موسوعة سیرة أهل البیت علیهم السلام جلد 40

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

موسوعةّ سیرة اهل البیت (علیهم السلام)

الجزءّ الاربَعون

اخلاق النّبیّ و اهل بیته (علیهم السلام)

تاليف: باقر شریف القرشی

تحقيق: مُهْدِي باقر القرشی

مؤسسة الامام الحسن(علیه السلام) لاحیاء تراث اهل البیت.

الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م

عدد النسخ : .... 1000 نسخة

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف

ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978

ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978

عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم

مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970

اشارة

موسوعة

سيرة اهل البيت (علیهم السلام)

اخلاق النّيّ وَأَهْل بيتِهِ

موسوعةّ سیرة اهل البیت (علیهم السلام)

الجزءّ الاربَعون

اخلاق النّبیّ و اهل بیته (علیهم السلام)

تاليف: باقر شریف القرشی

تحقيق: مَهْدِي باقِر القرشی

موسوعةّ سیرة اهل البیت (علیهم السلام)

تاليف: باقر شریف القرشی

تحقيق: مُهْدِي باقر القرشی

الناشر: ... دار المعروف- مؤسسة الأمام الحسن (علیه السلام)

المطبعة : ...ستار

الطبعة الثانية : ... 1433ه- / 2012م

عدد النسخ : ... 1000 نسخة

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف

ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978

ردمك الجزء (40) : 7 - 82- 8275- 964- 978)

عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلم)

مكتبة الإمام الحسن (علیه السلام) - هاتف 009647805694970

بسم الله الرّحمن الرّحیم

(الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعالَمِينَ

الرَّحْمنِ الرَّحِيم

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ

غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾

تقدیمٌ

1. ليست الأخلاق باطارها العامُ من ذاتيات الإنسان ومقوّمات حياته ، وإنّما هي مكتسبة من البيت والمدرسة والبيئة ، فإن كانت صالحة ومستقيمة في سلوكها وتهذيبها فإنها تغرس في أعماق الإنسان ودخائل ذاته النزعات الشريفة ، والصفات الفاضلة . وإن كانت منحرفة وشاذة في سلوكها ، فإنّها تطبع في نفسه الصفات الآثمة ، والنزعات الشريرة التي تهوي به إلى مستوى سحيق ، وقد أكد علماء الاجتماع هذه الظاهرة ، فقالوا : إنّ الحياة الاجتماعية حياة تأثير وتأثر ، فكل إنسان يتأثر فيمن

حوله ، وكذلك يؤثر فيمن حوله .

إنّ الأخلاق بمفهومها العام التي اكتسبها الإنسان منذ أقدم عصوره تؤثر بصورة إيجابية في سلوكه وسائر اتجاهاته ، وتظل ملازمة له - على الأكثر - طوال حياته ، لا تفارقه ولا تنفصل عنه ، وقد قرر علماء النفس والاجتماع على اكتساب الأخلاق ، وأنها ليست ذاتية ، واستندوا في ذلك إلى عملية أجريت على طفل عاش في غابة مع الحيوانات فتأثر بطباعها وسلوكها ، فكان يمشي على أربع ، ويحكي طباعها ، ولما فصلوه عنها ظل ملازماً لعاداتها

2 · إنّ الأخلاق الفاضلة أهم صفة يمتاز بها الإنسان ، وتكسبه وسام شرف في جميع أدوار حياته وبعد مماته ، وبها يبلغ أسمى مرتبة من الكمال التي يبلغها الإنسان . يقول بعض علماء الاجتماع : إنّ الأمم في مرحلة البداوة كانت تفتخر بالقوة البدنية ، فإذا ارتقت تفاضلت بالعلم ، فإذا بلغت غاية الارتقاء تفاضلت بالأخلاق .

إنّ الأخلاق الرفيعة هي أسمى مرحلة من رقيّ الإنسان وكماله ، كما أنّها الدعامة الأولٌى في تقدّم الأُمم ، وتطوّر الشعوب . يقول الشاعر :

وَإِنَّما الأمَمُ الأَخْلاقُ ما بَقِيَتْ *** فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُم ذَهَبوا

وهذا الشعر صحيح ، وواقع لا جدال فيه ، فإنّ بقاء الأمم ، واستمرار سيادتها إنّما هو ببقاء أخلاقها ، وأمّا انهيارها فإنّه بذهاب أخلاقها .

إنّ المجتمع الذي تنعدم فيه الأخلاق إنّما هو مجتمع ميت ليس فيه عصب للحياة ، ولا بصيص من الوعي .

3. إنّ التقدّم العلمي والتكنولوجي الذي أحرزته بعض الدول الغربية ليس هو تقدماً حضارياً ينعم في ظلاله الإنسان ، وإنما هو وسيلة لكبريائها وغطرستها وغزوها لبعض الشعوب الضعيفة ، وجعلها تحت مناطق نفوذها ، ومن الغريب أنّها تنادي بحقوق الإنسان ، وإشاعة الحريّات بين الشعوب .

ومن المؤكّد أنها لو كانت تؤمن بذلك لوفّرت لشعوبها روح المحبّة والكرامة ، والتّحرر من الأنانيّة والاستغلال ، وحمتها من المخدّرات والشذوذ الجنسي ، وغيره من مائم الحياة .

4. ونظرة سريعة وخاطفة في بعض الأديان والمذاهب الاجتماعية فإنّا لا نجدها قد عرضت بصورة إيجابية ومتميّزة لتهذيب النفوس وصيانتها من النزعات الشريرة ، والصفات المرذولة ، فقد طويت فيها هذه الأمور ، خصوصاً في المذاهب الاجتماعية من الرأسمالية والشيوعية ، فلم تعن بأي جانب من الجوانب الأخلاقية ، وإنما عنت بتنمية المادة وتوفيرها للفرد ، كما في النظام الرأسمالي ، أو للدولة كما في النظام الماركسي حتى لو كان ذلك مبنيّاً على الظلم والغبن والاستغلال ، ولم تحفل بقضايا الروح وصفاء النفوس وطهارتها من الآثام، ومن ثم فقد منيت بالفشل ، وانهار النظام الماركسي وأصبح من مهزلة العقل البشري .
5. أمّا الإسلام - والحمد لله تعالى - فقد وضع برامجه لتهذيب الأخلاق ، واعتبر النبي (صلّی الله علیه وآله وسلم) الأخلاق من أهم القيم التي تبنتها رسالته الخالدة ، فقد أشاد بكلّ فضيلة يسمو بها الإنسان ، وأعلن الحرب بلا هوادة على كلّ نزعة شريرة ، وصفة فاسدة تفسد المجتمع ، وتؤديّ إلى الخراب وانهيار الأخلاق .

إنّ الأخلاق الفاضلة جزء من رسالة الإسلام، وعنصر ذاتي من عناصر دعوته ، كما أعلن النبّي و ذلك بقوله : «إِنَّما بُعِثْتُ لأتمم مكارم الأخلاق».

إنّ مكارم الأخلاق هي التي تدعو إلى الترابط والمحبة والتعاون وغيرها من المثل الكريمة التي تستقيم بها الحياة ، ومن الجدير بالذكر أنّ الإسلام قد تبنّى العنصر الأخلاقي في نظامه الاقتصادي ، فحرّم الغبن والاستغلال والاحتكار وغيرها من الأمور التي تؤدّي إلى شل الحركة الاقتصادية ، وإشاعة البؤس في البلاد .

6. كان النبّيّ(صلّی الله علیه وآله وسلم) آية من آيات الله تعالى العظام في معالي أخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيين ، فقد غيّر بأخلاقه الكريمة مجرى تأريخ العالم ، وأحدث تحوّلاً اجتماعياً بالغ الأهمية في الحياة الفكرية والعقائدية في ذلك المجتمع الذي كان غارقاً في الجهل والتخلف ، والذي كان من انحطاطه عبادته للأصنام والأوثان ، وجهله بجميع شؤون الحياة ، والتي منها وأد البنات ، فقد شاع عنهم القول : « وأد البنات من المكرمات » ، ومضافاً لذلك الفقر السائد ، فقد نهش الجوع أجسامهم ، وعمد بعضهم إلى قتل أبنائه خشية من الاملاق .

لقد حرّرهم النبّي(صلّی الله علیه وآله وسلم)بأخلاقه الرفيعة من ذلك التخلف والانحطاط ، وأقام لهم

نظاماً اقتصادياً متطوراً لا ظلّ فيه للفقر والحاجة .

7. أمّا الأئمّة الهداة من عترة رسول الله الله فهم مصابيح الإسلام ، ودعاة العدل الاجتماعي ، وهم امتداد لحياة جدهم الرسول الله في سمو أخلاقهم ، وسائر مثلهم ، وهم من ألصق النّاس به ، وقد قرنهم (صلّی الله علیه وآله وسلم) بمحكم التنزيل ، وجعلهم سفن

النجاة ، وأمن العباد ، وفرض الذكر الحكيم مودتهم على جميع المسلمين ، وقد تسلّحوا سلام الله عليهم بأخلاق جدّهم الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلم) في هداية الناس ، فهم أشبه المسلمين بهديه وسلوكه ومعالي أخلاقه ، وقد ذكر الرواة صوراً رائعة من سمو أخلاقهم يهتدي بها الضال ، ويسترشد بها الحائر ، وهي من نفحات جدهم الله الذي فتح آفاق الفكر ، وأسّس معالم الحضارة في الأرض.

8. من بين الأرصدة المشرقة لأخلاق أئمة أهل البيت(علیهم السلام) الأدعيتهم القيمة التي حفلت بجميع معاني الانابة إلى الله تعالى ، وتركزت بصورة خاصة على مكارم الأخلاق ، ولنستمع إلى بند من أدعية الإمام زين العابدين(علیه السلام) المثل الأعلى الروحانية الإسلام ، قال(علیه السلام) : «وَسَدَّدْني لأنْ أعارِضَ مَنْ غَشني بِالنُّصْح ، وَأَجْزِيَ مَنْ هَجَرَنِي بِالْبِرِّ ، وَأُثيبَ مَنْ حَرَمَنى بِالْبَذْلِ ، وَأَكافِىءَ مَنْ قَطَعَنِي بِالصَّلَةِ ، وَأُخَالِفَ مَنِ اغْتَابَنِي إِلى حُسْنِ الذِّكْرِ وَأَنْ أَشْكُرَ الْحَسَنَةَ وَأَغْضِيَ عَنِ السَّيِّئَةِ »

أرأيتم هذه النفس الملائكيّة التي اتصفت بكل فضيلة خلقها الله تعالى ، وتجرّدت من كل نزعة مادية ، واتجهت صوب الخالق العظيم ، فرسمت لعباده أروع صور الكمال والفضيلة .

9. وبعد .. فإنّي أعرض في بحوث هذا الكتاب صوراً مشرقة من أخلاق النبي العظيم الله ، الذي ملك بها القلوب والعواطف، كما أعرض لنفحات شذيّة من أخلاق الأئمة الطاهرين دعاة الاصلاح الاجتماعي في دنيا الإسلام ، وهي من مناجم الحكمة ، ومن ذخائر الأرصدة الروحيّة الهادفة إلى تهذيب الأخلاق ، وصيانة النفوس من دنس الأمراض النفسية ، أملاً من الله تعالى أن ينتفع بها إخواني المؤمنين ، خصوصاً أبنائي من أهل العلم أعزّهم الله تعالى ، وحماهم من كل سوء ، فإنهم حماة الإسلام ، وشموع الفكر والهداية لهذه الأمة ، وعليهم في هذه الظروف الحسّاسة من تأريخ أمّتنا أن يتفاعلوا مع النّاس بروح المودّة ، وينشروا القيم الأصيلة ، والمُثل العليا ،

وجواهر ما اثر عن أئمة الهدى من الحكم والآداب التي هي بلسم للنفوس المتعطّشة لهدي الإسلام.

10. وأعود للحديث ثانياً مع أبنائى من أهل العلم الذين هم أمل هذه الأمة ومصدر توجيهها في بناء حضارتها وإبراز قيمها ، فأقول لهم : إن الفلسفة الماديّة القائمة على إنكار الله تعالى قد فشلت وطويت وأقبرت ؛ وذلك بما أبرزته السفن الفضائية من صور المجرات التي لا تحصى ، وأن هذا الكوكب الذي نعيش عليه إنّما هو نقطة صغيرة جداً أمامها ، وهي جميعاً قائمة على أسمى مراتب النظام المذهل المستمدّ من خالق الكون وواهب الحياة . يقول الشاعر العربي :

لَوْ تَسلَّقْنا السَّمواتِ سَماءً فَسَماء *** وانتهينا حيثُ يَنْسَد طَريق الانتهاء

لوجَدْنَا السِّرّ مكتوباً وهو لا إله إلا الله

ومن المؤكّد أنّه ليس هناك دين يضمن للإنسان سلامته وسعادته ويتّصل بالله تعالى سوى دين الإسلام القائم على الفكر والحق الذي اعتنقه أئمّة أهل البيت المال ، وأبرزوا قيمه إلى الناس ، فعلى أهل العلم إبرازه إلى النّاس مشفوعاً بسمو الأخلاق ونكران الذات ، والله تعالى وليّ التوفيق .

مکتبة الامام الحسن العامّة

باقر شریف القرشی

النّجفُ الأشرفُ

الاخلاقُ النّبویّةُ

اشارة

نحن أمام نفحات شذيّة من أخلاق النبي (صلّی الله علیه وآله وسلم) تنير القلوب ، وتهذب العواطف ، وتملأ النفوس رضا وطمأنينة ، إنها النور الذي امتدت موجاته ف-ي ه-ذا ال-ش-رق ، ثمّ أضاءت في جميع رحاب الكون ، وهي تحمل صوراً مشرقة للحياة القائمة على الفضيلة وسموّ الذات ، وسلامة الفكر ، وسعادة الإنسان ، وقبل التحدّث عنها نعرض البعض ما أثر عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم) من الأخبار التي حثّ فيها على التحلي بمكارم الأخلاق

ومحاسن الصفات :

مَكَادِمُ الأَخْلَاقِ

دعا النبي (صلّی الله علیه وآله وسلم)المسلمين إلى التزيّن بمكارم الأخلاق التي هي الركيزة الأولى في إقامة المجتمع الإسلامي، وهذه بعض أحاديثه :

1 - قال(صلّی الله علیه وآله وسلم): « إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوالِكُمْ ، فَسَعوهُم بِأَخْلاقِكُمْ ».(1)إنّ الأخلاق الكريمة هي التي توحد ما بين المشاعر والعواطف ، وتشيع المحبّة والمودة بين النّاس، وهي أكثر تأثيراً ، وأعظم أثراً من بذل المال الذي هو شرايين الحياة .


1) أمالي الصدوق : 268 .

2 - قال (صلّی الله علیه وآله وسلم) : « أَفَاضِلُكُم أَحْسَنُكُم أَخْلاقاً ، المُوَطَّمُونَ أَكْنافاً ، الَّذِينَ يَأْلُفُونَ وَيُؤْلَفُونَ ، وَتُوَطَّأُ رِحالُهُم»(1)

إنّ أسمى النّاس منزلة ، وأعظمهم مكانة هم المتصفون بالأخلاق الكريمة ، الذين يألفون النّاس ويؤلفون فيما بينهم، ويوطأ المحتاجون رحالهم .

3- قال(صلّی الله علیه وآله وسلم) : « إِنَّ صَاحِبَ الْخُلُقِ الْحَسَنِ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِمِ الْقائِمِ ... »(2)

انّ الله تعالى أعدّ الأجر الجزيل لمن اتصف بحسن الأخلاق ، فله أجر الصائم والقائم في عبادة الله تعالى .

4- قال (صلّی الله علیه وآله وسلم): « عَلَيْكُمْ بِحُسْنِ الْخُلُقِ ، فَإِنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ فِي الْجَنَّةِ لَا مَحالَةَ »(3).

إنّ الله تعالى أعدّ الفردوس الأعلى لذوي الأخلاق الكريمة ، الذين هم من أفاضل

المجتمع وذخائره .

ه - قال (صلّی الله علیه وآله وسلم) لوصيّه وباب مدينة علمه ، الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) : « يا عَلِيُّ ، أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَشْبَهِكُمْ بِي خُلُقاً ؟».

قال : «بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ » .

قال : «أَحْسَنُكُمْ خُلُقاً ، وَأَعْظَمُكُمْ حِلْماً ، وَأَبَرُّكُمْ بِقَرابَتِهِ ، وَأَشَدُّكُمْ مِنْ نَفْسِهِ

إنصافاً ... » (4)

إنّ حسن الخلق من أسمى الصفات ، ومن اتّصف به وبالحلم فقد شابه النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم) .

6- من وصايا النّبي (صلّی الله علیه وآله وسلم) للإمام أمير المؤمنين(علیه السلام) ، قال له : « يا عَلِيُّ ، أَحْسِنُ


1) أصول الكافي : 2 : 110 .

2) أصول الكافي : 2 : 107

3) عيون أخبار الرضا الا : 1 : 107 .

4) من لا يحضره الفقيه : 2 : 340 .

خُلُقَكَ مَعَ أَهْلِكَ وَجِيْرانِكَ وَمَنْ تُعاشِرُ ، وَتُصاحِبُ مِنَ النَّاسِ تُكْتَبُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى في الدَّرَجاتِ الْعُلى »(1)

إنّ حسن الأخلاق مع الأهل والجيران والأصحاب من أفضل الأعمال التي يكتسبها الإنسان في دنياه .

7- قال (صلّی الله علیه وآله وسلم) : « إِنَّ الله تعالى يُحِبُّ مَكارمَ الأَخْلَاقِ ، وَيَبْغَضُ سَفَاسِفَهَا»(2)

إنّ الله تعالى يحبّ الأخلاق الكريمة ، ويبغض الأخلاق السيّئة التي تشيع الكراهية والبغضاء بين النّاس.

8- قال(صلّی الله علیه وآله وسلم) في وصيّته للإمام أمير المؤمنين(علیه السلام) : « يا عَلِيُّ ، ثَلَاثٌ مِنْ مَكارِمِ الا الله الْأَخْلَاقِ : تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ »(3)

إنّ هذه الخصال الكريمة من أمهات الأخلاق ، ومحاسن الصفات

هذه بعض الأخبار التي حث النبي الله أمته على التحلي بالأخلاق الكريمة ، والصفات الفاضلة ؛ ليكونوا قدوة لأمم العالم وشعوب الأرض .

مساوئ الاخلاق

حذّر النبّي(صلّی الله علیه وآله وسلم) المسلمين من الأخلاق السيئة التي تقطع الصلة بين المسلمين، وتشيع الكراهية والعداء فيما بينهم ، وهذه بعضها :

1- قال (صلّی الله علیه وآله وسلم) : «أَبَى اللَّهُ لِصاحِبِ الْخُلُقِ السَّيِّئ بِالتَّوْبَةِ».

فقيل له : كيف ذاك يا رسول الله ؟


1) بحار الأنوار : 74: 67. تحف العقول : 14 .

2) سفينة البحار : 1 : 411 ، مادة «خلق».

3) الخصال : 125 .

قال : « لأَنَّهُ إِذا انْسابَ مِنْ ذَنْبٍ وَقَعَ فِي ذَنْبٍ »(1)

إنّ الأخلاق السيّئة تجرّ الإنسان إلى اقتراف الذنوب، حتّى تورده إلى المهالك .

2- قال(صلّی الله علیه وآله وسلم) : «إِيَّاكُمْ وَسُوْءُ الْخُلُقِ ، فَإِنَّ سُوْءَ الْخُلُقِ في النَّارِ »(2)

إن سوء الخُلق يردي صاحبه في المهالك ، ويلقيه في شرّ عظيم ، ويورده النّار .

3- قال(صلّی الله علیه وآله وسلم) :«إِنَّ الْخُلُقَ السَّيِّئَ يُفْسِدُ الْعَمَلَ كَما يُفْسِدُ الْخَلَّ الْعَسَلَ»(3)

إنّ سوء الخلق منقصة وانحطاط ، وقد حذر منه النبي عل الله لأنه يفسد العمل .

4 - قال(صلّی الله علیه وآله وسلم) : « إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَبْغَضُ الْمُعَبِّسِ فِي وُجُوْهِ إِخْوَانِهِ »(4)

إنّ العبس في وجوه الاخوان من الصفات الذميمة التي تبعد بين المسلمين وتشيع الكراهية والبغضاء فيما بينهم ... هذا نزر يسير من الأخبار التي أثرت عن النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم) في ذم الأخلاق السيئة

مکارم الاخلاقة

أما مكارم أخلاق النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم) فقد استوعبت بفخر جميع لغات الأرض ، وتحدّث الناس عنها باعتزاز ، وله في مدح الله تعالى له بها غنى عن وصف الواصفين . قال تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (5)، وهذه شذرات منها :)


1) بحار الأنوار: 74: 8

2) بحار الأنوار: 74 48 .

3) كنز العمّال : 3: 443 .

4) كنز العمال : 3 : 441 .

5) القلم 68 : 4 .

1 - نكران الذاتمن معالي أخلاق النبي (صلّی الله علیه وآله وسلمنكران الذات ، فقد تنكر لكلّ مظهر من مظاهر العظمة ، ولم يكن ذلك نظرية له ، وإنّما هو واقع عملي طبّقه على واقع حياته ، وقد روى المؤرّخون من ذلك بوادر كثيرة كان منها :)1 - وفد عليه شخص فأخذته هيبة النبي فاختطف الرعب سحنات وجهه ، فنهره النّبيّ ، وقال له :«وَيْحَكَ ، إِنَّما أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيْدَ »(1)أرأيتم هذا النكران للذات ، وعدم الاعتداد بالنفس ، والرفض لكل بادرة من بوادر العظمة والعلوّ على النّاس . إنّ العظمة والعبودية بجميع أبعادها إنّما هي الله تعالى خالق الكون ، وواهب الحياة ، فله وحده تعنو الوجوه لا لغيره .2- نهى النبي (صلّی الله علیه وآله وسلم أصحابه أن يطروه ويعظموه ؛ لأن فيه علوّاً وشموخاً عليهم ، فقال لهم : « لَا تُطْرُوْنِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ ، فَإِنَّما أَنا عَبْدُ اللَّهِ ، فَقُولُوا: عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ »(2))إنّ أهم الصفات التي كان يرغب أن تضفى عليه أنّه عبد الله تعالى ورسوله .لقد كره النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم كراهية شديدة الأنانية والعظمة .)روی ابن عباس ، قال : مشيت خلف رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلم لأنظر هل يكره أن أمشي وراءه أو يحبّ ذلك ، قال : فالتمسني بيده وألحقني ب-ه ح-تى مشيت بجانبه ، ثم تخلّفت مرة ثانية ، فالتمسني بيده وألحقني به ، فعرفت أنه يكره ذلك .(3))


1) تاریخ بغداد : 6: 22 .

2) صحيح البخاري : 4 : 142 .

3) تاریخ بغداد : 12 : 91 .

3- من معالي أخلاق النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم ونكرانه للذات أنه إذا دعاه عبد أجابه ، ولا يترفع)عليه ، وأثر عنه القول : « لَوْ دَعانِي عَبْدَ إِلى كُراعٍ لَأَجَبْتُه ....»(1)4 - ومن آيات أخلاقه أنّه كان إذا أهدي إليه كراع قبله ، وأثر عنه القول : « لَوْ اُهْدِيَلَيَّ كُراعٌ لَقَلِبْتُ ، وَلَوْ دُعيتُ إِلَى ذِراعِ لَأَجَبْتُ »(2)إنّه لم يترفع على أي أحد، ويجيب من دعاه ولو على تناول ذراع من لحم شاة .ه - ومن سموّ أخلاقه أنّه كان يأنس بمجالسة الفقراء والضعفاء ، ويجلسهم إلى جانبه ، وكان ذلك آية من سمو أخلاقه ونكرانه للذات .وصف الإمام (علیه السلام الأخلاق(صلّی الله علیه وآله وسلم) بقوله:)وتحدّث الإمام أمير المؤمنين عن معالي أخلاق النبي الله بقوله :ما صافَحَ رَسُولُ اللهِ(صلّی الله علیه وآله وسلمأَحَداً قَطُّ في حاجَةٍ أَوْ حَدِيثٍ فَانْصَرَفَ حَتَّى يَكُونَ)الرَّجُلُ يَنْصَرِفُ ، وَما نازَعَهُ الْحَدِيثَ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسْكُتُ ، وَما رُئِيَ مُقَدِّماً رِجْلَهُ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيْس لَهُ قَطُّ، وَلَا عَرَضَ لَهُ أَمْرانُ إِلَّا أَخَذَ بِأَشَدِّهِما ، وَمَا انْتَصَرَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَظْلَمَةٍ حَتَّى تُنْتَهَكَ مَحارِمُ اللهِ تَبارَكَ وَتَعالى ، وَمَا أَكَلَ قَطُّ مُتَّكِنَا حَتَّى فارقَ الدُّنْيا ، وَمَا سُئِلَ شَيْئاً قَطُّ فَقالَ : لَا ، وَما رَدَّ سَائِلَهُ حَاجَةً إِلَّا بِهَا ، أَوْ بِمَيْسُورٍمِنَ الْقَوْل ... » (3)2 - الحلممن صفات النبي (صلّی الله علیه وآله وسلمالحلم ، فكان من أحلم النّاس ، فلا يغضب على من أساء)


1) بحار الأنوار: 16 : 275 .

2) بحار الأنوار: 48 : 122 .

3) حياة المحرّر الأعظم الرسول الأكرم (صلی الله علیه وآله وسلم):1 :85.

إليه ، إلّا إذا انتهكت حرمات الله تعالى ، فإنّه يقابل ذلك بعنف ، ومن آيات حلمه أن ذا الخويصرة ، وهو من الجفاة الذين ملئت نفوسهم بالحرص والجهل ، جاء إلى النبي (صلّی الله علیه وآله وسلم وهو يقسم الأموال ، فقال له :)يا رسول الله ، اعدل ...فأجابه النبي (صلّی الله علیه وآله وسلم : « وَيْحَكَ ، فَمَنْ يَعْدِلُ إِذا لَمْ أَعْدِلْ ... لَقَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِن لَمْ أكُنْ أعْدِل ... »(1))ولم يقابله النبي (صلّی الله علیه وآله وسلم إلا بالعفو والإحسان ، وأعطى بذلك مثلاً لأصحابه ليقتدوا بسيرته .)ومن آيات حلمه أنه عفى عن ألد أعدائه ، وهم قريش الذي-ن قابلوه بالحرب والاعتداء عليه وعلى من آمن به ، وشنّوا عليه الحرب بلا هوادة ، ولما خرج مكة من قادوا الجيوش للقضاء عليه ، وإطفاء نور الإسلام .ولما فتح الله تعالى له الفتح المبين، واحتل مكة ، وقد أيقن أهلها بالانتقام منهم إلا أنه عفا عنهم وقال لهم : «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطَّلَقاء ، ، وكان ذلك آية من آياتنبله ، وسموّ أخلاقه ، فلم يقابلهم بالمثل .3- الإعراض عن الجاهلينمن معالي أخلاق النبي (صلّی الله علیه وآله وسلم الاعراض عن الجاهلين ، فقد أدّبه الله تعالى بهذا الخُلق الرفيع قال تعالى : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) (2)، فكان يجادلهم بالتي هي أحسن، ولا يثير عليهم أية عاطفة ، فإذا أصروا ولم يخضعوا للمنطق أعرض عنهم وتركهم يسبحون في ظلمات الجهل .)


1) كنز العمّال : 11 : 303 .

2) الأعراف 7 199 .

4 - الوفاءومن معالي أخلاقه الوفاء ، فقد كان من أوفى النّاس لمن أحسن إليه ، ومن وفائه أنّه كان يذكر دوماً زوجته أمّ المؤمنين خديجة التي ما تركت لوناً من ألوان البر والإحسان إلاّ قدّمته إليه ، فقد وقفت إلى جانبه أيام محنة الإسلام وغربته ، وقدّمت جميع ما تملكه من الثراء العريض لخدمة الإسلام، وقد شكر النبي (صلّی الله علیه وآله وسلم له هذا .)الإحسان ، فكان يذكرها دوماً بمزيد من التبجيل والتعظيم بعد وفاتها ، وكان إذا ذبح شاة تخيّر أطيب ما فيها من لحم ، وبعثه إلى صديقات خديجة ، وقد شقّ ذلك على عائشة ، وضاقت منه ذرعاً ، فقالت له : يا رسول الله ، ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيراً منها ، فنهرها النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم وقال مغضباً :)«مَا أَبْدَلَنى اللهُ تَعَالَى خَيْراً مِنْهَا ، آمَنَتْ بِي حِيْنَما كَفَرَ بِيَ النَّاسُ ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا حَيْنَمَا حَرَمَنِي النَّاسُ ، وَرُزِقْتُ مِنْهَا الْوَلَدُ وَهِيَ سَيِّدَةُ نِساءِ الْعَالَمِينَ فاطِمَةُ الزَّهْراءِ (علیها السلام - وَلَمْ أَرْزَقْ مِنْ غَيْرِها».)وقد زارته هالة أخت خديجة ؛ فلما سمع صوتها فرح ورحّب بها غاية التر الترحيب ، وراح يقول : « هالَةُ أُخْتُ خَدِيجَةَ » ، وان هذا حقّاً غاية الوفاء .ومن عظيم وفائه أنّه كان يبعث بالصلة والكسوة إلى إحدى مرضعاته ، ولما جيء بالسبي في واقعة حنين رأى أخته من الرضاعة في سبايا هوازن ، فلما رآها عرفها ، فدعا بها ، فلما مثلت عنده بسط لها رداءه فجلست عليه ، وقال لها : «إِنْ أَحْبَيْتِ أَقَمْتِ عِنْدِي مُحَبَّبَةٌ مُكَرَّمَةٌ ، وَإِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أُمَتِّعَكِ وَتَرْجِعِي إِلَىٰ قَوْمِكِ ، ، فاختارت الرجوع ، فمتعها»(1)لقد كان الوفاء جزء من كيانه ، وذاتاً من ذاتيّاته ، ولم تكن هذه الظاهرة مقتصرة


1) نهاية الارب : 18 : 268 .

على أحباّئه وأصدقائه ، وإنّما كان وفيّاً بالعهد حتّى مع أعدائه إذا عاهدهم ، وكان لبعضهم إحسان عليه .5 - الصبرأمّا الصبر فهو من الصفات البارزة في شخصيّة النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم ، فقد تلقّى المحن)والكوارث من قريش بالصبر ، فقد كذّبوه وحاربوه وحاربوا من آمن برسالته .ولمّا فجع بولده الوحيد إبراهيم، وقف على جثمانه وقال له : « يا إِبْراهِيمُ ، تَدْمَعُ الْعَيْنُ ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ ، وَلَا تَقُولُ إِلَّا ما يُرْضِى الرَّبِّ ، وَإِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ » ، وواجه المصاب الأليم بصبر وثبات ، وتسليم لأمر الله تعالى.ولمّا استشهد عمّه الشهيد حمزة حزن عليه وصبر على فادح المصيبة ، حيث مُثّل به أقسى تمثيل ، وفي يوم أحد انخذل الناس عنه ، ولم يمكث معه ، إلّا أخوه وابن عمه الإمام أمير المؤمنين ، وقد أصيب (صلوات الله عليه بحجر فشخه وكسرت رباعيته ، وغمر الدم وجهه الشريف ، وصمد صابراً في المعركة حتى تركه المشركون ، إلى غير ذلك من الأحداث القاسية التي ألمت به ، وقد تسلّح بالصبر حتى فتح له الله تعالى الفتح المبين، ونصره على أعدائه وخصومه ، وأذل قريشاً التي ناجزته الحرب .)لقد صبر النّبيّ على كلّ المحن التي ألمّت به . يقول الإمام الصادق (علیه السلام قال : «إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ مُحَمَّداً(صلی الله علیه وآله وسلم) وَأَمَرَهُ بِالصَّبْرِ ، فَقالَ : ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ)هَجْراً جَمِيلاً (1)»)لقد ربّاه الله تعالى بكل فضيلة ، وأمره أن يصبر على ما عاناه من البلاء من قومه .


1) المزمل 73 10 .

قال تعالى : ﴿ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(1) 6 - الرحمة

ومن صفات الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) الرحمة والرأفة لجميع النّاس ، مؤمنين وكافرين ، وقد عمّت رحمته قريشاً الذين ما تركوا لوناً من ألوان الأذى والتنكيل إلا قابلوه به ، ولما اشتدّوا في تعذيبه دعا لهم قائلاً: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ »(2)

وتحدّث عن نفسه وما يحمله في طياتها من الرحمة قائلاً:

«إِنَّما أنا رَحْمَةٌ مُهْداةٌ».

نعم ، إنّه فيض من رحمة الله تعالى لعباده، فلم يقابل أي شخص أساء إليه بسوء ، وإنّما يقابله بالإحسان لينزع عن نفسه نزعات البغي والشر، وقد سخر منه بعض زعماء العرب حينما رآه يوسع الإمام الحسين (علیه السلام) تقبيلاً وهو طفل ، فسأله عن علاقته به ، فأخبره أنه سبطه ، فأنكر ذلك وقال : يا رسول الله ، عندي عشرة أطفال من أبنائي ما قبلت منهم واحداً ، فقال النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم) : « وَما عَلَيَّ مِنْكَ إِنْ نَزَعَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّحْمَةَ مِنْ قَلْبِكَ ».

وكان من رحمته بسبطيه أنّ أحدهما اعتلاه وهو في أثناء سجوده، فأطال السجود ، فسأله المصلون من خلفه عن إطالة سجوده ، فقال لهم : «إِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَني وَ كَرِهْتُ أَنْ أَزْعِجَهُ ) ، وكان من رحمته وشفقته على بضعته سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء صلوات الله عليها أن جعل رضاها من رضاه ، وغضبها من غضبه ، وكان يجلها ويعلن كرامتها وسموّ منزلتها عنده في بهو جامعه وعلى منبره ، وكان ذلك من آيات رحمته ، وقد عمّت حتّى الحيوانات ، فكانت عنده شاة وكان يطعمها


1) لقمان 31 17

2) السيرة النبوية / زيني دحلان : 2 267 .

بيده ، وذلك لإرشاد المسلمين إلى الرفق بالحيوانات ، لقد كانت الرحمة من ذاتيّاته لجميع النّاس ، خصوصاً المؤمنين . قال الله تعالى : ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِن أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ )(1)

لقد كان من حرصه وشفقته على قومه الذين كذبوه وناجزوه الحرب وجهدوا على قتله أنّه لم يدعو عليهم ، فهبط عليه جبرئيل وقال له : « إنّ الله تعالى قد سمع قول قومك لك ، وما ردّوا عليك ، وقد أمر ملك الجبال تأمره بما شئت فيهم ، وهبط عليه ملك الجبال وعرفه امتثالاً لأمره ، فقال(صلی الله علیه وآله وسلم): «أَرْجُوْ أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدِ اللَّهَ تَعَالَى ، وَلَا يُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً (2)

أرأيتم هذه الرحمة التي لا حدود لها ، وقد أعلنها الله تعالى في كتابه : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (3))ومن رحمته وشفقته أنّه كان يؤتى بالصبي ليدعو له بالخير ، أو يسمّيه ، فيأخذه ويضعه في حجره ، وربّما بال الصبي عليه ، فيصيح بعض من رآه بأهله ، فيقول النبي(صلی الله علیه وآله وسلم: «لا تَزْرِمُوا الصَّبِيَّ » ، ثمّ يفرغ لدعائه له ، ويترك ذلك سروراً لأهل الصبي ، ويقوم النبيّ فيغسل ثوبه وبدنه(4))وكان شديد الشفقة والرحمة لأهله وعياله . يقول أنس بن مالك خادمه : ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلم.)لقد كان النبيّ(صلّی الله علیه وآله وسلم مثالاً للرحمة والشفقة على جميع الناس ، من غير فرق بين)أهله وغيرهم.


1) التوبة 9 : 128 .

2) شرح السنّة : 13 : 214 . الشفا بتعريف بأحوال المصطفى : : 255. تفسير ابن كثير: 259 .

3) الأنبياء 21 : 107 .

4) بحار الأنوار: 66 : 426 .

7- التواضعومن معالي أخلاق المصطفى (صلّی الله علیه وآله وسلم التواضع ، وقد روى المؤرّخون صوراً رائعة)من تواضعه ، كان منها :1- مارواه عدي بن حاتم ، قال : دخلت على محمد وهو في المسجد ، فسلّمت عليه ، فقال : « مَنِ الرَّجُلُ ؟ » . قلت : عدي بن حاتم ، فقام فانطلق بي إلى بيته ، فلقيته امرأة ضعيفة كبيرة ، فاستوقفته ، فوقف طويلاً، وهي تكلّمه في حاجتها ، فقلت : والله ما هذا بملك ، ثمّ مضى بي إلى بيته ، فتناول وسادة من أدم محشوة ليفاً فقدمها لي ، وقال : « اجْلِسْ عَلَيْها » ، فقلت : «بل أنتَ» فجلست عليها ، فقال : « بَلْ أَنْتَ » ، فجلست عليها ، وجلس هو على الأرض ، فقلت في نفسي : والله ما هذا بملك (1)وكانت هذه طبيعته الابتعاد عن جميع مظاهر التكبر على النّاس .2- زار النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم سعد بن عبادة ، فلمّا انصرف عنه قدّم له سعد حماراً ، وأمر ابنه قيساً بمصاحبته ، فقال له النبي : «ارْكَبْ مَعِي » ، فأبي قيس ، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أَمَا أَنْ تَرْكَبَ ، وَأَمَا أَنْ تَنْصَرِفَ ... »(2))لقد كره النبي(صلی الله علیه وآله وسلم أن يركب وقيس يمشي خلفه ، فإنّ في ذلك إظهاراً للعظمة ،)وهو ينفر من ذلك.3 - وكان من تواضع النبي(صلی الله علیه وآله سلم أنّه خرج لبني النضير وقريظة وخيبر على حمار مخطوم بحبل من ليف، عليه إكاف من ليف، وهذا غاية التواضع ونكران الذات . إنّ التواضع من أبرز خُلق الرسول الله ، وقد استطاع بهذا الخلق الرفيع أن يكهرب النفوس ، ويستولي على مشاعر النّاس وعواطفهم .)8- الزهد في الدنيا


1) حياة المحرّر الأعظم الرسول الأكرم محمد (صلی الله علیه وآله وسلم): 3: 606.

2) السيرة النبوية / زيني دحلان : 2: 277 .

من صفات النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم الزهد في جميع متع الدنيا ، فقد آثر الفقر على الغنى ،)والضيق على السعة .وهذه بعض الروايات عن زهده :1 - روت عائشة أنّ النبي (صلی الله علیه وآله وسلم لم يمتلأ جوفه شبعاً قط ، ولم يبثّ شكوى إلى أحد ، وكانت الفاقة أحب إليه من الغنى، وإن كان يظلّ جائعاً يلتوي طول ليلته من الجوع ، فلم يمنعه ذلك من صيام يومه ، ولو شاء سأل ربه فآتاه جميع كنوز الأرض وثمارها ورغد عيشها ، ولقد كنت رحيمة مما أرى به ، فامسح بيدي على بطنه ممّا أرى به من الجوع ، فأقول : نفسي لك الفداء ، لو تبلغت من الدنيا ممّا يقوتك ؟)فيقول :«يا عائِشَةُ ، مَا لِيَ وَلِلدُّنْيا ؟ إِخْوانِي أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ صَبَرُوا عَلَى مَا أَشَدَّ مِنْ هذا ، فَمَضَوْا عَلى حَالِهِم ، فَقَدِمُوا عَلَى رَبِّهِمْ فَأَكْرَمَ مَابَهُمْ ، وَأَجْزَلَ ثَوابَهُمْ ، فَأَجِدُنِي اسْتَحْي إِنْ تَرَفُهُتُ فِي مَعِيْشَتي أَنْ يَقْصُرَ بِي غَدَاً ، وَما مِنْ شَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ اللحُوقِ بِإِخْوانِي وَأَخِلّاني»(1)2 - روی ابن عباس ، قال : كان رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم يبيت هو وأهله الليالي المتتابعة)طاوياً لا يجدون عشاءً» (2)3- دخل رجل على النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم فرآه جالساً على حصیر قد أثر في جسمه ، و وسادة من ليف أثرت في خدّه ، فجعل الرجل يقول : ما رضى بهذا کسری ولا قيصر ، إنّهم ينامون على الحرير والديباج ، وأنت على هذا الحصير ، فقال له)


1) أخلاق النبوة : 286 .

2) حياة المحرّر الأعظم الرسول الأكرم محمد عل الله : 1: 94 .

النبيّ : «ما أَنَا وَالدُّنْيا ، إِنَّما مَثَلُها كَمَثَلِ راكِبٍ مَرَّ عَلَى شَجَرَةٍ ، وَلَهَا فَيْءٌ فَاسْتَظَلَّ تَحْتَهَا ، فَلَمّا مَالَ الظَّلَّ عَنْهَا ارْتَحَلَ وَتَرَكَهَا »(1)4 - روت عائشة قالت : ما شبع رسول الله لها ثلاثة أيام تباعاً من خبز حتّى مضى لسبيله (2.)ه - روت عائشة ، قالت : كان فراش رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم الذي ينام عليه أدماً حشوه من ليف ، وقد توفّي صلوات الله عليه ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله ، وهو يدعو : « اللّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوْناً »(3))6 - أهدى رجل من الأنصار إلى النبي (صلی الله علیه وآله وسلم صاعاً من رطب قد حملته جاريته ،)فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم : «انظري هَلْ تَجِد في الْبَيْتِ قِصْعَةٌ أَوْ طَبَقَا فَتَأْتِيْنِي بِهِ » ؛ وذلك ليضع فيه الرطب ، فذهبت فلم تجد فيه شيئاً ، فأخبرت النبي بذلك ، فكنس موضعاً بثوبه ، وأمرها أن تضع الرطب فيه ، وقال :)«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْ كَانَتِ الدُّنْيا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى جَناحَ بَعُوضَةٍ ما أُعْطِيَ مِنْهَا الْكافِرُ وَالْمُنافِقُ شَيْئاً »(4)هذه نبذ يسيرة من زهد النبي (صلی الله علیه وآله وسلم في الدنيا ، فلم يحتو بيته على أي شيء من أثاث البيوت، وإنّما كان خالياً منها ، وقد اقتدى به وصيّه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين الله ، الذي طلّق الدنيا ثلاثاً حتّى وافاه الأجل ، ولم يخلف من حطام الدنيا صفراء ولا بيضاء ، وكان همه في أيّام حكومته إقامة العدل ، ونشر الرفاهية والخير بين المسلمين .)


1) حياة المحرّر الأعظم الرسول الأكرم محمد (صلی الله علیه وآله وسلم).

2) الشفا بتعريف حقوق المصطفى : 1 : 140 .

3) مسند أحمد بن حنبل : 2 : 446. سنن ابن ماجة : 2 : 387. فتح الباري : 11: 136 2 .

4) بحار الأنوار: 16: 456 .

9 - الحياءصفات النبي (صلی الله علیه وآله وسلم الحياء . قال أبو سعيد الخدري : كان رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) أشدّ حياءً من العذراء في خدرها)(1))وكان من شدّة حيائه أنّه لما فتح مكة التي كانت مركزاً للقوى المعادية له ، ولما دخلها حقت به قواته المسلّحة ، وهو مطأطأ برأسه إلى الأرض حياء وخجلاً من قريش التي جهدت على مناجزته ، فخاطبهم بناعم القول: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطلقاءُ».وكان من حيائه أنه لم يصرح باسم من يكرهه ، وإنّما يقول : « ما بالُ أَقْوامِ يَقُولُونَ أَوْ يَصْنَعُون كذا ... »(2)وكان يقول : « إِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذا أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ عَبْداً نَزَعَ مِنْهُ الْحَياءَ ، فَإِذا نَزَعَ مِنْهُ الْحَياءَ لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا مَقيتاً مُمْقِتاً ، فَإِذا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا مَقيتاً مُمْقِتاً نُزِعَتْ مِنْهُ الأَمانَةُ ، وَإِذا تُزِعَتْ مِنْهُ الأَمانَةُ لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا مُخَوَّنَاً نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ ، فَإِذَا نُزَعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا رَجيماً مُلَمَّناً نُزِعَتْ مِنْهُ رِبْقَةُ الإِسْلَامِ »(3)قال(صلی الله علیه وآله وسلم : الْحَياءُ وَالْإِيمَانُ مَقْرُونان في قَرْنٍ واحدٍ ، فَإِذا سُلِبٌ أَحَدُهُما تَبِعَهُ الآخرة »(4))وورث هذه الظاهرة سبطه الإمام زين العابدين وسيد الساجدين(علیه السلام ، وفيه يقول الفرزدق في رائعته :)


1) حياة المحرّر الأعظم الرسول الأكرم محمد عل الله : 1 : 98 .

2) تاريخ الإسلام الذهبي : 1 455 .

3) سنن ابن ماجة : :2 347 . كنز العمال: 3 : 119 .

4) معاني الأخبار: 410 .

يُغضى حَيَاءٌ وَيُغْضى مِنْ مَهَايَتِهِ *** فَما يُكَلَّمُ إِلَّا حينَ يَبْتَسِمُإنّ الحياء من أنبل الصفات، وهو ينمّ عن سموّ الذات ، وشرف النفس، وهو من الصفات الأصيلة لسيّد الأنبياء (صلّی الله علیه وآله وسلم.)10 - الجود والسخاءكان النبي (صلّی الله علیه وآله وسلم من أندى النّاس كفّاً ، وأكثرهم بّراً ، وقد ذكر الرواة بوادر كثيرة)من برّه وإحسانه ، كان منها :1- أٌتي بمال من البحرين ، فقال لأصحابه : «انْتُرُوهُ » ، فنثروه ، وكان أكثر مال أتي به إليه ، فخرج إلى المسجد ، فلما قضى الصلاة وزّعه على أصحابه ، ولم يبق لنفسه منه شيئاً (1)2- أهدت امرأة إليه بردة ، وكان محتاجاً لها، فلبسها ، فرآها رجل من أصحابه ، فقال : يا رسول الله ، ما أحسن هذه ؟ فقال : «تَعُمّ » ، ونزعها وأعطاها له (2)3 - سأل رجل النبي(صلّی الله علیه وآله وسلمفأعطاه غنماً سدّت ما بين جبلين ، فرجع إلى بلده مسروراً قد غمرته مبرة النبي(صلّی الله علیه وآله وسلم)، فقال لقومه : اسلموا ، فإنّ محمداً يعطي عطاء مَن لا يخشى الفاقة (3))4 - ردّ على هوازن سباياها ، وقد بلغت ستة آلاف(4)5- ومن جوده وبره أنّه لما رجع من حنين جاءت إليه الأعراب يسألونه أن يسعفهم من كرمه ، وقد اضطروه إلى شجرة وخطفوا رداءه ، فقال لهم : «أعطوني رِدائي ، لَوْ كانَ لي عَدَدَ هَذِهِ الْعِضَاءِ نِعَماً لَقَسَمْتُها بَيْنَكُمْ ، ثُمَّ لَا تَجِدُوْنِي بَخِيلاً ،


1) حياة المحرّر الأعظم الرسول الأكرم محمد (صلی الله علیه وآله وسلم): 1: 91 .

2) محمد المثل الكامل : 26 .

3) جواهر البحار في فضائل المختار: 1 : 41 .

4) جواهر البحار في فضائل المختار: 1 : 41 .

وَلَا كَذَاباً ، وَلَا جَباناً»(1)إنّ النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم لم يقتصر في معروفه على البؤساء ، وإنّما شمل الجميع ، ووصف الإمام أمير المؤمنين جوده وسخائه وباقي صفاته بقوله : «كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ كَفَاً، وَأَشْرَحَهُمْ صَدْراً ، وَأَصْدَقَ النَّاسِ لَهْجَةً ، وَالْيَنَهُمْ عَرَيْكَةً ... »(2))يقول شوقي في جوده:وَالبِرُّ عِنْدَكَ ذِمَّةٌ وَفَرِيضَةٌ *** لَا ذِمَّةٌ مَمنونَةٌ وَحِباءُوكان بنفسه يتولّى البرّ للفقراء ، ولا يوكّل أحداً بذلك تقول عائشة : ما رأيت رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم يكل صدقاته إلى غير نفسه حتى يكون هو الذي يضعها في يد السائل(3))لقد كان النبي(صلی الله علیه وآله وسلم من أجود النّاس ، وأبرهم ، كما قال ابن عباس ، وقد ورث هذه الظاهرة الكريمة سبطه وريحانته الإمام الحسن(علیه السلام) سيد شباب أه-ل الج-نة ، فكان لا يعرف للمال قيمة، سوى ما يردّ به جوع جائع ، أو يكسو به عارياً حتى لقب بكريم أهل البيت ، مع أنهم معدن الكرم .)11 - الإنابة إلى الله تعالىمن ذاتيات النبي (صلی الله علیه وآله وسلم الإنابة إلى الله تعالى ، والخوف الشديد منه . يقول الإمام)الصادق : « ما كانَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلى رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ أَنْ يَظَلَّ خَائِفاً جَائِعاً فِي اللَّهِ)عَزَّ وَجَلٌ »(4)روى ابن عمر ، قال : إنا كنا نعد في مجلس رسول الله له يقول مائة مرّة :


1) محمد المثل الكامل : 25 .

2) حياة المحرّر الأعظم الرسول الأكرم محمد عل الله : 1: 91.

3) حياة المحرّر الأعظم الرسول الأكرم محمد عل الله : 1: 91.

4) روضة الكافي : 63 .

رَبِّ اغْفِرْ لِيْ إِنَّكَ التَّوَابُ الْغَفُورُ(1)لقد أناب إلى الله تعالى ، وأرهق نفسه إرهاقاً شديداً في عبادته حتى نزل عليه الوحى بهذه الآية : ( طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2)، وقد فاق جميع الأنبياء بكثرة عبادته .)يقول الرواة : إنه كان دوماً يلهج بذكر الله تعالى ، فإذا أصبح قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثيراً عَلى كُلِّ حالٍ ، يردّد ذلك ثلاثمائة وستين مرّة ، وإذا أمسى قال مثل ذلك .(3)وكان يقول : « خَيْرُ الْعِبادَةِ قَوْلِ : لَا إِلَهَ إِلَّا الله »(4)وقال الإمام الصادق(علیه السلام :« إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مَجْلِسِهِ وَإِنْ خَفَّ حَتَّى يَسْتَغْفِرِ الله عَزَّ وَجَلَّ خَمْساً وَعِشْرِينَ مَرَّةً »(5))وكان في كلّ يوم يستغفر الله عزّ وجلّ سبعين مرّة ، ويضيف إلى الاستغفار : «وَأَتُوبُ إِلَيْهِ»(6)وروی ابن مسعود ، قال : قرأت على رسول الله (صلّی الله علیه وآله وسلم من سورة النساء ، فلمّا بلغت هذه الآية : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيداً ) (7)، ففاضت عيناه من الدموع (8))لقد تعلّق النبيّ (صّلی الله علیه وآله وسلم بالله ، وتفاعل حبّه بمشاعره وعواطفه ، وهو ناجم عن معرفته)


1) روضة الكافي : 63 .

2) طه 20 : 1 و 2 .

3) أصول الكافي : 2 : 489 .

4) أصول الكافي : 2 : 506 .

5) أصول الكافي : 2 : 504

6) أصول الكافي : 2 : 05 .

7) النساء 41:4 .

8) مسند أحمد بن حنبل : 1 : 374 .

الكاملة بالله تعالى خالق الكون وواهب الحياة .12 - الشجاعةكان النبي(صّلی الله علیه وآله وسلم أشجع الناس ، وأقواهم شكيمة، وتحدّث الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) عن شجاعة النبي (صّلی الله علیه وآله وسلم) بقوله :)«إِنَّا كُنَّا إِذا اشْتَدَّ الْبَأْسُ ، وَاحْمَرَّتِ الْحَدَقُ ، أَنقَيْنا بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَمَا يَكُونُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى الْعَدوِّ مِنْهُ ، وَلَقَدْ رَأَيْتَنِي يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَلُوذُ بِهِ ، وَهُوَ أَقْرَبُ مِنَا إِلَى الْعَدُوِّ ، وَكانَ مِنْ أَشَدَّ النَّاسِ بَأْساً »(1)وروى العبّاس عن شجاعة النبي(صّلی الله علیه وآله وسلمبقوله : لما التقى المسلمون والكفار ي-وم حنين ولّى المسلمون مدبرين ، فطفق رسول الله(صّلی الله علیه وآله وسلم) يركض ببغلته نحو الكفّار وأنا أخذ بلجامها ، أكفّها أن لا تسرع ...(2))ودلّ ذلك على استهانته بالقوى المكثّفة التي أحاطت بالمسلمين من جميع جهاتهم في واقعة حنين .وقال عمر بن حصين ما لقي رسول الله (صّلی الله علیه وآله وسلم كتيبة إلا كان أوّل مَن يضرب ، ولما رآه أبي بن خلف يوم أحد جعل يقول : أين محمد لا نجوت إن نجا ، ولمّا شاهده شد عليه ، فاعترضه رجال ، فأمرهم النبي أن يخلّوا عنه ، وتناول النبي حربة من الحارث فطعنه في عنقه طعنة كانت تهوي به عن فرسه ، ثم انهزم ، وقفل راجعاً إلى قريش ، رافعاً عقيرته قائلاً: قتلني محمد ، وهم يقولون له : لا بأس بك ، فقال : لو كان جميع النّاس لقتلهم محمّد ، قد قال : أنا أقتلك ، والله لو بصق)


1) جواهر البحار في فضائل النبي المختار : 1: 43 .

2) فتح الباري : 8 28 صحيح البخاري : 4 37 سنن أبي داود : 3: 50. مسند أبي عوانة : 4:276.

علَيَّ لقتلني ، ثم هلك بسرف(1، (2))إنّ شجاعة الرسول الله (صّلی الله علیه وآله وسلم من البطولات النادرة في التاريخ .)وقد ورث هذه الشجاعة النادرة سبطه أبو الأحرار الإمام الحسين(علیه السلام ، فقد توسط في ساحة الحرب وقد أحاطت به العصابات المجرمة من كل جانب ، فلم يحفل بها ، فإذا حمل عليها فرّت من بين يديه فرار المعزى إذا شدّ فيها الذئب - على حدّ تعبير الرواة - ولما سقط صريعاً في ميدان الشرف والك-رام-ة خ-اف ذلك الجيش المنحط من الدنو منه وجبنوا .)يقول السيّد حيدر:فَما أَجْلَتِ الحَرْبُ عَنْ مِثْلِهِ *** صَرِيعاً يُجَبْنُ شُبْعانَها13 - حب ّالفقراءومن معالي أخلاق النبي (صّلی الله علیه وآله وسلم حته العارم للفقراء ، فكان أباً ، وحصناً ، وملاذاً ، وكهفاً لهم ، وقد وجدوا في كنف مراعاته من البرّ ما لا يوصف ، وقد أثرت عنه الكثير من الأخبار في الحث على الإحسان لهم ، وقد جعل لهم نصيباً مفروضاً في أموال الأغنياء ، فشرع الزكاة لتنفق عليهم ، وكان يدعو الله تعالى أن يحشره في زمرتهم ، فقد روى أبو سعيد قائلاً: سمعت رسول الله (صّلی الله علیه وآله وسلم)يدعو : «اللهُمَّ أَحْيني مِسْكِيناً ، وَتَوَفَّنِي مِسْكِيناً ، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ ، وَإِنَّ أَشْقَى الْأَشْقِياءِ مَنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَقْرُ الدُّنْيا وَعَذابُ الْآخِرَةِ »(3))وروى أنس : أنّ النبي (صّلی الله علیه وآله وسلم قال : «اللهم أحيني مِسْكيناً ، وَاحْشُرني في زُمْرَةِ)


1) سرف موضع على ستة أميال من مكة . معجم البلدان : 3 : 239 .

2) تاريخ الأمم والملوك : 2 : 67. الثقات / ابن حبان : 1 : 229 .

3) المستدرك على الصحيحين : 2 : 56 .

المَساكِينِ يَوْمَ الْقِيامَةِ » ، فانبرت إليه عائشة قائلة : لم يا رسول الله ؟فقال لها :«إِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَريفاً . يا عَائِشَةُ ، لَا تَرُدَى الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ . يا عَائِشَةُ ، أَجِنِّي الْمَسَاكِيْنَ ، وَقَرَّبِيْهِمْ ، فَإِنَّ اللهَ يُقْرِّبُكَ يَوْمَ الْقِيامَةِ »(1)14 - العدلأما العدل فهو من معالي أخلاق النبي (صّلی الله علیه وآله وسلم وسموّ ذاته ، فقد فُطر عليه ، وهو من أهم بنود رسالته المشرقة الهادفة إلى نشر العدالة الاجتماعية بين الناس ، وقد قال له بعض جهلاء العرب :)اعدل با محمّدفردّ عليه : «وَيْحَكَ ، فَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ ... لَقَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِذا لَمْ أَعْدِلْ ...» (2)وكان من أنه لا يأخذ أحداً بقَرَف أحد ، ولا يصدّق أحداً على أحد ، وقد نشر العدل بجميع رحابه وصنوفه بين النّاس ، فلم يميّز أحداً على أحد ، وساوى بين الجميع في الحقوق والواجبات ، ولم يستثن منهم أي أحد، وأقام نظامه على أروع صور العدل الذي فيه حياة النّاس ، وصيانة حقوقهم وأمنهم ورخائهم(3)15 - الأريحيّةوظاهرة أخرى من أخلاق النبي (صّلی الله علیه وآله وسلم الأريحية ، وملاطفة الناس ، بما تطيب به)


1) صحيح الترمذي : 2 : 56

2) الشفا : 1 : 223 .

3) حياة المحرّر الأعظم الرسول الأكرم محمد عل الله : 1: 106 .

نفوسهم ، وهذه بعض البوادر التي أثرت عنه :1 - جاءه شخص وفيه بله ، فقال : يا رسول الله ، احملني ، فقال له : «أَحْمِلُكَ عَلَى ابْنِ النَّاقَةِ ، ، فأنكر ذلك ، وقال له : ما عسى أن يغني عني ابن الناقة ؟ فأجابه الرسول ببسمات : هَلْ يَلِدُ الْجَمَلُ إِلَّا ابْنَ النّاقَةِ »(1)2 - جاءته عجوز تطلب منه أن يدعو الله تعالى لها بالجنّة ، فقال لها : «إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُها عَجُوْزٌ » ، فولت باكية ، فقال (صّلی الله علیه وآله وسلم: « أَخْبِرُوها أَنَّ الْجَنَّةَ لَا تَدْخُلُهَا عَجُوزٌ ،): إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكاراً * عُرْباً أَتْرَاباً (2)، (3))3 - كان خوات بن جبير الأنصاري يجوب في أطناب البيوت قبل الإسلام فيزني بالنساء ، فإذا سئل عن شأنه يجيب أنّ له ناقة ضالة يفتش عنها ، وأسلم خوّات على يد النبي (صّلی الله علیه وآله وسلم ، وبعد فترة التقى بالنبي ، فسلّم عليه ، فقال له النبي مداعباً : «ما فَعَلَ جَمَلكَ الشَّرُودُ».)فأجابه خوّات بأدب : عقله الإسلام يا رسول الله(4)4 - أصبح النبي (صّلی الله علیه وآله وسلممتغيّر اللون ، فقال بعض أصحابه : لأضحكنه ، وخف نحوه فقال له : بأبي أنت وأمى ، بلغني أنّ الدجّال يخرج والنّاس جياع فيدعوهم إلى الطعام ، أفترى إن أدركته أن أضرب في ثريده ، حتّى إذا تضلّعت آمنت بالله تعالى وكفرت به ، أم أتنزّه عن طعامه ؟ فضحك النبي (صّلی الله علیه وآله وسلم) ، وكان ضحكه التبسم ، وقال له :«بَلْ يُغْنِيْكَ اللهُ تَعَالَى بِما يُغْنِي الْمُؤْمِنِينَ »(5))


1) نثر الدرر : 2 133 . المستطرف : 2 : 263 .

2) الواقعة 56 : 36 و 37 .

3) محاضرات الراغب : 1 : 282 .

4) نثر :الدرر :2 132 . التذكرة الحمدونية : 1 : 362 .

5) نثر الدرر 2 132 .

وكثير من أمثال هذه البوادر ذكرت في سيرته (صّلی الله علیه وآله وسلم ، وهي تعطي أمثلة عن سموّ أخلاقه ، ومسايرته للناس بما يصلح شؤونهم ، ويقيم طباعهم .)هذه صور موجزة عن مكارم أخلاق الرسول (صّلی الله علیه وآله وسلم التي ملك بها القلوب والعواطف، وغير طباع قومه التي كانت شبيهة بأخلاق الحيوانات .)

## أخلاقُ العِتْرَةُ الطَّاهِيّة (علیه السلام)### اشارةالمؤكّد أنّ العترة الطاهرة التي أذهب الله تعالى عنها الرجس وطهرها تطهيراً كانت تحكي طباع رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم ، ومكارم أخلاقه ،)وتشابهه بجميع صفاته ، فهي صورة صادقة عنه ، تحمل أفكاره وذاتيّاته ، وقد ساهمت مساهمة إيجابية في نشر الأخلاق الإسلامية وإشاعتها بين الناس ، وهذا عرض لبعض ما أثر عنهم من سموّ الأخلاق ومحاسن الصفات :

### الأمام على(علهی السلام)

أما الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام ، فهو أخو النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) ، وباب مدينة علمه ، وأبو سبطيه . ومَن كان منه بمنزلة هارون من موسى ، وقد غذاه النبي بمكارم أخلاقه ، وسكب في نفسه مثله وقيمه التي استوعب شذاها العالم بأسره ، وقد أقامه علماً وإماماً لأمته ليقيم أودها ، ويهديها للتي هي أقوم .)وكانت أخلاق الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام كأخلاق أخيه وابن عمه الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم)في إشراقها ونضارتها وسلامتها من الدوافع المادية التي يؤول أمرها إلى الزوال . إنّ مكارم الأخلاق كانت من أبرز صفات الإمام ، فدعا إليها ، وطبّقها على واقع حياته ، وهذا عرض لذلك :)### مكَارِمُ الأَخْلَاقِوتبنَى الإمام (علیه السلام بصورة إيجابية الدعوة إلى التحلّي بمكارم الأخلاق التي يسمو بها الإنسان ، وقد حفل نهجه بالكثير من وصاياه بذلك ، كان منها :)1 - وصيّته(علیه السلام لولده الحسن (علیه السلام))«يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَانَا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ ، وَاكْرَه لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا ، وَلَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ،

وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ ، وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ ، وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مَنْ نَفْسِكَ ، وَلَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ وَإِنْ قَلَّ مَاتَعْلَمُ ، وَلَا تَقُلْ مَا لَا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ ، وَافَةُ الْأَلْبَابِ ، فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ ، وَلَا تَكُنْ خَازِنَا لِغَيْرِكَ ، وَإِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ »(1)وضع الإمام هذه الفقرات عن محاسن الأخلاق التي يتحلى بها الإنسان ، وهي :1- أن يجعل الإنسان نفسه ميزاناً فيما بينه وبين غيره، فيحبّ له ما يحبّ لنفسه من الخير ، ويكره له ما يكره لها من الشر. ومن الطبيعي أنّ هذه الظاهرة الفذة إذا سادت في المجتمع فإنّه يبلغ القمة في كماله وتماسكه 2 - التحذير من ظلم الغير والاعتداء عليه ، فكما أن الإنسان يشجب من ظلمه ، كذلك عليه أن يحمل هذا الشعور مع غيره .3- على الإنسان أن يحسن للغير كما يحبّ أن يُحسن إليه4 - أن يستقبح الإنسان الأعمال السيّئة التي تصدر منه ، كما يستقبح صدورها من غيره ، كما عليه أن يرضى من الناس ما يرضاه لنفسه .ه - ليس للإنسان أن يقول ويحكم بغير علم ، فإنّه يؤدي ذلك إلى الأضرار البالغة له ولغيره .6- نهى الإمام (علیه السلام من إعجاب الإنسان بنفسه ، فإنّه من رذائل الصفات التي تهبط بالإنسان إلى مستوى سحيق .)7- حذر الإمام (علیه السلام من الإفراط في جمع الأموال ، فإنّه يجرّ له الويل والعطب ، خصوصاً إذا لم يؤد حقوق الله تعالى منها ، فإن الوزر يكون عليه ، والمهنأ بها غيره (2))


1) نهج البلاغة : 3: 46 ، خطبة 32 .

2) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الله : 5: 23 و 24 .

2 - وصيّته(علیه السلام لولده الحسين (علیه السلام))أوصى الإمام أمير المؤمنين(علیه السلام ولده الإمام الحسين سيد الشهداء(علیه السلام) بالوصيّة التالية الحافلة بمكارم الأخلاق ، والمستوعبة لجميع الفضائل التي يسمو بها الإنسان ، وهذه بعض بنودها:)«يا بُنَيَّ ! أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ فِي الْغِنى وَالْفَقْرِ، وَكَلِمَةِ الْحَقِّ فِي الرّضى وَالْغَضَبِ، وَالْقَصْدِ فِي الْغِنى والْفَقْرِ، وَبِالْعَدْلِ عَلَى الصَّدِيقِ وَالْعَدُوِّ ، وَبِالْعَمَلِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَالرّضى مِنَ اللَّهِ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ ».وحفلت هذه الكلمات بأمور بالغة الأهميّة ، وهي :1- الحثّ على تقوى الله تعالى ، ولزوم طاعته في جميع الأحوال والأوقات ، فإنّها من سبل السعادة والنجاة .2 - اتّباع الحق في جميع الأوقات والأحوال.3 - القصد في الغنى والفقر، وعدم الإسراف والتبذير في الحالين .4 - اتّباع العدل ، سواء أكان مع الصديق أم مع العدوّ.5- السعي في العمل وعدم الكسل .6 - الرضا بقضاء الله تعالى في الشدّة والرخاء .ويواصل الامام(علیه السلامو وصيّته إلى ولده الإمام الحسين (علیه السلام) قائلاً :)«وَاعْلَمْ أَيْ بُنَيَّ ! إِنَّهُ مَنْ أَبْصَرَ عَيْبَ نَفْسِهِ شُغِلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ، وَمَنْ رَضِيَ بِقَسْمِ اللهِ لَمْ يَحْزَنْ عَلى ما فاتَهُ. وَمَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ. وَمَنْ حَفَرَ بِثَراً لِأَخِيهِ وَقَعَ فِيهَا . وَمَنْ هَتَكَ حِجَابَ غَيْرِهِ انْكَشَفَتْ عَوْراتُ بَيْتِهِ . وَمَنْ نَسِيَ خَطِيئَتَهُ اسْتَعْظَمَ خَطِيئَةَ غَيْرِهِ. وَمَنْ كَابَدَ الْأُمُورَ عَطَبَ. وَمَنِ

46اقْتَحَمَ الْغَمَرَاتِ غَرِقَ».وحفل هذا المقطع بغرر الحكم التي تستقيم بها حياة الإنسان، وتبعده عن المهالك ، وآثام الحياة ، وتفتح له الطريق ليعيش في أمن ورخاء وسلام بعيداً عن مشاكل الحياة . ومن فصول هذه الوصيّة قوله :« وَمَنْ أَعْجِبَ بِرَأْيِهِ ضَلَّ . ومَنْ اسْتَغْنى بِعَقْلِهِ زَلَّ. وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى النَّاسِ ذَلِ. وَمَنْ سَفِهَ عَلَيْهِمْ شُتِمَ. وَمَنْ دَخَلَ مَداخِلَ السَّوْءِ اتُّهِمَ. وَمَنْ خَالَطَ الأنذال حُقِّرَ . وَمَنْ جَالَسَ الْعُلَمَاءَ وَقَرَ » (1)أرأيتم هذه الحكم القيّمة التي هي من أروع البرامج للحياة الرفيعة التي تسودها الأخلاق الفاضلة ، والتي ترفع الإنسان إلى مدارج العظماء والأولياء .3- وصيّته (علیه السلام للحارث)زوّد الإمام (علیه السلام صاحبه الحارث الهمداني بوصيّة حفلت بمحاسن الأخلاق ، ومكارم الصفات، ومن فصولها هذه الكلمات المشرقة :)قال (علیه السلام : « وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ ، وَيُكْرَهُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يُعْمَلُ بِهِ فِى السِّرِّ ، وَيُسْتَحَى مِنْهُ فِى الْعَلَانِيَةِ ، وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْكَرَهُ أَوِ اعْتَذَرَ مِنْهُ . وَلَا تَجْعَلْ عِرْضَكَ غَرَضاً لِنِبَالِ الْقَوْلِ ، وَلَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِكُلِّ مَا سَمِعْتَ بِهِ ، فَكَفَىٰ بِذَلِكَ كَذِباً. وَلَا تَرُدَّ عَلَى النَّاسِ كُلَّ مَا حَدَّثُوكَ بِهِ ، فَكَفَىٰ بِذَلِكَ جَهْلاً. وَاكْظِمِ الْغَيْظَ ، وَتَجَاوَزْ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ ، وَاحْلُمْ عِنْدَ الْغَضَبِ » (2))لقد حذّر الإمام(علیه السلامالحارث من هذه المساوئ التي تهوي بالإنسان إلى مستوى)


1) ينابيع المودة : 3 : 448.

2) نهج البلاغة : 3 : 129 ، خطبة 69 .

سحيق ، كما أمره بالاتصاف بكظم الغيظ ، والحلم عند المقدرة .إنّ الحِكم الرفيعة التي أوصى بها الإمام (علیه السلام هي من معالي الأخلاق ، ومن أسمى الصفات التي يشرف بها الإنسان، وتجعله في قمّة الأفذاذ ... هذا بعض ما أثر عن الإمام (علیه السلام)من الحكم الأخلاقية .)### محارم اخلاقةونعود للحديث عن معالي أخلاق الإمام (علیه السلام، فمن المؤكد أنّه لم يشابهه فيها أي أحد من الأسرة النبوية ، ولا من الصحابة ، فقد تفرد بالفضائل والمآثر وسموّ الذات، فقد ميّزه الله تعالى وفضله على كثير من خلقه تفضيلاً.)ونلمح - بإيجاز - إلى بعض ما أثر عنه من معالي الأخلاق :1 - حلمه (علیه السلام)أما الإمام(علیه السلام فهو من أحلم الناس ، ومن أكثرهم كظماً للغيظ ، فلم يثأر من أى أحد اعتدى عليه ، أو أساء له ، وإنما كان يقابل المسيء بالصفح والإحسان ؛ ليقلع روح الشرّ من نفسه ، وقد شابه أخاه وابن عمّه الرسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) بهذه الصفة الكريمة ، فقد قابل بالصفح المعتدين عليه من أهل مكة الذين هم من ألد أعدائه ، وقال لهم بعد فتح مكة -: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطَّلَقَاءُ». على هذا النهج سار وصيه وياب مدينة علمه ، فقابل خصومه بالعفو والإحسان .)بوادر من حلمه (علیه السلام)ذكر الرواة بوادر كثيرة من حلم الإمام (علیه السلام تنمّ عن نفسه العظيمة التي خلقها الله تعالى لتكون مشكاة نور لعباده تهديهم للتي هي أقوم ، وهذه نفحات منها :)1 - دعا الإمام الله غلاماً له فلم يستجب له ، وكرّر دعوته له ، فلم يجبه ، فقال له :

«ما حَمَلَكَ عَلَى تَرْكِ إِجَابَتِي ؟».فردّ عليه الغلام قائلاً : كسلت عن إجابتك ، وأمنت عقوبتك .وفرح الإمام (علیه السلام وراح يقول :)«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَني مِمَّنْ يَأْمَنُهُ خَلْقُهُ، امْضِ فَأَنْتَ حُرِّ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى»(1)2- قصده أبو هريرة ، وكان معروفاً بانحرافه عنه ، ومتجاهراً ببغضه ، فسأله حاجة فقضاها له، فعاتبه بعض أصحابه على ذلك ، فقال :«إِنِّي لَأَسْتَحي أَنْ يَغْلِبَ جَهْلُهُ حِلْمِي ، وَذَنْبُهُ عَفْوِي ، وَمَسْأَلْتُهُ جُوْدي »(23 - كان ابن الكواء من الخوارج ، وكان يجاهر بسب الإمام ، ويعلن شتمه أمامه ، فلم يقابله بالمثل ، ولم يعاقبه ، وإنّما تلا عليه الآية : ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (3)، وأعاد هذا الانسان الممسوخ الآية على الإمام ، فأجابه : (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ) (4)، ولم يتخذ معه أي إجراء صارم فيوعز باعتقاله وتأديبه .)4 - ومن عظيم حلمه أنّه بعد ما ظفر بعائشة بعد فشلها في حرب الجمل وهي من ألد أعدائه ، ومعها مروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير وغيرهما من الذين أشعلوا نار الحرب ، وأعلنوا التمرّد والعصيان المسلّح على حكومته ، فعفا عنهم جميعاً، وسرّح عائشة سراحاً جميلاً، وجهزها جهازاً حسناً ، وهكذا كانت سيرته الصفح والإحسان لمن أساء إليه .يقول ابن أبي الحديد عن حلم الإمام : « وأما الحلم والصفح ، فكان أحلم النّاس


1) أمالي المرتضى : 1 : 525 مناقب آل أبي طالب : 1 : 380 .

2) مناقب آل أبي طالب : 1 : 380 .

3) الزمر 39: 65 .

4) الرُّوم 30 : 60 .

عن المذنب ، وأصفحهم عن المسيء ، وقد ظهر حجّة ما قلناه يوم الجمل ، حيث ظفر بمروان بن الحكم ، وكان من أعدى الناس ، وأشدّهم بغضاً له ، فصفح عنه .وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس الأشهاد ، وخطب يوم البصرة ، فقال : أتاكم الوغد الليثم علي بن أبي طالب .. وكان علي(علیه السلام يقول : « مَا زَالَ الزُّبَيْرُ رَجُلاً مِنا أَهْلَ الْبَيْتِ حَتَّى شَبَّ عَبْدُ اللهِ» ، ولمّا ظفر به يوم الجمل صفح عنه ، وقال له : «اذْهَبْ فَلَا أَرَيَنَّكَ ، ، ولم يزد على ذلك .)وظفر بسعيد بن العاص بعد واقعة الجمل بمكة، وكان له عدوّاً ، فأعرض عنه ولم يقل له شيئاً »(1)ه- ومن عظيم صفحه وحلمه أن معاوية لما زحف لحرب الإمام في صفّين، استولت قواته على حوض الفرات ، فلما جاء الإمام مع جيشه وجد حوض الفرات قد احتلته جيوش معاوية ، فطلب الإمام منهم أن يسمحوا لجيشه بالتزود من الماء ، فامتنعوا من إجابته ، وقالوا : لا والله ، ولا قطرة حتى تموت ظماً كما مات ابن عفان . وأوعز الإمام إلى قواته باحتلال الفرات ، فاحتلته ، وانبرى بعض أصحاب الإمام قائلاً يا أمير المؤمنين ، امنعهم الماء كما منعوك ، ولا تسقهم منه قطرة واحدة ، واقتلهم بسيف العطش ، وخذهم قبضاً بالأيدي ، فلا حاجة لك في الحرب . وامتنع الإمام من إجابتهم ، فقال : « لَا وَاللهِ لَا أَكافِتُهُمْ بِمِثْل فِعْلِهِمْ ، افْسَحُوا لَهُمْ عَنِ الشَّرِيعَةِ فَفِي حَدِّ السَّيْفِ ما يُغْنِي عَنْ ذلِكَ »(2)6- ومن عظيم حلمه وسموّ ذاته أنّه في يوم من أيام صفين ظفر بعمرو بن العاص ، وهو العقل المدبر في حكومة معاوية ، فلما رأى هذا الجبان الماكر أنّ الإمام قد أقبل عليه بسيفه کشف عورته ، فخجل منه الإمام وأشاح بوجهه عنه .


1) شرح نهج البلاغة : 1 : 23 .

2) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : 1: 112 - 115.

هذه بعض البوادر من حلمه وعفوه التي دلّت على نفس ملائكية قد تغذّت بقيم النبوّة ومكوّناتها .2 - تواضعه (علیه السلام)من ذاتيّات الإمام (علیه السلام، ومن محاسن أخلاقه التواضع ، ولكن للفقراء والمستضعفين لا للأغنياء والمتكبّرين ، وقد شابه بذلك أخاه وابن عمّه الرسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ، فقد كان أباً للفقراء والمحرومين ، وهذه شذرات من تواضعه :)1- وفد عليه رجل مع ابنه وحلّا عنده ضيفاً ، فأمر لهما بطعام ، وبعد الفراغ من تناولهما له بادر الإمام ، فأخذ إبريقاً ليغسل يد الأب ، ففزع الرجل ، وقال : كيف يراني الله وأنت تصب الماء على يدي ؟فأجابه الإمام برفق ولطف :«إِنَّ اللهَ يَرَانِي أَخَاكَ الَّذِي لَا يَتَمَيَّزُ مِنْكَ ، وَلَا يَتَفَضَّلُ عَنْكَ ، وَيَزِيدُنِي بِذلِكَ مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ».أي روح ملائكية هذه الروح ! وأي سموّ في الذات مثل هذا السمو ؟ ! إنّ الإنسانية لتنحني إجلالاً وإكباراً إلى هذا الخُلق الرفيع .وانصاع الرجل إلى كلام الإمام ، فمد يده ، وصبّ عليها الماء ، ولما فرغ ناول الابريق إلى ولده محمّد بن الحنفية ، وقال له :«لَوْ كانَ هذَا الْإِبْنُ حَضَرَنِي دُونَ أَبِيهِ لَصَبَبْتُ الْمَاءَ عَلى يَدِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ يَأْبى أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الْإِبْنِ وَأَبِيهِ » .وانبری محمّد فغسل يد الولد (1)


1) مناقب آل أبي طالب : 1 : 373 .

وهذه الأخلاق العلوية مقتبسة من أخلاق الرسول الأعظم (صلی الله علیه وآله وسلم الذي بعثه الله تعالى ليتمم مكارم الأخلاق .)2 - من تواضع الإمام (علیه السلام أنه اجتاز في رجوعه من صفّين على دهاقين الأنبار ، فقابلوه بمزيد من التعظيم والتكريم ، فأنكر الإمام ذلك ، وقال لهم :)« وَاللهِ ! ما يَنْتَفِعُ بهذا أَمَرَاؤُكُمْ وَإِنَّكُمْ لَتَشُقُونَ بِهِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَتَشْقُونَ بِهِ عَلى آخِرَتِكُمْ . وَمَا أَخْسَرَ الْمَشَقَّةَ وَراءَها الْعِقابُ، وَما أَرْبَحَ الرّاحَةَ مَعَها الأَمانُ مِنَ النَّارِ»(1)إنّ المهرجانات الشعبية من الزينة والتصفيق والتهليل الذي تقيمه الشعوب إلى ملوكها ورؤساء جمهورياتها في عرف الإمام ضلال وانحراف عن الحق ، وأن الرؤساء كبقية أفراد الشعب ، لا ميزة لهم عليهم.يقول الرواة : إنّه لما قدم من حرب الجمل اجتاز على المدائن فهرع أهلها لاستقباله ، وعلت زغردة النساء ، فذهل(علیه السلام، وسألهم عن ذلك ، فقالوا له : إنا نستقبل ملوكنا بمثل ذلك ، فقال لهم الإمام بما مضمونه : إنّه ليس ملكاً وإنّما هو كبقية المواطنين ، لا ميزة له عليهم سوى أنه يقيم الحق والعدل في البلاد ، ومكث جالساً في مكانه لم ينصرف حتى انصرف الناس إلى أعمالهم (2))3- ومن تواضعه أنّه لا يسمح لأي أحد أن يسير خلفه ، لا من الشرطة ولا من غيرهم ، فقد سار ا وتبعه بعض أصحابه ، فالتفت إليهم وقال :« أَلَكُمْ حاجَةٌ ؟».فقالوا :لا ، ولكن نحبّ أن نمشي معك .


