ghaemiyeh.com
علىٌ امام البررة
نظم
زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي
قدم له
آية الله العظمى السيد على الحسيني البهشتي
شرح
السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان
الجزء الأول
جَميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1424ه-- 2003م
دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع
علىٌ امام البررة
جَميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1424ه-- 2003م
دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع
هاتف: 2016/5504872 - 03/896329 - فاكس: 541199 - ص.ب: 286 / 25 غبيري - بيروت - لبنان
Tel:03/896329-01/550487 - Fax: 541199- P. O. Box: 288/25 Ghobelry-Beirut - Lebanon
E-Mail: daralhadi @deralhadi.com
URL: http: //www. daralhadi.com
على إمام البررة
نظم
زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى
السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي
قدس سره الشريف
قدم له
آية الله العظمى السيد علي الحسيني البهشتي
دام ظله الوارف
شرح
السيّد محمد مهدي السيّد حسن
الموسوي الخرسان
عفي عنه
الجزء الأول
دار الهادي
للطباعة والنشر والتوزيع
بسم الله الرحمن الرحیم
قال - جابر -: سمعت رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) وهو آخذ بضبع علي بن أبي طالب وهو يقول:
هذا أميرُ البَرَرَة، قاتِلُ الفَجَرَة
منصورٌ مَنْ نصَرَه، مخذولٌ مَنْ خَذَلَه.
ثم مَدَّ بها صوته (1).
1) المستدرك على الصحيحين 3 / 129 عن جابر بن عبد الله. ترجمة الإمام (علیه السلام) من تاریخ دمشق 2 / 478 مطالب السؤول، ص 31 عن أبي ذر فرائد السمطين 1/157 تاريخ بغداد 2/377. الصواعق المحرقة، ص 75 عن الحاكم. الفتوحات الإسلامية 2/338، واللفظ للأول.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، وصلى الله على سيدنا محمد [وآله] الطيبين الطاهرين وسلم.
وبعد: فإني لما استجبت لرغبة سماحة سيدنا الأستاذ المغفور له الإمام الخوئي قدس سره بتولي شرح أرجوزته في الإمام أمير المؤمنين وأهل البيت (علیهم السلام)، كنت أتمنى أن يتم الكتاب ويتولى هو تقديم ثمار غراسه إلى الناس الذين عناهم حين أهداهم أرجوزته.
ولكن ليس لقضاء الله دافع، ولا لرد أمره سبحانه مانع، فقد وافته المنية، فلبّى نداء ربه سبحانه وتعالى في اليوم الثامن من شهر صفر 1413ه- قبل إتمام ذلك.
وبقيت الأرجوزة وشرحها حبراً على ورق - كما يقولون - وتوقفت
أنا عن إتمام الشرح.
ولما كثر الطلب، وتجاوز الإلحاح حده إلى العتب، رأيت من تمام الوفاء لمن أولاني بثقته، فاختصني من بين الكثيرين من رجال حوزته، بشرح آخر ما صدر من قريحته إتمام شرح ما بقي من أرجوزته.
ورأيت خير من أترك إليه أمر تقديم الكتاب من هو محل ثقته وعلى شاكلته، ألا وهو سماحة سيدنا آية الله العظمى السيد علي الحسيني البهشتي دام ظله، الذي كان مواكبا لمسيرة الشرح منذ بدايته، فقد كنت أعرض ما نجز منه على سماحته، وكان هو دام ظله يغمرني بلطفه، مقرضا نثراً وشعراً على سجيته، ولم أر من هو أولى بذلك منه لصلته الوثقى بالسيد الناظم ومكانته العليا عنده فطلبت منه ملتمساً ذلك، فتفضل مشكوراً، وتولى مأجوراً، فكتب ما أغنى وأقنى في تعريف الماتن ومقامه الأسنى، فجزاه الله سبحانه خير الجزاء، وله مني موفور الثناء والدعاء، متعنا الله تعالى بوجوده الشريف، إنه سميع لطيف.
محمد مهدي السيد حسن
الموسوي الخرسان
عفي عنه
بسمه تعالى وله الحمد
سماحة سيدنا العلامة الأوحد حجة الإسلام الأمجد أبو صالح المؤيد دامت أيامه، ورفعت آلامه.
بعد السلام والتحية والشكر لعواطفكم البهية: طال أن أخرت امتثال أمركم في تقديم شرح الأرجوزة المقدسة، وقد أوضحتم سبل الإحاطة إلى نصوصها، ودعم ما جمعتم من عمومها وخصوصها بما لا يرتاب حتى المبطلون والفضل لكم في ذلك بما بيَّنتم تلك المسالك، بفصلها وفصيلها، حيث لم يبق للجحد منزع، أو للرد مهرع، فجزاكم الله تعالى عن النبي والعترة والأمناء على الفطرة صلوات الله عليهم أجمعين خير جزاء الصادعين بالحق بنفسهم ونفيسهم، فلست أنا من أهل الخير، ولكن أحب صانعيه وداعميه، وكفى لي بذلك حظا.
وقد امتثلت أمركم بالجولة في ربوع حدائقها، فأحييت قلبي من حقائقها، وكتبت سطوراً لا تفقد فتوراً من نواحيها الفنّية، وأوكلت الإصلاح فيها إلى صلاح ما أنتم به جدير، وبتعويضه قدير، معتذراً عن ما بدا من قصور بالتأخير، ولكم علي فضل القبول إن وقعت موقعه، كما لي الاعتزاز في انتظار تحويل خدمة ترونني قابلا لإنهائها في أمثال هذه النعمة ودمتم في حماية الله العزيز وعونه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
علي الحسيني البهشتي
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، فلما تم بلاغ ما هم به الرسول الكريم بعزمه الصميم، طوال تلك المدة بما ذاق من محن وشدة عن جموع الشرك والإلحاد في ربوع الإفك واللداد، بصبره و سعيه المدعم بالجهاد، حتى أحكم الآيات النازلة على قلبه الشريف، لتقويم شرعه المنيف، فاز بالنصر لحقه المبين، على باطل قوم كانوا عمين، فأبصرهم قطوف الكتاب وصنوف الحكمة والصواب، وألف بينهم بالأخوة ورعاية المروة، وقرَّبهم إلى مهابط العلم
والسداد، وأبعدهم عن مساقط الجهل والفساد، فسلكوا مناهج الكتاب، وصعدوا مدارج الصواب، ثم أخذ عليهم العهود بالنصوص والشهود على أن يتجانبوا الغرة، ويتعاهدوا الكتاب وهدى العترة، فجعلهم أوصياء أدلاء وأوفياء أخلاء، يهدون الأمة في كل جيل، ويمسكونهم عن وهج السبيل، ففيما صح عنه وتواتر بين الحِقلين: إني مخلّف فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.
فلم يتركهم بعده سُدى كيلا يعودوا إلى الردى، فيحسبوا أن بِحَسْبِهم الكتاب، فيخوضوا فيما يزعمونه الصواب، فيخلطوا القشر باللباب.
وبعد أن أجاب الرسول دعوة الرب، واختار عن الدنيا ما هو الأحب، وقعوا فيما زحقوا رجال الشيطان في ربوع الإيمان ليحقق ما بعزة الرب حلف عليه فيما سلف، ليغوينهم أجمعين، إلا القليل من المخلصين، فآثر الناكثون اتباع الهوى واستطابوا دعوة الرأي والغوى فنسجوا الخيط الذي من قبل قتل، وحق قول الحق (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ)، فانقلبوا على أعقابهم واندفعوا إلى أحزابهم وقضوا على العترة أعدال الكتاب، بنصب وعذاب، ثم طرد وهتك وقتل وفتك مما حفظته التواريخ، وأعلنت كرعود الصواريخ من يومهم إلى يوم يبعثون، بحقد عن ماضيهم كانوا يتوارثون.
وبين هذه الظاهرة التي عاشتها العترة الطاهرة لم يألوا (علیهم السلام) جهدهم في بثّ معالم الشريعة، والحث إلى دعم مغانمها بكل ذريعة، متى وجدوا لذلك مجالا وهنالك رجالا يخلصون لهم المودة، ويساهمون فيما اتخذ النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم)، عهده فيحفظون دروس العترة، وينشرون طقوس الفطرة بينهم بما تمكنوا، ولمن بعدهم عند من ائتمنوا، وإن سيء الولاة دعم الدين كحماة.
لكن لما شاء الله أن لا تضيع تلك الجهود أثمرت خيرها ولم تمنعه السدود، من نشر تلك الأمانة على ما قارنها من مهانة بما حمت عنها الأمناء في كل عصر وتداولها العلماء بالحفظ والنصر، فيذبون عن معارضاتها من غث الآثار، وينورونها ليتبين صدقها المجار.
إلى أن نالت يد من بان بحفاوة التحقيق وجدارة التدقيق، عن مناهل هذا البحر العميق، مُزَوَّداً بمصابيح الهداية ومفاتيح الكفاية، الفقيه الأصولي الماهر والباحث العبقري القاهر الموفّق بالرأي والنظر القوي، الإمام الخوئي الموسوي قدس سره، وكدس بره، قد حقق الفروع بالأصول، وأحكم المنقول بالمعقول، لاذ إلى معهده الألوف، وامتاز المورده الصفوف، يتلقون عنه المعارف، فيحلّون منه بالمشارف، ميز بمعجم رجاله أعلام الرواية، من بدايتهم إلى النهاية، حتى عرف الصحيح عن السقيم ووصف الناتج عن العقيم، قد أُلقيت إليه أزمة الزعامة، وأسرة الدعامة فأصبح الغري غنياً بدروسه، وفتياً بنصوصه، يتروى من منهله المعين
ومحاضراته الملقاة على المثين، هوات يتزاحمون وذوات يتقاحمون في جموع ضاق بهم المجال في البسيطة التي أُعدت لضبط المقال، حتى استعانوا بالمذياع، فاستبانوا حق السماع، فحققوا ما أفاد، وأثبتوا ما أشاد ونشروا دواوين من أصوله عامرة، وفروعه بالتحقيق غامرة.
وكان مما بدا من نبعه الميمون، وطبعه الموزون، تلك الأراجيز المكدّسة في الولاية المقدسة، التي هتف بها الكتاب، وردف في دعمها قول النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) بغير حساب، في محافل جمة، قد حملتها قلوب الأمة، بينما منها غُطّت بالأكنة، وأخرى شُدّت بالأسنة، من أعداء حاقدين، وأعداد ناقدين، بعدما حفظتها مخافر الحفاظ، وأعلنتها منابر الوعاظ، منذ حين إلى سنين أنشد الناظم أصول ما في الكتاب، أو حفظتها الأعاظم، فشرحها العلامة الحجة الفذ، والعميد المحبَّذ قدوة الأعلام، وملاذ الأنام، دليل الملة، وسليل الأعاظم الأجلة، أبو صالح المفضال، المحلّي حياته في الماضي والحال بجمع حقائق الدين، وقمع نعائق الملحدين، بما خسر في تلك المشاق من صحته الجسمية، وإن ربح في سلك السباق بصبغته الروحية، حيث نفع الأمة بتكريس حياته المباركة فيما يروج من تحقيقه، ويموج من ترشيقه بأتم بيان، وأضخم بنيان، يأتي بما يشبه الإعجاز، عند جمع الحقائق وطرد شوائب المجاز، حيث لا يحيط بمستوى الجدير من شواهدها إلا الخبير، ولا ينيط الرموز إلى مقاصدها إلا كمثله المتضلّع القدير، يغنيك عيان ما نتلوه من مطاويه عن سماع ما لم يُحص من فحاويه، فقد شرح
ما تجد من نصوص الناظم بعد خصوص المواسم التي وردت بحقها السنة، وإن نقمتها القلوب المغشية بالأكنّة، فترى قد أحكم العميد عماد السند ليرغم المعاند اللدد، في سلوكه غير الجدد، فاستبان فيض نظم هذا الصرح، بفضل دعم هذا الشرح بما استطاب له من طرح.
جزى الله الناظم بخير ما ادَّخر له في مثواه، وأولى الشارح بالمكانة المثلى في دنياه، وأجزل مثوبته في أخراه، والسلام عليهما ورحمة الله وبركاته.
كتبه بيمناه الداثرة
علي الحسيني البهشتي
غفر له
بسم الله الرحمن الرحيم
1 - الحمد لله العلي الواحد*** مكوّن الكون وأقوى شاهد
2- مُصليّاً على النبي المؤتمن*** [وآله] المطهَّرينَ منْ دَرَن
إشارة من سيدنا الناظم دام ظله إلى طهارة الخمسة أصحاب الكساء، لقوله تعالى (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(1)، فإنّهم المعنيون بها، فقد ذكر المفسرون وغيرهم: أنَّ النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم) وكان في بيت أم سلمة أو غيرها فدعا عليا وفاطمة والحسن والحسين وضمهم إليه تحت كسائه عند نزول هذه الآية وقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، خاصتي وحامتي».
وكان بعد ذلك يؤكد على أن أولئك الأربعة هم أهل بيته، حينما
1) سورة الأحزاب، الآية 33.
كان يأتي بابهم فيقف ويقول: «الصلاة »، ثم يقرأ الآية الكريمة، مستديما على ذلك طيلة ثمانية أشهر أو تسعة أشهر.
وقد أجمع المفسرون من مختلف المذاهب الإسلامية على أنَّ الآية الكريمة نزلت فيهم، كما أجمعوا على رواية فعل الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم) وتلاوته الآية عند بابهم، ولم يصنع ذلك مع غيرهم، فتعين أنهم المراد بأهل البيت فيها ولم يشذ عن ذلك الإجماع إلا شاذ لا يؤبه به، فزعم دخول زوجاته(صلی اللّه علیه و آله و سلم) معهم في (أهل البيت) مستندا إلى روايات ضعيفة الإسناد، غير واضحة الدلالة، ولا تصلح للاحتجاج، ولذلك أشار غير واحد إلى شذوذ ذلك الواهم ورد تلك المزاعم.
كما زعم آخر أنَّ المراد بأهل البيت هم جميع من حرمت عليه الصدقة من بني هاشم، وهذا الزاعم كسابقه، يدفعه وقوف الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم) بباب علي وفاطمة طيلة ثمانية أشهر أو تسعة أشهر وهو يقرأ كل يوم تلك الآية الكريمة، فدلّنا بفعله ذلك على أنَّ عليَّا وفاطمة والحسن والحسين هم المعنيون بالآية الكريمة دون غيرهم.
ولمزيد الإيضاح يحسن مراجعة كتب التفسير والحديث والسنة والسيرة والتاريخ، وسيجد القارئ ما يدفع الوهم، ويبطل الزعم.
والآن نكتفي بذكر عشرين تفسيراً، ونرجئ ذكر بقية المصادر من كتب الحديث والسنة والسيرة والتاريخ إلى ما يأتي من ذكر الناظم لآية التطهير في هذه الأرجوزة.
راجع تفسير الطبري، تفسير النيسابوري بهامشه تفسير الرازي تفسير الزمخشري، تفسير ابن كثير، تفسير البيضاوي تفسير الخازن تفسير النسفي بهامشه تفسير القرطبي، تفسير البغوي، تفسير الشربيني، تفسير الشوكاني، تفسير السيوطي، تفسير الحبري، تفسير الآلوسي، تفسير البرسوي، تفسير فتح البيان لصديق خان ملك بهوبال تفسیر شواهد التنزيل للحسكاني أسباب النزول للواحدي، تفسير المراغي.
فراجع هذه التفاسير في سورة الأحزاب، الآية 103 في تفسير الآية الكريمة، أو في تفسير سورة طه الآية 132 في تفسير قوله تعالى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)، أو في سورة الشورى، الآية 23 في تفسير قوله تعالى قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا فستجد التصريح بالمعنى المراد، وإن اختلفت ألفاظ الحديث وتعدد الإسناد.)وقد نظم كثير من الشعراء ذلك، فقال بعضهم:بأبي خمسة هم جنبوا الرجس كراماً وطُهروا تطهيراأحمد المصطفى وفاطم أعني وعليا وشبرا وشبيرامن تولاهم تولاه ذو العرش ولقاه نضرةً وسروراوعلى مبغضيهم لعنة الله وأصلاهم المليك سعيرا (1)
1) مناقب ابن المغازلي، ص 307.
3- أرجوزتي هديَّةٌ للبَشَرِ*** تهدي إلى الرُّشْدِ وخَيرِ الخَبَرِ4- أذكرُ فيها ما روثه المهَرَه*** عن خاتمِ الرُّسُلِ إمَامِ البَرَرَه(1)إشارة منه دام ظله إلى الحديث الشريف الذي رواه جمع من الصحابة كابن عباس وحذيفة وجابر وأم سلمة وغيرهم، وذلك قوله(صلی اللّه علیه و آله و سلم كما في حديث جابر: علي إمام البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره مخذول من خذله.)أخرجه ابن حجر في الصواعق(2نقلا عن الحاكم، ولكن لفظ الحاكم في المستدرك بعد السند هكذا: قال جابر: سمعت رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) وهو آخذ بضبع علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يقول: «هذا أمير البررة قاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذَلَه »ثم مدَّ بها صوته.)قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(3.)وأخرج الحديث - غير الحاكم وابن حجر - الخطيب البغدادي(4، وزاد في آخره حديث: «أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد البيت فليأتِ)
الباب»، وبدل «بضبع علي»«بيد علي »، وأخرجه ابن المغازلي في المناقب، والذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمة أحمد بن عبد الله بن يزيد، وابن حجر في الصواعق المحرقة والسيوطي في الجامع الصغير وفي جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال، وأخرجه الكنجي الشافعي في كفاية الطالب والقندوزي الحنفي ينابيع المودة(1.)5- حيدرة إذ خصه الله بما*** قد خصه من شرف وأكرما6- أرجو إلهي صانعي وخالقي*** ومالكي وملجأي ورازقي7- غفران ذنبي فهو أهل العفو*** ما كان من عمد أتى أو سهوإن اختيار سيدنا الناظم دام ظله مستفتحاً تسمية الإمام (علیه السلام بهذا الاسم كان موفقاً لأنه ورد في رجزه (علیه السلام) في يوم خيبر وقد فتح الله على يديه، فهو يرجو بيمنه أن يفتح الله تعالى عليه كما فتح على صاحبه حين رجز به فقال:)أنا الذي سمتني أمي حيدرة*** كليث غابات كريه المنظرةأكيلكم بالصاع كيل السندرة
1) المناقب لابن المغازلي، ص 84. میزان الاعتدال 1/109. لسان الميزان 1/197. الجامع الصغير 1/364، جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال 11/602. منتخب الكنز بهامش مسند أحمد، 5/30، وقال: رواه ابن عدي والحاكم. كفاية الطالب الباب 58، وقال: هكذا رواه ابن عساكر في تاريخه. ثم ذكر طرقه. ينابيع المودة، ص 72.
ولنا أن نبحث عن صحة النسبة للإمام (علیه السلام، وعن معنى الاسم وعن حديث خيبر المناسبة التي دعت إلى رجزه:)1 - أما عن صحة النسبة: فقد حكى ابن منظور في لسان العرب والزبيدي في تاج العروس (سندر عن أبي العباس أحمد بن يحيى أنه قال: (لم تختلف الرواة أن هذه الأبيات لعلي (علیه السلام))، وتوجد منسوبة إليه في الفائق للزمخشري(1)، والنهاية لابن الأثير(2)، وتهذيب اللغة للأزهري(3)وغيرها.)2 - وأما عن اسم حيدرة: فقد حكى ابن المغازلي عن ابن قتيبة أنه قال: سألت بعض آل أبي طالب عن قوله: «أنا الذي سمتني أمي حيدرة»، فذكر أن أم علي كانت فاطمة بنت أسد، فلما ولدت عليّاً وأبو طالب غائب سمته أسداً باسم أبيها، فلما قدم أبو طالب كره هذا الاسم الذي سمته به أمه، وسماه علياً، فلما رجز علي يوم خيبر ذكر الاسم الذي سمته به أمه، قال: وحيدرة اسم من أسماء الأسد(4.)يقول ابن السيد البطليوسي في كتابه (الاقتضاب في شرح أدب الكتاب: أراد: أنا الذي سمَّتَني أمي (أسد)، فلم يمكنه لأجل القافية)
فذكر (حيدرة(1).)وقد ناقش ابن منظور في لسان العرب هذا الرأي، فقال: وهذا العذر لا يتم إلا إذا كان الرجز أكثر من هذه الأبيات، ولم يكن أيضاً ابتدأ بقوله:أنا الذي سمتني أمي حيدرة...ويقول عبد الكريم الخطيب رداً عليه: أهذا قول يقال في الإمام، وفي امتلاكه ناصية البيان؟! أتحكمه القافية حتى لتلجئه إلى أن يغير اسمه؟ وهل كان يضيق بأية قافية في ابتداء أو في غير ابتداء؟ إن ذلك أبعد شيء يقع في ظن أو وهم.وروى صاحب اللسان في مادة (حيدر أن مرحبا اليهودي خرج يوم خيبر وهو يرتجز:)إِنَّا أُناسٌ وَلَدَتْنا عَبهره*** لنا سنا الوشي وريطٌ حَبِرهأبناء حرب ليس فينا غُدَرَهُوقال: فإن يكن هذا القول لمرحب كان لعدول الإمام عن ذكر أسد إلى ذكر حيدرة مندوحة، إذ جاء على قافية مرحب.قال الخطيب: وهذا قول مردود بما ردَّ به سابقه.وهل يعقل أن تستقيم ليهودي قافية عربية، ثم يعجز عن ذلك أفصح فصحاء العرب، وأبينهم بياناً بعد رسول الله عن أن يقيم لنفسه قافية؟
1) الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، ص 315 ط سنة 1901م بيروت.
إذن فإنه إذا صحت نسبة هذا الرجز إلى علي كان من المقطوع به أن أمَّه قد سمته (حيدرة، ولم تسمه أسداً. أو أن اسم (حيدرة) لم يكن اسماً لعلي، وإنما كان من الأسماء التي تغني بها الأم لوليدها، وهي تهدهده بين ذراعيها وعلى صدرها، وهذا هو الأرجح عندنا، وفي إضافة هذه التسمية إلى الأم ما يؤيد هذا الرأي.)ونحن نقول له: لا مانع من الجمع، فقد تكون سمته أولا أسداً باسم أبيها، ثم كانت تسميه (حيدرة عندما تهدهده وتدلله، وللأم أن تسمّي وليدها بما تشاء من أسماء وألقاب.)3 - وأمّا عن حديث خيبر: فقد رواه المؤرخون بألفاظ مختلفة وعن عدة من الصحابة، حتى قال أبو عمر في الاستيعاب في ترجمة الإمام (علیه السلام: روى سعد بن أبي وقاص وسهل بن سعيد وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وعمران بن حصين وسلمة ابن الأكوع، كلهم بمعنى واحد عن النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) أنه قال في يوم خيبر:)«لأعطين الراية غداً رجلاً يحبُّ الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ليس بفرار يفتح الله على يديه». ثم دعا بعلي وهو أرمد، فتفل في عينيه، وأعطاه الراية ففتح الله عليه.أقول: ولقد فات أبا عمر ذكر جماعة آخرين من الصحابة رووا ذلك الحديث، منهم علي وابن عباس وعمر وأبو ليلى الأنصاري وأبو
رافع وجابر بن عبد الله وغيرهم.وتجد الحديث عنهم في ترجمة الإمام (علیه السلام من تاريخ ابن عساكر، فراجع(1).)ونحن نختار لك منه حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بعث رسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم إلى خيبر - قال سعيد-: أحسبه قال: أبا بكر فرجع منهزما ومن معه، فلما كان الغد بعث عمر، فرجع منهزما يجبّن أصحابه، ويجبّنه أصحابه، فقال رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم): «لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يحبُّ ورسوله، ويحبه الله ورسوله، لا يرجع حتى يفتح الله عليه». فثار الناس فقال: أين علي؟ فإذا هو يشتكي عينيه، فتفل في عينيه ثم دفع إليه الراية فهزّها، ففتح الله عليه.)وقد روي هذا الحديث برواية سعيد عن ابن عباس -كما مر عن ابن عساكر الدمشقي - ابن كثير الدمشقي أيضاً، وقال: وقد روى الحافظ البزار عن عباد بن يعقوب، عن عبد الله بن بكر، عن حكيم بن جبير، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس قصة بعث أبي بكر ثم عمر يوم خيبر، ثم بعث، علي، فكان الفتح على يديه(2.)ونكتفي برواية هذين الحافظين الشاميين، فقد قال الحاكم وكان مشايخ الكوفة يعجبهم أن يجدوا الحديث في الفضائل - فضائل علي(علیه السلام)
وأهل بيته الطاهرين - من رواية أهل الشام(1.)ولا يسع المجال الإحاطة بما جمع الحفاظ في مسانيدهم من طرقه وتعدد ألفاظه.وقد نظم الشعراء تلك الفضيلة التي اختص بها الإمام (علیه السلام في هذا الحديث، قديما وحديثا، فمن المتقدمين شاعر الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم) حسّان بن ثابت كما في كتاب مناقب ابن المغازلي وغيره، فقال:)وكان علي أرمد العين يبتغي*** دواءاً فلما لم يحس مداوياشفاه رسولُ الله منه بتفلةٍ*** فُبورك مرقياً وبورك راقياوقال سأعطي الراية اليوم صارماً*** كمياً محباً للرسول مواليايحبُّ إلهي والإلهُ يحبه*** به يفتح الله الحصون الأوابيافأصفى بها دون البرية كلّها*** عليّاً وسماه الوزير المؤاخياومن المتأخرين شاعر الإمام (علیه السلام، الشيخ كاظم الأزري البغدادي حيث قال:)وله يوم خيبر فتكات*** كبُرت منظراً على من رآهايوم قال النبي: إني لأعطي*** رايتي ليتها وحامي حماهافاستطالت أعناق كل فريق*** ليروا أي ماجد يعطاهافدعا أين وارث العلم وال-*** حلم مجير الأنام من بأساها
1) تاریخ دمشق (ترجمةالإمام) 1/105.
