ghaemiyeh.com
موسوعة سیرة اهل البیت (علیهم السّلام)
الجزء الخامس والثلاثون
الامام المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف)
تألیف باقر شریف القرشي
نحقیق مهدي باقر القرشي
موسسة الأمام الحسن
لاحیاء تراث أهل البیت (علیهم السّلام)
الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : .... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
موسوعة سیرة اهل البیت (علیهم السّلام)
الامام المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف)
المصلح الأعظم
موسوعة سیرة اهل البیت (علیهم السّلام)
الجزء الخامس والثلاثون
الامام المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف)
المصلح الأعظم
نحقیق مهدي باقر القرشي
موسسة الأمام الحسن
لاحیاء تراث أهل البیت
موسوعة سیرة اهل البیت (علیهم السّلام)
تألیف باقر شریف القرشي
نحقیق مهدي باقر القرشي
الناشر : ... دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (علیه السّلام)
المطبعة: ... ستار
الطبعة الثانية: ... 1433هـ / 2012م
عدد النسخ: ... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء (35) : 3 - 17 - 275 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)
مكتبة الإمام الحسن (علیه السّلام) - هاتف 009647805694970
محرر الرقمي: محمد مبين روزبهاني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ الأنبياء 21: 105
وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً النور 24 : 55
إلى صانع الحضارة الإنسانيّة القائمة على توحيد الله .
إلى محرّر إرادة الإنسان وفكره .
إلى خاتم الأنبياء ، وسيد الكائنات ، الرسول محمد (صلی الله علیه و آله و سلم).
أرفع هذه الدراسة عن خاتم أوصيائه ، ومحيي دينه ، ومجدد رسالته ،
الأَمَاءِ المُهَدِي (عجل الله تعالی فرجه الشریف)
الذى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلما وجوراً ، راجياً التفضّل عليَّ بالقبول ، لأعده ذخراً يوم ألقى الله تعالى
المؤلّف
بسم اللهِ الرَّحمن الرّحيمِ
الإمام المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) حجة الله في الأرض ، وشبيه أنبياء الله العظام ، حيث اتفقت جميع الأديان على ظهوره كمصلح عظيم يشيع العدل والأمن والرخاء ، ويرفع راية الحق في جميع أنحاء الأرض ، وينقذ الإنسانيّة المروّعة بالويلات والمصائب .
نعم ، سيتحقق ذلك بإذن الله تعالى بعد وصول البشرية إلى حالة من العجز والفشل في تحقيق العدالة والأمن للعالم .
إن فكرة الإمام المهدى (علیه السّلام) فكرة إسلامية عقائدية مقدسة تهدّد مستقبل الظالمين باعتراف جميع المذاهب الإسلاميّة ، فعلى جميع الأجيال الإسلامية الاهتمام والتعلّق بها .
فالإمام (علیه السّلام) حقيقة مضيئة لا بد أن يظهر على مسرح الحياة ، فيضيء آفاق الكون بسيرته العادلة وتطبيقه منهج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
لذا فلا بد للمؤمن في هذه الفترة من انتظار الفرج والانتظار ، وهي من العقائد الراسخة والمفاهيم الإسلامية التي أكدت عليها الأحاديث ، من ذلك قول الإمام الصادق (علیه السّلام): «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْقَائِمِ فَلْيَنتَظِرْ وَلْيَعْمَلْ بِالْوَرَع وَمَحاسِنِ الْأَخْلاقِ وَهُوَ مُنتَظِرٌ».
كما أنّ على المؤمنين جميعاً الدعاء للامام (علیه السّلام) ودوام ذكره (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
وبعد ذلك لا يسعني إلا أن أحمد الله عزّ وجلّ على ما وفقني إليه من مراجعة نصوص الكتاب ومصادره ليخرج في طبعته السابعة هذه بأفضل حلية.
إنه ولي التوفيق
مهدي باقر القرشي
1 / ذي القعدة / 1427هـ
سيّدي ! تتطلع الدنيا لمقدمك السعيد ؛ لترفع راية العدل عالية خفّاقة ، وتنشر الأمن والرخاء على جميع شعوب العالم وأمم الأرض ، وتنقذ الإنسان من ويلات الظالمين ، وكوارث الإرهابيين ، وتطوي أجهزة السياسة الرعناء التي استحلت ما حرم الله ، وكفرت بحقوق الإنسان ، وأحالت الأرض إلى جحيم ، وصرفت أموال الشعوب على صنع الأسلحة المبيدة ، التي تهلك الحرث والنسل ، في حين أن ملايين البشر يموتون جوعاً .
سيدي با أمل المحرومين والمعذبين في الأرض ! إليك ! ترنو أبصارهم ، وبك تعلّقت آمالهم ، لتنقذهم من واقعهم المرير ، وتقيم في ربوعهم العدالة الاجتماعية ، وتوزع عليهم خيرات الله ، فلا يبقى في ظلال حكمك العادل أحد ينهش جسمه الجوع والحرمان ، وإنما يعيش الجميع كما يريد الله - برفاهية ونعيم ورخاء ، لا ترهقهم ذلة ، ولا يخافون دركاً، ولا يخشون ظالماً.
سيدي ! لقد انهارت الأخلاق ، وأُقبرت الفضائل ، وهبط الإنسان إلى مستوى سحيق ما له من قرار ، فقد انعدم الصدق ، وساد الكذب ، وعمّ النفاق ، وتلاشت الروابط الاجتماعية ،
ولم يعد الإنسان كما يريده الله تعالى خليفةً فى الأرض ؛ يسیر
بالحق ، ويحكم بالعدل .. وها هي البشرية تترقب طلوعك ، وتتلهف إلى حكمك لتنقذها من هذا الانهيار المخيف الذي ينذر بإعادة شريعة الغاب .
سيّدي ! لقد جُمدت أحكام الإسلام ، وعطلت حدوده ، ولم يبق إلا اسمه ، وها هو يعج إليك لتحيى آثاره ، وتقيم معالمه ، و تعيد آياته ، حتى تزدهر الدنيا بعدله ، ويأمن الخائفون ، ويسعد المستضعفون بحكمه .
1 نحن أمام أمل الإنسانية المعذبة التي فتكت بها الحروب ، ودمرتها أطماع المستعمرين ، فهي تتطلع إلى منقذها العظيم ؛ ليقيم فيها حكم الله تعالى الذي لا غنى فيه لأحد ولا استغلال ولا تميز لقوم على آخرين .
نحن أمام العدل الصارم الذي يمحو الظلم والجور ، ويسحق الاستعباد ، ويُشيع الفضيلة والرحمة والمواساة ، ويبسط الإيثار والمودة بين الناس ، فلاظل في حكمه لأي قوى تعبث بالحياة ، أو تعيث فساداً في الأرض .
نحن أمام العدل المنتظر الذي هو هبة الله ، ونعمته الكبرى على الناس ، والذي يملأ قلوب البؤساء والمحرومين رجاءً ورحمةً ، ويوزّع عليهم خيرات الله .
نحن أمام قائم آل محمد (علیه السّلام) الثاني عشر من أئمة أهل البيت (علیهم السّلام) الذي أعده الله تعالى لإصلاح العالم ، وتغيير مناهج الأنظمة الفاسدة السائدة فيه ، والتي هبطت بالإنسان إلى مستوى سحيق ما له من قرار .
لقد أعد الله تعالى الإمام المهدي (علیه السّلام) للقيام بأداء أعظم رسالة إصلاحية ، فهو الذي يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلما وجوراً .
لقد اختاره الله لهذه المهمة من بين أوليائه ؛ لأنه من أصفى الناس طبعاً ، ومن أرقهم قلباً ، ومن أنفذهم بصيرة ، ومن أكثرهم نكراناً للذات ، فهو من أهل بيت زكاهم الله ، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً .
2 إنّ الإمام المنتظر (علیه السّلام) فهو من أبرز القضايا الإسلامية وضوحاً، ومن أكثرها جلاء ، فقد بشر به الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي لا ينطق عن الهوى - وكذلك بشر به أئمة الهدى (علیهم السّلام)- الذين هم خزنة علم الرسول ، وسدنة حكمته - وليست أخبارهم به أخبار آحاد قابلة للطعن والتشكيك والتجريح في سند رواتها ، وإنما هي أخبار متواترة ، قد حازت الدرجة القطعية ، وصدقها أئمة الحديث ، وآمن بها الحفاظ ، مجمعين على تدوينها في السنن والصحاح ، حتى صار التشكيك فيها تشكيكاً في ضرورة من ضروريات الدين ، وقد نقل الرواة عن النبي الأكرم (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «مَنْ أَنْكَرَ خُرُوجَ الْمَهْدِي فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم)»(1).
3 إنّ العقل السليم يؤمن بصورة مطلقة بوجود الإمام المنتظر (علیه السّلام) وبحتمية ظهوره ، فإنّه أمر ممكن عقلاً لم يقم أي دليل علمي على امتناعه واستحالته ، فإنّ جميع ما أثير حوله من شبه وأوهام لا تلبث أن تتلاشى أمام الفيض العارم من الأخبار الصحيحة التي أثرت عن نبي الإسلام وأوصيائه العظام ، وهي تعلن بوضوح وصراحة عن حتميّة ظهوره على مسرح الحياة ليبدد الظلم والجور، ويعيد للإسلام بهجته ونظارته ، وبالإضافة إلى تلك الأخبار فإنّ هناك إجماعاً عالمياً من الأديان السماوية والمذاهب الاجتماعية ، على ظهور مصلح اجتماعي يقيم الحق ، ويحكم بالعدل ، ولا يدع ظلاً للغبن والظلم بين الناس ، وأنّ حكمه هو أسمى ما تحلم به البشرية من التطور والتقدّم والازدهار في جميع أدوارها .
4 وإذا عرضنا قصة الإمام المهدي (علیه السّلام) بجميع مفرداتها وشؤونها على ضوء البحوث الفلسفية ، لوجدناها ضرورية لا غنى عن الالتزام والإيمان بها ؛ لأن الله تعالى فيضاً متصلاً ومستمراً على عباده لا ينقطع ولا يتخلّف ، فقد أفاض عليهم
1) عقد الدرر : 23 فرائد السمطين: 2 : 334 ، الحديث 585 . أعيان الشيعة : 4 : 431 .
الوجود بعد العدم ، وخلقهم بأحسن تقويم ، وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً، وأمر ملائكته بالسجود لأبيهم آدم ، وسخّر لهم الشمس والقمر ، وأمدهم بجميع ما يحتاجون إليه .
وإن من عظيم عنايته وألطافه تعالى على عباده انتشالهم من الضلالة والضياع ، فقد بعث إليهم أنبياءه العظام، كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم ، في وقت كانت البشرية غارقة في الآثام والموبقات . يقول الله تعالى: وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُم مِنْهَا(1).
ووصف الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) الظروف العصيبة التي رافقت بعثة الرسول محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) بقوله : «أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ ، وَاعْتِزَام مِنَ الْفِتَنِ ، وَانْتِشَارٍ مِنَ الْأُمُورِ ، وَتَلَطِّ مِنَ الْحُرُوبِ ، وَالدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ ؛ عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا ، وَإِيَاسِ مِنْ ثَمَرِهَا»(2).
وكذلك يكون خروج الإمام قائم آل محمد (علیه السّلام) في الظروف العصيبة التي تجتازها الإنسانية ، وهي مروعة بالويلات والكوارث ، فينقذها الله بالمصلح العظيم الذي يشيع في أرجائها الأمن والرخاء ، وينشر العدل والمساواة ، وغيرها من القيم الكريمة التي تتطلع إليها الإنسانية .
5 وموضوع الإمام المنتظر (علیه السّلام) بجميع شؤونه ؛ ولادة واختفاء وظهوراً ، يشبه أنبياء الله العظام ؛ دعاة الإصلاح الاجتماعي في الأرض ، فهو يشبه نبي الله موسى بن عمران (علیه السّلام) في خفاء حمله وولادته ، فقد وضع الطاغية فرعون الرقباء من النساء على كلّ مولود يُولد فى مملكته ، فإن كان ذكراً أمر بقتله ، وإن كان أُنثى عفا
عنها ؛ لأنّ الكهنة قد أخبروه بزوال ملكه على يد فتى يُولد في ذلك العصر ، وكذلك الإمام المنتظر (علیه السّلام) فقد أخفى الله حمله وولادته خوفاً عليه من طغاة بني العباس ، فقد أحاطوا دار أبيه الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام) بقوى مكثفة من الأمن نساءً ورجالاً للتعرف على ولادة وليده الإمام المنتظر ، الذي بشر به النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأنه آخر خلفائه ، فقد أيقن العباسيون بزوال ملكهم على يده ، فحاولوا جاهدين إلقاء القبض عليه وقتله ، كما قتلوا آباءه من قبل .
وكذلك شابه الإمام المنتظر (علیه السّلام) السيد المسيح عيسى بن مريم (علیه السّلام) في نطقه ولادته ، فقد أشارت إليه السيّدة أُمّه أن يكلّم القوم الذين أحاطوا بها بعد ولادته ، فأنطقه الله قائلاً: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيَّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً(1).
وكذلك الإمام المنتظر بعد ولادته تلا الآية الكريمة: وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ(2).
وكما شابههم في هذه المظاهر الكريمة ، فقد شابههم فيما هو أهم منها ، وهي قيامه بتغيير الأوضاع الاجتماعية ، وبلورة الفكر الإنساني ، وتدميره للظلم والطغيان . إنّه يقوم بالدور نفسه الذي قام به أنبياء (علیهم السّلام)، ويحطّم الجور ، ويقضي على الظلم ، ويبسط العدل والحق والإخاء بين الناس.
6 لا أعتقد أنّ بحثاً من البحوث الإسلامية قد نال اهتمام العلماء كموضوع الإمام المنتظر (علیه السّلام)، فقد بحث من جميع جوانبه ووجهاته على ضوء الكتاب والسنة ، وقد انبرى جمع حاشد من العلماء إلى التأليف في شؤونه ، وعلامات ظهوره .
ومن الجدير بالذكر أنّ الذين ألفوا فيه من علماء السنّة أكثر من علماء الشيعة ،
وسنذكر في مظانّ هذا الكتاب قائمة بأسماء بعض تلك الكتب التي تزيد على خمسين كتاباً ، حتى صار التشكيك في أمره شكاً في البديهيات التي لا يقرها فيها العقل ولا العرف .
وعلى أية حال، فإنّ من سخف القول ، وضحالة الفكر إنكار الإمام المهدي يا (علیه السّلام)، وأما جحود (ابن خلدون) و (المجوسي الكسروي) و (أحمد أمين المصري) ، فإنّما هو لعدائهم الآثم ، وحقدهم البالغ لأئمة أهل البيت (علیهم السّلام)، فقد تحاملوا عليهم في جميع ما كتبوه عنهم ، وقد استخف بهم القراء ، ولم يعد لما كتبوه عنهم أي وزن علمي بها .
7 واتهمت الشيعة في غير إنصاف ، وألصقت بها أكاذيب سخيفة في شأن عقيدتها بالإمام المنتظر (علیه السّلام)، فقد قالوا : إنّها تعتقد أن الإمام غاب في السرداب الكائن في بيته في (سامراء) ، وأنهم يتوقعون خروجه منه ، وقالوا أيضاً : إنّهم يأتون إلى سرداب خاص في بابل يترقبون خروجه منه ، إلى غير ذلك في سخف القول وأباطيله .
إن عقيدة الشيعة في الإمام المنتظر (علیه السّلام) ، بل وفى غيره من مجالاتها العقائدية ، نقيّة مشرقة كالشمس ، مشتقة من صميم الإسلام ، ومأخوذة من أئمة الهدى الذين أذهب الرجس الله عنهم وطهرهم تطهيراً ، ولم تؤخذ - والحمد الله - من كذاب ووضاع و منحرف عن دينه ، وليس في جميع بنودها شذوذ ولا انحراف ، ولا خروج عن سنن الكون ، ونواميس الطبيعة ، وهي تواكب المنطق والفطرة ، وتساير المجتمعات الإنسانية في جميع عصورها .
إنّ الشيعة تعتقد بأنّ الإمام المنتظر - سلام الله عليه - قد غاب عن أبصار السلطة التي كانت تراقبه كأشد ما تكون المراقبة لتصفيته جسدياً ، فغيابه عن الظالمين كغياب جده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عن أبصار قريش حينما أحاطت بداره لقتله ، فخرج من بين أيديهم إلى يشرب ، وأناب مكانه في فراشه وصيه وباب مدينة علمه ، الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)
والقوم لا يشعرون .
وتعتقد الشيعة اعتقاداً صريحاً بأن الإمام المنتظر (علیه السّلام) يظهر من السرداب الذي في (سامراء) ولا غاب فيه ، وإنما يظهر في وضح النهار في (مكة المكرمة) ، وفي الكعبة المشرفة ، كما ظهر من تلك البقعة المقدّسة جده الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) وسنتحدّث عن هذه الجهة في غضون هذا الكتاب.
8 وتسأل الناس عن الحكمة من غياب الإمام المنتظر (علیه السّلام) الغيبة الكبرى، وحجبه عن الالتقاء بشيعته وغيرهم ، وعدم اشتراكه بأي عمل إيجابي في مجريات الأحداث العالمية وغيرها ، وفيما أحسب أن العلة الحقيقية في ذلك قد أخفاها الله على عباده كما أخفى ليلة القدر ، ويوم القيامة ، والساعة التي يستجاب فيها الدعاء في يوم الجمعة ، وماهية الروح وحقيقتها ، وحمل نبيه موسى بن عمران وولادته ؛ وغيابه (علیه السّلام) من هذا القبيل ، وكذلك ظهوره .
ومن المؤكد أن الإنسان أقصر ذهنياً من أن يحيط بحكم الخالق العظيم في تصرفاته وشؤونه ، فهو الذي أبدع تكوين الأشياء ، ووضع لها ما يدبرها من الأنظمة والقوانين التي نجهلها ، والله تعالى في خلقه حكم بالغة يفهمها الناس حيناً ، ويقصرون عن فهمها في كثير من الأحيان.
9
لا أكاد أعرف أمراً اهتم به الكثيرون من الناس كاهتمامهم بمعرفة علامات ظهور الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وترقب خروجه ، وفيما أحسب أنّ اهتمامهم البالغ بذلك يعود إلى سأمهم وتذمرهم من الأنظمة الوضعية التي يعيشونها ، فقد جرت عليهم المآسي والويلات ، وأغرقت العالم بالفتن والخطوب ، فهم يتشوقون إلى حكم الله الذي يحقق لهم العدل السياسي والعدل الاجتماعي ، وينقذهم من جور الظالمين وبطش المستبدين .
لقد ألقت الأخبار التي أثرت عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وعن أئمة الهدى (علیهم السّلام) الأضواء على
كثير من علامات ظهوره (علیه السّلام)، والتي منها : انهيار الأخلاق ، وانعدام الروابط الاجتماعية ، وفقدان التماسك بين أفراد الأسرة الواحدة ، وتخلى الناس عن تعاليم أديانهم ، بحيث يصير المجتمع في سلوكه قريباً من المجتمع الجاهلي ، فلا أمر بمعروف ، ولا نهى عن منكر ، ولا تواصل ، ولا توادد ، ويصير المسلمون بأقصى مكان من الذل والهوان ، تتكالب عليهم الأمم تغصب ثرواتهم، وتتحكم في قضاياهم و مصيرهم ، ويكونون كأعصاب خالية من الروح والاحساس ، ويعرض هذا الكتاب إلى إعطاء صورة متميّزة عن علامات ظهوره (علیه السّلام) حسب ما نطقت به الأخبار .
10 ومن بحوث هذا الكتاب إعطاء لمحة من صفات الإمام المهدي (علیه السّلام)، وبعض عناصره النفسية ؛ التي هي - من دون شك امتداد لذاتيات آبائه وأجداده العظام الذين هم مصدر خير ورحمة وفيض على الناس على اختلاف قومياتهم وأجناسهم ، ومن أبرز صفاتهم أنهم كانوا قوة ضاربة وقاهرة للطغاة والظالمين .
يقول سيد العترة الطاهرة الإمام أمير المؤمنين : «الذِّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى أَخُذَ الْحَقَّ لَهُ ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى اَخَذَ الْحَقُّ مِنْهُ»(1).
وهذه النزعة الكريمة ماثلة بأسمى صورها عند حفيده الإمام المنتظر (علیه السّلام)، فإنّه حسبما تواترت به الأخبار - إذا أشرقت الدنيا بظهوره يقوم ببسط العدل، وتدمير الظلم ، ويبني مراكز للمساواة والإنصاف بين الناس ، ويطيح بعروش الطغاة الذين أقاموا عروشهم على الظلم والطغيان .
11 ويعرض هذا الكتاب إلى ما لاقاه السادة العلويون وشيعتهم من صنوف التنكيل والاضطهاد من حكّام عصورهم ، فقد قابلوهم بمنتهى القسوة والبطش ، فقد وضع العباسيون العلويين وهم أحياء في جدران البيوت ، وأقاموا عليهم
1) نهج البلاغة : 89.
البناء ، كما ألقوا أطفالهم في حوضي دجلة والفرات ، وكان وزراؤهم يتقربون إليهم في أيام الأعياد بتقديم رؤوس العلويين هدايا لهم، أما ما لاقته شيعتهم ومحبوهم من العناء والقهر والظلم فلا يوصف لمرارته وقسوته.
وفيما أحسب أنّ ما عاناه العلويون من الجور أيام الحكم العباسي هو من أهمّ الأسباب في اختفاء الإمام المنتظر (علیه السّلام) في أيام حياة أبيه الحسن العسكري (علیه السّلام)، وبعد وفاته (علیه السّلام) فقد بذلت السلطة العبّاسيّة قصارى جهودها للبحث عنه لاعتقاله وتصفيته جسدياً ، معتقدين أن زوال ملكهم على يده ، وسنعرض صورة في ذلك.
12 ومن بحوث هذا الكتاب تحديد الزمان الذي يظهر فيه الإمام المنتظر (علیه السّلام) حسبما دلّت عليه الروايات ، وكذلك تحديد المكان الذي ينطلق منه صوت الحق ، وهو مكة المكرمة ، وفي البيت الحرام الذي فرض الله تعالى حجه على العباد .
كما أنّ من محتويات هذا الكتاب بيان سياسة الإمام (علیه السّلام)، ومنهج حكمه إذا ظهر ، فإنّه يشيع الأمن والرخاء والاستقرار بين الناس ، ويريهم من صنوف العدل ما لم يشاهدوه في جميع فترات التاريخ .
ومن بنود هذا الكتاب البحث عن أصحابه ، وما يتمتعون به من القابليات الفذة التي تجعلهم في طليعة المجاهدين والعظماء ، الذين يستعين بهم الإمام (علیه السّلام) على ما يتبناه من نشر المبادئ الكريمة التي تسمو بالحياة الإنسانية . هذه بعض مواد بحث الكتاب ، وقد ألمحنا لها بإيجاز .
13 وقبل أن أنهي هذا التقديم أرى من الحق أن أُعلن أن هذا الكتاب لا يحكي إلا صورة موجزة عن حياة هذا الإمام الملهم العظيم ، الذي أعده الله لإصلاح الدنيا ، وإقامة ما اعوج من نظام الدين ، لا أقول ذلك تصنعاً أو تواضعاً أو غلوّاً، وإنّما الواقع الذي يمليه علَيَّ ، فإنّ سيرة هذا الإمام وسيرة آبائه ، وحياته وحياتهم ، إنّما هي صورة كاملة لحياة جدهم الرسول العظيم (صلی الله علیه و آله و سلم)، وامتداد الذاتياته ، وهو (صلی الله علیه و آله و سلم)
قد ملأ فم الدنيا بفضائله وعلومه ، ولا يحيط بكنهه والكشف عن واقعه أي كتاب ، فكذلك أوصياؤه وسدنة علمه وحكمته .
مکتبة الأمام الحسن العامة
باقر شریف القرشي
النجف الأَشْرَفُ
وقبل الحديث عن ولادة المصلح العظيم الإمام المنتظر (علیه السّلام)، أمل الإنسانية وزعيمها ، نعرض بإيجاز إلى الأصول الكريمة التي تفرّع منها هذا النور الذي سيضيء جميع آفاق الكون ، ويبدد ظلمات الجهل ، ويقضي على عناصر البغي والشرّ والفساد في الأرض ، وفيما يلي ذلك :
أما أبو الإمام المنتظر (علیه السّلام) فهو الإمام الحادي عشر من أئمة الهدى (علیهم السّلام) الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام)، الذي هو من مصادر الفكر والوعي في دنيا الإسلام ، ومن سادات المتقين والمنيبين إلى الله تعالى ، وهو - بإجماع المؤرّخين - أعظم شخصيّة إسلامية فذة في عصره ، ولقد كان الزعيم المطلق للجبهة المعارضة والمعادية للحكم العبّاسي الذي بُني على الظلم والجور، وتنكر لحقوق الناس ، وقد تعرّض الإمام للسجن والاضطهاد ، وفرضت عليه السلطة الإقامة الجبرية في (سامراء) ، ومنعت شيعته منعاً باتاً من الاتصال به. وقد بحثنا عن سيرته وشؤونه في كتابنا (حياة الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام)) ، وسنشير إلى بعض شؤونه في البحوث الآتية .
أمّا أُمّ الإمام المنتظر (علیه السّلام) فيرجع نسبها إلى أعظم شخصية في الروم - حسبما صرّح
به بعض الرواة - فهي بنت (يشوع) الذي ينتهي نسبه إلى قيصر ملك الروم ، كما أنّ أمها ينتهي نسبها إلى (شمعون) الذي هو أحد أوصياء السيد المسيح ومن حواریه(1).
وكانت هذه السيدة الزكية من سيدات نساء المسلمين في عفتها وإيمانها وطهارتها ، ويكفيها سموّاً وفخراً أنها كانت وعاءً لأعظم مصلح اجتماعي في التاريخ بعد أجداده العظام .
وكانت تُقابل في بيت زوجها الإمام الحسن (علیه السّلام) بمنتهى الحفاوة والتكريم ؛ وذلك لما تتمتع به من سموّ الذات، ومحاسن الصفات ، كما كانت السيدة الجليلة عمّة الإمام تجلّها وتعظمها ، فقد أحاطها الإمام علماً بأنّ الإمام المنتظر سيكون منها(2).
ونقل الرواة أسماء كريمة لهذه السيدة الزكية المعظمة كانت تُسمّى بها ، وهي :
1 - سوسن(3).
2 - ريحانة(4).
3- نرجس(5).
4 - صيقل(6)
كمال الدين وتمام النعمة : 417 .
.5 - خمط(1).
وإنما سمّيت بهذا الاسم لأنها قد اعتراها النور والجلاء بسبب حملها بالإمام المهدي (علیه السّلام)(2).
وأُثرت عن أئمة الهدى (علیهم السّلام) كوكبة من الأحاديث في الثناء على هذه السيدة الزكية والإشادة بها، ومن بينها هذه الأخبار :
1 - خطب الإمام علي (علیه السّلام) بعد انتهائه من حرب الخوارج في ( النهروان ) ، وقد أدلى في خطابه ببعض الملاحم ، وعرض (علیه السّلام) موضوع خروج المهدي (علیه السّلام) ، وقد أثنى على السيّدة الكريمة أُمّه ، قال :
«يابْنَ خِيْرَةِ الْإِمَاءِ ، مَتى تُنتَظَرُ ؟ أَبْشِرْ بِنَصْرٍ قَرِيبٍ مِنْ رَبِّ رَحِيمٍ»(3).
2 - روى أبو بصير ، قال : قلت لأبي عبد الله : يابن رسول الله ، من القائم منكم أهل البيت ؟
فقال : يا أبا بصير ، هُوَ الْخامِسُ مِنْ وِلْدِ ابْني مُوسى ، ذلِكَ ابْنُ سَيِّدَةِ الْإِمَاءِ ، يَغِيبُ غَيْبَةٌ يَرْتابُ فِيهِ الْمُبْطِلُونَ ، ثُمَّ يُظْهِرُهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدِهِ مَشارِقَ الْأَرْضِ ومغاربها...»(4).
3 - روی محمد بن عصام بسنده عن أبي بصير ، عن الإمام أبي جعفر - أو الإمام
أبي عبد الله (علیهما السّلام)- أنه قال:
«بِالْقائِمِ عَلامَتانِ : شَامَةٌ فِي رَأْسِهِ ، وَشَامَةٌ بَيْنَ كِتْفَيْهِ مِثْلُ وَرَقَةِ الْآسِ ، ابْنُ سَبِيَّةٍ وَابْنُ خِيْرَةِ الْإِمَاءِ»(1).
وكثير من أمثال هذه الأحاديث قد أثرت عن أئمة أهل البيت (علیهم السّلام)، وهي تشيد بمكانة هذه السيدة الكريمة ، ولا يضر بسموّ منزلتها أنّها أمة ، فقد هدم الإسلام الحواجز بين البشر ، واعتبر التمايز بالتقوى وطاعة الله تعالى لا بغيرها.
وأشرقت سماء الدنيا بالوليد العظيم ، والمصلح الأكبر الذي يعيد للإسلام بهجته ونعمته على الناس ، وينقذ الإنسان من ظلمات الجور والطغيان ، وكان من عظيم ألطاف الله عليه وعنايته به أن أخفى حمله وولادته كما أخفى ولادة نبيه موسى بن عمران (علیه السّلام).
فقد روى المؤرّخون أنّ الإمام الزكي الحسن العسكري (علیه السّلام) دعا عمته السيدة الجليلة حكيمة بنت الإمام محمد الجواد (علیه السّلام)، وهي من العلويات العابدات التي تضارع جدتها سيدة نساء العالمين فاطمة الزهرا (عليها السلام) في عفتها وطهارتها ، فلمّا مثلت عنده قابلها الإمام العسكري (علیه السّلام) بمزيد من الحفاوة والتكريم وقال لها:
«يا عَمَّةُ ، اجْعَلي اللَّيْلَةَ إِفْطَارَكِ عِنْدِي ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ سَيُسِرُّكِ بِوَلِيَّهِ وَحُجَّتِهِ عَلَى خَلْقِهِ ، خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي» .
وغمرت السيدة حكيمة موجات من الفرح والسرور، والتفت إلى الإمام قائلة : «جعلت فداك ، يا سيّدي ، الخلف ممّن ؟» .
1) الغيبة / النعماني : 216 ، الحديث 5 و : 229 ، الحدیث 10.
فقال لها الإمام : «مِنْ سَوْسَن»(1).
ونظرت السيدة حكيمة إلى سوسن فلم ترَ عليها أثراً للحمل ، فقالت للإمام العسكري (علیه السّلام): «إنها غير حامل».
فتبسم (علیه السّلام) وقال لها : «إِذا كانَ وَقْتُ الْفَجْرِ يَظْهَرُ لَكِ بها الْحَبَلُ ، فَإِنَّ مَثَلَها مَثَلُ ، أم مُوسَى لَمْ يَظْهَرْ بِها الْحَبَلُ ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِها أَحَدٌ إِلَى وَقْتَ وِلَادَتِهَا ؛ لأَنَّ فِرْعَونَ كَانَ يَشُقُّ بُطونَ الْحُبالى فى طَلَب مُوسى ، وهذا نَظيرُ مُوسى»(2).
وقامت السيدة حكيمة من عند الإمام العسكري (علیه السّلام)، فلما حان وقت صلاة المغرب والعشاء أدّت الصلاتين ، ثمّ تناولت الإفطار مع السيدة سوسن ، وبعد ذلك عمدت إلى فراشها فنامت ، ثم استيقظت ونظرت إلى سوسن فلم ترَ عليها أثر الولادة ، ولما حلّ الهزيع الأخير من الليل نهضت فأدّت صلاة الليل ، وحينما بلغت الركعة الأخيره وهي صلاة الوتر، وثبت السيدة سوسن وهي فزعة ، فأدت صلاة الليل ، وبعد الفراغ منها أحست بالطلق ، وبادرت نحوها السيدة حكيمة قائلة : هل تحسين شيئاً ؟
فأجابتها بفزع واضطراب : إنّي لأجد أمراً شديداً .
وقابلتها السيّدة حكيمة بعطف وحنان قائلة : لا خوف عليك إن شاء الله .
ولم يمض قليل من الوقت حتى ولدت سوسن وليدها العظيم ، الذي سيطهر الأرض من رجس الطغاة وجور المستبدين ، ويقيم حكم الله في الأرض.
وفرح الإمام الحسن الزكي كأشد ما يكون الفرح بوليده المبارك ، وجعل يردّ مقالة الظالمين من حكّام بني العباس الذين زعموا أنهم سيقتلونه ويحرمونه من النسل ،
قائلاً: «زَعَمَ الظُّلَمَةُ أَنَّهُمْ يَقْتُلُوني ؛ لِيَقْطَعوا هذَا النَّسْلَ ، فَكَيْفَ رَأَوا قُدْرَةَ اللهِ ؟!»(1).
وحملت السيدة حكيمة الوليد العظيم إلى أبيه الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام)، فاستقبله بمزيد من الابتهاج والسرور ، وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعية ، فأذن في أذنه اليمنى ، وأقام في أذنه اليسرى ، فكان أوّل صوت يخترق سمعه : الله أكبر ، لا إله إلا الله.
لقد غذاه بهذه الكلمات التي هي سر الوجود ، وأنشودة الأنبياء ، وقد ملأت قلبه ، وسرت في عواطفه ومشاعره ، ونطق الوليد كما نطق قبله عیسی بن مریم ، نطق (علیه السّلام) بالآية الكريمة : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ إلا أَئِمَّةٌ وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ(2).
لقد وُلد ولي الله وحجّته على عباده بهذه الصورة من الخفاء والكتمان خوفاً عليه من السلطة العاتية ، التي كانت تراقبه كأشدّ ما تكون المراقبة لتقضي عليه.
وتناولت السيّدة حكيمة الوليد المبارك فقبلته وقالت : شممت منه رائحة طيبة ما شممت قط أطيب منها ، وأخذه الإمام العسكري (علیه السّلام) من يدها ثانية ، وقال :
«أَسْتَوْدِعُكَ الَّذِي اسْتَوْدَعَ أُمَّ مُوسَى كُنْ فِي دِعَةِ اللَّهِ وَسِتْرِهِ وَكَنَفِهِ وَجِوارِهِ».
وخاطب الإمام عمته قائلاً: «رُدِّيهِ إِلى أُمِّهِ ، وَاكْتُمي خَبَرَ هَذَا الْمَوْلودِ ، وَلَا تُخْبِري بِهِ أَحَداً حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ»(3).
وأمر الإمام الحسن الزكي (علیه السّلام) بعد ولادة وليده المبارك بشراء كميات كثيرة من اللحم والخبز ، فوزّعت على فقراء (سامراء)(1)، كما عقّ عنه بسبعين كبشاً ، وبعث بأربعة منها إلى صاحبه إبراهيم ، وكتب إليه بعد البسملة :
«هذِهِ عَنْ ابْنِي مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيَّ ، كُلْ مِنْها وَأَطْعِمْ مَنْ وَجَدْتَ مِنْ شِيعَتِنا»(2).
وتباشرت الشيعة بولادة إمامها حجة الله على خلقه ، الإمام المنتظر للللا وغمرتهم موجات من الفرح والسرور بولادته ، وكان من الذين بشروا به حمزة بن أبي الفتح ، فقد قيل له : البشرى ، ولد البارحة مولود لأبي محمد ، وأمر بكتمانه فقال : وما اسمه ؟
فقيل له : سُمّي بمحمّد ، وكنّي بجعفر(3).
وعمت الفرحة الكبرى بولادة الإمام (علیه السّلام) جميع أوساط الشيعة ، وقد انبرى جمع من الأعلام والأخيار إلى الإمام الزكي الحسن (علیه السّلام) فهناوه بولادة وليده المبارك ، وكان ممن هناه : الحسن بن الحسين العلوي ، قال : «دخلت على أبي محمد الحسن بن عليّ فهنّأته بولادة ابنه القائم»(4)بـ(سر من رأى) ، ولا زالت الشيعة في جميع
عصورها يهنئ بعضهم بعضاً بعيد ولادته الأغرّ ، وقد انبرى شعراؤهم إلى إظهار فرحهم بعيد ميلاده.
يقول الشيخ محمد السماوي :
يا ليلَةٌ قَد أَسْفَرَتْ عَن مَولِد *** طَربَ الزَّمانُ بِهِ وَطابَ الحِينُ
وَتَبَلجَت طُرُقُ العُلى وَتَبَيَّنت *** أى الهُدى وَأضاءَ مِنْهُ الدِّينُ
وَتَوطّد الإسلام والإيمان والـ *** تبيان والإمكان والتمكين
وَتَباشَرَ (الْبيتُ الْحَرامُ) و(طَيبَةُ) *** وَمَعاقِل مِن بَعدِها وَحُصونُ
وَضَحَ الهُدى وَبَدا ضَمِيرُ النَّسْأَةُ الـ *** أُولى وَأظهَرَ سِرُّها المَخرُونُ
وَتَفايَضَ الجودُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ *** قامَ الوجودُ وَكَوَّنَ التَّكْوِينُ
يُهنّئ النُّبُوَّةَ وَالإمامةَ قائِمٌ *** بِالحَقِّ مَرفوعُ المَنارِ مَكينُ
وَيُبَلغُ الأَمالَ بَدر طالع *** لِلنَّاظِرينَ وَمطلع ميمون
مَلَكَ عَلَيْهِ مِنَ المَهابَةِ حاجِبٌ *** لكِنَّهُ لِسَماحَةِ مَقرون(1)
وممن نظم بهذه المناسبة الشاعر الملهم الشيخ كاظم آل نوح ، قال في قصيدة له :
بِلَيلَةِ نِصفِ شَعبانَ عَلَينا ***أَطَلَ البِشرُ وَهُوَ لَها قَرينُ
وَلِلشَّركِ التَّليدِ هَوَت صُروحٌ *** وَالكُفر الطَّريفِ هَوَت حُصونُ
بمولِدِهِ استحالَ الكَونُ نُوراً *** قبيل الفجر وَانجَلَتِ النُّجونُ
أذلَّ الله فيهِ كُل دين *** كَما قَد عَزَّ لِلإِسلامِ دِينُ(2)
أما اسمه الشريف فهو كإسم جده الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم)، منقذ البشرية من الضلال ، وكذلك ينقذها حفيده وآخر أوصيائه الاثني عشر (علیهم السّلام)، وقد اتفق المؤرّخون والرواة أن الذي سمّاه بهذا الاسم هو جده الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم)(1).
وقد لقب الإمام (علیه السّلام) بألقاب كريمة كان منها ما يلي :
المهدى : وهو من أكثر ألقابه ذيوعاً وانتشاراً ؛ لُقب بذلك لأنه يهدي إلى الحق ، أو إلى كلّ أمر خفي(2)، وقد أضفي هذا اللقب الكريم على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم). يقول حسّان بن ثابت في رثائه له :
ما بالُ عَيني لَا تَنامُ كَأَنَّما *** كُحَلَت مافيها بِكُحل الأرمَدِ
جَزَعاً عَلَى المَهْدِي أصبحَ ثاوياً *** يا خَيْرَ مَن وَطَأَ الحَصا لا تبعد(3)
وكان من دعاء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): «اللَّهُمَّ زَيَّنَا بِزِيْنَةِ الْإِيمانِ ، وَاجْعَلْنا هُداةٌ مَهْدِيِّينَ»(4).
وأطلق هذا اللقب على الإمام الحسين (علیه السّلام). قال سليمان بن صرد - وهو من أعلام التوابين - : «اللهم ارحم حسيناً الشهيد ابن الشهيد ، المهدي ابن المهدي»(5).
وقد اختص هذا اللقب الكريم بالإمام المنتظر (علیه السّلام)، فإذا أُطلق لا ينصرف إلى
غيره كما ذكر ذلك ابن منظور(1)والزبيدي(2).
2 - القائم : ومن ألقابه الشريفة القائم ؛ لأنه يقوم بالحقِّ(3)، وأضيف إليه (قائم آل محمد (علیه السّلام)) .
المنتظر : لقب بذلك لأنّ المؤمنين ينتظرونه بفارغ الصبر(4).
4 - الحجّة : لقب بذلك لأنه حجّة الله تعالى على خلقه وعباده(5).
5 - الخلف الصالح : لقب بذلك لأنه أعظم خلف لأسمى أُسرة في دنيا الإسلام(6). هذه بعض ألقابه الشريفة .
والشيء المؤكد أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عنى آخر خلفائه الإمام المنتظر (علیه السّلام) بأبي عبد الله(7). وقيل : إنّه يكنى بأبي جعفر ، وبأبي القاسم(8).
ولد الإمام المصلح العظيم سنة 255هـ(9)، الموافق سنة 869م
وقيل : «ولد سنة 232هـ»(1).
ولقد ولد قائم آل محمد (علیه السّلام) في ليلة مباركة ميمونة ، وهي ليلة النصف من شعبان ، وهي من أقدس الليالي ، وفي بعض الأحاديث أنها من ليالي القدر ، وأنّه يفرق فيها كل أمر حكيم ، ويستحب في تلك الليلة المباركة زيارة أبي الأحرار وريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الإمام الحسين (علیه السّلام).
ويستحبّ الدعاء وسائر الأذكار المأثورة عن أئمة الهدى (علیهم السّلام) في الليلة التي ولد فيها حجّة الله على خلقه الإمام المنتظر (علیه السّلام) ، ويستحب أن يدعى بهذا الدعاء :
«اللَّهُمَّ بِحَقِّ لَيْلَتِنا هَذِهِ وَمَوْلُودِها ، وَحُجَّتِكَ وَمَوْعُودِها ، الَّتِي قَرَنْتَ إِلَى فَضْلِها فَضْلاً ، فَتَمَّتْ كَلِمَتُكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ، لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِكَ ، وَلَا مُعَقِّبَ لِلآياتِكَ ، نُورُكَ الْمُتَأَلقُ ، وَضِياؤُكَ الْمُشْرِقُ ، وَالْعَلَمُ النُّورُ في طَحْياءِ الدَّيْجُورِ ، الْغائِبُ الْمَسْتُورُ ، جَلَّ مَوْلِدُهُ ، وَكَرُمَ مَحْدُهُ ، وَالْمَلائِكَةُ شُهَدُهُ ، وَاللَّهُ ناصِرُهُ وَمُؤَيَّدُهُ ، إِذا آن ميعادُهُ ، وَالْمَلائِكَةُ أَمْدادُهُ ، سَيْفُ اللَّهِ الَّذِي لَا يَنْبُو وَنُورُهُ الَّذِي لَا يَخْبُو ، وَذُو الْحِلْمِ الَّذِي لَا يَصْبُو، مَدَارُ الدَّهْرِ ، وَنَوامِيسُ الْعَصْرِ ، وَوَلَاةُ الْأَمْرِ ، وَالْمُنْزَلُ عَلَيْهِمُ الذِّكْرُ ما يَتَنَزَّلُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَأَصْحَابُ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ ، تَراحِمَةً وَحْيِهِ ، وَوُلَاةً أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.
اللهُمَّ فَصَلِّ عَلَى خَاتِمِهِمْ وَقائِمِهِمُ الْمَسْتُورِ عَنْ عَوالِمِهِمْ اللَّهُمَّ وَأَدْرِكْ
1) بحار الأنوار: 51 : 2.
بنا أَيَّامَهُ وَظُهُورَهُ وَقِيامَهُ ، وَاجْعَلْنا مِنْ أَنْصارِهِ ، وَاقْرِنْ شارَنا بِثَارِهِ ، وَاكْتُبْنا فى أَعْوانِهِ وَخُلَصائِهِ ، وَأَحْيِنا في دَوْلَتِهِ ،ناعِمِينَ ، وَبِصُحْبَتِهِ عَائِمينَ ، وَبِحَقِّهِ قائِمينَ ، وَمِنَ السُّوءِ سالِمِينَ ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ .
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ ، وَصَلَواتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ خاتَمَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ الصَّادِقِينَ وَعِتْرَتِهِ النّاطِقِينَ ، وَالْعَنْ جَميعَ الظَّالِمِينَ ، وَاحْكُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ يَا أَحْكَمَ الْحَاكِمِينَ».
إنّ الليلة التي ولد فيها قائم آل محمد (علیه السّلام) من أقدس الليالي وأعظمها في الإسلام ، فقد وُلد فيها من يقيم الحق والعدل، ويسحق الجور والظلم ، ويدمر كل إفك ووثن يُعبد من دون الله .
وعرض الإمام الزكي الحسن (علیه السّلام) وليده العظيم على خُلّص شيعته وخيارهم ليتعرفوا عليه ، وحتى لا يجحده جاحد ، ولا يشك في وجوده مرتاب ، فقد روى كل من معاوية بن حكيم ، ومحمد بن أيوب ، ومحمد بن عثمان ، فقالوا : «عرض علينا أبو محمد الحسن بن علي (علیهما السّلام)، ولده ، ونحن في منزله ، وكنا أربعين رجلاً ، فقال : «هذا إمامُكُمْ مِنْ بَعْدى ، وَخَليفَتى عَلَيْكُمْ ، أَطيعوهُ وَلَا تَتَفَرَّقوا مِنْ بَعْدِي فِي أَدْيَانِكُمْ فَتَهْلِكُوا ، أما إِنَّكُمْ لا تَرَوْنَهُ بَعْدَ يَوْمِكُمْ هذا»(1).
لقد أقام عليهم الحجّة ، وعرّفهم بإمام زمانهم من بعده ، وليكونوا شهداء صدق يؤدون ما رأوه إلى غيرهم
1) ينابيع المودة : 3 : 323 . كمال الدين : 44 .
أما ملامح الإمام المنتظر (علیه السّلام) وصفاته فكانت كملامح الأنبياء والأوصياء وصفاتهم ، فكان نور الإمامة وهيبة الأنبياء تعلوان على وجهه الشريف ، وقد جاء في وصفه في الروايات ما يلي :
1 - روى أبو سعيد الخدري ، عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «لَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ مِنْ عِتْرَتي رَجُلاً أَفْرَقَ السَّنايا ، أجْلَى الْجَبْهَةِ ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلاً ، وَيُفيضُ الْمَالَ فَيْضاً»(1).
وكثير من أمثال هذا الحديث رواه الحفاظ من أهل السنة عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في ملامح حفيده الإمام المنتظر (علیه السّلام) وصفاته .
2 - ووصفه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أيضاً فقال : «إِنَّهُ أَجْلَى الْجَبينِ(2)، أَقْنَا الْأَنْفِ(3)، ضَخِمُ الْبَطْنِ ، أَذْيَلُ الْفَخِذَيْنِ ، أَبْلَجُ الثَّنايا(4)، بِفَخِذِهِ الْيُمنى شامَةٌ»(5).
3 - روى الإمام أبو جعفر الباقر (علیه السّلام) بسنده عن آبائه ، عن سيّد العترة الطاهرة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أنه قال وهو على المنبر : «يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ وُلدي في آخِرَ لا الزَّمانِ ، أَبْيَضُ اللَّوْنِ ، مُشْرَبِّ بِالْحُمْرَةِ ، مُنْدَحَ الْبَطْنِ(6)، عَرِيضُ الْفَخِذَيْنِ ، عَظِيمُ
1) عقد الدرر في أخبار المنتظر : 61 .
2) أجلى الجبين : أي خفيف الشعر ما بين النزعتين من الصدغين، جاء ذلك في مجمع البحرين: 1: 391.
3) أقنا الأنف : طول الأنف ودقة عرنينه مع حدب في وسطه - مجمع البحرين : 3: 555 .
4) أبلج الثنايا : أي مشرق الثنايا ، ومنه الحديث : «كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أبلج الوجه» ، أي مشرق الوجه - مجمع البحرين: 1 : 237 .
5) ينابيع المودة : 3 : 407. عقد الدرر : 65 .
6) مندح البطن : أي متسع البطن.
مَشاشِ الْمَنْكِبَيْن(1)، شامَةٌ على لَوْنِ جِلْدِهِ ، وشامَةٌ عَلى شَبَهِ شَامَةِ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله و سلم)»- الحديث(2).
والشيء المؤكد الذي نطقت به الأخبار التي أُثرت عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وعن أئمة الهدى (علیهم السّلام) أن الإمام المنتظر (علیه السّلام) من أجمل الناس وجهاً، وأحسنهم سمتاً، قد أشرق وجهه بنور الإمامة التي تحنو لها الجباه والوجوه ، ووصفه الشاعر الملهم السيد حسن بقوله :
طَلَعَ الجَمَالُ بِوَجْهِهِ الوَضَاحِ *** وَسَرَى النَّسيمُ بِوَجهِهِ الفَيَاح
رَشاً كَأَنَّ جَبينَهُ صُبحٌ بَدَا *** أو أنّه نُور لِكُلِّ صَباح
ناشدتهُ أَنتَ الهلالَ أَجابَني *** طوقُ الهلالِ يَكونُ نَقشَ وِشاحي
لم أدرِ مِن لُطفِ تَكوّنَ جِسمُهُ *** أو أنه من عالم الأرواح
كُتِبَ الجَمَالُ عَلى صَفحَةِ خَدِّهِ *** طوفوا فَهَذِي كَعبةَ الْمُرتاح
ماءُ الشَّبابِ بِخَدِّهِ مُتَرَقرِقٌ *** كزحاجةٍ ضَمَّتَ عَلى مِصْباح
قد قُلتُ لَمّا أَن تَجَلَى وَجهُهُ *** سُبحانَ رَبِّي خالقِ الإصباح(3)
أما الإمام المنتظر فهو أشبه الناس بجده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فهو يشبهه في سيرته وجهاده ، وثورته على الظلم والطغيان، وتغييره لمناهج الحياة القائمة في عصره ؛ من النهب والسلب والفوضى والقلق والاضطراب ، وإبدالها بمناهجه الرفيعة من
صيانة الحقوق ، وإشاعة الأمن والاستقرار ، إلى غير ذلك من مبادئه الرفيعة التي يسعد بها الناس . وكذلك إذا ظهر قائم آل محمد (علیه السّلام) فإنه يقوم بالدور الذي قام به جده ، فإنّه يحطّم عروش الطغاة والمتجبرين ، ويدمر معالم السياسة المبنية على الكذب والدجل والنفاق ، ويقيم العدل بجميع رحابه ومفاهيمه .
وقد أُثرت عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و عن أئمة الهدى (علیهم السّلام) كوكبة من الأحاديث ، وهي تعلن شبه الإمام المنتظر بجده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، كان منها :
1 - روی عبدالله بن مسعود عن النبي له أنه قال : «یَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتي، يُواطِئُ اسْمُهُ اسْمي ، وَخُلُقُهُ خُلُقي ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَ عَلاً ...»(1).
2 - روى حذيفة عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال :
لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا إِلَّا يَوْمَ وَاحِدٌ لَبَعَثَ اللَّهُ فِيهِ رَجُلاً اسْمُهُ اسْمي ، وَخُلُقُهُ خُلُقي يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، يُبَايِعُ لَهُ النَّاسُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقامِ ، يَرِدُّ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ ، وَيَفْتَحُ لَهُ فُتُوحاً ، فلا يَبْقى على وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ يَقُولُ : لا إِلهَ إِلَّا الله.
فقام إليه سلمان فقال : يا رسول الله ، من أي ولدك هو ؟
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): هُوَ مِنْ وُلْدِ ابْني هذا ، وضرب بيده على الحسين»(2).
3 - روت عائشة : أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : «الْمَهْدِيُّ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتي ، يُقاتِلُ عَلَى سُنَّتي كما قاتَلْتُ أَنا عَلَى الْوَحْى»(3).
4 - روى جابر بن عبد الله الأنصاري : أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال :
«الْمَهْدِيُّ مِنْ وُلدي ، اسْمُهُ اسْمي ، وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتي ، أَشْبَهُ النَّاسِ بِي خَلْقاً وخُلْقاً ،
تَكُونُ لَهُ غَيْبَةٌ وَحَيْرَةٌ تَضِلُّ فِيهَا الْأُمَمَ ، ثُمَّ يَقْبِلُ كالشَّهَابِ الثَّاقِبِ يَمْلَؤُها عَدْلاً وَقِسْطاً كَما مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(1).
5 - روى الإمام جعفر الصادق (علیه السّلام): بسنده عن جده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، قال : «الْمَهْدِيُّ مِنْ وُلدي ، اسْمُهُ اسْمي ، وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتي ، أَشْبَهُ النَّاسِ بى خَلْقاً وَخُلُقاً ، تَكُونَ لَهُ غَيْبَةٌ وَحَيَرَةٌ ، حَتَّى تَضِلُّ الْخَلْقَ عَنْ أَدْيَانِهِمْ ، فَعِنْدَ ذلِكَ يُقْبِلُ كالنَّهَابِ الفَاقِبِ فَيَمْلَؤُها قِسْطاً وَعَدْلاً كَما مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»(2).
6 - روى الإمام جعفر الصادق (علیه السّلام) أيضاً : بسنده عن جده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : الْقائِمُ مِنْ وُلدي اسْمُهُ اسْمي ، وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي ، وَشَمَائِلُهُ شَمائِلي ، وَسُتْهُ سُنَّتي ، يُقيمُ النَّاسَ عَلَى مِلَّتي وَشَرِيعَتي ، وَيُدعوهُمْ إِلى كِتابِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ، مَنْ أَطاعَهُ فَقَدْ أَطاعَنِي ، وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَانِي ، وَمَنْ أَنْكَرَهُ فِي غَيْبَتِهِ فَقَدْ أَنْكَرَنِي ، وَمَنْ كَذَّبَهُ فَقَدْ كَذَّبَنِي ، وَمَنْ صَدَّقَهُ فَقَدْ صَدَّقَنِي ، إِلَى اللَّهِ أَشْكُو الْمُكَذِّبِينَ لِي فِي أَمْرِهِ ، الْجَاحِدِينَ بِقَوْلي في شَأْنِهِ ، وَالْمُضِلَّينَ لأُمَّتِي عَنْ طَرِيقَتِهِ ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ(3)»(4).
وهذا الحديث الشريف من أوضح الأحاديث النبوية ، ومن أكثرها شمولاً لمشابهة الإمام المنتظر (علیه السّلام) لجده الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم)، لما يحمل من طاقات ندية خلاقة في ميادين الإصلاح الاجتماعي.
7 - روى أبو صالح السليلي في كتاب (الفتن) عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)
أنّه قال : «إِلَّا أَنَّهُ - أي المهدي - أَشْبَهُ النَّاسِ خَلْقاً وخُلْقاً وَحُسْناً بِرَسولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)(1).
وكثير من أمثال هذه الأحاديث الشريفة قد أثرت عن نبي الهدى (صلی الله علیه و آله و سلم) وعن أئمة العترة الطاهرة (علیهم السّلام)، وهي تعلن بوضوح عن مشابهة الإمام المنتظر (علیه السّلام) لجده الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) لا في خلقه وأخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيين فحسب ، وإنّما مشابهته له في نزعاته الإصلاحية التي منها كفاحه ونضاله في تدمير الظلم والجور ، وإقامة العدل والحق في الأرض.
وابتلي الفكر الإسلامي بجمهرة كبيرة من الروايات الموضوعه التي افتعلت بعضها لتدعيم الأفكار السياسية القائمة في تلك العصور، والتي منها تشويه خصوم السلطة وأعدائها ، كما افتعلت بعضها للكيد من الإسلام والحط من قيمه ومبادئه ، قد صاغها وابتدعها الحاقدون على الإسلام ، والناقمون على قيمه ، وعلى رأس المبتدعين لبعض الأخبار هم (الإسرائيليون) ، فقد دسوا في الأخبار جملة من الأحاديث لتشويه صورة الإسلام ودعم أفكارهم ، ومن هذه الروايات الرواية التالية :
روى الكنجي وغيره عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «المهدي رجل من ولدي ، وجهه كالكوكب الدري ، اللون لون عربي ، والجسم جسم إسرائيلي ، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ، يرضى في خلافته أهل الأرض وأهل السماء ، والطير في الجوّ ، يملك عشرين سنة»(2).
أمّا السبب في وضع هذه الرواية وزيفها فهو ما احتوت عليه من أنّ جسم الإمام (علیه السّلام) کلجسم الإسرائيليين في روائه ونضارته ، وهو كذب مفضوح ، فإنّ جسم
الإمام (علیه السّلام) جزء من جسم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومن جسم باب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فكيف يشبه هذا الجسم الطاهر المليء بالهداية والنور بأجسام الإسرائيليين، الذين جسومهم من أخبث جسوم البشر بما يحملونه من أفكار خبيثة وقذرة ومعادية للإسلام ، فهم ذئاب البشر ، وجراثيم الرذائل ، وأكبر الظنّ أنّ هذه الرواية قد وضعها الإسرائيليون لرفع قذارة أجسامهم التي يحتقرها المسلمون
وغيرهم .
أما عناصر الإمام المنتظر (علیه السّلام) وصفاته النفسية فهي مشابهة تماماً لصفات آبائه الأئمة الطاهرين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، الذين هم من عناصر الرحمة والإشراق في الأرض ، فقد خلقهم الله أنواراً ، هداية لعباده ، وإرشاداً لخلقه ، وأدلاء على مرضاته وطاعته، ومن بين مثله العليا وصفاته الرفيعة :
والشيء المحقق أنّ الإمام المهدي (علیه السّلام) من أوسع الناس علماً ، ومن أكثرهم دراية وإحاطة بجيمع أنواع العلوم والمعارف، فهو من ورثة علوم جده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومن خزنة حكمته ، ومن بين علومه إحاطته الكاملة بأحكام الدين ، وشؤون شريعة جده سيّد المرسلين ، وقد أدلى الأئمة الطاهرون بسموّ مكانته العلميّة قبل أن يُخلق ، استمعوا إلى أقوالهم :
1 - قال الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) في صفته : «هُوَ أَوْسَعَكُمْ كَهْفاً ، وَأَكْثَرَكُمْ عِلماً ، وَأَوْصَلَكُمْ رَحِماً»(1).
2 - روى الحرث بن المغيرة النضري ، قال : «قلت لأبي عبدالله الحسين بن علي (علیه السّلام): بأي شيء يُعرف المهدي ؟
1) الغيبة / النعماني : 214 .
قال : بِمَعْرِفَةِ الْحَلالِ وَالْحَرامِ ، وَبِحاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ ، وَلَا يَحْتاجُ إِلى أَحَدٍ»(1).
3 - قال الإمام أبو جعفر الباقر (علیه السّلام): «يكون هذَا الْأَمْرُ - أي الحكم - في أَصْغَرِنا سِنّاً ، وَأَجْمَلِنَا ذِكْراً ، وَيورثَهُ اللهُ عِلْماً ، وَلَا يَكِلْهُ إِلى نَفْسِهِ»(2).
4 - قال الإمام أبو جعفر الباقر (علیه السّلام): «إِنَّ الْعِلْمَ بِكِتابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ، يَنْبُتُ في قَلْبِ مَهْدِيَنَا ، كَمَا يَنْبُتُ الزَّرْعُ عَلَى أَحْسَنِ نَباتِهِ ، فَمَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ حَتَّىٰ يَرَاهُ ، فَلْيَقُلْ حِينَ يَراهُ : السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أَهْلَ بَيْتِ الرَّحْمَةِ وَالنُّبُوَّةِ ، وَمَعْدِنِ الْعِلْمِ ، وَمَوْضِع الرّسالَةِ»(3).
وقد ورد عن سعة علومه ومعارفه أنه : «إذا ظَهَرَ (علیه السّلام) يُحاجِجُ الْيَهُودَ بِأَسْفَارِ التَّوْرَاةِ ، فَيُسْلِمُ أَكْثَرَهُمْ»(4).
وكان (علیه السّلام) المرجع الأعلى للعالم الإسلامي في أيام الغيبة الصغرى ، فقد كان نوّابه الأربعة يرفعون إليه المسائل التي يسأل المسلمون عن أحكامها فيجيبهم عنها ، وقد حفلت موسوعات الفقه والحديث بالكثير من أجوبته ، وإليها يستند فقهاء الإمامية فيما يفتون به من الأحكام .
ومن الجدير بالذكر أنّ الشيخ الصدوق نصر الله مثواه ، قد احتفظ بالقسم الكثير من تلك الفتاوى المكتوبة أجوبتها بخطه الشريف .
أمّا أئمة أهل البيت (علیهم السّلام) فقد تشابهت سيرتهم في جميع مجالاتها الفكرية
والعملية ، والتي منها الزهد في الدنيا ، والرفض الكامل لجميع لذائذها ومباهجها ، فلا تكاد تقرأ سيرة أحد منهم إلا وتجد البارز فيها الإعراض عن الدنيا ، فقد طلق سيّد العترة وباب مدينة علم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) الدنيا ثلاث مرات لا رجعة له فيها ، وعلى هذا المنهج المشرق سار أبناؤه وأحفاده الأئمة الطيبون الطاهرون (علیهم السّلام). وقد أثرت جمهرة من أحاديث الأئمة الطاهرين في زهد الإمام المنتظر (علیه السّلام) قبل أن يولد ، وهذه بعضها :
1 - روی معمر بن خلد ، عن الإمام أبي الحسن الرضا الا أنه قال : «وَما لِباسُ الْقائِم لا إِلَّا الْغَلِيظَ ، وَما طَعامُهُ إِلَّا الْجَشِبَ»(1).
2 - روى أبو بصير عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أنه قال : «مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِخُروج الْقَائِمِ ، فَوَاللهِ ما لِباسُهُ إِلَّا الْغَلِيظَ ، وَما طَعامُهُ إِلَّا الشَّعِيرَ الْجَشِبَ»(2)
3 - روى كلّ من علي بن أبي حمزة ووهب ، عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أنه قال بحق الإمام المنتظر (علیه السّلام): «ما لباسُهُ إِلَّا الغَلِيظَ ، وَما طَعامُهُ إِلَّا الْجَشِبَ»(3).
ومن المحقق أن هذه سيرته في جميع مجالات حياته ، ولو لم يكن سلوكه بهذا النحو المشرق لما اختاره الله تعالى للقيام بأعظم دور إصلاحي في جميع فترات التاريخ، فهو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلما وجوراً، وينقذ الإنسانية من غطرسة الحاكمين ، ويوزّع خيرات الله على جميع البؤساء والمحرومين .
وظاهرة أُخرى من نزعات الإمام المنتظر (علیه السّلام) وصفاته النفسية : الصبر ، وهو من
أعظم الأئمة الطاهرين (علیهم السّلام) محنة ، وأشدهم بلاء ، فهو يرى في هذه الفترات الطويلة من الزمن الأحداث الجسام التي داهمت العالم الإسلامي ، قد مزقت أشلاءه ، ووقعت الأمة بجميع شرائحها صريعة بأيدي المستعمرين والكافرين ، فأشاعوا فيها الباطل والجور ، وعطلوا أحكام الله وحدوده ، ونهبوا ثروات الأُمّة ، وتحكموا في قضاياها ومصيرها ، وكلّ هذه الأحداث بمرأى من الإمام ومسمع ، وقد نخر الحزن قلبه ، فإنّه بحكم قيادته الروحية والزمنية ، وأبوّته العامة لهذه الأمة يتحرق ألماً على جميع ما يحلّ بها من الخطوب والنكبات ، وقد خلد (علیه السّلام) إلى الصبر ، وفوّض جميع أموره وشؤونه إلى الله تعالى ، فبيده مقاليد الأمور ، وهو الحاكم المطلق في عباده ، وليس لغيره أي حكم أو رأي .
والشيء المحقق أنّ عبادة الإمام المنتظر (علیه السّلام) كعبادة آبائه الأئمة الطاهرين (علیهم السّلام)، الذين وهبوا حياتهم الله تعالى ، وسرى حبّه في أعماق قلوبهم ، ودخائل نفوسهم، وقد قطعوا معظم حياتهم صائمين في نهارهم، قائمين في لياليهم ، قد أحيوها بالصلاة والدعاء والابتهال إلى الله تعالى . وقد نقل الرواة جمهرة من أدعيته الشريفة التي كان يدعو في بعضها في قنوته بصلاته ، وبعضها في غيرها ، وهي تنم عن مدى تعلقه بالله تعالى وانقطاعه إليه ، وفيما يلي بعض تلك الأدعية :
كان (علیه السّلام) يدعو بهذا الدعاء الشريف في قنوت صلاته ، وهذا نصه :
«اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.
يا ماجِدُ ، یا جَوادُ ، يَا ذَا الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ ، يَا بَطَاشُ يَا ذَا الْبَطْشِ الشَّدِيدِ ،
يا فَعّالاً لِما يُريدُ ، يا ذَا الْقُوَّةِ الْمَتينُ ، يا رَؤُوفٌ ، يا رَحيمُ ، يا لطيف ، يا حَيُّ حينَ لا حَيَّ ، أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَخْرُونِ الْمَكْنُونِ ، الْحَيَ الْقَيّوم ، الذي اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ ، وَلَمْ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِكَ ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي تُصَوِّرُ بِهِ خَلْقَكَ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ تَشَاءُ ، وَبِهِ تَسُوقُ إِلَيْهِمْ أَرْزاقَهُمْ فِي أَطْباقِ الظُّلُمَاتِ مِنْ بَيْنِ الْعروقِ وَالْعِظَامِ ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي بِهِ بَيْنَ قُلوبِ أَوْلِيائِكَ ، وَأَلَّفْتَ بَيْنَ الثَّلْجِ وَالنَّارِ، لا هذا يُذيبُ هذا ، ولا هذا يُطْفِى هذا اللهُمَّ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذي كَوَّنْتَ بِهِ طَعْمَ الْمَياهِ ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذي أَجْرَيْتَ بِهِ الْمَاءَ في عُرُوقِ النَّبَاتِ بَيْنَ أَطْباقِ الثَّرَى ، وَسُقْتَ الْمَاءَ إِلى عُرُوقِ الْأَشْجَارِ بَيْنَ الصَّخْرَةِ الصَّمَاءِ ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي كَوَّنْتَ بِهِ طَعْمَ الثَّمَارِ وَأَلْوانَها ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي بِهِ تُبْدئُ وَتُعِيدُ ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْفَرْدِ الْوَاحِدِ الْمُتَفَرِّدِ بِالْوَحْدانِيَّةِ ، الْمُتَوَحِدِ بِالصَّمَدانِيَّةِ ، ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذي فَجَّرْتَ بِهِ الْمَاءَ مِنَ الصَّخْرَةِ الصَّمَاءِ ، وَسُفْتَهُ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ خَلْقَكَ ، وَرَزَقْتَهُمْ كَيْفَ شِئْتَ ، وَكَيْفَ تَشاءُ.
يا مَنْ لا تُغَيَّرَهُ الْأَيَّامُ وَاللَّيالي ، أَدْعوكَ بِما دَعَاكَ بِهِ نُوحٌ حينَ ناداكَ فَأَنْجَيْتَهُ وَمَنْ مَعَهُ ، وَأَهْلَكْتَ قَوْمَهُ ، وَأَدْعوكَ بِما دَعَاكَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ خَليلُكَ حينَ ناداك فَأَنْجَيْتَهُ ، وَجَعَلْتَ النَّارَ عَلَيْهِ بَرْداً وَسَلاماً ، وَأَدْعُوكَ بِمَا دَعَاكَ بِهِ مُوسَىٰ كَلِيمُكَ حينَ ناداك فَفَلَقْتَ لَهُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْتَهُ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَأَغْرَقْتَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ في الْيَمِّ ، وَأَدْعُوكَ بِما دَعَاكَ بِهِ عيسى رُوحُكَ حِينَ نَادَاكَ فَنَجَّيْتَهُ مِنْ أَعْدائِكَ ،
وَإِلَيْكَ رَفَعْتَهُ ، وَأَدْعُوكَ بِما دَعَاكَ بِهِ حَبيبُكَ وَصَفِيَّكَ وَنَبِئُكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَاسْتَجَبْتَ لَهُ ، وَمِنَ الْأَحْزَابِ نَجَّيْتَهُ ، وَعَلى أَعْدائِكَ نَصَرْتَهُ ، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي إِذَا دُعيتَ بِهِ أَجَبْتَ.
يا مَنْ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ، يا مَنْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ، يا مَنْ أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ، يا مَنْ لا تُغَيَّرَهُ الْأَيَّامُ وَاللَّيالي ، وَلَا تَتَشَابَهُ عَلَيْهِ الْأَصْواتُ ، وَلَا تَخْفى عَلَيْهِ اللُّغَاتُ ، وَلا يُبْرِمُهُ إِلْحاحُ الْمُلِحَينَ ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّي عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ خِيَرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ ، فَصَلِّ عَلَيْهِمْ بِأَفْضَل صَلَواتِكَ ، وَصَلَّ عَلى جَميعِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ ، الَّذينَ بَلَّغوا عَنْكَ الْهُدَى ، وَعَقَدُوا لَكَ الْمَواثيق بالطَّاعَةِ، وَصَلِّ عَلى عِبادِكَ الصَّالِحينَ، يا مَنْ لا يُخْلِفُ الميعاد ، أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَنِي ، وَاجْمَعْ لي أَصْحابي ، وَصَبّرهُمْ ، وَانْصُرْنِي عَلى أَعْدائِكَ ، وَأَعْداءِ رَسولِكَ ، وَلا تُخَيَّبْ دُعائي ، فَإِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ ، أَسيرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ.
سَيَدي أَنْتَ الَّذي مَنَنْتَ عَلَيَّ بِهذا الْمَقَامِ ، وَتَفَضَّلْتَ بِهِ عَلَيَّ دونَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَنْ تُنْجِزْ لي ما وَعَدْتَني إِنَّكَ أَنْتَ الصَّادِقُ ، وَلا تُخْلِفُ الْميعادَ ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ»(1)
وحكى هذا الدعاء الشريف مدى القدرات الهائلة الله تعالى خالق الكون وواهب الحياة ، فهو المكوّن والمبدع لجميع ما في الكون من مخلوقات ، كما حكى دعاء
1) مهج الدعوات : 91 - 92 .
الإمام (علیه السّلام) طلبه للنصر من الله على أعدائه وأعداء رسوله ، وأن يجمع له أصحابه ليقوم بإحياء الدين، وإعلاء كلمة التوحيد.
وكان الإمام (علیه السّلام) يدعو بهذا الدعاء الشريف في قنوت بعض صلواته ، وهو :
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَكْرِمْ أَوْلِياءَكَ بِإنجاز وَعْدِكَ ، وَبَلِّغْهُمْ دَرُكَ ما يَأْمُلُونَهُ مِنْ نَصْرِكَ ، وَاكْفُفْ عَنْهُمْ بَأْسَ مَنْ نَصَبَ الْخِلَافَ عَلَيْكَ ، وَتَمَرَّدَ بِمَنْعِكَ عَلى رُكوبٍ مُخالَفَتِكَ ، وَاسْتَعانَ بِرَفْدِكَ عَلَى فَلْ حَدَّكَ ، وَقَصَدَ لِكَيْدِكَ بِأَيْدِكَ ، وَوَسِعْتَهُ حِلْمَا لِتَأْخُذَهُ عَلَى جَهْرَةٍ ، وَتَسْتَأْصِلَهُ عَلَىٰ غِرَّةٍ ، فَإِنَّكَ اللّهُمَّ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ : حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازْيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(1)، وَقُلْتَ: فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ(2)، وَأَنَّ الْغَايَةَ عِنْدَنا قَدْ تَناهَتْ ، وَإِنَّا لِغَضَبِكَ غَاضِبُونَ ، وَإِنَّا عَلى نَصْرِ الْحَقِّ مُتَعاصِبونَ ، وَإِلى ورودِ أَمْرِكَ مُشتاقونَ ، وَلإِنْجَازِ وَعْدَكَ مُرْتَقِبُونَ ، وَلِحُلُولِ وَعِيدِكَ بأَعْدائِكَ مُتَوَقِّعُونَ.
اللهُمَّ فَأَذَنْ بِذلِكَ ، وَافْتَحْ طُرقاتِهِ ، وَسَهَلْ خروجَهُ ، وَوَطَّيْ مَسالِكَهُ ، وَاشْرَعْ شَرائِعَهُ ، وَأَيَّدْ جُنودَهُ وَأَعْوانَهُ ، وَبادِرْ بَأْسَكَ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ، وَابْسُطْ
سَيْفَ نِقْمَتِكَ عَلَى أَعْدائِكَ الْمُعانِدِينَ ، وَخُذْ بِالنَّارِ إِنَّكَ جَوادٌ مَكَارٌ»(1).
وأعلن الإمام (علیه السّلام) في هذا الدعاء الشريف عن شوقه العارم إلى الظهور ؛ ليقيم معالم الدين ، ويحيي سنة جده سيّد المرسلين (صلی الله علیه و آله و سلم)، وينتقم من أعداء الإسلام وأعداء التوحيد.
أما الإمام المنتظر (علیه السّلام) فهو من أشجع الناس ، ومن أربطهم جاشاً ، وأقواهم عزيمة ، فهو كجده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في قوة بأسه وشجاعته ، لقد قاوم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قوى الشرك ، وحطّم ركائز الجهل والبغي ، وأعلن حقوق الإنسان وكرامته وحقه في الحياة ، وقد قابل (صلی الله علیه و آله و سلم) ذئاب الشرك وضروس الكفر الذين جهدوا على أن يلغوا لواء اللَّهُ الإسلام ، ويقبروا الدين في مهده ، إلا أنه (صلی الله علیه و آله و سلم) سحق رؤوسهم ، ومزق جنودهم، ورفع كلمة الله عالية في الأرض ، وبنفس هذا الدور المشرق يقوم سبطه وخليفته الإمام المنتظر (علیه السّلام) فيسقي الظالمين والمتجبرين كأساً مصبّرة ، ويعيد للإسلام كرامته ومجده بحزم ثابت لا يعرف الوهن ، ولا يخضع لأي عامل من عوامل الضعف والخوف .
الإمام المنتظر (علیه السّلام) من أصلب المدافعين عن الحقِّ ، ومن أكثرهم تفانياً واندفاعاً لنصرة المظلومين والمضطهدين، لا تأخذه في إقامة الحق لومة لائم ، شأنه شأن آبائه الأئمة الطاهرين ، الذين ناصروا الحق ، وقاوموا الباطل ، وقدموا أرواحهم قرابين للعدل الاجتماعي بين الناس
1) مهج الدعوات: 90 و 91.
وإذا أشرقت الدنيا بظهور قائم آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، وسعدت الإنسانية بخروجه ، فإنّه - سلام الله عليه - يقيم الحق بجميع رحابه ومفاهيمه ، ولا يدع ظلّاً للغبن والظلم إلا حطمه وقضى عليه.
أما الإمام المنتظر (علیه السّلام) فهو من أندى الناس يداً، ومن ) جوداً، وأعظمهم سخاءً ، ويجمع الرواة أنّه في أيام دولته وحكومته يوزّع خيرات الله على جميع الفقراء ، بحيث لا يبقى فقير أو محتاج على وجه الأرض ، وحتى لا يجد من وجبت عليه الزكاة فقيراً يعطيها له ؛ ولنستمع إلى بعض ما أُثر عن كرمه من الأحاديث :
1 - روى أبو سعيد ، عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في قصة الإمام المهدي (علیه السّلام) أنه قال :
«فَيَجِيءُ الرَّجُلُ إِلَيْهِ فَيَقُولَ : يا مَهْدِيُّ ، أَعْطِنِي ، أَعْطِنِي ، فَيُحْيِي لَهُ فِي ثَوْبِهِ ما اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ»(1).
2 - روی ابن عساكر عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمانِ خَليفَةٌ يُحْثيالمالَ حَثْياً»(2).
3 - روى جابر ، قال : «أقبل رجل على أبي جعفر (علیه السّلام) وأنا حاضر ، فقال : رحمك الله ، اقبض هذه الخمس مائة درهم فضعها في مواضعها ، فإنّها زكاة أموالي .
فقال له أبو جعفر : بَلْ خُذْهَا أَنْتَ فَضَعْها في جيرانِكَ وَالْأَيْنامَ وَالْمُساكِينَ ، وَفي إِخْوانِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، إِنَّما يَكُونُ هذا إذا قامَ قائِمُنا ، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ بِالسَّوِيَّةِ ، وَيَعْدِلُ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ الْبِرَّ مِنْهُمْ وَالْفَاجِرِ ، فَمَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ، وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ ،
فَإِنَّمَا سُمّي الْمَهْدِيُّ ؛ لأَنَّهُ يَهْدِي لِأَمْرِ خَفِيٌّ ، يَسْتَخْرِجُ التَّوْرَاةَ وَسَائِرَ الْكُتُبِ مِنْ عَارٍ بـ(أنطاكية) ، فَيَحْكُمُ بِأَهْلِ التَّوْرَاةِ بِالتَّوْرَاةِ ، وَبَيْنَ أَهْلِ الْإِنْجِيلِ بِالْإِنْجِيلِ ، وَبَيْنَ أَهْلِ الزَّبورِ بِالزَّبورِ ، وَبَيْنَ أَهْلِ الْفُرْقانِ بِالْفُرْقانِ ، وَتَجْمَعُ إِلَيْهِ أَمْوالُ الدُّنْيَا كُلُّها ، ما في بَطْنِ الْأَرْضِ وَظَهْرِها ، فَيَقولُ لِلنَّاسِ : تَعالوا إلى ما قَطَعْتُمْ فِيهِ الْأَرْحَامَ ، وَسَفَكْتُمْ فِيهِ الدَّمَاءَ ، وَرَكَبْتُمْ فِيهِ مَحارِمَ اللَّهِ ، فَيُعْطى شَيْئاً لَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَهُ»(1).
إلى غير ذلك من الأخبار التي أعلنت أنّه - سلام الله عليه - بحر من المكارم والجود ، وأنه يبر بخلق الله ، ويحسن إليهم ، وينقذهم من العري والجوع والحرمان، ويشيع فيهم الغنى والأمن والاستقرار.
1) عقد الدرر : 39.
للإمام المنتظر (علیه السّلام) تراث رائع ، حافل بأعلى القيم الإسلامية ، كان منه بعض أدعيته الشريفة التي هي من مناجم التوحيد ، وذخائر الفكر الإسلامي ، كما أنّ من بينها بعض الرسائل التي بعثها لأعلام أصحابه ، وخُلّص شيعته ، وقد تضمنت بعضها أجوبته عمّا سألوه من الأحكام الشرعية ، وفيما يلي بعض ذلك :
أما الدعاء فهو مناجاة مع الله ، وتبتل وانقطاع إليه ، وهو يمثل صفاء النفس ، وطهارة الضمير ، والتعلّق بالله تعالى ، خالق الكون ، وواهب الحياة ، وقد أثرت عن الإمام الأعظم قائم آل محمد (علیه السّلام) بعض الأدعية الشريفة ، كان منها ما يلي :
«اللهمَّ ارْزُقْنَا تَوْفِيقَ الطَّاعَةِ وَبُعْدَ الْمَعْصِيَةِ ، وَصِدْقَ النِّيَّةِ ، وَعِرْفَانَ الْحُرْمَةِ ، وَأَكْرمْنا بالْهُدى وَالاسْتِقامَةِ ، وَسَدِّدْ أَلْسِنَتَنا بِالصَّوابِ وَالْحِكْمَةِ ، وَامْلَا قُلُوبَنَا بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرَفَةِ ، وَطَهَّرْ بُطُونَنَا مِنَ الْحَرامِ وَالشُّبْهَةِ ، وَاكْفُفْ أَيْدِيَنا عَنِ الظُّلْم وَالسَّرِقَةِ ، وَاغْضُضْ أَبْصارَنَا عَن الْفُجُورِ وَالْخَيَانَةِ ، وَاسْدُدْ أَسْمَاعَنا عَنِ اللَّغْوِ وَالْغِيْبَةِ ، وَتَفَضَّلْ عَلى عُلَمائِنا بِالزُّهْدِ وَالنَّصِيحَةِ ، وَعَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ
بِالْجُهْدِ وَالرَّغْبَةِ ، وَعَلَى الْمُسْتَمِعِينَ بِالْإِتِّبَاعِ وَالْمَوْعِظَةِ ، وَعَلَى مَرْضَى الْمُسْلِمِينَ بِالشَّفاءِ وَالرّاحَةِ ، وَعَلَى مَوْتَاهُمْ بِالرَّافَةِ وَالرَّحْمَةِ ، وَعَلَى مَشَايِخِنا بِالْوَقارِ وَالسَّكِينَةِ ، وَعَلَى الشَّبابِ بِالْإِنابَةِ وَالتَّوْبَةِ ، وَعَلَى النِّساءِ بِالْحَياءِ وَالْعِفَّةِ ، وَعَلَى الْأَغْنِياءِ بِالتَّواضُع وَالسَّعَةِ ، وَعَلَى الْفُقَراءِ بِالصَّبْرِ وَالْقَناعَةِ ، وعَلَى الْغُزاةِ بِالنَّصْرِ وَالْغَلَبَةِ ، وَعَلَى الْأَسَراءِ بِالْخَلَاصِ وَالرَّاحَةِ ، وَعَلَى الْأَمَراءِ بِالْعَدْلِ وَالشَّفَقَةِ ، وَعَلَى الرَّعِيَّةِ بِالْإِنْصافِ وَحُسْنِ السِّيرَةِ، وَبَارِكْ لِلْحُجَاجِ وَالزُّوَارِ فِي الزَّادِ وَالنَّفَقَةِ ، وَاقْضِ مَا أَوْجَبْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ»(1).
لقد تضرع الإمام (علیه السّلام) إلى الله تعالى، وتوسل إليه أن يمن على المسلمين بكل ما يسمون به من مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، وكلّ ما يقربهم إلى الله تعالى زلفى .
وكان الإمام (علیه السّلام) يدعو للمؤمنين الصالحين بهذا الدعاء الشريف :
«إِلهي بِحَقِّ مَنْ ناجاكَ ، وَبِحَقِّ مَنْ دَعَاكَ في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَتَفَضَّلْ عَلى فُقَراءِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِالْغِنى وَالثَّرْوَةِ ، وَعَلَى مَرْضَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِالشَّفاءِ وَالصَّحَةِ ، وَعَلَى أَحْيَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِاللُّطْفِ وَالْكَرَامَةِ ، وَعَلى أَمْواتِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ ، وَعَلى غُرَباءِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِالرَّدَّ إِلَى أَوْطَائِهِمْ سالِمِينَ عَائِمينَ
1) مصباح الكفعمي : 374.
بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ»(1).
وحكى هذا الدعاء مدى تعاطف الإمام (علیه السّلام) ورأفته بالمؤمنين ، فقد دعا لهم بكل ما يصلحهم في دنياهم وآخرتهم ، وتمنى لهم كل خير وسعادة.
وكان (علیه السّلام) يدعو بهذا الدعاء لقضاء حوائجه ومهامه ، وهذا نصه بعد البسملة :
«أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ مُبْدِئُ الْخَلْقِ وَمُعِيدُهُمْ ، وَأَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْقابِضُ الْباسِطُ، وَأَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ مُدَبِّرَ الْأُمُورِ وَباعِثَ مَنْ فِي الْقُبُورِ، أَنْتَ وارِثُ الْأَرْضِ وَمَنْ عَلَيْهَا ، أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمَخْرُونِ الْمَكْنُونِ الْحَيّ الْقَيُّوم ، وَأَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ عَالِمُ السِّرِّ وَأَخْفى ؛ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذي إذا دُعيتَ بِهِ أَجَبْتَ ، وَإِذا سُئِلْتَ بِهِ أَعْطَيْتَ ، وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ، وَبِحَقِّهِم الَّذِي أَوْجَبْتَهُ عَلَى نَفْسِكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَنْ تقضي لي حاجَتي ، السّاعَةَ السّاعَةَ ، يا سامِعَ الدُّعاءِ يا سَيِّداهُ يا مَوْلَاهُ يا غياثاهُ ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْم سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَنْ تُعَجِّلَ خَلَاصَنا مِنْ هذِهِ الشَّدَّةِ ، يا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصارِ، يا سَمِيعَ الدُّعاءِ ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحِمينَ»(2).
ويلمس في هذا الدعاء الشريف مدى انقطاع الإمام إلى الله تعالى ، والتجائه إليه في جميع شؤونه وأموره .
وكان (علیه السّلام) إذا أصابه سقم وألم به مرض كتب هذا الدعاء الشريف في إناء جديد بتربة سيّد الشهداء الإمام الحسين (علیه السّلام) ، ويصب فيه الماء ويشربه :
«ِسْمِ اللَّهِ دَواءٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ شِفَاءٌ ، وَلَا إِلهَ إِلَّا اللهُ كِفاءٌ ، هُوَ الشَّافِي شِفاءٌ ، وَهُوَ الْكافِي كِفَاءٌ ، أَذْهِبِ الْبَأْسَ بِرَبِّ النَّاسِ شِفاءٌ لا يُغادِرُهُ سُقْمٌ ، وَصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ النجباء»(1).
وأوعز الإمام (علیه السّلام) إلى بعض المؤمنين من شيعته أن يزوروا ناحيته المقدّسة بهذه الزيارة ، ثم يدعو له عقيبها بما يأتي :
«سَلَامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ السَّلامُ عَلَيْكَ يا داعِيَ اللهِ وَرَبَّانِيَّ آيَاتِهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بابَ اللهِ وَدَيَانَ ِدينِهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا خَلِيفَةَ اللهِ وَناصِرَ حَقِّهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا حُجَّةَ اللهِ وَدَليلَ إِرادَتِهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا تالِيَ كِتابِ اللهِ وَتَرْجُمَانَهُ ، السَّلامُ عَلَيْكَ فِي آنَاءِ لَيْلِكَ وَأَطْرافِ نَهَارِكَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا بَقِيَّةَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا ميثاقَ اللهِ الَّذى أَخَذَهُ وَوَكَدَهُ ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا وَعْدَ اللهِ الَّذِي ضَمِنَهُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْعَلَمُ الْمَنْصُوبُ ، وَالْعِلْمُ الْمَصْبُوبُ ، وَالْغَوْتُ
1) منتخب الأثر 3: 252.
وَالرَّحْمَةُ الْواسِعَةُ وَعْداً غَيْرَ مَكْذُوبِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تَقُومُ ، السَّلامُ عَلَيْكَ حِينَ تَقْعُدُ ، السَّلامُ عَلَيْكَ حِينَ تَقْرَأُ وَتُبَيِّنُ ، السَّلامُ عَلَيْكَ حِينَ تُصَلِّي وَتَقْتُتُ ، السَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تَرْكَعُ وَتَسْجُدُ ، السَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تُهَلِّلُ وَتُكَبِّرُ : السَّلامُ عَلَيْكَ حِينَ تَحْمَدُ وَتَسْتَغْفِرُ، السَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تُصْبِحُ وَتُمْسي ، السَّلامُ عَلَيْكَ في اللَّيْلِ إِذا يَغْشَى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّها الإمامُ الْمَأْمُونُ ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْمُقَدَّمُ الْمَأْمُولُ ، السَّلامُ عَلَيْكَ بِجَوامِعِ السَّلَامِ . أُشْهِدُكَ يا مَوْلَايَ أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، لَا حَبِيبَ إِلَّا هُوَ وَأَهْلُهُ ، وَأُشْهِدُكَ يا مَوْلَايَ أَنَّ عَلِيًّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حُجَّتُهُ ، وَالْحَسَنَ حُجَّتُهُ ، وَالْحُسَيْنُ حُجَّتُهُ ، وَعَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ حُجَّتُهُ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ حُجَّتُهُ ، وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ حُجَّتُهُ ، وَمُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ حُجَّتُهُ ، وَعَلِيَّ بْنَ مُوسَى حُجَّتُهُ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ حُجَّتُهُ ، وَعَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ حُجَّتُهُ ، وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ حُجَّتُهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ حُجَّةُ اللَّهِ . أَنْتُمُ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَأَنَّ رَجْعَتَكُمْ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهَا يَوْمَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمانِها خَيْراً ، وَأَنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ ، وَأَنَّ نَاكِراً وَنَكِيراً حَقٌّ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ النَّشْرَ حَقٌّ ، وَالْبَعْثَ حَقٌّ ، وَأَنَّ الصِّراطَ حَقٌّ ، وَالْمِرْصَادَ حَقٌّ ، وَالْمِيزانَ حَقٌّ ، وَالْحَشْرَ حَقٌّ ، وَالْحِسابَ حَقٌّ ، وَالْجَنَّةَ وَالنّارَ حَقٌّ ، وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ بِهِما حَقٌّ.
يا مَوْلَايَ ، شَقِيَ مَنْ خَالَفَكُمْ ، وَسَعِدَ مَنْ أَطَاعَكُمْ ، فَاشْهَدْ عَلَى مَا أَشْهَدْتُكَ عَلَيْهِ ، وَأَنَا وَلِيٌّ لَكَ ، بَريءٌ مِنْ عَدُوِّكَ ، فَالْحَقُّ مَا رَضِيتُمُوهُ ،
وَالْباطِلُ ما أَسْخَطْتُمُوهُ ، وَالْمَعْرُوفُ ما أَمَرْتُمْ بِهِ ، وَالْمُنْكَرُ ما نَهَيْتُمْ عَنْهُ ، فَنَفْسِي مُؤْمِنَةٌ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِرَسُولِهِ وَبِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَبِكُمْ يا مَوْلَايَ، أَوَّلِكُمْ وَآخِرِكُمْ ، وَنُصْرَتي مُعَدَّةٌ لَكُمْ ، وَمَوَدَّتي خالِصَةٌ لَكُمْ ، آمِينَ آمِينَ».
ثمّ يدعو عقيب هذه الزيارة بهذا الدعاء الشريف :
«اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيٍّ رَحْمَتِكَ ، وَكَلِمَةِ نُورِكَ ، وَأَنْ تَمْلَأَ قَلْبِي نُورَ الْيَقِينِ ، وَصَدْرِي نُورَ الْإِيمَانِ ، وَفِكْرِي نُورَ النِّيَاتِ ، وَعَزْمي نُورَ الْعِلْمِ ، وَقُوَّتي نُورَ الْعَمَلِ ، وَلِسانِي نُورَ الصِّدْقِ ، وَدِيني نُورَ الْبَصائِرِ مِنْ عِنْدِكَ ، وَبَصَرِي نُورَ الضّياءِ ، وَسَمْعِي نُورَ الْحِكْمَةِ ، وَمَوَدَّتي نُورَ الْمُوالَاةِ لِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ؛ حَتَّى أَلْقَاكَ وَقَدْ وَفَيْتُ بِعَهْدِكَ وَمِيثَاقِكَ فَتُغَشِّينَي رَحْمَتُكَ يا وَلِيُّ يَا حَمِيدُ.
اللهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ حُجَّتِكَ في أَرْضِكَ ، وَخَلِيفَتِكَ فِي بِلَادِكَ ، وَالدّاعِي إِلى سَبِيلِكَ ، وَالْقَائِمِ بِقِسْطِكَ ، وَالنَّائِرِ بِأَمْرِكَ . وَلِيَّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَبَوارِ الْكافِرِينَ ، وَمُجَلَّى الظُّلْمَةِ ، وَمُنِيرِ الْحَقِّ ، وَالنّاطِقِ بِالْحِكْمَةِ وَالصِّدْقِ ، وَكَلِمَتِكَ التَّامَّةِ فِي أَرْضِكَ ، الْمُرْتَقِبِ الْخائِفِ ، وَالْوَلِيُّ النَّاصِحِ ، سَفِينَةِ النَّجاةِ ، وَعَلَى الْهُدى ، وَنُورِ أَبْصارِ الْوَرى ، وَخَيْرِ مَنْ تَقَمَّصَ وَارْتَدَى ، وَمُجَلِّي الْعَمَى ، الَّذِي يَمْلَاءُ الْأَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً كَما مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً ، إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى وَلِيِّكَ وَابْنِ أَوْلِيائِكَ ، الَّذِينَ فَرَضْتَ طَاعَتَهُمْ ، وَأَوْجَبْتَ
حَقَّهُمْ ، وَأَذْهَبْتَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ ، وَطَهَّرْتَهُمْ تَطْهِيراً.
اللّهُمَّ انْصُرْهُ ، وَانْتَصِرْ بِهِ لِدِينِكَ ، وَانْصُرْ بِهِ أَوْلِيَاءَكَ وَأَوْلِيَاءَهُ وَشِيعَتَهُ وَأَنْصارَهُ وَاجْعَلْنا مِنْهُمْ.
اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ شَرِّ كُلِّ باغِ وَطَاعْ ، وَمِنْ شَرِّ جَمِيعِ خَلْقِكَ ، وَاحْفَظْهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ، وَاحْرُسْهُ وَامْنَعْهُ مِنْ أَنْ يُوصَلَ إِلَيْهِ بِسُوءٍ ، وَاحْفَظْ فِيهِ رَسُولَكَ وَآلَ رَسُولِكَ ، وَأَظْهِرْ بِهِ الْعَدْلَ ، وَأَيَّدْهُ بِالنَّصْرِ ، وَانْصُرْ نَاصِرِيهِ ، وَاخْذُلْ خَاذِلِيهِ ، وَاقْصِمْ قاصِمِيهِ ، وَاقْصِمْ بِهِ جَبَابِرَةَ الْكُفْرِ ، وَاقْتُلْ بِهِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ ، وَجَمِيعَ الْمُلْحِدِينَ حَيْثُ كَانُوا مِنْ مَشارِقِ الْأَرْضِ وَمَغارِبِها ؛ بَرِّها وَبَحْرِها ، وَامْلَاءً بِهِ الْأَرْضَ عَدْلاً ، وَاظْهِرْ بِهِ دِينَ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، وَاجْعَلْنِي اللَّهُمَّ مِنْ أَنْصارِهِ وَأَعْوانِهِ وَأَتْباعِهِ وَشِيعَتِهِ ، وَأَرِنِي فِي آلِ مُحَمَّدٍ (علیهم السّلام) ما يَأْمُلُونَ ، وَفي عَدُوِّهِمْ ما يَحْذَرُونَ ؛ إِلهَ الْحَقِّ آمِينَ ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ»(1).
لقد أرشد الإمام (علیه السّلام) لشيعته بأن يزوره بهذه الزيارة، ويدعون له بهذا الدعاء المبارك ، يدعون له بالنصر والتعجيل في ظهوره ؛ ليقيم الحق ويدمر الباطل ، ويرفع كلمة الله تعالى عالية في الأرض.
من أدعيته الشريفة هذا الدعاء الجليل ، وهذا نصه :
1) بحار الأنوار: 3:91 - 5 .
«اللَّهُمَّ رَبَّ النُّورِ الْعَظِيمِ، وَرَبَّ الْكُرْسِيِّ الرَّفِيعِ ، وَرَبَّ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبورِ ، وَربَّ الظَّلَّ وَالْحَرُورِ، وَمُنْزِلَ الْفُرْقانِ الْعَظِيمِ ، وَرَبَّ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالْأَنْبِياءِ وَالْمُرْسَلِينَ.
أَنتَ إِلَهُ مَن فِي السَّمَاءِ ، وَإِلَهُ مَن فِي الْأَرْضِ ، لَا إِلَهَ فِيهِما غَيْرُكَ .
وَأَنتَ جَبَارُ مَن فِي السَّمَاءِ ، وَجَبَارُ مَن فِي الْأَرْضِ ، لا خَالِقَ فِيهِما غَيْرُكَ .
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْكَرِيمِ ، وَبِنُورِ وَجْهِكَ الْمُشْرِقِ الْمُنِيرِ ، وَمُلْكِكَ القَدِيمِ ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ.
أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرَضُونَ ، وَبِاسْمِكَ الَّذِي يَصْلُحُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ .
