الهادی الى أحکام القضاء و الشهادات جلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

عنوان كتاب

الهادي الى أحكام القضاء و الشهادات

شرح شرائع الاسلام

للمحقّق الحلّي رحمه الله

لمولّفه المحقّق و الفقيه المدقّق سماحة آية اللّه

سيّد علي محمّد دستغيب الحسيني الشيرازي

سرشناسه : دستغیب حسینی شیرازی، سیدعلی‌محمد، 1313 -

عنوان قراردادی : شرایع‌الاسلام فی مسائل‌الحلال والحرام .برگزیده .شرح

عنوان و نام پديدآور : الهادی الی احکام‌القضاء والشهادات: شرح شرائع‌الاسلام لمحقق‌الحلی رحمه‌الله‌المجلد‌الثامن والعشرون [کتاب]/ لمولف علی‌محمد دستغیب‌الحسینی‌الشیرازی.

مشخصات نشر : قم: موسسه‌الفلاح للنشر، 1431 ق.= 1388 -

مشخصات ظاهری : ج.

شابک : 57000 ریال: ج.1‌978-600-5645-22-4 : ؛ 57000 ریال: ج. 2‌978-600-5645-25-5 :

يادداشت : عربی.

يادداشت : این کتاب شرح و برگزیده کتاب "شرائع‌الاسلام فی‌المسائل‌الحلال والحرام" تالیف محقق حلی است.

يادداشت : ج. 2 (چاپ اول: 1431 ق.= 1388).

يادداشت : عنوان عطف: الهادی.

یادداشت : کتابنامه.

عنوان عطف : الهادی.

موضوع : محقق حلی، جعفربن حسن، 602 - 676ق . شرایع‌الاسلام فی مسائل‌الحلال والحرام -- نقد و تفسیر

موضوع : فقه جعفری -- قرن 7ق.

موضوع : قضاوت (فقه)

شناسه افزوده : محقق حلی، جعفربن‌حسن، 602 - 676ق. شرایع‌الاسلام فی مسائل‌الحلال والحرام. برگزیده. شرح

رده بندی کنگره : BP182/م3ش40234 1300ی

رده بندی دیویی : 297/342

شماره کتابشناسی ملی : 2645529

محرر رقمي: روح اله قاسمي

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحیم

الهادي الى أحكام القضاء و الشهادات

الفهرس

مقدّمة / 15

في معنى القضاء / 17

النظر الأوّل في صفات القاضي / 23

الأوّل و الثاني: البلوغ و العقل ... 24

الثالث و الرابع: الايمان و العدالة ... 25

الخامس: طهارة المولد ... 28

السادس: العلم ... 29

الفرع الأوّل في قضاء المقلّد المأذون من المجتهد ... 46

الفرع الثاني في قضاء المتجزّي ... 49

الفرع الثالث في عدم وجدان واجد الشرائط ... 50

في اشتراط أن يكون القاضي ضابطا ... 52

السابع: الذكورة ... 54

الثامن: الحرّيّة ... 58

في اشتراط اذن الامام عليه السلام في ثبوت الولاية ... 59

في استحباب تولّي القضاء لمن يثق بنفسه للقيام بشرائطه ... 62

فيما اذا وجد اثنان متفاوتان في الفضيلة مع استكمال الشرائط ... 65

الفرع الأوّل في تولية المفضول ... 66

الفرع الثاني في تقليد المفضول ... 67

في جواز الاستخلاف مع اذن الامام عليه السلام و عدمه لمنعه ... 67

في ارتزاق القاضي ... 68

الفرع الأوّل في ارتزاق القاضي من بيت المال ... 69

الفرع الثاني في أخذ الأجرة من المتخاصمين ... 71

الفرع الثالث في أخذ الأجرة للشهادة ... 73

الفرع الرابع في أنّه هل للمؤذّن و القاسم و غيرهما أن يأخذوا الرزق من بيت المال؟ ... 74

في ثبوت ولاية القاضي بالاستفاضة ... 76

في نصب قاضيين للبلد الواحد ... 81

فرع في الاعتناء برأي الأكثر ... 82

فيما اذا حدث للقاضي ما يمنع الانعقاد ... 83

في انعزال القضاة بموت الامام عليه السلام ... 84

في تولية من لم يستكمل الشرائط ... 87

في أنّ كلّ من لاتقبل شهادته لاينفذ حكمه ... 92

النظر الثاني في الآداب / 93

في الآداب المستحبّة ... 94

في الآداب المكروهة ... 101

في أنّ الامام عليه السلام يقضي بعلمه مطلقا ... 107

الفرع الأوّل في حكم الامام عليه السلام بعلمه ... 107

الفرع الثاني في حكم القاضي بعلمه ... 111

فيما اذا أقام المدّعي بيّنة و لم يعرف الحاكم عدالتها ... 116

فيما لو قضى الحاكم على غريم بضمان مال و أمر بحبسه ... 118

الفرع الأوّل في نقض الحاكم حكم نفسه ... 118

الفرع الثاني في نقض الحاكم حكم غيره ... 120

الفرع الثالث فيما اذا تبيّن للحاكم خطأ حاكم آخر ... 121

الفرع الرابع فيما لو علم مخالفة حكم الحاكم للواقع ... 123

في أنّه ليس على الحاكم تتبّع حكم من كان قبله ... 125

فيما اذا ادّعى رجل أنّ المعزول قضى عليه بشهادة فاسقين ... 126

فيما اذا افتقر الحاكم الى مترجم ... 128

في الشرائط المعتبرة في كاتب القاضي ... 129

في أنّ الحاكم ان عرف عدالة الشاهدين حكم، و ان عرف فسوقهما اطّرح ... 130

الفرع الأوّل في اعتبار العدالة في الشاهد و عدم كفاية الاسلام ... 130

الفرع الثاني في الفحص عن العدالة اذا جهلها ... 135

الفرع الثالث في الجرح و التعديل ... 137

الفرع الرابع فيما لو اختلف الشهود في الجرح و التعديل ... 139

في تفريق الشهود ... 140

في أنّه لايشهد شاهد بالجرح الاّ مع المشاهدة ... 144

في أنّه ينبغي أن يجمع قضايا كلّ أسبوع و وثائقه و حججه و يكتب عليها ... 144

في مؤونة الكتابة في كلّ موضع وجب على الحاكم فيه كتابة المحضر ... 144

في أنّه يكره للحاكم أن يعنّت الشهود ... 145

في أنّه لايجوز للحاكم أن يتعتع الشاهد ... 146

في أنّه يكره أن يضيّف أحد الخصمين دون صاحبه ... 148

في الرشوة ... 148

في المعاملة المحاباتيّة ... 154

فرع في ردّ ما أخذه القاضي من الرشوة ... 156

فيما اذا التمس الخصم احضار خصمه مجلس الحكم ... 159

النظر الثالث في كيفيّة الحكم / 165

المقصد الأوّل في وظائف الحاكم / 165

«الأولى»: التسوية بين الخصمين ... 165

«الثانية»: عدم جواز تلقين أحد الخصمين ما فيه ضرر على خصمه ... 167

«الثالثة»: اذا سكت الخصمان استحبّ أن يقول لهما تكلّما ... 167

«الرابعة»: لزوم القضاء اذا ترافع الخصمان و كان الحكم واضحا ... 168

«الخامسة»: في الابتداء بأوّل الخصوم ورودا ... 171

«السادسة»: فيما اذا قطع المدّعى عليه دعوى المدّعي ... 171

«السابعة»: فيما اذا بدر أحد الخصمين بالدعوى ... 172

المقصد الثاني في مسائل متعلّقة بالدعوى / 174

«الأولى»: في الدعوى المجهولة ... 174

الفرع الأوّل فيما اذا كانت الدعوى مجهولة ... 174

الفرع الثاني في أنّه هل يشترط أن تكون الدعوى بصيغة الجزم؟ ... 176

«الثانية»: فيما اذا كان المدّعى به من الأثمان ... 180

«الثالثة»: في أنّه اذا تمّت الدعوى هل يطالب المدّعى عليه بالجواب؟ ... 181

«الرابعة»: في دعوى أحد الرعيّة على القاضي ... 181

«الخامسة»: في استحباب جلوس الخصمان بين يدي الحاكم ... 182

المقصد الثالث في جواب المدّعى عليه / 183

الفرع الأوّل فيما اذا أقرّ المدّعى عليه ... 183

الفرع الثاني فيما اذا أقام البيّنة و لم يحكم الحاكم بعد ... 184

الفرع الثالث في حكم الحاكم بدون مسألة المدّعي ... 186

الفرع الرابع فيما لو التمس المدّعي أن يكتب ... 187

الفرع الخامس فيما اذا امتنع المحكوم بالأداء منه ... 188

الفرع السادس فيما اذا ادّعى الاعسار و ثبت اعساره ... 188

الفرع السابع فيما اذا لم يتبيّن حاله ... 193

في الانكار ... 197

في المنكر ... 201

الفرع الأوّل في أنّه هل يتوقّف براءة المنكر على حكم الحاكم؟ ... 204

الفرع الثاني في أنّه هل هناك فرق بين الدين و العين أو لا؟ ... 207

الفرع الثالث في احتساب ما على المنكر خمسا أو زكاة أو غيرهما ... 208

الفرع الرابع فيما اذا كان المتنازع فيه غير مال أو مال غير المدّعي ... 210

الفرع الخامس فيما اذا أقام المدّعي بيّنة بعد حلف المنكر ... 211

في اكذاب الحالف نفسه ... 212

فرع في أنّ الاكذاب لاينقض حكم الحاكم ... 215

فيما اذا ردّ المنكر اليمين على المدّعي ... 215

الفرع الأوّل فيما استثناه الأصحاب من ردّ اليمين على المدّعي ... 217

الفرع الثاني في أنّ حلف المدّعي هل هو كالبيّنة أو كاقرار المنكر؟ ... 220

الفرع الثالث فيما لو امتنع المدّعي من اليمين المردودة ... 222

الفرع الرابع فيما لو ردّ المدّعي اليمين على المنكر ثانيا ... 225

الفرع الخامس في مورد جواز ردّ اليمين ... 227

فيما اذا نكل المنكر ... 228

الفرع الأوّل في قول الحاكم للمنكر الناكل ... 228

الفرع الثاني فيما اذا أصرّ على النكول ... 230

الفرع الثالث فيما لو بذل المنكر يمينه بعد النكول ... 234

في أنّه لو كان للمدّعي بيّنة لم يقل الحاكم: أحضرها ... 236

في استحلاف المدّعي مع البيّنة ... 237

الفرع الأوّل في استحلاف المدّعي مع البيّنة ... 237

الفرع الثاني فيما اذا كانت الدعوى على ميّت ... 239

الفرع الثالث في تعدّي الحكم الى غير المنصوص ممّا ساواه في المعنى ... 242

الفرع الرابع في اختصاص الحكم بالدين ... 244

في أنّه يدفع الحاكم من مال الغائب قدر الحقّ، بعد تكفيل القابض بالمال ... 246

الفرع الأوّل في الحكم على مال الغائب ... 246

الفرع الثاني فيما لو ذكر المدّعي أنّ له بيّنة غائبة ... 248

في السكوت ... 250

في الحكم على الغائب ... 254

في القضاء على الغائب في حقوق الناس ... 257

فيما لو كان صاحب الحقّ غائبا فطالب الوكيل ... 260

المقصد الرابع في كيفيّة الاستحلاف / 261

«البحث الأوّل»: في اليمين ... 261

الفرع الأوّل في الحلف بغير لفظ الجلالة من أسمائه تعالى ... 266

الفرع الثاني في الحلف بغير اللّه في غير المحكمة ... 267

في أنّه يستحبّ للحاكم تقديم العظة على اليمين ... 270

في عدم لزوم التغليظ في اليمين ... 275

في استحباب التغليظ في الحقوق ... 277

الفرع الأوّل فيما لو امتنع عن الاجابة الى التغليظ ... 278

الفرع الثاني لو حلف على عدم اجابة التغليظ ... 279

في حلف الأخرس ... 280

في الاستحلاف في غير مجلس القضاء ... 282

«البحث الثاني»: في يمين المنكر و المدّعي ... 284

في لزوم الحلف على القطع ... 285

في كفاية الحلف على نفي الاستحقاق ... 290

في توجّه اليمين في كلّ ما يتوجّه الجواب عن الدعوى ... 291

مسائل ثمان: «الأولى»: في يمين الوارث ... 293

«الثانية»: في الدعوى على المملوك ... 294

«الثالثة»: في الدعوى في الحدود ... 295

فرع فيما يستثنى من حكم المسألة موردان ... 296

«الرابعة»: في توجّه اليمين على منكر السرقة ... 300

«الخامسة»: في اعراض المدّعي عن البيّنة ... 300

«السادسة»: فيما لو ادّعى صاحب النصاب ابداله في أثناء الحول ... 302

«السابعة»: فيمن مات و لا وارث له و ظهر له شاهد بدين ... 306

الفرع الأوّل فيما لو شهد أحد على رجل بدين لميّت لا وارث له ... 306

الفرع الثاني فيما لو ادّعى الوصي أنّ الميّت أوصى للفقراء ... 307

«الثامنة»: فيمن من مات و عليه دين يحيط بالتركة ... 308

«البحث الثالث»: في اليمين مع الشاهد ... 310

في اشتراط شهادة الشاهد أوّلاً و ثبوت عدالته ثمّ اليمين ... 312

في موارد ثبوت الحكم بالشاهد و اليمين ... 314

في عدم ثبوت دعوى الجماعة مع الشاهد الاّ مع حلف كلّ واحد منهم ... 320

في عدم الجواز الحلف الاّ مع المعرفة يقينا ... 321

فيما لو ادّعى الجماعة مالاً لمورّثهم و حلفوا مع شاهدهم ... 324

مسائل خمس: «الأولى»: في دعوى ملكيّة أمّ ولده ... 327

«الثانية»: فيما لو ادّعى بعض الورثة أنّ الميّت وقف عليهم دارا ... 328

«الثالثة»: فيما اذا ادّعى الوقفيّة عليه و على أولاده بعده ... 330

«الرابعة»: فيما لو ادّعى عبدا بأنّه كان له و أعتقه ... 332

«الخامسة»: فيما لو ادّعى عليه القتل و أقام شاهدا ... 333

خاتمة / 334

الفصل الأوّل في كتاب قاضٍ الى قاضٍ / 334

في انهاء الحكم بالشهادة ... 334

فيما ينهى الى الحاكم ... 341

في صورة الانهاء ... 344

في تغيّر حال الحاكم الأوّل بموت أو عزل ... 345

مسائل ثلاث: «الأولى»: فيما اذا أقرّ المحكوم عليه أنّه هو المشهود عليه ... 346

«الثانية»: في أنّ للمشهود عليه أن يمتنع من التسليم حتّى يشهد القابض ... 347

«الثالثة»: في عدم وجوب دفع الحجّة على المدّعي ... 348

الفصل الثاني في لواحق من أحكام القسمة / 350

النظر الأوّل في القاسم ... 353

في مضي قسمة المنصوب من قبل الامام ... 356

في اجزاء القاسم الواحد اذا لم يكن في القسمة ردّ ... 358

في أجرة القسّام ... 359

فرع فيما لو استأجره كلّ واحد من الشركاء مستقلاًّ ... 361

النظر الثاني في المقسوم ... 363

في سؤال الخصمين القسمة من الحاكم ... 369النظر الثالث في كيفيّة القسمة ... 370

في قسمة الردّ ... 373

مسائل ثلاث: «الأولى»: فيما لو كان لدار علو و سفل ... 376

«الثانية»: فيما لو كان بينهما أرض و زرع ... 377

«الثالثة»: فيما لو كان بينهما قرحان متعدّدة و طلب واحد قسمتها ... 377

النظر الرابع في اللواحق ... 380

«الأولى»: فيما اذا ادّعى بعد القسمة الغلط ... 380

«الثانية»: فيما اذا اقتسما ثمّ ظهر البعض مستحقّا ... 382

«الثالثة»: فيما لو قسّم الورثة تركة ثمّ ظهر على الميّت دين ... 382

مقدّمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطيّبين الطاهرين

أمّا بعد، فاعلم أنّ علم الفقه بعد علم التوحيد و علم الأخلاق من أشرف العلوم و أفضلها و تعلّمه و تعليمه من الواجب الكفائي؛ لئلاّتندرس آثار دين خاتم الأنبياء صلى الله عليه و آله و أوصيائه عليهم السلام الذين هم مفسّروا الشريعة و مبيّنوها.

و أنت اذا تأمّلت في الروايات الواردة عنهم عليهم السلام في بيان تكليف الأمّة زمن الغيبة تجد ارجاعهم ايّانا الى رواة أحاديثهم في الحوادث الواقعة، و أنّهم حجّة المعصوم و المعصوم حجّة اللّه؛ الاّ أنّه يجب أن تكون للفقيه ملكة العدالة و التقوى بحيث يقال له فقيه صائن لنفسه، حافظ لدينه، مخالف على هواه، مطيع لأمر مولاه؛ و هذا أقوى دليل على رفعة الفقه و محبوبيّته، و بهذا أيضا يظهر ما للفقهاء و المجتهدين من الفضل و الكرامة عند اللّه تعالى مضافا الى أنّهم أمناء الرسل و أولياء أيتام آل محمّد صلى الله عليه و آله و هم مراجع الخلق كما هو المشاهد من المجتهد المجدّد آيه اللّه العظمى الامام الخميني قدس سره المحيي للاسلام في عصرنا هذا. فحريّ للمؤمنين المحبّين لآل محمّد عليهم السلام أن يصرفوا أعمارهم أو أغلب أوقاتهم في طلب الفقه و التفحّص في الأخبار الواردة عنهم حول الأحكام و غيرها.

و أنا بتوفيق الملك العلاّم و تأييد أجدادي الطاهرين و اشارة بعض الاخوان

اشتغلت قبل حوالي عشرين سنة بمذاكرة الفقه مع أصدقائي الطلاّب من ابتداء كتاب الصلاة من العروة الوثقى و كتبت هذه المذاكرات بحيث صارت كتابا فسمّيته «الهادي إلى الطريقة الوسطى في شرح العروة الوثقى».

و لمّا فرغنا من شرح كتاب العروة الذي لايشتمل على بعض أبواب الفقه واصلنا دراستنا الفقهيّة بشرح سائر الكتب لعلمائنا السلف، و الذي بين يديك هو الجزء الأوّل من شرح كتاب القضاء و الشهادات من «شرائع الاسلام»، و هو كتاب موجز مفيد في أحكام الشريعة للعالم الماهر المحقّق الحلّي أعلى اللّه مقامه. فأسأل اللّه الاخلاص و القبول فانّه كريم منّان؛ و بزعمي القاصر ليست هذه الأبحاث تكرارا للمكرّرات و لا مملّة للخواطر بل ببركة زملائي الطالبين لمحبّة اللّه تعالى و معرفته تكون منوّرة للقلوب و الأفكار و لاأجد من نفسي سوى بضاعة مزجاة و أنّها محلّ للخطأ و الزلاّت فأسأل اللّه المغفرة و الرضوان و أسأله الدرجات المتعالية لشيخنا الأستاذ الفاضل المقداد العارف النحرير و المجتهد البصير العلاّمة آيه اللّه العظمى الشيخ حسن علي نجابت قدّس سرّه الشريف بحقّ محمّد و آله الأخيار صلوات اللّه عليهم أجمعين.

سيّد عليمحمّد دستغيب الحسيني

ربيع الأوّل 1430

كتاب القضاء

في معنی القضاء

معنى القضاء لغة و عرفا و شرعا:

أمّا من جهة اللغة ففي المسالك: «القضاء لغة يطلق على احكام الشيء و امضائه، و منه: «و قضينا الى بنياسرائيل» و على الاتمام و منه: «فاذا قضيتم مناسككم» و على الفراغ من الأمر و منه: «فوكزه موسى فقضى عليه» أي قتله و فرغ منه، و منه قولهم: قضى حاجته أي أتمّها و فرغ منها. و على نفس الحكم، و منه قوله تعالى: «و اللّه يقضي بالحقّ». و سمّي القضاء قضاءً لأنّ القاضي يتمّ الأمر بالفصل و يمضيه و يفرغ منه. و يسمّى حكما؛ لما فيه من منع الظالم عن ظلمه».(1)

و في الجواهر: «القضاء - بالمدّ و قد يقصر - الذي هو لغة لمعان كثيرة، ربّما أنهيت الى عشرة: الحكم و العلم و الاعلام - و عبّر عنه بعضهم بالانهاء - و القول و الحتم و الأمر و الخلق و الفعل و الاتمام و الفراغ. قال اللّه تعالى: «ثمّ لايجدوا في أنفسهم حرجا ممّا قضيت»، «الاّ حاجة في نفس يعقوب قضاها»، «و


1) - مسالك الأفهام 13: 325.

قضينا اليه ذلك الأمر»، قيل: و منه أيضا: «و اللّه يقضي بالحقّ» و الأولى جعله من الأوّل. «فلمّا قضينا عليه الموت» أي حتمنا. «و قضى ربّك ألاّتعبدوا الاّ ايّاه»، «فقضاهنّ سبع سماوات»، «فاقض ما أنت قاضٍ»، «فلمّا قضى موسى الأجل»، «أيّما الأجلين قضيت»، «قضي الأمر الذي فيه تستفتيان» و ان كان يمكن ارجاع بعضها الى بعض، كما أنّه يمكن ارجاع القضاء المقابل للأداء و الموت و قضاء الدين و نحو ذلك اليها و الاّ كانت زائدة».(1)

و في المفردات: «القضاء: فصل الأمر قولاً كان ذلك أو فعلاً، و كلّ واحد منهما على وجهين: الهي و بشري. فمن القول الالهي قوله تعالى: «و قضى ربّك ألاّتعبدوا الاّ ايّاه». و من الفعل الالهي: «فقضاهنّ سبع سماوات» و من القول البشري نحو قضى الحاكم بكذا، فانّ حكم الحاكم يكون بالقول. و من الفعل البشري «فاذا قضيتم مناسككم»».

و في القاموس: «القضاء: الحكم و الصنع و الحتم و البيان. و قضى: مات، و قضى عليه: قتله. و قضى وطره: أتمّه و أدامه. و قضى عليه عهدا: أوصاه و أنفذه. و قضى اليه: أنهاه. و قضى غريمه دينه: أدّاه. و سمّ قاضٍ: قاتل».

و أمّا معناه عرفا و شرعا ففي المسالك: «و عرّفوه شرعا بأنّه ولاية الحكم شرعا لمن له أهليّة الفتوى بجزئيّات القوانين الشرعيّة، على أشخاص معيّنة من البريّة باثبات الحقوق و استيفائها للمستحقّ. و مبدؤه الرئاسة العامّة في أمور الدين و الدنيا، و غايته قطع المنازعة، و خواصّه أنّ الحكم فيه لاينتقض بالاجتهاد، و صيرورته أصلاً ينفذه غيره من القضاة و ان خالف اجتهاده، ما لم يخالف دليلاً قطعيّا. و له ولاية على كلّ مولّى عليه مع فقد وليّه، و مع وجوده في مواضع يأتي بعضها ان شاء اللّه تعالى. و يلزم به حكم البيّنة من شهدت عليه و الشهود. فأمّا من شهدت عليه فبالزامه الحقّ و أمّا الشهود فبتغريمهم ايّاه لو رجعوا عن الشهادة


1) - جواهر الكلام 40: 7 و 8.

بعده. و هو من متمّمات نظام النوع الانساني. و الأصل فيه - قبل الاجماع - الكتاب و السنّة، قال اللّه تعالى: «يا داود انّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحقّ». و قال تعالى: «انّا أنزلنا اليك الكتاب بالحقّ لتحكم بين الناس بما أراك اللّه» و «أن احكم بينهم بما أنزل اللّه». و الأخبار فيه كثيرة. و فعل النبيّ صلى الله عليه و آله و من بعده من الخلفاء بنصب القضاة أمر مشهور».(1)

و في الدروس: «و هو ولاية شرعيّة على الحكم في المصالح العامّة من قبل الامام عليه السلام».(2)

و عن الشيخ مرتضى الأنصاري: «القضاء لغة يستعمل في معانٍ كثيرة، منها: الحكم. و في عرف الفقهاء استعمل تارة في الحكم بين الناس على الوجه المخصوص، و أخرى في الولاية الشرعيّة على الحكم المذكور، و لذا عرّف في كلام بعض - كالروضة - بالأوّل، و في كلام آخرين بالثاني. و هو بالمعنى الأوّل واجب كفائي بالأدلّة الأربعة، و أجره عظيم و خطره جسيم، و هو وظيفة النبيّ و الوصيّ عليهماالسلام لقوله عليه السلام لشريح: «جلست مجلسا لايجلس فيه الاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ». و قوله عليه السلام: «ايّاكم و الحكومة، فانّها للامام العالم بالقضاء العادل بين المسلمين»، و للأخبار المعلّلة لوجوب الرضى بحكم الفقيه و التحاكم و الرجوع اليه بكونه منصوبا من قبل الامام و حجّة من قبله عليه السلام على جميع البريّة، ففي مشهورة أبي خديجة: «فاجعلوه بينكم قاضيا فانّي قد جعلته عليكم قاضيا»، و في مقبولة عمر بن حنظلة: «فارضوا به حكما فانّي قد جعلته عليكم حاكما»، و في توقيع العمري: «و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا، فانّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه»».(3)


1) - مسالك الأفهام 13: 325 و 326.

2) - الدروس الشرعيّة 2: 65.

3) - كتاب القضاء و الشهادات: 227 و 228.

و في رسائل الكركي: «اتّفق أصحابنا - رضوان اللّه عليهم - على أنّ الفقيه العدلالامامي الجامع لشرائط الفتوى المعبّر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعيّة، نائب من قبل أئمّة الهدى - صلوات اللّه و سلامه عليهم - في حال الغيبة، في جميع ما للنيابة فيه مدخل».(1)

و في مستند الشيعة: «القضاء منصب عالٍ عظيم و شرفه جسيم. و لعلوّ مرتبته و سموّ شأنه جعل اللّه سبحانه تولية ذلك الى الأنبياء و الأوصياء من بعدهم - صلوات اللّه عليهم - ثمّ الى من يحذو حذوهم و يقتدي بهم و يسير بسيرهم من العلماء الآخذين علومهم منهم، المأذونين من قبلهم بالحكم بين الناس بقضائهم. و كفى بجلالة قدره تولية النبيّ صلى الله عليه و آله ايّاه بنفسه الشريفة الزكيّة لأمّته، ثمّ تفويضه الى سيّد الأوصياء بعده ثمّ الى أوصيائه القائمين مقامه و خصّصهم بذلك دون سائر الناس، و كذلك من قبله من الأنبياء و خلفائهم. و لعظم شأنه جعل اللّه يده فوق رأسه و أهبط اليه الملك يسدّده. قال أبو عبداللّه عليه السلام في خبر السكوني: «يد اللّه فوق رأس الحاكم ترفرف بالرحمة، فاذا جاف وكله اللّه تعالى الى نفسه». و في خبر آخر: «اذا جلس القاضي أو أجلس في مجلسه هبط اليه ملكان يسدّدانه و يرشدانه و يوفّقانه، فاذا جار عرجا و تركاه». ثمّ انّ خطر القضاء عظيم و أجره جسيم، فانّ القاضي لفي شفاجرف هارٍ، فان جار في الحكم أو حكم بغير علم انهار به في نار جهنّم، و ان عدل و حكم بما أنزل اللّه عالما به متّبعا لسنّته فقد فاز فوزا عظيما و نال نيلاً جسيما، و لذا قال النبي صلى الله عليه و آله: «من جعل قاضيا ذبح بغير سكّين». و قال أميرالمؤمنين عليه السلام في رواية اسحاق بن عمّار: «يا شريح، قد جلست مجلسا لايجلسه الاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ». و قال أبو عبداللّه عليه السلام - كما في مرفوعة البرقي - : «القضاة أربعة: ثلاثة في النار و واحد في الجنّة، رجل قضى بجور و هو يعلم فهو في النار، و رجل قضى بجور و هو لايعلم أنّه قضى بجور فهو في النار، و


1) - رسائل الكركي 1: 142.

رجل قضى بحقّ و هو لايعلم فهو في النار، و رجل قضى بحقّ و هو يعلم فهو فيالجنّة».(1)

أقول:

الظاهر أنّ البحث في كتاب القضاء من الفقهاء يكون بمعناه الخاصّ، و هو الحكم بين الناس فيما يرجع الى التنازع في المعاملات بمعناها الأعمّ، و كذا الحكم في اجراء الحدود و القصاص و كلّ ما يجري مجرى ذلك. و من المعلوم أنّ هذا المنصب يحتاج الى العلم بالأحكام التي وردت في القرآن و السنّة، و الاحاطة بهما و هذا لايليق الاّ بمن كان له ملكة الاجتهاد المطلق و ممارسة استنباط الأحكام من الأدلّة أي القرآن و السنّة و الاجماع و العقل فيما يليق بمنصبه. و يسمّى هذا القاضي حاكما أيضا.

و أمّا الحاكم بمعناه العامّ فهو خليفة اللّه الذي نصبه سبحانه و ليس الاّ نبيّا أو وصيّ نبيّ و له الولاية على أمور الناس، فاذا كان الامام حاضرا فهو المرجع الأعلى في كلّ ما يحتاج الناس اليه في عباداتهم و معاملاتهم و معاشراتهم و خصوماتهم في أمور دينهم و دنياهم من بداية تكوّنهم الى موتهم، و هو الذي يأمر اللّه عباده كلّهم بالرجوع اليه، و هذا معنى قوله تعالى: «يا داود انّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحقّ»(2)و كذا قوله تعالى: «انّا أنزلنا اليك الكتاب بالحقّ لتحكم بين الناس بما أراك اللّه»(3)و كذا: «لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات و أنزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط و أنزلنا الحديد فيه بأس شديد و منافع للناس و ليعلم اللّه من ينصره و رسله بالغيب انّ اللّه


1) - مستند الشيعة 17: 7 - 9.

2) - ص 38: 26.

3) - النساء 4: 105.

قويّ عزيز»(1). و هذا أمر وجداني بمعنى أنّ اللّه تعالى لم يخلق الناس عبثا ولم يتركهم سدى، فجعل لهم صراطا ينتهون اليه، و كلّ فعل يفعله الانسان في جميع شؤونه يؤثّر في طريقه، و كذا كلّ ما يتصرّف فيه، و عليه تعالى تعيين الصراط و هو الرسول و الكتاب و الميزان. و من جهة أخرى أنّه تعالى خالق من في السماوات و الأرض و ما فيهنّ و ما بينهنّ و له المِلك و المُلك، و الانسان كان للّه تعالى، و هو مِلكه و مُلكه و كذا ما خلق للانسان، و العقل يشهد بأنّ التصرّف في مِلك الغير بغير اذنه غير جائز، و كذا القهر و الغلبة على مخلوقاته بغير اذنه، فعليه الاذن في هذه التصرّفات و كيفيّتها و هو لايكون الاّ بتعيينه الحاكم، و هو النبيّ أو الوصيّ، و في زمان الغيبة فتعيين النائب بيد الامام الغائب و قد عيّنه و هو الفقيه الجامع لشرائط الافتاء، كما كان يعيّنه أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام مدّة امارته على المدن النائية عن مركز حكومته.

فشأن الفقيه الجامع للشرائط - المشروطة في القاضي أيضا - شأن النبيّ و الوصيّ، و له الولاية العامّة الاّ أنّ النبيّ ينصبه اللّه، و كذا الوصيّ لكن بواسطة النبيّ، و الفقيه ينصبه الوصيّ خصوصا - كما في زمان حضوره - أو عموما - كما في زمان غيبته - و لايمكن أن يقال بشرعيّة حكومة الاّ أن يكون حاكمه فقيها أو منصوبا من قبل الفقيه باشرافه عليه.


1) - الحديد 57: 25.

النظر الأوّل : في صفات القاضي

إشارة:

و النظر في صفات القاضي و آدابه و كيفيّة الحكم و أحكام الدعاوي.

«الأوّل»: في الصفات، و يشترط فيه البلوغ و كمال العقل و الايمان و العدالة و طهارة المولد و العلم و الذكورة. فلاينعقد القضاء لصبيّ و لا مراهق، و لا لكافر؛ لأنّه ليس أهلاً للأمانة، و كذا الفاسق. يدخل في ضمن العدالة اشتراط الأمانة و المحافظة على فعل الواجبات.

يشترط في القاضي أمور:

الأوّل و الثاني: البلوغ و العقل.

الثالث و الرابع: الايمان و العدالة.

الخامس: طهارة المولد.

السادس: العلم.

السابع: الذكورة.

الثامن: الحرّيّة.

الأوّل و الثاني: البلوغ و العقل

قال في المسالك: «انّ الصبيّ و المجنون لا ولاية لهما على أنفسهما، فانتفاؤها عن غيرهما أولى. و لاينفذ قولهما على أنفسهما، فأولى أن لاينفذ على غيرهما».(1)

يدلّ على اشتراط العقل - مضافا الى عدم الخلاف بل الاجماع - أنّ تعلّق التكليف مشروط بالعقل كما ورد في الروايات المعتبرة(2)أنّ الأمر و النهي و الثواب و العقاب تتعلّق بمن كان له عقل، و أمّا المجنون فلا تكليف له، فمن ليس له تكليف فكيف يليق بمنصب القضاء و الحكومة التي هي عظيم منزلتها و خطير مجلسها.

بل يمكن أن يستفاد من الروايات الواردة في ذلك المنصب بل من الكتاب العزيز أنّ السفيه أو القطّاع لايليق بذلك المنصب، بل لابدّ أن يكون ممّن صدق عليه كمال العقل.

و الدليل على اشتراط البلوغ - مضافا الى الاجماع - الروايات الدالّة على اشتراط التكليف بالوجوب و التحريم بالبلوغ.

و قد ورد عن علي عليه السلام:

«انّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبيّ حتّى يحتلم، و عن المجنون حتّى يفيق، و عن النائم حتّى يستيقظ».(3)

و لاينقض ذلك بنبوّة عيسى و يحيى عليهماالسلام، و امامة الجواد و الهادي و


1) - مسالك الأفهام 13: 327.

2) - وسائل الشيعة 1: 39 / الباب 3 من أبواب مقدّمة العبادات.

3) - وسائل الشيعة 1: 45 / الباب 4 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 11.

المهدي عليهم السلام؛ لوضوح أنّهم كانوا كاملين و قد قال اللّه تعالى: «اللّه أعلم حيث يجعل رسالته»(1).

الثالث و الرابع: الايمان و العدالة

قال في المسالك: «و أمّا الايمان، فان أريد به الاسلام أو ما في معناه فاشتراطه واضح؛ لأنّ الكافر ليس من أهل التقليد على المسلم و لا على غيره مثله. و ان أريد به الخاصّ المتعارف عندنا - كما هو الظاهر - فلمشاركة غيره للكافر في عدم أهليّة التقليد و اختلاف الأصول المعتبرة فيه عند الفريقين. و جوّز بعض العامّة تقليد الكافر القضاء على أهل دينه، و هو شاذّ. و كذا القول في الفاسق و لأنّه لايصلح للشهادة فللقضاء أولى».(2)

أقول:

قد تقدّم أنّ الحكومة على الناس هي الولاية الشرعيّة من قبل الامام المعصوم عليه السلام، كما أنّ القضاء أيضا نحو من الحكومة و الولاية الشرعيّة على الأموال و النفوس، فمن كان كافرا أو عامّيا أو فاسقا لم يكن له ولاية على المسلمين بنصّ القرآن الشريف و السنّة القطعيّة. و قد قال اللّه تعالى: «و لن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً»(3)و قال أيضا: «يا أيّها الذين آمنوا لاتتّخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين»(4)و «انّما وليّكم اللّه و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون»(5)


1) - الأنعام 6: 124.

2) - مسالك الأفهام 13: 327.

3) - النساء 4: 141.

4) - النساء 4: 144.

5) - المائدة 5: 55.

و «انّ اللّه يأمركم أن تؤدّوا الأمانات الى أهلها و اذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل»(1)و من كان منحرفا عن الأئمّة الاثنيعشر فليس أمينا، و الفاسق غير عادل فكيف يحكم بالعدل و هو منحرف عن طريق العدالة.

هذا مضافا الى أنّهم عليهم السلام نهوا شيعتهم عن الرجوع الى قضاة هؤلاء الحكّام الذين ظلموا، و أمروهم أن يرجعوا الى رواة أحاديثهم و العارف بأحكامهم، ممّن كان عادلاً صادقا فقيها.

ففي رواية أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في الاحتجاج عن أبي محمّد العسكري عليه السلام في قوله تعالى: «فويل للّذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثمّ يقولون هذا من عند اللّه» قال:

«هذه لقوم من اليهود - الى أن قال: - و قال رجل للصادق عليه السلام: اذا كان هؤلاء العوامّ من اليهود لايعرفون الكتاب الاّ بما يسمعونه من علمائهم فكيف ذمّهم بتقليدهم و القبول من علمائهم؟ و هل عوامّ اليهود الاّ كعوامّنا، يقلّدون علماءهم - الى أن قال: - فقال عليه السلام: بين عوامّنا و عوامّ اليهود فرق من جهة و تسوية من جهة، أمّا من حيث الاستواء فانّ اللّه ذمّ عوامّنا بتقليدهم علماءهم كما ذمّ عوامّهم، و أمّا من حيث افترقوا فانّ عوامّ اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح و أكل الحرام و الرشاء و تغيير الأحكام و اضطرّوا بقلوبهم الى أنّ من فعل ذلك فهو فاسق، لايجوز أن يصدّق على اللّه و لا على الوسائط بين الخلق و بين اللّه فلذلك ذمّهم، و كذلك عوامّنا اذا عرفوا من علمائهم الفسق الظاهر و العصبيّة الشديدة و التكالب على الدنيا و حرامها، فمن قلّد مثل هؤلاء فهو مثل اليهود الذين ذمّهم اللّه بالتقليد لفسقة علمائهم، فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا


1) - النساء 4: 58.

لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوامّ أن يقلّدوه و ذلك لايكون الاّ بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم، فانّ من ركب من القبائح و الفواحش مراكب علماء العامّة فلاتقبلوا منهم عنّا شيئا و لا كرامة، و انّما كثر التخليط فيما يتحمّل عنّا أهل البيت لذلك؛ لأنّ الفسقة يتحمّلون عنّا فيحرّفونه بأسره لجهلهم، و يضعون الأشياء على غير وجهها لقلّة معرفتهم، و آخرون يتعمّدون الكذب علينا. الحديث».(1)


1) - وسائل الشيعة 27: 131 / الباب 10 من أبواب صفات القاضي / الحديث 20.

الخامس: طهارة المولد

و لاينعقد القضاء لولد الزنا مع تحقّق حاله كما لاتصحّ امامته و لا شهادته في الأشياء الجليلة.

في المسالك: «و أمّا طهارة المولد فلقصور ولد الزنا عن تولّي هذه المرتبة، حتّى أنّ امامته و شهادته ممنوعتان، فالقضاء أولى».(1)

و في الجواهر: «فالعمدة الاجماع المحكي و فحوى ما دلّ على المنع من امامته و شهادته ان كان و قلنا به، مؤيّدا بنفر طباع الناس منه، و الاّ فمقتضى العمومات دخوله».(2)

و في مستند الشيعة: «بل في الروضة و معتمد الشيعة الاجماع على اشتراطها. و الأصل ينفي ما لم يثبت فيه اجماع. انتهى ملخّصا».(3)

أقول:

لم يدلّ دليل من الكتاب و السنّة على اشتراط طهارة المولد الاّ الاجماع المحكي، مضافا الى أنّ كون المجتهد متولّدا من الزنا منقصة له، و الشارع لايرضى بزعامة من له منقصة بوجه؛ لأنّ منصب الحكومة و القضاء من أعظم المناصب الالهيّة و ان لم يكن المتولّد من الزنا مقصّرا في ذاته، كما اذا كان عادلاً بل في غاية التقى و الورع.


1) - مسالك الأفهام 13: 327.

2) - جواهر الكلام 40: 13.

3) - مستند الشيعة 17: 38.

السادس: العلم

إشارة:

و كذا لاينعقد لغير العالم المستقلّ بأهليّة الفتوى، و لايكفيه فتوى العلماء، و لا بدّ أن يكون عالما بجميع ما وليه. و يدخل فيه أن يكون ضابطا، فلو غلب عليه النسيان لم يجز نصبه. و هل يشترط علمه بالكتابة؟ فيه تردّد؛ نظرا الى اختصاص النبيّ صلى الله عليه و آلهبالرئاسة العامّة مع خلوّه في أوّل أمره من الكتابة. و الأقرب اشتراط ذلك لما يضطرّه اليه من الأمور التي لاتتيسّر لغير النبيّ صلى الله عليه و آله بدون الكتابة.

قال في المسالك: «المراد بالعالم هنا الفقيه المجتهد في الأحكام الشرعيّة. و على اشتراط ذلك في القاضي اجماع علمائنا. و لا فرق بين حالة الاختيار و الاضطرار. و لا فرق فيمن نقص عن مرتبته بين المطّلع على فتوى الفقهاء و غيره. و المراد بكونه عالما بجميع ما وليه كونه مجتهدا مطلقا، فلايكفي اجتهاده في بعض الأحكام دون بعض على القول بتجزّي الاجتهاد».(1)

أقول:

قد اختلفت الأقوال في المسألة:

الأوّل: يشترط كونه مجتهدا مطلقا، و هو ظاهر قول المحقّق في الشرائع و الشهيد الثاني في المسالك و العلاّمة في القواعد و التحرير.

الثاني: يكفي التجزّي في الاجتهاد كما في مستند الشيعة.

الثالث: اعتبار الاجتهاد المطلق، و ان لم يمكن فالمتجزّي، و ان لم يمكن فمن حكم بالحقّ و العدل وان لم يكن مجتهدا، كما عن السبزواري في الكفاية و المحقّق الأردبيلي و القمّي.

الرابع: عدم اعتبار شيء ممّا ذكر، بل المعتبر هو الحكم بالحقّ و العدل اجتهادا


1) - مسالك الأفهام 13: 328.

أو تقليدا، كما ذهب اليه صاحب الجواهر رحمه الله و ادّعى القطع عليه.

قد استدلّ في الجواهر(1)على صحّة الحكم بالحقّ و العدل و القسط من كلّ مؤمن أوّلاً بآيات:

منها قوله تعالى: «انّ اللّه يأمركم أن تؤدّوا الأمانات الى أهلها و اذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل»(2).

و منها قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا كونوا قوّامين للّه شهداء بالقسط و لايجرمنّكم شنئان قوم على ألاّتعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى»(3).

و منها قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء للّه و لو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين ان يكن غنيّا أو فقيرا فاللّه أولى بهما فلاتتّبعوا الهوى أن تعدلوا و ان تلووا أو تعرضوا فانّ اللّه كان بما تعملون خبيرا»(4).

و كذا مفهوم قوله تعالى: «و من لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون» و في أخرى: «هم الكافرون»(5).

و فيه أوّلاً: انّ غاية ما يستفاد من هذه الآيات اعتبار الحكم بالحقّ و القسط و العدل و بما أنزل اللّه، و أمّا عدم اعتبار شيء آخر في القضاء و الحكم فلايدلّ عليه هذه الآيات، فلو صدر اعتبار الفقه و الاجتهاد فلاينافي هذه الآيات حتّى يكون معارضا أو مقيّدا أو مخصّصا لها، أي لاتكون الآيات في مقام البيان من جهة الحاكم و انّما هي في مقام بيان وجوب كون الحكم بالحقّ و القسط.

و ثانيا - على فرض كون الآيات في مقام البيان من هذه الجهة - : انّها قابلة


1) - جواهر الكلام 40: 15.

2) - النساء 4: 58.

3) - المائدة 5: 8.

4) - النساء 4: 135.

5) - المائدة 5: 47 و 44.

للتقييد، بل اثبات كون القاضي عالما بالأحكام و لو تقليدا يحتاج الى تقييد الآية قطعا، فانّ الآية ساكتة عن العلم و لو تقليدا مع أنّ المقيّد لها بالعلم هو سائر الآيات و الروايات المفسّرة لها كقوله تعالى: «و من لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون»(1)، و ظاهر أنّ الحكم بما أنزل اللّه لايمكن الاّ اجتهادا، فانّ المقلّد لايحكم بما أنزل اللّه بل يحكم بما استنبطه المجتهد ممّا أنزل اللّه.

مع أنّ مثل: «اذا حكمتم بين الناس ... » لا ربط لها بالقضاء رأسا بل هي في أهل الكتاب الذين يقولون: انّ الكافرين أهدى من الذين آمنوا سبيلاً و يعبدون الجبت و الطاغوت الذين لعنهم اللّه و ورد فيهم الآيات السابقة لهذه الآية الى أن قال تعالى في هذه الآية: «و اذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل» أي اذا حكمتم بين المسلمين و الكافرين فاعدلوا في حكمكم.

و استدلّ رحمه الله(2)ثانيا بروايات:

منها رواية أحمد عن أبيه رفعه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«القضاة أربعة، ثلاثة في النار و واحد في الجنّة: رجل قضى بجور و هو يعلم فهو في النار، و رجل قضى بجور و هو لايعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحقّ و هو لايعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحقّ و هو يعلم فهو في الجنّة».(3)

و فيه أوّلاً: انّ الرواية ضعيفة السند.

و ثانيا: لعلّ مراده عليه السلام من العلم هو العلم بالموضوع.

و ثالثا: لو كان المراد هو العلم بالأحكام فمن كان مقلّدا لايقال له: انّه عالم بالأحكام.


1) - المائدة 5: 47.

2) - جواهر الكلام 40: 15 و 16.

3) - وسائل الشيعة 27: 22 / الباب 4 من أبواب صفات القاضي / الحديث 6.

و رابعا: لو سلّم كون اطلاق العالم بالأحكام على المقلّد فالعلم - أي «و هو يعلم» - مطلق قابل للتقييد.

و منها موثّقة أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«الحكم حكمان: حكم اللّه عزّوجلّ و حكم أهل الجاهليّة، و قد قال اللّه عزّوجلّ: «و من أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون» و أشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهليّة».(1)

و فيه: انّ المراد بحكم اللّه عزّوجلّ، هو الحكم بما أنزل اللّه، و الظاهر ممّا أنزل اللّه هو العلم بالأحكام من الكتاب و السنّة.

و منها صحيحة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال:

«قال أبو عبداللّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام: ايّاكم أن يحاكم بعضكم بعضا الى أهل الجور، ولكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا، فاجعلوه بينكم فانّي قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه».(2)

و فيه: انّ المراد بقوله: «فانّي قد جعلته قاضيا» العالم الذي يصلح أن ينصبه الامام عليه السلام بعنوان القاضي، في مقابل قضاة حكّام الجور.

و منها رواية عبداللّه بن طلحة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن رجل سارق دخل على امرأة ليسرق متاعها فلمّا جمع الثياب تابعته نفسه فكابرها على نفسها فواقعها، فتحرّك ابنها فقام فقتله بفأس كان معه فلمّا فرغ حمل الثياب و ذهب ليخرج، حملت عليه بالفأس فقتلته، فجاء أهله يطلبون بدمه من الغد، فقال أبو عبداللّه عليه السلام: اقض على هذا كما وصفت لك، فقال: يضمن مواليه الذي طلبوا بدمه دية الغلام، و يضمن السارق فيما ترك أربعة آلاف


1) - وسائل الشيعة 27: 23 / الباب 4 من أبواب صفات القاضي / الحديث 8.

2) - وسائل الشيعة 27: 13 / الباب 1 من أبواب صفات القاضي / الحديث 5.

درهم بمكابرتها على فرجها انّه زانٍ و هو في ماله عزمية(1)، و ليس عليها في قتلها ايّاه شيء، قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من كابر امرأة ليفجر بها فقتلته فلا دية له و لا قود».(2)

و فيه أوّلاً - مضافا الى ضعف سندها - : انّ الامام عليه السلام قد قضى في هذه الواقعة حقيقة، و كان عبداللّه بن طلحة واسطة بينه و بينهم.

و ثانيا: انّ هذه الرواية قد نقلها الصدوق رحمه الله عن يونس بن عبدالرحمن عن عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام، و ليس فيها: «اقض على هذا ... » بل فيها:

«فقال أبو عبداللّه عليه السلام: يضمن مواليه الذين طلبوا بدمه دية الغلام. الحديث».(3)

ثمّ قال رحمه الله(4): نعم قد يقال بتوقّف صحّة ذلك على الاذن منهم عليهم السلام؛ لخبر سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اتّقوا الحكومة فانّ الحكومة انّما هي للامام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبيّ أو وصيّ نبيّ».(5)

و خبر اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال أميرالمؤمنين عليه السلام لشريح: يا شريح قد جلست مجلسا لايجلسه الاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ».(6)


1) - في الكافي: غريمة. هامش الوسائل

2) - وسائل الشيعة 29: 62 / الباب 23 من أبواب القصاص في النفس / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 29: 60 / الباب 22 من أبواب القصاص في النفس / الحديث 5.

4) - جواهر الكلام 40: 17.

5) - وسائل الشيعة 27: 17 / الباب 3 من أبواب صفات القاضي / الحديث 3.

6) - وسائل الشيعة 27: 17 / الباب 3 من أبواب صفات القاضي / الحديث 2.

و ما عساه يشعر به قوله عليه السلام في نصب نائب الغيبة:

«فانّي قد جعلته عليكم حاكما».(1)

و غير ذلك ممّا يقتضي توقّف صحّة الحكم و ترتّب أثره عليه على الاذن و النصب، فتقيّد تلك الآيات و النصوص بذلك أو تحمل على ارادة الأمر بالمعروف و نحوه ممّا ليس فيه قضاء و فصل.

ثمّ رجع عن قوله هذا و قال: «اللّهمّ الاّ أن يقال بأنّ النصوص دالّة على الاذن منهم عليهم السلام لشيعتهم المتمسّكين بحبلهم الحافظين لأحكامهم في الحكم بين الناس بأحكامهم الواصلة اليهم بقطع أو اجتهاد صحيح أو تقليد كذلك، فانّهم العلماء و شيعتهم المتعلّمون و باقي الناس غثاء - الى أن قال: - و انّما شدّة الانكار في النصوص على المعرضين عنهم المستغنين عنهم بآرائهم و قياسهم و استحسانهم و نحو ذلك من الباطل الذي لفّقوه.

قال الحلبي: «قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ربّما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منّا، فقال: ليس هو ذاك، انّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف و السوط».

و لو سلّم عدم ما يدلّ على الاذن فليس في شيء من النصوص ما يدلّ على عدم جواز الاذن لهم في ذلك، بل عموم ولايتهم يقتضي ذلك. بل قد يدّعى أنّ الموجودين في زمن النبيّ صلى الله عليه و آله ممّن أمر بالترافع اليهم قاصرون عن مرتبة الاجتهاد و انّما يقضون بين الناس بما سمعوه من النبيّ صلى الله عليه و آله. فدعوى قصور من علم جملة من الأحكام مشافهة أو بتقليد مجتهد عن منصب القضاء بما علمه، خالية عن الدليل، بل ظاهر الأدلّة خلافها، بل يمكن دعوى القطع بخلافها، و نصب خصوص المجتهد في زمان الغيبة بناءً على ظهور النصوص فيه لايقتضي عدم جواز نصب الغير - الى أن قال: - و حينئذ فتظهر ثمرة ذلك بناءً على عموم هذه


1) - وسائل الشيعة 27: 136 / الباب 11 من أبواب صفات القاضي / الحديث 1.

الرئاسة أنّ للمجتهد نصب مقلّده للقضاء بين الناس بفتاواه التي هي حلالهم وحرامهم، فيكون حكمه حكم مجتهده و حكم مجتهده حكمهم و حكمهم حكم اللّه تعالى شأنه. و الرادّ عليه رادّ على اللّه تعالى، و أمّا دعوى الاجماع التي قد سمعتها فلم أتحقّقها، بل لعلّ المحقّق عندنا خلافها».(1)

فمحصّل ما استدلّ به الجواهر لعدم اعتبار الاجتهاد في القاضي أمور:

الأوّل: اطلاق ما دلّ على الحكم بالحقّ و العدل و القسط.

و فيه: ما مرّ من أنّها في مقام بيان أنّ الحكم يجب أن يكون بالحقّ و العدل و القسط، لا في مقام بيان من له الحكم و شرائطه، فلا اطلاق لها من هذه الجهة.

الثاني: مفهوم الآيات الثلاث، مثل قوله تعالى: «و من لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون».

و فيه: انّها في مقام بيان حرمة الحكم بغير ما أنزل اللّه، لا في مقام بيان من له الحكم و شرائطه، فلايستفاد منها جوازه لكلّ أحد؛ لعدم الاطلاق من هذه الجهة.

الثالث: ما دلّ على أنّ المناط هو الحكم بالحقّ.

و فيه: ما مرّ ممّا في الأوّل و الثاني.

الرابع: صحيحة أبي خديجة المتقدّمة.

و فيه: انّ العلم بشيء من قضاياهم بما هي قضاياهم عليهم السلام يختصّ بالفقيه أو منصرف اليه؛ لانصراف لفظ العلم و العالم عن المقلّد التابع لغيره. نعم، يستفاد منها كفاية التجزّي و عدم اعتبار كونه مجتهدا مطلقا.

الخامس: خبر عبداللّه بن طلحة الذي تقدّم.

و فيه - مضافا الى ما مرّ - : انّه لعلّ المخاطب كان مجتهدا، و الاجتهاد في تلك الأعصار كان خفيف المؤونة.


1) - جواهر الكلام 40: 17 - 19.

السادس: صحيحة الحلبي(1)و قد تقدّمت في كلامه، و تقريب الاستدلال بها:انّ الامام عليه السلام لم يقيّد الرجل بكونه عالما بأحاديثهم عارفا بأحكامهم، فترك الاستفصال دليل على العموم، كما أنّ الحصر في قوله عليه السلام في ذيلها: «ليس هو ذاك، انّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف و السوط» يدلّ على جواز حكم من لم يكن كذلك مطلقا.

و فيه أوّلاً: انّها مجملة، و كأنّه لم ينقل الراوي بعض ما جرى بينه و بين الامام عليه السلام من الكلام.

و ثانيا: انّها قابلة للتقييد بما ورد من اعتبار كون القاضي عالما بأحاديثهم عارفا بأحكامهم كمقبولة عمر بن حنظلة و غيرها.

السابع: انّ الموجودين في عصر النبيّ صلى الله عليه و آله ممّن أمر بالترافع اليهم كمعاذ بن جبل و غيره من الصحابة كانوا قاصرين عن مرتبة الاجتهاد.

و فيه: فلعلّهم كانوا مجتهدين في الأحكام و لا أقلّ فيما يراجع الأنام اليهم، فانّ الاجتهاد في زمن النبيّ صلى الله عليه و آله بل الوصيّ عليه السلام كان خفيف المؤونة، و لذلك روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لمّا قال لمعاذ: «بماذا تقضي؟ قال: بكتاب اللّه. قال: فان لم تجد في كتاب اللّه قال: بسنّة رسول اللّه صلى الله عليه و آله. الحديث».(2)

الثامن: انّ نصب خصوص المجتهدين في عصر الغيبة لايقتضي عدم جواز نصب الغير.

التاسع: مقتضى عموم ولاية الفقيه أنّ له نصب مقلّده للقضاء.

و يردّهما: انّ ظاهر المقبولة و المشهورة - اللّتين سيأتي التعرّض لهما - حصر القضاء شرعا فيمن له الصفات المذكورة فيهما، فانّ الظاهر أنّهما في مقام بيان شرائط القاضي و من يجوز التحاكم اليه شرعا، لا مجرّد ما اعتبره الامام عليه السلام بنفسه في موضوع نصبه.


1) - وسائل الشيعة 27: 15 / الباب 1 من أبواب صفات القاضي / الحديث 8.

2) - بحار الأنوار 2: 310.

العاشر: عدم ثبوت الاجماع المدّعى على اعتبار الاجتهاد.

و فيه: ان كان مراده أنّ هذا الاجماع لم يكن حجّة على حدة و في عرضالكتاب و السنّة فهو حقّ، و أمّا ان كان مراده أنّ بعض قدماء الأصحاب ممّن يجوّز أن يكون القاضي مقلّدا، فهو بعيد عن كلامهم قدس سرهم.

الحادي عشر: انّ القضاء في عصر الغيبة من باب بيان الأحكام الشرعيّة، لا النصب القضائي.

و فيه: انّ الظاهر من المقبولة و المشهورة خلاف ذلك، فانّه عليه السلام نصب القاضي بنفسه، فليس هذا منحصرا في زمان الحضور بحيث يكون ساكتا عن زمن الغيبة، بل انّه عليه السلام كان في مقام تهيئة مقدّمات الغيبة مضافا الى تخطئة من كان في ذلك الزمان من القضاة المأمورين المنصوبين من قبل حكّام الجور و الظلم.

فتحصّل من جميع ذلك ضعف ما ذهب اليه صاحب الجواهر رحمه الله من عدم اعتبار الاجتهاد في القاضي.

فيشترط الاجتهاد في القاضي و يدلّ عليه الكتاب و السنّة:

فمن الأوّل: انّ اللّه تبارك و تعالى جعل الحكم أوّلاً و بالذات لنفسه فقال: «انِ الحكم الاّ للّه».(1)

ثمّ أعطاه أنبياءه باعتبارهم خلفاءه، حيث قال بالنسبة الى داوود عليه السلام: «يا داوود انّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحقّ و لاتتّبع الهوى فيضلّك عن سبيل اللّه».(2)

و قال أيضا بالنسبة الى يوسف عليه السلام: «و لمّا بلغ أشدّه آتيناه حكما و علما و كذلك نجزي المحسنين».(3)


1) - الأنعام 6: 57 - يوسف 12: 40 و 67.

2) - ص 38: 26.

3) - يوسف 12: 22.

و بالنسبة الى موسى عليه السلامقال: «و لمّا بلغ أشدّه و استوى آتيناه حكما و علما».(1)

و قال بالنسبة الى لوط عليه السلام: «و لوطا آتيناه حكما و علما».(2)

و قال في الأنبياء كلّهم: «و أنزل معهم الكتاب بالحقّ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه».(3)

و قال بالنسبة الى نبيّنا الخاتم و رسول الاسلام محمّد بن عبداللّه صلى الله عليه و آله: «فاحكم بينهم بما أنزل اللّه»(4)و «و أن احكم بينهم بما أنزل اللّه و لاتتّبع أهواءهم»(5)و «فلا و ربّك لايؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم»(6)و «فان تنازعتم في شيء فردّوه الى اللّه و الرسول ان كنتم تؤمنون باللّه و اليوم الآخر ذلك خير و أحسن تأويلاً»(7).

و تقريب الاستدلال بهذه الآيات: انّ الحكم بين الناس في الأحكام و الموضوعات يجب أن يكون باذن اللّه و بما أنزله في الكتاب؛ لأنّه الخالق و الربّ و له الحكم، و قد أذنه للرسول و لمن جعل الولاية له بعده و هم الأوصياء من بعده الذين أذهب اللّه عنهم رجس تبعيّة الهوى و الجهل، و طهّرهم باتّباع الكتاب و السنّة و العلم بهما.

و لهم الولاية في نصب الحاكم و القاضي بين الناس، و حاشا أن ينصبوا من كان جاهلاً بالكتاب و السنّة؛ لأنّ أساس الحكومة و القضاء الكتاب و هو ما أنزل


1) - قصص 28: 14.

2) - الأنبياء 21: 74.

3) - البقرة 2: 213.

4) - المائدة 5: 48.

5) - المائدة 5: 49.

6) - النساء 4: 65.

7) - النساء 4: 59.

اللّه، و السنّة مبيّنة له فمن كان مقلّدا فهو جاهل بالكتاب و السنّة. و المراد من العلم بالكتاب العلم بناسخه و منسوخه و مطلقه و مقيّده و عامّه و خاصّه و محكماته و متشابهاته و واجباته و مندوباته و كذلك العلم بالسنّة. و قد ورد ذلك عن علي عليه السلام في جواب السائل فراجع(1).

و من الثاني أي السنّة فروايات:

منها صحيحة أبي خديجة - المسمّاة بالمشهورة - قال:

«بعثني أبو عبداللّه عليه السلام الى أصحابنا فقال: قل لهم: ايّاكم اذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شيء من الأخذ و العطاء أن تحاكموا الى أحد من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا و حرامنا، فانّى قد جعلته عليكم قاضيا، و ايّاكم أن يخاصم بعضكم بعضا الى السلطان الجائر».(2)

و منها رواية اسحاق بن يعقوب في توقيع ورد عن مولانا صاحب الزمان - عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف - من قوله عليه السلام:

«و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه».(3)

و منها مقبولة عمر بن حنظلة الذي رواه الكليني عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن محمّد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن داوود بن الحصين عن عمر بن حنظلة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما الى السلطان و الى القضاة أيحلّ ذلك؟ قال: من


1) - وسائل الشيعة 27: 206 / الباب 14 من أبواب صفات القاضي / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 139 / الباب 11 من أبواب صفات القاضي / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 27: 140 / الباب 11 من أبواب صفات القاضي / الحديث 9.

تحاكم اليهم في حقّ أو باطل فانّما تحاكم الى الطاغوت و ما يحكم له فانّما يأخذ سحتا و ان كان حقّا ثابتا له؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت و قد أمر اللّه أن يكفر به، قال اللّه تعالى: «يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت و قد أمروا أن يكفروا به».

قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران الى من كان منكم ممّن قد روىحديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فانّي قد جعلته عليكم حاكما فاذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فانّما استخفّ بحكم اللّه و علينا ردّ و الرادّ علينا الرادّ على اللّه و هو على حدّ الشرك باللّه.

قلت: فان كان كلّ رجل اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما و لايلتفت الى ما يحكم به الآخر.

قال: قلت: فانّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لايفضّل واحد منهما على الآخر.

قال: فقال: ينظر الى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فانّ المجمع عليه لا ريب فيه، و انّما الأمور ثلاثة، أمر بيّن رشده فيتّبع و أمر بيّن غيّه فيجتنب و أمر مشكل يردّ علمه الى اللّه و الى رسوله، قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات و هلك من حيث لايعلم.

قلت: فان كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟

قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامّة فيؤخذ به و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامّة.

قلت: جعلت فداك أرأيت ان كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة و الآخر مخالفا لهم بأيّالخبرين يؤخذ؟ قال: ما خالف العامّة ففيه الرشاد.

فقلت: جعلت فداك فان وافقهما الخبران جميعا. قال: ينظر الى ما هم اليه أميل حكّامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر.

قلت: فان وافق حكّامهم الخبرين جميعا؟ قال: اذا كان ذلك فأرجه حتّى تلقى امامك فانّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات».(1)

و قد تلقّى الأصحاب الرواية بالقبول حتّى اشتهرت بالمقبولة فلابأس بالسند.

و قد يستدلّ على وجوب اجتهاد القاضي بفقرات من هذا الحديث:

الأولى: انّ الظاهر من قوله عليه السلام: «روى حديثنا» أنّه يجب أن يكون المدرك في قضاء القاضي الأحاديث الصادرة من الأئمّة الطاهرين عليهم السلام في مقابل قضاة أهل الجور الذين مدركهم القياسات و الاستحسانات الظنّيّة التي لاتسمن و لاتغني من جوع، و استنباط الحكم من تلك الأحاديث يحتاج الى فنّ الاجتهاد، و من المعلوم أنّ منبع علم المقلّد هو فتوى المجتهد لا الأحاديث الصادرة عنهم عليهم السلام.

الثانية: قوله عليه السلام: «نظر في حلالنا و حرامنا» فانّ النظر عبارة عن التشخيص أوّلاً في صدور الحديث، و ثانيا في فقهه و معناه، و ثالثا في مخصّصاته و مقيّداته لو كان عامّا أو مطلقا، و معارضاته و كيفيّة علاجه و كلّ ذلك يحتاج الى الاجتهاد.


1) - أصول الكافي 1: 87 / باب اختلاف الحديث / الحديث 10. و قد أورد بعضه في الوسائل 27: 106 / الباب 9 من أبواب صفات القاضي / الحديث 1.

الثالثة: قوله عليه السلام: «و عرف أحكامنا» فانّ معرفة الأحكام عبارة عن الاحاطة بجميع خصوصيّاتها و مميّزاتها و تشخيصها من خلال الأحاديث المرويّة عنهم، و لاسيّما اذا كانت متعارضة بحسب الظاهر أو محتاجة الى الشرح و التفسير و لايتيسّر ذلك الاّ لمن كان له ملكة الاجتهاد.

الرابعة: قوله عليه السلام: في جواب سؤال السائل عن صورة اختلاف الرجلين:«الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث». و كذا قول السائل في ذيل الحديث: «أرأيت ان كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة» فانّ معنى الفقيه - كما فهمه السائل - هو العارف بالأحكام من الكتاب و السنّة و لايقال للمقلّد: الفقيه.

الخامسة: قوله عليه السلام: «فانّي قد جعلته عليكم حاكما فاذا حكم بحكمنا ... » فانّ المجعول من الامام عليه السلام يجب أن يكون قريبا منه من الجهة التي قد ذكرها قبل ذلك، و هي العلم بالأحاديث و النظر في الحلال و الحرام و معرفة الأحكام. و لذا قال بعد ذلك: «فاذا حكم بحكمنا ... » فمعناه قربه الى الامام و مراودته عنده و استماع الحديث منه مدّة حتّى يقال له عارف بالأحكام من الكتاب و السنّة. و من المعلوم أنّه لاتتوفّر للمقلّد هذه المرتبة، و لايصدق عليه هذه الفقرة و ما قبلها من الفقرات.

السادسة: قوله عليه السلام: «فاذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فانّما استخفّ بحكم اللّه و علينا ردّ» فانّه عليه السلام جعل عدم قبول حكمه بمنزلة الاستخفاف بحكم اللّه، فاطلاق حكم اللّه لايستقيم الاّ على حكم من كان حكمه مطابقا للقرآن، فليس ذلك الاّ من الامام المعصوم عن الخطأ أو من جعله في منصبه ممّن كان حكمه مطابقا للقرآن و السنّة و هو الفقيه و المجتهد و هو الذي عدم قبول حكمه بمنزلة الاستخفاف بحكم اللّه، و ردّه بمنزلة الردّ على الامام و الردّ على الامام بمنزلة الشرك باللّه. و كيف يكون المقلّد هكذا و ان نصب من قبل الفقيه الجامع للشرائط؟ و لاأظنّ

فقيها يرضى أن ينصب عامّيا مقلّدا لهذا المنصب و يقول فيه: من لم يقبل قوله استخفّ بحكمي و من ردّ عليه ردّ حكمي و هو في حدّ الشرك باللّه، حاشا و كلاّ بكونه هكذا.

ثمّ اعلم أنّ الامام الخميني رحمه الله قد استنبط من هذا الحديث أنّ الامام عليه السلام كان بصدد جعل الولاية و القضاء معا و حاصل كلامه رحمه الله: «انّ قول السائل في المقبولة:«فتحاكما الى السلطان أو الى القضاة» بملاحظة أنّ فصل الخصومات كان من وظائف القضاة و أنّ سائر الأحكام المتوقّفة على اعمال القوّة و القدرة كانت من شؤون الولاة. و كذا قول الامام عليه السلام: «فانّما تحاكم الى الطاغوت» حيث استعمل لفظ الطاغوت و استشهد بالآية الشريفة، و كذا قوله عليه السلام: «فانّي قد جعلته عليكم حاكما» بدل قوله: «قاضيا»، كلّ ذلك قرينة على أنّ تعيين المرجع كان لجميع الأمور المربوطة بالولاة التي منها القضاء. فيراد بالحاكم مطلق من يرجع اليه في الأمور للبتّ و القرار. انتهى ملخّصا».(1)

و نوقش في كلامه رحمه الله أوّلاً بما يوجب الاغتشاش و الهرج و المرج؛ لأنّ كلّ فقيه يدّعي بوظيفته الحكومة.

و ثانيا: انّ الولاية بالنصب كانت ثابتة عندنا للامام الصادق عليه السلام بنفسه، و بعده أيضا للأئمّة من ولده عليهم السلام فما معنى نصب الفقهاء ولاة بالفعل مع وجوده و ظهوره؟ و السائل سأل عن المرجع للمحاكمات في عصر الامام عليه السلام فلا مجال لأن يقال: انّ النصب منه عليه السلام كان لعصر الغيبة فانّ السؤال على هذا يبقى بلا جواب.

و ثالثا: انّ المقبولة و كذا خبر أبي خديجة في مقام نصب القاضي للشيعة الاماميّة لحلّ مشاكلهم في الأمور التي كانت ترتبط بالقضاة بعد ما حرّم عليهم الرجوع الى قضاة الجور. فلايصحّ الاستدلال بهما لاثبات الولاية المطلقة بالنصب.


1) - كتاب البيع 2: 639 - 642.

و هذه المناقشات لاترجع الى شيء.

أمّا الأوّل: ففيه أوّلاً: انّ المنصوب من قبل الامام لايفعل ما يؤدّي الى الاغتشاش و الهرج و المرج و لايعادي من كان قرينه من الفقهاء.

و ثانيا: انّ المناقش نفسه قد أثبت الولاية من دلائل أخرى غير المقبولة مع أنّ مناقشته هذه جارية في سائر الأدلّة أيضا.

و في الثاني: انّ النصب في زمان الامام الصادق عليه السلام معناه تبعيّة المنصوب له، فمن له هذا المنصب يعلم وظائفه في زمن الامام عليه السلام و يعرف أنّ الامام عليه السلام معصوم و منصوب من قبل اللّه جلّ جلاله و رسوله صلى الله عليه و آله، فاذا ارتحل الامام الصادق عليه السلام فلو لم يتّبع الامام من بعده يصير ظالما فينعزل قهرا، كما يكون ذلك في زمان الغيبة فلو صار فقيه فاسقا ينعزل قهرا.

و في الثالث: انّه ليس معنى الولاية و الحكومة و النصب من قبل الامام، اتّباع الهوى و القول و الفعل بما شاء، معاذ اللّه بل معناها اتّباع الحقّ و أن يكون قوله و فعله عن الحقّ، و الحقّ بعد اللّه و رسوله هو الامام المعصوم، و الوالي الذي له هذه الصفات يكون قاضيا أيضا، و يحلّ مشاكل الشيعة بما تعلّم من الامام المعصوم من السنّة و بيان الكتاب.

ان قلت: انّ السلطان و الحاكم الذي يكون له الرئاسة العامّة و ولاية أمر المسلمين لايكون قابلاً للقياس بالقاضي لسعة دائرة حكمه و سلطانه، و القضاء شعبة من شعب مسؤوليّته، فكيف يكون أحكامه و اختياراته في أمور الناس نافذة في زمان الامام عليه السلام و كذا في زمان الغيبة مع تشتّت آرائهم و عقائدهم و تخلّفات بعضهم بل غالبهم مع أنّه يجب عليه الاحتراز عن الظلم و الجور و قيامه بين الناس بالعدل و الاحسان.

قلت: أمّا في زمان الامام عليه السلام - لو كان مبسوط اليد - فالمنصوبون من قبله - كالذين نصبوا من قبل مولانا أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في المدن

المختلفة - كانوا يرجعون فيما يجهلونه من الأمور الى مولاهم الذي هو وليّ الأمر من قبل اللّه تعالى و رسوله صلى الله عليه و آله، و في زمان ضيق يده عليه السلام كزمان سائر الأئمّة عليهم السلام فكان دائرة حكومته محدودة بعدد قليل من الشيعة المتفرّقين في البلاد، فكان سيرتهم الرجوع الى امامهم عليه السلام في كلّ ما لم يعلموا حكمه، كما يظهر من الروايات الواردة عنهم عليهم السلام. و أمّا في زماننا هذا فالفرض و المعلوم أنّه ليس شيء الاّ و كانحكمه في الكتاب و السنّة عموما أو خصوصا.

ان قلت: هناك فرق بين الامام المعصوم عليه السلام و المنصوب من قبله بعنوان الولاية، و هو أنّ الامام عليه السلام قد عصمه اللّه من الذنب و الخطأ، و أمّا المنصوب من قبله من الفقهاء و المجتهدين في زمن الغيبة و ان كان من صفاتهم العدالة و عدم التكالب على الدنيا الدنيّة الاّ أنّ الانسان في محلّ السهو و النسيان و لم يكن معصوما و هو كغيره في مظانّ ارتكاب الذنوب و الانحراف عن الحقّ.

قلت: نعم، و انّ هذا لحقّ الاّ أنّ الفرض أوّلاً: انّ له ملكة العدالة في جميع الأمور. و ثانيا: يجب على غيره من الفقهاء و المجتهدين العدول أن يكونوا ناظرين على أعماله و تصرّفاته.(1)

هذا مضافا الى ما تقدّم من تفسير فقرات المقبولة، و من جملتها: «انّي قد جعلته عليكم حاكما فاذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فانّما استخفّ بحكم اللّه و علينا ردّ،و الرادّ علينا الرادّ على اللّه و هو على حدّ الشرك باللّه». فان لم يكن هذه الجملات من الولاية للفقيه الجامع للشرائط، فلمن كانت بعد؟ و على أيّ نحو يكون بيانه؟

و مع ذلك كلّه فلو سلّمنا أن تكون هذه الجملات للقاضي، فحين يجب


1) - كما يكون الآن بعنوان الخبراء، و مع ذلك كلّه انّ الفقهاء و العلماء العدول في المراكز العلميّة في البلاد يذكّرون ما يرون أحيانا من الأمور التي يمكن أن لايكون موافقا للقرآن و السنّة. ثمّ انّ القانون الذي يكون أساسا للنظام الاسلامي قد أمضاه الفقهاء و العلماء الأمناء، و أمضاه المرجع الأعلى الامام الخميني رحمه الله، و هو أمّ القوانين الجارية في الجمهوريّة الاسلاميّة و من أحسن القوانين الجارية في الدول.

أن يكون القاضي الذي منصبه شعبة من وظيفة الحاكم و السلطان هكذا، فبطريق الأولويّة القطعيّة يكون وليّ الأمر المنصوب من قبله كذلك.

ثمّ اعلم أنّ الدليل على الولاية المطلقة للفقيه الجامع لشرائط الفتوى لم ينحصر في هذه الرواية بل الدليل عليها الروايات الأخر قد ذكرت في الكتب الأربعة و غيرها فمنها مشهورة أبي خديجة و رواية اسحاق بن يعقوب المتقدّمتانو منها رواية وردت في تفسير الامام العسكري عليه السلام:

« ... فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوامّ أن يقلّدوه، و ذلك لايكون الاّ بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم، فانّ من ركب من القبائح و الفواحش مراكب علماء العامّة، فلاتقبلوا منهم عنّا شيئا. الحديث».(1)

ثمّ اعلم أنّه ان كان من جملة الدلائل العقليّة على الرسالة و الامامة وجوب بعث الرسل و انزال الكتب و تعيين الحفظة للكتاب و الأحكام، على اللّه تبارك و تعالى من باب لطفه و كرمه فهو الدليل أيضا في زمان الغيبة فيجب على الرسول و على خلفائه من بعده المنصوبين من قبل اللّه تعالى، أن يعيّنوا للأمّة الاسلاميّة من يرجعون اليه و يعيّنوا صفاته حتّى يكونوا حافظين للدين و الكتاب و السنّة، و قد عيّنوا فهم الفقهاء و العلماء الذين هم خلفاء رسول اللّه صلى الله عليه و آله و الأئمّة من بعده و حصون الاسلام و أمناء الرسل.

فروع:

الفرع الأوّل : في قضاء المقلّد المأذون من المجتهد

قال الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله: «قد يقال بأنّه و ان لم يجز للمقلّد الاستقلال


1) - وسائل الشيعة 27: 131 / الباب 10 من أبواب صفات القاضي / الحديث 20.

في القضاء الاّ أنّه يجوز للمجتهد أن يأذن له فيه و ينصبه للحكومة؛ نظرا الى أنّ للمجتهد من الولاية ما للامام عليه السلام الاّ ما خرج، و الظاهر ثبوت هذه الولاية له عليه السلام بأن ينصب عامّيا للحكومة؛ لعدم الدليل على عدم جوازه له، مع ما علم له عليه السلام من الولاية العامّة و الرئاسة المطلقة، و ما دلّ بظاهره من أدلّة نصب الفقهاء علىانحصار المرجع في المجتهد، فالمراد به المرجع على الاطلاق في جميع الأمور و الوقائع فلاينافي جواز نصب الامام للعامّي في خصوص خصومات بلدة، بل يدلّ على وقوعه أنّ الظاهر قصور كثير من المنصوبين في زمان النبي و الوصي عليهماالسلام عن درجة الاستنباط. و فيه أوّلاً: انّ ظاهر أدلّة نصب الفقهاء تعليل الأمر بالرجوع اليهم في الخصومات بكونهم حكّاما على الاطلاق و حججا كذلك فيدلّ على انحصار مباشرة فصل الخصومات فيمن هو مرجع على الاطلاق في جميع الوقائع و الأمور، فما استظهره من تلك الأدلّة من كونها في مقام بيان المرجع المطلق، يضرّه و لاينفعه. و ثانيا: انّ مجرّد عدم الدليل على عدم الجواز لايكون دليلاً على الجواز؛ لأنّ المقام ليس من قبيل الحكم التكليفي حتّى يتمسّك فيه بأصالة الاباحة، بل أصالة فساد الحكومة تكفي في الحكم ظاهرا بعدم جواز نصب العامّي للحكومة. و ثالثا: انّه لايعلم أنّ النبي و الوصي عليهماالسلام قد نصبا من كان عامّيا مقلّدا لمجتهد لمنصب القضاوة. و رابعا: انّ ما ذكر من ولاية المجتهد في جميع ما للامام عليه السلام الولاية فيه محلّ كلام. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

أوّلاً: انّ السؤال من الامام عليه السلام و جوابه في المقبولة و نظائرها أوّلاً و بالذات كان عن مرجع الخصومة و النزاع، الاّ أنّا استنبطنا منها و من غيرها الولاية العامّة و الحكومة و الرئاسة للفقيه الجامع لشرائط الافتاء بأنّه وليّ أمر المسلمين، فهي تدلّ


1) - كتاب القضاء و الشهادات: 38 و 39.

بظاهرها على اعتبار الفقاهة في أمور القضاء بل نصّ على ذلك.

و ثانيا: انّ الامام عليه السلام اعتبر في جعل الفقيه مقام نفسه أن يحكم بحكمه، و قال عليه السلام: «فاذا حكم بحكمنا» فوليّ الأمر و الحاكم و السلطان المنصوب من قبل الامام عليه السلام لا بدّ له من أن يحكم بحكم الامام عليه السلام، و من جملة حكم الامام عليه السلامأن يكون قضاء القاضي عن علم و بحقّ و بما أنزل اللّه، و بالكتاب و السنّة. و أين هذا من المقلّد الذي كالعامّي بالنسبة الى الكتاب و السنّة.

و ثالثا: انّ الامام عليه السلام نفسه دليل؛ لأنّه القرآن الناطق و أنّه المطهّر من رجس الجهل و الخطأ و النسيان في حكمه و قوله، أمّا الفقيه فلا بدّ له في أحكامه و منصوباته من دليل عامّ أو خاصّ من القرآن و السنّة.

و بعبارة أخرى: صرف الفقاهة و المرجعيّة لايجعل له العصمة، كما لم يجعل له ملكة العدالة الاّ أنّه يحصل على العدالة بالممارسة دون العصمة بالمعنى الذي في الامام عليه السلام.

و في مستند الشيعة: «و توهّم أنّ عموم الولاية فيما للامام فيه الولاية ثابت للمجتهد، و منها الاذن الخاصّ في القضاء مدفوع بأنّ للامام الاذن للأهل و القابل، فالجواز للمجتهد أيضا يكون مقصورا على من له الأهليّة و هي لغير المجتهد غير ثابتة، و من ثبتت له لايحتاج الى النائب؛ لثبوت الاذن له عن المنوب عنه».(1)

و على ما ذكر لو نصب المجتهد و الفقيه الجامع لشرائط الافتاء العامّي المقلّد لمنصب القضاء بمقتضى فتواه و حكم بتقليد مقلّده، فلاينفذ حكمه لغير مقلّد ذلك الفقيه، فضلاً عن أن يكون نافذا للفقهاء الأخر.

و عن الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله: «ثمّ لو فرض أنّ مقلّدا قضى باذن من يجوّز الاذن في القضاء، فهل ينفذ حكمه بحيث يجب على مجتهد آخر انفاذه؟ وجهان، الاقوى العدم، الاّ أن يحكم المجتهد الآذن بامضائه و انفاذه فيجب انفاذه


1) - مستند الشيعة 17: 26.

على غيره، الاّ أنّ يمنع عموم وجوب انفاذ جميع ما يحكم به المجتهد حتّى مثل هذا الامضاء».(1)

الفرع الثاني : في قضاء المتجزّي

بعد ما ذكرنا من اعتبار الاجتهاد في القاضي فهل يكفي التجزّي فيه أو يعتبر كونه مجتهدا مطلقا أو يفصّل بين وجود المطلق و عدمه؟

قد يقال - كما في مستند الشيعة(2)- بوقوع الاشكال في أصل فرض التجزّي في الاجتهاد بتقريب أنّ الاجتهاد ان كان عبارة عن الاستنباط الفعلي للأحكام بأن يستخرجها من أدلّتها التفصيليّة بالفعل أمكن فيه التجزّي و التبعّض. و أمّا اذا أريد به ملكة الاستنباط و القدرة عليه فهو أمر بسيط، و أمره دائر بين الوجود و العدم فلايتصوّر فيه تبعيض.

و لنذكر أوّلاً معنى الاجتهاد و الفقه و ما يحصَل عليه من مقدّماته:

فتعريفه اجمالاً: العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة من الكتاب و السنّة و الاجماع و العقل.

و مقدّماته: العلم باللغة و قواعد الصرف و النحو و المنطق و الروايات و ما يرجع اليها من علم الرجال و حالاتها من العامّ و الخاصّ و المطلق و المقيّد و كيفيّة العلاج في الأخبار المتعارضة، و ما يدلّ على حجّيّة العمل بالخبر الواحد، و الأصول المعتبرة من البراءة و الاشتغال و الاستصحاب و فروعها، و القواعد الكلّيّة الجارية في الفقه و الآيات الراجعة الى الأحكام و هي حوالي خمسمائة آية. و العمدة بعد حصول المقدّمات الممارسة و التمرين على ردّ الفروع الى الأصول و


1) - كتاب القضاء و الشهادات: 39 و 40.

2) - مستند الشيعة 17: 29.

الذي يقال له استنباط الأحكام الفرعيّة من أدلّتها التفصيليّة حتّى تحصل له القوّة و الملكة في ذلك، و هذه القوّة و الملكة عطيّة من اللّه بعد الاشتغال الدائم و المجاهدة المستمرّة، «و الذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا»(1). و لايبعدأن يقال: انّ هذه القوّة و الملكة تظهر ابتداءً في بعض الأحكام حتّى تظهر بكمالها و لذا يختلف مراتب العلماء من حيث دوام الاشتغال و الممارسة على ذلك و عدمه. و تذكّر بأنّ الاشتغال لساعة و ساعتين في كلّ يوم و ليلة بعيد عن الحصول على تلك القوّة.

و بعد ما عرفت من امكان تجزّي الاجتهاد فنقول: انّه يكفي أن يكون القاضي متجزّيا بأن يكون قادرا على أن يستنبط ما يحتاج اليه في أمر القضاء من المسائل، كالقضاء و الشهادات و الحدود و الديات و القصاص و الميراث و المنازعات في الأبواب المختلفة في المعاملات من البيع و الخيارات و الشفعة و الاجارة و الجعالة و المضاربة و الشركة و المزارعة و المساقاة و الوديعة و العارية و الضمان و الغصب و الحوالة و الوكالة و الكفالة و الصلح و الدين و الرهن و الحجر و الاقرار و الهبة و الوقف و الوصيّة و احياء الموات و كذلك النكاح و الرضاع و الطلاق و بعض المسائل المستحدثة ممّا ترجع الى المنازعات.

الفرع الثالث : في عدم وجدان واجد الشرائط

لو لم يوجد قضاة مجتهدون واجدون للشرائط بقدر المحاكم الدارجة، فيجوز للفقيه الجامع لشرائط الافتاء نصب بعض من يقدر و يطّلع على موازين القضاء اجمالاً و لو عن تقليد لأمر التحقيق و تهيئة المقدّمات، ثمّ يحال القضاء و الحكم الجازم الى القاضي المجتهد الواجد للشرائط و لو لم يوجد و لم يتيسّر ذلك أيضا،


1) - العنكبوت 29: 69.

فان كان تعطيل القضاء موجبا للضرر - كما لعلّه كذلك بل يمكن أن يقال بأنّه لايتصوّر حكومة اسلاميّة بدون سلطة القضاء - فيجوز للفقيه و قاضي القضاة أوالفقيه المتصدّي لأمور المسلمين نصب المقلّد المحتاط الساعي في الاطّلاع على موازين القضاء، و يجب عليه أن يراقب أعماله و على فرض الخطأ يجبر خطأه فانّ الضرورات تبيح المحظورات بقدرها.

و قد ورد عن الصادق عليه السلام:

«ليس شيء ممّا حرّم اللّه الاّ و قد أحلّه لمن اضطرّ اليه».(1)

و ليس أمر القضاء بأهمّ من الولاية للفقيه، و لو فرض عدم وجود الفقيه الجامع للشرائط لأن يتصدّى أمور المسلمين، فلا شكّ في وجوب تصدّي المؤمنين العدول الواقفين على مصالح الاسلام و المسلمين، و لايجوز احالة أمورهم الى الطغاة الظالمين و الفسقة الضالّين المنحرفين.

و في مستند الشيعة: «اذا فقد الجامع للشرائط أو تعسّر الوصول اليه أو لم ينفذ قضاؤه مطلقا أو على خصوص المدّعى عليه أو لم يمكن اثبات الحقّ عنده، فهل يجوز الترافع الى غيره؟ ظاهر الأكثر العدم، و في الروضة الاجماع عليه. و نقل الأردبيلي قولاً منسوبا الى ابن فهد بجوازه في الصورة الأولى و قال: انّه وجده في حاشية الدروس منقولاً عن الشيخ حسين بن حسّام. و وجدت أنا أيضا في حاشية نسخة منه منسوبة الى مسائل ابن طيّ نسبة هذا القول الى ابن فهد، و الى الشهيد في الحواشي و اختاره نفسه. و استقربه بعض المعاصرين و جوّزه الشهيد الثاني في المسالك، و والدي في معتمد الشيعة لو توقّف حصول الحقّ عليه و ظاهرهما الشمول للصور الأربع. استدلّوا على الجواز بلزوم تعطيل الأحكام لولاه و بنفي العسر و الحرج».(2)


1) - وسائل الشيعة 23: 228 / الباب 12 من كتاب الأيمان / الحديث 18.

2) - مستند الشيعة 17: 38 و 39.

في اشتراط أن يكون القاضي ضابطا

ثمّ انّ اعتبار كون القاضي و كذا المفتي ضابطا واضح؛ لأنّ من غلب عليه النسيان نسي حكمه و فتواه بعد مدّة قليلة، بل يشكّ في اجتهاده و استنباطهالأحكام من دلائلها، فالناسي عند العرف لايليق بمنصب الافتاء و القضاء. فان كان ضابطا فعرض له الكهولة و شكّ في عروض النسيان فيستصحب ضبطه.

ثمّ انّه لا دليل من الكتاب و السنّة بل العقل و العرف على اشتراط علمه بالكتابة، فان لم يمكن له الحكم الاّ بالكتابة فيجب و الاّ فلايجب.

و في المسالك: «منشأ التردّد: من أصالة عدم الاشتراط و كونها غير معتبرة في النبوّة التي هي أكمل المناصب و منها تتفرّع الأحكام و القضاء و قد كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله أمّيّا لايحسنها، كما نبّه عليه تعالى بقوله:«و ما كنت تتلو من قبله من كتاب و لاتخطّه بيمينك اذا لارتاب المبطلون». و من اضطراره الى معرفة الوقائع و الأحكام التي لايتيسّر ضبطها غالبا الاّ بها. و هذا اختيار الشيخ و المصنّف و أكثر الأصحاب. و النبي صلى الله عليه و آله محفوظ بالعصمة المانعة من السهو و الغلط الرافعة للاحتياج اليها. و قال الشيخ في المبسوط: «انّ النبي صلى الله عليه و آله كان عالما بها و انّما كان فاقدا لها قبل البعثة». و الأظهر خلافه».(1)

و عن الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري: «و اشتراط العلم بالكتابة هو الرأي المحكيّ عن الشيخ و أتباعه و ابن سعيد و المحقّق و المصنّف و الشهيدين بل عن عامّة متأخّري أصحابنا بل استظهر من السرائر دعوى الاجماع عليه حيث نسبه الى مقتضى مذهبنا و لعلّها الحجّة بعد الأصل المؤيّد بافتقار القاضي الى معرفة الوقائع و الأحكام التي لاتنضبط غالبا الاّ بالكتابة. و يردّ الأصل بالاطلاقات، و الشهرة بعدم بلوغها حدّ الاجماع. و استظهار الاجماع من السرائر فيه ما فيه. و التوقّف المدّعى ممنوع، و الحاجة تندفع بتفويض ضبط الوقائع الى كتّاب ثقات، فالأقوى عدمه وفاقا للمحكيّ عن بعض و اختاره بعض مشايخنا. و اعلم أنّه


1) - مسالك الأفهام 13: 329.

لايبعد أن يكون مراد القائلين باشتراط البصر و الضبط و الكتابة، اشتراطها في تولية الشخص ولاية عامّة في صقع من الأصقاع، بحيث نعلم أنّ فقدان هذه الأمورموجب لاختلال قضائه في بعض الوقائع - كما هو كذلك بمقتضى الانصاف - فهذه من شروط تولية الامام له، و ليست شروطا في صحّة كلّ فرد فرد من أقضيته. فهذه الشروط نظير اشتراط جماعة كونه عالما بجميع ما وليه، حيث انّه شرط للمجموع لا لكلّ فرد، نظير اشتراط بعضهم البصيرة باللغات و التدبير و اجتماع العقل و الرأي و غير ذلك من الصفات المعتبرة في كمال الرئاسة. و يشهد لما ذكرنا دعواهم في الاستدلال غلبة توقّف مقدّمات القضاء على الكتابة، لا أنّ الأمر كذلك دائما. و منه يعلم وجه اشتراط عدم الخرس فيه بل عدم الصمم أيضا. نعم، ربّما يقال باشتراط شروط القضاء في الفتوى أيضا. و هو ضعيف؛ لعدم الدليل عليه بحيث يقيّد اطلاق أدلّة التقليد من الكتاب و السنّة و معاقد الاجماع».(1)


1) - كتاب القضاء و الشهادات: 43 - 45.

السابع: الذكورة

و لاينعقد القضاء للمرأة و ان استكملت الشرائط.

في المسالك: «و هو موضع وفاق و خالف فيه بعض العامّة فجوّز قضاءها فيما تقبل شهادتها فيه».(1)

و عن الشيخ الأعظم رحمه الله: «و يشترط في القاضي أيضا الذكورة فالمرأة لاتولّى القضاء كما في النبوي المطابق للأصل المنجبر بعدم الخلاف في المسألة».(2)

و في مستند الشيعة: «و من الشرائط الذكورة بالاجماع كما في المسالك و نهج الحقّ و معتمد الشيعة و غيرها. واستشكل بعضهم في اشتراطه و هو ضعيف؛ لاختصاص الصحيحتين بالرجل فيخصّص بهما غيرهما ممّا يعمّ. و تدلّ عليه مرسلة الفقيه: «يا معاشر الناس لاتطيعوا النساء على حال، و لاتأمنوهنّ على مال» و روايات أبناء نباتة و أبي المقدام و كثير: «لاتملك المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها». و رواية الحسين بن المختار: «اتّقوا شرار النساء، و كونوا من خيارهنّ على حذر و ان أمرنكم فخالفوهنّ كيلا يطمعن منكم في المنكر». و تقربها مرسلتا المطّلب بن زياد و عمرو بن عثمان و رواية حمّاد بن عمرو الطويلة و فيها: «يا علي ليس على النساء جمعة و لا جماعة - الى أن قال: - و لاتولّي القضاء». و رواية جابر عن الباقر عليه السلام: «و لاتولّي المرأة القضاء و لاتولّي الامارة»، و في خبر آخر: «لايصلح قوم ولّتهم امرأة»».(3)

و عن العلاّمة الخوئي رحمه الله في التنقيح: «انّ المقلّد يعتبر فيه الرجوليّة، و لايسوغ تقليد المرأة بوجه، و ذلك لأنّا قد استفدنا من مذاق الشارع أنّ الوظيفة المرغوبةمن النساء انّما هي التحجّب و التستّر و تصدّي الأمور البيتيّة دون التدخّل فيما


1) - مسالك الأفهام 13: 329.

2) - كتاب القضاء و الشهادات: 40 و 41.

3) - مستند الشيعة 17: 35 و 36.

ينافي تلك الأمور. و من الظاهر أنّ التصدّي للافتاء بحسب العادة جعل للنفس في معرض الرجوع و السؤال لأنّهما مقتضى الرئاسة للمسلمين و لايرضى الشارع بجعل المرأة نفسها معرضا لذلك أبدا كيف و لم يرض بامامتها للرجال في صلاة الجماعة، فما ظنّك بكونها قائمة بأمورهم و مديرة لشؤون المجتمع و متصدّية للزعامة الكبرى للمسلمين. و بهذا الأمر المرتكز القطعي في أذهان المتشرّعة يقيّد الاطلاق، و يردع عن السيرة العقلائيّة الجارية على رجوع الجاهل الى العالم مطلقا رجلاً كان أو امرأة».(1)

أقول:

يدلّ على ممنوعيّة المرأة من تصدّي أمور المسلمين و أمر القضاء - مضافا الى السيرة القطعيّة من المتشرّعة المتّصلة بزمن النبيّ و وصيّه و الأولياء من بعدهما عليهم السلام - الكتاب و السنّة:

فمن الكتاب قوله تعالى: «الرجال قوّامون على النساء بما فضّل اللّه بعضهم على بعض»(2). بتقريب أنّ القيّم يطلق على من يتصدّى المهمّ من أمور الغير، و القوّام و القيّام للمبالغة في القيّم. و المراد من قوله تعالى: «بما فضّل اللّه بعضهم على بعض»هو الفضيلة التي تكون للرجال على النساء بطبيعتهم و خلقتهم و هي قوّة التعقّل و تحمّل الشدائد و المصائب و الاشتغال بالأمور الصعبة، فانّ حياتهنّ على العواطف و الاحساسات اللطيفة و الرقّة القلبيّة. و عموم الآية يدلّ على عدم انحصار قيمومة الرجال على النساء في النكاح و التزوّج، بل يتوسّع في كلّ مورد من الجهات الاجتماعيّة المرتبطة بتصدّي المهمّ من الأمور الشرعيّة كالحكومة و القضاء و الجهاد.