1) مناقب آل أبي طالب 1: 372 .

2) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الا : 11: 35.

فزجرهم ، وأمرهم بالانصراف إلى منازلهم قائلاً:«ارْجِعُوْا .. النَّعالُ خَلْفَ أَعْقابِ الرِّجالِ مَفْسَدَةٌ لِقُلُوبِ النَّوْكى (1» (2))إنّ هذه الأخلاق الرفيعة هي أخلاق الأنبياء العظام وأوصيائهم ، وقد مثّلها إمام المتّقين ، وسيّد الوصيين الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام بسلوكه وسيرته .)وذكر الرواة صوراً مشرقة من تواضعه في أيام حكومته .3- عيادته (علیه السلام للمرضى)من معالي أخلاق الإمام (علیه السلام عيادته للمرضى ، وكان يحفز أصحابه على ذلك ، فقد قال لهم : «مَنْ أَتَى أَخَاهُ الْمُسْلِمَ يَعُودُهُ مَشى فِي خُرافَةِ الْجَنَّةِ (3)، فَإِذا جَلَسَ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ »(4))وكان إذا سمع أحداً من أصحابه مريضاً بادر لعيادته ، وقد عاد كوكبة من المرضى ، كان منهم :1 - عاد شخصاً مريضاً ، فقال له :«جَعَلَ اللهُ مَا كَانَ مِنْ شَكْوَاكَ حطّاً لِسَيِّئَاتِكَ ، فَإِنَّ الْمَرَضَ لَا أَجْرَ فِيهِ ، وَلَكِنَّهُ يَحُطُّ السَّيِّئَاتِ ، وَيَحُتُهَا حَتَّ الْأَوْرَاقِ. وَإِنَّمَا الْأَجْرُ فِي الْقَوْلِ بِاللَّسَانِ، وَالْعَمَلِ بِالْأَيْدِي وَالْأَقْدَامِ ،»(5.)2 - مرض صعصعة ، وهو من خلّص أوليائه ، فأطرى عليه الإمام قائلاً:


1) النوكى : الحمقى .

2) ربيع الأبرار : 4: 131 .

3) خرافة الجنّة : ثمارها .

4) ربيع الأبرار : 4 : 127 .

5) ربيع الأبرار : 4 : 131 .

«وَاللهِ مَا عَلِمْتُكَ إِلَّا خَفِيفَ الْمُؤُونَةِ ، حَسَنَ الْمَعُونَةِ ».فأجابه صعصعة وأنت يا أمير المؤمنين، إن الله في عينك لعظيم ، وإنّك بالمؤمنين لرحيم ، وإنّك بكتاب الله لعليم .ولمّا أراد الإمام (علیه السلامالخروج قال له :)«يا صَعْصَعَةُ ، لَا تَجْعَلْ عِيادَتِي فَخْراً عَلَى قَوْمِكَ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُوْرٍ »(1)لقد تنكّر الإمام لجميع ألوان الفخر ، ومظاهر العظمة ، وآمن إيماناً مطلقاً بأنّ الذي يستحقّ العظمة إنّما هو الله تعالى لا غيره .4 - كراهته (علیه السلامللمدح)كان الإمام (علیه السلام يسأم المدح والإطراء ، وكان يقول لمن أطراه :)«أَنَا دُونَ مَا تَقُولُ ، وَفَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ »وإذا أطرى عليه رجل قال له :«اللهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْهُ ، وَأَنا أَعْلَمُ مِنْهُ بِنَفْسِي ، فَاغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُ »(2)ه - الصراحة والصدقوالشيء البارز في أخلاق الإمام (علیه السلام التزامه المطلق بالصراحة والصدق في جميع شؤون حياته ، فلم يوارب، ولم يخادع ، ولم يداهن في دينه ، وسار على منهاج أخيه وابن عمه رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، ولو أنه اعترف بالأعراف السياسية القائمة)


1) ربيع الأبرار : 4 : 132 .

2) أمالي المرتضى : 1: 274 .

على الكذب لما آلت الخلافة إلى عثمان بن عفان عميد الأسرة الأموية ، فقد الحَ عليه عبد الرحمن بن عوف العضو البارز في الشورى العمرية أن يبايعه بشرط أن يسير بسيرة الشيخين ، فرفض ذلك رفضاً باتاً ؛ لأنها لا تتفق مع الكتاب والسنة ، وصارحه الإمام أن يسوس الأمّة على ضوء كتاب الله وسنّة نبيه ، وليس غيرهما من رصيد يستند إليه في عالم السياسة الإسلامية ، لقد أبي ضميره أن يخادع أو يماكر في سبيل الوصول إلى السلطة التي تهالك على الظفر بها عيون الأمّة ، وقدّموا أنهاراً من الدماء في سبيل الوصول إليها لينعموا في خيرات البلاد.لقد زهد الإمام في جميع مغريات الحكم والسلطان ، وكان كثيراً ما يتنفّس الصعداء من الآلام التي صبّها القرشيّون عليه ، وقد سمعه الناس يقول :« وا وَيْلَاهُ ، يَمْكُرُونَ بي ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّى بِمَكْرِهِمْ عَالِمٌ ، وَأَعْرَفُ مِنْهُم بِوُجُوهِ الْمَكْرِ ، وَلكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الْمَكْرَ وَالْخَدِيْعَةَ فِي النّارِ ، فأصْبِرُ عَلَى مَكْرِهِمْ ، وَلَا أَرْتَكِبُ مِثْلَ ما ارْتَكَبُوا »(1)إنّ الذي منعه أن يسير على وفق السياسة الماكرة أنها في النار ، وقد ردّ سلام الله عليه على من قال فيه أنّه لا دراية له في الشؤون السياسية ، وأن معاوية خبير بها ، قال (علیه السلام:)«وَاللهِ : مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنّي ، وَلَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ . وَلَوْلَا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ»(2)وقد أنكر على بعض الساسة الذين يستخدمون جميع الوسائل للوصول إلى الحكم ، ويرّروا ذلك بأنّها حيلة منهم ، قال :«وَمَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ . وَلَقَدْ أَصْبَحْنا في زَمَانٍ قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ


1) جامع السعادات : 1 : 202 .

2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 20: 206.

كَيْساً ، وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلَى حُسْنِ الْحِيلَةِ . مَا لَهُمْ ! قَاتَلَهُمُ اللهُ ! قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ وَدُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ ، فَيَدَعُهَا رَأْيَ الْعَيْنِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا ، وَيَنْتَهِرُ فُرْصَتَهَا منْ لَا حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ»(1)على هذا الخُلق الرفيع بنى الإمام (علیه السلامسياسته القائمة على الصراحة والصدق التي لا التواء ولا خداع فيها ، وهذا هو السبب في خلوده في جميع الأجيال والآباد (2))6 - الإيثارومن معالي أخلاقه وسمو ذاته تقديمه لقنبر خادمه على نفسه في لباسه وطعامه ، فقد اشترى ثوبين : أحدهما بثلاثة دراهم ، والآخر بدرهمين ، وأعطى الثوب الذي قيمته ثلاثة دراهم لقنبر ، فقال له :أنت أولى به يا أمير المؤمنين . أنت تصعد المنبر وتخطب...انظروا إلى قوله :« أَنْتَ شَابٌ ، وَلَكَ شَرْخُ الشَّبابِ ، وَأَنا أَسْتَحِي مِنْ رَبِّي أَنْ أَتَفَضَّلَ عَلَيْكَ »(3)أرأيتم هذه النفس الملائكية التي سمت في سماء العدل ، فأضاءت الدنيا بكمالها ، وسموّ آدابها ، ونكرانها للذات .7 - انعاؤه (علیه السلامللتفاخر)منع الإمام الرعيّته من التفاخر بالآباء ، كما منع من التفاخر بالأبناء


1) حياة الإمام الحسين بن علي الله : 1: 423 .

2) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الله : 11: 33 و 34 .

3) التمثيل والمحاضرة : 284 .

والأموال ، وغير ذلك من التفوّق الذي لا يمت إلى الفضيلة بصلة (1)إنّ التفاخر والتفاضل بين النّاس إنّما هو بعمل الخير، وإسداء المعروف إلى النّاس الذي به تنتعش حياتهم الاقتصادية والثقافية ، أما غير ذلك من الفضول الذي هو من السراب .8 - مواساته (علیه السلام للفقراء)من معالي أخلاق الإمام(علیه السلام مواساته للفقراء في جشوبة العيش ، ومكاره الدهر ، وقد أعلن هذه المواساة بقوله :)«أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ : هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةٌ لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ ! »وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ الْيَمَامَةِ مَنْ لَا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْص »« وَحَسْبُكَ دَاءٌ أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ *** وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدُ »وليس في تاريخ الشرق وغيره حاكم مثل الإمام في مواساته للفقراء والمحرومين ، فقد شاركهم في مكاره الدهر وجشوبة العيش ، ولما انتقل إلى حظيرة القدس لم يترك صفراء ولا بيضاء (2)9 - المساواةمن معالي أخلاقه (علیه السلام مساواته للنّاس في أيام حكمه ، وهذه بعض مساواته :)1 - المساواة في العطاءمن سمّو أخلاق الإمام (علیه السلام وتحرجه في الدين : المساواة ، فقد ساوى في العطاء.)


1) خزانة الأدب : 3 : 59 .

2) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الله : 11: 29 .

بين المسلمين والمسيحّيين من سكّان الوطن الإسلامي ، كما لم يقدّم القرشي على غيره (1، الأمر الذي نجم منه أن تنكرت له الأوساط الرأسمالية من القرشيين ، وأعلنوا التمرد على حكومته .)وعلى أي حال، فقد خالف الإمام في سياسته الحالية ما سلكه عمر من تقديم بعض الطبقات في المجتمع على بعض ، وقد تعرّضت هذه السياسة إلى النقد من قبل الاقتصاديين وغيرهم، وقد ذكرنا ذلك في كتابنا : حياة الإمام الحسين بن عليّ (علیه السلام.)2 - المساواة أمام القانونألزم الإمام(علیه السلام عماله وولاته على الأقطار بتطبيق المساواة العادلة بين الناس في القضاء وغيره . قال علیه السلام)في إحدى رسائله إلى بعض عمّاله :)«فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ ، وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ ، وَابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ ، وَآس بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ لَهُمْ ، وَلَا يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ »(2)حقّاً هذا هو العدل الذي تنعم به الشعوب وتسود فيه الرحمة والخير3 - المساواة فى الحقوقومن مظاهر المساواة العادلة التي أعلنها الإمام (علیه السلام أيام حكومته المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات ، فلم يفرض حقاً على الضعيف دون غيره بل الجميع متساوون أمام عدله (3))


1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 129 .

2) نهج البلاغة : 3: 163 .

3) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الله : 11: 29 .

10 - زهده(علیه السلام)من سمّو ذات الإمام (علیه السلام وتكامل أخلاقه زهده في الدنيا، ورفضه الكامل لجميع متعها وزبارجها وزينتها ، لقد سيطر على جميع رغبات النفس ، وعوّد نفسه البؤس والحرمان ، فلم يستجب لأية متعة من متع الحياة ، فكان من أزهد النّاس ، كما يقول عمر بن عبد العزيز (1))ولمّا تشرّفت به الخلافة الإسلامية ، وأشرقت الدنيا بحكومته طلّق الدنيا ثلاثاً ، وعاش في أرباض يثرب والكوفة عيشة الفقراء ، فلم يبن له داراً .ولم يلبس من ناعم الثياب ، وإنّما كان يلبس ثياب الفقراء ، ويأكل أكلهم ، وقد قيل له في ذلك ، فأجاب :«كَيْلَا يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ».لقد أحبّ أن يواسي الفقراء في فقرهم وبؤسهم حتّى لا يجزعون من مرارة العيش .صور من زهده(علیه السلام)وذكر المؤرخون والرواة صوراً مذهلة من زهد الإمام لم يحدث التاريخ لها نظيراً في جميع فترات التاريخ ، وهذه صور منها :1 - لباسه(علیه السلام)ولم يعن الإمام (علیه السلام بلباسه ، وإنّما كان يلبس أخشن الثياب ، وقد حكى المؤرّخون بوادر كثيرة منها ، وهي :)روى عمر بن قيس ، قال : رئي عليّ وعليه إزار مرقوع ، فعوتب عليه ، فقال :


1) تاریخ دمشق : 3 252 .

«يَقْتَدِي بِهِ الْمُؤْمِنُ ، وَيَخْشَعُ لَهُ الْقَلْبُ»(1)- قال أبو إسحاق السبيعي : كنت قد حملني أبي على عاتقه وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب يخطب ، وهو يتروّح بكمه ، فقلت : يا أبه ، أمير المؤمنين يجد الحرّ ؟ فقال : لا يجد حرّاً ولا برداً ، ولكنّه غسل قميصه وهو رطب ، ولا له غيره ، فهو يتروح به (2)- روى أبو حيان التميمي ، عن أبيه ، قال : رأيت عليّاً على المنبر يقول :«مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي سَيْفِي هذا ؟ فَلَوْ كَانَ عِنْدِي ثَمَنُ إِزارِ مَا بِعْتُه »فقام إليه رجل فقال له : أنا أسلفك ثمن إزار ... وعلّق على ذلك عبدالرزاق فقال : لقد فعل الإمام ذلك وكانت الدنيا إذ ذاك بيده إلا الشّام (3)- روى عليّ بن الأقمر قال : رأيت عليّاً وهو يبيع سيفاً له في السوق ويقول : مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي هذَا السَّيْفَ ، فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ لَطَالَما كَشَفْتُ بِهِ الْكُرَبَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم وَلَوْ كَانَ عِنْدِي ثَمَنُ إِزارِ ما بِعْتُهُ »(4))- روى هارون بن عنترة قال : دخلت على عليّ في الخورنق ، وهو يرعد من البرد ، وعليه سمل قطيفة ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، إنّ الله - تعالى - قد جعل لك ولأهل بيتك نصيباً في هذا المال، وأنت تصنع بنفسك ما تصنع ؟ فقال : ( وَاللهِ ! ما أَرْزَؤُكُمْ شَيْئاً مِنْ مالِكُمْ ، وَإِنَّهَا لَقَطِيفَتِي الَّتِي خَرَجْتُ بِها مِنْ مَنْزِلِي بالْمَدِينَةِ »(5)


1) صفة الصفوة : 6: 168 .

2) الغارات : 1 : 99 .

3) الاستيعاب ( المطبوع على هامش الإصابة ) : 2 : 49. جواهر المطالب : 1 : 284 .

4) صفة الصفوة : 1 : 168 .

5) حلية الأولياء : 3: 236 .

- خطب الإمام(علیه السلام وقال لأهل الكوفة : « دَخَلْتُ بِلَادَكُمْ بِأَسْمَالِي هَذِهِ وَرَاحِلَتِي هذهِ ، فَإِذا خَرَجْتُ مِنْ بِلَادِكُمْ بِغَيْرِ ما دَخَلْتُ فَإِنِّي مِنَ الْحَائِنِينَ »(1))- اشترى الإمام ثوباً فأعجبه ، فكره أن يلبسه ، فتصدّق به(2)ذكر الرواة أنّه لم يكن عند الإمام (علیه السلام إلا قميص لا يجد غيره في وقت الغسل .(3))- ذكر المؤرخون أن الإمام في أيام خلافته لم يكن عنده ثلاثة دراهم ليشتري بها إزاراً أو ما يحتاج إليه ، ثم يدخل بيت المال فيقسّم كلّ ما فيه على الناس ، ثمّ يصلّي فيه ، ويقول : « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْرَجَنِي مِنْهُ كَما دَخَلْتُهُ »(4.)هذه بعض البوادر من زهد الإمام (علیه السلام في لباسه ، فقد توفّي وليس عنده من الثياب سوى الثوب الذي كان عليه .)ومن الجدير بالذكر أن هارون الرشيد لما توفّي ترك أربعة آلاف عمامة مطرّزة ما عدا الثياب ، فضلاً عن الأموال الهائلة التي خلّفها في خزانته ، وهكذا غيره من ملوك الأمويين والعباسيين الذين نهبوا أموال المسلمين وأنفقوها على شهواتهم ولياليهم الحمراء . ومن المؤكد أنّهم لا علاقة لهم بالإسلام (5)2 - طعامه(علیه السلام)امتنع الإمام (علیه السلام من تناول الأطعمة الشهيّة، واقتصر على ما يسد الرمق من الأطعمة البسيطة ، كالخبز والملح ، وربما تعدّاه إلى اللبن أو الخل ، وكان في أيّام)


1) مناقب آل أبي طالب 1: 367 .

2) مناقب آل أبي طالب : 1 : 366 .

3) مناقب آل أبي طالب : 1 : 366 .

4) مناقب آل أبي طالب : 1 : 364 .

5) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) :1: 106.

رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم يربط الحجر على بطنه من الجوع (1)، وكان قليل التناول للحم ، وقد قال : ولا تَجْعَلُوا بُطُونَكُمْ مَقابِرَ لِلْحَيوانات :)يقول ابن أبي الحديد : إنّه ما شبع من طعام قطّ ، وقد أتي له بفالو ذج (2، فلما رآه قال :)Kإِنَّهُ طَيِّبُ الرِّيحِ ، حَسَنُ اللَّوْنِ ، طَيِّبُ الطَّعْمِ ، وَلكِنْ أَكْرَهُ أَنْ أُعَوَّدَ نَفْسِي مَا لَمْ تَعْتَدْ L(3)وقد روى الإمام أبو جعفر (علیه السلام قال : « أَكَلَ عَليٍّ مِنْ تَمْرِ دَقَل (4)ثُمَّ شَرِبَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ، وَضَرَبَ يَدَهُ عَلى بَطْنِهِ وَقالَ : مَنْ أَدْخَلَهُ بَطْنُهُ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللهُ ، ثم تمثل : «فَإِنَّكَ مَهما تُعْطِ بَطْنَكَ سُؤلَها وَفَرْجَكَ نَالَا مُنْتَهَى الدَّمُ أَجْمَعا » (5))لقد تحرّج رائد العدالة الاجتماعية في طعامه كأشدّ ما يكون التحرّج ، وقد تحدّث عن زهده بقوله :«فَوَاللَّهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً ، وَلَا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً، وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً ، وَلَا حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْراً ، وَلَا أَخَذْتُ مِنْهُ إلَّا كَفُوتِ أَتَان دَبِرَةٍ».إن الإمام (علیه السلام لم ينل من أطائب الطعام حتى وافاه الأجل المحتوم ، فقد أفطر آخر يوم من حياته في شهر رمضان على خبز وجريش ملح، وأمر برفع اللبن الذي قدمته ابنته السيّدة أم كلثوم (6))


1) مسند أحمد بن حنبل : 2 : 351 2 351 .

2) الفالوذج : حلواء تعمل من الدقيق والماء والعسل .

3) حلية الأولياء : 1 : 81 . كنز العمال : 15 : 164 .

4) الدقل : نوع من التمر .

5) موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الله : 1 : 107 .

6) منتهى الآمال : 1 : 334 .

وهو في نفس الوقت كان يطعم اليتامى العسل بيده ، حتى قال بعض أصحابه :وددت أنّي كنت يتيماً .لقد زهد الإمام (علیه السلام في جميع متع الحياة الدنيا ، وتجرّد تجرّداً تاماً من جميع رغباتها ، وقد روى صالح بن الأسود ، قال : رأيت عليّاً قد ركب حماراً وأدلى برجليه إلى موضع واحد ، وهو يقول: «أنا الَّذِي أَهَنْتُ الدُّنْيا »(1))أجل والله لقد احتقر الإمام(علیه السلامالدنيا ، فلم يحفل بأي مظهر من مظاهر السلطة والحكم ، واتجه نحو الله تعالى ، وعمل كلّ ما يقربه إليه زلفى وقد تحدثنا بصورة مفصلة عن زهده في موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام)، ونقلنا هذه الصور منها .)11 - إنابته (علیه السلامالله تعالى)من سموّ ذات الإمام (علیه السلام، و من عناصر أخلاقه إنابته المطلقة إلى الله تعالى فقد كان من أعظم المنيبين إليه ، ومن أكثرهم خوفاً ورهبة منه ، وقد روى المؤرّخون صوراً من خشيته من الله تعالى كان منها :)1 - روى أبو الدرداء ، قال : شهدت عليّ بن أبي طالب في بعض محلات بني النجار ، وقد اعتزل عن مواليه ، واختفى ممّن يليه ، واستتر بنخیلات ، فافتقدته ، وبعد علَىَ مكانه ، فقلت : لحق بمنزله ، فإذا بصوت حزين ونغمة شجيّة قائلة : «إِلهِي كَمْ مِنْ مُوِيقَةٍ حَلُمْتَ عَن مُقابَلَتِها بِنِقْمَتِكَ ، وَكَمْ مِنْ جَرِيرَةٍ تَكَرَّمْتَ عَنْ كَشْفِها بِكَرَمِكَ ، إِلهِي إِنْ طَالَ فِي عِصْيائِكَ عُمُرِي ، وَعَظُمَ فِي الصُّحُفِ ذَنْبِي، فَما أَنَا بِمُؤَمِّلِ غَيْرَ غُفْرائِكَ ، وَلَا أَنَا بِراجٍ غَيْرَ رِضْوانِكَ ....»وذهل أبو الدرداء ، وهام من خشية الله تعالى ، وراح يفتش عن صاحب الصوت ،


1) تاریخ دمشق : 3: 236 . جواهر المطالب : 1 : 276 .

ولم يلبث أن عرفه ، وإذا هو إمام المتقين علي بن أبي طالب(علیه السلام، فاستتر ليسمع بقية مناجاته ، وراح الإمام يصلّي ، فلما فرغ من صلاته توجّه إلى الله تعالى بقلب منيب ، وأخذ في المناجاة قائلاً:)«إِلهِي أَفَكِّرُ فِي عَفْوِكَ فَتَهُونُ عَلَيَّ خَطِيئَتِي، ثُمَّ أَذْكُرُ الْعَظِيمَ مِنْ أَخْذِكَ فَتَعْظُمُ عَلَى يَلِيَّتِي...»ثم قال :«آةٍ إِن أَنا قَرَأْتُ فِي الصُّحُفِ سَيِّئَةٌ أَنا ناسِيها وَأَنْتَ مُحْصِيها ، فَتَقُولُ : خُذُوْهُ ، فَيا لَهُ مِنْ مَأْخُوذ لا تُنْجِيْهِ عَشِيرَتُهُ ، وَلَا تَنْفَعُهُ قَبِيلَتُهُ ! يَرْحَمُهُ الْمَلَأُ إِذا أَذِنَ فِيهِ بِالنَّداءِ ... أ. مِنْ نارٍ تُنْضِحُ الْأَكْبَادَ وَالْكُلَى آهِ مِنْ نَارٍ نَزَاعَةٍ لِلنَّوى ! أَو مِنْ غَمْرَةٍ مِنْ مُلْهِبَاتِ لَظَى .... »يقول أبو الدرداء : ثمّ انفجر الإمام (علیه السلامباكياً وخمد صوته ، فسارعت إليه فوجدته كالخشبة الملقاة فحركته فلم يتحرّك ، فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، مات والله عليّ بن أبي طالب، فبادرت مسرعاً إلى بيته أنعاه إلى أهله ، فأخبرت سيدة النساء فاطمة (علیها السلام)، فقالت :)«يا أبا الدَّرْداء، ما كانَ مِنْ شَأْنِهِ ؟.....»فأخبرتها بما رأيته ، فقالت :«هِيَ وَالله يا أبا الدَّرْدَاءِ الْغَشْيَةُ الَّتى تَأْخُذُهُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ....»، وناولتني ماء وأمرتني أن أريقه على وجهه الشريف ، ففعلت ذلك ، فأفاق ونظر إليَّ وأنا أبكي فقال لي :«مِمَّ بُكاؤُكَ يا أَبا الدَّرْداءِ ؟ ».فقال له أبو الدرداء : أبكي لما أنزلته بنفسك ، فأجابه الإمام بصوت حزین:

« يا أَبا الدَّرْداءِ ، كَيْفَ لَوْ رَأَيْتَنِي وَقَدْ دُعِيَ بِي إِلَى الْحِسابِ ، وَأَيْقَنَ أَهْلُ الْجَرائِمِ ( بِالْعَذاب ، وَاحْتَوَشَتْنِي مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ ، وَزَبانِيَةٌ فِظَاظٌ ، فَوَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ، قَدْ أَسْلَمَنِي الْأَحْيَاءُ ، وَرَحِمَنِي أَهْلُ الدُّنْيا لَكُنْتَ أَشَدَّ رَحْمَةٌ لِي بَيْنَ يَدَيْ مَنْ ، لَا تَخْفى عَلَيْهِ حَافِية ... ».ويهر أبو الدرداء من خشية الإمام، وعظيم خوفه من الله تعالى ، وراح يقول :ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم (1))2 - وصف ضرار لمعاوية ما رآه من إنابة الإمام إلى الله وخشيته منه قائلاً: لو رأيته في محرابه وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، وهو قابض على لحيته يتململ تململ السليم (2، ويبكي بكاء الحزين ، وهو يقول :)«يا دُنْيا ، إِلَيَّ تَعَرَّضْتِ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّقْتِ ؟ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ، لَا حَاجَةً لِي فِيكِ ، أَبَنْتُكِ ثَلاثاً لَا رَجْعَةً لِي عَلَيْكِ » .ثم يقول : « آو آو لِبُعْدِ السَّفَرِ، وَقِلّةَ الزَّادِ ، وَخُشُونَةِ الطَّرِيقِ » .وبهر معاوية وراح يقول : حسبك يا ضرار ، كذلك والله كان عليّ (3)3- روى نوف البكالي شدّة خشية الإمام (علیه السلام من الله تعالى ، وعظيم إنابته فكان يصلّي الليل كله ويخرج ساعة بعد ساعة ، فينظر إلى السماء ، ثمّ يتلو القرآن ،)فمرّ بي ، فقال لي :«يا نَوْفُ ، أَراقِدٌ أَنْتَ أَمْ رامِقُ ؟»بل رامق أرمقك ببصري يا أمير المؤمنين .


1) أمالي الصدوق : 248 - 249 . بحار الأنوار: 41 : 18 .

2) السليم : الذي لدغته الحيّة.

3) أمالي الصدوق : 371. بحار الأنوار: 41 : 16 .

فالتفت إليّ وقال :« يَا نَوْفُ ، طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِى الدُّنْيَا ، الرَّاغِبِينَ فِي الآخِرَةِ، أولئِكَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بساطاً ، وَتُرَابَهَا فِرَاشاً ، وَمَاءَهَا طيباً ، وَالْقُرْآنَ دِثَاراً ، وَالدُّعَاءَ شِعاراً ، وقَرَضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَفْرِيضاً ، عَلَى مِنْهَاجِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ . إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَى عِيسَى بْنِ مَرْيم : قُلْ لِلْمَلأ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ : لَا يَدْخُلُوا بِيْتاً مِنْ بُيُوتِي إِلَّا بِقُلُوبٍ طَاهِرَةً ، وَأَبْصَارِ خَاشِعَةٍ ، وَأَكُفَّ نَقِيَّةٌ ، وَقُلْ لَهُمْ : اعْلَمُوا إِنِّي غَيْرُ مُسْتَجِيبٍ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ دَعْوَةٌ مِنْ خَلْقِي فِي قَلْبِهِ مَظْلَمَةٌ ...»(1)4- روى أبو جعفر (علیه السلام، قال : « دَخَلْتُ عَلى أَبي عَلَيِّ بْنِ الْحُسَينِ (علیه السلام)، فَإِذَا هُوَ قَدْ الا بَلَغَ مِنَ الْعِبادَةِ ما لَمْ يَبْلُغُهُ أَحَدٌ ، قَدْ اصْفَرَّ لَوْنُهُ مِنَ السَّهْرِ ، وَرَمَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْبُكَاءِ ، وَدَبَرَتْ جَبْهَتُهُ ، وَانْخَرَمَ أَنْفُهُ مِنَ السُّجُودِ ، وَوَرَمَتْ سَاعَاهُ وَقَدَماهُ مِنَ الصَّلَاةِ » .)قال أبو جعفر : « فَلَمْ أَمْلِكُ نَفْسي حينَ رَأَيْتُهُ بِتِلْكَ الْحَالَةِ وَهُوَ يَبْكي ، فَبَكيتُ رَحْمَةٌ لَهُ ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ : أَعْطِنِي بَعْضَ تِلْكَ الصُّحُفِ الَّتي فِيْها عِبادَةُ عَليّ بن أبي طَالِبٍ ، بْنِ فَأَعْطَيْتُهُ ، فَقَرَأَ شَيْئاً يَسِيراً ثُمَّ تَرَكَهَا مِنْ يَدِهِ نَضَحُراً ، وَقالَ : مَنْ يَقْوى عَلَى عِبادَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ »(2)12 - سخاؤه (علیه السلام)كان الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام من أندى الناس كفاً، ومن أكثرهم براً وإحساناً للفقراء ، وكان لا يرى للمال قيمة سوى أن يردّ به جوع جائع ، أو يكسو عرياناً ، وكان يؤثر الفقراء على نفسه ولو كانت به خصاصة ، أليس هو وأهل بيته الذين)


1) الخصال : 164 .

2) الإرشاد : 271 وسائل الشيعة : 1 : 68 .

أطعموا المسكين واليتيم والأسير قوتهم ، وطووا ثلاثة أيام صياماً لم يذوقوا سوى ماء القراح ، فاتحفهم الله بسورة هل أتى ، وهي وسام شرف ، وفخر لهم على امتداد التاريخ .إنّ الإمام (علیه السلام هو الذي تصدق بخاتمه على المسكين فى أثناء صلاته ، فأنزل الله تعالى في حقه الآية الكريمة : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (1))شذرات من جوده (علیه السلام)ذكر المؤرّخون بوادر كثيرة من برّ الإمام(علیه السلام وإحسانه إلى الفقراء ، كان منها :)1- روى الأصبغ بن نباتة ، قال : جاء رجل إلى الإمام (علیه السلامفقال له : يا أمير المؤمنين ، إنّ لى إليك حاجة قد رفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك ، فإن قضيتها حمدت الله وشكرتك ، وإن لم تقضها حمدت الله - تعالى - وعذرتك ؟)فقال له الإمام :«اكْتُبْ حَاجَتَكَ عَلَى الْأَرْضِ ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَرى ذَلَّ السُّؤالِ عَلَى وَجْهِكَ» .فكتب الرجل : إنّي محتاج ، فأمر الإمام بإحضار حلّة فأهداها له ، فلبسها الرجلوقال :كَسَوْتَنِي حُلَّةٌ تَبْلَى مَحاسِنُها *** فَسَوْفَ أَكْسُوكَ مِنْ حُسْنِ النَّنا حُلَلاإِنْ نِلْتَ حُسْنَ ثَنائِي نِلْتَ مَكْرُمَةٌ *** وَلَسْتَ تَبْغِي بِما قَدْ قُلْتُهُ بَدَلاإِنَّ النَّناءَ لَيُحْيِي ذِكْرَ صَاحِبِهِ *** كالْغَيْثِ يُحْيِي نَداهُ السَّهِلَ وَالْجَبَلالَا تَزْهَدِ الدَّهْرَ فِي خَيْرِ تُواقِعُهُ *** فَكُلُّ شَخْصٍ سَيُجْزِي بِالَّذِي عَمِلا


1) المائدة 5 : 55 .

وأمر الإمام له بمائة دينار ، فدفعها له ، وبادر الأصبغ قائلاً:يا أمير المؤمنين ، ومائة دينار ؟ !لقد استكثر الأصبغ إعطاء الرجل مائة دينار ، فأجابه الإمام :«سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنازِلَهُمْ ، وَهَذِهِ مَنْزِلَةُ الرَّجُلِ عِنْدِي»(1)2 - من بوادر جوده أنه لما قسم بيت مال البصرة على جيشه لحق كل واحد منهم خمسمائة دينار ، وأخذ هو مثل ذلك ، فجاءه شخص لم يحضر الواقعة ، فقال له : كنت شاهداً معك بقلبي وإن غاب عنك جسمي ، فأعطني من الفيء شيئاً .فأعطاه ما أخذه لنفسه ، ورجع ولم يصب من الفيء شيئاً (2)3- ومن سخانه ما رواه المعلى بن خنيس عن الإمام الصادق (علیه السلام : « أَنَّ عَلِيّاً (علیه السلام)أتى ظُلَّةَ بَني ساعِدَةَ ، وَكانَتِ السَّماءُ قَدْ أَمْطَرَتْ ، وَهُوَ ، جراباً فِيهِ الْخُبْرُ، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ نِيامِ ، وَهُمْ مِنَ الْفُقَراءِ ، فَجَعَلَ يَدُسُ الرَّغِيْفَ وَالرَّعْيفَينِ تَحْتَ فِراشِهِم ، حتى أتى على آخِرِهِمْ ، ثُمَّ انْصَرَفَ »(3))4 - خرج الإمام وهو يحمل على ظهره قربة ، وفي يده صحفة وهو يقول :« اللهُمَّ وَليَّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِلهَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَجارَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْبَلْ قُرُباتِي اللَّيْلَةَ ، فَما أَمْسَيْتُ أَمْلِكُ سوى ما فِي صَحْفَتِي وَغَيْرَ ما يُوارِ بنِي ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي مَنَعْتُهُ نَفْسِي مَعَ شِدَّةِ سَنَبِي فِي طَلَبِ الْقُرْبَةِ إِلَيْكَ غَنَماً ، اللهُمَّ فَلَا تَخْلُقُ وَجْهِي، وَلَا تَرُدَّ دَعْوَتِي»


1) جواهر المطالب : 2 : 129 .

2) شرح نهج البلاغة : 1 : 205 .

3) مناقب آل أبي طالب : 4 : 349 .

وأخذ يطعم الفقراء (1)ه - كان الإمام (علیه السلام عنده أربعة دراهم ، فتصدق بواحد منه ليلاً، وبالثاني نهاراً ، وبالثالث سراً ،وبالرابع علانية ، فنزلت فيه الآية: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ ) (2))4 - كان فقير في عهد النبي (صلی الله علیه وآله وسلم ساكناً في دار ضيّقة ، وبجوارها حديقة لشخص موسر ، وفيها نخل يتساقط بعض ثمرها على دار الفقير، فيبادر إلى أخذ التمر من أفواه الأطفال ، فشكا الفقير ذلك إلى النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)، فبعث خلفه وطلب منه أن يبيعها عليه ، ويأخذ عوضها بستاناً في الجنّة ، فأبى وقال : لا أبيع عاجلاً بأجل ، ولم يستجب للنبي ، وأخبر النبي الإمام عليّاً بذلك ، فبادر إلى الرجل وطلب منه أن يبيع بستانه عليه ، فاستجاب له على أن يعطيه عوضها بستاناً للإمام ، فأجابه إلى ذلك ، وباعها عليه ، وبادر الإمام فوهب البستان للفقير (3))هذه بعض البوادر من سخاء الإمام(علیه السلام الذي كان ينفقه على البؤساء والفقراء.)يقول الشعبي : كان عليّ أسخى النّاس . كان على الخُلق الذي يحبّه الله تعالى ، وهو السخاء والجود ، ما قال لالسائل قطّ (4، وقد اقتبسنا هذه البحوث م-ن موسوعتنا حول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام).)


1) بحار الأنوار: 41: 29 .

2) كشف الغمّة : 1 : 50 ، و 274 من سورة البقرة .

3) تفسیر فرات : 213 .

4) مستدرك على الصحيحين : 3: 153 . أسد الغابة : 5 522. تهذيب التهذيب : 12 : 441 .

## فاطمة الزّهراء### اشارة

أمّا سيدة نساء العالمين ، فهي بضعة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم الذي يرضى الله تعالى لرضاها ، ويغضب لغضبها ، حسبما تواترت النصوص بذلك عن أبيها (1)، وهي تشبه أباها في كرائم صفاته ، ومعالي أخلاقه ، وقد ورثت منه ذاتياته وعناصره النفسيّة ، وهذه صورة موجزة من سمو أخلاقها ، وما امتازت به من الصفات الرفيعة :)### انقطاعها (علیها السلام إلى الله عزّ وجلّ)من معالى أخلاق سيّدة النساء (علیها السلام انقطاعها الكامل إلى الله تعالى ، فقد اعتصمت به ، ولجأت إليه في جميع أمورها ، وقد تجلى ذلك في عبادتها ، وقد تحدّث الإمام الحسن الالها عن عبادتها وإيمانها العميق بالله تعالى . قال :)«رَأَيْتُ أُمِّي فاطِمَةَ (سلام الله علیها فِي مِحْرَابِها لَيْلَةٌ ، فَلَمْ تَزَلْ رَاكِعَةٌ سَاجِدَةً حَتَّى اتَّضَحَ عَمُودُ الصُّبْح ، وَسَمِعْتُها تَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَتُسَمِّيهِمْ ، وَتُكْثِرُ مِنَ الدُّعاءِ لَهُمْ ، وَلَا تَدْعُو لِنَفْسِهَا بِشَيْءٍ ، فَقُلْتُ لَها : يا أُمَاهُ ، لِمَ لَا تَدْعِينَ لِنَفْسِكِ ؟)فَقالَتْ : يَا بُنَيَّ ، الْجَارُ ثُمَّ الدَّارُ ... »(2.)وقال الحسن البصري : ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة (سلام الله علیها. إنها كانت تقوم)


1) حياة سيدة النساء فاطمة الزهراء عل الا : 78.

2) المصدر المتقدّم : 71 .

حتى تتورّم قدماها (1)لقد كانت بضعة الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم تنفق لياليها ساهرة في عبادة الله تعالى والتبتّل إليه ، وقد ذكرنا عرضاً مفصلاً لعبادتها وأدعيتها في كتابنا حياة سيدة النساء فاطمة الزهراء (سلام الله علیها).)### برّها (عليها السلام بالفقراء)من عناصر سيّدة النساء سلام الله عليها البرّ بالفقراء ، والإحسان إلى الضعفاء، وهي التي نزلت فيها وفي زوجها وولديها سورة هل أتى ، التي منها قوله تعالى : ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً (2))وهذه صور من برّها :1 - إنّها كانت تطحن الحبّ من الحنطة والشعير لفقراء جيرانها الذين يعجزون عن الطحن، وقد عيّرها بذلك المعتز بالله العبّاسي الذي لم يفقه من القيم الإسلامية شيئاً ، فردّ عليه صفي الدين الحلّي بقوله :عَيَّرْتَها بالرَّحَى والزَّادِ تَطْحَنُهُ *** لا زال زادُكَ حَبّاً غيرَ مَطْحُونِ2 - إنّها كانت تستقي الماء بقربة ، فتحملها لضعفاء جيرانها من الذين لا يتمكّنون من الحصول على الماء .3- إنّها في ليلة زواجها من سيّد الوصيين الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام أهدى لها أبوها رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ثوباً لتلبسه ، ولما أصبح الصبح جاء رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) فلم يرَ عليها)


1) حياة سيّدة النساء فاطمة الزهراء عل : 71.

2) الدهر 76 8 و 9 .

الثوب ، فسألها عن ذلك ، فقالت :«أبتاهُ ، لَقَدْ طَرَقَتْ عَلَى الْبَابَ فَتاةٌ فَقِيرةٌ تَطْلِبُ ثَوْباً ، فَأَخَذْتُ تَوْبِي الْقَدِيمَ لِأَدْفَعَهُ لَها إِلَّا أَنِّي تَذَكَّرْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتعالى : ( لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (1)، وَأَنا أحِبُّ التَّوْبَ الْجَدِيدَ فَآثَرْتُها عَلى نَفْسِي ، وَأَعْطَيْتُهُ لَها »(2))أيّة نفس ملائكيّة هذه النفس العظيمة التي مثلت الإسلام بجميع قيمه . إنّها نفس محمد (صلی الله علیه وآله وسلم الذي بعثه الله تعالى رحمة للعالمين.)4- من مبرّات سيّدة نساء العالمين ما رواه جابر بن عبدالله الأنصاري ، قال :صلى بنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلمصلاة العصر ، فلما فرغ منها جلس في القبلة والناس حوله ، فأقبل شيخ طاعن في السنّ وهو يشكو الجوع قائلاً:)يا نبيّ الله ، أنا جائع فأطعمني ، وعار فأكسنى.فأمره رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم بإتيان بضعته ، فهي التي تسعفه، فانطلق الأعرابي إلى بيت)الزهراء (سلام الله عليها ، فسلّم عليها ، وقال :)يا بنت محمّد ، أنا عاري الجسد ، جائع ، فواسيني يرحمك الله.وكانت الزهراء(سلام الله علیها في ضائقة اقتصادية ، فلم تجد شيئاً تسعفه به سوی جلد كبش ينام عليه ولداها الحسنان ، فقالت له : « خُذ هذا أَيُّها الشَّيْخُ ، ، فزهد فيه ، وردّه ، فعمدت سلام الله عليها إلى عقد في عنقها فخلعته وناولته له ، كان قد أهدته لها فاطمة بنت عمها حمزة الشهيد ، فأخذه الأعرابي وانطلق نحو النبي له وقال : يا رسول الله ، أعطتني هذا العقد ، وقالت : بعه عسى الله أن يعوضك به خيراً ، فبكى النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) وقال : «وَ كَيْفَ لَا يَصْنَعُ اللَّهُ بِكَ خَيْراً وَقَدْ أَعْطَتْهُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ سَيِّدَةُ بَناتِ آدَمَ ».)


1) آل عمران 3 92 .

2) حياة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء علاج : 65 و 66 .

وبادر الطيّب ابن الطيّب عمّار بن ياسر فاشترى العقد بعشرين ديناراً ، ومائتي درهم ، ويردة يمانية ، وراحلة تبلغه إلى أهله، وأطعمه البر واللحم ، فانطلق الشيخ فرحاً مسروراً وهو يدعو لسيدة النساء قائلاً:اللّهم لا إله لنا سواك ، اللهم اعط فاطمة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.وعمد عمّار إلى العقد فطيّبه بالمسك ، ولفه في بردة يمانية ، وأعطاه بيد عبد له ، وقال له : خذ هذا العقد فادفعه إلى رسول الله الله وأنت له ، ومضى العبد فدفع العقد إلى رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم، فأمره النبي أن يمضي به إلى سيدة النساء ، فأخذته وأعتقت العبد ، فلما سمع النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) بذلك ضحك ، وقال : «عَظِيمٌ بَرَكَةُ هذَا الْعِقْدِ ، أَشْبَعَ جَائِعاً ، وَكَسا عَرْياناً ، وَأَغْنى فَقيراً ، وَأَعْتَقَ عَبْداً ، وَرَجَعَ إِلى صاحبه»(1))### العفاف والحجابومن سموّ أخلاق بضعة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم العفاف والحجاب ، وقد بلغت القمّة ގ هذه الظاهرة ، وأعطت للمرأة المسلمة الدروس لتكون مربية للجيل ، ومنشأة للأبناء الصالحين ، الذين يكونون قرّة عين لآبائهم وأمهاتهم ووطنهم ، وهذه شذرات من عفافها :)1 - روى الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام قال : استأذن أعمى على فاطمة (سلام الله علیها)فحجبته ، فقال لها رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم):)«لِمَ حَجَبْتِهِ ، وَهُوَ لَا يَرَاكِ ؟ » .فأجابته :


1) حياة سيدة النساء فاطمة الزهراء عليا : 66 و 67 .

«إِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَانِي ، فَإِنِّي أَراهُ » .وانبرى النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم فأثنى على ابنته قائلاً:)«أَشْهَدُ أَنَّكِ بَضْعَةٌ مِنِّى »(1)لقد بلغت بضعة النبى (صلی الله علیه وآله وسلم أرقى مراتب الحشمة والعفّة والطهارة ، وعلى المرأة المسلمة أن تقتدي بسيدة النساء لتبني مجتمعاً إسلامياً قائماً على الشرف والفضيلة)2 - قدّم الإمام أمير المؤمنين الا سؤالاً إلى بضعة الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم قائلاً :)«مَتى تَكُونُ الْمَرْأَةُ أَدْنى مِنْ رَبِّها ؟».فقالت(علیها السلام)«وأَنْ تَلْزَمَ فَعْرَ بَيْتِها .....»و عرض الإمام جوابها على رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم فقال :)«صَدَقَتْ ، إِنَّ فاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي «(2)إنّ الحجاب زينة وشرف للمرأة ، فمتى تزينت به كانت في أسمى مكانة ، وأعزّ منزلة ، ونالت إعجاب الجميع ، وأما إذا كانت مبتذلة وعارية ، فإنّ المجتمع يزهد فيها ، ولا تكون لها أية مكانة في النفوس .إنّ حجاب سيّدة النساء (سلام الله علیها نور وهداية لكلّ فتاة فاضلة تريد أن تعيش عزيزة في المجتمع .)### موقفها (علیها السلام الحاسم في نصرة الإمام (علیه السلام))وكان من معالي أخلاقها موقفها الحاسم بصلابة وشموخ في نصرة زوجها الإمام


1) حياة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء علاج : 69 - 70 .

2) الجعفريات : 95 .

أمير المؤمنين(علیه السلام رائد العدالة الاجتماعية في دنيا الإسلام ، فقد صمّم المهاجرون من قريش بزعامة عمر بن الخطاب على صرف الخلافة عن الإمام وتقليدها لأبي بكر ، وكانت سلام الله عليها تؤمن إيماناً لا يخامره أدنى شك أن زوجها أحق بمنصب النبي (صلی الله علیه وآله سلم) وأولى بمركزه .)ومن المؤكد أن ذلك لم يكن ناشئاً عن عاطفة أو غيرها من الأمور التي تؤول إلى التراب ، فإنّ شأنها بعيد كل البعد عن الانقياد لغير الحق ، فقد أفاض عليها أبوها (صلی الله علیه وآله وسلم بمكوناته النفسية ، وغذاها بالإيمان الخالص لتكون قائدة لنساء أمّته ، تر شدهنّ إلى معالم الحياة الكريمة ، وتهديهن للتي هي أقوم .)لقد نظرت بضعة الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم بعمق وشمول إلى من هو أولى بقيادة الأمة بعد رحيل أبيها إلى حظيرة القدس، فلم تر أحداً أحق من زوجها بهذا المنصب الخطير الذي تُناط به سلامة الأمة وصيانتها من الانحراف ، وضمان مستقبلها وقيادتها لأمم العالم وشعوب الأرض ، فقد توفّرت فيه جميع الصفات الفاضلة التي يجب أن يتصف بها القائد الأعلى للأمة ، والتي منها :)1 - إنّ الإمام كان أوّل من آمن بالإسلام ووعى قيمه وأهدافه ، كما أنه أوّل منأقام الصلاة في بيت الله الحرام مع النبي(صلی الله علیه وآله وسلم.)2 - كان الإمام (علیه السلام القوة الضاربة التي حمت الإسلام أيام محنته وغربته ، وكان سيفه منجل الموت الذي حصد الرؤوس العفنة من مشركي قريش ، وذوبان العرب ، ومردة أهل الكتاب ، فهو أوّل مجاهد في الإسلام ، وأبرز بطل في القوة العسكرية ، التي حملت رسالة الإسلام ، ورفعت كلمة الله تعالى في الأرض.)إنّ الإمام (علیه السلام صاحب المواقف المشهورة ، كيوم بدر ويوم حنين ويوم الأحزاب وغيرها ، فقد قام الإسلام بسيفه ، وتأسس على جهاده ، فلم تفتح ثغرة على الإسلام من المشركين إلا تصدّى الإمام إلى سدها ، وقد أسند النبي(صلی الله علیه وآله وسلم)القيادة العليا)

في جيشه للإمام(علیه السلامفي جميع حروبه ، وما ولج الإمام (علیه السلاما) حرباً إلا كان الفتح على يده ، وهو الذي أذل اليهود وقهرهم ، وفتح حصونهم ، وكسرشركتهم)3- إنّ الإمام(علیه السلام كان أعلم الصحابة ، وأدراهم بأحكام الدين وشؤون الشريعة ، خصوصاً في شؤون القضاء ، وقد قال فيه النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) : « أَقْضاكُم عَلِيٌّ » ، واشتهرت كلمة عمر فيه : « لولا عليّ لهلك عمر » ، ولم يشاركه أي أحد من الصحابة في هذه الموهبة ، وقد ألمحنا إلى صور من قضائه في موسوعته الا : قضاء الإمام من ذخائر الفكر الإسلامي .)وكما كان الإمام أعلم المسلمين بشؤون القضاء وأحكام الدين ، فقد كان من أعلمهم في الشؤون السياسية والإدارية وأنظمة الحكم ، وعهده للزعيم مالك الأشتر من أوثق الأدلة على ذلك ، فقد حفل بصورة شاملة بالشؤون السياسية بما لم يحفل به أي دستور سياسي في الإسلئام وغيره من الوثائق السياسية في العالم ، فقد صوّر هذا العهد عمق سياسة الإمام(علیه السلام في الشؤون السياسية العالمية ، وتفوّقه على جميع المخطّطين للسياسة في العالم .)وكانت رسائله إلى ولاته وعماله من مصادر السياسة الواعية الرشيدة التي ينعمالناس في ظلالها .وكما كان الإمام (علیه السلامأعلم المسلمين في الأمور السياسية ، فقد كان أعلمهم بسائر)العلوم الأخرى ، كعلم الكلام والفلسفة والفقه وعلم الحساب والنحو .يقول العقّاد : « إنّ الإمام فتق أبواباً كثيرة من العلوم تربو على ثلاثين علماً ، ومع هذه الثروات العلميّة التي يملكها الإمام(علیه السلامكيف يقدم غيره عليه والله تعالى يقول في كتابه : (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (1).)


1) الزمر 9:39 .

وليس أدعى إلى السخرية والاستهزاء من القول بجواز تقديم المفضول على الفاضل ، كما يذهب لذلك البعض ، فإنّ هذا المنطق يتجافى مع القيم الإسلامية التي ألزمت بتقديم العلماء على غيرهم ، فإنّ إقصاءهم عن مكانتهم ، وتقديم الغير عليهم يوجب التدمير الكامل لقيم الأمّة ومقوماتها الفكرية والعلميّة .4 - من الصفات الرفيعة التي يملكها الإمام (علیه السلامنكرانه للذات ، وإيثاره لمصلحة الأمة على كلّ شيء ، واحتياطه التام في أموال المسلمين ، وهذه الظاهرة قد تجلت بصورة واضحة في سياسته حينما تولّى زعامة الأمة بعد الإجهاز على عثمان عميد الأمويين ، فقد زهد في جميع مظاهر الحياة الناعمة ، وبإجماع مؤرّخي الأحداث في الإسلام أنّه لم يدّخر لنفسه ولا لأهله أي شيء من أموال الدولة ، وتحرّج فيها كأشدّ ما يكون التحرّج ، وساس المسلمين سياسة قوامها العدل الخالص والحق المحض ، وساوی بین جميع المواطنين ، مسلمين وغيرهم ، في جميع الحقوق والواجبات .)ومن المؤكد أنه لم يعرف الشرق العربي وغيره حاكماً عادلاً كالإمام أميرالمؤمنين (علیه السلام في نكرانه للذات، وعدم استخدامه للسلطة في جميع المنافع والأغراض السياسية.)5- من الصفات البارزة في شخصية الإمام رائد العدالة الكبرى في الأرض تقوىالله تعالى والإنابة إليه ، فهو زعيم الموحدين وإمام المتقين ، وهو القائل : «لَوْ أعْطِيتُ الأَقالِيمَ السَّبْعَةَ بِما تَحْتَ أَفْلاكِها عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ تَعَالَى فِي جُلْبِ شَعِيرَةٍ أَسْلُبُها مِنْ فَم جَرادَةٍ مَا فَعَلْتُ » .وبالإجماع أنّه كان داعية الله تعالى الأكبر بعد أخيه وابن عمه رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم ومن مظاهر تقواه أنّه امتنع من إجابة عبدالرحمن بن عوف ، حينما ألحّ عليه بعد مقتل عمر أن يقلده الخلافة بشرط أن يسير بسيرة الشيخين ، فأبى .)ومن المؤكّد أنّ هذا طعن صريح في سياستهما وسيرتهما ، ولو كان الإمام

من عشّاق الملك والسلطان لأجابه إلى ذلك ، ثمّ يسير بسياسته للدولة على وفق مخططاته الإسلامية ، فإن اعترض عليه ابن عوف فيعتقله أو ينفيه .إن الإنسانية في جميع فترات التأريخ لم تر حاكماً مثل الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام في عدله وورعه وتقواه ، وتجرّده من جميع المحسوبيات ، فقد جهد نفسه وحملها من أمره رهقاً من أجل أن يقيم في الشرق العربي حكومة قوامها العدل الخالص)والحق المحض.6 - إنّ بضعة النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم لقد رأت أباها قد رشّح زوجها الإمام (علیه السلام) لمنصب الخلافة من بعده، وعيّنه قائداً لمسيرة أمته، وأخذ البيعة له من المسلمين في غدير خم، فقد نزلت عليه الآية الكريمة : ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (1)، فقام النبي بعد هذا الانذار من الله ، فجمع الحجاج في صعيد خم الذين قفلوا من حجّ بيت الله الحرام ، وتلا عليهم الآية الكريمة ، وعرّفهم بما أمر الله تعالى به من تعيين الإمام خليفة من بعده، فبايعه المسلمون بالإمرة والولاية ، وبايعته أمهات المؤمنين . وهنأه بالخلافة عمر بن الخطاب ، وقال له : « هنيئاً يابن أبي طالب ، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة ..... إنّ البيعة للإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) في غدير خم جزء من رسالة الإسلام ، فمن أنكرها فليس برشيد ، ومضافاً إلى بيعة المسلمين للإمام في غدير خم ، فإنّ هناك النصوص المتواترة من النبي(صلی الله علیه وآله سلم) في حقّ الإمام (علیه السلام) والإشادة بمنزلته ، وسموّ مكانته ، كقوله (صلی الله علیه وآله وسلم): « أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَىٰ إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي » ، وقوله : عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ ، وَالْحَقُّ مَعَهُ» ، وأنه مع القرآن والقرآن معه ، وقوله : « أَنا مَدينَةُ الْعِلْمِ ، وَعَليّ بابها» ، وغير ذلك من الأحاديث التي دونتها الصحاح والسنن ، وليس الغرض


1) المائدة 5 67 .

منها إلاّ ترشيح الإمام لمنصب الخلافة ، وإقامته إماماً وهادياً للأمة من بعده.

وعلى أي حال ، لقد آمنت بضعة الرسول بأنّ الإمام هو خليفة أبيها الشرعي فرأت أنّ الواجب عليها مناهضة حكومة أبي بكر ، وإرجاع الخلافة إلى خطها الرسالي ، وقد وقف أبو بكر وصاحبه عمر موقفاً اتّسم بالشدة والغلظة وعدم المبالاة ، فقدهجم عمر علی دارها لیخرج الامام لیبایع ابابکر، و معه عصابة من شرطته ومعهم الحطب ، وقد رفع عمر عقيرته قائلاً:

«والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها ».

فقيل له : إنّ فيها فاطمة .

قال : وإن (1)

فتلقّته سيّدة النساء على الباب فقالت له :

«أَتَراكَ مُحْرِقاً عَلَيَّ بابِي ؟».

قال : نعم ، وذاك أقوى مما جاء به أبوك (2)

خطابها (علیه السلام) التاريخى

وضاقت الدنيا على بضعة الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)، فانبرت سلام الله عليها إلى الجامع ، النبوي لتقيم الحجّة الحاسمة على أبي بكر، فخطبت خطابها التاريخي الذي وضعت فيه النقاط على الحروف ، وبرزت كأعظم سيدة خلقها الله تعالى ف-ي الأرض ، وذلك في مواهبها وعبقريّاتها وبما أوتيت من روائع الحكمة وفصل الخطاب ، ونظراً لأهمية خطابها فقد كان السادة العلويون في العصور الأولى يلزمون أبناءهم بحفظه .


1) الإمامة والسياسة : 1 : 19 ، وغيرها .

2) أنساب الأشراف : 1 : 586 .

لقد كان عمر سيدة النساء تسعة عشر عاماً، وخطبت خطابها التأريخي الخالد الذي يعجز عن الإتيان بمثله أي خطيب ملهم في العالم ، ولكن ذلك ليس غريباً على سيّدة النساء التي غذاها أبوها سيّد الكائنات بمعارفه وعلومه ، وأفاض عليها مكوّناته النفسيّة حتّى صارت صورة صادقة عنه.

وعلى أي حال، فإنّ خطاب سيّدة نساء العالمين سلام الله عليها كان ثورة عارمة على حكومة أبي بكر ، وقد حاولت أن تطوي عروش دولته ، وتنسف قواعد حكومته ، إلا أنه استطاع بما يملك من قابليات دبلوماسيّة أن يخمد الثورة ويطفئ شرارتها .

وقد ذكرنا نصّ خطابها مع التعليق عليه في كتابنا حياة سيدة النساء فاطمة (علها السلام).

وصاياها(علها السلام) الخالدة

وطافت بريحانة الرسول وبضعته الآلام الموهنة من غصب حقّها ومعاملتها معاملة عادية ، وغير ذلك من المحن القاسية التي عانتها ، ففتكت بجسمها الشريف الأمراض فلازمت الفراش ، وأخذت تذوي كما تذوي الأزهار عند الضماء ، ومشى الموت إليها سريعاً وهي في شبابها الغض الأهاب ، ولما بدت لها طلائع الرحيل إلى الله تعالى أوصت بوصيّتها البالغة الأهمية ، والتي فيها الطعن بحكومة أبي بكر وعدم شرعيتها ، وكان من أعظم بنودها :

1 - أن لا يحضر تشييع جثمانها المقدّس أحد من الذين هضموها واعتدوا عليها ؛ لأنهم أعداؤها وأعداء أبيها .

2 - أن يوارى جثمانها في غلس الليل البهيم .

3- أن يعفى موضع قبرها ليكون رمزاً لغضبها على القوم غير قابل للشكّ والتأويل على ممرّ القرون والأجيال وإلى هذا المعنى أشار شريف مكّة بقوله :

قُل لنا أَيُّها المُجادِلُ في القَولِ *** عَنِ الغَاصِبَيْنِ إِذْ غَصباها

أَهُما ما تَعَمَّدَاها كما قُلتَ *** بِظُلْمٍ كَلَّا وَلَا اهْتَضَماها

فَلِماذا إِذْ جُهَزَتْ لِلقاءِ اللهِ *** عِندَ المَمَاتِ لَم يَحْضُرَاها

شَيْعَتْ نَعْشَهَا مَلائِكَةُ الرّحمنِ *** رفقاً بِها وَما شَيَّعاها

كانَ زُهْداً فِي أَجْرِها أَمْ عَنَاداً *** لأبيها النَّبِيَّ لَم يَتْبَعاها

أَمْ لِأَنَّ البتول أَوْصَتْ بأَنْ لا *** يَشْهَدا دَفْنَها فَما شَهِداها

أَمْ أبُوها أَسَرَّ ذاكَ إِلَيْها *** فَأَطاعَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ أباها

كيف ما شِئْتَ قُلْ كَفاكَ فهذِي *** فِرْيَةٌ قد بَلَغْتَ أَقْصَى مَدَاها

ونفّذ الإمام (علیه السلام) جميع وصاياها التي وضعت فيها الحجر الأساس لمبدأ أهل البيت (علیهم السلام) ، وبهذا انطوى الحديث عن سموّ أخلاق بضعة الرسول(صلی الله علیه وآله ووسلم) التى هی امتداد لأخلاق أبيها(صلی الله علیه وآله وسلم) الذي أقام قواعد الفكر في دنيا الإسلام .

الأمامة الحسن

اشارة

الإمام الحسن (علیه السلام) أفذاذ العترة الطاهرة ، ومن نجومها المشرقة ، فهو ريحانة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ، وسيّد شباب أهل الجنّة ، وإمام إن قام أو قعد ، حسب ما نطقت به ، الأخبار في حقه من جدّه رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، وكان سلام الله عليه المثل الأعلى لمكارم الأخلاق ، وسموّ الذات ، وقد شهد له بذلك ألد أعدائه مروان بن الحكم حينما كان يبادر لحمل جنازته ، فأنكر عليه ذلك الإمام الحسين(علیه السلام) ، وقال له : «أَتَحْمِلُ جَنازَتَهُ وَقَدْ كُنْتَ تُجَرِّعُهُ الْغُصَصَ وَالْاَلَامَ »، فقال : كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال .

وعلى أيّ حال ، فهذا عرض موجز لبعض ما أثر عنه من القول في مكارم الأخلاق

ومساوئها ، وما نقل عنه الرواة من سموّ الأخلاق ، وفيما يلى ذلك :

كَارِمُ الأَخْلَاقِ

تحدّث الإمام (علیه السلام) عن مكارم الأخلاق ، ومحاسن الصفات ، فقال :

« مَكارِمُ الْأَخْلَاقِ عَشْرَةٌ : صِدْقُ النِّسَانِ ، وَإِعْطَاهُ السَّائِل ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ ، وَالمُكافَنَةُ بِالصَّنائِعِ ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ ، وَالتَّذَمُّمُ (1)عَلَى الْجارِ ، وَمَعْرِفَةُ الْحَقِّ للصّاحِبِ ، وقرى


1) التذمّم : الحماية .

الضَّيْفِ ، وَرَأْسُهُنَّ الْحَياءُ»(1)

وهذه الصفات هي أصول الأخلاق الكاملة التي ترفع الإنسان وتزدهر بها شخصيته وسأله معاوية فقال له : يا أبا محمد ، ثلاث خلال لم أجد من يجبيني عنها ؟

«ما هي ؟»

• المروءة ، الكرم ، النجدة .

فأجابه الإمام عنها : «أَمَا الْمُرُوْءَةُ : فَإِصْلَاحُ الرَّجُلِ أَمْرَ دَيْنِهِ ، وَحُسْنُ قِيَامِهِ عَلَى مالِهِ ، وَإِفْشاءُ السَّلَامِ ، وَالتَّحَبُّبُ إِلَى النَّاسِ.

الْكَرَمُ : الْعَطِيَّةُ قَبْلَ السُّؤَالِ ، وَالتَّبَرُّعُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالْإِطْعَامُ فِي الْمَحْلِ .

النَّجْدَةُ : الذَّبُ عَنِ الْجارِ ، وَالْمُحاماة في الْكَرَيْهَةِ ، وَالصَّبْرُ عَلَى الشَّدائِدِ »(2)

حكى كلام الإمام (علیه السلام) حقيقة هذه الصفات التي هي من معالي الأخلاق .

جاءه شخص وسأله قائلاً : يابن رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، من أحسن النّاس ؟

فقال (علیه السلام) : «مَنْ أَشْرَكَ النَّاسَ في عَيْشِهِ»(3)

وألمّ جواب الإمام (علیه السلام) بحقيقة الكرم الذي هو من أسمى الصفات .

مساوئ الاخلاق

تحدّث الإمام عن مساوئ الأخلاق التي تهبط بالإنسان إلى مستوى سحيق ، فقال(علیه السلام): « هَلَالُ النَّاسِ فِي ثَلَاثٍ : الْكِبْرُ الْحِرْصُ ، الْحَسَدُ» وبيّن الإمام كيفيّة هلاك النّاس في هذه الخصال ، فقال :


1) حياة الإمام الحسن بن علي ع : 1 : 344 ، نقلاً عن تاريخ اليعقوبي .

2) حياة الإمام بن علي عليه : 1 : 345 .

3) تاريخ اليعقوبي : 2 : 202 .

«الْكِبْرُ : بِهِ هَلَالُ الدِّيْنِ ، وَبِهِ لُعِنَ إِبْلِيسُ الْحِرْصُ : عَدُوُّ النَّفْسِ ، وَبِهِ أُخْرِجَ آدَمُ مِنَ

الْجَنَّةِ . الْحَسَدُ : رَائِدُ السُّوْءِ ، وَبِهَ قَتَلَ قابِيْلَها بِيْلُ»(1)

وهذه الخصال من أمهات الرذائل التي تدفع الإنسان إلى اقتراف الموبقات والجرائم. وقد حذر من سوء الخلق ، فقال : « أَشَدُّ مِنَ الْمُصيبَةِ سُوءُ الْخُلُقِ » (2)

إن سوء الأخلاق تجرّ للإنسان المصاعب والفتن وتلقيه في شرّ عظيم

مَكَارِمُ اَخلاقِة

ضارع الإمام الحسن (علیه السلام) جدّه الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) في سمّو أخلاقه التي كانت مثالاً للرحمة الإلهية التي تملأ القلوب رجاء ورحمة ، وهذه شذرات من معالي أخلاقه.

1 - التواضع

كان الإمام الحسن(علیه السلام) وحيد عصره في تواضعه ونكرانه للذات ، وهذه أمثلة منها :

1 - اجتاز الإمام (علیه السلام) على جماعة من الفقراء قد وضعوا على وجه الأرض كسيرات من الخبز ، وهم يأكلون منها ، فدعوه إلى مشاركتهم ، فأجابهم إلى ذلك وهو يقول : « إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُتَكَبِّرِينَ ».

ولمّا فرغ من تناول الطعام معهم دعاهم إلى ضيافته، فأطعمهم وكساهم وأغدق عليهم ببرّه وإحسانه (3)


1) نور الأبصار: 110 .

2) حياة الإمام الحسن بن علي الا الله : 1 : 368 .

3) المصدر المتقدّم : 313 .

2- ومن تواضعه أنّه مرّ على صبيان يتناولون الطعام ، فدعوه إلى مشاركتهم ،

فأجابهم إلى ذلك ، ثمّ حملهم إلى منزله ، فمنحهم بكرمه وجوده ، وقال :

« الْيَدُ لَهُمْ ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ ما أَطْعَمُونِي ، وَنَحْنُ نَجِدُ مِمَا أَعْطَيْنَاهُمْ »(1)

3- ومن عظيم تواضعه أنه كان جالساً في مكان وأراد الانصراف منه فجاءه فقير -

فرحّب به ولاطفه ، وقال له :

«إِنَّكَ جَلَسْتَ عَلَى حِينِ قيامِ مِنَا ، أَفَتَأْذَنُ لِي بِالإِنْصِرافِ ؟ »

فقال له الفقير : نعم يابن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) (2)

إنّ التواضع دليل على سموّ النفس وكمالها ، وفي الحديث : « إِنَّ التَّواضُعَ لَا يَزِيدُ الْعَبْدَ إِلَّا رِفْعَةٌ ، فَتَواضَعُوا يَرْحَمُكُمُ اللهُ »(3)

2 - الحلم

كان ريحانة رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) من أحلم النّاس ، وكان يقابل المسيء له بالعفو

والإحسان ، ومن آيات حلمه:

1 - اجتاز على الإمام شخص من أهل الشام ممّن غذاهم معاوية بالكراهية والحقد على أهل البيت(علیهم السلام) فقابل الإمام بالسب والشتم ، وهو ساكت لم يرد عليه شيئاً ، وبعد فراغه من سبّه قابله الإمام ببسمات فيّاضة بالبشر ، قائلا له : «أَيُّها الشَّيْخُ ، أَظُنُّكَ غَرِيباً ، لَوْ سَأَلْتَنا أَعْطَيْناكَ ، وَلَوِ اسْتَرْشَدْتَنَا أَرْشَدْنَاكَ ، وَلَو اسْتَحْمَلْتَنا حَمَلْناكَ ، وَإِنْ كُنْتَ جانِعاً أَطْعَمْناكَ ، وَإِنْ كُنْتَ مُحْتَاجاً أَغْنَيْنَاكَ ، وَإِنْ كُنْتَ طَرِيداً أَوَيْناكَ »


1) الصبّان ( المطبوع على هامش نور الأبصار) : 176 .

2) تاريخ الخلفاء / السيوطي : 73 .

3) نهاية الارب في فنون الأدب : 3: 443 .

وما زال يلاطف الشامي بناعم القول ، والكلام الطيب حتى ذهل الرجل ولم يطق جواباً ، وبقي حائراً كيف يعتذر للإمام ويمحو ما اقترفه من ذنب ، وراح يقول :

الله أعلم حيث يجعل رسالته فيمن يشاء (1)

وهو يقول : والله ما على وجه الأرض أحبّ إليَّ منه .

2 - كانت عند الامام(علیه السلام) الشاة ، فرأى قد كسرت رجلها ، فقال لغلامه :

«مَنْ فَعَلَ هذا بها ؟ »

•

أنا .

•

لِمَ ذَلِكَ ؟».

لأجلبّ لك الهم !

فتبسّم الإمام وقال له :

«الأَسرَّ نَّكَ »

ثمّ أعتقه ، وأجزل له العطاء (2)

وهكذا كان الإمام(علیه السلام) للإنسانيّة الكاملة ، ورمزاً للخُلق الرفيع لا يثيره الغضب ، ولا يزعجه من أساء إليه ، قد وضع قول الله نصب عينيه : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ (3)

3 - السخاء

ومن معالي أخلاقه السخاء ، وبذله للخير بداعي الخير ، وقد تجلت هذه


1) الكامل / المبرد : 1 190 مناقب آل أبي طالب : 2 : 149 . وجاء فيه أن الشامي انصرف ،

2) مقتل الحسين الا / الخوارزمي : 1: 147 .

3) فصلت 34:41 .

الظاهرة الكريمة بأسمى صورها عند أبي محمد(علیه السلام) ، حتى لقّب بكريم أهل البيت (علیهم السلام) الذین هم معدن الكرم والإحسان ، وقد روى المؤرّخون صوراً مشرقة من معالي كرمه ، كان منها :

1- جاءه أعرابي سائلاً ، فأمر(علیه السلام) أن يعطوه ما في الخزانة ، وكان فيها عشرة آلاف درهم ، فأعطوها له، فذهل الأعرابي وقال : يا سيدي، هلا تركتني أبوح بحاجتي ؟

فأجابه الإمام بلطف قائلاً :

«نَحْنُ أَناسٌ نَوالُنا خَضِلُ *** يَرْتَعُ فِيهِ الرَّجاءُ وَالأَمَلُ

تَجُودُ قَبْلَ السُّؤالِ أَنْفُسُنا *** خوفاً على ماءٍ وَجْهِ مَنْ يَسَلُ

لَوْ يَعْلَمُ البَحْرُ فَضْلَ نائلنا *** لفاضَ مِنْ بَعْدِ فَيْضِهِ خَجِلُ(1)

2 - اجتاز الإمام(علیه السلام) على افلام أسود بين يديه رغيف يأكل منه ، ويدفع لكلب كان عنده شيئاً آخر من الرغيف ، فقال له الإمام :

«ما حَمَلَكَ عَلى ذلِكَ ؟ » .

• إنِّي لأستحي أن آكل ولا أطعمه .

ورأى الإمام فيه خصلة كريمة من أحبّ الخصال عنده ، فأحب أن يجازيه على صنعه ، فأمره أن يقيم في مكانه ولا يبرح عنه ، وبادر فاشتراه واشترى الحائط (2)الذي هو فيه ، وأعتقه ، وملكه الحائط (3)

3 - جاء شخص طالباً منه أن ينعم عليه بمعروفه وإحسانه ، فقال له الإمام معتذراً متلطفاً :


1) حياة الإمام الحسن بن علي الله : 1 : 318 .

2) الحائط : البستان .

3) البداية والنهاية : 8 38 .

« ما هذا حَقٌّ سُؤَالَكَ ، يَعْظُمُ لَدَى مَعْرِفَتِي بِما يجِبُ لَكَ ، وَيَكْبُرُ عَلَيَّ وَيَدايَ تَعْجَزُ عَنْ نَيْلِك بِما أَنْتَ أَهْلُهُ ، وَالْكَثِيرُ في ذاتِ اللهِ تَعَالَى قَلِيْلٌ ، وَمَا فِي مُلْكِي وَفَاءٌ لِشُكْرِكَ ، فَإِنْ قَبِلْتَ مِنَا الْمَيْسُورَ ، وَرَفَعْتَ عَنّا مَؤونَةَ الإِحْتِفَالِ وَالاهْتِمَامِ فَعَلْتُهُ ...»

فقابله الرجل بالأدب والإجابة لما عرضه عليه قائلاً:

يابن رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم)، و أقبل القليل ، وأشكر العطية ، وأعذر على المنع ...

عليه واله

وأمر الإمام (علیه السلام) وكيله وحاسبه ، وقال له : «هاتِ الْفاضِلَ مِنَ الْمَالِ » ، فأحضره ، وكان خمسين ألف درهم ، فدفعها له ، ولم يكتف بذلك ، وإنّما قال لوكيله : « ما فَعَلْتَ بِالْخَمْسِ مِائَةِ دينار التي عِنْدَكَ ؟ فقال : هي عندي ، فأمره بدفعها له ، وهو يعتذرمنه (1)

إنّ قول الإمام(علیه السلام) :« الْكَثِيرُ في ذاتِ اللهِ قَليلٌ » ينم عن عطائه وبره ، إنّما هو الله تعالى لا يبتغي من أحد جزاء ولا شكوراً.

4 - اجتاز الإمام في بعض أزقة المدينة ، فسمع رجلاً يسأل الله تعالى أن يرزقه عشرة آلاف درهم ، فانطلق إلى بيته ، وأرسلها له بالوقت (2)

هذه بعض البوادر من كرمه وجوده ، فقد كان السخاء من عناصره ومقوماته، وقد قيل له : لأي شيء لا نراك ترد سائلاً ؟

فأجاب : « إِنِّي لِلَّهِ سائِلٌ ، وَفِيهِ راغِبٌ ، وَأَنا أَسْتَحَي أَنْ أَكُونَ سَائِلاً وَأَرَدَّ سَائِلاً، وَإِنَّ اللهَ عَوَّدَني عادَةً أَنْ يُفِيضَ نِعَمَهُ عَلَيَّ ، وَعَوَّدْتُهُ أَنْ أَفِيضَ نِعَمَهُ عَلَى النَّاسِ ، فَأَخْشَىٰ إِنْ قَطَعْتُ الْعَادَةَ أَنْ يَمْنَعَنِي الْعادَةَ ، ، وأنشأ يقول :

إذا ما أتانى سائِلٌ قُلتُ مَرْحَباً *** يمَنْ فَضْلُهُ فَرْضٌ عَلَى مُعَجِّل


1) دائرة المعارف / البستاني : 7 39 .

2) الصبان : 117 .

وَمَنْ فَضْلُهُ فَضْلُ عَلَى كُلِّ فَاضِلٍ *** وَأَفْضَلُ أَيَّامِ الْفَتى حِينَ يُسْأَلُ »(1)

ونسبت له أبيات من الشعر في الكرم والسخاء ، منها :

إِنَّ السَّحَاءَ عَلَى الْعِبَادِ فَرِيضَةٌ *** لِلَّهِ يَقرأُ في كِتَابٍ مُحْكَم

وَعَدَ الْعِبادَ الأَسْخِياءَ جنانَهُ *** وَأَعَدَّ للبُخَلَاءِ نارَ جَهَنَّم

مَنْ كَانَ لا تَنْدِى يَداهُ بِنائِلٍ *** للرّاغِبينَ فَلَيْسَ ذاكَ بِمُسْلِم (2)

كما نسب له هذان البيتان :

خَلَقْتَ الْخَلائِقَ مِنْ قُدْرَةٍ *** فَمِنْهُم سَخِيٌّ وَمِنْهُم بَخيل

فَأَما السَّخِيُّ فَفي راحة *** وَأَمَا الْبَخيلُ فَحُزنٌ طَويل (3)

وقد ازدحمت على بابه المرتزقة والمحتاجون ، فكان يغدق عليهم ببره وإحسانه ، وقد ذكرنا عرضاً مفصلاً من سخائه في كتابنا حياة الإمام الحسن بن علي(علیه السلام).

4 - الزهد

ومن معالي أخلاق سبط الرسول وريحانته الزهد في الدنيا ، فقد شابه جدّه رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) وأباه (علیه السلام) بهذه الظاهرة ، فتجرّد عن جميع رغبات الحياة ومباهجها ونسب له في الزهد هذا الشعر:

« لَكِسْرَةٌ مِنْ خَسِيْسِ الخُبْزِ تُشْبِعُني *** وَشَرْبَةٌ مِنْ فَراح الماء تكفيني

وَطَرَّةٌ مِنْ دَقيق النَّوبِ (4)تَسْتُرنى *** حَيّاً وَإِنْ مِتُّ تَكْفِينى لِتَكْفِيني » (5)


1) نور الأبصار : 111 .

2) الطبقات الكبرى / الشعراني : 1 : 23 جوهرة الكلام / قراغولي : 113.

3) مناقب آل أبي طالب : 2 : 156 .

4) الدقيق من الثياب : حقيرها .

5) حياة الإمام الحسن بن على علام : 1 : 328.

وقد رسم على خاتمه ما يتمثّل بهذا البيت :

قَدَّمْ لِنَفْسِكَ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ التَّقى *** إِنَّ المَنِيَّةَ نازِلٌ بِكَ يا فتى

أَصْبَحْتَ ذَا فَرَحٍ كَأَنَّكَ لا تَرى *** أَحْبَابَ قَلْبِكَ فِي المَقابِرِ والبِلى (1)

وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت :

يا أَهْلَ لَذَاتِ دُنياً لا بقاءَ لَها *** إِنَّ اغْتِرَاراً بِظِلُّ زائِلٍ حَمَقُ (2)

وكان طعامه - في الأكثر - الخبز والملح ، وقد روى مدرك بن زياد ، قال :

كنّا في حيطان ابن عباس ، فجاء الحسن والحسين وابنا العباس ، فجلسوا على ضفاف بعض السواقى ، فقال الحسن :

«يا مُدْرِكَ ، هَلْ عِنْدَكَ غَدَاءٌ ؟ » .

فقلت : نعم، فبادرت وجئت له بخبز وملح وطاقتين من بقل ، فتناول منها وقال : « يا مُدْرِكُ ، ما أَطْيَبَ هذا ، وجيء له بطعام جيد ، فقال لمدرك : « اجْمَعِ الْغُلْمَانَ وَقَدَّمْ لَهُمُ الطَّعامَ » ، فأكلوا منه ، ولم يتناول منه شيئاً .

