ghaemiyeh.com
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
تأليف: باقر شريف القَرشي
تحقيق: مهدي باقر القرشي
الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
المطبعة : ستار
الطبعة الثانية : 1433ه- / 2012م
عدد النسخ :1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 8275 - 964 - 978
ردمك الجزء «37» : 7 - 79 - 8275 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)
مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هاتف 009647805694970
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الجزء السّابع والثّلاثون
العبّاس بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)
تأليف
باقر شريف القَرشي
تحقيق
مهدي باقر القرشي
مؤسّسة الامام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
لإحیاء تراث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
محرر الرقمي: مرتضی حاتمي فرد
الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : .... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
العبّاس بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)
رائد الکرامة و الفداء في الإسلام
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الجزء السّابع والثّلاثون
العبّاس بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)
رائد الکرامة و الفداء في الإسلام
تأليف
باقر شريف القَرشي
تحقيق
مهدي باقر القرشي
مؤسّسة الامام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
لإحیاء تراث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
تأليف: باقر شريف القَرشي
تحقيق: مهدي باقر القرشي
الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
المطبعة : ستار
الطبعة الثانية : 1433ه- / 2012م
عدد النسخ :1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 8275 - 964 - 978
ردمك الجزء «37» : 7 - 79 - 8275 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ)
مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هاتف 009647805694970
بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
«وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّه أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّه مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِن خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّه وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّه لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ»
آل عمران 3 199 - 171
إلى الفاتح العظيم الذي احتلّ قلوب الناس وعواطفهم إلى أنشودة الأحرار في كلّ زمان ومكان إلى أبيّ الضيم، وسيّد الشهداء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أرفع بتواضع هذه الدراسة عن حياة العبّاس بن علي (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) الذي جسّد في سلوكه مع أخيه الحسين حقيق الاخوّة الصادقة، ففداه بنفسه، ووقاه بمهجته راجياً التفضّل عليَّ بالقبول
المؤلّف
أنت - يا قدوة الثوّار والأحرار - قد تألقت في سماء هذا الشرف رمزاً للبطولات، وعنواناً للتضحية والفداء، فقد رأيت الحكم الأموي السحيق يسوس المجتمع نحو الدمار الشامل، يسحق الكرامات، ويقضى على الحرّيات، ويمتص الأقوات، ويقود المجتمع إلى حياة بائسة لا ظلّ فيها للعدل السياسي والاجتماعي.
فرفعت راية التحرير مع أخيك أبي الأحرار وسيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي جسّد آمال الشعوب وطموحاتها، وسعى لتحرير إرادتها، وإعادة كرامتها.
لقد وقفت مع أخيك في خندق واحد فرفعتما كلمة اللّه الهادفة إلى كرامة الإنسان، وبناء حياة آمنة مستقرة، لا ظل فيها للظلم والطغيان.
أمّا أنت - يا أبا الفضل - فكنت هبة من اللّه لهذه الأمة، فقد فتحت لها آفاقاً مشرقة من الحريّة والكرامة، وعلّمتها أنّ التضحية يجب أن تكون خالصة اللّه، وبعيدة كلّ البعد عن الرغبات والعواطف وسائر الميول التي مالها إلى التراب، وبهذه الروح الإسلاميّة الأصيلة كانت تضحيتك - يا أبا الفضل - فقد اتّسمت بالدفاع عن الحقّ، والذبّ عن القيم والمبادئ، وهذا هو السرّ في خلود تضحيتك، وتفاعلها مع عواطف الناس على امتداد التاريخ.
أما أنت - يا قمر بني هاشم - فقد أقمت صروح الحقّ في دنيا العرب والإسلام، وشيّدت للمسلمين مجداً شامخاً بنصرتك لأخيك سيّد الشهداء، الذي نافح من أجل أن تسود العدالة الاجتماعيّة في الأرض، وتوزّع خيرات اللّه على المضطهدين والمحرومين، وتحمّلت معه أعباء هذه الرسالة، وبهذا كنت مع أخيك، وسائر الشهداء الممجدين من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأنصارهم، الطلائع المقدّسة لشهداء الحقّ في جميع انحاء الأرض.
سَلَامُ اللّه وَسَلَامُ مَلَائِكَتِهِ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنْبِيائِهِ الْمُرْسَلِينَ، وَعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَجَميعِ الشُّهَداءِ وَالصِّدِّيقينَ، وَالزَّاكِياتُ الطَّيِّبَاتُ فيما تَغْتَدِي وَتَرُوحُ، عَلَيْكَ يَابْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ
1 - وبرز أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) على مسرح التاريخ الإسلامي كأعظم قائد فذ، لم تعرف له الإنسانيّة نظيراً في بطولاته النادرة، بل ولا في سائر مثله الأخرى التي استوعبت بفخر جميع لغات الأرض.
لقد أبدى أبو الفضل يوم الطفّ من الصمود الهائل، والإرادة الصلبة ما يفوق الوصف، فكان برباطة جأشه، وقوّة عزيمته جيشاً لا يُقهر، فقد أرعب عسكر ابن زياد، وهزمهم نفسياً كما هزمهم في ميادين الحرب.
إنّ بطولات أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) كانت ولا تزال حديث الناس في مختلف العصور، فلم يشاهدوا رجلاً وحيداً مثقلاً بالهموم والنكبات يحمل على جيش مكثف مدعم بجميع آلات الحرب، قد ضم عشرات الآلاف من المشاة وغيرهم، فيلحق بهم أفدح الخسائر في معدّاتهم وجنودهم.
ويقول المؤرّخون عن بسالته يوم الطفّ : إنّه كلّما حمل على كتيبة تفرّ منهزمة من بين يديه، يسحق بعضها بعضاً، قد خيم عليها الموت، واستولى عليها الفزع والذعر، قد خُلعت منها الأفئدة والقلوب، ولم تغن عنها كثرتها شيئاً.
إنّ شجاعة أبي الفضل وسائر مواهبه ومزاياه ممّا يدعو إلى الاعتزاز والفخر، ليس له وللمسلمين فحسب، وإنما لكلّ إنسان يدين لإنسانيته، ويخضع لقيمها الكريمة.
2 - وبالإضافة إلى ما يتمتع به أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) من البطولات الرائعة، فإنّه كان مثالاً للصفات الشريفة، والنزعات العظيمة، فقد تجسّدت فيه الشهامة والنبل والوفاء والمواساة، فقد واسى أخاه أبا الأحرار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أيّام محنته الكبرى، ففداه ووقاه بمهجته، ومن المقطوع به أن تلك المواساة لا يقدر عليها إلّا من امتحن اللّه قلبه للإيمان، وزاده هدىَ
3 - ومثّل أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سلوكه مع أخيه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حقيقة الاخوة الإسلاميّة الصادقة، وأبرز جميع قيمها ومثلها، فلم يبق لون من ألوان الأدب والبر والإحسان إلا قدّمه له، وكان من أروع ما قام به في ميادين المواساة له، أنه حينما استولى على الماء يوم الطفّ تناول منه غرفة ليشرب، وكان قلبه الزاكي كصالية الغضا من شدّة الظمأ، فتذكر في تلك اللحظات الرهيبة عطش أخيه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعطش الصبية من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فدفعه شرف النفس، وسموّ الذات إلى رمي الماء من يده، ومواساتهم في هذه المحنة الحازبة.
تصفّحوا في تاريخ الأمم والشعوب، فهل تجدون مثل هذه الاخوة الصادقة ؟ !
انظروا في سجلّات نبلاء الدنيا، فهل ترون مثل هذا النبل ومثل هذا الإيثار ؟ !
اللّه أكبر ! أي رحمة مثل هذه الرحمة، وأيّة مودّة مثل هذه المودّة !!
إن الإنسانيّة بجميع قيمها ومثلها لتنحني إجلالا وخضوعاً أمام أبي الفضل على ما أبداه من عظيم النبل لأخيه الإمام الحسين أبي الأحرار وسيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ).
4 - والشيء الذي يدعو إلى الاعتزاز بتضحية أبي الفضل الالم ونصرته لأخيه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنها لم تكن بدافع الاخوة والرحم الماسة، وغير ذلك من الاعتبارات السائدة بين الناس، وإنما كانت بدافع الإيمان الخالص للّه، ذلك الإيمان الذي تفاعل مع عواطف أبي الفضل، وصار عنصراً من عناصره، ومقوماً
من مقوّماته، وقد أدلى بذلك في رجزه حينما قطعت يمينه التي كانت تفيض برّاً وعطاء للناس، قائلاً:
وَاللّه إنْ قَطَعتُمُ يَمِينِي***إِنِّي أُحَامِي أَبَداً عَنْ دِينِي
وَعَن إِمَامٍ صَادِقِ اليقين
إنّ الرجز في تلك العصور كان يمثل الأهداف والمبادئ والقيم التي من أجلها يقاتل الشخص ويستشهد في سبيلها، ورجز سيدنا العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) صريح واضح في أنّه إنّما يقاتل دفاعاً عن الدين، ودفاعاً عن المبادئ الإسلاميّة الأصيلة التي تعرضت إلى الخطر أيّام الحكم الأموي الأسود، كما أنه إنما يقاتل دفاعاً عن إمام المسلمين، سبط رسول اللّه وريحانته، الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، المدافع الأول عن كرامة الإسلام.
فهذه هي العوامل التي دفعته إلى التضحية، وليس هناك أي دافع آخر، وهذا السرّ في جلال تضحيته، وخلودها عبر القرون والأجيال.
5 - لقد استشهد أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أجل المبادئ العليا التي رفع شعارها أبو الأحرار أخوه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والتي من أهمها أن يقيم في هذا المشرق حكم القرآن، وينشر العدل بين الناس، ويوزع عليهم خيرات الأرض، فليست هي لقوم دون آخرين.
لقد استشهد أبو الفضل من أجل أن يعيد للإنسان المسلم حريته وكرامته، وينشر بين الناس رحمة الإسلام، ونعمته الكبرى الهادفة لاستئصال الظلم والجور، وبناء مجتمع لا ظلّ فيه لأي لون من ألوان الفزع والخوف.
لقد حمل أبو الفضل مشعل الحرية والكرامة، وقاد قوافل الشهداء إلى ساحات الشرف، وميادين العزة والنصر للأمة الإسلاميّة التي كانت ترزح تحت وطأة الظلم والجور.
لقد انطلق أبو الفضل إلى ميادين الجهاد من أجل أن ترفع كلمة اللّه تعالى عالية في الأرض، تلك الكلمة التي هي منهج كامل للحياة الكريمة بين الناس.
6 - وفجّر الإمام أبو الأحرار ثورته الكبرى التي أوضح اللّه بها الكتاب، وجعلها عبرة لأولي الألباب، فدك بها حصون الظلم وقلاع الجور.
ولم يفجر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثورته الرائدة العملاقة أشراً ولا بطراً، ولا ظالماً ولا مفسداً - حسب ما يقول -، وإنّما أراد تغيير الواقع المرير الذي تعيشه الأمة من جراء الحكم الأموي المنحرف عن جميع الأعراف والقوانين، ذلك النظام الذي أحال حياة الناس إلى جحيم لا يطاق، فقد عجّت البلاد الإسلاميّة بجميع صنوف الجور والارهاب، وكان من أعظمها محنة، وأشدّها بلاء، البلاد الإسلاميّة الخاضعة لحكم زياد بن أبيه والي معاوية على العراق، وأخيه اللاشرعي، الذي أجّج نار الفتنة، وحكم بين الناس بغير ما أنزل اللّه، فأخذ البريء بالسقيم، والمقبل بالمدبر، وقتل على الظنّة والتهمة، كما أعلن ذلك، وطبقه بالفعل على الحياة العامّة بين الناس.
7 - وإنّ سبط الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، أمل الإسلام، والمسؤول الأول عن رعاية المسلمين، وصيانة حياتهم والواقع الاجتماعي الذي تعيشه الأمة، والذي ينذر بخطر عظيم على حياتها العقائديّة والفكريّة والاجتماعيّة، فقد تحكم في مصيرها جبابرة الأمويّين، وطغاة الرأسمالية القرشيّة، التي حملت معول الهدم على جميع ما أسسه الإسلام من مجد أصيل وخلق رفيع للأُمّة.
بالإضافة إلى أنها أخذت تستنزف الموارد الاقتصاديّة في العالم الإسلامي، وتنفقها على شهواتها ورغباتها الخاصة، فهب أبو الأحرار لإنقاذ المسلمين، وإعادة الحياة الكريمة لهم، فما أعظم عائدته على الإسلام، وما أكثر ألطافه وأياديه على المسلمين.
8 - إنّ ملحمة كربلاء من أهمّ الأحداث العالميّة، بل ومن أهم ما حققته البشريّة من انجازات رائعة في ميادين الكفاح المسلّح ضد الظلم والطغيان، فقد غيرت مجرى تاريخ الشعوب الإسلاميّة، وفتحت لها آفاقاً مشرقة للتمرد على الظلم والطغيان.
لقد ألهبت هذه الملحمة الخالدة عواطف الأحرار، ودفعتهم إلى النضال المسلّح في سبيل تحرير المجتمع من نير العبودية والذل، وإنقاذه من الحكم اللّاشرعي.
9 - لقد انتصر سيّد الشهداء في ثورته الخالدة، وانتصرت أهدافه ومبادئه العظيمة، وظل مثلاً خالداً للكفاح المقدّس يطارد الظالمين والطغاة في كلّ عصر وزمان، ويمد الثوار بروح التضحية والفداء.
إنّ من الانتصارات الرائعة التي حقّقها أبيّ الضيم في ثورته أنه جرد الحكم الأموي من الشرعيّة، وأنه لا يمثل الإسلام ولا المسلمين بأى حال من الأحوال، وإنّما هو حكم ديكتاتوري قائم على النطع والسيف لا على رضى الأمة واختيارها.
لقد وضع أبو الأحرار العبوات الناسفة في أروقة الحكم الأموي ففجرتها، ونسفت معالم زهوهم وفجورهم وطغيانهم، وظلوا مثلاً أسوداً لكل حكم منحرف عن سنن الحقّ والعدل.
10 - لقد أيقظت ثورة أبى الأحرار الشعوب الإسلاميّة من خدرها وسباتها فانطلقت كالمارد الجبار في ثورات متلاحقة، وهي ترفع شعار التحرير، وشعار الاستقلال، وشعار الكرامة من أجل التخلص من ذلك الحكم الأسود.
لقد قامت الشعوب الإسلاميّة في ثورات متلاحقة كانت امتداداً لثورة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، حتّى أطاحت بالحكم الأموي، وأزالته من دنيا الوجود.
11 - ومن الجدير بالذكر أن كارثة كربلاء، وما لحق بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من التنكيل والاعتداء الصارخ لم يأتِ عفواً، وإنما كان من النتائج المباشرة
للانحرافات والسلوك في المنعطفات السياسيّة من جانب الحكّام والمسؤولين، الذين كانوا ينظرون إلى السلطة بأنها مغنم، ووسيلة للظفر بالثراء العريض، ولم يعوا أنّ الإسلام اعتبر السلطة أداة لخدمة المجتمع، وتطوير حياته الفكريّة والاقتصاديّة، وأنها مسؤولة أمام اللّه عن اقتصاد الأمة، فيجب عليها الاحتياط فيه أشد ما يكون الاحتياط، فليس لرئيس الدولة، ولا لغيره من أجهزة الحكم أن يصطفوا لأنفسهم وذويهم أي شيء من أموال الدولة.
وكان على رأس الحكام المنحرفين ملوك بني أمية الذين اتخذوا مال اللّه دولاً وعباد اللّه خولاً، فإنّهم عمدوا إلى ظلم العلويين، والإجهاز على شيعتهم.
وقد شاهد أبو الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) المحن الشاقّة والعسيرة التي حلت بأهل بيته ومحبيهم وممّا لا ريب فيه أنها تركت في أعماق نفسه أقسى ألوان المحن والآلام.
12 - أمّا دور سيدنا العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ملحمة كربلاء فإنّه يأتي في الأهميّة بعد أخيه أبي الأحرار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، صانع الملحمة الخالدة في دنيا الحقّ والعدل، وقد فاق جميع أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأهل بيته المكرّمين، وذلك بما قدّمه من عظيم الخدمات لأخيه.
وبالإضافة إلى مواقفه البطوليّة الرائعة، وصموده الهائل أمام معسكر ابن زياد، وقد أبدى من البسالة ما يذهل الأفكار ويحيّر الألباب، كان يشيع في نفوس أصحاب أخيه وأهل بيته العزم والتصميم على التضحية والجهاد بين يديه، فقد استهان بالموت وسخر من الحياة، وقد انطبعت هذه الظاهرة في نفوسهم، فاعتنقوا الشهادة، وانطلقوا إلى ميدان الجهاد ليرفعوا كلمة اللّه في الأرض.
13 - وكان العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيّام المحنة الكبرى التي حلّت بأخيه ملازماً له لم يفارقه، وقدّم له جميع ألوان البر والإحسان، فكان يقيه بنفسه، ويفديه بمهجته، فهو صاحب لوائه، ومدير شؤونه، والمتصدّي لخدماته.
ويقول الرواة : إنّه قد استوعب حبّه والإخلاص له قلب أخيه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتّى فداه بنفسه، وكان عليه ضيفاً، فلم يسمح له بالحرب حتّى بعد مقتل أصحابه وأهل بيته، لأنه كان يشعر بالقوة والمنعة ما دام حيّاً إلى جانبه.
ولمّا استشهد العبّاس شعر الإمام الحسين بالوحدة والغربة والضياع بعده، وفقد كلّ أمل له في الحياة، وراح يبكي عليه أمر البكاء، ويندبه بذوب روحه، وسارع إلى ساحة الحرب ليلتقي به في جنان الخلد
سلام اللّه عليك يا أبا الفضل، ففي حياتك وشهادتك ملتقى أمين لجميع ال-ق-ي-م الإنسانيّة، وحسبك أنك وحدك كنت أنموذجاً رائعاً لشهداء الطفّ الذين احتلوا قمّة الشرف والمجد في دنيا العرب والإسلام.
14 - كان بودّي قبل حفنة من السنين أن أتشرف بالبحث عن سيرة أبي الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) رائد الشرف والكرامة لهذه الأمة، وقد دعاني إلى ذلك بإصرار بعض السادة من فضلاء الحوزة العلمية في النجف الأشرف، إلّا أنّ انشغالي بتأليف موسوعة عن أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) قد شغلني عن ذلك، وقد ألمت كارثة من كوارث الزمن ببعض ولدى فتوسلت، وتوسل ضارعاً إلى اللّه تعالى أن يكشف عنه ما هو فيه، وينقذه وينجّيه، فاستجاب اللّه دعائي ودعاءه، فأنجاه ممّا هو فيه، والحمد للّه.
وقد طلب منّي أن أكتب رسالة عن حياة أبي الفضل وسيرته وشهادته، فاستجبت له، وجمدت الموضوع الذي بيدي، واتجهت صوب أبي الفضل أملاً من اللّه تعالى أن أوفق إلى إعطاء صورة متميّزة وكاملة عن حياته، وأن لا أكون قد جافيت الواقع أو ابتعدت عن القصد فيما كتبته عنه.
إنّه ولي القصد والتوفيق
مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) العامّة
باقر شريف القَرَشي
النَّجف الاشرف
وقبل أن أتحدّث عن ولادة أبي الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونشأته أعرض بإيجاز إلى نسبه الوضّاح، ذلك النسب الكريم الذي كان له الأثر التام في بناء شخصيته العظيمة، وتكوين سلوكه المشرّف القائم على الشرف والفضيلة، وفيما يلي ذلك :
ليس في دنيا الأنساب نسب أسمى ولا أرفع من نسب أبي الفضل، فهو من صميم أسرة العلويّة، التي هي من أجل وأشرف الأسر التي عرفتها الإنسانيّة في جميع أدوارها، تلك الأسرة العريقة في الشرف والمجد، التي، العالم العربي والإسلامي بعناصر الفضيلة، والتضحية في سبيل الخير وما ينفع الناس، وأضاءت الحياة العامّة بروح التقوى والإيمان، وهذا عرض موجز للأُصول الكريمة التي تفرّع قمر بني هاشم، وفخر عدنان منها.
أما الأب الكريم لسيدنا العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهو الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وصيّ رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وباب مدينة علمه، وختنه على حبيبته، وهو أول من آمن باللّه، وصدق رسوله، وكان منه بمنزلة هارون من موسى، وهو بطل الإسلام، والمنافح الأوّل عن كلمة التوحيد، وقد قاتل الأقربين والأبعدين من أجل نشر رسالة الإسلام، وإشاعة
أهدافه العظيمة بين الناس، وقد تمثلت بهذا الإمام العظيم جميع فضائل الدنيا، فلا يدانيه أحد في فضله وعلمه، وهو - بإجماع المسلمين - أثرى شخصيّة علميّة في مواهبه وعبقرياته بعد الرسول محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وهو غني عن البيان والتعريف، فقد استوعبت فضائله ومناقبه جميع لغات الأرض.. ويكفي العبّاس شرفاً وفخراً أنه فرع من دوحة الإمامة، وأخ السبطي رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ).
أمّا الأمّ الجليلة المكرّمة لأبي الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهي السيّدة الزكيّة فاطمة بنت حزام بن خالد.. وأبوها حزام من أعمدة الشرف في العرب، ومن الشخصيات النابهة في السخاء والشجاعة وقري الأضياف.
وأمّا أسرتها فهي من أجل الأسر العربية، وقد عُرفت بالنجدة والشهامة، وقد اشتهر منها جماعة بالنبل والبسالة، منهم :
وهو أخو عمرة الجدّة الأولى لأُمّ البنين، وكان من ألمع فرسان العرب في شدّة بأسه، وقد ذاع اسمه في الأوساط العربية وغيرها، وبلغ من عظيم شهرته أن قيصر إذا قدم عليه وافد من العرب، فإن كان بينه وبين عامر نسب عظم عنده، ويجّله وأكرمه، وإلّا أعرض عنه.
وهو الجدّ الثاني للسيّدة أُمّ البنين، وكان من فرسان العرب وشجعانهم، ولُقّب بملاعب الأسنّة لشجاعته الفائقة، وفيه يقول الشاعر :
يُلاعِبُ أَطراف الأَسِنَّةِ عامِرٌ***فَراحَ لَهُ حَقٌّ الكَتائِبِ أَجْمَعُ
وبالإضافة إلى شجاعته، فقد كان من أباة الضيم، وحفظة الذمار، ومراعاة العهد، ونقل المؤرّخون عنه بوادر كثيرة تدلل على ذلك.
وهو والد عمرة الجدّة الأولى لأُمّ البنين، كان من أشهر شجعان العرب، وله أشقاء من خيرة فرسان العرب، منهم : ربيعة، وعبيدة، ومعاوية، ويقال لأمّهم (أُمّ البنين)، وقد وفدوا على النعمان بن المنذر فرأوا عنده الربيع بن زياد العبسي، وكان عدوّاً وخصماً لهم، فاندفع لبيد بن ربيعة الشاعر المشهور وقد تميّز من الغيظ فخاطب النعمان :
يا واهِبَ الخَيرِ الجَزِيلِ مِنْ سَعَة***نَحنُ بنو أُمّ البنين الأَرْبَعَة
وَنَحنُ خَيْرُ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَة***المُطْعِمُونَ الجَفْنَةَ المُدَعْدَعَة
الضّارِيونَ الهامَ وَسطَ الحَيصَعَة***إِلَيكَ جاوَزْنَا بِلاداً مُسْبِعَة
تُخْبَرُ عَنْ هذا خَبيراً فَاسْمَعَه***مَهْلاً أَبَيتَ اللَّعنَ لَا تَأْكُلْ مَعَه
فتأثر النعمان للربيع، وأقصاه عن مسامرته، وقال له :
شَرِّدْ بِرَحلِكَ عَنِّي حَيثُ شِئْتَ وَلَا***تُكثِرْ عَلَيَّ وَدَعْ عَنكَ الأباطيلا
قَدْ ِقيلَ ذلِكَ إِن حَقّاً وَإِنْ كَذِباً***فَما اعْتِدَارُكَ في شَيْءٍ إِذا قيلا (1)
ودلّ ذلك على عظيم مكانتهم، وسموّ منزلتهم الاجتماعيّة عند النعمان، فقد بادر إلى إقصاء سميره الربيع عن مسامرته.
وهو والد كبشة الجدة الثانية لأُمّ البنين، وكان من الشخصيات البارزة في العالم
1) خزانة الأدب : 14. معجم البلدان : 10 : 386.
العربي، وكان يفد على ملوك عصره فيكرمونه ويجزلون له العطاء، ويحسنون له الوفادة (1)
ذكر المحقق الشيخ عبدالواحد المظفّر في كتابه (بطل العلقمي) عرضاً مفصلاً لمآثر هذه الأسرة الكريمة.
.هؤلاء بعض الأعلام من أجداد السيّدة الكريمة أُمّ البنين، وقد عرفوا بالنزعات الكريمة، والصفات الرفيعة، وبحكم قانون الوراثة فقد انتقلت صفاتهم الشريفة إلى السيّدة أُمّ البنين، ثمّ منها إلى أبنائها الممجدين .
ولمّا شكل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بوفاة بضعة الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وريحانته سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ) ندب أخاه عقيلاً، وكان عالماً بأنساب العرب أن يخطب له امرأة قد ولدتها الفحول ليتزوجها لتلد غلاماً زكيّاً شجاعاً لينصر ولده أبا الشهداء في ميدان كربلاء (2)، فأشار عليه عقيل بالسيّدة أُمّ البنين الكلابية، فإنّه ليس في العرب من هو أشجع من أهلها، ولا أفرس، وكان لبيد الشاعر يقول فيهم : «نحن خير عامر بن صعصعة»، فلا ينكر عليه أحد من العرب، ومن قومها ملاعب الأسنة أبو براء الذي لم يعرف العرب مثله في الشجاعة (3).
فندبه الإمام في خطبتها، وانبرى عقيل إلى أبيها فعرض عليه الأمر، فأسرع فرحاً إليها، فاستجابت باعتزاز وفخر، وزفّت إلى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد رأى فيها العقل الراجح، والإيمان الوثيق، وسموّ الآداب، ومحاسن الصفات، فأعزها وأخلص لها أعظم ما يكون الإخلاص
وقامت السيّدة أُمّ البنين برعاية سبطي رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وريحانتيه، وسيّدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وقد وجدا عندها من العطف والحنان ما عوّضهما من الخسارة الأليمة التي منيا بها بفقد أمّهما سيّدة نساء العالمين، فقد توفيت وعمرها كعمر الزهور، فقد ترك فقدها اللوعة والحزن في نفسيهما.
لقد كانت السيّدة أُمّ البنين تكنّ في نفسها من المودّة والحب للحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) ما لا تكنه لأولادها الذين كانوا ملء العين في كمالهم وآدابهم.
لقد قدّمت أُمّ البنين أبناء رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) على أبنائها في الخدمة والرعاية، ولم يعرف التاريخ أنّ ضرّة تخلص لأبناء ضرتها وتقدّمهم على أبنائها سوى هذه السيّدة الزكية، فقد كانت ترى ذلك واجباً دينياً، لأنّ اللّه أمر بمودتهما في كتابه الكريم، وهما وديعة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وريحانتاه، وقد عرفت أُمّ البنين ذلك فوفت بحقّهما، وقامت بخدمتهما خير قيام.
ولهذه السيّدة الزكية مكانة متميّزة عند أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقد أكبروا إخلاصها وولاءها للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأكبروا تضحيات أبنائها المكرمين في سبيل سيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ).
يقول الشهيد الأوّل - وهو من كبار فقهاء الإماميّة - : «كانت أُمّ البنين النساء من الفاضلات، العارفات بحق أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مخلصة في ولائهم، ممحضة في مودّتهم، ولها عندهم الجاه الوجيه، والمحلّ الرفيع، وقد زارتها زينب الكبرى بعد وصولها المدينة تعزيها بأولادها الأربعة، كما كانت تعزيها أيّام العيد» (1).
1) العبّاس / المقرّم : 72 و 73، نقلاً عن مجموعة الشهيد الأوّل.
إنّ زيارة حفيدة الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وشريكة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نهضته زينب الكبرى (عَلَيهَا السَّلَامُ) لأُمّ البنين، ومواساتها لها بمصابها الأليم بفقد السادة الطيّبين من أبنائها، ممّا يدلّ على أهميّة أُمّ البنين وسموّ مكانتها عند أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
وتحتل هذه السيّدة الجليلة مكانة مرموقة في نفوس المسلمين، ويذهب الكثيرون إلى أنّ لها منزلة عظيمة عند اللّه، وأنّه ما التجأ إليها مكروب، وجعلها واسطة إلى اللّه تعالى إلا كشف عنه ما ألم به من المحن والخطوب، وهم يفزعون إليها إن ألمت بهم كارثة من كوارث الزمن، أو محنة من محن الأيّام.
ومن الطبيعي أن تكون لها هذه المنزلة الكريمة عند اللّه، فقد قدمت في سبيله أفلاذ أكبادها، وجعلتهم قرابين لدينه.
وكان أوّل مولود زكيّ للسيّدة أُمّ البنين هو سيدنا المعظم أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد ازدهرت يثرب، وأشرقت الدنيا بولادته، وسرت موجات من الفرح والسرور بين أفراد الأسرة العلويّة، فقد ولد قمرهم المشرق الذي أضاء سماء الدنيا بفضائله ومآثره، وأضاف إلى الهاشميين مجداً خالداً، وذكراً نديّاً عاطراً.
وحينما بُشِّر الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا المولود المبارك سارع إلى الدار فتناوله، وأوسعه تقبيلاً، وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعية، فأذن في أذنه اليمني، وأقام في اليسرى.
لقد كان أوّل صوت اخترق سمعه صوت أبيه رائد الإيمان والتقوى في الأرض، وأنشودة ذلك الصوت : اللّه أكبر.. لا إله إلا اللّه
وارتسمت هذه الكلمات العظيمة التي هي رسالة الأنبياء، وأنشودة المتّقين
في أعماق أبي الفضل، وانطبعت في دخائل ذاته، حتّى صارت من أبرز عناصره، فتبنّى الدعوة إليها في مستقبل حياته، وتقطعت أوصاله في سبيلها.
وفي اليوم السابع من ولادة أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قام الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحلق شعره، والتصدّق بزنته ذهباً أو فضة على المساكين، وعقّ عنه بكبش، كما فعل ذلك مع الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) عملاً بالسنّة الإسلاميّة.
أفاد بعض المحقّقين أنّ أبا الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللّه ولد سنة 26ه- في اليوم الرابع من شهر شعبان (1).
سمّى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وليده المبارك ب-(العبّاس)، وقد استشفّ من وراء الغيب أنّه سيكون بطلاً من أبطال الإسلام، وسيكون عبوساً في وجه المنكر والباطل، ومنطلق البسمات في وجه الخير، وكان كما تنبأ، فقد كان عبوساً في ميادين الحروب التي أثارتها القوى المعادية لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقد دمر كتائبها، وجندل أبطالها، وخيّم الموت على جميع قطعات الجيش في يوم كربلاء، ويقول الشاعر فيه :
عَبَسَتْ وُجوه القوم خَوفَ الْمَوتِ***وَالعبّاس فيهِمْ ضاحِلٌ مُتَبَسِّمُ
وكُنّي سيدنا العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما يلي :
1) قمر بني هاشم : 2 : 5.
كنّى بذلك لأنّ له ولداً اسمه الفضل، ويقول في ذلك بعض من رثاه :
أَبا الفَضْلِ يا مَنْ أَسَّسَ الفَضْلَ وَالإِبا***أَبي الفَضْلُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ أَبَا
وطابقت هذه الكنية حقيقة ذاته العظيمة، فلو لم يكن له ولد يُسمّى بهذا الاسم، فهو حقاً أبو الفضل، ومصدره الفياض، فقد أفاض في حياته ببرّه وعطائه على القاصدين لنبله وجوده، وبعد شهادته كان موئلاً وملجأ لكلّ ملهوف، فما استجار به أحد بنيّة صادقة إلا كشف اللّه ما ألمّ به من المحن والبلوى.
كُنّي بذلك، لأنّ له ولداً اسمه (القاسم)، وذكر بعض المؤرّخين أنّه استشهد معه يوم الطفّ، وقدّمه قرباناً لدين اللّه، وفداء لريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ).
أمّا الألقاب التي تُضفى على الشخص فهي تحكي صفاته النفسيّة، حسنة كانت أو سيئة، وقد أضفيت على أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) عدة ألقاب رفيعة تنم عن نزعاته النفسية الطيبة، وما اتصف به من مكارم الأخلاق، وهي :
كان العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) في روعة بهائه، وجميل صورته، آية من آيات الجمال، ولذلك لقب بقمر بني هاشم.
وكما كان قمراً لأسرته العلويّة الكريمة، فقد كان قمراً في دنيا الإسلام، فقد أضاء طريق الشهادة، وأثار مقاصدها لجميع المسلمين.
وهو من أجل ألقابه، وأحبّها إليه، أما السبب في إضفاء هذا اللقب الكريم عليه، لقيامه بسقاية عطاشى أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) حينما فرض الارهابي المجرم ابن مرجانة الحصار على الماء، وأقام جيوشه على الفرات لتموت ذرّيّة النبيّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عطشاً.
وقد قام بطل الإسلام أبو الفضل باقتحام الفرات عدّة مرّات، وسقى عطاشى أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، و من كان معهم من الأنصار، وسنذكر تفصيل ذلك عند التعرض لشهادته.
أمّا العلقمي فهو اسم للنهر الذي استشهد على ضفافه أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان محاطاً بقوى مكثفة من قبل ابن مرجانة لمنع ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وسيّد شباب أهل الجنّة، ومن كان معه من نساء وأطفال من شرب الماء.
وقد استطاع أبو الفضل بعزمه الجبّار، وبطولته النادرة أن يجندل الأبطال، ويهزم أقزام ذلك الجيش المنحطّ، ويحتلّ ذلك النهر، وقد قام بذلك عدة مرات، وفي المرّة الأخيرة استشهد على ضفافه ومن ثم لُقّب ببطل العلقمي.
ومن ألقابه المشهورة (حامل اللواء) وهو أشرف لواء، إنه لواء أبي الأحرار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد خصّه به دون أهل بيته وأصحابه، وذلك لما تتوفر فيه من القابليات العسكرية، ويعتبر منح اللواء في ذلك العصر من أهم المناصب الحسّاسة في الجيش، وقد كان اللواء الذي تقلّده أبو الفضل يرفرف على رأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) منذ أن خرج من يثرب حتّى انتهى إلى كربلاء، وقد قبضه بيد من
حديد، فلم يسقط منه حتّى قطعت يداه، وهوى صريعاً بجنب العلقمي.
وهو من الألقاب الكريمة التي تمنح إلى القائد الأعلى في الجيش، الذي يقوم بحماية كتائب جيشه بحسن تدبير، وقوة بأس، وقد أضفي هذا الوسام الرفيع على سيدنا أبي الفضل، وذلك لما أبداه يوم الطفّ من الشجاعة والبسالة في الذبّ والدفاع عن معسكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد كان قوة ضاربة في معسكر أخيه وصاعقة مرعبة ومدمرة لجيوش الباطل.
وهو من الألقاب الجليلة في الجيش التي تمنح لأبرز الأعضاء في القيادة العسكرية، وقد قلّد أبو الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا الوسام لأنه كان عميد جيش أخيه أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقائد قواته المسلّحة في يوم الطفّ.
ومن الألقاب المشهورة لأبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) : (حامي الظعينة).
يقول السيّد جعفر الحلّي في قصيدته العصماء التي رثاه بها :
حامي الظَّعِينَةِ أَينَ مِنْهُ رَبيعَةٌ***أَمْ أَينَ مِنْ عَلْيا أَبِيهِ مُكَرَّمُ
وإنّما أضفي عليه هذا اللقب الكريم لقيامه بدور مشرّف في رعاية مخدّرات النبوّة وعقائل الوحي، فقد بذل قصارى جهوده في حمايتهن وحراستهنّ وخدمتهنّ، فكان هو الذي يقوم بترحيلهنّ، وإنزالهنّ من المحامل طيلة انتقالهنّ من يثرب إلى كربلاء.
ومن الجدير بالذكر أنّ هذا اللقب أطلق على بطل من شجعان العرب وفرسانهم،
وهو ربيعة بن مكرم، فقد قام بحماية طعنه، وأبلى في ذلك بلاء حسناً (1)
سيري على رِسْلِكِ سير الأمن***سير دراجٍ ذات جأشٍ طامِنِ
إِنَّ التَّأَنِّي دونَ قَرْنِي شَائِنِي***ابْلي بلاني فَاخْبِري وعايني
ثم حمل على الرجل فصرعه، وأخذ فرسه وأعطاها للظعينة، وبعث دريد فارساً آخر لينظر ما صنع صاحبه، فلما انتهى إليه رآه صريعاً، فصاح بالرجل فألقى زمام الظعينة، فلمّا انتهى إليه حمل عليه وهو يقول :
خَلٌ سَبيلَ الحُرَّةِ المَنيعَة***إِنَّكَ لاق دونَها رَبيعة
في كَفِّهِ خَطَّيَّةٌ مَنيعَة***أَوْ لا فَخُذْهَا طَعْنَةٌ سَريعة
وحمل عليه فصرعه، ولما أبطأ بعث دريد فارساً آخر لينظر ما صنع الرجلان، ولما انتهى إليهما وجدهما صريعين، والرجل يجرّ رمحه، فلما نظر إليه قال للظعينة : اقصدي قصد البيوت، ثم أقبل عليه وقال :
ماذا تَرى مِنْ شَيْئَم عابِسٍ***أما ترى الفارِسَ بَعدَ الفَارِسِ
أَرْداهُما عامل رُمْح يابس
ثم حمل عليه فصرعه، وانكسر رمحه.
وارتاب دريد في أمر جماعته، وظنّ أنّهم أخذوا الظعينة وقتلوا الرجل فلحقهم، وقد دنا ربيعة من الحي، فوجدهم دريد قد قتلوا جميعاً، فقال لربيعة : إن مثلك لا يقتل، ولا أرى معك رمحك، والخيل ثائرة بأصحابها، فدونك هذا الرمح، فإنّي منصرف عنك إلى أصحابي، ومثبطهم عنك.
فانصرف إلى أصحابه وقال لهم : إنّ فارس الظعينة قد حماها، وقتل أصحابكم، وانتزع رمحي، فلا مطمع لكم فيه، فانصرف القوم.
فقال دريد في ذلك :
ما أَن رَأيتُ وَلا سَمِعتُ بِمِثْلِهِ***حامى الظعينة فارساً لم يُقتل
أَرْدَى فَوارِسَ لَمْ يَكونوا نُهْزَةً***ثُمَّ اسْتَمَرُ كَأَنَّهُ لَمْ يَفْعل
فَتَهَلَّلَتْ تَبْدو أَسِرَّةُ وَجْهِهِ***مثلُ الحُسامِ جَلَتْهُ كَفُ الصَّيْقَلِ
يُزْجِي ظَعِينَتَهُ وَيَسحَبُ رُمْحَهُ***مِثلَ البُغاثِ خَشِينَ وَقْعَ الجَنْدَلِ
.1) جاء في العقد الفريد: 3: 331: «أن دريد بن الصمّة خرج ومعه جماعة من فرسان بني جشم حتّى إذا كانوا في وادٍ لبني كنانة يقال له الأخرم، وهم يريدون الغارة على بني كنانة، فرأوا رجلاً معه ظعينة في ناحية الوادي، فقال دريد لفارس من أصحابه : امض واستول على الظعينة، وانتهى الفارس إلى الرجل فصاح به: خلّ عن الظعينة وانج بنفسك، فألقى زمام الناقة، وقال للظعينة :
وهذا من أكثر ألقابه شيوعاً وانتشاراً بين الناس، فقد آمنوا وأيقنوا أنّه ما قصده ذو حاجة بنية خالصة إلا قضى اللّه حاجته، وما قصده مكروب إلّا كشف اللّه ما ألمّ به من محن الأيّام، وكوارث الزمان، وكان ولدي محمّد الحسين ممّن التجأ إليه حينما دهمته كارثة ففرج اللّه عنه.
إنّ أبا الفضل نفحة من رحمات اللّه، وباب من أبوابه، ووسيلة من وسائله، وله عنده الجاه العظيم، وذلك لجهاده المقدّس في نصرة الإسلام، والذب عن أهدافه ومبادئه، وقيامه بنصرة ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) حتّى استشهد في سبيله.
هذه بعض ألقاب أبي الفضل، وهي تحكي بعض معالم شخصيته العظيمة، وما انطوت عليه من محاسن الصفات ومكارم الأخلاق (1).
أمّا ملامحه فقد كان صورة بارعة من صور الجمال، وقد لقب بقمر بني هاشم لروعة بهائه، وجمال طلعته، وكان متكامل الجسم، قد بدت عليه آثار البطولة والشجاعة، ووصفه الرواة بأنّه كان وسيماً جميلاً، يركب الفرس المطهم (2)
وفي المنجد : إنّه التام الحسن.
ورجلاهيخطّان في الأرض (1).
واستوعب حبّ العبّاس قلب أمه الزكيّة، فكان عندها أعزّ من الحياة، وكانت تخاف عليه، وتخشى من أعين الحسّاد من أن تصيبه بأذى أو مكروه، وكانت تعوّذه باللّه، وتقول هذه الأبيات :
أعيده بالواحد***مِنْ عَينِ كلّ حاسِدِ
قائِمِهِمْ وَالقَاعِدِ***مُسلِمِهِمْ وَالجاحِدِ
صادِرِهِمْ وَالْوارِدِ***مُوَلَّدِهِمْ وَالوالد (2)
كان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرعى ولده أبا الفضل في طفولته، ويعنى به أشدّ ما تكون العناية، فأفاض عليه مكوّنات نفسه العظيمة العامرة بالإيمان والمثل العليا، وقد توسّم فيه أنّه سيكون بطلاً من أبطال الإسلام، وسيسجل للمسلمين صفحات مشرقة من العزّة والكرامة.
كان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوسع العبّاس تقبيلاً، وقد احتل عواطفه وقلبه، ويقول المؤرّخون : إنّه أجلسه في حجره، فشمّر العبّاس عن ساعديه، فجعل الإمام يقبلهما، وهو غارق في البكاء، فبهرت أُمّ البنين وراحت تقول للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما يبكيك ؟
فأجابها الإمام بصوت خافت حزين النبرات : نَظَرْتُ إِلَى هَدَيْنِ الْكَفِّيْنِ، وَتَذَكَرْتُ ما يَجْرى عَلَيْهما.
وسارعت أُمّ البنين بلهفة قائلة : ماذا يجري عليهما ؟
فأجابها الإمام بنبرات مليئة بالأسى والحزن قائلاً: إِنَّهُما يُقْطَعانِ مِنَ الزَّنْدِ.
وكانت هذه الكلمات كالصاعقة على أُمّ البنين، فقد ذاب قلبها، وسارعت وهي مذهولة قائلة : لماذا يقطعان ؟
وأخبرها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنهما إنّما يقطعان في نصرة الإسلام، والذب عن أخيه حامي شريعة اللّه ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، فأجهشت أُمّ البنين بالبكاء، وشاركنها من كان معها من النساء لوعتها وحزنها (1).
وخلدت أُمّ البنين إلى الصبر، وحمدت اللّه تعالى في أن يكون ولدها فداءً لسبط رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وريحانته.
نشأ أبو الفضل العبّاس النشأة (عَلَيهِ السَّلَامُ) صالحة كريمة، قلما يظفر بها إنسان، فقد نشأ في ظلال أبيه رائد العدالة الاجتماعيّة في الأرض، فغذاه بعلومه وتقواه، وأشاع في نفسه النزعات الشريفة، والعادات الطيبة ليكون مثالاً عنه، وأنموذجاً لمثله، كما غرست أُمّه السيّدة فاطمة في نفسه جميع صفات الفضيلة والكمال، وغذته بحبّ الخالق العظيم، فجعلته في أيّام طفولته يتطلّع إلى مرضاته وطاعته، وظلّ ذلك ملازماً له طول حياته.
ولازم أبو الفضل أخويه السبطين ريحانتي رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ): الحسن والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سيدي شباب أهل الجنّة، فكان يتلقى منهما قواعد الفضيلة، وأسس الآداب
1) قمر بنی هاشم: 1 : 19.
الرفيعة، وقد لازم بصورة خاصة أخاه أبا الشهداء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكان لا يفارقه في حله ولا ترحاله، وقد تأثر بسلوكه، وانطبعت في قرارة نفسه مثله الكريمة، وسجاياه الحميدة، حتّى صار صورة صادقة عنه يحكيه في مثله واتجاهاته.
وقد أخلص له الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعظم ما يكون الإخلاص، وقدّمه على جميع أهل بيته لما رأى منه من الود والصدق له حتّى فداه بنفسه.
إنّ المكوّنات التربوية الصالحة التي ظفر بها سيدنا أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد رفعته إلى مستوى العظماء والمصلحين الذين غيروا مجرى تاريخ البشرية بما قدموه لها من التضحيات الهائلة في سبيل قضاياها المصيرية، وإنقاذها من ظلمات الذلّ والعبودية.
لقد نشأ أبو الفضل على التضحية والفداء من أجل إعلاء كلمة الحقّ، ورفع رسالة الإسلام الهادفة إلى تحرير إرادة الإنسان، وبناء مجتمع أفضل تسوده العدالة والمحبّة والإيثار، وقد تأثر العبّاس بهذه المبادئ العظيمة، وناضل في سبيلها أشدّ ما يكون النضال، فقد غرسها في أعماق نفسه، ودخائل ذاته، أبوه أمير المؤمنين، وأخواه الحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ).
هؤلاء العظام الذين حملوا مشعل الحريّة والكرامة، وفتحوا الآفاق المشرقة لجميع شعوب العالم وأمم الأرض من أجل كرامتهم وحريتهم، ومن أجل أن تسود العدالة والقيم الكريمة بين الناس.
واحتل أبو الفضل الالها قلوب العظماء ومشاعرهم، وصار أنشودة الأحرار في كلّ زمان ومكان، وذلك لما قام به من عظيم التضحية تجاه أخيه سيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الذي ثار في وجه الظلم والطغيان، وبنى للمسلمين عزّاً شامخاً، ومجداً خالداً.
وفيما يلي بعض الكلمات القيمة التي أدلى بها بعض الشخصيات الرفيعة في حق أبي الفضل :
أما الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهو من المؤسسين للتقوى والفضيلة في الإسلام، وكان هذا الإمام العظيم يترحم دوماً على عمّه العبّاس، ويذكر بمزيد من الإجلال والإكبار تضحياته الهائلة لأخيه الحسين، وكان ممّا قاله في حقّه هذه الكلمات القيمة:
«رَحِمَ اللّه عَمِّيَ العبّاس، فَلَقَدْ آثَرَ وَأَبْلى، وَفَدى أخاهُ بنَفْسِهِ حتّى قُطِعَتْ يَداهُ، فَأَبْدَلَهُ اللّه، عَزَّ وَجَلَّ بِهِمَا جَناحَيْنِ يَطِيرُ بِهِما مَعَ الْمَلائِكَةِ فِي الْجَنَّةِ كَمَا جَعَلَ لِجَعْفَرِ بْنِ أبي طالب، وَإِنْ لِلْعَبَاسِ عِنْدَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعالى مَنْزِلَةٌ يَغْبِطُهُ بِها جَميعُ الشُّهَداءِ يَوْمَ القيامة» (1).
1) الخصال : 68، الحديث 101. أمالي الصدوق : 548، الحديث 731. بحار الأنوار: 22 : 274، الحديث 21. العوالم : 249.
وألمّت هذه الكلمات بأبرز ما قام به أبو الفضل من التضحيات تجاه أخيه أبي الأحرار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد أبدى في سبيله من ضروب الإيثار وصنوف التضحية ما يفوق حد الوصف، وما كان به مضرب المثل على امتداد التاريخ، فقد قطعت يداه الكريمتان يوم في سبيله، وظلّ يقاوم عنه حتّى هوى إلى الأرض صريعاً، وإنّ لهذه التضحيات الهائلة عند اللّه منزلة كريمة، فقد منحه من الثواب العظيم، والأجر الجزيل ما يغبطه عليه جميع شهداء الحقّ والفضيلة في دنيا الإسلام وغيره.
أما الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهو العقل المبدع والمفكر في الإسلام، فقد كان هذا العملاق العظيم يشيد دوماً بعمه العبّاس، ويثني ثناء عاطراً وندياً على مواقفه البطوليّة يوم الطفّ، وكان ممّا قاله في حقه :
«كانَ عَمِّيَ العبّاس بْنُ عَلِى (عَلَيهِ السَّلَامُ) نافِذَ الْبَصيرَةِ، صُلْبَ الإيمانِ، جاهَدَ مَعَ أَخيه الْحُسَيْنِ، وَأَبْلى بلاءً حَسَناً، وَمَضى شَهيداً» (1).
وتحدث الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أنبل الصفات الماثلة عند عمه العبّاس، والتي كانت موضع إعجابه، وهي :
أمّا نفاذ البصيرة، فإنّها منبعثة من سداد الرأي، وأصالة الفكر، ولا يتصف بها إلا من صفت ذاته، وخلصت سريرته، ولم يكن لدواعي الهوى والغرور أي سلطان عليه، وكانت هذه الصفة الكريمة من أبرز صفات أبي الفضل، فقد كان من نفاذ
1) ذخيرة الدارين : 123. معالي السبطين : 1 : 434.