و أمّا السنّة فمنها ما تقدّم من السيرة النبويّة القطعيّة و هي عدم نصب المرأة


1) - التنقيح في شرح العروة 1: 187 و 188.

2) - النساء 4: 34.

والية و قاضية و عدم جعل رئاسة الجنود للجهاد لها في طيلة حياته الشريفة، و كذا في زمن وصيّه علي بن أبي طالب عليه السلام بل الخلفاء قبله و بعده، مع كثرة المؤمنات الصالحات العالمات بالكتاب و السنّة، و من جملتهنّ سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه صلى الله عليه و آله و زوجة وصيّه و أخيه عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

و منها رواية الصدوق باسناده عن حمّاد بن عمرو و أنس بن محمّد عن أبيه عن جعفر بن محمّد عن آبائه في وصيّة النبيّ صلى الله عليه و آله لعليّ عليه السلام قال:

«يا علي ليس على المرأة جمعة - الى أن قال: - و لا تولّي القضاء».(1)

و الرواية و ان كانت ضعيفة من حيث السند و الدلالة الاّ أنّ عمل الفقهاء ينجبر ضعفها.

و منها الروايات التي رواها في الوسائل في باب جملة من آداب عشرة النساء و باب استحباب معصية النساء و ترك طاعتهنّ من أبواب مقدّمات النكاح(2)، و قد ذكر بعضها في مستند الشيعة، و من مجموعها و غيرها يستفاد عدم أهليّة النساء لذلك المنصب بطبيعتهنّ و خلقتهنّ.


1) - وسائل الشيعة 27: 16 / الباب 2 من أبواب صفات القاضي / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 20 / الباب 87 و 94 من أبواب مقدّمات النكاح.

و في انعقاد قضاء الأعمى تردّد أظهره أنّه لاينعقد لافتقاره الى التمييز بين الخصوم و تعذّر ذلك مع العمى الاّ فيما يقلّ.

و في المسالك: «منشأ التردّد ممّا ذكر من القصور و أنّ الأعمى لاتنفذ شهادته في بعض القضايا، و القاضي تنفد شهادته في الكلّ. و قيل: لايشترط؛ للأصل و منع كلّيّة نفوذ شهادته في الأمور. و الغرض حصول التمييز بين الخصوم و لو بنصب شاهدين عليه و لأنّ شعيبا - على نبيّنا و آله و عليه السلام - كان أعمى و هو نبيّ في ضمن ولايته القضاء. و الأشهر الاشتراط، و عمى الشعيب على تقدير تسليمه ليس بحجّة في شرعنا و لا على القاضي غير النبيّ صلى الله عليه و آله لانجبار النبوّة بالعصمة و الوحي».(1)

و عن الشيخ مرتضى الأنصاري: «و يشترط البصر أيضا على رأي محكيّ عن الأكثر بل عامّة من تأخّر و عن الاسكافي و الشيخ و ابن سعيد و المصنّف و الشهيدين بل عن الرياض أنّ شهرة هذا القول بالغة حدّ الاجماع؛ لعدم معروفيّة القائل بالخلاف من الأصحاب و ان أشعر بوجوده بعض العبارات. و استدلّوا عليه بالأصل و بتوقّف القضاء على تمييز الخصوم و الشهود. ولكنّ الأصل مورود بالاطلاقات و دعوى انصرافها الى غير الأعمى ممنوعة جدّا كما يشهد له الانصاف، كدعوى توقّف تمييز الخصوم على البصر. و لو فرض التوقّف في مقام خاصّ التزمنا به، فالأقوى عدمه وفاقا للمحكيّ عن بعض و تبعه صاحب الكفاية و غير واحد ممّن تأخّر عنه».(2)

أقول:

الظاهر عدم الدليل على اشتراط البصر، الاّ دعوى احتياجه الى تمييز الخصوم


1) - مسالك الأفهام 13: 329 و 330.

2) - كتاب القضاء و الشهادات: 42 و 43.

و لو فرض التوقّف في مقام خاصّ على البصر التزمنا به كما قاله الشيخ رحمه الله.

الثامن: الحرّيّة

و هل يشترط الحرّيّة؟ قال في المبسوط: نعم. و الأقرب أنّه ليس شرطا.

و في المسالك: «اشتراط الحرّيّة في القاضي مذهب الأكثر و منهم الشيخ و أتباعه؛ لأنّ القضاء ولاية و العبد ليس محلاًّ لها؛ لاشتغاله عنها باستغراق وقته بحقوق المولى و لأنّه من المناصب الجليلة التي لايليق بحال العبد. و استقرب المصنّف رحمه الله عدم اشتراطها؛ للأصل و لأنّ المناط العلم و هو حاصل و عموم قول الصادق عليه السلام: «أنظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم قاضيا، فانّي قد جعلته قاضيا» و يمنع من عدم أهليّته للولاية مع اذن السيّد. و عدم تأهّله لهذا المنصب مجرّد دعوى».(1)

أقول:

الظاهر عدم الدليل على اشتراط الحرّيّة من الكتاب و السنّة، الاّ أن يقال: انّ للقاضي نحو ولاية، و العبد الذي لايقدر على شيء و هو المولّى عليه لايقدر أن يكون وليّا و لو في الجملة، و هو الأظهر.


1) - مسالك الأفهام 13: 330.

في اشتراط اذن الامام عليه السلام في ثبوت الولاية

و هنا مسائل: «الأولى»: يشترط في ثبوت الولاية اذن الامام عليه السلامأو من فوّض اليه الامام. و لو استقضى أهل البلد قاضيا لم يثبت ولايته. نعم، لو تراضى خصمان بواحد من الرعيّة و ترافعا اليه فحكم بينهما لزمهما الحكم. و لايشترط رضاهما بعد الحكم. و يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب عن الامام. و يعمّ الجواز كلّ الأحكام. و مع عدم الامام ينفذ قضاء الفقيه من فقهاء أهل البيت عليهم السلام، الجامع للصفات المشروطة في الفتوى؛ لقول أبي عبداللّه عليه السلام: «فاجعلوه قاضيا، فانّي جعلته قاضيا فتحاكموا اليه». و لو عدل - و الحال هذه - الى قضاة الجور كان مخطئا.

في الجواهر: «لا خلاف عندنا بل الاجماع بقسميه عليه في أنّه يشترط في ثبوت الولاية للقضاء و توابعه اذن الامام عليه السلام أو من فوّض اليه الامام ذلك؛ لما عرفت من أنّ منصب الحكومة له. و حينئذ فلو استقضى أهل البلد قاضيا لم تثبت ولايته عندنا و لم ينفذ حكمه».(1)

أقول:

لا اشكال و لا خلاف عندنا - كما يدلّ عليه الكتاب و السنّة على ما تقدّم - في أنّه لا ولاية لأحد على أحد الاّ للّه لأنّه الخالق و المالك و المدبّر و الرازق و لمن جعل اللّه له هذه الولاية و هو الرسول صلى الله عليه و آله و علي بن أبي طالب عليه السلام و الأحدعشر من أولاده المنصوبين من قبل اللّه و الرسول صلى الله عليه و آله و القضاء شعبة من الولاية بل أهمّها و لذا نقول: أوّلاً و بالذات «ان الحكم الاّ للّه»(2). و لا فرق في ذلك بين زمان حضور الامام عليه السلام أو غيبته فله الولاية، و له أن ينصب واحدا أو أكثر للقضاء خصوصا أو عموما. و في زمان بسط يده كما في خلافة مولانا علي بن أبي طالب


1) - جواهر الكلام 40: 23.

2) - الأنعام 6: 57 - يوسف 12: 40 و 67.

أميرالمؤمنين عليه السلام قد نصب الولاة و القضاة للمسلمين في المدن المختلفة. و هكذا يكون الحال في زمان ضيق يدهم فانّهم عليهم السلام قد نصبوا لتابعيهم و شيعتهم من يرجعون اليه في أحكامهم و خصوماتهم خصوصا و عموما، كما تقدّم تفصيلاً فالشرط الأوّل من شرائط الوالي و القاضي أن يكون منصوبا من قبل المعصوم عليه السلام. و باقي الشرائط قد ذكرها الامام عليه السلام في ضمن نصبه المنصوبين من قبله و المهمّ منها العلم بالكتاب و السنّة و العدالة كما مرّ.

و لا فرق بين زمان الحضور و الغيبة، فيلزم أن يكون الوالي و القاضي في زمان الغيبة أيضا منصوبا من قبله، و يعرف بأن يكون جامعا للشرائط المعيّنة في الكتاب و السنّة. و يشهد له أهل الخبرة و من له قدرة التمييز.

ثمّ انّه اذا اختار الفقهاء العدول في زمان الغيبة فردا منهم للحكومة و الولاية على المسلمين، فله أن ينصب القاضي بنفسه. و هذا كلّه لا اشكال فيه.

انّما الكلام في قاضي التحكيم، فقال المحقّق رحمه الله: «و لو استقضى أهل البلد قاضيا لم يثبت ولايته. نعم، لو تراضى خصمان بواحد من الرعيّة و ترافعا اليه فحكم بينهما لزمهما الحكم. و لايشترط رضاهما بعد الحكم، و يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب عن الامام و يعمّ الجواز كلّ الأحكام».

و في المسالك: «و أمّا التحكيم و هو أن يحكّم الخصمان واحدا من الناس جامعا لشرائط الحكم، سواء نصّ من له التولية أم لا. فالمشهور بين الأصحاب جوازه، بل لم يذكروا فيه خلافا - الى أن قال: - و على هذا فقاضي التحكيم مختصّ بحال حضور الامام ليفرّق بينه و بين غيره من القضاة بكون القاضي منصوبا و هذا غير منصوب من غير الخصمين. أمّا في حال الغيبة فالمجتهد ينفذ قضاؤه؛ لعموم الاذن. و غيره لايصحّ حكمه مطلقا فلايتصوّر حالتها قاضي التحكيم».(1)


1) - مسالك الأفهام 13: 332 - 334.

أقول:

فيه جهتان من البحث:

الأولى: ما هو المراد من قاضي التحكيم؟ فان كان المراد منه من يصلح بين المتنازعين من باب الاصلاح، فهو من الأعمال الصالحة المرغوبة و قد ورد به الكتاب و السنّة كما في قوله تعالى: «فأصلحوا بين أخويكم»(1)و قول علي عليه السلام:

« ... اصلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة و الصيام».(2)

و لعلّه يجب بوجوب كفائي لمن يقدر على ذلك.

و ان كان المراد منه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فانّه أيضا من الأعمال الصالحة المرغوب فيها و قد ورد به الكتاب و السنّة، و من جملة الأحكام التي قد أكّد عليها، و وجوبهما محرز بالأدلّة الأربعة.

و أمّا ان كان المراد من قاضي التحكيم هو الذي يجعل قاضيا من المترافعين بعنوان من له حكومة من قبل الشرع، و قد أوجب الشارع قبول حكمه فالظاهر أنّه لا فرق بينه و بين غيره من القضاة، فانّ الحكم للّه و للرسول و لوصيّ الرسول و من نصبه لذلك عموما أو خصوصا و لا فرق في ذلك بين زمان الحضور و زمان الغيبة. و الدليل عليه هو الدليل على قاضي العموم و الوالي و هو الفقيه الجامع للشرائط.

الثانية: في دائرة حكمه و نفوذه، فمن المعلوم أنّ في زمان حضور الامام عليه السلام و بسط يده فدائرة حكمه تتعيّن من الامام عليه السلام. و في زمان ضيق يده فمعلوم أنّ منصوبه لايكون دائرة حكمه و نفوذه أكثر من دائرة نفوذ حكم الامام عليه السلام.

و أمّا في زمان الغيبة و بسط يد الفقيه فدائرة حكم قاضي التحكيم و نفوذه


1) - الحجرات 49: 10.

2) - وسائل الشيعة 18: 440 / الباب 1 من كتاب الصلح / الحديث 6.

محدودة بما لايرجع الى اجراء الحدود و القصاص و لايرجع الى اختلال النظم والحكومة، حتّى ينجرّ الى الفوضى و تسلّط الأعداء.

و منه يعلم نفوذ حكمه في حقّ المترافعين و وجوب الأخذ به منهما كوجوب أخذ حكم قاضي العموم، ما لم يبلغ الى حدّ اختلال النظام.

ثمّ اذا كان في صقع من أصقاع الأرض حكومة اسلاميّة شيعيّة و كان في رأس الحكومة فقيه من فقهاء أهل بيت العصمة و الطهارة فهو كزمان حكومة مولانا علي بن أبي طالب عليه السلام فعلى الفقيه العمل بوظائفه الجارية فيما يحتاج اليه الأمّة الاسلاميّة و من جملتها تعيين القضاة بلا واسطة أو بواسطة نصب قاضي القضاة، فوظيفة قاضي القضاة المنصوب من قبل الفقيه الحاكم أن ينصب القضاة الجامعين لشرائط القضاء على ما تقدّم. و على الأمّة الاسلاميّة أن يرجعوا اليهم في خصوماتهم و مرافعاتهم و غير ذلك ممّا هو وظيفة القاضي.

و أمّا اذا كان موطن فرد أو أفراد من الشيعة الاثنيعشريّة في الدول الاسلاميّة غير الجعفريّة من المذاهب الأربعة، فان كان فيهم فقيه من فقهاء الاماميّة، يجب عليهم أن يراجعوا اليه في خصوماتهم و مرافعاتهم كما يراجعون في مسائلهم الشرعيّة الى المرجع الديني، و هو من موارد قاضي التحكيم. فلو لم يكن فقيه، أو لايحصل على حقّه الاّ بالمراجعة الى قضاة المخالفين فيجوز له ذلك لاستنقاذ حقّه. و هكذا يكون الحال في الدول غير الاسلاميّة.

في استحباب تولّي القضاء لمن يثق بنفسه للقيام بشرائطه

«الثانية»: تولّي القضاء مستحبّ لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطه، و ربّما وجب و وجوبه على الكفاية. و اذا علم الامام أنّ بلدا خالٍ من قاضٍ لزمه أن يبعث له. و يأثم أهل البلد بالاتّفاق على منعه و يحلّ قتالهم طلبا للاجابة. و لو وجد من هو بالشرائط فامتنع لم يجبر مع وجود مثله. و لو ألزمه الامام قال في الخلاف: «لم يكن له الامتناع؛ لأنّ ما يلزم به الامام

واجب» و نحن نمنع الالزام؛ اذ الامام لايلزم بما ليس لازما. أمّا لو لم يوجدغيره تعيّن هو و لزمه الاجابة. و لو لم يعلم به الامام وجب أن يعرّف نفسه؛ لأنّ القضاء من باب الأمر بالمعروف. و هل يجوز أن يبذل مالاً ليلي القضاء؟ قيل: لا؛ لأنّه كالرشوة.

قال في المسالك: «وظيفة القضاء من فروض الكفاية؛ لتوقّف نظام النوع الانساني عليه و لأنّ الظلم من شيم النفوس فلا بدّ من حاكم ينتصف للمظلوم من الظالم، و لما يترتّب عليه من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و قد روي أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال: «انّ اللّه لايقدّس أمّة ليس فيهم من يأخذ للضعيف حقّه». و لعظم فائدته تولاّه النبي صلى الله عليه و آله و من قبله من الأنبياء بأنفسهم لأمّتهم و من بعدهم من خلفائهم».(1)

و بهذا الدليل الذي قاله الشهيد رحمه الله نقول: انّ وظيفة تشكيل الحكومة الاسلاميّة الجعفريّة من فروض الكفاية، و على الفقهاء الاماميّة السعي لهذا المهمّ، و اذا استقرّت فيجب عليهم حفظها باقامة العدل و الاحسان و الاجتناب عمّا يميل اليه حكّام الجور من التكاثر في الأموال و ما نبّه عليه الامام علي بن أبي طالب عليه السلامولاته المنصوبين في رسائله اليهم.

و من جملة وظائف الحاكم نصب القضاة. و يستحبّ لمن كان له شرائط القضاء و يثق بنفسه للقيام بما عيّن له في الكتاب و السنّة أن يعرض نفسه لذلك حتّى يختاره الحاكم، أو القاضي المنصوب من قبله ان احتيج اليه، و ربّما وجب ذلك عينا ان لم يكن غيره أو كفاية ان كان غيره.

و على الفقيه الحاكم أو القاضي المنصوب من قبله أن ينصب في كلّ قطر قاضيا بحيث لايعسر على من حوله الرجوع اليه عادة. فاذا علم أنّ بلدا خالٍ من قاضٍ لزمه أن يبعث اليه قاضيا و حيث يتعيّن واحدا للقضاء يجب على أهل بلده


1) - مسالك الأفهام 13: 336.

الذين ولاّه عليهم الترافع اليه عند الحاجة و مساعدته. فان امتنعوا من الترافع اليه أو من تمكينه يعامل معهم بما تقتضيه المصلحة حتّى يستجيبوا.

ثمّ اذا احتاج الحاكم الى نصب قاضٍ:

فتارة يكون هناك واحد خاصّة فيعيّنه، و لا اشكال في تعيّنه؛ لأنّه واجب عليه عينا و لم يجز له الامتناع و ان امتنع ارتكب الحرام، و وجب عليه التوبة و القبول. نعم، لو لم ير من نفسه حقيقة القيام بالعدل و ادارة الشؤون القضائيّة، فهو معذور.

و أخرى يكون هناك متعدّدون صالحون له، فطلب الحاكم منهم واحدا لا على التعيين، فتجب عليهم الاجابة كفاية و يجوز لكلّ واحد منهم الامتناع منه على وجه لايؤدّي الى تعطيل المصلحة العامّة، بل طلبا لاجابة غيره في وقت لاتفوت الحاجة. فان أجاب واحد منهم سقط عن الباقين و ان امتنع الجميع أثموا و وجب عليهم التوبة و قبول واحد منهم.

و ثالثة يكون الصورة بحالها الاّ أنّه طلب الحاكم منهم واحدا بخصوصه، فيسقط الوجوب عن الباقين مع اجابته. و هل يجوز للمعيّن الامتناع حينئذ؟ الظاهر جوازه؛ لعدم تعيّنه عليه بتعيين الحاكم حتّى يكون واجبا عينيّا.

و رابعة يكون هناك واحد صالح خاصّة و لايعيّنه الحاكم أو لايعرفه لعدم معرفته فيجب عليه أن يعرّف نفسه للحاكم حتّى يختاره ان شاء.

و هكذا يكون الحال لو كان هناك جماعة صالحون له، فيجب عليهم الاعلام بحالهم كفاية. و متى قام به واحد منهم أو بعضهم على وجه اعتمد عليه أو عليهم الحاكم أو المنصوب من قبله و رفع حاجته سقط عن الباقين ان عرّفوا أنفسهم و سقط التعريف ان لم يعرّفوا.

ثمّ هل يجوز أن يبذل مالاً ليلي القضاء؟

ففي المسالك: «في جواز بذل المال ليلي القضاء وجهان: أحدهما العدم؛ لأنّه كالرشوة على ذلك و هي محرّمة. و الثاني: الجواز؛ لما تقرّر من رجحانه فاذا

توقّف تحصيل فضيلته على المال جاز بذله لذلك، كما أنّه اذا تعذّر الأمر بالمعروف الاّ ببذل المال جاز، بل وجب مع وجوبه فيكون هناك كذلك. و الحقّ أنّ هذا البحث لايجري عندنا بالنسبة الى الامام العادل (سواء كان المعصوم عليه السلام أو الفقيه الجامع للشرائط). و ربما احتمل جوازه اذا بذل المال لبيت المال. و فيه نظر. أمّا اذا توقّف تولّيه من الجائر على دفع المال و كان القضاء في حقّه راجحا فلا اشكال في جوازه بل وجوبه لو كان تولّي القضاء واجبا متوقّفا عليه، ولكن الآخذ ظالم بالأخذ. و كذا يجوز له بذل المال بعد ما ولّى لئلاّيعزل. و الآخذ ظالم بالأخذ أيضا. و أمّا بذل المال ليعزل من هو ملابس للقضاء فان لم يكن بصفات القاضي فهو مستحبّ لتخليص الناس منه، لكن أخذه حرام على الآخذ، و ان كان أهلاً فهو حرام».(1)و ما ذكره رحمه الله في محلّه.

فيما اذا وجد اثنان متفاوتان في الفضيلة مع استكمال الشرائط

إشارة:

«الثالثة»: اذا وجد اثنان متفاوتان في الفضيلة مع استكمال الشرائط المعتبرة فيهما، فان قلّد الأفضل جاز. و هل يجوز العدول الى المفضول؟ فيه تردّد. و الوجه الجواز؛ لأنّ خلله ينجبر بنظر الامام.

قال في المسالك: «لا اشكال في رجحان تقديم الأعلم، لكن هل يتعيّن ذلك أم يجوز تولية المفضول؟ فيه قولان مرتّبان على أنّ المقلّد هل يجب عليه تقليد الأعلم؟ فيه قولان: أحدهما الجواز و ذلك أوّلاً: لاشتراك الجميع في الأهليّة. و ثانيا: للاجماع من الصحابة على جواز تقليد المفضول مع وجود الأفضل. و ثالثا: انّ العامّي لايمكنه تشخيص الترجيح لو كان التعيين واجبا. ثانيهما - و هو الأشهر بين الأصحاب - المنع، و ذلك أوّلاً لأنّ الظنّ بقول الأعلم أقوى منه بقول المفضول. و ثانيا: لرواية عمر بن حنظلة. و في كلّ واحد من الأدلّة من الجانبيننظر. أمّا الأوّل: لمنع اقتضاء الاشتراك تساويهم بالنظر الى الغير. و ما كان يجري


1) - مسالك الأفهام 13: 342.

في الصحابة لايجري على أصول الأصحاب، و العامّي يمكنه معرفة الأفضل بالتسامح. و أمّا الثاني ففيه: منع كون الظنّ بقول الأعلم أقوى مطلقا. و الرواية نصّ في المطلوب، فان تمّ الاستدلال بها لانجبار ضعفها بالشهرة فهي العمدة، و الاّ فلا. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

هنا فرعان: الأوّل فيما اذا كان هناك مجتهدان أو أكثر و بعضهم أعلم من الآخر، فهل يجوز تولية المفضول؟ و الثاني في جواز تقليد المفضول.

و البحث فيهما في زمن الغيبة و بالنسبة الى القاضي فيما كانت يد الفقيه الحاكم مبسوطة.

الفرع الأوّل : في تولية المفضول

و الظاهر أنّه لا مانع من نصب من كان مجتهدا فيما يرجع الى أمور القضاء، كما مرّ، بعد احراز سائر الشرائط فيه و ان كان مفضولاً بالنسبة الى غيره، و لم يدلّ دليل على أعلميّته بل اجتهاده في جميع الأحكام و ان لم يكن مرتبطا بالقضاء، بناءً على القول بامكان تجزّي الاجتهاد كما مرّ. و من المعلوم أنّ المقبولة ليست بصدد بيان الأعلميّة من جهة النصب بل فيما لو حكما في مورد و كان حكمهما مختلفين. و كذا لا مانع من نصب القضاة في البلدان من جانب القاضي المنصوب من قبل الفقيه الحاكم اذا كانوا مجتهدين في الأحكام المتعلّقة بالقضاء كما تقدّم.


1) - مسالك الأفهام 13: 343 - 345.

الفرع الثاني : في تقليد المفضول

اذا أحرز سائر الشرائط اللازمة للتقليد في مجتهد فيجوز تقليده في المسائل التي لا خلاف فيها و ان كان مفضولاً. و أمّا المسائل الخلافيّة فما هو الظاهر من الروايات التي قد أرجع الامام عليه السلام تابعيه الى رواة أحاديثه، أنّه يجوز فيها تقليد من كان قادرا على فهم الأحكام من الكتاب و السنّة، و كان فقيها مجتهدا، يشهد به أهل الخبرة و ان لم يكن أعلم، بل على القول بامكان التجزّي يمكن تقليده في العبادات ان كان مجتهدا فيها، و ان لم يكن مجتهدا في المعاملات و كذا العكس.

و أمّا الاجماع على وجوب تقليد الأعلم الذى يدّعيه بعض و أصرّ عليه الشيخ الأعظم رحمه الله فلم تثبت كاشفيّته عن قول المعصوم مع وجود الروايات التي أشير اليها.

ان قلت: اذا كان مدار الحكم مقبولة عمر بن حنظلة فلماذا لم يحكم بتقليد الأعلم جزما.

قلت: الظاهر أنّ عمدة دليلهم العقل. و أمّا بالنسبة الى القاضي فقد لايرتفع نزاعهما و مخاصمتهما الاّ بانتخاب الأفقه منهما، و هذا بخلاف التقليد فانّ من كان فقيها قادرا على استنباط الأحكام من الكتاب و السنّة صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوامّ أن يقلّدوه، كما في الخبر.

في جواز الاستخلاف مع اذن الامام عليه السلام و عدمه لمنعه

«الرابعة»: اذا أذن له الامام في الاستخلاف جاز، و لو منع لم يجز و مع اطلاق التولية ان كان هناك أمارة تدلّ على الاذن مثل سعة الولاية التي لاتضبطها اليد الواحدة جاز الاستنابة و الاّ فلا، استنادا الى أنّ القضاء موقوف على الاذن.

أمّا في زمان الحضور فاذا أذن الامام عليه السلام للقاضي المنصوب من قبله أو الوالي كذلك أن يستخلف قاضيا أو قضاة في حيطة ولايته، جاز له ذلك الاّ أنّ عليه

استخلاف من كان له شرائط القضاء على ما عيّن له الامام المعصوم عليه السلام و لو منعه عن الاستخلاف لم يجز. و مع اطلاق التولية فالحكم كما ذهب اليه المصنّف رحمه الله.

و أمّا في زمان الغيبة فاختيارات القاضي المنصوب من قبله معيّنة في القوانين المدوّنة، و من جملتها نصب القضاة في البلدان على ما تقدّم من الشرائط.

و في الدول الأخرى فيجوز للفقيه أن ينصب القاضي بالشرائط و يقضي لمن يراجعه من الشيعة في الخصومات على حدّ اختياراته.

في ارتزاق القاضي

إشارة:

«الخامسة»: اذا ولّي من لايتعيّن عليه القضاء فان كان له كفاية من ماله فالأفضل أن لايطلب الرزق من بيت المال. و لو طلب جاز؛ لأنّه من المصالح. و ان تعيّن للقضاء و لم يكن له كفاية جاز له أخذ الرزق. و ان كان له كفاية قيل: لايجوز الرزق؛ لأنّه يؤدّي فرضا. أمّا لو أخذ الجعل من المتحاكمين ففيه خلاف. و الوجه التفصيل، فمع عدم التعيين و حصول الضرورة قيل: يجوز. و الأولى المنع. و لو اختلّ أحد الشرطين لم يجز. و أمّا الشاهد فلايجوز له أخذ الأجرة لتعيّن الاقامة عليه مع التمكّن. و يجوز للمؤذّن و القاسم و كاتب القاضي و المترجم و صاحب الديوان و والي بيت المال أن يأخذوا الرزق من بيت المال؛ لأنّه من المصالح. و كذا من يكيل للناس و يزن، و من يعلّم القرآن و الآداب.

قال في المسالك: «بيت المال محلّه مصالح المسلمين التي من جملتها القاضي؛ لقيامه بنظام النوع و أخذ الحقّ من الظالم للمظلوم و الأمر بالمعروف،فيجوز له أخذ الرزق منه مطلقا اذا لم يكن متعيّنا عليه سواء كان له كفاية أم لا. و ان تعيّن عليه بتعيين الامام أو عدم وجود غيره ففي جواز أخذه منه قولان: ثانيهما الجواز. و على كلّ حال، فمع وجود الكفاية من بيت المال لايجوز له أخذها من المتخاصمين مطلقا. و مع عدمها و وجود الحاجة اليه ففي جواز أخذه منهما أو

من أحدهما قولان: ثانيهما الجواز من المصنّف مع عدم التعيين و حصول الضرورة، و دليله شامل مع تعيينه أيضا. انتهى ملخّصا».(1)

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في ارتزاق القاضي من بيت المال

الظاهر أنّه لا خلاف في جواز الارتزاق لو كان محتاجا اليه، سواء تعيّن عليه القضاء بما عيّنه الامام أو نائبه أو عرّف نفسه على الفقيه الحاكم أو المنصوب من قبله لما يرى من وجوب القضاء عليه عينا فعيّنه، أو لم يتعيّن و قد ذكر عدم الخلاف الشيخ مرتضى الأنصاري.(2)

و أمّا اذا كان غنيّا ففي أخذه قولان:

قال الشيخ الأعظم: «ظاهر جماعة منهم العلاّمة في القواعد و الشهيد في اللمعة و الدروس، العدم و اليه ذهب جمع من المتأخّرين. و الأقوى جواز أخذه مع عدم الحاجة بما يراه الامام عليه السلام أو من هو وكيله على بيت المال، حتّى أنّه لو كان بيد نفس القاضي جاز له أن يأخذ منه مقدارا يعلم أنّه لو كان في يده غيره لم يقنع منه بما دون ذلك. انتهى ملخّصا».(3)

يدلّ على جواز الارتزاق ما ورد عن محمّد بن الحسين الرضيّ في نهج البلاغة عن أميرالمؤمنين عليه السلام في عهد طويل كتبه الى مالك الأشتر حين ولاّه على مصر و عمّالها فقال عليه السلام فيه:

«و اعلم أنّ الرعيّة طبقات: لايصلح بعضها ببعض و لا غنىً ببعضها عن بعض، فمنها جنود اللّه و منها كتّاب العامّة و الخاصّة و منها قضاة


1) - مسالك الأفهام 13: 348 - 349.

2) - كتاب القضاء و الشهادات: 104.

3) - نفس المصدر.

العدل - الى أن قال: - و كلّ قد سمّى اللّه له سهمه و وضع على حدّه و فريضة في كتابه و سنّة نبيّه صلى الله عليه و آله - ثمّ قال: - و لكلّ على الوالي حقّ بقدر ما يصلحه - ثمّ قال: - ثمّ اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك ممّن لاتضيق به الأمور - ثمّ ذكر صفات القاضي و قال: - ثمّ أكثر تعاهد قضائه و افسح له في البذل ما يزيل علّته و تقلّ معه حاجته الى الناس و أعطه من المنزلة لديك ما لايطمع فيه غيره».(1)

و مرسلة حمّاد بن عيسى عن العبد الصالح عليه السلام (في حديث طويل في الخمس و الأنفال و الغنائم) قال:

«و الأرضون التي أخذت عنوة فهي موقوفة متروكة في يد من يعمّرها و يحييها - ثمّ ذكر الزكاة و حصّة العمّال الى أن قال: - و يؤخذ الباقي فيكون بعد ذلك أرزاق أعوانه على دين اللّه و في مصلحة ما ينوبه من تقوية الاسلام و تقوية الدين في وجوه الجهاد و غير ذلك ممّا فيه مصلحة العامّة - ثمّ قال: - انّ اللّه لم يترك شيئا من الأموال الاّ و قد قسّمه فأعطى كلّ ذي حقّ حقّه، الخاصّة و العامّة و الفقراء و المساكين و كلّ صنف من صنوف الناس».(2)

و عن الحرّ العاملي في الوسائل: «و يظهر منه جواز الرزق للقاضي من بيت المال».

و استدلّ بهما الشيخ الأعظم رحمه الله(3)و بثانيهما النراقي رحمه الله(4).

و استدلّ المانع أوّلاً بعدم الدليل.


1) - نهج البلاغة / الكتاب 53. و قد أورده في الوسائل باختلاف يسير 27: 223 / الباب 8 من أبواب آداب القاضي / الحديث 9.

2) - وسائل الشيعة 27: 221 / الباب 8 من أبواب آداب القاضي / الحديث 2.

3) - كتاب القضاء و الشهادات: 105 و 106.

4) - مستند الشيعة 17: 68.

و ثانيا بأنّ بيت المال للمحاويج.

و ثالثا بأنّه اذا تعيّن عليه القضاء يكون واجبا و أخذ الأجرة على الواجب حرام.

و رابعا بصحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن قاضٍ بين قريتين، يأخذ من السلطان على القضاء الرزق، فقال: ذلك السحت».(1)

و خامسا بالاجماع.

و الجواب أمّا عن الأوّل فبوجود الدليل كما ذكر.

و عن الثاني بأنّ مصرف بيت المال هو المصالح العامّة كما مرّ في الروايتين، و رزق القاضي من جملتها.

و عن الثالث أوّلاً بأنّ الارتزاق من بيت المال الذي يعطيه الامام عليه السلام أو الفقيه الحاكم ليس في مقابل الحكم، بل هو اعطاء من صاحب الشرع كما يعطيه للمجاهدين. و ثانيا بأنّ حرمة أخذ الأجرة للأعمال غير العبادية ممنوعة.

و عن الرابع بأنّ الصحيحة واردة في القاضي المنصوب من قبل سلطان الجور.

و عن الخامس بأنّ ادّعاء الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم عليه السلام ممنوع.

الفرع الثاني : في أخذ الأجرة من المتخاصمين

قال في مستند الشيعة: «اختلفت كلماتهم في جواز أخذ الأجرة و الجعل على القضاء من المتخاصمين أو أحدهما أو غيرهما. فقال في الكفاية: «و لاأعرف خلافا بين الأصحاب في أنّه لايجوز له أخذها من المتخاصمين مع وجود الكفاية من بيت المال، و مع وجود الحاجة اليه ففي جواز أخذها منهما أو من أحدهما


1) - وسائل الشيعة 27: 221 / الباب 8 من أبواب آداب القاضي / الحديث 1.

قولان أشهرهما المنع» - الى أن قال: - فالحقّ عدم الجواز مطلقا مع الكفاية».(1)

استدلّ المانع مطلقا أو مع وجود الكفاية أو مع تعيّنه عليه أوّلاً بعدم جواز أخذ الأجرة على الواجب.

و ثانيا بصحيحة ابن سنان المتقدّمة.

و ثالثا بما روي في الخصال من أنّ «السحت أنواع كثيرة ... و منها أجور القضاة».(2)

و رابعا بأنّه يوجب تعطيل القضاء في الجملة.

و خامسا بالاجماع.

و يردّ الأوّل بأنّ حرمة أخذ الأجرة في غير العبادات من الواجبات ممنوعة.

و الثاني بأنّ الصحيحة واردة في القاضي المنصوب من قبل سلطان الجور.

و الثالث بأنّه مجمل بل من المظنون رجوعه الى السلطان الجائر أيضا.

و الرابع بأنّ ذلك لايوجب الحكم بالحرمة مطلقا، بل فيما اذا انجرّ الى ذلك و لم يكن غيره فيحرم عليه أخذها و يجب عليه القضاء.

و الخامس بأنّ وجود الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم عليه السلام ممنوع.

ولكن مع ذلك كلّه ففي جواز أخذ الأجرة من المتخاصمين مع عدم الحاجة اشكال؛ لما في رواية يوسف بن جابر قال:

«قال أبو جعفر عليه السلام: لعن رسول اللّه صلى الله عليه و آله ... و رجلاً احتاج الناس اليه لتفقّهه فسألهم الرشوة».(3)

بناءً على أنّ المراد من الرشوة - بمناسبة الحكم و الموضوع - الأجر، و بناءً على جبران ضعف سندها بعمل المشهور. و لو احتاج الى الأجر لمعيشته فليأخذ لمقدّمات القضاء.


1) - مستند الشيعة 17: 64 و 66.

2) - وسائل الشيعة 17: 95 / الباب 5 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 12

3) - وسائل الشيعة 27: 223 / الباب 8 من أبواب آداب القاضي / الحديث 5.

ثمّ انّه يحرم على القاضي أخذ الرشوة اجماعا من المسلمين - كما في مستند الشيعة(1)- و للمستفيضة المعتبرة(2)من أنّ الرشا في الحكم هو الكفر باللّه العظيم.

و قوله عليه السلام:

«لعن اللّه الراشي و المرتشي و من بينهما يمشي».(3)

و قد مرّ البحث في ذلك تفصيلاً في المكاسب المحرّمة في المسألة الثامنة(4)، و سيأتي هنا ان شاء اللّه تعالى.

الفرع الثالث : في أخذ الأجرة للشهادة

فقال المصنّف: «و أمّا الشاهد فلايجوز له أخذ الأجرة؛ لتعيّن الاقامة عليه مع التمكّن».

و في المسالك: «انّما يتعيّن الاقامة على الشاهد بتقدير انحصار الشهادة فيه، و كونه مقبول الشهادة أو وجود ما يتمّ به العدد المعتبر في ثبوت الحقّ لا أزيد. فلو زاد الشهود المقبولون عن النصاب المعتبر كان الوجوب على العدد منهم كفائيّا لاعينيّا، و ظاهر الأصحاب عدم جواز أخذ الأجرة عليها مطلقا؛ لوجوبها في الجملة خصوصا مع التعيّن. هذا بالنسبة الى نفس أداء الشهادة. أمّا لو احتاج السعي الى اقامتها الى مؤونة في سفره جاز أخذها؛ لأنّ الواجب الاقامة كما دلّت عليه الآية لا السعي لها. و قد يشكل بأنّ السعي حينئذ مقدّمة الواجب المطلق، فيكون واجبا أيضا كأصله».(5)


1) - مستند الشيعة 17: 69.

2) - وسائل الشيعة 17: 92 / الباب 5 من أبواب مايكتسب به.

3) - مستدرك الوسائل 17: 355 / الباب 8 من أبواب آداب القاضي / الحديث 8.

4) - الهادي الى المكاسب 1: 287 - 312.

5) - مسالك الأفهام 13: 349 و 350.

و في مفتاح الكرامة: «أمّا الشاهد فلايحلّ له الأجر على الاقامة و لا التحمّل و ان لم يتعيّن عليه الاّ أن يحتاج في الاقامة الى سفر فانّه يجوز أخذ ما يتوصّل به؛ اذ لايجب عليه ذلك كما نصّ عليه الشهيد رحمه الله و يدلّ على ذلك - بعد كونه واجبا - ما ورد من النهي عن تركها في الكتاب و السنّة كقوله تعالى: «و من يكتمها فانّه آثم قلبه» و قوله عزّذكره: «و لايأب الشهداء اذا ما دعوا» و نحوهما من الأخبار و ما ورد من الأمر بالاقامة للّه في قوله تعالى: «و أقيموا الشهادة للّه»، و لردّ شهادة الأجير في أخبار منها خبر العلاء بن سيابة عن الصادق عليه السلام: «كان أميرالمؤمنين عليه السلام لايجيز شهادة الأجير»».(1)

أقول:

الظاهر عدم جواز أخذ الأجرة بازاء أداء الشهادة للآيات المذكورة في المفتاح و عدم الخلاف، بل لايبعد القول بعدم جواز أخذ الأجرة اذا دعي لتحمّل الشهادة. نعم، لو كان له مقدّمات كالسفر و غيره و يحتاج الى المؤونة فالظاهر جواز أخذ الأجرة عليها؛ لأنّ الواجب الاقامة. و لو لم يتيسّر الاّ بالسعي و كان متمكّنا فلايبعد القول بوجوبه اذا تعيّن عليه.

الفرع : الرابع في أنّه هل للمؤذّن و القاسم و غيرهما أن يأخذوا الرزق من بيت المال؟

قال المصنّف: «و يجوز للمؤذّن و القاسم و كاتب القاضي و المترجم و صاحب الديوان و والي بيت المال أن يأخذوا الرزق من بيت المال؛ لأنّه من المصالح. و كذا من يكيل للناس و يزن، و من يعلّم القرآن و الآداب».


1) - مفتاح الكرامة 10: 15.

و في المسالك: «هذه المعدودات كلّها من جملة مصالح الاسلام التي هي محلّ الرزق من بيت المال. و هو غير منحصر فيمن ذكر، بل ضابطه كلّ مصلحة دينيّة، و منه مدرّس العلوم الشرعيّة و أئمّة الصلوات و العدل المرصد للشهادة و غير ذلك. و المراد بصاحب الديوان من بيده الكتاب الذي يجمع فيه أسماء الجند و القضاة و المدرّسين و غيرهم من المرتزقة و من يكتبه و نحوهما و والي بيت المال و خازنه و حافظ الماشية و راعيها و نحوهما، و معلّم آداب الأمور الحكميّة و العلوم الأدبيّة من النحو و اللغة و شبههما. و لا فرق في تعليم القرآن بين ما يجب تعليمه منه عينا كالفاتحة، و كفاية كآيات الأحكام و حفظ عدد التواتر له و غيره؛ لأنّ ذلك كلّه من أهمّ المصالح، و الوجوب لاينافي الارتزاق منه و ان نافى أخذ الأجرة عليه على الخلاف الذي سبق».(1)

أقول:

الدليل على جواز ارتزاق المؤذّن و القاسم - و غيرهما ممّن قد وقف أوقاته و سعيه لمصلحة من مصالح الاسلام و أهله - ما تقدّم من مرسلة حمّاد الطويلة و كتابة الامام علي عليه السلام الى مالك الأشتر، و قد قسّم عليه السلام الناس في الحكومة الاسلاميّة الى أقسام و طبقات لم يبق عليه السلام شيئا و أمرا الاّ و قد أتى به، و ما يخطر ببالك أو ترىبعينك من مصالح الاسلام في هذا الزمان فهو امّا ظاهر الكتابة أو منشعب ممّا ذكر فيه.


1) - مسالك الأفهام 13: 350.

في ثبوت ولاية القاضي بالاستفاضة

«السادسة»: تثبت ولاية القاضي بالاستفاضة. و كذا يثبت بالاستفاضة النسب و الملك المطلق و الموت و النكاح و الوقف و العتق. و لو لم يستفض - امّا لبعد موضع ولايته عن موضع عقد القضاء له، أو لغيره من الأسباب - أشهد الامام أو من نصبه الامام على ولايته شاهدين بصورة ما عهد اليه و سيّرهما معه ليشهدا له بالولاية. و لايجب على أهل الولاية قبول دعواه مع عدم البيّنة، و ان شهدت له الأمارات ما لم يحصل اليقين.

قال في المسالك: «ولاية القاضي كغيرها من الحقوق تثبت بما تثبت به من شهادة عدلين بها و ان لم يحكم بها حاكم، و بسماع التولية من الامام و بالاستفاضة. و هي اخبار جماعة لاتجمعهم داعية التواطؤ عادة و يحصل بقولهم العلم بمضمون خبرهم - على ما يقتضيه كلام المصنّف رحمه الله هنا - أو الظنّ الغالب المقارب له على قول. و الاكتفاء بالاستفاضة على تقدير اشتراط العلم واضح؛ لأنّها حينئذ أقوى من البيّنة التي نصبها الشارع لاثبات الحقوق فيكون ثبوت الحكم بها بطريق أولى. و على تقدير الاكتفاء بالظنّ الغالب تختصّ الاستفاضة بأمور خاصّة منها ولاية القاضي؛ لعسر اقامة البيّنة عليها غالبا و استقرار الأمر على قبولها بذلك و نحوه من زمن النبي صلى الله عليه و آله الى يومنا هذا، بل بما دون ذلك كالكتاب مع أمن التزوير؛ لافادته الظنّ الغالب».(1)

أقول:

ان كانت الاستفاضة - و هي الشياع - تفيد العلم فدليل حجّيّتها هو دليل حجّيّة العلم. و أمّا ان لم تفد العلم بل أفادت الظنّ المتآخم للعلم - المسمّى بالاطمئنان - فدليل حجّيّتها ما دلّ على حجّيّة البيّنة بالأولويّة؛ لأنّ البيّنة تفيد الظنّ غالبا، فتأمّل.

و ان لم تفد الاستفاضة الاّ الظنّ فهل هنا دليل على حجّيّتها؟ فما يمكن


1) - مسالك الأفهام 13: 351.

أن يستدلّ به لذلك روايات:

منها مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن البيّنة اذا أقيمت على الحقّ، أيحلّ للقاضي أن يقضي بقول البيّنة اذا لم يعرفهم من غير مسألة؟ فقال: خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم: الولايات و التناكح و المواريث و الذبائح و الشهادات، فاذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لايسأل عن باطنه».(1)

و رواه الصدوق باسناده عن يونس بن عبدالرحمن نحوه، و ذكر الأنساب مكان المواريث.(2)

و رواه الشيخ باسناده عن علي بن ابراهيم الاّ أنّ فيه: «بظاهر الحال».(3)

فقه الحديث:

ففي الجواهر: «بناءً على أنّ المراد بظاهر الحكم هو ما ظهر بين الناس من الحكم بمعنى نسبة المحمول الى الموضوع في الأمور المذكورة؛ اذ هو معنى الشياع و الاستفاضة المذكورين بل هما ظاهر الحال أيضا. كما أنّ المراد من الاكتفاء به في الشهادات أنّه تجوز الشهادة بما يحصل منه بمعنى، كما يقول: «دار زيد وقف عمرو بن خالد» و نحو ذلك ممّا هو متعارف بين الناس من الحكم في ذلك اذا كان شائعا كما يومئ اليه الصحيح الآتي، أو أنّ المراد متعلّق الشهادة من عدالة أو جرح. و على كلّ حال فلا ريب في أنّه مؤيّد لما عرفت من أنّ الدليل على حجّيّة الاستفاضة السيرة. انتهى ملخّصا».(4)


1) - وسائل الشيعة 27: 289 / الباب 22 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - من لايحضره الفقيه 3: 16 / باب ما يجب الأخذ فيه بظاهر الحكم / الحديث 1.

3) - تهذيب الأحكام 6: 288 / باب الزيادات في القضايا و الأحكام / الحديث 5.

4) - جواهر الكلام 40: 56.

أقول:

أمّا بالنسبة الى البيّنة، فالظاهر بقرينة الجواب أنّ مراد السائل من قوله: «اذا لم يعرفهم من غير مسألة» أنّه هل يلزم أن يتفحّص عن حال البيّنة حتّى يحصل له العلم؟ فقال الامام عليه السلام في جوابه أوّلاً: انّه يجب الأخذ بظاهر الحكم بين الناس. و ثانيا: انّ ذلك فيما اذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا.

فيحصل من الجواب أنّه اذا شاع في الناس حسنه و عدالته و شهد ظاهره على ما شهد به الناس كفى في كونه شاهدا. فالرواية دالّة على أنّ شياع عدالة شخص في الناس كافٍ في شهادته. و من المعلوم أنّه قد يحصل العلم و الاطمئنان بقولهم و قد لايحصل، و ظاهرها أنّ الشياع بنفسه حجّة، اذا لم يكن هناك علامة على كذبه بل كان العلامة على صدقه، الاّ أنّ الرواية خصّت اتّباع الشياع بخمسة أشياء: الولايات و التناكح و المواريث و الذبائح و الشهادات. و ما في الفقيه من ذكر الأنساب بدل المواريث لايكون معارضا لها بل يفسّرها؛ لأنّ سبب المواريث هو الأنساب. و كذلك ما في التهذيب من ذكر «ظاهر الحال» يفسّر «ظاهر الحكم».

و أمّا الحاق المصنّف الملك المطلق و الموت و الوقف و العتق بالنكاح و النسب و الولاية فلعلّه لما قاله صاحب الجواهر من السيرة أو لما قاله في المسالك من عسر تحصيل العلم بل الاطمئنان في بعض المواقع.(1)

و لايبعد أن يقال: انّ الانحصار في الخمسة في المرسلة ليس تعبّدا، بل مثال لما هو المعمول بين الناس من الاكتفاء بالشياع فيه و امضاء أمثال ذلك، و لعلّه لتعسّر تحصيل العلم بها غالبا.

فتحصّل أنّ الشياع - فيما يتعسّر غالبا تحصيل العلم به، و يبعد تواطؤ الناس فيه على الكذب - حجّة شرعيّة بناءً على هذه الرواية. و ضعف سندها منجبربتأييد صحيحة حريز الآتية، و فتوى جماعة من الفقهاء.


1) - مسالك الأفهام 13: 351.

و منها صحيحة حريز قال:

«كانت لاسماعيل بن أبي عبداللّه عليه السلام دنانير و أراد رجل من قريش أن يخرج الى اليمن، فقال اسماعيل: يا أبه، انّ فلانا يريد الخروج الى اليمن و عندي كذا و كذا دينار، أ فترى أن أدفعها اليه يبتاع لي بها بضاعة من اليمن؟ فقال أبو عبداللّه عليه السلام: يا بنيّ أمابلغك أنّه يشرب الخمر؟ فقال اسماعيل: هكذا يقول الناس، فقال: يا بنيّ لاتفعل.

فعصى اسماعيل أباه و دفع اليه دنانيره فاستهلكها و لم يأته بشيء منها، فخرج اسماعيل و قضي أنّ أبا عبداللّه عليه السلام حجّ و حجّ اسماعيل تلك السنة، فجعل يطوف بالبيت و يقول: اللّهمّ أجرني و أخلف عليّ. فلحقه أبو عبداللّه عليه السلام فهمزه بيده من خلفه و قال له: مه، يا بنيّ فلا واللّه مالك على اللّه هذا، و لا لك أن يأجرك و لايخلف عليك و قد بلغك أنّه يشرب الخمر فائتمنته.

فقال اسماعيل: يا أبه، انّي لم أره يشرب الخمر، انّما سمعت الناس يقولون.

فقال: يا بنيّ انّ اللّه عزّوجلّ يقول في كتابه: «يؤمن باللّه و يؤمن للمؤمنين» يقول: يصدّق للّه و يصدّق للمؤمنين، فاذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم، و لاتأتمن شارب الخمر؛ انّ اللّه عزّوجلّ يقول في كتابه: «و لاتؤتوا السفهاء أموالكم» فأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر؟ انّ شارب الخمر لايزوّج اذا خطب و لايشفّع اذا شفع و لايؤتمن على أمانة، فمن ائتمنه على أمانة فاستهلكها لم يكن للذي ائتمنه على اللّه أن يأجره و لايخلف عليه».(1)

قال في الجواهر: «و هو كما ترى كالصريح في اعتبار الشياع الذي هو أعلى


1) - وسائل الشيعة 19: 82 / الباب 6 من كتاب الوديعة / الحديث 1.

أفراده قول الناس و شهادة المؤمنين و نحوهما ممّا هو مذكور فيه و به أدرجه فيما دلّ على النهي عن ائتمان شارب الخمر».(1)

و هذه الصحيحة كما ذكر تكون مؤيّدة للمرسلة المتقدّمة بل استشهاد الامام عليه السلام بالآية يكون دليلاً على ما قلناه.

ثمّ اعلم أنّ الاجتهاد و الأعلميّة يثبتان بشهادة العدلين من أهل الخبرة اذا لم تعارضها شهادة عدلين آخرين و الاّ تساقطا، و بالعلم و بالشياع المفيد للعلم، بل لايبعد القول بكفايته ان أفاد الاطمئنان أيضا. و ان لم يتمكّن من تحصيل العلم و لا الاطمئنان يكفي الشياع مطلقا.

و أمّا بالنسبة الى الفقيه الحاكم و وليّ الأمر ففي مثل زماننا يحصل العلم بما انتخبه الخبراء و كذا قاضي القضاة المنصوب من قبل الفقيه الحاكم و سائر القضاة المنصوبين من قبله، من غير حاجة الى شياع.

و أمّا بالنسبة الى ما ينصبه الفقيه الحاكم في سائر الدول فما ذهب اليه المصنّف حسن، و لايقبل دعواه الاّ أن يحصل العلم به.


1) - جواهر الكلام 40: 57.

في نصب قاضيين للبلد الواحد

إشارة:

«السابعة»: يجوز نصب قاضيين في البلد الواحد، لكلّ منهما جهة على انفراده. و هل يجوز التشريك بينهما في الولاية الواحدة؟ قيل بالمنع؛ حسما لمادّة اختلاف الغريمين في الاختيار. و الوجه الجواز؛ لأنّ القضاء نيابةٌ تتبع اختيار المنوب.

في المسالك: «اذا نصب الامام أو الفقيه الحاكم أو قاضي القضاة المنصوب من قبله قاضيين في بلد واحد فان خصّص كلّ واحد منهما بطرف من البلد أو عيّن لكلّ واحد منهما زمانا أو جعل أحدهما قاضيا في الأموال و الآخر في الدماء و الفروج و نحو ذلك، جاز. و ان عمّم ولايتهما مكانا و زمانا و حادثة فوجهان. و ان أثبت لكلّ واحد منهما الاستقلال فوجهان أيضا. و أصحّهما - و هو الذي اختاره المصنّف - الجواز؛ لأنّ القضاء نيابة فيتبع اختيار المنوب. و ان أطلق نصب اثنين فالأصحّ حمله على الاستقلال. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

لا اشكال في جواز نصب قاضيين أو أكثر في البلد الواحد من جانب قاضي القضاة اذا خصّص كلّ واحد منهما بطرف من البلد، أو عيّن لكلّ واحد منهما زمانا أو جعل أحدهما قاضيا في الأموال و الآخر في الدماء و الفروج و نحو ذلك.

و ان عمّم ولايتهما و شرط عليهما الاجتماع على الحكم الواحد فيجوز ذلك، فان كان اجتهادهما و حكمهما في قضيّة متّفقين فهو، و ان اختلفا فليناظرا فان ارتفع الاختلاف و اتّفقا فبها، و الاّ يرجع الى من كان أعلم منهما. و هذا - كما ذهب اليه ولد العلاّمة(2)- أضبط و أوثق في الحكم. و ان أثبت لكلّ منهما الاستقلال، فان اختلف حكمهما في قضيّة واحدة يرجع الى قاضي القضاة.


1) - مسالك الأفهام 13: 355 و 356.

2) - ايضاح الفوائد 4: 300.

فرع : في الاعتناء برأي الأكثر

هل يجوز الاعتناء برأي الأكثر فيما اذا اختلف عدّة من القضاة في قضيّة واحدة؟

الظاهر عدم الجواز و ذلك لأنّ الحكم و القضاء عبارة عن استنباط الحكم في تلك القضيّة من الكتاب و السنّة و اقامة الدليل منهما على ذلك. و منشأ الاختلاف في الحكم يكون كمنشأ الاختلاف في الفتوى، من رجوعه الى فهم دلالة الروايات أو سندها و الجمع بين الروايات المتعارضة و حجّيّة الاجماع و القواعد الكلّيّة في الأصول و فروعاتها و غيرها ممّا يوجب الاختلاف في الفتوى و الحكم أيضا.

و لايصحّ القياس بمجلس الشورى في تدوين القوانين، فانّ أكثرها لايكون من سنخ الاجتهاد و لايخالفه الكتاب و السنّة و تصحّ المشورة فيه، و بعضها ممّا يكون مخالفا لهما يردّه الناظرون المجتهدون.

و أمّا الحكم و القضاء أو الفتوى في المسائل الشرعيّة الفرعيّة، فلا معنى فيها لرأي الأكثر. نعم، يحسن البحث و الفحص في مجلس القضاء و اراءة الدليل من طرفي الدعوى، فان اتّفقت آراؤهم بالنسبة الى أقوى الدلائل فبها، و ان لم يتّفق فيختصّ الرأي و الحكم بمن هو أعلم بينهم أو الرجوع الى الأعلم كما في المقبولة لعمر بن حنظلة.

فيما اذا حدث للقاضي ما يمنع الانعقاد

«الثامنة»: اذا حدث به ما يمنع الانعقاد انعزل و ان لم يشهد الامام بعزله، كالجنون أو الفسق. و لو حكم لم ينفذ حكمه. و هل يجوز أن يعزل اقتراحا؟ الوجه: لا؛ لأنّ ولايته استقرّت شرعا، فلاتزول تشهّيا. أمّا لو رأى الامام أو النائب عزله لوجه من وجوه المصالح أو لوجود من هو أتمّ منه نظرا فانّه جائز؛ مراعاة للمصلحة.

لا اشكال في انعزال القاضي قهرا اذا حدث له ما يوجب فقده شرائط القضاء، كالجنون و الفسق و النسيان الموجب لفقد الاجتهاد و العمى و الخرس ان اشترطناهما في القضاء. و لو حكم و الحال هذه لم ينفذ حكمه.

أمّا عزله بواسطة الامام المعصوم فلا فائدة للبحث في موارد جوازه و عدمه على أصول مذهبنا؛ لأنّ الامام عليه السلام لايفعل الاّ ما يوافق المصلحة و يناسب الشرع.

و أمّا بالنسبة الى الفقيه الحاكم فان كان فيه مصلحة فيجوز عزله قاضي القضاة مع رعايته جوانبه، و كذا يجوز أمره بعزل بعض القضاة المنصوبين من قبل قاضي القضاة، ان كان لخلل فيه أو مصلحة في عزله.

و قد دوّن في نصب القضاة و مدّة نصبهم و كذا في موارد عزلهم قوانين في الجمهوريّة الاسلاميّة. و أمّا عزل من نصبه الفقيه في سائر الدول فان عزله على وجه صحيح فينعزل بعد بلوغه الخبر أو الكتابة.

في انعزال القضاة بموت الامام عليه السلام

«التاسعة»: اذا مات الامام عليه السلام، قال الشيخ رحمه الله: «الذي يقتضيه مذهبنا انعزال القضاة أجمع». و قال في المبسوط: «لاينعزلون؛ لأنّ ولايتهم تثبت شرعا فلاتزول بموته عليه السلام». و الأوّل أشبه. و لو مات القاضي الأصلي لم ينعزل النائب عنه؛ لأنّ الاستنابة مشروطة باذن الامام عليه السلام فالنائب عنه كالنائب عن الامام، فلاينعزل بموت الواسطة. و القول بانعزاله أشبه.

انّ الكلام تارة يكون في زمن الامام عليه السلام. و أخرى في زمان غيبته.

أمّا الأوّل فقد قال في المسالك: «اختلف كلام الشيخ و غيره من الفقهاء فيما لو مات امامالأصل هل ينعزل القضاة أم لا؟ فقيل: ينعزلون مطلقا؛ لأنّهم نوّابه و ولايتهم فرع على ولايته، فاذا زال الأصل تبعه الفرع. و قيل: لاينعزلون؛ لأنّ ولايتهم ثبتت شرعا فتستصحب، و لما يترتّب على الانعزال من الضرر العامّ اللاحق بالخلق بخلوّ البلدان عن الحكّام الى أن يتجدّد للامام اللاحق نوّاب فتتعطّل المصالح. و الأظهر هو الأوّل».(1)

و قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «و ينعزل المنصوب بالخصوص بموت الامام و بموت المنوب الناصب له اذا كان نائبا عنه، لا عن الامام. أمّا انعزاله بموت الامام، فلانعزال ناصبه بذلك؛ لأنّ التولية يتضمّن الاذن و الاستنابة المرتفعين بفقد المستنيب، و هذا الانعزال ليس لأجل عدم سلطنة الامام عليه السلام بالنسبة الى الأزمنة المتأخّرة عن زمانه - حتّى يقال بأنّ امام كلّ عصر، له النصب في الأزمنة المتأخّرة، فانّ الزمان بأجمعه لجميعهم، و يفصّل حينئذ بين ما اذا فهم من دليل النصب توقيته بمدّة حياته و بين ما اذا فهم منه أزيد من ذلك، فينعزل في الأوّل دون الثاني و يجعل نصب الصادق عليه السلام للفقهاء من قبيل الثاني و لذا لاينعزلون - بل لعدم قابليّة الاذن و النيابة للبقاء بعد موت الآذن و المستنيب، الاّ أن يدّعى أنّ موته عليه السلام كحياتهو ليس كموت أحدنا في العجز عن التصرّف في الأمور حتّى لايعقل تصرّف نوّابه


1) - مسالك الأفهام 13: 359.

بعنوان النيابة. لكنّا بمعزل عن هذه الدعوى، فانّا لانقول فيهم الاّ بما صحّ لنا عنهم. و كيف كان، فلا اشكال في انعزال القضاة بموت الامام عليه السلام سواء قلنا: انّ ذلك لاقتضاء الاستنابة و الاذن، الارتفاع بعد الموت - على ما هي قاعدة الوكالة - و امّا لانفهام كون النصب مقيّدا بمدّة الحياة».(1)

أقول:

أمّا بسط يد الامام عليه السلام فلم يتّفق الاّ في قريب من خمس سنوات لعليّ بن أبي طالب عليه السلام و سبعه عشر شهرا للحسن بن علي عليهماالسلام و لم ينقل عن الامام الثاني الحسن بن علي عليهماالسلام كلام في موارد ما نصب أبوه علي بن أبي طالب عليه السلام بالنسبة الى استقرارهم أو عزلهم.

فما هو الحقيقة أنّ الأرض لاتبقى خالية عن الحجّة و الامام بالحقّ، فلو نصب واليا أو قاضيا فبموته ينتقل الامامة لمن بعده من غير خلل مدّة، فمن كان منصوبا من قبله و بحكم ولايته، يكون منصوبا بحكم من بعده و ولايته، فانّ ولاية الثاني استمرار لولاية الامام الأوّل و كذا ولاية الأئمّة بعده الى الامام الثانيعشر عليه السلام و ان كان له اختيار عزل من نصبه الامام السابق و اقامة غيره مقامه. و هذا بلا فرق بين ما كان يده مبسوطة أو مغلولة.

و أمّا الثاني - أي في زمان غيبته - فالكلام تارة فيمن ينصبه الامام عليه السلام بعنوان عامّ و لكلّ زمان كما هو ظاهر المقبولة و المشهورة بالنسبة الى الفقيه العارف بالأحكام و الناظر في الحلال و الحرام، فمن كان له العلامات المذكورة في الرواية و كان عادلاً فهو منصوب من قبل الامام الصادق عليه السلام، و كلامه عليه السلام في النصب ككلامه في الأحكام يكون من كلام آبائه و أجداده الى النبيّ الأكرم عليهم السلام و من كلامأبنائه الى الامام الثانيعشر عليهم السلام فهو منصوب من قبل الامام الغائب الى أيّام


1) - كتاب القضاء و الشهادات: 66 و 67.

ظهوره عليه السلام، فله الولاية الشرعيّة في كلّ ما للامام المعصوم عليه السلام فيه ولاية، الاّ أنّه ملتزم بالفتوى و الحكم مطابقا للقرآن و السنّة، كما هم عليهم السلام لم ينطقوا و لم يفعلوا و لم يمضوا الاّ ما طابق القرآن و السنّة النبويّة، و لم ينحرفوا عنها قدر رأس ابرة أو أقلّ.

و أخرى فيمن نصبه الفقيه الجامع للشرائط، فحال من نصبه حال من نصبه الامام عليه السلام، فبموته لم ينعزل. فمن نصبه من قاضي القضاة و غيره من الرؤساء في زمن بسط يده فهم قائمون بمقامهم في زمن الفقيه الثاني الاّ أنّ له اختيار ابقائهم أو عزلهم لمصلحة دينيّة أو دنيويّة؛ لأنّه فقيه عادل و عارف بالأمور الجارية كما هو مذكور في القانون الأساسي الذي يكون مدار ادارة الدولة الجمهوريّة الاسلاميّة في ايران.

نعم، من أذن له الفقيه في مورد أو وكّله، فبموت الفقيه ينتفي اذنه و وكالته.

قال في العروة: «المأذون و الوكيل عن المجتهد في التصرّف في الأوقاف أو في أموال القصّر، ينعزل بموت المجتهد بخلاف المنصوب من قبله، كما اذا نصبه متولّيا للوقف أو قيّما على القصّر فانّه لاتبطل توليته و قيمومته على الأظهر».(1)


1) - العروة الوثقى 1: 17 / مسألة 51 من الاجتهاد و التقليد.

في تولية من لم يستكمل الشرائط

«العاشرة»: اذا اقتضت المصلحة تولية من لم يستكمل الشرائط انعقدت ولايته، مراعاة للمصلحة في نظر الامام، كما اتّفق لبعض القضاة في زمان علي عليه السلام. و ربما منع من ذلك فانّه عليه السلام لم يكن يفوّض الى من يستقضيه و لايرتضيه بل يشاركه فيما ينفذه، فيكون هو عليه السلام الحاكم في الواقعة لا المنصوب.

أشار المصنّف الى الوجهين الجواز و عدمه في تولية من فقد شرطا من شرائط القضاء، بأن كان قاصرا في العلم أو العدالة اذا اقتضت المصلحة توليته.

و استدلّ على الجواز أوّلاً بوجود المصلحة الكلّيّة التي هي الأصل في شرع الأحكام.

و ثانيا - كما في المسالك(1)- بوقوع مثله في زمان علي بن أبي طالب عليه السلام فقد ولّى شريحا القضاء مع ظهور مخالفته له في الأحكام المنافية للعدالة التي هي أحد الشرائط.

و استدلّ المانع أوّلاً - على ما في المسالك(2)- بالروايات الواردة المانعة من قضاء من كان فاقدا للشرائط كقوله صلى الله عليه و آله: «القضاة ثلاثة: اثنان في النار و واحد في الجنّة»(3).

و مرفوعة البرقي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«القضاة أربعة، ثلاثة في النار و واحد في الجنّة: رجل قضى بجور و هو يعلم فهو في النار، و رجل قضى بجور و هو لايعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحقّ و هو لايعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحقّ و هو يعلم فهو في الجنّة».(4)


1) - مسالك الأفهام 13: 363.

2) - نفس المصدر: 362.

3) - مستدرك الوسائل 17: 357 / الباب 10 من أبواب آداب القاضي / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 27: 22 / الباب 4 من أبواب صفات القاضي / الحديث 6.

و ثانيا بما في الجواهر(1)من كون صريح النصّ و الفتوى عدم كونه مشروعا للتقيّة على وجه تجري عليها أحكام القضاء الصحيح، كما في الصلاة و الوضوء و الغسل فضلاً عن غيرها، و من هنا استفاضت النصوص في النهي عن المرافعة الى قضاتهم، و أنّها من المرافعة الى الجبت و الطاغوت مع استفاضتها في الحثّ على الصلاة معهم، و أنّها كالصلاة مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله.

و استشكل فيما وقع في خلافة مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام بأنّه لم يكن باختياره و لا دليل على اجرائه عليه حكم القضاء الصحيح، و لذلك قال عليه السلام لشريح - كما في خبر سلمة - :

«و ايّاك أن تنفذ قضيّة في قصاص أو حدّ من حدود اللّه أو حقّ من حقوق المسلمين حتّى تعرض ذلك عليّ ان شاء اللّه».(2)

و أورد على هذا الجواب في المسالك ب- «أنّه لايخلو من نظر. و المرويّ من حال شريح معه عليه السلام ما يخالف ذلك، و في حديثه مع الدرع الغلول ما يرشد الى ما ذكرنا».(3)

و ردّه صاحب الجواهر(4)بأنّ حديث الدرع الغلول مرشد الى عكس ما ذكره حيث نبّهه به على خطائه في قضائه به من وجوه.

و لابأس بنقل الحديث: ففي صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال:

«دخل الحكم بن عتيبة و سلمة بن كهيل على أبي جعفر عليه السلام فسألاه عن شاهد و يمين، فقال: قضى به رسول اللّه صلى الله عليه و آله و قضى به عليّ عليه السلام عندكم بالكوفة. فقالا: هذا خلاف القرآن.

فقال: و أين وجدتموه خلاف القرآن؟ قالا: انّ اللّه يقول: «و أشهدوا


1) - جواهر الكلام 40: 68.

2) - وسائل الشيعة 27: 212 / الباب 1 من أبواب آداب القاضي / الحديث 1.

3) - مسالك الأفهام 13: 363.

4) - جواهر الكلام 40: 69.

ذوي عدل منكم». فقال: قول اللّه: «و أشهدوا ذوي عدل منكم» هو لاتقبلوا شهادة واحد و يمينا؟

ثمّ قال: انّ عليّا عليه السلام كان قاعدا في مسجد الكوفة فمرّ به عبداللّه بن قفل التميمي و معه درع طلحة.

فقال له عليّ عليه السلام: هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فقال له عبداللّه بن قفل: أجل بيني و بينك قاضيك الذي رضيته للمسلمين، فجعل بينه و بينه شريحا فقال عليّ عليه السلام: هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقال له شريح: هاتِ على ما تقول بيّنة فأتاه بالحسن فشهد أنّها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة.

فقال شريح: هذا شاهد واحد و لاأقضي بشهادة شاهد حتّى يكون معه آخر، فدعا قنبر فشهد أنّها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فقال شريح: هذا مملوك و لاأقضي بشهادة مملوك.

قال: فغضب عليّ عليه السلام و قال: خذها، فانّ هذا قضى بجور ثلاث مرّات. قال: فتحوّل شريح و قال: لاأقضي بين اثنين حتّى تخبرني من أين قضيت بجور ثلاث مرّات.

فقال له: ويلك - أو ويحك - انّي لمّا أخبرتك أنّها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقلت: هاتِ على ما تقول بيّنة و قد قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: حيث ما وجد غلول أخذ بغير بيّنة فقلت: رجل لم يسمع الحديث. فهذه واحدة، ثمّ أتيتك بالحسن فشهد فقلت: هذا واحد و لاأقضي بشهادة واحد حتّى يكون معه آخر، و قد قضى رسول اللّه صلى الله عليه و آله بشهادة واحد و يمين. فهذه ثنتان، ثمّ أتيتك بقنبر فشهد أنّها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فقلت: هذا مملوك و لاأقضي بشهادة مملوك، و ما بأس بشهادة المملوك اذا كان عدلاً،

ثمّ قال: ويلك - أو ويحك - انّ امام المسلمين يؤمن من أمورهم على ما هو أعظم من هذا».(1)

أقول:

الكلام أوّلاً في زمن خلافة مولانا عليّ بن أبي طالب عليه السلام و أنّه هل نصب قاضيا لم يستكمل الشرائط لمصلحة اقتضت؟ الظاهر نعم، و هو نصب شريح بن الحارث الذي قد كان قاضيا منصوبا من قبل عمر فأبقاه عثمان. فهو - على ما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد(2)- لم يكن تابعا كاملاً لمولانا أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام بل كان يمشي على سنّة النبي صلى الله عليه و آله- بزعمه - و على سنّة الخلفاء الثلاثة، و نصبه عليه السلام من لم يستكمل الشرائط ليس منحصرا في شريح بل كان يجري في نصبه الولاة في البلاد التي كانت تحت أمره عليه السلام، و كفى في بيان لا بدّيّته الاختلاف الذي وقع في عسكره يوم الصفّين حتّى أكرهوه على قبول الحكمين و قبول أبي موسى الأشعري في مقابل عمرو بن العاص. و كان اعتراضه عليه السلامعلى شريح في قضائه في مورد درع طلحة مشهورا.

نعم، قد شرط عليه - كما في الخبر المتقدّم - أن لايقضي في القصاص و لا الحدود و لا حقوق المسلمين الاّ بعد اخباره و الاجازة منه و كان في الحقيقة هو نفسه عليه السلام قاضيا.

و ثانيا في زمن سائر الأئمّة عليهم السلام فما هو الظاهر من الأخبار بالنسبة الى زمان الصادقين عليهماالسلام و ما بعدهما، أنّهم قد نهوا شيعتهم نهيا شديدا أن يرجعوا في محاكماتهم و منازعاتهم الى القضاة المنصوبين من قبل خلفاء زمانهم، و من كثرة الأخبار يعلم أنّهم لم يتّقوا تقيّة في نهيهم هذا، كما كانت سيرتهم بالنسبة الى الامامة و لعلّه لرفع شبهة حقّانيّة الخلفاء، و الاصرار بأنّ الحقّ فيهم و لهم و منهم و


1) - وسائل الشيعة 27: 265 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 6.

2) - شرح نهج البلاغة 14: 28 - 31.

اليهم عليهم السلام. مضافا الى أنّهم قد نصبوا لشيعتهم من يرجعوا اليه، عموما و خصوصا من أصحابهم و تلامذتهم و لم أجد شيئا بالنسبة الى تولية من لم يستكمل الشرائط لاقتضاء المصلحة. نعم، قد وصّوهم بالتقيّة لحفظ أنفسهم و أموالهم و كذا حفظ أنفس اخوانهم و أموالهم، حتّى قال عليه السلام: «انّ التقيّة ديني و دين آبائي».(1)

و ثالثا بالنسبة الى زمن الغيبة ففي الدول التي لم تكن اسلاميّة أو لم تكن أحكامهم وفقا لمذهب الجعفري فيكون كزمان الصادقين عليهماالسلام، فلايجوز الرجوع الى القضاة أو الحكّام الاّ لاستنقاذ الحقّ في حالة الاضطرار، و كذا في المخاصمات و المنازعات، اذا لم يمكن الوصول الى الحقّ من غير الرجوع اليهم.

و أمّا في مثل زماننا هذا في الجمهوريّة الاسلاميّة، فاذا اضطرّ الفقيه الحاكم أو القاضي المنصوب من قبله أن ينصب قاضيا غير مستكمل الشرائط من حيث العلم أو العدالة فيجب عليه توصيته بما وصّاه الامام عليّ بن أبي طالب عليه السلامشريح بن الحارث، فانّه عليه السلام قال له - كما تقدّم - :

«ايّاك أن تنفذ قضيّة في قصاص أو حدّ من حدود اللّه أو حقّ من حقوق المسلمين حتّى تعرض ذلك عليّ ان شاء اللّه».(2)


1) - وسائل الشيعة 16: 210 / الباب 24 من أبواب الأمر و النهي / الحديث 24.

2) - وسائل الشيعة 27: 212 / الباب 1 من أبواب آداب القاضي / الحديث 1.

في أنّ كلّ من لاتقبل شهادته لاينفذ حكمه

«الحاديه عشرة»: كلّ من لاتقبل شهادته لاينفذ حكمه، كالولد على الوالد و العبد على مولاه و الخصم على خصمه. و يجوز حكم الأب على ولده و له و الأخ على أخيه و له كما تجوز شهادته.

قال في المسالك: «الحكم لشخص على آخر شهادة له عليه و زيادة، فيشترط في نفوذه ما يشترط في نفوذ الشهادة من الطرفين و أحدهما. فمن لاتقبل شهادة الشخص عليه مطلقا كالخصم لايقبل حكمه عليه. و يقبل حكمه له كما تقبل شهادته له، مع عدم منافاة الخصومة للعدالة. و من تقبل شهادته له و عليه - كالأجنبي و الأخ و الأب بالنسبة الى الولد - يقبل حكمه له و عليه مطلقا. و أمّا حكم الولد على الوالد فقد قطع المصنّف رحمه الله بالمنع منه، بناءً على المشهور من عدم قبول شهادته عليه. و سيأتي أنّ الأصحّ قبولها له و عليه، فيقبل حكمه له و عليه كغيره».(1)

و في الجواهر: «ان تمّ اجماع كان هو الحجّة، و الاّ كان للنظر فيه مجال؛ ضرورة امكان منع كون الحكم شهادة على وجه يلحقه حكمها المعلّق عليها من حيث كونها شهادة، بل دعوى التزام ذلك بالنسبة الى الفقيه الجامع لشرائط الافتاء من المنكرات. انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

لو كان اجماع على ما ذهب اليه المحقّق و الشهيد و غيرهما فهو، و الاّ فللنظر فيه مجال؛ لما أفاده صاحب الجواهر من الدليل.


1) - مسالك الأفهام 13: 364.

2) - جواهر الكلام 40: 71.

النظر الثاني : في الآداب

إشارة"

النظر الثاني في الآداب و هي قسمان: مستحبّة و مكروهة.

قال في الجواهر: «انّ كثيرا منها لا دليل عليها بالخصوص ولكن ذكرها الأصحاب و غيرهم من غير اشعار بتوقّف في شيء منها و لعلّه لعدم احتياج الاستحباب الأدبي الى دليل بالخصوص، و يكفي فيه مشروعيّة أصل الأدب، فالتسامح فيه زائد على التسامح في السنن».(1)

أقول:

لايبعد أن يكون الأصحاب قد استنبطوا هذه الآداب من خلال الروايات الواردة في القضاء في الأبواب المختلفة صريحا أو كناية أو اشعارا. و تذكّر بأنّ بعضها يناسب زمانا أو مكانا خاصّا، و بعضها يمكن تطبيقها على زماننا هذا؛لبسط يد الفقهاء و تشكّل الحكومة الاسلاميّة التي يكون مدارها القرآن و سنّة


1) - جواهر الكلام 40: 72 و 73.

المعصومين عليهم السلام. و نحن نذكر هذه الآداب حسب ما أتى بها المحقّق صاحب الشرائع و نشرحها بما يناسب اليوم.

في الآداب المستحبّة

فالمستحبّة أن يطلب من أهل ولايته من يسأله عمّا يحتاج اليه في أمور بلده.

و ينبغي للقضاة المنصوبين لبلد معيّن أن يتفحّصوا عن خصوصيّات البلد، ثغوره و سكّانه و علمائه و مراكزه العلميّة و معتمديه و آدابهم المحلّيّة و كيفيّة معاشرتهم و آداب مجالسهم و أقوالهم و ما جاوره من القرى و غير ذلك فانّ هذا «أجلى للعمى و أثبت للقضاء» كما ورد فيما قاله علي بن أبي طالب عليه السلام لشريح القاضي.(1)

و أن يسكن عند وصوله في وسط البلد؛ لترد الخصوم عليه ورودا متساويا.

و ينبغي أن يكون مقرّ القضاة و رؤسائهم مكانا يتمكّن أهل البلد الوصول اليهم بدون مشقّة، و في البلدان الكبيرة لا بدّ أن يتعدّد الأمكنة المعدّة للقضاء ليسهل الوصول اليهم، فيكون ذلك أقرب الى انصاف الخصوم و التسوية بينهم كما ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام:

«من ابتلي بالقضاء فليواسِ(2)بينهم في الاشارة و في النظر و فيالمجلس».(3)


1) - وسائل الشيعة 27: 212 / الباب 1 من أبواب آداب القاضي / الحديث 1.

2) - في الفقيه رواه عن النبي صلى الله عليه و آله و قال فيه: فليساوِ بينهم.

3) - وسائل الشيعة 27: 214 / الباب 3 من أبواب آداب القاضي / الحديث 1.

و أن ينادي بقدومه ان كان البلد واسعا لاينتشر خبره فيه الاّ بالنداء. و أن يجلس للقضاء في موضع بارز مثل رحبة أو فضاء ليسهل الوصول اليه.

فما هو المراد و المهمّ أن لايؤخّر القضاء و الحكم لئلاّ تضيع الحقوق و لايتأخّر اجراء الحدود و غير ذلك. و كيفيّة اعلام وروده و نصبه للناس تختلف بالنسبة الى الأزمنة و الأمكنة. و قد تقدّم أنّ اللازم للناس العلم بنصب القاضي المنصوب من قبل الفقيه الحاكم أو من قبل قاضي القضاة.

و أن يبدأ بأخذ ما في يد الحاكم المعزول من حجج الناس و ودائعهم؛ لأنّ نظر الأوّل سقط بولايته.

و كذا تختلف كيفيّة تسلّم ديوان الحكم من دوائر تسجيل العقود و غيرهما ممّا يرتبط بوظيفته بحسب الأمكنة و الأزمنة، كما هو واضح.

و لو لم يعلم بعض ما ذكر و غيره ممّا يحتاج اليه يشكل عليه القضاء بالنسبة الى الأزمنة السابقة من الحقوق العامّة أو الخاصّة. و هذا تضييع الحقوق الذي لأجل دفعه و لغيره تكون حكمة القضاء.

و لو حكم في المسجد صلّى عند دخوله تحيّة المسجد، ثمّ يجلس مستدبر القبلة ليكون وجوه الخصوم اليها. و قيل: يستقبل القبلة؛ لقوله صلى الله عليه و آله: «خير المجالس ما استقبل به القبلة». و الأوّل أظهر.

أمّا صلاة ركعتين تحيّة للمسجد فتستحبّ لكلّ من دخله. و انّما خصّها بالذكر لدفع توهّم أنّ ما هو بصدده من الحكم أهمّ من صلاة التحيّة.

و أمّا استقبال القبلة فمراعاة جانب الاستقبال في الخصوم أهمّ من مراعاة جانبه؛ نظرا الى عموم المصلحة، فيجلس مستدبر القبلة ليكون وجوه الخصوم اذا

وقفوا بين يديه اليها، خصوصا في وقت استحلافهم، و هذا اختيار الأكثر كما في المسالك(1)، و لاينافيه قوله صلى الله عليه و آله:

«خير المجالس ما استقبل به القبلة».(2)

بل هو بالنسبة الى المتخاصمين أو أكثر، أقرب.

ثمّ يسأل عن أهل السجون و يثبت أسماءهم و ينادي في البلد بذلك ليحضر الخصوم و يجعل لذلك وقتا، فاذا اجتمعوا أخرج اسم واحد واحد و يسأله عن موجب حبسه و عرض قوله على خصمه، فان ثبت لحبسه موجب أعاده، و الاّ أشاع حاله بحيث ان لم يظهر له خصم أطلقه. و كذا لو أحضر محبوسا فقال: لا خصم لي، فانّه ينادي في البلد فان لم يظهر له خصم أطلقه، و قيل: يحلفه مع ذلك.

ثمّ يستحبّ السؤال عن أهل السجون. و كيفيّته أيضا تختلف بحسب الأزمنة و الأمكنة، و قد شرح المسالك متن الشرائع مفصّلاً فراجع.(3)

و لعلّه لا حاجة الى هذا التفصيل في زماننا؛ لأنّ لكلّ من المحبوسين ملفّا قد ثبت فيه جرمه و خصمه أو خصماؤه و سبب حبسه على القوانين المقرّرة، و قدوكّل بهذه الملفّات أفراد معتمدون يعرفون ملفّاتهم، فمعرفة القاضي بأحوال من في دائرة قضائه ليست صعبة. نعم، بعد مطالعة ما ثبت لفرد من المسجونين فان حصل له اليقين بجرمه و حقّانيّة حبسه و مدّته فيردّه، و ان حصل له القطع ببراءته فيطلق سراحه على حسب القانون و ان شكّ في ذلك يأمر بالتفحّص عنه وفقا للقانون.


1) - مسالك الأفهام 13: 367.

2) - وسائل الشيعة 12: 109 / الباب 76 من أبواب أحكام العشرة / الحديث 3.

3) - مسالك الأفهام 13: 368 - 370.

و الدليل على ذلك كلّه ما ورد من أنّ «عونك الضعيف من أفضل الصدقة».(1)و أنّه رفع ظلم محتمل فانّ بعض المسجونين لا حقّ عليهم، كما يسجن المتّهم بالقتل ليظهر أمره و غيره.

ثمّ يسأل عن الأوصياء على الأيتام، و يعتمد معهم ما يجب من تضمين أو انقاذ أو اسقاط ولاية، امّا لبلوغ اليتيم أو لظهور خيانة أو ضمّ مشارك ان ظهر من الوصيّ عجز.

قال في المسالك: «اذا فرغ القاضي من المحبوسين نظر في حال الأوصياء؛ لأنّ الوصيّ يتصرّف في حقّ من لايمكنه المرافعة و المطالبة كالأطفال و أصحاب الجهات العامّة، فاذا حضر من يزعم أنّه وصيّ تفحّص القاضي عن شيئين:

أحدهما: أصل الوصاية. فان أقام بيّنة بها قرّره الى أن يطرأ ما يزيلها من فسق و غيره، فينتزع المال منه. فان كان المال كثيرا لايمكنه القيام بحفظه و التصرّف فيه ضمّ اليه من يعينه.

و الثاني: تصرّفه في المال، فان قال: فرّقت ما أوصي به، نظر ان كانت الوصيّة لمعيّنين لم يتعرّض له؛ لأنّهم يطالبون لو لم يصل اليهم. و ان كان لجهة عامّة فان كان عدلاً أمضى تصرّفه و لم يضمنه. و ان كان فاسقا ضمّنه؛ لتعدّيه بالتفريق لا عنولاية. و لو أنّ غير الوصيّ فرّق الموصى به، نظر ان كانت الوصيّة لمعيّنين وقع الموقع؛ لأنّ لهم أن يأخذوه من غير واسطة، و الاّ ضمن. و كذا يضمن من تصرّف في وقف مسجد أو مشهد و ليس أهلاً و ان صرفه في مصلحته. و ان ظهر منه خيانة فأولى بالضمان. و لو تبيّن عجزه عن القيام بما فوّض اليه ضمّ اليه مساعدا. و ان انتهت مدّة وصايته لبلوغ اليتيم أو غيره نزع يده منه، الى آخر ما يترتّب على الوصاة».(2)


1) - وسائل الشيعة 15: 141 / الباب 59 من أبواب جهاد العدوّ / الحديث 2.

2) - مسالك الأفهام 13: 370 و 371.

و ذلك لأنّه عون للضعيف و حفظ لمن يعول، و لأنّه اتقان في الأمر و تعاون على البرّ و ردع المنكر المحتمل و غيرها من الأدلّة العامّة.

ثمّ ينظر في أمناء الحاكم الحافظين لأموال الأيتام الذين يليهم الحاكم و لأموال الناس، من وديعة أو مال محجور عليه، فيعزل الخائن و يسعد الضعيف بمشارك أو يستبدل به بحسب ما يقتضيه رأيه.

في المسالك: «ثمّ نظر في حال أمناء الحكم و هم الذين نصبهم القاضي السابق على الأطفال، و في تفرقة الوصايا حيث لا وصيّ لها و من وضع عنده وديعة أو مال محجور عليه و هو نوع من الوديعة، فعطفه عليها عطف خاصّ على عامّ. فمن تغيّر حاله بفسق استبدل به أو بضعف ضمّ اليه معينا ان شاء أو استبدل به بخلاف الوصيّ فانّه يتعيّن فيه الضمّ و لايجوز الاستبدال.

و الفرق أنّ هذا تولّي من جهة القاضي فله عزله اقتراحا فمع العجز أولى، بخلاف الوصيّ فانّ الموصي قد نصبه و رضي بنظره، و نظره لم يعدم و انّما قصر عن الاستقلال، فينجبر بضمّ المعين. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

قد تقدّم أنّه لايجوز للقاضي الثاني عزل من نصبه القاضي الأوّل الاّ اذا صار خائنا و فاسقا، و أنّه لايجوز اقتراحا.


1) - مسالك الأفهام 13: 371 و 372.

ثمّ ينظر في الضوالّ و اللقط، فيبيع ما يخشى تلفه و ما تستوعب نفقته ثمنه، و يتسلّم ما عرّفه الملتقط حولاً ان كان شيء من ذلك في يد أمناء الحاكم، و يستبقي ماعدا ذلك - مثل الجواهر و الأثمان - محفوظا على أربابها، لتدفع اليهم عند الحضور على الوجه المحرّر أوّلاً.

قال في المسالك: «انّما أخّر هذه عن الأقسام السابقة لأنّها ليست لها مطالب الآن، و انّما هو الباحث عن حالها و الآخذ لبعضها ليضعه في بيت المال أو ليبيعه. و حكمها على الوجه الذي ذكره المصنّف رحمه الله واضح.

و حيث لايقبل الملك أو لايختار الملتقط التملّك يتخيّر الحاكم بين أن يحفظها معزولة عن أمثالها في بيت المال، و بين أن يخلطها بما فيه. و اذا ظهر المالك غرم له من بيت المال. و يقدّم من كلّ نوع من ذلك الأهمّ فالأهمّ».(1)

و فيما قاله رحمه الله كفاية.

و يحضر من أهل العلم من يشهد حكمه، فان أخطأ نبّهوه؛ لأنّ المصيب عندنا واحد و يخاوضهم فيما يستبهم من المسائل النظريّة لتقع الفتوى مقرّرة.

و حكمة هذا الاستحباب ما تقدّم من أنّ القضاء و الحكم من المسائل المهمّة في الاسلام و قد وصّى الشارع لمن يتصدّى هذا المنصب أن يقضي بعلمه و لايتجاوز حكمه عن الكتاب و السنّة و توعّد بالعذاب و النار لمن يتسامح في هذا الأمر، و ذلك لأنّ خطأ القاضي موجب لتضييع الأموال و النفوس و النواميس و امتلاء الظلم و الجور بدل القسط و العدل، هذا من ناحية.

و من جانب آخر انّ القضاء مظنّة تشعّب الخاطر و تقسّم الفكر. و تفاصيل


1) - مسالك الأفهام 13: 372.

الأحكام الواردة عليه بعضها يشتمل على دقّة و صعوبة مدرك فربّما غفل بواسطة ذلك عن بعض مدارك المسألة، فاذا حضر أهل العلم نبّهوه عليه ليعتمد منه ما هو الأرجح منه.

و يستحبّ له أيضا ابتداؤهم بالبحث عن الحكم الحاضر اذا لم يكن مدركه جليّا، تأسّيا بالنبي صلى الله عليه و آله حيث قال اللّه تعالى له: «و شاورهم في الأمر»(1). و قد كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله غنيّا عن مشاورتهم بكمال علمه. ولكن أراد أن يستنّ به الحكّام بعده.

فليكن في بالك أنّ تنبيه المجتهدين له أو مشاورته معهم لايلازم تقليدهم، بل الفرض أنّه مجتهد الاّ أنّه قد يشتبه عليه مدرك الحكم فيخبروه بنصّ أو سنّة أو اجماع خفي عليه فيعمل به.

و في المسالك: «قوله رحمه الله: «لأنّ المصيب عندنا واحد» نبّه به على خلاف بعض العامّة حيث ذهب الى أنّ كلّ مجتهد مصيب، فلا وجه حينئذ في الرجوع الى قول من ينبّهه؛ لأنّ كلاًّ منهما موافق للصواب، و ان كان بعض الآراء أرجح من بعض.

و فيه أوّلاً: انّ هذا الحكم يجري على المذهبين؛ لأنّ الاصابة في الاجتهاد عند القائل بكون كلّ مجتهد مصيبا انّما هي موافقة الاجتهاد للدليل المناسب للحكم، و المفروض هنا الغفلة عنه و أنّه اذا نبّه عليه تنبّه.

و ثانيا: اصابة الواحد انّما هي في نفس الأمر لا في الظاهر، و من الجائز أن لايكون الحكم الذي ينبّه عليه و وجب اتّباعه هو الصواب في نفس الأمر؛ لأنّ الواجب في الظاهر اتّباع الراجح بعد استفراغ الوسع في تحصيل دليله، سواء طابق الواقع في نفس الأمر أم لا، بل ذلك أمر لايعلم الاّ من قبل اللّه تعالى. انتهى ملخّصا».(2)


1) - آل عمران 3: 159.

2) - مسالك الأفهام 13: 374.

و لو أخطأ فأتلف لم يضمن، و كان على بيت المال. و اذا تعدّى أحد الغريمين سنن الشرع عرّفه خطأه بالرفق، فان عاد زجره، فان عاد أدّبه بحسب حاله مقتصرا على ما يوجب لزوم النمط.

لو أخطأ الحاكم بأن حكم لأحد بمال أو على أحد بقصاص و نحو ذلك و قد اجتهد في ذلك ثمّ ظهر خطؤه بعد تلف المال أو اجراء القصاص، فلايضمن في ماله بل ينجبر من بيت المال و ذلك لرواية الأصبغ بن نباتة قال:

«قضى أميرالمؤمنين عليه السلام أنّ ما أخطأت القضاة في دم أو قطع فهو على بيت مال المسلمين».(1)

و اذا تعدّى أحد الخصمين في مجلس القضاء فتارة يكون على وجه محرّم بأن يكذّب الشاهد أو ينسب القاضي الى الجور و نحو ذلك، فينهاه عن المنكر بعد ما عرّفه منكره، فان لم ينتهِ شدّد عليه بأن يهدّده و يصيح عليه، فان لم ينزجر عزّره على ما يقتضيه نظره من التعزير.

و أخرى يكون باساءة الأدب مع الخصم أو القاضي أو غيرهما، أو العناد في الخصومة فكذلك ينصحه و ينهاه عن ذلك فان لم ينزجر فكالصورة الأولى.

في الآداب المكروهة

و الآداب المكروهة أن يتّخذ حاجبا وقت القضاء.

في المسالك: «الحاجب هو الذي لايدخل عليه أحد الاّ برضاه فانّه منهيّ عنه، قال النبي صلى الله عليه و آله: «من ولي شيئا من أمور الناس فاحتجب دون حاجتهم و فاقتهم، احتجب اللّه عنه دون حاجته و فاقته و فقره». و انّما يكره ذلك في حال القضاء ونحوه من الولايات و أمّا في غيره فلابأس؛ للأصل و ظهور الغرض الصحيح به. و نقل الشيخ فخرالدين عن بعض الفقهاء أنّه حرام؛ عملاً بظاهر الحديث، و قرّبه مع


1) - وسائل الشيعة 27: 226 / الباب 10 من أبواب آداب القاضي / الحديث 1.

اتّخاذه على الدوام بحيث يمنع أرباب الحوائج و يضرّ بهم. و هو حسن؛ لما فيه من تعطيل الحقّ الواجب قضاؤه على الفور. و الحديث يصلح شاهدا عليه، و الاّ كان مفيدا للكراهية؛ للتسامح في أدلّته».(1)

أقول:

تارة يتّخذ القاضي حاجبا و يمنع أن يصل اليه المراجعون، مستكبرا و لعدم الاعتناء بشأن عامّة الناس فهذا حرام؛ لأنّه يجب على القاضي أن يعرض نفسه لقضاء حاجات المراجعين من المتخاصمين و غيرهم ممّا يرتبط بشغله.

و أخرى يكون اتّخاذه الحاجب لمحافظة نفسه و نحوه، أو يكون لاتّخاذ القرار بعد استماع كلام الخصماء و نحو ذلك، فهذا لابأس به بل قد يجب.

و ثالثة يكون في داره للاستراحة و في حالة غير شغله فهي خارجة عن الموضوع.

و أن يتّخذ المسجد مجلسا للقضاء دائما. و لايكره لو اتّفق نادرا. و قيل: لايكره مطلقا التفاتا الى ما عرف من قضاء عليّ عليه السلام بجامع الكوفة.

اختلف كلام الأصحاب في كراهية القضاء في المسجد و استحبابه و اباحته مطلقا أو على بعض الوجوه على أقوال كما في المسالك.(2)

و استدلّ على الكراهة بمرسلة علي بن أسباط قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: جنّبوا مساجدكم البيع و الشراء و المجانين والصبيان و الأحكام و الضالّة و الحدود و رفع الصوت».(3)

و رواية عبدالحميد عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:


1) - مسالك الأفهام 13: 376 و 377.

2) - نفس المصدر: 377.

3) - وسائل الشيعة 5: 233 / الباب 27 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 1.

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: جنّبوا مساجدكم صبيانكم و مجانينكم و شراءكم و بيعكم. الحديث».(1)

و مرسلة الصدوق قال:

«قال عليه السلام: جنّبوا مساجدكم صبيانكم و مجانينكم و رفع أصواتكم و شراءكم و بيعكم و الضالّة و الحدود و الأحكام».(2)

و الحكومة تستلزم الخصومة و رفع الصوت غالبا، و قد تحتاج الى احضار الصبيان و المجانين أو الحيّض و من لايتوقّى النجاسة.

و مرسلته الأخرى قال:

«سمع النبي صلى الله عليه و آله رجلاً ينشد ضالّة في المسجد، فقال: قولوا له: لا ردّ اللّه عليك، فانّها لغير هذا بنيت».(3)

و استدلّ على الاستحباب مطلقا بأنّ المسجد أشرف البقاع و القضاء من أفضل الأعمال، فلاينافيه وضع المسجد لذكر اللّه؛ لأنّ القضاء من جملته فانّ ذكر اللّه أعمّ من الذكر باللسان.