فقال له مدرك : لماذا لم تأكل منه ؟

فقال : « إِنَّ ذلِكَ الطَّعامُ أَحَبُّ عِنْدِي »(3)

وقد أجمع المترجمون له أنه كان من أزهد النّاس بعد جده وأبيه ، وقد ألّف في زهده محمّد بن بابويه القمّي كتاباً أسماه زهد الحسن(4)


1) حياة الإمام الحسن بن علي علام : 1 : 328 .

2) الفصول المهمة : 162 .

3) تاریخ مدينة دمشق : 214 .

4) حياة الإمام الحسن بن علي الله : 1 : 330 .

ه - إنابته(علیه السلام) إلى الله عزّ وجلّ

من معالي أخلاق أبي محمّد الإنابة إلى الله تعالى والانقطاع إليه ، فلم يرَ النّاس مثله في عبادته وطاعته الله تعالى

يقول الرواة : أنه لم ير في وقت من الأوقات إلا ولسانه يلهج بذكر الله تعالى(1)تحميداً وتسبيحاً ، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم (2)، فسأل الله الجنّة ، وتعوّذ من النّار ، وإذا ذكر الموت وما يعقبه من البعث والنشور بكى بكاء الخائفين والمنيبين (3)

وإذا ذكر العرض على الله تعالى شهق شهقة يُغشى عليه منها(4)

ومن مظاهر عبادته ما يلي :

6 - وضوؤه وصلاته(علیه السلام)

كان الإمام (علیه السلام) إذا أراد الوضوء تغيّر حاله ، وداخله خوف شديد من الله تعالى ، فيصفر لونه ، وترتعد فرائصه ، وإذا فرغ من الوضوء ، وأراد الدخول إلى المسجد رفع صوته قائلاً:

«إلهي ضَيْفُكَ بِبَابِكَ ، يا مُحْسِنُ قَدْ أَتَاكَ الْمُسيءُ فَتَجاوَزْ عَنْ قَبِيح ما عِنْدَنَا بِجَمِيل ما عِنْدَكَ يا كَرِيمٌ»(5)

وإذا أقبل على الصلاة ظهر عليه الخوف حتى ترتعد جميع أعضائه ، وإذا فرغ


1) أمالي الصدوق : 108 .

2) السليم : من لسعه العقرب .

3) حياة الإمام الحسن بن علي علام : 1 : 326 .

4) أمالي الصدوق : 108 .

5) حياة الإمام الحسن بن علي عليه : 1 : 327 .

من صلاة الفجر لا يتكلّم إلا بذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس (1)

7- حجه (علیه السلام)

ومن مظاهر إنابته الله تعالى وعظيم طاعته له أنّه حج بيت الله الحرام خمساً وعشرين حجّة ماشياً على قدميه ، وكانت النجائب (2)

وأن الجنائب لتقاد بين يديه، والجنائب : جمع جنيبة ، وهي الدابة التي تقاد .

تقاد بين يديه (3).

وسئل عن كثرة حجه ماشياً ، فأجاب :

«إِنِّي أَسْتَحِي مِنْ رَبِّي أَلَّا أَمْضِيَ إِلَى بَيْتِهِ ماشِياً عَلَى قَدَمَي (4).

8 - التصدّق بأمواله (علیه السلام).

قدّم الإمام الزكي ريحانة رسول الله له كل غال ونفيس لمرضاة الله تعالى ، فقد خرج عن جميع ما يملك مرّتين، وتصدّق به على الفقراء ، كما شاطر الله تعالى أمواله ثلاث مرات حتى أعطى نعلاً، وأمسك أخرى (5)

9- تلاوته(علیه السلام) للقرآن بخشوع

كان الإمام (علیه السلام) يتلو الذّكر الحكيم بإمعان وخشوع ، فلا يمر بآية فيها نداء للمؤمنين إلا قال : « اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ »(6)، وكان يقرأ في كل ليلة سورة الكهف (7)


1) بحار الأنوار: 10 : 93 .

2) النجائب : جمع ، مفرده : نجيبة ، وهي الفاضلة من الحيوانات ، وفي بعض المصادر:

3) اللمعة الدمشقية - كتاب الحج : 2 : 170 ، وذكر الصدوق في أماليه : إنّه ربّما مشى حافياً .

4) تاریخ ابن کثیر : 8 37 .

5) أسد الغابة : 2 : 13 . ألف باء : 1 : 417 .

6) أمالي الصدوق : 108 .

7) تاریخ ابن کثیر : 8 37 .

10 - قضاء حوائج النّاس

وكان الإمام(علیه السلام) ولعاً بقضاء حوائج النّاس ، وقصده شخص في حاجة وهو في أثناء الطواف ببيت الله الحرام ، فقطع الإمام (علیه السلام) طوافه وسار مسرعاً فقضى حاجته ، ورأى أنّ ذلك أفضل عند الله تعالى من إتمام طوافه على ما في الطواف من أجر جزيل .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض معالم أخلاق الإمام الزكي أبي محمّد (علیه السلام).

الأمام الحسين(علیه السلام).

اشارة

هو باني باني الإسلام والمجدّد لدين الله تعالى ، وهو من أبرز عظماء الأرض الذين

ساهموا في بناء الفكر الإنساني ، وبلورة القضايا المصيرية لجميع شعوب العالم .

إن حياة الإمام (علیه السلام) مدرسة للقيم الإنسانيّة ، ورمز للعدل الاجتماعي والعدل السياسي ، وستظل معطاة في جميع الأحقاب والآباد ، وهي تحمل النور والهدى لجميع الناس على اختلاف لغاتهم وقومياتهم ، ونعرض - بإيجاز - إلى بعض مكوّناته الأخلاقية ، وهي :

مكارم اخلاقة

1 - الإباء عن الضيم

من مكارم أخلاق أبي الأحرار الإمام الحسين (علیه السلام) الاباء عن الضيم .

وهو من أعظم ألقابه ذيوعاً وانتشاراً بين الناس، فهو الذي رفع شعار العدل والكرامة ، ورسم طريق الشرف والعزة ، فلم يخضع لغرور بني أمية ، وآثر الموت تحت ظلال الأسنّة .

يقول عبد العزيز بن نباتة السعدي :

وَالحُسَيْنُ الَّذِي رَأَى الْمَوتَ فِي العِ- *** زّ حَياةَ وَالعَيْشَ فِي الذُّلُّ قَتْلا

يقول ابن أبي الحديد : سيّد أهل الإباء الذي علّم الناس الحمية والموت تحت ظلال السيوف اختياراً على الدنية ، أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب ، عُرض عليه الأمان هو وأصحابه ، فأنف من الذل ، وخاف من ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان مع أنّه لا يقتله ، فاختار الموت على ذلك ، وسمعت النقيب أبا يزيد يحيى بن زيد يقول : كأنّ أبيات أبي تمام في محمّد بن حميد الطائي ما قيلت إلا في الحسين :

وَقَدْ كانَ فَوْتُ المَوْتِ سَهْلاً فَرَدَّهُ *** إليهِ الحِفاظ المُرُّ وَالْخُلُقُ الوَعْرُ

وَنَفْسٌ تَعافُ الضَّيمَ حَتَّى كَأَنَّهُ *** هُوَ الْكُفْرُ يَوْمَ الرَّوْع أَوْ دُونَهُ الْكُفْرُ

فَأَثْبَتَ فِي مُستَنقع الْمَوتِ رِجْلَهُ *** وَقالَ لَها مِنْ تحت أَخْصَمِكِ الْحَشْرُ

تَرَدَّى ثِيَابَ الْمَوْتِ حُمراً فما أتى *** لَها اللَّيلُ إِلَّا وَهْيَ مِنْ سُنْدُسٍ خُضْرُ (1)

لقد كانت كلماته الخالدة يوم الطف من أروع ما قيل في تصوير العزة والكرامة وسموّ النفس . يقول الله (علیه السلام) :

«أَلَا وَإِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِي قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ : بَيْنَ السَّلَّةِ وَالذِّلَّةِ ، وَهَيْهاتَ مِنَا الذِّلَّةُ ، يَأْبَى الله ذلِك وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ، وَحُجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ ، وَأَنُوفٌ حَمِيَّةٌ ، وَنُفُوسٌ أَبِيَّهُ مِنْ أَنْ تُؤْثِرَ طاعَةَ اللَّنامِ عَلَى مَصارِعِ الْكِرَامِ .... »

ووقف يوم الطف كالجبل الأشم وهو يلقي على الدنيا كلمات الشرف والإباء وسموّ الذات قائلاً: « وَاللهِ لَا أُعْطِيكُمْ بِيَدِي إِعْطاءَ الدَّلِيلِ ، وَلَا أَفِرُّ فِرارَ الْعَبِيدِ ، إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمونِ ..... »

وألقت هذه الكلمات الأضواء على مدى ما يحمله الإمام من العزّة التي لا حدود لأبعادها ، والتي هي من أروع صور الكرامة الخالدة في جميع الآباد .

وقد هام شعراء أهل البيت (علیهم السلام) بهذه الظاهرة الماثلة في شخصية أبي الأحرار


1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 3: 249 .

وقد عنى السيّد حيدر الحلّي بتصويرها . يقول :

طَمَعَتْ أَنْ نَسُومَهُ الْقَوْمُ ضَيْماً *** وَأَبى الله والحُسامُ الصَّنِيع

كَيْفَ يَلوِي عَلَى الدَّنِيَّةِ جيداً *** لوى الله ما لَواهُ الخُضُوعُ

وَلَدَيْهِ جَاضٌ أَرَدُّ مِنَ الدَّرْ *** عِ لِظَمْأَى الْقَنا وَهُنَّ شُرُوعُ

وَبِهِ يَرْجِعُ الحِفاظُ لِصَدْر *** ِ ضَاقَتِ الْأَرْضُ وَهْيَ فِيهِ تَضِيعُ

فَأَبَى أَنْ يَعِيشَ إِلَّا عَزِيزاً *** فَتَجَلَى الْكِفَاحُ وَهْوَ صَرِيعُ (1)

وهل هناك أبلغ وأدق وصفاً لاباء الإمام أبي الشهداء(علیه السلام) من هذا الشعر العلويّ ويقول السيد حيدر في رائعة أخرى من قصائده الذهبيّة :

وَسَامَتْهُ يَرْكَبُ إِحْدَى اثْنَتَيْنْ *** وَقَدْ صَرَّتِ الْحَرْبُ أَسْنانَها

فَإِمّا يُرى مُذْعِناً أَوْ تَمُو *** تَ نَفْسٌ أَبى الْعِزُّ إِذْعانَها

فقالَ لَها اعْتَصِمِي بِالْإِباء *** فَنَفْسُ الْأَبِي وَما زانَها

إذا لَمْ تَجِدْ غَيْرَ لِبْسِ الْهَوانُ *** فَبِالْمَوْتِ تَنْزِعُ جُثْمانَها

رَأَى الْقَتْلَ صَبْراً شَعار الكرام *** وَفَخْراً يَزينُ لَها شَانَها

فَشَمَّرَ لِلْحَرْبِ فِي مَعْرَك *** بِهِ عَرَكَ الْمَوْتُ فُرْسانَها

لا أكاد أعرف شعراً أدق ولا أروع وصفاً من هذا الشعر ، فقد مثل أصدق تمثيل منعة أبي الأحرار وعزة نفسه . آثر الموت تحت ظلال الأسنة على العيش الرغيد بذل وخنوع .

وقد ورث هذه الظاهرة أحفاده. يقول الشهيد الخالد زيد بن عليّ بن


1) ديوان السيد حيدر الحلّى : 87 .

الحسين (علیه السلام): « ما كَرِهَ قَوْمٌ حَرَّ الْجِلَادِ إِلَّا ذَلُّوا ، وثار على طاغية زمانه هشام الأموي ، واستشهد في ساحة الحرب ، وثار على الطغيان والاستبداد الأموي ولده يحيى بن زيد ، وهو ينشد في ساحة الحرب :

يابنَ زَيْدٍ أَلَيْس قد قالَ زَيدٌ *** مَن أرادَ الحَياةَ عاشَ ذَليلا

كُنْ كَزيدٍ فَأَنتَ مُهجَةً زَيدٍ *** واتَّخِذْ في الجِنانِ ظِلَا ظليلا

واستشهد هذا البطل دفاعاً عن الكرامة الإسلامية التي استهانت بها الدولة الأموية .

وقد ورث العزّة السيّد الرضي من أحفاد الإمام الحسين (علیه السلام)، وهو القائل :

وَلي إِبَاءٌ مُحلّق بي عَنِ الضَّيمِ *** كَما زاغَ طَائِرٌ وَحْشِيّ

وعلى أي حال ، فإنّ الإباء وعزّة النفس وكرامتها من أهم العناصر في أخلاق أبي الأحرار

2 - الصبر

من أهمّ الصفات في أخلاق أبي الأحرار الصبر على المحن والخطوب التي طافت به منذ نعومة أظفاره ، فقد شاهد الأحداث المروعة التي حلت بأبيه من غصب حقه ، وسلب تراثه ، وغير ذلك من الخطوب السود التي جرت عليه ، كما رأى ما عاناه أخوه الزكي من الكوارث في عهد الطاغية وفرعون زمانه معاوية بن أبي سفيان ، فقد جرعه المحن، وسلب خلافته ، وأسمعه سبّ أبيه ، حتى دسّ إليه السمّ فاغتاله

ومن الدواهي والمحن التي تلقاها إبادة شيعة أهل البيت ع-ل-ى ي-د الارهابي المجرم زياد بن أبيه ، وليست له أية قدرة على حمايتهم ، ومن المحن الشاقة التي طافت به فرض الطاغية معاوية بن أبي سفيان ولده يزيد الفاسق الفاجر خليفة على

المسلمين وحاكماً عليهم ، فثار سلام الله عليه على حكومته لإنقاذ المسلمين من ويلات هذا المجرم الخبيث الذي لم يترك موبقة إلا اقترفها ، ومن موبقاته أنه استعمل على العراق عبيد الله بن زياد ، وهو أقذر ممسوخ ، فأمره بقتل الإمام وإبادة عترته وأصحابه ، فجنّد الجنود ، وزجها إلى حرب ريحانة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، فأحاطت به من كل جانب ، ومنعتهم من الماء ، ورأى الإمام أطفاله ونساءه وهم يستغيثون من الظمأ القاتل ، ثم حملت على أصحابه وأبنائه تلك العصابة الخبيثة من الجيش الأموي فأبادتهم ، ووقف الإمام الممتحن على أشلاء أهل بيته وأصحابه ، فخاطبهم بكل طمأنينة وثبات قائلاً:

«صَبْراً يا أَهْلَ بَيْتِي ، صَبْراً يا بَنِي عُمُومَتِي ، لَا رَأَيْتُمْ هَوَاناً بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ».

ولم يبتل أحد من أنبياء الله تعالى مثل ما ابتلي به الإمام الحسين (علیه السلام)، فلم تبق كارثة إلا ابتلي بها ، وقد قابلها بالصبر والتسليم لأمر الله تعالى ، والرضا بقضائه ، وكان هذا منتهى الإيمان ، وقد ذكرنا هذه الظاهرة بالتفصيل في الجزء الأوّل من كتابنا : حياة الإمام الحسين بن عليّ(علیه السلام)

3 - الحلم

من معالي أخلاق الإمام أبي الأحرار(علیه السلام) الحلم ، فقد قابل المسيء له بالعفو والإحسان ، كجدّه رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) الذي وسع النّاس جميعاً بسمو أخلاقه ، وقد شاع حلم الإمام، وتحدّث النّاس فيه ، ومن أمثلته أنّ بعض مواليه جنى جناية تستحقّ التأديب ، فانبرى إليه العبد قائلاً:

يا مولاي ، إن الله تعالى يقول: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ فقابلة الإمام ببسمات فياضة وقال :)«كَظَمْتُ غَيْظي ».وسارع العبد قائلاً: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ )

فقابله الإمام ببسماته الفيّاضة وقال له :«قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ ... »«خَلُوا عَنْهُ ، فَقَدْ كَظَمْتُ غَيْظِي ...»و انبرى العبد يطلب المزيد من الإحسان قائلاً:(وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (1))أ«َنْتَ حُرِّ لِوَجْهِ اللهِ ... »ثمّ أمر له بجائزة سنيّة تغنيه عن الحاجة ومسألة النّاس (2))لقد كان هذا الخلق الرفيع من مقومات الإمام التي لم تنفك عنه ، وظلت ملازمة له طوال حياته.4 - التواضعمن مكارم أخلاق الإمام الحسين (علیه السلام التواضع ، ومجافاة الأنانية والكبرياء ، وقد ورث هذه الظاهرة من جدّه رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) وأبيه الإمام أمير المؤمنين(علیه السلام)، ومن أمثله تواضعه :)1- أنّه اجتاز على مساكين يأكلون في ( الصفّة ، فدعوه إلى تناول الطعام معهم ، فنزل عن راحلته وشاركهم في الغذاء ، ثم قال لهم: «قَدْ أَجَبْتُكُمْ فَأَجِيبُوني»، فأجابوه ، وحملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم ، وأمر لهم بدراهم (3).)2 - مرّ على فقراء يأكلون من أموال الصدقة ، فسلّم عليهم ، فدعوه إلى طعامهم ، فجلس معهم وقال لهم : «لَوْلَا أَنَّهُ صَدَقَةٌ لأَكَلْتُ مَعَكُمْ»، ثم دعاهم إلى منزله ،


1) آل عمران 3: 134 .

2) حياة الإمام الحسين بن علي علي : 1 : 124 .

3) تاريخ مدينة دمشق : 63 : 54 .

فأطعمهم وكساهم وأمر لهم بشيء من المال (1)لقد كان الإمام (علیه السلام يخالط الفقراء ويجالسهم ويفيض عليهم بالبر والإحسان ، حتى لا يتبيّغ بالفقير فقره ، ولا يبطر الغني ثراؤه .)3- ومن معالي أخلاقه أنّه جرت مشادة بينه وبين أخيه محمد بن الحنفيّة فكتب إليه محمّد رسالة جاء فيها :«أما بعد ، فإنّ لك شرفاً لا أبلغه ، وفضلاً لا أدركه ، أبونا عليّ لا أفضلك فيه ، ولا تفضلني ، وأمّي امرأة من بني حنيفة ، وأمّك فاطمة بنت رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم ، ولو كان ملء الأرض مثل أمي ما وفين بأمك ، فإذا قرأت رقعتي هذه فالبس رداءك ونعليك وسر إليَّ وترضيني ، وإيَّاك أن أكون سابقك إلى الفضل الذي أنت أولى به منّي .. ولما قرأ الإمام رسالة أخيه سارع إليه وترضاه (2)وكان ذلك من معالي أخلاقه)5 - الجودمن معالي أخلاق الإمام(علیه السلام أنّه كان ندي الكف لمن قصده وملجأ لمن جارت عليه الأيام ، وكان يملأ القلوب سروراً وغبطة بعطاياه .)يقول كمال الدين بن طلحة :«وقد اشتهر النقل عنه - أي عن الإمام الحسين - أنّه كان يكرم الضيف ، ويمنح الطالب ، ويصل الرحم ، ويسعف السائل ، ويكسو العاري ، ويشبع الجائع، ويعطي الغارم ، ويشدّ من الضعيف ، ويشفق على اليتيم ، ويغني ذا الحاجة ، وقل إن وصله مالا إلا فرّقه ، وهذه سجيّة الجواد ، وشنشنة الكريم ، وسمة ذي السماحة ، وصفة من قد حوى مكارم الأخلاق ، فأفعاله المتلوة شاهدة له بصنعة الكرم ، ناطقة بأنه


1) حياة الإمام الحسين بن علي عالم : 1 : 125 .

2) نهاية الارب : 3 : 260 . الف باء : 1 : 467 .

متّصف بمحاسن الشيم » (1)وكان يتكتّم في برّه وإحسانه ، فكان يحمل في دجى الليل البهيم كيساً وقد ملأ طعاماً ونقوداً فيوصله إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين حتى أثر ذلك في ظهره (2، وكان يصله المتاع الكثير ، فلا يقوم حتى يهب عامته(3)وقد أرسل إليه معاوية بهدايا وأقطاف وأرسل إلى غيره من شخصيات المدينة ، وأخبر جلساءه بما يفعله كلّ واحد منهم بتلك الأموال ، فقال في الإمام الحسين (علیه السلام) :)«أما الحسين فيبدأ بأيتام من قتل مع أبيه بصفين، فإن بقي شيء نحر به الجزور وسقى به اللبن»وبعث عيناً ليرى ما يفعله القوم ، فكان كما أخبر فقال : « أنا ابن هند ، أنا أعلم بقريش من قريش » (4. إنّ الإمام لم ير للمال قيمة سوى ما يرد به غائلة الجوع والبؤس والحرمان ، ولو تولى الحكم لما أبقى للفقر شبحاً في الوطن الإسلامي .)شذرات من جوده(علیه السلام.)وتحدّث الرواة عن بوادر كثيرة من معروف أبي الأحرار ، وكان منها :1 - مع أٌسامة بن زيدمرض أسامة مرضه الذي توفّي فيه ، فعاده الإمام ، فلما استقر به المجلس قال أسامة بحسرة :«واغمّاه » .«ما غَمُّك ؟ »


1) مطالب السؤول : 73 .

2) حياة الإمام الحسين بن علي علام : 1 : 128 .

3) حياة الإمام الحسين بن علي علام : 1 : 128 .

4) عيون الأخبار : 3 : 40 .

«دَيني وهو ستون ألفاً » .«هُوَ عَلَيَّ».«أخشى أن أموت قبل أن يقضى»«لَنْ تَمُوتَ حَتَّى أَقْضيها عَنْكَ ».وبادر أبو الأحرار فقضاها عنه قبل موته (1وقد غضّ طرفه عن أسامة الذي كان من المتخلفين عن بيعة أبيه ، فلم يجازيه بالمثل ، وإنما جازاه بالإحسان .)2 - مع أعرابيوفد أعرابي على سيّد الشهداء سلام الله عليه يطلب رفده ، وقال له :« سمعت جدّك (علیه السلام يقول : إِذا سَأَلْتُم حاجَةً فَاسْأَلُوهَا مِنْ أَرْبَعَةِ : إِمَا عَرَبِيٌّ شَرِيف ، أَوْ مَوْلى كَريم ، أَوْ حامِلُ الْقُرْآنِ ، أَوْ صاحِبُ وَجْهِ صَبيح ، فأما العرب فشرفت بجدك ، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم ، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل ، وأما الوجه الصبيح فإنّي سمعت رسول الله يقول : إِذا أَرَدْتُم أَنْ تَنْظُرُوا إِلَيَّ فَانْظُرُوا إِلَى الحَسَنِ والحُسَين » ، لقد اجتمعت هذه الخصال الكريمة في شخصية الإمام أبي الأحرار الله ، وقام الأعرابي فكتب حاجته على الأرض ، والتفت إليه الإمام فقابله ببسمات فياضة بالبشر ، وقال له :)«سَمِعْتُ أَبي عَلِيّاً يَقُولُ: الْمَعْرُوفُ بِقَدَرِ الْمَعْرِفَةِ ، فَأَسْأَلُكَ عَنْ ثَلاثِ مَسائِل إِنْ أَجَبْتَ عَنْ واحِدَةٌ فَلَكَ تُلْتُ ما عِنْدِي ، وَإِنْ أَجَبْتَ عَنِ اثْنَيْنِ ، فَلَكَ ثُلُنَا مَا عِنْدِي ، وَإِنْ أَجَبْتَ عَن الثَّلاثِ فَلَكَ كُلُّ ما عِنْدى ، وَكانَ قَدْ حُمِلَتْ إِلَى الإمام مِنَ العِراقِ صِرَّةً فيها النقود ، فقال الأعرابي :«سل ولا حول ولا قوة إلا بالله »


1) حياة الإمام الحسين بن علي الله : 1 : 128 .

الإمام الحسين : « أَيُّ الأَعْمالِ أَفْضَلُ ؟ »الأعرابي : « الإيمان بالله .)الإمام الحسين : « ما نَجاةُ الْعَبْدِ مِنَ الْهَلَكَةِ ؟ » .الأعرابي : « الثقة بالله »الإمام الحسين : « ما يُزينُ الْمَرْءَ ؟ » .الأعرابي : « علم معه حلم » .الإمام الحسين : «فَإِنْ أَخْطَأَهُ ذلِكَ ؟ » .الأعرابي : «فقر مع صبر : » .وان نالي وَأهْل كنية الجزء الأَربعونَالإمام الحسين - مداعباً له - : «فَإِنْ أَخْطَأَهُ ذلِكَ ؟ ».الأعرابي : «صاعقة تنزل من : « صاعقة تنزل من السماء فتحرقه» .فضحك الإمام (علیه السلام و ناوله الصرة (1)، وهكذا كان أبي الضيم نفحة من أخلاق جدّه پالرسول (صلی الله علیه وآله وسلم) ونعمة من الله تعالى على عباده .)3- مع جاريةروى أنس قال : كنت عند الحسين ، فدخلت عليه جارية بيدها طاقة ريحان فأهدتها له ، فقال لها :«أنت حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللهِ تَعالى» .وبهر أنس وراح يقول :«جارية تجيئك بطاقة ريحان فتعتقها ؟! »فأجابه الإمام بما أدبه الله به قائلاً:


1) فضائل الخمسة من الصحاح الستة : 3 : 268 .

«كَذا أَدبَنا الله تعالى : ( وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَبُوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا (1)، وَكانَ أَحْسَنَ مِنْها عِتْقُها (2. لقد اتخذ آداب الإسلام منهجاً فسار عليه في عطائه وسخائه)وجميع شؤونه .4 - قرع سائل باب الإمام (علیه السلام، وأنشأ يقول :)لَم يَحْبِ اليَومَ مَن رَجاك *** ومَنْ حرّكَ مِنْ خلفِ بابك الحَلَقةأنتَ ذو الجود أنتَ مَعدنه *** أبوكَ قَد كانَ قاتلَ الفَسَقَةوكان الإمام مشغولاً بالصلاة ، فلما فرغ منها خرج إلى السائل فرأى عليه أثر الفاقة ، فنادى قنبر أن يحضر له ما تبقى من نفقته ، وهي مائتا درهم كان أعدها لأهل بيته ، وقال : جاءَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِها مِنْهُم ، فدفعها إلى السائل وه-و يعتذر منه ، وأنشد هذه الأبيات :خُذها فَإِنِّي إليكَ مُعْتَذِرٌ *** وَاعْلَمْ بِأَنِّي عَلَيْكَ ذو شَفَقَةٌلَو كَانَ فِي سَيرنا عَصا تُمَدُّ إِذَنْ *** كانت سمانا عَليكَ مُنْدَفِقَةٌلكِنَّ ريبَ المَنونِ ذو نَكَدٍ *** والكفُّ مِنَا قَليلَة النَّفَقَةوشكر السائل هذه المكارم ، وانبرى مادحاً للإمام :مُطهَّرونَ نَقيّات ثيابهم *** تجري الصَّلاةُ عَليهِم أينما ذُكِرواوأنتُمُ أنتُمُ الأعلون عندَكُمُ *** عِلمُ الكتاب وما جاءَتْ بهِ السَّوَرُ (3)ه - كان الإمام الحسين (علیه السلام في مسجد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ، وكان في المسجد عتبة بن أبي سفيان وابن الزبير ، فأقبل شخص على عتبة فسلم عليه وقال له :)


1) النساء 86:4 .

2) الفصول المهمّة / ابن الصبّاغ : 184 .

3) تاريخ مدينة دمشق : 14 : 185 .

«إنّي قتلت ابن عم لي ، وطولبت بالدية ، فهل لك أن تعطيني شيئاً ؟ » .فأمر له بمائة درهم ، فاستقلها وأرجعها إليه ، ثمّ قصد ابن الزبير وعرض عليه حاجته ، فأمر بإعطائه مائتي درهم ، فاستقلها وأرجعها ، ثم قصد ريحانة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم وعرض عليه مهمته ، فأمر له بعشرة آلاف درهم ، وقال له :)«هذِهِ لِقَضاءِ ديونك » ، كما أمر له بعشرة آلاف درهم أخرى ، وقال له : « هذِهِ تَلمُ بها شَعَثَكَ ، وَتُحَسنُ بها حالَكَ ، وَتُنْفِقُ بها عَلى عِبالِكَ ، ، واستولت عليه موجات من الفرح والسرور ، واندفع يقول :طرِبْتُ وما هاجَ لي معبقُ *** ولا لى مَقام ولا مَعشَقُولكِنْ طربتُ لاَلِ الرَّسولِ *** فَلذَّ ليَ الشُّعرُ والمَنطِقُهمُ الأكرمونَ هُمُ الأَنجَبونَ *** نجومُ السَّماءِ بهم تُشرقُسَبقتَ الأنامَ إِلى المَكرُماتِ *** وأنتَ الجَوادُ فلا تلحقأبوك الذى سادَ بالمَكرُماتِ *** فقصَّرَ عَنْ سَبقهِ السَّبْقُبهِ فتحَ اللهُ بابَ الرَّشاد *** ِ وبابُ الفَسادِ بكُمْ مُعْلقُ (1)هذه شذرات من فيوضات بره وإحسانه إلى النّاس لم يبتغ في جميع ما أثر عنه من الكرم إلا وجه الله تعالى والفوز برضوانه .6 - إنابته (علیه السلام إلى الله عزّ وجل ّ)من معالي أخلاقه (علیه السلام انقطاعه إلى الله تعالى واعتصامه به ، وتفاعل حبّه الله تعالى في عواطفه ومشاعره ، ويقول المؤرّخون : إنّه عمل كلّ ما يقربه إلى الله زلفى ، فكان كثير الصلاة والصوم والحج والصدقة وأفعال الخير (2)، وهذه نماذج من تقواه :)


1) حياة الإمام الحسين بن علي الله : 1 : 129 - 130 ، نقلاً عن عقد الآل في مناقب الآل .

2) تهذيب الأسماء واللغات : 1: 163.

1 - خوفه (علیه السلام من الله عزّ وجل)كان سيّد الشهداء وإمام المتّقين شديد الخوف من الله تعالى ، حتى قال له بعض أصحابه :«ما أعظم خوفك من ربّك ؟ » .فأجابه :«لا يَأْمَنُ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِلَّا مَنْ خَافَ اللَّهَ تَعَالَى فِي الدُّنْيا (1)لقد كان الله تعالى نصب عينيه ، فلم يقم بأي عمل من أعمال الخير إلا لوجه الله تعالى .2 - صلاته وصومه (علیه السلام)كان الإمام في معظم أوقاته مشغولاً بالصلاة والصوم (2)وقد حدّث ولده زين العابدين عن كثرة صلاته ، وأنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة (3، وأكّد ذلك ابن الزبير حينما علم بقتله فقال :)«أما والله لقد قتلوه ، طويلاً بالليل قيامه ، كثيراً في النهار صومه » (4)3 - حجّه (علیه السلام )حجّ سيّد الشهداء بيت الله الحرام خمساً وعشرين حجّة ماشياً على قدميه (5


1) أعيان الشيعة : 4 : 102 .

2) تهذيب الأسماء واللغات : 1 : 163 . خطط المقريزي : 1 : 173 .

3) تاريخ اليعقوبي : 2 : 19 . تاريخ ابن الوردي : 1 : 173 .

4) تاريخ الأمم والملوك : 6: 273 .

5) تاريخ مدينة دمشق : 13 : 254 . سير أعلام النبلاء : 3: 193 مجمع الزوائد: 9 201)تهذيب الأسماء واللغات : 1: 163 .

وكانت النجائب تقاد بين يديه(1، وكان معظم حجّه مع أخيه الزكي الإمام الحسن (علیه السلام)، وكان يمسك الركن الأسود ويناجي الله تعالى قائلاً:)«إِلهِي أَنْعَمْتَني فَلَمْ تَجِدْني شاكِراً ، وَابْتَلَيْتَني فَلَمْ تَجِدْني صابِراً ، فَلا أَنْتَ سَلَبْتَ النّعْمَةَ بِتَرْكِ الشُّكْرِ ، وَلَا أَدَمْتَ الشَّدِّةَ بِتَرْكِ الصَّبْرِ . إلهي ما يكونُ مِنَ الكريم إِلَّا الْكَرَمُ » (2)4 - صدقاته (علیه السلام.)كان سيّد الشهداء (علیه السلام كثير الصدقة ، فكان يحمل الطعام في غلس الليل إلى الفقراء (3)، وقد ورث أرضاً وأشياء أخرى فتصدق بها قبل أن يقبضها (4)، ولم يبتغ بذلك إلا التقرب إلى الله تعالى .)5 - الرأفة والإحسانكان أبو الأحرار (علیه السلام الشديد الرحمة والرأفة بالنّاس ، حتّى لأعدائه ، وكان يجير من استجار به ، ويردّ لهفة كلّ ملهوف ، وكذلك صار من بعده قبره الشريف ملجاً وملاذاً لكلّ مظلوم ومحروم . يقول الجواهري :)تَعالَيتَ مِنْ مفزع للحُتوفِ *** وبورك قبرُكَ مِنْ مَفزَعتلوذ الدهورُ به فمِنْ *** سُجَّد على جانبيهِ ومِنْ رُكَّعوقد استجار به وبأخيه مروان بن الحكم الوغد الدنس بعد فشل واقعة الجمل التي قادتها عائشة لمحاربة أخي رسول الله(علیه السلام وباب مدينة علمه ، وطلب من السبطين أن يتشفّعا له عند أبيهما ، فكلماه في ذلك ، وقالا له :)


1) صفة الصفوة : 1 : 321 الطبقات الكبرى / الشعراني : 1: 63 .

2) الكواكب الدرية : 1 : 58 .

3) حياة الإمام الحسين بن علي علام : 1: 135.

4) دعائم الإسلام : 2 : 337 .

«يُبايِعُكَ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ »فقال لهما :«أَوَ لَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ ؟ لَا حَاجَةَ لِي فِي بَيْعَتِهِ ! إِنَّهَا كَفِّ يَهُودِيَّةٌ لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّهِ لَغَدَرَ بِسَبَابَتِهِ ، أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْفَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ ، وَهُوَ أَبُو الْأَكْبَشِ الْأَرْبَعَةِ ، وَسَتَلْقَى الأمهُ مِنْهُ وَمِنْ وَلَدِهِ يَوْمَا أَحْمَرَ !»تحدّث الإمام (علیه السلام عن مروان، وإنّه مثال للغدر والخيانة ، ولو بايع بيده لغ-در بسبابته ، ومن الملاحم التي أخبر عنها الإمام في هذه الكلمات ولاية مروان ، وأنّها قصيرة جداً ، فكانت لقصرها كلعقة الكلب أنفه ، وإنّ الخلافة من بعده ستكون لأبنائه الذين يجهدون على هلاك النّاس وظلمهم، فقد استعمل عبدالملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي والياً على العراق وغيره ، فصبّ وابلاً من العذاب الأليم على النّاس ، وأشاع الشكل والحداد في العراق .)ومن ألوان رأفة الإمام أنّه لما استقبله الحرّ بمفرزة من الجيش تبلغ ألف فارس لمناجزته وقتاله ، وقد أشرفت على الهلاك من شدة العطش، فلم تدعه أريحيته وسموّ نفسه من عدم القيام بإنقاذهم ، فأمر غلمانه وأهل بيته بسقيهم ، وسقي خيولهم ، وكان فيهم المجرم علي بن الطعان المحاربي ، الذي اشتدّ به العطش ، فلم يدر كيف يشرب ، فقام بنفسه وسقاه ، وكانت هذه البادرة من أروع ما سجل في قاموس الإنسانيّة من الشرف والنبل .7 - الصلابة في الحقّومن معالي أخلاق أبي الأحرار الصلابة فى الحق ، فلم يعرف الناس أكثر منه اندفاعاً في نصرة الحق ، ودك حصون الباطل ، وتدمير خلايا الجور والاستبداد .فقد رأى الإمام (علیه السلام الأمّة الإسلامية قد غمرها الظلم والجور ، ولم يعد في ساحتها)

أي ظلّ للعدل ولا للحق ، فانبرى إلى ساحة الجهاد ليرفع كلمة الله تعالى ، ويقيم الحق والعدل ، وقد أعلن ذلك في خطابه الذي ألقاه على أصحابه ليلة العاشر من المحرّم ، فقال :«أَلَا تَرَوْنَ إِلَى الْحَقِّ لَا يُعْمَلُ بِهِ ، وَإِلَى الْباطِل لَا يُتَناهى عَنْهُ ، لِيَرْغَبَ الْمُؤْمِنُ في لِقاءِ رَبِّهِ مُحِقاً ».لقد كان الحق من أبرز ذاتيّات الإمام(علیه السلام ، وقد استشف النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) من وراء الغيب أنّ سبطه العظيم هو الذي ينهض لإقامة الحق ، فكان يرشف ذلك الثغر ويوسعه تقبيلاً.)8- الصراحةومن أخلاق أبي الأحرار الصراحة في القول والعمل ، ففي جميع فترات حياته لم يوارب، ولم يخادع ، ولم يسلك أي طريق فيه التواءاً ومنعطفات ، وإنما سلك الطريق الواضح الذي يتجاوب مع ضميره الحي ، وكان من ألوان ذلك السلوك المشرق أنّ الوليد حاكم المدينة دعاه في غلس الليل ، وأحاطه علماً بهلاك الطاغية معاوية ، وطلب منه البيعة ليزيد مكتفياً بها في جنح الظلام لا على رؤوس الأشهاد ، فامتنع من إجابته ، ورفض البيعة رسمياً قائلاً:«إِنَّا أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَمَعْدِنُ الرِّسالَةِ وَمُخْتَلَفُ الْمَلَائِكَةِ ، بِنا فَتَحَ اللهُ وَبِنا خَتَمَ ، وَيَزِيدُ رَجُلٌ فَاسِقٌ ، شارِبُ الْخَمْرِ ، قاتِلُ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ ، مُعْلِنٌ بِالْفِسْقِ وَالفُجور، وَمِثْلي لا يُبايِعُ مِثْلَهُ ».ولم يحفل سبط النبيّ (صلی الله علیه وآله وسلم بالسلطة ، وجاهر برأيه المشرق في رفض البيعة ليزيد الذي جمع جميع الرذائل والموبقات .)من ألوان الصراحة الى اعتادها أنّه في أثناء طريقه إلى العراق وافاه النبأ المؤلم

بقتل سفيره مسلم بن عقيل ، وخذلان أهل الكوفة ، فقال للذين اتبعوه طلباً للعافية : « أَمَا بَعْدُ ، فَقَدْ قُتِلَ مُسْلِمٌ ، وَخَذَلَنا شِيعَتُنا ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمُ الْإِنْصِرافَ فَلْيَنْصَرِفْ لَيْسَ عَلَيْهِ ذِمامٌ »فتفرّق عنه ذو الأطماع ، وبقي مع الصفوة من أهل بيته وأصحابه (1. لقد تجنّب الإغراء والخداع في تلك الساعات الحرجة التي يتطلب فيها)إلى الناصر والصديق ومن ألوان تلك الصراحة أنّه جمع أهل بيته وأصحابه في ليلة العاشر من المحرّم ، فأحاطهم علماً بشهادته في الغد ، وأن جميع من كان معه سيُقتلون ، صارحهم بذلك ليكونوا على بصيرة من أمرهم ، وأمرهم بالتفرّق في سواد الليل ، إلّا أنّ تلك الكوكبة العظيمة أبت مفارقته ، وأصرّت على الشهادة بين يديه . تدول الدول، وتزول الممالك ، وهذه الأخلاق الرفيعة أحق بالبقاء من كلّ كائنحي ؛ لأنها تمثل القيم الكريمة التي لا كرامة للإنسان بدونها (2)9 - الشجاعةمن مکارم اخلاق أبي الأحرار الشجاعة ورباطة الجأش ، فلم يشاهد الناس مثله في جميع مراحل التاريخ في صلابة عزمه وبسالته ، وقدّم الناس شجاعته على شجاعة أبيه التي استوعبت جميع لغات الأرض.وقد بهر أعداؤه بقوّة بأسه ، فإنّه لم ينهار أمام تلك الكوارث التي أحاطت به، وكلّما زاد الموقف بلاء ومحنة ازداد انطلاقاً وبشراً ، فإنّه بعد ما استشهد أصحابه وأهل بيته زحف عليه الجيش الأموي ، وكان عدده - فيما يقول الرواة - ثلاثين ألفاً ،


1) أنساب الأشراف : 1 : 240 .

2) حياة الإمام الحسين بن علي علي الام : 3 : 119 - 120 .

فيحمل عليهم ، فينكشفون بين يديه، ويفرّون فرار المعزى إذا شدّ عليها الذئب على حد تعبير الرواة ، وبقي صامداً كالجبل يتلقى الطعنات من كل جانب ، لم يهنله ركن ، وإنّما مضى في أمره استبسالاً واستخفافاً بالمنية . يقول السيد حيدر:فَتَلَقَّى الجُموعَ فَرْداً وَلَكِنْ *** كُلَّ عُضْوِ فِي الرَّوْع مِنْهُ جُموعرمْحُهُ مِنْ بنانِهِ وَكَأَنَّ مِنْ *** عَزْمِهِ حَدَّ سَيْفِهِ مَطْبُوعُزَوَّجَ السَّيْفَ بِالنُّفُوسِ وَلكِنْ *** مَهْرُها الْمَوْتُ وَالْخِصَابُ النَّجِيعُووصف السيد حيدر شجاعته النادرة أيضاً بقوله :رَكِينٌ وَلِلْأَرْضِ تَحْتَ الكُماة *** رَجِيفٌ يُزَلْزِلُ ثهلانَهاأَقَرُّ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ ظَهْرِها *** إِذا مَلْمَلَ الرُّعْبُ أَقْرانَهاتَزيدُ الطَّلَاقَةُ فِي وَجْهِهِ *** إِذا غَيَّرَ الخَوْفُ أَلْوانَهاولمّا هوى أبي الضيم على الأرض جريحاً وقد أعياه نزف الدم تحامى الجيش الأموي الإجهاز عليه رعباً وخوفاً منه . يقول السيد حيدر:عَفِيْراً مَتى عَايَنَتْهُ الكُما *** ةُ يَخْتَطِفُ الرُّعْبُ أَلوانهافَما أَجْلَتِ الحَرْبُ عَنْ مِثْلِهِ *** صَرِيعاً يُجَبِّنُ شُجْعَانَهاوتغذّى أهل بيته وأصحابه بهذه الروح العظيمة ، فتسابقوا إلى الموت بشوق وإخلاص ، وقد شهد عدوّهم ببسالتهم ورباطة جأشهم ، وقد قيل لرجل ممن كان مع ابن سعد : « ويحك أقتلتم ذرّيّة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم ؟ » ، فأجاب :«عضضت بالجندل ، إنّك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها ، كالأسود الضارية ، تحطّم الفرسان يميناً وشمالاً ، وتلقي أنفسها على الموت ، لا تقبل الأمان ، ولا ترغب في المال ، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية ، والاستيلاء على الملك ، فلو كففنا عنها رويداً

لأتت على نفوس العسكر بحذافيره ، فما كنّا فاعلين (1.)يقول بعض الشعراء :فَلَوْ وَقَفَتْ صُمُّ الجِبالِ مَكانَهُمْ *** لمادَتْ عَلَىٰ سَهْلٍ وَدَكَّتْ عَلَىٰ وَعْرِفَمِنْ قائِمِ يَسْتَعْرِضُ النَّبْلُ وَجْهَهُ *** وَمِنْ مُقْدِمٍ يَرْمِي الْأُسِنَّةِ بِالصَّدْرِلقد تحدّى أبو الأحرار بشجاعته النادرة الطبيعة البشرية ، فسخر من الموت ، وهزأ من الحياة ، وآثر الشهادة على الحياة بذلّةهذه بعض المثل الكريمة من أخلاقه لا التي هي امتداد لأخلاق جدّه الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم مفجّر العلم والحكمة في الأرض .)


1) شرح نهج البلاغة : 3: 263 .

## الأمام السجّادي (علیه السلام.)### اشارة

وليس في تأريخ هذا الشرق من يشابه الإمام زين العابدين (علیه السلام في مكارم أخلاقه وسموّ ذاته ، عدا آباءه الذين أضاؤوا الحياة بمواهبهم وعبقريّاتهم وعظيم إيمانهم بالله تعالى .)إنّ هذا الإمام العظيم نسخة لا ثاني لها في تاريخ البشرية ؛ وذلك بما يملكه من القيم الكريمة والصفات الفاضلة التي سمت به إلى أرقى مستويات الكمال ،والتي منها :### مكارم اخلاقة1 - الحلمالحلم من أسمى الصفات التي يتميّز بها الإنسان ، وكان الإمام السجاد (علیه السلام من أحلم النّاس وأكظمهم للغيظ ، وقد ذكر الرواة بوادر من حلمه ، كان منها :)1 - كانت له جارية تسكب على يديه الماء إذا أراد الوضوء للصلاة ، فسقط صدفة الابريق من يدها على وجهه الشريف فشجّه ، فبادرت الجارية قائلة :«إنّ الله عزّ وجلّ يقول : ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ )وأسرع الإمام فقال لها بلطف : «كَظَمْتُ غَيْظي » .

وطمعت الجارية في حلم الإمام ونبله ، فراحت تطلب المزيد من فضله قائلة :(وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ )فأجابها الإمام بلطف«عَفا اللهُ عَنْكِ » .وراحت الجارية تلتمس من الإمام اللطف والفضل قائلة :(وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .)فقابلها بمزيد من الإحسان قائلاً:«إِذْهَبي فَأَنْتِ حُرَّةٌ » (1)2 - ومن بوادر حلمه : أنّ شخصاً من سقطة المجتمع قابل الإمام بالسب والشتم بلا سبب ، فأجابه الإمام بلطف قائلاً:«يا فتى ، بَيْنَ أَيْدِينَا عَقَبَةً كَوُوداً ، فَإِنْ جِزْتُ مِنْها فَلا أبالي بِما تَقولُ ، وَإِنْ أَتَحَيَّرُ فيها فَأنا شَرٌّ مِمّا تَقول ».ولم ينزعج الإمام من هراء الشخص الذي انعدمت منه الأخلاق والآداب.3 - ومن عظيم حلمه أنه خرج من المسجد ، فأسرع شخص فسبه ، وأراد الحاضرون الانتقام منه ، فنهاهم الإمام ، وأقبل صوب الرجل وقابله ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً:«ما سَتَرَهُ اللهُ عَنْكَ أَكْثَرُ ، أَلَكَ حاجَةٌ نُعِيتُكَ عَلَيْها ؟ »وخجل الرجل ، وودّ أنّ الأرض قد وارته ، وأشفق عليه الإمام ، فألقى عليه خميصة (2كانت عليه ، وأمر له بألف درهم، واهتدى الرجل ، فكان إذا رأى الإمام)


1) تاریخ دمشق : 36: 155 . نهاية الارب : 21 : 326.

2) الخميصة : ثوب أسود .

قابله بمزيد من الاحتفاء والتكريم قائلاً له : « إنّك من أولاد الأنبياء (1)4 - ومن بوادر حلمه أن شخصاً اعتدى عليه ، فأشاح الإمام (علیه السلام بوجهه عنه ، وراح اللئيم يخاطب الإمام قائلاً له :)«إيّاك أعني » .وأسرع الإمام قائلاً:«وَعَنْكَ أَغْضي» .وانصرف الإمام ، ولم يقابله بالمثل(2، قد وضع أمامه قوله تعالى : ( وَأَعْرِضْ)عَنِ الْجَاهِلِينَ (3) ه - ومن مكارم حلمه أن شخصاً سبّه فقال(علیه السلام) له :

«إِنْ كُنَّا كَما قُلْتَ فَنَسْتَغْفِرُ اللهَ ، وَإِنْ لَمْ نَكُنْ كَما قُلْتَ فَغَفَرَ اللهُ لَكَ ».

فبهت الرجل وراح يعتذر من الإمام قائلاً:

«جعلت فداك ، ليس كما قلت أنا فاغفر لي »

وأخذ الإمام يلاطفه بالكلمات الناعمة ، وبالأخلاق الرفيعة حتى أخذ بمجامع قلبه وفكره ، وراح يستميح منه العذر والعفو ، وطفق يقول :

«الله أعلم حيث يجعل رسالته فيمن يشاء »(4)

هذه بعض البوادر التي رواها المؤرّخون من عظيم حلمه ، وهي تكشف عن طاقات لا حدّ لها من الفضائل الماثلة فيه


1) البداية والنهاية : 9 : 105 .

2) البداية والنهاية : 9 : 105 .

3) الأعراف 7 199 .

4) صفة الصفوة : 2 : 54 .

2 - الإحسان إلى النّاس

من معالي أخلاق الإمام زين العابدين (علیه السلام) البرّ بالناس والإحسان إليهم ، فقد كان قلبه الشريف يفيض بالرحمة والحنان عليهم ، وكان من عظيم إحسانه أنه إذا علم أنّ على أحد ديناً وله به مودّة سارع فأدّى عنه دينه (1).

ومن سموّ ذاته أنه كان يبادر لقضاء حوائج النّاس خوفاً من أن يقوم أحد إلى قضائها فيحرم الثواب ، وقد قال : «إِنَّ عَدُوِّي يَأْتيني بِحَاجَةٍ فَابَادِرُ إِلَى قَضائِهَا خَوْفاً مِنْ أَنْ يَسْبِقَنِي أَحَدٌ إِلَيْهَا أَوْ يَسْتَغْنِي عَنْهَا فَتَفوتَني فَضيلَتُها» (2)

وروى الزهري : قال : كنت عند عليّ بن الحسين، فجاء رجل من أصحابه فقال له :

«إنِّي أصبحت وعلَيَّ أربعمائة دينار دين ، ولا أتمكن من قضائها ، وعندي عيال » .

ولم يكن عند الإمام شيء من المال ليسعفه به ، فبكى ، وقال :

« أَيَّةً مِحْنَةٍ أَوْ مُصِيبَةٍ أَعْظَمُ عَلَى حُرِّ مُؤْمِنٍ مِنْ أَنْ يَرَى بِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ خَلَّةٌ فَلا يُمْكِنُهُ سَدَّها »(3)

وهكذا كان الإحسان ذاتياً من ذاتيات هذا الإمام العظيم الذي لم يخلق مثله سوى آبائه العظام الذين خلقوا للفضيلة والإحسان والبرّ بالناس .

1 - إحسانه (علیه السلام) لأعدائه

ومن عظيم إحسانه وسموّ ذاته لأعدائه أنّ إسماعيل بن هشام المخزومي كان


1) الإمام زيد / أبو زهرة : 224 .

2) حياة الإمام زين العابدين(علیه السلام).

3) حياة الإمام زين العابدين(علیه السلام).

والياً على المدينة ، وكان شديد البغض والعداء للأسرة النبوية ، وكان كثير الاعتداء على الإمام زين العابدين (علیه السلام)، وكان يعلن سب الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) على المنابر تقرّباً لأسياده الأمويين ، ولما ولي الوليد بن عبد الملك الخلافة بادر إلى عزله لهنات كانت بينهما قبل أن يلي الملك ، فأوعز إلى واليه بإيقافه إلى الناس لاستيفاء حقوقهم منه ، وفزع إسماعيل كأشدّ ما يكون الفزع من الإمام زين العابدين (علیه السلام) ؛ وذلك لكثرة اعتدائه عليه وإسائته له ، فقال :

« ما أخاف إلا من علي بن الحسين ، فإنّه رجل صالح يسمع قوله فيّ » .

هلمّوا وانظروا إلى سموّ الإمام ، لقد سارع إليه وقابله ببسمات فيّاضة بالبشر .

وعرض عليه القيام بما يحتاج إليه من المعونة في محنته قائلاً:

«يابْنَ الْعَمَ ، عافاك الله لَقَدْ َساءَنى ما صُنِعَ بك ، فادْعُنا إلى ما أَحْيَيْتَ» .

وذهل هشام وراح يقول :

«الله أعلم حيث يجعل رسالته فيمن يشاء »(1)

أرأيتم هذه الأخلاق التي تحكي أخلاق الأنبياء الذين عمّروا الدنيا بفضائلهم .

2 - دعاؤه (علیه السلام) لأعدائه

انظروا إلى هذا الإمام العظيم كيف يدعو لأعدائه الذين ظلموه واعتدوا عليه يقول :

«اللهُمَّ وَأَيُّمَا عَبْدِ نالَ مِنّى ما حَظَرْتَ عَلَيْهِ ، وَانْتَهَكَ مِنِّي مَا حَجَرْتَ عَلَيْهِ ، فَمَضَىٰ بِظُلامَتي ميتاً ، أَوْ حَصَلَتْ لي قِبَلَهُ حَيّاً ، فَاغْفِرْ لَهُ مَا أَلَمَّ بِهِ مِنِّي ، وَاعْفُ لَهُ عَمَّا أَدْبَرَ بِهِ عَنِّي ، وَلا تَقِفْهُ عَلَى مَا ارْتَكَبَ فِيَّ، وَلَا تَكْشِفْهُ عَمَّا اكْتَسَبَ


1) الطبقات الكبرى / ابن سعد 5 : 202 .

بی ، وَاجْعَلْ ما سَمَحْتُ بِهِ مِنَ الْعَفِوْ عَنْهُمْ ، وَتَبَرَّعْتُ بِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ ، أَزْكَى صَدَقَاتِ الْمُتَصَدِّقِينَ ، وَأَعْلَى صِلاتِ الْمُتَقَرِّبِينَ ، وَعَوِّضْني مِنْ عَفْوي عَنْهُمْ عَفْوَكَ ، وَمِنْ دُعائي لَهُمْ رَحْمَتَكَ ، حَتَّىٰ يَسْعَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِفَضْلِكَ ، وَيَنْجُوَ كُلٌّ مِنّا بِمَنَّكَ »(1)

إنّ هذا الإمام في الإحسان والشرف نسخة لا ثاني لها في تأريخ الإنسانية عدا آباءه ، لقد كان دنيا من الشرف وسموّ الذات ما يعجز عنه الوصف ، ويقصر عن الإحاطة به اللفظ.

3 - قضاء حوائج النّاس

ظاهرة أخرى من نزعات الإمام وصفاته مبادرته لقضاء حوائج الناس ، ولو كانت حاجتهم عند أعدى الناس له ، فقد روى المؤرّخون أن جماعة من المسلمين قد ألقت السلطة عليهم القبض ، ففزعوا إلى الإمام وطلبوا منه التوسط في شأنهم عند عبد الملك بن مروان، فاستجاب لهم ، وسافر إلى الشام لقضاء مهمتهم ، فالتقى(علیه السلام) بعبد الملك عاهل الدولة ، فلما رأى الإمام استعظم ما رآه عليه من أثر السجود ، فقال له :

لقد بيّن عليك الاجتهاد ، ولقد سبق لك من الله تعالى الحسني ، وأنت بضعة من رسول الله (علیه السلام) ، قريب النسب ، وكيد السبب ، وأنك لذو فضل عظيم على أهل بيتك وذوي عصرك ، ولقد أوتيت من الفضل والعلم والدين والورع ما لم يؤته أحد مثلك ولا قبلك ، إلا من مضى من سلفك » .

وأقبل على الإمام يطريه ويذكر فضائله ومآثره ، ولما انتهى من كلامه قال له الإمام :


1) الصحيفة السجادية : الدعاء 38 .

«كُلُّ ما ذَكَرْتَهُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وَتَأيِيدِهِ وَتَوْفِيقِهِ ، فَأَيْنَ شُكْرُهُ عَلى ما أَنْعَم ؟

وَلَقَدْ كانَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَقِفُ لِلصَّلاةِ حَتَّى تَتَوَرَّمَ قَدَماهُ ، وَيَظْمَأُ فِي الصِّيامِ حَتَّى يَعْصَب فوه (1)، فَقِيلَ لَهُ : يا رَسُولَ اللهِ ، أَلَمْ يَغْفِرِ الله لَكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ؟ ! ! فَيَقولُ (صلی الله علیه وآله وسلم): أَفَلَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً ».

ومضى الإمام قائلاً:

«الْحَمْدُ لِلّهِ عَلى ما أَوْلى وَأَبْلى ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولى ، وَاللَّهِ ! لَوْ تَقَطَّعَتْ أَعْضائي ، وَسالَتْ مُقْلَتَايَ على صَدْري لَنْ أَقُومَ لِلَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ بِشَكْرِ عِشْرَ الْعَشِيرِ مِنْ نِعْمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ جَميعِ نِعَمِهِ الَّتي لَا يُحْصيها العادّونَ ، وَلَا يَبْلُغُ أَحَدَ نِعْمَةً مِنْها عَلَى جَميعِ حَمْدِ الحامدينَ ، لَا وَاللهِ! أَوَيَراني اللهُ لا يَشْغُلُني شَيْءٌ عَنْ شُكْرِهِ ، وَذِكْرِهِ فِي لَيْلٍ وَلَا نَهارٍ ، وَلَا سِرٌّ وَلَا عَلَانِيَةٍ ، وَلَوْلَا أَنَّ لِأَهْلِي عَلَيَّ حَقًّاً ، وَلِسائِرِ النَّاسِ مِنْ خاصهِم وَعامِّهِم عَلَيَّ حُقوقاً لا يَسَعُني إِلَّا الْقِيامُ بها حَسَبَ الْوُسْع وَالطَّاقَةِ حَتَّى أَوَّدَيها إِلَيْهِم لَرَمَيْتُ بِطَرْفِي إِلَى السَّمَاءِ ، وَبِقَلْبِي إِلَى اللهِ ، ثُمَّ لَمْ أَرَدَّهُما حَتَّىٰ يَقْضِيَ اللَّهُ عَلَىٰ نَفْسي ، وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ».

ثمّ بكى الإمام بكاء شديداً، وانهار الطاغية عبد الملك أمام هذا العملاق من الإيمان والتقوى ، وراح يقول بتأثر وإعجاب :

«شتّان بين عبد طلب الآخرة وسعى لها سعيها ، وبين من طلب الدنيا من أين جاءته ما له في الآخرة من خلاق » .

وخضع عبد الملك لوساطة الإمام وشفّعه فيهم وأطلق سراحهم (2)

حكى هذا الحديث مدى اهتمام الإمام البالغ بقضاء حوائج النّاس وإنقاذهم من


1) عصب فوه : أي جف ريقه .

2) حياة الإمام زين العابدین الله : 1 : 201 - 203 .

المحن التي ألمّت بهم ، كما حكى روحانية الإمام ، وخضوع الطاغية عبدالملك لقداسته وسموّ شأنه .

3 - السخاء

كان الإمام زين العابدين(علیه السلام) من أندى الناس كفاً ، وأبرهم بالضعفاء والفقراء ، وقد نقل الرواة بوادر كثيرة من جوده وكرمه ، كان منها :

1 - مع محمّد بن أسامة

مرض محمّد بن أسامة ، فعاده الإمام(علیه السلام) ، ولما استقر به المجلس أجهش محمّد بالبكاء ، فقال له الإمام :

«ما يُبكيك ؟ »

«على دين».

«علَيَّ »

«كَمْ هُوَ ؟ » .

«خمسة عشر ألف دينار».

«هِيَ عَلَيَّ ».

ولم يقم الإمام من المجلس حتى دفعها له (1)وقد أزال همه ، ووفّى دينه ، وقبله أبوه أسامة دخل عليه الإمام الحسين (علیه السلام)عائداً له في مرضه ، فشكى إليه دينه البالغ مائة ألف دينار ، فسدّدها الإمام (علیه السلام) ودفعها له بالوقت .

2 - إطعام عام

ومن كرمه وجوده أنّه كان يطعم النّاس في كلّ يوم في وقت الظهيرة في داره (2)


1) سير أعلام النبلاء : 4 : 239 . تاريخ الإسلام : 2 : 266 .

2) نفحات من سيرة أئمة أهل البيت الاعلام 182 .

3- اعالته لمائة بیت

ومن فيض إكرامه أنّه كان يعول مائة بيت بالمدينة في السر (1)، وكان في كل بيت جماعة من الناس(2)

إنّ الكرم كان سجيّة له ، وكان يرى أنّه يقرّبه إلى الله تعالی زلفی ، فجاد بجميع ما عنده .

4 - صدقاته(علیه السلام)

وكان الإمام زين العابدين (علیه السلام) من أحبّ الأمور إليه إنعاش الفقراء وتبديل حياتهم من البؤس والحرمان إلى السعة والرخاء ، وكان يقول :

« ما مِنْ رَجُلٍ تَصَدَّقَ عَلى مِسْكِينٍ مُسْتَضْعَفِ ، فَدَعَا لَهُ الْمِسْكِينُ بِشَيْءٍ فِي تِلْكَ السّاعَةِ إِلَّا اسْتُجيبَ لَهُ»(3)

وهذه صور من صدقاته :

1 - التصدق بثيابه (علیه السلام)

كان الإمام زين العابدين(علیه السلام) يلبس أفخر الثياب في الشتاء ، فإذا جاء الصيف تصدّق بها أو باعها وتصدق بثمنها ، وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع مصر ، ويتصدّق بهما إذا جاء الشتاء (4)، وكان يقول :

«إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنْ رَبِّي أَنْ أَكُلَ ثَمَنَ ثَوْبٍ قَدْ عَبَدْتُ اللَّهَ فِيهِ »(5).


1) تهذيب اللغات والأسماء : 343 .

2) حياة الإمام زين العابدين الله : 1: 84.

3) وسائل الشيعة : 1 296 .

4) تاریخ دمشق : 36 : 161 .

5) حياة الإمام زين العابدين الا : 1 : 87.

2 - التصدّق بما يحبّ

كان الإمام زين العابدين (علیه السلام) يتصدق بما يحب

يقول الرواة : إنّه كان يتصدّق باللوز والسكر ، فسئل عن ذلك ، فتلا قوله تعالى :

(لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ )(1)

وروى المؤرّخون أنّه كان يعجبه العنب ، وكان صائماً ، فقدمت له جاريته عنقوداً من العنب في وقت الإفطار ، فجاء سائل فأمر بدفعه إليه ، فبعثت الجارية من اشتراه منه ، وقدّمته إلى الإمام ، فطرق سائل آخر الباب ، فأمر بدفع العنقود إليه ، فبعثت الجارية من اشتراه منه ، وقدّمته للإمام ، وطرق سائل ثالث ، فدفعه الإمام إليه(2)، وقد ضارع بهذه آباءه العظام الذين قدموا قوتهم ثلاثة أيام متوالية وهم صائمون إلى المسكين واليتيم والأسير ، فأنزل الله فى حقهم سورة هل أتى ، التي بقيت وسام شرف لهم على امتداد الزمن حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها (3)

3 - مقاسمة أمواله (علیه السلام).

وقاسم الإمام (علیه السلام) أمواله مرتين ، فأخذ قسماً وتصدق بالقسم الآخر على الفقراء والمساكين (4).

4 - صدقاتها(علیه السلام) في السرّ

وكان من أحبّ الأشياء إلى الإمام (علیه السلام) الصدقة في السرّ مخافة أن يعرفه أحد من النّاس ، وقد أراد أن يربط نفسه ومن يعطيهم من البؤساء برباط الحبّ في الله تعالى


1) آل عمران 3 92 . بحار الأنوار: 46: 89.

2) المحاسن / البرقي : 547 . فروع الكافي : 6 : 350 .

3) حياة الإمام زين العابدين الان : 1 : 88 .

4) خلاصة تهذيب الكمال : 231.

وكان يحثّ على صدقات السرّ ويقول : «إِنَّها تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ »(1).

وكان يخرج في غلس الليل البهيم فيوصل الفقراء بهباته وعطاياه وهم لا يعرفونه ، وقد اعتاد الفقراء على صلته ، فكانوا ينتظرونه واقفين على أبواب بيوتهم ، فإذا رأوه تباشروا ، وقالوا : «جاء صاحب الجراب »(2). وكان له شخص من أرحامه يأتيه بالليل فيناوله الدنانير ، فيقول له العلوي : « إن علي بن الحسين لا يوصلني » ، ويدعوا عليه ، فيسمع الإمام (علیه السلام) ذلك ويغضي عنه ، ولما توفّى (علیه السلام) فقد العلوي الصلة ، وعلم أنّ الذي كان يوصله الإمام ، فكان يأتي إلى قبره باكياً معتذراً منه (3)، وقال ابن عائشة : سمعت أهل المدينة يقولون : « ما فقدنا صدقة السرّ حتى مات علي بن الحسين كان الإمام الله شديد التكتم في صلاته وهباته ، فكان إذا ناول أحداً شيئاً

غطى وجهه لئلا يعرفه الناس(4)ويقول الذهبي : إنّه كثير الصدقة في السر (5)، وكان يجعل الطعام الذي يوزّعه

على الفقراء في جراب ويحمله على ظهره، وقد ترك ذلك أثراً عليه (6)وروى اليعقوبي أنّه لمّا غُسل بعد وفاته وجدوا على كتفيه جلب كجلب البعير (7)، فقيل لأهله : « ما هذه الآثار ؟ » ، فقالوا : « من حمله للطعام في الليل يدور به على منازل الفقراء» (8)


1) تذكرة الحفاظ : 1 : 75 أخبار الدول : 110. نهاية الإرب : 21 : 326 .

2) بحار الأنوار: 46: 89 .

3) حياة الإمام زين العابدين الله : 1 : 89 .

4) صفة الصفوة : 2 54 .

5) تذكرة الحفاظ : 1 : 075 .

6) الاتحاف بحب الأشراف : 49 .

7) الجلب : القشرة التي تعلو الجرح عند البرء .

8) تاريخ اليعقوبي : 2 : 303 .

ولم يبتغ الإمام في صدقاته وبره إلى الفقراء مدحاً أو أجراً من أحد ، وإنما كان يبغي وجه الله تعالى ، وما يقربه إليه زلفى ، وقد وضع أمامه قوله تعالى : ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَا وَلَا أَذى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ (1)

روى الزهري ، قال : رأيت علىّ بن الحسين(علیه السلام) في ليلة باردة ، وهو يحمل على ظهره دقيقاً ، فقلت له :

«يابن رسول الله ، ما هذا ؟ » .

فقال له الإمام بصوت خافت :

«أعِدُّ سَفَراً ، وَأعِدُّ لَهُ زاداً أَحْمِلُهُ إِلَى مَوْضِعِ حَريز » .

ولم يفهم الزهري ما أراده الإمام ، فأسرع قائلاً:

«هذا غلامي يحمله عنك » .

ولم يجبه الإمام ، فتضرّع إليه الزهري أن يحمله عنه بنفسه ، إلا أنّه أصر على ما ذهب إليه ، وقال له :

«وَلكِنِّي لا أَرْفَعُ نَفْسي عَمَّا يُنْجِينِي مِنْ سَفَري ، ويحسَنُ ورودي عَلى ما أَرِدُ عَلَيْهِ ، أَسْأَلُكَ بحَقِّ الله لما مَضَيْتَ لِحاجَتِكَ ».

وانصرف الزهري عن الإمام ، وبعد أيام التقى به ، وكان قد ظنّ أنّ الإمام على جناح سفر ولم يرد أن يخبره عنه ، فقال له :

يابن رسول الله ، لست أرى لذلك السفر الذي تركته أثراً ؟ » .

فأخبره الإمام بالسفر الذي يريده ، وهو السفر إلى دار الحق قائلاً:

«يا زُهْرِيّ ، لَيْسَ ما ظَنَنْتَ ، وَلَكِنَّهُ الْمَوْتُ ، وَلَهُ أَسْتَعِدُ ، إِنَّمَا الْإِسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ


1) البقرة 2 262 .

تَجَنُّبُ الْحَرامِ ، وَأبذلُ النَّدَى لِلْخَيْرِ»(1)

إنّ برّ الإمام وإسعافه للفقراء إنّما كان طلباً لمرضاة الله تعالى

5- الصبر

من عناصر الإمام زين العابدين(علیه السلام) لى الأحداث الجسام التي مني بها ، فلم يبتل أحد في الدنيا بمثل ما ابتلي به هذا الإمام العظيم ، فقد طافت به المحن والخطوب منذ أن أدرك الحياة إلى أن فارقها ، فقد فجع بوفاة والدته وهو في المرحلة الأولى من طفولته ، ولم ينتهل من نمير حنانها وعطفها ، كما شاهد وهو في غضون الصبا شهادة جدّه الإمام أمير المؤمنين(علیه السلام) على يد مجرم خبيث من أرجاس البشرية ، وهو عبد الرحمن بن ملجم ، وأعقب ذلك المحنة الكبرى وهي خذلان جيش الإمام الحسن والتجائه إلى الصلح ، وما أعقب ذلك من أزمات خطيرة على شيعة أهل البيت حينما تسلّم معاوية بن أبي سفيان قيادة الحكم ، فطغى وأسرف في إراقة الدماء الزكيّة ممّن يدينون بالولاء لأهل البيت ، فسمل منهم العيون ، وألقى الكثير منهم في زنزانات السجون ، وأسقط حقوقهم المدنية ، ثمّ اغتال سبط الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم) بالاسم ، وفرض ولده يزيد حاكماً على المسلمين وأخذ البيعة له بالقسر وهو يعلم مجونه وفسقه وخلاعته وتجرّده من جميع القيم الإنسانية ، وبعد هلاك الطاغية معاوية فجر سيّد الشهداء وأبو الأحرار الإمام الحسين (علیه السلام) ثورته الكبرى لإنقاذ المسلمين من الحكم الأموي الذي استهدف القضاء على القيم الإسلامية ، وإزالة الأرصدة الروحية ، وما حققه من الانجازات العلميّة والفكريّة .

رأى الإمام زين العابدين الالها العصابات المجرمة من جيوش الكفر التي أحاطت بأبيه في صعيد كربلاء وهي تحصد رؤوس الصفوة من أهل بيت النبوة وأصحابهم


1) علل الشرائع : 88 .

الممجّدين ، ثمّ أحاط الجناة بالإمام الحسين(علیه السلام) رائد العدالة الاجتماعية في دنيا الإسلام وهم يوسعونه ضرباً بسيوفهم ، وطعناً برماحهم ، حتى استشهد سلام الله عليه دفاعاً عن الإسلام ، ودفاعاً عن كرامة المسلمين ، ثم أحاطوا بالإمام زين العابدين وهو يعاني المرض ، وفقد أهل بيته ، فأحرقوا خباءه وأخبية عقائل النبوة ، ونهبوا ما عليهن من حلل ، وحملوه أسيراً مع ودائع الوحي إلى لقيط مجرم وضيع ، وهو ابن مرجانة ، فقابل الإمام بالشماتة والازدراء ، وأراد قتله ، إلّا أنّ عمّته سيّدة نساء العالمين زينب سلام الله عليها هي التي أنقذته ، وبعد ذلك حمل الإمام مع نساء أهل البيت إلى لقيط آخر ، وهو يزيد بن معاوية ، وقد جرت عليه من المحن والخطوب ما تذوب لها لفائف القلوب.

لقد تجرّع أهوال المصائب وهو صابر محتسب ، قد أوكل أمره إلى الله تعالى ، ورضي بقضائه ، فأي نفس ملائكية كانت نفسه الشريفة التي هي امتداد لنفوس آبائه الذين وهبوا أرواحهم الله تعالى ، وتفانوا في خدمة الإسلام ، وتسلّحوا بالصبر على ما عانوه من الخطوب السود، وكان زين العابدين (علیه السلام)يرى الصبر من الغنائم(1)وأنه رأس طاعة الله تعالى (2)

إنّ قوّة شخصية الإمام زين العابدين ، وعدم انهيارها أمام الأحداث المذهلة تعدّ من أندر الشخصيات على امتداد التاريخ

6 - العزّة والإباء

من معالي أخلاق الإمام زين العابدين(علیه السلام) العزة والإباء ، وقد ورث هذه الظاهرة الفذة من أبيه سيّد الأباة الذي مشى إلى الموت بعزة وشموخ في سبيل عزّته


1) حلية الأولياء : 3 : 638 .

2) حياة الإمام زين العابدين الله : 1: 79 .

وكرامته ، وهو القائل للعصابة المجرمة من جيش يزيد :

«لا والله ، لا أعطيكم بيدي إعطاءَ الذُّلِيلِ ، وَلَا َأقِرُّ لَكُمْ إِقْرارَ الْعَبِيدِ»

وقال (علیه السلام): «لَا أَرى الْمَوْتَ إِلَّا سَعادَةٌ ، وَالْحَياةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً »

وتمثّلت هذه الظاهرة في ولده الإمام زين العابدين (علیه السلام) فقد قال :

«مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا »(1)، وقال : « ما أُحِبُّ أَنَّ لي بِبَذْلِ نَفْسي حُمْرُ النّعم»(2)، ولما حمل أسيراً إلى الشام لم يكلف أحداً من الموكلين بحراسته بأي شيء كما لم يكلّم أي أحد منهم ترفعاً واستهانة واحتقاراً لهم ، ومن سموّ ذاته أنّ أحد أعمامه أخذ منه بعض حقوقه بغير حق ، وكان بمكة والوليد كان ملكاً ، وحضر موسم الحج ، فقيل له : لو سألت الوليد ليردّ عليك حقك ؟ فأجابهم بهذه الكلمة الخالدة في دنيا الشرف قائلاً:

«أفي حَرَمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَسْأَلُ غَيْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، إِنِّي أَنفُ أَنْ أَسْأَلَ الدُّنْيا مِنْ خَالِقِها ، فَكَيْفَ أَسْأَلُها مِنْ مَخْلوقٍ مِثْلى »(3)

ومن عزّته وإبائه أنّه ما أكل بقرابته من رسول الله لله درهماً قط (4)، لقد كان عصيّاً على كلّ ما يتنافى مع سمو شخصيّته.

7 - الشجاعة

ومن ذاتياته الشجاعة ، فقد كان من أشجع النّاس وأربطهم جأشاً ، ومن شجاعته النادرة لما دخل أسيراً على الارهابي المجرم ابن مرجانة لم يحفل به ولم يخضع لسلطانه ، فقد جابهه الطاغية بكلمات التشفّي ، فردّ عليه الإمام بكلمات


1) حياة الإمام زين العابدين(علیه السلام).

2) الخصال : 24 .

3) حياة الإمام زين العابدين(علیه السلام).

4) المصدر المتقدم : 81.

ملتهبة كانت أشدّ على الطاغية اللئيم من وقع السيوف ، فاستشاط غضباً، وأمر جلاوزته بقتله، فلم يفزع الإمام وقال له بكل طمأنينة :

«أما عَلِمْتَ أَنَّ الْقَتْلَ لَنا عادَةً وَكَرامَتْنَا الشَّهادَةُ»

فانبرت سليلة النبوّة السيدة زينب (سلام الله علیها) فأنقذته من هذا المجرم ولولاها لانقطع نسل الإمام الحسين(علیه السلام) .

ومن شجاعته أنه لما جيء به أسيراً إلى يزيد بن معاوية ( كسرى العرب) ، قابله الإمام بكل جرأة ، ونعى عليه ما اقترفه من عظيم الجريمة بإبادته لعترة رسول الله الله ، وخطب في البلاط الأموي خطبته التأريخية التي أيقظت الجماهير ، وفضحت يزيد ، وأنزلته من قصره إلى قبره .

لقد ورث الإمام زين العابدين(علیه السلام) الشجاعة من جده الإمام أمير المؤمنين وأبيه الإمام الحسين (عليه السلام) ، وهما من أشجع ما خلق الله تعالى ، فليس في دنيا الإسلام من يضارعهما في البطولة والبسالة وقوة العزم والصلابة في الدفاع عن الحق (1)

8 - التجرّد من الأنانية

من معالي أخلاق الإمام زين العابدين (علیه السلام) التجرد الكامل من الأنانية ، فلم يكن لها أي طابع في نفسه أو سلطان عليه ، ومن بوادر ذلك أنه إذا أراد السفر سافر مع قوم لا يعرفونه ليتولى خدمتهم ، ولا يخدمه أحد منهم ، وسافر مرة مع جماعة لا يعرفونه ، وهو يخدمهم ، فبصر به رجل يعرفه ، فرفع عقيرته قائلاً:

«ويلكم أتعرفون هذا ؟ » .

«لا نعرفه » .


1) حياة الإمام زين العابدين(علیه السلام).

«هذا عليّ بن الحسين بقيّة الله تعالى في الأرض ، وحجته على عباده » .

وأسرع القوم نحو الإمام وهم يقبلون يديه ورجليه قائلين :

«أتريد أن تصلينا نار جهنّم ، ما الذي حملك على هذا ؟. »

فأجابهم بصوت خافت رقيق النبرات :

«كُنْتُ قَدْ سَافَرْتُ مَعَ قَوْمٍ يَعْرِفُونَني ، فَأَعْطَوْنِي بِرَسولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم » مَا لَا أَسْتَحِقُّ ،

وَإِنِّي أَخافُ أَنْ تُعْطوني مِثْلَ ذَلِكَ ، فَصارَ كِثْمَانُ أَمْرِي أَحَبُّ إِلَيَّ »(1)

أرأيتم هذا السموّ والكمال الذي لا حدود له عند سيّد المسلمين وإمام المتقين ومن معالي أخلاقه أنه إذا مر بشارع ورأى ما يؤذي السائرين من حجر أو مدر (2)نزل عن دابته ، ونحاه بيده عن الطريق (3)، كما أنّه إذا سار في الطريق على بغلته لا يقل

لأحد : « الطَّريق » ، ويقول : « هُوَ مُشْتَرَكَ ، وَلَيْسَ لي أَنْ أَنحَي عَنْهُ أَحَداً (4)، إنّ هذه الأخلاق تحكي أخلاق جده رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) الذي غير مجرى تاريخ الأرض بسمو أخلاقه .

9 - الزهد في الدنيا

وظاهرة أخرى من أخلاق الإمام زين العابدين (علیه السلام) ، وهي الزهد في الدنيا ، والرفض الكامل لزينتها ومباهجها ، فلم تخدعه الحياة ، ولم يستجب لأية رغبة من رغباتها .

وقد أجمع المترجمون له أنّه من أزهد الناس ، وقد سئل الزهري عن أزهد النّاس ،


1) عيون أخبار الرضا الا : 2 : 145 ، وقريب منه في الكامل / المبرد : 2 : 482 .

2) المدر: الطين الذي لا رمل فيه .

3) حياة الإمام زين العابدين الله : 1 : 82 .

4) سير أعلام النبلاء : 4 : 240 .

فقال : « عليّ بن الحسين» (1). وقد رأى سائلاً يبكي على دنياه ، فتأثر منه ، وقال :

« لَوْ أَنَّ الدُّنْيا كَانَتْ في كَفَّ هذا ثُمَّ سَقَطَتْ مِنْهُ لَما كانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْكي عَلَيْها »(2).

إنّ زهد الإمام زين العابدين (علیه السلام) كان قائماً على التقوى والورع عن محارم الله تعالى ، والاحتياط الشديد في امور الدين ، كآبائه الذين تجردوا من جميع النزعات الماديّة واتجهوا صوب الحق .

10 - الإنابة إلى الله عزّ وجلّ

أمّا البارز في أخلاق الإمام زين العابدين (علیه السلام) فهو الإنابة إلى الله تعالى والانقطاع إليه ، وقد أخلص في طاعته الله تعالى كأعظم ما يكون الإخلاص ، وأيقن أن الالتجاء لغيره تعالى إنّما هو خيبة وخسران ، فقد اجتاز على رجل جالس على باب رجل من الأثرياء ، فبادره الإمام قائلاً:

«ما يُقْعِدُكَ عَلى بابِ هَذَا الْمُتْرَفِ الْجَبَارِ ؟ » .