أين ذو النجدة الذي لو دعته*** في الثريا مروعة لباهافأتاه الوصي أرمدعين*** فسقاها من ريقه فشفاهاومضى يطلب الصفوف فولت*** عنه علماً بأنه أمضاهاوبرى مرحباً بكف اقتدار*** أقوياء الأقدار من ضعفاهاودحا بابها بقوة بأس*** لوحمتها الأفلاك منه دحاها
## نبينا (صلی اللّه علیه و آله و سلم أفضل الأنبياء والمرسلين)8- نبينا خَيْرُ نبي مُرسَل.............إشارة من سيدنا الناظم دام ظله إلى ما ورد عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم أنه قال: فُضِّلتُ على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأُحِلَّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون.)وهذا الحديث ورد في جملة من الصحاح والسنن، فقد أخرجه مسلم بسنده عن أبي هريرة كما مرَّ(1.)وأخرجه البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم أنه قال: أُعطيت خمساً لم يُعطَهُنّ أحد من قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهورا، فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيتُ الشفاعة، وكان)
1) صحيح مسلم 1/372 كتاب المساجد، الحديث السابع.
النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة(1.)وأخرجه أبو داود في سننه مكرراً عن أبي ذر وغيره(2والترمذي(3)وابن حبان والنسائي (4)، وعنده وعند ابن خزيمة زيادة وهي وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش (5).)كما أخرجه ابن ماجة (6، وأحمد بن حنبل في مسنده في ستة عشر موضعاً (7).)وأخرجه الشيخ الصدوق (8والشيخ المفيد والشيخ الطوسي في أماليهم.)
1) صحيح البخاري 1/435، كتاب التيمم، الحديث الثاني، 1/533 في الصلاة، 6/220 في الخمس.
2) سنن أبي داود في الصلاة /24.
3) سنن الترمذي: في المواقيت 119، وفي السيرة /5.
4) سنن النسائي 1/210 باب التيممم بالصعيد.
5) الأنوار المحمدية، ص 306.
6) سنن ابن ماجة 1/103 في الطهارة، وفي التيمم أيضاً.
7) مسند أحمد بن حنبل، 1/250، 301 عن علي (علیه السلام) عنه، 2/222، 240، 250، 412، 442، 502 3/304 عن جابر بن عبد الله، 4/416، 5/142، 148، 161، 248، 256، 283.
8) أمالي الصدوق، ص 130.
كما أخرجه الصغاني في مشارق الأنوار (1، وشرحه ابن الملك في مبارق الأزهار (2)، كما أخرج حديث مسلم المشار إليه أولاً فيه أيضاً (3).)وفي جميع هذا المصادر تفاوت في عدد خصال التفضيل ومجموع ما فضّل به في تلك الأحاديث.مضافاً إلى ما سبق ذكره في حديث مسلم والبخاري: سمي أحمد وجعلت صفوف أمته كصفوف الملائكة، وجعلت أمته خير الأمم وأن لا يلقى الله عبداً من أمته يُوحد الله إلا دخل الجنة، وأعطاه جوامع العلم.ومما يُستدل به على تفضيله على الأنبياء ما أخرجه الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي هريرة قال سيد الأنبياء خمسة، ومحمد صلى الله عليه [وآله] وسلم سيد الخمسة نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه [وآله] وسلم(4.)وأخرج السيوطي في جمع الجوامع عنه صلى الله عليه [وآله] وسلم انه:قال أنا سيد المرسلين إذا بعثوا، وسابقهم إذا وردوا، ومبشرهم إذا يئسوا، وإمامهم إذا سجدوا، وأقربهم مجلساً إذا اجتمعوا أتكلّم فيصدقني، وأشفع فيشفعني وأسأل فيعطيني(5.)
وفي سنن الدارمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: أنا أولهم خروجاً، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا مشفعهم إذا حبسوا، وأنا مبشِّرهم إذا أيسوا الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي يطوف عليَّ ألف خادم كأنهم بيض مكنون(1.)وقد أفرد السيوطي في كتابه الخصائص الكبرى عنوانا في (ذكر الخصائص التي فضل بها على جميع الأنبياء ولم يعطها نبي قبله صلى الله عليه [وآله] وسلم، حكى فيه قول أبي سعيد النيسابوري في كتابه شرف المصطفى: الفضائل التي فضل بها النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم على سائر الأنبياء ستون خصلة. ثم قال: ولم أقف على من عدّها، وقد تتبّعت الأحاديث والآثار فوجدت القدر المذكور ثلاثة أمثال معه، وقد رأيتها أربعة أقسام:)-قسم اختص به في ذاته في الدنيا.-وقسم اختص به في ذاته في الآخرة.-وقسم اختص به في أمته في الدنيا.-وقسم اختص به في أمته في الآخرة.ثم أوردها مقسّمة في أبواب، فليرجع إليها في المصدر المذكور من شاء(2.)
وأخرج الهيثمي في مجمع الزوائد جملة من الأحاديث التي دلّت على أفضليته على من سبقه من الأنبياء، فمن شاء المزيد فليرجع إليها(1.)ولنختم الحديث بما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير والهيثمي في مجمع الزوائد والسيوطي في الخصائص (2عن ابن عباس قال: إنَّ الله فضل محمداً على أهل السماء، وعلى أهل الأرض، فقال له رجل: يا أبا عباس، وما فضله على أهل السماء؟ قال: إنَّ الله عز وجل يقول لأهل السماء: (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين)، وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه [وآله] وسلم: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) الآية (3)، فقد كتب له البراءة، فقيل له: يا أبا عباس، فما فضله على الأنبياء؟ قال: إنَّ الله عز وجل يقول ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) (4)، وقال الله عزّ وجل لمحمد صلى الله عليه [وآله] وسلم (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)(5)فأرسله الله إلى الإنس والجن كافة.
8-............كتابه خيرُ كِتاب مُنْزَل
إشارة منه دام ظله إلى ما جاء عن ابن عباس عنه صلى الله عليه [وآله] وسلم أنه قال: وإنَّ الله جعل كتابي المهيمن على كتب الأنبياء، والناسخ لها(1).
قال السيوطي: قال الإمام الرازي: فضل القرآن على سائر الكتب المنزلة بثلاثين خصلة لم تكن في غيره(2).
قال سيدنا الناظم في كتابه البيان:
«من الخير أن يقف الإنسان دون ولوج هذا الباب، وأن يتصاغر أمام هذه العظمة، وقد يكون الاعتراف بالعجز خيرا من المضي في البيان.
ماذا يقول الواصف في عظمة القرآن وعلو كعبه؟
وماذا يقول في بيان فضله وسمو مقامه؟
وكيف يستطيع الممكن أن يدرك مدى كلام الواجب؟
وماذا يكتب الكاتب في هذا الباب؟
وماذا يتفوه به الخطيب؟ وهل يصف المحدود إلا محدوداً؟
وحسب القرآن عظمة، وكفاه منزلة وفخرا إنَّه من كلام الله العظيم ومعجزة نبيه الكريم، وإن آياته هي المتكفلة بهداية البشر في جميع شؤونهم وأطوارهم في أجيالهم وأدوارهم، وهي الضمينة لهم بنيل الغاية القصوى والسعادة الكبرى في العاجل والآجل.
(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾(1).
(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)(2).
(هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ)(3)(4).
(كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾(5).
(تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)(1).
(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(2).
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(3). قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(4).)﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(5).)كتابُ اللهِ أصدقُ كل قيل*** تميز عن شبيه أو مثيلفإسناد التلاوة عن نبي*** عن الروح الأمين عن الجليلتلاه المصطفى فوعاه جیل*** فادى بعده جيل لجيلوتحفظه الصدور بدون نقص*** وتحريف وتخريف دخيل
فأين الكتب قدماً من عُلاه*** كتوراة وإنجيل عليلسيبقى معجزاً عدلاً لقوم*** هما الثقلان في نص الرسولوقد استعرض سماحة الناظم في كتابه (البيان معارف القرآن وعظمته وأسراره الكونية والتشريعية، ومناهجه وأصول تفسيره، ونواحي إعجازه وميزاته ومختلف قراءاته وصيانته عن النقص والتحريف وسموه عن الأوهام والتخريف، والتخرصات والطعون.)كما ذكر في بحث (إعجاز القرآن بعد إثبات أنه المعجزة الإلهية الخالدة، ما فيه من أصول المعارف التي أبهرت عقول الفلاسفة، وأدهشت مفكري الشرق والغرب منذ ظهور الإسلام وحتى يومنا الحاضر، وسيبقى موضع دهشة المفكرين وحيرتهم إلى آخر الزمان.)وأشار إلى بعض ما في كتب العهدين التي تنسب إلى الوحي وهو منها براء، مما ورد فيها من موهومات، وهراء وتناقضات وافتراء لا تليق ومقامات الأنبياء.ومادمنا في الحديث عن القرآن الكريم، فإني أدعو أبناء القرآن باسمه، وأنصح لهم - والدين النصيحة لعامة المسلمين - الحفاظ على إقامة حكمه، كمحافظتهم على إقامة رسمه، وأن يكونوا على حذر ويقظة مما يكتبه رجال الشرق والغرب من مبشرين ومستشرقين حول القرآن خصوصا، والإسلام عموما، ولا ينخدعوا بيهرجة الألقاب وأسماء الكتب، فكم خدعوا أبناءنا بزبرج الألفاظ في دراساتهم التي نفثوا فيها
سمومهم، فهي مليئة بالدس الرخيص، والافتراء الصريح والبهتان وهاهي كتبهم التي ترجمت إلى لغتنا، والتي بعد لم تترجم ولكنهم نشروها في بلدانهم، تنبئ عن أحقادهم وأضغانهم.ولست في مقام الحديث عن جميع أسفار تلك الزوامل، باستعراض واف وشامل، ولكن في بعض الإشارة ما يكفي لمن ألقى السمع وهو شهيد.فإن في كتاب (جولد تسهر - وهو يهودي- وقد ترجم وطبع باسم مذاهب التفسير الإسلامي، وغيره من كتاباته في مقالاته، ونحو كتابات (واشنطن إيرفنج) في سيرة النبي العربي المذيلة بخاتمة لقواعد الإسلام ومصادرها الدينية، وكتابات تشارلز (توراي) - وهو يهودي - في الإسرائيليات في الإسلام، ومفردات القرآن وغيرها، وكتابات (صموئيل زويمر) - وهو رئيس المبشرين في الشرق الأوسط - في ترجمات القرآن وسائر مصنفاته في الإسلام، والتي قال عنها مترجمها: إنه أفقدها بتعصبه واعتسافه وتضليله قيمتها العلمية.)وهذا المستشرق المبشِّر بالمسيحية هو القائل: إنَّ الغاية من التبشير ليس التمسيح بالضرورة، ولكن يكفينا أن تذبذب المسلمين ونشككهم في عقيدتهم، ونزعزع ثقتهم بأنفسهم وأصالتهم.ولا يقصر عنه (أرثر جفري ناشر كتاب المصاحف للسجستاني، وحتى في نشره لذلك الكتاب توجه إليه أصابع الاتهام أكثر من علامة استفهام، فهذا له عدة كتب ومقالات تتعلّق بالقرآن، وكلها منشورة في)
الشرق والغرب ويكفي أنه واضع كتاب (الجدل الإسلامي المسيحي وكتاب (تاريخ محمد).)وأخيراً وليس آخراً محي الدينوف والذي كان في وقت سفير الاتحاد السوفياتي في بلد إسلامي عربي فقد أصدر كتاباً بعنوان (القرآن عقيدته وتعاليمه، «وهذا الكتاب كله هدم للقرآن وعقيدة الإسلام وتعاليم المسلمين، وإنكار لنبوة محمد صلی اللّه علیه [وآله] و سلم، وإن كل ما جاء عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم هو مجموعة خرافات).)هكذا عرَّفه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت أمام المؤتمر المنعقد في الجزائر سنة 1393ه- - 1973م باسم الملتقى السابع للتعرف على الفكر الإسلامي.فحذار حذار من هؤلاء المبشرين، والمستشرقين، فهما القوتان اللتان استعان بهما الاستعمار لدَكّ صروح الإسلام من الداخل والخارج، فقد قال بلفور - صاحب الوعد المشؤوم - والذي كان آنذاك رئيس شرف للجنة التبشيرية: إنَّ المبشرين هم ساعد الحكومات المستعمرة وعضدها في كثير من الأمور.وقد حذَّرنا الله تعالى من كيد هؤلاء الأعداء، بقوله تعالى لنبيه الكريم الله الكريم(صلی اللّه علیه و آله و سلم (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (1).)
1) سورة البقرة، الآية 120.
كما حذّرنا أيضاً من استمرارية عداوتهم وحربهم علينا، فقال تعالى (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا(1).)فعلى المسلمين أن يقرؤوا من الكتب النافعة في هذا المقام أمثال کتاب (الهدى إلى دين المصطفى وكتاب (الرحلة المدرسية) لآية الله المرحوم البلاغي رحمه الله وكتاب (نفحات الإعجاز) وكتاب (البيان) لآية الله سيدنا الناظم دام ظله، وكتاب (الإسلام والرد على منتقديه) للمرحوم الشيخ محمد عبده، وكتاب (الظاهرة القرآنية) للكاتب الشهير مالك بن نبي وكتاب (الفارق بين المخلوق والخالق) لعبد الرحمن بك باجة جي زاده، ونحوها من الكتب النافعة، ليتبينوا عظمة قرآنهم من ازدياد قلق أعدائهم منه، وحملاتهم المسعورة في مختلف نشاطاتهم ضده، فإنَّ (غلادستون) الذي أعلن أمام مجلس العموم البريطاني وقد رفع القرآن بيده الأثيمة قائلاً: «لن يقرّ لنا قرار بين المسلمين ما دام فيهم هذا الكتاب».)لا زال صوته يجلجل في أسماع الصليبية وحلفائها من صهيونية وشيوعية ومبادئ كافرة، ولكن الله سوف ينصر دينه ليظهره على الدين كله رغم تكالب الكافرين وتخاذل المسلمين، فإنه وعد في كتابه المجيد- ووعده الحق وقوله الصدق - فقال في ثلاثة مواطن من قرآنه ببيان واحد في فرقانه، ففي كل من سورة التوبة وسورة الفتح، وسورة الصف قال تعالى
1) سورة البقرة، الآية 217.
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ(1).)فإلى التمسك بالقرآن وتعاليمه، والالتزام بأوامره ونواهيه وسائر أحكامه أيها المسلمون.﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّت أَقْدَامَكُمْ(2).)
## أمّة النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم خير الأمم)9- أُمِّتُه أُمّةً خير أخرِجَت*** تنهى عن المنكر فيما أُمرَتْ10- تأمر بالمعروف والإطاعة*** لخالق الكون وربِّ الساعةإشارة منه إلى قوله تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ(1).)وقد اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية الكريمة، ففي تفسير إحدى مفرداتها (كنتم قالوا:)1- إنّ (كان ناقصة، وخبرها (خير أمة)، وهذا يوهم الخيرية في زمن مضى، ولا يدلان على الدوام. لكن أبا حيان الأندلسي قال في تفسيره البحر المحيط: ولا يراد بها هنا الدلالة على مضي الزمان وانقطاع النسبة نحو قولك: (كان زيد قائماً)، بل المراد دوام النسبة كقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا)، وكون)
1) سورة آل عمران الآية 110.
(كان تدل على الدوام ومرادفه لم يزل قولا مرجوحاً. بل الأصح أنها كسائر الأفعال تدل على الانقطاع، ثم قد تستعمل حيث لا يراد الانقطاع(1).)2- وقالوا: إنّ (كان تامة هاهنا، و (خير أمة) نصباً على الحال، والمعنى خلقتم ووجدتم خير أمة، كما في تفسير التبيان(2)وتفسير القرطبي(3)وغيرهما.)3- وقالوا: إنّ (كان زائدة دخولها وخروجها بمعنى واحد، إلا أن فيها تأكيد وقوع الأمر لا محالة، لأنه بمنزلة ما قد كان في الحقيقة، كما قال (واذكروا إذ أنتم قليل)(4)، وفي موضع آخر (اذكروا إذ كنتم قليلاً فكثر كم)(5)، ونظيره قوله (وكان الله غفوراً رحيماً )، لأن مغفرته المستأنفة كالماضية في تحقيق الوقوع لا محالة. كذا قاله الشيخ الطوسي في التبيان(6)، ونحوه في تفسير الطبري(7).)غير أن أبا حيان قال في تفسيره البحر المحيط: وأبعد من ذهب أنها
زائدة، لأن الزائدة لا تكون في أول الكلام ولا عمل لها(1.)و نتيجة لهذا الاختلاف في تفسير صيغة الجملة الفعلية كان من الطبيعي أن نجد الاختلاف في تفسير المعنى فيها.فقيل في المعنى: (كنتم خير أمة في علم الله.)وقيل: إن المعنى: (كنتم خير أمة في اللوح المحفوظ.)وقيل: إن المعنى: (كنتم خير أمة فيما أخبر الله به الأمم قديماً عنكم. وهذا ما حكي عن الحسن أنه قال: إن ذلك قد كان قديماً في الكتب المتقدمة ما يسمع من الخير في هذه الأمة من جهة البشارة.)وقال نحن آخرها وأكرمها على الله، وكذلك روي عن النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم أنه قال: أنتم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله(2).)فهو موافق لمعنى (أنتم خير أمة إلا أنه ذكر (كنتم) لتقدم البشارة به، ويكون التقدير (كنتم خير أمة) في الكتب الماضية، فحققوا ذلك بالأفعال الجميلة(3).)وقيل: هو على الحكاية وهو متصل بقوله: (ففي رحمة الله هم فيها خالدون أي فيقال لهم في القيامة: كنتم في الدنيا خير أمة. وهذا قول)
بعيد عن سياق الكلام(1.)وكذلك اختلف المفسرون في المعني بقوله (كنتم خير أمة.)فقال قوم: هم الذين هاجروا مع النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم. ذكروه عن ابن عباس وعمر بن الخطاب والسدي كما في التبيان(2)، فقال ابن عباس: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وشهدوا بدرا والحديبية(3).)وقال عمر بن الخطاب: لو شاء الله تعالى لقال: (أنتم. فكنا كلنا ولكن قال (كنتم) في خاصة أصحاب محمد ومن صنع مثل صنيعهم، كانوا خير أمة أخرجت للناس(4).)وقال أبو جعفر الباقر (علیه السلام: (كنتم خير أمة أخرجت للناس)، أهل بيت النبي(5).)وقال عكرمة نزلت في ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن
1) البحر المحيط 3 /28.
2) التبيان 2/557.
3) أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والفريابي وأحمد والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه كما في الدر المنثور للسيوطي 2/63.
4) أخرج ذلك عنه ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي وعن عمر كما في الدر المنشور 2/63.
5) أخرج ذلك عنه السيوطي في الدر المنثور 2/64 نقلا عن ابن أبي حاتم، وذكره الألوسي في روح المعاني 4/25.
كعب ومعاذ بن جبل(1.)وقال الضحاك: هم أصحاب رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم خاصة(2).)وقال أبو هريرة: نحن خير الناس للناس، نسوقهم بالسلاسل إلى الإسلام.وفي تفسير القرطبي بلفظ آخر عنه: تجرون الناس بالسلاسل إلى الإسلام.وهذا الرأي لسماجته حاول أبو الليث السمرقندي تلطيفه دون الإشارة إلى قائله، فقال: ويقال خير أمة أخرجت للناس، لأنهم يأمرون بالمعروف فيقاتلون الكفّار ليسلموا، فترجع منفعتهم إلى غيرهم، كما قال (علیه السلام: خير الناس من ينفع الناس(3).)ومن الغريب أن يقول أبو الليث ذلك، ثم يستدل بما لم يثبت كونه حديثاً(4، وعلى أية حال فلا حجة في رأي أبي هريرة ولا وجاهة فيما قاله أبو الليث، إذ لم يكن الذين جاهدوا الكفار قد نشروا الإسلام بالسيف، ولا جروا الناس بالسلاسل إلى الإسلام، وإنما كانوا على هدي القرآن الكريم (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) وسيرة النبي العظيم (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ)
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وحتى لما أنزلت آيات الجهاد (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)(1)وقوله قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً(2)لم يجروا أحداً بسلسلة إلى الإسلام.)والآن فلننظر إلى بقية الآراء نستعرضها لنرى أيها أزكى وأصوب وإلى الحق أقرب، فنقول:إن جميع الآراء السابقة سواء التي ذكرت الصحابة عموما كما عن الضحاك، أو التي ذكرت بعضا منهم خصوصا كما عن ابن عباس وعمر وعكرمة، والسدي فهي لا يمكن الإذعان بصحتها، لأنها حين تقصر الوصف عليهم لا تدع لآخرين من بقية الأمة فضلا ولا نصيب لهم في تلك الخيرية وإن أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر.على أن فيهم من يفضل كثيراً من الصحابة ممن لم يكن كذلك، فقد كان فيهم المنافقون وأهل الكبائر الذين أقام عليهم النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم أو على بعضهم الحدود كما قال القرطبي في تفسيره(3)، ومنهم من أخبر النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) عنهم بقوله: لَيَردَنَّ عليَّ الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رفعوا اختلجوا دوني، فلأقولن: أي رب أصحابي. فليقالن: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.)
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم قال يرد عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي - أو قال: من أمتي - فيحَلّئون عن الحوض فأقول: يا رب أصحابي. فيقول: لا علم لك بما أحدثوا بعدك ارتدوا على أعقابهم القهقرى.)فهذه الأحاديث ونحوها تنفي أن يكون الخطاب في الآية (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ خاص بالصحابة، مضافا إلى منافاته لما ورد عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) و من تفضيل من آمن به ولم يره على من آمن به وقد رآه.)فقد روى أبو أمامة عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم أنه قال: طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى - سبع مرات - لمن لم يرني وآمن بي(1).)وفي مسند الطيالسي بسنده عن عمر قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فقال: أتدرون أي الخلق أفضل إيمانا؟ قلنا: الملائكة. قال: وحق لهم، بل غيرهم. قلنا: الأنبياء. قال: وحق لهم، بل غيرهم. ثم قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: أفضل الخلق إيماناً قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني، يجدون ورقا فيعملون بما فيها، فهم أفضل الخلق إيماناً(2.)فهذا يدل على عدم قصر الوصف على الصحابة، لتخلّفه أولاً في كثير منهم، ثم تفضيل النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم عليهم من جاء بعدهم فآمن به ولم يره.)
إذن من هو المعني بهذا الخطاب إذا لم يكونوا هم؟ولما لم يبق من الآراء السابقة ما يصح الوقوف عنده والإذعان له إلا رأي الإمام أبي جعفر الباقر (علیه السلام، الذي حكاه السيوطي في الدر المنثور نقلاً عن ابن أبي حاتم. فلننظر ماذا يقول في تفسير (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).)قال: أهل بيت النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم.وقد يبدو هذا الرأي غريباً، ولكن إذا ما قرأنا ما جاء عن ولده الإمام الصادق (علیه السلام، مما يلقي الضوء، ويفسّر الغريب ببيان شاف كافٍ ذي دلالة واضحة ترتفع معه الغرابة ويصبح التفسير مقبولا.)فقد روى العياشي في تفسيره عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبدالله - الصادق –(علیه السلام، قال: قلت له: أخبرني عن أمة محمد (صلی اللّه علیه و آله و سلم) من هم؟ قال: أمة محمد (صلی اللّه علیه و آله و سلم) بنو هاشم خاصة. قلت: فما الحجة في أمة محمد أنهم أهل بيته الذين ذكرت دون غيرهم؟ قال: قول الله ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ*رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)(1).)فلما أجاب إبراهيم وإسماعيل وجعل من ذريتهما أمة مسلمة، وبعث فيهم رسولاً منهم - يعني من تلك الأمة. يتلو عليهم آياته ويزكيهم
1) سورة البقرة، الآيتان 127، 128.