و أمّا القول بالتفصيل بين ما اذا كان دائميّا فيكره و بين غيره فلايكره فاستدلّ له أوّلاً بالجمع بين ما مرّ ممّا يدلّ على الكراهة و بين ما دلّ على قضاء أميرالمؤمنين عليه السلام بمسجد الكوفة حتّى أنّ دكّة قضائه الى الآن معروفة، و حمله على ايقاعه مرّات لا دائما.

و ثانيا بأنّه اذا حضره الخصمان و هو في المسجد يجب عليه القضاء بينهما؛لأنّ القضاء واجب فوريّ، فتأخيره قد يوجب تضييع الحقّ و هو ان لم يكن حراما حيث لايضرّ بالخصمين فلا أقلّ من الكراهة.


1) - وسائل الشيعة 5: 233 / الباب 27 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 5: 234 / الباب 27 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 4.

3) - وسائل الشيعة 5: 235 / الباب 28 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 2.

أقول:

لو كان القضاء في المسجد موجبا لتفرّق حواسّ المصلّين فيكره و ان لم يكن كذلك فلايكره. و على كلّ حال لو اتّفق نادرا لايكره كما ذهب اليه المصنّف رحمه الله.

و من المعلوم أنّ في زماننا هذا لايكون القضاء في ايران و كذا في سائر الدول في المساجد أو الأمكنة المعدّة للعبادة و التوجّه الى اللّه تعالى.

و أن يقضي و هو غضبان. و كذا يكره مع كلّ وصف يساوي الغضب في شغل النفس، كالجوع و العطش و الغمّ و الفرح و الوجع و مدافعة الأخبثين و غلبة النعاس. و لو قضى و الحال هذه نفذ اذا وقع حقّا.

في رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من ابتلي بالقضاء فلايقضي و هو غضبان».(1)

و مرفوعة أحمد بن أبي عبداللّه (البرقي) قال:

«قال أميرالمؤمنين عليه السلام لشريح: لاتشاور أحدا في مجلسك، و ان غضبت فقم و لاتقضينّ و أنت غضبان».(2)

و في النبويّ الذي نقله في المسالك: «لايقضي و هو غضبان مهموم و لا مصاب محزون».(3)

و المرويّ في أمالي الشيخ:

«انّ رجلاً سأل أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عن سؤال فبادر فدخل منزله، ثمّ خرج فقال: أين السائل؟ فقال الرجل:ها أنا ذا يا أميرالمؤمنين، قال: ما مسألتك؟ قال: كيت و كيت، فأجابه عن سؤاله.


1) - وسائل الشيعة 27: 213 / الباب 2 من أبواب آداب القاضي / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 213 / الباب 2 من أبواب آداب القاضي / الحديث 2.

3) - مسالك الأفهام 13: 380.

فقيل: يا أميرالمؤمنين كنّا عهدناك اذا سئلت عن المسألة كنت فيها كالسكّة المحماة جوابا، فما بالك أبطأت اليوم عن جواب هذا الرجل حتّى دخلت الحجرة ثمّ خرجت فأجبته؟ فقال: كنت حاقنا، و لا رأي لحاقن(1)(و لا حاقب)(2)و لا حازق».(3)

فمفاد هذه الروايات، أنّ المقصود تمكّنه من استيفاء الفكر و النظر، فيتعدّى الحكم الى كلّ موضع يوجب تغيّر خلقه و تشويش فكره، من الجوع و الشبع و العطش و المرض و الغمّ و الهمّ و الخوف و شدّة الحزن و الفرح و غلبة النعاس و الملال و مدافعة الأخبثين و حضور طعام اشتهته نفسه و نحو ذلك من المشتغلات.

و لو خالف القاضي و قضى في تلك الحالات المكروهة ينفذ قضاؤه اذا وقع على وجه الحقّ؛ عملاً بالأصل و العمومات السالمة عن المعارض.

و أن يتولّى البيع و الشراء بنفسه. و كذا الحكومة.

قال في المسالك: «لقوله صلى الله عليه و آله: «ما عدل والٍ اتّجر في رعيّته أبدا».(4)

و في الجواهر: «لما في ذلك من تشويش البال و احتمال المحاباة المقتضيميل قلبه، و خوف خصم من عامله من ميل القاضي و التهمة و غير ذلك. بل الظاهر الحاق غير البيع و الشراء من المعاملات بهما. و حينئذ فالأولى توكيل من لايعرف أنّه وكيله، و عن المناقب لأخطب خوارزم عن أبي مطر عن أميرالمؤمنين عليه السلام: «أنّه أتى سوق الكرابيس فقال: يا شيخ أحسن بيعي في قميصي


1) - الحاقن هو الذي حبسه البول، و الحاقب هو الذي حبسه الغائط، و الحازق هو الذي ضاق عليه خفّه فحرق رجله أي عصرها و ضغطها. مجمع البحرين

2) - ما بين المعوّقتين ليس في المصدر، ولكن ذكره في مستند الشيعة نقلاً عن أمالي الشيخ.

3) - الأمالي: 514.

4) - مسالك الأفهام 13: 381.

بثلاثة دراهم، فلمّا عرفه لم يشتر منه، ثمّ أتى الى آخر فلمّا عرفه لم يشتر منه، فأتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم»».(1)

و كذا يكره له أيضا أن يحضر الخصومة بأن يقف بنفسه مع خصمه عند قاضٍ آخر، فانّه روي أنّ عليّا عليه السلام وكّل عقيلاً في خصومة و قال:

«انّ للخصومة قُحما، و انّ الشيطان ليحضرها و انّي لأكره أن أحضرها».(2)

و أن يستعمل الانقباض المانع من اللحن بالحجّة. و كذا يكره اللين الذي لايؤمن معه من جرأة الخصوم.

في المسالك: «اللحن بالحجّة هو التفطّن لها و النطق بها، و المراد أنّ انقباض القاضي في وجه الخصم يمنعه من الاتيان بحجّته و تحرير دعواه على وجه الكمال. و اللين المفرط لايؤمن معه من جرأة الخصوم، و سقوط محلّه من قلوبهم فيختلّ بذلك الأمر المطلوب منه. انتهى ملخّصا».(3)

و فيه الكفاية.

و يكره أن يرتّب للشهادة قوما دون غيرهم، و قيل: يحرم؛ لاستواءالعدول في موجب القبول، و لأنّ في ذلك مشقّة على الناس بما يلحق من كلفة الاقتصار.

و ذلك لما فيه من التضييق على الناس و الغضاضة على غيرهم من العدول. بل يدع الناس، و كلّ من شهد عنه، فان عرفه و الاّ سأل عنه، و لأنّ فيه مشقّة على


1) - جواهر الكلام 40: 83.

2) - المغني لابن قدامة 5: 205. القحم: الأمر الشاقّ.

3) - مسالك الأفهام 13: 382.

الناس لحاجتهم الى الشهادة في الحقوق في كلّ وقت من نكاح و طلاق و غصب و قتل و غير ذلك. و لأنّ الشاهد اذا علم أنّه لايقبل الاّ قوله ربّما تقاعد عنها حتّى يأخذ الرشوة.

و مدرك القول بالتحريم كونه موجبا لابطال الحقوق، فانّ كلّ من له حقّ لايقدر على اقامة البيّنة ممّن رتّبه القاضي للشهادة. و كذا قهر الناس على أن لايتحمّلوا الشهادة سوى من عيّنهم لها.

في أنّ الامام عليه السلام يقضي بعلمه مطلقا

إشارة:

و هنا مسائل: «الأولى»: الامام عليه السلام يقضي بعلمه مطلقا، و غيره من القضاة يقضي بعلمه في حقوق الناس، و في حقوق اللّه سبحانه على قولين أصحّهما القضاء. و يجوز أن يحكم في ذلك كلّه من غير حضور شاهد يشهد الحكم.

قال في المسالك: «ظاهر الأصحاب الاتّفاق على أنّ الامام عليه السلام يحكم بعلمه مطلقا، لعصمته المانعة من تطرّق التهمة، و عمله المانع من الخلاف. و الخلاف في غيره من الحكّام، فالأظهر بينهم أنّه يحكم أيضا بعلمه مطلقا. و قيل: لايجوز مطلقا. و قال ابن ادريس: يجوز في حقوق الناس دون حقوق اللّه. و عكس ابن الجنيد في كتابه الأحمدي».(1)

هنا فرعان:

الفرع الأوّل : في حكم الامام عليه السلام بعلمه

اعلم أنّه يظهر من الروايات أنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا مكلّفين بالظاهر في حكمهم و العمل على البيّنة و اليمين و قد روي أنّه صلى الله عليه و آله يعمل بالبيّنات و الأيمان و ان كان


1) - مسالك الأفهام 13: 383.

مخالفا لعلم غيبه، كما في صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: انّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان، و بعضكم ألحن بحجّته من بعض فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا، فانّما قطعت له به قطعة من النار».(1)

و رواية ضمرة بن أبي ضمرة عن أبيه عن جدّه قال:

«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة أو يمين قاطعة أو سنّة ماضية من أئمّة الهدى».(2)

و كذا استدلّ ابن الجنيد على عدم جواز قضاء الامام عليه السلام بعلمه - مضافا الى ما مرّ - برواية أبي عبيدة الحذّاء عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث):

«اذا قام قائم آل محمّد صلى الله عليه و آله حكم بحكم داود، لايسأل بيّنة».(3)

و رواية أبان قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: لاتذهب الدنيا حتّى يخرج رجل منّي يحكم بحكومة آل داود عليه السلام، و لايسأل بيّنة يعطي كلّ نفس حقّها».(4)

و روي عنه صلى الله عليه و آله أنّه قال في قضيّة الملاعنة: «لو كنت راجما بغير بيّنة لرجمتها».(5)

و أمّا ما رواه الصدوق باسناده الى قضايا أميرالمؤمنين عليه السلام قال:

«جاء أعرابيّ الى النبي صلى الله عليه و آله فادّعى عليه سبعين درهما ثمن ناقة باعها منه، فقال: قد أوفيتك، فقال: اجعل بيني و بينك رجلاً يحكم بيننا، فأقبل رجل من قريش، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: أحكم بيننا، فقال


1) - وسائل الشيعة 27: 232 / الباب 2 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 231 / الباب 1 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 6.

3) - وسائل الشيعة 27: 230 / الباب 1 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 4.

4) - وسائل الشيعة 27: 230 / الباب 1 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 5.

5) - مسند أحمد 1: 336

للأعرابي: ما تدّعي على رسول اللّه صلى الله عليه و آله؟ فقال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه، فقال: ما تقول يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله؟ فقال: قد أوفيته، فقال للأعرابي: ما تقول؟ فقال: لم يوفني، فقال لرسول اللّه صلى الله عليه و آله: ألك بيّنة أنّك أوفيته؟ قال: لا، فقال للأعرابي: أتحلف أنّك لم تستوف حقّك و تأخذه؟ قال: نعم!

فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لأتحاكمنّ مع هذا الى رجل يحكم بيننا بحكم اللّه، فأتى علي بن أبي طالب عليه السلام و معه الأعرابي فقال علي عليه السلام: ما لك يا رسول اللّه؟ قال: يا أبا الحسن أحكم بيني و بين هذا الأعرابي، فقال علي عليه السلام: يا أعرابي ما تدّعي على رسول اللّه صلى الله عليه و آله؟ قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه، فقال: ما تقول يارسول اللّه؟ قال: قد أوفيته ثمنها، فقال: يا أعرابيّ أ صدق رسول اللّه صلى الله عليه و آله فيما قال؟ قال الأعرابيّ: لا، ما أوفاني شيئا، فأخرج عليّ عليه السلام سيفه فضرب عنقه!

فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لم فعلت يا علي ذلك؟

فقال: يا رسول اللّه صلى الله عليه و آلهنحن نصدّقك على أمر اللّه و نهيه و على أمر الجنّة و النار و الثواب و العقاب و وحي اللّه عزّوجلّ و لانصدّقك على ثمن ناقة الأعرابي؟! و انّي قتلته لأنّه كذّبك لمّا قلت له: أ صدقرسول اللّه صلى الله عليه و آله؟ فقال: لا، ما أوفاني شيئا!

فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: أصبت يا علي، فلاتعد الى مثلها! ثمّ التفت الى القرشي و كان قد تبعه فقال: هذا حكم اللّه لا ما حكمت به».(1)

فانّه لما نسب رسول اللّه صلى الله عليه و آله الى الكذب.

و من هذا الباب قضيّة الدرع الغلول التي تقدّمت.

و كذا قضيّة شهادة خزيمة بن ثابت على شراء رسول اللّه صلى الله عليه و آله الفرس من


1) - وسائل الشيعة 27: 274 / الباب 18 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

الأعرابي و تصديقه صلى الله عليه و آله ايّاه و تسميته ذا الشهادتين.(1)

قال في الجواهر: «لا خلاف بيننا معتدّ به في أنّ الامام عليه السلام يقضي بعلمه مطلقا في حقّ اللّه و حقّ الناس بل في محكي الانتصار و الغنية و الايضاح و نهج الحقّ و غيرها الاجماع عليه، و هو الحجّة مضافا الى قول علي عليه السلام لشريح لمّا تخاصم مع من عنده درع طلحة: «ويلك (أو ويحك) امام المسلمين يؤمن من أمورهم على أعظم من هذا».

و لقوله تعالى: «يا داود انّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحقّ» و قال: «أن تحكموا بالعدل» و قال: «و ان حكمت فاحكم بينهم بالقسط». و من حكم بعلمه فقد حكم بالحقّ و العدل و القسط.

و لقول الصادق عليه السلام في خبر الحسين بن خالد: «الواجب على الامام اذا نظر الى رجل يزني أو يشرب خمرا أن يقيم عليه الحدّ، و لايحتاج الى بيّنة مع نظره؛ لأنّه أمين اللّه في خلقه، و اذا نظر الى رجل يسرق فالواجب عليه أن يزجره و ينهاه و يمضي و يدعه. قال: فقلت: كيف ذاك؟ فقال: لأنّ الحقّ اذا كان للّه تعالى فالواجب على الامام اقامته، و اذا كان للناس فهو للناس».

و لوجوب تصديق الامام في كلّ ما يقوله و كفر مكذّبه، و لذا قتلأميرالمؤمنين عليه السلامخصم النبي صلى الله عليه و آله لمّا تخاصما اليه في الناقة و ثمنها. و هو يقتضي وجوب الخروج من حقّ يخبر به الامام و هو يقتضي وجوب اخبار الامام به، و الاّ لأدّى الى ضياع الحقّ، هذا مع براءة ساحة الامام عليه السلام لعصمته عن التهمة».(2)

فالمراد من العمل بعلمه عليه السلام هو العلم المحسوس كما في خبر الحسين بن خالد و ذيل كلامه شاهد على ما قلنا في توجيه ما رواه الصدوق رحمه الله.


1) - وسائل الشيعة 27: 276 / الباب 18 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 3.

2) - جواهر الكلام 40: 86 و 87.

الفرع الثاني : في حكم القاضي بعلمه

استدلّ في الجواهر(1)لجواز الحكم أوّلاً بالاجماع فقال: «و غير الامام من القضاة يقضي بعلمه في حقوق الناس قطعا. و في حقوق اللّه تعالى على قولين أصحّهما القضاء. و في الانتصار و الغنية و محكي الخلاف و نهج الحقّ و ظاهر السرائر الاجماع عليه و هو الحجّة».

و ثانيا بأنّه ان لم يحكم بعلمه يصير فاسقا و أنّهم ذكروا استلزام عدم القضاء به فسق الحاكم أو ايقاف الحكم، و هما معا باطلان و ذلك لأنّه اذا طلّق الرجل زوجته ثلاثا مثلاً بحضرته ثمّ جحد كان القول قوله مع يمينه، فان حكم بغير علمه و هو استحلافه و تسليمها اليه لزم فسقه، و الاّ لزم ايقاف الحكم بغير موجب.

و ثالثا بأنّ الأمر دائر بين الحكم بعلمه أو عدم وجوب اظهار الحقّ، و الأوّل متعيّن و أنّ عدم الحكم مستلزم أيضا لعدم وجوب انكار المنكر و عدم وجوب اظهار الحقّ مع امكانه و هو معلوم البطلان فتعيّن الحكم و ذلك لأنّه اذا علم بطلان قول أحد الخصمين فان لم يجب عليه منعه عن الباطل لزم الأوّل و الاّ ثبتالمطلوب.

و رابعا بأنّ العلم أقوى من البيّنة؛ لأنّها جعلت لكشف المعلوم و العلم كاشف بذاته.

و خامسا بأنّ الحكم معلّق على العنوان و الفرض العلم بحصوله كقوله تعالى: «و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما»(2)و «الزانية و الزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة»(3). و الخطاب للحكّام فاذا علموا تحقّق الوصف وجب


1) - جواهر الكلام 40: 86 - 88.

2) - المائدة 5: 38.

3) - النور 24: 2.

عليهم اجراء الحدود و اذا ثبت ذلك في الحدود ففي غيره بطريق أولى.

و في الانتصار: «اذا ثبت جواز العمل بالعلم في الحدود فهو ثابت في الأموال؛ لأنّ من أجاز ذلك في الحدود أجازه في الأموال، و لم يجزه أحد من الأمّة في الحدود دون الأموال - الى أن قال: - فان قيل: لم زعمتم أنّه أراد بقوله: «الزانية و الزاني و السارق و السارقة» من علمتموه كذلك دون أن يكون أراد من أقرّ عندكم بالسرقة أو الزنا أو شهد عليه الشهود؟

قلنا: من أقرّ بالزنا أو شهد عليه الشهود لايجوز أن يطلق القول بأنّه زانٍ، و كذلك السارق و انّما حكمنا فيهما بالأحكام المخصوصة اتّباعا للشرع، و ان جوّزنا أن يكونا ما فعلا شيئا من ذلك، و الزاني في الحقيقة من فعل الزنا و علم منه ذلك، و كذلك السارق فحمل الآيتين على العلم أولى من حملهما على الشهادة و الاقرار - الى أن قال: - و اذا جعلنا البيّنة الاقرار أو الشهادة من حيث أبانت عن الأمر و كشفت فأقوى منها علم اليقين. فان قالوا: اذا حكم بعلمه فقد عرّض نفسه للتهمة و سوء الظنّ به.

قلنا: و كذلك اذا حكم بالبيّنة و الاقرار فهو معرّض نفسه للتهمة، و لايلتفت الى ذلك لوقوع التهمة في غير موضعهما؛ لأنّ قبول الشهادة و السكون الى عدالةالشاهد ممّا يجوز أن تقع مثله التهمة. و التفرقة بين علم النبي صلى الله عليه و آله و أوصيائه عليهم السلام و بين الحكّام غلط؛ لأنّ علم العالمين بالمعلومات لايختلف، و كما أنّ النبي صلى الله عليه و آله أو الامام عليه السلام اذا شاهدا رجلاً يزني أو يسرق فهما عالمان بذلك علما صحيحا، فكذلك من علم مثل ما علماه من خلفائهما.

ان قلت: انّ اللّه تبارك و تعالى قد أوجب للمؤمنين فيما بينهم حقوقا أبطلها فيما بينهم و بين الكفّار و المرتدّين، كالمواريث و المناكحة و أكل الذبائح و الحال أنّ اللّه تعالى قد اطّلع رسوله صلى الله عليه و آله على من كان يبطن الكفر و يظهر الاسلام فكان يعلمه، و لم يبيّن صلى الله عليه و آله أحوالهم لجميع المؤمنين فيمتنعوا من مناكحتهم و أكل ذبائحهم.

قلت: انّه غير ممتنع أن يكون تحريم المناكحة و الموارثة و أكل الذبائح انّما يختصّ بمن أظهر كفره و ردّته دون من أبطنهما، و ليس كذلك الزنا و شرب الخمر و السرقة؛ لأنّ الحدّ في هذه الأمور يتعلّق بالمبطن و المظهر على سواء، و انّما يستحقّ بالفعليّة التي يشترك فيها المعلن و المسرّ. انتهى ملخّصا».(1)

ثمّ انّ صاحب الجواهر - بعد نقل كلام السيّد رحمه الله في الانتصار من تعرّضه على ابن الجنيد و اصراره على عدم الخلاف في المسألة بين الاماميّة - قال: «ولكنّ الانصاف أنّه ليس بتلك المكانة من الضعف؛ ضرورة أنّ البحث في أنّ العلم من طرق الحكم و الفصل بين المتخاصمين و لو من غير المعصوم في جميع الحقوق أو لا، و ليس في شيء من الأدلّة المذكورة - عدا الاجماع منها - دلالة على ذلك، و الأمر بالمعروف و وجوب ايصال الحقّ الى مستحقّه بل كون العلم حجّة على من حصل له، يترتّب عليه سائر التكاليف الشرعيّة، لايقتضي كونه من طرق الحكم، بل أقصى ذلك ما عرفت، و أنّه لايجوز له الحكم بخلاف علمه، بل لعلّ أصالة عدم ترتّب آثار الحكم عليه يقتضي عدمه. كما أنّ قوله صلى الله عليه و آله: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» كذلك أيضا، بل ظاهر الحصر في صحيح هشام عنأبي عبداللّه عليه السلام: «قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: انّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان، و بعضكم ألحن بحجّته من بعض» كذلك - الى أن قال: - اللّهمّ الاّ أن يحمل ذلك كلّه على ما هو الغالب أو الظاهر منها في صورة عدم العلم، خصوصا مع ملاحظة اجماع الأصحاب و يمنع الأصل المزبور باطلاق ما دلّ على قبول الحكم بالعدل، كما في كلّ شرط يشكّ في توقّف القبول عليه - الى أن قال: - و حينئذ فلا اشكال في المسألة فيجوز له أن يحكم في ذلك كلّه من غير حضور شاهد».(2)


1) - الانتصار: 492 - 495.

2) - جواهر الكلام 40: 89 - 91.

أقول:

و في كلامه رحمه الله نظر - مضافا الى ما استدرك به من كلامه و قبل في النهاية حكم الحاكم بعلمه - فانّ قوله رحمه الله: «أقصى ذلك أنّه لايجوز له الحكم بخلاف علمه، لا أنّه يحكم بعلمه». ففيه: لماذا لايجوز له الحكم بخلاف علمه، فهل هذا الاّ لكونه حراما و يشمله الرواية المتقدّمة في الثلاثة الذين في النار: «رجل قضى بجور و هو يعلم». فنسأل منه رحمه الله: انّ الحاكم اذا حرّم عليه الحكم بغير الحقّ فكيف لايجب عليه الحكم بالحقّ؟ فهل هو الاّ ترك ما وجب عليه؟

فالدلائل الخمسة التي أقامها على جواز حكم القاضي بعلمه تدلّ على الحكم فكيف يقول رحمه الله: «ليس في شيء من الأدلّة المذكورة - عدا الاجماع منها - دلالة على ذلك»؟

و في المستند(1)أضاف الى ما مرّ من الجواهر آيات أخر كقوله تعالى: «و من لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون»، «فأولئك هم الظالمون»، «فأولئك هم الفاسقون»(2). فان سكت العالم بالحقّ كان ممّن لم يحكم بما أنزل اللّه، و ان حكم بغير ما يعلم فكذلك بزيادة الحكم بغير ما أنزل اللّه.

و كذا قوله تعالى: «انّ اللّه يأمركم أن تؤدّوا الأمانات الى أهلها و اذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل»(3)و ظاهر كلّ من السكوت و الحكم بغير ما يعلم أنّه الحقّ ترك للحكم بالعدل الذي هو مأمور به.

فراجع كلامه رحمه الله في المسألة العاشرة.(4)

و قال الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله: «و أمّا غير الامام فالأقوى أنّه كذلك يقضي بعلمه مطلقا، في حقوق اللّه و حقوق الناس؛ لما تقدّم من أنّ معلوم القاضي هو


1) - مستند الشيعة 17: 90.

2) - المائدة 5: 44 و 45 و 47.

3) - النساء 4: 58.

4) - مستند الشيعة 17: 89 - 95.

الحقّ و القسط و العدل الواقعي، فلو حكم بخلافه كان جائرا في الحكم، و لو توقّف عن الحكم كان جائرا في حكومته؛ لأنّه حبس الحقوق و هو معنى ما في المبسوط و السرائر: «انّه لو لم يقض بعلمه أفضى الى ايقاف الأحكام أو فسق الحكّام»».(1)

و في المسالك: «و أصحّ الأقوال جواز قضاء الحاكم مطلقا بعلمه مطلقا؛ لأنّ العلم أقوى من الشاهدين الذين لايفيد قولهما عند الحاكم الاّ مجرّد الظنّ ان كان، فيكون القضاء به ثابتا بطريق أولى، و لعموم الأدلّة الدالّة على الحكم مع وجود الوصف المعلّق عليه كقوله تعالى: «و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما»، «الزانية و الزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة» و الخطاب للحكّام، فاذا علم الحاكم بالوصف عمل به، و هو أقوى من الحكم بالبيّنة، فاذا ثبت ذلك في الحدود ففي غيرها أولى».(2)

و قد استثنى من منع من الحكم بالعلم أمورا ذكرها في المسالك و قال: «و اعلم أنّ من منع من قضائه بعلمه استثنى صورا: منها تزكية الشهود و جرحهم لئلاّيلزم منه الدور أو التسلسل، فانّه اذا علم بأحد الأمرين و توقّف في اثباته علىالشهود فان اكتفى بعلمه بتزكية المزكّي أو الجارح فقد حكم بعلمه، و الاّ افتقر الى آخرين، و هكذا فيلزم التسلسل ان لم يعتبر شهادة الأوّلين، أو الدور ان اعتبرها في حقّ غيرهما. و منها الاقرار في مجلس القضاء و ان لم يسمعه غيره.

و قيل: يستثنى اقرار الخصم مطلقا. و منها العلم بخطأ الشهود يقينا أو كذبهم. و منها تعزيز من أساء أدبه في مجلسه و ان لم يعلمه غيره؛ لأنّه من ضرورة اقامة أبّهة القضاء. و منها أن يشهد معه آخر، فانّه لايقصر عن شاهد».(3)


1) - كتاب القضاء و الشهادات: 94.

2) - مسالك الأفهام 13: 384 و 385.

3) - نفس المصدر: 385 و 386.

و في الجواهر: «لايخلو الأخير منها من نظر؛ لعدم وضوح دليل الاستثناء فيه مع فرض عدم جواز القضاء بالعلم. بل و الثاني اذا كانت الدعوى اقراره، و الفرض تعقيبه له بالانكار و لم يسمعه منه الاّ الحاكم، فانّ طريق ثبوته حينئذ ليس الاّ البيّنة، اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ الاقرار حتّى في الفرض أحد طرق الحكم كسماع البيّنة، فتأمّل جيّدا».(1)

فيما اذا أقام المدّعي بيّنة و لم يعرف الحاكم عدالتها

«الثانية»: اذا أقام المدّعي بيّنة و لم يعرف الحاكم عدالتها، فالتمس المدّعي حبس المنكر ليعدّلها، قال الشيخ رحمه الله: «يجوز حبسه؛ لقيام البيّنة بما

ادّعاه». و فيه اشكال من حيث لم يثبت بتلك البيّنة حقّ يوجب العقوبة.

في المسالك: «وجه ما اختاره الشيخ من جواز حبسه ما أشار اليه في المبسوط من الدليل، و هو أنّ المدّعي قد أقام البيّنة، و الذي بقي ما على الحاكم من معرفة العدالة و الأصل العدالة الى أن يظهر غيرها. و الأشهر عدم الجواز؛ لأنّه لم يثبت الحقّ المجوّز لعقوبة الغريم بالحبس، ففي حبسه تعجيل عقوبة لم يثبت موجبها. بناءً على أنّ شرط قبول البيّنة العدالة، فالجهل بالشرط جهل بالمشروط، فكانالحال قبل ثبوتها بمنزلة عدم البيّنة. و الأصل في هذا الخلاف البناء على أنّ العدالة هي شرط أو الفسق مانع. فالشيخ و جماعة على الثاني؛ لقوله تعالى:«ان جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا» أوجب التبيّن - و هو التوقّف عن الحكم - عند خبر معلوم الفسق، و ذكر وصف لو لم يكن علّة لم يكن لذكره فائدة، يدلّ على علّيّته، فخبر المجهول ان وجب ردّه كان أسوء حالاً من معلوم الفسق، و هو باطل قطعا، و ان ساواه لم يبق للتقييد فائدة.

و قيل بالأوّل و هو المشهور بين الأصحاب و الاّ لم يتوقّف الحكم بالمال على ثبوت التزكية بالبيّنة، و لقوله تعالى:«و أشهدوا ذوي عدل منكم». فالمجهول


1) - جواهر الكلام 40: 92.

لو قبل كان مساويا للعدل، فتعيّن الوقف. فالشيخ بنى جواز الحبس على أصله من ثبوت عدالة المسلم الى أن يظهر خلافها، فيجوز الحبس؛ لوجود المقتضي له، و هو قيام البيّنة الشرعيّة على الحقّ. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

تارة يدّعي المدّعي على شخص حقّا ماليّا أو جرحا في بدنه و لم يقم بيّنة، و يسأل القاضي أن يحبس المدّعى عليه الذي ينكر ادّعاءه حتّى يأتي بالبيّنة، ففي هذه الصورة لايجوز للقاضي حبسه و هو واضح.

و أخرى الصورة الأولى الاّ أنّه يأتي بالبيّنة التي ليست عند القاضي معروفة بالعدالة، و هو يؤخّر الحكم حتّى يكشف له عدالتها، و التمس المدّعي حبسه حتّى يتبيّن الحال، فحينئذ قد تمّ من جانب المدّعي ما كان عليه من اقامة الشهود، و القاضي و ان لم يجز له أن يحكم حتّى يتبيّن له عدالة الشهود و لم يجز له أيضا التسامح في تحقيق حالها، الاّ أنّه لو أطلق سراح المدّعى عليه بحيث لم يتمكّن التسلّط عليه و أخذه بعد كشف عدالة البيّنة فقد انجرّ الى تضييع حقّ المدّعي،فالجمع بين الحقّين يقتضي أن يأخذ من المدّعى عليه الضمانة أو الكفالة أو الرهن أو ما شابهها، و لو لم يجئ فيحبسه و ذلك لأنّه مأمور بايصال الحقوق الى أصحابها.

و ثالثة يتّهم شخص بالقتل أو المحاربة أو كثرة السرقة، فهذا أيضا من تلك الموارد التي لايجوز للقاضي اطلاق سراح المتّهم و ان لم يكن له مدّعٍ، بل عليه أن يحبسه كالصورة الثانية حتّى يكشف حاله.


1) - مسالك الأفهام 13: 386 - 388.

فيما لو قضى الحاكم على غريم بضمان مال و أمر بحبسه

إشارة:

«الثالثة»: لو قضى الحاكم على غريم بضمان مال و أمر بحبسه، فعند حضور الحاكم الثاني ينظر، فان كان الحكم موافقا للحقّ ألزم و الاّ أبطله، سواء كان مستند الحكم قطعيّا أو اجتهاديّا. و كذا كلّ حكم قضى به الأوّل و بان للثاني فيه الخطأ، فانّه ينقضه. و كذا لو حكم هو ثمّ تبيّن الخطأ، فانّه يبطل الأوّل و يستأنف الحكم بما علمه حقّا.

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في نقض الحاكم حكم نفسه

لايجوز للحاكم نقض حكم نفسه اذا كان مجتهدا و استفرغ الوسع في استنباط حكم اللّه من الكتاب و السنّة، و كذا في تبيين موضوع الحكم.

و الدليل عليه اطلاق قوله عليه السلام في مقبولة عمر بن حنظلة:

«فاذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فانّما استخفّ بحكم اللّه و علينا ردّ و الرادّ علينا الرادّ على اللّه و هو على حدّ الشرك باللّه».

الاّ اذا تبيّن خطؤه و هو على صور:

الأولى: قد علم خطأه في الموضوع، كأن انكشف عدم عدالة الشاهدين، أو كذب المنكر و أنّه حلف كاذبا أو انكشف براءة المدّعى عليه من القتل أو السرقة أو الضمان و نحوها. ففي هذه الأمثلة كلّها يجب عليه نقض الحكم السابق و يحرم عليه الاستمرار عليه، و ذلك لما تقدّم من الدلائل الدالّة على أنّه يجب على القاضي الحكم بالحقّ و القسط و العدل، و هي مستمرّة الى ما بعد الحكم بل العمل و لذا يجب تعويض الخسارة الواردة بسبب حكمه خطأً من بيت المال.

الثانية: اذا تبيّن خطؤه في دليل الحكم من الاشتباه في فهم دلالة الكتاب أوالروايات، أو سندها أو الاشتباه في القواعد الفقهيّة و أمثالها، فعن العلاّمة في القواعد: «اذا حكم حاكم بحكم خالف فيه الكتاب أو السنّة المتواترة أو الاجماع و

بالجملة اذا خالف دليلاً قطعيّا وجب عليه و على غير ذلك الحاكم نقضه و لايسوغ امضاؤه سواء خفي على الحاكم به أو لا، و سواء أنفذه الجاهل به أو لا».(1)

و في المسالك: «لو حكم هو بحكم ثمّ تبيّن له خلافه، فانّه ينقضه مع العلم بخطئه؛ لكونه قد خالف فيه دليلاً قطعيّا أو ظنّيّا و قصّر في استفراغ الوسع في تحصيله، فاستند الى ما ظنّه دليلاً».(2)

و في الدروس: «العاشرة: أن ينقض الحكم اذا علم بطلانه، سواء كان هو الحاكم أو غيره، و سواء أنفذه الجاهل به أم لا. و يحصل ذلك بمخالفة نصّ الكتاب أو المتواتر من السنّة أو الاجماع أو خبر واحد صحيح غير شاذّ أو مفهوم الموافقة».(3)

و كذا قال الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله(4)و سيأتي كلامه.

و في مستند الشيعة: «انّ الموجب للنقض أحد الأمرين: امّا الخطأ في الدليل القطعي، أو التقصير في الاجتهاد؛ اذ ليس الحكم في الصورتين حكم اللّه في حقّه قطعا».(5)

فتحصّل أنّه اذا تبيّن للحاكم خطؤه في الحكم لخطئه في الدليل القطعي أو التقصير في الاجتهاد يجب عليه نقضه، و ذلك لأنّه لم يحكم بما أنزل اللّه و بما هو حقّ، و لا فرق في ذلك بين مصادفته الواقع و عدمها، و لذا كان حكم العامي باطلاً و ان صادف حكمه الواقع؛ لأنّ الحكم يجب أن يكون عن علم بما أنزل اللّه منالكتاب و السنّة، و لذلك ورد عنه عليه السلام فيمن هو في النار: «و رجل قضى بالحقّ و هو لايعلم».


1) - قواعد الأحكام 3: 433.

2) - مسالك الأفهام 13: 389.

3) - الدروس الشرعيّة 2: 76.

4) - كتاب القضاء و الشهادات: 142 - 144.

5) - مستند الشيعة 17: 80.

الثالثة: اذا شكّ في حكمه فهل يجب عليه اعادة النظر أو لا؟

فتارة يشكّ في عدالة الشاهدين بعد ما كان عالما بعدالتهما، أو في صدق المنكر بيمينه بعد ما لم يكن شاكّا في صدقه، و في هذه الصورة تجري قاعدة اليقين، فنحكم بعدالتهما و بعدم كون المنكر كاذبا بيمينه.

و أخرى يشكّ في دليل الحكم و هو على قسمين:

الأوّل: أن يكون الشكّ لأنّه لم يستفرغ وسعه في استنباط الحكم، فان كان له يقين سابق يستصحب، و ان لم يكن له يقين سابق يجب عليه الاجتهاد؛ لعدم علمه بما حكم.

و الثاني: أن يشكّ في الحكم السابق لوجدان الدليل الجديد على خلاف ما حكم، فان كان هذا الدليل قطعيّا كنصّ القرآن أو الخبر المتواتر فينقض حكمه، و ان لم يكن قطعيّا كالخبر الواحد و ما يفيد الظنّ، فلاينقض حكمه؛ لأنّ مدرك الحكم الأوّل و كذا الثاني سيّان في افادة الظنّ بعد أن استفرغ الوسع في الأوّل.

الفرع الثاني : في نقض الحاكم حكم غيره

لايجوز نقض حكم الحاكم اذا كان جامعا للشرائط و لو لمجتهد آخر، و الدليل على ذلك قوله عليه السلام في مقبولة عمر بن حنظلة:

«فاذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فانّما استخفّ بحكم اللّه و علينا ردّ و الرادّ علينا الرادّ على اللّه و هو على حدّ الشرك باللّه».

و صحيحة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال:

«قال أبو عبداللّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام: ايّاكم أن يحاكم بعضكم بعضا الى أهل الجور، ولكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من

قضايانا، فاجعلوه بينكم فانّي قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه».(1)

و صحيحته الأخرى قال:

«بعثني أبو عبداللّه عليه السلام الى أصحابنا فقال: قل لهم: ايّاكم اذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شيء من الأخذ و العطاء أن تحاكموا الى أحد من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا و حرامنا، فانّي قد جعلته عليكم قاضيا، و ايّاكم أن يخاصم بعضكم بعضا الى السلطان الجائر».(2)

قال في مستند الشيعة: «اذا حكم حاكم بحكم لم يجب على حاكم آخر البحث عنه، و جاز له امضاؤه اذا اعتقده أهلاً بل يجب للمقبولة. لكن لو نظر فيه جاز فان ظهرت اصابته أو لم يظهر شيء من الصواب و الخطأ وجب الامضاء. و كذا ان ظهرت مخالفته لما هو صواب في نظر الثاني من الأدلّة الظنّيّة المحتملة للمخالفة - الى أن قال: - لأنّ الأدلّة الظنّيّة ليست كاشفة عن الأحكام الواقعيّة، و انّما هي أمارات للأحكام الظاهريّة، فاذا لم يقصّر في استفراغ وسعه و بذل جهده بقدر ما أدّى اجتهاده الى كفايته من السعي يكون الحكم حكم اللّه في حقّه و حقّ من يحكم له و عليه، فلا وجه للنقض. و ما ذكرنا هو الضابط في المقام، بل هو مراد من تعرّض للمسألة من الأصحاب، و ان اختلف عباراتهم في تأدية المرام».(3)

الفرع الثالث : فيما اذا تبيّن للحاكم خطأ حاكم آخر

قال الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله في شرح عبارة العلاّمة رحمه الله في ارشاد الأذهان:


1) - وسائل الشيعة 27: 13 / الباب 1 من أبواب صفات القاضي / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 27: 139 / الباب 11 من أبواب صفات القاضي / الحديث 6.

3) - مستند الشيعة 17: 79 - 81.

««و كلّ حكم ظهر» و اتّضح «بطلانه» امّا لمخالفته لطرق قطع الدعوى المقرّرة في الشريعة كأن حكم بالبيّنة أو اليمين أو القرعة في غير محالّها، و امّا لمخالفته للحكم الشرعي الواقعي في تلك القضيّة، كأن حكم بالعول أو العصبة، أو للحكم الاجتهادي فيها بأن تبيّن فساد اجتهاده لغفلة عن معارض أو لغلط في رواية أو توهّم صحّة سندها أو نحو ذلك، «فانّه» يجب عليه في هذه الموارد أن«ينقضه».

أمّا في الأوّلين، فلكونه حكما بالجور، فلو أنفذه كان ممّن قضى بالجور و هو يعلم.

و أمّا في الثالث فلأنّ المفروض فساد الاجتهاد و عدم صيرورة الحكم ظاهريّا في حقّه فهو كحكم العامّي و ان لم يعلم مخالفته للواقع، بل لو علم موافقته للواقع أيضا، فاللازم تجديد الحكم به؛ لأنّ السابق كالعدم - الى أن قال: - ثمّ انّ الظاهر أنّ المراد بظهور البطلان هو العلم به، و حصوله فيما اذا كان مستند الحكم قطعيّا ظاهر.

و أمّا اذا كان ظنّيّا فلايحصل القطع بالبطلان الاّ اذا وقع التقصير في الاجتهاد و تبيّن فساده و لو لغفلة. و حينئذ فالنقض في صورتين: احداهما: صورة العلم بمخالفة الحكم للواقع، و الأخرى: صورة العلم بمخالفته لمقتضى الاجتهاد الصحيح عند الحاكم به، و حينئذ فيوافق ما في القواعد من أنّه «اذا خالف دليلاً قطعيّا وجب عليه و على غير ذلك الحاكم نقضه. و ان خالف به دليلاً ظنّيّا لم ينقض الاّ أن يقع الحكم خطأً، بأن حكم بذلك لا لدليل قطعي و لا ظنّي أو لم يستوف شرائط الاجتهاد»».(1)

أقول:

الصور في نقض الحاكم الثاني حكم الحاكم الأوّل أربع:


1) - كتاب القضاء و الشهادات: 142 - 144.

الأولى: اذا حكم الأوّل بحكم من الحدود و القصاص و ضمان المال و الحبس و غيرها ممّا يكون اجراؤه محوّلاً الى الثاني، و هو يعلم خطأ حكم الأوّل على ما أوضحه الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله، فحينئذ لايجوز له اجراء الأحكام الصادرة من قبل الحاكم الأوّل و يجب عليه نقضها.

الثانية: اذا حكم الحاكم الأوّل و أمر باجرائه و ادّعى المحكوم عليه خطأ الحكم، و الحاكم الثاني يعلم خطأه على ما تقدّم، فيجب عليه أيضا نقض حكمه و تعويض الخسارة الواردة على المحكوم عليه بما يقتضي نظره.

الثالثة: الصورة بحالها الاّ أنّه لم يكن هناك مدّعٍ، ولكن كان هناك محبوس أو محبوسون قد حبسوا بحكم الحاكم الأوّل و هو يعلم خطأه، فيجب عليه نقض حكمه و الحكم بما يقتضي الحال.

الرابعة: الصورة الأولى مع كون الحاكم الثاني يشكّ في صحّة حكم الحاكم الأوّل فان كان شكّه في صلاحيته للحكم من جهة الشكّ في اجتهاده أو عدالته و لم يكن له حالة سابقة متيقّنة، فيجب عليه تجديد الحكم و لايجوز له اجراؤه كما هو واضح. و ان كان شكّه من جهة احتمال غفلته و اشتباهه بعد كونه صالحا للحكم فيجب عليه اجراء حكمه و يحرم عليه نقضه.

الفرع الرابع : فيما لو علم مخالفة حكم الحاكم للواقع

اذا حكم الحاكم بحكم فلايجوز نقضه و يجب انفاذه كما تقدّم الاّ اذا علمخطؤه فيجوز نقضه للحاكم الآخر و قد تقدّم في الفرع الثالث.

و في هذا الفرع يكون البحث فيما اذا علم المترافعان أو أحدهما أو غيرهما أنّ حكم الحاكم خلاف الواقع، فهل يجوز نقضه و مخالفته أو يجب قبوله؟

فنقول: انّ هنا جهتين:

الأولى: انّ حكم الحاكم و ان كان لفصل الخصومة الاّ أنّ حكمه طريق الى الواقع، و لايكون هو الواقع و لايغيّر الواقع عمّا هو عليه كما يدلّ عليه صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: انّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان و بعضكم ألحن بحجّته من بعض فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا فانّما قطعت له به قطعة من النار».(1)

و الثانية: انّ ظاهر المقبولة عدم جواز ردّ حكم الحاكم.

فقد يقال في الجمع بين الجهتين بأنّه يقتضي وجوب قبول الحكم ظاهرا من غير أن يرتّب عليه آثار الواقع.

مثاله: اذا حكم الحاكم بمال لأحد المتخاصمين بواسطة البيّنة أو اليمين و الحال أنّ المحكوم عليه يعلم بعدم صلاحية المحكوم له للمال و أنّ المال ماله، فعليه أن يدفع المال الى المحكوم له ولكن لايجوز للمحكوم له التصرّف فيه و عليه أن يردّه الى المحكوم عليه، فان لم يردّه فيجوز للمحكوم عليه أن يسرقه أو يقاصّ منه اذا كان مال المحكوم له عنده.

الاّ أنّه يمكن أن يقال: انّ الواجب على المحكوم عليه أن يستسلم لحكم اللّه فاذا علم أنّ هذا الحكم لم يكن حكم اللّه و كان المال له، يجوز له أن لايردّه على المحكوم عليه ان استطاع. و لذا نقول: لو حكم الحاكم بأن يضرب الحدّ أو اقتصّ منه مع كون حكمه خلاف الواقع يجوز له أن يفرّ من اجراء الحكم بل يجب اناستطاع، و لايجوز لمن يعلم ذلك اجراء الحدّ أو القصاص الاّ أن يكون مضطرّا بالنسبة الى غير القتل.

نعم، سيأتي في المقصد الثالث في انكار المدّعى عليه أنّه اذا رضي المدّعي بيمين المنكر، فلايجوز له التقاصّ و لا طرح دعوى جديدة، فما قلنا من جواز


1) - وسائل الشيعة 27: 232 / الباب 2 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

التقاصّ و جواز أن لايسلّمه مختصّ بغير ما اذا رضي بحلف المنكر فحلف.

هذا حال حكم الحاكم اذا كان حكمه خلاف الواقع في الشبهات الموضوعيّة. و كذلك الحال في الشبهات الحكميّة، اذا علم خطؤه.

في أنّه ليس على الحاكم تتبّع حكم من كان قبله

«الرابعة»: ليس على الحاكم تتبّع حكم من كان قبله، لكن لو زعم المحكوم عليه أنّ الأوّل حكم عليه بالجور لزمه النظر فيه. و كذا لو ثبت عنده ما يبطل حكم الأوّل أبطله، سواء كان من حقوق اللّه أم من حقوق الناس.

قد تقدّم شرح هذه المسألة في الفرع الثالث من المسألة السابقة فلانعيد.

قال في المسالك: «انّما وجب في المسألة الأولى (المسألة الثالثة من الشرائع) النظر في حكم الأوّل دون هذه - حيث لايدّعي الغريم ظلمه - أنّه في الأوّل وجد الغريم محبوسا على الحقّ و لم يحصل أداؤه، فكان الأوّل لم يتمّ، فلذا وجب على الثاني النظر في حال من عليه الحقّ؛ لأنّه يحتاج الى أن يحكم عليه بوجوب أداء الحقّ، و لايتمّ للثاني ذلك حتّى يعلم حال الحكم السابق، بخلاف ما اذا كان قد انقضى الأمر في حكم الأوّل و استوفي متعلّق الحكم، فانّ الحاكم الثاني لايجب عليه النظر في السابق و لا تتبّع الأحكام، الاّ أن يدّعي المحكوم عليه جور الحاكم الأوّل، فيلزمه حينئذ النظر؛ لأنّ هذه دعوىً يلزمه سماعها، و لايتمّ الاّ بالنظر في الحكم، فينفذه ان كان حقّا.

و يردّه ان تبيّن بطلانه على الوجه السابق، لا ان كان مخالفا له في الاجتهاد مع جواز موافقته للحقّ. و كذا يجب عليه نقض السابق على تقدير أن يتّفق نظره فيه من غير أن يكون بطريق الوجوب فيظهر له خطؤه أو تثبت بيّنة ذلك فيجب عليه ابطاله مطلقا؛ لظهور الخطأ.

و نبّه بقوله: «سواء كان من حقوق اللّه أو من حقوق الناس» على خلاف بعض

العامّة، حيث فرّق بين الأمرين و حكم بأنّه اذا نظر في حكم السابق فوجده خطأً و كان حقّا للّه تعالى كالعتق نقضه؛ لأنّ له في حقّ اللّه نظرا، و ان كان في حقّ آدمي لم يكن له النظر فيه من غير مطالبة المستحقّ».(1)

فيما اذا ادّعى رجل أنّ المعزول قضى عليه بشهادة فاسقين

«الخامسة»: اذا ادّعى رجل أنّ المعزول قضى عليه بشهادة فاسقين، وجب احضاره و ان لم يقم المدّعي بيّنة. فان حضر و اعترف به ألزم. و ان قال: لم أحكم الاّ بشهادة عدلين، قال الشيخ رحمه الله: يكلّف البيّنة؛ لأنّه اعترف بنقل المال، و هو يدّعي ما يزيل الضمان عنه. و هو يشكل بما أنّ الظاهر استظهار الحكّام في الأحكام، فيكون القول قوله مع يمينه؛ لأنّه يدّعي الظاهر.

قال في المسالك: «اذا ادّعى أحد على المعزول عند الحاكم الجديد دعوى لم يحضر الحاكم المعزول حتّى يبيّن المدّعي دعواه - و استدلّ أوّلاً برعاية الاحتياط في جانب المعزول.

و ثانيا بخوف الامتهان عليه و وهنه ثمّ قال: - فاذا ادّعى أنّ لي عليه حقّا من دين و معاملة و نحوهما أو ادّعى أنّه ارتشى منّي، وجب احضاره و الفصل بينهما و ان لم يذكر المدّعي أنّ له بيّنة كغيرها من الدعاوي.

و ان قال: قضى عليّ بجور كالقضاء بشهادة فاسقين فالخلاف فيه في موضعين ذكر المصنّف رحمه الله أحدهما و قطع بالحكم في الآخر.

أحدهما: في وجوب احضاره. فقيل: يجب احضاره مطلقا، كما في غيرها من الدعاوي و لامكان أن يقرّ بالحال فيلزمه الحقّ. و قيل: لايجاب الاّ أن يذكر المدّعي أنّ له بيّنة عليه بذلك؛ لأنّه أمين الشرع، و الظاهر أنّ أحكامه وقعت على وفق الصواب، فيعمل بهذا الظاهر الى أن تقوم الحجّة بخلافه و لأنّه يبطل الدعاوي الى


1) - مسالك الأفهام 13: 391 و 392.

الحكم. و هذا اختيار الشيخ فخرالدين رحمه الله. و قيل: تسمع. و هو الذي قطع به المصنّف رحمه الله و الأكثر؛ لأنّها دعوى شرعيّة، و مرجعها الى المال فانّ القاضي لو أقرّ بذلك لزمه الضمان فيلحقها ما يلحق غيرها من الأحكام. و هذا هو الأقوى.

و الثاني: على تقدير احضاره امّا مطلقا أو مع حضور البيّنة، فاذا حضر سأله الحاكم عن ذلك، فان صادق فعليه الضمان؛ لأنّه قد اعترف بأنّه دفع ماله الى الغير بغير حقّ. و ان أنكر و قال: ماقضيت الاّ بعدلين، فان أقام المدّعى عليه بيّنة فكالأوّل، و الاّ ففي تقديم قوله مطلقا أو مع اليمين أو افتقاره الى البيّنة و الاّ قدّم قول المدّعي أوجه، و ربّما كانت أقوالاً. ثانيها: أنّه يصدّق باليمين؛ لادّعائه الظاهر كسائر الأمناء اذا ادّعي عليهم خيانة. و هذا هو الأقوى. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

قد تقدّم في الفرع الثاني من المسألة الثالثة عدم جواز نقض حكم الحاكم من جانب الحاكم الآخر اذا كان جامعا للشرائط. و قد تقدّم أيضا في الفرع الثالث منها جواز نقضه اذا علم خطؤه، و بيّنّا الصور المتصوّرة فيه.

و البحث الآن فيما اذا ادّعى رجل على القاضي المعزول أنّه حكم عليه بشهادة فاسقين و أخذ ماله لطرفه الغاصب. فان علم هذا القاضي خطأ القاضي الأوّليجب عليه النظر في حكمه و ينقضه و يحكم بما يقتضيه من الحكم الشرعي، و قد تقدّم في الفرع الثالث.

و أمّا اذا علم صلاحية القاضي الأوّل و صواب حكمه فلايعتني بما يدّعي الرجل، و يكون ممّا يحرم عليه نقضه.

و هنا صورة ثالثة و هو ما اذا لم يعلم بشيء من الحاكم الأوّل من صلاحيته للحكم و عدمه، أو احتمل صدق المدّعي و خطأ الحاكم في تشخيص الشهود.


1) - مسالك الأفهام 13: 393 و 394.

فحينئذ يحضره الحاكم الثاني سواء أحضر المدّعي البيّنة أو لم يحضرها؛ لأنّه دعوىً يجب على الحاكم فصلها. فاذا حضر و أقرّ بما ادّعاه الرجل ألزم و يضمن المال الذي أخذه منه و أعطاه الطرف المقابل. و ان أنكره فيقضي بما هو مقرّر شرعا من أنّ «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر» فان كانت للرجل المدّعي بيّنة أقامها و ان لم تكن له بيّنة فيحلف المنكر و هو الحاكم المعزول و يختم الدعوى.

فيما اذا افتقر الحاكم الى مترجم

«السادسة»: اذا افتقر الحاكم الى مترجم لم يقبل الاّ شاهدان عدلان، و لايقتنع بالواحد؛ عملاً بالمتّفق عليه.

اذا افتقر الحاكم الى مترجم لعدم معرفته بلسان بعض الخصوم أو الشهود، فاحتاج الى من يُطلعه فذهب المصنّف رحمه الله الى وجوب شهادة شاهدين عدلين و عدم الاقتناع بالواحد؛ لأنّ كونه اثنين مجزٍ بالاتّفاق و ان كان واحدا يكون محلّ الخلاف و موضع الاشتباه، فالأخذ بالمتّفق عليه أولى.

و كذلك قال في المسالك و أضاف اليه: «انّ في قول المصنّف اشارة الى قوّة جانب القول بالاكتفاء بالواحد و ان كان اعتبار التعدّد أقوى، و قريب منه قول الشيخ في المبسوط؛ لأنّه بعد نقل الخلاف قال: «و الأوّل أحوط عندنا؛ لأنّه مجمععلى العمل به»».(1)

أقول:

الظاهر كفاية عدل واحد بل من كان يوثق به و ان لم يكن عدلاً. و ذلك أوّلاً لعدم كون المقام مقام الشهادة بل هو اخبار عن كلام الخصوم.

و ثانيا لو سلّم كونه من الشهادة فما ورد فيه النصّ من اعتبار العدد يتّبع و في


1) - مسالك الأفهام 13: 395.

غيره يكتفى باطمئنان القاضي بما يتكلّم به الخصوم. و كذا القول في مسمع القاضي لو كان أصمّ.

في الشرائط المعتبرة في كاتب القاضي

«السابعة»: اذا اتّخذ القاضي كاتبا وجب أن يكون بالغا عاقلاً مسلما عدلاً بصيرا، ليؤمن انخداعه. و ان كان مع ذلك فقيها كان حسنا.

أضاف اليه في المسالك: «و يستحبّ أن يكون مع ذلك وافر العقل، عفيفا عن المطامع الفاسدة، لكيلا ينخدع من غيره بمال و غيره، و أن يكون فقيها لايؤتى من جهل و أن يكون جيّد الخطّ ضابطا للحروف لئلاّيقع في الغلط و الاشتباه. و الأولى أن يجلس الحاكم الكاتب بين يديه ليملي عليه و يشاهد ما يكتب».(1)

ولكنّ الظاهر كفاية عدل واحد بل كفاية ثقة واحد يطمئنّ القاضي بعدم خيانته، كما تقدّم في المسألة السابقة.


1) - مسالك الأفهام 13: 396.

في أنّ الحاكم ان عرف عدالة الشاهدين حكم، و ان عرف فسوقهما اطّرح

إشارة:

«الثامنة»: الحاكم ان عرف عدالة الشاهدين حكم، و ان عرف فسوقهما اطّرح، و ان جهل الأمرين بحث عنهما. و كذا لو عرف اسلامهما و جهل عدالتهما، توقّف حتّى يتحقّق ما يبني عليه من عدالة أو جرح. و قال في الخلاف: يحكم. و به رواية شاذّة. و لو حكم بالظاهر ثمّ تبيّن فسوقهما وقت الحكم نقض حكمه. و لايجوز التعويل في الشهادة على حسن الظاهر. و ينبغي أن يكون السؤال عن التزكية سرّا فانّه أبعد من التهمة. و تثبت مطلقة. و تفتقر الى المعرفة الباطنة المتقادمة. و لايثبت الجرح الاّ مفسّرا. و قيل يثبت مطلقا. و لايحتاج الجرح الى تقادم المعرفة، و يكفي العلم بموجب الجرح. و لو اختلف الشهود في الجرح و التعديل قدّم الجرح؛ لأنّه شهادة بما يخفى عن الآخرين. و لو تعارضت البيّنتان في الجرح و التعديل، قال في الخلاف: وقف الحاكم. و لو قيل: يعمل على الجرح، كان حسنا.

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في اعتبار العدالة في الشاهد و عدم كفاية الاسلام

قال في المسالك: «اذا شهد عند الحاكم شهود نظر، ان عرف فسقهم فلا خلاف في ردّ شهادتهم من غير احتياج الى بحث. و ان عرف عدالتهم قبل شهادتهم فلا حاجة الى التعديل و ان طلبه الخصم. و ان لم يعرف حالهم في الفسق و العدالة، فان لم يعرف مع ذلك اسلامهم وجب البحث أيضا. و هذا كلّه ممّا لا خلاف فيه.

و ان عرف اسلامهم و لم يعرف أمرا آخر غيره من جرح و لا تعديل فهذا ممّا اختلف فيه الأصحاب. فالمشهور بينهم - خصوصا بين المتأخّرين منهم - أنّهيجب البحث عن عدالتهم، و لايكفي الاعتماد على ظاهر الاسلام؛ لقوله تعالى: «و أشهدوا ذوي عدل منكم» مع قوله تعالى: «و استشهدوا شهيدين من

رجالكم». فيجب حمل هذا المطلق على المقيّد. و لا بدّ من اشتمال الوصف بالعدالة على أمر زائد على الاسلام؛ لأنّ الاسلام داخل في قوله: «من رجالكم» فانّه خطاب للمسلمين، و لأنّ العدالة شرط قبول الشهادة كما تقتضيه الآية، و الجهل بالشرط يستلزم الجهل بالمشروط، و لرواية عبداللّه بن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام».(1)

ثمّ انّه رحمه الله استشكل في الآية أوّلاً بأنّ العدالة ليست شيئا وراء الاسلام، فمن كان مسلما فهو عادل بمعنى أنّ حاله يحمل على القيام بالواجبات و ترك المحرّمات.

و ثانيا بأنّه سلّمنا أنّ العدالة أمر آخر غير الاسلام، لكن لايشترط العلم بوجودها، بل يكفي عدم العلم بانتفائها. و الآية المطلقة « ... من رجالكم» اقتضت قبول قول المسلم من رجالنا الشامل باطلاقه للفاسق و غيره، غاية الأمر أنّ الوصف بالعدالة - «و أشهدوا ذوي عدل منكم» - دلّ على اعتبار أمر زائد، و هو اعتبار عدم فسقه، أمّا اثبات وصف آخر زائد على عدم العلم بالفسق فلا، و أقلّه أنّه المتنازع فيه.

أقول:

و فيه: انّ الظاهر وجوب الجمع بين الآيتين بحمل المطلق على المقيّد، فانّ وصف الشاهد بالعدالة يكون احترازيّا، و عليه يجب احراز العدالة في الشاهد.

و أمّا الرواية فعن ابن أبي يعفور قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتّى تقبل شهادته لهم و عليهم؟

فقال: أن تعرفوه بالستر و العفاف و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار من شرب


1) - مسالك الأفهام 13: 397 و 398.

الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك، و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه، حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه و تفتيش ما وراء ذلك، و يجب عليهم تزكيته و اظهار عدالته في الناس، و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس اذا واظب عليهنّ، و حفظ مواقيتهنّ بحضور جماعة من المسلمين، و أن لايتخلّف عن جماعتهم في مصلاّهم الاّ من علّة، فاذا كان كذلك لازما لمصلاّه عند حضور الصلوات الخمس فاذا سئل عنه في قبيله و محلّته قالوا: ما رأينا منه الاّ خيرا، مواظبا على الصلوات متعاهدا لأوقاتها في مصلاّه، فانّ ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين، و ذلك أنّ الصلاة ستر و كفّارة للذنوب و ليس يمكن الشهادة على الرجل بأنّه يصلّي اذا كان لايحضر مصلاّه و يتعاهد جماعة المسلمين، و انّما جعل الجماعة و الاجتماع الى الصلاة لكي يعرف من يصلّي ممّن لايصلّي، و من يحفظ مواقيت الصلاة ممّن يضيع، و لولا ذلك لم يمكن أحد أن يشهد على آخر بصلاح؛ لأنّ من لايصلّي لا صلاح له بين المسلمين، فانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله همّ بأن يحرق قوما في منازلهم لتركهم الحضور لجماعة المسلمين، و قد كان فيهم من يصلّي في بيته فلم يقبل منه ذلك، و كيف يقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممّن جرى الحكم من اللّه عزّوجلّ و من رسوله صلى الله عليه و آله فيه الحرق في جوف بيته بالنار؟ و قد كان يقول: لا صلاة لمن لايصلّي في المسجد مع المسلمين الاّ من علّة».(1)

فاستشكل فيها الشهيد الثاني رحمه الله بقصور الدلالة و ضعف السند، و قال: «في


1) - وسائل الشيعة 27: 391 / الباب 41 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

طريقها جماعة منهم الحسن بن علي عن أبيه، و الظاهر أنّ المراد منهما ابنا فضّال الحسن و أبوه علي، و غايته أن يكون محتملاً لهما، و هو كافٍ في ضعف السند. و فيه محمّد بن موسى و هو مشترك بين جماعة منهم الضعيف جدّا و الثقة. ثمّ هو معارض برواية ابن أبي يعفور هذا بما يدلّ على خلاف ذلك».(1)

أقول:

أمّا سند الرواية فقد نقلها الصدوق في المشيخة عن أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار عن سعد بن عبداللّه عن أحمد بن أبي عبداللّه البرقي عن أبيه عن محمّد بن أبي عمير عن حمّاد بن عثمان عن عبداللّه بن أبي يعفور، فكلّ هؤلاء ثقات اماميّون، فالرواية بهذا الطريق صحيحة.

و أمّا الطريق الذي ذكره الشهيد رحمه الله فعن الشيخ رحمه الله في التهذيب عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن محمّد بن موسى عن الحسن بن علي عن أبيه عن علي بن عقبة عن موسى بن أكيل النميري عن ابن أبي يعفور. و السند فيه موثّقة. فهؤلاء أيضا ثقات اماميّون الاّ الحسن بن علي بن فضّال و أباه فانّهما و ان لم يكونا اماميّين الاّ أنّهما ثقتان، و قد ورد فيهم عن الامام الحسن بن علي العسكري عليه السلام:

«خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا».(2)

و أمّا دلالتها على المطلوب فتامّة الاّ أنّ الدليل على عدالة الشاهد هو حسن ظاهره بحيث لو يعاشره أو يسأل عمّن يعاشره و أهل محلّته و عشيرته يشهدون له بحسن الفعل.

و بازائها طائفة أخرى من الروايات كرواية عبدالكريم بن أبي يعفور عنأبي جعفر عليه السلام قال:

«تقبل شهادة المرأة و النسوة اذا كنّ مستورات من أهل البيوتات


1) - مسالك الأفهام 13: 399 و 400.

2) - وسائل الشيعة 27: 142 / الباب 11 من أبواب صفات القاضي / الحديث 13.

معروفات بالستر و العفاف، مطيعات للأزواج، تاركات للبذاء و التبرّج الى الرجال في أنديتهم».(1)

و صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، فعدل منهم اثنان و لم يعدل الآخران، فقال:

«اذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أجيزت شهادتهم جميعا و أقيم الحدّ على الذي شهدوا عليه، انّما عليهم أن يشهدوا بما أبصروا و علموا، و على الوالي أن يجيز شهادتهم الاّ أن يكونوا معروفين بالفسق».(2)

و مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن البيّنة اذا أقيمت على الحقّ أيحلّ للقاضي أن يقضي بقول البيّنة؟ فقال: خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات و المناكح و الذبائح و الشهادات و الأنساب، فاذا كان ظاهر الرجل ظاهرا مأمونا، جازت شهادته و لايسأل عن باطنه».(3)

و رواية العلاء بن سيابة قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن شهادة من يلعب بالحمام. قال: لابأس اذا كان لايعرف بفسق. الحديث».(4)

و صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: ما يردّ من الشهود؟ قال: فقال: الظنين و المتّهم،قال: قلت: فالفاسق و الخائن؟ قال: ذلك يدخل في الظنين».(5)


1) - وسائل الشيعة 27: 398 / الباب 41 من كتاب الشهادات / الحديث 20.

2) - وسائل الشيعة 27: 397 / الباب 41 من كتاب الشهادات / الحديث 18.

3) - وسائل الشيعة 27: 392 / الباب 41 من كتاب الشهادات / الحديث 3.

4) - وسائل الشيعة 27: 394 / الباب 41 من كتاب الشهادات / الحديث 6.

5) - وسائل الشيعة 27: 373 / الباب 30 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

فالجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات هو جواز الاكتفاء بحسن الظاهر، و عدم وجوب الفحص عن الباطن.

الفرع الثاني : في الفحص عن العدالة اذا جهلها

قد ورد في تفسير الامام الحسن بن علي العسكري عليه السلام عن آبائه عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال:

«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله اذا تخاصم اليه رجلان قال للمدّعي: أ لك حجّة؟ فان أقام بيّنة يرضاها و يعرفها، أنفذ الحكم على المدّعى عليه، و ان لم يكن له بيّنة حلف المدّعى عليه باللّه ما لهذا قبله ذلك الذي ادّعاه و لا شيء منه.

و اذا جاء بشهود لايعرفهم بخير و لا شرّ، قال للشهود: أين قبائلكما؟ فيصفان، أين سوقكما؟ فيصفان، أين منزلكما؟ فيصفان، ثمّ يقيم الخصوم و الشهود بين يديه، ثمّ يأمر فيكتب أسامي المدّعي و المدّعى عليه و الشهود و يصف ما شهدوا به، ثمّ يدفع ذلك الى رجل من أصحابه الخيار، ثمّ مثل ذلك الى رجل آخر من خيار أصحابه، ثمّ يقول: ليذهب كلّ واحد منكما من حيث لايشعر الآخر الى قبائلهما و أسواقهما و محالّهما و الربض الذي ينزلانه، فيسأل عنهما فيذهبان و يسألان، فان أتوا خيرا و ذكروا فضلاً رجعوا الى رسول اللّه صلى الله عليه و آله فأخبراه، أحضر القوم الذي أثنوا عليهما، و أحضرالشهود فقال للقوم المثنين عليهما: هذا فلان بن فلان و هذا فلان بن فلان، أتعرفونهما؟ فيقولون: نعم، فيقول: انّ فلانا و فلانا جاءني عنكم فيما بيننا بجميل و ذكر صالح أفكما قالا؟ فان قالوا: نعم، قضى

حينئذ بشهادتهما على المدّعى عليه. فان رجعا بخبر سيّء و ثناء قبيح دعا بهم فيقول: أتعرفون فلانا و فلانا؟ فيقولون: نعم. فيقول: أقعدوا حتّى يحضرا فيقعدون فيحضرهما، فيقول للقوم: أهما هما؟ فيقولون: نعم، فاذا ثبت عنده ذلك لم يهتك ستر الشاهدين، و لا عابهما و لا وبّخهما، ولكن يدعو الخصوم الى الصلح، فلايزال بهم حتّى يصطلحوا، لئلاّ يفتضح الشهود، و يستر عليهم. و كان رؤوفا رحيما عطوفا على أمّته.

فان كان الشهود من أخلاط الناس غرباء لايعرفون و لا قبيلة لهما و لا سوق و لا دار، أقبل على المدّعى عليه فقال: ما تقول فيهما؟ فان قال: ما عرفنا الاّ خيرا، غير أنّهما قد غلطا فيما شهدا عليّ، أنفذ شهادتهما و ان جرحهما و طعن عليهما أصلح بين الخصم و خصمه، و أحلف المدّعى عليه، و قطع الخصومة بينهما».(1)

و لو حكم بالظاهر ثمّ تبيّن فسوقهما وقت الحكم، نقض حكمه؛ لظهور عدم الشرط المعتبر في الشهادة حالتها، و فقد الشرط يقتضي عدم المشروط.

ثمّ انّ المصنّف رحمه الله قال: «و لايجوز التعويل في الشهادة على حسن الظاهر».

فان كان مراده من حسن الظاهر هو ظاهر جسمه من وجهه و لبسه و نحوهما ممّا يشهد ظاهرا بالقداسة، من دون السؤال عن معاشريه و أهل محلّته و عشيرته فهو كما قال رحمه الله لايجوز التعويل عليه، الاّ أن يتيقّن الحاكم منه على عدالته. و ان كان مراده من حسن الظاهر عدم الاكتفاء بما تقدّم من الفحص عن حاله بل يجبالاطّلاع على باطنه، فهو خلاف ظاهر الروايات. و يظهر من كلام المصنّف وجوب الفحص عن حاله حتّى يطمئنّ بعدالته.

بل كذلك نقول في كلام كلّ من منع من التعويل بحسن الظاهر في ظاهر


1) - وسائل الشيعة 27: 239 / الباب 6 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

كلامه، و أنّ مرادهم هو عدم جواز التعويل على ما ذكرنا و يبعد أن يكون مرادهم وجوب تحصيل العلم بملكته الباطنيّة.

الفرع الثالث : في الجرح و التعديل

قال المصنّف: «(العدالة) تثبت مطلقة، و تفتقر الى المعرفة الباطنة المتقادمة».

و في المسالك قال: «يعتبر في المزكّي أن يكون خبيرا بباطن من يعدّله، امّا بصحبة أو جوار أو معاملة و نحوه. فانّ الانسان يخفي أسباب الفسق غالبا، فلا بدّ من معرفة باطن حاله.

و هذا كما أنّ الشهادة على الافلاس تعتبر بالخبرة الباطنة؛ لأنّ الانسان مشعوف باخفاء المال. و في الشهادة على أن لا وارث سواه تعتبر الخبرة الباطنة؛ لأنّه قد يتزوّج في السفر أو في الحضر و يخفيه فيولد له ولد. و يشترط في المزكّي أيضا أن يعرف نسب الشاهد و المتداعيين؛ لجواز أن يكون بينه و بين المدّعي شركة، أو بينه و بين المدّعى عليه عداوة، فلايكفي اثبات أصل العدالة. و يشترط معرفته بشرائط الجرح و التعديل. و اعتبر في المعرفة الباطنة التقادم.

و المشهور أنّ التعديل يكفي مطلقا من غير أن يبيّن سببه، أمّا الجرح فلايثبت مطلقا بل لا بدّ من بيان سببه. و قيل: يكفي الاطلاق فيهما.

و للعلاّمة قول بوجوب ذكر سبب التعديل دون الجرح، عكس المشهور. و قول آخر و هو أنّ المزكّي و الجارح ان كانا عالمين بأسبابهما كفى اطلاقهما، و الاّوجب ذكر السبب فيهما. و على المشهور من الاكتفاء بالاطلاق في التعديل ففي القدر المعتبر من العبارة أوجه:

أحدها: أن يقول: هو عدل.

ثانيها: أن يضيف الى ذلك: عليّ و لي أي يقول: «عدل عليّ و لي».

ثالثها: اعتبار ضميمة أحد الأمرين الى قوله: عدل، و هو امّا «لي و عليّ» أو «مقبول الشهادة». و الأقوى الاجتزاء بقوله: انّه مقبول الشهادة، و اضافة العدالة الى ذلك آكد. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

يعتبر في المعدّل و الجارح عند القاضي عدلان زكيّان عارفان بما يوجب العدالة و عدمها، فيبعثهما للفحص عن حال الشاهدين، بحيث لايخبر أحدهما عن الآخر، كما في الخبر المذكور في التفسير، و قد تقدّم. فاذا جاءا و أخبرا بما يجدانه و يشاهدانه و يسمعانه و شهدا بأنّه عادل أو ليس عادلاً كفى. و كذا لو اطمأنّ الحاكم من استماع جزئيّات فحصهما بعدالة الشاهدين أو عدمها كفى أيضا.

و الدليل على ذلك - مضافا الى ما يستفاد من الخبر المذكور في التفسير بالنسبة الى هذا الزمان - أنّ المعتبر هو علم القاضي بعدالة الشهود أو شهادة شاهدين عدلين بعدالة الشهود. و ما في ذيل الخبر لايكون تعبّديّا، بل للاعلام بأهمّية الموضوع.

ثمّ اعلم أنّا قد حقّقنا في غير موضع أنّ قول العدل الواحد بل الثقة الواحد حجّة فيما لم يوجد فيه نصّ على اعتبار اثنين أو أكثر من العدول، و على هذا يكفي في التعديل و الجرح شهادة عدل واحد أو ثقة واحد اذا حصل من قولهالاطمئنان للحاكم.


1) - مسالك الأفهام 13: 405 - 409.

الفرع الرابع : فيما لو اختلف الشهود في الجرح و التعديل

قال في المسالك: «اذا شهد شاهدان بتعديل شخص معيّن و آخران بجرحه، فان لم يتكاذبا بأن شهد المزكّيان بعدالته مطلقا أو مفصّلاً من غير ضبط وقت معيّن، و شهد الجارحان بأنّه فعل كبيرة في الوقت الفلاني، فالأظهر تقديم الجرح.

و ذلك أوّلاً لأنّ التعديل في المعنى راجع الى النفي، و الجرح يتضمّن الاثبات و هو مقدّم على النفي.

و ثانيا: لأنّ مستند علم الجارح الى الاحساس، و المعدّل يبني على أصل العدم و مستند العدم عدم المعاينة و الأصل و هما ظنّيّان، فكان الأوّل أولى؛ لأنّه أقوى.

و ثالثا لأنّه حينئذ يمكن صدقهما، بأن يراه الجارح في ذلك الوقت يفعل المعصية المخرجة عن العدالة و لايراه المعدّل.

نعم، تقدّم قول المعدّل فيما اذا قال: «قد عرفت السبب الذي ذكره الجارح لكنّه قد تاب عنه و حسنت حاله»؛ لأنّ مع المعدّل زيادة علم فتقدّم.

و لو تعارضت البيّنتان في الجرح و التعديل، قال الشيخ في الخلاف: وقف الحاكم، و ذلك لعدم امكان الجمع بينهما، بأن شهد المعدّل بأنّه كان في ذلك الوقت الذي شهد الجارح بفعل المعصية فيه في غير ذلك المكان الذي عيّنه للمعصية، أو مشتغلاً بفعل يضادّ ما ادّعاه الجارح، امّا طاعة أو مباحا أو نائما. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الظاهر أنّ ما ذهب اليه الشهيد رحمه الله من التفصيل الذي ذكره حسن.


1) - مسالك الأفهام 13: 410 و 411.

في تفريق الشهود

«التاسعة»: لابأس بتفريق الشهود. و يستحبّ فيمن لا قوّة عنده.

لايجب للقاضي تفريق الشهود ولكن يستحبّ تفريقهم عند الريبة و استقصاء سؤالهم عن مشخّصات القضيّة، فان اختلفوا ردّت شهادتهم.

و الدليل على ذلك صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«أتي عمر بن الخطّاب بجارية قد شهدوا عليها أنّها بغت و كان من قصّتها أنّها كانت عند رجل و كان الرجل كثيرا ما يغيب عن أهله فشبّت اليتيمة فتخوّفت المرأة أن يتزوّجها زوجها، فدعت نسوة حتّى أمسكوها فأخذت عذرتها باصبعها، فلمّا قدم زوجها من غيبته رمت المرأة اليتيمة بالفاحشة، و أقامت البيّنة من جاراتها اللاّتي ساعدنها على ذلك، فرفع ذلك الى عمر، فلم يدر كيف يقضي فيها، ثمّ قال للرجل: ائت عليّ بن أبي طالب و اذهب بنا اليه!

فأتوا عليّا عليه السلامو قصّوا عليه القصّة، فقال لامرأة الرجل: ألك بيّنة أو برهان؟

قالت: لي شهود، هؤلاء جاراتي يشهدن عليها بما أقول، فأحضرتهنّ و أخرج عليّ عليه السلام السيف من غمده فطرحه بين يديه، و أمر بكلّ واحدة منهنّ فأدخلت بيتا، ثمّ دعا امرأة الرجل فأدارها بكلّ وجه فأبت أن تزول عن قولها، فردّها الى البيت الذي كانت فيه، و دعا احدى الشهود و جثا على ركبتيه، ثمّ قال: أتعرفيني؟ أنا عليّ بن أبي طالب و هذا سيفي، و قد قالت امرأة الرجل ما قالت و رجعت الى الحقّ و أعطيتها الأمان، فان لم تصدّقيني لأملأنّ السيف منك!فالتفتت الى عمر و قالت: الأمان على الصدق!

فقال لها عليّ عليه السلام: فاصدقي!

قالت: لا واللّه، انّها رأت جمالاً و هيئة، فخافت فساد زوجها فسقتها

المسكر، و دعتنا فأمسكناها فاقتضّتها باصبعها.

فقال علي عليه السلام: اللّه أكبر، أنا أوّل من فرّق بين الشاهدين الاّ دانيال النبي عليه السلام. فألزم علي عليه السلام المرأة حدّ القاذف و ألزمهنّ جميعا العقر، و جعل عقرها أربعمائة درهم، و أمر المرأة أن تنفى من الرجل و يطلّقها زوجها و زوّجه الجارية، و ساق عنه عليّ عليه السلام - ثمّ ذكر حديث دانيال - و أنّه حكم في مثل هذا بتفريق الشهود و استقصاء سؤالهم عن جزئيّات القضيّة».(1)

و قال المحدّث الحرّ العاملي رحمه الله في ذيل الحديث: «قوله عليه السلام: «أنا أوّل من فرّق بين الشاهدين الاّ دانيال عليه السلام» يدلّ على عدم وجوب التفريق، و أيضا لو وجب التفريق و كان كلّيّا لانتفت فائدته و بطلت حكمته؛ لأنّهم يعلمون أنّهم يفرّقون فيتّفقون على الكذب و على تلك الجزئيّات».

و ما رواه محمّد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث):

«انّ شابّا قال لأميرالمؤمنين عليه السلام: انّ هؤلاء النفر خرجوا بأبي معهم في السفر، فرجعوا و لم يرجع أبي فسألتهم عنه، فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله، فقالوا: ما ترك مالاً، فقدّمتهم الى شريح فاستحلفهم و قد علمت أنّ أبي خرج و معه مال كثير.

فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: واللّه لأحكمنّ بينهم بحكم ما حكم به خلق قبلي الاّ داود النبي عليه السلام! يا قنبر أدع لي شرطة الخميس، فدعاهم فوكّلبكلّ رجل منهم رجلاً من الشرطة، ثمّ نظر الى وجوههم فقال: ماذا تقولون؟ تقولون: انّي لاأعلم ما صنعتم بأبي هذا الفتى؟! انّي اذن لجاهل. ثمّ قال: فرّقوهم و غطّوا رؤوسهم! قال: ففرّق بينهم و أقيم


1) - وسائل الشيعة 27: 277 / الباب 19 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

كلّ رجل منهم الى أسطوانة من أساطين المسجد و رؤوسهم مغطّاة بثيابهم، ثمّ دعا بعبيد اللّه بن أبي رافع كاتبه فقال: هات صحيفة و دواة و جلس أميرالمؤمنين عليه السلامفي مجلس القضاء و جلس الناس اليه فقال لهم: اذا أنا كبّرت فكبّروا!

ثمّ قال للناس: أخرجوا، ثمّ دعا بواحد منهم فأجلسه بين يديه و كشف عن وجهه ثمّ قال لعبيد اللّه: أكتب اقراره و ما يقول، ثمّ أقبل عليه بالسؤال فقال له أميرالمؤمنين عليه السلام: في أيّ يوم خرجتم من منازلكم و أبو هذا الفتى معكم؟ فقال الرجل: في يوم كذا و كذا، فقال: و في أيّ شهر؟ فقال: في شهر كذا و كذا، قال: في أيّ سنة؟ فقال: في سنة كذا و كذا، فقال: و الى أين بلغتم في سفركم حتّى مات أبو هذا الفتى؟ قال: الى موضع كذا و كذا، قال: و في منزل من مات؟ قال: في منزل فلان بن فلان، قال: و ما كان مرضه؟ قال: كذا و كذا، قال: و كم يوما مرض؟ قال: كذا و كذا، قال: ففي أيّ يوم مات؟ و من غسّله؟ و من كفّنه؟ و بما كفّنتموه؟ و من صلّى عليه؟ و من نزل قبره؟

فلمّا سأله عن جميع مايريد، كبّر أميرالمؤمنين عليه السلام و كبّر الناس جميعا، فارتاب أولئك الباقون و لم يشكّوا أنّ صاحبهم قد أقرّ عليهم و على نفسه فأمر أن يغطّى رأسه و ينطلق به الى السجن، ثمّ دعا بآخر فأجلسه بين يديه، و كشف عن وجهه، و قال: كلاّ زعمتم أنّي لاأعلم ما صنعتم؟! فقال: يا أميرالمؤمنين، ما أنا الاّ واحد من القوم، ولقد كنت كارها لقتله فأقرّ.

ثمّ دعا بواحد بعد واحد كلّهم يقرّ بالقتل و أخذ المال، ثمّ ردّ الذي كان أمر به الى السجن فأقرّ أيضا فألزمهم المال و الدم، ثمّ ذكر حكم

داود عليه السلام بمثل ذلك - الى أن قال: -

ثمّ انّ الفتى و القوم اختلفوا في مال أبي الفتى كم كان، فأخذ عليّ عليه السلام خاتمه و جميع خواتيم من عنده، قال: أجيلوا هذه السهام، فأيّكم أخرج خاتمي، فهو صادق في دعواه؛ لأنّه سهم اللّه عزّوجلّ، و هو لايخيب».(1)

قال في المسالك: «اذا ارتاب القاضي بالشهود أو توهّم غلطهم، لخفّة عقل وجدها فيهم فينبغي أن يفرّقهم و يسأل كلّ واحد منهم عن مشخّصات القضيّة، من وقت تحمّل الشهادة عاما و شهرا و يوما و غدوة و عشيّة، و عن مكانه و محلّه سكّة و دارا و صفّة و صحنا. و يسأل أنّه تحمّل وحده أو كان هناك غيره - الى أن قال: - و يكره تفرقة أهل الفضل أو العقل الوافر و الدين؛ لأنّ فيه غضاضة منهم و نقيصة، فيقتصر على البحث عنهم ان جهل حالهم. و محلّ التفريق قبل الاستزكاء ان احتيج اليه».(2)

أقول:

كما يجب على القاضي أن يحكم عن علم من الكتاب و السنّة، و يكون على اطمئنان بما يستنبطه منهما، كذلك يجب أن يكون شهادة الشاهدين موجبة لاطمئنانه، و لو شكّ في صحّة شهادتهما لايجوز له الحكم و يجب عليه الفحص بأيّ طريق يصلحه و يقتضيه الزمان بشرط رعاية ما هو المشروع. و عليه فلا فرق بين كونه قبل الاستزكاء و بعده و لا بين كون الشاهدين من أهل الفضل و العقل والدين و عدمه.


1) - وسائل الشيعة 27: 279 / الباب 20 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - مسالك الأفهام 13: 411 - 413.

في أنّه لايشهد شاهد بالجرح الاّ مع المشاهدة

«العاشرة»: لايشهد شاهد بالجرح الاّ مع المشاهدة لفعل ما يقدح في العدالة، أو أن يشيع ذلك في الناس شياعا موجبا للعلم. و لايعوّل على سماع ذلك من الواحد و العشرة؛ لعدم اليقين بخبرهم. و لو ثبت عدالة الشاهد حكم باستمرار عدالته حتّى يتبيّن ما ينافيها. و قيل: ان مضت مدّة يمكن تغيّر حال الشاهد فيها استأنف البحث عنه و لا حدّ لذلك، بل بحسب ما يراه الحاكم.

لا اشكال في أنّ الشهادة بالجرح لايجوز الاّ مع رؤية الذنب الكبير الصادر من المشهود عليه، أو سماع الاقرار بالذنب منه أو النطق بما يوجب فسقه كالتهمة و الغيبة و نحوهما. و لايجوز التعويل على ما يشيع في الناس الاّ اذا كان شياعا موجبا للعلم. و لو ثبت عدالة الشاهد حكم باستمرار عدالته حتّى يتبيّن ما ينافيها و ذلك للاستصحاب، و مع استصحاب العدالة لا معنى لما قيل من أنّه لو مضت مدّة يمكن تغيّر حال الشاهد فيها استأنف البحث عنه.

في أنّه ينبغي أن يجمع قضايا كلّ أسبوع و وثائقه و حججه و يكتب عليها

«الحادية عشرة»: ينبغي أن يجمع قضايا كلّ أسبوع و وثائقه و حججه و يكتب عليها. فاذا اجتمع ما لشهر، كتب عليه: من شهر كذا. فاذا اجتمع ما لسنة، جمعه ثمّ كتب عليه: قضاء سنة كذا.

كتابة مجموع القضايا و وثائقها و حججها بالترتيب المذكور في المتن حسن؛ لكونها أسهل عليه و على من بعده من الحكّام في استخراج المطلوب منها وقتالحاجة اليه، و هذا مرسوم في المجامع القضائيّة، و لعلّه عندهم من الضروريّات.

في مؤونة الكتابة في كلّ موضع وجب على الحاكم فيه كتابة المحضر

«الثانية عشرة»: كلّ موضع وجب على الحاكم فيه كتابة المحضر، فان حمل له من بيت المال ما يصرفه في ذلك وجب عليه الكتابة. و كذا ان أحضر الملتمس ذلك من خاصّه. و لايجب على الحاكم دفع القرطاس من خاصّه.

في الجواهر: «لا دليل على وجوب الكتابة و ان بذل، و قد نسبه في المسالك الى الأشهر تارة و الى المعروف بين الأصحاب أخرى، معلّلاً بأنّ ذلك حجّة فكان عليه اقامتها كالحكم، و كما لو أقرّ له بالحقّ و سأله الاشهاد على اقراره. و فيه: انّ الحجّة حكمه و الاشهاد عليه لا كتابة الحكم أو كتابة الاشهاد على الاقرار. و قوله تعالى: «و لايأب كاتب أن يكتب» مع أنّه في غير ما نحن فيه، محمول على ضرب من الكراهة، للقطع بعدم وجوب ذلك. نعم، هو راجح من حيث كونه قضاء حاجة و ضبطا للحقّ و اقامة للمعروف. بل ينبغي أن يكتب نسختين: احداهما تكون في يد الملتمس و الأخرى تبقى في ديوان الحكم لتنوب عن الأخرى على تقدير تلفها. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

لا دليل على وجوب كتابة الحكم - كما في الجواهر - و غير ذلك من مقدّماته في نفسه و ان التمس منه ملتمس، الاّ أنّه قد يجب لعوارض أخرى، كدفع التهمة عن نفسه، و الاشاعات المضرّة و انكار المتخاصمين الحكم و أمثال ذلك ممّا ينتج من هذه الخصومة خصومات أخرى. أمّا اذا رأى الحاكم وجوب كتابة المحضر فمؤونة الكتابة من بيت المال، و الظاهر في زماننا هذا أنّها على المدّعي.

في أنّه يكره للحاكم أن يعنّت الشهود

«الثالثة عشرة»: يكره للحاكم أن يعنّت الشهود اذا كانوا من ذوي البصائر و الأديان القويّة مثل أن يفرّق بينهم؛ لأنّ في ذلك غضّا منهم، و يستحبّ ذلك في موضع الريبة.

في المسالك: «اعنات الشهود هو ادخال المشقّة عليهم و تكليفهم ممّا يثقل


1) - جواهر الكلام 40: 127 و 128.

عليهم، من المبالغة في مشخّصات القضيّة التي شهدوا بها، و تفريقهم و وعظهم، و قوله: لم تشهدون؟ أو ما هذه الشهادة؟ و نحو ذلك و انّما ينبغي فعله بأهل الريبة و ضعفاء البصائر، كما تقدّم».(1)

أقول:

يمكن للحاكم أن يجمع بين الدقّة في خصوصيّات الشهادة و عدم الاعنات، و لو لم يكن له طريق الى ذلك و كان المورد من الموارد المهمّة، فلايكره تعنّت الشهود و ان كانوا من ذوي البصائر بل قد يجب.

في أنّه لايجوز للحاكم أن يتعتع الشاهد

«الرابعة عشرة»: لايجوز للحاكم أن يتعتع الشاهد، و هو أن يداخله في التلفّظ بالشهادة أو يتعقّبه، بل يكفّ عنه حتّى ينهي ما عنده و ان تردّد. و لو توقّف في الشهادة لم يجز له ترغيبه الى الاقدام على الاقامة و لا تزهيده في اقامتها. و كذا لايجوز ايقاف عزم الغريم عن الاقرار؛ لأنّه ظلم لغريمه. و يجوز ذلك في حقوق اللّه تعالى، فانّ الرسول صلى الله عليه و آله قال لماعز - عند اعترافه بالزنا - : لعلّك قبّلتها، لعلّك لمستها، و هو تعريض بايثار الاستتار.

قال في المسالك: «ما يحرم على الحاكم من آداب الحكم:

الأوّل: يحرم عليه أن يتعتع الشاهد، بأن يدخل في أثناء نطقه بالشهادة كلاما يجعله ذريعة الى أن ينطق به و يعدل عمّا كان يريده، هداية له الى شيء ينفع، أو ايقاعا له فيما يضرّ أو يتعقّبه عند فراغه بكلام ليجعله تتمّة شهادته بحيث يصير به الشهادة مقيّدة أو مسموعة أو مردودة، سواء يعتني به الشاهد أم لا. بل يجب عليه الكفّ حتّى ينتهي ما عنده.

الثاني: اذا تردّد الشاهد في شهادته لم يجز له ترغيبه في اقامتها؛ لجواز عروض


1) - مسالك الأفهام 13: 416.

ما أوجب له التردّد، فيكون ترغيبه في الاقامة اغراءً له بالشهادة بالباطل. و كذا يحرم عليه اذا رآه جازما أن يردّده و يزهّده في الاقامة، لما فيه من الاعانة على تعطيل الحقّ. الثالث: لايجوز له ايقاف الغريم عن الاقرار لو أراد أن يقرّ بالحقّ، لما فيه من الظلم للغريم الآخر المقرّ له. هذا في حقوق الآدميّين. أمّا في حقوق اللّه تعالى من الحدود فيجوز كما في المتن. انتهى ملخّصا».(1)

و استدلّ في المستند على الحرمة في الجميع ب- «كون الجميع منافيا للتسوية المأمور بها، و كون بعض صورها اعانة على الاثم، و بعض آخر أمرا بالمنكر. و كذلك الحال في الاستفسار المؤدّي الى تصحيح الدعوى أو الجواب، فهو أيضا غير جائز، لما مرّ من منافاته للتسوية و ايجابه في بعض الصور اعانة على الاثم. انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

الدليل على عدم جواز ما ذكر في الشرائع - من تعتعة الشاهد و ترغيبه في الشهادة و ايقاف الغريم عن الاقرار - هو كونه خلاف العدالة المأمور بها الحاكم، بل لعلّه من الظلم الفاحش عند من يرى أفعاله. و لا مجال للتأمّل فيه كما نسب الىالسبزواري، أو الميل الى الجواز ان لم يرد بذلك تعليم ما ليس بحقّ، كما ينسب الى الأردبيلي و جنح اليه المحقّق القمّي على ما في المستند.(3)

و يمكن أن يستدلّ على ذلك بصحيحة أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«كان في بني اسرائيل قاضٍ و كان يقضي بالحقّ فيهم، فلمّا حضره الموت قال لامرأته: اذا أنا متّ فاغسليني و كفّنيني و ضعيني على


1) - مسالك الأفهام 13: 417 و 418.

2) - مستند الشيعة 17: 117 و 118.

3) - مستند الشيعة 17: 117.

سريري و غطّي وجهي فانّك لاترين سوءً، فلمّا مات فعلت ذلك، ثمّ مكث بذلك حينا ثمّ انّها كشفت عن وجهه لتنظر اليه فاذا هي بدودة تقرض منخره، ففزعت من ذلك، فلمّا كان الليل أتاها في منامها فقال لها: أ فزعك ما رأيت؟

قالت: أجل، فقال لها: أما لئن كنت فزعت ما كان الذي رأيت الاّ في أخيك فلان، أتاني و معه خصم له، فلمّا جلسا اليّ قلت: اللّهمّ اجعل الحقّ له، و وجّه القضاء على صاحبه، فلمّا اختصما اليّ كان الحقّ له، و رأيت ذلك بيّنا في القضاء فوجّهت القضاء له على صاحبه فأصابني ما رأيت لموضع هواي كان مع موافقة الحقّ».(1)

في أنّه يكره أن يضيّف أحد الخصمين دون صاحبه

«الخامسة عشرة»: يكره أن يضيّف أحد الخصمين دون صاحبه.

و يدلّ على ذلك ما في رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام:

«انّ رجلاً نزل بأميرالمؤمنين عليه السلام فمكث أيّاما، ثمّ تقدّم اليه في خصومة لم يذكرها لأميرالمؤمنين عليه السلام فقال له: أ خصم أنت؟ قال:نعم. قال: تحوّل عنّا، فانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله نهى أن يضاف الخصم الاّ و معه خصمه».(2)

في الرشوة

«السادسة عشرة»: الرشوة حرام على آخذها. و يأثم الدافع لها ان توصّل بها الى الحكم له بالباطل. و لو كان الى حقّ لم يأثم. و يجب على المرتشي اعادة الرشوة الى صاحبها. و لو تلفت قبل وصولها اليه ضمنها له.


1) - وسائل الشيعة 27: 225 / الباب 9 من أبواب آداب القاضي / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 27: 214 / الباب 3 من أبواب آداب القاضي / الحديث 2.

قال في المسالك: «اتّفق المسلمون على تحريم الرشوة على القاضي و العامل، لما روي أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال: «لعن اللّه الراشي و المرتشي في الحكم». و عن أبي عبداللّه عليه السلام قال: «الرشا في الحكم هو الكفر باللّه تعالى»».(1)

قال الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله في المكاسب المحرّمة: «الرشوة حرام، و في جامع المقاصد و المسالك: انّ على تحريمها اجماع المسلمين».(2)

و استدلّ لتحريمه - مضافا الى الاجماع المدّعى - بالكتاب و السنّة. فمن الكتاب قوله تعالى: «و لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل و تدلوا بها الى الحكّام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالاثم و أنتم تعلمون»(3)

و في تفسير الميزان: «الادلاء هو ارسال الدلو في البئر لنزح الماء، كنّي به عن مطلق تقريب المال الى الحكّام ليحكموا كما يريده الراشي و هو كناية لطيفة تشير الى استبطان حكمهم المطلوب بالرشوة الممثّل لحال الماء الذي في البئر بالنسبة الى من يريده».

و يشهد لما ذكره ما ورد عن أهل اللغة من كون الرشا بمعنى الحبل، فالراشييدفع الرشوة الى الحاكم ليستخرج بها رأيه كما يستخرج الماء من البئر بالدلو و الرشا.

