلالا جميع الأحكام، و مقتضاه على المفهوم الدلالة على الحصر كما مر.

(ثانيهما): تعليقه و ارتباطه بنحو الموضوعية، بحيث تكون نفس تلك النسبة - المنشأة الواحدة ابتداء - منظورا إليها بالنظرة الثانية مستقلا عند التعليق، و تكون هي المعلقة على الشرط بلا لحاظ المرآتية. و مقتضاه انتفاء تلك النسبة الواحدة عند انتفاء الشرط، و هو أعم من انتفاء جميع الأحكام، و لا يستفاد من المفهوم الإيجاب الجزئي. و أما كون تلك النسبة غير ملحوظة في مقام الجعل استقلالا، فلا يضر بإمكان تعليقها بنحو الموضوعية، لأن خصوصية تلك النسبة ليست إلاّ كنفسها في عدم لحاظها باللحاظ الاستقلالي، فكما يمكن لحاظها ثانيا و ارتباطها بالشرط مع أنها معنى حرفي غير مستقل في اللحاظ، كذلك يمكن تعليق تلك النسبة المتخصصة بهذه الخصوصية، التي يكون طرفها شيئا واحدا ابتداء، و متعددا بالانحلال بلحاظها ثانيا عند التعليق، إن قلنا بان التعليق يحتاج إلى النظرة الثانوية.

و أما إن قلنا بان التعليق في القضايا الشرطية عبارة عن فرض وجود الشرط أولا، ثم إنشاء الحكم في هذا الفرض، فلعل الأمر أسهل، لأن النسبة الواحدة المنشأة بعد فرض الشرط، يمكن أن تكون منظورا إليها بما هي واحدة، و يمكن أن تكون منظورا إليها بما هي متعددة انحلالا.

هذا غاية التقريب في إثبات الإمكان لما ادعي التبادر عليه، و مع ذلك يحتاج إلى مزيد تأمل، خصوصا على التقريب الثاني، لأن معنى العام الاستغراقي عدم كون الجامع ملحوظا الا مرآتا، بلا لحاظ وحدتها الذاتيّة، و هو مناف للحاظ الوحدة فافهم.

..........

الشرح

ثم ان الظاهر عدم ثمرة عملية للنزاع في المثال، لعدم كون فرد من النجاسات مشكوكا فيه من حيث المنجسية، حتى يستفاد حكمه من المفهوم على الإيجاب الكلي، بل المعلوم من الخارج - مع قطع النّظر عن ذلك المفهوم - أن كل نجس منجّس للماء القليل على القول بانفعاله. نعم إطلاق الحكم بحيث يشمل ورود الماء على النجاسة محل الكلام، و كذلك منجسية خصوص الدم الغير المستبين، فلو جرى مثل ذلك النزاع في الإطلاق، يمكن التمسك بالمفهوم لرفع الشك في المثالين، على القول باستفادة إيجاب الكلي عند انتفاء الشرط، مثل أن يقال هل كما يستفاد من منطوق (إذا بلغ الماء قدر كر.). عدم نجاسة الكر مطلقا بأي نحو لاقاه النجس، كذلك يستفاد من المفهوم النجاسة مع عدم الكرية بأي نحو لاقاه النجس، أم لا يستفاد منه الا عدم العصمة بنحو الإطلاق؟ و بعبارة أخرى: هل المفهوم يفيد إطلاق السلب عند عدم الشرط، أم لا يفيد إلاّ سلب الإطلاق؟ و الثمرة على كل منهما واضحة، لكن الظاهر عدم جريان النزاع في الإطلاق، لأنه ليس من قيود الكلام حتى يصح الاكتفاء بسلبه في المفهوم، بل الإطلاق في المفهوم و المنطوق يعرض على الحكم بنهج واحد، لأن معناه ليس إلاّ لحاظ الذات، بلا لحاظ قيد معها حتى السريان، سواء أحرزنا ذلك بالمقدمات أم بالظهور اللفظي، كما سيجيء في بيان الإطلاق إن شاء اللّٰه تعالى.

و معلوم أن تعليق الحكم على الذات بلا لحاظ شيء، لا يدل إلا على انتفاء الحكم عن تلك الذات عند عدم الشرط، من دون نظر إلى نفي الإطلاق و لا إلى غيره من القيود. و مقدمات الحكمة على تماميتها تجري في المنطوق و المفهوم، و كذلك الاستظهار اللفظي لو تم يجري فيهما. نعم لو كان الإطلاق في قضية من قيود الكلام، أو كان معناه لحاظ الشمول و السريان - كما نسب إلى مشهور المتقدمين - لكان المفهوم أعم من نفي الحكم و نفي الإطلاق، كما مر في العموم على الخلاف. و أما على المختار فلا مانع من إطلاق المفهوم.

و لعل ما نقل عن السيد (قدس سره) - من عدم نجاسة الماء القليل إذا ورد على النجاسة - مبني على المشهور في معنى الإطلاق، أو على إنكار المفهوم، أو عدم

كيفية مفهوم القضية، و فائدته أنه لو علمنا من الخارج أن القضية المشتملة على الكل الاستغراقي جيء بها لبيان المفهوم، و بنينا على الأخذ بالمفهوم في قضية شخصية من جهة وجود القرائن الخارجية، نأخذ به على نحو ما ذكرنا فلا تغفل.

و أما الاستدلال الأول فجوابه أن العموم و إن لوحظ مرآة في الحكم الّذي أسند إلى موضوعه، إلا انه لا منافاة بين هذا و بين ملاحظة هذا العموم الاستغراقي امرا وحدانيا، بملاحظة التعليق على الشرط. و هذا أمر واضح لا يحتاج إمكانه في مرحلة الثبوت إلى مزيد برهان. و أما الدليل عليه في مرحلة الإثبات، فهو التبادر، فان مفهوم قولنا لو كان معك الأمير، فلا تخف أحدا ليس انه في صورة عدم كون الأمير يجب الخوف من كل أحد (202).

و أما الاستدلال الثاني، فهو مبنى على الالتزام بان تالي الأدوات علة، و هذا غير مسلم حتى بناء على القول بالمفهوم، إذ يكفى في المعنى المستفاد من تعليق الجزاء كون تالي الأدوات جزءا أخيرا للعلة، إما

الشرح

استفادة الإيجاب الكلي منه، أو على عدم كون قضية (إذا بلغ.). في مقام البيان، بان تكون في مقام بيان المانع من الانفعال في موارد تمامية المقتضى، لا في مقام تعداد المقتضى، فلا إطلاق لها. لكنّ الظاهر من مثل تلك القضايا - و لو بمناسبة الحكم و الموضوع - أن المقتضي نفس الملاقاة بأيّ نحو كان، كما يقال السكّين يقطع اليد، فانه معلوم انه يقطع بالإمرار.

(202) لا يخفى أن عدم الدلالة على عموم السلب في المثال مستند إلى القرينة، فان الأمر بعدم الخوف مع الأمير، لا يكون إلا ممن يكون مقتضى الخوف فيه موجودا، لكن لا يبعد تبادر ما استظهر و لو مع عدم القرينة، مثل قولك (إن رزقت ولدا فأعتق كل عبيدك) فانه لا يفهم منه الا عدم إعتاق كل العبيد إن لم ترزق الولد لا بعضهم.

منحصرا بناء على القول بالمفهوم، أو أعم من ذلك بناء على عدمه (203).

(الثالث)

أنه لو تعددت القضايا و كان الجزاء واحدا، فلا يمكن الجمع بين مداليلها الأولية، ضرورة وقوع التعارض بين مفهوم كل منها مع منطوق الأخرى، فلا بد من التصرف اما بتخصيص مفهوم كل منها بمنطوق الأخرى، و إما بحملها على بيان مجرد الوجود عند الوجود. و الفرق بينهما أنه على الأول يؤخذ بالمفهوم في غير مورد المنطوق، بخلاف الثاني، و إما بحمل الشرط في كل من القضايا على جزء السبب، و أخذ المفهوم من المجموع. و اما بالالتزام بأن المذكور في القضايا مصداق للسبب، و ما هو سبب هو الجامع بين ما ذكر. و لعل الأظهر هو الوجه الثاني عرفا (204).

الشرح

(203) لا يخفى أنه إن دلت القضية على انحصار العلة في تالي الأدوات، و لو كان جزء العلة، و قلنا بدلالة القضية على أن المعلّق على الشرط كل واحد من الأحكام المنشأة، لا النسبة الواحدة - التي سبق ذكرها في الحاشية السابقة - فتدل القضية على عموم السلب، كما هو واضح، و لا وجه لإنكاره. نعم لو استظهر من القضية أن المعلق على الشرط تلك النسبة الواحدة، فلا تدل الا على سلب العموم، و لو مع استفادة انحصار العلة و التمامية، لعدم المنافاة بين انتفاء تلك النسبة الواحدة، مع عدم انتفاء بعض الأحكام المندرجة تحته مستندة إلى علة أخرى، بان تكون علة المجموع منحصرة، لكن في بعض الافراد علة أخرى تؤثر عند عدم علة المجموع مثلا.

فالأولى في الجواب الإحالة إلى ما استظهره أولا، من كون العلة علة للنسبة، لا لكل واحد من المندرجات تحتها، و لا إلى عدم استفادة تمامية العلة من القضية، نعم لو كان المراد من جزء العلة العلة لبعض الأحكام لا تمامها، و إنما أسند العلية في الكل، لأنها متممة للكل لصح الجواب، لكنه خلاف الظاهر جدا.

(204) قد يقال بأظهرية الأول لشيوع التقييد و التخصيص، حتى قيل ما من

و أما احتمال أخذ إحدى القضايا منطوقا و مفهوما، فلا وجه له أصلا، فانه يوجب طرح غيرها كما لا يخفى.

2 - مفهوم الوصف

اشارة

و من جملة المفاهيم التي قد وقع النزاع في ثبوتها مفهوم الوصف (205). و الحق عدم دلالة القضية المشتملة على ذكر الوصف على عدم سنخ الحكم في غير مورده، لا وضعا و لا من جهة قرينة عامة.

و التحقيق عدم دلالتها على كون الوصف المذكور في القضية علة للحكم،

الشرح

عام الا و قد خصّ، فكيف يرفع اليد عن ظهور القضية الشرطية في المفهوم، لعدم لزوم التقييد أو التخصيص في المفهوم؟ لكنه مخدوش بالفرق بين تخصيص العام المستفاد عمومه من ظاهر اللفظ، أو تقييد المطلق المستفاد إطلاقه من مقدمات الحكمة، أو الظهور على خلاف فيه، فانهما شائعان كما ذكر، و بين تخصيص العام المستفاد عمومه ببركة ظهور القضية في حصر العلة، أو تقييد المطلق المستفاد إطلاقه من ذلك الظهور، فان التخصيص و التقييد في المقامين كاشف عن عدم حصر العلة، و هو مناف للدلالة على الحصر، فلا بد في مثل المقام من رفع اليد عن استفادة الحصر لخصوصية المقام، لو لم نقل بعدم الدلالة عليه رأسا. نعم لو كان مستند المفهوم إطلاق ترتب الجزاء على الشرط، فالأولى تقييد مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر، لكن تقريبه غير تام كما مرّ في المتن.

(205) <2 - مفهوم الوصف:> قد يتمسك لمفهوم الوصف بما مرّ من الفصول التمسك به في مفهوم الشرط، و هو ظهور القضية في أن الموضوع - بما هو متصف بشخص هذا الوصف - موضوع للحكم لا بما هو جامع بينه و بين وصف آخر.

فضلا عن كونه علة منحصرة، لاحتمال كون ذكره في القضية من جهة وجود مانع من تعلق الحكم بالمطلق في مرحلة الإثبات، و إن كان ثابتا له في مرحلة الثبوت، أو لكون الاهتمام بشأنه، أو لعدم احتياج غيره إلى الذّكر، و غير ذلك من النكات.

نعم قد تستظهر العلية من جهة المناسبة بين الحكم و الموضوع، كوجوب الإكرام المتعلق بالعالم، أو وجوب التبين المتعلق بخبر الفاسق، و لا فرق في ما ذكرنا بين الوصف المعتمد على الموصوف و غيره. نعم لازم التقييد بالوصف عدم شمول الحكم في تلك القضية لغير مورد الوصف، و هذا غير المفهوم المتنازع فيه، كما عرفت.

و من هنا يظهر أن بعض الكلمات التي تنقل عن الاعلام في الاستدلال على المقام ليس في محله، مثل ما قيل: (إنه لو لم يكن للوصف مفهوم لما صح القول بالتخصيص في مثل قولنا أكرم العلماء الطوال)، و لما صح حمل المطلق على المقيد، إذ لا تنافي بينهما إلا من جهة دلالة المقيد على سلب الحكم من غيره، إذ هذه الكلمات أجنبية عما نحن بصدده، ضرورة أن نفى وجوب إكرام القصار ليس من جهة أن تقييد العلماء بالوصف دل على عدم الحكم في غير مورده، حتى يكون من باب المفهوم، بل من حيث أن وجوب الإكرام في غير المنصوص يحتاج إلى دليل، و النص لا يشمله.

الشرح

و فيه - مضافا إلى عدم الدلالة على دخل الوصف أصلا - أنه على فرض الدلالة لا تدل القضية الا على كون هذا الوصف بشخصه موضوعا للحكم لا بجامعه.

و أما أنه منحصر فلا دلالة لها عليه، فانه يصح اسناد الحكم إلى كل واحد من الافراد، إذا كانت الطبيعة بوجودها الساري موضوعا للحكم، كما إذا كان بشخصه موضوعا للحكم. و قد مر مفصلا في مفهوم الشرط.

و كذا حمل المطلق على المقيد في مورد نقول به، و هو في صورة إحراز وحدة التكليف المتعلق بهما، و أظهرية دليل المقيد - في اعتبار القيد من دليل المطلق في الإطلاق - إنما هو من جهة تضييق دائرة الحكم الثابت في القضية، فكأنه من أول الأمر ورد الحكم على المقيد. و أين هذا من المفهوم المدعى في المقام؟ و نظير ما ذكر الاستدلال بقولهم (الأصل في القيود أن تكون احترازية)، فانه بعد تسليم ظهور كل قيد في ذلك، يوجب تضييق دائرة الموضوع، و لا يفيد انتفاء سنخ الحكم من غير مورد القيد، كما هو واضح.

و ما استدل به على مفهوم الوصف أن أبا عبيدة - مع كونه من أهل اللسان الذين ينبغي الرجوع إليهم في تشخيص المعاني - قد فهم من قوله عليه السلام (لي الواجد يحل عقوبته) أن لي غيره لا يحل.

و فيه أنه ليس أبو عبيدة و غيره بأولى منا في فهم هذا المعنى من القضية، بعد القطع بوضع مفرداتها، و القطع بعدم وضع آخر للمجموع.

و إنما يفهم المفهوم من خصوص هذه القضية، لأن الوصف المأخوذ فيها مناسب لعلية الحكم، مع العلم بعدم علة أخرى كما لا يخفى.

(تنبيهان)
(الأول)

أنه مما تقرر عند القائل بثبوت المفهوم للوصف أنه يشترط أن لا يكون الوصف واردا مورد الغالب، كما في قوله تعالى:

(و ربائبكم اللاتي في حجوركم)(1)و يمكن توجيهه بان المفهوم - بعد غلبة وجوده في افراد - ينصرف إليها و لا يحتاج في ذلك إلى ذكر القيد، فذكر القيد و عدمه سيان، فهو بمنزلة القيد المساوي. و سيجيء خروجه عن محل النزاع.


1) سورة النساء، الآية 23.

و فيه منع انصراف المفهوم إلى الافراد الغالبة (206)، فان ميزان الانصراف أنس اللفظ عرفا بالنسبة إلى المعنى الخاصّ، و ليس دائرا مدار الغلبة في الوجود، و يمكن ان يكون وجهه أن الورود مورد الغالب يخرج القيد عن اللغوية، فلا يكون حينئذ دليلا على إرادة المفهوم.