ويعلمهم الكتاب والحكمة، وردف دعوته الأولى دعوته الأخرى، فسأل لهم تطهيراً من الشرك ومن عبادة الأصنام ليصح أمره فيهم ولا يتبعوا غيره، فقال: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(1).)ففي هذا دلالة على أنه لا يكون الأئمة والأمة المسلمة التي بعث فيها محمد (صلی اللّه علیه و آله و سلم من ذرية إبراهيم (علیه السلام)، لقوله (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ)(2).)وقد عقب السيد الطباطبائي رحمه الله على ذلك في تفسيره بكلام ننقله بطوله، فقال:استدلاله (علیه السلام في غاية الظهور، فإن إبراهيم (علیه السلام)، إنما سأل أمة مسلمة من ذريته خاصة، ومن المعلوم من ذيل دعوته ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ) أن هذه الأمة المسلمة هي أمة محمد (صلی اللّه علیه و آله و سلم)، لكن لا أمة محمد (صلی اللّه علیه و آله و سلم) بمعنى الذين بعث (صلی اللّه علیه و آله و سلم) إليهم، ولا أمة محمد (صلی اللّه علیه و آله و سلم) بمعنى من آمن بنبوته، فإن هذه الأمة أعم من ذرية إبراهيم وإسماعيل، بل أمة مسلمة من ذرية إبراهيم (علیه السلام)، ثم سأل ربَّه أن يجنب ويبعد ذريته وبنيه من الشرك والضلال، وهي العصمة.)ومن المعلوم أن ذرية إبراهيم وإسماعيل - وهم عرب مضر أو قريش
خاصة - فيهم ضال ومشرك، فمراده من بنيه في قوله (وَبَنِيَّ أهل العصمة من ذريته خاصة وهم النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) وعترته الطاهرة (علیهم السلام). ولعل هذه النكتة هي الموجبة للعدول عن لفظ الذرية إلى لفظ البنين.)ويؤيده قوله (علیه السلام، (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الآية، حيث أتى بفاء التفريع، وأثبت من تبعه جزءاً من نفسه، وسكت عن غيرهم كأنه ينكرهم ولا يعرفهم.)هذا وقوله - الصادق - (علیه السلام: فسأل لهم تطهيرا من الشرك ومن عبادة الأصنام، إنما سأل إبراهيم (علیه السلام)، التطهير من عبادة الأصنام، إلا أنه (علیه السلام) علّله بالضلال، فأنتج سؤال التطهير من جميع الضلال من عبادة الأصنام ومن أي شرك حتى المعاصي، فإن كل معصية شرك، كما مر بيانه في قوله تعالى (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)(1). وقوله (علیه السلام): ففي هذا دلالة على أنه لا يكون الأئمة والأمة المسلمة... الخ أي أنهما واحد، وهما من ذرية إبراهيم كما مرَّ بيانه.
فإن قلت: لو كان المراد بالأمة في هذه الآيات ونظائرها كقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)(2)عدة معدودة من الأمة دون الباقين كان لازمه المجاز في الكلام من غير موجب يصحح ذلك، ولا مجوز لنسبة ذلك إلى كلامه تعالى، على أن كون خطابات القرآن متوجهة إلى
جميع الأمة ممن آمن بالنبي ضرورة لا يحتاج إلى إقامة حجة.
قلت: إطلاق أمة محمد وإرادة جميع من آمن بدعوته من الاستعمالات المستحدثة بعد نزول القرآن وانتشار الدعوة الإسلامية، وإلاّ فالأمة بمعنى القوم كما قال تعالى (وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتعُهُمْ)(1).
وربما أطلق على الواحد كقوله تعالى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ(2)، وعلى هذا فمعناه من حيث السعة والضيق يتبع موردها الذي استعمل فيه لفظها، أو أريد فيه معناها.
فقوله تعالى رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ الآية والمقام مقام الدعاء بالبيان المتقدم، ولا يراد إلا عدة معدودة ممن آمن بالنبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم).
وكذا قوله (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخرجَتْ لِلنَّاسِ) وهو في مقام الامتنان وتعظيم القدر وترفيع الشأن، لا يشمل جميع الأمة، وكيف يشمل فراعنة هذه الأمة ودجاجلتها(3)الذين لم يجدوا للدين أثراً إلا عفّوه ومحوه، ولا
1) سورة هود، الآية 48.
2) سورة النحل، الآية 120.
3) لا غضاضة على سيدنا الطباطبائي رحمه الله تعالى لو استعمل هذا الجمع وهو على غير قياس بعد أن استعمله إمام المالكية مالك بن أنس صاحب الموطأ. فقال في محمد بن إسحاق صاحب السيرة: إنه دجال الدجالة لأنه بلغ عنه قوله في الموطأ: آتوني به فأنا بيطاره. راجع بشأن ذلك إسعاف المبطأ للسيوطي، ص 4. ولتقرأ نقد ابن إدريس لمالك وقوله: ما رأيت أحداً جمع الدجال قبله. وراجع تذكرة خواص الأئمة لسبط ابن الجوزي، ص 180 ط حجرية لتقرأ قوله: وقد أخذوا على مالك هذا، فإنه لا يقال: من الدجاجلة، بل من الدجالين اه-. ولاحظ تاج العروس (دجل) لتعرف أن ذلك جمع على غير قياس. باقتضاب من كتابنا (حديث الثقلين).
لأوليائه عظماً إلا كسروه.
وسيجيء تمام البيان في الآية إن شاء الله، فهو من قبيل قوله تعالى لبني إسرائيل وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ(1)، فأين منهم قارون ولا تشمله الآية قطعا.)كما أن قوله تعالى ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا(2)لا يعم جميع هذه الأمة، وفيهم أولياء القرآن ورجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله تعالى.)وأما قوله تعالى ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(3)فالخطاب متوجه إلى جميع الأمة ممن آمن بالنبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) أو بعث إليه(4).)إلى هنا انتهى كلام السيد الطباطبائي رحمه الله نقلناه بطوله لما فيه من فوائد يغنمها القارئ.
ونزيده تبصرة بصحة ما سبق ذكره وأن المعني في قوله (كنتم خیر أمة ليس كل أمة المسلمين، وإنما هم طائفة لها امتياز خاص وهم الأئمة من آل محمد، فقد روى العياشي في تفسيره عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله (علیه السلام)، قال في قوله (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)(1)، قال: في هذه الآية تكفير أهل القبلة بالمعاصي، لأنه من لم يكن يدعو إلى الخيرات ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من المسلمين فليس من الأمة التي وصفها الله، لأنكم تزعمون أن جميع المسلمين من أمة محمد (صلی اللّه علیه و آله و سلم)، وقد بدت هذه الآية، وقد وصفت أمة محمد بالدعاء إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن لم يوجد فيه الصفة التي وصفت بها، فكيف يكون من الأمة وهو على خلاف ما شرطه الله على الأمة ووصفها به(2).)وبعد هذا البيان المفهم المفحم الملزم هل من غرابة إذا ما قرأنا رواية عن الإمام الصادق (علیه السلام يقول فيها: في قراءة علي (علیه السلام): كنتم خير أئمة أخرجت للناس. وقال: هم آل محمد(صلی اللّه علیه و آله و سلم)؟!)أو نجد حرجاً في تصديق ما رواه أبو بصير عن الصادق (علیه السلام، قال: إنما أنزلت هذه الآية على محمد (صلی اللّه علیه و آله و سلم) فيه وفي الأوصياء خاصة فقال (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)(3).)
ولماذا لا يكون هذا المعنى هو الصحيح في المقام للفظ (أُمَّةٍ هم الأئمة؟)ألم يقل ابن عباس - وهو حبر الأمة وترجمان القرآن ومن دعا له رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم بالحكمة مرتين-: إن ذلك هو المعنى بلغة قريش؟)هلم واقرأ ما في كتاب (اللغات في القرآن رواية ابن حسنون المقرئ بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا)(1): يعني إماماً يقتدون به بلغة قريش(2).)وهل يسعنا أن لا نؤمن بصحة رواية ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه، وهذا أبو حيان الأندلسي الغرناطي يروي لنا في كتابه تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب أن ابن عباس قال في قوله عزوجل (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ قال: بلسان قريش ولو كان غير عربي لما فهموه...)إلى أن قال: وليس من ألسنة الأمم أوسع من لسان العرب والقرآن ليس فيه لغة إلا لغة العرب، وربما وافقت اللغة اللغات، وأما الأصل والجنس فعربي لا يخالطه شيء(3.)فما دام القرآن بلسان عربي مبين وبلسان قريش وابن عباس منهم
يفسر لنا (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا يعني إماماً يقتدى به بلغة قريش وآمنا بصحة قوله فلا بد لنا أن نؤمن بصحة رواية القراءة من الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ)، فإنه سيّد العرب كما سماه رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) في حديث عائشة عنه(1)، وهو بعد سيّد قريش بعد نبيها، وهو أعلم الصحابة بالقرآن، وهو القائل: سلوني قبل أن لا تسألوني، سلوني قبل أن يوشك أن تفقدوني، سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل، ولو شئتُ لأوقرتُ سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب.)وسيأتي المزيد من الشواهد على ذلك في محله.فهل بعد هذا ريب في صحة قراءة الإمام (علیه السلام (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) إن لم تكن تنزيلا كما مر في بعض الروايات، وإلا فلا شك أنها لا غيرها تأويل.)وهذا لا ينافي أن يكون للفظ (أُمَّةٍ عدة معان أخرى وردت في)
1) أخرج الحاكم في المستدرك 3/124 بسنده عن عائشة أن النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) قال: أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. ورواه المتقي الهندي في كنز العمال 6/157 ط الأولى بحيدرآباد، عن عائشة وابن عباس وجابر. ورواه أبو نعيم في حلية الأولياء 1/63 بسنده عن الحسن بن علي (علیهما السلام)، وفي 5/38 بسنده عن الحسين بن علي (علیهما السلام). ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه 11/89 عن سلمة بن كهيل. وفي مجمع الزوائد 9/116 عن أنس بن مالك. وفي الصواعق المحرقة لابن حجر، ص 73 نقلا عن البيهقي... إلى غير ذلك من المصادر التي سيأتي ذكرها في محلها.
اللغة، منها: الجماعة وأتباع الأنبياء، والجامع للخير، والملة، والحين، والقيامة، والمنفرد بدين لا يشركه فيه أحد(1.)
1) تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب لأبي حيان الأندلسي، ص 13.
## النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم علة إيجاد جميع الموجودات)11 - نبيُّنا للكون كانَ غايهْ*** مِنْ مبدأ يَسري إلى النهايهْإشارة منه دام ظله إلى ما اشتهر من مأثور شريف: «لولاك لما خلقت الأفلاك »، وقد ذكره القاضي نور الله التستري في إحقاق الحق، وقال: إنَّه حديث قدسي (1.)لكن آخرين نفوا أن يكون حديثاً، فقد ذكره العجلوني في كشف الخفاء ومزيل الالتباس عمّا اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، وعقّبه بقوله: قال الصغاني: موضوع (2.)وأقول: لكن معناه صحيح وإنّ لم يكن حديثا، وعلى قول الصغاني بنى الشوكاني فأدرجه في (الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة وذكر قول الصغاني المذكور، ولم يعقب عليه بشيء(3)، كما لم يعلق)
المحقق لطبعة القاهرة عليه بشيء.وذكره محمد ناصر الدين الألباني في كتابه سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقال:«لولاك ما خلقت الأفلاك»موضوع، كما قاله الصغاني في الأحاديث الموضوعة (1، وأما قول الشيخ القارئ، ص 67 - 68: لكن معناه صحيح، فقد روى الديلمي عن ابن عباس مرفوعاً: أتاني جبريل فقال: «يا محمد لولاك لما خلقت الجنة، ولولاك ما خلقت النار»، وفي رواية ابن عساكر: لولاك ما خلقت الدنيا.)قلت - والقائل هو الألباني-: الجزم بصحة معناه لا يليق إلا بعد ثبوت ما نقله الديلمي وهذا مما لم أر أحداً تعرض لبيانه، وأنا وإن كنت لم أقف على سنده، فإني لا أتردد في ضعفه، وحسبنا في التدليل على ذلك تفرد الديلمي به، وأما رواية ابن عساكر فقد أخرجها ابن الجوزي أيضاً في حديث طويل عن سلمان مرفوعاً، وقال: إنَّه موضوع. وأقره السيوطي في اللئالئ(2، ثم وجدته من حديث أنس، وسوف نتكلم عليه إن شاء الله(3).)أقول: من العجب أنَّ العجلوني والشوكاني ومن تبعهما حكموا بأنَّ الحديث موضوع تبعاً وتقليداً للصغاني، مع أنه لم يبين سبب حكمه بذلك
من علّة في السند أو آفة في المتن، فبمجرد قوله ذلك تابعه من ذكرناه متابعة الأعمى لقائده، وزاد الألباني في الطين بلة في مناقشته لقول الشيخ القارئ الذي ذهب إلى صحة معناه مستنداً إلى ما رواه الديلمي عن ابن عباس، وابن عساكر عن سلمان، لكن الألباني لم يرق له ذلك، فجاوز الحد فقال: «الجزم بصحة معناه لا يليق إلا بعد ثبوت ما نقله الديلمي»، ثم اعترف بأنه لم يقف على سنده إلا أنه لم يتردد في ضعفه، ودليله في ذلك تفرد الديلمي، واعتمد في مناقشته حديث ابن عساكر على حكم ابن الجوزي بأنه موضوع.وليعلم القارئ أنَّ هذين الرجلين - الصغاني وابن الجوزي - قد نقدهما جهابذة الفن في إفراطهما في الحكم بوضع الأحاديث، وإلى القارئ بعض ما قيل فيهما:فعن الصغاني: قال السخاوي: وممن أفرد بعد ابن الجوزي كراسة - يعني في الموضوعات - الرضي الصغاني اللغوي... وفيها الكثير أيضاً من الصحيح والحسن، والضعيف بما هو ضعيف يسير(1.)وأما عن ابن الجوزي فقد قال السخاوي: ربما أدرج ابن الجوزي في الموضوعات الحسن و الصحيح مما هو في أحد الصحيحين فضلا عن غيرهما، وهو توسع منكر ينشأ عنه غاية الضرر، من ظن ما ليس بموضوع موضوعاً، ما قد يقلده فيه العارف تحسيناً للظن به حيث لم يبحث، فضلاً
1) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، ص 107.
عن غيره (1.)وخلاصة القول منا ما قاله الحافظ السندي: ليس الجرح من كل جارح مما يعتنى به كجرح ابن الجوزي ورميه الحسان بل بعض الصحاح بالوضع (2.)ونعود الآن إلى حديث «لولاك لما خلقت الأفلاك »فنقول كما قال الشيخ القارئ: «معناه صحيح»، بل ذكره أيضاً في كتابه شرح الشفاء عند شرح الحديث القدسي في جواب آدم حين رأى اسم النبي (مقروناً مع اسم ربه مكتوبا على العرش «فأوحى الله إليه: وعزتي وجلالي إنه لآخر النبيين من ذريتك، ولولاه لما خلقتك ».قال القارئ: ويقرب منه ما روي: «لولاك لما خلقت الأفلاك»وبصحة معناه قال الحافظ العجلوني، وقد تقدم قوله: لكن معناه صحيح وإن لم يكن حديثاً(3.)ويقرب من ذلك قول القاوقجي في حديث «لولاك لما خلقت الأفلاك »: لم يرد بهذا اللفظ، بل ورد «لولاك ما خلقت الجنة، ولولاك ما خلقت النار»، وعند ابن عساكر: «لولاك لما خلقت الدنيا»(4.)
والحديث الذي ذكر شطراً منه عن ابن عباس قد رواه الديلمي في الفردوس، والثاني عن سلمان وقد رواه ابن عساكر، وقد مرت الإشارة إليهما عن أكثر من مصدر، وهناك حديث عن علي (علیه السلام لم يذكره من سبق ذكرهم ولا أشاروا إليه، وقد أخرجه الحلبي في سيرته نقلاً عن صاحب كتاب شفاء الصدور في مختصره، عن علي بن أبي طالب رضي تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، عن الله عز وجل أنه:قال يا محمد، وعزتي وجلالي لولاك ما خلقت أرضي ولا سمائي، ولا رفعت هذه الخضراء، ولا بسطت هذه الغبراء(1).)وفي رواية عنه: ولا خلقت سماءاً ولا أرضاً، ولا طولاً ولا عرضاً (2.)ويقرب من هذا ما جاء عندنا في حديث الكساء المعروف برواية صاحب عوالم العلوم بسنده المتصل إلى جابر بن عبد الله، فيما أوحى عزّ وجل به إلى النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم: إني ما خلقت سماءاً مبنية، ولا أرضاً مدحيّة ولا قمراً منيراً، ولا شمساً مضيئة، ولا فلكاً يدور، ولا بحراً يجري، ولا فلكاً يسري، إلا لأجلكم ومحبتكم.)قال الشيخ الصدوق رحمه الله في كتابه الهداية: يجب أن نعتقد أن النبوة حق كما اعتقدنا أن التوحيد حق...إلى أن قال: ونعتقد إنَّ الله تبارك وتعالى خلق جميع ما خلق له ولأهل بيته صلوات الله عليهم، وأنه لولاهم ما خلق الله السماوات
والأرض ولا الجنة ولا النار، ولا آدم ولا حواء، ولا الملائكة ولا شيئا مما خلق صلوات الله عليهم أجمعين (1.)وجاء في الخصائص الكبرى للسيوطي: وخلق آدم وجميع المخلوقات لأجله (2.)وقد جاء في مدحه صلى الله عليه [وآله] وسلم:لولاه ما كانَ لا فُلك ولا فَلَك*** كلّا ولا بانَ تحريم وتحليلوقال الآخر:ولولاهم لم يخلق الله آدماً*** ولا كان زيد في الوجود ولا عمرو
## النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم أفضل الأولين والآخرين)12 - نبينا أفضلُ مِن كلِّ الورى*** مِنْ كُلِّ مخلوق يُرى أو لا يُرىإشارة منه دام ظله إلى ما ورد في تفضيله (صلی اللّه علیه و آله و سلم على جميع الخلق، وقد مر قريباً أنه لاجله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) ولاجل آله (علیهم السلام) - وكلهم نور واحد - خلق الله تعالى جميع خلقه، مضافاً إلى ذلك نشير إلى جملة من الأحاديث التي رواها الفريقان:)فمن ذلك ما روته أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها وعنه، قالت: قال رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم - في حديث-: وفضلني على جميع)خلقه... (1.)ومن ذلك ما روته عائشة عنه صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: أتاني جبريل (علیه السلام، فقال: قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أجد رجلاً أفضل)
1) بحار الأنوار 16/326، نقلا عن الخصال للصدوق 2/42.
من محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم(1.)ومن ذلك: ما رواه ابن عباس رضي الله عنه من قوله(صلی اللّه علیه و آله و سلم في حديث جاء في آخره: وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر... (2).)ومنها: ما رواه الإمام الصادق (علیه السلام من قول أمير المؤمنين (علیه السلام): مابرأ الله نسمة أفضل من محمد (صلی اللّه علیه و آله و سلم)...(3).)ومنها: ما رواه الإمام موسى بن جعفر (علیه السلام، عن آبائه (علیهم السلام)، عن رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) قال: أنا سيد من خلق الله، وأنا خير من جبرئيل وإسرافيل وحملة العرش وجميع الملائكة المقربين وأنبياء الله المرسلين، وأنا صاحب الشفاعة والحوض الشريف... الحديث (4).)ومن ذلك ما رواه أنس عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم قال: وأنا أكرم ولد آدم على ربي...(5).)
1) أخرجه القاضي عياض المالكي في كتابه الشفاء 1/131 ط إستانبول سنة 1304 ه-، والطبراني في المعجم الأوسط، والبيهقي في دلائل النبوة والشوكاني في فيض القدير 4/499. وأخرجه السيوطي في عدة من كتبه ففي مسالك الحنفاء ص 21 ط حيدرآباد، والتعظيم والمنة 43 ط حيدرآباد، وجمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال وغيرها.
2) أخرجه الترمذي 2/283، والقاضي عياض في الشفاء 1/172 والقاري في شرحه 1/440، 447 ط إستانبول عثمانية سنة 1316ه-.
3) بحار الأنوار 16/368.
4) بحار الأنوار 16 /364، نقلا عن كمال الدين وتمام النعمة للصدوق، ص 151 - 152.
5) قد مرت الإشارة إلى الحديث نقلاً عن سنن الدارمي 1/26، وأخرجه القاضي عياض في الشفاء 1/168، والقاري في شرح الشفاء 1/438، وفضائل الخمسة 1/44.
قال القاضي عياض المالكي: تقرر من دليل القرآن وصحيح الآثار وإجماع الأمة كونه أكرم البشر وأفضل الأنبياء(1.)ولنختم الكلام بما كتبه ابن تيمية في مسألة لباس الفتوة والخرقة عند المتصوفة، في فصل: مم خلق النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم و بم تتفاضل المخلوقات، فقال بعد إنكاره خلقه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) من نور، وبعد تفضيله الأنبياء على الملائكة في كلام طويل: وقد ظهر فضل نبينا على الملائكة ليلة المعراج لما صار بمستوى يسمع فيه صرير الأقلام وعلا على مقامات الملائكة...)إلى أن قال: ومحمد سيد ولد آدم وأفضل الخلق وأكرمهم عليه، ومن هنا قال من قال: إنَّ الله خلق من أجله العالم، أو أنه لولا هو لما خلق عرشا ولا كرسيا ولا سماء ولا أرضا ولا شمسا ولا قمراً، لكن ليس هذا حديثا عن النبي صلى الله تعالى عليه [وآله] وسلم لا صحيحا ولا ضعيفا، ولم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث عن النبي صلى الله تعالى عليه [وآله] وسلم، بل ولا يعرف عن الصحابة، بل هو كلام لا يدري قائله ويمكن أن يفسر بوجه صحيح...(2.)إلى أن قال: وسيد ولد آدم هو محمد صلى الله تعالى عليه [وآله] وسلم وآدم فمن دونه تحت لوائه.قال صلى الله تعالى عليه [وآله] وسلم: إني عند الله لمكتوب خاتم
النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته، أي كتبت نبوتي وأظهرت لما خُلق آدم قبل نفخ الروح فيه.فإذا كان الإنسان هو خاتم المخلوقات وآخرها وهو الجامع لما فيها، وفاضله هو فاضل المخلوقات مطلقاً، ومحمد إنسان هذا العين، وقطب هذه الرحى، وأقسام هذا الجمع كان كأنها غاية الغايات في المخلوقات، فما يُنكر أن يقال أنه لأجله خلقت جميعا وإنه لولاه لما خلقت، فإذا فسِّر هذا الكلام ونحوه بما يدل عليه الكتاب والسنة قُبل ذلك(1.)
1) مجموعة الرسائل والمسائل 1/155.
## سمو معجزات النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم وشيوعها)13- معاجز النبي شاعت وسَمتْ..........قال القاضي عياض المالكي: واعلم أنَّ المعجزات التي ظهرت على يد نبينا صلى الله عليه [وآله] وسلم، ودلائل نبوته وبراهين صدقه من هذين النوعين معا - ويريد بهما ضربا من نوع قدرة البشر ولكنه فعل الله تعالى كصرفهم عن تمني الموت، وضربا خارج عن قدرتهم كإحياء الموتى وقلب العصا حية، وإخراج ناقة صالح من الصخرة - قال: وهو أكثر الرسل معجزة، وأبهرهم آية، وأظهرهم برهاناً، وهي في كثرتها لا يحيط بها ضبط (1.)وعقد الشيخ المجلسي بابا بعنوان (باب نادر في اللطائف في فضل نبينا (صلی اللّه علیه و آله و سلم في الفضائل والمعجزات على الأنبياء (علیهم السلام)) استعرض فيه ما ذكره الحافظ السروي في مناقبه من مقارنة بين كل من الأنبياء وبين نبينا صلى الله)
1) الشفاء 1/212.
عليه [وآله] وعليهم أجمعين يحسن مراجعته لمن شاء(1.)وقال القارئ في شرح الشفاء: قال الحلبي نقل بعض مشايخي... عن الزاهد مختار بن محمود الحنفي شارح القدوري... قيل: ظهر على يد نبينا صلى الله عليه [وآله] وسلم ألف معجزة، وقيل: ثلاثة آلاف.وعقب القارئ بقوله: ولعله أراد غير المعجزات التي في القرآن(2.)وقال الحافظ السروي: كان للنبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم من المعجزات ما لم يكن لغيره من الأنبياء، وذكر أنَّ له أربعة آلاف وأربعمائة وأربعين معجزة، ذكرت منها ثلاثة آلاف تتنوع أربعة أنواع ما كان قبله وبعد ميلاده، وبعد بعثه، وبعد وفاته، وأقواها وأبقاها القرآن(3).)وقد جمع الشيخ المجلسي في البحار معجزات الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم، وصنفها في اثني عشر بابا كما يلي:)1 - أم المعجزات: القرآن الكريم.2- جوامع معجزاته(صلی اللّه علیه و آله و سلم ونوادرها.)3- ما ظهر له (صلی اللّه علیه و آله و سلم شاهدا على حقيته من المعجزات السماوية والغرائب العلوية.)