و أمّا السنّة:

فمنها صحيحة عمّار بن مروان قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الغلول. فقال: كلّ شيء غلّ من الامام فهو سحت و أكل مال اليتيم و شبهه سحت، و السحت أنواع كثيرة منها


1) - مسالك الأفهام 13: 419.

2) - كتاب المكاسب 1: 190.

3) - البقرة 2: 188.

أجور الفواجر، و ثمن الخمر و النبيذ و المسكر و الربا بعد البيّنة، فأمّا الرشا في الحكم فانّ ذلك الكفر باللّه العظيم جلّ اسمه و برسوله - صلّى اللّه عليه و آله - ».(1)

و منها صحيحة أخرى لعمّار بن مروان قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: (كلّ شيء غلّ من الامام فهو سحت)(2)و السحت أنواع كثيرة، منها ما أصيب من أعمال الولاة الظلمة و منها أجور القضاة و أجور الفواجر و ثمن الخمر و النبيذ المسكر و الربا بعد البيّنة، فأمّا الرشا يا عمّار في الأحكام، فانّ ذلك الكفر باللّه العظيم و برسوله صلى الله عليه و آله».(3)

قوله عليه السلام: «و أمّا الرشا في الحكم فهو الكفر باللّه العظيم» اشارة الى ما في الكتاب من قوله تعالى: «و من لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون»(4)

ثمّ انّ الظاهر أنّ الرشوة تطلق على ما أخذه الحاكم للحكم بابطال حقّ أو احقاق باطل، أو لما يريده الراشي من غير النظر الى حكم اللّه.

قال في مجمع البحرين من أنّ «الرشوة قلّما تستعمل الاّ فيما يتوصّل به الى ابطال حقّ أو تمشية باطل».

و عن المصباح: «هي ما يعطيه الشخص الحاكم و غيره ليحكم له أو يحمله على ما يريده».

و الذي فسّره في مجمع البحرين يكون ظاهر الروايات المتقدّمة و القرآن العظيم.


1) - وسائل الشيعة 17: 92 / الباب 5 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 1.

2) - ما في القوسين لم ترد في الخصال، و وردت في المعاني بزيادة «و أكل مال اليتيم سحت». هامش الوسائل

3) - وسائل الشيعة 17: 95 / الباب 5 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 12.

4) - المائدة 5: 44.

نعم، لو أخذ القاضي المال ليحكم له من دون نظر الى ما أنزل اللّه فهذا أيضا من مصاديق الرشوة و من مصاديق قوله عليه السلام: «و أمّا الرشا في الحكم فهو الكفر باللّه العظيم».

و الحاصل أنّ الرشوة استعملت فيما أخذه الحاكم ليحكم بالباطل و يصرف الحقّ عن طرفه المتنازع فيه اليه، أو يحكم لما يريده الباذل.

و أمّا حكم الهديّة للقاضي: فذهب الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله الى حرمة الهديّة و قال:(1)لأنّها رشوة أو بحكمها بتنقيح المناط. و استدلّ على ذلك أيضا بما ورد من النهي عن أخذ الوالي الهديّة و أنّه كان غلولاً أو سحتا، و ما ورد في تفسير قوله تعالى: «أكّالون للسحت» قال: هو الرجل يقضي لأخيه حاجته ثمّ يقبل هديّته.

أقول:

قد تقدّم أنّ الرشوة عبارة عمّا يعطي الراشي القاضي ليحكم له و القاضي يأخذها لذلك و قلنا بأنّ ذلك معنى قوله عليه السلام: «أمّا الرشا في الحكم فهو الكفر باللّه العظيم»، لأنّ القاضي المرتشي يأخذها ليحكم بما يشاء الراشي سواء كان حقّا أو باطلاً و هو لايعتني بما كان حكم اللّه، و لو أشار اليه - اذا كان حقّا - فهو لتوجيه فعلهو حكمه كما يفعل ذلك اذا كان حكمه ابطال الحقّ. و عليه لو بذل شخص هديّة للقاضي ليورث المودّة الموجبة للحكم له حقّا أو باطلاً، و يأخذ القاضي على ما قصده الباذل و يقصد الحكم له فهذه الهديّة رشوة فيحرم للباذل بذله و للمبذول له أخذه.

و أمّا لو كان قصد الباذل من بذل هديّته ايجاد المحبّة ليحكم له، ولكن لم يكن القاضي ملتفتا الى ما قصده الباذل، لايحرم عليه أخذها و كذا لو كانت الهديّة


1) - كتاب المكاسب 1: 197 - 199.

متأخّرة عن الحكم و بداعي المكافأة و أداء الشكر، أو كانت للملاطفة و التودّد فقط بحيث لا مساس لها للدواعي الأخرى.

و قد استدلّ لحرمة أخذ الهديّة بروايات:

منها ما في نهج البلاغة:

«و أعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها و معجونة شنئتها كأنّما عجنت بريق حيّة أو قيئها، فقلت: أصلة أم زكاة أم صدقة؟ فذلك محرّم علينا أهل البيت. فقال: لا ذا و لا ذاك، ولكنّها هديّة فقلت: هبلتك الهبول! أ عن دين اللّه أتيتني لتخدعني؟ أ مختبط أنت أم ذو جنّة أم تهجر؟ واللّه لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي اللّه في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته، و انّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تغضمها. و ما لعلي و لنعيم يفنى و لذّة لاتبقى، نعوذ باللّه من سبات العقل و قبح الزلل و به نستعين».(1)

ظاهر هذه الكلمات دالّة على حرمة بذل الهديّة للباذل الذي يقصد بها ابطال الحقّ أو اعطاء شيء له من غير استحقاق و حرمة أخذها للوالي و القاضي اذا علم أنّ الباذل قصد من هديّته ايجاد المحبّة ليحمله على ما يريد من نيّته الباطلة و انلم يكن من قصد الوالي أو القاضي الاّ الحقّ و لذا نقول: انّ الروايات المتقدّمة شاملة لهذه الصورة أيضا.

أضف الى ذلك ما أشار اليه الشيخ الأعظم من أنّ الهديّة بحكم الرشوة بتنقيح المناط، فانّ الرشوة يعطيها الراشي ليحمل القاضي على ما يريده، و الهديّة تبذل لايجاد المحبّة الموجبة لحمل القاضي على ما يريده الباذل. و يؤيّده ما يكون بين الناس من عدم الفرق بين الرشوة و الهديّة و يعنونونها بعنوان الرشوة، و شناعة


1) - نهج البلاغة: الخطبة 224.

هديّة المتخاصمين للقاضي كانت متداولة بين العامّة الذين كانوا في زمن الرسول صلى الله عليه و آله و ما بعده الى زمن علي أمير المؤمنين عليه السلام و الأئمّة من بعده الى الآن، و لذلك سمّيت في الروايات باسم السحت و الغلول و الرشوة.

و لو ابتلي عمّال نظام حكومة بهذه البلايا لتشتّتت كما تشتّتت زمن عثمان بن عفّان.

و بعد ذلك نقول: الصور المتصوّرة هنا أربع:

الأولى: ما يأخذه الرؤساء و الموظّفون في الدوائر الحكوميّة من المراجعين لكي يقوموا بوظائفهم، رشوة و يحرم أخذه. بيان ذلك: كلّ من استخدم في دائرة من الدوائر للقيام بشؤون المراجعين فان لم يكن حاضرا في الوقت المحدّد له في مكان عمله فما يأخذه من الأجرة حرام و لو أخّر شؤون المراجعين بأعذار واهية و قدّم شأن الراشي فتأخيره شأن الأوّل حرام لتضييع حقّه و ما يأخذه من الثاني رشوة و حرام؛ لأنّه أجير للقيام بشؤون الناس و يأخذ بازاء عمله في المدّة المعيّنة أجرة، فما يأخذه من المراجعين ليس له وجه شرعي، و يقال له الرشوة عرفا و يشمله اطلاقات أدلّة حرمة الرشوة، و اطلاق قوله تعالى: «و لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل».

الثانية: ما يعطي لاصلاح عمله الحرام كما لو أعطى مالاً الى أحد من الرؤساء و المسؤولين في الدوائر الحكوميّة لتضييع حقّ أو تضييع مال شخص أو الذهاببماء وجهه أو انتهاك حرمته أو بيع الخمر و المخدّرات أو نشر الكتب الضالّة أو استيراد الأشياء المضرّة أو الحصول على امتياز استيراد و تصدير البضائع بحيث يسبّب في فقر الآخرين و أمثال هذه، فاعطاء المال في جميع هذه الأمور حرام و أخذه حرام، لحرمة أخذ المال على عمل محرّم، مضافا الى اطلاقات أدلّة حرمة الرشوة، و ما قلنا من الآية.

الثالثة: ما يعطي لانهاء أمر مشترك الجهة بين المحلّل و المحرّم، ففي هذه ان

قصدت به الجهة المحرّمة فهو حرام، و ان قصدت به الجهة المحلّلة فهو حلال. و لو لم يقصد أحدهما ففيما استظهره الشيخ من كونه مشمولاً لأكل المال بالباطل، و لاطلاق فحوى ما تقدّم في هديّة الولاة و العمّال، اشكال؛ لأنّ أكل المال انّما يكون باطلاً اذا كان بالأسباب التي علم بطلانها في الشريعة كالقمار و بيع الخمر. و أمّا حرمة الهديّة للولاة و العمّال فانّما تقتضي حرمة اعطاء الرشوة لهم و لا دلالة على حرمة الرشوة بنحو الاطلاق على غيرهم من الناس.

الرابعة: لو بذل المال على وجه الهديّة الموجبة لقضاء الحاجة المباحة فلا حظر فيه، كما يدلّ عليه صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يرشو الرجل الرشوة على أن يتحوّل من منزله فيسكنه؟ قال: لابأس به».(1)

بناءً على أنّ المراد المنزل المشترك كالمدرسة و المسجد و السوق و نحوها. كما احتمله في الوسائل و قال: الظاهر أنّ المراد المنزل المشترك بين المسلمين كالأرض المفتوحة عنوة أو الموقوفة على قبيل و هما منه.

في المعاملة المحاباتيّة

إشارة:

و أمّا المعاملة المحاباتيّة مع القاضي فقسّمها الشيخ الأعظم على ثلاثة أقسام:(2)

الأوّل: قصد البائع من المعاملة اعطاء الرشوة بازاء الحكم لصالحه، بحيث لو لم يكن هناك منازعة و حكم لم يبع هذا المتاع.

الثاني: قصد المعاملة لكن جعل المحاباة لأجل الحكم له بأن كان الحكم له من قبيل ما تواطئا عليه من الشروط غير المصرّح بها في العقد فهي الرشوة.


1) - وسائل الشيعة 17: 278 / الباب 85 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 2.

2) - كتاب المكاسب 1: 200 و 201.

الثالث: قصد أصل المعاملة و كان الداعي له جلب محبّة القاضي لينجرّ الى حكمه له فهي كالهديّة و ملحقة بالرشوة، و قال: و في فساد المعاملة المحاباة فيها، وجه قوي.

أقول:

بيع المحاباة و هو أن يبيع شيئا بدون ثمن مثله، فالزائد من قيمة المبيع عن الثمن عطيّة يقال: حابيته في البيع محاباة.(1)

فما جاء به الشيخ الأعظم من الأقسام الثلاثة و أنّ القسمين الأوّلين رشوة و الثالث ملحق بالرشوة، صحيح. و الظاهر فساد المعاملة في الأقسام الثلاثة لحرمة اعطاء الرشوة من الراشي و أخذها من المرتشي. و في حكم البيع محاباة بيعه بثمن المثل مع فرض قلّة المتاع في السوق و عزّته بحيث لايباع بثمن المثل فباعه به بشرط حكمه لصالحه أو وقع بهذا الداعي. و في حكم بذل العين بذل المنافع مجّانا كسكنى الدار و نحوها لذلك.

و أمّا ما يرجع الى الأقوال كمدح القاضي و الثناء عليه ففي عدّه رشوة اذا كان من قصده الحكم له و كذا حرمته اشكال. نعم، لو كان ذلك اعانة على الظلم كان حراما.

ثمّ اعلم أنّ ما أعطاه من الرشوة لاحقاق حقّه الذي لايمكن له الوصول اليه الاّ بالرشوة جائز لابأس به، كما تقدّم في موثّقة حكيم بن حكم الصيرفي قال:

«سمعت أبا الحسن عليه السلام و سأله حفص الأعور فقال: انّ السلطان يشترون منّا القرب و الأداوي فيوكّلون الوكيل حتّى يستوفيه منّا فنرشوه حتّى لايظلمنا، فقال: لابأس ما تصلح به مالك. الحديث».(2)


1) - مجمع البحرين.

2) - وسائل الشيعة 18: 96 / الباب 37 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 1.

فرع : في ردّ ما أخذه القاضي من الرشوة

الكلام تارة في الأجرة و الجعل للقاضي و أخرى في الرشوة و ثالثة في الهديّة و رابعة في البيع المحاباتي.

أمّا الأولى: فقد تقدّم أنّه اذا تعيّن القضاء على القاضي و لم يكن محتاجا فأخذ الأجرة عليه يكون حراما و المعاوضة فاسدة فعليه ردّ العين ان كانت باقية و عوضها ان كانت تالفة لقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

الثانية: في الرشوة فما تقدّم من الصور المحرّمة كالرشوة في القضاء و في الصورتين في غير القضاء و الحكم فحيث انّها معاوضة فاسدة فالآخذ ضامن يجب عليه ردّها أو عوضها.

الثالثة: في الهديّة فقد صوّرناها خمس صور و قلنا بأنّ صورتين منها حرام، ففيها ان كانت العين باقية فعلى الآخذ ردّها لحرمة أخذها فلايملك ما أخذ و ان كانت تالفة فليس بضامن لقاعدة ما لايضمن بصحيحه لايضمن بفاسده.

الرابعة: في البيع المحاباتي: فقد قلنا بأنّه يتصوّر بثلاث صور كلّها حرام الاّ أنّه في الصورتين الأولى و الثانية ضامن مطلقا؛ لأنّهما معاوضتان فاسدتان فيشملهماالقاعدة المذكورة، و الشرط حيث لم يكن مصرّحا به في الثانية يكون كالعدم و في الصورة الثالثة يكون ضامنا أيضا بوجه قوي؛ لأنّها ملحقة بالرشوة.

ثمّ انّه قد ذكر الشيخ الأعظم رحمه الله صورا لاختلاف الدافع و القابض:(1)

الأولى: ما اذا ادّعى الدافع أنّي قصدت بالهديّة ما يوجب المحبّة حتّى تحكم لي فما بذلته حرام؛ لأنّها ملحقة بالرشوة و فاسدة؛ لأنّها معاملة مقابلة بالحكم بغير الحقّ، فمن حيث انّها حرام يجب عليك ردّها ان كانت العين باقية و من حيث انّها فاسدة يجب عليك عوضها ان كانت تالفة؛ لقاعدة اليد. و أمّا القابض فيدّعي أنّها


1) - كتاب المكاسب 1: 202 و 203.

هبة صحيحة بذلت لي بداعي القربة أو لأنّي كنت رحمك فأردت الصلة أو لأنّي عالم فأردت بهديّتك احترام العالم ففي بعض الصور لايكون الرجوع لك ان كانت العين باقية و في كلّها لاترجع ان كانت تالفة.

و احتمل الشيخ رحمه الله تقديم قول الدافع؛ لأنّه مالك و أعرف بنيّته من غيره، كما في نظائره ممّا لايمكن اقامة الشهود عليه كاخبار المرأة بخروجها عن الحيض، و لعموم قوله عليه السلام: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي»(1)اذا كانت الدعوى بعد التلف. و قال: الاّ أنّ الأقوى تقديم الثاني لأنّه يدّعي الصحّة. و في دوران الأمر بين الصحّة و الفساد يقدّم قول مدّعي الصحّة لتأييده بأصالة الصحّة.

أقول:

في هذه الصورة يشترك المتخاصمان في أنّ ما بذله الدافع هبة الاّ أنّ الدافع قائل بحرمتها و فسادها و القابض قائل بصحّتها فحينئذٍ ان كانت العين باقية و رجع الدافع فيها فعلى القابض ردّها؛ لأنّها ان كانت حراما فلايجوز للقابض التصرّف فيها، و ان كانت حلالاً فيجوز للدافع الرجوع اليها ان لم يصرفه القابض و لم يكن رحمه و لم يكن بداعي القربة. و ان كانت العين تالفة فقد تقدّم أنّ مقتضىقاعدة «ما لايضمن بصحيحه لايضمن بفاسده» عدم الضمان، لأنّ الهبة و ان كانت تعطى بداعي ايراث المحبّة الموجبة للحكم له الاّ أنّها ليست معاوضة حتّى تضمن بفاسدها كما تضمن بصحيحها. فعلى الدعويين لايضمن القابض. أمّا على دعوى القابض فقد عرفت، و أمّا على دعوى الدافع فلأنّها الهبة المتصرّفة لاترجع اليها.

الثانية: ما اذا ادّعى الدافع أنّ ما أعطاه للقابض كانت رشوة أو أجرة على محرّم، فان كانت العين باقية فليس للقابض أن يتصرّف فيها و ان كانت تالفة فعليه ضمانها لقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و القابض يدّعي كونها هبة


1) - مستدرك الوسائل 14: 8 / الباب 1 من كتاب الوديعة / الحديث 12.

صحيحة فان كانت تالفة لم يكن ضامنا لها لما مرّ. و الشيخ رحمه الله احتمل أوّلاً أن يكون حكمه كحكم سابقه حيث قلنا بتقديم قول من يدّعي الصحّة أي القابض لتأييده بأصالة الصحّة. و احتمل ثانيا عدم تقدّم قول القابض و أن يكون حكم هذا الفرع كسابقه و ذلك لأنّ في الفرع السابق كان جهة اشتراك بينهما و هي كونها هبة الاّ أنّ الدافع ادّعى الفساد و القابض ادّعى الصحّة ففي هذا الدوران يقدّم قول مدّعي الصحّة و في هذا الفرع لا عقد مشترك بينهما اختلفا في صحّته و فساده، فالدافع منكر لأصل العقد الذي يدّعيه القابض لا لصحّته، فالدافع منكر و القابض مدّعٍ، فعلى المدّعي البيّنة و على المنكر اليمين.

ان قلت: انّ هذا من موارد التداعي فانّ كلاًّ منهما مدّعٍ و منكر؛ لأنّ الدافع يدّعي كونها رشوة أو اجارة فاسدة، و ينكر الهبة الصحيحة، و القابض يدّعي كونها هبة صحيحة و ينكر كونها رشوة أو اجارة فاسدة فاللازم التحالف ثمّ الرجوع الى أصالة الصحّة.

قلت: انّ التداعي في مورد كان لكلّ من الدعويين أثر شرعي، و فيما نحن فيه ليس لما يدّعيه الدافع أثر شرعي؛ لأنّ الضمان من آثار اليد، لا من آثار الرشوة أو الاجارة الفاسدة التي يدّعيها الدافع. و أمّا ما يدّعيه القابض، له أثر شرعي. و هو مانعيّته عن تأثير اليد في الضمان لو ثبت ما يدّعيه، فيحلف الدافع على عدمه لولم يكن للقابض بيّنة.

أقول:

الظاهر أنّ ما ذهب اليه الشيخ رحمه الله ثانيا هو الصحيح؛ لأنّ المنكر معه الأصل و هو أصالة عدم وقوع الهبة فعليه اليمين فيضمن القابض.

الثالثة: ما اذا ادّعى الدافع أنّ ما دفع الى القابض كان رشوة و هو ضامن و القابض يدّعي أنّه هديّة فاسدة و لايكون ضامنا لقاعدة «ما لايضمن بصحيحه لايضمن بفاسده». يمكن أن يقال بتقديم قول الدافع؛ لأصالة الضمان و أنّ على

اليد ما أخذت حتّى تؤدّي، أو تقديم قول الثاني؛ لأصالة عدم سبب الضمان؛ لأنّ سبب الضمان كان بذل المال مع قصد العوض و هو مشكوك فالأصل عدمه. فالأقوى تقديم قول الدافع؛ لأنّ عموم «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي» يقضي بالضمان، الاّ مع التسليط المجّاني من جانب الدافع و هو مشكوك فالأصل عدم تحقّقه، و هذا حاكم على أصالة عدم سبب الضمان؛ لأنّ الشكّ في الضمان و عدمه مسبّب عن الشكّ في أنّ المال المأخوذ باليد هل وقع بالتسليط المجّاني ليخرج بالتخصيص عن عموم «على اليد» أم لا، فاذا نفينا وقوعه بالتسليط المجّاني بالأصل، ثبت الضمان بعموم «على اليد»و لاتصل النوبة الى أصالة عدم سبب الضمان، و لايعارض ذلك بأصالة عدم الرشوة؛ لأنّ الضمان ليس من آثار الرشوة حتّى ينتفي بانتفائها بالأصل، بل من آثار اليد.

أقول:

انّ الظاهر أنّ ما ذهب اليه الشيخ رحمه الله صحيح؛ لأنّ أصالة عدم سبب الضمان مسبّبة عن أصالة عدم التسليط المجّاني و محكومة لها، أو فقل: أصالة عدم سبب الضمان دليل فقاهتي فهو لايجري مع وجود الدليل الاجتهادي، أي عموم: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي».

فيما اذا التمس الخصم احضار خصمه مجلس الحكم

«السابعة عشرة»: اذا التمس الخصم احضار خصمه مجلس الحكم أحضره اذا كان حاضرا سواء كان حرّر المدّعي دعواه أم لم يحرّرها. أمّا لو كان غائبا لم يعده الحاكم حتّى يحرّر الدعوى. و الفرق: لزوم المشقّة في الثاني و عدمها في الأوّل. هذا اذا كان في بعض مواضع ولايته، و ليس له هناك خليفة يحكم. و ان كان في غير ولايته أثبت الحكم عليه بالحجّة و ان كان غائبا. و لو ادّعى على امرأة، فان كانت برزة فهي كالرجل. و ان كانت مخدّرة بعث اليها من ينوبه في الحكم بينها و بين غريمها.

قال في المسالك: «من أتى القاضي مستعديا على خصمه ليحضره، فخصمه امّا أن يكون في البلد أو خارجه. فان كان في البلد و كان ظاهرا يمكن احضاره، وجب احضاره مطلقا عند علمائنا و أكثر العامّة. و قال مالك: «ان كان من أهل المروّات لم يحضره الاّ أن يعرف بينهما معاملة؛ صيانة له عن الابتذال». و قال بعضهم: «يحضر ذي المروّات داره لا مجلس الحكم». و المذهب عدم الفرق. ثمّ الاحضار قد يكون بختم يدفعه الى المدّعي ليعرضه على الخصم، و ليكن عليه: «أجب القاضي فلانا» و قد يكون بمحضر من الأعوان المرتّبين على باب القاضي، و يكون معونته على الطالب ان لم يرتزقوا من بيت المال.

و ان بعث بالختم فلم يجب بعث اليه العون. و اذا ثبت عند القاضي امتناعه من غير عذر أو سوء أدب استعان على احضاره بأعوان السلطان، فاذا أحضر عذّره على ما يراه. و في كون معونة المحضر - و الحال هذه - على المطلوب لامتناعه أو على المدّعي وجهان. فان استخفى بعث من ينادي على باب داره أنّه ان لم يحضر الى ثلاث، سمّرت داره أو ختم عليها. فان لم يحضر بعد الثلاث و سأل المدّعي التسمير أو الختم أجابه اليه. و متى كان للمطلوب عذر مانع من الحضور لم يكلّفهالحضور بل يبعث اليه من يحكم بينه و بين خصمه أو يأمره بنصب وكيل ليخاصم عنه. فان دعت الحاجة الى تحليفه بعث اليه من يحلّفه. و العذر كالمرض و حبس الظالم و الخوف منه و كون المرأة مخدّرة و سيأتي.

و ان كان خارج البلد نظر ان كان خارجا عن محلّ ولاية القاضي لم يكن له أن يحضره و كان له أن يحكم عليه بشرائط القضاء على الغائب و سيأتي. و ان كان في محلّ ولايته فان كان له في ذلك الموضع نائب لم يحضره بل يسمع البيّنة و يكتب اليه. و ان لم يكن هناك بيّنة أنفذه الى خليفته ليحكم بينهما. و ان لم يكن له هناك نائب فان كان هناك من يصلح للاستخلاف أذن له في القضاء بينهما. و الاّ

طولب المدّعي بتحرير الدعوى، فقد تكون غير مسموعة فيلزم المشقّة باحضاره لغير حقّ بخلاف الحاضر في البلد فانّه لايحتاج في احضاره الى تقديم البحث؛ لأنّه ليس في الحضور هنا معونة و لا مشقّة شديدة. فاذا حرّر الدعوى و كانت مسموعة أنفذ باحضاره سواء كانت المسافة قريبة أم بعيدة. و من العامّة من قيّده بكونه في مسافة العدوى و هي التي يتمكّن المبكّر اليها من الرجوع الى مسكنه.

هذا اذا كان رجلاً و أمّا اذا كان امرأة فاذا كانت برزة فهي كالرجل فتحضر و لو من غير البلد من حيث يحضر الرجل. لكن يشترط فيها زيادة كون الطريق آمنا بالنظر اليها، و معها من يوثق به من محرم أو نسوة ثقات أو غيرهما و الأولى للحاكم أن يبعث اليها محرما. و ان كانت مخدّرة لم تكلّف الحضور مطلقا كالمريض؛ لأنّ التخدير عذر ظاهر. و يشهد للفرق بينهما في ذلك قضيّة العامريّة التي اعترفت بالزنا عند النبي صلى الله عليه و آله فرجمها. و قال في الأخرى المذكورة في قضيّة العسيف: «و اغد يا أنيس على امرأة هذا فان اعترفت فارجمها» و كانت العامريّة برزة و الأخرى مخدّرة.

و ما المراد بالمخدّرة؟ لا شكّ أنّ التي لاتخرج أصلاً الاّ لضرورة فهي مخدّرة. و أمّا التي تخرج نادرا لعزاء أو حمّام أو زيارة فهل هي مخدّرة؟ وجهان، أشبههماأنّه يكفي ألاّتصير مبتذلة بكثرة الخروج للحاجات المتكرّرة، كشراء الخبز و القطن و بيع الغزل و نحوها. و قال في المبسوط: «البرزة هي التي تبرز لقضاء حوائجها بنفسها، و المخدّرة هي التي لاتخرج كذلك». و هو قريب و ان كان الأوّل أقرب، فانّ التي تكثر الخروج للعزاء و الزيارات من دون أن تخرج للحاجات تصير مبتذلة بالخروج أيضا. انتهى».(1)

قال في المستند: «لم أجد على أكثر ما ذكروه دليلاً و لاأرى له وجها، الاّ اذا قلنا بعدم جواز الحكم على الغائب مطلقا.


1) - مسالك الأفهام 13: 423 - 426.

و أمّا لو قلنا بجوازه كذلك أو على الغائب عن البلد، فلا وجه لوجوب الاحضار فيما يجوز فيه الحكم عليه؛ لعدم توقّف الحكم عليه بل يحكم مع غيبته، فان أدّى الى الحلف فان جوّز الحلف في غير مجلس القضاء يبعث من يحلّفه، و الاّ يحضره حينئذ. و ان أدّى الى أخذ مال فيؤدّيه الحاكم من مال المدّعى عليه ان كان، و ان كان ماله عند نفسه يبعث من يأخذه منه أو يأتي بحجّته، بل يمكن أن يقال بعدم وجوب ذلك حينئذ على الحاكم عينا، بل يجب على كلّ مقتدر على اجراء حكمه كفاية.

و التمسّك بالاجماع ضعيف؛ لأنّ تحقّقه - بعد ما علمت - غير ثابت، و منقوله غير حجّة، و أضعف منه التمسّك بجريان الصدر السلف عليه؛ اذ لم يكن في السلف للفرقة الناجية قضاة علانية يحضرون و يعذّرون غالبا بحيث تثبت منه السيرة أو الاجماع و كان الحكم بيد المتغلّبة.

و بالجملة لا وجه تامّا لوجوب الاحضار مع جواز الحكم على الغائب، فالأقرب التخيير و الأولى البعث اليه و اخباره بأنّه يحضر أو يحكم عليه. ثمّ انّ بعض شرّاح المفاتيح - بعد بيان وجوب الاحضار كما تقدّم - قال في شرح مسألة الحكم على الغائب: «كما يجب على القاضي احضار الخصم مع سؤال المدّعي وامكان حضوره كذلك يجوز - على المشهور - ألاّيحضره بل يحكم على من غاب عن مجلس القضاء سواء كان مسافرا أو حاضرا في البلد انتهى». و لايخفى ما فيه من التناقض ظاهرا.

و أمّا بعث المنادي و ختم الدار فلم أظفر له على رواية و يشبه أن يكون ذلك مستخرجا من الاعتبارات التي يستحسنها العامّة، و ان كان شأن مثل الفاضل أرفع من ذلك و لولا أنّه تصرّف في مال الغير بدون اذنه لقلنا باستحبابه؛ لفتوى ذلك الشيخ الجليل. و اللّه هو الهادي الى سواء السبيل».(1)


1) - مستند الشيعة 17: 137 و 138.

أقول:

الأمور التي يرجع فيها الى القاضي مختلفة، فبعضها حقّ اللّه و بعضها حقّ الناس، و الظاهر من المسألة المعنونة هنا أنّه حقّ الناس، و هو يختلف بين أمور ماليّة أو عرضيّة أو نفسيّة، فقاعدة الحكم بين المتخاصمين في هذه الأمور المذكورة استماع دعوى المدّعي ثمّ استماع كلام المنكر اذا أنكر الدعوى كما سيجيء. فاذا لم يكن المدّعى عليه حاضرا يستمع دعوى المدّعي، و عليه استماع كلام المنكر ان كان منكرا و حيث لم يثبت اتّهامه يجب على القاضي أن لايفعل ما يوجب هتكه، فالجمع بين عدم تضييع حقّ المدّعي - ان كان محقّا - و حفظ حرمة المدّعى عليه - ان كان من أهلها - ليس بسهل، بالأخصّ في هذه الأزمنة كما هو بالمرأى و المنظر مع رواج الاشاعات.

و لو لم يمكن احضار المدّعى عليه و لو لحفظ حرمته و لم يمكن للقاضي أيضا كشف نظره بحضوره عنده أو توكيله أو غير ذلك فله الحكم عليه غائبا ان كان دليل المدّعي تامّا كما سيجيء.

و أمّا وجوب احضار الخصم بالتماس المدّعي فليس عليه دليل لفظي، والاجماع الكاشف عن رأي المعصوم عليه السلام غير معلوم، سيّما مع اقامة مطلقات و دلائل عامّة على هذه الفتوى، كحرمة تضييع الحقّ و وجوب الاسراع في الحكم و عدم المسامحة و أمثال ذلك التي تصيّر الاجماع مدركيّا.

النظر الثالث : في كيفيّة الحكم

المقصد الأوّل : في وظائف الحاكم

إشارة:

و هي سبع:

«الأولى»: التسوية بين الخصمين

«الأولى»: التسوية بين الخصمين في السلام و الجلوس و النظر و الكلام و الانصات و العدل في الحكم. و لاتجب التسوية في الميل بالقلب لتعذّره غالبا. و انّما تجب التسوية مع التساوي في الاسلام أو الكفر، و لو كان أحدهما مسلما جاز أن يكون الذمّي قائما و المسلم قاعدا أو أعلى منزلاً.

يدلّ على ذلك رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال أميرالمؤمنين عليه السلام: من ابتلي بالقضاء فليواسِ بينهم في الاشارة و في النظر و في المجلس».(1)

ذهب العلاّمة في المختلف و سلاّر الى الاستحباب؛ للأصل و ضعف مستندالوجوب.(2)


1) - وسائل الشيعة 27: 214 / الباب 3 من أبواب آداب القاضي / الحديث 1.

2) - مختلف الشيعة 8: 421. المراسم: 230.

و فيه: انّ كلّ ما كان من مصاديق العدالة فعلى القاضي رعايته، و ان كان خلافه خلاف العدالة فيجب عليه ذلك.

قال في المسالك: «ثمّ التسوية بين الخصمين في العدل في الحكم واجبة بغير خلاف. و أمّا في الأمور الباقية فالأكثرون على الوجوب؛ لما مرّ و للنبوي قال صلى الله عليه و آله: «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه و اشارته و مقعده، و لايرفعنّ صوته على أحدهما ما لايرفع على الآخر». و قول أميرالمؤمنين عليه السلام: «من ابتلي بالقضاء فليواسِ بينهم في الاشارة و في النظر و في المجلس». انتهى ملخّصا».(1)

قال في اللمعة و شرحها: «(و يجب على القاضي التسوية بين الخصمين في الكلام) معهما (و السلام) عليهما و ردّه اذا سلّما (و النظر) اليهما (و) غيرها من (أنواع الاكرام) كالاذن في الدخول و القيام و المجلس و طلاقة الوجه (و الانصات) لكلامهما (و الانصاف) لكلّ منهما اذا وقع منه ما يقتضيه، هذا هو المشهور بين الأصحاب.

و ذهب سلاّر و العلاّمة في المختلف الى أنّ التسوية بينهما مستحبّة؛ عملاً بأصالة البراءة و استضعافا لمستند الوجوب، هذا اذا كانا مسلمين أو كافرين (و) لو كان أحدهما مسلما و الآخر كافرا كان (له أن يرفع المسلم على الكافر في المجلس) رفعا صوريّا أو معنويّا كقربه الى القاضي أو على يمينه كما جلس علي عليه السلام بجنب شريح في خصومة له مع يهودي (و أن يجلس المسلم مع قيام الكافر) و هل تجب التسوية بينهما فيما عدا ذلك؟ ظاهر العبارة و غيرها ذلك، و يحتمل تعدّيه الى غيره من وجوه الاكرام».(2)


1) - مسالك الأفهام 13: 428.

2) - الروضة البهيّة في شرح اللمعة 3: 72 و 73.

«الثانية»: عدم جواز تلقين أحد الخصمين ما فيه ضرر على خصمه

«الثانية»: لايجوز أن يلقّن أحد الخصمين ما فيه ضرر على خصمه، و لا أن يهديه لوجوه الحجاج؛ لأنّ ذلك يفتح باب المنازعة و قد نصب لسدّها.

قال في المسالك: «بأن يعلّمه دعوى صحيحة مع عدم اتيانه بها، أو يدّعى عليه قرضا فيريد أن يجيب بالايفاء فيلقّنه انكار أصل الحقّ لئلاّ يصير مقرّا، أو يحسّ منه بالتردّد فيحرّضه على الاقامة و نحو ذلك؛ لأنّه نصب لسدّ باب المنازعة و فعله هذا يفتح بابها، فيكون خلاف الحكمة الباعثة».(1)

أقول:

لا اشكال في حرمة تلقين أحد الخصمين اذا كان موجبا للظلم على خصمه و تضييع حقّه. و أمّا اذا لم يكن كذلك بل يوجب فتح باب المنازعة و الخصومة الجديدة فالظاهر أيضا حرمته، و قد أحسن المحقّق و غيره حيث قالوا بأنّ القاضي نصب لسدّ باب المنازعة.

و أمّا لو لم يكن التلقين موجبا لما مرّ ولكن يكون خلاف العدالة المتوقّعة من القاضي و هي التسوية بينهما المأمور بها فلايبعد الحكم بعدم الجواز، و لذلك قال في مستند الشيعة(2)بالحرمة مطلقا أي لايجوز للحاكم أن يلقّن أحد الخصمين ما يستظهر به على خصمه و يستنصره و يغلب عليه، و أن يهديه الى وجوه الحجاج.

«الثالثة»: اذا سكت الخصمان استحبّ أن يقول لهما تكلّما

«الثالثة»: اذا سكت الخصمان استحبّ أن يقول لهما تكلّما، أو ليتكلّم المدّعي. و لو أحسّ منهما باحتشامه أمر من يقول ذلك، و يكره أن يواجهبالخطاب أحدهما؛ لما يتضمّن من ايحاش الآخر.

قال في مستند الشيعة: «اذا دخل الخصمان فان بدر أحدهما بالدعوى سمع


1) - مسالك الأفهام 13: 429.

2) - مستند الشيعة 17: 117 و 118.

منه، و ان لم يبدر و سكتا فلايجب على الحاكم الأمر بالتكلّم و وجهه ظاهر. و قد ذكروا أنّه يستحبّ أن يقول هو أو من يأمره: تكلّما أو ليتكلّم المدّعي منكما. و لم أعثر على دليل الاستحباب، و ظاهر الحلّي عدم الاستحباب. و قال والدي - طاب ثراه - في المعتمد بالاستحباب لو عرف كون الحياء أو احتشامه مانعا لهما عن المبادرة و ليس ببعيد. ثمّ انّهم قالوا: انّه اذا استحبّ التكلّم يكره تخصيص أحدهما بالخطاب لمخالفته للتسوية المتقدّمة».(1)

أقول:

الظاهر أنّه ليس هناك دليل خاصّ على استحباب ما عنونه الشرائع في هذه المسألة و كذا كراهة ذيلها. و ان قالوا بهما في المسالك و الجواهر و غيرهما، و الظاهر أنّهم استنبطوا الاستحباب و كذا الكراهة من الروايات الدالّة على الأمر بالتسوية بين المتخاصمين. و قد عرفت أنّ رجوعها الى وجوب اجراء العدالة بينهما في كلّ مورد يعدّ خلافه خلاف العدالة و الانصاف، و الحكم في هذه المسألة من كمال العدالة، و المواجهة بالخطاب بأحدهما و ان لم يكن خلاف العدالة الاّ أنّه يشمّ منه ذلك و لذا قالوا بالكراهة، و لابأس بهما.

«الرابعة»: لزوم القضاء اذا ترافع الخصمان و كان الحكم واضحا

«الرابعة»: اذا ترافع الخصمان و كان الحكم واضحا لزمه القضاء. و يستحبّ ترغيبهما في الصلح. فان أبيا الاّ المناجزة حكم بينهما. و ان أشكل أخّر الحكم حتّى يتّضح، و لا حدّ للتأخير الاّ الوضوح.

لا اشكال في استحباب ترغيب الحاكم في الصلح في الجملة، و الدليل عليه عمومات الكتاب و السنّة:


1) - مستند الشيعة 17: 118 و 119.

فمن الأوّل قوله تعالى: «انّما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم»(1)

و قوله: «و الصلح خير»(2)

و كذا «فاتّقوا اللّه و أصلحوا ذات بينكم»(3)

و قوله تعالى: «و لاتجعلوا اللّه عرضة لأيمانكم أن تبرّوا و تتّقوا و تصلحوا بين الناس»(4)الذي ورد في تفسيره عن اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا دعيت لصلح بين اثنين فلاتقل: عليّ يمين أن لاأفعل».(5)

و من السنّة صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لأن أصلح بين اثنين أحبّ اليّ من أن أتصدّق بدينارين».(6)

و رواية المفضّل قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: اذا رأيت بين اثنين من شيعتنا منازعة فافتدها من مالي».(7)

و رواية أبي حنيفة سابق الحاجّ قال:

«مرّ بنا المفضّل و أنا و خَتَني نتشاجر في ميراث، فوقف علينا ساعة، ثمّ قال: تعالوا الى المنزل، فأتيناه فأصلح بيننا بأربعمائة درهم، فدفعها الينا من عنده حتّى اذا استوثق كلّ واحد منّا من صاحبه، قال: أما انّها ليست من مالي ولكنأبو عبداللّه عليه السلام أمرني اذا تنازع رجلان من أصحابنا في شيء أن أصلح بينهما، و أفتدي بهما من ماله، فهذا من مال أبي عبداللّه عليه السلام».(8)


1) - الحجرات 49: 10.

2) - النساء 4: 128.

3) - الأنفال 8: 1.

4) - البقرة 2: 224.

5) - وسائل الشيعة 18: 440 / الباب 1 من كتاب الصلح / الحديث 5.

6) - وسائل الشيعة 18: 439 / الباب 1 من كتاب الصلح / الحديث 1.

7) - وسائل الشيعة 18: 440 / الباب 1 من كتاب الصلح / الحديث 3.

8) - وسائل الشيعة 18: 440 / الباب 1 من كتاب الصلح / الحديث 4.

و في رواية أبي حمزة الثمالي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: اصلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة و الصيام».(1)

و في رواية رواها في عقاب الأعمال عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله - في حديث - قال:

«و من مشى في صلح بين اثنين صلّى عليه ملائكة اللّه حتّى يرجع و أعطي ثواب ليلة القدر، و من مشى في قطيعة بين اثنين كان عليه من الوزر بقدر ما لمن أصلح بين اثنين من الأجر، مكتوب عليه لعنة اللّه حتّى يدخل جهنّم فيضاعف له العذاب».(2)

ثمّ انّه لاينبغي الاشكال في استحباب ترغيب الحاكم في الصلح قبل ثبوت الحقّ بالبيّنة أو اليمين أو الاقرار، سواء كان ذلك بعد الحضور للمرافعة قبل بيان الدعوى أو بعد بيانها.

انّما الكلام فيما لو ثبت الحقّ قبل الحكم أو بعد الحكم فقد يقال - كما في مستند الشيعة(3)- بأنّ الاستحباب غير واضح؛ لأنّه حقيقة ليس ترغيبا في الصلح؛ لأنّ الظاهر منه هو ما يكون قبل ثبوت الحقّ لاسقاط اليمين أو رفع تجشّم الاثبات بل هو ترغيب لأحدهما باسقاط الحقّ أو بذل المال لغير مستحقّه.

ولكن الظاهر أنّ موضوعات الدعاوي مختلفة، و كيفيّة الصلح متفاوتة. فتارة يكون الاستحباب بحاله و ان كان بعد الحكم كما لو ثبت أنّ المدّعى عليه مديون و حكم القاضي بذلك ولكنّه فقير فيستحبّ للحاكم أن يرغّب الدائن في عفوه أومصالحته بأقلّ ممّا هو حقّه.

و أخرى يكون بقاء الاستحباب غير واضح كما لو كان المحكوم بالدين مع


1) - وسائل الشيعة 18: 441 / الباب 1 من كتاب الصلح / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 18: 441 / الباب 1 من كتاب الصلح / الحديث 7.

3) - مستند الشيعة 17: 128.

كونه غنيّا يظهر البغي و العدوان و ان كان لايبعد أن يقال بالاستحباب في هذا الحال أيضا؛ حسما لمادّة النزاع و التجاوز.

«الخامسة»: في الابتداء بأوّل الخصوم ورودا

«الخامسة»: اذا ورد الخصوم مترتّبين بدأ بالأوّل فالأوّل. فان وردوا جميعا، قيل: يقرع بينهم. و قيل: يكتب أسماء المدّعين، و لايحتاج الى ذكر الخصوم. و قيل: يذكرهم أيضا، لتنحصر الحكومة معه. و ليس بمعتمد. و يجعلها تحت ساتر ثمّ يخرج رقعة رقعة، و يستدعي صاحبها. و قيل: انّما تكتب أسماؤهم مع تعسّر القرعة بالكثرة.

الدليل على ذلك كلّه هو الأمر بالعدالة و التسوية بين الخصوم و رعاية الانصاف بينهم. فالظاهر أنّ الوضع في المحاكم في زماننا على نحو يكون ورودهم على القاضي مرتّبا، و لو اتّفق أنّ المدّعين وردوا جميعا و لم يمكن اجراء العدالة بينهم الاّ بالقرعة، فالقاضي موظّف باجرائها؛ لأنّها لكلّ أمر مشكل، و هذا منه.

«السادسة»: فيما اذا قطع المدّعى عليه دعوى المدّعي

«السادسة»: اذا قطع المدّعى عليه دعوى المدّعي بدعوىً، لم تسمع حتّى يجيب عن الدعوى و ينهى الحكومة، ثمّ يستأنف هو.

في المسالك: «قد تقرّر أنّه يقدّم السابق من المدّعين، و من جملة أفراده ما لو ادّعى المدّعى عليه على المدّعي قبل انتهاء الدعوى الأولى فانّه حينئذ مدّعٍ متأخّر عن الأوّل. فلاتسمع دعواه الى أن يتمّ السابق. و هو واضح».(1)

و الدليل عليه هو الدليل على المسألة السابقة من الأمر بالعدالة و غيرها.


1) - مسالك الأفهام 13: 433.

«السابعة»: فيما اذا بدر أحد الخصمين بالدعوى

«السابعة»: اذا بدر أحد الخصمين بالدعوى فهو أولى. و لو ابتدرا الدعوى سمع من الذي عن يمين صاحبه. و لو اتّفق مسافر و حاضر فهما سواء، ما لم يستضرّ أحدهما بالتأخّر، فيقدّم دفعا للضرر. و يكره للحاكم أن يشفّع في اسقاط حقّ أو ابطال.

اذا بدر أحد الخصمين بالدعوى فهو أولى، و لم يلتفت الى قول الآخر: انّي كنت المدّعي، بل عليه أن يجيب ثمّ يدّعي ان شاء.

و لو ابتدرا الدعوى سمع من الذي عن يمين صاحبه؛ لما في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«قضى رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن يقدّم صاحب اليمين في المجلس بالكلام».(1)

و هذه الرواية وان لم تكن صريحة في المراد الاّ أنّ الأصحاب اتّفقوا على ارادة ما ذكر منها، حتّى أنّ السيّد المرتضى رحمه الله قال: «و ممّا انفردت به الاماميّة القول بأنّ الخصمين اذا ابتدرا الدعوى بين يدي الحاكم، و تشاحّا في الابتداء بها وجب على الحاكم أن يسمع من الذي عن يمين خصمه، ثمّ ينظر في دعوى الآخر».(2)

و لو اتّفق مسافر و حاضر فهما سواء في تقديم السابق، و القرعة مع ورودهما دفعة على القاضي مراعاة للتسوية بين الخصوم، الاّ أن يستضرّ أحدهما بالتأخير، كالمسافر الذي قد شدّ الرحال، و يؤدّي تخلّفه الى فوت المطلوب أو فوت الرفقة فيقدّم. و كذا المرأة التي تتضرّر بالانتظار. و الدليل على تقدّم من يتضرّر قاعدة «لا ضرر و لا ضرار».

و أمّا قوله رحمه الله: «و يكره أن يشفّع في اسقاط حقّ أو ابطال». فقال في المسالك: «أي في اسقاط حقّ بعد ثبوته، أو ابطال دعوىً قبله. و على هذا فطريق الجمع بين ذلك و بين الترغيب في الصلح المقتضي غالبا لاسقاط بعض الحقّ امّا بجعله


1) - وسائل الشيعة 27: 218 / الباب 5 من أبواب آداب القاضي / الحديث 2.

2) - الانتصار: 243.

متوسّطا بين الاسقاط و عدمه، أو جعله مستثنىً كما يقتضيه كلام الأصحاب؛ لأنّ الصلح خير، أو بعث غيره على ترغيبهما في ذلك و الوساطة بينهما في الصلح، كما صرّح به أبو الصلاح. و هذا أولى».(1)

و في الجواهر: «لعلّه لا تنافي بين رجحان الصلح قبل الحكم و ان تضمّن بعض أفراده اسقاطا و بين الشفاعة في اسقاط الحقّ بعد ثبوته. فوجه الكراهة ما روي عن النبي صلى الله عليه و آله حيث سأله أسامة حاجة لبعض من خاصمه اليه، فقال: «يا أسامة لاتسألني حاجة اذا جلست مجلس القضاء فانّ الحقوق ليس فيها شفاعة». انتهى ملخّصا».(2)

و قد تقدّم في المسألة الرابعة في استحباب ترغيب الحاكم المتخاصمين في الصلح ما يفيد هنا.


1) - مسالك الأفهام 13: 435.

2) - جواهر الكلام 40: 148 و 149.

المقصد الثاني : في مسائل متعلّقة بالدعوى

إشارة:

و هي خمس:

«الأولى»: في الدعوى المجهولة

إشارة:

«الأولى»: قال الشيخ: «لاتسمع الدعوى اذا كانت مجهولة، مثل أن يدّعي فرسا أو ثوبا. و يقبل الاقرار بالمجهول، و يلزم تفسيره». و في الأوّل اشكال. أمّا لو كانت الدعوى وصيّة سمعت و ان كانت مجهولة؛ لأنّ الوصيّة بالمجهول جائزة. و لا بدّ من ايراد الدعوى بصيغة الجزم، فلو قال: أظنّ و أتوهّم، لم تسمع. و كان بعض ما عاصرناه يسمعها في التهمة و يحلف المنكر. و هو بعيد عن شبه الدعوى.

في المسألة فرعان:

الفرع الأوّل : فيما اذا كانت الدعوى مجهولة

قال في المسالك: «لا اشكال في صحّة سماع دعوى الوصيّة بالمجهول، و دعوى الاقرار بالمجهول كما تصحّ الوصيّة و الاقرار به. و الخلاف في غير هاتين الصورتين. فقال الشيخ رحمه الله: «لاتسمع الدعوى المجهولة، كفرس و ثوب مطلقين؛ لانتفاء فائدتها و هو حكم الحاكم بها لو أجاب المدّعى عليه ب- «نعم»». و المصنّف رحمه اللهاستشكل فيه بأنّ المدّعي ربّما يعلم حقّه بوجه ما، فلو لم يجعل له الى الدعوى ذريعة لبطل حقّه. و هذا هو الأقوى. و الحكم يتبع الدعوى، و يبقى تعيين الحقّ أمرا آخر، فيلزم الخصم ببيان الحقّ، و يقبل تفسيره بمسمّى المدّعى. انتهىملخّصا».(1)


1) - مسالك الأفهام 13: 436 و 437.

و في المستند: «الحقّ كفاية معلوميّة الدعوى في الجملة؛ لصحّة سماعها، وفاقا للنافع و الارشاد و القواعد و الايضاح و المسالك و الروضة و والدي العلاّمة في المعتمد و أكثر متأخّري المتأخّرين، بل الأكثر مطلقا، كما في شرح المفاتيح؛ لعمومات الدعوى و المدّعي و الحكم، و لأنّ عدم سماعه قد يوجب الضرر المعلوم المنفي شرعا؛ لأنّه ربما يعلم حقه بوجه ما خاصّة و يمكنه اثباته، و لايعلم شخصه أو صفته، فلو لم تسمع دعواه لبطل حقّه. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الظاهر أنّ استدلال المنكرين لسماع الدعوى اذا كانت مجهولة - كالمحكي عن الشيخ في المبسوط و الحلّي في السرائر - هو عدم فائدتها و عدم تمكّن الحاكم من الحكم لو أقرّ به المدّعى عليه أو ثبت بالبيّنة.

ولكن فيه: لانسلّم عدم الفائدة كلّيّة؛ لأنّه لو أقرّ المدّعى عليه به ألزم بتفسيره. نعم، لو كانت الدعوى مجهولة من كلّ وجه كأن يقول المدّعي: «لي عنده شيء» لايسمع.

قال الامام الخميني رحمه الله في التحرير: «يشترط أن يكون المدّعى به معلوما بوجه، فلاتسمع دعوى المجهول المطلق كأن ادّعى أنّ لي عنده شيئا؛ للتردّد بين كونه ممّا تسمع فيه الدعوى أم لا، و أمّا لو قال: «انّ لي عنده فرسا أو دابّة أو ثوبا» فالظاهر أنّه تسمع، فبعد الحكم بثبوتها يطالب المدّعى عليه بالتفسير، فان فسّر و لم يصدّقه المدّعي فهو دعوىً أخرى، و ان لم يفسّر لجهالته مثلاً فان كان المدّعى به بين أشياء محدودة يقرع على الأقوى، و ان أقرّ بالتلف و لم ينازعه الطرف فان اتّفقا في القيمة و الاّ ففي الزيادة دعوىً أخرى مسموعة».(2)


1) - مستند الشيعة 17: 158 و 159.

2) - تحرير الوسيلة 2: 411 و 412.

الفرع الثاني : في أنّه هل يشترط أن تكون الدعوى بصيغة الجزم؟

لا اشكال في جواز ايراد الدعوى اذا كانت جازمة. و كذا فيما اذا لم يكن المدّعي جازما بالدعوى الاّ أنّ هناك بيّنة على صحّة ادّعائه، أو يكون طرفه مقرّا بما ادّعاه، فيجوز له ايراد الدعوى بصيغة الجزم.

و أمّا لو لم يكن عنده دليل معتبر شرعا و كان شاكّا في دعواه، فلايجوز له طرح دعواه بصورة الجزم؛ لأنّه كذب و لا دليل هنا على جوازه.

انّما الكلام في سماع دعواه اذا قال: «أظنّ أو أتوهّم» فقال في المستند: «ذهب المحقّق و جماعة كالسبزواري في الكفاية و صاحب الرياض الى أنّه يشترط في الدعوى كونها بصيغة الجزم فلو قال: «أظنّ أو أتوهّم أنّ لي أو لأبي عليك دينارا، أو أنّك سرقت مالي» لم تسمع دعواه حتّى ادّعى اليقين فيما ادّعاه و هو المحكي عن ابن زهرة و الكيدري و التنقيح و نسبه في الكفاية الى المشهور و في المعتمد الى الأكثر. و حكي عن الشيخ نجيب الدين بن نما و فخرالمحقّقين و الشهيدين في النكت و المسالك عدم الاشتراط و هو ظاهر المحقّق الأردبيلي و اختاره المحقّق القمّي رحمه الله».(1)

و هناك قول بالتفصيل بين ما يعسر الاطّلاع عليه، فالسماع مع التهمة بدون الجزم كالقتل و السرقة و نحوهما، و ما لايعسر فلايسمع، و هذا هو المحكي عن الروضة و تعليق النافع للمحقّق الثاني و ربما نسب ذلك الى الدروس أيضا، وتوقّف رابع في المسألة، كما حكي عن التحرير و الارشاد و غاية المرام و الكفاية.(2)


1) - مستند الشيعة 17: 149.

2) - الفقه 84: 240.

و استدلّ من قال بلزوم الجزم من المدّعي و عدم السماع منه اذا لم يكن جازما بوجوه:

منها: انّ من لوازم الدعوى الصحيحة امكان ردّ اليمين على المدّعي، و هو منتفٍ في الفرض؛ لعدم كونه جازما.

و منها: عدم صدق الدعوى على غير الجازم عرفا، فلايترتّب حكمها عليه.

و منها: وظيفة الحاكم انّما هي الزام المدّعى عليه بالاعتراف بحقّ المدّعي و ايصاله اليه فاذا لم يجز بحسب الشرع تصرّف المدّعي فيما يدّعيه لعدم علمه باستحقاقه له و ليس له طريق شرعي يثبته كما هو المفروض، فكيف يحكم على الحاكم بوجوب السماع، و هو مقدّمة للحكم الذي هو غير واجب في المقام؟

و في هذه الأدلّة نظر، فيردّ الأوّل بأنّ الدعوى الصحيحة المسموعة لاتلازم دائما ردّ اليمين على المدّعي؛ لجواز اعتراف المدّعى عليه و عدم الحاجة الى ردّ اليمين على المدّعي، فتأمّل.

و أمّا عدم صدق الدعوى عليه عرفا فهو دعوى بلا دليل.

و أمّا الثالث، ففيه: انّه قد يكشف الحقّ في أثناء الفحص و يحصل للمدّعي الجزم، و ان لم يحصل له الجزم فصرف حكم الحاكم بعد حكمه بما يستبين له من الدلائل كافٍ في جواز تصرّفه.

فالأقوى عدم الاشتراط مطلقا، سواء كانت فيما يعسر الاطّلاع عليه غالبا أو غيره.

و يدلّ على ذلك أوّلاً: أصالة عدم الاشتراط.

و ثانيا: صدق الدعوى على غير الجازمة، فيقال: دعوىً ظنّيّة أو احتماليّة،فتشملها اطلاقات أحكام الدعوى و المدّعي، و تشملها عمومات أدلّة الحكم من الكتاب كقوله سبحانه: «و أن احكم بينهم بما أنزل اللّه»(1)و قوله تعالى:


1) - المائدة 5: 49.

«فاحكم بين الناس بالحقّ»(1).

و ثالثا: الروايات الدالّة على جواز الحكم مع كون الدعوى غير جازمة.

منها رواية أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام في الشابّ الذي أتى أميرالمؤمنين عليه السلام في أبيه الذي سافر مع جماعة. و قد تقدّم ذكر الحديث في المسألة التاسعة من آداب القاضي.

و منها الروايات الواردة في باب ضمان الصائغ و الأجير كمرفوعة أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن قصّار دفعت اليه ثوبا فزعم أنّه سرق من بين متاعه. قال: فعليه أن يقيم البيّنة أنّه سرق من بين متاعه و ليس عليه شيء، فان سرق متاعه كلّه فليس عليه شيء».(2)

و هي على ما رواه الصدوق رحمه الله صحيحة.

و رواية بكر بن حبيب قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: أعطيت جبّة الى القصّار فذهبت بزعمه. قال: ان اتّهمته فاستحلفه، و ان لم تتّهمه فليس عليه شيء».(3)

و رواية أخرى له عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لايضمّن القصّار الاّ ما جنت يداه، و ان اتّهمته أحلفته».(4)

و رواية أبي بصير - يعني المرادي - عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لايضمّن الصائغ و لا القصّار و لا الحائك الاّ أن يكونوا متّهمين فيخوّف بالبيّنة و يستحلف لعلّه يستخرج منه شيئا. الحديث».(5)


1) - ص 38: 26.

2) - وسائل الشيعة 19: 142 / الباب 29 من كتاب الاجارة / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 19: 146 / الباب 29 من كتاب الاجارة / الحديث 16.

4) - وسائل الشيعة 19: 146 / الباب 29 من كتاب الاجارة / الحديث 17.

5) - وسائل الشيعة 19: 144 / الباب 29 من كتاب الاجارة / الحديث 11.

و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام في حمّال يحمل معه الزيت فيقول: قد ذهب أو أهرق أو قطع عليه الطريق:

«فان جاء ببيّنة عادلة أنّه قطع عليه أو ذهب فليس عليه شيء، و الاّ ضمن».(1)

فانّ التهمة في تلك الروايات تعمّ جميع المواضع التي ينكر فيها المدّعى عليه، فانّها لاتختصّ بمثل القتل و السرقة بل تشمل الكذب في الانكار و جلب النفع و دفع الضرر أيضا، كما في المستند.(2)

نعم، لا بدّ في أمثال هذه الدعاوي أن تقترن بالقرائن و الأمارات و الوجوه التي يصلح أن يعتمد عليها، و لو كانت الدعوى خالية عن أيّة قرينة فتكون تهمة صرفة، فهي مردودة غير مسموعة.

فما هو السائد اليوم في محاكمنا، هو أنّ قاضي التحقيق أو الرأي، ينظر في الدعوى المقامة فان كانت واهية لا أساس لها من الصحّة يصدر قراره بمنع تعقيب المدّعى عليه. و أمّا لو كانت مشفوعة ببعض القرائن و الأمارات التي تخرجها عن كونها واهية بلا أساس يتصدّى الحاكم لسماعها و يصدر قراره بتعقيبها. فحينئذ فان أقرّ المدّعى عليه أو قامت عليه البيّنة و الأمارات الموجدة للاطمئنان و الوثوق التي يعتمد عليها العقلاء في أعمالهم فهو ذاك. و الاّ فان حلف المدّعى عليه سقطت الدعوى.

أمّا لو ردّ اليمين فلايجوز للمدّعي الحلف؛ لعدم جزمه فتتوقّف الدعوى، و لو ادّعى بعده أنّه عثر على بيّنة أو دليل جديد و رجع الى الدعوى، فحينئذ تسمع منهكذلك هذه المرّة.


1) - وسائل الشيعة 19: 153 / الباب 30 من كتاب الاجارة / الحديث 16.

2) - مستند الشيعة 17: 153.

«الثانية»: فيما اذا كان المدّعى به من الأثمان

«الثانية»: قال: «اذا كان المدّعى به من الأثمان افتقر الى ذكر جنسه و وصفه و نقده، و ان كان عرضا مثليّا ضبطه بالصفات، و لم يفتقر الى ذكر قيمته، و ذكر القيمة أحوط. و ان لم يكن مثليّا فلا بدّ من ذكر القيمة». و في الكلّ اشكال ينشأ من مساواة الدعوى بالاقرار.

قال في المسالك: «قول الشيخ هنا متفرّع على ما أسلفه من عدم سماع الدعوى المجهولة. فعلى قوله رحمه الله يشترط في سماعها ارتفاع الجهالة عن المدّعى، بضبطه جنسا و وصفا على وجه يرفع الجهالة عنه كما يصف السلم، حتّى يصير معلوما يمكن حكم الحاكم به، و الزام الخصم و حبسه الى أن يؤدّيه، و بيع ماله لأجله و ايفاؤه عنه قهرا حيث يمتنع من الأداء، فانّ كلّ ذلك ملزوم العلم. و لا حاجة الى ذكر القيمة مع ذلك؛ لامكان ضبطه بدونها، و ان كان التعرّض لها أحوط؛ لأنّه أضبط خصوصا اذا كانت العين متقوّمة.

و لو تلفت تعيّن اشتراط التعرّض للقيمة؛ لأنّها الواجبة عند التلف و سقط اعتبار العين. و المصنّف رحمه اللهاستشكله بناءً على ما أصّله سابقا من الشكّ في اشتراط ذلك كما لايشترط في الاقرار، فلايفتقر الى ذكر شيء من ذلك، و يرجع اليه فيه بعد ذلك ان افتقر الى مراجعته و كان عالما به، و الاّ فلا».(1)

أقول:

قد تقدّم أنّ الأقوى سماع الدعوى المجهولة في الجملة، فاذا كان المدّعى به من الأثمان، فلو قال: «لي عنده شيء من الثمن» لم يسمع، فانّه كما اذا قال: «ليعنده شيء». فعليه أن يذكر جنسه و وصفه و ان كان بصورة الظنّ و الوهم. و كذا لو كان عرضا مثليّا أو قيميّا.


1) - مسالك الأفهام 13: 439.

«الثالثة»: في أنّه اذا تمّت الدعوى هل يطالب المدّعى عليه بالجواب؟

«الثالثة»: اذا تمّت الدعوى هل يطالب المدّعى عليه بالجواب، أم يتوقّف ذلك على التماس المدّعي؟ فيه تردّد. و الوجه أنّه يتوقّف؛ لأنّه حقّ له فيقف على المطالبة.

قال في الجواهر: «الوجه عند المصنّف - بل قيل: انّه الأشهر، بل عن المبسوط: «عندنا» مشعرا بالاجماع عليه - أنّه يتوقّف؛ لأنّه حقّ له، فيقف على المطالبة. ولكن الأوجه خلافه وفاقا للمحكي عن جماعة للأصل و لكونه حقّا للحاكم المنصوب لقطع الخصومات الاّ أن يسقط المدّعي حقّه. و في المسالك: «و لقيام شاهد الحال على ارادته ذلك؛ اذ من المعلوم عادة أنّ الانسان لايحضر خصمه مجلس الحكم الاّ لارادة فصل الدعوى بينه و بين خصمه المتوقّف على سماع جوابه» ولكن فيه: انّ ذلك رجوع الى القول بالتوقّف على التماسه المدلول عليه بشاهد الحال».(1)

أقول:

الظاهر أنّ ما ذهب اليه صاحب الجواهر هو الأقوى؛ لأنّ وظيفة الحاكم الحكم بما أنزل اللّه اذا ترافعوا اليه. نعم، لو أسقط المدّعي حقّه، فلا موضوع للحكم حينئذ، الاّ ما يرتبط بحقّ اللّه تعالى.

«الرابعة»: في دعوى أحد الرعيّة على القاضي

«الرابعة»: لو ادّعى أحد الرعيّة على القاضي، فان كان هناك امام رافعهاليه، و ان لم يكن و كان في غير ولايته رافعه الى قاضي تلك الولاية و ان كان في ولايته رافعه الى خليفته.

قال في المسالك: «كما تسمع الدعوى على واحد من الرعيّة تسمع على القاضي؛ عملاً بالعموم. و ليس ذلك ابتذالاً لأهل الصيانات و المروّات. و قد تقدّم


1) - جواهر الكلام 40: 157.

أنّ عليّا عليه السلام حضر مع يهودي عند شريح للمحاكمة. و حضر عمر مع أبيّ عند زيد بن ثابت ليحكم بينهما في داره. و حجّ المنصور فحضر مع جمّالين مجلس الحكم لخلف كان بينهما».(1)

أقول: اذا رفعت الخصومة الى القاضي يجب عليه سماع الدعوى و الفحص عنها و احضار المدّعى عليه على ما مرّ في كيفيّة الاحضار و ان كان المدّعى عليه قاضيا؛ لاطلاق الأدلّة و عموماتها. و في زماننا هذا عيّن المجلس الأعلى للقضاء محكمة خاصّة لرفع الشكاوي و الاعتراضات على القضاة و التي تسمّى المحكمة الخاصّة للقضاة (دادگاه انتظامى قضات).

«الخامسة»: في استحباب جلوس الخصمان بين يدي الحاكم

«الخامسة»: يستحبّ للخصمين أن يجلسا بين يدي الحاكم، و لو قاما بين يديه كان جائزا.

قال في الجواهر: «لأنّه الموافق للأدب، و ليتمكّن من التساوي بينهما في النظر و غيره، و لما في كلام علي عليه السلام في حضوره مع اليهودي عند شريح حيث جلس بجنب شريح و قال: «لو كان خصمي مسلما لجلست معه بين يديك ولكن قد سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول: لاتساووهم في المجلس». و لو قاما بين يديه كان جائزا و ليس في ذلك تكبّر منافٍ. انتهى ملخّصا».(2)


1) - مسالك الأفهام 13: 441.

2) - جواهر الكلام 40: 159.

المقصد الثالث : في جواب المدّعى عليه

توضیح:

إشارة:

و هو امّا اقرار أو انكار أو سكوت.

أمّا الاقرار فيلزم اذا كان جائز التصرّف. و هل يحكم به عليه من دون مسألة المدّعي؟ قيل: لا؛ لأنّه حقّ له، فلايستوفى الاّ بمسألته.

و صورة الحكم أن يقول: ألزمتك أو قضيت عليك أو ادفع اليه ماله.

و لو التمس أن يكتب له بالاقرار لم يكتب حتّى يعلم اسمه و نسبه أو يشهد شاهدا عدل. و لو شهد عليه بالحلية جاز و لم يفتقر الى معرفة النسب، و اكتفى بذكر حليته.

و لو ادّعى الاعسار كشف عن حاله، فان استبان فقره أنظره. و في تسليمه الى غرمائه ليستعملوه أو يؤاجروه، روايتان، أشهرهما الانظار حتّى يوسر.

و هل يحبس حتّى يتبيّن حاله؟ فيه تفصيل ذكر في باب المفلّس.

في المسألة فروع

الفرع الأوّل : فيما اذا أقرّ المدّعى عليه

قال في مستند الشيعة: «متى تحقّق الاقرار بجميع المدّعى به، و كان المقرّ جامعا للشرائط المقرّرة في بابه - من البلوغ و العقل و عدم الحجر في الماليّات - لزم عليه ما أقرّ به، سواء حكم الحاكم به أم لا؛ لأنّ اقرار العقلاء على أنفسهم جائز. بخلاف ما اذا أقام المدّعي بيّنة، فانّه لايثبت بمجرّد اقامتها؛ لأنّها منوطة باجتهادالحاكم في قبولها و ردّها. و تظهر ثمرة الفرق بين المقامين بذلك في جواز مقاصّة المدّعي حقّه اذا ادّعاه ظنّا أو احتمالاً، فيجوز بالاقرار و ان لم يحكم الحاكم بعد،

دون البيّنة، فانّه يتوقّف على الحكم. و ليكن في ذهنك أنّ حجّيّة الاقرار لاتثبت بحديث «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز» خاصّة حتّى يقال: انّها تحتاج الى الاجتهاد بل هي ضروريّة لكلّ أحد. بخلاف البيّنة، فانّ ما يحتاج معرفته من حال البيّنة أمور شرعيّة توقيفيّة خلافيّة صعبة المأخذ، يحتاج الى الاجتهاد. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الظاهر أنّ جواز المقاصّة لمن له حقّ على الآخر ليس منحصرا باقراره عند الحاكم بل يجوز باقراره مطلقا - ان كان جامعا للشرائط المقرّرة في بابه - أو علم المحقّ. نعم، اذا حكم الحاكم ألزمه به و انفصلت الخصومة، و يترتّب عليه لوازم الحكم كعدم جواز نقضه و عدم جواز رفعه الى حاكم آخر و غير ذلك ممّا مرّ.

و على هذا فلو أقرّ المدّعى عليه يؤخذ باقراره و ان لم يحكم الحاكم و ذلك لأنّ نفوذ اقرار العقلاء على أنفسهم أصل عقلائي ممضىً من الشارع، فلايجوز لأحد التصرّف فيما أقرّ به لغيره، الاّ باذن المقرّ له، و جاز الزامه بل وجب من باب الأمر بالمعروف مع وجود شرائطه و لو من غير المقرّ له.

الفرع الثاني : فيما اذا أقام البيّنة و لم يحكم الحاكم بعد

اذا أقام المدّعي بيّنة فهل يثبت حقّه بمجرّد اقامتها أو لا بدّ معه من حكمالحاكم؟

قال في المسالك: «متى تحقّق الاقرار و كان المقرّ جامعا لشرائطه المقرّرة في بابه لزمه ما أقرّ به، سواء حكم به الحاكم أم لا، بخلاف ما اذا أقام المدّعي بيّنة، فانّه


1) - مستند الشيعة 17: 170 و 172.

لايثبت بمجرّد اقامتها، بل لا بدّ معه من حكم الحاكم. و الفرق أنّ البيّنة منوطة باجتهاد الحاكم في قبولها و ردّها، و هو غير معلوم بخلاف الاقرار».(1)

و في الجواهر بعد نقل كلام المسالك قال: «و زاد في الرياض أنّه «تظهر ثمرة الفرق المزبور بجواز مقاصّة المدّعي حقّه اذا كان عينا و ادّعاها مع عدم علمه بها بالاقرار دون البيّنة اذا لم يحكم الحاكم» و مرجع ذلك الى اشتراط حجّيّة البيّنة بحكم الحاكم بها و ان علم كونها مقبولة عنده بخلاف الاقرار، و حينئذ فهي (البيّنة) حجّة له يحكم بها و لغيره اذا حكم بها».(2)

أقول:

تارة تكون الدعوى فيما يرجع الى حقّ مالي سواء كان عينا أو دينا. و أخرى تتعلّق بغيره كأن يدّعي زيد على عمرو أنّه سبّه أو قذفه و نحو ذلك.

ففي الأوّل اذا علم المدّعي أنّ الذي عند المدّعى عليه كان ماله، فيجوز له أخذه مطلقا، و كذا لو لم يعلم ولكنّه أقرّ بذلك كما مرّ، و كذا اذا لم يعلم ولكن شهد شاهدان عدلان بأنّ ذلك ماله فيجوز له أخذه أو مقاصّة حقّه كما يجب على غيره الأمر بالمعروف. و كلّ ذلك لا اشكال فيه.

انّما الكلام في حكمة الرجوع الى القاضي و أنّ المدّعي لماذا يرجع اليه؟ فحكمته أو علّته تخاصمهما و نزاعهما، فزيد يدّعي أنّ ماله الفلاني عند عمرو و هو لايسلّمه، فحينئذ فحكم الحاكم لحسم مادّة النزاع و الزام المدّعى عليه بالقهر عليه. و بناءً عليه لا فرق بين الاقرار و اقامة البيّنة من هذه الجهة في جواز التقاصّمن غير حكم الحاكم.


1) - مسالك الأفهام 13: 442.

2) - جواهر الكلام 40: 160.

الفرع الثالث : في حكم الحاكم بدون مسألة المدّعي

قال في الجواهر: «قال الشيخ في المحكي من مبسوطه: لايجوز، لأنّه حقّ له فلايستوفى الاّ بمسألته نحو ما سمعته في سؤال الحاكم المدّعى عليه الجواب من دون مسألته، الاّ أنّ الأقوى خلافه، ضرورة اقتضاء اطلاق الأدلّة أنّ الحكومة و مقدّماتها بعد حضور المتخاصمين مجلس الخصومة عنده، اليه ما لم يرفعا يدا أو المدّعي عنها، و لذا كان الأقوى في المقامين عدم التوقّف لذلك. بل قد يقال بوجوب الحكم على الحاكم بعد حصول مقتضيه و ان لم يرض المدّعي كما لو وجّه اليمين على المنكر و حلف على ذلك و أراد الحاكم قطع الدعوى بانشاء الحكم و لم يأذن المدّعي لم يسمع منه، كما لم يسمع من المنكر في غير الفرض. و من ذلك يعلم أنّ ثمرة الحكومة تارة تكون للمدّعي و أخرى للمنكر، فاطلاق كونها للمدّعي في غير محلّه، كاطلاق القول بتوقّفها على الاذن المنافي منصب القاضي للفصل بين الناس و خصوماتهم التي يرجعون بها اليه و يحكّمون فيما بينهم فيها. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

قد تقدّم أنّ الظاهر أنّ نظر صاحب الجواهر صائب في ذلك، و لاينبغي أن يرتاب فيه بعد كون الورود على القاضي لاحقاق الحقّ و قطع الدعوى التي لو لم تنفصل بحكم الحاكم العادل قد تؤدّي في بعض الأحوال الى الفساد و القتل،مضافا الى أنّ في بعض الدعاوي ينكشف أنّ المدّعي يستحقّ القصاص أو الحدّ و التعزير أو الغرامة و نحوها، فكيف يمكن أن يقال بأنّه لايجوز للحاكم أن يحكم بدون مسألة المدّعي لأنّه حقّ له؟


1) - جواهر الكلام 40: 162 و 163.

ثمّ انّ صورة الحكم أن يقول: «ألزمتك أو قضيت عليك أو ادفع اليه ماله» أو ما شابه هذه الألفاظ ممّا يفيد انشاء الزامه، و لايكفي مثل قوله: «ثبت عندي» في ترتّب الأثر؛ لأنّه ليس حكما بل اخبارا.

الفرع الرابع : فيما لو التمس المدّعي أن يكتب

قال في الجواهر: «و لو التمس أن يكتب له بالاقرار أو بالحكم به لم يجب عليه ذلك على الأصحّ حتّى لو بذل المقدّمات. و لو أجاب لم يكتب حتّى يعلم اسمه و نسبه على وجه يتشخّص به عن غيره بالطرق المفيدة لذلك، أو يشهد عليهما شاهدا عدل حتّى يأمن بذلك من التدليس بجعل الحكومة بالاقرار أو الشهادة به لغير من وقع. و لو شهد عليه بالحلية و الصفة المشخّصة له عن غيره جاز و لم يفتقر حينئذ الى معرفة النسب و اكتفى بذكر حليته. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

لو التمس المدّعي أو المقرّ الكتابة لم يجب على القاضي اجابته، و ذلك اليه بتشخيصه، و قد يجب الكتابة اذا كان في تركها تضييع الحقوق، فانّه منصوب لانقاذها.

نعم، انّ ثمن الورق و ما أشبه ذلك ليس على القاضي؛ اذ لا دليل عليه بلالأصل يقتضي عدمه، فالأجرة على الملتمس ان لم يكن له من بيت المال مخرج. و في زماننا هذا يسمّى بمصاريف رفع التظلّم.

و اذا أراد الكتابة فليكتب اسمه و اسم أبيه، و المتعارف اليوم اضافة الحلية من خصوصيّات وجهه، أي أنفه و حواجبه و شعره و لونه. و يجوز كتابة الحلية في


1) - جواهر الكلام 40: 163.

المرأة أيضا، و يلصق الصورة على الورق المكتوب فيه، و يشهد الشاهدان على ذلك، وليكن عليه امضاء المدّعي و المقرّ و الشاهدين و في النهاية امضاء الحاكم.

الفرع الخامس : فيما اذا امتنع المحكوم بالأداء منه

فقال في الجواهر: «أغلظ له بقول: «يا ظالم» و نحوه و لو التمس الغريم حبسه حبس بلا خلاف؛ لقوله صلى الله عليه و آله: «ليّ الواجد يحلّ عقوبه و عرضه». و في الموثّق: «كان أميرالمؤمنين عليه السلام يحبس الرجل اذا التوى على غرمائه، ثمّ يأمر فيقسّم ماله بينهم بالحصص، فان أبى باعه فيقسّمه بينهم». و غير ذلك ممّا قدّمناه في الفلس».(1)

أقول:

اذا حكم الحاكم بأنّ الشيء الفلاني لزيد - مثلاً - فأبى المنكر أن يسلّمه، توسّل الى الانقاذ منه، فالأحسن و ما يطابق الاحتياط أن يبدأ بالأخفّ فالأخفّ، فانّ الضرورات تقدّر بقدرها، فيبدأ بالتغليظ بالقول ثمّ التهديد بالصفع، ثمّ الصفع و بعده التعزير الى أن ينتهي الى الحبس.

الفرع السادس : فيما اذا ادّعى الاعسار و ثبت اعساره

اذا ادّعى الاعسار، فان استبان فقره ففيه أقوال:

الأوّل: الانظار، و هو المشهور و ذهب اليه المصنّف و الشهيد الثاني في المسالك(2)و هو المحكي عن ابن ادريس و العلاّمة في الارشاد و الأردبيلي رحمهم الله.


1) - جواهر الكلام 40: 164.

2) - مسالك الأفهام 13: 445.

و استدلّوا عليه بقوله تعالى: «و ان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة»(1)و برواية غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه:

«انّ عليّا عليه السلام كان يحبس في الدين فاذا تبيّن له حاجة خلّى سبيله حتّى يستفيد مالاً».(2)

و رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام:

«انّ امرأة استعدت على زوجها أنّه لاينفق عليها، و كان زوجها معسرا فأبى أن يحبسه و قال: انّ مع العسر يسرا».(3)

و قد جمع الحرّ العاملي رحمه الله في الوسائل روايات في باب سمّاه وجوب انظار المعسر و عدم جواز معاسرته، فمنها رواية عبداللّه بن سنان قال:

«قال النبي صلى الله عليه و آله: ألف درهم أقرضتها مرّتين أحبّ اليّ من أن أتصدّق بها مرّة، و كما لايحلّ لغريمك أن يمطلك و هو موسر فكذلك لايحلّ لك أن تعسره اذا علمت أنّه معسر».(4)

الثاني: التسليم الى الغرماء ليستعملوه أو يؤاجروه، و هو المنسوب الى الشيخ رحمه الله في باب القضاء و ليس بمعلوم.

و استدلّ عليه برواية السكوني عن جعفر عن أبيه:

«انّ عليّا عليه السلام كان يحبس في الدين ثمّ ينظر فان كان له مال أعطى الغرماء، و ان لم يكن له مال دفعه الى الغرماء فيقول لهم: اصنعوا به ما شئتم، ان شئتم أجّروه و ان شئتم استعملوه».(5)

و فيه: ما قاله المحقّق الأردبيلي: «و أنت تعلم أنّه لايمكن في مثل هذه المسألة


1) - البقرة 2: 280.

2) - وسائل الشيعة 18: 418 / الباب 7 من كتاب الحجر / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 18: 418 / الباب 7 من كتاب الحجر / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 18: 366 / الباب 25 من أبواب الدين و القرض / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 18: 418 / الباب 7 من كتاب الحجر / الحديث 3.

العمل بمثل هذه الرواية المخالفة للعقل، فانّ حبس شخص قبل موجبه غير معقول، و انّ تسليط شخص على آخر أيّ شيء شاء يفعل به مع عجزه ممّا يأباه العقل و النقل من عموم القرآن و خصوص «فنظرة الى ميسرة» و الحديث و خصوص الرواية المتقدّمة (رواية غياث بن ابراهيم) و الشهرة».(1)

و الظاهر أنّ الحبس كان للفحص عن حاله، و الاشكال في ذيل الحديث فانّه مخالف لظاهر الكتاب بل الروايات المستفيضة.

و قال في المسالك: «و ضعف الرواية يمنع من العمل بها. و غاية ما يجب على المديون المعسر، التكسّب في وفاء الدين و هو أعمّ من كونه بيد الغرماء أو باختياره. و الأصل عدم تسلّط صاحب الدين على عينه؛ لانتفاء ولايته عليه».(2)

الثالث: هو قول ابن حمزة في الوسيلة قال: «اذا ثبت اعساره خلّي سبيله ان لم يكن ذا حرفة يكتسب بها، و الاّ دفعه اليه ليستعمله، فما فضل عن قوته و قوت عياله بالمعروف أخذ بحقّه. انتهى ملخّصا».(3)

و احتجّ بحديث السكوني المتقدّم.

و فيه: انّه أعمّ من مدّعاه.

قال في المختلف: «و ما قاله ابن حمزة ليس بعيدا من الصواب؛ لأنّه متمكّن من أداء ما وجب عليه و ايفاء صاحب الدين حقّه، فيجب عليه كما يجب عليهالسعي في المؤونة، و مع تمكّنه من التكسّب لايكون معسرا؛ لأنّ اليسار كما يتحقّق بالقدرة على المال يتحقّق بالقدرة على تحصيله، و لهذا منع القادر على التكسّب من أخذ الزكاة الحاقا له بالغنيّ القادر على المال. انتهى ملخّصا».(4)

و قال في المسالك: «و هذا كلّه لايصلح دليلاً لما ذكره ابن حمزة، بل غايته


1) - مجمع الفائدة و البرهان 12: 133.

2) - مسالك الأفهام 13: 445 و 446.

3) - الوسيلة: 212.

4) - مختلف الشيعة 8: 471 و 472..

وجوب تكسّبه كيف شاء لا تسلّط الغريم على منافعه بالاستيفاء و الاجارة. و مع ذلك فقد ذهب جماعة - منهم المصنّف رحمه الله - الى عدم وجوب التكسّب في قضاء الدين، بل اذا تكسّب و فضل معه عن المؤونة شيء وجب صرفه في قضاء الدين، عملاً بظاهر الآية».(1)

أقول:

انّ كلامنا في وظيفة القاضي فيما اذا تبيّن له اعسار المدّعى عليه بعد حكمه بأنّه مديون و أنّ المدّعي دائن. و قد ذكر اللّه تعالى في كتابه أنّ المديون المعسر أنظر الى الميسرة «و ان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة». فانّ الظاهر من هذه الآية بل صريحها أنّ المعسر أنظر الى الميسرة.

أمّا الميسرة و التمكّن من أداء دينه لايحصل عادة الاّ بالجهد و السعي و التكسّب و وظيفة القاضي بالنسبة الى الأفراد و ما عليهم من الدين مختلفة، فتارة يكون المدّعى عليه معروفا بالأمانة و السعي و قد صار مدينا، فعلى القاضي أن يحكم بانظاره حتّى يتمكّن و مع ذلك يتفحّص عن حاله في أيّام السنة على ما يصلح و يجوز أداء دينه من بيت المال ان لم يكن هناك مانع.

و أخرى لايكون المدّعى عليه كذلك و هو غير مبالٍ بالنسبة الى أموال الناس، فعلى القاضي أن يشدّد عليه و يأمره بالتكسّب، و لو سامح فلايبعد جواز دفعه الى غرمائه ليستعملوه أو يؤاجروه، و ان لم يمكن لهم فان أمكن للقاضي يأمر موظّفيهأن يستعملوه أو يؤاجروه.

و ثالثة يكون المدّعى عليه سارقا و قد استقرّ عليه أموال الناس، فالتشديد بالنسبة اليه أكثر، فان كان للدائن أو الدائنين قوّة لأن يستعملوه أو يؤاجروه و يقبضوا ديونهم من غير منازعة و مخاصمة فيما بينهم، فليفعل القاضي و الاّ فعلى


1) - مسالك الأفهام 13: 446.

الحكومة وضع تمهيد ليستعملوا هؤلاء الأفراد حتّى يعطوا ما عليهم من الدين.

و في الجواهر بعد ذكر كلام ابن حمزة و ما ذكره المختلف في تأييده قال: «فانّ ذلك لايفيد الاّ وجوب التكسّب عليه، و هو غير دفعه اليهم و جعلهم أولياء ان شاؤوا استعملوه و ان شاؤوا آجروه، على أنّ في أصل وجوب التكسّب عليه اشكالاً و ان كان هو مقدّمة للواجب الذي مقتضى الأصل كونه مطلقا، الاّ أنّ ذلك يتوقّف على اطلاق أمر بالأداء، و الاّ فالأصل في الواجب أن يكون مشروطا؛ لأصل البراءة و غيره، و اطلاق الكتاب و السنّة انّما يقتضي الوجوب باليسار الممنوع صدقه بمجرّد القدرة على التكسّب الذي مقتضى ما سمعت كونه مشروطا بالنسبة اليه».

ثمّ نقل محكي كلام الشيخ في المبسوط حيث قال بأنّه لايجب عليه قبول الهبات و الوصايا و الاحتشاش و غير ذلك ممّا ذكره؛ لأنّه لا دليل على شيء من ذلك، و الأصل براءة الذمّة ثمّ قال: «و لعلّه لمعارضة دليل المقدّمة بنفي الضرر و الحرج في بعض الأفراد المزبورة، أو لعدم اطلاق في الأداء لو سلّم على وجه يفيد وجوب نحو ذلك ممّا هو غير متعارف في التكسّب، فيبقى حينئذ واجبا مشروطا بالنسبة الى ذلك و نحوه، لا أنّه مقدّمة للواجب المطلق».(1)

و فيه أوّلاً: انّه و ان لم يكن هناك اطلاق أمر بالأداء، الاّ أنّ المراد من الانظار الى الميسرة في قوله تعالى: «و ان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة» ليس عدم وجوب التكسّب و ان كان لائقا بشأنه.

و ثانيا: ان كان مراده من أنّ «الأصل في الواجب أن يكون مشروطا؛ لأصل البراءة و غيره» هو أنّ الأداء مشروط بالتكسّب اللائق بحاله، بقرينة ما نقله عن الشيخ رحمه الله في المبسوط، فهو الحقّ بالنسبة الى من كان متديّنا بالدين كما تقدّم في الصورة الأولى من الصور الثلاث. و ان كان مراده أنّه مشروط باليسار و هو


1) - جواهر الكلام 40: 166 و 167.

لايصدق على مجرّد القدرة على التكسّب، فهو ممنوع.

و ثالثا: سلّمنا أنّ وفاء الدين واجب مشروط باليسار، الاّ أنّ اليسار موقوف على التكسّب اللائق بشأنه، و لم يكن التكسّب موقوفا على اليسار.

و رابعا: لا فرق بين من كان صاحب صنعة كالنجّار و الحدّاد و الحائك و نحوهم، و بين من لم يكن كذلك، الاّ أنّ صاحب الصنعة يتيسّر له التكسّب اللائق بشأنه.

الفرع السابع : فيما اذا لم يتبيّن حاله

ففيه أقوال:

الأوّل: التفصيل بين من كان له أصل مال و بين من لم يكن كذلك:

قال المصنّف رحمه الله في كتاب المفلّس: «و ان لم يكن له مال ظاهر، و ادّعى الاعسار، فان وجد البيّنة قضى بها. و ان عدمها و كان له أصل مال أو كان أصل الدعوى مالاً (أي كان أصل الدعوى الثابتة شرعا، مالاً) حبس حتّى يثبت اعساره.

و اذا شهدت البيّنة (أي التي شهدت للمديون بالاعسار) بتلف أمواله، قضى بها و لم يكلّف اليمين و لو لم تكن البيّنة مطّلعة على باطن أمره. أمّا لو شهدت بالاعسار مطلقا (أي من غير تعرّض لتلف أمواله) لم يقبل حتّى يكون مطّلعة على أموره بالصحبة المؤكّدة، و للغرماء احلافه دفعا للاحتمال الخفي.

و ان لم يعلم له أصل مال و ادّعى الاعسار قبلت دعواه، و لايكلّف البيّنة و للغرماء مطالبته باليمين. و اذا قسّم المال بين الغرماء وجب اطلاقه».(1)

و في الجواهر - بعد نقل خلاصة كلام المحقّق في كتاب المفلّس - قال: «و في محكي التذكرة: «فاذا حبسه فلايغفل عنه بالكلّيّة، و لو كان غريبا لايتمكّن من اقامة


1) - شرائع الاسلام 2: 95 و 96.

البيّنة وكّل به القاضي من يبحث عن منشئه و منتقله و تفحّص عن أحواله بقدر الطاقة فاذا غلب على ظنّه افلاسه شهد به عند القاضي لئلاّ تتخلّد عليه عقوبة السجن». و هذا التفصيل قد نسبه بعضهم الى الشهرة».(1)

ملخّص التفصيل: اذا كان له مال في السابق و ادّعى الاعسار في الحال و لم يصدّقه المدّعي، فان أقام البيّنة على اعساره و شهدت - مطّلعة على باطن أمره - بتلف أمواله قضى بها و لم يكلّف اليمين، و الاّ حبس حتّى يثبت اعساره. و لو لم يعلم له مال سابقا و ادّعى الاعسار قبلت دعواه و لايكلّف البيّنة، و للغرماء مطالبته باليمين.

الثاني هو القول المنسوب الى المفيد و أبي الصلاح: فالأوّل قال: «و ان لم يعلم صحّة دعواه في الاعسار كان له حبسه».(2)

و قال أبو الصلاح الحلبي: «و ان ادّعى المقرّ أو المشهود عليه اعسارا يعلمه الحاكم أو تقوم به بيّنة في الحال لم يحبسه ولكن يقرّر عليه ما يفضل من مكسبه عن قوته و عياله لغريمه. و ان لم يعلم ذلك من حاله و لا قامت به البيّنة حبسه و كشف عن أمره».(3)

الثالث هو قول المحقّق الأردبيلي حيث قال(4)بأنّه لايحلّف مدّعي الاعسار،و ان كان بعد اليسار و يخلّى سبيله و لايتوقّف على اقامة البيّنة.

أقول:

فلنذكر أوّلاً الروايات الواردة في الباب حتّى يتبيّن الحال:

ففي رواية الأصبغ بن نباتة عن أميرالمؤمنين عليه السلام:


1) - جواهر الكلام 40: 168.

2) - المقنعة: 733.

3) - الكافي: 447.

4) - مجمع الفائدة و البرهان 12: 135.

«أنّه قضى أن يحجر على الغلام حتّى يعقل، و قضى عليه السلام في الدين أنّه يحبس صاحبه، فان تبيّن افلاسه و الحاجة فيخلّى سبيله حتّى يستفيد مالاً، و قضى عليه السلام في الرجل يلتوي على غرمائه أنّه يحبس ثمّ يؤمر به فيقسّم ماله بين غرمائه بالحصص، فان أبى باعه، فقسّمه بينهم».(1)

و في رواية غياث بن ابراهيم(2)عن جعفر عن أبيه:

«أنّ عليّا عليه السلام كان يحبس في الدين فاذا تبيّن له حاجة و افلاس خلّى سبيله حتّى يستفيد مالاً».(3)

و في رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام:

«أنّ امرأة استعدت على زوجها أنّه لاينفق عليها، و كان زوجها معسرا فأبى أن يحبسه، و قال: انّ مع العسر يسرا».(4)

و في رواية ثانية له عن جعفر عن أبيه:

«أنّ عليّا عليه السلام كان يحبس في الدين ثمّ ينظر فان كان له مال أعطى الغرماء، و ان لم يكن له مال دفعه الى الغرماء فيقول لهم: اصنعوا به ما شئتم، ان شئتم أجّروه و ان شئتم استعملوه».(5)

فظاهر الروايات أنّ جواز الحبس فيما لم يعلم اعساره، و أمّا اذا تبيّن اعساره فلايحبس.

و أمّا بالنسبة الى كيفيّة تبيين حاله - اذا ادّعى الاعسار - عند القاضي فامّا أن يقبل دعوى المدّعي أو لايقبل دعواه، فعلى الأوّل لايحبس و قد تقدّم حكمه في الفرع السادس.


1) - وسائل الشيعة 27: 247 / الباب 11 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - في المصدر: غياث عن أبيه. هامش الوسائل

3) - وسائل الشيعة 18: 418 / الباب 7 من كتاب الحجر / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 18: 418 / الباب 7 من كتاب الحجر / الحديث 2.

5) - وسائل الشيعة 18: 418 / الباب 7 من كتاب الحجر / الحديث 3.

و على الثاني فامّا أن يقوم المدّعى عليه البيّنة على اعساره أم لا. فعلى الثاني يحبس حتّى يتبيّن حاله.

و على الأوّل فامّا أن تشهد البيّنة أنّه كان ذا مال و تلف ماله، أو تشهد باعساره من غير اشارة الى حاله السابق. فعلى الأوّل يثبت اعساره فيحكم القاضي به. و على الثاني فيسئل القاضي عن الشهود حاله، فان علموا حاله السابق فامّا أن يقولوا باعساره أو بكونه ذا مال فتلف، فيحكم باعساره. و ان قالوا بأنّه صرف أموال الديّان في المعصية فأتلفها شدّد عليه، و ان قالوا لم نطّلع على حاله السابق ولكن نعلم أنّه في الوقت الحالي معسر يحكم عليه بالاعسار.

فما هو الظاهر من هذه الروايات و ظاهر قوله تعالى: «و ان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة» أنّ الاعسار شرط الانظار، فما لم يحرز الشرط و لم يتبيّن كونه معسرا لايجب انظاره فتكون النتيجة جواز اجباره و حبسه. و يؤيّدها ما في رواية عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال:

«كما لايحلّ لغريمك أن يمطلك و هو موسر فكذلك لايحلّ لك أن تعسره اذا علمت أنّه معسر».(1)

و قد يقال بأنّ اليسار شرط الاجبار و الحبس، فما لم يتبيّن كونه موسرا لايجوز التغليظ عليه و تكون النتيجة هو وجوب الانظار و عدم جواز الحبس، و يؤيّده رواية المجاشعي عن الرضا عن آبائه عن علي عليهم السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: ليّ الواجد بالدين يحلّ عرضه و عقوبته ما لم يكن دينه فيما يكره اللّه عزّوجلّ».(2)

و فيه - مضافا الى ضعف الرواية من جهة السند - أنّه لم يظهر منها أنّ اليسار شرط العقوبة بحيث لو لم يتبيّن كونه موسرا لايجوز التغليظ عليه. نعم، يظهر منها


1) - وسائل الشيعة 18: 334 / الباب 8 من أبواب الدين و القرض / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 18: 333 / الباب 8 من أبواب الدين و القرض / الحديث 4.

أنّ من موارد حلّيّة العقوبة مطل الموسر. بخلاف الروايات المتقدّمة و ظاهر الآية.

فلو سلّمنا أنّ الأدلّة ليست ناظرة الى هذه الجهة و أنّ الاذعان بأحد الأمرين مشكل حتّى تصل النوبة الى الأصول، ولكن - كما قال صاحب الجواهر(1)- صفة الاعسار المعلّق عليها حكم الانظار لاتثبت بأصالة عدم المال، كما لايثبت اليسار بأصالة بقاء المال؛ لأنّهما صفتان وجوديّتان، و ليس هما عين عدم المال و وجوده، بل لو سلّم أنّهما من لوازم ذلك فالأصل حجّة في الشيء نفسه لا في لوازمه.