«البلاء » ، أي الفقر والحاجة .

«قُمْ فَارْشِدُكَ إِلى باب خَيْرٌ مِنْ بابِهِ ، وَإِلى رَبِّ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ».

واستجاب الرجل ، فنهض معه وسار به حتى انتهى إلى مسجد رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) فقال له :

«اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَصَلِّ رَكْعَتَينِ ، وَارْفَعْ يَدَيْكَ بِالدُّعاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَصَلِّ عَلَى نَبِيَّكَ ، ثُمَّ ادْعُ بِآخِرِ سورَةِ الْحَشْرِ، وَسِتْ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سورَةِ الحَديدِ ، وَبِالآيَتَينِ في


1) حياة الإمام زين العابدين(علیه السلام) : 1: 91.

2) الفصول المهمّة / ابن الصباغ : 192 .

أَوَّلِ سورَةِ آلِ عِمْرانَ ، ثُمَّ سَلِ الله تَعَالَى سُبْحانَهُ ، فَإِنَّكَ لَا تَسْأَلُهُ شَيْئاً إِلَّا أَعْطاك »(1)

ومن المؤكّد أنّ الالتجاء إلى الله تعالى هو مفتاح النجاح والوسيلة الكبرى لقضاء المهمات ، والالتجاء إلى غيره إنّما هو سراب وضياع .

دعاؤه (علیه السلام) في الالتجاء إلى الله عزّ وجلّ

« اللَّهُمَّ إِنْ تَشَأْ تَعْفُ عَنَّا فَبِفَضْلِكَ ، وَإِنْ تَشَأْ تُعَذِّبْنَا فَبِعَدْلِكَ ، فَسَهَّلْ لَنا عَفْوَكَ بِمَنَّكَ ، وَأَجِرْنَا مِنْ عَذَابِكَ بِتَجاوُزِكَ ، فَإِنَّهُ لا طَاقَةَ لَنَا بِعَدْلِكَ ، وَلا نَجَاةَ لاَحَدٍ مِنًا دُونَ عَفْوكَ يا غَنِيَّ الْأَغْنِياءِ ، ما نَحْنُ عِبادُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ ، وَأَنَا أَفْقَرُ الْفُقَرَاءِ إِلَيْكَ ، فَا جْبُرْ فَاقَتَنا بِوُسْعِكَ ، وَلا تَقْطَعْ رَجَاءَنَا بِمَنْعِكَ ، فَتَكُونَ قَ-دْ أَشْقَيْتَ مَنِ اسْتَسْعَدَ بِكَ ، وَحَرَمْتَ مَنِ اسْتَرْفَدَ فَضْلَكَ ، فَإِلَىٰ مَنْ حِينَئِذٍ مُنْقَلَبْنا عَنْكَ ، وَإِلى أَيْنَ مَذْهَبْنَا عَنْ بابِكَ.

سُبْحانَكَ نَحْنُ الْمُضْطَرُّونَ الَّذِينَ أَوْجَبْتَ إِجَابَتَهُمْ ، وَأَهْلُ السُّوءِ الَّذِينَ وَعَدْتَ الْكَشْفَ عَنْهُمْ ، وَأَشْبَهُ الْأَشْياءِ بِمَشِيَّتِكَ ، وَأَوْلَى الْأُمُورِ بِكَ في عَظَمَتِك، رَحْمَةً مَنِ اسْتَرْحَمَكَ ، وَغَوْثُ مَنِ اسْتَغاثَ بِكَ ، فَارْحَمْ تَضَرُّعَنا إِلَيْكَ ، وَأَغْنِنَا إِذْ طَرَحْنا أَنْفُسَنَا بَيْنَ يَدَيْكَ

اللَّهُمَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْشَمِتَ بِنا إِذْ شَايَعْناهُ عَلَى مَعْصِيَتِكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَلَا تُشْمِتْهُ بِنا بَعْدَ تَرْكِنا إِيَّاهُ لَكَ ، وَرَغْبَتِنا عَنْهُ إِلَيْكَ »(2)


1) الجنّة الواقية والجنّة الباقية / الكفعمي : 190 ، مخطوط في مكتبة السيد الحكيم ، التسلسل 1272 .

2) الصحيفة السجادية - الدعاء العاشر .

حكى هذا الدعاء حاجة الإمام إلى عفو الله تعالى ولطفه ، فهو يطلب منه بتضرّع وخشوع أن لا يقطع رجاءه ، فيكون بذلك قد شقي بعد سعادته بمعرفته ، وأن يتفضّل عليه بالقرب منه .

انقطاعه (علیه السلام) إلى الله عزّ وجل

انقطع الإمام إلى الله تعالى انقطاعاً كاملاً ؛ لأنّ مصادر النفع والقوة إنّما هي بيده تعالى ، أما الالتجاء إلى غيره فإنّما هو إلتجاء إلى من لا يملك النفع والضرّ ، ولنستمع إلى دعائه في ذلك :

«اللَّهُمَّ إِنِّي أَخْلَصْتُ بِانْقِطاعي إِلَيْكَ ، وَأَقْبَلْتُ بِكُلِّي عَلَيْكَ ، وَصَرَفْتُ وَجْهِي عَمَّنْ يَحْتاجُ إِلى رِفْدِكَ ، وَقَلَبْتُ مَسْأَلَتي عَمَّنْ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ فَضْلِكَ ، وَرَأَيْتُ أَنَّ طَلَبَ الْمُحْتاج إِلَى الْمُحْتاج سَفَةٌ مِنْ رَأْيِهِ ، وَضَلَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ. فَكَمْ قَدْ رَأَيْتُ يا إلهي مِنْ أُناسٍ طَلَبُوا الْعِزَّ بِغَيْرِكَ فَذَلُّوا ، وَرَامُوا الثَّرْوَةَ مِنْ سِواكَ فَافْتَقَرُوا ، وَحاوَلُوا الْاِرْتِفَاعَ فَاتَّضَعُوا ، فَصَحَ بِمُعايَنَةِ أَمْثَالِهِمْ حَازِمٌ وَفَقَهُ اعْتِبارُهُ ، وَأَرْشَدَهُ إِلى طَريقِ صَوابِهِ اخْتِيَارُهُ .

فَأَنْتَ يا مَولايَ دُونَ كُلِّ مَسْؤُولٍ مَوْضِعُ مَسْأَلَتي ، وَدُونَ كُلٌّ مَطْلُوبٍ إِلَيْهِ وَلِيُّ حَاجَتي ، أَنْتَ الْمَخْصُوصُ قَبْلَ كُلِّ مَدْعُو بِدَعْوَتي ، لا يَشْرَكُك أَحْدٌ في رَجائي ، وَلا يَتَّفِقُ أَحَدٌ مَعَكَ في دُعائي ، وَلَا يَنْظِمُهُ وَإِيَّاكَ نِدائي .

لَكَ يا إلهي وَحْدانِيَّةُ الْعَدَدِ ، وَمَلَكَةُ الْقُدْرَةِ الصَّمَدِ ، وفَضيلَةُ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ ، وَدَرَجَةُ الْعُلُوِّ وَالرَّفْعَةِ ، وَمَنْ سِواكَ مَرْحُومٌ فِي عُمُرِهِ ، مَغْلُوبٌ عَلَى أَمْرِهِ ، مَقْهُورٌ عَلى شَأْنِهِ ، مُخْتَلِفُ الْحالاتِ ، مُتَنَقِّل فِي الصِّفاتِ ، فَتَعَالَيْتَ

عَن الْأَشباءِ وَالْأَضْدَادِ ، وَتَكَبَّرْتَ عَنِ الْأَمْثالِ وَالْأَنْدادِ ، فَسُبْحانَكَ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ (1).

وحكت هذه اللوحة الذهبيّة مدى انقطاع الإمام إلى الله تعالى ، ومدى صلته به ، فقد أقبل بروحه وعواطفه نحوه، وصرف نفسه عن غيره من المخلوقين الذين لا حول لهم ولا قوة ، فإنّ تعلّق الرجاء بهم إنّما هو مضيعة للعمر ، وسفه في الرأي ، وقد نعى الإمام(علیه السلام) الذين يطلبون العزّة من غير الله تعالى ، فإنهم قد ذلّوا وافتقروا ، فإنّه لا وجود لغير الله تعالى فبيده العطاء والحرمان .

دعاؤه (علیه السلام) في مكارم الأخلاق

ونطوي هذا الحديث الموجز عن مكارم أخلاق الإمام زين العابدين (علیه السلام) بدعاء له عن محاسن الأخلاق والصفات، وهو من غرر أدعيته . قال(علیه السلام):

«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَبَلِّغْ بِإِيمَانِي أَكْمَلَ الْإِيمَانِ ، وَاجْعَلْ يَقِينِي أَفْضَلَ الْيَقِينِ ، وَانْتَهِ بِنِيَّتِي إِلى أَحْسَنِ النِّيَّاتِ ، وَبِعَمَلِي إِلَى أَحْسَنِ الْأَعْمَالِ اللهُمَّ وَفِّرْ بِلُطْفِكَ نِيَّتِي ، وَصَحْحْ بِمَا عِنْدَكَ يَقِينِي ، وَاسْتَصْلِحْ بِقُدْرَتِكَ مَا فَسَدَ مِنِّي.

اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاكْفِنِي مَا يَشْغَلُنِي الاهْتِمَامُ بِهِ ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِمَا تَسْتَلُنِي غَداً عَنْهُ ، وَاسْتَفْرِغْ أَيَّامِي فِيمَا خَلَقْتَنِي لَهُ ، وَأَغْنِنِي وَأَوْسِعْ عَلَيَّ فِي رِزْقِكَ وَلَا تَفْتِنِّي بِالنَّظَرِ ، وَأَعِزَّنِي وَلَا تَبْتَلِيَنِّي بِالْكِبْرِ ، وَعَبِّدْنِي لَكَ وَلَا تُفْسِدْ عِبَادَتِي بِالْعُجْبِ ، وَأَجْرِ لِلنَّاسِ عَلَى يَدَيَّ الْخَيْرَ وَلَا تَمْحَقْهُ بِالْمَنَّ ، وَهَبْ لِي


1) الصحيفة السجّاديّة : الدعاء السابع والعشرون .

مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ ، وَاعْصِمْنِي مِنَ الْفَخْرِ .

اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَلَا تَرْفَعْنِي فِي النَّاسِ دَرَجَةً إِلَّا حَطَطْتَنِي عِنْدَ نَفْسِي مِثْلَهَا ، وَلَا تُحْدِثْ لِي عِزّاً ظَاهِراً إِلَّا أَحْدَقْتَ لِي ذِلَّةٌ بَاطِئَةٌ عِنْدَ نَفْسِي بَقَدَرِهَا .

اللهُمَّ صَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمَتَّعْنِي بِهُدى صَالِحٍ لَا أَسْتَبْدِلُ بِهِ ، وَطَرِيقَةِ حَقٌّ لَا أَزِيغُ عَنْهَا ، وَنِيَّةِ رُشْدِ لَا أَشُكٍّ فِيهَا ، وَعَمِّرْنِي مَا كَانَ عُمْرِي بِذْلَةٌ فِي طَاعَتِكَ ، فَإِذَا كَانَ عُمْرِي مَرْتَعَاً لِلشَّيْطَانِ فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَ مَقْتُكَ إِلَيَّ أَوْ يَسْتَحْكِمَ غَضَبُكَ عَلَيَّ .

اللهُمَّ لَا تَدَعْ خَصْلَةٌ تُعَابُ مِنِّي إِلَّا أَصْلَحْتَهَا ، وَلَا عَائِبَةً أُونَّبُ بِهَا إِلَّا حَسَّتْتَهَا ، وَلَا أَكْرُومَةٌ فِيَّ نَاقِصَةً إِلَّا أَتْمَمْتَهَا .

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَبْدِلْنِي مِنْ بِغْضَةِ أَهْلِ الشَّنَآنِ الْمَحَبَّةَ ، وَمِنْ حَسَدِ أَهْلِ الْبَغْيِ الْمَوَدَّةَ ، وَمِنْ ظِنَّةِ أَهْلِ الصَّلَاحَ الثَّقَةَ ، وَمِنْ عَدَاوَةِ الْأَدْنَيْنَ الْوِلَايَةَ ، وَمِنْ عُقُوقِ ذَوِي الْأَرْحَامِ الْمَبَرَّةَ ، وَمِنْ خِدْلَانِ الْأَقَرَبِينَ النُّصْرَةَ ، وَمِنْ حُبِّ الْمُدَارِينَ تَصْحِيحَ الْمِقَةِ ، وَمِنْ رَبِّ الْمُلَابِسِينَ كَرَمَ الْعِشْرَةِ ، وَمِنْ مَرَارَةِ خَوْفِ الظَّالِمِينَ حَلَاوَةَ الْأَمَنَةِ

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاجْعَلْ لِي يَداً عَلَى مَنْ ظَلَمَنِي ، وَلِسَاناً عَلَى مَنْ خَاصَمَنِي ، وَظَفَراً بِمَنْ عَانَدَنِي ، وَهَبْ لِي مَكْراً عَلَىٰ مَنْ كَايَدَنِي ، وَقُدْرَةٌ عَلَى مَنِ اضْطَهَدَنِي ، وَتَكْذِيباً لِمَنْ قَصَبَنِي ، وَسَلَامَةٌ مِمَّنْ تَوَعَدَنِي ، وَوَفِّقْنِي لِطَاعَةِ مَنْ سَدَّدَنِي ، وَمُتَابَعَةِ مَنْ أَرْشَدَنِي .

اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَدِّدْنِي لِأَنْ أَعَارِضَ مَنْ غَشَّنِي بِالنُّصْح ، وأَجْزِيَ مَنْ هَجَرَنِي بِالْبِرِّ ، وَأَثِيبَ مَنْ حَرَمَنِي بِالْبَذْلِ، وَأَكَافِيَ مَنْ قَطَعَنِي بِالصَّلَةِ ، وَأَخَالِفَ مَنِ اغْتَايَنِي إِلى حُسْنِ الذِّكْرِ ، وَأَنْ أَشْكُرَ الْحَسَنَةَ ، وَاغْضِيَ عن السَّيِّئَةِ

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَحَلِّنِي بِحِلْيَةِ الصَّالِحِينَ ، وَالْبِسْنِي زِينَةَ الْمُتَّقِينَ ، فِي بَسْطِ الْعَدْلِ ، وَكَظْمِ الْغَيْظِ ، وَإِطْفَاءِ النَّائِرَةِ ، وَضَمِّ أَهْلِ الْفُرْقَةِ ، وَإِصْلَاح ذَاتِ الْبَيْنِ ، وَإِفْشَاءِ الْعَارِفَةِ ، وَسَتْرِ الْعَائِبَةِ ، وَلِينِ الْعَرِيكَةِ ، وَخَفْضِ الْجَنَاحِ ، وَحُسْنِ السِّيرَةِ ، وَسُكُونِ الرّيح ، وَطِيبِ الْمُخَالَقَةِ ، وَالسَّبْقِ إِلَى الْفَضِيلَةِ ، وَإِيثَارِ التَّفَضُّلِ ، وَتَرْكِ التَّعْبِيرِ ، وَالْإِفْضَالِ عَلى غَيْرِ الْمُسْتَحِقَّ ، وَالْقَوْلِ بِالْحَقِّ وَإِنْ عَزَّ وَاسْتِقْلَالِ الْخَيْرِ وَإِنْ كَثرَ مِنْ قَوْلِي وَفِعْلِي ، وَأَكْمِلْ ذلِكَ لي بِدَوامِ الطَّاعَةِ ، وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ ، وَرَفْضِ أَهْلِ الْبِدَعِ ، وَمُسْتَعْمِلِي الرأى الْمُخْتَرَع .

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَاجْعَلْ أَوْسَعَ رِزْقِكَ عَلَيَّ إِذَا كَبِرْتُ ، وَأَقْوىٰ قُوَّتِكَ فِيَّ إِذا نَصِبْتُ ، وَلَا تَبْتَلِيَّنِي بِالْكَسَلِ عَنْ عِبَادَتِكَ ، وَلَا الْعَمَى عَنْ سَبِيلِكَ ، وَلَا بِالتَّعَرُّضِ لِخِلَافِ مَحَبَّتِكَ ، وَلَا مُجَامَعَةِ مَنْ تَفَرَّقَ عَنْكَ ، وَلَا مُفَارَقَةِ مَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْكَ.

اللهُمَّ اجْعَلْنِي أَصُولُ بِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَأَسْأَلُكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَأَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ عِنْدَ الْمَسْكَنَةِ ، وَلَا تَفْتِنِّي بِالْإِسْتِعَانَةِ بِغَيْرِكَ إِذَا اضْطُرِرْتُ ، وَلَا بِالْخُضُوعِ لِسُؤالِ غَيْرِكَ إِذَا افْتَقَرْتُ ، وَلَا بِالتَّضَرُّع إِلى مَنْ دُونَكَ إِذا رَهِبْتُ ، فَاسْتَحِقَّ

بذلِكَ خِذْلَانَكَ وَمَنْعَكَ وَإِعْرَاضَكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .

اللهُمَّ اجْعَلْ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِي رَوْعِي مِنَ التَّمَنِّي وَالتَّظَنِّي وَالْحَسَدِ ذِكْراً لِعَظَمَتِكَ ، وَتَفَكَّراً فِي قُدْرَتِكَ ، وَتَدْبِيراً عَلَى عَدُوكَ ، وَمَا أَجْرى عَلَى لِسَانِي مِنْ لَفْظَة فُحْشِ أَوْ مَجْرٍ أَوْ شَتْم عِرْضِ ، أَوْ شَهَادَةِ بَاطِل ،

أَوْ اغْتِيَابِ مُؤْمِنٍ غَائِبٍ أَوْ سَبِّ حَاضِرٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ نُطْقاً بِالْحَمْدِ لَكَ وَإِغْرَاقاً فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ ، وَذَهَباً فِي تَمْجِيدِكَ ، وَشُكراً لِنِعْمَتِكَ ، وَاعْتِرَافاً بِإِحْسَانِكَ ، وَإِحْصَاءٌ لِمِنَتِكَ

اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَلَا أَظْلَمَنَّ وَأَنْتَ مُطِيقٌ لِلدَّفْعِ عَنِّي ، وَلَا أَظْلِمَنَّ وَأَنْتَ الْقَادِرُ عَلَى الْقَبْضِ مِنِّي ، وَلَا أَضِلَنَّ وَقَدْ أَمْكَنَتْكَ هِدَايَتِي، وَلَا أَفْتَقِرَنَّ وَمِنْ عِنْدَكَ وُسْعِي، وَلَا أَطْغَيَنَّ وَمَنْ عِنْدِكَ وُجْدِي.

اللهُمَّ إِلى مَغْفِرَتِكَ وَفَدْتُ ، وَإِلى عَفْوِكَ قَصَدْتُ ، وَإِلَى تَجَاوُزِكَ اشْتَقْتُ ، وَبِفَضْلِكَ وَثِقْتُ ، وَلَيْسَ عِنْدِي مَا يُوجِبُ لِي مَغْفِرَتَكَ ، وَلَا فِي عَمَلِي مَا أَسْتَحِقُ بِهِ عَفْوَكَ ، وَمَا لِي بَعْدَ أَنْ حَكَمْتُ عَلَىٰ نَفْسِي إِلَّا فَضْلُكَ ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَتَفَضَّلْ عَلَيَّ . اللَّهُمَّ وَأَنْطِقْنِي بِالْهُدَى ، وَأَلْهِمْنِي التَّقْوى ، وَوَفِّقْنِي لِلَّتِي هِيَ أَزْكى ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِمَا هُوَ أَرْضى . اللَّهُمَّ اسْلُكْ بِيَ الطَّرِيقَةَ الْمُثلى، وَاجْعَلْنِي عَلى مِلَّتِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا .

اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَمَتَّعْنِي بِالْإِقْتِصَادِ ، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَهْلِ السَّدَادِ ، وَمِنْ أَدِلَّةِ الرَّشَادِ ، وَمِنْ صَالِحِي الْعِبَادِ ، وَارْزُقْنِي فَوْزَ الْمَعَادِ ، وَسَلَامَةَ الْمِرْصَادِ .

اللهُمَّ خُذْ لِنَفْسِكَ مِنْ نَفْسِي مَا يُخلِّصُهَا ، وَأَبْقِ لِنَفْسِي مِنْ نَفْسِي مَا يُصْلِحُهَا ، فَإِنَّ نَفْسِي هَالِكَةٌ أَوْ تَعْصِمَهَا .

اللّهُمَّ أَنْتَ عُدَّتِي إِنْ حَزِنْتُ ، وَأَنْتَ مُنْتَجَعِي إِنْ حُرِمْتُ ، وَبِكَ اسْتِغَاثَتِي إِنْ كَرَثْتُ ، وَعِنْدَكَ مِمَّا فَاتَ خَلَفٌ ، وَلِمَا فَسَدَ صَلَاحٍ ، وَفِيمَا أَنْكَرْتَ تَغْيِيرٌ ، فَامْنُنْ عَلَيَّ قَبْلَ الْبَلَاءِ بِالْعَافِيَةِ ، وَقَبْلَ الطَّلَبِ بِالْجِدَةِ ، وَقَبْلَ الضَّلَالِ بِالرَّشَادِ ، وَاكْفِنِي مَؤُونَةَ مَعَرَّةِ الْعِبَادِ ، وَهَبْ لِي أَمْنَ يَوْمِ الْمَعَادِ ، وَامْنَحْنِي حُسْنَ الْإِرْشَادِ .

اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَادْرَةٌ عَنِّي بِلُطْفِكَ ، وَاغْذُنِي بِنِعْمَتِكَ ، وَأَصْلِحْنِي بِكَرَمِكَ ، وَدَاوِنِي بِصُنْعِكَ ، وَأَظِلَّنِي فِي ذَرَاكَ ، وَجَلِّلْنِي رِضَاكَ ، وَوَفِّقْنِي إِذَا اشْتَكَلَتْ عَلَيَّ الْأُمُورُ لِأَهْدَاهَا ، وَإِذَا تَشَابَهَتِ الْأَعْمَالُ لِأَزْكَاهَا وَإِذَا تَنَاقَضَتِ الْمِلَلُ لِأَرْضَاهَا .

اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَتَوْجْنِي بِالْكِفَايَةِ ، وَسُمْنِي حُسْنَ الْوِلَايَةِ وَهَبْ لِي صِدْقَ الْهِدَايَةِ ، وَلَا تَفْتِنِّي بِالسِّعَةِ ، وَامْنَحْنِي حُسْنَ الدَّعَةِ ، وَلَا تَجْعَلْ عَيْشِي كَدَا كَدًا، وَلَا تَرُدَّ دُعَائِي عَلَيَّ رَدًا ، فَإِنِّي لَا أَجْعَلُ لَكَ ضِدّاً ، وَلَا أَدْعُو مَعَكَ نِدّاً .

اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَامْنَعْنِي مِنَ السَّرَفِ ، وَحَصِّنْ رِزْقِي مِنَ التَّلَفِ ، وَوَفِّرْ مَلَكَتِي بِالْبَرَكَةِ فِيهِ ، وَأَصِبْ بِي سَبِيلَ الْهِدَايَةِ لِلْبِرِّ فِيمَا أَنْفِقُ مِنْهُ . اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاكْفِنِي مَؤُونَةَ الْإِكْتِسَابِ ، وَارْزُقْنِي مِنْ غَيْرِ احْتِسَابِ ، فَلَا أَشْتَغِلَ عَنْ عِبَادَتِكَ بِالطَّلَبِ ، وَلَا أَحْتَمِلَ إِصْرَ

تَبِعَاتِ الْمَكْسَبِ .

اللهُمَّ فَاطْلِبْنِي بِقُدْرَتِكَ مَا أَطْلُبُ ، وَأَجِرْنِي بِعِزَّتِكَ مِمَّا أَرْهَبُ .

اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ ، وَلَا تَبْتَذِلْ جَاهِي بِالْإِقْتَارِ ، فَاسْتَرْزِقَ أَهْلَ رِزْقِكَ ، وَأَسْتَعْطِيَ شِرَارَ خَلْقِكَ ، فَأَفْتَتِينَ بِحَمْدِ مَنْ أَعْطَانِي ، وَابْتَلَى بِذَمِّ مَنْ مَنَعَنِي ، وَأَنْتَ مِنْ دُونِهِمْ وَلِيُّ الْإِعْطَاءِ وَالْمَنْعِ .

اللهُمَّ وَعِلْماً فِي اسْتِعْمَالٍ ، وَوَرَعاً فِي إِجْمَالٍ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَارْزُقْنِي صِحَةٌ فِي عِبَادَةٍ ، وَفَرَاعاً فِي زَهَادَةٍ ، و علماً فی استعمالِ، وَوَرَعاً فی اجمالٍ.

اللهُمَّ اخْتِمْ بِعَفْوِكَ أَجَلِي ، وَحَقِّقْ فِي رَجَاءِ رَحْمَتِكَ أَمَلِي ، وَسَهِّلْ إِلَى بُلُوغ رِضَاكَ سُبُلِي ، وَحَسِّنْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِي عَمَلِي.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَنَبِّهْنِي لِذِكْرِكَ فِي أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِطَاعَتِكَ فِي أَيَّامِ الْمُهْلَةِ ، وَانْهَجْ لِي إِلى مَحَبَّتِكَ سَبِيلاً سَهْلَةٌ ، أَكْمِلْ لِي بِهَا خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .

اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ كَأَفْضَل مَا صَلَّيْتَ عَلى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ قَبْلَهُ، وَأَنْتَ مُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَهُ، وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنِي برَحْمَتِكَ عَذَابَ النَّار »(1)

وفي هذا الدعاء الشريف طاقات من التوحيد والعرفان ، وقد مررنا عليه مروراً خاطفاً لم نحلل أبعاده ؛ لأنا في السفر إلى بيت الله الحرام ، وليس لدينا مزيد


1) في ظلال الصحيفة السجّاديّة / العلامة محمد جواد مغنية : 200 - 208 .

من الوقت ، وبه ننهي الحديث عن مكارم أخلاق هذا الإمام العظيم الذي لم تشاهد الدنيا مثله في تقواه وورعه ، حتى لقّب بسيّد العابدين .

أمّا عبادته فقد أبدى فيها من الخضوع والتذلّل أمام الله تعالى ما لا يوصف ، فقد ذاب أمام الله تعالى ، فعبده عبادة لم يعهد لها نظير في عبادة المتقين ، وقد ذكرناها بالتفصيل في الجزء الأوّل من حياة الإمام زين العابدين ، كما اقتبسنا معظم هذه البحوث منه.

الأمام الباقر(علیه السلام)

اشارة

الإمام أبو جعفر محمد الباقر (علیه السلام) من أعمدة الإيمان والتقوى في الإسلام، وقد برز على الصعيد العلمي كأعظم شخصيّة علميّة في مواهبه وعبقرياته ، فكان فيما أجمع عليه المؤرّخون - مناراً للعلم ، ومثلاً أعلى في سموّ الأخلاق والآداب ، وقد آمن المسلمون بوفور علمه ، وزعامته العليا في الفقه ، وشؤون الدين ، وأحكام الشريعة ، وقد تغذى الفقهاء من نمير علومه ، وانقادوا إلى زعامته ، والاعتراف له

علماء عصره، وقبل التحدّث بالتفوّق على جميع عن معالي أخلاقه نعرض لبعض ما أثر عنه في حثّ المسلمين على التحلّي بمحاسن الصفات ، والتحذير من مساوئ

الصفات.

مَكَارِمُ الأَخْلَاقِ

اهتمّ الإمام (علیه السلام)ُ بنشر مكارم الأخلاق ، وإشاعتها بين النّاس ؛ لأنها من العناصر في تطوّر الحياة الاجتماعية ، وسلامة الإنسان من التردّي في مآثم الحياة ، وقد حفلت بذلك مصادر الحديث والفقه والأخلاق بالكثير من كلماته الحكميّة ، وهذه بعضها :

1 - متابعة الإحسان

ندب الإمام (علیه السلام) إلى متابعة الإحسان لأنها توجب شيوع المحبّة والألفة .

وترابط المجتمع ، استمعوا لقوله(علیه السلام) :

«ما تُذُرِّعَ إِلَيَّ بِذَرِيعَةٍ ، وَلَا تُوُسِّلَ بِوَسِيلَةٍ هِيَ أَقْرَبُ لَهُ إِلَى مَا يُحِبُّ مِنْ يَدٍ سالِفَةٍ مِنِّى إِلَيْهِ أَتْبَعَتْها أَخْتُها لِتُحْسِنَ حِفْظها وَرَبَّها ؛ لأنَّ مَنْعَ الأَواخِرِ يَقْطَعُ لِسانَ شُكر الأَوائِلِ ، وَما سَمِحَتْ لي نَفْسي بِرَدُ بِكْرِ الْحَوائج»(1)

أرأيتم كيف يوصي الإمام بمتابعة الإحسان ، وأنّها أحبّ الأمور إليه ؛ لأنّها تغرس

المودة والحبّ في قلوب النّاس .

2 - فعل المعروف

كان الإمام (علیه السلام)يدعو المسلمين إلى فعل المعروف بكثير من أحاديثه ؛ لأنّه به سموّ الإنسان وكرامته ، ولنستمع إلى بعض أحاديثه في ذلك :

1 - قال : « إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْمَعْرُوفِ أَهْلاً مِنْ خَلْقِهِ ، حَبَّبَ إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوفَ ، وَحَبَّبَ إِلَيْهِم فَعالَهُ ، وَوَجَّهَ لِطُلاب الْمَعْرُوفِ الطَّلَبَ إِلَيْهِم ، وَيَسَّرَ إِلَيْهِم قضاءَهُ ، كَما يَسَّرَ الْغَيْتَ لِلْأَرْضِ الْمُجْدِبَةِ لِيُحْيِيها ، وَيُحْيِي أَهْلَهَا ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْمَعْرُوفِ أَعْداءَ مِنْ خَلْقِهِ بِغَضَ إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوفَ ، وَبَغْضَ إِلَيْهِم فِعَالَهُ ، وَحَظَرَ عَلى طُلاب الْمَعْرُوفِ التَّوَجُهَ إِلَيْهِم ، وَحَظَرَ عَلَيْهِم قَضاءَهُ كَما يَحْظُرُ الْغَيْثَ عَنِ الْأَرْضِ الْمُجْدِبَةِ لِيُهْلِكَهَا وَيُهْلِكَ أَهْلَهَا ، وَما يَعْفُو اللهُ أَكْثَرَ»(2).

ومن المؤكّد أنّ للمعروف أهلاً هم من أفضل النّاس في سموّ نفوسهم ، ومعالي

أخلاقهم ، حبّب ا تعالى إليهم فعل المعروف ، فكان من مقوّماتهم وعناصرهم كما أنّ هناك عصابة من النّاس أعداء للمعروف، وأعداء لكلّ ما ينفع النّاس ، وهم

أراذل المجتمع وسفلة الخلق .


1) تحف العقول : 296 .

2) حياة الإمام محمّد الباقر عال الان : 1 : 296 .

2- قال (علیه السلام): «صَنائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقى مَصارعَ السُّوءِ، وَكُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ ، وَأَهْلُ الْمَعْرُوفِ فى الدُّنْيا هُم أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فى الآخِرَةِ ، وَأَهْلُ الْمُنْكَر في الدُّنْيا هُم أَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الْآخِرَةِ ، وَأَوَّلُ أَهْلِ الْجَنَّة دخولاً إِلَى الْجَنَّةِ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ ، وَأَنَّ أَوَّلَ أَهْلِ النَّارِ دخولاً إلى النّارِ أَهْلُ الْمُنْكَر »(1).

حكى هذا الحديث مدى الأهمية البالغة لصنايع المعروف ، فإنّ لهم وسام شرف في الدنيا والآخرة ، وبعكسهم أهل المنكر ، فإنّهم حطب جهنّم وأراذل الخلق في الدنيا .

3 - مقابلة المعروف بالإحسان

من الأخلاق العلوية مقابلة المعروف بالإحسان ، وقد أكّد(علیه السلام) ذلك بقوله :

« مَنْ صَنَعَ مِثْلَ ما صُنِعَ إِلَيْهِ فَقَدْ كافاهُ ، وَمَنْ أَضْعَفَ كانَ شَكوراً ، وَمَنْ شَكَرَ كانَ كَريماً ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ ما صَنَعَ كَانَ إِلى نَفْسِهِ لَمْ يَسْتَبْطِيُّ النَّاسَ فِي شُكْرِهِم ، وَلَمْ يَسْتَزِدْهُم فِي مَوَدَّتِهِم ، فَلَا تَلْتَمِسُ مِنْ غَيْرِكَ شُكْرَ ما أَتَيْتَهُ إِلَى نَفْسِكَ ، وَوَقَيْتَ بِهِ عرْضَكَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ طَالِبَ الْحَاجَةِ لَمْ يُكْرِمْ وَجْهَهُ عَنْ مَسْأَلَتِكَ ، فَأَكْرِمْ وَجْهَكَ عَنْ رده »(2)

وحفلت هذه الكلمات الذهبية بالحثّ على صنع المعروف بما هو معروف ، وأن لا يبغي صاحبه جزاء ولا شكراً ؛ لأنه إنما صنع ذلك لنفسه .

4 - معاملة النّاس بالحسنى

من معالي أخلاق الإمام أنه كان يحث على معاملة الناس بالحسنى . قال(علیه السلام) :


1) أمالي الصدوق : 225.

2) حياة الإمام محمد الباقر الله : 1 : 297 .

«قُولُوا لِلنَّاسِ أَحْسَنَ ما تُحِبّونَ أَنْ يُقالَ لَكُم، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُبْغِضُ اللَّعَانَ السَّبَابَ الطَّعَانَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، الْفَاحِشِ المُتَفَجِّشِ ، السّائِلِ الْمُلْحِفِ ، وَيُحِبُّ الْحَيِي الْحَلِيمَ ، الْعَفيفَ الْمُتَعَفِّف»(1)

ندب الإمام إلى تحلّي المسلم بأسمى صفات الشرف والكمال ، وحذّره من الصفات الشريرة التي تحط من كرامته .

5 - طلاقة الوجه

وكان من تعاليم الإمام هذه الكلمات المشرقة ، قال(علیه السلام) :

«الْبِشْرُ الْحَسَنُ ، وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ مَكْسَبَةٌ لِلْمَحَبَّةِ ، وَقُرْبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى ، وَعُبوس الْوَجْهِ ، وَسُوءُ الْبِشْرِ مَكْسَبَةٌ لِلْمَقْتِ ، وَبُعْدٌ مِنَ اللهِ »(2).

من آداب السلوك مع النّاس مقابلتهم بطلاقة الوجه والترحيب بهم ، فإنّه موجب للمودّة والمحبّة ، وأما عبوس الوجه فإنّه موجب للمقت والبعد من الله تعالى .

6 - قضاء حوائج النّاس

ندب الإمام أبو جعفر إلى قضاء حوائج النّاس لأنّه من صميم التعاليم الإسلاميّة الهادفة إلى التعاون والمودة بين المسلمين . قال (علیه السلام):

«ما مِنْ عَبْدٍ يَمْتَنِعُ عَنْ مَعَونَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ ، وَالسَّعْي لَهُ فِي حَاجَتِهِ ، قُضِيَتْ لَهُ أَوْ لَمْ تُقْضَ ، إِلَّا ابْتُلِيَ في حاجَةِ فيما يَأْثَمُ عَلَيْهِ وَلَا يُوْجَرُ وَما مِنْ عَبْدِ يَبْخَلُ بِنَفَقَةٍ يَنْفُقُها فيما يُرضي اللَّهَ إِلَّا ابْتُلِيَ بِأَنْ يُنْفِقَ أَضْعَافَها فيما أَسْخَطَ اللَّه »(3)


1) حياة الإمام محمد الباقر (علیه السلام): 1 : 297 .

2) تحف العقول : 296 .

3) تحف العقول : 292 .

أرأيتم هذا التحذير بنزول الإثم وسخط الله تعالى على من لا يقوم بإسعاف إخوانه والسعي في قضاء حوائجهم .

7 - صلة الأرحام

عنى الإمام (علیه السلام) بصلة الأرحام لأنها توجب تماسك الأسرة وترابط المسلمين ، وقد ذكر الإمام الها الثمرات التي يكتسبها الإنسان في صلته لأرحامه . قال لا :

«صِلَةُ الْأَرْحَامِ تُزَكِّي الْأَعْمَالَ ، وَتُنمّي الأَمْوالَ ، وَتَدْفَعُ الْبَلْوى ، وَتُبَسِّرُ الحِسَابَ ، وَتُنْسِيُّ في الأَجَل»(1).

8- العطف على اليتيم

من الأخلاق الكريمة التي ندب إليها الإمامء: البر باليتيم والضعيف . قال(علیه السلام) :

« أَرْبَعٌ مِنْ كُنَّ فِيهِ بَنَى اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ : مَنْ آوَى الْيَتِيمَ ، وَرَحِمَ الضَّعِيفَ ، وَأَشْفَقَ عَلى والِدَيهِ ، وَرَفَقَ بِمَمْلُوكِه »(2)

9 - مكارم الأخلاق

من مكارم الأخلاق التي ندب إليها الإمام (علیه السلام) هذه الصفات التي تقرّب الإنسان من الله تعالى ، وتنجيه من سخطه وعذابه ، وهي :

«أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَمُلَ إِسْلَامُهُ ، وَأَعِينَ عَلى إِيمَانِهِ ، وَمُحْصَتْ ذُنُوبُهُ ، وَلَقِيَ الله عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ عَنْهُ راضِ ، وَلَوْ كَانَ فيما بَيْنَ قَرْنِهِ إِلى قَدَمَيْهِ ذُنُوبٌ حَطَّهَا اللهُ عَنْهُ ، وَهِيَ الْوَفاءُ بِما يَجْعَلُ الله تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ ، وَصِدْقُ النِّسانِ مَعَ النَّاسِ ، وَالحَياءُ بِما يَفْبَحُ عِنْدَ


1) تحف العقول : 298 .

2) الخصال : 204 .

اللهِ وَعِنْدَ النَّاسِ ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ مَعَ الْأَهْلِ وَالنَّاسِ.

وَأَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَسْكَنَهُ اللهُ تَعَالَى فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ فِي غُرَفٍ فَوْقَ الْغُرَفِ : مَنْ آوَى الْيَتِيمَ ، وَنَظَرَ لَهُ وَكانَ لَهُ أباً ، وَمَنْ رَحِمَ الضَّعِيفَ ، وَأَعانَهُ وَكَفَاهُ ، وَمَنْ أَنْفَقَ عَلَى وَالِدَيْهِ وَتَرَفَّقَ بِهِما وَسَرَّهُما ، وَلَمْ يُحْزِنْهُما وَمَنْ لَمْ يَخْرَق مَمْلُوكُهُ فَأَعانَهُ عَلَى ما يُكَلِّفُه »(1)

وهذه الخصال التي ندب إليها الإمام من أمهات الفضائل ، ومن محاسن الصفات والأعمال .

مساوئ الأخلاق

أمّا الصفات الذميمة فهي التي تهبط بالإنسان إلى مستوى سحيق ، وقد حذر الإمام منها حفظاً لشخصية الإنسان المسلم أن يتلوّث بالصفات الذميمة ، قال (علیه السلام) في بيانها :

1 - التكبّر

قال (علیه السلام):« ما دَخَلَ قَلْبُ امْرِي شَيْءٌ مِنَ الْكِبْرِ إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ مِثْلُ ما دَخَلَهُ مِنْ ذلِكَ ، قَلَّ ذلِكَ أَوْ كَثُر»(2)

وقال(علیه السلام) : « الْمُتَكَبِّرُ يُنازِعُ اللهَ رِداءَه »(3)

إنّ الكبرياء نقص وانحطاط للإنسان ، فإنّه لو فكر ما يصير إليه من مفارقة الحياة

واستحالة جسمه إلى كتلة من التراب المهين لما تكبر على خلق الله ورفع عليهم رأسه


1) الدر النظيم : 191 .

2) صفة الصفوة : 2 : 61 . حلية الأولياء : 2 : 180 .

3) تحف العقول : 213 .

2 - النفاق

أما النفاق فهو من رذائل الصفات التي يمقتها الله تعالى ، وقد حذّر الإمام(علیه السلام) منه قال (علیه السلام):

«بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَكُونُ ذا وَجْهَينِ ، وَذَا لِسانَيْنِ يُطري أَخاهُ شَاهِداً ، وَيَأْكُلُهُ غَائِباً ،

إِنْ أعْطِيَ حَسَدَهُ ، وَإِنْ ابْتُلِيَ خَذَلَهُ »(1).

إنّ النفاق يكشف عن خبث السريرة ، وسوء الطوية ، وأن من يبتلى به فليس له

نصيب من الإيمان والإسلام

3 - الغيبة والبهتان

وبيّن الإمام الفارق بين الغيبة والبهتان بقوله :

«الغيبَةُ أَنْ تَقُولَ في أخيك ما سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ ، فَأَمَّا الأمْرُ الظَّاهِرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجِدّة

وَالْعَجَلَةِ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَقُولَهُ ، وَأَمَّا الْبُهْتَانُ أَنْ تَقُولَ فِي أَحْيِكَ ما لَيْسَ فيه »(2).

وكلا الصفتين قد حرّمهما الله ، وتوعد من يتصف بهما بالنّار.

4 - العجب

من الصفات الممقوتة أن يعجب الإنسان بنفسه أو بما أوتي من متع الحياة

الدنيا ، وقد حذر الإمام منه قال :

«عَجَباً لِلْمُخْتال الفَخُور ، إِنَّما خُلِقَ مِنْ نُطْفَةٍ ، ثُمَّ يَعُودُ جيفَةٌ ، وَهُوَ فِيمَا بَيْنَ ذلِكَ

لَا يَدْري ما يُصْنَعُ بِهِ»(3).


1) أمالي الصدوق : 30.

2) حياة الإمام محمد الباقر لالالا : 1 : 203 .

3) حياة الإمام محمّد الباقر اللا : 1 : 204.

إنّ عجب الإنسان بنفسه ينمّ عن نقصه وضحالة فكره بما يصير إليه من الفناء .

5 - الغضب

من الآفات التي تدمر الحياة وتلقي الإنسان في شرّ عظيم الغضب ، وقد حذّر منه الإمام(علیه السلام) قال لي :

« إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ فَما يَرْضى أَبَداً حَتَّىٰ يَدْخُلَ النّار »(1)

إنّ الغضب يجرّ الإنسان إلى اقتراف الجريمة ، ويورده الجحيم .

6 - صفات ممقوتة

من الصفات الممقوتة التي حذّر منها الإمام (علیه السلام) هذه الخصال . قال (علیه السلام):

«ما أَقْبَحَ الْغِلْظَةَ عَلَى الفَقيرِ ، وَالْقَسْوَةَ عَلَى الْجارِ ، وَمُشَاحَةَ الْفَقِيرِ الْقَرِيبِ ، وَالْخِلافَ عَلَى الصّاحِبِ ، وَسُوءَ الْخُلُقِ عَلَى الْأَهْلِ ، وَالاسْتِطَالَةَ بِالْقُدْرَةِ ، وَالْجَشَعَ مَعَ الْفَقْرِ ، وَالْغَيبَةَ لِلْجَلِيسِ ، وَالْكَذِبَ فِي الْحَديثِ ، وَالسَّعْيَ بِالْمُنْكَرِ ، وَالْغَدْرَ مِنَ السُّلْطَانِ ، وَالخُلْفَ مِنْ ذَوِي الْمُرُوَّةِ . مَنْ سَأَلَ فَوْقَ قَدْرِهِ اسْتَحَقَّ الْحِرْمَانِ»(2).

إنّ هذه الخصال من الصفات الممقوتة ، وقد حذر الإمام منها لأنها تهدم شخصيّة الإنسان، وتلقيه في متاهات سحيقة من الحياة .

مكارم اخلاقه

أما معالي أخلاق الإمام أبي جعفر(علیه السلام) فهي كأخلاق آبائه العظام الذين أضاء وا الحياة الفكرية بسمو أخلاقهم وآدابهم ، وهذه شذرات من معالي أخلاقه .


1) جامع السعادات : 1 : 289 .

2) اتذكرة الحمدونية : 60.

1 - الحلم

كان الإمام أبو جعفر (علیه السلام) من أحلم الناس ، فكان يقابل المسي بالصفح

والإحسان ، وقد روى المؤرّخون صوراً من حلمه ، كان منها :

1 - أنّ كتابيّاً هاجم الإمام ، وخاطبه بمر القول قائلا له :

« أنت بقر » .

فتبسّم الإمام وقال له بلطف :

« لا ، أنا باقِرُ» .

وهاجم الكتابي الإمام مرّة أخرى قائلاً:

«أنت ابن الطباخة ».

«ذاكَ حِرْفَتُها » .

وراح الكتابي يعتدي على الإمام قائلاً:

«أنت ابن السوداء الزنجيّة البذيّة » .

لم يغضب الإمام ، فأجابه:

«إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ غَفَرَ اللهُ لَكَ » .

وبهت الكتابي من هذه الأخلاق الرفيعة التي تضارع أخلاق الأنبياء ، فأعلن إسلامه (1)

2- ومن تلك الصور الرائعة من حلمه أنّ شاميّاً كان يختلف إلى مجلسه ويسمع

محاضراته ، وقد أعجب بها ، فقال له :


1) مناقب آل أبي طالب : 4 : 207. بحار الأنوار: 46: 289 أعيان الشيعة : 4: 504 - القسم الأوّل .

«يا محمّد ، إنّما أخشى مجلسك لا حبّاً مني إليك ، ولا أقول إن أحداً أبغض إلى منكم أهل البيت ، واعلم أنّ طاعة الله تعالى وطاعة أمير المؤمنين في بغضكم ، ولكنّي أراك رجلاً فصيحاً ، لك أدب ، وحسن لفظ ، فإنّما أختلف إليك لحسن أدبك » .

ونظر إليه الإمام بعطف وحنان، وراح يغدق عليه ببره وإحسانه حتى استقام الرجل وتبين له زيف الدعاية المضللة ضدّ أهل البيت ، فتبدلت عقيدته من البغض للإمام إلى الولاء له ، وظل ملازماً له حتى حضرته الوفاة ، فأوصى أن يصلى عليه الإمام (1)

لقد ضارع الإمام(علیه السلام) بسمّو أخلاقه جدّه الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم) الذي استطاع بمكارم أخلاقه أن يؤلّف ما بين القلوب ، ويوحد ما بين المشاعر ، ويجمع الناس على كلمة التوحيد بعدما كانوا يعبدون الأوثان والأصنام .

2 - الصبر

وظاهرة أخرى من نزعاته الأخلاقية وهي الصبر على ما عاناه من الأحداث الجسام التي تجرعها منذ نعومة أظفاره، فقد رأى جده الإمام الحسين سيد شباب أهل الجنة على صعيد كربلاء ، ومعه الصفوة من أهل بيته وأصحابه الممجدين مجزرين كالأضاحي ، وصاحب المصائب والكوارث التي حلت بأهل البيت وهو أحد رواتها .

وعلى أيّ حال، فقد تحمّل الإمام أبو جعفر المحن والخطوب التي تذهل كلّ كائن حي ، والتي منها :


1) حياة الإمام محمد الباقر الله : 1 : 121 .

1 - انتقاص السلطة الأموية لآبائه الطاهرين ، وإعلانها سبهم على المنابر في خطب الجمعة وصلاة العيدين وغيرها ، فقد جعل معاوية بن هند سبّ أهل البيت جزءاً من العقيدة الإسلامية ، وفرضاً لازماً على المسلمين ، والإمام يسمع ذلك ونفسه تتقطع ألماً ، وهو لا يتمكن أن ينبس ببنت شفة ، فصبر على هذه المحنة الحازية .

2 - ومن المحن الشاقة التي صبر عليها ، والتي تحز في نفسه أنه يرى ويسمع بالتنكيل الهائل الشيعة أهل البيت بأيدي الجلادين من عملاء السلطة الأموية ، وهو لا يتمكن من حمايتهم والدفاع عنهم .

3- كان للإمام ولداً أثيراً عليه ، فمرض ، فتألّم عليه حتى خشي عليه ، وتوفّي الولد فسكن روعه ، فقيل له:

«خشينا عليك يابن رسول الله ؟ » .

فأجاب باطمئنان ورضى بقضاء الله قائلاً:

«إِنَّا نَدْعو الله فيما يحُبُّ ، فَإِذا وَقَعَ ما نَكْرَهُ لَمْ نُخالِفِ الله فيما يُحِبّ »(1).

لقد تسلّح الإمام بالصبر ، وقابل نوائب الدنيا بإرادة صلبة من غير ضجر ولا سأم محتسباً الأجر عند الله تعالى .

3- الزهد

ومن السمات البارزة في أخلاق الإمام أبي جعفر(علیه السلام) الزهد في الدنيا ، والإعراض عن جميع مباهجها وزينتها ، فلم يتخذ الرياش في داره ، وإنما كان يفرش الحصير في مجلسه (2)


1) تاریخ دمشق : 57: 229 . عيون الأخبار / ابن قتيبة : 3 : 57 .

2) دعائم الإسلام : 2 : 158 .

وحدّث جابر بن يزيد الجعفي عن زهد الإمام قال : قال لي محمد بن علي بن الحسين (علیه السلام) :

«يا جابِرُ، إِنِّي لَمَحْزُونَ ، وَإِنِّي لَمُشْتَزِلُ الْقَلْب».

فانبری جابر قائلاً:

«ما حزنك وما شغل قلبك ؟ » .

«يا جابِرُ، إِنَّ مَنْ دَخَلَ قَلْبَهُ صافى دينِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ شَغَلَهُ عَمّا سِواه .

يا جابِرُ ، ما الدُّنْيا ، وَما عَسَى أَنْ تَكونَ ؟ هَلْ هِيَ إِلَّا مَرْكَبُ رَكِبْتَهُ ، أَوْ ثَوْبٌ لَبِسْتَهُ ، أَوِ امْرَأَةٌ أَصَبْتَها »(1)

وهكذا عزف عن الدنيا وطلقها كجده الإمام أمير المؤمنين(علیه السلام) الذي أعرض عن الدنيا ، واتّجه صوب الحق ، ولم يتحلّ بأي زينة من زينتها .

4 - الكرم والسخاء

أمّا الكرم فكان فكان من عناصر الإمام أبي جعفر الا ، فقد جبل على البرّ والإحسان للبؤساء والمحرومين ، وإدخال السرور عليهم . يقول ابن الصباغ :

«كان محمد بن عليّ بن الحسين مع ما هو عليه من العلم والفضل والرياسة والإمامة ظاهر الجود في الخاصة والعامة ، مشهور بالكرم في الكافة ، معروف بالفضل والإحسان مع كثرة عياله وتوسط حاله»(2)

وقد روى المؤرّخون بوادر كثيرة من جوده كان منها :

2- روی سلیمان بن قرم ، قال : كان أبو جعفر يجيزنا الخمسمائة درهم إلى


1) تاریخ دمشق : 57 : 219 البداية والنهاية : 9: 310 .

2) صفة الصفوة : 2 : 62 .

الستمائة إلى الألف ، وكان لا يمل من صلة الإخوان وقاصديه وراجيه (1)

3- قال الحسن بن كثير : « شكوت إلى أبي جعفر محمد بن علي الحاجة ، وجفاء الاخوان » ، فتأثر ، وقال (علیه السلام) :

«بئْسَ الأخُ يَرْعَاكَ غَنِيَا وَيَقْطَعُكَ فَقيراً»،

ثمّ أمر غلامه فأخرج كيساً فيه سبعمائة درهم ، وقال (علیه السلام) :

«اسْتَنْفِقُ هَذِهِ ، فَإِذَا نَفِدَتْ فَأَعْلِمْني »(2)

أرأيتم هذا السخاء الذي جبل عليه الإمام ، والذي كان من عناصره ومقوماته ، وأنّه لم يستهدف منه ثناء أو جزاء من أحد سوى سوى الله تعالى.

4- روی عبدالله بن عبيد ، وعمرو بن دينار قالا : « ما لقينا أبا جعفر محمد بن عليّ إلا وحمل إلينا النفقة والكسوة » ، ويقول (علیه السلام):

«هذِهِ مُعَدَّةٌ لَكُم قَبْلَ أَنْ تَلْقَوْنِي»(3)

5- روت مولاته سلمى ، قالت : كان يدخل عليه إخوانه فلا يخرجون من عنده حتّى يطعمهم الطعام الطيب ، ويلبسهم الثياب الحسنة ، ويهب لهم الدراهم ، فكان يقول لها :

«ما يُؤَمَّلُ في الدُّنْيا إِلَّا الْمَعارِفُ وَالإخوان »(4)

وكان يقول (علیه السلام) :

«ما حَسَّنَتِ الدُّنْيا إِلَّا صِلَةُ الإِخْوانِ وَالْمَعارِف»(5)


1) الفصول المهمة : 227 .

2) عيون الأخبار وفنون الآثار: 217 .

3) الإرشاد : 299 .

4) صفة الصفوة : 2 : 63 .

5) صفة الصفوة : 2 : 63 .

هذه بعض البوادر عن كرمه وسخائه .

ه - تكريمه (علیه السلام) للفقراء

من معالي أخلاق الإمام أبي جعفر (علیه السلام) تكريمه للفقراء ، وتبجيله لهم ، لئلا يرى عليهم ذلّ الحاجة ، وقد عهد لأهله أنه إذا قصدهم سائل لا يقولون له :

«یا سائِلُ ، خُذْ هذا ، وانّما يقولون : « يا عَبْدَ اللهِ ، بُورك فيك »(1)

وقال : « سَمَوهُم بِأَحْسن أَسْمائِهِمْ »(2)إنّها أخلاق الأنبياء التي جاءت لتسمو

بالإنسان ، وتغذيه بالعزة والكرامة ، وتنفي عنه الذل والخنوع .

6 - صلته(علیه السلام) لفقراء المدينة

كان الإمام كثير البر والصدقة لفقراء المدينة ، وقد أحصيت صدقاته فكانت ثمانية آلاف دينار (3).

وكان يتصدّق على فقراء المدينة في كلّ يوم جمعة بدينار ، ويقول : « الصَّدَقَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تُضاعِفُ الْفَضْلَ عَلَى غَيْرِه مِنَ الْأَيَّام »(3).

7 - إنابته (علیه السلام) الى الله عزّ وجل

كان الإمام أبو جعفر (علیه السلام) قد انقطع إلى الله تعالى وأناب إليه ، وأخلص إليه كأعظم ما يكون الإخلاص ، فكان إذا أقبل على الصلاة اصفر لونه (4)خوفاً من الله


1) عيون الأخبار: 3 : 308 .

2) البيان والتبيين : 258 .

3) أعيان الشيعة : 4 : 471 ، القسم الأوّل .

4) تاريخ مدينة دمشق : 44:51 .

تعالى وخشية منه ، وكان يناجي الله تعالى في غلس الليل البهيم ، وكان يقول في مناجاته :

«أَمَرْتَني فَلَمْ انْتَمِرِ ، وَزَجَرْتَني فَلَمْ انْزَجِر ، ما أَنَا عَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ »(1).

وحدّث مولاه أفلح ، قال : حججت مع أبي جعفر ، فلما دخل إلى المسجد رفع صوته بالبكاء ، فقلت له :

بأبي وأمي أنت ، إنّ النّاس ينتظرونك ، فلو خفضت صوتك قليلاً؟ » .

فقال لي :

« يا أَفْلَحُ ، إِنِّي أَرْفَعُ صَوْتِي بِالْبُكاءِ لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْظُرُ إِلَيَّ بِرَحْمَةٍ فَأَفُوزَ بِهَا غَداً» .

ثمّ طاف بالبيت الحرام ، وصلى خلف المقام ، فلما فرغ وإذا بموضع سجوده قد ابتل من دموع عينيه ((2)، وكان يلهج بذكر الله تعالى في معظم أوقاته(3)، وكان يجمع ولده قبل طلوع الشمس ويأمرهم بذكر الله تعالى حتى تطلع ، وقد ذكرنا صوراً مشرقة من عبادته الله تعالى ، وطاعته له في كتابنا حياة الإمام محمد الباقر الله في الجزء الأوّل منه .


1) صفة الصفوة : 2 : 163 . نور الأبصار : 130 . حلية الأولياء : 3 : 182.

2) تاريخ مدينة دمشق : 51 44 مرآة الزمان : 5 : 79 نور الأبصار : 130 .

3) أعيان الشيعة : 4 : 471.

الإمام الصادق(علیه السلام).

اشارة

الإمام الصادق (علیه السلام) أثرى شخصية علمية عرفها التاريخ الإنساني ، قد فجر ينابيع العلم والحكمة في الأرض ، وملأ الدنيا بعلومه ومعارفه - على حد تعبير الجاحظ - كما ساهم مساهمة إيجابية في بناء الحضارة الإنسانيّة ؛ وذلك بما اكتشفه من وسائل التكنولوجيا المتطوّرة التي دفعت الإنسان إلى التقدّم في جميع وسائل الحياة ، فهو الذي اكتشف الأوكسجين ، ونصّ على خصائصه ومركّباته ، كما أعلن أنّ الهواء ليس عنصراً بسيطاً ، وإنّما هو مركب من عناصر مختلفة ، كما اكتشف الكثير من أسرار الكون (1)، وقد اعتبره علماء الغرب الدماغ المفكر والمبدع في الإنسانية .

وعلى أيّ حال ، فإنا نتحدث عما أثر عنه من الحثّ على التحلي بمكارم الأخلاق

و محاسن الصفات، وتحذيره من الصفات الشريرة التي تؤدي إلى هلاك الإنسان .

مَكَادِمُ الأَخْلَاقِ

1 - الحلم

كان الإمام الصادق (علیه السلام) يحث أصحابه على التحلي بالحلم ، وقد أكد ذلك بكوكبة من الأحاديث ، كان منها :


1) الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب : 120 - 130 .

1- قال (علیه السلام) : « الْحِلْمُ زِينَةُ أَهْلِ الْفَضْلِ ، وَصِفَةٌ مِنْ صِفاتِ أَهْلِ الْحَقِّ »(1)

2 - قال (علیه السلام) : «أَحْلَمُكُم عِنْدَ الْغَضَبِ أَقْرَبُكُم إِلَى اللَّهِ مَنْزِلَةٌ »(2)

3 - قال (علیه السلام) : « في الْحِلْم ثَلَاثُ خِصالٍ : مَخافَةُ الْعَدُوِّ ، وَمُوافاةُ الصَّديقِ ، وَحَمْدُ

مَنْ سَمِعَ الثَّوابَ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ »(3)

4- قال (علیه السلام) : « مَا اقْتَرَبَ شَيْءٌ مِنْ شَيْءٍ أَحْسَنُ مِنْ حِلْمٍ إِلى عِلْمٍ ، وَمِنْ عَفْوِ لا

إِلى مَقْدِرَةٍ ، وَمُسامَحَةٍ إِلى أُخُوَّةٍ »(4)

ه - قال (علیه السلام) : ما أَخَذَ اللَّهُ عَلَى نَبِيَّ أَرْسَلَهُ إِلَّا بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ ، وَالْحِلْمِ

« عَن الْخاطِئِينَ ، حَتّى يَرْجِعوا إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ »(5)

إنّ الحلم دليل على نضوج الفكر ، وقوة الشخصية ، وهو من أسمى الصفات التي يتحلّى بها القادة.

2 - التواضع

أمّا التواضع ، فإنّه ينم عن شرف النفس وسموّ الذات ، خصوصاً من الشخصيات الكبيرة ، وقد أكد الإمام الصادق (علیه السلام) على ضرورة التحلّي به للإنسان المسلم ، وقد أثرت عنه في ذلك كوكبة من الأخبار منها :

1 - قال : « التَّواضُعُ أَحَدُ مَصائِدِ الشَّرَفِ»(6).

وهذه الكلمة الذهبية من مناجم ،البلاغة ، فقد حكت أنّ السُّلّم الذي يرتقي به الإنسان إلى الشرف والمجد هو التواضع

2 - قال (علیه السلام) : « مِنَ التَّواضُع أَنْ تَرْضَى بِالْمَجْلِسِ دُونَ الْمَجْلِسِ ، وَأَنْ تُسَلَّمَ عَلَى مَنْ لا


1) حياة الإمام جعفر الصادق (علیه السلام): 3 : 318.

2) حياة الإمام جعفر الصادق (علیه السلام): 3 : 318.

3) حياة الإمام جعفر الصادق(علیه السلام) : 3 : 318.

4) حياة الإمام جعفر الصادق(علیه السلام) : 3 : 318.

5) حياة الإمام جعفر الصادق(علیه السلام): 3 : 318.

6) المصدر المتقدم : 3 : 321 .

تلقى ، وَأَنْ تَتْرُكَ الْعِراءَ وَإِنْ كُنْتَ مُحِقِّاً، وَلَا تُحِبُّ أَنْ تُحْمَدَ عَلَى التَّقْوى »(1).

حكى هذا الحديث حقيقة التواضع الذي يتكوّن من مجموعة من الأمور ، وهي :

أ - أنه ليس من التواضع التصدّر في صدر المجلس الذي يتهافت عليه طلاب العظمة .

ب-أنّ من التواضع إبداء السلام لمن يلقى شخصاً فإنّه ينم عن سلامة النفس وتجرّدها من الأنانية

ج - ترك المراء ، وهو الجدل، خصوصاً في المسائل العلمية إن كان القصد منه إبداء التفوّق على الغير .

د - من التواضع أن لا يحب الشخص المدح على ما يتمتع به من العلم والأدب والتقوى ، فإنّ حبّ الثناء عليها ينم عن حبّ الظهور والعظمة ، وهما ليسا من التواضع في شيء .

3 - قال (علیه السلام): « التَّواضُعُ مَعَ الْبُخْلِ أَحْسَنُ مِنَ السَّخاءِ مَعَ الْكِبْرِ »(2)

إنّ التواضع يغطّي على كل نقص في الإنسان ، ويرفع مكانته الاجتماعية ، ويحبّبه إلى قلوب الناس .

4 - قال (علیه السلام) : الرِّفْقُ وَالتَّواضُعُ مِنْ مَعْدَنِ الْجَوْهَرِ ، وَشَرَفِ الْآخِرَةِ »(3).

من الصفات الكريمة التي يسمو بها الإنسان الرفق والتواضع ، وكذلك يكونان شرفاً للإنسان في الآخرة .

5 - قال (علیه السلام) : « تَواضُعُ الشَّرِيفِ يَزيدُ في شَرَفِهِ .»(4).

إنّ التواضع من الشريف ينمّ عن سموّ ذاته ، ويكسبه شرفاً ومجداً .


1) حياة الإمام جعفر الصادق الله : 3 : 321 .

2) حياة الإمام جعفر الصادق الله : 3 : 321

3) حياة الإمام جعفر الصادق الله : 3 : 321 .

4) الحكم الجعفرية : 66 .

6 - قال(علیه السلام) : «أَفْضَلُ كُلُّ فَضيلَةِ التَّواضُعُ لِلْمُؤْمِنين»(1)

إن التواضع للمؤمنين من أفضل ألوان التواضع ، وأما التواضع لذوي المال ، فإنه مذموم ومكروه

7 - قال(علیه السلام) : « أَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللهِ الْمُتَوَاضِعون»(2)

إنّ المتواضعين أحب الخلق إلى الله تعالى ، وأشدّهم قرباً منه .

8- قال(علیه السلام): « ما قامَ نَبِيٍّ في قَوْمِهِ إِلَّا بِالرَّفْقِ وَالتَّواضُع »(3)

إن آية دعوة لا يمكن أن تنجح إلا بالتواضع وحسن الأخلاق ، وقد قامت رسالة الأنبياء (علیه السلام) بالتواضع وسمو الأخلاق .

9 - قال(علیه السلام) : ( مِنَ التَّواضُع أَنْ تُسَلَّمَ عَلى مَنْ لَاقَيْت»(4)

إنّ الابتداء بالسلام ومقابلة الناس بالتحية من التواضع وسموّ الأخلاق .

10 - قال (علیه السلام): «ولا عِزَّ لِمَنْ لا يَتَذَلَّلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَا رِفْعَةَ لِمَنْ لَا يَتَوَاضَعُ لِلَّهِ تَبَارَكَ له وتعالى »(5).

إن العز والمجد لمن يتذلّل الله تعالى الذي هو مصدر كل كرامة وشرف لمن يتصل به ، كما أنّه لا رفعة لمن لا يتواضع لغير الله تعالى .

هذه بعض الأحاديث التي أثرت عن رائد الحركة العلمية والفكرية في دنيا الإسلام الإمام الصادق(علیه السلام).

3- حُسن الخُلق

أمّا حسن الأخلاق فهو من الصفات الرفيعة التي أكد الإمام(علیه السلام) على ضرورة


1) الحكم الجعفرية : 66.

2) الحكم الجعفرية : 66.

3) الحكم الجعفرية : 66.

4) الخصال : 12 .

5) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر 2 152

التحلي به ؛ لأنه من صميم الإسلام ، وهذه كوكبة من الأحاديث التي أثرت عنه .

1 قال (علیه السلام) : وحُسْنُ الْخُلُقِ أَحَدُ مَراكِبِ النَّجاة »(1)

إنّ حسن الخُلق من وسائل النجاة في الدنيا والآخرة .

2 - قال (علیه السلام) : « مَنْ تَعَلَّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ فَقَدِ افْتَدَى بِمَوْلَاهُ - يَعْني رَسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم )الَّذي بُعِثَ لِيُتَمِّمَ مَكارِمَ الْأَخْلَاقِ »(2)

3 - سأل بعض أصحاب الإمام (علیه السلام) عن حد حسن الخلق ، فقال :

«تُلَيِّنُ جَناحَكَ ، وَتُطَيِّبُ كَلَامَكَ ، وَتَلْقى أخاكَ بِبِشْرٍ حَسَن»(3)

إن حسن الأخلاق يسمو بالإنسان إلى مستوى رفيع من الكمال وسموّ الذات .

4 - العفّة والحياء

أمّا العفّة والحياء فهما من أسمى الصفات التي يتحلى بهما الإنسان ، وأنهما من الإيمان . قال (علیه السلام) : « الحَياءُ وَالْعَفافُ وَالْعِيُّ مِنَ الْإِيمَانِ »(4)

المراد بالعيّ هو عيّ عن الفحشاء والتكلّم بغير ما يرضي الله .

5 - القناعة

أمّا القناعة فإنّها كنز لا يفنى ، وهي من الصفات التي يشرف بها الإنسان ؛ لأنّها تجنّب الكثير من المشاكل والمتاعب ، وهي من الصفات الفاضلة للمؤمن . يقول(علیه السلام) : (الْمُؤْمِنُ قَنوعٌ شَكُورٌ ، وَالكافِرُ ذو شَرِّ كَفُور »(5).


1) حياة الإمام جعفر الصادق الملا : 1 : 322 .

2) الحكم الجعفرية : 66 .

3) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر : 2 : 188 .

4) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر : 2 : 188 .

5) حياة الإمام جعفر الصادق (علیه السلام): 1 : 320.

6 - الإحسان

من الصفات الكريمة التي أكد الإمام على الاتصاف بها الإحسان إلى الناس ، اسمعوا ما يقوله :

«الْإِحْسانُ قائِدٌ وَدَليلٌ إِلَى الْجَنَّةُ ، وَمَنْ أَحْسَنَ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِ »(1).

أرأيتم هذا التشجيع على هذه الظاهرة الرفيعة التي تخلق مجتمعاً كريماً تسوده الألفة والمحبّة .

7- الرأفة

من المثل الكريمة التي دعا الإمام (علیه السلام) إليها الرأفة بنطاقها الواسع والشامل للفقير والضعيف ، والكبير والصغير ، قال (علیه السلام) :

« الْمُؤْمِنُ رَؤُوفٌ رَحومٌ ، لَا يَقْسو قَلْبُهُ عَلى أَخيهِ الْمُؤْمِن»(2)

8 - الرحمة

من الصفات الكريمة التي يتزيّن بها الإنسان هي الرحمة على الغير ، قال :

« الرَّحْمَةُ فِي اللهِ حَيَاةٌ »(3)

ما أبلغ هذه الكلمة الذهبية الموجزة ، فقد حكت الضمير المترع بالرحمة في سبيل الله ، فإنّه حياة للإنسان ؛ لأنه يتصل بالله تعالى .

ومن كلماته الذهبية في الرحمة قوله (علیه السلام) :

«مَنْ تَحَنَّنَ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤمِن ، وَتَعَطَّفَ عَلَيْهِ يَجِدِ اللهَ لَهُ مُعيناً وناصِراً »(4)


1) حياة الإمام جعفر الصادق (علیه السلام): 1: 324 .

2) الحكم الجعفرية : 56 .

3) الحكم الجعفرية : 56 .

4) الحكم الجعفرية : 56 .

9 - السخاء

من الصفات الرفيعة التي حنّ الإمام عليها السخاء ، وهذه كوكبة الأحاديث فيها :

1 - قال (علیه السلام) : « السَّخاءُ في اللهِ يَنْفِي مَصارِعَ السُّوءِ وَالْبَلاءِ ، وَيَزيدُ فِي الْعُمُرِ »(1).

أرأيتم هذه الثمرات التي يجتنيها الأسخياء والتي هي من أثمن ما يظفر بها الإنسان في حياته .

2 - قال (علیه السلام) : أَقْرَبُكُم إِلَى اللهِ تَعَالَى أَسْحَاكُم »(2)

إنَّ مَن كان ندي الكف ، محسناً للفقراء ، باراً بالضعفاء ، فهو من أقرب الناس إلى الله تعالى ، وهو الذي يتولّى جزاءه .

3- قال (علیه السلام) : «والسَّخاءُ شَجَرَةٌ عَلى بَابِ الْجَنَّةِ ، مَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِها قادَتْهُ

إِلَى الْجَنانِ »(3).

واعظم بهذا العطاء من الله تعالى للمحسنين من عباده ، فهو الذي يتولّى جزاءهم .

10 - القوّة والعزم

من مظاهر الشخصية العظيمة : القوة والعزم والتصميم ، فإنّ من يتسلّح بها ظفر بما يبتغيه ، ولنستمع إلى كلمات الإمام(علیه السلام) فيها :

1- قال (علیه السلام) : «الْعَزْمُ حِلْيَةُ الْأَنْبِياء»(4)


1) الحكم الجعفرية : 56 .

2) الحكم الجعفرية : 28 .

3) حياة الإمام جعفر الصادق الله : 1 : 323 .

4) المصدر المتقدم : 325 .

• قال (علیه السلام) : الْقُوَّةُ مِفْتاحُ اليقين»(1)

3- قال (علیه السلام) : «الْقُوَّةُ عِلْمُ الدّين ، وَالْعَزْمُ مِفْتَاحُ اليقين»(2)

إنّ العزم والتصميم من أقوى صفات العظماء الذين صنعوا تاريخ الأمم

والشعوب ، وقد استطاع النبي العظيم(صلی الله علیه وآله وسلم) أن يغيّر مجرى التاريخ بقوة عزمه وصلابة إرادته .

11 - التسليم للحقّ

من الصفات الكريمة التي دعا لها الإمام (علیه السلام) التسليم للحق وعدم التأثر بالعصبية وسائر النزعات الأخرى ، قال :

«المُسَلَّمُ لِلْحَقِّ أَوَّلُ ما يَصِلُ إِلَى اللهِ تَعالى »(3)

12 - الصدق وأداء الأمانة

من الصفات الشريفة التي تتكوّن منها أخلاق الإنسان المسلم ، هي : الصدق في الحديث ، وأداء الأمانة لأهلها :

قال : « إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً إِلَّا بِصِدْقِ الْحَديثِ ، وَأَداءِ الأَمَانَةِ إِلَى البَرِّ وَالْفاجِر »(4)

13 - التثبّت من الأمور

من أسمى صفات الإنسان التثبت في الأمور ، وعدم العجلة فيها . اسمعوا ما قال الإمام ال :


1) الحكم الجعفرية : 65.

2) الحكم الجعفرية : 65.

3) الحكم الجعفرية : 60.

4) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر : 2 : 188 .

مَعَ التَثَبَّتِ تَكُونُ السَّلَامَةُ ، وَمَعَ الْعَجَلَةِ تَكُونُ النَّدامَةُ ، وَمَنِ ابْتَدَأَ بِعَمَلِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ كَانَ بُلُوغُهُ في غَيْرِ حينه »(1)

أما التثبّت في الأمور فهو مظنّة للسلامة والنجاة من مخاطر الحياة ، وأما العجلة ففيها مظنّة الهلكة ، وقد قيل :

قَدْ يُدرِك المُتأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ *** وَقَد يكونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّللُ

14 - التوكل على الله تعالى

من أخلاق الإمام (علیه السلام) التوكل على الله تعالى في جميع أموره ، وعدم التردّد فيها ، إلا أن يكون العمل غير راجح ، فلا يقدم عليه ، وقد روى أبو بصير عن الإمام (علیه السلام) أنه قال : «لَيْسَ شَيْءٌ إِلَّا وَلَهُ الْحَدُ»ّ .

فانبرى أبو بصير قائلاً:

«جعلت فداك ، ما حدّ التوكل ؟» .

«اليقين»

ومعناه أنّ اليقين بشرعيّة الشيء ينفي التردّد، ويبعث على العمل ، وراح أبو بصير قائلاً:

«ما حد اليقين ؟ »

«أَنْ لَا تَخَافَ مَعَ اللَّهِ شَيْئًا »(2)

وحدّد الإمام (علیه السلام) التوكل على الله تعالى بأن يتيقّن الإنسان بقدرته تعالى الحاكمة على كل شيء ، فإن جميع مجريات الأحداث بيده ، وليس لغيره أية فعالية وتأثير في مسيرة الأمور.


1) الخصال : 96 .

2) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر : 2 : 184 .

15 - خصال الأنبياء

كان(علیه السلام)يحدث أصحابه عن خصال الأنبياء ليكونوا قدوة لهم ، قال :

«إِنَّ الصَّبْرَ وَالبِرَّ وَالْحِلْمَ وَحُسْنَ الْخُلُقِ مِنْ أَخْلَاقِ الأَنْبِيَاء »(1)

إنّ الأنبياء إنّما استطاعوا القيام بهداية النّاس ؛ وذلك بما يتمتعون به من المثل العليا، والصفات الكريمة .

16 - صفات رفيعة

تحدّث الإمام (علیه السلام) مع أصحابه عن بعض الصفات الكريمة التي ينبغي الأخذ بها ، قال :

«خَمْسٌ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ لَمْ يَكُنْ كَثيرَ مُسْتَمْتِع : الدِّينُ ، وَالْعَقْلُ ، وَالأَدَبُ ، وَالحُرِّيَّةُ ، وَحُسْنُ الخُلُق »(2)

وهذه الصفات من أمهات الفضائل فمن اتصف بها بلغ أرقى مراتب الكمال .

17 - صفات المؤمن

أكد الإمام ا(علیه السلام) على المؤمن أن يتصف بثمان خصال ، قال :

«يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكونَ فِيهِ ثَمانُ خِصالٍ : وَقورٌ عِنْدَ الْهَوَاهِزِ، صَبُورٌ عِنْدَ الْبَلاءِ، شَكورٌ عِنْدَ الرّخاءِ ، قانِعٌ بِما رَزَقَهُ اللهُ، لا يَظْلِمُ الْأَعْداءَ ، وَلَا يَتَحامَلُ لِلْأَصْدِقاءِ ، بَدَنُهُ مِنْهُ فِي تَعَبٍ ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي راحَةٍ ، وَأَنَّ الْعِلْمَ خَلِيلُ الْمُؤْمِنِ ، وَالْحِلْمُ وَزِيرُهُ ، وَالصَّبْرُ أَمِيرُ جُنودِهِ ، وَالرّفْقُ أَخوهُ ، وَالدِّينُ والدُهُ »(3).


1) الخصال: 229 .

2) حياة الإمام جعفر الصادق الملا : 1 : 329.

3) الخصال : 376 .

هذه الصفات الكمالية من أبرز صفات المؤمن الذي يخشى الله تعالى ويسعى في نیل مرضاته .

18 - عشر خصال من الفضائل

روی عبد الله بن مسكان عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنه قال :

« إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَصَّ رَسُولَهُ (صلى الله عليه وآله وسلم) بِمَكارِمِ الْأَخْلَاقِ ، فَامْتَحِنُوا أَنْفُسَكُم ،

عليه واله فَإِنْ كانَتْ فِيكُم فَاحْمَدوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَارْغَبُوا إِلَيْهِ فِي الزِّيادَةِ مِنْهَا ، فَذَكَرَها عَشْرَةٌ: اليَقينُ ، وَالْقَناعَةُ ، وَالصَّبْرُ ، وَالشُّكْرُ ، وَالرّضا ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ ، وَالسَّخاءُ ، وَالغيرَةُ ، وَالشَّجَاعَةُ ، وَالْمُرُوءَةُ »(1)

هذه الخصال الكريمة من أظهر صفات النبي العظيم (صلی الله علیه وآله وسلم)، وقد تحدث الإمام

مع أصحابه لتكون من صفاتهم ومقوماتهم .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الصفات الكريمة التي هي من مكارم الأخلاق ، وقد حثَّ الإمام أصحابه وشيعته على التحلي بها ليكونوا قدوة حسنة لغيرهم ، وقد اقتبسناها من كتابنا حياة الإمام الصادق (علیه السلام).

مساوئ الأخلاق

اشارة

حذر الإمام (علیه السلام) من الصفات الذميمة والنزعات الشريرة التي تهبط بالإنسان إلى مستوى سحيق ، وهذه بعضها :

1 - الحقد

من الصفات الممقوتة الحقد على الناس ، وقد حذر الإمام (علیه السلام) منها في كثير


1) الخصال : 401 .

من أحاديثه ، منها :

1 - قال (علیه السلام) : « احْذَرُوا الْحِقْدَ ، فَإِنَّ اللهَ تَعالى يَخْذُلُ الظَّالِمَ ، وَيَنْصُرُ الْمَظْلُومَ»(1).

2- قال (علیه السلام) : « الْحِقْدُ لَا يَسْكُنُ قَلْبَ مُؤْمِنٍ ؛ لَأَنَّ الْحَقُودَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ »(2)

3- قال(علیه السلام) : ( مَنْ حَفَدَ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِن وَضَرَّهُ كُنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُصَمَانِهِ »(3)

4 - قال (علیه السلام) : ( مَنْ يَأْتي اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي قَلْبِهِ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ حِقْدٌ ، لا يَدْخُلُ

الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ (4) .

ه - قال (علیه السلام) : « إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ بِعَدَدِ وَرَقِ الشَّجَرِ وَالثَّمَرِ ، إِلَّا مَنْ كانَ

حاقداً عَلى أَخِيهِ »(4)

وكثير من أمثال هذه الأحاديث أدلى بها الإمام الصادق الا في تحريم الحقد ؛ لأنه يبعث على العداوة والخصومة بين الناس ، ويفتح أبواب الشرّ بينهم .

2 - الحسد

الحسد من الأمراض النفسية التي حذر الإمام منها ، وقد أثرت عنه كوكبة من الأحاديث في ذمه ، وهذه بعضها :

1- قال (علیه السلام) : « الْحَسودُ عَدُوٌّ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ يَكْرَهُ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى»(5).