4- معجزاته (صلی اللّه علیه و آله و سلم في إطاعة الأرضيات من الجمادات والنباتات له وتكلّمها معه.)5 - ما ظهر من إعجازه (صلی اللّه علیه و آله و سلم في الحيوانات بأنواعها.)6 - معجزاته في استجابة دعائه في إحياء الموتى والتكلم معهم وشفاء المرضى وغيرهم.7- ما ظهر من إعجازه في بركة أعضائه الشريفة وتكثير الطعام والشراب.8 - معجزاته في كفاية شر الأعداء.9 - معجزاته في استيلائه على الجن والشياطين، وإيمان بعض الجن.10 - الهواتف من الجن وغيرهم بنبوته.11 - إخباره بالمغيبات.12 - إخباره بما يقع بعده.
## نبينا (صلی اللّه علیه و آله و سلم خاتم الأنبياء والمرسلين)13-.......... نبوّةُ الله به قد خُتِمَتْإشارة منه دام ظله إلى ما ورد في الكتاب المجيد في قوله تعالى ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ(1)وإلى قوله تعالى ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)(2)وإلى قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ(3).)وقد استدل بهاتين الآيتين على أن شرعه(صلی اللّه علیه و آله و سلم ناسخ لكل شرع قبله، وفي هيمنة كتابه على ما سبقه من كتاب، وإظهار دينه على الدين)
كلّه.وعقد البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق بابا بعنوان (باب خاتم النبيين، وصنع مسلم مثله في صحيحه في كتاب الفضائل، فعقد بابا بعنوان (باب ذكر كونه صلى الله عليه [وآله] وسلم خاتم النبيين).)وأوردا حديثا رواه جابر وأبو هريرة بتفاوت بينهما في اللفظ: «إنَّ مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون به ويقولون: هلّا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين»، كما في البخاري: «فأنا موضع اللبنة، جئت فختمت الأنبياء».وفي حديث حذيفة عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم انه قال: «في أمتي كذابون ودجالون سبعة وعشرون منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي... »(1).)وفي حديث المنزلة - وسيأتي ذكر مصادره - قال النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم لعلي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.)
1) مسند أحمد 5/396.
## الإنذار في يوم الدار14 - إن النبي قد دعا عشيرته*** ليُسلموا ويَقْبلوا نصيحتَهْ15- لكنهم قد أنكروا نبوّته*** غير علي لم يلبّ دعوته16 - وبعدها قام النبيُّ هاديا*** إلى سبيل الحقِّ يدعو ثانيا17 - فلم يجد غير العنيد الجاحدِ*** إلا عليَّا مَفْخَرَ الأماجد18 - ثالثة قام بنشر دعوته*** يدعوهم إلى اتِّباع سِيْرَتِهْ19- فكذبوه رافضين دعوته*** قد جَحَدوا لم يقبلوا نصيحته20 - رموه بالسحر وقالوا ساحرُ*** أو إنَّه ذو جِنَّةٍ أو شاعرُ21 - كانَ عليّ فيهم ملبّيا*** وليسَ فِيهِمْ مَنْ يكون ثانيا22 - قال النبيُّ: ذا علي وارثي*** قاضٍ لِدَيْنِي كاشف الكوارِثِ23 - خليفتي مِنْ بَعْدِ مَوتِي لِلْوَرَى*** طَاعَتُه فَرْضٌ على أهل الثرى24 - فقال مِنهُمْ حاقدٌ وسَاخِرُ:*** يَا والد الفتى لك المفاخِرُ
25 - ابنك هذا واجب الإطاعهْ*** أطِعْهُ كَيْ تَنَالَكَ الشفاعهْإشارة منه دام ظله إلى حديث (الإنذار في بدء الدعوة، وذلك حين أنزل عليه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) وهو قوله تعالى (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)(1)، فقد روى ابن جرير الطبري في تاريخه، قال حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة، قال حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم عن المنهال بن عمرو، عن عبدالله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب، عن عبد الله بن عباس عن علي بن أبي طالب، قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) دعاني رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فقال لي: يا علي إنَّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أني متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت عليه حتى جاءني جبرئيل فقال: يا محمد إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك. فاصنع لنا صاعا من طعام، وأجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عُسّا من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون، يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فلما اجتمعوا إليه، دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم حذية(2))
من اللحم، فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة، ثم قال: خذوا بسم الله. فأكل القوم حتى مالهم بشيء حاجة، وما أرى إلا موضع أيديهم، وأيم الله الذي نفس علي بيده، وإنَّ الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم، ثم قال: اسق القوم فجئتهم بذلك العُسّ فشربوا منه حتى رووا جميعا، وأيم الله إنَّ كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله فلما أراد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لهدّ ما سحركم صاحبكم. فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم.فقال الغد: يا علي هذا الرجل قد سبقني إلى ما قد سمعت من القول، فتفرق القوم قبل أن أكلّمهم، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم إلىّ.قال: ففعلت ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام فقرّبته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتى مالهم بشيء من حاجة، ثم قال: اسقهم. فجئتهم بذلك العُسّ فشربوا حتى رووا منه جميعا، ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فقال: يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر؟ على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت - وأنا لأحدثهم سناً، وأرمصهم عيناً، وأعظمهم
بطناً، وأحمشهم ساقاً-: أنا يا رسول الله، أكون وزيرك عليه. فأخذ رقبتي، ثم قال: إن هذا أخي ووصي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا.قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع(1.)هذا هو الحديث المشار إليه، وقد رواه جملة من المفسرين ورواة الحديث والمؤرخين بتفاوت في الإسناد، واختلاف في الألفاظ، ولا ضير ولا جير - كما يقولون - لو كان التفاوت لاختلاف الرواة وتعدد الطرق، كما لا ضير ولا حرج أن يروي الواحد من المفسرين وأصحاب الحديث والمؤرخين صورتين للحديث بينهما تفاوت إما في السند أو في المتن لا يمس جوهر القضية.كل ذلك لا مانع منه ولا بأس فيه على المؤلف، ولكن الذي يمجّه الطبع، ولا تقبله القلوب الواعية، ويشكل علامة استفهام بارزة بوضوح - أن يروي المؤلف الواحد الحديث الواحد بالسند الواحد والمتن الواحد في كتاب له، ثم يعمد هو أو غيره، فيتعمد إلى أن يحذف من نفس ذلك الحديث بعض ألفاظه في كتاب له آخر، ثم يعوض عن المحذوف بكلمتي (كذا وكذا، أليس هذه بليّة ما بعدها بلية، فأين الثقة بمروياته إن كان التغيير من نفس المؤلف؟ ثم واسوأتاه له ولسوف يحاسب حساباً عسيراً.)وإنَّ كان التغيير من غيره فأين الأمانة؟ وسوف يجد ما جنته يداه من
1) تاريخ الطبري 2/216 ط الحسينية بمصر، 2 /319- 321 ط دار المعارف بمصر.
الخيانة، فهنالك يدعو ثبورا.وليس من السر المكتوم - مثل أسرار النجوم - لو أردنا أن نصرح بأسماء بعض من وقفنا على جنايتهم وخيانتهم في خصوص هذا الحديث.فأولهم - فيما أعلم - أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310ه- وهو شيخ المؤرخين، فقد أخرج الحديث في تاريخه كما مر بإسناده ومتنه، لكنه عمد في تفسيره فأخرج الحديث بعين السند والمتن إلا أنه حذف منه قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: «فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصي وخليفتي فيكم»واستبدلها بكلمتي (كذا وكذا).)وكذلك صنع بقوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: «إنَّ هذا أخي ووصي وخليفتي فيكم»، فحذفه وعوض عنه بكلمتي (كذا وكذا).)ألا مسائل ذلك الإنسان المتلاعب: لماذا هذه الغمغمة والهمهمة؟ ولماذا هذا التعتيم والتضبيب؟ولماذا هذا الحنق وهذا الغيظ ؟ لماذا ضقت ذرعا بذكر الوصاية والخلافة لعلي يا أيها المفسر الأمين؟!وهل يجديك ذلك شيئا، وأنت رويت ذلك في تاريخك، وهو كتاب شاعت نسخته منذ عهدك وحتى يومنا الحاضر، والحديث مثبت فيه لا غبار عليه، وفيه الخلافة والوصاية رغم كل معاند؟لماذا تجاهلت بل تعمدت أن لا تذكر إلا الأخوة، أما الوصاية والخلافة فحذفتهما من قول الرسول الكريم (صلی اللّه علیه و آله و سلم ؟ ألا يكون ذلك من)
الكذب عليه وقد قال: من كذب عليّ...فليراجع القارئ بنفسه تفسير الطبري (1ليقف بنفسه على النكرة الصلعاء لشيخ المؤرخين الذي اقتدى به بعض المؤرخين والمفسرين كما يأتي.)وقد يفاجأ القارئ إذا ما أعلمته أن هذا الرجل الذي أثنى عليه مترجموه بالإمامة والزهد والرفض للدنيا - كما في ترجمته في تذكرة الحفاظ للذهبي - حتى كان أحد العلماء يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله - كما يقول الخطيب البغدادي في تاريخه في ترجمته - فإن هذا الرجل قد عاد ثانية فروى الحديث متفاوت الألفاظ في كتابه (تهذيب الآثار وتفصيل معاني الثابت عن رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم من الأخبار) في مسند علي(2)، ويعتبر كتابه هذا - بحق - من خير تأليفه، وهو من أواخر تأليفه، فمات ولم يتمه.
1) تفسير الطبري 19 /68- 69 الطبعة المصرية بالمطبعة الميمنية، والطبعة الثانية طبع مصطفى البابي الحلبي 19 /121- 122.
2) من الطريف تعليق محقق الكتاب وهو (أبو فهر محمود محمد شاكر) على لفظ (وصيي) بقوله: ولفظ (الوصي) في هذه الأخبار بمعزل عما تقوله الشيعة من أن ( عليا) هو الوصي، بمعنى وصايته على المؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، بل هو بالمعنى العام في (الوصية) المعروفة عند المسلمين، وسياق كلام أبي جعفر - يعني الطبري - دال على ذلك في فقه هذه الأخبار، فمن أخرجه من معناه إلى معنى ما تقوله الشيعة فقد أعظم الفرية. اه-.)ونحن لا نرد عليه ولا نزيد إلا بقوله تعالى (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ.)
ومهما يكن فقد ذكر الحديث فيه بأسانيده مرتين:الأولى: في ص 60 - 61، وذكر فيها صورتين:أ - عن علي أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: من يضمن عني ديني، ويقضي عداتي، ويكون معي في الجنة؟ أو نحو ذا قلت أنا.وهذه الصورة قد ذكر لها سنداً آخر، ولم يعد ذكرها ثانية، بل قال: مثله.ب - عن علي لما نزلت هذه الآية (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قال: جمع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم عليه أهل بيته فاجتمعوا ثلاثين رجلاً فأكلوا وشربوا، وقال لهم: من يضمن عني ذمتي ومواعيدي، وهو معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي؟ فعرض ذاك عليهم، فقال رجل: أنت يا رسول كنت بحراً، من يطيق هذا؟ حتى عرض على واحد واحد فقال علي: أنا.)ثم قال الطبري معقباً على ذلك بقوله: القول في علل هذا الخبر: وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيماً غير صحيح لعلل...ثم ساق عللا بلغت إلى ست، ثم عاد مرة أخرى فذكر الحديث:الثانية: ص 62 - 63 بسنده عن عبد الله بن عباس عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يا بني عبد المطلب، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم
يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه.فأخذ برقبتي وقال: هذا أخي ووصيي خليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا.انتهى ما أردنا نقله عنه من ذكره للحديث، وبالمقارنة بين المتنين في المرتين يبدو التفاوت واضحاً لكل ذي عينين.وثانيهم: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الشامي المتوفى سنة 774 ه-، فقد أخرج الحديث في تاريخه(1كما في تاريخ الطبري مشتملا على ذكر الأخوة والوصاية، والخلافة، لكنه في تفسيره(2)حذا حذو ابن جرير، فحذف الوصاية والخلافة في المقامين مستبدلا لهما بكلمتي (كذاوكذا)، ولعل لوم ابن كثير دون لوم ابن جرير، فإنَّ الرجل شامي.)ولندعهما فكلاهما من حديث الأمس الدابر، ولكن هلم الخطب في رجال عصرنا الحاضر، عصر النور والحرية والحضارة ووو... إلى آخر ما في قاموس الألفاظ الفارغة، حيث لابن الكنانة النابغة، أعني الدكتور محمد حسين هيكل ما يهزّ الإنسان بالإفكل، فهذا الكاتب المصري، والمثقف العصري، يذكر الحديث في كتابه وفيه قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: فأيكم يؤازرني على هذا)
الأمر وأن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ فأعرضوا عنه وهموا بتركه، لكن عليا نهض - وما يزال صبياً دون الحلم - وقال: أنا يا رسول الله عونك، أنا حرب على من حاربت. فابتسم بنو هاشم وقهقه بعضهم وجعل نظرهم ينتقل من أبي طالب إلى ابنه، ثم انصرفوا مستهزئين(1.)والآن نحن أمام هذه الرواية التي صاغها هيكل فحطم هيكلها ولم يحسن صياغتها، فنقص منها جواب الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم: (فأنت أخي ووصيي وخليفتي)، كما تزيد فيها على قول علي للنبي: (أنا حرب لمن حاربت). وإنا لا نحاسبه على وصفه الإمام بأنه صبي دون الحلم(2)، ولا)
1) حياة محمد ص 104 الطبعة الأولى.
2) ليت أمثال هيكل من الذين لا يروق لهم حديث الإنذار كما هو، لأنه يثبت الوصاية والخلافة للإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، فهم دائماً يرددون كالببغاوات أن عليا أسلم وهو صبي! وكان أول من أسلم من الصبيان وأنه ما يزال صبيا دون الحلم!)أقول: ليت هؤلاء الناعقين الذين يهرفون ويخرفون، ويحرفون ما يعرفون، ليتهم قرؤوا ما يقوله أبو جعفر الإسكافي في كتابه (النقض على العثمانية وأجابوا على تساؤله بعد أن ذكر قول الرسول في الحديث بلفظ الطبري في تاريخه قال: فهل يكلّف عمل الطعام ودعاء القوم صغير غير مميز ؟ وغر غير عاقل؟ وهل يؤتمن على سر النبوة طفل ابن خمس سنين أو ابن سبع سنين؟ وهل يدعى في جملة الشيوخ والكهول إلا عاقل لبيب؟ وهل يضع رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) يده في يده، ويعطيه صفقة بيمينه بالأخوة والوصية والخلافة إلا وهو أهل لذلك؟ بالغ حد التكليف، محتمل لولاية الله وعداوة أعدائه.)وما بال هذا الطفل لم يأنس بأقرانه، ولم يلصق بأشكاله، ولم ير مع الصبيان في ملاعبهم بعد إسلامه، وهو كأحدهم في طبقته، كبعضهم في معرفته؟ وكيف لم ينزع إليهم في ساعة من ساعاته؟ فيقال: دعاه بعض الصبا وخاطر من خواطر الدنيا وحملته الغيرة والحداثة على حضور لهوهم والدخول في حالهم، بل ما رأيناه إلاّ ماضياً على إسلامه، مصمماً في أمره، محققاً لقوله بفعله، قد صدق إسلامه بعفافه وزهده ولصق برسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم من بين جميع من بحضرته... الخ.
على ما راق له من تصنيف ضحك القوم كما مر في رواية تاريخ الطبري إلى تبسم وقهقهة، وكل ذلك مما لم تشر إليه مصادر الحديث التي سنوافيك بها.ولكن الذي لا يسعنا السكوت عليه والإغماض عنه، ما صنعه هو بنفسه في كتابه، وقد أعاد طبعه ثانية، فحذف منه حتى تلكم الصورة المهلهلة، فلم يثبتها في طبعته الثانية سنة 1354ه-، فأسقط منها ما يرجع إلى أخوة من يؤازر النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم و وصايته وخلافته، لذلك أحدث البلبلة.)والحديث عن جنايات الأقلام على الإسلام حديث ذو شجون ولسنا في مقام استقراء ما جناه المحققون والناشرون في طبعاتهم الحديثة، فخياناتهم صلعاء لا تخفى على الخبير والناقد البصير.ولكن لا يجوز لنا إغفال أسماء الكتب التي ذكر أصحابها حديث الإنذار، فنقل ذلك عنهم المتقدمون، ولما طبع المتأخرون تلكم الكتب امتدت لها يد الخيانة فعاثت فيها فساداً بين حذف وتغيير وتحريف، حتى عاد الحديث مروياً في المصادر بصور متعددة، كل ذلك تذويباً لمتانته، وتشكيكاً في دلالته، وإمعاناً في إطفاء نور الله، والله يأبى إلا أن يتم نوره.فمن المصادر التي طالتها يد الخيانة بالحذف كتاب دلائل النبوة لأبي
نعيم الأصبهاني المتوفى سنة 430ه-، فقد أخرج الحديث في كتابه الدلائل وقد رواه عنه السيوطي في كتابه (جمع الجوامع كما في ترتيبه (كنز العمال) المطبوع بحيدر آباد سنة 1388ه- (1)، ولدى مراجعة كتابه الدلائل المطبوع أيضاً بحيدر آباد سنة 1320ه- لا نجد الحديث في المكان المناسب له. حيث ذكر حديثا رواه بسنده عن ابن عباس(2)قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)(3)نادى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في قريش بطنا بطنا، فقال: أرأيتم لو قلت لكم: إن خيلا تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك من كذب قط. قال: فإني نذير لكم من عذاب شديد. فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تباً لك سائر اليوم. فأنزل الله عز وجل (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)(4).)فأين هذا عمّا أخرجه عنه السيوطي، وهو كما عن ابن جرير في تاريخه؟!ومن المصادر التي طالتها يد الخيانة بالحذف (كتاب دلائل النبوة للبيهقي، فقد روى السيوطي الحديث في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال(5)وأخرجه عن جماعة منهم ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي)
حاتم وابن مردويه وأبي نعيم والبيهقي في الدلائل، ولدى مراجعة دلائل النبوة للبيهقي نجد الحديث مروياً بسنده المنتهي إلى محمد بن إسحاق، قال: فحدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل واستكتمني اسمه !! (1.)وهنا سؤال يفرض نفسه: لماذا استكتم محدث ابن إسحاق اسمه في سند البيهقي، ولم يستكتمه في سند ابن جرير في تاريخه وغيره؟ على أن الراوي بين ابن إسحاق وعبد الله بن الحارث بن نوفل عند البيهقي رجل واحد بينما عند ابن جرير اثنان وهما عبد الغفار بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث، فإذا كان الذي طلب الكتمان هو المحدّث عن ابن الحارث فهو المنهال بن عمرو، ومحمد بن إسحاق لا يروي عنه إلا بواسطة شيخه عبد الغفار بن القاسم كما مرَّ في سند الحديث عن تاريخ الطبري.ودعنا من حديث الإسناد وتغيير ما فيه ولننظر إلى المتن وما عراه من التمويه، فقد ذكر البيهقي الحديث بنحو ما عند ابن جرير في تاريخه إلى قول الرسول صلى الله عليه [وآله] وسلم يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شاباً من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، وإني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة.وهنا وقفت سفينة المساكين، وانقطع من المعاندين حبل الوتين، فلم
1) دلائل النبوة 1/428 مطبوع بتقديم وتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، نشر صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة سنة 1389ه-.
يذكروا ما الذي جرى بين الرسول وعشيرته، وماذا قال لهم بعد هذا؟ وما جعل لمن يؤازره على أمره؟ ومن الذي أجاب ولبى؟ ومن الذي سخر منه وأبى؟ كل ذلك بقي في ضمائر الحقد مدفوناً فلم يذكر في المطبوع من الدلائل، على أنَّ النقل عنها - كما مر - عن السيوطي يثير فضول السائل: لماذا لا يوجد في المطبوع من الكتاب؟فما هو الجواب؟ وهو لا يخفى على كثير من القراء كما لا يخفي كنه هذه الخيانة الشنعاء والنكرة الصلعاء، والجريمة النكراء، وليست هي من السر المدفون في الصحراء.ولكن لماذا تتلاعب بالحديث مختلف الأهواء، فكلما تغيرت رياح الحاكمين تراقصت أقلام المستأجرين، فغيرت الحق المبين، حتى أحصيت الساعة على قلة البضاعة تسع عشرة صورة لهذا الحديث، وربما يجد الباحث المجد أكثر من ذلك.ومن الخير أن أعرض الآن للقارئ تلكم الصور من مصادرها مقتصراً على ذكر لفظ ما وعد به الرسول(صلی اللّه علیه و آله و سلم ويؤازره على أمره، ثم قوله لعلي (علیه السلام) حين استجاب لدعوته.)الصورة الأولى:(يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم. (إنَّ هذا أخي ووصي-ي وخليفتي فيكم)...)1- تاريخ الطبري 2/216 الطبعة الأولى ط الحسينية، 2/319 ط دار
المعارف.2 - كتاب نقض العثمانية للإسكافي - كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد - 3/263 (ط الأولى بمصر.)3 - تاريخ الكامل لابن الأثير 2/24 ط بولاق.4 - شواهد التنزيل للحسكاني 1/372 بزيادة (ووليي.)5 - تاریخ ابن عساكر (ترجمة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام ) 1/88.)6 - تاريخ ابن كثير 1/40، ط الأولى سنة 1351ه-.7 - تفسير الخازن 2/ 371- 372، ط الميمنية سنة 1317ه-.8 - تفسير السراج الوهاج للخطيب الشربيني 3/30.9 - جمع الجوامع للسيوطي كما في ترتيبه (كنز العمال 6/ 392- 397 ط الأولى، 15 /100 ط الثانية نقلا عن ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم والبيهقي في الدلائل.)10 - منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5/42 ط مصر الأولى.11 - أنباء نجباء الأبناء لابن ظفر المكي المتوفى سنة 567 ه-، ص 46.12 - العمدة لابن البطريق الحلي نقلا عن الثعلبي.13 - بحار الأنوار، 38/144، طبعة الإسلامية، نقلا عن أكثر من مصدر فراجع.
14 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3/255.15 - الشهيد الخالد الحسين بن علي لحسن أحمد لطفي، ص 9.16 - كتاب محمد لتوفيق الحكيم، ص 50.الصورة الثانية:(يكن أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي...، (فأنت أخي ووزيري ووصي ووارثي وخليفتي من بعدي...).)السيرة الحلبية 1/286 ط مصر سنة 1320 ه- بالمطبعة البهية، ونقل تكذيب ابن تيمية لذلك مع اعترافه بأنَّ ابن جرير والبغوي رويا ذلك.الصورة الثالثة:(يكون أخي ووزيري ووصيي وخليفتي في أهلي برواية أبي بكر.)تاریخ ابن عساكر (ترجمة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) 1/90.)الصورة الرابعة:(يكون وليي ووصي بعدي وخليفتي في أهلي ويقضي ديني.)1 - تفسير الكشف والبيان للثعلبي المتوفى سنة 427 أو 437ه-.2 - تفسير مجمع البيان للطبرسي 7/206.3- شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني 1 /420- 421.4 - فرائد السمطين للحافظ الحمويني 1/85 - 86.
5 - كفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي، ص 204، الباب 51 الطبعة الثانية.الصورة الخامسة:(يقضي ديني ويكون خليفتي ووصي من بعدي.)1- تاریخ ابن عساكر (ترجمة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) 1/87.)الصورة السادسة:(يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة ويكون خليفتي ووصيي من بعدي.)1- مسند أحمد بن حنبل 2/165 برقم 883 (الطبعة المحققة، وعلق المحقق أبو الأشبال عليه فقال: إسناده حسن.)2- تفسير ابن كثير 3/350 (ط الاستقامة بمصر.)3- مجمع الزائد للهيثمي 8/302، وقال رواه أحمد ورجاله ثقات.4 - تاریخ ابن عساكر (ترجمة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام ) 1/85.)5 - منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد 5/42.)الصورة السابعة:(يكون أخي وصاحبي ووليكم من بعدي.)1- مناقب ابن مردويه وعنها السيوطي في جمع الجوامع.2- جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال 15/130 (الطبعة الثانية
بحیدر آباد.)3- منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد 5/42.)الصورة الثامنة:(يكون أخي وصاحبي ووارثي.)1 - الخصائص للنسائي، ص 86 ط الحيدرية سنة 1388 ه-، وفي نسخة مصححة عندي من الخصائص إضافة ووزيري، وفيها أيضاً قول الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم لعلي أنت أخي وصاحبي ووارثي ووزيري.)2- شرح النهج لابن أبي الحديد 3/255.3- تاريخ الطبري 321/2 (الطبعة المحققة بمصر بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.)4 - تاریخ ابن عساكر 1/85 (ترجمة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام).)5- جمع الجوامع للسيوطي كما في ترتيبه كنز العمال 15/154 (الطبعة الثانية بحيدر آباد.)6- كفاية الطالب للحافظ الكنجي، ص 89 الطبعة الأولى.الصورة التاسعة:(يكون أخي ووزيري وقاضي ديني ومنجز عداتي.)1- تاریخ ابن عساكر 1/89 (ترجمة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام).)