يَا حَيَّاً قَبْلَ كُلِّ حَيٍّ ، وَيَا حَيّاً بَعْدَ كُلِّ حَيٍّ ، ويا حَيّاً حينَ لا حَيَّ ، ويا مُحْيِي الْمَوْتَى ، وَيَا حُيَّاً لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ . يا حَيُّ يا قَيُّومُ ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَارْزُقْني مِن حَيْثُ أَحْتَسِبُ ، وَمِنْ حَيْثُ لا أَحْتَسِبُ رِزْقاً واسعاً ، حَلالاً طَيِّباً ، وَأَن تُفَرِّجَ عَنِّي كُلَّ غَمَّ ، وَكُلَّ هَمَّ ، وَأَن تُعْطِيَني ما أَرْجُوهُ وَآمِلُهُ ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(1).
وحفل هذا الدعاء بتحميد الله وتمجيده ، ووصفه بأعظم صفاته ، والتجاء الإمام (علیه السّلام) وانقطاعه له ، وإيمانه المطلق بأنّ جميع مجريات الأحداث بيده سبحانه وتعالى.
1) البلد الأمين : 97.
وكان (علیه السّلام) يدعو بهذا الدعاء لشيعته أن يفرج عنهم ، ويكشف ما ألم بهم من الضيق والحرمان :
«یا نورَ النُّورِ ، يا مُدَبِّرَ الْأُمورِ ، يا باعِثَ مَنْ فِي الْقُبورِ ، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاجْعَلْ لي وَلِشيعَتِي مِنَ الضّيقِ فَرَجاً ، وَمِنَ الْهَمِّ مَخْرَجاً ، وَأَوْسِعْ لَنَا الْمَنْهَجَ ، وَأَطْلِقْ لَنَا مِنْ عِنْدِكَ ما يُفَرِّجُ ، وَافْعَلْ بنا ما أَنْتَ أَهْلُهُ ، یا کریم»(1).
وعهد الإمام (علیه السّلام) البعض شيعته أن يدعو بهذا الدعاء إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وإلى الأئمة الطاهرين سلام الله عليهم :
«اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ، وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَحُجَّةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْمُنْتَجَبِ فِي الْمِيثَاقِ ، الْمُصْطَفَى فِي الظُّلَالِ ، الْمُطَهَّرِ مِنْ كُلِّ آفَةٍ ، الْبَرِيءِ مِنْ كُلِّ عَيْبِ ، الْمُؤَمَّلِ لِلنَّجاةِ ، الْمُرْتَجِى لِلشَّفَاعَةِ ، الْمُفَوَّضِ إِلَيْهِ دين الله .
اللهُمَّ شَرِّفْ بُنْيَانَهُ ، وَعَظِّمْ بُرْهَانَهُ ، وَأَفْلِجْ حُجَّتَهُ ، وَارْفَعْ دَرجَتَهُ ، وَأَضِى نُورَهُ ، وَبَيْضُ وَجْهَهُ ، وَأَعْطِهِ الْفَضْلَ وَالْفَضِيلَةَ ، وَالْمَنْزِلَةَ وَالْوَسِيلَةَ ، وَالدَّرَجَةَ
1) مصباح الكفعمي : 457 .
الرَّفِيعَةَ ، وَابْعَثْهُ مقاماً مُحْمُوداً يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ.
وَصَلِّ عَلى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَوارِثِ الْمُرْسَلِينَ ، وَقائِدِ الْغُرُ الْمُحْجَّلِينَ، وَسَيّدِ الْوَصِيِّينَ ، وَحُجِّةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَصَلِّ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ إِمَامِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَوارِثِ الْمُرْسَلِينَ ، وَحُجَّةِ رَبَّ الْعالَمِينَ.
وَصَلِّ عَلَى الحُسَينِ بن عَلَيَّ إِمَامِ المُؤْمِنِينَ ، وَوَارِثِ المُرْسَلِينَ ، وَحُجَّةِ رَبِّ العَالَمِينَ.
وَصَلِّ عَلَى عَلِيَّ بْنِ الحُسَيْنِ إِمَامِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَوارِثِ الْمُرْسَلِينَ ، وَحُجَّةِ رَبَّ الْعالَمينَ .
وَصَلَّ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ إِمَامِ المُؤْمِنِينَ ، وَوَارِثِ المُرسَلِينَ ، وَحُجَّةِ رَبِّ العَالَمِينَ .
وَصلَّ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ إِمامِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَوارِثِ الْمُرْسَلِينَ ، وَحُجَّةِ رَبَّ الْعَالَمِينَ.
وَصَلَّ عَلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ إِمَامِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَوارِثِ الْمُرْسَلِينَ ، وَحُجَّةِ رَبَّ الْعَالَمِينَ .
وَصَلِّ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى إِمامِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَوارِثِ الْمُرْسَلِينَ ، وَحُجَّةِ رَبَّ الْعالَمِينَ .
وَصَلَّ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ إِمامِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَوارِثِ الْمُرْسَلِينَ ، وَحُجَّةِ
رَبَّ الْعَالَمِينَ.
وَصَلِّ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ إِمامِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَوَارِثِ الْمُرْسَلِينَ، وَحُجَّةِ رَبَّ الْعَالَمِينَ.
وَصَلِّ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ إِمَامِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَوارِثِ الْمُرْسَلِينَ ، وَحُجَّةِ رَبَّ الْعالَمِينَ.
وَصَلِّ عَلَى الْخَلَفِ الْهَادِي الْمَهْدِي إِمامِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَوارِثِ الْمُرْسَلِينَ ، وَحُجَّةِ رَبَّ الْعَالَمِينَ .
اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الْأَئِمَّةِ الْهَادِينَ الْعُلَمَاءِ الصَّادِقِينَ الْأَبْرَارِ الْمُتَّقِينَ ، دَعائِمِ دِينِكَ ، وَأَرْكَانِ تَوْحِيدِكَ ، وَتَراحِمَةِ وَحْيِكَ ، وَحُجَجِكَ عَلَى خَلْقِكَ ، وَخُلَفَائِكَ في أَرْضِكَ الَّذِينَ اخْتَرْتَهُمْ لِنَفْسِكَ ، وَاصْطَفَيْتَهُمْ عَلَى عِبادِكَ ، وَارْتَضَيْتَهُمْ لِدِينكَ ، وَخَصَصْتَهُمْ بِمَعْرِفَتِكَ ، وَجَلَّلْتَهُمْ بِكَرامَتِكَ ، وَغَشَّيْتَهُمْ بِرَحْمَتِكَ ، وَرَبَّيْتَهُمْ بِنِعْمَتِكَ ، وَغَذَّيْتَهُمْ بِحِكْمَتِكَ ، وَالْبَسْتَهُمْ نُورَكَ ، وَرَفَعْتَهُمْ في مَلَكُوتِكَ ، وَحَفَفْتَهُمْ بِمَلائِكَتِكَ ، وَشَرَّفْتَهُمْ بِنَبِيِّكَ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ، اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِمْ صَلاةً رَاكِيَةً نامِيَةً ، كَثِيرَةٌ دائِمَةً طَيِّبَةٌ ، لَا يُحِيطُ بها إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَسَعُها إِلَّا عِلْمُكَ ، وَلَا يُحْصِيها أَحَدٌ غَيْرُكَ .
اللهُمَّ وَصَلَّ عَلَى وَلِيَّكَ الْمُحْيِي سُنَّتَكَ ، الْقائِمَ بِأَمْرِكَ ، الدّاعِي إِلَيْكَ ، الدَّلِيلِ عَلَيْكَ ، حُجَّتِكَ عَلى خَلْقِكَ ، وَخَلِيفَتِكَ في أَرْضِكَ ، وَشَاهِدِكَ على عبادك .
اللهُمَّ أَعِزَّ نَصْرَهُ ، وَمُدَّ في عُمُرِهِ ، وَزَيَّنِ الْأَرْضَ بِطُولِ بَقائِهِ .
اللهُمَّ أَكْفِهِ بَغْيَ الْحَاسِدِينَ ، وأَعِذْهُ مِنْ شَرِّ الْكَائِدِينَ ، وَازْجُرْ عَنْهُ إِرادَةَ الظَّالِمِينَ ، وَخَلَّصْهُ مِنْ أَيْدِي الْجَبَارِينَ .
اللَّهُمَّ أَعْطِهِ فِى نَفْسِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ، وَشِيعَتِهِ وَرَعِيَّتِهِ ، وَخاصَّتِهِ وَعامَّتِهِ ، وَعَدُوِّهِ ، وَجَمِيعِ أَهْلِ الدُّنْيا مَا تُقِرُّ بِهِ عَيْنُهُ ، وَتَسُرُّ بِهِ نَفْسُهُ، وَبَلِّغْهُ أَفْضَلَ ما أَمَّلَهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
اللهُمَّ جَدِّدْ بِهِ مَا امْتَحَى مِنْ دِينِكَ ، وَأَحْيِ بِهِ مَا بُدِّلَ مِنْ كِتابِكَ ، وَأَظْهِرْ بِهِ ما غُيِّرَ مِنْ حُكْمِكَ ، حَتَّى يَعُودَ دِينُكَ بِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ غَضَاً جَدِيداً خالِصاً مُخْلَصاً ، لَا شَكٍّ فِيهِ ، وَلَا شُبْهَةَ مَعَهُ ، وَلَا بَاطِلَ عِنْدهُ ، وَلَا بِدْعَةَ لَدَيْهِ .
اللهُمَّ نَوِّرْ بِنُورِهِ كُلَّ ظُلْمَةٍ ، وَهُدَّ بِرُكْنِهِ كُلَّ بِدْعَةٍ ، وَاهْدِمْ بِعِزّهِ كُلَّ ضَلَالَة ، وَاقْصِمْ بِهِ كُلَّ جَبَارٍ ، وَأَحْمِدْ بِسَيْفِهِ كُلَّ نارِ ، وَأَهْلِكَ بِعَدْلِهِ جَوْرَ كُلِّ جَائِرٍ ، وَأَجْرِ حُكْمَهُ عَلَى كُلِّ حُكْمٍ ، وَأَذِلَ بِسُلْطانِهِ كُلَّ سُلْطَانٍ .
اللهُمَّ أَذِلَ كُلَّ مَنْ ناواهُ ، وَأَهْلِكَ كُلَّ مَنْ عاداهُ ، وَامْكُرْ بِمَنْ كادَهُ ، وَاسْتَأْصِلْ مَنْ جَحَدَهُ حَقَّهُ، وَاسْتهانَ بِأَمْرِهِ، وَسَعَى فِي إِطْفَاءِ نُورِهِ ، وَأَرادَ إِخْمَادَ ذِكْرِهِ.
اللَّهُمَّ صَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفى ، وَعَلِيَّ الْمُرْتَضى ، وَفاطِمَةَ الزَّهْراءِ ، وَالْحَسَنِ الرّضا ، وَالْحُسَيْنِ الْمُصَفّى ، وَجَمِيعِ الْأَوْصِياءِ مَصَابِيحِ الدُّجى ، وَأَعْلَامِ الْهُدَى، وَمَنارِ التَّقى ، وَالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ، وَالْحَبْلِ الْمَتِينِ ، وَالصِّراطِ
الْمُسْتَقِيمِ ، وَصَلِّ عَلَى وَلِيِّكَ وَوَلَاةِ عَهْدِكَ ، وَالْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِهِ ، وَمُدَّ في أَعْمَارِهِمْ ، وَزِدْ فِي آجَالِهِمْ ، وَبَلِّغْهُمْ أَقصى آمَالِهِمْ دِينَا وَدُنْيا وَآخِرَةً ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(1).
وأشاد هذا الدعاء بالنبي العظيم (صلی الله علیه و آله و سلم) وبأ وصيائه وخلفائه الأئمة الطاهرين (علیهم السّلام)، ودعا لهم بسموّ المنزلة الكريمة عند الله تعالى ، كما حفل بالدعاء لقائم آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ليقيم معالم الدين ، ويحيي سُنّة جده رسول ربّ العالمين.
وقد علم الإمام (علیه السّلام) ابعض شيعته هذا الدعاء ، وقد كانوا في ظلمات السجون :
«اللَّهُمَّ عَظُمَ الْبَلاءُ ، وَبَرِحَ الْخَفاءُ ، وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ ، وَضاقَتِ الْأَرْضُ وَمُنِعَتِ السَّماءُ ، وَإِلَيْكَ يا رَبِّ الْمُشْتَكى ، وَعَلَيْكَ الْمُعَوَّلُ في الشَّدَّةِ وَالرَّحَاءِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ أَمَرْتَنَا بِطَاعَتِهِمْ ، وَعَجِّلِ اللَّهُمَّ فَرَجَهُمْ بِقائِمِهِمْ ، وَأَظْهِرْ إِعْزَازَهُ ، يا مُحَمَّدُ یا عَلِيُّ ، يا عَلِيُّ يا مُحَمَّدُ ، اكْفِيانِي فَإِنَّكُما كَافِيَايَ .
يا مُحَمَّدُ یا عَلِيُّ ، يا عَلِيُّ يا مُحَمَّدُ ، انْصُرَانِي فَإِنَّكُما ناصِرايَ .
يا مُحَمَّدُ یا عَلِيُّ ، يا عَلِيُّ يا مُحَمَّدُ ، احْفَظَانِي فَإِنَّكُما حَافِظَايَ.
يا مَوْلايَ يا صاحِبَ الزَّمانِ يا مَوْلايَ يا صاحِبَ الزَّمانِ ، يا مَوْلايَ يا صاحِبَ الزَّمانِ ، الْغَوْثَ الْغَوْثَ الْغَوْثَ ، أَدْرِكْنِي أَدْرِكْنِي أَدْرِكْني ، الْأَمَانَ
1) البلد الأمين : 120 - 122 . مصباح المتهجد : 406 - 409 .
الأمانَ الْأَمانَ»(1).
إن الالتجاء إلى الله تعالى والانقطاع إليه يُنجي الإنسان وينقذه مما ألم به من محن الأيام ، وخطوب الزمان ، وقد جهد أئمة الهدى (علیهم السّلام) على تعليم شيعتهم وإرشادهم إلى بعض الأدعية الشريفة التي تنجيهم من كوارث الزمان .
إنّ فاجعة كربلاء وما جرى فيها على سبط رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وريحانته الإمام الحسين (علیه السّلام) من ألوان المحن والرزايا التي لم يعانها أي مصلح اجتماعي على امتداد التأريخ ، فقد كوت قلوب المسلمين ، وأخلدت لهم الأسى والحزن ، وكان من أعظم المفجوعين بها أئمة الهدی (علیهم السّلام) من أحفاد الإمام الحسين (علیه السّلام)، فقد نخر الحزن الاعلام قلوبهم على ما جرى على جدهم من الفجائع والمآسي التي تميد من هولها الجبال .
ومن بين الأئمة المنكوبين بمصاب الإمام الحسين (علیه السّلام) الإمام المنتظر (علیه السّلام)، فقد استوعب الألم القاسي نفسه الشريفة ، وبكاه بذوب روحه ، وتحكي مدى لوعته وأساه زيارته لجده الحسين (علیه السّلام) التي عرفت بزيارة «الناحية المقدسة» ، فقد سكب فيها أحزانه ، وعرض فيها ما جرى على جده من صنوف الرزايا والخطوب ، وما عانته بنات رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من المصائب القاسية التي تذوب من مآسيها القلوب ، ولنستمع إلى بعض فصول هذه الزيارة التي خرجت إلى أحد نوابه ، وقد سلّم فيها على بعض الأنبياء الذين اصطفاهم الله تعالى واختارهم لإصلاح عباده ، ثم قال مسلّماً على جده الإمام الحسين (علیه السّلام):
السَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ الَّذِي سَمَحَتْ نَفْسُهُ بِمُهْجَتِهِ ، السَّلامُ عَلَى مَنْ أَطَاعَ
1) البلد الأمين : 657 .
الله في سره وعلانيته ، السَّلامُ عَلَى مَنْ جَعَلَ اللهُ الشَّفَاءَ فِي تُربتِهِ ، السَّلامُ عَلَى مَنِ الْإِجَابَهُ تَحْتَ قُبَّتِهِ ، السَّلامُ عَلَىٰ مَنِ الْأَئِمَّةُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ .
وحكى هذا المقطع مدى انقطاع الإمام الحسين (علیه السّلام) إلى الله تعالى ، وإطاعته له في سره وعلانيته، وكان من عظيم طاعته وإخلاصه إلى الله أنه (علیه السّلام) سمح بمهجته الشريفة وقدّمها قرباناً إليه - تعالى - لإحياء دينه ، وإعلاء كلمته ، ولولاه للف لواء الإسلام ، وعادت الحياة الجاهلية بآثامها وشرورها ، فقد جهد الأمويون على سحق هذا الدين ، إلا أن الإمام الحسين (علیه السّلام) هو الذي رد كيدهم ، وأطاح بعروشهم بتضحيته التي هزت العالم الإسلامي ، وأشاعت السخط والثورات الداخلية على الحكم الأموي ، حتى أراح الله المسلمين منهم . وقد شكر الله تعالى تضحية حبيبه الإمام الحسين (علیه السّلام)، وأعد له في الدار الآخرة من الأجر الجزيل الذي لا يوصف لعظمته ، وحباه في الدنيا بكل مكرمة ، والتي منها أن جعل الشفاء في تربته ، وإجابة الدعاء تحت قبته ، والأئمة الطاهرين المعصومين من ذريته (علیهم السّلام)، ومن بنود هذه الزيارة قوله (علیه السّلام):
«السَّلامُ عَلَى ابْنِ خَالَمِ الْأَنْبِياءِ ، السَّلامُ عَلَى ابْنِ سَيْدِ الْأَرْضِياءِ ، السلامُ على ابن فاطمة الزهراء ، السَّلامُ عَلى ابن خديجة الكبرى، السَّلامُ عَلَى ابن سدرة المنتهى السَّلامُ عَلَى ابْن جَنَّةِ الْمَأْوي ، السَّلامُ عَلَى ابْنِ زَمْزَمَ
والصفاء».
وحكت هذه الكلمات الأصول الكريمة التي تفرع منها سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين (علیه السّلام)، فجده خاتم الأنبياء ، وسيّد المرسلين، وأبوه سيّد الأوصياء وباب مدينة علم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وأُمه بضعة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وسيدة نساء العالمين ؛ التي يرضى الله لرضاها ، ويغضب لغضبها ، وجدته خديجة
الكبرى التي قام الإسلام بأموالها وتضحيتها ، فسلام الله على تلك الأصول ، وعلى ذلك الفرع الطاهر ، الذي أضاء الدنيا بفضله .
ومن فصول هذه الزيارة قوله (علیه السّلام):
«السَّلامُ عَلَى الْمُرَمَّلِ بِالدَّماءِ ، السَّلامُ عَلَى الْمَهْتُوكِ الْخِبَاءِ ، السَّلامُ عَلَى خامس أَصحابِ أَهْلِ الْكِساءِ ، السَّلامُ عَلى غَرِيبِ الْغُرَبَاءِ ، السَّلامُ عَلَىٰ شَهِيدِ الشُّهَدَاءِ ، السَّلامُ عَلَى قَتِيلِ ا الْأَدْعِباءِ ، السَّلامُ عَلَىٰ سَاكِنِ كَرْبَلاءَ ، السَّلامُ عَلَى مَنْ بَكَتْهُ مَلائِكَةُ السَّماءِ ، السَّلامُ عَلى مَنْ ذُرِّيَّتُهُ الْأَزْكِيَاءُ ، السَّلامُ عَلَى يَعْسُوبِ الدِّينِ ، السَّلامُ عَلى مَنازِلِ الْبَراهِينِ ، السَّلامُ عَلَى الْأَئِمَّةِ السَّاداتِ».
وحفل هذا المقطع ببعض صفات أبي الأحرار الإمام الحسين (علیه السّلام)، والتي منها أنه قد رُمل بدمائه في سبيل الله ، وهتك حجابه لإقامة شعائر الإسلام ، ومن صفاته أنه خامس أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، ومـن صفاته أنه غريب مظلوم، فقد استشهد بصورة مروّعة في أرض كربلاء ، ويكت لعظيم مصابه ملائكة الله تعالى .
ويقول الإمام المنتظر (علیه السّلام) في هذه الزيارة :
«السَّلامُ عَلَى الْجُيُوبِ الْمُضَرَّجاتِ ، السَّلامُ عَلَى الشَّفَاءِ الذَّابِلاتِ ، السَّلامُ عَلَى النُّفُوسِ الْمُصْطَلَماتِ السَّلامُ عَلَى الْأَرْواحِ الْمُخْتَلَسَاتِ ، السَّلامُ عَلَى الْأَجْسادِ الْعارِياتِ السَّلامُ عَلَى الْجُسُومِ الشَّاحِبَاتِ ، السَّلامُ عَلَى الدِّمَاءِ السائلات ، السَّلامُ عَلَى الْأَعْضاءِ الْمُقَطَّعَاتِ ، السَّلامُ عَلَى الرُّؤْوسِ الْمُشالات ، السَّلامُ عَلَى النِّسْوَةِ الْبَارِزَاتِ» .
وحفلت هذه الكلمات بما جرى على سبط رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأبنائه وأصحابه من صنوف الظلم والتنكيل من الجيش الأموي ، فقد حرّم عليهم الماء حتى ذبلت شفاههم من شدّة الظمأ ، ومزقت سيوف الأمويين تلك الأجسام الطاهرة الزكية ، ورفعت رؤوسهم على أطراف الرماح ، وهي تنير للمجتمع طريق الحرية والكرامة والشرف والإباء ، ومن أجل هذه الغايات النبيلة استشهد وا سلام الله عليهم ، وسبيت نساؤهم من بلد إلى بلد .
ويستمر الإمام المنتظر (علیه السّلام) في زيارته ، فيقول :
«السَّلامُ عَلى حُجَّةِ رَبِّ الْعالَمينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلَى آبَائِكَ الطَّاهِرِينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلَى أَبْنَائِكَ الْمُسْتَشْهَدينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلَى ذُرِّيَّتِكَ الناصرينَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلَى الْمَلائِكَةِ الْمُضَاجِعِينَ ، السَّلامُ عَلَى الْقَتِيلِ الْمَظْلُومِ ، السَّلامُ عَلَى أَخِيهِ الْمَسْمُومِ ، السَّلامُ عَلَى عَلِيَّ الْكَبِيرِ ، السَّلامُ عَلَى عَلِيُّ الرَّضِيعِ الصَّغيرِ».
لقد قدم الإمام (علیه السّلام) تحياته وسلامه إلى جده الإمام الحسين (علیه السّلام)، وإلى أبنائه المستشهدين بين يديه، وإلى الملائكة الكرام الحافّين بقبره الشريف .
ومن بنود هذه الزيارة قوله :
«السَّلامُ عَلَى الْأَبْدانِ السَّلِيبَةِ ، السَّلامُ عَلَى الْعِتْرَةِ الْقَرِيبَةِ ، السَّلامُ عَلَى الْمُجَدِّلِينَ فِي الْفَلَواتِ ، السَّلامُ عَلَى النَّازِحِينَ عَنِ الْأَوْطَانِ ، السَّلامُ عَلَى الرُّؤُوسِ الْمُفَرَّقَةِ عَنِ الْأَبْدانِ ، السَّلامُ عَلَى الْمَدْفُونِينَ بِلا أَكْفَانِ ، السَّلامُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ الصَّابِرِ ، السَّلامُ عَلَى الْمَظْلُومِ بِلَا نَاصِرٍ ، السَّلامُ عَلَىٰ سَاكِنِ التَّرْبَةِ الزَّاكِيَةِ ، السَّلامُ عَلَى صَاحِبِ الْقُبَّةِ السَّامِيَةِ» .
وسلّم الإمام المنتظر (علیه السّلام) على الأبدان الشريفة التي تركها الجيش الأموي الحقير ملقاة بالعراء ، ولم يعمدوا إلى مواراتها ، حتى أتاح الله لها قوماً لم يتلوثوا بجريمة حرب ابن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فدفنوها بثيابها التي مزقتها سيوف الأمويين ورماحهم .
ومن فصول هذه الزيارة قوله (علیه السّلام):
«السَّلامُ عَلَى مَنْ طَهَّرَهُ الْجَلِيلُ ، السَّلامُ عَلَى مَنِ افْتَخَرَ بِهِ جَبْرَئِيلُ ، السَّلامُ عَلَى مَنْ ناغاهُ فِي الْمَهْدِ ميكائيل ، السَّلامُ عَلَى مَنْ نُكِثَتْ ذِمَّتُهُ، السَّلامُ عَلَى مَنْ هُتِكَتْ حُرْمَتُهُ، السَّلامُ عَلَى مَنْ أُرِيقَ بِالظُّلْمِ دَمُهُ، السَّلامُ عَلَى الْمُغَسَّلِ بِدَمِ الْجِراحِ ، السَّلامُ عَلَى الْمُجَرَّعِ بِكَأْساتِ الرِّمَاحِ ، السَّلامُ عَلَى الْمُضَامِ الْمُسْتَبَاحِ السَّلامُ عَلَى الْمَنْحُورِ في الوَرى ، السَّلامُ عَلَى مَنْ دَفَنَهُ أَهْلُ الْقُرى ، السَّلامُ عَلَى الْمَقْطُوعَ الْوَتينِ السَّلامُ عَلَى الْمُحَامِي بِلا مُعِينِ ، السَّلامُ عَلَى الشَّيْبِ الْخَضِيبِ ، السَّلامُ عَلَى الْخَدَّ النَّرِيبِ ، السَّلامُ عَلَى الْبَدَنِ السَّلِيبِ ، السَّلامُ عَلَى التَّفْرِ الْمَقْرُوعِ بِالْقَضِيبِ ، السَّلَامُ عَلَى الرَّأْسِ الْمَرْفُوعِ ، السَّلامُ عَلَى الْأَجْسامِ الْعَارِيَةِ فِي الْفَلَواتِ ، تَنْهِتُهَا الذَّنَابُ الْعادِيَاتُ ، وَتَخْتَلِفُ إِلَيْهَا السِّباعُ الضّارِياتُ».
ويستمر الإمام المنتظر في سلامه على جده الإمام الحسين (علیه السّلام) ذاكراً مآثره وفضائله ، وما جرى عليه من الكوارث والخطوب التي تنوء من حملها الجبال ، إلى أن يقول :
«السَّلامُ عَلَيْكَ يا مَوْلَايَ ، وَعَلَى الْمَلائِكَةِ الْمُرَ فِرِفِينَ حَوْلَ قُبَّتِكَ ، الْحَافِّينَ بترْبَتِك ، الطَّائِفِينَ بِعَرَصَتِكَ، الْوارِدِينَ لِزِيارَتِكَ ، السَّلامُ عَلَيْكَ فَإِنِّي قَصَدْتُ
إِلَيْكَ ، وَرَجَوْتُ الْفَوْزَ لَدَيْكَ، السَّلامُ عَلَيْكَ سَلَامَ الْعَارِفِ بِحُرْمَتِكَ ، الْمُخْلِصِ فِي وِلايَتِكَ، الْمُتَقَرَّبِ إِلَى اللَّهِ بِمَحَبَّتِكَ ، الْبَرِيءِ مِنْ أَعْدَائِكَ ، سَلَمَ مَنْ قَلْبُهُ بِمُصَابِكَ مَقْرُوحٍ ، وَدَمْعُهُ عِنْدَ ذِكْرِكَ مَسْفُوحٌ ، سَلَامَ الْمَفْجُوعِ الْحَزِينِ الْوالِهِ الْمُسْتَكِينِ . سَلَامَ مَنْ لَوْ كَانَ مَعَكَ بِالطُّفُوفِ لَوَقَاكَ بِنَفْسِهِ حَدَّ السُّيُوفِ ، وَبَذَلَ حُشَاشَتَهُ دُونَكَ لِلْحُتُوفِ ، وَجاهَدَ بَيْنَ يَدَيْكَ ، وَنَصَرَكَ عَلَى مَنْ بَعْى عَلَيْكَ ، وَقَداكَ بِرُوحِهُ وَجَسَدِهِ ، وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ ، وَرُوحِهِ لِرُوحِكَ فِدَاءٌ ، وَأَهْلُهُ لأهْلِك وقاء» .
وحكت هذه الكلمات مدى تألم الإمام (علیه السّلام) على فجائع جده الإمام الحسين (علیه السّلام)، فقد ود أن يكون معه في ساحة الطفوف ليفديه بنفسه ، ويقيه بمهجته ، ويدفع عنه ما حل به من عظيم الرزايا ؛ ولنستمع إلى فصل آخر مـن فـصـول هـذه الزيارة ، يقول (علیه السّلام):
«فَلَئِنْ أَخْرَتْنِي الدُّهُورُ ، وَعَاقَنِي عَنْ نَصْرِكَ الْمَقْدُورُ ، وَلَمْ أَكْنُ لِمَنْ حارَبَكَ مُحارِباً ، وَلِمَنْ نَصَبَ لَكَ الْعَداوَةَ مُنَاصِباً ، فَلَانْدُ بَنَّكَ صَباحاً وَمَسَاءً ، وَلَأَبْكِيَنَّ لَكَ بَدَلَ الدُّمُوعِ دَماً ، حَسْرَةً عَلَيْكَ ، وَتَأَسُّفاً عَلَىٰ مَا دَهَاكَ ، وَتَلَهُفاً حَتَّى أَمُوتَ بِلَوْعَةِ الْمُصَابِ ، وَغُصَّةِ الِاکْتِيَابِ».
أرأيتم تفجع الإمام المنتظر (علیه السّلام) و لوعته ، وحزنه العميق على جده المظلوم الغريب ، الذي انتهكت في قتله حرمة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، فالإمام المنتظر (علیه السّلام) يندبه صباحاً ومساءً ، ويبكيه بدل الدموع دماً ، ويبقى على هذه الحال في حزن مستمر، حتى يموت بلوعة مصابه . ومن بنود هذه الزيارة قوله (علیه السّلام):
«أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ أَقَمْتَ الصَّلاةَ ، وَآتَيْتَ الزَّكاةَ ، وَأَمَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَنَهَيْتَ
عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْعُدْوانِ ، وَأَطَعْتَ اللهَ وَما عَصَيْتَهُ ، وَتَمَسَّكْتَ بِهِ وَبِحَبْلِهِ فَأَرْضَيْتَهُ ، وَخَشَيْتَهُ وَراقَبْتَهُ وَاسْتَجَبْتَهُ ، وَسَنَتْتَ السُّنَنَ ، وَأَطْفَاتَ الْفِتَنَ ، وَدَعَوْتَ إِلَى الرَّشادِ ، وَأَوْضَحْتَ سُبُلَ السَّدادِ ، وَجَاهَدْتَ فِي اللَّهِ حَقَّ الْجِهَادِ ، وَكُنْتَ لِلَّهِ طَائِعاً وَلِجَدِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَالِهِ تابعاً ، وَلِقَوْلِ أَبِيكَ سَامِعاً ، وَإِلَى وَصِيَّةِ أَخِيكَ مُسارِعاً ، وَلِعِمَادِ الدِّينِ رافِعاً ، وَلِلطَّغْيانِ قامِعاً ، وَلِلطَّعَاةِ مقارِعاً ، وَلِلْأُمَّةِ نَاصِحاً ، وَفِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ سَابِحاً، وَلِلْفُسَاقِ مَكافِحاً ، وَبِحُجَجِ اللَّهِ قَائِماً ، وَلِلْإِسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ رَاحِماً ، وَلِلْحَقِّ نَاصِراً ، وَعِنْدَ الْبَلاءِ صابراً ، وَلِلدِّينِ كَالِنَا ، وَعَنْ حَوْزَتِهِ مُرَامِياً».
وحكت هذه الكلمات المثل العليا المائلة في سبط الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وريحانته ، فما من فضيلة خلقها الله في الدنيا إلا وهي من عناصره وذاتياته . ويستمر الإمام (علیه السّلام) في زيارته فيقول :
«تَحُوطُ الْهُدى وَتَنْصُرُهُ ، وَتَبْسُطُ الْعَدْلَ وَتَنْشُرُهُ ، وَتَنْصُرُ الدِّينَ وَتُظْهِرُهُ ، وَتَكُفَّ الْعَابِثَ وَتَزْجُرُهُ ، وَتَأْخُذُ لِلدَّنِي مِنَ الشَّرِيفِ ، وَتُسَاوِي فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ .
كُنْتَ رَبِيعَ الْأَبْنَامِ ، وَعِصْمَةَ الْأَنامِ ، وَعِزَّ الْإِسْلَامِ ، وَمَعْدِنَ الْأَحْكامِ ، وَحَلِيفَ الْإِنْعَامِ ، سَالِكاً طَرَائِقَ جَدِّكَ وَأَبِيكَ ، مُشْبِها فِي الْوَصِيَّةِ لِأَخِيكَ ، وَفِيَّ الذَّمَمِ رَضِيَّ الشَّيَمِ، ظَاهِرَ الْكَرَمِ ، مُتَهَجَّداً فِي الظُّلَمِ ، قَويمَ الطَّرَائِقِ ، كَرِيمَ الْخَلائِقِ ، عَظيمَ السَّوابِقِ ، شَريفَ النَّسَبِ ، مُنِيفَ الْحَسَبِ ، رَفِيعَ الرُّتَبِ ، كَثِيرَ الْمَناقِبِ ، مَحْمُودَ الضَّرائِبِ ، جَزِيلَ الْمَواهِبِ ، حَلِيمٌ رَشِيدٌ مُنِيبٌ جَوادٌ عَلِيمٌ
شَديدٌ إِمَامٌ شَهِيدٌ ، أَوَاهُ مُنِيبٌ ، حَبِيبٌ مَهِيبٌ .
كُنتَ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَالِهِ وَلَداً ، وَلِلْقُرْآنِ سَنَدَاً، وَلِلْأُمَّةِ عَضُداً، وَفي الطَّاعَةِ مُجْتَهِداً ، حافِظاً لِلْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ ، نَاكِباً عَنْ سُبُلِ الْفُسَاقِ ، بادِلاً لِلْمَجْهُودِ ، طَويلَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، زاهداً فِي الدُّنْيَا زُهْدَ الرَّاحِلِ عَنْهَا ، ناظِراً إِلَيْهَا بِعَيْنِ الْمُسْتَوْحِشِينَ مِنْهَا ، آمالُكَ عَنْها مَكْفُوفَةٌ ، وَهِـمَّتُكَ عَنْ زِينَتِها مَصْرُوفَةٌ ، وَالْحاظُكَ عَنْ بَهْجَتِها مَطْرُوفَةٌ ، وَرَغْبَتُكَ فِي الْآخِرَةِ مَعْرُوفَةٌ».
وحكى هذا المقطع ما قام به أبو الأحرار الإمام الحسين (علیه السّلام) من نصرة الحق ، وحماية العدل، والذب عن الإسلام ، ونشر القيم الكريمة ، والمبادئ العليا التي جاء بها الإسلام ، وقد سلك (علیه السّلام) المنهج والطريق نفسه الذي سار به جده وأبوه ، فلم يشد عن منهجهما وسنتهما ، مبتغياً بذلك وجه الله تعالى والدار الآخرة . ومن فصول هذه الزيارة قوله (علیه السّلام):
«حَتَّىٰ إِذَا الْجَوْرُ مَدَّ بَاعَهُ ، وَأَسْفَرَ الظُّلْمُ قِناعَهُ ، ، وَدَعَا الْغَيُّ أَتْبَاعَهُ ، وَأَنْتَ في حَرَمِ جَدَّكَ قاطِنٌ ، وَلِلظَّالِمِينَ مُبايِنٌ ، جَليسُ الْبَيْتِ وَالْمِحْرَابِ ، مُعْتَزِلٌ عَنِ اللَّذَاتِ وَالشَّهواتِ ، تُنْكِرُ الْمُنْكَرَ بِقَلْبِكَ وَلِسانِكَ عَلَى حَسَبٍ طَاقَتِكَ وَإِمْكَانِكَ ، ثُمَّ اقْتَضاكَ الْعِلْمُ لِلْإِنْكَارِ ، وَلَزِمَكَ أَنْ تُجَاهِدَ الْفُجَارَ ، فَسِرْتَ فِي أَوْلادِكَ وَأَهاليك وشيعَتِكَ وَمَواليكَ ، وَصَدَعْتَ بِالْحَقِّ وَالْبَيِّنَةِ ، وَدَعَوْتَ إِلَى اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَأَمَرْتَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ ، وَالطَّاعَةِ لِلْمَعْبُودِ ، وَنَهَيْتَ عَنِ الْخَبَائِثِ وَالطِّغْيانِ ، وَوَاجَهُوكَ بِالظُّلْمِ وَالْعُدْوانِ ، فَجَاهَدْتَهُمْ بَعْدَ الْإِيمَاذِ إِلَيْهُمْ ، وَتَأْكِيدِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ، فَنَكَثُوا ذِمَامَكَ وَبَيْعَتَكَ ، وَأَسْخَطُوا رَبَّكَ
وَجَدَّكَ ، وَبَدَوكَ بِالْحَرْبِ ؛ فَتَبَثَّ لِلطَّعْنِ وَالضُّرْبِ ، وَطَحَنْتَ جُنُودَ الْفُجَارِ ، وَاقْتَحَمْتَ قَسْطَلَ الْغُبارِ ، مُجالِداً بِذِي الْفَقارِ ، كَأَنَّكَ عَلِيَّ الْمُخْتَارُ.
وحكت هذه الكلمات جهاد الإمام أبي الأحرار (علیه السّلام) ومناجزته للحكم الأموي الذي كفر بحقوق الإنسان، وأشاع الظلم والفساد في الأرض ، فلم يسعه السكوت ، فانبرى إلى ساحات الجهاد المقدّس ، ينكر المنكر بقلبه ولسانه وحسامه ، ويدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ... ولنستمع إلى فصل آخـر مـن فـصـول هـذه الزيارة.
يقول (علیه السّلام): فَلَمّا رَأَوْكَ ثَابِتَ الْجَأْشِ ، غَيْرَ حَائِفٍ وَلَا خَاشِ ، نَصَبُوا لَكَ غَوائِلَ مَكْرِهِمْ ، وَقاتَلُوكَ بِكَيْدِهِمْ وَشَرِّهِمْ، وَأَمَرَ اللَّعِينُ جُنُودَهُ فَمَنَعُوكَ الْمَاءَ وَوُرُودَهُ ، وَنَاجَزُوكَ الْقِتالَ ، وَعاجَلُوكَ النّزالَ ، وَرَشَقُوكَ بِالسِّهامِ وَالنَّبَالِ ، وَبَسَطُوا إِلَيْكَ أَكُفَّ الْإِصْطِلامِ ، وَلَمْ يَرْعَوْا لَكَ نِمَاماً ، وَلَا رَاقَبَوا فِيكَ أَثَامَاً فِي قَتْلِهِمْ أَوْلِيانَكَ وَنَهْبِهِمْ رِحالَكَ ، وَأَنْتَ مُقَدَّمَ فِي الْهَبَوَاتِ ، وَمُحْتَمِلٌ لِلْأَذِيَاتِ ، قَدْ عَجِبَتْ مِنْ صَبْرِكَ مَلائِكَةُ السَّماواتِ .
ومفاد هذه الكلمات أنّ الأمويين لما رأوا الإمام أبا الأحرار كالطود الشامخ ينعي شدت . عليهم سياستهم التي : عن كتاب الله وسنّة نبيه ، وتزعمه للقوى المعارضة لهم غير حافل بهم ، ولا خائف من سلطانهم قابلوه وناجزوه بكل ما يملكون من الوسائل ، والتي كان من أخسّها أنهم حرموه الماء في كربلاء ، حتى أشرف أطفاله وعياله على الموت ، ورشقوه بسهامهم ونبالهم ، ولم يرعوا فيه حرمة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد تحمل (علیه السّلام) جميع ما عاناه من الخطوب والكوارث بصبر عجبت منه ملائكة السماء ، ولنستمع إلى فصل آخر من هذه الزيارة.
يقول (علیه السّلام): فَأَحْدَقُوا بِكَ مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ ، وَأَنْخَنُوكَ بِالْجِراحِ ، وَحَالُوا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الرَّواحِ ، وَلَمْ يَبْقَ لَكَ نَاصِرٌ ، وَأَنْتَ مُحْتَسِبٌ صَابِرٌ ، تَذْبُّ عَنْ نِسْوَتِكَ وَأَوْلادِكَ ، حَتَّى نَكَسُوكَ عَنْ جَوادِكَ ، فَهَوَيْتَ إِلَى الْأَرْضِ جَرِيحاً ، تَطَوُّكَ الْخُيُولُ بِحَوافِرِها ، وَتَعْلُوكَ الطَّعَاةُ بِبَواتِرِها ، قَدْ رَشَحَ لِلْمَوْتِ جَبِينُكَ ، وَاخْتَلَفَتْ بِالْاِنْقِبَاضِ وَالْإِنْبِساطِ شِمَالُكَ وَيَمينُكَ ، تُديرُ طَرْفاً خَفِياً إِلَى رَحْلِكَ وَبَيْتِكَ ، وَقَدْ شُغِلْتَ بِنَفْسِكَ عَنْ وُلْدِكَ وَأَهاليكَ ، وَأَسْرَعَ فَرَسُكَ شارداً إلى خيامِكَ قاصِداً مُحَمْحِماً باكِياً .
فَلَمّا رَأَيْنَ النِّسَاءُ جَوادَكَ مَخْزِيّاً ، وَنَظَرْنَ سَرْجَكَ عَلَيْهِ مَلْوِيَا ، بَرَزْنَ مِنَ الْخُدُورِ ، ناشِراتِ الشُّعُورِ ، عَلَى الْخُدُودِ لاطماتِ والوُجُوهِ سافِراتٍ ، وَبِالْعَويل داعياتٍ ، وَبَعْدَ الْعِزَّ مُذَلَّلاتٍ ، وَإِلى مَصْرَعِكَ مُبادِرَاتٍ ، وَالشَّمْرُ جالِسٌ عَلَى صَدْرِكَ ، وَمُولِعٌ سَيْفَهُ عَلى نَحْرِكَ ، قابِضٌ عَلَى شَيْبَتِكَ بِيَدِهِ ، ذابحٌ لَكَ بِمُهَنَّدِهِ ، قَدْ سَكَنَتْ حَواسكَ ، وَخَفِيَتْ أَنْفَاسُكَ ، وَرُفِعَ عَلَى الْقَنَا رَأْسُكَ ، وَسُبِيَ أَهْلُكَ كَالْعَبِيدِ ، وَصُفْدُوا فِي الْحَدِيدِ فَوْقَ أَقْتَابِ الْمَطِيَاتِ ، تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ حَرُّ الْهَاجِراتِ ، يُساقُونَ فِي الْبَرَارِي وَالْفَلَواتِ ، أَيْدِيهِمْ مَغْلُولَةٌ إِلَى الْأَعْنَاقِ ، يُطَافُ بِهِمْ فِي الْأَسْواقِ» .
وصوّرت هذه الكلمات مصرع الإمام السبط ، وما عاناه في اللحظات الأخيرة من حياته من صنوف الخطوب والكوارث التي تتصدّع من هولها الجبال ، ولا يقوى على تحملها أي كائن حي .
لقد تواكبت على ريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ووارث كمالاته جميع مصائب الدنيا ،
يتبع بعضها بعضاً، فقد رُزئ بأصحابه، وأهل بيته وأولاده، ورأهـم مـجـزرين كالأضاحي على صعيد كربلاء ، وعياله وأطفاله يستغيثون مـن شـدة الظمأ . وقـد عجت حرائر النبوّة ومخدّرات الرسالة بالعويل والبكاء لعظم ما نزل بهنّ من البلاء ، فهن ينظرن إلى النجوم المشرقة من أبناء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وهم في غضارة العمر، ونضارة الشباب وقد سبحوا بدمائهم ، وتناثرت أشلاؤهم على صعيد كربلاء ، وينظرن إلى الإمام الممتحن سيد شباب أهل الجنة وقد تدافعت على قتله العصابة المجرمة من جيوش الأمويين، وقد وجهوا نحوه جميع ما يملكون من وسائل القتل والإبادة حتى تناهبت جسمه الشريف سيوفهم ورماحهم وسهامهم . ينظرن بنات رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى هذه الفجائع وقد مزق الأسى قلوبهن ، واختطف الرعب ألوانهن، ولا يعلمن ماذا سيجري لهنّ من صنوف الرزايا والبلاء بعد مصرع سيد الشهداء (علیه السّلام) لقد كان منظرهن أفجع وأقسى ممّا رُزى به الإمام الحسين (علیه السّلام)، فقد استوعبت نفسه الشريفة رزايا بنات رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولما صرع سبط رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ورفع رأسه الشريف على الرمح ؛ ليقدم هدية إلى ابن مرجانة، برزت بنات رسول الله على الخدود لاطمات، وبالعويل داعيات، وقد عمد عبيد ابن مرجانة إلى إحراق أخبيتهن، وأوسعو هن ضرباً بسياطهم ، وصفد وهنّ بالحديد ، قد غلت أيديهن وأبدى الأطفال إلى الأعناق، وحملوا على أقتاب المطايا، يطاف بهم من بلد إلى بلد ، ثم قدموا هدية إلى ابن مرجانة ، وإلى سيده يزيد بن معاوية ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولنستمع إلى فصل آخر من هذه الزيارة. يقول (علیه السّلام):
«فَالْوَيْلُ لِلْعُصاةِ الْفُسَاقِ ، لَقَدْ فَتَلُوا بِقَتْلِكَ الْإِسْلامَ ، وَعَطَّلُوا الصَّلاةَ والصيامَ ، وَتَقَضُوا السنن والأَحْكامَ، وَهَدَمُوا قَوَاعِدَ الْإِيمَانِ، وَحَرَّلُوا آيَاتِ الْقُرْآنِ ، وَهَمَجُوا فِي الْبَغْيِ وَالْعُدْوانِ.
لَقَدْ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَالِهِ مِنْ أَجْلِكَ مَوْتُوراً ، وَعادَ كِتَابُ اللَّهِ
عَزَّ وَجَلَّ مَهْجُوراً ، وَغُودِرَ الْحَقُّ إِذْ قُهِرْتَ مَقْهُوراً، وَفُقِدَ بِفَقْدِكَ التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ ، وَالتَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ ، وَالتَّنْزِيلُ وَالتَّأْوِيلُ ، وَظَهَرَ بَعْدَكَ التَّغْسِيرُ وَالتَّبْدِيلُ ، وَالْإِلْحادُ وَالتَّعْطِيلُ ، وَالْأهْوَاء وَالْأَصْالِيلُ ، وَالْفِتَنُ وَالْأَباطِيلُ ، فَقَامَ ناعيكَ عِنْدَ قَبْرِ جَدِّكَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، فَنَعَاكَ إِلَيْهِ بِالدَّمْعِ الْهَطُولِ قائِلاً: يا رَسُولَ اللهِ ، قُتِلَ سِبْطُكَ وَفَتاكَ ، وَاسْتُبِيحَ أَهْلُكَ وَحِماكَ ، وَسُبِيَتْ بَعْدَكَ ذَراريكَ ، وَوَقَعَ الْمَحْذُورُ بِعِتْرَتِكَ وَذَوِيكَ ، فَانْزَعَجَ الرَّسُولُ ، وَبَكَى قَلْبُهُ الْمَهُولُ ، وَعَزَاهُ بِكَ الْمَلائِكَةُ وَالْأَنْبِياءُ ، وَفُجَعَتْ بِكَ أُمُّكَ الزَّهْرَاءُ»(1).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض مقاطع هذه الزيارة ، وقد شفعت بدعاء ذكره المجلسي عقيب هذه الزيارة ، كما ذكر صلاة يصليها الزائر عند المرقد الشريف .
1) بحار الأنوار: 98: 318 - 323.
ونقل الرواة مجموعة من رسائل الإمام المنتظر (علیه السّلام) ، كان قد بعثها لأعلام شيعته وتضمّنت بعضها أجوبته عن المسائل الشرعيّة التي سُئل عنها ، وكان من بين الرسائل ما يلي :
أحمد بن إسحاق الأشعري القمي(1)
وله كتب منها كتاب (علل الصلاة) كبير ، و (مسائل الرجال) لأبي الحسن الثالث (علیه السّلام)».
وقال الكشي : إن أحمد بن إسحاق كتب إلى الإمام المهدي يستأذنه في الحج فأذن له ، وبعث له بثوب، فقال أحمد نعي إليَّ نفسي ، فانصرف من الحج ، ومات بـ(حلوان). توجد ترجمته بالتفصيل في معجم رجال الحديث : 2 : 44 - 47 .
وافد القميّين إلى الأئمة الطاهرين ، وأحد رواتهم العظام ، وقد التقى به بعض الشيعة ، فناوله كتاباً من جعفر ابن الإمام عليّ الهادي (علیه السّلام) يعرفه فيه بنفسه ، ويخبره أنّه القيم على العالم الإسلامي بعد أخيه الإمام الحسن (علیه السّلام)، ويدعي أن عنده من علم الحلال والحرام ما يحتاج إليه الناس ، وغير الله ذلك من العلوم ، فكتب أحمد إلى الإمام المنتظر رسالةً عرّفه بالأمر ، وشفع معه كتاب جعفر ، فأجابه الإمام (علیه السّلام) بهذه الرسالة وقد جاء فيها بعد البسملة :أتاني كِتابُكَ أَبْقَاكَ اللهُ ، وَالْكِتابُ الَّذي أَنْفَذْتَهُ وَأَحَاطَتْ مَعْرِفَتِي بِجَمِيعِ ما تَضَمَّنَهُ
1) روى أحمد بن إسحاق عن الإمام أبي جعفر الثاني وأبي الحسن (علیهما السّلام)، وكان من خواص الإمام أبي محمد الحسن العسكري (علیه السّلام)، له كتاب (علل الصوم) وجمع (مسائل الرجال) لأبي الحسن الثالث (علیه السّلام)، جاء ذلك في النجاشي ، قال الشيخ : «أحمد بن إسحاق بن عبدالله بن سعد بن مالك بن الأحوص الأشعري ، أبو عليّ ، كبير القدر ، وكان من خواص أبي محمد (علیه السّلام)، ورأى صاحب الزمان (علیه السّلام)، وهو شيخ القميين ووافدهم.
عَلَى اخْتِلافِ أَلْفاظِهِ ، وَتَكَرَّرَ الْخَطَأُ فِيهِ ، وَلَوْ تَدَبَّرْتَهُ لَوَقَفْتَ عَلَى بَعْضٍ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ حَمْداً لا شَريكَ لَهُ عَلى إِحْسَانِهِ إِلَيْنَا ، وَفَضْلِهِ عَلَيْنَا ، أَبَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْحَقِّ إِلَّا إِثْمَاماً ، وَلِلْباطِلِ إِلَّا زُهوقاً ، وَهُوَ شَاهِدٌ عَلَيَّ بِما أَذْكُرُهُ ، وَلِيٌّ عَلَيْكُمْ بِما أَقولُهُ ، إِذا اجْتَمَعْنَا لِيَوْمِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَيَسْأَلُنَا عَمَا نَحْنُ فِيهِ مُخْتَلِفونَ ، إِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِصاحِبِ الْكِتابِ عَلَى الْمَكْتوبِ إِلَيْهِ وَلا عَلَيْكَ وَلا عَلى أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ جَميعاً إِمَامَةٌ مُفْتَرَضَةٌ ، وَلا طَاعَةٌ وَلا ذِمَّةٌ ، وَسَأَبَيَّنُ لَكُمْ جُمْلَةٌ تَكْتَفُونَ بِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
يا هذا ، يَرْحَمُكَ اللهُ إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقِ الْخَلْقَ عَبداً ، وَلا أَهْمَلَهُمْ سُدى ، بَلْ خَلَقَهُمْ بِقُدْرَتِهِ ، وَجَعَلَ لَهُمْ أَسْمَاعاً وَأَبْصاراً وَقُلوباً وَالْبَاباً ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ، يَأْمُرُونَهُمْ بِطَاعَتِهِ ، وَيَنهونَهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ ، وَيُعَرِّفُونَهُمْ مَا جَهِلُوهُ مِنْ أَمْرِ خَالِقِهِمْ وَدينِهِمْ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلائِكَةٌ يَأْتِين بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ بَعَثَهُمْ إِلَيْهِمْ بِالْفَضْلِ الَّذِي جَعَلَهُ لَهُمْ عَلَيْهِمْ ، وَمَا آتَاهُمْ مِنَ الدَّلائِلِ الظَّاهِرَةِ ، وَالْبَرَاهِينِ الْباهِرَةِ ، وَالْآياتِ الْغالِبَةِ .
فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ النّارَ عَلَيْهِ بَرْداً وَسَلاماً وَاتَّخَذَهُ خَليلاً، وَمِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَهُ تكليماً وَجَعَلَ عَصاهُ ثُعباناً مبيناً ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَحْيَا الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَأَبْرَأَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّمَهُ مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِيَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، ثُمَّ بَعَثَ مُحَمداً (صلی الله علیه و آله و سلم) رَحْمَةً لِلْعالَمينَ ، وَتَمَّمَ بِهِ نِعْمَتَهُ ، وَخَتَمَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةٌ ، وَأَظْهَرَ مِنْ صِدْقِهِ ما أظهَرَ ، وَبَيَّنَ مِنْ آيَاتِهِ وَعَلاماتِهِ ما بَيَّن .
ثُمَّ قَبَضَهُ (صلی الله علیه و آله و سلم) حميداً فقيداً سعيداً ، وَجَعَلَ الأمْرَ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى أَخِيهِ وَابْن عَمِّهِ وَوَصِيِّهِ وَوارِثِهِ عَلِيّ بْن أبي طالب (علیه السّلام)، ثُمَّ إِلَى الْأَوْصياءِ مِنْ وُلْدِهِ وَاحِداً واحداً ، أَحْيَا بِهِمْ دينَهُ ، وَأَتَمَّ بِهِمْ نُورَهُ ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِهِمْ وَبَنِي عَمِّهِمْ وَالْأَدْنَينَ فَالْأَدْنَينَ مِنْ ذَوي أَرْحَامِهِمْ فُرْقاناً بَيْنَاً يُعْرَفُ بِهِ الْحُجَّةُ مِنَ الْمَحْجُوج ، وَالْإِمَامُ مِنَ الْمَأْمومِ ،
بأَنْ عَصَمَهُمْ مِنَ الذُّنوبِ ، وَبَرَّأَهُمْ مِنَ الْعُيوبِ ، وَطَهَّرَهُمْ مِنَ الدَّنَسِ ، وَنَزَّهَهُمْ مِنَ اللَّبْسِ ، وَجَعَلَهُمْ خَزَانَ عِلْمِهِ ، وَمُسْتَوْدَعَ حِكْمَتِهِ ، وَمَوْضِعَ سِرِّهِ ، وَأَيَّدَهُمْ بِالدّلائِلِ وَلَوْلا ذلِكَ لَكانَ النّاسُ عَلَى سَواءٍ وَلا وَعَى أَمْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كُلُّ أَحَدٍ ، وَلَما عُرفَ الْحَقُّ مِنَ الْباطِل ، وَلا الْعالِمُ مِنَ الْجاهِلِ .
وَقَدِ ادّعى هذا الْمُبْطِلُ الْمُفْتَرِي عَلَى اللهِ الْكَذِبَ بِمَا ادّعاهُ ، فَلَا أَدْرِي بِأَيَّةِ حَالَةٍ هِيَ لَهُ رَجَاءَ أَنْ يُتِمَّ دَعْواهُ ، أَبِفِقْهِ فِي ِدينِ اللهِ ؟ فَوَاللَّهِ ! ما يَعْرِفُ حَلالاً مِنْ حَرامِ ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ خَطَا وَصَوابِ ، أَمْ بِعِلْمٍ فَمَا يَعْلَمُ حَقًّا مِنْ باطِلٍ ، وَلَا مُحْكَما مِنْ مُتَشَابِهِ ، وَلَا يَعْرِفُ حَدَّ الصَّلاةِ وَوَقْتَها ، أَمْ بِوَرَع فاللهُ شَهِيدٌ عَلى تَرْكِهِ الصَّلاةَ الْفَرْضَ أَرْبَعِينَ يَوْماً ، يَزْعُمُ ذلِكَ لِطَلَب الشَّعْوَذَةِ ، وَلَعَلَّ خَبَرَهُ قَدْ تَأَدَى إِلَيْكُمْ ، وَهاتيك ظُروفُ مُسْكَرِهِ مَنْصوبَةٌ ، وَآثَارُ عِصْيانِهِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَشْهُورَةٌ قائِمَةٌ ، أَمْ بِآيَةٍ فَلْيَأْتِ بِها ، أَمْ بِحُجَّةٍ فَلْيُقِتها ، أَمْ بِدَلَالَةٍ فَلْيَذْ كُرْها . قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِن عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ(1).
1) الأحقاف 1:46-6 .
فَالْتَمِسُ تَوَلَّى اللهُ تَوْفِيقَكَ مِنْ هذا الظَّالِمِ ما ذَكَرْتُ لَكَ ، وَامْتَحِنْهُ وَسَلْهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتابِ اللهِ يُفَسِّرُها ، أَوْ صَلاةِ فَرِيضَةٍ يُبَيِّنُ حُدودَها وَما يَجِبُ فيها ؛ لِتَعْلَمَ حالَهُ وَمِقدارَهُ ، وَيَظْهَرَ لَكَ عُوارُهُ وَنُقْصانُهُ ، وَاللهُ حَسيبه .
حَفِظَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلى أَهْلِهِ ، وَأَفَرَّهُ فِي مُسْتَقَرِّهِ ، وَقَدْ أَبَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَكونَ الْإِمَامَةُ في أَخَوَيْنِ بَعْدَ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ (علیهما السّلام)، وَإِذا أَذِنَ اللهُ لَنَا فِي الْقَوْلِ ظَهَرَ الْحَقُّ ، وَاضْمَحَلَّ الْبَاطِلُ ، وَانْحَسَرَ عَنْكُمْ ، وَإِلَى اللَّهِ أَرْغَبُ فِي الْكِفايَةِ ، وَجَميلِ الصُّنْعِ وَالْوَلايَةِ ، وَحَسْبُنا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكيلُ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ»(1).
وحكت هذه الرسالة الطعن بشخصيّة جعفر الذي ادعى الإمامة ، وتجريده تجريداً كاملاً من جميع الصفات الكريمة التى تؤهله لهذا المنصب الرفيع الذي لا يستحقه إلا من كان حاوياً لفضائل الدنيا من العلم بما تحتاج إليه الأمة في جميع مجالاتها ، والإحاطة الكاملة بأحكام الشريعة وشؤون الدين ، وجعفر جاهل ، لا يعرف أي طرفيه أطول ، فكيف يدّعي الإمامة .
ورفع عثمان بن سعيد العمري وابنه محمّد رسالة إلى الإمام (علیه السّلام) أخبراه فيها أنّ الميسمى ، وهو من الشيعة ، حدثهما أنّ المختار وهو من الضالين يدعو الشيعة إلى الإمام لجعفر، فأجابهما الإمام (علیه السّلام) بهذه الرسالة :
«وَفَقَكُما اللهُ لِطاعَتِهِ ، وَثَبَّكُما عَلى دينِهِ ، وَأَسْعَدَكُما بِمَرْضاتِهِ ، انْتَهَى إِلَيْنا ما ذَكَرْتُما أَنَّ الْمَيْسَمِيَّ أَخْبَرَكُما عَنِ الْمُخْتارِ ، وَمُناظَرَتِهِ مَنْ لَقِيَ ، وَاحْتِجاجِهِ بِأَنَّهُ
1) الغيبة / الطوسي : 287 - 290 .
لَا خَلَفَ غَيْر جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَتَصْدِيقِهِ إِيَّاهُ ، وَفَهِمْتُ جَميعَ مَا كَتَبْتُما بِهِ ، مِمَّا قَالَ أَصْحابُكُمْ عَنْهُ ، وَأَنَا أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْعَمَى بَعْدِ الْجِلاءِ ، وَمِنَ الضَّلالَةِ بَعْدَ الْهُدى ، وَمِنْ مُوبِقاتِ الْأَعْمَالِ ، وَمُرْدِياتِ الْفِتَنِ ، فَإِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(1)كَيْفَ يَتَساقَطُونَ فِي الْفِتْنَةِ ، وَيَتَرَدَّدُونَ فِي الْحَيْرَةِ ، وَيَأْخُذُونَ يَميناً وشمالاً ، فارقوا دينَهُمْ أَمْ ارْتابوا ، أَمْ عَانَدوا الْحَقَّ ، أَمْ جَهِلوا ما جاءَتْ بهِ الرّواياتُ الصَّادِقَةُ ، وَالْأَخْبارُ الصَّحيحَةُ ، أَوْ عَلِموا ذلِكَ فَتَناسوا ما يَعْلَمُونَ ، إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ إِمَا ظَاهِراً وَإِمَا مَغْموراً ، أَوَلَمْ يَرَوا انْتِظامَ أَئِمَّتِهِمْ بَعْدَ نَبِيَّهِمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ ، إِلَىٰ أَنْ أُفْضِيَ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى الماضي - يعني الحسن بن عليّ - فَقامَ مَقامَ آبَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ، وَإِلَىٰ طَريقٍ مُسْتَقِيمٍ ، كانَ نوراً ساطعاً ، وشهاباً لامعاً ، وَقَمَراً ظَاهِراً ، ثُمَّ اخْتارَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ ما عِنْدَهُ ، فَمَضَىٰ عَلَى مِنْهَاج آبَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّمْلِ ، عَلَى عَهْدِ عَهِدَهُ ، وَوَصِيَةٍ أَوْصى بها ، سَتَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَمْرِهِ إِلى غايَتِهِ ، وَأَخْفَىٰ مَكَانَهُ بِمَشِيَّتِهِ لِلْقَضاءِ السّابِقِ ، وَالْقَدَرِ النَّافِذِ ، وفينا مَوْضِعُهُ ، وَلَنا فَضْلُهُ ، وَلَوْ قَدْ أَذِنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فيما قَدْ مَنَعَهُ ، وَأَزَالَ عَنْهُ ما قَدْ جَرىٰ بِهِ حُكْمُهُ لَأَراهُمُ الْحَقَّ ظَاهِراً بِأَحْسَنِ حِيلَةٍ ، وَأَبْيَنِ دَلالَةٍ ، وَأَوْضَح عَلامَةٍ ، وَلَأَبانَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَأَقَامَ الْحُجَّةَ ، وَلكِنَّ أَقْدارَ اللهِ لا تُغْلَبُ ، وَإِرادَتَهُ لَا تُرَدُّ، وَتَوْقِيتَهُ لا يُسْبَقُ ، فَلْيَدَعوا عَنْهُمُ اتَّبَاعَ الْهَوَى ، وَلْيُقِيمُوا عَلَى أَصْلِهِمُ الَّذِي كانوا عَلَيْهِ ، وَلَا يَبْحَثوا عَمَا سُتِرَ عَنْهُمْ فَيَأْلَموا ، وَلَا يَكْشِفوا سِرَّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيَنْدَموا ، وَلْيَعْلَموا أَنَّ الْحَقَّ مَعَنا وَفينا ، وَلَا يَقولُ ذلِكَ سِوانا إِلَّا كَذَّابٌ مُنْهَمِكَ ، وَلَا يَدَّعِيهِ غَيْرنا
1) العنکبوت 29 : 1 و 2 .
إِلَّا ضَالٌ غَوِيٌّ ، فَلْيَقْتَصِروا مِنَا عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ دونَ التَّفْسِيرِ ، وَيَقْنَعوا مِنْ ذلِكَ بالتعريض دونَ التصريح إِنْ شاءَ اللهُ»(1).
وشجب الإمام (علیه السّلام) في هذه الرسالة ما قام به عمیل جعفر من نشره للضلال بين صفوف الشيعة ، وإنكاره للإمام المنتظر ، ونعى على أتباعه انحرافهم عن الحق ، وتردّيهم في مجاهل الفتن والضلال ، كما أعرب الإمام (علیه السّلام) عن السبب في اختفائه وعدم ظهوره ، وأنه مستند لأمر الله تعالى ، وليس للإمام أي اختيار في ذلك .
حدث شجار بين ابن أبي غانم القزويني وبعض الشيعة في الخلف بعد الإمام الحسن العسكري ، فأنكر القزويني الإمام المنتظر ، وأصرّ الآخرون على وجوده ، فكتبوا للإمام المنتظر (علیه السّلام) بما جرى بينهم وبين القزويني ، فأجابهم الإمام (علیه السّلام) بهذه الرسالة . وقد جاء فيها بعد البسملة :
«عافانا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ الضَّلالَةِ وَالْفِتَنِ ، وَوَهَبَ لَنَا وَلَكُمْ روحَ الْيَقِينِ ، وَأَجارَنا وَإِيَّاكُمْ مِنْ سوءِ الْمُنْقَلَبِ إِنَّهُ أُنهِيَ إِلَيَّ ارْتِيَابُ جَمَاعَةٍ مِنْكُمْ فِي الدِّينِ ، وَما دَخَلَهُمْ مِنَ الشَّلِّ وَالْحَيْرَةِ فِي وُلاةِ أُمورِهِمْ ، فَغَمَّنا ذلِكَ لَكُمْ لا لَنا ، وساءَنَا فِيكُمْ لا فينا ؛ لِأَنَّ الله مَعَنا وَلَا فاقَةَ بنا إلى غَيْرِهِ ، وَالْحَقُّ مَعَنا فَلَنْ يوحِشَنا مَنْ قَعَدَ عَنَا ، وَنَحْنُ صَنائِعُ رَبَّنَا ، وَالْخَلْقُ بَعُد صَنائِعُنا(2).
يا هؤُلاءِ ، ما لَكُمْ فِي الرَّيْبِ تَتَرَدَّدونَ ، وَفِي الْحَيْرَةِ تَنْعَكِسونَ ؟ أَوَما سَمِعْتُمُ اللهَ
عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ(1)؟ أَوَما عَلِمْتُمْ ما جاءَتْ بِهِ الْآثَارُ مِمَّا يَكونُ وَيَحْدَتُ في أَنمُتِكُمْ عَن الماضينَ وَالْباقِينَ مِنْهُمْ (علیهم السّلام)؟ أَوَما رَأَيْتُمْ كَيْفَ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَعاقِلَ تَأْوُونَ إِلَيْها ، الهَا وَأَعْلاماً تَهْتَدُونَ بِها مِنْ لَدُنِ آدَمَ (علیه السّلام) إِلَى أَنْ ظَهَرَ الْمَاضِي (علیه السّلام)، كُلَّما غابَ عَلَمٌ بدَا عَلَمٌ ، وَإِذا أَفَلَ نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ ؟ فَلَمَّا قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ظَنَتُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْطَلَ دِينَهُ ، وَقَطَعَ السَّبَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ ، كَلَّا ما كانَ ذلِكَ وَلَا يَكونُ حَتَّى تَقومَ السَّاعَةُ ، وَيَظْهَرَ أَمْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وَهُمْ كارِهونَ.
وَإِنَّ الْمَاضِيَ (علیه السّلام) مَضى سَعِيداً فَقيداً عَلَى مِنْهاج آبائِهِ ؛ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ ، وَفينا وَصِيَّتُهُ وَعِلْمُهُ ، وَمَنْ هُوَ خَلَفَهُ وَمَنْ هُوَ يَسُدُّ مَسَدَّهُ ، لَا يُنازِعُنا مَوْضِعَهُ إِلَّا ظالِمٌ آثِمٌ ، وَلَا يَدَّعِيهِ دونَنَا إِلَّا جاحِدٌ كَافِرٌ ، وَلَوْلا أَنَّ أَمْرَ اللهِ تَعَالَى لَا يُغْلَبْ ، وَسِرَّهُ لَا يَظْهَرُ وَلَا يُعْلَنُ ، لَظَهَرَ لَكُمْ مِنْ حَقًّنا ما تَبِينُ مِنْهُ عُقولُكُمْ ، وَيَزِيلُ شُكوكُكُمْ ، لَكِنَّهُ ما شَاءَ اللهُ كانَ، وَلِكُلٍّ أَجَلٍ كِتابٌ .
فاتَّقُوا اللهَ وَسَلَّموا لَنَا ، وَرُدُّوا الْأَمْرَ إِلَيْنا ، فَعَلَيْنَا الْإِصْدَارُ كَمَا كَانَ مِنَا الْإِيرَادُ ، وَلَا تُحاوِلُوا كَشْفَ ما غُطَيَ عَنْكُمْ وَلَا تَميلوا عَنِ الْيَمِينِ ، وَتَعْدِلُوا إِلَى الشَّمالِ ، وَاجْعَلُوا قَصْدَكُمْ إِلَيْنَا بِالْمَوَدَّةِ عَلَى السُّنَّةِ الْواضِحَةِ ، فَقَدْ نَصَحْتُ لَكُمْ ، وَاللَّهُ شَاهِدٌ عَلَيَّ وَعَليكم ، وَلَوْلا ما عِنْدَنا مِنْ مَحَبَّةِ صَلاحِكُمْ وَرَحْمَتِكُمْ ، وَالإشفاق عَلَيْكُمْ ، لَكُنا عَنْ مُخاطَبَتِكُمْ فِي شُغْلِ فِيمَا قَدِ امْتَحِنَا بِهِ مِنْ مُنازَعَةِ الظَّالِمِ الْعُتُلَّ الضَّالِّ الْمُتَابِعِ فِي غَيَّهِ الْمُضادَّ لِرَبِّهِ ، الداعى ما لَيْسَ لَهُ الْجاحِدِ حَقَّ مَنِ افْتَرَضَ اللَّهُ طَاعَتَهُ ، الظَّالِمُ الْغَاصِبِ.
وفي ابْنَةِ رَسولِ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) لي أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ وَسَيُرْدي الْجاهِلُ رَداءَةُ عَمَلِهِ ، وَسَيَعْلَمُ
1) النساء 4: 59.
الْكافِرُ لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ ، عَصَمَنا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ الْمَهَالِكِ وَالْأَسْواءِ وَالْعاهات كُلَّها بِرَحْمَتِهِ ، فَإِنَّهُ وَلِيُّ ذلِكَ وَالْقادِرُ عَلى ما يَشاءُ ، وَكانَ لَنا وَلَكُمْ وَلِيّاً وَحافِظاً ، وَالسَّلامُ عَلَى جَميعِ الْأَوْصِياءِ وَالْأَوْلِياءِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً»(1).
وأعرب الإمام (علیه السّلام) في هذه الرسالة عن استيائه البالغ عمّا مني به بعض الشيعة من الانحراف عن الحق ، والتشكيك في أمره (علیه السّلام) مع وجود الأمارات الظاهرة ، والأدلّة الحاسمة على وجوده ، وأنّ الله تعالى في جميع مراحل وجود الإنسان لا يخلي الأرض من حجّة ينصبه علماً لهداية عباده ، وإرشادهم إلى طريق الحق ، كما شجب (علیه السّلام) المتصدّي للإمامة ، وأكبر الظنّ أنّه جعفر الذي نعت بالكذاب ، فقد افترى على الله كذباً، وتحمّل إثماً عظيماً .
ورفع محمّد بن جعفر إلى الإمام رسالةً يسأله فيها عن بعض الأحكام الشرعية ، فأجابه (علیه السّلام) عنها بما يلي :
«وَأَما ما سَأَلْتَ عَنْهُ مِنَ الصَّلاةِ عِنْدَ طُلوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُروبِهَا ، فَلَئِنْ كانَ كَما يَقولونَ: إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَى الشَّيْطانِ ، وَتَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَى الشَّيْطَانِ ، فَما أَرْغِمَ أَنْفُ الشَّيْطَانِ بِشَيْءٍ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلاةِ ، فَصَلُّها وَأَرْغِمْ أَنفَ الشَّيْطَانِ.
وَأَمَا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْوَقْفِ عَلَى نَاحِيَتِنَا ، وَما جُعِلَ لَنا ثُمَّ يَحْتاجُ إِلَيْهِ صاحِبُهُ ، فَكُلَّما لَمْ يُسَلَّمْ فَصَاحِبُهُ بِالْخِيارِ ، وَكُلَّما سُلِّمَ فَلا خِيارَ فِيهِ لِصاحِبِهِ ، احْتاجَ إِلَيْهِ صَاحِبُهُ أَوْ لَمْ يَحْتَجْ ، افْتَقَرَ إِلَيْهِ أَوِ اسْتَغْنى عَنْهُ.
1) الغيبة / الطوسي : 285 - 287 . بحار الأنوار : 53 : 178 - 180 .
وَأَما ما سَأَلْتَ مِنْ أَمْرِ مَنْ يَسْتَحِلُّ ما في يَدِهِ مِنْ أَمْوَالِنَا ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَهُ فِي مالِهِ مِنْ غَيْر أَمْرنا ، فَمَنْ فَعَلَ فَهُوَ مَلْعُونٌ ، وَنَحْنُ حُصَماؤُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، فَقَدْ َقالَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم): الْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتي مَا حَرَّمَ اللهُ مَلْعونٌ عَلَى لِسانِي وَلِسانِ كُلِّ نَبِيَّ مُجَابٍ ، فَمَنْ ظَلَمَنا كانَ مِنْ جُمْلَةِ الظَّالِمِينَ لَنَا ، وَكانَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى : أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ»(1).
أجاب الإمام (علیه السّلام) عن بعض الفروع الفقهيّة التي سئل عنها ، وهي :
1 - مشروعية الصلاة عند شروق الشمس وعند غروبها ، ولا سند لمن خالف ذلك ، كما سخر (علیه السّلام) من القول بأنّ الشمس تطلع بين قرني الشيطان وتغيب كذلك، فإن هذا من مهازل الأفكار والأقوال.
2 - إنّ الوقف الخاص على أهل البيت (علیهم السّلام) إذا احتاج إليه الواقف قبل تسليمه لهم فله ذلك ؛ لأنّ له الخيار في فسخ الوقف قبل تسليمه إلى الموقوف عليهم ، أما بعد تسليمه لهم فليس له الفسخ والرجوع في الوقف ؛ وذلك للزومه ، وعدم صحة الرجوع فيه ، وبذلك أفتى فقهاء الإمامية .
3 - عدم جواز التصرّف في الأموال الخاصة لأهل البيت (علیهم السّلام) ، فمن استحلها فهو ظالم وغاصب لهم .
ورفع إسحاق بن يعقوب رسالة إلى الإمام (علیه السّلام) ضمنها عدة مسائل أشكلت عليه ، وذلك بتوسط الثقة الزكي محمد بن عثمان ، فأجابه الإمام (علیه السّلام) :
«أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ أَرْشَدَكَ اللهُ ، وَثَبَّتَكَ مِنْ أَمْرِ الْمُنْكِرِينَ لِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِنا وَبَني عَمِّنا ،
1) هود 11 : 18 کمال الدين: 520 - 521 .
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبَيْنَ أَحَدٍ قَرابَةٌ ، وَمَنْ أَنْكَرَني فَلَيْسَ مِنِّي ، وَسَبِيلُهُ سَبِيلُ ابْنِ نوحٍ (علیه السّلام).
وَأَمَا سَبيلُ عَمَى جَعْفَرٍ وَوُلْدُهُ ، فَسَبِيلُ إِخْوَةِ يوسُفَ عَلَى نَبِيِّنَا وَآلِهِ وَعَلَيْهِ السَّلامُ .
وَأَمَا الْفَقاعُ(1)فَشُرْبُهُ حَرامٌ وَلَا بَأْسَ بِالظُّلْمابِ(2).
وَأَمَّا أَمْوالُكُمْ فَما نَقْبَلُهَا إِلَّا لِتَظْهَرُوا فَمَنْ شاءَ فَلْيَصِلْ ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ ، فَما آنانا الله خَيْرٌ مِمّا آتَاكُمْ.
وَأَمَّا ظُهُورُ الْفَرَجِ فَإِنَّهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَكَذِبَ الْوَفَّاتونَ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحُسَيْنَ لَمْ يُقْتَل ، فَكُفْرٌ وَتَكذيبٌ وَضَلال.
وَأَمَّا الْحَوادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعوا فيها إِلى رُواةِ حَديثنا ، فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ ، وَأَنا حُجَّةُ اللهِ عَلَيْكُمْ.
وَأَمَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانِ الْعُمَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ مِنْ قَبْل ، فَإِنَّهُ ثِقَتِي وَكِتابُهُ كتابي.
وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مِهْزَيار(3)الْأَهْوازِيُّ فَسَيُصْلِحُ اللهُ قَلْبَهُ، وَيُزيلُ عَنْهُ شَكَهُ.
وَأَما ما وَصَلْتَنا بِهِ فَلا قَبولَ عِنْدَنا إِلَّا لِما طابَ وَطَهُرَ ، وَثَمَنُ الْمُغَنِّيَةِ حَرامٌ .
1) الفقاع : شراب يُتّخذ من ماء الشعير - مجمع البحرين : 3 : 420 .
2) الشلماب : شراب ليس بمسكر ، شاع استعماله في تلك العصور.
3) محمد بن علي بن مهزیار : عده الشيخ من أصحاب الإمام الهادي (علیه السّلام)، وأضاف إنه ثقة ، وكذلك عده البرقي ، وفي (ربيع الشيعة) لابن طاووس أنّه من السفراء والأبواب المعروفين الذين لا تختلف فيهم الإمامية ، جاء ذلك في معجم رجال الحديث : 17 : 34 .
وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ شَادَانِ بْنِ نَعيم(1)فَإِنَّهُ رَجُلٌ مِنْ شيعَتِنا أَهْلَ الْبَيْتِ .
وَأَما أَبو الْخَطَابِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زَيْنَبِ الْأَجْدَعُ(2)
و من بدعه أنّه زعم أنّ الإمام جعفر الصادق (علیه السّلام) هو الله تعالى ، واستحل جميع ما حرّم الله تعالى ، وكان أصحابه كلّما ثقلت عليهم فريضة من فرائض الله تعالى قصدوه وقالوا له : يا أبا الخطاب ، خفف عنا ، فيأمرهم بترك الفريضة حتّى تركوا جميع الفرائض ، وأباح لأصحابه أن يشهد بعضهم لبعض بشهادة الزور، وقد كتب الإمام الصادق (علیه السّلام) إلى الآفاق يأمرهم بلعنه ، ويحذرهم من أضاليله .
وقد أراح الله تعالى العباد من هذا الضال ، فقتله عيسى بن موسى العباسي ، توجد له ترجمة مفصلة في معجم رجال الحديث : 14 : 257 - 276 . الكنى والألقاب : 1: 64. الكشي . النجاشي . رجال الطوسي . رجال ابن الغضائري .
فَإِنَّهُ مَلْعُونٌ وَأَصْحابُهُ مَلْعُونَونَ ، فَلَا تُجالِسْ أَهْلَ مَقَالَتِهِمْ وَإِنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَآبَائِي مِنْهُمْ بُراء.وَأَمَّا الْمُتَلَبُونَ بِأَمْوالِنا فَمَنِ اسْتَحلَّ مِنْهَا شَيْئاً فَأَكَلَهُ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ النيران.
وَأَمَّا الْخُمُسُ فَقَدْ أُبيحَ لِشيعَتِنا وَجُعِلوا مِنْهُ فِي حِلٌّ إِلى وَقْتِ ظُهورِ أَمْرِنَا لِتَطِيبَ ولادَتْهُمْ وَلا تَخْبُث.
وَأَمَّا نَدامَةُ قَوْمٍ قَدْ شَكُوا فِي دِينِ اللهِ عَلى ما وَصَلونَا بِهِ ، فَقَدْ أَقَلْنَا مَنِ اسْتَقَالَ وَلا حَاجَةَ لَنَا فِي صِلَةِ الشَّاكَينَ.
وَأَمَا عِلَّهُ ما وَقَعَ مِنَ الْغَيْبَةِ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا
1) محمد بن شاذان بن نعيم : عده في الكافي ممّن رأى الإمام المنتظر (علیه السّلام) ، جاء ذلك في معجم رجال الحديث : 16: 193.
2) محمد بن مقلاص الأسدي الكوفي (بائع الأبراد) : ضال ، مضل ، غال ، ضال ، مضل ، غال ، مبتدع ، كذاب ، لعنه الإمام الصادق (علیه السّلام)، وقال : «اللهُمُ الْعَنْ أَبَا الْخَطَابِ، فَإِنَّهُ خَوَّفَتى قائِماً وَقاعِداً، وَعَلَى فراشي، اللَّهُمَّ أَذِقْهُ حَرَّ الْحَدِيدِ».
عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ(1)، إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ آبَاني إِلَّا وَقَدْ وَقَعَتْ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةً لِطاغِيَةِ زَمَانِهِ ، وَإِنِّي أَخْرُجُ حِينَ أَخْرُجُ وَلَا بَيْعَةَ لِأَحَدٍ مِنَ الطَّواغيتِ فِي عُنُقِي. وَأَمَا وَجْهُ الْإنْتِفاع في غَيْبَتِي فَكَالْانْتِفَاع بِالشَّمْسِ إِذا غَيَّبتها عَنِ الْأَبْصارِ السَّحابُ ، وَإِنِّى لأمان لأهْلِ الْأَرْضِ كَما أَنَّ النُّجُومَ أَمَانٌ لِأَهْلِ السَّماءِ ، فاغْلِقوا أَبْوابَ السُّؤالِ عَمّا لَا يَعْنِيكُمْ ، وَلَا تَتَكَلَّفوا عَلى ما قَدْ كُفيتُمْ ، وَأَكْثِرُوا الدُّعاءَ بِتَعْجِيلِ الْفَرَجِ ، فَإِنَّ ذلِكَ فَرَجُكُمْ .
وَالسَّلامُ عَلَيْكَ يا إِسْحَاقَ بْنَ يَعْقُوبَ ، وَعَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى»(2).
وبالإضافة إلى ما حفلت به هذه الرسالة من أجوبة الإمام (علیه السّلام) عن بعض الأحكام الشرعية ، فقد حوت ما يلي :
1 - إن بعض السادة من أبناء عم الإمام (علیه السّلام) الذين أنكروا وجوده مع توفر العلامات والأمارات على وجوده قد حكم الإمام عليهم بالضلال والانحراف عن الحق ، والله تعالى يحاسبهم ويعاقبهم على ذلك.
2 - إن ظهور الإمام (علیه السّلام) للقيام بنشر العدل والحق بين الناس ليس بيده ولا بيد غيره ، وإنّما هو موكول إلى الله تعالى ، فهو الذي يحدّد ساعة ظهور وليه العظيم.
3 - إنّ بعض المشعوذين من أعداء الإسلام قد أشاع بين الناس أنّ سيّد الشهداء وأبا الأحرار الإمام الحسين (علیه السّلام) لم يستشهد ، وإنما شبّه لقتلته المجرمين أنه الحسين فقتلوا شبيهه ، وهذا القول من أباطيل وأكاذيب القائلين به .
4 - إنّ الإمام (علیه السّلام) قد أشاد بالزكي الثقة محمد بن عثمان العمري ، وأولاه المزيد
من التكريم والتأييد ، كما وثق محمد بن شاذان الذي هو من أعلام الشيعة في دينه وتقواه .
5 - إنه حذر الشيعة ومنعهم من الاتصال بعصابة (أبي الخطاب الأجدع) الضال الكذاب ، فإنّه وعصابته قد خرجوا عن الإسلام ، ولم يرجوا لله وقاراً ، فحرموا ما أباح الله ، وأباحوا ما حرم الله ، والاتصال بهم ضلال وغي.
6- حذر الإمام (علیه السّلام) من يأكل أموال أهل البيت (علیهم السّلام) بالباطل ، فإنه غاصب لهم ، وسيصلي سعيراً.
7 - نهى الإمام (علیه السّلام) عن التعرّض والخوض في الحكمة الداعية إلى غيابه وعدم ظهوره ، فإنّ ذلك ليس باختياره ولا بمشيئته ، وإنّما أمره بيد الله تعالى ، وهو الخبير والعالم بجميع شؤون عباده.
8 - عرض الإمام (علیه السّلام) إلى أنّه مصدر فيض وعطاء للناس في حال غيبته ؛ لأنّ الله تعالى يصرف عنهم العذاب ببركة وجود وليه وحجّته ، فهو أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء .
9 - إن الإمام (علیه السّلام) أمر شيعته بالدعاء له بالفرج ليقيم الحق ، ويظهر العدل في الأرض . هذه بعض محتويات الرسالة من المطالب العالية .
بعث الإمام المنتظر (علیه السّلام) بعدة رسائل إلى ثقة الإسلام الشيخ المفيد (قدس سره)(1)
يا مُرسِلاً إِن كُنتَ مُبلغ ميّتٍ *** تَحتَ الصَّفائِحِ قَولَ حَيٌّ مُرسَلِ
فِجَ الثَّرى الرّاوِي وَقُل لِمُحَمَّدٍ *** عَن ذَي فُؤادٍ بِالفَجِيعَةِ مُشعل
مَن لِلخُصُومِ اللدِّ بَعْدَكَ غَصَةٌ *** في الصَّدْرِ لَا تَهَوَى وَلَا هِي تَعتَلي
مَن لِلجِدالِ إِذا الشَّفاهُ تَقَلَّصَت *** وَإِذا اللَّانُ بِرِيقِهِ لم يَبلل
ويعرض في قصيدته التي هي مائة بيت إلى مواهب الشيخ المفيد ، ويعدّد قدراته العلميّة ، كما رثاه الشريف المرتضى بقصيدة عصماء يقول فيها :
إِنَّ شَيخَ الإسلامِ وَالدِّين وَالْعِلمِ *** تَوَلّي فَأَزْعَجَ الإسلاما
وَالَّذِي كَانَ غُرَّةً في دُجَى الأيـ *** ـام أودَى فَأوحش الأياما
كَمْ جَلَوتَ الشُّكُوكَ تعرُضُ فِي نَصَّ *** وَصِيَّ وَكَمْ نَصَرتَ إماما
وَخُصُومٌ مَلاتَهُم بِالْحَقِّ *** في حومة الخصام خصاما
ويذكر الشريف الرضي فضائل الشيخ المفيد في قصيدته ، والتي منها مناصرته للحق و دفاعه عن عقيدته ومبادئه ، وعجز خصومه عن مجاراته .
وقد وجدت على قبره الشريف أبيات في رثائه للإمام المنتظر (علیه السّلام)، وهي :
لَا صَوَّتَ النَّاعِي بِفَقِلِك إِنَّهُ *** يَوْمٌ عَلَى آلِ الرَّسولِ عَظِيمُ
إِنْ كُنتَ قَد غَيْبَتَ فِي جَدَثِ الثَّرَى *** فَالعَدلُ وَالتَّوحِيدُ فِيك مُقيمُ
وَالْقائِمُ الْمَهْدِئُ يُفرحُ كُلَّما *** تُلِيَتْ عَلَيْكَ مِنَ الدروس عُلُومُ
عرضت لترجمته مصادر التاريخ والتراجم بصورة موضوعية وشاملة .
،1) الشيخ المفيد : هو محمد بن محمد بن النعمان ، من أعلام الإسلام ، ومن عظماء علماء الإمامية . ولد سنة 338هـ، ونشأ نشأة علمية ، وتربّى على التقى والصلاح ، لم يُرَ مثله في تقواه وصلاحه وتحرّجه في الدين. ألف ما يقرب من مائتي كتاب في مختلف العلوم والفنون ، وتزعم الفرقة الإمامية . توفّي لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة 413هـ، وكان يوم وفاته مشهوداً ، فقد شيّع بتشييع حافل ، حضره ثمانون ألف رجل من الشيعة ، وصلّى على جنازته الشريف المرتضى بـ(ميدان الأشنان) ، ورثاه الشاعر الملهم مهيار الديلمي بقصيدة منها :
ذكر رسالتين منها الشيخ الطبرسي ، وهما :
«لِلْأَخِ السَّديدِ ، وَالْوَلِيُّ الرَّشيدِ ، الشَّيْخ الْمُفيدِ ، أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ النُّعْمَانِ ، أَدامَ اللهُ إِعْزَازَهُ ، مِنْ مُسْتَوْدَع الْعَهْدِ الْمَأْخوذ عَلَى الْعِبادِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَمَّا بَعْدُ ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْوَلِيُّ الْمُخْلِصُ في الدِّينِ ، الْمَخْصوص فينا بِالْيَقين . فَإِنَّا نَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، وَنَسْأَلُهُ الصَّلاةَ عَلَى سَيِّدَنا وَمَوْلانا وَنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.
وَنُعْلِمُكَ - أَدامَ اللهُ تَوْفِيقَكَ لِنَصْرَةِ الْحَقِّ ، وَأَجْزَلَ مَتَوبَتَكَ عَلَىٰ نُطْقِكَ عَنَّا بِالصِّدْقِ- أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَنَا فِي تَشرِيفِكَ بِالْمُكاتَبَةِ ، وَتَكْلِيفِكَ ما تُؤَدَيهِ عَنا إِلَى مَوالينا قِبَلَكَ ، أَعَزَّهُمُ اللهُ بِطاعَتِهِ ، وَكَفَاهُمُ الْمُهمَّ برعايَتِهِ لَهُمْ وَحِراسَتِهِ ، فَقِفْ - أَيَّدَكَ اللَّهُ بِعَوْنِهِ - عَلَى أَعْدائِهِ الْمارِقِينَ مِنْ دِينِهِ عَلى ما أَذْكُرُهُ ، وَأَعْمَلْ فِي تَأْدِيَتِهِ إِلَى مَنْ تَسْكُنُ إِلَيْهِ بِمَا نَرْسِمُهُ إِنْ شاء الله .
نَحْنُ وَإِنْ كُنَّا ثاوينَ بِمَكانِنَا النّائِي عَنْ مَسَاكِنِ الظَّالِمِينَ ، حَسْبَ الَّذي أَراناهُ اللهُ تَعَالَى لَنَا مِنَ الصَّلاحِ ، وَلِشيعَتِنا الْمُؤْمِنِينَ فِي ذلِكَ ، ما دامَتْ دَوْلَةُ الدُّنْيا لِلْفَاسِقِينَ ، فَإِنَّا نُحيطُ عِلْماً بِأَنْبَائِكُمْ ، وَلَا يَعْزُبُ عَنَا شَيْءٌ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ، وَمَعْرِفَتَنا بِالذُّلِّ الذي أصابَكُمْ مُذْ جَنَحَ كَثيرٌ مِنْكُمْ إلى ما كانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَنْهُ شَاسِعاً ، وَنَبَدُوا الْعَهْدَ الْمَأْخوذَ وَراءَ ظُهورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ، عَلى أَنا غَيْرُ مُهْمِلِينَ لِمُراعاتِكُمْ ، وَلَا ناسِينَ لِذِكْرِكُمْ ، وَلَوْلا ذلِكَ لَنَزَلَ بِكُمُ اللدُّواءُ(1)، أَوِ اضْطَلَمَكُمُ(2)الْأَعْداءُ.
فَاتَّقوا اللهَ جَلَّ جَلالُهُ ، وَظَاهِرونا عَلَى انْتِباشِكُمْ(3)مِنْ فِتْنَةٍ قَدْ أَنَافَتْ(4)عَلَيْكُمْ ،
يَهْلَك فيها مَنْ حُمَّ(1)أَجَلُهُ ، وَيُحْمَى عَنْها مَنْ أَدْرَكَ أَمَلَهُ ، وَهِيَ أَمارَةُ الْأزوفِ(2)، وَمَبائِكُمْ بِأَمْرِنا وَنَهْيِنا ، وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.
اعْتَصِمُوا بِالتَّقِيَّةِ مِنْ شَبِّ نارِ الْجاهِلِيَّةِ يَحْشُشُها(3)عُصَبٌ أَمَوِيَّةٌ ، يَهول بِها فِرْقَةٌ مَهْدِيَّةٌ ، أَنَا زَعِيمٌ بِنَجَاةِ مَنْ لَمْ يَرُمْ فِيهَا الْمَواطِنَ ، وَسَلَكَ في الطَّعْنِ مِنْهَا السُّبُلَ الْمَرْضِيَّةَ إذا حَلَّ جُمادَى الْأُولى مِنْ سَنَتِكُمْ هَذِهِ ، فَاعْتَبِرُوا بِمَا يَحْدَثُ فِيهِ ، وَاسْتَيْقِظوا مِنْ رَقْدَ تِكُمْ لِما يَكونُ فِي الَّذِي يَلِيهِ.
سَتَظْهَرُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةٌ جَلِيَّةٌ ، وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلُهَا بِالسَّوِيَّةِ ، وَيَحْدُثُ فِي أَرْضِ الْمَشْرِقِ مَا يُحْزِنُ وَيُقْلِقُ ، وَيَغْلُبُ مِنْ بَعْدُ عَلَى الْعِراقِ طَوائِفٌ عَنِ الْإِسْلامِ مُرَاقٌ ، تَضيقُ بِسوءٍ فِعالِهِمْ عَلى أَهْلِهِ الْأَرْزاقُ ، ثُمَّ تَنْفَرِجُ الْعُمَّةُ مِنْ بَعْدِ بَوارِ طاغوتٍ مِنَ الْأَشْرارِ ، ثُمَّ يَسْتَرُّ بِهَلاكِهِ الْمُتَّقُونَ الْأَخْيَارُ ، وَيَتَّفِقُ لِمُريدي الْحَجَّ مِنَ الْآفَاتِ مَا يُؤَمِّلُونَهُ مِنْهُ عَلَى تَوْفِيرٍ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَاتَّفَاقٍ، وَلَنَا فِي تَيْسِيرِ حَجَهِمْ عَلَى الْإِخْتِيَارِ مِنْهُمْ وَالْوِفاقِ شَأْنٌ يَظْهَرُ عَلى نِظام وَاتَّساقٍ ، فَلْيَعْمَلْ كُلِّ امْرِي مِنْكُمْ بِمَا يُقَرِّبُ مِنْ مَحَبَّتِنا ، وَيَتَجَنَّبُ مَا يُدْنِيهِ مِنْ كَرَاهَتِنَا ، فَإِنَّ أَمْرَنَا بَغْتَةٌ فَجَاءَةٌ حِينَ لَا تَنْفَعُهُ تَوْبَةٌ ، وَلَا يُنْجِيهِ مِنْ عِقابِنا نَدَمٌ عَلَى حَوْبَة .
وَاللهُ يُلْهِمُكُمُ الرُّشْدَ ، وَيَلْطُفُ لَكُمْ فِي التَّوْفِيقِ بِرَحْمَتِهِ»
وقد وقعه الإمام (علیه السّلام) بيده العليا ، وكتب في أسفله:
«هذا كِتابُنَا إِلَيْكَ أَيُّهَا الْأَخُ الْوَلِيُّ ، وَالْمُخْلِصُ في وُدِّنَا الصَّفِيُّ ، وَالنَّاصِرُ لَنا
الْوَفِيُّ ، حَرَسَكَ اللهُ بِعَيْنِهِ الَّتي لَا تَنامُ ، فَاحْتَفِظُ بِهِ ، وَلَا تُظْهِرْ عَلَى خَطَّنَا الَّذِي سَطَرْناهُ بما ضَمَّناهُ أَحَداً ، وَأَدْ مَا فِيهِ إِلى مَنْ تَسْكُنُ إِلَيْهِ ، وَأَوْصِ جَمَاعَتَهُمْ بِالْعَمَلِ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللهُ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرينَ»(1).
حوت هذه الرسالة أموراً بالغة الأهمية ، وهي :
1 - الإشادة بالشيخ المفيد، الذي هو أحد دعائم الإسلام في علمه وفضله وتقواه وشدّة تحرّجه في الدين ، وأنه قد سُمح له في مكاتبة الإمام (علیه السّلام) والاتصال به ، وتحمّله شرف السفارة بينه وبين الشيعة .