بصيرته، وعمق تفكيره مناصرته ومتابعته لإمام الهدى وسيّد الشهداء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد ارتقى بذلك إلى قمّة الشرف والمجد، وخلدت نفسه العظيمة على امتداد التاريخ، فما دامت القيم الإنسانيّة يخضع لها الإنسان ويمجدها، فأبو الفضل قد بلغ قمتها وذروتها.
والظاهرة الأخرى من صفات أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) هي الصلابة في الإيمان، وكان من صلابة إيمانه انطلاقه في ساحات الجهاد بين يدي ريحانة رسول اللّه مبتغياً في ذلك الأجر عند اللّه، ولم يندفع إلى تضحيته بأي دافع من الدوافع المادية، كما أعلن ذلك في رجزه يوم الطف، وكان ذلك من أوثق الأدلة على إيمانه.
وثمة مكرمة وفضيلة أخرى لبطل كربلاء العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشاد بها الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي جهاده المشرق بين يدي سبط رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وسيّد شباب أهل الجنة، ويعتبر الجهاد في سبيله من أسمى مراتب الفضيلة التي انتهى إليها أبو الفضل، وقد أبلى بلاء حسناً يوم الطفّ لم يشاهد مثله في دنيا البطولات.
وزار الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أرض الشهادة والفداء كربلاء، وبعدما انتهى من زيارة الإمام الحسين وأهل بيته والمجتبين من أصحابه، انطلق بشوق إلى زيارة قبر عمه العبّاس، ووقف على المرقد المعظم، وزاره بالزيارة التالية التي تنم عن سموّ منزلة العبّاس، وعظيم مكانته، وقد استهل زيارته بقوله :
سَلَامُ اللّه وَسَلَامُ مَلَائِكَتِهِ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنْبِيائِهِ الْمُرْسَلِينَ،
وَعِبادِهِ الصَّالِحِينَ، وَجَميعِ الشُّهداءِ وَالصِّدِّيقينَ، وَالرّاكِياتُ الطَّيِّبَاتُ فيما تَغْتَدى وَتَرُوحُ، عَلَيْكَ يَابْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
لقد استقبل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عمّه العبّاس بهذه الكلمات الحافلة بجميع معاني الإجلال والتعظيم، فقد رفع له تحيات من اللّه وسلام ملائكته، وأنبيائه المرسلين، وعباده الصالحين، والشهداء والصديقين، وهي أندى وأزكى تحية رفعت له، ويمضي سليل النبوّة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في زيارته قائلاً:
أَشْهَدُ لَكَ بِالتَسْلِيم وَالتَّصْدِيقِ وَالْوَفَاءِ وَالنَّصِيحَةِ لِخَلَفِ النبيّ الْمُرْسَلِ، وَالسَّبْطِ الْمُنْتَجَبِ، وَالدَّلِيلِ الْعالِم، وَالْوَصِيَّ المُبَلِّغ، وَالْمَظْلُومِ الْمُهْتَضَمِ.
وأضفى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا المقطع أوسمة رفيعة على عمّه العبّاس هي من أجل وأسمى الأوسمة التي تضفى على الشهداء العظام، وهي :
وسلّم العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأخيه سيّد الشهداء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جميع أموره، وتابعه في جميع قضاياه حتّى استشهد في سبيله، وذلك لعلمه بإمامته القائمة على الإيمان الوثيق باللّه تعالى، وعلى أصالة الرأي، وسلامة القصد، والإخلاص في النية.
وصدق العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخاه ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) في جميع اتجاهاته، ولم يخامره شك في عدالة قضيّته، وأنّه على الحقّ، وأنّ من نصب له العداوة وناجزه الحرب كان على ضلال مبين.
من الصفات الكريمة التي أضافها الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) على عمّه أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) : الوفاء، فقد وفي بما عاهد عليه اللّه من نصرة إمام الحقّ أخيه أبي عبداللّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد وقف إلى جانبه في أحلك الظروف وأشدّها محنة وقسوة، ولم يفارقه حتّى قطعت يداه، واستشهد في سبيله.
لقد كان الوفاء الذي هو من أميز الصفات الرفيعة عنصراً من عناصر أبي الفضل وذاتياً من ذاتيّاته، فقد خُلِق للوفاء والبرّ للقريب والبعيد
وشهد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنصيحة عمّه العبّاس لأخيه سيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد أخلص له في النصيحة على مقارعة الباطل، ومناجزة أئمة الكفر والضلال، وشاركه في تضحياته الهائلة التي لم يشاهد العالم مثلها نظيراً في جميع فترات التاريخ.. ولننظر إلى بند آخر من بنود هذه الزيارة الكريمة، يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
فَجَزَاكَ اللّه عَنْ رَسُولِهِ، وَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ صَلَواتُ اللّه عَلَيْهِمْ، أَفْضَلَ الْجَزاءِ، بِمَا صَبَرْتَ وَاحْتَسَبْتَ وَأَعَنْتَ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ.
وحوى هذا المقطع على إكبار الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعمّه العبّاس وذلك لما قدمه من الخدمات العظيمة، والتضحيات الهائلة لسيد شباب أهل الجنة، وريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد فداه بروحه، ووقاه بمهجته، وصبر على ما لاقاه في سبيله من المحن والشدائد مبتغياً في ذلك الأجر عند اللّه، فجزاه اللّه عن نبيّه الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وعن باب مدينته الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)،
وعن الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أفضل الجزاء على عظيم تضحياته.
ويستمر مجدّد الإسلام الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في زيارته لعمّه العبّاس، فيذكر صفاته الكريمة، وما له من المنزلة العظيمة عند اللّه تعالى، فيقول بعد السلام عليه :
لَعَنَ اللّه مَنْ قَتَلَكَ، وَلَعَنَ اللّه مَنْ جَهِلَ حَقَّكَ، وَاسْتَخَفَّ بِحُرْمَتِكَ، وَلَعَنَ اللّه مَنْ حالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ماءِ الْفُراتِ.
أَشْهَدُ أَنَّكَ قُتِلْتَ مَظْلُوماً، وَأَنَّ اللّه مُنْجِزْ لَكُمْ ما وَعَدَكُمْ.
جِئْتُكَ يَابْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وافِداً إِلَيْكُمْ، وَقَلْبي مُسَلّمْ لَكُمْ وتابعٌ، وَأَنَا لَكُمْ تابعٌ، وَنُصْرَتي لَكُمْ مُعَدَّةٌ، حتّى يَحْكُمَ اللّه وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ.
فَمَعَكُمْ مَعَكُمْ لَا مَعَ عَدُوِّكُمْ، إِنِّي بِكُمْ وَبِإِيَابِكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنينَ، وَبِمَنْ خالَفَكُمْ وَقَتَلَكُمْ مِنَ الْكافِرِينَ.
قَتَلَ اللّه أُمَّةً قَتَلَتْكُمْ بِالْأَيْدِي وَالْأَنْسُنِ
السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ الصّالِحُ، المُطيعُ للّه وَلِرَسُولِهِ، وَلأمير الْمُؤْمِنينَ وَالْحَسَن وَالْحُسَيْنِ، صَلَّى اللّه عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ. السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللّه وَبَرَكاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَرِضْوانُهُ، وَعَلى رُوحِكَ وَبَدَنِكَ.
أَشْهَدُ وَأشْهِدُ اللّه أَنَّكَ مَضَيْتَ عَلَى مَا مَضَى عَلَيْهِ الْبَدْرِيُّونَ، وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّه، الْمُناصِحُونَ لَهُ في
جِهادِ أَعْدائِهِ، الْمُبالِغُونَ فِى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِهِ، الذَّابُونَ عَنْ أَحبَّائِهِ.
فَجَزاكَ اللّه أَفْضَلَ الْجَزاءِ، وَأَكْثَرَ الْجَزاءِ، وَأَوْفَرَ الْجَزاءِ، وَأَوْفَى جَزاءِ أَحَدٍ ممّن وَفِى بَيْعَتِهِ، وَاسْتَجَابَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَأَطاعَ وُلَاةَ أَمْرِهِ.
لقد شهد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) العقل المفكّر والمبدع في الإسلام، وأشهد اللّه تعالى على ما يقول من أنّ عمّه أبا الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد مضى في جهاده مع أخيه أبي الأحرار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، على الخط الذي مضى عليه شهداء بدر الذين هم من أكرم الشهداء عند اللّه، فهم الذين كتبوا النصر للإسلام، وبدمائهم الزكية ارتفعت كلمة اللّه عالية في الأرض، وقد استشهدوا وهم على بصيرة من أمرهم، ويقين من عدالة قضيّتهم.
وكذلك سار أبو الفضل العبّاس على هذا الخطّ المشرق، فقد استشهد لإنقاذ الإسلام من محنته الحازبة، فقد حاول صعلوك بني أمية حفيد أبي سفيان أن يمحو كلمة اللّه، ويلف لواء الإسلام، ويعيد الناس لجاهليتهم الأولى، فثار أبو الفضل بقيادة أخيه أبي الأحرار في وجه الطاغية السفاك، وتحققت بثورتهم كلمة اللّه العليا في نصر الإسلام وإنزال الهزيمة الساحقة بأعدائه وخصومه.
ويستمر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في زيارته لعمه العبّاس فيسجل ما يحمله من إكبار وتعظيم، فيقول الان :
وَأَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بِالغْتَ فِي النَّصِيحَةِ، وَأَعطَيْتَ غايَةَ الْمَجْهُودِ، فَبَعَثَكَ اللّه في الشُّهَداءِ، وَجَعَلَ رُوحَكَ مَعَ أَرْواحِ
السُّعَداءِ، وَأَعْطاكَ مِنْ جِنانِهِ أَفْسَحَها مَنْزِلاً، وَأَفْضَلَها غُرَفاً، وَرَفَعَ ذِكْرَكَ فِي عِلِّيّينَ، وَحَشَرَكَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحينَ، وَحَسُنَ أُولئِكَ رفيقاً.
أَشْهَدُ أَنَّكَ لَمْ تَهِنْ وَلَمْ تَنْكُلْ، وَأَنَّكَ مَضَيْتَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِكَ، مُقْتَدِياً بِالصَّالِحِينَ، وَ مُتَّبِعاً لِلنَّبِيِّينَ.
فَجَمَعَ اللّه بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ رَسُولِهِ وَأَوْلِيَائِهِ فِي مَنازِلِ الْمُخْبِتِينَ، فَإِنَّهُ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (1).
ويلمس في هذه البنود الأخيرة من الزيارة مدى أهمية العبّاس، وسموّ مكانته عند إمام الهدى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذلك لما قام به هذا البطل العظيم من خالص النصيحة، وعظيم التضحية لريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما دعا الإمام له ببلوغ المنزلة السامية عند اللّه التي لا ينالها إلا الأنبياء وأوصيائهم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن امتحن اللّه قلبه للإيمان.
وأدلى الإمام المصلح العظيم بقيّة اللّه في الأرض قائم آل محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) بكلمة رائعة في حق عمه العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) جاء فيها :
1) كامل الزيارات : 440، باب 85، الحديث.1. تهذيب الأحكام : 6: 65 - 70. مصباح المتهجد : 724 - 726. المزار الكبير : 388 - 392 مصباح الزائر : 215 مزار الشهيد : 131 - 134 و 165. بحار الأنوار 98: 217 و 277، الحدیث 1 و 278، الحديث 2.
السَّلَامُ عَلَى أَبي الْفَضْلِ العبّاس ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، الْمُواسي أَخَاهُ بِنَفْسِهِ، الْآخِذِ لِغَدِهِ مِنْ أَمْسِهِ، الْفادِي لَهُ، الواقي، السّاعِي إِلَيْهِ بِمَائِهِ، الْمَقْطُوعَةِ يَداهُ. لَعَنَ اللّه قَاتِلَيْهِ يَزِيدَ (1)بْنَ الرَّقادِ(2)الجنبي وَحُكَيْمَ بْنَ الطَّفَيْلِ الطَّائي (3).
وأشاد بقيّة اللّه فى الأرض بالصفات الكريمة الماثلة في عمّه قمر بني هاشم وفخر عدنان، وهي :
1 - مواساته لأخيه سيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد واساه في أحلك الظروف، وأشدّها محنة وقسوة، وظلّت مواساته له مضرب المثل على امتداد التاريخ.
2 - تقديمه أفضل الزاد لآخرته، وذلك بتقواه، وشدّة تحرّجه في الدين، ونصرته لإمام الهدى.
3- تقديم نفسه وإخوته وولده فداءً لسيّد شباب أهل الجنة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
4- وقايته لأخيه المظلوم بمهجته.
سعيه لأخيه وأهل بيته بالماء حينما فرضت سلطات البغي والجور الحصار على ماء الفرات من أن تصل قطرة منه لآل النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)
وهام الأحرار من شعراء أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بشخصية أبي الفضل التي بلغت قمّة
الشرف والمجد، وسجّلت صفحات من النور في تاريخ الأمة الإسلاميّة، وقد نظموا في حقه روائع الشعر العربي إكباراً وإعجاباً بمثله الكريمة، فيما يلي بعضهم :
أمّا شاعر الإسلام الأكبر الكميت الأسدي فقد انطبع حبّ أبي الفضل في أعماق نفسه، وقد تعرّض لمدحه في إحدى هاشمياته الخالدة، قال :
وأبو الفَضْلِ إِنَّ ذِكْرَهُمُ الحُلْوَ***شِفَاءُ النُّفوسِ مِنْ أَسْقام (1)
إن ذكر أبي الفضل العبّاس، وسائر أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) حلو عند كلّ شريف لأنه ذكر للفضيلة والكمال المطلق، كما إنّه شفاء للنفوس من أسقام الجهل والغرور، وسائر الأمراض النفسيّة.
من الشعراء الملهمين الذين هاموا بشخصية أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو حفيده الشاعر الكبير الفضل بن محمّد بن الفضل بن الحسن بن عبيد اللّه (2)بن العبّاس، فقد قال :
إِنِّي لأَذْكُرُ لِلعَباسِ مَوْقِفَهُ***بكربلاء وهام القوم يُخْتَطَفُ
يَحمي الحُسَينَ وَيَحميهِ عَلَى ظَمَأ***وَلَا يُوَلّي وَلا يَثْني فَيَختَلِفُ
وَلا أَرى مَشْهَداً يَوْماً كَمَشْهَدِهِ***مَعَ الْحُسَينِ عَلَيهِ الفَضلُ وَالشَّرَفُ
1) الهاشميات : 25، ومن الغريب أن الشارح لهذا الديوان قال : «إنّ المراد بأبي الفضل هو العبّاس بن عبدالمطّلب».
2) هو أبو العبّاس بن محمّد، كان يوصف بالكمال والمروّة والجمال، والورع والشجاعة، أمير المدينة أيّام بني العبّاس، مات وله 55 سنة. سرّ السلسلة العلويّة : 89، المجدي في أنساب الطالبيّين : 231، لباب الأنساب 1 : 357، الشجرة المباركة : 184.
أَكْرِمْ بِهِ مَشْهَداً بانَتْ فَضيلَتُهُ***وَما أَضاعَ لَهُ أَفْعَالَهُ خَلَفُ (1)
وصوّرت هذه الأبيات شجاعة أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وما مقام به من دور مشرق يدعو إلى الاعتزاز والفخر في حماية أخيه أبي الأحرار، ووقايته له بمهجته، وسقايته له ولأفراد عائلته وأطفاله بالماء، فلم يكن هناك مشهد أفضل ولا أسمى من هذا الموقف الرائع الذي وقفه أبو الفضل مع أخيه أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)... وقد استولت مواقف أبي الفضل على حفيده الفضل فهام بها ورثاه بذوب روحه، وكان من رثائه له هذه الأبيات الرقيقة :
أَحَقُّ النّاس أَنْ يُبْكى عَلَيهِ***فتى أبكى الحُسَينَ بِكَربلاء
أخوهُ وَابْنُ والدِهِ عَلِيٌّ***أبو الفَضْلِ المُضَرَّج بِالدِّمَاءِ
وَمَن واساه لا يَثْنِيهِ شَيْءٌ***وَجادَ لَهُ عَلَى عَطَشِ بِماءِ (2)
نعم، إن أحق الناس أن يمجد ويبكى على ما حلّ به من رز قاصم هو أبو الفضل رمز الإباء والفضيلة، فقد رزئ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمصرعه، وبكاه أمر البكاء لأنه فقد بمصرعه أبر الإخوان، وأعطفهم عليه.
وهام الشاعر العلوي السيّد راضي القزويني بشخصية أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال :
أبا الفضل يا مَنْ أَسْسَ الفَضْلَ وَالإِبا***أبي الفَضْلُ إِلا أَن تكونَ لَهُ أَبا
تَطَلَّبُ أسباب العُلى فَبَلَغْتَها***وما كان ساع بالغ ما تَطَلبا
ودون احتمالِ الضَّيمِ عِزُّ وَمَنعَةٌ***تَخَيْرتَ أطْرافَ الأَسِنَّةِ مَركَبا (1)
إنّ أبا الفضل من المؤسسين للفضل والإباء في دنيا العرب والإسلام، فقد سما إلى طرق المجد، وأسباب العلى، فبلغ قمتها، وقد تخيّر أطراف الأسنة والرماح حتّى لا يناله ذلّ ولا ضيم.
وأشاد الشاعر الكبير الحاج محمّد رضا الأزري في رائعته بالمثل الكريمة التي تحلى بها قمر بني هاشم، والتي احتلت عواطف الأحرار ومشاعرهم، يقول :
فَانْهَضَ إِلى الذِّكْرِ الجَميلِ مُشَمْراً***فَالذِّكْرُ أَبْقى ما افْتَتَتهُ كِرَامُها
أو ما أتاكَ حَديثُ وَقْعَةٍ كربلا***أنَّى وَقَدْ بَلَغَ السَّماءَ فَتامُها
يوم أبو الفضل اسْتَجارَ بِهِ الهُدى***وَالشَّمْسُ مِنْ كَذَرِ العَجاج لثامها
ودعا الأزري بالبيت الأوّل من رائعته إلى اقتناء الذكر الجميل الذي هو من أفضل المكاسب التي يظفر بها الإنسان، فإنّه أبقى وأخلد له، ودعا بالبيت الثاني إلى التأمل والاستفادة من واقعة كربلاء التي تفجرت من بركان هائل من الفضائل والمآثر لآل النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وعرج بالبيت الثالث على أبي الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي استجار به سبط النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وريحانته، ولنستمع إلى ما قام به العبّاس من النصر والحماية لأخيه، يقول الأزري:
فَحْمى عرينتَهُ وَدَمَدَمَ دونَها***وَيَذَّبُ مِن دونِ الشَّرى ضرغامها
1) أعيان الشيعة : 6: 443.
وَالبِيضُ فَوقَ البِيضِ تَحسَبُ وَقعَها***زَجَلُ الرُّعودِ إِذا اكْفَهَرُ غِمَامُها
مِنْ باسِلٍ يَلقى الكتيبَةَ باسِماً***وَالشّوسُ يَرشَحُ بِالمَنيَّةِ هامها
وَأَشَمُ لَا يَحتَلُّ دارَ هَضيمَةٍ***أَوْ يَستَقِل عَلَى النُّجومِ رَغَامُها
أَو لَمْ تَكُنْ تَدْري قُرَيش أَنَّهُ***طَلَاعُ كلّ ثَنِيَّةٍ مِقدامُها (1)
وهذه الأبيات منسجمة كلّ الانسجام مع بطولات أبي الفضل، فقد صوّرت بسالته، وما قام به من دور مشرّف في حماية أخيه أبى الأحرار، فقد انبرى كالأسد يذبّ عن أخيه في معركة الشرف والكرامة، غير حافل بتلك الوحوش الكاسرة التي ملأت البيداء دفاعاً عن ذئاب البشرية، وقد انطلق أبو الفضل باسماً في ميادين الحرب وهو يحطّم أنوف أولئك الأوغاد ويجرّعهم غصص الموت في سبيل كرامته وعزة أخيه، وقد استبان للقبائل القرشية في هذه المعركة أن أبا الفضل طلاع كلّ ثنية، وأنه ابن من أرغمها على الإسلام، وحطّم جاهليتها وأوثانها.
هو السيّد إبراهيم ابن السيّد حسين ابن السيّد رضا ابن السيّد مهدي بحر العلوم (2)(المتولّد سنة 1248ه-، والمتوفّى سنة 1319ه-).
قِفْ بِالطُّفوفِ وَسَلْ بِها أَفْواجَها***وَأَثِرْ أَبا الفَضلِ المُثيرَ عَجَاجَها
إِنْ أُرتجَتْ بابٌ تَلاحَكَ بِالقَنا***بِالسَّيفِ دونَ أَخيهِ فَكّ رِتاجَها
جَلَّى لَها قَمَراً لهاشم سافراً***رَدَّ الْكَتائب كاشفاً أَرْهاجها
وَمَشَى لَها مَشَى السَّبَتْتَى (1)مُخْدِداً***قَدْ هاجَ مِنْ بَعدِ الطُّوى فَأَهاجها
أَبكيك مُنْجَدِلاً بِأَرضِ قَفْرَةٍ***بكَ قَدْ رَفَعتَ عَلَى السَّمَاءِ فِجَاجَها
أَبْكِيكَ مَبْكى الفاقِداتِ جَنينها***ذَكَرَتْ فَهَاجَ رَنينَها مَنْ هَاجَها
أبكيكَ مَقطوعَ اليَدَيْنِ بِعَلْقَمٍ***أَجْرَتْ يَداكَ بِعَذْبِهِ أَمْواجَها
وَبِرَغْمِ أَنفِ الدِّينِ مِنكَ بِمَوكبٍ***تقضي سُيوفُ بَني أُمَيَّةَ حَاجَها
إِنْ زِغْتَ يا عَصَبَ الضَّلالِ فَإِنَّما ***أَطْفَأْتَ مِنْ سُرُجِ الهُدى وَهَاجَها
بهجت بك الدنيا وعادك عيدها***وَيوُدُها لَوْ أَنْ تُعِدُ إِبْهَاجَها
قَدْ كُنتَ دُرَّتَها عَلى إِكليلها***قَدْ زَيَّنَتْ بِكَ في المفارِقِ تاجَها (2)
كان سيّدنا العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) دنيا في الفضائل والمآثر، فما من صفة كريمة أو نزعة رفيعة إلا وهي من عناصره وذاتيّاته، وحسبه فخراً أنه نجل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي حوى جميع فضائل الدنيا، وقد ورث أبو الفضل فضائل أبيه وخصائصه، حتّى صار عند المسلمين رمزاً لكل فضيلة، وعنواناً لجميع القيم الرفيعة، ونلمح بإيجاز لبعض صفاته :
أما الشجاعة فهي من أسمى صفات الرجولة لأنها تنم عن قوة الشخصية وصلابتها، وتماسكها أمام الأحداث، وقد ورث أبو الفضل هذ الصفة الكريمة من أبيه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو أشجع إنسان في دنيا الوجود، كما ورث هذه الصفة من أخواله الذين تميّزوا بهذه الظاهرة، وعرفوا بها من بين سائر الأحياء العربيّة.
لقد كان أبو الفضل دنيا في البطولات، فلم يخالج قلبه خوف ولا رعب في الحروب التي خاضها مع أبيه، كما يقول بعض المؤرّخين، وقد أبدى من الشجاعة يوم الطفّ ما صار مضرب المثل على امتداد التاريخ، فقد كان ذلك اليوم من أعظم الملاحم التي جرت في الإسلام، وقد برز فيه أبو الفضل أمام تلك القوى التي ملأت البيداء، فجبن الشجعان، وأرعب قلوب عامّة الجيش، فزلزلت الأرض تحت
أقدامهم، وخيّم عليهم الموت، وراحوا يمنونه بإعطاء القيادة العامّة إن تخلّى عن مساندة أخيه، فهزأ منهم العبّاس، وزاده ذلك تصلّباً في الدفاع عن عقيدته ومبادئه.
إنّ شجاعة أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وما أبداه من البسالة يوم الطفّ لم تكن من أجل مغنم مادي من هذه الحياة، وإنما كانت دفاعاً عن أقدس المبادئ الماثلة في نهضة أخيه سيّد الشهداء المدافع الأوّل عن حقوق المظلومين والمضطهدين.
وبهر شعراء الإسلام بشجاعة أبي الفضل، وقوة بأسه، وما ألحقه بالجيش الأموي من الهزيمة الساحقة، وفيما يلي بعض الشعراء الذين هاموا بشخصيته :
ووصف الشاعر العلوي السيّد جعفر الحلّي في رائعته ما مني به الجيش الأموي من الرعب والفزع من أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول :
وَقَعَ العَذابُ عَلَى جُيوش أُمَيَّةٍ***من باسل هُوَ في الوَقائِعِ مُعْلِمُ
ما راعَهُمْ إِلَّا تَقَحُمُ ضَيغَمٍ***غيران يُعجِمُ لَفظَهُ وَيُدَمْدِمُ
عبَسَتْ وجوه القوم خَوفَ المَوتِ***والعبّاس فيهِمْ ضَاحِك مُتَبَسم
قَلَبَ اليمينَ عَلى الشِّمَالِ وَعَاصَ في***الأَوْساطِ يَحصِدُ للرُّؤوسِ وَيَحْطِمُ
ماکرَّ ذو بَأسٍ لَهُ مُتَقَدِّماً***إِلَّا وَفَرَّ وَرَأْسُهُ المُتَقَدِّمُ
صَبَغَ الخُيولَ بِرُمْحِهِ حتّى غَدا***سَيَّانَ أَشقَرُ لَونِها وَالأَدْهَمُ
ماشَدَّ غَضْبَاناً عَلى مَلْمومَةٍ***إِلَّا وَحَلَّ بها البَلاءُ المُبرم
وَلَهُ إِلى الإِقْدامِ سرعَةُ هارب***فَكَأَنَّما هُوَ بِالتَّقَدم يَسلَمُ
بَطَلٌ تَوَرَّثَ مِنْ أَبِيهِ شَجَاعَةً***فيها أنوفُ بَني الضَّلالَةِ تُرغَمُ
أرأيتم هذا الوصف الرائع لبسالة أبي الفضل وقوّة بأسه وشجاعته النادرة !
أرأيتم كيف وصف الحلّي ما حلّ بالجيش الأموي من الجبن الشامل، والهزيمة الساحقة حينما برز إليهم قمر بني هاشم بطل الإسلام، فأنزل بهم العذاب الأليم، وترك صفوفهم تموج من الخوف والرعب، وكان العبّاس متبسماً مثلوج الفؤاد ممّا ينزل بهم من الخسائر الفادحة، فقد ملأ ساحة المعركة بجثث قتلاهم، وصبغ خيولهم بدمائهم، وفيما أحسب أنه لم توصف البسالة والشجاعة بمثل هذا الوصف الرائع الدقيق، والذي لا مبالغة فيه حسبما تحدّث الرواة عما أنزله العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأهل الكوفة من الخسائر الجسيمة.
ويستمرّ السيّد الحلّي في وصف شجاعة أبي الفضل، فيقول :
بَطَلْ إِذا رَكِبَ المُطَهَّمَ خِلْتَهُ***جَبَلاً أَشَمَّ يَحْفُ فيهِ مُطَهَّمُ
قسَماً بصارِمِهِ الصقيل وَإِنَّني***في غَيرِ صاعِقَةِ السَّما لَا أُقْسِمُ
لَوْلا القَضا لَمَحا الوجودَ بِسَيفِهِ***وَاللّه يَقْضَى مَا يَشَاءُ وَيَحكُمْ (1)
لقد كان سيف أبي الفضل صاعقة مدمرة قد حلّت بأهل الكوفة، ولولا قضاء اللّه لأتى العبّاس على الجيش، ومحاهم من ساحة الوجود.
وبهر الإمام محمّد الحسين كاشف الغطاء (رَحمهُ اللّه) بشجاعة أبي الفضل، فقال في قصيدته العصماء :
وَتَعْبِسُ مِنْ خَوفٍ وُجوهُ أُمَيَّةٍ***إِذا كَرَّ عَبّاسُ الوَغَى يَتَبَسَّمُ
1) سحر بابل وسجع البلابل / السيّد جعفر الحلّي : 430 و 431، تحقيق : الإمام الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء.
عليم بتأويل المَنيَّةِ سَيفُهُ***تزولُ عَلى مَنْ بالكريهة مُعلم
لقد عبست وجوه الجيش الأموي رعباً وخوفاً من أبي الفضل الذي حصد رؤوس أبطالهم، وحطّم معنوياتهم، وأذاقهم وابلاً من العذاب الأليم.
وعرض شاعر أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الشيخ عبد المنعم الفرطوسي نضّر اللّه مثواه في ملحمته الخالدة إلى شجاعة أبي الفضل وبسالته في ميدان الحرب، قال :
عَلَمٌ لِلجِهادِ في كلّ زَحف***عَلَم في الثّباتِ عِندَ اللقاء
قَدْ نَما فيهِ كلّ بَأْسٍ وَعِزّ***مِنْ عَلِيٍّ بِنَجْدَةٍ وَإِباء
هُوَ ثَبتُ الجَنانِ في كلّ رَوْع***وَهوَ رَوعُ الْجِنانِ مِنْ كلّ راءِ
وأضاف الفرطوسي مصوّراً ما أنزله أبو الفضل من الخسائر الفادحة في جيوش الأمويّين، قال :
فارْتَقى صهوةَ الجَوادِ مُطِلاً***عَلَماً فَوقَ قَلعَةٍ شَمَاءِ
وَتَجَلَّى وَالْحَرْبُ لَيلٌ قَثامٌ***قَمَراً في غَياهِبِ الظُّلْماءِ
فَاسْتَطَارَتْ مِنَ الكُمَاةِ قُلوبٌ***أفْرِغَتْ مِنْ ضُلوعِها كَالهَواءِ
وَهوَ يرمي الكتائِبَ السُّودَ رَجْماً***بِالْمَنايا مِنَ اليَدِ الْبَيْضاء (1)
حقيقاً بالبكاءِ عَليهِ حُزناً***أبو الفضل الذي واسى أخاه
1) ملحمة أهل البيت : 3: 329 و 330.
وجاهدَ كلّ كَفَّارٍ ظَلوم***وقابَلَ مِن ضَلالِهِمْ هُداهُ
فَداه بنفسِهِ اللّه حتّى***تَفَرَّقَ من شَجَاعَيْهِ عِداهُ
وجادَ لَهُ عَلى ظَمَأُ بماءٍ***وكان رضا أخيهِ مُبْتَغاهُ
إنّ شجاعة أبي الفضل قد أدهشت أفذاذ الشعراء، وصارت مضرب المثل على امتداد التاريخ، ومما زاد في أهميتها أنها كانت لنصرة الحقّ والذب عن المثل والمبادئ التي جاء بها الإسلام، وأنّها لم تكن بأي حال من أجل مغنم مادي دنيوي.
أما قوة الإيمان باللّه وصلابته فإنّها من أبرز العناصر في شخصية أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن أوّليّات صفاته، فقد تربى في حجور الإيمان، ومراكز العلم (1)والتقوى، ومعاهد الطاعة والعبادة اللّه تعالى، فقد غذاه أبوه زعيم الموحدين، وسيّد المتّقين بجوهر الإيمان، وواقع التوحيد، لقد غذاه بالإيمان الناشئ عن الوعي، والتدبر في حقائق الكون، وأسرار الطبيعة، ذلك الإيمان الذي أعلنه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : «لَوْ كُشِفَ الغطاءُ ما ازْدَدْتَ يَقيناً» (2).
وقد تفاعل هذا الإيمان العميق في أعماق قلب أبي الفضل وفي دخائل ذاته حتّى صار من عمالقة المتّقين والموحدين، وكان من عظيم إيمانه الذي لا يحدّ أنّه قدّم نفسه وإخوته وبعض أبنائه قرابين خالصة لوجه اللّه تعالى
1) وعده العلامة المامقاني من فقهاء الهاشميين قائلاً: «وقد كان من فقهاء أولاد الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وكان عدلاً ثقةً تقيّاً نقياً». تنقيح المقال : 2 : 128.
2) بحار الأنوار: 40 153، باب 93 - علمه، وأن النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) علّمه ألف باب، وأنّه كان : محدثاً، الحديث 54 غرر الحكم 119، الباب الخامس في الإمامة، الفصل الثاني في علي اللّه، فضائله، الحديث 2086.
لقد جاهد العبّاس ببسالة دفاعاً عن الدين، وحماية لمبادئ الإسلام التي تعرّضت للخطر الماحق أيّام الحكم الأموي، ولم يبغ بذلك إلا وجه اللّه والدار الآخرة.
وصفة أخرى من أسمى صفات أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي الإباء وعزة النفس، فقد أبى أن يعيش ذليلاً في ظل الحكم الأموي الذي اتخذ مال اللّه دولاً، وعباد اللّه خولاً، فاندفع إلى ساحات الجهاد كما اندفع أخوه أبو الأحرار الذي رفع شعار العزّة والكرامة، وأعلن أن الموت تحت ظلال الأسنة سعادة، والحياة مع الظالمين برماً.
لقد مثل أبو الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم الطفّ الإباء بجميع رحابه ومفاهيمه، فقد منّاه الأمويّون بإمارة الجيش، وإسناد القيادة العامّة له إن تخلى عن أخيه سيّد شباب أهل الجنّة، فهزأ منهم، وجعل إمارة جيشهم تحت قدمه، واندفع بشوق وإخلاص إلى ميادين الحرب يجندل الأبطال، ويحصد الرؤوس دفاعاً عن حريته ودينه وكرامته.
ومن خصائص أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومميّزاته : الصبر على محن الزمان، ونوائب الدهر، فقد ألمت به يوم الطفّ من المصائب والمحن التي تذوب من هولها الجبال، فلم يجزع، ولم يفه بأي كلمة تدلّ على سخطه، وعدم رضاه بما جرى عليه وعلى أهل بيته، وإنّما سلّم أمره إلى الخالق العظيم، مقتدياً بأخيه سيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي لو وزن صبره بالجبال الرواسي لرجح عليها.
لقد رأى أبو الفضل الكواكب المشرقة، والممجّدين الأوفياء من أصحابه وهم مجّزرون كالأضاحي في رمضاء كربلاء تصهرهم الشمس، وسمع عويل الأطفال، وهم ينادون العطش العطش، وسمع صراخ عقائل الوحي وهن يندبن الشهداء ورأى وحدة أخيه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد أحاط به أنذال أهل الكوفة يبغون قتله تقرباً
لسيّدهم ابن مرجانة، رأى أبو الفضل كلّ هذه الشدائد الجسام فلم يجزع وسلّم أمره إلى اللّه تعالى، مبتغياً الأجر من عنده.
ومن خصائص أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) الوفاء الذي هو من أنبل الصفات وأميزها، فقد ضرب الرقم القياسي في هذه الصفة الكريمة، وبلغ أسمى حدّ لها، وكان من سمات وفائه ما يلي :
وكان أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أوفى الناس لدينه، ومن أشدّهم دفاعاً عنه، فحينما تعرّض الإسلام للخطر الماحق من قبل الطغمة الأموية الذين تنكروا أشدّ ما يكون التنكر للإسلام، وحاربوه في غلس الليل وفي وضح النهار. انطلق أبو الفضل إلى ساحات الوغى فجاهد في سبيله جهاد المنيبين والمخلصين لترتفع كلمة اللّه عالية في الأرض، وقد قطعت يداه، وهوى إلى الأرض صريعاً في سبيل مبادئه الدينيّة.
رأى سيّدنا العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأُمّة الإسلاميّة ترزح تحت كابوس مظلم من الذلّ والعبوديّة، قد تحكّمت في مصيرها عصابة مجرمة من الأمويّين، فنهبت ثرواتها، وتلاعبت في مقدراتها، وكان أحد أعمدتهم السياسيّة يعلن بلا حياء ولا خجل قائلاً: «إنّما السواد بستان قريش، فأي استهانة بالأمة مثل هذه الاستهانة، ورأى أبو الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ من الوفاء لأمته أن يهب لتحريرها وإنقاذها من واقعها المرير، فانبرى الأحرار مع أخيه أبي الأحرار والكوكبة المشرقة من فتيان أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ومعهم
الممجّدون من أصحابهم، فرفعوا شعار التحرير، وأعلنوا الجهاد المقدّس من أجل إنقاذ المسلمين من الذل والعبودية، وإعادة الحياة الحرّة الكريمة لها، حتّى استشهدوا من أجل هذا الهدف السامي، فأي وفاء للأمة يضارع مثل هذا الوفاء ؟
وغمرت الوطن الإسلامي محن شاقة وعسيرة أيّام الحكم الأموي، فقد فقد استقلاله وكرامته، وصار بستاناً للأمويين وسائر القوى الرأسمالية من القرشيّين وغيرهم من العملاء، وقد شاع البؤس والحرمان وذلّ فيه المصلحون والأحرار، ولم يكن فيه أي ظلّ لحرية الفكر والرأي، فهبّ العبّاس تحت قيادة أخيه سيّد الشهداء اللّه إلى مقاومة ذلك الحكم الأسود، وتحطيم أروقته وعروشه، وقد تمّ ذلك بعد حين بفضل تضحياتهم، فكان حقاً هذا هو الوفاء للوطن الإسلامي.
ووفى أبو الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما عاهد اللّه عليه من البيعة لأخيه ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، والمنافح الأوّل عن حقوق المظلومين والمضطهدين.
ولم ير الناس على امتداد التاريخ وفاءً مثل وفاء أبي الفضل لأخيه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و من المقطوع به أنه ليس في سجل الوفاء الإنساني أجمل ولا أنضر من ذلك الوفاء الذي أصبح قطباً جاذباً لكل إنسان حر شريف.
أمّا قوة الإرادة فإنّها من أميز صفات العظماء الخالدين الذين كتب لهم النجاح في أعمالهم، إذ يستحيل أن يحقق من كان خائر الإرادة وضعيف الهمة أي هدف اجتماعي، أو يقوم بأي عمل سياسي.
لقد كان أبو الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الطراز الأول في قوة بأسه، وصلابة إرادته، فانضم إلى معسكر الحقّ، ولم يهن ولم ينكل، ويرز على مسرح التاريخ كأعظم قائد فذ، ولو لم يتّصف بهذه الظاهرة لما كتب له الفخر والخلود على امتداد الأيّام.
وأترعت نفس أبي الفضل بالرأفة والرحمة على المحرومين والمضطهدين، وقد تجلت هذه الظاهرة بأروع صورها في كربلاء حينما احتلت جيوش الأمويّين حوض الفرات لحرمان أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) من الماء حتّى يموتوا أو يستسلموا لهم، ولما رأى العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) أطفال أخيه، وسائر الصبية من أبناء إخوته، وقد ذبلت شفاههم، وتغيّرت ألوانهم من شدّة الظمأ ذاب قلبه حناناً وعطفاً عليهم، فاقتحم الفرات، وحمل الماء إليهم وسقاهم، وفي اليوم العاشر من المحرّم سمع الأطفال ينادون العطش العطش، فتفتّت كبده رحمة ورأفة عليهم، فأخذ القربة، والتحم مع أعداء اللّه حتّى كشفهم عن نهر الفرات، فغرف منه غرفة ليروي ظمأه، فأبت رحمته أن يشرب قبل أخيه وأطفاله، فرمى الماء من يده.
فتّشوا في تاريخ الأمم والشعوب فهل تجدون مثل هذه الرأفة والرحمة، التي تحلّى بها قمر بني هاشم وفخر عدنان.
هذه بعض عناصر أبي الفضل وصفاته، وقد ارتقى بها إلى قمة المجد التي ارتقى إليها أبوه.
ورافق أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) منذ نعومة أظفاره كثيراً من الأحداث الجسام التي لم تكن ساذجة ولا سطحيّة، وإنّما كانت عميقة أشدّ ما يكون العمق، فقد أحدثت اضطراباً شاملاً في الحياة الفكريّة والعقائديّة بين المسلمين، كما استهدفت بصورة دقيقة إبعاد أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) عن المراكز السياسيّة في البلاد، وإخضاعهم لرغبات، وما تعمله السلطة، على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، من أعمال لا تتفق في كثير من بنودها مع التشريع الإسلامي، وقد تجلّى ذلك بوضوح أيّام حكومة عثمان وما سلكته من التصرّفات في المجالات الإداريّة.
فقد عمدت إلى منح مناصب الدولة، وسائر الوظائف العامّة إلى بني أمية وآل أبي معيط، وحرمان بني هاشم ومن يتصل بهم من أبناء الصحابة من أي منصب من المناصب العامّة، وقد استولى الأمويّون على جميع أجهزة الدولة، وراحوا يعملون - عامدين أو غير عامدين - إلى خلق الأزمات الحادة بين المسلمين.
ومن المقطوع به أنه لم تكن لأكثرهم أيّة نزعة إسلامية، كما لم تكن لهم أية دراية بأحكام القانون الإسلامي، وما تتطلب إليه الشريعة الإسلاميّة من إيجاد مجتمع إسلامي متطوّر قائم على المودّة والتعاون، ويعيد كلّ البعد عن التأخّر.
لقد أشاعت حكومة عثمان الرأسمالية في البلاد، فقد منحت الأمويّين وبعض أبناء القرشيين الامتيازات الخاصة، وفتحت لهم الطريق لكسب الأموال وتكديسها بغير وجه مشروع، وقد أدّت هذه السياسة الملتوية إلى خلق اضطراب شامل
لا في الحياة الاقتصاديّة فحسب، وإنما في جميع مناحي الحياة، وأشاعت القلق والتذمر في جميع الأوساط الإسلاميّة.
فاتّجهت قطعات من الجيوش المرابطة في العراق ومصر إلى يثرب، وطالبت عثمان بالاستقامة في سياسته، وإبعاد الأمويّين عن جهاز الدولة، كما طالبوه بصورة خاصة بإبعاد مستشاره و وزیره مروان بن الحكم الذي كان يعمل بصورة مكشوفة لتأجيج نار الفتنة في البلاد
ولم يستجب عثمان لمطالب الثوّار، ولم يخضع لرأي الناصحين له والمشفقين عليه، وظل متمسكاً بأسرته، ومحتضناً لبطانته، تتوافد عليه الأخبار بانحرافهم عن الطريق القويم، واقترافهم لما حرّمه اللّه، فلم يعن بذلك، وراح يسدّدهم ويلتمس لهم المعاذير، ويتهم الناصحين بالعداء لأسرته.
وبعدما أخفقت جميع الوسائل الهادفة لاستقامة عثمان لم يجد الثوّار بُدّاً من قتله، فقُتل شر قتلة، ويقول المؤرّخون : إنّه تولّى قتله خيار أبناء الصحابة، كمحمّد بن أبي بكر، كما أقر قتله كبار الصحابة وعظماؤهم، وفي طليعتهم الصحابي الجليل صاحب رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وخليله عمّار بن ياسر.
وانتهت بذلك حكومة عثمان، وهي من أهم الأحداث الجسام التي جرت في عصر أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبمرأى ومسمع منه، فقد كان في شرخ الشباب وعنفوانه، وقد رأى كيف تذرّع الانتهازيون من الأمويّين بمقتل عثمان فطبلواله، ورفعوا قميصه الملطخ بدمائه فجعلوه شعاراً لتمردهم على حكم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ذلك الحكم القائم على الحقّ والعدل.
إن أسوأ ما تركت حكومة عثمان أنّها ألقت الفتنة بين المسلمين، وحصرت الثروة عند الأمويّين وآل أبي معيط، وعملائهم من القرشيّين الحاقدين على العدل الاجتماعي، وبذلك استطاعوا القيام بعصيان مسلّح ضدّ حكومة الإمام أمير
المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي كانت امتداداً ذاتياً لحكومة الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ).
وعلى أي حال، فلنترك حديث عثمان، ونتوجه إلى ذكر بقية الأحداث التي جرت في عصر أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ).
والشيء المؤكد الذي لا خلاف فيه أنّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد انتخب انتخاباً قطعات الشعب، فقد سارعت القوات المسلحة التي أطاحت شاملاً من جميع بحكومة عثمان إلى مبايعته، كما بايعته الجماهير العامّة في مختلف الأقاليم الإسلاميّة سوى الشام، ونفر قليل في يثرب كان من بينهم سعد بن أبي وقاص وعبد اللّه بن عمر، وبعض الأمويّين الذين أيقنوا أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يبسط العدالة الاجتماعيّة في الأرض، ويحقّق المساواة الكاملة بين المسلمين، فلا امتياز لأحد على أحد، وبذلك تفوت مصالحهم، فلم يبايعوه.
ولم يقف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) معهم موقفاً معادياً، فلم يوعز إلى السلطات القضائيّة والتنفيذيّة باتّخاذ الإجراءات الحاسمة ضدّهم، وذلك عملاً بما منحه الإسلام من الحرّيات العامّة لجميع الناس، سواء كانوا من المؤيدين للدولة أو المعارضين لها بشرط أن لا يحدثوا فساداً في الأرض، أو يقوموا بعصيان مسلح ضد الدولة، فإنّها تكون مضطرة إلى اتخاذ الإجراءات القانونيّة ضدّهم.
وعلى أي حال، فقد بويع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيعة عامّة عن رضى واختيار من جميع أبناء الشعوب الإسلاميّة، وأظهروا في بيعته جميع مباهج الفرح والسرور، ولم يظفر بمثل هذه البيعة أحد من الخلفاء الذين سبقوه أو تأخّروا عنه.
وفور تقلد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للخلافة تبنّى بصورة إيجابية وشاملة العدل الخالص، والحق المحض، وتنكر لكلّ مصلحة شخصيّة تعود بالنفع عليه أو على ذويه، وقدّم مصالح
الفقراء والمحرومين على جميع المصالح الأخرى.
يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَيُّها النَّاسُ، إِنِّي رَجُلٌ مِنْكُمْ، لي ما لَكُمْ، وَعَلَيَّ ما عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي حامِلُكُمْ عَلَى مَنْهَج نَبِيَّكُمْ، وَمُنَفِّذ فِيكُمْ ما أَمَرَ بِهِ، أَلَا وَإِنَّ كلّ قَطِيعَةٍ أَقْطَعَها عُثْمَانُ، وَكُلَّ مالٍ أَعْطاهُ مِنْ مالِ اللّه فَهُوَ مَرْدُودٌ في بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنَّ الحقّ لَا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ، وَلَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزَوِّجَ بِهِ النِّساءُ، وَمُلِكَ بِهِ الْإِمَاءُ، وَفُرِّقَ فِي البُلْدَانِ لَرَدَدْتُهُ؛ فَإِنَّ فِي الْعَدْلِ سَعَةٌ، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْیَقُ».
وكانت سعادته (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يرى الأوساط الشعبيّة تنعم بالخير والسعادة، ولا مكان للحاجة والاعواز عندها ولم يعرف في تاريخ هذا الشرق حاكم مثله في عطفه وحنانه على البؤساء والمحرومين.
ولا بد لنا من وقفة قصيرة للحديث عن بعض شؤون الحكم عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنّ ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسيرة ولده أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنّه يكشف عن روعة التربية الكريمة التي تربى عليها في عهد أبيه رائد العدالة الاجتماعيّة في الأرض، والتي تركت في نفسه حبّ التضحية والفداء في سبيل اللّه، كما يكشف عن الأسباب الوثيقة التي دعت القوى الطامعة والمنحرفة إلى الوقوف في وجه حكومة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومناهضتهم لأبنائه من بعده، وفيما يلي ذلك :
أما منهج الحكم وفلسفته عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد كان مشرقاً وحافلاً بمقوّمات الارتقاء والنهوض للشعوب الإسلاميّة، وفيما أعتقد أنه لم تعرف الإنسانيّة في جميع أدوارها نظاماً سياسياً تبنّى العدل السياسي والاقتصادي والاجتماعي مثل ما تبناه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وما سنّه من المناهج الرائعة في هذه الحقول، ونشير إلى بعضها :
وآمن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بضرورة منح الحريّات العامّة لجميع أبناء الأمة، وأنّ ذلك من أولويات حقوقها، والدولة مسؤولة عن توفيرها لكلّ فرد من أبناء الشعب، وأن حرمانهم منها يخلق في نفوسهم العقد النفسية، ويمنع من العقد النفسية، ويمنع من التقدّم الفكري، والتطوّر الاجتماعي عند أبنائها، ويخلد لهم الخنوع والخمول، ويعود عليهم بالأضرار البالغة، أما مدى هذه الحرية وسعتها فهي :
يرى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ الناس أحرار فيما يعتقدون وما يذهبون إليه من أفكار دينيّة، وليس للدولة أن تحول بينهم وبين عقائدهم، كما أنه ليس لها أن تحول بينهم وبين طقوسهم الدينية، وأنّهم غير ملزمين بمسايرة المسلمين في الأحوال الشخصية، وإنّما يتّبعون ما قنّن من تشريع عند فقهائهم.
ونعني بها منح الناس الحريّة التامّة في اعتناق المذاهب السياسيّة التي تتّفق مع رغباتهم وميولهم، وليس للدولة أن تفرض عليهم رأياً سياسياً مخالفاً لما يذهبون إليه، كما أنّه ليس لها أن تفرض عليهم الاقلاع عن آرائهم السياسيّة الخاصة، وإنما عليها أن تقيم لهم الأدلّة والحجج الحاسمة على فساد ذلك المذهب وعدم صحته، فإن رجعوا إلى الرشاد فذاك، وإلا فتتركهم وشأنهم ما لم يحدثوا فساداً في الأرض، أو يخلوا بالأمن العام، كما وقع ذلك من الخوارج الذين فقدوا جميع المقومات الفكريّة والركائز العلميّة، وراحوا يتمادون في جهلهم وغيهم ويعرضون الناس للقتل والارهاب، فاضطر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مقاومتهم بعد أن أعذر فيهم.