2- قال (علیه السلام) : « الْمُؤْمِنُ لَا يَكونُ حَسُوداً وَلَا حَقُوداً »(6)

3 - قال (علیه السلام): «آفَةُ الدِّينِ : الْحَسَدُ وَالْعُجْبُ وَالْفَخْرُ» (7)

4- قال (علیه السلام): « إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغْبِطُ وَلَا يَحْسِدُ ، وَالْمُنافِقُ يَحْسِدُ وَلَا يَغْبِطُ »(8)


1) حياة الإمام جعفر الصادق الله : 4 : 331 - 332 .

2) حياة الإمام جعفر الصادق الله : 4 : 331 - 332 .

3) حياة الإمام جعفر الصادق الله : 4 : 331 - 332 .

4) حياة الإمام جعفر الصادق الله : 4 : 331 - 332 .

5) الحكم الجعفرية : 36

6) الحكم الجعفرية : 36 .

7) جامع السعادات : 2 : 192 . .

8) جامع السعادات : 2 : 192 .

ه - قال (علیه السلام): « الحاسِدُ مُضِرٌ بِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَضُرَّ بِالْمَحْسودِ ، كَإِبْلِيسَ أُوْرِثَ بِحَسَدِهِ اللَّعْنَةَ ، وَلاَدَمَ الإِجْتِباءُ وَالْهُدَى وَالرَّفْعُ إِلَى مَحَلَّ حَقائِقِ الْعَهْدِ وَالإِصْطِفَاءِ ، فَكُنْ مَخسوداً وَلَا تَكُنْ حاسِداً ، فَإِنَّ مِيزانَ الْحاسِدِ أَبَداً خَفيف بثقل ميزانِ الْمَحْسُود ، وَالرِّزْقَ مَقْسُومٌ ، فَماذا يَنْفَعُ حَسَدَ الْحَاسِدِ ؟ وماذا يَضُرُّ الْمَحْسودَ وَالْحَسَد ؟ وَالْحَسَدُ أَصْلُهُ مِنْ عَمَى الْقَلْبِ ، وَالْجُحودِ بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى ، وَهُما جَناحَانِ لِلْكُفْرِ ، وَبِالْحَسَدِ وَقَعَ ابْنُ آدَمَ في حَسْرَةِ الأبَدِ ، وَهَلَكَ مَهْلَكاً لا يَنْجُو مِنْهُ أَبَداً ، وَلَا تَوْبَةَ لِلحَاسِد ؛ لأَنَّهُ مُصِرٌ عَلَيْهِ ، مُعْتَقِدٌ بِهِ ، مَطبوع فيهِ ، يَبْدو بِلَا مُعارِضِ بِهِ وَلَا سَبَبٍ ، وَالطَّبْعُ لَا يَتَغَيَّرُ عَنِ الْأَصْلِ وَإِنْ عُولِجَ » (1)

6 -قال (علیه السلام): « رُبَّ مَحْسودٍ عَلَى رَحَاءٍ وَهُوَ بَلَاؤُهُ ، وَرُبَّ مَرْحُومٍ مِنْ سَفَمٍ وَهُوَ شفاؤه»(2)

إلى غير ذلك من الأحاديث التي أثرت عن الإمام (علیه السلام)، وهي تحذر المسلمين من هذه الصفة الخبيثة التي مبعثها الشخ وفقر النفس والتكبر على خلق الله تعالى

3 - العجب

العجب بالمال والأولاد وغيرهما من متع الحياة الدنيا قد حاربها الإمام (علیه السلام)، وقد أثرت عنه كوكبة من الأحاديث في التحذير منه ، وهذه بعضها :

1 - قال(علیه السلام) : « مَنْ دَخَلَهُ الْعُجْبُ هَلَكَ »(3)

2 - قال (علیه السلام): « الْعَجَبُ كُلَّ الْعَجَبِ مِمَّنْ يَعْجَبُ بِعَمَلِهِ وَهُوَ لَا يَدْري بِما يُخْتَمُ لَهُ ، فَمَنْ أَعْجِبَ بِنَفْسِهِ وَفِعْلِهِ فَقَدْ ضَلَّ عَنْ نَهْجِ الرَّشادِ ، وَادَعَى مَا لَيْسَ لَهُ ، وَالْمُدَّعِي مِنْ


1) مصباح الشريعة : الباب 51 .

2) حياة الإمام جعفر الصادق الله : 4 : 332 .

3) بهجة المجالس : 1 : 439 .

غَيْرِ حَقٌّ كَاذِبٌ وَإِنْ أَخْفى دَعْواهُ ، وَطالَ دَهْرُهُ ، وَأَنَّ أَوَّلَ ما يُفْعَلُ بِالْمُعْجَبِ نَزْعُ ما أعْجِبَ ِبهِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ عاجِزٌ حَقيرٌ ، وَيَشْهَدَ عَلى نَفْسِهِ لِيَكونَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَوْكَدُ كَما فَعَلَ إِبْلِيسُ ، وَالْعُجْبُ نَباتٌ حَبُّهَا الْكُفْرُ ، وَأَرْضُها النّفاقُ ، وَماؤُها الْبَغْيُ ، وَأَغْصانُها الْجَهْلُ ، وَوَرَقُها الضَّلَالَةُ ، وَثَمَرُها اللَّعْنَةُ وَالْخُلودُ في النّارِ ، فَمَنْ اخْتارَ الْعُجْبَ فَقَدْ بَذَرَ الكُفْرَ ، وَزَرَعَ النّفاقَ ، وَلَا بُدَّ أنْ يُثْمِر »(1)

هذه بعض الأخبار التي أدلى بها الإمام (علیه السلام) ، وهي تحذر المسلمين من الاتصاف

بهذه الصفة الممقوتة التي تدعو إلى التكبر والغرور .

4 - التكبّر

التكبّر من الصفات الممقوتة والموجبة لغضب الله تعالى ، وقد أدلى الإمام (علیه السلام)بكوكبة من الأحاديث في التحذير منه ، كان منها :

قال (علیه السلام) : ( مَنْ تَكَبَّرَ عَلَى أَوْلِياءِ اللهِ تَعَالَى رَدَّهُ إِلَى الْوَراءِ ، وَقَرَنَهُ بِالْأَعْداءِ»(2)

2 - قال (علیه السلام) : «أَبْعَدُ النّاسِ مِنَ اللهِ تَعَالَى الْمُتَكَبِّرُونَ »(3)

3 -قال (علیه السلام) : « ما مِنْ رَجُلٍ تَكَبَّرَ أَوْ تَجَبَّرَ إِلَّا لِذِلَّةٍ وَجَدَها فِي نَفْسِهِ »(4).

وكثير من أمثال هذه الأحاديث أثرت عن الإمام (علیه السلام) ، وهي تحذر المسلمين من هذه الصفة الشريرة التي تؤدّي إلى احتقار الناس وسحق كرامتهم .

5 - الحرم

من الصفات الذميمة الحرص ، وقد حذر الإمام(علیه السلام) منه ، وقد أدلى بطائفة من


1) جامع السعادات : 1 : 326 .

2) حياة الإمام الصادق الله : 4 : 333 .

3) الغايات : 81 .

4) جامع السعادات : 1 : 351 .

الأحاديث ، وهذه بعضها :

1- قال(علیه السلام) : «الْمُؤْمِنُ مَنَزَّهُ عَنِ الْحِرْصِ عَلى ما لَيْسَ لَهُ »(1).

2- قال (علیه السلام) : « الْحَريصُ كَأَحْلَامِ النَّائمِ ، يَفْرَحُ بِها فِي مَنامِهِ ، وَيَكْثُرُ تَأَسُّفَهُ يَقْظَتِهِ ، أَوْ كَدودَةِ الْإِبْريسم الَّتي تَنْسِجُهُ عَلَى نَفْسِهَا لِقُوَّةِ حِرْصِها ، فَلَا تَزْدادُ إِلَّا سِجْناً ، وَمِنَ النَّجاةِ إِلَّا بُعْداً»(2)

3- قال : « إِنَّ فيما نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ مِنَ السَّماءِ ، لَوْ أَنَّ لَابْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ يَسيلانِ ذَهَباً وَفِضَّةٌ لابتغى لَهُما ثالثاً يابْنَ آدَمَ ، إِنَّما بَطْتُكَ بَحْرٌ مِنْ الْبُحور ، وَوادٍ مِنَ الْأَوْدِيَةِ لَا يَمْلَأُها شَيْءٌ إِلَّا التُّرابُ »(3).

4- قال (علیه السلام) : «أَغْنَى الْغِنى مَنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحِرْصِ أسيراً »(4).

إنّ الحرص داء خبيث ، وأنّ المبتلى به لا هم له إلا جمع المال من أي طريق ، وأنّ فكره مشغول بحب المال وجمعه حتى تطرحه الأرض إلى جوفها .

6 - البخل

البخل من الأمراض النفسية التي حذر منها الإمام ، وقد أثرت عنه كوكبة من

الأحاديث في ذمّه منها .

1 - قال (علیه السلام) : ( الْجَنَّةُ مُحَرَّمَةٌ عَلى كُلِّ بَخيل »(5)

2 - قال (علیه السلام) : وإِيَّاكُمْ وَالْبُخْل ، فَإِنَّهُ عاهَةً ، وَالْعاهَةً لا تَكونُ في مُؤْمِنٍ»(6)


1) الحكم الجعفرية : 33.

2) الحكم الجعفرية : 33.

3) حياة الإمام الصادق الله : 4 : 335 .

4) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر 2 206 .

5) الحكم الجعفرية : 27 .

6) الحكم الجعفرية : 27 .

قال (علیه السلام) : « إذا صَحَ الْإِيمَانُ انْتَزِعَ الْبُخْلُ كَما تُنْتَزَعُ الشَّعْرَةُ مِنْ جِلْدِها »(1)

4 - قال(علیه السلام) : « ما لبخيل دينٌ وَلَا مَوَدَّةً ، وَلَا يَقينٌ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْمُؤْمِنين»(2).

ه - قال(علیه السلام) : لَا يَنْفَعُ الْإِيمَانُ مَعَ الْبُخْل»(3)

6 - قال (علیه السلام) : « الْبُخْلُ جَهْلٌ ، وَقِلَةٌ مَعْرِفَةٍ بِالْخالِقِ الرّازِقِ»(4)

أرأيتم كيف حارب الإمام (علیه السلام) هذه الظاهرة الشريرة وحذر منها لأنها من أرذل النزعات، ومن أكثرها ضرراً على النّاس .

7 - الطمع

الطمع من أرذل النزعات، والمبتلى به بعيد عن الكرامة ، وقد حذر منه الإمام(علیه السلام) ، فقد قيل له : « ما الذي يثبت الإيمان في العبد ؟ » .

فانبرى قائلاً:

«الْوَرَعُ الَّذي يَخْرُجُ مِنْهُ الطَّمَع »(5)

إنّ المصاب بداء الطمع يفقد كلّ فعاليات التوكل على الله تعالى ، ويصرف همّه إلى ما في أيدي النّاس .

8 - الغرور

أراد الإمام (علیه السلام) أن يبني شخصيّة المسلم على الكمال والفضيلة ، ويجنّبه من الآثام التي منها الغرور ، انظروا إلى مقالته :


1) الحكم الجعفرية : 28 .

2) الحكم الجعفرية : 27 .

3) الحكم الجعفرية : 28.

4) الحكم الجعفرية : 28.

5) جامع السعادات : 2 : 106 .

«المَغْرُورُ في الدُّنْيا مِسكينٌ ، وَفِي الآخِرَةِ مَغْبون ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ الْأَفْضَلَ بِالأدْنى ، أَوَلَا تَعْجَبُ مِنْ نَفْسِكَ ، فَرُبَّمَا اغْتَرَرْتَ بِمالِكَ وَصِحَّةِ جَسَدِكَ لَعَلَّكَ تَبْقى ، وَرُبَّما اغْتَرَرْتَ بِطُولِ عُمُركَ ، وَأوْلادِكَ ، وَأَصْحابك ، لَعَلَّكَ تَنجو بِهِمْ ، وَرُبَّما اغْتَرَرْتَ بجَمالِكَ ، وَإصابَتِكَ مَأمولَك وَهَواكَ ، فَظَنَنْتَ أَنَّكَ صادِقٌ وَمُصيبٌ ، وَرُبَّما اغْتَرَرْتَ بما تَرى مِنَ النَّدَم عَلى تَقْصيرِكَ فِي الْعِبادَةِ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مِنْ قَلْبِكَ بِخِلَافِ ذلِكَ ، وَرُبَّما أَقَمْتَ نَفْسَكَ عَلَى الْعِبادَةِ مُتَكَلِّفاً ، وَاللهُ يُرِيدُ الإِخْلَاصَ ، وَرُبَّمَا افْتَخَرْتَ بِعِلْمِكَ وَنَسَبِكَ وَأَنْتَ عَافِلٌ عَنْ مُضْمَراتِ ما في غَيْبِ اللهِ تَعَالَى ، وَرُبَّما تَوَهُمْتَ أَنَّكَ تَدْعو اللهَ وَأَنْتَ تَدْعو سِواهُ ، وَرُبَّما حَسِبْتَ أَنَّكَ ناصِحٌ لِلْخَلْقِ ، وَأَنْتَ تُريدُهُم لِنَفْسِكَ أَنْ يَميلوا إِلَيْكَ ، وَرُبَّما ذَمَمْتَ نَفْسَكَ ، وَأَنْتَ تَمْدَحُها عَلَى الْحَقيقةِ »(1)

حكى هذا الحديث صور الغرور ودوافعه ، وحذر الإمام (علیه السلام) منها لأنها تبعد الإنسان عن خالقه العظيم .

9 - الغضب

أمّا الغضب فإنّه مفتاح كلّ شرّ ومصدر لكلّ موبقة . قال بعض علماء الأخلاق : الغضب شعلة نار اقتبست من نار الله تعالى الموقدة التي لا تطلع إلا على الأفئدة » .

إن الغضب يستر نور العقل ، ويضعف فعاليّاته ، ويؤدّي إلى الوقوع في المهالك كقتل النفس المحترمة وغيرها من الجرائم ، وقد شنّ الإمام الصادق(علیه السلام) للحملة شعواء . اسمعوا ما يقوله :

قال (علیه السلام): «الْغَضَبُ مِفْتاحُ كُلِّ شَرَّ »(2).


1) جامع السعادات : 3: 5 .

2) جامع السعادات : 1 : 290 . الخصال: 8.

2 - قال (علیه السلام): « الْغَضَبُ مَمْحَقَةٌ لِقَلْبِ الْحَكِيمِ »(1)

3- قال (علیه السلام) : « مَنْ لَمْ يَمْلِكُ غَضَبَهُ لَمْ يَمْلِكُ عَقْلَه »(2).

4 - قال (علیه السلام) : لَيْسَ مِنّا مَنْ إِذا غَضِبَ أَخْرَجَهُ غَضَبُهُ عَن الْحَقِّ »(3).

إنّ الغضب يلقي الإنسان في شرّ عظيم ، ويفتح له أبواب كل شر، ويجرده من إنسانيته ، ويلحقه بالوحوش الكاسرة .

10 - النفاق

أمّا النفاق فهو من أخطر الأمراض الاجتماعية ، فالمنافقون هم الذين يظهرون الطاعة ويبطنون التمرّد ، ويحيكون المؤمرات ، وقد تناولهم الإمام الصادق (علیه السلام) بالدم والقدح ، ولنستمع إلى ما قاله :

1- قال (علیه السلام) : « مَنْ كَثرَ نِفَاقُهُ عَمِيَ قَلْبُهُ عَنْ رُشْدِهِ ، وَهانَ عَلَى الْخُلْقِ شَخْصه »(4).

2 - قال (علیه السلام) : « ما نَافَقَ أَحَدٌ قَطَّ وَرَضِيَ اللهُ بِعَمَلِهِ »(5)

3- قال (علیه السلام) : « مَنْ لَقِيَ الْمُؤْمِنِينَ بِوَجْهِ ، وَعَابَهُم بِوَجْهِ أَتَىٰ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ لِسانانِ

مِنْ نارٍ»(6).

4- قال (علیه السلام): « الْمُنافِقُ في دينِ اللهِ كَالسّارِقُ فِي حَرَمِ اللهِ»(7)

إنّ النفاق من أرذل الصفات، والمنافق ليس له ضمير ولا ذمة ، وهو في الدرك الأسفل من النّار:


1) جامع السعادات : 1 : 290 .

2) جامع السعادات : 1 : 290

3) الحكم الجعفرية : 54 .

4) المصدر المتقدم : 45 .

5) المصدر المتقدم : 45 .

6) الاختصاص : 25 .

7) الحكم الجعفرية : 42 .

11 - السفه

من معالي أخلاق الإمام أنّه أهاب بالمسلم أن يكون سفيهاً، وهذه شذرات من أحاديثه في ذم السفه:

1- قال(علیه السلام) : الْمُؤْمِنُ بَرَى مِنَ السَّفَه »(1).

2 - قال(علیه السلام) : « السَّفَهُ مِنْ أَبْوابِ جَهَنَّم »(2)

3- قال (علیه السلام): والسَّفَهُ ضِدُّ النُّور »(3).

وكثير من أمثال هذه الأحاديث من الإمام (علیه السلام) وهي تحذر من هذه الصفة، ومن الجدير بالذكر أنّ السفيه يمنع من التصرف في أمواله ويحجر عليه صيانة لأمواله من الدمار.

12 - الغيبة

أما الغيبة فهي من أفحش المحرمات ؛ لأنها تشيع الفحشاء والمنكر بين المسلمين ، وتهدم الروابط الاجتماعية التي تبنّاها الإسلام ، وهذه بعض الأخبار التي وردت عن الإمام الصادق (علیه السلام) في ذمها والتحذير منها

1- قال (علیه السلام): «مَنْ قالَ فِي مُؤْمِن ما رَأَتْهُ عَيْنَاهُ وَسَمِعَتْهُ أذْناهُ فَهُوَ مِنَ الَّذينَ قالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ »(4(5).)


1) الحكم الجعفرية : 34 .

2) الحكم الجعفرية : 34 .

3) الحكم الجعفرية : 49 .

4) النور 24 19.

5) أصول الكافي : 2 : 266 .

2 - قال (علیه السلام : « الْغَيبَةُ حَرامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، وَأَنَّهَا لَتَأْكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ الْحَطَبُ)اليابس »(1)3- قال (علیه السلام : ( مَنْ رَوى عَلَى مُؤْمِنٍ رِوايَةٌ يُريدُ بِها شَيْنَهُ وَهَدْمَ مُروءَتِهِ لِيَسْقُطُ مِنْ)أَعْيُنِ النَّاسِ أَخْرَجَهُ اللهُ مِنْ وِلَايَتِهِ إِلَى وِلَايَةِ الشَّيْطَانِ»(2)4 - قال (علیه السلام : ( مَنِ اغْتابَ مُؤْمِناً بِما لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ قَتَلَهُ ، وَمَنِ اغْتَابَهُ بِمَا هُوَ فِيهِ فَقَدْ)بَهَتَهُ ، وَمَنْ بَهَتَ مُؤْمِناً فَقَدْ حارَبَ اللهَ وَرَسولَه »(3)إنّ غيبة الإنسان المسلم من الجرائم التي شدّد الإسلام على مقترفها بالعذاب الدائم .13 - النميمةمن الصفات الممقوتة : النميمة ، وقد حذر منها الإمام الصادق (علیه السلام ، وهذه بعض الأخبار التى أثرت عنه :)1 - قال (علیه السلام : « مَنْ نَمَّ أَخَاهُ بَلَاهُ اللَّهُ بِضُرٍّ يَعْتَرِيهِ»(4))2- قال (علیه السلام : ما نَمَّ أَحَدٌ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ إِلَّا وَقَدْ أَبْعَدَهُ اللهُ ، وَنَجا ذلِكَ الْمُؤْمِنُ)مِنْ شَرِّ نَمِيمَتِهِ ، وَكَفَاهُ عَائِلَتَهُ »(5)3- قال (علیه السلام : « إِيَّاكُم وَعِشْرَةَ النَّمَامِ ، فَإِنَّهُ يَقولُ الزّورَ ، وَيَحْمِلُ الْإِنْكَ ، وَيُفَرِّقُ)الشَّمْلَ ، فَهُوَ طولَ عُمُرِهِ بِغَيْرِ رُشْد »(6)4 - قال(علیه السلام : «لَا يَنِمُّ مُسْلِمٌ عَبْداً يَقُولُ : اللهُ أَحَد»(7))


1) حياة الإمام جعفر الصادق الملا : 4 : 340 .

2) أصول الكافي : 2 : 267 .

3) الحكم الجعفرية : 39 .

4) الحكم الجعفرية : 40 .

5) الحكم الجعفرية : 40 .

6) الحكم الجعفرية : 40 .

7) الحكم الجعفرية : 40 .

إنّ النمّام خبيث فاسق يتسلّح بالكذب ، ويفرّق بين المسلمين ويلقي العداوة والبغضاء بينهم .14 - الشماتةأمّا الشماتة فهي وليدة العداء والحسد ، وكلاهما قد حرمهما الإسلام وقد ذمّها الإمام الصادق(علیه السلام في بعض أحاديثه ، منها :)1- قال (علیه السلام : لا تبدى الشَّمانَةَ لأخيك فَيَرْحَمَهُ اللهُ تَعَالَى وَيُحِلُّها بِك »(1))2 - قال (علیه السلام: « مَنْ شَمَتَ بِمُصيبَةٍ نَزَلَتْ بِأَخِيهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيا حَتَّى يُفْتَتَن »(2).)وهكذا كان الإمام (علیه السلام يحذر المسلمين من كلّ نزعة شريرة وصفة ممقوتة ليبنوا حياتهم على الفضيلة ومعالي الأخلاق .)15 - المراء والجدلالمراء هو الطعن في كلام الغير، وباعثه تحقيره وإهانته ، أو إظهار التفوّق عليه . وأما الجدال فهو الدّجاج في الكلام ، وسببه الحسد أو العداوة ، وكلاهما مما حرّمه الإسلام ، وقد نهى الإمام الصادق (علیه السلامعنهما ، وهذه بعض أحاديثه فيهما :)1- قال (علیه السلام: لا تُمَارِيَنَّ حَليماً ، وَلَا سَفيها ، فَإِنَّ الْحَلِيمَ يَغْلِبُكَ ، وَالسَّفية يُؤذيك »(3))2- قال(علیه السلام : ( إِيَّاكُم وَالْمُشادَّةَ ، فَإِنَّها تُورِثُ الْمَعَرَّةَ ، وَتُظْهِرُ العَوْرَةَ»(4))3-قال (علیه السلام: ( الجدال يُميتُ الْمَوَدَّةَ »(5))


1) أصول الكافي : 2 : 267 .

2) أصول الكافي : 2 : 267 .

3) جامع السعادات : 2: 280 .

4) جامع السعادات : 2: 280 .

5) حياة الإمام جعفر الصادق الله : 4 : 342 .

4- قال (علیه السلام : « إِيَّاكُم وَالْخُصومَةَ ، فَإِنَّها تَشْغَلُ الْقَلْبَ ، وَتُورِثُ النِّفاقَ ، وَتَكْسِبُ الضَّعَائِنَ »(1))إن الإسلام أقام مجتمعاً رفيعاً قائماً على المحبة والألفة والمودة ، وأما الجدل والخصومة يورثان العداوة والبغضاء بين المسلمين.16 - البهتانمن الصفات الممقوتة : البهتان ، وهو أن يقول الإنسان المسلم في أخيه ما ليس فيه ، وهو أشدّ إثماً من الغيبة والكذب . قال تعالى : ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً (2). وقد حذر الإمام الصادق(علیه السلام) منه ، قال :)«مَنْ بَهَتَ مُؤْمِناً أَوْ مُؤْمِنَةٌ بِما لَيْسَ فِيهِ ، بَعَثَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي طَيئَةِ خَبَالٍ حَتَّىٰ يَخْرُجَ مِمَا قالَ ».وسئل الإمام : « ما طينة الخبال ؟ » .فأجاب : « صَديدٌ يَخْرُجُ مِنْ فُروج الْمُومِساتِ»(3)إنّ البهتان إثم وظلم للغير ، فلذا حرّمه الإسلام وشدّد الإمام على منعه والتحذير منه.17 - البغىأمّا البغي فهو ظلم واعتداء على الغير، وهو محرّم في الإسلام ، وقد حذّر


1) تاريخ الإسلام : 6 48 تذكرة الحفاظ : 1 : 158 . 6: .

2) النساء 4 112 .

3) جامع السعادات : 2 : 310 .

الإمام الصادق(علیه السلام منه ، وشدّد على استئصاله . اسمعوا ما قاله :)1 - قال (علیه السلام : « البَغْيُ أَسْرَعُ الذُّنُوبِ عِقاباً »(1))2- قال (علیه السلام: «البَغْيُ مَصْرَعُ السُّوءِ »(2))قال (علیه السلام: « بِئْسَ الزَّادُ الْعُدوانُ عَلَى الْعِبادِ »(3))إنّ البغي من أفحش المحرمات التي توجب شيوعه نشر الظلم والفساد بين النّاس .18 - الظلمالظلم من أقبح المحرّمات التي قاومها الإسلام، فلعن الظلم والظالمين ، وشدّد في عقابهم ، وقد أثرت عن إمام الهدى الصادق (علیه السلام كوكبة من الأحاديث في ذمّ الظلم والتحذير من اقترافه ، وهذه بعضها :)1- قال (علیه السلام: « ما مِنْ مَظْلَمَةٍ أَشَدُّ مِنْ مَظْلَمَةٍ لَا يَجِدُ صاحِبُها عَلَيْها عَوْناً إِلَّا اللَّهَ تعالى »(4))2 - قال (علیه السلام: « مَنْ أَكَلَ مالَ أَخِيهِ ظُلْماً وَلَمْ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ أَكَلَ جَذْوَةٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيامَةِ »(5).)3- قال(علیه السلام : ( إنَّ اللهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيانِهِ فِي مَمْلَكَةِ جَبَّارِ مِنَ الْجَبَارِينَ أَنِ انْتِ هَذَا الْجَبَارَ فَقُلْ لَهُ : إِنِّي لَمْ أَسْتَعْمِلْكَ عَلى سَفْكِ الدِّمَاءِ ، وَاتَّخاذِ الْأَمْوَالِ ، وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلْتُكَ لِتَكُفَّ عَنِّي أَصْوَاتَ الْمَظْلُومِينَ ، فَإِنِّي لَمْ أَدَعْ ظُلَامَتَهُم وَإِنْ كَانُوا كُفَّاراً »(6).)


1) الحكم الجعفرية : .

2) الحكم الجعفرية : .

3) الحكم الجعفرية :.

4) أصول الكافي : 2 : 249.

5) جامع السعادات : 2 : 217 .

6) أصول الكافي : 2 : 250 .

4 - قال (علیه السلام: « مَنْ ظَلَمَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَنْ يَظْلِمُه »(1))ه - قال(علیه السلام : ( الْعامِلُ بِالظُّلم ، وَالْمُعِينُ لَهُ ، وَالرّاضِي بِهِ شُرَكاءُ ثَلَاثَتُهُم»(2))6- قال(علیه السلام : « مَنْ عَذَرَ ظَالِماً بِظُلْمِهِ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِ مَنْ يَظْلِمُهُ ، فَإِنْ دَعَا لَهُ لَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ ، وَلَمْ يَأْجُرْهُ اللهُ عَلى ظُلَامَتِه »(3))هذه بعض الأخبار التي وردت عن سليل النبوة، وهي تشجب الظلم ، وتذمّ الظالمين الذين هم ذئاب المجتمع ، وتتوعدهم بنار جهنم .19 - الرياءمن الصفات التي يمقتها الإسلام الرياء الذي لا يملك صاحبه ضميراً حياً یخشی الله تعالى ، فإنّه يعمل الخير لا للخير ، ولا لوجه الله تعالى ، وإنما يعمله ليراه النّاس صالحاً ، وقد تظافرت الأخبار عن الإمام الصادق الا الله في ذمه والتحذير منه ، وهذه بعضها :1- قال (علیه السلام: «قالَ اللهُ تعالى : أَنا خَيْرُ شَرِيكٍ ، مَنْ أَشْرَكَ مَعَى غَيْرِي فِي عَمِلَهُ لَمْ أَقْبَلْهُ إِلَّا ما كانَ خالِصاً لي»(4))2 - قال (علیه السلام : «كُلُّ رِياءِ شِرْكٌ ، إِنَّهُ مِنْ عَمِلَ لِلنَّاسِ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى النَّاسِ ، وَمَنْ عَمِلَ)لهِ تَعالى كانَ ثَوابُهُ عَلَى اللهِ تعالى»(5.)3- قال : « الرَّجُلُ يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الثَّوابِ لَا يَطْلُبُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى ، إِنَّمَا يَطْلُبُ تَزْكِيَةَ النَّاسِ ، يَشْتَهِي أَنْ يَسْمَعَ بِهِ النَّاسُ ، فَهذا الَّذِي أَشْرَكَ بِعِبادَةِ رَبِّهِ »(6.)


1) جامع السعادات : 2 : 217 .

2) جامع السعادات : 2 : 217 .

3) جامع السعادات : 2 : 217 .

4) أصول الكافي : 2 : 223 ، باب الرياء.

5) بحار الأنوار : 15: 43 .

6) حياة الإمام جعفر الصادق الملا : 5 : 345 .

4 - قال (علیه السلام: « مَا يَصْنَعُ أَحَدُكُم أَنْ يُظْهِرَ حُسْناً ، وَيُسِرَّ سَيِّئاً أَلَيْسَ يَرْجَعُ إِلَى نَفْسِهِ)فَيَعْلَمَ أَنَّ ذلِكَ لَيْسَ كَذلِكَ ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (1)إِنَّ السَّرِيرَةَ إِذا صَحَتْ قَوبَتِ الْعَلَانِيَةُ »(2))ه - قال (علیه السلام: « مَنْ أَرادَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِالْقَلِيلِ مِنْ عَمَلِهِ أَظْهَرَ اللَّهُ لَهُ أَكْثَرَ مِمَّا أَرادَهُ بِهِ ، وَمَنْ أَرادَ النَّاسَ بِالْكَثِيرِ مِنْ عَمَلِهِ فِي تَعَبٍ مِنْ بَدَنِهِ ، وَسَهْرٍ مِنْ لَيْلِهِ أَبَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا أَنْ يُقَلِّلَهُ فِي عَيْنِ مَنْ سَمِعَهُ »(3))6- قال (علیه السلام : العباد البصري - وكان مبتلى بالرياء - : « وَيْلَكَ يا عَبَادُ ، إِيَّاكَ وَالرِّياءَ ، فَإِنَّهُ مِنْ عَمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَهُ اللهُ إِلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ »(4))قال (علیه السلام: «اجْعَلُوا أَمْرَكُم هذا اللهِ ، وَلَا تَجْعَلُوهُ لِلنَّاسِ ، فَإِنَّهُ مَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ لِلَّهِ ، وما كانَ لِلنَّاسِ فَهُوَ لَا يَصْعَدُ الله»(5))الرياء حسب هذه الأخبار وغيرها مما ورد عن أئمة الهدى (علیهم السلام مفسد للعمل ، فقد أجمع الفقهاء على أن الرياء إذا دخل في العبادة أفسدها ، ولا بد أن تكون النية فيها خالصة لوجه الله تعالى .)الرياء أمر وهمي لا بد أن ينكشف ، وتظهر حقيقة الحال . يقول أبو الحسن التهامي :ثوبُ الرّياءِ يَسْفُ عَمّا تحتَهُ *** وَإِذا التَحقِّتَ بِهِ فَإِنَّكَ عَارِ20 - الخيانةمن أفحش الصفات المنكرة وأقذرها : الخيانة ، وقد حذر منها الإمام(علیه السلام)


1) القيامة 75: 14 .

2) جامع السعادات : 2 : 373.

3) جامع السعادات : 2 : 373.

4) جامع السعادات : 2 : 373.

5) جامع السعادات : 2 : 373.

في كوكبة من أحاديثه ، منها :1 - قال(علیه السلام: « ما نَجا خائِنٌ ، وَلَا فَازَ مَهِينٌ ، وَلَا يُغْنِي اللهُ بَخيلاً»(1))2 - قال (علیه السلام : ( الْخائِنُ وَالْمَهِينُ عَدُوٌّ نَفْسِهِ »(2))إنّ الخيانة تنم عن ضمير عفن لا عهد له بالشرف والكرامة ، ولاصلة له بالمبادئ الرفيعة ، والخيانة بمفومها الواسع ، سواء أكانت للوطن أم للأُمة أم للفرد ، لا تصدر إلا من السفلة والأشرار.21 - الغشّ والخداعوحرّم الإسلام الغش والخداع ؛ لأنهما من رذائل الصفات ، وقد شنّ الإمام حملة شعواء على من اتصف بهما ، وهذه بعض أحاديثه :1 - قال (علیه السلام : « مَنْ غَضَّ أَخاهُ فَلَيْسَ مِنّا »(3).)-2- قال (علیه السلام: «أضدادُ الْمُؤْمِنينَ خادِعُوهُم .»(4).)3 - قال (علیه السلام : « عَدُوٌّ الْحَقِّ مَنْ لَمْ يَنْصَح أَهْلَ الْحَقِّ »(5).)4- قال (علیه السلام: « مَنْ غَضَّ أَخاهُ وَأَخْفاهُ النَّصِيحَةَ بُدِّلَ ما فيهِ مِنْ خَيْرِ إِلى شَرَّ »(6))5- قال : مَنْ اسْتُشيرَ وَأَشَارَ بِغَيْرِ الصَّوابِ سَلَبَهُ اللهُ الرَّأْي السديد»(7)إن الغش والخداع إنما يقدم عليهما من لا صلة له بالله ، ولا يؤمن باليوم الآخر.


1) الحكم الجعفرية : 29.

2) الحكم الجعفرية : 29 .

3) الحكم الجعفرية : 31 .

4) الحكم الجعفرية : 31 .

5) الحكم الجعفرية : 31 .

6) حياة الإمام جعفر الصادق الا الله : 4 : 347 .

7) حياة الإمام جعفر الصادق الا الله : 4 : 347 .

22 - العصبيةمن الصفات التي حاربها الإسلام العصبية القومية ، وهي أنه يرى الرجل العنصر الذي ينتمي إليه من أفضل أنواع الجنس البشري ، ويعين قومه على الباطل أما حبّ الرجل لعنصره فهذا ليس من العصبية في شيء.وقد ذمّ الإمام الصادقال(علیه السلام هذه الظاهرة بقوله :)«إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّ إِبْلِيسَ مِنْهُم ، وَكانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُم ، فَاسْتَخْرَجَ ما في نَفْسِهِ بِالْحَمِيَّةِ وَالْغَضَبِ، فقالَ : خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طين (1)(2) إنّ العصبية القومية قد أشعلت نار الحروب في الأرض ، وألقت النّاس في شرّ عظيم ، فلذا مقتها حماة الإسلام.

23 - الشؤم

الشؤم من الصفات الممقوتة ، وهي أن يتشاءم الإنسان في جميع أموره وأحواله ، ولا يكون متفائلاً، وهو ينشأ من تراكم العقد النفسيّة عند الإنسان ممّا يجعله مصاباً بهذا الداء ، وقد بيّن الإمام الله في بعض أحاديثه بعض صور الشؤم بقوله : «السُّومُ في ثَلَاثَةٍ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّابَّةِ وَالدّارِ ، فَأَمَا شُومُ الْمَرْأَةِ فَكَثْرَةُ مَهْرِها وَعُقوقُ زَوْجِها ، وَأَما الدَّابَّةُ فَسُوهُ خُلُقِها وَمَنْعُها ظَهْرَها ، وَأَمَّا الدَّارُ فَضِيقُ سَاحَتِها وَسُوه چيرانِها وَ كَثرَةُ عُيوبها»(3)

وقد شجب الإمام (علیه السلام) في بعض أحاديثه مطلق الشؤم ، ودعا الإنسان أن يكون


1) الأعراف 7 : 12 .

2) جامع السعادات : 1 : 371 .

3) الاثنى عشرية : 29 .

متفائلاً ومتفاعلاً في جميع أدوار حياته

24 - الضجر والقلق

نهى الإمام عن الضجر والقلق ؛ لأنهما يؤديان إلى ضعف الشخصيّة وانهيارها . قال(علیه السلام) : ولا تَكُنْ ضَجِراً وَلَا قَلِقاً ، وَذَلَّلْ نَفْسَكَ بِاحْتِمَالِ مَنْ خَالَفَكَ مِمَّنْ هُوَ فَوْقَكَ مِمَّنْ لَهُ الْفَضْلُ عَلَيْكَ »(1)

إن الضجر والقلق يؤديان إلى انفصام الشخصية الذي هو من أخطر الأمراض النفسية

25 - الكسل

حذر الإمام (علیه السلام) من الكسل في جميع الأعمال ، واعتبره مفتاحاً لكل شرٍّ . قال(علیه السلام) : «وأوصانى أبى بِقَوْلِهِ : يا بُنَيَّ ، إِيَّاكَ وَالْكَسَلَ وَالشَّجَرَ، فَإِنَّهُما مِفْتَاحُ كُلُّ

له أَبِي يا يا شَرٌّ . إِنَّكَ إِنْ كَسَلْتَ لم تؤد حقاً ، وَإِنْ ضَجَرْتَ لَمْ تَصْبِرُ عَلى حَقٌّ »(2).

إنّ الكسل يؤدّي إلى ضعف اقتصاد الأمة ، وعدم تنمية دخل الفرد ، ويوجب ركود الاقتصاد في البلاد ، وشيوع البطالة بين المواطنين .

26 - الذلّ

أهاب الإمام الصادق(علیه السلام) بالمسلم من أن يكون ذليلاً ، وأراد له العزة والكرامة .

قال: «احْذَروا الذُّلَّ ، فَإِنَّهُ فِعْلُ الشَّيْطانِ »(3)


1) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر : 2 : 153 .

2) آداب النفس : 1 : 220 .

3) الحكم الجعفرية : 29 .

وأكد الإمام مرّة أخرى على ضرورة التحلي بالعزة .

قال (علیه السلام) : « عَلَيْكُم بِالنَّجَملِ ، وَاحْذَرُوا الذُّل »(1)

إنّ الذل يؤدّي إلى احتقار الإنسان ، وانعدام شخصيّته ، وهو يتنافى مع ما ينشده الإسلام من العزة للمسلمين

27 - الكذب

الكذب من أفحش المحرّمات وأخبثها في الإسلام، وتتضاعف حرمته في الكذب على الله تعالى ، وعلى نبيه ، وعلى الأئمة المعصومين(علیهم السلام) ، وقد أفتى الفقهاء بأنّه من جملة المفطرات للصوم مستندين في ذلك إلى ما روي عن الإمام الصادق (علیه السلام) ، حيث قال :

«إِنَّ الْكِذْبَةَ لَتَفَطَّرُ الصَّائِمَ». فاستعظم الراوي ذلك ، ظاناً أن الإمام أفتى بأنّ الكذب على إطلاقه من المفطرات ، فقال : «لَيْسَ حَيْثُ ذَهَبْتَ ، إِنَّمَا الْكَذِبُ عَلَى الله تعالى ، وَعَلى رَسُولِهِ ، وَعَلَى الأئمة (علیهم السلام)(2)

وهو من كبائر الذنوب حسب ما نص عليه الإمام الصادق (علیه السلام) بقوله : «الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ ، وَعَلَى رَسُولِهِ ، وَعَلَى الْأَوْصِياءِ مِنَ الْكَبَائِرِ »(3)

ويستثنى من الكذب المحرّم الكذب لدفع مضرّة ، أو لإصلاح ذات البين ، وقد قيل للإمام الصادق (علیه السلام) :

«ربّما نكذب مع الظلمة مخافة شرّهم ، أفناثم ؟ »

فقال : « بَلْ يُثيبُكُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ »(4)


1) حياة الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) : 4 : 349 .

2) جامع السعادات : 2 : 319 .

3) جامع السعادات : 2 : 319 .

4) تحسين التقبيح وتقبيح الحسن / الثعالبي : 8.

28- عقوق الوالدین

من الخصال التي تتنافى مع مكارم الأخلاق عقوق الوالدين ، فقد أوجب الله تعالى طاعتهما على عباده . قال تعالى : وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً (1))وقال: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً (2))وحت الإمام الله على البر بالوالدين ، ولزوم طاعتهما ، وكان مما أثر عنه في ذلك ما يلي :1- سأله رجل عن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى ، فقال : « الصَّلَاةُ لِوَقْتِها ، وَبِرُ الْوالِدَينِ ، وَالْجِهادُ فِي سَبيلِ اللَّهِ تَعالى»(3.)2 - روى الإمام الصادق ، عن جده رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم: أَنَّ أُخْتاً لَهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ أَتَتْهُ فَسُرَّ بِها ، وَبَسَطَ مِلْحَفَتَهُ لَها ، وَأَجْلَسَها عَلَيْها ، وأَقْبَلَ يُحَدِّثها بِحَفاوَةٍ وَتَكْريم ، ثم انصرفت ، وأقبل أخوها فلم يعن به كما عُني بأخته ، فقيل له : « يا رسول الله ، صنعت بأخته ما لم تصنع به، وهو رجل ؟ ، فقال(صلی الله علیه وآله وسلم) : «إِنَّهَا كَانَتْ أَبَرَّ بِوَالِدَيْها مِنْه»(4).)3- قال له رجل : « إنّ أبي رجل كبير وضعيف ، فنحن نحمله إذا أراد الحاجة ، فقال(علیه السلام : « إِنِ اسْتَطَعْتَ فَافْعَلْ ذلِكَ ، وَلَقِّمْهُ بيَدِكَ ، أي أعطه الطعام بيدك « فَإِنَّهُ جُنَّةٌ لك غداً »(5))وكثير من أمثال هذه الأحاديث أدلى بها الإمام ، وهي تلزم الإنسان المسلم برعاية


1) الإسراء 17 24 .

2) النساء 4 36 .

3) جامع السعادات : 2 : 260 .

4) جامع السعادات : 2 : 260 .

5) جامع السعادات : 2 : 260 .

أبويه والبر بهما ، ولا شبهة أن عقوقهما من كبائر الذنوب ومن أمهات المعاصي .29 - جحد الإحسانمن الخصال الذميمة التي حذر الإمام الصادق (علیه السلام عنها إنكار المعروف وجحد الإحسان ، فقد قال (علیه السلام) :)«على جاحِدِ الْإِحْسانِ اللَّعْنَةُ »(1.)إن جحود الإحسان قطع لسبل المعروف ، وسدّ لأبواب البرّ .هذه بعض الأحاديث التي أثرت عن سليل النبوّة في النهي عن اقتراف الصفات الذميمة ، ونهيب بالمسلم أن يكون مثلاً أعلى للفضيلة ، وأن يكون قدوة حسنه في سلوكه ومحاسن أعماله### مكارم اخلاقةكان الإمام الصادق (علیه السلام آية من آيات الله تعالى في سمو أخلاقه ، وكان امتداداً لأخلاق جده الرسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) الذي امتاز على سائر النبيين بمعالي أخلاقه ، وهذه شذرات من سموّ آدابه وأخلاقه :)1 - التواضعالتواضع من الصفات البارزة في أخلاق الإمام الصادق(علیه السلام ، فكان من تواضعه أنه يمقت العظمة ويشجب التكبّر ، وقد قال لرجل : « مَنْ سَيِّدُ قَبِيلَتِكَ ؟ » ، فقال : أنا » ، فأنكر ذلك الإمام وقال له : « لَوْ كُنْتَ سَيْدَهُم ما قُلْتَ أنا »(2).)


1) الحكم الجعفرية : 46 .

2) الطبقات الكبرى : 1 : 32 .

ومن تواضعه أنّه كان يرفض الجلوس على الفرش الفاخرة ، ويجلس على الحصير (1)إنّ التواضع من أبرز صفاته وسماته ، فقد جافي التكبر على خلق الله تعالى ، وكان يرى ذلك من أفحش الصفات التي تهبط بالإنسان إلى مستوى سحيق ، وقد روى المؤرّخون أنّ رجلاً كان يلازم الإمام (علیه السلام فافتقده فسأل عنه فبادر رجل مستهيناً به قائلاً: «إنّه نبطي ».)فردّ عليه الإمام قائلاً:«أَصْلُ الرَّجُلِ عَقْلُهُ ، وَحَسَبُهُ دينُهُ ، وَكَرَمُهُ تَقْواهُ ، وَالنَّاسُ فِي آدَمَ مُسْتَوون (2)إنّ التواضع ونكران الذات من أبرز سماته وطباعه ، فقد مقت العظمة والتكبّر ،وآمن أنّهما من صفات الواحد القهار ولا يشاركه أي أحد فيها .2 - الصبرومن معالي أخلاقه الصبر على المحن التي ابتلي بها أيام الحكم الأموي الذي استهدف انتقاص أهل البيت ، فجعل سبهم من فرائض الدين ، وتتبع شيعة أهل البيت(علیهم السلام قتلاً وسجناً ومطاردة ، رأى الإمام ذلك وقد ملئت نفسه أسى وحزناً ، ولما انقرضت الدولة الأموية وتسلّم الحكم بنو العباس صبّوا على العلويين جميع ألوان العذاب والاضطهاد ، وجرّعوهم نغب التهام ، وكان حكمهم على العلويين أقسى من حكم الأمويين حتى قال الشاعر :)تاللهِ ما فَعَلَتْ أُمَيَّةُ فِيهِمُ *** مِعْشارُ ما فَعَلتْ بَنو العبّاسِفقد أجرم المنصور الدوانيقي بدفن العلويين وهم أحياء وهدم السجن عليهم ،


1) النجوم الزاهرة : 5 : 176 .

2) حياة الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) : 1 : 66 .

وارتكب من الفضائع ما لا نظير لها في قسوتها وفضاعتها .لقد رأى الإمام الصادق لا الهلال المحن الشاقة التي أحاطت بالسادة العلويين أيّام المنصور الدوانيقي الذي لم يعرف الرحمة والرأفة ، وتجرّدت نفسه من كلّ نزعة شريفة ، وقد أحاط الإمام بقوى الأمن التي تحصي عليه أنفاسه ، وقابله بالشدّة والصرامة ، فصبر الإمام الله على هذه المحن والخطوب .ومن صبره أنه لما توفّي ولده إسماعيل ، وكان من أعز أبنائه وذلك لتقواه وورعه وعلمه وأدبه ، دعا الإمام أصحابه فقدّم لهم مائدة فيها أفخر الأطعمة ، فقال بعض أصحابه : « يا سيدي ، لا أرى عليك أثراً من آثار الحزن على ولدك ؟ » ، فأجابه (علیه السلام :)« ما لي لا أكونُ كما تَرَوْنَ وَقَدْ جاءَ في خَبَرِ أَصْدَقِ الصادقين - يعني جدّه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم - أَنَّهُ قالَ لِأَصْحَابِهِ : إِنّى مَيِّتْ وَإِيَّاكُم »(1))3 - السخاءكان الإمام الصادق(علیه السلام من أندى النّاس كفّاً ، وكان يجود بما عنده لانعاش الفقراء ، وقد نقل الرواة بوادر كثيرة من كرمه ، كان منها :)1- دخل عليه أشجع السلمي فوجده مريضاً ، فقال له الإمام :«اذْكُرُ ما جِئْتَ لَهُ ؟ »فقال :ألبك الله مِنْهُ عافية *** في نومك المعتري وفي أَرقِكيُخرجُ مِنْ جِسْمكَ السَّقام *** كَما أَخرجَ ذُلَّ السُّؤالِ مِنْ عُنُقِكوفي الشطر الأخير من البيت الثاني فيه تلويح بحاجته ، وهو من لطائف البيان ، وعرف الإمام حاجته ، فقال لغلامه :


1) الإمام جعفر الصادق(علیه السلام) : 49 .

« أَيُّ شَيْءٍ مَعَكَ ؟ » .فقال : « أربعمائة » ، فأمره بإعطائها له(1)2 - وفد عليه المفضّل بن قيس بن رمانة وهو من خيار أصحابه ، فشكا إليه ضعف حاله ، وسأله الدعاء ، فقال (علیه السلام الجاريته :)«هات الكيسَ الَّذي فيهِ أَرْبَعْمانَةِ دينار ، فجاءته به ، فأعطاه له ، وقال له : اسْتَعِنْ بِهِ » ، فقال المفضّل : « لا والله جعلت فداك ما أردت هذا ، ولكن أردت الدعاء » .)فقال(علیه السلام : ولا أَدَعُ الدُّعاءَ لَكَ »(2))3- ومن برّه وجوده أنّه كان له ضيعة قرب المدينة تسمّى« رعين زياد » فيها نخل كثير ، فإذا نضج التمر أمر الوكلاء أن يثلموا في حيطانها ثلماً ليدخل الناس ويأكلوا من التمر (3، وكان يأمر لجيران الضيعة الذين لا يقدرون على المجيء ، كالشيخ والعجوز والمريض لكلّ واحد منهم بمُدَّ من التمر ، وما بقي منه يأمر بحمله إلى المدينة فيفرّق أكثره على الضعفاء والمستحقين ، وكانت قيمة التمر الذي تنتجه الضيعة أربعة آلاف دينار، فينفق ثلاثة آلاف دينار، ويبقى له ألفاً(4))4 - من بوادر كرمه أنه كان يطعم الفقراء ويكسوهم حتى لا يبقى لعياله أي شيء (5)5-ومن بره للفقراء أنّ رجلاً اجتاز عليه فلم يسلّم ، وكان يتغدى ، فدعاه الإمام إلى تناول الطعام ، فقال له بعض الحاضرين :


1) مناقب آل أبي طالب : 4 : 345 . أمالي الطوسي : 1 : 287 .

2) رجال الكشي : 121 .

3) الإمام جعفر الصادق الا : 47 .

4) الإمام جعفر الصادق الا : 47 .

5) تاريخ الإسلام :6 45 مرآة الزمان : 6 160 . تهذيب الكمال : 5 : 87 .

«السنّة أن يسلّم ثمّ يُدعى ، وقد ترك السلام على عمد » ، فقابله الإمام ببسمات ، وقال له : «هذا فَقُةٌ عراقي فيهِ بُخْل» (1.)لقد كان الكرم ذاتيّاً من ذاتيّاته وعنصراً من عناصره ، فلم ير للمال قيمة سوى أن يطعم به الفقراء ويكسو به العراة4 - صدقاته (علیه السلام في السرّ)أما الصدقات في السرّ وفي غلس الليل ، فكانت من مناهج أئمّة أهل البيت (علیهم السلام ؛ لأنها من الأعمال الخالصة لله تعالى لا يشوبها أي غرض من أغراض الدنيا ، وكان كلّ واحد من الأئمة العظام يعول بجماعة من الفقراء وهم لا يعرفونه ، وكان الإمام الصادق لا يحمل جراباً فيه الخبز واللحم والدراهم ويذهب به إلى أهل الحاجة من فقراء المدينة فيقسّمه فيهم وهم لا يعرفونه ، فلما انتقل الإمام إلى جنّة المأوى افتقد وا تلك الصلات ، فعلموا أنها منه الإمام جعفر الصادق(علیه السلام) : 47 . ، وهكذا كان جده إمام المتقين زين العابدين (علیه السلام) .)ومن صلاته السرّية ما رواه إسماعيل بن جابر ، قال : « أعطاني أبو عبدالله خمسين ديناراً في صرّة وقال لي : ادْفَعُها إِلى شَخْصٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَلَا تُعْلِمْهُ أَنِّي أَعْطَيْتُكَ، « شَيْئاً ، فأتيته ودفعتها له ، فقال لى : ( مِنْ أَيْنَ هَذِهِ ؟ » فأخبرته أنها من شخص لا يقبل أن تعرفه ، فقال العلوي : « ما يزال هذا الرجل كلّ حين يبعث بمثل هذا المال فنعيش به إلى قابل ، ولكن لا يصلني جعفر بدرهم مع كثرة ماله(2، وقد أثرت عنه أخبار كثيرة تحثّ على صدقة السرّ .)


1) حياة الإمام جعفر الصادق اللا : 1: 64 .

2) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر : 2 : 82 .

ه - تكريمه (علیه السلام للضيوف)من معالي أخلاق الإمام الصادق(علیه السلام تكريمه للضيوف والاحتفاء بهم ، فكان يشرف على خدمتهم ، ويأتيهم بأشهى ألوان الطعام وأوفره ، وكان يكرر عليهم القول وقت الأكل :)« أَشَدُّ كُم حُبّاً لَنا أَكْثَرُكُم أَكلاً عِنْدَنا (1.)وكان يأمر في كل يوم بوضع عشر ثبنات من الطعام يتغدى على كل ثبنة عشرة (2.)إنّ السخاء ظاهرة ذاتيّة من ظواهر أئمة أهل البيت (علیهم السلام، فهم معدن الكرم ومنبع)السخاء .6 - إنابته (علیه السلامإلى الله عزّ وجل)كان الإمام (علیه السلام إمام المتقين والعابدين ، وقد أخلص في طاعته الله تعالى كأعظم ما يكون الإخلاص ، فأناب إليه ، وعمل كلّ ما يقربه إليه زلفى)إن في عبادة الإمام صوراً مشرقة من الانقطاع إلى الله تعالى ، وقد تميزت بروحانية لا تجد لها مثيلاً إلا عند آبائه وأبنائه من أئمة الهدى دعاة الله تعالى في الأرض ، وحملة مشاعل التوحيد ، وكذلك تجد مظاهر الطاعة إلى الله تعالى ف-ي أدعيته التي أناب فيها إلى الله تعالى ، فقد حكت انقطاعه الكامل إلى الخالق العظيم ، وقد أفردنا لها جزء خاصاً في موسوعته تحدثنا عن أدعيته التي شملت جميع مظاهر حياته ، وبهذا العرض الموجز عن معالي أخلاقه نطوي الحديث عنه .


1) حياة الإمام جعفر الصادق التالي : 1 : 65 .

2) المصدر المتقدم : 46 .

## الامام الکاظم (علیه السلام)### اشارة

الإمام موسى من أفذاذ أئمة أهل البيت (علیهم السلام الذين أضاؤوا الحياة الفكرية والعلمية في الإسلام ، فقد قام بدور إيجابي ومتميز بنشر الثقافة الإسلامية ، وإشاعة الأخلاق الفاضلة بين النّاس ، وكان من بين خصائصه ومميزاته كظمه للغيظ ، ومقابلته للإساءة بالإحسان ، والذنب بالعفو حتّى لقب بالكاظم ، وهو من أشهر ألقابه .)كان الإمام موسى(علیه السلام بحسب مركزه الاجتماعي وولايته العامة على المسلمين مسؤولاً عن إقامة العدل الاجتماعي ، والعدل السياسي في الوطن الإسلامي ، ومكافحة الظلم والجور والاستبداد ، وفعلاً فقد قام بدور المعارضة لسياسة الحكم العباسي التي كانت امتداداً لجور الأمويين وظلمهم ، ومن ثم فقد تعرّض للسخط والتنكيل من الطاغية هارون ، فقد عمد إلى سجنه ، وحرمان الأمة من التمتع بعلومه و معارفه ، وأخيراً فقد قام باغتياله ، فدسّ إليه سماً قاتلاً، ففارق الحياة شهيداً مظلوماً ، وقد عرضنا إلى ما لاقاه من صنوف الجور والظلم من هارون في كتابنا حياة الإمام موسى بن جعفر (علیه السلام).)وعلى أي حال ، فإنا نعرض إلى ما أثر عنه من الحكم والآداب في إقامة الأخلاق الإسلامية الفاضلة ، ثمّ نعرض بعد ذلك إلى مكارم أخلاقه.

### مكَارِمُ الأَخْلَاقِرسم الإمام موسى بن جعفر(علیه السلام في كثير من أحاديثه مكارم الأخلاق التي يسمو بها الإنسان ، والتي منها :)1 - إيثار الحقّمن المناهج الأخلاقية التي أدلى بها الإمام (علیه السلام إيثار الحق . انظروا إلى كلمته : (قُلِ الْحَقَّ ، وَإِنْ كانَ فيهِ هَلاكُكَ فَإِنَّ فِيهِ نَجاتَكَ ، وَدَعِ الْبَاطِلَ وَإِنْ كَانَ فيهِ)نجاتُكَ ، فَإِنَّ فِيهِ هَلاكَكَ »(1.)أمر الإمام بقول الحق وإن كان فيه الهلاك كما أمر بمجافاة الباطل وإن كان فيهالنجاة ، وهذه السمة من أهم الصفات في أخلاق الإمام موسى (علیه السلام .)2 - قول الخيركان الإمام موسى (علیه السلام يوصي أصحابه بقول الخير وإسدائه إلى الناس ، فقد قال للفضل بن يونس :)«أَبْلِغْ خَيْراً ، وَقُلْ خَيْراً ، وَلَا تَكُنْ إِمَّعَة »(2)فانبرى الفضل قائلاً: « ما الامعة ؟ »«لَا تَقُلْ أَنا مَعَ النَّاسِ ، وَأَنا كَواحِدٍ مِنَ النَّاسِ ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ : أيُّها النّاسُ ، إِنَّما هُما نَجْدانِ (3)نَجْدُ خَيْرٍ ، وَنَجْدُ شَرُّ ، فَلَا يَكُونُ نَجْدَ)


1) حياة الإمام موسى بن جعفر عليلال : 1 : 246 .

2) الإمع : قيل معناه : إنّي معك .

3) النجد : الطريق الواضح المرتفع .

الأقامة الحاظ...الشَّرِّ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنْ نَجْدِ الْخَيْرِ»(1)3 - إغاثة المستجيرحثّ الإمام (علیه السلام المسلمين على إغاثة من استجار بهم، وحذر من عدم إجابته، قال : «مَنْ فَصَدَهُ رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِهِ مُسْتَجِيراً في بَعْضِ أَحوالِهِ فَلَمْ يُجِرْهُ، بَعْدَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ فَقَدْ قَطَعَ وِلايَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (2))إنّ التثاقل في إجابة المستجير وترك إغاثته توجب سخط الله تعالى والمزيد من عقابه .4 - العفو والإصلاحومن بين التعاليم الرفيعة التي أكد الإمام على التحلي بها العفو عن المسي والإصلاح بين الناس ، قال(علیه السلام :)يُنادي مُنادٍ يَوْمَ الْقِيامَةِ : أَلَا مَنْ كانَ لَهُ أَجْرٌ عَلَى اللهِ فَلْيَقُمْ ، فَلَا يَقومُ إِلَّا مَنْ عَفا وَأَصْلَح (3.)5 - حسن الجوارأكّد الإمام(علیه السلامعلى الإحسان إلى الجار، والصبر على ما يصدر منه من مكروه ، قال(علیه السلام) :)«لَيْسَ حُسْنُ الجِوارِ كَفَّ الأذى ، وَلَكِنَّ حُسْنَ الْجِوارِ الصَّبْرُ عَلَى الأذى» (4.)


1) حياة الإمام موسى بن جعفر علي : 1 : 246.

2) المصدر المتقدم: 247.

3) حياة الإمام موسى بن جعفر عل : 1: 245 .

4) المصدر المتقدّم: 247.

أرأيتم كيف نظر إلى الجوار بعين اللطف والرضا بما يصدر منه توكيداً للروابط الإسلامية .6- زيارة الاخوانأمر الإمام (علیه السلامبالتالف والتوادد بين الإخوان وذلك لإشاعة المحبة والمودة بينهم قال (علیه السلام) : « مَنْ زارَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِغَيْرِهِ يَطْلُبُ بِهِ ثَوابَ اللَّهِ تَعَالَى وَكَّلَ اللهُ تَعَالَى بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكِ مِنْ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ يُنادونَهُ : أَلا طِبْتَ وَطابَتْ لَكَ الْجَنَّةُ تَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً»(1))إنّ الله تعالى أعدّ الأجر الجزيل لمن زار أخاه المؤمن وتعاهده بالمحبة والمودة .7 - شكر النعمةمن البرامج الأخلاقية التي حثّ عليها الإمام : شکر نعم الله تعالى ، قال (علیه السلام :)« التَّحَدُّثُ بِنِعَمَ اللهِ تَعَالَى شُكْرٌ ، وَتَرْلُ ذلِكَ كُفْرٌ ، فارْبِطُوا نِعَمَ رَبِّكُم بِالشُّكْرِ، وَحَصَّنُوا أَمْوالَكُم بِالزَّكاةِ ، وَادْفَعُوا الْبَلَاءَ بِالدُّعاءِ ، فَإِنَّ الدُّعاءَ جُنَّةٌ تَرُدُّ الْبَلَاءَ وَقَدْ أُبْرِمَ إبراماً ،»(2)8 - محاسبة النفسمن معالي الأخلاق التي أوصى بها الإمام موسى(علیه السلاممحاسبة النفس ، والنظر في أعمالها ، فإن كانت حسنة استزاد منها ، وإن كانت سيئة طلب من الله تعالى العفو والرضوان . قال (علیه السلام) :)«لَيْسَ مِنًا مَنْ لَمْ يُحَاسِبْ نَفْسَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ، فَإِنْ عَمِلَ حَسَنَا اسْتَرَادَ مِنْهُ ، وَإِنْ عَمِلَ


1) حياة الإمام موسى بن جعفر عل : 1 : 248 .

2) حياة الإمام موسى بن جعفر عل : 1 : 248 .

سَيِّئاً اسْتَغْفَرَ اللهَ مِنْهُ وَتَابَ مِنْهُ»(1)9 - الاستشارةمن محاسن الأعمال : استشارة المسلم أخاه في أموره ، وعدم الاستبداد فيها ،قال (علیه السلام : « مَنِ اسْتَشارَ لا يَعْدِمُ عِنْدَ الصَّواب مادحاً ، وَعِنْدَ الْخَطَأ عاذراً ، (2).)10 - الرضا بقضاء الله تعالىمن الصفات الكريمة التي ينبغي للمؤمن أن يتحلى بها : الرضا بقضاء الله تعالى ، والتسليم لمشيئته ، وقد أمر الإمام(علیه السلام به ، قال (علیه السلام): « يَنْبَغِي لِمَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ)الله تَعالى أَنْ لا يَسْتَبْطِئَهُ في رِزْقِهِ ، وَلَا يَتَّهِمَهُ في فَضائِهِ ، (3)وهذه الصفة من أفضل الصفات التي يتسلّح بها المؤمن في حياته11 - الصبرحثّ الإمام (علیه السلامعلى الصبر عند نزول البلاء ، فإن الجزع يذهب بالأجر الجزيل الذي أعده الله تعالى للصابرين ، وقد أثرت عنه كوكبة من الأحاديث في ذلك ، منها :)1- قال (علیه السلام : « الْمُصيبَةُ لَا تَكُونُ مُصِيبَةٌ يَسْتَوْجِبُ صاحِبُها أَجْرَها إِلَّا بِالصَّبْرِ وَالْإِسْتِرْجَاعِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ »(4))2 - قال (علیه السلام: إِنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْبَلاء أَفْضَلُ مِنَ الْعَافِيَةِ عِنْدَ الرَّخاءِ »(5).)


1) حياة الإمام موسى بن جعفر علي : 1 : 248 .

2) المصدر المتقدم : 249 .

3) حياة الإمام موسى بن جعفر علي : 1 : 248 .

4) المصدر المتقدم : 245 .

5) المصدر المتقدم : 245 .

3 - قال(علیه السلام : « الْمُصِيبَةُ لِلصّابِرِ واحِدَةً ، وَلِلْجازع اثْنَتَانِ »(1))12 - الورعكان الإمام موسى (علیه السلام يوصي أصحابه بالورع عن محارم الله تعالى ، قال (علیه السلام): « كَثيراً ما كُنْتُ أَسْمَعُ أَبي يَقُولُ : لَيْسَ مِنْ شيعَتِنا مَنْ لَا تَتَحَدَّثُ الْمُخَدَّراتُ بِوَرَعِهِ في خُدُورِهِنَّ ، »(2))13 - التفقه في الدينأمّا التفقه في الدين ، ومعرفة أحكام الشريعة فهي من البرامج المكمّلة لشخصية الإنسان المسلم ، قال (علیه السلام !)« تَفَقَّهُوا في دينِ اللهِ ، فَإِنَّ الفِقْهَ مِفْتَاحُ الْبَصيرَةِ ، وَتَمامُ العِبادَةِ ، وَالسَّبَبُ إِلَى الْمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ ، وَالرُّتَبِ الْجَلِيلَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيا ، وَفَضْلُ الْفَقيهِ عَلَى الْعابِدِ كَفَضْل الشَّمْسِ عَلَى الْكَواكِبٍ ، وَمَنْ لَمْ يَتَفَقَّه فى دينِهِ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ عَمَلاً»(3)أرأيتم هذه الإشادة بالتفقه ، وأنه من أسمى مراتب العلوم في الإسلام ، والتحلي به من أفضل السمات التي يتصف بها الشخص ، فهو مفتاح البصيرة ، وتمام العبادة على حدّ تعبير الإمام (علیه السلام .)14 - مجالسة العلماءحثّ الإمام (علیه السلامعلى مجالسة العلماء والحضور في مجالسهم ، والاستماع إلى)


1) حياة الإمام موسى بن جعفر علام : 1 : 245. .

2) أصول الكافي : 2 : 64

3) حياة الإمام موسى بن جعفر عليل : 1: 240 .

أحاديثهم ؛ وذلك لما له من أثر فعّال في تكوين أخلاق الإنسان . قال (علیه السلام : مُجالَسَةُ الْعَالِمِ عَلَى الْمَرَابِلِ خَيْرٌ مِنْ مُحادَثَةِ الْجَاهِلِ عَلَى الزَّرابي »(1)(2))15 - وصايا تربويةأدلى الإمام (علیه السلام ببعض الوصايا التربوية التي لها الأثر في تكوين أخلاق الإنسان المسلم ، كان منها :)1- قال (علیه السلام :« كَفَى بِالنَّجارُبِ تأديباً ، وَبِمَمَرِّ الأَيَّامِ عِظَةٌ ، وَبِأَخْلَاقِ مَنْ عَاشَرْتَ ، مَعْرِفَةٌ ، وَبِذِكْرِ الْمَوْتِ حاجزاً مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعاصي ، وَالْعَجَبُ كُلَّ الْعَجَبِ لِلْمُحْتَمِينَ مِنَ الطعام م وَالشّرابِ مخافَة الدّاءِ أَنْ يَنْزِلَ بِهِم ، كَيْفَ لَا يَحْتَمُونَ مِنَ الذُّنُوبِ مَخافَةَ النَّارِ إِذا اشْتَعَلَتْ في أَبْدانِهِمْ »(3).)2 - أوصى(علیه السلامأصحابه بتنظيم أوقاتهم ، والعمل على تهذيب نفوسهم . قال (علیه السلام) : اجْتَهِدوا في أَنْ يَكُونَ زَمانُكُم أَرْبَعَ ساعاتٍ : ساعَةً لِمُناجاةِ اللَّهِ ، وَسَاعَةً لِأَمْرِ الْمَعَاشِ ، وَساعَةٌ لِمُعاشَرَةِ الأخْوانِ وَالنُّقاتِ الَّذينَ يُعَرِّفونَكُم عُيوبَكُم ، وَيُخْلِصُونَ لَكُم فِي الْباطِنِ ، وَسَاعَةً تَخْلُونَ فِيهَا لِلذَاتِكُمْ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ ، وَبِهَذِهِ السَّاعَةِ تَقْدِرُونَ عَلَى الثَّلاثِ ساعاتٍ ، وَلَا تُحَدِّثُوا أَنْفُسَكُم بِفَقْر ، وَلَا بِطُولِ عُمْرٍ ، فَإِنَّهُ مَنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِفَقْرِ بَخِلَ ، وَمَنْ حَدَّثَهَا بِطُولِ الْعُمْرِ يَحْرِصُ ، اجْعَلُوا لِأَنْفُسِكُم حَظَاً مِنَ الدُّنْيا بِإِعْطَائِها ما تَشْتَهِي مِنَ الْحَلَالِ ، وَما لَا يَظْلِمُ الْمُروءَةَ ، وَما لَا سَرَفَ فِيهِ ، وَاسْتَعينوا بِذلِكَ على أمُورِ الدِّينِ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ : لَيْسَ مِنَا مَنْ تَرَكَ دُنْيَاهُ لِدِينِهِ ، أَوْ تَرَكَ دِينَهُ لِدُنْيَاهُ »(4))


1) الزرابي : البسط والفرش الفاخرة .

2) حياة الإمام موسى بن جعفر علام : 1: 240 .

3) المصدر المتقدّم : 256 ، نقلاً عن الدرّ النظيم .

4) تحف العقول : 409 .

16 - التحذير من الكسللون بني وَاهْ بنية الجزء الأربعونكان الإمام موسى (علیه السلام يمقت الكسل والضجر ؛ لأنهما يؤديان إلى الفقر وذهاب المروءة ، وقد قال(علیه السلام)لبعض ولده :)«إِيَّاكَ وَالْكَسَلَ وَالضَّجَر ، فَإِنَّهُما يَمْنَعاكَ مِنْ حَظَكَ في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» (1.)17 - الاقتصادكان الإمام (علیه السلاميوصي أبناءه وأصحابه بالاقتصاد ، وينهاهم عن الإسراف و التبذير ؛ لأنّ بهما زوال النعمة ، قال (علیه السلام) :)«مَن اقْتَصَدَ وَفَنَعَ بَقِيَتْ عَلَيْهِ النِّعْمَةُ ، وَمَنْ بَذْرَ وَأَسْرَفَ زالَتْ عَنْهُ النَّعْمَةُ »(2)وقال(علیه السلام : ( ما عال مَنِ اقْتَصَد »(3))إنّ من معالم الاقتصاد الإسلامي المنع من التبذير في المال ؛ لأنّ فيه تدميراً لاقتصاد الأمة وفساداً للأخلاق ، وقد تحدثنا عن ذلك بصورة شاملة في كتابنا : «العمل وحقوق العامل في الإسلام».وبهذا نطوي الحديث عن بعض ما أثر عنه من الأخبار في الحث على مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات.### مَكَارِمُ اَخلاقِةكان الإمام الكاظم(علیه السلاممن آيات الله العظام في مكارم أخلاقه ، وسموّ ذاته ،)


1) العمل وحقوق العامل في الإسلام :

2) حياة الإمام موسى بن جعفر علي الام : 1: 243 .

3) حياة الإمام موسى بن جعفر علي الام : 1: 243 .

ومن مظاهر صفاته :1 - الحلممن صفات الإمام موسى (علیه السلام الحلم، فكان فيما أجمع عليه المؤرّخون مضرب المثل في حكمه وكظمه للغيظ ، فكان يعفو عن من ظلمه ومن أساء إليه ، ولا يكتف بذلك ، وإنّما كان يحسن إليه ليمحو عنه روح الشر والأنانية ، وقد ذكر الرواة أن شخصاً من أحفاد عمر بن الخطاب كان يسئ للإمام ويبالغ في سبّه وشتمه وشتم جدّه الإمام أمير المؤمنين(علیه السلام) ، فأراد بعض شيعته اغتياله ، فنهاهم الإمام (علیه السلام) ، ورأى أن يعالجه بغير ذلك ، فسأل عن مكانه ، فقيل له : إنّه يمتهن الزراعة في بعض نواحي المدينة ، فركب الإمام (علیه السلام) بغلته واتجه صوبه ، ولم يجد الإمام مسلكاً سوى و أن يطأ زرعه ، فصاح به العمري : « لا تطأ زرعنا » ، فلم يجد الإمام طريقاً يوصله إليه سواه ، ولما انتهى إليه جلس إلى جنبه وأخذ يلاطفه قائلا له :)«كَمْ غَرِمْتَ فِي زَرْعِكَ هذا ؟ »«مائة دينار»«كَمْ تَرْجو أَنْ تُصِيبَ مِنْه ؟».«أنا لا أعلم الغيب »«إِنَّما قُلْتُ لَكَ : كَمْ تَرْجُو أَنْ يَجِينَكَ مِنْه ؟ » .«أرجو أن يجيئني منه مائتا دينار » .فأعطاه الإمام ثلاثمائة دينار ، وقال له :«هَذِهِ لَكَ ، وَزَرْعُكَ على حاله»، فتغيّر العمري ، وودّ أنّ الأرض قد وارت-ه ولم يقابل الإمام بالسب والشتم ، وسارع نحو الجامع النبوي ليعلن أمام الناس توبته وأساه على ما فرّط في حق الإمام ، ولما انتهى إلى الجامع ، رفع العمري صوته قائلاً:

«الله أعلم حيث يجعل رسالته فيمن يشاء »نين واهل بيهوبادر إليه أصحابه منكرين عليه هذا الانقلاب ، فجعل يخاصمهم ويعرض عليهم مآثر الإمام (علیه السلام، وما قام به من اللطف والفضل تجاهه، والتفت الإمام إلى أصحابه فقال لهم :)«أَيُّما كانَ خَيْراً : ما أَرَدْتُم أَمْ ما أَرَدْتُ مِنْ إِصْلاحِ أَمْرِه ؟» (1.)ومن آيات حلمه أنه اجتاز على جماعة من حسّاده ومبغضيه ، وكان فيهم ابن هياج ، فأوعز إلى بعض أصحابه أن يمسك بلجام بغلة الإمام ، ويدعيها له ، فمضى الرجل إلى ما أمر به ، فعرف الإمام غايته ، فنزل عن بغلته وأعطاها له (2، لقد كان الإمام (علیه السلام) المربي والمعلم للأخلاق الفاضلة وكان الإمام (علیه السلام)يوصي أبناءه بالعفو والإحسان لمن أساء إليهم قائلاً:)« يا بَنِيَّ ، إِنِّي أَوْصِيكُم بِوَصِيَّةٍ مَنْ حَفِظَهَا انْتَفَعَ بِها ، إِذا أَتَاكُمْ آتِ فَأَسْمَعَ أَحَدَكُمْ فِي الأذنِ الْيُمنى مَكْروها ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْيُسْرَى فَاعْتَذَرَ لَكُم وَقالَ : إِنِّي لَمْ أَقُلْ شَيْئاً ، فَاقْبَلُوا عُذْرَه »(3)حكت هذه الوصية مدى حلمه وسعة خُلقه ، ومن الطبيعي أن هذا الخُلق الرفيع يوجب التألف وشيوع المحبّة والمودة بين النّاس .2 - كرمه وسخاؤه(علیه السلام)كان الإمام موسى(علیه السلاممن أسخى النّاس ، وأكثرهم براً بالبؤساء والمحرومين ، وكان معظم فقراء المدينة يرتعون بنعمته وعطاياه ، وقد ذكر المؤرخون جمهرة كبيرة)


1) تاریخ بغداد : 13 : 28 - 29 کشف الغمة : 2 : 247 .

2) حياة الإمام موسى بن جعفر علي الام : 1 : 157 .

3) الفصول المهمة / ابن الصباغ : 220 .

ممّن أغدق عليهم الإمام بفيض كرمه منهم :1 - محمّد البكرىكانت لمحمد البكرى ديون على جماعة من أهالي المدينة ، فطالبهم فلم يستجب له أحد، فرأى أن يتشرف بمقابلة الإمام ويشكو إليه حاله ، فمضى لمقابلته ، فوجده في ضيعة له تسمّى « نقمى » (1، فقصده وبعد الالتقاء به عرض عليه حاجته، وضيق حاله ، فأمر الإمام غلامه بالانصراف لئلا يرى الرجل ، فيكون عليه ذل السؤال ، ثمّ أعطاه صرّة فيها ثلثمائة دينار لعلّها كانت أكثر من ديونه ، وانصرف الرجل داعياً له بالخير وشاكراً نعمته عليه(2))2 - غلام زنجيخرج الإمام موسى (علیه السلام ومعه حاشيته وبعض أولاده إلى ضياعه الواقعة بساية (3)، وقبل أن يصل إليها استراحوا في بعض المناطق المجاورة لها ، وكان الوقت شديد البرد ، فخرج إليهم عبد زنجي وهو يحمل قدراً ، فوقف أمام غلمان الإمام فقال لهم :)« أين سيدكم ؟ »«هو ذاك، وأشاروا إلى الإمام».«أبو من يكنى ؟».«أبو الحسن »


1) نقمى - بالتحريك والقصر - من النقمة ، وهي العقوبة موضع من أعراض المدينة كان لآل أبي طالب - معجم البلدان : 8: 310 .

2) تاریخ بغداد : 13 : 28 .

3) ساية : واد من حدود الحجاز فيه مزارع .

فوقف أمام الإمام متضرعاً قائلاً:«يا سيدي ، هذه عصيدة أهديتها لك »فقبل الإمام هديته ، وأمره بأن يضعها عند الغلمان ، فوضعها عندهم ثم انصرف ، ولم يلبث حتى أقبل ومعه حزمة من الحطب وقال للإمام :«يا سيدي ، هذا حطب أهديته لك »فقبل الإمام هديته ، وأمره أن يلتمس له قبساً من النار ، فمضى وجاء به ، فأشعل الحطب ليقيهم البرد ، وأمر الإمام (علیه السلام بكتابة اسم العبد واسم مولاه ، ثم رحلوا إلى الضياع ، فمكثوا فيها أياماً ، ثم اتجهوا إلى بيت الله تعالى الحرام فاعتمروا وبعد الفراغ أمر الإمام غلامه أن يفتش عن صاحب الخيمة، ومضى ففتش عنه حتى ظفر به ، فسلّم عليه ، وسأله الرجل - وكان من الشيعة - عن قدوم الإمام ، فأبى أن يخبره ، وغلب على ظنه تشريف الإمام إلى مكة ، وقفل غلام الإمام راجعاً إلى الإمام ، وسار الرجل في أثره حتّى قدم على الإمام فسأله قائلاً:)«غُلامُكَ تَبيعُه ؟ » .«جعلت فداك ، الغلام لك والضيعة ، وجميع ما أملك » .«أمّا الضَّيْعَةُ فَلا أُحِبُّ أَنْ أَمْلِكَها »وجعل الرجل يتضرّع إلى الإمام ويتوسل إليه بقبول الضيعة ، والإمام يمتنع من إجابته ، وأخيراً اشترى الإمام الغلام مع الضيعة بألف دينار، فأعتق الغلام ووهب له الضيعة ، كل ذلك ليجازي الإحسان بالإحسان ، ويقابل المعروف بالمعروف ، وقد وسّع الله تعالى على العبد ببركة الإمام ، وأصبح أبناؤه من أثرياء مكة (1.)


1) تاریخ بغداد : 13 : 29 البداية والنهاية : 10: 183 .