و فيه أنه لو كان القول بالمفهوم من جهة الخروج عن اللغوية، لما صح القول به في كثير من الموارد، لوجود احتمال نكتة في ذكر القيد.

و هذا في الحقيقة إنكار للمفهوم للقضية، و إثباته لها في بعض المقامات لقرينة خاصة، مع أن خروج القيد عن اللغوية يكفى فيه كونه دخيلا في الحكم، و لا يدل على الانحصار حتى يلزم منه العدم عند العدم.

(الثاني)

أن محل النزاع في المقام هو ما لو كان هناك موضوع محفوظ في كلتا الحالتين. أعني حالة وجود الوصف و عدمه، فيدعي مدعى المفهوم دلالة القضية على عدم سنخ الحكم المتعلق بالموضوع المفروض، فينحصر مورد النزاع فيما تخلف الموصوف عن الوصف، و هو في الأوصاف التي تكون أخص من الموصوف، أو أعم من وجه في مورد تخلف الموصوف، كما أشرنا في المبحث السابق إلى ان الموارد - التي يكون الشرط محققا للموضوع - ليست محلا للبحث، ففي مثل قولنا: (في الغنم السائمة زكاة) لو قلنا بالمفهوم نقول بدلالته على نفى الزكاة في المعلوفة. و اما الإبل، فان قلنا بأن في سائمتها زكاة، فمن جهة فهم المناط، و أن العلة لأصل الزكاة السوم، فيجري المعلول في غير المذكور، تبعا للعلة. و إن قلنا بدلالة

الشرح

(206) و أيضا لازم الانصراف تقييد الموضوع و تضييقه، و إن لم يكن للقضية مفهوم، و البناء في القيد الوارد مورد الغالب على عدم التقييد. و الإنصاف عدم صحة التمسك معه، لا بالإطلاق و لا بالقيد للتضييق أو للمفهوم، و وجهه يظهر بالتأمل.

القضية المذكورة على عدم الزكاة في معلوفة الإبل، فمن جهة حصر مناط أصل الزكاة في السوم. و لا دخل لشيء مما ذكر بمفهوم الوصف المدعى، كما لا يخفى.

3 - مفهوم الغاية

اشارة

و من المفاهيم التي وقع الاختلاف فيها مفهوم الغاية. و المنسوب إلى المشهور دلالة الغاية المذكورة في القضية على ارتفاع الحكم، و إلى جماعة - منهم الشيخ و السيد قدس سرهما - عدم الدلالة.

و الحق ان يقال إن الغاية بحسب القواعد العربية (تارة) تكون غاية للموضوع، و (أخرى) تكون غاية للحكم (الأول) مثل سر من البصرة إلى الكوفة (و الثاني) مثل اجلس من الصبح إلى الزوال، ففي الأول حالها حال الوصف في عدم الدلالة، و ان كان تحديد الموضوع بها يوجب انتفاء الحكم المذكور في القضية عند حصولها، لكن قد مر ان هذا ليس قولا بالمفهوم.

و في الثاني الظاهر الدلالة، فان الغاية جعلت - بحسب مدلول القضية - غاية للحكم المستفاد من قوله اجلس. و قد حققنا في محله ان مفاد الهيئة إنشاء حقيقة الطلب لا الطلب الجزئي الخارجي، فتكون الغاية في القضية غاية لحقيقة الطلب المتعلق بالجلوس. و لازم ذلك ارتفاع حقيقة الطلب عن الجلوس عند وجودها. نعم لو قلنا ان مفاد الهيئة هو الطلب الجزئي الخارجي، فالغاية لا تدل على ارتفاع سنخ الوجوب.

و بعبارة أخرى لا إشكال في ظهور قولنا (اجلس من الصبح إلى الزوال) في ان الزوال غاية للطلب المستفاد من قولنا اجلس، فان جعلنا

مفاد الهيئة حقيقة الطلب المتعلق بالجلوس، فمقتضى جعل الغاية لها ارتفاعها عند تحقق الغاية، و ان جعلنا مفادها هو الطلب الجزئي، فلازم ذلك ارتفاع ذلك الطلب الجزئي. و لا ينافى وجود جزئيّ آخر بعد الغاية.

و حيث أن التحقيق هو الأول، تكون القضية ظاهرة في ارتفاع سنخ الحكم عن الجلوس في المثال (207).

هذا و في المقام نزاع آخر، و هو أن الغاية هل هي داخلة في المغيا أو خارجة عنها و التحقيق في هذا المقام أن الغاية التي جعلت محلا للكلام في هذا النزاع، لو كان المراد منها هو الغاية عقلا، أعنى انتهاء الشيء، فهذا مبنى على بطلان الجزء الغير القابل للتقسيم و صحته، فان قلنا بالثاني فالغاية داخلة في المغيا يقينا، فان انتهاء الشيء على هذا عبارة عن جزئه الأخير، فكما أن باقي الاجزاء داخلة في الشيء، كذلك الجزء الأخير، و ان قلنا بالأول، فالغاية غير داخلة، لأنها حينئذ عبارة عن النقطة الموهومة

الشرح

(207) <3 - مفهوم الغاية> الظاهر أن الأمثلة مختلفة، فمثل (إن جاءك زيد فاجلس إلى الزوال) لا يستفاد منه الا انتفاء شخص الحكم المسبب عن مجيء زيد، و لا تنافي بينه و بين الحكم بوجوب الجلوس إلى الغروب عند مجيء عمرو.

فان قلت: إن كان الموضوع له و المستعمل فيه في الهيئة كليا، فكيف يمكن جعل المغيا شخص الحكم، و هو غير المستعمل فيه.

قلت: المستعمل فيه و المنشأ و ان كان كليا قبل الإنشاء، لكن الإنشاء ملازم للتشخص و الجزئية بنفس الإنشاء. و المتكلم عند جعل الغاية - كما يمكن له النّظر بعد الإنشاء إلى سنخ الحكم المنشأ و تحديده - كذلك يمكن له النّظر إلى شخص المنشأ بعد الإنشاء، و تحديده بالغاية، نجعل الغاية له بشخصه، فإذا صح جعل الغاية بكلا النحوين، فاستفادة كل منهما تابع لظهور القضية. و قد عرفت أنه يختلف.

التي لا وجود لها في الخارج.

و ان كان محل النزاع هو مدخول حتى و إلى و ان لم يكن غاية حقيقة، فانه قد يكون شيئا له اجزاء متصلة، كالكوفة، في قولنا سر من البصرة إلى الكوفة، و الليل في قولنا صم من الفجر إلى الليل.

فالحق التفصيل بين كون الغاية قيدا للفعل، كالمثال الأول، و بين كونها غاية للحكم كالمثال الثاني، ففي الأول داخلة في المغيا، فان الظاهر من المثال المذكور دخول جزء من السير المختص بالكوفة في المطلوب، كما أن الظاهر منه دخول السير المختص بالبصرة أيضا في المطلوب. و في الثاني خارجة عنه، فان المفروض انها موجبة لرفع الحكم، فلا يمكن بعثه إلى الفعل المختص بها، كما لا يخفى.

و من جملة ما يستفاد منه الحصر الجملة الملحوقة بأداة الاستثناء، و لا شبهة في أنها تدل على اختصاص الحكم بالمستثنى منه، و ثبوت نقيضه للمستثنى. و لذا يكون الاستثناء من الإثبات نفيا، و من النفي إثباتا.

و ذلك للانسباق و التبادر القطعي.

و نسب الخلاف إلى أبي حنيفة و لعله يدعى أن الاستثناء لا يدل إلا على أن المستثنى لا يكون مشمولا للحكم المنشأ في القضية. و أما ثبوت نقيضه له في الواقع، فلا.

و يقرب هذا المدعى القول بأن الإسناد إنما يكون بعد الإخراج (208)، إذ على هذا حاله حال التقييد. و قد عرفت أن التقييد

الشرح

(208) لا يخفى أن التقريب المذكور يؤيد المفهوم، لأنه على ذلك يصير نظير مفهوم الغاية، إذا كانت غاية للحكم، لأن الموضوع بالفرض لا ضيق فيه، و إنما أخرجه عن سنخ الحكم، و لازم ذلك القول بالمفهوم، نعم لو كان الموضوع مقيدا فالأمر كما ذكر، فافهم.

لا يدل إلاّ على تضيق دائرة الموضوع في القضية. و كيف كان يدل - على خلاف ما ذهب إليه - التبادر القطعي.

و احتج على مذهبه بقوله عليه السلام (لا صلاة إلاّ بطهور) إذ لو كان الاستثناء من النفي إثباتا، للزم كفاية الطهور في صدق الصلاة، و ان كانت فاقدة لباقي الشرائط.

و فيه (أولا) أن الملحوظ في القضية هو المركب المشتمل على تمام ما اعتبر فيه، سوى الطهور (209)، و نفيت حقيقة الصلاة أو هي بقيد التمام عنه، إلا في مورد تحقق الطهور. و (ثانيا) أنه على فرض التجوز في مثل التركيب المزبور لا يضرنا، بعد شهادة الوجدان القطعي على ما ادعيناه.

و مما استدل به على ما ذكرنا من المعنى قبول رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله إسلام من قال كلمة (لا إله إلاّ اللّٰه) إذ لو لم يدل الاستثناء من النفي على الإثبات في المستثنى، لما كانت هذه الكلمة بمدلولها دالة على الاعتراف بوجود الباري عزّ شأنه. و القول - بان هذه الدلالة في كل مورد كانت مستندة إلى قرينة خاصة - بعيد غاية البعد، بل المقطوع به خلافه، كالقطع بخلاف أن هذه الكلمة كانت سببا لقبول الإسلام شرعا، مع قطع النّظر عن مدلولها.

هذا و هذا الاستدلال، و ان كان حسنا، لكن لا يحتاج إليه بعد

الشرح

(209) و ذلك لظهور القضية في أن الصلاة غير الطهور، و به تتحقق، لمكان الباء، فلا محالة يكون المقصود نفي الحقيقة عن جميع الاجزاء و الشرائط بلا تحقق الطهور و إرادة الطهور من الصلاة و إطلاقها - عليه تجوزا لبيان أهمية الطهور على فرض صحته في مقامه - لا يصح في المقام، لمكان الباء، كما هو واضح.

كون المعنى الّذي ذكرنا متبادرا قطعيا من القضية. و هنا إشكال آخر معروف، و هو أن الخبر المقدر للفظة لا النافية للجنس إما موجود، و إما ممكن و على أي حال لا يدل الاستثناء على التوحيد الّذي هو عبارة عن الاعتقاد بوجود الباري، و نفى إمكان الشريك له عزّ شأنه، فانه على الأول الاستثناء يدل على حصر وجود الآلهة في الباري جل و علا، و لا يدل على نفى إمكان الشريك له جل شأنه. و على الثاني يدل على إثبات الإمكان لوجوده تعالى شأنه، لا على وجوده تعالى و لا يدفع هذا الإشكال جعل إلا تامة غير محتاجة إلى الخبر، فانه على هذا أيضا تدل القضية على نفى الآلهة و إثبات الباري جل اسمه، و لا تدل على عدم إمكان غيره.

و يمكن ان يجاب بان المراد بالإله المنفي هو خالق تمام الموجودات (210)، و بعد نفى هذا المعنى مطلقا و إثباته في الذات المقدسة، يلزم ان يكون كل موجود سواه جل جلاله مخلوقا له، و لا يمكن مع كونه مخلوقا أن يكون خالقا، فحصر وجود الإله في الباري جل و علا يدل - بالالتزام البين - على عدم إمكان غيره تعالى، فافهم.

الشرح

(210) الظاهر عدم ارتفاع الإشكال بذلك المعنى أيضا، لأن الخبر المقدّر إن كان (ممكن) فلا تدل القضية على وجود الخالق لتمام الموجودات، و ان كان (موجود) فلا تدل على نفي إمكان خالق غير الخالق بالفعل. نعم بحسب الملازمة العقلية انحصار الخالق - لجميع الموجودات وجودا في اللّٰه تبارك و تعالى - ملازم لعدم إمكان غيره، و كذلك عدم إمكان غيره ملازم لوجوده جلّ و علا، لكن المقصود دلالة اللفظ مع قطع النّظر عن الملازمة العقلية، و أما مع الملازمة العقلية الخارجية، فلا فرق بين تقدير واجب الوجود، و مستحق العبادة، و المستجمع لجميع الصفات الكمالية، و المعبود بالحق، فان وجود كل منها ملازم عقلا لعدم إمكان غيره و كذلك عدم إمكان غيره ملازم لوجوده، بل لوجوب وجوده. و الظاهر من لفظ الإله هو المعبود بالحق، حيث أن

بقي هنا شيء،

و هو أن الدلالة التي أشرنا إليها، هل هي داخلة في المنطوق أو المفهوم؟ و هذا و ان كان خاليا عن الفائدة، إذ ليسا بعنوانهما موردا لحكم من الأحكام، إلا انه لا بأس بذكر ذلك.

فنقول قولنا (أكرم العلماء الا زيدا) يشتمل على عقد إيجابي و سلبي، و دلالة العقد الإيجابي - بعد خروج زيد - على وجوب إكرام باقي العلماء دلالة المنطوق، و دلالة العقد السلبي على إثبات نقيض ذلك الحكم في المستثنى دلالة المفهوم (211)، إذ هي لازمة لخروج المستثنى عن تحت الحكم المتعلق بالمستثنى منه، كما أن دلالته - على حصر مورد وجوب الإكرام في الباقي، و حصر مورد نقيضه في المستثنى أيضا - داخلة في المفهوم، فان ذلك كله لازم المعنى المستفاد من أداة الاستثناء بالمطابقة،

الشرح

الشهادة بهذا النحو في قبال عبدة الأوثان لأنهم يعبدونها، من دون نظر إلى خالقيتها، أو كونها واجبة الوجود أو غير ذلك من المعاني المذكورة.

و كيف كان لو كان اللازم في الشهادة دلالة الكلام، من دون ضمّ مقدمة عقلية على وجود الخالق، و عدم إمكان غيره، فلا تدل القضية عليهما، و إن قدّر ما قدّر، و ان كانت الدلالة و لو بلحاظ العقل كافية فكل من هذه الوجوه كاف، و يمكن جعل المقدّر (ممكن) مع الشهادة على الوجود أيضا، بجعل الاسم الإله المفروض الوجود، فتتم الدلالة بلا انضمام شيء خارج.

(211) لا يبعد أن تكون دلالة العقد السلبي أيضا منطوقا، فان أداة الاستثناء آلة للإخراج، و ما يستفاد منها يحسب من المنطوق، كما يحسب من المنطوق ما يستفاد من سائر الأدوات، من غير فرق في ذلك بين أن يكون معناه حرفيا أو فعليا، كما قد يقال بالتفصيل، و إن أبيت عن ذلك فنقول: إن الدلالة على حصر المنطوق و حصر المفهوم يستفاد من الهيئة التركيبية، مع الاقتصار على إخراج ما ذكر، مع كونه في مقام إخراج ما خرج و بيان خروجه، فيكون الحصر فيهما منطوقا للجملة لا للمفردات.

و هو خروج المستثنى عن تحت الحكم السابق على وجه الحصر. و ان جعلنا كلمة إلا زيدا قرينة على إرادة وجوب إكرام الباقي على وجه الحصر من العقد الإيجابي، فتكون دلالة العقد الإيجابي - للقضية على حصر مورد وجوب الإكرام في الباقي - داخلة في المنطوق، و دلالته - على ثبوت نقيضه للمستثنى - داخلة في المفهوم المستفاد من حصر وجوب الإكرام في غيره.

و يحتمل بعيدا أن يكون الحصر مستفادا من تركيب العقد الإيجابي مع السلبي، بمعنى أن حصر مورد وجوب الإكرام في الباقي يستفاد من نفى وجوب إكرام زيد المستفاد من الاستثناء، و كذا حصر مورد نفى الوجوب في زيد يستفاد من نفى وجوب إكرام باقي العلماء المستفاد من قوله أكرم كل عالم فتدبر.