ومن الجدير بالذكر إنّ ممّا يتفرّع على الحريّة السياسيّة حرية النقد لرئيس الدولة
وجميع أعضائها، فالناس أحرار فيما يتولون وينقدون، وقد كان الخوارج يقطعون على الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لال خطابه، ويخدشون عواطفه بنقدهم الذي لم يكن واقعيّاً، وإنما كان مبنيّاً على الجهل والمغالطة، فلم يتخذ الإمام أي إجراء ضدّهم، ولم يسقهم إلى المحاكم والقضاء لينالوا جزاءهم، وبذلك فقد عهد الامام إلى نشر الوعي العام، وبناء الشخصية المزدهرة للإنسان المسلم.
هذه بعض صور الحرية التي طبقت أيّام حكم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي تمثل مدى أصالة منهجه السياسي الذي يساير التطوّر والابداع.
واهتم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصورة إيجابية بنشر الوعي الديني، وإشاعة المُثل الإسلاميّة بين المسلمين، باعتبارها الركيزة الأولى لإصلاح المجتمع وتهذيبه.
إن من أولى معطيات الوعي الديني إقصاء الجريمة، ونفي الشذوذ والانحراف عن المجتمع، وإذا لم يتلوّث بذلك، فقد بلغ غاية الازدهار والتقدّم.
ومن المقطوع به أنا لم نجد أحداً من خلفاء المسلمين وملوكهم قد عنى بالتربية الدينية كما عني الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد حفل نهج البلاغة بالكثير من خطبه التي تهزّ أعماق النفوس، وتدفعها إلى سلوك المناهج الخيّرة، واعتناق الفضائل، وإبعادها عن اقتراف الجرائم، وقد أثمرت خطبه في إيجاد طبقة من خيار المسلمين وصلحائهم، قاوموا الانهيار الأخلاقي، وناهضوا التفسّخ والتحلل الذي شاع أيّام حكم الأمويّين، وكان من بين هؤلاء رشيد الهجري، وميثم التمار، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وغيرهم من بناة الفكر الإسلامي.
أمّا نشر الوعي السياسي في أوساط المجتمع الإسلامي فهو من أهمّ الأهداف
السياسيّة التي تبنّاها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أيّام حكومته.
ونعني بالوعي السیاسي هو تغذية المجتمع وإفهامه بجميع الطرق والوسائل بالمسؤوليّة أمام اللّه تعالى، على مراقبة الأوضاع العامّة في الدولة، وغيرها من سائر الشؤون الاجتماعيّة للمسلمين، حتّى لا يقع أي تمزق في صفوفهم، أو أي تأخر أو ضعف في حياتهم الفردية والاجتماعيّة، وقد ألزم الإسلام بذلك. قال رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ): «كُلُّكُمْ راعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (1).
ألقى النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) المسؤوليّة على جميع المسلمين في رعاية شؤونهم، والعمل على حفظ مصالحهم، ودرء الفساد عنهم.
ومن بين الأحداث المهمّة الداعية إلى مقاومة أئمّة الظلم والجور هذا الحديث النبوي الذي ألقاه أبو الأحرار على جلاوزة ابن مرجانة وعبيده، قال :
«أَيُّها النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) قَالَ : مَنْ رَأى سُلْطَاناً جَائِراً مُسْتَحِلًا لِحُرمِ اللّه، نا كِناً لِعَهْدِ اللّه، مُخالِفاً لِسُنَّةِ رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، يَعْمَلُ فِي عِبَادِ اللّه بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَلَم يُغَيِّرُ عَلَيهِ بِفِعْلِ، وَلَا قَوْلٍ كانَ حَقّاً عَلَى اللّه أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَهُ..» (2).
وكان هذا الحديث الشريف من المحفزات لسيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) على إعلان الجهاد المقدّس ضدّ الحكم الأموي الجائر الذي استحلّ ما حرم اللّه، ونكث عهده، وخالف سنّة رسوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وعمل في عباد اللّه بالإثم والعدوان.
إنّ الوعي السياسي الذي أشاعه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين المسلمين أيّام حكمه قد خلق شعوراً ثورياً ضدّ الظالمين والمستبدين، فقد انبرى المجاهدون
الأبطال ممّن غذّاهم الإمام بهذه الروح إلى مقارعة الطغاة، وكان على رأسهم أبو الأحرار سيّد الشهداء، وأخوه البطل الفذ أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، والكوكبة المشرقة من شباب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأصحابهم المجاهدين.
فقد هبوا جميعاً في وجه الطاغية يزيد لتحرير المسلمين من الذل والعبودية، وإعادة الحياة الحرّة الكريمة بين المسلمين
وقد سبق هؤلاء العظماء المصلح الكبير حجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، ورُشيد الهجري، وميثم التمار، وغيرهم من أعلام الحرية ودعاة الاصلاح الاجتماعي، فقد ثاروا بوجه الطاغية معاوية بن أبي سفيان ممثل القوى الجاهليّة، ورأس العناصر المعادية للإسلام.
وعلى أي حال، فقد غرس الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) روح الثورة على الظلم والطغيان في نفوس المسلمين، وأهاب بهم أن لا يقاروا على كظة ظالم أو سغب مظلوم.
وكان ممّا عني به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أيّام حكومته إلغاء المحسوبيّات إلغاء مطلقاً، فالقريب والبعيد عنده سواء، فليس للقريب امتیاز خاص، وإنّما شأنه شأن غيره في جميع الحقوق والواجبات، كما سوّى بصورة موضوعيّة بين العرب والموالي ممّا جعل الموالي يدينون له بالولاء، ويؤمنون بإمامته.
لقد ألغى الإمام جميع صنوف المحسوبيات، وصور العنصريات، وساوى بين المسلمين على اختلاف قومياتهم مساواة عادلة لم يعهد لها نظير في تاريخ الأمم والشعوب، فقد حملت مساواته روح الإسلام وجوهره وحقيقته النازلة من ربّ العالمين، فهي التي تجمع ولا تفرّق، ولا تجعل في صفوف المسلمين أي ثغرة
يسلك فيها أعداء الإسلام لتشتيت شملهم، وتصديع وحدتهم.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الدَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حتّى أخَذَ الحقّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حتّى آخذَ الحقّ مِنْهُ، رَضِينا عن اللّه فَضاءَهُ، وَسَلَّمْنَا للّه أَمْرَهُ...».
أمّا فلسفة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الحكم فتبتني على محاربة الفقر ولزوم إقصاء شبحه البغيض عن الناس، لأنّه كارثة مدمرة للمواهب والأخلاق، ولا يمكن الأمة أن تحقّق أي هدف من أهدافها الثقافية والصحيّة وهي فقيرة بائسة.
إنّ الفقر يقف سداً حائلاً بين الأمة وبين ما تصبو إليه من التطور والتقدم والرخاء بين أبنائها.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَانْظُرْ إِلَى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مالِ اللّه فَاصْرِفْهُ إِلَىٰ مَنْ قِبَلَكَ مِنْ ذَوِي الْعِبالِ وَالْمَجاعَةِ، مُصِيباً بِهِ مَواضِعَ الْفَاقَةِ َوالْخَلَّاتِ وَمَا فَضَلَ عَنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ إِلَيْنا لِنَقْسِمَهُ فِيمَنْ قِبَلَنا» (1).
ومن الجدير بالذكر أن من بين المخططات التي تزيل الفقر، وتوجب نشر الرخاء بين الناس، والتي عني بها الإسلام بصورة موضوعيّة هي :
1 - توفير المسكن.
2 - إقامة الضمان الاجتماعي.
3 - توفير العمل.
4 - سد أبواب المرابين.
5 - القضاء على الاحتكار.
1) نهج البلاغة : 2 : 128، كتابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابن عبّاس وهو عامله على مكّة.
هذه بعض الوسائل التي عني بها الإسلام في اقتصاده، وقد تبناها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أيّام حكومته، وقد ناهضتها القوى الرأسمالية القرشيّة، ودفعت بجميع إمكانياتها للإجهاز على حكم الإمام، الذي قضى على مصالحهم الضيّقة.
وبهذا نطوي الحديث عن منهج الإمام وفلسفته في الحكم.
ولا بد لنا من وقفة قصيرة للتعرّف على القوى المعارضة لحكومة الإمام، التي لم تكن لها أية أهداف نبيلة، وإنما كانت تبغي الاستيلاء على الحكم للظفر بخيرات البلاد، والتحكّم في رقاب المسلمين بغير حق، وفيما يلي ذلك :
وانطوت نفس السيّدة عائشة - مع الأسف - على بغض عارم وكراهية شديدة للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولعلّ السبب في ذلك -فيما نحسب - يعود إلى ميل زوجها النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) إلى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإلى بضعته وحبيبته سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وإلى سبطيه وريحانتيه سيّدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وإشادته دوماً بفضلهم، وسموّ منزلتهم عند اللّه، وفرض مودّتهم على عموم المسلمين، كما أعلن الذكر الحكيم ذلك، قال تعالى : «قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا المودّة فِي الْقُرْبَى» (1).
وفي نفس الوقت كانت عائشة تعامل معاملة عادية، وفي كثير من الأحيان كان النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) يشير إلى أفعالها، فقد قال (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) لنسائه : أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُها كِلابُ الْحَوْأَبِ فَتَكونَ ناكِبَةً عَن الصّراطِ.
1) الشورى 42: 23.
وقال (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ): مِنْ هَاهُنا يَتَوَلَّدُ الشَّرُّ وأشار إلى بيتها، وغير ذلك ممّا أثار عواطفها.
وثمّة سبب في كراهية عائشة للإمام، وهو موقفه الصارم الذي وقفه تجاه بيعة أبيها أبي بكر، ومقاطعته لانتخابه، وشجبه لبيعته، وبعد سقوط حكومة عثمان كانت تروم إرجاع الخلافة إلى قبيلتها تيم لتكون سياسة الدولة بجميع أجهزتها خاضعة لرغباتها وميولها، وهي على يقين أن الخلافة إذا رجعت للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإنّها سوف تعامل كغيرها من عامة الناس، ولا تحظى بأية ميزة، فإنّ جميع الشؤون السياسيّة والاقتصاديّة عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا بد أن تسير على وفق الكتاب والسنة، ولا مجال عنده للأهواء والعواطف، وكانت عائشة تعرف ذلك جيّداً، ولذا أعلنت العصيان والتمرّد على حكومته، وقد انضم إليها كلّ من الزبير وطلحة والأمويّين وذوي الأطماع والمنحرفين عن الحقّ من القبائل القرشيّة الذين ناهضوا الدعوة الإسلاميّة من حين بزوغ نورها.
وعلى أي حال، فقد كانت عائشة من أوثق الأسباب في الاطاحة بحكومة عثمان، وقد أفتت بوجوب قتله، ولما أيقنت بهلاكه خرجت إلى مكّة وهي تتطلع إلى الأخبار، فلما وافاها النبأ بقتله أعلنت فرحتها الكبرى، ولكنّها لما فوجئت بالبيعة للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) انقلب وضعها رأساً على عقب، وراحت تقول بحرارة : «قتل عثمان مظلوماً، لأطلبن بدمه...».
وأخذت تندب عثمان رياءً لا حقيقة، وقد رفعت قميصه الملطخ بدمه، وجعلته شعاراً لتمرّدها على السلطة الشرعيّة التي أعلنت حقوق الإنسان، وتبنّتْ مصالح المحرومين والمضطهدين، والتي كانت امتداداً لحكومة الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ).
وعقدت عائشة في مكّة الندوات مع أعضاء حزبها البارزين، كطلحة والزبير، وسائر الأمويّين، وأخذت تتداول معهم الآراء أي بلد يغزونه ليشكلوا فيه حكومة لهم، وبعد التأمل والنظر الدقيق في أحوال المناطق الإسلاميّة أجمع رأيهم على
احتلال البصرة لأنّ لهم بها شيعة وأنصاراً، وأعلنوا بعد ذلك العصيان المسلّح وزحفوا نحو البصرة، وقد التحق بهم بهائم البشر، وحثالات الشعوب من الذين ليس لهم فكر ولا وعي، وساروا لا يلوون على شيء حتّى انتهوا إلى البصرة، وبعد مقاومة عنيفة بينهم وبين الحكومة المركزية فيها استطاعوا احتلالها، وألقوا القبض على حاكمها عثمان بن حنيف وجيء به مخفوراً إلى عائشة، فأمرت بنتف لحيته فنتفتها جلاوزتها وعاد ابن حنيف بعد لحيته العريضة شابّاً أمرداً.
ولما وافت الأنباء الامام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتمرّد عائشة، واحتلالها لمدينة البصرة، سارع بجيوشه للقضاء على هذا الجيب المتمرد، خوفاً من أن تسري نار الفتنة إلى بقية الأمصار الإسلاميّة، وقد ضمّ جيشه القوى الواعية في الإسلام أمثال الصحابي العظيم عمار بن ياسر، ومالك الأشتر، وحجر بن عدي، وابن التيهان، وغيرهم ممّن ساهموا في بناء الإسلام، وإقامة ركائزه في الأرض.
وسارت جيوش الإمام حتّى انتهت إلى البصرة فوجدوها محتلة بجنود مكثفة، وهم يعلنون الطاعة والولاء لأمّهم عائشة، فأرسل الإمام رسله إلى أعضاء القيادة العسكرية في جيش عائشة، كطلحة والزبير، فعرضوا عليهم السلم والدخول في مفاوضات بينهم وبين الإمام حقناً لدماء المسلمين، فأبوا وأصروا على التمرّد والعصيان مطالبين بوقاحة بدم عثمان، وهم الذين أطاحوا بحكومته وأجهزوا عليه.
ولما نفدت جميع الوسائل التي اتخذها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للسلم اضطرّ إلى إعلان (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحرب عليهم، وجرت بين الفريقين معركة رهيبة سقط فيها أكثر من عشرة آلاف مقاتل، وأخيراً نصر اللّه الإمام على أعدائه، فقد قتل طلحة والزبير والكثيرون من أنصارهم، وملئت ساحة المعركة بجثث قتلاهم، وقذف اللّه الرعب في قلوب الأحياء منهم، فولّوا منهزمين قابعين بالذل والعار.
واستولى جيش الإمام على عائشة القائدة العامّة للمتمرّدين، وحملت بحفاوة
إلى بعض بيوت البصرة، ولم يتخذ الإمام معها الاجراءات الصارمة، وعاملها معاملة المحسن الكريم، وسارع الإمام فسرحها تسريحاً جميلاً إلى يثرب، لتقرّ في بيتها الذي أمرها اللّه ورسوله أن تسكن فيه، ولا تتدخل بمثل هذه الأمور التي ليست هي مسؤولة عنها.
وانتهت هذه الفتنة التي أسماها المؤرّخون (بحرب الجمل)، وقد أشاعت في ربوع المسلمين الشكل والحزن والحداد، ومزقت صفوفهم، وألقتهم في شرّ عظيم. ومن المؤكد أن دوافع هذه الحرب لم تكن سليمة، ولم تكن حجّة عائشة وحزبها منطقية، وإنّما كانت من أجل المطامع والكراهية الشديدة لحكم الإمام الذي فقدوا في ظلاله جميع الامتيازات الخاصة، وعاملهم الإمام كما يعامل سائر المسلمين.
لقد شاهد أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الحرب الدامية، ووقف على أهدافها الرامية للقضاء على حكم أبيه رائد العدالة الاجتماعيّة في الأرض، وقد استبان له أحقاد القبائل القرشيّة له، واستبان له أنّ الدين لم ينفذ إلى أعماق قلوبهم، وإنما كانوا يلوكونه بألسنتهم حفظاً لدمائهم ومصالحهم.
وفي طليعة القوى المعارضة لحكومة الإمام والمعادية له، معاوية بن أبي سفيان، وينو أمية، فقد نزع اللّه الإيمان من قلوبهم، وأركسهم فى الفتنة ركساً، فكانوا من ألد أعداء الإمام، كما كانوا من قبل من أعداء رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، فهم الذين ناهضوا دعوته، وكفروا برسالته، وكادوا له في غلس الليل وفي وضح النهار، حتّى أعزّه اللّه وأذلهم، ونصره وقهرهم، وقد دخلوا في الإسلام مكرهين لا مؤمنين به، ولولا سماحة خلق النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وعظيم رأفته ورحمته، لما أبقى لهم ظلاً على الأرض، إلا أنه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) منحهم العفو كما منح غيرهم من أعدائه
ولم يكن للأمويين أي شأن يذكر أيّام النبى (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، فقد قبعوا بالذل والهوان ينظر
إليهم المسلمون بنظرة العداء والخصوم، ويذكرون ما قاموا به في محاربة دينهم، والتنكيل بنبيّهم.
ومن المؤسف أنّه لمّا فجع المسلمون بفقد نبيّهم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وآل الأمر إلى الخلفاء علا نجم الأمويّين، وذلك لأسباب سياسية خاصة، فقد عيّن أبو بكر يزيد بن أبي سفيان والياً على دمشق، وخرج بنفسه لتوديعه إلى خارج يثرب تعظيماً له، وإشادة بمكانة أسرته، ولم يفعل مثل ذلك مع بقية عماله وولاته كما يقول المؤرّخون.
ولمّا هلك يزيد أسندت ولاية دمشق إلى أخيه معاوية، وكان أثيراً عند عمر تتوافد عليه الأخبار بأنّه يشذّ في سلوكه، وينحرف في تصرفاته عن سنن الشرع وأحكام الإسلام، فقد أخبروه بأنه يلبس الحرير والديباج، ويأكل في أواني الذهب والفضة، وكلّ ذلك محرّم فى الإسلام، فيقول معتذراً عنه، ومسدداً له : «ذاك كسرى العرب»، ومتى كان ابن هند الصعلوك النذل كسرى العرب ! !
» ولو فرضنا أنّه كان كذلك، فهل يباح له في شريعة اللّه أن يقترف الحرام ولا يُحاسب عليه، إنّ اللّه تعالى ليست بينه وبين أحد نسب ولا قرابة، فكل من شدّ عن سنّته، وخالف أحكامه فإنّه يعاقبه على ذلك. يقول الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ): «لَوْ عَصَيْتُ لَهَوَيْتُ».
ويقول الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «خُلِقَتِ الْجَنَّةُ لِمَنْ أَطاعَ اللّه، وَلَوْ كانَ عَبْداً حَبَشِياً، وَخُلِقَتِ النَّارُ لِمَنْ عَصاهُ وَلَوْ كانَ حُرّاً فَرَشِيَاً، وَقَالَ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ): ائتوني بِأَعْمَالِكُمْ لَا بِأَنْسابِكُمْ» (1).
وعلى أي حال، فإنّ عمر قد أغدق ألطافه ونعمه على معاوية، وزاد في رقعة سلطانه، ونفخ فيه روح الطموح، وقد ظل يعمل في ولايته على الشام عمل من يريد الملك والسلطان، فكان يقرّب الوجوه والزعماء، ويغدق عليهم الهبات
1) روضات الجنّات : 3 : 29.
والأموال، ويشتري الذمم والعواطف، ويركز ولاءه في قلوب الغوغاء.
ومهّدت عائشة في ثورتها على حكم الإمام الطريق لمعاوية لإعلانه العصيان المسلّح على حكومة الإمام التي هي أشرف حكومة ظهرت في الشرق العربي على امتداد التاريخ، وقد تذرّع بها معاوية الذئب الجاهلي لحرب الإمام، واتخذ من دم عثمان وسيلة لإغراء الغوغاء، واتهم الإمام بأنه المسؤول عن المطالبة بدمه، وفي نفس الوقت أوعز إلى أجهزة الإعلام أن تندب عثمان وتظهر براءته ممّا اقترفه في تصرّفاته الاقتصاديّة والسياسيّة التي تتجافى مع أحكام الإسلام.
وتسلّح معاوية بكبار الدبلوماسيين، ومهرة السياسة في العالم العربي، أمثال المغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص، وأمثالهما ممّن كانت لهم الدراية الوثيقة في أحوال المجتمع، فكانوا يضعون له المخططات الرهيبة للتغلب على الأحداث.
ورفض معاوية رسميّاً بيعة الإمام، وأعلن عليه الحرب، وهو يعلم أنه إنما يحارب أخا رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، ووصيه، وباب مدينة علمه، ومَن كان منه بمنزلة هارون من موسى، لقد أعلن عليه الحرب كما أعلن أبوه أبو سفيان الحرب على رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ).
وتشكل الجيش الذي زحف به معاوية لمحاربة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من العناصر التالية :
أمّا الغوغاء فهم جهلة الشعوب، وهم كالأنعام، بل هم أضل سبيلاً، وتستخدمهم السلطة في كلّ زمان لنيل أهدافها، ولتبني عروشها على جماجمهم، وكانت الأكثرية الساحقة من جيش معاوية من هؤلاء الغوغاء المغرر بهم الذين لا يميّزون بين الحقّ والباطل، والذين تلوّنهم الدعاية كيفما شاءت، وقد جعلهم معاوية جسراً فعبر
عليهم لنيل مقاصده الشريرة.
أمّا المنافقون فهم الذين أظهروا الإسلام في ألسنتهم، وأضمروا الكفر والعداء له في ضمائرهم وقلوبهم، وكانوا يبغون له الغوائل، ويكيدون له في وضح النهار وفي غلس الليل، وقد ابتلي بهم الإسلام أشدّ ما يكون البلاء، وامتحن بهم المسلمون أشدّ ما يكون الامتحان، لأنّهم مصدر الخطر عليهم، وقد ضمّ جيش معاوية رؤوس المنافقين وضروسهم، أمثال المغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص، ومروان بن الحكم، وغيرهم من الزمرة الباغية الذين وجدوا الفرصة لهم مواتية لضرب الإسلام وقلع جذوره، وقد تسلّحوا بمعاوية بن أبي سفيان العدو الأول للإسلام فناصروه وساروا في جيشه لمحاربة أخي رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) ووصيّه، والمنافح الأوّل عن الإسلام.
إن جميع من حارب رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) من المنافقين قد انضموا إلى معاوية وصاروا من حزبه وأعوانه في محاربة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ونعني بهم الجماعة التي فقدت امتيازاتها ومنافعها اللّامشروعة في ظلّ حكم الإمام رائد العدالة الاجتماعيّة في الأرض، وفي طليعة هؤلاء، العمال والولاة، وسائر الموظفين في حكومة عثمان، فقد فقدوا منافعهم وخافوا على مصادرة ما عندهم من الأموال التي اختلسوها من الشعب أيّام عثمان، كما تم عزلهم عن مناصبهم فور تقلّد الإمام للحكم.
هذه بعض العناصر التي تشكّل منها جيش معاوية، وقد زحف بهم إلى محاربة قائد الإسلام، ورائد العدالة الإنسانيّة.
واتّجهت جيوش معاوية صوب العراق، فعسكرت في منطقة صفّين، واختارتها مركزاً للحرب، وأوعزت القيادة العامّة إلى قطعات الجيش باحتلال الفرات، ووضع المفارز على حوض الفرات لمنع جيش الإمام من الشرب ليموتوا عطشاً، وقد اعتبر معاوية ذلك أوّل النصر والفتح، ونمّ ذلك عن خبث طبيعته، ولؤم عنصره، فإنّ لكلّ إنسان، بل ولكلّ حيوان، حقاً طبيعياً في الماء عند كافة الأمم والشعوب، ولكنّ معاوية وبني أميّة قد تخلّوا عن جميع الأعراف، فاستعملوا منع الماء كسلاح في معاركهم، فقد منعوا الماء يوم الطفّ عن ريحانة رسول اللّه له وأهل بيته حتّى أشرفوا على الموت من شدّة الظمأ.
ولما علم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بزحف معاوية لحربه اتجه بجيوشه نحو صفّين، فلما انتهوا إليها وجدوا حوض الفرات قد احتل من قبل معسكر معاوية، ومنعوهم من تناول قطرة من الماء، وألح العطش بجيش الإمام فانبرت إليه قادة جيشه، وطلبوا منه الإذن في مقارعة القوم، فرغب الإمام قبل أن يبدأهم بالحرب أن يطلبوا منهم السماح في تناول الماء، إذ ليس لهم من سبيل أن يتخذوه وسيلة لكسب المعركة، لأنّ الماء مباح لكلّ إنسان وحيوان عند جميع الشرائع والأديان، وعرض عليهم أصحاب الإمام ذلك، إلّا أنّهم أبوا وأصروا على غيّهم وعدوانهم، فاضطر الإمام بعد ذلك إلى أن يسمح لقواته المسلّحة بفتح نار الحرب عليهم، فحملوا عليهم حملة واحدة، ففروا منهزمين شر هزيمة، وتركوا مواقعهم فاحتلتها جيوش الإمام، وأصبح نهر الفرات بأيديهم، وانطلق فريق من قادة الجيش نحو الإمام فطلبوا منه أن یسمح لهم في منع الماء عن أصحاب معاوية كما منعوهم عنه.
فأبى الإمام أن يقابلهم بالمثل، فأباح لهم الماء كما هو مباح للجميع في شريعة اللّه، ولم يشكر الأمويّون الأوغاد هذه اليد البيضاء التي أسداها عليهم الإمام،
فقد قابلوه بالعكس، فمنعوا الماء عن أبنائه في كربلاء حتّى صرعهم الظمأ وأذاب العطش قلوبهم.
وكره الإمام أشدّ الكره الحرب وإراقة الدماء، فدعا إلى السلم والوئام، فقد أرسل عدة وفود إلى ابن هند يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون، وأن يجنبهم من الحرب، فأبى ولم يستجب لهذه الدعوة الكريمة، وأصرّ على الغي والعدوان، وتذرّع كذباً بالمطالبة بدم عثمان الذي ما أريق إلا بسبب تصرفاته السياسيّة والإداريّة.
ولما فشلت جميع الجهود التي بذلها الإمام من أجل السلم وحقن الدماء اضطرّ إلى أن يفتح مع عدوّه باب الحرب، وقد خاض معه حرباً مدمرة سقط فيها عشرات الآلاف من القتلى، فضلاً عن المعوّقين من كلا الجانبين، واستمرّت الحرب أكثر من سنتين كانت تشتد حيناً، وتفتر حيناً آخر، وفي المرحلة الأخيرة من الحرب كاد الإمام أن يكسب المعركة وتحسم لصالحه، فقد بان الانكسار في جيش معاوية، وتقللت جميع قواعد عسكره، وعزم معاوية على الهزيمة لولا أن تذكر قول ابن الاطنابة :
أَبَتْ لِي عِفْتِي وَحَياهُ نَفْسي***وإقدامي على البطل المُشيح
وإعطائي عَلى المَكْروه مالي***وَأَخْذي الحَمدَ بِالنَّمَنِ الرَّبِيحِ
وقولي كُلما جَشَأَتْ وَجاشَتْ***مَكانَكِ تُحمَدِي أَوْ تَسْتَريحي (1)
1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 17. الكامل في التاريخ : 1 : 668.
فردّه هذا الشعر إلى الصبر والثبات، كما كان يتحدّث بذلك أيّام العافية، وفيما أحسب أن هذا الشعر ليس هو الذي ردّه إلى الثبات وعدم الهزيمة، إذ ليس لابن هند أيّة عفّة أو حياء نفس، ولا غير ذلك ممّا حوته هذه الأبيات، وإنما ردّه إلى الصبر هو ما دبّره من المكيدة والخديعة التي مزقت الجيش العراقي، وهو ما سنتحدّث عنه.
وأن النصر المحتم لجيش الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد أشرف على الفتح، ولم يبق إلّا مقدار حلبة شاة من الوقت حتّى يؤسر معاوية أو يقتل، كما أعلن ذلك قائد القوات المسلّحة في جيش الإمام الزعيم مالك الأشتر، ومن المؤسف جداً أنّه تلك في اللحظات الحاسمة مُني الإمام بانقلاب عسكري في جيشه، فقد رفع عسكر معاوية المصاحف على أطراف الرماح، وهم ينادون بالدعوة إلى تحكيم القرآن، وإنهاء الحرب حقناً لدماء المسلمين، واستجابت قطعات من جيش الإمام لهذا النداء الذي يحمل التدمير الشامل لحكومة الإمام وأقول دولة القرآن.
يا للعجب ! لقد نادى جيش معاوية بالرجوع إلى تحكيم القرآن، ومعاوية وأبوه هما في طليعة من حارب القرآن.
أصحيح أنّ ابن هند يؤمن بالقرآن، ويحرص على دماء المسلمين، وهو الذي أراق أنهاراً من دمائهم إرضاء لجاهليته، وانتقاماً من الإسلام.
وكان أوّل من استجاب لهذا النداء المزيف العميل الأموي الأشعث بن قيس، فقد جاء يشتد كالكلب نحو الإمام، وقد رفع صوته ليسمعه الجيش قائلاً: «ما أرى الناس إلا قد رضوا، وسرّهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن، فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد».
وامتنع الإمام من إجابة هذا العميل المنافق الذي طعن الإسلام في صميمه،
والتفّ حول الأشعث جماعة من الخونة فأحاطوا بالإمام، وهم ينادون : أجب الأشعث، ولم يجد الإمام بُداً من إجابته، فانطلق الخائن صوب معاوية، فقال له : لأيّ شيء رفعتم هذه المصاحف ؟
فأجابه معاوية مخادعاً : لنرجع نحن وأنتم إلى أمر اللّه عز وجل في كتابه تبعثون منكم رجلاً ترضون به، ونبعث منا رجلاً، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب اللّه لا يعدوانه، ثمّ نتّبع ما اتفقنا عليه.
ورفع الأشعث عقيرته قائلاً: هذا هو الحقّ.
وخرج الأشعث من معاوية وهو ينادي بضرورة إيقاف الحرب، والرجوع إلى کتاب اللّه العظيم، ومن المؤكد أنّ هذه الحركة الانقلابية التي تزعمها هذا المنافق العميل لم تكن وليدة رفع المصاحف، وإنما كانت قبل زمن ليس بالقليل، فقد كانت هناك اتصالات سريّة بين الأشعث وبين معاوية ووزيره والفكر المدبّر لخدعه وأباطيله عمرو بن العاص، وممّا يدلّ على ذلك أنّه لم تكن هناك رقابة ولا مباحث في جيش الإمام على من يتصل بمعسكر معاوية، فقد كان الطريق مفتوحاً، وجرت اتصالات مكثفة بين معاوية والأشعث وغيره من قادة الجيش العراقي، وقدّم لهم معاوية الرشوات، ومناهم بالمراتب العالية، وبالمزيد من الأموال إن استجابوا لدعوته.
وعلى أي حال، فقد أرغم الإمام على قبول التحكيم، فقد أحاطت به قطعات من جيشه، وقد شهرت عليه السيوف والرماح وهي تنادي : «لا حكم إلّا للّه»، واتخذوا هذا النداء شعاراً لتمرّدهم، ووقوفهم ضدّ الإمام، وسرعان ما أصبحوا حركة ثورية، ومصدر قلق مثير للفتن والاضطراب.
وعلى أي حال، فقد جهد الإمام بنفسه ورسله على إقناعهم وإرجاعهم إلى طريق الحقّ والصواب، فلم يتمكن، ورأى أنهم جادون في مناجزته والإطاحة
بحكومته، فاستجاب لهم، وأوعز إلى قائد قواته العسكرية الزعيم مالك الأشتر بالانسحاب عن ساحة الحرب، وإيقاف العمليات العسكريّة، وكان قد أشرف على الفتح، فلم يبق بينه وبين الاستيلاء على معاوية سوى مقدار حلبة شاة، ورفض مالك الاستجابة وأصرّ على مزاولة الحرب، إلّا أنّه أخبر بأنّ الإمام في خطر، وأنّ المتمردين قد أحاطوا به، فاضطر إلى إيقاف الحرب، وبذلك فقد تم ما أراده معاوية من الإطاحة بحكومة الإمام، وكتب له في تلك اللحظات النصر على الإمام، وقد انتصرت معه الوثنيّة القرشيّة، كما يقول بعض الكتاب والمحدثين.
وتوالت المحن والأزمات على الإمام يتبع بعضها بعضاً، وانكشفت خفايا هؤلاء العملاء المتمردين، فقد أصروا على انتخاب أبي موسى الأشعري ليكون ممثلاً عن العراق، والأشعري خبيث دنس، كان حقوداً على الإمام، ومن ألد أعدائه و خصومه، وفي نفس الوقت لم يملك وعياً ولا فهماً للأحداث، وكان بليداً ومنافقاً، واتخذه المنافقون والمتمرّدون في جيش الإمام جسراً فعبروا عليه لنيل مقاصدهم الخبيثة لعزل الإمام عن الحكم، وتثبيت معاوية في مركزه.
ولم يستطع الإمام إيقاف هذا المد التآمري في جيشه، فقد أصبح قادة جيشه يتلقون الأوامر والتوجيهات من قبل معاوية ووزيره ابن العاص، وصار الإمام بمعزل تام عن الحياة السياسيّة، فقد أصبح يأمر جيشه فلا يطيع، ويدعوه فلا يستجيب له، وصارت دفة الحكم كلّها بيد معاوية.
لقد حكم الأشعري بعزل الإمام، وحكم ابن العاص بإبقاء معاوية، وبذلك فقد انتهت مهزلة التحكيم إلى عزل الإمام عن منصب الحكم، وتقليده لمعاوية، وانطوت بذلك أقدس حكومة إسلامية ظهرت في الشرق كان يرجى منها أن تقوم ببسط العدل السياسي والاجتماعي بين الناس، فلم تدعها هذه الوحوش الكاسرة
من ذئاب الأمويّين، وسائر القبائل القرشيّة من تحقيق أهدافها ومثلها العليا.
لقد شاهد أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو في دور الشباب فصول هذه المأساة الكبرى فكوت قلبه، وهزّت عواطفه، فقد جرت لأهل بيته المصائب، وأخلدت لهم المحن والخطوب.
ومن بين المحن الشاقّة التي امتحن بها الإمام امتحاناً عسيراً هي ثورة الخوارج فقد كان معظمهم من بهائم البشر، فقد امتطاهم معاوية، وجعلهم جسراً لنيل أطماعه وأهدافه من حيث لا يشعرون، فهم الذي أرغموا الإمام على قبول التحكيم، وإيقاف عمليات الحرب، وهم الذين أصروا على انتخاب المنافق أبي موسى الأشعري، ولما عقد التحكيم وأعلن أبو موسى عزل الإمام عن منصبه، وأعلن ابن العاص إقامة سيّده معاوية في مركزه أسفوا على ما فرطوا في أمر المجتمع الإسلامي، واستبانت لهم المكيدة التي دبّرها ابن العاص في رفع المصاحف، وعابوا على الإمام وكفّروه لاستجابته لهم، وفي الحقيقة هم الذين يتحملون جميع المسؤوليّات الناجمة عن ذلك.
ولما نزح جيش الإمام من صفّين إلى الكوفة لم يدخلوا معه إليها، وإنّما انحازوا إلى حروراء فنسبوا إليها، وكان عددهم فيما يقول المؤرّخون اثنى عشر ألفاً، وأذن مؤذنهم أنّ أمير القتال المنافق شبث بن ربعي الذي كان من قادة الجيش الذي حارب ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
كما نصبوا عبداللّه بن الكواء إماماً للصلاة، وجعلوا الأمر شورى بعد الفتح والبيعة للّه عزّ وجلّ، وجعلوا من أهم الأحكام التي يقاتلون من أجلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا شعارهم : «لا حكم إلّا للّه»، ولكنّهم سرعان ما تنكروا لهذا الشعار، فجعلوا الحكم للسيف وذلك بما أراقوه من دماء الأبرياء،
وما نشروه من الذعر والخوف بين المسلمين.
وبعث الإمام إليهم بعض رسله يعذلهم عن فكرتهم، ويرشدهم إلى طريق الحقّ والصواب، فلم يجد ذلك معهم شيئاً، فانطلق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنفسه إليهم، ومعه أعلام أصحابه، فجعل يناظرهم ويقيم الأدلّة الوثيقة على فساد رأيهم، وضلالة قصدهم، فاستجاب له قوم، وأبى قوم آخرون، وجعل الأمر يمعن في الفساد بين الإمام وبينهم، وأخذوا ينشرون الارهاب، وأعمال التخريب، ويعيثون في الأرض فساداً، وقد رحلوا عن الكوفة، وعسكروا في النهروان، واجتاز عليهم الصحابي الجليل عبد اللّه بن خبّاب بن الأرت، وهو من أعلام أصحاب الإمام، فدارت بينه وبينهم أحاديث، فعمدوا إليه فقتلوه، وقتلوا معه السيّدة زوجته، ولم يقف شرّهم عند هذا الحدّ، وإنّما أخذوا يذيعون الذعر والخوف بين المسلمين.
وبعث الإمام إليهم الحارث بن مرّة العبدي ليسألهم عمّا أحدثوه من الفساد، فلما انتهى إليهم أجهزوا عليه وقتلوه، ورأى الإمام بعد هذا أنّهم يشكلون خطراً كبيراً على دولته، وأنهم مصدر فتنة وتخريب بين المسلمين، وأن الواجب يقضي بحربهم، فزحف إليهم بجيشه، ودارت بينه وبينهم معركة رهيبة، فقتلوا عن آخرهم ولم يفلت منهم إلّا تسعة (1).
وانتهت بذلك حرب النهروان، وقد شاهد أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الحرب ووقف على دوافعها التي كان منها كراهة هؤلاء القوم لعدل الإمام، وتفانيه في إقامة الحقّ بين الناس.
ومن الجدير بالذكر أنّ أبا الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يشترك في حرب النهروان ولا في
1) الملل والنحل / الشهرستاني : 1 : 159، وجاء فيه : أنّه انهزم منهم اثنان إلى عمان، واثنان إلى كرمان، واثنان إلى سجستان، واثنان إلى الجزيرة، وواحد إلى تل موزون، وأخذ هؤلاء يبثون فكرتهم في هذه المواضع حتّى ظهرت فيها بدعة الخوارج.
حرب صفّين، فقد منعه الإمام، كما منع بعض أبنائه، وأعلام أصحابه من الدخول في الحرب ضنّاً بهم على الموت، ومما يدل على ذلك أن الذين كتبوا عن واقعة صفين والنهروان لم يذكروا أي دور لسيّدنا العبّاس فيهما.
وأعقبت حرب الجمل وصفين أسوأ الأحداث وأقساها وأشقها محنة على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن بينها :
1 - التمرّد الكامل في جيش الإمام، فقد أصبحت جميع قطعاته غير مطيعة الأوامر الإمام.
لقد شاعت الهزيمة النفسيّة في جيش الإمام، وفقدت قطعاته الروح المعنوية، وتخاذلت تخاذلاً مطلقاً أمام الأحداث التي مُني بها.
2 - عمد معاوية بعد معركة صفّين إلى تعزيز جيشه وتماسكه، وقد بثّ فيه روح العزم والإخلاص، وقد وثق بالنصر والفتح والتغلب على جيش الإمام.
3 - تعرّضت البلاد الإسلاميّة الخاضعة لحكم الإمام لحملات إرهابية عنيفة كانت تشنّها العصابات المجرمة التي يبعثها معاوية لإشاعة الخوف والذعر فيها، وقد تعرّضت المناطق القريبة من عاصمة الإمام لهجمات الارهابيين من كلاب معاوية، والإمام لم يتمكن من حمايتها وحفظ الأمن والاستقرار فيها، فكان يدعو بحرارة جأشه للذب عن حياض الوطن، وحمايته من الاعتداء فلم يستجب له أحد منهم.
4 - احتلت جيوش معاوية مصر احتلالاً عسكريّاً، وبذلك خرجت عن حكم الإمام، وقد أصيبت حكومة الإمام بنكسة كبيرة، ولم تعد بعد هذه الأحداث إلا شكلاً خاوياً في ميدان الحكم.
بقي الإمام الممتحن في أرياض الكوفة قد أحاطت به المحن والأزمات يتبع بعضها بعضاً، يرى باطل معاوية قد استحكم، وشرّه قد استفحل، وهو لا يتمكن أن يقوم بأي عمل لتغيير الأوضاع الاجتماعيّة المتدهورة المنذرة بأفول دولة الحقّ، وإقامة حكومة الظلم والجور.
لقد استوعبت المحن الشاقة التي أحاطت بالإمام نفسه الشريفة، فراح يدعو اللّه، ويتوسل إليه بحرارة أن ينقله إلى جواره، ويريحه من هذا العالم المليء بالفتن والأباطيل، واستجاب اللّه دعاء الإمام، فقد عقدت عصابة مجرمة من الخوارج مؤتمراً في مكّة، وأخذوا يذكرون بمزيد من الأسى والحزن قتلاهم الذين حصدت رؤوسهم سيوف الحقّ في النهروان، وعرضوا ما مني به العالم الإسلامي من الفتن والانشقاق، وألقوا تبعة ذلك حسب زعمهم على الإمام أمير المؤمنين ومعاوية وعمرو بن العاص، فقرّروا القيام باغتيالهم، وعيّنوا لذلك وقتاً خاصّاً.
ومن الجدير بالذكر أنّ مؤتمرهم كان بمرأى ومسمع من السلطة المحلية بمكّة، وأكبر الظنّ أنّها كانت على اتصال معهم، وأنّ القوى المنحرفة عن الإمام قد أمدت ابن ملجم بالمال ليقوم باغتيال الإمام.
وعلى أي حال، فقد قفل ابن ملجم راجعاً إلى الكوفة وهو يحمل شرّ أهل الأرض، ويحمل الكوارث المدمرة للمسلمين، وفور وصوله إلى الكوفة اتصل بعميل الأمويّين المنافق الأشعث بن قيس، وأخبره بمهمّته، فشجّعه على اقتراف الجريمة، وأبدى له تقديم جميع ألوان المساعدات لتنفيذها.
وفي ليلة التاسع عشر من رمضان شهر اللّه المبارك اتجه زعيم الموحّدين وسيّد المتّقين نحو مسجد الكوفة ليؤدّي صلاة الصبح، فأقبل نحو اللّه فشرع في صلاته، ولما رفع رأسه من السجود علاه ابن اليهودية بالسيف، فشقّ رأسه الشريف الذي كان
كنزاً من كنوز العلم والحكمة والإيمان، والذي ما فكر إلا بتوزيع خيرات اللّه على البؤساء والمحرومين، وإشاعة الحقّ والعدل بين الناس.
ولما أحسّ الإمام بلذع السيف علت على شفتيه ابتسامة الرضا والظفر، وراح يقول : «فزت وربّ الكعبة».
لقد فزت يا إمام المصلحين، فقد وهبت حياتك اللّه، وجاهدت في سبيله جهاد المنيبين والمخلصين.
لقد فزت يا إمام المتّقين لأنك في طيلة حياتك لم توارب ولم تخادع ولم تداهن ومضيت على بصيرة من أمرك مقتدياً بسيّد المرسلين ابن عمّك صلى اللّه عليه وعليك، فكان ذلك حقاً هو الفوز العظيم
لقد فزت أيها الإمام الحكيم لأنك خبرت الدنيا، وعرفتها دار فناء وزوال فطلّقتها ثلاثاً، وأعرضت عن زينتها ومباهجها، واتجهت صوب اللّه فعملت كلّ ما يرضيه، وما يقرّبك إليه زلفى.
وحمل الإمام إلى منزله، وقد فاضت عيون الناس بالدموع، وتقطعت النفوس ألماً وحزناً، وكان الإمام هادئ النفس، قرير العين، قد تعلّق قلبه باللّه، وهام في مناجاته، وقد سأله مرافقة الأنبياء والأوصياء، وأخذ يلقي نظراته على أولاده، وخصّ ولده أبا الفضل بالعطف والحنان، واستشف من وراء الغيب أنّه ممّن يرفع راية القرآن، ويقوم بنصرة أخيه ريحانة رسول اللّه المنافح الأوّل عن رسالة الإسلام.
ولما شعر الإمام العظيم بدنو أجله المحتوم أخذ يوصي أولاده بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وأمرهم أن يجسدوا الإسلام في سلوكهم واتجاهاتهم، وفيما يلي بعض بنود وصيّته :
1 - التحلّي بتقوى اللّه التي هي الأساس في بناء الشخصية الإسلاميّة على أساس متكامل من الوعي والازدهار.
2 - الالتزام بالحق قولاً وعملاً، وبه تصان الحقوق وتسود العدالة الاجتماعيّة بين الناس.
3 - مناجزة الظالم والوقوف في وجهه، ومناصرة المظلوم ومساعدته، وفي ذلك إقامة للعدل الذي هو من أهم الأهداف الأصلية التي ينشدها الإسلام.
4 - السعي في إصلاح ذات البين، وإزالة البغضاء والكراهية بين المتخاصمين، وهو من أفضل الأعمال وأهمها في الإسلام، لأنّ فيه إقامة لمجتمع متطوّر قائم على المحبة والمودّة.
5 - مراعاة الأيتام، والقيام بصلتهم، ورفع الحاجة عنهم، وهذا من جملة بنود التكافل الإسلامي الذي هو من أبدع ما شرعه الإسلام في نظامه الاقتصادي.
6 - الإحسان إلى الجيران، والاغداق عليهم بالبر والمعروف لأن فيه إشاعة للمحبة بين المسلمين، كما أنّه في نفس الوقت من أهم الوسائل في تماسك المجتمع الإسلامي ووحدته.
7 - العمل بما في القرآن الكريم من أحكام وسنن وآداب، فإنه خير ضمان لصيانة سلوك الإنسان المسلم وتهذيبه، ورفع مستواه.
8 - إقامة الصلاة في أوقاتها وأدائها على أحسن وجه فإنّها عمود الدين ومعراج المؤمن، وهي ترفع الإنسان إلى مستوى عظيم، إذ تشرّفه بالاتصال بخالق الكون وواهب الحياة.
9 - إحياء المساجد بذكر اللّه من العبادة والعلم، وتعتبر المساجد من أهم المراكز في إشاعة الآداب والفضائل بين المسلمين.
10 - الجهاد في سبيل اللّه بالأنفس والأموال لإقامة معالم الدين وإحياء السنة
وإماتة البدعة.
11 - إشاعة المحبة والمودّة بين المسلمين، وذلك بالتواصل والتوادد، وترك التدابر والتقاطع، وغير ذلك ممّا يؤدّي إلى فصم عرى الوحدة بينهم.
12 - إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنه ممّا يؤدّي إلى إقامة مجتمع سليم تسوده العدالة، أما ترك ذلك فإنّ له من المضاعفات السيئة التي توجب ارتطام المجتمع بالفتن والبلاء، كتولية الفساق والأشرار لشؤونه، وعدم استجابة الدعاء من أفراده.
هذه بعض الوصايا الخالدة التي أدلى بها الإمام العظيم، وهو على فراش الموت (1).
وسرى السمّ في جميع أجزاء بدن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من جراء الضربة الغادرة التي عممه فيها ابن اليهوديّة عبد الرحمن بن ملجم، وأخذ الموت يدنو إليه سريعاً سريعاً، وقد استقبل إمام المتّقين الموت بثغر باسم، ونفس آمنة مطمئنة متعطشة إلى لقاء اللّه راضية بقضائه وقدره، وكان لا يفتر لحظة واحدة عن ذكر اللّه، وقراءة كتابه، وقد حفّ به أبناؤه وهم يذرفون أحر الدموع، قد مزق المصاب قلوبهم، وقد استقبل القبلة حامداً للّه حتّى ارتفعت روحه العظيمة إلى بارئها تحفّها ملائكة الرحمن، وأرواح الأنبياء والأوصياء، وقد ازدهرت به جنان الخلد.
لقد توفّي عملاق الفكر الإنساني، ورائد العدالة الاجتماعيّة في الأرض، لقد عاش هذا الإمام العظيم غريباً في مجتمع لم يعرف مكانته، ولم يع قيمه وأهدافه التي كان منها أن ينفي البؤس والشقاء من الأرض، وينفي الحاجة والحرمان عن
1) يلاحظ نهج البلاغة، فقد حفل بهذه الوصايا القيمة.
بني الإنسان فيوزع عليهم خيرات اللّه، فثارت في وجهه العصابة المجرمة من الرأسماليّة القرشيّة، وأوغاد الأمويّين الذين اتخذوا مال اللّه دولاً، وعباد اللّه خولاً، وقد صمد الإمام في وجوههم، ولم ينثن عن عزمه الجبّار حتّى استشهد مناضلاً عن قيمه وأهدافه.
وانبرى الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومعه السادة الكرام من إخوانه، ومن بينهم أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، إلى تجهيز الجثمان العظيم، فغسلوا الجسد الطاهر، ثمّ أدرجوه في أكفانه، وهم : يذرفون أحر الدموع، وبعد ذلك حملوه إلى مقره الأخير، فدفنوه في مرقده المطهر في النجف الأشرف، وقد أعزه اللّه ورفع شأنه فجعله كعبة للوافدين، ولم يحظ مرقد من مراقد أولياء اللّه كما حظي مرقده الشريف، فقد أحيط بهالة من التعظيم والتقديس عند كافة المسلمين.
لقد شاهد سيّدنا أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) الان خلافة أبيه، وما رافقها من الأحداث الجسام، وما قاساه أبوه من المصاعب والمشاكل في سبيل تطبيق العدالة الاجتماعيّة على واقع الحياة العامّة بين المسلمين، وقد تنكرت له وحاربته القوى الباغية على الإسلام، والحاقدة على الاصلاح الاجتماعي.
لقد وعى العبّاس الأهداف المشرقة التي كان ينشدها أبوه، فآمن بها، وجاهد في سبيلها، وقد انطلق مع أخيه سيّد الشهداء إلى ساحات الشرف والجهاد من أجل أن يعيدا للمسلمين سيرة أبيهما الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومنهجه المشرق في عالم السياسة والحكم.