3- عيسى بن محمّدوكان من جملة الذين أغدق عليهم الإمام بمعروفه عيسى بن محمد بن محمد القرطبي ، فقد زرع بطيخاً وقثاء وقرعاً (1، فلما استوى الزرع هجم عليه الجراد فأتى عليه ، ولم يبق منه شيئاً ، وقد غرم على زرعه مع ثمن جملين مائة وعشرين ديناراً ، فضاقت عليه الأرض ، وبينما هو يفكر في أمره إذ طلع عليه الإمام موسى(علیه السلام) فسلّم عليه ، ثمّ قال له :)«كَيْفَ حالك ؟ » .«أصبحت كالصريم (2بغتني الجراد فأكل زرعي » .)«كَمْ غَرِمْتَ فِيهِ ؟ ».«مائة وعشرين ديناراً مع ثمن الجملين».فأمر (علیه السلام بأن يعطى مائة وخمسين ديناراً ، فأعطي ، وقال له :)«رِبْحُكَ ثَلاثُونَ ديناراً مَعَ ثَمَن الْجَمَلَيْن »(3)4- فقيروفد عليه فقير يطلب رفده ، فأراد الإمام (علیه السلام اختباره ليكرمه على قدر معرفته ، فقال له :)« لَوْ جُعِلَ لَكَ التَّمَنِّي فِي الدُّنْيا مَا كُنْتَ تَتَمَنِّى ؟ » .«كنت أتمنّى أن أرزق التقية في ديني وقضاء حقوق إخواني »فاستحسن الإمام جوابه ، وأمر أن يعطى ألف دينار »(4)


1) القرع : نوع من اليقطين .

2) الصريم : الأرض المحصود زرعها.

3) تاریخ بغداد : 13 29 کشف الغمة : 2 : 243 .

4) حياة الإمام موسى بن جعفر عل : 1: 154 .

هذه بعض مبراته للفقراء ، وقد حفلت مصادر التأريخ بأسماء جماعة ممن أغدق عليهم الإمام بمعروفه .5 - صدقات السرّكان الإمام موسى (علیه السلام يخرج في غلس الليل البهيم ، فيصل الفقراء ببره وإحسانه)وهم لا يعلمون من الذي يصلهم ، وكان يصلهم بصراره التي تتراوح ما بين المائتي دينار إلى الأربعمائة دينار (1)وكان يُضرب المثل بصراره ، فكان أهله يقولون :عجباً لمن جاءته صرار موسى وهو يشتكي القلّة والفقر»(2)وقد قامت هباته السرية ، وصلاته الخفيّة بإعاشة الفقراء الذين أغدق عليهم بإحسانه .6 - إطعام عامّوأطعم الإمام(علیه السلام أهالي المدينة إطعاماً شاملاً ثلاثة أيام ، فعابه على ذلك بعض حسّاده فأجاب :)« ما آتَى اللَّهُ نَبِيَّاً مِنْ أَنْبِيائِهِ شَيْئاً إِلَّا وَقَدْ آتَى مُحَمَّداً (صلی الله علیه وآله وسلم وَزَادَهُ ما لَمْ يُؤْتِهِم قالَ تَعَالَى لِسُلَيمانَ بْنَ داود: هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) »(3)، (4))وكان (علیه السلام يقول :)من موجِباتِ الْمَغْفِرَةِ إِطْعَامُ الطَّعامِ »(5)


1) كنز اللغة : 766 . تاریخ بغداد : 13 : 28 .

2) عمدة الطالب : 185 .

3) حياة الإمام موسى بن جعفر علام : 1: 155 . السلام .

4) حياة الإمام موسى بن جعفر علام : 1: 155 . السلام .

5) حياة الإمام موسى بن جعفر علام : 1: 155 . السلام .

3 - زهده (علیه السلام)تجرّد الإمام موسى (علیه السلامتجرداً كاملاً عن رغبات الدنيا وزخارفها ، وعاش في الدنيا عيشة الفقراء ، وقد تحدّث عن زهده إبراهيم بن عبدالحمید ، فقال : دخلت عليه في بيته الذي كان يصلّي فيه ، فإذا ليس في البيت شيء سوى خصفة ، وسيف معلّق ومصحف (1))ولم يكن زهده ناشئاً من الفقر ، فقد كان يملك البسرية وغيرها من الحقول الزراعية التي كانت تدرّ عليه بالأموال الطائلة ، كما كانت تجبى له الأموال الطائلة منالحقوق الشرعيّة ، إلا أنه كان ينفقها جميعاً في إعاشة الفقراء وخدمة الدين .ومن معالم زهده أنه كان يتلو على أصحابه سيرة الصحابي العظيم أبي ذر الغفاريالذي ضرب المثل الأعلى للزهد ونكران الذات .قال (علیه السلام :)رَحِمَ اللهُ أَبا ذَرّ ، فَقَدْ كانَ يَقولُ : جَزَى الله الدُّنْيا عَنِّى مَذَمَّةٌ بَعْدَ رَغِيفَيْنِ مِنَ الشَّعِيرِ: أَتَغَذَّى بِأَحَدِهِما ، وَأَتَعشَىٰ بِالْآخَرِ ، وَبَعْدَ شَمْلَتي الصّوفِ أَتَّزِرُ بِإِحداهما وَأَتَرَدَى بِالْآخَرِ(2)على هذا الخط سار الإمام موسى فطلق دنياه، ولم يحفل بها كجدّة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)4 - الإحسان إلى الناسمن معالي أخلاق الإمام موسى (علیه السلامالإحسان إلى الناس وقضاء حوائجهم ،)


1) بحار الأنوار: 11: 265 .

2) أصول الكافي : 2 : 134 .

وقد أباح لعليّ بن يقطين الدخول في حكومة هارون التي هي غير شرعية لأجل قضاء حوائج الناس ، وقد اشتهرت كلمته: «كَفَارَةُ عَمَلِ السُّلْطَانِ الإِحْسَانُ إِلَى الْإِخْوانِ ، وفد فزع إليه جماعة من المنكوبين والمظلومين ، فكشف عنهم ما ألمّ بهم من ظلم الحكومة العبّاسي ، كان منهم شخص من أهالي الري كانت عليه أموال طائلة للدولة ، وهو لا يتمكن من تسديدها، وهام في تيارات من الفكر في كيفية خلاصه ، سأل عن حاكم الري فأخبر أنّه من الشيعة ، فطوت نيته السفر إلى الإمام موسى (علیه السلام يستجير به ، فسافر إلى المدينة والتقى بالإمام ، فعرض عليه ما هو عليه من المحنة ، واستجاب له الإمام (علیه السلام)، فزوده برسالة إلى والي الري جاء فيها بعد البسملة :)«اعْلَمْ أَنَّ اللهَ تَعالى تَحْتَ عَرْشِهِ ظِلَا لَا يَسْكُنُهُ إِلَّا مَنْ أَسدى إلى أخيهِ مَعْرُوفاً ، أَوْ نَفْسَ عَنْهُ كُرْبَةٌ ، أَوْ أَدْخَلَ عَلى قَلْبِهِ سُرُوراً ، وهذا أَخوكَ ، وَالسَّلام »وأخذ الرسالة ، وأخذ يجد في السير حتى انتهى إلى الري ، وقصد الحاكم ليلاً، فخرج إليه غلامه فقال له:«مَن أنت ؟ » .«رسول الصابر موسى » .وهرع الغلام إلى مولاه فأخبره بذلك ، فخرج الحاكم حافي القدمين ، فعانقه وقبل ما بين عينيه ، وأخذ يسأله عن حال الإمام ، ثم ناوله رسالة الإمام ، فجعل يوسعها تقبيلاً، ولما قرأها استدعى بأمواله وثيابه فقاسمه في جميعها ، وأعطاه قيمة ما لا يقبل القسمة ، وهو يقول :»يا أخي ، هل سررتك ؟ . »«إي والله ، وزدت على ذلك » .ثم استدعى السجل فشطب على جميع الديون التي عليه ، وأعطاه براءة منها ،

وخرج الرجل من عنده وقد غمرته الأفراح والمسرات ، ورأى أن يجازيه على إحسانه فيمضي إلى بيت الله الحرام ويدعو له ، ويخبر الإمام الا بما أسداه عليه من المعروف والإحسان ، ولما أقبل موسم الحج مضى إليه ودعا للرجل في البيت الحرام ، ثمّ مضى إلى المدينة فالتقى بالإمام (علیه السلام وأخبره بما أسداه عليه من البرّ واللطف ، فسّر الإمام سروراً بالغاً ، فقال الرجل للإمام :)«يا مولاي ، هل سرّك ذلك ؟»«إِي وَاللَّهِ لَقَدْ سَرَّني ، وَسَرَّ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَاللهِ لَقَدْ سَرَّ جَدِّي رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم ،)وَلَقَدْ سَرَّ الله تعالى ».ودلّت هذه البادرة على مدى اهتمام الإمام (علیه السلامبقضاء حوائج الناس والإحسان إليهم(1))5 - عتقه (علیه السلام للعبيد)وظاهرة أخرى من نزعات الإمام موسى (علیه السلام الأخلاقية عتقه للعبيد وتحريرهم من رقّ العبودية ، فقد أعتق - فيما يقول الرواة - ألف مملوك (2)، كل ذلك لوجه الله تعالى وابتغاء مرضاته .)6 - الإنابة إلى الله عزّ وجلّأناب الإمام موسى (علیه السلام إلى الله تعالى وانقطع إليه ، وتمسك بحبل طاعته ، وهذه شذرات من إنابته إلى الله تعالى :)


1) حياة الإمام موسى بن جعفر علم الاول : 1 : 261 - 262 .

2) الدر النظيم في مناقب الأئمة / يوسف بن حاتم الشامي ، مخطوط في مكتبة السيد الحكيم العامة .

1 - بكاؤه (علیه السلام من خشية الله تعالى)كان الإمام (علیه السلاممن أكثر المتقين والعابدين خشية من الله تعالى ، وقد حدث الرواة)عن خوفه وخشيته من الله تعالى أنه كان يبكي من خشيته تعالى حتى تخضل كريمته من دموع عينيه (1)2 - كثرة سجوده (علیه السلام الله تعالى)روى الشيباني ، قال : كانت لأبي الحسن موسى في بضع عشر سنة سجدة في كلّ يوم بعد ابيضاض الشمس إلى وقت الزوال (2، ولكثرة سجوده كانت له ثفنات في مواضع سجوده كثفنات البعير ، وكان له غلام يقصها من جبينه وعرنين أنفه ، وفي ذلك قال بعض الشعراء :)طالَتْ لِطولِ سُجودِ منهُ ثَفَتُهُ *** فَفَرحت جبهة منهُ وعِرْنينارأى فراغتهُ في السجن مُنيتَهُ *** ونعمة شكر الباري بها حينا (3)ودخل الجامع النبوي في أوّل الليل ، فسجد سجدة واحدة وهو يقول بخضوع وخشوع : « عَظُمَ الذَّنْبُ عِنْدِي ، فَلْيَحْسُنِ الْعَفْو عِنْدَكَ ، يا أَهْلَ التَّقوى وَيا أَهْلَ الْمَغْفِرَة »وجعل يردّد هذه الكلمات بإنابة وخشوع حتى أصبح الصبح (4)وحينما أودعه الطاغية هارون في سجن الربيع كان يطل من أعلى القصر فيرى ثوباً مطروحاً في مكان خاص من البيت لم يتغير عن موضعه ، فتعجب من ذلك وقال


1) كشف الغمة : 2 : 247 .

2) بحار الأنوار: 11 : 298 .

3) الأنوار البهية : 93 .

4) وفيات الأعيان : 4 : 293 . كنز اللغة : 766 .

للربيع : « ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع ؟ » .فقال له الربيع : « ما ذاك بثوب، وإنّما هو موسى بن جعفر له في كلّ يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال ».وبهر هارون وراح يبدي إعجابه بعبادة الإمام قائلاً:«أما إنّ هذا من رهبان بني هاشم» .والتفت الربيع إلى هارون طالباً منه أن يطلق سراحه ولا يضيق عليه في السجن :قائلاً: « يا أمير المؤمنين ، مالك قد ضيّقت عليه في الحبس ؟ » .فأجابه هارون بعنف : « هيهات لا بدّ من ذلك ؟ » (1.)إنّ حرص هارون على الملك، وحبّه للدنيا قد صدّاه عن الطريق القويم ودفعاه إلى سجن الإمام وحرمان المسلمين من التمتّع بعلومه والاستفادة من مواهبه .3- شغف الإمام (علیه السلام بالعبادة)شغف الإمام (علیه السلام بعبادة الله تعالى وطاعته حتى صارت من مقوماته ، وقد روت شقيقة السندي بن شاهك حينما سجن الإمام في بيت أخيها كيفية عبادة الإمام ، فقالت : «إنّه إذا صلّى العتمة حمد الله ومجده ودعاه إلى أن يزول الليل ، ثمّ يقوم ويصلّي حتى يطلع الصبح ، فيصلي الصبح ، ثم يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس ، ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى ، ثمّ يرقد ويستيقظ قبل الزوال ، ثمّ يتوضأ ويصلي حتّى يصلّي العصر، ثمّ يذكر الله تعالى حتى يصلّي المغرب ، ثمّ يصلّي ما بين المغرب والعتمة ، فكان هذا دأبه إلى أن مات »(2))4 - دعاؤه (علیه السلام في السجن لتفرّغه للعبادة)ولما أودعه الطاغية هارون في السجن تفرّغ للعبادة ، فكان صائماً في النهار وقائماً


1) حياة الإمام موسى بن جعفر اعلام : 1 : 142 .

2) تاريخ أبي الفداء : 2 : 12 .

في الليل ، وقد شكر الله تعالى على تفرّغه لطاعته قائلاً:«اللَّهُمَّ إِنِّي طالَما كُنْتُ أَسْأَلُكَ أَنْ تُفَرِّغَنِي لِعِبَادَتِكَ وَقَدِ اسْتَجَبْتَ مِنِّي ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلى ذلِكَ »(1)أرأيتم مدى طاعة الإمام(علیه السلام الله تعالى ، فقد رأى السجن نعمة عليه ولطفاً من الله)تعالى لتفرّغه لعبادتهوبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض مكارم أخلاق الإمام موسى (علیه السلام التي هي دنيا)صلى الله من الفضائل والمآثر ، وهي تحكي أخلاق جدّه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم والمثل الكريمة لأهل بيت النبوة ومعدن الحكمة والتقوى في دنيا الإسلام)


1) وفيات الأعيان : 4 : 293. مناقب آل أبي طالب : 2 : 379 .

## الأمامِ الرّضا (علیه السلام)### اشارة

الإمام علي بن موسى الرضاء (علیه السلام من كنوز العلم والحكمة في مواهبه وعبقرياته ، ومن شموس أئمة الهدى دعاة الإصلاح الاجتماعي في دنيا الإسلام ، وقد مثل جده الرسول(صلی الله علیه و آله وسلم) وآباءه الأئمة الطيبين في معالي أخلاقه ، وسموّ ذاته ، فكان صورة مشرقة عنهم في جميع في جميع مناحي حياته ، فقد اتجه صوب الله تعالى ، وتجرّد تجرّداً كاملاً عن النزعات المادية التي مالها إلى التراب .)ونعرض إلى ما أثر عنه في الحثّ على مكارم الأخلاق ، ثمّ نذكر معالي التي هي من نفحات أخلاق جده الرسول(صلی الله علیه وآله وسلم)### مکارم الأَخْلَاقِأوصى الإمام الرضا (علیه السلام معالى الأخلاق والتحلى بها ، فإن الإنسان إنما يكون إنساناً وخليفة الله تعالى في أرضه لا بصورته ، وأكله وشربه وغير ذلك من متع الحياة الدنيا ، وإنّما يكون إنساناً بما يحمله من القيم الكريمة ، والمثل العليا، وهذه صور منها أدلى بها الرضا(علیه السلام) :)1 - التواضعالتواضع من الخصال الكريمة التي يشرف بها الإنسان ، وقد عرض له

الإمام (علیه السلام بقوله :)التَّواضُعُ أَنْ تُعْطى النَّاسَ مَا تُحِبُّ أَنْ تُعْطَاهُ »(1)حكى كلام الإمام حقيقة التواضع ، وهو أن يعطي الإنسان للناس من التكريم والتعظيم مثل ما يحبّ ويتمنى أن يعطى لنفسهوكتب الإمام إلى محمّد بن سنان رسالة تحدّث فيها عن صور التواضع .قال (علیه السلام :)«التَّواضُعُ دَرَجَاتٌ مِنْها أَنْ يَعْرِفَ الْمَرْءُ قَدْرَ نَفْسِهِ فَيُنْزِلَها مَنْزِلَتَها بِقَلْبٍ سَليم ، لَا يُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَ لِأَحَدٍ إِلَّا مِثْلَ مَا يُؤْتِى إِلَيْهِ ، إِنْ أَتى بِسَيِّئَةٍ إِلَيْهِ دَرَأَها (2بِالْحَسَنَةِ ، كَاظِمُ الْغَيْظِ ، عافٍ عَنِ النَّاسِ ، وَاللهُ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ »(3))إنّ هذا اللون من التواضع دليل على شرف النفس وسموّها وكمالها ، وهو من صفات الأفذاذ الذين بلغوا قمة الشرف والكمال .2 - خيار النّاستحدّث الإمام عن خيار النّاس وأشرافهم قال فيهم : « الَّذينَ إِذا أَحْسَنوا اسْتَبْشَروا ، وَإِذا أَساوُوا اسْتَغْفَرُوا ، وَإِذا أعطوا شَكَروا ، وَإِذا ابْتُلُوا صَبَرُوا ، وَإِذا غَضِبوا عفوا »(4)حقاً ان من يتصف بهذه الصفات الكريمة فهو من خيار الناس ومن أشرافهم وعيونهم .


1) حياة الإمام عليّ بن موسى الرضا علي : 2 : 69.

2) درأها دفعها.

3) الدرّ النظيم : الورقة 216 .

4) تحف العقول : 445 .

3 - التّبسم في وجه المؤمنمن الأخلاق الكريمة التي أوصى بها الإمام(علیه السلامالتبسم في وجه وجه المؤمن قال (علیه السلام):)«مَنْ تَبَسَّمَ فِي وَجْهِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ كَتَبَ اللهُ لَهُ حَسَنَةٌ ، وَمَنْ كَتَبَ لَهُ حَسَنَةٌ لَمْ يُعَذِّبْهُ الله»(1)4 - التودّد إلى النّاسحثّ الإمام (علیه السلام على التودد إلى النّاس ؛ لأنّ فيه ربطاً وثيقاً بين المسلمين . قال (علیه السلام):)«التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْل »(2)5 - المساواة في السلامأوصى الإمام (علیه السلامأصحابه بالمساواة بالسلام بين الغني والفقير قائلاً:)«مَنْ لَقِيَ فَقيراً مُسْلِماً فَسَلَّمَ عَلَيْهِ خِلافَ سَلامِهِ عَلَى الْغَنيَّ لَقِيَ الله عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبان »(3)إنّ أئمة أهل البيت (علیهم السلامهم قادة الإسلام وحماته الذين يحكون واقعه وجوهره الذي منه المساواة العادلة بين جميع المسلمين من دون تمييز بعضهم على بعض إلا بالتقوى .)


1) وسائل الشيعة : 8 483 .

2) حياة الإمام عليّ بن موسى الرضا عل الا : 2 : 82 .

3) وسائل الشيعة : 8 442.

6 - أفضل العقلتحدّث الإمام (علیه السلام عن أفضل ما يتصوّره العقل ، قال :)«أَفْضَلُ الْعَقْلِ مَعْرِفَةُ الْإِنْسَانِ نَفْسَه »(1)إنّ من معالي أخلاق الإنسان ، ومن نضوج فكره أن يعرف نفسه ، كيف صوّرت أجهزتها العجيبة من العقل والسمع والبصر وغير ذلك من مكوّناتها ، وفي الحديث :«مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ » .إنّ معرفة الإنسان لنفسه تبعده عن مآثم الحياة ، وتصدّه عن الشرّ ، وتهديه للتي هي أقوم .7 - التفكر في أمر الله تعالىمن تمام الإيمان التفكير في أمر الله تعالى . قال(علیه السلام:)«لَيْسَتِ الْعِبادَةُ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ، إِنَّمَا الْعِبادَةُ كَثْرَةُ التَّفَكُرِ فِي أَمْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ »(2.)إن التفكر في مخلوقات الله تعالى ، والتأمل في بدائع خلقه ، والنظر فيما يحتويه هذا الكون من الأسرار والعجائب يدلّل على عظمة الخالق العظيم ، وإذا أمن الإنسان بوجود ربّه ، فقد كملت أخلاقه وابتعد عن كلّ إثم وشرّ .8 - محاسبة النفسدعا الإمام الالها إلى محاسبة الإنسان لنفسه ، والنظر في أعماله ، فإن كانت


1) أعيان الشيعة : 4 : 196 ، القسم الثاني .

2) الميزان في تفسير القرآن : 8 369 وسائل الشيعة : 11: 153.

حسنة استزاد منها ، وإن كانت سيّئة تاب منها . قال(علیه السلام:)« مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ رَبِحَ ، وَمَنْ غَفَلَ عَنْها خَسِر»(1)إنّ من مكارم أخلاق الإنسان أن يحاسب نفسه فيما يعمله من خير أو شرّ ، فإن حاسبها ربح ، ومن أهملها فإنّها تهبط به إلى مستوى سحيق ما له من قرار .9 - تماميّة العقلتحدّث الإمام عن تماميّة العقل وكماله . قال(علیه السلام:)«و لَا يَتِمُّ عَقْلُ امْرِي مُسْلِمٍ حَتَّى يَكُونَ فيهِ عَشْرُ خِصال: الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ ، وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ ، يَسْتَكْثِرُ قَليلَ الْخَيْرِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَيَسْتَقِلُّ كَثيرَ الْخَيْرِ مِنْ نَفْسِهِ ، لَا يَسْأَمُ مِنْ طَلَبِ الْحَوائِجِ إِلَيْهِ ، وَلَا يَمَلُّ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ طُولَ دَهْرِهِ ، الْفَقْرُ فِي اللَّهِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْغِنى ، وَالذُّلُّ في اللهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعِزَّ في عَدُوِّهِ، وَالْخُمولُ أَشْهَى إِلَيْهِ مِنَ الشُّهْرَةِ » .ثم قال : «الْعاشِرَةُ وَما الْعاشِرَةُ ؟ » .فقيل له : « وما هي ؟ » .قال (علیه السلام : «لا يَرىَ أَحَداً إِلَّا قالَ : هُوَ خَيْرٌ مِنَى وَأَنْفَى ، إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلانِ : رَجُلٌ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَتْقى ، وَرَجُلٌ شَرٌّ مِنْهُ وَأَدْنى ، فَإِذا لَقِيَ الَّذِي هُوَ شَرٌّ مِنْهُ وَأَدْنى قال : لَعَلَّ خَيْرَ هذا باطِنٌ وَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ، وَخَيْرِي ظَاهِرٌ وَهُوَ شَرٌّ لِي ، وَإِذا رَأَى الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَتْقَى تَواضَعَ لَهُ لِيَلْحَقَ بِهِ ، فَإِذا فَعَلَ ذلِكَ فَقَدْ عَلا مَجْدُهُ ، وَطابَ خَيْرُهُ ، وَحَسُنَ ذِكْرُهُ ، وَسادَ أَهْلَ زَمانِه »(2))


1) أصول الكافي : 2 : 111

2) تحف العقول : 443 .

إنّ من يتحلّى بهذه الصفات الكريمة فقد كملت أخلاقه وسمت نفسه ، وكان على اتصال وثيق بالله تعالى الذي بيده جميع مجريات الأمور والأحداث .10 - من وصيّة له (علیه السلام)أوصى الإمام (علیه السلام أحمد بن محمد بن أبي نصر ، بوصيّة حفلت بمكارم الأخلاق ، كان منها :)« لَا تَمُلَّ الدُّعاءَ فَإِنَّهُ مِنَ اللَّهِ بِمَكانٍ ، وَعَلَيْكَ بِالصَّبْرِ ، وَطَلَبِ الْحَلَالِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَإِيَّاكَ وَمُكاشَفَةَ النَّاسِ ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ نَصِلُ مَنْ قَطَعنا ، وَنُحْسِنُ إِلَى مَنْ أَساءَ إِلَيْنا ، فَنَرَىٰ وَاللَّهِ فِي ذلِكَ الْعاقِبَةَ الْحَسَنَة »(1.)إنّ بنود هذه الوصيّة من أمهات الفضائل ومعالي الأخلاق ، ومن اخذ بها وطبّقها على واقع حياته فقد تحلّى بالأخلاق العالية والآداب الرفيعة .11 - شكر المنعممن آداب أئمة أهل البيت لا الا الحثّ على شكر المنعم والمحسن من عامة الناس.قال الإمام الرضا (علیه السلام:)«مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْمُنْعِمَ مِنَ الْمَخْلُوقينَ لَمْ يَشْكُرِ الله عَزَّ وَجَلَ »(2)إن شكر المنعم والمحسن واجب ، وذلك لإشاعة الخير والمعروف ، فمن لم يشكره وألقى الستار على إحسانه لم يشكر الله تعالى على نعمه وألطافه .


1) وسائل الشيعة : 4 : 129 .

2) وسائل الشيعة : 11 : 542 .

12- خصال کریمةتحدّث الإمام (علیه السلام عن بعض الخصال الكريمة . قال :)«خَمْسٌ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَلَا تَرْجُوهُ لِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ : مَنْ لَمْ تَعْرِفِ الوَثَاقَةَ في أرومَتِهِ ، وَالْكَرَمَ فِي طِباعِهِ ، وَالرَّصانَةَ فِي خُلْقِهِ ، وَالنُّيْلَ فِي نَفْسِهِ ، وَالْمَخَافَةَ لِرَبِّهِ»(1)إذا تسلّح الإنسان بهذه الخصال الكريمة فقد سمت نفسه وارتقت أسمى مراتب الشرف والكمال13 - صلة الأرحاممن معالي الأخلاق التي أكد عليها الإمام صلة الأرحام ، وقد أثرت عنه كوكبة من الأحاديث فيها ، كان منها:1 - قال(علیه السلام : « الرَّجُلُ يَصِلُ رَحِمَهُ فَيَكُونَ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ ثَلَاثُ سِنِينَ ، فَيُصَيَّرُها الله ثَلاثِينَ سَنَةً ، وَيَفْعَلُ الله ما يشاء »(2).)2- قال (علیه السلام: ما نَعْلَمُ شَيْئاً يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا صِلَةُ الرَّحِمِ ، حَتَّىٰ أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ أَجَلُهُ ثَلَاثَ سِنِينَ فَيَكُونَ وَصولاً لِلرَّحِمِ فَيَزِيدُ اللهُ في عُمُرِهِ ثَلَاثِينَ سَنَةٌ ، فَيَجْعَلُهَا ثَلاثاً وَثَلَاثِينَ سَنَةٌ ، وَيَكُونُ أَجَلُهُ ثَلاثاً وَثَلاثينَ سَنَةً فَيَكُونُ قاطِعاً لِلرَّحِمِ فَيُنْقِصَهُ اللَّهُ ثَلاثِينَ سَنَةٌ ، وَيَجْعَلُ أَجَلَهُ ثَلَاثَ سنين»(3))3- قال(علیه السلام : قال أبو عبد الله (علیه السلام): « صِلْ رَحِمَكَ وَلَوْ بِشَرْبَةِ ماءٍ ، وَأَفْضَلُ)


1) تحف العقول : 446 .

2) وسائل الشيعة : 15: 243 .

3) المصدر المتقدم : 245 .

ما توصلُ بِهِ الرَّحِمَ كَفُّ الأذى عَنْهُ ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ مَنْساةٌ فِي الْأَجَلِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ»(1.)إن صلة الرحم توجب ترابط المجتمع وتضامنه ، وهما من أهم القيم التي دعا إليها الإسلام.14 - عون الضعيفمن أخلاق الإمام التي دعا إليها عون الضعيف . قال(علیه السلام:)«عَوْنُكَ لِلضَّعيف أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ »(2)15 - الفرج عن المؤمنقال (علیه السلام :)من الأعمال الصالحة والخُلق الكامل الفرج عن المؤمن إذا وقع في محنة . قال (علیه السلام.)« مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ »(3)وبهذا النزر اليسير من كلماته الا في مكارم الأخلاق، وما يتصل بها نطوي الحديث .## مكارم اخلاقةأمّا أخلاق الإمام الرضا(علیه السلام، فإنها صورة مشرقة عن أخلاق جده رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) الذي بعث ليتمّم مكارم الأخلاق ، وينقذ الإنسان من أوحال الجاهلية وأوثانها ،)


1) أصول الكافي : 2 : 151 .

2) حياة الإمام عليّ بن موسى الرضا (علیه السلام): 2 : 82.

3) وسائل الشيعة : 12 : 587 .

وهكذا كان الإمام الرضا (علیه السلام في سمو أخلاقه المثل الأعلى لكل ما جاء به جده (صلی الله علیه وآله وسلم) من القيم الكريمة والمثل العليا، وهذه شذرات من قيم أخلاقه)كلمة جامعة عن أخلاق الإمام (علیه السلام)وتحدّث إبراهيم بن العبّاس عن مكارم أخلاق الإمام(علیه السلام بكلمة جامعة جاء فيها : « ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا (علیه السلام) ؛ ما جفا أحداً قط ، ولا قطع على أحد كلامه ، ولا ردّ أحداً عن حاجة ، وما مد رجليه بين جليسه ، ولا اتكأ قبله ، ولا شتم مواليه ومماليكه ، ولا قهقه في ضحكه ، وكان يجلس على مائدته مماليكه ومواليه ، قليل النوم بالليل ، يحيى أكثر لياليه من أوّلها إلى آخرها ، كثير المعروف والصدقة ، وأكثر ذلك في الليالي المظلمة » (1))حكت هذه الكلمات ما اتصف به الإمام الله من مكارم الأخلاق ، وهي :1 - إنه لم يجفو أحداً من الناس ، سواءً أكانوا من أحبائه أم من أعدائه ، وإنما كان يقابلهم ببسمات فيّاضة بالبشر .2- إنّه لم يقطع على أي أحد كلامه ، وإنّما يتركه حتى يستوفي حديثه .3- إنّه لم يمد رجليه بين جليسه ، وإنما يجلس معه متأدباً .4 - إنّه لم يتكئ قبل جليسه ، وإنما يتكئ بعده احتراماً له .ه - إنّه لم يشتم أي أحد من مماليكه ومواليه وإن أساء واله6 - إنّه لم يترفع على مواليه ومماليكه ، وكان يجلس معهم على مائدة الطعام .7- كان كثير العبادة، وكان ينفق لياليه بالصلاة وتلاوة كتاب الله تعالى .8- كان كثير المعروف، والصدقة على الفقراء والبؤساء ، وكانت صلاته لهم في(1)


1) حياة الإمام محمد الجواد الله : 37 .

غلس الليل لئلا يعرفه أحد .هذه بعض مكارم أخلاقه التي شاهدها إبراهيم بن العباس ، وهي تضارع أخلاق آبائه (علیهم السلام الذين فجروا ينابيع العلم والحكمة في الأرض.)لمحات من أخلاقه (علیه السلام)تحدّث المؤرّخون عن بوادر كثيرة من مكارم أخلاقه ، كان منها :1 - إنّه لما تقلّد ولاية العهد ، وهي أرقى منصب في الدولة العباسية الممتدة الأطراف في معظم أنحاء الأرض ، لم يأمر (علیه السلام أحداً من مواليه وخدمه في الكثير من شؤونه ، وإنّما كان يقوم بنفسه في خدمة نفسه، وقد احتاج إلى الحمام ، فكره أن يأمر أحداً بتهيئته له ، ومضى إلى حمّام البلد ، ولم يكن صاحبه يظنّ أنّ ولي العهد يأتي إلى حمّام البلد ، فإنّ حمامات الملوك في قصورهم ، ولما دخل الإمام إلى الحمام بصر به جندي لا يعرفه ، فأمره أن يصب الماء على رأسه ، وينظفه ، ففعل الإمام ذلك ، ودخل الحمام رجل كان يعرف الإمام ، فرآه يقوم بتنظيف الجندي ، فصاح به : « هلكت ، أتستخدم ابن بنت رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم » ، فذعر الجندي وأقبل على الإمام متضرّعاً قائلاً: « يا بن رسول الله ، هلا عصيتني إذ أمرتك ؟ » .فتبسّم الإمام وقال له بلطف ورفق :«إِنَّها لَمَثوبةٌ ، وَما أَرَدْتُ أَنْ أَعْصيك فيما أتابُ عَلَيْه »(1.)أرأيتم هذه النفس الملائكيّة التي ضارعت الأنبياء في سموّ أخلاقهم ونكران ذواتهم .2 - ومن سموّ أخلاقه أنّه إذا جلس على مائدته أجلس عليها مماليكه حتّى


1) نور الأبصار: 138 . عيون التواريخ : 3 : 227 .

السايس والبّواب(1، وقد ضرب بذلك مثلاً لإلغاء التمايز بين الناس ، وأنّهم جميعاً على صعيد واحد لا فرق لأحد منهم على الآخر.)3- ومن عظيم أخلاقه ما حدث به إبراهيم بن العباس ، قال : سمعت عليّ بن موسى الرضا (علیه الیسلام يقول :)« حَلَفْتُ بِالْعِتْقِ ، وَلَا أَحْلِفُ بِالْعِتْقِ إِلَّا عَتَقْتُ رَقَبَةٌ ، وَأَعْتَقْتُ بَعْدَها جَميعَ ما أَمْلِكُ إِنْ كانَ يَرىَ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ هذا، وأشار إلى عبد أسود من غلمانه « إِذا كانَ ذلِكَ بِقَرابَتي مِنْ رَسولِ اللهِ (صلى الله عليه و آله وسلم إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِي عَمَلَ صَالِحٌ فَأَكونَ أَفْضَلَ بِهِ مِنْه »(2))4 - قال له رجل :«والله ما على وجه الأرض أشرف منك » .فأجابه الإمام قائلاً: « التَّقْوى شَرَّفَتْهُم ، وَطاعَةُ اللهِ أَحْظَتْهُم»(3)قال له رجل :« أنت والله خير النّاس».فردّ عليه الإمام قائلاً:«يا هذا ، خَيْرُ مِنّي مَنْ كانَ أَتْقَى لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَطْوَعَ لَهُ ، وَالله ما نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ(وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ (4)(5) وهكذا كان الإمام (علیه السلام) قد تنكر لجميع مظاهر العظمة والتفوق على خلق الله جدّه رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) وسيرة آبائه العظام الذين أعرضوا عن تعالى ، وهذه هي . زهو الدنيا وفخرها .


1) حياة الإمام عليّ بن موسى الرضاء الله : 1 : 32 .

2) بحار الأنوار: 12 : 28 .

3) حياة الإمام علي بن موسى الرضاء الله : 1 : 33 .

4) الحجرات 49: 13.

5) حياة الإمام علي بن موسى الرضاء (علیه السلام) : 1 : 33 .

1 - زهده(علیه السلام)

من ذاتيّات الإمام الرضاء (علیه السلام) الزهد في الدنيا ، والإعراض عن مباهجها وزينتها ، ومن مظاهر زهده ما رواه محمد بن عباد ، قال : كان جلوس الرضا (علیه السلام) على حصير في الصيف ، وعلى مسح (1)في الشتاء ، ولباسه الغليظ من الثياب ، حتّى إذا برز للنّاس تَزَيَّنَ لهم(2)

وقد التقى به سفيان الثوري فرآه قد لبس ثوباً من الخز ، فأنكر عليه ذلك ، وقال له : « لو لبست ثوباً أدنى من هذا ؟».

فأخذ الإمام يده برفق ، وأدناها من كمه ، فإذا تحت ذلك الثوب مسح ، وقال(علیه السلام)له :« الْخَرُّ لِلْخَلْقِ ، وَالْمِسْحُ لِلحَقِّ »(3)

لقد كان الزهد في الدنيا من أبرز أخلاق الإمام (علیه السلام)، وكان من مظاهر زهده أنّه لمّا تقلّد ولاية العهد لم يحفل بأي مظهر من مظاهر السلطة ، ولم يرغب بأي مظهر من مظاهر العظمة

2 - سخاؤه (علیه السلام)

أما السخاء فهو طبيعة متأصلة فى أئمة أهل البيت (علیهم السلام)، فلا تقرأ سيرة أحد منهم إلا تجده ندي الكف ، باراً بالفقراء ، محسناً للضعفاء ، أما الإمام الرضا(علیه السلام) فكان أحب شيء له في الدنيا البرّ بالفقراء ، وقد ذكر المؤرّخون بوادر كثيرة من جوده وكرمه ، كان منها :


1) المسح : الكساء من الشَّعر .

2) عيون أخبار الرضاء الله : 2 : 178 ، مناقب آل أبي طالب : 4 : 360 .

3) حياة الإمام محمد الجواد الا : 37 .

1 - إنّه أنفق جميع ما كان عنده على الفقراء في يوم عرفة حينما كان في خراسان ، فأنكر عليه الفضل بن سهل ، وقال :

«إنّ هذا المغرم ؟ » .

فأجابه الإمام :

«بَلْ هُوَ المَغْنَمُ ، لا يُعَدُّ مَغْرَماً ما ابْتَغَيْتَ بِهِ أَجْراً وَ كَرَماً»(1)

إنّ إنفاق المال في سبيل الله تعالى ليس مغرماً عند الإمام ، وإنما هو مغنم يتقرب به إلى الله تعالى ، وهذا هو المغنم الذي فيه الخير العميم .

2 - ومن بوادر كرمه أنّ رجلاً سلّم عليه وقال له : أنا رجل من محبّيك ومحبّي آبائك ، ومصدري من الحج ، وقد نفدت نفقتي ، وما معي من الحج ما أبلغ به مرحلة ، فإن رأيت أن ترجعني إلى بلدي ، فإذا بلغت تصدّقت بالذي تعطيني عنك فقال له :

«اجْلِسْ يَرْحَمُكَ اللهُ»، وأقبل على النّاس يحدثهم حتى تفرقوا ، وبقي الإمام ومعه سلیمان الجعفري، فاستأذن منه الإمام ودخل الدار ، ثم خرج وصاح للخراساني . فقام إليه وقال له :

خُذْ هذه المائتي دينارٍ وَاسْتَعِنْ بِها فِي مَؤونَتِكَ وَنَفَقَتِكَ ، وَلَا تَتَصَدَّقْ بِها عَنِّي ،، وانصرف الرجل وقد غمرته نعمة الإمام(علیه السلام) و انبرى سليمان الجعفري فقال للإمام : جعلت فداك ، لقد أجزلت للخراساني ورحمت ، فلماذا سترت وجهك عنه ؟ » .

فأجابه :

«وَإِنَّما صَنَعْتُ ذلِكَ مَخافَةَ أَنْ أَرى ذَلُّ السُّؤالِ في وَجْهِهِ ، لِقَضائي حاجَتَهُ ،


1) حياة الإمام محمد الجواد(علیه السلام).

أَما سَمِعْتَ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم): الْمُتَسَتَّرُ بِالْحَسَنَةِ تَعْدِلُ سَبْعِينَ حِجَّةً ، وَالْمُديعُ بالسَّيِّئَةِ مَخْذُولٌ ، أَما سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِر :

مَتى آتِهِ يَوماً لأطلب حاجةٌ *** رَجعتُ إلى أهلي ووجهي بمائِهِ (1)

3- ومن كرمه أنّ فقيراً قصده وقال له :

«أعطني على قدر مروءتك ؟ »

«لَا يَسَعُني ذلِكَ » .

إنّ مروءة الإمام لا حدّ لها ، والتفت الفقير إلى ذلك فقال له :

«أعطني على قدر مروءتي ؟ » .

وقابله الإمام ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً:

«إِذَنْ نَعَم » .

وأمر له الإمام بمائتي دينار (2)

4 - ومن بره وكرمه أنه إذا أتى بصحفة طعام يأمر بها إلى المساكين ويتلو قوله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (3)، ويقول :

«عَلِمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَيْسَ كُلَّ إِنسانٍ يَقْدِرُ عَلَى عَتْقِ رَقَبَةٍ ، فَجَعَلَ لَهُ السَّبِيلَ إِلَى الْجَنَّة »(4)

ه- ومن معالي إحسانه ومعروفه ما رواه أحمد بن عبيد الله عن الغفاري ، قال : كان لرجل من آل أبي رافع مولى رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) علي حق فتقاضاني ، وألح عليَّ ، فلما

رسول علَيَّ


1) حياة الإمام عليّ بن موسى الرضا علام : 1 : 34 - 35 .

2) مناقب آل أبي طالب : 4 : 361 .

3) البلد 1190 .

4) بحار الأنوار: 12 : 28 .

رأيت ذلك صليت صلاة الصبح في مسجد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ثم توجهت إلى الإمام الرضا (علیه السلام) ، وكان في العريض ، فخرج وعليه قميص ورداء ، فلما نظرت إليه استحييت منه ، فوقف وكان ذلك في شهر رمضان ، فقلت له : جعلت فداك ، إنّ لمولاك علَيَّ حقّ ، وقد شهرني ، فأمرني بالجلوس ، فلم أزل ذلك المكان حتى صليت المغرب وأنا صائم ، فأردت الانصراف فلم ألبث حتى طلع على الإمام ، وقد أحاط به الفقراء ، وهو يتصدّق عليهم ، ثم أمرني بالدخول إلى منزله فدخلت ، وقال لي :

في

ما أَظُنُّ أَنَّكَ أَنْطَرْتَ ..

فقلت : « لا » .

فدعا بطعام ، فأفطرت، وبعد الفراغ أمرني أن أرفع الوسادة وآخذ ما تحتها من المال ، فرفعتها فإذا فيها دنانير ، فوضعتها في كمي وقفلت راجعاً إلى داري ، فدعوت بالسراج فجيء به ، فحسبت الدنانير فإذا بها ثمانية وأربعون ديناراً ، وكان حق الرجل علَيَّ ثمانية وعشرين ديناراً ، وقد كتب على دينار منها : أنّ حق الرجل عليك ثمانية وعشرون ديناراً ، وما بقي لك (1)

هذه بعض البوادر من كرمه ، وهي ترينا أنّه خُلق للبر والمعروف والإحسان إلى الناس .

3- تكريمه (علیه السلام) للضيوف

من مكارم أخلاق الإمام الرضا(علیه السلام) الإحسان إلى الضيوف والبر بهم ، وكان بنفسه يتولى خدماتهم ، وقد استضافه شخص ، فكان الإمام يحدثه ، فتغيّر السراج ، فأراد الضيف إصلاحه ، فوتب الإمام (علیه السلام) وأصلحه ، وقال لضيفه :


1) بحار الأنوار: 12 : 28 .

«إِنَّا قَوْمٌ لا نَسْتَخْدِمُ أَضْيَافَنا »(1).

4 - عتقه(علیه السلام) للعبيد

عراق والتي واهل سنية الجزء الأربعون

من مبرات الإمام (علیه السلام) اعتقه للعبيد وتحريرهم من رقّ العبودية ، ويقول الرواة : إنّه أعتق ألف مملوك (2)

ه - الإحسان للعبيد

كان الإمام (علیه السلام) كثير البر والإحسان للعبيد، ومن برّه بهم ما رواه عبدالله بن الصلت عن رجل من أهل بلخ ، قال : كنت مع الرضا في سفره إلى خراسان ، فدعا بمائدة جمع عليها مواليه من السودان وغيرهم ، فقلت له :

«جعلت فداك، لو عزلت لهؤلاء مائدة ؟ »

فقد أراد الرجل أن لا يجلس الإمام مع السودان ويتناول معهم الطعام ، فأجابه الإمام قائلاً: «إِنَّ الرَّبِّ تَبارَكَ وَتَعالى واحِدٌ ، وَالأم واحِدَةً ، وَالْجَزاءُ بِالأعمال (3). إنّ سيرة أئمة أهل البيت الا جميعاً كانت تهدف إلى إلغاء التمايز العنصري بين الناس ، وأنهم جميعاً في معدن واحد لا يفضل بعضهم على بعض إلا بالتقوى وعمل الخير .

6 - إنابته (علیه السلام) إلى الله عزّ وجل

انقطع الإمام (علیه السلام) إلى الله تعالى ، وأناب إليه وتمسّك بطاعته ، وقد مثلت عبادته جانباً كبيراً من حياته الروحية التي هي نور وورع وتقوى ، يقول بعض شيعته :


1) بحار الأنوار: 12 : 28 .

2) الاتحاف بحبّ الأشراف : 258 .

3) حياة الإمام عليّ بن موسى الرضا (علیه السلام): 1 : 37 .

«ما رأيته قط إلا ذكرت قوله تعالى : ( كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْل مَا يَهْجَعُونَ ) (1).

يقول الشبراوي : « إنّه كان صاحب وضوء وصلاة ، وكان في ليله كله يتوضأ ويصلي ويرقد ، وهكذا إلى الصباح »(2)

إنّ الإمام(علیه السلام) كان أتقى أهل زمانه وأكثرهم عبادة وطاعة الله تعالى ، اسمعوا ما رواه ابن أبي الضحاك عن عبادة الإمام ، وكان المأمون قد بعثه إلى الإمام ليأتي به إلى خراسان ، وقد صحبه من المدينة إلى مرو ، قال :

«والله ما رأيت رجلاً أتقى الله تعالى منه ، ولا أكثر ذكراً له منه ، ولا أشدّ خوفاً الله عزّ وجلّ منه ، كان إذا أصبح صلّى الغداة ، فإذا سلّم جلس في مصلاه يسبح الله تعالى ويحمده ويكبره ويهلله ويصلّي على النبي وآله حتّى تطلع الشمس ، ثمّ يسجد سجدة يبقى فيها حتى يتعالى النهار ، ثمّ يقبل على النّاس يحدّثهم ويعظهم إلى قرب الزوال ، ثمّ جدّد وضوءه وعاد إلى مصلاه ، فإذا زالت الشمس قام وصلّى ستّ ركعات يقرأ في الركعة الأولى : الحمد وقل يا أيها الكافرون ، وفي الثانية : الحمد وقل الله أحد ، ويقرأ في الأربع في كل ركعة الحمد وقل هو الله أحد ويسلّم ، وفي كلّ ركعتين يقنت في الثانية قبل الركوع ، ثمّ يؤذن ثم يصلي ركعتين ، ثم يقيم ويصلّي الظهر ، فإذا سلّم سبّح الله تعالى وحمده وكبّره وهلله ما شاء الله ، ثمّ يسجد سجدة الشكر ، ويقول فيها مائة مرّة : شكراً لله ، فإذا رفع رأسه قام فصلی ست رکعات ، يقرأ في كل ركعة الحمد الله وقل هو الله أحد ، ويسلّم في كل ركعتين ويقنت في الثانية قبل الركوع ، ثمّ يؤذن ثم يصلي ركعتين ويقنت في الثانية ، فإذا سلم قام وصلى العصر ، فإذا سلّم جلس في مصلاه يسبّح الله ويحمده ويكبره ويهلله ، ثمّ يسجد سجدة يقول فيها مائة مرّة حمداً لله ، فإذا غابت الشمس توضأ وصلّى المغرب


1) الذاريات 51: 17 . حياة الإمام علي بن موسى الرضا(علیه السلام) : 42:1 .

2) الاتحاف بحبّ الأشراف : 59 .

ثلاثاً بأذان وإقامة » .

ويأخذ رجاء بن أبي الضحاك في تفصيل عبادة الإمام(علیه السلام) فريضة ونوافلاً، وما يقرأ فيهما من سور القرآن الكريم والتعقيبات التي يأتي بها ، ومعنى روايته أنّ الإمام(علیه السلام) كان مشغولاً بذكر الله تعالى في معظم أوقاته ، فقد كان عملاقاً من عمالقة التقوى والإيمان ، وسرى حبّ الله والخوف منه في جميع عناصره ومقوماته (1).

شذرات من أدعيته(علیه السلام)

وقبل أن نطوي الحديث عن مكارم أخلاق الإمام الرضا(علیه السلام)نعرض إلى بعض أدعيته التي تحكي عبادته وتقواه ، وهي :

1 - قال (علیه السلام):

«يا مَنْ دَلَّني عَلَى نَفْسِهِ، وَذَلَّلَ قَلْبِي بِتَصْدِيقِهِ ، أَسْأَلُكَ الْأَمْنَ وَالْإِيمَانَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ»(2)

وحفل هذا الدعاء على إيجازه بظاهرة مهمّة من ظواهر التوحيد ، وهي أنّ الله تعالى دلّل على ذاته وعرف نفسه لخلقه ، وذلك بما أبدعه في هذا الكون من مظاهر العجائب والغرائب التي تنادي كلها بوجوده تعالى

2 - من أدعيته هذا الدعاء :

«اللَّهُمَّ اَعْطِنِي الْهُدَى ، وَثَبِّتْني عَلَيْهِ ، وَاحْشُرْنِي عَلَيْهِ ، آمِناً أَمْنَ مَنْ لَا خَوْفَ عَلَيْهِ ، وَلاَ حُزْنَ وَلَا جَزَعَ ، إِنَّكَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ » (3)


1) حياة الإمام عليّ بن موسى الرضا علي : 42:1 - 44 .

2) أصول الكافي : 2 : 579 .

3) أعيان الشيعة : 4 : 197 ، القسم الثاني .

حكى هذا الدعاء طلب الهداية والانقياد الكامل إلى الله تعالى الذي هو من أعلى درجات المقربين والمنيبين إلى الله تعالى .

3 - من أدعيته في قنوت صلاته هذا الدعاء :

«اللَّهُمَّ صَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، اللهُمَّ اهْدِنا فيمَنْ هَدَيْت ، وَعافِنا فيما عافَيْتَ ، وَتَوَلَّنا فيمَنْ تَوَلَّيْتَ ، وَبارِك لَنا فيما أَعْطَيْتَ ، وَقِنا شَرَّ ما قَضَيْتَ ، فَإِنَّكَ تَقْضى وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ ، إِنَّهُ لَا يَذلُّ مَنْ والَيْتَ ، وَلَا يعزّ مَنْ عَادَيْتَ ، تَبارَكْتَ وَتَعالَيْتَ»(1)

إن جميع مجريات الأحداث بيده تعالى ، فهو الذي يُعِزّ ويُذل ، وهو يهدي إلى طريق الحق ، وهو الذي يدفع البلاء المبرم ، وينقذ الإنسان من ويلات الأيام وشرورها .

هذه بعض أدعيته ، وقد ذكرنا كوكبة منها في كتابنا حياة الإمام علي بن موسى الرضا (علیه السلام)، وهي تكشف عن جانب مهم من حياته الروحيّة ، وهي الانقطاع إلى الله تعالى والاعتصام بحبله ، وبهذا نطوي الحديث عن بعض مكارم أخلاقه .


1) حياة الإمام علي بن موسى الرضا ال : 1: 44 .

الأمام الجواد (علیه السلام)

اشارة

الإمام محمّد الجواد (علیه السلام) من أروع صور الفكر والعلم في الإسلام ، فقد فجّر ينابيع العلم والحكمة في الأرض ، وكان الرائد للنهضة العلمية والثقافية في عصره ، وقد العلماء والفقهاء ورواة الحديث وطلاب الحكمة إلى مقامه الرفيع للانتهال من نمير علومه ومعارفه ، وهو بسنّه المبكر الذي لا يسمح لمن كان بهذا السن أن يخوض في ميادين العلوم ، وهو دليل حاسم على أنّ الأئمة العظام من أهل بيت النبوة قد منحهم الله تعالى الحكمة وفصل الخطاب من دون فرق بين الكبير منهم وحدث السنّ

وعلى أي حال، فإنّا نعرض لبعض ما أثر عن الإمام الجواد (علیه السلام)من غرر الكلمات في الحث على التحلّى بمكارم الأخلاق ، ثم نعرض لبعض مكارم أخلاقه

مكَادرمُ الأَخْلَاقِ

1 - محاسن الأخلاق

أدلى الإمام الجواد (علیه السلام) بكوكبة من الأحاديث في بيان محاسن الأخلاق ، منها :

1 - قال (علیه السلام) : « مِنْ حُسْنِ خُلُقِ الرَّجُلِ كَفُ أَذَاهُ ، وَمِنْ كَرَمِهِ بِرُّهُ لِمَنْ يَهْواهُ ، وَمِنْ صَبْرِهِ قِلَةٌ شَكواهُ ، وَمِنْ نُصْحِهِ نَهْيُهُ عَمَا لَا يَرْضَاهُ ، وَمِنْ رِزْقِ الرَّجُلِ بِأَخِيهِ تَرْكُ تَوْبِيخِهِ بِحَضْرَةِ مَنْ يَكْرَهُ ، وَمِنْ صِدْقِهِ صُحْبَتَهُ إِسْقَاطُهُ الْمَؤُونَةَ ، وَمِنْ عَلَامَةِ مَحَبَّتِهِ كَثْرَةُ

الْمُوافَقَةِ وَقِلَّةُ الْمُخالفة »(1).

حكت هذه الكلمات الرائعة الأسس الوثيقة لمحاسن الأخلاق ومكارم الصفات والأعمال ، كما حكت الدعوة إلى قيام الصداقة على واقع من الفكر والمرونة .

2 - قال (علیه السلام) : وحَسَبُ الْمَرْءِ مِنْ كَمالِ الْمُروءَةِ أَنْ لا يَلْقى أَحَداً بما يَكْرَهُ.. وَمِنْ عَقْلِهِ إِنْصافُهُ قَبولَ الْحَقِّ إذا بانَ لَهُ »(2).

حكت هذه الكلمات الموجزة روائع الحكمة، فإنّ مقابلة الناس بالكلمات الناعمة والطيبة دليل على نضوج الفكر ، وكذلك قبول الحق إذا تبين له فإنه دليل على نضوج الفكر وسلامته

3- قال(علیه السلام) : « عِنْوانُ صَحِيفَةِ الْمُؤْمِنِ حُسْنُ خُلُقِهِ ، وَعِنْوانُ صَحِيفَةِ السَّعِيدِ حُسْنُ الثَّناءِ عَلَيْهِ ، وَالشُّكْرُ زِيْنَةُ الرِّوايَةِ ، وَخَفْضُ الْجَناحِ زِيْنَةُ الْعِلْمِ ، وَحُسْنُ الآدابِ زِيْنَةٌ الْعَقْلِ ، وَالْجَمَالُ فِي النِّسانِ ، وَالْكَمالُ فِي الْعَقْلِ»(3)

وهذه الخصال الكريمة من أروع ما يتحلى به الإنسان المسلم من الصفات الكريمة ليكون عنواناً للكمال والأدب والفضل .

2 - قضاء حوائج النّاس

حثّ الإمام الجواد (علیه السلام) على السعي والمبادرة في قضاء حوائج الناس ؛ وذلك لما يترتب عليها من الثواب والأجر الجزيل . قال(علیه السلام) :

«إِنَّ لِلَّهِ عِباداً يَخُصُّهُم بِدوامِ النَّعَمِ ، فَلَا تَزالُ فيهِم مَا بَذَلُوا لَهَا ، فَإِذَا مَنَعوها نَزَعَها


1) الإتحاف بحبّ الأشراف: 77 ، الدر النظيم : ورقة 223 .

2) حياة الإمام محمد الجواد الله : 112 .

3) المصدر المتقدّم : 113 .

عَنْهُم وَحَوَّلَها إِلى غَيْرِهِم »(1).

وأكدّ ذلك في حديث آخر قال (علیه السلام) :

«ما عَظُمَتْ نِعَمُ اللهِ عَلى أَحَدٍ إِلَّا عَظُمَتْ إِلَيْهِ حَوائِجُ النَّاسِ ، فَمَن لَمْ يَحْتَمِلُ تِلْكَ الْمَوْونَةَ عَرْضَ تِلْكَ النِّعْمَةِ لِلزَّوالِ »(2).

إنّ دوام النعمة وسلامتها من الزوال منوط بقضاء حوائج الناس ، فمن لم يقم من ذوي النعم بذلك فقد عرضوها للزوال.

3- فعل المعروف

حثّ الإمام (علیه السلام) على فعل المعروف ، قال (علیه السلام) :

«أَهْلُ الْمَعْرُوفِ إِلَى اصْطِنَاعِهِ أَحْوَجُ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّ لَهُم أَجْرَهُ وَفَخْرَهُ وَذِكْرَهُ ، فَمَهُما اصْطَنَعَ الرَّجُلُ مِنْ مَعْرُوفٍ فَإِنَّهُ يَبْتَدِأُ فِيهِ بِنَفْسِهِ ،»(3).

وهذه الكلمة من روائع الحكم ، فإنّ صاحب المعروف قد أبقى له ذكراً عاطراً وجميلاً، وفاز برضا الله تعالى ، فتدبّر بنفسه ، وأحسن لذاته .

4 - الخصال التي تجلب المودّة

تحدث الإمام(علیه السلام) عن الخصال التي تجلب المودة والحب ، قال (علیه السلام) :

« ثَلَاثُ خِصالٍ تَجْلِبُ فِيْهِنَّ الْمَوَدَّةُ : الإِنْصَافُ فِي الْمُعاشَرَةِ ، وَالْمُواساة فِي الشَّدَّةِ ، وَالانْطِواءُ عَلَى قَلْبٍ سَلِيمٍ »(4)

حقاً إن هذه الخصال تشيع المودة بين الناس ، وتنشر المحبة والألفة بينهم .


1) الفصول المهمّة / ابن الصباغ : 258

2) الفصول المهمّة / ابن الصباغ : 258

3) حياة الإمام محمد الجواد (علیه السلام): 114 .

4) حياة الإمام محمد الجواد الله : 112 ، نقلاً عن الفصول المهمّة : 258 .

5 - خصال كريمة

تحدّث الإمام الجواد (علیه السلام) عن بعض الخصال الكريمة التي توجب رضوان الله تعالى والقرب منه.

قال (علیه السلام) : « ثَلَاثَةٌ يَبْلُغْنَ بِالْعَبْدِ رِضْوَانَ اللَّهِ تَعَالَى : كَثْرَةُ الْإِسْتِغْفَارِ ، وَلِينُ الْجَانِبِ وَكَثْرَةُ الصَّدَقَةِ ، وَثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ لَمْ يَنْدَم : تَرْلُ الْعَجَلَةِ ، وَالْمَشْوَرَةُ ، وَالتَّوَكُلُ عَلَى اللهِ تَعَالَى عِنْدَ الْعَزْم »(1).

حكى هذا الحديث الخصال التي تقرّب الإنسان من الله تعالى ، وهي :

1 - كثرة الاستغفار.

2 - لين الجانب.

3 - كثرة الصدقة .

وهذه الخصال الكريمة يحبّها الله تعالى ، ويبلغ بها الإنسان رضوان الله تعالى . كما حفل هذا الحديث بالخصال التي يسعد بها الإنسان في حياته وهي :

1 - ترك العجلة ، فإنّها تسبّب للإنسان الكثير من المشاكل . يقول الشاعر :

قد يدركُ المُتَأَنِّي بعضَ حَاجَتِهِ *** وقد يكونُ معَ المُسْتعجل الزَّلل

2 - المشورة، وعدم الاستبداد الذي يلقي الإنسان في الخطأ.

3- الابتعاد عن التردّد ، فإنّه يوجب اضطراب النفس ، فإذا عزم الإنسان على شيء غير محرّم فليتوكل على الله تعالى .

6 - التقوى والعلم

تحدّث الإمام الجواد (علیه السلام) عن فضل العلم والتقوى ، قال(علیه السلام) :


1) حياة الإمام محمد الجواد الله : 119 .

« اعْلَموا أَنَّ التَّقْوى عِزّ ، وَأَنَّ الْعِلْمَ كنز ، وَأَنَّ الصَّمْتَ نور »(1)

إن تقوى الله تعالى عز وشرف للإنسان ، وفي الحديث إذا أردت عزاً بلا عشيرة ، وهيبة بلا سلطان فاتق الله تعالى ، وأما العلم فهو نور .

يقول ابن سينا : « إنّما النفس كالزجاجة ، والعلم نور ، وحكمة الله زيت » .

فإذا أَشْرقتْ فَإِنَّكَ حَى *** وَإِذا أَظْلَمتْ فَإِنَّكَ مَبْتُ

ما يحتاج إليه المؤمن

تحدّث الإمام الجواد(علیه السلام) عما يحتاج إليه المؤمن في حياته . قال(علیه السلام) :

«الْمُؤْمِنُ يَحْتاجُ إلى تَوْفِيقِ مِنَ اللهِ تَعَالَى ، وَواعِظ مِنْ نَفْسِهِ ، وَقَبولٍ مِمَّنْ يَنْصَحُهُ »(2).

وهذه الخصال ضرورة للمؤمن الذي ينهج طريق الحق ، وما يقربه إلى الله زلفى .

7- الثقة بالله عز وجل

قال (علیه السلام) :« إِنَّ مَنْ وَيْقَ ِباللهِ أَراهُ السُّرُورَ ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ كَفاه الأمورَ ، وَالثَّقَةُ بالله

حِضْنَ لَا يَتَحَصَّنُ فِيهِ إِلَّا الْمُؤْمِنُ ، وَالتَّوَكَّلُ عَلَى اللهِ نَجاةٌ مِنْ كُلِّ سُوءٍ ، وَحِرْزَ مِنْ كُلِّ عَدُو »(3).

إنّ أعظم الوسائل التي يحتاج إليها الإنسان في حياته هي :

1 - الثقة بالله تعالى خالق الكون وواهب الحياة ، فمن وثق به أراه الخير بجميع رحابه .


1) حياة الإمام محمد الجواد(علیه السلام) : 114 .

2) تحف العقول : 457 .

3) الفصول المهمّة / ابن الصباغ : 373 .

2 - التوكل على الله تعالى ، فإنّه حرز له من كلّ عدوّ ، ونجاة من كلّ سوء.

9- الاستغناء بالله عزّ وجل

قال (علیه السلام) : « مَنِ اسْتَغْنى بِاللهِ افْتَقَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ، وَمَن اتَّقَى الله أَحَبَّهُ النَّاسُ»(1).

إن من يستغنى بالله فقد استند إلى أعظم قوّة ومصدر كلّ عطاء ، ومن الطبيعى أن النّاس تفتقر الله ، كما أنّ من أحب الله تعالى فقد أحبّه النّاس وأخلصواله لأنه من منابع الخير والصلاح .

قال (علیه السلام) : « مَنِ انْقَطَعَ إِلى غَيْرَ اللهِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَيْهِ »(2).

10 - القصد إلى الله عزّ وجلّ بالقلوب

إنّ من واقع الإيمان والقصد إلى الله تعالى في أعماق القلوب ودخائل النفوس ، ومن المؤكد أنّ ذلك أبلغ بكثير من أتعاب الجوارح ومعاناتها بالأعمال الخالية من الإيمان .

قال (علیه السلام) :« الْقَصْدُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِأَعْمالِ الْقُلوبِ أَبْلَغَ مِنْ أَنْعَابِ الْجَوارِحِ »(3).

وبهذه اللقطات من كلماته الذهبية التي تمثل جانبه الأخلاقي والروحي نطوي الحديث عن بعض ما أثر عنه في هذا الموضوع ، ونعرض إلى بعض مكارم أخلاقه .


1) جوهرة الكلام : 150 .

2) الدر النظيم : الورقة 33 .

3) المصدر المتقدّم : الورقة 233 .

مساوئ الصفات

1 - البدع والطمع

قال (علیه السلام) : ( ما هَدَمَ الدِّينَ مِثْلُ الْبِدَع ، وَلَا أَزالَ الْوَقارَ مِثْلُ الطَّمَع »(1)

. حكت هذه الكلمات بعض الخصال التي تهدم الدين، وتزيل الوقار ، وهي :

البدع ، وهي التي تلصق بالدين وليست منه ، فإنّها تشوّه الواقع الديني ،

وتلحق الضرر بأرصدته الروحية والفكرية .

2 - الأطماع ، فإنّها تجر الإنسان إلى ميادين سحيقة من مجاهل هذه الحياة .

2 - الشتم والتهوّر

حذر الإمام الجواد (علیه السلام)من الشتم والتهور ، قال (علیه السلام) :

مَنْ شَتَمَ أُجِيبَ ، وَمَنْ تَهَورَ أُصيب»(2)

حكت هذه الكلمة الموجزة الواقع السئ للشاتم والمتهوّر ، فإن الشاتم يجاب

بالمثل أو بأكثر منه ، والمتهوّر فإنّه يصاب بتهوّره ، ويلقى نفسه في شرّ عظيم .

مَکارِمُ َخلاقِهِ

أما أخلاق الإمام الجواد(علیه السلام)فإنّها على سمت أخلاق آبائه العظام الذين كانوا امتداداً ذاتياً لأخلاق جدّهم رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ، فقد ضارعوه بجميع اتجاهاته ومكارم آدابه وأخلاقه .


1) الدرّ النظيم : الورقة 114 .

2) حياة الإمام محمد الجواد الا : 115 .

وهذا عرض موجز لمكارم أخلاق الإمام الجواد (علیه السلام) :

1 - الإحسان إلى النّاس

من معالى أخلاق الإمام الجواد (علیه السلام) الإحسان إلى الناس ، والبرّ بهم ، وذكر المؤرّخون بوادر كثيرة من إحسانه ، كان منها ما رواه أحمد بن زكريا الصيدلاني عن رجل من بني حنيفة من أهالي بست و سجستان (1)، قال : رافقت أبا جعفر في السنة التي حج فيها في أوّل خلافة المعتصم ، فقلت له وأنا على المائدة :

«إنّ والينا جعلت فداك يتوادكم أهل البيت ويحبّكم ، وعلي في ديوانه خراج ، فإن رأيت جعلت فداك أن تكتب إليه بالإحسان إليَّ » .

واعتذر الإمام أوّلاً ، إلا أنّه استجاب له بعد ما عرف أنّ الوالي ممن يدين بالإمامة ، فكتب إليه بعد البسملة :

« أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ مُوصِلَ كِتابي هذا ذَكَرَ عَنْكَ مَذْهَباً جَمِيلاً ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْبَيْتِ وَإِنَّ ما لَكَ مِنْ عَمَلِكَ إِلَّا ما أَحْسَنْتَ فِيهِ ، فَأَحْسِنُ إِلى إِخْوانِكَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ تَعالى سائِلُكَ عَنْ مَثاقيل الذَّرَّةِ وَالْخَرْدَل »(2)

ولمّا قفل الرجل إلى وطنه وعلم الوالي برسالة الإمام الا له أسرع إليه واستلم الرسالة فقبلها ، وسأله عن حاجته ، فأخبره بها ، فقال له :

«لا تؤدُّ لي خراجاً ما دام لي عمل ، ثمّ أمر له بصلة له ولعياله ، وظل الرجل لا يؤد الخراج ما دام الوالي موجوداً ، كما أنّه لم يقطع عنه صلته . كلّ ذلك ببركة


1) سجستان : تقع جنوب هراة ، بلد ساكنوه من الشيعة الأشراف ، امتنع أهلها من لعن أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وأي شرف أعظم من امتناعهم من لعن أخي رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)، وباب مدينة علمه - معجم البلدان : 3 : 190.

2) الخردل : نبات حبّه صغير جداً.

الإمام ولطفه (1).

2 - مواساة النّاس

من معالي أخلاق الإمام الجواد(علیه السلام) مواساته للناس في السراء والضراء .

1 - ومن بين الذين واساهم إبراهيم بن محمد البغدادي ، فقد جرت عليه مظلمة من قبل الوالي ، فأخبر الإمام بذلك ، فتألّم الإمام بذلك وكتب له رسالة يواسيه على ما حل به جاء فيها .

«عَجَلَ اللهُ نُصْرَتَكَ عَلى مَنْ ظَلَمَكَ ، وَكَفاكَ مَؤونَتَهُ ، وَأَبْشِرْ بِنَصْرِ اللَّهِ عَاجِلاً إِنْ شَاءَ الله ، وَبِالآخِرَةِ آجلاً ، وَأَكْثِرُ مِنْ حَمْدِ اللهِ تَعالى (1).

2 - ومن مواساته للنّاس تعازيه للمصابين والمنكوبين، فقد بعث برسالة إلى رجل فجع بفقد ولده ، جاء فيها بعد البسملة :

«ذَكَرْتَ مُصيبَتَكَ بِعَليَّ ابْنَكَ ، وَذَكَرْتَ أَنَّهُ كانَ أَحَبَّ وُلْدِكَ إِلَيْكَ ، وَكَذلِكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ، إِنَّمَا يَأْخُذُ مِنَ الْوَلَدِ وَغَيْرِهِ أَزْكَى مَا عِنْدَ أَهْلِهِ لَيُعْظِمَ بِهِ أَجْرَ الْمُصابِ بِالْمُصِيبَةِ ، فَأَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ ، وَأَحْسَنَ عَزاءَكَ ، وَرَبَطَ عَلى قَلْبَكَ إِنَّهُ قَديرٌ ، وَعَجَّلَ اللهُ عَلَيْكَ بِالْخَلَفِ ، فَأَرْجُو أَنْ يَكونَ اللهُ تَعَالَى قَدْ فَعَلَ إِنْ شاءَ اللهُ »(2).

وأعربت هذه الرسالة عن تعاطف الإمام مع الناس ومشاركتهم لهم في أحزانهم وآلامهم.

3- ومن معالي أخلاق الإمام(علیه السلام) هي مواساته للناس في مصائبهم وأحزانهم ، فقد كتب إليه شخص يشكو إليه ما ألم به من الأسى لفقد ولده ، فأجابه الإمام برسالة


1) بحار الأنوار: 12 129 (2) بحار الأنوار: 12 : 126 .

2) وسائل الشيعة : 2 874 .

تعزية جاء فيها :

«أما عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَخْتارُ مِنْ مالِ الْمُؤْمِنِ ، وَمِنْ وُلْدِهِ أَنفُسِهِم ليُؤْجِرَهُ عَلى ذلِكَ »(1).

وبهذا اللطف والإحسان الذي غمر به القلوب فقد أخلص له الناس وآمنوا بإمامته .

3 - الكرم والسخاء

ومن سمو أخلاق الإمام الجواد(علیه السلام) أنه كان من أندى النّاس كفّاً ، وأكثرهم

سخاء ، وقد لقب بالجواد لكثرة معروفه وإحسانه إلى الفقراء ، وقد ذكر المؤرّخون صوراً كثيرة من كرمه كان منها :

إن أحمد بن حديد خرج مع جماعة من أصحابه إلى الحج ، فهجم عليهم عصابة من السرّاق فنهبوا ما عندهم من أموال ومتاع ؛ ولما انتهوا إلى المدينة انطلق أحمد إلى الإمام الجواد الالها فأخبره بما جرى عليهم ، فأمر له بكسوة وأعطاه دنانير ليوزّعها على أصحابه ، وكانت بقدر ما نهب منهم (2)، لقد أنعم عليهم الإمام ، وردّ عليهم ما سلب منهم .

2- ومن بره ما رواه العتبي أنّ علويّاً كان يهوى جارية في المدينة ، وكانت يده قاصرة عن ثمنها ، فشكا ذلك إلى الإمام الجواد(علیه السلام) ، فسأله عن صاحبها فأخبره به ، فمضى الإمام إليه ، فاشترى الجارية والضيعة ، والعلوي لا يعلم ، ومضى العلوي يسأل عن الجارية ، فقيل له قد بيعت ، وسأل عن المشتري ، فقيل له لا نعرفه ، ففزع إلى الإمام رافعاً صوته قائلاً:


1) وسائل الشيعة : 2 : 893 .

2) الوافي بالوفيات : 4 : 105 . بحار الأنوار: 12: 109.

«بيعت الجارية » .

فقابله الإمام ببسمات قائلاً: «هَلْ تَدْرِي مَنِ اشْتَراها ؟ » .

«لا».

وانطلق الإمام ومعه العلوي إلى الضيعة التي فيها الجارية ، وأمره بالدخول إلى الضيعة ، فأبى لأنّها للغير ولا يعرفه ، فأصر الإمام عليه بالدخول ، فدخل ومعه الإمام ، فلما رأى العلوي الجارية قال له الإمام :

« أَتَعْرِفُها ؟ ».

«نعم».

«هِيَ لَكَ وَالْقَصْرُ وَالضَّيْعَةُ وَالْغُلَّةُ وَجَمِيعُ ما فِي الْقَصْرِ مِنْ مَتاعِ »(1)

وغمرت العلوي موجات من السرور ، فقد فهم أنّ الإمام قد اشتراها وحار في كيفية شكره للإمام (علیه السلام)، هذه بعض البوادر من كرم الإمام (علیه السلام) .

4 - بره (علیه السلام)بالحيوانات

وشمل بّر الإمام (علیه السلام) الحيوانات ، فقد روى محمد بن الوليد الكرماني ، قال : أكلت بين يدي أبي جعفر الثاني حتى إذا فرغنا ورفع الخوان أراد الغلام أن يرفع ما وقع في الأرض من فتات الطعام ، فنهره الإمام ، وقال له :

« ما كانَ في الصَّحْرَاءِ فَدَعْهُ ، وَلَا فِي الْبَيْتِ قطة حَتَّى تَتَناوَلَ مَا بَقِيَ »، (2)؛ لقد شفق الإمام على الطير وسائر الحيوانات التي ليس عندها طعام لتتناول منه

ه - زهده (علیه السلام)

كان الإمام الجواد(علیه السلام) شاباً في مقتبل العمر ، وقد أعرض عن زينة الحياة ،


1) مرآة الزمان : 6 ، الورقة 105 من مصوّرات مكتبة الإمام أمير المؤمنين. .

2) مستند الشيعة : 15: 245 .

ونبذ جميع مباهجها ورغائبها ، ولم يقم للدنيا أي وزن ، وكان المأمون يغدق عليه بالأموال الوافرة البالغة مليون درهم بالإضافة إلى ما يرد إليه من الحقوق الشرعيّة التي تبعثها له الطائفة الشيعية ، وما يرد إليه من واردات الأوقاف التي في مدينة قم ، إلّا أنّه لم ينفق شيئاً منها في أموره الخاصة ، وإنّما كان ينفقها على الفقراء والبؤساء ، وقد رآه الحسين المكاري في بغداد ، وكان محاطاً بهالة من التعظيم من قبل الأوساط الرسمية والشعبيّة ، فحدثته نفسه أنّ الإمام لا يرجع إلى وطنه ويقيم في بغداد منعماً ، وقرأ الإمام ما في نفسه فقال له :

«يا حُسَيْنُ ، خَبْرُ الشَّعِيرِ وَمِلْحُ الْجَرِيشِ فِي حَرَمٍ جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا تَرانِي فِيهِ »(1).

إنّ الإمام لم يكن من عشاق الملك والعظمة ، وإنّما كان كآبائه الذين طلّقوا الدنيا ثلاثاً ، واتجهوا صوب الله تعالى.

6 - الإنابة إلى الله عزّ وجلّ

من أبرز صفات الإمام الجواد (علیه السلام) الإنابة إلى الله تعالى، فكان من أشد الناس خوفاً من الله تعالى ، وأخلصهم في طاعته شأنه شأن آبائه الذين وهبوا أرواحهم الله تعالى ، وعملوا جاهدين كلّ ما يقربهم إليه زلفى ، فقد قضى أوقاته في الصلاة والصوم وتلاوة كتاب الله تعالى

نماذج من أدعيته (علیه السلام)

وتمثل أدعية الإمام الجواد (علیه السلام) الجانب الروحي من حياته ، فمن أدعيته :

«يا مَن لَا شَبيهَ لَهُ وَلَا مِثال ، أَنْتَ اللَّهُ لَا إِله إِلَّا أَنْتَ ، وَلَا خَالِقَ إِلَّا أَنْتَ تُفْني


1) حياة الإمام محمد الجواد(علیه السلام) : 74 .

الْمَخْلُوقِينَ وَتَبْقَى أَنْتَ ، حَلِمْتَ عَمَّنْ عَصاكَ ، وَفِي الْمَغْفِرَةِ رَجاكَ » (1).

وفي هذا الدعاء تمجيد الله تعالى ، وإخلاص في طاعته ، وخضوع لعظمته .

2 - من أدعيته هذا الدعاء الذي ذكر فيه ما مني به عصره من الظلم والجور والفساد من حكّام عصره ، وهو من الأدعية السياسية . قال(علیه السلام) :

«اللَّهُمَّ إِنَّ ظُلْمَ عِبادِكَ قَدْ تَمَكَّنَ فِي بِلادِكَ حَتَّى أَمَاتَ الْعَدْلَ ، وَقَطَعَ السُّبُلَ ، وَمَحَقَ الْحَقَّ ، وَأَبْطَلَ الصَّدْقَ ، وَأَخْفَى الْبِرَّ ، وَأَظْهَرَ الشَّرَّ ، وَأَهْمَلَ التَّقْوى ، وَأَزالَ الْهُدى ، وَأَزاحَ الْخَيْرَ ، وَأَثْبَتَ الضَّيْرَ - أي الضرر - وَأَنْمَى الْفَسَادَ ، وَقَوَّى الْعِنادَ ، وَبَسَطَ الْجَوْرَ، وَعَدَى الطَّوْرَ.

اللهم يا رَبِّ لَا يَكْشِفُ ذلِكَ إِلَّا سُلْطانُكَ ، وَلَا يُجيرُ مِنْهُ إِلَّا امْتِنانُكَ ، اللهم رَبِّ فَابْتَزَ الظُّلْمَ ، وَبُثَّ جِبَالَ الْغَشْم ، وَأَحْمِلْ سُوقَ الْمُنْكَرِ ، وَأَعِزَّ مَنْ عَنْهُ زَجَرَ ، وَاحْصُدْ شَأْفَةَ أَهْلِ الْجَوْرِ ، وَأَلْبِسْهُمُ الْحَوْرَ بَعْدَ الْكَوْرَ، وَعَجِّلْ لَهُمُ الْبَيَاتَ ، وَأَنْزِلْ عَلَيْهِمُ الْمُثُلاتِ ، وَأَمِتْ حَياةَ الْمُنْكَراتِ لِيَأْمَنَ الْمَخُوفُ ، وَيَسْكُنَ الْمَلْهُوفُ ، وَيَشْبَعَ الْجائِعُ ، وَيُحْفَظَ الضَّائِعُ ، وَيُأْوَى الطَّرِيدُ ، وَيَعُودَ الشَّرِيدُ ، وَيُغْنَى الْفَقيرُ ، وَيُجارَ الْمُسْتَجيرُ ، وَيُوَفَّرَ الْكَبِيرُ ، وَيُرْحَمَ الصَّغيرُ ، وَيُعَزَّ الْمَظْلُومُ ، وَيُذَلَّ الظَّالِمُ ، وَيُفَرَّجَ الْمَغْمُومُ ، وَتَنْفَرِجَ الْغَمَاءُ ، وَتَسْكُنَ الدَّهْمَاءُ ، وَيَمُوتَ الْاِخْتِلافُ ، وَيَحْيَى الْائتِلَافُ ، وَيَعْلُو الْعِلْمُ ، وَيَشْمِلَ السِّلْمُ، وَيُجْمَعَ الشَّتاتُ ، وَيَقْوَى الإيمانُ ، وَيُتْلَى الْقُرْآنُ، إِنَّكَ أَنْتَ الدَّيَانُ

الْمُنْعِمُ الْمَنَانُ »(2)


1) أعيان الشيعة : 2 : 245 .

2) الصحيفة الرضوية : 127 - 128 .

حكى هذا الدعاء الظلم السائد والجور الشامل في البلاد من جراء السياسة السوداء التي انتهجها حكّام بني العباس الذين حوّلوا العالم الإسلامي إلى مزرعة لهم ، فأنفقوا اقتصاد الأمة على شهواتهم ولياليهم الحمراء وأشاعوا الفساد والخلاعة والمجون بين الناس ، ولم يكن لحكمهم أي صلة بالإسلام .