و من جملة ما ذكروه في عداد ما يفيد الحصر كلمة (انما)، و قد أرسلها النحاة إرسال المسلمات في كلماتهم، و قالوا إن ذلك - أعنى افادتها الحصر - جواز انفصال الضمير في مثل قول الفرزدق: (أنا الذائد الحامي الذمار و انما، يدافع عن أحسابهم انا أو مثلي) كما جاز في قولنا ما يدافع عن أحسابهم الا انا أو مثلي. و نقل تصريح أهل اللغة أيضا بإفادته الحصر.

و الإنصاف - كما اعترف به في التقريرات - عدم حصول الجزم بذلك. أما (أولا) فلعدم وجود ما يرادفه في عرفنا، حتى يستكشف الحال منه بمراجعة الوجدان. و أما (ثانيا) فنحن كلما راجعنا مواقع استعمال هذه الكلمة في كلمات الفصحاء، لم نجد موضعا إلا و يمكن المناقشة في استفادة الحصر من هذه الكلمة، لأجل قيام القرينة المقامية على الحصر أو غيرها. من تقديم ما حقه التأخير أو غير ذلك، بحيث لو حذفت لفظة انما

من الكلام لدلت القرائن على الحصر أيضا، و لذا يستفاد الحصر من قولنا (يدافع عن أحسابهم انا أو مثلي) بقرينة عطف أو مثلي. و هذا هو المجوز لانفصال الضمير، أ لا ترى أنه لو فرض مورد خال عن جميع تلك القرائن - كما في قولك إنما زيد قائم - لا يفهم منه الحصر، و إنما المستفاد هو التأكيد و أما إرساله في كلمات النحاة إرسال المسلمات، و كذا تصريح أهل اللغة، فلا يجدى شيء منهما في إفادة القطع، خصوصا مع ذكر التعليلات العليلة في كلامهم. نعم الّذي يمكن الجزم به أن مفاد تلك الجملة المصدرة بأنما - حصرا كان أو غيره - يصير آكد بواسطة تصديرها بهذه اللفظة و أين هذا من إفادة الحصر؟

(المقصد الخامس) (في العام و الخاصّ)

اشارة

اعلم ان العموم قد يستفاد من جهة وضع اللفظ، كلفظة (كل) و ما يرادفها، و قد يستفاد من القضية عقلا، كالنكرة الواقعة في سياق النفي، أو اسم الجنس الواقع في سياق النفي، حيث أن نفى الطبيعة مستلزم لنفي افرادها عقلا. و قد يستفاد من جهة الإطلاق، مع وجود مقدماته، كالنكرة في سياق الإثبات أو اسم الجنس كذلك و العموم المستفاد من الإطلاق قد يكون بدليا، و قد يكون استغراقيا حسب اختلاف المقامات.

(إشكال و دفع)

أما الإشكال فهو انه ليس لنا لفظ يدل على العموم، بحيث يستغنى عن التشبث بمقدمات الحكمة، فان الألفاظ الدالة على العموم كلفظة (كل) و أمثالها تابعة لمدخولها، فان أخذ مطلقا فالكل يدل على تمام افراد المطلق، و إن أخذ مقيدا فهو يدل على تمام افراد المقيد.

و المفروض أن مدخول (كل) ليس موضوعا للمعنى المطلق، كما أنه ليس موضوعا للمعنى المقيد، بل هو موضوع للطبيعة المهملة الغير الآبية عن

الإطلاق و التقييد فحينئذ قول المتكلم (كل عالم) لا يدل على تمام افراد العالم، إلا إذا أحرز كون العالم الّذي دخلت عليه لفظة (كل) مطلقا، و مع عدم إحرازه يمكن أن يكون المدخول هو العالم العادل مثلا، فتكون لفظة (كل) دالة على تمام افراد ذلك المقيد. و لذا لو صرح بهذا القيد لم يكن تجوز أصلا، لا في لفظ العالم و لا في لفظة (كل) و هو واضح.

و اما النكرة في سياق النفي و ما في حكمها، فلا يقتضى وضع اللفظ إلا نفى الطبيعة المهملة، و هي تجامع المقيدة، كما أنها تجامع المطلقة، و المحرز - لكون الطبيعة المدخولة للنفي هي المطلقة لا المقيدة - لا المقيدة - ليس إلاّ مقدمات الحكمة، كما أن المحرز - لكون الطبيعة المدخولة للفظة (كل) مطلقة - ليس إلاّ تلك المقدمات، إذ بدونها يتردد الأمر بين أن يكون النفي واردا على المطلق، و ان يكون واردا على المقيد.

و أما الدفع فهو أن الظاهر - من جعل مفهوم موردا للنفي، أو اللفظ الدال على العموم - كون ذلك المفهوم بنفسه موردا لأحدهما، لا أنه أخذ معرفا لما يكون هو المورد. و لا إشكال في أن ورود الكل على نفس مفهوم لفظ العالم (مثلا) يقتضى استيعاب تمام الافراد (212) كما أنه

الشرح

(212) <العام و الخاصّ:> و الحاصل: أن الطبيعة إذا جعلت موضوعا لحكم من الأحكام بلا دخل قيد فيها، فالظاهر من ذلك أنها بنفسها موضوع للحكم، لا أنها جعلت بنحو المعرفية لفرد من افرادها موضوعا، و لا بنحو الجزئية للموضوع، حتى يكون الجزء الآخر مضمرا أو مقدرا من دون دال لفظي عليه. و هذا ظهور لفظي يقتضيه الإسناد.

لا يقال: يمكن اسناد الحكم إلى الطبيعة بلحاظ كون فرد منها موضوعا، لأن العرض الوجوديّ يسري من الفرد إلى الطبيعة و يصح اسناده إليها من دون تجوّز

لا إشكال في أن ورود النفي عليه يقتضى نفى تمام الافراد (213). نعم يمكن كون الرّجل في قولنا لا رجل في الدار معرفا لفرد خاص منه، و يكون

الشرح

و اعتبار.

لأنه يقال: هذا في غير الاستيعاب لأن استيعاب حكم لقسم خاص من الطبيعة، لا يوجب صحة إسناد الاستيعاب إلى الطبيعة بلا قيد، و كذلك لا يصح الإنشاء بنحو الاستيعاب للطبيعة، ما لم يستوعب واقعا. و ذلك واضح. نعم يصح الإسناد إليها بنحو الإطلاق أي بلا دخل قيد فيه مع كون الموضوع حقيقة قسما خاصا من الطبيعة، لكن سيأتي أنه أيضا خلاف الظاهر. و حيث أن الظاهر من الإسناد المذكور أن الطبيعة بنفسها موضوع، و المعرفية أو الجزئية للموضوع أو التجوّز بنحو آخر خلاف الظاهر و الأصل، و لا يصح الإسناد بنحو الاستيعاب إلى الطبيعة، الا مع استيعاب الحكم واقعا، فلازم ذلك شمول الحكم لجميع الافراد، من دون خروج فرد.

هذا غاية التقريب في إثبات العموم.

لكن فيه: أن المقصود من ذلك كله إن كان شمول العام للافراد، بحيث لا يخرج منها فرد، فهو صحيح لا مجال لإنكاره، و إن كان المقصود إثبات الشمول للحالات، بحيث لا تخرج عنها حالة، فذلك غير تام، لأن الصيغة لم توضع لذلك، و ألفاظ العموم غير متعرضة للأحوال. غاية الأمر أن العام يكون بمنزلة تكرار ألفاظ الافراد، فأكرم العلماء يكون بمنزلة أكرم زيدا و عمراً و بكرا. و معلوم أن سريان الحكم المستفاد من أكرم زيدا إلى جميع حالاته يحتاج إلى مقدمات الحكمة، أو تقريب آخر، فكذلك الحكم المستفاد من العموم.

و الحاصل: أن العموم - و إن كان في عرض الإطلاق - لا يعرض إلا على الذات، كما لا يحتاج الإطلاق العارض على الطبيعة إلى مقدمات أخر، حتى ينجرّ إلى التسلسل، لكن كل منهما موضوع لشمول الحكم من جهة، و لا يغني أحدهما عن الآخر فتأمل.

(213) قد يقال: بأن ذلك فيما أخذ المفهوم بنحو السريان و الإطلاق، أما إذا أخذ مقيدا أو بنحو الإهمال - بمعنى عدم أخذ قيد فيه - فنفيه لا يقتضي إلا نفي هذا

النفي واردا عليه. و لكن هذا خلاف ظاهر القضية، فان الظاهر أن مفهوم لفظ الرّجل بنفسه مورد للنفي.

الشرح

المقيد أو المهمل الّذي يصدق بنفي فرد، فلا بد - في إثبات نفي تمام الافراد - من إثبات الإطلاق بمقدمات الحكمة. لكن الظاهر أن الأمر ليس كذلك، بل المفهوم إذا لوحظ و لم يلحظ معه قيد من القيود، فلا يصح الحكم بانعدامه، إلا مع انعدام جميع الافراد. نعم يصح الحكم بوجوده من دون تقييد، بمجرد وجود فرد من افراده، و هذا مراد القائل بأن المهملة في قوة الجزئية، بمعنى أن الطبيعة إذا أخذت بلا قيد، و أخبر عنها بحكم وجودي، يكفي في صحة الإسناد المذكور اتصاف جزئي من جزئياتها، و لذا لا يكون دليل ذلك دليلا على الزائد على الحكم الجزئي و ليس المقصود من ذلك الأحكام العدمية.

لا يقال: هذا لو أسند النفي إلى الجامع بين المطلق و المقيد، لكن الفرض أنه لم يوجد حتى في الذهن كذلك، حتى يصح الإسناد إليه، بل الموجود في الذهن أبدا إما مطلق و إما مقيد. و تعيين أحدهما ليس إلاّ بمقدمات الحكمة.

لأنه يقال: و ان لم يوجد الجامع في الذهن مستقلا بوصف الجامعية، لكنّ المفهوم إذا وجد في الذهن و لم يلحظ معه شيء حتى صفة الإطلاق، ثم جعل كذلك موضوعا للحكم، فتشخّص وجوده الذهني خارج عن الموضوع. و قد قلنا إن إسناد العدم كذلك إلى الطبيعة لا يصح إلا مع عدم جميع أفرادها، فذلك قرينة عقلية و دليل قطعي، من دون حاجة إلى المقدمات. و أما أنه لم يلحظ مع المفهوم شيء، فلأنه منفي بالأصول المعتبرة، كأصالة عدم التقدير و عدم القرينة، و أصالة ظهور القضية في أن الإسناد إلى المفهوم إسناد إلى من هو له، و بنفسه موضوع أولا و بالذات لا ثانيا و بالعرض، كما مرّ شرحه في طرف الإثبات. و هذا هو الفارق بين النكرة في سياق النفي و الإثبات، فان اسناد النفي إلى الرّجل من دون قيد، لا يصح إلاّ مع نفي جميع الافراد، بخلاف الإثبات، و هكذا الكلام بالنسبة إلى الحالات، بمعنى أنه لا يصح نفي صفة عن شيء بلا تقيده بحالة خاصة، إلاّ إذا لم يتصف بها في حالة من الحالات، بخلاف إثباتها له، لأنه يصح اسناد الاتصاف إليه باتصافه في بعض الأحوال.

و لا يرد أنه - بناء على هذا الظهور - يلزم عدم الاحتياج إلى مقدمات الحكمة في الحكم الإيجابي أيضا. توضيح الإشكال: أن ظاهر القضية الحاكية لتعلق الإيجاب بالطبيعة أنها بنفسها مورد للحكم، لا بما هي معرفة لصنف خاص منها، لعين ما ذكر في القضية المنفية، و لازم تعلق الحكم بالطبيعة بنفسها سريانه في كل فرد، فلا يحتاج فهم العموم من القضية إلى مقدمات الحكمة.

و بيان دفعه ان المهملة تصدق على وجود خاص حقيقة، فان كان الثابت في نفس الأمر الحكم المتعلق بوجود خاص منها، يصح نسبة الحكم إليها حقيقة، فإسراء الحكم إلى تمام الافراد لا يقتضيه وضع اللفظ، بل يحتاج إلى المقدمات. و هذا بخلاف النفي المتعلق بالطبيعة المهملة، فانه لا يصح إلا إذا لم تكن متحققة أصلا، إذ لو صح نفى الطبيعة مع وجود فرد خاص منها، لزم اجتماع النقيضين.

و محصل الكلام أنه لا شك في أن قولنا (كل رجل و قولنا لا رجل يفيدان العموم، من دون حاجة إلى مقدمات الحكمة. و السر في ذلك ما قلناه، و لو لا ذلك لما دل قولنا أكرم العالم مطلقا أيضا على الإطلاق، إذ الإطلاق أيضا أمر وارد على مفهوم لفظ العالم. و المفروض أنها مهملة تجتمع مع المقيد، و لذا لو قال (أكرم العالم العادل مطلقا) لم يكن تجوزا قطعا، كما ذكرنا في تقرير الشبهة في مدخول لفظ الكل و النفي، و لا شبهة في أن العرف و العقلاء لا يقفون عند سماع هذا الكلام، و لا يطلبون مقدمات الحكمة في مفهوم لفظ العالم الّذي ورد الإطلاق عليه.

و لعل هذا من شدة وضوحه خفي على بعض الأساتيذ فتدبر فيما ذكرناه.

(فصل في حجية العام المخصص في الباقي)

لا شبهة أن العام المخصص - سواء كان بالتخصيص المتصل أم المنفصل - حجة في الباقي، و ان كان قد يفرق بينهما من بعض جهات أخر كما يأتي إن شاء اللّٰه تعالى.

و الدليل على ذلك أن التخصيص لا يستلزم التجوز في العموم، حتى يبحث في أنه بعد رفع اليد عن معناه الحقيقي هل الباقي اقرب المجازات أو هو مساو مع سائر المراتب إلى ان تنتهي إلى مرتبة لا يجوز التخصيص إليها، لأن التخصيص ان كان متصلا، فان كان من قبيل القيود و الأوصاف، فهو تضييق لدائرة الموضوع (214)، و ان كان من قبيل الاستثناء، فهو إما إخراج عن الموضوع قبل الحكم، و إما إخراج عن الحكم (215)، فيستكشف أن شمول العام له من باب التوطئة و الإرادة الصورية الإنشائية لا الجدية (216). و على كل حال ليس حمل العام

الشرح

(214) <حجية العام المخصص في الباقي> و لا إشكال حينئذ في شمول الحكم لجميع افراد المقيد، و لا تخصيص في ذلك حقيقة، حيث لا إخراج في البين، بل جعل الحكم ابتداء لموضوع خاص.

(215) و هذا أيضا في حكم تقييد الموضوع، و لا إشكال في بسط الحكم لتمام أفراد الموضوع، و هو العلماء غير زيد مثلا، و كذلك إذا كان الإخراج عن الحكم، فان الظاهر أن المخرج منحصر بزيد مثلا، و لا ترديد فيه بحسب الظاهر. و الفرق بين القسمين هو: أن الاستثناء في الأول قرينة على تضييق الموضوع، و في الثاني على قصور الحكم.

(216) يمكن أن يجعل ذلك في قبال القسمين، لعدم إخراج شيء عن الموضوع

على باقي الافراد تجوزا فيه (217) بل ظهوره انعقد و استقر في الباقي من أول الأمر.

و إن كان التخصيص منفصلا، فالظاهر أنه يكشف عن عدم كون الخاصّ مرادا في اللب، مع استعمال لفظ العام في عمومه في مرحلة الاستعمال بأحد الوجهين الذين ذكرا في المتصل. و لا يخفى أن هذا الظهور الّذي يتمسك به لحمل العام على الباقي ليس راجعا إلى تعيين المراد من اللفظ في مرحلة الاستعمال، بل هو راجع إلى تعيين الموضوع للحكم جدا، فان جعلنا المخصص كاشفا عن عدم كون الخاصّ موضوعا للحكم في القضية، فنقول مقتضى الأصل العقلائي كون المعنى الّذي ألقى إلى

الشرح

و لا عن الحكم، بل إنشاء للجميع، و لم يكن بعضها مطابقا للإرادة اللبية.