2 - إنّ الإمام (علیه السّلام) قد أشار إلى المكان الذي يقيم به في حال غيبته ، وأنه بعيد عن الله مساكن الظالمين ، وأنّ إقامته فيه محجوب عن أعين الناس ، يستند إلى إرادة الله تعالى ومشيئته التي قضت بعدم ظهوره ما دامت دولة للفاسقين والظالمين على وجه الأرض.
3 - من بنود هذه الرسالة أنّ الإمام (علیه السّلام) يتتبع بكل دقة جميع شؤون شيعته ، ولا يعزب عنه أي أمر من أمورهم ، فهو ساهر على رعايتهم ، ودفع البلاء عنهم، ولولا عنايته بهم لأخذهم الظالمون من كل جانب ومكان ، وقد أخبرهم عن فتنة وكارثة مدمّرة تحلّ بهم يهلك فيها الكثيرون.
4 - إنّه أخبر عن بعض الملاحم التي ستظهر وتتحقق قبل ظهوره (علیه السّلام) من حدوث آية جليّة في السماء ، وغير ذلك مما سنذكره في فصول أُخرى من هذا الكتاب .
وردت على الشيخ المعظم الشيخ المفيد نضر الله مثواه ، رسالة ثانية من
1) الاحتجاج : 2 497 - 498 .
الإمام (علیه السّلام) بتاريخ 23 / ذي الحجّة /412هـ، وهذا نصها بعد البسملة :
«سَلَامُ اللهِ عَلَيْكَ أَيُّها النّاصِرُ لِلْحَقِّ ، الدّاعِي إِلَيْهِ بِكَلِمَةِ الصِّدْقِ ، فَإِنَّا نَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ الَّذي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، إلهنا وَإِلهُ آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ، وَنَسْأَلُهُ الصَّلاةَ عَلَى سَيِّدِنا وَمَوْلانا مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيِّينَ ، وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ .
وَبَعْدُ ، فَقَدْ كُنَّا نَظَرْنا مُناجانَكَ ، عَصَمَكَ اللهُ بِالسَّبَبِ الَّذِي وَهَبَهُ اللَّهُ لَكَ مِنْ أَوْلِيانِهِ ، وَحَرَسَكَ بِهِ مِنْ كَيْدِ أَعْدائِهِ ، وَشَفَّعَنا ذلِكَ الْآنَ مِنْ مُسْتَقَرٌّ لَنَا يُنْصَبُ فِي شِمْراحَ(1)مِنْ تَهْماءَ(2)صِرْنَا إِلَيْهِ آنفاً مِنْ غَماليلَ الْجَأَنَا إِلَيْهِ السَّباريتُ(3)مِنَ الْإِيمَانِ ، وَيوشكُ أَنْ يَكونَ هُبوطنا إِلَى صَحْصَحِ(4)مِنْ غَيْرِ بُعْدِ مِنَ الدَّهْرِ ، وَلَا تَطاوُلٍ مِنَ الزَّمانِ ، وَيَأْتِيكَ تَباً ما يَتَجَدَّدُ لَنَا مِنْ حالٍ ، فَتَعْرِفُ بِذلِكَ ما نَعْتَمِدُهُ مِنَ الزِّلْفَةِ إِلَيْنا بِالْأَعْمَالِ ، وَاللهُ مُوَفِّقُكَ لِذلِكَ بِرَحْمَتِهِ ، فَلْتَكُنْ حَرَسَكَ اللهُ بِعَيْنِهِ الَّتي لَا تَنامُ أَنْ تُقابِلَ لِذلِكَ فِتْنَةٌ تَسْبِلُ نُفوسَ قَوْم ، حَرَثَتْ باطِلاً لاِسْتِرْهابِ الْمُبْطِلِينَ ، يَبْتَهِجُ لِذِمَارِهَا الْمُؤْمِنُونَ ، وَيَحْزَنُ لِذلِكَ الْمُجْرِمُونَ.
وَآيَةً حَرَكَتِنَا مِنْ هَذِهِ اللَّوْثَةِ حادِثَةٌ بِالْحَرَمِ الْمُعَظَّمِ مِنْ رِجْسِ مُنافِقٍ مُذَمَّم ، مُسْتَحِلُ لِلدَّمِ الْمُحَرَّمِ ، يَعْمَدُ بِكَيْدِهِ أَهْلَ الْإِيمَانِ ، وَلَا يَبْلُغْ بِذلِكَ غَرَضَهُ مِنَ الظُّلْمِ وَالْعُدْوانِ ، لأننا مِنْ وَرَاءِ حِفْظِهِمْ بِالدُّعاءِ الَّذِي لَا يُحْجَبُ عَنْ مَلِكِ الْأَرْضِ وَالسَّماءِ ، فَلْتَطْمَئِنَ بِذلِكَ مِنْ أَوْلِياتِنَا الْقُلوبُ ، وَلْيَثقوا بِالْكِفايَةِ مِنْهُ ، وَإِنْ رَاعَتْهُمْ بِها الْخُطُوبُ ، وَالْعَاقِبَةُ بِجَميلِ صُنْعِ اللهِ سُبْحانَهُ تَكونُ حَميدةٌ لَهُمْ مَا اجْتَنَبُوا الْمَنْهِنَّ عَنِ الذُّنوبِ.
وَنَحْنُ نَعْهَدُ إِلَيْكَ أَيُّهَا الْوَلِيُّ الْمُخْلِصُ الْمُجاهِدُ فينا الظَّالِمِينَ ، أَيَّدَكَ اللَّهُ بِنَصْرِهِ الَّذي أَيَّدَ بِهِ السَّلَفَ مِنْ أَوْلِياتِنَا الصَّالِحِينَ ، أَنَّهُ مَنِ اتَّقى رَبَّهُ مِنْ إِخْوانِكَ في الدِّينِ ، وَأَخْرَجَ مِمَّا عَلَيْهِ إِلَى مُسْتَحِقَّيهِ كَانَ آمِناً مِنَ الْفِتْنَةِ الْمُبْطِلَةِ ، وَمِحَنِهَا الْمُظْلِمَةِ ، وَمَنْ بَخِلَ مِنْهُمْ بِما أَعارَهُ اللهُ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَى مَنْ أُمِرَ بِصِلَتِهِ ، فَإِنَّهُ يَكونُ خاسراً لِذلِك لأولاده وَآخِرَتِهِ ، وَلَوْ أَنَّ أَشْيَاعَنا وَفَّقَهُمُ اللهُ لِطاعَتِهِ عَلَى اجْتِمَاعِ مِنَ الْقُلوبِ فِي الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ عَلَيْهِمْ لَما تَأَخَّرَ عَنْهُمُ الْيُمْنُ بِلِقائِنا ، وَلَتَعَجَّلَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ بِمُشَاهَدَتِنا عَلَى حَقَّ الْمَعْرِفَةِ ، وَصِدْقِها مِنْهُمْ بِنا ، فَما يَحْبِسُنا عَنْهُمْ إِلَّا ما يَتَّصِلُ بنا مِمَا نَكْرَهُهُ ، وَلَا نُؤْثِرُهُ مِنْهُمْ ، وَاللهُ الْمُسْتَعانُ ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، وَصَلاتُهُ عَلَى سَيِّدِنَا الْبَشير النذير ، مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَسَلَّم» .
كتب في غرّة شوّال من سنة اثني عشرة وأربعمائة ، ووقع الكتاب بخطه الشريف ، وأضاف فيه :
«هذا كِتابُنَا إِلَيْكَ أَيُّهَا الْوَلِيُّ الْمُلْهَمُ لِلْحَقِّ ، الْعَلِيُّ بِإِمْلَائِنَا وَخَطَّ ثِقَتِنَا ، فَاخْفِهِ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ ، وَاطْوِهِ ، وَاجْعَلْ لَهُ نُسْخَةٌ يَطَّلِعُ عَلَيْها مَنْ تَسْكُنُ إِلَى أَمَانَتِهِ مِنْ أَوْلِيَاتِنَا ، شَمَلَهُمُ اللَّهُ بِبَرَكَتِنا إِنْ شاءَ اللهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَالصَّلاةُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ، وَآلِهِ الطَّاهرينَ»(1).
وحفلت هذه الرسالة بما يلي :
1 - الإشادة بالشيخ المفيد ، علم الإسلام ونبراسه المضيء ، فقد نعته الإمام (علیه السّلام) (الناصر للحق) و (الداعي إليه بكلمة الصدق) ، وهما من أسمى الصفات التي يتحلى بها الصالحون والمتقون من عباد الله.
1) الاحتجاج : 2 : 324 - 325 .
2 - أشار الإمام عليه في هذه الرسالة إلى عدوّ ماكر للشيعة وللشيخ المفيد يكيد لهم في وضح النهار وفي غلس الليل ، ويبغي لهم الغوائل ، ويثير ضدّهم الفتن، ولا يبلغ بذلك غرضه من الظلم والعدوان عليهم .
3 - أحاط الإمام (علیه السّلام) شيعته علماً بأنّهم مشمولون بدعائه لهم بالتأييد والتسديد ، والسلامة من أعدائهم ، والنجاة من ظلم الظالمين ، ودعاؤه (علیه السّلام) لا يحجب عن الله تعالى.
4 - أمر الإمام (علیه السّلام) شيعته - بهذه الرسالة - بتقوى الله تعالى ، والاجتناب عن معاصيه ، وإخراج ما عليهم من الحقوق الشرعيّة ، ولو أنّهم اتقوا وأطاعوا الله تعالى إطاعة حقيقية لما حُجب الإمام عنهم ، ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدته ، ولكنّ ذنوبهم هي التي حالت بينهم وبين الالتقاء بإمامهم المفدّى سلام الله عليه .
هذه بعض البنود التي احتوت عليها هذه الرسالة ، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن رسائله ، وسنذكر كوكبة منها في البحوث الآتية .
وما دمنا في البحث عن بعض تراثه الرائع نعرض إلى بعض المسائل الشرعية التي رفعتها إليه الشيعة على يد سفرائه الأزكياء ، فأجابهم (علیه السّلام) عنها ، وهذه بعضها :
سأل محمّد بن عبدالله بن جعفر الإمام المنتظر (علیه السّلام) عن مجموعة من المسائل الفقهيّة ، وقد أرفقها برسالة جاء فيها بعد البسملة :
«أطال الله بقاءك ، وأدام الله عزّك وتأييدك ، وسعادتك وسلامتك ، وأتم نعمته عليك ، وزاد في إحسانه إليك ، وجميل مواهبه لديك، وفضله عندك ، وجعلني من السوء فداك ، وقدّمني قبلك ، الناس يتنافسون في الدرجات ، فمن قبلتموه كان مقبولاً ، ومن دفعتموه كان وضيعاً ، والخامل من وضعتموه ، ونعوذ بالله من ذلك ، وببلدنا - أيدك الله - جماعة من الوجوه يتساوون ، ويتنافسون في المنزلة ، وورد أيدك الله كتابك إلى جماعة منهم في أمر أمرتهم به من معاونة (صلی الله علیه و آله و سلم)(1).
وأخرج عليّ بن محمّد بن الحسن بن الملك المعروف بـ(ملك بادوكة) وهو ختن (صلی الله علیه و آله و سلم) رحمه الله من بينهم ، فاغتم بذلك ، وسألني أيدك الله أن أُعلمك ما ناله من ذلك ، فإن كان من ذنب فيستغفر الله منه ، وإن يكن غير ذلك عرفته ما تسكن نفسه إليه إن شاء الله ، وقد عودتني - أدام الله عزّك - من تفضّلك ما أنت أهل أن تخبرني على العادة ، وقبلك ، أعزّك الله ، فقهاؤنا قالوا : محتاجين إلى أشياء تسأل لنا عنها ...» .
1) لقد كانت للإمام (علیه السّلام) مجموعة من الرسائل بعثها إلى خيار الشيعة ، ولكنا لم نعثر عليها سوى ما ذكرناه . الغيبة : 375 الاحتجاج : 2 : 301 . بحار الأنوار 53 : 151.
ودلّ هذا الكتاب على أنّ كاتبه من عناصر الإيمان والتقرّب ، فقد كان من العارفين بمنزلة الإمام العظيم صلوات الله عليه ، ثمّ أعقب بعد هذه الرسالة بالمسائل التالية :
المسألة الأولى : روي لنا عن العالم (علیه السّلام) أنه سئل عن إمام قوم صلّى بهم بعض صلاتهم ، وحدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه ، فقال : «يُؤَخَّرُ ، وَيَتَقَدَّمُ بَعْضَهُمْ ، وَيُتِمُّ صَلاتَهُمْ ، وَيَغْتَسِلُ مِنْ مَسَّه ؟».
الجواب : «لَيْسَ عَلَى مَنْ نَحَاهُ إِلَّا غَسْلُ الْيَدِ ، وَإِذا لَمْ يُحْدِتْ حَادِثَةٌ تَقْطَعُ الصَّلاةَ تَمَّمَ صَلاتَهُ مَعَ الْقَوْم».
توضيح ما أفاده الإمام - أرواحنا له الفداء - : إنّ إمام الجماعة إذا حدثت به حادثة أثناء الصلاة كالموت ، فمن نحاه عن مكانه ومس بدنه فليس عليه إلا غسل يده ؛ لأنّ مس بدن الميت في حال وفاته وقبل برده لا يوجب الغسل ، أما من ائتموا به فلهم أن يقدّموا واحداً منهم ليؤمهم ، وأما إذا كانت الحادثة التي نزلت بالإمام غير الموت كالإغماء مثلاً ثم أفاق في أثناء الصلاة ، فله أن يتوضأ ويأتم بمن صلى مكانه .
المسألة الثانية : روي عن العالم أنّ من مس ميتاً بحرارته غسل يده ، ومن مسّه وقد برد فعليه الغسل ، وهذا الإمام في هذه الحالة لا يكون إلا بحرارة ، فالعمل بذلك على ما هو ولعلّه ينحيه بثيابه ولا يمسّه ، فكيف يجب عليه الغسل ؟
الجواب : «إِذا مَسَّهُ عَلَى هَذِهِ الْحالِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ یَدِه».
المسألة الثالثة : صلاة جعفر إذا سها في التسبيح في قيام أو ركوع أو سجود ، وذكره في حال أُخرى قد صار فيها من هذه الصلاة ، هل يعيد ما فاته من ذلك التسبيح في الحالة التي ذكرها أم يتجاوز في صلاته ؟
وقبل عرض جواب الإمام (علیه السّلام) نذكر صلاة جعفر ، وهي من المستحبات الأكيدة ، وتسمّى (صلاة التسبيح) و (صلاة الحبوة) ، والأخبار في استحبابها مشهورة بين
العامة والخاصة ، وهي : أربع ركعات بتسليمتين ، يقرأ في كلّ منهما الفاتحة وسورة ، : «سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر خمس عشرة مرّة ، وكذا يقول في الركوع عشر مرات ، وبعد رفع الرأس منه يقول عشر مرات ، وكذا في السجدة الثانية عشر مرّات ، وبعد رفع الرأس منها يقول عشر مرات ، وكذا في السجدة الثانية عشر مرّات، وبعد رفع الرأس عشر مرّات ، ففي كل ركعة خمس وسبعون مرّة ، ومجموعها ثلاثمائة تسبيحة(1).
الجواب : «إذا سَها في حالةٍ مِنْ ذلِكَ ، ثُمَّ ذَكَرَ في حالَةٍ أُخْرَى قَضى ما فاتَهُ في الْحالَةِ الَّتي ذَكَرَه . لَوْ سَهَا عَنْ بَعْضِ الْأَذْكَارِ كَالتَّسبيحاتِ يَأْتِي بِها فِي الْمَحَلَّ الْآخَرِ وَصَحَتْ صَلاتُه»
المسألة الرابعة : المرأة يموت زوجها يجوز أن تخرج في جنازته أم لا ؟
الجواب : «تَخْرُجُ فِي جَنازَتِهِ».
المسألة الخامسة : هل يجوز في عدتها أن تزور قبر زوجها أم لا ؟
الجواب : «تَزورُ قَبْرَ زَوْجِهَا ، وَلَا تَبِيتُ عَنْ بَيْتِها».
أقول : عدّة المرأة التي يتوفى عنها زوجها ترك الزينة التي تعتادها المرأة ، ولا مانع من زيارتها لقبر زوجها ، وغيره مما تحتاج إليه في شؤونها المنزليّة ، كما سيوضحه الإمام (علیه السّلام).
المسألة السادسة : هل يجوز لها أن تخرج في قضاء يلزمها ، أم لا تخرج وهي في عدتها ؟
الجواب : «إذا كانَ حَقٌّ خَرَجَتْ فِيهِ وَقَضَتْهُ ، وَإِنْ كانَتْ لَها حاجَةٌ وَلَمْ يَكُنْ لَها مَنْ
1) العروة الوثقی : 2 : 105 و 106.
يَنْظُرُ فيها خَرَجَتْ بِها حَتَّى تَفْضِيها ، وَلَا تَبِيتُ إِلَّا فِي بَيْتِها».
المسألة السابعة : روي في ثواب القرآن في الفرائض وغيرها : أن العالم (علیه السّلام) قال : «عَجَباً لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي صَلاتِهِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ كَيْفَ تُقْبَلُ صَلاتُه».
وروي : «ما زَكَتْ صَلاةُ مَنْ لَمْ يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ » .
وروي : «أَنَّ مَنْ قَرَأَ فِي فَرَائِضِهِ الْهُمَزَةَ أُعْطِيَ مِنَ النَّوابِ قَدَرَ الدُّنْيا» ، فهل يجوز أن يقرأ الهمزة ويدع هذه السور التي ذكرناها مع ما قد روي أنه لا تقبل صلاة ولا تزكو إلّا بهما ؟
أجاب الإمام (علیه السّلام) عن هذه المسائل الثلاث بما يلي :
الجواب : «الثَّوابُ في السُّورِ عَلى ما قَدْ رُوِيَ ، وَإِذا تَرَكَ سورةً مِمّا فيها الثَّواب وَقَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أَوْ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ لِفَضْلِهِما أُعْطِيَ ثَوابَ مَا قَرَأَ وَثَوابَ السَورَةِ الَّتي تَرَكَ ، وَيَجوزُ أَنْ يَقْرَأَ غَيْرَ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ وَتَكُونُ صَلَاتُهُ تَامَّةٌ ، وَيَكُونُ قَدْ تَرَكَ الْفَضْلَ».
المسألة الثامنة : وداع شهر رمضان متى يكون ؟ فقد اختلف فيه أصحابنا ، فبعضهم يقول : يقرأ في آخر ليلة منه ، وبعضهم يقول : هو في آخر يوم منه إذا رأى هلال شوّال .
الجواب : «العَمَلُ فِي شَهْرِ رَمَضانَ في لَياليهِ ، وَالْوَداعُ يَقَعُ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ مِنْهُ ، فَإِذا خافَ أَنْ يَنْقُصَ الشَّهْرُ جَعَلَهُ في لَيْلَتَيْنِ».
المسألة التاسعة : قول الله عزّ وجل : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ(1)أَنَّ رسول
1) التكوير 19:81.
الله (صلی الله علیه و آله و سلم) المعني به ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ(1)، ما هذه الطاعة ؟ وأين هي ؟
وقد أحال الإمام (علیه السّلام) الجواب عن هذه الآيات إلى مصادر التفسير ، ولم يجب عنها .
ووجّه محمّد بن عبدالله الحميري مسائل أخرى إلى الإمام (علیه السّلام) ، وقد رفقها بهذه الكلمات : فرأيك - أدام الله عزّك - في تأمّل رقعتي ، والتفضل بما أسأل من ذلك لأضيفه إلى سائر أياديك عندي ، ومنّك علَيَّ ، وهذه المسائل :
الأولى : المصلّى إذا قام من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة ، هل يجب عليه أن يكبر ؟ فإنّ بعض أصحابنا قال : لا يجب عليه التكبير ، ويجزيه أن يقول : «بحول الله وقوته أقوم وأقعد».
الجواب : «إِنَّ فيهِ حَديثَيْنِ : أَمَا أَحَدُهُما ، فَإِنَّهُ إِذا انْتَقَلَ مِنْ حالَةٍ إلى حالةٍ أُخْرى فَعَلَيْهِ التَّكْبِيرُ ، وَأَمَا الْآخَرُ فَإِذا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فَكَبَّرَ ثُمَّ جَلَسَ ، ثُمَّ قامَ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْقِيامَ بَعْدَ الْقُعودِ تَكْبِيرٌ ، وَكَذلِكَ في التَّشَهُدِ الْأَوَّلِ يَجْرِي مِثْلَ هَذَا الْمَجْرَى ، وَبِأَيِّهِما أَخَذْتَ مِنْ بَابِ التَّسْلِيمِ كَانَ صَواباً».
أقول : التكبير في حال القيام من التشهد الأول وغيره ليس بواجب ، والمكلّف مخيّر بين ذكره وعدمه.
الثانية : الفص (الخماهن) هل تجوز فيه الصلاة إذا كان في إصبعه ؟
الجواب : «فِيهِ كَرَاهِيَّةٌ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ ، وَفِيهِ أَيْضاً إِطْلَاقُ ، وَالْعَمَلُ عَلَى الْكَرَاهَةِ».
1) التكوير 20:81.
أقول : لم أجد في مصادر اللغة التي بيدي ذكر لفص (الخماهن) الذي تكره فيه الصلاة .
الثالثة : رجل اشترى هدياً لرجل غاب عنه ، وسأله أن ينحر عنه هدياً بـ(منى) ، فلما أراد نحر الهدي نسي اسم الرجل ونحر الهدي ، ثم ذكره بعد ذلك ، أيجزي عن الرجل أم لا ؟
الجواب : «لَا بَأْسَ بِذلِكَ ، وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْ صاحِبهِ».
أقول : وقد أفتى فقهاء الإمامية على ضوء هذه الرواية وغيرها مما أثر عن أئمّة الهلال (علیهم السّلام) فقالوا بالإجزاء إن نسي المستودع عنده المال اسم صاحبه ، فنحر أو ذبح الهدي عن صاحب المال .
الرابعة : عندنا حاكة مجوس يأكلون الميتة ، ولا يغتسلون في الجنابة ، وينسجون لنا ثياباً ، فهل يجوز الصلاة فيها من قبل أن تُغسل ؟
الجواب : «لَا بَأْسَ بالصَّلاةِ فيها».
أقول : وإنّما جازت الصلاة في الثياب التي نسجتها المجوس ؛ وذلك لعدم العلم بأنّهم مسوها برطوبة كي تنفعل بنجاستهم ، ومع الشك في ذلك تجري أصالة الطهارة .
الخامسة : المصلّي يكون في صلاة الليل في ظلمة ، فإذا سجد يغلط بالسجادة ، ويضع جبهته على (مسح(1)أو نطع(2)) ، فإذا وقع رأسه وجد السجادة هل يعتد بهذه السجدة أم لا يعتد ؟
الجواب : «ما لَمْ يَسْتَوِ جالِساً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي رَفْعِ رَأْسِهِ لِطَلَبِ الْخُمْرَةِ»(1).
أقول : يشترط في السجود أن يكون على الأرض أو ما أنبتت غير المأكول والملبوس ، فإذا سجد على ما لا يصح السجود عليه وجب عليه أن يرفع رأسه ويضع جبهته على ما يصح السجود عليه ، ولو كان الالتفات رفع الرأس وجب إعادة السجدة ، والأحوط إعادة الصلاة بعد إتمامها(2).
السادسة : المحرم يرفع الظلال ، هل يرفع خشب العارية أو الكنيسة(3)ويرفع الجناحين أم لا ؟
الجواب : «لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ رَفْعِ الْخَشَبِ».
أقول : من التروك الواجبة للمحرم في حجّ أو عمرة ترك التظليل ، فإذا جلس في سيّارة لها ظلّ أو في محمل كذلك وجب عليه أن يكفّر بشاة ، أما إذا أُزيل سقف السيارة أو المحمل فليس عليه شيء كما أفاد الإمام أرواحنا له الفداء .
السابعة : المحرم يستظل من المطر بنطع أو غيره حذراً على ثيابه ، وما في محمله أن يبتل ، فهل يجوز ذلك ؟
الجواب : «إِذا فَعَلَ ذلِكَ فى الْمَحْمَل فِي طَرِيقِهِ ، فَعَلَيْهِ دَم».
أقول : وإنّما وجبت الشاة على المحرم الذي استظل عن المطر ، بسبب استظلاله
1) الخمرة : سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل، وتزمّل بالخيوط لأجل السجود عليها - مجمع البحرين: 1: 701.
2) الإمام الخوئي (قدس سره) في تعليقة على العروة الوثقى - في فروع السجود .
3) العمارية : المحمل الذي يوضع على الناقة . الكنيسة : شيء يوضع في المحمل أو الرحل ، ويلقى عليه ثوب يستظل به الراكب ، وفي الحديث : «لَا يَرْكَبُ الْمُحْرِمُ فِي الْكَنِيسَةِ» ، وهي للنساء جائز - مجمع البحرين: 4 : 76 .
الذي هو من التروك للمحرم .
التاسعة : الرجل يحجّ عن أحد ، هل يحتاج أن يذكر الذي حج عنه عند عقد إحرامه أم لا ؟ وهل يجب أن يذبح عمّن حجّ عنه وعن نفسه أم يجزيه هدي واحد ؟
الجواب : «يَجْزِيهِ هَدْيٌ واحدٌ ، وَإِنْ لَمْ يَفْصِلْ فَلَا بَأْسَ».
أقول : أفاد الإمام ال ضمناً بعدم الحاجة إلى ذكر المنوب عنه حين عقد الإحرام ؛ لأنّ الداعي للنيابة في الحج موجود في دخائل النفس ، وهو كاف في صحة العمل ، كما أنّ الهدي الواحد يجزي لأنّه هدي عن المنوب عنه لا عن نفس النائب .
العاشرة : هل يجوز للرجل أن يحرم في كساء خز أم لا ؟
الجواب : «لَا بَأْسَ بِذلِكَ ، وَقَدْ فَعَلَهُ قَوْمٌ صالِحونَ».
أقول : لا مانع من الإحرام في كساء خز، وإنما لا يصح الإحرام في صوف وشعر وویر ممّا لا يؤكل لحمه ، ولا في النجس غير المعفو عنه في الصلاة ، ولا في المخيط حسبما ذكره الفقهاء(1).
الحادية عشرة : هل يجوز للرجل أن يصلّي في بطيط لا يغطي الكعبين أم لا يجوز ؟
الجواب : «جائز».
الثانية عشرة : يصلّي الرجل وفي كمه أو سراويله سكين أو مفتاح حديد ،
1) اللمعة الدمشقية - كتاب الحج : 231
هل يجوز ذلك ؟
الجواب : «جائز» .
الثالثة عشرة : الرجل يكون معه بعض هؤلاء ، ويكون متصلاً بهم بحجّ ويأخذ على الجادة ولا يحرم هؤلاء ، من المسلخ(1)، فهل يجوز لهذا الرجل أن يؤخّر إحرامه إلى (ذات عرق) فيحرم معهم ، لما يخاف الشهوة ، لما يخاف الشهوة ، أم لا يجوز إلا أن يحرم من المسلخ ؟
الجواب : «يُحْرِمُ مِنَ الْميقاتِ ، وَيُلَبّي في نَفْسِهِ ، فَإِذا بَلَغَ إِلى ميقاتِهِمْ أَظْهَرَ».
أقول : الاجتياز على الميقات لمن أراد الحج أو العمرة موجب للإحرام منه ، فإذا خاف المكلّف على نفسه من الإحرام من رفقائه الذين لا يرون الإحرام من ذلك الميقات وجب عليه أن يحرم منه ويُخفي إحرامه عنهم .
الرابعة عشرة : لبس النعل المعطون ، فإنّ بعض أصحابنا يذكر أن لبسه كريه ؟
الجواب : «جائز ، وَلَا بَأْسَ بِهِ».
أقول : النعل المعطون هو الجلد المدبوغ ، ولا مانع من الصلاة فيه .
الخامسة عشرة : الرجل من وكلاء الوقف مستحلّ لما في يده ، ولا يرع عن أخذ ماله ، ربّما نزلت في قريته وهو فيها ، أو أدخل منزله ، وقد حضر طعامه فيدعوني إليه ، فإن لم آكل من طعامه عاداني وقال : فلان لا يستحل أن يأكل من طعامنا ، فهل يجوز أن آكل من طعامه ، وأتصدق بصدقة ؟ وكم مقدار الصدقة ؟ وإن أهدى هذا الوكيل هدية إلى رجل آخر فأحضر فيدعوني إلى أن أنال منها ، وأنا أعلم أنّ الوكيل لا يرع عن أخذ ما في يده ، فهل عليَّ فيه شيء إن أنا نلت منها ؟
1) المسلخ : أحد جوانب العقيق ، وهو ميقات أهل العراق ، ويستحب أن يحرم منه .
الجواب : «إنْ كانَ لِهَذَا الرَّجُلِ مَالٌ أَوْ مَعاضٌ غَيْرُ ما فِي يَدِهِ فَكُلْ طَعَامَهُ ، وَأَقْبَلْ بِرَّهُ ، وَإِلا فَلَا».
أقول : إذا علم المكلف تفصيلاً بأنّ من دعاه لتناول الطعام عنده كان من الأموال المغصوبة فليس له من سبيل لتناوله ، وإن علم أنّ عنده أموالاً من الحلال وأموالاً مغصوبة ، وشكّ في الطعام الذي قدّم له أو غيره من الهدايا هل هي من الأموال المغصوبة أم من غيرها فهو في سعة من تناولها.
السادسة عشرة : رجل ممّن يقول بالحقِّ ، ويرى المتعة ، ويقول بالرجعة ، إلّا أنّ له أهلاً موافقة له في جميع أموره ، وقد عاهدها أن لا يتزوج عليها ، ولا يتمتع ولا يتسرّى ، وقد فعل هذا منذ تسع عشرة سنة ، ووفى بقوله ، فربّما غاب عن منزله الأشهر فلا يتمتع ، ولا تتحرّك نفسه أيضاً لذلك ، ويرى أن وقوف من معه من أخ وولد وغلام ووكيل وحاشية ما يقلله في أعينهم ، ويحب المقام على ما هو عليه محبّة لأهله ، وميلاً إليها ، وصيانة لها ولنفسه ؛ لا لتحريم المتعة بل يدين الله بها ، فهل عليه في ترك ذلك مأثم أم لا ؟
الجواب : «يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُطيعَ اللَّهَ تَعَالَى بِالْمِتْعَةِ لِيَزولَ عَنْهُ الحلفُ بِالْمَعْصِيَةِ وَلَوْ مَرَّة»(1).
أقول : اليمين والنذر إنّما ينعقدان على الشيء الراجح ، أما المرجوح فعلاً وتركاً فلا ينعقدان فيه ، وترك المتعة باليمين ليس مرجوحاً ، فقد نطق القرآن بحليتها ، وأمّا تحريمها فهو من الاجتهاد قبال النصّ فلا يلتفت إليه ، وقد عرضت كتب الشيعة إلى بحث هذه المسألة بصورة موضوعية وشاملة .
1) الاحتجاج : 2 : 483 - 485 .
ورفع محمد بن عبدالله الحميري إلى الإمام (علیه السّلام) مجموعة أخرى من المسائل يطلب الإجابة عنها ، فأجابه (علیه السّلام) عنها ، وهي :
الأولى : المحرم يجوز أن يشدّ المئزر من خلفه على عقبه بالطول ، ويرفع طرفيه إلى حقويه ، ويجمعهما في خاصرته ، ويعقدهما ويخرج الطرفين الآخرين من بين رجليه ، ويرفعهما إلى خاصرته ويشدّ طرفيه إلى وركيه فيكون مثل السراويل يستر ما هناك ، فإنّ المئزر الأوّل كنّا نتّزر به إذا ركب الرجل جمله يكشف ما هناك ، وهذا ستر ؟
الجواب : «جازَ أَنْ يَتَّزِرَ الْإِنسانُ كَيْفَ شَاءَ إِذا لَمْ يُحْدِثْ فِي الْمِنْزَرِ شَيْئاً حَدَثاً بِمِقْراطٍ وَلَا إِبْرَة يُخْرِجُهُ بِهِ عَنْ حَدَّ الْمِنْزَرِ ، وَغَرَزَهُ غَرْزاً ، وَلَمْ يَعْقِدُهُ ، وَلَمْ يَشُدَّ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ وَإِذا غَطَى سُرَّتَهُ وَرُكْبَتَيْهِ كِلاهُمَا فَإِنَّ السُّنَّةَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ خِلافٍ تَغْطِيَةُ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَتَيْنِ ، وَالْأَحَبُّ إِلَيْنَا وَالْأَفْضَلُ لِكُلِّ أَحَدٍ شَدُّهُ عَلَى السَّبِيلِ الْمَأْلُوفَةِ الْمَعْرُوفَةِ لِلنَّاسِ جَميعاً إِن شاءَ اللهُ تَعَالَى.
أقول : يشترط في ثوبي الإحرام أن يكونا غير مخيطين ، وأن لا يكونا معقودين يحيطان بالبدن كلّه ، وأما الصورة التي سُئل (علیه السّلام) عنها فقد أجاب الإمام (علیه السّلام) بالجواز .
الثانية : هل يجوز أن يشدّ - أي المحرم - عليه مكان العقد تكة ؟
الجواب : «لَا يَجوزُ شَدُّ الْمِنْزَرِ بِشَيْءٍ سِواهُ مِنْ تِكَةٍ وَلَا غَيْرِها».
الثالثة : التوجه للصلاة ، هل على المصلي أن يقول : «على ملة إبراهيم ، ودين محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)»، فإنّ بعض أصحابنا ذكر أنه إذا قال : «على دين محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)» فقد أبدع لأنا لم نجده في شيء من كتب الصلاة خلا حديثاً في كتاب القاسم عن جده ،
عن الحسن بن راشد ، أن الصادق (علیه السّلام) قال للحسن : كيف تتوجّه ؟
فقال : أقول : لبيك وسعديك .
فقال له الصادق : ليس عن هذا أسألك كيف تقول : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً ؟
قال الحسن : أقول :
فقال الصادق (علیه السّلام): إذا قلت ذلك فقل : على ملة إبراهيم ، ودين محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومنهاج علي بن أبي طالب ، والانتمام بال محمد حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين ؟ الجواب : التَّوَجُهُ كُلُّهُ لَيْسَ بِفَرِيضَةٍ ، وَالسُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ فِيهِ الَّتِي هِيَ كَالْإِجْمَاعِ الَّذِي لَا خِلَافَ فِيهِ: وَجَهْتُ وَجْهِيَ للَّذى فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً مُسْلِماً عَلَى مِلَّةِ إِبْراهيمَ ، وَدينِ مُحَمَّدٍ ، وَهَدْي أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، إِنَّ صَلاتى وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ ، لَا شَريكَ لَهُ ، وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأنا مِنَ الْمُسْلِمينَ.
اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم ، ثُمَّ اقْرَأ الْحَمْدَ».
أقول : إنّ هذه الأدعية والأذكار من السنن المستحبّة ، وليست من الواجبات في الصلاة ، وقد عيّن الإمام (علیه السّلام) كيفيتهما بما ذكره .
الرابعة : القنوت في الفريضة إذا فرغ من دعائه يجوز أن يرد يديه على وجهه وصدره ، للحديث الذي روي : «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَرُدَّ يَدَيْ عَبْدِهِ صُفْراً ، بَلْ يَمْلَأُها مِنْ رَحْمَتِهِ» أم لا يجوز ، فإن بعض أصحابنا ذكر أنه عمل في الصلاة ؟
الجواب : رَدُّ الْيَدَيْنِ مِنَ الْقُنوتِ عَلَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ غَيْرُ جَائِزِ فِي الْفَرائِضِ ، وَالَّذِي
عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِ ، إِذا رَجَعَ يَدَهُ فِي قُنوتِ الْفَرِيضَةِ وَفَرَغَ مِنَ الدُّعاءِ أَنْ يَرُدَّ بَطْنَ رَاحَتَيْهِ مَعَ صَدْرِهِ تِلْقاءَ رُكْبَتَيْهِ عَلى تَمَهُ وَيُكَبِّرُ ، وَيَرْكَعُ ، وَالْخَبَرُ صَحِيحٌ وَهُوَ فِي نَوافِلِ النَّهارِ وَاللَّيْلِ دُونَ الْفَرائِضِ ، وَالْعَمَلُ بِهِ فِيهَا أَفْضَلُ».
أقول : القنوت من المستحبّات في جميع الصلوات ، فريضة كانت أو نافلة وقد أفاد الإمام (علیه السّلام) كيفيته فى الفرائض والنوافل .
الخامسة : سجدة الشكر بعد الفريضة ، فإنّ بعض أصحابنا ذكر أنّها بدعة ، فهل يجوز أن يسجدها الرجل بعد الفريضة ، وإن جاز ففي صلاة المغرب هي بعد الفريضة أو بعد الأربع ركعات النافلة ؟
الجواب : «سَجْدَةُ الشُّكْرِ مِنْ أَلْزَمِ السُّنَنِ وَأَوْجَبها ، وَلَمْ يَقُلْ : إِنَّ هَذِهِ السَّجْدَةَ بِدْعَةٌ إِلَّا مَنْ أَرادَ أَنْ يُحْدِثَ بِدْعَةٌ في دينِ اللهِ».
إن سجدة الشكر الله تعالى من المستحبّات الأكيدة ، ومن قال : إنّها بدعة فلانصيب له من المعرفة والفقه بدين الله ، وقد أعقب الإمام (علیه السّلام) بعد نفي البدعة عنها بقوله :
«فَأَمَّا الْخَبَرُ الْمَرْويُّ فيها بَعْدَ صَلاةِ الْمَغْرِبِ ، والاختلاف في أنها بعد الثلاث أو بعد الأربع ، فإنّ فضل الدعاء والتسبيح بعد الفرائض على الدعاء بعقيب النوافل ، كفضل الفرائض على النوافل ، والسجدة دعاء وتسبيح ، فالأفضل أن تكون بعد الفرض ، فإن جعلت بعد النوافل أيضاً جاز».
إن سجدة الشكر دعاء وتسبيح ، والأفضل أن تقع بعد الفريضة مباشرةً ، ويجوز أن تقع بعد نوافل الفريضة .
السادسة : إنّ لبعض إخواننا ممّن نعرفه ضيعة جديدة بجنب ضيعة خراب ،
للسلطان فيها حصة ، وأكرته - أي عمّالها - ربّما زرعوا حدودها، ويؤذيهم عمّال السطان ، ويتعرّضون في الكلّ من غلات ضيعته ، وليس لها قيمة لخرابها ، وإنّما هى بائرة منذ عشرين سنة ، وهو يتحرّج من شرائها لأنّه يقال : إنّ هذه الحصّة من هذه الضيعة كانت قبضت على الوقف قديماً للسلطان ، فإن جاز شراؤها من السلطان ، وكان ذلك صلاحاً له وعمارة لضيعته ، وأنّه يزرع هذه الحصة من القرية البائرة لفصل ماء ضيعته العامرة ، وينحسم عنه طمع أولياء السلطان ، وإن لم يجز ذلك عمل بما تأمره به إن شاء الله تعالى .
الجواب : «الضَّيْعَةُ لَا يَجوزُ ابْتِياعُها إِلَّا مِنْ مَالِكِها أَوْ بِأَمْرِهِ ، أَوْ رِضاءٍ مِنْه».
أقول : إن الضيعة التي هي ملاصقة لضيعته ، وهي خراب ، لا يعلم أنها ملك للسلطان ، فلا يجوز شراؤها منه ، وإنّما عليه أن يتحرّى ويعرف مالكها ليشتريها منه ، حسبما تفضّل الإمام (علیه السّلام).
السابعة : رجل استحلّ امرأة خارجة من حجابها ، وكان يحترز من أن يقع له ولد ، فجاءت بابن فتحرّج الرجل إلا يقبله ، فقبله وهو شاك فيه ، وجعل يجري النفقة على أمه وعليه حتى ماتت الأم ، وهو ذا يجري عليه غير أنه شاك فيه ليس يخلطه بنفسه ، فإن كان ممّن يحبّ أن يخلطه بنفسه ، ويجعله كسائر ولده فعل ذلك ، وإن جاز أن يجعل له شيئاً من ماله دون حقه فعل ؟
الجواب : «الْإِسْتِحْلالُ بِالْمَرْأَةِ يَقَعُ عَلى وُجوهِ ، وَالْجَوابُ يَخْتَلِفُ فيها فَلْيَذْكُرِ الْوَجْهَ الَّذي وَقَعَ الْإِسْتِحْلالُ بِهِ مَشْروحاً لِيَعْرِفَ الْجَوابَ فيمَا يَسْأَلُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْوَلَدِ إِنْ شاءَ اللهُ» .
أقول : لم يفصح السائل عن أية صورة من صور استحلال المرأة أرادها ، فأحال الإمام (علیه السّلام) الجواب إلى أن يعين السائل الصورة التي أرادها .
الثامنة : التماس الدعاء من الإمام (علیه السّلام) للسائل .
الجواب : «جادَ اللهُ عَلَيْهِ بِما هُوَ جَلَّ وَتَعالى أَهْلُهُ ، إِيجابنا لِحَقِّهِ ، وَرِعايتنا لِأَبِيهِ رَحِمَهُ اللهُ ، وَقُرْبُهُ مِنَا ، وَقَدْ رَضينا بِما عَلِمْناهُ مِنْ جَميلِ نِيَّتِهِ ، وَوَقَفْنا عَلَيْهِ مِنْ مُخاطَبَتِهِ ، الْمُقِرُّ لَهُ مِنَ اللَّهِ الَّتي يُرضي اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسولهُ وَأَوْلِياؤُهُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَالرَّحْمَةُ بِما بَدَأنا .
نَسْأَلُ اللهَ بِمَسْأَلَتِهِ ما أَمَّلَهُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ عاجِلٍ وَآجِلٍ ، وَأَنْ يُصْلِحَ لَهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ ما يَجِبُ صَلاحُهُ ، إِنَّهُ وَلِيٌّ قَديرٌ»(1).
أقول : وحكى هذا الدعاء مدى تكريم الإمام (علیه السّلام) للسائل ، وأنه من عناصر التقوى والصلاح.
ومن بين مسائل محمّد بن عبدالله الحميري المسائل التالية ، وقد شفعها بهذه الرسالة الموجزة :
«أطال الله بقاءك ، وأدام عزك وكرامتك ، وسعادتك وسلامتك ، وأتم نعمته عليك ، وزاد في إحسانه إليك ، وجميل مواهبه لديك، وفضله عليك، وجزيل قسمه لك ، وجعلني من السوء كله فداك ، وقدمني قبلك» .
وهذا نص مسائله :
الاولى : إن قبلنا مشايخ وعجائز يصومون رجب منذ ثلاثين سنة ، ويصلون شعبان وشهر رمضان ، وروى لهم بعض أصحابنا : أن صومه معصية .
1) الاحتجاج : 2 : 306 - 309.
الجواب : «يَصومُ مِنْهُ أَيَّاماً إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً ، إِلَّا أَنْ يَصومَهُ عَنِ الثَلاثَةِ أَيَّامٍ الْفائِةِ لِلْحَديث : إنَّ نِعْمَ شَهْرٌ لِلْقَضاءِ رَجَب».
أقول : وحمل الشيخ الحر العاملي الرواية على نفي تأكد الاستحباب(1).
الثانية : رجل يكون في محمله الثلج كثير - بقامة رجل - ، فيتخوّف إن نزل الغوص فيه ، وربّما يسقط الثلج وهو على تلك الحال ، ولا يستوي له أن يلبد شيء منه لكثرته وتهافته ، هل يجوز أن يصلّي في المحمل الفريضة ؟ فقد فعلنا ذلك أيّاماً فهل علينا في ذلك إعادة أم لا ؟
الجواب : «لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الضَّرورَةِ وَالشِّدَّةِ»
أقول : إن أدلّة رفع العسر والحرج حاكمة على الأدلّة الأولية القاضية بلزوم أداء الصلاة على سطح الأرض ، فهذا الحكم يرتفع عند الضرورة .
الثالثة : الرجل يلحق الإمام هو راكع فيركع معه ، ويحتسب تلك الركعة ، فإنّ بعض أصحابنا قال : إن لم يسمع تكبيرة الركوع فليس له أن يعتد بتلك الركعة .
الجواب : «إِذا لَحِقَ - أَي الْمَأْمُومُ - مَعَ الْإِمَامِ مِنْ تَسْبِيحِ الرُّكوعِ تَسْبِيحَةً وَاحِدَةٍ اعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ تَكْبِيرَةَ الرُّكوع».
أقول : إذا أدرك المأموم الإمام في حال الركوع قبل أن يرفع رأسه حسبت له ركعة واحدة ، وظفر بثواب الجماعة .
الرابعة : أهل الجنّة هل يتوالدون فيها إذا دخلوا أم لا ؟
الجواب : «أَهْلُ الْجَنَّةِ لَا حَمْلَ فيها لِلنِّساءِ ، وَلَا ولادَةَ ، وَلَا طَمَتْ ، وَلَا نِفاس ،
1) وسائل الشيعة 7: 356.
وَلَا شَقاءَ بِالطُّفولِيَّةِ ، وَفِيها ما تَشْتَهى الْأَنْفُسُ ، وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ، كَما قالَ سُبْحانَهُ . فَإِذا اشْتَهَى الْمُؤْمِنُ وَلَداً خَلَقَهُ اللهُ بِغَيْرِ حَمْلٍ ، وَلَا وِلادَةٍ عَلَى الصُّورَةِ الَّتي يُريدُ ، كَما خَلَقَ آدَمَ».
الخامسة : هل يجوز للرجل أن يتزوج ابنة امرأته ؟
الجواب : «إِنْ كانَتْ رُبِّيَتْ في حِجْرِهِ فَلَا يَجوزُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُبِّيَتْ في حِجْرِهِ وَكانَتْ أُمُّهَا فِي غَيْرِ عِبَالِهِ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ جَائِزٌ» .
:أقول : الربيّة تحرم على زوج أمها ، وتكون كإحدى بناته إن دخل بأُمّها ، وإن لم يدخل بأمها وطلقها أو وهبها المدّة إن كان العقد منقطعاً فلا تحرم البنت عليه .
السادسة : طين القبر يوضع مع الميت في قبره ، هل يجوز ذلك أم لا ؟
الجواب : «يُوضَعُ مَعَ الْمَيِّتِ في قَبْرِهِ ، وَيُخْلَطُ بِحُنوطِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» .
أقول : وأكبر الظنّ أنّ المراد بطين القبر الذي يوضع مع الميت هو طين قبر سيد شباب أهل الجنّة ، وريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الإمام الحسين (علیه السّلام).
السابعة : روي لنا أنّ الصادق (علیه السّلام) كتب على إزار ابنه إسماعيل : «يشهد أن لا إله إلا الله» ، فهل يجوز أن نكتب مثل ذلك بطين القبر أم غيره ؟
الجواب : «يَجوزُ ذلِكَ» .
الثامنة : هل يجوز أن يسبّح الرجل بطين القبر ، وهل فيه فضل ؟
الجواب : يسبح الرجل به ، فما من شيء أفضل منه ، ومن فضله أن الرجل ينسى التسبيح ، ويدير السبحة فيكتب له التسبيح .
التاسعة : السجدة على لوح من طين القبر ، هل فيها فضل ؟
الجواب : «يَجوزُ ذلِكَ ، وَفِيهِ الْفَضْلُ» .
أقول : الطين قطعة من الأرض ، وقد أمرنا بالسجود عليها تعظيماً الله تعالى ، وأفضل بقاع الأرض وأشرفها هي كربلاء التي استشهد عليها ريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وسيد شباب أهل الجنّة ، الإمام الحسين صلوات الله عليه ، فالسجود على تربة أُخذت من كربلاء هو من أفضل أنواع السجود الله تعالى ، وقد تحامل على الشيعة قوم لا إيمان لهم فقالوا : إنّهم يعبدون التربة الحسينية ، وقد غاب عنهم أنهم يسجدون الله عزّ اسمه على أفضل بقعة من بقاع أرضه، ولا يسجدون للتربة ، وإنما يسجدون عليها .
العاشرة : الرجل يزور قبور الأئمة (علیهم السّلام)، هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا ؟
وهل يجوز لمن صلى عند بعض قبورهم أن يقوم وراء القبر ، ويجعل القبر قبلة ، ويقوم عند رأسه ورجليه ؟ وهل يجوز أن يتقدّم القبر ويصلي ويجعل القبر خلفه أم لا ؟
الجواب : « أَمّا السُّجودُ عَلَى الْقَبْرِ فَلَا يَجوزُ في نافِلَةٍ وَلَا فَرِيضَةٍ وَلَا زِيارَةٍ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَنْ يَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَى الْقَبْرِ.
وَأَمَّا الصَّلاةُ فَإِنَّها خَلْفَهُ ، وَيَجْعَلُ الْقَبْرَ أمَامَهُ ، وَلَا يَجوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ ، وَلَا عَنْ يَسَارِهِ ؛ لأنَّ الإمامَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يُساوى».
أقول : لا بأس بالصلاة خلف قبور الأئمة (علیهم السّلام) دون يمينها وشمالها ، والأولى الصلاة عند جهة الرأس على وجه لا يساوي الإمام (علیه السّلام)(1).
الحادية عشرة : يجوز للرجل أن يدير السبحة بيده اليسار إذا سبّح أو لا يجوز ؟
1) العروة الوثقى : 1 : 401 .
الجواب : «يَجوزُ ذلِكَ ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمينَ».
الثانية عشرة : يجوز للرجل إذا صلّى الفريضة أو النافلة وبيده السبحة أن يديرها وهو في الصلاة ؟
الجواب : «يَجوزُ ذلِكَ إذا خافَ السَّهْوَ وَالْغَلَط».
الثالثة عشرة : روي عن (الفقيه) خبرٌ مأثور إذا كان الوقف على قوم بأعيانهم وأعقابهم ، فاجتمع أهل الوقف على بيعه ، وكان ذلك أصلح لهم أن يبيعوه ، فهل يجوز أن يشتري من بعضهم إن لم يجتمعوا كلهم على البيع ، أم لا يجوز إلا أن يجتمعوا كلهم على ذلك ؟ وعن الوقف الذي لا يجوز بيعه ؟
الجواب : «إِذا كانَ الْوَقْفُ عَلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجوزُ بَيْعُهُ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَبِعْ كُلُّ قَوْمٍ مَا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ بَيْعِهِ مُجْتَمِعِينَ وَمُتَفَرِّقِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ».
الرابعة عشرة : هل يجوز للمحرم أن يصير على إبطه المرتك والتوتيا لريح العرق أم لا يجوز ؟
الجواب : «يَجوزُ ذلِكَ ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ» .
الخامسة عشرة : الضرير إذا شهد في حال صحته على شهادة ، ثمّ كفّ بصره ، ولا يرى خطه فيعرفه ، هل تجوز شهادته أم لا ؟ وإن ذكر هذا الضرير الشهادة هل يجوز أن يشهد على شهادته أم لا يجوز ؟
الجواب : «إِذا حَفِظَ الشَّهادَةَ وَحَفِظَ الْوَقْتَ جازَتْ شَهادَتُهُ» .
السادسة عشرة : الرجل يقف ضيعة أو دابة ، ويشهد على نفسه باسم بعض وكلاء الوقف ، ثمّ يموت هذا الوكيل أو يتغيّر أمره ، ويتولى غيره ، هل يجوز أن يشهد الشاهد لهذا الذي أُقيم مقامه إذا كان أصل الوقف لرجل واحدٍ ، أم لا يجوز ذلك ؟
الجواب : «لَا يَجوزُ ذلِكَ ؛ لأنَّ الشَّهادَةَ لَمْ تَقُمْ لِلْوَكِيلِ ، وَإِنَّمَا قامَتْ لِلْمَالِكِ ، وَقَدْ قَالَ اللهُ: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ(1)».
السابعة عشرة: الركعتان الأخيرتان قد كثرت فيهما الروايات ، فبعض يروي أنّ قراءة الحمد وحدها أفضل ، وبعض يروي : أنّ التسبيح فيهما أفضل ، فالفضل لأيهما لنستعمله ؟
الجواب : «قَدْ نُسِخَتْ أُمُّ الْكِتابِ - يعني سورة الحمد - في هاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ ، وَالَّذِي نَسَخَ التَّسْبِيحَ قَوْلُ الْعالِم (علیه السّلام): كُلُّ صَلَاةٍ لَا قِراءَةً فيها فَهِيَ خِداج(2)إِلَّا الْعَليلَ ، أَوْ يَكْتُرُ عَلَيْهِ السَّهْوُ فَيَتَخَوَّفُ بُطْلانَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ» .
الثامنة عشرة : يتخذ عندنا رُبّ الجوز لوجع الحلق والبحبحة ، يؤخذ الجوز الرطب من قبل أن ينعقد ، ويدق دقاً ناعماً ، ويصفى ويطبخ على النصف ، ويترك يوماً وليلة ، ثمّ ينصب على النار ، ويلقى على كلّ سنّة أرطال منه رطل عسل ، ويغلى رغوته ، ويسحق من النوشادر ، والشب اليماني ، من كل واحد نصف مثقال ، ويداف بذلك الماء ، ويلقى فيه درهم زعفران المسحوق ويغلى ، وتؤخذ رغوته حتى يصير مثل العسل ثخيناً ، ثمّ ينزل عن النار ويبرد ، ويشرب منه ، فهل يجوز شربه أم لا ؟
الجواب : «إذا كانَ كَثيراً يُسْكِرُ أَوْ يُغَيِّرُ ، فَقَليلُهُ وَكَثِيرُهُ حَرامٌ ، وَإِنْ كَانَ لَا يُسْكِرُ فَهُوَ حَلالٌ».
أقول : أجاب الإمام (علیه السّلام) بما هو المناط في الجواز وعدمه ، فإن كان مسكراً فهو حرام ، وإن كان غير مسكر فجائز شربه .
التاسعة عشرة : الرجل تعرض له الحاجة مما لا يدري أن يفعلها أم لا ، فيأخذ خاتمين في أحدهما «نعم إفعل» ، وفي الآخر «لا تفعل» فيستخير الله مراراً ، ثم يرى فيهما ، فيخرج أحدهما فيعمل بما يخرج ، فهل يجوز ذلك أم لا ؟ والعامل به والتارك له أهو مثل الاستخارة أم هو سوى ذلك ؟
الجواب : «الَّذي سَنَّهُ الْعالِمُ (علیه السّلام) في هذِهِ الْإِسْتخارَةِ بِالرِّقاع وَالصَّلاة».
العشرون : صلاة جعفر بن أبي طالب في أي أوقاتها أفضل أن تصلى فيه ؟ وهل فيها قنوت ؟ وإن كان ففي أي ركعة منها ؟
الجواب : «أَفْضَلُ أَوْقاتِها صَدْرَ النَّهَارِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، ثُمَّ فِي أَيَّ الْأَيَّامِ شِئْتَ، وَأَيُّ وَقْتٍ صَلَّيْتَها مِنْ لَيْلِ أَوْ نَهَارٍ فَهُوَ جائِزٌ ، وَالْقُنوتُ فِيها مَرَّتَانِ ، فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ الركوع ، وَفي الرَّابِعَةِ بَعْدَ الرُّكوعِ».
الحادية والعشرون : الرجل ينوي إخراج شيء من ماله ، وأن يدفعه إلى رجل من إخوانه ، ثمّ يجد في أقربائه محتاجاً ، أيصرف ذلك عمن نواه له أو إلى قرابته ؟
الجواب : «يَصْرِفُهُ إِلَى أَدْنَاهُما وَأَقْرَبِهِما مِنْ مَذْهَبِهِ ، فَإِنْ ذَهَبَ إِلَىٰ قَوْلِ الْعالِم (علیه السّلام): لَا يَقْبَلُ اللهُ الصَّدَقَةَ وَذو رَحِمٍ مُحْتاجِ ، فَلْيُقَسَمْ بَيْنَ الْقَرَابَةِ ، وَبَيْنَ الَّذِي نَوَى حَتَّىٰ يَكُونَ قَدْ أَخَذَ بِالْفَضْلِ كُلِّهِ».
الثانية والعشرون : اختلف أصحابنا في مهر المرأة ، فقال بعضهم : إذا دخل بها سقط المهر ، ولا شيء لها ، وقال بعضهم : هو لازم في الدنيا والآخرة ، فكيف ذلك، وما الذي يجب فيه ؟
الجواب : «إِنْ كَانَ عَلَيْهِ بِالْمَهْرِ كِتابٌ فِيهِ ذِكْرُ دَيْنِ فَهُوَ لازِمٌ لَهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَإِنْ كانَ عَلَيْهِ كِتابٌ فِيهِ اسْمُ الصَّداقِ سَقَطَ إِذا دَخَلَ بها ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كِتابٌ فَإِذا
دَخَلَ بِها سَقَطَ باقي الصداق».
أقول : وعلق الحر العاملى على هذه الرواية بقوله : «أقول : قد عرفت وجهه وأوله قرينة واضحة على أنّ على المرأة الإثبات ، وأنّه بدون بيّنة لا يثبت مقدار المهر»(1).
الثالثة والعشرون : روي لنا عن صاحب العسكر - أي الإمام الحسن (علیه السّلام)- أنه سئل عن الصلاة في الخز الذي يغشى بوبر الأرانب ، فوقع : يَجوزُ ، وروي عنه أيضاً أنه لَا يَجوزُ ، فأي الخبرين يعمل به ؟
الجواب : «إِنَّما حَرَّمَ في هذِهِ الْأَوْبَارَ وَالْجُلودَ ، فَأَمَّا الْأَوْبَارُ وَحْدَها فَكُلُّ حَلال».
أقول : من الشرائط في لباس المصلّي أن لا يكون من أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، وإن كان مذكّى أو حيّاً ، جلداً كان أو غيره ، فلا تجوز الصلاة في جلد غير المأكول ولا شعره ولا صوفه وريشه ووبره ، ولا في شيء من فضلاته ، سواء كان ملبوساً أو مخلوطاً به، أو محمولاً ، واستثنوا من ذلك الخز الخالص غير المغشوش بوبر الأرانب والثعالب(2).
الرابعة والعشرون سُئل بعض العلماء عن معنى قول الصادق (علیه السّلام): «لَا يُصَلَّى في الثَّعْلَبِ ، وَلَا فِي الْأَرَانِبِ ، وَلَا فِي الثَّوْبِ الَّذِي يَلِيهِ» ؟
الجواب : «إِنَّما عَنَى الْجُلودَ دونَ غَيْرها» .
الخامسة والعشرون يتخذ بأصفهان ثياب عتابيّة على عمل الوشا من قز أو إبريسم ، هل تجوز الصلاة فيها ؟
الجواب : «لَا تَجوزُ الصَّلاةُ إِلَّا في ثَوْبِ سَداهُ أَوْ لَحْمَتُهُ قُطْنٌ أَوْ كِتَان».
السادسة والعشرون : المسح على الرجلين بأيهما يبدأ باليمين أو يمسح عليهما جميعاً معاً ؟
الجواب : «يَمْسَحُ عَلَيْهِما مَعاً ، فَإِنْ بَدَأَ بِأَحَدِهِمَا قَبْلَ الْأُخْرَى فَلَا يَبْتَدِئُ إِلَّا بِالْيُمْنى».
أقول : من أجزاء الوضوء مسح الرجلين من رؤوس الأصابع إلى الكعبين ، ويجوز مسح الرجلين معاً دفعة واحدة ، وإذا أراد التعاقب قالوا يجب أوّلاً مسح الرجل اليمنى ، ثمّ الرجل اليسرى ، فإذا عكس فقدم اليسرى على اليمني فليس له ذلك.
السابعة والعشرون : صلاة جعفر في السفر هل يجوز أن تصلى أم لا ؟
الجواب : «يَجوزُ ذلِكَ».
الثامنة والعشرون : تسبيح فاطمة - سلام الله عليها - من سها فجاز التكبير أكثر من أربع وثلاثين ، هل يرجع إلى أربع وثلاثين أو يستأنف ، وإذا سبح تمام سبعة وستين هل يرجع إلى ستة وستين أو يستأنف ؟ وما الذي يجب في ذلك ؟
الجواب : إذا سَها في التَّكْبِيرِ حَتَّى جازَ أَرْبَعَةٌ وَثَلاثِينَ عَادَ إِلَى ثَلاثَةٍ وَثَلاثِينَ وَبَنى عَلَيْها ، وَإِذا سَها في التَّسْبِيحَ فَتَجاوَزَ سَبْعاً وَسِتِّينَ تَسْبِيحَةٌ عَادَ إِلَىٰ سِتَّةٍ وَسِتِّينَ وَبَنىٰ عَلَيْها ، فَإِذا جاوَزَ التَّحْمِيدَ مانَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ»(1).
وخرج بعد أجوبة هذه المسائل من الإمام (علیه السّلام) زيارة كتبها ليزار بها ، وقد ذكرناها في البحوث السابقة .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض تراثه الرائع الذي يُعد من أجمل وأروع ما أثر عن أئمة الهدى (علیهم السّلام).
1) الاحتجاج : 2 : 488 - 492 .
وفيما أعتقد أنّ رغبة القرّاء هي الوقوف على غيبة الإمام المنتظر (علیه السّلام) الصغرى والكبرى، ومعرفة الأسباب التي دعت إلى حجبه عن العالم الإسلامي ، وعدم اشتراكه بأي عمل إيجابي في الأحداث الراهنة التي تمس الحياة الإسلامية ، وقبل أن نعرض لذلك نقدّم إلى القرّاء بعض البحوث التي ترتبط بالموضوع وتتصل به ، وفيما ذلك .
وعنى الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام) كأشد ما تكون العناية بولده الإمام المنتظر المصلح الأكبر ، فأحاطه بهالة من الحفاوة والتقدير والتعظيم ؛ لأنّه بقيّة الله في الأرض ، الذي أعدته السماء لإصلاح الدنيا ، وإقامة ما اعوج من نظام الدين، وإعادة الإسلام نديّاً مشرقاً ترف ألويته على جميع أنحاء الأرض.
لقد أخفى الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام) أمر ولده الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وكتم أمره خوفاً عليه من السلطة العباسية العاتية التي لا ترقب في أهل البيت (علیهم السّلام) إلا ولا ذمة ، ولا ترجو الله فيهم وقاراً ، فأخذت تبحث عنه بحثاً دقيقاً لإلقاء القبض عليه ، وتصفيته جسدياً -كما سنوضح ذلك - وفي الوقت نفسه لم يبق الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام) أمر ولده الإمام المنتظر (علیه السّلام) مجهولاً ، وإنّما أظهره لأعلام شيعته ، وثقات أصحابه ، ودلّهم عليه ، واجتمع بهم ، وقد أذاعوا ذلك ، وأشاعوه في جميع الأوساط الشيعية
التي تدين بالولاء لأئمة أهل البيت (علیهم السّلام) ، وتعتقد بإمامتهم ، حتى أصبح ذلك عندهم أمراً ظاهراً لا خفاء ولا شك فيه .
إنّ موضوع الإمام المنتظر (علیه السّلام) من صميم العقيدة الشيعية ، ومن أوليات مبادئهم ، فهو آخر خلفاء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الذين نصبهم قادة لأمته ، وأعلاماً لدينه ، فكان من الطبيعي اهتمام الأوساط الشيعية بمعرفته ، والوقوف عليه ، وقد أزاح الشك عنه الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام)، وذلك برؤيتهم له ، واجتماعهم به ، وسؤالهم منه عن أحكام دينهم ، وقد أشرنا إلى ذلك بصورة شاملة في البحوث السابقة .
وعانى الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام) صنوفاً مرهقة وقاسية من الظلم والاعتداء من طغاة بني العباس ، فقد جهدوا على إنزال أقصى العقوبات به ، والتي كان منها أنّهم كانوا ينقلونه من سجن إلى سجن ، حتى قضى معظم حياته القصيرة الأمد في ظلمات السجون، كما حجبوه من الالتقاء بشيعته ، ومنعوا العلماء والرواة من الانتهال من نمير علومه ، وضيقوا عليه حياته الاقتصاديّة غاية التضييق ، ويعود السبب في حقدهم البالغ عليه إلى ما يلي:
أوّلاً: إنّ الإمام العسكري (علیه السّلام) في عصره كان أعظم شخصية في العالم العربي والإسلامي ، وقد دان شطر كبير من هذه الأمة بإمامته ، وهو في الوقت نفسه لم يساير الحكم العبّاسي ، ولم يصانعه ، فكان الممثل الوحيد للجبهة المعارضة للعباسيين الذين جهدوا على ظلم الناس ، وإرغامهم على ما يكرهون، فكان موقفه من سياستهم سلبياً وناقداً ومعارضاً ، فلذا قابلوه بمنتهى القسوة والعذاب .
ثانياً : فزع وخشية العبّاسيّين من نجل الإمام وخليفته الإمام المنتظر (علیه السّلام)، الذي بشر به الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأعلن أنه آخر خلفائه الاثني عشر ، وأنّه المصلح
الأعظم الذي ينشر العدل السياسي والاجتماعي ، ويقضي على جميع أفانين الظلم والجور، وقد خاف العباسيون منه ، واعتقدوا أنه هو الذي يقضي على دولتهم القائمة على الظلم والجور، وقد حاولوا غير مرة اغتيال الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام) ليقضوا على نسله ، كما أدلى (علیه السّلام) بذلك في بعض رسائله إلى بعض شيعته ، فقد جاء فيها «زَعَمُوا أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ قَتْلى لِيَقْطَعوا هذَا النَّسْلَ ، وَقَدْ كَذَّبَ الله قَوْلَهُمْ ، وَالْحَمْدُ الله»(1). وكان ذلك بعد ولادة الإمام المنتظر (علیه السّلام).
ثالثاً : قيام السادة العلويين في معظم أنحاء ومناطق الحكم العباسي بثورات عارمة للقضاء على الحكم العبّاسي ، مطالبين بتحقيق العدل السياسي في الإسلام ، وإعلان حقوق الإنسان التي انتهكتها الطغمة الحاكمة من بني العباس ، وقد قوبلت ثورات العلويين بتأييد شامل من جميع الأوساط الإسلامية .
ومن الطبيعي أن ثورات السادة العلويين قد أوغرت صدور العباسيين على جميع العلويين ، وجعلتهم يحقدون عليهم ، وينكلون بهم ؛ كأفظع وأقسى ما يكون التنكيل ، والإمام الحسن العسكري (علیه السّلام في عصره سيّد العلويين وعميدهم المطاع ، فصب عليه العباسيون جام غضبهم ، وجرعوه ألوان الغصص والآلام ، وقابلوه بمنتهى الشدّة والقسوة.
هذه بعض الأسباب التي دعت إلى بغض العباسيين للإمام وحقدهم عليه .
لما علم الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام) أنه مفارق لهذه الحياة ، نص على إمامة ولده الإمام المنتظر (علیه السّلام) ، وعرّفه لخواص أصحابه ، وثقات شيعته ، ومن بينهم أحمد بن إسحاق الأشعري ، الثقة الزكي ، فقد رُوي أنه قال : «دخلت على أبي محمد
1) حياة الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام): 261
الحسن بن علي (علیه السّلام) وأنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده ، فقال لي مبتدئاً :
يا أَحْمَدُ بْنَ إِسْحَاقَ ، إِنَّ اللهَ تَبارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُخْلِ الْأَرْضَ مُنْذُ خَلَقَ آدَمَ ، وَلا يُخْليها إِلى أَنْ تَقومَ السَّاعَةُ مِنْ حُجَّةٍ عَلى خَلْقِهِ ، بِهِ يُدْفَعُ الْبَلاءُ عَنْ أَهْلِ الْأَرْض، وَبِهِ يُنَزَّلُ الْغَيْتُ ، وَبِهِ يُخْرِجُ بَرَكاتِ الْأَرْضِ».
وانبرى أحمد قائلاً: يابن رسول الله ، من الإمام والخليفة بعدك ؟
ونهض الإمام (علیه السّلام) مسرعاً فدخل البيت ، ثم خرج وعلى عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر ليلة البدر ، وهو من أبناء ثلاث سنين .
فقال (علیه السّلام): يا أَحْمَدُ ، لَوْلَا كَرامَتُكَ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَعَلَى حُجَجِهِ ، مَا عَرَضْتُ عَلَيْكَ ابْني هذا ، إِنَّهُ سُمِّيَ بِاسمِ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَ كُنْيَتِهِ ، الَّذِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدلاً ، كَما مُلِئَت ظُلْماً وَجَوراً .
يا أَحْمَدُ ، مَثَلُهُ في هذِهِ الْأُمَّةِ مَثَلُ الْخُضُرِ ، وَمَثَلُ ذِي الْقَرْنَينِ ، وَاللَّهِ لَيَغِيبَنَّ غَيْبَةٌ لَا يَنْجو مِنَ الْهَلَكَةِ فِيهَا إِلَّا مَنْ ثَبَّتَهُ اللهُ عَلَى الْقَولِ بِإِمَامَتِهِ ، وَوَفَّقَهُ فيها للدُّعاءِ بِتَعجِيلِ فَرَجِهِ .
وسارع أحمد قائلاً: هل من علامة يطمئن إليها قلبي؟
وبادر حجة الله الصبي قائلاً: أنا بَقِيَّةُ اللهِ في أَرْضِهِ ، وَالْمُنتَقِمُ مِنْ أَعْدائِهِ ، وَلَا تَطْلُبْ أَثَراً بَعْدَ عَيْنٍ .
وخرج أحمد من دار الإمام والفرح ملء نفسه ، فلما كان اليوم الثاني تشرّف بمقابلة الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام) وبادره قائلاً: يابن رسول الله ، لقد عظم سروري بما مننت به علَيَّ ، فما السنة الجارية من الخضر وذي القرنين ؟
وراح الإمام يبين له السنّة فيهما قائلاً: طُولُ الْغَيْبَةِ .
وأسرع أحمد قائلاً: يابن رسول الله ، وإن غيبته لتطول ؟
فأجابه الإمام : إِي وَرَبِّي ، حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ أَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِهِ ، وَلَا يَبْقَى إِلَّا مَنْ أَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ عَهْداً لِوَلَا يَتِنَا ، وَكَتَبَ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانَ ، وَأَيَّدَهُ بِرُوحِ مِنْهُ.
يا أَحْمَدُ ، هذا أَمْرٌ مِنَ اللهِ ، وَسِرٌّ مِنْ سِرِّ اللهِ ، وَغَيْبٌ مِنْ غَيْبِ اللَّهِ ، فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَاكْتُمْهُ ، وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ تَكُنْ مَعَنا فى عِلِّيِّينَ»(1).
أمّا مضامين هذا الحديث الشريف ، فهي :
أولاً : إن الله تعالى منذ خلق الإنسان على هذه الأرض إلى أن تسلّم مفاتيحها بيده تعالى لا بد أن يقيم الحجّة على عباده ، فيبعث إليهم رسله وأنبياءه وأوصياءهم ليبلغوا رسالة ربّهم ، ويقيموا عليهم الحجّة ، وهذا من باب اللطف ، وهو قاعدة عقليّة أقامها المتكلمون على لزوم إقامة الحجة من الله تعالى ليحيي من حيي عن بينه ، ويهلك من هلك عن بيّنة ، وبالإضافة لذلك فإنّ في وجود الحجة من الثمرات والبركات ما لا يحصى ، والتي منها دفع البلاء عن أهل الأرض ، وإنزال الغيث من السماء ، وغير ذلك .
ثانياً : إن الله تعالى إذا أنعم على عباده بخروج المصلح الأكبر الإمام المنتظر (علیه السّلام)، فإنّهم يظفرون بمكاسب هائلة ، ومن أهمها أنه يقيم العدل السياسي والاجتماعي في الأرض ، ويقضي على جميع أفانين الظلم والاعتداء .
ثالثاً : إن الله تعالى يمد في عمر الإمام المنتظر (علیه السّلام) كما أمد في عمر الخضر وذي القرنين ، وليس ذلك على الله بعسير ، فقد أقام الأرض ومن عليها في الفضاء ، كما أقام سائر الكواكب ، فليس عليه بعزيز أن يمد في عمر وليه لمصالح هو أدرى بها.
رابعاً : إنّ الله تعالى قد امتحن عباده بطول غيبة وليه وناصر دينه ، فلا يثبت على
1) كمال الدين: 216 و 217.
إمامته - بعد طول غيبته - إلا من امتحن الله قلبه للإيمان .
هذه بعض مضامين هذا الحديث الشريف(1).
ومن بين الأخبار التي نص فيها الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام) على إمامة ولده الإمام المنتظر (علیه السّلام) ما رواه الثقة الجليل محمد بن عثمان العمري ، عن أبيه ، قال : سئل أبو محمد الحسن بن عليّ وأنا عنده عن الخبر الذي روي عن آبائه : إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ لِلَّهِ عَلَى خَلْقِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّ مَنْ ماتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مات ميتة جاهليَّةً.
وأكد الإمام (علیه السّلام) صحة الحديث قائلاً: إنَّ هذا حَقٌّ ، كَما أَنَّ النَّهارَ حَقٌّ.
وسارع شخص في مجلس الإمام قائلاً: يابن رسول الله ، فمن الحجّة والإمام بعدك ؟
فدلّه الإمام على حجّة الله بعده قائلاً: ابني مُحَمَّدٌ هُوَ الْإِمَامُ وَالْحُجَّةُ بَعْدِي ، مَنْ ماتَ وَلَمْ يَعْرِفْهُ ماتَ مِينَةٌ جاهِلِيَّةٌ ، أَما إِنَّ لَهُ غَيْبَةٌ يُحارُ فيها الْجاهِلُونَ ، وَيَهْلِكُ فِيها الْمُبْطِلُونَ ، وَيُكَذِّبُ فِيهَا الْوَقَاتُونَ ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْأَعْلَامِ الْبِيضِ تَخْفِقُ فَوْقَ رَأْسِهِ بِنَجَفِ كُوفانَ»(2).
وهذا الحديث الشريف كالحديث السابق في عطائه ومضمونه.
هذه بعض الأحاديث التي نصت على إمامة الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وقد أُثرت عن أبيه الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام) طائفة أخرى غيرها ذكرناها في البحوث السابقة .
وثقل الإمام أبو محمد (علیه السّلام) على الطاغية المعتمد العباسي ، فقد هاله وأزعجه ما يسمع من إجماع المسلمين على تعظيم الإمام والإقرار له بالفضل ، وتقديمه على جميع العلويين والعباسيين ، فأجمع رأيه على اغتياله، فدسّ له سمّاً قاتلاً(1)، فلما تناوله تسمّم بدنه الشريف ، فلازم الفراش وأخذ يعاني آلاماً قاسية ومريرة ، وهو صابر محتسب ، قد ألجأ ما يعانيه إلى الله تعالى .
وفزعت السلطة العبّاسيّة العاتية كأشدّ ما يكون الفزع من تردّي الحالة الصحية للإمام أبي محمد (علیه السّلام)، فأوعز المعتمد العباسي إلى خمسة من ثقاته ورجال دولته ، منهم (تحرير) بملازمة دار الإمام ، والتعرّف على جميع شؤونه وأحواله ، وإخباره بكل بادرة تحدث ، كما أوعز إلى لجنة من الأطباء بإجراء الفحوص عليه صباحاً ومساءً ، ولما كان بعد يومين من تناوله السمّ ضعف حاله ، فقد فتك به السم فتكاً ذريعاً ، وعهد المعتمد إلى الأطباء بملازمة الإمام وعدم مفارقته(2)، كما عهد إلى قاضي القضاة ، ويسمى في هذا العصر بـ(وزير العدل) أن يختار من من أصحابه عشرة أشخاص ممن يوثق بهم ، فاختار من خيرة رجاله عشرة ، وأمرهم بملازمة دار الإمام (علیه السّلام).
وثقلت حال الإمام الزكي أبي محمد ، وأخذ يدنو إليه الموت سريعاً ، وقد يئس
الأطباء منه ، فاتجه صوب القبلة ، ولسانه يلهج بذكر الله تعالى وتلاوة كتابه ، ويدعو الله ضارعاً منيباً أن يقرّبه إليه زلفى ، حتى ارتفعت روحه الطاهرة إلى الله تعالى كأسمى وأزكى روح صعدت إلى الله تعالى ، تحفّها ملائكة الرحمن ، وتستقبلها أرواح الأنبياء والأوصياء.
لقد كان موت الإمام العظيم (علیه السّلام) في ذلك العصر من أعظم النكبات والخطوب التي مني بها العالم الإسلامي ، لقد فقد المسلمون المصلح الأكبر ، الذي كان يسهر على مصالحهم ، وإعلان حقوقهم ، وقد عانى في سبيلهم أمر وأعتى ألوان المحن . وارتفعت الصيحة من دار الإمام (علیه السّلام)، وعلت أصوات السادة العلويين بالبكاء ، فقد فقدوا من كان يحنو عليهم ويعطف .
وغُسل جسد الإمام الطاهر ، وحُنّط ، وأُدرج في أكفانه ، وحمل للصلاة عليه ، فانبرى أبو عيسى بن المتوكل فصلى عليه بأمر من المعتمد العبّاسي(1)، وبعد الفراغ من الصلاة عليه ، أمرت السلطة بكشف وجه الإمام، وعرضه على بني هاشم والعباسيين وقادة الجيش وكتاب الدولة ورؤساء الدوائر والقضاة ، وقال لهم أبو عيسى : «هذا الحسن بن عليّ بن محمّد بن الرضا قد مات حتف أنفه على فراشه ، وحضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته فلان وفلان وفلان ، ومن القضاة فلان وفلان ، ومن المتطببين فلان وفلان ...»(2).
ثمّ غطّى وجهه الشريف ، وإنّما صنع ذلك لرفع التهمة عن بني العباس ، من أنّهم
قد اغتالوا الإمام العسكري (علیه السّلام)، كما صنعوا ذلك من قبل مع جده الإمام موسى الكاظم .
وهرع جميع من كان في سامراء إلى دار الإمام للفوز بتشييع جثمان الإمام ، وهم ما بين باك ونائح ، وقد عطّلت الدوائر الرسمية والمحلات التجارية ، وأُغلقت جميع الأسواق ، وكانت سامراء شبيهة بالقيامة(1).
ولم تشهد سامراء في جميع فترات تاريخها مثل ذلك التشييع الحاشد الذي ضمّ موجات من البشر على اختلاف طبقاتهم ونزعاتهم، وهم يعدّدون فضائل الإمام العسكري (علیه السّلام) ومآثره ، ويذكرون بمزيد من الأسى واللوعة الخسارة العظمى التي منى بها المسلمون .
وجيء بالجثمان المقدّس تحت هالة من التكبير والتعظيم إلى مقره الأخير ، فدفن في داره إلى جانب أبيه الإمام الزكي علي الهادي (علیه السّلام)، وقد واروا معه فلذة من كبد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و صفحة مشرقة من صفحات الرسالة الإسلامية .
ووقف السادة العلويون وبنو العباس على حافة القبر ، وأقبلت الجماهير تعزيهم وتواسيهم بمصابهم الأليم ، وهم يشكرونهم على ذلك ، وانصرف الجميع إلى منازلهم ، وقد نخر الحزن قلوبهم على فقدهم الإمام (علیه السّلام)(2).
واضطربت السلطة كأشدّ ما يكون الاضطراب في موضوع الإمام المنتظر (علیه السّلام).
فکبست دار الإمام العسكري (علیه السّلام)، وكبسوا الدور والمنازل القريبة من دار الإمام (علیه السّلام) لئلا يكون فيها من نساء الإمام (علیه السّلام)، كما فتشت داره تفتيشاً دقيقاً ، وختم على جميع ما فيها بختم الدولة ، وأوعزت السلطة إلى نساء يفتشن جواري الإمام ونساءه ، فمن كان بها أثر الحمل ألقي عليها القبض ، وأخبروا بأن جارية يشتبه بأنها حامل فسارعت السلطة فأخذتها ، وأودعتها في حجرة ، ووكل بها تحرير الخادم ونسوة
لحراستها .
وهكذا اتخذ العباسيون جميع الاجراءات الحاسمة للتفتيش عن الإمام المهدي (علیه السّلام) لإلقاء القبض عليه ، ولكن الله تعالى حجبه عنهم ، وأخفاه عن عيونهم .
ووفدت جمهرة من القمّيّين والإيرانيين ومعهم الأموال من الشيعة إلى الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام)، فلما انتهوا إلى سامراء أخبروا بوفاة الإمام (علیه السّلام)، فسألوا عن القائم مقامه ، فأخبرهم بعض عملاء جعفر أنّه الإمام ، وأنّه قد خرج متنزهاً في دجلة ، ومعه فريق من المغنّين ، فهالهم ذلك ؛ لأنّ الإمام لا يقترف أي ذنب أو معصية ، وصمّم الوفد على الالتقاء به، والتعرّف على خبره ، فلما قفل جعفر إلى منزله خفّوا إليه ، فسلّموا عليه ، وقالوا له : نحن من قم ، ومعنا جماعة من الشيعة ، وكنا نحمل إلى سيدنا أبي محمد الحسن بن علي (علیه السّلام) الأموال .
وسارع جعفر قائلاً: أين هي ؟
قالوا : معنا .
وبادر جعفر قائلاً: احملوها إليَّ .
فطلبوا منه أن يخبرهم عن كمّية الأموال ، ومن أرسلها إلى الإمام (علیه السّلام) كما كان يخبرهم بذلك الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام)، فزجرهم جعفر وصاح بهم : كذبتم ،
تقولون على أخي ما لا يفعله ، هذا علم الغيب ، ولا يعلمه إلا الله.
وعجب القوم ، وراح بعضهم ينظر إلى بعض ، وتميّز جعفر غيظاً وغضباً وقال لهم : احملوا إلى هذا المال .
فردوا عليه : إنا قوم مستأجرون وكلاء ، وإنا لا نسلّم المال إلا بالعلامة التي كنا نعرفها من سيدنا الحسن بن علي (علیهما السّلام)، فإن كنت الإمام فبرهن لنا ، وإلا رددنا الأموال إلى أصحابها يرون فيها رأيهم .
ونهض جعفر مسرعاً إلى الخليفة ، فأخبره بالأمر مستعيناً به على أخذ الأموال منهم ، فبعث خلفهم . فلما مثلوا أمامه قال لهم : احملوا هذا المال إلى جعفر .
فقالوا له برجاء : أصلح الله أمير المؤمنين ، إنا قوم مستأجرون وكلاء لأرباب هذه الأموال ، وأمرونا أن لا نسلمها إلا بعلامة ودلالة ، وقد جرت بهذه العادة مع أبي محمد الحسن بن علي (علیهما السّلام).
وسارع الخليفة قائلاً: فما كانت العلامة مع أبي محمد ؟
وراحوا يخبرونه عنها قائلين : إنّه كان يصف لنا الدنانير وأصحابها ، والأموال ، وكم هي ؟ فإذا فعل ذلك سلّمناها إليه ، وقد وفدنا إليه مراراً ، فكانت هذه علامتنا معه ، وقد مات ، فإن يكن هذا الرجل صاحب هذا الأمر فليقم لنا بما كان يقيمه لنا أخوه ، وإلا رددناها على أصحابها .
وتميّز جعفر غضباً ، فقال للخليفة : يا أمير المؤمنين ، إنّ هؤلاء قوم كذابون على أخي ، وهذا علم الغيب .
فلم یعن به الخليفة ، واستجاب للوفد وقال الجعفر : القوم رسل ، وما على الرسول إلا البلاغ المبين .
وأسقط ما في يد جعفر ، والتفت الوفد إلى الخليفة طالبين منه الحماية حتى
يخرجوا من سامراء ، فبعث معهم نقيباً من الشرطة لحراستهم ، فلما خرجوا من المدينة طلع عليهم شاب ، حسن الوجه ، فصاح بأسمائهم واحداً بعد واحد ، وقال لهم : أجيبوا مولاكم.
قالوا : أنت مولانا.
قال : معاذ الله ، أنا عبد مولاكم ، فسيروا إليه .
وساروا معه ، وقد ملئت نفوسهم سروراً ، فأتوا إلى دار الإمام المهدي (علیه السّلام) ، وكان جالساً على سرير ، كأن وجهه الشريف فلقة قمر ، وعليه ثياب خضر ، فسلّموا عليه ، ولما استقر بهم المجلس بادر الإمام (علیه السّلام) فأخبرهم بكمية المال ، وبأسماء المرسلين له ، وعرفهم برجالهم ، وما كان معهم من الدواب ، ولم يبق بادرة إلا أخبرهم بها ، فخروا الله ساجدين ؛ لما هداهم من معرفة الإمام (علیه السّلام)، ثم سألوه عن بعض الأحكام الشرعيّة ، فأجابهم عنها ، فسلّموه الأموال ، وأمرهم أن لا يحملوا شيئاً من الأموال إلى سامراء ، وأنّه ينصب له وكيلاً ببغداد يحملون الأموال إليه ، وتخرج بواسطته التوقيعات ، كما دفع الإمام (علیه السّلام) إلى أبي العباس محمد بن جعفر القمي الحميري شيئاً من الحنوط والكفن ، وقال له : عَظَّمَ اللهُ أَجْرَكَ في نَفْسِكَ ، وخرج الوفد ، ولما بلغوا عقبة همدان توفّى أبو العباس(1).
وحمل جعفر إلى الخليفة العباسي عشرين ألف دينار لما توفّي الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام)، وطلب منه أن يجعله في مرتبة أخيه الحسن، ويصيّره في منزلته ، فردّ عليه الخليفة قائلاً: «اعلم أنّ منزلة أخيك لم تكن بنا ، وإنما كانت بالله عزّ وجلّ ، ونحن قد جهدنا في حط منزلته ، والوضع منها ، ولكنّ الله عزّ وجلّ يأبى إلا أن يزيده
1) كمال الدين : 478.
كل يوم رفعة ، لما كان فيه من الصيانة ، وحسن السمت ، والعلم والعبادة ، فإن كنت عند شيعة أخيك بمنزلته فلا حاجة بك إلينا ، وإن لم تكن بمنزلته ولم يكن فيك ما كان في أخيك لم نغن عنك شيئاً»(1).
و حفل كلام الخليفة العباسي بالحق والصدق، فإنّ مكانة الإمام (علیه السّلام) ومنزلته كما يقول - ليست خاضعة للسلطة ، ولا بيدها لتهبها لمن تشاء ، وإنما أمرها بيد الخالق العظيم ، فهو الذي يختار للإمامة خيار عباده من الذين لا يسبقونه بالقول ، وهم بأمره يعملون ، وقد جهدت السلطة العبّاسيّة في الحد من شأن الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام) وغيره من أئمة الهدى (علیهم السّلام)، وقابلتهم بمنتهى الشدّة والقسوة ، وأنزلت
الله العقاب الأليم بأتباعهم وشيعتهم لتصرفهم عنهم ، فما زادهم ذلك إلا وثوقاً وإيماناً بهم ، وقد خسر جعفر بادعائه الإمامة ، واستعانته بالسلطة لتضفي عليه هذا المركز العظيم .
1) منتخب الأثر : 459 .
وكان من عظيم لطف الله تعالى وعنايته بالإمام المنتظر (علیه السّلام) أن حجبه عن عيون الظالمين من بني العباس ، الذين جهدوا على تصفيته جسدياً ، فقد غيّبه تعالى عن أبصارهم كما غيّب جده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) عن أبصار قريش حينما اجتمعوا على قتله ، فقد خرج من بينهم وهم لا يشعرون ، وكذلك الإمام المهدي (علیه السّلام)، فقد كان في وسطهم وهم لا يرونه .
ونتحدّث في البحوث الآتية عن شؤون الغيبة الصغرى للإمام المنتظر (علیه السّلام) وما يرتبط بها من بحوث .
وكانت الغيبة الصغرى للإمام (علیه السّلام) عند وفاة أبيه الحسن العسكري (علیه السّلام) سنة 260هـ(1)، ففي هذا الوقت احتجب الإمام عن أعين الناس ، إلا أنه كان يلتقي بخيار المؤمنين والصالحين ، كما سنعرض لذلك.
أما المكان الذي احتجب فيه الإمام (علیه السّلام) فهو في داره الواقعة في سامراء ، والتي فيها المرقد الطاهر لجثمان جده الإمام على الهادي وأبيه الإمام العسكري (علیهما السّلام).
واتهمت الشيعة في غير إنصاف ، وألصقت بهم أكاذيب ملفقة لتشويه واقعهم
1) مرآة الجنان : 2 : 107 ، 172 . تاريخ الخميس : 2 : 347 تاريخ ابن الوردي : 1 : 319.
المشرق الذي أضاء الحياة الفكرية في دنيا العرب والإسلام.
ومن بين المخاريق التي ألصقت بهم فيما يخص الإمام المنتظر (علیه السّلام) غيابه في السرداب ، أما السرداب الذي غاب فيه فقد ذكروا في تعيينه قولين :
ذكر ذلك ابن خلدون ، قال : «ويزعمون - أي الشيعة - أنّ الثاني عشر من أئمتهم هو محمد بن الحسن العسكري ، ويلقبونه بـ(المهدي) ، دخل في سرداب بدارهم في الحلة ، وتغيب حين اعتقل مع أمه ، وغاب هناك ، وهو يخرج آخر الزمان فيملأ الأرض عدلاً ، وهم يشيرون بذلك إلى الحديث الواقع في كتاب الترمذي في المهدي ، وهم الآن ينتظرونه ، ويسمونه المنتظر لذلك ، ويقفون في كل ليلة بعد صلاة المغرب بباب هذا السرداب ، وقد قدّموا مركباً فيهتفون باسمه ، ويدعونه للخروج حتى تشتبك النجوم ، ثمّ ينفضون ويرجون الأمر إلى الليلة الآتية ، وهم على ذلك العهد»(1).
وحفل كلام ابن خلدون بالأكاذيب والحقد على آل البيت (علیهم السّلام)، وعلى شيعتهم، ومن بين أغاليطه ما يلي :
أولاً : إنكاره لوجود الإمام المنتظر (علیه السّلام) الي الذي تواترت بظهوره ، ووجوده الأخبار التي أثرت عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد فند مقالته الأستاذ المحقق ، والعالم المعروف محمد أحمد شاكر ، فقد قال : «وأما ابن خلدون فقد قفا ما ليس به علم ، واقتحم قحماً لم يكن من رجالها ، وغلبه ما شغله من السياسة ، وأمور الدولة وخدمة من كان يخدم من الملوك والأمراء ، فأوهم أنّ شأن المهدي عقيدة شيعية ، وأوهمته نفسه ذلك ، فعقد في مقدّمته المشهورة فصلاً طويلاً جعل عنوانه (فصل في أمر الفاطمي ،
1) مقدّمة ابن خلدون : 359.
وما يذهب إليه الناس من أمره) ...»(1).
إن عقيدة الشيعة وسائر المسلمين في الإمام المهدي (علیه السّلام) هي جزء من رسالة الإسلام ، فمن أنكره فقد أنكر الإسلام ، كما يقول بذلك بعض علماء السنة ، كما سنعرض لذلك في البحوث الآتية .
ثانياً : من أغاليط ابن خلدون في هذا الكلام أنّ الإمام المنتظر (علیه السّلام) قد اعتقل مع أُمه في الحلة وغاب فيها ، وهذا كذب مفضوح ، ويواجهه ما يلي :
1 - إنّ السيّدة والدة الإمام (علیه السّلام) قد توفيت قبل وفاة الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام)بسنتين .
2 - ولم يذكر أحد من مؤرّخي الشيعة وغيرهم أنّ الإمام المنتظر (علیه السّلام) قد اعتقل أو ألقت السلطة العبّاسيّة القبض عليه ، لا في الحلة ولا في غيرها، فما ذكره ابن خلدون عن ذهاب الشيعة إلى ذلك إنّما هو محض افتراء وتشويه لعقيدتهم.
ثالثاً : من افتراء ابن خلدون على الشيعة أنّهم يقفون بباب السرداب الواقع في الحلّة ، ويقدّمون مركباً للإمام (علیه السّلام) ويهتفون باسمه ، ويدعونه للخروج حتّى تشتبك النجوم .
إنّ هذه الأكاذيب لم تسمع بها الشيعة ، وهي بريئة منها ، قد افتعلها عليهم ابن خلدون الذي تجرّد عن كلّ خلق قويم ، وارتطم في الإثم.
ذكر جمهرة من مؤرّخي السنّة أنّ الشيعة تذهب إلى أن الإمام المنتظر (علیه السّلام) قد غاب في السرداب الكائن في داره في سامراء ، وكان من الذاكرين لذلك :
1) حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل : 3 492 ، تعليق محمد أحمد شاكر .
قال السويدي : «وتزعم الشيعة أنّه غاب في السرداب (بسر من رأى) والحرس عليه سنة 262هـ»(1).
زعم ابن تيمية أن الشيعة تعتقد أن الإمام (علیه السّلام) باقي في السرداب - الواقع في سامراء - وينتظرون خروجه منه(2).
ذكر ذلك ابن حجر ، ونسبه إلى الشيعة على رأي ابن خلكان ، ونقل عنه أنّ الشيعة ترى أنّه - أي الإمام المهدي (علیه السّلام)- الإمام المنتظر ، وهو صاحب السرداب عندهم ، وهم ينتظرون خروجه آخر الزمان من السرداب بـ(سر من رأى) دخله في دار أبيه ، وأُمّه تنظر إليه سنة 265هـ» .
وقد أضاف بعد ذلك قائلاً: «ولقد أحسن القائل :
ما آنَ لِلسِّردابِ أَنْ يَلِدَ الذى *** صَيَّرْتُمُوهُ بِجَهْلِكُمْ إِنسانا
فَعَلى عُقُولِكُمُ الْعَفا إِذ أَنَّكُم *** ثَقَلتُمُ الْعَنقاءَ والغيلانا»(3)
حفنة من التراب في فم هذا الشاعر الذي هجا شيعة آل البيت (علیهم السّلام) بما لم تلتزم به ، ولم تقل به ، وهو وأمثاله من المنحرفين والضالين قد تحاملوا على الشيعة بمثل هذه الأكاذيب التي لا نصيب لها من الواقع ، والتي تنم عن أحقاد وأضغان ليست
على الشيعة ، وإنّما هي على أئمة الهدى، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
أما عبد الله القصيمي ، فقد تحامل على الشيعة ، وافترى عليهم بشأن الإمام المنتظر (علیه السّلام). انظروا إلى أكاذيبه : «وإن أغبى الأغبياء ، وأجمد الجامدين هم الذين غيبوا إمامهم في السرداب ، وغيبوا معه قرآنهم ومصحفهم ، ومن يذهبون كلّ ليلة بخيولهم وحميرهم إلى ذلك السرداب الذي غيّبوا فيه إمامهم ينتظرونه وينادونه ليخرج إليهم ، ولا يزال عندهم ذلك منذ أكثر من ألف عام»(1).
وعلّق المحقق الأميني - نضر الله مثواه - على هذه الكلمات السوداء بقوله : وفرية السرداب أشنع ، وإن سبقه إليها غيره من مؤلّفي أهل السنّة ، لكنّه زاد في الطنبور نفخات بضم الحمير إلى الخيول ، وادعائه اطراد العادة في كل ليلة ، واتصالها منذ أكثر من ألف عام ، والشيعة لا ترى أنّ غيبة الإمام في السرداب ، ولا هم غيبوه فيه ، ولا أنه يظهر منه ، وإنّما اعتقادهم المدعوم بأحاديثهم أنه يظهر بمكة المعظمة تجاه البيت ، ولم يقل أحد في السرداب»(2).