و لو سلّمنا اجراء أصل العدم يمكن أن يقال بمعلوميّة انقطاع أصالة عدم المال التي قبل الولادة، و لم يعلم انقطاعها بما يقتضي اليسار للدين المدّعى أوّلاً، و لا أصل ينقّح ذلك؛ لأنّه شيء جديد غير عدم المال السابق فيحتاج الى البيّنة في تحقّق شرط الانظار الذي هو الاعسار، و هو لايقتضي اشتراط استحقاق الوفاء باليسار كي يكون غير متحقّق.

في الانكار

و أمّا الانكار، فاذا قال: «لا حقّ له عليّ» فان كان المدّعي يعلم أنّه موضع المطالبة بالبيّنة، فالحاكم بالخيار ان شاء قال للمدّعي: ألك بيّنة؟ و ان شاء سكت. أمّا اذا كان المدّعي لايعلم أنّه موضع المطالبة بالبيّنة، وجب أن يقول الحاكم ذلك أو معناه. فان لم يكن له بيّنة عرّفه الحاكم أنّ له اليمين. و لايحلف المدّعى عليه الاّ بعد سؤال المدّعي؛ لأنّه حقّ له فيتوقّف استيفاؤهعلى المطالبة. و لو تبرّع هو أو تبرّع الحاكم باحلافه، لم يعتدّ بتلك اليمين و أعادها الحاكم ان التمس المدّعي.

قد تقدّم من المصنّف رحمه الله أنّ جواب المدّعى عليه بعد طرح الدعوى من المدّعي امّا اقرار أو انكار أو سكوت، أمّا الاقرار فقد مرّ حكمه و ما يلحق به من الفروع.


1) - جواهر الكلام 40: 168.

فالبحث الآن فيما لو أنكر و قال - مثلاً - : «لا حقّ له عليّ» و نحوه ممّا يظهر منه الانكار، فالمصنّف رحمه الله أفتى بأنّ الحاكم مختار في طلب البيّنة من المدّعي ان كان المدّعي عالما بأنّ عليه البيّنة، و بوجوب طلبها منه ان لم يعلم.

و لعلّه للأصل في الأوّل، و لئلاّيضيع الحقّ في الثاني.

و في الجواهر: «بل لعلّ ذلك يجب عليه في الأوّل اذ احتمل أنّ المدّعي يزعم أنّ احضاره البيّنة منوط بطلب الحاكم، و ان كان يعلم أنّ عليه البيّنة، بل قد يقال بوجوبه عليه مطلقا؛ لأنّه مقدّمة للقضاء المأمور به بين المتخاصمين، و علمه بالحال لاينافي ذلك منه. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الظاهر أنّ الحاكم مأمور بأن يحكم بين الناس بالعدل، و من موارده حضور المتخاصمين عنده، فاذا طرح المدّعي دعواه و أنكر المنكر فمن لوازم الحكم طلب البيّنة من المدّعي سواء علم أنّه موضع المطالبة أو لم يعلم. فان لم تكن للمدّعي بيّنة عرّفه الحاكم أنّ له احلاف صاحبه سواء كان عالما بذلك أو لم يكن على نحو ما سمعته في البيّنة.

ثمّ انّ المصنّف رحمه الله كغيره من الفقهاء قال بأنّه لايحلف المدّعى عليه الاّ بعدسؤال المدّعي.

و في الجواهر: «بلا خلاف أجده هنا بل في الرياض: قولاً واحدا، و في كشف اللثام: اتّفاقا».(2)

و استدلّ المصنّف رحمه الله على ذلك بأنّ الاحلاف حقّ للمدّعي فيتوقّف استيفاؤه على مطالبته.

و في المسالك - بعد أن ذكر عدم الخلاف في هذه المسألة مع وقوع الخلاف


1) - جواهر الكلام 40: 169.

2) - جواهر الكلام 40: 170.

في حقّين للمدّعي أحدهما: فيما اذا تمّت الدعوى، ففي طلب المدّعى عليه بالجواب من دون مسألة المدّعي أم توقّفه على مسألته خلاف.

و ثانيهما: فيما اذا أقرّ المدّعى عليه، ففي الحكم عليه من دون مسألة المدّعي أو توقّفه على مسألته أيضا خلاف - قال: «و الفرق أنّ الحقّ فيهما لايغيّر الحكم بالنسبة الى المدّعي بل يؤكّده بخلاف تحليف المنكر، فانّه يسقط الدعوى، و قد يتعلّق غرض المدّعي ببقائها الى وقت آخر، امّا ليتذكّر البيّنة أو ليتحرّى وقتا صالحا لايتجرّأ المنكر على الحلف فيه و نحو ذلك، فليس للحاكم أن يستوفيه بغير اذنه».(1)

و نقل في كشف اللثام: «انّ أبا الحسين ابن أبي عمر القاضي أوّل ما جلس للقضاء ارتفع اليه خصمان و ادّعى أحدهما على صاحبه دنانير فأنكرها، فقال القاضي للمدّعي: ألك بيّنة؟ قال: لا، فاستحلفه القاضي من غير مسألة المدّعي، فلمّا فرغ قال له المدّعي: ما سألتك أن تستحلفه لي، فأمر أبو الحسين أن يعطى الدنانير من خزانته؛ لأنّه استحيى أن يحلّفه ثانيا».(2)

و في الجواهر - بعد النقض عليه بأنّه يقتضي عدم تحليفه مع عدم رضاه لا عدمه مطلقا حتّى مع قيام شاهد الحال - قال: «فالأولى الاستدلال لذلك بعدالاجماع المزبور بظاهر النصوص الآتية في اشتراط الرضا الذي لا بدّ من العلم به، و شاهد الحال انّما يفيد الظنّ».(3)

أقول:

مراده رحمه الله من النصوص موثّقة ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا رضي صاحب الحقّ بيمين المنكر لحقّه فاستحلفه، فحلف أن


1) - مسالك الأفهام 13: 447.

2) - كشف اللثام 10: 96.

3) - جواهر الكلام 40: 170 و 171.

لا حقّ له قبله، ذهبت اليمين بحقّ المدّعي فلا دعوى له. الحديث».(1)

و رواية خضر النخعي عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يكون له على الرجل مال فيجحده قال:

«ان استحلفه فليس له أن يأخذ شيئا، و ان تركه و لم يستحلفه فهو على حقّه».(2)

فتحصّل أنّ المدّعي اذا لم تكن له بيّنة عرّفه الحاكم أنّ له احلاف المدّعى عليه، فان رضي بالاحلاف، أحلفه الحاكم فيتمّ الدعوى، و الدليل على ذلك النصّ و الاجماع و ما أتى به المسالك من العلّة و يؤيّده ما ذكره في كشف اللثام.

و لو حلف المدّعى عليه من دون سؤال المدّعي و احلاف الحاكم فكان يمينه لغوا، و كذا لو أحلفه الحاكم بدون رضى المدّعي.

و في مجمع الفائدة: «لعلّه اجماعي».(3)

و أمّا لو أحلفه المدّعي بدون اذن الحاكم فالظاهر أنّه أيضا لغو، و قد ذكره الشهيدان و غيرهما من غير خلاف.

ذكر ذلك في الجواهر و تردّد فيه و قال: «و ان كان ذلك وظيفة الحاكم الاّ أنّ اقامة الدليل عليه - ان لم يكن اجماع - في غاية الصعوبة، بل لعلّ ظاهر الأدلّة الآتية خصوصا خبر اليهودي المشتمل على تحليف الوالي المعلوم كونه ليس من أهل الحكومة خلافه. انتهى ملخّصا».(4)

و الظاهر صحّة ما ذهب اليه الشهيدان و الأردبيلي رحمهم الله، و دليله ما أشار اليه في الجواهر من أنّ الاحلاف وظيفة الحاكم.


1) - وسائل الشيعة 27: 244 / الباب 9 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 246 / الباب 10 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

3) - مجمع الفائدة و البرهان 12: 137.

4) - جواهر الكلام 40: 171.

نعم، لو كان نظر الحاكم كفاية تلك اليمين التي لم تكن في حضوره فلا اشكال فيه.

في المنكر

إشارة:

ثمّ المنكر امّا أن يحلف أو يردّ أو ينكل. فان حلف سقطت الدعوى. و لو ظفر المدّعي بعد ذلك بمال الغريم لم يحلّ له مقاصّته. و لو عاود المطالبة أثم و لم تسمع دعواه. و لو أقام بيّنة بما حلف عليه المنكر لم تسمع. و قيل: يعمل بها ما لم يشترط المنكر سقوط الحقّ باليمين. و قيل: ان نسي بيّنته سمعت و ان أحلف. و الأوّل هو المروي. و كذا لو أقام بعد الاحلاف شاهدا و بذل معه اليمين و هنا أولى.

قد تقدّم أنّ القاضي بعد طرح الدعوى من المدّعي و انكار المنكر يطلب منه البيّنة، فان لم تكن له بيّنة عرّفه أنّ له اليمين على المدّعى عليه، فان رضي باحلاف المدّعى عليه أحلفه الحاكم، فان حلف سقطت الدعوى و انقطعت الخصومة ظاهرا، الاّ أنّ ذمّته مشغولة - لو حلف كاذبا - و وجب عليه تفريغها.

و أمّا المدّعي فليس له مطالبة حقّه بل و لا مقاصّته لو غلب على ماله. و بقي حقّه في ذمّة المنكر الى يوم القيامة، و ليس له معاودة المحاكمة و لاتسمع دعواهلو فعل.

كلّ ذلك ما عليه المشهور و استدلّ لهم بروايات، فيستدلّ للأوّل - أي اشتغال ذمّة المدّعى عليه - بصحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: انّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان، و بعضكم ألحن بحجّته من بعض فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا، فانّما قطعت له به قطعة من النار».(1)

و على الباقي روايات:


1) - وسائل الشيعة 27: 232 / الباب 2 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

منها موثّقة ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام - التي تقدّم بعضها - قال:

«اذا رضي صاحب الحقّ بيمين المنكر لحقّه فاستحلفه، فحلف أن لا حقّ له قبله، ذهبت اليمين بحقّ المدّعي فلا دعوى له. قلت له: و ان كانت عليه بيّنة عادلة؟ قال: نعم، و ان أقام بعد ما استحلفه باللّه خمسين قسامة ما كان له، و كانت اليمين قد أبطلت كلّ ما ادّعاه قبله ممّا قد استحلفه عليه».(1)

و منها ما رواه الصدوق في الصحيح عنه مثل ما تقدّم آنفا في موثّقته و زاد:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من حلف لكم على حقّ فصدّقوه، و من سألكم باللّه فأعطوه ذهبت اليمين بدعوى المدّعي و لا دعوى له».(2)

و منها رواية خضر النخعي - المتقدّمة - عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده قال:

«ان استحلفه فليس له أن يأخذ شيئا و ان تركه و لم يستحلفه فهو على حقّه».(3)

و رواها الصدوق بسند صحيح و زاد: «و ان حبسه فليس له أن يأخذ منه شيئا».(4)

و منها رواية عبداللّه بن وضّاح قال:

«كانت بيني و بين رجل من اليهود معاملة، فخانني بألف درهم فقدّمته الى الوالي فأحلفته فحلف، و قد علمت أنّه حلف يمينا فاجرة، فوقع له بعد ذلك عندي أرباح و دراهم كثيرة، فأردت أن اقتصّ الألف درهم التي كانت لي عنده، و أحلف عليها، فكتبت


1) - وسائل الشيعة 27: 244 / الباب 9 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 245 / الباب 9 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 27: 246 / الباب 10 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

4) - من لايحضره الفقيه 3: 185 / باب الدين و القرض / الحديث 17.

الى أبي الحسن عليه السلام فأخبرته أنّي قد أحلفته فحلف، و قد وقع له عندي مال فان أمرتني أن آخذ منه الألف درهم التي حلف عليها فعلت، فكتب: لاتأخذ منه شيئا ان كان قد ظلمك فلاتظلمه، و لولا أنّك رضيت بيمينه فحلفته لأمرتك أن تأخذ من تحت يدك ولكنّك رضيت بيمينه و قد ذهبت اليمين بما فيها. فلم آخذ منه شيئا و انتهيت الى كتاب أبي الحسن عليه السلام».(1)

و منها صحيحة سليمان بن خالد قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه و حلف ثمّ وقع له عندي مال آخذه لمكان مالي الذي أخذه و أجحده و أحلف عليه كما صنع؟ قال: ان خانك فلاتخنه و لاتدخل فيما عبته عليه».(2)

و منها مرسلة ابراهيم بن عبدالحميد في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده ايّاه فيحلف يمين صبر أن ليس له عليه شيء قال:

«ليس له أن يطلب منه، و كذلك ان احتسبه عند اللّه، فليس له أن يطلبهمنه».(3)

قال في مفتاح الكرامة: «اتّفق المسلمون على عدم سماع الدعوى ثانيا في مجلس الحلف كما نصّ على ذلك أبو طالب في الايضاح و أبو العبّاس في (ب) و اختلفوا فيما اذا أعادها في غير ذلك المجلس، فحكم العلاّمة بعدم سماع الدعوى و البيّنة وفاقا للنهاية و الخلاف و المبسوط - في موضع منه - و الكافي و الغنية و السرائر و المراسم و الشرائع و النافع و الايضاح و التحرير و الارشاد و الدروس و


1) - وسائل الشيعة 27: 246 / الباب 10 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 17: 274 / الباب 83 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 7.

3) - وسائل الشيعة 23: 286 / الباب 48 من كتاب الأيمان / الحديث 2.

اللمعة و تعليق النافع و غاية المرام و المهذّب و المسالك و الروضة و المجمع و الكفاية و المفاتيح. و قال في الخلاف و الغنية: هو المجمع عليه. و نفى عنه الخلاف في المسالك. انتهى ملخّصا».(1)

فالمستفاد من تلك الروايات - على ما ذهب اليه المشهور - سقوط الدعوى و عدم حلّيّة المطالبة للمدّعي بعد ذلك بشيء و ان كان كاذبا في يمينه و لو ظفر له بمال لم يحلّ له مقاصّته و يأثم مع معاودته المطالبة، و لاتسمع دعواه و لا بيّنته في مجلس الحلف.

أقول:

انّ المستفاد من الروايات - بعد أن تقدّم منّا مرارا من أنّ حكم القاضي لايغيّر الواقع عمّا هو عليه - هو عدم جواز التقاصّ أو المطالبة ان عدّ معارضة ظاهرا مع اليمين و حكم القاضي. فالقدر المتيقّن من سقوط الحقّ هو ما اذا لم يظهر للقاضي بطلان حكمه و كذب المنكر في حلفه. و المتيقّن من عدم جواز المطالبة هو ما اذا كان معارضة ظاهرا مع حكم القاضي و كذا التقاصّ و تحقيق القول في ذلك و بيان الحقّ فيها يتوقّف على رسم فروع:

الفرع الأوّل : في أنّه هل يتوقّف براءة المنكر على حكم الحاكم؟

هل يتوقّف سقوط الدعوى على انشاء حكم من الحاكم بذلك بعد الحلف، أو يكفي الحلف بعد طلب المدّعي و أمر الحاكم؟

قال الشيخ مرتضى الأنصاري: «ثمّ ظاهر الروايات كفاية مجرّد الحلف في سقوط الدعوى و ان لم يحكم الحاكم، بل قيل: انّه ظاهر اطلاق الفتاوى. و يؤيّده


1) - مفتاح الكرامة 10: 76.

أنّ الشارح المقدّس(1)ذكر من جملة وجوه عدم احتياج ثبوت الحقّ باليمين المردودة الى حكم الحاكم «انّ سقوط الحقّ بيمين المنكر لايحتاج اليه فكذا ثبوته بيمين المدّعي» فانّ الظاهر من ذلك كون المقيس عليه مفروغا عنه فيكون كالاقرار. لكن الحكم به لايخلو عن اشكال؛ لأنّ الاطلاقات - كما تقدّم - مسوقة لبيان أسباب الحكم، لا أسباب نفس قطع الدعوى، و لذا لم يذكر اعتبار حكم الحاكم في شيء من أدلّة البيّنة. و لذا قيل: انّ التحقيق حاجة اليمين الى الحكم أيضا».(2)

و قال في الجواهر: «ثمّ انّه قد يتوهّم من ظاهر النصوص سقوط الدعوى بمجرّد حصول اليمين من المنكر من غير حاجة الى انشاء حكم من الحاكم بذلك، لكن التحقيق خلافه؛ ضرورة كون المراد من هذه النصوص و ما شابهها تعليم ما به يحكم الحاكم و الاّ فلا بدّ من القضاء و الفصل بعد ذلك، كما أومئ اليه بقوله صلى الله عليه و آله: «انّما أقضي بينكم بالبيّنات و الأيمان» بل لو أخذ بظاهر هذه النصوص و شبهها لم يحتج الى انشاء الحكومة من الحاكم مطلقا؛ ضرروة ظهورها في سقوط دعوى المدّعي و ثبوت الحقّ بالبيّنة و نحوها، فتأمّل جيّدا».(3)

أقول:

اذا راجع المتخاصمان الحاكم فظاهر رجوعهما اليه هو طلبهما الحكم بينهما، فعلى القاضي أوّلاً أن يسمع دعواهما، و ثانيا طلب البيّنة من المدّعي ان لم يقرّ المدّعى عليه بما ادّعاه المدّعي و أنكره، و ثالثا تحليف المنكر باذن المدّعي ان لم تكن له بيّنة. فهذه الأمور أحكام من الشارع الحكيم للقاضي حتّى يكون حكمه بالعدل و بما أنزل اللّه، و بعد التحليف فعليه الحكم.


1) - المقدّس الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 12: 140.

2) - كتاب القضاء و الشهادات: 211.

3) - جواهر الكلام 40: 175 و 176.

و بناءً عليه فالروايات المذكورة و أشباهها و ما وردت في أبواب البيّنة كلّها بيان الأحكام للقاضي و بيان لأسباب الحكم حتّى لايحكم بشيء على هواه و على غير علم.

و يدلّ على ذلك أنّ الراوي في المقبولة - بعد قوله عليه السلام: «ينظران الى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فانّي قد جعلته عليكم حاكما فاذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فانّما استخفّ بحكم اللّه و علينا ردّ و الرادّ علينا الرادّ على اللّه و هو على حدّ الشرك باللّه». - قال: «فان كان كلّ رجل اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما و لايلتفت الى ما يحكم به الآخر».(1)

فاذا حلف المنكر و حكم الحاكم بسقوط الدعوى فسقطت فلو علم الحاكم بعد حكمه أنّ المنكر كذب في يمينه، فيجب عليه نقضه و كذا لو علم الحاكم الآخر خطأ الحاكم الأوّل في الحكم ينقضه، و ذلك لما تقدّم منّا من أنّ حكم الحاكم لايغيّر الواقع عمّا هو عليه.انّما الكلام فيما اذا لم يرجعا الى القاضي، فرضي كلاهما بيمين المنكر، فاستحلفه المدّعي، فحلف فهل يكون حكمه الشرعي مثل ما حكم به القاضي؟

ظاهر موثّقة ابن أبي يعفور و صحيحة سليمان بن خالد و رواية عبداللّه بن وضّاح و ان كان ذلك الاّ أنّه يمكن أن يقال: انّ الممنوع منه في الروايات المذكورة هو الأخذ منه، و التقاصّ فيما اذا كان مال المنكر عنده أمانة أو بعنوان تجارة و نحوها كما يظهر من قوله عليه السلام في صحيحة سليمان بن خالد: «ان خانك فلاتخنه، و لاتدخل فيما عبته عليه»، و كذا قوله عليه السلام في رواية عبداللّه بن وضّاح: «ان كان قد


1) - وسائل الشيعة 27: 106 / الباب 9 من أبواب صفات القاضي / الحديث 1.

ظلمك فلاتظلمه»، و أمّا لو وجد مال الغريم عنده من غير جهة الأمانة و التجارة فلايبعد أن يقال بعدم البأس بمقاصّة ماله منه.

نعم، لو تخاصما بعد ذلك فيجوز لهما مراجعة الحاكم؛ لاطلاق مقبولة عمر بن حنظلة و نظائرها. و أمّا لو حلف المنكر من دون استحلاف المدّعي فلا ثمرة فيه.

الفرع الثاني : في أنّه هل هناك فرق بين الدين و العين أو لا؟

قال في مستند الشيعة: «و مقتضى اطلاق أكثر الأخبار أو عمومها و كذا الفتاوى عدم الفرق في ذلك بين دعوى العين و الدين، و لازمه أنّه لو ظفر صاحب العين بها بعد الحلف لم يجز له أخذها، و لو أخذها كان فعل حراما كما هو مقتضى قوله عليه السلام: «ذهبت اليمين بحقّ المدّعي» و قوله عليه السلام: «فلا حقّ له»، الاّ أنّه يمكن أن يقال: انّ المستفاد من قوله صلى الله عليه و آله: «قطعت له قطعة من النار» و «لايأخذنّه» في صحيحة سعد و هشام و تفسير الامام عليه السلام و النهي عن الأكل، أنّه لايملكه الحالف و لايملكه غيره أيضا، فالعين باقية على ملكيّة المالك ألبتّة؛ ضرورة عدم تملّك غيرهما. بل يدلّ قوله: «لايأخذنّه» على أنّ للمالك التصرّف فيه، فيكون له فيه حقّ،و ليس جميع أنواع الحقّيّة الدنيويّة منتفية عنه.

و به يحصل نوع من الاجمال في الحقّ المنفي، فيقتصر فيه على المصرّح به في الأخبار من الادّعاء و المطالبة و التقاصّ، و يبقى غير ذلك، و هو مقتضى الاستصحاب أيضا فلاتخرج العين عن ملكيّة المالك، فله التصرّف فيها و أخذها لو أمكن بدون الدعوى و المطالبة و التقاصّ. و لايجوز لغيرهما العالم بالحقيقة ابتياعها عن الحالف و لا ردّها اليه لو وقعت في يده. و يجب على وارث الحالف المطّلع ردّها، و على الغير أمر الحالف بالردّ من باب النهي عن المنكر، و كذا في

الدين، فانّه يجب على العالم بالواقع نهيه عن ذلك المنكر».(1)

و نظير ذلك كلام الشيخ الأنصاري رحمه الله في كتاب القضاء و الشهادات.(2)

أقول:

الظاهر أنّ ما ذهب اليه في المستند و كذا الشيخ الأعظم رحمه الله هو الصحيح، و الدليل على ذلك - مضافا الى ما استدلّ به في المستند - ما أتى به الشيخ رحمه الله من قصور دلالة الأخبار عن شمول العين، و مخالفتها للأصل و عدم مقاومتها لقاعدة تسلّط الناس على أموالهم، و امكان حملها على الاستحباب أو على صورة عدم العلم بكذب الحالف؛ لأنّ الأصل في يمين المسلم الصدق. و كذا ما استدلّ به الجواهر(3)من أنّ استفادة حرمة التصرّف في العين من المالك من النصوص الآتية لاتخلو من صعوبة.

الفرع الثالث : في احتساب ما على المنكر خمسا أو زكاة أو غيرهما

من الفرع الثاني - و أنّ المدّعي اذا علم أنّ العين ملكه فلايسقط حقّه عنها بمجرّد الحلف و حكم القاضي - يعلم جواز احتساب ما عليه خمسا أو زكاة اذا كان من أهلها أو ابرائه من الدين، و كذا جواز شراء العين المحلوف عليها من الحالف و التصرّف فيها بعده و ان كان الشراء باطلاً؛ لأنّ المفروض أنّها باقية على ملكه. و كذا يجوز قبولها هبة منه، و كذا عتق العبد ان كان ما يحلف عليه عبدا و كان عليه كفّارة افطار أو ظهار أو ما أشبهه، فصحّ أن يعتق العبد الذي أخذه منه المنكر و حلف على أنّه له، و أن يبرئ ذمّة المنكر و ان كان الابراء واجبا، كما اذا


1) - مستند الشيعة 17: 217.

2) - كتاب القضاء و الشهادات: 209 و 210.

3) - جواهر الكلام 40: 172.

نذر ابراء ذمّة مديون له، فجعل ذلك الابراء وفاءً لنذره، و أن يحتسب المال على المنكر اذا كان له على المدّعي دينا و هو لايعلم به مع أنّ المدّعي عالم به، فيحتسب المتنازع فيه عن دينه. و كذلك اذا كانت المرأة زوجة المدّعي و حلف المنكر و أخذ الزوجة، فانّه يطلّقها و يتزوّج أختها.

كلّ ذلك على ما بنينا عليه من بيان الروايات. بل يمكن أن نقول بذلك مطلقا حتّى على مبنى المشهور في بيان الروايات كما قال السيّد الطباطبائي ب- «أنّ القدر المتيقّن من سقوط حقّ المدّعي هو عدم جواز المطالبة و عدم جواز المقاصّة و عدم سماع الدعوى منه بعد الحلف و نحو ذلك ممّا يعدّ معارضة للمنكر كبيع العين أو هبتها من غيره، و بيع الدين أو صلحه من الغير. و أمّا ما لايعدّ معارضة كالموارد المذكورة فلا مانع منه».(1)

و ممّا ذكرنا يظهر النظر في كلام صاحب الجواهر حيث قال: «و منه عدم جواز التصرّف في العين باطنا بعد اليمين و عدم اكذاب نفسه و لو بلبس و نحوه، بل لايجوز له عتق العبد و نحوه ممّا لاينافي بقاء المال في يده بل لايصحّ الابراء منهله، كلّ ذلك لعدم حقّ له في المال في الدنيا، كما هو مقتضى قوله عليه السلام: «ذهبت اليمين بما فيها» و قوله عليه السلام: «أبطل كلّ ما ادّعاه قبله» بل هو مقتضى ما سمعته سابقا من كشف اللثام».(2)

وجه النظر ما تقدّم منّا من أنّ اليمين لاتسقط حقّ المدّعي بالنسبة الى العين و أنّ العين تبقى على ملكه.

ولكنّه رحمه الله رجع عن قوله و قال: «و ان كان هو - ان لم يكن اجماع أو شهرة معتدّ بها تجبر دلالة النصوص على ذلك - لايخلو من نظر بالنسبة الى التصرّف الذي لايكون حقّا للمدّعي على المنكر، مثل العتق و الابراء و نحوهما ممّا هو ليس حقّا


1) - ملحقات العروة 2: 63 الفصل الرابع / مسألة 8.

2) - جواهر الكلام 40: 175.

له عليه، و انّما هو تابع لأصل الماليّة التي لا ريب في بقائها بعد الحلف».(1)

الفرع الرابع : فيما اذا كان المتنازع فيه غير مال أو مال غير المدّعي

ظاهر الفتاوى و النصوص أنّ الأحكام المترتّبة على حلف المنكر مختصّة بالأموال فلاتشمل مثل باب الفروج و النسب و نحوهما، فاذا ادّعى الزوج زوجته و أنكره الآخر و لم يكن للزوج بيّنة و حلف المنكر و تصاحب الزوجة فكان مقتضى القاعدة أنّ الزوج اذا ظفر بزوجته و تمكّن منها فله أن ينزعها من يد المنكر الغاصب.

و كذلك اذا ادّعى الأب أنّ الولد له و أنكره شخص و حلف بما يوجب الحاق الولد به، لم يخرج الولد عن بنوّة الأب الحقيقي في أيّ شأن من الشؤون من التوارث و المحرميّة و قضاء صلاة الأب و وجوب النفقة و غير ذلك، كما لايجوزللرجل المجحودة زوجته أن يتزوّج أمّها و أختها و بنتها الى غير ذلك.

و لو حلف على ما يلازم نفي امتلاك المال فالظاهر أنّه كذلك و أنّ الحلف لايسقط امتلاك المال كما لو حلف على أنّه ليس بوارث و لا زوجة فلايسقط الارث و لا الصداق؛ اذ ظاهر الدليل هو الحلف على عدم امتلاك المال و ليس المقام كذلك.

و يلحق به ما لو كان المتنازع فيه مال غير المدّعي، كما لو كان وكيلاً أو وليّا على صغير أو مجنون أو وصيّا أو متولّيا لوقف، فتنازع في مال غيره فأنكره المنكر و حلف عليه و حكم القاضي على طبق الحلف، فيجوز له العمل بوظيفته بأن يراجع القاضي ليوضّح له كذب المنكر في حلفه حتّى ينقض الحكم أو بأن يراجع حاكما آخر كذلك و نحوهما، و ذلك لانصراف الأدلّة الى مال نفس


1) - جواهر الكلام 40: 175.

المدّعي و لأنّ الحكم على خلاف القاعدة فاللازم الاقتصار على القدر المتيقّن.

الفرع الخامس : فيما اذا أقام المدّعي بيّنة بعد حلف المنكر

ففيه أربعة أقوال:

الأوّل: عدم السماع مطلقا و هو الذي ذهب اليه المشهور بل عن الشيخ في الخلاف(1)و ابن زهرة في الغنية(2)الاجماع عليه.

الثاني: السماع مطلقا و هو قول الشيخ في موضع من المبسوط.(3)

الثالث: السماع الاّ اذا اشترط السقوط، و هو قول المفيد في المقنعة(4)و ابنحمزة في الوسيلة، و الكامل و المراسم على ما حكي عنهم.(5)

الرابع: عدم السماع الاّ اذا نسي المدّعي البيّنة و هو قول الشيخ في موضع آخر من المبسوط(6)، و العلاّمة في المختلف و الحلبي و العجمي على ما حكي عنهم.(7)

أقول:

الصور المتصوّرة في هذا الفرع ثلاث:

الأولى: أقام المدّعي بيّنة في مجلس الحلف و بعد حكم القاضي فتارة يظنّ القاضي كذب المنكر و أنّ حكمه كان باطلاً، فعند ذلك يجوز له بل يجب عليه


1) - كتاب الخلاف 6: 294 / مسألة 40.

2) - غنية النزوع: 445 و 446.

3) - المبسوط 8: 158.

4) - المقنعة: 733.

5) - مفتاح الكرامة 10: 77.

6) - المبسوط 8: 310.

7) - مفتاح الكرامة 10: 77.

سماع البيّنة. و أخرى لايظنّ بذلك فلاتسمع؛ لما تقدّم من موثّقة ابن أبي يعفور، فالقدر المتيقّن منها هذه الصورة.

في اكذاب الحالف نفسه

إشارة:

الثانية: اذا علم المدّعي كذب المنكر في حلفه فجاز له اقامة البيّنة في غير مجلس الحلف عند ذلك القاضي نفسه أو القاضي الآخر، فان اتّضح للقاضي من البيّنة كذب المنكر جاز بل وجب نقض الحكم، فان لم يتّضح له و لم يصل حدّ العلم فلايجوز نقض الحكم؛ لموثّقة ابن أبي يعفور.

الثالثة: اذا ادّعى المدّعي بعد حلف المنكر بل بعد حكم القاضي أنّه نسي البيّنة أو لم يعلم بها، ففي هذه الصورة تسمع بيّنته أيضا ان لم يكن موردا للتهمة و يحتمل القاضي صدق دعواه.

أمّا لو أكذب الحالف نفسه جاز مطالبته، و حلّ مقاصّته ممّا يجده له مع امتناعه عن التسليم.

بناءً على ما ذهبنا اليه و أوضحناه في الفروع السابقة - من أنّ اليمين الكاذبة و حكم الحاكم على طبقها لايغيّران الواقع عمّا هو عليه، و يبقى ملك المالك بحاله و أنّ القدر المتيقّن من الروايات المذكورة هو عدم جواز المعارضة الظاهرة مع اليمين و حكم الحاكم و عدم جواز المطالبة و التقاصّ اذا لم يكن له بيّنة و عدم جواز ترتّب أثر على دعواه اذا لم يظهر للقاضي كذب المنكر - فلا كلام في هذا الفرع من جواز أخذ المال لو ردّه المنكر و مطالبته و مقاصّته لو أكذب نفسه و لم يردّه.

و أمّا بناءً على ما ذهب اليه المشهور فيدلّ عليه أوّلاً: ما ذكره في المسالك(1)من تصادقهما حينئذ على بقاء الحقّ في ذمّة الخصم، فلا وجه للسقوط.

و ثانيا: ما ذكره المحقّق الأردبيلي حيث قال:«لأنّ اقرار العقلاء على أنفسهم


1) - مسالك الأفهام 13: 450.

جائز، و لعلّه لا خلاف فيه أيضا و لعموم دليل المقاصّة فيخصّص عموم أدلّة السقوط بالعقل و النقل».(1)

و ثالثا: دعوى الاجماع عن المهذّب و الصيمري كما في الجواهر.(2)

و رابعا: موثّقة مسمع أبي سيّار قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: انّي كنت استودعت رجلاً مالاً، فجحدنيه و حلف لي عليه، ثمّ انّه جاءني بعد ذلك بسنتين بالمال الذي أودعته ايّاه، فقال: هذا مالك فخذه، و هذه أربعة آلاف درهم ربحتها فهي لك مع مالك، و اجعلني في حلّ، فأخذت منه المال، و أبيت أن آخذ الربح منه، و رفعت المال الذي كنت أستودعته، و أبيت أخذه حتّى أستطلع رأيك، فما ترى؟ فقال: خذ نصف الربح و أعطه النصف، و حلّله فانّ هذا رجل تائب و اللّه يحبّ التوّابين».(3)

و خامسا: ما عن فقه الرضا عليه السلام في باب التجارات و البيوع:

«و اذا أعطيت رجلاً مالاً فجحدك و حلف عليه ثمّ أتاك بالمال بعد مدّة و بما ربح فيه و ندم على ما كان منه فخذ منه رأس مالك و نصف الربح، و ردّ عليه نصف الربح، هذا رجل تائب».(4)

و أورد على الكلّ في المستند(5):

أمّا الأوّل فبأنّه اجتهاد في مقابلة النصّ أو مصادرة على المطلوب.

و أمّا الثاني فبأنّ مقتضى جواز الاقرار الحكم بتعلّقه بما في ذمّته حينئذ واقعا، و لا دلالة لذلك على جواز المطالبة أو التقاصّ أصلاً، فانّه ليس بأقوى من علم


1) - مجمع الفائدة و البرهان 12: 137.

2) - جواهر الكلام 40: 173.

3) - وسائل الشيعة 23: 286 / الباب 48 من كتاب الأيمان / الحديث 3.

4) - فقه الرضا: 252.

5) - مستند الشيعة 17: 219 و 220.

المدّعي نفسه بذلك، مع أنّهم صرّحوا بأنّه اذا لم يقرّ لايجوز له المطالبة أو التقاصّ، و صرّحوا بأنّه لاتبرأ ذمّة الحالف في نفس الأمر.

و أمّا عموم دليل المقاصّة فبأنّ أدلّة التقاصّ أعمّ مطلقا من صحيحة سليمان بن خالد و رواية ابن وضّاح المتقدّمتين، و القاعدة تخصيصها بهما.

و أمّا ما عن فقه الرضا عليه السلام فبأنّ محلّ الكلام جواز الدعوى و المطالبة و التقاصّ دون جواز الأخذ لو بذل الحالف المال، فانّه جائز مع الاقرار.

ثمّ قال: «و الأحوط أنّه ان بذله الحالف أخذه كما في غير الاقرار أيضا، و الاّ فلايقتصّ و لايطالب و لايدّعيه».(1)

و الجواب أوّلاً: انّ مقتضى «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز» كون ذلك سببا جديدا للاستحقاق غير ما أسقط باليمين، فلا معنى للقول بأنّه اجتهاد في مقابلة النصّ، فانّ النصّ ورد في مورد انكار المدّعى عليه و أين هذا من الاقرار، فلايندرج الاقرار في النصّ حتّى يقال بأنّه اجتهاد في مقابلة النصّ أو مصادرة علىالمطلوب.

و أمّا قوله رحمه الله بأنّ أدلّة التقاصّ أعمّ مطلقا من صحيحة سليمان بن خالد و رواية ابن وضّاح، و القاعدة تخصيصها بهما، ففيه: أوّلاً: انّ محلّ الكلام جواز الدعوى و المطالبة و التقاصّ دون جواز الأخذ لو بذل الحالف.

و ثانيا: ما مرّ آنفا من أنّ الاقرار سبب جديد فيؤخذ المال باقراره.

و ثالثا: انّ التدقيق في الموثّقة يعطي أنّ أخذ المال منه مفروغ عنه، و أنّ القاعدة أنّ الربح للمالك الاّ أنّه لمّا كان تائبا ينبغي الترحّم عليه بأن يعطيه نصف الربح. هذا مضافا الى عدم الخلاف أو الاجماع في المسألة.

قال في الجواهر: «فما عن بعض من المناقشة في الحكم هنا بعدم نصّ فيه و


1) - مستند الشيعة 17: 220.

لا دليل يخصّ به أو يقيّد النصوص السابقة، في غير محلّه».(1)

فرع : في أنّ الاكذاب لاينقض حكم الحاكم

قد تقدّم أنّه لو أكذب الحالف نفسه جاز مطالبته و حلّ مقاصّته ان امتنع عن تسليم حقّ المدّعي، و الظاهر أنّ هذا الحكم الشرعي محفوظ لدى المدّعي و من له الحقّ، الاّ أنّه لايوجب نقض حكم الحاكم الاّ أن يكذّب الحالف نفسه عند الحاكم ليحكم عليه.

و بناءً عليه لو اقتصّ المدّعي حقّه بعد الاقرار و الامتناع، ثمّ راجع الحالف المكذّب، الحاكم و ادّعى أنّ صاحبه أخذ ماله منه، فعلى الحاكم أن يحضره و يسئل عنه، فان أنكر فعلى المراجع - و هو الحالف الذي يكذّب نفسه عند المدّعي - البيّنة؛ لأنّه يكون مدّعيا حينئذ، و ان أقرّ و قال بأنّ المنكر الحالف أكذبنفسه، و قال المنكر بأنّه لم يكذّب نفسه فعلى مدّعي التكذيب، البيّنة تشهد بأنّ المنكر الحالف أكذب نفسه و أقرّ له بحقّه، فان لم يكن له بيّنة على التكذيب فأخذ منه المال و ردّه الى الحالف.

و ان ردّ اليمين على المدّعي لزمه الحلف. و لو نكل سقطت دعواه.

فيما اذا ردّ المنكر اليمين على المدّعي

إشارة:

و ان ردّ المنكر اليمين على المدّعي لزمه الحلف، ان أراد تحصيل حقّه. فلو لم يحلف و نكل سقطت دعواه، و الدليل عليه روايات:

منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام في الرجل يدّعي و لا بيّنة له قال:


1) - جواهر الكلام 40: 174.

«يستحلفه، فان ردّ اليمين على صاحب الحقّ فلم يحلف فلا حقّ له».(1)

و منها رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يدّعى عليه الحقّ، و لا بيّنة للمدّعي قال:

«يستحلف، أو يردّ اليمين على صاحب الحقّ، فان لم يفعل فلا حقّ له».(2)

و منها صحيحة هشام عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«تردّ اليمين على المدّعي».(3)

و منها رواية عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:

«قلت للشيخ عليه السلام(4): خبّرني عن الرجل يدّعي قبل الرجل الحقّ،(فلم تكن)(5)له بيّنة بما له، قال: فيمين المدّعى عليه، فان حلف فلا حقّ له (و ان ردّ اليمين على المدّعي فلم يحلف، فلا حقّ له)(6)(و ان لم يحلف فعليه)(7). الحديث».(8)

و منها رواية أبي العبّاس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا أقام الرجل البيّنة على حقّه فليس عليه يمين، فان لم يقم البيّنة


1) - وسائل الشيعة 27: 241 / الباب 7 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 241 / الباب 7 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 27: 241 / الباب 7 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 3.

4) - و المراد من الشيخ عليه السلام هو الامام موسى بن جعفر عليهماالسلام كما ذكره في الفقيه 3: 63 / باب الحكم على المدّعي على الميّت / الحديث 1.

5) - في الفقيه: فلايكون. هامش الوسائل

6) - ما بين القوسين ليس في المصدر. هامش الوسائل

7) - ما بين القوسين ليس في الفقيه. هامش الوسائل

8) - وسائل الشيعة 27: 236 / الباب 4 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

فردّ عليه الذي ادّعى عليه اليمين، فان أبى أن يحلف فلا حقّ له».(1)

و منها مرسلة أبان عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يدّعى عليه الحقّ و ليس لصاحب الحقّ بيّنة، قال:

«يستحلف المدّعى عليه، فان أبى أن يحلف و قال: أنا أردّ اليمين عليك لصاحب الحقّ، فانّ ذلك واجب على صاحب الحقّ أن يحلف، و يأخذ ماله».(2)

و منها رواية جميل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا أقام المدّعي البيّنة فليس عليه يمين، و ان لم يقم البيّنة فردّ عليه الذي ادّعى عليه اليمين فأبى، فلا حقّ له».(3)

و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه، و هو الحجّة بعد النصوص المستفيضة أو المتواترة».(4)

فروع:

الفرع الأوّل : فيما استثناه الأصحاب من ردّ اليمين على المدّعي

قال في المسالك: «اذا ردّ اليمين على المدّعي فله ذلك، الاّ في مواضع: منها: دعوى التهمة، و قد عرفت. و منها: دعوى وصي اليتيم مالاً على آخر فأنكر، سواء نكل عن اليمين أم أراد ردّها، فانّه لايمكن منه؛ لأنّ الوصي لاتتوجّه عليه يمين. و منها: لو ادّعى الوصيّ على الوارث أنّ الميّت أوصى للفقراء بخمس أو زكاة أو حجّ و نحو ذلك ممّا لا مستحقّ له بخصوصه، فأنكر الوارث ذلك، فانّه يلزم باليمين أو


1) - وسائل الشيعة 27: 243 / الباب 8 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 27: 242 / الباب 7 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 5.

3) - وسائل الشيعة 27: 242 / الباب 7 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 6.

4) - جواهر الكلام 40: 176.

الاقرار و لو كان يتيما أخّر حتّى يبلغ».(1)

و في الجواهر - بعد نقل الموارد المذكورة - قال: «لعدم كون الدعوى جزميّة أو لأنّ المال للغير الذي لايثبت بيمين آخر، ففي الأوّل يتخيّر المنكر بين الحلف و النكول دون الردّ الذي قد تعذّر من المدّعي؛ لعدم الجزم و كذا الأخيران. نعم، لو كان المدّعي وكيلاً و قد ردّ المنكر اليمين وقفت الدعوى حينئذ على حضور الموكّل و حلفه أو نكوله».(2)

و في مفتاح الكرامة - بعد نقل الاستثناء - قال: «و الظاهر أنّه لا نزاع في ذلك كلّه».(3)

و في مجمع الفائدة - بعد نقل الموارد - قال: «هكذا قالوه و ليس ببعيد، و حينئذ يلزم المدّعى عليه على تقدير الانكار امّا دفع الحقّ المدّعى أو اليمين».(4)

و في المبسوط قال: «لأنّ الوصي لايجوز أن يحلف عن غيره سواء ادّعى على الورثة أنّ أباهم أوصى بشيء للفقراء و المساكين فأنكروا ذلك، أو كان وصيّا عنطفل للنظر في أمره فادّعى دينا على رجل فأنكر».(5)

و قال في المستند: «انّ ردّ اليمين على المدّعي مخصوص بمورد الاجماع و النصّ و هو ما اذا كان المدّعي صاحب الحقّ و ادّعاه لنفسه، أمّا الأوّل فظاهر، و أمّا الثاني فللتصريح في جميع الأخبار المتقدّمة بقوله: «حقّه» أو «لا حقّ له» أو «صاحب الحقّ» أو «ماله». و كذا يشترط في جواز الردّ عدم المانع من يمين المدّعى عليه و لذا خصّ الأصحاب جواز الردّ أيضا بما كانت مجزومة؛ لأنّ اليمين


1) - مسالك الأفهام 13: 451.

2) - جواهر الكلام 40: 177.

3) - مفتاح الكرامة 10: 77.

4) - مجمع الفائدة و البرهان 12: 138.

5) - المبسوط 8: 214.

لايكون الاّ على البتّ و اليقين. انتهى ملخّصا».(1)

ولكن صاحب الجواهر قد ناقش فيه: «أوّلاً بظهور الأدلّة في اطلاق تخيير المنكر بين الثلاثة - أي الحلف أو الردّ أو النكول - و تعذّر حلف المدّعي في هذه الصور لاينافي بقاء التخيير المقتضي سقوط حقّ الدعوى عنه بعدم حلفه و لو لمانع، فانّ وجود المانع فيه لايرفع تخيير المنكر - الى أن قال: - و قد تدفع بدعوى ظهور النصوص في أنّ التخيير المزبور للمنكر بين الثلاثة انّما هو في المدّعي لنفسه جازما. و ثانيا بأنّ اطلاق الأدلّة شامل للولي و الوصي الجازمين بالمدّعى عليه الاّ أن يكون اجماع على ذلك. انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

اذا كان المدّعي غير جازم في دعواه، و قلنا بجواز طرح الدعوى حينئذ عند القاضي كما تقدّم، فلا معنى لقبول الحاكم ردّ الحلف من المنكر على المدّعي، و لا معنى لقول صاحب الجواهر ببقاء التخيير؛ لأنّ لازمه طلب الحاكم الحلف من المدّعي لو ردّه المنكر عليه.

و أمّا بالنسبة الى ما اذا كان وليّا أو وصيّا، فلايكون هناك نصّ على عدم جوازاليمين المردودة من قبل الوصيّ أو الوليّ الاّ ما ادّعاه في المستند من اختصاص مورد الروايات بما اذا كان المدّعي صاحب الحقّ و ادّعاه لنفسه.

و فيه: انّ المدّعي يطلق عليه صاحب الحقّ، و كذا يطلق على ما يدّعي أنّه حقّه و ان لم يدّع لنفسه و كان وصيّا أو وليّا على غيره.

و أمّا الاجماع أو عدم الخلاف، فليس بكاشف عن رأي الامام عليه السلام و لعلّه مدركيّ كما يظهر من كلام المستند بل و كذا المبسوط.


1) - مستند الشيعة 17: 225 و 226.

2) - جواهر الكلام 40: 177 و 178.

الفرع الثاني : في أنّ حلف المدّعي هل هو كالبيّنة أو كاقرار المنكر؟

قال في المسالك: «فيه قولان: أحدهما: انّه كالبيّنة؛ لأنّ الحجّة اليمين و اليمين وجدت منه. و الثاني: انّه كاقرار المنكر؛ لأنّ الوصول الى الحقّ جاء من قبل ردّه أو نكوله. و يتفرّع على القولين فروع كثيرة مذكورة في مواضعها. و منها: انّ المدّعى عليه لو أقام بيّنة على أداء المال أو على الابراء عنه بعد ما حلف المدّعي، فان جعلنا يمينه كبيّنته سمعت بيّنة المدّعى عليه. و ان جعلناها كاقرار المدّعى عليه لم تسمع؛ لأنّه مكذّب لبيّنته بالاقرار».(1)

قال في المستند: «اختلفوا في أنّ حلف المدّعي باليمين المردودة، فهل يمينه بمنزلة البيّنة أو الاقرار؟ و فرّعوا على ذلك الخلاف فروعا كثيرة مذكورة في مواضعها. و الحقّ - كما ذكره المحقّق الأردبيلي و صاحب الكفاية و والدي العلاّمة في المعتمد - عدم مستند مقبول يصحّ الاتّكاء عليه لشيء من القولين، و اللازم ارجاع كلّ فرع فرّع الى الأصول و القواعد و اعتبار الأدلّة فيها».(2)

و في الجواهر: «انّ فخر المحقّقين قال: انّ اليمين المردودة اذا وقعت من المدّعي تكون كالبيّنة و قد قوّاه الأكثرون، و استبعده في الدروس و لعلّ وجهه أنّ الذي يطلب من المدّعي البيّنة، و اليمين المردودة قامت مقامها في الاثبات كما أنّ وجه الثاني اشعار ردّ المنكر على المدّعي و امتناعه عن اليمين باعترافه بالحقّ، على أنّ ثبوته بها قد جاء من قبل ردّه فهو في الحقيقة منه، فكان كاقراره - الى أن قال: - انّ المتّجه جعلها قسما مستقلاًّ برأسه، و حينئذ فالحكم في الفرع الأوّل - و هو اقامة المدّعى عليه البيّنة بعد حلف المدّعي - السماع؛ لعموم قبول البيّنة بعد ما عرفت من اختصاص الأحكام المزبورة بيمين المنكر لا مطلقا.


1) - مسالك الأفهام 13: 451.

2) - مستند الشيعة 17: 224.

لكن استظهر الأردبيلي عدم السماع؛ لظهور اقدامهما على ذلك و لظهور الأدلّة في السقوط بها كاليمين من المنكر. و هو لايخلو من وجه. و الحكم في الفرع الثاني - و هو توقّف ثبوت الحقّ بيمين المدّعي على حكم الحاكم ان كان يمينه كالبيّنة بخلاف كونها كاقرار المنكر - عدم التوقّف بناءً على أنّ التوقّف عليه مخالف للأصل و ان كان لايخلو من نظر؛ لأنّ الأصل عدم ثبوت الحقّ، اللّهمّ الاّ أن يستند الى اطلاق الأدلّة المزبورة و هو - مع أنّه غير الأصل المزبور - في معرض بيان سبب حكومة الحاكم نحو ما سمعته في يمين المنكر، لا أنّ المراد ثبوت الحقّ بمجرّد وقوعه و ان لم ينشأ الحاكم الحكم، و الاّ كان ذلك مقتضى أدلّة البيّنة أيضا و غيرها، و هو معلوم الفساد. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

قد تقدّم أنّ الروايات الواردة في أبواب القضاء تكون بيانا لأسباب حكم الحاكم، بمعنى أنّه اذا راجع الخصمان بمحضر القاضي، يريدان منه الحكم و فصل الخصومة، فلو أقام المدّعي البيّنة ينظران الحاكم كيف يحكم بعد بيّنته، فلو لم تقمبيّنة فطلب الحاكم من المنكر أن يجيب، فامّا أن يقرّ أو ينكر، فلو أقرّ فيترقّبان كذلك حكم الحاكم و كذا اذا أنكر و ردّ اليمين أو نكل. و هكذا فيما نحن فيه، فاذا حلف المدّعي اليمين المردودة، فيترقّبان حكم الحاكم، فاذا حكم للمدّعي على المدّعى عليه فقد انتهت الدعوى.

فتارة يرجع المنكر عمّا فعل من ردّ اليمين، و يريد أن يحلف نفسه، فلايقبل منه.

و أخرى يدّعي كذب المدّعي من غير بيّنة فلايسمع منه أيضا.

و ثالثة أقام بيّنة على أنّ المدّعي قد كذب في يمينه فالأظهر أنّه لايسمع منه


1) - جواهر الكلام 40: 178 - 180.

أيضا؛ لأنّ دعواه هذه ترجع الى انكار ما ادّعاه المدّعي فهو عين الدعوى الأولى و الفرض أنّها قد انتهت بحكم القاضي و لاتكون دعوىً جديدة.

نعم، لو ادّعى الابراء أو أداء المال اليه - كما تقدّم من المسالك و الجواهر - فهي دعوىً جديدة، فان أقام عليها البيّنة سمعت منه و رتّب عليها الأثر.

و لايخفى أنّه على ما قلناه سابقا في نقض الحاكم حكمه، فان اتّضح له على نحو العلم بعد الحكم خطؤه في حكمه لقيام البيّنة على خلافه، نقضه، و ذلك لمكان العلم لا قيام البيّنة.

و أمّا لو لم يحكم الحاكم بعد، فلو رجع المنكر عن ردّه اليمين و قال: انّي أحلف، فلايسمع منه أيضا؛ لأنّ حقّه الحلف و قد سقط بردّه، و هكذا يكون الحكم لو أقام بيّنة؛ لأنّ البيّنة ليست حقّا للمنكر، فالقاضي يحكم بيمين المدّعي و يختم الخصومة، الاّ أن يحصل له الشكّ في صدق المدّعي فلايجوز له الحكم حينئذ على طبق يمينه و ذلك لعدم الجزم في حكمه.

الفرع الثالث : فيما لو امتنع المدّعي من اليمين المردودة

قال في المستند: «لو لم يحلف المدّعي بعد ردّ اليمين اليه، فان كان عدم حلفه تركا له و امتناعا عنه - بأن يقول: لاأحلف أو لاأريد أن أحلف؛ لكون الحلف مكروها أو تركه مرغوبا فيه - سقط حقّه و بطلت دعواه في ذلك المجلس اجماعا، و في غيره أيضا على الأشهر الأظهر، بل عليه أكثر من تقدّم و عامّة من تأخّر؛ للأخبار المتقدّمة جميعا فليس له مطالبة الخصم بعد ذلك و لا استئناف الدعوى في مجلس آخر و لا مقاصّته. و حكى بعض الأجلّة الخلاف فيه عن المبسوط و عن موضع من القواعد، فتسمع دعواه في مجلس آخر و الأخبار المذكورة تدفعه. - الى أن قال: - و ان لم يكن عدم حلفه امتناعا و تركا - بل كان استمهالاً حتّى ينظر

في الحساب أو يسأل الشركاء أو غيرهم أو كان لأجل توقّع حضور بيّنته أو قال: أحضر البيّنة - ترك و لم يبطل حقّه على الأصحّ كما في المسالك و غيره؛ لأصالة بقاء حقّه و عدم فوريّة اليمين. و ظاهر التحرير عدم السماع حينئذ أيضا. و استشكل فيه المحقّق الأردبيلي و صاحب الكفاية؛ لعموم الأدلّة. و فيه: منع العموم، فانّ معنى قوله: «أبى أن يحلف» - كما في طائفة من الأخبار المذكورة - ترك الحلف و الامتناع منه و لايقال للمستمهل المقتدر: انّه أبى، بل هو الظاهر من قوله: «فلم يحلف» كما في طائفة أخرى؛ لأنّ الظاهر من عدم الحلف الامتناع منه، سيّما بملاحظة الطائفة الأولى، فيبقى الأصل و الاستصحاب بحاله.

و حينئذ فهل يقدّر الامهال بقدر أم لا؟ الظاهر: الثاني وفاقا للمسالك؛ للأصل و عدم الدليل و أصالة عدم اللزوم بالتقدير و لأنّ اليمين هنا لاثبات حقّه و اليمين حقّه فله تأخيره ما شاء، بخلاف المدّعى عليه».(1)

أقول:

قد ورد في الروايات أنّ البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر كما فيصحيحة جميل و هشام عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: البيّنة على من ادّعى و اليمين على من ادّعي عليه».(2)

فمادام للمدّعي بيّنة فليس للمنكر اليمين ففي صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«في كتاب علي عليه السلام: أنّ نبيّا من الأنبياء شكا الى ربّه فقال: يا ربّ كيف أقضي فيما لم أرَ و لم أشهد؟ قال: فأوحى اللّه اليه أحكم بينهم بكتابي


1) - مستند الشيعة 17: 226 - 229.

2) - وسائل الشيعة 27: 233 / الباب 3 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

و أضفهم الى اسمي فحلّفهم به، و قال: هذا لمن لم تقم له بيّنة».(1)

فاذا لم تكن للمدّعي بيّنة فعلى المنكر اليمين ففي صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام في الرجل يدّعي و لا بيّنة له قال: «يستحلفه. الحديث».(2)

و في تفسير الامام الحسن بن علي العسكري عليه السلام عن آبائه عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال:

«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله اذا تخاصم اليه رجلان قال للمدّعي: ألك حجّة؟ فان أقام بيّنة يرضاها و يعرفها، أنفذ الحكم على المدّعى عليه. و ان لم يكن له بيّنة حلف المدّعى عليه باللّه ما لهذا قبله ذلك الذي ادّعاه و لا شيء منه. الحديث».(3)

فبهذه الروايات ثبت أنّ اقامة البيّنة حقّ للمدّعي، فاذا لم يكن له بيّنة فاليمين حقّ للمنكر، فكما أنّه اذا أقام المدّعي البيّنة فليس للمنكر اليمين فعلى الحاكم الحكم له عليه، فكذلك لو لم تكن له بيّنة و حلف المنكر و حكم الحاكم فقد سقط حقّ المدّعي.

و أمّا اذا لم يحلف المنكر و ردّ اليمين على المدّعي فتصير حقّا للمدّعي ففي مرسلة يونس - في حديث - :

«فان لم يكن له شاهد فاليمين على المدّعى عليه، فان لم يحلف و ردّ اليمين على المدّعي، فهي واجبة(4)عليه أن يحلف، و يأخذ حقّه فان أبى أن يحلف فلا شيء له».(5)

فاذا حلف المدّعي و حكم الحاكم فقد سقطت الدعوى و انفصلت الخصومة


1) - وسائل الشيعة 27: 229 / الباب 1 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 241 / الباب 7 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 27: 239 / الباب 6 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

4) - في المصدر فهو واجب. هامش الوسائل

5) - وسائل الشيعة 27: 241 / الباب 7 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 4.

و سقط حقّ المنكر، و كذا لو لم يحكم الحاكم بعد؛ لأنّ الظاهر من الروايات أنّ حقّ المنكر يسقط بردّه و حلف المدّعي. و هكذا الحكم لو ردّ اليمين و لم يحلف المدّعي بعد و لم يأب أيضا أن يحلف؛ لأنّها صارت حقّا للمدّعي و لو حلف المنكر حينئذ فقد أتى بلغو.

و على هذا فلو أبى و لم يحلف سقط حقّه، فيحكم الحاكم ببراءة ذمّة المنكر و لم يحتج الى اليمين.

نعم، لو ذكر المدّعي لامتناعه سببا معقولاً كأن قال: أريد أن آتي بالبيّنة، أو أسأل الفقهاء أو أنظر في الحساب و نحو ذلك، نظر القاضي فان لم يكن في امهاله ضرر أو فساد، أمهله. و مدّة الامهال بحسب نظر الحاكم.

قال السيّد الطباطبائي في جواز الامهال: «الظاهر أنّ له ذلك لأنّه لايصدق حينئذ أنّه لم يحلف؛ لأنّ الظاهر منه ما اذا بنى على عدم الحلف مع عدم ادّعاء البيّنة، كما أنّه لو كان عدم حلفه استمهالاً ليرى ما هو الأصلح لايكون مسقطا لحقّه».(1)

الفرع الرابع : فيما لو ردّ المدّعي اليمين على المنكر ثانيا

قال في المستند: «اذا ردّ المنكر اليمين على المدّعي فليس للمدّعي الردّ ثانيا، بلا خلاف؛ لاستلزامه التسلسل و لأنّ جواز الردّ أمر توقيفي و لا دليل عليه و لتصريح المرسلتين المتقدّمتين بوجوب اليمين عليه. و هل للمنكر استردادها و حلفه بنفسه؟ فان كان بعد حلف المدّعي فليس ذلك له، بلا اشكال و خلاف، و عن المسالك الاجماع عليه و لثبوت الحقّ على المنكر بحلفه بمقتضى الأخبار المتقدّمة فيجب على الحاكم الحكم به، و لايسقط الحقّ الثابت باليمين. و ان كان قبله فعن الشيخ - كما في الدروس و غيره - أنّه أيضا كذلك اذا لم يرض به المدّعي،


1) - تكملة العروة الوثقى 2: 65.

و هو الأصحّ؛ لأنّ كلاًّ من الحلف و الردّ و الاسترداد أمور شرعيّة موقوفة على التوقيف و لا توقيف هنا.

فان قيل: جاز للمنكر الحلف قبل الردّ فيستصحب. قلنا: يعارضه جوازه للمدّعي أيضا بعد الردّ فيستصحب، و لايمكن استصحابهما معا؛ لعدم امكان اجتماع الحلفين. فان قيل: يمكن أن يكون جوازه للمدّعي مقيّدا بعدم الاسترداد. قلنا: يعارضه امكان تقييد جوازه للمنكر أيضا بعدم الردّ، مع أنّ المصرّح به في الأخبار - كما مرّ - وجوبه على المدّعي، و ذلك يستلزم سقوطه عن المنكر حال وجوبه عليه؛ لعدم امكان بقائهما معا، فلايبقى شيء فيستصحب بل يستصحب عدمه في حقّه.

و ظاهر الدروس أنّ له ذلك. و نفى بعض الفضلاء المعاصرين عنه البعد، محتجّا بأنّ الردّ في معنى الاباحة لا الابراء، و الأصل بقاء الحقّ. و فيه: انّه ان أريد أنّه اباحة لا ابراء فمع أنّه لا معنى محصّل له نقول: انّه ليس بشيء منهما، بل أمر شرعي كمطالبة المدّعي أوّلاً عنه الحلف فانّه ليس اباحة و لا ابراءً. و ان أريد أنّه في معناها من جهة عدم اللزوم فهو مصادرة محضة. و أمّا أصل بقاء الحقّ فقد عرفت حاله. ثمّ بما ذكرنا ظهر عدم جواز الاسترداد مع رضا المدّعي أيضا؛لجريان الأدلّة فيه أيضا، و دعوى الاجماع في أمثال تلك المسائل مجازفة.

ثمّ اذا ردّ المنكر اليمين على المدّعي فهل للمدّعي الزام المنكر باحضار المال قبل اليمين؟ قال في المختلف: «لا نصّ فيه». و عن الحلبي القطع بأنّه له. و عن الشهيد الثاني العدم. و هو مختار والدي و هو الأظهر؛ للأصل و عدم ثبوت حقّ عليه بعد، و القدرة على الاثبات ليس ثبوتا».(1)


1) - مستند الشيعة 17: 222 - 224.

أقول:

ممّا تقدّم في الفرع الثالث يعلم الحكم في هذا الفرع أيضا، فانّ الردّ على المنكر ثانيا بمنزلة الاباء عن الحلف فليس للمدّعي الردّ على المنكر، فان ردّ و لم يحلف سقط حقّه، و ليس على المنكر الحلف حينئذ لسقوط الحلف عنه بردّه على المدّعي، فيحكم الحاكم للمنكر.

الفرع الخامس : في مورد جواز ردّ اليمين

قد ذكر بعض أنّ منصرف روايات ردّ اليمين على المدّعي هو الحقّ المالي، ففي مثله يجب على المنكر الحلف أو الردّ، لا في غيره من أنواع الحقّ، و ذكر لذلك مثالاً و هو أنّه لو تنازع رجل و امرأة و ادّعى الرجل زوجيّتها فأنكرت المرأة، فليس لها ردّ اليمين على الرجل على وجه لو حلف يثبت عندئذ كونها زوجته.

أقول:

اذا كان الحقّ مالاً فان كان للمدّعي بيّنة ثبت حقّه، و ان لم يكن له بيّنة فعلى المنكر الحلف أو ردّ اليمين على المدّعي فان ردّ فعلى المدّعي اليمين. كلّ ذلكاذا أراد ذو الحقّ استنقاذ حقّه المالي و لو بالحلف، فاذا فرض أنّ المنكر في الفرض ذو حقّ واقعا فاذا لم يكن للمدّعي الكاذب بيّنة فالمنكر امّا أن يحلف و يأخذ حقّه و امّا أن يردّ اليمين على المدّعي و امّا أن يرفع اليد عن حقّه تنزيها للّه تعالى عن أن يقع موردا لليمين في الحقّ المالي، فله ذلك كما روى أبو بصير عن أبي جعفر عليه السلام:

«أنّ أباه كانت عنده امرأة من الخوارج - الى أن قال: - فقضي لأبي أنّه طلّقها فادّعت عليه صداقها فجاءت به الى أميرالمدينة تستعديه، فقال له أميرالمدينة: يا علي امّا أن تحلف و امّا أن تعطيها، فقال لي: يا

بنيّ قم فأعطها أربعمائة دينار، فقلت: يا أبت جعلت فداك ألست محقّا؟ قال: بلى يا بنيّ ولكنّي أجللت اللّه أن أحلف به يمين صبر».(1)

و أمّا اذا لم يكن الحقّ مالاً كما اذا تنازع رجل و امرأة فادّعى الرجل زوجيّتها و أنكرتها، فان كانت المرأة محقّة واقعا و ليس للرجل بيّنة على دعواه فعلى المرأة اليمين على عدم الزوجيّة و ليس لها الردّ على الرجل و لا عدم الحلف تنزيها للّه تعالى، و ذلك لوقوعها في المعصية قطعا لو لم تحلف.

و أمّا لو لم تبال و ردّت اليمين على الرجل فعلى القاضي في مثل ذلك، العمل بوظيفته الظاهريّة مع عدم علمه بالقضيّة. فيردّ اليمين على المدّعي فان حلف فيحكم على طبقها.

فيما اذا نكل المنكر

إشارة:

و ان نكل المنكر بمعنى أنّه لم يحلف و لم يردّ، قال الحاكم: ان حلفت و الاّ جعلتك ناكلاً. و يكرّر ذلك ثلاثا استظهارا لا فرضا. فان أصرّ، قيل: يقضي عليه بالنكول. و قيل: بل يردّ اليمين على المدّعي، فان حلف ثبت حقّه و انامتنع سقط. و الأوّل أظهر و هو المروي.

فروع:

الفرع الأوّل : في قول الحاكم للمنكر الناكل

قد ذكر المصنّف رحمه الله أنّه اذا نكل المنكر - بمعنى أنّه لم يحلف و لم يردّ اليمين - قال له الحاكم: «ان حلفت و الاّ جعلتك ناكلاً»، و أنّه يكرّر ذلك ثلاثا، و ذهب اليه


1) - وسائل الشيعة 23: 200 / الباب 2 من كتاب الأيمان / الحديث 1.

الشيخ في المبسوط(1)، و القاضي ابن البرّاج في المهذّب(2)و العلاّمة في القواعد(3)و الشهيد الثاني في الروضة(4)، فبعضهم صرّح بأنّ الواجب مرّة واحدة و التكرار مستحبّ، كما أنّ الظاهر من قول المصنّف رحمه الله: «استظهارا لا فرضا» هو استحباب التكرار.

و في الجواهر - بعد ذكر كلام المصنّف - قال: «على ما ذكره الأصحاب، كما في الكفاية مومئا الى أنّه ان لم يكن اجماع ففيه نظر، و هو كذلك بل من وجوه، خصوصا بعد ذكرهم نحو ذلك في نكول المدّعي، و خصوصا بعد أن لم يكن النكول عنوانا لما عثرنا عليه من النصوص، و خصوصا بعد تحقّقه بالامتناع الأوّل منه من غير حاجة الى جعل الحاكم».(5)

أقول:

الظاهر عدم وجود نصّ على ذلك القول، فلا دليل عليه الاّ كلام الأصحاب و هو لايكون بحدّ يستظهر منه الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم عليه السلام، فهو موكول الى نظر الحاكم.

ولكن القول باستحبابه حسن، أوّلاً للخروج من مخالفة هؤلاء الفقهاء.

و ثانيا ليتمّ الحجّة على المنكر.


1) - المبسوط 8: 159.

2) - المهذّب 2: 585.

3) - قواعد الأحكام 3: 439.

4) - الروضة البهيّة 3: 87.

5) - جواهر الكلام 40: 182.

الفرع الثاني : فيما اذا أصرّ على النكول

قال في المسالك: «ففي حكمه قولان: أحدهما - و هو الذي اختاره المصنّف رحمه الله و قبله الصدوقان و الشيخان و الأتباع و منهم القاضي في الكامل - : أنّه يقضي عليه بمجرّد نكوله. و الثاني: انّه يردّ اليمين على المدّعي، ذهب اليه الشيخ في المبسوط و الخلاف و القاضي في المهذّب و ابن الجنيد و ابن ادريس و العلاّمة في أكثر كتبه و سائر المتأخّرين. انتهى ملخّصا».(1)

استدلّ للأوّل بروايات:

منها صحيحة جميل و هشام عن أبي عبداللّه عليه السلام:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: البيّنة على من ادّعى و اليمين على من ادّعي عليه».(2)

بتقريب أنّ مخالفة مقتضى التفصيل يحتاج الى دليل خاصّ مخرج عن حكمه، و هو موجود مع الردّ لا مع النكول، كما في المسالك.(3)

و استشكل فيه في الجواهر(4)بأنّ أقصى دلالتها على أنّ جنس اليمين علىالمنكر و أنّه وظيفته، و لا دلالة فيه على حكم النكول بل و لا منافاة بينه و بين الردّ منه أو من الحاكم القائم مقامه.

و منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الأخرس، كيف يحلف اذا ادّعي عليه دين و أنكره، و لم يكن للمدّعي بيّنة. فقال: انّ أميرالمؤمنين عليه السلام أتي


1) - مسالك الأفهام 13: 453 و 455.

2) - وسائل الشيعة 27: 233 / الباب 3 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

3) - مسالك الأفهام 13: 454.

4) - جواهر الكلام 40: 183 و 184.

بأخرس، فادّعي عليه دين و لم يكن للمدّعي بيّنة، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: الحمد للّه الذي لم يخرجني من الدنيا حتّى بيّنت للأمّة جميع ما تحتاج اليه، ثمّ قال: ايتوني بمصحف، فأتي به فقال للأخرس: ما هذا؟ فرفع رأسه الى السماء و أشار أنّه كتاب اللّه عزّوجلّ، ثمّ قال: ايتوني بوليّه فأتي بأخ له فأقعده الى جنبه، ثمّ قال: يا قنبر عليّ بدواة و صحيفة فأتاه بهما، ثمّ قال لأخي الأخرس: قل لأخيك هذا بينك و بينه انّه علي، فتقدّم اليه بذلك ثمّ كتب أميرالمؤمنين عليه السلام: واللّه الذي لا اله الاّ هو عالم الغيب و الشهادة، الرحمن الرحيم الطالب الغالب الضارّ النافع المهلك المدرك الذي يعلم السرّ و العلانية، انّ فلان بن فلان المدّعي، ليس له قبل فلان بن فلان - أعني الأخرس - حقّ، و لا طلبة بوجه من الوجوه و لا بسبب من الأسباب، ثمّ غسله و أمر الأخرس أن يشربه فامتنع فألزمه الدين».(1)

قال في المسالك: «و ظاهره أنّه لم يردّ اليمين على خصمه و الاّ لنقل، و لزم تأخير البيان عن وقت الخطاب بل عن وقت الحاجة، و أيضا فقوله: «فامتنع فألزمه» يدلّ على تعقيب الالزام للامتناع بغير مهلة لمكان الفاء، و هو ينافي تخلّلاليمين بينهما، و فعله عليه السلام حجّة كقوله. و الفرق بين الأخرس و غيره ملغىً بالاجماع».(2)

و استشكل فيه في الجواهر ب- «القطع بعدم ارادة ظاهره؛ ضرورة اشتراط الحكم بنكوله عن ردّه أيضا، فلا بدّ في اصلاحه حينئذ من تقدير، و التزام كونه موافقا لذلك ليس بأولى من جعله مخالفا له، و الحاجة هي تعليم كيفيّة حلف


1) - وسائل الشيعة 27: 302 / الباب 33 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - مسالك الأفهام 13: 454.

الأخرس لا كيفيّة الحكم في الدعوى مطلقا، على أنّه قضيّة في واقعة لا عموم فيها و موقوف على العمل به، و المشهور عدم العمل به بل هو منافٍ لما أطبق عليه الجمهور من حكاية خلافه عن علي عليه السلام».(1)

و منها صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:

«قلت للشيخ عليه السلام: خبّرني عن الرجل يدّعي قبل الرجل الحقّ، (فلم تكن)(2)له بيّنة بما له، قال: فيمين المدّعى عليه، فان حلف فلا حقّ له (و ان ردّ اليمين على المدّعي فلم يحلف، فلا حقّ له)(3)(و ان لم يحلف فعليه)(4). الحديث».(5)

بتقريب أنّه رتّب ثبوت الحقّ عليه على عدم حلفه، فلايعتبر معه أمر آخر.(6)

و ردّه في الجواهر(7)بأنّه يجري فيه ما سمعته من المناقشة في الصحيحة السابقة من عدم القائل باطلاقه، فلا بدّ من تقييده امّا بالنكول عن الردّ أيضا - كما هو مناط الاستدلال - أو بما اذا ردّ اليمين على المدّعي و حلف، و ليس بمرجوحبالاضافة الى الأوّل، بل لعلّه أرجح بملاحظة غيره من النصوص الدالّة على ذلك.

و استدلّ للقول الثاني بما روي عن النبي صلى الله عليه و آله «أنّه ردّ اليمين على طالب الحقّ»(8).

و برواية عبيد بن زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يدّعى عليه الحقّ، و لا بيّنة للمدّعي قال:


1) - جواهر الكلام 40: 184.

2) - في الفقيه: فلايكون. (هامش الوسائل)

3) - ما بين القوسين ليس في المصدر. هامش الوسائل

4) - ما بين القوسين ليس في الفقيه. هامش الوسائل

5) - وسائل الشيعة 27: 236 / الباب 4 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

6) - مسالك الأفهام 13: 454.

7) - جواهر الكلام 40: 184.

8) - سنن البيهقي 10: 184.

«يستحلف، أو يردّ اليمين على صاحب الحقّ، فان لم يفعل فلا حقّ له».(1)

و استشكل فيه بأنّ الأوّل ضعيف السند و الدلالة؛ لكونه قضيّة في واقعة لايعلم حالها أنّها في أيّ واقعة.

و بعدم الدلالة في الثاني؛ لأنّ الظاهر أنّ فاعل «يردّ» هو المدّعى عليه؛ لمناسبته لضمير «يستحلف» المقارن له، و لا أقلّ من الاحتمال المسقط للاستدلال، كما في المستند.(2)

أقول:

الظاهر أنّ الحقّ هو القول الأوّل، و ذلك أوّلاً لرواية عبيد بن زرارة المتقدّمة.

بيانه: اذا لم يكن للمدّعي بيّنة يستحلف المنكر، فان حلف فبها و ان لم يفعل فيردّ اليمين على صاحب الحقّ أي المدّعي فان لم يفعل أيضا، أي ان لم يحلف و لم يردّ فلا حقّ له، فيثبت المطلوب، بناءً على أن يكون معنى «لم يفعل» هو عدم ردّ اليمين على صاحب الحقّ.

و ثانيا لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام في الرجل يدّعي و لا بيّنة له قال:

«يستحلفه، فان ردّ اليمين على صاحب الحقّ فلم يحلف فلا حقّله».(3)

بتقريب أنّ الظاهر من قوله عليه السلام: «فان ردّ اليمين على صاحب الحقّ فلم يحلف فلا حقّ له» أنّ السبب في سقوط حقّ المدّعى عليه عدم حلفه، سواء حلف المدّعي أو لم يحلف. هذا بناءً على أن يكون فاعل قوله عليه السلام: «فلم يحلف» هو المنكر دون المدّعي.


1) - وسائل الشيعة 27: 241 / الباب 7 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

2) - مستند الشيعة 17: 236.

3) - وسائل الشيعة 27: 241 / الباب 7 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

و ثالثا لصحيحة جميل و هشام المتقدّمة فيما يستدلّ به للقول الأوّل، فانّ الظاهر منها أنّ وظيفة المنكر لاثبات حقّه، اليمين، فان أبى و لم يحلف فقد سقط حقّه سواء ردّ اليمين على غريمه أو لم يردّ.

و رابعا لصحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة الواردة في الأخرس، فانّ الظاهر من قوله عليه السلام: «فامتنع فألزمه الدين» هو سقوط حقّه، و معناه: امتنع عن الردّ و الحلف.

و كونها قضيّة في واقعة أو أنّه لم يعمل بها المشهور لايضرّ بذيل الحديث.

و لغيرها من الدلائل التي أقامها في المستند فراجع.(1)

ثمّ انّه بعد امتناع المنكر من اليمين و الردّ، يحكم الحاكم عليه و يلزمه؛ لما قلنا من أنّ حكم الحاكم هو الموجب لفصل الخصام.

الفرع الثالث : فيما لو بذل المنكر يمينه بعد النكول

قال في المسالك: «لو بذل المنكر يمينه بعد النكول لم يلتفت اليه؛ لأنّ الحقّ قدثبت عليه بالنكول بناءً على القضاء به، فلايسقط ببذله اليمين في غير وقته، كما لو بذله بعد يمين المدّعي لو قلنا بتوقّف الثبوت عليه، أو كان قد ردّه عليه. و لو لم نقض بالنكول فبذله بعده سمع منه و أحلف».(2)

أقول:

لو بذل المنكر يمينه بعد النكول، فان كان بعد حكم الحاكم فلايلتفت اليه. و


1) - مستند الشيعة 17: 231 - 235.

2) - مسالك الأفهام 13: 458.

ان كان قبل حكم الحاكم فتسمع منه، و ذلك لشبهة صدق النكول و سقوط حقّه في هذا الحال.

قال في المستند: «ظاهر عبارات الأصحاب - كما قيل و منهم الفاضلان - عدم الالتفات الى قول المنكر لو بذل بعد نكوله اليمين، بأن حلف أو يقول: ندمت من النكول بل أحلف. و خصّه المحقّق في النافع و الفاضل في التحرير بما اذا كان بعد الحكم عليه بالنكول. و نفى بعضهم الخلاف فيه في هذه الصورة على القول المختار، و في صورة احلاف الحاكم المدّعي على القول الآخر، مستدلاًّ بثبوت الحقّ على المدّعى عليه بذلك، فيستصحب الى تيقّن المسقط. - الى أن قال: - و أمّا على المختار فالظاهر ثبوته بالنكول و حكم الحاكم جزء لسبب ثبوته على الناس لا في الواقع أو على الحاكم فبالنكول يثبت الحقّ على الحاكم، فيحكم به لاثباته على الغير. فتأمّل».(1)

ثمّ انّه لو سكت المدّعى عليه بعد ما عرض الحاكم عليه اليمين فهل هو نكول أم لا؟

قال في التحرير(2)بكونه ناكلاً بعد أن عرّفه القاضي أنّه اذا عرض عليه اليمين ثلاثا و امتنع بسكوت و غيره استوفى الحقّ بيمين المدّعي.

و الأولى - كما في المستند(3)- الرجوع في ذلك الى العرف، فان دلّت القرائن الحاليّة على أنّه تارك للحلف فيصير ناكلاً.


1) - مستند الشيعة 17: 237 و 239.

2) - التحرير 2: 194.

3) - مستند الشيعة 17: 237.

في أنّه لو كان للمدّعي بيّنة لم يقل الحاكم: أحضرها

لو كان للمدّعي بيّنة لم يقل الحاكم: أحضرها؛ لأنّ الحقّ له. و قيل: يجوز، و حسن. و مع حضورها لايسألها الحاكم ما لم يلتمس المدّعي. و مع الاقامة بالشهادة لايحكم الاّ بمسألة المدّعي أيضا. و بعد أن يعرف عدالة البيّنة، يقول: هل عندك جرح؟ فان قال: نعم، و سأل الانظار في اثباته أنظره ثلاثا، فان تعذّر الجرح حكم بعد سؤال المدّعي.

قال في المسالك: «القول بأنّ الحاكم لايقول للمدّعي: «أحضر بيّنتك» للشيخ في المبسوط، فقال: «لايقول للمدّعي: أحضر بيّنتك، بل يقول له: ان شئت أقمتها، و لايقول له: أقمها؛ لأنّه أمر». و تبعه القاضي في المهذّب و ابن ادريس. و قال في النهاية: «يجوز أن يقول: أحضرها» و اختاره الأكثر و استحسنه المصنّف؛ لأنّ الأمر هنا ليس للوجوب و الالزام، بل مجرّد اذن و اعلام، خصوصا اذا لم يعرف أنّ المدّعي يعلم ذلك، فيكون ارشاده اليه مندوبا اليه. و مع حضورها لايسألها الحاكم ما لم يلتمس المدّعي لأنّ الحقّ للمدّعي في جميع ذلك كلّه، فلايستوفيه الاّ باذنه».(1)

أقول:

ليس على ما ذهب اليه المصنّف و غيره في هذه المسألة و فروعها التي ذكرت، دليل من النصّ أو الاجماع، الاّ ما أشار اليه من أنّ احضار البيّنة حقّ للمدّعي.

و الظاهر أنّ المتخاصمين اذا راجعا الحاكم يريدان أن يحكم بينهما فيما اختصما و ادّعيا، و كذا لو أوردهما عليه المأمورون الذين على عهدتهم نظم أمور البلد اذا وجدوا بين اثنين أو أكثر تخاصما و أحضروهم محضر القاضي.

فانّ الحاكم لايحضر عنده المتخاصمان في المال فقط، بل يحضر عنده


1) - مسالك الأفهام 13: 459 و 460.

المتّهمون بالسرقة أو انتهاك الحرمة أو القتل أو سدّ الطريق، ففي كلّ هذه الموارد يجب على القاضي الفحص عن حال المراجعين من أنّ أيّهم مدّعٍ و مدّعى عليه؟ و من كان مدّعيا فهل له بيّنة؟ ... الى غير ذلك من الأمور التي لها دخل في الحكم بالحقّ و حسم مادّة النزاع.

و على هذا فعلى الحاكم أن يسأل من المدّعي البيّنة، فان استمهل أمهله ان كان فيه مصلحة الطرفين بل المجتمع. فاذا أتى المدّعي بالبيّنة فان رأى مصلحة في أن يسأل المنكر عن جرح الشهود، فيسأل عنه، و كذا مدّة الامهال منوطة بنظره الى غير ذلك ممّا يرتبط به ليحكم بالحقّ بعده.

في استحلاف المدّعي مع البيّنة

إشارة:

و لايستحلف المدّعي مع البيّنة الاّ أن تكون الشهادة على ميّت فيستحلف على بقاء الحقّ في ذمّته استظهارا. و لو شهدت على صبيّ أو مجنون أو غائب، ففي ضمّ اليمين الى البيّنة تردّد، أشبهه أنّه لا يمين.

في المسألة فروع:

الفرع الأوّل : في استحلاف المدّعي مع البيّنة

قد تقدّم أنّ الروايات المعتبرة دالّة على أنّ البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر، و تقدّم أيضا أنّ المدّعي اذا لم تكن له بيّنة و لم يحلف المنكر و ردّ اليمين على المدّعي فيجب عليه اليمين المردودة.

و بالجملة فاذا أقام المدّعي البيّنة على حقّه، فان كانت دعواه على مكلّف حاضر فلا يمين عليه، و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يقيم البيّنة على حقّه، هل عليه

أن يستحلف؟ قال: لا».(1)

و رواية أبي العبّاس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا أقام الرجل البيّنة على حقّه فليس عليه يمين، فان لم يقم البيّنة فردّ عليه الذي ادّعى عليه اليمين، فان أبى أن يحلف فلا حقّ له».(2)

و لايعارضهما رواية سلمة بن كهيل عن علي عليه السلام في وصيّته لشريح:

«و ردّ اليمين على المدّعي مع بيّنته، فانّ ذلك أجلى للعمى و أثبت للقضاء».(3)

لأنّ الرواية ضعيفة السند، فانّ سلمة بن كهيل ضعيف.

قال في المسالك: «و ربما حملت على ما اذا ادّعى المشهود عليه الوفاء أو الابراء و التمس منه احلافه على بقاء الاستحقاق، فانّه يجاب اليه؛ لانقلاب المنكر به مدّعيا. و هذا الحكم لا اشكال فيه، الاّ أنّ اطلاق الوصيّة بعيد عنه، فانّ ظاهرها كون ذلك على وجه الاستظهار. و كيف كان، فالاتّفاق على ترك العمل بها على الاطلاق».(4)

و قال في مستند الشيعة: «اذا أقام المدّعي البيّنة المستجمعة للشرائط فلا يمين عليه، بلا خلاف كما في الكفاية و غيره، بل الاجماع كما عن الخلاف، و به صرّح بعض فضلائنا المعاصرين.

و يدلّ عليه الأصل و الأخبار المستفيضة المتضمّنة لقوله عليه السلام: «البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه» فانّ التفصيل قاطع للشركة، و صحيحة محمّد بن مسلم و كذا موثّقة أبي العبّاس و موثّقة جميل و رواية أبي العبّاس و مرسلة أبان


1) - وسائل الشيعة 27: 243 / الباب 8 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 243 / الباب 8 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 27: 212 / الباب 1 من أبواب آداب القاضي / الحديث 1.

4) - مسالك الأفهام 13: 461.

المتقدّمة جميعا في المسألة الخامسة من الموضع الأوّل. انتهى ملخّصا».(1)

الفرع الثاني : فيما اذا كانت الدعوى على ميّت

قال في المسالك: «و ان كانت الدعوى على ميّت فالمشهور بين الأصحاب - لايظهر فيه مخالف - أنّ المدّعي يستحلف - مع قيام بيّنته - على بقاء الحقّ في ذمّة

الميّت. و الأصل فيه رواية عبدالرحمن بن أبي عبداللّه، و هي مع اشتهار مضمونها بين الأصحاب و تلقّيها بالقبول معلّلة، فكانت مخصّصة للروايتين السابقتين (و هما صحيحة محمّد بن مسلم و رواية أبي العبّاس المتقدّمتان في الفرع الأوّل) و التعليل يقوّي جانبها، مع أنّ في طريقها محمّد بن عيسى العبيدي، و هو ضعيف على الأصحّ و ياسين الضرير و لا نصّ على توثيقه بل و لا على مدحه. انتهى ملخّصا».(2)

و قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه بين من تعرّض له، كما اعترف به غير واحد، بل في الروضة: هو موضع وفاق. و في المسالك تارة نسبه الى الشهرة من غير ظهور مخالف و أخرى الى الاتّفاق، لكن ظاهره أخيرا الشكّ في الاجماع بل لم تصدر الوسوسة في ذلك الاّ منه، و تبعه الأردبيلي رحمه الله.

نعم، قد خلت عنه كثير من كتب القدماء كالمقنعة و الانتصار و النهاية و الخلاف و الوسيلة و الكافي و المراسم و الغنية و السرائر و جامع الشرائع، بل قيل: لم يصرّح به أحد قبل المصنّف غير الشيخ، الاّ أنّ ذلك غير قادح في تحصيل الاجماع على بعض طرقه المقرّرة في الأصول».(3)

فاستُدلّ على وجوب اليمين مع اقامة البيّنة في الدعوى على الميّت بروايات:


1) - مستند الشيعة 17: 249 و 250..

2) - مسالك الأفهام 13: 461 و 462.

3) - جواهر الكلام 40: 194.

منها رواية عبدالرحمن بن أبي عبداللّه - المتقدّمة غير مرّة - قال:

«قلت للشيخ عليه السلام: خبّرني عن الرجل يدّعي قبل الرجل الحقّ فلايكون له بيّنة بما له، قال: فيمين المدّعى عليه، فان حلف فلا حقّ له و ان لم يحلف فعليه، و ان كان المطلوب بالحقّ قد مات فأقيمت عليه البيّنة فعلى المدّعي اليمين باللّه الذي لا اله الاّ هو لقد مات فلان و انّ حقّه لعليه، فان حلف و الاّ فلا حقّ له؛ لأنّا لاندري لعلّه قد أوفاه ببيّنة لانعلم موضعها أو بغير بيّنة قبل الموت، فمن ثمّ صارت عليه اليمين مع البيّنة، فان ادّعى بلا بيّنة فلا حقّ له؛ لأنّ المدّعى عليه ليس بحيّ و لو كان حيّا لألزم اليمين أو الحقّ أو يردّ اليمين عليه فمن ثمّ لم يثبت له الحقّ».(1)

و منها صحيحة محمّد بن الحسن (الصفّار) أنّه كتب الى أبي محمّد عليه السلام:

«هل تقبل شهادة الوصي للميّت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع عليه السلام: اذا شهد معه آخر عدل فعلى المدّعي يمين، و كتب: أيجوز للوصي أن يشهد لوارث الميّت صغير أو كبير بحقّ له على الميّت أو على غيره و هو القابض للوارث الصغير و ليس للكبير بقابض؟ فوقّع عليه السلام: نعم، ينبغي للوصي أن يشهد بالحقّ و لايكتم الشهادة، و كتب: أوَ تقبل شهادة الوصي على الميّت مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع عليه السلام: نعم، من بعد يمين».(2)

بتقريب أنّ مدّعي الدين للميّت على رجل - في الفقرة الأولى - و على الميّت - في الفقرة الثالثة - غير الوصي، فيكون الوصي شاهدا مع شاهد آخر فيحتاج الى


1) - فروع الكافي 7: 415 / باب من ادّعى على الميّت / الحديث 1 - و قد أوردها في الوسائل باختلاف: وسائل الشيعة 27: 236 / الباب 4 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - فروع الكافي 7: 394 / باب شهادة الشريك و الأجير و الوصي / الحديث 3 - و قد أوردها في الوسائل باختلاف يسير. وسائل الشيعة 27: 371 / الباب 28 من كتاب الشهادات / الحديث 1.

اليمين و يثبت المطلوب. و كذا الميّت في الفقرة الثالثة لا بدّ أن يكون غير الميّت الذي هو وصيّه. و حيث انّ في الرواية احتمالات أخر غير ما ذكرنا، فالاعتناء به في اثبات المطلوب مشكل، مع أنّ للصفّار صحيحة أخرى جاء فيها تنفيذ الشهادة على الميّت من دون ضمّ يمين فتكون معارضة لما ذكر في هذه الصحيحة بهذا التقريب. فانّه قال:

«كتبت الى أبي محمّد عليه السلام: رجل أوصى الى ولده و فيهم كبار قد أدركوا و فيهم صغار، أيجوز للكبار أن ينفذوا وصيّته و يقضوا دينه لمن صحّ على الميّت بشهود عدول قبل أن يدرك الأوصياء الصغار؟ فوقّع عليه السلام: نعم، على الأكابر من الولدان أن يقضوا دين أبيهم و لايحبسوه بذلك».(1)

و منها رواية سليمان بن حفص المروزي أنّه كتب الى أبي الحسن عليه السلام في رجل مات و له ورثة، فجاء رجل فادّعى عليه مالاً و أنّ عنده رهنا فكتب عليه السلام:

«ان كان له على الميّت مال و لا بيّنة له فليأخذ ماله بما في يده و ليردّ الباقي على ورثته. و متى أقرّ بما عنده أخذ به و طولب بالبيّنة على دعواه، و أوفى حقّه بعد اليمين. و متى لم يقم البيّنة و الورثة ينكرون فله عليهم يمين علم، يحلفون باللّه ما يعلمون أنّ له على ميّتهم حقّا».(2)

أقول:

الظاهر من هذه الأحاديث أنّ البيّنة في الدعوى الماليّة على الميّت، قد دلّت على صحّة دعوى المدّعي و صدقه في أنّ ذمّة الميّت كانت مشغولة به، ولكنّها ساكتة عن بقاء الحقّ في ذمّته، فلعلّه قد أوفاه أو أنّ المدّعي قد أبرأ ذمّته، و لذلك قد أمر الامام عليه السلام في هذه الروايات بأن تنضمّ يمين المدّعي - ببقاء الحقّ في ذمّة الميّت - الى بيّنته.


1) - وسائل الشيعة 19: 375 / الباب 50 من كتاب الوصايا / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 18: 406 / الباب 20 من كتاب الرهن / الحديث 1.

و بعد ذلك نقول: انّ القاضي قد يطمئنّ بسبب اقامة البيّنة باشتغال ذمّة الميّت و أنّه قد مات و لم يبرئ ذمّته، فلا حاجة الى اليمين. نعم، لو لم يطمئنّ بذلك فيأمره باليمين. و ذلك لأنّ الظاهر من الروايات المذكورة أنّ الحكم ليس تعبّديّا بل العلّة فيه ما ذكرنا من احتمال براءة ذمّة الميّت، و مع اطمئنانه ببقاء الحقّ فلا حاجة الى اليمين، خصوصا مع ما عرفت من عدم صراحة الصحيح و عدم صحّة الصريح منها.

قال في الجواهر: «قد يقال بسقوط اليمين فيما لو فرض شهادة الشهود ببقاء الحقّ في ذمّة الميّت على وجه لا احتمال لسقوطه أصلاً الى حين الدعوى أو حين الوفاة، بناءً على الاجتزاء به مع أنّ ظاهر الصحيح المزبور التعبّد، و يمكن بناؤه على الغالب، فلايحتاج اليه في نحو الفرض، بل لعلّ ظاهر الخبر الأوّل كون اليمين للاستظهار، باعتبار كون شهادة البيّنة بالاستصحاب، و الفرض في المقام خلافه فلا استظهار كما في صورة العلم بالحال. و اللّه العالم».(1)

الفرع الثالث : في تعدّي الحكم الى غير المنصوص ممّا ساواه في المعنى

قال في المسالك: «و على تقدير تعيّن العمل بها ففي تعدّي حكمها الى غير ما دلّت عليه ممّا ساواه في المعنى - كالدعوى على الغائب و الطفل و المجنون - قولان أشبههما عند المصنّف رحمه الله العدم؛ وقوفا فيما خالف الأصل على موضع النصّ و الوفاق.

و ذهب الأكثر الى تعدّي الحكم الى من ذكر؛ لمشاركتهم للميّت في العلّة المومأ اليها في النصّ، و هو أنّه ليس للمدّعى عليه لسان يجيب به، فيكون من باب منصوص العلّة أو من باب اتّحاد طريق المسألتين لا من باب القياس الممنوع، ولأنّ الحكم في الأموال مبني على الاحتياط التامّ و هو يحصل بانضمام اليمين.


1) - جواهر الكلام 40: 198 و 199.

و فيه نظر؛ لأنّ الميّت لا لسان له يرتقب منه جواب المدّعي بخلاف المذكورين فانّ لهم لسانا يرتقب منه جوابه. انتهى ملخّصا».(1)

و في مستند الشيعة - بعد ذكر دليل الأكثر على التعدّي؛ للعلّة المنصوصة أو اتّحاد طريق المسألتين - قال: «و فيه: انّ العلّة و هي «لأنّا لاندري لعلّه قد أوفاه ببيّنة لانعلم موضعها» مختصّة بالميّت؛ لقوله عليه السلام بعد ذلك: «قبل الموت» مع عدم امكان تحقّق الايفاء من الطفل، و معارضته في الغائب مع مرسلة جميل: «الغائب يقضى عليه اذا قامت عليه البيّنة و يباع ماله و يقضى عنه دينه و هو غائب». انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

ما ذكرناه في الميّت بالنسبة الى القاضي و اطمئنانه، يمكن جريانه هنا أيضا فاذا اطمأنّ القاضي من اقامة البيّنة باشتغال ذمّة الغائب الى حين الحكم، فلايحتاج الى اليمين، و الاّ ألزمه الحلف، الاّ أنّه قال في الجواهر: «و لو شهدت البيّنة على غائب ففي ضمّ اليمين اليه تردّد، أشبهه أنّه لا يمين؛ لما ورد من مرسل جميل بن درّاج عن جماعة عنهما عليهماالسلام قال: «الغائب يقضى عليه اذا قامت عليه البيّنة و يباع ماله و يقضى عنه دينه و هو غائب، و يكون الغائب على حجّته اذا قدم، و لايدفع المال الى الذي أقام البيّنة الاّ بكفلاء».

و نحوه قول الباقر عليه السلام في خبر محمّد بن مسلم الاّ أنّ فيه: «اذا لم يكن مليّا»؛ اذ لا ريب في ظهورهما و لو للاطلاق في عدم اعتبار اليمين معها.