(217) قد يقال: بان عدم التجوّز ليس إلا بأن يكون استعمال العام في الجميع محفوظا بجعل موضوع الحكم غير المستعمل فيه، و ذلك يستلزم أن يكون الموضوع غير المتصور، لأن المتصور بالفرض ليس إلاّ مجموع الافراد. و موضوع الحكم بعضها. و معلوم أن التصديق بلا تصور الموضوع محال.

لكن فيه: أن المتصور حين الاستعمال و إن كان جميع الافراد، لكن لا بنحو تكون صفة الاجتماع دخيلة في المتصور - كما في العام المجموعي - حتى يقال: إن الملحوظ بوصف الاجتماع غير كل واحد من الافراد، بل الملحوظ في العام الاستغراقي كل واحد من الافراد استقلالا، غاية الأمر بمرآة واحدة و لا يحتاج الحكم إلى أزيد من ذلك، و لذا يجعل كل واحد تحت حكم مستقل، و لو لا ذلك، لما صح جعل أحكام عديدة لمتصور واحد خصص العام أم لم يخصص، فلا محذور في جعل بعض ما لوحظ مستقلا موضوعا للحكم، و إخراج البعض الآخر عنه.

ثم انه لو قلنا بأن الاستثناء قرينة على إرادة الباقي تجوزا، لا يبعد أيضا القول بعدم الإجمال في المتصل، لأن الظاهر - من اقتصار المتكلم على بعض الافراد عند التخصيص - انحصار المخرج بالمذكور. نعم لا ظهور للمنفصل في ذلك.

المخاطب موردا للحكم في القضية بتمامه، و إذا علمنا عدم دخول جزء منه تحت الحكم، فمقتضى الأصل دخول الباقي. و إن جعلناه كاشفا عن عدم كونه موردا للحكم الجدي، بعد شمول الحكم الإنشائي المجعول في القضية له، فنقول مقتضى الأصل كون الإرادة المنشأة في القضية مطابقة مع اللب، و خرج عن تحت هذا الأصل الإرادة المنشأة في القضية المتعلقة بالخاص، فبقي الباقي.

هذا لكن لا يخفى أن هذا انما يجري في العام الاستغراقي، حيث أنه ينحل إلى إرادات عديدة متعلقة بموضوعات كذلك، فخروج واحدة منها عن تحت الأصل المذكور لا يضر بالباقي. و أما المجموعي فحيث أن الإرادة فيه واحدة، فينحصر وجه حمله على الباقي بعد خروج البعض في الأول فتدبر فيه.

احتج النافي لحجية العام في الباقي بالإجمال، لتعدد المجازات حسب مراتب العام، و تعيين مرتبة خاصة تعيين بلا معين. و قد أجيب بأن الباقي اقرب المجازات. و فيه ان المدار ليس على الأقربية بحسب الكم و المقدار، بل المعيار الأقربية بحسب زيادة الأنس الناشئة عن المناسبة الخاصة بين المعنيين.

و في تقريرات شيخنا المرتضى (قدس سره) ما محصله أن دلالة العام على كل فرد غير منوطة بدلالته على الآخر. و لو فرض كون دلالة العام على الباقي دلالة مجازية، فمجازيته انما هي بملاحظة عدم شموله للافراد المخصوصة، لشمول لباقي الافراد، فالمقتضي لحمله على الباقي موجود، و المانع مفقود، لاختصاص المخصص بغيره انتهى ملخص كلامه (قدس سره).

و لا يخفى ما فيه، إذ الدلالة - المستفادة من القضية المشتملة على

لفظ الكل مثلا على كل فرد - إنما هي من جهة السور المحيط بتمام الافراد الدال عليه لفظ الكل حقيقة، و بعد فرض صرف اللفظ عن هذا المعنى و استعماله في معنى آخر، لا يعلم أن ذلك المعنى المجازي هل هو معنى محيط بالباقي أو الأقل.

و بعبارة أخرى ليس كل فرد مستقلا مدلولا ابتدائيا للفظ الكل، حتى تكون له مداليل متعددة، فيجب حفظ ما لم يعلم خلافه، بل الانتقال إلى كل فرد مستقلا إنما هو ببركة ذلك المعنى الواحد الّذي جعل مرآة لملاحظة الافراد و بعد رفع اليد عن ذلك المعنى، من أين لنا طريق إلى الباقي. و الأولى في الجواب ما قررناه.

(فصل)

اشارة

إذا خصص العام بمخصص، و كان مرددا بين متباينين، يسقط عن الاعتبار في كليهما، سواء كان المخصص متصلا أم منفصلا، و سواء كان الترديد من جهة الشبهة في المفهوم أم في المصداق.

و أما إذا خصّص بشيء مردد بين الأقل و الأكثر، فان كان من جهة الشبهة في المصداق، فسيأتي الكلام فيه، و إن كان من جهة الشبهة في المفهوم، فلا إشكال في سراية إجماله إلى العام لو كان المخصص متصلا، لأن المجموع كلام واحد، و لا يتم ظهوره إلا بعد تماميته و خلوه عن الصارف، إما بالقطع و إما بأصالة عدمه. و ليس أحدهما في المقام.

أما الأول فواضح. و اما الثاني فلعدم بناء العقلاء على التشبث بها، بعد وجود ما يصلح لأن يكون صارفا.

و أما إذا كان منفصلا فقد استقر بناء مشايخنا على التمسك بالعموم في

الفرد المشكوك انطباق عنوان المخصص عليه. و استدلوا على ذلك بان العموم قد تم و استقر ظهوره في كل فرد، إما بالقطع بعدم المخصص المتصل، و إما بواسطة الأصل، حيث أنه شك في أصل وجوده، فهو حجة في نفسه، و لا يرفع اليد عنها إلاّ بحجة أخرى أقوى منها. و المخصص المجمل - المردد بين الأقل و الأكثر بحسب المفهوم - ليس حجة إلا في القدر المتيقن، و في هذا المقدار يرفع اليد عن ظهور العام قطعا. و أما الزائد فليس المخصص حجة فيه، فرفع اليد عن العموم فيه طرح للحجة المستقرة، من دون معارض.

و فيه نظر، لإمكان أن يقال: إنه بعد ما جرت عادة المتكلم على ذكر التخصيص منفصلا عن كلامه، فحال المنفصل في كلامه حال المتصل في كلام غيره، فكما أنه يحتاج في التمسك بعموم كلام سائر المتكلمين إلى إحراز عدم المخصص المتصل إما بالقطع و إما بالأصل، كذلك يحتاج - في التمسك بعموم كلام المتكلم المفروض - إلى إحراز عدم المخصص المنفصل أيضا كذلك، فإذا احتاج العمل بالعامّ إلى إحراز عدم التخصيص بالمنفصل، فاللازم الإجمال فيما نحن فيه، لعدم إحراز عدمه لا بالقطع و لا بالأصل. أما الأول فواضح و أما الثاني فلما مضى من أن جريانه مختص بمورد لم يوجد ما يصلح لأن يكون مخصصا. و المسألة محتاجة إلى التأمل (218).

الشرح

(218) الظاهر أن العادة المذكورة لا تضر بظهور الكلام و حجيته، و في الحقيقة تستقر العادة من ذلك المتكلم على إتيان حجة أقوى من الأولى، و ذلك غير مضر بحجية الأولى و ان كثر، كما اشتهر انه ما من عام إلاّ و قد خصّ، و مع ذلك لا يمنع عن حجية العام عندهم، نعم فيما علم التخصيص إجمالا في الشبهة المحصورة لا يجوز التمسك بالعامّ مطلقا أو مع شرائط العلم و هو كلام آخر.

(الشبهة المصداقية)

لو كان المخصص مجملا بحسب المصداق، بان كان المشتبه فردا للعام، و تردد بين أن يكون فردا للعنوان الخاصّ أو باقيا تحت عموم العام، فلا إشكال في عدم جواز التمسك بالعامّ فيما إذا كان المخصص متصلا بالكلام، لعدم انعقاد ظهور العام من أول الأمر، إلا في غير مورد العنوان الخاصّ. و أما إذا كان المخصص منفصلا، فقد يتوهم جواز التمسك به فيما شك انطباق العنوان الخاصّ عليه، بعد انطباق العنوان العام عليه قطعا.

و غاية ما يمكن أن يقال في تقريب ذلك أن قول القائل - أكرم العلماء - يدل بعمومه الأفرادي على وجوب إكرام كل واحد من العلماء، و بإطلاقه على سراية الحكم إلى كل حالة من الحالات التي تفرض للموضوع. و من جملة حالاته كونه مشكوك الفسق و العدالة، كما انه من جملة حالاته كونه معلوم العدالة أو معلوم الفسق، و بقوله لا تكرم الفساق من العلماء قد علم خروج معلوم الفسق منهم، و لا يعلم خروج الباقي، فمقتضى أصالة العموم و الإطلاق بقاء المشكوك تحت الحكم.

لا يقال إن قوله لا تكرم الفساق من العلماء قد اخرج الفاسق الواقعي من الحكم، لا الفاسق المعلوم، فالفرد المردد لو صدق عليه عنوان الخاصّ محكوم بحكمه واقعا، فكيف يجتمع هذا الحكم مع الحكم الّذي أتى من قبل العام؟ لأنا نقول حال الحكم الواقعي - المفروض مع الحكم الّذي أتى من قبل العام - حال الأحكام الواقعية مع الأحكام المتعلقة بالشيء في

حال الشك، فالكلام في المقام هو الكلام فيها إشكالا و دفعا (219).

و فيه أن الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي إنما هو من جهة أن الشك في أحدهما مأخوذ في موضوع الحكم الآخر، و ليس شمول العام للفرد - حال كونه مشكوك العدالة و الفسق - بلحاظ كونه مشكوك الحكم، لعدم إمكان ملاحظة الشك في حكم المخصص موضوعا في الدليل المتكفل لجعل الحكم الواقعي، للزوم ملاحظة حال الشك إطلاقا و قيدا (220) و هما ملاحظتان متباينتان، فحينئذ لا يمكن الجمع بين كون

الشرح

(219) و أيضا يمكن أن يقال: إن حال الشبهة في المصداق حال الشبهة في المفهوم إشكالا و جوابا، فان اقتصر في الثانية على القدر المتيقن من المخرج، و هو المقدار الّذي يكون الخاصّ فيه حجة فكذلك في الأولى.

فان قيل: إن المخرج في الأولى هو المعنون بعنوان الخاصّ واقعا، فيصير العام معنونا بعنوان غير الخاصّ، فإذا اشتبه ذلك العنوان، فعنوان العام أيضا غير محرز، فلا يجوز التمسك بالعامّ.

قلنا: المخرج في الثانية أيضا نفس المراد الواقعي من الخاصّ، و لازم ذلك أيضا التوقف.

و الجواب عن أصل الإشكال أن الكلام (تارة) في الجمع بين دليلين، و تعيين مدلولهما بحسب الواقع و نفس الأمر. و (أخرى) في الجمع بين حجتين.

أما في المقام الأول فنقول: المخرج هو المعنون بعنوان الخاصّ واقعا، بلا دخل للعلم فيه، من غير فرق في ذلك بين الشبهتين.

و أما في المقام الثاني فنقول: الخاصّ المبين مقيد للعام، فيما يكون ظهوره فيه مستحكما، و هو نفس العنوان الواقعي، فيكون كالمتصل، و لازمه عدم حجية العام في المصداق المردد بين العام و الخاصّ، بخلاف الخاصّ المجمل، فانّه لا يقيد العام إلا فيما يكون ظهوره فيه مستحكما، و هو المقدار المتيقن، و لا يكون له ظهور في الزائد، حتى يقال بتقييد العام بذلك في الواقع.

(220) قد يقال: إن الحكم الظاهري غير ملازم لجعل الشك قيدا للموضوع،

الفرد المشكوك الفسق واجب الإكرام، و لو كان فاسقا في الواقع، و بين عدم وجوب إكرام كل فاسق في الواقع، كما هو مفاد المخصص، فالفرد المشكوك - لو كان عادلا - يجب إكرامه بحكم العموم، و لو كان فاسقا لا يجب بحكم المخصص. و تعيين أن الفرد المذكور هل هو عادل أو فاسق ليس على عهدة أحد الدليلين، بل قد يكون المتكلم بكلا الدليلين أيضا شاكا، فلا معنى للتمسك بأصالة العموم لتعيين مراده، كما هو واضح.

الشرح

بل يمكن جعل الحكم في حال الشك، كما في الأمارات، فإذا كان ذات الخاصّ بحسب الواقع موضوعا لحكم بمقتضى دليله، و في حال الشك في ذلك الحكم محكوما بحكم آخر بمقتضى دليل العام، فذلك حكم ظاهري مجعول في حال الجهل بالواقع، لا بمعنى أخذ موضوع العام العنوان الشامل له، مع وصف كونه مشكوك الحكم، حتى يقال باستحالة لحاظ المتصف بالشك في الحكم في عرض الذات، لأنه مرتب على حكمها، بل الموضوع في العام و الملحوظ فيه ليس إلاّ ذات المعنون بعنوان العام. و إطلاقه يقتضي سريانه إلى جميع حالاتها، و منها حال الشك في شمول حكم آخر لبعض افرادها مثلا.

لكنه مخدوش: بأن الإطلاق يقتضي سريان الحكم إلى حالات الموضوع، مع قطع النّظر عن الحكم المجعول. و اما الحالات الطارئة عليه - بلحاظ ذلك الحكم - فلا يشملها الإطلاق. و معلوم أن الشك في شمول حكم المخصص لفرد شك في كونه محكوما بحكم العام، و هو غير مشمول للإطلاق.

و أما جواز التمسك بالعامّ في المجمل المفهومي، فلان العام بمدلوله و إن لم يشمل حال الشك في نفسه، لكن أصالة العموم أصل موضوعها ليس إلاّ الشك في خروج فرد منه و عدمه، و بها يجعل حكم ظاهري للفرد المشكوك فيه. و أما في الشبهة المصداقية فليس شك بإطلاقه الأصولي، إلا أن يقال إن شمول العام - لحالات الافراد في مقام الظهور و الدلالة - و إن كان تابعا لشموله لذات الفرد، لكن في مقام الحجية لا تبعية له، و يمكن التفكيك. و فيه ما لا يخفى.

و بعبارة أخرى بعد خروج الفساق في الواقع من قوله أكرم العلماء، تبقى حجية العام بالنسبة إلى العلماء الغير الفساق، فكأنه ورد من أول الأمر كذلك، فكما أنه لو ورد من أول الأمر مقيدا بعدم الفسق - إذا شككنا في عدالة فرد من العلماء و فسقه - لم يكن للتمسك بالعموم مجال، كذلك لو ورد المخصص بعد صدور العام بصورة العموم. نعم لو ظهر - من حال المتكلم أن تكلمه بالعموم مبنى على الفحص عن حال افراده، و وضوح أنه ليس من بينها ما ينطبق عليه عنوان الخاصّ - صح التمسك بالعموم، و استكشاف أن الفرد المشكوك فيه ليس داخلا في الخاصّ.

و هذا في المخصصات اللبية غالبا. و قد يتحقق في اللفظية أيضا، لكن بشرط كون النسبة بين الدليلين عموما من وجه، نظير الدليل على جواز لعن بنى أمية، و الأدلة الدالة على حرمة سب المؤمن. و أما إذا كان المخصص أخص مطلقا، فلا مجال لما ذكرنا قطعا، ضرورة أنه لو كان حال افراد العام مكشوفة لدى المتكلم، و انه لا ينطبق على أحد منها عنوان المخصص، لكان التكلم بالدليل الخاصّ لغوا.