ولا بد لنا من وقفة قصيرة للنظر في شأن السرداب المجاور لمرقد الإمامين الهادي والعسكري (علیهما السّلام) في سامراء ، فقد حظي بهالة من التقديس والتعظيم عند عامة الأوساط الشيعية ، كما يوجد عليه شباك أثري ، وضعه عليه الخليفة العباسي الناصر لدين الله.
إنّ هذا المكان الشريف كان مصلى لأئمة ثلاثة من أئمة أهل البيت (علیهم السّلام): الإمام الهادي ، وابنه الحسن العسكري، وابنه الحجّة المنتظر (علیهم السّلام)، ولم يذهب أحد من علماء الشيعة ومؤرّخيهم إلى أنّ الإمام المنتظر (علیه السّلام) قد غاب في السرداب ، سواء أكان السرداب في سامراء أم في الحلة أم في بغداد . استمعوا إلى ما يقوله بعض علماء الشيعة :
قال الحجّة النوري صاحب (المستدرك) في (كشف الأستار) : «نحن كلّما راجعنا وتفحصنا لم نجد لما ذكروه أثراً ، بل ليس في الأحاديث ذكر للسرداب أصلاً»(1).
قال العلّامة الحجّة صدر الدين : «ما نسبه إلينا - من غيابه في السرداب - كثير من خواص أهل السنّة ، فلا أعرف له مدركاً ، ولم أجد له مستنداً»(2).
قال المحقق الإربلي : «والذين يقولون بوجوده لا يقولون إنّه في سرداب ، بل يقولون : إنّه موجود يحل ويرتحل ، ويطوف في الأرض»(3).
وتقدّم كلام المحقق الأميني في نفيه لهذه الأسطورة التي اتهمت بها الشيعة في غياب الإمام (علیه السّلام) في السرداب ، وقد أضاف إليه قوله : «وليت هؤلاء المتقولين في
أمر السرداب اتفقوا على رأي واحد في الأكذوبة ، حتى لا تلوح عليها لوائح الافتعال فتفضحهم ، فلا يقول ابن بطوطة في رحلته (الصفحة 198) : إنّ هذا السرداب المنوّه به في الحلة ، ولا يقول القرماني في أخبار الدول : إنّه في بغداد ، ولا يقول آخرون : إنّه بسامراء ، ويأتي القصيمي من بعدهم فلايدري أين هو ، فيطلق لفظ السرداب ليستر سوءته»(1).
إن غيبة الإمام المنتظر (علیه السّلام) في السرداب أسطورة لم يقل بها أحد من الشيعة منذ فجر تاريخهم حتى يوم الناس هذا ، وإنّما افتعلها خصومهم والحاقدون عليهم .
وأقام الإمام المنتظر (علیه السّلام) كوكبة من خيار العلماء والصالحين سفراء له ، كانوا واسطة بينه وبين الشيعة ، وكانت مهمتهم حمل المسائل الشرعيّة من الشيعة إليه فيجيبهم عنها ، وقد ألمحنا إلى بعضها في البحوث السابقة ، أما السفراء المكرمون البررة فهم :
وأوّل وكلاء الإمام المنتظر (علیه السّلام) هو الثقة الزكي الأمين عثمان بن سعيد ، فقد شغل مركز النيابة عن الإمام، وكان همزة وصل بينه وبين الشيعة ، ونتحدث بإيجاز عن بعض شؤونه .
تولّى عثمان شرف خدمة الأئمة الطاهرين (علیهم السّلام)، وكان له من العمر إحدى عشرة سنة ، وقام بما يحتاجون إليه ، في وقت كان من أشدّ الأوقات حراجةً ومحنة على
1) موسوعة الغدير : 3: 309.
أهل البيت (علیهم السّلام)، فقد فرضت السلطة العبّاسيّة ، خصوصاً في أيام المتوكل العباسي ، الرقابة الشديدة عليهم، ومنعت وصول الحقوق الشرعيّة التي تبعثها الشيعة إليهم ، وكان عثمان يتظاهر ببيع السمن حتّى لقب بالسمّان ، فكانت الحقوق الشرعية تصل إليه ، فكان يجعلها في زقاق السمن ، ويبعثها إلى الإمام الهادي ، ومن بعده إلى ولده الحسن العسكري (علیهما السّلام)، وبذلك رفع الضائقة الاقتصادية عنهم ، كما تولى النيابة عن الإمام المنتظر .
كان عثمان ثقة زكيّاً عدلاً، حسبما نصت عليه جميع مصادر التراجم ، وقد نص على توثيقه الإمام الهادي (علیه السّلام) . انظروا إلى بعض النصوص في توثيقه :
روى أحمد بن إسحاق ، قال : «سألت أبا الحسن علي الهادي (علیه السّلام) : من أعامل ، وعمّن آخذ ، وقول من أقبل ؟
فأرشده الإمام (علیه السّلام) إلى العمري منبع الحق والصدق ، قائلاً : الْعُمَرِيُّ ثِقَتى ، فَما أَدَى إِلَيْكَ فَعَنِّي يُؤَدِّي ، وَما قَالَ عَنِّي فَعَنّي يَقولُ ، فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ ، فَإِنَّهُ النَّقَهُ الْمَأْمونُ»(1).
وقد نال العمري بهذا الثناء العاطر الدرجة الرفيعة من الوثاقة والعدالة وسموّ المنزلة عند الإمام (علیه السّلام).
2 - سأل شخص الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام) عن العمري ، فقال له : «الْعُمَرتُ وَابْنُهُ ثِقَتانِ ، فَما أديا إلَيْكَ فَعَنّى يُؤَدِّيانِ ، وَما قَالا لَكَ ، فَعَنِّي يَقولانِ ، فَاسْمَعْ لَهُما أَدَّيا وَأَطِعْهُما ، فَهُما الثَّقَتانِ الْمَأْمُونان»(2).
3 - ومن جملة الوثائق في توثيقه ، وعظيم مكانته عند الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام) ما جاء في رسالته إلى إبراهيم بن عبدة النيسابوري ، فقد أمره بطاعته واتِّباعه : «وَلَا تَخْرُجَنَّ مِنَ الْبَلْدَةِ حَتَّى تَلْقَى الْعُمَرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِرِضايَ عَنْهُ ، فَتُسَلَّمَ عَلَيْهِ ، وَتَعْرِفُهُ وَيَعْرِفُكَ ، فَإِنَّهُ الطَّاهِرُ الأمينُ الْعَفيف ، القَريبُ مِنا».
وهذا التوثيق وغيره مما يدلّل على تقوى العمري ، وعظيم منزلته عند الإمام (علیه السّلام)، وأنه من أوثق الناس ، وأشدّهم حريجة في الدين.
وتولى الشيخ العمري الثقة المأمون النيابة المطلقة والوكالة العامة عن الإمام المنتظر (علیه السّلام)، فكان همزة الوصل بين الإمام (علیه السّلام)، وشيعته ، وكان يحمل إليه حقوقهم ورسائلهم ، وقد حظي بهذه النيابة التي لم يحظ بها غيره من ثقات الشيعة .
انتقل إلى حظيرة القدس تحفه ملائكة الرحمن ، ودفن في مقره الأخير في بغداد بجانب الرصافة ، وله قبر مشيّد يزوره المؤمنون .
قال الشيخ الطوسي : «وكنا ندخل إليه - أي إلى قبره - ونزوره مشاهرة ، وكذلك من وقت دخولي إلى بغداد ، وهي سنة 408ه إلى نيف وثلاثين وأربعمائة» .
وأضاف: «وعمل الرئيس أبو منصور بن محمد بن فرج عليه صندوقاً، ويتبرك جيران المحلة بزيارته»(1).
وابن الإمام المنتظر (علیه السّلام) الفقيد العظيم بكلمة رفعها إلى نجله العالم أبي جعفر
1) مراقد المعارف : 2 : 63 .
محمد بن عثمان ، جاء فيها :
«إِنَّا للهِ وإِنَّا إِلَيْهِ راجِعونَ تَسْلِيماً لِأَمْرِهِ ، وَرِضاً بِقَضائِهِ، عاش أبوك سعيداً ، وَمات حميداً ، فَرَحِمَهُ اللهُ ، وَالْحَقَهُ بِأَوْلِيانِهِ وَمَوَالِيهِ ، فَلَمْ يَزَلْ مُجْتَهِداً فِي أَمْرِهِمْ ، ساعِياً في ما يُقَرِّبُهُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ ، نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ ، وَأقالَ عَشْرَتَهُ.
أَجْزَلَ اللهُ لَكَ الثَّوابَ ، وَأَحْسَنَ لَكَ الْعَزاءَ ، وَرُزيتَ وَرُزينا ، وَأَوْحَشَكَ فِراقُهُ وَأَوْحَشَنَا ، فَسَرَّهُ اللهُ فِى مُنْقَلَبِهِ ، وَكانَ مِنْ سَعادَتِهِ أَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ وَلَداً مِثْلَكَ يَخْلُفُهُ مِنْ بَعْدِهِ ، وَيَقومُ مَقامَهُ بِأَمْرِهِ ، وَيَتَرَحْمُ عَلَيْهِ ، وَأَقولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ فَإِنَّ الْأَنْفُسَ طَيِّبَةٌ بِمَكاتِكَ وَما جَعَلَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيكَ وَعِنْدَكَ ، وَقَوَاكَ وَعَضَدَكَ ، وَوَفِّقَكَ وَكَانَ لَكَ وَلِيّاً وَحافِظاً وراعياً»(1)
وحكت هذه الكلمات مدى حزن الإمام (علیه السّلام) على نائبه ووكيله الذي كان عنصراً من عناصر الإيمان والتقوى، كما أعرب الإمام عن ثقته البالغة بولده أبي جعفر محمد الذي توفّرت فيه جميع المثل العليا والصفات الرفيعة .
وتولّى محمّد بن عثمان بعد وفاة أبيه شرف النيابة عن الإمام المنتظر (علیه السّلام) ، فقد كان من ثقات الشيعة ، ومن أعلامهم المبرزين في العلم والتقوى ، وكان كأبيه موضع ثقة الجميع، وكانت حقوق الشيعة واستفتاءاتهم ترد على يده ، وهو بدوره يرفعها إلى الإمام (علیه السّلام) فيجيبهم عنها ، ونتحدث بإيجاز عن بعض شؤونه .
وأجمع المترجمون لمحمد بن عثمان على وثاقته وعدالته ، وأنّ له منزلة جليلة ،
1) بحار الأنوار: 51: 349 .
ومكانة معظمة عند الشيعة ، ويكفيه فخراً أنه تولى النيابة عن الإمام الحجة الله في حياة أبيه وبعد وفاته(1).
وقد خرج التوقيع من الإمام المنتظر (علیه السّلام) في سمو منزلته ، وهذه صورته :
«وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُمَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ ، فَإِنَّهُ ثِقَتِي ، وَكِتابُهُ کتابی»(2).
وقد سئل الإمام الحسن العسكري عن عثمان العمري فقال (علیه السّلام): «الْعُمَرِيُّ وَابْتُهُ ثِقَتانِ ، فَما أَدَّيا إِلَيْكَ فَعَنِّي يُؤَدِّيانِ ، وَما قالا لَكَ فَعَنِّي يَقولان ، فَاسْمَعْ لَهُما وَأَطِعْهُما فَإِنَّهُما الثَّقَتانِ الْمَأْمونان»(3)
وكان من عظيم منزلته ، وسموّ شأنه عند الإمام المنتظر (علیه السّلام) أنه كتب في حقه إلى محمد بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي ما نصه : لَمْ يَزَلْ - أي محمّد - ثِقَتُنا في حَياةِ الْأَبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضاهُ ، وَنَضَّرَ وَجْهَهُ ، يَجْرِى عِنْدَنا مَجْراهُ ، وَيَسُدُّ مَسَدَّهُ ، وَعَنْ أَمْرِنا يَأْمُرُ الْإِبْنُ ، وَبِهِ يَعْمَلُ ، تَوَلَاهُ اللهُ فَانْتَه إِلى قَوْلِهِ»(4).
وحجّ محمّد بن عثمان بيت الله الحرام ، فتشرّف برؤية الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وقد رآه متعلقاً بأستار الكعبة ، في المستجار وهو يقول :
«اللَّهُمَّ انْتَقِمْ بي مِنْ أَعْدائِكَ ، اللهُمَّ أَنْجِزْ لي ما وَعَدْتَني»(5).
محمد أنّ الإمام (علیه السّلام) يحج في كلّ سنة ، قال : «والله إن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلّ سنة يرى الناس ويعرفهم ، ويرونه ولا يعرفونه»(1).
ألف محمّد بن عثمان مجموعة من الكتب في الفقه والحديث ، التي سمعها من الإمامين الحسن العسكري والمنتظر (علیهما السّلام)، ومن أبيه عثمان بن سعيد وهو ما سمعه من الإمامين ، وذكرت أم كلثوم بنت أبي جعفر أن كتبه وصلت إلى أبي القاسم الحسين بن روح(2).
وأقام محمّد خمسين سنة يتولّى شرف شؤون النيابة العامة والوكالة المطلقة عن الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وكانت الشيعة تحمل إليه الحقوق الشرعية ليوصلها إلى الإمام (علیه السّلام)، كما كانوا يبعثون إليه المسائل الشرعية فيجيبهم الإمام (علیه السّلام) عنها(3).
كان أبو جعفر محمد بن عثمان على جانب كبير من الإيمان والتقوى ، وقد شعر بملاقاة الله تعالى ، فحفر له قبراً ، وجعل ينزل فيه ويقرأ فيه جزءاً من القرآن الكريم ، كما صنع لوحاً كتب فيه آيات من القرآن ، وأسماء الأئمة الطاهرين ، وأوصى أن يدفن معه ، ولم يمض قليل من الزمن حتى ألمت به الأمراض ، واشتدت به العلل ، حتى صعدت روحه إلى الله تعالى كأسمى روح مؤمنة ارتفعت إلى الله في ذلك العصر، وكانت وفاته في آخر جمادى الأولى سنة 305هـ.
والحسين بن روح هو النائب الثالث للإمام المنتظر (علیه السّلام) في زمن الغيبة الصغرى ، وكان على جانب كبير من التقوى والصلاح ، ووفور العلم والعقل ، كما كان محترماً عند الخاصة والعامة ، وقد رشّحه إلى النيابة العامة محمّد بن عثمان ، لما مرض عاده الوجوه والأشراف من الشيعة وقالوا له : إن حدث بك أمر فمن يكون مكانك ؟
فقال لهم : «هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي ، والسفير بينكم وبين صاحب الأمر عجّل الله فرجه ، والوكيل له ، والثقة الأمين ، فارجعوا له في أموركم ، وعوّلوا عليه في مهماتكم ، فبذلك أُمرت وقد بلغت»(1).
ونعرض لبعض أحواله :
وجرت مناظرة بينه وبين معاند للحق أظهرت مدى قدراته العلميّة ، واطلاعه ، الواسع فقد قال له رجل معاند : إنّي أُريد أن أسالك عن شيء ؟
فأجابه : سل عما بدا لك .
قال : أخبرني عن الحسين (علیه السّلام) أهو ولي الله ؟
وسارع الحسين قائلاً : نعم .
وسارع الرجل قائلاً: هل يجوز أن يسلّط الله عزّ وجلّ عدوّه على وليه ؟
فانبرى الحسين يجيبه قائلاً : افهم ما أقول لك : اعلم أنّ الله تعالى لا يخاطب الناس بمشاهدة العيان ، ولا يشافههم بالكلام ، ولكنّه جلّت عظمته يبعث إليهم رسلاً من أجناسهم وأصنافهم بشراً مثلهم ، ولو بعث إليهم رسلاً من غير صفتهم وصورهم لنفروا
1) منتخب الأثر : 397.
عنهم ، ولم يقبلوا منهم ، فلما جاؤوهم وكانوا من جنسهم يأكلون ، ويمشون في الأسواق ، قالوا لهم : أنتم مثلنا لا نقبل منكم حتى تأتوا بشيء نعجز عن أن نأتي بمثله ، فنعلم أنكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه ، فجعل الله عزّ وجلّ لهم المعجزات التي يعجز الخلق عنها ، فمنهم من جاء بالطوفان بعد الإعذار والإنذار ، فغرق جميع من طغى وتمرد.
ومنهم من أُلقي في النار فكانت عليه برداً وسلاماً ، ومنهم من خُلق له البحر ، وفجر له من الحجر العيون ، وجعل له العصا اليابسة ثعباناً تلقف ما يأفكون ، ومنهم من أبرأ الأكمه وأحيا الموتى بإذن الله ، وأنبأهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ، ومنهم من انشق له القمر ، وكلّمته البهائم مثل البعير والذئب وغير ذلك ، فلما أتوا بمثل ذلك، وعجز الخلق من أُمتهم أن يأتوا بمثله كان من تقدير الله جل جلاله ولطفه بعباده ، وحكمته أن جعل أنبياءه مع هذه المعجزات في حال غالبين ، وأُخرى مغلوبين ، وفي حال قاهرين ، وأُخرى مقهورين ، ولو جعلهم عزّ وجل في جميع أحوالهم غالبين قاهرين ولم يبتلهم ولم يمتحنهم لا تخذهم الناس آلهة من دون الله عزّ وجلّ ، ولما عرف فضل صبرهم على البلاء والمحن والاختبار ، ولكنه جعل أحوالهم في ذلك كأحوال غيرهم ليكونوا في حال المحنة والبلوى صابرين ، وفي العافية والظهور على الأعداء شاكرين ، ويكونوا في جميع أحوالهم متواضعين غير شامخين ولا متجبرين وليعلم العباد أنّ لهم (علیهم السّلام) إلهاً هو خالقهم ومدبّرهم فيعبدوه ويطيعوا رسله ، ويكونوا حجة الله ثابتة على من يجاوز الحد فيهم ، وادّعى لهم الربوبية أو عاند ، وخالف وعصى وجحد بما أتت به الأنبياء والرسل ؛ وليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حى عن بینه.
ودلّت هذه المناظرة على براعة الحسين وعلى قدراته العلمية ، فقد أقام البراهين الحاسمة على إبطال ما ذهب إليه المعاند ، فلم ينبس ببنت شفة ، وبان عليه العجز ،
وكان محمد بن إبراهيم بن إسحاق حاضراً في المجلس وقد بهر بكلام الحسين ، فأقبل عليه في اليوم الثاني ليسأله عن الدليل الذي أقامه في تفنيد كلام الخصم ، هل هو من عنده أو أخذه من أئمة الهدى (علیهم السّلام).
ولما استقر به المجلس التفت إليه الحسين قائلاً: يا محمد بن إبراهيم ، لئن أخر من السماء إلى الأرض فتخطفني الطير ، أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أحبّ إلى من أن أقول في دين الله برأيي ، ومن عند نفسي ، بل ذلك من الأصل ، ومسموع من الحجّة صلوات الله وسلامه عليه»(1).
كان الحسين بن روح قوي الإرادة، شديد الصلابة فى الحق ، يقول أبو سهل النوبختي : «لو كان الحجّة (علیه السّلام) تحت ذيله وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه»(2).
وكان الحسين بن روح يؤثر التقيّة ويجاري محيطه الذي كان مشحوناً بالبغض والعداء لأهل البيت (علیهم السّلام)، فقد روى المؤرّخون عنه أن بوّابه لعن معاوية وشتمه ، فأمر بطرده من وظيفته التي كان عليها ، وبقى البوّاب مدة يوسط إليه مختلف الطبقات في إرجاعه فلم يردّه(3).
كتب العلّامة عليّ بن الحسين القمي رسالة إلى الحسين بن روح يطلب فيها أن
يسأل الإمام (علیه السّلام) بأن يدعو الله تعالى له ليرزقه أولاداً فقهاء من زوجته التي هي بنت لا عمه ، ورفع الحسين طلبه إلى الإمام (علیه السّلام)، فجاء الجواب : «أَنَّهُ لَا يُرْزَقْ مَنْ زَوجَتِهِ ، الله وَلكنَّهُ سَيَملِكُ جاريةٌ وَيُرزَقُ منها وَلَدَينِ فَقيهين»، ولم تمض الأيام حتى ملك جارية ديلمية فرزقه الله منها ثلاثة أولاد ، وهم : محمد والحسن والحسين .
أما محمد والحسين فكانا من أعلام الفقهاء ، ومن أفذاذ العلماء ، وكانا آيتين في الحفظ ، وكان الناس يتعجبون من سرعة حفظهما ويقولون : إنّ هذا ببركة دعوة الإمام المنتظر (علیه السّلام). وأما الحسن - وهو الأوسط - فكان مشتغلاً بالعبادة والزهد ، وقد آثر العزلة عن الناس(1).
بقي الحسين بن روح سفيراً عن الإمام (علیه السّلام) إحدى أو اثنتين وعشرين سنة ، وكان المرجع الوحيد ، والواسطة الأمينة بين الشيعة وبين الإمام تصل إليه مسائلهم وحقوقهم الشرعية ، وهو يوصلها إلى الإمام (علیه السّلام)، وقد مرض ويقي في مرضه أياماً حتى أدركته المنيّة ، وانتقل إلى رحمة الله ورضوانه سنة 326هـ ، وقد جُهّز وشيّع بتشييع حافل ، ودفن في مقره الأخير ، ومرقده الشريف يقع في بغداد في سوق الشورجة التي هي أهم مركز تجاري في بغداد ، والناس تتهافت على زيارة قبره للتبرك به.
أمّا عليّ بن محمّد السَّمري ، فهو من عناصر التقوى والإيمان ، ويكفي في سموّ شأنه ، وعظيم مكانته ، وتقلده للنيابة العامة عن الإمام المنتظر (علیه السّلام) بنص منه ، مع وجود كوكبة من علماء الشيعة وخيارهم ، وهو آخر وكلاء الإمام الممجدين ، وبوفاته
1) الغيبة / الطوسي : 188.
وقعت الغيبة الكبرى ، وصارت السفارة العامة والمرجعيّة العظمى إلى الفقهاء العظام .
ويقول الرواة : إنه قبل وفاة عليّ السَّمري أخرج إلى الناس رسالة موقعة من الإمام المنتظر (علیه السّلام) جاء فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
يا عليَّ بنَ مُحَمَّدٍ السَّمري ، أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَ إِخْوانِكَ فيكَ ، فَأَنْتَ مَيَتْ ما بَيْنَكَ وَبَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ ، فَأَجْمَعْ أَمْرَكَ وَلَا تَوصِ إِلَى أَحَدٍ فَيَقومَ مَقامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيبَةُ التّامَّةُ ، فَلَا ظُهورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكرُه ، وَذلِكَ بَعْدَ طولِ الْأَمَدِ، وَقَسْوَةِ الْقُلوبِ، وَامْتِلاءِ الْأَرْضِ جَوراً ، وَسَيَأْتي عَلى شيعتي مَنْ يَدَّعِي الْمُشَاهَدَةَ أَلَا فَمَنِ ادَّعَى الْمُشاهَدَةَ قَبْلَ خروج السُّفْيَانِي وَالصَّيْحَةِ فَهُوَ كَذَابٌ مُفْتَرٍ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيُّ الْعَظيمِ»(1).
ويواجهنا في هذه الرسالة ما ورد فيها أنّ من يدعي مشاهدة الإمام (علیه السّلام) بعد غيبته الكبرى فهو كاذب مفتر ، مع أنّه من المقطوع - حسبما تواتر نقله - أن جمهرة كبيرة من خيار علماء الشيعة وصلحائهم قد تشرّفوا برؤيته وملاقاته ، وقد أُوّل ذلك بتأويلات عديدة ، كان من أجودها أنّ من يدعي مشاهدته ونيابته وسفارته عنه على غرار سفرائه في حال الغيبة الصغرى ، فهو كاذب مفتر ، وفيما أحسب أن هذا التوجيه حسن.
وألمت الأمراض بعليّ السَّمري ، وقد دخل عليه خيار الشيعة فقالوا له :
1) معجم رجال الحديث : 12 : 170 - 171 .
من وصيّك من بعدك ؟
فأجابهم : الله أمر هو بالغه.
ثمّ انتقل إلى جوار الله ، وكانت وفاته في النصف من شهر شعبان سنة 328هـ(1).
وأقام الإمام المنتظر - سلام الله عليه - الفقهاء العظام من شيعته ولاةً ونوّاباً عنه ، كما أقامهم الأئمة الطاهرون ولاة عنهم ، وأمروا شيعتهم بالرجوع إليهم أيام الحكم العبّاسي الذي جهد على محاربة أئمة أهل البيت (علیهم السّلام)، فلم يكن هناك مجال بالرجوع إلى الأئمة ، وأخذ الأحكام منهم ، فقد جاء في مقبولة عمر بن حنظلة ، قال : سألت أبا عبد الله (علیه السّلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث ، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة ، أيحلّ ذلك ؟
قال : مَنْ تَحاكَمَ إِلَيْهِمْ فِي حَقٌّ أَوْ باطِلِ فَإِنَّما تَحاكَمَ إِلَى الطَّاغُوتِ ، وَما يَحْكُمُ لَهُ فَإِنَّما يَأْخُذُ سُحْتا ، إِنْ كَانَ حَقًّا ثابتاً لَهُ ؛ لأَنَّ أَخْذَهُ بِحُكْمِ الطَّاغُوتِ وَمَا أَمَرَ اللهُ أَنْ يُكْفَرَ بِهِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: يُريدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنيَكْفُرُوا بِهِ(2).
قلت : فكيف يصنعان ؟
قال (علیه السّلام): يَنظُرانِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ مِمَّنْ قَدْ رَوى حديثَنَا ، وَنَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَحَرَامِنا ، وَعَرَفَ أَحْكامَنا ، فَلْيَرضوا بِهِ حَكَماً ، فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِما ، فَإِذا حَكَمَ بِحُكْمِنا فَلَمْ يُقْبَلَ مِنْهُ فَإِنَّمَا اسْتُخِفَّ بِحُكْمِ اللهِ وَعَلَيْنَا رُدَ ، وَالرَادُّ عَلَيْنَا رَاةٌ عَلَى اللَّهِ ، وَهُوَ عَلَى
حَدَّ الشِّرْكِ بِاللهِ»(1).
وأعطى الإمام (علیه السّلام) للفقيه الولاية العامة ، ونصبه حاكماً ومرجعاً للمسلمين في مختلف شؤونهم الاجتماعية ، ومثل هذا الحديث مقبولة أو مشهورة ابن خديجة ، فقد قال له الإمام أبو عبد الله (علیه السّلام): «إِيَّاكُمْ أَنْ يُحاكمَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إِلى أَهْلِ الْجَورِ، وَلكن انظروا إِلى رَجُلٍ مِنْكُمْ يَعْلَمُ شَيْئاً مِنْ قَضائِنَا ، فَاجْعَلُوهُ بَيْنَكُمْ ، فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ قاضِياً ، فَتَحاكَمُوا إِلَيْهِ»(2).
ونصب الإمام أبو عبدالله الصادق (علیه السّلام) الفقيه العادل حاكماً عاماً ، ومرجعاً للمسلمين، ونظير هاتين الروايتين التوقيع الصادر من الإمام المنتظر (علیه السّلام) إلى الشيخ المفيد ، فقد جاء فيه :
وَأَمَّا الْحَوادِثُ الْواقِعَةُ فَارْجِعوا فيها إِلى رُواةِ حَديثِنا ، فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ ، وَأَنا حُجَّةُ اللهِ تَعالى عَلَيْكُمْ.
لقد نصب الإمام المنتظر (علیه السّلام) في هذا الحديث وغيره الفقهاء نوّاباً عنه ، وألزم شيعته بالرجوع إليهم، وتقليدهم في جميع شؤونهم الدينية .
أما من يتولّى المرجعية العامة للمسلمين في زمان غيبة الإمام (علیه السّلام)، فلابد أن تتوفّر فيه هذه الشروط ، وهي :
1 - البلوغ .
2 - العقل .
3 - العدالة .
4 - الرجولة.
5 - الاجتهاد .
6 - الحرية ؛ على قول(1).
أمّا الفقيه الذي يتقلد النيابة العامة عن الإمام (علیه السّلام) فهو مسؤول عمّا يلي :
1 - رعاية العالم الإسلامي بجميع طوائفه وفرقه ، وتفقد شؤونهم ، والذب عنهم إذا دهمهم عدو ، وغزا أرضهم كافر ، وقد وقفت المرجعية العامة في النجف الأشرف إلى جانب ليبيا حينما غزاها الإيطاليون ، كما وقفت إلى جانب الفلسطينيين حينما غزاهم الصهاينة اليهود .
2 - الانفاق على الحوزات العلمية الدينية ، وتفقد جميع شؤونها الاقتصادية والعلميّة والاجتماعية .
3- الإنفاق على الفقراء والبؤساء والمحرومين.
هذه بعض مسؤوليات الفقهاء الذين نصبهم الإمام (علیه السّلام) مراجع للعالم الإسلامي ، وهنا بحوث مهمة ذكرها الفقهاء والمعنيّون بالبحوث السياسيّة الإسلامية لا مجال لعرضها .
1) العروة الوثقى : 1 : 13.
وبعد انتقال المعظم عليّ بن محمّد السَّمري إلى حظيرة القدس بدأت الغيبة الكبرى ، وذلك في سنة 328هـ، وتقلد الفقهاء العظام المرجعية والنيابة العظمى عن الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وفي هذه الغيبة كانت للإمام (علیه السّلام) عدة التقاءات ومراسلات مع عيون العلماء والمتقين من أعلام الشيعة ، فقد جرت بينه وبين العالم الكبير الشيخ المفيد - نضّر الله مثواه - عدة مراسلات ، فقد تلقى الشيخ المفيد منه ثلاث رسائل ، ذكرنا في البحوث السابقة منها رسالتين ، كما تواترت الأخبار بالتقائه واجتماعه مع كوكبة من المؤمنين الصالحين، وسنعرض لذلك في البحوث الآتية :
ادعت عصابة من المنافقين المنحرفين عن الحق نيابتهم عن الإمام المنتظر (علیه السّلام)؛ وذلك لحسد بعضهم لسفراء الإمام (علیه السّلام)، والسرقة الحقوق الشرعية من الشيعة ، ونعرض لبعضهم :
كان من أصحاب الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام)، وبعد وفاته وتقليد محمد بن عثمان (رضی الله عنه) النيابة عن الإمام المنتظر (علیه السّلام) حسده على ذلك ، والحسد داء خبيث ألقى الناس في شرّ عظيم ، فرفض أحمد نيابة محمد ولم يذعن له ، فقالت له الشيعة : ألا تقبل أمر أبي جعفر محمد بن عثمان ، وترجع إليه ، وقد نص عليه الإمام المفترض الطاعة ؟
فقال لهم : لم أسمعه ينص عليه بالوكالة ، وليس أنكر أباه ، فقالوا له : قد سمعه غيرك.
فقال لهم : أنتم وما سمعتم.
وظهرت منه عدة مقالات منكرة أوجبت خروجه عن الدين، وجحوده لبعض الضروريات الإسلامية .
براءة الإمام المنتظر (علیه السّلام) منه
ولمّا شاعت المنكرات من أحمد بن هلال تبرأ الإمام (علیه السّلام) منه ، وخرج التوقيع بلعنه ، وكان مما خرج إلى العمري من الإمام بشأنه في رسالة جاء فيها :
«... وَنَحْنُ تَبْرَأُ إِلَى اللهِ مَنِ ابْنِ هِلالٍ ، لَا رَحِمَهُ اللهُ وَلَا مِمَّنْ لَا يَبْرَأْ مِنْهُ ، وَأَعْلِم الإسحاقي سَلَّمَهُ اللهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ بِما أَعْلَمناكَ مِنْ حَالِ هَذَا الْفَاجِرِ، وَجَمِيعَ مَنْ كَانَ سَأَلَكَ وَيَسْأَلُكَ عَنْهُ ...»(1).
أما الحسن الشريعي فهو كذاب دجّال ، وكان من أصحاب الإمامين الهادي والعسكري (علیهما السّلام)، إلا أنه ارتد على عقبه ، فقد ادّعى لنفسه مقاماً عظيماً - وهو النيابة عن الإمام المنتظر (علیه السّلام)- لم يجعله الله فيه ، ونسب إلى الأئمة الطاهرين ما لا يليق بهم، وهم براء منه ، فتبرأت منه الشيعة ولعنته ، وخرج توقيع الإمام (علیه السّلام) بلعنه والبراءة منه(2).
كذاب ، مضلّ ، منحرف عن الحق ، ادّعى النيابة عن الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وأخذ يراسل أعيان الشيعة بذلك ، فراسل أبا سهل النوبختي العالم الفاضل ، وأراد منه
الانضمام إليه ، ووعده بما يريد من المال ، فقال له النوبختي : إنّي رجل أُحبّ الجواري ، وأصبو إليهن ، ولكن الشيب يبعدني عنهنّ ، وأحتاج أن أخضب في كل جمعة ، ولكني أتحمل بذلك مشقة ، وجهداً عسيراً ، وأُريد أن تغنيني ع-ن الخضاب ، وتكفيني مؤونته ، وتجعل لحيتي سوداء ، فإذا فعلت ذلك صرت طوع إرادتك ، وصدقت مقالتك ، وكنت من أعظم أنصارك ، وداعية إليك .
فبهت الحلاج ، وأمسك عنه ، وانتشرت قصته ، فصار أضحوكة الجميع ، وبان أمره ، وانكشف دَجَله إلى الناس(1).
ومن مخاريفه أنه دعا رجلاً من الأذكياء إلى داره ليؤمن به ، وقال : علامتي أني أمد يدي إلى البحر ، وأخرج سمكة كبيرة منه ، فنزل إلى الدار فجاء بسمكة كبيرة حية إليه ، وقال هذه معجزتي ، وطرقت بابه ، فخرج وإذا بشخص يطلب منه الخروج معه لمهمة ، فخرج ، ونزل الرجل إلى صحن الدار ، فرأى ستاراً فرفعه ، وإذا ببستان فيها حوض مليء بالأسماك ، فأخرج منه سمكة حية وجعلها إلى جنب تلك السمكة ، فجاء الحلّاج فقال له الرجل : وأنا لي معجزة مثل معجزتك ، فقد مددت يدي إلى البحر وجئت بسمكة حيّة ، فبهت الحلاج ، وأمره بالخروج من الدار ؛ لأنّ أمره قد انكشف ، وظهر دجله .
وكان يظهر الزهد والتقشف، رؤي على بعض جبال اصبهان وعليه مرقعة وبيده ركوة وعكاز وهو يقول :
لَئِنْ أَمْسَيْتُ فِي ثَوْبِي عَدِيمٌ *** لَقَدْ بُليا على حُرِّ كَريم
فَلَا يَحْزُنُكَ إِنْ أَبْصَرْتَ حالاً *** مُغَيَّرةٌ عَنِ الْحالِ الْقَدِيمِ
ولي نَفْسٌ سَتَلَفُ أَوْ سَتَرْقِي *** لَعَمْرُكَ بي إِلى أَمْرٍ جَسيم
1) بحار الأنوار : 51 : 370.
ومن شعره :
أريدُكَ لا أُريدُكَ لِلثواب *** ولكني أريدك للعقاب
ولك ماربي قد نلت منها *** سِوى ملذوذٍ وَجَدِي بِالْعَذَابِ
ومن حيله : أنه كان يدفن شيئاً من الخبز والحلوى والشواء في البرية ، ويُخبر بعض أصحابه المطلعين على حيله ، فإذا أصبح طلب من أصحابه الخروج إلى الصحراء فيسير ومعه أصحابه ، وطائفة من الناس ، فإذا انتهوا إلى ذلك المكان الذي دفن فيه الطعام قال له صاحبه العارف ببدعه : نشتهي الآن كذا وكذا من الطعام ، فيتركهم الحلّاج ، ويصلي ركعتين ، ويأتيهم صاحبه بما قال له ، وبهذا الأسلوب كان يغري السذج والبسطاء من الناس ، حتى استغوى جماعة ، وحتى كانوا يتبركون ببوله ، وقيل : إنّه ادعى الربوبية ، ووجد له كتاب فيه إذا صام الإنسان ثلاثة أيّام بلياليها ولم يفطر ، ويأخذ وريقات هندباء ويفطر عليها أغناه ذلك عن صوم رمضان ، ومن صلى ركعتين من أوّل الليل إلى الغداة غنته عن الصلاة ، ومن تصدق بجميع ما يملك في يومٍ واحدٍ أغناه عن الحج ، ومن أتى قبور الشهداء بـ(مقابر قريش) فأقام فيها عشرة أيام يصلّي ويدعو ويصوم ولا يفطر إلا على قليل من خبز الشعير والملح أغناه ذلك عن العبادة ، إلى غير ذلك من بدعه.
ونسبت إليه هذه الأبيات :
وَاللهِ ما طَلَعَتْ شَمْسُ وَلَا غَرُبَتْ *** إِلَّا وَذِكْرُكَ مَفْرُونَ بِأَنفاسي
وَلَا جَلَستُ إِلَى قَوْمٍ أُحَدِّثُهُمْ *** إِلَّا وَأَنْتَ حَديثي بَيْنَ جُلاسي
وَلَا هَمَمْتُ بِشُرْبِ الْمَاءِ مِنْ عَطَشِ *** إلَّا وَرَأَيْتُ خَيالاً مِنْكَ في كاسي
ولمّا شاعت منكراته رُفع أمره إلى المقتدر العباسي ، فدفعه إلى مدير شرطته ليضربه ألف سوط ، فإن مات وإلا فيضربه ألف سوط حتى يموت ، وإن لم يمت
يضرب عنقه ، ويقطع يديه ورجليه ، ويحزّ رأسه ، ويحرق جثته ، وينصب رأسه على الجسر ، ففعل به ذلك في سنة 309هـ(1).
الشلمغاني ، المعروف بـ(ابن أبي العزاقر) : كان مستقيم الطريقة ، فحمله الحسد للشيخ أبي القاسم بن روح وكيل الإمام المنتظر (علیه السّلام)، فترك مذهبه واعتنق المذاهب الرديئة ، وكان من مذهبه الخبيث ترك العبادات كلّها ، وإباحة الفروج من ذوي الأرحام ، وأنه لا بد للفاضل أن ينكح المفضول ليولج فيه النور(2).
وقد خرج عن الإمام المنتظر (علیه السّلام) توقيع يلعن الشلمغاني والبراءة منه على يد الثقة الزكي الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح ، وهذا نصه :
«عَرَّفْ أَطالَ اللهُ بقاكَ ، وَعَرَّفَكَ اللهُ الْخَيْرَ كُلَّهُ ، وَخَتَمَ بِهِ عَمَلَكَ ، مَنْ تَشِقُ بِدينِهِ ، وَتَسْكُنُ إِلَى نِيَّتِهِ مِنْ إِخْوانِنَا أَدامَ اللهُ سَعادَتَهُمْ بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْمَعْرُوفَ بِالشَّلْمَغاني ، عَجَّلَ اللهُ لَهُ النَّقِمَةَ ، وَلَا أَمْهَلَهُ ، قَدْ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ وَفَارَقَهُ ، وَالْحَدَ فِي دينِ اللهِ ، وَادَّعى ما كَفَرَ مَعَهُ بِالْخَالِقِ جَلَّ وَتَعَالَى ، وَافْتَرى كَذِباً وَزوراً ، وَقالَ بُهتاناً وَإِثْماً عَظيماً ، كَذِبَ الْعادِلُونَ بِاللهِ ، وَضَلُّوا ضَلَالاً بَعيداً ، وَخَسِرُوا خُسْراناً مُبيناً.
وَإِنَّا بَرثْنا إِلَى اللهِ تَعَالَى ، وَإِلى رَسُولِهِ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكاتُهُ ، مِنْهُ ، وَلَعَنَّاهُ عَلَيْهِ لَعَائِنُ اللَّهِ تَثرى في الظَّاهِرِ مِنَا ، وَالْبَاطِنِ فِي السِّرِّ وَالْجَهْرِ ، وَفِي كُلَّ وَقْتٍ ، وَعَلى كُلِّ من شايَعَهُ وَبَلَغَهُ هذَا الْقَوْلُ مِنَا فَأَقامَ عَلى تَولا، بعده»(3).
ولما ظهرت بدعه أخذه السلطان وقتله وصلبه ببغداد(1).
وكان هلاكه في سنة 323هـ(2).
هؤلاء بعض الدجّالين والكاذبين في عصر الغيبة الصغرى، وقد كان بعضهم مدفوعاً بدافع الحسد لبعض نواب الإمام (علیه السّلام) على تقلّدهم لهذا المنصب الخطير ، وحرمانهم منه.
وظهرت على مسرح الحياة الإسلامية جماعة ادّعى كلّ واحد منهم أنّه الإمام المنتظر (علیه السّلام)؛ وذلك لأغراض سياسية ، كان من أبرزها - فيما أحسب - الاستيلاء على الحكم في بلادهم ، وإغراء السذج والبسطاء للاعتقاد بإمامتهم ، والغريب أنّهم ادعوا ذلك وهم لا يدينون بمذهب أهل البيت (علیهم السّلام)، ونعرض فيما يلي لبعضهم :
هو من ألمع شخصيات السودان البارزة ، وهو حسني من جهة الأب ، وعبّاسي من جهة الأُمّ ، حسبما يقول مترجموه : «وقد استغل الأوضاع السياسية المتردية في السودان التي كانت ترزح تحت نير الحكم التركي الذي أحال الحياة فيها إلى جحيم لا يطاق، فأخذ يبشِّر بين السودانيين أنّه الإمام المهدي الذي ينقذهم من ظلم الأتراك وجورهم ، ويوفّر لهم الحياة الكريمة التي ينعمون في ظلالها ، وقد قصده أحد المشتغلين بالتنجيم ، فحين ما التقى به خرّ على الأرض مدعياً أنه أغمي عليه ، وبعد فترة رفع رأسه ، فسأله الحاضرون عن سبب إغمائه ، فقال : نظرت أنوار
المهدية على وجهه فصعقت من شدّة تأثيرها على حواسي(1).
وأذاع شيخ من السودان بين الناس أنّ زمن ظهور المهدي قد حان ، وأنه سوف يشيد على ضريحي قبة ، ويختن أولادي ، وبعد وفاته قام المهدي ببناء قبة على ضريح الشيخ ، كما ختن أولاده(2).
ابتداء دعوته
وكانت بداية دعوته بالمهدويّة سنة 1881م ، وقد قام بالدعوة إليه تلامذته الذين كانوا منتشرين في معظم أنحاء السودان ، وكان يغدق عليهم المال الوفير مما سبب تهالكهم للدعوة إليه .
من منشوراته
ونشر المهدي مجموعة من المناشير بين السودانيين ، يدعوهم فيها إلى طاعته ، ولزوم أمره ، وتصديق دعوته ، وكان من جملتها هذا المنشور :
«الحمد لله الوالي ، والصلاة على سيّدنا محمد وآله مع التسليم ، وبعد :
من العبد المفتقر إلى الله محمّد المهدي بن عبد الله إلى أحبّائه المؤمنين بالله وبكتابه .
أما بعد : فلا يخفى تغيّر الزمن، وترك السنين، ولا يرضى بذلك ذوو الإيمان والفطن ، بل أحق أن يترك لذلك الأوطار والوطن لإقامة الدين والسنن ، ولا يتوانى عن ذلك عاقل ؛ لأنّ غيرة الإسلام للمؤمن تجبره ، ثمّ أحبائي كما أراد الله في أزله وقضائه ، تفضّل على عبده الحقير الذليل بالخلافة الكبرى من الله ورسوله ، وأخبرني سيد الوجود (صلی الله علیه و آله و سلم) بأنّي المهدي المنتظر ، وخلفني (عليه الصلاة والسلام) بالجلوس
على كرسيه مراراً ، بحضرة الخلفاء الأربعة ، والأقطاب ، والخضر (علیه السّلام)، وأيدني الله تعالى بالملائكة المقربين ، وبالأولياء الأحياء والميتين من لدن آدم إلى زماننا هذا ، وكذلك المؤمنون من الجنّ ، وفي ساعة الحرب يحضر معهم أمام جيشي سيد الوجود (صلی الله علیه و آله و سلم) بذاته الكريمة ، وكذلك الخلفاء الأربعة والأقطاب والخضر (علیه السّلام)، وأعطاني سيف النصر من حضرته (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وأعلمت أنه لا ينصر علَيَّ معه أحد ، ولو كان الثقلين الإنس والجن .
ثمّ أخبرني سيد الوجود (صلی الله علیه و آله و سلم) بأن الله جعل لي على المهدية علامة ، وهي الخال على خدّي الأيمن، وكذلك جعل لي علامة أُخرى تخرج راية من نور ، وتكون معي فيحالة الحرب ، يحملها عزرائيل (علیه السّلام)، فيثبت الله بها أصحابي ، وينزل الرعب في قلوب أعدائي ، فلا يلقاني أحد بعداوة إلا خذله الله.
ثم قال لي (صلی الله علیه و آله و سلم): إنك مخلوق من نور عنان قلبي ، فمن له سعادة صدق بأنّى المهدي المنتظر ، ولكن الله جعل في قلوب الذين يحبّون الجاه النفاق ، فلا يصدقون حرصاً على جاههم ، قال (صلی الله علیه و آله و سلم): حب المال والجاه ينبتان النفاق في القلب ، كما ينبت الماء البقل.
وجاء في الأثر : إذا رأيتم العالم يحبّ الدنيا فاتهموه على دينكم ، وجاء في بعض كتبه القديمة : لا تسأل عني عالماً أسكره حبّ الدنيا فيصدك عن طريق محبّتي ، فأولئك قطاع الطريق على عبادي ، ولما حصل لي يا أحبائي من الله ورسوله أمر الخلافة الكبرى أمرني سيد الوجود (صلی الله علیه و آله و سلم) بالهجرة إلى ماسة بجبل قدير ، وأمرني د المكلفين أمراً عاماً ، فكاتبنا بذلك الأمراء ومشايخ الدين ، أن أُكاتب بها جميع فأنكر الأشقياء ، وصدّق الصدّيقون الذين لا يبالون فيما لقوه في الله من المكروه ، وما فاتهم من المحبوب المشتهى ، بل هم ناظرون إلى وعده سبحانه وتعالى بقوله : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً
وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(1). وحيث أنّ الأمر لله ، والمهديّة أرادها الله لعبده الفقير الحقير الذليل محمد المهدي بن عبد الله ، فيجب بذلك التصديق لإرادة الله ، وقد اجتمع السلف والخلف في تفويض العلم الله سبحانه ، فعلمه سبحانه لا يتقيّد بضبط القوانين ، ولا بعلوم المتفننين ، بل ييَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب(2). قال تعالى : وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ(3)، وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ(4)يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ(5)يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ العظيم(6).
وقد قال الشيخ محيي الدين ابن العربي في تفسيره على القرآن العظيم : علم المهدي كعلم الساعة ، والساعة لا يعلم وقت مجيئها على الحقيقة إلا الله.
وقال الشيخ أحمد بن إدريس : كذبت في المهدي أربعة عشر نسخة من نسخ أهل الله ، ثم قال : يخرج من جهة لا يعرفونها ، وعلى حال ينكرونه .
وهذا لا يخفى عليكم أنّ التأليفات الواردة في المهدي منها الآثار وكشف الأولياء وغير ذلك ، فيختلف كلّ منها ، كما علمت من أنّه أنّه يمحو الله ما يشاء ، ومنها الأحاديث ، فمنها الضعيف ، والمقطوع والمنسوخ والموضوع ، بل الحديث الضعيف ينسخه الصحيح ، والصحيح ينسخ بعضه بعضاً ، كما أن الآيات تنسخها
الآيات ، وحقيقة ذلك على ما هي عليه لا يعرفها إلا أهل المشاهدة والبصائر ، هذا وقد أخبرني سيد الوجود (صلی الله علیه و آله و سلم) بأن من شك في مهديتك فقد كفر بالله ورسوله -كررها (صلی الله علیه و آله و سلم) ثلاث مرات - وجميع ما أخبرتكم به من خلافتي على المهدية ... الخ فقد أخبرني به سيد الوجود (صلی الله علیه و آله و سلم) يقظة في حال الصحة ، وأنا خال من الموانع الشرعيّة ، لا بنوم ولا جذب ، ولا سكر ، ولا جنون ، بل متصف بصفات العقل ، أقفو أثر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأسلم بالأمر فيما أمر به ، والنهي عمّا نهى عنه .
والهجرة المذكورة بالدين واجبة كتاباً وسنّة ، قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ(1)، وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): من فر بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبراً من الأرض ، استوجب الجنّة ، وكان رفيق أبيه خليل الله إبراهيم ، ونبيّه محمّد عليهما الصلاة والسلام ، وإلى غير ذلك من الآيات والأحاديث . وإجابة داعي الله واجبة . قال تعالى: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ(2)، فإذا فهمتهم ذلك فقد أمرنا جميع المكلفين بالهجرة إلينا لأجل الجهاد في سبيل الله ، أو إلى أقرب بلاد منكم لقوله تعالى : قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِنَ الْكُفَّارِ(3)، فمن دخل عن ذلك دخل في وعيد قوله تعالى : قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ ...(4)، وقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ انَّا فَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ(5)
فإذا فهمتم ذلك فهلموا للجهاد في سبيله، ولا تخافوا من أحد غير الله ؛ لأنّ خوف المخلوق من غير الله يعدم الإيمان بالله ، والعياذ بالله من ذلك ، قال تعالى : فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي(1)، وقال تعالى : وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ(2)، لا سيّما وقد وعد الله في كتابه العزيز بنصر من ينصر دينه . قال تعالى : إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ(3)، وقال تعالى : إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ(4)وحيث إن لم تجيبوا داعي الله وتبادروا لإقامة دين الله تلزمكم العقوبة عند الله تعالى لأنكم أدلّة الخلق وأزمتها ، فمن كان مهتماً بإيمانه ، شفيقاً بدينه ، حريصاً على أمر ربّه أجاب الدعوة ، واجتمع مع من ينصر دينه .
وليكن معلومكم أني من نسل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فإنِّي حسني من جهة أبي وأمه ، وأُمّى كذلك من جهة أُمها وأبوها عبّاسي»(5).
وحكت هذه الوثيقة ضروباً من الافتعالات، فقد زعم أنّ جميع ما بشر به ، وقام من أجله كان بايعاز من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وهو افتراء محض .
استيلاؤه على السودان
وخاض المهدي معارك رهيبة مع حاكم السودان العامّ رؤوف باشا المصري ، فهزمت جیوشه رؤوف باشا، وساقت الحكومة المصرية جيشاً آخر لقتاله بقيادة جيقلر باشا البافاري ، فهاجمه نحو من خمسين ألفاً سودانياً وهزموه ، وهاجمه جيش مصري ثالث بقيادة هيكس باشا ف بيد الجيش المصري ، وانقادت السودان كلّها
للمهدي وقطن المهدي أُمّ درمان ، وأخذ يجمع الجموع للتغلب على مصر، وأظهر عداءه العارم للانكليز ، وقد استجاب له السودان وراسل الخديوي ، والسلطان عبدالحميد وملكة بريطانيا يخبرهم بدولته وأموره(1).
وفاته
أُصيب المهدي بحمى التيفوس وذلك في ليلة الأربعاء لأربع ليال خلون من شهر رمضان سنة 1302هـ ، واستمرّ به المرض أياماً ، ولمّا شعر بدنو أجله استخلف من بعده عبدالله التعايشي، وكان أُميّاً ، وفي يوم الاثنين تاسع رمضان توفّي ، وبويع بعده خليفته عبدالله التعايشي(2)وبذلك انتهت حياته ، وهو ألمع شخصيّة في العالم العربي ادعت المهديّة والنيابة العامة عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).
ظهر مهدي تهامة في اليمن حوالي سنة 1159م ، ادّعى أنه الإمام المنتظر الذي بشر به الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم)، وتبعه فريق من الأعراب ، وقد استطاع القضاء على دولة الحمدانيين في صنعاء ، وعلى الدولة النجاحية في زبيد ، وأعقبه حفيده عبد النبي سنة 1162م ، وأزال دولته توران شاه من قبل صلاح الدين الأيوبي(3).
في سنة 1828م ظهر في السنغال رجل ادعى أنه المهدي المنتظر ، ورفع راية الثورة على الحكم القائم إلّا أنّه فشل وقُتل(4).
ظهر في سوسة ، وهي إحدى مدن المغرب العربي رجل ادعى أنه الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وتبعه كثيرون من الغوغاء، وقبل أن يتم دعوته وينشر مبادئه وأهدافه قتل غيلة(1).
ادعى محمّد بن عبد الله أنّه الإمام المنتظر ، وذلك في سنة 1899م ، وكانت له عبدالله نفوذ واسعة في قبيلة أو جادين ، وقد حارب البريطانيين والإيطاليين والأحباش ما يقرب من عشرين عاماً ، حتّى توفّي سنة 1920م(2).
هؤلاء بعض من ادّعوا المهدويّة ، وبهذا ينتهي بنا الحديث في هذا الفصل.
لعل أهم بحث - فيما أحسب - في هذا الكتاب يتطلع إليه القراء هو البحث الأسباب التي دعت إلى غيبة الإمام المنتظر (علیه السّلام) عن العالم الإسلامي ، وعدم اشتراكه بأي عمل في الميادين الاجتماعية والسياسية ، وسائر القضايا المصيرية للمسلمين ، كما يهم القرّاء الوقوف على الأسباب الطبيعية التي أدّت إلى امتداد عمر الإمام (علیه السّلام) إلى قرون وأحقاب من الزمن تزيد في وقتنا على أكثر من ألف ومائة عام ، ولم يخضع لظاهرة الشيخوخة والهرم لدى الإنسان التي تسبّب تصلب الأنسجة والخلايا الجسميّة، وما يتسرب إلى الجسم من التسمم والميكروبات التي تؤدّي إلى فقدان الحياة وتلاشي الجسم .
هذه بعض الأمور التي نلقي الأضواء عليها ، ونبحثها بصورة موضوعية وشاملة ، كما نبحث عما يرتبط ، ويتصل بهذه البحوث ، وفيما يلي ذلك :
أما غيبة الإمام المنتظر (علیه السّلام) فكانت ضرورية وملزمة، لا غنى للإمام عنها ، ونعرض لبعض الأسباب التي حتمت غيابه :
لقد أمعن العباسيون منذ حكمهم وتولّيهم لزمام السلطة في ظلم العلويين
وإرهاقهم ، فصبّوا عليهم وابلاً من العذاب الأليم ، وقتلوهم تحت كل حجر ومدر، ولنستمع إلى الشعراء والمؤرّخين ، فهم يحدّثونا ببعض ما عاناه السادة من العلويين من الجور والاضطهاد.
يقول أبو عطاء أفلح بن يسار السندي بحسرة ولوعه على أسياده العلويين :
يا لَيْتَ جَورُ بَنِي مَروان عادَ لَنا *** يا لَيْتَ عَدلُ بَنِى الْعَبّاسِ في النارِ
ويقول شاعر المظلومين والمضطهدين دعبل الخزاعي :
وَلَيْسَ حَيٌّ مِنَ الْأَحْياءِ نَعْلَمُهُ *** مِنْ ذِي يَمَانٍ وَمِنْ بَكرٍ وَمِنْ مُضَرِ
إِلَّا وَهُمْ شُرَكَاءٌ في دِمَائِهِمْ *** كَما تَشارَكَ أيارٌ عَلى جَزَرٍ
قتل وأسرٌ وتَحريقٌ ومَنهبَةٌ *** فِعلُ الْعَزاةِ بِأَرْضِ الرُّومِ وَالْخَزَرِ
أَرى أُمَيَّةَ مَعذورينَ إِذْ قَتَلُوا *** وَلَا أَرى لِبَنِي الْعَبَاسِ مِنْ عُذْرِ
ويقول يعقوب بن السكيت العالم اللغوي(1)في المتوكل العباسي حينما هدم قبر ريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، ونكل بزائريه وشيعته ، يقول :
تاللهِ إِنْ كَانَتْ أُمَيَّةُ قَدْ أَتَتْ *** قَتْلَ ابْن بِنْتِ نَبِيِّها مظلوما
فَلَقَدْ أَنَاهُ بَنو أَبِيهِ بمِثْلِهِ *** هذا لَعَمْرُكَ قَبْرُهُ مَهْدوما
أسفوا عَلَى أَنْ لَا يَكونوا شاركوا *** في قَتْلِهِ فَتَتَبَّعوهُ رَميما
ويصف الأمير أبو فراس الحمداني في رائعته الخالدة ما حلّ بأهل البيت (علیهم السّلام) من صنوف التنكيل والتعذيب ، وما عانوه من الكوارث والخطوب من بني العباس،
1) وقيل الأبيات للبسّامي الشاعر ، وقد أخفى اسمه خوفاً عليه من السلطة العباسية العاتية .
يقول بألم وحزن :
إِنِّي أَبيتُ قَليلُ النَّوْمِ أَرْقَنِي *** قَلبٌ تَصارَعَ فيه الْهَمُ وَالْهِمَمُ
يا للرِّجالِ أَما لِلهِ مُنتَصِرٌ *** مِنَ الطَّعَاةِ أَما لِلدِّينِ مُنْتَقِمُ
بنو عَلى رعايا في ديارِهِمْ *** وَالْأَمْرُ تَمْلِكُهُ النسوانُ وَالْخَدَمُ
مُحَلأُونَ فَأَضْحى شُربُهُمْ وَشَلٌ *** عِنْدَ الْورودِ وَأَوْفى وُدَّهِمْ لَممُ
ويستمر في رائعته المشحونة بالعطف والولاء على آل البيت ، ثمّ يخاطب بني العباس فيهجوهم ، يقول :
لَا يَطْغِيَنَّ بَنى الْعَبّاسِ مُلْكُهُمُ *** بنو عَلِيَّ مَواليهِمْ وَإِنْ زَعَموا
أَتَفْخَرُونَ عَلَيْهِمْ لَا أَبا لَكُمْ *** حَتَّىٰ كَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ جَدُّكُمُ
وَما تَوازَنَ فيما بَيْنَكُمْ شَرَفٌ *** وَلَا تَساوَتْ بِكُمْ فِي مَوطِن قَدَمُ
وَلَا لَكُمْ مِثْلُهُمْ فِي الْمَجْدِ مُتَّصِلٌ *** وَلَا لِجَدِّكُمُ مِعْشارَ جَدَّهُمُ
وَلَا لِعِرقِكُمْ مِنْ عِرْقِهِمْ شَبَهُ *** وَلَا نَفيلَتُكُمْ مِنْ أُمِّهِمْ أُمَمُ(1)
ويستطرد أبو فراس في هجائه لبني العباس ، ويصف غدرهم بآل البيت ذلك الغدر الذي هو دون ما لاقوه من بني أُمية ، يقول :
هَلَا كَفَفْتُمْ عَنِ الدِّيباج سَوطَكُمُ *** وَعَنْ بَناتِ رَسولِ اللهِ شَتْمَكُمُ
ما نُزِّهَتْ لِرَسولِ اللهِ مُهْجَتُهُ *** عَنِ السّياطِ فَهَلَا نُزِّهَ الْحَرَمُ
ما نالَ مِنْهُمْ بَنو حَرْبٍ وَإِنْ عَظُمَتْ *** بلْك الجَرائِرُ إِلَّا ُدونَ نَيلِكُمُ
1) نفيلة : جدة بني العباس .
كَمْ غَدْرَةٍ لَكُمْ فِي الدِّينِ واضِحَةٍ *** وَكَمْ دَمٍ لِرَسولِ اللهِ عِنْدَكُمْ
أَأَنْتُمُ الهُ فيما تَرَونَ وَفي *** أَظْفارِكُمْ مِنْ بَنِيهِ الطَّاهِرينَ دَمُ
با جاهِداً في مساويهِمْ يُكتمُها *** غَدرُ الرَّشِيدِ بِيَحيى كَيْفَ يَنْكَتِمُ
لَيْسَ الرَّشيدُ كموسى فى الْقِياسِ وَلا *** مأمونُكُمْ كَالرّضا إِنْ أَنصَفَ الْحَكَمُ
باء وا بِقَتْلِ الرّضا مِنْ بَعْدِ بَيْعَتِهِ *** وَأَبْصَرُوا بَعْضَ يَوْمٍ رُشْدَهُمْ وَعَموا
إن رائعة الحمداني من مناجم الأدب العربي ، وهي تاريخ حافل بما عاناه السادة من أهل البيت (علیهم السّلام) دعاة العدل الاجتماعي في الإسلام من صنوف الجور من طغاة بني العباس الذين ناهضوا كل دعوة إصلاحية ، وارغموا المسلمين على ما يكرهون .
ويصف ابن الرومي في قصيدته العصماء التي رثى بها الشهيد الخالد يحيى العلوي ما عاناه السادة العلويون من الظلم والجور في عهد طغاة بني العبّاس ، يقول :
أَمامَكَ فانظُرْ أَيَّ نَهجَيكَ تَنْهَجُ *** طَريقانِ شَتّى مُسْتَقِيمٌ وأعوج
أَلا أَيُّ هذا الناسِ طالَ ضَريرُكُم *** بالِ رَسولِ اللهِ فاخشوا أو ارْتَجوا
أَكُلُّ أَوانٍ لِلنَّبِيَّ مُحَمَّدٍ *** قتيلٌ زَكِي بِالدِّماءِ مُضَرَّجُ
تبيعونَ فيهِ الدِّينَ شَرَّ أَئِمَّة *** فللْهِ دينُ اللهِ قَدْ كادَ يَمْرَجُ(1)
بَني المُصْطَفَى كَمْ يَأْكُلِ النَّاسُ شِلْوَكُمْ *** لبلواكُمُ عَمّا قَليلٍ مُفَرِّجُ
أَما فيهم راعٍ لِحَقِّ نَبيّه *** وَلَا خائِفُ مِنْ رَبِّهِ يَتَحَرَّجُ
لَقَدْ عَمِهوا ما أَنْزَلَ الله فيكم *** كَأَنَّ كتاب الله فيهِمْ مُمَججُ(2)
إنّ ملوك بني العباس لم يرعوا أية حرمة الرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في عترته وبنيه ، فصبّوا عليهم صنوفاً مرهقة ومريرة من الظلم والاعتداء ما لم يشاهد نظيره في قسوته وفضاعته في جميع فترات التاريخ .
ويستمرّ ابن الرومي في رائعته في تقريع الجناة الذين ظلموا السادة العلويين ، ويخصّ بني العباس بالذكر ، فيقول :
أجِنُوا بَني العباسِ مِنْ شَانِكُم *** وَشَدّوا عَلى ما في العِبابِ وَأَشْرِجوا(1)
وخَلُوا وَلاةَ السَّوءِ مِنْكُمْ وَغَيْهِمْ *** فَأَحْرِ بِهِمْ أَنْ يَغْرَقُوا حَيثُ لَجَّجوا
غُرِرْتُمْ إِذا صَدَّقتُمُ أَن حالة *** تَدومُ لَكُمْ وَالدَّهْرُ لَونانِ أَخرَجُ(2)
لَعَلَّ لَهُمْ فِي مُنْطَوَى الغَيْبِ ثائِراً *** سَيَسْمو لَكُمْ وَالصُّبْحُ في اللَّيْلِ مولَجُ(3)
وطلب ابن الرومي في هذه الأبيات من بني العبّاس أن يكفّوا من أحقادهم وشنآنهم على آل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ، و أن يقصوا ولاة السوء والجور من حكامهم الذين جهدوا في ظلم السادة العلويين ، وأنزلوا العقاب الصارم بشيعتهم ، كما حذرهم ابن الرومي من مغبة الدهر وتقلباته ، وأنهم على خطأ كبير إن ظنوا أن الحكم والسلطان يدوم لهم ، وإنّ العلويين تحت ظلمهم وجورهم ، فلعل الزمان يجود بإمام منهم فينتقم من العباسيين وغيرهم من الظالمين لآل البيت (علیهم السّلام)، وأكبر الظنّ أنّه عنى قائم آل محمد صلوات الله عليه.
هذا بعض ما صوّره الشعراء من المآسي التي عاناها السادة العلويون من طغاة بني العبّاس ، التي صبّها العباسيون على العلويين.
*رسالة الخوارزمي إلى أهالي نيسابور(1)
وهذه الرسالة التي بعثها أبو بكر الخوارزمي إلى أهالي نيسابور فريدة في بابها ، فقد حكت بأمانة وصدق ما جرى على آل بيت النبوّة ومعدن العلم والحكمة من الظلم والتنكيل بعد وفاة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من قبل الأمويين والعباسيين وغيرهم ، ونحن ننقلها بنصها لأنها صوّرت مآسي العلويين بدقة وشمول ، قال : «سمعتم أرشد الله سعيكم ، وجمع على التقوى أمركم ، ما تكلّم به السلطان الذي لا يتحامل إلا على العدل، ولا يميل إلا على جانب الفضل ، ولا يبالي أن يمزّق دينه إذا رقا دنياه ، ولا يفكر في أن يقدّم رضا الله إذا وجد رضاه ، وأنتم ونحن أصلحنا الله وإياكم عصابة لم يرض الله لنا الدنيا ، فذخرنا للدار الآخرة ، ورغب بنا عن ثواب العاجل ، فأعدّ لنا ثواب الآجل ، وقسمنا قسمين قسم مات شهيداً ، وقسم عاش شريداً ، فالحيّ يحسد الميت على ما صار إليه ، ولا يرغب بنفسه عما جرى إليه . قال أمير المؤمنين ويعسوب الدين (علیه السّلام): الْمَحَنُ إِلى شيعَتِنا أَسْرَعُ مِنَ الْمَاءِ إِلَى الْحدورِ ، وهذه مقالة لا أسست على المحن وولد أهلها في طالع الهزاهز والفتن ، فحياة أهلها نغص ، وقلوبهم حشوها غصص ، والأيام عليهم متحاملة ، والدنيا عنهم مائلة ، فإذا كنا شيعة أئمتنا في الفرائض والسنن ، ومتبعي آثارهم في كل قبيح وحسن ، فينبغي أن نتبع آثارهم في المحن» .
وحكى هذا المقطع ما تعانيه شيعة آل البيت من صنوف الاضطهاد والارهاق من حكام الجور، وأنّ الله تعالى ادّخر ما يجري عليهم من المحن والبلوى في الدار الآخرة التي أُعدّت جنانها لأولياء الله تعالى ، فيعوّضهم أضعاف ما عانوه في سبيل محبّتهم لأهل بيت نبيّهم . والذي يظهر من هذه الكلمات أن أهالي نيسابور قد تعرّضوا لأشدّ المحن والخطوب لولائهم ومحبتهم لأهل البيت (علیهم السّلام)، فساق لهم
1) رسائل الخوارزمي : 121 .
أبو بكر هذه الرسالة تعزية وسلوى لهم .
ويستمر أبو بكر في رسالته فيقول : «غُصبت سيدتنا فاطمة صلوات الله عليها وعلى آلها ميراث أبيها صلوات الله عليه وعلى آله يوم السقيفة ، وأخر أمير المؤمنين عن الخلافة ، وسمّ الحسن (رضی الله عنه) سراً ، وقتل أخوه كرم الله وجهه جهراً ، وصلب زيد بن له عليّ بالكناسة ، وقطع رأس زيد بن عليّ في المعركة(1)، وقتل ابناه محمد وإبراهيم على يد عيسى بن موسى العبّاسي ، ومات موسى بن جعفر في حبس هارون ، وسُمّ علي بن موسى بيد المأمون، وهزم إدريس بفخ حتى وقع إلى الأندلس فريداً ، ومات عيسى بن زيد طريداً شريداً ، وقتل يحيى بن عبد الله بعد الأمان والأيمان ، ويعد تأكيد العهود والضمان».
عرض الخوارزمي في هذه الكلمات المآسي التي حلت بأهل البيت ، وكان من أفجعها ما جرى على سيّدة نساء العالمين ، حبيبة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وبضعته فاطمة الزهراء صلوات الله عليها من المحن والخطوب، فقد مُنعت عن مواريثها في يوم السقيفة ذلك اليوم الخالد في دنيا الأحزان ، فجميع ما عانته العترة الطاهرة من صنوف الاعتداء والظلم كان من نتائج ذلك اليوم ، فقد أخر الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) عن مركزه الذي أقامه النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فيه في يوم غدير خم، وتوالت الأحداث الرهيبة على أبناء الرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقد سمّ معاوية بن هند سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسن (علیه السّلام)، وقتل يزيد بن معاوية ريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الإمام الحسين ، وأباد العترة الطاهرة على صعيد كربلاء بصورة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً في فضاعتها ومرارتها .
ومن المآسي التي حلت بأهل البيت قتل الشهيد الخالد زيد بن علي (علیه السّلام)، فقد قتله الأمويون ، وصلبوه على جذع النخلة ، واستمرّ مصلوباً حفنة من السنين ، وهو يضيء للمسلمين طريق الحرية والكرامة ، ويدعوهم إلى النضال من أجل تحريرهم
1) قطع رأس زيد بعد المعركة لا في أثنائها .
الذل والعبودية ، وممّا عاناه سيّد أهل البيت في عصره الإمام الأعظم موسى بن جعفر (علیه السّلام) رائد العدالة الاجتماعية في عصره ، فقد صبّ عليه الطاغية هارون الرشيد جام غضبه ، وأودعه في ظلمات السجون حتى توفي (علیه السّلام) مسموماً شهيداً، وعانى من بعده ولده الإمام الرضا (علیه السّلام) من طاغية زمانه المأمون العباسي ، فقد أجبره على ولاية العهد ثمّ اغتاله بالسمّ بعد ذلك ، إلى غير ذلك من المآسي التي جرت على السادة الأطهار ، دعاة العدل والكرامة في دنيا الإسلام.
ويستمر الخوارزمي في ذكر بعض ما جرى على العلويين من الظلم فيقول :
«هذا غير ما فعل يعقوب بن الليث بعلويّة طبرستان ، وغير قتل محمد بن زید ، والحسن بن القاسم الداعي على أيدي آل ساسان ، وغير ما صنعه أبو الساج في علوية المدينة ، حملهم بلا غطاء ولا وطاء من الحجاز إلى سامراء ، وهذا نفسه قتل قتيبة بن مسلم الباهلي لابن عمر بن علي حين أخذه بابويه ، وقد ستر نفسه ، وواری شخصه يصانع حياته ويدافع وفاته ، ولا كما فعله الحسين بن إسماعيل المصعبي بيحيى بن عمر الزيدي خاصة ، وما فعله مزاحم بن خاقان بعلوية الكوفة كافة ، وبحسبكم أنه ليس في بيضة الإسلام بلدة إلا وفيها قتيل طالبي تربه ، تشارك في قتلهم الأموي والعباسي ، وأطبق عليهم العدناني والقحطاني .
فَلَيسَ حَيٌّ مِنَ الأَحَياءِ نَعْرِفُهُ *** مِنْ ذِي يَمَانٍ وَمِنْ بَكْرٍ وَمِنْ مُضَرِ
إِلَّا ُوهُمْ شُرَكَاءٌ في دمائِهِمُ *** كَما تَشارَكَ أَيسارٌ عَلى جَزَرِ
وحكت هذه الكلمات ما لاقاه السادة العلويون وشيعتهم من صنوف القتل والتنكيل من العباسيين ، فقد أوعزوا إلى أجهزة أمنهم ومباحثهم بمطاردة العلويين ، وإنزال أقصى العقوبات الصارمة بهم ، وقد ذكر الخوارزمي كوكبة من السادة العلويين الذين نالوا شرف الشهادة على أيدي العباسيين .
ويستمر الخوارزمي في ذكر النكبات التي جرت على العلويين ، فيقول : «قادتهم
الحمية إلى المنية ، وكرهوا عيش الذلّة ، فماتوا موت العزة ، ووثقوا بما لهم في الدار الباقية ، فسخت نفوسهم من هذه الفانية ، ثمّ لم يشربوا كأساً من الموت إلا شربها شيعتهم وأولياؤهم ، ولا قاسوا لوناً من الشدائد إلا قاسه أنصارهم وأتباعهم» .
وعرض الخوارزمي في هذا المقطع إلى عزّة العلويين وكرامتهم ، فقد أبوا أن يعيشوا أذلاء خاضعين لجور العبّاسيّين وظلمهم ، فرفعوا راية الثورة عليهم ليموتوا أحراراً سعداء ، وقد تجرّعوا في سبيل حريتهم أشدّ ألوان العذاب والتنكيل ، ومثل ما جرى عليهم من الظلم جرى على شيعتهم الذين تمرّدوا على الظلم والطغيان .
ويمضي الخوارزمي في ذكر ما عاناه العلويون وشيعتهم من الاضطهاد ، فيقول : داس عثمان بن عفان بطن عمار بن ياسر بالمدينة ، ونفى أبا ذر الغفاري ، وأشخص عامر بن عبد القيس التميمي ، وضرب الأشتر النخعي ، وعدي بن حاتم الطائي، وسير عمر بن زرارة إلى الشام ، ونفى كميل بن زياد إلى العراق ، وجفا أبي بن كعب، وعادى محمد بن حذيفة وناواه ، وعمل في دم ابن سالم ما عمل ، وفعل مع كعب ذي الحطبة ما فعل».
عرض الخوارزمي في هذه الكلمات إلى ما اقترفه عثمان عفان عميد الأُسرة الأموية من التنكيل والاضطهاد في خيار الصحابة ، أمثال الصحابي العظيم عمار بن ياسر ، والصحابي الجليل أبي ذر الغفاري، وأمثالهما من المعارضين لسياسته التي خلقت الرأسمالية ، وميزت الأمويين وآل أبي معيط على غيرهم ، فقد منحهم عثمان الثراء العريض ، وحملهم على رقاب المسلمين ، الأمر الذي أدّى إلى إجماع المسلمين على قتله.
ويستمر الخوارزمي في ذكر المآسي التي عاناها أهل البيت وشيعتهم فيقول : «واتبعه في سيرته - أي سيرة عثمان - بنو أُميّة ، يقتلون من حاربهم ، ويغدرون بمن سالمهم ، لا يحفلون لمهاجري ، ولا يصونون الأنصاري ، ولا يخافون الله ،
ولا يحتشمون الناس ، قد اتخذوا عباد الله خولاً ، ومال الله دولاً ، يهدمون الكعبة ، ويستعبدون الصحابة ، ويعطلون الصلاة الموقوتة ، ويختمون أعناق الأحرار ، ويسيرون في حرم المسلمين سيرتهم في حرم الكفّار ، وإذا فسق الأموي فلم يأتِ بالضلالة عن كلالة».
وحكى هذا المقطع الجرائم والموبقات التي اقترفها بنو أُمية ، فقد ساسوا الناس سياسة لم يألفوها ، فحكموا بالظلم والجور ، واحتقروا المصلحين ، وأرغموا الناس على ما يكرهون ، إلى غير ذلك من مساوئهم .
ويأخذ الخوارزمي في ذكر ما عاناه أتباع العلويين من الظلم والاعتداء من حكام الأمويين ، فيقول : «قتل معاوية حجر بن عدي الكندي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي بعد الأيمان المؤكّدة ، والمواثيق المغلظة ، وقتل زياد بن سميّة الألوف من شيعة الكوفة ، وشيعة البصرة صبراً ، وأوسعهم حبساً ،وأسراً ، حتى قبض الله معاوية على أسوأ أعماله ، وختم عمره بشر أحواله ، فأتبعه ابنه يجهز على جرحاه ، ويقتل أبناء قتلاه ، إلى أن قتل هانئ بن عروة المرادي ، ومسلم بن عقيل الهاشمي أوّلاً ، وعقب بالحرّ بن زياد الرياحي ، وبأبي موسى عمرو بن قرضة الأنصاري ، وحبيب بن مظهر الأسدي ، وسعيد بن عبدالله الحنفي ، ونافع بن هلال الجملي ، وحنظلة بن أسد الشبامي ، وعابس بن أبي شبيب الشاكري في نيف وسبعين من جماعة شيعته ، وأمر بالحسين (علیه السّلام) يوم كربلاء ثانياً ، ثمّ سلّط عليهم الدعي ابن الدعي عبيد الله بن زياد يصلبهم على جذوع النخل ، ويقتلهم ألوان القتل ، حتّى اجتت الله دابره ، ثقيل الظهر بدمائهم التي سفك ، عظيم التبعة بحريمهم الذي انتهك ، فانتبهت لنصرة أهل البيت طائفة أراد الله أن يخرجهم من عهدة ما صنعوا، ويغسل عنهم وضر ما اجترحوا ، فصمدوا ضدّ الفئة الباغية، وطلبوا بدم الشهيد ، لا یزیدهم قلة عددهم عددهم ، وانقطاع مددهم ، وكثرة سواد أهل الكوفة بإزائهم إلا إقداماً على القتل والقتال ، وسخاء بالنفوس والأموال ، حتّى قُتل سليمان بن صرد الخزاعي ، والمسيب بن نجبة
الفزاري ، وعبيد الله بن وال التميمي في رجال من خيار المؤمنين ، وعلية التابعين ومصابيح الأنام ، وفرسان الإسلام».
عرض الخوارزمي في هذا المقطع إلى ما عانته الشيعة في عهد معاوية بن أبي سفيان من صنوف القتل والتنكيل ، فقد سلّط عليهم زياد بن أبيه ، فأمعن في قتلهم ومطاردتهم وظلمهم ، فلما انتهى دور معاوية أعقبه ولده يزيد ، فاقترف من الجرائم ما سوّد به وجه التاريخ ، فقد أباد عترة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في وحشيّة قاسية ليس لها مثيل في فظاعتها ومرارتها ، وقد انتهكت بذلك حرمة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في أبنائه وذريته ولم يكتف ابن مرجانة بما اقترفه مع سيّد شباب أهل الجنة ، وإنما عمد إلى خيار الشيعة كميثم التمار ، فصلبه على جذع النخلة ، وقد انتفضت كوكبة من خيار الشيعة بعد هلاك الطاغية يزيد ، فطالبوا بدم الإمام الحسين (علیه السّلام) ، وهم التوابون ، واستشهد منهم أعلامهم أمثال سليمان بن صرد الخزاعي ، والمسيب بن نجبة الفزاري ، وعبد الله بن وال التميمي ، وغيرهم من مصابيح الإسلام.
ويستمر الخوارزمي في عرض المآسي التي جرت على السادة العلويين ، فيقول : ثمّ تسلّط ابن الزبير على الحجاز والعراق ، فقتل المختار بعد أن شفى الأوتار ، وأدرك الثار ، وأفنى الأشرار ، وطلب بدم المظلوم الغريب ، فقتل قاتله ، ونفى خاذله ، وأتبعوه أبا عمرة بن كيسان ، وأحمر بن شميط ، ورفاعة بن يزيد ، والسائب بن مالك ، وعبدالله بن كامل ، وتلقطوا بقايا الشيعة يمثلون بهم كلّ مثلة ، ويقتلونهم شر قتلة ، حتى طهر الله من عبد الله بن الزبير البلاد، وأراح من أخيه مصعب العباد ، فقتلهما عبد الملك بن مروان وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(1)بعد ما حبس ابن الزبير محمد بن الحنفية ، وأراد إحراقه ، ونفى عبد الله بن العباس ، وأكثر إهراقه» .
1) الأنعام 6: 129 .
وحكت هذه الكلمات ثورة القائد الملهم العظيم المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي طهر الأرض من أرجاس الخونة المجرمين ، قتلة سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين (علیه السّلام)، فقد طاردهم وقتلهم تحت كل حجر ومدر ، وقد بليت الأمة بعبد الله بن الزبير وأخيه مصعب ، فقد استوليا على الحجاز والعراق ، وأبادا بصورة جماعيّة شيعة أهل البيت (علیهم السّلام)، وفي طليعتهم حاكم العراق المختار وجماعته من عيون المؤمنين والصالحين، ولكن لم يستقم الأمر لمصعب وأخيه ، فقد قتلهما الطاغية عبدالملك بن مروان ، فأراح الله البلاد والعباد منهما .
ويلقي الخوارزمي نظرة على شيعة أهل البيت في أيام عبدالملك بن مروان وغيره من ملوك الأمويين ، فيقول : «فلما خلت البلاد لآل مروان سلطوا الحجاج على الحجازيين ، ثم على العراقيين ، فتلعب بالهاشميين ، وأخاف الفاطميين ، وقتل شيعة على ، ومحا آثار بيت النبوة ، وجرى منه ما جرى على كميل بن زياد النخعي ، واتصل البلاء مدّة ملك المروانية إلى الأيام العبّاسيّة، حتّى إذا أراد الله أن يختم مدتهم بأكثر آثامهم ، ويجعل أعظم ذنوبهم في آخر أيامهم بعث على بقية الحق المهمل ، والدين المعطّل زيد بن عليّ ، فخذله منافقو أهل العراق ، وقتله أحزاب أهل الشام ، وقتل معه من شيعته نصر بن خزيمة الأسدي ، ومعاوية بن إسحاق الأنصاري وجماعة ممن شايعه وتابعه ، وحتى من زوجه وأدناه وحتى من كلّمه وماشاه» .
عرض الخوارزمي في هذا المقطع إلى حكم المروانيين ، وتسلّطهم على رقاب المسلمين، فكان من جرائمهم ومخازيهم أن سلّطوا الارهابي المجرم الحجاج بن يوسف الثقفي على رقاب المسلمين، فأمعن في قتل الأخيار والمصلحين ، وتتبع شيعة العلويين فأبادهم ، ومحا آثار أهل البيت ، وقد ضاق الأمر بالشيعة حتى قام الشهيد الخالد زيد بن عليّ ، ففجّر ثورته الكبرى التي أعلن فيها حقوق الإنسان ، وتحرير إرادة المسلم .
ومن المؤسف أنّ أهل الكوفة خانوه وخذلوه ، حتى استشهد سلام الله عليه ، فتتبع الأمويون شيعته ومناصريه فأبادوهم إبادة شاملة .
ويعرض الخوارزمي بعد ذلك إلى زوال حكم الأمويين وتشكيل الدولة العباسية ، وما عاناه الشيعة والعلويون من صنوف الارهاق ، فيقول : «فلما انتهكوا ذلك الحريم ، واقترفوا ذلك الإثم العظيم غضب الله عليهم ، وانتزع الملك منهم ، فبعث عليهم أبا مجرم - لا أبا مسلم - فنظر لا نظر الله إليه إلى صلابة العلوية ، وإلى لين العبّاسيّة ، فترك تقاه ، واتبع هواه ، وباع آخرته بدنياه، وافتتح عمله بقتل عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب ، وسلّط طواغیت خراسان وخوارج سجستان وأكراد أصفهان على آل أبي طالب يقتلهم تحت كلّ حجرٍ ومدر ، ويطلبهم في كلّ سهل وجبل ، حتّى سلّط عليه أحبّ الناس إليه فقتله كما قتل الناس في طاعته ، وأخذه بما أخذ الناس في بيعته ، ولم ينفعه أن أسخط الله برضاه ، وأن ركب ما لا يهواه ، وحلت من الدوانيقي الدنيا ، فخبط فيها عسفاً، وتقضى فيها جوراً وحيفاً ، إلى أن مات، وقد امتلأت سجونه بأهل بيت الرسالة ، ومعدن الطيب والطهارة ، قد تتبع غائبهم ، وتلقط حاضرهم ، حتى قتل عبد الله بن محمد بن عبدالله الحسني (بالسند) على يد عمر بن هشام التغلبي ، فما ظنك بمن قرب متناوله عليه ، ولان مسه على يديه ؟ وهذا قليل في جنب ما قتله هارون منهم ، وفعله موسى قبله بهم ، فقد عرفتم ما توجّه على الحسين بن عليّ بفخ من موسى ، وما اتفق على عليّ بن الأفطس الحسيني من هارون ، وما جرى على أحمد بن علي الزيدي ، وعلى القاسم بن علي الحسني من حبسه ، وعلي بن غسان حاضر الخزاعي حين أخذ من قبله ، والجملة أنّ هارون مات وقد حصد شجرة النبوّة ، واقتلع غرس الإمامة وأنتم أصلحكم الله أعظم نصيباً في الدين من الأعمش ، فقد شتموه ، ومن شريك فقد عزلوه ، ومن هشام بن الحكم فقد أخافوه ، ومن علي بن يقطين فقد اتهموه» .
وحكى هذا المقطع المآسي والنكبات التي جرت على السادة العلويين وعلى
شيعتهم في عهد العباسيين ، فقد أسرفوا في ظلمهم ، وأمعنوا في قتلهم ، وفعلوا بهم ما لم تفعله بهم عتاة بني أُمية ، وقد ذكر الخوارزمي قائمة بأسماء السادة العلويين الذي قتلهم أبو مسلم الخراساني الذي انتقم الله منه ، فقد أذاقه المنصور الكأس التي سقى به مئات الآلاف من المسلمين ، وخصوصاً السادة العلويين ، وأعظم ما جرى على العلويين في عهد المنصور الدوانيقي فقد أسرف هذا الطاغية في قتلهم ، فقد انمحت من نفسه جميع نفسه جميع أفانين المروة والشرف ، ولم يرع أي حق لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في ذريته وبنيه ، فقد طاردهم وتتبعهم تحت كلّ حجر ومدر ، فمن عثر عليه قتله أو أودعه في ظلمات السجون ، ولمّا هلك هذا الطاغية كانت زنزانة سجونه مليئة بالأبرياء من السادة وشيعتهم ، واستمر الظلم على العلويين من أبناء المنصور وأحفاده ، وكان من أقصى ما لاقوه وعانوه في عهد الطاغية هارون ، فقد أباد أبناء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قتلاً وتنكيلاً، واعتدى على سيد العترة في عصره الإمام الأعظم موسى بن جعفر (علیه السّلام)، فأودعه حفنة من السنين في سجونه ، ثمّ اغتاله بالسم .
ويستمر الخوارزمي في ذكر ما جرى على العلويين وشيعتهم من الظلم ، فيقول : فأما في الصدر الأوّل ، فقد قتل زيد بن صوحان العبدي ، وعوقب عثمان بن حنيف الأنصاري ، وخفي حارثة بن قدامة السعدي ، وجندب بن زهير الأزدي ، وشريح بن هانئ المرادي ، ومالك بن كعب الأرحبي ، ومعقل بن قيس الرياحي ، والحارث الأعور الهمداني ، وأبو الطفيل الكناني ، وما فيهم إلا من خرّ على وجهه قتيلاً أو عاش في بيته ذليلاً، شتمة الوصي فلا ينكر ، ويرى قتلة الأوصياء وأولادهم ذليلاً ، يسمع فلا يغيّر ، ولا يخفى عليكم حرج عامتهم وحيرتهم ، كجابر الجعفي ، وكرشيد الهجري ، وكزرارة بن أعين ، وكفلان وأبي فلان ليس إلا أنّهم رحمهم الله كانوا يتولّون أولياء الله ، ويتبرأون من أعدائه ، وكفى به جرماً عظيماً عندهم وعيباً كبيراً بينهم».
وحكت هذه الكلمات ما عاناه الشيعة من صنوف القتل والاضطهاد في أيام الحكم الأموي الأسود ؛ وذلك لولائهم لأهل البيت (علیهم السّلام) الذين فرض الله مودتهم
على جميع المسلمين.
ويعرج الخوارزمي بعد ذلك إلى ما جرى على الشيعة من الخطوب والظلم أيّام الحكم العباسي الذي هو أشد قسوةً من الحكم الأموي ، فيقول : «وقل في بني العباس فإنّك ستجد بحمد الله تعالى مقالاً ، وجل في عجائبهم فإنّك ترى ما شئت مجالاً .
يجيء فيئهم فيفرّق على الديلمي والتركي ويحمل إلى المغربي والفرغاني ويموت إمام من أئمة الهدى، وسيّد من سادات بني المصطفى ، فلا تتبع جنازته ، ولا تجصص مقبرته ، ويموت (ضراط) لهم أو لاعب أو مسخرة أو ضارب ، فتحضر جنازته العدول والقضاة ، ويعمر مسجد التعزية عنه القواد والولاة ، ويسلم فيهم من يعرفونه دهريّاً أو سوفسطائيّاً ، ولا يتعرّضون لمن يدرس كتاباً فلسفيّاً ومانويّاً ، ويقتلون من عرفوه شيعياً ، ويسفكون دم من سمّى ابنه عليّاً ، ولو لم يقتل من شيعة أهل البيت غير المعلى بن خنيس قتيل داود بن علي ، ولو لم يحبس فيهم غير أبي تراب المروزي لكان ذلك جرحاً لا يبرأ ، وثائرة لا تطفأ ، وصدعاً لا يلتئم ، وجرحاً لا يلتحم ، وكفاهم أنّ شعراء قريش قالوا : في الجاهليّة أشعاراً يهجون بها أمير المؤمنين (علیه السّلام)، ويعارضون فيها أشعار المسلمين ، فحملت أشعارهم ودوّنت أخبارهم ، ورواها الرواة ، مثل الواقدي ووهب بن منبه التميمي ، ومثل الكلبي والشرقي بن القطامي ، والهيثم بن عدي ، وداب بن الكناني .
وإنّ بعض شعراء الشيعة يتكلّم في ذكر مناقب الوصي وفي ذكر معجزات النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فيقطع لسانه ، ويمزق ديوانه ، كما فعل بعبد الله بن عمار البرقي ، وكما أُريد بالكميت بن زيد الأسدي ، وكما نبش قبر منصور بن الزبرقان النمري ، وكما دمر على دعبل بن علي الخزاعي ، مع رفقتهم من مروان بن أبي حفصة اليمامي ، ومن علي بن الجهم الشامي ليس إلا لغلوهما في النصب واستيجابها مقت الربّ ، حتى أن هارون
ابن الخيزران وجعفر المتوكل على الشيطان - لا على الرحمن - كانا لا يعطيان مالاً ، ولا يبذلان نوالاً إلا لمن شتم آل أبي طالب ، ونصر مذهب النواصب مثل عبدالله بن مصعب الزبيري ، ووهب بن وهب البختري ، ومن الشعراء مثل مروان بن أبي حفصة الأموي ، ومن الأدباء مثل عبد الملك بن قريب الأصمعي ، فأما في أيام جعفر ، فمثل بكار بن عبدالله الزبيري ، وأبي السمط بن أبي الجون الأموي ، وابن أبي الشوارب العبشمي».
عرض الخوارزمي في هذا المقطع إلى المحن الشاقة والعسيرة التي واجهتها شيعة أهل البيت في عهد الحكم العبّاسي الذي أمعن في إرهاقهم واضطهادهم ، وذكر الخوارزمي كوكبة من أعلام الشيعة الذين أعدموا وسجنوا لا لذنب اقترفوه ، وإنّما لولائهم لعترة نبيهم (صلی الله علیه و آله و سلم) ، كما ذكر الخوارزمي بعض الاجراءات الظالمة التي عملتها للقضاء على ذكر أهل البيت والتي منها أن من يمدحهم ويذكر مآثرهم ومناقبهم يتعرّض للقتل والسجن ، ومن يهجوهم ويشتمهم تكرمه السلطة ، وتغدق عليه المال والثراء العريض .
ومن بنود هذه الوثيقة التي كشفت الغطاء عن المآسي الفظيعة التي عاناها العلويون وشيعتهم قوله : ونحن أرشدكم الله قد تمسكنا بالعروة الوثقى ، وآثرنا الدين على الدنيا ، وليس يزيدنا بصيرة زيادة من زاد فينا ، ولن يحلّ لنا عقدة نقصان من نقص منا ، فإن الإسلام بدأ غريباً ، وسيعود غريباً كما بدأ ، كلمة من الله ووصية من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يورثها من يشاء من عباده ، والعاقبة للمتقين ، ومع اليوم غد ، ومع السبت أحد .
قال عمّار بن ياسر (رضی الله عنه) یوم صفين : لو ضربونا حتى نبلغ سعفات هجر لعلمنا أنا على الحقِّ ، وأنّهم على الباطل ، ولقد هزم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ثم هزم ، ولقد تأخر أمر الإسلام ثم تقدّم الم *أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ
لَا يُفْتَنُونَ(1)، ولولا محنة المؤمنين وقلتهم ، ودولة الكافرين وكثرتهم لما امتلأت جهنم، حتى تقول : هل من مزيد ، ولما قال الله تعالى : وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ، ولما تبيّن الجزوع من الصبور ، ولا عرف الشكور من الكفور ، ولما استحق المطيع الأجر ، ولا احتقب العاصي الوزر ، فإن أصابتنا نكبة فذلك ما قد تعوّدناه ، وإن رجعت لنا دولة فذلك ما قد انتظرناه ، وعندنا بحمد الله تعالى لكلّ حالة آلة ، ولكل مقام مقالة ، فعند المحن الصبر ، وعند النعم الشكر ، ولقد شتم أمير المؤمنين (علیه السّلام) على المنابر ألف شهر، فما شككنا في وصيّته ، وكذب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) بضع عشرة سنة ، فما اتهمناه في نبوّته، وعاش إبليس مدّة تزيد على المدد ، فلم نرقب في لعنته ، وابتلينا بفترة الحقِّ ، ونحن مستيقنون بدولته ، ودفعنا إلى قتل الإمام بعد الإمام ، والرضا بعد الرضا ولا مرية عندنا في صحة إمامته ، وكان وعد الله مفعولاً ، وكان أمر الله قدراً مقدوراً ، كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ، ولتعلمن نبأه بعد حين». وحكت هذه الكلمات صمود الشيعة ، وعدم اكتراثها بالضربات القاسية والموجعة التي تلقتها من الارهابيين والمجرمين من أعداء أهل البيت ، فلم تنثن في الإسلام ، وقد أثبتت الشيعة في مواقفها الصلبة أيّام الحكم الأموي والحكم العباسي أنّها من أصلب المدافعين عن الإسلام ، والمناهضين للجور والطغيان ، فقد رفعت راية الإسلام عالية خفاقة ، ولم تحفل بالكوارث والخطوب التي صبّها عليهم أولئك اللصوص من حكام الأمويين والعباسيين .
ويستمر الخوارزمي في رسالته فيقول : «اعلموا رحمكم الله أنّ بني أُميّة الشجرة الملعونة في القرآن ، وأتباع الطاغوت والشيطان ، جهدوا في دفن محاسن الوصي ، واستأجروا من كَذَبَ في الأحاديث على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وحولوا الجوار إلى بيت
1) العنكبوت 29: 1 و 2 .
المقدس عن المدينة ، والخلافة - زعموا - إلى دمشق عن الكوفة ، وبذلوا في طمس هذا الأمر الأموال ، وقلّدوا عليه الأعمال، واصطنعوا فيه الرجال ، فما قدروا على دفن حديث من أحاديث رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولا على تحريف آية من كتاب الله ، ولا على دسّ أحد من أعداء الله في أولياء الله ، ولقد كان ينادي على رؤوسهم بفضائل العترة ، ويبكت بعضهم بعضاً بالدليل والحجّة ، لا تنفع في ذلك هيبته - أي هيبة السلطان - ولا يمنع منه رغبة، ولا رهبة ، والحق عزيز وإن استذل أهله ، وكثير وإن قل حزبه ، والباطل ذليل وإن رضع بالشبهة ، وقبيح وإن غطي وجهه بكل مليح .