الصورة العاشرة:(يكون معي في الجنة ويكون خليفتي في أهلي.)1- مسند أحمد 1/111 الطبعة الأولى، 2/178 الطبعة الثانية.2- تفسير ابن كثير 3/ 350 ط الاستقامة.3- مجمع الزوائد 9/113 (ط القدسي وقال: رواه أحمد بإسناد جيد.)الصورة الحادية عشرة:(يكون أخي وله الجنّة.)1 - طبقات ابن سعد 1/ق1/124 (أفست أوربا، 1/187 ط صادر بيروت.)2 - تاریخ ابن عساكر 1/83 (ترجمة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام ) ط بيروت بتحقيق المحمودي.)الصورة الثانية عشرة:(يكون وليي وصاحبي ويقضي ديني.)1 - نظم درر السمطين، ص 83 ط النجف.الصورة الثالثة عشرة:(علي يقضي ديني وينجز بوعدي.)1 - جمع الجوامع للسيوطي كما في ترتيبه كنز العمال 15/131 ط
الثانية حيدر آباد نقلا عن ابن مردويه.الصورة الرابعة عشرة:(أخي ووارثي.)1 - المفردات للراغب الأصبهاني، ص 540.الصورة الخامسة عشرة:علي إمام البررة: الجزء الأول(أيكم يقضي ديني... أنت يا علي أنت يا علي....)1- مجمع الزائد 8/302 (ط القدسي وقال: رواه البزار واللفظ له. وأحمد باختصار والطبراني في الأوسط باختصار أيضاً، ورجال أحمد وأحد إسنادي البزار رجال الصحيح غير شريك وهو ثقة.)الصورة السادسة عشرة:(أيكم يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي.)1 - تفسير ابن كثير 3/352 ط الاستقامة.2 - تاريخ ابن كثير 1/40 ط الأولى سنة 1351 ه-.3 - منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد 5/43.)الصورة السابعة عشرة:(أيكم يقضي ديني ويكون خليفتي ووصيي من بعدي.)1 - تاريخ ابن عساكر 1/87 (ترجمة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام).)
الصورة الثامنة عشرة:(يكون أخي ووزيري ووصيي ويكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.)1 - تفسير الكشف والبيان للثعالبي (مخطوط تفسير الآية الكريمة (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ). الصورة التاسعة عشرة:
(يكون أخي ووزيري ووصي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن من بعدي... يا أبا طالب اسمع الآن لابنك وأطع، فقد جعله الله من نبيه بمنزلة هارون من موسى).
1- أصل سليم بن قيس التابعي الهلالي - كما في حديث قيس بن سعد مع معاوية في المدينة.
هذا ما تيسر لي العثور عليه من صور حديث الإنذار، وقد صرح في عشر صور منها بالخلافة لمن يؤازره دعوته، وفي ثمان منها بالوصاية وفي خمس منها بالوزارة، وفي ثلاث منها بالوراثة، وفي ثلاث بالولاية، ومع هذا التظافر في النقل يزعم من لا حريجة له في الدين بأن النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) مات ولم يوصّ، ولم يستخلف، ولم يولّ، ولم يورّث، ولم ولم... (1)
أقول: فإذا كان رواه أكثر من واحد فهل يكون دليلاً على صحته؟ وأود أن أنبه القارئ إلى أن ابن تيمية سئل عن التفاسير أيها أقرب إلى الكتاب والسنة: الزمخشري أم القرطبي أم البغوي أم غير هؤلاء؟
فقال: أما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيها بدعة، ولا ينقل عن المتهمين... إلى أن قال: وأما التفاسير الثلاثة المسؤول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة البغوي، لكنه مختصر من تفسير الثعلبي وحذف منه الأحاديث الموضوعة والبدع التي فيه، وحذف أشياء غير ذلك...
راجع مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية، ص 50 - 053
وليراجع القارئ من تقدم ذكره من المفسرين سيجد فيهم الطبري، وأما البغوي فقد روى حديث الإنذار في تفسير الآية في سورة الشعراء، وهذان اثنان ممن اعتمدهما ابن تيمية، ومدح تفسيريهما، فهل يصح الحديث عنده أو لا يصح؟
الجواب: أنه لا يصح، لأن الحديث فيه ذكر (أخي ووصيي وخليفتي في أمتي...)، وهذا ما يأباه ابن تيمية.
، وهكذا1) قال ابن تيمية في منهاج السنة 4/80: وحديث الإنذار إذا كان في بعض كتب التفسير التي ينقل فيها الصحيح والضعيف، مثل تفسير الثعلبي والواحدي والبغوي بل وابن جرير وابن أبي حاتم لم يكن مجرد رواية واحد من هؤلاء دليل على صحته.
تخيلوا أنَّ الحقائق تطمس بالتحريف والتصحيف والتحوير والتزوير ولهم من وراء ذلك حساب يوم عسير.
26- قال النبيُّ قوله قد اشتهر*** حبُّ عليّ للأنام مختبر
27 - يحبُّه المؤمنُ بالله التَّقِي*** يبغضه المنافقُ الشَّرُّ الشَّقِي
إشارة منه دام ظله إلى الحديث النبوي الصحيح، عن ابن عباس قال(صلی اللّه علیه و آله و سلم) وقد نظر إلى على (علیه السلام): «لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق، من أحبك فقد أحبني، ومن أبغضك فقد أبغضني وحبيبي حبیب الله وبغيضي بغيض الله، ويلٌ لمن أبغضك بعدي»(1).
والحديث رواه جماعة آخرون من الصحابة عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) بألفاظ متقاربة.
1) أخرجه الطبراني في الأوسط بهذا اللفظ عن ابن عباس، وأخرجه الهيثمي في مجمع الزائد 9/133 عنه أيضاً، كما أخرجاه معاً - الطبراني والهيثمي - عن عمران بن الحصين، صدر الحديث.
منهم أبو سعيد الخدري بلفظ: «حبك إيمان، وبغضك نفاق، وأول من يدخل الجنة محبك، وأول من يدخل النار مبغضك»(1).
ومنهم: أبو ذر الغفاري بلفظ: «علي باب علمي ومبيّن لأمتي ما أرسلت به من بعدي حبه إيمان وبغضه نفاق، والنظر إليه رأفة»(2).
ومنهم أم سلمة بلفظ: «لا يجب عليا إلا مؤمن، ولا يبغضه إلاّ منافق»(3).
ومنهم أنس بن مالك: رواه ضمن خطبة له (صلی اللّه علیه و آله و سلم) في يوم الجمعة جاء فيها في فضل علي: «فإنَّه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق من أحبَّه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني عذبه الله عزّ وجل»(4).
أما ما جاء عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، فقد كان - فيما رواه الحارث الهمداني - يعلن على المنبر بعد حمد الله والثناء عليه ويقول: «قضاء قضاه الله عزَّ وجل على لسان نبيكم الأمين (صلی اللّه علیه و آله و سلم) أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق»(5).
وجاء برواية زر بن حبيش عنه (علیه السلام) بلفظ: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنَّه لعهد النبي الأمي إلي أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق.
وقد أخرج هذا الحديث مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان في باب أنَّ حب الأنصار وعلي من الإيمان كما أخرجه الترمذي في صحيحه (1)والنسائي في سننه بطريقين(2)، وأخرجه في الخصائص بثلاثة طرق (3)، وأخرجه ابن ماجة في سننه (4)، وأحمد في مسنده (5)، والخطيب في تاريخه (6)، وأبو نعيم في الحلية بثلاث طرق ثم قال: هذا حديث صحيح متفق عليه (7).
وأخرجه السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه (كنز العمال) نقلاً عن الحميدي وابن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، والعدني، والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان، وأبي نعيم، وابن أبي عاصم.
وأخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة، وقال: أخرجه أبو
حاتم (1).
وأخرجه ابن عساكر في تاريخه بأسانيد متعددة ربما تزيد على العشرين، فراجع (2)، وأخرجه البلاذري في كتابه أنساب الأشراف (3)، وابن المغازلي في مناقبه (4)، وابن حجر في فتح الباري(5)، والهيثمي في الصواعق (6)وغيرهم.
وقد كتب الحافظ محمد بن عمر الجعابي المتوفي سنة 355 ه- كتاباً جمع فيه طرق هذا الحديث.
ونظراً لشهرة واستفاضة رواته وروايته منذ عصر الرسالة، فقد صرّح غير واحد من الصحابة بأنهم يزنون إيمان الرجل ونفاقه بحب علي وبغضه، وإلى القارئ أسماء جماعة من الصحابة صرحوا بذلك:
1 -:منهم ابن عباس رضي الله عنه قال في كلام له: كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) بغضهم علي بن أبي طالب... (7)
2 - ومنهم: ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما كنا نعرف المنافقين،
على عهد رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) إلا ببغضهم علي بن أبي طالب (علیه السلام)...(1).
3- ومنهم: أبو ذر الغفاري قال: ما كنا نعرف المنافقين إلا بتكذيبهم الله ورسوله والتخلف عن الصلوات والبغض لعلي بن أبي طالب(2).
4 - ومنهم أبو سعيد الخدري قال إنا كنا نعرف المنافقين - نحن معاشر الأنصار - ببغضهم علي بن أبي طالب (3)
وأخرجه عن أبي سعيد أبو نعيم في الحلية 6/295 وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة، ص 126 والجزري في أسنى المطالب ص 8، وابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول ص 17، والزرندي في نظم درر السمطين ص 102، وابن حجر في الصواعق المحرقة، ص 73.
.1) أخرجه السيوطي في الدر المنثور في تفسير قوله تعالى (إن الذين ارتدوا على أدبارهم) في سورة محمد(ص) ص 27، وقال: أخرجه ابن مردويه وأخرجه الآلوسي في روح المعاني 26/71.
2) أخرجه الحاكم في المستدرك 3/129، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. وأخرجه السيوطي في جمع الجوامع، كما في ترتيبه كنز العمال 15/92، وقال: أخرجه الخطيب في المتفق. وأخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة 2/214، وقال: أخرجه ابن شاذان. وأخرجه المتقي الهندي في منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) 5/36.
3) أخرجه أبو نعيم في الحلية 6/294، وابن الأثير في جامع الأصول 9/473، وأسد الغابة 4/29، والترمذي في سننه 2/299، والنووي في تهذيب الأسماء واللغات 2/248، وابن عساكر في تاريخه (ترجمة الإمام) 2/219، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال 6/152 ط الأولى، حيدر آباد. وقد أخرج السيوطي في الدر المنثور 6/66، والشوكاني في تفسيره 5/39 عن أبي سعيد الخدري أيضاً في تفسيره قوله تعالى (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) (سورة محمد، الآية 30) قال: ببغضهم علي بن أبي طالب.
5- ومنهم: جابر بن عبد الله الأنصاري قال: ما كنا نعرف المنافقين الا ببغض علي بن أبي طالب(1)
وأخرج السيوطي في اللئالي 1/184 ط بولاق بسنده عن جابر قال: أمرنا رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) أن نعرض أولادنا على حب علي بن أبي طالب وأخرج ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة، ص 193 ط حجرية، والسيوطي في الكنز المدفون، ص 236 عن عائشة أنها أنشدت:
إذا ما التبرُ حُكّ على محكّ*** تبيّن غشّه من غير شكّ
وبان الزيف والذهب المصفّى*** (عليّ) بيننا شبه المَحَكّ
ومن هذا القبيل قول القائل:
بحبك صرتُ اختبر البرايا*** فأنتَ مَحَكّ أولاد الحلال
.6- ومنهم: أنس بن مالك فقال: فيما رواه من حديث خيبر وأنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم): قال «يا أيها الناس امتحنوا أولادكم بحبه، فإنَّ عليا لا يدعو إلى ضلالة، ولا يبعد عن هدى، فمن أحبَّه فهو منكم، ومن أبغضه فليس منكم».
1) أخرجه أبو عمرو في الاستيعاب 2/464، والهيثمي في مجمع الزوائد 9/132، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، والبزار بنحوه إلا أنه قال: ما كنا نعرف منافقينا معشر الأنصار... وأخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة 2/214، وقال: أخرجه أحمد في المناقب. وأخرجه ابن حجر في الصواعق المحرقة، ص 172 الطبعة المصرية بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف و ص 104 الطبعة المصرية القديمة سنة 1312ه-.
قال أنس بن مالك: وكان الرجل من بعد يوم خيبر يحمل ولده على عاتقه ثم يقف على طريق علي، وإذا نظر إليه يوجهه بوجهه تلقاءه وأومأ بإصبعه: أي بني تحب هذا الرجل المقبل؟ فإنَّ قال الغلام: (نعم)، قبّله، وإن قال: (لا) ضرب به الأرض، وقال الحقْ بأمّك، فلا حاجة لي فيمن لا يحب علي بن أبي طالب(1).
7 - ومنهم: عبادة بن الصامت قال: كنا نبور(2)أولادنا بحب علي بن أبي طالب، فإذا رأينا أحداً لا يحب علي بن أبي طالب علمنا أنه ليس منا، وأنه لغير رشدة(3).
8- ومنهم: أبو الدرداء، قال: إن كنا نعرف المنافقين معشر الأنصار إلا يبغضهم علي بن أبي طالب(4).
9 - ومنهم: أبو سعيد محمد بن الهيثم قال: إن كنا لنعرف المنافقين نحن معشر الأنصار إلا ببغضهم علي بن أبي طالب (5).
10 - ومنهم الأنصار، فيما رواه مالك بن أنس عن أبي الزناد قال: قالت الأنصار: إنا كنا لنعرف الرجل لغير أبيه ببغضه علي بن أبي طالب.
1) أخرجه ابن عساكر في ترجمة الإمام 2/225.
2) نبور: أي نختبر. قال ابن منظور في لسان العرب: 4/87 باره بورا وابتاره، کلاهما: اختبره... ومنه الحديث كنا نبور أولادنا بحب علي (علیه السلام).
3) تاریخ دمشق (ترجمة الإمام) 2/224.
4) سنن الترمذي، كما في تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي، ص 17.
5) أسنى المطالب للجزري، ص 8.
هؤلاء أكثر من عشرة كلهم اعترفوا بأن الميزان في معرفة الإيمان والنفاق وطيب الولادة وخبثها هو حب علي وبغضه.
وكما كان هذا الحديث ميزاناً لمعرفة المنافقين عند الصحابة، فقد اتخذه أبو حيان الأندلسي ميزاناً في معرفة محاربي الإمام ومن شهر السيف في وجهه، فقد أخرج ابن حجر في ترجمته قال: ومال إلى مذهب أهل الظاهر وإلى محبة علي بن أبي طالب والتجافي عن من قاتله، وكان يتأول قوله لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق(1).
وقال: قال جعفر الأدفوي: جرى على طريق كثير من أئمة النحاة في حب علي حتى قال مرة لبدر الدين ابن جماعة: قد روى علي قال: (عهد إلي النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم) لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق)، هل صدق في هذه الرواية؟ فقال له ابن جماعة: نعم. فقال: الذين قاتلوه وسلّوا السيوف في وجهه كانوا يحبونه أو يبغضونه؟(2)
والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة وكثيرة جداً، لا يسعنا استيعابها في هذه العجالة، فمن طلب الإلمام بها فعليه بمراجعتها في المصادر المذكورة آنفاً، وسيجد أضعاف ما ذكرناه، ويعرف صحة ما قاله ابن أبي الحديد حيث قال: وقد اتفقت الأخبار الصحيحة التي لا ريب فيها عند المحدثين على أنَّ النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) قال: لا يبغضك إلا منافق، ولا يحبك إلا مؤمن (3).
ولنختم الكلام بما روته سيدة النساء فاطمة (علیها السلام) قالت: خرج علينا رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) عشیة عرفة فقال: إنَّ الله تعالى باهي بكم وغفر لكم عامة ولعلي خاصة، وإني رسول الله إليكم غير محاب لقرابتي، هذا جبرئيل يخبرني أن السعيد حق السعيد من أحب عليا في حياته وبعد موته، وإنَّ الشقي كل الشقي من أبغض عليَّا في حياته وبعد موته (1).
وبما رواه خبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنه عنه(صلی اللّه علیه و آله و سلم) قال لعلى: ألا من أحبَّك حُفَّ بالأمن والإيمان، ومن أبغضك أماته الله ميتة الجاهلية، وحوسب بعمله في الإسلام(2).
28- ما عَرَفَ الله سواك وأنا*** تعرفني أنتَ ومَن أنشأنا
29- وأنت لم يعرفك غيرُ الخالق*** ومَن هو المرسَلُ للخلائقِ
إشارة منه دام ظله إلى قول النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم): «يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت وما عرفني إلا الله وأنت وما عرفك إلا الله وأنا»(1).
وذكر صاحب صحيفة الأبرار وقال: الحديث المائة عن محمد بن علي الحكيم الترمذي(2)
ولا غرابة من الترمذي وشذوذه، فله كتاب علل الشريعة وكتاب ختم الولاية، وبسبب هذين الكتابين نفوه من ترمذ كما يقول السبكي في طبقات الشافعية 2/245، وله ترجمة في حلية الأولياء 10/233، والرسالة القشيرية، ص 29، وصفة الصفوة 4/141، وطبقات الصوفية للسلمي، ص 217، وطبقات الشعراني وغيرها.
أنه روى مرسلا عن النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم) أنه قال: «ما رآني1) هكذا رواه الحسن بن سليمان الحلي - من علماء القرن التاسع - في كتابه المحتضر ص 38 ط الحيدرية، ولكن الحافظ ابن رجب البرسي في مشارق أنوار اليقين، ص 135 ط دار الفكر بيروت سنة 1379ه- رواه بلفظ عكس فيه الترتيب كما يلي: «ما عرفك إلا الله وأنا، وما عرفني إلا الله وأنت وما عرف الله إلا أنا وأنت»وقال: هذا صحيح. وله كلام طويل في تفسير ذلك من أراد فليراجعه فإنَّه نافع.
2) هو أبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي من أعلام القرن الثالث الهجري، له عدة مؤلفات منها: نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول(صلی اللّه علیه و آله و سلم)، ويلقب بسلوة العارفين وبستان الموحدين، وقد بحثت فيه عن الحديث المشار إليه فلم أقف عليه وفيه شطحات وتخرصات ما أنزل الله بها من سلطان، وقد ناقش بعض ما ورد في فضل أهل البيت عليه مثل نزول آية التطهير، وحديث الثقلين، وحديث أهل بيتي أمان لأهل الأرض، وقد كتب في ردّه المرحوم النبهاني كتابه الشرف المؤبد لآل محمد، وهو كتاب مطبوع سنة 1309ه-، حبذا لو يعاد نشره ليعم طيبه ونشره.
في هذه الدنيا على الحقيقة التي خلقني الله عليها غير علي بن أبي طالب»(1).
ثم قال صاحب الصحيفة: وهذا نظير الخبر المشهور المأثور في كتاب تأويل الآيات لشرف الدين النجفي (2)، وكتاب منتخب البصائر للحسن بن سليمان (3)، وكتاب المشارق للبرسي (4)، وغيرها لغيرهم عن رسول الله
1) صحيفة الأبرار، ص 295.
2) هو السيد شرف الدين علي الحسيني النجفي من أعلام القرن التاسع، وقد طبع من كتابه المشار إليه الجزء الأول، ولم أقف على الحديث المشار إليه فيما بحثت فيه عاجلا.
3) هو الحسن بن سليمان الحلي تلميذ الشهيد الأول فهو من علماء القرن التاسع، وقد وقفت على الحديث المشار إليه في كتابه الآخر المحتضر كما أشرت آنفاً إليه.
4) هو الشيخ رضي الدين رجب بن محمد بن رجب البرسي الحلي من علماء القرن التاسع الهجري له مؤلفات منها: مشارق أنوار اليقين في حقائق أسرار أمير المؤمنين، وقد طبع مكرراً، وله مؤلفات أخرى.
أنه قال: «يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت»الحديث المتقدم.
30- أنت وزيري وأميرُ أمَّتي***.................
إشارة منه دام ظله إلى ما ورد عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) من قوله لعلي: «أنت وزيري»، وقد صدر ذلك عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) مكرراً.
1 - منها في حديث بدء الدعوة وقد مرَّ، وفيه «أيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووزيري ووصیي ووارثي وخليفتي من بعدي»كما مرَّت صور الحديث ومصادر ذلك، ومنها خمس صور فيها التصريح بالوزارة، فراجع.
2 - ومنها كما عن ابن عمر قال (صلی اللّه علیه و آله و سلم): ألا أرضيك يا علي ؟ أنت أخي ووزيري، وتقضي ديني وتنجز موعدي وتبرئ ذمتي(1).
1) مجمع الزوائد 9/121 نقلا عن الطبراني، وجمع الجوامع كما في كنز العمال 12/209، ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5/32.
3 - ومنها كما عن أنس عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) بلفظ: إن أخي ووزيري وخليفتي في أهل بيتي وخير من تركت بعدي يقضي ديني وينجز موعدي علي بن أبي طالب (1).
4 - ومنها ما أخرجه الحمويني مسنداً عن الإمام أبي الحسن الرضا(علیه السلام) عن آبائه (علیهم السلام) عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) قال: «من أحب أن يستمسك بديني ويركب سفينة النجاة بعدي فليقتد بعلي بن أبي طالب، وليعاد عدوه وليوال وليَّه، فإنه وصيّي وخليفتي على أمتي في حياتي وبعد وفاتي، وهو إمام كل مسلم وأمير كل مؤمن بعدي قوله قولي وأمره أمري ونهيه نهيي وتابعه تابعي، وناصره ناصري، وخاذله خاذلي»ثم قال(صلی اللّه علیه و آله و سلم): «من فارق عليًّا بعدي لم يرني ولم أره يوم القيامة، ومن خالف عليًّا حرَّم الله عليه الجنة، وجعل مأواه النار، ومن خذل عليَّا خذله الله يوم يعرض عليه، ومن نصر عليا نصره الله يوم يلقاه ولقنه حجته يوم المسألة... إلى آخر الحديث (2).
30-.....................***على العصاة المارقينَ حُجَّتى
إشارة منه دام ظله إلى ما ورد عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) فيما رواه أنس قال: كنت عند النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فرأى عليَّا مقبلاً فقال: «أنا وهذا حجة على أمتي يوم القيامة»(1).
كما يدل عليه أمره (صلی اللّه علیه و آله و سلم) عليّا (علیه السلام) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، وقد صح ذلك عنه بطرق عديدة.
منها: عن أبي يعقوب الأنصاري - حدَّث بذلك في خلافة عمر بن الخطاب - قال: أمر رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين (2).
وقد أخرج الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده عن علقمة والأسود
قالا: أتينا أبا أيوب الأنصاري عند منصرفه من صفين، فقلنا له: يا أبا أيوب إنَّ الله أكرمك بنزول محمد (صلی اللّه علیه و آله و سلم) وبمجيء ناقته تفضلاً من الله وإكراماً لك، حتى أناخت ببابك دون الناس، ثم جئت بسيفك على عاتقك تضرب به أهل لا إله إلا الله، فقال: يا هذا إنَّ الرائد لا يكذب أهله، وإنَّ رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) أمرنا بقتال ثلاثة مع علي (علیه السلام)، بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فأما الناكثون فقد قاتلناهم أهل الجمل طلحة والزبير، وأما القاسطون فهذا منصرفنا من عندهم - يعني معاوية وعمرو - وأما المارقون فهم أهل الطرفات وأهل السعيفات وأهل النخيلات وأهل النهروانات، والله ما أدري أين هم ولكن لا بد من قتالهم إن شاء الله.
قال: وسمعت رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) يقول لعمار: تقتلك الفئة الباغية وأنت إذ ذاك مع الحق والحق معك يا عمار بن ياسر إن رأيت عليا قد سلك وادياً، والناس وادياً غيره، فاسلك مع علي، فإنَّه لن يدليك في ردى، ولن يخرجك من هدى يا عمار من تقلّد سيفاً أعان به عليَّا على عدوه قلده الله وشاحين من دُرّ، ومن تقلد سيفاً أعان به عدو علي عليه قلده الله يوم القيامة وشاحين من نار.
قلنا: يا هذا حسبك رحمك الله، حسبك رحمك الله (1).
وأخرج السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال جزءاً من حديث أبي أيوب، وهو قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) لعمار: يا عمار إن رأيت عليا قد
1) تاریخ بغداد 13/186.
سلك وادياً وسلك الناس واديا غيره، فاسلك مع علي ودع الناس إنه لم يدلك على ردى، ولن يخرجك من الهدى.
وقال: أخرجه الديلمي عن عمار بن ياسر وعن أبي أيوب(1).
وأخرج السيوطي حديثا عن أبي أيوب وفيه: أن رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) عهد إلينا أن نقاتل مع علي الناكثين فقد قاتلناهم، وعهد إلينا أن نقاتل مع علي المارقين فلم أرهم بعد. رواه ابن عساكر(2).