و مما ذكرنا يظهر أنه ليس المعيار في عدم جواز التمسك كون المخصص لفظيا، كما أنه ليس المعيار في الجواز كونه لبيا، بل المعيار ما ذكر فتأمل فيه.

(تنبيه)

بعد ما عرفت سقوط العام عن الاعتبار، فيما شك في انطباق عنوان المخصص، من جهة الشبهة في المصداق، فالمرجع في الفرد المشكوك فيه إلى الأصل المنقح للموضوع - لو كان - و إلاّ فإحدى القواعد الأخر:

من البراءة أو الاحتياط أو التخيير، حسب اختلاف المقامات و هذا لا إشكال فيه، كما أنه لا إشكال في أنه لو كانت له حالة سابقة مع حفظ وجوده، و شك في بقائها، يحكم بواسطة الاستصحاب بكونه محكوما بحكم العام أو الخاصّ (221) و إنما الكلام في أنه لو لم تكن له حالة سابقة مع حفظ وجوده، فهل يكفى استصحاب العدم الأزلي المتحقق بعدم الموضوع، في جعله محكوما بحكم العام أولا؟ مثلا إذا شك في امرأة انها قرشية أولا، فهل يصح استصحاب عدم قرشيتها، و الحكم بان الدم الّذي تراه بعد الخمسين محكوم بالاستحاضة أولا؟ قد يقال بالصحّة نظرا إلى ان الباقي تحت العام لم يكن معنونا بعنوان خاص، بل يكفى فيه عدم تحقق العنوان، و عدم الوصف لا يحتاج إلى الموضوع الخارجي. و لذا قالوا إن السالبة لا تحتاج إلى وجود الموضوع، بخلاف الموجبة فالمرأة الموجودة لم تكن بقرشية قطعا، فان النسبة بينها و بين قريش تتوقف على تحقق الطرفين. و على هذا كان إحراز المشتبه بالأصل الموضوعي - في غالب الموارد إلا ما شذ - ممكنا.

و فيه ان الأثر الشرعي لو كان مترتبا على عدم تحقق النسبة، أو على عدم وجود الذات المتصفة، أو على عدم الوصف للذات - مع تجريدها عن ملاحظة الوجود و العدم - لصح الاستصحاب، لتحقق الموضوع المعتبر في باب الاستصحاب. و أما لو كان الأثر مترتبا على عدم الوصف للموضوع، مع عناية الوجود الخارجي، فلا يمكن الاستصحاب الا

الشرح

(221) مثل ان يكون الفرد قبل ورود العام و الخاصّ محكوما بحكم العام بدليل آخر، فيستصحب حكم العام، أو محكوما بحكم الخاصّ كذلك، فيستصحب حكم الخاصّ.

بعد العلم بان الموضوع - مع كونه موجودا في السابق - لم يكن متصفا بذلك الوصف (222). و استصحاب عدم النسبة إلى حين وجود الموضوع - أو استصحاب عدم تحقق الموضوع المتصف كذلك، أو استصحاب عدم الوصف للذات، مع عدم ملاحظة الوجود و العدم، كذلك - لا يثمر في إثبات السالبة التي فرضناها موضوعة للأثر إلا بالأصل المثبت. و لا يبعد كون المثال من قبيل الأول.

(تذنيبات)

(الأول)

أنه لو أخذ في موضوع حكم رجحانه و استحبابه، أو جوازه من حيث هو، كموضوع وجوب الوفاء بالنذر، و كإطاعة الوالدين

الشرح

(222) الظاهر أنه لا إشكال في عدم جريان الاستصحاب لو كان الأثر مترتبا على العدم، بنحو ليس الناقصة، لعدم اليقين بوجود الموضوع و عدم المحمول في السابق، إنما الإشكال فيما إذا كان مترتبا على الوجود بنحو كان الناقصة، و أردنا نفيه باستصحاب العدم، كما في مثال القرشية، على تقدير كون الأثر لقرشية المرأة الموجودة، فانه قد يقال بجواز استصحاب العدم الأزلي لنفي أثر الوجود، حيث أن نفي المحمول المترتب على الموضوع الموجود - كما يصح مع وجود الموضوع - كذلك يصح مع نفي الموضوع أيضا.

لكن الظاهر عدم الجريان فيه أيضا، لأن النفي و إن كان صادقا بنفي الموضوع، لكن اللازم في الاستصحاب اتحاد القضية المتيقنة و المشكوكة. و السالبة بانتفاء الموضوع التي هي المتيقنة، غير السالبة بانتفاء المحمول التي هي المشكوكة. نعم مقتضى بقاء نفي المحمول - مع العلم بوجود الموضوع - نفي المحمول فقط. لكن ذلك بحكم العقل، و لا يثبت إلا على القول بالأصل المثبت، لأن الموضوع موجود بالوجدان و المحمول مستصحب من الأزل، فتثبت السالبة بانتفاء الموضوع لو كان المثبت حجة.

و أمثال ذلك، فلا بد - في الاستدلال بدليل ذلك الحكم - من إثبات رجحان ذلك الموضوع أو جوازه، و لا يمكن أن يستكشف ذلك من عموم الدليل المذكور، فان التمسك بالعامّ يتوقف على إحراز موضوعه. و هذا واضح، لكنه نسب إلى بعض التمسك بعموم دليل وجوب الوفاء بالنذر، للحكم بصحة الوضوء و الغسل المنذورين بمائع مضاف لو شك في صحته و بطلانه. و ربما يؤيد ذلك ما ورد من صحة الإحرام قبل الميقات، و الصيام في السفر إذا تعلق بهما النذر، و يؤيد أيضا حكمهم بصحة النافلة في وقت الفريضة إذا تعلق بها النذر.

و الحق أنه لا يجوز التمسك بالعامّ فيما شك من غير جهة تخصيصه، و الوضوء و الغسل بالمائع المضاف لو كانا باطلين، لم يلزم تخصيص في دليل النذر، فكيف يستكشف صحتهما من عموم دليل النذر؟ و أما صحة الصوم في السفر بعد النذر، و الإحرام قبل الميقات كذلك بعد وجود الدليل على ذلك، فبالجمع بين الدليل المفروض و دليل الوفاء بالنذر إما باستكشاف رجحانهما الذاتي (223)، و إنما المانع في تعلق الأمر الاستحبابي أو الوجوبيّ بالعنوان الأولى، و إما بصيرورتهما راجحين بنفس النذر، بعد ما لم يكونا كذلك، لكشف دليل صحتهما عن عروض عنوان راجح ملازم لتعلق النذر بهما، و إما بالالتزام بالتخصيص في عموم دليل النذر المقتضى لعدم انعقاده إلا فيما إذا كان المنذور راجحا.

و على الأخير يقصد التقرب بامتثال امر النذر، و لا يضر تحقق القدرة بنفس الأمر، كما حقق في محله.

الشرح

(223) هذا على القول بكفاية الرجحان الذاتي في صحة النذر، و لو كان بالعرض مرجوحا، لكن الظاهر أنه خلاف الواقع، بل يشترط الرجحان الفعلي.

و أما صحة النافلة في وقت الفريضة بالنذر - و إن قلنا بكونها محرمة بدونه - فلان النذر مخرج لها عن موضوع الحرمة، فلا مانع لرجحانها حينئذ فيعمها دليل الوفاء بالنذر.

ان قلت خروج النافلة المفروضة عن كونها محرمة يتوقف على تعلق الوجوب بها، و هو يتوقف على خروجها عن كونها محرمة. و هذا دور.

قلت خروجها عن موضوع الحرمة لا يتوقف على تعلق الوجوب الفعلي بها، بل يكفى كونها بحيث لو لا جهة عروض الحرمة لكانت واجبة، و هذه القضية التعليقية متحققة بالنذر قطعا (224) و وجه خروجها - بعد صدق هذه القضية التعليقية - عن موضوع الحرمة هو ان النافلة المحرمة هي النافلة التي - لو لا عروض جهة الحرمة - لكانت متصفة بالنفل الفعلي، فتدبر فيه جيدا.

(الثاني)

انه لو ورد عام، و علمنا بعدم كون فرد محكوما بحكم العام، و شككنا في كونه فردا له حتى يكون تخصيصا، أو ليس بفرد

الشرح

(224) لا يخفى أنه لو لا حكم النذر و وجوب الوفاء به، لما كانت هذه القضية التعليقية متحققة بنفس النذر قطعا، فيرجع الأمر بالاخرة إلى توقف الموضوع على الحكم، و يعود المحذور، إلا أن يقال بعدم توقف الموضوع على شخص الحكم المجعول في القضية، بل يكفي في تحقق تلك القضية جعل الحكم لطبيعة النذر. و لا إشكال في تحقق فرد من أفراد الموضوع ببركة جعل الحكم لطبيعة الموضوع، كما في شمول الحكم للخبر مع الواسطة.

و قد فصّل شيخنا المرتضى (قدس سره) في صلاته بين نذر طبيعة النافلة في الوقت، فحكم بالصحّة في الأول دون الثاني.

و الظاهر عدم الفرق بين القسمين، فان قلنا بإمكان تحقق الموضوع بالنذر، صحّ في كليهما، و إلاّ فلا يصح في الأول أيضا، و إن شئت فراجع.

له، (مثلا) لو علمنا بعدم وجوب إكرام زيد، و شككنا في أنه عالم حتى يكون تخصيصا في العام المقتضى لوجوب إكرام العلماء، أو ليس بعالم، فهل يحكم بواسطة عموم العام بعدم دخول ذلك الفرد المعلوم الحكم في افراد العام أولا؟ يظهر من كلماتهم التمسك بأصالة عموم العام، و استكشاف أن الفرد المفروض ليس فردا له، إذ بعد ورود الدليل على وجوب إكرام كل عالم، يصح أن يقال كل عالم يجب إكرامه، و ينعكس بعكس النقيض إلى قولنا كل من لا يجب إكرامه ليس بعالم، و هو المطلوب.

و من ذلك استدلالهم على طهارة الغسالة بأنها لا تنجس المحل (225)، فان كانت نجسة غير منجسة، لزم التخصيص في قضية كل نجس ينجس. و أمثال ذلك غير عزيز في كلماتهم و كلمات شيخنا المرتضى (قدس سره).

هذا و لكن للتأمل فيه مجال، لإمكان أن يقال: إن التمسك - بأصالة عدم التخصيص عند العقلاء - مختص بحال الشك في إرادة المتكلم، فلو كان المراد معلوما، و شك في كيفية استعمال اللفظ، لم نعلم من بناء العقلاء التمسك بها، و هذا نظير ما يقال من أن الأصل في

الشرح

(225) كما استدل به السيد (قدس سره) و استدل الشيخ الأنصاري (قدس سره) لنجاستها بعدم الرافعية للحدث، لأن كل طاهر رافع للحدث، و هذه غير رافعة، فليست بطاهرة. و أيضا استدل في المكاسب لملكية المأخوذ بالمعاطاة بعموم عدم جواز التصرف في ملك الغير، حيث يجوز التصرف في المأخوذ بالمعاطاة.

و كيف كان فرق بين المقام و بين التمسك بأصالة الحقيقة، مع القطع بالمراد و الشك في الوضع، فان المقام يمكن إرجاع الشك فيه إلى الشك في المقصود من العام و لو لبا.

الاستعمال الحقيقة عند تمييز المعنى الحقيقي من المجازي، و الشك في إرادة المعنى الحقيقي. و أما لو علمنا بمراد المتكلم، و لم نعلم بأنه معنى حقيقي للفظ أو مجازي، فبناء المشهور على عدم التمسك بأصالة الحقيقة.

و بالجملة يمكن التفكيك بين الموردين في التمسك، و بعد إمكان ذلك يكفى في عدم جواز التمسك الشك في بناء العقلاء.

(الثالث)

أن الحكم المتعلق بالعامّ إذا علل بعلة، لو علم بعدم العلة في بعض افراد العام، يقيد مورد الحكم بغيره. و أما لو شك في ذلك، فيتمسك بظاهر العموم، و يستكشف وجود العلة في الافراد المشكوك فيها. و من هنا علم أن تقييد مورد الحكم بواسطة العلة المنصوصة ليس بمثابة ورود موضوع الحكم مقيدا من أول الأمر، فلو قال أكرم العلماء العدول، لم يصح لنا التمسك به في مشكوك العدالة و الفسق. و أما لو قال أكرم العلماء فانهم عدول، فلو شككنا في عدالة فرد، نحكم بعدالته بحكم القضية، فان الظاهر منها تحقق العدالة في كل فرد من العام.

(فصل في التمسك بالعامّ) (قبل الفحص عن المخصص)

هل يجوز التمسك بالعامّ قبل الفحص عن مخصصه؟ فيه خلاف، الأقوى عدم الجواز، لعدم سيرة العقلاء على التمسك، ما دام العموم في معرض أن يكون له مخصص، بحيث لو تفحص عنه لظفر به، و لا أقل من الشك. و يكفى ذلك في عدم الحجية نعم العمومات التي ليست في معرض ذلك - كغالب العمومات الواقعة في ألسنة أهل المحاورة - لا شبهة

في أن السيرة على التمسك بها بلا فحص عن المخصص، و هذا مما لا ينبغي الإشكال فيه.

إنما الإشكال في أن بناءهم على الفحص في القسم الأول هل هو من قبيل الفحص عن المعارض، كما يجب الفحص عن معارض الخبر الجامع لشرائط الحجية، أو من جهة إحراز شرط الحجية؟ لا يبعد أن يكون الفحص من قبيل الثاني (226)، فانه بعد ما يرى من حال المتكلم ذكر قرائن كلامه غير متصلة به غير مرة، فحال المخصص المنفصل في كلامه كحال المتصل في كلام غيره، فكما أنه لا يجوز التمسك بالعامّ قبل إحراز عدم المخصص المتصل إما بالعلم أو بالأصل، فكذلك لا يجوز التمسك به قبل إحراز عدم المخصص المنفصل في كلام المتكلم المفروض. فلما كان الأصل غير جار الا بعد الفحص عن مظان الوجود، يجب الفحص عن المخصص.

و تظهر الثمرة فيما إذا اطلع على مخصص مردد بين الأقل و الأكثر، فعلى الأول يؤخذ بالمتيقن من التخصيص، و يرجع إلى عموم العام في غيره، و على الثاني يسرى إجماله إلى العام. و قد تقدم بعض الكلام في ذلك.

الشرح

(226) <التمسك بالعامّ قبل الفحص عن المخصص> قد مرّ أن الأقوى كونه من قبيل الأول، و أن البناء - على إتيان حجة أقوى على خلاف ما أقام عليه الحجة أولا - لا يخرج العام عن الحجية.

(فصل في الخطاب الشفهي)

هل الخطابات الشفهية من قبيل (يا أيها الذين آمنوا) تختص بالمشافهين و الحاضرين لمجلس الخطاب، أو تعم الغائبين و المعدومين؟ و الّذي يمكن أن يكون محلا للكلام و موردا للبحث بين الاعلام أمور:

(الأوّل) انه هل يصح خطاب المعدومين و الغائبين بالألفاظ الدالة عليه، و توجيه الكلام نحوهم أم لا؟ (الثاني) انه هل يصح تعلق الحكم بالمعدومين، كما يصح تعلقه بالموجودين أم لا؟ (الثالث) أنه هل الألفاظ المشتملة على الخطاب تعم غير المشافهين، بعد الفراغ عن الإمكان أم لا؟ و النزاع على الأولين عقلي، و على الثالث لفظي.

إذا عرفت ذلك فنقول: لا إشكال في عدم صحة تكليف المعدوم فعلا على نحو الإطلاق، كما أنه لا إشكال في عدم صحة توجيه الكلام نحوه بداعي التفهيم فعلا، سواء كان بالأداة الدالة على الخطاب أم بغيرها.