قال عبدالرحمن بن الحكم وهو من أنفس بني أمية :
سُمَيَّةُ أَمْسَى نَسِلُهَا عَددَ الْحَصَى *** وبنتُ رَسولِ اللهِ لَيْسَ لَها نَسلُ
وقال غيره :
لَعَنَ اللهُ مَنْ يَسبُّ عَلِيّاً *** وحُسَيْناً مِنْ سوقَةٍ وَإِمَامٍ
وقال أبو دهبل الجمحي في سمة سلطان بني أُمية وولاية آل بني سفيان :
تَبِيتُ السُّكارى مِنْ أُمَيَّةَ نُوَّماً *** وَبِالطَّفِّ قَتلى ما يَنامُ حَميمُها
وقال سليمان بن قتة
وَإِنَّ قَتيلَ الطَّفِّ مِنْ آلِ هَاشِمٍ *** أذلَّ رقابَ الْمُسلِمِينَ فَذَلَّت
وقال الكميت بن زيد، وهو جار خالد بن عبد الله القسري :
فَقُلْ لِبَنى أُمَيَّةَ حَيثُ حَلوا *** وَإِنْ خِفْتَ الْمُهَنَّدَ وَالْقَطيعا
أَجاعَ اللهُ مَنْ أَشْبَعتُمُوهُ *** وَأَشْبَعَ مَنْ بِجَوْرِكُمْ أُجيعا»
عرض الخوارزمي في هذا المقطع إلى ما بذله الأمويون من جهود جبارة لطمس
فضائل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فقد سخروا جميع إمكانياتهم الاقتصادية والسياسية والإعلامية لمحو ذكر العترة الطاهرة، وستر مناقبهم ومآثرهم ، فلم يفلحوا ، فقد برزت فضائلهم كأسمى صورة عرفتها الإنسانية في جميع مراحل تاريخها ، كما ظهرت للعيان صور اللصوص وقطاع الطرق من أعدائهم الذين نهبوا أموال المسلمين ، وأنفقوها على شهواتهم ورغباتهم ، وأرغموا المسلمين على ما يكرهون .
ويقول الخوارزمي في رسالته : «ما هذا بأعجب من صياح شعراء بني العباس على رؤوسهم بالحق ، وإن كرهوا ، ويتفضيل من نقصوه وقتلوه . قال منصور بن الزبرقان على بساط هارون :
آلُ النَّبيَّ وَمَنْ يُحِبُّهُمُ *** يَتَطَامَونَ مَخَافَةَ الْقَتْلِ
أَمِنَ النَّصارى وَاليَهودُ وَهُمْ *** مِنْ أُمَّةِ التَّوحيدِ في أَزْلِ(1)
وقال دعبل بن علي ، وهو صنيعة بني العباس وشاعرهم(2):
أَلَمْ تَرَ أَنِّي مِنْ ثَمانِينَ حِجَّةٌ *** أَروحُ وَأَغْدو دائِمَ الْحَسَراتِ
أرى فَيْنَهُمْ فِي غَيْرِهِمْ مُتَقَسّماً *** وَأَيْديهِمُ من فَيئِهِمْ صَفِراتِ
وقال عليّ بن العبّاس الرومي ، وهو مولى المعتصم :
بِكُل أوان للنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ *** قَتِيلٌ زَكِيٌّ بِالدِّمَاءِ مُضَرَّجُ
1) الأزل : الضيق والشدّة .
2) لم يكن دعبل الخزاعي صنيعة بني العباس وشاعرهم ، وإنّما كان شاعر السادة العلويين ومادحهم ، وتعرّض في سبيل ذلك لأقسى ألوان المحن والخطوب ، كما يشهد بذلك ما أعلنه دعبل بهذين البيتين من قصيدته الخالدة التي تلاها على الإمام الرضا (علیه السّلام)، وفيما أحسب أنّ هذه الفقرة كانت من الناسخ ، أو سهواً من الخوارزمي .
وقال إبراهيم بن العباس الصولي ، وهو كاتب القوم وعاملهم في الرضا لما قربه المأمون :
يُمَنُّ عَلَيْكُمْ بِأَموالِكُمْ *** وَتُعطُونَ مِنْ مائَةٍ واحِدا
وحكت هذه الكلمات ما أعلنه شعراء الشيعة بتفضيل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) وأبنائه الأئمة الطاهرين على العبّاسيّين وغيرهم ، وقد أعلنوا ذلك في أحرج الظروف وأقساها ، فقد كان النطع والسيف هو المصير لمن يذكر الأئمة الطاهرين بخير ، إلا أنّ أُولئك الأبطال لم يحفلوا بما عانوه من القتل والتشريد في سبيل كلمة الحق .
ويستمر الخوارزمي في رسالته ، فيقول : «وكيف لا ينتقصون - أي الشعراء - قوماً يقتلون بني عمهم جوعاً وسغباً، ويملأون ديار الترك والديلم فضة وذهباً ، يستنصرون المغربي ، ويولون أنباط والفرغاني ، ويجفون المهاجري و والأنصاري، ویولّون أنباط السواد وزاراتهم ، وقلف العجم قيادتهم ، ويمنعون آل أبي طالب ميراث أُمهم ، وفيء جدّهم ، يشتهي العلوي الآكلة فيحرمها ، ويقترح على الأيّام الشهوة فلا يطعمها ، وخراج مصر والأهواز ، وصدقات الحرمين والحجاز تصرف إلى ابن أبي مريم المديني ، وإلى إبراهيم الموصلي ، وابن جامع السهمي ، وإلى زلزل الضارب ، ويرصوما الزامر ، وإقطاع بختيشوع النصراني ، قوت أهل بلد ، وجاري بغا التركي والأفشين الأسروشني كفاية أمة ذات عدد ، والمتوكل يتسرى باثني عشر ألف سرية ، والسيّد من سادات أهل البيت يتعفّف بزنجيّة أو سنديّة ، وصفوة مال الخراج مقصور على أرزاق الأفاغنة ، وعلى موائد المخانثة ، وعلى طعمة الكلابين ، ورسوم القرّادين، وعلى مخارق وعلوية المغنّي ، وعلى زرزر ، وعمر بن بانة الملهي، ويبخلون على الفاطمي بأكلة أو شربة ، يصرفونه على دائق وحبة ، ويشترون العوادة بالبدر ، ويجرون لها ما يفي برزق عسكر ، والقوم الذين أحلّ لهم الخمس ، وحرمت عليهم الصدقة ، وفرضت لهم الكرامة والمحبّة ، يتكفّون ضراً، ويهلكون فقراً،
ويرهن أحدهم سيفه، ويبيع ثوبه ، وينظر إلى فيئه بعين مريضة ، ويتشدّد على دهره بنفس ضعيفة ليس له ذنب إلا أن جده النبي ، وأباه الوصي ، وأُمّه فاطمة ، وجدته خديجة ، ومذهبه الإيمان ، وإمامه القرآن».
وحفلت هذه القطعة ببعض المآسي التي عاناها العلويون ، والتي منها فرض الحصار الاقتصادي عليهم من قبل الطغمة العبّاسيّة ، فقد منعوهم من أبسط حقوقهم ، وضيقوا عليهم غاية التضييق ، حتّى لم يجد العلوي ثوباً يستر بدنه ، ولا طعاماً يسد رمقه في حين أن أموال الدولة تصرف على المغنين والعابثين والماجنين ، وقد ذكر الخوارزمي قائمة بأسمائهم ، وقد أنفقت الحكومات العبّاسيّة عليهم الملايين من الأموال ، وتركت الشعوب الإسلامية ترزح تحت كابوس الفقر والحرمان .
ومن بنود هذه الرسالة ما يلي : «ولقد كانت في بني أمية مخازي تذكر ، ومعايب تؤثر ، كان معاوية قاتل الصحابة والتابعين ، وأُمّة أكلة الشهداء الطاهرين ، وابنه يزيد القرود ، مربي الفهود، وهادم الكعبة، ومنهب المدينة ، وقاتل العترة ، وصاحب يوم الحرّة ، وكان مروان الوزغ ابن الوزغ ، لعن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أباه ، وهو في صلبه ، فلحقته لعنة الله ربّه ، وكان عبد الملك صاحب الخطيئة التي طبقت الأرض وشملت ، وهي توليته الحجاج بن يوسف الثقفي ، فاتك العباد ، وقاتل العباد ، ومبيد الأوتاد ، ومخرّب البلاد ، وخبيث أمة محمد الذين جاءت به النذر ، وورد فيه الأثر ، وكان الوليد جبّار بني أُميّة ، وولى الحجاج على المشرق ، وقرة بن شريك على المغرب ، وأن سليمان صاحب البطن الذي قتلته بطنه ، ومات شبعاً وتخمة ، وكان يزيد صاحب سلامة وحبابة الذي نسخ الجهاد بالخمر ، وقصر أيام خلافته على العود والزمر ، وأوّل من أغلى سعر المغنّيات ، وأعلن بالفاحشات ، وماذا أقول : فيمن أعرق فيه مروان من جانب ويزيد بن معاوية من جانب ، فهو ملعون بين ملعونين ، وعريق في الكفر بين كافرين ، وكان هشام قاتل زيد بن عليّ ، مولى يوسف بن عمر الثقفي ، وكان الوليد بن
یزید خليع بني مروان الكافر بالرحمن ، الممزق بالسهام القرآن ، وأوّل من قال الشعر في نفي الإيمان، وجاهر بالفسوق والعصيان» .
عرض الخوارزمي في هذا المقطع حال ملوك الأمويين، وما أُثر أثر عنهم من المخازي التي سوّدوا بها وجه التاريخ ، وقد عانت الأمة في ظلال حكمهم الأسود من الخطوب والكوارث ، فقد نهبوا الاقتصاد ، وصادروا حريات الناس ، واستعملوا عليهم ذئاب البشرية ، أمثال المجرم الارهابي الحجّاج بن يوسف الثقفي ، وأمثاله من القساة المجرمين ، فأحالوا الحياة إلى جحيم ، فقد أشاعوا الظلم والفساد بين الناس .
ولنستمع إلى الفصل الأخير من هذه الرسالة ، يقول فيها : «وهذه المثالب مع عظمها وكثرتها ومع قبحها ،وشنعتها ، صغيرة وقليلة في جنب مثالب بني العباس الذين بنوا مدينة الجبارين ، وفرّقوا في الملاهي والمعاصي أموال المسلمين ، هؤلاء أرشدكم الله الأئمة المهديون الراشدون ، الذين قضوا بالحق وبه يعدلون ، بذلك يقف خطيب جمعتهم ، وبذلك تقوم صلاة جماعتهم».
وأعرب الخوارزمي في هذه الكلمات عن مثالب بني العباس ، وأنّها أفظع بكثير من موبقات بني أُميّة وجرائمهم ، فقد أنفق العباسيون أموال الأُمة على شهواتهم وملاذهم ولياليهم الحمراء ، في حين أن الغالبية الساحقة من الشعوب الإسلامية قد نهشها الجوع والبؤس والحرمان ، ومن الغريب أن تضفى الألقاب الكريمة ، والنعوت الحسنة على أولئك الملوك ، فيقال عنهم : إنّهم أئمة مهديون يقضون بالحق وبه يعدلون .
وبهذا ينتهي بنا المطاف في الحديث عن هذه الرسالة ، التي هي من أوثق البنود السياسية ، قد حكت بصورة صادقة وموضوعية ما عاناه السادة العلويون وشيعتهم من المآسي والكوارث المدمرة من حكّام الأمويين والعباسيين ، وهي تلقي الأضواء على السبب في اختفاء الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وحجبه عن الناس.
وفيما أحسب أنّ من الأسباب الرئيسة التي دعت إلى فرض الإقامة الجبرية على الإمامين الزكيّين الإمام علي الهادي ونجله الإمام الحسن العسكري (علیهم السّلام) في سامراء ، واحاطتهما بقوى مكثفة من الأمن ، رجالاً ونساءً ، هي التعرّف على ولادة الإمام المنتظر لإلقاء القبض عليه ، وتصفيته جسدياً ، فقد أرعبتهم ، وملأت قلوبهم فزعاً ما تواترت به الأخبار عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، و عن أوصيائه الأئمة الطاهرين أنّ الإمام المنتظر هو رسول ر آخر خلفاء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وأنه هو الذي يقيم العدل، وينشر الحق ، ويشيع الأمن والرخاء بين الناس ، وهو الذي يقضي على جميع أفانين الظلم ، ويزيل حكم الظالمين ، فلذا فرضوا الرقابة على أبيه وجده ، وبعد وفاة أبيه الحسن العسكري (علیه السّلام) أحاطوا بدار الإمام (علیه السّلام) ، وألقوا القبض على بعض نساء الإمام الذين يظنّ أو يشتبه في حملهنّ ، كما ذكرنا ذلك بصورة مفصلة في البحوث السابقة ، فهذا هو السبب الرئيسي في اختفاء الإمام (علیه السّلام) و عدم ظهوره للناس ، وقد علّل بذلك في حديث زرارة ، فقد روي أن الإمام (علیه السّلام) قال : «إِنَّ لِلقائِم غَيْبَةٌ قَبْلَ ظُهُورِهِ.
فبادر زرارة قائلاً: لم ؟
فقال (علیه السّلام): يَخافُ الْقَتْلَ»(1).
ويقول الشيخ الطوسي : «لا علة تمنع من ظهور المهدي إلا خوفه على نفسه القتل ؛ لأنه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار»(2).
وناقش أبو الحسن الخنيزي في سبب اختفاء الإمام (علیه السّلام) خوفه من القتل ، قال : أمّا دعوى أنّ الإمام المهدي ممتنع من الخروج خوفاً من الأعداء فهي من الخيالات
المنافية أو المخيلات والوهميات المثارة من الحدة حال الجدال»(1).
وهذا الرأي ليس بوثيق لأنّ السلطة العبّاسيّة لو ظفرت به لقتلته كما قتلت آباءه الأئمة الطاهرين (علیهم السّلام)، فقد فرضت الرقابة الشديدة والمكثّفة على بيت أبيه الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام) بعد وفاته لإلقاء القبض عليه وقتله ، فقد حجبه الله تعالى وأخفاه عن العباسيين حفاظاً على حياته وبقائه ليقيم العدل وينشر الحقّ ، ويبسط الأمن في الأرض ، في وقت يحدّده الله تعالى ، وليس للإنسان رأي أو اختيار في ذلك.
وثمة سبب آخر عدّل به غيبة الإمام (علیه السّلام)، وهو امتحان العباد واختبارهم وتمحيصهم ، فقد أثر عن أبي عبد الله (علیه السّلام) أنه قال : «أما وَاللَّهِ لَيَغِيبَنَّ إِمَامُكُمْ شَيْئاً مِنْ دَهْرِكُمْ ، وَلَتَمَحْصُنَّ حَتَّى يُقالَ : ماتَ أَوْ هَلَكَ ، بِأَيِّ وادٍ سَلَكَ ، وَلَتَدْ مَعَنَّ عَلَيْهِ عُيونُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَتَكفَأَنَّ كَما تُكْفَأُ السُّفْنَ في أَمواج الْبَحْرِ ، فَلَا يَنْجو إِلَّا مَنْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَهُ ، وَكَتَبَ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانَ ، وَأَيَّدَهُ بِروحٍ مِنْه»(2).
لقد جرت سنة الله في عباده امتحانهم وابتلاء هم ليجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون . قال تعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزيزُ الْغَفُورُ(3)، وقال تعالى : أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(4)، وغيبة الإمام (علیه السّلام) من موارد الامتحان ، فلا يؤمن بها إلا من خلص
إيمانه ، وصفت نفسه ، وصدّق بما جاء عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة الهداة المهديين من حجبه عن الناس ، وغيبته مدّة غير محدّدة ، أو أنّ ظهوره بيد الله تعالى ، وليس لأحدٍ من الخلق رأي فى ذلك ، وإنّ مثله كمثل الساعة فإنّها آتية لا ريب فيها.
وعلّلت غيبة الإمام المنتظر (علیه السّلام) بأنها من أسرار الله تعالى التي لم يطلع عليها أحد من الخلق ، فقد أثر عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «إِنَّما مَثَلُ قائِمِنا أَهْلَ الْبَيْتِ كَمَثَلِ السَّاعَةِ لَا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ في السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَلَا يَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَة»(1).
وأُثر عن الإمام المهدي (علیه السّلام) أنه قال لبعض شيعته : «أَغْلِقوا أبوابَ السَّؤالِ عَمّا لَا يَعْنيكُمْ ، وَلَا تَتَكَلَّفوا ما قَدْ كُفيتُمْ ، وَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ بِتَعْجِيلِ الْفَرَجِ ، فَإِنَّ ذلِكَ فَرَجكُمْ ، وَالسَّلامُ عَلى مَن اتَّبَعَ الْهُدى»(2).
ويقول الشيخ مقداد السيوري : «كان الاختفاء لحكمة استأثر بها الله تعالى في علم الغيب عنده»(3).
ومن الأسباب التي ذكرت لاختفاء الإمام (علیه السّلام) أن لا تكون في عنقه بيعة لظالم ، وقد أثر ذلك عن الإمام الرضا (علیه السّلام)، فقد روى الحسن بن علي بن فضال ، عن أبيه : أنّ الإمام الرضا (علیه السّلام) قال : «كأَنِّي بِالشَّيْعَةِ عِندَ فَقْدِهِمُ الثَّالِثَ مِنْ وُلْدِي كَالنَّعَمِ يَطْلُبُونَ الْمَرْعى فَلَا يَجِدونَه.
فقال له : ولم ذاك يابن رسول الله ؟ قال (علیه السّلام): لأن إمامَهُمْ يَغِيبُ عنهم.
قال : ولم ؟ قال (علیه السّلام): لِئَلَّا يَكونَ في عُنُقِهِ لأحَدٍ حُجَّةٌ إِذا قام بالسَّيْفِ»(1).
وأعلن الإمام المنتظر (علیه السّلام) ذلك بقوله : «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَأَحَدٍ مِنْ آبَانِي (علیهم السّلام) إِلَّا وَأُوقِعَتْ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ لِطاغِيَةِ زَمَانِهِ ، وَإِنِّي أَخْرُجُ حِينَ أَخْرُجُ ، وَلَا بَيْعَةٌ لأَحَدٍ مِنَ الطَّواغيتِ في عُنُقي»(2).
هذه بعض الأسباب التي علّلت بها غيبة الإمام المنتظر (علیه السّلام) ، وأكبر الظنّ أنّ الله تعالى قد أخفى ظهور وليّه المصلح العظيم لأسباب لا نعلمها إلا بعد ظهوره .
وأُثيرت بعض الشكوك والأوهام عن غيبة الإمام المنتظر (علیه السّلام)، كان منها ما يلي :
وكثر الحديث عن ال في غياب الإمام (علیه السّلام)، وطعن بعض من لا حريجة له في ذلك ، وقال : إن وجوده وعدمه في حال الغيبة سواء ، وتصدّى المتكلمون من الشيعة إلى تفنيد ذلك ، وأعلنوا كوكبة من الفوائد التي تترتب على غيابه ، وهي :
أوّلاً: إنّ وجود الحجّة وإن كان محجوباً عن الأبصار ، إلا أنه أمان لأهل الأرض ، كما صرّحت بذلك طائفة من الأخبار ، منها :
1 - قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «أَهْلُ بَيْنِي أَمانٌ لأَهْلِ الْأَرْضِ ، فَإِذَا ذَهَبَ أَهْلُ بَيْنِي ذَهَبَ أَهْلُ الْأَرْضِ»(3)
في مستدرك الصحيحين: 3 : 458 : «إن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) خرج ذات ليلة ، وقد أخر صلاة العشاء حتّى ذهب من الليل هنيهة أو ساعة ، والناس ينتظرون في المسجد ، فقال : ما تَنْتَظِرُونَ ؟
فقالوا : ننتظر الصلاة .
فقال : إِنَّكُمْ لَنْ تَزالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُموها .
ثم قال : أما إنَّها صَلاةٌ لَمْ يُصَلُّها أَحَدٌ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأمَم.
ثم رفع رأسه إلى السماء فقال : النُّجومُ أَمانٌ لأهْل السَّماءِ ، فَإِنْ طَمِسَتِ النُّجُومُ أَتَى أَهْلَ السَّمَاءِ مَا يُوعَدُون إلى أن قال : وَأَهْلُ بَيْتي أَمانٌ لأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَهْلُ بَيْتي أَتى أُمَّتي ما يُوعدون» .
.2 - قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): و لَا يَزالُ هذا الدِّينُ قائِماً إِلَى اثْنَي عَشَرَ أَمِيراً مِنْ قُرَيْشٍ ، فَإِذا مَضَوا ساخَتِ الْأَرْضُ بِأَهْلِها»(1).
3 - قال الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام): «اللَّهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قائِمِ لِلَّهِ ...».
إلى غير ذلك من الأخبار الناطقة بأن الأئمة الطاهرين (علیهم السّلام) أمان لأهل الأرض ، وأنّ لهم عائدة كبرى على المسلمين بدفع البلاء عنهم ، ورفع ما ألم بهم من مكروه ، والإمام المهدي (علیه السّلام) في وجوده وغيابه مصدر خير ورحمة إلى الناس .
ثانياً : إنّ غيابه عن الأبصار يستند إلى عدم صلاح المسلمين ، وشيوع الفساد في صفوفهم ، ولو كانوا صالحين غير منحرفين عن الحق الظهر (علیه السّلام)، وقد أشار إلى الوجه الأول والثاني المحقق الطوسي المحقق الطوسي (رحمه الله علیه)، قال : «وجوده - أي الإمام المنتظر (علیه السّلام) لطف ، وتصرّفه لطف آخر»(2).
ثالثاً : إنّ الإمام (علیه السّلام) في حال غيابه يرعى شيعته ، ويمدهم بدعائه الذي
لا يحجب ، ولولا دعاؤه لهم لما أبقى منهم الظالمون أحداً يتنفس الصعداء ، وقد أعلن الإمام المنتظر (علیه السّلام) ذلك في إحدى رسائله للشيخ المفيد ، فقد قال (علیه السّلام) : «إِنَّا غَيرُ مُهمِلِينَ لِمُراعاتِكُمْ ، وَلَا ناسينَ لِذِكْرِكُمْ ، وَلَوْلا ذلِكَ لَنَزَلَ بِكُمُ اللَّاواءُ ، وَاصْطَلَمَكُمُ الأغداء».
رابعاً : إنّ الإمام المنتظر (علیه السّلام) أعرب عن الفائدة من غيابه عن الأبصار . قال (علیه السّلام): «وَأَمَّا وَجْهُ الإنتفاع بي في غَيْبَتِي فَكَالشَّمْسِ إِذا غَيَّبَتْها الْغُيومُ السَّحابُ»، وقد سأل سليمان الأعمش بن مهران الإمام الصادق (علیه السّلام)، فقال له : كيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور ؟
فأجابه الإمام : «كَما يَنْتَفِعونَ بِالشَّمْسِ إِذا سَتَرَها سَحابٌ» .
وأفاد العلامة المجلسي في توجيه الحديث وجوهاً وهي :
«الأوّل : إن نور الوجود والعلم والهداية تصل إلى الخلق بتوسطه (علیه السّلام)؛ إذ ثبت بالأخبار المستفيضة أنّهم العلل الغائيّة لإيجاد الخلق ، فلولاهم لم يصل نور الوجود إلى غيرهم، وببركتهم ، والاستشفاع بهم، والتوسل إليهم تظهر العلوم والمعارف على الخلق ، ويكشف البلايا عنهم ، فلولاهم لاستحق الخلق بقبائح أعمالهم أنواع العذاب ، كما قال تعالى : وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ(1)، ولقد جربنا مراراً لا نحصيها أنه عند انغلاق الأمور وإعضال المسائل ، والبعد عن جناب الحق تعالى وانسداد أبواب الفيض لما استشفعنا بهم ، وتوسلنا بأنوارهم ، فبقدر ما يحصل الارتباط المعنوي بهم في ذلك الوقت تتكشف تلك الأمور الصعبة ، وهذا معاين لمن أكحل الله عين قلبه بنور الإيمان ، وقد مضى توضيح بنور الإيمان، وقد مضى توضيح ذلك في (كتاب الإمامة) .
الثاني : كما أن الشمس المحجوبة بالسحاب مع انتفاع الناس بها ينتظرون في كلّ
1) الأنفال 8: 33.
آن انكشاف السحاب عنها وظهورها ليكون انتفاعهم بها أكثر ، فكذلك في أيام غيبته (علیه السّلام) ينتظر المخلصون من شيعته خروجه وظهوره في كل وقت وزمان .
الثالث : إن منكر وجوده (علیه السّلام) كمنكر وجود الشمس إذا غيّبها السحاب .
الرابع : إن الشمس قد تكون غيبتها في السحاب أصلح للعباد من ظهورها لهم بغیر حجاب ، فكذلك غيبته (علیه السّلام) أصلح لهم في تلك الأزمان .
الخامس : إنّ الناظر إلى الشمس لا يمكنه النظر إليها بارزة عن السحاب ، وربّما بالنظر إليها لضعف الباصرة عن الإحاطة بها، فكذلك شمس ذاته المقدّسة ربما يكون ظهوره أضر لبصائرهم ، ويكون سبباً لعميهم عن الحق ، وتقوى بصائر الإيمان به في غيبته كما ينظر الإنسان إلى الشمس من تحت السحاب ولا يتضرّر بذلك .
السادس : إن الشمس قد تخرج من السحاب ، وينظر إليها واحد دون واحد ، كذلك يمكن أن يظهر (علیه السّلام) في أيام غيبته لبعض الخلق دون بعض.
السابع : إنّهم كالشمس في عموم النفع ، وإنّما لا ينتفع بهم من كان أعمى ، كما فسر في الأخبار قوله تعالى : وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سبيلاً(1).
الثامن : إن الشمس كما أنّ شعاعها يدخل البيوت بقدر ما فيها من المنافذ والشبابيك ، وبقدر ما يرتفع عنها من الموانع عنها ، فكذلك الخلق ، إنّما ينتفعون بأنوار هدايتهم بقدر ما يرفعون من الموانع عن حواسهم ومشاعرهم التي هي منافذ قلوبهم من الشهوات النفسيّة والعلائق الجسمانية ، وبقدر ما يدفعون عن قلوبهم من الغواشي الكثيفة الهيولانية إلى أن ينتهي الأمر إلى حيث يكون بمنزلة من هو تحت
1) الإسراء 17: 72.
السماء يحيط به شعاع الشمس من جميع جوانبه بغیر حجاب ، فقد فتحت لك من هذه الجنّة الروحانية ثمانية أبواب»(1).
خامساً: إنّ الفائدة والحكمة من غيابه مجهولة لدينا ، كما صرّحت بذلك بعض الأخبار ، فقد روى عبدالله بن الفضل الهاشمي ، قال : سمعت الإمام الصادق (علیه السّلام) يقول: «إِنَّ لِصاحِب هذَا الْأَمْر غَيْبَةً لَا بُدَّ مِنها ، يَرْتابُ فيها كُلُّ مُبْطِل .
وطفق عبدالله قائلاً : لِمَ جعلت فداك ؟
فقال (علیه السّلام): الْأَمْرُ يُؤذَنْ لَنَا فِي كَشْفِهِ لَكُم .
وسارع عبد الله قائلاً: ما وجه الحكمة في غيبته ؟
فأجابه الإمام (علیه السّلام): وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِي غَيْبَتِهِ وَجهُ الْحِكْمَةِ فِي غَيَابَةِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُه .
إِنَّ وَجْهَ الْحِكْمَةِ لَا يَنْكَشِفُ إِلَّا بَعْدَ ظُهُورِهِ ، كَما لَمْ يَنْكَشِفْ وَجْهُ الْحِكْمَةِ لِما أَتَاهُ الخصْرُ مِنْ خَرْقِ السَّفِينَةِ ، وَقَتْلِ الْغُلامِ ، وَإِقَامَةِ الْجِدارِ لِموسى ، إِلَّا وَقْتَ افْتِراقِهِما .
يابْنَ الْفَضْلِ ، إِنَّ هذا أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ ، وَسِرٌّ مِنْ سِرِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَغَيْبٌ مِنْ غَيْبِ اللهِ ، وَمَتى عَلِمْنا أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَكيمٌ ، صَدَّقْنا بِأَنَّ أَفْعَالَهُ كُلُّها حِكْمَةٌ ، وَإِنْ كَانَ وَجْهُها غَيْرَ مُنْكَشِفْ لَنا»(2).
هذه بعض الأسباب التي ذكرت عن الفائدة في غيابه ، وعدم مشاهدة الناس له .
وكثر التساؤل عن امتداد عمر الإمام (علیه السّلام)، وكيف عاش هذه المدة الطويلة التي
تزيد على ألف ومائة وخمسين عاماً ، ولا يخضع لأعراض الشيخوخة والهرم الذي هو ظاهرة طبيعية للإنسان ، فإنّ أنسجة جسمه وخلاياه تتصلب بالتدريج ، وكلّما امتد عمر الإنسان فإنّها لا بد أن تتعطل ، وذلك لصراعها مع الميكروبات أو التسمم الذي يتسرّب إلى جسم الإنسان من خلال ما يتناوله من غذاء مكثف أو غيره ، الأمر الذي يؤدي إلى مفارقة الحياة .
للجواب عن هذا السؤال نقول :
أولاً : إنّ إطالة عمر الإنسان أمر ممكن عقلاً ، وليس مستحيلاً ككون الشيء في آن واحد فرداً وزوجاً ، فلنفرضه كصعود الإنسان إلى القمر أو أي كوكب آخر ، فإنّه ممكن عقلاً، وقد تحقق ذلك بعد أن تهيّأت الأسباب الطبيعيّة له ، فإطالة عمر الإمام المهدي (علیه السّلام) أمر ممكن علمياً وخارجياً ، وذلك بمشيئة الله تعالى بعزله للأنسجة التي يتكوّن منها جسم الإنسان عن المؤثرات الخارجيّة التي تسبب هرم الجسم وفناءه ، وقد تحقق ذلك في العالم الخارجي ، فإنّ نبي الله تعالى نوح (علیه السّلام) قد مكث في قومه ألف عام إلا خمسين سنة حسب ما نص عليه القرآن الكريم ، فلماذا نقبل ونؤمن بإطالة عمر نوح ولا نؤمن بإطالة عمر الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وكل منهما موكل بالإصلاح الاجتماعي بين الناس ؟
ثانياً : إنا لو سلّمنا مجاراة أنّ إطالة عمر الإنسان مئات السنين وآلاف السنين أمر غیر ممكن عقلاً ؛ لأنّ فيه تعطيلاً للقوانين الطبيعية التي تقضي بهرم الإنسان وفنائه ، إلّا أنّ ذلك أمر ممكن بالنسبة إليه تعالى وحده ، فقد جعل النار التي هي علة تامة للإحراق برداً وسلاماً على خليله ونبيه إبراهيم ، قال تعالى: يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ(1)، وكذلك فلق تعالى البحر لنبيه موسى (علیه السّلام)، وأنقذه مع المؤمنين من قومه من الغرق ، وأغرق فرعون وجنوده ، أليس في ذلك تعطيلاً
1) الأنبياء 21 : 69 .
للقوانين الطبيعيّة ؟ فلتكن قوانين الشيخوخة من هذا القبيل .
إن عناية الله تعالى تتدخل لتجميد القوانين الطبيعية ، وإلغاء تأثيرها لإنقاذ أوليائه وأنبيائه ، فقد خرج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من داره حينما أحاطت به قريش لتصفيته جسدياً ، فستر الله عيونهم عن رؤيته، وجعل عليها غشاوة ، وكان يمشي بينهم وهم لا يبصرونه .
وثمة سؤال آخر طرح على ساحة هذا الموضوع ، وهو : لماذا هذا العمر المديد الذي منحه الله تعالى للإمام المنتظر (علیه السّلام)؟ ولم لا يكون عمره كعمر جده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وعمر آبائه الأئمة الطاهرين (علیهم السّلام)؟
والجواب عن ذلك هو أنّ الله تعالى قد خص الإمام المنتظر (علیه السّلام) بإصلاح العالم بأسره ، وأوكل إليه إنقاذ الإنسان من التيارات المظلمة التي تعصف بحياته ، وتجعله في متاهات سحيقة في مجاهل هذه الحياة ، فالإمام المنتظر (علیه السّلام) آخر مصلح اجتماعي .
فلابد أن تمر الأدوار المظلمة التي عانى منها الإنسان الخطوب والمآسي ، ليكون هو الفصل الأخير الذي يفجّر النور ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً .
إنّ الإمام المنتظر (علیه السّلام) هو العملاق الذي يغيّر مجرى تاريخ الحياة ، ويقيمها على أساس مزدهر من الحضارة الكبرى التي تعقب الحضارات التي تسود العالم ، والتي مليئة بالظلم والجور ، فلابد له من العمر المديد ليطلع على الدنيا بأسرها ، هي ويقف على أوجهها المختلفة ليقوم بالإصلاح الشامل لجميع جوانب الحياة .
من الأسئلة التي طرحت حول غيبة الإمام المنتظر (علیه السّلام) هي أنّه لماذا لم يظهر
ويقيم حكم الله تعالى في الأرض ، وينقذ الإنسان من المحن والخطوب التي غرق فيها ؟
والجواب عن ذلك أن أمر ظهوره لم يكن خاضعاً لإرادة الإنسان ومشيئته ورغباته ، وإنّما هو بيد الله تعالى ، فقد أرسل الله تعالى نبيه محمداً (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى العالم بعد مرور خمسة قرون من الجاهليّة، وذلك بعد أن تحقق المناخ المناسب والجوّ العام لإنجاح عملية التغيير الاجتماعي الذي قام به الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وقبل ذلك لم تتوفّر الشروط لبعثه ، وكذلك قيام الإمام المهدي (علیه السّلام) بعملية التغيير للأنظمة الاجتماعيّة القائمة في عصره وتبديلها بالأنظمة الندية الخلّاقة التي يسعد في ظلالها الإنسان ، فإنّها تتطلب مناخاً شاملاً لجميع أنحاء الأرض ، حتّى يتمكن صلوات الله عليه من تنفيذ ذلك(1).
من المسائل التي أثيرت حول الإمام المنتظر (علیه السّلام) أنه كيف يقوم فرد واحد بالإصلاح العالمي ، ويغير منهج الحياة العامة المليئة بالظلم والطغيان إلى نظام آمن مستقر ، تصان فيه جميع الحقوق ، بحيث لم يعد في ساحة الوجود ظالم ومظلوم ، ولا فقير ومحروم ، وإنّما تشمل السعادة جميع أبناء البشر على اختلاف قومياتهم وأجناسهم وأديانهم .
والجواب عن ذلك أنّ الأنظمة العالمية والأحداث الكبرى التي غيرت منهج الحياة تستند إلى الأفراد من عظماء البشريّة لا إلى الجماعة ، فالنبي العظيم محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) هو الذي رفع رسالة الله عالية خفّاقة لا الأعمام ولا الأخوال ، وهكذا نبي الله عيسى وموسى وغيرهما من رسل الله ودعاة الإصلاح الاجتماعي ، فقد قاموا
1) يراجع في تفصيل ذلك بحث حول المهدي / الإمام الصدر : 38 ، 39، 41 .
بدورهم مستقلين لا منظمين بأداء رسالتهم الإصلاحية ، وبذلك يتميز دور الفرد لا الجماعة خلافاً لما ذهب إليه الماركسيون من إلغاء الفرد في ميدان الإصلاح الشامل ، وإنّما يستند إلى الجماعة ، وهذه النظرية ليس لها أي رصيد علمي .
وعلى أي حال ، فالإمام المهدي (علیه السّلام) كجده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقوم ببسط الأمن والرخاء في العالم ، وينقذ الإنسان من الأزمات والخطوب ، وينشر المحبة والألفة بين جميع أبناء البشر ، وتحديد وقت ظهوره بيد الله تعالى ، وليس لأحد في ذلك رأى أو اختيار.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض التساؤلات التي أثيرت حول الإمام المنتظر (علیه السّلام) وغيبته .
وأُثرت عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) و عن أوصيائه أئمة الهدى (علیهم السّلام) كوكبة من الأخبار ، وهي تحمل البشرى إلى العالم الإسلامي وسائر أمم العالم بظهور الإمام المنتظر (علیه السّلام) الذي يقيم ما اعوج من نظام الدين، وينقذ الإنسان من شرور الظالمين والمعتدين ، ويبسط الأمن والرخاء ، ويشيع المودة والألفة بين جميع الناس ، وينعدم عنهم الخوف والارهاب في ظلال حكمه ، وفيما يلي بعض تلك الأخبار :
وأثرت عن الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) جمهرة كبيرة من الأخبار بظهور الإمام المهدي (علیه السّلام) ، وهذه نماذج منها :
1 - روى حذيفة أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا إِلَّا يَوْمٌ واحِدٌ لَبَعَثَ الله رَجُلاً مِنْ وُلدى اسمُهُ اسْمى ، وَخَلَقَهُ خَلقى ، يُكَنّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، يُبَايِعُ لَهُ النَّاسُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقامِ ، يَردُّ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ ، وَيَفْتَحُ لَهُ فَتوحاً ، وَلَا يَبْقَىٰ عَلَىٰ وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ يَقولُ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ.
فقام سلمان فقال : يا رسول الله ، من أي ولدك ؟
قال : مِنْ وُلْدِ ابْنى هذا ، وضرب بيده إلى الحسين»(1).
1) عقد الدرر : 56 ، الباب 2 ، الحديث 41 ، وأخرجه الكنجي في كتاب البيان في الباب 13 ، وأسنده إلى حذيفة ، وعلّق عليه : «هذا حديث حسن رزقناه عالياً».
ومعنى هذا الحديث أن خروج الإمام المهدي (علیه السّلام) من الأمور الحتمية التي لا بدّ أن تتحقق على مسرح الحياة ، فلو لم يبق في الدنيا إلا يوم واحد لخرج فيه الإمام المصلح العظيم .
2 - روى عبدالله بن عمر أن النبى (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : «يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمَانِ رَجُلٌ مِنْ وُلدي ، اسمُهُ كَإِسْمي ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلاً كَما مُلِئَتْ جَوْراً»(1).
وحكى هذا الحديث ما يقوم به الإمام المهدي (علیه السّلام) من إشاعة الحق ، ونشر العدل بين الناس ، وإقصاء الظلم والجور عن الأرض.
3 - روى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : «الْمَهْدِيُّ مِنْ وُلدي ، يَكونُ لَهُ غَيْبَةٌ وَحيرَةٌ ، تَضِلُّ فِيهِ الْأُمُمُ ، يَأْتِي بِذَخِيرَةِ الْأَنْبِياءِ (علیهم السّلام)، فَيَمْلَأُهَا عَدْلاً وَقِسْطاً كَما مُلِئَتْ جَوراً وَظُلماً«(2).
وأعرب هذا الحديث الشريف عن غيبة الإمام (علیه السّلام) ، وأنها تكون مصدر حيرة وذهول لبعض الأمم فيجحدها قوم ، ويؤمن بها آخرون ، وأنه إذا ظهر الإمام (علیه السّلام) فسيأتي بذخائر الأنبياء والأوصياء ، ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً .
4 - روى جابر بن عبد الله الأنصاري : أنّ النبى (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : «الْمَهدى مِنْ وُلدى ، اسْمُهُ اسْمي ، وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي ، يَكونُ لَهُ غَيْبَةٌ وَحيرَةٌ تَضِلُّ فِيهِ الْأُمُمُ ، ثُمَّ يقبِلُ كَالشَّهَابِ الثَاقِبِ يَمْلَأُهَا عَدْلاً وَقِسْطاً ، كَما مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(3).
وهذا الحديث كالسابق في عطائه ومضمونه ، وأنّه لا بدّ من ظهور الإمام ليقيم العدل ويحطّم الجور.
5 - روى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : «إِنَّ عَلِيّاً وَصِيّي ، وَمِنْ وُلْدِهِ الْقائِمُ الْمُنْتَظَرُ الْمَهْدِيُّ الَّذِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً ، كَما مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلماً ، وَالَّذي بَعَثَنى بِالْحَقِّ بَشيراً وَنَذِيراً ، إِنَّ الثَّابِتِينَ عَلَى الْقَوْلِ بِإِمَامَتِهِ في زَمانِ غَيْتِهِ لَأَعَزَّ مِنَ الْكِبْريتِ الْأَحْمَر.
فقام إليه جابر بن عبد الله فقال : يا رسول الله ، وللقائم من ولدك غيبه ؟
قال : إِي وَرَبِّي لَيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ .
ثم قال : يا جابِرُ، إِنَّ هذا أمرٌ مِنْ أَمْرِ اللهِ ، وَسِرٌّ مِنْ سِرِّ اللَّهِ ، فَإِيَّاكَ وَالشَّل ، فَإِنَّ الشَّكَ فى أَمْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كُفْر»(1).
وألمح هذا الحديث إلى قلة المؤمنين بالإمام المهدي (علیه السّلام) في حال غيبته ، وأنّهم قلة نادرة كالكبريت الأحمر ، وأن غيبته امتحان للعباد ، وتمحيص لهم ، فلا يؤمن به إلّا من امتحن الله قلبه للإيمان، وهداه إلى الصراط المستقيم.
إن غيبة الإمام (علیه السّلام) و وقت ظهوره سر من أسرار الله تعالى لم يطلع عليها أحد من عباده ، كما أنه من المؤكد أن الشاك فيه أو المنكر لوجوده لا نصيب له من الإسلام حسب ما دلّ عليه هذا الحديث وغيره .
6 - قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «لَا تَذْهَبُ الدُّنْيا حَتَّى يَمْلِكَ الْعَرَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ، يُواطِنُ اسْمُهُ اسمی»(2).
إنّ الدنيا لا تذهب ولا تزول حتى يحكم قائم آل محمد (علیه السّلام) فينشر العدل ، ويبسط الأمن والرخاء ، ويحقق جميع ما جاء به الأنبياء (علیهم السّلام) من رفع كلمة التوحيد ، وتدمير الشرك والإلحاد.
7 - روى حذيفة بن اليمان ، قال : سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : «وَيْحَ هذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ مُلوكِ جَبَابِرَةِ يَقْتُلُونَ وَيَطْرُدونَ الْمُسْلِمِينَ ، إِلَّا مَنْ أَظْهَرَ طَاعَتَهُمْ ، فَالْمُؤْمِنُ التَّقِيُّ يُصانِعُهُمْ بِلِسَانِهِ ، وَيَفِرُّ مِنْهُمْ بِقَلْبِهِ ، فَإِذا أَرادَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُعِيدَ الْإِسْلَامَ عَزِيزاً قَصَمَ كُلَّ جَبَارٍ عَنيدٍ ، وَهُوَ الْقَادِرُ عَلى ما يَشاءُ ، أَنْ يُصْلِحَ الْأُمَّةَ بَعْدَ فَسادِها .
يا حُذَيفَةُ ، لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذلِكَ الْيَوْمَ حَتَّىٰ يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُظْهِرُ الْإِسْلامَ ، وَلَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ ، وَهُوَ عَلَىٰ وَعْدِهِ قَديرٌ»(1)
منتخب الأثر : 149 . كشف الغمة : 3 : 272 .
.وحكى هذا الحديث ما يحل بالأمة الإسلامية من النكبات والخطوب ، وما تعانيه من الظلم والجور من ملوكها ، وإنّ الله تعالى يلطف بها ، فيبعث لها المصلح العظيم الإمام (علیه السّلام) فينقذها مما هي فيه ، ويعيد للإسلام كرامته ومجده.
8 - روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : «يَنزِلُ بِأُمَّتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ بَلَاءٌ شَديدٌ مِنْ سُلْطانِهِمْ ، لَمْ يَسْمَعْ بَلَاءٌ أَشَدَّ مِنْهُ حَتَّى تَضيقَ بِهِمُ الْأَرْضُ الرَّحِبَةُ ، وَحَتَّى تُمْلَأُ الْأَرْضَ جَوْراً وَظُلْماً ، لَا يَجِدُ الْمُؤْمِنُ مَلْجَأَ يَلْتَجِيُّ إِلَيْهِ مِنَ الظُّلم ، فَيَبْعَثُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ رَجُلاً مِنْ عِتْرَتى ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَما مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً ، يَرْضى عَنْهُ سَاكِنُ الْأَرْضِ ، لَا تَدَّخِرُ الْأَرْضُ شَيْئاً مِنْ بَذرها إِلَّا أَخْرَجَتْهُ ، وَلَا السَّماءُ مِنْ قَطْرِها شَيْئًا إِلَّا صَبَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً ، يَعيشُ فِيهِمْ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعِ(2)تَتَمَنِّى الْأَحْياءَ(3)الأمْواتُ مِمَّا صَنَعَ اللهُ بِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ خَيْرِه»(4).
وألمح هذا الحديث إلى ما ينزل بالمسلمين من البلاء والظلم والجور حتى تضيق الأرض بما رحبت ، وينقدهم الله تعالى بوليّه الإمام المنتظر (علیه السّلام) فيملأ رحاب بهم الأرض عدلاً وقسطاً وأمناً ورخاء، وتُخرج الأرض خيراتها ببركته ، حتى تعم النعم جميع سكان الأرض .
9 - روى عليّ الهلالي ، عن أبيه ، قال : «دخلت على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في شكايته التي قبض فيها ، فإذا فاطمة (عليها السلام) عند رأسه ، فبكت حتى ارتفع صوتها ، فرفع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) طرفه إليها ، قال : حَبيبَتي فاطِمَةُ ، مَا الَّذِي يُبْكيكِ ؟
فقالت : أَخْشَى الضَّيْعَةَ مِنْ بَعْدِكَ .
فقال : يا حَبيبَتي ، أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى الْأَرْضِ اطَّلَاعَةٌ فَاخْتارَ مِنْهَا أَبَاكِ فَبَعَثَهُ بِرِسالَتِهِ ، ثُمَّ اطَّلَعَ اطَّلَاعَةٌ فَاخْتارَ بَعْلَكِ ، وَأَوْحَى إِلَيَّ أَنْ أُنْكِحَكِ إِيَّاهُ يَا فَاطِمَةُ ، وَنَحْنُ أَهْلُ بَيْتٍ قَدْ أَعْطانا اللهُ سَبْعَ خِصَالٍ ، لَمْ يُعْطِهَا أَحَداً قَبْلَنَا ، وَلَا يُعْطيها أَحَداً بَعْدَنَا : أَنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ ، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللهِ ، وَأَحَبُّ الْمَخْلُوقينَ إِلَيْهِ ، وَأَنَا أَبُوكِ ، وَوَصتِي خَيْرُ الأوصياءِ ، وَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللهِ ، وَهُوَ بَعْلُكِ ، وَمِنَا مَنْ لَهُ جَناحَانِ أَخْضَرَانِ يَطِيرُ بِهِما في الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ حَيْثُ يَشاءُ ، وَهُوَ ابْنُ عَمَّ أَبِيكِ ، وَأَخو بَعْلِكِ ، وَمِنَا سِبْطا هذِهِ الْأُمَّةِ ، وَهُمَا ابْناكِ الْحَسَنُ وَالْحُسَينُ ، وَهُما سَيِّدا شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَأبوهما - وَالَّذي بَعَثَني بِالْحَقِّ خَيْرٌ مِنْهُما .
يا فاطِمَةُ ، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ ، إِنَّ مِنَا مَهْدِيَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِذا صَارَتِ الدُّنْيا هَرَجاً وَمَرَجاً ، وَتَظاهَرَتِ الْفِتَنُ ، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ ، وَأَغارَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَلَا كَبِيرُ يَرْحَمُ صَغِيراً ، وَلَا صَغِيرُ يُوَقِّرُ كَبيراً ، يَبْعَثُ اللهُ عِنْدَ ذلِكَ مِنْهُما مَنْ يَفْتَحُ حُصونَ الضَّلَالَةِ وَقُلوباً غُلْفَةٌ(1)، يَقومُ بِالدِّينِ في آخِرِ الزَّمانِ ، كَما قُمتُ بِهِ فِي أَوَّلِهِ ، وَيَمْلَأُ الدُّنْيا عَدْلاً
1) الغلفة : المحجوبة .
كَما مُلِئَتْ جَوْراً»(1).
وفي هذا الحديث الشريف تسلية من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى بضعته سيدة نساء العالمين السيّدة فاطمة (عليها السلام) عما تعانيه من الأسى الشديد والحزن العميق على فراق أبيها الذي هو عندها أعزّ من الحياة ، فقد بشرها بما أعد الله له من الكرامة والفضيلة والمقام العظيم ، وكذلك لزوجها باب مدينة علم النبي ، الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، ولولديها سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين (علیهما السّلام)، ثم بشّرها بأن المهدي المصلح العظيم (علیه السّلام) هو من ذريَّتها ، وقد سُرّت بذلك ، وانجاب عنها ما ألم بها من فادح الحزن .
10 - روى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، قال : «قُلْتُ : يا رَسولَ اللهِ ، أَمِنَا آلُ مُحَمَّدٍ أَمْ مِنْ غَيْرِنَا ؟
قالَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم): لَا بَلْ مِنَا ، بِنا يَخْتِمُ اللهُ الدِّينَ كَمَا فَتَحَ اللَّهُ بِنا ، بِنا يُنْقَدُونَ مِنَ الْفِتْنَةِ كَما أُنْقِدُوا مِنَ الشِّرْكِ ، وَبِنا يُؤَلِّفُ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بَعْدَ عَداوَةِ الْفِتْنَةِ إِخْواناً ، كَمَا بِنا بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بَعْدَ عَداوَةِ الشِّرْكِ ، وَبِنا يَصْبَحُونَ بَعْدَ عَداوَةِ الْفِتْنَةِ إخواناً كما أَصْبَحُوا بَعْدَ عَداوَةِ الشَّرْكِ إِخْواناً»(2)
وروي هذا الحديث في ينابيع المودة : 392 ، وفي نور الأبصار : 155 ، وفي البرهان في علامات آخر الزمان : 2 : 574 ، الحديث 8.
.وحكى هذا الحديث فضل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وعائدته على هذه الأمة ، فقد أخرجهم من
1) البيان في أخبار صاحب الزمان : 116 و 117 ، الباب التاسع .
2) البيان في أخبار صاحب الزمان ، وعلّق عليه بقوله : «هذا حديث حسن عال ، رواه الحفاظ في كتبهم، فأما الطبراني فقد ذكره في المعجم الأوسط : 1: 56 ، وأما أبو نعيم فرواه في : حلية الأولياء ، وأما عبدالرحمن بن أبي حاتم فقد ساقه في عواليه كما أخرجناه سواء» ، انتهى كلامه .
الضلالة والغواية ، وهداهم إلى الصراط المستقيم ، وكذلك يهديهم حفيده وآخر أوصيائه فيخرجهم من الضلالة ، ويقيم معالم العدل والحق في ربوعهم.
11 - روی جبر بن نوف ، قال : «قلت لأبي سعيد الخدري : والله ما يأتي علينا عام إلا وهو شرّ من الماضي ، ولا أمير إلا وهو شرّ ممّن كان قبله.
فقال أبو سعيد : سمعته من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : لَا يَزالُ بِكُمُ الْأَمْرُ حَتَّىٰ يولَدَ في الْفِتْنَةِ وَالْجَوْرِ مَنْ لَا يُعرَفُ عِنْدَها ، حَتَّى تَمْلَأَ الْأَرْضَ جَوراً ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ يَقولُ الله ، ثُمَّ يَبْعَثُ عَزَّ وَجَلَّ رَجُلاً مِنِّى وَمِنْ عِتْرَتي فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلاً كَما مَلَأَها مَنْ كانَ قَبْلَهُ جَوْراً ، وَتُخْرِجُ لَهُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِها(1)، وَيَحْثو المالَ حَنْوا، وَلَا يعدُّهُ عَدَاً ، حَتَّى يَضْرِبَ الْإِسْلَامُ بِجِرانِهِ»(2).
12 - روى أبو سعيد الخدري ، قال : «سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول على المنبر : إِنَّ الْمَهْدِيَّ مِنْ عِتْرَتي ، مِنْ أَهْلِ بَيْتَي ، يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ ، تُنْزِلُ لَهُ السَّمَاءُ قَطْرَها . وَتُخْرِجُ لَهُ الْأَرْضُ بَذْرَها ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً كَما مَلأها القومُ ظُلْماً وَجَوراً»(3).
هذه نماذج يسيرة من الأحاديث النبوية الشريفة المتظافرة ، والتي روتها العامة والخاصة ، ودوّنها الحفاظ من أئمة الحديث ، وهي تعلن بوضوح عن حتمية خروج الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وتبشِّر العالم الإسلامي بعدله ، وبما يقيمه من معالم الحق ، وصنوف الأمن والرخاء ، بحيث لا تجد الإنسانية له مثيلاً في جميع أدوارها .
وأُثرت طائفة كبيرة من الأحاديث عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، سيد العترة الطاهرة ، وهي تعلن خروج الإمام المنتظر (علیه السّلام)، كان منها ما يلي :
1 - روى أبو وائل ، قال : «نظر علي (علیه السّلام) إلى الحسين (علیه السّلام) فقال : إِنَّ ابْني هذا سيد كَمَا سَمَاهُ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، وَسَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلٌ بِاسْمِ نَبِيِّكُمْ ، يَخْرُجُ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنَ النَّاسِ ، وَإِماتَةِ الْحَقَّ ، وَإِظْهَارِ الْجَوْرِ ، وَيَفْرَحُ لِخروجهِ أَهْلُ السَّمَاءِ وَسُكَانُها ، وَهُوَ رَجُلٌ أَجْلَى الْجَبينِ ، أَقْنَى الْأَنْفِ ، ضَخْمُ الْبَطْنِ ، أَذْيَلُ الْفَخِذَينِ ، بِخَدِّهِ الْأَيْمَنِ شَامَةٌ ، أَبْلَجُ الثَّنايا ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلاً ، كَما مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»(1).
حكى هذا الحديث الشريف ما يلي :
إن الإمام المنتظر (علیه السّلام) من ذرّيَّة سيّد شباب أهل الجنّة ، الإمام الحسين (علیه السّلام).
إنّ ظهوره (علیه السّلام) يكون بغتةً ، وبصورة لا يتوقعها الناس .
إن من أمارات ظهوره إماتة الحقِّ ، وانتشار الجور.
وحكى هذا الحديث أوصاف الإمام وملامحه .
إنه إذا ظهر الإمام فإنّه يقيم الحق بجميع رحابه ، ويبسط العدل بجميع مفاهيمه.
2 - خطب الإمام أمير المؤمنين خطبة عرض في بعضها إلى الإمام المنتظر (علیه السّلام)، قال : «وَلَيَكونَنَّ مَنْ يَخْلَفُنى فى أَهْلِ بَيْتِي رَجُلٌ بِأَمُرُ بِأَمْرِ اللهِ ، قَوِيٌّ يَحْكُمُ بِحُكْم الله، وَذلِكَ بَعْدَ زمانٍ مُكْلِحٍ مُفْصِحٍ ، يَشْتَدُّ فيهِ الْبَلاءُ ، وَيَنْقَطِعُ فيهِ الرَّجاءُ ، وَيُقبَلُ فيهِ الرُّشاء»(2).
عرض الإمام (علیه السّلام) إلى وقت خروج الإمام المهدي (علیه السّلام)، وأنه يخرج في زمان قد غرق أهله بالبلاء ، وعمتهم الخطوب والفتن ، وإذا خرج فإنّ حكمه يبتني على إقامة أحكام الله تعالى ، والسير على منهاج نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم).
3 - روى الأصبغ بن نباتة ، عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أنه قال : «الْمَهْدِيُّ مِنا في : آخِرِ الزَّمانِ ، لَمْ يَكُنْ فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ مَهْدِيٌّ يُنتَظَرُ غَيْرَه»(1).
الإمام المهدي (علیه السّلام) من دوحة النبوة والإمامة ، وليس غيره يقوم بالإصلاح الاجتماعي ، ويغيّر منهاج الأنظمة القاسية التي ترزح في ظلالها الأمم والشعوب .
4 - روى الإمام الحسين (علیه السّلام) أن أباه الإمام أمير المؤمنين قال له : «التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِكَ -يا حُسَيْنُ - هُوَ الْقَائِمُ بِالْحَقِّ ، وَالْمُظْهرُ لِلدّين ، وَالْباسِطُ لِلْعَدْل.
فقال له الحسين : يا أميرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ ذلِكَ لَكَائِن ؟
قال (علیه السّلام): إِي وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالنُّبوَّةِ ، وَاصْطَفاهُ عَلَى جَميعِ الْبَرِيَّةِ ، وَلكِنْ بَعْدَ غَيْبَةٍ وَحيرَةٍ ، فَلَا يَثْبُتُ فيها عَلَى ِدينِهِ إِلَّا الْمُخْلِصونَ الْمُبَاشِرُونَ لِروحِ الْيَقِينِ ، الَّذِينَ أَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِيثَاقَهُمْ بِولايَتِنا ، وَكَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ ، وَأَيَّدَهُمْ بِروحٍ مِنْه»(2).
وأعرب الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) عما يقوم به الإمام المنتظر في أيام حكومته من نشر الحقِّ ، وبسط العدل، وإظهار الإسلام ، وأنّه لا يظهر إلا بعد غيبة وحيرة ، فلا يؤمن به إلا من امتحن الله قلبه للإيمان ، وزاده .هدى .
5 - قال الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام): «سَيَأْتي اللهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ وَيُحِبّونَهُ ، وَيَمْلِكُ مَنْ هُوَ بَيْنَهُمْ غَرِيبٌ ، فَهُوَ الْمَهْدِيُّ ، أَحْمَرُ الْوَجْهِ ، بِشَعَرِهِ صُهوبَةٌ عَنْ أُمِّهِ وَأَبِيهِ ، وَيَكونُ
عَزِيزاً في مَرَبَّاهُ ، فَيَمْلِكُ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ بِأَمانٍ ، وَيَصْفو لَهُ الزَّمانُ ، وَيَسْمَعُ كَلَامَهُ وَيُطيعُهُ الشَّيوخ وَالْفِتْيانِ ، وَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلاً ، كَما مُلِئَتْ جَوْراً ، فَعِنْدَ ذلِكَ كَمُلَتْ إمامَتُهُ ، وَتَفَرَّرَتْ خِلَافَتُه»(1).
هذه بعض الأخبار التي أثرت عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، وهي تحمل البشرى إلى العالم الإسلامي بظهور منقذه العظيم الذي يحيي الإسلام ويقيم معالمه .
وأُثرت عن الإمام الحسن (علیه السّلام) كوكبة من الأخبار في شأن الإمام المنتظر (علیه السّلام)، كان منها هذا الحديث حينما صالح طاغية زمانه معاوية بن هند ، وقد لامه جماعة من شيعته على صلحه ، فقال (علیه السّلام): «وَيْحَكُمْ ، أَلَا تَعْلَمونَ أَنِّي إِمامُكُمْ ، مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ لا عَلَيْكُمْ ، وَأَحَدُ سَيْدَى شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِنَضٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم).
قالوا : بلی.
قال : أَما عَلِمْتُمْ أَنَّ الخضرَ لَمّا خَرَقَ السَّفِينَةَ ، وَأَقامَ الْجِدَارَ ، وَقَتَلَ الْغُلَامَ كانَ ذلِكَ سَخَطاً لموسى بْنِ عِمْرَانَ ؛ إِذْ خَفِيَ عَلَيْهِ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِي ذلِكَ ، وَكَانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ حِكْمَةً وَصواباً. أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُ ما مِنَا إِلَّا وَيَقَعُ فِي عُنُقِهِ بَيعَةٌ لِطاغِيَةِ زَمَانِهِ ، إِلَّا الْقائِمُ الَّذِي يُصَلِّي روحُ اللَّهِ خَلْفَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُخْفِي وِلَادَتَهُ ، وَيُغَيِّبُ شَخْصَهُ لِئَلا يَكونَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ إِذا خَرَجَ ، ذلِكَ التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِ أَخِي الْحُسَينِ ، ابْنُ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ ، يُطيلُ اللهُ في عُمْرِهِ ، وَفِى غَيْبَتِهِ ، ثُمَّ يَظْهَرُ بِقُدْرَتِهِ فى صورَةِ شاب دونَ أَرْبَعينَ سَنَة ، وَذلِكَ لِيعْلَمَ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(2).
وحكى هذا الحديث الشريف ما يلي :
أولاً : ضرورة صلح الإمام (علیه السّلام) مع فرعون زمانه معاوية بن أبي سفيان ، فقد كان الصلح ضرورياً بما تحمله هذه الكلمة من معنى ، فإنّه لو فتح الإمام الحسن (علیه السّلام) الحرب مع معاوية لكانت الغلبة لمعاوية ؛ لأنّ جيش الإمام كان مصاباً بالانحلال والتفكك ، فقد عاثت به فكرة الخوارج التي حكمت على الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بالمروق من الدين، كما اغتاله ابن ملجم المرادي الذي هو من الأعضاء القياديين لهذه الفكرة الخبيثة ، وبالإضافة لذلك فإنّ الأكثرية الساحقة في الجيش قد سئمت الحرب ، وخلدت إلى الراحة ، فقد أرهقتهم إلى حدّ بعيد حروب الجمل وصفين والنهروان ، وقد انساب قادة الجيش إلى دنيا معاوية ، وأعطوه عهداً أنّه إن أراد تسليم الإمام الحسن (علیه السّلام) سلموه له أسيراً ، وقد علم الإمام ذلك ، فكيف يفتح باب الحرب مع هذا العدو اللدود للإسلام .
ومن المؤكد أنه لو حاربه الإمام وتغلب معاوية عليه لأعلن الكفر والإلحاد كما أعلن ولده يزيد ذلك ، وقد عرضنا بصورة موضوعية إلى إقامة الأدلة على ضرورة الصلح ، وأنّه أمر لا بد منه في كتابنا (حياة الإمام الحسن (علیه السّلام)) .
ثانياً : إنّ الإمام (علیه السّلام) عرض إلى الإمام المنتظر (علیه السّلام) بما يلي :
1 - إنّ الإمام المنتظر (علیه السّلام) ليس في عنقه بيعة لظالم من حكّام عصره ، فقد اختار الله تعالى له بقعة يعيش فيها هو وأبناؤه غير خاضعة لحكام الجور .
2 - إن الإمام الله إذا خرج فإنّ السيد المسيح (علیه السّلام) يصلي خلفه.
3 - إن الله تعالى أخفى ولادة الإمام المنتظر (علیه السّلام) كما بينا ذلك في البحوث السابقة حفظاً على حياته من حكام بني العباس ، كما حجبه عن أعين الناس لتلك الحكمة .
4 - إنّ الله تعالى يطيل عمر وليه ، ثمّ يظهره إلى الناس بصورة شاب ، فيقيم الحق والعدل في الأرض .
ونقل الرواة طائفة من الأخبار عن سيّد شباب أهل الجنّة وأبي الأحرار ، الإمام الحسين (علیه السّلام)، وهي تبشر العالم الإسلامي بظهور الإمام المنتظر (علیه السّلام).
وهذه بعضها :
1 - قال الإمام الحسين (علیه السّلام): في التاسع مِنْ وُلدي سُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُوسى ، وَهُوَ قائِمُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ ، يُصْلِحُ اللَّهُ تَعَالَى أَمْرَهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ»(1).
لقد شابه الإمام المنتظر (علیه السّلام) نبي الله موسى في خفاء حمله وولادته خوفاً عليه من فرعون زمانه ، كما ذكرنا ذلك في البحوث السابقة ، كما شابه الإمام (علیه السّلام) يوسف الصديق في سجنه وحجبه عن الناس.
2 - وقال أيضاً : «قائِمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ هُوَ النَّاسِعُ مِنْ وُلدي ، وَهُوَ صاحِبُ الْغَيبَة»(2).
3 - وقال : «مِنَا اثْنَا عَشَرَ أَميراً ، أَوَّلُهُمْ : أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، الله وَآخِرُهُم: النَّاسِعُ مِنْ وُلدي ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِالْحَقِّ ، يُحْيِي اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ، وَيُظْهِرُ بِهِ دينَ الْحَقِّ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ، وَلَو كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ، لَهُ غَيْبَةٌ يَرْتَدُّ فِيهَا قَوْمٌ ، وَيَثْبُتُ عَلَى الدين فيها آخَرُونَ فَ وَيُقالُ لَهُمْ: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(3).
أَمَا إِنَّ الصّابِرِينَ فِي غَيْبَتِهِ عَلَى الأذى وَالتَّكْذِيبِ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِينَ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَى رَسولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)»(4).
عرض هذا الحديث الشريف إلى غيبة الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وأنها تكون موضع تمحيص واختبار ، فلا يؤمن بوجوده (علیه السّلام) إلا من امتحن الله قلبه للإيمان ، وأنّه كالمجاهد بين يدي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم).
4 - قال الإمام الحسين (علیه السّلام): «لصاحب هذا الْأَمْرِ - يعني المهدي (علیه السّلام)- غَيْبَانِ : الا إخداهُما تَطولُ حَتَّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ ماتَ ، وَبَعْضُهُمْ ذَهَبَ وَلَا يَطَّلِعُ عَلَى مَوْضِعِهِ أَحَدٌ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا غَيْرُهُ إِلَّا الْمَوْلَى الَّذِي يَلِي أَمْرِهِ»(1).
وحكى هذا الحديث غيبة الإمام الصغرى ، وغيبته الكبرى ، واختلاف الناس فيهما ، فبين جاحد له، وبين مؤمن به، كما حكى هذا الحديث عن خفاء المكان الذي يقيم فيه الإمام المهدي (علیه السّلام)، وأنه لا يعلم به أحد إلا الله .
وأثرت عن زين العابدين، وإمام المتقين ، الإمام علي بن الحسين (علیه السّلام) كوكبة من الأحاديث وهي تبشِّر العالم الإسلامي بظهور الإمام المنتظر (علیه السّلام) ، كان منها ما يلي :
1 - قرأ الإمام زين العابدين الآية الكريمة : لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ(2)، فقال (علیه السّلام): «وَاللهِ هُمْ مُحِبّونا أَهْلَ الْبَيْتِ ، يَفْعَلُ اللهُ ذلِكَ بِهِمْ عَلَى يَدِ رَجُلٍ مِنَا ، وَهُوَ له «مَهْدِيُّ هذِهِ الْأُمَّةِ . قالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم): لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللهُ ذلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَأْتِيَ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتي ، اسمُهُ اسْمى ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَما مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»(3).
2 - قال الإمام زين العابدين (علیه السّلام): «إِنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ نَزَلَتْ فِي الْقَائِمِ الْمَهْدي (علیه السّلام)»(1).
3 - خطب الإمام زين العابدين (علیه السّلام) في بلاط يزيد حينما كان أسيراً ، فكان من جملة خطابه : «وَمِنَا رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، وَوَصِيُّهُ ، وَسَيِّدُ الشُّهَداءِ ، وَجَعْفَرُ الطَّيَارُ في الْجَنَّةِ ، وَسِبْطا هذِهِ الْأُمَّةِ ، وَالْمَهْدِيُّ الَّذِي يَقْتُلُ الدّجال»(2).
4 - قال الإمام زين العابدين (علیه السّلام): «في الْقائِم سُنَّةٌ مِنْ سَبْعَةِ أَنْبِياءِ : سُنَّةٌ مِنْ أَبِينَا آدَمَ ، وَسُنَّةٌ مِنْ نوح ، وَسُنَّةٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُوسى ، وَسُنَّةٌ مِنْ عيسى ، وَسُنَّةٌ مِنْ أبوبَ ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم).
فَأَمَّا مِنْ آدَمَ وَنوحٍ فَطُولُ الْعُمُرِ ، وَأَمَّا مِنْ إِبْرَاهِيمَ فَخَفَاءُ الْوِلَادَةِ وَاعْتِرَالِ النَّاسِ، وَأَمَا مِنْ مُوسى فَالْخَوْفُ وَالْغَيْبَةُ ، وَأَمَا مِنْ عيسى فاخْتِلَافُ النَّاسِ فِيهِ ، وَأَمَا مِنْ أَيَوبَ فَالْفَرَجُ بَعْدَ الْبَلوى ، وَأَمَا مِنْ مُحَمَّد (صلی الله علیه و آله و سلم) فَالْخُروجُ بِالسَّيْفِ»(3).
هذه بعض الأخبار التي نقلها رواة الأثر عن الإمام زين العابدي (علیه السّلام)، وهي تدلل على حتمية ظهور الإمام المنتظر (علیه السّلام).
أما ما ورد عن الإمام محمد الباقر (علیه السّلام) في شأن الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وحتمية ظهوره ، فطائفة من الأخبار ، منها هذا الحديث :
روى أبو بصير ، عن الإمام الباقر ، قال (علیه السّلام): «في صاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ سُنَّةٌ مِنْ مُوسى ، وَسُنَّةٌ مِنْ عِيسى ، وَسُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّد (صلی الله علیه و آله و سلم).
فَأَمَّا سُنّتهُ مِنْ موسى فَخائِفُ يَتَرَقَّبُ ، وَأَمَا مِنْ ُيوسُفَ فَالسِّجْنُ وَالْغَيبَةُ ، وَأَمَا مِنْ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم) فَالْقِيامُ بِالسَّيْفِ ، وَتَبيين آثارِهِ ، ثُمَّ يَضَعُ سَيْفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ بِيَمِينِهِ ، فَلَا يَزالُ يَقْتُلُ أَعْداءَ اللَّهِ حَتَّى يَرْضَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
فقال أبو بصير : كيف يعلم أنّ الله قد رضي ؟
قال : يُلقي في قَلْبِهِ الرَّحْمَة»(1).
وذكر الإمام الباقر (علیه السّلام) أسماء الخلفاء الاثني عشر (علیهم السّلام) الذين نصبهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أعلاماً لأمنه ، ولما بلغ آخره ، قال : الثاني عَشَرُ الَّذِي يُصَلِّي خَلْفَهُ عيسى بن مَرْيَمَ»(2).
ونقل الرواة طائفة من الأخبار عن الإمام الصادق (علیه السّلام) في شأن الإمام المنتظر ، وحتمية ظهوره ، كان منها ما يلي :
1 - حدّث السيد الجليل إسماعيل بن محمد الحميري ، شاعر أهل البيت (علیهم السّلام)، قال : «كنت أقول بالغلوّ ، وأعتقد غيبة محمد بن الحنفية ، فمن الله عليَّ بالصادق ، جعفر بن محمد (علیهما السّلام)، وأنقذني به من النار ، وهداني إلى سواء الصراط ، فسألته بعد ما صحت عندي الدلائل التي شاهدتها منه أنه حجّة الله عليَّ ، وعلى جميع أهل زمانه ، وأنّه الإمام الذي فرض الله طاعته ، وأوجب الاقتداء به .
فقلت له : يابن رسول الله ، قد رويت لنا أخبار عن آبائك في الغيبة ، وصحة كونها ، فأخبرني بمن تقع ؟
فقال (علیه السّلام): إِنَّ الْغَيْبَةَ سَتَقَعْ بِالسَّادِسِ مِنْ وُلدي ، وَهُوَ الثانى عَشَرَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْهُداةِ بَعْدَ رَسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، أَوَّلُهُمْ : أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ ، وَآخِرُهُمْ : الْمَهْدِيُّ الْقائِمُ بالْحَقِّ ، بَقِيَّةُ الله فى الْأَرْضِ ، وَصَاحِبُ الزَّمانِ ، وَاللهِ لَوْ بَقِيَ فِي غَيْبَتِهِ مَا بَقِيَ نوحٌ فِي قَوْمِهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيا حَتَّى يَظْهَرَ ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً ، كَما مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلماً.
قال السيّد : فلما سمعت ذلك من مولاي الصادق جعفر بن محمد علي (علیهما السّلام) تبت إلى الله جَلَّ ذكره على يديه ، وقلت قصيدتي التي أولها :
فَلَمّا رأَيتُ النَّاسَ فِي الدِّينِ قَدْ غَووا *** تَجَعْفَرتُ بِاسْمِ اللهِ فِيمَنْ تَجَعْفَروا»(1)
إن ظهور الإمام المهدي (علیه السّلام) أمر مفروغ منه عند أئمة الهدى ، وأنه لا بد أن يتحقق على مسرح الحياة ليشيع العدل وينشر الأمن والرخاء بين الناس ، وتسود كلمة التوحيد في جميع أنحاء الأرض.
2 - قال الإمام الصادق (علیه السّلام) في حديث له : «يَظْهَرُ صاحِبُنا - يعني الإمام المهدي (علیه السّلام)- وَهُوَ مِنْ صُلْبِ هذا ، وأومأ بيده إلى موسى بن جعفر (علیه السّلام)، فَيَمْلَأُهَا عَدْلاً كَما مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً ، وَتَصْفو لَهُ الدُّنْيا»(2).
3 - قال الإمام الصادق (علیه السّلام): «الْخَلَفُ الصّالِحُ مِنْ وُلدي ، وَهُوَ الْمَهْدِي ، اسْمُهُ لا مُحَمَّدٌ ، وَكُنْيَتُهُ أَبو الْقَاسِمِ ، يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ ، يُقالُ لَأُمِّهِ : تَرْجِسُ ، وَعَلَى رَأْسِهِ
غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ عَنِ الشَّمْسِ تَدورُ مَعَهُ حَيْثُ ما دارَ ، تُنَادِي بِصَوْتٍ فَصِيحِ : هَذَا الْمَهْدِيُّ فَاتَّبعوه»(1).
وكثير من أمثال هذه الأحاديث الشريفة نقلها الرواة عن الإمام الصادق (علیه السّلام)، وهي تعلن حتميّة ظهور الإمام المنتظر (علیه السّلام) الذي يقيم الحق ، ويزهق الباطل .
ونصّ الإمام الكاظم (علیه السّلام) على إمامة الإمام المهدي الله ، وأنّه القائم بالحق ، فقد روى يونس بن عبد الرحمن ، قال : «دخلت علی موسی بن جعفر (علیه السّلام) فقلت : یابن رسول الله ، أنت القائم ؟
فقال : أنا الْقائِمُ بِالْحَقِّ ، وَلَكِنَّ الْقائِمَ بِالْحَقِّ الذي يُطَهِّرُ الْأَرْضَ مِنْ أَعْداءِ اللهِ ، وَيَمْلَأُهَا عَدْلاً كَما مُلِئَتْ جَوْراً ، هُوَ الْحَامِسُ مِنْ وُلدى ، لَهُ غَيْبَةٌ يَطُولُ أَمَدُها خَوْفاً عَلَىٰ نَفْسِهِ ، يَرْتَدُّ فيها أقوامٌ ، وَيَثبُتُ فيها آخَرُونَ. طوبى لشيعَتِنا الْمُتَمَسِّكينَ بِحَبْلِنا في غَيْبَةِ قائِمِنا ، الثَّابِتِينَ عَلى مُوالاتِنا ، وَالْبَراءَةِ مِنْ أَعْدائِنا ، أُولئِكَ مِنَا ، وَنَحْنُ مِنْهُمْ ، قَدْ رَضوا بِنا أَئِمَّةً ، وَرَضِينا بِهِمْ شيعَةً ، فَطوبى لَهُمْ ، ثُمَّ طوبى لَهُمْ ، هُمْ وَاللَّهِ مَعَنا فِي دَرَجَتِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ»(2).
وحكى هذا الحديث ما يقوم به الإمام المنتظر (علیه السّلام) من دور إيجابي وفعّال في تطهير الأرض من أعداء الله ، وتدمير الظالمين والطاغين ، وقد بشر الإمام الكاظم (علیه السّلام) المؤمنين بغيبة الإمام والمنتظرين لخروجه .
وأثرت عن الإمام الرضا (علیه السّلام) كوكبة من الأحاديث ، وهي تحمل البشرى للمسلمين بظهور مهدي آل محمّد (علیه السّلام) ، ومن بينها ما يلي :
1 - وفد شاعر أهل البيت دعبل الخزاعي على الإمام الرضا (علیه السّلام)، وتلا عليه قصيدته الخالدة التي عرض فيها مصائب أهل البيت، وما عانوه من الظلم والاضطهاد من حكّام الأمويين والعباسيين ، وكان مطلعها :
مَدارِسُ آيَاتٍ خَلَتْ مِنْ تِلاوَةِ *** وَمَنزِلُ وَحْيِ مُغْفِرُ الْعَرَصَاتِ
ولما انتهى من قصيدته إلى قوله :
فَلَوْلَا الَّذِي أَرْجُوهُ فِي الْيَوْمِ أَوْ غَدٍ *** تَقَطَّعَ قَلْبِي أَثْرَهُمْ حَسَراتِ
ورفع الإمام رأسه ليستمع إلى أمل الخزاعي الذي لولاه لذهبت نفسه أسى وحسرات ، وتلا دعبل قوله :
خُروجُ إِمَامٍ لَا مَحالَةٌ خارِج *** يَقومُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ وَالْبَرَكَاتِ
يُمَيَّزُ فينا كُلَّ حَقٌّ وَباطِل *** وَيَجْزِي عَلَى النَّعْمَاءِ وَالنَّقِمَاتِ
ويكى الامام الرضاء (علیه السّلام) بكاءً مرّاً وشديداً ، والتفت إلى دعبل شاعر المظلومين والمضطهدين فقال له : يا خُزاعِيُّ ، نَطَقَ روحُ الْقُدُسِ عَلَى لِسانِكَ بِهَذينِ الْبَيْتَيْنِ ، فَهَلْ تَدْري مَنْ هذَا الْإِمَامُ ؟ وَمَتى يَقوم ؟
وطفق دعبل قائلاً : لا يا مولاي ، إلا أني سمعت بخروج إمام منكم ، يطهر الأرض من الفساد ، يملأها عدلاً .
وانبرى الإمام (علیه السّلام) يعرفه بالإمام المنتظر المصلح الأعظم قائلاً: يا دِعْبِلُ ، الإمامُ
مِنْ بَعْدِي ابْنِي مُحَمَّدٌ ، وَبَعْدَ مُحَمَّدٍ ابْتُهُ عَلِيٌّ ، وَبَعْدَ عَلَى ابْنُهُ الْحَسَنُ ، وَبَعْدَ الْحَسَن ابنه الْحُجَّةُ الْقائِمُ، الْمُنتَظَرُ في غَيْبَتِهِ ، الْمُطَاعُ في ظُهُورِهِ ، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا إِلَّا يَ-وم واحِدٌ لَطَوَّلَ اللهُ ذلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَخْرُجَ ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلاً كَما مُلِئَتْ جَوْراً ، وَأَمَّا مَتى يَقومُ فَإِخبارٌ عَنِ الْوَقْتِ ، وَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدّي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ آبَائِهِ ، عَنْ عَلِيٌّ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ ، إِنَّ النَّبى (صلی الله علیه و آله و سلم) قيلَ لَهُ : مَتى يَخْرُجُ الْقَائِمُ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ ؟
فَقالَ : مَثَلُهُ كَمَثَلِ السَّاعَةِ لَا يُجَلِّيها لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ عَزَّ وَجَلَّ ، ثَقُلَتْ فِي السَّمَاواتِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَة»(1).
لقد أعرب الإمام (علیه السّلام) عنه حتميّة ظهور حفيده المصلح العظيم ، وأنّه أمر محتوم لا بد أن يتحقق على مسرح الحياة ، ولم يحدّد وقت خروجه ؛ لأنّ ذلك بيد الله تعالى ، وقد أخفاه عن عباده .
2 - روى الحسن بن خالد أنّ الإمام علي بن موسى الرضا (علیه السّلام) قال : «لا دين لِمَنْ لا وَرَعَ لَهُ ، وَلَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ ، وَ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ(2)، أَي أَعْلَمُكُمْ بِالتَّقِيَّةِ .
فقيل له : إلى متى يابن رسول الله ؟
قال : إِلى یوم الْوَقْتِ الْمَعْلوم ، وَهُوَ يَو مخُروج قائِمِنَا ، فَمَنْ تَرَكَ التَّقِيَّةَ قَبْلَ خُروج قائِمِنا فَلَيْسَ مِنا .
فقيل له : يابن رسول الله ، ومن القائم منكم أهل البيت ؟
قال : الرابعُ مِنْ وُلدي ، ابْنُ سَيِّدَةِ الْإِمَاءِ ، يُطَهِّرُ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضُ مِنْ كُلِّ جَوْرٍ وَيُقَدِّسُها
مِنْ كُلِّ ظُلم ، وَهُوَ الَّذي يَشكُ النَّاسُ في وِلَادَتِهِ ، وَهُوَ صاحِبُ الْغَيْبَةِ قَبْلَ خُرُوجِهِ ، فَإِذا خَرَجَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنورِهِ ، وَوَضَعَ مِيزانَ الْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ ، فَلَا يَظْلِمُ أَحَدٌ أَحَداً ، وَهُوَ الَّذِى تُطوى لَهُ الْأَرْضُ ، وَلَا يَكونُ لَهُ ظِلٍّ ، وَهُوَ الَّذِي يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ ، يَسْمَعُهُ جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ الدُّعاء إِلَيْهِ بِقَولِهِ : أَلَا إِنَّ حُجَّةَ اللهِ قَدْ ظَهَرَ عِنْدَ بَيْتِ اللهِ فَاتَّبِعُوهُ ، فَإِنَّ الْحَقَّ فِيهِ وَمَعَهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِن نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِنَ السَّمَاءِ آيَةٌ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ(1)، وَقَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: يَوْمَ يُشَادِ الْمُنَادِ مِن مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ(2)، أَي خُروجُ وَلَدي الْقَائِمِ الْمَهْدي»(3).
هذه بعض الأحاديث التي أثرت عن الإمام الرضا (علیه السّلام) في شأن حفيده الإمام المنتظر (علیه السّلام) ، وأنه سيكون مصدر إشراق ونور في جميع أنحاء الأرض .
ونص الإمام الجواد (علیه السّلام) على الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وبشر العالم الإسلامي بظهوره وما يبسطه من خير ورحمة على المجتمع الإنساني ، وفيما يلي بعض ما أُثر عنه :
1 - روى الثقة الزكي عبد العظيم الحسني ، قال : «دخلت على سيدي محمد بن عليّ ، وأنا أُريد أن أسأله عن القائم أهو المهدي أو غيره ؟
فابتدأني هو فقال لي : يا أبا القاسم ، إِنَّ الْقائِمَ مِنَا هُوَ الْمَهْدِيُّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُنتَظَرَ في غَيْبَتِهِ ، وَيُطاعَ في ظُهورِهِ ، وَهُوَ الثالثُ مِنْ وُلدي ، وَالَّذي بَعَثَ مُحَمّداً بِالنُّبُوَّةِ ،
وَخَصَّنَا بِالْإِمَامَةِ ، إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّالَ اللَّهُ ذلِكَ الْيَوْمَ حَتَّىٰ يَخْرُجَ فيهِ ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً ، كَما مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً ، وَإِنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وَتَعالى لَيُصْلِحُ أَمْرَهُ فِي لَيْلَةٍ ، كَمَا أَصْلَحَ اللَّهُ أَمْرَ كَلِيمِهِ مُوسى ؛ إِذْ ذَهَبَ لِيَقْتَبِسَ لِأَهْلِهِ نَاراً فَرَجَعَ وَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَل.
ثمّ قال (علیه السّلام): أَفْضَلُ أَعْمَالِ شِيعَتِنا انْتِظارُ الْفَرَج»(1).
لقد دلّل الإمام محمد الجواد (علیه السّلام) شيعته ورواة حديثه على الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وأن خروجه من الأمور الحتمية التي لا بد أن تتحقق على مسرح الحياة .
2 - روى الصقر بن أبي دلف ، قال : «سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضا (علیه السّلام) يقول : الْإِمَامُ بَعْدِي ابْنِي عَلِيُّ ، أَمْرُهُ أَمْرِي ، وَقَوْلُهُ قَوْلي ، وَطَاعَتُهُ طَاعَتي ، ثم سكت .
فقلت له : يابن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فمن الإمام بعد علي ؟
قال : ابْنُهُ الْحَسَنُ .
قلت : يابن رسول الله ، فمن الإمام بعد الحسن ؟
فبكى (علیه السّلام) بكاء شديداً ، ثم قال : إِنَّ مِنْ بَعْدِ الْحَسَنِ ابْنُهُ الْقَائِمِ بِالْحَقِّ الْمُنْتَظَر.
فقلت له : يابن رسول الله ، لِمَ سمّي القائم ؟
قال : لأَنَّهُ يَقومُ بَعْدَ مَوْتِ ذِكرِهِ ، وَارْتِدَادِ أَكْثَرِ الْقَائِلِينَ بِإِمَامَتِهِ .
فقلت له : ولم سمّي المنتظر ؟
قال : إِنَّ لَهُ غَيْبَةً يَكْتُرُ أَيَّامُها ، وَيَطولُ أَمَدُها ، فَيَنتَظِرُ خُروجُهُ الْمُخْلِصونَ ، وَيَنْكُرُهُ الْمُرْتابونَ ، وَيَسْتَهزِئُ بِهِ الْجاحِدونَ ، وَيُكَذِّبُ فيها الْوَقَاتونَ ، وَيَهْلك فيها
1) كفاية الأثر : 276 و 277 كمال الدين : 351 . إعلام الورى : 2 : 242 .
الْمُسْتَعْجِلُونَ ، وَيَنْجو فيها الْمُسَلِّمُونَ»(1).
هذه بعض الأخبار التي أثرت عن الإمام الجواد (علیه السّلام) في النص على إمامة حفيده الإمام المنتظر (علیه السّلام)
ونقل الرواة طائفة من الأخبار عن الإمام الهادي (علیه السّلام) في إمامة الإمام المنتظر (علیه السّلام) ، والتبشير بظهوره ، وهذه بعضها :
1 - روى الصقر بن أبي دلف ، قال : «سمعت عليّ بن محمّد بن علي الرضا (علیه السّلام) يقول : الْإِمامُ بَعْدِي الْحَسَنُ ابْنِي ، وَبَعْدَهُ ابْنَهُ الْقائِمُ الَّذِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَما مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»(2).
2 - روى الفقيه الفاضل السيّد عبد العظيم الحسني ، قال : «دخلت على سيّدي علي بن محمد ، فلما أبصرني قال لي : مَرْحَباً يا أَبَا الْقَاسِمِ ، أَنْتَ وَلِيُّنا حَقّاً.
قال : فقلت له : يابن رسول الله ، إنّي أريد أن أعرض عليك ديني ، فإن كان مرضيّاً ثبت عليه حتى ألقى الله عزّ وجلّ .
فقال : هاتِ يا أبا القاسم.
فقلت : إنّي أقول : إنّ الله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء ، خارج عن شيء، خارج عن الحدين: حد الإبطال ، وحدّ التشبيه ، وأنّه ليس بجسم، ولا صورة ، ولا عرض ، ولا جوهر ، بل هو مجسّم - أي خالق - الأجسام، ومصوّر الصور، وخالق الأعراض والجواهر ، وربّ كلّ شيء ، ومالكه وجاعله ومحدثه ، وإنّ محمداً عبده ورسوله ، خاتم
النبيين ، لا نبي بعده إلى يوم القيامة ، وإنّ شريعته خاتمة الشرائع فلا شريعة بعدها إلى يوم القيامة ، وأقول : إنّ الإمام والخليفة وولي الأمر بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ثمّ الحسن ، ثم الحسين ، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثم جعفر بن محمد ، ثمّ موسى بن جعفر ، ثمّ عليّ بن موسى ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثم أنت يا مولاي.
وسكت عبدالعظيم ، فقال له الإمام الهادي (علیه السّلام) معرفاً له الإمام بعده : وَمِنْ بَعْدِي الْحَسَنُ ابْنِي ، فَكَيْفَ النَّاسُ بِالْخَلَفِ مِنْ بَعْدِهِ ؟
وطفق عبد العظيم يسأل عن الخلف بعد الحسن قائلاً : كيف ذلك يا مولاي ؟
قانبرى الإمام الهادي قائلاً : إِنَّهُ - أي الإمام المنتظر (علیه السّلام)- لَا يَرَى شَخْصُهُ حَتَّى يَخْرُجَ فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَما مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً .
وأقرّ عبد العظيم وآمن بما أمره الإمام من الاعتراف بغيبة الإمام المهدي ، والتفت إليه قائلاً: يا أبا القاسِمِ ، هذا وَاللَّهِ دينُ اللَّهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ»(1).
ونصّ الإمام الحسن العسكري على إمامة ولده القائم المنتظر (علیه السّلام) ، وقد ذكرنا في البحوث السابقة جمهرة من النصوص التي نقلها الرواة عنه ، وكان منها هذه الروايه : روى الثقة أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري ، قال : «دخلت على أبي محمد الحسن بن علي الا وأنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده ، فقال لي مبتدئاً :
يا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ ، إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعالى لَمْ يُخْلِ الْأَرْضَ مِنْذُ خَلَقَ آدَمَ (علیه السّلام) وَلَا يُخْليها إِلى أَنْ تَقومَ السَّاعَةُ مِنْ حُجَّةٍ لِلهِ عَلى خَلْقِهِ ، بِهِ يَدْفَعُ الْبَلَاءَ عَنْ أَهْلِ
1) كمال الدين : 353 - 354 .
الْأَرْضِ ، وَبِهِ يُنَزِّلُ الْغَيْتَ ، وَبِهِ يُخْرِجُ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ .
وانبرى أحمد قائلاً: يابن رسول الله ، فمن الإمام والخليفة بعدك ؟
فنهض (علیه السّلام) مسرعاً فدخل البيت ، ثم خرج وهو يحمل بقية الله في الأرض ، وكأنّ وجهه في إشعاعه القمر ليلة البدر ، وكان عمر الإمام ثلاث سنين ، والتفت الإمام الحسن إلى أحمد قائلاً: يا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ ، لَوْلَا كَرَامَتُكَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَلَى حُجَجِهِ ما عَرَضْتُ عَلَيْكَ ابْني هذا ، إِنَّهُ سَمِيٌّ رَسولِ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَكَنْتُهُ ، الَّذِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ قسْطاً وَعَدْلاً كَما مُلتَتْ جَوْراً وَظُلْماً .
يا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ ، مَثَلُهُ في هذِهِ الْأُمَّةِ مَثَلُ الْخَضِرِ (علیه السّلام)، وَمَثَلُهُ مَثَلُ ذِي الْقَرْنَينِ ، وَاللَّهِ لَيَغِيبَنَّ غَيْبَةٌ لَا يَنْجو فيها مِنَ الْهَلَكَةِ إِلَّا مَنْ ثَبَّتَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْقَوْلِ بِإِمَامَتِهِ، وَوَفِّقَهُ فيها لِلدُّعاءِ بِتَعْجِيلِ فَرَجِهِ.
وسارع أحمد قائلاً: يا مولاي ، فهل من علامة يطمئن إليها قلبي ؟
ونطق الإمام المنتظر (علیه السّلام) ، فأراه العلامة التي يطلبها قائلاً: أَنَا بَقِيَّةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَالْمُنتَقِمُ مِنْ أَعْدَائِهِ ، فَلَا تَطْلَبْ أَثَراً بَعْدَ عَيْنٍ.
ووقف أحمد على ما يريده ، واطمئن قلبه ، وخرج وهو ناعم البال ، فلما كان اليوم الثاني عاد إلى بيت الإمام ، ولما تشرّف بمقابلته قال له : يابن رسول الله ، لقد عظم سروري بما مننت به عليَّ فما السنة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين ؟
فأجابه الإمام (علیه السّلام): طولُ الْغَيْبة ، يا أَحْمَد.
وطلب أحمد من الإمام أن يوضح له طول غيبة الإمام قائلاً: يابن رسول الله ، وإن غيبته لتطول ؟
فأجابه الإمام : إِي وَرَبِّي - يعني لتطول غيبته - حَتَّى يَرْجِعَ النَّاسُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ أَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِهِ وَلَا يَبْقَى إِلَّا مَنْ أَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَهْدَهُ لِوَلَايَتِنا ، وَكَتَبَ فِي قَلْبِهِ
الإِيمَانَ ، وَأَيَّدَهُ بِروحٍ مِنْه.
يا أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ، هذا أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ، وَسِرٌّ مِنْ سِرِّ اللَّهِ ، وَغَيْبٌ مِنْ غَيْبِ اللَّهِ ، فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَاكْتُمْهُ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ تَكُنْ مَعَنا غَداً في عِلَيّين»(1).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الأخبار التي نقلها الرواة ، ودوّنها الحفاظ عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، و عن أئمة الهلال (علیهم السّلام)، وهي تعلن حتمية خروج الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وقيامه بالاصلاح الشامل لجميع نواحي الحياة ، حتّى تملأ الأرض عدلاً وقسطاً ببركة حكمه .
1) كمال الدين : 357 و 358.
أما فكرة ظهور المصلح العظيم الذي تسعد به الإنسانية ، وينقذها من المحن والخطوب فهي قديمة جداً ، قد بشرت بها الأديان السماوية ، وشاعت في جميع الأوساط العالميّة ، كأسمى فكرة تحلم بها البشرية على امتداد التاريخ .
إن الإنسان المكدود المجهود الذي يعاني أقسى ألوان الظلم والاضطهاد ، وحقت به الأزمات ، وأحاطت به ويلات الحروب التي أشعلتها ذئاب البشرية في سبيل أهوائها وكبريائها وأطماعها التي منها الانفراد بالحكم ، والاستيلاء على خيرات الله في الأرض ، والتحكّم في القضايا المصيرية للشعوب.
إن الإنسان في شرق الأرض وغربها يتطلع بلهفة إلى منقذه الملهم الذي يغيّر مجرى التاريخ ، ويقيم دولة الحقِّ التي ينعم في ظلالها المحرومون والبائسون ، وتنعدم فيه جميع الفوارق الطبقية ، التي لا تقوم على أساس التقوى وعمل الخير.
ومما لا شبهة فيه أنّ ذلك المصلح العظيم هو مهدي آل محمد صلوات الله عليه الذي تشرق الدنيا بعلمه وعدالته ، وحسن سياسته ، وقد دلّل عليه جده الرسول الأعظم الله الذي لا ينطق عن الهوى ، ودلّل عليه أوصياؤه ، أعمدة التقوى في دنيا الإسلام ، كما ألمحنا إلى ذلك في البحوث السابقة .
وعلى أي حال، فلابد لنا من وقفة قصيرة لنرى ما أعلنته الأديان السماوية بشأن المصلح الملهم ، بطل التحرير في العالم ، الذي يقيم معالم الحق والحضارة الإلهية في الأرض ، وفيما يلى ذلك :
وعانت الجمهرة المؤمنة من المسيحيين ضروباً شاقة وعسيرة من الجور والاضطهاد في زمن السيّد المسيح وما بعده، فقد نزل بهم من البلاء ما لا يوصف في عهد نيرون سنة (64م) ، وفي عهد تراجان سنة (106م) ، وفي عهد ديسيوس سنة (249 - 251م) .
ففي عهد نيرون اشتدّ العذاب ، فقد اتّهمهم بأنّهم الذين أحرقوا روما ، فعذبهم بأنواع العذاب ، فكان يضع بعضهم في جلود الحيوانات ، ويطرحونهم للكلاب فتنهشهم ، كما ألبس بعضهم لباساً مطلية بالقار، ويجعلهم مشاعل
يستضاء بها .
وكان نيرون نفسه يسير في ضوء تلك المشاعل التي أُوقدت من جسوم الأبرياء .
وفي عهد تراجان أنزل بهم الذل والعذاب الأليم ، وقد حدث بلين في رسالته إلى تراجان عن الطريقة التي كان يعاملهم بها ، قال : «جريت مع من اتهموا بأنّهم نصارى ، فكنت أسألهم هل هم مسيحيون ؟ فإذا أقروا أُعيد عليهم السؤال ، فإذا أقرّوا بذلك نفذت فيهم حكم الإعدام ، وقد تخلّى فريق من النصارى عن دينهم ، وصلوا على الأرباب ، وهي الأصنام ، وقدموا لها الخمور والبخور ، وشتموا السيد المسيح . واستمر الاضطهاد والتعذيب للنصارى حتى بعد هلاك تراجان ، فقد أنزل بهم ديسيوس من البلاء ما تقشعر له الأبدان»(1).