وتسلّم الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قيادة الدولة الإسلاميّة بعد وفاة أبيه، وكانت الأوضاع
السياسيّة والاجتماعيّة كلّها في غير صالحه، فالأكثرية الساحقة من الرؤساء والقادة العسكريين كانت اتجاهاتهم وميولهم سراً وعلانية مع معاوية، فقد غزاهم بذهبه، واسترقهم بأمواله.
كما انتشرت بين كتائب جيشه فكرة الخوارج التي كانت سوسة تنخر في معسكره، وتعلن عدم شرعيّة خلافته، وخلافة أبيه من قبل، ومن ثم كان إقبال الجماهير على مبايعته فاتراً جداً، وكذلك لم تندفع القوات المسلحة بحماس إلى بيعته، وإنما كانت مرغمة على ذلك، الأمر الذي أوجب تريب الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) منهم.
ويرى المراقبون للأوضاع السياسيّة في جيش الإمام أنّه قد ماج في الفتنة وارتطم في الشقاء، وأنّ خطره على الإمام كان أعظم من خطر معاوية، وأنّه لا يصلح بأيّ حال من الأحوال لأن يخوض الإمام به أي معركة في أي ميدان من ميادين الحرب.
وعلى أي حال، فإنّ الإمام قد تسلّم قيادة الدولة، وقد منيت بالانحلال والضعف، وشيوع الفتن والاضطراب فيها، وإن من العسير جداً السيطرة على الأوضاع الاجتماعيّة، وإخضاع البلاد إلى عسكره، اللّهمّ إلّا بسلوك أمرين :
الأوّل : إشاعة الأحكام العرفية في البلاد، ومصادرة الحريّات العامّة، ونشر الخوف والارهاب، وأخذ الناس بالظنّة والتهمة، وهذا ما يسلكه عشاق الملك والسلطان حينما يمنون بمثل هذه الأزمات في شعوبهم.
أما أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فإنهم لا يرون مشروعيّة هذه السياسة وإن أدّت إلى الانتصار، ويرون ضرورة توفير الحياة الحرّة الكريمة للشعب، وإقصاء الوسائل الملتوية عنه.
الثاني : تقديم الطبقة الرأسمالية وذوي النفوذ على فئات الشعب، ومنحهم الأموال والامتيازات الخاصة، والوظائف المهمّة ولو فعل ذلك الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
لاستقرت له الأمور، وما مُني بالتمرد والانحلال، إلا أنه ابتعد عن ذلك ابتعاداً مطلقاً لأنّه لا تبيحه شريعة اللّه.
لقد كان منهج الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) في سياسته واضحاً لا لبس فيه ولا غموض، وهو التمسّك بالحقّ، وعدم السلوك في المنعطفات، واجتناب الطرق الملتوية، وان أدّت إلى الظفر والنصر.
وبادر معاوية إلى إعلان الحرب على سبط رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) لأنّه على علم بما مني به جيش الإمام من الانحلال والخيانة، فأغلب قادة الفرق، وضباط الجيش، وسائر المراتب قد رشاهم معاوية بذهبه وأمواله، ومناهم بالوظائف العالية، كما كاتب بعضهم بأن يزوّجه إحدى بناته، فقد استعمل الرشوة معهم على نطاق واسع، وقد استجابوا له، وضمنوا له تسليم الإمام أسيراً متى شاء وأراد، أو اغتياله، وقد حفزته هذه العوامل لاستعجال الحرب وحسم الموقف لصالحه.
وزحف معاوية بجيوشه المتماسكة والمطيعة صوب العراق، ولما علم الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك جمع قواته وأعلمهم الأمر، ودعاهم إلى الجهاد وردّ العدوان، فوجموا وساد عليهم الذعر والخوف، فلم يجبه أحد منهم، فقد آثروا العافية، وسئموا من الحرب.
ولما رأى تخاذلهم الزعيم الكبير عديّ بن حاتم تميّز غيظاً وغضباً، واندفع بحماس بالغ نحوهم فجعل يؤنبهم على هذا التخاذل، وأعلن استجابته المطلقة لدعوة الإمام، ودعم موقفه كلّ من الزعيم الشريف قيس بن سعد بن عبادة، ومعقل بن قيس الرياحي، وزياد بن صعصعة التميمي، فأخذوا يلومونهم على هذا الموقف الذي ليس فيه شرف ولا إنصاف، ويبعثونهم إلى ساحات الجهاد.
وخرج الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) من فوره لمقابلة معاوية، وسار معه أخلاط من الناس،
حتّى انتهى إلى النخيلة فأقام فيها حتّى التحمت به فصائل من جيشه المتخاذل، ثم ارتحل حتّى انتهى إلى دير عبد الرحمن، فأقام به ثلاثة أيام، ثم واصل سيره لا يلوي على شيء.
وانتهى الإمام ومعه بعض الفرق من جيشه إلى المدائن، فأقام بها، وقد أحاطت به المصاعب والأزمات، فقد عانى من جيشه الممزق والخائن ألواناً شاقة وعسيرة من المحن والمشاكل، وابتلي بما لم يبتل به أحد من قادة المسلمين وخلفائهم، وكان من بين ما امتحن به :
وكان من أقسى ما ابتلي به الإمام في تلك المرحلة الحسّاسة خيانة اب-ن ع-م-ه عبیداللّه بن العبّاس القائد العام لقواته المسلّحة، فقد أرشاه معاوية بما يقارب المليون درهم، فولّى الخائن الجبان منهزماً تحت جنح الليل البهيم يصحب معه العار والخزي، فالتحق بمعسكر معاوية، ولما علم الجيش بذلك اضطرب اضطراباً هائلاً، وماج في الفتنة والشقاء، ودبّت روح الخيانة في جميع قطعات الجيش، كما خان جماعة من ذوي الرتب العليا في الجيش، فالتحقوا بمعسكر معاوية بعد أن أرشاهم بأمواله.
إن خيانة عبيد اللّه من أقسى الضربات التي حلت بجيش الإمام، فقد فتحت أبواب الخيانة على مصراعيها لذوي الضمائر القلقة لبيع ضمائرهم على معاوية، كما أدت إلى انهيار معنويات جيش الإمام، وفي نفس الوقت كانت من أقسى الصدمات التي واجهها الإمام في تلك الفترة العصيبة، فقد ألقت له الأضواء على نفوس أغلب قادة جيشه، وأنّهم مجموعة من الخونة الذين لا يملكون أي رصيد
ديني أو وطني.
ولم تقتصر محنة الإمام وبلواه من جيشه إلى هذا الحدّ، وإنما امتدت إلى ما هو أعظم من ذلك، فقد قام بعض عملاء الأمويّين وبهائم الخوارج بعدة عمليات لاغتيال الإمام، وقد فشلت جميعها، وهي :
رمي الإمام بسهم وهو في أثناء الصلاة، ولم يؤثر فيه شيئاً.
طعنه بخنجر في أثناء الصلاة
طعنه في فخذه.
وضاقت الدنيا على ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وطافت به المحن والأزمات، وأيقن أنه لا محالة إما أن يُغتال ويضيع دمه هدراً، أو يلقى عليه القبض ويبعث أسيراً إلى معاوية، وأجال النظر في هذه الأمور فأفزعته إلى حدّ بعيد.
وتمادى الخونة والعملاء في جيش الإمام في الجريمة والشرّ، فقد قابلوا الإمام بكلمات كانت أشدّ عليه من ضرب السيوف وطعن الرماح، فقد أقبل عليه الجرّاح ابن سنان يشتد كأنّه الكلب وهو رافع عقيرته قائلاً: لقد أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل.
ولم ينبر أحد من جيش الإمام إلى معاقبة هذا الأثيم، لقد انحرف هؤلاء الخونة عن الحقّ، ومالوا عن الطريق القويم، فقد حكموا على ابن بنت نبيهم وابن وصيه بالكفر والمروق من الدين، فأي ضلال مثل هذا الضلال ؟
وعمد أولئك الأجلاف إلى نهب أمتعة الإمام، فنزعوا منه بساطاً كان جالساً عليه، وسلبوا منه رداءه، ولم تكن هناك أية حماية للإمام من جيشه، فقد جرت هذه العملية بمرأى ومسمع منهم.
هذه بعض الأحداث المروّعة التي عاناها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المدائن، وهي تلزمه بالصلح والتخلّي عن ذلك المجتمع المصاب بأخلاقه وعقيدته.
أما صلح الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع معاوية، فقد كان ضرورياً حسب الأعراف السياسيّة، كما كان واجباً شرعيّاً ومسؤول عن تنفيذه أمام اللّه والأُمّة، فإنّه لو فتح باب الحرب بجيشه المنهزم نفسيّاً لتغلب عليه معاوية بأوّل حملة، ولما أمكنه أن يحقق أي نصر، وفي تلك الحالة لا يخلو أمره من إحدى حالتين : إما القتل أو الأسر، فإن قتل فلا تستفيد منه القضيّة الإسلاميّة لأنّ معاوية بما يملك من دبلوماسية مبطنة بالخداع والمكر والنفاق، سوف يلقي التبعة على الإمام في قتله، ويبرئ نفسه من أية مسؤولية، وأما إذا لم يُقتل الإمام، وحمل إلى معاوية أسيراً، فإنّه من دون شك سوف يعفو عنه، وبذلك يسجل له يداً بيضاء على الأسرة النبوية، ويمحو عنه وعن أسرته وصمة الطليق التي وصمهم بها النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ).
وعلى أي حال، فإنّ الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد اضطر إلى الصلح وأرغم عليه، ولم تكن هناك أية مندوحة للعدول عنه، وقد جرى الصلح حسب شروط ذكرناها بالتفصيل مع تحليلها في كتابنا (حياة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)).
وممّا لا شكّ فيه حسب المقاييس العلمية والسياسيّة أنّ الإمام أبا محمّد قد انتصر في هذا الصلح، فقد أبرز حقيقة معاوية الجاهلية، وقد ظهرت خفايا نفسه،
وما يكنّه من حقد وعداء للإسلام والمسلمين، فإنّه حينما استتب له الأمر عمد بشكل سافر إلى محاربة الإسلام والانتقام من أعلامه أمثال الصحابي العظيم حجر بن عدي، وأخلد بجرائمه للمسلمين المصاعب والكوارث، وألقاهم في شرّ عظيم، وسوف نتحدث عن ذلك في البحوث الآتية.
وبعدما انتهى الإمام أبو محمّد من الصلح غادر الكوفة التي غدرت به وبأبيه لتستقبل جور معاوية وظلمه، وكان معه أهل بيته واخوته، ومن بينهم أخوه وعضده أبو الفضل العبّاس، وأخذوا يجدون السير لا يلوون على شيء حتّى انتهوا إلى يثرب، وقد استقبلتهم بحفاوة بالغة البقية الباقية من الصحابة وأبنائهم، واستقرّ الإمام في يثرب، وقد التف حوله الفقهاء والعلماء، فأخذ يغذيهم بعلومه ومعارفه، ويغدق على البؤساء والمحرومين من فيض جوده وكرمه، وقد استعادت يثرب بوجوده ما فقدته من القيادة الروحية للمسلمين حينما غادرها وصيّ رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وعلى أي حال، فقد شاهد أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما جرى على أخيه الزكي أبو محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المحن الشاقة والعسيرة، ورأى غدر أهل الكوفة وخيانتهم له، ونكثهم لبيعتهم له، وقد عرفته هذه الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة حقيقة المجتمع، وأن الغالبية الساحقة منه ينسابون وراء مصالحهم وليس للقيم الدينية أي أثر في نفوسهم.
وبهذا نطوي الحديث عن بعض الأحداث المروّعة التي شاهدها أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وتسلّم معاوية قيادة الدولة الإسلاميّة بعد صلحه مع الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد تحققت آماله الشريرة في القضاء على الدولة العلويّة التي هي دولة المحرومين والمضطهدين، والتي كانت امتداداً ذاتياً لحكومة النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وتجسيداً حياً لأهدافه ومتطلباته الرامية لرفع مستوى الإنسان وتطوير حياته، وقد انهارت هذه القيم حينما سقطت الدولة الإسلاميّة صريعة بيده، فقد تبدّلت المبادئ والقيم والأخلاق التي ينشدها الإسلام إلى عكسها، وخرج العالم الإسلامي من عالم الدعة والرخاء والاستقرار إلى كابوس مرعب تحفّه المحن والكوارث، وتخيم عليه العبودية والذل.
لقد تنكّر معاوية لجميع القيم والأعراف، وساس المسلمين سياسة لم يألفوها من قبل، ويرى المراقبون السياسته أن انتصاره إنّما هو انتصار الوثنية بجميع مساوئها.
يقول السيّد مير علي الهندي : «ومع ارتقاء معاوية الخلافة في الشام عاد حكم الثوليغارشية الوثنية السابقة، فاحتل موقع ديمقراطيّة الإسلام، وانتعشت الوثنية بكل ما يرافقها من خلاعات، وكأنّها بعثت من جديد، كما وجدت الرذيلة والتبذل الخُلقي لنفسها متسعاً في كلّ مكان ارتادته رايات حكام الأمويّين من قادة جند الشام» (1).
لقد تعرّض المسلمون في ذلك العهد الأسود إلى أزمات شاقّة وعسيرة، وامتحنوا
1) روح الإسلام : 296.
أشدّ ما يكون الامتحان، ونعرض بإيجاز إلى بعض ما عانوه من الكوارث.
وعمد ابن هند إلى إبادة القوى الواعية في الإسلام، وتصفيتها جسدياً، فقد ساق كوكبة منهم إلى ساحات الإعدام، وفيما يلي بعضهم :
حجر بن عدي الكندي علم من أعلام الإسلام، وبطل من أبطال الجهاد، ومن أبرز طلائع المجد والفخر للأمة العربية والإسلاميّة، ومن النماذج المشرقة الذين تخرّجوا من مدرسة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ووعوا قيمه وأهدافه، وقد وهب هذا العملاق العظيم حياته اللّه، فثار في وجه الارهابي المجرم زياد بن أبيه حينما أعلن رسمياً سبّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مفجّر الفكر والنور في دنيا الإسلام، والمؤسّس الثاني في بناء العقيدة الإسلاميّة بعد ابن عمه وسيّده الرسول الأعظم (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ).
لقد استحلّ الطاغية المجرم زياد دم المجاهد الكبير حجر بن عدي حينما جابهه بالانكار على سبّه للإمام، فألقى عليه القبض، وبعثه مخفوراً مع كوكبة من أعلام المجاهدين في الإسلام إلى أخيه في الجريمة معاوية بن هند، فصدرت الأوامر منه بإعدامهم في (مرج عذراء) ونفّذ الجلّادون فيهم حكم الإعدام فخرت جثثهم الزواكي على الأرض وهي معطّرة بدم الشهادة والكرامة، تضيء للناس معالم الطريق نحو حياة حرّة كريمة لا سيادة فيها للظالمين والمستبدين.
ومن شهداء الإسلام الخالدين عمرو بن الحمق الخزاعي الصحابي الجليل
كان أثيراً عند النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وقد دعا له بأن يمتعه اللّه بشبابه، فاستجاب اللّه دعاءه، فقد أخذ عمر و بعنق الثمانين عاماً ولم ترَ في كريمته شعرة بيضاء (1).
وقد وعى عمر و القيم الإسلاميّة وآمن بها إيماناً عميقاً، وجاهد في سبيلها أعظم ما يكون الجهاد، ولما ولى الجلاد زياد بن أبيه على الكوفة من قبل أخيه اللاشرعي معاوية أوعز إلى مباحثه وجلاوزته بملاحقة عمرو ومطاردته لأنه من أعلام شيعة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفرّ عمر و مع زميله رفاعة بن شداد إلى الموصل، وقبل أن ينتهيا إليها كمنا في جبل ليستجمًا فيه، فشعرت بهما الشرطة المقيمة هناك، فارتابت منهما، فألقت القبض على عمرو وفرّ صاحبه، وجاءت الشرطة بعمرو مخفوراً إلى عبد الرحمن الثقفي حاكم الموصل، فرفع أمره إلى معاوية، فأمر بطعنه تسع طعنات بمشاقص (2)، فبادرت الجلاوزة إلى طعنه، فمات في الطعنة الأولى، واحتزّوا رأسه، فأمر أن يطاف به في دمشق، وهو أول رأس طيف به في الإسلام.
ثمّ أمر به ابن هند أن يحمل إلى زوجته السيّدة آمنة بنت الشريد، وكانت في سجنه، فلم تشعر إلا ورأس زوجها في حجرها فذعرت وكادت أن تموت، ثم حملت إلى معاوية، وجرت بينها وبينه محاورة شديدة دلّت على مسخ معاوية وتجرّده من جميع القيم الإنسانيّة، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في كتابنا (حياة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)).
رشيد الهجري علم من أعلام الإسلام، وقطب من أقطاب الإيمان، وقد أخلص أشدّ ما يكون الإخلاص إلى وصيّ رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) و باب مدينة علمه الإمام أمير
المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد اعتقلته جلاوزة ابن زیاد، وجاءت به مخفوراً إليه، فلمّا مثل عنده صاح به الباغي الأثيم : ما قال لك خليلك - يعني الإمام عليا - إنا فاعلون بك ؟
فأجابه بصدق وإيمان غير حافل به : تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني.
فأراد الخبيث الدنس أن يكذب الإمام، فقال : أما واللّه لأكذبن حديثه، خلوا سبيله.
فخلّت الجلاوزة سبيله، لكنّه لم يلبث إلا قليلاً حتّى ندم على ذلك، فأمر بإحضاره، فلما مثل عنده صاح به : لا نجد شيئاً أصلح ممّا قال صاحبك، إنك لا تزال تبغي لنا سوءاً إن بقيت، اقطعوا يديه ورجليه.
وبادرت الجلاوزة فقطعت يديه ورجليه، ولم يحفل هذا العملاق العظيم بما كان يعانيه من الآلام، وراح يذكر مساوئ بني أمية وجورهم، ويحفز الجماهير على الثورة عليهم، وأسرعت الجلاوزة إلى زياد فأخبروه بالأمر، فأمر بقطع لسانه، فقطع وتوفّي في الحال هذا المجاهد العظيم (1)الذي نافح عن عقيدته وولائه لأهل البيت حتّى النفس الأخير من حياته.
هؤلاء بعض أعلام الإسلام الذين صفاهم ابن هند جسدياً لأنّهم كانوا ينشرون القيم الإسلاميّة، ويذيعون بين الناس فضائل أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين هم مصدر الوعي والفكر في الإسلام.
ولما استتبّ الأمر إلى معاوية سخّر جميع أجهزة دولته ووسائل إعلامه لمناهضة أهل البيت الذين هم وديعة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) في أمته، والعصب الحسّاس في هذه
1) سفينة البحار : 1 : 522.
الأمّة، وقد استخدم هذا الذئب الجاهلي أخطر الوسائل في مناهضتهم، ومن بين ما قام به :
وأقام معاوية شبكة من عملائه لوضع الأخبار وافتعالها على لسان النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) للحطّ من شأن أهل بيته، والتقليل من أهميتهم، وقد عمد الوضاعون لافتعال الأخبار تارة في فضل الصحابة، لجعلهم قبال العترة الطاهرة، وقد عدّ الإمام الأعظم محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أكثر من مائة حديث افتعلت لهذا الغرض، كما افتعلوا طائفة من الأخبار في ذمّ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، كما وضعوا أحاديث أخرى في مدح الأمويّين، وخلق الفضائل لهم، وهم الذين ناجزوا الإسلام في جميع مراحل تاريخهم.
ولم تقتصر الشبكة التخريبية على ذلك، وإنّما عمدت لافتعال الأخبار فيما يتعلّق بأحكام الشريعة الإسلاميّة، ومن المؤسف جداً أنّها دونت في الصحاح والسنن، وجعلت جزءاً من الشريعة الإسلاميّة، ولم يلتفت المؤلفون إلى وضعها.
وقد تصدى بعض المحققين إلى تأليف بعض الكتب، ذكروا فيها بعض الأخبار الموضوعة، فقد ألّف المحقق السيوطي كتابه الشهير (اللئالي المصنوعة في الأخبار الموضوعة) ذكر فيه طائفة كبيرة من تلك الموضوعات.
وقد سجل المحقق الأميني في (الغدير) أرقاماً لبعض الأخبار الموضوعة بلغت زهاء نصف مليون حديث.
وعلى أي حال، فإنّ من أعظم ما مُني به الإسلام من الكوارث هي الأخبار الموضوعة التي شوّهت الواقع المشرق للإسلام، وألقت المسلمين في شرّ عظيم، فقد حجبتهم عن أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وما أثر عنهم من الأخبار الصحيحة التي هي من ذخائر الإسلام.
وأعلن معاوية رسمياً سبّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأوعز إلى ولاته وعماله أن يذيعوا ذلك بين المسلمين، واعتبره عنصراً أساسياً في بناء دولته، وإقامة حكومته، وأخذ الأذناب والعملاء ووعاظ السلاطين يصعدون سبّ الإمام وينتقصونه لا في نواديهم الخاصة والعامّة فحسب، وإنما في خطب صلاة الجمعة وسائر المناسبات الدينية، معتقدين أنّ ذلك ممّا يوجب القضاء على شخصية الإمام، واندثار ذكره، وقد خابت ظنونهم، وتبّت أيديهم.
فقد عادت اللعنات عليهم وعلى من ولاهم ومكنهم من رقاب المسلمين، فقد برز الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على مسرح التاريخ البشري كألمع قائد إنساني أسس معالم العدالة الاجتماعيّة، وأقام أركان الحقّ في الأرض.
لقد عاد الإمام في جميع الأعراف الدولية والسياسيّة أعظم حاكم ظهر في الشرق، وأوّل حاكم قد تبنّى حقوق المظلومين والمضطهدين، وأعلن حقوق الإنسان، وأمّا خصومه الحقراء فهم أقزام البشريّة، وأشرار خلق اللّه، فقد جنوا على الإنسانيّة جناية لا تعدلها أية جناية، فقد حجبوا هذا العملاق العظيم أن يقوم بدوره في بناء الحضارة الإنسانيّة، وتطوير الحياة العامّة في جميع مجالاتها السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة.
واستخدم معاوية معاهد التعليم وأجهزة الكتاتيب لتغذية النشء ببغض أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين هم المركز الحسّاس في الإسلام، وغدت هذه الأجهزة الناشئة المسلمة ببغض عترة النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وذريته، ولم يكن ذلك إلا إجراء مؤقتاً، فقد عكس اللّه إرادته، وخيب آماله، فها هو الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ملء فم الدنيا،
قد استوعب ذكره المعطر جميع لغات الأرض، وهو أنشودة الأحرار في كلّ زمان ومكان، والكوكب اللامع في سماء الشرق يهتدي بضوئه المصلحون، ويسير على منهجه المتقون، وها هو معاوية وبنو أمية قد صاروا جرثومة الفساد في الأرض ولا يذكرون إلا مع الخسران وسوء المصير.
لقد هزم معاوية في الميدان السياسي والاجتماعي، وأبرزت مخططاته السياسيّة المناهضة لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) واقعه السياسي الملوّث بالجرائم والآثام، واستبان للجميع أنه أحطّ حاكم ظهر في الشرق العربي والإسلامي.
وأشاع معاوية الظلم والجور في جميع أنحاء العالم الإسلامي أنحاء العالم الإسلامي، فقد سلّط على المسلمين ولاة إرهابيين، قد نزعت الرحمة من قلوبهم، فأسرفوا باقتراف الجرائم والإساءة إلى الناس، وكان من أشدّهم قسوة، وأكثرهم جرماً الارهابي زياد بن أبيه، فقد صبّ على العراق وابلاً من العذاب الأليم، فكان يسوق المتهمين إلى ساحات الموت والإعدام من دون إجراء أي تحقيق معهم.
فقد كان يحكم بالظنّة والتهمة، كما أعلن ذلك في بعض خطبه، ولم يتحرّج من سفك الدماء بغير حق، ولم يتأثَّم في نشر الرعب والخوف بين الناس، فكان كأخيه اللاشرعى معاوية قد انتهك جميع حرمات اللّه.
لقد عجّت البلاد الإسلاميّة من الظلم والجور، حتّى قال القائل : إن نجا سعد فقد هلك سعيد، وكان من أشدّ الناس بلاء وأعظمهم محنة شيعة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقد أمعنت السلطة في ظلمهم، والاعتداء عليهم، فزجت الكثير منهم في ظلمات السجون وزنزانات التعذيب، وسملت منهم الأعين، وأذاقتهم جميع صنوف التعذيب، لا لذنب اقترفوه وإنّما لولائهم لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
وقد شاهد أبو الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) الصور المفجعة من الاضطهاد والتنكيل التي حلت
بشيعة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ممّا زاده ذلك إيماناً بضرورة الجهاد، والقيام بثورة ضدّ السلطة الأموية، لإنقاذ الأمة من محنتها، وإعادة الحياة الإسلاميّة بين المسلمين.
واقترف معاوية أخطر جريمة في الإسلام، فقد منح الخلافة الإسلاميّة إلى ولده يزيد الذي كان فيما أجمع عليه المؤرّخون - مجرّداً من جميع القيم الإنسانيّة، وغارقاً في الآثام والجرائم، وكان جاهليّاً بما تحمل هذه الكلمة من معنى، فلم يؤمن باللّه ولا باليوم الآخر، كما أعلن ذلك فيما أثر عنه من شعر، فقد قال حينما أشرفت سبايا آل النبيّ له على دمشق :
لَسْتُ مِن خِندِفَ إِنْ لَمْ أَنتَقِمْ***مِنْ بَنِي أَحْمَدَ مَا كَانَ فَعَلْ(1)
هذا هو يزيد في إلحاده ومروقه من الدين، وقد سلطه معاوية على رقاب المسلمين، فأمعن في إعادة الحياة الجاهلية، وإزالة الإسلام فكراً وعقيدة من الصعيد الاجتماعي ، كما أخلد للمسلمين المحن والكوارث، وذلك بإبادته لعترة النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وسبيه لذراريه.
وأقدم معاوية على اغتيال الشخصيات الإسلاميّة التي لها مكانة مرموقة في العالم الإسلامي، والتي تحظى باحترام بالغ في نفوس المسلمين، حتّى لا يزاحم أحد منهم ولده يزيد، ولا تتجه إليهم الأنظار، وفعلاً قام باغتيال هؤلاء، وهم :
1) الفتوح : 5 : 129 مقاتل الطالبيّين : 119. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 2 : 59. البداية والنهاية : 8: 194، 206، 227 شذرات الذهب : 1 : 69.
أما سعد بن أبي وقاص فهو فاتح العراق، وأحد أعضاء الشورى الذين رشّحهم عمر إلى الخلافة الإسلاميّة، وقد ثقل وجوده على معاوية فدسّ إليه سمّاً فقتله (1).
أما عبدالرحمن بن خالد، فكان له رصيد شعبي في أوساط أهل الشام، وقد استشارهم معاوية فيمن يعقد له البيعة بعد وفاته، فأشاروا عليه بعبد الرحمن فأسرّها معاوية في نفسه، وأضمر له السوء، ومرض عبد الرحمن فأوعز معاوية إلى طبيب يهودي أن يعالجه ويسقيه سمّاً فسقاه السم، فمات على أثر ذلك (2)
فقال له : لا جزاك اللّه من زائر خيراً، قتلت طبيبي.
قال : قتلت المأمور وبقي الآمر.
.كان عبد الرحمن بن أبي بكر من أبرز العناصر المعارضة لمعاوية في أخذه البيعة ليزيد، وقد أعلن معارضته له، وأشيع ذلك في يثرب ودمشق، وقدم له معاوية رشوة لينال رضاه، وكانت مائة ألف درهم، فأبى أن يقبلها، وقال : لا أبيع ديني بدنياي، وتعز و بعض المصادر أن معاوية دسّ له سمّاً فقتله (3).
وأقضّ الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) مضجع ابن هند، وراح يطيل التفكير للتخلّص منه، لأنه قد شرط عليه في بنود الصلح أن ترجع إليه الخلافة بعد هلاكه، واستعرض معاوية حاشية الإمام وخاصته ليشتري ضمائرهم بأمواله لاغتيال الإمام، فلم يقع نظره على أحد سوى الخائنة جعدة بنت الأشعث زوجة الإمام، فهي من أسرة لم تنجب شريفاً قطّ، ولم يؤمن أي فرد منها بالقيم الإنسانيّة، وأوعز معاوية إلى مروان بن الحكم عامله على يثرب فاتّصل بها، وقدّم لها الأموال، ومناها بزواج يزيد، فاستجابت نفسها الخبيثة لاقتراف الجريمة، فناولها سماً فاتكاً، فأخذته ودسته للإمام، وكان صائماً، ولما وصل إلى جوفه تقطعت أمعاؤه، فالتفت إلى الخبيثة، فقال لها : قتلتيني قَتَلَكِ اللّه، وَاللّه لَا تُصِيبينَ مِنّي خَلَفاً، لَقَدْ غَرَّكَ - يعني معاوية - وَسَخِرَ مِنْكِ، يُخْزِيكِ اللّه وَ يُخْزِيه».
وأخذ سبط النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وريحانته يعاني آلاماً قاسية من شدّة السمّ، فقد تفاعل مع أجزاء بدنه، وقد ذبلت نضارته، واصفر لونه، وكان يلهج بذكر اللّه وتلاوة كتابه، حتى ارتفعت روحه العظيمة إلى بارئها تحفّها ملائكة الرحمن وأرواح الأنبياء.
لقد وافاه الأجل المحتوم، ونفسه العظيمة مترعة بالمصائب من ابن هند الذي جهد في ظلمه، وصبّ عليه ألواناً قاسية من المحن والكوارث، فسلب منه الخلافة، وتتبع شيعة أبيه قتلاً وسجناً، وأسمعه سبه وسبّ أبيه، وأخيراً سقاه السم فقطّع أحشاءه.
وقام سيّد الشهداء اللا بتجهيز جثمان أخيه فغسّل جسده الطاهر، وحمله المشيعون، وفي طليعتهم العلويون، وهم يذرفون أحر الدموع على فقيدهم
العظيم، وجاءوا به إلى المرقد النبوي ليواروه بجواره.
ولما جيء بالجثمان المقدّس إلى قبر الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) ليوارى إلى جنبه ثار الأمويّون وعلى رأسهم الوزغ ابن الوزغ مروان بن الحكم، فرفعوا أصواتهم أمام المشيعين: «أيدفن الحسن بجوار جده، ويدفن عثمان بأقصى المدينة، لا كان ذلك أبداً».
واشتدّ وا كالكلاب نحو السيّدة عائشة، وقد عرفوا انحرافها عن أهل البيت، فأثاروا حفيظتها قائلين : «لئن دفن الحسن بجوار جده ليذهبن فخر أبيك وصاحبه».
فوثبت وهي مغيظة محنقة تشق الجماهير، وقد رفعت عقيرتها قائلة : «لئن دفن الحسن بجوار جده لتجز هذه - وأومأت إلى ناصيتها».
والتفتت إلى المشيعين قائلة : لا تدخلوا بيتي من لا أحبّ.
وقد أعربت بذلك عن كوامن حقدها على آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ويتساءل السائلون من أين جاء لها البيت، ألم يرو أبوها عن النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) أنّه قال : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضّة»، فبيت النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) - حسب هذه الرواية - كبيت من بيوت اللّه لا يملكه أحد، وإنّما هو لجميع المسلمين، وعلى هذا فكيف سمحت لأبيها وصاحبه أن يدفنا فيه، وإذا لم تعمل عائشة بهذه الرواية، وأن النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) كبقيّة الأنبياء يرثه ذرّيّته، فالإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الذي يرثه لأنّه سبطه، أمّا أزواج النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) فلا يرثن من البيت، وإنّما يرثن من البناء حسبما ذكر الفقهاء.
وعلى أي حال، فقد تمادى الأمويّون بالشر، وظهرت خفايا نفوسهم المنطوية على الحقد والعداء لآل البيت، فقد أو عزوا إلى عملائهم برمي جنازة الإمام، فرموها بقسيّهم وسهامهم، وكادت الحرب أن تقع بين الهاشميين والأمويّين، فقد أسرع أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى مناجزة الأمويّين وتمزيقهم، فمنعه أخوه الإمام
الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من القيام بأي عمل امتثالاً لوصية أخيه، فقد أوصاه بأن لا يهراق في أمره ملء محجمة من دم.
وجيء بالجثمان الطاهر إلى بقيع الغرقد، فواروه فيه، وقد واروا معه الحلم والشرف والفضيلة، وقد انطوت بذلك أروع صفحة مشرقة من صفحات النبوّة والإمامة.
لقد شاهد أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأحداث المروّعة التي حلت بأخيه الإمام أبي محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فزهدته في الحياة، وكرهت له العيش، وحبّبت له الثورة والجهاد في سبيل اللّه.
ولما تمادى معاوية في سياسته الملتوية المناهضة لمصالح المسلمين والمعادية لأهدافهم، قام أبو الأحرار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالإنكار على معاوية، وأخذ يعمل بشكل مكثف إلى فضح معاوية، ويدعو المسلمين إلى الانتفاضة والثورة على حكومته، ونقلت أجهزة الأمن والمباحث في يثرب إلى معاوية هذه النشاطات السياسيّة المناهضة لحكومته، ففزع من ذلك أشدّ الفزع، ورفع إليه مذكرة شديدة اللهجة يطلب فيها الكفّ عن معارضته، وهدّده باتخاذ الاجراءات القاسية ضده إن لم يستجب له.
فأجابه أبو الأحرار بجواب شديد اللهجة وضعه فيه على طاولة التشريح، ونعى عليه سياسته الظالمة التي تفجّرت بكلّ ما خالف كتاب اللّه وسنّة نبيّه، وندّد بما اقترفه من ظلم تجاه الأحرار والمصلحين، أمثال حجر بن عدي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، ورشيد الهجري، وغيرهم من أعلام الفكر في الوطن الإسلامي.
إنّ جواب الإمام أبي الشهداء من ألمع الوثائق السياسيّة، فقد وضع الإمام فيها النقاط على الحروف، وعرض بصورة مفصلة الأحداث الرهيبة التي جرت أيّام
حكومة معاوية، كما حدّد فيها موقفه المتّسم بالثورة على حكومة معاوية (1).
وعقد الإمام أبو عبداللّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مؤتمراً سياسياً في مكّة المكرّمة حضره جمهور غفير من المهاجرين والأنصار والتابعين ممّن شهد وا موسم الحج، فقام فيهم خطيباً، وتحدّث ببليغ بيانه عمّا ألم بهم وبشيعتهم من ضروب المحن والبلاء في عهد الطاغية معاوية، وقد روى سليم بن قيس قطعة من خطابه، جاء فيه بعد حمد اللّه والثناء عليه :
«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ هَذَا الطَّاغِيَةَ - يعني معاوية - قَدْ فَعَلَ بِنا وَبِشِيعَتِنا مَا عَلِمْتُمْ وَرَأَيْتُمْ وَشَهِدْتُمْ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسأَلَكُمْ عَن شَيْءٍ فَإِنْ صَدَقتُ فَصَدِّقُونِي، وَإِنْ كَذِبتُ فَكَذَّبُونِي، وَاسْمَعُوا مَقَالَتِي، وَاكْتُبُوا قَوْلِي، ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَى أَمْصَارِكُمْ وَقَبائِلِكُمْ، وَمَن التَمَنْتُمُوهُ مِنَ النَّاسِ وَوَثِقْتُمْ بِهِ فَادْعُوهُ إِلى ما تَعْلَمُونَ مِن حَفْنَا، فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يُدْرَسَ هذَا الحقّ، وَيَذْهَبَ وَيُغْلَبَ، وَاللّه مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ».
ويقول سليم بن قيس : وما ترك الحسين شيئاً ممّا أنزل اللّه فيهم من القرآن إلّا تلاه وفسّره، ولا شيئاً ممّا قال رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) في أبيه وأخيه وفي نفسه وأهل بيته إلّا رواه، وفي كلّ ذلك يقول أصحابه : اللّهمّ نعم قد سمعنا وشهدنا، ويقول التابعي : اللّهمّ قد حدّثني به من أصدقه وائتمنه من الصحابة.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أُنْشِدُكُمُ اللّه إِلَّا حَدَّثْتُمْ بِهِ مَنْ تَفِقُونِ بِهِ وَبِدِينِهِ» (2).
وكان هذا أوّل مؤتمر سياسي عرفه المسلمون في ذلك الوقت، فقد شجب فيه
الإمام سياسة معاوية الهادفة إلى حجب المسلمين عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وستر فضائلهم، وقد دعا الإمام حضّار ذلك المؤتمر إلى إشاعة مآثرهم، وإذاعة مناقبهم، وما ورد في حقهم من النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) ليعرف المسلمون النوايا الشريرة التي يبيتها معاوية ضدّ أهل البيت الذين هم العصب في جسم الأمّة الإسلاميّة.
واستقبل معاوية الموت، ونفسه قلقة ومضطربة ممّا اقترفه من الأحداث الجسام التي باعدت بينه وبين اللّه، فكان يقول متبرّماً : «ويلي من ابن الأدبر - يعني حجر بن عدي - إنّ يومي منه الطويل».
نعم، إنّ يومه الطويل، وإنّ حسابه لعسير أمام اللّه لا في حجر فقط، وإنما لدماء المسلمين التي سفكها بغير حق، فقد قتل عشرات الآلاف من المسلمين، وأشاع في بيوتهم الشكل والحزن والحداد، وهو الذي حارب دولة الإسلام، وأقام الدولة الأمويّة التي اتّخذت مال اللّه دولاً، وعباد اللّه خولاً، وهو الذي سلّط على المسلمين عصابة من أشرار خلق اللّه، أمثال زياد بن أبيه الذي أمعن في إذلال المسلمين، وظلمهم بغير حقّ، وهو الذي استخلف من بعده ولده يزيد صاحب الأحداث والموبقات في الإسلام، وشبيه جده أبي سفيان في اتجاهاته وميوله المعادية للّه ولرسوله، وهو الذي دسّ السم إلى ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وربطه الإمام الزكي أبي محمّد اللّه، وهو الذي أعلن سبّ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) على المنابر، وجعل ذلك جزءاً من حياة المسلمين العقائديّة، إلى غير ذلك من الموبقات التي اقترفها والتي تجعل حسابه شاقّاً وعسيراً أمام اللّه.
وعلى أي حال، فقد هلك معاوية فأهون به هالكاً ومفقوداً، فقد انكسر باب الجور، وتضعضعت أركان الظلم، كما أبنه بذلك الزعيم العراقي الكبير يزيد بن مسعود النهشلي، أما خليفته وولي عهده يزيد فلم يكن حاضراً عند وفاته، وإنّما كان
مشغولاً برحلات الصيد وعربدات السكر ونغمة العيدان.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن حكومة معاوية التي هي أثقل كابوس مرّ على العالم الإسلامي في ذلك العصر، قد شاهد سيدنا أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) المآسي الرهيبة التي دهمت المسلمين في ظلال هذا الحكم.
ورافق أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) الثورة الإسلاميّة الكبرى التي فجرها أخوه أبو الأحرار وسيّد الشهداء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، تلك الثورة العملاقة التي كانت من أهم الثورات العالمية، ومن أكثرها عطاء لشعوب الأرض، فقد غيّرت مجرى التاريخ، وهزّت العالم بأسره، وحرّرت الإنسان المسلم، ودفعت القطعات الشعبية من المسلمين إلى التمرّد على الظلم، ومناهضة الجور والطغيان.
وقد ساهم قمر بني هاشم وفخر عدنان في هذه الثورة المباركة مساهمة إيجابية وفعالة، وشارك أخاه الحسين في جميع فصولها، وقد وعى جميع أهدافها وما تنشده من خير ورحمة للشعوب المحرومة والمضطهدة، فآمن بها إيماناً مطلقاً.
لقد كان العبّاس أهمّ عضو بارز في هذه الثورة المشرقة، وقد لازم أخاه ممتثلاً لأمره، منفذاً لرغباته، شاداً لعضده، مؤمناً بقوله، مصدّقاً لمبادئه، لم يفارقه في مسيرته الخالدة من يثرب إلى مكّة، ثمّ إلى أرض الكرامة والشهادة، ففي كلّ موقف من ثورة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان العبّاس معه وشريكاً له.
ونتحدث عن بعض الفصول التاريخيّة لهذه الثورة العظمى التي كان العبّاس العلم البارز فيها.
وأعلن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رسميّاً رفضه الكامل لبيعة يزيد، وذلك حينما استدعاه
حاكم المدينة الوليد بن عقبة في غلس الليل، وقد فهم الإمام ما أراد منه، فاستدعى عضده وأخاه أبا الفضل العبّاس وسائر الفتية من أهل بيته ليقوموا بحمايته، وأمرهم بالجلوس خارج الدار، فإذا سمعوا صوته قد علا فعليهم أن يقتحموا الدار لإنقاذه، ودخل الإمام على الوليد فاستقبله بحفاوة وتكريم، ثمّ نعى إليه هلاك معاوية، وما أمره به يزيد من أخذ البيعة من أهل المدينه عامة، ومن الحسين خاصة، فاستمهله الإمام حتّى الصبح، ليجتمع الناس، وقد أراد أن يعلن أمامهم رفضه الكامل لبيعة يزيد، ويدعوهم إلى التمرّد على حكومته، وكان مروان بن الحكم الذي هو من رؤوس المنافقين، ومن أعمدة الباطل حاضراً، فاندفع لاشعال نار الفتنة، فصاح بالوليد : لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبسه فإن بايع، وإلا ضربت عنقه.
ووثب أبي الضيم في وجه مروان، فقال محتقراً له : «يا بْنَ الزَّرْقاءِ، أَأَنْتَ تَقْتُلَنِي أَمْ هُوَ ؟ كَذِبْتَ وَاللّه وَلَؤُمْتَ» (1).
ثم التفت أبو الأحرار إلى الوليد فأخبره عن عزمه وتصميمه في رفضه لبيعة يزيد قائلاً :
«أَيُّها الأميرُ، إنَّا أَهْلُ بَيْتِ النبوّة، وَمَعْدِنُ الرِّسالَةِ، وَمُختَلَفُ المَلائِكَةِ، وَمَحَلُّ الرَّحْمَةِ، وبِنا فَتَحَ اللّه وَبِنا خَتَمَ، وَيَزِيدُ رَجُلٌ فاسِقٌ فاجِرٌ، شَارِبُ خَمْرٍ، قَاتِلُ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، مُعْلِنُ بِالْفِسْقِ، وَمِثْلِى لَا يُبايِعُ مِثْلَهُ، وَلَكِنْ نُصْبحُ وَتُصْبِحُونَ، وَنَنْظُرُ وَتَنْظُرُونَ أَيُّنا أَحَقُّ بِالخِلَافَةِ وَالْبَيْعَةِ» (2).
لقد أعلن الإمام رفضه لبيعة يزيد في بيت الإمارة ورواق السلطة، وهو غير حافل بالحكم القائم، فقد وطن نفسه على التضحية والفداء لينقذ المسلمين من حكم ارهابي عنيف يستهدف إذلالهم وإرغامهم على ما يكرهون.
لقد كان أبو الأحرار عالماً بفسق يزيد وفجوره ومروقه من الدين، ولو أقر لحكومته لساق المسلمين إلى الذل والعبودية، وعصف بالعقيدة الإسلاميّة في متاهات سحيقة من مجاهل هذه الحياة، ولكنه سلام اللّه عليه صمد في وجه الأعاصير هازئاً من الحياة، ساخراً من الموت، فبنى للمسلمين عزاً شامخاً، ومجداً رفيعاً، ورفع كلمة الإسلام عالية في الأرض.
وصمّم أبو الأحرار على مغادرة يثرب والتوجه إلى مكّة المكرمة ليتخذ منها مقراً لبت دعوته، ونشر أهداف ثورته، ويدعو المسلمين إلى الانتفاضة على الحكم الأموي الذي يمثل الجاهليّة بجميع أبعادها الشريرة، وقبل أن يتوجه إلى مكّة خف إلى قبر جدّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وهو حزين، قد أحاطت به الأزمات، فشكا إليه ما ألم به من المحن والبلوى.
ثم توجّه إلى قبر سيّدة النساء أمّه الزكيّة، فألقى عليها نظرات الوداع الأخير، وزار بعد ذلك قبر أخيه الزكي أبي محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ثمّ توجه مع جميع أفراد عائلته إلى مكّة التي هي حرم اللّه ليعوذ ببيتها الحرام الذي فرض اللّه فيه الأمن لجميع عباده، وكان أخوه أبو الفضل إلى جانبه قد نشر رايته ترفرف على رأسه، وقد تولى جميع شؤونه وشؤون عائلته، وقام خير قيام بما يحتاجون إليه.
وسلك أبو الأحرار في مسيره الطريق العام، فأشار عليه بعض من كان معه بأن يحيد عنه كما فعل ابن الزبير - مخافة أن يدركه الطلب من السلطة، فأجابه بكلّ
شجاعة وثقة في النفس : «لَا وَاللّه، لَا فَارَقْتُ هَذا الطَّرِيقَ أَبَداً، أَوْ أَنْظُرُ إِلَى أَبْيَاتِ مكّة، أَوْ يَقْضِيَ اللّه فِى ذَلِكَ ما يُحِبُّ وَيَرْضَى» (1).
وانتهى ركب الإمام إلى مكّة ليلة الجمعة لثلاث ليال مضين من شعبان، وحط في دار العبّاس بن عبد المطلب، وقد احتفى به المكيّون خير احتفاء، وجعلوا يختلفون إليه بكرة وعشيّة، وهم يسألونه عن أحكام دينهم، وأحاديث نبيّهم.
كما توافد لزيارته القادمون إلى بيت اللّه الحرام من الحجّاج والمعتمرين من سائر الآفاق، ولم يترك الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لحظة تمرّ من دون أن يبث الوعي السياسي والديني في نفوس زائريه من المكيّين وغيرهم، ويدعوهم إلى التمرّد على الحكم الأموي الذي عمد على إذلالهم وعبوديتهم.
وفزعت السلطة المحلّيّة بمكّة من قدوم الإمام إليها، واتّخاذها مقرّاً لدعوته، و مركزاً لإعلان ثورته، وكان حاكم مكّة الطاغية عمرو بن سعيد الأشدق، فقد رأى بنفسه تزاحم المسلمين على الإمام، وسمع ما يقولونه إنّ الإمام أولى بالخلافة الإسلاميّة، وأحق بها من آل أبي سفيان، الذين لا يرجون للّه وقاراً، فخفّ مسرعاً نحو الإمام فقال له بغيظ : ما أقدمك إلى البيت الحرام ؟ وكأن بيت اللّه العظيم ملك لبني أمية وليس هو لجميع المسلمين.
فأجابه الإمام بثقة وهدوء : «عائذاً بِاللّه، وَبِهَذَا الْبَيْتِ» (2).
ورفع الطاغية بالوقت رسالة إلى سيده يزيد بن معاوية أحاطه بها علماً بمجيء الإمام إلى مكّة، واختلاف الناس إليه، والتفافهم حوله، وأن ذلك يشكل خطراً على
حكومته، ففزع يزيد أشدّ ما يكون الفزع حينما قرأ رسالة الأشدق، فرفع في الوقت مذكرة إلى ابن عبّاس يتهدّد فيها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على تحرّكه، ويطلب منه التدخل فوراً لإصلاح الأمر، وحجب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن مناهضته.
فأجابه ابن عباس برسالة، نصحه فيها بعدم التعرّض للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنّه إنّما هاجر إلى مكّة فراراً من السلطة المحلية في يثرب التي لم ترع مكانته ومقامه.
ومكث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مكّة والناس تختلف إليه، وتدعوه إلى إعلان الثورة على الأمويّين، وكانت مباحث الأمن تراقبه أشدّ ما تكون المراقبة، وتسجل جميع تحرّكاته ونشاطاته السياسيّة، وما يدور بينه وبين الوافدين عليه، وتبعث بجميع ذلك إلى دمشق لاطلاع يزيد عليه.
وحينما أشيع هلاك معاوية في الكوفة أعلنت الشيعة أفراحها بموته، وعقدوا مؤتمراً شعبيّاً في بيت أكبر زعمائهم، وهو سليمان بن صرد الخزاعي، واندفعوا إلى إعلان الخطب الحماسيّة فيها، وقد عرضوا بصورة شاملة إلى ما عانوه من الاضطهاد والتنكيل في أيّام معاوية، وأجمعوا على بيعة الإمام الحسين، ورفض بيعة يزيد، وأرسلوا في نفس الوقت وفداً منهم ليحثّ الإمام على القدوم إلى مصرهم لتشكيل حكومته ليعيد لهم الحياة الكريمة التي فقدوها في ظلال الحكم الأموي، ويبسط في بلادهم الأمن والرخاء، وترجع بلدهم عاصمة للدولة الإسلاميّة كما كانت أيّام أبيه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وكان من بين ذلك الوفد عبد اللّه البجلي، وأخذ الوفد يسرع في سيره حتّى انتهى إلى مكّة، فعرض على الإمام مطاليب أهل الكوفة، وألحوا عليه بالاسراع إلى القدوم إليهم.
ولم يكتف الكوفيون بالوفد الذي بعثوه إلى الإمام، وإنّما عمدوا إلى إرسال آلاف الرسائل إليه أعربوا فيها عن عزمهم الجاد على نصرته، والوقوف إلى جانبه، وأنّهم يفدونه بأرواحهم وأموالهم، ويطلبون منه الاسراع إلى مصرهم ليشكل فيه دولة القرآن والإسلام التي هي غاية آمالهم، وحمّلوا الإمام المسؤولية أمام اللّه والتاريخ إن لم يستجب لدعوتهم.