و هذا مما لا يحتاج إلى بيان و برهان. و أما إنشاء التكاليف فعلا لمن يوجد بملاحظة زمان وجوده و استجماعه لسائر شرائط التكليف، فهو بمكان من الإمكان (227)، نظير إنشاء الوقف فعلا للطبقات الموجودة بعد ذلك في الأزمنة اللاحقة، بملاحظة ظرف وجودها، كما أن توجيه الخطاب نحو

الشرح

(227) بمعنى أن يكون وجود المأمور و شرائط التكليف مفروض الوجود عند الإنشاء كما مر في الواجب المشروط. و لا يخفى أنه على ما اختاره في الكفاية من أن

المعدوم - لا لغرض التفهيم، بل لأغراض أخر بعد تنزيله منزلة الموجود - خال عن الإشكال، كمن يخاطب ولده الميت أو أباه الميت تأسفا و تحسرا، و لا يوجب التجوز اللغوي في الأداة الدالة على الخطاب، كما لا يخفى.

و الظاهر أن توجيه الخطاب نحو المعدوم - حين الخطاب، بملاحظة ظرف وجوده، و صيرورته قابلا للمخاطبة - لا إشكال فيه، فيكون حال النداء المشروط بوجود المنادى بالفتح، حال الوجوب المشروط بوجود من يجب عليه. نعم نفس هذا النداء - الصادر في زمان عدم وجود المنادى بالفتح - لا يمكن أن يكون موجبا لتفهيمه حتى في زمان وجوده، لعدم ثباته و بقائه في الخارج إلى ذلك الزمان، بل يحتاج إلى شيء آخر يحكى عنه، كالكناية التي تبقى إلى حال وجوده، و مثل ذلك.

إذا عرفت ذلك فنقول: لو كان الكلام في تكليف المعدوم على نحو الإطلاق، و كذا خطابه بغرض التفهيم فعلا، فلا إشكال في عدم

الشرح

الإرادة عبارة عن مرتبة خاصة من الشوق، فيمكن تعلّقها فعلا بأمر استقبالي. و اختار ذلك في الواجب المعلق. و لا فرق بين أن يكون الفعل استقباليا من قبل المكلف، أو من جهات أخر مع وجود المكلف، فان المناط في الاستحالة - على القول به - عدم إمكان تحقق المراد فعلا، من غير فرق في منشأ ذلك. فما اختاره في المقام من الاستحالة لا يلائم مختاره في الواجب المعلق فراجع.

نعم لا يبعد عدم انتزاع الوجوب إذا كان المكلف معدوما إلا بعد وجوده، كما في ملك الوقف، فانه و إن أنشأ الواقف فعلا الملك لجميع البطون اللاحقة، لكن لم تنتزع الملكية لكل بطن الا بعد وجوده. و لذا لا تنافي بين مالكية البطن الموجود و بين مالكية البطون اللاحقة، فافهم.

إمكانه عقلا. و ان كان على نحو آخر مر بيانه، فالظاهر أيضا عدم الإشكال في إمكانه. و أما دلالة ألفاظ الكتاب العزيز على شمول التكليف و الخطابات للمعدومين أيضا على نحو ما تصورنا، فلا يبعد دعواها، حيث أنزل لانتفاع عامة الناس إلى يوم القيامة، و ما كان هذا شأنه بعيد جدا أن تكون خطاباته - و التكاليف المشتمل هو عليها - مختصة بطائفة خاصة، ثم علم من الخارج اشتراك سائر الطوائف معها في التكليف، فتدبر.

ثم إنهم ذكر و العموم الخطابات الشفهية ثمرتين:

(الأولى) حجية ظهور خطابات الكتاب لنا أيضا، كما انها حجة للمشافهين.

و فيه (أولا) أن هذا مبنى على اختصاص حجية الظواهر بمن قصد افهامه، كما يظهر من المحقق القمي قدس سره و قد ذكر في محله عدم صحة المبنى.

و (ثانيا) أنه لا ملازمة بين كون المشافهين مخصوصين بالخطاب و كونهم مخصوصين بالإفهام، بل الناس كلهم مقصودون بالإفهام إلى يوم القيامة، و ان قلنا بعدم شمول الخطاب إلا لخصوص المشافهين.

(الثانية) صحة التمسك بإطلاق الكتاب لمن وجد و بلغ منا، و ان كان مخالفا في الصنف لجميع المشافهين.

و تقريب ذلك أنه لو خصصنا الخطابات الواردة في القرآن العزيز بهم، فلا بد - في إثبات التكاليف الواردة فيه لنا - من التمسك بدليل الاشتراك، و هو لا ينفع إلاّ بعد إحراز كل ما له دخل في التكليف المتوجه إليهم، فإذا احتملنا ان التكليف المتوجه إليهم كان مشروطا بشرط. كانوا واجدين له دوننا، فلا يثمر دليل الاشتراك في التكليف.

(فان قلت) يدفع الشرط المحتمل بأصالة الإطلاق، لأن المفروض عموم حجيتها بالنسبة إلينا، فيثبت التكليف بضميمة دليل الاشتراك.

(قلت) أصالة الإطلاق لا تجري بالنسبة إلى الأمر الموجود الّذي يحتمل دخله في التكليف. و السر في ذلك أنه على تقدير شرطيته لا يحتاج إلى البيان، إذ لا يوجب عدم بيان شرطيته، على تقدير كونه شرطا نقضا للغرض.

و فيه أنه ليس في الخارج امر يشترك فيه جميع المشافهين إلى آخر عمرهم. و لا يوجد عندنا (228). و حينئذ لو احتملنا اشتراط شيء يوجد في بعضهم دون آخر، أو في بعض الحالات دون أخرى، يدفعه أصالة الإطلاق و اللّٰه اعلم بالصواب.

(فصل في العام المتعقب بالضمير)

هل تعقب العام بضمير يرجع إلى بعض افراده يوجب تخصيصه به أم لا؟ فيه خلاف و لا بد من أن يكون محل الخلاف ما إذا كان هناك

الشرح

(228) لا يقال: نفس التمكن من الحضور عند الإمام عليه السلام أو النبي صلّى اللّٰه عليه و آله وصف لو احتملنا دخله في حكم لا يصح التمسك لنا بالإطلاق كما في صلاة الجمعة.

لأنا نقول: لا إشكال في عدم تمكن الحاضرين عند الخطاب من التشرف بالحضور في جميع الحالات و في كل جمعة مثلا، فيصح التمسك بالإطلاق أيضا، نعم لو احتمل كون الوصف نفس وقوع المكلف في زمان بسط يد النبي صلى اللّٰه عليه و آله أو الإمام عليه السلام فلا يصح لنا التمسك بالإطلاق، لكن عدم دخله مقطوع به فافهم.

قضيتان إحداهما ذكر فيها اللفظ الدال على العموم، و الأخرى ذكر فيها ضمير يرجع إليه، مع إمكان شمول الحكم في القضية الأولى لجميع افراد العام، و العلم بعدم شموله لها في الثانية.

مثال ذلك قوله تعالى (و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء - إلى قوله تعالى - و بعولتهن أحق بردهن) حيث ان الحكم في القضية المشتملة على الضمير متعلق بخصوص الرجعيات، فيدور الأمر بين التصرف في العام بحمله على البعض، أو التصرف في الضمير بإرجاعه إلى بعض مدلول ما ذكر سابقا (229)، مع كون الظاهر منه ان يرجع إلى ما هو المراد من اللفظ الأول.

و الحق أن يقال لو دار الأمر بين أحد التصرفين في الكلام، تصير القضية المذكورة أولا مجملة، لأن القضيتين لاشتمال الثانية على الضمير الراجع إلى الموضوع في الأولى - في حكم كلام متصل واحد. و قد ذكر في محله: أنه لو ذكر في الكلام الواحد ما يصلح لصرف سابقه عن ظاهره يصيره مجملا. و لكن يمكن أن يقال: إن مجرد القطع - باختصاص الحكم المذكور في الثانية ببعض افراد العام - لا يوجب التصرف في إحدى

الشرح

(229) <فصل في العام المتعقب بالضمير> لا يقال: ان الأصل في طرف العموم سليم عن المعارض، لعدم جريانه في طرف الضمير، حيث أن المراد منه معلوم، و إنما الشك في كيفية الاستعمال، و أصالة الحقيقة لا تجري الا في الشك في المراد.

لأنا نقول: لا يجري في كيفية المراد إذا كان الموضوع له أيضا مشكوكا فيه، و أما إذا كان المعنى الحقيقي معلوما و كذلك المجازي، فالظاهر جواز التمسك به، كما لو قال: (أكرم هذا العالم) و كان المخاطب شاكا في عالميته، فيتمسك بأصالة الحقيقة لإثبات عالميته، و ترتب آثاره عليه.

القضيتين في مدلولها اللفظي، بل يصح حمل كلتا القضيتين على إرادة معناهما اللغوي في مرحلة الاستعمال، مع الالتزام بخروج بعض افراد العام في الثانية عن الإرادة الجدية، كما أنه لو كان في القضية الثانية الاسم الظاهر مكان الضمير، مثل (و بعولة المطلقات) فان مجرد العلم - بخروج بعض الافراد من القضية الثانية - لا يوجب الإجمال في الأولى، فكذلك حال الضمير من دون تفاوت (230) فتدبر جيدا.

(فصل في تخصيص العام بالمفهوم المخالف)

اختلف في جواز تخصيص العام بالمفهوم المخالف، بعد الاتفاق على الجواز في المفهوم الموافق. و مجمل الكلام فيه أن أظهر ما قيل فيه بالمفهوم القضية الشرطية، و قد قلنا في محله أن ظهورها في مدخلية الشرط لثبوت الحكم مما لا يقبل الإنكار. و أما دلالتها على الحصر، فهي قابلة للإنكار.

و المدعي للمفهوم لا بد له من ادعاء دلالتها على الحصر، و إن سلمت هذه الدلالة، فلا إشكال في أنها ليست بالمرتبة التي لا يصلح رفع اليد عنها بواسطة عموم و إطلاق و نحوهما.

إذا عرفت ذلك فنقول: إذا ورد عام و قضية شرطية دالة بمفهومها على خلاف الحكم الثابت في العام لبعض افراده، فان كان المفهوم أخص

الشرح

(230) نعم لو قيل بلزوم رجوع الضمير إلى ما هو المقصود من المرجع لبا، فيجري فيه النزاع. و يمكن أن يقال بالإجمال، لكن الظاهر أنه لو أريد منه ذلك دون المراد الاستعمالي، فذاك سنخ من الاستخدام، لأن الضمير بمنزلة تكرار اللفظ كما صرّح به دام ظله.

مطلقا فالحق تخصيص العام به، فان التعارض وقع بين عموم العام و دلالة القضية على إناطة الحكم بالشرط، و لو لم نقل بالحصر، فان العام يدل على ان الحكم لكل فرد من دون إناطة بشيء، و مقتضى القضية إناطته به، و ظهور القضية في ذلك أقوى من ظهور العام كقوله عليه السلام (خلق اللّٰه الماء طهورا لا ينجسه شيء) و قوله عليه السلام (إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شيء) و أما إن كان بينهما عموم من وجه، كالدليل على عدم انفعال الجاري مطلقا و ما دل على توقف عدم الانفعال على الكرية، فالحق رفع اليد عن المفهوم، لأن العام المذكور يعارض حصر الشرط لا أصل الاشتراط، لعدم المنافاة بين كون الكرية شرطا، و كون الجريان شرطا آخر. و قد عرفت أن دلالة القضية الشرطية على حصر العلة، على فرض الثبوت، ليست قوية. و حينئذ فهل يرفع اليد عن المفهوم مطلقا، بحيث لو احتملنا سببا ثالثا لعدم الانفعال لا تكون القضية الشرطية دالة على نفيه، أو يرفع اليد في خصوص ما ورد الدليل وجهان.

(فصل في تخصيص الكتاب بخبر الواحد)

هل يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد المعتبر أم لا؟ مقتضى القاعدة هو الأول، لأن الخاصّ بواسطة دليل اعتباره يصلح لأن يكون قرينة على التصرف في العام، بخلاف العكس. و كون العام قطعي الصدور لا ينافى جواز رفع اليد عن عمومه، بعد ورود الخاصّ المعتبر، لأن هذا الجمع مما يشهد بصحته العرف. و قد ادعوا سيرة الأصحاب على العمل باخبار الآحاد في قبال العمومات الكتابية إلى زمن الأئمة عليهم السلام.

هذا و لكن العمدة في المقام الاخبار الكثيرة المتواترة الدالة على أن

الاخبار المخالفة للقرآن يجب طرحها أو ضربها على الجدار، أو انها زخرف، أو انها مما لم يقل به الإمام عليه السلام.

و الجواب عنها - بعد القطع بورود اخبار كثيرة مخالفة لعمومات الكتاب و إطلاقه منهم عليهم السلام - بحمل الاخبار المانعة من الأخذ بمخالف الكتاب على غير المخالفة على نحو العموم و الخصوص و مثله. كما إذا ورد الخبر في مقابل الكتاب بحيث لا يكون بينهما جمع عرفي و عدم وجود مثله - في الاخبار التي بأيدينا - لا ينافى وجوده في ذلك الزمان، و ما وصل بأيدينا إنما يكون بعد تهذيبه مما يخالف الكتاب بالمعنى الّذي ذكرنا.

و يمكن حمل مورد الاخبار المانعة على ما لا يشمله دليل الحجية، مثل ما ورد في أصول العقائد أو خبر غير الثقة (231).

(فصل في حمل العام على الخاصّ)

العام و الخاصّ إما أن يكونا متقارنين، و اما ان يكونا مختلفين بحسب التاريخ. و على الثاني إما ان يكون العام مقدما على الخاصّ أو بالعكس. لا إشكال في التخصيص في الصورة الأولى، كما أن الظاهر كذلك في الصورتين الأخيرتين لو كان ورود الثاني قبل حضور وقت العمل بالأول، فان الالتزام بالنسخ قبل حضور وقت العمل - و إن لم يكن بمستحيل بناء على إمكان وجود المصلحة في جعل حكم، و نسخه

الشرح

(231) الظاهر من الاخبار الناهية التحاشي عن أصل صدور الخبر المخالف مضمونا للكتاب، لا الخدشة في سنده، و بذلك يقطع بأن مخالفة العام و الخاصّ خارج عن مدلولها، و ان كان المراد بها غير معلوم.

قبل زمان العمل به - لكنه بعيد، بخلاف التخصيص، فانه شائع متعارف، فيحمل الكلام عليه.

و أما لو كان ورود أحدهما بعد مضي زمان العمل بالأول، فان كان المقدم خاصا، فالعام المتأخر يمكن ان يكون ناسخا له، و يمكن أن يكون الخاصّ المقدم مخصصا للعام. و تظهر الثمرة في العمل بعد ورود العام، فانه على الأول على العام، و على الثاني على الخاصّ. و الظاهر أيضا البناء على التخصيص لشيوعه و ندرة النسخ.

و أما لو كان المقدم عاما و المؤخر خاصا، فيشكل الحمل على التخصيص من حيث استلزام ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة، و هو و إن لم يكن محالا من جهة إمكان وجود مصلحة في ذلك، لكنه بعيد نظير النسخ قبل حضور وقت العمل. و أشكل من ذلك حمل الخاصّ الوارد - في اخبار الأئمة عليهم السلام - المتأخر عن العام على النسخ مع كثرته. و كذلك حال المقيدات الواردة في كلامهم عليهم السلام بالنسبة المطلقات، فان الالتزام بالنسخ في جميع هذه الموارد الكثيرة في غاية الإشكال (232).

نعم حمل الخاصّ المتأخر عن العام - في كلام النبي صلّى اللّٰه عليه و آله على النسخ ليس ببعيد، فيرجح على التخصيص، لاستلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلا محيص عن حمل الخاصّ المتأخر - في كلام

الشرح

(232) بل الظاهر أن النسخ كان عند الأئمة (سلام اللّٰه عليهم) شيئا منكرا يستوحشون منه، و لذا قال (سلام اللّٰه عليه): فهل سنة غيّرتها أم شريعة؟ و أيضا لو كان النسخ عند البعض منهم جائزا، لكان عند الكل جائزا. و هذا لا يصح اسناده إليهم عليهم السلام.