3 - ومن أدعيته هذا الدعاء ، وكان يدعو به في قنوته ، ويذكر حكام عصره ، ويدعو عليهم ، وهذا نصّه :

«اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ بِلَا أَوَّلِيَّةٍ مَعْدُودَةٍ ، وَالْآخِرُ بِلَا آخِرِيَّةٍ مَحْدُودَةٍ ، أَنْشَأْتُنا لَا لِعِلَّةٍ اِقْتِساراً ، وَاخْتَرَعْتَنا لَا لِحَاجَةٍ اِقْتِداراً ، وَابْتَدَعْتَنَا بِحِكْمَتِكَ اختياراً ، وَبَلَوْتَنا بِأَمْرِكَ وَنَهْيِكَ اخْتِباراً»

و من بنوده :

«فَأَنْتَ رَبُّ الْعِزَّةِ وَالْبَهَاءِ ، وَالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِياءِ ، وَالْإِحْسَانِ وَالنَّعْمَاءِ وَالْمَنَّ وَالْآلَاءِ ، وَالْمَنْحِ وَالْعَطاءِ ، وَالْإِنجاز وَالْوَفاءِ. لَا تُحيطُ الْقُلُوبُ لَكَ بِكُنْهِ، وَلَا تُدْرِكُ الْأَوْهَامُ لَكَ صِفَةً ، وَلَا يُشْبِهُكَ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِكَ ، وَلَا يُمَثَلُ بِكَ شَيْءٌ مِنْ صَنْعَتِكَ ، تَبَارَكْتَ أَنْ تُحَسَّ أَوْ تُمَسَّ أَوْ تُدْرِكَكَ الْحَواسِ الْخَمْسُ ، وَأَنَّىٰ يُدْرِكُ مَخْلُوقٌ خَالِقَهُ ، وَتعالَيْتَ يا إلهي عَمّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبيراً».

وبعد الثناء على الله تعالى وتمجيده أخذ يدعو على الظالمين من حكام عصره قائلاً:

«اللَّهُمَّ أَدِلْ لِأَوْليائِكَ مِنْ أَعْدائِكَ الظَّالِمينَ ، الْبَاغِينَ ، النَّاكِثِينَ ، الْقَاسِطِينَ ، الْمارِقِينَ ، الَّذينَ أَضَلُّوا عِبادَكَ ، وَحَرَّفُوا كِتابَكَ ، وَبَدَّلُوا أَحْكامَكَ ، وَجَحَدُوا

حَقَّكَ ، وَجَلَسُوا مَجالِسَ أَوْليائِكَ ، جُرْأَةٌ مِنْهُمْ عَلَيْكَ ، وَظُلْماً مِنْهُمْ لِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكَ ، عَلَيْهِمْ سَلامُكَ ، وَصَلَواتُكَ وَرَحْمَتُكَ وَبَرَكاتُكَ ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا خَلْقَكَ ، وَهَتَكُوا حِجَابَ سِتْرِكَ عَنْ عِبادِكَ ، وَاتَّخَذُوا اللهم مالك دولاً ، وَعِبادَكَ خَوَلاً ، وَتَرَكُوا اللَّهُمَّ عالَمَ أَرْضِكَ فِي بَكْمَاءَ عَمْيَاءَ ظَلْمَاءَ مُدْلَهِمَّةٌ . فَأَعْيُنُهُمْ مَفْتُوحَةٌ ، وَقُلُوبُهُمْ عَمِيَّةٌ ، وَلَمْ تَبْقَ اللهُمَّ عَلَيْكَ مِنْ حُجَّةٍ ، لَقَدْ حَذَرْتَ اللهُمَّ عَذابَكَ ، وَبَيَّنْتَ نَكَالَكَ ، وَوَعْدتَ الْمُطيعينَ إِحْسَانَكَ ، وَقَدَّمْتَ إِلَيْهِمْ بِالنُّذْرِ ، فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ وَأَيَّدْتَ ...

وَجَدِّدِ اللَّهُمَّ عَلَى أَعْدائِكَ وَأَعْدائِهِمْ نارَكَ وَعَذَابَكَ الَّذِي لَا تَدْفَعُهُ عَنِ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » .

ويأخذ الإمام بالدعاء لأولياء الله المطيعين لأمره ، قائلاً:

«اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَقَوِّ ضَعْفَ الْمُخْلِصِينَ لَكَ بِالْمَحَبَّةِ الْمُشايعينَ لَنَا بِالْمُوالاةِ الْمُتَّبِعِينَ لَنَا بِالتَّصْدِيقِ وَالْعَمَل ، الْمُؤازرينَ لَنا ، بِالْمُواساة فينا ، الْمُحيينَ ذِكْرَنا عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمْ ، وَشَدّدِ اللهُم رُكْتهُمْ ، وَسَدّدِ اللّهُمَّ لَهُمْ دينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَيْتَهُ لَهُمْ ، وَأَتْمِمْ عَلَيْهِمْ نِعْمَتَكَ ، وَخَلَّصْهُمْ ، وَاسْتَخْلِصْهُمْ ، وَسُدَّ اللهُمَّ فَقْرَهُمْ ، وَأَلمُم اللهُمَّ شَعْثَ فَاقَتِهِمْ، وَاغْفِرِ اللَّهُم ذُنُوبَهُمْ وَخَطَايَاهُمْ ، وَلَا تُزِغْ قُلُوبَهُمْ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَهُمْ، وَلَا تُخِلَّهُمْ - أَيْ رَبِّ - بِمَعْصِيَتِهِمْ ، وَاحْفَظْ لَهُمْ ما مَنَحْتَهُمْ بِهِ مِنَ الطَّهَارَةِ بِوِلَايَةِ أَوْلِيَائِكَ ، وَالْبَرَاءَةِ مِنْ

أَعْدائِكَ ، إِنَّكَ سَمِيعٌ مُجيب ...»(1)


1) مهج الدعوات: 81. البلد الأمين : 657. الصحيفة الرضوية : 154 .

وانتهى معظم هذا الدعاء الذي حكى لوعة الإمام وأساه على ما ساد في البلاد من الظلم والجور ، كما حكى دعاءه إلى الصالحين والمؤمنين الذين امتحنوا في تلك العصور من حكّام العباسيين الذين أغرقوا البلاد بالبلاء والمحن والخطوب.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الإمام الجواد (علیه السلام) المعجزة الإسلام في مواهبه وعبقرياته ، وقد حكت مكارم أخلاقه أخلاق آبائه العظام دعاة الإصلاح الاجتماعي في دنيا العرب والإسلام.

الأمام الهادي (علیه السلام)

الإمام علي الهادي (علیه السلام) نفحة من روح جدّه رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) في عظيم أخلاقه ، وسموّ ذاته ، وكجدّه الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) في مآسيه وأحزانه ، فقد جرعه فرعون زمانه الطاغية المتوكل العبّاسي أقسى ألوان المحن والخطوب فرض عليه الإقامة الجبرية في سامراء والحصار الاقتصادي، وزجّه بين فترة وأخرى في زنزانات سجونه ، وحرم العلماء والفقهاء من الانتهال من نمير علومه والاستفادة من مواهبه وعبقرياته .

ونعرض إلى بعض الصور التي أثرت عنه من الحكم في مكارم الأخلاق ، ثمّ نعرض إلى أمثلة من معالي أخلاقه ، وفيما يلي ذلك :

مَكَارِمُ الأَخْلَاقِ

اشارة

1 - الحلم

تحدّث الإمام (علیه السلام) عن حقيقة الحلم ومكوّناته وأهميته بهذه الكلمة القيمة قال (علیه السلام).

«الْحِلْمُ أَنْ تَمْلِكَ نَفْسَكَ ، وَتَكْظِمَ غَيْظَكَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ »(1).


1) حياة الإمام على الهادي الله : 157 .

إنّ حقيقة الحلم أن يسيطر الإنسان على نفسه وأعصابه ولا يخضع لعوامل الغضب.

2 - الخير

قال (علیه السلام) :« خَيْرٌ مِنَ الْخَيْرِ فَاعِلُهُ ، وَأَجْمَلُ مِنَ الْجَمِيلِ قائِلُهُ ، وَأَرْجَحُ مِنَ الْعِلْم عامله »(1)

وهذه من الكلمات البليغة ، فقد أشاد فيها ببعض الأشخاص :

1 - فاعل الخير : إنّه بحسب قيمه أفضل من الخير .

2- قائل الجميل : إنّه أجمل من الجميل وذلك لما يسديه من الخير إلى النّاس .

3- العامل بعلمه : أرجح من العلم ؛ لأنّ العلم إنما يطلب لتهذيب النفس ، فإذا عمل به الإنسان فقد صان العلم وأدّى رسالته ، وهو بذلك خير من العلم .

3- نصيحة الإمام (علیه السلام) للمتوكّل

نصح الإمام الهادي (علیه السلام) المتوكل بهذه النصيحة القيّمة . قال (علیه السلام) :

«لَا تَطْلُبِ الصَّفاءَ مِمَّنْ كَدَّرْتَ عَلَيْهِ ، وَلَا الْوَفاءَ مِمَّنْ غَدَرْتَ بِهِ ، وَلَا النُّصْحَ مِمَّنْ صَرَفْتَ سوءَ ظَنَّكَ إِلَيْهِ ، فَإِنَّما قَلْبُ غَيْرِكَ لَكَ كَقَلْبِكَ لَهُ »(2).

ما أروع هذه الكلمات الذهبية التي حفلت بالقيم الكريمة ، فقد حذر فيها المتوكل العباسي من أن يطلب الصفاء والمودّة ممّن غدر بهم ، والوفاء من الذين كدر عليهم وأساء لهم ، وكذلك لا يطلب النصيحة ممّن ساء ظنّه بهم ، فإنّ هؤلاء جميعاً خصومه وأعداؤه في دخائل نفوسهم وأعماق قلوبهم .


1) حياة الإمام علي الهادي (علیه السلام): 156 .

2) المصدر المتقدم : 163 .

4 - الدنيا سوق

قال (علیه السلام) : « الدُّنْيا سوق رَبحَ فيها قَوْمٌ ، وَخَسِرَ فيها آخَرون »(1)

الدنيا سوق للمتقين والصالحين ؛ وذلك بما يعملون من الحسنات التي تقرّبهم إلى الله تعالى زلفى ، كما أنّها سوق للفاجرين وذلك بما يقترفونه من المحرمات ، فهي سوق للطرفين.

مساوئ الصفات

1 - سوء الخلق

قال (علیه السلام) : « شَرُّ الرَّزِيَّةِ سُوْءُ الْخُلُقِ »(2)

إنّ من أعظم الرزايا التي يمنى بها الانسان سوء الخُلق ، فإنّه يخلق له الكثير من المشاكل ويلقيه في شرّ عظيم .

2 - التملّق

قال (علیه السلام) :«إِنَّ كَثرَةَ التَّمَلُّقِ يَهْجِمُ عَلَى الْفِطْنَةِ ، فَإِذا حَلَلْتَ مِنْ أَخِيكَ مَحَلَّ الثَّقَةِ فَاعْدِلْ عَن الْمَلَقِ إلى حُسن النية»(3).

كره الإمام التملّق ؛ لأنّه ينم عن ضعف الشخصيّة ، ففيه خنوع وذل ، والإنسان الشريف ينبغي أن يكون عزيز النفس في جميع مراحل حياته


1) حياة الإمام على الهادي الالام : 165 .

2) المصدر المتقدم : 158.

3) المصدر المتقدم : 160 .

3- البخل والطمع

قال (علیه السلام) : « الْبُخْلُ أَذَمُ الْأَخْلَاقِ ، وَالطَّمَعُ سَجِيَّةٌ سَيِّئَةٌ »(1).

حذّر الإمام (علیه السلام) منه ؛ لأنه من الصفات السيئة الرذيلة ، كما حذر من الطمع لأنه يجلب للإنسان الكثير من المتاعب والمصاعب

4 - الحسد والزهو

قال (علیه السلام): «الْحَسَدُ ماحِقُ الْحَسَناتِ ، وَالزَّهْوُ جالِبُ الْمَقْتِ»(2)

حذر الإمام من الحسد لما فيه من الإثم ، فهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب اليابس ، كما في الحديث ، وكما حذّر الإمام من الزهو لأنه من ألوان الكبرياء والفخر وهما يوجبان المقت لمن اتّصف بهما

5 - العجب

قال (علیه السلام) : « الْعُجْبُ صارِفٌ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ ، وَداعِ إِلَى التَّخَبُّطِ (3)فِي الْجَهْلِ »(4).

إنّ إعجاب المرء بنفسه صارف له عن طلب العلم وتهذيب النفس ، ويلقيه في متاهات سحيقة من الجهل .

6 - مخالطة الاشرار

قال (علیه السلام) : « مُخالَطَةُ الْأَشْرارِ تَدُلُّ عَلَى شَرِّ مَنْ يُخالِطُهُم »(5)


1) حياة الإمام علي الهادي الله : 160 .

2) حياة الإمام علي الهادي الله : 160 .

3) التَّخَبُّط : السير على غير هدى ، أو التصرف في الأمور على غير هدى.

4) حياة الإمام علي الهادي الان : 160 .

5) المصدر المتقدم : 161 .

إنّ مصاحبة الأشرار تكسب الشر والجهل ، وتدلّ على سوء من يتصل بهم ؛ لأنه لو كان شريفاً لابتعد في سلوكه عنهم .

قال (علیه السلام) : « الْهُزْهُ فَكاهَةُ السُّفَهاءِ ، وَصِناعَةُ الجُهَالِ »(1).

إنّ الهزء بالنّاس والسخرية بهم إنّما هي بضاعة الجهال وفكاهة السفهاء الذين لا بضاعة عندهم .

7 - الطبائع الفاسدة

قال (علیه السلام) : «لا تُجْعَ فِي الطَّبَائِعِ الْفَاسِدَةِ »(2)

إنّ المصابين بالطبائع الفاسدة ، والمنحرفين في سلوكهم لا ينفع معهم دواء ، ولا علاج يصلح طبائعهم

8- الجهل والبخل

قال (علیه السلام) : «الْجَهْلُ وَالْبُخْلُ أَذَمُّ الأخلاق »(3).

من مساوئ الصفات الجهل والبخل ، فإنّهما يبعدان الإنسان عن الصفات الرفيعة والأخلاق الكاملة.

وبهذه المقاطع من كلماته التي هي إشراق ونور ، نطوي الحديث عن بعض ما أثر عنه في معالي الأخلاق ومحاسن الصفات والتحذير من مساوئ الصفات ، ونعرض إلى مكارم أخلاقه التي هي امتداد ذاتي لأخلاق آبائه العظام صلوات الله عليهم .


1) حياة الإمام علي الهادي الله : 162

2) حياة الإمام علي الهادي الله : 162 .

3) المصدر المتقدم : 164 .

مكارم اخلاقة

أمّا مكارم أخلاق الإمام الهادي (علیه السلام) فهي امتداد مشرق لأخلاق آبائه الأئمة الطاهرين (علیه السلام) الذي أقاموا صروح الفضيلة في دنيا الإسلام، وتجردوا من ومن كل نزعة مادية

الأنانية

الإمام الهادي الا كان دنيا من الفضائل لا يضارعه أحد في عصره في سموّ أخلاقه وآدابه ، وهذه لمحات من فيض أخلاقه :

1 - تكريم العلماء

كان الإمام الهادي (علیه السلام) يبجّل العلماء ويكرمهم ؛ لأنّهم منابع النور والوعي في الإسلام ، وقد كرم الله أحد علماء الشيعة وقد بلغه أنّه حاجج ناصبيّاً فأفحمه ، فسرّ بذلك ، ووفد العالم على الإمام فقابله بحفاوة وتكريم ، وكان مجلسه مكتظاً بالسادة العلويين والعبّاسيّين ، فأجلسه على دست وأخذ يحدثه ويسأل عن حاله سؤالاً حفياً ، فشق ذلك على السادة الحاضرين، فالتفتوا إلى الإمام قائلين له بعنف :

«كيف تقدّمه على السادة من بني هاشم؟».

«فأجابهم الإمام برفق ولطف قائلاً: « إِيَّاكُمُ أَنْ تَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ قالَ اللهُ تَعالى فيهِم : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ﴾ (1)أَتَرْضُونَ بِكِتابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حَكَماً ؟ ..

فانبروا جميعاً قائلين بلهجة واحدة :


1) آل عمران 3: 23 .

«بلى يابن رسول الله »

وأخذ الإمام(علیه السلام) يدلي عليهم ببالغ الحجّة ضرورة تكريم العالم ، وتقديمه على

غیره قائلاً:

أَلَيْسَ الله تعالى قالَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِس فَافْسَحُوا يَفْسَح اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ (1)، فَلَمْ يَرْضَ لِلْعالِم الْمُؤْمِنِ إِلَّا أَنْ يُرْفَعَ عَلَى الْمُؤْمِنِ غَيْرِ الْعالِم ، كَما لَمْ يَرْضَ لِلْمُؤْمِنِ إِلَّا أَنْ يُرْفَعَ عَلَى غَيْرِ الْمُؤْمِنِ ، أَخْبِرُونِي عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) ، هَلْ قالَ : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ أوتُوا النَّسَبَ دَرَجاتٍ ، أَوَلَيْسَ قَالَ اللهُ: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (2).

فَكَيْفَ تُنْكِرُونَ رَفْعِي لِهذا لِمَا رَفَعَهُ اللهُ تَعَالَى ، إِنَّ كَسْرَ هذا لِفُلانِ النَّاصِبِ بِحُجَجِ

اللهِ تَعَالَى الَّتي عَلَّمَهُ إِيَّاها لَأَشْرَفُ مِنْ كُلِّ شَرَفٍ فِي النَّسَبِ )

وسكت الحاضرون ، فقد ردّ عليهم الإمام ببالغ الحجة ، وقوة البرهان (3)

2 - تحذيره (علیه السلام) من مجالسة الصوفيين

حذّر الإمام الهادي (علیه السلام) من الاتصال بالصوفيين ؛ لأنّهم منحرفون عن الحق ، ولا إيمان لهم ، فقد روى محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، قال : كنت مع أبي الحسن الهادي في مسجد النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) إذ أقبل جماعة من أصحابه فيهم أبوهاشم


1) المجادلة 58: 11 .

2) الزمر :39: 9 .

3) حياة الإمام على الهادي الا : 49 - 50 .

الجعفري ، وكان فاضلاً، وله منزلة عند الإمام ، وبينما نحن في الجامع إذ دخل جماعة من الصوفية فجلسوا في جانب من المسجد ، وأخذوا يهللون ويكبرون الله تعالى ، فقال الإمام لأصحابه :

«لَا تَلْتَفِتوا إلى هؤلَاءِ الْخَدَاعِينَ ، فَإِنَّهُمْ حُلَفَاءُ الشَّياطينَ ، وَ مُخَرِّبوا قَواعِدِ الدِّين يَتَزَهَّدُونَ لإِراحَةِ الْأَجْسامِ ، وَيَتَهَجَّدُونَ لِصَيْدِ الْأَنْعامِ ، يَتَجَوَّعونَ عُمْراً حَتّى يُدَيخوا (1)للايكافِ حُمْراً لَا يُهَلِّلُونَ إِلَّا لِغُرُورِ النَّاسِ ، وَلَا يُقَلِّلُونَ الْغَدَاءَ إِلَّا لِمِلْءِ الْعِسَاسِ ، وَاخْتِلافِ قَلْبِ الدَّفْنَاسِ (2)يَتَكَلَّمُونَ النَّاسِ بِإِمْلائِهِم في الْحُبِّ ، وَيَطْرَحونَ بِأَداليلِهِم في الْجُبِّ ، أَوْرادُهُم الرَّقْصُ ، وَالتَّصْدِيَةُ ، وَأَذْكَارُهُم الثَّرَنَّمُ وَالتَّغْنِيَةُ ، فَلا يَتَّبِعُهُم إِلَّا السُّفَهَاءُ ، وَلَا يَعْتَقِدُ بِهِم إِلَّا الْحُمَقاءُ ، فَمَنْ ذَهَبَ إِلى زِيارَةِ أَحَدِهِم حَيّاً أَوْ مَيِّتاً فَكَأَنَّما ذَهَبَ إِلى زِيارَةِ الشَّيْطَانِ ، وَعِبادَةِ الْأَوْثَانِ ، وَمَنْ أَعانَ واحِداً مِنْهُم فَكَأَنَّما أَعانَ مُعاوِيَةَ وَيَزِيدَ وَأَبا سُفْيان »

فانبرى شخص من الشيعة إلى الإمام قائلاً:

«وإن كان معترفاً بحقوقكم ؟».

فزجره الإمام قائلاً:

«دَعْ ذا عَنْكَ ، مَنِ اعْتَرَفَ بِحُقُوقِنا لَمْ يَذْهَبْ فِى عُقوقِنا ، أما تَدْري أَنَّهُم أَخَسُّ طَوائِفِ الصُّوفِيَّةِ ، وَالصَّوفيَّةُ كُلُّهُم مُخالِفونَ لَنا ، وَطَريقَتُهُم مُغايرَةٌ لِطَريقَتِنا ، وَإِنْ هُم إِلَّا نَصارىٰ أَوْ مَجوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، أَوْلَئِكَ الَّذِينَ يَجْتَهِدُونَ فِي إِطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِم وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ »(3).


1) يديخوا : أي يذلّوها.

2) الدَّفْناس : الغبي والأحمق الدنيء البخيل.

3) روضات الجنات : 3 : 134 .

حكى حديث الإمام زيف الصوفيين وأضاليلهم ، وحذر من الاتصال بهم ، وذكر من مساوئهم ما يلي :

1 - إنّهم حلفاء الشيطان في خداعهم وإغرائهم للنّاس .

2 - إنّهم أعداء الإسلام في سلوكهم المنحرف الذي أضافوه إلى الدين وهو منه بريء .

3- إنّ زهدهم في الدنيا لم يكن حقيقياً وإنما لإراحة أبدانهم.

4- إنّ تهجدّهم في الليل ، وإظهارهم للنسك لم يكن خالصاً الله تعالى ، وإنما كان لصيد النّاس وسلب أموالهم .

ه - إن أورادهم لم تكن أوراد عبادة ، وإنّما هي رقص كما أن أذكارهم غناء ولهو وهي خالية من الإخلاص في طاعة الله تعالى .

6 - إن من يتبعهم ويؤمن بهم لا يملك عقله واختياره ، فإنّه إنما يتبع السفهاء واخوان الشياطين (1)

3- الإرشاد

من معالي أخلاق الإمام الهادي (علیه السلام) إرشاد الضال إلى طريق الحق ، وهدايته إلى سواء السبيل ، فقد هدى أبا الحسن البصري المعروف بالملاح ، وكان واقفيّاً قد اقتصر على إمامة الإمام موسى بن جعفر (علیه السلام) ، فالتقى به الإمام الهادي ، وقال له : إِلَى مَتى هَذِهِ النَّوْمَةِ ؟ أما آنَ لَكَ أَنْ تَنْتَبِهَ مِنْها ، ، واستيقظ الرجل من غفلته ، فقد أثرت هذه الكلمات في نفسه ، ورجع إلى الحق ، وترك الوقف(2)


1) حياة الإمام علي الهادي الان : 48 .

2) المصدر المتقدّم : 47 .

4 - العمل

ومن معالي أخلاق الإمام ونكرانه للذات ، وتجرّده من النزعات الماديّة أنّه كان يعمل في أرض له لإعاشة عياله ، وقد رآه علي بن حمزة يعمل في أرضه وقد استنقعت قدماه من العرق ، فقال له :

«جعلت فداك ، أين الرجال ؟ » .

فقال له الإمام برفق وأناة :

« يا عَلِيُّ ، قَدْ عَمِلَ بِالْمِسْحاةِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنّي ، وَمِنْ أَبِي فِي أَرْضِه » .

وبهر الرجل فراح يقول :

« مَن هو ؟ »

«رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه وآله وسلم)، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَآبَائِي كُلُّهم عَمِلُوا بِأَيْدِيهِم ، وَهُوَ مِنْ عَمَلِ

النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلينَ وَالْأَوْصياءِ وَالصَّالِحينَ »(1).

إنّ العمل شعار الأنبياء ، فلم يبعث الله تعالى نبياً إلا كان عاملاً، وقد استندنا إلى هذا الحديث على أهمية العمل وشرفه في كتابنا « العمل وحقوق العامل في الإسلام».

5- الكرم

وثمّة ظاهرة من أخلاق الإمام الهادي (علیه السلام) وهي الكرم والسخاء ، فقد كان من و أندى النّاس كفّاً ، وأكثرهم برّاً وإحساناً بالفقراء والبؤساء ، وذلك بالرغم من الحصار الاقتصادي الذي فرضه عليه الطاغية الفاجر المتوكل العباسي ، وهذه لقطات من جوده


1) حياة الإمام علي الهادي الله : 46 .

1- وفدت كوكبة من أعلام الشيعة على الإمام الهادي كان منهم :

1 - عثمان بن سعيد .

2 - أحمد بن إسحاق الأشعري .

عليّ بن جعفر الحمداني .

4 - أبو عمر .

فشكا إليه أحمد بن إسحاق ديناً عليه ، فأمر الإمام وكيله أن يدفع إليه ثلاثين ألف دينار ، وإلى كلّ واحد منهم مثل ذلك ، وعلّق ابن شهر آشوب على هذه المكرمة العلوية بقوله : « وهذه معجزة لا يقدر عليها إلا الملوك ، وما سمعنا بمثل هذا العطاء » (1).

لقد وفّر الإمام (علیه السلام) لهؤلاء الأعلام العيش الرغيد بإعطائه لهم هذا المال الجزيل . وقد قيل : «خير العطاء ما أبقى نعمة » .

2- ومن كرمه ما رواه إسحاق الجلاب ، قال : اشتريت لأبي الحسن الهادي(علیه السلام) غنماً كثيرة يوم التروية ، فقسمها في أقاربه (2).

3- ومن مبراته وإحسانه للفقراء أنّ اعرابياً قصده في ضيعة له ، فسأله الإمام عن حاجة له ، فقال له : « يابن رسول الله ، أنا رجل من أعراب الكوفة المتمسكين بولاية جدك عليّ بن أبي طالب ، وقد ركبني فادح - أي دين - أثقلني حمله ، ولم أر من أقصده سواك »

فرق الإمام لحاله ، وأكبر ما توسل به من الولاء لجده الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وكان لا يجد ما يسعفه بشيء من المال ، فكتب له ورقة بخطه جاء فيها :

«إِنَّ لِلْأَعْرابِيِّ دَيْناً عَلَيْه » ، وعين مقداره ، وقال له :


1) حياة الإمام على الهادي الله : 43 .

2) حياة الإمام على الهادي الله : 43 .

«خُذْ هَذِهِ الْوَرَقَةَ ، فَإِذا وَصَلْتَ إِلى سُرَّ مَنْ رَأَى ، وَحَضَرَ عِنْدِي جَمَاعَةٌ فَطَالِبُني بِالدَّيْنِ الَّذِي فِي الْوَرَقَةِ ، وَأَغْلِظْ عَلَيَّ فِي تَرْكِ إِيْمَائِكَ ، وَلَا تُخَالِفُني فيما أَقُول » ، فأخذ الأعرابي الورقة ، ولما قفل الإمام راجعاً إلى سرّ من رأى قصدته جماعة من عيون السلطة للسلام عليه ، فجاء الأعرابي فأبرز الورقة ، وطالب الإمام بتسديد ما فيها فجعل الإمام يعتذر له ، والأعرابي يغلظ له في القول ، وبادر بعض أعوان السلطة إلى المتوكل فأخبره بالأمر ، فأمر بحمل ثلاثين ألف درهم للإمام ، ولما وصلت له قال الإمام للأعرابي : «خُذْ هذا الْمَالَ فَأَوْفِ بِهِ دَيْنَكَ ، وَأَنْفِقِ الْباقي عَلى عيالِكَ » .

وأكبر الأعرابي ذلك ، وقال للإمام يبلغ ثلث هذا المبلغ ، ولكن الله أعلم حيث يجعل رسالته فيمن يشاء ، وأخذ الأعرابي المال وهو فرح مسرور يدعو للإمام الذي أنقذه من البؤس والحرمان (1).

هذه أمثلة من كرم الإمام وجوده التي أفاضها على الفقراء لا يبغي بذلك إلا وجه الله تعالى ، وحسبه أنّه من أسرة كانوا يطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، وأن جده الإمام الصادق(علیه السلام) كان يطعم الناس ويكسوهم حتى لا يبقى عند عياله أي شيء من الطعام (2)

6 - الزهد

وعرف الإمام الهادي(علیه السلام) بالزهد والتجرّد عن مباهج الحياة الدنيا ، فعاش عيشة الفقراء ، وقد كان منزله في المدينة وسامراء خالياً من كلّ أثاث ، وقد داهمت


1) الاتحاف بحبّ الأشراف : 67 - 68 . شرح شافية أبي فراس : مخطوط ، الورقة 167 من الجزء الثاني . جوهرة الكلام : 151 .

2) صفة الصفوة : 2 : 98 .

شرطة المتوكل منزله مراراً فلم تجد فيه شيئاً من رغائب الحياة ، وقد داهمت منزله الشرطة في سامراء فوجدوا الإمام في بيت مغلق ، وعليه مدرعة من شعر وهو جالس على الرمل والحصى ليس بينه وبين الأرض فراش .

ويقول السبط ابن الجوزي : «إنّ عليّاً الهادي لم يكن عنده ميل إلى الدنيا ، وكان ملازماً للمسجد ، فلما فتشوا داره لم يجدوا فيه إلا مصاحف وأدعية وكتب علم » (1)

لقد عاش الإمام الهادي على ضوء الحياة التي عاشها جده الإمام أمير المؤمنين المكتفياً من الطعام ما يسد رمقه ، ومن اللباس ما يستر بدنه من دون أن ينعم بأي شيء من ملذات الحياة .

7 - الصبر

من أخلاق الإمام الهادي (علیه السلام) الصبر على محن الدنيا وبلائها ، فقد صبّ عليه الطاغية فرعون زمانه المتوكل العبّاسي جام غضبه ، وجرّعه ألواناً قاسية من التنكيل والاضطهاد ، فقد أجبره على مغادرة المدينة والإقامة الجبرية في سامراء ، وأحاطه بقوى الأمن تحصي عليه أنفاسه ، كما فرض عليه الحصار الاقتصادي ، ومنع من إيصال الحقوق الشرعيّة أو أي صلة له ، كما منع العلماء والفقهاء من الانتهال من نمير علومه ، وقد اعتقله عدّة مرّات وزجه في سجونه ، وكان يتهدده ويتوعده بالقتل ، ويقول : « والله لأحرقن جسده بالنار بعد القتل » (2)

وكان يجلبه معتقلاً إلى قصوره مستهيناً به ، وسلك جميع الوسائل للحطّ من شأنه والتنكيل به ، والإمام صابر ممتحن كأشدّ ما يكون الامتحان .


1) صفة الصفوة : 2 : 45 .

2) حياة الإمام علي الهادي الله : 264 .

8 - إنابته (علیه السلام) الله عزّ وجل

أما البارز من أخلاق الإمام الهادي (علیه السلام) فهو الإنابة إلى الله تعالى وخشيته ، فكان معظم أيام حياته صائماً في النهار ، قائماً في الليل ، يناجي ربه ويدعوه ، ويتلو كتابه ، وكان هذا هو السمت البارز في أخلاق أئمة أهل البيت (علیهم السلام) ، ورحمة الله أبا فراس الحمداني الذي قارن بين الأئمة الطاهرين (علیهم السلام) وبين خصومهم وأعدائهم العباسيين الذين أسرفوا في اقتراف ما حرم الله تعالى من إثم ، قال :

تُمْسِي التَّلَاوَةُ فِي أَبْيَاتِهِمْ سَحَراً *** وَفِي بُيُوتِكُمُ الْأَوْتَارُ وَالنَّغَمُ

لقد كان الإمام الهادي(علیه السلام) فرعاً من شجرة التقوى في عبادته الله تعالى وتقواه و ورعه وشدّة تحرّجه في الدين، وهذه شذرات من إنابته الله تعالى :

1 -مناجاته (علیه السلام) الله تعالى

وأثرت عن الإمام الهادي (علیه السلام) عدة مناجات روحيّة مع الله تعالى دلّت على مدى طاعته للخالق العظيم ، كان منها هذه المناجاة :

1 - «إلهي تاهَتْ أَوْهامُ الْمُتَوَهُمينَ ، وَقَصُرَ طَرْفُ الطَّارِفِينَ ، وَتَلاشَتْ أَوْصافُ الْواصِفِينَ ، وَاضْمَحَلَّتْ أَقَاوِيلُ الْمُبْطِلِينَ عَنِ الدَّرْكِ لِعَجِيبِ شَأْنِكَ أَوْ الْوقوع بِالْبلوغ إِلى عُلُوكَ ، فَأَنْتَ فِي الْمَكانِ الَّذِي لَا يَتَناهى ، وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْكَ عُيون بإشارَةٍ وَلَا عِبارَةٍ ، هَيْهَاتَ ثُمَّ هَيْهَاتَ ، يَا أَوَّلُ يا واحِدُ ، شَمَخْتَ بِالْعُلُو بِعِزَّ الْكِبْرِياءِ ، وَارْتَفَعْتَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ غَوْرَةٍ ، وَنِهَايَةٍ بِجَبَرُوتِ الْفَخْر» (1).


1) الصحيفة الرضويّة : 162 .

حكت هذه المناجاة الرفيعة عظمة الخالق العظيم الذي لا تحيط العقول بكنه معرفته . يقول الشاعر :

فيك يا أعجوبة الكون غدا الفكرُ عَليلاً *** فكرى كُلَّما دانَ شِبراً فرَّ ميلا

أَنْتَ حَيَّرت ذوى اللُّبِّ وَبَلْبَلْتَ الْعُقُولا

2- ومن مناجاته قوله (علیه السلام) :

«اللَّهُمَّ مَناهِلُ كَرامَاتِكَ بِجَزيل عَطِيَّاتِكَ مُتْرَعَةٌ ، وَأَبْوَابُ مُناجاتِكَ لِمَنْ أَمَّكَ - أَيْ فَصَدَكَ - مُشْرَعَةٌ ، وَعَطُوفُ لَحَظاتِكَ لِمَنْ ضَرَعَ إِلَيْكَ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٌ ، وَقَدْ أُلْجِمَ الْحِدَارُ ، وَاشْتَدَّ الاضْطِرارُ ، وَعَجَزَ عَنِ الْإِصْطِبَارِ أَهْلُ الْإِنْتِظارِ. وَأَنْتَ اللهُمَّ بِالْمَرْصَدِ مِنَ الْمَكَارِ ، وَغَيْرُ مُهْمِل مَعَ الْإِمْهَالِ ، وَاللَّائِذُ بِكَ آمِنٌ ، وَالرّاغِبُ إِلَيْكَ عَانِمٌ ، وَالْقاصِدُ لِبابِك سالِمٌ ، اللهُمَّ فَعَاجِلْ مَنْ قَدِ اسْتَنَّ فِي طُغْيانِهِ ، وَاسْتَمَرَّ فِى جَهالَتِهِ لِعُقْباهُ فى كُفْرانِهِ ، وَأَطْمَعَهُ حِلْمُكَ عَنْهُ فِي نَيْل إرادَتِهِ ، وَهُوَ يَتَسَرَّعُ إِلَى أَوْلِيَائِكَ بِمَكارِهِهِ ، وَيُواصِلُهُمْ بِقَبَائِح مَراصِدِهِ ، وَيَقْصُدُهُمْ فِي مَظَانَّهِمْ بِأَذَّيَّتِهِ

اللهُمَّ اكْشِفِ الْعَذابَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَابْعَثْهُ جَهْرَةً عَلَى الظَّالِمِينَ ، اللهم اكْفُفْ الْعَذابَ عَنِ الْمُسْتَجِيرينَ ، وَاصْبُبْهُ عَلَى الْمُغْتَرِينَ ، اللهُمَّ بادِرْ عَصَبَةَ الْحَقِّ بِالْعَوْنِ ، وَبادِرْ أَعْوانَ الظُّلْمِ بِالْقَصْم ، اللهُمَّ أَسْعِدنا بِالشُّكْرِ ، وَامْنَحْنا النَّصْرَ ، وَأَعِذْنا مِنْ سوءِ الْبَدْءِ ، وَالْعَاقِبَةِ وَالْخَتْرِ » (1)

وأنت ترى فى هذا الدعاء مدى ما عاناه الإمام(علیه السلام) و وشيعته المؤمنون من الظلم والجور من طاغية زمانه المتوكل العبّاسي الذي لا عهد له بالشرف والإنسانية ، وكان من أهمّ مقوّماته النفسية القتل وسفك الدماء .


1) بحار الأنوار: 82: 226 .

3- ومن مناجاته هذه المناجاة ، ويدعو فيها لشيعته ، ومن بنودها هذه الفقرات :

«أَسْأَلُكَ اللهُمَّ بِاسْمِكَ الَّذِي خَشَعَتْ لَهُ السَّمواتُ وَالْأَرْضُ ، وَأَحْيَيْتَ بِهِ مَوَاتَ الْأَشْياءِ ، وَأَمَتْ بِهِ جَمِيعَ الْأَحْيَاءِ ، وَجَمَعْتَ بِهِ كُلَّ مُتَفَرِّقِ ، وَفَرَّقْتَ بِهِ كُلَّ مُجْتَمِع ، وَأَتْمَمْتَ بِهِ الْكَلِمَاتِ ، وَأَرَيْتَ بِهِ كُبْرَى الْآيَاتِ ، وَتُبْتَ بِهِ عَلَى التَّوَّابِينَ ، وَأَخْسَرْتَ بِهِ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ، فَجَعَلْتَ عَمَلَهُمْ هَباءً منثوراً ، وَتَبَّرْتَهُمْ تَثبيراً.. أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَنْ تَجْعَلَ شِيعَتِي مِنَ الَّذِينَ حُمِّلُوا فَصَدَقُوا ، وَاسْتَنْطِقُوا فَنَطَقُوا آمِنِينَ مَأْمُونِينَ

اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ لَهُمْ تَوْفِيقَ أَهْلِ الْهُدَى ، وَأَعْمَالَ أَهْلِ الْيَقِينِ ، وَمُنَاصَحَةَ أَهْلِ التَّوْبَةِ ، وَعَزْمَ أَهْلِ الصَّبْرِ ، وَتَقِيَّةَ أَهْلِ الْوَرَعِ ، وَكِثْمَانَ الصِّدِّيقِينَ ، حَتَّىٰ يَخافُوكَ - اللهم - مَخافَةً تَحْجُرُهُمْ عَنْ مَعاصِيكَ ، وَحَتَّى يَعْمَلُوا بِطَاعَتِكَ لِيَنالُوا كَرامَتَكَ ، وَحَتَّى يُناصِحُوا لَكَ وَفِيكَ خَوْفاً مِنْكَ ، وَحَتَّىٰ يُخْلِصُوا لَكَ النَّصيحَةَ فِي التَّوْبَةِ حُبّاً لَكَ ، فَتُوجِبَ لَهُمْ مَحَبَّتَكَ الَّتي أَوْجَبْتَها لِلتَّوَّابِينَ وَحَتَّىٰ يَتَوَكَّلُوا عَلَيْكَ فِي أُمُورِهِمْ كُلِّهَا حُسْنَ ظَنِّ بِكَ ، وَحَتَّىٰ يُفَوِّضُوا إِلَيْكَ أمُورَهُمْ ثِقَةً بِكَ. اللَّهُمَّ لَا تُنالُ طَاعَتُكَ إِلَّا بِتَوْفِيقِك ، وَلَا تُنالُ دَرَجَةً مِنْ دَرَجاتِ الْخَيْرِ إِلَّا بِكَ ، اللهم يا مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ ، الْعَالِمَ بِخَفايا صُدُورِ الْعالَمينَ ، طَهِّر الْأَرْضَ مِنْ نَجَسِ أَهْل الشِّرْكِ ، وَأَخْرِسِ الْخَرَاصِينَ عَنْ تَقَوُّلِهِمْ عَلى رَسُولِكَ الْإِفكَ. اللَّهُمَّ اقْصِمِ الْجَبّارينَ ، وَأَبِرِ الْمُفْتَرِينَ ، وَأَبِ-دِ الْأَفاكينَ الَّذِينَ إِذا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحمن قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ، وَأَنْجِزْ لي وَعْدَكَ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْميعاد .. »(1)


1) الصحيفة الرضويّة : 165 و 166 .

4 - دعاء الإمام (علیه السلام) على المتوكل

وضاق الإمام ذرعاً من المتوكل الذي لم يترك لوناً من ألوان الاعتداء والتنكيل إلا صبها عليه ، فالتجأ الإمام إلى الله تعالى أن ينقذه ، فدعا الا بهذا الدعاء الذي هو من ذخائر أدعية أئمة أهل البيت (علیه السلام) ، وهذا نصّه :

«اللَّهُمَّ إِنِّي وَفُلاناً - يَعْنِي الْمُتَوَ كُلَ - عَبْدانِ مِنْ عَبِيدِكَ ، نَوَاصِينَا بِيَدِكَ ، تَعْلَمُ مُسْتَقَرَّنَا وَمُسْتَوْدَعَنا ، وَتَعْلَمُ مُنْقَلَبَنا وَمَنْوانا ، سِرَّنَا وَعَلَانِيَتَنَا ، وَتَطَّلِعُ عَلَى نَيَّاتِنا ، وَتُحيطُ بِضَمَائِرِنا ، عِلْمُكَ بما تُبْدِيهِ كَعِلْمِكَ بِمَا نُخْفِيهِ ، وَمَعْرِفَتُكَ بِمَا تُبْطِنُهُ كَمَعْرِفَتِكَ بِمَا تُظْهِرُهُ ، وَلَا يَنْطَوى عَنْكَ شَيْءٌ مِنْ أُمورِنا ، وَلاَ يَسْتَتِرُ دُونَكَ حالٌ مِنْ أَحْوالِنا ، وَلَا لَنا مِنْكَ مَعْقِلْ يُحْضُتُنَا ، وَلَا حِرْزَ يُحْرِزُنا ، وَلَا هارِبٌ يَفُوتُكَ مِنَا ، وَلَا يَمْتَنِعُ الظَّالِمُ مِنْكَ بِسُلْطانِهِ ، وَلَا يُجاهِدُكَ عَنْهُ جُنودُهُ ، وَلَا يُغالِبُكَ مُغالِبٌ بِمَنْعَتِهِ ، وَلَا يُعازُكَ مُتَعَزِّزْ بِكَثْرَةٍ ، أَنْتَ مُدْرِكُهُ أَيْنَما سَلَكَ ، وَقادِرٌ عَلَيْهِ أَيْنَ لَجَأَ ، فَعاذَ الْمَظْلُومُ مِنَا بِبابِكَ ، وَتَوَكَّلَ الْمَقْهُورُ مِنا عَلَيْكَ ، وَرُجوعُهُ إِلَيْكَ ، وَيَسْتَغِيتُ بك إذا خَذَلَهُ الْمُغيثُ، وَيَسْتَصْرِخُكَ إذا قَعَدَ عَنْهُ النَّصيرُ ، وَيَلوذُ بِكَ إِذا نَفَتْهُ الْأَغْنِيَةُ ، وَيَطْرُقُ بابَكَ إِذا أُغْلِقَتْ دُونَهُ الْأَبْوَابُ الْمُرْتَجَةُ ، وَيَصِلُ إِلَيْكَ إِذا احْتَجَبَتْ عَنْهُ الْمُلوكُ الْغَافِلَةُ ، تَعْلَمُ ما حَلَّ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَشْكُوهُ إِلَيْكَ ، وَتَعْرِفُ ما يُصْلِحُهُ قَبْلَ أَنْ يَدْعُوكَ لَهُ ، فَلَكَ الْحَمْدُ سَميعاً بصيراً ، لَطيفاً قديراً » (1).

تحدّث الإمام (علیه السلام) في هذا المقطع من دعائه عن علم الله تعالى ، وأنّه لا يخفى


1) الصحيفة الرضوية : 189 .

عليه شيء في السموات ولا في الأرض ، وأنه عالم بخفايا الأمور وبواطنها ، وأسرار الأشياء ودقائقها ، كما تحدث عن قدرته تعالى وأنّ كلّ شيء خاضع له ، فلا يمتنع عليه الظالم بسلطانه وجنوده ، وأنه يأخذه أخذ عزيز مقتدر ، وأن المظلوم لا ملجأ له سواه ، فبه يلوذ وبه يستجير ، ويستمر الإمام(علیه السلام) في دعائه :

«اللَّهُمَّ إِنَّهُ قَدْ كانَ فِي سَابِقِ عِلْمِكَ ، وَمُحْكَم قَضائِكَ ، وَجارِي قَدَرِكَ ، وَماضى حُكْمِكَ ، وَنافِذِ مَشِيَّتِكَ فِي خَلْقِكَ أَجْمَعِينَ ، سَعِيدِهِمْ وَشَقِيّهِمْ وَبَرِّهِمْ وَفاجِرِهِمْ ، أَنْ جَعَلْتَ لِفُلانِ بْنِ فُلانٍ - يعني المتوكل - عَلَيَّ قُدْرَةً ، فَظَلَمَنِي ، وَبَغِى عَلَيَّ، وَتَعَزَّزَ عَلَيَّ بِسُلْطانِهِ الَّذِي خَوَّلْتَهُ إِيَّاهُ ، وَتَجَبَّرَ عَلَيَّ بِعُلُوّ حالِهِ الَّتي جَعَلْتَها لَهُ ، وَغَرَّهُ إِمْلَاؤُكَ لَهُ، وَأَطْعَاهُ حِلْمُكَ عَنْهُ ، فَقَصَدَني بِمَكْرُوهِ عَجَزْتُ عَنِ الصَّبْرِ عَلَيْهِ ، وَتَعَمَّدَني بِشَرٍّ ضَعُفْتُ عَنِ احْتِمَالِه ، وَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى الْإِنتِصارِ مِنْهُ لِضَعْفِي وَالْإِنْتِصافِ مِنْهُ لِذَلّي فَوَكَلْتُهُ إِلَيْكَ ، وَتَوَكَّلْتُ في أَمْرِهِ عَلَيْكَ ، وَتَوَعَدْتُهُ بِعُقُوبَتِكَ ، وَحَذَرْتُهُ سَطْوَتَكَ ، وَخَوَّفْتُهُ نِقْمَتَكَ ، فَظَنَّ أَن حِلْمَكَ عَنْهُ مِنْ ضَعْفٍ ، وَحَسِبَ أَنَّ إِمْلَاءَكَ لَهُ مِنْ عَجْزِ، وَلَمْ تَنْهَهْ واحِدَةٌ عَنْ أُخْرَى ، وَلَا انْزَجَرَ عَنْ ثَانِيَةٍ بِأُولى ، وَلَكِنَّهُ تَمادى في غَيِّهِ ، وَتَتَابَعَ في ظُلْمِهِ ، وَلَجَّ فِي عُدْوانِهِ ، وَاسْتَشْرِى فِي طُغْيَانِهِ جُرْأَةً عَلَيْكَ يا سَيِّدي ، وَتَعَرُّضاً لِسَخَطِكَ الَّذي لَا تَرُدُّهُ عَنِ الظَّالِمِينَ ، وَقِلَّةِ اكْتِرَاتٍ بِبَأْسِكَ الَّذِي لَا تَحْبِسُهُ عَنِ الْبَاغِينَ.

فَها أَنا ذا يا سَيِّدِي مُسْتَضْعَفْ فِي يَدَيْهِ ، مُسْتَضَامٌ تَحْتَ سُلْطانِهِ ، مُسْتَذَلَّ بِعِقابِهِ ، مَغْلُوبٌ ، مَبْغِيٌّ عَلَيَّ ، مَغْضُوبٌ ، وَجِلٌ ، خَائِفٌ مُرَوَّعٌ ، مَقْهُورٌ ، قَدْ قَلَّ

صَبْرِي ، وَضاقَتْ حيلتي ، وَانْغَلَقَتْ عَلَيَّ الْمَذاهِبُ إِلَّا إِلَيْكَ ، وَانْسَدَّتْ عَلَيَّ الْجِهاتُ إِلَّا جِهَتُكَ ، وَالْتَبَسَتْ عَلَيَّ أُمُوري فِي دَفْعِ مَكْرُوهِهِ عَنِّي ، وَاشْتَبَهَتْ عَلَيَّ الْآرَاءُ فِي إِزالَةِ ظُلْمِهِ ، وَخَذَلَني مَنِ اسْتَنْصَرْتُهُ مِنْ عِبَادِكَ ، وَأَسْلَمَني مَنْ تَعَلَّقْتُ بِهِ مِنْ خَلْقِكَ ، وَاسْتَشَرْتُ نَصيحي فَأَشارَ عَلَيَّ بِالرَّغْبَةِ إِلَيْكَ ، وَاسْتَرْشَدْتُ دَليلي فَلَمْ يَدُلُّني إِلَّا عَلَيْكَ ، فَرَجَعْتُ إِلَيْكَ يا مَوْلَايَ صاغراً راغماً مُسْتَكيناً عَالِماً أَنَّهُ لَا فَرَجَ لي إِلَّا عِنْدَكَ ، وَلَا خَلَاصَ لِي إِلَّا بِكَ ، انْتَجِزُ وَعْدَكَ فِي نُصْرَتي ، وَإِجابَةِ دُعائي ، فَإِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ الذي لَا يُرَدُّ وَلَا يُبَدَّلُ : وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللهُ (1)، وَقُلْتَ جَلَّ جَلَالُكَ ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْماؤُكَ : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (2)

فَها أَنا فاعِل ما أَمَرْتَني بِهِ لا مَنْاً عَلَيْكَ ، وَكَيْفَ أَمُنُ بِهِ وَأَنْتَ عَلَيْهِ دَلَلْتَني فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاسْتَجِبْ لِي كَمَا وَعَدْتَنِي يَا مَن لَا يُخْلِفُ الميعاد.

وَإِنِّي لَأَعْلَمُ يا سَيّدِي أَنَّ لَكَ يَوْماً تَنْتَقِمُ فِيهِ مِنَ الظَّالِم لِلْمَظْلُوم ، وَأَتَيَقَّنُ أَنَّ لَكَ وَقْتاً تَأْخُذُ فِيهِ مِنْ الْعَاصِبِ لِلْمَغْضُوبِ ؛ لِأَنَّكَ لَا يَسْبِقُكَ مُعائِدٌ ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ قَبْضَتِكَ مُنابِدٌ ، وَلَا تَخافُ فَوْتَ فائِتٍ ، وَلَكِنْ جَزَعِي وَهَلَعي لا يَبْلُغان بِي الصَّبْرَ عَلَى أَناتِكَ وَانْتِظارِ حُكْمِكَ ، فَقُدْرَتُكَ عَلَيَّ يَا سَيِّدي وَمَوْلَايَ فَوْقَ كُلِّ قُدْرَةٍ، وَسُلْطانُكَ غالِبٌ عَلَى كُلِّ سُلْطَانٍ ، وَمَعَادُ كُلِّ أَحَدٍ


1) الحج 22 : 60 .

2) غافر 40 60 .

إِلَيْكَ وَإِنْ أَمْهَلْتَهُ ، وَرُجُوعُ كُلَّ ظالِم إِلَيْكَ وَإِنْ أَنْظَرْتَهُ ، وَقَدْ أَضَرَّنِي حِلْمُكَ عَنْ فُلَانِ بْنِ فَلَانٍ ، وَطُولُ أَنَاتِكَ لَهُ ، وَإِمْهَالُكَ إِيَّاهُ ، وَكَادَ الْقُنُوطُ يَسْتَوْلِي عَلَيَّ ، لَوْلَا الثَّقَةُ بِكَ ، وَالْيَقينُ بِوَعْدِكَ ، فَإِنْ كانَ فِي قَضائِكَ النَّافِذِ ، وَقُدْرَتِكَ الْمَاضِيَةِ أَنْ يُنيبَ أَوْ يَتُوبَ ، أَوْ يَرْجِعَ عَنْ ظُلْمي أَوْ يَكُفَّ عَنْ مَكْرُوهي ، وَيَنْتَقِلَ عَنْ عَظِيمِ مَا رَكِبَ مِنِّي ..

فَصَلِّ - اللهم - على مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَوْقِعْ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ السَّاعَةَ السّاعَةَ قَبْلَ إِزالَتِهِ نِعْمَتَكَ الَّتي أَنْعَمْتَ بِها عَلَيَّ ، وَتَكْديرِهِ مَعْرُوفَكَ الذي صَنَعْتَهُ عِنْدِي ، وَإِنْ كانَ عِلْمُكَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مُقَامِهِ عَلَى ظُلْمي ، فَأَسْأَلُكَ - يا ناصِرَ الْمَظْلُومِ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهِ إِجَابَةَ دَعْوَتي .

فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَخُذْهُ مِنْ مَأْمَنِهِ أَخْذَ عَزيزِ مُقْتَدِرٍ ، وَافْجَأَهُ غَفْلَتِهِ مُقاجَأَةَ مَلِيكٍ مُنْتَصِر ، وَاسْلُبْهُ نِعْمَتَهُ وَسُلْطانَهُ ، وَافْضُضْ عَنْهُ جُمُوعَهُ وَأَعْوَانَهُ ، وَمَزِّقٌ مُلْكَهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ ، وَفَرِّقْ أَنْصارَهُ كُلَّ مُفَرِّقٍ ، وَأَعْرِهِ مِنْ نِعْمَتِكَ الَّتي لَمْ يُقابِلْها بِالشُّكْرِ ، وَانْزَعْ عَنْهُ سِرْبالَ عِزَّكَ الَّذِي لَمْ يُجازِهِ بِالْإِحْسانِ ، وَاقْصِمْهُ یا قاصِمَ الْجَبَابِرَةِ ، وَأَهْلِكَهُ يا مُهْلِكَ الْقُرُونِ الْخالِيَةِ ، وَأَبْرْهُ يا مُبيرَ الظَّالِمَةِ ، وَأَخْذُلْهُ يا خاذِلَ الْفِئاتِ الْباغِيَةِ ، وَابْتُرْهُ عُمْرَهُ ، وَابْتَزَ مُلْكَهُ ، وَعَفٌ أَثَرَهُ ، وَاقْطَعْ خَبَرَهُ ، وَأَطْفِ نارَهُ ، وَأَظْلِمْ نَهارَهُ ، وَكَوِّرْ شَمْسَهُ ، وَأَزْهِقْ نَفْسَهُ ، وَاهْشِمْ سُوقَهُ ، وَجُبْ سَنامَهُ ، وَارْغِمْ أَنْفَهُ ، وَعَجِّلْ حَتْفَهُ ، وَلَا تَدَعْ لَهُ جُنَّةً إِلَّا هَتكتها ، وَلَا دع-امَةً إِلَّا قَصَمْتَهَا ، وَلَا كَلِمَةٌ مُجْتَمِعَةٌ إِلَّا فَرَقْتَهَا ، وَلَا قائِمَةً عُلُوّ إِلَّا وَضَعْتَها، وَلَا رُكْناً إِلَّا وَهَتْتَهُ ، وَلَا سَبَا إِلَّا قَطَعْتَهُ ،

وَأَرِنا أَنْصارَهُ وَجُنُودَهُ وَأَحِبَاءَهُ وَأَرْحَامَهُ عَبادِيدَ بَعْدَ الْأَلْفَةِ ، وَشَتَىٰ بَعْدَ اجْتِماعِ الْكَلِمَةِ ، وَمُقْنِعِي الرُّؤُوسِ بَعْدَ الظُّهُورِ عَلَى الْأُمَّةِ .

وَاشْفِ بِزَوالِ أَمْرِهِ الْقُلُوبَ الْمُنْقَلِبَةِ ، وَالْأَفْئِدَةَ اللَّهفَةِ ، وَالأُمَّةَ الْمُتَحَيّرَةَ ، وَالْبَرِيَّةَ الضَّائِعَةَ ، وَأَحْيِ بِبَوارِهِ الْحُدُودَ الْمُعَطَّلَةَ ، وَالْأَحْكامَ الْمُهْمَلَةَ ، وَالسُّنَنَ الدّائِرَةَ ، وَالْمَعَالِمَ المُغَيَّرَةَ ، وَالتَّلَاوَاتِ الْمُتَغَيِّرَةَ ، وَالآياتِ الْمُحَرَّفَةَ ، وَالْمَدارِسَ الْمَهْجُورَةَ ، وَالْمَحاريب الْمَجْفُوَّةَ ، وَالْمَسَاجِدَ الْمَهْدُومَةَ ، وَأَشْبِعْ بِهِ الْخِمَاصَ السَاغِبَةِ ، وَارْوِ بِهِ اللَّهَواتِ اللَّاغِبَةَ ، وَالْأَكْبَادَ الظَّامِيَةَ ، وَأَرِحْ بِهِ الأقدامَ الْمُتْعَبَةَ ، وَأَطْرُقْهُ بِلَيْلَةٍ لَا أُخْتَ لَهَا ، وَساعَةٍ لَا مَثْوَى فيها ، وَبِنَكْبَةٍ لَا انْتِعَاشَ مَعَها ، وَبِعْثَرَةٍ لَا إِقالَةَ مِنْهَا ، وَأَبحْ حَريمَهُ ، وَنَغْضٌ نَعِيمَهُ ، وَأَرِهِ بَطْشَتَكَ الْكُبرى ، وَنِقْمَتَكَ الْمُثْلَى ، وَقُدْرَتَكَ الَّتي هي فَوْقَ كُلّ قُدْرَةٍ ، وَسُلْطانَكَ الَّذِي هُوَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطانِهِ ، وَاغْلِبُهُ لي بِقُوَّتِكَ الْقَوِيَّةِ ، وَمَحالِكَ الشَّديدِ ، وَامْنَعْنِي بِمَنْعَتِكَ الَّتي كُلُّ خَلْقٍ فِيهَا دَليلٌ ، وَابْتَلِهِ بِفَقْرِ لَا تَجْبُرُهُ ، وَبِسُوءٍ لَا تَسْتُرُهُ ، وَكِلْهُ إِلى نَفْسِهِ فيما يُريدُ ، إِنَّكَ فَعَالٌ لِما تُريدُ .

وَأَبْرِتْهُ مِنْ حَوْلِكَ وَقُوَتِكَ ، وَكِلْهُ إِلَى حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ ، وَأَزِلْ مَكْرَهُ بِمَكْرِكَ . وَادْفَعْ مَشِيَّتَهُ بِمَشِيَّتِكَ ، وَاسْقِمْ جَسَدَهُ ، وَأَيْتِم وَلْدَهُ ، وَأَنْقُصْ أَجَلَهُ ، وَخَيَّبْ أَمَلَهُ ، وَأَزِلْ دَوْلَتَهُ ، وَأَطِلْ عَوْلَتَهُ ، وَاجْعَلْ شُغْلَهُ فى بَدَنِهِ ، وَلَا تَفُكَّهُ مِنْ حُزْنِهِ ، وَصَيَّرْ كَيْدَهُ في ضَلَالٍ ، وَأَمْرَهُ إِلى زَوالٍ ، وَنِعْمَتَهُ إِلَى انْتِقَالٍ ، وَجَدهُ في سَفالٍ ، وَسُلْطانَهُ فِي اضْمِحْلالٍ ، وَعاقِبَتَهُ إِلَى شَرِّ مَالٍ ، وَأَمِنْهُ بِغَيْظِهِ إِذا أَمَتَّهُ وَأَبْقِهِ لِحُزْنِهِ إِنْ أَبْقَيْتَهُ ، وَقِنِي شَرَّهُ وَهَمْزَهُ وَلَمْزَهُ وَسَطوَتَهُ وَعَداوَتَهُ ، وَالْمَحْهُ

لَمْحَةٌ تُدَمِّرُ بِها عَلَيْهِ ، فَإِنَّكَ أَشَدُّ بأساً ، وَأَشَدُّ تَنْكيلاً .

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ ) (1)

وهذا الدعاء الشريف من كنوز آل محمد(صلی الله علیه و آله وسلم) ومن ذخائر أدعيتهم ، وكان العلويون يدعون به إذا دهمهم الحكّام الظالمون بالجور والتنكيل ، وهو دعاء مجرب عندهم ، وأنّ الله تعالى يستجيب دعاءهم ، وينزل نقمته على الظالمين لهم . وعلى أي حال، فقد حكى هذا الدعاء مدى ما عاناه الإمام من الظلم والاضطهاد من الطاغية الفاجر الذي لم يألو جهداً في ظلم الإمام والتنكيل به واضطهاد العلويين وشيعتهم ، فقد اقترف ، فقد اقترف معهم كل إثم ، وكان عهده الأسود شبيهاً بحكام الأمويين الذين جهدوا على محاربة أهل البيت (علیهم السلام) واستئصال شيعتهم .

استجابة دعاء الإمام (علیه السلام)

واستجاب الله تعالى دعاء وليّه الإمام المظلوم على فرعون زمانه الطاغية المتوكل الذي أترعت نفسه بالعداء والكراهية لآل النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)، فقد أخذه الله أخذ عزيز مقتدر ، فسلّط عليه ولده الشهم المنتصر ، فأوعز إلى الأتراك باغتياله ، فهجموا عليه ، وكان ثملاً سكراناً قد ملئت بطنه بالخمر ، فقطعوه بسيوفهم ، وصار لحمه في كؤوس الخمر، وقد انطوت صفحة من الصفحات السود التي أغرقت المسلمين بالفحشاء والمنكر ، وقد رثاه الشاعر الكبير البحتري بهذه الأبيات :

هكذا فَلْتَكُنْ مَنايا الكِرامِ *** بَيْنَ ناقٍ وَمِنْهَرٍ وَمُدَامٍ

بَيْنَ كَأُسَيْنِ أَوْرَثَاهُ جَمِيعاً *** كَأْسِ لَذَاتِهِ وَكَأْسِ الْحِمامِ

يَقِظُ فِي السُّرُورِ حَتَّى أَتَاهُ *** قَدَر اللهِ حَتْفُهُ في المَنامِ


1) مهج الدعوات : : 320 - 325 . المصباح / الكفعمي : 281 - 286 . البلد الأمين : 470 - 475 .

وَالْمَنايا مراتب يتفاضل *** نَ وَبِالْمُرْهَفَاتِ مَوْتُ الكِرامِ

لَمْ يَزُرْ نَفْسَهُ رَسُولُ الْمَنايا *** بِصُنُوفِ الْأَوْجَاعِ وَالْأَسْقَامِ

هابه مُعْلِنَا فَدَبَّ إِلَيْهِ *** فِي سُتورِ الدُّجى بِحَدَّ الْحُسَامِ (1)

لقد رثاه بهذه الأبيات التي مثلت مجونه وخلاعته وتمرده على القيم الإسلامية ، فقد وافته المنية وهو بين كؤوس الخمر وآلات الطرب ، وأنّ الأسقام والأوجاع لم تذل نفسه ، فقد حصدت روحه السيوف ، ولم يتجرع من الآلام إلا قليلاً، وكانت الملوك قبله ترثيهم الشعراء ببالغ الأسى والحزن ، وتتأسف على فقدانهم وخسارة الأمة لفراقهم .

وعلى أيّ حال ، فمن الجدير بالذكر أنّ هلاك المتوكل كان بعد دعاء الإمام الهادي الا بثلاثة أيام (2)، وقد زال عن الإمام(علیه السلام) وباقي شيعته ذلك الكابوس المظلم ، وقد سرّ الإمام بهلاكه كأعظم ما يكون السرور .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض أدعيته ، وهي تضارع أدعية جده الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) في سموّ فصاحتها، وعظيم بلاغتها كما تحكي بصورة واضحة معالي أخلاقه ، ومكارم آدابه ، ومدى تمسكه بالله تعالى خالق الكون وواهب الحياة ، وبذلك نطوي الحديث عن أخلاق الإمام الهادي الا التي هي من نفحات أخلاق جده الرسول الله باعث الروح والعلم في الأجيال ، ومتمم مكارم الأخلاق


1) حياة الإمام على الهادي الله : 274 .

2) المصدر المتقدم : 271 .

الأمام العسكري (علیه السلام).

اشارة

الإمام أبو محمد الحسن العسكري من أفذاذ العقل الإنساني وذلك بمواهبه وعبقرياته وطاقاته العلمية وجهاده وتمرده على الحكم العباسي المنحرف عن الحق والعدل ، فقد كان الممثل الوحيد للجبهة المعارضة التي نادت بحقوق الإنسان ، وتبنّي القضايا العادلة التي لم يؤمن بها أولئك الحكّام الذين اتخذوا مال الله دولاً وعباده خولاً ،وقاوموا دعاة العدل الاجتماعي .

وعلى أيّ حال ، فإنّ هذا الإمام الملهم العظيم قد ضارع في مثله وسمو أخلاقه آبائه الأئمة العظام الذين وهبوا أرواحهم لشريعة الله تعالى ، وإقامة أحكامه ع-ل-ى معالم الحياة العامة ، ونعرض لبعض وصاياه وتعاليمه في ميادين الأخلاق الرفيعة ، ثمّ نعرض إلى مكارم آدابه وأخلاقه ، وفيما يلي ذلك :

رسالة جامعة

أدلى الإمام الحسن (علیه السلام) بوصيّة جامعة لمكارم الأخلاق إلى شيعته جاء فيها :

«أُوصِيكُم بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَالْوَرَع في دينِكُم ، وَالْإِجْتِهَادِ لِلَّهِ ، وَصِدْقِ الْحَديثِ ، وَأَداءِ الْأَمَانَةِ إِلى مَنِ اثْتَمَنَكُم مِنْ بَرَّ أَوْ فاجِرٍ، وَطُولِ السُّجودِ، وَحُسْنِ الْجِوارِ ، فَبِهذا جاءَ مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسلم)، صَلّوا في عَشَائِرِهِم وَاشْهَدوا ، جَنائِزَهُم ، وَعُودوا مَرْضاهُم ، وَأَدَوا حقوقَهُم ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُم إِذا وَرَعَ في

دينِهِ، وَصَدَقَ فِي حَديثِهِ ، وَأدَّى الأمانَةَ ، وَحَسَنَ خُلْقَهُ مَعَ النّاسِ ، قيل : هذا شيعيٌّ فَيَسُرَّني ذلِكَ اتَّقُوا اللهَ ، وَكُونُوا زَيْناً ، وَلَا تَكُونوا شَيْئاً ، جُرَوا إِلَيْنا كُلَّ مَوَدَّةٍ، وَارْفَعُوا عَنَّا كُلَّ قَبيح ، فَإِنَّهُ ما قيلَ فينا مِنْ حَسَنٍ فَنَحْنُ أَهْلُهُ ، وَما قِيلَ فينا مِنْ سوءٍ فَمَا نَحْنُ كَذلِكَ ، لَنا حَقٌّ في كِتابِ اللهِ تَعَالَى ، وَقَرابَةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَتَطْهِيرٌ مِنَ اللَّهِ لا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ غَيْرُنا إِلَّا كَذِبَ ، أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذِكْرَ الْمَوْتِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فَإِنَّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ل له عَشْرَ حَسَناتِ احْفَظوا ما وَصَّيْتُكُم بِهِ ، وَأَسْتَوْدِعُكُمُ الله (1)

حفلت هذه الوصية بروائع التربية الإسلامية التي ترفع الإنسان المسلم إلى أرقى مستويات الفضيلة والكمال ، فقد أوصى شيعته على التحلي بها ، وهي :

1- تقوى الله تعالى الذي هو من أفضل الصفات، فإن من يتقي الله تعالى لا يقترف ذنباً ولا إثماً .

2- الورع عن محارم الله التي تلقي الإنسان في شرّ عظيم وتصدّه عن ذكر الله تعالی.

3- صدق الحديث وهو من الفضائل النفسيه التي يسمو بها الإنسان .

4 - أداء الأمانة للبرّ والفاجر .

5 - حسن الجوار الذي هو من أقوى الروابط الاجتماعية التي أوصى بها الإسلام .

6- حسن السلوك وطيب المعاشرة مع الفرق الإسلاميّة والاندماج معهم ، والتعاطف معهم ليكون الشيعي انموذجاً رائعاً لمبادئ أهل البيت(علیهم السلام) .

7- الاكثار من ذكر الله تعالى ، وذكر الموت ، فإنّهما خير ضمان لسلامة الإنسان


1) بحار الأنوار: 78 372 .

من السلوك في منعطفات التيه وسبل الضلال

8- تلاوة القرآن الكريم الذي تزكو به النفس ، وتخلق فيها طاقات من الوعي والإيمان هذه بعض محتويات هذه الوصيّة من القيم والآداب .

نصائح قيّمة

زوّد الإمام العسكري بعض أصحابه بهذه النصائح القيّمة والحكم الرائعة . قال (علیه السلام):

«ادْفَع الْمَسْأَلَةَ ما وَجَدْتَ التَّحَمُّلَ يُمْكِنْكَ، فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ خَبَراً جديداً وَالألْحاحُ فِي الْمَطالِبِ يَسْلُبُ الْبَهَاءَ إِلَّا أَنْ يَفْتَحَ لَكَ باباً تَحْسُنُ الدُّخولُ فيهِ فَمَا أَقْرَبَ الصَّنْعَ مِنَ الْمَلْهُوفِ ، وَرُبَّما كانَتْ الْغَيرَةُ نَوْعاً مِنْ آدابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْحُظوظ مَراتِبٌ فَلَا تَعْجَلْ عَلى ثَمَرَةٍ لَمْ تَدْرِكْ فَإِنَّهَا تُنالُ في أَوانِها ، وَالْمُدَبِّرُ لَكَ أَعْلَمُ بِالْوَقْتِ الَّذي يُصْلِحُ حالَكَ فِيهِ، فَثِقْ بِخِبْرَتِهِ فِي أُمُورِكَ ، وَلَا تُعَجِّلْ حَوائِجَكَ فِي أَوَّلِ وَقْتِكَ ، فَيَضِيقَ قَلْبُكَ ، وَيَغْشاكَ القُنوط ، وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْحَياءِ مِقداراً ، فَإِنْ زادَ عَلى ذلِكَ فَهُوَ ضَعْفٌ، وَلِلْجُودِ مِقداراً ، فَإِنْ َزادَ عَلَى ذلِكَ فَهُوَ سَرَفٌ، وَلِلْاقْتِصادِ مِقداراً ، فَإِنْ زادَ عَلَيْهِ فَهُوَ بُخْلٌ ، وَلِلشَّجَاعَةِ مِقداراً فَإِنْ زادَ عَلَى ذلِكَ فَهُوَ التَّهَوُّرُ » (1)

ما اعظم هذه الحكم القيمة التي حوت كلّ ما يشرّف به الإنسان من القيم والأخلاق والآداب .

المحتوى

أمّا محتوى هذه النصائح الرفيعة التي ألمت بقواعد الأخلاق فهي :


1) تنبيه الخواطر ونزهة الناظر : 143 - 144 .

1 - تحمّل ضيق الحياة والترفع عن مسألة الغير التي توجب - على الأكثر - الذلّ والمهانة للإنسان ، خصوصاً إذا كان المسؤول لا عهد له بالأخلاق .

2 - التحذير من الالحاح في طلب الحاجة ، فإنّه يوجب سلب بهاء الشخص .

3 - النهي عن العجلة في الأمور التي تؤدّي - على الأكثر - إلى الأضرار البالغة ، ورحم الله المتنبي إذ يقول:

قَدْ يُدرك الْمُتَأَنِّي بعضَ حَاجَتِهِ *** وَقَد يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ

4 - الاقتصاد في الحياء على القدر المتعارف ، فإن الزيادة تؤدّي إلى الخسران .

ه - أن للكرم حداً ، فإذا زاد عليه فيكون تبذيراً وإسرافاً .

6 - إنّ للاقتصاد حداً ، فإذا زاد عنه فيكون بخلاً.

• إن للشجاعة حدّاً ، فإذا تجاوزه الإنسان فإنّه يكون متهوّراً .

التحذير من النفاق

حذر الإمام (علیه السلام) من النفاق وذلك بذمه للمنافقين ، قال :

«بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْداً يَكونُ ذَا وَجْهَيْنِ ، وَذا السانَيْنِ ، يُطْرِي أَخَاهُ شَاهِداً ، وَيَأْكُلُهُ غَائِباً ، إِنْ أُعْطِيَ حَسَدَهُ ، وَإِنْ ابْتُلِيَ خَذَلَهُ (1)

من الأمراض الخبيثة النفاق، فإنّه يجعل المبتلى به كذاباً وخائناً وغداراً ، كما يجعله بعيداً عن كلّ صفة شريفة ، ومن سماته أنّ المنافق يتوصل إلى أطماعه وشهواته بكل طريق غير مشروع .

الغضب

حذّر الإمام أبو محمد (علیه السلام) من الغضب ، وذلك لما ينجم عنه من الشر وإزهاق


1) بحار الأنوار: 78 373 .

الأنفس ، وغيره من مآثم الحياة ، قال (علیه السلام):

«الْغَضَبُ مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ».

وبهذا نطوي الحديث عن بعض ما أثر عن الإمام أبي محمّد (علیه السلام)من الحثّ على التحلّي بمكارم الأخلاق ، ومحاسن الصفات

مكارم اخلاقة

أمّا معالي أخلاق الإمام أبي محمد الإمام أبي محمد اللا فإنّها نفحة من أخلاق جده الرسول له مفجر النور والوعي في دنيا العرب ، وهذه شذرات من سموّ أخلاقه :

1 - الحلم

من الصفات البارزه في أخلاق الإمام أبي محمد(علیه السلام) سعة الحلم ، فقد كان من أحلم النّاس وأكظمهم للغيظ ، وأكثرهم عفواً وصفحاً لمن أساء إليه ، وقد عمدت الحكومات العباسية الجائرة إلى اعتقاله وزجه في سجونها كما صنعت بأبيه الهادي من قبل ، وهو صابر محتسب لم يشكو إلى أي أحد سوى الله تعالى .

2 - قوّة إرادته

وتميز الإمام أبو محمد(علیه السلام) بإرادته الصلبة ، وعزمه الجبّار شأنه شأن جده الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم) الذي قاوم الإلحاد والشرك ، وصمد أمام طغاة قريش ، وقال الكلمة الذهبية الخالدة : «وَاللَّهِ لَوْ وَضَعوا الشَّمْسَ بِيَمِينِي ، وَالْقَمَرَ بِيَساري عَلى أَنْ أَتْرُكَ هذَا الأمْرَ ما تَرَكْتُهُ حَتَّى أَمُوتَ ، أَوْ يُظْهِرَهُ الله تعالى» ، وكذلك وقف حفيده أمام المد ّ الجاهلي في حكومة العباسيين ، فقد بقي صامداً ينكر عليهم سياستهم السوداء التي

تفجّرت بكل ما خالف الله ورسوله ، وقد جهد العبّاسيّون أن يضموه إلى جهازهم ، وينعموا عليه بالأموال الطائلة والمناصب الرفيعة إلا أنّه أصر على موقفه في إنكار مخططاتهم الرامية إلى إشاعة المنكر والفساد وإنفاق اقتصاد الأمة على شهواتهم ، ولياليهم الحمراء ، حتى اعتبره العباسيون الممثل الوحيد لقوى المعارضة لسياستهم السوداء القائمة على الظلم والطغيان .

3 - السخاء

وثمة ظاهرة أخرى من أخلاق أبي محمد (علیه السلام) ونزعاته وهي الكرم والسخاء ، فقد كان من أندى النّاس كفّاً وأبرهم بالفقراء والبؤساء ، وهذه لقطات من جوده : 1 - إنّه أقام وكلاء له في معظم المناطق الإسلامية التي تدين بإمامته ، وعهد إليهم بقبض ما يرد إليه من الحقوق الشرعية وإنفاقها على الفقراء والمحرومين وإصلاح ذات البين، وغير ذلك مما ينفع الناس.

2 - ومن فيض كرمه أنّ العلوي محمد بن علي بن إبراهيم بن موسى بن جعفر(علیه السلام)روى أنّ ضائقة اقتصادية ألمت بهم ، فقال له أبوه :

«امض بنا إلى هذا الرجل - يعني أبا محمد - فإنّه قد وصف لنا سماحه » .

فانبرى ولده قائلاً:

« أتعرفه ؟ » .

«ما أعرفه ولا رأيته قطّ » .

ويعود السبب في هذا التقاطع بين العلويين إلى الضغط الهائل الذي صبّه العباسيون على السادة أبناء النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) ، فقد أشاعوا فيهم القتل وخلدوا الكثيرين منهم فی ظلمات السجون ، خصوصاً من يتّصل منهم بأئمة أهل البيت (علیهم السلام).

وعلى أي حال، فقد قال الأب:

«ما أحوجنا إلى أن يأمر لنا - يعني أبا محمد - بخمسمائة درهم ؛ مائتان منها للكسوة ، ومائتان منها للدقيق ، ومائة للنفقة » ، وقال ولده :

«ليته أمر لي بثلاثمائة درهم ؛ مائة أشتري بها حماراً، ومائة للنفقة ، ومائة للكسوة ، فأخرج إلى الجبل ، ولما تشرّفوا بمقابلة الإمام قابلهم بمزيد من الحفاوة والتكريم ، وأرسل إليهم غلامه فأعطى الأب خمسمائة درهم لما تمناه ، وأعطى ولده ثلاثمائة دينار ، وهو ما كان يحلم به ، وأمره أن لا يخرج إلى الجبل ، ويصير إلى سوراء(1)، وتحسنت حالة العلويين ببركة الإمام .

3- ومن بره وكرمه ما رواه الثقة أبو هاشم الجعفري، وكان مسجوناً ، فكتب له رسالة يشكو فيها ضيق الحبس ، وكلب القيد(2)، فكتب إليه :

«أَنْتَ تُصَلَّى الظُّهْرَ الْيَوْمَ فِي مَنْزِلِكَ»

ولم يلبث حتى أفرج عنه ، وصلى صلاة الظهر في بيته ، وكان أبو هاشم في ضيق ، فبعث له الإمام (علیه السلام) مائة دينار ، وكتب له : «إذا كانَتْ لَكَ حَاجَةٌ فَلا تَسْتَحْ وَلَا تَحْتَشِمْ، وَاطْلُبُها فَإِنَّكَ عَلى ما تُحِبُّ إِنْ شاءَ الله تعالى»(3)

هذه بعض البوادر من بحر كرمه وجوده الذي أنقذ الفقراء والمحرومين .

4 - سموّ الأخلاق

كان الإمام أبو محمد الله على جانب عظيم من سموّ الأخلاق ، فكان يقابل الصديق والعدو ببسمات فيّاضة بالبشر ، وقد ورث هذه الظاهرة من جده الرسول (صلی الله علیه وآله وسلم) الذي وسع النّاس بمكارم أخلاقه ، حتى انقلب أعداؤه من البغض والكراهية له إلى


1) كشف الغمة : 3 : 200 .

2) الكلب : الشدّة والضيق .

3) كشف الغمة : 3 : 202 .