ورأى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قد قامت عليه الحجّة الشرعية، وأن الواجب يحتم عليه إجابتهم.
ولما تتابعت الوفود والرسائل من أهل الكوفة على الإمام، وهي تحته على القدوم إليهم، لم يجد بداً من إجابتهم، فأوفد إليهم ثقته وكبير أهل بيته، والمبرز من بينهم بالفضيلة وتقوى اللّه ابن عمه مسلم بن عقيل، وكانت مهمته خاصة ومحدودة، وهي الوقوف على واقع الكوفيين، ومعرفة أمرهم، فإن صدقوا فيما قالوا توجّه الإمام إليهم وأقام في مصرهم دولة القرآن.
ومضى مسلم يجد في السير لا يلوي على شيء، حتّى انتهى إلى الكوفة، فنزل في بيت زعيم من زعماء الشيعة، وسيف من سيوفهم، وهو المختار بن أبي عبيد الثقفي، الذي كان يتمتع بخبرة سياسيّة واسعة، وشجاعة فائقة، ودراية تامة بالشؤون النفسيّة والاجتماعيّة، وقد فتح المختار أبواب داره إلى مسلم، وصار بيته مركزاً للسفارة الحسينية.
ولما علمت الشيعة بقدوم مسلم سارعوا إليه مرحبين به، ومقدّمين له جميع ألوان الحفاوة والدعم، والتفوا حوله طالبين منه أن يأخذ منهم البيعة للإمام
الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واستجاب لهم مسلم، ففتح سجلاً للمبايعين، وقد أحصي عددهم في الأيّام القليلة بما يزيد على ثمانية عشر ألفاً، وفي كلّ يوم يزداد عدد المبايعين منهم، وألحوا عليه أن يراسل الإمام بالإسراع إلى القدوم إليهم ليتولى قيادة الأمّة.
ومن الجدير بالذكر أنّ السلطة المحلّيّة في الكوفة كانت على علم بمجريات الثورة، وقد وقفت منها موقف الصمت، فلم تتخذ أي إجراءات ضدها، ويعود السبب في ذلك إلى أن حاكم الكوفة النعمان بن بشير الأنصاري كان من المنحرفين عن يزيد بسبب مواقفه المعادية للأنصار، ومضافاً إلى ذلك فإنّ ابنته كانت زوجة المختار الذي استضاف مسلماً ووقف إلى جانبه.
ومن الطبيعي أنّه لم يرق لعملاء الأمويّين وأذنابهم موقف النعمان المتسم بالليونة وعدم المبالاة بالثورة، فبادروا إلى الاتصال بدمشق، وعرّفوا يزيد بموقف النعمان، وطلبوا المبادرة بإقصائه، وتعيين حاكم حازم يستطيع القضاء على الثورة، وإخضاع الجماهير إلى حكمه، وفزع يزيد من الأمر، فأرسل إلى مستشاره الخاص سرجون، وكان دبلوماسياً محنّكاً، فعرض عليه ما ألم به، وطلب منه أن يرشده إلى حاكم يتمكن من السيطرة على الأوضاع المتفجرة في الكوفة، فأشار عليه بتولية الارهابي عبيد اللّه بن زياد، فإنّه شبيه بأبيه في التجرد من كلّ نزعة إنسانية، وعدم المبالاة في اقتراف أبشع الجرائم، فاستجاب يزيد لرأيه، وكتب لابن زياد مرسوماً بولايته على الكوفة بعد أن كان والياً على البصرة فقط، وبذلك فقد أصبح العراق كله خاضعاً لسيطرته، وأصدر إليه الأوامر المشدّدة بالاسراع إلى الكوفة لاستئصال الثورة والقضاء على مسلم.
وحينما تسلّم ابن زياد المرسوم في ولايته على الكوفة توجّه إليها فوراً، وأخذ يجد في السير لا يلوي على شيء مخافة أن يسبقه إليها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وحينما
أشرف على الكوفة غيّر ملابسه، ولبس ثياباً يمانية، وعمامة سوداء ليوهم على الكوفيين أنّه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد اعتقدوا بذلك، فأحاطوا به مرحبين بقدومه، وهاتفين بحياته، فاستاء ابن زياد من ذلك أشد ما يكون الاستياء، وأسرع في سيره مخافة أن ينكشف أمره فيُقتل.
ولما انتهى إلى قصر الإمارة وجد الباب مغلقاً فطرقه، فأشرف عليه النعمان، وقد توهّم أنّه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فانبرى يخاطبه بلطف هاتفاً : «ما أنا بمؤد إليك أمانتي يابن رسول اللّه، وما لي في قتالك من إرب».
فصاح به ابن مرجانة : افتح لا فتحت، فقد طال ليلك.
وعرّفه بعض من كان خلفه فصاح بالجماهير : إنّه ابن مرجانة، ورب الكعبة.
وكان ذلك كالصاعقة على رؤوسهم، فولوا منهزمين إلى دورهم، وقد ملئت قلوبهم خوفاً ورعباً، وبادر الطاغية نحو القصر فاستولى على المال والسلاح، وأحاط به عملاء الأمويّين أمثال عمر بن سعد، وشمر بن ذي الجوشن، ومحمّد بن الأشعث، وغيرهم من وجوه الكوفة فجعلوا يحدّثونه عن الثورة، ويعرفونه بأعضائها البارزين، ويضعون معه المخططات الرهيبة للقضاء عليها.
ولمّا أصبح الصبح جمع ابن مرجانة الناس في المسجد الأعظم، فأعلمهم بولايته على مصرهم، ومنّى أهل الطاعة بالصلة، وأهل المعصية بالعقاب الصارم، ثم عمد إلى نشر الخوف والارهاب بين الناس، وقد أمسك جماعة لم يجر معهم أي تحقيق فأمر بإعدامهم، وملأ السجون بالمعتقلين، واتخذ من ذلك وسيلة للسيطرة على البلاد.
ولما علم مسلم بقدوم ابن مرجانة، وما قام به من الأعمال الارهابية تحوّل من دار المختار إلى دار الزعيم الكبير هانئ بن عروة، وهو سيّد الكوفة، وزعيمها المطاع، وقد عرف بالولاء والمودّة لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد استقبله هانئ بحفاوة وتكريم،
ورحّب به أعظم ما يكون الترحيب، وفتح داره على مصراعيها الشيعة مسلم، واتخاذ القرارات لدعم الثورة، ومناهضة خصومها.
واتخذ ابن مرجانة سلسلة من المخططات أدت إلى نجاحه في الميادين السياسيّة والتغلب على الأحداث، فبعد أن كانت الكوفة تحت قبضة مسلم انقلبت رأساً على عقب، وصارت مع ابن زياد، ومن بين تلك المخططات التي تم تنفيذها ما يلي :
وأوّل بادرة سلكها ابن مرجانة هي التجسس على مسلم، ومعرفة نشاطاته السياسيّة، والإحاطة بنقاط الضعف والقوّة عنده، والوقوف على جميع ما يجري عنده من الأحداث.
وقد اختار للقيام بهذه المهمة مولاه معقلاً، وكان فطناً ذكياً، ذا معرفة بالسياسة الماكرة، وأعطاه ثلاثة آلاف درهم، وأمره بالاتصال بأعضاء الثورة، وإعلامهم بأنه من الموالي الذين عرف أكثرهم بالولاء لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وإنه قد جاء إلى مصرهم حينما بلغه أنّ داعية الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قدم إليهم ليأخذ البيعة منهم له، وإنّ عنده مالاً يوصله له ليستعين به علی حرب عدوّه.
ومضى معقل في مهمته، وجعل يفتّش عمّن له معرفة بسفير الحسين، فأرشد إلى مسلم بن عوسجة وهو من أعلام الشيعة، وأحد القادة الطليعيين في الثورة، فاتصل به وأظهر له الولاء المزيف لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، والتعطّش الكاذب لرؤية سفیر هم مسلم، فانخدع ابن عوسجة بكلامه، وغرّه تلهفه المصطنع لرؤية داعية الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأدخله على مسلم فبايعه، وأخذ المال منه، وجعل يتردد عليه في كلّ يوم، فكان - فيما يقول المؤرّخون - أوّل داخل عليه، وآخر خارج عنه،
وقد وقف على جميع شؤون الثورة، وعرف أعضاءها، والمتحمسين لها، وما يستجد فيها من شؤون، وكان ينقل ذلك حرفياً إلى سيّده ابن مرجانة، وبذلك فقد أحاط بجميع مجريات الأحداث، ولم يخف عليه أي شيء منها.
وقدم ابن زياد على أخطر عملية كُتب له فيها النجاح لتنفيذ مخططاته، فقد قام باعتقال هانئ بن عروة سيّد الكوفة، والزعيم الأوحد لقبائل مذحج التي كانت تشكل الأكثرية الساحقة من سكان الكوفة، وقد أشاع بذلك موجة من الخوف والارهاب عند جميع الكوفيين، كما وجّه ضربة قاسية ومدمّرة للثورة، فقد استولى الرعب والفزع على أنصار مسلم، ومنوا بهزيمة نفسية ساحقة.
وعلى أي حال، فإنّ هانئ حينما مثل أمام الطاغية استقبله بشراسة وعنف، وطلب منه بالفور تسليم ضيفه الكبير مسلم، فأنكر هانئ أن يكون عنده، لأنه أحاط أمره بكثير من السريّة والكتمان، فأمر ابن زياد بإحضار الجاسوس معقل.
فلمّا حضر سقط ما في يد هانئ، وأطرق برأسه إلى الأرض، ولكن سرعان ما سيطرت شجاعته على الموقف، فانتفض كالأسد ساخراً من ابن زياد، ومتمرداً على سلطته، فامتنع أشدّ ما يكون الامتناع من تسليم ضيفه إليه، لأنه بذلك يسجل عاراً وخزياً عليه، فثار الطاغية في وجهه، وثمّ أمر غلامه مهران أن يدنيه منه، فأدناه، فاستعرض وجهه المكرّم بالقضيب، وضربه ضرباً عنيفاً حتّى كسر أنفه، ونثر لحم خديه وجنبيه على لحيته، حتّى تحطّم القضيب، وسالت الدماء على ثيابه، ثمّ أمر باعتقاله في أحد بيوت القصر.
ولمّا شاع اعتقال هانئ اندفعت قبائل مذحج نحو قصر الإمارة، وقد قاد جموعها
الانتهازي القذر عمرو بن الحجّاج، وهو من أذناب السلطة ومن أحقر عملائها، وقد رفع عقيرته ليسمعه ابن زياد قائلاً: أنا عمرو بن الحجّاج، وهذه فرسان مذحج ووجوهها لم نخلع طاعة، ولم نفارق جماعة.
وحفل كلامه بالخنوع والمسالمة للسلطة، وليس فيه أي اندفاع لإنقاذ هانئ. وإنّما فيه التأييد والدعم لابن زياد، ولذا لم يكترث به، وأوعز إلى شريح القاضي، وهو من وعاظ السلاطين، ومن دعائم الحكم الأموي، فأمره أن يدخل على هانئ ويخرج لهم، ويخبرهم بأنّه حي سالم، وأنّه يأمرهم بالانصراف إلى منازلهم، ودخل على هانئ، فلما بصر به صاح مستجيراً : يا للمسلمين، أهلكت عشيرتي ! أين أهل الدين ؟ أين أهل المصر أيخلوني وعدوهم ؟
والتفت إلى شريح وقد سمع أصوات أسرته قائلاً: يا شريح، إنّي لأظنّها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين، إنّه إن دخل عليَّ عشرة نفر أنقذوني.
وخرج شريح الذي باع آخرته وضميره على ابن مرجانة، فقال لمذحج : نظرت إلى صاحبكم، إنّه حتي لم يقتل.
وبادر ابن الحجّاج عميل الأمويّين وخادمهم فرفع صوته لتسمعه مذحج قائلاً: إذا لم يقتل فالحمد للّه.
وولّت قبائل مذحج منهزمة كأنّما أُتيح لها الخلاص من سجن، وقد صحبت معها الخيانة والخزي، ومن المؤكد أنّ هزيمة مذحج بهذه السرعة كانت نتيجة اتفاق سرّي بين زعمائها وبين ابن مرجانة للقضاء على هانئ، ولولا ذلك لهجمت على السجن وأخرجته.
لقد تنكّرت مذحج لزعيمها الكبير الذي كان محسناً إليها، فلم تف بحقوقه، وتركته أسيراً بيد الارهابي ابن مرجانة، وهو يمعن في إذلاله وقهره، في حين أنّ مذحج كانت لهم السيادة على الكوفة.
ولما علم مسلم ما جرى على هانئ العضو البارز في الثورة من الاعتداء والاعتقال، بادر إلى إعلان الثورة على ابن زياد، فأوعز إلى أحد قادة جيشه عبداللّه ابن حازم أن ينادي في أصحابه، وقد ملأ بهم الدور، فاجتمع إليه زهاء أربعة آلاف مقاتل أو أربعون ألفاً كما في رواية أخرى وتعالت أصواتهم بشعار المسلمين يوم بدر : «يا منصور أمت».
وقام مسلم بتنظيم جيشه، فأسند القيادات العامّة إلى من عُرفوا بالولاء والإخلاص لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وزحف بجيشه نحو قصر الإمارة، وكان ابن زياد قد خرج إلى الجامع، وقد ألقى خطاباً على الجماهير تهدّد فيه على كلّ من يخلع يد الطاعة، ويناهض الدولة، وحينما أنهى خطابه سمع الضجة وأصوات الثوار وهتافاتهم بسقوطه، فهاله ذلك، وسأل عن السبب فأخبر أنّ مسلم بن عقيل قد أقبل في جمهور من شيعته لحربه، ففزع الجبان، واختطف الرعب لونه، وأسرع نحو القصر يلهث كالكلب من شدّة الفزع والخوف، وضاقت عليه الدنيا، إذ لم تكن عنده قوة عسكرية تحميه سوى ثلاثين شرطيّاً وعشرين رجلاً من أشراف الكوفة الذين عرفوا بالعمالة للأمويين
وتضاعف جيش مسلم، وقد نشروا الأعلام والسيوف، ودقت طبول الحرب، وأيقن الطاغية بالهلاك، إذ لم يكن يأوي إلى ركن شديد.
وأمعن الطاغية في أقرب الوسائل وأكثرها ضماناً لإنقاذه، فرأى أن لا طريق له سوى حرب الأعصاب، ونشر الدعايات الكاذبة، وكان عالماً بتأثيرها على نفوس الكوفيين، فأوعز إلى عملائه من أشراف الكوفة ووجوهها أن يندسوا بين صفوف
جيش مسلم، فيذيعون الارهاب، وينشرون الخوف، وانطلق العملاء بین قطعات جيش مسلم،، فأخذوا يبثون الأراجيف والكذب، وتناولت دعاياتهم ما يلي :
1 - تهديد أصحاب مسلم بجيوش أهل الشام، وأنها سوف تنكل بهم إن بقوا مصرين على متابعة مسلم.
2 - إنّ الحكومة سوف تقطع مرتباتهم، وتحرمهم من جميع مواردهم الاقتصاديّة.
3 - إنّ الدولة ستزج بهم في مغازي أهل الشام.
4 - إنّ الحكومة ستعلن فيهم الأحكام العرفية، وتسوسهم بسياسة زياد بن أبيه التي تحمل إشارات الموت والدمار.
وكانت هذه الاشاعات كالقنابل على رؤوسهم، فقد انهارت أعصابهم، واضطربت قلوبهم، وجبنوا أبشع ما يكون الجبن، وولوا منهزمين على أعقابهم وهم يقولون : ما لنا والدخول بين السلاطين.
ولم يمض قليل من الوقت حتّى فرّ معظمهم، وبقي ابن عقيل مع جماعة قليلة، وقصد بهم نحو الجامع الأعظم ليؤدّي صلاة العشائين، ففروا منهزمين في أثناء الصلاة، فقد قذف في قلوبهم الرعب، وسرت فيهم أوبئة الخوف، وما أنهى ابن عقيل صلاته حتّى انهزموا جميعاً، ولم يبق معه إنسان يدله على الطريق أو يأويه، وقد لبس الكوفيون بذلك ثياب العار والخزي، وأثبتوا أن ولاءهم لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) كان عاطفيّاً، وغير مستقر في دخائل قلوبهم، وأعماق نفوسهم، وأنهم لا ذمة ولا وفاء لهم.
وسار مسلم فخر بني هاشم متلدّداً في أزقّة الكوفة وشوارعها يلتمس فيها داراً لينفق فيه بقيّة الليل، فلم يظفر بذلك، فقد خلت المدينة من المارة، كأنّما أعلن فيها منع التجوّل، فقد أغلق الكوفيون عليهم الأبواب مخافة أن تعرفهم مباحث الأمن، وعيون ابن زياد بأنّهم كانوا مع ابن عقيل فتلقي عليهم القبض، وتعرّضهم
للتنكيل وسوء العذاب.
وبقي ابن عقيل حائراً لا يدري إلى أين مأواه وملجأه، فقد أحاطت به تيارات من الهموم، وكاد قلبه أن ينفجر من شدة الألم العاصف، واستبان له أنه ليس في المصر رجل شريف يقوم بضيافته وحمايته، ومضى متلدّداً في أزقة الكوفة، وانتهى به السير إلى سيّدة كريمة يقال لها طوعة هي سيّدة من في المصر بما تملكه من إنسانية وشرف ونبل، وكانت واقفة على باب دارها تنتظر قدوم ابنها، وهي فزعة عليه، من الأحداث الرهيبة التي مُني بها المصر، ولما رآها مسلم بادر نحوها فسلم عليها، فردّت (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ووقف مسلم، فأسرعت قائلة : ما حاجتك ؟
وبادرت السيّدة فجاءته بالماء فشرب منه، ثم جلس فارتابت منه، فقالت له : ألم تشرب الماء ؟
بلى.
اذهب إلى أهلك إن مجلسك مجلس ريبة.
وسكت، مسلم، فأعادت عليه القول، وطلبت منه الانصراف من باب دارها، ومسلم ساكت، فذعرت منه وصاحت به : سبحان اللّه ! إنِّي لا أحل لك الجلوس على بابي.
ولما حرّمت عليه الجلوس نهض، وقال لها بصوت خافت حزين النبرات : ليس لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة، فهل لك إلى أجر ومعروف أن تقومي بضيافتي في هذه الليلة، ولعلّي أكافئك بعد هذا اليوم.
وشعرت المرأة بأن الرجل غريب، وأنه ذو شأن كبير، ومكانة عظمى،
وأنه سيقوم بمكافأتها إن أسدت عليه إحساناً ومعروفاً، فبادرته قائلة : ما ذاك يا عبد اللّه ؟ !
فقال لها وعيناه تفيضان دموعاً : أنا مسلم بن عقيل، كذبني القوم وغروني.
فذهلت السيّدة، وقالت في دهشة وإكبار : أنت مسلم بن عقيل ؟
وسمحت السيّدة بخضوع وإكبار لضيفها الكبير بتشريف منزلها، وقد حازت المجد والشرف بذلك، فقد آوت سليل هاشم، وسفير ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وتحمّلت المسؤوليّة من السلطة بضيافتها له.
وأدخلت السيّدة ضيفها العظيم في بيت غير البيت الذي كانت تأوي إليه، وجاءته بالضياء والطعام، فأبى أن يأكل، فقد مزق الأسى قلبه الشريف، وأيقن بالرزء القاصم، وتمثلت أمامه الأحداث التي سيواجهها، وقد شغل فكره الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي كتب إليه بالقدوم إلى الكوفة وأنه سيلاقي ما لاقاه.
ولم يمض قليل من الوقت حتّى قدم بلال ابن السيّدة طوعة، فرأى أمّه تكثر من الدخول والخروج إلى البيت الذي فيه مسلم لتقوم بخدماته ورعايته، فأنكر عليها ذلك، وسألها وسألها عن السبب، فأبت أن تخبره، فألح عليها، فأخبرته بالأمر بعد أن أخذت عليه الأيمان والمواثيق بالكتمان.
وطارت نفس الخبيث فرحاً وسروراً، وأنفق ليله ساهراً يترقب بفارغ الصبر انبثاق نور الفجر ليخبر السلطة بمقام مسلم عندهم ليتزلّف بذلك إليها، وينال الجائزة منها، وقد تنكر هذا الوغد لجميع الأعراف، والأخلاق العربية التي تلزم بقرى الضيف، وحمايته من كلّ مكروه، وكانت هذه الظاهرة سائدة حتّى في العصر الجاهلي، وقد دل ما فعله هذا الجلف على انهيار القيم الأخلاقية والإنسانيّة ليس عنده فحسب، وإنما في أغلبية ذلك المجتمع الذي فقد جميع ما يسمو به
الإنسان من القيم الكريمة.
وعلى أي حال، فقد قضى سلیل هاشم ليله حزيناً قلقاً مضطرباً، وقد خلص معظم الليل إلى العبادة ما بين الصلاة وقراءة القرآن، فقد أيقن أن تلك الليلة هي آخر أيّام حياته، وقد خفق في بعض الليل فرأى عمه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في منامه، فأخبره بسرعة اللحاق به، فعند ذلك أيقن بدنوّ الأجل المحتوم منا
ولما انبثق نور الصبح بادر بلال إلى قصر الإمارة ليخبر السلطة بمكان مسلم عنده، وكان الخبيث بحالة من الدهشة تلفت النظر، فقصد عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث، وهو من وهو من الأسرة الانتهازية الخبيثة التي طلّقت الشرف والمعروف ثلاثاً، فأسرّه بالأمر، فأمره بالسكوت لئلا يسمعه غيره فيخبر ابن زياد فينال منه الجائزة، وأسرع عبد الرحمن إلى أبيه محمّد فأخبره بالأمر الخطير، وبدت سحنات الفرح والسرور على وجهه، وفطن ابن مرجانة إلى أنّ هناك أمراً عظيماً يخص السلطة فبادر :قائلاً: ما قال لك عبد الرحمن ؟
فقال - وقد ملأ الفرح إهابه - : أصلح اللّه الأمير، البشارة العظمى.
ما ذاك ؟ مثلك من بشّر بخير.
إن ابني هذا يخبرني أن مسلماً في دار طوعة.
وطار ابن زياد من الفرح والسرور، فقد تمت بوارق آماله وأحلامه، فقد ظفر بسليل هاشم ليقدّمه قرباناً لأمويته اللصيقة، وأخذ يمنّي ابن الأشعث بالمال والجاه المزيّف، قائلاً له : قم فأتني به، ولك ما أردت من الجائزة والحظ الأوفى
وسال لعاب ابن الأشعث فاندفع وراء أطماعه الدنيئة لإلقاء القبض على مسلم.
وندب ابن مرجانة لحرب مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، محمّد بن اشعث وعمرو بن حریث المخزومي، وضمّ إليهما ثلاثمائة رجل من فرسان الكوفة، وأقبلت تلك الوحوش الكاسرة التي لا عهد لها بالشرف والمروءة إلى حرب مسلم الذي أراد أن يحرّرهم من الذلّ والعبوديّة، وينقذهم من ظلم الأمويّين وجورهم.
ولما قربت الجيوش من دار طوعة علم مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّها قد أتت لحربه، فسارع إلى فرسه فأسرجه وألجمه، ولبس درعه، وتقلّد سيفه، والتفت إلى السيّدة الكريمة طوعة، فشكرها على حسن ضيافتها، وأخبرها أنّه إنّما أتي إليه من قبل ابنها الباغي اللئيم.
واقتحم الجيش الدار على مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ) فشدّ عليهم كالليث يضربهم بسيفه، ففروا لمنهزمين من بين يديه يطاردهم الرعب والخوف، وبعد فترة عادوا إليه، فحمل عليهم وأخرجهم من الدار، وانطلق نحوهم فجعل يحصد رؤوسهم بسيفه، وقد أبدى من البطولات النادرة ما لم يشاهد مثله في جميع فترات التاريخ، فقد قتل منهم - فيما يقول بعض المؤرّخين - واحداً وأربعين (1)، عدا الجرحى، وكان من قوته النادرة، وعظيم بأسه أن يأخذ الرجل منهم بيده ويرمي به فوق البيت كأنّه حجر (2).
ومن المؤكّد أنّه ليس في تاريخ الإنسانيّة مثل هذه البطولة، ولا مثل هذه القوة، وليس ذلك غريباً عليه، فعمه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشجع الناس، وأقواهم بأساً، وأشدّهم عزيمة.
وجعل أنذال أهل الكوفة يرمون مسلماً بالحجارة وقذائف النار من فوق سطوح
بيوتهم، وممّا لا ريب فيه أنّ الحرب لو كانت في البيداء لأتى عليهم مسلم، ولكنّها كانت في الأزقة والشوارع، ومع ذلك فقد فشلت جيوش أنذال أهل الكوفة، وعجزت عن مقاومة البطل العظيم، فقد أشاع فيها القتل والدمار، وأسرع ابن الأشعث بالطلب إلى سيّده ابن مرجانة ليمده بالخيل والرجال، لأنه لا يقوى على مقاومة هذا البطل العظيم، وبهر الطاغية، وأخذ يندّد بقيادة ابن الأشعث قائلاً: سبحان اللّه ! بعثناك إلى رجل واحد تأتينا به، فثلم في أصحابك هذه الثلمة العظيمة.
وثقل على ابن الأشعث هذا التقريع، فراح يشيد ببطولات ابن عقيل قائلاً:
أتظنّ أنّك أرسلتني إلى بقال من بقالي الكوفة، أو جرمقاني من جرامقة الحيرة، وإنّما بعثتني إلى أسد ضرغام، وسيف حسام في كفّ بطل همام من آل خير الأنام.
وأمدّه ابن زياد بقوّة مكثّفة من الجيش، فجعل بطل الإسلام وفخر عدنان يقاتلهم أشدّ القتال وأعنفه وهو يرتجز :
أَقْسَمْتُ لا أُقْتَلُ إلَّا حُرًا***وإن رَأَيْتُ المَوتَ شَيئاً نُكْرًا
كلّ امرِي يَومَاً مُلَاقٍ شَرًا***أو يُخلط البَارِدُ سُخناً مُرًا
رُدَّ شِعاعُ الشَّمسِ فاستَقَرًا***أَخافُ أَنْ أُكذَبَ أَوْ أَغَرًا (1)
أما أنت يابن عقيل فكنت سيّد الأباة والأحرار، فقد رفعت لواء العزّة والكرامة، ورفعت شعار الحريّة، وأمّا خصومك فهم العبيد الذي رضوا بالذل والهوان، وخضعوا للعبودية والذلّ، لقد أردت أن تحرّرهم، وتعيد لهم الحياة الحرة الكريمة، فأبوا ذلك، وعدوا عليك يقاتلونك، وقد فقدوا بذلك إنسانيتهم، ومقومات حياتهم.
ولما سمع ابن الأشعث رجز مسلم الذي أقسم فيه على أن يموت ميتة الأحرار
1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 280. الكامل في التاريخ : 3 : 273.
والأشراف انبرى إليه ليخدعه قائلاً : إنك لا تكذب، ولا تنخدع، إن القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك، ولا ضارّيك (1).
فلم يحفل مسلم بأكاذيب ابن الأشعث، وراح يقاتلهم أعنف القتال وأشدّه، ففروا منهزمين من بين يديه، وهو يحصد رؤوسهم، وجعلوا يرمونه بالحجارة، فأنكر عليهم مسلم ذلك وصاح بهم : ويلكم ! ما لكم ترمونني بالحجارة كما تُرمى الكفّار وأنا من أهل بيت الأبرار، ويلكم ! أما ترعون حقّ رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وذريته.
إنّ هؤلاء الأجلاف قد فقدوا جميع القيم والأعراف، فلم يرعوا أية حرمة لرسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) الذي حررهم من حياة التيه في الصحراء، وأقام لهم حضارة لم تعهدها الأمم والشعوب، فكان جزاؤه منهم أن عدوا على أبنائه وذرّيّته فأوسعوهم قتلاً وتنكيلاً.
وعلى أي حال، فإنّ جيوش ابن زياد لم تستطع مقاومة البطل العظيم وبان عليهم الانكسار، وضاق بابن الأشعث أمره، فدنا من مسلم ورفع عقيرته قائلاً: يابن عقيل، لا تقتل نفسك، أنت آمن، ودمك في عنقي.
ولم يعن مسلم بأمان ابن الأشعث لعلمه أنّه من أسرة خبيثة لا تعرف أي معنى من معاني النبل والوفاء، فردّ عليه قائلاً: يابن الأشعث، لا أعطي بيدي أبداً، وأنا أقدر على القتال، واللّه لا كان ذلك أبداً.
وحمل عليه مسلم ففرّ الجبان منهزماً يلهث كالكلب، وأخذ العطش القاسي من مسلم مأخذاً عظيماً، فجعل يقول : اللهم إن العطش قد بلغ منّي.
وتكاثرت الجنود على مسلم، وقد استولى عليهم الرعب والخوف، وصاح بهم ابن الأشعث : إنّ هذا هو العار والفشل أن تجزعوا من رجل واحد هذا الجزع، احملوا عليه بأجمعكم حملة واحدة
1) الكامل في التاريخ : 3: 273.
فحمل الأوغاد اللثام على مسلم، وجعلوا يطعنونه برماحهم، ويضربونه بسيوفهم، وقد ضربه الوغد بكير بن حمران الأحمري ضربة منكرة على شفته العليا، وأسرع السيف إلى السفلى، وضربه مسلم ضربة أردته إلى الأرض.
وأعيى مسلماً نزيف الدم، وقد أثخن بالجراح، فانهارت قواه، ولم يتمكن على المقاومة، فوقع أسيراً بأيدي أولئك الأقزام، وتسابقوا إلى ابن مرجانة يحملون له البشري بأسرهم للقائد العظيم الذي جاء ليقيم في بلادهم حكم القرآن، ويحرّرهم من جور الأمويّين وظلمهم، وطار ابن مرجانة فرحاً، فقد ظفر بخصمه، وتم له القضاء على الثورة، وحُمل مسلم أسيراً إلى عبد الأمويّين وعميلهم، وقد ازدحمت الجماهير التي بايعته وأعطته العهود والمواثيق ببيعته، إلا أنّهم خانوا بذلك، وراحوا يقاتلونه.
وانتهي بمسلم إلى قصر الإمارة، وقد أخذ العطش منه مأخذاً عظيماً، فرأى جرّة فيها ماء بارد، فالتفت إلى من حوله، فقال لهم : اسقوني من هذا الماء.
فانبرى له اللئيم الدنس عميل الأمويّين مسلم بن عمر و الباهلي، فقال له : أتراها ما أبردها، واللّه لا تذوق منها قطرة حتّى تذوق الحميم في نار جهنّم.
ودلّت هذه البادرة وغيرها ممّا صدر من هؤلاء الممسوخين على تجردهم من جميع القيم الإنسانيّة.
ومن المؤكد أنّ هذا هو السمت البارز من أخلاق السفلة الساقطين من قتلة الأنبياء والمصلحين، وبهر مسلم من هذا الإنسان الممسوخ، فقال له : من أنت ؟
فأجابه الباهلي بأنه من خدام السلطة وأذنابها قائلاً: أنا من عرف الحقّ إذ تركته، ونصح الأمة والإمام إذ غششته، وسمع وأطاع إذ عصيته، أنا مسلم بن عمر و الباهلي.
أي حقّ عرفه هذا الجلف الجافي، وهو والأكثرية الساحقة من المجتمع الذي عاش فيه قد غرقوا في الباطل والمنكر.
إن غاية ما يفخر به الوغد تماديه في خدمة ابن مرجانة الذي هو أقذر مخلوق عرفه التاريخ البشري، وردّ عليه مسلم بمنطقه الفيّاض قائلاً لأمّك الشكل، ما أجفاك وأفظك، وأقسى قلبك، أنت يابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم منّي.
وكان عمارة بن عقبة حاضراً فاستحيا من جفوة الباهلي ولؤمه، فدعا بماء بارد قصبه في قدح، وناوله إلى مسلم، وكلما أراد أن يشرب امتلأ القدح دماً، وفعل ذلك ثلاثاً، فقال : لو كان لي الرزق المقسوم لشربته (1).
وادخل قمر عدنان على ابن مرجانة، فسلّم على الحاضرين ولم يسلم عليه فأنكر عليه بعض صعاليك الكوفة قائلاً: هل تسلّم على الأمير ؟
فصاح به البطل العظيم محتقراً له ولأميره قائلاً: اسكت لا أم لك، واللّه ليس لي بأمير فأسلّم عليه.
وتميز الطاغية غيظاً فراح يقول : لا عليك، سلّمت أم لم تسلّم فإنك مقتول.
إن بضاعة هذا الطاغية هي القتل والدمار، وهي محالاً تخيف الأحرار أمثال مسلم ممّن صنعوا تاريخ هذه الأمة، وأقاموا كيانها الحضاري والفكري، وجرت بين مسلم وبين ابن مرجانة كثير من المحاورات أثبت فيها مسلم صلابته وقوة عزيمته، وعدم انهياره أمام الطاغية، وأثبت بشجاعته أنّه من أفذاذ التاريخ.
1) الكامل في التاريخ : 3 : 273.
والتفت العتُلّ الزنيم ابن مرجانة إلى بكير بن حمران الذي ضربه مسلم، فقال له : خذ مسلماً، واصعد به إلى أعلى القصر، واضرب عنقه بيدك ليكون ذلك أشفى الصدرك، واستقبل مسلم الموت بثغر باسم، فقد بقي رابط الجأش، قوي العزيمة، مطمئن النفس، فصعد به إلى أعلى القصر، وهو يسبّح اللّه ويقدسه، ويدعو على السفكة المجرمين، وأشرف به الجلاد على موضع الحذائين فضرب عنقه، ورمى بجسده إلى الأرض، وهكذا انتهت حياة هذا البطل العظيم الذي استشهد دفاعاً عن حقوق المظلومين والمضطهدين، ودفاعاً عن كرامة الإنسان وقضاياه المصيرية، وهو أول شهيد من الأسرة النبوية يقتل علناً أمام المسلمين، ولم يهبوا لانقاذه والدفاع عنه.
وأمر سليل الغدر والخيانة بعد قتل مسلم بإعدام الزعيم الكبير، والعضو البارز في الثورة هانئ بن عروة، فأخرج من السجن وهو يصيح أمام أسرته التي هي كالحشرات :قائلاً وامذحجاه.. واعشيرتاه.
ولو كان عند أسرته صبابة من الغيرة والحميّة لهبّت لإنقاذ زعيمها العظيم الذي كان لها كالأب، والذي قدّم لها جميع الخدمات، ولكنها كبقية قبائل الكوفة قد طلقت المعروف ثلاثاً، ولا عهد لها بالشرف والكرامة.
وجيء بهانئ إلى ساحة يباع فيها الأغنام، فنفّذ الجلادون فيه حكم الإعدام، فهوى إلى الأرض يتخبّط بدم الشهادة.. لقد استشهد هانئ دون مبادئه وعقيدته، وقد انطوت بشهادته أروع صفحة من صفحات البطولة والجهاد في الإسلام.
وقام عملاء ابن زياد وعبيده من الانتهازيين والغوغاء فسحلوا جنّة مسلم وهانئ في الشوارع والأزقة، وذلك لإخافة العامّة، وشيوع الارهاب بين الناس، والاستهانة بشيعة مسلم وأنصاره، وقد انتهت بذلك الثورة العملاقة التي كانت تهدف إلى إشاعة العدل والأمن والرخاء بين الناس، وقد خلد الكوفيون بعد فشل الثورة إلى الذل والعبودية، وأمعن الطاغية في ظلمهم فأعلن الأحكام العرفية في بلادهم، وأخذ يقتل على الظنّة والتهمة، ويأخذ البريء بالمذنب، كما فعل أبوه زياد من قبل، وقد ساقهم كالأغنام لأفظع جريمة عرفها التاريخ البشري وهي حربهم لحفيد النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)
وغادر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مكّة ولم يمكث فيها، فقد علم أن الطاغية يزيد قد دسّ عصابة من الارهابيين لاغتياله، وإن كان متعلقاً بأستار الكعبة، فخاف أن يراق دمه في البيت الحرام، وفي الشهر الحرام.
وبالإضافة إلى ذلك فإنّ سفيره مسلم بن عقيل قد كتب إليه يحثّه على القدوم إلى الكوفة، وأن أهلها يترقبون قدومه، ويفدونه بأرواحهم ودمائهم، ويقدمون له الدعم الكامل لتشكيل حكومة علويّة في بلادهم.
وسار الإمام مع عائلته تحفّ بها الكوكبة المشرقة من شباب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين يمثلون القوة والعزم والإباء، وعلى رأسهم سيدنا أبو الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكانت رايته ترفرف على رأس أخيه أبي الأحرار من مكّة المكرمة إلى أرض الشهادة والفداء كربلاء، وكان يراقب بدقة حركة القافلة وسيرها خوفاً على عيال أخيه وأطفاله من أن يصيبهم عناء أو أذى من وعورة الطريق، وقد تكفّل بجميع شؤونهم وما يحتاجون إليه، وقد وجدوا في رعايته وحنانه من البرّ ما يفوق حد الوصف.
وواصل الإمام مسيرته الخالدة، وقد طافت به هواجس مريرة، فقد أيقن أنه سيلاقي مصرعه، ومصارع أهل بيته على أيدي هؤلاء الذين كاتبوه بالقدوم إلى مصرهم، وقد تشرّف بمقابلته في الطريق الشاعر الكبير الفرزدق همام بن غالب، فسلم عليه وحياه، وقال له : بأبي أنت وأمي يابن رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) ما أعجلك عن الحج ؟
فأحاطه الإمام علماً بما عزمت عليه السلطة من اغتياله قائلاً: لَوْ لَمْ أَعْجَلْ لأُخِذتُ (1).
وسارع الإمام قائلاً: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ يا أَبا فِرَاسٍ ؟
أَخْبِرْنِي عَنِ النَّاسِ خَلْفَكَ ؟
كشف الفرزدق للإمام بوعي وصدق الحالة الراهنة في الكوفة، وأنها لا تبشّر بخير، ولا تدعو إلى التفاؤل قائلاً: على الخبير سقطت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، واللّه يفعل ما يشاء.. وربنا كلّ يوم هو في شأن.
واستصوب الإمام حديث الفرزدق، وأخبره عن عزمه الجبار وإرادته الصلبة، وأنّه ماض قدماً في جهاده، وذبّه عن حرمة الإسلام، فإن نال ما يرومه فذاك وإلا فالشهاده في سبيل اللّه قائلا له :
«صَدَقْتَ للّه الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ، يَفْعَلُ اللّه مَا يَشَاءُ، وَكُلُّ يَوْمٍ رَبُّنَا فِي شَأْنٍ، إِنْ نَزَلَ القَضاءُ بِما نُحِبُّ فَنَحْمَدُ اللّه عَلَى نَعْمَائِهِ، وَهُوَ الْمُستَعانُ عَلَى أَدَاءِ الشُّكْرِ، وَإنْ حالَ القَضاءُ دُونَ الرَّجاءِ فَلَمْ يَتَعَدَّ مَنْ كانَ الحقّ نِيَّتَهُ وَالتَّقْوَى سَرِيرَتَهُ» (2).
وأنشأ الإمام هذه الأبيات :
لَئِنْ كانَتِ الدُّنْيا تُعَدُّ نَفِيسَةً***فَإِنَّ ثَوَابَ اللّه أَعْلَى وأنبَلُ
وَإِنْ كَانَتِ الأَبْدانُ لِلمَوْتِ أُنشِئَتْ***فَقَتل امرئٍ بِالسَّيفِ فِي اللّه أَفضَلُ
وإِن كانَتِ الأَرزَاقُ قِسْماً مُقَدَّراً***فَقِلَّةُ حِرص المَرءِ فِي الرِّزْقِ أَجْمَلُ
وَإِنْ كَانَتِ الأموالُ لِلتَّركِ جَمْعُها***فَما بال متروك بِهِ المَرهُ يَبخَلُ (1)
ودلّ هذا الشعر على زهده في الدنيا، ورغبته الملحة في لقاء اللّه تعالى، وأنّه مصمّم أشدّ ما يكون التصميم على الجهاد والشهادة في سبيل اللّه.
إنّ التقاء الإمام مع الفرزدق كشف عن خنوع الناس، وعدم اندفاعهم لنصرة الحقّ، فالفرزدق الذي كان يملك وعياً اجتماعياً، ووعياً ثقافيّاً متميزاً رأى ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وهو ماض في طريقه إلى الشهادة، قد تظافرت قوى الباطل على حربه، فلم يندفع إلى نصرته والالتحاق بموكبه، واختار الحياة على الشهادة، فإذا كان هذا حال الفرزدق فكيف بغيره من جهال الناس وسوادهم.
وسارت قافلة أبي الأحرار تطوي البيداء لا تلوي على شيء حتّى انتهت إلى (زرود) (2)، وإذا برجل قد أقبل من جهة الكوفة، فلما رأى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عدل عن الطريق وقد وقف الإمام يريد مسألته، فلما رآه قد مال عنه واصل سيره، وكان مع الإمام عبد اللّه بن سليمان، والمنذر بن المشمعل الأسديان، فسارعا نحو الرجل حينما عرفا رغبة الإمام في سؤاله، فأدركاه وسألاه عن خبر الكوفة، فقال لهما : إنّه لم يخرج حتّى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة، ورآهما يجرّان بأرجلهما في الأسواق، فودّعاه وأقبلا مسرعين حتّى التحقا بالإمام، فلما نزل
الثعلبيّة (1)قالا له : رحمك اللّه، إنّ عندنا أخباراً إن شئت حدّثناك بها علانية، وإن شئت سراً.
ونظر الإمام إلى أصحابه الممجدين، فقال : ما دُونَ هَؤُلَاءِ سِرُّ.
أرأيت الراكب الذي استقبلته عشاء أمس ؟
نَعَم، وقَدْ أَرَدْتُ مَسأَلْتَهُ.
قد واللّه استبرأنا لك خبره، وكفيناك مسألته، وهو امرؤ منا ذو رأي وصدق وعقل، وإنّه حدّثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتّى قتل مسلم وهانئ ورأهما يُجران في السوق بأرجلهما (2).
وتصدّعت قلوب العلويين وشيعتهم من هذا النبأ المفجع، وانفجروا بالبكاء واللوعة، حتّى ارتج الموضع بالبكاء، وسالت الدموع كالسيل (3)، وشاركت السيدات من أهل البيت بالبكاء، وقد استبان لهم غدر أهل الكوفة ونكثهم لبيعة الإمام، وأنهم سيلاقون المصير الذي لاقاه مسلم، والتفت إلى بني عقيل، فقال لهم : ما تَرَوْنَ، فَقَدْ قُتِلَ مُسْلِمٌ ؟
ووثبت الفتية وهي تعلن استهانتها بالموت، وسخريتها من الحياة، مصمّمة على المنهج الذي سار عليه مسلم قائلين : لا واللّه، لا نرجع حتّى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق مسلم.
وراح أبو الأحرار يقول بمقالتهم : لا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَ هؤلاء (4)
وقال متمثلاً:
سَأَمْضِي وَمَا بِالمَوتِ عَارٌ عَلَى الفَتَى***إذَا مَا نَوَى حَقّاً وَجَاهَدَ مُسْلِمًا
وَآسَى الرّجالَ الصَّالِحِينَ بِنَفْسِهِ***وَفارَقَ مَثبُوراً وَخالَفَ مُجْرِما
فَإِن عِشتُ لَمْ أَلدَمْ وَإِنْ مُنُّ لَمْ أُلَمْ***كَفَىٰ بِكَ عَاراً أَنْ تَذِلُّ وتُرْغَمَا (1)
لقد مضيت يا أبا الأحرار قدماً إلى الموت بعزم وتصميم، وأنت مرفوع الرأس، ناصع الجبين في سبيل كرامتك، ولم تخضع ولم تلن لأولئك الأقزام الذين غرقوا فى الرذائل والموبقات.
وسار موكب الإمام لا يلوي على شيء حتّى انتهى إلى (زبالة) (2)، فوافاه النبأ الفظيع بشهادة عبد اللّه بن يقطر، الذي أوفده للقيا مسلم بن عقيل، فقد ألقت الشرطة القبض عليه، وبعثته مخفوراً إلى ابن مرجانة.
فلما مثل عنده صاح به الخبيث الدنس : اصعد المنبر والعن الكذاب - يعني الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - ابن الكذّاب، حتّى أرى رأيي فيك (3).
وظنّ ابن مرجانة أنّه على غرار شرطته، ومن سنخ جلاديه الذين باعوا ضمائرهم عليه، وما درى أنّه من أفذاذ الأحرار الذين تربوا في مدرسة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وسجّلوا الفخر والشرف لهذه الأمّة.
1) الإرشاد : 2 : 80 - 81 أنساب الأشراف: 3 : 382 و 383 تاريخ الأمم والملوك : 4 : 305. الفتوح : 5: 79. الكامل في التاريخ : 3 : 280 و 281. الدر النظيم : 549.
2) زبالة - بضمّ أوّله - : وهو منزل معروف بطريق مكّة من الكوفة، وهي قرية عامرة لها أسواق بين واقصة والثعلبية. معجم البلدان : 3: 145.
3) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 303. الكامل في التاريخ : 3 : 278.
واعتلى البطل العظيم أعواد المنبر، ورفع صوته صوت الحقّ الهادر قائلاً: أيها الناس، أنا رسول الحسين بن فاطمة، لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة الدعيّ ابن الدعي.
واسترسل في خطابه الثوري، وقد دعا فيه إلى نصرة ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) والذب عنه، ومناهضة الحكم الأموي الذي عمد إلى إذلال الإنسان المسلم، وسلب حريته وإرادته، وانتفخت أوداج ابن مرجانة، وورم أنفه، فأمر بإلقاء هذا العملاق من أعلى القصر، فأخذته الشرطة ورمته من أعلى القصر فتكسرت عظامه، ويقي به رمق من الحياة، فأسرع إليه الخبيث عبد الملك اللخمي فذبحه ليتقرب إلى سیّده ابن مرجانة (1).
ولما علم أبو الأحرار بمصرع عبد اللّه شقّ عليه ذلك، ويئس من الحياة، وعلم أنّه يسير نحو الموت، وأمر بجمع أصحابه، والذين اتبعوه طلباً للعافية لا للحقّ، ليعلمهم بما آل إليه أمره من تخاذل الناس عنه، وانصرافهم إلى بني أمية، قائلاً:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ أَتَانَا خَبَرٌ فَظِيعٌ قُتِلَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ، وَهَانِيُّ بْنُ عُرْوَةَ، وَعَبدُ اللّه بْنُ يَقْطُرٍ، وَقَدْ خَذَلَنا شِيعَتُنا، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُم الْإِنْصِرَافَ فَلْيَنْصَرِفْ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ عَلَيْهِ وَلَا ذِمامٌ» (2).
وتفرّق ذوو الأطماع الذين اتبعوه من أجل الغنيمة والظفر ببعض مناصب الدولة، وخلص إليه الصفوة الكريمة من أصحابه الممجّدين الذين اتبعوه على بصيرة من أمرهم وليست عندهم أية أطماع.
لقد صارح الإمام أصحابه بالواقع في تلك المرحلة الحاسمة، فأعلمهم أنه ماض
إلى الشهادة لا إلى الملك والسلطان، وأنّ من يلتحق به سيفوز برضا اللّه، ولو كان الإمام من عشاق السلطة لما أدلى بذلك، وكتم الأمر لأنّه في أمس الحاجة إلى الناصر والمحامي عنه.
لقد كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينصح أصحابه وأهل بيته بالتخلي عنه في كلّ موقف، والسبب في ذلك أن يكونوا على بصيرة من أمرهم، ولا يدعي أحد منهم أنه كان على غير علم بالأمر.
وسار موكب الإمام يطوي البيداء حتّى انتهى إلى (شراف) (1)وفيها عين ماء، فأمر الإمام فتيانه بالاستقاء والاكثار منها، ففعلوا ذلك، وسارت القافلة، فانبرى بعض أصحاب الإمام بالتكبير، فاستغرب الإمام منه، وقال له : اللّه أَكْبَرُ، لِمَ كَبَّرْتَ ؟ !
وأنكر عليه رجل من أصحاب الإمام ممّن عرف الطريق، فقال له : ليس هاهنا نخل، ولكنها أسنة الرماح وآذان الخيل.
وتأملها الإمام فطفق يقول : وأنا أرى ذلك، أي أسنة الرماح وآذان الخيل، وعرف الإمام أنها طلائع الجيش الأموي جاءت لحربه، فقال لأصحابه : أما لَنا مَلْجَأَ نَلْجَاً إِلَيْهِ فَنَجْعَلُهُ فِي ظُهُورنا، ونَستَقْبِلُ القَوْمَ مِنْ وَجْهِ وَاحِدٍ ؟
وكان بعض أصحابه عارفاً بسنن الطريق، فقال له : بلى هذا (ذو حُسم) (2)
لِيَبْكِ عَلَى النُّعْمَانِ شَرْبٌ وَقَينَةٌ***وَمُخْبِطَاتٌ كَالسَّعَالِي أَرَامِلُ
بِذِي حُسَم قَدْ عُرْبَتْ وَيَزِينُها***دِمَاتُ فُلَيج رَهْوها وَالمَحَافِلُ
معجم البلدان : 2: 258. وفي بعض المصادر : (ذو جشم)، (ذو حُسمَى).
إلىجنبك، تميل إليه عن يسارك، فإن سبقت إليه فهو كما تريد (1).