الأئمة عليهم السلام - على التخصيص أيضا، و لو كان واردا بعد مضي زمان العمل بالعامّ و الالتزام - بان حكم العام إلى زمان صدور الخاصّ كان حكما ظاهريا للمكلفين، اقتضت المصلحة أن يجعل لهم ذلك، و لا يكشف لهم الواقع إلى حين صدور الخاصّ - غير بعيد، بعد العلم بأنه في الشرع أحكام واقعية و ظاهرية فتدبر جيدا.

ثم إنه لو بنينا على تقديم التخصيص على النسخ في تمام الصور المذكورة، فلا إشكال في مجهول التاريخ. و أما لو بنينا على النسخ في الخاصّ المتأخر بعد مضي زمان العمل بالعامّ، فلو شك في تاريخهما أو علم تأخر الخاصّ في الجملة، لكنه لم يعلم أنه ورد بعد حضور وقت العمل بالعامّ أو قبله، فالوجه الرجوع إلى الأصول العملية، لأن الشرط في الحمل على التخصيص عدم مضي زمان العمل بالعامّ، كما أن الشرط في النسخ مضي زمان العمل به. و ما لم يحرز أحد الشرطين لا يجوز الحمل على أحدهما.

و مجردا غلبية التخصيص و ندرة النسخ، و ان كان يوجب الظن بالأول دون الثاني، لكنه لا دليل على اعتبار هذا الظن (233) و اللّٰه العالم.

الشرح

(233) و لا يثمر استصحاب عدم المجهول إلى ما بعد زمان المعلوم، لأن ذلك لا يثبت عنوان التأخر. اللهم إلا أن يقال بعدم الحاجة إلى العنوان، بل يكفي في النسخ عدم ورود الخاصّ قبل زمان العمل بالعامّ، مع وجوده بعد فافهم.

(المطلق و المقيد)

فصل فيما وضع له بعض الألفاظ

اشارة

(فمنها) اسم الجنس كالإنسان و البقر و الفرس و الضرب و الضارب و غير ذلك مما هو نظيرها.

اعلم أن المفهوم العام قد ينقسم إلى أقسام خارجية (234) كقولنا الإنسان اما أبيض و اما أسود، و قد ينقسم إلى أقسام ذهنية، كقولنا الإنسان إما مطلق أي غير مشروط بشيء، أو مقيد بشيء، أو مقيد بعدم شيء. و المقسم و ان كان في الواقع القسم الأول من هذه الأقسام (235)

الشرح

(234) <المطلق و المقيد:> لا يقال: إن التقسيم إلى الخارجية إنما يرد على ما هو موجود في الذهن و هذا محال، و أما لزوم ذلك، فلان المقسم إن كان في عرض الأقسام موجودا في الخارج، كان قسما منها.

لأنه يقال: إن الموجود في الذهن - بعد إلغاء وجوده الذهني و لحاظه مرآتا - ليس إلاّ عين ما يتحد مع الخارج، كما أنه متحد مع الذهن أيضا. نعم لو كان وجوده الذهني ملحوظا استقلالا، فتقسيمه إلى أقسام خارجية محال.

(235) يعني آلة ملاحظة الأقسام، و إلاّ فنفس المقسم بما هو مقسم لا وجود

إلا أنه لم تلاحظ كيفية ثبوته في ذهن اللاحظ، بل أخذ مرآة لما يتحقق في ذهن آخر.

و قد ينقسم إلى موجود و معدوم، و الموجود أعم من أن يكون في

الشرح

له في قبال الأقسام، بل وجوده بوجودها، سواء في ذلك الذهن و الخارج، فكما أن الجامع بين الخارجيات لا وجود له في الخارج الا بوجودها، كذلك الجامع بين الأقسام الذهنية. غاية الأمر ان الجامع بين الافراد الخارجية موجود في الذهن، لكن بحيث لا يلحظ وجوده، بل هو ملحوظ آلة و مرآتا للخارج.

و أما الأقسام الذهنية، فلا بد - في انتزاع الجامع منها، - من أن يتصور الإنسان الأقسام الذهنية و يوجدها في ذهن فوق الذهن الأولي، فيرى أن في البين شيء يتحقق مع الجميع و يتحد معها. و هذا الموجود في ذلك الذهن و إن كان في نفسه قسما من الأقسام، و هو الّذي يعبر عنه بالمطلق، لأن الطبيعة وجدت في الذهن بلا لحاظ شيء معها. و هذا معنى الإطلاق، إلا أنه لما لم يلحظ وجوده، بل تجرّد عنه و عن الخصوصية الشخصية، فلا يرى به الا أصل الحقيقة الصادقة على جميع الأقسام الذهنية و الخارجية.

لا يقال: إن ذلك الموجود في الذهن إن كان قسما من هذه الأقسام، فكيف يكون مقسما لها؟ و ان كان غيرها فهو قسيم لها، و لا بد لجامع آخر بينه و بينها.

و هكذا إلى ما لا نهاية له.

فانه يقال: إن المقسم لا وجود له منفكا عن الأقسام مستقلا بل وجوده عين وجود الأقسام، لكن يشار إليه بتوسط قسم منها، كالمعنى الحرفي، حيث لا استقلال له و لكن يمكن الإشارة إليه بالمعنى الاسمي.

و لا يقال: إنه على هذا يلزم أن يكون معنى أسماء الأجناس غير مستقل كالمعنى الحرفي، حيث لا يمكن تصوره مستقلا.

لأنه يقال: ما ذكرنا في المقسم لا ينافي استقلال وجوده في الذهن، لأن الحاجة إلى الحد يخرج الجامع عن الاستقلال، فهل يقال: الإنسان لا استقلال له في الخارج؟ مع أنه لا يمكن وجوده فيه بدون الحد، و كذلك في الذهن.

الذهن أو في الخارج، و كذلك المعدوم، كما تقول الإنسان إما موجود و إما معدوم، و الموجود إما موجود في الذهن أو في الخارج، و الموجود في الذهن إما كذا و إما كذا، و الموجود في الخارج إما كذا و اما كذا.

إذا عرفت هذا فنقول الموضوع له في أسماء الأجناس هو المفهوم المعرى عن الوجود و العدم و الذهن و الخارج، فضلا عن كيفية الوجود في الذهن من الإطلاق و التقييد، و كيفية الوجود في الخارج من الطول و القصر و السواد و البياض و نحو ذلك. و الشاهد على ذلك هو الوجدان الحاكم بصحة تقسيم مفاد لفظ الإنسان بنحو ما قسمناه أخيرا، من دون عناية و اللّٰه أعلم بالصواب.

و (منها) - علم الجنس كأسامة و المشهور انه موضوع للطبيعة لا بما هي هي، بل بما هي متعينة بالتعيين الذهني. و لذا يعامل معه معاملة المعرفة بدون أداة التعريف.

و استشكل على هذه المقالة شيخنا الأستاذ قدس سره بما محصله:

(أنه لو كان كذلك لما صح حمله على الافراد بلا تصرف و تجريد، ضرورة أن المفهوم - مع ملاحظة وجوده في الذهن - كلي عقلي لا ينطبق على الخارج، مع أنا نرى صحة الحمل بلا عناية و تصرف أصلا. على أن وضعه - لمعنى يحتاج إلى تجريده عن الخصوصية عند الاستعمال - لا يصدر عن جاهل، فضلا عن الحكيم انتهى).

أقول: فيما أفاده نظر، لإمكان دخل الوجود الذهني على نحو المرآتية في نظر اللاحظ، كما انه تنتزع الكلية من المفاهيم الموجودة في الذهن، لكن لا على نحو يكون الوجود الذهني ملحوظا للمتصور بالمعنى الاسمي (236) إذ هي بهذه الملاحظة مباينة مع الخارج، و لا تنطبق على

الشرح

(236) و أيضا لو لا ذلك لم يمكن الحكم بأن هذا الّذي في نظرك أو تحبه

شيء، و لا معنى لكلية شيء لا ينطبق على الخارج أصلا.

إذا عرفت هذا فنقول: إن لفظ أسامة موضوع للأسد بشرط تعينه في الذهن على نحو الحكاية عن الخارج، و يكون استعمال ذلك اللفظ في معناه بملاحظة القيد المذكور، كاستعمال الألفاظ الدالة على المعاني الحرفية فافهم و تدبر.

و (منها) - النكرة نحو رجل في قوله تعالى: (و جاء رجل أو قولنا (جئني برجل و قد يقال بجزئية الأول و كلية الثاني. أما جزئية الأول فواضحة، و أما كلية الثاني، فلان المادة تدل على الطبيعة الكلية، و التنوين على مفهوم الوحدة، و هو أيضا كلي، و ضم الكلي إلى الكلي لا يصيره جزئيا، فمعنى رجل على هذا طبيعة الرّجل مع قيد الوحدة، و هذا يصدق على افراد الطبيعة المقيدة في عرض واحد. و عدم صدقه على اثنين فصاعدا إنما هو لعدم المصداقية، كما ان مفهوم الإنسان لا يصدق على البقر مثلا.

هذا و لكن يمكن دعوى كون النكرة مستعملة في كلا الموردين بمعنى واحد، و أنه في كليهما جزئيّ حقيقي.

بيانه أنه لا إشكال في أن الجزئية و الكلية من صفات المعقول في الذهن، و هو إن امتنع فرض صدقه على كثيرين فجزئي و إلاّ فكلي، و جزئية المعنى في الذهن لا تتوقف على تصوره بتمام تشخصاته الواقعية (237)، و لذا لو رأى الإنسان شبحا من بعيد، و تردد في أنه زيد أو

الشرح

(مثلا) عالم الا مع التجريد، و نرى بالوجدان عدم الحاجة إلى التجريد، و لا يكون ذلك الا بكون القيد مأخوذا في الموضوع مرآتا.

(237) لا يقال: الشيء ما لم تلحظ معه الخصوصيات الخارجية أو الذهنية

عمرو، بل إنسان أو غيره، لا يخرجه هذا التردد عن الجزئية. و كون أحد الأشياء ثابتا في الواقع لا دخل له بالصورة المنتقشة في الذهن، فإذا كانت هذه الصورة جزئية كما في القضية الأولى، فكذلك الصورة المتصورة في القضية الثانية، إذ لا فرق بينهما إلا في أن التعيين في الأولى واقعي، و في الثانية بيد المكلف، و عدم إمكان وجود الفرد المردد في الخارج، بداهة أن عدم معقولية كون الشيء مرددا بين نفسه و غيره - لا ينافى اعتبار وجوده في الذهن، كما يعتبر الكسر المشاع مع عدم وجوده بوصف الإشاعة في الخارج.

و (منها) - المعرف باللام و المعروف بين أهل الأدب أن اللام - أو الهيئة الحاصلة منها و من المدخول - موضوعة لتعريف الجنس و للعهد بأقسامه - من الذهني و الذكرى و الحضوري - و للاستغراق. و الظاهر أن أقسام العهد راجعة إلى معنى واحد، و هو المعهودية في الذهن، غاية الأمر أن منشأ العهد قد يكون هو الذّكر، و قد يكون الحضور، و قد يكون غيرهما.

الشرح

التي بلحاظها يمتنع فرض صدقه على كثيرين، لا يصح الحكم عليه بأنه جزئي، و لا خصوصية يصح لحاظها في الفرد المردد حتى يصح الحكم بجزئيته، لأن الخصوصية الملحوظة ان كانت هي الخارجية، فبالعرض لا واقعية له في الخارج، و إن كانت هي الخصوصية الذهنية، فلازم ذلك ان يكون وجوده الذهني ملحوظا فيه باللحاظ الاستقلالي، و هو كما ترى.

لأنا نقول: إن الخصوصية الملحوظة هي الخصوصية الذهنية، لكن لا يلازم دخل الوجود الذهني و لحاظه مستقلا في الملحوظ، لأن نفس الموجود في الذهن و المخلوق فيه - و إن لم يكن له خارج كالفرضيات، مع قطع النّظر عن وجوده - شيء قد يمتنع عند العقل صدقه على كثيرين، و قد لا يمتنع. و الفرد المردد من قبيل الأول، و قد مر نظيره في تصوير الجزئي قبل وجوده، و قلنا بان الذهن يخلق شيئا قبل وجوده، و يجرّده

بل يمكن أن يقال إن مرجع الجنس و الاستغراق أيضا إلى ذلك (238) و توهم - أن المعهود الذهني كلي عقلي، و لا موطن له إلا الذهن، و لا ينطبق على الخارج - مدفوع، لما مر آنفا في علم الجنس.

ثم إنه قد ظهر أن اسم الجنس وضع للمقسم بين المطلق و المقيد، و كذا النكرة. و ان قلنا بجزئيتها، إنما الكلام في المقام في أنه - عند عدم قرينة على إحدى الخصوصيّتين من الإطلاق و التقييد - هل يحتاج إلى مقدمات في الحمل على الإطلاق أم لا؟ قد يقال بالأول.

(بيانه) أنه لا إشكال في أن الأصل - في كل كلام صادر عن كل متكلم - صدوره بغرض الإفادة و تفهيم المعنى، و لا يكفى هذا المقدار لتعيين الإطلاق في المقام، إذ لا يثبت بهذا إلا إرادة الطبيعة المهملة. و قد فرضنا أنها قابلة للإطلاق و التقييد، فاللازم في المقام إحراز كون المتكلم بصدد بيان تمام مراده الجدي. و بعد إحراز هذه الحالة للمتكلم نقول لو كان للمراد الجدي قيد لكان اللازم ذكره، فحيث لم يذكر القيد، يعلم ان المراد بحسب الجد هو المطلق الخالي عن القيد. و على هذا فالحمل على الإطلاق بعد الفراغ عن الأصل المتقدم يتوقف على أمور:

(منها) كونه في مقام بيان تمام مراده الجدي.

(و منها) عدم ذكر قيد في الكلام.

الشرح

عن الوجود الذهني، و مع ذلك يراه جزئيا يمتنع فرض صدقه على كثيرين، كالموجود الخارجي إذا تجرّد عن الوجود، و لا يلحظ إلاّ نفس الموجود فتدبر جيدا.

(238) لا ما توهم من أن معنى تعريف وضع اللفظ بإزاء الجنس مع تعيّنه و امتيازه في الخارج عما عداه من سائر الأجناس، و ذلك، لأن الجنس كيف كان ممتاز عما عداه من الأجناس، من غير فرق بين المعرف و غيره، فلا معنى للتعريف الا ما ذكرنا.

(و منها) انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب على قول يأتي.

و تأتي الخدشة فيه إن شاء اللّٰه تعالى.

هذا و يمكن أن يقال بعدم الحاجة إلى إحراز كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد في الحمل على الإطلاق عند عدم القرينة، بيانه أن المهملة مرددة بين المطلق و المقيد، و لا ثالث. و لا إشكال أنه لو كان المراد المقيد، تكون الإرادة متعلقة به بالأصالة، و إنما ينسب إلى الطبيعة بالتبع.

لمكان الاتحاد، فنقول لو قال القائل جئني بالرجل أو برجل يكون ظاهرا في أن الإرادة أولا و بالذات متعلقة بالطبيعة، لا أن المراد هو المقيد. ثم أضاف إرادته إلى الطبيعة لمكان الاتحاد. و بعد تسليم هذا الظهور تسرى الإرادة إلى تمام الافراد. و هذا معنى الإطلاق.

إن قلت ان المهملة ليست قابلة لتعلق الإرادة الجدية بها، كيف؟ و قد فرضناها مرددة بين المطلق و المقيد. و لا يعقل كون موضوع الحكم مرددا عند الحاكم، فنسبة الإرادة إلى المهملة عرضية في كل حال، فيبقى تعيين الإطلاق بلا دليل.