وآمن المسيحيون بأن السيّد المسيح هو المصلح المنتظر ، والقائم بالحق
1) محاضرات في النصرانية / أبو زهرة : 26 و 27 .
والعدل، وأنّه لا بد من عودته إلى الأرض ليقيم دولة الفكر والعلم ، ويبسط الأمن والرخاء في جميع، أنحاء العالم ، ولنستمع إلى ما صرّحت به أناجيلهم :
جاء في هذا الإنجيل : «الحق ، الحق أقول لكم : إنّه سيأتي ساعة وهي الآن ، حين الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون ، ولا تتعجبوا من هذا ، فإنّه تأتي يسمع ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته ، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة ، والذين عملوا السيّئات إلى قيامة الدنيوية»(1).
جاء في إنجيل لوقا : «على الأرض تكون كرب ، أمم بحيرة والناس يخشى عليهم من فوق ، وانتظار ما يأتي على الكون لأن قوة السماوات تتزعزع»(2).
جاء في إنجيل متى جملة من الأحاديث في التبشير عن ظهور السيد المسيح ، وهذه بعضها :
1 - «بعد ضيق تلك الأيام الشمس تظلم ، والقمر لا يعطي ضوءه ، والنجوم تسقط من السماء ، وقوّات السماء تتزعزع، وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء ، وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض ، ويبصرون ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء بقوّة ومجد كثير ، فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت ، فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح من أقصى السماء إلى أقصاها»(3).
2 - «ففي نصف الليل صار صراخ .. هو ذا العريس مقبل»(1). وقد رأيت سابقاً بعد الفجر .
3 - «كونوا أيضاً مستعدين ؛ لأنه في ساعة لا تظنون يأتى ابن الإنسان»(2).
وتبشر هذه الأناجيل بعباراتها المتفككة والمضطربة بحتمية ظهور السيد المسيح الذي ينقذ المسيحيّين مما هم فيه من المحن والاضطهاد، وكذلك ينقذ غيرهم من الواقع المرير الذي يعيشونه ، وقد انتشرت عنهم هذه العقيدة وآمنوا بها على اختلاف مذاهبهم .
يقول «ول ديورانت» : «كان ثمة عقيدة مشتركة وحدت بين الجماعات المسيحيّة المنتشرة في أنحاء العالم العالم هي : أنّ المسيح ابن الله ، وأنه سيعود ليقيم مملكته على الأرض ، وأنّ كلّ من يؤمن به سينال النعيم المقيم في الدار الآخرة»(3).
وتذكر بعض أناجيل المسيحيّين علامات ظهور السيّد المسيح ، فقد جاء في إنجيل مرقس : «وفيما هو - أي المسيح - جالس على جبل الزيتون تجاه الهيكل سأله بطرس ويعقوب ويوحنا واندراوس على انفراد، قل لنا : متى يكون هذا - أي خروجك - ؟ وما هي العلامة عندما يتم جميع هذا ؟
فأجابهم يسوع ، وابتدأ يقول : انظروا .. لا يضلّكم أحد ، فإنّ كثيرين سيأتون باسمى ، قائلين : إنّي أنا هو ، ويضلون كثيرين ، فإذا سمعتم بحروب ، وبأخبار حروب ، فلا ترتاعوا ؛ لأنّها لا بد أن تكون ، ولكن ليس المنتهى بعد .. وينبغي أن
يركزوا أولاً بالإنجيل في جميع الأمم ، فمتى رأيتم رجة الخراب - التي قال عنها دانيال النبي - قائمة حيث لا ينبغي ، فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال ، والذي على السطح فلا ينزل إلى البيت ، ولا يدخل ليأخذ من بيته شيئاً .. والذي في الحقل فلا يرجع إلى الوراء ليأخذ ثوبه .. حينئذ إن قال لكم هو ذا المسيح هنا ، هو ذا هناك فلا تصدقوا ، لأنه سيقوم مسحاء كذبة ، وأنبياء كذبة ، ويعطون آيات وعجائب لكلي يضلّوا ، لو أمكن المختارين أيضاً ، فانتظروا أنتم ها أنا قد سبقت ، وأخبرتكم بكل شي».
وأضاف يقول بعد هذا الاضطراب والتفكك : «وأمّا في تلك الأيام بعد ذلك الضيق ، الشمس تظلم ، والقمر لا يعطي ضوءه ، ونجوم السماء تتساقط ، والقوات التي في السماء تتزعزع ، وحينئذ يبصرون ابن الإنسان آتياً في سحاب بقوة كثيرة ومجد ، فيرسل حينئذ ملائكته ، ويجمع مختاريه من الأربع الرياح من أقصاء الأرض إلى أقصاء السماء .
والحق أقول لكم : لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله(1)السماء تزول ، وكلامي لا يزول ، وأما ذلك ، وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ، ولا الابن - يعني المسيح - إلا الأب»(2).
والمسيحيون في جميع فترات تاريخهم ينتظرون خروج السيد المسيح ، يقول الأمير شكيب أرسلان: روى هوارت الفرنساوي صاحب تاريخ العرب أن انكليزياً ورد بيت المقدس ، وأقام بالوادي الذي يقال إنّه ستكون به الدنيوية ، وشرع كلّ صباح يقرع الطبل منتظراً لحشره.
وسمعت أن امرأة انكليزية - فيما أظن - جاءت القدس وكانت تغلي الشاي كلّ يوم
لأجل أن تقدّمه للسيّد المسيح ساعة وصوله .
وحدّث لامرتين الشاعر الفرنسي في رحلته لجبل لبنان أنه زار في قرية جون السيدة استير ستانوب ابنة أخ الوزير الانكليزي الشهير ، فرأى عندها فرساً مسرجاً دائماً ليكون ركوبه للسيد المسيح عند وصوله»(1).
هذا بعض ما أعلنه قادة الفكر المسيحي من ظهور السيد المسيح ، وآمن المسلمون بعودته إلى الأرض حسبما تواترت به الأخبار عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وعن أئمّة الهدى (علیهم السّلام) كما سنذكر ذلك - ولكن عودته لا ليقيم بنفسه الاصلاح الشامل ، وإنّما يكون في موكب الإمام المنتظر بقيّة الله في الأرض ، ويكون من أتباعه وأنصاره على إقامة الحق ، وتغيير منهج الحياة إلى ما هو أفضل ، وأعود على الإنسانية بجميع أجناسها وقومياتها .
ومن بنود العقائد اليهوديّة ظهور مصلح عظيم يخرج في آخر الزمان فيقيم ما فسد من أخلاق الناس ، ويصلح ما غيّرته القوانين والأنظمة الوضعيّة من طباع المجتمع ، وتحدّث ابن القيم عن هذا المصلح الذي تنتظره اليهود بقوله : «إنهم - أي اليهود - ينتظرون قائماً من ولد داود النبي إذا حرّك شفتيه بالدعاء ماتت جمیع الأمم، وأنّ هذا المنتظر - بزعمهم - هو المسيح الذي وعدوا به»(2).
أما كيفية ظهور مصلح اليهود ومنقذهم ومنهج حكمه ، فيتحدّث أسعياء أحد
أنبيائهم . يقول : «سيخرج من قضيب من جذع يسمّى أبي داود ، وينبت غصن من أصوله ، ويحلّ عليه روح الربّ ... روح الحكمة والفهم ، روح المشورة والقوة ، روح المعرفة ومخافة الربّ ، وتكون سعادته في مخافة الربّ ، فلا يقضي بحسب نظر عينيه ، ولا يحكم بحسب سمع أُذنيه ، بل يقضي بالعدل للمساكين ، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض ، ويضرب الأرض بقضيب فمه ، ويميت المنافق بنفخة شفتيه ، ويكون البرّ منطقة مثنيه ، والأمان منطقة حقويه ، فيسكن الذئب مع الحمل ، ويربض النمر مع الجدي، والعجل والشبل والماشية المسمنة معاً، والأسد كالبقر يأكل تيناً، ويلعب الرضيع على حجر الفيل ، ويمدّ العظيم يده إلى كن الأفعوان لا يسوءون ولا يفسدون في كل جبل قدسي ؛ لأنّ الأرض امتلأت بمعرفة الله ، كما تغطي المياه البحر»(1).
عرض هذا المقطع إلى ما يبسطه هذا المصلح المنتظر من صنوف العدل في جميع أنحاء الأرض ، وما يحققه من مكاسب عظيمة للإنسانية لم تجده في جميع فترات تاريخها ، ومن المحقق الذي لا ريب فيه أن الذي يقوم بتنفيذ ذلك ويحققه على مسرح الحياة إنّما هو مهدي آل محمد (علیه السّلام)، فهو الذي يغمر العالم بعدله ، ويسوس الناس بسياسة مشرقة لا خداع فيها ولا التواء .
ووضع اليهود في أسفارهم أمارات وعلامات لظهور المصلح الذي ينتظرونه ، وهي :
1 - اجتماع الأسباط العشرة ، وخضوعهم لملك واحد من بيت داود .
1) البرهان في علامات آخر الزمان : 1: 122 و 123 ، نقلاً عن الكتب التاريخية في العهد القديم : 47 و 48 .
2 - هزيمة شعبي يأجوج ومأجوج .
3 - انشقاق جبل الزيتون .
4 - جفاف وادي مصر .
5 - خروج ماء عذب في أورشليم ومن بيت المقدس.
6 - التماس عشرة رجال من مختلف شعوب العالم من يهودي بالقبض على طرف ثوبه والذهاب معه لأنّهم سمعوا أنّ الله مع اليهود.
7 - هجرة سائر الشعوب إلى أورشليم ليصلوا فيها الله .
8 - القضاء على الأشرار في الأرض ، وقد ذهبوا إلى أن المسيح لن يأتي إلا بعد القضاء على حكم الأشرار من الخارجين على دين بني إسرائيل ، لذلك يجب على كل يهودي أن يبذل جهده لمنع اشتراك باقي الأمم في الأرض ، كي تظل السلطة لليهود وحدهم .
وقبل أن يحكم اليهود نهائياً باقي الأمم يجب أن تقوم الحرب ، ويهلك ثلث العالم، ويبقى اليهود سبع سنوات متواليات ، يحرقون الأسلحة التي كسبوها بعد النصر ، وفي ذلك اليوم تكون الأمة اليهودية غاية في الثراء ؛ لأنها تكون قد ملكت كل أموال العالم ، وستملأ كنوزهم بيوتاً كبيرة لا يمكن حمل مفاتيحها وأقفالها إلا على ثلاثمائة حمار ، ويدخل الناس كلهم أفواجاً في دين اليهود ، ويقبلون جميعاً عدا المسيحيّين ، فإنّهم يهلكون لأنّهم من نسل الشيطان»(1).
ويمثل هذا البند أنانية اليهود وحقدهم البالغ على جميع الأديان ، خصوصاً المسيحية ، كما فيه دعوة اليهود بالاستيلاء على جميع ثروات العالم ، حتى تكون الأمم والشعوب خاضعة لسيطرتهم واستعمارهم .
1) البرهان : 1 : 128 ، نقلاً عن قصة الديانات : 376.
9 - ومن علامات ظهور المنقذ ما أعلنه بطرس بقوله : «فما أنّ هذه - أي الأديان - كلها تنحل ، أي أناس يجب أن يكونوا في سيرة مقدّسة ، وتقوى ، منتظرين ، وطالبين سرعة مجيء الربّ الذي به تدخل السماوات ملتهبة ، والعناصر محترقة تذوب ، ولكننا بحسب وعده ننتظر سماوات جديدة، وأرضاً جديدة يسكن فيها البر»(1).
10 - من أمارات ظهور المصلح عند اليهود ما جاء في تعاليم التلمود : «يجب على كلّ يهودي أن يبذل جهده لمنع استهلاك باقي الأمم في الأرض ، لتبقى السلطة لليهود وحدهم ، وإذا تسلّط غير اليهود على أوطان اليهود حق لهؤلاء أن يندبوا ويقولوا يا للعار ، ويا للخراب قبل أن تحكم اليهود نهائياً يلزم أن تقوم الحرب على قدم وساق ، ويهلك ثلثا العالم ، ويبقى اليهود سبع سنوات يحرقون الأسلحة التي غنموها بعد النصر ، وحينئذ تنبت أسنان أعداء بني إسرائيل بمقدار اثنين وعشرين ذراعاً خارجاً على أفواههم .
وتعيش اليهود في حرب عوان مع باقي الشعوب ، منتظرين ذلك اليوم ، وسيأتي المسيح الحقيقي ، ويحصل النصر المنتظر ، وتكون الأمة اليهودية إذ ذاك في غاية الإثراء ، لأنّها تكون قد حصلت على جميع أموال العالم ، وتحفظ هذه الكنوز في سرايات واسعة لا يمكن حمل مفاتيحها على أقل من ثلاثمائة حمار»(2).
وفي هذا المقطع دلالة واضحة على حقدهم البالغ على جميع البشر، واهتمامهم بحصر ثروات الأرض وخيرات الله عندهم ليسيطروا بذلك على جميع الشعوب ، ويستعمروا المقطع وغيره مما أثر عن أعلام اليهود في هذا الموضوع وغيره جميع الأمم.
ويعتقد اليهود أنه بعد مجر مجيء ء المنتظر سيعم النعيم جميع أنحاء الأرض ، وتنتشر البركات ، وإنّ حياة الناس ستطول قروناً ، وإن قامة الرجل ستكون مائتي ذراع(1).
وقالوا : «إنّ أرض إسرائيل ستنبت الخبز والأقمشة ، وينبت القمح في لبنان عالياً مثل أشجار النخيل ، وسيهب هواء بمشيئة الله ليجعله دقيقاً فاخراً ، وحبوب القمح ستكون مثل كل الثيران الضخمة»(2).
وكذلك تطرح الأرض فطيراً، وتحمل كلّ حبّة قدر ما كانت تحمله ألف مرّة ، ويصير الخمر موفوراً ، وإن كروم العنب ستثمر حتى أن عنقوداً واحداً يكفي لثلاثين جرّة من الخمر، وسيرتفع بناء أورشليم ثلاثة أميال ، وأبوابها ستكون من لآلئ وأحجار كريمة قامتها ثلاثون ذراعاً طولاً ، وثلاثون ذراعاً عرضاً(3)، يزول الفقر ، ويصبح الناس كلّهم أصحاء مستمسكين بالفضيلة ، وتسود العدالة والصداقة والسلام في الأرض(4)، وحينئذ ترجع السلطة لليهود ، وكل الأمم تخدم ذلك المسيح وتخضع له ، وفي هذا الوقت يكون لكلّ يهودي ألفان وثمانمائة عبد يخدمونه ، وثلاثمائة وعشرة ألوان تحت سلطته»(5).
وكثير من أمثال هذه المخاريق آمن بها اليهود ، وهي جزء من ركائزهم الدينية التي تدعو إلى التحكم في مصير العالم ، ونهب ثرواته .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن هذا المصلح العظيم الذي آمنت به الأديان
السماوية ، واعتقدت بصورة جازمة حتمية ظهوره ، ومن المقطوع به أنّه الإمام المنتظر (علیه السّلام) الذي ستؤمن به النصارى واليهود ، وسائر الأديان والمذاهب الأخرى ، وأنّ الله تعالى يمده بالمعجز كما أمد أولياءه العظام، وذلك ليقيم الحق وينشر العدل ، ويبسط الأمن والمساواة بين جميع أبناء الأرض .
واتفق علماء المسلمين على ضرورة الإيمان بظهور الإمام المهدي (علیه السّلام) وقيامه في دور حكومته بالاصلاح الشامل لمناهج الحياة ، وتدميره للأنظمة الفاسدة التي يرزح تحت وطأتها الإنسان ، وإنّ حكومته تُعد من أعظم الانتصارات والمكاسب التي تظفر بها الإنسانيّة على امتداد التاريخ .
آمن العلماء وجزموا به ، وعدوه جزءاً لا يتجزأ من رسالة الإسلام ، وذلك للأخبار المتواترة عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، و عن أئمة الهدى سلام الله عليهم ، وقد ذكرنا بنوداً منها في البحوث السابقة.
وقد وقع الخلاف في أمر ثانوي، وهو ولادته ووجوده ، فآمنت به الشيعة ووافقهم جمهور كبير من علماء السنّة ومؤرّخيهم ، وذهب آخرون إلى أنه سيولد ، ونعرض إلى كلمات كلا الفريقين :
وأجمعت الشيعة الإمامية على وجود الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وأنه أمر مفروغ منه وأنّ الله تعالى قد أمده بوسائل الحياة التي لا تخضع لعوامل الهرم والفناء ، وليس ذلك على الله تعالى بعسير ، فهو الذي أقام ملايين المجرات في الفضاء بغير عمد ، وأمر الحياة والممات بيده ، فهو الذي يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير، فهو الذي أنام أهل الكهف ثلاثمائة سنة وتسع سنين ، ثم بعثهم من نومهم ودفعهم
إلى مسرح الحياة ، وهو الذي أبقى يونس في بطن الحوت حياً ، ولما التجأ إليه تعالى وطلب منه العفو ألقاه الحوت ، ولولا استغفاره لأبقاه حيّاً مع الحوت إلى يوم يبعثون ، وأمثال هذه البوادر كثيرة في القرآن الحكيم .
وعلى أي حال ، فإنّا نعرض إلى كلمات الأعلام من علماء السنّة الذين وافقوا الشيعة على ولادة الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وهم :
قال محمد بن طلحة بن محمد القرشي النصيبي : «محمد بن الحسن الخالص بن علي المتوكل بن محمد القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الزكيّ بن علي المرتضى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب المهدي الحجّة ، الخلف الصالح ، المنتظر عليهم السلام ورحمته وبركاته .
هذا الخَلَفُ الْحُجَّةُ *** قدْ أَيَّدَهُ اللهُ
هدانا مَنْهَجَ الْحَقِّ *** وَآتاه سَجاياه
وأعلى في ذرى العليا *** بالتأييد مرقاه
وَآتَاهُ حُلى فَضلِ *** عظيمٍ فَتحَ اللهُ
وَقَد قالَ رَسولُ اللهِ *** قولاً قَدْ رويناه
وذو العِلم بِما قالَ *** إِذا أَدْرَكَ مَعناه
يَرِى الْأَخْبارَ فِي الْمَهْدِيُّ *** جاءَتْ عَنْ مُسَمَاهُ
وَقَدْ أَبداهُ بِالنِّسبَةِ *** وَالْوَصفِ وَسَمَاهُ
وَيَكفي قولُهُ مِنّي *** لإشراق مُحَياه
وَمِنْ بَصْعَتِهِ الزَّهراءِ *** مَجْراهُ ومَرْساهُ»
وأضاف يقول : «أما مولده في سرّ من رأى في 23 شعبان سنة 258هـ»(1).
وحكت هذه الكلمات إيمان محمد بن طلحة بوجود الإمام المنتظر (علیه السّلام) مستنداً إلى أقوال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأحاديثه فيه .
ونصّ محيي الدین محمد بن علي المعروف بـ(ابن العربي) الأندلسي على إمامة المهدي ، وأنّه وُلد ، وسوف يظهر ، قال : «المهدي الظاهر في آخر الزمان الذي بشر به رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وهو من أهل البيت المطهر من الحضرة المحمدية .
إِنَّ الْإِمَامَ إِلى الوَزِيرِ فَقِيرُ *** وَعَلَيهما فَلَكَ الوُجودِ يَدورُ
وَالمُلكُ إِنْ لَمْ تَسْتَقِمْ أَحواله *** بوجودِ هذينِ فَسَوفَ يَبورُ
إِلَّا إِلَهُ الْحَقِّ فَهوَ مُنَزَّهُ *** ما عِندَهُ فيما يُريدُ وَزِيرُ
اعلم أيّدنا الله وإياك ، إنّ الله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً ، فيملأها قسطاً وعدلاً ، لو لم يبق في الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يلي هذا الخليفة من عترة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومن ولد فاطمة سلام الله عليها، جده الحسين بن علي بن أبي طالب ، ووالده الحسن العسكري» .
وأضاف يقول : «يواطئ اسمه اسم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، يبايع له الناس بين الركن والمقام ، يشبه جده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في الخلق - بفتح الخاء - وينزل عنه في الخلق بضمها - إذ لا يكون أحد مثل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في أخلاقه ، والله تعالى يقول :
1) مطالب السؤول : 2 : 152.
وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ(1). هو أجلى الجبهة ، أقنى الأنف، أسعد الناس به أهل الكوفة ، يقسم المال بالسوية ، ويعدل في الرعية ، ويفصل في القضية ، يأتيه الرجل فيقول : يا مهدي ، أعطني ، وبين يديه المال ، فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله .
يخرج على فترة من الدين، يضع الله به ما لا يضع في القرآن ، يمسي الرجل جاهلاً وجباناً فيصبح عالماً شجاعاً كريماً ، يمشي النصر بين يديه ، يعيش خمساً أو تسعاً ، يقفو أثر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)».
وأضاف يقول : «يحمل الكل ، ويعين الضعيف ، ويساعد على نوائب الحق ، يفعل ما يقول ، ويقول ما يفعل ، ويعلم ما يشهد ، يبيد الظلم وأهله ، ويقيم الدين وأهله ، وينفخ الروح في الإسلام ، يعز الله به الإسلام بعد ذله ، ويحييه بعد موته .
يظهر من الدين ما هو عليه في نفسه حتى لو كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حياً لحكم به ، فلا يبقى في زمانه إلا الدين الخالص عن الرأي ، يفرح به عامة المسلمين أكثر من خاصتهم ، يبايعه العارفون بالله من أهل الحقائق عن شهود وكشف إلهي .
له رجال إلهيون يقيمون دعوته ، وينصرونه ، هم الوزراء ، يحملون أثقال المملكة ويعينونه على ما قلّده الله.
ينزل عليه عيسى بن مريم بالمنارة البيضاء شرقي دمشق ، بين مهرودتين ، متكئاً على ملكين : ملك عن يمينه ، وملك عن يساره ، يقطر رأسه ماء مثل الجمان ، يؤم الناس بسنّة رسول الله ، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير»(2).
حفل كلام ابن العربي بالمواد التالية :
أوّلاً: إنّ الإمام المنتظر (علیه السّلام) خليفة الله في أرضه ، وهو الذي يقيم منهاج العدل ومعالم الحق .
ثانياً : إنّ الإمام (علیه السّلام) يشابه جده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في ملامحه ومكارم أخلاقه .
ثالثاً : إن سياسة الإمام (علیه السّلام) تتلخص بما يلي :
1 - يقسم المال بالسوية ، فلايختص به فريق دون فريق ، ولا يعطي أي شيء منه محاباة .
2 - العدل في الرعيّة ، ويتساوى فيه الجميع .
3 - إعانة الضعفاء .
4 - مساعدة الناس على ما يمنون به من كوارث الزمان ونوائب الدهر .
5 - إقصاء الجور ، وتدمير الظلم ، بحيث لا يبقى لهما أي ظلّ على مسرح الحياة .
رابعاً : إنّ وزراء الإمام من أتقى الناس ، وأكثرهم حريجة في الدين ، وهم عون له على إقامة حكم الله في الأرض.
خامساً : إنّ السيد المسيح ينزل من السماء ليكون عوناً للإمام على أداء رسالته الاصلاحية.
هذه بعض النقاط التي عرض لها ابن العربي ، ومعظمها مستفاد من الأخبار .
قال الشيخ نور الدين علي بن محمد ، المعروف بـ(ابن الصباغ المالكي) : «الإمام الثاني عشر محمّد بن الحسن»، وذكر تاريخ ولادته ، ودلائل إمامته ، وطرفاً من أخباره ، وغيبته ، ومدّة قيام دولته ، وغير ذلك(1).
1) الفصول المهمة : 281 ، ذكره بعنوان عام ضمن الفصل الثاني عشر .
قال عليّ بن أبى الكرم بن محمد الشيباني ، المعروف بـ(ابن الأثير الجزري) : «وفيها - أي في سنة 260هـ - توفّي أبو محمد العلوي العسكري ، وهو أحد الأئمة الاثنى عشر على مذهب الإمامية ، وهو والد محمد الذي يعتقدونه المنتظر بسرداب سامراء ، وكان مولده سنة 232هـ»(1).
قال شمس الدين أبو المظفّر ، يوسف بن فرغلي ، المعروف بـ(سبط ابن الجوزي) : «محمد بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى الرضا بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (علیهم السّلام)، وكنيته أبو عبد الله وأبو القاسم ، وهو الخلف الحجّة ، صاحب الزمان، القائم ، والمنتظر ، والتالي ، وهو آخر الأئمة»(2).
قال إسماعيل أبو الفداء صاحب حماة في وفاة الإمام الحسن العسكري : «وهو أحد الأئمة الاثني . على مذهب الإمامية ، وهو والد محمد المنتظر من سرداب سرّ من رأى على زعمهم ، وكان مولده سنة 235هـ»(3).
إنّ الشيعة لا تعتقد ولا تذهب إلى أنّ الإمام (علیه السّلام) غاب في السرداب ، ولا تنتظر خروجه منه ، وإنّما ذهبت إلى أنّه غاب عن أعين الناس ، وتنتظر خروجه من بيت الله
الحرام ، وقد ألمحنا إلى ذلك في البحوث السابقة .
قال القرماني : «الإمام أبو القاسم محمّد بن الحسن العسكري ، كان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين ، آتاه الله الحكمة كما أُوتيها يحيى ، وكان مربوع القامة ، حسن الوجه والشعر ، أقنى الأنف ، أجلى الجبهة»(1).
قال ابن خلكان فى ترجمة الإمام المنتظر (علیه السّلام): «أبو القاسم محمد بن الحسن بن محمد الجواد ، ثاني عشر من الأئمة الاثني عشر (علیهم السّلام). ولد يوم الجمعة منتصف رمضان سنة 255هـ»(2).
ونصّ الذهبي على ولادة الإمام المهدي (علیه السّلام)، قال : «فى حوادث سنة 261هـ، وفيها مات الحسن بن علي بن الجواد بن الرضا العلوي، أحد الأئمة الاثني عشر الذين تعتقد الرافضة عصمتهم ، وهو والد منتظرهم محمد بن الحسن»(3)
سُمِّيتَ بِالذَّهَبِيِّ الْيَوْمَ تَسْمِيَةٌ *** مُشْتَقَةٌ مِنْ ذَهَابِ الْعَقل لا الذَّهَبِ
.قال شيخ الإسلام أبو المعالي سراج الدين محمد الرفاعي في ترجمة الإمام
أبي الحسن الهادي (علیه السّلام): «ولقبه التقي ، والعالم ، والفقيه ، والأمير ، والدليل ، والعسكري. وكان له خمسة أولاد : الإمام الحسن العسكري، والحسين ، ومحمد ، وجعفر، وعائشة . فأما الحسن العسكري فأعقب صاحب السرداب الحجّة المنتظر ولي الله الإمام المهدي (علیه السّلام)»(1).
وممّن نصّ على الإمام المهدي وولادته وحياته العالم الفاضل الشيخ الشبلنجي، قال : «فصل في ذكر مناقب محمد بن الحسن الخالص بن عليّ الهادي بن محمد الجواد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . أُمه أُمّ ولد يقال لها : نرجس ، وقيل : صيقل ، وقيل : سوسن ، وكنيته : أبو القاسم ، ولقبه الإمامية بـ(الحجة) و (المهدي) ، و(الخلف الصالح) ، و (القائم) ، و(المنتظر) ، و (صاحب الزمان) ، وأشهرها (المهدي) ، صفته : شاب مرفوع القامة ، حسن الوجه والشعر ، يسيل شعره على منكبيه ، أقنى الأنف ، أجلى الجبهة»(2).
عرض العالم الفاضل الشيخ سليمان بن خواجة إلى الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وأثبت الله بصورة حاسمة أن المهدي الموعود الذي بشر به النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) هو الحجة محمد بن الحسن العسكري ، وقد بحث عنه بحثاً مفصلاً مدعوماً بالشواهد»(3). ومن الجدير بالذكر أنّ هذا الشيخ حنفي المذهب ، صوفي المشرب .
قال الشيخ العارف عبد الوهاب بن أحمد بن علي الشعراني : «ومولده - أي الإمام المنتظر (علیه السّلام)- ليلة النصف من شعبان سنة 255هـ، وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى بن مريم ، وهو من أولاد الحسن العسكري (علیه السّلام)»(1).
قال خير الدين الزركلي : «محمد بن الحسن العسكري الخالص بن علي الهادي أبو القاسم ، آخر الأئمة الاثني عشر عند الإمامية ، وهو المعروف عندهم بالمهدي ، وصاحب الزمان ، والمنتظر ، والحجّة ، وصاحب السرداب . ولد في سامراء ، ومات أبوه وله من العمر نحو خمس سنين ، ولما بلغ التاسعة أو العاشرة أو التاسعة عشر دخل سرداباً في دار أبيه ولم يخرج منه .
قال ابن خلكان : والشيعة ينتظرون خروجه في آخر الزمان من السرداب بـ سرّ من رأى»(2).
إنّ الشيعة لا تنتظر خروج الإمام المصلح من السرداب في سامراء ، وإنما تنتظر خروجه من بيت الله الحرام، وقد أشرنا إلى ذلك ودللنا عليه في كثير من بحوث هذا الكتاب.
قال البيهقي الشافعي : «اختلف الناس في أمر المهدي ، فتوقف جماعة وأحالوا العلم إلى عالمه ، واعتقدوا أنه واحد من أولاد فاطمة بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)» .
وأضاف يقول : «ولا امتناع في طول عمره ، وامتداد أيامه كعيسى بن مريم والخضر»(1).
قال الحسين صاحب التفسير : «محمد بن الحسن العسكري الإمام الثاني عشر من الأئمة الاثني عشر ، كنيته أبو القاسم ، ولادته في سر من رأى»(2).
قال الشعراني : «المبحث الخامس والستون : في بيان جميع شروط الساعة التي أخبر بها الشارع (صلی الله علیه و آله و سلم) حق لا بد أن تقع كلّها قبل قيام الساعة ، وذلك كخروج المهدي (علیه السّلام)، ثم الدجال ، ثمّ نزول عيسى ، وخروج الدابة ، وطلوع الشمس من مغربها ، وفتح سد يأجوج ومأجوج ، حتى لو لم يبق من الدنيا إلا مقدار يوم واحد لوقع ذلك كله»(3).
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي : «إنّ المهدي الموعود هو الإمام الثاني عشر من الأئمة ، أولهم سيدنا على (علیه السّلام)، وآخرهم المهدي»(4)
وممن نص على ولادة الإمام (علیه السّلام) ووجوده الحافظ محمد بن محمد البخاري
من أعيان علماء الحنفية ، قال : «وأبو محمد - والد الإمام - ولده محمد رضي الله عنهما ، معلوم عند خاصة خواص أصحابه ، وثقات أهله»(1)، ثم ذكر كيفية ولادة الإمام المنتظر (علیه السّلام).
قال السيد أحمد زيني دحلان في الرد على المعتقدين بأن المهدي العباسي هو الإمام المنتظر ، قال : «والحاصل أن الذي تقتضيه الأحاديث النبوية ، وصرّح العلماء أنّ المهدي المنتظر إلى هذا الوقت لم يظهر ، وذكروا له علامات كثيرة بعضها مضى وانقضى ، وبعضها باق لم يظهر ، ومن أظهر علاماته أنه يصلحه الله في ليلة ، وأنّه من ولد فاطمة».
وأضاف يقول : «لكن من المقطوع به أنّه لا بدّ من ظهوره»(2).
هذه بعض الكلمات التي أدلى بها كبار علماء السنة والجماعة في ولادة الإمام المهدي (علیه السّلام) ، وحتمية ظهوره .
وذكر المحقق الشيخ حسين النوري في كتابه (كشف الأستار) أربعين عالماً ومحققاً من علماء السنّة الذين يؤمنون بوجود الإمام المنتظر ، وضرورة ظهوره .
وذكر الفاضل الأستاذ الحاج علي محمد علي دخيل أسماء مائة وأربعة وأربعين كتاباً تعرضت للإمام المهدي (علیه السّلام) ، وجلّها لعلماء أهل السنة(3).
وألف علماء المسلمين كوكبة من الكتب القيمة في الإمام المهدي (علیه السّلام)، وقد عرضت لمعظم شؤونه ، وإلى ما أثر عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في حقه ، ومن الجدير بالذكر أنّ ما ألفه علماء السنّة في الإمام أكثر ممّا ألّفه علماء الشيعة ، وهذه بعضها :
1 - إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون / أحمد بن صديق البخاري ، مطبعة الترقي - دمشق .
2 - الأحاديث القاضية بخروج المهدي / محمد بن إسماعيل الصنعاني . ذكره صدیق حسن في كتاب الإذاعة .
3- الأحاديث الواردة في المهدي في ميزان الجرح والتعديل / عبد العليم ابن عبدالعظيم ، وهي رسالة ماجستير قدمت بجامعة أم القرى (مكة المكرمة)(1).
4 - أخبار المهدي / عباد بن يعقوب الرّواجني (المتوفى سنة 250 هـ)(2).
أربعون حديثاً في المهدي / أبو العلاء الهمداني .
أربعون حديثاً في المهدي / الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبدالله الاصفهاني.
7 - ارتقاء الفرق / السخاوي (المتوفى سنة 902هـ) ، ذكره في كتابه المقاصد.
8 - الإشاعة لأشراط الساعة / البرزنجي (المتوفى سنة 1103هـ) .
9 - الإمام المهدي / الفاضل الحاج عليّ محمّد علي دخيل ، مطبعة الآداب - النجف الأشرف .
10 - بحث حول المهدي / الإمام محمد باقر الصدر .
11 - البحور الزاخرة في علوم الآخرة / محمد ابن الحاج أحمد الحنبلي (المتوفى سنة 188هـ) .
12 - البرهان في علامات مهدي آخر الزمان / الشيخ علي بن حسام المشهور بـ(المتقي الهندي) . يقع في جزئين، وقد حققه وعلّق عليه : جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين ، وقد طبعته شركة ذات السلاسل - الأردن ، والكتاب جامع شامل لمعظم شؤون الإمام ، وهو من مصادر بحثنا.
13 - بشارة الأنام في ظهور المهدي / مصطفى آل السيد حيدر الكاظمي.
14 - البعث والنشور / البيهقي (المتوفى سنة 458هـ) - مخطوط .
15 - البيان بأخبار صاحب الزمان / أبو عبد الله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي (المتوفى سنة 658هـ) ، وقد عرض بصورة موضوعية وشاملة إلى أحوال الإمام (علیه السّلام)، وقدم له مقدّمة وافية مستوعبة سماحة الحجّة المحقق السيد مهدي الخرسان حفظه الله.
16 - تحديق النظر في أخبار المنتظر / الشيخ محمد بن عبدالعزيز بن مانع (في القرن 14) مخطوط ، توجد نسخة منه بدار الكتب المصرية .
17 - التصريح بما تواتر في نزول المسيح / الكشميري (المتوفى سنة 1352هـ) .
18 - تلخيص البيان في علامات مهدي آخر الزمان / ابن كمال باشا الحنفي (المتوفى سنة 940هـ) .
19 - تلخيص البيان في علامات مهدي آخر الزمان / الشيخ الأقسرائي ، مخطوط بمكتبة عارف حكمت في المدينة المنورة برقم 7/240/62ق .
20 - التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجّال والمسيح / الشوكاني
(المتوفى سنة 1250هـ) . ذكره الشوكاني في تفسيره : فتح القدير : 4397/1 .
21 - الجواب المقنع المحرّر في الرد على من طغى وتجبر بدعوى أن عيسى هو المهدي المنتظر / محمد حبيب الله الشنقيطي .
22 - الخطاب المليح في تحقيق المهدي والمسيح / الشيخ أشرف علي التهانوي ، وهو باللغة الأوردية .
23 - السنن الواردة في الفتن / أبو عمر و عثمان بن سعيد الداني المقرئ (المتوفى سنة 444هـ) - مخطوط .
24 - الشيعة والرجعة / العالم المحقق الشيخ محمّدرضا الطبسي النجفي ، وقد تناول موضوع الإمام المنتظر (علیه السّلام) في الجزء الأول الذي يقع في 462 صفحة ، وقد بحث موضوع الإمام من جميع جهاته ، معتمداً على أوثق المصادر من الشيعة والسنّة .
25 - العرف الوردي في أخبار المهدي / السيوطي (المتوفى سنة 911هـ) ، وهو مطبوع ضمن كتاب الحاوي في الفتاوي للسيوطي.
26 - عقد الدرر في أخبار المنتظر - وهو المهدي (علیه السّلام) / تأليف العلامة يوسف بن يحيى بن على بن عبد العزيز المقدسي الشافعي السلمي ، وقد حققه وراجع نصوصه وعلّق عليه وخرج أحاديثه الشيخ مهيب بن صالح بن عبد الرحمن البوريني ، وقد طبع في مكتبة المنار - الأردن ، وهو كتاب شامل لمعظم جوانب حياة الإمام (علیه السّلام).
27 - العواصم من الفتن القواصم / علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي .
28 - الغيبة / الشيخ المفيد .
29 - الغيبة / حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد حرز الدين ، تحقيق : حفيده
العلّامة الشيخ محمد حسين حرز الدين - مخطوط .
30 - الغَيبة / شيخ الطائفة الشيخ الطوسي.
31 - الغيبة / محمد بن إبراهيم النعماني .
32 - الفتن / نعيم بن حماد المروزي (المتوفى سنة 228هـ) . توجد منه نسخ في الرياض والمدينة ومكة مصوّرة من تركيا ولندن والهند والعراق(1).
33 - فرائد فوائد الفكر في المهدي المنتظر / مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي (المتوفى سنة 1033هـ) مخطوط ، له نسخة في باريس.
34 - القطر الشهدي في أوصاف المهدي / منظومة لشهاب الدين أحمد بن إسماعيل الحلواني الشافعي (المتوفى سنة 1308هـ) .
35 - القول المختصر في علامات المهدي المنتظر / ابن حجر الهيثمي الشافعي (المتوفى سنة 974هـ) - مخطوط.
36 - كمال الدين وتمام النعمة / الشيخ الصدوق .
37 - مختصر الأخبار المشاعة فى الفتن وأشراط الساعة / عبد الله ابن الشيخ ، مطبوع في مطابع الرياض .
38 - المشرب الوردي في مذهب المهدي / ملا علي القاري (المتوفى سنة 1014هـ) . ذكره البرزنجي في أشراط الساعة.
39 - الملاحم / أبو الحسن بن المنادي ، أحمد بن جعفر (المتوفى سنة 336ھ)(2).
40 - الملاحم والفتن / رضي الدين علي بن طاووس .
41 - منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر / العالم الفاضل لطف الله الصافي الگلپایگاني ، وهو من أجود وأوفى ما ألف في الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وقد استوعبت أبحاثه معظم شؤون الإمام (علیه السّلام)، وقد اعتمد على أوثق المصادر الشيعية والسنية .
42 - المنتظر على ضوء الحقائق / محمد حسين الأديب ، المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف .
43 - المهدي / أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (أحد أصحاب الصحاح الستة).
44 - المهدي أو أخبار المهدي / أبو نعيم الاصفهاني (المتوفى سنة 430هـ) - مخطوط .
45 - المُهدي إلى ما ورد في المهدي / شمس الدين محمد بن طولون (المتوفى سنة 953هـ) .
46 - المهدي الموعود / السيد محمد الصدر.
47 - مهدي موعود / علي داواني.
48 - المهدي الموعود المنتظر عند علماء أهل السنة والإمامية / العالم الكبير الشيخ نجم الدین جعفر بن محمد العسكري . يقع في جزئين ، وقد عرض بصورة موضوعية ومفصلة إلى شؤون الإمام (علیه السّلام) مستنداً في ذلك إلى مجموعة من الأخبار المتواترة عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، والأئمة الهداة من أهل البيت (علیهم السّلام)، وقد طبع الكتاب في لبنان طبعته دار الزهراء .
49 - النجم الثاقب في بيان أن المهدي من أولاد علي بن أبي طالب.
50 - الهديّة المهدوية / أبو الرجاء محمد هندي .
وآمن جمهور كبير من الشعراء الملهمين بالإمام المهدي (علیه السّلام)، وأنه حقيقة مشرقة لا بد أن يظهر ، ويضيء آفاق الكون ومعالم الحياة ، ويقيم منهج الله وسنته على مسرح الحياة ، وقد نظم الشعراء في ذلك أروع ما نظم في الأدب العربي ، الأمر الذي يدلل على شيوع الإيمان بوجود الإمام المنتظر وحتمية ظهوره عند جميع جميع الأوساط العلميّة والأدبيّة ، ونحن نعرض لبعضهم :
وآمن شاعر أهل البيت الكميت بن زيد الأسدي (المتوفى سنة 126هـ) بالإمام المهدي (علیه السّلام) كجزء من عقيدته ، وذلك بوحي من أئمة الهدى الذين عاصرهم ، فأشار إلى ذلك في بيتٍ من الشعر له يقول فيه :
مَتى يَقومُ الْحَقُّ فِيكُمْ مَتى *** يَقومُ مَهدِيكُمُ الثاني
أما السيد الحميري (المتوفى سنة 173هـ) فهو الشاعر الملهم ، والهائم بحبّ أئمّة الهدي (علیهم السّلام)، الذي نافح عنهم في أشدّ الظروف قسوةً ، وأكثرها محنة ، وقد تتبع أخبار أسياده ونظمها ببليغ نظمه ، وقد نظم في غيبة الإمام المنتظر وخروجه هذه الأبيات :
وَكَذا رَوَيْنا عَنْ وَصِيَّ مُحَمَّدٍ *** وَلَمْ يَكُ فِيما قالَهُ بِالْمُكَذِّبِ
بِأَنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ يُفْقَدُ لَا يُرَى *** سنينَ كَفِعْلِ الْخَائِفِ الْمُتَرَقِّب
وَيَقمُ أموالَ الْعُقودِ كَأَنَّما *** تَضمَّنَهُ تَحْتَ الصَّفيحَ الْمُنَصَّبِ
فَيَمْكُثُ حَيّاً ثُمَّ يَنبَعُ نَبعَةٌ *** كَتَبِعَةِ دُرِّيٌّ مِنَ الْأَرْضِ يُوهَبِ
لَهُ غَيْبَةٌ لَابُدَّ أَن سَيَغِيبُها *** فَصَلَّى عَلَيْهِ اللهُ مِن مُتَغيب مُتَعَيِّبِ
أما دعبل الخزاعي (المتوفى سنة 246هـ) شاعر المظلومين والمضطهدين . فقد اعتقد اعتقاداً جازماً بحتمية ظهور الإمام المهدي (علیه السّلام)، وأنه ضرورة إسلامية ، فقد أعلنه الرسول الأعظم وبقيّة أوصيائه العظام الذين عاشرهم دعبل ، وقد تلا قصيدته الرائعة التي هزت أعماق الإمام الرضا (علیه السّلام)، وقد تضمنت خروج الإمام المهدي ، يقول :
فَلُولَا الَّذِي أَرْجُوهُ فِي اليَومِ أَوْ غَدٍ *** تَقَطَّعَ قَلبي الرَكُم حَسَراتِ
خُروجُ إِمَامٍ لَا مَحالَةَ خارِجٌ *** يَسيرُ عَلَى اسمِ اللهِ وَالْبَرَكَاتِ
يُمَيَّزُ فينا كُلَّ حَقٌّ وَبَاطِل *** ويجزي عَلَى النَّعَماءِ وَالنَّقِماتِ
وبادر الإمام الرضا (علیه السّلام) يعزز فيه هذه الفكرة قائلا له : يا دِعبلُ ، نَطَقَ رُوحُ الْقُدُسِ عَلَىٰ لِسانِكَ ، أَتَعْرِفُ مَن هذَا الْإِمَامُ ؟
وسارع دعبل قائلاً : لا ، إلا أني سمعت خروج إمام منكم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً .
وزاده الإمام توضيحاً وتعريفاً بالإمام المنتظر :
إِنَّ الْإِمَامَ بَعْدِي ابْني مُحَمَّدٌ ، وَبَعْدَ مُحَمَّدٍ ابْنَهُ عَلِيٌّ ، وَبَعْدَ عَلِيَّ ابْنُهُ الْحَسَنُ ، وَبَعْدَ الْحَسَنِ ابْنُهُ الْحُجَّةُ الْقَائِمُ وَهُوَ الْمُنْتَظَرُ فِى غَيْبَتِهِ فَيَمَلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدلاً كَمَا مُلِئَتْ جوراً وَظُلماً .
وَأَمَّا مَتى يَقومُ ، فَإِخْبَارٌ عَنِ الْوَقْتِ ، لَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) أَنَّهُ قالَ : مَثَلُهُ كَمَثَلِ السَّاعَةِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةٍ.
يشيد الشهيد السعيد زيد بن علي (علیه السّلام) بأهل البيت (علیهم السّلام)، فهم سادة قريش ، ومركز الحق ،والنور ، فمنهم خاتم الأنبياء محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، وخاتم الأوصياء الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف):
نَحْنُ ساداتُ قُرَيْشٍ وَقَدَامُ الْحَقِّ فينا *** نَحْنُ أَنوار الى مِنْ قَبْلِ كَونِ الْخَلْقِ كُنا
نَحْنُ مِنَا الْمُصْطَفى الْمُخْتارُ وَالْمَهْدِيُّ مِنا *** فَبِنا قَدْ عُرِفَ اللهُ وبِالْحَقِّ أَقَمْنا(1)
أما الورد بن زيد الأسدي فهو كأخيه الكميت في شدّة ولائه وإخلاصه لأئمة أهل البيت (علیهم السّلام)، وقد تشرف بمقابلة الإمام أبي جعفر محمد الباقر (علیه السّلام)، وتلا عليه قصيدته التي يمدح فيها الإمام ، وعرض في آخرها إلى الإمام المنتظر (علیه السّلام)، قال :
مَتَى الوليد بسامرا إذا بنيت *** يبدو كَمَثَلِ شِهابِ اللَّيلِ طَلاع
حَتَّى إِذَا قَذَفَتْ أَرضُ الْعِرَاقِ بِهِ *** إِلَى الْحِجَازِ ناخوهُ بِجَعَجاعِ
وَغَابَ سَبْتاً وَسَبْتاً مِنْ وِلَادَتِهِ *** مَعَ كُلِّ ذِي جَوبِ لِلْأَرْضِ قَطَاعِ
لا يَسْأَمونَ بهِ الْجَوابَ قَدْ تَبعوا *** أَسْباطَ هارونَ كَيْلَ الصّاعِ بِالصّاعِ
شَبيه موسى وعيسى في مَغابِهِما *** لَوْ عَاشَ عُمَريهِما لَمْ يَنْعَهُ ناعِ
1) أعيان الشيعة : 23 : 71.
نَتِمَّةُ النُّقباءِ الْمُسْرِعينَ إِلَى *** مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ كانوا خَيْرَ سُرَاع
أَوْ كَالْعُيونِ الَّتِي يَوْمَ الْعَصا انْفَجَرَت *** فانصاعَ مِنها إِلَيْهِ كُلُّ منصاع
إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ رُؤيَا فَادرُكَهُ *** حَتَّى حتى أكونَ لَهُ مِن خَيْر أتباع
بذاك أَنبأَنا الراوونَ عَنْ نَفَرٍ *** مِنْهُمْ ذَوِي خَشيَةٍ لِلهِ طُوَاعِ
رَوَتهُ عَنْكُمْ رُواةُ الْحَقُّ ما شَرَعَت *** آباؤُكُمْ خَيْرَ آبَاءِ وَشُرَاع(1)
وحكت هذه المقطوعة من الشعر ما سمعه الشاعر من أخبار الإمام المهدي (علیه السّلام) قبل أن يولد ، فقد سم ذلك من الأئمة الطاهرين الذين كانت علومهم امتداداً لعلوم جدهم الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)، فقد ورثهم العلم والحكمة وفصل الخطاب.
لقد أخبر الشاعر عن بناء سرّ من رأى قبل أن تبنى ، وأنّ الإمام المنتظر (علیه السّلام) سيولد فيها ، وأنّه سلام الله عليه سيغيب عن الأبصار، وأنّه في سلوكه يضارع أنبياء الله العظام، فهو يشبه نبي الله موسى ، ونبي الله عيسى في في غيابهما ... وقد تحقق جميع ذلك.
وكان مصعب بن وهب النوشجاني معاصراً للإمام الرضا (علیه السّلام)، وقد أعرب في مقطوعة له عن إيمانه بجميع الأئمة الاثني عشر (علیهم السّلام)، ومن جملتهم الإمام المهدي (علیه السّلام)، وذلك قبل أن يولد الإمام (علیه السّلام) يقول :
فَإِن تَسْأَلاني ما الَّذي أنا دائِنٌ *** بِهِ فَالَّذِي أَبديهِ مِثلُ الَّذي أُخْفي
أدينُ بِأَنَّ اللهَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ *** قَوِيٌّ عَزِيزٌ بَارِئُ الْخَلْقِ مِن ضَعَفِ
وَإِنَّ رَسولَ اللهِ أَفْضَلُ مُرْسَلٍ *** بِهِ بَشَّرَ الْمَاضِونَ فِي مُحْكَمِ الصُّحُفِ
1) مقتضب الأثر : 46 .
وَإِنَّ عَلِيّاً بَعدَهُ أحدُ عَشْرَة *** مِنَ اللَّهِ وَعْدٌ لَيْسَ فِي ذَاكَ مِنْ خُلفِ
أنمتُنا الهادونَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ *** لَهُمْ صَفْوَ وَدَي مَا حَييتُ لَهُمْ أَصفى
نَمانِيةٌ مِنْهُمْ مَضَوا لِسَبيلِهِمْ وَأَرْبَعَةٌ يُرجَونَ لِلعَدَدِ الْمُوفِ(1)
ومحمد بن إسماعيل الصيمري من خيار الشيعة ، وقد تشرف بمقابلة الإمام الحسن العسكري ، وذلك بعد وفاة أبيه الإمام الهادي (علیه السّلام)، وقد ابنه بقصيدة وعرض فيها إلى الإمام المهدي (علیه السّلام). يقول :
عَشرُ نُجومِ أَفِلَت في فلكها *** ويطلعُ اللَّهُ لَنا أَمْثَالَها
بِالْحَسَنِ الْهَادِي أَبِي مُحَمَّدٍ *** تَدرُكُ أَشْياعُ الْهُدى آَمَالَها
وَبَعْدَهُ مَنْ يُرْتَجى طُلوعُهُ *** يَظلُّ جَوَابَ الْفَلَا جَزَالَها
ذو الْغَيْبَتَيْنِ الطول الْحَقِّ الَّتي *** لَا يَقبلُ الله من استطالها
يا حُجَجَ الرَّحْمَنِ إِحْدَى عَشْرَةِ *** آلتْ بِثاني عَشرَها لَمَالَها(2)
من أصحاب الإمام الرضا (علیه السّلام) علي بن أبي عبد الله الخوافي ، ولما فجع العالم الإسلامي بوفاة الإمام الرضا ورثاه شعراء عصره كان عليّ ممّن رثاه ، وقد تعرّض في قصيدته إلى الإمام المهدي (علیه السّلام) ، يقول :
في كُلِّ عَصْرِ لَنَا مِنكُمْ إمامُ هُدى *** فَربعُهُ آهِلٌ مِنْكُمْ وَمَأْنوسُ
أَمْسَت نُجومُ سَماءِ الدِّينِ آفِلَةٌ *** وَظَلَّ أَسْدُ الشَّرى قَد ضَمَّها الْخِيسُ
غابَت ثَمَانِيَةٌ مِنْكُمْ وَأَرْبَعَةٌ *** يُرجى مَطالِعُها ما حَنَتِ الْعِيسُ
حتَّى مَتى يَظْهَرُ الْحَقُّ الْمُنيرُ بكُمْ *** فَالْحَقُّ فِي غَيْرِكُمْ دَاجٍ وَمَطْمُوسُ(1)
ويتطلع هذا الشاعر بفارغ الصبر ظهور الإمام (علیه السّلام) ليشفي غليله من أعداء الله الذين انتهكوا جميع الحرمات ، وكادوا الإسلام في غلس الليل وفي وضح النهار .
وممّن آمن بالإمام المنتظر (علیه السّلام) ويترقب ظهوره الشاعر القاسم بن يوسف ، قال :
إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَنالَهُمُ *** مِنِّي يَدٌ تَشْفِي جَوَى الصَّدْرِ
بِالقائم الْمَهْدِيَّ إِنْ عَاجِلاً *** أَوْ أَجِلاً إِن مُدَّ في العُمْرِ
أَوْ يَنْقَضِي مِن دونِهِ أَجَلي *** فَاللَّهُ أَوْلى فيهِ بِالْعُذر(2)
ويتطلّع هذا الشاعر بفارغ الصبر ظهور الإمام (علیه السّلام) ليشفي غليله من أعداء الله الذين انتهكوا جميع الحرمات، وكادوا الإسلام في غلس الليل وفي وضح النهار .
أما ابن الرومي (المتوفى سنة 283هـ) فهو من ألمع شعراء عصره، وقد بكى الشهيد الخالد يحيى العلوي الذي استشهد من أجل المظلومين والمضطهدين، وثار في وجه الظلم والاستبداد ، وقد رثاه بقصيدة عصماء.
وقد عرض فيها لظهور الإمام المهدي (علیه السّلام)، وهدد به ولاة الجور من حكام بني العبّاس . يقول :
غُرِرتُمْ إِذا صَدَّقْتُم أَنَّ حالَةٌ *** تَدومُ لَكُمْ وَالدَّهْرُ لَوْنانِ أَخْرَجُ(1)
لَعَلَّ لَهُمْ فِي مُنطَوِي الْغَيْثِ ثائِراً *** سَيَسْمو لَكُمْ وَالصُّبْحُ فِي اللَّيْلِ مُولَجُ
بِجَيْشِ تَضيقُ الْأَرْضُ مِنْ زَفَراتِهِ *** لَهُ زَجَلٌ يَنْفى الوحوش وَهُزْمَجُ(2)
إذا شِيمَ بِالْأَبْصَارِ أَبْرَقَ بَيْضُهُ *** بَوارِقَ لَا يَسْطيعُهُنَّ الْمُحَمَّجُ(3)
المحمج : من يحدق نظره ، أي لا يستطيع النظر إليها لشدّة لمعانها.
نَوامِضُهُ شَمْسُ الضُّحى فَكَأَنَّما *** يُرى الْبَحْرُ فى أَعْراضِهِ يَتَمَوَّجُ
لَهُ وَقْدَةٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَبَيْنَهُ *** تُلِمُ بِهِ الطَّيْرُ الْعَوافِي فَتَهرَجُ(4)
إذا كُرُ فى أَعْراضِهِ الطَّرفُ أَعْرَضَت *** جراجٌ تَحارُ الْعَيْنُ فِيها فَتَحرَجُ(5)
يُؤيّدُهُ رَكْنَانِ ثَبْتان رَجُلَةٌ *** وَخَيْلٌ كَأَرْسالِ الْجَرَادِ وَأَوْثَجُ(6)
عَلَيْها رِجالٌ كالليوثِ بَسَالَة *** بِأَمْثَالِهِمْ يُثَنَى الْأَبِيُّ فَيُعْنَجُ(7)
ويستمر ابن الرومي في قصيدته فيصف منعة الإمام وبسالة جيشه الذي يخلص
1) الأخرج : ذو لونين: أبيض وأسود .
2) الهزمج : اختلاط الأصوات .
3) شیم: نظر . البيض : ما يلبس من الحديد على الرأس في الحرب . بوارق : أي ذات لمعان .
4) الوقدة : شدّة الحرّ.
5) الطرف البصر . أعرضت : اعترضت الحراج : مجمع الشجر . تحرج : أي لا تستطيع العين أن تطرف .
6) الرجلة : جمع راجل. الأرسال : القطيع . أوثج : كشف.
7) مقاتل الطالبيين : 654 - 655 .
له ويطيعه ، وأنه سوف يأخذ بثأر آبائه الذين حصدت رؤوسهم أيدي الظالمين من الأمويين وإخوانهم العباسيين ، وأنه (علیه السّلام) إذا ظهر سوف يدك قلاع الظلم ، وينسف حصون الجور.
ووصف يحيى بن أعقب الإمام المنتظر (علیه السّلام) كما وصف منهج حكمه الذي يأمن به المظلومون ، وتقام فيه المعطلة من حدود الله ، يقول :
أَسْمَرُ اللَّوْنِ، مُشْرِقُ الْوَجْهِ *** مَليحُ الْبَهَا، طَرِيَاً جَنِيّا
يُظْهرُ الْحَقَّ وَالْبَراهينَ وَالْعَدْلَ *** فَتَلقَى إذاً إماماً عَليّا
وَتُطِيعُ الْبِلَادُ مِنْ مَشْرِقِ الْأَرْضِ *** إِلَى الْمَغربين طَوْعاً جَلِيًا
وَتَرَى الذَّنْبَ عِنْدَهُ الشَّاةُ تَرْعَى *** ذاكَ بِالْعَدْلِ وَالْأَمانِ حَفِيًا
يَحْكُمُ الْأَرْبَعينَ فِي الْأَرْضِ مُلْكاً *** وَيُوفّي كُلِّ حَيٍّ وَفِيًا(1)
مدح الفضل بن روزبهان (المتوفى سنة 1279هـ) الأئمة الطيبين بقصيدة ، وعرض المدح الإمام المنتظر (علیه السّلام). يقول :
سَلَامٌ عَلَى الْقائِمِ الْمُنْتَظَرِ *** أَبِي الْقاسِمِ الْقَرمِ نورِ الْهُدى
سَيَطْلُعُ كَالشَّمْسِ فِي غَاسِقٍ *** يُنْجِيهِ مِن سَيْفِهِ الْمُنْتَقى
سَلَامٌ عَلَيْهِ وَآبَائِهِ *** وَأَنْصارِهِ ما تَدومُ السَّما(2)
ويُعدّ عبد الرحمن البسطامي من الشعراء الذين آمنوا بالإمام المنتظر (علیه السّلام)، وقد استند إيمانه إلى ما روي عن الإمام الرضا (علیه السّلام) من حتميّة ظهور الإمام المهدي (علیه السّلام)، وإلى علم الحرف الذي أكّد ذلك . يقول :
وَيَظْهَرُ مِيمُ الْمَجْدِ مِنْ آلِ أَحْمَد *** وَيَظْهَرُ عَدْلُ اللهِ فِي النَّاسِ أَوَّلا
كَما قَدْ رَوَيْنا عَنْ عَلِيٍّ الرّضا *** وَفِي كَنْزِ عِلْمَ الْحَرْفِ أَضْحَى مُحَصَّلَا
وَيَخرجُ حَرفُ الْمِيمِ مِنْ بَعدِ شِينِهِ *** بِمَكَّةَ نَحْوَ الْبَيْتِ بِالنَّصْرِ قَدْ عَلَا
فَهَذَا هُوَ الْمَهْدِيُّ بِالْحَقِّ ظَاهِرٌ *** سَيَأْتِي مِنَ الرَّحْمَنِ لِلْخَلْقِ مُرْسَلَا
وَيَمْلَأُ كُلَّ الْأَرْضِ بِالْعَدْلِ رَحْمَةً *** وَيَمْحو ظَلَامَ الشِّرْكِ وَالْجَوْرِ أَوَلَا
وَلا يَتُهُ بِالْأَمْرِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ *** خَلِيفَةُ خَيْرُ الرُّسِلِ مِنْ عالِم الْعَلَا(1)
وقال أيضاً :
هَيْهاتَ مَمْرُوجٌ بِلَحْمِي وَدَمي *** حُبُّهُمْ وَهُمُ الْهُدى وَالرُّشْدُ
حَيْدَرَةُ وَالْحَسَنانِ بَعدَهُ *** ثُمَّ عَلِيٌّ وابنهُ مُحَمَّدُ
وَجَعْفَرُ الصَّادِقُ وَابْنُ جَعْفَرٍ ***موسى وَيَتْلُوهُ عَلِيُّ السَّيِّدُ
أَعْنى الرّضا ثُمَّ ابْنُهُ مُحَمَّدُ *** ثُمَّ عَلِيُّ ابْنُهُ الْمُسَدَّدُ
وَالْحَسَنُ التّالي وَيَتْلُو تِلُوهُ *** مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُفْتَقَدُ
فَإِنَّهُمْ أَئِمَّتِي وَسادَتي *** وَإِنْ لَحانِي مَعْشَرٌ وَفَنَّدوا(2)
أبو الغوث المنبجي يمدح الأئمة الأطهار، ويعظم مولد الإمام الحجّة (عجل الله تعالی فرجه الشریف):
هُمْ حُجَجُ اللَّهِ اثْنَي عَشْرَةَ مَتى *** عَدَتَهُمْ فَثَانِي عَشَرِهِمْ خَلَفُ الْحَادِى
بِميلادِهِ الْأَنْباءُ جَاءَتْ شَهِيرَةٌ *** فَأَعْظِمْ بِمَولودٍ وَأَكْرِمْ بِميلادِ(1)
واعتقد ابن أبي الحديد (المتوفى سنة 655هـ) بالإمام المهدي (علیه السّلام) وحتمية ظهوره ليقيم دولة العدل والحق ، وتمنّى أن تكون أسرته من جيش الإمام والمدافعين عنه ، يقول :
لَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِن *** مَهْدِيكُمْ وَلِيَوْمِهِ أَتَوَقَّعُ
يَحْمِيهِ مِنْ جُنْدِ الْإِلَهِ كَتَائِبٌ *** كَالْيَمَ أَقْبَلَ زاخِراً يَتَدفَعُ
فيها لِآلِ أَبِي الْحَدِيدِ صَوارِمٌ *** مَشْهورَةٌ وَرِماحُ خَطِّ شُرَّع(2)
من الشعراء الذين آمنوا بالإمام المهدي (علیه السّلام) وحتميّة ظهوره الشاعر عامر البصري ، يقول :
إِمَامُ الْهُدَى حَتَّى مَتَى أَنْتَ غَائِبٌ *** فَمُنَّ عَلَيْنا يا أبانا بِأَوْبَةِ
تَراءت لنا راياتُ جَيْشِكَ قادماً *** فَفَاحَتْ لَنَا مِنْها رَوائِحُ مِسْكَةِ
وَبَشِّرِتِ الدُّنْيا بِذلِكَ فَاغْتَدَت *** مَباسِمُها مُفْتَرَّةٌ عَنْ مَسَرَّةِ
مَلَلنا وَطالَ الانْتِظارُ فَجُدْ لَنا *** بِرَبِّكَ يا قُطْبَ الوجودِ بِلُقْيَةِ
قال أبو المعالي صدرالدين القونوي واصفاً الإمام المنتظر (علیه السّلام) ، ومترقباً ظهوره ليقيم معالم الدين، ويشيد صروح العدل والحق بين الناس ، قال :
يقومُ بِأَمْرِ اللهِ في الْأَرْضِ ظَاهِراً *** عَلى رغم شَيْطانَين يَمْحَقُ لِلْكُفْر
يُؤيَدُ شَرعَ الْمُصْطَفَى وَهوَ خَتمُهُ ***وَيَمْتَدُّ مِنْ ميمٍ بِأَحْكامِها يَدري
وَمُدَّتُهُ ميقاتُ مُوسى وَجُنْدِهِ *** خيارُ الْوَرى فِي الْوَقْتِ يَخْلُو عَنِ الْحَصْرِ
عَلى يَدِهِ مَحْقُ اللنام جَميعِهِمْ *** بِسَيْفِ قَوِي الْمَنْنِ عَلَّكَ أَنْ تَدْري
حقيقَةُ ذاكَ السَّيْفِ وَالْقائِمِ الَّذي *** تعينَ لِلدِّينِ الْقَويمِ عَلَى الْأَمْرِ
لَعَمْرِي هُوَ الْفَرْدُ الَّذي بانَ سِرُّهُ *** بِكُلِّ زَمَانٍ فِي مَضاءٍ لَهُ يَسْري
تَسَمَى بِأَسْمَاءِ الْمَرَاتِبِ كُلُّها *** خَفاءً وَإِعْلَانَا كَذاكَ إِلَى الْحَشْرِ
أَلَيْسَ هُوَ النُّورُ الْأَتَم حَقيقَةٌ *** وَنُقْطَةُ ميمٍ مِنْهُ إِمْدادُها يَجْري
يَفيضُ عَلَى الْأَكْوانِ ما قَدْ أَفاضَهُ *** عَلَيْهِ إِلهُ الْعَرْشِ في أَزَلِ الدَّهْرِ
فَما ثَمَّ إِلَّا الْمِيمُ لَا شَيْءَ غَيْرَهُ *** وَذو الْعَيْنِ مِنْ نُوَابِهِ مُفْرَدُ الْعَصْرِ
هُوَ الرّوحُ فَاعلَمهُ وَخُذْ عَهْدَهُ إذا *** بَلَعْتَ إِلى مَدَّ مَديدٍ مِنَ الْعُمْرِ
كَأَنَّكَ بالمَذكور تَصْعَدُ راقياً *** إلى ذَرْوَةِ الْمَجْدِ الأَثيلِ عَلَى الْقَدْرِ
وَما قَدَرُهُ إِلَّا أُلُوفٌ بِحِكْمَةٍ *** عَلَى حَدٌ مَرسوم الشَّريعَةِ بِالْأَمْرِ
بذا قالَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فَاكْتَفِي *** بِنَبِّهِمُ الْمَثبوتُ في الصُّحُفِ الرُّبرِ
فَإِنْ تَبْغ ميقات الظَّهورِ فَإِنَّهُ *** يَكونُ بدَورِ جامِعِ مَطْلَعَ الْفَجْرِ
بِشَمْسٍ تَمُدُّ الْكُلَّ مِنْ ضَوءِ نورِها *** وَجَمَعَ داري الْأَوْج فيها مَعَ الْبَدْرِ(1)
وحكى شعره بعض علامات الظهور اعتماداً على علم الحرف وغيره من العلوم التي أثرت عن أئمة الهدى (علیهم السّلام).
العلامة أبو طلحة الشافعي ينظم بما قاله رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من الأخبار عن الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف) بأنّه منهج الحق والعدل في الأرض :
فَهذا الْخَلَفُ الْحُجَّةُ قَدْ أَيَّدَهُ اللهُ *** هَدانا مَنْهَجَ الْحَقِّ وَآتَاهُ سَجاياه
وَأَعْلى في ذُرى الْعَلْياءِ بِالتأييدِ مَرْقَاهُ *** وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ قَوْلاً قَدْ رَوَيْناهُ
وَذُو الْعِلْم بما قالَ إِذا أَدْرَكَ مَعْناهُ *** يَرى الْأَخْبَارَ فِي الْمَهْدِيَّ جَاءَ تَبِمَسماه(2)
وآمن أبو الحسن جمال الدين الملقب بـ«الخليعي» (المتوفى حدود سنة 750هـ) بالإمام المنتظر (علیه السّلام)، وقال في قصيدة له يتشوّق إلى ظهوره :
طلابُ الْعُلى بالسَّمْهَرِي الْمُقَوِّمِ *** وَضَربُ الطَّلى مَرْمَى إِلى كُلِّ مَغْنَم
وَضَرْبَةُ عَصْبٍ بِاتِرِ الْحَدَّ مُرْهَفٍ *** وَصَهْوَةً مُهْرٍ أَعْوَجِي مُطَهُم
ألا في سَبيل اللهِ نَفْسٌ تَقَدَّمَتْ *** وتاقَتْ إِلى نَصْرِ الْإِمَامِ الْمُعَظَّم
إلى نَصْرِ مِغوار طويل نجاده *** عَلَى فَتْكِ أَعْداءِ الْإِلهِ مُصَمِّمِ
إِلَى الْقَائِمِ الْمَهْدِيَّ مِنْ آلِ أَحْمَد *** إِلَى الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى إِلَى الْبَطَلِ الْكَمِي
کریم نجاد طالبي مناسب *** إلى ذَرْوَةِ الْمَجْدِ الْحُسَيْنِي يَنتْمِي
مَناقِبُ جَلَّتْ أَنْ تُعَدَّ لِواصِف *** فَبِالْعَقْلِ لَا تُحْصى وَلَا بِالتَّوَهُم
يَقومُ مَعَ الرُّكْنِ الْيَماني قانِتاً *** يَؤُمُ بِروح الله عيسى بنِ مَرْيَمِ
وَمِنْ حَوْلِهِ غُرُ الْمَلَائِكَ عُكَفٌ *** وَأَنْصارُهُ مِنْ كُلِّ أَشْوَس مُعْلِّم
وَيَسْرى وأَسدُ الْعَابِ حَوْلَ رِكابِهِ *** إِلَىٰ مَنْهَجٍ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ أَقْوَمِ(1)
وممّن نظم في الإمام المهدي (علیه السّلام) السيد علي خان الموسوي الحويزي ، قال :
أَوَقائِمٌ مَهْدِيُّ جَبَارِ السَّمَاءِ *** مَهدِيَ الوَرَىٰ مِنْ لَيْلِ جَهْلٍ عَاسِقِ
ذي حَمَلَةٍ إِنْ هَالَ يَوْمٍ كَرِيهَةٍ *** لَمْ يَخشَ خَوضَ بَواسِلٍ وَبَوارِقِ
لِلْمَالِ أَكْرَمُ واهِبٍ لِلدِّينِ أَحْسَنُ *** ناشِرِ لِلْفِتَنِ أَعْظَمُ راتِقِ
تشتاقُ صُحْبَتُهُ نابيبَ القَنا *** وَلَهُ حَنينُ سوابِع وَسَوابِقِ
الخُضْرُ حاجِبُهُ وعيسى تِلُوهُ *** يَتْلُوهُ بَيْنَ عَوالِم وخوالق
ذي سيرَة نَبَوِيَّةٍ مِنْ عَدْلِها *** لَمْ يَخْشَ لَيْثُ الْغَابِ قَلْبَ الناهِقِ
اللهُ يُظهِرُهُ وَيُدنى وَقْتَهُ *** فَعَسَى يَطِيبُ بِهِ فُؤادُ الوامِقِ
أمّا بهاء الدين العاملي محمد بن الحسين (المتوفى سنة 1031هـ) ، فهو ألمع
1) منن الرحمن : 2 : 230.
شخصية علمية في عصره ، ومن أكابر علماء الشيعة ، وقد ألف في مختلف الفنون والعلوم ، كالفقه والتفسير والهيئة والفلك والحساب والهندسة والجفر والرمل وغيرها ، وله شعر رائع في الإمام المنتظر (علیه السّلام) كان منه هذه القصيدة الرائعة التي أسماها (وسيلة الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان) ، وهذا نصها :
سَرَى الْبَرْقُ مِنْ نَجْدٍ فَجَدَّدَ تِذْكَاري *** عهوداً بِحَزوى وَالْعُذِيبِ وَذِي قَارِ
وَهَيَّجَ مِنْ أَشْواقِنا كُلّ كَامِن *** وَأَجَجَ في أَحْشائِنَا لَاعِجَ النَّارِ
أَلَا يا لليلات الغويرِ وَحاجِرٍ *** سُقيتِ بِهَطَالٍ مِنَ الْمُزْنِ مِدرارِ
ويا جيرةٌ بِالْمَأْزمين خيامُهُمْ *** عَلَيْكُمْ سَلَامُ اللهِ مِنْ نازِحِ الدّارِ
خَليلَيَّ ما لي وَالزَّمَانِ كَأَنَّما *** يطالبني في كُلِّ وَقْتٍ بِأَوْتَارِ
فَأَبْعَدَ أَحْبَابِي وَأَخْلَى مَرابِعي *** وَأَبْدَلَني مِنْ كُلَّ صَفْوِ بِأَكْدارِ
وَعادَلَ بي مَنْ كانَ أَقْصَى مَرامِهِ *** مِنَ الْمَجْدِ أَنْ يَسمو إلى عُشْرِ مِعْشَارِ
أَلَمْ يَدِرٍ أَنِّي لَا أُذلُّ لِخَطِهِ *** وَإِنْ سَامَني خَسْفاً وَأَرْخَصَ أَسْعَارِي
مَقامي بِفَرْقِ الْفَرْقَدَينِ فَمَا الَّذِى *** يُؤْثُرَهُ مَسْعَاهُ فِي خَفْضِ مِقْداري
وَإِنِّي امرؤٌ لَا يُدْرَكُ الدَّهْرُ غايَتِي *** وَلَا تَصِلُ الْأَيْدِي إِلَى سَبْرِ أَغْواري
وحكت هذه الأبيات شكواه وتذمّره من الزمان الذي أبعده ، وفرق ما بينه وبين أحبته ، فأخلى مرابعه ومجالسه منهم ؛ كما شكا من الدهر الذي ساوى بينه وبين أناس لا يصلون إلى مكانته ولا يبلغون شأوه .
ثم أعرب بعد ذلك عن صلابته وشدّة عزيمته ، وأنه لا يبالي بما صنع به الدهر ، فإنّه لا يدرك غايته ، ولا تصل الأيدي إلى سبر أغواره.
ويستمر البهائي في قصيدته الرائعة ، فيقول :
وَيُصمي فُؤادي ناهدُ النَّدي كاعِبٌ *** بِأَسْمَر خَطَارٍ وَأَحوَرٍ سَحَارِ
وَانّي سَخِيٌّ بِالدموع لوقفة *** عَلى طَلَلٍ بالٍ وَدارِسِ أَحْجارِ
وَما عَلِموا أَنَّي امْرو لَا يَروعُني *** توالى الرزايا في عَشِيَّ وَإِبْكَارِ
وأعرب في البيت الأخير عن قوة شخصيته التي لا يروعها الرزايا والخطوب عليها ، ثمّ يقول :
وَمُعْضِلَةٌ دَهماءُ لَا يَهْتَدى لَها *** طريقٌ وَلَا يُهدى إلى ضوئها الساري
تَشيبُ النَّواصي دونَ حَلّ رُموزها *** وَيَحْجُمُ عَنْ أَغْوارِها كُلُّ مِغوار
أجَلْتُ جياد الفكر في حَلَباتِها *** وَوجَّهتُ تِلْقاها صَوَانبَ أَنظارِي
لقد دهمت الشيخ كارثة دهماء مروعة تشيب من حولها النواصي ، ولا يستطيع أحد حلّ رموزها ، ولنستمع إلى موقفه منها ، يقول :
اأَصْرَعُ لِلْبَلْوَىٰ وَأُغْضِي عَلَى الْقَذَى *** وَأَرضى بِمَا يَرْضَى بِهِ كُلُّ مِخوارِ
وَأَفْرَحُ مِنْ دَهْرِي بِلَذَّةِ سَاعَةٍ *** وَأَقْنَعُ مِنْ عَيْشِي بِقُرْصٍ وَأَطْمَارِ
إذاً لا وَرى زَنْدي وَلَا عَزَّ جانبي *** وَلَا بَزَغَتْ فِي قِمَّةِ الْمَجْدِ أَقْماري
وَلَا انْتَشَرَتْ فِي الْحَافِقِينِ فَضائلي *** وَلَا كَانَ فِي الْمَهْدِي رائقِ أَشْعاري
خَليفَةُ رَبِّ العالَمينَ، فَظله ***على ساكن الغَبْراءِ مِنْ كُلِّ دَيَار
هُمُ الْعُروة الوثقى الذي مَنْ بِذَيْلِهِ *** تمَسَّكَ لا يَخْشَى عَظائِمَ أَوْزارِ
إمامُ هدى لاذَ الزَّمانُ بِظِلُّهِ *** وألقى إِلَيْهِ الدَّهْرُ مِقْوَدَ خَوَارِ
ومعنى هذه الأبيات أنه لن يخضع لما ألم به من نوائب الدهر ، ولا يرضى بما يرضى به الأذلاء وضعاف النفوس من الخنوع للذل والقهر ، وإنما يبقى مصمماً على
إبائه وعزة نفسه .. أنه قد لاذ بإمام العصر - صلوات الله عليه - الذي امتد ظله على جميع سكان الأرض ، ويستمر البهائي في رائعته فيصف سعة علوم الإمام فيقول :
علومُ الْوَرى فى جَنْبِ أَبْحُر عِلْمِهِ *** كَغُرْفَةِ كَفَّ أَوْ كَنَمْةِ مِنْقار
فَلَوْ زارَ إِفْلاطونُ أَعْتابَ قُدْسِهِ *** وَلَمْ يُعَثِهِ عَنْهَا سَواطِعُ أَنوارٍ
رَأى حِكْمَةٌ قُدسِيَّةٌ لَا يَشوبها *** شَوائِبُ أَنْظارٍ وَأَدْنَاسِ أَفْكَارِ
بإشراقها كُلُّ الْعالِمِ أَشْرَقَتْ *** بِمَا لَاحَ فِي الْكَوْنَيْنِ مِنْ نورِهَا السَّارِي
إمامُ الْوَرى طَوْدُ النّهى مَنْبَعُ الْهُدى *** وَصاحِبُ سِرّ الله في هذِهِ الدّارِ
بِهِ الْعالَمُ السُّفْلِي يَسْمو وَيَعْتَلي *** عَلَى الْعالَمِ الْعُلْوِي مِنْ دُونِ إِنْكَارِ
وَمِنْهُ الْعُقُولُ الْعَشْرُ تَبْغِي كَمَالَها *** وَلَيْسَ عَلَيْها في التَّعَلَّم مِنْ عَارِ
هُمَامٌ لَوِ السَّبْعِ الطَّباقِ تَطابَقَتْ *** عَلَىٰ نَقْضِ مَا يَقْضِيهِ مِنْ حُكْمِهِ الْجَارِي
لَنَكَّسَ مِنْ أَبْراجِها كُلَّ شامخ *** وَسَكَنَ مِنْ أَفْلاكِها كُلَّ دَوَارِ
وتحدّث البهائي في هذه الأبيات عن سعة علوم الإمام وشمول معارفه ، وأنّه لا يضارعه أحد في هذه الظاهرة ، وأنّ إفلاطون لو تشرف بمقابلته لرأى من حكم الإمام وقدسيته ما تعنو له الجباه ، وأنّ الدنيا لتسمو بالإمام على سائر العوالم والأكوان .
كما تحدّث البهائي عن أصالة قضاء الإمام (علیه السّلام)، وأنّ السبع الطباق لو تطابقت على نقض حكمه لما استطاعت ، ويستمرّ البهائي في رائعته فيقول :
أَيا حُجَّةَ اللهِ الَّذِي لَيْسَ جَارِياً *** بِغَيرِ الَّذي يَرْضَاهُ سَابِقُ أَفكار
وَيا مَنْ مَقاليدُ الزَّمانِ بِكَفِّهِ *** وناهيكَ عَنْ مَجْدٍ بِهِ خَصَّهُ الْباري
أَغِتْ حَوْزَةَ الْإِيْمَانِ وَاعْمُرُ رُبوعَهُ *** فَلَمْ يَبْقَ مِنْها غَيْرُ دارِس آثارِ
وَأَنْقِذْ كِتابَ اللهِ مِنْ يَدِ عُصْبَةٍ *** عصوا وَتَمادوا في عُتُو وَإِصْرارِ
وَفِي الدِّينِ قَد قاسوا وَعاثوا وَخَبَّطوا *** بارائِهِمْ تَخْبيطَ عَشْواءَ مِعْثار
وَأَنْعَشَ قُلوباً في انْتِظارِكَ فَرَّحَت *** وَأَضْجَرَها الْأَعْداءُ أَيَّةَ إِضْجَارِ
وَخَلَصْ عِبادَ اللهِ مِنْ كُلِّ عَاشِمٍ *** وَطَهَّرْ بِلَادَ اللهِ مِنْ كُلِّ كَفَّار
وَعَجِّلْ فِداكَ الْعالَمونَ بِأَسْرِهِمْ *** وَبادِرْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ إِنْظَارِ
تَجِدْ مِنْ جُنودِ اللهِ خَيْرَ كَتَائِبٍ *** وَأَكْرَمَ أَعْوَانٍ وَأَشْرَفَ أَنْصارِ
وطلب الشيخ البهائي بهذه الأبيات أن يعجل الإمام في ظهوره لينقذ حوزة الإيمان والإسلام من جور الظالمين واستبدادهم ، فقد عاثوا فساداً بجميع مقومات الحياة ، ولنستمع إلى آخر الأبيات من قصيدته ، يقول :
أَيا صَفْوةَ الرَّحْمَنِ دونَكَ مِدْحَةٌ *** كَدُرُ عُقودٍ في تَرانِبِ أَبْكار
يُهَنّى ابنُ هاني إن أتى بنظيرها *** وَيَعْنو لَها الطَّائِيُّ مِنْ بَعْدِ بَشَارِ
إِلَيْكَ الْبَهَائِيُّ الْحَقيرُ يَزُفُها *** كَغانِيَةٍ مَيَاسَةِ الْقَدِّ مِعْطار
تَغارُ إذا قيسَتْ لطافَةُ نَظْمها *** بنَفْحَةِ أَزْهَارٍ وَنَسْمَةِ أَسْحَارِ
إذا رُدَّدَتْ زادَتْ قَبولاً كَأَنها *** أحاديثُ نَجْدٍ لَا تَمِلُ بِتِكْرارِ
وانتهت هذه القصيدة الرائعة ، وهي تدلّ على براعة البهائي وضلوعه في الأدب العربي ؛ إذ ليس في قصيدته كلمة يمجها السمع ، وينفر منها الطبع ، كما دلّت قصيدته على ولائه المطلق ، وإيمانه العميق بالإمام المهدي (علیه السّلام).
الشيخ الحر العاملي (المتوفى سنة 1104هـ) من أعاظم علماء الإمامية ، يذكر في
الأنصار المنظر المُصْلِحُ الأَعْظَة
قصيدته ألقاب الإمام ، وتواتر النص بولادته ، وغيبته ، وخروجه في آخر الزمان بالنص والبرهان :
لَقَبُهُ الْمَهْدِيُّ وَالْمُنتَظَرُ *** وَالْقائِمُ الْمُكَرَّمُ الْمُطَهَّرُ
تواتَرَ النَّص بأنَّهُ وَلَدْ *** مِنَ الْفَرِيقَينِ وَأَنَّهُ وُلِدْ
وَكَمْ رَآهُ رَجُلٌ فَفازا *** إِذْ شَادَهُ الرَّشادُ وَالْإِعْجازا
لذاكَ قَدْ تَواتَرَ الْأَخْبارُ *** بذاكَ وَالأنْباءُ وَالآثار
وَعْابَ غَيْبَتَيْن صُغرى امْتَدَّتْ *** وَكانَتِ الشِّدَّةُ فيها اشْتَدَّتْ
وَغَيْبَةٌ أُخْرى إلى ذي الْآنِ *** وَأَنَّهُ لصادي الزمانِ
لِكِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَخْرُجا *** وَبَعْدَ شِدَّةٍ تُلاقِي الْفَرَجا
وَغَيْبَةٌ تَواتَرَتْ أَخبارُها *** وَاشْتَهَرَتْ مِنْ قَبْلِها آثارُها
وَطولُ عُمرٍ هَكذا مَرْوِيٌّ *** يَنْقُلُهُ الْعَدُو وَالْوَلِيُّ
خُروجُهُ في آخِرِ الزَّمانِ *** قَدْ صَحَ بِالنَّصَّ وَالْبُرْهانِ
أما السيد حيدر الحلّي فهو كالشريف الرضي في مواهبه وعبقرياته ، وسائر نزعاته النفسيّة التي منها الإباء عن الضيم ، والشموخ عن الذلّ .
لقد تألّق هذان العلمان في سماء الشرق العربي ، وأفاضا عليه صفحات مشرقة في الأدب العالي ، التي تعدّ من مناجم الثقافة، خصوصاً في رثاء جدّهما زعيم الإنسانية ، ورائد حركاتها التحرّريّة الإمام الحسين (علیه السّلام)، فقد رثياه بذوب روحيهما ، وبلغ بهما الحزن عليه أقصاه .
وللسيد حيدر كوكبة من القصائد الخالدة في رثاء جده الإمام الحسين (علیه السّلام)
لم ينضم مثلها في عالم الرثاء ، وقد استنهض في كثير منها بالإمام المنتظر (علیه السّلام)، وطلب منه الخروج ليطهر الأرض من ذئاب البشريّة وعلوج الشرك وأنصار الأمويين استمعوا إلى بعض ما يقوله :
مَنْ حَامِلٌ لِوليّ الْأَمْرِ مَأْلُكَة *** تُطوى عَلى نَفَتَاتٍ كُلُّها ضَرَمُ
يابنَ الأُولى يقعِدونَ الْمَوْتَ إِنْ نَهَضَتْ *** بِهِمْ لَدَى الرَّوْعِ فِي وَجْهِ الضُّبا الهِمَمُ
لْخَيْلُ عِنْدَكَ مَلنها مَرابِطُها *** وَالْبِيضُ مِنها عرى أَعْمادَها السَّامُ
لَا تَطهرُ الْأَرْضُ مِنْ رِجْسِ الْعِدى أَبَداً *** ما لَمْ يَسلْ فَوْقها سَيلُ الدَّمَ الْعَرِمُ
يحيث موضع كل منهم لك في *** دماهُ تَغْسِلُهُ الصَّمصامَةُ الْخَدِمُ
أُعيذُ سَيْفَكَ أَنْ تَصدى حَديدَتُهُ *** وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ تُجلى هذِهِ الْغُمَمُ
قَدْ آنَ أَنْ تَمْطَرَ الدُّنْيا وَساكِنُها *** دَماً أَغَرَّ عَلَيْهِ النَّقْعُ مُرتكِمُ
حران أن تدمع هام القوم صاعقة *** من كَفِّهِ وهي السَّيْفُ الذي عَلِموا
نَهضاً فَمَنْ بِطُبَاكُمْ هَامُهُ فُلِقَت *** ضَرْباً عَلَى الدِّينِ فيهِ الْيَوْمَ يَحْتَكِمُ
وَتِلْكَ أَنْفَالُكُمْ فِي الْغَاصِبينَ لَكُمْ *** مَقْسومَةٌ وَبِعَيْنِ اللهِ تَقْتَسِمُ
ويستمر السيد حيدر الحلي في رائعته للإمام قائلاً :
وَإِنَّ أَعْجَبَ شَيْءٍ أَنْ أَبَثكَها *** كَأَنَّ قَلْبَكَ خالٍ وَهوَ مُحْتَدِمُ
ما خلتُ نَقعدُ حَتَّى تُسْتثَارُ لَهُمْ *** وَأَنْتَ أَنتَ وَهُمْ فيما جَنَوهُ هُمُ
لَم تُبقِ أَسْيافُهُمْ مِنْكُمْ عَلَى ابْنِ تُقى *** فَكَيْفَ تُبقي عَلَيْهِمْ لا أَبا لَهُمُ
فَلَا وَصَفْحِكَ إِنَّ الْقَوْمَ ما صَفَحوا *** وَلَا وَحِلْمِكَ إِنَّ الْقَوْمَ ما حَلِموا
فَحَملُ أُمِّكَ قُدْماً أَسْقَطوا حَنَقاً *** وَطِفْلُ جَدِّكَ في سَهُم الرَّدَى فَطَموا
لَا صَبْرَ أَوْ تَضَعَ الْهَيجاءُ ما حَمَلَتْ *** بِطَلْقَةٍ مَعَها ماءُ المَخاضِ دَمُ
هذَا الْمُحَرَّمُ قَدْ وافَتْكَ صارِخَةً *** مِمَّا اسْتَحَلُوا بِهِ أَيَامَهُ الْحُرُمُ
يَمْلَأُنَ سَمْعَكَ مِنْ أَصْواتِ ناعِيَةٍ *** في مَسْمَع الدَّهْرِ مِنْ إغوالها صَمَمُ
تنعى إِلَيْكَ دِمَاءً غَابَ ناصِرُها *** حَتَّى أُريقَتْ وَلَمْ يُرْفَعْ لَكُمْ عَلَمُ
ويستمر السيد حيدر في عرض مآسي كربلاء ، وما جرى من أهوال الكوارث والخطوب على أبي الأحرار الإمام الحسين (علیه السّلام)، ويطلب من مهدي آل محمد (علیه السّلام) أن يعجل في ظهوره لينتقم من الظالمين والراضين بإبادة عترة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وما أكثرهم في كل زمان ومكان.
رائعة أُخرى للسيد حيدر
وللسيد حيدر رائعة أخرى في الإمام المنتظر (علیه السّلام) يستعرض فيها ما ألم بالإسلام لا من المحن والخطوب ، وتجميد أحكامه ، ثم يعرّج ثانياً إلى رثاء أبي الأحرار الإمام الحسين (علیه السّلام) ؛ الذي هز الضمير العالمي بما حلّ به من عظيم المصائب والآلام .
يقول السيد حيدر:
الله يا حامي الشَّريعَةِ *** أَتَقِرُ وَهيَ كَذا مَروعَه
بِكَ تَسْتَغيثُ وَقَلبُها *** لَكَ عَنْ جَوَى يَشْكُو صُدوعَه
تَدعو وجُردُ الْخَيْلِ مُصْـ *** ـغِيَةٌ لِدَعْوَتِها سَميعَه
وَتَكادُ أَلْسِنَةُ السُّيوف *** تجيبُ دَعْونَها سَريعه
فَصُدورُها ضاقَت بِسِرِّ *** الْمَوْتِ فَأَذَنْ أَنْ تُذيعه
ويستمر السيد حيدر في استنهاض الإمام (علیه السّلام) فيقول :
ماتَ التَّصَبُّرُ في انْتِظا *** رِكَ أَيُّهَا الْمُحْيِي الشَّرِيعَه
فَانْهضْ فَما أَبْقى التَّحَمُلُ *** غَيْرَ أَحْشَاءِ جَزوعَه
قَدْ مَزَّقَتْ ثَوْبَ الأسى *** وَشَكَتْ لِواصِلِها القطيعه
فَالسَّيْفُ إِنَّ بِهِ شِفاءٌ *** قلوب شيعَتِكَ الوجيعه
قواهُ مِنْهُمْ لَيْسَ يُنْعِش *** هذِهِ النَّفْسَ الصريعه
کم ذا الْقُعودُ وَدينُكُمْ *** هُدِمَتْ قَواعِدُهُ الرَّفِيعَه
تنعى الفروع أُصولَهُ *** وأُصوله تنعى فروعه
فيهِ تَحَكَمَ مَنْ أَبَاحَ اليَـ *** ـوْمَ حُرْمَتَهُ الْمَنِيعَه
ويعرض السيد حيدر الماسي والنكبات التي مني بها الإسلام ، وابتلي بها المسلمون ، وعرّج بعد ذلك إلى مصائب سيّد الشهداء الإمام الحسين (علیه السّلام) الخالدة في دنيا الأحزان ، فيقول مخاطباً الإمام المنتظر (علیه السّلام):
ماذا يُهيجُكَ إِنْ صَبَرْتَ *** لِوَقْعَةِ الطَّفِّ الْفَظيعه
أَتَرى تَجِيءُ فَجيعَةٌ *** بِأَمَضٌ مِنْ تِلْكَ الْفَجِيعَه
حيثُ الحُسينُ عَلَى الثّرى *** خَيْلُ الْعِدَى طَعَنَتْ ضُلوعه
قَتَلَتْهُ آلُ أُمَیة *** ظام إلى جَنْبِ الشَّريعه
وَرَضيعُهُ بِدَم الْوَريدِ *** مُخَضَّبٌ فَاطْلُبْ رَضِيعَه(1)
إن في رثاء الحلّي لجدّه أبي الأحرار ما يفتت القلوب ، فقد رثاه بذوب روح وبكاه أمر البكاء وأقساه ، وحسب أنّه من المنكوبين بهذه الفاجعة الكبرى التي ما أُصيب المسلمون ولا امتحنوا بمثلها ، فقد أخلدت لهم الأسى والحزن فلم يرع السفاكون المجرمون من بني أُميّة أي حرمة للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في ذريته وأهل بيته ،
1) ديوان السيد حيدر الحلّي : 260.
فقد حصدت سيوفهم بوحشية قاسية رؤوس أولئك الأحرار الذين ثاروا من أجل تحرير الإنسان من الظلم والاستبداد .
أما الشيخ عبد الغني العاملي ، فهو سليل العالم الكبير الشيخ محمد بن الحسن الحرّ العاملى مؤلّف (وسائل الشيعة) ، وهو من عيون كتب الإمامية في الحديث ، والتي يرجع إليها الفقهاء ، وقد نظم الشيخ عبدالغني ديواناً في الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وقد طبع بالمطبعة الحيدرية سنة 1339هـ، ومما جاء في إحدى قصائده :
با إمامَ الْهُدى وَخَيْرَ مَليك *** جَعَلَ اللهُ جُنْدَهُ الْأَمْلَاکا
لَمْ تَزَلْ راعِياً بِعَيْنيَ رَؤوفٍ *** لِنفوس طول النَّوى ترعاكا
قَدْ مَدَدنا إِلَيْكَ كَفَّ رَجاءِ *** خابَ مَنْ مَدَّ كَفَّهُ لِسِواكا
إِنَّما نِعْمَةُ الله فينا *** وَنَعِيمُ الْجِنانِ مِنْ نَعْماكَا
وقال في قصيدة أُخرى من ديوانه :
مَتى مَليك الورى في نورِ طَلْعَته *** يجلو دياجي الرزايا عَنْ رَعِيَّتِهِ
مَتَى يُنادِي الْمُنادِي بِاسمِهِ عَلَناً *** هذا إمامُ الْهُدى بُشْرَى لِشيعَتِهِ
مَتى يَقومُ بِأَمْرِ اللهِ قائِمُنا *** فَيُصْلِحُ الدِّينَ وَالدُّنْيا بِنَهْضَتِهِ
مَتى يَقومُ لِنَصْرِ الدِّين ناصِرُهُ *** وَيَنْشُرُ الرّايَةَ الْعُظمى لِنَجْدَتِهِ
فَمَنْ سِواهُ لِدینِ اللهِ مُنتَصِرٌ *** وَمُسْتَجِيبٌ إِذا يَدعو لِدَعْوَتِهِ
فَها هُوَ الدِّينُ أَمْسَى بِاسْمِهِ لَهِجاً *** وَمُسْتَغيثاً بحاميه وَحُجَّتِهِ
مُقَوِّمٌ كُلَّ مُعْوَجٌ يُسامُ بِهِ *** يمَاضِيَيْنِ شَبَا الْمَاضِي وَعَرْمَتِهِ
لَمْ يَأْتِ مِنْ مُنْذِرٍ أَوْ مُرْسِلٍ زَمَناً *** إِلَّا وَبَشَّرَهُ الْبارِي بِدَوْلَتِهِ
لا تُكْرَ حينَ أمَنّى النَّفْسَ نُصْرَتة *** فَالرُّسُلُ كانَتْ تَمَنَّى نَيْلَ نُصْرَتِهِ
وَغَيْرِ بِدْعِ إِذَا مَا هِمْتُ فِيهِ هَوى *** فَإِنَّمَا الْخَلْقُ تَنْجو في مَحَيَّتِهِ
وَهُوَ الَّذى يَمْلَأُ الدُّنْيا كَما مُلِئَتْ *** بِظُلْمٍ كُلِّ ظَلَوم في عدالتِهِ
وَهُوَ الْمانُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ قاطِبَةً *** أَزِمَةُ الدِّينِ وَالدُّنْيا بِقَبْضَتِهِ
وَهُوَ الْمُعِزُّ لِمَنْ والاهُ مُنتَظِراً *** مُذِلُّ جَمعَ الْعِدى في عِزَّ دَوْلَتِهِ
وَهُوَ الَّذِي الْمَلَأُ الْأَدْنى يَفوزُ بِهِ *** وَيَسعدُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى بِخِدْمَتِهِ
وَهُوَ الْمُثيرُ عَجَاجَ الْحَرْبِ حَيْثُ بَدا *** فَيَأْخُذُ النَّارَ مَوْتوراً بثَوْرَتِهِ
مُدَمِّرُ الْكُفْرِ ماحي الشَّرْكِ صارِمُهُ *** وَساحِقٌ كُلَّ طاغوتٍ بِسَطوَتِهِ
تَمْحو الضَّلَالَ وَتُحْيِي الرُّشْدَ إِمْرَتُهُ *** طوبى لِكُلِّ امْرِى يَبْقى لإمْرَتِهِ
وَهُوَ الْإِمَامُ الَّذِي تَحْكي حكومته *** حكومَةَ الْمُصْطَفَى الْمُحْيِي بِحِكْمَتِهِ
شَمائِلُ الْمُصْطَفَى تَحْكى شَمائِلُهُ *** کما بِطَلْعَتِهِ يَبْدو كَطَلْعَتِهِ
نطقاً وَخُلْقاً وَأَخْلَاقاً يوافِقُهُ *** وَأَسْماً كَما أَنَّهُ يُكنى بكُتيَتِهِ
يَقومُ أَمْراً كَما قامَ النَّبِيُّ بِهِ *** وَأَنَّهُ سَائِرٌ فيه بسيرَتِهِ
يَدْعو الأنامَ إِلى إِحْياءِ سُنَّتِهِ *** مُقَوماً كُلَّ مُعْوَجٌ بِدَعْوَتِهِ
مُشَيَّداً دينَهُ في حَد صارِمِهِ *** وموضحاً نَهْجَهُ مُحبى لِسُنَّتِهِ
يُعيدُ شَخْصَ الْهُدَى غَضَاً شَباءُ إذا *** يُلغي ضَلَالَ الْعِدَى مَيْلٌ لِجَدَّتِهِ
إِمَامٌ حَقٌّ يُحِقُ الْحَقَّ مُرهَفه *** وَيَمْحَقُ الْباطِلَ السَّاحِي بِغَيْتِهِ
والقصيدة على هذا الغرار في جودتها وحسن سبكها ، وقد تضمنت في كثير من أبياتها للأحاديث النبوية التي أثرت في الإمام المنتظر (علیه السّلام)، والديوان كله في الإمام (علیه السّلام)، وفيه من غرر الشعر العربي ، وقد دلّ على براعة الشاعر ، وتفوّقه
في إبداعه ونظمه .