ومال موكب الإمام إليه، فلم يبعد كثيراً حتّى أدركه جيش مكثّف بقيادة الحرّ ابن يزيد الرياحي، قد عهد إليه ابن مرجانة أن يجوب في صحراء الجزيرة للتفتيش عن الإمام والقاء القبض عليه، وكان عدد ذلك الجيش فيما يقول المؤرّخون زهاء ألف فارس، ووقفوا قبال الإمام في وقت الظهر، وقد أشرفوا على الهلاك من شدّة الظمأ، فرق عليهم الإمام، فأمر أصحابه أن يسقوهم الماء، ويرشفوا خيولهم، وسارع أصحابه فسقوا الجيش المعادي لهم عن آخره، ثمّ انعطفوا إلى الخيل فجعلوا يملأون القصاع والطساس، فإذا عبّ الفرس فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت، وسقى الآخر حتّى سقوها عن آخرها (2).
لقد تكرّم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أولئك الوحوش الأنذال الذين جاءوا لحربه فأنقذهم من الظمأ القاتل، ولم تهزّهم هذه الأريحية وهذا النبل، فقابلوه بالعكس، فمنعوا الماء عنه وعن أطفاله، حتّى تفتت قلوبهم من الظمأ
وخطب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطاباً بليغاً في قطعات ذلك الجيش، فأوضح لهم أنّه لم يأتيهم محارباً، وإنما جاءهم محرّراً ومنقذاً لهم من جور الأمويّين وظلمهم، وقد توافدت عليه وفودهم وكتبهم تحثّه بالقدوم لمصرهم ليقيم دولة القرآن والإسلام، وهذه فقرات من خطابه الشريف :
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّها مَعْذِرَةٌ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَيْكُمْ، إِنِّي لَمْ آتِكُمْ حتّى أَتَتْنِي كُتُبُكُمْ، وَقَدِمَتْ بِها عَلَى رُسُلُكُمْ أَنْ أَقْدِمْ عَلَيْنا فَإِنَّهُ لَيْسَ لَنَا إِمَامٌ، وَلَعَلَّ اللّه أَنْ يَجْمَعَنَا بِكَ عَلَى الهُدَى، فَإِنْ كُنتُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ جِئْتُكُمْ، فَإِنْ تُعْطُونِي مَا أَطْمَئِنُّ بِهِ مِنْ عُهُودِكُمْ وَمَواثِيقِكُمْ أَقْدِمُ مِصْرَكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَكُنتُمْ لِمَقْدَمِي كارِهِينَ انْصَرَفْتُ عَنْكُمْ إِلَى الْمَكانِ الَّذِي أَقْبَلْتُ مِنْهُ إِلَيْكُمْ.
وأحجموا عن الجواب لأنّ أكثرهم ممّن كاتبوه وبايعوه على يد سفيره العظيم مسلم بن عقيل.
وحضر وقت صلاة الظهر، فأمر الإمام مؤذنه الحجّاج بن مسروق أن يؤذن ويقيم للصلاة، وبعد فراغه التفت الإمام إلى الحرّ، فقال له : أَتُرِيدُ أَنْ تُصَلِّيَ بِأَصْحَابِكَ ؟
فقال الحرّ بأدب : بلى نصلّي بصلاتك.
وانتم الجيش بريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وبعد الفراغ من الصلاة انصرفوا إلى أخبيتهم، ولما حضر وقت صلاة العصر جاء الحرّ مع قومه فاقتدوا بالإمام في الصلاة، وبعد الانتهاء منها خطب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطاباً رائعاً، فقد قال - بعد حمد اللّه والثناء عليه - :
أَمَّا بَعْدُ أَيُّها النَّاسُ، إِنَّكُمْ إِنْ تَتَّقُوا اللّه، وَتَعْرِفُوا الحقّ لِأَهْلِهِ يَكُنْ أَرْضَى اللّه عَنْكُمْ، ونَحنُ أَهْلُ بَيْتِ محمّد وَأَوْلى بِوِلَايَةِ هذَا الأَمْرِ عَلَيْكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُدَّعِينَ مَا لَيْسَ لَهُمْ، وَالسَّائِرِينَ فِيكُمْ بِالْجَوْرِ وَالْعُدْوانِ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا كَرَاهِيَةً لَنَا، وَالْجَهْلَ بِحَقِّنا، فَكانَ رَأَيْكُمُ الآنَ عَلَى غَير ما أَتَتْنِي بِهِ كُتُبُكُمْ، وَقَدِمَتْ بِهِ عَلَى رُسُلُكُمُ انْصَرَفْتُ عَنْكُمْ (1).
لقد دعاهم إلى تقوى اللّه، ومعرفة أهل الحقّ ودعاة العدل، فإن في ذلك رضاً للّه
1) الإرشاد : 2 : 79 و 80. اللهوف : 47 أنساب الأشراف: 3: 381 تاريخ الأمم والملوك : 304:4. الفتوح : 5: 78.
ونجاة لأنفسهم، كما دعاهم إلى مناصرة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) روّاد الشرف والفضيلة، ودعاة العدل الاجتماعي في الإسلام، وهم أولى وأحق بولاية أمور المسلمين من بني أمية الذين حكموا فيهم بغير ما أنزل اللّه، وإذا لم يستجيبوا لذلك، وتبدلت نياتهم، فإنّه ينصرف عنهم إلى المكان الذي جاء منه.
وانبرى إليه الحرّ، وكان لا يعلم بشأن الكتب التي بعثتها جماهير أهل الكوفة إلى الإمام، فقال له : ما هذه الكتب التي تذكرها ؟
فأمر الإمام عقبة بن سمعان بإحضارها، فأخرج خرجين مملوئين صحفاً، فنشرها بين يدي الحرّ، فبهر منها، وجعل يتأمل فيها، وقال للإمام : لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك.
ورام الإمام أن ينصرف إلى المكان الذي جاء منه، فمنعه الحرّ، وقال له : إنّي لا أفارقك إذا لقيتك حتّى أقدمك الكوفة على ابن زياد.
ولذعت الإمام هذه الكلمات القاسية، فثار في وجه الحرّ، وصاح به : الْمَوْتُ أَدْنَى إِلَيْكَ مِن ذَلِكَ.
وأمر الإمام أصحابه بالركوب، فلما استووا على رواحلهم أمرهم بالتوجه إلى يثرب، فحال الحرّ بينهم وبين ذلك، فصاح به الحسين : ثَكَلَتْكَ أُمُّكَ، ما تُرِيدُ ؟
وأطرق الحرّ برأسه إلى الأرض وتأمّل، ثمّ رفع رأسه إلى الإمام وقال له بأدب : ولكن واللّه ما لي إلى ذكر أمّك من سبيل إلا بأحسن ما يقدر عليه.
وسكن غضب الإمام، وأعاد عليه القول : ما تُرِيدُ مِنَّا ؟
أريد أن أنطلق بك إلى ابن زياد.
وَاللّه لَا أَتَّبِعُكَ.
إذن واللّه لا أدعك.
إنّي لم أؤمر بقتالك، وإنّما أمرت أن لا أفارقك حتّى أقدمك الكوفة، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة، ولا يردّك إلى المدينة حتّى أكتب إلى ابن زياد، فلعل اللّه أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلي بأمرك (1).
واتفقا على هذا الأمر، فتياسر الإمام عن طريق العذيب والقادسية، وأخذت قافلة الإمام تطوي البيداء، وكان الحرّ مع جيشه يتابع الإمام عن كثيب ويراقبه أشدّ ما تكون المراقبة.
وانتهى موكب الإمام إلى (البيضة) (2)فألقى الإمام خطاباً رائعاً على الحرّ وأصحابه أعلن فيه عن دوافع ثورته ودعاهم إلى مناصرته، وكان من بنود هذا الخطاب هذه الفقرات :
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) قَالَ : مَنْ رَأَى سُلْطَاناً جَائِراً مُسْتَحِلَا لِحُرَمِ اللّه، ناكِثاً لعَهْدِ اللّه، مُخالِفاً لِسُنَّةِ رَسُولِ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) يَعْمَلُ فِي عِبَادِ اللّه بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ، فَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِ بِفِعْلٍ وَلَا قَوْلٍ كَانَ حَقًّا عَلَى اللّه أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَهُ.
أَلَا وَإِنَّ هَؤُلاءِ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ وتَرَكُوا طاعَةَ الرَّحْمَنِ، وَأَظْهَرُوا الْفَسَادَ، وعطلُوا الْحُدُودَ، وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ، وَأَحَلُوا حَرامَ اللّه، وَحَرَّمُوا حَلَالَهُ، وَأَنَا أَحَقُّ ممّن غَيَّرَ (3)، وَقَدْ أَتَتْنِي كُتُبُكُمْ، وَقَدِمَتْ عَلَيَّ رُسُلُكُمْ بِبَيْعَتِكُمْ أَنَّكُمْ لَا تُسْلِمُونِي،
1) الإرشاد : 2 : 80 أنساب الأشراف: 3: 380 و 381 تاريخ الأمم والملوك : 304:4. الفتوح : 5 : 78 - 79 الكامل في التاريخ : 3 : 280 و 281.
2) البيضة : - بكسر الباء - موضع بين العذيب وواقصة في أرض الحزن من ديار بني يربوع ابن حنظلة. معجم البلدان : 1 : 631 - 632.
3) وفي الفتوح : 5 : 81: «وَأَنَا أَحَقُّ مِن غَيْرِي بِهذَا الْأَمْرِ ؛ لِقَرَابَتِي مِنْ رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)».
وَلَا تَخْذُلُونِي، فَإِنْ أَقَمْتُمْ عَلَى بَيْعَنِكُمْ تُصِيبُوا رُشْدَكُمْ وَأَنَا الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٌّ وَابْنُ فاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، نَفْسِي مَعَ أَنْفُسِكُمْ وَأَهْلِي مَعَ أَهْلِيكُمْ، فَلَكُمْ فِيَّ أَسْوَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا، وَنَقَضْتُمْ عَهْدَكُمْ، وَخَلَعْتُمْ بَيْعَتِي، فَلَعَمْرِي مَا هِيَ لَكُمْ بِنُكْرٍ، لَقَدْ فَعَلْتُمُوها بِأَبِي وَأَخِي وَابْنِ عَمِّي مُسْلِمٍ، فَالْمَغْرُورُ مَن اغْتَرَّ بِكُمْ، فَحَظُّكُمْ أَخْطَأْتُمْ، وَنَصِيبُكُمْ ضَيَّعْتُمْ، وَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَسَيُغْنِي اللّه عَنْكُمْ، وَالسَّلامُ (1).
وأعلن أبو الأحرار في هذا الخطاب الرائع دوافع ثورته المقدّسة على حكومة يزيد، وأنّها لم تكن من أجل المطامع والأغراض الشخصية الخاصة، وإنما كانت استجابة للواجب الديني الذي لا يقرّ بأي حال من الأحوال حكومة السلطان الجائر الذي يستحل حرمات اللّه، وينكث عهده، ويخالف سنة رسوله، وإن من لم يندفع إلى ساحات الجهاد لمناهضته فإنّه يكون شريكاً له في ظلمه وجوره.
كما ندّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالأمويّين وقد نعتهم بأنّهم قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، واستأثروا بالفيء، وعطلوا حدود اللّه، والإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحقّ وأولى من غيره بتغيير الأوضاع الراهنة وإعادة الحياة الإسلاميّة المشرقة إلى مجراها الطبيعي بين المسلمين.
وأعرب لهم أنّه إذا تقلد شؤون الحكم فسيجعل نفسه مع أنفسهم، وأهله مع أهليهم من دون أن يكون له أي امتياز عليهم، وقد وضع الإمام بهذا الخطاب النقاط على الحروف، وفتح لهم منافذ النور لو كانوا يبصرون.
ولمّا أنهى الإمام خطابه قام إليه الحرّ، فقال له : إنّي أذكرك اللّه في نفسك، فإنِّي أشهد لئن قاتلت لتقتلن.
وردّ عليه أبو الشهداء قائلاً: أَفَبِالْمَوتِ تُخَوِّفُنِي ؟! وَهَلْ يَعدُو بِكُمُ الْخَطْبُ أَنْ
1) تاريخ الأمم والملوك : 4 : 304 و 305. الكامل في التاريخ : 3: 280.
تَقْتُلُونِي وَسَأَقُولُ كَما قالَ أَخُو الْأَوْسِ لِابْنِ عَمِّهِ وَهُوَ يُرِيدُ نُصْرَةَ رَسُولِ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) فَخَوَّفَهُ ابْنُ عَمِّهِ وَقالَ : أَيْنَ تَذْهَبُ ؟ فَإِنَّكَ مَقْتُولٌ، فَقَالَ:
سَأَمْضِي وَمَا بِالمَوتِ عَارٌ عَلَى الفَتَى***إذَا مَا نَوَى حَقّاً وَجَاهَدَ مُسْلِمَا
واسى الرجال الصَّالِحينَ بنَفْسِهِ***وَفارَقَ مَثبُوراً وَخالَفَ مُجْرِما
فَإِنْ عِشْتُ لَمْ أَنْدَمْ وَإِنْ مُتُّ لَمْ أَلَمْ***كَفَى بِكَ ذُلاً أَنْ تَعِيشَ وَتُرْغَمَا (1)
ولما سمع الحرّ ذلك تنحى عنه، وعرف أنه مصمّم على الموت والتضحية لإنقاذ المسلمين من ويلات الأمويّين وجورهم.
وتابعت قافلة الإمام سيرها في البيداء، وهي تارة تتيامن، وأخرى تتياسر، وجنود الحرّ يذودون الركب عن البادية، ويدفعونه تجاه الكوفة، والركب يمتنع عليهم، وبينما هم كذلك وإذا براكب يجد في سيره، فلبثوا هنيهة ينتظرونه فإذا به رسول من ابن زياد إلى الحرّ، فسلّم الخبيث على الحرّ ولم يسلّم على ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وناول الحرّ رسالة من ابن مرجانة جاء فيها :
أمّا بعد : فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي، ويقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمري، والسلام.
وأعرض ابن مرجانة عمّا عهد به إلى الحرّ من إلقاء القبض على الإمام، وإرساله مخفوراً إلى الكوفة، ومن المحتمل أنه خاف من تطوّر الأحداث، وانقلاب الأوضاع عليه إن وصل الإمام إلى الكوفة، فرأى التحجير في الصحراء بعيداً عن المدن أولى
1) الإرشاد : 2 : 80 و 81 أنساب الأشراف: 3 : 382 و 383 تاريخ الأمم والملوك : 4 : 305. الفتوح : 5: 79. الكامل في التاريخ : 3 : 280 و 281.
بالوصول إلى أهدافه.
وقرأ الحرّكتاب ابن مرجانة على الإمام، وكان يريد أن يستأنف سيره ليحط رحله صوب قرية أو ماء، فامتنع عليه الحرّ لأنّ نظرات الرقيب الوافد من ابن زياد كانت تتابعه، وكان يسجّل عليه كلّ بادرة يخالف أوامر سيّده ابن مرجانة، وأشار زهير بن القين - وهو من أعلام أنصار الإمام، ومن خلّص أصحابه - عليه أن يبادر إلى قتال الحرّ، فامتنع عليه الإمام، وقال : ما كُنْتُ لأبْدَأَهُمْ بِقِتال.
وكان ركب الإمام في كربلاء، فأصرّ عليه الحرّ أن ينزل فيها، ولم يجد الإمام بُداً من النزول، فالتفت إلى أصحابه قائلاً: ما اسْمُ هَذَا الْمَكانِ ؟
وفاضت عيناه بالدموع، وراح يقول : اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَرْبِ وَالْبَلَاءِ (1)
وفي تذكرة الخواص : 225 : «أنّه لما قيل للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : هذه أرض كربلاء أخذ ترابها فشمها، وقال : هَذِهِ وَاللّه هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا جَبْرَئِيلُ رَسُولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وَإِنَّنِي أَقْتَلُ فيها».
وجاء في حياة الحيوان / الدميري : 1 : 87 : «أنّ الحسين سأل عن اسم المكان فقيل له : كربلاء، فقال : ذَاتُ كَرْبِ وَبَلاءِ، لَقَدْ مَرَّ أَبِي بِهَذَا الْمَكَانِ عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَىٰ صِفِّينَ وَأَنَا مَعَهُ، فَوَقَفَ وَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ بِاسْمِهِ، فَقَالَ : هَاهُنَا مَحَطُ رِحَالِهِمْ، وَهَاهُنَا مُهرَاقُ دِمَائِهِمْ فَسُئِلَ عَنْ ذلِكَ.
فَقَالَ : نَفَرٌ مِنْ آلِ محمّد يَنْزِلُونَ هَاهُنَا»، ثم أمر بأثقاله فحطت في ذلك المكان. وكذلك جاء في مختصر صفوة الصفوة : 262.
.وأيقن الإمام بنزول الرزء القاصم، فالتفت إلى أصحابه ينعى إليهم نفسه ونفوسهم
1) الفتوح : 5 : 81.
قائلاً: هَذَا مَوْضِعُ كَرْبِ وَبَلاء، انْزِلُوا هاهنا مُناخُ رِكابِنا، وَمَحَطُّ رِحالنا، وَسَفْك دمائنا (1).
وسارع أبو الفضل العبّاس مع الفتية من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وسائر الأصحاب الممجّدين إلى نصب الخيام لعقائل الوحي ومخدّرات النبوّة، وقد خيم عليهن الرعب، وأيقن بمواجهة الأحداث الرهيبة على صعيد هذه الأرض.
ورفع الإمام الممتحن يديه بالدعاء إلى اللّه شاكياً إليه ما ألم به من عظيم المحن والخطوب قائلاً:
اللهُمَّ إِنَّا عِتْرَةُ نَبِيِّكَ محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) قَد أُخْرِجْنَا وَأُزْعِجْنَا وَطُرِدْنا عَنْ حَرَمِ جَدَّنا، وَتَعَدَّتْ بَنُو أُمَيَّةَ عَلَيْنا، اللهُمَّ فَخُذْ لَنا بِحَقِّنا وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الظَّالِمِينَ.
وأقبل الإمام على أهل بيته وأصحابه، فقال لهم : النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيا وَالدِّينُ لَعِقٌ عَلى أَلْسِنَتِهِمْ يَحُوطُونَهُ ما دَرَّتْ مَعايِشُهُمْ، فَإِذا مُحْصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَانُونَ (2)
وضبط أبو هلال الحسن بن عبد اللّه العسكري في كتابه (الصناعتين) كلام الإمام الحسين بهذه الصورة : «النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيَا، وَالدِّينُ لَغْوَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ بِهِ مَعَايِشُهُمْ، فَإِذَا مُحْصُوا بِالْبَلَاءِ فَلْ الدَّيانُونَ».
.يا لها من كلمات ذهبية حكت واقع الناس واتجاهاتهم في جميع مراحل التاريخ، فهم عبيد الدنيا وعبيد السلطة، وأما الدين والمثل العليا فلاظل لها في أعماق نفوسهم، فإذا دهمتهم عاصفة أو بلاء هربوا من الدين، ولم يثبت عليه إلا من امتحن اللّه قلبه للإيمان أمثال الصفوة العظيمة من أهل بيت الحسين وأصحابه.
ثمّ حمد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللّه وأثنى عليه، والتفت إلى أصحابه قائلاً:
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ نَزَلَ بنا ما قَدْ تَرَوْنَ، وَإِنَّ الدُّنْيا قَدْ تَغَيَّرَتْ، وَتَنَكَّرَتْ وَأَدْبَرَ مَعْرُوفُها،
وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صَبابَةٌ كَصَبَابَةِ الْإِناءِ، وَخَسِيسُ عَيْشِ كَالْمَرْعَى الْوَبِيلِ (1)، أَلَا تَرَوْنَ إِلَى الحقّ لَا يُعْمَلُ بِهِ، وَإِلَى الْباطِلِ لَا يُتَناهَى عَنْهُ، لِيَرْغَبَ الْمُؤْمِنُ فِي لِقاءِ اللّه، فَإِنِّي لا أَرَى الْمَوْتَ إلا سعادةً وَالْحَياةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً (2).
لقد أعلن أبو الأحرار بهذا الخطاب عمّا حلّ به من المحن والبلوى، وأعلم أهل بيته وأصحابه عن عزمه الجبار وإرادته الصلبة في مقارعة الباطل، وإقامة الحقّ الذي آمن به في جميع أدوار حياته.
وقد وجّه إليهم هذا الخطاب ليكونوا على بينة من أمرهم، ويشاركوه في تحمّل المسؤولية، وقد هبوا جميعاً وهم يسجلون في تاريخ البشرية أروع الأمثلة للتضحية والفداء من أجل إقامة دولة الإسلام.
وكان أوّل من تكلّم منهم زهير بن القين، وهو من أفذاذ الأحرار، فقال له : سمعنا - یابن رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) - مقالتك، ولو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها مخلّدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها (3).
ومثّلت هذه الكلمات شرف الإنسان الذي لا يضاهيه شرف، وقد حكى ما في نفوس أصحابه الأحرار من الولاء لريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، والتفاني في سبيله.
وانبرى بطل آخر من أصحاب الإمام وهو برير (4)
راجع تاج العروس : 3 : 183.
ذكر علماء السير : أن الرجل كان شجاعاً تابعيّاً ناسكاً قارئاً للقرآن، من شيوخ القراء، و من أصحاب أمير المؤمنين اللّه، وكان من أشراف أهل الكوفة من الهمدانيين، وله كتاب القضايا والأحكام يرويه عن أمير المؤمنين وعن الحسن (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وكتابه من الأصول المعتبرة عند الأصحاب. تنقيح المقال / المامقاني : 1 : 167.
الذي وهب حياته اللّه، فقال له :1) المرعى الوبيل : هو الطعام الوخيم الذي يخاف وباله، أي سوء عاقبته. لسان العرب : 15: 202 - وبل.
2) المعجم الكبير / الطبراني : 3 : 114 - 115، الحديث 2842. حلية الأولياء : 2 : 39 تاريخ مدينة دمشق : 14 : 217 - 218. تاريخ الإسلام - حوادث 61 - 80: 12.
3) اللهوف : 48. بحار الأنوار: 44: 381. عوالم العلوم : 17 : 232. تاريخ الأمم والملوك : 305:4 و 306، وفيه: «قد سمعنا... مخلدين إلا أن فراقها في نصرك ومواساتك لأثرنا...».
4) وفي تاج العروس أثبته يزيد بن خضير، والأصح برير، كما عليه الأكثر.
«يابن رسول اللّه، لقد من اللّه بك علينا أن نقاتل بين يديك، وتقطع فيك أعضاؤنا، ثم يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة» (1).
ولا يوجد في البشريّة مثل هذا الإيمان الخالص، لقد أيقن أن نصرته لابن رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) فضل ومنّة من اللّه عليه ليفوز بشفاعة جده الأعظم يوم يلقى اللّه.
وانبرى بطل آخر من أصحاب الإمام، وهو نافع (2)فأعلن نفس المصير الذي اختاره الأبطال من أصحابه، فقال : «أنت تعلم أنّ جدّك رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) لم يقدر أن لم يشرب الناس محبته، ولا أن يرجعوا إلى أمره ما أحب، وقد كان منهم منافقون يعدونه بالنصر، ويضمرون له الغدر، يلقونه بأحلى من العسل ويخلفونه بأمر من الحنظل، حتّى قبضه اللّه إليه، وإنّ أباك عليّاً قد كان في مثل ذلك، فقوم قد أجمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين حتّى أتاه أجله فمضى إلى رحمة اللّه ورضوانه، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة، فمن نكث عهده، وخلع بيعته فلن يضر إلا نفسه واللّه مغن عنه، فسر بنا راشداً معافى مشرقاً إن شئت وإن شئت مغرّباً، فواللّه ما أشفقنا من قدر اللّه، ولا كرهنا لقاء ربنا، وإنا على نياتنا وبصائرنا نوالي من والاك ونعادي من عاداك» (3).
دلّ هذا الخطاب الرائع على وعي نافع، وإدراكه العميق للأحداث، ودراسته لأبعادها، فقد أعرب أنّ الرسول الأعظم اللّه بما يملك من طاقات روحية لم يستطع أن يجمع الناس على محبّته، ويخضعهم إلى الإيمان برسالته، فقد كان هناك طائفة من المنافقين انتشروا في صفوف المسلمين، وهم يضمرون الكفر في دخائل نفوسهم، ويظهرون الإسلام على ألسنتهم، وكانوا يبغون للنبي (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) الغوائل، ويكيدون له في غلس الليل وفي وضح النهار، فقد ابتلي بمثل ما ابتلي به النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، فقد آمن به قوم وحاربه قوم آخرون، وحال الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كحال أبيه وجده صلوات اللّه عليهم، فقد آمنت به قلة مؤمنة من أصحابه، وزحفت لحربه الجموع الهائلة من الذين نزع اللّه الإيمان من قلوبهم.
وعلى أي حال، فقد تكلّم أكثر أصحاب الإمام بمثل كلام نافع، وهم يعلنون له الإخلاص والتفاني، وقد شكرهم الإمام، وأثنى عليهم، ودعا لهم بالمغفرة والرضوان.
وتمت أحلام ابن مرجانة، وتحقّقت آماله حينما استولت طليعة جيوشه على ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وأخذ يطيل النظر فيمن ينتدبه لحربه، ويرشّحه لقيادة قواته المسلّحة، وتصفّح الأرجاس من أذنابه وعملائه، فلم ير رجساً مثل عمر بن سعد يقدم على اقتراف هذه الجريمة، فقد درس نفسيّته، ووقف على ميوله واتجاهاته التي منها الخنوع والمروق من الدين، وعدم المبالاة بارتكاب الآثام والجرائم، والتهالك على المادة، وغير ذلك من نزعاته الشريرة.
وعرض ابن مرجانة سليل الأدعياء على ابن سعد القيام بحرب سبط رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) فامتنع عن إجابته، فهدّده بعزله عن ولاية الريّ، فلم يطق صبراً عنها، فقد سال لها لعابه، فأجابه إلى ذلك وزحف إلى كربلاء ومعه أربعة آلاف فارس.
وهو يعلم أنه خرج لقتال ذرّيّة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) الذين هم خيرة مَن في الأرض، وانتهى الجيش إلى كربلاء فانضمّ إلى الجيش الرابض هناك بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي.
وأمر الطاغية بجمع الناس في رحاب المسجد الأعظم، فهرعوا كالأغنام خوفاً من ابن مرجانة، وقد امتلأ الجامع منهم، فقام خطيباً، فقال : أيها الناس، إنّكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبّون، وهذا أمير المؤمنين يزيد قد عرفتموه حَسَن السيرة محمود الطريقة محسناً إلى الرعية، يعطي العطاء في حقه، وقد أمنت السبل على عهده، وكذلك كان أبوه معاوية في عصره، وهذا ابنه يزيد من بعده يكرم العباد ويغنيهم بالأموال ويكرمهم، وقد زادكم في أرزاقكم مائة مائة، وأمرني أن أوفرها عليكم، وأُخرجكم إلى حرب عدوه الحسين فاسمعوا له وأطيعوا (1).
لقد خاطبهم باللغة التي يفهمونها ويتهالكون عليها، ويقدمون أرواحهم بسخاء في سبيلها، وهي المادة التي هاموا بحبّها، وقد أجابوه إلى ما أراد فزجهم لاقتراف أفظع جريمة في تاريخ البشريّة.
وأسند القيادة في بعض قطعات جيشه إلى كلّ من الحصين بن نمير، وحجّار بن أبجر، وشمر بن ذي الجوش، وشبث بن ربعي، وغيرهم، وقد زحفوا بمن معهم إلى كربلاء لمساعدة ابن سعد.
وقامت العصابة المجرمة التي تحمل شرور أهل الأرض وخبثهم باحتلال الفرات، ولم تبق شريعة أو منفذ إلا وقد وضع عليها الحرس، وقد صدرت إليهم
1) بحار الأنوار : 44 385. الفتوح : 5 : 89 أنساب الأشراف : 3: 386 و 387.
الأوامر المشدّدة من قبل القيادة العامّة بالحذر واليقظة كي لا تصل قطرة من الماء إلى عترة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) الذين هم من خيرة ما خلق اللّه.
ويقول المؤرّخون : حيل بين الحسين والماء قبل قتله بثلاثة أيّام (1)، وكان ذلك من أعظم ما عاناه الإمام من المحن والخطوب، فكان يسمع صراخ أطفاله وهم ينادون : العطش.. العطش، وذاب قلب الإمام حناناً ورحمة لذلك المشهد الرهيب، فقد ذبلت شفاه أطفاله، وذَوِيَ عودهم، وجف لبن المراضع.
وصوّر أنور الجندي هذا المنظر المفجع بقوله :
وذئاب الشُّرُورِ تَنْعَمُ بالماء***وَأَهْلُ النبيّ مِنْ غَيْرِ ماء
يالِظُّلْم الأَقْدَارِ يَظْمَأُ قَلْبُ اللَّيْثِ***واللَّيْثُ مُوثَقُ الأَعْضاء
وَصِغَارُ الحُسَيْنِ يَبكُونَ فِي الصَّحْراءِ***يا رَبِّ أَيْنَ غَوْثُ القَضاءِ
لقد نزع اللّه الرحمة من قلوبهم، فتنكروا لإنسانيتهم، وتنكّروا لجميع القيم والأعراف، فإنّ جميع الشرائع والمذاهب لا تبيح منع الماء عن النساء والأطفال، فالناس فيه جميعاً شركاء، وقد أكدت ذلك الشريعة الإسلاميّة، واعتبرته حقّاً طبيعيّاً لكلّ إنسان، ولكنّ الجيش الأموي لم يحفل بذلك، فحرم الماء على آل النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وكان بعض الممسوخين يتباهى ويفتخر لحرمانهم الحسين من الماء، فقد انبرى الوغد اللئيم المهاجر بن أوس صوب الإمام رافعاً صوته قائلاً: يا حسين، ألا ترى الماء يلوح كأنّه بطون الحيّات، واللّه لا تذوقه أو تموت دونه.
واشتدّ عمرو بن الحجّاج نحو الحسين، وهو فرح كأنّما ظفر بمكسب أو مغنم :قائلاً: يا حسين، إنّ هذا الفرات تلغ فيه الكلاب، وتشرب فيه الحمير والخنازير،
1) الإرشاد : 2 : 86 و 87 أنساب الأشراف: 3 : 389 تاريخ الأمم والملوك : 4: 613. الكامل في التاريخ : 3 : 283. مرآة الزمان في تاريخ الأعيان : 89.
واللّه لا تذوق منه جرعة حتّى تذوق الحميم في نار جهنم (1).
وكان هذا الوغد الأثيم ممّن كاتب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالقدوم إلى الكوفة.
وانبرى جلف آخر من أوغاد أهل الكوفة وهو عبد اللّه بن الحصين الأزدي فنادى بأعلى صوته لتسمعه مخابرات ابن مرجانة فينال منه جوائزه وهباته، قائلاً: يا حسين، ألا تنظر إلى الماء كأنّه كبد السماء، واللّه لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشاً.
فرفع الإمام يديه بالدعاء عليه قائلاً: اللَّهُمَّ اقْتُلْهُ عَطَشَاً، وَلَا تَغْفِرْ لَهُ أَبَداً (2).
لقد تمادى هؤلاء الممسوخين بالشر، وسقطوا في هوّة سحيقة من الجرائم والآثام ما لها من قرار.
والتاع أبو الفضل أشدّ ما تكون اللوعة ألماً ومحنة حينما رأى أطفال أخيه وأهل بيته وهم يستغيثون من الظمأ القاتل، فانبرى الشهم النبيل لتحصيل الماء وأخذه بالقوة، وقد صحب معه ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً، وحملوا معهم عشرين قربة، وهجموا بأجمعهم على نهر الفرات، وقد تقدّمهم نافع بن هلال المرادي، وهو من أفذاذ أصحاب الإمام الحسين، فاستقبله عمرو بن الحجّاج الزبيدي، وهو من مجرمي حرب كربلاء، وقد عهد إليه حراسة الفرات، فقال لنافع : ما جاء بك ؟
جئنا لنشرب الماء الذي حلاتمونا عنه.
اشرب هنيئاً.
أفأشرب والحسين عطشان، ومن ترى من أصحابه ؟
لا سبيل إلى سقي هؤلاء، إنّما وضعنا بهذا المكان لمنعهم عن الماء.
ولم يعن به الأبطال من أصحاب الإمام، وسخروا من كلامه، فاقتحموا الفرات ليملأوا قربهم منه، فثار في وجوههم عمرو بن الحجّاج ومعه مفرزة من جنوده، والتحم معهم بطل كربلاء أبو الفضل، ونافع بن هلال، ودارت بينهم معركة إلا أنه لم يقتل فيها أحد من الجانبين، وعاد أصحاب الإمام بقيادة أبي الفضل، وقد ملأوا قربهم من الماء.
لقد أروى أبو الفضل عطاشى أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وأنقذهم من الظمأ، وقد منح منذ ذلك اليوم لقب (السقاء) وهو من أشهر ألقابه، وأكثرها ذيوعاً بين الناس، كما أنه من أحب الألقاب وأعزّها عنده (1).
وبادر الخبيث الدنس شمر بن ذي الجوشن إلى سيّده ابن مرجانة، فأخذ منه أماناً لأبي الفضل وإخوته الممجدين، وقد ظنّ أنّه سيخدعهم ويفردهم عن أخيهم أبي الأحرار، وبذلك يضعف جيش الإمام، لأنه يخسر هؤلاء الأبطال الذين هم من أشجع فرسان العرب، وجاء الخبيث يشتد كالكلب وقد وقف أمام جيش الحسين، وهتف منادياً : أين بنو أختنا العبّاس وإخوته ؟
وهبت الفتية كالأسود، فقالوا له : ما تريد يابن ذي الجوشن ؟
فانبری مستبشراً يبدي لهم الحنان المزيف قائلاً : لكم الأمان.
وصاحوا به، وهم يتميّزون من الغيظ، فقد لذعهم قوله : لعنك اللّه ولعن أمانك
1) أنساب الأشراف: 3 : 181.
أتؤمننا وابن بنت رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) لا أمان له (1).
وولى الخبيث خائباً، فقد ظنّ أنّ السادة الأماجد إخوة الإمام من طراز أصحابه الممسوخين الذين باعوا ضمائرهم على ابن مرجانة ووهبوا حياتهم للشيطان، ولم يعلم أنّ إخوة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أفذاذ الدنيا الذين صاغوا الكرامة الإنسانيّة وصنعوا الفخر والمجد للإنسان.
وزحفت طلائع الشرك والكفر لحرب ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) في عصر عصر الخميس لتسع خلون من شهر محرّم، بعد أن صدرت إليهم الأوامر المشدّدة من ابن مرجانة بتعجيل القتال وحسم الموقف خوفاً من تبلور رأي الجيش وحدوث انقسام في صفوفه، وكان الإمام محتبياً بسيفه أمام بيته، إذ خفق برأسه، فسمعت شقيقته عقيلة بني هاشم السيّدة زينب أصوات الرجال، وتدافعهم نحو أخيها، فانبرت إليه فزعة مرعوبة فأيقظته، فرفع الإمام رأسه فرأى أخته مذهولة، فقال لها بعزم وثبات : إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) فِي الْمَنامِ، فَقَالَ : إِنَّكَ تَرُوحُ إِلَيْنَا.
وذابت نفس العقيلة أسى وحسرات، وانهارت قواها، ولم تملك نفسها أن لطمت وجهها وراحت تقول : يا ويلتاه.
والتفت أبو الفضل العبّاس إلى أخيه فقال له : يا أخي أتاك القوم.
وطلب الإمام منه أن يتعرف على خبرهم قائلاً: ارْكَبْ بِنَفْسِي أَنْتَ يَا أَخِي حَتَّىٰ تَلْقاهُم، وَتَقُولَ لَهُمْ ما لَكُمْ وَما بَدا لَكُمْ، وَتَسْأَلَهُمْ عَمّا جاءَ بِهِمْ ؟(2).
لقد فدى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخاه بنفسه، وهو ممّا يدلّ على سموّ مكانته، وعظيم منزلته، وأنّه قد بلغ قمة الإيمان، وأعلى مراتب المتّقين.. وأسرع أبو الفضل نحو الجيش ومعه عشرون فارساً من أصحابه، ومن بينهم زهير بن القين، وحبيب بن مظاهر، وسألهم أبو الفضل عن سبب زحفهم، فقالوا له : جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم النزول على حكمه، أو نناجزكم (1).
وقفل العبّاس إلى أخيه، فأخبره بمقالتهم، وراح حبيب بن مظاهر يعظهم ويحذرهم من عقاب اللّه قائلاً: «أما واللّه لبئس القوم يقدمون غداً على اللّه عزّ وجلّ، وعلى رسوله محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وقد قتلوا ذريته وأهل بيته المجتهدين بالأسحار، الذاكرين اللّه كثيراً بالليل والنهار، وشيعته الأتقياء الأبرار.
وردّ عليه بوقاحة عَزرَة بن قيس، فقال له : يابن مظاهر، إنّك لتزكي نفسك !
وانبرى إليه زهير بن القين قائلاً: اتق اللّه يابن قيس، ولا تكن من الذين يعينون على الضلال، ويقتلون النفس الزكية الطاهرة عترة خيرة الأنبياء (2).
فأجابه عزرة : كنت عندنا عثمانياً فما بالك ؟
فردّ عليه زهير بمنطق الشرف والإيمان : «واللّه ماكتبت إلى الحسين، ولا أرسلت إليه رسولاً، ولكن الطريق جمعني وإياه، فلما رأيته ذكرت به رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وعرفت ما تقدمون من غدركم ونكتكم، وميلكم إلى الدنيا فرأيت أن أنصره، وأكون في حزبه حفظاً لما ضيعتم من حق رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)» (3).
لقد كان كلام زهير حافلاً بالصدق بجميع رحابه، فقد بيّن أنه لم يكتب إلى الإمام بالقدوم إلى الكوفة، لأنه كان عثماني الهوى، ولكنّه حينما التقى بالإمام في الطريق
ووقف على واقع الحال من غدر أهل الكوفة به، ونكثهم لبيعته انقلب رأساً على عقب، وصار من أنصار الإمام، ومن أكثرهم مودة وحباً له، لأنّ الإمام من ألصق الناس برسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ).
وعلى أي حال، فقد عرض أبو الفضل مقالة القوم على أخيه، فقال له : ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُؤَخَّرَهُمْ إِلَى الْعَدْوَةِ وَتَدفَعَهُمْ عَنَا الْعَشِيَّةَ لَعَلَّنا نُصَلِّي لِرَبِّنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ، وَنَدْعُوهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّى أُحِبُّ الصَّلَاةَ، وَتِلَاوَةَ كِتَابِهِ وَكَشْرَةَ الدُّعاءِ وَالْإِسْتِغْفارِ (1).
لقد أراد ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) أن يودّع الحياة الدنيا بأثمن ما فيها، وهي الصلاة والدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن الكريم، وأن يواجه اللّه تعالى وقد تزود منها.
ورجع أبو الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى معسكر ابن مرجانة فأخبرهم بمقالة أخيه، فعرض ابن سعد ذلك على الخبيث الدنس شمر بن ذي الجوشن خوفاً من وشايته إذا استجاب لطلب الإمام، فقد كان شمر المنافس الوحيد لابن سعد على إمارة الجيش، كما كان عيناً عليه، كما أراد أن يكون شريكاً له في المسؤولية فيما إذا عاتبه ابن زياد على تأخير الحرب.
ولم يبد الشمر أي رأي له في الموضوع، وإنّما أحاله لابن سعد ليكون هو المسؤول عنه، وانبرى عمر و بن الحجّاج الزبيدي فأنكر عليهم هذا التردّد والاحجام عن إجابة الإمام قائلاً: سبحان اللّه ! واللّه لو كان من الديلم ثمّ سألكم هذه المسألة لكان ينبغي أن تجيبوه (2).
ولم يزد ابن الحجّاج على ذلك، فلم يقل : إنّه ابن رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وإنّهم هم الذين غرّوه وكاتبوه بالقدوم إلى مصرهم، لم يقل ذلك خوفاً من أن تنقل الاستخبارات العسكرية إلى ابن زياد ذلك فينال العقاب والحرمان، وأيّد ابن الأشعث مقالته، فاستجاب ابن سعد إلى تأجيل الحرب، وأوعز إلى رجل من أصحابه أن يعلن ذلك، فدنا من معسكر الإمام ورفع صوته قائلاً: يا شيعة الحسين ابن عليّ، قد أجلناكم يومكم هذا إلى غدٍ، فإن استسلمتم ونزلتم على حكم الأمير وجهنا بكم إليه، وإن أبيتم ناجزناكم (1).
وأرجئ القتال إلى صبيحة اليوم العاشر من المحرّم، وظل جيش ابن سعد ينتظرون الغد هل يجيبهم الإمام أو يرفض ما دعوه إليه.
وجمع ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) أهل بيته وأصحابه في ليلة العاشر من المحرّم، وعرض عليهم ما يلاقيه من الشهادة، وطلب منهم أن ينطلقوا في رحاب الأرض ويتركوه وحده ليلقى مصيره المحتوم، وقد أراد بذلك أن يكونوا على بينة من أمرهم، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهم :
أُثْنِي عَلَى اللّه أَحْسَنَ الثَّناءِ، وَأَحْمَدُهُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْمَدُكَ عَلَى أَنْ أَكْرَمْتَنا بِالنبوّة وَعَلَّمْتَنا الْقُرْآنَ، وَفَهُمْتَنا فِي الدِّينِ، وَجَعَلْتَ لَنا أَسْماعاً وَأَبْصارَاً وَأَفْئِدَةً، وَلَمْ تَجْعَلْنَا مِنَ المُشْرِكِينَ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَصْحَابَاً أَوْفَى وَلَا خَيْراً مِن أَصْحَابِي، وَلَا أَهْلَ بَيْتٍ أَبَرَّ وَلَا أَوْصَلَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَجَزَاكُمُ اللّه جَمِيعاً عَنِّي خَيْراً، أَلَا وَإِنِّي لَأَظُنُّ يَومَنَا مِنْ
1) الفتوح: 5 : 99 تاريخ الأمم والملوك : 4 : 317.
هؤُلَاءِ الْأَعْدَاءِ غَداً، وَإِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ جَمِيعَاً، فَانْطَلِقُوا فِي حِلَّ لَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنِّي ذِمَامٌ، وَهذَا اللَّيْلُ قَدْ غَشِيَكُمْ فَاتَّخِذِوهُ جَمَلاً، وَلْيَأْخُذْ كلّ رَجُلٍ مِنْكُم بِيَدِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْنِي، فَجَزَاكُمُ اللّه جَمِيعاً خَيْراً، ثُمَّ تَفَرَّقُوا فِي سَوَادِكُمْ وَمَدائِنِكُمْ حتّى يُفرِّجَ اللّه، فَإِنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا يَطْلُبُونَنَي، وَلَوْ أَصابُونِي لَهَوْا عَنْ طَلَبِ غَيْرِي (1)
وروي كلامه بصورة أخرى، فقد جاء في تفسير العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 178 - 179، أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: أَنْتُمْ فِي حِلَّ مِنْ بَيْعَتِي، فَالْحَقُوا بِعَشَائِرِكُمْ وَمَوَالِيكُمْ، وقال لأهل بيته : قَدْ جَعَلْتُكُمْ في حِلُّ مِنْ مُفارَقَتِي، فَإِنَّكُم لَا تُطِيقُوهُم، لِتَضَاعُفِ أَعْدَادِهِمْ وَقُوَاهُمْ وَمَا الْمَقصُودُ غَيْرِي، فَدَعُونِي وَالْقَوْمَ فَإِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ يُعينُنِي وَلَا يُخَلِّينِي مِنْ حُسْنِ نَظَرِهِ كَعَادَتِهِ مَعَ أَسْلَافِنا الطَّيِّبِينَ، ففارقه جماعة من معسكره.
فقال له أهله : لا نفارقك ويحزننا ما يحزنك، ويصيبنا ما يصيبك، وإنا أقرب ما نكون إلى اللّه إذا كنا معك، فقال لهم : إِنْ كُنْتُمْ وَطَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ عَلَى مَا وَطَّنْتُ نَفْسِي عَلَيْهِ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّه إِنَّما يَهَبُ الْمَنازِلَ الشَّرِيفَةَ لِعِبادِهِ؛ لِاحْتِمَالِ الْمَكارِهِ، وَأَنَّ اللّه كَانَ خَصْنِي مَعَ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِيَ الَّذِينَ أنا آخِرُهُمْ بَقاء في الدُّنْيا مِنَ الْكَرَامَاتِ بِمَا يُسَهُلُ عَلَيَّ مَعَهَا احْتِمَالُ الْمَكرُوهاتِ، فَإِنَّ لَكُمْ شَطْراً مِنْ كَرَامَاتِ اللّه، وَاعْلَمُوا أَنَّ الدُّنْيا حُلوها ومرها حلم، وَالْإِنْتِباهُ فِي الْآخِرَةِ، وَالْفَائِزُ مَنْ فاز فيها، وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِي فيها.
.وتمثلت روعة الإيمان، وسرّ الإمامة بهذا الخطاب العظيم الذي كشف جانباً كبيراً عن نفسيّة أبي الأحرار، فقد تجنّب في هذا الموقف الدقيق الحاسم جميع ألوان المنعطفات، ووضع أصحابه وأهل بيته أمام الأمر الواقع، فقد حدّد لهم النتيجة التي لا مفرّ منها وهي القتل والتضحية، وليس هناك أي شيء آخر من متع الدنيا، وقد طلب منهم أن يخلوّه وينصرفوا تحت جنح الظلام، فيتخذونه ستراً دون كلّ عين، فلعلهم يخجلون أن يبتعدوا عنه في وضح النهار، فقد جعلهم في حلّ
1) المنتظم : 5 : 337 و 338 الكامل في التاريخ : 3 : 285. الإرشاد : 2 : 91 تاريخ الأمم. والملوك : 4 : 317.
من التزاماتهم تجاهه، وقد عرّفهم أنّه بالذات هو الهدف لتلك الوحوش الكاسرة المتعطشة إلى سفك دمه، فإذا ظفروا به فلا إرب لهم في طلب غيره.
ولم يكد يفرغ الإمام من خطابه حتّى هبّت الصفوة من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وعيونهم تفيض دموعاً، وهم يعلنون ولاءهم له، وتضحيتهم في سبيله، وقد مثلهم أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) فخاطب الإمام قائلاً : لم نفعل ذلك ؟ ! لنبقى بعدك لا أرانا اللّه ذلك أبداً.
والتفت الإمام إلى السادة من أبناء عمه من بني عقيل، فقال لهم : حَسْبُكُمْ مِنَ القَتْلِ بِمُسْلِمٍ، اذْهَبُوا فَقَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ.
وهبّت فتية آل عقيل كالأسود تتعالى أصواتهم، قائلين : إذن ما يقول الناس ؟ وما نقول ؟ إنّا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن برمح، ولم نضرب بسيف ولا ندري ما صنعوا ؟ لا واللّه لا نفعل، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا نقاتل معك، حتّى نرد موردك، فقبح اللّه العيش بعدك (1).
لقد صمّموا على حماية الإمام العظيم، والدفاع عن أهدافه ومبادئه، واختاروا الموت تحت ظلال الأسنة على الحياة التي لا هدف فيها.
أما أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهم أحرار هذه الدنيا، وقد اندفعوا يعلنون للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الفداء والتضحية دفاعاً عن المبادئ المقدّسة التي ناضل من أجلها الإمام، وقد انبرى مسلم بن عوسجة فخاطب الإمام قائلاً: «أنحن نُخلّي عنك ؟ ! وبماذا نعتذر إلى اللّه سبحانه في أداء حقّك، أما واللّه لا أفارقك حتّى أطعن في صدورهم برمحي
1) الإرشاد : 91: 92 تاريخ الأمم والملوك : 4 : 318. الكامل في التاريخ :. 4: 3 : 285.
وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، ولو لم يكن معي سلاح أُقاتلهم لقذفتهم بالحجارة، واللّه لا نخلّيك حتّى يعلم اللّه أن قد حفظنا غيبة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)...» (1).
لقد عبّرت هذه الكلمات عن عميق إيمانه بريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وأنه سيذب عنه حتّى النفس الأخير من حياته.
وانبرى بطل آخر من أصحاب الإمام، وهو سعيد بن عبداللّه الحنفي، فخاطب الإمام قائلاً: «واللّه لا نخليك حتّى يعلم اللّه أنا قد حفظنا غيبة رسوله (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) فيك، واللّه لو علمتُ أنّي أُقتل ثمّ أُحيا ثم أُحرق ثم أُذرِّ، يفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التى لا انقضاء لها أبداً ؟ !» (2).
وليس في قاموس الوفاء أصدق، ولا أنبل من هذا الوفاء، فهو يتمنى من صميم قلبه أن تجري عليه عمليّة القتل سبعين مرّة ليفدي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ليحفظ بذلك غيبة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وكيف لا يستطيب الموت في سبيله وإنّما هو مرّة واحدة، ثم هي الكرامة الأبدية التي لا انقضاء لها.
و انبرى زهير بن القين فأعلن نفس الاتجاه الذي أعلنه المجاهدون من إخوانه قائلاً: «واللّه، لوددت أني قتلت ثم نشرت، ثمّ قتلت حتّى أُقتل هكذا ألف مرة، وأنّ اللّه عزّ وجلّ يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك» (3).
1) الإرشاد : 2 : 92. اللهوف : 56. أنساب الأشراف: 3 : 393. تاريخ الأمم والملوك : 4 : 318. الكامل في التاريخ : 3: 285.
2) اللهوف : 56. تاريخ الأمم والملوك : 4 : 318. البداية والنهاية : 8: 178 و 179. وفي أنساب الأشراف: 3 : 393. ذكر أنّه تكلم، ولم يذكر نص كلامه.