و معارضتهما بمنصوص العلّة - على فرض تسليم جريانه في المقام - من وجه، و لا ترجيح فيرجع الى عموم ما دلّ على حجّيّة البيّنة بدونه السالم حينئذ عن معارضة منصوص العلّة بعد معارضته بالخبرين المزبورين، بل قوله عليه السلام فيهما:«و يكون على حجّته» مشعر بالفرق بينه و بين الميّت بأنّ له حالاً يقيم به حجّته في


1) - مسالك الأفهام 13: 462 و 463.

2) - مستند الشيعة 17: 254.

نقض البيّنة المزبورة، و هو ما اذا حضر، بخلاف الميّت بل هو جارٍ أيضا في الصبي و المجنون حال البلوغ و الافاقة.

بل منه يعلم أنّ المراد من منصوص العلّة في الخبر عدم الدراية التي لا رجاء معها لاحتمال قيام الحجّة، فلايجري حينئذ فيهما، و اللّه العالم. انتهى ملخّصا».(1)

و ممّا ذكر رحمه الله يظهر وجه التأمّل فيما ذكرنا، خصوصا مع صحّة ما ورد من جميل بن درّاج الدالّ باطلاقه على عدم الاحتياج الى اليمين(2)، فعلى هذا فلايبعد القول بعدم الاحتياج الى اليمين مع اقامة البيّنة، و ان كان الاحتياط بانضمامها حسنا.

الفرع الرابع : في اختصاص الحكم بالدين

قال في الجواهر: «ثمّ انّ ظاهر الصحيح بل و الخبر اختصاص الحكم المزبور بالدين، أمّا غيره من دعوى عين أو حقّ خيار فهو باقٍ على مقتضى عموم حجّيّة البيّنة بلا يمين، اللّهمّ الاّ أن يقال بظهور الخبرين المزبورين في الفرق بين الميّت و الحيّ باعتبار اليمين فيما هو حجّة على الحيّ استظهارا، و الدين فيهما انّما هو من باب المثال.

لكن لايخفى ما فيه من المنع، خصوصا بعد الفرق بين بيّنة العين و الدين بأنّ مبنى الثانية على الاستصحاب غالبا بخلاف الأولى التي لا بدّ فيها من الشهادة على ملك المدّعي الى حين الدعوى؛ لمعارضة اليد فيها فيمكن الاقتصار فيهما على الدين لذلك.

نعم، لو شهدت البيّنة على أنّ العين كانت في يد الميّت عارية أو غصبا أو نحوهما و لم تشهد أنّها كذلك الى حين الوفاة أو حين الدعوى و قلنا بالاكتفاء بها


1) - جواهر الكلام 40: 201 و 202.

2) - وسائل الشيعة 27: 294 / الباب 26 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

في الحيّ لأصالة عدم تجدّد مقتضٍ آخر لاستمرار قبضه أو أصالة عدم قبض جديد، بناءً على الحاق صورة الشهادة على القبض عارية أو غصبا - مع عدم العلم بعودها و تجدّد قبض جديد - بالصورة الأولى التي علم فيها اتّحاد القبض، ولكن يحتمل تجدّد مقتضٍ لاختلاف استدامته عن ابتدائه، احتمل هنا ضمّ اليمين معها بناءً على أنّ ذكر الدين مثال لكلّ ما يحتمل فيه نحو ذلك من تجديد ملك و نحوه. بل في كشف اللثام أنّه الوجه».(1)

و في المستند: «لمّا كان الحكم المذكور - أي ضمّ اليمين مع البيّنة - مخالفا للأصل يجب الاقتصار فيه على المتيقّن، و هو ما اذا كانت الدعوى على الميّت دينا، فلو كانت عينا في يده بعارية أو غصب أو نحوهما، دفعت اليه من غير يمين، كما صرّح به جماعة منهم القواعد و المسالك و التنقيح، لاختصاص النصّ بالدين.

و ما قيل من أنّ النصّ و ان كان مخصوصا بالدين الاّ أنّ مقتضى التعليل المنصوص - و هو الاستظهار - العموم. ففيه: انّ العلّة هي احتمال الايفاء، و هو في العين التي بيده غير جارٍ، بل الجاري فيها النقل بالبيع و نحوه. انتهى ملخّصا».(2)

أقول:

الظاهر أنّ اعتبار ضمّ اليمين الى البيّنة مختصّ بما اذا كانت الدعوى دينا على الميّت، و أمّا اذا تعلّقت بعين من أمواله و شهدت البيّنة معها، فلايحتاج الى اليمين، و ذلك لأنّ الدين هو مورد الروايات.

نعم، يمكن أن يقال بجريان العلّة المستفادة من رواية عبدالرحمن المتقدّمة هنا أيضا و هي أنّ الميّت لا لسان له يرتقب منه الجواب مع أنّه لو كان حيّا لقدرعلى الجواب و على أن يدّعي شراء العين من المدّعي مع اقامة البيّنة - مثلاً - و لذلك فيحتاج الى اليمين في ادّعاء العين أيضا.


1) - جواهر الكلام 40: 199 و 200.

2) - مستند الشيعة 17: 255.

و على كلّ حال فيجري في هذا الفرع ما تقدّم منّا في الفرع الثاني من أنّ القاضي اذا اطمأنّ من البيّنة أو من القرائن الخارجيّة ببقاء العين في ملك المدّعي الى حين الموت أو الى حين الدعوى، فلايحتاج الى ضمّ اليمين، و كذا لو شهد شاهدان ببقاء العين في ملكه الى حين الوفاة أو الدعوى، و أمّا لو لم يكن كذلك فالاحتياط بحلف المدّعي منضمّا الى البيّنة حسن.

و بذلك ظهر ضعف ما في كلام صاحب الجواهر من التفرقة بين بيّنة العين و الدين و أنّ المبنى في الثاني هو الاستصحاب غالبا، و ذلك لأنّ البيّنة لا بدّ أن تشهد عن علم و لايجوز فيها التعويل على الاستصحاب.

و بعد بيان حكم هذه الفروع ينكشف حكم الفروع التي عنونوها أو يمكن أن يعنون في هذا المجال.

في أنّه يدفع الحاكم من مال الغائب قدر الحقّ، بعد تكفيل القابض بالمال

إشارة:

و يدفع الحاكم من مال الغائب قدر الحقّ، بعد تكفيل القابض بالمال. و لو ذكر المدّعي أنّ له بيّنة غائبة خيّره الحاكم بين الصبر و بين احلاف الغريم. و ليس له ملازمته و لا مطالبته بكفيل.

هنا فرعان:

الفرع الأوّل : في الحكم على مال الغائب

ذهب المصنّف رحمه الله الى أنّ الحاكم يدفع من مال الغائب قدر الحقّ بعد تكفيل القابض بالمال.

و الظاهر أنّ دليله على ذلك هو ما رواه في التهذيب عن أبي القاسم جعفر بن محمّد عن جعفر بن محمّد بن ابراهيم عن عبداللّه بن نهيك عن ابن أبي عمير عن جميل بن درّاج عن جماعة من أصحابنا عنهما عليهماالسلام قالا:

«الغائب يقضى عليه اذا قامت عليه البيّنة، و يباع ماله و يقضى عنه

دينه و هو غائب، و يكون الغائب على حجّته اذا قدم، قال: و لايدفع المال الى الذي أقام البيّنة الاّ بكفلاء».(1)

و قد رواه بسند آخر عن أبيه عن سعد بن عبداللّه عن أيّوب بن نوح عن محمّد بن أبي عمير عن جميل عن جماعة من أصحابنا عنهما عليهماالسلام.

و سنده الأوّل مجهول ولكن الثاني صحيح على ما قاله المجلسي رحمه الله.(2)

و على هذا فلا كلام فيها من حيث السند.

و كذا ما رواه فيه أيضا عن علي بن الحسن عن جعفر بن محمّد بن حكيم عن جميل بن درّاج عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«الغائب يقضى عنه اذا قامت البيّنة عليه و يباع ماله و يقضى عنه و هو عنه غائب و يكون الغائب على حجّته اذا قدم و لايدفع المال الى الذي أقام البيّنة الاّ بكفلاء اذا لم يكن مليّا».(3)

و سندها مجهول على ما قاله المجلسي رحمه الله في ملاذ الأخيار.(4)

و الظاهر من هاتين الروايتين عدم الحاجة الى اليمين كما تقدّم الكلام فيه، و حيث انّ الغائب يتوقّع حضوره و اقامته الحجّة بأداء ما عنده، فأمر الامام عليه السلام بعدم دفع المال الى الذي أقام البيّنة على مال الغائب الاّ بكفلاء.

قال في الجواهر: «مقتضى الجمع بين الروايتين تنزيل الأولى على الثانية المقيّدة بقوله عليه السلام: «اذا لم يكن مليّا» الاّ أنّه لم نجد قائلاً به. و هما تدلاّن على اعتبار تعدّد الكفلاء، و ان لم نجد به قائلاً أيضا و لعلّه لظهور ارادة الجنس منه. و الظاهر ارادة الضمان من الكفالة؛ لأنّ به الاستظهار التامّ، بل قد يشعر بذلك اعتبار عدم


1) - تهذيب الأحكام 6: 296 / باب الزيادات في القضاء / الحديث 34 827 - وسائل الشيعة 27: 294 / الباب 26 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - ملاذ الأخيار 10: 200.

3) - تهذيب الأحكام 6: 191 / باب الديون / الحديث 38 413.

4) - ملاذ الأخيار 9: 508.

الملاءة في أحد الخبرين. انتهى ملخّصا».(1)

و بعد ذلك فالأقوى ما ذهب اليه المصنّف رحمه الله من دفع الحاكم من مال الغائب قدر الحقّ بعد تكفيل القابض بالمال، و أمّا كيفيّة التكفيل و كذا عدد الكفلاء فموكول الى نظر الحاكم.

الفرع الثاني : فيما لو ذكر المدّعي أنّ له بيّنة غائبة

قد ذكر المصنّف أنّه لو ذكر المدّعي أنّ له بيّنة غائبة خيّره الحاكم بين الصبر و بين احلاف الغريم، و ليس له ملازمته و لا مطالبته بكفيل.

و قال في المسالك: «أمّا تخييره بين الأمرين فلأنّ الحقّ له، فان شاء عجّل و أحلف الغريم؛ لعدم البيّنة و ان شاء أخّر حقّه. و أمّا المنع من ملازمته و مطالبته بالكفيل فلأنّهما عقوبة لم يثبت موجبها، و لأصالة البراءة من ذلك. و هو مذهب الشيخ في الخلاف و المبسوط و ابن الجنيد و المتأخّرين. و للشيخ قول آخر في النهاية بجواز الزامه بتكفيله؛ حفظا لحقّ المدّعي و حذرا من ذهاب الغريم، و لا ريب أنّه أحوط».(2)

و في الجواهر: «و ليس له ملازمته على وجه لاتجوز له بدون ذلك فضلاً عنحبسه، و لا مطالبته بكفيل، وفاقا للمحكي عن أكثر المتأخّرين بل عامّتهم و الاسكافي و الشيخ في الخلاف و المبسوط و القاضي في أحد قوليه؛ للأصل السالم عن معارض بعد عدم ثبوت الحقّ الذي لا معنى للعقوبة عليه قبله، بل و لا معنى لكون حضور الدعوى و سماع البيّنة حقّا يكفّل عليه؛ لأنّه بعد الاتيان بالبيّنة ان كان حاضرا فذاك، و الاّ حكم عليه و هو غائب، خلافا للمحكي عن


1) - جواهر الكلام 40: 203 و 204.

2) - مسالك الأفهام 13: 464 و 465.

الشيخين في المقنعة و النهاية و القاضي في أحد قوليه و ابني حمزة و زهرة، نافيا للخلاف فيه ظاهرا؛ لقاعدة لا ضرر و لا ضرار؛ للزوم مراعاة حقّ المسلم من الذهاب في نفس الأمر، و بذلك ينقطع الأصل، و الالتزام بالكفيل أو الحبس و ان كان ضررا الاّ أنّ ذهاب الحقّ أيضا ضرر، و على الحاكم مراعاة الأقلّ ضررا و لعلّه التكفيل. انتهى ملخّصا».(1)

أمّا الشيخ رحمه الله فقال في المبسوط: «ان كان البيّنة غائبة قال له الحاكم: ليس لك ملازمته و لا مطالبته بالكفيل، و لك أن يرسل حتّى تحضر البيّنة. و قال قوم: له ملازمته و مطالبته بالكفيل حتّى يحضر البيّنة، و الأوّل أصحّ و الثاني أحوط لصاحب الحقّ».(2)

و قال في الخلاف: «اذا ادّعى على غيره حقّا فأنكر المدّعى عليه، فقال المدّعي: لي بيّنة غير أنّها غائبة، لم يجب له ملازمة المدّعى عليه و لا مطالبته له بكفيل الى أن تحضر البيّنة».(3)

ولكنّه رحمه الله قال في النهاية: «و ان أنكر المدّعى عليه ما ادّعاه المدّعي، سأله: ألك بيّنة على ذلك؟ فان قال: نعم هي حاضرة، نظر في بيّنته. و ان قال: نعم، غير أنّها ليست حاضرة، قال له: أحضرها. فان قال: نعم، أقامه و نظر في حكم غيره الى أن يحضر الأوّل بيّنته. و ان قال المدّعي: لست أتمكّن من احضارها، جعل معه مدّةمن الزمان ليحضر فيه بيّنته و يكفّل بخصمه. فان أحضرها نظر فيها. و ان لم يحضرها عند انقضاء الأجل خرج خصمه عن حدّ الكفالة».(4)


1) - جواهر الكلام 40: 205 و 206.

2) - المبسوط 8: 159 و 160.

3) - كتاب الخلاف 6: 237 / مسألة 36.

4) - النهاية: 339.

أقول:

الامهال للمدّعي اذا استمهل لاحضار البيّنة و مقداره و كذا ملازمة المدّعى عليه و مطالبته بكفيل كلّ ذلك يكون بنظر الحاكم و ما رآه صلاحا؛ اذ قد يكون المدّعى عليه متّهما بالقتل أو السرقة العظيمة من أموال الناس أو من بيت المال و هو في مظانّ الهرب أو الفساد، و قد لايكون كذلك. و قد يكون المدّعي في مظانّ الافتراء و الاتّهام على المدّعى عليه.

و قد أحسن الفاضل المقداد حيث قال: «و يقوى أنّ التكفيل موكول الى نظر الحاكم، فانّ الحكم يختلف باختلاف الغرماء فانّ الغريم قد يكون ملطلطا(1)غير مأمون فالمصلحة حينئذ تكفيله، و الاّ لزم تضييع حقّ المسلم، و قد لايكون كذلك بل يكون ذا مروّة و حشمة و مكنة فلا حاجة الى تكفيله؛ لعدم ثبوت الحقّ و الأمن من ضياعه و ربما يكون المدّعي محتالاً يكون طلبه للتكفيل وسيلة الى أخذ ما لايستحقّه».(2)

في السكوت

و أمّا السكوت فان اعتمده ألزم الجواب. فان عاند حبس حتّى يبيّن. و قيل: يجبر حتّى يجيب. و قيل: يقول الحاكم: امّا أجبت و امّا جعلتك ناكلاً و رددت اليمين على المدّعي، فان أصرّ ردّ الحاكم اليمين على المدّعي. و الأوّل مرويّ، و الأخير بناءً على عدم القضاء بالنكول. و لو كان به آفة من طرش أو خرس، توصّل الى معرفة جوابه بالاشارة المفيدة لليقين، و لواستغلقت اشارته بحيث يحتاج الى المترجم، لم يكف الواحد و افتقر في الشهادة باشارته الى مترجمين عدلين.

قال في المسالك: «اذا طلب الحاكم الجواب من المدّعى عليه فسكت، فان


1) - أي مانعا للحقّ.

2) - التنقيح الرائع 4: 252 و 253.

كان سكوته لدهش له أو غباوة توصّل الى ايناسه برفق، و أمهله الى أن يزول دهشه و يعرف الحال. و ان كان لآفة من صمم أو خرس، توصّل الى معرفة جوابه بالاشارة المفيدة للمطلوب و لو بواسطة من يعرف اشارته. و يفتقر حينئذ الى اثنين عدلين؛ لأنّها شهادة. و ان كان سكوته عنادا ففيه أقوال: أحدها: قول الشيخ في النهاية و الخلاف و قبله المفيد و سلاّر، و اختاره المصنّف و المتأخّرون، أنّه يلزم بالجواب، فان أصرّ حبس حتّى يبيّن؛ لأنّ الجواب حقّ عليه، فيجوز حبسه لاستيفائه منه. و الثاني: ما نقله المصنّف رحمه الله من أنّه يجبر حتّى يجيب من غير حبس، بل يضرب و يبالغ معه في الاهانة الى أن يجيب. و ثالثها: قول الشيخ في المبسوط يقول له الحاكم ثلاثا: ان أجبت و الاّ جعلتك ناكلاً و رددت اليمين على خصمك، و اختاره ابن ادريس. و هو مبني على عدم القضاء بالنكول، و الاّ قضى عليه بامتناعه بعد عرض الحكم عليه بالنكول. و فيه: منع كون السكوت نكولاً، سواء قضينا به أم لا. فالقول الأوّل هو الأقوى و ذكر المصنّف أنّه مروي أيضا و لم نقف على روايته».(1)

و قال في المستند: «و استدلّ للقول الأوّل تارة بما ذكره في الشرائع و التحرير من أنّ به رواية، و هي و ان كانت مرسلة الاّ أنّها منجبرة بما ذكر. و أخرى بحديث «ليّ الواجد يحلّ عقوبته»، حيث انّه واجد للجواب و يماطل فيه، بناءً على تفسيرهم العقوبة بالحبس خاصّة. و ثالثة بما مرّ من «أنّ عليّا عليه السلام كان يحبس في الدين، فاذا تبيّن له افلاس و حاجة خلّى سبيله حتّى يستفيد مالاً». و فيه: انّ ضعفالرواية و ان انجبر بما مرّ الاّ أنّ متنها ليس معلوما حتّى في دلالته ينظر، و مثل ذلك ليس عند الأصحاب بمعتبر. و تفسير العقوبة بخصوص الحبس غير ثابت. و حبس الأمير عليه السلام لايفيد التخصيص، مع أنّ كونه في مثل المورد غير معلوم، و صدق الواجد على مثل ذلك غير ظاهر.


1) - مسالك الأفهام 13: 465 و 466.

و أمّا القول الثاني بأنّه يجبر بالضرب و الاهانة حتّى يجيب فلعلّ دليله اطلاق العقوبة بناءً على عدم ثبوت التفسير المذكور، و لأنّه طريق الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و فيه: ما مرّ في الجواب عن دليل الأوّل.

و استدلّ للقول الثالث بأنّ السكوت امّا هو النكول أو هو أقوى؛ لأنّ الناكل منكر غير حالف و لا رادّ، و هذا امّا مقرّ أو منكر كذلك. و فيه: منع كونه نكولاً، مع أنّه ما ورد لفظ النكول في الروايات. ثمّ منع كونه امّا مقرّا أو منكرا، فقد يكون أدّى الحقّ و لم يكن منكرا يلزمه اليمين، و لا مقرّا يلزمه الحقّ، فيسكت عن الانكار؛ لعدم صحّته و عن الاقرار لالزامه بالمقرّ به مع عدم البيّنة على أدائه، و عدم تقصيره في فقد البيّنة حتّى يرد أنّه أدخل الضرر على نفسه لامكان موت الشهود، و امكان التورية منه لايفيد؛ اذ قد لايعلم شرعيّتها أو لايهتدي الى طريقها. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

انّ القول الثالث هو الأقوى، و ذلك لأنّ الثابت من الروايات التي تقدّم بعضها هو أنّه اذا لم يقرّ المدّعى عليه، فعلى المدّعي البيّنة و ان لم تكن له بيّنة فعلى المنكر امّا الحلف أو ردّ اليمين على المدّعي، فلو لم يحلف و لم يردّ اليمين فهو ناكل سواء سكت أو قال بأنّه لايحلف و لايردّ اليمين، و اذا صار ناكلاً فيثبت الحقّ عليه و يبقى حكم القاضي.

و يدلّ على هذا رواية عبدالرحمن بن أبي عبداللّه - المتقدّمة مرارا في موارد مختلفة - حيث قال:

«قلت للشيخ عليه السلام: خبّرني عن الرجل يدّعي قبل الرجل الحقّ فلايكون له بيّنة بما له، قال: فيمين المدّعى عليه، فان حلف فلا حقّ


1) - مستند الشيعة 17: 282 و 283.

له و ان لم يحلف فعليه. الحديث».(1)

و من المعلوم أنّ عدم الحلف تارة يكون بقوله: «أنا لاأحلف و لاأردّ اليمين» و أخرى بالسكوت و الامتناع عن الحلف و الردّ فهو ناكل في كلا الموردين.

فانّ النكول و ان لم يصرّح بلفظه في الروايات الاّ أنّ معناه و هو الامتناع قد ذكر فيها.

و أمّا قول الحاكم له: «ان أجبت و الاّ جعلتك ناكلاً» فللاستظهار و اطمئنانه بأنّ بناء المنكر على عدم الحلف و الردّ، و لذا لو اطمأنّ بذلك بسكوته لايجب عليه هذا القول و ان كان الأولى عدم تركه.

ثمّ بعد أن ثبت أنّ سكوته بمنزلة قوله: «انّي لاأحلف و لاأردّ اليمين» فلا حاجة الى ردّ اليمين على المدّعي و لا أن يقول الحاكم بعده: «و رددت اليمين على المدّعي»، بل يحكم للمدّعي على المدّعى عليه، كما تقدّم في النكول.

و على ما ذكرنا فلايرد ما استشكل به في المستند من قوله: «فقد يكون أدّى الحقّ و لم يكن منكرا يلزمه اليمين ... »؛ لأنّه لو كان قد أدّى ما عليه من الحقّ و لم يكن له بيّنة لم يقبل منه سواء لم يكن له بيّنة أصلاً أو كانت و قد مات. و الدعوى حينئذ دعوىً جديدة فاذا لم تقم البيّنة فعلى صاحبه الحلف.

و أمّا عدم القدرة على التورية أو الاعتقاد بعدم جوازها شرعا فلاتمنع من صدق كونه غير حالف. هذا مضافا الى ما في ذيل الرواية المذكورة من قوله عليه السلام: «و لو كان حيّا لألزم باليمين أو الحقّ أو يردّ اليمين» و حيث امتنع الأوّل و الثالثبسكوته فيتعيّن الالزام بالحقّ.

ثمّ لايخفى أنّه - كما تقدّم عن المسالك - لو علم القاضي أنّ سكوته كان عن دهش و غباوة توصّل الى ايناسه برفق و أمهله الى أن يزول دهشه، و كذا اذا عرف أنّ سبب سكوته أمر يخاف معه على نفسه أو عرضه أو ماله أو متعلّقيه كالتهديد


1) - وسائل الشيعة 27: 236 / الباب 4 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

من جانب المدّعي أو غيره، فلايجوز له الحكم بصرف السكوت بل يؤخّره حتّى يتبيّن ما عنده ثمّ يحكم.

ثمّ انّه قد استشكل في صدر رواية عبدالرحمن أوّلاً بأنّ الصدوق رحمه الله نقل مكان الفقرة الثانية قوله: «و ان ردّ اليمين على المدّعي فلم يحلف فلا حقّ له».

و ثانيا بأنّ منصرف الرواية، المنكر و لايعمّ الساكت.

و فيه أوّلاً: انّ نسخة الكافي أضبط من غيره.

و ثانيا: الظاهر أنّ السكوت في موضع الدعوى علامة الانكار، مضافا الى أنّه لم يذكر لفظ «المنكر» في الرواية بل المذكور فيها «المدّعى عليه» و الرجل سواء أنكر أو أقرّ أو سكت يصدق عليه أنّه ادّعي عليه.

و استشكل أيضا في ذيل الرواية بأنّ دلالتها على المطلوب متوقّفة على تفسير قوله: «بالحقّ» بالذي ادّعي عليه، مع أنّه من المحتمل أنّه يلزم بالحقّ الذي اعترف به، ان اعترف. و لو كان الأوّل للزم تأخيره و أن يقال: «و لو كان حيّا لألزم باليمين أو يردّ اليمين على المدّعي و الاّ فعليه الحقّ الذي ادّعي عليه».

و فيه: الظاهر أنّ المراد بالحقّ هو الحقّ الذي ادّعي عليه، و لايحتاج الى التفصيل الذي ذكره؛ لأنّ كلام الامام عليه السلام مبني على الاختصار. هذا مضافا الى أنّ استفادة الحقّ الذي اعترف به بعيدة من سياق العبارة.

في الحكم على الغائب

مسائل تتعلّق بالحكم على الغائب: «الأولى»: يقضى على من غاب عن مجلس القضاء مطلقا، مسافرا كان أو حاضرا. و قيل: يعتبر في الحاضر تعذّرحضوره مجلس الحكم.

قال في المسالك: «مذهب أصحابنا جواز القضاء على الغائب في الجملة، و هو مذهب أكثر العامّة كالشافعي و مالك و أحمد و جماعة من الفقهاء. و خالف فيه أبو حنيفة الاّ أن يتعلّق بخصم حاضر كشريك أو وكيل.

و الحجّة على جوازه فعل النبي صلى الله عليه و آله و هو حجّة كقوله. ففي الخبر المستفيض عنه أنّه قال لهند زوجة أبي سفيان - و قد قالت: انّ أبا سفيان رجل شحيح لايعطيني ما يكفيني و ولدي - : «خذي ما يكفيك و ولدك بالمعروف». و كان أبو سفيان غائبا عن المجلس. و فيه حجّة لنا عليهم في عدم اشتراط غيبته بمسافة العدوى و لا غيرها؛ لأنّ أبا سفيان كان يومئذ حاضرا بمكّة.

و رووا عن أبي موسى الأشعري قال: «كان النبي صلى الله عليه و آله اذا حضر عنده خصمان فتواعدا الموعد، فوفى أحدهما و لم يف الآخر قضى للذي وفى على الذي لم يف».

و المراد به مع البيّنة، لاستحالة الحكم بمجرّد دعواه و هو أعمّ من حضور خصم من شريك و وكيل و عدمه».(1)

أقول:

الظاهر أنّه لا خلاف في جواز القضاء على الغائب في الجملة، و يدلّ عليه - مضافا الى ما مرّ عن المسالك - صحيحة جميل بن درّاج عن جماعة من أصحابنا عنهما عليهماالسلام قالا:

«الغائب يقضى عليه اذا قامت عليه البيّنة، و يباع ماله و يقضى عنه دينه و هو غائب، و يكون الغائب على حجّته اذا قدم، قال: و لايدفعالمال الى الذي أقام البيّنة الاّ بكفلاء».(2)

و لاتعارضها رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام قال:

«لايقضى على غائب».(3)

لأنّها تحمل على أنّه لايجزم القضاء عليه، بل يكون على حجّته كما في


1) - مسالك الأفهام 13: 467 و 468.

2) - وسائل الشيعة 27: 294 / الباب 26 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 27: 296 / الباب 26 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 4.

الصحيحة السابقة و لذا لا بدّ من الكفيل. أو يحمل على غير ذلك.

و في الجواهر: «و اطلاق رواية جميل بن درّاج يقتضي عدم الفرق في الغائب بين أن يكون مسافرا و لو دون المسافة، أو حاضرا لم يتعذّر عليه الحضور نحو سماع البيّنة عليه بعد المرافعة، و ان لم يكن حاضرا عند الشهادة و ان خالف في الأوّل يحيى بن سعيد فيما حكي عنه، فاعتبر في المسافر المسافة.

و في الثاني في المبسوط و تعليق الارشاد فاعتبرا في الحاضر تعذّر حضوره مجلس الحكم؛ اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقّن الذي هو محلّ ضرورة.

و فيه: انّ الأصل مقطوع بما عرفت. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

لكنّ التأمّل في صحيحة جميل بن درّاج يعطي بأنّ المراد من الغائب هو الذي لايمكن أو يتعذّر التوصّل اليه؛ لعدم العلم بمكانه سواء كان مسافرا أو كان هاربا مختفيا في المدينة.

و لعلّ رواية أبي البختري تكون شاهدة عليه. و أنّ المراد من الغائب فيها، الغائب الذي يمكن التوصّل اليه.

و أمّا رواية زوجة أبي سفيان فلايعلم منها قضاؤه صلى الله عليه و آله؛ لعدم ذكر البيّنة فيها و لعلّه أجاب عن مسألة فقهيّة، كما أنّ الثانية تحمل على ما اذا كان المدّعى عليه يأبىعن حضور مجلس الحكم.


1) - جواهر الكلام 40: 221 و 222.

في القضاء على الغائب في حقوق الناس

«الثانية»: يقضى على الغائب في حقوق الناس كالديون و العقود. و لايقضى في حقوق اللّه كالزنا و اللواط؛ لأنّها مبنيّة على التخفيف. و لو اشتمل الحكم على الحقّين قضي بما يختصّ الناس، كالسرقة يقضى بالغرم، و في القضاء بالقطع تردّد.

في المسالك: «من حكم بالقضاء على الغائب خصّه بحقوق الآدمييّن، سواء كانت مالاً كالديون و غيرها من عقود المعاوضات أم غيرها كالنكاح و الطلاق و العتق و الجنايات و القصاص، دون حقّ اللّه تعالى المحض كالزنا و اللواط؛ لأنّها مبنيّة على التخفيف و من ثمّ درئت الحدود بالشبهات. و لو اشتمل على الحقّين ثبت في حقّ الناس دون حقّ اللّه كالسرقة يقضى بالغرم دون القطع و ان تردّد المصنّف؛ لأنّهما معلولان لعلّة واحدة، و باقي الأصحاب قطعوا بالفرق؛ نظرا الى وجود المانع من الحكم في أحدهما دون الآخر، و تخلّف أحد المعلولين لمانع واقع كثيرا، و الأصل فيه أنّ أمثال هذه ليست عللاً حقيقيّة، و انّما هي معرّفات للأحكام. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

انّ مدرك الحكم على الغائب - اذا قامت عليه البيّنة - هو صحيحة جميل بن درّاج المتقدّمة، و ما رواه العامّة عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله على ما مرّ في المسألة السابقة. و الظاهر من صدر الصحيحة هو جواز الحكم على الغائب مطلقا، حيث قال عليه السلام: «الغائب يقضى عليه اذا قامت عليه البيّنة»، الاّ أنّه عليه السلام قال في ذيله: «و يباع ماله و يقضى عنه دينه و هو غائب». و المستفاد منها في بادئ النظر و ان كان اختصاص جواز الحكم بالأمور المتعلّقة بالمال، الاّ أنّ التأمّل فيها و في العمومات الواردة فيالحكم - التي يظهر منها اعتبار حضور الخصمين، و الاّ توقّف الحكم - يعطي أنّ


1) - مسالك الأفهام 13: 469.

الصحيحة بصدد رفع شبهة عدم جواز الحكم على الغائب فكأنّها تقول: «اذا تمّت المقدّمات للحكم عند الحاكم فغيبة المدّعى عليه غير مانعة من جواز الحكم».

و عليه فلا فرق في الحكم عليه بين أن يكون من حقّ الناس أو حقّ اللّه، الاّ أن يكون هناك مانع عن الحكم و هو الشبهة المنوطة رفعها بحضور المنكر، كما يقال ذلك في مورد اقراره بما يوجب الحدّ كالزنا و اللواط، فيقال له: لعلّك مسست أو لعلّك قبّلت أو غير ذلك من الشبهات التي يدرأ بها الحدّ كما فعل النبي صلى الله عليه و آله و أميرالمؤمنين عليه السلام فيمن أقرّ عندهما بالزنا.

و بناءً عليه فلا فرق بين حقّ اللّه و حقّ الناس الاّ أن يكون هناك اجماع كاشف عن رأي المعصوم عليه السلام على الفرق بينهما.

و من المعلوم أنّ المجمعين - لو كان اجماع - استندوا في قولهم الى مثل صحيحة جميل و غيرها، التي عرفت عدم ظهورها في قولهم.

و لذلك نقول: لا فرق بين أن يدّعي المدّعي على الغائب أنّه مديون بمال أو ادّعى عليه معاملة و عقدا من العقود أو ايقاعا كما في المسالك، و بين أن يدّعي عليه الزنا و اللواط.

و كذا لا فرق بين أن يكون الحقّ للّه تعالى فقط أو يشترك فيه المدّعي أو غيره أيضا كما في السرقة و كما اذا ادّعت امرأة الاعتداء عليها كرها. نعم، اذا كان هناك شبهة يدرأ بها الحدّ فلايجوز له الحكم عليه كما تقدّم.

اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ الغائب - كما يكون على حجّته في الأمور الماليّة اذا قدم و يمكنه اقامة الحجّة على حقّه - يمكنه اقامة البيّنة على براءته من الحدّ، فلايجوز للحاكم أن يقضي عليه و هو غائب، و ذلك لشدّة اهتمام الشارع بالاحتياط في الدماء و الفروج.

و يؤيّده ما في ذيل صحيحة جميل حيث قال عليه السلام: «و لايدفع المال الى الذيأقام البيّنة الاّ بكفلاء». و حيث لايمكن أخذ الكفيل في الحكم بالحدّ فلايجوز له الحكم.

ولكن فيه: انّا لانقول بجريان الحدّ عليه قبل حضوره، بل نقول بجواز حكم الحاكم بالحدّ عليه مع تمامية مقدّماته، فاذا قدم يكون على حجّته ان كان له حجّة. مثال ذلك: اذا أقيمت البيّنة على أنّ الغائب زنى في اليوم الفلاني في الساعة الفلانيّة، فاذا عرف الحاكم عدالة الشهود، و شهدوا على نحو ما قرّر في بابه بحيث يثبت معها الزنا، فيحكم على الغائب بالحدّ، فاذا حضر الغائب فالحاكم يعرض عليه الحكم و يسأله قبل اجراء الحدّ عليه عمّا يوجب براءته، فان كان له بيّنة على براءته من الحدّ سمعت منه و يدرأ الحدّ بها عنه.

و مع ذلك فلا ريب أنّ عدم الحكم على الغائب في حقوق اللّه سبحانه أحوط، الاّ أن يكون هناك مصلحة أخرى في الحكم عليه.

فيما لو كان صاحب الحقّ غائبا فطالب الوكيل

«الثالثة»: لو كان صاحب الحقّ غائبا فطالب الوكيل، فادّعى الغريم التسليم الى الموكّل و لا بيّنة، ففي الالزام تردّد بين الوقوف في الحكم؛ لاحتمال الأداء و بين الحكم و الغاء دعواه؛ لأنّ التوقّف يؤدّي الى تعذّر طلب الحقوق بالوكلاء. و الأوّل أشبه.

قال في المسالك: «الأظهر الزام المدّعى عليه بالحقّ بعد ما أقام الوكيل البيّنة عليه و لم يكن للمدّعى عليه بيّنة على ابرائه من جانب الموكّل أو أدائه ما عليه. و ذلك أوّلاً: لأنّ المطالبة بالحقّ ثابتة ظاهرا، فلايدفع بالمحتمل. و ثانيا: لأنّ الأصل عدم ما يدّعيه. و ثالثا: لأنّه لو ردّت المطالبة بمجرّد هذه الدعوى لأدّى الى تعذّر استيفاء الحقوق بالوكيل. و القول بأنّ ما ذكره من الدعوى محتمل، و دعواه به مسموعة فتعجيل الزامه بالأداء اضرار به و هو منفي، مدفوع بأنّ الجائز لايعارض المقطوع به شرعا. و الضرر المدّعى يندفع بالرجوع الى القاضي اذا حضر الموكّل. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الوكيل اذا ثبتت وكالته و ادّعى لموكّله الغائب على الغريم دينا، و أقام البيّنة على ذلك فأنكر المدّعى عليه، فعلى الحاكم الحكم بالحقّ عليه. و كذا اذا أقرّ المدّعى عليه بأصل الدين الاّ أنّه ادّعى ابراءه من جانب الموكّل أو أداءه اليه و لم يكن له بيّنة على ذلك، فلايسمع منه؛ لأنّ الثابت هو اشتغال ذمّته، و ابراؤه أو أداء الحقّ الى الدائن مشكوك فيه، فالمقدّمات تامّة فيجب الحكم على الحاكم؛ لعمومات وجوبه اذا أقيمت البيّنة.


1) - مسالك الأفهام 13: 470 و 471.

المقصد الرابع : في كيفيّة الاستحلاف

إشارة:

و البحث في أمور ثلاثة:

«البحث الأوّل»: في اليمين

توضيح:
إشارة:

«الأوّل»: في اليمين. و لايستحلف أحد الاّ باللّه، و لو كان كافرا. و قيل: لايقتصر في المجوسي على لفظ الجلالة؛ لأنّه يسمّي النور الها، بل يضمّ الى هذه اللفظة الشريفة ما يزيل الاحتمال. و لايجوز الاحلاف بغير أسماء اللّه - سبحانه - كالكتب المنزّلة و الرسل المعظّمة و الأماكن المشرّفة. و لو رأى الحاكم احلاف الذمّي بما يقتضيه دينه أردع جاز.

قال في الجواهر: «و لا خلاف في أنّه لايستحلف أحد لايجاب حقّ أو اسقاطه الاّ باللّه - تعالى شأنه - و لو كان كافرا بانكار أصل واجب الوجود - نعوذ باللّه - فضلاً عن غيره، بلا خلاف أجده في ذلك نصّا و فتوىً».(1)

و قال في مستند الشيعة: «لايصحّ الاحلاف الاّ باللّه - سبحانه - أي لايترتّب الأثر المقصود من الاحلاف الاّ اذا كان به بلا خلاف، بل عليه الاجماع في كتاب الأيمان عن الشيخين في المقنعة و النهاية و الغنية و المقداد و السيّد في شرح النافع و نسبه في الكفاية الى ظاهر الأصحاب، بل لعلّه اجماع محقّق، فهو الدليل عليه مضافا الى الأصل و النصوص المستفيضة».(2)

أقول:

يدلّ على أنّ الاستحلاف لايجوز الاّ باللّه - مضافا الى ادّعاء الاجماع - الكتابو السنّة:


1) - جواهر الكلام 40: 225.

2) - مستند الشيعة 17: 464.

فمن الأوّل آيات:

منها قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا شهادة بينكم ... فيقسمان باللّه ان ارتبتم. الآية»(1).

و كذا قوله: «فان عثر على أنّهما استحقّا اثما ... فيقسمان باللّه لشهادتنا أحقّ من شهادتهما. الآية»(2).

و لابأس بذكر شأن نزول الآيتين ليتّضح بعض ما ورد فيهما من الأحكام فانّهما نزلتا في ابن مارية الذي سافر مع يهودييّن و معه رأس مال كثير، فظهر له في أثناء الطريق آثار الموت فتيقّن أنّه سيموت، فكتب ما معه من المال و أخفى الكتابة في رحاله و أوصى الى صاحبيه بما معه ليوصلاه الى ورثته، فلمّا مات أخذا من ماله أشياء ذوات قيمة فدخلا المدينة و أعطيا ماله ورثته الاّ ما عندهما ممّا أخذاه منه، فلمّا فتح الورثة رحاله و وجدوا الكتابة عرفوا كذب اليهوديّين فيما قالا و أنّهما سرقا من ماله شيئا، فأتوا رسول اللّه صلى الله عليه و آله و قصّوا عليه القصّة، فأتى صلى الله عليه و آله بهما فأنكرا فاستحلفهما فحلفا أنّهما لم يسرقا شيئا فأبرأهما، فدخل الورثة من ذلك شيء فنزلت الآيتان في كيفيّة الاستحلاف اذا كان الشاهدان من أهل الذمّة و ما اذا علم كذبهما و أنّه ردّ اليمين على المدّعي و أعطي حقّه اذا حلف.

فانّ المستفاد منهما أنّه يجب أن يكون الحلف باللّه تعالى، و ان كان الحالف كافرا.

و منها قوله تعالى الوارد في اللعان: « ... فشهادة أحدهم أربع شهادات باللّه. الآية»(3)و كذا «و يدرؤ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات باللّه. الآية»(4).

و يدلّ عليه من السنّة روايات:


1) - المائدة 5: 106.

2) - المائدة 5: 107.

3) - النور 24: 6.

4) - النور 24: 8.

منها صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«في كتاب علي عليه السلام: أنّ نبيّا من الأنبياء شكا الى ربّه فقال: يا ربّ كيف أقضي فيما لم أر و لم أشهد؟ قال: فأوحى اللّه اليه: أحكم بينهم بكتابي و أضفهم الى اسمي، فحلّفهم به و قال: هذا لمن لم تقم له بيّنة».(1)

و مثلها مرسلة أبان بن عثمان و رواية محمّد بن قيس.(2)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السلام: قول اللّه عزّوجلّ: «و الليل اذا يغشى»، «و النجم اذا هوى» و ما أشبه ذلك، فقال: انّ للّه عزّوجلّ أن يقسم من خلقه بما شاء، و ليس لخلقه أن يقسموا الاّ به».(3)

و منها رواية أبي حمزة عن علي بن الحسين عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لاتحلفوا الاّ باللّه، و من حلف باللّه فليصدق، و من لم يصدق فليس من اللّه و من حلف له باللّه فليرض و من حلف له باللّه فلم يرض فليس من اللّه عزّوجلّ».(4)

و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لاأرى للرجل أن يحلف الاّ باللّه. الحديث».(5)

و كذا لايستحلف الكافر الاّ باللّه كما في صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لايحلف اليهودي و لا النصراني و لا المجوسي بغير اللّه، انّ اللّه


1) - وسائل الشيعة 27: 229 / الباب 1 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 229 و 230 / الباب 1 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2 و 3.

3) - وسائل الشيعة 27: 303 / الباب 34 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

4) - وسائل الشيعة 23: 211 / الباب 6 من كتاب الأيمان / الحديث 1.

5) - وسائل الشيعة 23: 260 / الباب 30 من كتاب الأيمان / الحديث 4.

عزّوجلّ يقول: «و أن احكم بينهم بما أنزل اللّه»».(1)

و صحيحة الحلبي قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن أهل الملل يستحلفون، فقال: لاتحلفوهم الاّ باللّه عزّوجلّ».(2)

و بناءً على هذه الأخبار و غيرها فلايجوز الاحلاف بغير لفظة اللّه تعالى، كالكتب المنزّلة و الرسل المعظّمة و الأماكن المشرّفة.

نعم، قال المصنّف: «لو رأى الحاكم احلاف الذمّي بما يقتضيه دينه أردع جاز». و كما قال الشيخ في النهاية(3)و العلاّمة في التحرير(4)و السبزواري في الكفاية(5)و صاحب الرياض(6)و كشف اللثام(7)و استدلّ لهم برواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام:

«انّ أميرالمؤمنين عليه السلام استحلف يهوديّا بالتوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام».(8)

و صحيحة محمّد بن قيس قال:

«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: قضى علي عليه السلام فيمن استحلف أهل الكتاب بيمين صبر أن يستحلف بكتابه و ملّته».(9)


1) - وسائل الشيعة 23: 265 / الباب 32 من كتاب الأيمان / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 23: 265 / الباب 32 من كتاب الأيمان / الحديث 3.

3) - النهاية: 347.

4) - تحرير الأحكام 2: 105.

5) - كفاية الأحكام 2: 699.

6) - رياض المسائل 15: 104.

7) - كشف اللثام 10: 111.

8) - وسائل الشيعة 23: 266 / الباب 32 من أبواب كتاب الأيمان / الحديث 4.

9) - وسائل الشيعة 23: 267 / الباب 33 من أبواب كتاب الأيمان / الحديث 8.

و كذا صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألته عن الأحكام، فقال: تجوز على كلّ دين بما يستحلفون».(1)

ولكن الجمع بين الطائفة الأولى و بين هذه الروايات يقتضي وجوب الحلف باللّه تعالى على كلّ أحد و اضافة الحلف بما كان عند الحالف عظيم - من مقتضيات دينه ككتابه و نبيّه و غيرهما - الى الحلف باللّه تعالى، فيمن رأى القاضي أنّ ذلك أردع في حقّه بلا فرق في ذلك بين اليهودي و النصراني و المجوسي فانّ اللّه تعالى أردف المجوسي لأهل الكتاب حيث قال: «انّ الذين آمنوا و الذين هادوا و الصابئين و النصارى و المجوس و الذين أشركوا انّ اللّه يفصل بينهم يوم القيامة انّ اللّه على كلّ شيء شهيد»(2).

و لعلّه لذلك قال الشيخ في المبسوط: «ان كان مجوسيّا حلف: واللّه الذي خلقني و رزقني لئلاّ يتناول باللّه وحده النور، فانّه يعتقد النور الها فاذا قال: خلقني و رزقني زال الابهام و الاحتمال».(3)

و أمّا بالنسبة الى غير أهل الكتاب من الوثني و غيره فقد قال الشيخ في المبسوط: «و ان كان وثنيّا معطّلاً أو كان ملحدا يجحد الوحدانيّة لم يغلّظ عليه باللفظ و اقتصر على قوله: واللّه. فان قيل: كيف حلفته باللّه و ليست عنده يمينا؟ قلنا: ليزداد اثما و يستوجب العقوبة».(4)

و لعلّه لاطلاق الكتاب و السنّة، فانّ مقتضاه عدم الفرق بين الجاحد للّه و غيره.

ولكنّ الظاهر أنّ الاحلاف باللّه من الجاحد له تعالى لغو لا أثر له. اللّهمّ الاّ أن يقال: انّه وظيفة للقاضي.

و فيه: انّ الذين لايؤمنون باللّه ليس لهم من اللّه شيء فانّه تعالى قال: «انّ شرّ


1) - وسائل الشيعة 23: 268 / الباب 33 من أبواب كتاب الأيمان / الحديث 9.

2) - الحجّ 22: 17.

3) - المبسوط 8: 205.

4) - نفس المصدر.

الدوابّ عند اللّه الذين كفروا فهم لايؤمنون»(1).

فالأقوى أنّه ان كان ممّن يصدّ عن سبيل اللّه و يلقي الشكّ في قلوب المؤمنين فخرج عن ذمّة الاسلام - ان كان فيها - و صار حربيّا، فلا حرمة له فضلاً عن أن يكون لماله، فيحكم عليه.

و أمّا ان لم يكن كذلك - بل ينكر اللّه بلسانه تبعا لآبائه أو غيرهم الاّ أنّه لاينكره بقلبه؛ اذ ما من أحد الاّ و يجد اللّه في قلبه، كما قال تعالى: «و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم ظلما و علوّا»(2)- فيحلف باللّه تعالى كغيره.

هنا فرعان:

الفرع الأوّل : في الحلف بغير لفظ الجلالة من أسمائه تعالى

قال في المستند: «هل المراد بالحلف باللّه الحلف بهذا اللفظ المقدّس، أو به و بمثله من الأسماء المختصّة به - كالرحمن و الرحيم - أو بهما و بمثلهما من الأوصاف الدالّة على تلك الذات المقدّسة - مثل بالذي لا اله الاّ هو و بالذي خلق كلّ شيء - أو بذات اللّه؟

الظاهر الأخير؛ لأنّ المعنى الحقيقي للفظ اللّه هو الذات المقدّسة فالمراد الحلف بتلك الذات المتعالية فيصحّ الحلف بكلّ ما أفاده، و يدلّ عليه أيضا قوله في صحيحة الحلبي - بعد النهي عن الحلف الاّ باللّه - : «فأمّا قوله: لعمر اللّه و قوله: لاهاه فذلك باللّه» و كذا قوله في صحيحة محمّد المتقدّمة: «و ليس لخلقه أن يقسموا الاّ به» فانّ الضمير راجع الى الذات دون اللفظ.

و الظاهر أنّه لا خلاف فيه أيضا الاّ عن بعض المتأخّرين في شرحه على


1) - الأنفال 8: 55.

2) - النمل 27: 14.

النافع، و لذا جعل بعض من تأخّر عنه قوله مخالفا لظاهر الاجماع المحقّق والمحكي عن الشيخين».(1)

أقول:

ما هو الظاهر من الكتاب و السنّة ممّا تقدّم، أنّ اليمين المكلّف بها القاضي هي الحلف بلفظ الجلالة، و لابأس باضافة سائر أسمائه تعالى اليه. و هذا قوله تعالى: «و أن احكم بينهم بما أنزل اللّه» فكان ما أنزل اللّه هو الآيات التي تقدّمت منّا: «فيقسمون باللّه، و شهادات باللّه»(2). و قد صرّح به في صحيحتي الحلبي و صحيحة سليمان بن خالد المتقدّمة.

و أمّا استدلال صاحب المستند بصحيحة محمّد بن مسلم بأنّ الضمير فيها راجع الى الذات دون اللفظ. ففيه: انّ الضمير راجع الى لفظ الجلالة في صدر الحديث.

و أمّا ما ورد في صحيحة الحلبي من أنّ «لعمر اللّه» و «لاهاه» قسمان باللّه عزّوجلّ، فلعلّه لبيان كون القسم فيهما باللّه تعالى في مقابل القسم الذي كان جاريا في الجاهليّة، لا لبيان اليمين المأمور بها عند القاضي.

الفرع الثاني : في الحلف بغير اللّه في غير المحكمة

قال في المستند: «كما لايقع الحلف الاّ باللّه سبحانه، و لايترتّب الأثر الاّ عليه و لاينعقد في باب الأيمان الاّ به، كذلك لايجوز الحلف الاّ به سبحانه. فيأثم الحالف بغيره من المخلوقات - كالأنبياء و الأئمّة و الملائكة و الكتب المعظّمة و الكعبة و الحرم و المشاهد المشرّفة و الآباء و الأصدقاء و نحوها - على الأشهر بين الطائفة،


1) - مستند الشيعة 17: 471.

2) - المائدة 5: 106 و 107 و النور 24: 6 و 8.

بل قيل: انّه مقتضى الاجماعات المنقولة. و صرّح به جماعة منهم المحقّقالأردبيلي و صاحب المفاتيح و شارحه و بعض مشايخنا المعاصرين؛ لروايتي أبي حمزة و سماعة، و صحاح محمّد و علي بن مهزيار و الحلبي المتقدّمة جميعا.

فانّ الأولى متضمّنة للنهي الصريح في الحرمة.

و الثانية و الأخيرة متضمّنة لقوله: «لاأرى» و الظاهر منه نفي الجواز.

و الثالثة و الرابعة متضمّنة لقوله: «ليس لخلقه أن يقسموا الاّ به» و المتبادر منه نفي الجواز أيضا. و حملها على الحلف الذي يترتّب عليه الأثر الشرعي لا وجه له. مضافا الى ما علّله بعضهم من أنّ القسم يستلزم تعظيما له، و لا مستحقّ للتعظيم المطلق و بالذات سوى اللّه تعالى».(1)

أقول:

الظاهر جواز الحلف بغير اللّه تعالى، كالأنبياء و الأئمّة عليهم السلام و الملائكة و الكتب السماويّة و الأماكن المعظّمة و كذا غيرها من المخلوقات من الآباء و الأبناء و الأصدقاء و نحوها في غير المحكمة اذا لم تكن في شيء منها شائبة الشرك باللّه العظيم، و كان لاحترامه عنده فقط و هو موجب لبعده من الكذب و لايدلّ على استحقاقه العظمة فوق اللّه تعالى عنده.

و يدلّ على الجواز وقوعه في كلام مولانا علي بن أبي طالب عليه السلام كقوله عليه السلام:

«و لعمري يا معاوية، لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدنّي أبرأ الناس من دم عثمان».(2)

و كذا قوله عليه السلام في رسالته الى أبي بكر:

« ... لعمر أبي و أمّي لن تحبّوا أن يكون فينا الخلافة و النبوّة ... ».(3)


1) - مستند الشيعة 17: 472 و 473.

2) - نهج البلاغة: الكتاب 6.

3) - الاحتجاج 1: 96.

الى غير ذلك ممّا ورد في نهج البلاغة و غيره.

و كذا ما ورد عن الأئمّة المعصومين في الروايات الواردة في الأبواب المختلفة، كقول أبي عبداللّه عليه السلام الوارد في السعي:

« ... لعمري قد أمر رسول اللّه أسماء بنت عميس ... ».(1)

و قوله عليه السلام:

« ... لا لعمري لاأجمع عليه خصلتين الضمان و الزكاة».(2)

الى غير ذلك ممّا أورده في الوسائل فراجع.

و أمّا ما ادّعي دلالته على عدم الجواز من الروايات فضعيفة سندا أو دلالة فانّها على ثلاث طوائف:

منها: ما ورد فيه النهي عن اليمين بالأجرام السماويّة - كما في صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة - فلعلّ النهي عنها لكونها مظنّة الشرك.

و منها: ما ورد فيه النهي عن الحلف بالعتاق و الطلاق و هو الحلف الذي كان متداولاً في الجاهليّة فلذلك وقع منهيّا عنه.

و منها: ما ورد فيه النهي عن الحلف بالآباء، و ذلك لأنّهم كانوا مشركين و كافرين و لذلك نهي أولادهم عن الحلف بهم.

و قد عرفت أنّه يمكن حمل الكلّ على اليمين التي تعتبر في فصل الخصومة عند القاضي.


1) - وسائل الشيعة 13: 460 / الباب 89 من أبواب الطواف / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 9: 88 / الباب 2 من أبواب من تجب عليه الزكاة / الحديث 5.

في أنّه يستحبّ للحاكم تقديم العظة على اليمين

و يستحبّ للحاكم تقديم العظة على اليمين و التخويف من عاقبتها.

قال في المسالك: «بأن يذكّره ما ورد من الآيات و الروايات المتضمّنة لعقوبة من حلف باللّه كاذبا و التشديد عليه، و ما ورد فيمن عظّم اللّه تعالى أن يحلف به صادقا من تعويضه على ذلك في الدنيا قبل الآخرة».(1)

أقول:

اعلم أنّ الحلف باللّه تعالى صادقا مكروه، و كاذبا حرام بل من الكبائر و بل قيل: من أشدّها.

يدلّ على الأوّل من الكتاب قوله تعالى: «و لاتجعلوا اللّه عرضة لأيمانكم أن تبرّوا و تتّقوا و تصلحوا بين الناس و اللّه سميع عليم»(2).

فانّ الآية - كما في مجمع البيان - نزلت في عبداللّه بن رواحة حين حلف أن لايدخل على ختنه و لايكلّمه و لايصلح بينه و بين امرأته، فكان يقول: انّي حلفت بهذا فلايحلّ لي أن أفعله.

و قد ورد في تفسيرها معنيان:

الأوّل: المعنى المطابق لشأن النزول الذي ذكرناه و هو النهي عن جعل اللّه سبحانه في معرض اليمين؛ حذرا من أن لاتبرّوا و لاتتّقوا و لاتصلحوا بين الناس، أي اذا حلفتم أن لاتتّقوا و لاتبرّوا و لاتصلحوا بين الناس فاليمين غير منعقدة و لاتعتنوا بها. و على هذا فيلزم تقدير لفظة «لا» في الآية.

الثاني: ما ورد عن أئمّتنا المعصومين عليهم السلام من أنّ المعنى أن لاتجعلوا اللّه سبحانه في معرض يمينكم في البرّ و التقوى و الاصلاح، أي اذا أردتم أن تتّقوا اللّه و تبرّوا و تصلحوا بين الناس فلاتحلفوا على هذه الأمور، كما سيأتي الروايات


1) - مسالك الأفهام 13: 474.

2) - البقرة 2: 244.

الدالّة على هذا المعنى القائلة بترك الحلف باللّه حتّى صادقا.

و وجه عدم الحلف لهذه الأمور امّا تعظيم اللّه تعالى عن جعله في معرض اليمين لكلّ أمر، و امّا لأنّ الحلف على هذه الأمور يوجب عدم حصول ما يراد منها و ذلك لأنّ الناس لمّا رأوا المرء يحلف لكلّ شيء، يسقط من أعينهم و لايقبلون منه كلاما، فالمعنى أنّه ان أردتم التقوى و البرّ و الاصلاح فلاتحلفوا ليتمكّنوا من هذه الأمور، و الى هذا المعنى أشار قوله تعالى: «و لاتطع كلّ حلاّف مهين»(1).

و على المعنى الثاني - المؤيّد بما ورد في الروايات - فالآية تدلّ على كراهة اليمين الصادقة باللّه تعالى.

و يدلّ على حرمة الحلف باللّه كاذبا قوله تعالى: «انّ الذين يشترون بعهد اللّه و أيمانهم ثمنا قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة و لايكلّمهم اللّه و لاينظر اليهم يوم القيامة و لايزكّيهم و لهم عذاب أليم»(2)

فانّ الآية - كما في مجمع البيان - نزلت في جماعة من أحبار اليهود الذين كتموا ما في التوراة من أمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله و كتبوا بأيديهم غيره و حلفوا أنّه من عند اللّه لئلاّتفوتهم الرئاسة و ما كان لهم على أتباعهم.

و قيل: نزلت في رجل حلف يمينا فاجرة في تنفيق سلعة. و قيل غير ذلك.

و معلوم أنّ ما رتّب على الحلف في هذه الآية الكريمة من الآثار - من عدم الخلاق لهم في الآخرة، و عدم تكليم اللّه معهم و عدم نظره اليهم و عدم تزكيتهم و أخيرا العذاب الأليم - لايترتّب الاّ على اليمين الكاذبة باللّه تعالى.

و أمّا السنّة فيدلّ منها على كراهة اليمين الصادقة صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:


1) - القلم 68: 10.

2) - آل عمران 3: 77.

«اجتمع الحواريّون الى عيسى عليه السلام فقالوا: يا معلّم الخير أرشدنا، فقال: انّ موسى نبياللّه أمركم أن لاتحلفوا باللّه كاذبين و أنا آمركم أن لاتحلفوا باللّه كاذبين و لا صادقين».(1)

و رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من أجلّ اللّه أن يحلف به أعطاه اللّه خيرا ممّا ذهب منه».(2)

و صحيحة أبي أيّوب الخرّاز قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: لاتحلفوا باللّه صادقين و لا كاذبين، فانّه عزّوجلّ يقول: «و لاتجعلوا اللّه عرضة لأيمانكم»».(3)

و رواية أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام:

«انّ أباه كانت عنده امرأة من الخوارج - أظنّه قال: من بني حنيفة - فقال له مولىً له: يابن رسول اللّه، انّ عندك امرأة تبرأ من جدّك، فقضى لأبي أنّه طلّقها فادّعت عليه صداقها، فجاءت به الى أميرالمدينة تستعديه، فقال له أميرالمدينة: يا علي، امّا أن تحلف و امّا أن تعطيها، فقال لي: يا بنيّ، قم فأعطها أربعمائة دينار، فقلت له: يا أبة - جعلت فداك - ألست محقّا؟ قال: بلى، يا بنيّ ولكنّي أجللت اللّه أن أحلف به يمين صبر».(4)

و يستحبّ ترك المدّعي طلب اليمين اذا توجّهت الى المنكر، بل يستحبّ ترك الاحلاف مطلقا و ذلك لرواية عبدالحميد الطائي عن أبي الحسن الأوّل عليه السلام قال:


1) - وسائل الشيعة 23: 197 / الباب 1 من كتاب الأيمان / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 23: 198 / الباب 1 من كتاب الأيمان / الحديث 3.

3) - وسائل الشيعة 23: 198 / الباب 1 من كتاب الأيمان / الحديث 5.

4) - وسائل الشيعة 23: 200 / الباب 2 من كتاب الأيمان / الحديث 1.

«قال النبي صلى الله عليه و آله: من قدّم غريما الى السلطان يستحلفه، و هو يعلم أنّه يحلف ثمّ تركه تعظيما للّه عزّوجلّ، لم يرض اللّه له بمنزلة يوم القيامة الاّ منزلة ابراهيم خليل الرحمن عليه السلام».(1)

و يدلّ على تحريم اليمين الكاذبة لغير ضرورة و تقيّة روايات:

منها صحيحة أبي عبيدة الحذّاء عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«انّ في كتاب علي عليه السلام: انّ اليمين الكاذبة و قطيعة الرحم تذران الديار بلاقع(2)من أهلها، و تثقل الرحم، يعني انقطاع النسل».(3)

و منها صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«انّ أميرالمؤمنين عليه السلام قال: انّ يمين الصبر(4)الكاذبة تترك الديار بلاقع».(5)

و منها رواية يعقوب الأحمر قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: من حلف على يمين و هو يعلم أنّه كاذب فقد بارز اللّه».(6)

الى غير ذلك ممّا أورده في الوسائل في الباب الرابع من كتاب الأيمان.

و في الجواهر - بعد قول المصنّف: و يستحبّ للحاكم تقديم العظة على اليمين و التخويف من عاقبتها - قال: «بذكر ما ورد من ذلك له من الترغيب في الترك و التخويف من الفعل و أنّها اذا وقعت كاذبة تدع الديار بلاقع و أنّه مبارز للّه تعالى و يخشى عليه من انقطاع النسل و الفقر في عقبه، بل في بعض النصوص:


1) - وسائل الشيعة 23: 289 / الباب 52 من كتاب الأيمان / الحديث 1.

2) - بَلاقِع: جمع بلقع و هو الأرض القفراء التي لا شيء فيها. مجمع البحرين

3) - وسائل الشيعة 23: 202 / الباب 4 من كتاب الأيمان / الحديث 1.

4) - يمين الصبر: اليمين التي ألزم بها و حبس عليها و كانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم. مرآة العقول.

5) - وسائل الشيعة 23: 203 / الباب 4 من كتاب الأيمان / الحديث 2.

6) - وسائل الشيعة 23: 203 / الباب 4 من كتاب الأيمان / الحديث 4.

«انّ الحالف باللّه صادقا آثم» الى غير ذلك ممّا ورد من التوعّد على وقوعها كاذبا والترغيب في تركها تعظيما للّه كما روي «أنّ حضرميّا ادّعى على كندي في أرض من اليمن أنّه اغتصبها أبو الكندي فتهيّأ الكندي لليمين، فقال صلى الله عليه و آله: لايقطع أحد مالاً بيمين الاّ لقي اللّه أجذم، فقال الكندي: هي أرضه».(1)

أقول:

و ان لم يكن هناك دليل خاصّ على استحباب العظة على اليمين و التخويف من عاقبتها بالنسبة الى الحاكم، غير النبوي المنقول في الجواهر عن سنن البيهقي، الاّ أنّ الروايات المتقدّمة في اليمين - و أنّه يحسن للحالف تركه صادقا فضلاً عمّا اذا كان كاذبا - كافية في استحباب الموعظة و نصيحة من أراد الحلف باللّه، بالنسبة الى القاضي و غيره.

و لقد أجاد النراقي رحمه الله في تعبيره ذلك حيث قال: «يستحبّ للحاكم تقديم الوعظ على اليمين لمن توجّهت اليه؛ لأنّها امّا مكروهة أو محرّمة، و الترغيب في ترك المكروه و التحذير عن فعل المحرّم مطلوب قطعا، فيعظ الحالف بذكر الآيات و الأخبار الواردة في ثواب ترك الحلف مع الصدق و عقاب فعلها مع الكذب. و كذا يستحبّ وعظ المستحلف أيضا؛ لما عرفت من استحباب تركه».(2)


1) - جواهر الكلام 40: 229 و 230.

2) - مستند الشيعة 17: 478.

و يكفي أن يقول: قل: واللّه ما له قبلي حقّ. و قد يغلّظ اليمين بالقول و الزمان و المكان، لكن ذلك غير لازم و لو التمسه المدّعي، بل هو مستحبّ في الحكم استظهارا. فالتغليظ بالقول مثل أن يقول: قل: واللّه الذي لا اله الاّ هو الرحمن الرحيم الطالب الغالب الضارّ النافع المدرك المهلك الذي يعلم من السرّ ما يعلمه من العلانية، ما لهذا المدّعي عليّ شيء ممّا ادّعاه. و يجوز التغليظ بغير هذه الألفاظ ممّا يراه الحاكم. و بالمكان: كالمسجد و الحرم و ما شاكله من الأماكن المعظّمة. و بالزمان: كيوم الجمعة و العيد، و غيرهما من الأوقات المكرّمة. و يغلّظ على الكافر بالأماكن التي يعتقد شرفها و الأزمان التي يرى حرمتها.

الدليل على كفاية قول الحاكم للمنكر: «قل: واللّه ما له قبلي حقّ» هو اطلاق الروايات الواردة في أنّ البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر، فانّه تصدق اليمين على قوله: «واللّه» و هو كافٍ، و بعد ذلك يلحقها بمتعلّق اليمين و هو قوله: «ما له قبلي حقّ».

و أمّا التغليظ باليمين فقد اشتهر بين الأصحاب أنّه يستحبّ للحاكم تغليظ اليمين على المنكر قولاً أو زمانا أو مكانا استظهارا، و ليس هناك دليل على الاستحباب لخصوص الحاكم - نعم ورد في كيفيّة تحليف الأخرس كما تقدّم و سيأتي - الاّ أنّه مشهور.

في عدم لزوم التغليظ في اليمين

أمّا التغليظ بالمكان و الزمان فيمكن استفادته من قوله تعالى: «تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان باللّه»(1)الظاهر في رجحان اليمين في الزمان الخاصّ و هو بعد صلاة العصر مثلاً، و حيث انّ الصلاة تصلّى في المسجد فيرجّح وقوعهافي الأماكن المعظّمة أيضا.


1) - المائدة 5: 106.

و أمّا التغليظ بالقول فيمكن الاستدلال عليه بقوله عليه السلام في نهج البلاغة:

«أحلفوا الظالم اذا أردتم يمينه بأنّه بريء من حول اللّه و قوّته، فانّه اذا حلف بها كاذبا عوجل و اذا حلف باللّه الذي لا اله الاّ هو لم يعاجل؛ لأنّه قد وحّد اللّه سبحانه».(1)

و كذا مرسلة أحمد بن أبي عبداللّه (البرقي) عن صفوان الجمّال:

«أنّ أبا جعفر المنصور قال لأبي عبداللّه عليه السلام: رفع اليّ أنّ مولاك المعلّى بن خنيس يدعو اليك، و يجمع لك الأموال، فقال: واللّه ما كان - الى أن قال المنصور: - فأنا أجمع بينك و بين من سعى بك، فجاء الرجل الذي سعى به، فقال له أبو عبداللّه عليه السلام: يا هذا أتحلف؟ فقال: نعم، واللّه الذي لا اله الاّ هو عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم لقد فعلت، فقال له أبو عبداللّه عليه السلام: ويلك تبجّل اللّه فيستحيي من تعذيبك، ولكن قل: برئت من حول اللّه و قوّته و ألجئت الى حولي و قوّتي، فحلف بها الرجل فلم يستتمّها حتّى وقع ميّتا، فقال أبو جعفر المنصور: لاأصدّق عليك بعد هذا أبدا و أحسن جائزته و ردّه».(2)

و موردها و ان لم يكن الحاكم الاّ أنّه يمكن استفادة الاستحباب بالنسبة الى الحاكم منها. و كذا غيرها من الروايات.


1) - وسائل الشيعة 23: 270 / الباب 33 من كتاب الأيمان / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 23: 269 / الباب 33 من كتاب الأيمان / الحديث 1.

في استحباب التغليظ في الحقوق
إشارة:

و يستحبّ التغليظ في الحقوق كلّها و ان قلّت، عدا المال فانّه لايغلّظ فيه بما دون نصاب القطع.

قال في الجواهر: «على المشهور كما في المسالك، بل في الرياض نفي الخلاف فيه بل في كشف اللثام نسبته الى قطع الأصحاب و أنّ في الخلاف الاجماع عليه، و في المبسوط أنّه الذي رواه أصحابنا، لكن في الأوّل: «ذكروا أنّه مروي و ماوقفت على مستنده و للعامّة اختلاف في تحديده بذلك أو بنصاب الزكاة و هو عشرون دينارا أو مائتا درهم، و ليس للجميع مرجع واضح». قلت: لعلّه - مضافا الى ما سمعت - المرسل أو الصحيح عن زرارة و محمّد بن مسلم عنهما جميعا: «لايحلّف أحد عند قبر النبي صلى الله عليه و آله على أقلّ ممّا يجب فيه القطع» بناءً على قراءته بالتشديد و ارادة مطلق التغليظ من الحلف عند قبر النبي صلى الله عليه و آله. نعم، لم نقف على عموم يقتضي استحبابه كذلك على كلّ أحد».(1)

أقول:

قد استدلّ على ما ذهب اليه المصنّف و غيره - من كراهة تغليظ اليمين فيما دون نصاب القطع - برواية محمّد بن مسلم و زرارة عنهما عليهماالسلام جميعا قالا:

«لايحلف أحد عند قبر النبي صلى الله عليه و آله على أقلّ ممّا يجب فيه القطع».(2)

و هذه الرواية بناءً على قراءة «لايحلّف» بالتشديد، تدلّ على كراهة التغليظ بالقول في اليمين بما دون نصاب القطع.

و الظاهر أنّ قراءة «لايحلف» بالتخفيف أنسب بسياق الرواية، و على هذا فلايستفاد منها كراهة التغليظ بالقول. نعم، يستفاد منها على القراءتين كراهة التغليظ بالمكان في أقلّ ممّا يجب فيه القطع.


1) - جواهر الكلام 40: 233.

2) - وسائل الشيعة 27: 298 / الباب 29 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

و أمّا «ما يجب فيه القطع» فقد فسّر في روايات باب حدّ السرقة:

كموثّقة اسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه:

«انّ عليّا عليه السلام كان يقول: لا قطع على السارق حتّى يخرج بالسرقة من البيت و يكون فيها ما يجب فيه القطع».(1)

و في صحيحة محمّد بن مسلم قال:

«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: في كم يقطع السارق؟ قال: في ربع دينار. الحديث».(2)

فرعان: «الأوّل»: لو امتنع عن الاجابة الى التغليظ لم يجبر و لم يتحقّق بامتناعه نكول. «الثاني»: لو حلف لايجيب الى التغليظ، فالتمسه خصمه لم تنحلّ يمينه.

هنا فرعان:

الفرع الأوّل : فيما لو امتنع عن الاجابة الى التغليظ

قد تقدّم الدليل على استحباب التغليظ في الزمان و المكان و قلنا بأنّه لا دليل على استحبابه بالقول سوى ما ورد في تغليظها بالنسبة الى الظالم، الاّ أنّه يمكن القول بالاستحباب مطلقا لشهرته بين الأصحاب، و ذلك للتسامح في أدلّة السنن.

و بناءً على ذلك فلو التمس الحاكم من المنكر تغليظ اليمين، لم يجب اجابته بل لعلّه لم يستحبّ الاّ على القول بلغويّة استحبابه على الحاكم لو لم يستحبّاجابته.


1) - وسائل الشيعة 28: 262 / الباب 8 من أبواب حدّ السرقة / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 28: 243 / الباب 2 من أبواب حدّ السرقة / الحديث 1.

و على أيّ حال لو امتنع لم يجبر؛ لعدم الدليل على ذلك و يؤيّده ما تقدّم من رواية أبي حمزة عن علي بن الحسين عليه السلام المذكور في ذيلها: «من حلف له باللّه فليرض، و من حلف له باللّه فلم يرض فليس من اللّه عزّوجلّ».(1)

و كذا لم يتحقّق بامتناعه النكول و ذلك لأنّه قد أتى بوظيفته على الفرض و هو قوله: «واللّه ما له قبلي حقّ». و قد خالف بعض العامّة - على ما في المسالك(2)- و قالوا بوجوب الاجابة في التغليظ باليمين لو طلبه الحاكم و بأنّه ناكل بدون الاجابة.

و آخرون منهم خصّوه بالتغليظ الزماني و المكاني دون القولي، فارقين بأنّ التغليظ اللفظي من جنس المأتي به فلم يكن بتركه مخالفا للحاكم، بخلاف الآخرين.

و فيه: لا دليل على وجوب الاجابة الى التغليظ مطلقا و لو طلبه الحاكم. نعم، لو قيّد الحاكم الحلف بالزمان أو المكان المخصوص - مراعاة للمصلحة - فلم يحلف المنكر، فهو ناكل.

الفرع الثاني : لو حلف على عدم اجابة التغليظ

لو حلف على عدم اجابة التغليظ لو طلبه الحاكم أو المدّعي، فلاينحلّ حلفه لو طلبه منه و ذلك لأنّ اليمين باللّه تعالى مرجوحة الاّ ما وقع في استيفاء حقّ أو دفع ضرر، فاليمين على تركها مغلّظا منعقدة.

نعم، لو قلنا باستحباب طلب الحاكم من المنكر التغليظ بالقول - على ما اشتهر بين الأصحاب - و قلنا بتبعه باستحباب اجابته من المنكر، فلايبعد القول بانحلالاليمين؛ لأنّ اليمين على ترك الراجح لاتنعقد، الاّ أنّه لو صحّ هذا لكان بالنسبة الى طلب الحاكم لا المدّعي.


1) - وسائل الشيعة 23: 211 / الباب 6 من كتاب الأيمان / الحديث 1.

2) - مسالك الأفهام 13: 478.

في حلف الأخرس

و حلف الأخرس بالاشارة. و قيل: توضع يده على اسم اللّه في المصحف أو يكتب اسم اللّه سبحانه و توضع يده عليه. و قيل: يكتب اليمين في لوح و يغسل و يؤمر بشربه بعد اعلامه، فان شرب كان حالفا و ان امتنع ألزم الحقّ؛ استنادا الى حكم علي عليه السلام في واقعة الأخرس.

قال في المسالك: «في حلف الأخرس أقوال: أشهرها ما اختاره المصنّف من تحليفه بالاشارة المفهمة الدالّة عليه كسائر أموره؛ لأنّ الشارع أقام اشارته مقام الكلام. و القول باشتراط وضع يده على اسم اللّه تعالى للشيخ في النهاية و جعل ذلك مضافا الى اشارته. و القول بكتبة اليمين في لوح و يغسل و يؤمر بشربه لابن حمزة. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

قد يستدلّ على القول الثالث بصحيحة محمّد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الأخرس، كيف يحلف اذا ادّعي عليه دين و أنكره، و لم يكن للمدّعي بيّنة. فقال: انّ أميرالمؤمنين عليه السلام أتي

بأخرس، فادّعي عليه دين و لم يكن للمدّعي بيّنة، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: الحمد للّه الذي لم يخرجني من الدنيا حتّى بيّنت للأمّة جميع ما تحتاج اليه.

ثمّ قال: ايتوني بمصحف، فأتي به فقال للأخرس: ما هذا؟ فرفع رأسه الى السماء و أشار أنّه كتاب اللّه عزّوجلّ.

ثمّ قال: ايتوني بوليّه فأتي بأخ له فأقعده الى جنبه، ثمّ قال: يا قنبر عليّ بدواة و صحيفة فأتاه بهما، ثمّ قال لأخي الأخرس: قل لأخيك هذا بينك و بينه انّه علي، فتقدّم اليه بذلك ثمّ كتب أميرالمؤمنين عليه السلام:


1) - مسالك الأفهام 13: 480.

واللّه الذي لا اله الاّ هو عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم الطالب الغالب الضارّ النافع المهلك المدرك الذي يعلم السرّ و العلانية، انّ فلان بن فلان المدّعي، ليس له قبل فلان بن فلان - أعني الأخرس - حقّ، و لا طلبة بوجه من الوجوه و لا بسبب من الأسباب، ثمّ غسله و أمر الأخرس أن يشربه فامتنع فألزمه الدين».(1)

الاّ أنّ الظاهر أنّ ذلك ليس صرف التعبّد، و المهمّ يمين المنكر كما دلّ عليه الكتاب و السنّة، فمن لم يكن له نطق كالأخرس فطريق حلفه هو طريق افهام سائر مقاصده من غير فرق بينه و بينها، و الغالب فيه الاشارة كما ذهب اليه المشهور و ورد فيه روايات في أبواب العبادات و المعاملات و الطلاق و غيرها. و من جملة مصاديق حلفه هو ما ذكر في هذه الصحيحة فالعمل بها حسن لكن باضافته الى الاشارة.

و قد ورد في رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«تلبية الأخرس و تشهّده و قراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه و اشارته باصبعه».(2)

و في رواية البزنطي:

«أنّه سأل أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الرجل - تكون عنده المرأة - يصمت و لايتكلّم، قال: أخرس هو؟

قلت: نعم، و يعلم منه بغض لامرأته و كراهة لها، أيجوز أن يطلّق عنهوليّه؟

قال: لا، ولكن يكتب و يشهد على ذلك.

قلت: أصلحك اللّه، فانّه لايكتب و لايسمع كيف يطلّقها؟


1) - وسائل الشيعة 27: 302 / الباب 33 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 6: 136 / الباب 59 من أبواب القراءة في الصلاة / الحديث 1.

قال: بالذي يعرف من أفعاله مثل ما ذكرت من كراهته و بغضه لها».(1)

فانّ ذيلها صريح فيما قلنا من عدم لزوم التعبّد بالكيفيّة المذكورة في صحيحة محمّد بن مسلم.

في الاستحلاف في غير مجلس القضاء

و لايستحلف الحاكم أحدا الاّ في مجلس قضائه الاّ مع العذر كالمرض المانع و شبهه، فحينئذ يستنيب الحاكم من يحلفه في منزله، و كذا المرأة التي لا عادة لها بالبروز الى مجمع الرجال أو الممنوعة بأحد الأعذار.

في الجواهر - بعد قول المصنّف: «و لايستحلف الحاكم أحدا الاّ في مجلس قضائه» - قال: «بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به في الرياض بل فيه: ظاهرهم الاجماع، كما يستفاد من كثير، منهم المقدّس الأردبيلي و الخراساني و لعلّه لأصالة عدم انقطاع الدعوى بغيره بعد الشكّ أو الظنّ بعدم تناول الاطلاق الوارد في تعليم ميزان القضاء للحكّام لغير الفرض و لو للاتّفاق المزبور».(2)

أقول:

ظاهر الكتاب و السنّة هو أنّه يجب أن يكون اقامة البيّنة من المدّعي و كذا اليمين من المنكر، بمحضر الحاكم و مجلس قضائه، بمعنى أنّه كما أنّ الحكم لايقبل النيابة فيختصّ به فكذلك مقدّمات الحكم.

نعم، يمكن أن يأمر القاضي أحدا باحلاف المنكر، الاّ أنّه يلزم أن يكونبمحضره و ذلك لعدم انفصال الاستحلاف عن الحلف.

ثمّ قال في الجواهر - تبعا للمصنّف رحمه الله - : «نعم، ذكر غير واحد من الأصحاب - بل نفى بعضهم الخلاف فيه أيضا - أنّ ذلك كذلك الاّ مع العذر كالمرض المانع


1) - وسائل الشيعة 22: 47 / الباب 19 من أبواب مقدّمات الطلاق و شرائطه / الحديث 1.

2) - جواهر الكلام 40: 240.

من الحضور، و كذا المرأة التي لا عادة لها بالبروز الى مجمع الرجال، فحينئذ جازت الاستنابة و ان تمكّن الحاكم من الوصول بلا نقص و مشقّة عليه. لكن الانصاف صعوبة استنباط ذلك من الأدلّة بعد فرض عدم سوقها لبيان ذلك أو فرض كون المنساق منها الأوّل، فلا اطلاق حينئذ يوثق به فليس حينئذ الاّ الأصل - أي عدم انقطاع الدعوى بغيره - نعم، لابأس بالقول بوقوف الدعوى حتّى يرتفع العذر، اللّهمّ الاّ أن يكون هناك اجماع يقطع العذر. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

بعد ما كان الظاهر من الكتاب و السنّة هو وجوب كون الحكم من القاضي و عدم قبوله النيابة، فيستفاد عدم جواز الاستنابة في مقدّماته أيضا منهما عند التأمّل.

فاذا كان المنكر معذورا من الحضور فيشكل استنابة القاضي من يحلفه في منزله و على هذا فيتوقّف الحكم الى أن يرتفع عذره، الاّ أن يكون اجماع كاشف عن قول المعصوم عليه السلام أو رأيه.

و لا دليل على وجوب حضور الحاكم عنده؛ لانصراف أدلّة الحكم الى ما اذا كان المتخاصمان حاضرين بمحضره. نعم، اذا كان توقّف الحكم الى رفع العذر ضررا و ليس حضور القاضي عند المنكر وهنا له فلا مانع من ذلك.


1) - جواهر الكلام 40: 240 و 241.

«البحث الثاني»: في يمين المنكر و المدّعي

إشارة:

«البحث الثاني»: في يمين المنكر و المدّعي. اليمين تتوجّه على المنكر تعويلاً على الخبر و على المدّعي مع الردّ و مع الشاهد الواحد. و قد تتوجّه مع اللوث في دعوى الدم. و لا يمين للمنكر مع بيّنة المدّعي؛ لانتفاء التهمة عنها. و مع فقدها فالمنكر مستند الى البراءة الأصليّة، فهو أولى باليمين.

قد تقدّم أنّ البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر ففي صحيحة جميل و هشام عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: البيّنة على من ادّعى و اليمين على من ادّعي عليه».(1)

فاذا لم يكن للمدّعي بيّنة فاليمين تتوجّه على المنكر.

و قد استثني من ذلك مواضع يحلف فيها المدّعي:

منها: ما اذا ردّ المنكر اليمين على المدّعي و قد تقدّم ما يدلّ عليه كصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام في الرجل يدّعي و لا بيّنة له قال:

«يستحلفه، فان ردّ اليمين على صاحب الحقّ فلم يحلف فلا حقّ له».(2)

و قد تقدّم البحث عن ذلك تفصيلاً في البحث عن الانكار، فراجع.

و منها: اليمين مع الشاهد الواحد، و سيأتي تفصيل ذلك في البحث الثالث.

و منها: في دعوى الدم اذا كانت القرائن الظنّيّة دالّة على كون الرجل قاتلاً مع عدم البيّنة و هي المعروفة بالقسامة.

و منها: اليمين الاستظهاريّة على ما سبق من الادّعاء على الميّت.

و قد أتى ببعضها الآخر في كتاب نظام القضاء(3):


1) - وسائل الشيعة 27: 233 / الباب 3 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 27: 241 / الباب 7 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

3) - نظام القضاء 1: 489.

منها: اذا ادّعى شيئا لايعلم الاّ من قبله كما اذا ادّعت الطمث عند طلاقها.

و منها: دعوى الأمين تلف العين المأمونة، و قد اشتهر: «ليس على الأمين الاّ اليمين».

و منها: دعوى الغاصب التلف.

و منها: يمين الزوج الصغير - و مثله الزوجة - اذا بلغ و علم بأنّ الولي زوّجه من صغيرة توفّيت قبل بلوغه و تركت مالاً فيحلف على أنّ رضاه بالعقد ليس لأجل التركة، بل لو كانت حيّة لرضي بعقدها و زوجيّتها.

و الكلام في كلّ من هذه الأمور موكول الى محلّه.

و أمّا مع وجود البيّنة للمدّعي فلا يمين على المنكر، و ذلك لعدم مورد لليمين مع البيّنة؛ لأنّ البيّنة ترفع التهمة.

و سيأتي البحث في تشخيص المنكر و المدّعي من أنّ المنكر هو من يوافق قوله الأصل مثلاً، فقوله مستند الى البراءة الأصليّة فهو أولى باليمين.

في لزوم الحلف على القطع

و مع توجّهها يلزمه الحلف على القطع مطّردا، الاّ على نفي فعل الغير، فانّها على نفي العلم. فلو ادّعي عليه ابتياع أو قرض أو جناية فأنكر، حلف على الجزم. و لو ادّعي على أبيه الميّت لم تتوجّه اليمين ما لم يدّع عليه العلم، فيكفيه الحلف أنّه لايعلم. و كذا لو قيل: قبض وكيلك.

قال في المسالك: «الحالف تارة يحلف على البتّ و أخرى على نفي العلم. و الضابط أنّه ان كان يحلف على فعل نفسه فيحلف على البتّ، سواء كان يثبته أو ينفيه؛ لأنّه يعرف حال نفسه و يطّلع عليها.

و ان كان يحلف على فعل الغير فان كان في اثبات فيحلف على البتّ؛ لأنّهيسهل الوقوف عليه كما أنّه يشهد به. و ان كان على النفي حلف على أنّه لايعلمه؛ لأنّ النفي المطلق يعسر الوقوف على سببه، و لهذا لايجوز الشهادة على النفي.

الى أن قال: - و قد يختصر و يقال: اليمين على البتّ أبدا، الاّ اذا حلف على نفي فعل الغير».(1)

و في الجواهر: «و مع توجّهها عليه أو على المدّعي يلزم الحلف على القطع و البتّ مطّردا و ان كان مستنده أمارة شرعيّة من يد و نحوها؛ لأنّه المنساق من النصوص الموجبة له، بل كاد يكون صريح خبري الأخرس و ابن أبي يعفور و الصحيح المشتمل على يمين الاستظهار و غير ذلك. نعم، قال غير واحد من أصحابنا: الاّ على نفي فعل الغير، فانّها على نفى العلم به بخلاف اثباته أو نفي فعل نفسه أو اثباته؛ لتعسّر العلم بالنفي في الأوّل غالبا».(2)

و في اللمعة و شرحها: «(و) الحالف (يحلف) أبدا (على القطع في فعل نفسه و تركه و فعل غيره) لأنّ ذلك يتضمّن الاطّلاع على الحال الممكن معه القطع (و على نفي العلم في نفي فعل غيره) كما لو ادّعي على مورّثه مالاً فكفاه الحلف على أنّه لايعلم به، و لأنّه يعسر الوقوف عليه، بخلاف اثباته فانّ الوقوف عليه لايعسر».(3)

و في مستند الشيعة: «يجب أن يكون الحالف - سواء كان المدّعى عليه أو المدّعي الذي ردّت عليه اليمين - باتّا عالما بما يحلف عليه، بالاجماع و المستفيضة كصحيحة هشام بن سالم: «و لايحلف الرجل الاّ على علمه». و مرسلة ابن مرّار: «لايستحلف الرجل الاّ على علمه، و لاتقع اليمين الاّ على العلم استحلف أو لم يستحلف».

و قد يقال بالاختصار: الحلف على البتّ أبدا، الاّ اذا حلف على نفي فعلالغير، فانّ الضابط الكلّي أنّه يجب أن يكون حلف الحالف بنيّة منطبقة على جوابه،


1) - مسالك الأفهام 13: 484 و 485.

2) - جواهر الكلام 40: 242.

3) - الروضة البهيّة 3: 97.

فان أجاب بالنفي أو الثبوت قطعا حلف عليه، سواء كان في فعل نفسه أو غيره ممّا يوجب خلاف ما أجابه ضمانه، و ان أجاب بعدم العلم حلف عليه كذلك اذا ادّعي العلم عليه».(1)

أقول:

الظاهر من صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لايحلف الرجل الاّ على علمه».(2)

و مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«لايستحلف الرجل الاّ على علمه، و لاتقع اليمين الاّ على العلم، استحلف أو لم يستحلف».(3)

هو وجوب البتّ و القطع في اليمين، و ذلك لأنّها تكون مبدأً لحكم الحاكم الموجب لقطع النزاع، بلا فرق بين يمين المنكر أو المدّعي فيما اذا ردّ اليمين اليه. فكما أنّ حكم الحاكم يلزم أن يكون عن قطع به، فمبدؤه كذلك يلزم أن يكون قطعيّا.

فالقول بأنّ الحالف يحلف على البتّ سواء كان على فعل نفسه اثباتا و نفيا و على فعل الغير اثباتا، مطابق لما في الروايتين.

انّما الكلام في الحلف على نفي فعل الغير، فالمشهور قالوا باكتفاء الحلف هنا على نفي العلم به، و استدلّوا عليه بأنّه يعسر الوقوف على النفي المطلق.

و الأظهر في ذلك أن يقال: انّ اليمين لا بدّ أن تكون مطابقة لما ينكره أو يدّعيه الحالف فان أنكر العلم حلف على عدمه و الاّ فلا.

فلو ادّعى زيد على عمرو ابتياع شيء لم يؤدّ ثمنه أو قرضا أو جناية، فأنكر


1) - مستند الشيعة 17: 483 - 485.

2) - وسائل الشيعة 23: 246 / الباب 22 من كتاب الأيمان / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 23: 247 / الباب 22 من كتاب الأيمان / الحديث 4.

عمرو، حلف على الجزم.

أمّا لو أقرّ بالدين الاّ أنّه ادّعى أنّ زيدا قد أبرأه أو أنّه أدّى اليه دينه، فأنكر زيد فيلزمه الحلف على البتّ أيضا؛ لأنّ الحلف في الفرضين على نفي فعل نفسهما.

و لو ادّعى زيد على أب عمرو الميّت مائة دينار - مثلاً - و لم يكن له بيّنة، فأنكر عمرو و ادّعى عدم علمه بالدين، فيكفي حينئذ حلف عمرو على عدم العلم بما ادّعاه زيد؛ و ذلك لأنّه يعسر اطّلاعه على النفي المطلق، و أنّه لو قلنا بلزوم الحلف عليه على البتّ أو لزوم ردّه الحلف على المدّعي، فيتضرّر المدّعى عليه بذلك.

و كذا لو ادّعى زيد على عمرو أنّ الدار التي بيده غصبها أبوه أو ابتاعه منه، فأنكر عمرو.

ولكن الشأن كلّ الشأن في وظيفة الحاكم، فانّ وظيفته - حسبما تقدّم من وجوب الحكم بما أنزل اللّه و غير ذلك - هو الحكم على القطع و اليقين، أي لا بدّ استناده الى اليمين أو البيّنة القطعيّتين، ففيما نحن فيه اذا حلف المنكر على عدم علمه بما ادّعاه المدّعي فهل يقطع الحاكم ببراءة ذمّة المنكر حتّى يحكم ببراءته؟ كيف و المنكر نفسه غير عالم ببراءته؟

و على هذا فالمسألة على ما حكم فيها المشهور محل تأمّل بل اشكال، و عليه يمكن أن يقال: في الموارد التي لم تكن للمدّعي بيّنة و لم يكن للمنكر علم لنفي ما ادّعاه، فلايجب على القاضي استحلاف المنكر - لعدم فائدته - بل يردّ اليمين على المدّعي فان حلف فيحكم على ما ادّعاه، و هنا يناسب التغليظ بالقول و الزمان و المكان ان رآه الحاكم صلاحا. و ان لم يحلف فيحكم للمنكر.

نعم، لو ادّعى على المنكر العلم على فعل الغير - كما سيأتي تفصيله في المسألة الأولى - فحينئذ يكفي له الحلف على عدم العلم و يحكم الحاكم ببراءته.

و يظهر من هذا البيان حكم الفروع المتقدّمة التي عنونها المصنّف و كذاالشهيد في المسالك و صاحب الجواهر و غيرهم.

هذا حال المنكر، و أمّا المدّعي الذي لا شاهد له فلا يمين عليه الاّ مع ردّ المنكر أو الحاكم اليمين عليه أو مع النكول على قول، و قد تقدّم منّا أنّ القاضي يحكم على المنكر بنكوله و لايجب عليه ردّ اليمين على المدّعي الاّ في موارد خاصّة يقتضي المصلحة ردّها.

فاذا ردّ اليمين على المدّعي توجّهت اليه فيحلف على الجزم. و لو نكل و لم يحلف سقطت دعواه اجماعا كما تقدّم تفصيل ذلك.

و لو ردّ المنكر اليمين ثمّ بذلها قبل الاحلاف، قال الشيخ: ليس له ذلك الاّ برضا المدّعي. و فيه تردّد، منشؤه أنّ ذلك تفويض لا اسقاط.

قد تقدّم الكلام في ذلك في الفرع الثالث من نكول المنكر، و فصّلنا دلائل القولين و قلنا بأنّ المختار هو عدم قبول بذل المنكر اليمين بعد ردّها على المدّعي ان كان بعد حكم الحاكم، و قبوله منه ان كان قبله بل و لو بعد حلف المدّعي، الاّ أن يكون هناك اجماع كما ادّعاه صاحب الجواهر.(1)

و قد رجّح هذا القول في المسالك حيث قال: «و هذا أقوى؛ لأنّ الردّ أعمّ من الاسقاط، و لأصالة بقاء حقّه الثابت قبل الردّ مع الشكّ في المسقط».(2)

و كذا الجواهر حيث قال: «بل قد عرفت سابقا أنّ اطلاق الأدلّة و الاستصحاب و غيرهما تقتضي قبوله».(3)


1) - جواهر الكلام 40: 247.

2) - مسالك الأفهام 13: 488.

3) - جواهر الكلام 40: 247.

في كفاية الحلف على نفي الاستحقاق

و يكفي مع الانكار الحلف على نفي الاستحقاق؛ لأنّه يأتي على الدعوى. فلو ادّعى عليه غصبا أو اجارة مثلاً، فأجاب بأنّي لم أغصب و لم أستأجر، قيل: يلزمه الحلف على وفق الجواب؛ لأنّه لم يجب به الاّ و هو قادر على الحلف عليه. و الوجه: أنّه ان تطوّع بذلك صحّ، و ان اقتصر على نفي الاستحقاق كفى. و لو ادّعى المنكر الابراء أو الاقباض، فقد انقلب مدّعيا و المدّعي منكرا، فيكفي المدّعي اليمين على بقاء الحقّ. و لو حلف على نفي ذلك كان آكد، لكنّه غير لازم.

قال في الجواهر: «لا خلاف و لا اشكال في أنّه يكفي مع الانكار الحلف على نفي الاستحقاق و ان كانت الدعوى سببا خاصّا؛ لأنّه يأتي على الدعوى لكونه عامّا لها، و لا دليل على اعتبار الخصوصيّة في الجواب، بل ظاهر الأدلّة خلافه، بل ربّما يكون له غرض في الجواب بذلك فلايكلّف غيره.

نعم، لو ادّعي عليه غصبا أو اجارة - مثلاً - فأجاب بأنّي لم أغصب و لم أستأجر، قيل - و القائل الشيخ فيما حكي عنه - : يلزمه الحلف على وفق الجواب الذي صدر منه؛ لأنّه لم يجب به الاّ و هو قادر على الحلف عليه ولكن الوجه بل الأصحّ أنّه لايلزم بذلك؛ للأصل و اطلاق الأدلّة.

و حينئذ فان تطوّع بذلك صحّ و ان اقتصر على نفي الاستحقاق كفى. و ظهور قدرته على الحلف عليه من جوابه به لايقتضي الزامه بذلك، بل لايلزم و ان صرّح بقدرته عليه، على أنّه ربّما كان له غرض بتغيير المحلوف عليه عمّا أجاب به لمعلوميّة التسامح في العادة في المحاورة بما لايتسامح به في حال الحلف الأوّل.

و لو ادّعى المنكر الابراء أو الاقباض - مثلاً - فقد انقلب المنكر مدّعيا و المدّعي منكرا، فيكفي المدّعي حينئذ اليمين على بقاء الحقّ و ان كان قد أجاببانكار ذلك بخصوصه على نحو ما سمعته في المنكر، بل في المسالك عن الشيخ الموافقة على ذلك هنا. و لو تطوّع فحلف على نفي ذلك لطلب خصمه كان آكد

لكنّه غير لازم عليه لما عرفت».(1)

و ما قاله صاحب الجواهر تصديقا لما في المتن عن المحقّق لا كلام فيه كما ذهب اليه الشهيد في المسالك أيضا.