وعن أبي أيوب أيضاً مرفوعاً: أمرنا بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فقد قاتلت الناكثين والقاسطين، وأنا مقاتل إن شاء الله المارقين(3).
وقبل ذلك كله ما رواه الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، من أمر النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) له أن يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، ولفظه عن علي قال: أُمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين(4).
وعن علي قال: أمرت بقتال ثلاثة: القاسطين والناكثين والمارقين، فأما القاسطون فأهل الشام، وأما الناكثون فذكرهم، وأما المارقون فأهل
1) كنز العمال 12/212.
2) كنز العمال 11/343.
3) أخرجه السيوطي في جمع الجوامع كما في كنز العمال 11/344 نقلا عن ابن جرير.
4) أخرجه السيوطي في جمع الجوامع كما في كنز العمال 11/278، رواه عن ابن عدي في الكامل، والطبراني في الأوسط، وعبد الغني بن سعيد في إيضاح الإشكال والأصبهاني في الحجة، وابن مندة في غرائب شعبة، وابن عساكر من طرق.
النهروان - يعني الحرورية (1).
وراجع المصادر التالية تجد الأمر النبوي بقتال الفئات الثلاث مع علي (علیه السلام) الجماعة من الصحابة:
ففي مجمع الزائد للهيثمي 9/235، 7/238 نقلا عن الطبراني أمر ابن مسعود بذلك.
وفي المجمع أيضا 9/238، أمر عماراً بذلك.
وفي أسد الغابة 4/32 أمر أبا سعيد الخدري بذلك.
وفي المجمع أيضا 235/9 أمر أبا أيوب بذلك.
وفي الدر المنثور في ذيل تفسير قوله تعالى فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ(2)حديث جابر.)
## أنا وعلي من شجرة واحدة31- إن عليًّا وأنا مِنْ شَجَرَهُ*** وَغَيرُنَا مِنْ شَجَرٍ مَا أَكثرَهُإشارة منه دام ظله إلى ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري قال: بينما رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم ذات يوم بعرفات وعلي تجاهه إذ قال له رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم): ادن مني يا علي خلقت أنا وإياك من شجرة، ضَعْ خَمْسَكَ في خمسي، خُلقتُ أنا وأنت من شجرةٍ واحدة، فأنا أصلها وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها، فمن تعلّق بغصن منها أدخله الله الجنة، يا علي لو أنّ أمتي صاموا حتى يكونوا كالحنايا، وصلّوا حتى يكونوا كالأوتار ثم أبغضوك، لأكبّهم الله على وجوههم في النار(1).)
1) تاريخ ابن عساكر ترجمة الإمام 1/129. وأخرجه ابن المغازلي في المناقب ص297، 90، والحمويني في فرائد السمطين 1/51، والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل 1/290، والسمعاني في الفضائل والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة، ص 91 ط إستانبول.
وفي حديث آخر عن جابر قال: سمعت رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم يقول لعلي (علیه السلام): «الناس من شجر شتى، وأنت وأنا من شجرة واحدة»، ثم قرأ النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم) ( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعْ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانِ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ )(1)(2).)وقد روى هذا المعنى غير جابر من الصحابة جماعة:منهم: عبد الله بن عباس بلفظ: قال رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: أنا وعلي من شجرة واحدة والناس من شجر شتى(3).)
1) سورة الرعد، الآية 4.
2) أخرجه الحمويني في الفرائد 1/52، والزرندي في نظم درر السمطين، ص 79 وأخرج ابن حجر صدر هذا الحديث عن جابر في الصواعق، ص 73 ط الميمنية نقلا عن الطبراني في الأوسط، كما أخرجه الكنجي الشافعي في كفاية الطالب، ص 178 الطبعة الأولى، والخوارزمي في مقتله 1/108، وفي المناقب، ص 86 بتفاوت يسير ط تبريز، كما أخرجه الذهبي في ميزانه 3/41، وابن حجر العسقلاني في لسانه 4/144، والهيثمي في مجمع الزوائد 9/100، والسيوطي في الدر المنثور 4/44، وتاريخ الخلفاء، ص 66، والخطيب البغدادي في تاريخه 6/58، والسيوطي في جمع الجوامع كما في كنز العمال 12/207، والمتقي الهندي في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5/32، والحاكم في المستدرك 2/241، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة ص 10، 179، 282 ط إستانبول، وابن عساكر في ترجمة الإمام من تاريخه 1/127.
3) أخرجه ابن المغازلي في المناقب ص 400، والقندوزي في ينابيع المودة ص 256، والمتقي الهندي في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5/32، وأخرجه الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ص 245.
ومنهم: عبد الله بن مسعود بلفظ: أنا وعلي من شجرة واحدة والناس من أشجار شتى(1.)ومنهم: عبد الله بن عمر بلفظ: إنَّ الله خلق الأنبياء من أشجار شتى، وخلقني وعليا من شجرةٍ واحدة، فأنا أصلها، وعلي فرعها وفاطمة لقاحها، والحسن والحسين ثمرها، فمن تعلق بغصن من أغصانها نجا ومن زاغ عنها هوى، ولو أنَّ عبدا عبد الله بين الصفا والمروة ألف عام، ثم ألف عام، ثم ألف عام، ثم لم يدرك صحبتنا، أكبه الله على منخريه في النار ثم تلا (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(2)(3).)ومنهم: عبد الرحمن بن عوف قال: ألا تسألوني قبل أن يشوب الأحاديث الأباطيل، قال: قال رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم: أنا الشجرة، وفاطمة فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرها، وشيعتنا ورقها، والشجرة أصلها في جنة عدن والأصل والفرع واللقاح والورق في الجنة.)وأنشد الشيخ أبو بكر بن فضل الله الحلبي الواعظ:يا حبذا دوحة في الخلد نابتة*** ما في الجنان لها شبه من الشجرالمصطفى أصلها والفرع فاطمة*** ثم اللقاح علي سيد البشر
والهاشميان سبطاه لها ثمر*** والشيعة الورق الملتف بالثمرهذا حديث رسول الله جاءَ به*** أهل الرواية في العالي من الخبرإني بحبهم أرجو النجاة غداً*** والفوز مع زمرةٍ مِنْ أحسن الزُّمَر(1)وقد أخرج الحديث والأبيات منسوبة لأبي يعقوب البصرائي: العماد الطبري في بشارة المصطفى، كما أخرجها الموفق الخوارزمي في مقتل الحسين إلا البيت الخامس(2.)
## كنت أنا وعلي نوراً قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام32- إنّ عليَّا كان نُوراً وأنا*** وآدم وزوجه لم يُقْرَنا33- بخمسة وتسعة آلاف*** مِنَ السنين وهو فضل كَافإشارة منه دام ظله إلى ما ورد في عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة، وهم:1- عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم يقول: كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله من قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق الله آدم سلك ذلك النور في صلبه ولم يزل ينقله من صلب إلى صلب حتى أقره في صلب عبد المطلب، ثم أخرجه من عبد المطلب فقسَّمه قسمين قسماً في صلب عبد الله، وقسماً في صلب أبي طالب فعلي مني وأنا منه لحمه من لحمي، ودمه من دمي،)
فمن أحبَّه فبحبي أحبَّه، ومن أبغضه فيبغضي أبغضه(1.)2 - وعن سلمان مرفوعاً قال: سمعت رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم يقول: خلقت أنا وعلي بن أبي طالب من نور الله عن يمين العرش، نسبّح ونقدسه من قبل أن يخلق الله عزَّ وجل آدم بأربعة عشر ألف سنة، فلما خلق الله آدم، نقلنا إلى أصلاب الرجال و أرحام النساء الطاهرات، ثم نقلنا إلى صلب عبد المطلب، وقسمنا نصفين، فجعل نصفاً في صلب أبي عبد الله، وجعل ونصفاً في صلب عمي أبي طالب، فخُلقت من ذلك النصف، وخُلق علي من النصف الآخر، واشتق الله لنا من أسمائه أسماء، فالله عز وجل محمود وأنا محمد، والله الأعلى وأخي علي والله الفاطر وابنتي فاطمة، والله محسن وابناي الحسن والحسين، وكان اسمي في الرسالة والنبوة، وكان اسمه في الخلافة والشجاعة، وأنا رسول الله وعلي ولّي الله (2).)
1) أخرجه الحافظ الزرندي في نظم درر السمطين، ص 79.
2) أخرجه الحمويني في فرائد السمطين 1/41، وأخرجه بتفاوت يسير أيضاً في ص 42 كما أخرجه الموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب، ص 88، وابن المغازلي المالكي في المناقب، ص 87، وأخرجه الكنجي الشافعي في كفاية الطالب، ص 315 ط الثانية، وابن عساكر في تاريخه (ترجمة الإمام 1/136)، والذهبي في ميزان الاعتدال 1/235، وابن حجر في لسان الميزان 2/229، وسبط ابن الجوزي في تذكرته، ص 28 ط إيران، وابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج 2/450، وأحمد بن حنبل في فضائله والمحب الطبري في الرياض النضرة 2/164، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة، ص 83 ط إسلامبول، وغيرهم.
3- وعن أبي ذر الغفاري، وحديث أخرجه ابن المغازلي في المناقب والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص (1.)
1) المناقب لابن المغازلي، ص 89. ينابيع المودة، ص 10. تذكرة الخواص، ص 28 ط ایران.
## إن الله اختار من الخلائق محمدا (صلی اللّه علیه و آله و سلم وعليا (علیه السلام))34- اختاره و اختارني الرب العلي*** مِن كلِّ صديق نبي أو وليإشارة منه دام ظله إلى ما رواه حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: لما زوج النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم عليا فاطمة قالت: يا رسول الله زوجتني من عائل لا مال له. فقال النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم): أو ما ترضين أن يكون الله اطلع على أهل الأرض فاختار منهم رجلين، فجعل أحدهما أباك والآخر بعلك (1).)
1) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه 4/ 195- 196 بأسانيد متعددة، وأخرجه سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرة الخواص، ص 318 ط النجف، والذهبي في ميزان الاعتدال 1/14، 2 /128، والهيثمي في مجمع الزوائد 9/112، وقال: رواه الطبراني. وأخرجه العضد الإيجي في المواقف 2/615، والصفوري في نزهة المجالس 2/236 والقندوزي الحنفي في الينابيع، ص 412، والمتقي الهندي في منتخب كنز العمال 5/39 (بهامش مسند أحمد).
وروى الحديث بلفظ قريب من ذلك أبو هريرة، وأخرج حديثه الحاكم في المستدرك (1.)ورواه أيضاً علي الهلالي، وأخرج حديثه الهيثمي في مجمع الزوائد، وفيه قال: دخلت على رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم في شكاته التي قبض فيها، فإذا فاطمة رضي الله عنها عند رأسه قال فبكت حتى ارتفع صوتها، فرفع رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) طرفه إليها، فقال: حبيبتي فاطمة ما الذي يبكيك؟ فقالت: أخشى الضيعة بعدك. فقال: يا حبيبتي أما علمت أنَّ الله اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها أباك، فبعثه برسالته، ثم اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها بعلك، وأوحى إلي أن أنكحك إياه، يا فاطمة ونحن أهل بيت قد أعطانا الله سبع خصال لم تُعط أحداً قبلنا، ولا تُعطى أحداً بعدنا، أنا خاتم النبيين وأكرم النبيين على الله، وأحب المخلوقين إلى الله عزّ وجل وأنا أبوك، ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله، وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وأحبهم إلى الله، وهو عمّكِ حمزة بن عبد المطلب وعمّ بعلك، ومنا من له الجناحان أخضر ان يطير مع الملائكة في الجنة حيث شاء، وهو ابن عم أبيك وأخو بعلك، ومنا سبطا هذه الأمة، وهما ابناك الحسن والحسين، وهما سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما والذي بعثني بالحق خيرٌ منهما.)يا فاطمة والذي بعثني بالحق إنَّ منهما مهدي هذه الأمة، إذا صارت
1) المستدرك 3/ 129.
الدنيا هرجاً ومرجاً وتظاهرت الفتن وتقطعت السبل، وأغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيرا، ولا صغير يوقر كبيرا، فيبعث الله عزَّ وجل عند ذلك منهما من يفتح حصون الضلالة وقلوبا غلفا، يقوم بالدين آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان، ويملأ الدنيا عدلا كما ملئت جوراً، يا فاطمة لا تحزني ولا تبكي، فإنَّ الله عزّ وجل أرحم بك وأرأف عليك مني، وذلك لمكانك من قلبي، وزوجك الله زوجاً وهو أشرف أهل بيتك حسبا، وأكرمهم منصبا، وأرحمهم بالرعية، وأعدلهم بالسوية، وأبصرهم بالقضية، وقد سألت ربي أن تكوني أول من يلحقني من أهل بيتي.قال علي رضي الله عنه: فلما قبض النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم لم تبق فاطمة رضي الله عنها بعده إلا خمسة وسبعين يوما، حتى ألحقها الله عزّ وجل به(صلی اللّه علیه و آله و سلم)(1).)
1) مجمع الزوائد 9/165. ورواه الطبراني في الكبير والأوسط، وابن الأثير في أسد الغابة 4/42، والهيثمي في مجمع الزوائد 9/165 - 166، وابن عراق في تنزيه الشريعة 1 /402- 403 وغيرهم.
## علي قسيم الجنة والنار35- للنار والجنان أنتَ القاسم ***في يدك الأمر وأنتَ الحاكمإشارة منه دام ظله إلى قول الرسول الأكرم(صلی اللّه علیه و آله و سلم لعلي: أنت قسيم الجنة والنار في يوم القيامة، تقول للنار: هذا لي وهذا لك(1).)وأخرج الحافظ ابن ديزيل المتوفى سنة 280 - 281 عن الأعمش عن موسى بن ظريف عن عباية قال: سمعت عليا وهو يقول: أنا قسيم النار يوم القيامة، أقول: خذي ذا وذري ذا(2.)
1) أخرجه بهذا اللفظ ابن حجر في الصواعق، ص 75، نقلا عن الدارقطني.
2) أخرجه ابن أبي الحديد في شرح النهج 1/200، وابن عساكر في تاريخه ترجمة الإمام 2/244، وابن المغازلي في المناقب، ص 67، والموفق الخوارزمي في المناقب ص 234، والحمويني في فرائد السمطين، 1/326، وابن كثير في البداية والنهاية 7/355، وابن حجر في لسان الميزان، 3/247، 6/113، والذهبي في ميزان الاعتدال 2/377، 4/208. وقد أشار إليه جملة من علماء اللغة كابن الأثير في النهاية، وأبي عبيد في الغريبين والزمخشري في الفائق، وابن منظور في لسان العرب وغيرهم في مادة (قسم)، حيث قالوا: وفي حديث علي أنا قسيم النار، ونقل ابن منظور عن القتبي: أراد أنَّ الناس فريقان: فريق معي وهم على هدى، وفريق علي وهم على ضلال كالخوارج، فأنا قسيم النار، نصف في الجنة معي ونصف في النار، وقسيم فعيل في معنى مقاسم قيل أراد بهم الخوارج وقيل كل من قاتله.
وروى ابن عساكر في تاريخه بإسناده عن محمد بن منصور الطوسي قال: سمعت أحمد بن حنبل وقد سأله رجل عن قول النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم: (علي قسيم النار). فقال: هذا حديث يضطرب طريقه عن الأعمش، ولكنن الحديث الذي ليس عليه لبس هو قول النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم): «يا علي لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق». وقال الله عز وجل ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)(1)، فمن أبغض عليا فهو في الدرك الأسفل من النار.(2))وروى ذلك الكنجي الشافعي في كفاية الطالب بتفاوت يسير.(3)وجاء نحوه في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى، قال: وسمعت محمد بن منصور يقول: كنا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل: يا أبا عبد الله ما تقول في هذا الحديث الذي يروى أنَّ عليَّا قال: أنا قسيم النار؟ فقال: وما تنكرون من ذا؟ أليس روينا أنَّ النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قال لعلي: لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق؟ قلنا: بلى. قال: فأين المؤمن؟
قلنا في الجنة، قال: وأين المنافق؟ قلنا في النار. قال: فعلي قسيم النار (1.)وبالرغم من كثرة رواته واستفاضة روايته وصحته لفظا ومعنى، ومع ذلك لا تطيق نفوس الحشوية سماعه والإذعان بصحته.وقد أخرج ابن عساكر في تاريخه عن أبي معاوية قال: كنا يوماً عند الأعمش فجاء رجل فسأله عن حديث (قسيم النار، فقال أبو معاوية: فتنحنحت. قال: فقال الأعمش: هؤلاء المرجئة لا يدَعوني أحدّث بفضائل علي رضي الله عنه، أخرجوهم من المسجد حتى أحدّثكم (2).)وأخرج أيضاً عن عيسى بن يونس قال: ما رأيت الأعمش خضع إلا مرة واحدة، فإنَّه حدثنا بهذا الحديث قال: قال علي: «أنا قسيم النار »، فبلغ ذلك أهل السنة، فجاؤوا إليه فقالوا: تحدث بأحاديث تقوّي بها الرافضة والزيدية والشيعة؟ فقال: سمعته فحدّثت به؟ فقالوا: أوَكُل شيء سمعته تحدث به؟! قال: فرأيته خضع ذلك اليوم(3.)أقول: وقد بلغ من خضوع ذلك المسكين -وما أكثر أمثاله في كل مكان وزمان - أن قال تحت طائلة الوعيد والتهديد: يأتيني سراق القبائل، ويا عجباً لسراق القبائل وسراق خلق الأثواب، يجيئون يسألوني عن حديث عباية عن علي: «أنا قسيم النار »، ما حدثني موسى بن طريف إلا
استهزاء بعباية!!ولم يفارق ذلك المسكين الخوف إلا في علّته التي مات فيها، فقد روى شريك بن عبد الله، قال: كنت عند الأعمش وهو عليل، فدخل عليه أبو حنيفة وابن شبرمة وابن أبي ليلى فقالوا له: يا أبا محمد إنك في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، وقد كنت تحدث في علي بن أبي طالب أحاديث، فتب إلى الله منها !! فقال: أسندوني أسندوني. فأسندناه فقال: حدثنا أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري فقال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى لي ولعلي: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ(1)قال أبو حنيفة للقوم: قوموا، لا يجيء بشيء أشد من هذا !! (2).)
1) سورة ق الآية 24.
2) وهذا أخرجه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل 2/ 189 بطريقين، وقال: دخل لفظ أحدهما في الآخر والمعنى واحد. وأخرجه ابن أخي تبوك المتوفى سنة 396ه- في مسنده كما في المستل منه الملحق بمناقب ابن المغازلي ص 427، وأخرجه الشيخ الطوسي في أماليه 1/296، 2/242، والحافظ السروي في مناقبه 2/157 وغيرهم. وللأعمش حديث طريف ستأتي الإشارة إليه عند شرح قول الناظم: (سيئة بغضك ما أفظعها)، فانتظر.
## يسأل الناس يوم القيامة عن ولاية علي بن أبي طالب (علیه السلام)36 - وكلُّهم عندَ الصِّراط يُوقَفُ*** ليُسألوا عن أمرهم ويُعرفوا37 - ولاية الوصيّ عنها يُسألُ*** قابلُها ممن سواه يُفصَلُ38 - ذا فائقٌ مَسكنه الرّضوانُ*** وخاسر ذاك له النيرانإشارة منه دام ظله إلى ما صح عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم في تفسير قوله تعالى (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) (1)، فقد اخرج ابن حجر الهيثمي - في الآية الرابعة من الآيات الواردة فيهم - قال: أخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري أنَّ النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قال (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) عن ولاية علي.)وكأن هذا هو مراد الواحدي بقوله: روي في قوله تعالى ﴿ وَقِفُوهُمْ
1) سورة الصافات، الآية 24.
إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ أي عن ولاية علي وأهل البيت، لأنَّ الله أمر نبيه صلى الله عليه [وآله] وسلم أن يُعرِّف الخلق أنه لا يسألهم على تبليغ الرسالة أجراً إلا المودة في القربى والمعنى أنهم يسألون هل والوهم حق الموالاة كما أوصاهم النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، أم أضاعوها وأهملوها فتكون عليهم المطالبة والتبعة؟ انتهى(1).)وأخرجه أبو نعيم في الحلية، وفي أخبار أصبهان نقلا عن ابن عباس(2، وأخرجه الذهبي في ميزان الاعتدال(3)، وابن حجر في لسان الميزان وقال: هذا من تاريخ الحاكم(4). وأخرجه القندوزي الحنفي في ينابيع المودة نقلا عن الديلمي في كتابه الفردوس عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي نعيم عن ابن عباس (5)، وأخرجه الحبري في ما نزل من القرآن في أهل البيت (6)، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب (7)، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص (8)، وأخرجه الآلوسي في روح المعاني في تفسير الآية المذكورة.)
وعن محمد بن إسحاق المطلبي صاحب كتاب المغازي والأعمش والحاكم وجماعة أهل البيت قالوا: إنهم مسؤولون عن حب أهل البيت.وأخرج الحمويني في فرائد السمطين بسنده إلى ذي النون المصري عن مالك بن أنس عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي (علیه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، ونصب الصراط على جسر جهنم، لم يجز بها أحد إلا من كانت معه براءة بولاية علي بن أبي طالب(1).)وأخرج الحافظ بن السمان في الموافقة والمحب الطبري في الرياض النضرة، وابن حجر الهيثمي في الصواعق والصبان في إسعاف الراغبين عن قيس بن حازم، قال: التقى أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب فتبسم أبو بكر في وجه علي، فقال له: مالك تبسمت؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: لا يجوز أحد الصراط إلا من كتب له علي الجواز(2.)وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده عن ابن عباس قال: قلت للنبي صلى الله عليه [وآله] وسلم يا رسول الله للنار جواز؟ قال: نعم قلت: وما هو؟ قال: حب علي بن أبي طالب(3.)
وعن عمر بن الخطاب عنه صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: حب علي براءة من النار(1.)وأخرج الخطيب البغدادي بسنده عن بلال بن حمامة قال: خرج علينا رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم ذات يوم ضاحكاً مستبشراً، فقام إليه عبد الرحمن بن عوف فقال: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: بشارة أتتني من عند ربي، إنَّ الله لما أراد أن يزوج عليا فاطمة أمر ملكاً أن يهز شجرة طوبى فهزها فنثرت رقاقا - يعني صكاكا - وأنشأ الله ملائكة التقطوها، فإذا كانت القيامة ثارت الملائكة في الخلق، فلا يرون مُحبّاً لنا أهل البيت محضاً إلا دفعوا إليه منها كتاباً براءة له من النار من أخي وابن عمي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من أمتي من النار(2).)وأخرج ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة والشبلنجي في نور الأبصار حديثاً عن أبي سعيد الخدري نقلاً عن كتاب الخال لابن خالويه، قال الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لعلي: حبّك إيمان وبغضك نفاق، وأول من يدخل الجنة مُحبّك، وأوَّل من
يدخل النار مبغضك(1.)
1) الفصول المهمة، ص 109 ط النجف، والشبلنجي في نور الأبصار، ص 90 ط دار الكتب العلمية بيروت سنة 1398 ه-.
## علي وشيعته هم الفائزون39 - أنتَ الإمامُ الفائزون شيعتك*** أنجتهمُ مِنَ العَذَابِ بَيْعتك40 - هُمْ صفوة الناس وهُمْ أبرار*** وما سواهم هَمَجٌ أشرارإشارة منه دام ظله إلى ما صح عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم من قوله لعلي:«يا علي إنك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين، ويقدم عليه عدوك غضاب مقمحين»، ثم جمع علي يده إلى عنقه يريهم كيف الإقماح(1).)وأخرج الحمويني في الفرائد بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فأقبل علي بن أبي طالب فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قد أتاكم أخي.
1) أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط 3/83 ح 3934، وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد 9/131، والشبلنجي في نور الأبصار، ص 89، والسيوطي في الدر المنشور 6/79 نقلا عن ابن عدي وابن حجر في الصواعق، ص 96.
قال جابر: ثم التفت رسول الله إلى الكعبة فضربها بيده، ثم قال: والذي نفسي بيده إنَّ هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة(1.)وأخرج الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل في تفسير قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (2)بسنده عن علي (علیه السلام) يقول: حدثني رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) وأنا مُسنده إلى صدري، فقال: يا علي أما تسمع قول الله عز وجل (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)، هم أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض إذا اجتمعت الأمم للحساب تدعون غراً محجلين(3).)ورواه الموفق الخوارزمي في مناقبه (4، والسيوطي في الدر المنثور نقلاً عن ابن مردويه(5)، وابن جرير الطبري في تفسيره (6)، وابن حجر الهيتمي في الصواعق (7)، والشبلنجي في نور الأبصار (8)، والحافظ الزرندي في نظم درر السمطين ولفظه: هو أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة أنت وشيعتك)
راضين، مرضيين، ويأتي عدوك غضابى مقمحين. فقال: يا رسول الله ومن عدوي؟ قال: من تبرأ منك ولعنك (1.)وأخرجه الكنجي الشافعي في كفاية الطالب(2.)وأخرج الهيثمي في مجمع الزوائد نقلا عن الطبراني بسنده أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال لعلي (علیه السلام: أنت وشيعتك تردون علي الحوض رواة مرويين مبيضة وجوهكم، وإن أعداءك يردون علي الحوض ظماءاً مقمحين (3).)وأخرج المناوي في كنوز الحقائق نقلا عن الديلمي في الفردوس(4بلفظ يا علي أنت وشيعتك تردون على الحوض وروداً(5).)وأخرج ابن المغازلي المالكي في المناقب بسنده عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: يدخل من أمتي الجنّة سبعون ألفاً لا حساب عليهم. ثم التفت إلى علي فقال: هم من شيعتك وأنت إمامهم(6.)