3) الإرشاد : 2 : 92 اللهوف : 56. تاريخ الأمم والملوك : 4 : 318.
أرأيتم وفاء هؤلاء الأبطال، فهل تجدون لهم مثيلاً في تاريخ هذه الدنيا، لقد ارتفعوا إلى مستوى من النبل والشهامة لم يبلغه أي إنسان، وقد أعطوا بذلك الدروس المشرقة في الدفاع عن الحقّ.
وأعلن بقيّة أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الترحيب بالشهادة في سبيل إمامهم، فجزاهم خيراً، وأكّد لهم جميعاً أنهم سينعمون في الفردوس الأعلى، ويحشرون مع النبيين والصديقين، وهتفوا جميعاً : الحمد للّه الذي أكرمنا بنصرك، وشرّفنا بالقتل معك، أولا ترضى أن نكون معك في درجتك يابن رسول اللّه ؟(1).
لقد أترعت نفوس هؤلاء الأبطال بالإيمان العميق، فتحرّروا من جميع ملاذ الحياة ولهوها، واتجهوا صوب اللّه، فرفعوا راية الإسلام عالية خفّاقة في رحاب هذا الكون.
وأقبل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع الصفوة الطيبة المؤمنة من أهل بيته وأصحابه نحو اللّه يناجونه بقلوبهم وعواطفهم، وهم يسألونه العفو والغفران ولم يذق أحد منهم طعم الرقاد، فقد كانوا ما بين راكع وساجد وقارئ للقرآن، وكان لهم دويّ كدويّ النحل.
وكانوا ينتظرون انبثاق نور الصبح بفارغ الصبر لينالوا الشهادة بين يدي ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ).
وأما معسكر ابن زياد، فقد باتوا وهم في شوق لطلوع الصبح ليريقوا دماء أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ليتقرّبوا بها إلى سيّدهم ابن مرجانة.
وليس مثل يوم العاشر من المحرّم في مآسيه وكآبته وكوارثه، فلم تبق محنة
1) نفس المهموم : 208. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : المقرم : 261.
من محن الدنيا، ولا فاجعة من فواجع الدهر إلا جرت على ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، فلايوم مثل ذلك اليوم الخالد في دنيا الأحزان.
وخرج أبو الأحرار من خبائه فرأى البيداء قد ملئت خيلاً ورجالاً، وقد شهر أولئك البغاة اللئام سيوفهم لإراقة دمه، ودماء الصفوة البررة من أهل بيته وأصحابه لينالوا الأجر الزهيد من الارهابي المجرم ابن مرجانة، ودعا الإمام بمصحف فنشره على رأسه، ورفع يديه بالدعاء إلى اللّه قائلاً:
اللهُمَّ أَنْتَ ثِقَتِي فِي كلّ كَرْبٍ، وَرَجائِي فِي كلّ شِدَّةٍ، وَأَنْتَ لِي فِي كلّ أَمْرٍ نَزَلَ بِي ثِقَةٌ وَعُدَّةٌ. كَمْ مِنْ هَمَّ يَضعُفُ فِيْهِ الفُؤادُ، وَتَقِلَّ فِيْهِ الْحِيلَةُ، وَيَخْذُلُ فِيْهِ الصَّدِيقُ، وَيَشْمَتُ فِيْهِ العَدُوُّ، أَنْزَلْتُهُ بِكَ وَشَكَوْتُهُ إِلَيْكَ رَغْبَةً مِنِّي إِلَيْكَ عَمَّنْ سِوَاكَ فَفَرَّجْتَهُ وَ كَشَفْتَهُ، فَأَنْتَ وَلِيُّ كلّ نِعْمَةٍ وَصاحِبُ كلّ حَسَنَةٍ وَمُنْتَهَى كلّ رَغْبَةٍ (1).
لقد أناب الإمام إلى اللّه تعالى، وأخلص له، فهو وليه، والملجأ الذي يلجأ إليه في كلّ نائبة نزلت به.
ودعا الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) براحلته فركبها، واتجه نحو معسكر ابن سعد، وهو بتلك الهيبة التي تحكي هيبة جدّه الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، فخطب فيهم خطابه التاريخي الذي هو من أبلغ وأروع ما أثر في الكلام العربي، وقد نادى بصوت عال يسمعه جلهم :
«أَيُّها النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِى وَلَا تَعْجَلُوا حتّى أَعِظَكُمْ بِما يَحِقُ لَكُمْ عَلَيَّ، وَحَتَّى
1) الإرشاد : 2 : 96. تاريخ الأمم والملوك : 4 : 321 تاريخ مدينة دمشق : 14: 217. الكامل في : التاريخ : 3 : 286 و 287 البداية والنهاية : 8: 171.
أَعْتَذِرَ إِلَيْكُمْ مِنْ مَقْدَمِي عَلَيْكُمْ، فَإِنْ قَبِلْتُمْ عُذْرِي، وَصَدَّقْتُمْ قَوْلِي، وَأَعْطَيْتُمُونِيَ النَّصَفَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ كُنْتُمْ بِذَلِكَ أَسْعَدَ، وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ عَلَى سَبِيلٌ، وَإِنْ لَمْ تَقْبَلُوا مِنّى الْعُذْرَ وَلَمْ تُعْطُوا النَّصَفَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ فَأَجْمِعُوا أَمَرَكُم وَشُرَكَاءَكُم ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُم عَلَيْكُم غُمَّةٌ ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ» (1)، إِنَّ وَلِيِّيَ اللّه الَّذِي نَزَّلَ الكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ» (2)».
وحمل الأثير هذه الكلمات إلى السيدات من عقائل النبوّة، ومخدّرات الرسالة فتصارخن بالبكاء، فبعث إليهنّ أخاه العبّاس وابنه عليّاً، وقال لهما : سَكَّتاهُنَّ فَلَعَمْرِي لَيَكْثُرُ بُكاؤُهُنَّ» (3).
ولما سكتن استرسل في خطابه، فحمد اللّه وأثنى عليه، وصلى على جدّه الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وعلى الملائكة والأنبياء، وقال في ذلك ما لا ذلك ما لا يحصى ذكره، ولم يسمع لا قبله ولا بعده أبلغ بعده أبلغ منه في منطقه.
وكان ممّا قاله : الْحَمْدُ للّه الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيا فَجَعَلَها دَارَ فَناءِ وَزَوَالٍ، مُتَصَرِّفَةٌ بِأَهْلِها حالاً بَعْدَ حالٍ، فَالْمَعْرُورُ مَنْ غَرَّتْهُ، وَالشَّقِيُّ مَنْ فَتَنَتْهُ، فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ الدُّنْيا فَإِنَّها تَقْطَعُ رَجَاءَ مَنْ رَكَنَ إِلَيْهَا، وَتُخَيِّبُ طَمَعَ مَن طَمِعَ فِيْهَا، وَأَرَاكُمُ قَدْ اجْتَمَعْتُم عَلَىٰ أَمْرِ قَدِ أَسْخَطْتُمُ اللّه فِيْهِ عَلَيْكُمْ، وَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ الْكَرِيم عَنْكُمْ، وَأَحَلَّ بِكُمْ نِقْمَتَهُ، فَنِعْمَ الرَّبُّ رَبُّنَا، وَبِئْسَ الْعَبِيدُ أَنْتُمْ، أَقْرَرْتُمْ بِالطَّاعَةِ، وَآمَنْتُمْ بِالرَّسُولِ محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) ثُمَّ إِنَّكُمْ زَحَفْتُمْ إِلَى ذُرِيَّتِهِ وَعِتْرَتِهِ تُرِيدُونَ قَتْلَهُمْ.
لَقَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْكُمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاكُمْ ذِكْرَ اللّه العَظِيمِ، فَتَبَا لَكُمْ وَلِمَا تُرِيدُونَ، إِنَّا للّه
وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، هَؤُلَاءِ قَومٌ كَفَرُوا بَعْدَ إِيْمَانِهِمْ فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» (1).
لقد وعظ الإمام لا أعداءه بهذه الكلمات التي تمثل هدي الأنبياء ومحنتهم في أممهم، لقد حذرهم من فتنة الدنيا وغرورها، وأهاب بهم من التورّط في قتل عترة نبيهم وذرّيّته، وأنّهم بذلك يستوجبون العذاب الأليم، والسخط الدائم.
ثمّ استرسل الإمام الممتحن في خطابه فقال :
فَانْسِبُونِي فَانْظُرُوا مَنْ أَنا ؟ ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَى أَنْفُسِكُمْ وَعاتِبوها، فَانْظُرُوا هَلْ يَحِلُّ لَكُمْ قَتْلِى وَانْتِهاكُ حُرْمَتِي ؟!
أَلَسْتُ ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ، وَابْنَ وَصِيَّهِ، وَابْن عَمِّه، وَأَوَّلِ الْمُؤْمِنِينَ باللّه وَالمُصَدِّقِ لِرَسُولِهِ بِما جاءَ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ ؟
أَوَلَيْسَ حَمْزَةُ سيّد الشُّهَدَاءِ عَمَّ أَبِي ؟!
أَوَلَيْسَ جَعْفَرُ الطَّيَّارُ عَمِّي ؟ !
أَوَلَمْ يَبْلُغُكُمْ قَوْلُ رَسُولِ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) لِي وَلأَخِي : هَذَانِ سَيِّدَا شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ صَدَّقْتُمُونِي بِما أَقُولُ وَهُوَ الحقّ، وَاللّه ما تَعَمَّدْتُ الْكَذِبَ مُنْذُ عَلِمْتُ أَنَّ اللّه يَمْقُتُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ، وَيَضُرُّ بِهِ مَنِ اخْتَلَفَهُ.
وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي فَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ إِنْ سَأَلْتُمُوهُ أَخْبَرَكُمْ، سَلُوا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّه الْأَنْصَارِيِّ، وَأَبا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، وسَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكِ، يُخبِرُوكُمْ أَنَّهُمْ سَمِعُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ مِنْ رَسُولِ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) لِي وَلِأَخِي، أَما فِي هَذَا حَاجِرٌ لَكُمْ عَنْ سَفْكِ دَمِي ؟(2)
1) مناقب آل أبي طالب : 4: 100. بحار الأنوار: 45: 5 و 6 مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/ المقرم : 278 و 279 مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمی : 1 : 252 و 253.
2) الإرشاد : 2 : 97 و 98 تاريخ الأمم والملوك : 4 : 322 و 323. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : الخوارزمي : 1: 253. الكامل في التاريخ : 3 : 287. ينابيع المودّة : 3: 65.
وكان خليقاً بهذا الخطاب المشرق أن يرجع لهم حوازب عقولهم، ويردهم عن طغيانهم، فقد وضع الإمام النقاط على الحروف، ودعاهم إلى التأمل ولو قليلاً ليمعنوا في شأنه، أليس هو حفيد نبيهم وابن وصيّه، وهو سيّد شباب أهل الجنة، كما أعلن ذلك جده الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وفي ذلك حصانة له من سفك دمه وانتهاك حرمته، ولكن الجيش الأموي لم يع هذا المنطق، فقد خلد إلى الجريمة، واسودت ضمائرهم، وحيل بينهم وبين ذكر اللّه.
وتصدّى لجواب الإمام شمر بن ذي الجوشن، وهو من الممسوخين، فقال له : هو يعبد اللّه على حرف إن كان يدري ما يقول ؟ !
وحقاً إنّه لم يع ما يقول الإمام، فقد ران على قلبه الباطل، وغرق في الإثم، وقد أجابه حبيب بن مظاهر وهو من أعلام الهدى والصلاح، فقال له : واللّه إنّي أراك تعبد اللّه على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول، قد طبع اللّه على قلبك.
والتفت الإمام إلى قطعات الجيش فخاطبهم :
فَإِنْ كُنتُم فِي شَكٍّ مِنْ هذَا الْقَوْلِ، أَفَتَشُكُونَ أَنِّي ابْنُ بِنْتِ نَبِيَّكُمْ ؟ ! فَوَاللّه مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ابْنُ بِنْتِ نَبِيَّ غَيْرِي فِيكُمْ وَلَا فِي غَيْرِكُمْ، وَيْحَكُمْ أَتَطْلُبُونَنِي بِقَتِيلٍ مِنْكُمْ قَتَلْتُهُ، أَوْ مالٍ لَكُمُ اسْتَهْلَكْتُهُ أوْ بِقَصاصِ جِرَاحَةٍ.
وغدوا حيارى لا يملكون جواباً لردّه، ثم التفت الإمام إلى قادة الجيش الذين دعوه بالقدوم إلى مصرهم، فقال لهم : يا شَبَثَ بْنَ رِبْعِيَّ، وَيا حَجَارَ بْنَ أَبْجُرَ، وَيا قَيْسَ بْنَ الْأَشْعَثِ، وَيا يَزِيدَ ابْنَ الْحَارِثِ، أَلَمْ تَكْتُبُوا إِلَيَّ : أَنْ قَدْ أَيْنَعَتِ الثَّمَارُ وَاخْضَرَّ الْجَنابُ وَطُمَّتْ الْجِمامُ، وَإِنَّما تَقْدِمُ عَلَى جُنْدِ لَكَ مُجَنَّدٍ، فَأَقْبِلْ ؟!
وأنكر أولئك الخونة كتبهم، وما عاهدوا عليه اللّه من نصرهم للإمام، فقالوا له : لم نفعل ذلك.
وتعجب الإمام من ذلك وراح يقول : سُبْحَانَ اللّه ! بَلَىٰ وَاللّه لَقَدْ فَعَلْتُمْ.
وأعرض الإمام عنهم، ووجّه خطابه إلى جميع قطعات الجيش قائلاً: أَيُّها النَّاسُ، إِذا كَرِهْتُمُونِي فَدَعُونِي أَنْصَرِفْ عَنْكُمْ إِلَىٰ مَأْمَنِي مِنَ الْأَرْضِ.
وتصدّى لجوابه قيس بن الأشعث، وهو من رؤوس المنافقين، وقد خلع كلّ شرف وحياء، فقال له : أولا تنزل على حكم بني عمّك ؟ فإنّهم لن يروك إلا ما تحب، ولن يصل إليك منهم مكروه.
فرد عليه الإمام قائلاً : أَنْتَ أَخُو أَخِيكَ، أَتُرِيدُ أَنْ يَطْلُبَكَ بَنُو هَاشِمٍ بِأَكْثَرَ مِنْ دَمِ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ ؟ ! لَا وَاللّه لَا أُعْطِيهِمْ بِيَدِي إِعْطَاءَ الدَّلِيلِ وَلَا أَفِرُّ فِرارَ الْعَبِيدِ.
عِبادَ اللّه، إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ، أَعُوذُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كلّ مُتَكَبَرِ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (1).
ومثلت هذه الكلمات عزّة الأحرار وشرف الأباة، ولم تنفذ إلى قلوب أولئك الجفاة الذين غرقوا في الجهل والآثام.
وتكلّم أصحاب الإمام مع معسكر ابن زياد، وأقاموا عليهم الحجة، وذكروهم بجور الأمويّين، وما أنزلوه بهم من الجور والاستبداد، ولم تُجدِ معهم النصائح شيئاً، وراحوا يفخرون بنصرتهم لابن مرجانة وقتالهم لريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ).
1) الإرشاد : 2 : 97 و 98 تاريخ الأمم والملوك : 4 : 323 و 324. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 1 : 253 و 254 الكامل في التاريخ : 3 : 287 و 288. البداية والنهاية : 8: 180 و 181.
وانبری سبط رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) مرة أخرى إلى إسداء النصيحة إلى الجيش الأموي مخافة أن يدعي أحد منهم أنه غير عارف بالأمر، فانطلق (عَلَيهِ السَّلَامُ) نحوهم، وقد نشر كتاب اللّه العظيم على رأسه، واعتم بعمامة جده رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وتقلّد لامة حربه، وكان على هيبة تحكي هيبة الأنبياء والأوصياء، فقد علت أسارير النور على وجهه الكريم، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
تَبَّاً لَكُمْ أَيْتُها الْجَمَاعَةً وَتَرَحاً، أَحِينَ اسْتَصْرَختُمُونَا وَالهِينَ فَأَصْرَخْناكُمْ مُوجِفِينَ (1)، سَلَلْتُمْ عَلَيْنا سَيْفاً فِي أَيْمَانِكُمْ، وَحَشَشْتُمْ (2)عَلَيْنَا نَاراً افْتَدَحْنَاهَا عَلَى عَدُوّنا وَعَدُوِّكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ إِلْبَا (3)لِأَعْدائِكُمْ عَلَى أَوْلِيائِكُمْ بِغَيْرِ عَدْلٍ أَفْشَوْهُ فِيكُمْ، وَلَا أَمَلٍ أَصْبَحَ لَكُمْ فِيهِمْ ؟! فَهَلَّا لَكُمُ الْوَيْلَاتُ تَرَكْتُمُونَا وَالسَّيْفُ مَشِيمٌ (4)وَالْجَاشُ طَامِنٌ، وَالرَّأْيُ لَمّا يُسْتَحْصَفُ، وَلَكِنَّكُمْ أَسْرَعْتُمْ إِلَيْها كَطَيْرَةِ الدَّبا (5)وَتَدَاعَيْتُمْ عَلَيْها كَتَهافُتِ الْفَراش (6)
يقول الغزالي : ولعلّك تظن أنّ هذا لنقصان فهمها وجهلها. إن جهل الإنسان أعظم من جهلها لانكبابه على الشهوات والمعاصي إلى أن يغمس في النار ويهلك هلاكاً مؤبداً.
ثُمَّ نَقَضْتُمُوها سَفَها وَضِلَّةٌ، فَبُعْداً وَ سُحْقًا لَكُمْ يا عَبَيْدَ الْأُمَّةِ، وَشُذَاذَ الْأَحْزابِ، وَنَبَذَةَ الْكِتابِ، وَمُحَرِّفِي الْكَلِمِ، وَعُصْبَةَ الأيّام، وَنَفْتَةَ الشَّيْطَانِ، وَمُطْفِنِي1) موجفين : أي مسرعين في السير إليكم. لسان العرب : 15: 223 – وجف.
2) حششتم : جمعتم الحطب للنار. لسان العرب : 3 : 188 - حشش.
3) إلباً : أي مجتمعين لسان العرب : 1: 177 - ألب.
4) السيف مشيم : مغمد لسان العرب : 7: 262 – شيم.
5) الدَّبا : - بفتح الدال وتخفيف الباء - : الجراد قبل أن يطير. لسان العرب : 4 : 288 - دبا.
6) الفراش - بالفتح وتخفيف الراء - : جمع فراشة، وهي صغار البقّ تتهافت في النار؛ لضعف بصرها. لسان العرب: 10 : 237 - فرش.
السُّنَنِ، وَيْحَكُمْ أَهؤُلَاءِ تَعْضِدُونَ، وَعَنَا تَتَحَاذَلُونَ ؟! أَجَلْ وَاللّه لَغَدْرٌ فِيكُمْ قَدِيمٌ وَشَجَتْ عَلَيْهِ أُصُولُكُمْ، وَتَأْزُرَتْ عَلَيْهِ فُرُوعُكُمْ (1)، فَكُنتُمْ أَخْبَثَ ثَمَرٍ؛ شَجَنٌ (2)لِلنّاظِرِ وَأُكْلَةٌ لِلْعَاصِبِ.
أَلَا وَإِنَّ الدَّعِي ابْنَ الدَّعِي قَدْ رَكَزَبَيْنَ اثْنَتَيْنِ بَيْنَ السَّلَّةِ (3)وَالذِّلَّةِ وَهَيْهاتَ مِنَا الذِّلَّةُ، يَأْبَى اللّه لَنا ذلِكَ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَحُجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ، وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ، وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ مِنْ أَنْ تُؤْثِرَ طَاعَةَ اللَّئامِ عَلَى مَصارع الْكِرَامِ. أَلَا وَإِنِّي زَاحِفٌ بِهذِهِ الأسْرَةِ مَعَ قِلَّةِ الْعَدَدِ وَخُذْلَانِ النّاصِرِ.
ثم واصل كلامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأبيات فروة بن مُسَيك المرادي :
فَإِنْ نَهْزِمْ فَهَزَّامُونَ قِدْمَاً***وإن نُهْزَمْ فَغَيْرُ مُهَزَّمِينَا
وما إن طبنا جُبْنٌ وَلَكِنْ***مَنايانا وَدَوْلَهُ آخَرِينا
فَأَفَنِي ذَلِكُمْ سَرَوَاتُ قَومِي***كَما أَفنى القُرُونَ الأَوَّلِينا
فَلَوْ خَلَدَ المُلُوكُ إِذا خَلَدْنا***وَلَوْ بَقِيَ الكِرَامُ إِذا بَقِينا
فَقُلْ لِلشَّامِنِينَ بنا أفيقوا***سَيَلقَى الشامِتُونَ كَما لَقِينا
إذا ما المَوْتُ رَفْعَ عَنْ أُناسٍ***كَلَاكِلَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينا
ثمّ قال : ثُمَّ أَيْمُ اللّه لَا تَلْبَثُونَ بَعْدَها إِلا كَرَيْنَما يُرْكَبُ الْفَرَسُ حتّى تَدُورَ بِكُمْ دَوْرَ الرَّحَى، وَتَقْلَقَ بِكُم فَلَقَ الْمِحْوَرِ، عَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيَّ أَبِي عَنْ جَدِّي «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ
وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أمْرُكُم عَلَيْكُم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ» (1)، «إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّه رَبِّي وَرَبِّكُم ما مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِينَهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مستقیمٍ» (2)، (3).
اللّهُمَّ احْبِسْ عَنْهُمْ فَطَّرَ السَّمَاءِ، وَابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، وَسَلَّطْ عَلَيْهِمْ غُلَامَ ثَقِيفٍ يَسْقِيهِمْ كَأْساً مُصَبَّرَةٌ، فَإِنَّهُمْ كَذَّبُونَا وَخَذَلُونَا، وَأَنْتَ رَبُّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4).
ومثل هذا الخطاب الثوري صلابة الإمام، وقوة عزيمته،، وشدّة بأسه، فقد استهان بأولئك الأقزام الذين كتبوا إليه يستنجدون به، ويستغيثون لينقذهم من جور الأمويّين وظلمهم، فلمّا أقبل إليهم انقلبوا عليه رأساً على عقب، فسلّوا عليه سيوفهم، وشهروا عليه رماحهم، تقرّباً للطغاة والظالمين لهم، والمستبدين بشؤونهم، في حين أنه لم يبدو من أولئك الحكّام أيّة بارقة من العدل فيهم.
كما أعلن الإمام عن رفضه الكامل لدعوة ابن مرجانة من الاستسلام له، فقد أراد له الذل والهوان، وهيهات أن يرضخ لذلك وهو سبط الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، والممثّل الأعلى للكرامة الإنسانيّة، فقد صمّم على الحرب بأسرته التي مثلت البطولات ليحفظ بذلك كرامته وكرامة الأمّة.
وقد أخبرهم الإمام عن مصيرهم بعد قتلهم له أنّهم لا ينعمون بالحياة، وأنّ اللّه
1) یونس 10: 71.
2) هود 56:11.
3) تحف العقول : 240 - 242. الاحتجاج : 2 : 97 - 100. مناقب آل أبي طالب : 4: 110. اللهوف : 40 - 42. بحار الأنوار: 45 8 - 10، الحديث 83 تاريخ مدينة دمشق : 14: 218 و 219 مقتل الحسین (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 2 : 6 - 8.
4) اللهوف : 60. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 2 : 7 و 8.
يسلّط عليهم من يسقيهم كأساً مصبرة، ويجرّعهم الغصص، وينزل بهم العذاب الأليم.
وقد تحقق ذلك، فلم يمض قليل من الوقت بعد اقترافهم لقتل الإمام حتّى ثار عليهم البطل العظيم، والثائر المجاهد، ناصر الإسلام، الزعيم الكبير، المختار بن أبي عبيد الثقفي، فقد ملأ قلوبهم رعباً وفزعاً، ونكّل بهم تنكيلاً فظيعاً، وأخذت شرطته تلاحقهم في كلّ مكان، فمن ظفرت به قتلته أشر قتلة، ولم يفلت منهم إلّا القليل.
وقد وجم جيش ابن سعد بعد هذا الخطاب التاريخي الخالد، وود الكثيرون منهم أن تسيخ بهم الأرض.
واستيقظ ضمير الحرّ، وثابت نفسه إلى الحقّ بعدما سمع خطاب الإمام، وجعل يتأمل ويفكر فى تلك اللحظات الحاسمة من حياته، فهل يلتحق بالحسين، ويحفظ بذلك آخرته، وينقذ نفسه من عذاب اللّه وسخطه، أو أنّه يبقى على منصبه كقائد فرقة في الجيش الأموي، وينعم بصلات ابن مرجانة ؟
واختار الحر نداء ضميره الحي، وتغلب على هواه، فصمم على الالتحاق بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقبل أن يتوجه إليه أسرع نحو ابن سعد القائد العام للقوات المسلحة، فقال له : أمقاتل أنت هذا الرجل ؟
ولم يلتفت ابن سعد إلى انقلاب الحرّ، فقد أسرع قائلاً بلا تردد : إي واللّه، قتالاً أيسره أن تسقط فيه الرؤوس وتطيح الأيدي.
لقد أعلن ذلك أمام قادة الفرق ليظهر إخلاصه لابن مرجانة، فقال له الحرّ : أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرضها عليكم رضاً ؟
واندفع ابن سعد قائلاً: لو كان الأمر لي لفعلت، ولكن أميرك أبى ذلك.
ولمّا أيقن أن القوم مصمّمون على حرب الإمام عزم على الالتحاق بمعسكر الإمام، وقد سرت الرعدة بأوصاله، فأنكر عليه ذلك زميله المهاجر بن أوس، فقال له : واللّه، إن أمرك لمريب، واللّه ما رأيت منك في موقف قط مثل ما أراه الآن، ولو قيل لي : من أشجع أهل الكوفة ؟ لما عدوتك.
وأعرب له الحرّ عمّا صمّم عليه قائلاً: إني واللّه أُخير نفسي بين الجنة والنار، ولا أختار على الجنة شيئاً ولو قطعت وأُحرقت.
وألوى عنان فرسه نحو الإمام، وكان مطرقاً إلى الأرض حياءً وندماً على ما صدر منه تجاه الإمام، ولما دنا منه رفع صوته ودموعه تتبلور على خديه قائلاً : اللهم إليك أُنيب فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك، يا أبا عبداللّه إنّي تائب فهل لي من توبة ؟
ونزل عن فرسه وأقبل يتضرّع ويتوسل إلى الإمام ليمنحه التوبة قائلاً: جعلني اللّه فداك يابن رسول اللّه، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وجَعْجَعْتُ بك في هذا المكان، وواللّه الذي لا إله إلا هو ما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضت عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة أبداً، فقلت في نفسي : لا أُبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم، ولا يرون أني خرجت من طاعتهم، وأما هم فيقبلون بعض ما تدعوهم إليه، وواللّه لو ظننت أنّهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك، وأني قد جئتك تائباً ممّا كان مني إلى ربّي مواسياً لك بنفسي حتّى أموت بين يديك أفترى لي توبة ؟
واستبشر به الإمام، ومنحه الرضا والعفو، وقال له : نَعَمْ، يَتُوبُ اللّه عَلَيْكَ وَيَغْفِرُ لَكَ.
وملأ الفرح قلب الحرّ حينما فاز برضاء ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، واستأذنه أن ينصح
أهل الكوفة لعلّ بعضهم أن يرجع إلى الحقّ، ويثوب إلى الرشاد، فأذن له الإمام في ذلك.
فانبرى الحرّ إليهم رافعاً صوته : «يا أهل الكوفة، لأُمّكم الهَبَل (1)والعَبَر (2)، أدعوتموه حتّى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلو أنفسكم دونه، ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه ؟
أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كلّ جانب، فمنعتموه من التوجه في بلاد اللّه العريضة حتّى يأمن ويأمن أهل بيته، فأصبح كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً، ولا يدفع عنها ضراً، وَحَلَاتموه ونساءه وصبيته وأهله عن ماء الفرات الجاري يشربه اليهودي والنصراني والمجوسي، ويتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، وها هم أولاء قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمّداً في ذريته، لاسقاكم اللّه يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه» (3).
وودّ الكثير منهم أن تسيخ بهم الأرض، فهم على يقين بضلالة حربهم، إلا أنّهم استجابوا لرغباتهم النفسيّة في حبّ البقاء، وتوقح بعضهم فرموا الحرّ بالنبل، وكان ذلك ما يملكونه من حجّة في الميدان.
السَّلَامُ عَلَى الْحُرِّ بْنِ يَزِيدَ الرِّيَاحِيَّ
وارتبك ابن سعد حينما علم أنّ الحرّ قد التحق بمعسكر الإمام، وهو من كبار قادة الفرق في جيشه، وخاف أن يلتحق غيره بالإمام، فزحف الباغي الأثيم نحو معسكر الإمام، وأخذ سهماً كأنّه كان نابتاً في قلبه، فأطلقه صوب الإمام، وهو يصيح : اشهدوا لي عند الأمير أنى أوّل من رمى (1).
واتّخذ بذلك وسيلة لفتح باب الحرب، وطلب من الجيش أن يشهدوا له عند سیّده ابن مرجانة أنّه أوّل من رمى ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) ليكون أميره على ثقة من إخلاصه، ووفائه للأمويين، وأن ينفي عنه كلّ شبهة من أنه غير جاد في حربه للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وتتابعت السهام كأنّها المطر على أصحاب الإمام، فلم يبق أحد منهم إلا أصابه سهم منها، والتفت الإمام إلى أصحابه، فأذن لهم في الحرب قائلاً: قُومُوا يا كِرَامُ فَهَذِهِ رُسُلُ الْقَوْمِ إِلَيْكُمْ (2).
وتقدمت طلائع الشرف والمجد من أصحاب الإمام إلى ساحة الحرب لتحامي عن دين اللّه، وتذبّ عن ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وهم على يقين لا يخامرهم أدنى شك أنّهم على الحقّ، وأنّ الجيش الأموي على ضلال، قد سخط اللّه عليه
وأحلّ به نقمته.
لقد تقابل اثنان وثلاثون فارساً، وأربعون راجلاً من أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع عشرات الآلاف من الجيش الأموي، وكانت تلك القلّة المؤمنة كفؤاً لتلك الكثرة التي تملك أضخم العتاد والسلاح، فقد أبدت تلك القلة من صنوف البسالة والشجاعة ما يبهر العقول ويحيّر الألباب.
وشنّت قوّات ابن سعد هجوماً عاماً واسع النطاق على أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وخاضوا معهم معركة ضارية، وقد اشترك فيها المعسكر الأموي بكامل قطعاته، وقد انبرى إليهم أصحاب الإمام بعزم وإخلاص لم يشهد له نظير في جميع الحروب التي جرت في الأرض، فقد كانوا يخترقون جيش ابن سعد بقلوب أقوى من الصخر، وقد أنزلوا بهم خسائر فادحة في الأرواح والمعدات.
وقد استشهد نصف أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذه الحملة (1).
ولمّا سقطت الصفوة الطاهرة من أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) صرعى على أرض الشهادة والكرامة، هبّ من بقي منهم إلى المبارزة، وقد ذعر المعسكر بأسره من بطولاتهم النادرة، فكانوا يستقبلون الموت بسرور بالغ، وقد ضجّ الجيش من الخسائر الفادحة التي مُني بها، وقد بادر عمرو بن الحجّاج الزبيدي، وهو من الأعضاء البارزين في قيادة جيش ابن سعد فهتف في الجيش ينهاهم عن المبارزة قائلاً: يا حمقى ! أتدرون من تقاتلون ؟ تقاتلون فرسان أهل المصر وقوماً مستميتين مستقتلين، فلا يبرزنّ لهم
1) مع الحسين في نهضته : 220.
منكم أحد فإنّهم قليل وقلما يبقون، واللّه لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم (1).
وحكت هذه الكلمات ما اتّصف به السادة أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الصفات البارزة، فهم فرسان أهل المصر، وذلك بما يملكونه من الشجاعة، وقوّة الإرادة، وأنّهم أهل البصائر، فلم يندفعوا إلى نصرة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، إلّا على بصيرة من أمرهم، وليسوا كخصومهم الذين تردّوا في الغواية، وماجوا في الباطل والضلال كما أنّهم قوم مستميتون ولا أمل لهم في الحياة.
لقد توفّرت في أصحاب الإمام جميع النزعات الخيّرة، والصفات الكريمة من الإيمان والوعي والشجاعة وشرف النفس، ويقول المؤرّخون : إن ابن سعد استصوب رأي ابن الحجّاج، فأوعز إلى قواته بترك المبارزة معهم (2).
وشنّ عمرو بن الحجّاج هجوماً عاماً على من تبقّى من أصحاب الإمام، والتحموا معهم التحاماً رهيباً، واشتد القتال أشدّ ما يكون القتال عنفاً.
وقد استنجد عزرة بن قيس بابن سعد ليمدّه بالرماة والرجال قائلاً: ألا ترى ما تلقى خيلى هذا اليوم من هذه العدّة اليسيرة ؟ ! ابعث إليهم الرجال والرماة.
وطلب ابن سعد من المنافق شبث بن ربعي القيام بنجدته، فأبى، وقال : سبحان اللّه، شيخ مضر وأهل المصر عامة تبعثه في الرماة، لم تجد لهذا غيري ؟ !
ولما سمع ذلك ابن سعد منه دعا الحصين بن نمير، فبعث معه المجففة وخمسمائة من الرماة، فسدّدوا لأصحاب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) السهام، فأصابوا خيولهم فعقروها، فصاروا كأنّهم رجالة، ولم تزدهم هذه الخسارة إلّا استبسالاً في القتال،
واستهانة بالموت، فثبتوا كالجبال الشامخات، ولم يتراجعوا خطوة واحدة، وقد قاتل معهم الحرّ بن يزيد الرياحي راجلاً، واستمرّ القتال أعنف وأشدّ ما يكون ضراوة، وقد وصفه المؤرّخون بأنّه أشد قتال حدث في التاريخ، وقد استمر حتّى انتصف النهار (1).
وانتصف النهار وحان ميقات صلاة الظهر، فوقف المؤمن المجاهد أبو ثمامة الصائدي، فجعل يقلّب وجهه في السماء كأنه ينتظر أعزّ شيء عنده، وهي أداء صلاة الظهر، فلمّا رأى الشمس قد زالت التفت إلى الإمام قائلاً: نفسي لنفسك الفداء، أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، واللّه لا تقتل حتّى أقتل دونك، وأحب أن ألقى ربّي وقد صلّيت هذه الصلاة التي قد دنا وقتها.
لقد كان الموت منه كقاب قوسين أو أدنى، وهو لم يغفل عن ذكر ربه، ولا عن أداء فرائضه، وجميع أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كانوا على هذا السمت إيماناً باللّه، وإخلاصاً في أداء فرائضه.
ورفع الإمام رأسه، فجعل يتأمّل في الوقت فرأى أن قد حلّ وقت أداء الفريضة، فقال له : ذَكَرْتَ الصَّلَاةَ، جَعَلَكَ اللّه مِنَ المُصَلِّينَ الذَّاكِرِينَ. نَعَمْ هَذَا أَوَّلُ وَقْتِها
وأمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه أن يطلبوا من معسكر ابن زياد أن يكفّوا عنهم القتال ليصلّوا لربّهم، فسألوهم ذلك، فانبرى الرجس الخبيث الحصين بن نمير قائلاً: إنّها لا تُقبل.
فقال له حبيب بن مظاهر بسخرية : زعمت أنّها لا تقبل الصلاة من آل رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)
1) أنساب الأشراف: 3: 401 و 402. تاريخ الأمم والملوك : 4: 331 و 332. الكامل في التاريخ : 3: 291.
وتقبل منك يا حمار.
وحمل عليه الحصين، فسارع إليه حبیب فضرب وجه فرسه بالسيف فشبت به الفرس فسقط عنها، وبادر إليه أصحابه فاستنقذوه (1).
واستجاب أعداء اللّه - مكيدة - لطلب الإمام فسمحواله أن يؤدّي فريضة الصلاة، وانبرى الإمام للصلاة، وتقدّم أمامه سعيد بن عبد اللّه الحنفي يقيه بنفسه السهام والرماح، واغتنم أعداء اللّه انشغال الإمام وأصحابه بالصلاة، فراحوا يرشقونهم بسهامهم، وكان سعيد الحنفي يبادر نحو السهام فيتقيها بصدره ونحره، ووقف ثابتاً كالجبل لم تزحزحه السهام، ولا الرماح والحجارة التي اتخذته هدفاً لها، ولم يكد يفرغ الإمام من صلاته حتّى أثخن سعيد بالجراح، فهوى إلى الأرض يتخبط بدمه، وهو يقول : «اللّهمّ العنهم لعن عاد وثمود، وأبلغ نبيك مني السلام، وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فإنّي أردت بذلك ثوابك ونصرة ذريّة نبيّك».
والتفت إلى الإمام قائلاً له بصدق وإخلاص : أوفيت يابن رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)؟
فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) شاكراً له : نَعَمْ، أَنْتَ أَمامِي فِي الْجَنَّةِ.
وملئت نفسه فرحاً حينما سمع قول الإمام، ثم فاضت نفسه العظيمة إلى بارئها، فقد أصيب بثلاثة عشر سهماً عدا الضرب والطعن (2).
وكان هذا منتهى ما وصل إليه الوفاء والإيمان والولاء للحقّ.
وتسابقت البقيّة الباقيّة من أصحاب الإمام من شيوخ وشباب وأطفال إلى ساحات المعركة، وقد أبلوا بلاء حسناً يقصر عنه كلّ وصف وإطراء، وقد جاهدوا جهاداً لم يعرف التاريخ له نظيراً في جميع عمليات الحروب التي جرت في الأرض، فقد قابلوا على قلة عددهم الجيوش المكثّفة، وأنزلوا بها أفدح الخسائر، ولم تضعف لأي رجل منهم عزيمة، ولم تلن لهم قناة، وقد خضبوا جميعاً بالدماء، وهم يشعرون بالغبطة والفخار.
وقد وقف الإمام العظيم على مصارعهم، فكان يتأمل بوجهه الوديع فيهم، فيراهم مضمّخين بدم الشهادة، فكان يقول : قَتْلَانا قَتْلَى النَّبِيِّينَ وَآلِ النَّبِيِّينَ (1).
لقد سمت أرواحهم الطاهرة إلى الرفيق الأعلى، وقد حازوا الفخر الذي لا فخر مثله، فقد سجّلوا شرفاً لهذه الأمة لا يساويه شرف، وأعطوا للإنسانية أفضل ما قدّم لها من عطاء على امتداد التاريخ.
وعلى أي حال، فقد شارك أبو الفضل العبّاس الأنصار الممجدين في جهادهم، وخاض معهم غمار الحرب، وكانوا يستمدون منه البسالة، وقوة الإرادة، والعزم على التضحية، وقد أنقذ بعضهم حينما وقع عليه التفاف من بعض قطعات الجيش الأموي.
وبعدما سقطت الصفوة الطيبة من أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) صرعى وهي معطّرة بدم الشهادة والكرامة، هبّ أبناء الأسرة النبوية كالأسود الضارية للدفاع عن ريحانة
1) بحار الأنوار: 45 80. عوالم العلوم : 17 : 346
رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، الذبّ عن عقائل النبوّة ومخدّرات الرسالة
وأوّل مَن تقدّم إلى البراز منهم شبيه رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) خَلقاً وخُلقاً، على الأكبر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد آثر الموت وسخر من الحياة في سبيل كرامته، ولا يخضع لحكم الدعيّ بن الدعي، ولما رآه الإمام أخذ يطيل النظر إليه، وقد ذابت نفسه أسئ وحسرات، وأشرف على الاحتضار، فرفع شيبته الكريمة نحو السماء، وراح يقول بحرارة وألم ممض :
اللهُمَّ اشْهَدْ عَلَى هؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَقَدْ بَرَزَ إِلَيْهِمْ غُلَامٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِرَسُولِكَ محمّد (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) خَلْقاً وَخُلُقاً وَمَنْطِقاً، وَكُنا إِذا اشْتَقْنَا إِلى رُؤْيَةِ نَبِيِّكِ نَظَرْنَا إِلَيْهِ. اللَّهُمَّ امْنَعْهُمْ بَرَكَاتِ الْأَرْضَ، وَفَرِّقْهُمْ تَفْرِيقاً، وَمَزِّقْهُمْ تَمْزيقاً، وَاجْعَلْهُمْ طَرائِقَ قِدَداً، وَلَا تُرْضِي الْوَلَاةَ عَنْهُمْ أَبَداً، فَإِنَّهُمْ دَعَوْنَا لِيَنْصِرُونا ثُمَّ عَدوا عَلَيْنا يُقاتِلُونَنا.
لقد تجسّدت صفات الرسول الأعظم النفسيّة والخُلقيّة بحفيده عليّ الأكبر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأعظم بهذه الثروة التي ملكها سليل هاشم وفخر عدنان، وقد تقطع قلب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ولده، فصاح بابن سعد :
ما لَكَ ؟ ! قَطَعَ اللّه رَحِمَكَ، وَلَا بَارَكَ لَكَ فِي أَمْرِكَ، وَسَلَّطَ عَلَيْكَ مَنْ يَذْبَحُكَ بَعْدِي عَلَى فِراشِكَ، كَما قَطَعْتَ رَحِمِي وَلَمْ تَحْفَظْ قَرابَنِي مِنْ رَسُولِ اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ).
ثُم تلا قوله تعالى : «إِنَّ اللّه اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيْمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ * ذَرِّيةٌ بَعضُها مِنْ بَعضٍ وَاللّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (1)، (2).
وشيّع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلذة كبده وهو غارق بالأسى والحسرات، وخلفه عقائل النبوّة،
وقد علا منهنّ الصراخ والعويل على شبيه رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، الذي ستتناهب جسمه السيوف والرماح.
وبرز الفتى مزهوّاً إلى حومة الحرب، لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب، وهو يحمل هيبة جدّه الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وشجاعة جده الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويأس حمزة عمّ أبيه، وإباء الحسين، وتوسط حراب الأعداء، وهو يرتجز بفخر وعزة قائلاً:
انا عَلِيُّ بْنُ الحُسَينِ بْنِ عَلِي***نَحْنُ وَرَبِّ البَيْتِ أَولَى بِالنبيّ
تاللّه لا يَحْكُمُ فِينا ابنُ الدَعِي (1)
أجل يابن الحسين فخر هذه الأمة، ورائد نهضتها وكرامتها، أنت وأبوك أحقّ بالنبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وأولى بمركزه ومقامه من هؤلاء الأدعياء الذين حوّلوا حياة المسلمين إلى جحيم لا يطاق.
وأعلن علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجزه عن عزمه الجبّار وإرادته الصلبة، وأنه يؤثر الموت على الذل والخنوع للدعي بن الدعي، وقد ورث هذه الظاهرة من أبيه سيّد الأباة في الأرض، والتحم فخر هاشم مع أعداء اللّه، وقد ملأ قلوبهم رعباً وفزعاً، وقد أبدى من الشجاعة والبسالة ما يقصر عنه الوصف، ويقول المؤرّخون : إنّه ذكرهم ببطولات جده الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو أشجع إنسان خلقه اللّه، فقد قتل فيما يقول المؤرّخون مائة وعشرين فارساً (2)سوى المجروحين، وألح عليه العطش، وأضرّ به الظمأ، فقفل راجعاً إلى أبيه يطلب منه جرعة من الماء، ويودعه
الوداع الأخير، واستقبله أبوه بأسى، فبادر عليّ قائلاً: «يا أبةِ، العطش قد قتلني، وثقل الحديد قد أجهدني، فهل إلى شربة ماء من سبيل أتقوّى بها على الأعداء ؟» (1).
والتاع الإمام أشدّ ما تكون اللوعة ألماً ومحنة، فقال له بصوت خافت وعيناه تفيضان دموعاً : وَاغَوْثاهُ، ما أَسْرَعَ الْمُلْتَقَى بِجَدِّكَ، فَيَسْقِيكَ بِكَأْسِهِ شَرْبَةٌ لَا تَطْمَاً بَعْدَها أَبَداً (2).
وأخذ لسانه فمصه ليريه ظمأه، فكان كشقة مبرد من شدة العطش، ودفع إليه خاتمه ليضعه في فيه(3).
لقد كان هذا المنظر الرهيب من أقسى ما فجع به ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، لقد رأى فلذة كبده وهو في ريعان الشباب وغضارة العمر كالبدر في بهائه، قد استوعبت الجراحات جسمه الشريف، وقد أشرف على الموت من شدة العطش، وهو لم يستطع أن يسعفه بجرعة ماء.
يقول الحجّة الشيخ عبد الحسين صادق :
يَشْكُو لِخَيْرِ أَبِ ظَمَاهُ وَمَا اشْتَكَى***ظَمَأُ الحَشَا إِلَّا إِلَى الظَّامِي الصَّدِي
كلّ حُشَاشَتُهُ كَصَالِيةِ الغَضَا***وَلِسَانُهُ ظَمِنٌ كَشِفَةِ مِبْرَدِ (4)
فَانْصَاعَ يُؤْثِرُهُ عَلَيْهِ بِرِيقِهِ***لو كَانَ ثَمَّةَ رِيقُهُ لَمْ يَجْمُدِ (5)
1) بحار الأنوار: 45: 43. الدمعة الساكبة : 4 330 الفتوح : 5 : 114 و 115. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 2 : 31.
2) اللهوف : 67.
3) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / الخوارزمي : 2 : 31.
4) الحشاشة : رُوح القلب ورمق الحياة. لسان العرب : 3 : 188 – حشش.
5) رياض المدح والرثاء : 122. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / المقرم : 323.
وقفل فخر هاشم إلى ساحة الحرب، قد فتكت الجروح بجسمه الشريف، وفتت العطش قلبه، وهو لم يحفل بما هو فيه من آلام لا تُطاق، وإنّما استوعبت مشاعره وعواطفه وحدة أبيه يراه وقد أحيط به من كلّ جانب ومكان، وجميع قطعات الجيش متعطّشة إلى سفك دمه للتقرب به إلى ابن مرجانة، وجعل عليّ بن الحسين يرتجز أمام الأعداء :
الحَرْبُ قَدْ بَانَتْ لَهَا حَقَائِقُ***وَظَهَرَتْ مِن بَعْدِهَا مَصَادِقُ
وَاللّه رَبِّ العَرشِ لا نُفَارِقْ***جُمُوعَكُم أَوْ تُعْمَدُ البَوارِقُ (1)
لقد تجلّت حقائق الحرب، وبرزت معالمها وأهدافها بين الفريقين، فالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنّما يناضل من أجل رفع الغبن الاجتماعي، وضمان حقوق المظلومين والمضطهدين، وتوفير الحياة الكريمة لهم، والجيش الأموي إنما يقاتل من أجل استعباد الناس وجعل المجتمع بستاناً للأمويين، يستغلون جهودهم، ويرغمونهم على ما يكرهون، وأعلن علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجزه أنه سيبقى يناضل عن الأهداف النبيلة والمبادئ العليا حتّى تغمد البوارق.
وجعل نجل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقاتل أشدّ القتال وأعنفه حتّى قتل تمام المائتين (2).
وقد ضجّ العسكر من شدّة الخسائر الفادحة التي مني بها، فقال الرجس الخبيث مرّة بن منقذ العبدي علَيَّ آثام العرب إن لم أشكل أباه (3).
وأسرع الخبيث الدنس إلى شبيه رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) فطعنه بالرمح في ظهره، وضربه ضربة غادرة بالسيف على رأسه، ففلق هامته، فاعتنق الفتى فرسه ظناً منه أنّه
سیرجعه إلى أبيه ليودعه الوداع الأخير إلّا أنّ الفرس حمله إلى معسكر الأعداء، فأحاطوا به من كلّ جانب، فقطعوه بسيوفهم إرباً إرباً تشفياً منه لما ألحقه بهم من الخسائر الفادحة، ورفع الفتى صوته : «عليك مني السلام أبا عبد اللّه، هذا جدي رسول اللّه قد سقاني بكأسه شربة لا أظمأ بعدها، وهو يقول : إنّ لك كأساً مذخورة» (1).
وحمل الأثير هذه الكلمات إلى أبيه فقطعت قلبه، ومزقت أحشاءه، ففزع إليه وهو خائر القوى، منهد الركن، قد أشرف على الموت، فوضع خدّه على خدّ ولده، وهو جثّة هامدة، قد قطعت جسمه السيوف، فأخذ يذرف أحرّ الدموع، وهو يقول بصوت خافت قد حمل شظايا قلبه الممزق : قَتَلَ اللّه قَوْماً قَتَلُوكَ يا بُنَى، ما أَجْرَأَهُمْ عَلَى اللّه، وَعَلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الرَّسُولِ، عَلَى الدُّنْيا بَعْدَكَ الْعَفا (2).
وكان العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى جانب أخيه، وقد ذاب قلبه، وذهبت نفسه حزناً وأسى على ما حل بهم من عظيم الكارثة، وأليم المصاب، لقد قتل ابن أخيه الذي كان ملء فم الدنيا في فضائله ومآثره، فما أعظم الرزية، وما أجلّ مصابه !!
وهرعت الطاهرة حفيدة النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) إلى جثمان ابن أخيها فانكبت عليه تضمخه بدموعها، وهي صارخة معولة تندبه بأشجى ما تكون الندبة قائلة : وا ابن أخاه.. واثمرة فؤاداه.
وأثر منظرها الحزين في نفس الإمام، فجعل يعزيها بمصابها الأليم وهو بحالة المحتضر، ويردّد بأسى : عَلَى الدُّنيا بَعْدَكَ العَفا.