في توجّه اليمين في كلّ ما يتوجّه الجواب عن الدعوى

و كلّ ما يتوجّه الجواب عن الدعوى فيه تتوجّه معه اليمين، و يقضى على المنكر به مع النكول كالعتق و النكاح و النسب و غير ذلك. هذا على القول بالقضاء بالنكول. و على القول الآخر تردّ اليمين على المدّعي، و يقضى له مع اليمين، و عليه مع النكول.

و في المسالك - في قول المصنّف: «و كلّ ما يتوجّه ... » - قال: «أشار بهذه الكلّيّة الى تعيين المواضع التي يثبت فيها الحلف على المنكر، و هي تقتضي تعيين الحالف.

و محصّلها أنّ كلّ من تتوجّه عليه دعوى صحيحة يتعيّن عليه الجواب عنها بالاقرار و الانكار، بحيث لو أقرّ مطلوبها ألزم به، فاذا أنكر يحلف عليه و يقبل منه، و اذا نكل يقضى عليه به مطلقا، أو مع حلف المدّعي. فيدخل في ذلك النكاح و الطلاق و الرجعة و الفئة في الايلاء و العتق و النسب و الولاء و غيرها.

و نبّه بالأمثلة على خلاف بعض العامّة حيث قال: لايحلف المدّعى عليه في جميع هذه الأبواب التي ذكرناها، بناءً على أنّ المطلوب من التحليف الاقرار أو النكول ليحكم به، و النكول نازل منزلة البذل و الاباحة، و لا مدخل لهما في هذه الأبواب. و آخرين منهم ذهبوا الى أنّ التحليف انّما يجري فيما يثبت بشاهدينذكرين، الحاقا له بالحدود.

لنا: عموم قوله صلى الله عليه و آله: «و اليمين على من أنكر» و يحتجّ عليهم بما رووه: «انّ ركانة أتى النبي صلى الله عليه و آله فقال: يا رسول اللّه طلّقت امرأتي البتّة فقال: ماأردت بالبتّة؟


1) - جواهر الكلام 40: 247 و 248.

قال: واحدة، فقال: واللّه ما أردت بها الاّ واحدة؟ فقال ركانة: واللّه ماأردت بها الاّ واحدة، فردّها اليه صلى الله عليه و آله ثمّ طلّقها الثانية في زمن عمر، و الثالثة في زمن عثمان».

و قد اشتمل الحديث على فوائد: منها أنّه صلى الله عليه و آله استحلف في الطلاق خلافا لمن أنكره. و خرج بقوله: «يتوجّه الجواب على الدعوى فيه» حدود اللّه تعالى، فانّ الدعوى فيها لاتسمع و لايطلب بالجواب؛ لأنّها ليست حقّا للمدّعي، و من له الحقّ لم يأذن في الطلب و الاثبات بل أمر فيه بالاعراض و الدفع ما أمكن، و سيأتي البحث عنه».(1)

أقول:

أمّا استدلال الخصم على أنّها مختصّة بالأموال - ب- «أنّ المطلوب من التحليف الاقرار أو النكول ليحكم به ... » كما ذكره في المسالك - ففيه: انّ ما ذكره اجتهاد في مقابل الاطلاقات الواردة في المقام و ان كان يحتاج الى التأمّل في بعض الموارد كما أشار الى بعضها في كتاب نظام القضاء:

منها: اذا ادّعى رجل زوجيّة امرأة فأنكرت كان عليها الحلف لا الردّ لأنّ ردّها الى الرجل تعبير آخر عن الالتزام بزوجيّتها للمدّعي اذا حلف، مع أنّها تعتقد كونها أجنبيّة.

و منها: القضاء بالنكول على المرأة عند الحلف على عدم كونها زوجة للمدّعي فانّ القضاء بالنكول - على القول به - انّما يصحّ اذا صحّ الردّ لا ما اذا كان في الردّ محذور كما في المقام فلايقضى بالنكول.

و منها: اذا ادّعى الزوج الرجعة في العدّة بعد انقضائها و أنكرت، فلها الحلف و ليس لها الردّ لاشتماله على المحذور السابق.

و منها: اذا ادّعت الطلاق و أنكر الزوج، فليس للزوج ردّ اليمين فانّ في ردّها


1) - مسالك الأفهام 13: 491.

الى الزوجة نوع اعتراف بطلاقها و أنّه يجوز لها التزويج من رجل آخر اذا حلفت مع أنّه يدّعي زوجيّتها.

ثمّ قال: «فان قلت: كيف جاز للمنكر ردّ اليمين الى المدّعي فيما اذا كان المدّعى به دينا أو عينا مع أنّ فيه أيضا نوع اعتراف على أنّ الحقّ حقّه و أنّه مديون؟ قلت: اذ غاية ما يلزم من ردّ اليمين الى المدّعي تخلية السبيل للمدّعي الحالف، لا على المنكر الرادّ، و هذا بخلاف ما اذا ردّت المرأة المنكرة للزوجيّة اليمين على الزوج، فانّ مرجعه الى تسليم نفسها للمدّعي للتمتّع المحرّم القائم بها».(1)

مسائل ثمان: «الأولى»: في يمين الوارث

مسائل ثمان: «الأولى»: لايتوجّه اليمين على الوارث ما لم يدّع عليه العلم بموت المورّث، و العلم بالحقّ و أنّه ترك في يده مالاً. و لو ساعد المدّعي على عدم أحد هذه الأمور لم تتوجّه. و لو ادّعى عليه العلم بموته أو بالحقّ كفاه الحلف أنّه لايعلم. نعم، لو أثبت الحقّ و الوفاة، و ادّعى في يده مالاً حلف الوارث على القطع.

قال في المسالك: «هذا الحكم مبني على مقدّمات:

منها أنّ الوارث لايجب عليه أداء دين المورّث من ماله، بل ان ترك المورّث مالاً في يده يفي بالدين أو بعضه وجب عليه أداؤه و الاّ فلا، سواء كان عالما بالدين أم لا.

و منها أنّه على تقدير أن يخلّف بيده مالاً لايجب عليه أداؤه الاّ أن يعلم به أو يثبت شرعا.

و منها أنّ الحلف على نفي فعل الغير على نفي العلم لا على البتّ. و اذا تقرّرت هذه المقدّمات فان ادّعى مدّعٍ على الوارث دينا على الميّت و ادّعى


1) - نظام القضاء 1: 504.

المدّعى عليه الجهل بها، فان صدّقه المدّعي في جهله فلم يتوجّه الدعوى عليه و لم يتوجّه اليمين على هذه الدعوى، و أمّا ان ادّعى علمه بها فأنكر المدّعى عليه العلم بتلك المقدّمات فيحلف على عدم العلم.

و لو اعترف المدّعى عليه بالدين على مورّثه و بأنّه قد مات الاّ أنّه أنكر حصول التركة عنده، حلف على البتّ لأنّه يرجع الى فعل نفسه. انتهى بزيادة توضيح منّا».(1)

«الثانية»: في الدعوى على المملوك

«الثانية»: اذا ادّعي على المملوك فالغريم مولاه، و يستوي في ذلك دعوى المال و الجناية.

قال في المسالك: «مقتضى كون الغريم مولى العبد في الدعوى عليه مطلقا قبول قوله عليه لو أقرّ بموجب الدعوى، و توجّه اليمين عليه لو أنكر، و أنّ العبد لا عبرة باقراره و لا بانكاره. و الأمر ليس كذلك مطلقا، بل اقرار العبد معتبر بالنسبة الى اتباعه بمقتضاه بعد العتق، كما سلف في باب الاقرار، و ملغىً عاجلاً؛ لكونه اقرارا في حقّ الغير.

و اقرار المولى في حقّه بالمال مقبول فيدفعه فيه أو يفكّه بمقداره؛ اذ لايتوجّه على العبد لذلك ضرر، بل هو اقرار من المولى في حقّ نفسه محضا. و كذا اقراره في حقّه بالجناية الموجبة للمال».(2)


1) - مسالك الأفهام 13: 492 و 493.

2) - نفس المصدر: 493 و 494.

«الثالثة»: في الدعوى في الحدود
إشارة:

«الثالثة»: لاتسمع الدعوى في الحدود مجرّدة عن البيّنة، و لاتتوجّه اليمين على المنكر. نعم، لو قذفه بالزنا و لا بيّنة فادّعاه عليه قال في المبسوط: «جاز أن يحلف ليثبت الحدّ على القاذف». و فيه اشكال؛ اذ لا يمين في حدّ.

لاتسمع الدعوى في الحدود مجرّدة عن البيّنة و لاتتوجّه اليمين على المنكر و ذلك أوّلاً: لأنّ من شرائط الدعوى أن يكون المدّعي مستحقّا لها لكونه مالكا أو وليّا أو وكيلاً أو وصيّا، و أمّا الحدود فلاتكون حقّا لأحد الاّ اللّه سبحانه.

و ثانيا: قد أمر في الروايات بايجاد الشبهة لكي لاتجرى الحدود الاّ نادرا، و لكييتوب من عليه الحدّ فيما بينه و بين اللّه حتّى لايجرى عليه.

ففي مرسلة الصدوق قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: ادرؤوا الحدود بالشبهات، و لا شفاعة و لا كفالة و لا يمين في حدّ».(1)

و في رواية رواها الصدوق عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة قال:

«أتى رجل أميرالمؤمنين عليه السلام فقال: يا أميرالمؤمنين، انّي زنيت فطهّرني فأعرض عنه بوجهه، ثمّ قال له: اجلس فقال: أيعجز أحدكم اذا قارف هذه السيّئة أن يستر على نفسه كما ستره اللّه عليه؟ فقال الرجل، فقال: يا أميرالمؤمنين، انّي زنيت فطهّرني، فقال: و ما دعاك الى ما قلت؟ قال: طلب الطهارة، قال: و أيّ طهارة أفضل من التوبة؟ ثمّ أقبل الى أصحابه يحدّثهم، فقال الرجل، فقال: يا أميرالمؤمنين، انّي زنيت فطهّرني، فقال له: أتقرأ شيئا من القرآن؟ قال: نعم، قال: اقرأ، فقرأ فأصاب، فقال له: أتعرف ما يلزمك من حقوق اللّه فيصلاتك و زكاتك؟ قال: نعم، فسأله فأصاب، فقال له: هل بك مرض


1) - وسائل الشيعة 28: 47 / الباب 24 من أبواب مقدّمات الحدود / الحديث 4.

يعروك أو تجد وجعا في رأسك أو بدنك؟ قال: لا، قال: اذهب حتّى نسأل عنك في السرّ كما سألناك في العلانية، فان لم تعد الينا لم نطلبك. الحديث».(1)

و في صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«السارق اذا جاء من قبل نفسه تائبا الى اللّه عزّوجلّ، تردّ سرقته الى صاحبها و لا قطع عليه».(2)

و في رواية أبي العبّاس قال:

«قال أبو عبداللّه عليه السلام: أتى النبي صلى الله عليه و آله رجل فقال: انّي زنيت - الى أن قال: - فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لو استتر، ثمّ تاب كان خيرا له».(3)

فرع : فيما يستثنى من حكم المسألة

يستثنى من حكم المسألة موردان:

الأوّل: ما اذا ارتبطت الدعوى بأمر حكومي، فانّ الحاكم يوظّف باجراء الأمن في المجتمع الاسلامي و أن يمنع من تعرّض الجهّال و الفسّاق بأعراض الناس و أموالهم و أنفسهم، و عليه أن يجعل لذلك العيون و الحرّاس من الذين تقبل شهادتهم اذا شهد اثنان منهم على جناية شخص أو أشخاص و وقوع فاحشة. بل و ان شهد واحد منهم و لم يره اثنان فعلى الحاكم أن يفحص و يدقّق فيما شهد به حتّى يحصل له العلم بالواقعة و لذلك قال أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فينهج البلاغة:


1) - وسائل الشيعة 28: 38 / الباب 16 من أبواب مقدّمات الحدود / الحديث 6.

2) - وسائل الشيعة 28: 36 / الباب 16 من أبواب مقدّمات الحدود / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 28: 37 / الباب 16 من أبواب مقدّمات الحدود / الحديث 5.

«اللّهمّ انّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان، و لا التماس شيء من فضول الحكّام ولكن لنرد المعالم من دينك و نظهر الاصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك و تقام المعطّلة من حدودك».(1)

و في كتاب الفقه: «فقد ورد في الروايات جعل الرسول صلى الله عليه و آله و الامام عليه السلام العيون و جعل الامام الحسين عليه السلام أخاه محمّدا عينا له في المدينة و قد كان الامام عليه السلام بنفسه يدور في الأسواق عاملاً عمل المحتسب، و الرسول صلى الله عليه و آله كان يرسل نفرين من أصحابه للاستطلاع عن أحوال الشاهد كما تقدّم».(2)

و من المعلوم أنّ جعل النبي و الوصي عليهماالسلام العيون في البلاد و كذا ما نقل عن علي عليه السلام من أنّه كان يدور في الأسواق لم يكن لغوا، بل كلّ ذلك كان لأجل تخويف السارقين و الجناة و البغاة، و لأن يجري بنفسه الشريفة الحدّ على من سرق من محفظة أو زنى بامرأة ان رآهما و كذا لو أخبره البيّنة بسرقة شخص أو زنية.

فهل المقام من موارد حسن الستر مع أنّ الستر موجب لاستمرار الفحشاء و المنكر في المجتمع الاسلامي؟

بل الظاهر أنّ عدم جعل المحتسب و عدم الاعتناء بشهادته اضاعة للرعيّة حيث يشمله اللعن الوارد في قوله عليه السلام:

«ملعون ملعون من ضيّع من يعول».(3)

الثاني ما اذا كان العمل المحرّم جناية على المشتكي:

اذا كان العمل المحرّم جناية على المشتكي، كما اذا زنى أحد بامرأة مع الاكراه


1) - نهج البلاغة: الخطبة 131.

2) - الفقه 84: 426.

3) - وسائل الشيعة 21: 543 / الباب 21 من أبواب النفقات / الحديث 5.

و بالعنف، أو زنى أو لاط بالصغيرة أو الصغير و اشتكى زوج المرأة أو نفسها، بأنّ ذلك حصل بالعنف أو كانت الشكوى من قبل الأب أو وليّ الصغير.

ففي كلّ ذلك للمشتكي حقّ الدعوى؛ لأنّه ليس من حقوق اللّه المحض بل يكون من حقوق الناس و لذلك ورد في صحيحة عبداللّه بن سنان قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول في رجل أراد امرأة على نفسها حراما فرمته بحجر فأصابت منه مقتلاً، قال: ليس عليها شيء فيما بينها و بين اللّه عزّوجلّ، و ان قدّمت الى امام عادل أهدر دمه».(1)

أفلايكون للمرأة حقّ الرجوع الى الحاكم أو لايكون لها أن يعتني الحاكم بقولها لعدم البيّنة، مع أنّ من حقّها قتل من يريد بها الحرام؟

و في صحيحته الثانية عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«سألته عن رجل سارق دخل على امرأة ليسرق متاعها فلمّا جمع الثياب تبعتها نفسه فواقعها، فتحرّك ابنها فقام فقتله بفأس كان معه، فلمّا فرغ حمل الثياب و ذهب ليخرج حملت عليه بالفأس فقتلته، فجاء أهله يطلبون بدمه من الغد، فقال أبو عبداللّه عليه السلام: يضمن مواليه الذين طلبوا بدمه دية الغلام، و يضمن السارق فيما ترك أربعة آلاف درهم بما كابرها على فرجها؛ لأنّه زانٍ و هو في ماله يغرمه، و ليس عليها في قتلها ايّاه شيء لأنّه سارق».(2)

فلا كلام في جواز رجوع المجني عليه الى الحاكم و وجوب سماع دعواه و ان لم يكن له بيّنة، انّما الكلام في كيفيّة حكم القاضي في الموارد المذكورة، فلو كان للمشتكي بيّنة على ادّعائه من الزنا أو اللواط أو القذف فلا اشكال، و لو لم يكن له بيّنة فأنكر المدّعى عليه فلايستحلفه الحاكم بل عليه أن يفحص و يدقّق حتّى


1) - وسائل الشيعة 29: 61 / الباب 23 من أبواب القصاص في النفس / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 29: 60 / الباب 22 من أبواب القصاص في النفس / الحديث 5.

يحصل له العلم ففي مرسلة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«أتى رجل أميرالمؤمنين عليه السلام برجل فقال: هذا قذفني و لم تكن له بيّنة فقال: يا أميرالمؤمنين استحلفه، فقال: لا يمين في حدّ و لا قصاص في عظم».(1)

و في صحيحة غياث بن ابراهيم عن جعفر عن أبيه عن أميرالمؤمنين عليه السلام (في حديث) قال:

«لايستحلف صاحب الحدّ».(2)

و في رواية اسحاق بن عمّار عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهماالسلام:

«انّ رجلاً استعدى عليّا عليه السلام على رجل فقال: انّه افترى عليّ، فقال علي عليه السلام للرجل: فعلت ما فعلت؟ فقال: لا، ثمّ قال علي عليه السلام للمستعدي: ألك بيّنة؟ قال: فقال: ما لي بيّنة، فأحلفه لي، قال علي عليه السلام: ما عليه يمين».(3)

فاذا كان الأمر كذلك فليس للقاضي استحلاف المدّعى عليه، فعليه - حسما لمادّة الفساد و الفحشاء و المنكر و لفصل الخصومات - أن يسعى و يفحص حتّى يحصل له العلم بالواقعة.


1) - وسائل الشيعة 28: 46 / الباب 24 من أبواب مقدّمات الحدود / الحديث 1.

2) - وسائل الشيعة 28: 46 / الباب 24 من أبواب مقدّمات الحدود / الحديث 2.

3) - وسائل الشيعة 28: 46 / الباب 24 من أبواب مقدّمات الحدود / الحديث 3.

«الرابعة»: في توجّه اليمين على منكر السرقة

«الرابعة»: منكر السرقة يتوجّه عليه اليمين لاسقاط الغرم. و لو نكل لزمه المال دون القطع، بناءً على القضاء بالنكول، و هو الأظهر و الاّ حلف المدّعي. و لايثبت الحدّ على القولين. و كذا لو أقام شاهدا و حلف.

اذا ادّعي على شخص السرقة بشرائطها المقرّرة للقطع، فان كانت لمدّعي السرقة بيّنة قطع يد السارق لقوله تعالى: «السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من اللّه و اللّه عزيز حكيم»(1)، و ان لم تكن له بيّنة فعلى المنكر اليمين لاسقاط ما ادّعي عليه من المال بالسرقة، فلو حلف سقط عنه المال، و لو نكل، فان قلنا بمحكوميّته بصرف نكوله - كما هو المختار - فيحكم القاضي فلزمه المال، و ان قلنا بأنّ حكمه عليه موقوف على حلف المدّعي فان حلف فيحكم له عليه و ان لم يحلف فتبرأ ذمّة المدّعى عليه بحكم القاضي. و أمّا القطع فلايثبت الاّ بشاهدين؛ لأنّه لا يمين في الحدود كما تقدّم و لايثبت أيضا بشاهد و يمين.

«الخامسة»: في اعراض المدّعي عن البيّنة

«الخامسة»: لو كان له بيّنة فأعرض عنها و التمس يمين المنكر، أو قال: أسقطت البيّنة و قنعت باليمين، فهل له الرجوع؟ قيل: لا. و فيه تردّد و لعلّ الأقرب الجواز. و كذا البحث لو أقام شاهدا فأعرض عنه و قنع بيمين المنكر.

اذا ادّعى على شخص مالاً - دينا أو عينا - و كان له بيّنة فله أن يعرض عنها و يلتمس اليمين من المنكر، و كذا لو أقام البيّنة و شهدت له، فله أيضا اسقاطها ليقنع باليمين؛ لأنّ الشارع جعل له لطلب حقّه طريقين لكنّه بشرط أن يكون اسقاطهالبيّنة قبل حكم الحاكم.


1) - المائدة 5: 38.

هذا لا كلام فيه، انّما الكلام فيما لو رجع عن اعراضه أو اسقاطه البيّنة قبل حكم الحاكم، فهل له الرجوع و القبول منه أم لا؟ قد ذهب الشيخ رحمه الله في المبسوط - على ما حكي عنه في المسالك و الجواهر(1)- الى عدم جواز الرجوع؛ محتجّا بأنّ اقامة البيّنة حقّ له، و قد أسقطه فيسقط بالاسقاط فعوده يحتاج الى دليل.

ولكن الأقرب - كما ذهب اليه المصنّف رحمه الله و ارتضاه صاحب المسالك و الجواهر - جواز الرجوع، و ذلك لأنّه فرق بين ابراء ذمّة المدّعى عليه من اليمين و اسقاطها و بين اسقاط ما جعله الشارع طريقا لاثبات حقّه بحكم القاضي، فانّه في الأوّل قد أسقط حقّه و أسقط لزوم اليمين عن صاحبه و لايمكنه الرجوع بل لا معنى للرجوع، بخلاف الثاني فانّ امكان اقامة البيّنة و اليمين حكم شرعي غير قابل للاسقاط. نعم، يجوز أن يعرض عن البيّنة و يلتمس اليمين، فله الرجوع الى البيّنة و ان حلف المدّعى عليه الاّ أن يمنعه القاضي بعد حلف المنكر لبعض المصالح.

و احتجّ في المسالك لجواز الرجوع ب- «استصحاب البقاء، و منع كون ذلك اسقاطا على وجه يقتضي الابطال، و انّما غايته الاعراض و هو لايسقط الحقّ، و لأنّ العدول الى يمين المنكر لايوجب براءة ذمّته من الحقّ، و لا ملكه للغير، و هو دليل على بقاء الحقّ، فله اقامة البيّنة و اليمين على ثبوت حقّه و الاستيفاء».(2)


1) - جواهر الكلام 40: 261.

2) - مسالك الأفهام 13: 499.

«السادسة»: فيما لو ادّعى صاحب النصاب ابداله في أثناء الحول

«السادسة»: لو ادّعى صاحب النصاب ابداله في أثناء الحول قبل قوله و لا يمين. و كذا لو خرص عليه فادّعى النقصان. و كذا لو ادّعى الذمّي الاسلام قبل الحول. أمّا لو ادّعى الصغير الحربي الانبات لعلاج لا بالسنّ، ليتخلّص عن القتل ففيه تردّد، و لعلّ الأقرب أنّه لايقبل الاّ مع البيّنة.

الشرح،

قد ذكر الأصحاب مواضع يقبل فيها قول المدّعي بلا يمين، و لا بيّنة:

منها دعوى صاحب النصاب ابداله في أثناء الحول فيقبل قوله و لا يمين عليه، و كذا ما شابهها من دفع الزكاة الى المستحقّ و كذا دعوى أداء الخمس، و الدليل عليه - مضافا الى عدم الخلاف فيه كما ادّعاه صاحب الجواهر(1)و أنّه حقّ بين العبد و بين اللّه و لايعلم الاّ من قبله غالبا - ما سبق في كتاب الزكاة من وصيّة علي بن أبي طالب عليه السلام لعامله و فيها قد أمر عامله بأن يأتي أرباب المال فيقول لهم:

«يا عباد اللّه، أرسلني اليكم وليّ اللّه لآخذ منكم حقّ اللّه في أموالكم فهل للّه في أموالكم من حقّ فتؤدّوه الى وليّه؟ فان قال لك قائل: لا، فلاتراجعه».(2)

و منها دعواه نقص الخرص للثمرة و الزرع لينقص منه ما قرّر عليه من مقدار الزكاة. و الدليل على ذلك هو الدليل على الأوّل.

و ليعلم أنّ قبول قوله في هذين الموردين مخصوص بما اذا لم يكن متّهما بالكذب و الفرار من أداء الزكاة، و لو كان كذلك فعلى الحاكم الاسلامي الفحص عن حاله و اجباره بأدائه، فان أبى و أنكر الزكاة صار مرتدّا كما نزل به الكتاب من عند اللّه العزيز الحكيم حيث قال تعالى: «و منهم من عاهد اللّه لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ و لنكوننّ من الصالحين* فلمّا آتاهم من فضله بخلوا به و


1) - جواهر الكلام 40: 262.

2) - وسائل الشيعة 9: 130 و 133 / الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام / الحديث 1 و 7.

تولّوا و هم معرضون * فأعقبهم نفاقا في قلوبهم الى يوم يلقونه بما أخلفوا اللّه ما وعدوه و بما كانوا يكذبون»(1)فانّ الآيات - على ما في مجمع البيان - نزلت في ثعلبة بن حاطب الذي منع عن دفع الزكاة لعامل الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله.

و منها دعوى الذمّي الاسلام قبل الحول ليتخلّص من الجزية ان أوجبناها على المسلم بعد الحول.

و في الجواهر: «لا خلاف فيه و الاتّفاق محكيّ عليه مع أنّ الحقّ بين العبد و ربّه و لايعلم الاّ من قبله».(2)

و منها ما لو ادّعى الحربي بعد سبيه الانبات بعلاج لا بالسنّ ليتخلّص بذلك من القتل الذي هو حدّ من حدود اللّه تعالى التي تدرأ بالشبهة من دون يمين، خصوصا في المقام الذي يقتضي الأصل عدم بلوغه الذي هو شرط قبول اليمين.

و أمّا المصنّف رحمه الله فتردّد ابتداءً و ذلك أوّلاً لما قلنا من اقتضاء الأصل عدم البلوغ و عدم استحقاقه للقتل و أنّ مجرّد الدعوى شبهة دارءة للقتل و أنّ اليمين هنا متعذّرة؛ لاحتمال صباه و لايقع اليمين من الصبي، و ثانيا و من جهة أخرى أنّه محكوم بالبلوغ ظاهرا و مستحقّ للقتل كذلك، فلايزول بمجرّد دعواه، فيقبل قوله مع اليمين لأنّها أقلّ مراتب اثبات الدعوى، ثمّ اختار في آخر كلامه رحمه اللهعدم قبول قوله مطلقا الاّ مع البيّنة؛ لوضع الشارع الانبات علامة البلوغ و قد وجدت، و دعواه العلاج خلاف الظاهر فيفتقر الى البيّنة.

ولكن الأقرب قبول قوله بغير يمين، عملاً بالشبهة الدارئة للقتل، و احتياطا في الدماء التي لايستدرك فائتها.

و منها ما لو أوقع منبت عقدا و ادّعى الاستنبات ليفسده، فان كان له خصم ينكر الاستنبات فعلى مدّعيه البيّنة.


1) - التوبة 9: 75 - 77.

2) - جواهر الكلام 40: 262.

و منها ما لو ادّعى البلوغ، ليصير صالحا لما شرطه البلوغ ففي بعض الموارد يلزم اعتباره كما لو ادّعى الانبات، و في بعضها كلّف بالبيّنة كما لو ادّعى السنّ و أمّا لو ادّعى الاحتلام فلايبعد قبول قوله مع اليمين. و لايخفى أنّ المواضع مختلفة فمنها ما يلزم فيها اثبات البلوغ و منها ما لايلزم.

و منها ما لو ادّعى أنّه من أهل الكتاب لتؤخذ منه الجزية. فان لم يكن له سابقة حربيّة و لم يشهد شاهد بذلك فلا مانع من قبول قوله بدون اليمين.

و منها تقديم مدّعي تقدّم الاسلام على الزنا بالمسلمة حذرا من القتل، فيقبل قوله من غير يمين للشبهة الدارءة، الاّ أن يدّعى عليه الكفر حال الزنا و أقيمت عليها البيّنة.

و منها ما لو ادّعى فعل الصلاة و الصيام خوفا من التعزير.

و منها ما لو ادّعى ايقاع العمل المستأجر عليه اذا كان من الأعمال المشروطة بالنيّة، كالاستئجار للحجّ و الصلاة.

و منها دعوى الولي اخراج ما كلّف به من نفقة و غيرها. أو الوكيل فعل ما وكّل فيه، اذا لم يكن هناك منازع لهما ينكره.

و منها دعوى المعير و مالك الدار ملكيّة الكنز فيما اذا نازعهما المستعير و المستأجر فانّ الشهيد في المسالك ادّعى أنّ المشهور ذهبوا الى قبول قول المعير و مالك الدار من غير يمين، و سيأتي ما هو الحقّ في هذه المسألة في محلّها.

و منها دعوى ذي الطعام أنّه لم يبقه الاّ لقوت نفسه و عياله - و ان زاد عليه - اذا أراد نفي الاحتكار، فيما اذا أمكن في حقّه ذلك.

و منها قول المدّعي مع نكول خصمه بناءً على ما هو الحقّ من القضاء بالنكول، كما تقدّم البحث عنه.

و منها دعوى الغلط في اعطاء الزائد عن الحقّ لا التبرّع، فانّه منوط بالقصد و لايعرف الاّ من قبله المعطي.

و منها دعوى المحلّلة الاصابة، فيحلّ لها التزوّج بالزوج الأوّل؛ لأنّهنّ مصدّقات في فروجهنّ، و أمّا ان ادّعى عدم الاصابة فلا كلام في عدم اجبارها بالنكاح.

و منها دعوى المرأة فيما يتعلّق بالحيض أو الطهر، كالعدّة و ذلك أيضا لتصديقهنّ في فروجهنّ الذي يدلّ عليه النصّ و الفتوى.

و منها دعوى الظئر أنّه الولد الذي أخذته منهم عند شكّهم في أنّه ولدهم.

و منها انكار السرقة بعد الاقرار مرّة بها، فانّه يقبل في عدم القطع و ان كان المال يثبت عليه بمجرّد اقراره الأوّل.

و منها دعوى هبة المالك ليسلم من القطع و ان ضمن المال، الاّ أن يقيم البيّنة على سرقته.

و منها انكار موجب الرجم الثابت بالاقرار به، فانّه اذا ثبت الزنا الموجب للرجم مثلاً بالاقرار ثمّ فرّ من الحفيرة أو أنكر رفع عنه الرجم بخلاف ما اذا ثبت بالبيّنة فانّ انكاره أو فراره لايرفع عنه الحدّ.

و منها دعوى الاكراه في الزنا أو الجهالة موضوعا أو حكما مع امكانهما في حقّه. فانّ الحدّ لايثبت الاّ على العالم العامد المختار، فلا حدّ على المكره و الجاهل و الغافل كالزنا في حال السكر.

و منها دعوى الضرورة في الكون مجرّدين تحت لحاف واحد في غير الزوجين، فانّه موجب للتعزير في حال الاختيار سواء كانا غريبين أو قريبين، لكن تسمع دعواهما الاضطرار اذا كان ممكنا في حقّهما كما لو أغرقا في البحر أو سرق اللصّ ثيابهما و نحو ذلك.

و منها انكار القذف بناءً على عدم سماع دعوى مدّعيه بدون البيّنة، و قد تقدّم الكلام في ذلك.

و منها دعوى ردّ الوديعة من الأمين على المشهور، خلافا لمن قال بأنّ عليه اليمين.

و منها دعوى تقدّم العيب مع شهادة الحال، فله الفسخ بخيار العيب و ان لم يبلغ شاهد الحال حدّ القطع.

و قد ذكر بعضهم لذلك ضابطا و هو كلّ ما كان بين العبد و بين اللّه أو كلّ ما لم يعلم الاّ من قبله.

«السابعة»: فيمن مات و لا وارث له و ظهر له شاهد بدين
إشارة:

«السابعة»: لو مات و لا وارث له و ظهر له شاهد بدين، قيل: يحبس حتّى يحلف أو يقرّ؛ لتعذّر اليمين في طرف المشهود له. و كذا لو ادّعى الوصي أنّ الميّت أوصى للفقراء و شهد واحد فأنكر الوارث. و في الموضعين اشكال؛ لأنّ السجن عقوبة لم يثبت موجبها.

في المسألة فرعان:

الفرع الأوّل : فيما لو شهد أحد على رجل بدين لميّت لا وارث له

لو مات و لا وارث له و ظهر له شاهد واحد بدين له على رجل، فأنكر الرجل فالقول قوله مع يمينه، فان حلف سقط الحقّ و ان لم يحلف فقال الشيخ في مبسوطه: «يحبس حتّى يعترف فيؤدّي أو يحلف و ينصرف، - ثمّ استدلّ على ذلك و قال: - لأنّ ميراثه للامام و عندنا أنّه لايجوز أن يحلف أحد عن غيره و لا بما لايعلمه، فلايمكنه اليمين مع أنّ الامام لايحلف».(1)

و المصنّف رحمه الله أورد على الشيخ و قال: «انّ السجن عقوبة لم يثبت موجبها».

و في المسالك - في توضيح ما أفاده المصنّف قال: - «لأنّ الحقّ لايثبتبالشاهد الواحد، فتنزّل هذه الدعوى منزلة ما لا بيّنة فيه فان حلف المنكر أو حكمنا بالنكول، و الاّ وقف الحقّ؛ لعدم تيسّر القسم الآخر و هو حلف المدّعي. و


1) - المبسوط 8: 214.

لو قيل هنا بالقضاء بالنكول - و ان لم نقل به في غيره - كان وجها».(1)

و أجاب عنه في الجواهر و قال: «انّ موجبها اقتضاء الدعوى المسموعة من المنكر اليمين أو الأداء بعد تعذّر الردّ».(2)

و أجاب(3)عمّا قاله المسالك من القول بالقضاء بالنكول بأنّه لا دليل على اخراجه بالخصوص.

أقول:

الظاهر أنّه اذا لم يحلف المنكر فيحكم الحاكم عليه بناءً على ما هو الأقوى من القضاء بالنكول.

و أمّا بناءً على القول الآخر فان ادّعى المدّعي - سواء كان الحاكم أو غيره - العلم بالدين فعليه الحلف بحكم القاضي، و ان لم يدّع العلم فيسقط المنازعة رأسا مع انكار المنكر.

الفرع الثاني : فيما لو ادّعى الوصي أنّ الميّت أوصى للفقراء

قال الشيخ في المبسوط: «اذا مات رجل و أوصى الى رجل فادّعى الوصي على الورثة أنّ أباهم أوصى بشيء للفقراء و المساكين فأنكروا ذلك، فالقول قولهم فان حلفوا سقطت الدعوى و ان نكلوا لم يمكن ردّ اليمين؛ لأنّ الوصيلايجوز له أن يحلف عن غيره، و الفقراء و المساكين لايتعيّنون و لايتأتّى منهم الحلف فما الذي يفعل؟

قال قوم: يحكم بالنكول و يلزم الحقّ؛ لأنّه موضع ضرورة، و قال آخرون:


1) - مسالك الأفهام 13: 504.

2) - جواهر الكلام 40: 265.

3) - نفس المصدر: 266.

يحبس الورثة حتّى يحلفوا أو يعترفوا و هو الذي نقوله».(1)

فانّ المصنّف و كذا صاحبا المسالك و الجواهر قالوا في هذا الفرع بعين ما قالوه في الفرع الأوّل.

ولكن نحن نقول: انّ الورثة ان لم يحلفوا على عدم وصيّة أبيهم للفقراء و المساكين، فيحكم القاضي عليهم بنكولهم كما تقدّم، و ان لم نقل بحكم القاضي بصرف النكول فلا مانع للقاضي من ردّه اليمين على الوصي ان ادّعى العلم على ذلك فانّ الوصي يحلف بما كلّف به و الفرض أنّه ادّعى العلم بالوصيّة و بذلك يدفع ما قاله الشيخ رحمه الله من أنّ الوصي لايجوز له الحلف عن غيره، فانّ الحلف على الفرض عن نفسه لا عن غيره، و قد تقدّم منّا في اعتبار الجزم في الادّعاء ما يفيد لهذا المقام.

كلّ ذلك بناءً على عدم اعتبار الشاهد و اليمين في اثبات مثل هذه الوصيّة، و الاّ فيكفي في اثبات الوصيّة يمين الوصي من غير اعتبار حلف الورثة أو عدم حلفهم، و سيأتي البحث عن ذلك تفصيلاً.

«الثامنة»: فيمن من مات و عليه دين يحيط بالتركة

«الثامنة»: لو مات و عليه دين يحيط بالتركة، لم تنتقل الى الوارث و كانت في حكم مال الميّت. و ان لم يحط انتقل اليه ما فضل عن الدين. و في الحالين للوارث المحاكمة على ما يدّعيه لمورّثه؛ لأنّه قائم مقامه.

قد ذكرنا شرح هذه المسألة في الفرع الثاني من المسألة الرابعة و الثمانين فيشرائط وجوب حجّة الاسلام من كتاب الحجّ(2)، و هناك اخترنا ما اختاره المصنّف من عدم انتقال التركة الى الورّاث اذا كان الدين مستغرقا لها، و استدللنا عليه بالكتاب و السنّة، و قلنا - في جواب من قال بأنّ بقاء الملك بلا مالك مستحيل


1) - المبسوط 8: 214.

2) - الهادي كتاب الحجّ 1: 310 - 313.

و الميّت غير مالك و الديّان لايملكونه اجماعا فتعيّن الوارث - انّه لا استحالة عقليّة و لا نقليّة في بقاء الملك بلا مالك، مضافا الى أنّه اجتهاد في مقابل النصّ، فانّ النصّ دلّ على عدم ملكيّة الورثة، الاّ أنّ لهم نحو اختصاص بالمال، و هم مأمورون بأداء الدين و الوصيّة كما هو الظاهر من الأخبار.

و في مقابل المختار القول بانتقال المال الى ملك الورثة الاّ أنّهم منعوا من التصرّف فيها مع استغراق الدين، و من التصرّف فيما قابل الدين ان لم يستغرق.

و بناءً على القولين يمنع الورثة من التصرّف في التركة الى أن يوفّى الدين اجماعا كما في المسالك(1).

و انّما تظهر فائدة القولين في مثل النماء المتجدّد بعد الموت، فعلى المختار فهو من جملة التركة و يتعلّق بها حقّ الديّان، و أمّا على القول الآخر تختصّ بالورثة. و كذا تظهر في صحّة التصرّف فيها بالبيع و نحوه.

ثمّ انّه على القولين لو كان للميّت دين على آخر فالمحاكمة فيه للوارث لا للغرماء؛ لأنّه امّا مالك أو قائم مقامه، و من ثمّ لو أبرئ الغريم عن الدين صارت التركة ملكا للوارث، فهو مالك لها بالقوّة أو بالفعل. و على هذا فلو توجّه اليمين مع الشاهد أو بردّ الغريم فالحالف هو الوارث و ان كان المنتفع بالمال هو الدائن. و قد ذكر الشهيد رحمه الله كلّ ذلك في المسالك.


1) - مسالك الأفهام 13: 505.

«البحث الثالث»: في اليمين مع الشاهد

إشارة:

«البحث الثالث»: في اليمين مع الشاهد. يقضى بالشاهد و اليمين في الجملة استنادا الى قضاء رسول اللّه صلى الله عليه و آله و قضاء علي عليه السلام بعده.

قال في المسالك: «أجمع أصحابنا على القضاء في الجملة بالشاهد و اليمين و اليه ذهب أكثر العامّة، و خالف فيه بعضهم».(1)

و في الجواهر(2)بلا خلاف و لا اشكال في الجملة.

و قد روى في المسالك عن العامّة بأسناد مختلفة أنّ النبي صلى الله عليه و آله قضى بالشاهد الواحد مع اليمين.

و قد دلّ عليه من طريق الخاصّة أيضا روايات:

منها صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقضي بشاهد واحد مع يمين صاحب الحقّ».(3)

و منها صحيحة حمّاد بن عيسى قال:

«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: حدّثني أبي عليه السلام: انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قضى بشاهد و يمين».(4)

و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لو كان الأمر الينا أجزنا شهادة الرجل الواحد، اذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس، فأمّا ما كان من حقوق اللّه عزّوجلّ أو رؤية الهلال فلا».(5)

و منها صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج - المتقدّمة في صفات القاضي - قال:

«دخل الحكم بن عتيبة و سلمة بن كهيل على أبي جعفر عليه السلام فسألاه


1) - مسالك الأفهام 13: 506.

2) - جواهر الكلام 40: 268.

3) - وسائل الشيعة 27: 264 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 27: 265 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 4.

5) - وسائل الشيعة 27: 268 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 12.

عن شاهد و يمين، فقال: قضى به رسول اللّه صلى الله عليه و آله و قضى به عليّ عليه السلام عندكم بالكوفة.

فقالا: هذا خلاف القرآن.

فقال: و أين وجدتموه خلاف القرآن؟

قالا: انّ اللّه يقول: «و أشهدوا ذوي عدل منكم».

فقال: قول اللّه «و أشهدوا ذوي عدل منكم» هو لاتقبلوا شهادة واحد و يمينا؟ ثمّ قال: انّ عليّا عليه السلام كان قاعدا في مسجد الكوفة فمرّ به عبداللّه بن قفل التميمي و معه درع طلحة، فقال له عليّ عليه السلام: هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة.

فقال له عبداللّه بن قفل: أجل بيني و بينك قاضيك الذي رضيته للمسلمين، فجعل بينه و بينه شريحا. فقال عليّ عليه السلام: هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة.

فقال له شريح: هاتِ على ما تقول بيّنة. فأتاه بالحسن فشهد أنّها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة.

فقال شريح: هذا شاهد واحد و لاأقضي بشهادة شاهد حتّى يكون معه آخر، فدعا قنبر فشهد أنّها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة.

فقال شريح: هذا مملوك و لاأقضي بشهادة مملوك.

قال: فغضب عليّ عليه السلام و قال: خذها، فانّ هذا قضى بجور ثلاث مرّات.

قال: فتحوّل شريح و قال: لاأقضي بين اثنين حتّى تخبرني من أين قضيت بجور ثلاث مرّات.

فقال له: ويلك - أو ويحك - انّي لمّا أخبرتك أنّها درع طلحة أخذتغلولاً يوم البصرة فقلت: هاتِ على ما تقول بيّنة و قد قال

رسول اللّه صلى الله عليه و آله: حيث ما وجد غلول أخذ بغير بيّنة. فقلت: رجل لم يسمع الحديث، فهذه واحدة، ثمّ أتيتك بالحسن فشهد فقلت: هذا واحد و لاأقضي بشهادة واحد حتّى يكون معه آخر، و قد قضى رسول اللّه صلى الله عليه و آله بشهادة واحد و يمين. فهذه ثنتان، ثمّ أتيتك بقنبر فشهد أنّها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فقلت: هذا مملوك و لاأقضي بشهادة مملوك، و ما بأس بشهادة المملوك اذا كان عدلاً، ثمّ قال: ويلك - أو ويحك - انّ امام المسلمين يؤمن من أمورهم على ما هو أعظم من هذا».(1)

قال في المسالك: «و قد ذكرنا الحديث بطوله لاشتماله على نكت غريبة، و تضمّنه لأحكام كثيرة، و فيه بيان ما أشار اليه المصنّف رحمه الله من قضاء علي عليه السلام به بعده».(2)

في اشتراط شهادة الشاهد أوّلاً و ثبوت عدالته ثمّ اليمين

و يشترط شهادة الشاهد أوّلاً و ثبوت عدالته ثمّ اليمين. و لو بدأ باليمين وقعت لاغية و افتقر الى اعادتها بعد الاقامة.

قال في الجواهر: «لكنّ الانصاف عدم دليل واضح على ذلك غير أصالة عدم ثبوت الحقّ بدون ذلك بعد الشكّ في ارادة غيره من الاطلاق، خصوصا بعد الترتيب في أكثر النصوص التي وقفنا عليها».

ثمّ ذكر رحمه الله ما في المسالك من التعليل لقول المصنّف ب- «أنّ المدّعي وظيفته البيّنة لا اليمين بالأصالة فاذا أقام شاهدا صارت البيّنة التي هي وظيفته ناقصة و يتمّمها اليمين بالنصّ بخلاف ما لو قدّم اليمين، فانّه ابتدأ بما ليس له وظيفة، ولم يتقدّمه ما يكون متمّما». و لكنّه رحمه الله لم يرتض بهذا التعليل و استقرب الكلام الذي نقله عن العلاّمة في القواعد حيث قال: «انّ الحكم انّما يتمّ بهما لا بأحدهما؛ لأنّ


1) - وسائل الشيعة 27: 265 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 6.

2) - مسالك الأفهام 13: 509.

النصوص تضمّنت القضاء بهما، و لتوقّفه على كلّ منهما فيكون حجّة مركّبة منهما، تمام كلّ واحد منهما موقوف على الآخر».

ثمّ قال: «و تظهر الفائدة في الغرم و قدره مع رجوع الشاهد، فعلى الأوّل - أي أصالة كلّ واحد من الشاهد و اليمين - النصف و على الثاني - أي أصالة الشهادة و متمّميّة اليمين - الكلّ، و لايغرم شيئا على الآخر. و ربّما قيل بغرمه بناءً على أنّ اليمين انّما تقوّمت به. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

انّ الظاهر من الروايات الواردة في القضاء بالشاهد الواحد مع يمين المدّعي، هو أنّ اليمين تكون بمنزلة الشاهد الآخر؛ لأنّها تكون متمّمة للشاهد الواحد و تجعله كالشاهدين في الحكم.

و عليه فلا فرق بين تقدّم اليمين أو شهادة الشاهد.

و أمّا الروايات التي تقدّم فيها ذكر الشاهد فلأنّ الأصل في اثبات الحقّ هو الشاهدان و انّما نزّلت اليمين منزلة شاهد فيمن لم يكن له الاّ شاهد، فتقدّم ذكر الشاهد لأصالته.

و يؤيّده رواية المفضّل بن عمر عن أبي عبداللّه عليه السلام (في كتابه اليه) قال:

«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقضي بشاهد واحد مع يمين المدّعي و لايبطل حقّ مسلم، و لايردّ شهادة مؤمن».(2)

و يؤيّده أيضا ذكر اليمين قبل الشاهد في أربع روايات ذكرت في الباب فمن جملتها ما رواه الطبرسي عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: نزل عليّ جبرئيل عليه السلام بالحجامة و اليمين مع الشاهد».(3)


1) - جواهر الكلام 40: 270 و 271.

2) - وسائل الشيعة 27: 270 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 18.

3) - وسائل الشيعة 27: 270 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 19.

هذا مع اطلاق ما ورد في الباب من الروايات، فانّها في مقام بيان الحكم و تنزيل اليمين منزلة شاهد، فلو كان تقدّم اليمين على الشاهد لغوا لكان على الامام عليه السلام بيانه.

و يثبت الحكم بذلك في الأموال كالدين و القرض و الغصب. و في المعاوضات كالبيع و الصرف و الصلح و الاجارة و القراض و الهبة و الوصيّة له. و الجناية الموجبة للدية كالخطأ و عمد الخطأ و قتل الوالد ولده و الحرّ العبد و كسر العظام و الجائفة و المأمومة. و ضابطه: ما كان مالاً أو المقصود منه المال.

في موارد ثبوت الحكم بالشاهد و اليمين

قد اختلفوا في موارد ثبوت الحكم بالشاهد و اليمين على أقوال:

فمنهم من اختصّ موردهما بالدين فقط.

و منهم من أضاف اليه العين أيضا.

و منهم من قال بعموميّتهما لما كان مالاً أو المقصود منه المال كما في المتن.

و منهم من قال بشمولهما لحقوق الناس مالاً أو غيره، بخلاف حقوق اللّه تعالى.

فلنذكر الروايات المعتبرة الواردة في الباب حتّى يتبيّن الحال، و هي على أربع طوائف:

الأولى: ما ذكر فيها لفظ الدين كما في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يجيز في الدين شهادة رجل واحد و يمينصاحب الحقّ، و لم يجز في الهلال الاّ شاهدي عدل».(1)

و ما في موثّقة أبي بصير من أنّه:


1) - وسائل الشيعة 27: 264 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقضي بشاهد واحد و يمين صاحب الحقّ و ذلك في الدين».(1)

و ما في صحيحة حمّاد بن عثمان من أنّه:

«كان علي عليه السلام يجيز في الدين شهادة رجل و يمين المدّعي».(2)

الثانية: ما جاء فيها «صاحب الحقّ» أو «طالب الحقّ» كما في صحيحة منصور بن حازم المتقدّمة:

«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقضي بشاهد واحد مع يمين صاحب الحقّ».(3)

و ما في صحيحة أبي مريم:

«أجاز رسول اللّه صلى الله عليه و آله شهادة شاهد مع يمين طالب الحقّ اذا حلف أنّه الحقّ».(4)

الثالثة: ما ذكر فيها لفظ حقوق الناس و هي صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم المتقدّمة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لو كان الأمر الينا أجزنا شهادة الرجل الواحد، اذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس، فأمّا ما كان من حقوق اللّه عزّوجلّ، أو رؤية الهلال فلا».(5)

الرابعة: ما أطلق فيها ثبوت الحقّ بشاهد و يمين كما في صحيحة حمّاد بن عيسى المتقدّمة:

«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد قضى بشاهد و يمين».(6)


1) - وسائل الشيعة 27: 265 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 5.

2) - وسائل الشيعة 27: 268 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 11.

3) - وسائل الشيعة 27: 264 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

4) - وسائل الشيعة 27: 267 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 9.

5) - وسائل الشيعة 27: 268 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 12.

6) - وسائل الشيعة 27: 267 / الباب 14 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 7.

و التأمّل في هذه الطوائف من الروايات يعطي أنّه لا فرق بين الشاهدين و بين الشاهد الواحد مع يمين المدّعي الاّ في حقوق اللّه عزّوجلّ و رؤية الهلال كما يشهد به صحيحة محمّد بن مسلم الثانية.

و لا تعارض بل و لا منافاة بينها و بين صحيحته الأولى و صحيحة حمّاد بن عثمان و موثّقة أبي بصير، و ذلك لأنّ في الجميع اثبات الحقّ بشاهد و يمين في مورد و اثبات شيء لاينفي غيره، فلا مفهوم لها.

مع أنّه لو كان لها مفهوم فلايعارض منطوق الصحيحة.

قال في الجواهر: «ذهب المشهور الى أنّه يثبت الحكم بالشاهد الواحد و اليمين في الأموال و ما يقصد به المال، بل عن الخلاف و السرائر الاجماع عليه. و ذهب عدّة من القدماء - كالشيخ في النهاية و الاستبصار و ابن زهرة في الغنية، و الحلبي في الكافي و سلاّر في المراسم، و نظام الدين في اصباح الشيعة - الى التخصيص بالديون بل في الغنية الاجماع عليه. و الشيخ رحمه الله حمل اطلاق النصوص السابقة على التقييد في هذه النصوص، الاّ أنّه قد يقال: انّ حمل المطلق على المقيّد انّما يصحّ بعد فرض التقييد و عدم قوّة المطلق من حيث كونه مطلقا و هما معا ممنوعان؛ لامكان عدم ارادة التقييد في النصوص السابقة؛ ضرورة أنّ القضاء بهما في الدين أو جوازه لايقتضي عدم القضاء و لا عدم جوازه بغيره.

هذا بعد الاغضاء عن قصور السند و لا جابر له، لما عرفت من أنّ المشهور التعدية، بل قد سمعت دعوى الاجماع عليه من الشيخ و الحلبي بل عن الفاضل في المختلف نفي الخلاف فيه، حيث حمل كلام النهاية على المال المطلق. بل يظهر من مجمع البحرين ورود الدين لمطلق الحقوق. بل مقتضى صحيح ثانٍ لمحمّد بن مسلم و غيره ممّا اشتمل على لفظ «الحقّ» عموم ذلك لكلّ حقّ الناسحتّى القصاص و الوصاية و الوكالة و نحوها، لا خصوص المال.

نعم، تخرج الشهادة على الهلال الذي لا وجه للحلف عليه من حيث انّه ليس

حقّا لأحد، و كذا غيره من الموضوعات العامّة التي لا حقّ بالخصوص فيها لأحد، و كذا كلّ ما لم تشرع اليمين فيه مثل حقوق اللّه تعالى. و بالجملة كلّ ما تشرع فيه ردّ يمين الانكار على المدّعي يشرع فيه الشاهد و اليمين؛ لأنّ الظاهر كون هذه اليمين يمين المنكر صارت للمدّعي الذي له شاهد. و حينئذ فالاجتهاد في النصوص يقتضي الاختصاص بالدين أو التعميم لكلّ حقّ، الاّ أنّ الأصحاب على خلاف ذلك، بل جعلوا ضابطه المال أو المقصود منه المال، و لعلّهم فهموا من نصوص الدين ذلك، و حملوا عليها نصوص الحقوق. انتهى ملخّصا».(1)

ثمّ انّه بناءً على المشهور من ثبوت الحكم بالشاهد الواحد مع اليمين في الأموال و ما يقصد به المال، فيثبت بهما في الدين و القرض و الغصب و الالتقاط و الاحتطاب و في المعاوضات كالبيع و الصرف و الاجارة و الصلح و الهبة و الوصيّة له و الجناية الموجبة للدية أصالة كالخطأ المحض و عمد الخطأ و قتل الوالد ولده و قتل الحرّ العبد و كسر العظام و الجائفة - و هي الطعنة التي تبلغ الجوف و فيها ثلث الدية - و المأمومة - و هي الشجّة(2)التي تبلغ أمّ الرأس و فيها أيضا ثلث الدية - و كذا المنقّلة و هي التي يخرج فيها من الجرح صغار العظام و تنقل عن أماكنها، و قيل هي التي تكسر العظم، و فيها خمسه عشر ابلاً.

و على هذا القول ففي ثبوت النكاح بالشاهد و اليمين تردّد و خلاف، فعن المشهور - كما في الجواهر(3)- عدم ثبوته بالشاهد و اليمين مطلقا؛ لأنّ المقصود منه بالذات التناسل، و المهر و النفقة من التوابع، ولكنّ الظاهر ثبوته بهما اذا كان نتيجة الدعوى المهر و النفقة، و لو ماتت الزوجة تتضمّن دعوى الزوج، المال وهو الميراث.


1) - جواهر الكلام 40: 272 - 275.

2) - الشجّ: الكسر في الرأس.

3) - جواهر الكلام 40: 276.

و أمّا الخلع و الطلاق و الرجعة و العتق و التدبير و الكتابة و النسب و الوكالة و الوصيّة اليه و عيوب النساء و كذا عيوب الرجال، فلايثبت شيء منها بهما؛ لخروجهما عن الضابط المزبور و ان استلزم بعضها بل كلّها مالاً، الاّ أنّه ليس حقيقتها.

و في الوقف اشكال منشؤه النظر الى من ينتقل اليه، فهل هو الموقوف عليهم أم اللّه تعالى أو الأوّل مع الانحصار و الثاني مع عدمه أو يبقى على ملك الواقف؟

و الظاهر أنّ الوقف ينتقل الى الموقوف عليهم مطلقا مع تعلّق القربة باللّه تعالى في الوقف العامّ.

انّما الاشكال في اليمين المتعلّقة بالوقف العامّ و أنّه لايصحّ أن يحلفها أحد من الموقوف عليهم، ولكن يمكن حلّه بوقوع اليمين من المتولّي للوقف بلا فرق بين الوقف العامّ و الخاصّ و لو لم يكن متولٍّ فالأمر الى نائب الفقيه في ذلك.

فما عن صاحب الجواهر من أنّ الموقوف عليهم كانوا كمستحقّي الزكاة و الخمس و الوصيّة على الوجه العامّ فلايمكن في حقّهم اليمين، في غير محلّه فانّا نقول فيهم أيضا بتعيين النائب من جانب الفقيه الجامع للشرائط حتّى يحلف في حقّهم.

ثمّ لايخفى أنّه بناءً على ما اخترناه من ثبوت حقوق الناس كلّها بالشاهد و اليمين فتثبت كلّ هذه الحقوق المذكورة، من النكاح و الخلع و الطلاق و الرجعة و العتق و التدبير الى غير ذلك، الاّ أن يمنع مانع من ثبوت مورد باليمين كما تقدّم بعض الكلام فيه و سيأتي.

ثمّ انّه لا اشكال - كما في الجواهر(1)- في الاجتزاء باليمين مع المرأتين القائمتين مقام رجل في الشهادة و عليه الأكثر؛ لصحيحة الحلبي عنأبي عبداللّه عليه السلام:


1) - جواهر الكلام 40: 275.

«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله أجاز شهادة النساء مع يمين الطالب في الدين، يحلف باللّه أنّ حقّه لحقّ».(1)

و صحيحة منصور بن حازم:

«انّ أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قال: اذا شهد لطالب الحقّ امرأتان و يمينه فهو جائز».(2)

و روايته قال:

«حدّثني الثقة عن أبي الحسن عليه السلام قال: اذا شهد لصاحب الحقّ امرأتان و يمينه، فهو جائز».(3)

و قد شهد به الكتاب العزيز حيث قال تعالى: «فان لم يكونا رجلين فرجل و امرأتان»(4).

و قد ورد في تفسيره عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:

«عدلت امرأتان في الشهادة برجل واحد، فاذا كان رجلان أو رجل و امرأتان أقاموا الشهادة، قضي بشهادتهم. الحديث».(5)

قال في الجواهر: «فما عن ابن ادريس - من المنع لعدم الاجماع و التواتر - مبني على أصله من انحصار الدليل بذلك و نحوه. نعم، ما عن التحرير من الجزم بالعدم في هذا الكتاب واضح الضعف، خصوصا بعد مخالفته ذلك في المحكي عنه في كتاب الشهادة من الجزم بالقبول من غير نقل خلاف».(6)


1) - وسائل الشيعة 27: 271 / الباب 15 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 3.

2) - وسائل الشيعة 27: 271 / الباب 15 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

3) - وسائل الشيعة 27: 271 / الباب 15 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 4.

4) - البقرة 2: 282.

5) - وسائل الشيعة 27: 272 / الباب 15 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 5.

6) - جواهر الكلام 40: 275.

في عدم ثبوت دعوى الجماعة مع الشاهد الاّ مع حلف كلّ واحد منهم

و لاتثبت دعوى الجماعة مع الشاهد الاّ مع حلف كلّ واحد منهم و لو امتنع البعض ثبت نصيب من حلف دون الممتنع.

قال في المسالك: «الفرق بين اليمين و الشاهد أنّ اليمين متعلّقها مال الحالف، و ليس للانسان أن يحلف لاثبات مال غيره، بخلاف الشاهد فانّ الأصل فيه أن يثبت بشهادته مال غيره، و لايترتّب على شهادته لنفسه أثر، و الغير بالنسبة الى الشاهد سواء فيه المتعدّد و المتّحد، فشهادته بالمال الواحد للجميع كشهادته لكلّ واحد على انفراده بجزء منه على الاشاعة، فيقبل في حقّ الجميع و يتوقّف كلّ واحد على اليمين تكملة للحجّة».(1)

و هذا الذي قاله الشهيد رحمه الله هو مفاد الروايات الواردة في القضاء و الشهادة.

و في الجواهر استدلّ ابتداءً للمسألة بأنّها تنحلّ الى دعاوٍ متعدّدة و ان كانت هي واحدة في الظاهر.

و فيه: على هذا فلايكفي الشاهد الواحد أيضا، بل يحتاج في كلّ دعوى الى شاهد أو أن يشهد الشاهد الواحد لكلّ دعوى على حدة و لايقول به.

ولكن الصحيح ما قاله الشهيد في المسالك كما ذكره بعد ذلك في الجواهر حيث قال: «على أنّك ستعرف الاجماع ظاهرا على عدم ثبوت اليمين مال آخر، فلو اجتزئ هنا بيمين أحدهم - كما استظهره المقدّس البغدادي ان لم يكن اجماعا - ثبت به حينئذ مال الغير، فلا وجه لاحتماله».(2)

ثمّ انّه لو امتنع البعض من الحلف ثبت نصيب من حلف دون الممتنع، و لا وجه لاحتمال توقّف ثبوت الدعوى على الحلف من الجميع بحيث لو حلف أحدهم لم يثبت ما يخصّه أيضا؛ ضرورة مخالفته لاطلاق جميع الأدلّة، كما قالصاحب الجواهر: «فتعيّن حينئذ ما سمعته أوّلاً من الأصحاب بلا خلاف نجده فيه


1) - مسالك الأفهام 13: 515.

2) - جواهر الكلام 40: 280.

بينهم، بل و لا اشكال بعد ما عرفت».(1)

في عدم الجواز الحلف الاّ مع المعرفة يقينا

و لايحلف من لايعرف ما يحلف عليه يقينا. و لا ليثبت مالاً لغيره. فلو ادّعى غريم الميّت مالاً على آخر مع شاهد، فان حلف الوارث ثبت و ان امتنع لم يحلف الغريم. و كذا لو ادّعى رهنا و أقام شاهدا أنّه للراهن لم يحلف؛ لأنّ يمينه لاثبات مال الغير.

لايحلف من لايعرف ما يحلف عليه يقينا؛ لأنّ الحلف لا بدّ و أن يكون عن العلم بكونه ملكا له على وجه يتميّز عن غيره، و لو لم يكن له علم فلايجوز له الحلف و ان وجده مكتوبا بخطّ مورّثه و أمن التزوير، و كذا لو وجد مكتوبا بخطّ نفسه أنّ المال الفلاني ماله، الاّ أن يحصل له من ذلك العلم بأنّه ماله أو مال مورّثه.

و في الجواهر: «و كذا لو شهد له به شاهد واحد خلافا لبعض العامّة فجوّز الحلف على شهادة شاهد واحد، أمّا لو شهد له به شاهدان فقد يقال بالجواز؛ لأنّها حجّة شرعيّة بل قد يحتمل جواز الحلف على مقتضى استصحاب الموضوع الثابت، لكنّه لايخلو من اشكال بل منع فيهما؛ لعدم العلم المعتبر في الحلف الذي لم يثبت قيام نحو ذلك مقامه في الفرض، بل لعلّ الثابت خلافه».(2)

و هو كذلك لأنّ الحلف لا بدّ و أن يقع عن علم و البيّنة لاتفيد علما بل أكثر ما تفيده الظنّ و هو لايكفي في جواز الحلف.

و لايحلف الحالف ليثبت مالاً لغيره، ففي المسالك: «اذا كان له على الميّت دين، و له على آخر دين، و له شاهد واحد فوظيفة الحلف معه على الوارث؛ لأنّهالمالك و ان المنتفع بيمينه الغريم، كما لو كان مفلّسا و له شاهد بدين. فان حلف الوارث أخذ المال الغريم من دينه، ان شاء الوارث دفع العين. و ان امتنع من


1) - جواهر الكلام 40: 280.

2) - نفس المصدر: 281 و 282.

الحلف لم يكن للغريم الحلف عندنا؛ لأنّه لايثبت بيمينه مالاً لغيره، لما تقدّم من أنّ التركة تنتقل الى ملك الوارث أو تكون على حكم مال الميّت، و على التقديرين هي خارجة عن ملك الغريم قبل استيفائها فحلفه قبله على اثبات الحقّ حلف لاثبات مال الغير. و ذهب العامّة الى أنّه يحلف أيضا، بناءً على أنّه اذا ثبت صار له فكان كالوارث».(1)

و على أيّ حال فلو ادّعى غريم الميّت مالاً للميّت على آخر مع شاهد فان حلف الوارث ثبت و ان كان الدين مستغرقا و تعلّق به حقّ الديّان، سواء قلنا ببقاء التركة في حكم مال الميّت - كما هو المختار - أو لا؛ لأنّ له تعلّقا به على أن يكون له بابراء الديّان، و كذا يتعلّق بالمال الوصايا و الديون بعد الحلف، بلا فرق بين أن يكون الوصيّة من الثلث أو أكثر، و يلحق به أيضا لو تعلّق به الخمس و الزكاة بعد الحلف و ان استشكل في الجواهر على ما لو كان الدين مستغرقا و ما لو تعلّقت الوصيّة بالثلث فيما اذا اخترنا بقاء التركة على ملك الميّت، الاّ أنّه لا اشكال فيه؛ لأنّ المأمور بأداء ديونه و انفاذ وصيّته هو الوارث.

و في الجواهر: «و ان امتنع الوارث لم يحلف الغريم على أنّه ملك الميّت، و لايجبر الوارث على الحلف للأصل و غيره ولكن للغريم احلاف المدّعى عليه؛ لأنّ له تعلّقا بذلك فان أحلفه برأ من الغريم و لم يبرأ من الوارث فان حلف الوارث كان للغريم أخذه من حيث ثبوت كونه تركة، بل يقوى جواز مطالبته به قبل قبض الوارث له و ان استشكل فيه الفاضل من احلافه، لكن فيه أنّ سقوط استحقاقه عليه من جهة لاينافي الاستحقاق من جهة أخرى».(2)


1) - مسالك الأفهام 13: 516.

2) - جواهر الكلام 40: 283 و 284.

أقول:

الظاهر أنّ للغريم أن يرجع الى القاضي و يدّعي أنّ فلانا مديون للميّت؛ لأنّ له عليه حقّا في الجملة، فان كان له بيّنة أقامها و ان لم يكن له بيّنة فان كان له شاهد واحد أقامه و يحلف عوض الشاهد الآخر و الاّ أحلف القاضي المدّعى عليه فان حلف فيتمّ الدعوى بالنسبة الى الغريم، و ان ردّ اليمين على الغريم المدّعي فيحلف فيثبت الدين على المدّعى عليه، و ان نكل المدّعى عليه فيحكم عليه، فعلى الحاكم أن يأخذ مال الميّت و يعطيه الورثة و على الورثة أن يردّوه الى الغريم، فان امتنعوا يرجع الغريم الى القاضي و يقيم الدعوى عليهم فيحكم بينهم فان كان للغريم بيّنة على دعواه أقامها، و ان كان له شاهد واحد يشهد و يحلف كالأولى، و الاّ أحلف القاضي الورثة فان حلفوا جميعا يتمّ الدعوى أو بعضهم فبالنسبة، و ان لم يحلفوا أو بعضهم و ردّ اليمين على المدّعي فيحلف و يأخذ حقّه.

ثمّ انّه لو ادّعى المرتهن أنّ المال المرهون للراهن و أقام شاهدا لايحلف لاثباته و ان امتنع الراهن من الحلف؛ لأنّه يثبت بيمينه مالاً لغيره، و ان انتفع به.

و في الجواهر: «نعم لو ادّعى الرهانة و أراد اثباتها من غير تعرّض للمالك لم يبعد اثباتها بالشاهد و اليمين، و لاينافيها كونه ملكا للغير، فانّه يمكن تعلّق الرهانة به و ان كان ملكا للغير».(1)


1) - نفس المصدر : 284.

فيما لو ادّعى الجماعة مالاً لمورّثهم و حلفوا مع شاهدهم

و لو ادّعى الجماعة مالاً لمورّثهم و حلفوا مع شاهدهم، ثبتت الدعوى و قسّم بينهم على الفريضة. و لو كان وصيّة قسّموه بالسويّة الاّ أن يثبت التفصيل. و لو امتنعوا لم يحكم لهم، و لو حلف بعض أخذ و لم يكن للممتنع معه شركة. و لو كان في الجملة مولّى عليه يوقف نصيبه، فان كمل و رشد حلف و استحقّ. و ان امتنع لم يحكم له، و ان مات قبل ذلك كان لوارثه الحلف و استيفاء نصيبه.

في المسالك: «لا كلام في استحقاقهم مع الحلف على حسب الفريضة أو الوصيّة؛ لأنّه مال يثبت بالشاهد و اليمين، و قد انتقل اليهم بزعمهم عن مورّثهم لا باليمين، و انّما اليمين رفعت الحجر الثابت بينهم و بينه شرعا، فيستحقّونه على حسب الارث، و في الوصيّة بالسويّة؛ لأنّ اطلاق العطيّة يقتضيها اذا لم ينصّ على خلافها. هذا اذا حلف الكلّ.

أمّا اذا حلف بعضهم بأن كانا أخوين فحلف أحدهما فانّه يستحقّ ما حلف عليه و ينفرد به، و من لم يحلف سقط حقّه، فلايشارك الحالف فيما حلف عليه؛ لأنّه بتركه لليمين قد أبطل حجّته و أسقط حقّه فصار بمنزلة غير الوارث.

و قد يشكل الفرق بين هذا و بين ما لو ادّعيا على آخر مالاً، و ذكرا سببا موجبا للشركة كالارث، فانّه اذا أقرّ لأحدهما شاركه الآخر فيما وصل اليه. فخصّ بعضهم هذا بالدين و ذاك بالعين، و أعيان التركة مشتركة بين الورثة و المصدّق معترف بأنّه من التركة بخلاف الدين، فانّه انّما يتعيّن بالتعيين و القبض، فالذي أخذه الحالف تعيّن لنفسه بالقبض، فلم يشاركه الآخر فيه. و هذا الحكم مبني على ما اذا استوفى بعض الشركاء نصيبه من الدين هل يشاركه الآخر أو لا؟ و هذه التخصيصات لاتوافق مذهب المصنّف من مشاركة الشريك في الدين فيما قبضه الآخر منه، و مع ذلك فلو انعكس الفرض انعكس الحكم».(1)


1) - مسالك الأفهام 13: 518 و 519.

و في الجواهر: «الذي صرّح بالفرق بين الدين و العين العلاّمة في التحرير و الارشاد و قال في القواعد: «هل للمولّى عليه منهم شركة فيما يقبضه الحالف؟ الأقرب ذلك ان كمل و حلف». و علّله شارحه الاصبهاني بأنّ الارث أو الوصيّة سبب لاشتراك الكلّ بالاشاعة و المفروض اعتراف الحالف بالسبب المشترك، و الاستيفاء ليس بقسمة.

ثمّ قال الشارح المزبور: «و هو ظاهر في العين دون الدين؛ لأنّه يتعيّن بالقبض، و أمّا اذا لم يحلف فقد أسقط حقّه، و يحتمل الشركة و ان لم يحلف؛ لاعتراف القابض بالشركة بالاشاعة و العدم مطلقا للحكم بانتزاع ما قبضه». انتهى ملخّصا».(1)

ثمّ انّه فرّق جماعة - كما في المسالك(2)- بين ثبوت الحقّ باقرار المدّعى عليه و بين ثبوته بالشاهد و اليمين.

ففي الجواهر - بعد نقل كلام المسالك في التفصيل بما خلاصته: فرّق آخرون بين الاقرار و بين المقام بأنّ السبب هناك تلقّي الملك من اقرار ذي اليد و السبب هنا الشاهد و اليمين، و عليه لا فرق بين العين و الدين. و أشكل الشهيد رحمه الله بأنّ سبب الملك ليس هو اليمين بل الأمر السابق من ارث أو وصيّة أو غيرها و اليمين انّما كشفت عن استحقاقه و رفعت الحجر عنه - قال: «و التحقيق عدم الفرق بين الدين و العين بعد تحقّق سبب الشركة فيهما؛ اذ الدين عين أيضا، الاّ أنّها كلّيّة و قد تقدّم التحقيق في الشركة بالدين أنّه اذا قبض بعض الشركاء لنفسه و دفعه المديون له أيضا كذلك، لم يختصّ به عن الشريك الآخر لو فرض اجازته القبض وفاءً عن الدين المشترك».(3)


1) - جواهر الكلام 40: 285 و 286.

2) - مسالك الأفهام 13: 519.

3) - جواهر الكلام 40: 286.

أقول:

اذا ادّعى الورثة مالاً لمورّثهم على شخص فان كان لهم بيّنة أقاموها و أخذوا حقّهم، و ان لم يكن لهم بيّنة ولكن كان لهم شاهد واحد فعليهم الحلف ليأخذوا حقّهم فان حلفوا جميعا أخذوا حقّهم، و ان امتنعوا جميعا استحلف الحاكم المنكر ان شاؤوا، فان حلف سقط حقّهم و ان نكل حكم لهم عليه بنكوله، و ان ردّ اليمين عليهم فحلفوا أخذوا حقّهم و الاّ سقط، كلّ ذلك لا اشكال و لا كلام فيه.

انّما الكلام فيما اذا حلف بعض الورثة و امتنع بعضهم، فالمصنّف رحمه الله أفتى بأنّ الحالف أخذ حقّه و لم يكن للممتنع معه شركة، و ظاهر كلامه أنّه لا فرق بين الدين و العين، ولكن ظاهر كلام الشهيد رحمه الله في المسالك - تبعا للعلاّمة و غيره حيث ذهبوا الى الفرق بين العين و الدين - هو التفصيل بين العين و الدين و القول بالشركة في الأوّل دون الثاني، كما أنّ ظاهر كلام صاحب الجواهر هو القول بالشركة مطلقا.

و التحقيق هو عدم الفرق بين الدين و العين في عدم شركة الممتنع مع الحالف، و عليه فلو ادّعى جماعة مالاً معيّنا لمورّثهم في يد شخص مثل أن يكون لزيد مائة منّ من الحنطة و أودعه في يد عمرو ثمّ مات، و ادّعى ورثته أنّ هذه الحنطة كانت لمورّثهم، و حلف بعضهم على هذه الدعوى مع شهادة شاهد واحد و امتنع آخرون، فما ينبغي أن لايخفى هو أنّ المقام مقام التخاصم فعلى القاضي أن يحكم بينهم فاذا حكم للحالف باعطائه نصيبه فهو يكون مالكا لنصيبه بحكم القاضي من غير شركة لغيره فيه.

فانّ الممتنع نفسه مانع من الاعطاء، فان شاء أن يأخذ نصيبه فعليه الحلف و هكذا يكون في الدين.

و عليه فلو كان في الجملة مولّى عليه فان قلنا بجواز قيام وليّه مقامه فيالحلف فيحلف الولي و يأخذ حقّه - كما تقدّم منّا في مستثنيات ردّ اليمين أنّه

لا مانع من حلف الولي أو الوصي فيما يتعلّق بولايته أو وصايته - و الاّ فيوقف نصيبه فان كمل و رشد حلف و استحقّ نصيبه و ان امتنع لم يحكم له و ان مات قبل ذلك كان لوارثه الحلف و استيفاء نصيبه.

مسائل خمس: «الأولى»: في دعوى ملكيّة أمّ ولده

«الأولى»: لو قال: هذه الجارية مملوكتي و أمّ ولدي، حلف مع شاهده، و يثبت رقّيّتها دون الولد؛ لأنّه ليس مالاً، و يثبت لها حكم أمّ الولد باقراره.

قال في المسالك: «اذا كان في يد انسان جارية و ولدها، فادّعى عليه آخر بأنّها أمّ ولده، و أنّ هذا الولد منها، استولده في ملكه، و أنّه حرّ الأصل فقد ادّعى في الجارية أمرين: أحدهما أنّها مملوكته. و الثاني: أنّها أمّ ولده، تعتق بموته من نصيب ولدها. و ادّعى في ولدها أمرين: أحدهما: النسب. و الثاني: الحرّيّة. فأمّا الجارية، فاذا أقام شاهدا و حلف معه قضي له بملكها؛ لأنّ أمّ الولد مملوكة، و لهذا كان له استخدامها و الاستمتاع بها و اجارتها و تزويجها و شبهه. و اذا قتلها قاتل كان له قيمتها، فيقضى له بها بالشاهد و اليمين. و أمّا الولد فلايقضى به بالشاهد و اليمين بناءً على أنّ النسب و العتق لايثبت به. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

بناءً على ما اخترناه من ثبوت حقوق الناس مطلقا بالشاهد و اليمين فلا فرق في هذه المسألة بين الولد و أمّه، فكما أنّه يثبت في الأمة ملكيّتها يثبت في الولد ولديّته.


1) - مسالك الأفهام 13: 521.

«الثانية»: فيما لو ادّعى بعض الورثة أنّ الميّت وقف عليهم دارا

«الثانية»: لو ادّعى بعض الورثة أنّ الميّت وقف عليهم دارا و على نسلهم؛ فان حلف المدّعون مع شاهدهم قضي لهم، و ان امتنعوا حكم بها ميراثا، و كان نصيب المدّعين وقفا، و ان حلف بعض ثبت نصيب الحالف وقفا و كان الباقي طلقا، تقضى منه الديون و تخرج الوصايا و ما فضل ميراثا، و ما يحصل من الفاضل للمدّعين يكون وقفا. و لو انقرض الممتنع كان للبطن التي تأخذ بعده الحلف مع الشاهد. و لايبطل حقّهم بامتناع الأوّل.

اذا كان الوارث جماعة فادّعى بعضهم أنّ المورّث وقف عليهم بعض أعيان التركة كدار مثلاً، و أنكر باقي الورثة و أقام المدّعون شاهدا واحدا ليضمّوا اليه اليمين، و قلنا بثبوت الوقف بشاهد و يمين - كما هو المختار - فالوقف المدّعى يقع على وجهين:

أحدهما: أن يدّعوا الوقف الترتيبي، فيقولوا وقف علينا أوّلاً، و من بعدنا على أولادنا أو الفقراء.

و الثاني: أن يدّعوا التشريك في الوقف.

فبناءً على الوجه الأوّل بأن يدّعوا الوقف الترتيبي ففي المسألة صور:

الأولى: أن يحلف جميع من ادّعى أنّ المورّث وقف عليهم بعض أعيان التركة كدار - مثلاً - مع الشاهد فيحكم القاضي و يثبت لهم الوقف و لا حقّ لباقي الورثة في هذه الدار. و باقي مال المورّث يكون ارثا ينقسم على كلّهم بحسب نصيبهم من بعد وصيّة يوصى بها أو دين.

الثانية: أن يمتنع المدّعون جميعا عن الحلف، فحينئذ تنقسم الدار على الورثةبحسب نصيبهم من بعد وصيّة يوصى بها أو دين، و نصيب مدّعي الوقف يكون وقفا على اقرارهم.

الثالثة: أن يحلف بعض المدّعين و يمتنع بعض آخر فحينئذ يؤخذ من الدار

مثلاً - بمقدار المحلوف عليه وقفا، ثمّ ينقسم الباقي على نصيب الجميع في الارث، من بعد وصيّة يوصى بها أو دين، فنصيب المدّعين الذين لم يحلفوا وقف على اقرارهم بعد الوصيّة و الدين.

الرابعة: لو امتنع المدّعون جميعا أو بعضهم فيحكم القاضي على ما مرّ من الحكم فاذا ثبت، فليس لأولادهم الحلف الاّ أن يكون هناك دعوى ثانية و يقيموا شاهدا مع يمين فحينئذ يثبت الوقف بحكم القاضي.

الخامسة: في حال الوقف اذا انقرض البطن الأوّل فما دام من البطن الأوّل أحد المدّعين لم يصل الى البطن الثاني فيكون تمامه له. فاذا مات، يصل الى البطن الثاني. فالظاهر أنّه لايحتاج هذا البطن الى الحلف؛ لأنّ الوقف ثبت بحكم القاضي كما لو حكم بشاهدين عدلين. أو كان ثابتا من الأوّل سواء قلنا بأنّ البطن الثاني يتلقّون الوقف من البطن الأوّل أو من الواقف؛ لأنّه كما ذكر اذا حكم القاضي ثبت الوقف كما لو لم يكن هناك دعوى و كان الوقف على البطون بنحو الترتيب ثابتا من الأوّل.

السادسة: اذا ادّعى بعض الورثة أنّ مورّثهم وقف بعض تركته كالدار - مثلاً - على الفقراء أو العلماء، فالصور الحاصلة من هذه الصورة تكون كما تقدّم.

و لو كان مدّعي الوقف نفس الفقراء، فان كان خاصّا و محدودا بعدّة منهم فيحلفون كلّهم بعد اقامة الشاهد الواحد و ان كان عامّا غير محدود أو كغير محدود فالفقيه يعيّن نائبا من نفسه عالما بالوقف فيبعثه مع الشاهد الواحد فيحلف فيحكم القاضي بالوقف.

و أمّا بناءً على الوجه الثاني بأن يدّعي المدّعون التشريك في الوقف بأن يدّعوا أنّ هذه الدار - مثلاً - قد وقفها مورّثهم على جميع الورّاث و أولادهم، فان حلفواجميعا مع اقامة الشاهد الواحد ثبت الوقف بحكم الحاكم، فان امتنعوا ثبت نصيب المدّعين - بحكم الحاكم - ممّا يرثون من بعد وصيّة يوصى بها أو دين و سيأتي في المسألة الآتية البحث عن ذلك.

«الثالثة»: فيما اذا ادّعى الوقفيّة عليه و على أولاده بعده

«الثالثة»: اذا ادّعى الوقفيّة عليه و على أولاده بعده و حلف مع شاهده ثبتت الدعوى و لا يلزم الأولاد بعد انقراضه يمين مستأنفة لأنّ الثبوت الأوّل أغنى عن تجديده و كذا اذا انقرضت البطون و صار الى الفقراء أو المصالح.

قال في المسالك: «البحث في هذه القسمة من المسألة كما سبق و كأنّه أعاده لينبّه على الفرق بين وقف الترتيب و التشريك الذي يأتي منه بعد ذلك و قد كان يستغنى في هذه المسألة بذكر قسم التشريك و يجعل قسيما للسابقة و يتبيّن الفرق. انتهى ملخّصا».(1)

أمّا لو ادعى التشريك بينه و بين أولاده افتقر البطن الثاني الى اليمين؛ لأنّ البطن الثاني بعد وجودها تعود كالموجودة وقت الدعوى فلو ادّعى اخوة ثلاثة أنّ الوقف عليهم و على أولادهم مشتركا فحلفوا مع الشاهد ثمّ صار لأحدهم ولد فقد صار الوقف أرباعا و لايثبت حصّة هذا الولد ما لم يحلف لأنّه يتلقّى الوقف عن الواقف فهو كما لو كان موجودا وقت الدعوى و يوقّف له الربع فان كمل و حلف أخذ و ان امتنع قال الشيخ: «يرجع ربعه على الاخوة؛ لأنّهم أثبتوا أصل الوقف عليهم ما لم يحصل المزاحم و بامتناعه جرى مجرى المعدوم». و فيه اشكال ينشأ من اعتراف الاخوة بعدم استحقاق الربع.

هذا فرع على القسم الثاني و هو ما لو كانت الدعوى التشريك في الوقف فاذا ادّعى ثلاثة اخوة من جملة الورثة وقف الدار - مثلاً - عليهم و على أولادهم ما تناسلوا وقف تشريك، و أقاموا شاهدا و حلفوا معه - تفريعا على ثبوت الوقف


1) - مسالك الأفهام 13: 528.

بذلك - فانّه يثبت الوقف بالنسبة اليهم فاذا وجد لأحدهم ولد فقد صار الوقف أرباعا من حين تولّده بعد أن كان أثلاثا فيعزل له نماء الربع الى حين بلوغه لاعتراف الموقوف عليهم بذلك فاذا بلغ فعليه الحلف؛ لأنّه كما لو كان موجودا حين الدعوى فكان عليه الحلف مثل الثلاثة، فان حلف يعطونه ما يعزل له من نماء الربع حتّى الآن فيكون كأحدهم بعد ذلك. و ان لم يحلف وامتنع منه يرجع ربع الشيء المدّعى كونه وقفا - كالدار مثلاً - مع ما عزل من نمائه ارثا فينقسم بين الورّاث على حسب نصيبهم، الاّ أنّ الاخوة الثلاثة يعطون نصيبهم الولد المذكور لاعترافهم بأنّه له، فان أخذه فهو و ان لم يأخذه و قال لو كان فوهبته لكم، فيأخذونه لهم وان ردّه بأنّه لم يعلم ذلك، فيصرفه الحاكم في سبيل اللّه.

ثمّ انّ الشهيد رحمه الله ذكر(1)في هذه المسألة فروعا نشير اليها:

الأوّل: في تكليف الاخوة عند عزل نماء الربع حين وجد لأحدهم ولد، فهل يجب عليهم تسليمه الى وليّه أو الوضع في يد أمين؟ و قد ذكر الشهيد فيه وجهين.

و الظاهر أنّهم مكلّفون بحفظه فيكون كالوديعة عندهم، و عليهم أن يحفظونه بحيث لايعدم أو يكون كالعدم، و لو كان في حفظه مؤونة فيجوز أن يأخذوها من المال، و ليكن ذلك باذن الولي الذي هو أحد الاخوة.

و الظاهر أنّه لا فرق بين هذا و بين ما لو اعترفوا بربع العين التي كانت في أيديهم لصبي، نعم الفرق كان في وجود المنكر في ادّعاء الوقف و عدمه في المثال المذكور.

الثاني: انّ الولد اذا بلغ و أراد أن يحلف فيلزم أن يكون حلفه عن علم بالحال، لا استنادا الى قول الشاهد و شركائه في الوقف، الاّ أن يحصل له العلم من قولهم و لو كان الحاكم عالما بالوقف فلايجب عليهم و على الولد اذا بلغ أن يحلفوا بل يحكم بعلمه كما سلف.


1) - مسالك الأفهام 13: 528 - 532.

الثالث: قال رحمه الله: «و ان نكل ففي مصرف الربع وجوه: الأوّل: ردّه الى الاخوة و هو قول الشيخ. الثاني: صرفه الى الناكل. الثالث: ارجاعه الى الواقف أو ورثته كمنقطع الآخر أو الى البرّ. انتهى ملخّصا».

و قد أقام لكلّ من هذه الوجوه دليلاً. ولكن قد تقدّم أنّ الأصحّ رجوعه الى الارث.

و لو مات أحد الاخوة قبل بلوغ الطفل عزل له الثلث من حين وفاة الميّت؛ لأنّ الوقف صار أثلاثا و قد كان له الربع الى حين الوفاة فان بلغ و حلف أخذ الجميع و ان ردّ كان الربع الى حين الوفاة لورثة الميّت و الأخوين و الثلث من حين الوفاة للأخوين، و فيه أيضا اشكال كالأوّل.

هذا من جملة الفروع على المسألة و هوما اذا مات أحد الاخوة قبل بلوغ الطفل، فانّه يعزل للطفل ثلث المدّعى وقفه بعد أن كان قد عزل له الربع؛ لأنّ الوقف بموت أحدهم قد صار أثلاثا بين الأخوين و ابن الأخ بعد أن كان أرباعا. فاذا بلغ الولد و حلف أخذ الجميع و هو الربع الى حين وفاة الأخ، و تمام الثلث من حين الوفاة الى أن يحلف، و ان نكل رجع الربع من حين ولادته الى حين الوفاة الى الأخوين الباقيين و ورثة الميّت من الاخوة لأنّهم كانوا أرباب الوقف ذلك الوقت، و الثلث من حين الوفاة الى حين النكول يرجع ارثا كما تقدّم.

«الرابعة»: فيما لو ادّعى عبدا بأنّه كان له و أعتقه

«الرابعة»: لو ادّعى عبدا و ذكر أنّه كان له و أعتقه فأنكر المتشبّث، قال الشيخ: يحلف مع شاهده و يستنقذه. و هو بعيد لأنّه لايدّعي مالاً.

الظاهر أنّ ما اختاره الشيخ رحمه الله هو الأصحّ، و ذلك لأنّ المدّعي - كما في

المسالك(1)- يدّعي ملكا متقدّما، و حجّته تصلح لاثبات الملك، و اذا ثبت الملك ترتّب عليه العتق باقراره.

و المصنّف رحمه الله استبعد نظر الشيخ؛ لأنّ دعوى المدّعي، العتق و هو لايكون مالاً و لايرجع الى مال، مضافا الى أنّه في حقّ الغير و لايثبت بشاهد و يمين.

و فيه أوّلاً: ما تقدّم من أنّ الحقّ ثبوت حقوق الناس كلّها بشاهد و يمين في مقابل حقوق اللّه تعالى، و لايختصّ ذلك بالأموال.

و ثانيا: انّه يدّعي أنّه كان ملكا له فأعتقه، فيرجع دعواه أوّلاً و بالذات الى الملك و ثانيا و بالعرض الى العتق و هو فعل نفسه.

«الخامسة»: فيما لو ادّعى عليه القتل و أقام شاهدا

«الخامسة»: لو ادّعى عليه القتل و أقام شاهدا فان كان خطأً أو عمد الخطأ حلف و حكم له، و ان كان عمدا موجبا للقصاص لم يثبت باليمين الواحدة و كانت شهادة الشاهد لوثا و جاز له اثبات دعواه بالقسامة.

لو ادّعى زيد على عمرو أنّه قتل أباه و أقام شاهدا، فان كان خطأً أو شبيه العمد، حلف و حكم له؛ لما تقدّم من أنّ الجناية الموجبة للمال تثبت بالشاهد و اليمين. و ان كان عمدا موجبا للقصاص فعلى قول من لايثبت غير المال أو ما يرجع الى المال باليمين و الشاهد الواحد، كانت شهادة الشاهد الواحد لوثا، و جاز له اثبات دعواه بالقسامة.

و أمّا على القول المختار من ثبوت حقوق الناس مطلقا بالشاهد و اليمين فيثبت القتل و ان كان المقام ممّا ينبغي فيه الاحتياط لمكان الدماء، فعلى القاضي الفحص حتّى يحصل له الاطمئنان.


1) - مسالك الأفهام 13: 523.

خاتمة

إشارة:

تشتمل على فصلين:

الفصل الأوّل : في كتاب قاضٍ الى قاضٍ

في انهاء الحكم بالشهادة

انهاء حكم الحاكم الى الآخر امّا بالكتاب أو القول أو الشهادة. أمّا الكتابة فلا عبرة بها لامكان التشبيه. و أمّا القول مشافهة فهو أن يقول للآخر: حكمت بكذا، أو أنفذت أو أمضيت. ففي القضاء به تردّد، نصّ الشيخ في الخلاف أنّه لايقبل.

قال في المسالك: «المشهور بين أصحابنا أنّه لا عبرة بكتاب قاضٍ الى قاضٍ، بمعنى أنّه اذا كتب حكما بشيء و أنفذه الى غيره من القضاة ليس لهم الاعتماد على الخطّ و انفاذه مطلقا؛ لأنّ الخطّ يحتمل التزوير، و على تقدير الأمن منه يمكن كتبته من غير قصد تحقيقه. و يظهر من ابن الجنيد جوازه في حقوق الآدميّين دون حقّ اللّه تعالى؛ لأنّه قال: «لايجوز عندنا كتاب قاضٍ الى قاضٍ في حدّ للّه وجب على أحد من بلد المكتوب اليه، فان كتب القاضي بذلك لم يكنللمكتوب اليه أن يقيمه، فأمّا ما كان من حقوق الناس بعضهم على بعض في الأموال و ما يجري مجراها دون الحدود في الأبدان، فجائز كتاب القضاة من قبل

امام المسلمين بعضهم الى بعض» و للعامّة في ذلك اختلاف أيضا، فمنهم من منعه مطلقا كما قلناه، و منهم من أجازه مطلقا، و منهم من أجازه مع الوثوق بالخطّ و الختم».(1)

أقول:

انهاء حكم الحاكم الى الآخر امّا بالكتابة أو القول أو الشهادة.

أمّا الكتابة: فلا بدّ أن يعلم أنّ الغرض من كتابة قاضٍ الى قاضٍ يتصوّر على صور:

تارة تكون في جواب القاضي المنصوب من قبله أو امضاء حكمه من قاضي القضاة و الاجازة منه في اجراء ما حكم به القاضي المنصوب، كما هو جارٍ في زماننا هذا بالنسبة الى الأحكام المشكلة أو الأحكام التي يوصى فيها بالاحتياط كالدماء و الفروج. و هذا لا اشكال فيه؛ لأنّه مأمون من الخطأ و التزوير و خلاف ما يقصد منه على الفرض.

و أخرى تكون في اخبار حكمه بالنسبة الى قضيّة و أمره باجراء ما حكم به، فانّه أيضا لا اشكال فيه بشرط كون الكتابة مأمونة كما تقدّم و أن يكون القاضي المكتوب اليه لم يعلم بالخطأ في الحكم و الموضوع بعد أن كان القاضي الكاتب أهلاً للقضاء.

و ثالثة تكون الكتابة لاخباره بأنّه حكم في هذه القضيّة بكذا ليكون على حذر من الخدعة فيه و هذا أيضا لا كلام فيه.

و رابعة يكون غرضه من الكتابة شهادة منه على عدالة الشهود، أو الشهادةعلى صحّة الدعوى الفلانيّة، فان قلنا بأنّ الشهادة بالكتابة مقبولة كما ليس ببعيد، فلاتقبل الاّ بضمّ شاهد آخر.


1) - مسالك الأفهام 14: 7 و 8.

و هذه الصور جارية في الحقوق كلّها - من حقوق اللّه و حقوق الناس - و في النزاعات و الخصومات كلّها، فانّ المكاتبات بين الأئمّة المعصومين عليهم السلام و شيعتهم مشهورة في جميع الأزمنة و جميع الأمور. و مكاتبات الامام علي بن أبي طالب عليه السلام في زمن خلافته الظاهريّة و حكومته فيما بينه و بين أمرائه و ولاته المنصوبين من قبله في العزل و النصب و القضايا المختلفة مشهورة، و كذا بينه و بين خصمائه كمعاوية عليه الهاوية.

و أمّا معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام:

«انّه كان لايجيز كتاب قاضٍ الى قاضٍ في حدّ و لا غيره حتّى ولّيت بنو أميّة فأجازوا بالبيّنات».(1)

فظاهرها أو محتملها - كما عن بعض الأعلام - بقرينة ذيلها، أنّه اذا كتب قاضٍ الى قاضٍ «أن أجر الحدّ على فلان أو خذ منه كذا و كذا مالاً، أو طلّق زوجته» لم يجز للقاضي الثاني أن يفعل ما أمره به في كتابه و ان أمن التزوير، لكن بنو أميّة أجازوا تنفيذ القاضي الثاني كتاب القاضي الأوّل اذا قامت البيّنة بأنّه كتابه.

و أمّا انهاء الحكم الى آخر بالقول بأن يقول له: «انّي حكمت بكذا» أو نحوه فتارة يريد منه أن يكون الثاني على حذر من الخدعة فلا كلام فيه.

و أخرى يريد منه انفاذه و الأمر باجرائه، فان كان القاضي لم يعلم بالخطأ في الحكم و الموضوع فلا اشكال في اجرائه.


1) - وسائل الشيعة 27: 297 / الباب 28 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

و أمّا الشهادة فان شهدت البيّنة بالحكم و باشهاده ايّاهما على حكمه تعيّن القبول؛ لأنّ ذلك ممّا تمسّ الحاجة اليه اذ احتياج أرباب الحقوق الى اثباتها في البلاد المتباعدة غالب و تكليف شهود الأصل التنقّل متعذّر أو متعسّر. فلا بدّ من وسيلة الى استيفائها مع تباعد الغرماء و لا وسيلة الاّ رفع الأحكام الى الحكّام، و أتمّ ذلك احتياطا ما صوّرناه.

لايقال: يتوصّل الى ذلك بالشهادة على شهود الأصل. لأنّا نقول قد لايساعد شهود الفرع على التنقّل و الشهادة الثالثة لا تسمع. و لأنّه لو لم يشرع انهاء الأحكام بطلت الحجج مع تطاول المدد. و لأنّ المنع من ذلك يؤدّي الى استمرار الخصومة في الواقعة الواحدة بأن يرافعه المحكوم عليه الى آخر فان لم ينفذ الثاني ما حكم به الأوّل اتّصلت المنازعة. و لأنّ الغريمين لو تصادقا أنّ حاكما حكم عليهما ألزمهما الحاكم ما حكم الأوّل فكذا لو قامت البيّنة لأنّها تثبت ما لو أقرّ الغريم به لزم.