قلت عروض الإطلاق للمهملة ليس كعروض القيد لها في الاحتياج إلى الملاحظة، و إلاّ لزم عدم الحمل على الإطلاق حتى بعد إحراز كونه في مقام البيان، لعدم الترجيح بعد كونه بمثابة سائر القيود، فإذا فرضنا عدم دخل شيء سوى المهملة في تعلق الحكم، يحصل وصف الإطلاق قهرا، و ان لم يكن ملحوظا بنفسه.

إن قلت سلمنا أنه من الممكن تقدير القيد أو جعل الطبيعة مرآة للمقيد لكنه يحتاج في نفى هذين أيضا إلى إحراز كونه بصدد البيان.

قلت يمكن نفى كل من الأمرين بالظهور اللفظي و لو لم يحرز كونه

بصدد البيان (239) كما لا يخفى على المتأمل. ثم إن وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب لا يضر بالحمل على الإطلاق، ما لم يصل إلى حد الانصراف، سواء قلنا بعدم الاحتياج إلى إحراز كون المتكلم بصدد البيان - كما مر بيانه - أو قلنا بالاحتياج إليه. أما على الأول، فواضح و أما على

الشرح

(239) اما الاحتمال الأول فمدفوع: بأصالة عدم التقدير، و هي من الأصول اللفظية. و اما الاحتمال الثاني، فمدفوع بأصالة الحقيقة في الإسناد، و كل منهما غير محتاج إلى إحراز كون المتكلم بصدد البيان.

لا يقال: على هذا البيان أيضا يحتاج إلى إحرازه و لو بالأصل، و لولاه لما بقي لدلالة الألفاظ مقام.

لأنه يقال: نعم فرق بين إحراز كون المتكلم بصدد إرادة المعنى من اللفظ و بين إحراز كونه بصدد بيان تمام مراده اللبّي بهذا اللفظ، فان الأول يحتاج إليه في جميع الألفاظ، و لو لم يحرز - و لو بالأصل - لا يصح اسناد إرادة المعنى إلى المتكلم أصلا، بخلاف الثاني، فانه - بعد ما ذكرنا من أصالة عدم القرينة و أصالة الحقيقة - لا يحتاج إلى شيء آخر، لأن مقتضى الأصلين ان الذات بما هي معروضة للحكم، من دون دخل شيء. و لازم ذلك شمول الحكم لجميع الافراد بمناط تحقق الذات، و لا نعني بالإطلاق الا ذلك، فلا يتوهم دخل وصف الإطلاق في الموضوع له على هذا المبنى.

و حاصل الكلام: ان الموضوع له في المطلق نفس الذات المتحققة في المطلق و المقيد بلا دخل شيء حتى وصف الإطلاق، و سراية الحكم - إلى جميع الافراد بنحو الإطلاق - مستفادة من اسناد الحكم إلى الذات، من دون دخل شيء في المطلوب، ففرق بين كون الموضوع له مقيدا بوصف الإطلاق، حتى يكون استعمال اللفظ في المقيد، حتى بنحو تعدد الدال و المدلول، و استفادة الإطلاق من كيفية الإسناد عند عدم ذكر قيد في المطلوب، مع كون الموضوع له و المستعمل فيه في المطلق و المقيد غير الذات.

غاية الأمر يستفاد القيد من دال آخر.

الثاني، فلأنه بعد فرض كونه كذلك (240) فاللازم ان يكون اللفظ الملقى إلى المخاطب كاشفا عن تمام مراده. و هذا ملازم لصحة حكم المخاطب بان هذا تمام مراده، و المفروض عدم صحة حكم المخاطب بكون القدر المتيقن تمام مراده، فيقال لو كان مراده مقصورا على المتيقن لبينه، لكونه في مقام البيان كما هو المفروض، و حيث لم يبينه يكشف أن مراده نفس الطبيعة مطلقا و يشهد لذلك أنه لم يعهد من أحد من أهل اللسان التوقف في حمل المطلقات الواردة في الموارد الخاصة على الإطلاق و الاقتصار عليها فقط، لأنها المتيقن، بل يتجاوزون عنها، حتى انه قد اشتهر أن العبرة بعموم اللفظ لا خصوص المورد.

الشرح

(240) أي بعد فرض كون المتكلم في مقام بيان مراده. نعم لو كان المتكلم بصدد تحصيل غرضه في الخارج، من دون افهام المخاطب أي ما أفاده اللفظ تمام ما تعلّق به الغرض أو بعضه، كأن يقول في الشتاء جئني بالماء من دون تقييد بالبارد، للعلم بان القيد حاصل من غير حاجة إلى افهام المخاطب، فلا يمكن التمسك بالإطلاق، لعدم إحراز كون المتكلم في مقام بيان المراد، و إن لم يكن متيقن في مقام التخاطب.

و أما إذا كان بصدد بيان المراد باللفظ، و مع ذلك لم يذكر القيد الواقعي، فذلك نقض لغرضه و إن حصل غرضه في الخارج.

لا يقال: هذا إذا لم يكن بصدد أن هذا المتيقن مراده لا تمام مراده.

لأنه يقال: ذلك أيضا يرجع إلى انتفاء المقدمة الأولى، و هو كونه في مقام بيان المراد.

و الحاصل: انه يؤخذ بإطلاق كلام المتكلم في مقدار يكون بصدد بيانه و افهامه، من دون دخل للقدر المتيقن و عدمه في ذلك، إلا إذا صلح للقرينية. و عند ذلك تنتفي المقدمة الأخرى.

(إشكال و دفع)

(أما الأول) فهو أنه إذا كان الحمل على الإطلاق بمعونة المقدمات على كلا الطريقين، فيلزم بطلانها فيما إذا ورد بعد المطلق مقيد منفصل - موافقا كان أو مخالفا - و عدم إمكان دفع ما سواه من القيود المحتملة بالإطلاق.

بيانه أما على طريقة المشهور فهو أن من جملة المقدمات عندهم كون المتكلم في مقام البيان، و بعد ظهور المقيد منفصلا يعلم أنه لم يكن بصدده. و أما على ما ذكرنا، فلأنه بعد ما علم بصدور القيد المنفصل ينكشف أحد الأمرين. اما تبعية إرادته المتعلقة بالطبيعة، و إما أخذ الطبيعة مرآة و معرفا للمقيد.

(و اما الثاني) فهو أن الإطلاق - سواء على طريقة القوم أم على طريقتنا - إنما يلاحظ بالنسبة إلى المراد الاستعمالي. و أما تطبيق الاستعمالي مع الجدي، فانما يحرز بأصل عقلائي آخر، و ظهور القيد إنما ينكشف به عدم التطابق في هذا المورد مع بقاء الاستعمالي مطلقا و الأصل العقلائي في غير هذا المورد بحاله.

(فصل في حمل المطلق على المقيد)

إذا ورد مطلق و مقيد، فاما ان يكونا متخالفين في الإيجاب و السلب، و إما أن يكونا متوافقين، لا محيص عن التقييد في الأول (كأعتق رقبة و لا تعتق رقبة كافرة) سواء كان النهي بعنوان الكراهة أو الحرمة،

لأن الظاهر من قوله (أعتق رقبة و لا تعتق رقبة كافرة). مثلا تعلق النهي بالطبيعة المقيدة، لا بإضافتها إلى القيد، فلو كان مورد الأمر هو المطلق لزم اجتماع الراجحية و المرجوحية في مورد واحد. نعم لو أحرز ان الطبيعة الموجودة في المقيد مطلوبة - كما في العبادة المكروهة - فاللازم صرف النهي إلى الإضافة بحكم العقل، و إن كان خلاف الظاهر.

و اما الثاني فان لم تحرز وحدة التكليف (241) فالمتعين حمل كل منهما على التكليف المستقل أخذا بظاهر الأمرين، و ان أحرزت وحدة (242)، فان كان الإحراز من غير جهة وحدة السبب، فيدور الأمر بين حمل الأمر المتعلق بالمطلق على ظاهره من الوجوب و الإطلاق، و التصرف في الأمر المتعلق بالمقيد إما هيئة بحملها على الاستحباب، و إما مادة برفع اليد عن ظاهر القيد من دخله في موضوع الوجوب، و جعله إشارة إلى الفضيلة الكائنة في المقيد، و بين حمل المطلق على المقيد. و حيث لا ترجيح لأحدها لاشتراك الكل في مخالفة الظاهر، فيتحقق الإجمال، و إن كان الإحراز من جهة وحدة السبب، فيتعين التقييد. و لا وجه للتصرف في المقيد بأحد النحوين، فانه إذا فرض كون الشيء علة لوجوب المطلق، فوجود القيد أجنبي عن تأثير تلك العلة، فلا يمكن أن يقال إن وجوب المقيد معلول لتلك العلة فلا بد له من علة واحدة أخرى.

و المفروض وحدتها. و كذا كون الشيء علة لوجوب المطلق ينافى كونه

الشرح

(241) <(حمل المطلق على المفيد)> هذا كله لو لم نقل بالمفهوم و إلاّ رجع إلى المتخالفين و قد ذكر حكمه.

(242) المقصود إحراز وحدة التكليف اللزومي من الإيجاب أو التحريم، فلا ينافي ما يأتي من حمل المقيد على الاستحباب.

علة الاستحباب للفرد الخاصّ، إذ استناد المتباينين إلى علة واحدة غير معقول.

هذا و قد عرفت مما ذكرنا أنه لا بد في حمل المطلق على المقيد من إحراز وحدة السبب، و لا يكفى إحراز وحدة التكليف مع عدم إحراز وحدة السبب، كما ذهب إليه المشهور و لعل وجهه ما ذكره شيخنا المرتضى طاب ثراه في باب التعادل و الترجيح من أنه إذا دار الأمر بين التقييد و مخالفة ظاهر آخر، فالتقييد أولى، لأن ظهور المطلق متقوم بعدم البيان فبورود ما يصلح للبيانية يصير موهونا. و فيه ما لا يخفى نعم يتم ما ذكروه بناء على ما احتملناه سابقا من المعاملة مع القيود المنفصلة في كلام الشارع معاملة القيود المتصلة في كلام غيره، لكن اللازم منه سراية الإجمال من المقيد المنفصل المردد بين الأقل و الأكثر مفهوما إلى المطلق، و لا يلتزمون به (243). «تم بالخير»

الشرح

(243) هذا كله في المثبتين. و اما المنفيان فيمكن أن يقال فيهما بالإجمال، و ان قيل بحمل المطلق على المقيد في المثبتين، نظرا إلى أقوائية ظهور هيئة المقيد في الوجوب التعييني من ظهور المطلق في الإطلاق، كما قيل، لضعف احتمال الوجوب التخييري أو الاستحباب في المقيد، و كون الإطلاق بمقدمات الحكمة المحكومة بأدنى ظهور في البين.

و أما في المنفيين فلا محالة يستعمل المقيد في الحرام التعييني، غاية الأمر مع حفظ الإطلاق، فذكر المقيد بمنزلة تكرار اللفظ للأهمية، كما يقال: (لا تضرب لا تضرب) و هذا ليس بمجاز، و حمله على التقييد و إن كان أولى من التأسيس، لكن ليس بمثابة يعارض الإطلاق. و لا أقل من مساواته، و هذا معنى الإجمال.

هذا في الواجبات و المحرمات، و أما المستحبات فحكمها حكم الواجبات، ففيما أحرز اتحاد المطلوب يحمل المطلق على المقيد، لكن الغالب لما لم يحرز ذلك، فالعمل

..........

الشرح

عليهما. و لعل المكروهات من هذا القبيل أيضا. نعم قد يتمسك لإثبات استحباب المطلق أيضا بحديث (من بلغ).

لكن فيه - مع الخدشة - في أصل الاستدلال به للاستحباب، لاحتمال كون ذلك المضمون إرشادا لحكم العقل - بان صدق البلوغ على المطلق الّذي ورد في قباله مقيد - مشكل، لقيام الحجة على خلافه.

ثم إن الكلام في الوضعي هو الكلام في التكليفي حرفا بحرف، فلو ورد أن العقد الكذائي سبب لشيء مخصوص من الملكية أو الزوجية أو غيرهما من المسببات، ثم ورد سببيته مقيدا بقيد، فالاحتمالات أيضا ثلاثة (1): إرادة المقيد من المطلق (2) ذكر المقيد من باب انه أحد الافراد (3) ذكره من جهة مزية فيه. و الأقوى منها أيضا الأول.

<تتميم> لا يخفى أن المقدمات لا تقتضي إلا أن المطلوب نفس الطبيعة بلا دخل قيد من القيود فيه، و كذلك الظهور و الانصراف الّذي قال به الأستاذ - دام ظله - في قبال المقدمات. و أما الوجود الّذي لا محيص عن أخذه في الطبيعة المطلوبة - كما مر بيانه في محله - فهل هو الوجود بلا شيء زائد عليه أو الوجود الساري أو الّذي ينطبق مع أول الوجودات الّذي يعبّر عنه لناقض العدم؟ الظاهر أن لازم تعلّق الطلب بالطبيعة و لازم وجوب أخذ الوجوب في المطلوب مع عدم أخذ قيد في المقامين ليس إلا محبوبية وجود الطبيعة، و اقتضاء تحققه في الخارج. و حيث أن الأمر بضميمة الإطاعة علة للتحقق الخارجي، و العلة الواحدة لا تقتضي إلاّ إيجاد معلول واحد، فيكفيه امتثال واحد، كما انه لو كانت الطبيعة منهيا عنها فالامر بالعكس، يعني أن النهي المتعلق بالطبيعة يقتضي أن يكون وجوده مبغوضا، و لازم ذلك سريان المبغوضية إلى جميع الوجودات.

و قد يستفاد سريان الحكم إلى جميع افراد الطبيعة المأخوذة في الموضوع بقرائن أخرى كما يقال البيع مثلا علة و سبب للملك، فان لازم سببية وجود شيء من دون دخل شيء

..........

الشرح

آخر في سببيته تكرار المسبب فيما يمكن تكراره، فلو استفدنا من قوله - تبارك و تعالى - (أحل اللّٰه البيع) الحكم الوضعي، فلا نحتاج في بيان السراية إلى تقريب أن الواحد لا بعينه غير موجود، و معين عند اللّٰه مجهول عندنا، إغراء بالجهل و خلاف المنة، فتعيّن الساري، بل و يمكن القول بذلك. و لو استفدنا الحكم التكليفي، حيث نفهم أن وجود البيع يقتضي الوفاء. و كذلك في تواضع للعالم مثل حديث يستفاد منه أن وجود العالم يقتضي التواضع فتدبر جيدا.

و الحمد للّٰه أولا و آخرا و ظاهرا و باطنا و صلى اللّٰه على خير خلقه محمد خاتم النبيين و على آله الطيّبين و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين.

كلمة المصحح

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

لقد أولاني سماحة آية اللّٰه العظمى فقيه العصر و وحيد الدهر السيد الگلپايگاني مد ظله العالي المعلق على هذا الكتاب ثقته و شرفني بذلك فأمرني بمقابلة الكتاب و تعليق سماحته عليه فقرأتها على سماحته و بإذن منه و خدمة للماتن أعلى اللّٰه مقامه صححت بعض الكلمات و تصرفت في العبارة من الجهة الأدبية و بعد إتمام المقابلة أمرني بالإشراف على طبعه و تصحيحه فامتثلت امره المطاع و بذلت غاية الجهد في ذلك و وضعت فهرسته. (و العصمة لأهلها) فجاء بحمد اللّٰه كما يرى و يرام و اللّٰه تبارك و تعالى أرجو و إياه اسأل أن ينفع به طلاب العلم و رواده و أن يلحظوا ما زاغ عنه البصر بعين الرضا إنه ولى التوفيق -

محمد الكاظم الخوانساري

1 - رمضان المبارك 1410

فهرست الجزء الأول من إفاضة العوائد

الصورة

377

الصورة

378

الصورة

379

الصورة

380

الصورة

381

الصورة

382

الصورة

383