لك اللّه يا أبا عبداللّه على هذه الكوارث التي تميد بالصبر، وتهتز م-ن ه-ولها الجبال، لقد تجرّعتها في سبيل هذا الدين الذي عبثت به العصابة المجرمة من
الأمويّين وعملائهم.
وهبّت الفتية الأماجد من آل عقيل إلى الجهاد لتفدي إمام المسلمين وريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) وهي ساخرة من الحياة، ومستهينة بالموت، وقد نظر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بسالتهم واندفاعهم بشوق إلى الذب عنه، فقال : اللَّهُمَّ اقْتُلْ قاتِلَ آلِ عَقِيلٍ.
وكان يقول : صَبْراً آلَ عَقِيلٍ إِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ (1).
وقد ألحقوا بالعدوّ خسائر فادحة، فقد قاتلوا كالأسود الضارية، وعلوا بإرادتهم وعزمهم الجبّار على جميع فصائل ذلك الجيش، وقد استشهد منهم تسعة من أطايب الشباب، ومن مفاخر أبناء الأسرة النبوية، وفيهم يقول الشاعر :
عينُ جُودِي بِعَبرَةٍ وَعَوِيل***وَانْدُبِي إِنْ نَدَبْتِ آلَ الرَّسُولِ
تسْعَةُ كُلُّهُم لِصُلْب عَلَىّ***قَد أُصيبُوا وَسَبْعَةٌ لِعَقِيلٍ (2)
وفي بحار الأنوار: 45 : 291، وعوالم العلوم : 17 : 588، هكذا :
وَاندُبِي تِسْعَةً لِصُلْبِ عَلِيٍّ***قَدْ أُصِيبُوا وَخَمْسَةٌ لِعَقيل
وهو الموافق لما ذكره الطبري. تاريخ الأمم والملوك : 4 : 662.
وفي أنساب الأشراف : 3: 422، هكذا :
خَمْسَةٌ مِنْهُمْ لِصُلْب عَلى***قَدْ أُصِيبُوا وَسَبْعَةٌ لِعَقِيل
وفي النزاع والتخاصم : 29، هكذا :
يَسْعَةً مِنْهُمْ لِصَلْبِ عَلى***قَدْ أُصِيبُوا وَيَسْعَةً لِعَقِيل
وفي المعارف : 204، هكذا :
سَبْعَةٌ كُلَّهُم لِصُلبِ عَلِيٍّ***قَدْ أُصِيبُوا وَتِسْعَةً لِعَقِيل
وقد صعدت أرواحهم الطاهرة إلى الفردوس الأعلى حيث مقر النبيّين والصدّيقين والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
وسارعت الفتية من أبناء الإمام الزكي أبي محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى نصرة عمّهم والذبّ، وقلوبهم تنزف دماً على ما حلّ به من عظيم الكوارث والخطوب، وكان من بينهم القاسم، وقد وصفه المؤرّخون بأنّه كالقمر في جمال طلعته وبهائه، وقد غذاه عمه بمواهبه، وأفرغ عليه أشعة من روحه حتّى صار من أمثلة الكمال والآداب.
وكان القاسم وبقيّة إخوانه يتطلعون إلى محنة عمّهم، ويودون أن يردوا عنه عوادي الأعداء بدمائهم وأرواحهم، وكان القاسم يقول : «لا يقتل عمّي وأنا أحمل السيف» (1).
وانبرى القاسم يطلب الإذن من عمّه ليجاهد بين يديه، فاعتنقه الإمام وعيناه تفيضان دموعاً، وأبى أن يأذن له، إلّا أنّ الفتى ألح عليه، وأخذ يقبل يديه ورجليه ليسمح له بالجهاد، فأذن له.
وانطلق رائد الفتوّة الإسلاميّة إلى ساحة الحرب، ولم يضف على جسده الشريف لامة حرب، محتقراً لأولئك الوحوش، وقد التحم معهم يحصد رؤوسهم، ويجندل أبطالهم، كأنّ المنايا كانت طوع إرادته، وبينما هو يقاتل إذ انقطع شسع نعله الذي هو أشرف من ذلك الجيش، وأنف سليل النبوّة والإمامة أن تكون إحدى رجليه بلا نعل، فوقف يشدّه متحدّياً لهم، واغتنم هذه الفرصة كلب من كلاب ذلك الجيش، وهو عمرو بن سعد الأزدي، فقال : واللّه لأشدّنَّ عليه.
فأنكر عليه ذلك حميد بن مسلم وقال له : سبحان اللّه ! وما تريد بذلك ؟ يكفيك
1) البستان الجامع لجميع تواريخ أهل الزمان : 25.
هؤلاء القوم الذين ما يبقون على أحد منهم.
فلم يعنَ الخبيث به، وشدّ عليه فضربه بالسيف على رأسه الشريف، فهوى إلى الأرض كما تهوي النجوم صريعاً يتخبط بدمه القاني، ونادى بأعلى صوته : «يا عمّاه».
وكان الموت أهون على الإمام من هذا النداء، فقد تقطّع قلبه، وفاضت نفسه أسى وحسرات، وسارع نحو ابن أخيه، فعمد إلى قاتله فضربه بالسيف، فاتّقاها بساعده فقطعها من المرفق، وطرحه أرضاً، وحملت خيل أهل الكوفة لاستنقاذه، إلّا أنّ الأثيم هلك تحت حوافر الخيل، وانعطف الإمام نحو ابن أخيه فجعل يوسعه تقبيلاً والفتى يفحص بيديه ورجليه كالطير المذبوح، وجعل الإمام يخاطبه بذوب روحه
بُعْداً لِقَومٍ قَتَلُوكَ، وَمَنْ خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيْكَ جَدُّكَ. عَزَّ وَاللّه عَلَى عَمِّكَ أَنْ تَدْعُوَهُ فَلَا يُجِيبُكَ، أَوْ يُجِيبَكَ فَلَا يَنفَعُكَ، صَوتٌ وَاللّه كَثُرَ وَاتِرُهُ، وَقَلَّ ناصِرُهُ (1).
وحمل الإمام ابن أخيه بين ذراعيه، وهو يفحص بيديه ورجليه (2)حتّى فاضت نفسه الزكيّة بين يديه.
وجاء به فألقاه بجوار ولده عليّ الأكبر، وسائر القتلى الممجّدين من أهل بيته وأخذ يطيل النظر إليهم وقد تصدّع قلبه، وأخذ يدعو على السفكة المجرمين من أعدائه الذين استباحوا قتل ذرّيّة نبيّه، قائلاً:
اللهُمَّ احْصِهِمْ عَدَداً، وَلَا تُغادِرُ مِنْهُمْ أَحَداً، وَلَا تَغْفِرْ لَهُمْ أَبَداً، صَبْراً يا بَنِي عُمُومَتِي، صَبْراً يا أَهْلَ بَيْتِي، لَا رَأَيْتُمْ هَوَاناً بَعْدَ هذَا الْيَوم أبداً (3).
وبرز من بعده عون بن عبد اللّه بن جعفر، ومحمّد بن عبد اللّه بن جعفر، وأمهما العقيلة الطاهرة حفيدة الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) زينب الكبرى (عَلَيهَا السَّلَامُ) وقد نالا شرف الشهادة مع حفيد النبيّ وريحانته.
ولم يبق بعد هؤلاء الصفوة من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، إلّا اخوة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفي طليعتهم أخوه أبو الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان إلى جانب أخيه كقوة ضاربة يحميه من أي اعتداء عليه، وقد شاركه في جميع آلامه وأحزانه.
وذاب قلب أبي الفضل أسى وحزناً، وود أنّ المنيّة قد اختطفته ولا يشاهد تلك الكوارث والخطوب التي تذهل كلّ كائن حي، وتميد بالصبر، ولا يقوى على تحمّلها أي إنسان إلا أولي العزم من أنبياء اللّه الذين امتحن اللّه قلوبهم للإيمان واصطفاهم على عباده.
ومن بين تلك الكوارث المذهلة التي عاناها أبو الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه كان يستقبل في كلّ لحظة شابّاً أو غلاماً لم يراهق الحلم من أهل بيته، قد مزقت أجسامهم سيوف الأمويّين وحرابهم، ويسمع صراخ بنات الرسالة وعقائل النبوّة وهن يلطمن وجوههنّ، ويندبن بأشجى ما تكون الندبة أولئك البدور الذين تضمّخوا بدم الشهادة دفاعاً عن ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ).
ومن بين المحن الشاقة التي عاناها أبو الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه عاناها أبو الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه يرى أخاه، وشقيق روحه الإمام الحسين قد أحاطت به أوغاد أهل الكوفة لتتقرّب بقتله إلى سليل الأدعياء ابن مرجانة، وقد زادته هذه المحن إيماناً وتصميماً على مناجزة أعداء اللّه، وبذله حياته فداءً لسبط رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ).
ونعرض بإيجاز إلى شهادته، وما رافق ذلك من أحداث.
و انبرى بطل كربلاء إلى أشقائه بعد شهادة الفتية من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقال لهم :
«تقدموا يا بني أُمّي حتّى أراكم نصحتم اللّه ولرسوله فإنّه لا ولد لكم» (1).
لقد طلب من إخوانه الممجدين أن يقدموا نفوسهم قرابين لدين اللّه، وأن ينصحوا في جهادهم اللّه ورسوله، ولم يلحظ في تضحيتهم أي اعتبار آخر من النسب وغيره.
والتفت أبو الفضل إلى أخيه عبداللّه، فقال له : تقدّم يا أخي حتّى أراك قتيلاً وأحتسبك (2).
واستجابت الفتية إلى نداء الحقّ، فهبوا للدفاع عن سيّد العترة وإمام الهدى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ومن أهزل الأقوال وأبعدها عن الحقّ ما ذكره ابن الأثير أن العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال لاخوته : «تقدّموا حتّى أرتكم»، فقال ما نصه : «وقال العبّاس بن عليّ لاخوته من أمّه : عبد اللّه وجعفر وعثمان، تقدّموا حتّى أرثكم، فإنّه لا ولد لكم، ففعلوا، فقتلوا» (3).
لقد قالوا بذلك ليقللوا من أهميّة هذا العملاق العظيم الذي هو من ذخائر الإسلام، ومن مفاخر المسلمين، وهل من الممكن أن يفكر فخر هاشم في الناحية الماديّة في تلك الساعة الرهيبة التي كان الموت المحتم منه كقاب قوسين أو أدنى.
مضافاً إلى الكوارث التي أحاطت به، فهو يرى أخاه قد أحاطت به جيوش، وهو يستغيث فلا يغاث، ويسمع صراخ عقائل النبوّة ومخدّرات الرسالة الأمويّين،
فقد كان همه الوحيد الرحيل من الدنيا، واللحوق بأهل بيته الذين حصدتهم سيوف الأمويّين.
وبالإضافة لهذا كله فإنّ السيّدة أُمّ البنين أمّ السادة الأماجد كانت حية، فهي التي تحوز ميراث أبنائها لأنها من الطبقة الأولى لو كان لأبنائها أموال، فإنّ أباهم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد انتقل من هذه الدنيا ولم يخلّف صفراء ولا بيضاء، فمن أين جاءت أبناءه الأموال.
ومن المحتمل قوياً أن يكون الوارد في كلام سيدنا أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «حتى أثأركم...» أي أطلب بثاركم فحرّف كلامه.
واستجاب السادة اخوة العبّاس إلى نداء أخيهم فهبوا للجهاد، ووطنوا أنفسهم على الموت دفاعاً عن أخيهم ريحانة رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، فقد برز عبداللّه ابن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) والتحم مع جيوش الأمويّين، وهو يرتجز :
شَيخِي عَلِيٌّ ذُو الفَخَارِ الْأَطْوَلِ***مِن هَاشِمِ الخَيْرِ الكَرِيمِ المُفْضِلِ
هَذَا حُسَينُ ابْنُ النبيّ المُرْسَلِ***عَنْهُ نُحَامِي بِالحُسَامِ المُصْفَلِ
تَفْدِيهِ نَفْسِي مِن أَحْ مُبَجِّلِ***يَا رَبِّ فَامْنَحنِي ثَوابَ المَنزِلِ (1)
لقد أعرب بهذا الرجز عن اعتزازه وافتخاره بأبيه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، باب مدينة علم النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، ووصيّه، كما اعتز بأخيه سيّد شباب أهل الجنة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد أعلن أنّه إنّما يدافع عنه لأنّه ابن النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، ويلتمس بذلك أن يمنحه اللّه الدرجات الرفيعة.
1) الفتوح: 5 : 112.
ولم يزل الفتى يقاتل أعنف القتال وأشده حتّى شدّ عليه رجس من أرجاس أهل الكوفة، وهو هاني بن ثبيت الحضرمي فقتله(1)
وفي الفتوح : 5 : 112 : «إنّ الذي قتله زحر بن بدر النخعي».
وفي مناقب آل أبي طالب : 4 : 107 : «بعد شهادة جعفر برز أخوه عبداللّه قائلاً:
أَنَا ابْنُ ذِي النَّجْدَةِ وَالْإِفْضَالِ***ذَاكَ عَلِيُّ الخَيْرِ ذُو الْفِعَالِ
سَيْفُ رَسُولِ اللّه ذِي النَّكَالِ***فِي كلّ يَوْمٍ ظَاهِرِ الأَهْوَالِ
فقتله هانئ بن شبيب الحضرمي لعنه اللّه». بحار الأنوار: 45 38 مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ):الخوارزمي : 2 : 29.
.ويرز من بعده أخوه جعفر، وكان له من العمر تسع عشرة سنة، فجعل يقاتل قتال الأبطال، فبرز إليه قاتل أخيه فقتله (2)
وذكر ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب : 4 : 107 : «ثمّ برز أخوه جعفر منشاً يقول :
إِنِّي أَنَا جَعْفَرُ ذُو المَعَالِي***ابْنُ عَلِيِّ الخَيْرِ ذِي النَّوالِ
ذَاكَ الوَصِيُّ ذُو السَّنَا وَالوَالِي***حَسْبِي بِعَمِّي شَرَفاً وَالخَالِ
فرماه خولي الأصبحي فأصاب شقيقته أو عينيه».
.وبرز من بعده أخوه عثمان، وهو ابن إحدى وعشرين سنة، فرماه خولي بسهم فأضعفه، وشدّ عليه رجس من بني دارم وأخذ رأسه ليتقرب به إلى ابن الأمة الفاجرة عبيد اللّه بن مرجانة (3).
لقد سمت أرواحهم الطاهرة إلى الرفيق الأعلى، وهي أنضر ما تكون تفانياً في مرضاة اللّه، وأشدّ ما تكون إيماناً بعدالة تضحيتهم التي هي من أنبل التضحيات
في العالم.
ولما رأى أبو الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحدة أخيه، وقتل أصحابه وأهل بيته الذين باعوا أنفسهم للّه، انبرى إليه يطلب الرخصة منه ليلاقي مصيره المشرق، فلم يسمح له الإمام، وقال له بصوت حزين النبرات : أَنْتَ صاحِبُ لِوَائِي.
لقد كان الإمام يشعر بالقوة والحماية ما دام أبو الفضل، فهو كقوة ضاربة إلى جانبه يذبّ عنه، ويرد عنه كيد المعتدين.
وألحّ عليه أبو الفضل قائلاً: «لقد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين، وأُريد أن أخذ ثأري منهم» (1).
لقد ضاق صدره، وسئم من الحياة حينما رأى النجوم المشرقة من إخوته وأبناء عمومته صرعی مجزرین علی رمضاء كربلاء، فتحرّق شوقاً للأخذ بثأرهم والالتحاق بهم. وطلب الإمام منه أن يسعى لتحصيل الماء إلى الأطفال الذين صرعهم العطش، فانبرى الشهم النبيل نحو أولئك الممسوخين الذين خلت قلوبهم من الرحمة والرأفة، فجعل يعظهم ويحذرهم من عذاب اللّه ونقمته.
ووجّه خطابه بعد ذلك إلى ابن سعد : «يابن سعد، هذا الحسين ابن بنت رسول اللّه (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) قد قتلتم أصحابه وأهل بيته، وهؤلاء عياله وأولاده عطاشى فاسقوهم من الماء، قد أحرق الظمأ قلوبهم، وهو مع ذلك يقول : دعوني أذهب إلى الروم أو الهند واخلي لكم الحجاز والعراق.
وساد صمت رهيب على قوّات ابن سعد، ووجم الكثيرون، وودوا أنّ الأرض تسیخ بهم، فانبرى إليه الرجس الخبيث شمر بن ذي الجوشن فردّ عليه قائلاً:
1) بحار الأنوار: 41:45.
يا بن أبى تراب، لو كان وجه الأرض كله ماءً وهو تحت أيدينا لما سقيناكم منه قطرة إلا أن تدخلوا في بيعة يزيد.
لقد بلغت الخسة، ولؤم العنصر، وخبث السريرة بهذا الرجس إلى مستوى ما له من قرار.
وقفل أبو الفضل راجعاً إلى أخيه فأخبره بعتو القوم وطغيانهم، وسمع فخر عدنان صراخ الأطفال وهم يستغيثون وينادون : العطش.. العطش (1).
ورآهم أبو الفضل قد ذبلت شفاههم، وتغيّرت ألوانهم، وأشرفوا على الهلاك من شدة العطش، وفزع أبو الفضل، وسرى الألم العاصف في محياه، واندفع ببسالة لا غائتهم، فركب فرسه وأخذ معه القربة، فاقتحم الفرات، فانهزم الجيش من بين يديه، واستطاع أن يفك الحصار الذي فرض على الماء، فاحتله، وكان قلبه الشريف كصالية الغضا من شدّة العطش، فاغترف من الماء غرفة ليشرب منه، إلا أنه تذكر عطش أخيه، ومن معه من النساء والأطفال، فرمى الماء من يده، وامتنع أن يروي غليله، وقال :
يَا نَفْسُ مِن بَعْدِ الحُسِينِ هُونِي***وَبَعْدَهُ لا كُنْتِ أَن تَكُونِي
هذا الحُسَينُ وَارِدُ المَنُونِ***وَتَشْرَبينَ بَارِدَ المَعِينِ
تَاللّه مَا هَذَا فِعَالُ دِينِي***وَلا فِعَالُ صَادِقِ اليَقِين (2)
إنّ الإنسانيّة بكل إجلال وإكبار لتحيي هذه الروح العظيمة التي تألقت في دنيا
الفضيلة والإسلام، وهي تلقي على الأجيال أروع الدروس عن الكرامة الإنسانيّة.
إن هذا الايثار الذي تجاوز حدود الزمان والمكان كان من أبرز الذاتيات في خُلق
سيّدنا أبي الفضل، فلم تمكّنه عواطفه المترعة بالولاء والحنان أن يشرب من الماء قبله، فأيّ إيثار أنبل أو أصدق من هذا الايثار ؟
واتجه فخر هاشم مزهوّاً نحو المخيم بعدما ملأ القربة، وهي عنده أثمن من حياته، والتحم مع أعداء اللّه وأنذال البشرية التحاماً رهيباً، فقد أحاطوا به من كلّ جانب ليمنعوه من إيصال الماء إلى عطاشى آل النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وأشاع فيهم القتل والدمار وهو يرتجز.
لَا أَرْهَبُ المَوْتَ إِذَا المَوتُ زَقا***حتّى أُوارَى فِي المَصالِيتِ لِقا
نَفْسِي لِنَفْسِ المُصطَفَى الطَّهرِ وقا***إِنِّي أَنَا العبّاس أَغْدُو بِالسِّقا
وَلَا أَخَافُ الشَّرَيَومَ المُلتَقَى (1)
لقد أعلن بهذا الرجز عن شجاعته النادرة، وأنّه لا يخشى الموت، وإنّما يستقبله بثغر باسم دفاعاً عن الحقّ، وفداء لأخيه سبط النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)، وأنه لفخور أن يغدو بالسقاء مملوء من الماء ليروي به عطاشى أهل البيت.
وانهزمت الجيوش من بين يديه يطاردها الفزع والرعب، فقد ذكرهم ببطولات أبيه فاتح خيبر، ومحطّم فلول الشرك، إلّا أنّ وضراً خبيثاً من جبناء أهل الكوفة كمن له من وراء نخلة، ولم يستقبله بوجهه، فضربه على يمينه ضربة غادرة فبراها.
لقد قطع تلك اليد الكريمة التي كانت تفيض برّاً وكرماً على المحرومين والفقراء، والتي طالما دافع بها عن حقوق المظلومين والمضطهدين، ولم يعن بها بطل كربلاء وراح يرتجز :
وَاللّه إِنْ قَطَعْتُمُ يَمِينِي***إِنِّي أُحَامِي أَبَداً عَنْ دِينِي
1) مناقب آل أبي طالب : 4: 108. إبصار العين : 44.
وَعَنْ إمام صادِقِ اليَقِينِ***نَجْلِ النبيّ الطَّاهِرِ الأَمِينِ (1)
ودلّل بهذا الرجز على الأهداف العظيمة، والمثل العليا التي يناضل من أجلها، فهو إنّما يناضل دفاعاً عن الإسلام، ودفاعاً عن إمام المسلمين، وسيّد شباب أهل الجنّة.
ولم يبعد العبّاس قليلاً حتّى كمن له من وراء نخلة رجس من أرجاس البشرية، وهو الحكيم بن الطفيل الطائي فضربه على يساره فبراها، وحمل القربة بأسنانه - حسبما تقول بعض المصادر - وجعل يركض ليوصل الماء إلى عطاشى أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وهو غير حافل بما كان يعانيه من نزف الدماء، وألم الجراح، وشدّة العطش (2)، وكان ذلك حقاً هو هو منتهى ما وصلت إليه الإنسانيّة من الشرف والوفاء والرحمة.
وبينما هو يركض وهو بتلك الحالة إذ أصاب القربة سهم غادر فاريق ماؤها، ووقف البطل حزيناً، فقد كان إراقة الماء عنده أشدّ عليه من قطع يديه، وشدّ عليه رجس فعلاه بعمود من حديد على رأسه الشريف ففلق هامته، وهوى على الأرض وهو يؤدّي تحيّته ووداعه الأخير إلى أخيه قائلاً: «عليك مني السلام أبا عبد اللّه» (3).
وحمل الأثير محنته إلى أخيه، فمزقت قلبه، ومزقت أحشاءه، وانطلق نحو نهر العلقمي حيث هوى إلى جنبه أبو الفضل، واقتحم جيوش الأعداء فوقف على جثمان أخيه، فألقى بنفسه عليه، وجعل يضمّخه بدموع عينيه، وهو يلفظ شظايا قلبه الذي مزقته الكوارث قائلاً: الآن انْكَسَرَ ظَهْرِي، وَقَلَّتْ حِيلَتِي، وَشَمِتَ
بي عَدُوّى (1).
وجعل إمام الهدى يطيل النظر إلى جثمان أخيه، وقد انهارت قواه، وانهد ركنه، وتبدّدت جميع آماله، وود أن الموت قد وافاه قبله.
وقد وصف السيّد جعفر الحلّي حالته بقوله :
فَمَشى لِمَصرَعِهِ الْحُسَيْنُ وَطَرفُهُ***بَينَ الخِيامِ وَبَينَهُ مُتَقَسِّمُ
أَلْفاهُ مَحْجُوبَ الجَمالِ كَأَنَّهُ***بَدرٌ بِمُنحَطم الوشيج مُلَثّمُ
فَأَكَبُ مُنحَنِياً عَلَيْهِ وَدَمعُهُ***صَبَغَ البسيط كَأَنَّما هُوَ عَنْدَمُ
قَدْ رامَ يَثِمُهُ فَلَمْ يَرَ مَوضِعاً***لَمْ يُدْمِهِ عَضُّ السَّلاح فَيُلثَمُ
نادئ وَقَدْ مَلَأُ البَوادِي صَيحَةً***صُمُّ الصُّخورِ لِهَولِها تَتَأَلَّمْ
أَأُخَي يُهنيك النَّعيمُ وَلَمْ أَخَلْ***ترضى بِأَنْ أَرْزَىٰ وَأَنْتَ مُنَعّمُ
أأُخَي مَنْ يَحْمِي بَناتَ محمّد***إِذْ صِرنَ يَسْتَرْحِمْنَ مَنْ لا يَرحَمُ
ما خِلْتُ بَعدَكَ أَنْ تُشَلَّ سَواعِدي***وَتَكُفُّ باصِرَتي وَظَهرِي يُقصَمُ
لسواكَ يُلطَمُ بِالْأَكُفِّ وَهَذِهِ***بيضُ الضُّبا لَكَ في جَبينِي تَلطُّمُ
ما بَينَ مَصَرَعِكَ الفظيع وَمَصَرَعي***إِلَّا كَما أدعوكَ قَبلُ وَتَنعَمُ
هذا حُسامُكَ مَنْ يُذِلّ بِهِ العِدا***ولواك هذا مَنْ بِهِ يَتَقَدَّمُ
هَوْنتَ يابْنَ أَبي مَصارع فِتْيَتي***وَالْجُرحُ يُسْكِنُهُ الَّذي هُوَ آلَمْ (2)
وهو وصف دقيق للحالة الراهنة التي حلت بسيد الشهداء بعد فقده لأخيه.
ووصف شاعر آخر وهو الحاجّ محمّد رضا الأزري وضع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله :
وَهَوى عَلَيهِ ما هنالك قائلاً***اليوم بانَ عَنِ اليَمينِ حُسامُها
اليوم سارَ عَنِ الكَتائِبِ كَبِشُها***اليَومَ بانَ عَنِ الهُداةِ إِمَامُها
اليَومَ آلَ إِلى التَّفَرُّقِ جَمعُنا***اليَومَ حُلَّ عَن البنود نظامها
اليومَ نامَتْ أَعيْنُ بِكَ لَمْ تَنَمْ***وَتَسَهَّدَتْ أُخرى فَعَزَّ مَنامُها
أشقيقُ روحِيَ هَلْ تَراكَ عَلِمْتَ أَن***غودِرتَ وَانْثَالَتْ عَلَيكَ لِئامُها
قَدْ خِلْتُ أَطْبَقَتِ السَّماءُ عَلَى الثَّرى***أَوْ دُكْدِكَتْ فَوقَ الرُّبى أَعْلامُها
لكِنْ أهانَ الخَطبُ عِندِيَ أَنَّني***بك لاحِقُ أَمْراً قَضى عَلامُها (1)
ومهما قال الشعراء والكتاب فإنّهم لا يستطيعون أن يصفوا ما ألم بالإمام من فادح الحزن، وعظيم المصاب.
ووصفه أرباب المقاتل بأنّه قام من أخيه وهو لا يتمكن أن ينقل قدمه، وقد بان عليه الانكسار، وهو الصبور، واتّجه صوب المخيم وهو يكفكف دموعه، فاستقبلته سكينة قائلة : أين عمّى أبو الفضل ؟
فغرق بالبكاء، وأخبرها بنبرات متقطعة شدّة البكاء بشهادته (2)، وذعرت من سكينة وعلا صراخها، ولما سمعت بطلة كربلاء حفيدة الرسول (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ) بشهادة أخيها الذي ما ترك لوناً من ألوان البر والمعروف إلا قدّمه لها، أخذت تعاني آلام الاحتضار، ووضعت يدها على قلبها المذاب، وهي تصيح : وا أخاه.. وا عبّاساه.. واضيعتنا بعدك.
يا لهول الفاجعة..
يا لهول الكارثة...
لقد ضجّت البقعة من كثرة الصراخ والبكاء، وأخذت عقائل النبوّة يلطمن الوجوه وقد أيقن بالضياع بعده، وشاركهنّ الشاكل الحزين أبو الشهداء في محنتهن ومصابهن، وقد علا صوته قائلاً: واضَيْعَتَنا بَعْدَكَ يا أَبا الفَضْل (1)
لقد شعر أبو عبد اللّه لا بالضيعة والغربة بعد فقده لأخيه الذي ليس مثله أخ في بره ووفائه ومواساته، فكانت فاجعته به أقسى ما مُني به من المصائب والكوارث.
وداعاً يا قمر بني هاشم
وداعاً يا فجر كلّ ليل
وداعاً يا رمز المواساة والوفاء
سلام عليك يوم ولدت، ويوم استشهدت، ويوم تبعث حياً
الحمدللّه رب العالمين وصلى اللّه على سيّدنا محمّد وعلى آله الطّاهرين
1) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / المقرم : 339.
القرآن الکريم
1 - إبصار العين في أنصار الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : السماوي، الشيخ محمّد ابن الشيخ طاهر بن حبیب بن حسين بن محسن بن تركي الفضلي (1876 - 1950م) : المكتبة الحيدرية، الطبعة الأولى /1423ه-.
2 - الاحتجاج على أهل اللجاج : الطبرسي، أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب (- 560ه-)، تحقيق : إبراهيم البهادري و محمّد هادي به، الناشر : دار أسوة - ايران، الطبعة السادسة / 1425ه-.
3- الأخبار الطوال : ابن قتيبة الدينوري، أبو محمّد عبد اللّه بن مسلم (213 - 276ه-)، منشورات الشريف الرضي، قم المقدّسة / 1409ه-.
4 - الإرشاد في معرفة حجج اللّه على العباد : الشيخ المفيد، محمّد بن محمّد (336 - 13 4ه-) : طبع وتحقيق : مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) - قم المقدّسة / 1416ه-.
5 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب : ابن عبدالبر، أبو عمر يوسف بن عبداللّه بن محمّد النمري القرطبي الأندلسي (363 - 463ه-)، تحقيق وتعليق : علي محمّد معوض وعادل أحمد، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1415ه- / 1995م (4 مجلدات).
6 - الإصابة في تمييز الصحابة : ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي الشافعي (133 - 852)، دار الكتاب العلميّة - بيروت / 1986م.
7 - الأغاني : أبو الفرج الاصفهاني، علي بن حسين (284 - 356ه-)، دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1994م.
8 - إقبال الأعمال : السيّد ابن طاووس = السيّد ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر (- 644ه-) : تقديم وتعليق : الشيخ حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1417ه- / 1996م.
9 - الأمالي : الشيخ الصدوق = ابن بابويه القمي، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن موسی (311 - 381ه-) : تحقيق ونشر قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسسة البعثة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1417ه-.
10 - الإمامة والسياسة : ابن قتيبة الدينوري، أبو محمّد عبداللّه بن مسلم (213 - 276ه-)، دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1985 م.
11 - أنساب الأشراف البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (- 279ه-) : تحقيق: د. سهیل زکار و د. ریاض زكلي، دار الفكر - بيروت / 1417ه-.
12 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار : العلامة المجلسي، محمّدباقر بن محمّد تقي (1037 - 1111ه-) : دار الرضا - بيروت / 1988م.
13 - البداية والنهاية في التاريخ = تاریخ ابن كثير : ابن كثير الدمشقي، أبو الفداء إسماعيل بن كثير (700 - (774ه-) : تحقيق : مكتب تحقيق التراث، دار إحياء التراث العربي - بيروت 1993م.
14 - البستان الجامع لجميع تواريخ أهل الزمان (م) : الأصفهاني، عماد الدين.
15 - بطل العلقمي : المظفّر، الشيخ عبد الواحد.
16 - تاج العروس من جواهر القاموس : الزبيدي الحنفي = محب الدين أبي فيض السيّد محمّد مرتضى الحسيني الواسطي (1145 - 1205ه-) : دراسة وتحقيق : علي شيري، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1414ه- / 1994م (20 مجلداً).
17 - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام : الذهبي، محمّد بن أحمد (673 - 748ه-)، دار الكتاب - بيروت / 1995م.
18 - تاريخ الطبري - تاريخ الأمم والملوك : الطبري، أبو جعفر محمّد بن جرير بن يزيد بن خالد (224 - 310ه-)، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الخامسة 1409ه- / 1989م.
19 - تاريخ مدينة دمشق : ابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة اللّه الشافعي الدمشقي (499 - 571ه-)، دار الفكر - دمشق / 1419ه-.
20 - تحف العقول عن آل الرسول : ابن شعبة الحراني، أبو محمّد الحسن بن علي بن الحسين (من أعلام القرن الرابع الهجري)، دار الشريف الرضي - قم المقدّسة / 1421ه-.
21 - تذكرة خواص الأمة : سبط ابن الجوزي، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي ابن عبداللّه البغدادي (581 - 654ه-)، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1418ه-.
22 - التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ) (260ه-) : تحقيق ونشر : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَي فَرَجَهُ الشَریف)- قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1409ه-.
23 - تنقيح المقال في علم الرجال : المامقاني، الشيخ عبد اللّه (- 1351ه-) : المطبعة المرتضوية - النجف الأشرف /1352ه-.
24 -تهذيب الأحكام : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (- 5460) : تحقيق: محمّد جعفر شمس الدين، الناشر دار التعارف - بيروت 1412ه- / 1992م.
25 - الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير: السيوطي، جلال الدین عبدالرحمن ابن أبي بكر (849 - 911 ه-)، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى / 1401ه-.
26 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء : أبو نعيم الاصفهاني، الحافظ أحمد بن عبداللّه بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران (336 - 430ه-)، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الخامسة / 1987م.
27 - حياة الحيوان الكبرى: الدميري، كمال الدين محمّد بن موسى (742 - 5808) : انتشارات ناصر خسرو - طهران (اوفسيت عن طبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة 1390ه- / 1970م).
28 - الخصال : الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381ه-)، نشر وتحقيق مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، الطبعة الثانية /1403ه-.
29 - خطط الشام - المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار : المقريزي، أحمد بن عليّ (766 - 845ه-)، مشهد المقدّسة /1379ه-. ش.
30 - الدرّ المسلوك (م) : الحر العاملي، محمّد بن الحسن (1033 - 1104ه-).
31 - الدر النضيد : الهروي، أحمد بن يحيى.
32 - ذخيرة الدارين : الحائري، السيّد مجيد.
33 - روح الإسلام : أمير علي (1849 - 1928م) : دار إحياء التراث - بيروت / 1961م.
34 - روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات: الخوانساري، الميرزا محمّد باقر الموسوي (-1313ه-) : مكتبة إسماعيليان - قم المقدّسة / 1390ه-.
35 - الروضة المختارة شرح القصائد الهاشميات والعلويات للكميت بن زياد اللّه (60 - 126ه-) : ابن أبي الحديد المعتزلي (- 656ه-)، طبع مؤسسة النعمان - بيروت، الطبعة الأولى / 1979م.
36 - روضة الواعظين وبصيرة المتعلّمين : الفتال النيشابوري، محمّد بن أحمد (- 508ه-)، دار الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1386ه-. ش.
37 - رياض المدح والرثاء : البحراني.
38 - سحر بابل وسجع البلابل : الحلّي، السيّد جعفر.
39 ۔ سرّ السلسلة العلويّة : البخاري، أبو نصر سهل بن عبداللّه بن داود (- 341ھ)، انتشارات الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1413ه-.
40 - سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار الشيخ القمي، عباس بن محمّد رضا (1254 - 1359ه-) : دار أسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة، الطبعة الرابعة / 1427ه-.
41 - الشجرة المباركة في أنساب الطالبية : الفخر الرازي = خطيب الري، فخر الدين أبي عبداللّه محمّد بن ضياء الدين عمر بن الحسن بن الحسين (544 - 606ه-) : تحقيق : السيّد عبد الزهرة الحسيني الخطيب، مؤسسة الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) - طهران / 1410ه-.
42 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب : ابن عماد، عبد الحي بن أحمد (1032 - 1089ه-) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1967م.
43 - شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار : القاضي المغربي، أبو حنيفة النعمان بن محمّد التميمي :(363ه-) : تحقيق : السيّد محمّد الحسيني الجلالي، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة / 1409ه-.
44 - صحيح البخاري : البخاري، أبو عبداللّه محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي (194 - 256ه-) : ضبطه ورقمه : الدكتور مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير ودار اليمامة - دمشق، الطبعة الخامسة 1414ه- / 1993م (6 مجلدات + مجلد الفهارس).
45 - الصراط السوي في مناقب آل النبيّ (م) : الشيخاني القادري، محمود.
46 - صفة الصفوة : الجوزي، أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن محمّد (- 597ھ) : دار المعرفة - بيروت / 1979م.
47 - الصواعق المحرقة على أهل الرّفض والضلال والزندقة : ابن حجر الهيتمي، أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن عليّ (909 - 974ه-) : تحقيق : عبدالرحمان التركي وكامل محمّد الخراط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1417ه- / 1997م (مجلدان).
48 - عوالم العلوم والمعارف والأحوال : البحراني الأصفهاني، الشيخ عبداللّه (- 1130ه-)، مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَي فَرَجَهُ الشَریف)- قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1407ه-.
49 - الغدير في الكتاب والسنّة والأدب : العلامة الأميني، عبدالحسین (1281 - 1349ه-)، تحقيق ونشر : مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة، قم المقدّسة / 1416ه-.
50 - الفتوح : ابن أعثم الكوفي، أحمد بن محمّد بن عليّ (- 314ه-) : دار الكتاب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1406ه- /1986م.
51 - القاموس المحيط: الفيروزآبادي، أبو طاهر مجدالدين محمّد بن يعقوب بن محمّد بن إبراهيم (729 - 817ه) : تقديم وتعليق : الشيخ أبو الوفا نصر الهوريني المصري الشافعي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1425ه- / 2004م.
52 - قمر بني هاشم : المقرّم، السيّد عبد الرزاق الموسوي.
53 - كتاب سليم بن قيس الهلالي : أبو صادق سليم بن قيس الهلالي العامري الكوفي (- 76ه-) : تحقيق : محمّد باقر الأنصاري الزنجاني، نشر الهادي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى /1415ه-.
54- كامل الزيارات : ابن قولويه، الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمّد القمي (- 368ه-) : نشر دار السرور - بيروت - لبنان، الطبعة الأولى / 1418ه- - 1997م.
55 - الكامل في التاريخ : ابن الأثير، عز الدين أبي الحسن علي بن محمّد بن أبي الكرم الشيباني (555 - 630ه-)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1408ه- / 1989م.
56 - لباب الأنساب والألقاب والأعقاب : ابن فندق البيهقي، أبو الحسن علي : مكتبة آية اللّه العظمى المرعشي (قدّس سِرُّه)- قم المقدّسة / 1410ه-.
57 - لسان العرب : ابن منظور، جمال الدين أبو الفضل محمّد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الأفريقي المصري (630 - 711ه-) : تنسيق وتعليق : علي شيري، دار صادر - بيروت / 1995م.
58 - لواعج الأشجان : الأمين العاملي، السيّد محسن.
59 - اللهوف فى قتلى الطفوف : السيّد ابن طاووس، عليّ بن موسى بن جعفر الحسيني (664ه-)، أنوار الهدى - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1417ه-.
60 - مثير الأحزان : ابن نما الحلّي (645ه-)، تحقيق ونشر : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَي فَرَجَهُ الشَریف)، قم المقدّسة / 1406ه-.
61 - المجدي في أنساب الطالبيّين : العلوي العمري، نجم الدين أبو الحسن علي بن محمّد، مكتبة آية اللّه العظمى المرعشي (قدّس سِرُّه) - قم المقدّسة / 1409ه-.
62 - مرآة الزمان في تاريخ الأعيان : سبط ابن الجوزي، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبداللّه البغدادي (581 - 654ه-) : مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، قم المقدّسة / 1366ه-.
63 - المزار للشهيد الأوّل، محمّد بن مكي العاملي الجزيني (734 - 786ه-) : تحقيق ونشر مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَي فَرَجَهُ الشَریف)- قم المقدّسة / 1410ه-.
64 - المزار الكبير : ابن المشهدي، الشيخ أبو عبداللّه محمّد بن جعفر بن علي الحائري (- 610ه-)، تحقيق : جواد القيومي الأصفهاني، نشر دار القيوم، الطبعة الأولى /1419ه-.
65 - مصباح الكفعميّ : الكفعمي، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمّد العاملي الحارثي (905ه-) : مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الثانية / 1424ه- - 2003 م.
66 - مصباح المتهجد : شيخ الطائفة الطوسي، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (385 - 460ه-) : مؤسسة فقه الشيعة - بيروت، الطبعة الأولى 1411ه- / 1991م.
67 - المعارف : ابن قتيبة الدينوري، أبو محمّد عبد اللّه بن مسلم (213 - 276ه-) : دار الكتب العلميّة، بيروت / 1407ه-.
68 - مع الحسين في نهضته : أسد حيدر (1911 - 1980م).
69 - معالي السبطين : الحائري، محمّد مهدي.
70۔ معجم البلدان : ياقوت الحموي، شهاب الدين أبو عبداللّه الرومي البغدادي (- 626ه-)، دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1399ه-.
71 - المعجم الكبير : الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي (260 - 360ه-) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1996م.
72 - مقاتل الطالبيّين : أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين بن محمّد بن أحمد (- 356ه-) : نشر مكتبة الشريف الرضي - قم المقدّسة / 1416ه-.
73- مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) = حديث كربلاء : السيّد المقرّم، عبد الرزاق الموسوي : قدّم له محمّد حسين المقرّم، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الرابعة / 1414ه-.
74 - ملحمة أهل البيت : الفرطوسي، الشيخ عبدالمنعم النجفي
75 - الملل والنحل : الشهرستاني، أبو الفتح محمّد بن عبد الكريم (479 - 548ه-) : منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة / 1406ه- (بالأفسيت عن طبع مكتبة الانجلو مصرية 1375ه- / 1956م، بتخريج محمّد بن فتح اللّه بدران).
76 - مناقب آل أبي طالب : ابن شهرآشوب، أبو جعفر رشيد الدين محمّد بن علي السروي المازندراني (488 - 588ه-) : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1412ه- / 1991م.
77 - المنتظم في تاريخ الأمم والملوك : ابن الجوزي، جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمّد (- 597ه-) : تحقيق وتقديم : سهيل زكار، الطبعة الأولى / 1415ه- - 1995م.
78 - المنجد في اللغة : لويس معلوف : دار المشرق - بيروت، الطبعة الخامسة والثلاثون / 1996م.
79 - المنمّق في أخبار قريش : الهاشمي البغدادي، محمّد بن حبيب (- 245ه-) : تصحيح و تعليق : خورشيد أحمد فاروق، عالم الكتب - بيروت، الطبعة الأولى / 1405ه- - 1985م.
80 - النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم : المقريزي، تقي الدين أحمد بن عليّ (766 - 845ه-) : تحقیق : د. حسين مؤنس، نشر دار المعارف - القاهرة.
81 - نفس المهموم الشيخ القمي، عبّاس بن محمّد رضا (1254 - 1359ه-).
82 - نهج البلاغة (مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)) : دار التعارف للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى / 1410ه- - 1990م.
83 - وسيلة المآل في عد مناقب الآل (م) : الحضرمي الشافعي، شهاب الدين أحمد بن الفضل (1047ه-).
84 - وقعة الطفّ : أبو مخنف، لوط بن يحيى الأزدي : مؤسسة النشر الإسلامي - جماعة المدرّسين - قم المقدّسة / 1367ه-. ش.
85 - ينابيع المودّة لذوى القربي : القندوزي، سليمان بن إبراهيم الحنفي (- 1294ه-) : تحقيق : السيّد علي جمال أشرف الحسيني، دار الأسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة الطبعة الأولى / 1416ه-.
الإهداء...7
بين يديك يا قمر بني هاشم وفخر عدنان...9
تقديم...11
ولادته ونشاته (عَلَيهِ السَّلَامُ)
19 - 35
نسبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الوضاح...21
الأب...21
الأمّ...22
1 - عامر بن الطفيل...22
2 - عامر بن مالك...22
3 - الطفيل...23
4 - عروة بن عتبة...23
قران الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأُمّ البنين...24
رعايتها السبطي النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)...25
مكانتها عند أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ)...25
مكانتها عند المسلمين...26
الوليد العظيم...26
سنة ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...27
تسميته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...27
كنيته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...27
1 - أبو الفضل...28
2 - أبو القاسم...28
ألقابه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...28
1 - قمر بني هاشم...28
2 - السقاء...29
3 - بطل العلقمي...29
4 - حامل اللواء...29
5 - كبش الكتيبة...30
6 - العميد...30
7- حامي الظعينة...30
8 - باب الحوائج...32
ملامحه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...32
تعويذ أُمّ البنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...33
مع أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...33
نشأته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...34
إنطباعاتٌ عَن شخصيته (عَلَيهِ السَّلَامُ)
37 - 52
أولاً : الإمام السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ)...39
ثانياً : الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)...40
1 - نفاذ البصيرة...40
2 - الصلابة في الإيمان...41
3 - الجهاد مع الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...41
4- زيارة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)...41
» التسليم...42
» التصديق...42
» الوفاء...43
» النصيحة...43
ثالثاً : الإمام الحجّة (عَلَيهِ السَّلَامُ)...46
رابعاً : الشعراء...47
1 - الكميت...48
2 - الفضل بن محمّد...48
3 - السيّد راضي القزويني...49
4 - محمّد رضا الأزري...50
5 - إبراهيم حسين الطباطبائي...50
عَنَّاصِرُهُ النَّفْسَيَةُ
53-63
1 - الشجاعة...55
مع الشعراء...56
1 - السيّد جعفر الحلّي...56
2 - الإمام كاشف الغطاء...57
3 - الفرطوسي...58
4 - ابن نما الحلي...58
2- الإيمان باللّه تعالى...59
3- الإباء...60
4 - الصبر...60
5 - الوفاء... 61
الوفاء لدينه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...61
الوفاء لأمته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...61
الوفاء لوطنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...62
الوفاء لأخيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...62
6 - قوة الإرادة...62
7 - الرأفة والرحمة...63
مَعَ الأَحْداثِ
65 - 101
حكومة الإمام علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...69
منهج حكم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...70
أولاً : بسط الحرّيات...71
1 - الحريّة الدينيّة...71
2 - الحريّة السياسيّة...71
ثانياً : نشر الوعي الديني...72
ثالثاً : نشر الوعي السياسي...72
رابعاً : إلغاء المحسوبيات... 74
خامساً : القضاء على الفقر...75
القوى المعارضة للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...76
السيّدة عائشة...76
معاوية وبنو أمية...79
إعلان الحرب...81
1 - الغوغاء...81
2 - المنافقون...82
3 - النفعيون...82
احتلال الفرات...83
دعوة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى السلم...84
الحرب...84
الخديعة الكبرى...85
التحكيم...87
تمرد الخوارج...88
النتائج الفظيعة...90
مصرع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...91
وصاياه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخالدة...92
إلى جنة المأوى...94
تجهيزه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...95
خلافة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)...95
إعلان معاوية للحرب...97
في المدائن...98
1- خيانة القائد العام...98
2- محاولات لاغتيال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...99
3 - الحكم عليه بالكفر...99
4 - نهب أمتعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...100
ضرورة الصلح...100
کابوس رهيب
103 - 119
إبادة القوى الواعية...106
1- حجر بن عدي...106
2- عمرو بن الحمق...106
3 - رشيد الهجري...107
مناهضة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)...109
1 - افتعال الأخبار ضدّهم...109
سبّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...110
3- استخدام معاهد التعليم...110
إشاعة الظلم...11
منح الخلافة ليزيد...112
اغتيال الشخصيات الإسلاميّة...112
1 - سعد بن أبي وقاص...113
2- عبد الرحمن بن خالد...113
3 - عبدالرحمن بن أبي بكر...113
4 - الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)...114
تجهيزه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...114
فتنة الأمويّين...115
معارضة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمعاوية...116
مؤتمر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...117
هلاك معاوية...117
مع الثورة الحسينية...
121 - 145
رفض الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبيعة يزيد...123
إلى مكّة المكرّمة...125
فزع السلطة بمكّة...126
تحرّك الشيعة في الكوفة...127
رسائل الكوفة...128
إيفاد مسلم إلى الكوفة...1128
ابن زياد في الكوفة...129
المخطّطات الرهيبة...131
التجسّس على مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)...131
اعتقال هانئ...132
انتفاضة مذحج...132
ثورة مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)... 134
حرب الأعصاب...134
في ضيافة طوعة...136
الإفشاء بمسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)...138
الهجوم على مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)...139
أسره (عَلَيهِ السَّلَامُ)...142
مع ابن مرجانة إلى الرفيق الأعلى...143
إعدام هانئ (رضیَ اللّهُ عنهُ)...144
السحل في الشوارع...145
إلَى ارض الشهادة
147 - 189
وصول النبأ بمقتل مسلم (عَلَيهِ السَّلَامُ)...151
النبأ المفجع بشهادة عبداللّه...153
الالتقاء بالحرّ...155
خطاب الامام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الجيش...156
خطاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)... 159
رسالة ابن مرجانة إلى الحرّ...161
في كربلاء...162
خروج الجيوش الحرب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...166
خطبة ابن زياد...167
احتلال الفرات...167
سقاية العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)...169
أمان الشمر للعباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإخوته...170
زحف الجيوش لحرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...171
الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأذن لأصحابه بمفارقته...174
جواب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)...176
جواب أصحابه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...176
إحياء الليل بالعبادة...178
يوم عاشوراء...178
دعاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...179
خطبة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...179
خطاب آخر للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...184
استجابة الحرّ...187
الحرب
191 - 207
الحملة الأولى...194
المبارزة بين المعسكرين...194
أداء فريضة الظهر...196
مصرع بقية الأنصار...198
مصارع آل النبيّ (صَلَّی اللّه عَلَیْهِ وَ آلِهِ)...198
مصارع آل عقيل...204
مصارع أبناء الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)...205
عَلَى ضفَافِ العلقمي
209 - 221
العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع اخوته...211
قول رخيص...212
مصارع اخوة العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ)...213
مصرع أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ)...215
مصادر الكتاب...223
محتويات الكتاب...231