هذا قسم ثالث من انهاء الحكم الى آخر: فاذا حكم قاضٍ بحكم في موضوع، و أشهد شاهدين على حكمه ليشهدا عند قاضٍ آخر لينفذ حكمه و يأمر باجرائه فان لم يعلم القاضي المنهى اليه الحكم بخطأ القاضي الأوّل في الحكم و الموضوع و قد شهد عنده شاهدا عدل بأنّ القاضي المنهي قد حكم في القضيّة الفلانيّة بحكم كذا، فلا اشكال في أنّه ينفذه و يأمر باجرائه.

ثمّ اعلم أنّه اختلف الأصحاب في جواز انفاذه للحاكم المنهى اليه الحكم، بشهادة الشهود - كما في المسالك(1)- فذهب بعضهم الى عدم جواز ذلك و آخرون الى جوازه و منهم المصنّف رحمه الله و جماعة.

و قد استدلّ على جوازه بوجوه أربعة:

الأوّل: أنّ ذلك ممّا تمسّ اليه الحاجة؛ لأنّ أرباب الحقوق قد يحتاجون الى


1) - مسالك الأفهام 14: 9.

اثباتها في البلاد المتباعدة، و لايكون لهم فيها شهود بالحقّ و يكون شهودهم في بلاد أخرى، و لايتيسّر نقلهم الى بلد الحقّ، فمسّت الحاجة الى اثباته في بلد الشهود و الانتفاع به في بلد المدّعى عليه أو الذي فيه الحقّ، و لا وسيلة الى ذلك الاّ رفع الأحكام من بلد الشهود الى الحكّام في بلد الحقّ، ليتوصّل ذو الحقّ الى حقّه، و الاّ لزم تعطيل الحقوق و هو منافٍ للحكمة.

لايقال: يتوصّل الى ذلك بالشهادة على شهود الأصل. لأنّا نقول: قد لايساعد شهود الفرع على التنقّل، و أيضا لايمكن فرع على الفرع؛ لأنّ الشهادة الثالثة لاتسمع فضلاً عمّا فوقها بخلاف الانفاذ، فانّه يستمرّ باستمرار الأزمنة.

الثاني: انّه لو لم يشرع انهاء الأحكام لبطلت الحجج مع تطاول المدّة؛ لأنّ الحاكم يموت فيبطل حكمه فتنتفي فائدة الحكم حينئذ، بخلاف ما اذا أشهد على حكمه و لو قبل موته بيسير.

الثالث: انّ المنع من ذلك يؤول الى استمرار الخصومة في الواقعة الواحدة، بأن يرافعه المحكوم عليه الى حاكم آخر، فاذا لم ينفذ حكم الأوّل يجب عليه سماع الدعوى، و قد تتّصل المنازعة.

الرابع: انّ الغريم لو أقرّ عند الحاكم أنّ حاكما حكم عليه بالحقّ ألزمه الحاكم المقرّ عنده بالحقّ به؛ لأنّ اقراره بذلك اقرار بثبوت الحقّ عليه شرعا، و اذا كان الحاكم الثاني يلزم الغريم باقراره بالحكم و يقطع الخصومة بذلك، فكذا اذا شهدت عنده البيّنة بحكم الحاكم بذلك؛ لأنّ البيّنة تثبت ما لو أقرّ به الغريم لزم، فاذا كان الاقرار بالحكم ملزما كانت البيّنة عليه ملزمة.

لايقال: فتوى الأصحاب أنّه لايجوز كتاب قاضٍ الى قاضٍ و لا العمل به، و رواية طلحة بن زيد و السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام:

«انّ عليّا عليه السلام كان لايجيز كتاب قاضٍ الى قاضٍ لا في حدّ و لا غيره حتّى ولّيت بنو أميّة فأجازوا بالبيّنات». لأنّا نجيب عن الأوّل بمنع دعوى الاجماع على خلاف موضع النزاع لأنّ المنع من العمل بكتاب قاضٍ الى قاضٍ ليس منعا من العمل بحكم الحاكم مع ثبوته. و نحن فلا عبرة عندنا بالكتاب مختوما كان أو مفتوحا. و الى جواز ما ذكرنا أومئ الشيخ أبو جعفر رحمه اللهفي الخلاف. و نجيب عن الرواية بالطعن في سندها فانّ طلحة بتري و السكوني عامّي و مع تسليمها نقول بموجبها، فانّا لانعمل بالكتاب أصلاً و لو شهد به فكأنّ الكتاب ملغىً.

و في المسالك توضيحا لما في المتن قال: «هذا اشارة الى حجّة المانع من انفاذ القاضي حكم قاضٍ آخر و ان شهدت البيّنة عنده بحكمه، و مرجع الحجّة الى أمرين:

أحدهما اجماع الأصحاب على عدم جواز كتاب قاضٍ الى قاضٍ.

و الثاني الرواية المشهورة عن طلحة بن زيد و السكوني. و أجاب المصنّف رحمه الله عن الأوّل بمنع الاجماع على خلاف صورة النزاع، و هي أن يحكم به باللفظ و يشهد على حكمه و ينهي الشهود الى حاكم آخر فينفذه و هذا ليس منعا من العمل بحكمه مع ثبوته. و عن الثاني أوّلاً بضعف السند. و ثانيا بضعف الدلالة؛ لأنّها لا دلالة لها على المنع في موضع النزاع.

و أجاب في المختلف عن ضعف الرواية «بأنّها منجبرة بالشهرة، و أنّ الاجماع منعقد على أنّ الحكم لا بدّ و أن يكون بالبيّنة و اليمين».

و جوابه: انّ هذا ليس حكما و انّما هو اقرار للحكم على حاله، و هو معنىانفاذه. و على تقدير تسليمه فهو حكم بالبيّنة أيضا، فلاينافي الاجماع المدّعى. و

لو سلّم عدم كونه حكما بها منعنا الاجماع المذكور، فانّ القول بجواز انفاذ الحكم على هذا الوجه مذهب أكثر علماء الاسلام و منهم جملة من الأصحاب سيّما المتأخّرين. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

قد تقدّم أنّ انفاذ حكم القاضي الأوّل للقاضي الثاني و الأمر باجرائه اذا علم بحكمه لا اشكال فيه سواء كان ايصال حكمه اليه بالكتابة المأمونة من الخطأ أو بقول نفس القاضي الأوّل أو بالاشهاد بتمام صوره، من كون الشاهدين حاضرين من أوّل الدعوى الى أن حكم و أشهدهما على حكمه، أو كانا حاضرين من أوّل الدعوى الى حكم القاضي من غير أن يشهدهما على حكمه، أو حضرا حين حكمه فقط، أو لم يحضرا أصلاً الاّ أنّ الحاكم أخبرهما بحكمه ففي جميع هذه الصور الأربع جاز للحاكم الثاني انفاذ حكم الأوّل و اجرائه؛ لشهادة الشهود على حكم القاضي الأوّل.

و سيأتي تمام الكلام في جميع هذه الصور و الكلام في أدلّة اثبات الحقّ.

اذا عرفت هذا فالعمل بذلك مقصور على حقوق الناس دون الحدود و غيرها من حقوق اللّه.

قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل حكى الاجماع عليه غير واحد، بل قد يشهد له التتبّع، و هو حجّة لا لما ذكروه من درء الحدود بالشبهات التي لا محلّ لها بعد قيام البيّنات. اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ الشبهة حاصلة للحاكم الآخر حتّى لوسمع انشاء حكمه فضلاً عن الشهادة به، فلايشرع قضاء التنفيذ في الحدّ، للشبهة التي يسقط بها الحدّ المبني على التخفيف. ولكن ان لم يكن اجماع فللنظر فيه


1) - مسالك الأفهام 14: 12 - 14.

مجال، و عليه فالظاهر عدم مشروعيّة خصوص قضاء التنفيذ، أمّا التنفيذ من باب الأمر بالمعروف و وجوب طاعة الحاكم و أنّه حجّة اللّه على الناس فالظاهر ثبوته بل للحاكم الآخر استيفاء الحدّ بأمر الحاكم الأوّل كغيره ممّن يأمره. انتهى ملخّصا».(1)

و قد تقدّم الكلام في ذلك و سيأتي.

فيما ينهى الى الحاكم

ثمّ ما ينهى الى الحاكم أمران: أحدهما حكم وقع بين متخاصمين. و الثاني اثبات دعوى مدّعٍ على غائب.

أمّا الأوّل: فان حضر شاهدا الانهاء خصومة الخصمين و سمعا ما حكم به الحاكم و أشهدهما على حكمه ثم شهدا بالحكم عند الآخر ثبت بشهادتهما حكم ذلك الحاكم و أنفذ ما ثبت عنده لا أنّه يحكم بصحّة الحكم في نفس الأمر؛ اذ لا علم له به بل الفائدة فيه قطع خصومة المختصمين لو عاودا المنازعة في تلك الواقعة. و ان لم يحضر الخصومة فحكى لهما الواقعة و صورة الحكم و سمّى المتحاكمين بأسمائهما و آبائهما و صفاتهما و أشهدهما على الحكم، ففيه تردّد و القبول أولى لأنّ حكمه كما كان ماضيا كان اخباره ماضيا.

قال في المسالك: «حيث حكمنا بجواز انفاذ الحاكم ما حكم به غيره، فأتمّ صورة ما اذا حضر الشاهدان من أوّل الخصومة و طرح الدعوى الى أن حكم القاضي و أشهدهما عليه. و هذه الصورة جوّز انفاذ الحكم فيها كلّ من قال به.

و أمّا في الصورة الثانية و هي حكاية الحاكم الواقعة الى آخر ما قال المصنّف، ففيها تردّد منشؤه من أنّ حكم الحاكم الثاني قول بما لايعلم و هو منهي عنه بقوله تعالى: «أتقولون على اللّه ما لاتعلمون» و بغيره من الآيات و الروايات الواردة


1) - جواهر الكلام 40: 312.

في النهي عن القول بغير علم فيقتصر على موضع الوفاق و هو الصورة الأولى. و من أنّه كلّما كان حكم الحاكم ماضيا كان اخباره به ماضيا، لكن المقدّم حقّ فالتالي مثله. و حقّيّة المقدّم واضحة، و الملازمة ظاهرة؛ لأنّ غاية الحضور سماعهما الحكم؛ اذ لا اعتبار بما وقع في المجلس من الدعوى و شهادة الشاهدين و تعديلهما ما لم يحصل الحكم و هو عبارة عن الاخبار بثبوت الحقّ من أهله بلفظ «حكمت» و نحوه، و صورة النزاع اخبار بذلك، فلا ترجيح لأحدهما على الآخر. و لأنّ الأدلّة السابقة على تسويغ أصل هذا الانفاذ آتية في هذه الصورة، فكان القول بالقبول أقوى، و هو الذي اختاره المصنّف رحمه الله و الأكثر. ثمّ انّ الكلام فيما لو أشهدهما على الحكم، و أمّا لو قال ثبت عندي فلايقبل، و المراد بقضاء القاضي بما حكم به الأوّل انفاذه لحكمه و امضاؤه له، لا أنّه يحكم بصحّته كما يحكم به الأوّل؛ لعدم علمه بما يوجب الحكم. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

اذا كان الغرض من قضاء الثاني بما حكم به الأوّل انفاذ حكمه و امضاؤه له، لا أنّه يحكم به كما يحكم به الأوّل، فما الفرق بين الصور التي ذكرت و بين الصورة التي ذكرها بعنوان القدر المتيقّن؟

و قد تقدّم الكلام في الصور المتصوّرة و لنشرع بذكر مدرك الحكم في ذلك فانّ المدرك لايخلو من أحد هذه الأمور التالية:

فانّه امّا لكون حكم القاضي حكم اللّه تعالى فيجب على كلّ أحد امضاؤه و قديجب اجراؤه و ان كان حاكما، الاّ اذا علم بخطأ الحاكم الأوّل في حكمه فان كان هذا مدرك الحكم فلا فرق بين الصور المذكورة اذا علم القاضي بالحكم بأيّ طريق كان، كما لا فرق بين حقوق اللّه و حقوق الناس.


1) - مسالك الأفهام 14: 15 و 16.

و أمّا ان كان المدرك، الرواية المتقدّمة عن السكوني فانّها وردت في الكتابة فقط، مع أنّها وردت - كما تقدّم - في بني أميّة حيث كتب قضاتهم الى قاضٍ آخر أن يجري حدّا أو يطلّق زوجة رجل أو يأخذ مالاً منه يعطيه آخر، فلايجوز ذلك؛ لأنّه ليس من انفاذ حكم القاضي بواسطة قاضٍ آخر.

و ان كان المدرك الاجماع فهو انّما يكون حجّة اذا كان كاشفا عن رأي المعصوم عليه السلام و أمّا ان كان مدركيّا فلايكون حجّة و لعلّ المجمعين استندوا في فتواهم الى الأدلّة المتقدّمة و قد تقدّم البحث عنها.

و أمّا ما ذكره المصنّف و أيّده الشهيد من استناد الحكم الى مسيس الحاجة الى ذلك فلايكون دليلاً، فانّ مسيس الحاجة لايدلّ على حجّيّة انفاذ الحكم للحاكم الثاني، و انّما يدلّ على وجوب قضاء القاضي لتنفصل الخصومة.

و بهذا يظهر الكلام في التفصيل بين حقوق اللّه و حقوق الناس.

و أمّا الثاني و هو اثبات دعوى المدّعي، فان حضر الشاهدان الدعوى و اقامة الشهادة و الحكم بما شهدا به و أشهدهما على نفسه بالحكم و شهدا بذلك عند الآخر قبلها و أنفذ الحكم. و لو لم يحضرا الواقعة و أشهدهما بما صورته أنّ فلان بن فلان الفلاني ادّعى على فلان بن فلان الفلاني كذا و شهد له بدعواه فلان و فلان، و يذكر عدالتهما أو تزكيتهما فحكمت و أمضيت، ففي الحكم به تردّد مع أنّ القبول أرجح خصوصا مع احضار الكتاب المتضمّن للدعوى و شهادة الشهود. أمّا لو أخبر حاكما آخر بأنّه ثبت عنده كذا لم يحكم به الثاني و ليس كذلك لو قال: حكمت فانّ فيه تردّدا.

قال في المسالك: «البحث في هاتين الصورتين كالسابقتين قبولاً و ردّا، و انّما تتميّزان بأنّ الحكم في الأوّلتين على حاضر و هنا على غائب، و هو لايوجب اختلاف الحكم. و لا فرق بين ارسال الشهود أو اخباره بنفسه، القاضي الثاني. بل

هو في هذه الحالة أقوى من البيّنة؛ لأنّ غاية البيّنة اثبات حكم الحاكم، و اخباره بالحكم أقوى. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

الفرق بين الأوّل و الثاني حضور المدّعي و المدّعى عليه في القسم الأوّل، و غيبة المدّعى عليه مع حضور المدّعي في الثاني.

و المصنّف رحمه الله قد كرّر في الثاني ما صوّره في القسم الأوّل، و لو أدرج الثاني في الأوّل كان أخصر كما في المسالك.

في صورة الانهاء

و صورة الانهاء أن يقصّ الشاهدان ما شاهداه من الواقعة و ما سمعاه من لفظ الحاكم و يقولا: و أشهدنا على نفسه أنّه حكم بذلك و أمضاه.

و لو أحالا على الكتاب بعد قراءته، فقالا: أشهدنا الحاكم فلان على نفسه أنّه حكم بذلك جاز. و لا بدّ من ضبط الشيء المشهود به بما يرفع الجهالة عنه. و لو اشتبه على الثاني وقف الحكم حتّى يوضحه المدّعي.

قال في المسالك: «المراد أنّ الشاهدين لايكفي شهادتهما بما في الكتاب من الحكم مجملاً، بل لا بدّ من تفصيل الواقعة على الوجه الذي ذكره امّا بلفظهما أو بأن يقرأ الحاكم الثاني عليهما الكتاب المشتمل على الحكم، فيقول الشاهدان:أشهدنا الحاكم فلان على نفسه أنّه حكم بذلك؛ لأنّها حينئذ شهادة على أمر مفصّل معلوم بالقراءة عليهما. و لا بدّ من ضبط الشيء المشهود به بما يرفع الجهالة عن الحاكم الثاني اذا اشتبه ذلك عليه، امّا بتذكّر الشاهدين تفصيله أو بشهادة غيرهما. و مراد المصنّف من «ايقاف الحكم حتّى يوضحه المدّعي» ايضاح المشهود به


1) - مسالك الأفهام 14: 17.

للحاكم الثاني على وجه يثبت له شرعا. انتهى ملخّصا».(1)

في تغيّر حال الحاكم الأوّل بموت أو عزل

و لو تغيّرت حال الأوّل بموت أو عزل لم يقدح ذلك في العمل بحكمه. و ان تغيّرت بفسق لم يعمل بحكمه و يقرّ ما سبق انفاذه على زمان فسقه. و لا أثر لتغيّر حال المكتوب اليه في الكتاب بل كلّ من قامت عنده البيّنة بأنّ الأوّل حكم به و أشهدهم به عمل بها؛ اذ اللازم لكلّ حاكم انفاذ ما حكم به غيره من الحكّام.

قد تقدّم أنّ مدرك انفاذ الحكم للحاكم الثاني بل لكلّ أحد، هو كون حكمه حكم الامام عليه السلام، فاذا لم يعتن بانفاذه و اجرائه يكون كمن ردّ عليه و هو ردّ عليهم و الرادّ عليهم كالرادّ على اللّه.

انّما الكلام في بقاء حكمه فيما اذا عرض له عارض، فان كان بمثل العزل فلاينقض حكمه.

و أمّا الفسق ففيه اشكال من حيث انّ الحكم قائم بالحاكم فاذا تغيّرت حاله بالفسق فلايعتبر حكمه.

و أمّا الموت فكذلك ان لم يكن اجماع.

و أمّا المكتوب اليه فان كان كتابة الحاكم الأوّل اليه بالتعيين فبموته أو فسقه ينقطع انفاذ حكمه، و أمّا ان لم يكن له على التعيين بل لكونه حاكما و أهلاً للقضاءفعلى حاكم آخر انفاذ حكم الحاكم الأوّل و الأمر باجرائه عند عروض العارض للمكتوب اليه.


1) - مسالك الأفهام 14: 18 و 19.

مسائل ثلاث: «الأولى»: فيما اذا أقرّ المحكوم عليه أنّه هو المشهود عليه

«الأولى»: اذا أقرّ المحكوم عليه أنّه هو المشهود عليه ألزم. و لو أنكر و كانت الشهادة بوصف يحتمل الاتّفاق عليه غالبا فالقول قوله مع يمينه ما لم يقم المدّعي البيّنة. و ان كان الوصف ممّا يتعذّر اتّفاقه الاّ نادرا لم يلتفت الى انكاره؛ لأنّه خلاف للظاهر. و لو ادّعى أنّ في البلد مساويا له في الاسم و النسب كلّف ابانته في اثباته، فان كان المساوي حيّا سئل فان اعترف أنّه الغريم ألزم و أطلق الأوّل، و ان أنكر وقف الحكم حتّى يتبيّن و ان كان المساوي ميّتا و هناك دلالة تشهد بالبراءة امّا لأنّ الغريم لم يعاصره و امّا لأنّ تأريخ الحقّ متأخّر عن موته ألزم الأوّل، و ان احتمل وقف الحكم حتّى يتبيّن.

الصور المتصوّرة في هذه المسألة سبع:

فتارة قد كتب القاضي الأوّل في كتابه اسم المحكوم له و المحكوم عليه و كنيتهما و اسم أبيهما و جدّهما و حليتهما و صفتهما و قبيلتهما أو بعض هذه ان كان الرجل مشهورا، و أحضر الحامل للكتاب عند المكتوب اليه من زعم أنّه المحكوم عليه و شهد الشهود على عينه و كانت الكتابة مطابقة له، فحينئذ طولب بالحقّ بلا اشكال.

و أخرى لم يشهدوا على عينه ولكن شهدوا على رجل موصوف بالصفات المذكورة في الكتاب، فان أقرّ المحضر أنّه هو المشهود عليه قبل و ألزم؛ لعموم «اقرار العقلاء على أنفسهم جائز».

و ثالثة أنكر المحضر أنّه هو المشهود عليه و كانت الشهادة من الشهود بوصف يحتمل المشاركة و لم يشهدوا أنّه هو المحكوم عليه بعينه، فالقول قوله معيمينه؛ لأصالة البراءة و عدم حصر الوصف، و ان نكل حلف المدّعي - على القول

بوجوب اليمين عند النكول - و توجّه اليه اليمين.

و رابعة الصورة الثالثة الاّ أنّه قال: لاأحلف بأنّه ليس اسمي و نسبي، ولكن أحلف على أنّه لايلزمني تسليم شيء اليه، فالظاهر عدم قبول قوله فانّ قوله هذا بمنزلة النكول، فحلف المدّعي - على القول به - و توجّه اليه الحكم.

و خامسة الصورة بحالها الاّ أنّه قامت البيّنة على أنّ ما في الكتاب هو اسمه و نسبه فقال المنكر: نعم، هو اسمي و نسبي الاّ أنّي لست محكوما عليه فتشابه اسم المحكوم عليه و نسبه باسمي و نسبي، فان لم يوجد هناك من يشاركه في الاسم و النسب و الصفات المذكورة في الكتاب فالظاهر أنّه يحكم عليه. و ان وجد المشارك بتعريف القاضي أو اقامة البيّنة، أحضر المشارك و سئل فان اعترف بالحقّ طولب به و تخلّص الأوّل و ان أنكر وقف حتّى ينكشف.

و سادسة أقام المحضر البيّنة على أنّ هذه الصفات لزيد الذي قد مات، فان كان هناك دلالة تشهد ببراءة زيد؛ لأنّه لم يعاصره و لأنّ تأريخ الحقّ متأخّر عن موته ألزم الأوّل، و الاّ فتخلّص الأوّل، و ان اشتبه أوقف انفاذ الحكم حتّى يتبيّن.

و سابعة اقتصر الحاكم الأوّل على كتابة: «انّي حكمت على محمّد بن أحمد» - مثلاً - فيشكل حينئذ الحكم حتّى لو جاء أحد و قال: انّي محمّد بن أحمد؛ لأنّ متعلّق الحكم مجهول فيبطل الحكم. نعم، لو قال: انّي محمّد بن أحمد و لفلان المدّعي عليّ حقّ يؤاخذ به.

«الثانية»: في أنّ للمشهود عليه أن يمتنع من التسليم حتّى يشهد القابض

«الثانية»: للمشهود عليه أن يمتنع من التسليم حتّى يشهد القابض و لو لم يكن عليه بالحقّ شاهد، قيل: لايلزم الإشهاد. و لو قيل: يلزم، كان حسنا حسما لمادّة المنازعة أو كراهية لتوجّه اليمين.

يجوز للمشهود عليه أن يمتنع من التسليم حتّى يقيم الشهادة على تسليم الحقّ الى القابض سواء في ذلك نفس المالك أو وكيله، و ذلك لأنّه يمكن أن يدّعي عليه

ثانيا، و لو كان هناك شاهدان على دفعه الحقّ الذي كان عليه يحضرهما و يشهدان له بالدفع.

و لو تلف في زمان التأخير فان لم يكن بتفريط منه و لم يتسامح في احضار الشهود لم يكن ضامنا.

و أمّا لو لم يوجد شاهدان فهل له أن يمتنع من التسليم؟ الظاهر أنّه ليس له ذلك سواء تعذّرت اقامة الشهود أو تعسّرت الى مدّة طويلة، و ذلك لأنّه مديون و يجب عليه الدفع فورا. فالمانع الذي هو امكان الدعوى عليه ثانيا لايرفع الوجوب عنه، مع أنّه يمكن له اليمين ببراءة نفسه، و لا كراهة في اليمين الصادقة لدفع الضرر عن نفسه بل هي أولى من حبس حقوق الناس قطعا.

نعم، في بعض الموارد يجوز الامتناع حتّى يشهد على الدفع شاهدان و لو طالت المدّة، فالتشخيص بيد الحاكم.

«الثالثة»: في عدم وجوب دفع الحجّة على المدّعي

«الثالثة»: لايجب على المدّعي دفع الحجّة مع الوفاء؛ لأنّها حجّة له لو خرج المقبوض مستحقّا، و كذا القول في البائع اذا التمس المشتري كتاب الأصل؛ لأنّه حجّة له على البائع الأوّل بالثمن لو خرج المبيع مستحقّا.

اذا أعطى الحاكم للمدّعي حجّة بحقّه، فاذا دفع المدّعى عليه حقّ المدّعي فالتمس منه دفع الحجّة لايجب عليه دفعه، و لا حقّ للمدّعى عليه في أن يأخذه منه؛ لأنّه ملكه و «الناس مسلّطون على أموالهم». مضافا الى أنّه حجّة للمدّعي لو كشف أنّ المقبوض كان ملكا لغير الدافع أو كان مستحقّا لغيره، و حينئذ يجب على المدّعى عليه دفع الخسارة.

و أمّا احتمال اقامة المدّعي الدعوى الثانية و ارادة الأخذ من المدّعى عليه في محكمة أخرى بالحجّة المذكورة، فمندفع بأخذ المدّعى عليه الشهود عند الدفع الى المدّعي.

و كذا لو اشترى زيد شيئا من عمرو و أخذ منه كتابة على اشترائه المتاع الفلاني بالثمن الفلاني منه، ثمّ باعه من خالد و التمس خالد المشتري كتابة عمرو التي أعطاها زيدا، فلايجب عليه الدفع؛ لأنّها حجّة لزيد على عمرو البائع الأوّل في أخذ الثمن أو المثل أو القيمة لو خرج المبيع مستحقّا فعلى عمرو حينئذ دفع خسارته.

و يندفع احتمال اقامة المشتري الأوّل الدعوى على الثاني بأخذه كتابة منه على اشترائه ثانيا.

الفصل الثاني : في لواحق من أحكام القسمة

إشارة:

قبل أن نشرح كلام المصنّف نقدّم أمورا:

الأوّل: في مشروعيّة القسمة، فقد دلّ عليها الأدلّة الأربعة فمن الكتاب قوله تعالى: «و اذا حضر القسمة أولوا القربى و اليتامى و المساكين فارزقوهم منه و قولوا لهم قولاً معروفا».(1)

و كذا قوله: «و نبّئهم أنّ الماء قسمة بينهم».(2)

و «تلك اذا قسمة ضيزى».(3)و غيرها ممّا يدلّ على المنع عن القسمة الجائرة.

و «نحن قسمنا بينهم معيشتهم»(4)الذي يدلّ على حسنها.

و من السنّة ما روي من:

«أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قسّم خيبر على ثمانيه عشر سهما».(5)

و كذا روي عن الصادق عليه السلام أنّه قال:

«انّما جعل رسول اللّه صلى الله عليه و آله الشفعة في كلّ ما لم يقسّم فاذا وقعت الحدود و صرفت الطرق فلا شفعة».(6)

و ما روي من أنّ عبداللّه بن يحيى كان قسّاما لأميرالمؤمنين عليه السلام.

و ما تواتر نقله في كتب العامّة و الخاصّة من أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان يقسّم الغنائم


1) - النساء 4: 8.

2) - القمر 54: 28.

3) - النجم 53: 22.

4) - الزخرف 43: 32.

5) - بحار الأنوار 21: 10.

6) - مستدرك الوسائل 17: 99 / الباب 3 من كتاب الشفعة / الحديث 8.

بين المسلمين(1)و أنّه صلى الله عليه و آله قسّم حفر الخندق فجعل لكلّ نصيبا من الحفر(2). وكذا ما تواتر نقله من تقسيم علي عليه السلام الغنائم، الى غير ذلك من الروايات.

و يدلّ عليها من العقل أنّه قد يكون التمييز رفعا للهرج و النزاع و قطعا للخصومات و حفظا للحقوق من التلف فيجب عقلاً.

و أمّا الاجماع فقال في الجواهر: «لا ريب في شرعيّتها كتابا و سنّة و اجماعا بقسميه بل ضرورة».(3)

الثاني: انّه قد ذكر المصنّف رحمه الله القسمة في كتاب القضاء كما فعله جماعة من الفقهاء كالشيخ في المبسوط(4)و الخلاف(5)و العلاّمة في قواعده(6)و الشهيدين في اللمعة و الروضة(7)و المسالك(8)و هو حسن؛ لأنّ الحاكم كثيرا ما يحتاج الى قسمة المشتركات في مباحث الشركة و الارث و حيازة المباحات و الدية و غيرها، بل لايخلو أكثر المعاملات من المنازعات التي يحتاج فيها الى حكم الحاكم بقسمة بين المتنازعين.

قال في كتاب القضاء من الفقه: «مثلاً: كان اثنان شركاء في تجارة أو نحوها ثمّ أردا الانفصال، فانّ السلطنة التي تفرز الحصص بعضها من بعض هي سلطنة القضاء في الاسلام، و كذا اذا ورث جماعة من ميّتهم دارا أو عقارا أو ما أشبه، قسّمها الحاكم بين الورثة، و هكذا اذا أحيى جماعة أرضا أو حازوا مباحا، ثمّ أرادوا القسمة أو اذا قتل انسان انسانا خطأ أو شبه عمد أو عمدا، و صالحوا على


1) - راجع وسائل الشيعة 15: 110 / الباب 41 باب كيفيّة تقسيم الغنائم من أبواب جهاد العدوّ.

2) - الكامل في التاريخ 2: 179.

3) - جواهر الكلام 40: 326.

4) - المبسوط 8: 133.

5) - كتاب الخلاف 6: 228 / مسألة 26.

6) - قواعد الأحكام 3: 459.

7) - الروضة البهيّة 3: 113.

8) - مسالك الأفهام 14: 24.

الدية كألف شاة مثلاً، ثمّ أرادوا القسمة الى غير ذلك».(1)

و بعض الفقهاء أفردها كتابا برأسها نظرا الى استقلالها بالأحكام كغيرها من الكتب، كما في الدروس(2)و المهذّب للقاضي ابن البرّاج(3).

الثالث: انّ القسمة - بناءً على ما هو الحقّ - أصل برأسها و ليست بيعا كما توهّمه بعض العامّة، و لا معاوضة مستقلّة، فانّ القسمة - كما عرّفها المحقّق الآشتياني(4)- عبارة عن تمييز نصيب أحد الشركاء أو الشريكين و افرازه عن نصيب باقي الشركاء أو الشريك الآخر. و المراد من التمييز في المقام ليس هو تعيين ما كان معيّنا في الواقع و عند اللّه تعالى، بل المراد منه هو جعل التعيين بعد ما لم يكن هناك تعيّن، فالقسمة مميّز جعلي عرفي أمضاه الشارع.

و قد عرّفها في اللمعة و شرحها بأنّها: «تمييز أحد النصيبين فصاعدا عن الآخر، و ليست بيعا عندنا و ان كان فيها ردّ؛ لأنّها لاتفتقر الى صيغة و يدخلها الاجبار و يلزمها و يتقدّر أحد النصيبين بقدر الآخر، و البيع ليس فيه شيء من ذلك، و اختلاف اللوازم يدلّ على اختلاف الملزومات. و اشتراك كلّ جزء يفرض قبلها بينهما و اختصاص كلّ واحد بجزء معيّن و ازالة ملك الآخر عنه بعدها بعوض مقدّر بالتراضي ليس حدّا لبيع حتّى يدلّ عليه. و تظهر الفائدة في عدم ثبوت الشفعة للشريك بها و عدم بطلانها بالتفرّق قبل القبض فيما يعتبر فيه التقابض في البيع، و عدم خيار المجلس الى غير ذلك».(5)


1) - الفقه 85: 31.

2) - الدروس الشرعيّة 3: 117.

3) - المهذّب 2: القسم الثاني 573.

4) - كتاب القضاء 2: 726 و 727.

5) - الروضة البهيّة 3: 113 - 115.

النظر الأوّل في القاسم

إشارة:

و النظر في القاسم و المقسوم و الكيفيّة و اللواحق:

أمّا الأوّل، فيستحبّ للامام أن ينصب قاسما كما كان لعلي عليه السلام. و يشترط فيه البلوغ و كمال العقل و الايمان و العدالة و المعرفة بالحساب و لايشترط الحرّيّة. و لو تراضى الخصمان بقاسم لم تشترط العدالة. و في التراضي بقسمة الكافر نظر، أقربه الجواز كما لو تراضيا بأنفسهما من غير قاسم.

فقد ذكر رحمه الله بالنسبة الى القاسم أمورا:

الأوّل: استحباب جعل الحاكم قاسما لنفسه.

ففي المسالك: «القسمة قد يتولاّها الشركاء بأنفسهم، و قد يتولاّها غيرهم، و هو امّا منصوب من الامام أو منصوبهم. و يستحبّ للامام أن ينصب قاسما و يرزقه من بيت المال؛ لأنّ القسمة من جملة المصالح و روي أنّه كان لعلي عليه السلام قاسم يقال له: عبداللّه بن يحيى، و كان يرزقه من بيت المال».(1)

أقول:

الظاهر أنّ القسمة ليست من مناصب القضاء و الامارة و ليست من وظائف الحاكم و الوالي، بل القاسم كالكاتب و الضابط و غيرهما ممّن يحتاج اليه القاضي، فان كان احتياجه اليه دائميّا ينصب شخصا لذلك و يجعل له راتبا من بيت المال كما يكون الكاتب هكذا.

فتعيين القاسم و نصبه تارة يكون واجبا اذا توقّف حفظ الحقوق و قطع الخصومات بعد القضاء و الحكم، على القسمة.

و أخرى يكون مستحبّا و راجحا شرعا اذا كان وجوده موجبا لرفع الاضطرابأو المشقّة.


1) - مسالك الأفهام 14: 25.

الثاني: انّه رحمه الله اشترط في القاسم البلوغ و كمال العقل و الايمان و العدالة و المعرفة بالحساب، و قال بعدم اشتراط الحرّيّة.

ففي الجواهر: «و يشترط فيه البلوغ و كمال العقل؛ لعدم قابليّة الفاقد لهما بعد كونه كالبهائم لذلك، بل و الايمان بالمعنى الأخصّ فضلاً عنه بالمعنى الأعمّ بل و العدالة؛ لعدم قابليّة فاقدها فضلاً عن فاقده لنصب الامام له و جعله أمينا له في قسمة الاجبار و غيره على وجه تمضي قسمته كما تمضي حكومة الحاكم، بل هي قسم من الحكومة. و من هنا اشترط أيضا فيه المعرفة بالحساب و نحوه ممّا تحتاج اليه القسمة غالبا على نحو اشتراط ما يحتاج اليه القاضي في القضاء».(1)

أقول:

نصب القاسم ليس من الأمور المعيّنة من الشارع المربوطة بالقاضي كحكمه المعلّق على البيّنة و اليمين و سائر ما يشترط فيه، بل هو يرتبط بنفسه حسب احتياجه فكما يحتاج الى الكتابة و الضبط و غيرهما ممّا يتداول في زماننا، قد يحتاج أيضا الى القسّام، فما هو المهمّ فيه أن يكون أمينا و عارفا بما يحتاج اليه من الحساب.

نعم، انّ العقل بل كماله شرط فيه؛ لعدم قابليّة المجنون بل السفيه لنصب الامام أو الحاكم لهما، و أمّا الايمان و العدالة بل و البلوغ فلاتكون شرطا بل يكفي كونه أمينا و ثقة.

و ذلك لعدم ذكر القسمة في الروايات و عدم ذكر شرائطها و عدم صلاحية ما ذكر من الدلائل لاثبات هذه الشرائط.

و ما يدّعى من أنّ الأمانة يستلزمها الايمان و العدالة و البلوغ، مدفوع بما هوالمتعارف بين الناس في الموضوعات بل الأحكام من استئمان من ليس له هذه


1) - جواهر الكلام 40: 327.

الصفات كالمريض الذي يستأمن الطبيب و لو كان كافرا أو فاسقا، و كما هو الحقّ الجاري في الرواة و الثقات من العامّة.

نعم، لو كان نصب غير المؤمن و الفاسق و الصبي موجبا لوهن الحاكم و القاضي فلايجوز نصبه من هذه الجهة.

و كذا الكلام في الحرّيّة، فانّه يجوز للحاكم أن ينصب العبد قاسما، و يجوز للعبد باذن سيّده أن يكون قاسما.

و أمّا قول صاحب الجواهر رحمه الله: «بل هي قسم من الحكومة» ففيه: انّ القسمة ليست قسما من الحكومة، فانّ الحكومة من الحاكم و القاضي، و الاجبار و الالزام من أمره و القسمة تحصل بأمر القاضي بواسطة القسّام، كما يمتثل سائر أوامره بواسطة أفراد أخر.

الثالث: انّه قد ذكر رحمه الله أنّه لو تراضى الخصمان بقاسم لم تشترط العدالة، و أنّ في التراضي بقسمة الكافر نظرا، أقربه الجواز كما لو تراضيا بأنفسهما من غير قاسم.

ففي المسالك: «و أمّا منصوب الشركاء فلايشترط فيه العدالة؛ لأنّه وكيل من جهتهم. و في اشتراط اسلامه نظر من حيث انّه ظالم منهي عن الركون اليه، و الأصحّ الجواز؛ لجواز كونه وكيلاً و هذه في معنى الوكالة، و لتراضيهما على قسمته فكان كما لو تراضيا على القسمة بأنفسهما من غير قاسم».(1)

أقول:

لو تراضى الخصمان بقاسم فهو موكول الى نظرهما؛ لأنّ القسمة ليست من الأحكام المربوطة بالحاكم أو القاضي، بل القاضي يحكم على ما ادّعاه المدّعي اذاكانت له بيّنة على دعواه، أو المنكر اذا لم يكن بيّنة و حلف. فاذا ادّعى المدّعي على


1) - مسالك الأفهام 14: 25.

صاحبه أنّ نصف الدار له و شهد شاهدان عدلان بدعواه فيحكم القاضي بنصف الدار له، فاذا تراضيا بأنفسهما أن يقسما الدار بينهما و رفعت الخصومة فالقاضي يكل الأمر اليهما، و كذا لو تراضيا بأن يقسم بينهما ثالث، فما هو المهمّ رضاهما به و لايشترط في القاسم المرضي شيء وراء رضاهما.

نعم، لو تنازعا بعد قسمة القاسم، فالمرجع هو القاضي فتارة يجبرهما على تلك القسمة ان كانت صحيحة. و أخرى يرجعهما الى القرعة و ثالثة يأمر قاسمه أن يقسم لهما ثانيا.

في مضي قسمة المنصوب من قبل الامام

و المنصوب من قبل الامام تمضي قسمته بنفس القرعة، و لايشترط رضاهما بعدها، و في غيره يقف اللزوم على الرضا بعد القرعة. و في هذا اشكال من حيث انّ القرعة وسيلة الى تعيين الحقّ، و قد قارنها الرضا.

قال في المسالك: «قرعة قاسم الامام بمنزلة حكمه، فمن ثمّ اشترط فيه العدالة و المعرفة فلايعتبر رضاهما بعدها. أمّا القاسم الذي نصباه أو اذا اقتسما بأنفسهما من غير قاسم، فقال الشيخ رحمه الله: «يعتبر رضاهما بعد القرعة؛ لأنّها انّما تتعيّن بحكم الحاكم أو تراضيهما بعدها، و لأصالة بقاء الشركة».

و المصنّف رحمه الله استشكل ذلك، من حيث انّ القرعة شرّعت وسيلة الى تعيين الحقّ و قد قارنها الرضا فلايعتبر بعدها.

و اشترط في الدروس تراضيهما بعد القرعة في غير قسمة منصوب الامام عليه السلام مع اشتمالها على الردّ خاصّة، و هو حسن. و في اللمعة اكتفى بتراضيهما عليها من غير قرعة مطلقا، و هو أجود. و اختاره العلاّمة في القواعد أيضا. انتهى ملخّصا».(1)

و في الجواهر - بعد بيان الأقوال و تفصيلها - قال: «نعم، الظاهر عدم اعتبار


1) - مسالك الأفهام 14: 26 و 27.

الرضا بعد القرعة مع فرض سبق الرضا بالقسمة بها، ضرورة ظهور أدلّتها في اقتضائها التعيين و التمييز، فمع حصوله بها لا دليل على عوده - الى أن قال: - كما أنّه ظهر لك أيضا عدم الفرق حينئذ فيما ذكرنا بين منصوب الامام عليه السلام و غيره؛ لأنّ القسمة مفهوم واحد لاتختلف حقيقتها باختلاف القاسم، و كذا ظهر لك أيضا عدم الفرق بين قسمة الردّ و غيره، ضرورة أنّها قسم من القسمة المفروض افرازها بالقرعة و ان استتبعت وجوب الردّ على من خرج له النصيب الأوفر بها فهو استحقاق آخر يتبع القسمة المزبورة. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

اذا حكم الحاكم بأنّ نصف هذه الدار - مثلاً - لزيد و نصفها الآخر لعمرو فتارة يأمر قسّامه المنصوب من قبله - على ما فصّل في المسألة الأولى - بالقسمة بينهما، و أن يحضر ما فعله بحضور الحاكم، فلمّا أحضره و حكم باجرائه فلا اشكال في صحّته و عدم اعتبار رضاهما مطلقا، و لايعتبر أن يكون القسّام ذا شرائط خاصّة على ما تقدّم.

و أخرى يحكم بحكم آخر - بعد حكمه الأوّل - فيقول مخاطبا للمتخاصمين: «عليكما بقسمة هذا القسّام» حيث كان القسّام ثقة عنده، ففي هذه الصورة أيضا لا اشكال في لزوم القبول على المتخاصمين؛ لحكم الحاكم عليهما بالقبول.

و ثالثة يحكم القاضي بأنّ نصف الدار - مثلاً - لزيد و نصفها الآخر لعمرو، و يحوّل القسمة اليهما فحينئذ اذا تراضيا بالقرعة فعليهما القبول بعدها لما سيأتي من دلالة أدلّة شرعيّة القرعة على وجوب قبولها، و عليه فان رضيا بالقرعة فلايجوز لهما الانكار بعدها، و أمّا ان اقتسماها من غير قرعة أو اقتسمه ثالث منغير قرعة أيضا فلا دليل على الزامهما بما تراضيا به ابتداءً و حينئذ ان رضيا بتكرار


1) - جواهر الكلام 40: 329 - 332.

القسمة بنحو من الأنحاء فلا كلام، و أمّا ان تخاصما و تنازعا فعليهما الرجوع الى الحاكم ليقتسمها بينهما.

في اجزاء القاسم الواحد اذا لم يكن في القسمة ردّ

و يجزئ القاسم الواحد اذا لم يكن في القسمة ردّ، و لا بدّ من اثنين في قسمة الردّ؛ لأنّها تتضمّن تقويما، فلاينفرد به الواحد. و يسقط اعتبار الثاني مع رضا الشريك.

قال في المسالك: «القسمة ان اشتملت على ردّ فلا اشكال في اعتبار التعدّد في القاسم حيث لايتراضى الشريكان بالواحد؛ لأنّ التعدّد مشترط في التقويم من حيث انّها شهادة.

و ان لم تشتمل على ردّ فهل يجزئ قاسم واحد بمعنى أنّ الامام يجتزئ بنصب واحد، أم لا بدّ من اثنين كنصب الشاهد؟ مذهب الأصحاب هو الأوّل؛ اقامة له مقام الحاكم. و يؤيّده ما سبق من نصب علي عليه السلام قاسما واحدا.

و اعتبر بعض العامّة اثنين مطلقا، ترجيحا لجانب الشهادة، حيث انّه لايشتمل على جميع أوصاف الحاكم».(1)

أقول:

لو تراضيا بتقويم القاسم الواحد و قسمته، في قسمة الردّ فلا اشكال في عدم لزوم تعدّده. و أمّا لو لم يرضيا فيأتي في المسألة ما صوّرناه في أصل المسألة بمعنى أنّه اذا حكم الحاكم بلزوم القسمة فلا كلام في لزومها من غير اعتبار التعدّد، لا لما ذكره في المسالك من اقامة القاسم مقام الحاكم - حيث انّه قد تقدّم منّا مايدلّ على خلاف ذلك - بل لحكم الحاكم بلزومها، و كذا اذا تراضيا بالقرعة. و أمّا اذا لم يحكم الحاكم و انّما اقتسمه ثالث أو أنفسهما فالمناط رضاهما بعد القسمة


1) - مسالك الأفهام 14: 27 و 28.

فان رضيا و الاّ فيأتي ما تقدّم من غير فرق بين قسمة الردّ و غيرها.

في أجرة القسّام
إشارة:

و أجرة القسّام من بيت المال، فان لم يكن امام أو كان و لا سعة في بيت المال، كانت أجرته على المتقاسمين. فان استأجره كلّ واحد بأجرة معيّنة فلا بحث، و ان استأجروه في عقد واحد و لم يعيّنوا نصيب كلّ واحد من الأجرة لزمتهم الأجرة بالحصص. و كذا لو لم يقدّروا أجرة كان له أجرة المثل عليهم بالحصص لا بالسويّة.

اذا كان القسّام منصوبا من قبل الحاكم على ما مرّ من نصبه حسب المصلحة، فأجرته من بيت المال على ما هو جارٍ في زماننا من استخدامه مادام العمر أو موقّتا و محدودا بوقت، فعلى الحاكم أن يعطيه الأجرة أو أن يجعل له راتبا من بيت المال.

و لو كان مرضيّا من الخصمين و منصوبا للقسمة من قبلهما فان عمل تبرّعا فلايلزم الأجرة له عليهما و ان أعطياه هديّة فيكون قربة. و ان استأجراه فعليهما أجرته ان كانت معيّنة، على حسب العمل لهما و كذا أجرة المثل ان لم تكن معيّنة على حسب ما عمل لهما، لا بالحصص كما قاله المصنّف رحمه الله لأنّه قد يحتاج الحصّة الكثيرة الى العمل القليل و الحصّة القليلة الى العمل الكثير، فالأجرة دائرة مدار العمل لا مقدار الحصّة، كما سيأتي مثاله.

و أمّا ان استأجره واحد منهم فعليه أجرته.

قال في باب القضاء من كتاب الفقه: «لو لم يقدّروا له أجرة كان له أجره المثل عليهم بالحصص لا بالسويّة، و استدلّ له في كشف اللثام بأنّ الأجرة تزيد بالعمل و العمل يزيد بزيادة المعمول، فكلّ من كانت حصّته أزيد فالعلم له أزيد،فللمسألة خمس صور؛ لأنّ الحقّ امّا مساوٍ أو مختلف و على كلّ تقدير، العمل امّا مساوٍ أو مختلف و على تقدير اختلاف الحقّ و العمل كليهما، فامّا الأقلّ حقّا أكثر عملاً أو الأقلّ حقّا أكثر عملاً، و نمثّل ذلك بما اذا كان الأمر سقي الأرض:

فتارة: يكون لكلّ من زيد و عمرو جريب جريب، مع أنّ سقيهما متساوٍ عملاً. فالأجرة في هذه الصورة تكون متساوية.

و أخرى: الصورة الأولى مع أنّ سقي جريب زيد أصعب من سقي جريب عمرو، فلاينبغي الاشكال في أنّ الأجرة في هذه الصورة تابعة للعمل، و أنّ العمل الأصعب أكثر أجرة.

و ثالثة: يكون لزيد جريب و لعمرو جريبان و يكون سقي الجريب في العمل بقدر سقي الجريبين فكلّ واحد من الجريب و الجريبين بحاجة الى سقي مائة دلو، و الأجرة في هذه الصورة تكون متساوية.

و رابعة: الصورة الثالثة الاّ أنّ العمل في الجريبين أسهل فيحتاج الى خمسين دلوا بينما أنّ الجريب الآخر يحتاج الى مائة دلو، فيكون العمل الأسهل أقلّ أجرا؛ لأنّ الميزان على العمل لا المساحة و لا الفائدة و لا غيرهما.

و خامسة: الصورة الثالثة الاّ أنّ الجريب الواحد يحتاج الى خمسين دلوا و الجريبان بحاجة الى مائة دلو، و لا اشكال في أنّ أجرة سقي الجريبين تكون ضعف أجرة سقي الجريب الواحد؛ لأنّ العمل في الأوّل ضعف العمل في الثاني. انتهى ملخّصا».(1)

أقول:

و هذا الذي ذكره رحمه الله مع ذكر ما له من الأمثلة موافق للعرف و الذوق السليم، و هذا أحسن من اعتبار الفائدة أو النصيب مطلقا.

مع أنّ المصنّف و غيره اذا ذكروا أنّ الاعتبار بالحصّة فلايبعد أن يريدوا من الحصّة مقدار العمل؛ حملاً له على ما هو الغالب من تبعيّة العمل للحصّة في القلّة و الكثرة.


1) - كتاب الفقه 85: 49.

فرع : فيما لو استأجره كلّ واحد من الشركاء مستقلاًّ

قال في الجواهر: «لو فرض ترتّب العقود و كان الشركاء اثنين مثلاً، فعقد واحد لافراز نصيبه فعلى القسّام افراز النصيبين و تميّز كلّ واحد منهما عن الآخر؛ لأنّ تمييز نصيب المستأجر لايمكن الاّ بتمييز نصيب الآخر، و ما يتوقّف عليه الواجب فهو واجب، فاذا استأجره بعد ذلك الآخر على تمييز نصيبه فقد استأجره على ما وجب عليه و استحقّ في ذمّته لآخر فلم يصحّ، و كذا لو كانوا ثلاثة فعقد واحد لافراز نصيبه ثمّ الثاني، أشكل عقد الثالث بما سمعت».(1)

و قد أجاب بعد ذلك بما ذكره في المسالك.

ولكنّ الجواب هنا أنّ الأفعال المتعدّدة الآثار ليس الأكل للمال بازاء كلّ فائدة من فوائدها أكلاً للمال بالباطل عند العقلاء، و لذا نرى صحّة استئجار الرجل لتحصيل زوجة له و المرأة لتحصيل زوج لها أو استأجره أحدهما لبيع ماله و استأجره الآخر لاشتراء المال الكذائي له أو استأجره أحدهما لافراغ بئره و استأجره الآخر لسقي غنمه بتقديم الماء لها، الى غير ذلك من الأمثلة و كذا اذا استأجره أحدهما لاضاءة الطريق الى داره و كذلك الآخر فأضاء في الطريق بينهما مصباحا، أو استأجره لأن يكون حارسا بالليل لحفظ داره و كذلك الآخر، فانّ هذه الأعمال و ان كانت واحدة الاّ أنّها حيث كانت ذات فوائد جاز أن يأخذ بكلّ فائدةأجرة و لايعدّ ذلك أكلاً للمال بالباطل، فانّ مغزى الاجارة أن يفيد المستأجر و هو ما يفعله، فالمال بازاء الافادة و هي متعدّدة و ان كانت الافادات من جانب الأجير تحصل بعمل واحد، فهو كما اذا أخذ المال من زيد ليقول دواءه، ثمّ أخذ من عمرو و بكر و خالد فقال لهم جميعا بكلمة واحدة: دواؤكم العقار الفلاني، كما


1) - جواهر الكلام 40: 334.

ذكر هذه الأمثلة في كتاب الفقه فراجع.(1)

هذا و قد أجيب عن أصل الاشكال بأجوبة متعدّدة و حيث كانت مخدوشة أعرضنا عن ذكرها و ذكر ما يورد عليها.

مضافا الى أنّه قد تقدّم منّا في مواضع مختلفة عدم حرمة أخذ الأجرة الاّ على بعض الواجبات العباديّة كصلاته لنفسه، ففي مثل هذا المقام و ان قلنا بأنّه مقدّمة للواجب عليه الاّ أنّه يجوز له أخذ الأجرة فيه.


1) - كتاب الفقه 85: 51.

النظر الثاني : في المقسوم

إشارة:

الثاني: في المقسوم و هو امّا متساوي الأجزاء كذوات الأمثال مثل الحبوب و الأدهان أو متفاوتها كالأشجار و العقار، فالأوّل يجبر الممتنع مع مطالبة الشريك بالقسمة؛ لأنّ الانسان له ولاية الانتفاع بماله، و الانفراد أكمل نفعا. و يقسّم كيلاً و وزنا، متساويا و متفاضلاً ربويّا كان أو غيره؛ لأنّ القسمة تمييز حقّ لا بيع.

قال في المسالك: «اعلم أنّ العين المشتركة امّا أن يعظم الضرر في قسمتها أو لايعظم، و الثاني امّا أن تكون مثليّة و هي المتساوية الأجزاء في القيمة و الصفات كالحبوب و الأدهان أو قيميّة لكنّها متشابهة الأجزاء كالدار المتّفقة الأبنية، و الأرض المتشابهة الأجزاء و ما في معناها بحيث يمكن تعديلها بعدد الأنصباء من غير ردّ و لا ضرر، أو يتوقّف التعديل على الردّ من غير أن يحصل ضرر على أحد الشركاء أو يحصل ضرر امّا على الجميع أو على البعض، فهذه أقسام المقسوم فالقسمان الأوّلان يجبر الممتنع من القسمة اذا طلبها الآخر و سيأتي حكم الباقي».(1)

و في الجواهر: «اذا كان المقسوم متساوي الأجزاء وصفا و قيمة، كذوات الأمثال مثل الحبوب و الأدهان فطلب الشريك القسمة يجبر الممتنع على القسمة، بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به بعضهم بل الظاهر الاتّفاق عليه و لعلّه العمدة بعد قاعدة وجوب ايصال الحقّ الى مستحقّه مع عدم الضرر و الضرار في القسمة المفروض شرعيّتها؛ لأنّ الانسان له ولاية الانتفاع بماله قطعا و لا ريب أنّ الانفراد أكمل نفعا. و لا فرق في ذلك بين الجامد و المائع. انتهى ملخّصا».(2)


1) - مسالك الأفهام 14: 30.

2) - جواهر الكلام 40: 337.

و في المسالك: «و نبّه بقوله: «و يقسّم كيلاً و وزنا - الى قوله: - لأنّ القسمة تمييز حقّ لا بيع» على خلاف بعض العامّة حيث زعم أنّها بيع مطلقا، و منهم من جعل قسمة الردّ بيعا دون غيرها. و منهم من جعل قسمة التراضي بيعا دون غيرها. و وافقنا جماعة على أنّها تمييز حقّ لا بيع مطلقا. و يتفرّع على الخلاف أنّه على مذهب من جعلها بيعا فان اقتسما شيئا ربويّا وجب التقابض في المجلس، و لم تجز قسمة المكيل بالوزن و الموزون بالكيل. و ان جعلناها افرازا فالحكم بخلافه. انتهى ملخّصا».(1)

و في الجواهر: «و كيف كان فيقسّم المكيل و الموزون و غيرهما كيلاً و وزنا و خرصا و مقابلة، متساويا و متفاضلاً ربويّا كان و غيره؛ لأنّ القسمة عندنا تمييز حقّ لا بيع كي يلحقها أحكامه من القبض في المجلس لو كانت في نقدين مثلاً، و من عدم الزيادة لو كانت في ربوي و من العلم بالمقدار لو كانت في مجهول، بل قد عرفت فيما مضى هنا و في الشركة أنّها ليست معاوضة و انّما هي تمييز حقّ استخرج بالقرعة حتّى في قسمة الردّ و ان كان فيها شبه المعاوضة الاّ أنّه تعاوض شرعي لا معاوضة و لا معاملة».(2)

أقول:

الكلام في كيفيّة القسمة في المثليّات و محلّ اجبار الشريك و عدم اجباره كما قالوه، فانّ المثلي ينقسم و يجبر الممتنع على قسمته، لعدم حصول الضرر على أحد بقسمته و لجريان قاعدة «الناس مسلّطون على أموالهم» بلا معارض.

و أمّا كيفيّة التقسيم ففي كلّ شيء بحسبه من الكيل و الوزن و غيرهما و يجوز قسمة المكيل وزنا أو الموزون كيلاً أو خرصا أو غير ذلك، كما ذكروه و ذلك لأنّه- كما تقدّم منّا - ليست القسمة بيعا و لا غيره من المعاوضات المعروفة، فلايجري


1) - مسالك الأفهام 14: 31 و 32.

2) - جواهر الكلام 40: 337 و 338.

فيها من الشروط ما جرى في غيرها من المعاوضات. و قد تقدّم الكلام في ذلك فلانعيد.

و في المسالك: «و أمّا قوله: «متساويا و متفاضلاً» فالأصل في القسمة أن تكون بنسبة الاستحقاق، فاذا كان المشترك بينهما نصفين افرازه قسمين و ان كان بينهما أثلاثا افرازه كذلك، و التفاضل في الثاني بحسب الصورة و الاّ فهو متساوٍ حقيقة؛ لأنّ مستحقّ الثلث له فيما في يد صاحب الثلثين ثلثه، و لصاحب الثلثين فيما في يد صاحب الثلث ثلثاه، فالقسمة على هذا الوجه موجبة للتسوية بينهما بالنظر الى أصل الحقّ. و ان أراد بالتفصيل ترجيح أحدهما على الآخر زيادة على حقّه فليس ذلك بداخل في حقيقة القسمة، بل هو هبة محضة للزائد، فلو ترك قوله: «متساويا و متفاضلاً» كان أولى».(1)

و استشكل صاحب الجواهر في كلام صاحب المسالك و قال: «و فيه: انّ المراد بيان جواز قسمة الربويّات بالتفاوت من حيث الجودة و الرداءة، فلو كان الحبّ مشتركا بينهما و فرض اختلافه على وجه يكون الوزنتان من بعضه تقابل بالوزنة من غيره، فعدّلا السهام بذلك و اقتسماه على هذا الوجه فانّه لا اشكال في صحّة القسمة عندنا، بخلافه لو قلنا: انّها بيع؛ للربا بل و ان قلنا: انّها معاوضة و أنّ الربا عامّ للمعاوضات؛ لما عرفت أنّها ليست معاوضة معاملة».(2)

أقول:

الظاهر أنّ مراد المصنّف رحمه الله هو ما ذكره صاحب الجواهر و أنّه يمكن أن يكون المال المشترك من جنسين مختلفين في الجودة و الرداءة فان أراد أحد الشريكين أن يأخذ من الجيّد فقط فعليه أن يأخذ أقلّ ممّا يأخذه صاحبه فيصير القسمة متفاضلاً و لا اشكال فيها بناءً على ما قلنا من أنّها ليست معاوضة من المعاوضاتالمعروفة.


1) - مسالك الأفهام 14: 32.

2) - جواهر الكلام 40: 338.

و الثاني: امّا أن يستضرّ الكلّ أو البعض أو لايستضرّ أحدهم. و في الأوّل لايجبر الممتنع الجواهر و العضائد الضيّقة. و في الثاني ان التمس المستضرّ أجبر من لايتضرّر، و ان امتنع المتضرّر لم يجبر. و يتحقّق الضرر المانع من الاجبار بعدم الانتفاع بالنصيب بعد القسمة. و قيل بنقصان القيمة، و هو أشبه. و للشيخ قولان.

أمّا القيمي فان كانت قسمته غير مضرّة بأحد الطرفين فكالمثلي. و أمّا ان كانت مضرّة بهما أو بأحدهما، فلايجبر الممتنع اذا كان الضرر متوجّها اليه، و ذلك لحكومة نحو «لا ضرر و لا ضرار في الاسلام» على قاعدة «الناس مسلّطون على أموالهم».

قال في المسالك: «قد اختلقوا في ضبط الضرر المانع من القسمة على أقوال: أحدها: انّه عدم الانتفاع بالنصيب بعد القسمة، و وجه التضرّر على هذا الوجه ظاهر؛ لأنّ بطلان منفعة الملك ضرر بيّن، و هو منفي بالرواية. و الثاني - و هو الذي اختاره المصنّف رحمه الله هنا - : أنّه نقصان القيمة و ان بقيت المنفعة، و حجّته أيضا الخبر، نظرا الى فوات الماليّة في الجملة. و هذان القولان للشيخ في المبسوط و الأوّل له في الخلاف أيضا و للمصنّف رحمه الله أيضا، أوّلهما في باب الشفعة و الآخر هنا. و هما للعلاّمة أيضا. و الثالث: انّه عدم الانتفاع به منفردا فيما كان ينتفع به مع الشركة كالدار الصغيرة اذا قسّمت أصاب كلّ واحد موضع ضيّق لاينتفع به في السكنى على ذلك الوجه، و ان انتفع به في غيرها. و الرابع: انّه نقص القيمة نقصانا فاحشا، بحيث يحصل به الضرر عرفا. و هذا أقوى، و هو خيرة الشهيد رحمه الله في الدروس. و يمكن أن يريد به مطلق القول بنقصان القيمة، و مرجع الأقوال كلّها الىخبر الضرر».(1)


1) - مسالك الأفهام 14: 34 و 35.

أقول:

لمّا ورد في الشرع أنّه «لا ضرر و لا ضرار في الاسلام» و لم يبيّن موضوع الضرر في دليل، فالضرر موكول الى العرف، فما يقال له في العرف أنّه ضرر فيشمله الخبر، و الظاهر أنّ ما ذكر في الأقوال الأربعة كلّها ضرر عرفا.

ثمّ المقسوم ان لم يكن فيه ردّ و لا ضرر أجبر الممتنع. و تسمّى قسمة اجبار، و ان تضمّنت أحدهما لم يجبر و تسمّى قسمة تراضٍ. و يقسّم الثوب الذي لاتنقص بالقطع كما تقسّم الأرض، و ان كان ينقص قيمته بالقطع لم يقسّم لحصول الضرر بالقسمة. و تقسّم الثياب و العبيد بعد التعديل بالقيمة قسمة اجبار.

قال في المسالك: «قسّم المصنّف رحمه الله القسمة الى قسمة تراضٍ و قسمة اجبار، و جعل الضابط أنّ المقسوم متى أمكن تعديله من غير ردّ و لا ضرر فقسمته قسمة اجبار، و متى اشتملت على أحدهما فهي قسمة تراضٍ. و الأوّل يشمل قسمة المثلي و القيمي، و ألحق قسمة التعديل في الأعيان المتعدّدة بقسمة الاجبار. و منهم من قسّمها ثلاثة أقسام: الأوّل: قسمة اجبار و هي قسمة الافراز، بمعنى أن يكون الشيء الواحد قابلاً للقسمة الى أجزاء متساوية الصفات، و لا اشكال في كون هذا القسم اجباريّا. الثاني: قسمة التعديل و هي ما تعدّل سهامها بالقيمة، و هي تنقسم الى ما يعدّ شيئا واحدا و الى ما يعدّ شيئين فصاعدا. و مقتضى عبارة المصنّف رحمه الله أنّ الأوّل قسمة اجبار و الثاني قسمة تراضٍ. الثالث: قسمة الردّبأن يكون بينهما شيئان قيمة أحدهما ألف و قيمة الآخر ستّمائة، فاذا ردّ آخذ النفيس مائتين استويا، و لا خلاف في كون هذا القسم مشروطا بالتراضي. انتهى ملخّصا».(1)


1) - مسالك الأفهام 14: 37 - 39.

أقول:

استدلّوا على الأحكام المذكورة التي منها القسمة الاجباريّة بروايات:

منها قوله عليه السلام:

«الناس مسلّطون على أموالهم».(1)

و منها قوله عليه السلام:

«لا ضرر و لا ضرار في الاسلام».(2)

و منها قوله صلى الله عليه و آله:

«لايحل مال امرئ مسلم الاّ بطيب من نفسه».(3)

و منها قوله عليه السلام:

«لايحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير اذنه».(4)

وجه دلالة هذه الروايات أنّه اذا طلب أحد الشريكين من الآخر القسمة مع عدم الضرر عليه فان لم يرض بالقسمة فلايكون الأوّل مسلّطا على ماله بما شاء، مع أنّ عدم تسلّطه على ماله يكون ضررا عليه مضافا الى أنّ تصرّف الشريك الممتنع يكون من غير طيب نفس الشريك الآخر و من غير اذنه فلايحلّ له.

فعلى هذا فلا فرق في القسمة الاجباريّة بين أن يكون في القسمة ردّ أو لا، فانّ الردّ غير مانع من الاجبار اذا لم يكن فيها ضرر، و الدليل عليه نفس الأدلّةالمذكورة.

و بعد ما عرفت من أنّ مناط جواز القسمة الاجباريّة و الملحق بها هو الضرر على مستدعي القسمة و عدم الضرر على الممتنع، فيختلف موارده و الأمثلة المذكورة في المثليّات و القيميّات كثيرة و قد ذكر بعضها في المسالك.


1) - عوالي اللئالي 1: 222 / الفصل 9 / الحديث 99.

2) - وسائل الشيعة 26: 14 / الباب 1 من أبواب موانع الارث / الحديث 10.

3) - عوالي اللئالي 1: 222 / الفصل 9 / الحديث 98.

4) - وسائل الشيعة 9: 541 / الباب 3 من أبواب الأنفال / الحديث 7.

و اذا سألا الحاكم القسمة، و لهما بيّنة بالملك قسّم. و ان كانت يدهما عليه و لا منازع لهما قال الشيخ رحمه الله في المبسوط: لايقسّم، و قال في الخلاف: يقسّم و هو الأشبه؛ لأنّ التصرّف دلالة الملك.

قال في المسالك: «اذا كان في يد اثنين ملكا يقبل القسمة، و لا منازع لهما في ملكه ظاهرا فطلبا من الحاكم قسمته بينهما فان أقاما بيّنة أنّه ملكهما أجابهما الى القسمة. و ان لم يقيما بيّنة ففي اجبابتهما قولان: أحدهما العدم؛ لأنّه قد يكون في يدهما باجارة أو اعارة فاذا قسّمه بينهما لم يؤمن أن يدّعيا ملكه محتجّين بقسمة القاضي. و الثاني نعم، اكتفاءً بدلالة اليد على الملك، لكن يكتب الحاكم و يشهد أنّه انّما قسّم بقولهما لئلاّ يتمسّكا بقسمته. و اعترض على تقدير اقامة البيّنة بأنّها انّما تقام و تسمع على خصم و لا خصم هيهنا. و أجيب بأنّ القسمة تتضمّن الحكم لهما بالملك، و قد يكون لهما خصم غائب فتسمع البيّنة عليه. و لا فرق في ذلك كلّه بين كون المقسوم منقولاً و غيره و فرّق بعض العامّة و خصّ الخلاف بالعقار و قطع في المنقول بالقسمة، و هو تحكّم».(1)

أقول:

في سؤال الخصمين القسمة من الحاكم

اذا سألا الحاكم القسمة، فان كانت يدهما عليه و لا منازع لهما فيجوز له التقسيم؛ لأنّ التصرّف يدلّ على الملك مع دعواهما الملك و عدم المنازع لهما، وسيوافيك تمام الكلام في حكم اليد في الكلام عند الاختلاف في الأملاك.

نعم، ينبغي بل كان أحوط أن يكتب الحاكم و يشهد أنّه انّما قسّم بقولهما لئلاّ يتمسّكا بقسمته لو ظهر هناك منازع. و أمّا لو كان لهما بيّنة على ملكهما قسّم بينهما، ثمّ لو ظهر منازع لا بيّنة له فلايعتنى به و أمّا ان أقام بيّنة فيكون من معارضة البيّنتين التي يأتي حكمها ان شاء اللّه.


1) - مسالك الأفهام 14: 39 و 40.

النظر الثالث : في كيفيّة القسمة

إشارة:

الثالث في كيفيّة القسمة. الحصص ان تساوت قدرا و قيمة فالقسمة بتعديلها على السهام؛ لأنّه يتضمّن القيمة كالدار تكون بين اثنين و قيمتها متساوية. و عند التعديل يكون القاسم مخيّرا بين الاخراج على الأسماء و الاخراج على السهام. أمّا الأوّل فهو أن يكتب كلّ نصف في رقعة و يصف كلّ واحد بما يميّزه عن الآخر، و يجعل ذلك مصونا في ساتر كالشمع أو الطين و يأمر من لم يطّلع على الصورة باخراج أحدهما على اسم أحد المتقاسمين فما خرج فله. و أمّا الثاني فأن يكتب كلّ اسم في رقعة و يصونهما، و يخرج على سهم من السهمين فمن خرج اسمه فله ذلك السهم.

القسمة المحتاجة الى التعديل أربعة أقسام؛ لأنّ العين امّا متساوية القيمة و الأجزاء أو لا، و على التقديرين امّا أن تكون الحصص متساوية أو لا.

فالقسم الأوّل كدار ورثها ولدان بالتساوي، و كان كلّ نصف من الدار قيمته ألف و خمسمائة دينار، فالمصنّف قال بأنّ القاسم يكون مخيّرا بين الاخراج للرقع على الأسماء - و هو أن يكتب كلّ نصف في رقعة و يصف كلّ واحد منهما بما يميّزه عن الآخر و يخرج هو أو غيره ممّن لايطّلع على المكتوب أحدهما على اسم المتقاسمين فما خرج فهو له - و بين الاخراج للرقع على السهام و هو أن يكتب كلّ اسم في رقعة و يخرج باسم أحد القسمين احدى الرقعتين. و يمكن أن يلحق بها صور أخرى.

و ان تساوت قدرا لا قيمة، عدّلت السهام قيمة و ألغي القدر، حتّى لو كان الثلثان بقيمته مساويا للثلث جعل الثلث محاذيا للثلثين، و كيفيّة القرعة عليه كما صوّرناه.

هذا هو القسم الثاني و هو ما اذا تساوت قدرا لا قيمة، فعدّلت السهام بالقيمة و ألغي القدر، و على هذا فربّما يكون الثلثان من الأرض مساويا للثلث منها في القيمة، فاذا كانت الشركة بين اثنين فتارة يخرج السهام على الأسماء و أخرى يخرج اسم أحد الشريكين على السهام، كما كان في القسم الأوّل.

و ان تساوت الحصص قيمة لا قدرا، مثل أن يكون لواحد النصف و للآخر الثلث و للآخر السدس، و قيمة أجزاء ذلك الملك متساوية، سوّيت السهام على أقلّهم نصيبا فجعلت أسداسا، ثمّ كم تكتب رقعة؟ فيه تردّد بين أن يكتب بعدد الشركاء أو بعدد السهام. و الأقرب الاقتصار على عدد الشركاء لحصول المراد به، فالزيادة كلفة.

اذا عرفت هذا فانّه يكتب ثلاث رقاع لكلّ اسم رقعة، و يجعل للسهام أوّل و ثانٍ و هكذا الى الأخير. و الخيار في تعيين ذلك الى المتقاسمين. و لو تعاسرا عيّنه القاسم. ثمّ يخرج رقعة فان تضمّنت اسم صاحب النصف فله الثلاثة الأول. ثمّ يخرج ثانيه فان خرج صاحب الثلث فله السهمان الآخران، و لايحتاج الى اخراج الثالثة بل لصاحبها ما بقي. و كذا لو خرج اسم صاحب الثلث أوّلاً كان له السهمان الأوّلان. ثمّ يخرج أخرى، فان خرج صاحب النصف فله الثالث و الرابع و الخامس و لايحتاج الى اخراج أخرى؛ لأنّ السادس تعيّن لصاحبها. و هكذا لو خرج اسم صاحب السدس أوّلاً كان له السهم الأوّل، ثمّ يخرج أخرى فان كان صاحب الثلث كان له الثاني و الثالث،و الباقي لصاحب النصف، و لو خرج في الثانية صاحب النصف كان له الثاني

و الثالث و الرابع، و بقي الآخران لصاحب الثلث من غير احتياج الى اخراج اسمه. و لايخرج في هذه على السهام، بل على الأسماء؛ اذ لايؤمن من أن يؤدّي الى تفرّق السهام و هو ضرر.

و أمّا القسم الثالث و هو ما اذا تساوت السهام قيمة لا قدرا، كما قال المصنّف رحمه الله كأن يكون لواحد النصف و للآخر الثلث و للثالث السدس، و لمّا كان القيمة متساوية فلاتحتاج الى التعديل من حيث القيمة و انّما تحتاج الى التعديل من حيث القدر. و لذلك تسوّى السهام على أقلّهم نصيبا فيصير المال أسداسا مثلاً، ثمّ تكتب أسماء الشركاء اسم كلّ شريك مرّة واحدة كزيد صاحب النصف في رقعة و عمرو صاحب الثلث في أخرى، و هكذا بكر صاحب السدس ثمّ تصان بحيث تكون مستورة عن المخرج ثمّ يؤمر بالاخراج فان خرج اسم زيد تدفع اليه السهام الثلاثة الأول، ثمّ اذا خرج اسم عمرو يدفع اليه الرابع و الخامس و يتعيّن السادس لصاحب السدس، و لو خرج اسم عمرو أوّلاً ثمّ زيد ثانيا يتعيّن السهمان الأوّلان لعمرو و يكون الثالث و الرابع و الخامس لزيد و يتعيّن السادس لبكر، و لو خرج اسم بكر يأخذ السهم و تتوقّف كيفيّة تملّك السهام الباقية على كيفيّة الخروج فان خرج اسم زيد فهو و الاّ فيتملّكه عمرو، و هكذا.

و لو اختلف السهام و القيمة عدّلت السهام تقويما، و ميّزت على قدر سهام أقلّهم نصيبا، و أقرع عليهما كما صوّرناه.

هذا هو القسم الرابع و هو ما اذا اختلفت فيه السهام و القيم، و الحكم فيه كالثالث الاّ أنّ في الثالث جعل السهام على أقلّهم نصيبا من حيث القدر و هنا جعلالسهام على أقلّهم نصيبا من حيث القيمة.

فاذا كان هناك أرض ان قسّمت الى ثلاثة أجزاء فجزء منها يساوي ألفا و الجزء الثاني يساوي ألفين و الثالث يساوي ثلاثة آلاف، بينما أنّ لواحد من الشركاء

كزيد مثلاً - النصف و للآخر - عمرو - الثلث و للثالث و هو بكر السدس، فاذا كان قيمة الأرض على الفرض ستّة آلاف فتنقسم على نصيب أقلّهم من حيث القيمة و هو بكر الذي نصيبه من حيث القيمة ألف فتنقسم الأرض الى ستّة أجزاء فيكتب اسم الشركاء فلزيد النصف و لعمرو الثلث و لبكر السدس، ثمّ تخرج واحدا بعد واحد فان خرج اسم زيد أوّلاً يعطى من الأرض بمقدار سهمه قيمة، فاذا كان قيمة الجزء الأوّل من الأرض ألفا و قيمة الثاني ألفين، فيعطى الجزأين لمكان حقّه، و اذا خرج بعده اسم عمرو - و كان نصيبه الثلث و لم يبق من الأرض الاّ الجزء الثالث الذي تساوي قيمته ثلاثة آلاف - فيعطى ثلثين من الجزء الثالث و يبقى ثلثه - الذي هو سدس الأصل - لبكر.

و كذا لو خرج بكر أوّلاً يعطى الجزء الأوّل كملاً الذي تساوي قيمته ألف دينار، فان خرج بعده عمرو يعطى الجزء الثاني كملاً الذي قيمته ألفان و يعطى زيد الجزء الثالث الذي تكون قيمته ثلاثة آلاف، و قس على هذا.

في قسمة الردّ

أمّا لو كانت قسمة ردّ - و هي المفتقرة الى ردّ في مقابلة بناء أو شجر أو بئر - فلاتصحّ القسمة ما لم يتراضيا جميعا؛ لما يتضمّن من الضميمة التي لاتستقرّ الاّ بالتراضي. و اذا اتّفقا على الردّ و عدّلت السهام فهل يلزم بنفس القرعة؟ قيل: لا؛ لأنّها تتضمّن معاوضة و لايعلم كلّ واحد من يحصل له العوض، فيفتقر الى الرضا بعد العلم بما ميّزته القرعة.

قال في المسالك: «قسمة الردّ هي التي لايمكن فيها تعديل السهام بالقيمة، بلتفتقر الى ضميمة شيء خارج عن المشترك الى بعض الأقسام ليحصل التعادل. كما لو كان في أحد جانبي الأرض بئرا و شجرا و في الدار بيت لايمكن قسمته فتقسّم الجملة على أن يردّ من يأخذ الجانب الذي فيه أحد تلك الأمور شيئا من المال أو يكون المشترك عبدين قيمة أحدهما ستّه مائة، فلايستويان الاّ بردّ آخذ

النفيس مائتين. و وجه عدم الاجبار في هذه القسمة: اشتمالها على دخول ما لا قسمة فيه، فكان معاوضة محضة تتوقّف على التراضي».(1)

أقول:

اذا حكم القاضي بقسمة الردّ، سواء كان حكمه بذلك بالقرعة أو بنحو آخر و سواء تراضيا قبل القسمة أو بعدها أو لم يتراضيا أصلاً أو تراضيا قبلها دون بعدها، فحكمه ماضٍ و بغير اشكال؛ لما تقدّم منّا من نفوذ حكمه عند رجوع المخاصمة اليه.

و أمّا اذا تراضيا بالقرعة من دون حكم القاضي و اتّفقا على اخراج السهم لأحدهما بالقرعة فهل يلزم بنفس القرعة فيثبت العوض لمن أخرجته؟ فقال المصنّف: «قيل: لا؛ لأنّها تتضمّن معاوضة، و لايعلم كلّ واحد من يحصل له العوض، فيفتقر الى الرضا بعد العلم بما ميّزته القرعة».

و في المبسوط: «و قال بعضهم: يلزم كقسمة الاجبار و قال آخرون: لايلزم بالقرعة؛ لأنّ القرعة هيهنا ليعرف البائع الذي يأخذ الردّ و المشتري الذي يدفع الردّ؛ لأنّا نجهل هذا قبل القرعة فاذا تميّز هذا بالقرعة اعتبرنا التراضي بعد القرعة على البيع و الشراء، و هذا هو الأقوى».(2)

و لوضوح الحقّ في المقام لا بدّ من ملاحظة روايات القرعة:

فنقول: قد وردت روايات أرجعت الأمور المشكلة و المتنازع فيها الى القرعةكصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:

«اذا وقع الحرّ و العبد و المشرك على امرأة في طهر واحد، و ادّعوا الولد أقرع بينهم و كان الولد للذي يقرع».(3)


1) - مسالك الأفهام 14: 48 و 49.

2) - المبسوط 8: 148.

3) - وسائل الشيعة 27: 257 / الباب 13 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 1.

و صحيحة ابراهيم بن عمر عن أبي عبداللّه عليه السلام - في رجل قال: أوّل مملوك أملكه فهو حرّ، فورث ثلاثة - قال:

«يقرع بينهم، فمن أصابه القرعة أعتق، قال: و القرعة سنّة».(1)

و صحيحة منصور بن حازم قال:

و سأل بعض أصحابنا أبا عبداللّه عليه السلام عن مسألة فقال: هذه تخرج في القرعة، ثمّ قال: فأيّ قضيّة أعدل من القرعة، اذا فوّضوا أمرهم الى اللّه عزّوجلّ؟ أليس اللّه يقول: «فساهم فكان من المدحضين»؟».(2)

فالظاهر من هذه الروايات و أمثالها وجوب قبول القسمة على وجه تخرجه القرعة، فانّ قوله عليه السلام: «و القرعة سنّة» يدلّ على مشروعيّة القرعة مطلقا، سواء تراضيا بعدها أو لا. و معنى قوله عليه السلام: «فأيّ قضيّة أعدل من القرعة» و كذا استشهاده عليه السلام بالآية في صحيحة منصور بن حازم أنّ القرعة ترفع الخصومة و يلزم بها الخصم.

فما ذهب اليه في المبسوط من أنّه اذا تميّز بالقرعة أعتبر التراضي بعدها على البيع و الشراء، لايمكن المساعدة عليه؛ لأنّ القرعة تميّز الحقوق، مضافا الى أنّ القسمة ليست بيعا و لا معاوضة أخرى و ان كان فيها ردّ.

و كذا ظهر ممّا ذكرنا ضعف ما ذهب اليه بعض من اختصاص القرعة بكلّ أمر مشكل و هو ما لم يظهر لنا فيه الواقع.

و وجه الضعف اطلاق أدلّة شرعيّة القرعة في اثباتها الحقوق و تمييزها.


1) - وسائل الشيعة 27: 257 / الباب 13 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 2.

2) - وسائل الشيعة 27: 261 / الباب 13 من أبواب كيفيّة الحكم / الحديث 17.

مسائل ثلاث: «الأولى»: فيما لو كان لدار علو و سفل

«الأولى»: لو كان لدار علو و سفل، فطلب أحد الشريكين قسمتها بحيث يكون لكلّ واحد منهما نصيب من العلو و السفل بموجب التعديل، جاز و أجبر الممتنع مع انتفاء الضرر. و لو طلب انفراده بالسفل أ العلو لم يجبر الممتنع. و كذا لو طلب قسمة كلّ واحد منهما منفردا.

لو كان لدار علو و سفل و كانت بين شريكين، فتارة يطلب أحدهما قسمتهما بحيث يكون لكلّ واحد منهما نصيب من العلو و السفل بموجب التعديل فهذا جائز بلا اشكال و لا خلاف - كما في الجواهر(1)- لأنّها توصّل الى حقّ كلّ منهما بدون محذور، فيشملها اطلاق دليل القسمة. و لو لم يرض أحدهما أجبر، و ذلك لما سبق من أنّ لكلّ انسان الاستقلال بملكه؛ لأنّه مقتضى تسلّط الناس على أموالهم. و لا فرق في التقسيم المزبور بين أن يكون العلو مطابقا للسفل سعة و ضيقا أو لم يكن مطابقا؛ لأنّ الفرض أنّ القسمة تكون في كلّ واحد منهما على حسب نصيب كلّ من الشريكين بموجب التعديل.

و أخرى يطلب أحدهما انفراده بالسفل أو العلو فلايجبر الشريك الآخر لو امتنع؛ لأنّه يريد أن يعاوض سهمه في السفل بسهمه في العلو أو بالعكس، و هذا منوط برضا الآخر.

و ثالثة يطلب أحدهما قسمة واحد من السفل أو العلو و بقاء الآخر ففي هذا الفرض أيضا لايجبر الممتنع - على ما ذهب اليه المصنّف رحمه الله - لأنّ القسمة لقطع الشركة و الفرض أنّ الشركة باقية بعد.

هذا ما ذهب اليه المصنّف رحمه الله في هذه المسألة و سيأتي ما هو الحقّ فيها.


1) - جواهر الكلام 40: 352.

«الثانية»: فيما لو كان بينهما أرض و زرع

«الثانية»: لو كان بينهما أرض و زرع، فطلب قسمة الأرض حسب أجبر الممتنع؛ لأنّ الزرع كالمتاع في الدار. و لو طلب قسمة الزرع قال الشيخ: لم يجبر الآخر؛ لأنّ تعديل ذلك بالسهام غير ممكن. و فيه اشكال من حيث امكان التعديل بالتقويم اذا لم يكن فيه جهالة. أمّا لو كان بذرا لم يظهر، لم تصحّ القسمة؛ لتحقّق الجهالة. و لو كان سنبلاً قال أيضا: لاتصحّ، و هو مشكل؛ لجواز بيع الزرع عندنا.

لو كان بين الشريكين أرض و زرع فطلب أحدهما قسمة الأرض فقط، أجبر الممتنع؛ لأنّ الزرع كما قال المصنّف رحمه الله و غيره كالمتاع في الدار.

ولكن لو طلب قسمة الزرع فان كان ظاهرا يمكن قسمته تعديلاً أجبر الممتنع؛ اذ لا ضرر، و أمّا ان لم يمكن التعديل لم يجبر كما ذهب اليه الشيخ رحمه الله.

و أمّا لو كان بذرا لم يظهر بعد أو ظهر ولكن لايمكن قسمته بالتعديل فلايجبر الممتنع؛ لتحقّق الجهالة. و لو كان سنبلاً فلو أمكن القسمة بالتعديل فلا اشكال.

كلّ ذلك على ما ذهب اليه المصنّف رحمه الله و الحقّ في هذه المسألة أيضا ما سيوافيك.

«الثالثة»: فيما لو كان بينهما قرحان متعدّدة و طلب واحد قسمتها

«الثالثة»: لو كان بينهما قرحان متعدّدة و طلب واحد قسمتها بعضا في بعض، لم يجبر الممتنع و لو طلب قسمة كلّ واحد بانفراده أجبر الآخر. و كذا لو كان بينهما حبوب مختلفة. و يقسّم القراح الواحد و ان اختلفت أشجار أقطاعه، كالدار الواسعة اذا اختلفت أبنيتها. و لاتقسّم الدكّاكين المتجاورة بعضها في بعض قسمة اجبار؛ لأنّها أملاك متعدّدة يقصد كلّ واحد منها بالسكنى على انفراده، فهي كالأقرحة المتباعدة.

قال في المسالك: «المشهور بين الأصحاب أنّ ما يعدّ شيئين فصاعدا من العقار، كالدور المتعدّدة و الأرض المتعدّدة الخالية من الشجر و هي المعبّر عنها

بالأقرحة، و الدكّاكين المتعدّدة سواء تجاورت أم لا، و الحبوب المختلفة كالحنطة و الشعير لايقسّم بعضها في بعض - بمعنى جعل بعضها في مقابلة بعض - قسمة اجبار. و انّما يقسّم كلّ واحد منها على حدته قسمة الاجبار اذا أمكن ذلك من غير ضرر؛ لأنّها أملاك متعدّدة و لكلّ واحد منها خواصّ لاتحصل في الآخر، بخلاف الأرض الواحدة و الدار الواحدة».(1)

القراح - كما في مجمع البحرين - : المزرعة التي ليس عليها بناء و لا فيها شجر، و الجمع أقرحة. و منه الحديث: «انثر في القراح بذرك».

أقول:

قد تقدّم منّا أنّه اذا راجع الشريكان الحاكم و استدعيا قسمة المال المشترك بينهما، فان أمر القاضي القسّام بأن يقسّم بينهما أو أمر بالقرعة و حكم بنصيبهما من المقسوم فعليهما القبول، بلا فرق بين هذه المسائل الثلاث و غيرها من الفروعات و قد تقدّم أنّه لايعتبر في حكم القاضي التراضي بعد القسمة و أنّه لا فرق في قسمة القاضي بين ما كان فيه ردّ و ما لم يكن.

ولكن ينبغي أن لايخفى أنّه يجب على الحاكم أن يلاحظ مصلحة الطرفين في التقسيم، فانّه اذا طلب أحدهما أن يكون له العلو أو السفل و لصاحبه، الآخر فاذا قلنا بأنّ الحاكم يحكم بينهما و لايعتبر رضاهما بعد الحكم، فلانعني بأنّه يحكم على طبق نظر أحد الشريكين دون الآخر بل يحكم على طبق المصلحة فعليه الاجتهاد في كيفيّة القسمة حتّى لايتضرّر أحدهما.

و ليكن في ذكرك أنّ كلامنا هذا كان بعد فرض عدالة الحاكم و اجتهاده.

و قد تقدّم منّا الكلام في مدارك قسمة الاجبار و قلنا بأنّه يستفاد منها الاجبار في كلّ مورد لم يكن في القسمة ضرر على أحد المتقاسمين.


1) - مسالك الأفهام 14: 54.

و أمّا اذا لم يراجعا الحاكم فان تراضيا بالقرعة فيجب عليهما القبول بلا فرق بين قسمة الردّ و غيرها.

ان قلت: بناءً على ما ذكرت فلايبقى معنىً لتقسيم القسمة الى قسمة اجبار و قسمة تراضٍ؛ لأنّ المتقاسمين ان راجعا الحاكم فالقسمة قسمة اجبار، و ان لم يراجعا فان تراضيا فهو، و الاّ فمن يجبرهما على القسمة في قسمة الاجبار؟ قلت: اذا تراضيا من غير مراجعة الحاكم فهو، فانّ الاجبار في القسمة لا بدّ و أن يكون بيد الحاكم أو من نصبه، و لو فقد فعدول المؤمنين.

فاذا راجعا الحاكم فيجب على الحاكم أن يحكم بما يراه صلاحا أو أن يأمر قسّامه الذي هو من أهل الخبرة أن يحكم بما يراه صلاحا، فان يرى أنّ القرعة أقرب طريق في ايصال الحقّ الى المستحقّ - كما هو الغالب - فعليه اختيارها.

فتحصّل الى حدّ الآن أنّ الاجبار ينحصر أمره في قسمة الحاكم و ان أمكن فرض التراضي في مراجعة الحاكم و عدمها.

النظر الرابع في اللواحق

إشارة:

الرابع في اللواحق، و هي ثلاث:

«الأولى»: فيما اذا ادّعى بعد القسمة الغلط

«الأولى»: اذا ادّعى بعد القسمة الغلط عليه لم تسمع دعواه، فان أقام بيّنة سمعت و حكم ببطلان القسمة؛ لأنّ فائدتها تمييز الحقّ و لم يحصل. و لو عدمها فالتمس اليمين كان له ان ادّعى على شريكه العلم بالغلط.

و في المسالك: «لا فرق في عدم سماع دعوى الغلط في القسمة بمجرّدها بين كون القاسم منصوب الامام و من تراضيا به و أنفسهما؛ لأصالة صحّة القسمة الى أن يثبت المزيل و لأنّ منصوب الامام كالقاضي لاتسمع الدعوى عليه بالظلم، لكن لو أقام بيّنة سمعت و نقضت القسمة كما لو أقام البيّنة على ظلم القاضي و كذا الشهود. و طريقه أن يحضر قاسمين حاذقين لينظرا و يمسحا و يعرفا الحال و يشهدا. و لو لم يقم بيّنة و أراد تحليف الشريك مكّن منه ان ادّعى عليه العلم بالغلط، و الاّ فلا؛ لأنّ معه الأصل خصوصا اذا كان القاسم غيره فانّ التبعة عليه لا عليه مع عدم علمه. و قيل: له احلاف الشريك مطلقا و هو الوجه؛ عملاً بالعموم».(1)

أقول:

اذا ادّعى أحد المتقاسمين الخطأ في التقسيم فتارة ليس بمحضر القاضي، بل ادّعاه في غير محضره فلاتسمع دعواه الخطأ مطلقا.

و أخرى ادّعاه و هو بمحضره فان لم يقم بيّنة بينما أنّ القاضي حكم بنتيجة القسمة التي قسّمها قسّامه المنصوب أو غيره، يلزمهما و لاتسمع دعوى أحدهماأو أحدهم الخطأ، و كذا لاتسمع دعوى الخطأ اذا تراضيا بالقرعة، فانّ القرعة ترفع


1) - مسالك الأفهام 14: 55.

الخصومة و تميّز الحقّ. و كذا لو تراضيا بالقسمة بأنفسهما أو بثالث من دون القرعة فلاتسمع دعوى الخطأ أيضا؛ لأصالة الصحّة و عدم ما يرفعها و لأنّه لو سمعت قد لايتيسّر القسمة أصلاً؛ لامكان تكرار دعوى الخطأ، هذا في الدعوى المجرّدة عن البيّنة.

و أمّا لو أقام معها بيّنة بالكيفيّة التي صوّرها في المسالك، فتسمع مطلقا - أي في جميع الصور التي تقدّمت - حتّى لو ادّعى ظلم القاضي أو كذب الشهود، و الدليل على ذلك اطلاق دليل وجوب سماع دعوى المدّعي اذا كان له على دعواه بيّنة كاطلاق «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر».

بقي الكلام في جواز استدعاء المدّعي يمين المدّعى عليه في صورة عدم وجدان البيّنة، فان كان دعواه الخطأ و كان شريكه هو المدّعى عليه فيجوز أن يستدعي منه اليمين عند الحاكم سواء كان هو القاسم أو غيره، فان كان هو القاسم يحلف على البتّ و ان لم يكن بل كان غيره فيحلف على عدم العلم، و ان ادّعى ظلم القاضي أو من نصبه فراجع قاضيا آخر و أمر الثاني باحضار القاضي الأوّل أو المنصوب من قبله، فلا مانع من حلفه و يشمله المطلقات كما تقدّم ذلك مفصّلاً في الدعوى على القاضي فراجع.

و أمّا ان نكل من عليه الحلف فكما سبق.

«الثانية»: فيما اذا اقتسما ثمّ ظهر البعض مستحقّا

«الثانية»: اذا اقتسما ثمّ ظهر البعض مستحقّا فان كان معيّنا مع أحدهما بطلت القسمة لبقاء الشركة في النصيب الآخر. و لو كان فيهما بالسويّة لم تبطل؛ لأنّ فائدة القسمة باقٍ و هو افراد كلّ واحد من الحقّين. و لو كان فيهما لا بالسويّة بطلت، لتحقّق الشركة. و ان كان المستحقّ مشاعا معهما فللشيخ رحمه الله قولان: أحدهما: لاتبطل فيما زاد عن المستحقّ. و الثاني: تبطل؛ لأنّها وقعت من دون اذن الشريك و هو الأشبه.

اذا اقتسما ثمّ ظهر البعض مستحقّا فتارة يكون معيّنا في قسمة أحدهما أو في قسمتهما مع أنّه يكون حقّه في قسمة أحدهما أكثر من الآخر ففي الصورتين تبطل القسمة لبقاء الشركة في النصيب الآخر.

و أخرى يكون ما يستحقّه معيّنا في قسمة كليهما بالسويّة و حينئذ لم تبطل القسمة؛ لأنّ فائدة القسمة باقية و هي افراد كلّ واحد من الحقّين.

و ثالثة يكون المستحقّ مشاعا فتبطل القسمة؛ لأنّها وقعت من دون اذن الشريك و لأنّ المقصود من القسمة تمييز الحقوق فاذا ظهر أنّ المستحقّ كان شريكا لكلّ واحد منهم فلم يحصل التمييز.

«الثالثة»: فيما لو قسّم الورثة تركة ثمّ ظهر على الميّت دين

«الثالثة»: لو قسّم الورثة تركة ثمّ ظهر على الميّت دين، فان أقام الورثة بالدين لم تبطل القسمة. و ان امتنعوا نقضت و قضي عنها الديون.

لو قسّم الورثة تركة الميّت ثمّ ظهر عليه دين أو وصيّة مرسلة، فان أقام الورثة بالدين أو الوصيّة لم تبطل القسمة و ان قلنا بأنّ التركة لم تنتقل الى الورثة مع الدين أو الوصيّة؛ لأنّ عدم الانتقال كان لأداء الدين و الوفاء بالوصيّة و هما بعهدة الورثة فاذا أدّى الورثة أو غيرهم دينه و أوفوا بوصيّته فلا معنى لعدم الانتقال، سواء كانالدين مستوعبا للتركة أو غير مستوعب. نعم، لو امتنعوا من أداء الدين نقضت القسمة و قضي منها الدين و يعمل بالوصيّة.

تمّ بعون اللّه تعالى الجزء الأوّل من كتاب القضاء و الشهادات

بيد أقلّ العباد سيّد علي محمّد دستغيب الحسيني

ابن المرحوم سيّد علي أكبر

في شهر ربيع الأوّل سنة 1431

و يأتيكم قريبا الجزء الثاني بتوفيق الاله المنّان

و صلّى اللّه على محمّد خير خلقه و على آله الطاهرين

مكتب المرجع الديني سماحة آية اللّه الحاجّ

سيّد علي محمّد دستغيب الحسيني

إيران (98+) - شيراز (711)

1 - ساحة أحمدي (شاهچراغ عليه السلام) ، بداية شارع الشهيد دستغيب قدس سره

هاتف: 6-2229943 و 2241169

2 - شارع انقلاب (نادر) ، زنقة 19

هاتف: 2309583

البريد الإلكتروني:daftar@dastgheib.ir

الموقع على النت: www.dastgheib.ir