الحبّ والمودّة له ، وقد سلك هذا الخط حفيده ووصيه الإمام أبو محمّد (علیه السلام) ، فقد نقل الرواة أنه حبس عند أحد أعضاء السلطة العبّاسيّة ، وكان شديد الكراهية والبغض للإمام ، وقد أوعز إليه الملك العباسي بالتنكيل بالإمام والتشديد عليه ، إلا أنّه لما اتصل بالإمام وشاهد سموّ أخلاقه وعظيم هديه وإيمانه انقلب رأساً على عقب فكان لا يرفع بصره إليه إجلالاً وتعظيماً وتكريماً له ، ولما خرج الإمام(علیه السلام)من السجن كان من أحسن الناس بصيرة ، وأحسنهم قولاً في الإمام (1)

ه - إنابته (علیه السلام) إلى الله تعالى

كان الإمام أبو محمّد (علیه السلام) أعبد أهل زمانه ، وأكثرهم إنابة وطاعة الله تعالى ، فكان يحيي لياليه بالصلاة وتلاوة الكتاب ، والسجود الله تعالى ، قال محمد الشاكري : كان الإمام يجلس في المحراب ، ويسجد ، فأنام وأنتبه وهو ساجد (2)لقد أناب الإمام إلى الله تعالى ، وأخلص في عبادته وطاعته كآبائه الذين وهبوا أرواحهم الله تعالى ، وكانوا حملة رسالته ، ودعاته الواقعيين في الأرض .. وهذه لمحات عن

بعض شؤونه العباديّة :

صلاته (علیه السلام)

كان الإمام أبو محمّد (علیه السلام) إذا أقبل على صلاته ترتعد فرائصه ، ويصفر لونه ، ويتجه بقلب سليم نحو الله تعالى خالق الأكوان وواهب الحياة ، فلم ير الناس مثله في خشوعه وخضوعه الله تعالى في أثناء صلاته التي هي أعظم العبادات شأناً .

دعاؤه (علیه السلام)في قنوت صلاته

كان الإمام أبو محمّد (علیه السلام) إذا صلى دعا في قنوته بهذا الدعاء الجليل :


1) كشف الغمّة : 3 : 204 .

2) دلائل الإمامة : 1 : 227.

«يا مَنْ غَشِيَ نُورُهُ الظُّلُماتِ ، يا مَنْ أَضَاءَتْ بِقُدْسِهِ الْفِجاجُ الْمُتَوَعَراتُ ، يا مَنْ خَشَعَ لَهُ أَهْلُ الْأَرْضِ وَالسَّمواتِ ، يا مَنْ بَخَعَ لَهُ بِالطَّاعَةِ كُلُّ مُتَجَبْرِ عاتٍ ، یا عالِمَ الضَّمَائِرِ الْمُسْتَخْفِيات ، وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً ، فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ، وَعَاجِلْهُمْ بِنَصْرِكَ الَّذِي ، وَعَدْتَهُم إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، وَعَجِّلِ اللَّهُمَّ اجْتِيَاحَ أَهْلِ الْكَيْدِ ، وَآوِهِمْ إِلَى شَرِّ دارٍ فِي أَعْظَم نَكالٍ ، وَأَقْبَحَ مَتَابٍ .

اللَّهُمَّ إِنَّكَ حَاضِرٌ أَسْرَارَ خَلْقِكَ ، وَعالِمٌ بِضَمَائِرِهِمْ ، وَمُسْتَغْنِ لَوْلَا النَّدْبُ

بِاللَّجَا إِلى تَنَجُّزِ مَا وَعَدْتَهُ اللَّاجِئَ عَنْ كَشْفِ مَكَامِنِهِمْ ، وَقَدْ تَعْلَمُ يَا رَبِّ ما أُسِرُّهُ وَما أَبْدِيهِ، وَأَنْشُرُهُ وَأَطْويهِ ، وَأَظْهرُهُ وَأُخْفِيهِ عَلَى مُتَصَرِّفاتِ أَوْق-اتى وَأَصْنافِ حَركاتي مِنْ جَمِيعِ حاجاتي ، وَقَدْ تَرَىٰ يَا رَبِّ مَا قَدْ تَرَاطَمَ فِيهِ أَهْلُ وِلايَتِكَ ، وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ مِنْ أَعْدائِكَ ، غَيْرَ ظَنين في كَرَمِ ، وَلَا ظَنين بِنِعَم . وَلَكِنَّ الْجَهْدَ يَبْعَثُ عَلَى الْإِسْتِزادَةِ ، وَما أَمَرْتَ بِهِ مِنَ الدُّعاءِ إِذا أُخْلِصَ لَكَ اللَّجَأُ - يَقْتَضِي إِحْسَانُكَ شَرْطَ الزِّيَادَةِ ، وَهَذِهِ النَّواصِي وَالْأَعْنَاقُ حَاضِعَةٌ لَكَ بِذُلِّ الْعُبُودِيَّةِ ، وَالْاِعْتِرافِ بِمَلَكَةِ الرُّبُوبِيَّةِ ، داعِيَةٌ بِقُلُوبِها ، وَمُشْخَصاتٌ إِلَيْكَ في تَعْجِيلِ الْإِنالَةِ ، وَما شِئْتَ كانَ وَمَا تَشاءُ كَائِنٌ . أَنْتَ الْمَدْعُو الْمَرْجُو ، الْمَأْمُولُ الْمَسْؤُولُ ، لَا يَنْقُصُك نائِلٌ وَإِنِ اتَّسَعَ . وَلَا يُلْحِفُكَ سَائِلٌ ، وَإِنْ أَلَحَ وَضَرَعَ .

مُلْكُكَ لَا يُخْلِقُهُ التَّنْفِيدُ ، وَعِزُكَ الْباقِي عَلَى التَّابِيدِ ، وَمَا فِي الْأَعْصَارِ مِنْ مَشِيَّتِكَ بِمِقْدارٍ ، وَأَنْتَ اللهُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ الرَّؤُوفُ الْجَبَارُ.

اللهمَّ أَيَّدْنا بِعَوْنِكَ ، وَاكْتُفْنا بِصَوْنِكَ ، وَأَئِلْنَا مَنالَ الْمُعْتَصِمِينَ بِحَبْلِكَ

الْمُسْتَظِلّينَ بِظِلكَ »(1).

حكى هذا الدعاء النعوت الكريمة والأوصاف العظيمة التي أضفاها الإمام (علیه السلام) على الخالق العظيم ، وهو ممّا ينم عن معرفته الكاملة بعظمة الله تعالى ، لقد كان هو وآباؤه دعاة التوحيد والأدلاء على مرضاته تعالى ، وقد ألح الإمام (علیه السلام) في دعائه إلى ما يعانيه المسلمون في عصره من الاضطهاد والتنكيل من حكام بني العباس الذين جهدوا على ظلم النّاس وإرغامهم على ما يكرهون .

دعاء آخر لقنوته(علیه السلام)

وأثر عن الإمام أبي محمّد (علیه السلام) دعاء آخر في قنوت صلاته ، كان يدعو به ع-ل-ى ملوك عصره الذين استباحوا ما حرم الله تعالى، ويذكر فيه ظلمهم للرعيّة ، واعتدائهم الصارخ عليه ، وهو من الأدعية السياسية ، وهذه بعض بنوده :

«اللَّهُمَّ وَقَدْ شَمِلَنا زَيْعُ الْفِتَنِ ، وَاسْتَوْلَتْ عَلَيْنا عَشْوَةُ الْحَيْرَةِ ، وَقارَعَنا الذُّلُّ وَالصَّغارُ ، وَحَكَمَ عَلَيْنا غَيْرُ الْمَأْمُونِينَ عَلى دينِكَ ، وَابْتَنَّ أُمُورَنا مَعادِنُ الأبن مِمَّنْ عَطَّلَ حُكْمَكَ ، وَسَعى فى إِتْلَافِ عِبَادِكَ ، وَإِفْسَادِ بِلَادِكَ.

اللهُمَّ وَقَدْ عادَ فَيْتُنا دَوْلَةً بَعْدَ الْقِسْمَةِ ، وَإمارَتُنا غَلَبَةٌ بَعْدَ الْمَشُورَةِ ، وَعُدْنا ميراثاً بَعْدَ الْإِخْتيارِ لِلْأُمَّةِ ، وَاشْتُرِيَتِ الْمَلاهي وَالْمَعازِفُ بِسَهُم اليتيم وَالْأَرْمَلَةِ ، وَرَعَى فِي مَالِ اللَّهِ مَنْ لَا يَرْعَى لَهُ حُرْمَةً ، وَحَكَمَ فِي الْمُؤْمِنِينَ أَهْلُ الذَّمَّةِ ، وَوَلِيَ القيامَ لِلْيَتيم بِأُمُورِهِمْ فَاسِقُ كُلِّ قَبِيلَةٍ ، فَلَا دَائِدَ يَذُودُهُمْ عَنْ هَلَكَةٍ ، وَلَا راع يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ ، وَلَا ذُو شَفَقَةٍ يُشْبِعُ الْكَبِدَ الْحَرَىٰ مِنْ مَسْغَبَةٍ ، فَهُمْ أُولُوا ضَرَعِ بِدارِ مَضْيَعَةٍ ، وَأَسَرَاءُ مَسْكَنَةٍ ، وَخُلَفَاءُ كَآبَةٍ وَذِلَّةٍ


1) مهج الدعوات : 62 - 63 .

اللّهُمَّ وَقَدِ اسْتَحْصَدَ زَرْعُ الْباطِلِ ، وَبَلَغَ نِهَايَتَهُ ، وَاسْتَحْكَمَ عَمُودُهُ ، وَاسْتَجْمَعَ طَريدُهُ ، وَخَذْرَفَ وَلِيدُهُ ، وَبَسَقَ فَرْعُهُ ، وَضَرَبَ بِجِرانِهِ.

اللهُمَّ فَاتِحْ لَهُ مِنَ الْحَقِّ يَداً حاصِدَةً تَصْرَعُ قائِمَهُ ، وَتَهْشِمُ سُوقَهُ ، وَتَجُذُ سَامَهُ ، وَتَجْدَعُ مَرَاغِمَهُ، لِيَسْتَخْفِيَ الْبَاطِلُ بِقُبْح صُورَتِهِ ، وَيَظْهَرَ الْحَقُّ بِحُسْنِ حِلْيَتِهِ.

اللَّهُمَّ لَا تَدَعْ لِلْجَوْرِ دِعامَةً إِلَّا قَصَمْتَها، وَلَا جُنَّةً إِلَّا هَتكتها ، وَلَا كَلِمَةً مُجْتَمِعَةً إِلَّا فَرَّقْتَها، وَلَا سَرِيَّةً نِقْلِ إِلَّا خَفَّفْتُها ، وَلَا قائِمَةً عُلُو إِلَّا حَطَطتها ، وَلَا رافِعَةَ عِلْمٍ إِلَّا نَكَسْتَهَا ، وَلَا خَضْراءَ إِلَّا أَبَرْتَهَا .

اللَّهُمَّ فَكَوَّرْ شَمْسَهُ ، وَحُطَّ نُورَهُ ، وَاطْمِسْ ذِكْرَهُ ، وَارْمِ بِالْحَقِّ رَأْسَهُ . وَفُضٌ جُيُوشَهُ ، وَارْعِبْ قُلُوبَ أَهْلِهِ .

اللَّهُمَّ وَلَا تَدَعْ مِنْهُ بَقِيَّةً إِلَّا أَفْنَيْتَ ، وَلَا بَنِيَّةٌ إِلَّا سَوَّيْتَ ، وَلَا حَلَقَةً إِلَّا فَصَمْتَ ، وَلَا سِلاحاً إِلَّا أَكْلَلْتَ ، وَلَا حَداً إِلَّا فَلَلْتَ ، وَلَا كُراعاً إِلَّا اجْتَحْتَ ، وَلَا حَامِلَةَ عَلَم إِلَّا نَكَّسْتَ »(1)

أرأيتم ما حلّ بالوطن الإسلامي من الانتهاك لحرمات الله تعالى ، وما اقترفه أولئك الملوك الظلمة من بني العباس من الظلم والجور والفساد ، والعبث بمقدرات الأمة . أرأيتم هذا الدعاء الحادّ من الإمام (علیه السلام) على أئمة الجور والفساد في الأرض .


1) الصحيفة الرضوية الجامعة - أدعية الإمام الحسن العسكري : 231 - 232 .

الأمام المهدي (عجلّ الله تعالی فرجه الشریف)

اشارة

هو المصلح الأعظم الذي يغيّر مجرى تأريخ العالم ، ويقضي على الظلم والجور ، وينشر الأمن والسلام العالمي في الأرض ، ويشيع الرخاء فلا يبقى ظلّ للبؤس والحاجة ، ولا ظلّ للخوف والارهاب .

إنّ الإمام المهدي (علیه السلام) هو الرحمة الكبرى التي يفيضها الله تعالى على عباده ليقيم أودهم ، ويهديهم للتي هي أقوم، وينشر الإسلام العظيم على حقيقته النازلة من ربّ العالمين ، وقد اختاره الله تعالى من بين أوليائه لنشر الإصلاح الاجتماعي ، وإقامة المثل العليا في الأرض ؛ لأنه من أكثر الناس نكراناً للذات ، ومن أنفذهم بصيرة ، ومن أرقهم قلباً ، ومن أصفاهم طبعاً .

إنّ البشريّة المروعة بالويلات والكوارث والحروب لا ينقذها من المحن والخطوب إلا قائم آل محمّد الله الذي بشر بحتمية ظهوره النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) وأوصيائه الأئمة العظام(1)

وقد حازت الأخبار في ظهوره الدرجة القطعية ، وصدقها أئمة الحديث ، وآمن بها الحفاظ مجمعين على تدوينها في الصحاح والسنن ، حتى صار التشكيك فيها تشكيك في إحدى ضروريات الدين، وقد نقل الرواة عن النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) أنه قال :


1) عرضنا إلى النصوص المتظافرة في خروج الإمام المهدي الله في كتابنا حياة الإمام المهدي المنتظر المصلح الأعظم الملا : 176 - 196 .

«مَنْ أَنْكَرَ خُروجَ الْمَهْدِى فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه وآله وسلم) (1) .

وهذا عرض لبعض مكارم أخلاقه ، ومحاسن صفاته ، كما نذكر بعض أدعيته :

محارم اخلاقة

1- صبر(علیه السلام)»(1)

ومن معالي أخلاق الإمام القائم صلوات الله تعالى عليه الصبر على الكوارث والمحن والخطوب ، فهو من أعظم الأئمة (علیه السلام)محنة ، وأشدهم بلاء ، فهو يرى في هذه الفترة الطويلة من حياته الأحداث الجسام التي داهمت العالم الإسلامي ، ومزقت أشلاؤه ، ووقعت الأمة بجميع شرائحها صريعة بأيدي المستعمرين والكافرين ، فأشاعوا فيها الباطل والإثم ، وعطلوا أحكام الله تعالى وحدوده ، ونهبوا ثرواتها ، وتحكموا في قضاياها المصيرية ، وجميع هذه الأحداث الرهيبة ، والمناظر المفزعة بمرأى من الإمام(علیه السلام) ومسمع ، ومن المؤكد أن الحزن قد نخب قلبه الشريف ، وأذاقه آلاماً ، مرهقة ، فإنّه سلام الله عليه بحكم قيادته الروحية والزمنية لهذه الأمة وأبوّته العامة لها مسؤول عن رعايتها والاهتمام بجميع شؤونها ، إلا أنّه خلد إلى الصبر ، وتجرّع الغصص والآلام ، وفوّض جميع ذلك إلى الله تعالى ينتظر منه الإذن للقيام بإصلاح العالم الذي أفسدته السياسات الظالمة التي لا نصيب لها من الرحمة بشؤون النّاس .

2 - زهده(علیه السلام)

وتشابهت سيرة أهل البيت (علیهم السلام)وسلوكهم في جميع مجالات الحياة الأخلاقية


1) عقد الدرر : 23 أعيان الشيعة : 4 : 431 . لسان المیزان : 5 : 130 .

والفكرية ، والتي منها الزهد في الدنيا، والرفض الكامل لجميع مباهج الحياة وزينتها ، فلا تقرأ سيرة إمام منهم إلا تجد البارز فيها الإعراض عن الدنيا ، وقد أثرت كوكبة من الأحاديث من الأئمة في زهد الإمام المنتظر قبل أن يولد ، هذه بعضها :

1 - روی معمّر بن خلاد عن الإمام أبي الحسن الرضا(علیه السلام) أنه قال :

« ما لِباسُ الْقائِمِ إِلَّا الْغَلِيظُ ، وَما طَعامُهُ إِلَّا الشعيرُ الْجَشِبُ »(1)

2 - روى أبو بصير عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنه قال :

«ما تَسْتَعْجِلُونَ بِخُروج الْقائِمِ ، فَوَاللَّهِ ! ما لِباسُهُ إِلَّا الْغَلِيظُ ، وما طَعَامُهُ إِلَّا الشَّعير الْجَشِبُ »(2).

3 - روى عليّ بن أبي حمزة عن الإمام الصادق (علیه السلام) :

«ما لِباسُهُ - يَعْني الإمام المنتظر - إِلَّا الغليظُ ، وَما طَعامُهُ إِلَّا الْجَشِبُ »(3)

إنّ الزهد في الدنيا ، والإعراض عن متعها وزينتها سمة ظاهرة عند جميع أئمة أهل البيت (علیهم السلام) ، ولذا اختارهم الله تعالى هداة لعباده ، وأدلاء على مرضاته ، واختار القائم المنتظر بالخصوص لإنقاذ العالم من الظلم والجور وتطهيره من غطرسة الحاكمين والظالمين.

3 - شجاعته (علیه السلام)

أما الإمام المنتظر (علیه السلام) فهو من أشجع الناس قلباً ، ومن أربطهم جاشاً ، وأقواهم

عزيمة ، فهو كجدّه رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) في شجاعته وقوة بأسه ، فقد قاوم النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) قوى الشرك ، وحطّم الأوثان ، ودمّر ركائز الجهل ، وأعلن حقوق الإنسان ، وقد قابله


1) حياة الإمام المهدي المنتظر المصلح الأعظم (علیه السلام) : 40 ، نقلاً عن غيبة النعماني.

2) حياة الإمام المهدي المنتظر المصلح الأعظم ال الان : 40 ، نقلاً عن الغيبة للشيخ الطوسي .

3) حياة الإمام المهدي المنتظر المصلح الأعظم (علیه السلام) : 40 ، نقلاً عن غيبة النعماني.

بشراسة ذئاب الشرك ، وضروس الكفر ، إلا أنه (صلی الله علیه وآله وسلم) سحق رؤوسهم ، ومزق جنودهم ، ونصره الله تعالى عليهم ، وبمثل هذا الدور الجهادي المشرق يقوم الإمام المنتظر سلام الله عليه ، فلا يبق للظالمين عرقاً ، ويسقي الطغاة كأساً مصبرة ، ويعيد للإسلام كرامته ومجده وعزّه وسلطانه وحكمه عجل الله تعالی فرجه الشریف)

4- صلابته (علیه السلام) في الحقّ

أمّا القائم المنتظر (علیه السلام)، فهو من أصلب المدافعين عن الحق ، ومن أكثرهم تفانياً واندفاعاً لنصرة المظلومين والمضطهدين شعوباً وأفراداً ، لا تأخذه في إقامة الحق ، ونشر العدل لومة لائم ، شأنه شأن آبائه الأئمة المطهرين الذين وهبوا أرواحهم لله تعالى ، وقدّموها قرابين لإقامة العدل الاجتماعي بين النّاس.

إنّ الدنيا إذا أشرقت بظهور المصلح العظيم القائم المنتظر (علیه السلام)، فإن الباطل سيزول ، ويقام العدل بجميع رحابه بين الناس ، ولا ظلّ للغبن والظلم والجور في الأرض (1).

ه - سخاؤه (علیه السلام )

أما الإمام المنتظر(علیه السلام )فهو من أجود الناس وأسخاهم ، وأكثرهم عطاء ، وأجمع الرواة على أنّ الإمام (علیه السلام )إذا ظهر يوزّع خيرات الله تعالى على خلقه ، فلا يختص بها فريق دون فريق ، ولا يبقى بائس وفقير على وجه الأرض ، وحتى لا يجد من وجبت عليه الزكاة فقيراً يعطيها له ، وهذه بعض الأحاديث النبوية وغيرها التي تحدثت عن فیض جوده :

1 - روى أبو سعيد عن النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) عن كرم الإمام المهدي(علیه السلام )، قال : «يَجِيءُ الرَّجُلُ إِلَيْهِ - أَي إِلَى الإِمَامِ الْمُنتَظَرِ فَيَقُولُ : يا مَهْدِي ، أَعْطِنِي ، أَعْطِني ،


1) حياة الإمام المهدي المنتظر المصلح الأعظم الله : 44 .

فَيَحْيِي لَهُ في تَوبِهِ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ »(1)

2- روی ابن عساکر بسنده عن النبى(صلی الله علیه وآله وسلم) أنه قال :

«يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمانِ خَليفَةٌ يَحْتُو المالَ حَفْواً »(2)

3- روى جابر قال : أقبل رجل على الإمام أبي جعفر (علیه السلام) وأنا حاضر ، فقال : رحمك الله ، اقبض هذه الخمس مائة درهم فضعها في مواضعها ، فإنّها زكاة أموالي ، فقال له أبو جعفر :

«بَلْ خُذْهَا أَنْتَ فَضَعْها فِي جِيرائِكَ وَالْأَيْتامِ وَالْمَسَاكِينِ ، وَفِي إِخْوانِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، إِنَّما يَكُونُ هذا إذا قام قائِمُنا فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ بِالسَّوِيَّةِ ، وَيَعْدِلُ فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ ، الْبَرَّ مِنْهُمْ وَالْفَاجِرِ ، فَمَنْ أطاعَهُ فَقَدْ أَطاعَ الله ، وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ ، فَإِنَّما سُمِّي الْمَهْدِي لِأَنَّهُ يَهْدِي لِأَمْرِ خَفِيّ ، يَسْتَخْرِجُ التَّوْراةَ وَسَائِرِ الْكُتُبِ مِنْ غارٍ ب- (أَنطاكية ) ، فَيَحْكُم بِأَهْلِ التَّوْرَاةِ بِالتَّوْراةِ ، وَبَيْنَ أَهْلِ الْإِنْجِيلِ بِالْإِنْجِيلِ ، وَبَيْنَ أَهْلِ الزَّبُورِ بِالزَّبُورِ ، وَبَيْنَ أَهْلِ الْفُرْقَانِ بِالْفُرْقانِ ، وَتُجْمَعُ إِلَيْهِ أَمْوالُ الدُّنْيا كُلُّها ، ما فِي بَطْنِ الْأَرْضِ وَظَهْرِها ، فَيَقُولُ لِلنَّاسِ : تَعالُوا إِلى ما قَطَعْتُمْ فِيهِ الْأَرْحَامَ - أَشَارَ إِلَى الأَمْوالِ وَسَفَكْتُمْ فِيهِ الدّماءَ ، وَرَكِبْتُمْ فِيهِ مَحارِمَ اللَّهِ ، فَيُعْطِي لَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَهُ »(3)

إلى غير ذلك من الأخبار التي أعلنت أنه بحر من الجود ، وفيض من الكرم والسخاء ، وأنّه الذي ينقذ الفقراء من العري والجوع ، ويشيع فيهم الغنى والثراء .

6 - إنابته (علیه السلام)إلى الله عزّ وجل

أما الإمام المنتظر(علیه السلام)فهو من أعظم المنيبين إلى الله تعالى ، ومن أكثرهم طاعة


1) منتخب كنز العمال : 6 29 . ينابيع المودة : 243 .

2) تاريخ مدينة دمشق : 1 : 186 . منتخب کنز العمال : 6: 30 .

3) حياة الإمام المهدي المنتظر المصلح الأعظم الله : 45 و 46 .

وتحرّجاً في الدين ، وهو في معظم أوقاته صائم في النهار ، قائم بالليل ، وقد أثرت عنه بعض الأدعية الشريفة التي كان يدعو في بعضها في قنوت صلاته ، وبعضها في غيره ، وهي تنم عن مدى تعلقه بالله تعالى ، وانقطاعه إليه ، وهذه بعضها :

دعاؤه (علیه السلام) في قنوت صلاته

كان الإمام المنتظر (صلوات الله عليه) يدعو بهذا الدعاء في قنوت صلاته ، وهذا نصه حسب ما دوّنه الثقات من الرواة :

« اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، ، يا ماجِدُ یا جَوادُ ، ياذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرامِ ، يا بَطَاشُ ، يا ذَا الْبَطْشِ الشَّديدِ ، يا فَعّالاً لِما يُريدُ ، يا ذَا الْقُوَّةِ الْمَتينِ ، يا رُؤُوفُ يا رَحيمُ ، يا لطيفُ ، يا حَيُّ حينَ لَا حَيَّ.

اللهُمَّ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَخْزُونِ الْمَكْنُونِ ، الْحَيَّ الْقَيُّومِ ، الَّذِي اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِكَ.

وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي تُصَوِّرُ بِهِ خَلْقَكَ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ تَشاءُ ، وَبِهِ نَسُوقُ إِلَيْهِمْ أَرْزاقَهُمْ فِي أَطْباقِ الظُّلُمَاتِ مِنْ بَيْنِ الْعُرُوقِ وَالْعِظامِ . وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذي أَلَّفْتَ بِهِ بَيْنَ قُلُوبِ أَوْلِيَائِكَ ، وَأَلَّفْتَ بَيْنَ النَّلْج

وَالنَّارِ ، لَا هذا يُذيبُ هذا ، وَلَا هذا يُطْفِئُ هذا .

وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي كَوَّنْتَ بِهِ طَعْمَ الْمِيَاءِ ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذي أَجْرَيْتَ بِهِ الْمَاءَ فِي عُرُوقِ النَّبَاتِ بَيْنَ أَطْباقِ الثّرى ، وَسُقْتَ الْمَاءَ إِلَى عُرُوقِ الأَشْجار بَيْنَ الصَّخْرَةِ الصَّمَاءِ.

وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي كَوَّنْتَ بِهِ طَعْمَ الثَّمَارِ وَأَلْوانَها ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الّذى بِهِ تُبْدِئُ وَتُعِيدُ .

وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْفَرْدِ الْواحِدِ الْمُتَفَرِّدِ بِالْوَحْدانِيَّةِ ، الْمُتَوَحِدِ بِالصَّمَدانِيَّةِ ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذي فَجَّرْتَ بِهِ الْمَاءَ مِنَ الصَّخْرَةِ الصَّمَاءِ ، وَسُفْتَهُ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذي خَلَقْتَ بِهِ خَلْقَكَ ، وَرَزَقْتَهُمْ

كَيْفَ شِنْتَ ، وَكَيْفَ شاؤُوا.

يا مَنْ لَا تُغَيَّرُهُ الْأَيَّامُ وَاللَّيالي ، أَدْعُوكَ بِمَا دَعَاكَ بِهِ نُوحٌ حِينَ ناداكَ فَأَنْجَيْتَهُ وَمَنْ مَعَهُ ، وَأَهْلَكْتَ قَوْمَهُ ، وَأَدْعُوكَ بِما دَعَاكَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُكَ حينَ ناداك فَأَنْجَيْتَهُ ، وَجَعَلْتَ لَهُ النّارَ بَرْداً وَسَلَاماً .

وَأَدْعُوكَ بِما دَعَاكَ بِهِ مُوسى كَلِيمُكَ حينَ ناداك ، فَفَلَقْتَ لَهُ الْبَحْرَ ، فَأَنْجَيْتَهُ وَبَنِي إِسْرائيلَ ، وَأَغْرَقْتَ فِرْعَوْنَ وَقَومَهُ فِي الْيَمِّ .

وَأَدْعُوكَ بما دَعَاكَ بِهِ عيسى رُوحُكَ حينَ ناداك ، فَنَجَّيْتَهُ مِنْ أَعْدَائِهِ ، وَإِلَيْكَ رَفَعْتَهُ ، وَأَدْعُوكَ بِما دَعَاكَ بِهِ حَبيبُكَ وَصَفْتُكَ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ (صلی الله علیه وآله وسلم) فَاسْتَجَبْتَ لَهُ ، وَمِنَ الْأَحْزَابِ نَجَّيْتَهُ ، وَعَلَى أَعْدائِكَ نَصَرْتَهُ.

وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي دُعيتَ بِهِ أَجَبْتَ ، يا مَنْ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ، يا مَنْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ، وَأَحْصَىٰ كُلِّ شَيْءٍ عَدَداً.

يا مَنْ لَا تُغَيِّرُهُ الْأَيَّامُ وَاللَّيالى ، وَلَا تَتَشابَهُ عَلَيْهِ الْأَصْواتُ ، وَلَا تَخْفى عَلَيْهِ اللُّغَاتُ ، وَلَا يُبْرِمُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحَينَ ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّي عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، خِيَرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ ، فَصَلِّ عَلَيْهِمْ بِأَفْضَل صَلَواتِكَ ، وَصَلِّ عَلَى

جميع النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ الَّذِينَ بَلَغُوا عَنْكَ الْهُدى ، وَعَقَدُوا لَكَ الْمَواثيق بِالطَّاعَةِ ، وَصَلِّ عَلَى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.

يا مَنْ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، انْجِزْ لي ما وَعَدْتَني ، وَاجْمَعْ لي أَصْحابي ، وَصَبِّرْهُمْ ، وَانْصُرْنِي عَلَى أَعْدائِكَ وَأَعْداءِ رَسُولِكَ ، وَلَا تُخَيَّبْ دَعْوَتِي ، فَإِنِّي عَبْدُكَ ، ابْنُ عَبْدِكَ ، ابْنُ أَمَتِكَ ، أَسِيرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ ، سَيِّدِي أَنْتَ الَّذِي مَنَنْتَ عَلَيَّ بِهَذَا الْمَقامِ ، وَتَفَضَّلْتَ بِهِ عَلَيَّ دُونَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ.

أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ على مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَنْ تُنْجِزَ لي ما وَعَدْتَني ، إِنَّكَ أَنْتَ الصَّادِقُ ، وَلَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٍ » (1).

حكى هذا الدعاء الشريف التعظيم والتمجيد للخالق العظيم ، فهو المكوّن والمبدع لهذا الكون ، كما حكى آخر الدعاء طلب الإمام (علیه السلام) من الله تعالى النصر على أعدائه وأعداء رسوله ، وأن يجمع له أصحابه ليقوم بإحياء الدين ، وإعلاء كلمة الله تعالى في الأرض .

دعاء آخر له(علیه السلام)في القنوت

كان الإمام (علیه السلام) يدعو الله تعالى بهذا الدعاء الشريف في قنوت بعض صلواته وهو :

«اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَكْرِمْ أَوْلِيَاءَكَ بِإِنْجَازِ وَعْدِكَ ، وَبَلِّغْهُمْ دَرَكَ ما يَأْمُلُونَهُ مِنْ نَصْرِكَ ، وَاكْفُفْ عَنْهُمْ بَأْسَ مَنْ نَصَبَ الْخِلَافَ عَلَيْكَ ، وَتَمَرَّدَ بِمَنْعِكَ عَلى رُكُوبٍ مُخالَفَتِكَ ، وَاسْتَعانَ بِرَفْدِكَ عَلى فَل حَدَّكَ ، وَقَصَدَ لِكَيْدِكَ بأَيْدِكَ ، وَوَسِعْتَهُ حِلْماً لِتَأْخُذَهُ عَلَى جَهْرَةٍ ، وَتَسْتَأْصِلَهُ


1) مهج الدعوات : 184 - 186 .

عَلى غِرَّةٍ ، فَإِنَّكَ اللَّهُمَّ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ : إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازْيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (1)،وَقُلْتَ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا اسْتَقَمْنَا منهم ) (2).

وَإِنَّ الْغَايَةَ عِنْدَنا قَدْ تَناهَتْ ، وَإِنَّا لِغَضَبِكَ عَاضِبُونَ ، وَإِنَّا عَلَى نَصْرِ الْحَقِّ مُتَعاصِبُونَ ، وَإِلى وُرُودِ أَمْرِكَ مُشْتاقُونَ ، وَلإِنْجَازِ وَعْدِكَ مُرْتَقِبُونَ ، وَلِحُلُول وَعِيدِكَ بِأَعْدائِكَ مُتَوَقِّعُونَ.

اللهُمَّ فَأَذَنْ بِذلِكَ ، وَافْتَحْ طُرُقاتِهِ ، وَسَهَلْ خُرُوجَهُ ، وَوَطَّيْ مَسالِكَهُ ، وَاشْرَعْ شَرائِعَهُ ، وَأَيَّدْ جُنْدَهُ وَأَعْوانَهُ ، وَبادِرْ بَأْسَكَ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، وَابْسُطْ سَيْفَ نَقِمَتِكَ عَلَى أَعْدائِكَ الْمُعانِدِينَ ، وَخُذْ بِالثَّارِ إِنَّكَ جَوادٌ مَكَارٌ ) (3).

وأعلن الإمام(علیه السلام) في هذا الدعاء الشريف عن شوقه العارم إلى الظهور ليقيم معالم الحق والعدل في الأرض ، ويحيي سنة جده سيّد المرسلين(صلی الله علیه وآله وسلم)، وينتقم من أعداء

الإسلام وخصوم الدين(4)

دعاؤه (علیه السلام) للمسلمين

أمّا الإمام المنتظر (علیه السلام) فهو الأب الروحي للمسلمين ، وقد شملهم بدعائه الذي منه هذا الدعاء:


1) يونس 10 24 .

2) الزخرف :43 55 .

3) مهج الدعوات : 284 .

4) حياة الإمام المهدي المنتظر المصلح الأعظم(علیه السلام)

«اللَّهُمَّ ارْزُقْنا تَوْفِيقَ الطَّاعَةِ ، وَبُعْدَ الْمَعْصِيَةِ ، وَصِدْقَ النِّيَّةِ ، وَعِرْفَانَ الْحُرْمَةِ ، وَاكْرِمْنَا بِالْهُدى وَالْإِسْتِقامَةِ ، وَسَدَّدْ الْسِنَتَنا بِالصَّوابِ وَالْحِكْمَةِ ، وَامْلَا قُلُوبَنَا بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرَفَةِ ، وَطَهُرْ بُطُونَنَا مِنَ الْحَرَامِ وَالشُّبْهَةِ ، وَاكْفُفْ أَيْدِيَنَا عَنِ الظُّلْم وَالسَّرِقَةِ ، وَاغْضُضْ أَبْصارَنَا عَن الْفُجُورِ وَالْخِيانَةِ ، وَاسْدُدْ لَسْماعَنا عَنِ اللَّغْوِ وَالْغَيبَةِ ، وَتَفَضَّلْ عَلى عُلَمائِنا بِالزُّهْدِ وَالنَّصِيحَةِ ، وَعَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ بِالْجُهْدِ وَالرَّغْبَةِ ، وَعَلَى الْمُسْتَمِعِينَ بِالْإِتِّبَاعِ وَالْمَوْعِظَةِ ، وَعَلَى مَرْضَى الْمُسْلِمِينَ بِالشَّفاءِ وَالرّاحَةِ ، وَعَلَى مَوْتاهُمْ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ ، وَعَلَى مَشَايِخِنا بِالْوَقارِ وَالسَّكينَةِ ، وَعَلَى الشَّبابِ بِالْإِنابَةِ وَالتَّوْبَةِ ، وَعَلَى النِّساءِ بِالْحَياءِ وَالْعِفَّةِ ، وَعَلَى الْأَغْنِياءِ بِالتَّواضُع وَالسَّعَةِ ، وَعَلَى الْفُقَرَاءِ بِالصَّبْرِ وَالْقَنَاعَةِ ، وعَلَى الْغُزاةِ بِالنَّصْرِ وَالْغَلَبَةِ ، وَعَلَى الْأَسَرَاءِ بِالْخَلاصِ وَالرَّاحَةِ ، وَعَلَى الْأُمَرَاءِ بِالْعَدْلِ وَالشَّفَقَةِ ، وَعَلَى الرَّعِيَّةِ بِالْإِنْصافِ وَحُسْنِ السِّيرَةِ ، وَبَارِكْ لِلْحُجَاج وَالزَّوَارِ فِى الزّادِ وَالنَّفَقَةِ ، وَاقْضِ مَا أَوْجَبْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ يا اَرْحَمَ الرّاحِمِينَ »(1).

حكى هذا الدعاء شفقة الإمام ورحمته بالمسلمين ، فقد دعا لهم بكل ما يسمون به من مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، وما يقربهم إلى الله تعالى زلفى .

دعاؤه (علیه السلام) للمؤمنين

كان الإمام(علیه السلام) يواصل رعايته وعطفه للمؤمنين ، فكان يدعو لهم بهذا الدعاء :


1) مصباح الكفعمي : 281 .

«اللهُمَّ بِحَقِّ مَنْ ناجاكَ ، وَبِحَقِّ مَنْ دَعَاكَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَتَفَضَّلْ عَلى فُقَرَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِالْغِنى وَالسَّعَةِ ، وَعَلَى مَرْضَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِالشَّفاءِ وَالصَّحَةِ وَالرّاحَةِ ، وَعَلى أَحْياءِ الْمُؤْمِ وَالْمُؤْمِناتِ بِاللُّطْفِ وَالْكَرَامَةِ ، وَعَلى أَمْواتِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِالْمَغْفِرَةِ

وَالرَّحْمَةِ ، وَعَلَى غُرَباءِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤمِناتِ بِالرَّدُّ إِلَى أَوْطَائِهِمْ سالِمِينَ غائِمينَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ»(1)حكى هذا الدعاء تعاطف الإمام (علیه السلام) ورأفته بالمؤمنين ، ودعا لهم بكل ما فيه خيرهم وسعادتهم في دنياهم وآخرتهم .

دعاؤه (علیه السلام) لشيعته

اهتمّ الإمام المنتظر(علیه السلام) اهتماماً بالغاً بشيعته ، فهم في رعايته ، وفي كنف مودته ، وكان يدعو لهم بخالص الدعاء ، ومن أدعيته لهم هذا الدعاء :

«يا نُورَ النُّورِ ، يا مُدَبِّرَ الْأُمُورِ ، يا باعِثَ مَنْ فِي الْقُبُورِ، صَلِّ على مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاجْعَلْ لِي وَلِشِيعَتِي مِنَ الضّيقِ فَرَجاً ، وَمِنَ الْهَمِّ مَخْرَجاً ، وَأَوْسِعْ لَنَا الْمَنْهَجَ ، وَأَطْلِقْ لَنَا مِنْ عِنْدِكَ ما يُفَرِّجُ ، وَافْعَلْ بِنا ما أَنْتَ أَهْلُهُ يا كريمُ يا أَرْحَمَ الرّاحِمينَ »(2).

هذه بعض أدعية الإمام المنتظر(علیه السلام) وهي تحكي جانبه الروحي ، وتمثل صفحة


1) مصباح الكفعمي : 407 . مهج الدعوات : 352 .

2) حياة الإمام المهدي المنتظر المصلح الأعظم(علیه السلام)

من أخلاقه المستمدّة من أخلاق جدّه رسول الله(صلی الله علیه وآله وسلم) ، و أخلاق آبائه أئمة الهدى (علیهم السلام) عالم الذين هم سفن نجاة هذه الأمة ، وعدلاء الذكر الحكيم ، وبهذا نطوي الحديث عن

هذا الكتاب الذي يحكي صفحة مشرقة من أخلاق النبي(صلی الله علیه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام )

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله الظاهِرينَ

المصَادِرُ

القران الکریم

1 - أدب النفس : العينائي = محمد بن محمد بن حسن الحسيني العاملي (كان حياً 1078ه-) : المكتبة المرتضوية - طهران / 1380ه- . ش .

2 - الإتحاف بحب الأشراف : الشبراوي الشافعي ، عبد الله بن محمد بن عامر ) - 1172ه-) : تحقيق : سامي الغريري، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي - قم المقدسة ، الطبعة الأولى 1423ه- / 2002م.

3 - الاثنا عشرية : الحسيني ، محمد بن الحسن بن عبد الله بن محمد بن قاسم ( 717 - 776 ) :

4 - أخبار الدول وآثار الأول : القرماني ، أحمد بن يوسف ( 939 - 1019ه-) : الحلبي - القاهرة / 1982م .

5- الاختصاص : الشيخ المفيد : أبو عبدالله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي ( 336 - 413ه- ) : المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد - قم المقدسة ، الطبعة الأولى /1413ه-)

6 - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد : الشيخ المفيد : أبو عبدالله محمد بن النعمان العكبري البغدادي ( 336 - 413ه- ) : طبع وتحقيق : مؤسسة آل البيت الاعلام - قم المقدسة / 1416ه-.

7- أسد الغابة في معرفة الصحابة : ابن الأثير الجزري = عز الدين علي بن محمد بن محمد ( 555 - 630ه-) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2006م.

8 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب : ابن عبدالبر = أبو عمر يوسف بن عبدالله بن محمد النمري القرطبي الأندلسي ( 368 - 463ه-) : دار الإسلام - عمان / 2002م .

9 - إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وآل بيته الطاهرين : الصبان ، محمد بن عليّ ) - 1206ه- ) ، نشر دار الفكر - بيروت

10 - الشفا بتعريف أحوال المصطفى : القاضي اليحصبي ، عياض بن موسى ( 476 - 544ه-) : دار ابن حزم - بيروت / 1422ه- .

11 - ألف باء : أبو الحجاج البلوي = يوسف بن محمد : عالم الكتب - بيروت / 1287ه-.

12- أمالي المرتضى = غرر الفوائد ودرر القلائد : الشريف المرتضى = علم الهدى أبي القاسم علي بن الحسين الموسوي ( 355 - 436ه- ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 1387ه-.

13 - الأمالي : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( 311 - 381ه-) : تحقيق ونشر قسم الدراسات الإسلامية ، مؤسسة البعثة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1417ه-.

14 - الأمالي : شيخ الطائفة الطوسي ، أبو جعفر محمد بن الحسن ( 385 - 460ه- ) : تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البعثة ، دار الثقافة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1414ه-.

15 - الامام زيد : أبو زهرة ، محمد : دار الفكر العربي - القاهرة / 1974م.

16 - الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب : ترجمة : آل عليّ ، نور الدين : مجمع الذخائر - قم المقدسة / 1425ه-.

17- الإمامة والسياسة : ابن قتيبة الدينوري = أبو محمد عبدالله بن مسلم ( 213 - 276ه-) : المكتبة الحيدرية - قم المقدّسة / 2007م .

18 - أنساب الأشراف البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي ( - 279ه-) : تحقيق : .د. سهیل زکار و د ریاض زكلى ، دار الفكر - بيروت / 1417ه- .

19 - الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإلهية : القمي ، الشيخ عباس ( 1254 - 1319ه- ) ، تحقيق : فارس حسون کریم، انتشارات فدك - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى 1433ه- / 2012م .

20 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار : العلامة المجلسي = محمدباقر بن محمّد تقي ( 1037 - 1111ه-) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م.

21- البداية والنهاية في التاريخ - تاريخ ابن كثير : ابن كثير الدمشقي ، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير ( 700 - (774ه-) : تحقيق : مكتب تحقيق التراث ، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1993م.

22 - البلد الأمين : الكفعمي ، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد العاملي الحارثي ( 840 - 905ه- ) : مؤسسة قائم آل محمد (عجل الله تعالی فرجه الشریف) - قم المقدسة ، الطبعة الأولى 1413ه-/ 1993م.

23 - بهجة المجالس وأنس المجالس : ابن عبدالبر = يوسف بن عبدالله النمري القرطبي : الدار المصرية - القاهرة / 1900م

24 - تاريخ ابن الوردي : ابن الوردي، زين الدين عمر بن مظفر ) - 749ه- ) : دار الك- العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1417ه- / 1996م .

25 - تاريخ أبي الفداء = المختصر في أخبار البشر : أبو الفداء ، عماد الدين إسماعيل بن علي بن محمود بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب ( 672 - 732ه- ) : تعليق: محمود دیوب ، منشورات دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1417ه-/ 1997م .

26 - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام : شمس الدين الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748ه- ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2004 م .

27- تاريخ بغداد : الخطيب البغدادي ، أبو بكر أحمد بن علي ( 392 - 463ه- ) : تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1417ه- / 1997م.

28 - تاريخ الخلفاء : جلال الدين السيوطي ، عبدالرحمن بن أبي بكر الشافعي ( 849 - 911ه-) : السعادة - القاهرة ، الطبعة الأولى / 1952م .

29 - تاريخ الطبري - تاريخ الأمم والملوك : الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد ( 224 - 310ه- ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الخامسة 1409 ه- / 1989م.

30 - تاريخ مدينة دمشق : ابن عساكر = أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الشافعي الدمشقي ( 499 - 571ه- ) : دار الفكر - دمشق / 1419ه-.

31 - تاريخ اليعقوبي : اليعقوبي ، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح ) - (278ه-) : دار صادر - بيروت / 1984م.

32 تحسين التقبيح وتقبيح الحسن : أبو منصور الثعالبي النيسابوري = عبد الملك بن محمد ) - 429ه- ) :

33 - تحف العقول عن آل الرسول : ابن شعبة الحرّاني ، أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين (من أعلام القرن الرابع الهجري :) : دار الشريف الرضي - قم المقدسة / 1421ه-.

34- التذكرة الحمدونية : ابن حمدون ، أبو المعالي محمد البغدادي : دار صادر - بيروت ، الطبعة الأولى / 1996م.

35 - تذكرة الحفاظ : شمس الدين الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان ( 748ه- ) : وضع حواشیه : زكريا عميرات ، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى / 1419ه- / 1998م ( 4 أجزاء في مجلدين).

36- تفسير القرآن العظيم : ابن كثير الدمشقي ، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي ( 701 - (774ه-) : تحقيق : سامي بن محمد سلامة ، دار طيبة ، الطبعة الثانية 1420ه- / 1999م .

37- تفسیر فرات الكوفي : فرات بن إبراهيم بن فرات ) - 352ه-) : تحقيق : محمد الكاظم ، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي - طهران ، الطبعة الأولى / 1410ه-.

38 - التمثيل والمحاضرة : أبو منصور الثعالبي النيسابوري = عبد الملك بن محمد ) - 429ھ ) : دار إحياء الكتب العربية - القاهرة / 1961م.

39 - تهذيب الأسماء واللغات : النووي = أبو زكريا محيي الدين بن شرف ( 676ه- ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .

40 - تهذيب التهذيب : ابن حجر العسقلاني ، أحمد بن علي بن محمد ( 773 - 852ه-) : دار الفكر - بيروت / 1995م .

41 - تهذيب الكمال في أسماء الرجال : الحافظ المزي ، جمال الدين أبي الحجاج يوسف ( 654 - 742ه- :( : مراجعة : سُهيل زكار ، تحقيق : أحمد على عبيد ، وحسن أحمد آقا ، دار الفكر - بيروت ، الطبعة الأولى 1414 ه- / 1994م (22) مجلداً + مجلدا الفهارس ) . 22) .

42 - الثقات : ابن حبّان السجستاني - الحافظ محمد بن أحمد أبو حاتم السبتي التميمي ( 370 354ه- ) : دار الكتب العلمية - بيروت / 1998م .

43 - جامع السعادات : النراقي ، مهدي بن أبي ذرّ ( 1128 - 1209ه-) : تعليق : مؤسسة السيدة

المعصومة (سلام الله علیها) - قم المقدسة / 2005م .

44- الجعفريات ( المنسوب إلى الإمام جعفر الصادق (علیه السلام ) : الحميري ، عبدالله بن جعفر ( - 310ه-) : مؤسسة الثقافة - قم المقدسة / 1417ه-.

45 - الجنّة الواقية والجنّة الباقية : الكفعمي ، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد العاملي الحارثي ( 840 - 905ه- :

• 46 جواهر البحار في فضائل النبي المختار : النبهاني ، يوسف بن إسماعيل : مطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر

47 - جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب : الباعوني ، شمس الدين محمد بن أحمدالدمشقي الشافعي ( 780 - 871ه- ) : مجمع إحياء الثقافة الإسلامية - قم المقدسة / 1415ه-.

48 - جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام القراغولي البغدادي ، السيد محمود : الآداب - بغداد / 1329ه-.

49 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء : أبو نعيم الاصفهاني ، الحافظ أحمد بن عبدالله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران ( 336 - 430ه- ) : دار الكتاب العربي - بيروت / الطبعة الخامسة / 1987م.

50 - حياة الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام) : القرشي ، باقر شريف ( - 1926م) :، تحقيق : مهدي باقر القرشي ( ضمن موسوعة سيرة أهل البيت علیهم السلام ) دار المعروف ، الطبعة الأولى

1430ه- / 2009م.

51 - حياة الإمام الحسن بن عليّ : القرشي ، باقر شريف ( 1926- م): تحقيق: مهدي باقر القرشي ( ضمن موسوعة سيرة أهل البيت علیهم السلام ) : دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430ه- / 2009 م.

52 - حياة الإمام الحسين بن على :: القرشيّ ، باقر شريف ( 1926 - م ) : تحقيق : مهدي باقر القرشيّ ) ضمن موسوعة سيرة أهل البيت الله ) : دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430ه-/2009م.

53 - حياة الإمام زين العابدين (علیه السلام): القرشي ، باقر شريف ( 1926- م): تحقيق : مهدي

باقر القرشي ( ضمن موسوعة سيرة أهل البيت ع ) : دار المعروف ، الطبعة الأولى :( 1430ه-

/ 2009 م .

54 - حياة الإمام علي الهادي ال : القرشي ، باقر شريف ( 1926 - م) : تحقيق : مهدي الله

باقر القرشي ( ضمن موسوعة سيرة أهل البيت الله اللام ) : دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430ه- / 2009م .

55 - حياة الإمام محمد الباقر علیه السلام : القرشي ، باقر شريف ( 1926 - م ) : تحقيق : مهدي باقر القرشيّ ( ضمن موسوعة سيرة أهل البيت علیهم السلام) : دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430ه- / 2009 م .

56 - حياة الإمام محمد الجواد الله : القرشي ، باقر شريف ( 1926م ) ، تحقيق : مهدي باقر القرشيّ ( ضمن موسوعة سيرة أهل البيت ع الاعلام ) دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430ه-/ 2009م .

57 - حياة الإمام محمد المهدي المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف : القرشي ، باقر شريف ) - 1926م) : تحقيق : مهدي باقر القرشي ( ضمن موسوعة سيرة أهل البيت المال الامام ) دار المعروف ، الطبعة

الأولى 1430ه-/ 2009م.

58- حياة الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام : القرشي ، باقر شريف ( 1926 - م ) : تحقيق : مهدي باقر القرشي ( ضمن موسوعة سيرة أهل البيت علیهم السلام ) : دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430ه- / 2009م .

59 - حياة سيدة النساء فاطمة الزهراء علیها السلام) : القرشي ، باقر شريف - 1926م) : تحقيق : مهدي باقر القرشي ) ضمن موسوعة سيرة أهل البيت عام ) دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430ه- / 2009م .

60- حياة المحرر الأعظم الرسول الأكرم محمد (صلی الله علیه وآله وسلم) القرشي ، باقر شريف ( 1926

م ) :

61- خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب : البغدادي ، عبدالقادر بن عمر ( 1030 - 1093ه-) : مكتبة الخانجي - القاهرة / 1983م.

62 - الخصال : الشيخ الصدوق = أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( 311 -

381ه-) : نشر وتحقيق : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين / 1424ه- .

63 - خلاصة تهذيب الكمال : الخزرجي الأنصاري ، أحمد .

64- دائرة معارف القرن العشرين : فريد وجدي ، محمد : دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الثالثة / 1971م.

65 - الدر النظيم في مناقب الأئمة : الشامي العاملي ، يوسف بن حاتم ( من أعلام القرن السابع الهجري ) : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المقدسة / 1409ه-.

66- دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام القاضي التميمي المغربي ، أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور ) - 363ه-) : اسماعيليان - قم المقدسة / 1372ه- . ش

67 - دلائل الإمامة : ابن رستم الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير ( - 310ه-) : مؤسسة البعثة - قم المقدّسة / 1412ه-.

68 - ربيع الأبرار ونصوص الأخبار : جار الله الزمخشري - أبو القاسم محمود بن عمر ( 467 - (538ه- : دار الذخائر - قم المقدّسة / 1410ه- .

69 - رجال الكشي - اختيار معرفة الرجال : شيخ الطائفة ، أبو جعفر محمد الطوسي ( 385 - 460ه-) : تحقيق : محمد تقي فاضل الميبدي والسيد أبو الفضل الموسويان ، وزارة الثقافة والإرشاد - طهران ، الطبعة الأولى / 1382ه- . ش

70- روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات: الخوانساري ، الميرزا محمد باقر الموسوي ) - 1313ه-) ، مكتبة إسماعيليان - قم المقدّسة / 1390ه-.

71 - سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار : الشيخ القمي ، عباس بن محمد رضا ( 1254 - 1359ه-) : دار أسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة ، الطبعة الرابعة / 1427ه-.

72- سنن ابن ماجة : ابن ماجة القزويني ، أبو عبدالله محمد بن يزيد ) - 273ه-) : تحقيق : خليل مأمون شيحا ، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية 1418ه- / 1997م ( 4 مجلدات + مجلد الفهرس ) .

73- سنن أبي داود : الحافظ أبو داود السجستاني ، سليمان بن الأشعث الأزدي ( 202 - 275ه--) :تحقيق : سعيد محمد اللحام ، دار الفكر - بيروت ، الطبعة الأولى 1410ه-/ 1990م.

74 - سير أعلام النبلاء : شمس الدين الذهبي = محمد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748ه- ) : مؤسسة الرسالة - بيروت / 1419ه-.

75 - السيرة النبوية والآثار المحمدية : زيني دحلان ، نورالدين أحمد الشافعي ( - 1304ه-) : دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الثانية / 1310ه- .

76 - شرح السُّنّة : البَغَوي = أبي محمد الحسين بن مسعود ( 438 - 514ه- : تحقيق : سعيد

محمد اللحام ، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1414ه-/ 1994م ( 8 مجلدات ) .

77 - شرح شافية أبي فراس ( م ) : الحسسيني ، محمد بن أمير الحاج : دار الطباعة - طهران / 1296ه- . ش .

78 - شرح نهج البلاغة : عبدة ، محمد ( 1849 - 1905 م ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت / 1985م .

79- الشفا بتعريف أحوال المصطفى : القاضي اليحصبي ، عياض بن موسى ( 476 - 544ه- ) : دار ابن حزم - بيروت / 1422ه- .

80 - صحيح البخاري : البخاري ، أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي ( 194 - 256ه-) : ضبطه ورقمه : الدكتور مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير ودار اليمامة - دمشق الطبعة الخامسة 1414ه- / 1993م ( 6 مجلدات + مجلد الفهارس) .

81 - صحيح الترمذي : الترمذي ، محمد بن عيسى ( 209 - 279ه-) : دار إحياء التراث العربي يروت / 1985م.

82 - الصحيفة الرضويّة : البحراني ، أحمد بن صالح .

83- الصحيفة السجادية (أدعية الإمام زين العابدين علي بن الحسين علیه السلام) : تحقيق

و نشر : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف - قم المقدسة - الطبعة الخامسة / 1423ه-.

84- صفة الصفوة : ابن الجوزي ، أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن علي بن محمد (- 597ه- ) : دار المعرفة - بيروت / 1979 م .

85- الطبقات الكبرى = لواقح الأنوار الشعراني ، أبو المواهب عبدالوهاب بن أحمد المصري : صحح بمعرفة لجنة من العلماء بالقاهرة / 1374ه- / 1954م.

86- الطبقات الكبرى : ابن سعد الواقدي = أبو عبدالله محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري ( 168 - 230ه-) : تحقيق : محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1410ه-/ 1990م ( 8 مجلدات + مجلد الفهارس ) .

87 - عقد الدرر في أخبار المنتظر : المقدّس الشافعي ، يوسف بن يحيى بن علي : تحقيق : .د. عبد الفتاح محمد الحلو ، انتشارات مسجد مقدس صاحب الزمان - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1416ه-.

88 - علل الشرائع : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( 311 -381ه-) : دار الحُجّة للثقافة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1416ه- ( جزءان في مجلّد ) .

89 - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : ابن عنبة = جمال الدين أحمد بن عليّ بن الحسين الحسيني ( 741 - 828ه- ) : المكتبة الثقافية - قم المقدّسة / 2004م .

90 - العمل وحقوق العامل في الإسلام القرشي ، باقر شريف ( 1926 - م ) :

91 - عيون أخبار الرضا الا : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي ( 311 - 381ه-) : تحقيق : الشيخ حسين الأعلمي ، مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الأولى / 1404ه-.

92 - عيون التواريخ : ابن شاكر الكتبي = محمد بن شاكر ( 681 - 764ه- ) : دار الحرّية - بغداد / 1977م.

93 - الغارات : ابن هلال الثقفي ، إبراهيم بن محمد الكوفي ) - (283ه- ) : دار الكتاب الإسلامي - قم المقدسة / 1411ه-.

94 - الغايات : ابن الرازي ، جعفر بن أحمد ( القرن الرابع الهجري ) ، آستانه قدس رضوي - مشهد المقدّسة / 1413ه- .

95 - فتح الباري في شرح صحيح البخاري : ابن حجر العسقلاني ، شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي الشافعي ( 733 - 852ه- ) : تحقيق : عبدالعزيز بن عبدالله بن باز ، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1414ه- / 1993م ( 15) مجلداً + مجلدا المقدمة والخاتمة).

96- الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة : ابن الصباغ = علي بن محمد بن أحمد المالكي ) - (855 ) : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1409ه- / 1988م.

97 - فضائل الخمسة من الصحاح الستة : الحسيني الفيروزآبادي ، مرتضى ( 1289 - 1368ه- ) ، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الرابعة 1402ه-/ 1982م.

98 - في ظلال الصحيفة السجّاديّة : مغنية ، محمد جواد ( 1904 - 1979م ) : دار التعارف - للمطبوعات - بيروت 1399ه- / 1979م .

99 - الكافي : ثقة الإسلام الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الرازي ( 328 - 329ه- ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1426ه- / 2005م .

100 - الكامل في اللغة والأدب : المبرد ، أبو العباس محمد بن يزيد ( 210 - 286ه-) : دار الفكر العربي - القاهرة / 1997م .

101 - كشف الغمّة في معرفة الأئمة : الإربلي ، أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح ( 67

(538ه- : دار الأضواء - بيروت / 1985م.

102 - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال : المتقي الهندي = علاء الدين علي بن حسام الدين ( 888 - 975ه- ) : مؤسسة الرسالة - بيروت / 2004 م .

103 - كنز اللغة : د . هنفر ، اوغست :

104 - الكواكب الدرية في مناقب الصوفية : عبدالرؤوف المناوي ، محمد الشافعي ( 952 - 1031ه-):

105 - لسان الميزان : ابن حجر العسقلاني ، شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي الشافعي ( 133 - 5852 ) : تحقيق : عادل أحمد وعلى معوّض ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1416ه- / 1996م ( 7 مجلدات ) .

106 - اللمعة الدمشقية في فقه الإمامية : الشهيد الأول : محمد بن مكي العاملي الجزيني ( 734 - 786ه- ) : تحقيق : محمد تقي وعلي أصغر مرواريد ، نشر دار التراث - بيروت ، الطبعة الأولى 1410ه-/ 1990م.

107- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : الهيثمي ، الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر المصري الشافعي ( 735 - 807ه- ) : دار الكتب العلمية - بيروت 1408ه-/ 1988م .

108 - مجموعة ورّام = تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: المالكي الأشتري ، الأمير أبو الحسين ورام بن أبي فراس ) - (605ه-) : دار الكتب الإسلامية - طهران ، الطبعة الثانية / 1368ه-.

109 - المحاسن : البرقي ، أبو جعفر أحمد بن محمد بن خالد ( - 274ه-) : المجمع العالمي لأهل البيت علیهم السلام) - قم المقدسة / 1416ه- .

110- محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء : الراغب الأصفهاني = الحسين بن محمد ) - (502 ) : المكتبة الحيدرية - قم المقدسة / 1416ه-.

111- محمّد المثل الكامل : أحمد جاد المولى ، محمّد :

112 - مرآة الزمان في تاريخ الأعيان : سبط ابن الجوزي ، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبدالله البغدادي ( 581 - 654ه-:) : مؤسسة آل البيت علیهم السلام ، قم المقدسة / 1366ه-.

113 - المستدرك على الصحيحين : الحاكم النيسابوري ، محمد ) - 405ه-) : تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا، نشر دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1411ه- / 1990م.

114 - المستطرف : شهاب الدين الأبشهيّ ، أحمد : مصطفى البابي الحلبي - القاهرة / 1942م . 115 - مسند أبي عوانة : ابن السكيت = يعقوب بن إسحاق ( 186 - 246ه-) : دار المعارف - القاهرة / 1956م.

116 - مسند أحمد بن حنبل : ابن حنبل ، أحمد ( 164 - 241ه- ) : مؤسسة الرسالة - بيروت ، الطبعة الثانية 1420ه- / 1999م.

117 - المصباح في الأدعية والصلوات والزيارات الكفعمي ، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد العاملي الحارثي ( 840 - 905ه- ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الثانية / 1424ه-2003م.

118 - مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة ( المنسوب إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق الا ) : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى / 1400ه-.

119 - مطالب السؤول في مناقب آل الرسول : القرشي ، كمال الدين محمد بن طلحة بن محمد بن الحسن الشافعي ( 583 - 652ه- ) : مؤسسة أم القرى - قم المقدسة / 1420ه-.

120 - معاني الأخبار : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( 311 - 381ه-) : قدّم له : الشيخ حسين الأعلمي ، تعليق : علي أكبر الغفاري ، نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الأولى 1410ه- / 1990م

121 - معجم البلدان : ياقوت الحموي ، شهاب الدين أبو عبدالله الرومي البغدادي ( 626ه-) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1399ه-.

122- مقتل الحسين علیه السلام): الخوارزمي = أخطب خوارزم، موفق بن أحمد بن محمد البكري الحنفي المكي ( 484 - 568ه- ) : تحقيق : محمد السماوي، أنوار الهدى - قم المقدسة / ) 1418ه-.

123 - مناقب آل أبي طالب : ابن شهر آشوب ، أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي السروي المازندراني ( 488 - 588ه- ) : دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الثانية 1412ه-/ 1991م.

124 - منتخب كنز العمّال : المتقي الهندي = علاء الدين علي بن حسام الدین ( 888 - 975ه- ) : نشر دار الفكر - بيروت .

125 - منتهى الآمال : الشيخ القمي ، عبّاس بن محمد رضا ( 1254 - 1359ه-) : مؤسسة النشر

الإسلامي - قم المقدّسة ، الطبعة الخامسة / 1422ه-.

126 - من لا يحضره الفقيه : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي ( 311 - 381ه-) : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، الطبعة الأولى 1426ه- / 2005 م .

127 - خطط الشام - المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار : تقي الدين المقريزي ، أحمد بن عليّ ( 766 - 845ه- ) : مشهد المقدّسة / 1379ه- . ش .

128- موسوعة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : القرشي ، باقر شريف ( - 1926 م ) : دار الهدى - قم المقدسة / 2002م .

129 - مهج الدعوات ومنهج العبادات : السيد ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم عليّ بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ( 589 - 644ه- ) : دار الكتب الإسلامية - طهران ، الطبعة الأولى / 1416ه-.

130 - الميزان في تفسير القرآن ( تفسير ) : الطباطبائي ، محمد حسين ( 1281 - 1360ه-) : تحقيق : الشيخ حسين الأعلمي ، الناشر مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الأولى المحققة 1417ه- / 1997م.

131 - نثر الدرر منصور بن الحسين ، أبو سعد ) - 421ه-) : الدار التونسية - تونس ، الطبعة

الأولى / 1983م.

132 - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: الأتابكي ، أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي ( 813 - (784ه- ) : وزارة الثقافة والإرشاد القومي - القاهرة / 1972م.

133 - نفحات من سيرة أئمّة أهل البيت علیهم السلام : القرشي ، باقر شريف ( 1926 - م ) :

134 - نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار : الشبلنجي ، مؤمن بن حسن بن مؤمن : تحقيق : عبد الوارث محمّد عليّ ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1418ه- / 1997م.

135 - نهاية الإرب في فنون الأدب : النويري ، أحمد بن عبدالوهاب ( - 733ه-) : طبعة وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، المؤسسة المصرية ، مطبعة دار الكتب المصرية .

136 - نهج البلاغة ( مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام ) : دار التعارف للمطبوعات - بيروت ، الطبعة الأولى / 1410ه- - 1990م .

137 - الوافي بالوفيات : صلاح الدين الصفدي = خليل بن أيبك بن عبد الله ( 696 - 764ه- ) : أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى ، دار إحياء التراث - بيروت 1420ه- / 2000م .

138 - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة : الحر العاملي ، محمد بن الحسن بن عليّ بن محمد بن الحسين ( 1033 - 1104ه-) : مؤسسة آل البيت الا - قم المقدسة ، الطبعة الثانية / 1416ه-.

139 - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : ابن خلكان ، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر ( - 681ه- ) : تحقيق : د . إحسان عباس ، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1406ه- .

140 - ينابيع المودة لذوي القربى : القندوزي ، سليمان بن إبراهيم الحنفي ( - 1294ه- ) : تحقيق : السيد علي جمال أشرف الحسيني ، الناشر : دار الأسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1416ه- .

المحتویات

اشارة

تقدیم...7

13-37

مكارم الأخلاق...15

مساوئ الأخلاق ...17

من مكارم أخلاق النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)...18

1 - نكران الذات...19

وصف الإمام لأخلاق النبي (صلی الله علیه وآله وسلم)...20

2 - الحلم ...20

3- الإعراض عن الجاهلين...21

4- الوفاء ...22

5 - الصبر ...23

6 - الرحمة ...24

7- التواضع ...26

8- الزهد في الدنيا ...27

9 - الحياء ...29

10 - الجود والسخاء ...30

11 - الإنابة إلى الله تعالى ...31

12 - الشجاعة ...33

13 - حبّ الفقراء ...34

14 - العدل ...35

15 - الأريحية ...35

الأمامُ عَلى (علیه السلام) 41-68

مكارم الأخلاق ...43

1 - وصيّته(علیه السلام) لولده الحسن(علیه السلام) ...43

2 - وصيّته (علیه السلام) لولده الحسين لالالالالا (علیه السلام) ...43

مكارم أخلاقه(علیه السلام) ...47

1 - حلمه (علیه السلام) ...47

بوادر من حلمه(علیه السلام) ...47

2 - تواضعه (علیه السلام) ...50

3- عيادته (علیه السلام) للمرضى ...52

4 - كراهته (علیه السلام) للمدح ...53

5 - الصراحة والصدق ...53

6 - الإيثار...55

7- انعاؤه (علیه السلام) للتفاخر ...55

8- مواساته(علیه السلام) للفقراء ...56

9 - المساواة ...56

1 - المساواة في العطاء ...56

2- المساواة أمام القانون ...57

3- المساواة في الحقوق...57

10 - زهده (علیه السلام) ...58

صور من زهده (علیه السلام) ...58

1 - لباسه (علیه السلام) ...58

2 - طعامه(علیه السلام) ...60

11 - إنابته (علیه السلام) الله تعالى ...62

12 - سخاؤه(علیه السلام) ...65

شذرات من جوده (علیه السلام) ...66

فاطمه الزهرا (سلام الله علیها) 69-82

انقطاعها (علیه السلام) إلى الله عزّ وجلّ ...71

برّها (علیه السلام) بالفقراء ...72

العفاف والحجاب...74

موقفها (علیه السلام) الحاسم في نصرة الإمام (علیه السلام) ...75

خطابها (علیه السلام) التأريخي ...80

وصاياها(علیه السلام) الخالدة...81

الامام الحسن (علیه السلام) 83-96

مكارم الأخلاق ...85

مساوئ الأخلاق ...86

مكارم أخلاقه (علیه السلام) ...87

1 - التواضع ...87

2 - الحلم...88

3 - السخاء ...89

4 - الزهد...92

5- إنابته (علیه السلام) إلى الله عز وجل...94

6 - وضوؤه وصلاته(علیه السلام) ...94

7- حجه(علیه السلام) ...95

8 - التصدق بأمواله (علیه السلام) ...95

9 - تلاوته (علیه السلام) للقرآن بخشوع ...95

10 - قضاء حوائج النّاس ...96

الأمام الحسين (علیه السلام) 97-117

مكارم أخلاقه (علیه السلام) ...99

1 - الإباء عن الضيم ...99

2 - الصبر ...102

3 - الحلم ...103

4 - التواضع ...104

5 - الجود ...105

شذرات من جوده(علیه السلام) : ...106

1 - مع أسامة بن زيد ...106

2 - مع أعرابي ...107

3 - مع جارية ...108

6- إنابته (علیه السلام) إلى الله عزّ وجل: ...110

1 - خوفه (علیه السلام) من الله عزّ وجلّ...111

2- صلاته وصومه (علیه السلام) ...111

3- حجه(علیه السلام) ...111

4 - صدقاته (علیه السلام) 112

ه - الرأفة والإحسان...113

7- الصلابة في الحق...113

8- الصراحة...114

9 - الشجاعة...115

الامام السّجاد (علیه السلام) 119-147

مكارم أخلاقه (علیه السلام) ...121

1 - الحلم...121

2- الإحسان إلى النّاس...124

1 - إحسانه(علیه السلام) لأعدائه... 124

2 - دعاؤه (علیه السلام) لأعدائه...125

3- قضاء حوائج النّاس ...126

3 - السخاء...128

1 - مع محمد بن أسامة...129

2 - إطعام عام...128

17 - 1199

3- إعالته (علیه السلام) لمائة بيت ...129

4 - صدقاته (علیه السلام) ...129

1 - التصدق بثيابه (علیه السلام) ...129

2- التصدّق بما يحبّ ...130

3 - مقاسمة أمواله(علیه السلام) ...130

4- صدقاته (علیه السلام) في السرّ...130

5 - الصبر ...134

6 - العزة والإباء...134

7 - الشجاعة...135

8 - التجرد من الأنانية...136

9 - الزهد في الدنيا ...137

10 - الإنابة إلى الله عزّوجلّ...138

دعاؤه(علیه السلام) في الالتجاء إلى الله عزّ وجلّ ...139

انقطاعه(علیه السلام) إلى الله عزّ وجلّ ...140

دعاؤه (علیه السلام) في مكارم الأخلاق...141

الامامُ الباقر (علیه السلام) 149-165

مکارم الاخلاق...151

1- متابعة الإحسان151

2 - فعل المعروف...152

3- مقابلة المعروف بالإحسان...153

4 - معاملة النّاس بالحسنى...153

5 - طلاقة الوجه ...154

6 - قضاء حوائج النّاس ...154

7 - صلة الأرحام ...155

8- العطف على اليتيم...155

9 - مكارم الأخلاق...155

مساوئ الأخلاق...156

1 - التكبر...156

2 - النفاق...157

3- الغيبة والبهتان...157

4 - العجب...157

5 - الغضب ...158

6 - صفات ممقوتة ...158

مكارم أخلاقه (علیه السلام) ...158

1 - الحلم ...159

2 - الصبر ...160

3- الزهد ...161

4 - الكرم والسخاء ...164

ه - تكريمه (علیه السلام) للفقراء ...164

6 - صلته (علیه السلام) لفقراء المدينة ...164

7- إنابته (علیه السلام) الى الله عزّ وجلّ...164

الأمام الصادق (عليه السلام)167-204

مكارم الأخلاق ...169

1 - الحلم ...169

2 - التواضع...170

3- حُسن الخُلق...172

4 - العفّة والحياء ...173

5 - القناعة ...173

6 - الإحسان ...174

الرأفة ...174

8- الرحمة ...174

9 - السخاء ...175

10 - القوة والعزم...175

11 - التسليم للحقّ ...176

12 - الصدق وأداء الأمانة ...176

13 - التثبت من الأمور ...176

14 - التوكل على الله تعالى ...177

15 - خصال الأنبياء ...178

16 - صفات رفيعة...178

17 - صفات المؤمن...178

18 - عشر خصال من الفضائل...179

مساوئ الأخلاق...179

1 - الحقد...179

2 - الحسد...180

3 - العجب ...181

4 - التكبّر ...182

5- الحرص...182

6 - البخل...183

7 - الطمع ...184

8 - الغرور ...184

9 - الغضب ...185

10 - النفاق...186

11 - السفه ...187

12 - الغيبة ...187

13 - النميمة ...188

14 - الشماتة ...189

15 - المراء والجدل ...189

16 - البهتان ...190

17 - البغي ...190

18 - الظلم ...191

19 - الرياء ...192

20 - الخيانة...193

21 - الغش والخداع...194

22 - العصبية...195

23- الشؤم ...195

24 - الضجر والقلق...196

25 - الكسل...196

26 - الذل ...196

27 - الكذب ...197

28 - عقوق الوالدين...198

29 - جحد الإحسان ...199

مكارم أخلاقه (عليه السلام)...199

1 - التواضع ...199

2 - الصبر ...200

3- السخاء ...201

4 - صدقاته (عليه السلام) في السرّ ...203

ه - تكريمه (عليه السلام) للضيوف... 204

6- إنابته (عليه السلام) إلى الله عز وجل... 204

الامام الکاظم (عليه السلام) 205-226

مكارم الأخلاق ...208

1 - إيثار الحق ...208

2 - قول الخير...208

3 - إغاثة المستجير ...209

4 - العفو والإصلاح ...209

5 - حسن الجوار...209

6 - زيارة الاخوان ...210

7 - شكر النعمة ...210

8- محاسبة النفس ...210

9 - الاستشارة ...211

10 -الرضا بقضاء الله تعالى...211

11 - الصبر ...211

12 - الورع...212

13 - التفقه في الدين ...212

14 - مجالسة العلماء...212

15 - وصايا تربوية ...213

16 - التحذير من الكسل...214

17 - الاقتصاد ...214

مكارم أخلاقه (عليه السلام)...214

1 - الحلم...215

2 - كرمه وسخاؤه (عليه السلام)...216

1 - محمد البكري...217

2 - غلام زنجي...217

3- عيسى بن محمد ...219

4 - فقير ...219

5- صدقات السرّ...220

6 - إطعام عامّ ...220

• زهده (عليه السلام)...221

4 - الإحسان إلى الناس...222

ه - عتقه (عليه السلام) للعبيد ...223

6 - الإنابة إلى الله عزّ وجلّ ...223

1 - بكاؤه (عليه السلام) من خشية الله تعالى ...224

2 - كثرة سجوده الا الله تعالى...224

3- شغف الإمام (عليه السلام) بالعبادة... 225

4 - دعاؤه (عليه السلام) في السجن لتفرّغه للعبادة ...225

الأمام الرضا (عليه السلام) 227-247.

مكارم الأخلاق ...229

1 - التواضع ...229

2 - خيار الناس...230

3- التبسم في وجه المؤمن ...231

4 - التودد إلى النّاس...231

ه - المساواة في السلام ...231

6 - أفضل العقل ...232

7 - التفكر في أمر الله تعالى...232

8- محاسبة النفس ...232

9 - تماميّة العقل...232

10- من وصيّة له (عليه السلام)...234

11 - شكر المنعم ...234

12 - خصال كريمة ...235

13 - صلة صلة الأرحام ...235

14 - عون الضعيف...236

15 - الفرج عن المؤمن...236

مكارم أخلاقه (عليه السلام)...236

كلمة جامعة عن أخلاق الإمام (عليه السلام)...237

لمحات من أخلاقه (عليه السلام)...238

1 - زهده (عليه السلام)...240

2 - سخاؤه (عليه السلام)...240

3- تكريمه (عليه السلام) للضيوف...243

4 - عتقه ا (عليه السلام) للعبيد...244

5 - الإحسان للعبيد ...244

6- إنابته (عليه السلام) إلى الله عز وجل...244

شذرات من أدعيته (عليه السلام)...246

الأمام الجواد (عليه السلام) 249-266

مكارم الأخلاق ...251

1 - محاسن الأخلاق ...251

2 - قضاء حوائج الناس ...252

3 - فعل المعروف...253

4 - الخصال التي تجلب المودة ...253

5 - خصال كريمة ...254

6 - التقوى والعلم ...254

7- ما يحتاج إليه المؤمن...255

8 - الثقة بالله عزّ وجلّ ...255

9 - الاستغناء بالله عزّ وجلّ...256

10 - القصد إلى الله عزّ وجلّ بالقلوب...256

مساوئ الصفات ...257

1 - البدع والطمع...257

2 - الشتم والتهوّر ...257

مكارم أخلاقه (عليه السلام)...257

1 - الإحسان إلى النّاس ...258

2 - مواساة النّاس...259

3- الكرم والسخاء ...260

4 - بره (عليه السلام) بالحيوانات ...260

ه - زهده (عليه السلام)...261

6- الإنابة إلى الله عزّ وجل...262

نماذج من أدعيته (عليه السلام)...262

الامامُ الهادی (عليه السلام) 267- 291

مكارم الأخلاق ...269

1- الحلم...269

2 - الخير...270

3- نصيحة الإمام (عليه السلام) للمتوكّل...270

4 - الدنيا سوق ...271

مساوئ الصفات ...271

1 - سوء الخلق...271

2 - التملّق...271

3 - البخل والطمع ...272

4- الحسد ...272

5 - الزهو والعجب...272

6- مخالطة الأشرار...272

7- الطبائع الفاسدة ...273

8- الجهل والبخل ...273

مكارم أخلاقه (عليه السلام)...274

1 - تكريم العلماء ...274

تحذيره (عليه السلام) من مجالسة الصوفيين ...275

3- الإرشاد...277

4- العمل...278

5- الكرم ...278

6 - الزهد...280

7 - الصبر ...281

8- إنابته (عليه السلام) الله عزّ وجل...282

1 - مناجاته (عليه السلام) الله تعالى ...282

2 - من مناجاة أخرى ...283

3 - من مناجاة أخرى فيها دعاء لشيعته (عليه السلام)...284

4 - دعاء الإمام (عليه السلام)على المتوكّل... 285

استجابة دعاء الإمام (عليه السلام)...290

الأمام العسكرى (عليه السلام) 293-305

رسالة جامعة ...299

نصائح قيّمة ...297

التحذير من النفاق والغضب...298

مكارم أخلاقه (عليه السلام)...299

1 - الحلم...299

2 - قوة إرادته (عليه السلام)...299

3 - السخاء ...300

4- سمو الأخلاق ...302

ه إنابته (عليه السلام) إلى الله عز وجل ...302

صلاته ودعاؤه (عليه السلام) في قنوت صلاته ...302

دعاء آخر لقنوته (عليه السلام)...304

الامامُ المهدیُ (عليه السلام) 307-319

مكارم أخلاقه (عليه السلام)...310

1 - صبره (عليه السلام)...310

2 - زهده (عليه السلام)...310

3 - شجاعته (عليه السلام)...311

4 - صلابته في الحق (عليه السلام)...312

5 - سخاؤه (عليه السلام)...312

6 - إنابته (عليه السلام) إلى الله عزّ وجل ...313

دعاؤه (عليه السلام) في قنوت صلاته ...314

دعاء آخر له (عليه السلام)في القنوت 316

دعاؤه (عليه السلام) للمسلمين ...317

دعاؤه (عليه السلام)للمؤمنين...318

دعاؤه (عليه السلام) لشيعته ...319

مصادر الكتاب ...321

محتويات الكتاب ...337