1) نظم درر السمطين، ص 92.
2) كفاية الطالب، ص 246.
3) مجمع الزوائد 9/131.
4) لقد طُبع الفردوس حديثاً في خمسة أجزاء بتحقيق فواز أحمد الزمرلي ومحمد المعتصم بالله البغدادي، ولكن للأسف حذف هذا الحديث منه، وهذا يكشف عن مدى الأمانة التي تحملها المحققان. وكم لهذا الحديث من نظائر، فراجع.
5) كنوز الحقائق، ص 188.
6) مناقب علي بن أبي طالب، ص 293.
وأخرج أبو نعيم في الحلية والخطيب في تاريخ بغداد عن علي، قال له النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: أنت وشيعتك في الجنة... الحديث(1.)وأخرج ابن حجر الهيتمي في الصواعق نقلاً عن أحمد في الفضائل أنه صلى الله عليه [وآله] وسلم قال لعلي: أما ترضى أنك معي في الجنة والحسن والحسين، وذريتنا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذريتنا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا (2.)وأخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة عن أحمد في المناقب وأبي سعد في شرف النبوة(3.)
## من أذى عليًّا فقد آذاني41 - مَنْ كَانَ آذَاكَ فقَد آذاني*** ومَن عَصَاكَ وَيْلَه عَصَانِيإشارة منه دام ظله إلى ما صح عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم في ذلك، فصدر البيت ورد بألفاظ مختلفة، ورواه جمع من الصحابة، نختار بعضاً من صوره:)فمنها: الحديث المسلسل بأهل البيت (علیهم السلام من زيد بن علي، عن آبائه عن رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) و كل واحد منهم يقول: حدثني وهو آخذ بشعره. ولفظه: قال عمرو بن خالد: حدثني زيد بن علي و هو آخذ بشعره، قال: حدثني علي بن الحسين وهو آخذ بشعره، قال: حدثني الحسين بن علي وهو آخذ بشعره، قال حدثني علي بن أبي طالب وهو آخذ بشعره، قال: حدثني رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) و هو آخذ بشعره قال: يا علي من آذى شعرة منك فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، لعنه ملء السماوات وملء الأرض، قال الله تعالى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي)
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا(1). قال الحاكم الحسكاني فإن ثبت النزول فيه خاصة فقد ثبت، وإلا فالآية متناولة له بالأخبار المتظافرة عن النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) على الخصوص، منها الحديث المسلسل، وفي بعض رواياته: «من آذى شعرة منك»فهو خاص له وفي بعضها: «شعرة مني»، وهي متناولة له، لقوله صلى الله عليه [وآله] وسلم في عدة أخبار: أنت مني وأنا منك. ومنها رواية عمر وجابر وسعد وأم سلمة وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وعمرو بن شاس(2).
وهذا الحديث الذي يعد من المسلسلات قد أخرجه ابن الجوزي في كتابه المسلسلات برقم 30 بلفظ: من آذى شعرة مني... الخ.
ورواه الشيخ الفقيه جعفر بن أحمد بن علي القمي في كتابه المسلسلات بستة أسانيد تتفاوت في المتن يسيراً، والصدوق في الأمالي وعيون أخبار الرضا والطوسي في الأمالي، والطبرسي في مجمع البيان في تفسير الآية المذكورة، والموفق الخوارزمي في المناقب، والحافظ الزرندي في نظم درر السمطين وأخرجه السيوطي في الجامع الصغير عن ابن عساكر مقتصرا على المتن إلى قوله: فقد آذى الله(3).
ومنها ما رواه عمرو بن شاس عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم)، وننقله بلفظ أحمد بن حنبل في المناقب وفي المسند بسنده عن عمرو بن شاس الأسلمي - وكان من أصحاب الحديبية - قال: خرجت مع علي إلى اليمن فجفاني في سفري ذلك حتى وجدت في نفسي عليه، فلما قدمت أظهرت شكايته في المسجد، حتى بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فدخلت المسجد ذات غدوة و رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في ناس من أصحابه فلما رآني أبّدني عينيه - يقول: حدّد إليّ النظر- حتى إذا جلست قال: يا عمرو والله لقد آذيتني. قلت: أعوذ بالله أن أوذيك يا رسول الله قال: بلی، مَن آذى عليًّا فقد آذاني(1)
وأخرجه أيضاً المحب الطبري في الرياض النضرة 1/165 وذخائر العقبى، ص 65، وابن كثير في البداية والنهاية 5/104 ط السعادة بمصر، وابن حجر العسقلاني في الإصابة 2/534 ط مصطفى محمد، والسيوطي في الجامع الصغير 2/336 نقلاً عن البخاري في تاريخه الكبير وأحمد والحاكم والمتقي الهندي في منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) 5/32، وابن حمزة في البيان والتعريف بأسباب ورود الحديث الشريف 2/203 ط حلب، والمناوي في كنوز الحقائق، ص 144 ط بولاق والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة، 181، 187، 205 ط إسلامبول، والنبهاني في الفتح الكبير 3/144 ط مصر وفي الشرف المؤبد لآل محمد، ص 126 ط الأولى سنة 1309ه- - ط بيروت وزيني دحلان في السيرة النبوية المطبوعة بهامش السيرة الحلبية 3/332 بمصر، والحداد في القول الفصل 2/15 طبع جاوا وغيرهم كثير.
.1) المناقب، مسند أحمد بن حنبل 3/483 الطبعة الأولى. و هذا الحديث أخرجه الحاكم النيسابوري في المستدرك 3/122، و قال: هذا حديث صحيح الإسناد. والذهبي في تلخيص المستدرك 3/122 وقال: صحيح. وأخرجه أيضاً في تاريخ الإسلام 2/196، والطبري في منتخب ذيل المذيل، ص 108ط الاستقامة والموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب، ص 92 ط تبريز وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص، ص 49 ط الغري، والحمويني في فرائد السمطين 1/298، والهيثمي في مجمع الزوائد 9/129 وقال: رواه أحمد والطبراني باختصار، والبزار أخصر منه، ورجال أحمد ثقات.
ومنها: ما رواه سعد بن أبي وقاص، قال: كنت جالساً في المسجد أنا ورجلان معي، فنلنا من علي، فأقبل رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) غضباناً يعرف الغضب في وجهه، فتعوذت بالله من غضبه، فقال: ما لكم ومالي؟ من آذى عليا فقد آذاني. قال: فكنت أوتى بعد ذلك، فيقال: إنَّ عليَّا يعرّض بكَ ويقول: اتقوا فتنة الأخينس. فأقول: هل سمّاني؟ فيقال: لا. فأقول: إن لأخينس الناس كثيراً، معاذ الله أن أوذي رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) من بعد ما سمعته منه أنه من آذى عليا فقد آذاني(1).
ومنها: ما رواه جابر وعبيد بن ثعلبة وابن عباس وعمر وغيرهم
1) أخرجه الموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب، ص 89 ط تبريز، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة، ص 242، 282 ط إسلامبول، والهيثمي في مجمع الزوائد 9/129 نقلا 282 عن أبي يعلى وقال: رجال أبي يعلى صحيح، ورواه البزاز باختصار. وأخرجه ابن كثير في تاريخه 5/104، وابن حجر الهيثمي في الصواعق، ص 73، والصبان في إسعاف الراغبين ص 172 بهامش نور الأبصار ط دار الكتب العلمية بيروت والسيوطي في تاريخ الخلفاء، ص 172 ط السعادة بمصر، والشبلنجي في نور الأبصار، ص 89 ط دار الكتب العلمية، وابن عساكر في تاريخه ترجمة الإمام 1/ 392- 393.
وعلى حد تعبير ابن عبد البر قال: و روت طائفة من الصحابة قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في حديث: من آذى عليا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله(1).
وحديث عمر أنه سمع رجلاً يذكر عليَّا بِشَرّ، فقال: ويلك تعرف من في هذا القبر؟ - وأشار إلى قبر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم- فسكت الرجل، فقال عمر: فيه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وهذا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، قبَّحك الله، فقد آذيت رسول الله في قبره. لا تذكروا عليَّا إلا بالخير، إن تنقصته آذيت صاحب القبر، إذا آذيت عليا فقد آذيته(2).
أما ابن عباس فقد جاءه رجل من أهل الشام، فسبّ عليَّا عنده فحصبه ابن عباس فقال: يا عدو الله، آذیت رسول الله (إنّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (3)، لو كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم حياً لآذيته (4).
1) الاستيعاب 3/37 بهامش الإصابة.
2) أخرجه سبط ابن الجوزي في التذكرة، ص 49 ط الغري، والسبكي في شفاء السقام ص 207 ط حیدر آباد، والأمر تسري في أرجح المطالب، ص 15 ط لاهور. ودخل حديث بعضهم في بعض.
3) سورة الأحزاب، الآية 57.
4) المستدرك على الصحيحين 3/122 ط حیدر آباد، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. وأقره الذهبي في تلخيص المستدرك 3/122، والحضرمي في القول الفصل ص 10 ط جاوا وغيرهم كثير.
وحديث أم سلمة قالت: قد سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول لعلي بن أبي طالب: أنت أخي وحبيبي، من آذاك فقد آذاني (1).
وأخرج البلاذري في أنساب الأشراف بسنده عن محمد بن الحنفية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: من آذى عليا فقد آذاني(2).
هذا ما وسعني ذكره لما ذكره سيدنا الأستاذ دام ظله في صدر البيت. وأما ما أشار إليه في عجز البيت فهو ما صح عنه الله من حديث أبي ذر وحذيفة وأبي أيوب الأنصاري وغيرهم.
أما حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع عليا فقد أطاعني، ومن عصى عليا فقد عصاني »فقد أخرجه الحاكم في المستدرك(3).
وأخرجه المحب الطبري بلفظ: من أطاعك فقد أطاعني، ومن أطاعني أطاع الله، ومن عصاك عصاني(4).
وقال: أخرجه أبو بكر الإسماعيلي في معجمه، وخرجه الحميدي بزيادة، ولفظه: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاعك فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصاك فقد عصاني.
وأما حديث حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: «علي طاعته طاعتي ومعصيته معصيتي»فقد أخرجه الحمويني(1).
وأما حديث أبي أيوب الأنصاري أن النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) قال لعمار: «يا عمار طاعة علي طاعتي، وطاعتي طاعة الله عز وجل»فقد أخرجه الحمويني والخطيب البغدادي(2).
42 - علي الفاروقُ أقضى أمتي*** ووارثي منفّذ وصي
إشارة منه دام ظله إلى ثلاثة مضامين من أحاديث رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم)، وهي:
1 - علي الفاروق.
2 - علي أقضى أمتي.
3 - علي وارثي ومنفذ وصيتي.
وبيانها كما يلي:
أخرج ابن عبد البر عن أبي ليلى الغفاري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: ستكون بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب، فإنّه أول من يراني، وأول من يصافحني يوم
القيامة، وهو الصديق الأكبر، وهو فاروق هذه الأمة يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب المؤمنين والمال يعسوب المنافقين (1).
وأخرجه الديلمي في الفردوس(2)والخوارزمي في المناقب (3).
وأخرجه ابن الأثير في أسد الغابة، ولكن قال عن أبي ذر الغفاري(4).
ولا يبعد سهو القلم منه، فصحف أبا ليلى الغفاري بأبي ذر الغفاري، خصوصاً ولأبي ذر حديث مثله، فكلا الغفاريين يرويان الحديث، وقد مر حديث أبي ليلى.
وأما حديث أبي ذر فقد أخرجه المحب الطبري(5)، ولفظه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول لعلي: أنت الصديق الأكبر، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل، وأنت يعسوب الدين(6).
وأخرجه الحمويني بزيادة في لفظه: أنت أول من آمن بي وصدّقني
وأنت أول من يصافحني يوم القيامة، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل، وأنت يعسوب المسلمين والمال يعسوب الظلمة(1).
ورواه أيضاً بسند آخر، وفيه: والمال يعسوب الكفار.
وبهذا اللفظ أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه البزار. وأخرجه ابن عساكر في تاريخه أيضاً (2).
وروى الحديث أيضاً أبو ذر مشتركاً مع سلمان بلفظ: قالا: أخذ رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بيد علي فقال: ألا إنَّ هذا أول من آمن بي، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة، وهذا الصديق الأكبر، وهذا فاروق هذه الأمة يفرق بين الحق والباطل، وهذا يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظالمين.
بهذا اللفظ أخرجه ابن عساکر (3). ورواه بسند آخر في ص 76 وفيه: وهو الصديق الأكبر، وهو الفاروق بين الحق والباطل.
وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد نقلا عن الطبراني(4)، والمناوي في فيض القدير (5)، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال
ورواه عن الطبراني والبيهقي وابن عدي عن حذيفة(1).
وروى الحديث عبد الله بن عباس ولفظه: قال ابن عباس ستكون فتنة، فمن أدركها فعليه بخصلتين: كتاب الله وعلي بن أبي طالب فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول وهو آخذ بيد علي هذا أول من آمن بي وأول من يصافحني يوم القيامة، وهو فاروق هذه الأمة يفرق بين الحق والباطل، فهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة، وهو الصديق الأكبر، وهو خليفتي من بعدي(2).
أخرجه ابن حجر في فتح الباري، ولفظه قال: فورد في حديث مرفوع عن أنس رفعه أقضى أمتي علي بن أبي طالب. أخرجه البغوي.
وعن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: وأقضاهم - أمتي - علي (3).
وأخرج المحب الطبري حديث أنس عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم أنه قال: أقضى أمتي. وقال أخرجه في المصابيح في الحسان(4).
وجاء في الاستيعاب حديث الحسن مرفوعاً فيه: «علي أقضى أمتي».
وحديث أبي سعيد الخدري بلفظ: «أقضاهم علي بن أبي طالب»، وحديث رواه بطرق متعددة فيه: «وأقضاها علي». يعني وأقضى الأمة (1).
ثم قال ابن عبد البر في الاستيعاب: وروي عن عمر من وجوه: علي أقضانا. ورواه في الاستيعاب مرة أخرى (2).
وقول عمر: ( علي أقضانا) رواه عنه ابن عباس وأبو هريرة وابن أبي ليلى وغيرهم.
وقد أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير، باب قوله تعالى (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) (3).
ويظهر مما في فتح الباري أن يحيى القطان رواه في فضائل القرآن والإسماعيلي في كتابه والترمذي في صحيحه، ولكن أخرجه عن أنس مرفوعاً وصححه (4). وأخرجه ابن حجر في أيضاً تهذيب التهذيب (5).
وأخرجه أيضاً ابن سعد في الطبقات (6)، ووكيع في أخبار القضاة (7).
وأخرجه الحاكم في المستدرك (1)، وأبو نعيم في الحلية(2)، وابن عساكر في تاريخه (ترجمة الإمام) بتسعة طرق(3)، وابن عبد البر في الاستيعاب (4)والموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب (5)، والمحب الطبري في ذخائر العقبى (6)والرياض النضرة، وقال: أخرجه الحافظ السلفي(7)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (8)، وفي تاريخ الإسلام (9)، وفي تذكرة الحفاظ (10)، وأخرجه السخاوي في المقاصد الحسنة(علیه السلام) (11)، والنابلسي في ذخائر المواريث (12)، والمناوي في كنوز الحقائق (13)، وابن حجر الهيثمي في الصواعق (14)، وأخرجه آخرون كثيرون يطول المقام بذكرهم.
1) المستدرك 3/305.
2) حلية الأولياء 1/65.
3) تاریخ دمشق 3/27.
4) الاستيعاب 2/461 ط حیدر آباد.
5) مناقب الخوارزمي، ص 55 ط تبريز.
6) ذخائر العقبى، ص 83.
7) الرياض النضرة 2/198، 244.
8) سير أعلام النبلاء 1/128.
9) تاريخ الإسلام 2/28، 6/199.
10) تذكرة الحفاظ 3/38.
11) المقاصد الحسنة، ص 72 ط القدسي.
12) ذخائر المواريث 1/10.
13) کنوز الحقائق، ص 98.
14) الصواعق المحرقة، ص 76ط الميمنية.
لقد وردت أحاديث كثيرة عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) دلت على أن عليا وارث النبي ووصيه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) بدءا من حديث الإنذار في بدء الدعوة، وانتهاءا بما صدر منه عند وفاته.
ونحن الآن نذكر بعض ما لم نذكره آنفاً.
فمن ذلك حديث سلمان قال: قلت يا رسول الله إنَّ لكل نبي وصياً فمن وصيك؟ فسكت عني، فلما كان بعد رآني فقال: يا سلمان. فأسرعت إليه، فقلت: لبيك. قال تعلم من وصي موسى (علیهم السلام) ؟ قلت: نعم، يوشع بن نون قال: لم؟ قلت لأنه كان أعلمهم يومئذ. قال: فإنَّ وصيّي و موضع سري، و خير من أترك بعدي، و ينجز عدتي، و يقضي ديني، علي بن أبي طالب.
وأخرج حديث سلمان هذا الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه الطبراني(1). وأخرجه ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب (2)، والمحب الطبري في الرياض النضرة (3)، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال (4)، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص (5)، والمتقي الهندي
في منتخب كنز العمال(1)وغيرهم.
ومن ذلك حديث بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: لكل نبي وصي ووارث، وإن عليا وصي ووارثي (2).
ومن ذلك حديث أنس، وقد أخرجه المناوي في كنوز الحقائق: «لكل نبي وصي ووارث، وعلي وصيي ووارثي »، وقال: أخرجه الديلمي (3).
ولو أردنا أن نذكر جميع ما جاء في ذكر الوصاية والوراثة لطال بنا المقام، فهناك ما يربو على المائة حديث في الوصية رواها أعلام الصحابة عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم)، وأخرجها الحفاظ في مسانيدهم، وأخبت لها المؤرخون فذكروها في تواريخهم، حتى شاع أمر الوصية لعلي، فوردت على لسان الشعراء في مختلف العصور، بدءاً من عصر الصحابة فمن بعدهم حتى يومنا الحاضر، ولم نسمع من أنكر عليهم نظم ذلك.
43 - يعسوب ديني وإمامُ الأُمَّة*** للمتقين قائد وقمّة
إشارة منه دام ظله إلى ما صح عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) من قوله: أوحي إلي في علي ثلاث: أنه سيّد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين (1).
وقوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) لعلي: إنك سيّد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، ويعسوب الدين (2).
وبلفظ (يعسوب المؤمنين) أخرجه ابن المغازلي في المناقب (3)، وبدون (يعسوب الدين) أخرجه ابن الأثير في أسد الغابة (4)، وابن المغازلي في
المناقب (1)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (2)، والخوارزمي في المناقب والهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه الطبراني في الكبير (3). والحاكم في المستدرك (4)وغيرهم.
وقوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) لأنس: يا أنس اسكب لي وضوء. ثم قال: فصلى ركعتين ثم قال: يا أنس أول من يدخل عليك من هذا الباب أميرالمؤمنين و سيد المرسلين، وقائد الغر المحجلين، وخاتم الوصيين.
قال أنس: قلت: اللهم اجعله من الأنصار. وكتمته إذ جاء علي(علیه السلام) فقال: من هذا يا أنس؟ فقلت: علي. فقام مستبشراً فاعتنقه، ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه، ويمسح عرق علي (علیه السلام) بوجهه.
قال علي (علیه السلام): لقد رأيتك صنعت شيئا ما صنعت بي من قبل. قال: وما يمنعني؟ فأنت تؤدّي عني، وتسمعهم صوتي، وتبين لهم ما اختلفوا فيه من بعدي(5).
أقول: لقد تكرر مثل هذا من أنس في حديث الطير، وستأتي
الإشارة إليه، كما تكررت منه محاولة كتمان فضائل الإمام، ولعل ما يروى عن أنس من فضائل الإمام كان بعد حديث مناشدة الرحبة يوم استنشد الإمام أمير المؤمنين من سمع حديث الغدير أن يقوم فيشهد، فقام جماعة وسكت آخرون، ومنهم أنس فقد خنس، ولما سأله الإمام عن سكوته اعتذر بأنه كبر ونسي، فدعا عليه إن كان كاذبا أن يبتليه الله ببيضاء لا تواريها العمامة، فبرص، فكان بعد ذلك يقول: أصابتني دعوة العبد الصالح.
وقد مرَّ في شرح البيت الذي قبل هذا ما يتعلق بذلك أنه يعسوب الدين، وأنه يعسوب المؤمنين، وأنه يعسوب المسلمين، ولزيادة الفائدة نذكر بعض المصادر للأحاديث التي ورد فيها:
1 - مناقب ابن المغازلي، ص 65.
2 - مناقب الخوارزمي، ص 234.
3- الرياض النضرة 2/155، 177.
4 - الاستيعاب بهامش الإصابة 4/169.
5- أسد الغابة 5/287.
6 - ذخائر العقبى، ص 56.
7 - الرياض النضرة 2/155.
8- فرائد السمطين 1/145.
9 - مجمع الزوائد 9/101-102.
10 - لسان الميزان 2/414.
11 - السيرة الحلبية 1/380.
12 - البيان والتعريف 2/110.
13 - المقاصد الحسنة، ص 94.
14 - حياة الحيوان 2/412 (اليعسوب).
15 - الدرر المنتثرة، ص 234.
16 - تمييز الطيب من الخبيث، ص 42.
17 - منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) 5/31.
18 كنوز الحقائق، ص 98.
19 - أسنى المطالب، ص 137.
20 - تاج العروس 1/381 (عسب).
21 - ينابيع المودة، ص 62.
22 - تاریخ ابن عساکر (ترجمة الإمام) 2/260.
44 - سيئةٌ بُغضُكَ ما أفظعها*** وليس يُجدي الحسنَاتُ معَها
إشارة منه دام ظله إلى ما قاله (صلی اللّه علیه و آله و سلم): بغض علي سيئة لا تنفع معها حسنة (1).
وقد روى جابر عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) قال: ثلاث من كن فيه فليس مني ولا أنا منه بغض علي، ونصب أهل بيتي ومن قال: الإيمان كلام (2).
وروى جابر أيضاً عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) قال لعلي: كذب من زعم أنه يحبني ويبغضك (3).
وبهذا اللفظ وما يقاربه مبنى ومعنى رواه جماعة آخرون من الصحابة (1)
ومنهم أم سلمة، وأخرج حديثها الكنجي الشافعي في كفاية الطالب، ص 180 ط الغري، وقال: هذا حديث حسن عال. رواه التكريتي في مناقب الأشراف وأخرجه ابن كثير الشامي في تاريخه 7/354.
ومنهم: أبو سعيد الخدري كما في البداية والنهاية 7/354.
ومنهم: ابن مسعود كما في مناقب الخوارزمي، ص 45 والبداية والنهاية 7/354 ومنهم: عمر كما في أرجح المطالب، ص 518 ط لاهور.
ومنهم: عبد الله بن عمر كما في مناقب ابن المغازلي، ص 240.
ومنهم نافع مولى عمر كما في مناقب ابن المغازلي، ص 261.
.وعن علي (علیه السلام)، أن النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) قال له: يا علي لو أن عبداً عبد الله عزّ وجل مثل ما أقام نوح في قومه، وكان له مثل أحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله، ومُدَّ في عمره حتى حج ألف عام على قدميه، ثم قتل بين الصفا والمروة مظلوما، ثم لم يوالك يا علي، لم يشم رائحة الجنة ولم يدخلها (2).
وفي حديث أم سلمة عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) قال: يا أم سلمة لو أنَّ عبداً عَبد الله ألف عام بعد ألف عام بين الركن والمقام، ولقي الله تعالى ربَّه مبغضاً لعلي
(1)
1) منهم ابن عباس كما في فرائد السمطين 1/128. ومنهم أنس، وأخرج حديثه ابن المغازلي في المناقب، ص 51، والحمويني في فرائد السمطين 1/1304، والذهبي في میزان الاعتدال 1/251، 2/313، وابن حجر في لسان الميزان 2/285.
2) المناقب للخوارزمي ص 39 مقتل الحسين 1/37. لسان الميزان /2195. ذيل اللئالئ، ص 61. ينابيع المودة، ص 252 وغيرهم.
وعترتي أكبه الله على منخريه في جهنم يوم القيامة (1).
وفي حديث ابن مسعود بلفظ يقرب مما سبق (2).