ومن الشعراء الذين نظموا في الإمام المنتظر (علیه السّلام) الشيخ إبراهيم حسن قفطان (المتوفى سنة 1199هـ) . قال (رحمه الله علیه):
مَتى أَمْتَطَى نَهْدَ الْجُزارَةِ فارِهَا *** بِدَوْلَةِ سُلْطَانِ الْوَرى مُدرِكِ الثَّارِ
إمامٌ يَرانا وَهُوَ عَنَا مُحَجَبٌ *** إِلَىٰ طَلْعَةٍ مِنْهُ بِبارِقِهِ الشاري
تَعودُ بِهِ الدُّنْيا شَباباً نَعِيمُها *** لَها زَهْو أَزْهَارٍ وَيانعُ أَثْمَارِ
وَيَمْلَأُهَا بِالْعَدْلِ مِنْ بَعْدِ جَورِها *** وَيَكْلَاهَا مِنْ موبقاتٍ وَأَخْطارِ
وَتَخْصبُ أَقْطَارُ الْبِلَادِ بِنائِل *** لَها مِنْ نِداهُ لَا بِوابِل أَمْطار
وَيَحْنِي عَلَيْنَا دَوْلَةَ الدِّينِ غَضَّة *** تُضيءُ بِأَنوارٍ وَتَزْهُو بِأَنَّوارِ
ومن أبيات هذه القصيدة قوله :
لَقَدْ عَقَدَ الله اللّوا وَالْوَلَا لَهُ *** فَقامَ مُطاعاً بَيْنَ نَهْيِ وَإِنْذَارِ
يُبَشِّرُ جِبريلٌ بِهِ كُلَّ عالَم *** وَيَدْعو إِلَى آثَارِهِ خَيْرَ آثارِ
هَلُمّوا إِلَى الدّاعِى إِلَى اللهِ وَاحْذَروا *** مَقامِي وَعوا يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْذَارِي
يُحيطُ بِعِلْم الكائناتِ وَعِلَّةٍ *** لَها وَعَلَيْها شَاهِدٌ يَوْمَ إِقْرارِ
نظم الأديب البارع والفاني في حب آل البيت (علیهم السّلام) هذه اللوحة في الإمام المنتظر (عجل الله تعالی فرجه الشریف):
یا صاحِبَ الْعَصْرِ أَدْرِكْنا فَلَيْسَ لَنا *** وَردٌ هَنيءٌ وَلَا عَيْشُ لَنا رَغَدُ
طالَتْ عَلَيْنَا لَيالى الانْتِظارِ فَهَلْ *** يَابْنَ يا بْنَ الزَّكِي لِليْلِ الْانْتِظارِ غَدُ
فَاكْحِلْ بِطَلْعَتِكَ الْغَرَ لَنا مُقَلاً *** يَكادُ يَأْتِي عَلَى إِنْسانِها الرُّمَدُ
ها نَحْنُ مَرْمَى لِنَبْلِ النَّائِبَاتِ وَهَلْ *** يُغْنى اصْطِبارٌ وهى مِنْ دِرْعِهِ الزَّرَدُ
كَمْ ذَا يُؤَلِّفُ شَمْلُ الظَّالِمِينَ لَكُمْ *** وَشَمْلُكُمْ بِيَدَي أَعْدائِكُمْ بَدَدُ
فانْهَضْ فَدَتْكَ بَقايا أَنْفُسِ ظَفَرَتْ *** بها النَّوائِبُ لَمّا خانَها الْجَلد
هَبْ أن جُنْدَكَ مَعْدودٌ فَجَدُّكَ قَدْ *** لاقى بسَبْعِينَ جَيْداً ما لَهُ عَدَدُ
نظم الشيخ محمد السماوي كوكبة من القصائد في الإمام المنتظر (علیه السّلام) كان منها هذه الأبيات من إحدى قصائده ، قال :
يهني النُّبوَّةَ وَالْإِمَامَةَ قائِمٌ *** بِالْحَقِّ مَرْفوعُ الْمَنارِ مَكينٌ
وَيُبَلِّغُ الأمالَ بَدْرٌ طالع *** لِلنَّاظِرينَ وَمَطْلَعُ مَيْمونُ
مَلِك عَلَيْهِ مِنَ الْمَهابَة حاجبٌ *** لكِنَّهُ بِسَماحَةِ مَقْرُونُ
فَالْخَيْلُ تَسْبَحُ وَالْفَوارِسُ تَدَّرى *** فيما قَضَى التَّعْوِيلُ وَالتّمرين
وَالسُّمْرُ تُسْرَعُ وَالْمَواضِي تُنتَضَى *** شَوْقاً لِما يَأْتي لَها وَيَكونُ
فَمِنَ السَّوابِحَ الْفَوارِسِ وَالْقَنا *** والبيض كَمْ مَاجَتْ هُناكَ مُتون
قَدْ أَعْرَبَتْ فيهِ السَّواجِعُ بِالهَنا *** لَكِنَّما إِعْرابُها تَلْحين
ما لَاحَ حَتَّى تَعفَرَجَيْهَةٌ *** مِنْهُ وَيَسْجُدُ لِلإِلَهِ جَبِينُ
يَتلوننَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفوا *** وَعْدُ لَعَمرك بالوفا مضمون
يا مُدْرِكَ الْأَوْتَارِ كَمْ طَالَتْ لَها *** عُنُقٌ وَكَمْ مُدَّتْ إِلَيْكَ عُيونُ
لَا وَعْدكَ الْجارِي لَنا مُتَخَلِّفٌ *** كَلَا مِنَ الْوَفا مَمْنونُ
لكِنَّمَا الْأَرْجَاءُ لَمْ يَطْمَعْ بِهِ *** طَرْفٌ وَلَمْ يَشْمَخُ بِهِ عِرْنِينُ
سُرْعانَ مَا قَدْ غِبْتَ عَنْ مُقَلَ الْورَىٰ *** فَلَها إِلَيْكَ تَلَفُتْ وَحَنينُ
أثرى تَقَرُّ الْعَيْنُ وَهِيَ كَئِيبَةٌ *** وَيُسَرُّ فيكَ الْقَلْبُ وَهُوَ حَزينُ
وَيَعودُ رَوْضُ الْعَدْلِ وَهُوَ مُنَوَّرٌ *** ويجودُ ماءُ الْفَضْلِ وَهُوَ مَعين
فَأَراكَ أَقْدَرَ ما أَرى تَرْنُو إِلَى *** لَوْحَ الْقَضا وَتَقولُ كُنْ فَيَكُونُ
وَتُقِيمُ عَدْلَ الْأَرْضِ حَتَّىٰ لَا يُرى *** مُتَظَلم فيها وَلَا مِسْكين
فَأَقومُ أَنْشَدُ في ثَناكَ مَدائِحى *** وَأَقولُ أَنْتَ الْبَحْرُ وهيَ النّونُ(1)
ودلّت هذه اللوحة على براعة السماوي وتفوّقه في ميدان الأدب كما دلّت على إيمانه العميق بالإمام المنتظر (علیه السّلام)، وأنه يترقب ظهوره لينشر العدل ويقيم الحق ويدمر الظلم والجور.
وبهذا ينتهي بنا المطاف عن بعض الشعراء الذين آمنوا بالإمام المنتظر وترقبوا ظهوره ، كما ينتهي بنا الحديث عن المؤمنين بظهوره (علیه السّلام) ليقيم الحق والعدل، ويحيي الإسلام، ويميت الكفر والظلم والاستبداد .
1) منن الرحمن : 2: 233 .
وأنكر جماعة من المؤرّخين الإمام المنتظر (علیه السّلام) ، ونعوا على الشيعة إيمانهم به، كان من بينهم من يلي :
عقد ابن خلدون فصلاً في مقدّمته أنكر فيه على أئمة الحديث رواياتهم عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في الإمام المهدي (علیه السّلام) ، وإيمانهم بها ، وزعم أن تلك الروايات لا أصل لها ، وقد تصدى للردّ عليه المحقق والعالم المعروف الأستاذ أحمد محمد شاكر ، قال : «وأما ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم ، واقتحم قحماً لم يكن من رجاله ، وعليه ما شغله من السياسة ، وأُمور الدولة ، وخدمة من كان يخدم من الملوك والأمراء ، فأوهم أنّ شأن المهدي عقيدة شيعية أو أوهمته نفسه ذلك ، فعقد في مقدّمته المشهورة فصلاً طويلاً جعل عنوانه فصل في أمر الفاطمي وما يذهب إليه الناس من أمره»(1).
ويأخذ الأستاذ أحمد محمد شاكر في تفنيد ابن خلدون ، وأن إنكاره للإمام (علیه السّلام) إنكار لضرورة من ضروريات الدين، فقد تواترت الأخبار عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في شأن المهدي (علیه السّلام)، وأنه لا مجال بأية حالٍ للريب والطعن فيها .
وأنكر محمد أمين البغدادي الشهير بـ(السويدي) وجود الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وذهب إلى أنه سيولد ، قال : «وزعمت الشيعة أنّه غاب في السرداب بـ(سر من رأى) والحرس عليه سنة 262هـ ، وأنه صاحب السيف القائم قبل قيام الساعة ،
1) حاشية مسند الإمام أحمد بن حنبل : 6: 44 ، الحديث 3571.
وله قبل قيامه غيبتان : أحدهما أطول من الأخرى»(1).
قلت : وممّا يبطل كون المهدي محمد هذا هو المنتظر قبل الساعة أصولهم التي أسسوها للإمامة ، وهي ما ذكروه في كتبهم من أن نصب الإمام واجب على الله تعالى ، وأنّه لا يجوز على الله أن يخلي الزمان من الإمام ، وعندهم الإمامة محصورة في هؤلاء الاثنى عشر الذين ذكرناهم، وهم الذين يوجبون العصمة لهم فيقتضي أنّ الله قد ترك ما هو واجب عليه من عدم نصب المهدي إماماً بعد موت أبيه ، بل أخر ذلك إلى آخر الزمان .
أما أحمد كسروي فهو مجوسي ، وقد تحامل على الشيعة ، وكذب وافترى عليهم : ، قال فيما يخص الإمام المهدي (علیه السّلام): «ثمّ لما مات الحسن العسكري وذلك في عام 260هـ كانت هناك الداهية الدهياء ، فإنّ الحسن لم يكن له عقب فتحيّر الروافض وتفرّقوا فرقاً ، فذهبت طائفة إلى أنّ الإمامة قد انقطعت وتمّت ، واتبعت منهم جعفر بن عليّ أخا الحسن .
وقام عثمان بن سعيد من أمناء الحسن، وأتى بدعوى من أعجب الدعاوى ، فادّعى أنّ الحسن له ولد في الخامس من سنيه مختف في السرداب لا يظهر لأحدٍ وهو الإمام بعد أبيه»(2).
وأحمد كسروي معروف في اتجاهاته وعمالته للإنكليز ، وليس أوهن قولاً من قوله : إن عثمان بن سعيد أحد نواب الإمام هو الذي ادعى أنّ الحسن العسكري له ولد ، وهو الإمام المنتظر ، وأنّه لا يظهر لأحد، فإليه تستند دعوى المهدوية ،
وهذا افتراء محض ، فقد ذكرنا في البحوث السابقة سيلاً من الأخبار التي أثرت عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وعن أئمة الهدی (علیهم السّلام)، وهي تحمل البشرى للعالم الإسلامي بظهور المهدي (علیه السّلام)، وأنه يقيم ما اعوج من الدين، ويعيد للإسلام نضارته وأيامه.
أما أحمد أمين فهو كأحمد كسروي المجوسي في عدائه لأئمة الهدى الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، وقد عرف بحقده البالغ على الشيعة ، وانتقاصه لهم من دون أن يستند إلى مصدر من مصادرهم كما اعترف به - وإنما يستند إلى ما اترعت نفسه من البغض والكراهية لأعظم طائفة في الإسلام وغيره قد تبنّت الحقِّ ، ورفعت شعار العدل، وتمرّدت على الظلم والطغيان .
يقول الدكتور عبدالرحمن بدوي : «للشيعة أكبر الفضل في إغناء المضمون الروحي للإسلام ، وإشاعة الحياة الخصبة القوية العنيفة التي وهبت هذا الدين البقاء قوياً عنيداً ، قادراً على إشباع النوازع الروحية للنفوس حتى أشدّها تمرداً وقلقاً ، ولولاها لتحجر في قوالب جامدة»(1).
وعلى أية حال، فقد ألّف أحمد أمين رسالة أنكر فيها الإمام المهدي ، وعاب على الشيعة إيمانهم به ، ولم يعر أي اهتمام لما روته الصحاح الستة من الأحاديث النبوية المتواترة في الإمام المهدي (علیه السّلام)، وقد تصدّى للردّ عليه سماحة الأستاذ حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد أمين زين الدين، كما رده سماحة الحجّة المغفور له الشيخ محمد علي الزهيري ، وقد صدّر الكتاب سماحة الإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء ، وقال : «إنّ قضيّة الغائب المنتظر أرواحنا فداه عقيدة راسخة ، وقاعدة شامخة مبنيّة على أصول مثبتة ، وقواعد رصينة ، لا يمكن التنصل
1) دراسات إسلامية / عبدالرحمن بدوي
عنها ، والخروج منها ، وأصبحت أمراً مفروغاً عنه»(1).
ومن المنكرين للإمام (علیه السّلام) شكري أفندي البغدادي ، فقد نظم قصيدة أعرب فيها عن شكوكه وإنكاره للإمام (علیه السّلام) ، كان منها :
أيا عُلماءَ الْعَصْرِ يا مَنْ لَهُمْ خُبْرُ *** بِكُلِّ دَقيقٍ حارَ مِنْ دُونِهِ الْفِكْرُ
لَقَدْ حارَ مِنّي الْفِكْرُ فِي الْغائِبِ الذي *** تَحَيَّرَ فيهِ النَّاسُ وَالْتَبَسَ الأَمْرُ
فَمِنْ قائِل في الْقِشْرِ لُبُّ وجودِهِ *** وَمِنْ قَائِلٍ قَدْ ذَبَّ عَنْ لُبِّهِ الْقِشْرِ
وقد تصدّى علماء النجف الأشرف للردّ عليها ، فقد ألف الحاج المحقق ميرزا حسين النوري الطبرسي كتاباً للردّ عليه أسماه (كشف الأستار عن الحجة الغائب عن الأبصار) ، ذكر فيه النصّ على ولادته ووجوده مستنداً في ذلك إلى أربعين عالماً من أكابر علماء السنّة ، كما نظم قصيدة عصماء الإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء نضّر الله مثواه في الرد عليه ، مطلعها :
بِنَفْسي بَعِيدَ الدّارِ قَرَّبهُ الْفِكْرُ *** وَأَدْناهُ مِنْ عُشَاقِهِ الشَّوْق وَالذِّكْرُ
وقد طبعت القصيدة مستقلة ، كما طبعت في إلزام الناصب.
1) ضحى الإسلام : 3 : 241 .
وألقت الأخبار الأضواء والمؤشّرات على علامات ظهور الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وحددت الزمان والمكان اللذين يظهر فيهما . أما الأخبار التي تحدّثت عن ظهوره ، فبعضها حتمي لا بد أن يتحقق على مسرح الحياة ، وبعضها غير حتمي ، ونعرض إلى الجهة الأُولى .
وأجمعت الأخبار على ضرورة تحقق بعض العلامات قبل ظهور الإمام (علیه السّلام)، وهذه بعضها :
من العلامات البارزة لخروج الإمام المهدي (علیه السّلام)انتشار الظلم ، وشيوع الجور ، وانعدام الأمن والاستقرار، حتّى تصبح الحياة قاتمة مليئة بالأحداث والخطوب، ويعيش الإنسان على أعصابه من كثرة ما يعانيه من الخوف والإرهاب ، وقد خيمت على المجتمع الإنساني الحياة الجاهلية بآثامها وشرورها ، وتسابق الناس إلى المنكر حتّى عاد بينهم معروفاً .
أمّا الإسلام فإنّه يعود غريباً كما بدأ ، قد جمدت طاقاته ، وأجهزت عليه الدول الكبرى الظالمة التي ترغم الناس على ما يكرهون ، والتي تستغل ثروات المسلمين ،
وتنهب إمكانياتهم الاقتصادية ، وتجعلهم تحت مناطق نفوذها.
وعلى أية حال ، فالذي يدعم ما ذكرناه كوكبة من الأخبار ، كان من بينها ما يلي:
1 - روى أبو سعيد الخدري : «أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : سَتَكونُ بَعْدِى فِتَنٌ ، مِنْها فِتَنُ الْأَخْلاسِ(1)يَكونُ فِيها هَرَبٌ وَحَرْبٌ ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهَا فِتَنْ كُلَّمَا قِيلَ انْقَطَعَتْ تَمَادَتْ حَتَّى لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ ، وَلَا مُسْلِمٌ إِلَّا وَصَلَتْهُ ، حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتي»(2).
ومعنى هذا الحديث أنه ستدهم بلاد المسلمين وغيرهم فتن رهيبة ، وأحداث دامية ، حتى لا يبقى بيت من بيوت العرب إلا دخلته ، ولا بيت من بيوت المسلمين إلّا شملته تلك الفتن والكوارث .
2 - روى أبو سعيد الخدري : «أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : لَا يَزالُ بِكُمُ الْأَمْرُ - أي الشدّة والضيق - حَتَّى يولد فى الْفِتْنَةِ وَالْجَوْرِ مَنْ لَا يُعرَفُ عِنْدَها حَتَّى تُمْلَأَ الْأَرْضُ جَوراً ، فَلَا يَقدِرُ أَحَدٌ يَقولُ: الله ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَجُلاً مِنِّي وَمِنْ عِتْرَتِي فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلاً كَما مَلَأَها مَنْ كانَ قَبْلَهُ جَوراً ، وَتُخْرِجُ لَهُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِها ، وَيَحْثو الْمَالَ حَنْواً ، وَلَا يَعُدُّ عَدَاً حَتَّى يَضْرِبَ الْإِسْلَامُ بِجِرانِهِ»(3).
ومعنى هذا الحديث أنّ الأرض ستملأ بالظلم والجور حتى يبلغ الحال أنّ الإنسان لا يستطيع أن يتفوه بكلمة الله تعالى ، فقد سيطرت القوى الإلحادية على جميع أنحاء الأرض ، وحالت بين الخالق العظيم وبين الناس ، فعند ذلك يبعث الله وليه
العظيم لينقذ الناس ممّا هم فيه من البلاء والضيق، ويعيد للإسلام نضارته ورحمته للناس.
3 - وروى أيضاً : «أن نبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : يَنزِلُ بِأُمَّتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ بَلَاءٌ شَديدٌ مِنْ سُلْطانِهِمْ لَمْ يُسْمَعْ بِبِلَاءِ أَشَدَّ مِنْهُ ، حَتَّى تَضيقَ عَلَيْهُمُ الْأَرْضُ الرَّحْبَةُ ، وَحَتَّى تَمْلَأُ الْأَرْضُ جَوْراً وَظُلْماً ، وَلَا يَجِدُ الْمُؤْمِنُ مَحَلَا يَلْتَجِيُّ إِلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَجُلاً مِنْ عِتْرَتِي فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوراً ، يَرضَىٰ عَنْهُ ساكِنُ السَّمَاءِ وَساكِنُ الْأَرْضِ ، لَا تَدَّخِرُ الْأَرْضُ مِنْ بَدْرِها شَيْئًا إِلَّا أَخْرَجَتْهُ ، وَلَا السَّماءُ مِنْ قَطْرِها شَيْئاً إِلَّا صَبَّهُ اللهُ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً ، يَعيشُ فِيهِمْ سَبْعَ سِنِينَ ، أَوْ ثَمانٍ ، أَوْ تِسْع ، تَتَمَنَّى الْأَحْيَاءُ الْأَمْواتَ مِمّا صَنَعَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ خَيْرِهِ»(1).
وحكى هذا الحديث ما يمنى به المسلمون من الخطوب والكوارث من جرّاء ملوكهم الذين يحكمون فيهم بالظلم حتى تمتلأ الأرض بالجور ، ثمّ يبعث الله تعالى مهدي آل محمد (علیه السّلام) رحمة للعباد ، فيملأ الأرض رحمة وخيراً ، ويقضي على جميع أفانين الظلم والجور .
4 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «سَيَكونُ بَعْدِي خُلفاءُ ، وَمِنْ بَعْدِ الْخُلَفَاءِ أُمَرَاءُ ، وَمِنْ بَعْدِ الْأَمَراءِ مُلوك ، وَمِنْ بَعْدِ الْمُلوكِ جَبَابِرَةٌ ، ثُمَّ يَخْرُجُ رَجلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتي يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلاً كَما مُلِئَتْ جَوْراً»(2).
ألقى هذا الحديث الأضواء على حكّام المسلمين ، وقسمهم إلى أقسام ، فبعضهم خلفاء ، وبعضهم ملوك ، وبعضهم جبابرة ، يملأون البلاد ظلما وجوراً ، ثم يبعث الله
المنقذ العظيم ، مهدي آل محمد (علیه السّلام)، فيحطم أولئك الجبابرة ويقيم حكم الله في الأرض .
5 - روی عوف بن مالك : «أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : كَيْفَ أَنْتُمْ - يَا عَوفُ إِذا افْتَرَقَتِ الْأُمَّهُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، وَاحِدَةٌ مِنْها فِي الْجَنَّةِ وَسَائِرُهُنَّ فِي النَّارِ ؟
وسارع عوف قائلاً : كيف ذلك ؟
فأجابه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) موضحاً له ما يجري على المسلمين قائلاً: إِذا كَثُرَتِ الشَّرَطُ ، وَمَلَكَتِ الْإِماءُ ، وَقَعَدَتِ الْجَهَلَةُ عَلَى الْمَنابر ، وَاتَّخِذَ الْفَيءُ دولاً ، وَالزَّكاةُ مَغْرَماً ، وَالْأَمَانَةُ مَغْنَماً ، وَتُفَقَّهَ في دينِ اللَّهِ لِغَيْرِ اللهِ ، وَأَطاعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ، وَعَنَّ أُمُّهُ ، وَأَقْصَى أَبَاهُ ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا ، وَسادَ الْقَبيلَةَ فاسِقُهُمْ ، وَكانَ زَعيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ اتَّفَاءَ شَرِّهِ ، فَيَوْمَئِذٍ يَكونُ ذلِكَ فِيهِ يَفْزَعُ النَّاسُ إِلَى الشَّامِ وَإِلَىٰ مَدينَةٍ يُقالُ لَها دِمَشق مِنْ خَيْرِ مُدُنِ الشَّامِ ، فَتَحَصَّنهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ.
فقيل له : يا رسول الله ، وهل تفتح الشام ؟
قال : وشيكاً ، ثُمَّ تَفَعُ الْفِتْنَةُ بَعْدَ فَتْحِها ، ثُمَّ تَجيءُ فِتْنَةٌ غَبْراءُ مُظْلِمَةٌ ، ثُمَّ تَتبَعُ الْفِتَنُ بَعْضُهَا بَعْضاً ، حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُقالُ لَهُ الْمَهْدِي»(1).
وتحدثت هذه الرواية عمّا يصاب به العالم الإسلامي من التحلل والفساد وانحراف المسلمين عن المبادئ القيمة والمثل العليا التي جاء بها الإسلام ، وتسود من جراء ذلك الفتن والكوارث حتّى ينقذ الله المسلمين بوليه الإمام المنتظر فيحيي الدين ، ويقيم معالم الإسلام .
1) كنز العمّال : 11 : 183 و 184 . ، وقريب منه في العرف الوردي : 2 : 67 .
6 - قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «مِنّا مَهْدِيُّ هذِهِ الْأُمَّةِ إِذا صارَتِ الدُّنْيا هَرَجاً وَمَرجا(1)، وَتَظاهَرَتِ الْفِتَنُ ، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ ، وَأَغارَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَلَا كَبِيرَ يَرحَمُ صَغِيراً ، وَلَا صَغِيرَ يُوَقِّرُ كَبيراً ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِنْدَ ذلِكَ مَهْدِيُّنا ، التَّاسِعُ مِنْ صُلبِ الْحُسَيْنِ اللهِ ، يَفْتَحُ حُصونَ الضَّلالَةِ وَقُلوباً غُلْفاً ، يَقومُ في الدِّينِ في آخِرِ الزَّمانِ كَما قُمتُ بِهِ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلاً كَما مُلِئَتْ جَوْراً»(2).
وأعرب هذا الحديث عما تمنى به الحياة العامة من ضروب قاسية من الفتن والقلق والاضطراب ، وفقدان المقاييس ، حتّى يبعث الله المنقذ العظيم ، فيغيّر الحياة ، ويبني طرقاً لسعادة الناس وأمنهم ورخائهم .
7 - روي عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي (علیهم السّلام) أنه قال: «لَا يَظْهَرُ الْمَهْدِيُّ إِلَّا عَلَى خَوْفٍ شَديدٍ مِنَ النَّاسِ ، وَزِلزالٍ وَفِتْنَةٍ وَبَلَاءِ يُصيبُ النَّاسَ ، وَطاعون قَبْلَ ذلِكَ ، وَسَيْفٍ قاطِع بَيْنَ الْعَرَبِ ، وَاخْتِلَافٍ شَديدٍ فِي النَّاسِ ، وَتَشَتَّتٍ في دينهِمْ ، وَتَغيُّر في حالِهِمْ ، حَتَّى يَتَمَنَّى الْمُتَمَنِّي الْمَوْتَ صَباحاً وَمَساءٌ مِنْ عِظَمِ مَا يَرَىٰ مِنْ كَلَبِ النَّاسِ ، وَأَكْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً ، فَخُروجُهُ (علیه السّلام) إِذا خَرجَ يكونُ عِنْدَ الْيَأْسِ وَالْقُنوطِ مِنْ أَنْ يُرى فَرَجاً ، فَيا طوبى لِمَنْ أَدْرَكَهُ وَكانَ مِنْ أَنْصارِهِ ، وَالْوَيْلُ كُلَّ الْوَيْلِ لِمَنْ خَالَفَهُ وَخالَفَ أمْرَه»(3).
وألقت هذه الرواية الأضواء على وقت خروج الإمام (علیه السّلام) ، وأنه لا يظهر حتى تمتلئ الدنيا بالظلم والجور ، ويشيع الخوف والإرهاب بين الناس حتى يتمنى الرجل مفارقة الحياة ليسلم مما يعانيه من الآلام النفسية ، وأن ظهور الإمام (علیه السّلام) من الأمور
الحتمية ، إلا أنه يكون في وقت يأس الناس وقنوطهم من تغيير الأوضاع الاجتماعية ، أو إزاحة ما هم فيه من الظلم والجور.
8 - وتحدّث الإمام أبو جعفر (علیه السّلام) في مجتمع من شيعته عن الإمام المنتظر (علیه السّلام) فقال : «وَالْقائِمُ مِنَا مَنْصورٌ بِالرُّعْبِ - أي رعب أعدائه - مُؤَيَّدٌ بِالظَّفَرِ ، تُطوى لَهُ الْأَرْضُ ، وَتَظْهَرُ لَهُ الْكُنوزُ، وَيَبْلُغُ سُلْطانُهُ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ ، وَيُظْهِرُ اللَّهُ دِينَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ، فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ خَرَابٌ إِلَّا عَمَّرَهُ ، وَلَا تَدَعُ الْأَرْضُ شَيْئاً مِنْ نَباتِها إِلَّا أَخْرَجَتْهُ ، وَيَتَنَعْمُ النَّاسُ في زَمَانِهِ نِعْمَةً لَمْ يَتَنَعَمُوا مِثْلَهَا قَط .
فانبرى إليه شخص فقال له : متى يخرج قائمكم ؟
فأجابه الإمام عن علامات ظهوره فقال : إِذا تَشَبَّهَ الرَّجالُ بِالنِّساءِ ، وَالنِّسَاءُ بِالرِّجالِ ، وَرَكَبَتْ ذَواتُ الْفُروج السُّروجَ ، وَأَماتَ النّاسُ الصَّلَواتِ ، وَاتَّبعوا الشُّهَواتِ ، وَأَكَلوا الرّبا ، وَاسْتَخَفّوا بالدّماءِ ، وَتَعامَلوا بالرِّبا ، وَتَظاهَرُوا بِالزِّنَا ، وَشَيَّدوا البناءَ ، وَاسْتَحَلُوا الْكَذِبَ ، وَأَخَذوا الرُّشا ، وَاتَّبعوا الْهَوى ، وَباعوا الدّينَ بِالدُّنْيا ، وَقَطَعوا الْأَرْحامَ ، وَمَنوا بِالطَّعام(1)، وَكانَ الْحِلْمُ ضَعفاً ، وَالظُّلْمُ فَخْراً ، وَالأمراء فَجَرَةٌ ، وَالْوِزَراءُ كَذَبَةٌ ، وَالْأَمَناءُ خَوَنَةٌ ، وَالْأَعْوانُ ظَلَمَةٌ ، وَالْقُرَاءُ فَسَقَةٌ ، وَظَهَرَ الْجَوْرُ ، وَكَثَرَ الطَّلَاقُ ، وَبَدا الْفُجورُ ، وَقُبَلَتْ شَهادة الزور ، وَشُرَبَتِ الْخُمورُ ، وَرُكِبَ الذُّكورُ الذكورَ ، وَاسْتَغْنَتِ النِّسَاءُ بِالنِساءِ ، وَاتَّخَذُوا الْفَيْءَ مَغْنَماً ، وَالصَّدَقَةَ مَغْرَماً ، وَاتَّقِيَ الْأَشْرَارُ مَخافَةَ أَلْسِنَتِهِمْ ، وَخَرَجَ السُّفْيانيُّ مِنَ الشَّامِ ، وَالْيَمَانِيُّ مِنَ الْيَمَنِ ، وَقُتِلَ غُلَامٌ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقامِ ، وَصاحَ صائِحٌ مِنَ السَّماءِ بِأَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ وَمَعَ أَتْباعِهِ ، فَعِنْدَ ذلِكَ خُروجُ قائِمُنا ، فَإِذا خَرَجَ أَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ ثَلَاثُمَانَةٍ
1) في نسخة : «وظنوا بالطعام» .
وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً مِنْ أَتْباعِهِ ، فَأَوَّلُ ما يَنْطِقُ بِهِ هَذِهِ الْآيَة : بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ(1).
ثُمَّ يَقولُ : أَنا بَقِيَّةُ اللَّهِ وَخَلِيفَتُهُ وَحُجَّتُهُ عَلَيْكُمْ ، فَلَا يُسَلِّمُ مُسَلَّمٌ عَلَيْهِ إِلَّا قالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بَقِيَّةَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ الْعَقْدُ عَشْرَةُ آلَافِ رَجُلٍ فَلَا يَبْقَى يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرانِيٌّ ، وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ إِلَّا آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ ، وَتكونُ المِلهُ واحِدَةً مِلَّةٌ الْإِسْلَامِ ، وَكُلَّما كانَ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَعْبُودٍ سِوَى اللَّهِ فَتَنْزِلُ عَلَيْهِ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَحْرِقُه»(2).
وألقت هذه الرواية الأضواء على كثير من علامات ظهور الإمام (علیه السّلام) ، والتي ترجع إلى انهيار المجتمع وإصابته بكثير من عوامل التحلّل والفساد.
وتحدثت بعض الروايات عمّا يجري في آخر الزمان من الفتن والأزمات ، وأكبر الظنّ أنّها من علامات ظهور الإمام (علیه السّلام)، ونذكر منها حديثين :
الحديث الأول : روى عطاء بن أبي رباح ، عن حبر الأُمّة عبدالله بن عبّاس، قال : «حججنا مع رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حجة الوداع ، فأخذ باب الكعبة ، ثم أقبل على الناس بوجهه وخاطبهم قائلاً:
أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَشْراطِ السَّاعَةِ ؟
فانبرى إليه سلمان الفارسي ، وكان من أدنى الناس إليه ، فقال : بلى يا رسول الله . فأخذ النبي يدلي عليهم بما سيجري ويكون قائلاً: إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ الْقِيَامَةِ إِضَاعَةُ
الصَّلَاةِ ، وَاتِّباعُ الشَّهَوَاتِ ، وَالْمَيلُ مَعَ الْأَهْواءِ ، وَتَعْظِيمُ الْمَالِ ، وَبَيْعُ الدِّينِ بِالدُّنْيا ، فَعِنْدَها يُذابُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ وَجَوْفُهُ ، كَما يَذوبُ الْمِلْحُ في إناءٍ مِمَا يَرى مِنَ الْمُنْكَرِ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ.
ويهر سلمان فقال : أهذا لكائن يا رسول الله ؟!
فقال له : إِي وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ يا سَلْمَانُ ، إِنَّ عِندَها يَلِيهِمْ أُمَرَاءُ جَوَرَةٌ ، وَوَزَراءُ فَسَقَةٌ ، وَعُرَفاءُ ظَلَمَةٌ ، وَأَمْناءُ خَوَنَةٌ .
وسارع سلمان قائلاً: إنّ هذا لكائن يا رسول الله ؟ !
فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): إلى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ يا سَلْمانُ ، إِنَّ عِنْدَها يَكونُ الْمُنْكَرُ مَعْروفاً ، وَالْمَعْرُوفُ مُنْكَراً ، وَيُؤْتَمَنُ الْخَائِنُ ، وَيُخَوَّنُ الْأَمِينُ ، وَيُصَدَّقُ الْكاذِبُ ، وَيُكَذِّبُ الصَّادِقُ.
قال سلمان : إنّ هذا لكائن يا رسول الله ؟!
فأجابه (صلی الله علیه و آله و سلم): إِي وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ يا سَلْمانُ ، فَعِنْدَهَا إِمَارَةُ النِّسَاءِ ، وَمُشاوَرَةً الْإِمَاءِ ، وَقُعودُ الصَّبْيانُ عَلَى الْمَنابِرِ، وَيَكونُ الْكَذِبُ ظَرْفاً ، وَالزَّكاةُ مَغْرَماً ، وَالْفَيْء مَغْنَماً ، وَيَجْفو الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ، وَيَبرُّ صديقَهُ ، وَيَطْلعُ الْكَوْكَبُ الْمُذَنّب .
و انبرى سلمان قائلاً : إنّ هذا لكائن يا رسول الله ؟!
فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): إلى وَالَّذي نَفْسي بِيَدِهِ يا سَلْمانُ ، وَعِنْدَها تُشارِكُ الْمَرْأَةُ زَوْجَها في النّجارَةِ ، وَيَكونُ الْمَطَرُ قَيْظاً ، وَيَغيظُ الكِرامُ غَيْظاً ، وَيُحْتَقَرُ الرَّجُلُ الْمُعْسِرُ ، فَعِنْدَها تَقاربُ الْأَسْواقِ ، إِذْ قالَ هذا لَمْ أَبِعْ شَيْئاً ، وَقَالَ هَذا لَمْ أَرْبَحْ شَيْئاً ، فَلَا تَرَى إِلَّا دَامَاً لِلَّهِ.
وسارع سلمان قائلاً: إنّ هذا لكائن يا رسول الله ؟!
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): إِنَّ هذا لَكَائِنٌ ، وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ يا سَلْمانُ ، فَعِنْدَها يَلِيهِمْ أَقوامٌ إنْ تَكَلَّموا قَتَلوهُمْ ، وَإِنْ سَكَنُوا اسْتَبَاحُوهُمْ لِيَسْتَأْثِرُوا بِغَيْنِهِمْ ، وَلِيَطَوُونَ حُرْمَتَهُمْ ، وَلَيَسْفِكَنَّ دِماءَهُمْ ، وَلَيَمْلَؤُنَّ قُلوبَهُمْ رُعْباً ، فَلَا تَراهُمْ إِلَّا وَجِلينَ خَائِفِينَ ، مَرْعوبينَ مَرْهو بينَ.
قال سلمان : إنّ هذا لكائن ؟!
فقال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): إِلى وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ يا سَلْمانُ، إِنَّ عِنْدَهَا يُؤْتَى شَيْءٍ مِنَ الْمَشْرِقِ وَشَيْء مِنَ الْمَغْرِبِ يَلُونَ أُمَّتِي ، فَالْوَيْلُ لِضُعَفَاءِ أُمَّتِي مِنْهُمْ ، وَالْوَيْلُ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ، لَا يَرْحَمُونَ صَغِيراً ، وَلَا يُوَقِّرُونَ كَبيراً ، وَلَا يَتَجاوَرُونَ عَنْ مُسِيءٍ أَخْبارُهُمْ خَفاءٌ ، جُنتُهُمْ جُثَتُ الْآدَمِيِّينَ ، وَقُلوبُهُمْ قُلوبُ الشَّياطين.
قال سلمان : إنّ هذا لكائن يا رسول الله ؟!
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): إِلى وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ يا سَلْمانُ ، وَعِنْدَها يَكْتَفي الرِّجالُ بِالرَّجالِ ، وَالنِّساءُ بِالنِّساءِ ، وَيُغارُ عَلَى الْغُلْمَانِ كَما يُغارُ عَلَى الْجارِيَةِ في بَيْتِ أَهْلِهَا ، وَتَشَبَّهَ الرّجالُ بِالنِّساءِ ، وَالنِّسَاءُ بِالرِّجالِ ، وَيَركَبَنَ ذَواتُ الْفروج السُّروجَ ، فَعَليهِنَّ مِنْ أُمَّتِي لَعْنَةُ اللهِ .
قال سلمان : إنّ هذا لكائن يا رسول الله ؟!
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): أَي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ يا سَلْمَانُ ، إِنَّ عِنْدَهَا تُزَخْرَفُ الْمَسَاجِدُ كَمَا تُزَحْرَفُ الْبَيَعُ وَالْكَنَائِسُ ، وَتُحَلَى الْمَصاحِفُ ، وَتُطَوَّلُ الْمَناراتُ ، وَتَكْثُرُ الصفوف بِقُلوبٍ مُتَبَاغِضَةٍ ، وَأَلْسُنٍ مُخْتَلِفَةٍ .
قال سلمان : إنّ هذا لكائن ؟!
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): إِلى وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ يا سَلْمَانُ ، وَعِنْدَها تَحَلَى ذُكورُ أُمَّتى
بِالذَّهَبِ ، وَيَلْبَسُونَ الْحَرِيرَ وَالدِّيباجَ ، وَيَتَّخِذُونَ جُلودَ النَّموِرِ صِفاقاً .
قال سلمان : إن هذا لكائن ؟!
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): إِي وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ يا سَلْمانُ ، وَعِنْدَها يَظْهَرُ الرِّبا ، وَيَتَعامَلُونَ بِالْغَيْبَةِ وَالرُّشا ، وَيوضَعُ الدِّينُ وَتُرْفَعُ الدُّنْيا .
قال سلمان : إن هذا لكائن ؟!
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) : إِلى وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ يا سَلْمانُ ، وَعِنْدَها يَكْثُرُ الطَّلَاقُ ، فَلَا يُقام لله حَدٌ ، وَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً .
قال سلمان : إنّ هذا لكائن ؟!
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) : إي والذي نَفْسي بِيَدِهِ يا سَلْمَانُ ، وَعِنْدَها تَظْهَرُ الْقَيْناتُ وَالْمَعازِفُ ، وَيَلِيهِمْ أَشْرَارُ أُمَّتى .
قال سلمان : إنّ هذا لكائن ؟!
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): أَي وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ يا سَلْمانُ ، وَعِنْدَها يَحجُّ أَغْنياءُ أُمَّتِي لِتُزْهَةِ ، وَيَحجُ أَوساطها لِلتِّجارَةِ ، وَيَحجُ فُقَراؤُهُمْ لِلرِّياءِ وَالسُّمْعَةِ ، فَعِنْدَها يَكونُ أَقوام يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ لِغَيْرِ اللهِ وَيَتَّخِذُونَهُ مَزامِيرَ ، وَيَكونُ أَقوامٌ يَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ ، وَيَكْثُرُ أَوْلَادُ الزِّنا ، وَيَتَغَنَّونَ بِالْقُرْآنِ ، وَيَتَهَافَتونَ بِالدُّنْيا.
قال سلمان : إنّ هذا لكائن ؟!
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): إِلى وَالَّذي نَفْسي بِيَدِهِ يا سَلْمانُ ، ذاكَ إِذا انْتُهِكَتِ الْمَحارِمُ ، وَاكْتُسِبَتِ الْمَآئِمُ ، وَسُلِّط الْأَشْرَارُ عَلَى الْأَخْيارِ ، وَيَفْشو الْكَذِبُ ، وَتَظْهَرُ النَّجاجَةُ ، وَتَفْشو الْفَاقَةُ ، وَيَتَباهُونَ في اللَّبَاسِ ، وَيُمْطَرُونَ فِي غَيْرِ أَوانِ الْمَطَرِ، وَيَسْتَحْسِنونَ الْكَوْبَةَ وَالْمَعَازِفَ ، وَيُنْكِرُونَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، حَتَّىٰ يَكونَ الْمُؤْمِنُ
في ذلك الزمان أذل من الأمة، ويُظهر قزاؤُهُمْ وَعَبَاءهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمُ التلاومَ ، فَأُولَئِكَ يدعون في ملك السَّمَاوَاتِ الْأَرْجاسُ وَالْأَنجاس.
قال سلمان : إن هذا الكائن ؟!
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): إي والذي نفسي بندِهِ يا سَلْمانُ، وَعِندَها لَا يَخْلَى الْغَنِي إِلَّا الفقير ، حتى أَنَّ السَّائِلَ لِيَسْأَلُ فيما بَيْنَ الْجُمْعَتَينِ لَا يُصِيبُ أَحَداً يَضَعُ فِي يَدِهِ شَيْئًا.
قال سلمان : إن هذا الكائن ؟!
قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): إي والذي نفسي بيده يا سلمان، وعندها يتكلم الروبيضة .
فقال سلمان: ما الروبيضة يا رسول الله ، فداك أبي وأمي ؟
قال (صلی الله علیه و آله و سلم): يتكلم في أمْرِ الْعامَّةِ مَنْ لَمْ يَكُن يتكلمْ، فَلَمْ يَأْتِلُوا إِلَّا قَلِيلاً حَتَّىٰ تَحْور الْأَرْض عَوْرَةً فَلَا يَظُنُّ كُلُّ قَوْمٍ إِلَّا أَنها حازت في ناحيتِهِمْ فَيَمْكُثُونَ ما شاء الله ، لم يتكلون في مكلِهِمْ فَتُلقي لَهُمُ الْأَرْضَ أَفَلاة كبدها.
قال : ذهباً وفضة ، ثم أوماً بيده إلى الأساطين ، فقال : مثل هذا ، فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ ذهَبٌ وَلَا ضُةٌ ، فهذا معنى قوله : فقد جاء أشراطها(1)»(2).
وهذا الحديث على تقدير صحته وسلامة سنده قد كشف عما يحدث في آخر الزمان من ابتعاد المسلمين عن دينهم ، وإصابتهم بكثير من التحلل والانحراف وفساد الأخلاق ، وعندها تتحقق أشراط الساعة ، وأكبر الظن أنها كناية عن خروجالإمام المهدي المنتظر (علیه السّلام).
الحديث الثاني: رواه حمران ، قال : جرى حديث الشيعة عند الإمام
الصادق (علیه السّلام)، فقال : «إِنِّي سِرْتُ مَعَ أَبي جَعْفَرِ الْمَنْصُورِ وَهُوَ فِي مَوْكِبِهِ ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ خَيْلٌ ، وَأَنا عَلى حِمارٍ إِلى جانِبِهِ ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، قَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَفْرَحَ بِما أَعْطَانَا اللهُ مِنَ الْقُوَّةِ ، وَفَتَحَ لَنَا مِنَ الْعِزَّ، وَلَا تُخْبِرِ النَّاسَ أَنَّكَ أَحَقُّ بِهذا الْأَمْرِ مِنَا وَأَهْلَ بَيْتِكَ ، فَتَعْرِينَا بِكَ وَبِهِمْ .
فقال له الإمام : مَنْ رَفَعَ هَذَا إِلَيْكَ عَنِّي فَقَدْ كَذِبٍ .
فَقَالَ لِي: أَتَحْلِفُ عَلَى مَا تَقولُ ؟
فَقُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ سَحَرَةُ - يعني يحبّون أن يفسدوا قلبك عَلَيَّ - فَلَا تُمَكِّنَهُمْ مِنْ سَمْعِكَ ، فَإِنَّا إِلَيْكَ أَحْوَجُ مِنْكَ إِلَيْنَا .
فَقالَ لي : أَتَذْكُرُ يَوْمَ سَأَلْتُكَ هَلْ لَنا مُلْكَ ؟ فَقُلْتَ : نَعَمْ ، طَوِيلٌ عَرِيضٌ شَديدٌ ، فَلَا تَزالُونَ في مُهْلَةٍ مِنْ أَمْرِكُمْ ، وَفُسْحَةٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ ، حَتَّى تُصيبوا مِنَا دَماً حَرَاماً فِي شَهْرٍ حرام ، في بَلَدٍ حَرامِ ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ حَفِظَ الْحَدِيثَ.
فَقُلْتُ : لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكْفِيكَ ، فَإِنِّي لَمْ أَخُصَّكَ بِهذا ، وَإِنَّمَا هُوَ حَديث رَوَيْتُهُ ، ثُمَّ لَعَلَّ غَيْرَكَ مِنْ أَهْلِ بَيْتَكَ يَتَوَلَّىٰ ذَلِكَ ، فَسَكَتَ عَنِّي.
فَلَمَّا رَجَعتُ إِلَى مَنْزِلي أتاني بَعْضُ مَوالينا ، فَقالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُكَ في مَوْكِبٍ أَبي جَعْفَرٍ وَأَنْتَ عَلى حِمارٍ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ ، وَقَدْ أَشْرَفَ عَلَيْكَ يُكَلِّمُكَ كَأَنَّكَ تَحْتَهُ ، فَقُلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسي : هذا حُجَّةَ اللهِ عَلَى الْخَلْقِ وَصَاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ ، وَهذَا الْآخَرُ - يعني المنصور - يَعْمَلُ بِالْجَوْرِ ، وَيَقْتُلُ أَوْلَادَ الْأَنْبِياءِ ، وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ فِي الْأَرْضِ بِما لَا يُحِبُّ اللَّهُ وَهُوَ فِي مَوْكِبِهِ وَأَنْتَ عَلَىٰ حِمارٍ ، فَدَاخَلَني في ذلِكَ شَكٍّ حَتَّىٰ خِفْتُ عَلَى دِينِي وَنَفْسِي.
قال (علیه السّلام): فَقُلْتُ : لَوْ رَأَيْتَ مَنْ كانَ حَوْلِي وَبَيْنَ يَدَيَّ ، وَمِنْ خَلْفِي ، وَعَنْ يَمِينِي ،
وَعَنْ شِمَالِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَاحْتَفَرْتَهُ وَاحْتَقَرْتُ مَا هُوَ فِيهِ.
فقال : الآن سكن قلبي .
ثم قال : إلى متى هؤلاء يملكون أو متى الراحة منهم ؟
فقال الإمامِ : أَلَيْسَ تَعْلَمُ أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مُدَّةٌ ؟
قال : بلى .
فقال (علیه السّلام): هَلْ يَنْفَعُكَ عِلْمُكَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ إِذا جَاءَ كَانَ أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ ؟ إِنَّكَ لَوْ تَعْلَمُ حَالَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَكَيْفَ هي ؟ كُنْتَ لَهُمْ أَشَدَّ بُغْضَاً ، وَلَوْ جَهِدْتَ وَجَهِدَ أَهْلُ الْأَرْضِ أَنْ يُدخِلُوهُمْ فِي أَشَدَّ ما هُمْ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ لَمْ يَقدروا فَلَا يَسْتَفِزَّنَّكَ الشَّيْطَانُ ، فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ، وَلَكِنَّ الْمُنافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ.
أَلَا تَعْلَمُ أَنَّ مَنِ انْتَظَرَ أَمْرَنَا ، وَصَبَرَ عَلى ما يَرى مِنَ الْأَدْىٰ وَالْخَوْفِ هُوَ غَداً فِي زُمْرَتِنَا ؟ فَإِذا رَأَيْتَ الْحَقَّ قَدْ مَاتَ وَذَهَبَ أَهْلُهُ ، وَرَأَيْتَ الْجَورَ قَدْ شَمِلَ الْبِلَادَ ، وَرَأَيْتَ الْقُرْآنَ قَدْ خُلِقَ ، وَأُحْدِثَ مَا لَيْسَ فِيهِ ، وَوجِّهَ عَلَى الْأَهْواءِ ، وَرَأَيْتَ الدِّينَ قَدِ انْكَفَأَ كَمَا يَنْكَفِي الْإِناءُ ، وَرَأَيْتَ أَهْلَ الْبَاطِلِ قَدِ اسْتَعلَلُوا عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ ، وَرَأَيْتَ الشَّرَّ ظَاهِراً لَا يُنْهَى عَنْهُ وَيُعذَرُ أَصْحَابُهُ ، وَرَأَيْتَ الْفِسْقَ قَدْ ظَهَرَ ، وَاكْتَفَى الرّجالُ بِالرِّجالِ ، وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ ، وَرَأَيْتَ الْمُؤْمِنَ صامتاً لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ، وَرَأَيْتَ الْفَاسِقَ لَا يُكَذِّبُ ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ كِذْبُهُ وَفِرْيَتُهُ ، وَرَأَيْتَ الصَّغِيرَ يَسْتَحِقرُ الْكَبِيرَ ، وَرَأَيْتَ الْأَرْحَامَ قَدْ تَقَطَّعَتْ ، وَرَأَيْتَ مَنْ يَمْتَدِحُ بِالْفِسْقِ يُضْحَكُ مِنْهُ ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ، وَرَأَيْتَ الْغُلَامَ يُعْطَى مَا تُعْطَى الْمَرْأَةُ ، وَرَأَيْتَ النساءَ يَتَزَوَّجْنَ بالنِّساءِ ، وَرَأَيْتَ الثَّناءَ قَدْ كَثُرَ ، وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُنْفِقُ الْمَالَ في غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ ، فَلَا يُنهى ، وَلَا يُؤْخَذُ عَلَى يَدَيْهِ ، وَرَأَيْتَ النَّاظِرَ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِمَّا يَرى فيهِ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْإِجْتِهَادِ ، وَرَأَيْتَ الْجَارَ يُؤْذِي جَارَهُ وَلَيْسَ لَهُ مَانِعٌ ،
وَرَأَيْتَ الْكَافِرَ فَرِحاً لِما يَرى في الْمُؤْمِنِ ، مَرِحاً لِمَا يَرَى فِي الْأَرْضِ مِنَ الْفَسَادِ ، وَرَأَيْتَ الْخُمورَ تُشرَبُ عَلَانِيَةٍ ، وَيَجْتَمِعُ عَلَيْها مَنْ لَا يَخَافُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَرَأَيْتَ الْأَمِرَ بِالْمَعْرُوفِ دَليلاً ، وَرَأَيْتَ الْفَاسِقَ فيما لَا يُحِبُّ اللَّهُ قَوِيَا مَحْمُوداً ، وَرَأَيْتَ أَصْحَابَ الْحَيانِ يُحَقِّرُونَ ، وَيُحْتَقَرُ مَنْ يُحِبُّهُمْ ، وَرَأَيْتَ سَبيلَ الْخَيْرِ مُنْقَطِعاً، وَسَبِيلَ الشَّرِّ مَسْلُوكاً ، وَرَأَيْتَ بَيْتَ اللَّهِ قَدْ عُطِّلَ ، وَيُؤْمَرُ بِتَرْكِهِ ، وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَقولُ ما لَا يَفْعَلُهُ ، وَرَأَيْتَ الرِّجالَ يَتَمَنَّونَ لِلرِّجالِ وَالنِّسَاءَ لِلنِّساءِ ، وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ مَعِيشَتُهُ مِنْ دُبْرِهِ ، وَمَعِيشَةَ الْمَرْأَةِ مِنْ فَرَجِها ، وَرَأَيْتُ النِّسَاءَ يَتَّخِذْنَ الْمَجالِسَ كَما يَتَّخِذُها الرَّجالُ ، وَرَأَيْتَ التَّأْنيثَ فِي وُلْدِ الْعَبّاسِ قَدْ ظَهَرَ ، وَأَظْهَرُوا الْخِضَابَ ، وَامْتَشَطُوا كَمَا تَمْتَشِطُ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا ، وَأَعطوا الرِّجالَ الأمْوالَ عَلى فُرُوجِهِمْ ، وَتُنوفِسَ فِي الرَّجُلِ ، وَتَعَايَرَ عَلَيْهِ الرَّجالُ ، وَكَانَ صَاحِبُ الْمَالِ أَعَزَّ مِنَ الْمُؤْمِنِ ، وَكَانَ الرِّبَا ظَاهِراً لَا يُغَيَّرُ ، وَكَانَ الزِّنَا يُمْتَدَحُ بِهِ النِّسَاءُ ، وَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تُصانِعُ زَوْجَهَا عَلَى الرِّجَالِ ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ النَّاسِ وَخَيْرَ بَيْتٍ مَنْ يساعِدُ النِّسَاءَ على فِسْقِهِنَّ ، وَرَأَيْتَ الْمُؤْمِنَ مَحْرُونَا مُحْتَفَراً ذليلاً، وَرَأَيْتَ الْبِدعَ وَالزِّنا قَدْ ظَهَرَ ، وَرَأَيْتَ النّاسَ يَعْتَدُونَ بِشَاهِدِ الزَّورِ ، وَرَأَيْتَ الْحَرامَ يُحَلَّلُ ، وَرَأَيْتَ الْحَلَالَ يُحَرَّمُ ، وَرَأَيْتَ الدِّينَ بِالرّأي ، وَعُطِّلَ الْكِتابُ وَأَحْكَامُهُ ، وَرَأَيْتَ اللَّيْلَ لَا يُسْتَخْفَى بِهِ مِنَ الْجُرْأَةِ عَلَى اللهِ ، وَرَأَيْتَ الْمُؤْمِنَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ إِلَّا بِقَلْبِهِ ، وَرَأَيْتَ الْعَظيمَ مِنَ الْمَالِ يُنْفَقُ فِى سَخَطِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَرَأَيْتَ الْوِلَاةَ يُقَرِّبونَ أَهْلَ الْكُفْرِ ، وَيُبَاعِدونَ أَهْلَ الْخَيْرِ ، وَرَأَيْتَ الْوُلَاةَ يَرْتَسُونَ فِي الْحُكْمِ ، وَرَأَيْتَ الْوَلَايَةَ قُبَالَةٌ لِمَن زادَ ، وَرَأَيْتَ ذَوَاتَ الْأَرْحَامِ يَنْكَحْنَ وَيُكتفى بِهِنَّ ، وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُقْتَلُ عَلَى التُهمَةِ وَالظُّنَّةِ ، وَيُغايَرُ عَلَى الرّجُلِ الذَّكَرِ فَيَبْزِلُ لَهُ نَفْسَهُ وَمَالَهُ ، وَرَأَيْتَ الرَّجُلُ يُعَيَّرُ عَلَى إِنْيانِ النِّسَاءِ ، وَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَفْهَرُ زَوْجَهَا ، وَتَعْمَلُ مَا لَا يَشْتَهِي ، وَتُنْفِقُ عَلَى زَوْجِهَا ، وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَكْرِي امْرَأَتَهُ وَجارِيَتَهُ ، وَيَرْضَىٰ بِالدُّنيء مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ،
وَرَأَيْتَ الْأَيْمَانَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَثيرَةٌ عَلَى الزَّورِ ، وَرَأَيْتَ الْقِمَارَ قَدْ ظَهَرَ ، وَرَأَيْتَ الشرابَ يُباع ظاهِراً لَيْسَ لَهُ مَانِعٌ ، وَرَأَيْتَ النِّسَاءَ يَبْذِلْنَ أَنْفُسَهُنَّ لَأَهْلِ الْكُفْرِ ، وَرَأَيْتَ الْمَلَاهِي قَدْ ظَهَرَت يُمَرُّ بِها لَا يَمْنَعَها أَحَدٌ أَحَداً ، وَلَا يَجْتَرِئُ أَحَدٌ عَلَى مَنْعِهَا ، وَرَأَيْتَ الشَّرِيفَ يَسْتَذِلُّهُ الَّذي يَخافُ سُلْطانهُ ، وَرَأَيْتَ أَقْرَبَ النَّاسِ مِنَ الْوِلَاةِ يُمْتَدَحُ بِشَتْمِنا أَهْلَ الْبَيْتِ ، وَرَأَيْتَ مَنْ يُحِبُّنا يُزَوِّرُ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، وَرَأَيْتَ الزَّورَ مِنَ الْقَوْلِ يُتَنافَسُ فِيهِ ، وَرَأَيْتَ الْقُرْآنَ قَدْ ثَقُلَ عَلَى النَّاسِ اسْتِمَاعُهُ ، وَخَفَّ عَلَى النَّاسِ اسْتِمَاعُ الْبَاطِلِ ، وَالْجَارُ يُكْرِمُ الْجَارَّ خَوْفاً مِنْ لِسانِهِ ، وَرَأَيْتَ الْحُدودَ قَدْ عُطِّلَتْ [تَعَطَّلَتْ] ، وَعُمِلَ فِيها بِالْأَهْواءِ ، وَرَأَيْتَ الْمَسَاجِدَ قَدْ زُخْرِفَتْ ، وَرَأَيْتَ أَصْدَقَ النَّاسِ عِنْدَ النَّاسِ الْمُفْتَرِي الْكَذِب ، وَرَأَيْتَ الشَّرَّ قَدْ ظَهَرَ ، وَالسَّعي بِالنَّمِيمَةِ وَالْبَغْيَ قَدْ فَشَا، وَرَأَيْتَ الْغَيْبَةَ تُسْتَمْلَحُ وَيُبَشِّرُ بِهَا النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً ، وَرَأَيْتَ طَلَبَ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ لِغَيْرِ اللَّهِ ، وَرَأَيْتَ السُّلْطَانَ يُذِلُّ لِلْكَافِرِ الْمُؤْمِنَ ، وَرَأَيْتَ الْخَرَابَ قَدْ أُدِيلَ مِنَ الْعَمَرانِ ، وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ مَعِيشَتَهُ مِنْ بَخْسِ الْمِكْيالِ وَالْمِيزَانِ ، وَرَأَيْتَ سَفْكَ الدِّمَاءِ يُسْتَخَفُ بِهَا ، وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَطْلُبُ الرِّئَاسَةَ لِغَرَضِ الدُّنْيا ، وَيَشْهَرُ نَفْسَهُ بِخُبْثِ النِّسَانِ لِيُتَّقَى وَتُسْنَدِ إِلَيْهِ الْأُمُورُ ، وَرَأَيْتَ الصَّلَاةَ قَدِ اسْتُخِفَّ بِها ، وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ عِنْدَهُ الْمَالَ الْكَثِيرَ لَمْ يُزَكِّهِ مِنْذُ مَلَكَهُ ، وَرَأَيْتَ الْمَيِّتَ يُنشَرُ مِنْ قَبْرِهِ وَيُؤْدَى وَتُبَاعُ أَكْفَانُهُ ، وَرَأَيْتَ الْهَرَجَ قَدْ كَثُرَ ، وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُمْسِي نَشْواناً وَيُصْبِحُ سَكْراناً ، لَا يَهِمُ بِمَا النَّاسُ فِيهِ ، وَرَأَيْتَ الْبَهَائِمِ تُنكَحُ ، وَرَأَيْتَ الْبَهَائِمَ يَفْرِسُ بَعْضها بَعْضاً ، وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَخْرُجُ إِلَى مُصَلَاهُ وَيَرْجِعُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ثِيابِهِ ، وَرَأَيْتَ قُلوبَ النَّاسِ قَدْ قَسَتْ ، وَجَمَدَتْ أَعْيُنُهُمْ ، وَثَقُلَ الذِّكْرُ عَلَيْهِمْ ، وَرَأَيْتَ السُّحْتَ قَدْ ظَهَرَ يَتَنافَسُ فيهِ ، وَرَأَيْتَ الْمُصَلِّي إِنَّمَا يُصَلِّي لِيَرَاهُ النَّاسُ ، وَرَأَيْتَ الْفَقِيهَ يَتَفَقَّهُ لِغَيْرِ الدِّينِ يَطْلُبُ الدُّنْيا وَالرِّئَاسَةَ ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ مَعَ مَنْ غَلَبَ ، وَرَأَيْتَ طَالِبَ الْحَلَالِ يُذَمُّ وَيُعَيَّرُ ، وَطَالِبَ الْحَرَامِ يُمدَحُ وَيُعَظْمُ.
وَرَأَيْتَ الْحَرَمَينِ يُعْمَلُ فيهِما بِما لَا يُحِبُّ الله ، لَا يَمْنَعُهُمْ مَائِعٌ ، وَلَا يَحولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَمَلِ الْقَبيحِ أَحَدٌ ، وَرَأَيْتَ الْمَعَازِفَ ظَاهِرَةٌ فِي الْحَرَمَينِ ، وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَقِّ ، وَيَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَيَقُومُ إِلَيْهِ مَنْ يَنْصَحُهُ فِي نَفْسِهِ فيقول هذا عَنْكَ مَوْضوعٌ ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ، وَيَقْتَدُونَ بِأَهْلِ الشَّرِّ، وَرَأَيْتَ مَسْلَكَ الْخَيْرِ ، وَطَرِيقُهُ خَالِياً لَا يَسْلُكُهُ أَحَدٌ ، وَرَأَيْتَ الْمَيِّتَ يُهْزَأُ بِهِ فَلَا يَفْزَعُ لَهُ أَحَدٌ ، وَرَأَيْتَ كُلَّ عامٍ يَحدَثُ فِيهِ مِنَ الْبِدْعَةِ وَالشَّرِّ أَكْثَرُ مِمَا كَانَ ، وَرَأَيْتَ الْخَلْقَ وَالْمَجَالِسَ لَا يُتابِعونَ إِلَّا الْأَغْنِيَاءَ وَرَأَيْتَ الْمُحْتَاجَ يُعْطَى عَلَى الضَّحِكِ بِهِ ، وَيُرْحَمُ لِغَيْرِ وَجْهِ اللَّهِ ، وَرَأَيْتَ الْآيَاتِ فِي السَّمَاءِ لَا يَفْزَعُ إِلَيْهَا أَحَدٌ ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَتَسافَدُونَ كَما تَتَسَافَدُ الْبَهَائِمُ لَا يُنْكِرُ أَحَدٌ مُنْكَراً تَخَوْفاً مِنَ النَّاسِ ، وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُنْفِقُ الْكَثِيرَ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللهِ ، وَيَمْنَعُ الْيَسير في طَاعَةِ اللَّهِ ، وَرَأَيْتَ الْعُقوقَ قَدْ ظَهَرَ ، وَاسْتَخِفَّ بِالْوالِدَينِ ، وَكانا مِنْ أَسْوَأَ النَّاسِ حالاً عِنْدَ الْوَلَدِ ، وَيَفْرَحُ بِأَنْ يَفْتَرِي عَلَيْهِما ، وَرَأَيْتَ النِّسَاءَ قَدْ غَلَبِنَ عَلَى الْمُلْكِ وَغَلَبْنَ عَلَى كُلِّ أَمْرٍ لَا يُؤْتَىٰ إِلَّا مَا لَهُنَّ فِيهِ هَوَى.
وَرَأَيْتَ ابْنَ الرَّجُلِ يَفْتَرِي عَلى أَبِيهِ ، وَيَدْعو عَلى وَالِدَيْهِ ، وَيَفْرَحُ بِمَوتِهِمَا ، وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ إِذا مَرَّ بِهِ يَوْمٌ وَلَمْ يَكْسِبُ فِيهِ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ مِنْ فُجورٍ أَوْ بَخْسِ مِكيالٍ أَوْ مِيزَانٍ أَوْ غَشَيانِ حَرامِ أَوْ شُرْبِ مُسْكِرٍ يُرى كَثِيباً حَزيناً يَحْسَبُ أَنَّ ذلِكَ الْيَوْمَ عَلَيْهِ وَضَيَّعَهُ مِنْ عُمُرِهِ ، وَرَأَيْتَ السُّلْطَانَ يَحْتَكِرُ الطَّعامَ ، وَرَأَيْتَ أَمْوالَ ذَوِي الْقُرْبِي تُقسَمُ فِي الزَّورِ وَيُتَقامَرُ بِهَا ، وَتُشْرَبُ بِها الْخُمورُ ، وَالْخَمْرَ يُتداوى بها ، وَتُوصَفُ لِلْمَرِيضِ وَيُسْتَشْفَى بها ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ قَدِ اسْتَووا في تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَتَرْكِ التَّدَينِ بِهِ ، وَرَأَيْتَ رِياحَ الْمُنافِقِينَ وَأَهْلِ النَّفَاقِ قائِمَةٌ ، وَرِيَاحَ أَهْلِ الْحَقُّ لَا تَحَرَّكَ ، وَرَأَيْتَ الْأَذانَ بِالْأَجْرِ وَالصَّلَاةِ بِالْأَجْرِ ، وَرَأَيْتَ الْمَسَاجِدَ مُحْتَشِدَةٌ مِمَّنْ لَا يَخَافُ اللَّهَ ، مُجْتَمِعُونَ فِيهَا لِلْغَيبَةِ ، وَأَكْلِ لُحومِ أَهْلِ الْحَقِّ وَيَتَوَاصَفُونَ فِيها شَرَابَ الْمُسْكِرِ،
وَرَأَيْتَ السَّكْرانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ وَلَا يُشَانُ بِالسُّكْرِ ، وَإِذَا سَكَرَ أُكْرِمَ وَاتَّقِيَ وَخيفَ وَتُرِكَ لا يُعاقَبُ وَيُعْذَرُ بِسُكْرِهِ ، وَرَأَيْتَ مَنْ أَكَلَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ يُحْمَدُ بِصَلَاحِهِ ، وَرَأَيْتَ الْقُضَاةَ يَقْضُونَ بِخِلَافِ ما أَمَرَ اللهُ ، وَرَأَيْتَ الْوُلَاةَ يَأْتَمِنونَ الْخَوَنَةَ لِلطَّمَعِ ، وَرَأَيْتَ الْمِيرَاثَ قَدْ وَضَعَتْهُ الْوُلَاةُ لِأَهْلِ الْفُوقِ وَالْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ ، يَأْخِدُونَ مِنْهُمْ وَيُخَلُونَهُم وَمَا يَشْتَهُونَ ، وَرَأَيْتَ الْمَنابِرَ يُؤْمَرُ عَلَيْهَا بِالتَّقْوىٰ وَلَا يَعْمَلُ الْقَائِلُ بِمَا يَأْمُر ، وَرَأَيْتَ الصَّلَاةَ قَدِ اسْتَخِفَّ بِأَوْقاتِها ، وَرَأَيْتَ الصَّدَقَةَ بِالشَّفَاعَةِ لَا يُرَاد بِهَا وَجْهَ اللَّهِ ، وَتُعْطَى لِطَلَبِ النَّاسِ ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ هَمُّهُمْ بُطُونُهُمْ وَفُروجُهُمْ ، لَا يُبَالُونَ بِمَا أَكَلُوا وَمَا نَكَحوا ، وَرَأَيْتَ الدُّنْيا مُقْبِلَةٌ عَلَيْهِمْ ، وَرَأَيْتَ أَعْلَامَ الْحَقِّ قَدْ دَرَسَتْ .
فَكُنْ عَلَى حَذَرٍ وَاطْلُبْ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ النَّجاةَ ، وَإِنَّمَا يُمْهِلُهُمْ لِأَمْرِ يُرَادُ بِهِمْ ، فَكُنْ مُتَرَقِّباً ، وَاجْتَهِدْ لِبَراكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي خِلَافِ ما هُمْ عَلَيْهِ ، فَإِنْ نَزَلَ بِهِمْ الْعَذَابَ عَجَلتَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ ، وَإِنْ أُخَرتَ ابْتُلُوا ، وَكُنْتَ قَدْ خَرَجْتَ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يُضيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ، وَأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ»(1).
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن بعض الأخبار التي ذكرت أشراط الساعة ، وهي صريحة في انهيار أخلاق الناس ، وتحللهم من جميع المبادئ والقيم التي يسمو بها الإنسان ، وعودتهم إلى مآثم الحياة الجاهلية وشرورها ، وأغلب الظن أنها من أمارات و علائم ظهور الإمام المنتظر (علیه السّلام)، فإنه لا يظهر إلا بعد تمادي الناس في الإثم ، وانتشار الرذائل ، وشيوع المنكر ، وانعدام الروابط الاجتماعية ، وتفكك الأسر، فلم تعد بينها رابطة المحبة والمودة والألفة .
1) الكافي : 8: 36 - 42. إثبات الهداة 3: 86 - 90. الميزان في تفسير القرآن : 5: 396 - 400.
ومن بين الأمارات الحتمية خروج الدجّال ، وظهوره على مسرح الحياة ، وقيامه بتضليل الرأي العام ، وانقياد اليهود لحكمه ، وتماديهم في الولاء له ، وإغراؤه للسذج والبسطاء بالأموال، حتى يكون فؤة ضارية يسيطر على بعض مناطق العالم الإسلامي . وعلى أية حال، فلابد لنا من وقفة قصيرة للحديث عن الدجال .
وتظافرت الأخبار بحتمية ظهور الدجّال قبل خروج الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وهذه بعضها :
1 - روی هشام بن عامر ، قال : سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول : «مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قيامِ السَّاعَةِ أَمْرٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَالِ»(1).
ومعنى الحديث أن الدجال من أهم الأحداث التي تجري في عالم الوجود ؛ وذلك لما يصحبه من الفتن والدجل وإراقة الدماء .
2 - روى أنس بن مالك عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «مَا مِنْ نَبِيُّ إِلَّا أَنذَرَ أُنهُ الدَّجَالَ الْأَعْورَ الْكَذَابِ ، أَلَا إِنَّهُ أَعُورُ ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ : كَافِرٌ»(2).
القد حذر الأنبياء أجمعهم من فتنة الدجال وإغرائه ودعواء الكاذبة التي تصد عن الحق ، وتلقي الناس في شرّ عظيم .
3 - روت أسماء بنت يزيد بن السكن ، قالت : «كان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في بيتي فذكر الدجال ، فقال : إِن بَيْنَ يَدَيْهِ ثَلاث سنين: منة لشبيك السماء فيها تلك قطرها،
وَالْأَرْضُ ثُلُثَي نَبَاتِها .
وَالثَّانِيَةُ : تُمْسِكُ السَّمَاءُ ثُلُثَي قَطْرِها ، وَالْأَرْضُ ثُلُثَي نَبَاتِهَا .
وَالثَّالِثَةُ : تُمْسِكُ السَّماءُ قَطْرِها كُلَّهُ ، وَالْأَرْضُ نَبَاتَهَا كُلَّهُ ، فَلَا يَبْقَىٰ ذَاتُ ضِرْسٍ وَلَا ذاتُ ظِلْفٍ ، وَلَا ذاتُ خُفَّ مِنَ الْبَهَائِمِ إِلَّا مَلَكَتْ ، وَإِنَّ مِنْ أَشَرٌ فِتْنَتِهِ أَنَّهُ يَأْتِي الْأَعْرَابِيَّ فَيَقُولُ : أَرَأَيْتَ إِنْ أَحْيَيْتُ لَكَ إِبِلَكَ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنِّي رَبُّكَ ؟
فَيَقولُ : بَلَى ، فَتَمْثلُ الشَّيَاطِينُ لَهُ نَحْوَ إِبِلِهِ كَأَحْسَنِ مَا تَكونُ ضُروعاً ، وَأَعْظَمِهِ وأَسْمَنِهِ ، قَالَ : وَيَأْتِي الرَّجُلُ قَدْ مَاتَ أَخوهُ ، وَماتَ أَبوهُ فَيَقُولُ : أَرَأَيْتَ إِنْ أَحْيَيتُ لَكَ أَبَاكَ وَأَحْيَيْتُ لَكَ أَخَاكَ ، أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنِّي رَبُّكَ ؟
فَيَقُولُ : بَلَى ، فَتَمْثَلُ لَهُ الشَّيَاطِينُ نَحْوَ أَبِيهِ وَنَحْوَ أَخِيهِ.
قالت أسماء : ثم خرج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الحاجة ، ثم رجع ، والقوم في اهتمام وغم مما حدثهم به ، فأخذ (صلی الله علیه و آله و سلم) بناصيتي الباب ، والتفت إلى أسماء فقال لها : مَهيم أسماء ؟
فقالت أسماء : يا رسول الله ، لقد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال .
فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا حَيٌّ فَأَنا حَجِيجُهُ ، وَإِلَّا فَإِنَّ رَبِّي خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ .
فقالت أسماء : يا رسول الله ، إنا والله لنعجن عجينتنا فما نختبزها حتى نجوع ، فكيف بالمؤمنين يومئذ ؟
فقال (صلی الله علیه و آله و سلم): يُجْزِنُهُمْ مَا يُجْزِئُ أَهْلَ السَّمَاءِ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّقْديس»(1).
4 - روى أبو أمامة الباهلي ، قال : «خطبنا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فكان أكثر خطبته حديثاً
1) عقد الدرر : 261 ، أخرجه أحمد في مسنده : 6: 456، ورواه البغوي في مصابيح السنة .
حدثناه عن الدجال ، وحذرناه ، فكان من قوله أن قال : إِنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ مُنْذُ ذَرَأَ اللَّهُ آدَمَ أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَالِ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيَا إِلَّا حَذَرَ أُمَّتَهُ الدَّجَالَ ، وَأَنَا آخِرُ الْأَنْبِياءِ ، وَأَنْتُمْ آخِرُ الْأُمَمِ ، وَهُوَ خَارِجٌ فِيكُمْ لَا مَحَالَةَ ، فَإِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا بَيْنَ ظَهْرَانِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجٌ لَكُلِّ مُسْلِمٍ ، وَإِنْ يَخْرُجْ مِنْ بَعْدِي فَكُلُّ امْرِيُّ حَجِيجُ نَفْسِهِ ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي ن كُلِّ مُسْلِمٍ ، وَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ خَلَّةٍ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ ، فَيَعِيثُ يَمِينًا ، وَيَعِيثُ شِمَالاً.
يا عباد اللهِ ، فَاثبتوا فَإِنِّي سَأَصِفْهُ لَكُمْ وَصْفاً لَمْ يَصِفُهُ إِيَّاهُ نَبِيٌّ قَبْلِي . إِنَّهُ يَبْدَأُ فَيَقُولُ : أَنَا نَبِيٍّ ، وَلَا نَبِيَّ بَعْدِي ، ثُمَّ يُتَني فَيَقولُ : أَنَا رَبُّكُمْ ، وَلَا تَرُونَ رَبَّكُمْ حَتَّىٰ تَمُوتُوا ، وَإِنَّهُ أَعْوَرُ ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ ، يَقْرَأُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ أَوْ غَيْرَ كاتِبِ(1)، وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنَّ مَعَهُ جَنَّةٌ وَناراً ، فَنارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ(2)، فَمَنِ ابْتُلِيَ بِنَارِهِ فَلْيَسْتَغِتْ بِاللَّهِ ، وَلِيَقْرَأُ فَواتِحَ الْكَهْفِ فَتَكونَ عَلَيْهِ بَرْداً وَسَلَامًا كَمَا كَانَتِ النَّارُ عَلَى إبراهيم .
وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَقُولُ لِأَعْرَابِيُّ : أَرَأَيْتَ إِنْ أَبْعَثْ لَكَ أَبَاكَ وَأُمَّكَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَبُّكَ ؟ فَيَقولُ : نَعَمْ ، فَيَتَمَثَّلُ لَهُ شَيْطَانَانِ في صورَةِ أَبِيهِ وَأُمُّهِ ، فَيَقُولَانِ : يَا بُنَيَّ ، اتَّبِعْهُ فَإِنَّهُ رَبُّكَ.
وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يُسَلِّطَ عَلَى نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَيَقْتُلُهَا وَيَنْشُرُهَا بِالْمِنْشَارِ حَتَّى تُلْقَى
1) عقد الدرر : 267. وقال النووي في شرح صحیح مسلم : 8: 40: «الصحيح الذي عليه المحققون إن هذه الكتابة على ظاهرها ، وأنها كتابة حقيقية جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفر الدجّال وكذبه وإبطاله يظهرها الله لكلّ مسلم كاتب وغير كاتب ، ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته.
2) روى حذيفة عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «إِنَّ الدَّجَالَ يَخْرُج، وَإِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَاراً، فَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ مَاءً فنارٌ تَحرُقُ، وَأَمَّا الَّذي يَرَاهُ النَّاسُ ناراً فَمَاءٌ بَارِدٌ عَذِبٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَرَاهُ ناراً، فَإِنَّهُ ماءٌ عَذِبٌ طَيِّبٌ» - حیح مسلم : 8: 196.
شِقَّتَينِ ، ثُمَّ يَقولُ: انْظُرُوا إِلى عَبْدي هذا فَإِنِّي أَبْعَثُهُ الْآنَ ، ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ رَبِّاً غَيْرِي ، فَيَبْعَتُهُ اللهُ تَعالى ويقولُ لَهُ الْخَبيثُ : مَنْ رَبُّكَ ؟ فَيَقولُ : رَبِّى اللهُ ، وَأَنْتَ عَدُوٌّ اللهِ ، أَنْتَ الدَّجَالُ ، وَاللهِ ما كُنْتُ بَعْدُ أَشَدَّ بَصِيرَةً بِكَ مِنِّي الْيَوْمَ»(1).
وألقى هذا الحديث - والذي قبله - الأضواء على دعاوى الدجال ، وأنه يدعي الربوبية ، ويضل الناس بما عنده من وسائل الدجل والخبث .
ولم يتضح لنا اسم الأعور الدجال ، فقد عرف بلقبه ، ومن ألقابه الأخرى :
المسيح ، والسبب في لقبه هذا اللقب أمور:
1 - إنّه ممسوح العين .
2 - إنّه يمسح الأرض يقطعها أو يطوفها كلّها ، إلا مكة والمدينة وبيت المقدس(2).
وكنى الدجّال ، هي :
1 - أبو يوسف .
2 - أمير السلام أو إله فتى كرست ، لقبه بذلك اليهود(3).
3 - الرئيس ، لقبه بذلك النصارى(4).
4 - الدكتاتور(5).
5 - الحاكم الأعلى.
أما صفات الأعور الدجال فهي قبيحة تنم عن شروره وآثامه ، وقد أعلنت الأخبار بعض صفاته وملامحه ، فقد أثر عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ما یلي:
1 - «إِنَّهُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسرى»(1).
2 - «أَعُورُ الْعَيْنِ الْيُمنى كَأَنَّ عَيْنَهُ عَنبةٌ طَافِئَة»(2).
3 - «إِنَّهُ أَعُورُ ذو حَدَقَةٍ جَاحِظَةٍ لا تَخْفى كَأَنَّهَا نُحَاعَةٌ فِي جَنْبِ جِدار»(3).
وعلى أية حال، فهو أعور ، سواء كانت عينه اليمنى أم اليسرى .
4 - «إِنَّهُ هَيجانُ أَزْهَر»(4)، أي أبيض فيه حمرة .
5 - «عريضُ الْجَبْهَةِ ، مُشرِفُ الجيد»(5).
6 - «جفالُ الشَّعَر»(6)، أي شعره كثيف ملتف.
روى الضحاك : «أنّ الدجال ليس له لحية ، وافر الشارب ، طول وجهه ذراعان ، وقامته في السماء ثمانون ذراعاً ، وعرض ما بين منكبيه ثلاثون ذراعاً ، ثيابه وخفاه
وسرجه ولجامه بالذهب والجوهر ، على رأسه تاج مرصع بالذهب والجوهر ، في يده طبرزن هيئته هيئة المجوس ، ترسه ترس فارسيّة ، وكلامه الفارسية ، تطوى له الأرض ولأصحابه طيّاً طيّاً ، يطأ مجامعها ، ويرد مناهلها إلا المساجد الأربعة : مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس ومسجد الطور»(1).
وهذا الجسم بهذه الكيفية من الارتفاع والعرش خارج عن أجسام الإنسان ، ويكون فصيلة أخرى ولم تنص أية رواية على ذلك.
ويبتلى المؤمنون به. يقول بعض العلماء : ليس على أهل القدر حديث أشدّ من حديث الدجال»(2).
يقول النووي : «إنّه شخص ابتلى الله به عباده ، وأقدره على أشياء من مقدورات الله سبحانه»(3).
«وتظهر على يده بعض الآيات كإنزال المطر وغيره حتى يكون فتنة لمن رآه ، ولكن الله تعالى يكشف زيفه للمؤمنين الأخيار، ويؤمن به السذج والبسطاء ممّن اظلمت نفوسهم»(4).
وأثر عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «كَيْفَ بِكُمْ إذا ابْتُليتُمْ بِعَبْدٍ قَدْ سُخَّرَتْ لَهُ أَنْهَارُ الْأَرْضِ وَثِمَارُها ، فَمَنْ تَبِعَهُ أَطْعَمَهُ وَأَكْفَرَهُ»(5).
إنّه مصدر فتنة وبلاء واختبار إلى الناس ، فمن آمن به فقد صرف من الإسلام ، ومن كفر به وجحده فهو المؤمن الذي امتحن الله قلبه للإيمان ، وإنّه ليفتك بالمؤمنين فتكاً ذريعاً ، وينزل بهم أقسى وأشد ألوان العذاب.
أما جنود الدجّال وأتباعه فمعظمهم من اليهود الذين هم السبب لكل فتنة وفساد في الأرض ، وقد أثر عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال: «الدَّجَالُ أَوَّلُ مَنْ يَتْبَعُهُ سَبْعونَ أَلْفاً مِنَ الْيَهُودِ ، عَلَيْهِمُ السّيجانُ(1)، وَمَعَهُ سَحَرَةُ الْيَهُودِ يَعْمَلُونَ الْعَجانِبَ وَيُرونَها لِلنَّاسِ فَيُضِلُّونَهُمْ بِها»(2).
وفي رواية أُخرى : «يَتْبَعُ الدَّجَالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهان سَبْعُونَ أَلْفاً عَلَيْهِمُ الطَّيالِسَةُ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ امْرَأَة»(3).
ويقول الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم): «يَخْرُجُ إِلَيْهِ غَوْعَاءُ النَّاسِ» ، والغوغاء معظمهم من السواد الذين تغويهم الدعاية حيثما شاءت .
ومن أتباعه ذوو الأطماع ، ففي الحديث النبوي : «لَيَصْحَبَنَّ الدَّجَالَ أَقْوامٌ يَقولونَ: إِنَّا لَنَصْحَبَهُ وَإِنْ لَتَعْلَمَ أَنَّهُ كَافِرٌ ، وَلَكِنْ نَصْحَبَهُ لِتَأْكُلَ مِنْ طَعَامِهِ ، وَتَرْعَى مِنَ الشَّجَرِ ، فَإِذَا غَضِبَ اللهُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ جَميعاً»(4).
وتؤمن اليهود بالدجّال ، وينصبونه قائداً أعلى لهم ، ويرون أنه المسيح
الموعودون به ، ويقولون : هذا هو حقاً المسيح الذي طالما انتظرناه ، هذا هو الذي يتكلّم كتابنا المقدّس عنه(1).
إنّ اليهود يؤمنون بالدجّال لأنّه يحمل أفكارهم، ويشاركهم أحقادهم على الإسلام ، وهو سيدخل المعارك ضد المسلمين لتحقيق أطماع الصهيونية التي تمده بالمال والسلاح.
أما أمارات ظهور الدجال فهي والتي منها : شيوع الظلم والجور ، وانتشار الفساد ، وانعدام التوازن بين أفراد المجتمع أن يُمنى الناس بكوارث اجتماعية واقتصادية ، وداخل الأسرة ، كما أنّ من الأمارات جفاف المياه، وقلّة الزراعة ، وانتشار القحط وشيوع البطالة ، وفقدان العمل ، وانعدام المستوى الثقافي والحضاري ، وغير ذلك من الآفات الاجتماعية المدمرة .
وفي الحديث النبوي : «يَكونُ قَبْلَ خروجهِ سِنونَ خَمْسٌ جُدْبٌ ، يَهلَك كُلُ ذي حافِرِ»(2).
ويأتيهم الدجّال بالطعام لإغرائهم ، وصدّهم عن سبيل الله تعالى ، إنه يأتيهم بالطعام في وقت ينهش الجوع أجسامهم ، وقد عجزت التكنولوجيا من توفير الطعام لهم.
وفي الحديث : «إِنَّا أَعْلَمُ بِما مَعَ الدَّجَالِ مِنَ الرِّجالِ ، مَعَهُ نَهْرانِ يَجْرِيانِ: أَحَدُهُما رَأْيَ الْعَيْنِ مَاءً أَبْيَضُ، وَالْآخَرُ: رَأْيَ الْعَيْنِ نَارٌ تَتَأَجَّج»(3).
ومن بلاء الدجال وفتنته أنّه يخرج المعادن من الأرض ، ففي الحديث : «يَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ فَيَقولُ لَهَا : أَخْرِجي كُنُوزَكِ ، فَتَتْبَعُهُ كُنوزها»(1)
وفي حديث آخر : «إِنَّهُ يَأْمُرُ الْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ ، فتنبت»(2).
ومعنى ذلك أنه ذلك أنه يستخدم السحر في سبيل أغراضه وغوايته للخلق ، فالسحر سلاحه الوحيد الذي يسيطر به على البسطاء الذين لم يكن لهم أي رصيد من العلم والتقوى .
ونهاية هذا المجرم الخطير تكون على يد الإمام المنتظر (علیه السّلام)، المنقذ الأعظم ، فقد روى الإمام الصادق (علیه السّلام) بسنده عن آبائه ، عن جده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه ذكر خروج الدجال ، والقرية التي يخرج منها ، وبعض أوصافه ، وأنه يدّعي الالوهية ، وأنه في أول يوم من خروجه يتبعه سبعون ألفاً من اليهود وأولاد الزنا والمدمنين للخمر ، والمغنّين ، وأصحاب اللهو ، والأعراب ، والنساء .
وقال (علیه السّلام): «فَيُبيحُ الزَّنا وَاللُّواطَ وَسائِرَ الْمَناهِي حَتَّى يُباشِرَ الرِّجالُ النِّسَاءَ وَالْعِلْمَانَ في أَطْرافِ الشَّوارع ، عُراةٌ ، وَعَلَانِيَةً ، وَيُفرِطُ أَصْحابُهُ في أَكْلِ لَحْم الْخِنزيرِ ، وَشُرْبِ الْخُمورِ ، وَارْتِكابِ أَنواع الْفُسْقِ وَالْفُجورِ ، وَيُسَخَّرُ آفَاقَ الْأَرْضِ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَمَراقِدَ الْأَئِمَّةِ (علیهم السّلام)، فَإِذا بَلَغَ فِي طُغْيانِهِ ، وَمَلَأَ الْأَرْضَ مِنْ جَوْرِهِ وَجَوْرِ أَعْوانِهِ يَقْتُلُهُ مَنْ للام ، يُصَلِّي خَلْفَهُ عيسى بْنُ مَرْيَمَ ، وَهُوَ الْإِمامُ الْمَهْدي (علیه السّلام)»(3).
إنّ الدجّال الذي يقود حملة إرهابية من أجل الصهيونية العالمية فيشيع الخراب ، وينشر الفساد ، ويحارب الله تعالى ، تكون نهايته على يد أعظم مصلح اجتماعي .
من العلامات الحتمية لظهور الإمام المنتظر (علیه السّلام): خروج السفياني ، وهو من أعمدة الشر والفساد في الأرض ، ولا بد لنا من وقفة قصيرة للحديث عنه :
نصت عض المصادر أن السفياني من نسل خالد بن يزيد(1)حفيد أبي سفيان العدوّ الأول للرسول وللإسلام ، وهذه الأسرة لم تنجب إلا أعداء الإسلام ، وخصوم لقرآن ، وأراذل البشرية .
أما ملامحه ، فهي : «ضخم الهامة ، ويوجهه أثر الجدري ، ويعينه نكتة بيضاء»(2).
أما نزعاته ، فهي تحمل الشرّ والإثم والظلم والاعتداء على الناس ، فهو إنسان ممسوخ ، من أقذر من عرفتهم الإنسانية ، فإنّه إذا ظهر يقتل الصبيان ، ويبقر بطون النساء(3)، ويقتل الأبرياء ، إلى غير ذلك من ظلمه وموبقاته
1) عقد الدرر : 107 ، الباب الرابع ، الحديث 122 ، وفي حديث آخر عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام): «أَنَّ اسْمَهُ حَرْبُ بْنُ عَنْبَسَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنَ مُعاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيان» ، ومعنى ذلك أنه مولود قبل الإمام المنتظر (علیه السّلام) ، ومختف عن الأبصار ، وفي مشارق الأنوار : 102: «أَنَّ السفياني مِنْ ذُرِّيَّةِ أَبِي سُفْيان».
2) عقد الدرر : 107 و 108.
3) عقد الدرر : 108 .
وأدلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بحديث مهم عن السفياني ، أعرب فيه عن جرائمه وموبقاته ، وما يقترفه من الظلم والجور . قال (علیه السّلام) بعد ما ذكر اسمه :
«إِنَّهُ مَلْعُونَ فِي السَّمَاءِ ، مَلْعُونَ فِي الْأَرْضِ ، أَشَدُّ خَلْقِ اللَّهِ جَوْراً ، وَأَكْثَرُ خَلْقِ اللَّهِ ظلماً».
وذكر (علیه السّلام) أُموراً ، ثم قال :
«ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الْغُوطَةِ ، فَما يَبْرُحُ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ إِلَيْهِ ، وَيَلْحَقُ بِهِمْ أَهْلُ الصَّغائِنِ فَيَكُونُ فِي خَمْسِينَ أَلْفاً ، ثُمَّ يَبْعَثُ إِلى كَلْبِ(1)، فَيَأْتِيهِ مِنْهُمْ مَثَلُ السَّيْلِ ، وَيَكونُ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ رِجالُ الْبَرْبَرِ يُقاتِلُونَ رِجَالَ الْمَلِكِ مِنْ وَلَدِ الْعَبَاسِ ، فَيُفاجِتُهُمْ السُّفْياني في عَصائِبِ أهْلِ الشَّامِ ، فَتَخْتَلِفُ الثَّلَاثُ راياتٍ ، رِجالٌ وَلَدِ الْعَباسِ وَهُمُ التركُ وَالدَّيْلَمُ وَالْعَجَمُ راياتُهُمْ سَوْداءُ ، وَرايَةُ الْبَرْبَرِ صَفْراءُ ، وَرايَةُ السُّفْيانيِّ حَمْراءُ ، فَيَقْتَتِلُونَ بِبَطْنِ الوادي في الأردُنَّ قِتالاً شَديداً ، فَيُقْتَلُ فِيمَا بَيْنَهُمْ سِتَونَ أَلْفَاً ، فَيَغْلِبُ السفيانيُّ ، وَإِنَّهُ لَيَعْدِلُ فِيهِمْ حَتَّى يَقول القائِلُ : ما كانَ يُقالُ فِيهِ إِلَّا كَذِبٌ ، وَاللهِ إِنَّهُمْ لَكاذِبونَ ، لَو يَعْلَمونَ ما تَلْقَى أُمَّةُ مُحَمَّد (صلی الله علیه و آله و سلم) مِنْهُ ما قالوا ذلِكَ ، فَلَا يَزالُ يَعْدِلُ حَتَّى لله يَسيرَ وَيَعْبُرَ الْفُرات ، وَيَنْزِعُ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ الرَّحْمَةَ ثُمَّ يَسيرُ إِلَى الْمَوْضِعَ الْمَعْرُوفِ بِقَرقيسيا ، فَيَكونُ لَهُ بِها وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ وَلَا تَبْقَى بَلَدٌ إِلَّا بَلَغَهُ خَبَرُهُ فَيُداخِلُهُمْ مِنْ ذلِكَ الْجَزَعُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلى دِمَشْقَ ، وَقَدْ دانَ لَهُ فَيُجَيِّشُ : جَيْشَاً إِلَى الْمَدِينَةِ(2)،
وَجَيْشَاً إِلَى الْمَشْرِقِ .
فَأَمَّا جَيْشُ الْمَشْرِقِ فَيَقْتُلُونَ بِالزَّوراء(1)سَبْعِينَ أَلفاً ، وَيَبْفرونَ بُطُونَ ثَلَاثِمَانَةِ امْرَأَةٍ ، وَيَخْرُجُ الْجَيْشُ مِنَ الزَّوراءِ إِلَى الْكُوفَةِ فَيَقْتُلُ بِها خَلْقاً.
وَأَمَّا جَيْشُ الْمَدِينَةِ بَعْدَ أَنْ يَفْعَلُوا بِالْمَدِينَةِ ما أَحَبُوا يَخْرُجُونَ مِنْها إِلى مَكَّةَ ، وَإِذا تَوَسطوا الْبَيْداءَ صاحَ بِهُمْ صائِحٌ وَهُوَ جَبرَئيلُ ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا خَسَفَ الله تَعَالَى بِهِ ، وَيَكونُ في آخِرِ (أَثَرِ) الْجَيْشِ رَجُلَانِ يُقالُ لَهُما : بشير ، فَيُبَشِّرُهُمْ(2)، وَالْآخَرُ: نَذِيرٌ فَيَرجِعُ إِلَى السَّفيانِي فَيُخْبِرُهُ بِما نالَ الْجَيْشَ عِنْدَ ذلِكَ ، وَأَنَّهُمْ - أي البشير والنذير - مِنْ جُهَيْنَةَ.
ثُمَّ يَهْرُبُ قَوْمٌ مِنْ وَلَدِ رَسولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) إِلى بَلَدِ الرّومِ ، فَيَبْعَثُ السُّفْيَانِيُّ إِلَى مَلِكِ الروم: رُدَّ إِلَيَّ عَبيدي ، فَيَرُدُّهُمْ إِلَيْهِ ، فَيَضْرِبُ أَعْناقَهُمْ عَلَى الدَّرَجِ شَرْقِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ ، فَلَا يُنْكَرُ ذلِكَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يَسِيرُ فِي سَبْعِينَ أَلْفَا نَحْوَ الْعِراقَيْنِ : الْکوفَةُ وَالْبَصْرَةُ ، ثُمَّ يَدورُ الْأَمْصارَ ، وَيَحُلُّ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةٌ بَعْدَ عُرْوَةٍ ، وَيَقْتُلُ أَهْلَ الْعِلْمِ ، وَيَحْرِقُ الْمَصاحِفِ ، وَيُخَرِّبُ الْمَسَاجِدَ ، وَيَسْتَيحُ الْحَرامَ ، وَيَأْمُرُ بِضَرْبِ الْمَلَاهِي وَالْمَزامِيرِ في الْأَسْواقِ ، وَالشُّرْبِ عَلَى قَوارِعِ الطُّرُقِ ، وَيُحَلِّلَ الْفَوَاحِشَ ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ كُلَّ ما فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَرَائِضِ ، وَلَا يَرْتَدِعُ عَنِ الظُّلْمِ وَالْفُجورِ ، بَلْ يَزْدادُ تَمَرُّداً وَعُتُواً، وَيَقْتُلُ كُلَّ مَنْ اسْمُهُ: أَحْمَدُ ، وَمُحَمَّدُ ، وَعَلِيٌّ ، وَجَعْفَرُ ، وَحَمْزَةٌ ، وَحَسَنُ ، وَحُسَيْنُ ، وَفَاطِمَةُ ، وَزَيْنَبُ ، وَرُقَيَّةٌ ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ ، وَخَديجَةٌ ، وَعاتِكَةُ ، حُنْقاً وَبُغْضاً
لالِ بَيْتِ رَسولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم).
ثُمَّ يَبْعَثُ فَيَجْمَعُ الْأَطْفَالَ ، وَيَغْلِي الزَّيْتَ لَهُمْ ، فَيَقُولُونَ : إِنْ كَانَ آبَاؤُنَا عَصَوْكَ فَنَحْنُ ما ذنبنا ؟ فَيَأْخُذُ مِنْهُمُ اثْنَيْن حَسَناً وَحُسَيناً فَيَصْلِبُهُما .
ثُمَّ يَسيرُ إِلَى الْکوفَةِ ، فَيَفْعَلُ بِهِمْ كَما فَعَلَهُ بِالْأَطْفالِ ، وَيَصْلِبُ عَلى بَابِ مَسْجِدِها طِفْلَيْن أَسْمَاؤُهُما حَسَنٌ وَحُسَيْنُ ، فَتَغْلِي دِمَاؤُهُما كَما عَلَىٰ دَمُ يَحْيِي بْنِ زَكَرِيَّا (علیهما السّلام)، فَإِذا رَأى ذلِكَ أَيْقَنَ بِالْهَلَاكِ وَالْبَلَاءِ ، فَيَخْرُجُ هارباً مِنْهَا مُتَوَجِّهَا إِلَى الشَّامِ ، فَلَا يَرِى فِي طَريقِهِ أَحَداً يُخالِفُهُ ، فَإِذا دَخَلَ دِمَشْقَ اعْتَكَفَ عَلى شُرْبِ الْخَمْرِ وَالْمَعاصى ، وَيَأْمُرُ أَصْحابَهُ بِذلِكَ ، وَيَخْرُجُ السُّفيانِيُّ وَبِيَدِهِ حَرْبَةٌ ، فَيَأْخُذُ امْرَأَةٌ حَامِلاً فَيَدفَعُها إِلَىٰ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَيَقولُ : افجُرْ بِها في وَسَطِ الطَّريقِ. فَيَفْعَلُ ذلِكَ ، وَيَبْقُرُ بَطْنَها ، فَيَسْقُطُ الْجَنينُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ ، فَلَا يَقدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُغَيِّرَ ذلِكَ.
وذكر الإمام علي (علیه السّلام) أوصاف الإمام المهدي (علیه السّلام)، وأوصاف أصحابه وعددهم ، وأوصاف السيّد الحسني الذي يبايع الإمام هو وأصحابه بعد ما يرون الكرامة والمعجزة منه ، وأضاف الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بعد ذلك قائلاً:
«وَتَقَعُ الضَّجَّةُ في الشَّامِ ، أَلَا إِنَّ أَعْرَابَ الْحِجازِ قَدْ خَرَجوا إِلَيْكُمْ ، فَيَقولُ السُّفياني لأَصْحابِهِ: مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ ؟
فيقولون : هُمْ أَصْحَابُ نَبْلٍ وَإِبِلٍ ، وَنَحْنُ أَصْحابُ الْقُوَّةِ وَالسَّلَاحِ ، اخْرُج بِنَا إِلَيْهِمْ ، فَيَرَوْنَهُ قَدْ جَبُنَ ، وَهُوَ عَالِمٌ بِما يُرادُ مِنْهُ ، فَلَا يَزالونَ حَتَّى يَخْرُجَ بِخَيْلِهِ وَرِجَالِهِ بِمَانَتِي أَلْفٍ وَسِتِّينَ أَلْفاً حَتَّى يَنزِلُوا بُحَيْرَةَ طَبَرِيَّةَ ، فَيَسِيرُ الْمَهْدِيُّ (علیه السّلام) بِمَنْ مَعَهُ وَلَا يُحْدِثُ فِي بَلَدٍ حادِثَةً إِلَّا الْأَمْنَ وَالْأَمانَ وَالْبُشْرَى ، وَعَنْ يَمِينِهِ جَبْرَئِيلُ ، وَعَنْ شِمَالِهِ ميكائيل (علیهما السّلام)، وَالنَّاسُ يَلْحَقُونَهُ مِنَ الْآفَاقِ ، حَتَّى يَلْحقوا السُّفيانِيَّ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ .
وَيَغْضَبُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى السُّفْيَانِيِّ وَجَيْشِهِ ، وَيُعْضِبُ سَائِرَ خَلْقِهِ عَلَيْهِمْ ، حَتَّىٰ الطَّيْرَ في السَّماءِ ، فَتَرْمِيهِمْ بِأَجْنِحَتِها ، وَإِنَّ الْجِبَالَ لَتَرْمِيهِمْ بِصُخورِها ، فَتَكونُ وَقْعَةٌ يُهْلِكُ اللهُ فيها جَيْشَ السُّفيانِيَّ ، وَيَمْضي هارباً ، فَيَأْخُذُهُ رَجُلٌ مِنَ الْمَوالي اسْمُهُ صباح ، فَيَأْتِي بِهِ إِلَى الْمَهْدِي (علیه السّلام)، وَهُوَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَيُبَشِّرُهُ ، فَيُخَفِّفُ في الصَّلَاةِ وَيَخْرُج.
وَيَكونُ السُّفيانِيُّ قَدْ جُعِلَتْ عِمَامَتُهُ في عُنُقِهِ وَسُحِبَ ، فيوقِفُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولُ السفيانيُّ لِلْمَهْدِيَّ : بِابْنَ عَمّي ، مُنَّ عَلَيَّ بِالْحَياةِ أَكونُ سَيْفاً بَيْنَ يَدَيْكَ ، وَأُجَاهِدُ أَعْداءَكَ .
وَالْمَهْدِيُّ جَالِسٌ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ، وَهُوَ أَحيى مِنْ عَدْراءَ ، فَيَقولُ : خَلّوهُ ، فَيَقولُ أَصْحابُ الْمَهْدِيُّ : يَابْنَ بِنْتِ رَسولِ اللَّهِ ، تَمُنُّ عَلَيْهِ بِالْحَياةِ وَقَدْ قَتَلَ أَوْلَادَ رَسولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم)! ما نَصْبَرُ عَلَى ذلِكَ .
فَيَقولُ : شَأْنُكُمْ وَإِيَّاه ، اصْنَعُوا بِهِ ما شِئْتُمْ ، وَقَدْ كانَ خَلَا، وَأَفْلَتَهُ ، فَيَلْحَقُهُ صَبَاحٌ فِي جَمَاعَةٍ إِلَى عِنْدِ السِّدْرَةِ ، فَيُضْجِعُهُ وَيَذْبَحُهُ ، وَيَأْخُذُ رَأْسَهُ وَيَأْتِي بِهِ الْمَهْدِيَّ ، فَيَنْظُر شيعته إِلَى الرَّأْسِ ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُهَلِّلُونَ ، وَيَحْمَدُونَ الله تعالى عَلى ذلِك.
ثُمَّ يَأْمُرَ الْمَهْدِيُّ بِدَفْنِهِ ، ثُمَّ يَسيرُ في عَساكِرِهِ فَيَنزِلُ دِمَشْقَ ، وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ لا الْأَنْدَلُسِ أَحْرَقوا مَسْجِدَها وَأَخْرَبُوهُ ، فَيُقِيمُ فِي دِمَشْقَ مُدَّةً ، وَيَأْمُرُ بِعِمارَةِ جامِعِها»(1).
والحديث بناءً على صحة سنده ، قد ألم بشؤون السفياني ، وأنّه إرهابي مجرم سفاك للدماء ، مبيح لجميع ما حرمه الله ، وأن نهايته تكون على يد الإمام المهدي (علیه السّلام).
1) المهدي الموعود المنتظر : 2 : 97 - 100 ، نقلاً عن عقد الدرر : 91.
أما مدّة حكم السفياني وتمرده وظلمه فهي ثمانية أشهر(1)، ففي هذه المدة القصيرة يشيع الإرهاب، ويقتل الأبرياء ، وفى أيامه يخرج أمل المستضعفين مهدي آل محمد (علیه السّلام).
ومن العلائم الحتمية تشكيل جيش إسلامي يرفع الرايات السود ، وأكبر الظنّ أنّها إنّما صنعت سوداً حداداً على سيّد الشهداء ، وريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الإمام الحسين (علیه السّلام)، الذي هو أبو الشهداء في جميع العصور ، ونعرض لبعض الأخبار التي أعلنت أنّ رفع الجيوش للرايات السود من علامات ظهور الإمام (علیه السّلام) ، وفيما يلي ذلك :
1 - روى ثوبان : «أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : إِذا رَأَيْتُمُ الرّايَاتِ السُّودِ قَدْ جَاءَت مِنْ قِبَل خُراسانَ فَأتوها ، فَإِنَّ فِيها خَليفَةُ اللهِ الْمَهْدِيُّ»(2).
2 - روی الحسن بسنده : «أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ذكر بلاءً يلقاه أهل بيته ،... حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ رايَةٌ مِنَ الْمَشْرِقِ سَوْداء ، مَنْ نَصَرَها نَصَرَهُ اللَّهُ ، وَمَنْ خَذَلَها خَذَلَهُ اللَّهُ ، حَتَّىٰ يَأْتوا رَجُلاً اسْمُهُ كاسمي فيولُوهُ أَمْرَهُمْ ، فَيُؤَيَّدهُ اللهُ وَيَنصرهُ»(3).
3 - روی جابر عن الإمام أبي جعفر (علیه السّلام) أنه قال : «تَنْزِلُ الرَّايَاتُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ
خُراسانَ إِلَى الْكُوفَةِ ، فَإِذا ظَهَرَ الْمَهْدِيُّ (علیه السّلام) بِمَكَّةَ بَعَثَتْ إِلَيْهِ بِالْبَيْعَةِ»(1).
4 - روی عبدالله بن مسعود ، قال : «بينما نحن عند رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إذ أقبل فتية من بني هاشم ، فلما رآهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) اغرورقت عيناه وتغيّر لونه .
قلت : ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه ؟
فقال : إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ اخْتارَ اللهُ لَنَا الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيا ، وَإِنَّ أَهْلَ بَيْتِي سَيَلْقَونَ بَعْدِي بَلَاءً وَتَشْرِيداً وَتَطْريداً ، حَتَّى يَأْتِي قَوْمٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَعَهُمْ رَايَاتٌ سُودٌ ، فَيَسْأَلُونَ الْخَيْرَ فَلَا يُعْطُونَهُ ، فَيُقاتِلُونَ ، فَيُنْصَرُونَ ، فَيُعْطُونَ ما سَأَلُوا فَلَا يَقْبَلُونَهُ ، حَتَّىٰ يَدْفَعوها إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْنِي فَيَمْلَأُهَا قِسْطاً كَما مَلَأوها جَوْراً ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَأْتِهِمْ وَلَوْ حَبْوا عَلَى التَّلْج»(2).
5 - روى جلال الدين السيوطي بسنده : «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : تَخْرُجُ مِنْ خُراسان رايات سودٌ ، فَلَا يَرُدَّها شَيْءٌ حَتَّى تُنصَبَ بِـ(إيليا) .
قال ابن كثير : «هذه الروايات ليست هي التي أقبل بها أبو مسلم الخراساني ، فاستلب بها دولة بني أمية ، بل رايات سود أُخرى تأتي صحبة المهدي»(3).
روى عامر أبو الطفيل : «أنّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) قال له : يا عامِرُ ، إذا سَمِعْتَ الرّايَاتِ السُّودِ مُقْبِلَةٌ مِنْ خُراسانَ فَكُنْتَ فِي صُنْدوقٍ مُقْفَلٍ عَلَيْكَ ، فَاكْسِرْ ذلِكَ الْقُفْلَ وَذلِكَ الصُّنْدوقَ ، حَتَّى تُقْتَلَ تَحْتَهَا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَتَدَحْرَجْ حَتَّى تُقْتَلَ تَحْتَها»(4).
إلى غير ذلك من الأحاديث التي أعلنت خروج الرايات السود من خراسان أو من المشرق ، وهي مقدّمة لظهور الإمام المنتظر (علیه السّلام).
من العلامات الحتمية لظهور الإمام المنتظر (علیه السّلام) نداء ملك في السماء يبشر بظهوره ، ويدعو الناس إلى متابعته ، والأخبار التي أعلنت ذلك عدة طوائف ، وهي :
الطائفة الأولى :
صرّحت أنه إذا خرج الإمام المنتظر (علیه السّلام) يكون على رأسه ملك ينادي : أنّ هذا هو المهدي فاتبعوه ، وهذه بعض الأخبار التي أعلنت ذلك :
1 - روی عبدالله بن عمر : «أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : يَخْرُجُ الْمَهْدِيُّ وَعَلَى رَأْسِهِ الله غَمامَةٌ فيها مَلَكُ يُنادي : هذا خَليفَةُ اللهِ الْمَهْدِيُّ ، فَاتَّبِعوه»(1).
2 - قال محمد بن الصبان الشافعي : جاء في الروايات أنَّه - أي الإمام المهدي عِنْدَ ظُهُورِهِ يُنادِي فَوْقَ رَأْسِهِ مَلَكَ : هذَا الْمَهْدِيُّ خَليفَةُ اللهِ ، فَاتَّبِعوهُ ، فَتُذْعِنُ لَهُ النَّاسُ ، وَيَشْرَبونَ حُبَّهُ ، وَأَنَّهُ يَمْلِكُ الْأَرْضَ شَرْقَها وَغَرْبَها ، وَأَنَّ الَّذينَ يُبايعونَهُ أَوَّلاً بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقامِ بِعَدِدِ أَهْلِ بَدْرٍ»(2).
3 - أخرج أبو نعيم ، عن ابن عمر : «أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قَالَ : يَخْرُجُ الْمَهْدِيُّ وَعَلَى رَأْسِهِ مَلَكٌ يُنادي: هذَا الْمَهْدِيُّ خَليفَةُ اللهِ فَاتَّبِعوه»(3).
الطائفة الثانية :
أعلنت أن ملكاً ينادي في السماء : أنّ الإمام المنتظر (علیه السّلام) قد خرج فاتبعوه ؛ ولنستمع إلى بعض الأحاديث التي أعلنت ذلك :
1 - قال الإمام الرضا (علیه السّلام): «إذا خَرَجَ - أي الإمام المنتظر (علیه السّلام)- أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنورِهِ ، وَوُضِعَ ميزانُ الْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ ، فَلَا يَظْلِمُ أَحَدٌ أَحَداً ، وَهُوَ الَّذي تُطوى لَهُ الْأَرْضُ، وَلَا يَكونُ لَهُ ظِلٍّ ، وَهُوَ الَّذي يُنادي مُنادٍ مِنَ السَّمَاءِ يَسْمَعُهُ جَميعُ أَهْلِ الْأَرْضِ بِالدُّعاءِ لَهُ ، يَقُولُ : أَلَا إِنَّ حُجَّةَ اللهِ قَدْ ظَهَرَ عِنْدَ بَيْتِ اللَّهِ فَاتَّبِعُوهُ ، فَإِنَّ الْحَقَّ فِيهِ وَمَعَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ اللهِ: إِن نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ»(1).
2 - روى ربعي بن خراش ، عن حذيفة حديث السفياني ، وقال : «إِنَّهُ يَضْرِبُ أعْناقَ مَنْ فَرَّ إِلى بَلَدِ الرُّومِ بِبَابِ دِمَشْقَ ، فَإِذا كانَ ذلِكَ نادى مُنَادٍ مِنَ السَّماءِ : أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَطَعَ عَنْكُمْ مُدَّةَ الْجَبَّارِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَأَشْيَاعِهِمْ ، وَوَلِيَّكُمْ خَيْرُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم)، فَالْحَقوهُ بِمَكَّةَ ، فَإِنَّهُ الْمَهْدِيُّ ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الله»(2).
3 - روى حذيفة بن اليمان عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قصة السفياني ، وما يقترفه من الفجور والإثم ، قال (صلی الله علیه و آله و سلم): «فَعِنْدَ ذلِكَ يُنادي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَطَعَ عَنْكُمْ مُدَّةَ الْجَبَارِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَأَشْياعِهِمْ ، وَوَلِيَكُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم) فَالْحَقوهُ بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ الْمَهْدِيُّ ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ»(3).
4 - قال الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام): «انتَظِرُوا الْفَرَجَ فِي ثَلَاثٍ .
فقيل له : وما هنّ؟
قال : اخْتِلَافُ أَهْلِ الشَّامِ بَيْنَهُمْ ، وَاخْتِلَافُ الرّايَاتِ السُّودِ مِنْ خُرَاسَانَ ، وَالْفَزْعَةُ فِي شَهْرِ رَمَضان .
فقيل له : وما الفزعة في شهر رمضان ؟
قال : مُنَادٍ مِنَ السَّماءِ ُيوقِظُ النَّائِمَ ، وَيُفْزِعُ الْيَقْظَانَ ، وَتُخْرِجُ الْفَتاةَ مِنْ خِدْرِها وَيُسْمِعُ النَّاسَ كُلُّهُمْ ، فَلَا يَجِيءُ رَجُلٌ مِنْ أُفَقِ مِنَ الْآفاقِ إِلَّا يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَها»(1).
5 - قال الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام): إذا نادى مُنادٍ مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ الْحَقَّ فيآلِ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله و سلم)، فَعِنْدَ ذلِكَ يَظْهَرُ الْمَهْدِيُّ عَلَى أَفْوَاهِ النَّاسِ ، وَيُسَرُونَ فَلَا يَكونُ لَهُمْ ذِكْرٌ غَيْرَهُ»(2).
وبهذه المضامين أثرت أحاديث كثيرة عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته (علیهم السّلام)(3)، وهي تعلن أن من علامات ظهور الإمام المهدي (علیه السّلام) نداء ملك من السماء بظهوره .
الطائفة الثالثة:
وقد صرّحت بأنّ الملك الذي ينادي بظهور الإمام (علیه السّلام) هو جبرئيل ، استمعوا إلى هذا الحديث :
قال الإمام محمد الباقر (علیه السّلام): «الصَّوتُ في شَهْرِ رَمَضانَ في لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ ، فَاسْمَعوا
وَأَطيعوا. وفي آخِرِ النَّهَارِ صَوْتُ الْمَلْعُونِ إبْلِيسَ يُنادي أَنْ فُلاناً - لعله السفياني - قُتِلَ مظلوماً ، يُشَكَلُ النَّاسَ وَيَفْتِتُهُمْ ، فَكَمْ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ مِنْ شالَّكٌ يَتَحَيَّرُ» .
قال (علیه السّلام): «فَإِذا سَمِعتُم ذلِكَ الصَّوْتَ في رَمَضانَ - يعني الصوت الأول - فَلَا تَشُكُوا أَنَّهُ صَوْتُ جَبْرَئِيلَ ، وَعَلَامَةُ ذلِكَ أَنَّهُ يُنادي باسْمِ الْمَهْدِي ، وَبِاسْمِ أَبِيهِ»(1).
هذه بعض الأحاديث التي أعلنت عن حتميّة نداء ملك من السماء ، جبرئيل (علیه السّلام) أو غيره ، يخبر الناس في جميع أنحاء الأرض بخروج الإمام المنتظر (علیه السّلام).
من العلامات الحتمية لظهور الإمام المنتظر (علیه السّلام) نزول السيد المسيح إلى الأرض ، ومبايعته للإمام ، وصلاته خلفه ، فإذا رأى النصارى ذلك آمنوا بالإسلام ، واعتنقوه ، ورفضوا المسيحيّة . استمعوا لبعض الأخبار التي أعلنت ذلك :
1 - قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): «يَنْزِلُ عيسى بْنُ مَرْيَمَ عِنْدَ انْفِجار الصُّبْحِ مَا بَيْنَ مهرودين ، وَهُما ثَوْبَانِ أَصْفَرانِ مِنَ الزُّعْفَرانِ ، أَبْيَضُ ، أَصْهَبُ الرَّأْسِ ، أَفْرَقُ الشَّعْرِ ، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ دُهْناً ، بِيَدِهِ حَرْبَةٌ يَكْسِرُ الصَّليب ، وَيَقْتُلُ الْخِنزير، وَيُهْلِكُ الدَّجَالَ ، وَيَقْبضُ أمْوالَ الإِمام (علیه السّلام)، وَيَمْشِي خَلْقَهُ أَهْلُ الْكَهْفِ ، وَهُوَ الْوَزِيرُ الْأَيْمَنُ لِلْقائِمِ وَحاجِبُهُ وَنائِبُهُ ، وَيَبْسُطُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْمَشْرِقِ الْأَمْنَ»(2).
2 - أدلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بحديث عن الدجّال ، وما يقترفه من الآثام . والموبقات ، ثم عرج الإمام (علیه السّلام) على السيد المسيح فقال : «إِذَا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ،
وَقَدْ أُقيمَتِ الصَّلَاةُ ، نَزَلَ عيسى بْنُ مَرْيَمَ بِثَوْبَيْنِ مُشْرِقَيْنِ حُمْرٍ ، كَأَنَّمَا يَقْطُرُ مِنْ رَأْسِهِ الدُّهْنُ ، رَجْلُ الشَّعَرِ ، صَبيحُ الْوَجْهِ ، أَشْبَهُ خَلْقِ اللَّهِ بِإِبْرَاهِيمَ (علیه السّلام) فَيَلْتَفِتُ الْمَهْدِيُّ فَيَنْظُرُ عيسى ، فَيَقولُ لِعيسى : يابْنَ الْبَتولِ ، صَلِّ فَيَقولُ: لَكَ أُقيمت الصَّلَاةِ ، فَيَتَقَدَّمُ الْمَهْدِيُّ (علیه السّلام) فَيُصَلِّي بِالنَّاسَ وَيُصَلِّي عيسى خَلْفَهُ ، وَيُبَايِعُهُ ، وَيَخْرُجُ عيسى فَيَلْقَى الدَّجَالَ فَيَطْعَتُهُ ، فَيذوبُ كَما يَذوبُ الرَّصاصُ»(1).
3 - روى أبو أمامة الباهلي ، قال : «خطبنا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وذكر في خطبته الدجال : وما يحدثه من الفتن ، ثمّ قال : وَإِمامُ النَّاسِ رَجُلٌ صالِح - وهو المهدي فيقالُ لَهُ : صَلِّ الصُّبْحَ ، فَإِذا كَبَّرَ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ نَزَلَ عيسى بْنُ مَرْيَمَ ، فَإِذَا رَآهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ - أي المهدي- عَرَفَهُ ، فَيَرْجِعُ الْقَهْقَرى لِيَتَقَدَّمَ عيسى بْنُ مَرْيَمَ ، فَيَضَعُ عيسى يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيهِ فَيَقولُ لَهُ: صَلَّ ، فَإِنَّما أُقِيمَتِ لَكَ الصَّلَاةِ ، فَيُصَلِّي عيسى بنُ مَرْيَمَ وَراءَهُ ، ثُمَّ يَقولُ: افتحوا الْبابَ ، فَيَفْتَحُونَ الْبَابَ ، وَمَعَ الدَّجَالِ يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ أَلْفَ يَهُودِيٌّ ذِي سَلَاحٍ وَسَيْفٍ مُحَلَّى ، فَإِذا نَظَرَ إِلَى عِيسَى ذَابَ كَمَا يَذوبُ الرَّصاصُ فِي النَّارِ ، أَوِ الثَّلْجِ فِي الْماءِ ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَقولُ :عيسى : إِنَّ لي فيك ضَرْبَةٌ لَنْ تَفوتَني بِهَا ، فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابِ الشَّرقي فَيَقْتُلُهُ ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ مِمَا خَلَقَ اللهُ يَتَوَارَىٰ بِهِ يَهُودِيٌّ إِلَّا أَنْطَقَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ لَا شَجَرَ وَلَا حَجَرَ وَلَا دابَّةٌ إِلَّا قالَ: يا عَبْدَ اللهِ الْمُسْلِم ، هذا كافِرٌ فَاقْتُلْهُ إِلَّا الْغَرْقَدَةَ(2)فَإِنَّهَا مِنْ شَجَرِهِمْ ، وَلَا تَنْطِقُ ، ويكون عيسى في أُمَّتِي حَكَماً عَدْلاً ، وَإماماً مُقْسِطاً ، فَيَدقُ الصَّليب ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ ، وَيَتْرُلُ الصَّدَقَةَ»(3).
4 - قال محيي الدين بن عربي : «واعلم أن المهدي - عجل الله فرجه - إذا خرج يفرح به جميع المسلمين، خاصتهم وعامتهم ، وله رجال إلهيون يقيمون دعوته ، وينصرونه ؛ هم الوزراء ، يتحملون أثقال المملكة عنه ، يعينونه على ما قلّده الله ، وينزل عليه عيسى بن مريم بالمنارة البيضاء شرقي دمشق ، متكئاً على ملكين ملك عن يمينه وملك عن يساره»(1).
لقد تظافرت الأخبار بنزول السيد المسيح من السماء ومبايعته للإمام ، وقيامه بدور إيجابي ونشط في مناصرة الإمام وتسديده لسياسته الهادفة إلى نشر العدل وإشاعة الحق بين الناس .
هذه بعض العلامات الحتمية التي لا بد أن تتحقق على مسرح الحياة حتى يخرج صوت العدالة الإنسانية ، الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وقد ذكرت مصادر الأخبار علامات أُخرى ، كخروج اليماني ، وقتل النفس الزكية ، وطلوع الشمس من المغرب ، وغير ذلك ، فمن أراد الوقوف عليها فليراجع مصادر الحديث والأخبار .
1) الفتوحات المكية : 3 : 327.
وألقت الأخبار التي أثرت عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأئمة الهدى (علیهم السّلام) الأضواء والمؤشرات علی زمان ظهور الإمام المنتظر (علیه السّلام) ، ومكان خروجه ، ومنهج حكمه ، وسمة أصحابه ، ونعرض بإيجاز لهذه البحوث :
أما الزمان الذي يخرج فيه الإمام المهدي (علیه السّلام) فهو يوم السبت عاشر محرم ، وهو اليوم الذي استشهد فيه سيّد الشهداء وأبو الأحرار ، الإمام الحسين (علیه السّلام). استمعوا إلى بعض الأحاديث التي أعلنت ذلك :
1 - روى أبو بصير عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أنه قال : «يَخْرُجُ الْقَائِمُ يَوْمَ السَّبْتِ يَوْمَ عاشوراء ، الْيَوْمُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْحُسَيْنُ (علیه السّلام)»(1).
2 - روى علي بن مهزيار عن الإمام أبي جعفر محمد الباقر (علیه السّلام) أنه قال : «كَأَنى بِالْقائِمِ يَوْمَ عاشوراءِ يَوْمَ السَّبْتِ ، قَائِماً بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقامِ ، بَيْنَ يَدَيْهِ جبرئيل يُنادي: الْبَيْعَةُ لِلَّهِ ، فَيَمْلَؤُها عَدْلاً كَما مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»(2).
3 - روى أبو بصير عن الإمام أبي عبد الله (علیه السّلام) ، قال : «لَا يَخْرُجُ الْقَائِمُ إِلَّا فِي وَتَرِ مِنَ السِّنينَ : سَنَةَ إِحْدى أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ خَمْسٍ ، أَوْ سَبْع أَوْ تِسْع ، وَيَقومُ في يَوْمٍ عاشوراء . وَيَظْهَرُ يَوْمَ السَّبْتِ الْعاشِرِ مِنَ الْمُحَرَّمِ قَائِماً بَيْنَ الرَّكْنِ وَالْمَقامِ ، وَشَخْصٌ قَائِمٌ عَلَى يَدَيْهِ يُنادي الْبَيْعَةُ .. الْبَيْعَةُ ، فَيَسِيرُ إِلَيْهِ أَنْصارُهُ مِنْ أَطْرافِ الْأَرْضِ يُبايعونَهُ ، فَيَمَلَأُ الله تَعَالَى بِهِ الْأَرْضَ عَدلاً كَما مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً ، ثُمَّ يَسِيرُ مِنْ مَكَّةَ حَتَّىٰ يَأْتِيَ الْكُوفَةَ ، فَيَنْزِلُ عَلَى نَجَفِها ، ثُمَّ يُفَرِّقُ الْجُنودَ مِنْها إِلى جَميعِ الْأَمْصارِ»(1).
أما وقت نداء الملك أو جبرئيل بظهور الإمام المهدي (علیه السّلام) فهو في ليلة الثالث
والعشرين من شهر رمضان المبارك ، وقد دلّت على ذلك بعض الروايات ، منها :
رواية محمد بن مسلم ، قال : «سأل رجل الإمام أبا عبد الله (علیه السّلام) ، فقال له : متى يظهر قائمكم ؟
قال (علیه السّلام): إِذا كَثُرَتِ الْغِوَايَةُ ، وَقَلَّتِ الْهِدايَةُ - إلى أن قال : - فَعِنْدَ ذلِكَ يُنادى بِاسْمِ الْقائِم في لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَيَقومُ فِي يَوْمِ عاشوراء»(2).
وقيل : «إِنَّ صَيْحَةَ الْمَلَكِ تَكونُ فِي شَهْرِ رَمَضانَ ، وَخُروجُ الْإِمَامِ يَكونُ في شَوَالِ في وَتْرِ مِنَ السِّنينَ»(3).
والإمام المنتظر (علیه السّلام) هو أول حاكم في الإسلام يمتد حكمه في شرق الأرض
وغربها ، فلا يكون في الدنيا حكم غير حكمه، وقد تظافرت الأخبار بذلك ، وهذه بعضها :
1 - روی ابن عباس : «أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : إِنَّ خُلَفَائِي وَأَوْصيائي وَحُجَجَ اللَّهِ عَلَى الْخَلْقِ بَعْدِي لَأَثْنَا عَشَرَ ، أَوَّلُهُمْ أَحْيِ ، وَآخِرُهُمْ وَلَدي.
قيل : یا رسول الله ، من أخوك ؟
قال : عَلِيُّ بْنُ أبي طالِبٍ .
قيل : فمن ولدك ؟
قال : الْمَهْدِيُّ الَّذي يَمْلَأُهَا قِسْطاً وَعَدْلاً كَما مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً، وَالَّذي بَعَثَني بالْحَقِّ بَشيراً ، لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا إِلَّا يَوْمَ َواحِدٌ لَطَوَّلَ الله ذلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَخْرُجَ فِيهِ وَلَدي الْمَهْدِيُّ ، فَيَنْزِلُ روحُ الله عيسى بْنُ مَرْيَمَ فَيُصَلِّي خَلْفَهُ ، وَتُشْرِقُ الْأَرْضُ بِنورِ رَبِّها ، وَيَبْلُغُ سُلْطانُهُ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ»(1).
2 - روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «لَا تَنْقَضِيَ الدُّنْيا حَتَّى يَمْلِكَ الْأَرْضَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْنِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ قَبْلَهُ جَوْراً ، يَمْلِكُ سَبْعَ سنين»(2).
3 - روی عبدالله بن عباس ، عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «مَلَكَ الْأَرْضَ أَرْبَعَةٌ : مُؤْمِنانِ وَكافِرانِ ، فَالْمُؤْمِنانِ : ذوالْقَرْنَين وَسُلَيمانُ ، وَالْكافِرانِ : بُخْتَنَصَّرَ وَنَمْرُودُ ، وَسَيَمْلِكُها خامِسٌ مِنْ أَهْلِ بَيْنِي»(3).
وتظافرت الأحاديث عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأوصيانه (علیهم السّلام) أن الإمام المنتظر يملك الدنيا بأسرها ، وتدين بإمامته جميع شعوب العالم وأمم الأرض .
أما منهج حكم الإمام المنتظر (علیه السّلام) وسياسته فهو نشر العدل ، وبسط الأمن والرخاء بين جميع الناس.
إنّ سياسته على ضوء كتاب الله وسنّة نبيه ، ويسير بسيرة جده الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، رائد العدالة الاجتماعية في الأرض ، ويملأ الأرض عدلاً وحقاً، وقد وردت كوكبة من الأخبار بذلك ، ولنستمع إلى بعضها :
1 - روی جابر عن الإمام أبي جعفر (علیه السّلام)، قال : « يَظْهَرُ الْمَهْدِيُّ بِمَكَّةَ عِنْدَ الْعِشَاءِ ، وَمَعَهُ رَايَةُ رَسولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَقَمِيصُهُ وَسَيْفَهُ ، وَعَلامات نورٍ وَبَيَانِ ، فَإِذا صَلَّى الْعِشَاءَ نادى بِأَعْلَى صَوْتِهِ : أَذَكِّرُكُمُ اللهَ أَيُّهَا النَّاسُ وَمَقامَكُمْ بَيْنَ يَدَي رَبِّكُمْ ، وَقَدِ اتَّخَذَ الْحُجَّةَ ، وَبَعَثَ الْأَنْبِياءَ ، وَأَنْزَلَ الْكِتابَ ، يَأْمُرُكُمْ أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَنْ تُحَافِظُوا عَلَىٰ طَاعَتِهِ وَطاعَةِ رَسولِهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، وَأَنْ تُحْيوا ما أَحْيِي الْقُرْآنَ ، وَتُميتوا ما أَماتَ ، وَتَكونوا أَعْواناً عَلَى الْهُدى ، وَوَزَراءَ عَلَى التَّقْوى ، فَإِنَّ الدُّنْيا قَدْ دَنَا فَناؤُهَا وَزَوالُهَا ، وَأَذِنَتْ بِالْوَداعِ ، وَإِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَالْعَمَلِ بِكِتَابِهِ ، وَإِمَانَةِ الْبَاطِلِ ، وَإِحْياءِ السُّنَّةِ»(1).
على هذا النهج المشرق يسير داعية الله في الأرض يحيي الإسلام ، ويرفع كلمة الله عاليةً في الأرض ، ويميت الباطل ، ويحق الحق ، ويحيي كتاب الله ، وسنة نبيه، وتعود للإسلام نضارته .
2 - قال الإمام أبو جعفر (علیه السّلام): «إذا قامَ قائِمُنا فَإِنَّهُ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ ، وَيَعْدِلُ فِي خَلْقِ
1) الملاحم والفتن : 64 ، الباب 129.
الرَّحْمنِ ، الْبَرَّ مِنْهُمْ وَالْفاجِرِ»(1).
3 - وقال أيضاً : «إذا قام قائِمُنا حَكَمَ بِالْعَدْلِ ، وَارْتَفَعَ فِي أَيَّامِهِ الْجَوْرُ ، وَأَمِنَتْ بِهِ السُّبُلُ ، وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ بَرَكاتِها ، وَرُدَّ كُلَّ حَقٌّ إِلى أَهْلِهِ»(2).
4 - وعنه (علیه السّلام): «يَبْلُغُ مِنْ رَدَّ الْمَهْدِيَّ الْمَظَالِم حَتَّىٰ لَوْ كَانَ تَحْتَ ضِرْسِ إِنْسَانٍ شَيْءٌ انتَزَعَهُ حَتَّى يَرُدَّه»(3).
إنّ سياسة الإمام ومنهجه في أيام حكمه إقامة العدل بجميع رحابه ومفاهيمه ، وإماتة الباطل ، وإحياء سنن الإسلام .
صلى الله إنّ منهج حكم الإمام المنتظر (علیه السّلام) امتداد ذاتي لمنهج رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ومنهج وصيه وباب مدينة علمه ، الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، فهو يقوم بالدور الذي قاما به ، وقد سأل عبد الله بن عطاء المكي الإمام الصادق (علیه السّلام) عن منهج حكم الإمام المنتظر له ، فقال : (يَهدِمُ ما قَبْلَهُ كَما صَنَعَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، وَيَسْتَأْنِفُ الْإِسْلَامَ مِنْ جديد»(4).
أما أصحاب الإمام المنتظر (علیه السّلام) يفهم من خيار البشر في تقواهم وورعهم وتحرّجهم في الدين، ونلمح بإيجاز إلى بعض شؤونهم :
سمتهم
وألمحت بعض الأخبار إلى سمات أصحاب الإمام المنتظر (علیه السّلام) ، فقد جاء في وصفهم ما يلي :
1 - روى محمّد بن الحنفيّة : ( أنّ رجلاً سأل الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) عن الإمام المهدي ، فقال (علیه السّلام): يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ - ثمّ ذكر الإمام أوصاف أصحابه فقال : - فَيَجْمَعُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ قَوْماً قَزَع كَفَزَعَ السَّحابِ ، يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ، لَا يَسْتَوْحِشونَ إِلى أَحَدٍ ، وَلَا يَفْرَحُونَ بِأَحَدٍ يَدْخُلُ فيهِمْ»(1).
ومعنى هذا الحديث أنّهم على بصيرة من أمرهم ، وبيّنة من ربِّهم ، فلا يفرحون بمن التحق بهم ، ولا يستوحشون بمن خرج منهم ، قد ألف الله بين قلوبهم ، وأترعت نفوسهم الإيمان وحبّ الله ، والتفاني في خدمة الإسلام ، والذب عن قيمه وأهدافه .
2 - من كلام للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) في وصفهم ، قال : قَوْمٌ لَمْ يَمُنّوا عَلَى اللهِ بِالصَّبْرِ ، وَلَمْ يَسْتَعْظِموا بَذْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي الْحَقِّ ، حَتَّى إِذا وافَقَ وارِدُ الْقَضاءِ انْقَطَاعَ مُدَّةِ الْبَلَاءِ حَمَلُوا بَصائِرَهُمْ عَلى أَسْيافِهِمْ ، وَدانوا لِرَبِّهِمْ بِأَمْرِ واعِظِهِمْ»(2).
وحفل كلام الإمام بأروع آيات المدح والثناء لأصحاب المنتظر (علیه السّلام)، دعاة الحق وأنصار الإسلام ، وحملة القرآن .
3 - قال الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) في وصفهم : «يُجَاهِدُهُمْ فِي اللَّهِ قَوْمٌ أَذِلَّةٌ عِنْدَ الْمُتَكَبِّرِينَ ، فِي الْأَرْضِ مَجْهولونَ ، وَفِي السَّمَاءِ مَعْروفونَ»(3).
4 - قال محيي الدين بن عربي : «يبايعه - أي الإمام المهدي- العارفون بالله
من أهل الحقائق ، عن شهود وكشف بتعريف إلهى ، رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه ، هم الوزراء ، يحملون أثقال المملكة ، ويعينونه على ما قلّده الله تعالى» .
وأضاف قائلاً: «إنّ الله سيتوزر له طائفة خبّأهم في مكنون غيبه ، أطلعهم الله كشفاً وشهوداً على الحقائق»(1).
وهؤلاء الصفوة من المتقين الأخيار هم أصحاب الإمام المنتظر (علیه السّلام)، وولاة أُموره ، ووزراؤه الذين يقيمون معه الحقِّ ، ويؤسسون العدل، ويدمرون قلاع الظلم والجور.
عددهم
أما عدد أصحاب الإمام الذين يبايعونه ، فهم كعدد أصحاب بدر .
روی عبدالله بن سنان عن الإمام الصادق (علیه السّلام) أنه قال : «الْمَفْقودونَ مِنْ فُرُشِهِمْ ثَلَاثُمانَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً عِدَّةُ أَهْلِ بَدْرٍ ، فَيَصْبَحُونَ بِمَكَّةَ ، وَهُوَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: َأيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ الله(2)، وَهُمْ أَصْحابُ الْمَهْدِي»(3).
وروی سليمان بن هارون العجلي ، قال : «سمعت جعفر الصادق (علیه السّلام) يقول : إِنَّ أَصْحابَ هذَا الْأَمْرِ - يعني القائم - مَحْفوظونَ ، لَوْ ذَهَبَ النّاس جَميعاً أَتَى الله بِأَصْحابِهِ ، وَهُمُ الَّذينَ قالَ اللهُ فِيهِمْ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ(4)»(5).
وقال الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام): «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُهُمْ - أي أصحاب الإمام المهدي (علیه السّلام)- ( وَأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ وَقَبَائِلَهُمْ ، وَاسْمُ أَميرِهِمُ ، وَهُمْ قَوْمٌ يَحْمِلُهُمُ اللهُ كَيْفَ شَاءَ ، مِنَ الْقَبِيلَةِ الرَّجُلَ وَالرَّجُلَين - حتى بلغ تسعة - فَيَتوافُونَ مِنَ الْآفَاقِ ثَلَاثُمَانَةِ وثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً عِدَّةُ أَهْلِ بَدْرٍ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ : أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(1)، حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَحْتَبِي فَلَا يَحِلُّ حَبْوَتَهُ حَتَّى يَبْلَغَهُ اللهُ فِي ذلِكَ»(2).
وروى أبو خالد الكابلي عن الإمام زين العابدين (علیه السّلام) أنه قال : «الْمَفْقودونَ مِنْ فُرُشِهِمْ(3)ثَلَاثُمانَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً ، عِدَّةُ أَهْلِ بَدْرٍ ، وَيُصْبِحُونَ بِمَكَّةَ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً، وَهُمْ أَصْحَابُ الْقائِمِ»(4).
أما مكان بيعة أصحاب الإمام المنتظر (علیه السّلام) للإمام فهو في أقدس مكان وأجله ، وهو ما بين الركن ومقام إبراهيم في بيت الله الحرام، وقد تواترت الأخبار بذلك(5).
وذكر الرواة أنّ الإمام الالا (علیه السّلام) على من يبايعه في مكة بما يلي :
قال الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)- بعد وصفه لأصحاب الإمام المهدي (علیه السّلام)-: «إِنَّهُ
يَقولُ : بايعوا عَلَى أَرْبَعينَ خِصْلَةٌ ، وَاشْتَرِطوا عَشْرَ خِصال.
فقال الأحنف : ما هي ؟
فقال (علیه السّلام): يُبايعونَهُ عَلَى أَنْ لَا يَسْرقوا ، وَلَا يَزْنوا ، وَلَا يَقْتُلُوا، وَلَا يَهْتِكُوا حَريماً مُحَرَّماً ، وَلَا يَسْبُوا مُسْلِماً ، وَلَا يَهْجُموا منزلاً ، وَلَا يَضْربوا أَحَداً إِلَّا بِحَقِّ ، وَلَا يَرْكَبُوا الْخَيْلَ الْهَمالِج(1)، وَلَا يَتَمَنْطَقوا بالذَّهَبِ ، وَلَا يَلْبَسوا الْخَزَّ، وَلَا يَلْبَسوا الْحَرير، وَلَا يَلْبَسوا النعالَ الصَّرَارَة(2)، وَلَا يُخَرِّبوا مَسْجِداً ، وَلَا يَقْطَعوا طريقاً ، وَلَا يَظْلِموا يتيماً ، وَلَا يُخيفوا سَبِيلاً، وَلَا يَحْتَسِبُوا مَكْراً، وَلَا يَأْكُلوا مالَ الْيَتيم ، وَلَا يَفْسُقوا بِغُلامٍ ، وَلَا يَشْرَبُوا الْخَمْرَ ، وَلَا يَخونوا الْأَمَانَةَ ، وَلَا يُخْلِفُوا الْعَهْدَ ، وَلَا يَحْبِسوا طَعاماً مِنْ بَر أَوْ شَعِيرٍ ، وَلَا يَقْتُلُوا مُسْتَأْمِناً ، وَلَا يَتْبَعُوا مُنْهَزِماً ، وَلَا يَسْفِكُوا دَماً ، وَلَا يُجْهِرُوا عَلَى جَريحٍ ، وَيَلْبَسُوا الْخَشِنَ مِنَ الشَّيَابِ ، وَيُوَسِّدُوا الْخُدودَ عَلَى التُرابِ(3)، وَيَأْكُلوا الشَّعِيرَ ، وَيَرْضونَ بِالْقَلِيلِ ، وَيجاهِدونَ في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ ، وَيَشُمُونَ الطَّيبَ ، وَيَكْرَهُونَ(4)النَّجاسَةَ .
وَيَشْتَرِطُ لَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ أَلَّا يَتَّخِذَ صاحِباً ، وَيَمْشِي حَيْثُ يَمْشُونَ ، وَيَكُونُ مِنْ حَيْثُ يُريدونَ ، وَيَرْضَى بِالْقَلِيلِ ، وَيَمْلَأُ الْأَرْضَ بِعَوْنِ اللَّهِ عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً ، يَعْبُدُ اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ»(5).
1) الهمالج : فارسي معرب ، وهو من البراذين التي تمشي مشياً شبه الهرولة .
2) الصرارة : هو جلد العقبان التي تأكل الحياة .
3) في الأصل : «وَيُوسُدُوا التُّرابَ عَلَى الْخُدودِ»، والعكس هو الصحيح ، وهو كناية عن تواضعهم.
4) الكراهة تحمل على الحرمة لا على معناها الظاهر.
5) المهدي الموعود : 2 : 11 ، نقلاً عن الملاحم والفتن : 149 ، الباب 79.
وتهدف هذه الخصال إلى نشر العدل، وبسط المساواة ، وإقامة حكم الله تعالى في الأرض بحيث لا يبقى ظلّ لكبرياء الحكّام ولا لأعوانهم .
إنّ الحكم الذي ينشده الإسلام هو أن يتساوى الحاكم والمحكوم في جميع الحقوق والواجبات ، ولا يكون امتياز للحاكم على غيره من أبناء الشعب ، وه-و أسمى ما تحلم به البشرية من العدل والكرامة الذي تصبو إليه .
أما حامل لواء الإمام المهدي (علیه السّلام) فهو فذ من أفذاذ العلويين ، وقد صرّحت الأخبار الواردة عن أئمة الهدى (علیهم السّلام) باسمه ، وهو شعيب بن صالح ، وهو الذي يأتي من خراسان يقود جيشاً عظيماً لمبايعة الإمام (علیه السّلام) ونصرته(1).
وقيل : إنّه من تميم ، وهو الذي يهزم السفياني حتى ينزل بيت المقدس فيوطئ للإمام المهدي سلطانه ، وتكون المدة بين خروجه وبين تسليمه الأمر للإمام اثنان وسبعون شهراً(2).
وروي أنّ لواء الإمام الله قد كتب عليه «البيعة الله»(3)، وهو يرمز إلى أن بيعة الإمام إنّما هي بيعة الله ، وأنّ حكمه حكم الله تعالى .
واختلف الرواة في مدة حكم الإمام المهدي (علیه السّلام) و وذلك لاختلاف الروايات ، وهذه بعضها :
1 - «إِنَّ حُكْمَهُ أَرْبَعونَ سَنَةٌ» ، روي ذلك عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)(1)
2 - «مُدَّةُ حُكْمِهِ ثَلاثونَ سَنَةٌ»(2).
3 - «إحدى وَعِشْرُونَ سَنَةً مُدَّهُ حُكْمِهِ»(3).
وتظافرت الأخبار بانتشار الخير والبركات في أيام حكم الإمام (علیه السّلام)، وهذه بعض الأخبار:
1 - روى أبو سعيد الخدري عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «تَنْعُمُ أُمَّتِي فِيهِ - أي في حكم المهدي - نِعْمَةً لَمْ يَنْعموا مِثْلَهَا قَطُّ ، تُؤْتى الْأَرْضُ أُكُلَها لَا تَدَّخِرُ عَنْهُمْ شَيْئاً ، وَالْمالُ يَوْمَئِذٍ كُدوسٌ يَقومُ الرَّجُلُ فَيَقولُ : يا مَهْدِيُّ ، أَعْطِنِي ، فَيَقولُ : خُذْ»(4).
2 - روى أبو سعيد الخدري عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : «يَخْرُجُ في آخِرِ أُمَّتِي الْمَهْدِيُّ ، يَسْقِيهِ اللهُ الْغَيْثَ ، وَتُخْرِجُ الْأَرْضُ نَبَاتَها، وَيُعْطى المال صحاحاً ، وَتَكْثُرُ الماشِيَةُ ، وتَعْظُمُ الأُمة»(5).
3 - أدلى الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) بحديث عن الإمام المهدي (علیه السّلام) جاء فيه : «يَبْعَثُ الْمَهْدِيُّ إِلَى أُمَرَائِهِ بِسَائِرِ الْأَمْصَارِ بِالْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ ، وَتَرْعَى الشَّاةُ وَالذَّئْبُ
في مكان واحد».
وأضاف :
«وَيَذْهَبُ الشَّرُّ ، وَيَبْقَى الْخَيْرُ ، وَيَزْرَعُ الْإِنْسانُ مُدّاً وَتَخْرُجُ لَهُ سَبْعَةُ أَمْدَادٍ ، كَما قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَيَذْهَبُ الزَّنَا ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَيَذْهَبُ الرِّبا ، وَيَقْبَلُ النَّاسُ عَلَى الْعِبادَاتِ وَالشَّرْعِ وَالدِّيانَةِ وَالصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَاتِ ، وَتَطولُ الْأَعْمَارُ ، وَتُؤدَّى الأماناتُ ، وَتَحْملُ الْأَشْجارَ ، وَتَتَضاعَفُ الْبَرَكاتُ ، وَتَهْلَك الأشرارُ ، وَتَبْقَى الْأَخْبارُ ، وَلَا يَبْقَى مِنْ يُبْغِضُ أهْلَ الْبَيْت»(1).
وبهذا تنتهى الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب ، سائلين الله تعالى أن يعجل فرج وليّه العظيم لينقذ المسلمين من واقعهم المرير ، فقد أحاطت بهم ذئاب البشرية تنهب ثرواتهم ، وتسلب حريتهم وكرامتهم ، وتجرعهم أقسى ألوان المحن والخطوب ، والتي من أمرها وأقساها أنها عمدت إلى إخراج المسلمين عن أوطانهم وديارهم في فلسطين، واستبدلت مكانهم اليهود الذين جلبتهم من جميع أقطار الدنيا، وجعلت فلسطين وطناً لهم ، وزوّدتهم بجميع أنواع الأسلحة المتطوّرة ليكونوا قوة ضاربة ضدّ العالم الإسلامي ، ويتحكموا في مصير المسلمين سياسياً واقتصادياً، فأي هوان مثل هذا الهوان ؟
اللهمّ إنّا نشكو إليك تظافر القوى الكافرة على إذلال المسلمين ، وإرغامهم على ما يكرهون ، فأنقذهم اللهم بوليك العظيم الذي ادخرته لنصرة دينك ، وإعلاء كلمتك ، وقهر أعدائك.
وإن خير ما نختم به هذا الكتاب هو الدعاء للإمام المنتظر (علیه السّلام) بهذا الدعاء الشريف الذي دعا به له جده الإمام الرضا (علیه السّلام) ، قال :
1) منتخب الأثر : 474 ، نقلاً عن كشف الأستار : 186.
«اللهُمُ ادْفَعْ عَنْ وَلِيِّكَ وَخَليفَتِكَ وَحُجَّتِكَ عَلى خَلْقِكَ ، وَلِسانِكَ الْمُعَبِّرِ عَنْكَ ، النَّاطِقِ بِحِكْمَتِكَ ، وَعَيْنكَ النَّاظِرَةِ بَإِذْنِكَ ، وَشَاهِدِكَ عَلَى عِبادِكَ ، الجَحْجاح الْمُجَاهِدِ الْعائِذِ بِكَ، الْعابِدِ عِنْدَكَ ، وأَعِذْهُ مِن شَرِّ جَميع ما خَلَقْتَ وَبَرَأتَ وَأَنْشَأْتَ وَصَوَّرْتَ ، وَاحْفَظْهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ، وَمِنْ خَلْفِهِ ، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ ، وَمِنْ فَوْقِهِ ، وَمِنْ تَحْتِهِ بِحِفْظِكَ الَّذِي لَا يَضِيعُ مَنْ حَفِظْتَهُ بِهِ ، وَاحْفَظْ فِيهِ رَسُولَكَ وَآبَانَهُ أَئِمَّتَكَ وَدَعائِمَ دينِكَ ، وَاجْعَلْهُ فِي وَدائِعِكَ الَّتي لَا تَضيعُ ، وَفي جِوارِكَ الَّذي لَا يُخْفَرُ ، وَفِي مَنْعِكَ وَعِزّكَ الَّذِي لَا يُظْهَرُ ، وَآمِنْهُ بِأَمَانِكَ الْوَثِيقِ الَّذِي لَا يُخْذَلُ مَنْ آمَنْتَهُ بِهِ ، وَاجْعَلْهُ فِي كَنَفِكَ الَّذِي لَا يُرامُ مَنْ كانَ فِيهِ ، وَانْصُرْهُ بِنَصْرِكَ الْعَزيزِ، وَأَيَّدَهُ بِجُنْدِكَ الْغَالِبِ ، وَقَوْهِ بِقُوَّتِكَ ، وَأَرْدِفْهُ بِمَلائِكَتِكَ ، وَوالِ مَنْ والاهُ ، وَعادِ مَنْ عاداهُ ، وَالْبَسْهُ دِرْعَكَ الْحَصِينَةَ ، وَحُقَّهُ بِالْمَلَائِكَةِ حَفّاً.
اللهُمَّ اشْعَبْ بِهِ الصَّدْعَ ، وَارْتُقْ بِهِ الْفَتْقَ ، وَأَمِتْ بِهِ الْجَوْرَ ، وَأَظْهِرْ بِهِ الْعَدْلَ ، وَزَيَّنْ بِطُولِ بَقائِهِ الْأَرْضَ ، وَأَيَّدَهُ بِالنَّصْرِ ، وَانْصُرْهُ بِالرُّعْبِ ، وقَوِّ ناصِرِيهِ ، وَاخْذُلْ خَاذِلِيهِ ، وَدَمْدِمْ مَنْ نَصَبَ لَهُ ، وَدَمِّرْ مَنْ غَشَّهُ ، وَاقْتُلْ بِهِ جَبَابِرَةَ الْكُفْرِ وَعُمُدَهُ وَدَعَائِمَهُ ، وَاقْصِمْ بِهِ رُؤُوسَ الضَّلَالَةِ ، وَشارِعَةَ الْبِدَع ، وَمُمِيتَةَ السُّنَّةِ ، وَمُقَوِّيَةَ الْباطِلِ ، وَذَلِّلْ بِهِ الْجَبَّارِينَ ، وَأَبِرْ بِهِ الْكَافِرِينَ ، وَجَميعَ الْمُلْحِدِينَ في مَشارِقِ الْأَرْضِ وَمَغارِبِها ، وَبَرِّها وَبَحْرِها ، وَسَهْلِها وَجَبَلِها حَتَّى لَا تَدَعَ مِنْهُمْ دَبَاراً ، وَلَا تُبْقِيَ لَهُمْ آثاراً .
اللهُمَّ طَهُرْ مِنْهُمْ بِلَادَكَ ، وَاشْفِ مِنْهُمْ عِبَادَكَ ، وَأَعِزُّ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَحْيِي بِهِ
سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ ، وَدارِسَ حُكْمِ النَّبِيِّينَ ، وَجدِّدْ بِهِ مَا امْتَحَىٰ مِنْ دِينِكَ ، وَبُدِّلَ مِنْ حُكْمِكَ حَتّى تُعيدَ دِينَكَ بِهِ وَعَلى يَدَيْهِ جَديداً غَضَّاً مَحْضاً صحيحاً لَا عِوَجَ فِيهِ وَلَا بِدْعَةَ مَعَهُ ، وَحَتَّى تُنيرَ بِعَدْلِهِ ظُلَمَ الْجَوْرِ ، وَتُطْفِئَ بِهِ نيرانَ الْكُفْرِ ، وَتُوضِحَ بِهِ مَعَاقِدَ الْحَقِّ وَمَجْهُولَ الْعَدْلِ ، فَإِنَّهُ عَبْدُكَ الَّذِى استَخْلَصْتَهُ لِنَفْسِكَ ، وَاصْطَفَيْتَهُ عَلَى غَيْبِكَ ، وَعَصَمْتَهُ مِنَ الذُّنُوبِ ، وَبَرَأَتَهُ مِنَ الْعُيُوب، وَطَهَّرْتَهُ مِنَ الرِّجْسِ ، وَسَلَّمْتَهُ مِنَ الدَّنَسِ .
اللّهُمَّ فَإِنَّا نَشْهَدُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَوْمَ حُلُولِ الطَّامَّةِ أَنَّهُ لَمْ يُذْنِبُ ذَنْباً ، وَلَا أَتَى حَوْباً ، وَلَمْ يَرْتَكِبْ مَعْصِيَةً ، وَلَمْ يُضَبِّعْ لَكَ طَاعَةٌ ، وَلَمْ يَهْتِكُ لَكَ حُرْمَةً ، وَلَمْ يُبَدِّلْ لَكَ فَريضَةً ، وَلَمْ يُغَيِّرُ لَكَ شَرِيعَةً ، وَأَنَّهُ الْهَادِي الْمُهْتَدِي الطَّاهِرُ التَّقِيُّ النَّقِيُّ الرَّضِيُّ الزَّكِيُّ.
اللَّهُمَّ أَعْطِهِ فِي نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَأُمَّتِهِ وَجَمِيعِ رَعِيَّتِهِ مَا تُقِرُّ بِهِ عَيْنَهُ ، وَتَسُرُّ بِهِ نَفْسَهُ، وَتَجْمَعُ لَهُ مُلْكَ الْمَمْلَكاتِ كُلَّها ، قَريبها وَبَعيدها ، وَعَزِيزِهَا وَذَلَيلِهَا ، حَتَّىٰ يُجْرِيَ حُكْمَهُ عَلَى كُلِّ حُكْمٍ ، وَيَغْلِبَ بِحَقِّهِ كُلَّ باطِلٍ.
اللهُمَّ اسْلُكْ بِنا عَلى يَدَيْهِ مِنْهَاجَ الْهُدى ، وَالْمَحَجَّةَ الْعُظمى ، وَالطَّريقَةَ الْوُسْطَى الَّتي يَرْجِعُ إِلَيْهَا الْعَالِي ، وَيَلْحَقُ بِهَا التَّالِي ، وَقَوْنَا عَلَى طَاعَتِهِ ، وَثَبِّتْنَا عَلَى مُشايَعَتِهِ ، وَامْنُنْ عَلَيْنَا بِمُتابَعَتِهِ ، وَاجْعَلْنا في حِزْبِهِ وَالْقَوَامِينَ بِأَمْرِهِ ، وَالصَّابِرِينَ مَعَهُ، الطَّالِبينَ رِضاكَ بِمُناصَحَتِهِ حَتَّى تَحْشُرَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ في
أَنْصارِهِ وَأَعْوانِهِ وَمُقَوِّيَةِ سُلْطانِهِ.
اللّهُمَّ وَاجْعَلْ ذَلِكَ لَنا خالِصاً مِنْ كُلِّ شَكٍّ وَشُبْهَةٍ وَرِياءِ وَسُمْعَةٍ ، حَتَّى لَا نَعْتَمِدَ بِهِ غَيْرَكَ ، وَلَا تَطْلَبَ بِهِ إِلَّا وَجْهَكَ ، وَحَتَّىٰ تُحِلَّنَا مَحَلَّهُ ، وَتَجْعَلَنَا فِي الْجَنَّةِ مَعَهُ ، وَأَعِذْنا مِنَ السّامَةِ وَالْكَسَل وَالْفَتْرَةِ، وَاجْعَلْنا مِمَّنْ تَنتَصِرُ بِهِ لِدينِكَ ، وَتُعِزُّ بِهِ نَصْرَ وَلِيِّكَ ، وَلَا تَسْتَبْدِلْ بِنا غَيْرَنَا ، فَإِنَّ اسْتِبْدالَكَ بِنا غَيْرَنا عَلَيْكَ يَسيرٌ ، وَهُوَ عَلَيْنَا كَثِيرٌ .
اللهُمَّ صَلِّ عَلَى وَلَاةِ عَهْدِهِ ، وَالْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ، وَبَلِّغْهُمْ أَمَالَهُمْ ، وَزِدْ في آجالِهِمْ ، وَأَعِزَّ نَصْرَهُمْ ، وَتَمِّمْ لَهُمْ ما أَسْنَدْتَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِكَ لَهُمْ ، وَثَبِّتْ دَعائِمَهُمْ ، وَاجْعَلْنَا لَهُمْ أَعْواناً ، وَعَلى دينِكَ أَنْصاراً ، فَإِنَّهُمْ مَعادِنُ كَلِماتِكَ ، وَخُزَانُ عِلْمِكَ ، وَأَرْكانُ تَوْحِيدِكَ ، وَدَعائِمُ دينِكَ ، وَوُلَاةً أَمْرِكَ ، وَخالِصَتُكَ مِنْ عِبادِكَ ، وَصَفْوَتُكَ مِنْ خَلْقِكَ ، وَأَوْلِياؤُكَ وَسَلائِلُ أَوْلِيائِكَ ، وَصَفْوَةً أَوْلَادِ نَبِيَّكَ ، وَالسَّلامُ عَلَيْهِمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ»(1).
الحمد لله ربالعالمین وصلی الله علی سیدنا محمد وعلی آله الطاهرین
1) البلد الأمين : 81 و 82.
اللقرآن الکریم
1 - إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات : الحرّ العاملي ، محمد بن الحسن (1033 - 1104هـ) : نشر دار الكتب الإسلامية - طهران ، الطبعة الثالثة /1364هـ.
2 - الاحتجاج على أهل اللجاج : الطبرسي ، أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب (- 560هـ) : تحقيق : إبراهيم البهادري و محمد هادي به ، دار أسوة - طهران ، الطبعة السادسة / 1425هـ.
3 - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد : الشيخ المفيد ، محمد بن محمد (336 - 413هـ) : طبع وتحقيق : مؤسسة آل البيت (علیهم السّلام)- قم المقدسة / 1416هـ.
4 - إسرائيل والتلمود : خليل أحمد ، إبراهيم .
5 - إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وآل بيته الطاهرين : الصبان ، محمد بن عليّ (- 1206هـ) ، نشر دار الفكر - بيروت .
6 - إشاعة لأشراط الساعة : الحسيني ، محمد بن رسول.
7 - أصول الكافي : ثقة الإسلام الكليني ، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الرازي (328 - 329هـ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1426هـ / 2005م .
8 - الأعلام : الزركلي ، خير الدين بن محمود بن محمد (- 1410هـ) ، دار العلم للملايين - بيروت ، الطبعة التاسعة / 1990م .
9 - إعلام الورى بأعلام الهدى : الطبرسي ، الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن (من أعلام القرن السادس) : مؤسسة آل البيت (علیهم السّلام) لإحياء التراث - قم المقدّسة / 1417هـ.
10 - أعيان الشيعة : الأمين ، السيد محسن العاملي (1865 - 1952م) : دار التعارف للمطبوعات ، الطبعة الخامسة 1403هـ / 1983م.
11 - الإمام المهدي بين التصوّر والتصديق : آل یاسی ، محمد حسن .
12 - الإمام المهدي : دخيل ، علي محمد .
13 - إنجيل لوقا .
14 - إنجيل متى .
15 - إنجيل يوحنّا .
16 - انس الجليل بتاريخ القدس والخليل : عليمي ، أبو اليمن عبدالرحمن.
17 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار : العلامة المجلسي ، محمدباقر بن محمد تقي (1037 - 1111هـ) ، دار الرضا - بيروت / 1988م .
18 - بحث حول المهدي : الصدر ، محمد باقر : نشر دار التعارف - بيروت ، الطبعة الثانية 1399هـ / 1979م.
19 - البرهان في علامات مهدي آخر الزمان : المتقي الهندي ، للشيخ المحدث علاء الدين عليّ بن حسام الدین (888 - 975هـ) : نشر مطبعة الخيّام - قم المقدسة /1399هـ.
20 - البلد الأمين : الكفعمي ، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد العاملي الحارثي (- 905هـ) : مؤسسة قائم آل محمد (عجل الله تعالی فرجه الشریف)- قم المقدسة ، الطبعة الأولى /1413هـ.
21 - البيان في أخبار صاحب الزمان (مطبوع مع أحاديث المهدي من مسند أحمد) : الحافظ الكنجي الشافعي ، أبو عبد الله محمد بن يوسف القرشي (- 658هـ) : إعداد: محمود جواد الحسيني الجلالي ، نشر مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدسة ، الطبعة الخامسة / 1415هـ.
22 - تاج العروس من جواهر القاموس : الزبيدي الحنفي = محب الدين أبي فيض السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي (1145 - 1205هـ) ، دراسة وتحقيق : علي شيري ، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1414هـ / 1994م (20 مجلداً) .
تاريخ ابن الوردي : ابن الوردي، زين الدين عمر بن مظفّر (- 749هـ) : طبع دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1417هـ/ 1996م.
24 - تاريخ أبي الفداء = المختصر في أخبار البشر : أبو الفداء ، عماد الدين إسماعيل بن علي بن محمود بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب (672 - 732هـ) : تعليق : محمود دیوب ، منشورات دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1417هـ 1997م.
25 - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام : الذهبي ، محمد بن أحمد (673 - 748هـ) ، دار الكتاب - بيروت / 1995م.
26 - تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس : الدياربكري ، حسين بن محمد بن حسن (- 966هـ) ، دار الكتاب الإسلامي - القاهرة / 1980م.
27 - تاريخ السودان القديم : شقير ، نعوم .
28 - تاريخ الشعوب الإسلامية : كارل بروكلمان .
29 - تاريخ الطبري = تاريخ الأمم والملوك : الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير بن یزید بن خالد (224 - 310هـ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الخامسة 1409هـ/ 1989م.
30 - تاريخ مدينة دمشق : ابن عساكر ، أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الشافعي الدمشقي (499 - 571هـ) ، دار الفكر - دمشق / 1419هـ .
31- تذكرة خواص الأمة : سبط ابن الجوزي ، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي ابن عبدالله البغدادي (581 - 654هـ) : منشورات الشريف الرضي - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1418هـ.
32 - تلخيص المستدرك : الذهبي ، شمس الدين أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان (748هـ) - المطبوع في ذيل المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري: دراسة وتحقيق : مصطفى عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ / 1990م.
33 - تلمود تاريخه و تعاليمه : ظفر الإسلام خان .
34 - تنقيح المقال في علم الرجال : المامقاني ، الشيخ عبدالله (- 1351هـ) : المطبعة المرتضوية - النجف الأشرف /1352هـ.
35- جلاء العيون : السيد عبد الله شبر ، السيد عبدالله بن محمد رضا بن محمد بن أحمد بن عليّ (1188 - 1242هـ) : تصحيح وتخريج کریم عبدالرضا، انتشارات فدك ، الطبعة الأولى 1427هـ / 2006م.
36 - حاضر العالم الإسلامي : أرسلان ، شكيب .
37 - حياة الإمام الحسن العسكري (علیه السّلام): القرشي ، باقر شريف (1926م -) : تحقيق : مهدي باقر القرشي (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت :) دار المعروف ، الطبعة الأولى 1430هـ / 2009م.
38 - دائرة المعارف : البستاني ، بطرس (1819 - 1883م) : دار الجيل - بيروت / 1979م .
39 - الدعوة الإسلامية دعوة عالمية : الراوي ، محمد .
40 - دلائل الإمامة : ابن رستم الطبري ، أبو جعفر محمد بن جرير (- 310هـ) ، مؤسسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الثانية 1408هـ / 1988م.
41 - ديوان السيد حيدر الحلّي .
42 - ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى : الطبري ، محبّ الدين أبو العباس أحمد بن عبدالله بن محمد المكي الشافعي (615 - 694هـ) : تحقيق وتعليق : أكرم البوشي ، مكتبة الصحابة - جدة ، الطبعة الأولى 1415هـ/ 1995م.
43 - رجال الكشي = اختيار معرفة الرجال : شيخ الطائفة الطوسي ، أبو جعفر محمد بن الحسن (385 - 460هـ) : تحقيق : محمد تقي فاضل الميبدي والسيد أبو الفضل الموسويان ، وزارة الثقافة والإرشاد - طهران ، الطبعة الأولى / 1382هـ .
44 - رسائل الخوارزمي : محمد بن عباس المعروف بـ الطبرخزي .
45 - روضة الشهداء : واعظي كاشفي ، حسين.
46 - روضة الواعظين وبصيرة المتعلمين : الفعّال النيشابوري ، محمد بن أحمد (- 508هـ) ، دار الشريف الرضي - قم المقدسة ، الطبعة الأولى / 1386هـ . ش .
47 - سبائك الذهب في معرفة أنساب العرب السويدي ، محمد أمين : منشورات الشريف الرضي - قم المقدسة ، الطبعة الثانية .
48 - سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار الشيخ القمي، عباس بن محمد رضا (1254 - 1359هـ) ، دار أسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة ، الطبعة الرابعة / 1427هـ .
49 - سنن ابن ماجة : ابن ماجة القزويني ، أبو عبد الله محمد بن يزيد (273هـ) : تحقیق : خليل مأمون شيحا ، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية 1418هـ / 1997م (4 مجلدات + مجلد الفهرس) .
50 - سنن أبي داود : الحافظ أبو داود السجستاني ، سليمان بن الأشعث الأزدي (202 - 275هـ) : تحقيق : سعيد محمد اللحام ، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1410هـ / 1990م.
51 - سنن الترمذي : أبو عيس-ى محمد بن عيسى بن سورة (209 - 279هـ) : تحقيق : عبدالوهاب عبد اللطيف ، دار الفكر - بيروت 1400هـ / 1980م.
52 - شرح أصول الكافي : المازندراني ، المولى محمد صالح (1081هـ) .
53 - الشيعة والتشيّع : مغنية ، محمد جواد .
54 - صحاح الأخبار : الرفاعي .
55 - صحيح البخاري : البخاري ، أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي (194 - 256هـ) ، ضبطه ورقمه : الدكتور مصطفى ديب البغا ، دار ابن كثير ودار اليمامة - دمشق ، الطبعة الخامسة 1414هـ / 1993م (6 مجلدات + مجلد الفهارس).
56 - صحيح مسلم = الجامع الصحيح : القشيري النيسابوري ، أبو الحسين مسلم بن حجاج (206 - 261هـ) : دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى 1416هـ/ 1995م.
57 - الصراع بين الوثنية والإسلام : للدارمي السمرقندي، أبو محمد عبدالله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام التميمي : دار الكتاب العربي - بيروت / 1407هـ.
58 - الصواعق المحرقة على أهل الرّفض والضلال والزندقة : ابن حجر الهيتمي ، أبو العباس أحمد بن محمد بن عليّ (909 - 974هـ) ، تحقيق : عبدالرحمان التركي وكامل محمد الخراط ، مؤسسة الرسالة - بيروت ، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م (مجلدان) .
59 - ضحى الإسلام : أحمد أمين : دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة العاشرة .
60 - العرف الورديّ : السيوطي ، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر (849 - 911هـ) - طبع ضمن الحاوي للفتاوي : دار الكتب العلمية - بيروت .
61 - العروة الوثقى : اليزدي ، سيد محمد كاظم (- 1337هـ) : مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1424هـ.
62 - عقد الدرر في أخبار المنتظر : المقدس الشافعي ، يوسف بن يحيى بن عليّ : تحقيق : د . عبد الفتاح محمد الحلو ، انتشارات مسجد مقدس صاحب الزمان - قم المقدسة ، الطبعة الأولى /1416هـ.
63 - عقيدة المسيح الدجال : أيوب ، سعيد.
64 - علل الشرائع : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : دار الحُجّة للثقافة - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1416هـ (جزءان في مجلد) .
65 - غاية المرام وحجّة الخصام : البحراني ، السيد هاشم (- 1107هـ) : مؤسسة المعارف الإسلامية - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1411هـ.
66 - الغدير في الكتاب والسنة والأدب : العلامة الأميني ، عبدالحسين (1281 - 1349هـ) : تحقيق ونشر : مركز الغدير للدراسات الإسلامية ، قم المقدسة / 1416هـ.
67 - الغَيبة : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (- 460هـ) : تحقيق : الشيخ عبد الله الطهراني والشيخ علي أحمد صالح ، مؤسسة المعارف الإسلامية - قم المقدّسة ، الثالثة / 1425هـ.
68 - الغَيبة : النعماني = ابن أبي زينب ، محمد بن إبراهيم بن جعفر (- 380هـ) : تحقيق : فارس حسّون كريم ، أنوار الهدى - قم المقدسة / 1422هـ.
69 - الفتن : المروزي ، أبو عبد الله نعيم بن حماد بن معاوية (- 229ه-) : تحقيق : مجدي بن منصور بن سيّد الشوري ، نشر دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1418هـ/ 1997م.
70 - الفتوحات الإسلامية : زيني دحلان ، أحمد .
71 - الفتوحات المكيّة : ابن العربي ، محيي الدين (- 638) .
72 - فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين والأئمة من ذُرِّيَتهم (علیهم السّلام):
الجويني الخراساني ، إبراهيم بن محمد بن المؤيد بن عبدالله بن علي بن محمد (-730ھ): تحقيق : محمد باقر المحمودي ، مؤسسة المحمودي للطباعة والنشر - بيروت ، الطبعة الأولى 1400هـ / 1980م.
73 - الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة ابن الصباغ ، علي بن محمد بن أحمد المالكي (-855هـ) : دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الثانية 1409هـ / 1988م.
74 - فيض القدير في شرح الجامع الصغير: المناوي ، عبدالرؤوف الشافعي (952 - 1031هـ) : دار الفكر - بيروت / 1423هـ . *
75 - كشف الأستار عن زوائد البزار : الهيتمي ، نور الدين علي بن أبي بكر (- 807) ، تحقيق : حبيب الرّحمن الأعظمي ، مؤسسة الرسالة - بيروت ، الطبعة الثانية 1404هـ/ 1984م (4 مجلدات) .
76 - كشف الغمة في معرفة الأئمة : الإربلي ، أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح (467 - 538هـ) : دار الأضواء - بيروت / 1985م.
77 - كفاية الأثر في النصّ على الأئمة الأثني عشر : الخزار ، أبو القاسم علي بن محمّد بن عليّ الرازي القمي (- 400هـ) : تحقيق : عبد اللطيف الحسيني : انتشارات بيدار - قم المقدّسة / 1401هـ.
78 - كمال الدين وتمام النعمة : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : صححه وعلّق عليه : علي أكبر الغفاري ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدسة / 1405هـ .
79 - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال المتقي الهندي ، للشيخ المحدث علاء الدين عليّ بن حسام الدين (888 - 975هـ) : مؤسسة الرسالة - بيروت / 1993م .
80 - الكنى والألقاب : الشيخ القمي ، عبّاس (1254 - 1319هـ) : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المشرّفة ، الطبعة الأولى / 1425هـ.
81 - لسان العرب : ابن منظور، جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الأفريقي المصري (630 - 711هـ) : تنسيق وتعليق : علي شيري ، دار صادر - بيروت / 1995م.
82 - اللمعة الدمشقية في فقه الإمامية : الشهيد الأول = محمد بن مكي العاملي الجزيني (734 - 786هـ) : تحقيق : محمد تقي وعلي أصغر مرواريد ، دار التراث - بيروت ، الطبعة الأولى 1410هـ / 1990م.
83 - مجلة دراسات إسلامية : بدوي ، عبدالرحمن.
84 - مجمع البحرين ومطلع النيّرين : الطريحي ، فخر الدين محمد بن عليّ (- 1085هـ) : تحقيق قسم الدراسات الإسلامية ، مؤسسة البعثة - طهران ، الطبعة الأولى /1414هـ (3 مجلدات) .
85 - مجمع البيان: الطبرسي = أمين الإسلام ، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي (468 - 548هـ) : تحقيق : السيد هاشم الموسوي المحلاتي والسيد فضل الله اليزدي الطباطبائي ، الناشر دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الثانية 1408هـ / 1998م .
86 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : الهيثمي ، الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر المصري الشافعي (735 - 807هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت / 1408هـ - 1988م.
87 - محاضرات في النصرانية : أبو زهرة .
88 - مختصر التحفة الاثني عشرية : الآلوسي.
89 - مراقد المعارف حرز الدين، محمد : انتشارات سعيد بن جبير - قم المقدّسة / 1992م .
90 - مرآة الجنان وعبرة اليقظان: اليافعي ، أبو محمد عبدالله بن أسعد بن علي بن سليمان (- 768هـ) : وضع حواشيه : خليل المنصور ، نشر دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1417هـ/ 1997م.
91 - المستدرك على الصحيحين : الحاكم النيسابوري ، محمد (- 405) تحقیق مصطفی عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ / 1990م.
92 - مسند أحمد بن حنبل : ابن حنبل ، أحمد (- 241هـ) : مؤسسة الرسالة - بيروت ، الطبعة الثانية 1420هـ / 1999م .
93 - المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل : الخطيب ، عبدالكريم محمود .
94 - مصباح مصباح الكفعمي : الكفعمي ، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد العاملي الحارثي - (905هـ) : نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الثانية / 1424هـ- 2003م.
95 - مصباح المتهجد : شيخ الطائفة الطوسي ، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : مؤسسة فقه الشيعة - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ / 1991م.
96 - المصلح المنتظر : العاملي ، شمس الدين محمد رضا آل شمس .
97 - مطالب السؤول في مناقب آل الرسول : القرشي ، كمال الدين محمد بن طلحة بن محمد بن الحسن الشافعي (- 652هـ) : مؤسسة أم القرى - قم المقدّسة / 1420هـ .
98 - المعجم الأوسط : الطبراني ، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي (260 - 360هـ) تحقيق : أيمن صالح شعبان وسيد أحمد إسماعيل ، دار الحديث - القاهرة ، الطبعة الأولى 1417هـ / 1996م.
99 - معجم رجال الحديث : السيد الخوئي ، السيد أبو القاسم الموسوي (-1413هـ) : الثقافة الإسلامية - قم المقدّسة ، الطبعة الخامسة 1413هـ / 1992م
100 - مقاتل الطالبيين : أبو الفرج الأصفهاني ، علي بن الحسين بن محمد بن أحمد (- 356هـ) : نشر مكتبة الشريف الرضي - قم المقدّسة / 1416هـ.
101 - مقتضب الأثر : الجوهري، أحمد بن محمد بن عبيد الله بن عياش (401هـ) للمطبعة العلمية - قم المقدسة.
102 - مقدمة ابن خلدون : عبدالرحمن بن محمد بن خلدون (732 - 808هـ) : دار إحياء التراث - بيروت / 1995م.
103 - الملاحم والفتن : السيد ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر (- 644هـ) : مؤسسة صاحب الأمر (عجل الله تعالی فرجه الشریف) / 1416هـ.
104 - المنار المنيف في الصحيح والضعيف : ابن القيم الجوزية .
105 - منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر : الصافي ، الشيخ لطف الله الگلپايگاني : مؤسسة السيدة المعصومة (عليها السلام) - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى /1419هـ.
106 - منتخب كنز العمّال : المتقي الهندي ، علاء الدين علي بن حسام الدین (888 - 975هـ) : نشر دار الفكر - بيروت .
107 - منهاج السُّنّة النبوية : ابن تيمية الحراني الدمشقي ، تقي الدين أحمد بن عبدالحليم (661 - 782هـ): إدارة الثقافة - مكة المكرّمة / 1412هـ .
108 - مهج الدعوات في منهج العبادات : السيد ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر (- 644هـ) : دار الكتب الإسلامية - طهران ، الطبعة الأولى / 1416هـ .
109 - المهدوية في الإسلام : محمد علي صدر.
110 - المهدي الموعود : دستغيب ، عبدالحسين الشيرازي .
111 - المهدي الموعود المنتظر عند علماء أهل السنة والإمامية : العسكري ، نجم الدين: مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف).
112 - تفسیر میزان تفسير ميزان في تفسير القرآن : الطباطبائي ، محمد حسين (1281 - 1360هـ) : تحقيق : الشيخ حسين الأعلمي ، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م.
113 - نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار : الشبلنجي ، مؤمن بن حسن بن مؤمن : تحقيق : عبد الوارث محمد عليّ ، دار الكتب العلمية - بيروت ، الطبعة الأولى 1418هـ / 1997م.
114 - نهاية في غريب الحديث والأثر : ابن الأثير الجزري ، مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمّد (544 - 606هـ) : دار الفكر - بيروت / 1990م .
115 - نهج البلاغة (مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السّلام)) : دار التعارف للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى / 1410هـ- 1990م .
116 - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة : الحر العاملي ، محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن الحسين (1104هـ) مؤسسة آل البيت (علیهم السّلام) - قم المقدسة ، الطبعة الثانية / 1416هـ.
117 - الوصية الكبرى : ابن تيمية الحراني الدمشقي ، تقي الدين أحمد بن عبدالحليم (661 - 782ھ)
118 - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : ابن خلكان ، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر (- 681هـ) : تحقيق : د . إحسان عباس ، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية /1406هـ.
119 - هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى : ابن القيم الجوزية .
120 - الهداية الكبرى : الحضيني الجنبلائي ، أبو عبدالله الحسين بن حمدان (- 334ھ) ، بيروت / 1417هـ.
121 - اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر : الشعراني ، عبدالوهاب بن أحمد بن عليّ (- 973هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1418هـ / 1997م.
122 - ينابيع المودة لذوي القربي : القندوزي، سليمان بن إبراهيم الحنفي (- 1294هـ) : تحقيق : السيد علي جمال أشرف الحسيني : دار الأسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة ، الطبعة الأولى / 1416هـ.
الإهداء ... 7
كلمة المحقق ... 9
بين يديك أيها المصلح العظيم ... 11
التقديم ... 13
شرق النور
23 - 42
الأب ... 25
الأم ... 25
اسمها الشريف ... 26
الثناء عليها ... 27
الوليد المبارك ... 28
مراسيم الولادة ... 30
إطعام عام ... 31
تباشر الشيعة بولادته (علیه السّلام) ... 31
التهانى بولادته (علیه السّلام) ... 31
تسميته (علیه السّلام) ... 33
ألقابه (علیه السّلام) ... 33
كنيته (علیه السّلام) ... 34
سنة ولادته (علیه السّلام) ... 34
استحباب الدعاء في ليلة ولادته (علیه السّلام) ... 35
عرضه على الشيعة ... 36
ملامحه وصفاته ... 37
شبهه (علیه السّلام) بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 38
رواية موضوعة ... 41
عَنَّاصِرُهُ النَّفْسَيَةُ
43 - 55
1 - سعة علومه (علیه السّلام) ... 45
2 - زهده (علیه السّلام) ... 46
3 - صبره (علیه السّلام) ... 47
4 - عبادته (علیه السّلام) ... 48
دعاؤه (علیه السّلام) في قنوت صلاته ... 48
دعاء آخر له في القنوت ... 51
5 - شجاعته (علیه السّلام) ... 52
6 - صلابته (علیه السّلام) في الحق ... 52
7 - سخاؤه (علیه السّلام) ... 53
علوم ومعارفه (علیه السّلام)
55 - 124
أدعيته (علیه السّلام) ... 57
1 - دعاؤه (علیه السّلام) للمسلمين ... 57
2 - دعاؤه (علیه السّلام) للمؤمنين ... 58
3 - دعاؤه (علیه السّلام) لقضاء الحوائج ... 59
4 - دعاؤه (علیه السّلام) للشفاء من الأسقام ... 60
5 - زيارة ودعاء ... 60
6 - دعاؤه (علیه السّلام) للفرج ... 63
7 - دعاؤه (علیه السّلام) لشيعته ... 65
8 - دعاؤه (علیه السّلام) للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ولأئمة الهدى (علیهم السّلام) ... 65
9 - دعاؤه (علیه السّلام) للخلاص من السجن ... 69
زيارته (علیه السّلام) للإمام الحسين ... 70
رسائله (علیه السّلام) ... 82
1 - رسالته (علیه السّلام) إلى أحمد بن إسحاق ... 82
2 - رسالته (علیه السّلام) إلى العمري وابنه ... 85
3 - رسالته (علیه السّلام) إلى بعض شيعته ... 87
4 - رسالته (علیه السّلام) إلى محمد الأسدي ... 89
5 - جوابه (علیه السّلام) عن أسئلة إسحاق ... 90
6 - رسائله (علیه السّلام) إلى الشيخ المفيد ... 94
الرسالة الأُولى ... 95
الرسالة الثانية ... 98
نماذج من فقهه (علیه السّلام) ... 102
1 - مسائل محمّد بن عبدالله الحميري ... 102
2 - مسائل أُخرى لمحمد ... 106
3 - مسائل محمد ... 112
4 - مسائل محمد ... 116
الغيبة الصغرى والكبر
172 - 125
في ظلال أبيه (علیه السّلام) ... 127
مضايقة الإمام العسكري (علیه السّلام) ... 128
نصه على الإمام المنتظر (علیه السّلام) ... 129
اغتيال الإمام العسكري (علیه السّلام) ... 133
اضطراب السلطة ... 133
إلى جنّة المأوى ... 133
تجهيزه (علیه السّلام) ... 134
مواكب التشييع ... 135
في مقره الأخير ... 135
كبس دار الإمام (علیه السّلام) ... 135
وفد القمّيّين ... 136
جعفر والخليفة ... 138
الغيبة الصغرى ... 140
الزمان ... 140
المكان ... 140
مخاريق وأباطيل ... 140
1 - سرداب في بابل ... 141
2 - السرداب في سامراء ... 142
الذين قالوا بغيبة الإمام في سرداب داره من مؤرخي السنة :
1 - السويدي ... 143
2 - ابن تيمية ... 143
3 - ابن حجر ... 143
4 - القصيمي ... 144
التحقيق في الموضوع ... 144
رأى علماء الشيعة :
1 - الحجة النوري ... 145
2 - العلّامة صدر الدين ... 145
3- المحقق الإربلي ... 145
4 - المحقق الأميني ... 145
سفراؤه الممجدون ... 146
1 - عثمان بن سعيد العمري (رضی الله عنه) ... 146
خدمته للأئمة (علیهم السّلام) ... 146
وثاقته ... 147
نيابته عن الإمام المنتظر (علیه السّلام) ... 148
وفاته ... 148
تأبين الإمام (علیه السّلام) له ... 148
2 - محمد بن عثمان (رضی الله عنه) ... 149
وثاقته وعدالته ... 149
التقاؤه بالإمام (علیه السّلام) في الكعبة ... 150
مؤلّفاته ... 151
نيابته عن الإمام (علیه السّلام) ... 151
وفاته ... 151
3 - الحسين بن روح (رضی الله عنه) ... 152
مناظرته مع معاند ... 152
صلابته (رضی الله عنه) ... 154
إيثار (رضی الله عنه) للتقيّة ... 154
مع علي القمي ... 154
وفاته (رضی الله عنه) ... 155
4 - عليّ بن محمّد السَّمري (رضی الله عنه) ... 155
وفاته (رضی الله عنه) ... 156
ولاية الفقيه ... 157
مسؤوليات الفقيه ... 159
الغيبة الكبرى ... 160
دجّالون ... 160
1 - أحمد بن هلال الكرخي ... 160
2 - الحسن الشريعي ... 161
3 - الحسين بن منصور الحلاج ... 161
4 - محمد بن عليّ ... 164
مدعون للمهدوية ... 165
1 - مهدى السودان ... 165
2 - مهدي تهامة ... 171
3 - مهدي السنغال ... 171
4 - مهدى سوسة ... 172
مهدى الصومال ... 172
أضواء عَلَى غَيَّبية الأمام (عجل الله تعالی فرجه الشریف)
173 - 207
أسباب الغیبة ... 175
1 - الخوف عليه من العبّاسيّين ... 175
رسالة الخوارزمي إلى أهالي نيسابور ... 180
مناقشة الخنيزي ... 197
2 - الامتحان والاختبار ... 198
3 - الغيبة من أسرار الله تعالى ... 199
4 - عدم بيعته لظالم ... 199
تساؤلات ... 200
1 - ما الفائدة في غيابه ؟ ... 200
2 - امتداد عمره (علیه السّلام) ... 204
3 - لماذا هذا العمر المديد ؟ ... 206
4 - لماذا لم يظهر ؟ ... 206
5 - كيف يمكن قيام الإمام بالإصلاح العالمي ؟ ... 207
1 - النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 211
2 - أمير المؤمنين (علیه السّلام) ... 218
3 - الإمام الحسن (علیه السّلام) ... 220
4 - الإمام الحسين (علیه السّلام) ... 222
5 - الإمام زين العابدين (علیه السّلام) ... 223
6 - الإمام الباقر (علیه السّلام) ... 224
7 - الإمام الصادق (علیه السّلام) ... 225
8 - الإمام الكاظم (علیه السّلام) ... 227
9 - الإمام الرضا (علیه السّلام) ... 228
10 - الإمام الجواد (علیه السّلام) ... 230
11 - الإمام الهادي (علیه السّلام) ... 232
12 - الإمام العسكري (علیه السّلام) ... 233
ظهور المصلح العظیم فکرة مقدسة وقدیمة
237 - 249
المنقذ والمصلح عند النصارى ... 240
عودة المسيح لإصلاح العباد ... 240
1 - إنجيل يوحنّا 2 - إنجيل لوقا 3 - إنجيل متى ... 241
علامات ظهور المسيح ... 242
المصلح المنتظر عند اليهود ... 244
كيفية ظهوره و منهج حكمه ... 244
أمارات ظهوره ... 245
النعيم الشامل بعد ظهور المنتظر ... 248
مُؤْمِنُونَ ومُنكرون
251 - 298
المؤمنون بوجود الإمام المنتظر (علیه السّلام) ... 253
1 - محمد بن طلحة الشافعي ... 254
2 - ابن العربي ... 255
3 - ابن الصباغ المالكي ... 257
4 - ابن الأثير ... 258
5 - ابن الجوزي ... 258
6 - أبو الفداء ... 258
7 - القرماني ... 259
8 - ابن خلکان ... 259
9 - الذهبي ... 259
10 - سراج الدين الرفاعي ... 259
11 - الشيخ الشبلنجي ... 260
12 - سليمان بن خواجة ... 260
13 - عبدالوهاب الشعراني ... 261
14 - خير الدين الزركلي ... 261
15 - البيهقي ... 261
16 - حسين الكاشفي ... 262
17 - الشعراني ... 262
18 - صلاح الدين الصفدي ... 262
19 - محمد البخارى ... 262
20 - السيد أحمد دحلان ... 263
الكتب المؤلّفة في المهدي (علیه السّلام) ... 264
مع الشعراء المؤمنين بالإمام المنتظر (علیه السّلام) ... 269
1 - الكميت ... 269
2 - السيد الحميري ... 271
2 - دعبل الخزاعي ... 271
4 - الشهيد زيد بن على (علیه السّلام) ... 271
5 - الورد بن زيد ... 271
6 - مصعب بن وهب ... 272
7 - محمد بن إسماعيل الصيمري ... 273
8 - علي الخوافي ... 273
9 - القاسم بن يوسف ... 274
10 - ابن الرومي ... 274
11 - يحيى بن أعقب ... 276
12 - فضل بن روزبهان ... 276
13 - عبدالرحمن البسطامي ... 277
14 - أبو الغوث الطهوي المنبجي ... 278
15 - ابن أبي الحديد ... 278
16 - عامر البصرى ... 278
17 - أبو المعالي ... 279
18 - أبو سالم كمال الدين أبو طلحة الشافعي ... 280
19 - الخليعي ... 280
20 - السيد على خان ... 281
21 - بهاء الدين العاملي ... 281
22 - الحر العاملي ... 285
23 - السيد حيدر الحلّى ... 286
24 - عبد الغني العاملي ... 290
25 - إبراهيم حسن قفطان ... 292
26 - السيد رضا الهندى ... 292
27- الشيخ محمّد السماوي ... 293
المنكرون للإمام (علیه السّلام) ... 295
1 - ابن خلدون ... 295
2 - محمد أمين البغدادي ... 295
3 - أحمد كسروي ... 296
4 - أحمد أمين ... 297
5 - شكري أفندي ... 298
عَلَامَات ظهوره (عجل الله تعالی فرجه الشریف)
299 - 339
العلامات الحتمية ... 301
انتشار الظلم ... 301
أشراط الساعة ... 307
خروج الدجال ... 318
تظافر الأخبار بظهوره ... 318
ألقابه - كنيته ... 321
أوصافه - رواية موضوعة ... 322
بلاء المؤمنين به ... 323
جنوده وأتباعه - إيمان اليهود بالدجال ... 324
أمارات ظهوره ... 325
تسخير الكنوز له - نهايته ... 326
خروج السفياني ... 327
نسبه - ملامحه - صفاته النفسية ... 327
حديث للإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) عن السفياني ... 328
مدة حكمه ... 332
الرايات السود ... 332
النداء من السماء ... 334
صلاة المسيح خلف الإمام المهدي (علیه السّلام) ... 337
زمان ظهوره ومكانه (عجل الله تعالی فرجه الشریف)
341 - 357
الزمان ... 343
وقت نداء الملك ... 344
سعة سلطانه (علیه السّلام) ... 344
منهج حكمه (علیه السّلام) ... 346
أصحابه (علیه السّلام) ... 347
مكان البيعة ... 350
شروط الإمام (علیه السّلام) على المبايعين له ... 350
حامل لواء الإمام (علیه السّلام) ... 352
مدة حكمه (علیه السّلام) ... 352
انتشار الخير في أيامه (علیه السّلام) ... 353
مصادر الكتاب ... 359
محتويات الكتاب ... 373