وقد مرَّ في حديث ابن عباس مرفوعاً: ومن أبغضك أماته الله ميتة الجاهلية، وحوسب بعمله في الإسلام.
وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن ابن عباس قال: نظر النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم) إلى علي فقال: يا علي أنت سيد في الدنيا سيّد في الآخرة، حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، والويل لمن أبغضك بعدي.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وأبو الأزهر بإجماعهم ثقة، وإذا تفرد الثقة بحديث فهو على أصلهم صحيح.
سمعت أبا عبد الله القرشي يقول: سمعت أحمد بن يحيى الحلواني يقول: لما ورد أبو الأزهر من صنعاء، وذاكر أهل بغداد بهذا الحديث أنكره يحيى بن معين، فلما كان يوم مجلسه قال في آخر المجلس أين هذا الكذّاب النيسابوري الذي يذكر عن عبد الرزاق هذا الحديث؟
فقام أبو الأزهر فقال: هو ذا أنا. فضحك يحيى بن معين من قوله وقيامه في المجلس فقربه وأدناه، ثم قال له كيف حدثك عبد الرزاق بهذا
ولم يحدث به غيرك؟
فقال: اعلم يا أبا زكريا أني قدمت صنعاء وعبد الرزاق غائب في قرية له بعيدة، فخرجت إليه وأنا عليل فلما وصلت إليه سألني عن أمر خراسان، فحدثته بها وكتبت عنه، وانصرفت معه إلى صنعاء، فلما ودعته قال: قد وجب عليَّ حقك، فأنا أحدثك بحديث لم يسمعه منى غيرك. فحدثني والله بهذا الحديث لفظاً. فصدقه واعتذر إليه (1).
أقول: وروى هذا الحديث ابن عساكر في تاريخه باستبدال قوله: «ومن أبغضك فقد أبغضني، وبغيضك بغيض الله »، بدل «وعدوك عدوي...»الخ (2).
ورواه الخطيب في تاريخه في ترجمة محمد بن زاهر أبي الأزهر، ثم ذكر ما سبق من قول يحيى بن معين وما جرى بينه وبين أبي الأزهر... إلى آخر ما ذكره الخطيب من تخريج الحديث بإسناد آخر عن عبد الرزاق من غير طريق أبي الأزهر، ثم قال: فبرئ أبو الأزهر عن عهدته إذ قد توبع عليه (3).
أقول: إنما أطلت بذكر ما قاله الحاكم والخطيب لأن الذهبي لم يرق له توثيق الحاكم للسند، وتصحيحه للمتن، فقال: هذا وإن كان رواته
ثقات فهو منكر ليس ببعيد من الوضع وإلا لأي شيء حدث به عبد الرزاق سراً، ولم يجسر أن يتفوه به لأحمد وابن معين والخلق الذين رحلوا إليه؟
وأبو الأزهر ثقة ذكر أنه رافق عبد الرزاق من قرية له إلى صنعاء قال: فلما ودّعته قال: قد وجب عليَّ حقك، فأنا أحدثك بحديث لم يسمعه منى غيرك. فحدثني والله بهذا الحديث لفظا.
فانظر بربك إلى ما ذهب إليه الذهبي! أليس هو من محض المكابرة؟
فإن يحيى بن معين إن لم يكن سمع هذا الحديث من عبد الرزاق فقد سمعه من أبي الأزهر، فصدقه واعتذر إليه، فهل آمن الذهبي بصحته كما آمن يحيى بن معين؟!
ولزيادة طمأنة القارئ نذكر له بعض مصادر هذا الحديث:
فقد أخرجه جه ابن المغازلي المالكي في مناقبه، ص 103، 382.
والهيثمي في مجمع الزوائد 9/133 وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات.
والمحب الطبري في الرياض النضرة 2/219، 234 وقال: رواه أحمد في المناقب، وأبو عمرو، وأبو الخير الحاكمي.
وابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب في ترجمة أبي الأزهر (1).
ولنعم ما قال الشاعر:
1) تهذيب التهذيب 1/12.
لو أنَّ عبداً أتى بالصالحاتِ غداً*** وودَّ كل نبي مرسل وولي
وعاش ما عاش آلافاً مؤلفةً*** خلوا من الذنب معصوماً من الزلل
وقامَ ما قام قواماً بلا كَسَلٍ*** وصَامَ ما صَامَ صَوَاماً بلا مَلَلٍ
وطار في الجولا يأوي إلى جبل*** وغاص في البحر لا يخشى من البلل
ما كانَ ذلك يوم الحشر ينفعه*** إلا بحب أمير المؤمنين علي
وقد روى حديث (حب علي إيمان وبغضه نفاق) المنصور الدوانيقي للأعمش سليمان بن مهران، بعد أن سأله عن مقدار ما يرويه عن جميع الفقهاء في علي من فضيلة فأجابه يسير. فأصر عليه، قال له الأعمش: عشرة آلاف حديث وما زاد. فقال المنصور: لأحدثتك في فضائل علي (علیه السلام) حديثين يأكلان كل حديث رويته عن جميع الفقهاء، بعد أن استحلفه أن لا يخبر بهما أحداً من الشيعة، فلم يحلف ولكن قال: لا أخبر بهما أحداً منهم. فحدثه المنصور بحديثين حريّ على الباحث أن يراجعهما (1).
قال المنصور بعد أن حدّث الأعمش بالحديثين: يا سليمان سمعت في فضائل علي أعجب من هذين الحديثين؟ يا سليمان إن حب علي إيمان وبغضه نفاق، لا يحب علي إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق.
1) راجعهما في مناقب ابن المغازلي، ص 143 - 155، ومناقب الموفق بن أحمد الخوارزمي، ص 191 - 203، وأمالي الصدوق، ص 260 - 264 في المجلس 67، وبحار الأنوار، 37/93، وغاية المرام للسيد هاشم البحراني، ص 656 وغيرها.
قال الأعمش: فقلت يا أمير المؤمنين الأمان؟ قال: لك الأمان. قال: قلت: فما تقول يا أمير المؤمنين فيمن قتل هؤلاء؟ قال: في النار لا أشك. فقلت: فما تقول فيمن قتل أولادهم وأولاد أولاد أولادهم؟ قال: فنكس رأسه، ثم قال: يا سليمان الملك عقيم، ولكن حدث عن فضائل علي بما شئت. قال: فقلت: فمن قتل ولده فهو في النار؟ قال عمرو بن عبيد: صدقت يا سليمان الويل لمن قتل ولده، فقال المنصور: يا عمرو أشهد عليه أنه في النار. فقال عمرو: و أخبر الشيخ الصدوق - يعني الحسن - عن أنس أنَّ من قتل أولاد علي لا يشم رائحة الجنة. قال: فوجدت أبا جعفر - المنصور - وقد حمض وجهه قال وخرجنا فقال: أبو جعفر: لولا مكان عمرو ما خرج سليمان إلا مقتولاً.
45 - قد سبني الذي عليَّا سبه*** ومَنْ يُعادِيهِ يُعادي ربّه
إشارة من الناظم دام ظله في صدر البيت إلى ما صح عنه(صلی اللّه علیه و آله و سلم) من قوله: من سب عليا فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله، ومن سب الله أدخله الله نار جهنم وله عذاب عظيم(1).
وقد ورد مفصلا في حديث ابن عباس ننقله بلفظ الخوارزمي في مناقبه، فقد أخرجه بسنده عن سعيد بن جبير قال: بلغ ابن عباس أن قوما يقعون في علي (علیه السلام)، فقال لابنه علي بن عبد الله: خذ بيدي فاذهب بي إليهم. فأخذه ولده بيده حتى انتهى إليهم، فقال: أيكم الساب الله؟ فقالوا:
1) أخرجه الديلمي عن ابن عباس في كتابه الفردوس 4/189، والهيثمي في مجمع الزوائد 9/130 وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير أبي عبد الله الجدلي وهو ثقة.
سبحان الله، من سب الله فقد أشرك. فقال: أيكم الساب لرسول الله ؟ فقالوا: سبحان الله من سب رسول الله فقد كفر. فقال: أيكم الساب لعلي بن أبي طالب؟ فقالوا: قد كان ذلك. فقال لهم: فاشهدوا، لقد سمعت رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) يقول: من سب عليا فقد سبني، ومن سبَّني فقد سب الله، ومن سب الله أكبَّه يوم القيامة على وجهه في النار. ثم ولى عنهم، فقال لابنه: كيف رأيتهم؟ فأنشأ يقول:
نظروا إليك بأعين محمرة*** نظر التيوس إلى شفار الجازر
قال: زدني فداك أبوك يا بني. فأنشأ يقول:
خزر الحواجب ناكسو أذقانهم*** نظر الذليل إلى العزيز القاهر
قال: زدني فداك أبوك. قال: ما أجد مزيداً، قال: لكن أجد:
أحياؤهم عار على أمواتهم*** والميتون فضيحة للغابر(1)
1) المناقب، ص 81 ط تبريز. وأخرج هذه المحاورة والاحتجاج من ابن عباس على من سب الإمام كلٌ من الكنجي الشافعي في كفايته، ص 82 الباب 10، والمحب الطبري في الرياض النضرة 2/166، وقال: أخرجه الملا في سيرته. وابن المغازلي المالكي في المناقب، ص 394 - 395، والزرندي في نظم درر السمطين، ص 105، والمسعودي في مروج الذهب 2/84 في آخر ترجمة الإمام والشبلنجي في نور الأبصار، ص 121 ط دار الكتب العلمية بيروت والحمويني في فرائد السمطين 1/ 302- 303، وابن عساكر في معجم شيوخه في حرف الطاء في ترجمة طلحة بن أحمد بن الحسين أبو العز البصري المالكي، والمرزباني في أخبار شعراء الشيعة، ص 30، والعماد الطبري في بشارة المصطفى، ص 202 - 203 الطبعة الثانية، والصدوق في أماليه، ص 86 المجلس 121 ط الحيدرية، والسروي في مناقبه 3/215، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة، ص، 126، والقندوزي في ينابيع المودة، ص 247 وبدون الشعر في الشرف المؤبد، ص 126.
وقد ورد في ذلك حديث أم سلمة قالت: أيُسب رسول الله فيكم؟ -قالته لبعض أهل العراق منهم أبو عبد الله الجدلي - فقال الجدلي: معاذ الله - أو سبحان الله أو كلمة نحوها - فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: من سب عليا فقد سبني.
وفي رواية عند الحاكم: ومن سبني فقد سب الله (1).
بقي أن نشير إلى ما أشار إليه الناظم دام ظله في عجز البيت.
فقد أخرج السيوطي في جمع الجوامع عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) انه قال: عادى الله
1) وحديث أم سلمة رواه الحاكم في المستدرك 3/121، وصححه وأقره الذهبي في التلخيص، وأخرجه النسائي في الخصائص، ص 99 ط الغري، والهيثمي في مجمع الزوائد، 9/130، وابن أبي شيبة في المصنف 6/266، والسيوطي في جمع الجوامع كما في كنز العمال، 15/128، والبلاذري في أنساب الأشراف 2/182، والخوارزمي في المناقب، ص 98 ط تبريز، والمحب الطبري في الرياض النضرة 2/166، وفي ذخائر العقبى، ص 65، وأحمد في مسنده 6/323، والحمويني في الفرائد 1/301، والذهبي في تاريخ الإسلام 2/197، وقد مر إقراره بصحة الحديث في تلخيص المستدرك، وابن كثير في البداية والنهاية 354/7 ط الهند والخطيب التبريزي في مشكاة المصباح 565 ط الهند والسيوطي في تاريخ الخلفاء، ص 67، وفي الجامع الصغير 2/374 ط بولاق وابن حجر الهيتمي في الصواعق، ص 174، والقندوزي في الينابيع، ص 18، 187، 282 والنبهاني في الفتح الكبير 3/196 وغيرهم.
من عادى عليّا (1).
وأخرج الحاكم بسنده عن ابن عباس قال: نظر النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) إلى علي فقال: «يا علي أنت سيد في الدنيا وسيد في الآخرة، حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي وعدوي عدو الله، والويل لمن أبغضك بعدي»(2).
وقد وردت جمهرة من أحاديث الرسول(صلی اللّه علیه و آله و سلم) و بأسانيد متعددة وألفاظ متفاوتة لكنها متفقة في المعنى، وذلك بنحو قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم): يا علي من فارقني فارق الله، ومن فارقك فقد فارقني (3).
ونحو قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم): يا علي من فارقك فقد فارقني، ومن فارقني فقد فارق الله تعالى (4).
ونحو قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم): من فارق عليّا فارقني، ومن فارقني فارق الله (5).
1) جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال 12/202 نقلا عن ابن مندة بسنده عن رافع مولى عائشة.
2) المستدرك 3/128. وهذا الحديث أخرجه الخوارزمي في المناقب، ص 234 ط الحيدرية بتفاوت يسير واستبدال لفظ (عدو ) بلفظ (بغيض)، والحمويني في الفرائد 1/128، وبلفظه أخرجه الشبلنجي في نور الأبصار، ص 90 ط دار الكتب العلمية بيروت.
3) أخرجه الحاكم في المستدرك 3/123، 146.
4) ينابيع المودة، ص 205 نقلا عن أحمد.
5) كنوز الحقائق للمناوي في حرف الميم، ومناقب الخوارزمي، ص 62 ط تبريز، والحمويني في فرائد السمطين، ص 299.
وجميع ما ورد عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) بلفظ: من آذى عليا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله.
ولفظ: من أبغض عليًّا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله.
ولفظ: من أغضب عليا فقد أغضبني، ومن أغضبني فقد أغضب الله.
ولفظ: من عصى عليا فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى الله.
ولفظ: ومن سب عليًّا فقد سبني ومن سبَّني فقد سب الله.
فجميع ذلك يدل على ما أشار إليه الناظم دام ظله.
وخلاصة القول ما قاله نفس أمير المؤمنين (علیه السلام) في بعض خطبه: أيها الناس أنا إمام البرية، ووصي خير البرية، وأبو العترة الطاهرة الهادية، أنا أخو رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) و وصيه و وليه و صفيه و حبيبه، أنا أمير المؤمنين، و قائد الغُر المحجلين و سيد الوصيين، و ولايتي ولاية الله، و أتباعي أولياء الله و أنصاري أنصار الله (1).
1) ينابيع المودة، ص 81 ط إسلامبول
46 - أنت مع القرآن لن تفترقا*** إلى ورودِ الحوض يوم الملتقى
إشارة منه دام ظله إلى ما صح عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) من قوله: علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض.
فقد أخرج الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي ثابت مولى أبي ذر، قال: كنت مع علي رضي الله عنه يوم الجمل، فلما رأيت عائشة واقفة دخلني بعض ما يدخل الناس، فكشف الله عني ذلك عند صلاة الظهر فقاتلت مع أمير المؤمنين، فلما فرغ ذهبت إلى المدينة، فأتيت أم سلمة فقلت: إني والله ما جئت أسأل طعاما ولا شرابا، ولكني مولى لأبي ذر فقالت: مرحباً. فقصصت عليها قصتي، فقالت: أين كنت حين طارت القلوب مطائرها؟ قلت: إلى حيث كشف الله ذلك عني عند زوال الشمس. قالت أحسنت، سمعت رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) يقول: علي مع القرآن
والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد (1).
أقول: وهذا الحديث رواه ابن مردويه في المناقب والحمويني في فرائد السمطين (2)، وفيه تفاوت يسير، والخوارزمي في المناقب (3)، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب (4)، والذهبي في تلخيص المستدرك (5)، والهيثمي في مجمع الزوائد (6)، وابن حجر في الصواعق(7)، والسيوطي في تاريخ الخلفاء، وفي جمع الجوامع، وفي الجامع الصغير (8)، والمتقي الهندي في منتخب كنز العمال (9)، والمناوي في فيض القدير، وفي الكواكب الدرية (10)، والصبان في إسعاف الراغبين (11)، وابن درويش الحوت في أسنى
1) المستدرك 3/124.
2) فرائد السمطين 1/177.
3) المناقب، ص 110 ط الحيدرية.
4) كفاية الطالب، ص 253 ط الغري.
5) تلخيص المستدرك 3/124 بهامش المستدرك.
6) مجمع الزوائد 9/134.
7) الصواعق، ص 74.
8) تاريخ الخلفاء، ص 67 ط الميمنية. جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال 12/203 الجامع الصغير 2/98.
9) منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5/31.
10) فيض القدير 4/356. الكواكب الدرية 1/39.
11) إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار، ص 174 ط بيروت.
المطالب (1)، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة (2)، والشبلنجي في نور الأبصار (3)والنبهاني في الفتح الكبير (4)، والطبراني في معجمه الصغير(5).
ويوجد حديث آخر لأم سلمة قالت: قال رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) في مرضه الذي قبض فيه، وقد امتلأت الحجرة من أصحابه: أيها الناس يوشك أن أقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم، ألا إني مخلف فيكم كتاب ربي عز وجل وعترتي أهل بيتي. ثم أخذ بيد علي فرفعها، فقال: هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض، فاسألوهما ما خلفت فيهما (6).
1) أسنى المطالب، ص 136.
2) ينابيع المودة، ص 90، 185، 237، 283 ط إسلامبول.
3) نور الأبصار، ص 89 ط دار الكتب العلمية بيروت.
4) الفتح الكبير 2/242.
5) المعجم الصغير 1/255.
6) الصواعق المحرقة، ص 75 ط الميمنية، أرجح المطالب، ص 340، 598 ط لاهور، وأخرج الروداني في جمع الفوائد 2/332 عن أم سلمة رفعته: (علي مع القرآن والقرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض)، وله طرق أخرى عن غير أم سلمة.
47 - تسقي مِنَ الكوثر مَنْ أردتَهُ*** وكُلُّ مَنْ أبغضكم رَدَدْتَهُ
إشارة منه دام ظله إلى ما رواه جماعة من الصحابة عن النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم):
1 - منهم علي بن أبي طالب (علیه السلام) قال: قال رسول الله صلى الله
عليه [وآله] وسلم: يا علي إني سألت ربي عز وجل فيك خمس خصال فأعطاني:
أما الأولى: فإني سألت ربي أن تنشق عني الأرض، وأنفض التراب عن رأسي وأنت معي فأعطاني.
وأما الثانية: فسألته أن يوقفني عند كفّة الميزان وأنت معي فأعطاني.
وأما الثالثة: فسألته أن يجعلك حامل لوائي، وهو لواء الله الأكبر، عليه المفلحون والفائزون بالجنة فأعطاني.
وأما الرابعة: فسألت ربي أن تُسقي أمتي من حوضي فأعطاني.
وأما الخامسة: فسألت ربي أن يجعلك قائد أمتي إلى الجنة فأعطاني، فالحمد لله الذي منَّ به علي... (1)
وقال (علیه السلام)، وهو على المنبر: أنا أذود عن حوض رسول الله صلى
الله عليه [وآله] وسلم بيدي هاتين القصيرتين الكفار والمنافقين كما تذود السقاة غريبة الإبل عن حياضهم(2).
2 - ومنهم الحسن بن علي (علیه السلام): قال: قال لمعاوية بن خديج وقد بلغه عنه أنه سب الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) عند معاوية سبا قبيحاً. فقال له: أنت الساب عليًّا عند ابن اكلة الأكباد؟ أما لئن وردت عليه الحوض - وما أراك ترده - لتجدنَّه مشمّراً حاسراً عن ذراعيه يذود الكفار والمنافقين عن حوض رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، قول الصادق المصدوق محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم، وقد خاب من افترى (3).
3 - ومنهم ابن عباس: قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]
1) أخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة، 2/203، والسيوطي في جمع الجوامع كما ترتیبه کنز العمال 15/132.
2) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 9/135 وقال: رواه الطبراني في الأوسط. وأخرجه السيوطي في جمع الجوامع كما في كنز العمال 15/137، والمحب الطبري في الرياض النضرة 2/211 وقال: أخرجه أحمد في المناقب.
3) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 9/130 وقال: رواه الطبراني بإسنادين. وأخرجه الحاكم في المستدرك 3/138 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. والزرندي في نظم درر السمطين، ص 108.
وسلم لعلي: أنت أَمامي يوم القيامة فيدفع إلي لواء الحمد فأدفعه إليك، وأنت تذود الناس عن حوضي(1).
4 - ومنهم عمر بن الخطاب: قال: كفّوا عن ذكر علي بن أبي طالب فلقد رأيت من رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فيه خصالا، لئن تكون لي واحدة منهن في آل الخطاب أحبّ إلي مما طلعت عليه الشمس. كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فانتهيت إلى باب أم سلمة وعلي قائم على الباب، فقلنا: أردنا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فقال: يخرج إليكم. فخرج رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فثرنا إليه، فاتكأ على علي بن أبي طالب ثم ضرب بيده على منكبه، ثم قال: أنت مُخاصم تخاصم أنت أول المؤمنين إيماناً، وأعلمهم بأيام الله، و أوفاهم بعهده، وأقسمهم بالسويّة وأرأفهم بالرعيَّة، وأعظمهم رزيَّة، وأنت عاضدي وغاسلي ودافني والمتقدم إلى كل شديدة و كريهة، ولن ترجع بعدي كافراً، وأنت تتقدم مني بلواء الحمد، وتذود عن حوضي(2).
5 - ومنهم أبو هريرة: قال في حديث جاء فيه قول رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) لعلي: وكأني بك وأنت على حوضي تذود عنه الناس، وإن عليه لأباريق
مثل عدد نجوم السماء.
قال الهيثمي: ورواه الطبراني في الأوسط (1).
6 - ومنهم أبو سعيد الخدري وجاء في حديثه: أعطيت في علي خمسة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها:... وأما الثالثة: فواقف على عقر حوضي يسقي من عرف من أمتي (2).
أقول: وفي رواية أبي نعيم لحديث أبي سعيد:... والرابعة: فإنَّه عوني على حوضي (3).
وفي رواية الطبراني بلفظ: يا علي معك يوم القيامة عصا من عصي الجنة تذود بها المنافقين عن حوضي(4).
7 - ومنهم أنس بن مالك وجاء في حديثه قول الرسول(صلی اللّه علیه و آله و سلم) الأبي برزة الأسلمي: يا أبا برزة علي بن أبي طالب معي غدا في القيامة على حوضي وصاحب لوائي(5).
1) مجمع الزوائد 9/173.
2) أخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة، 2/203، وقال: أخرجه أحمد في المناقب.
3) حلية الأولياء 10/211.
4) المعجم الصغير 2/89 ط دار النصر. وأخرجه بهذا اللفظ الروداني في جمع الفوائد 2/332 ط المكتبة الجامعة بمكة المكرمة نقلا عن معجم الطبراني الأوسط.
5) أخرجه أبو نعيم في الحلية 10/66، والخطيب في تاريخه 14/98.
48 - وأنتَ يومَ الحشرِ حاملُ اللّوا*** لِوَاءِ حمدٍ تحتَه أهلُ الوَلا
إشارة منه دام ظله إلى ما ورد عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) بأن عليّا حامل لواء الحمد يوم القيامة، وقد جاء ذلك في عدة أحاديث رواها عنه جماعة من الصحابة، وأخرجها الحفاظ بأسانيدهم:
1 - فمن ذلك ما رواه ابن عباس حبر الأمة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: ما في القيامة راكب غيرنا نحن أربعة. فقام إليه عمه العباس بن عبد المطلب فقال: من هم يا رسول الله ؟ فقال: أما أنا فعلى البراق وجهها كوجه الإنسان...
إلى أن قال: وأخي علي على ناقة من نوق الجنة زمامها من لؤلؤ رطب، عليها محمل من ياقوت أحمر، قضبانه من الدر الأبيض على رأسه تاج من نور، لذلك التاج سبعون ركناً، ما من ركن إلا وفيه ياقوتة
حمراء، تضيء للراكب المحثّ عليه حلّتان خضراوان، وبيده لواء الحمد وهو ينادي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. فيقول الخلائق: ما هذا إلا نبي مرسل أو مَلَكَ مقرب. فينادي منادٍ من بطنان العرش: ليس هذا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا حامل عرش هذا علي ابن أبي طالب، وصي رسول رب العالمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين (1).
2 - ومن ذلك ما رواه عمر وقد تقدم قريباً في شرح البيت السابق، وفيه: أنت تتقدمني بلواء الحمد، وتذود عن حوضي (2).
3 - ومن ذلك حديث أنس، وفيه قوله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) لأبي برزة: يا أبا برزة علي بن أبي طالب أميني غداً في القيامة، وصاحب رايتي في القيامة على مفاتيح خزائن ربي(3).
4 - ومن ذلك حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: أعطيت في علي
1) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 11/112، 13/122 بلفظ قريب من ذلك، والخوارزمي في المناقب، ص 255 ط الحيدرية، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال 15/134 ط الهند (الثانية)، وفي آخره: هذا الصديق الأكبر علي بن أبي طالب. وقد مرَّ في حديث الحوض عن ابن عباس مرفوعاً قوله ولعلي: أنت أمامي يوم القيامة، فيدفع إلي لواء الحمد فأدفعه إليك... (أخرجه السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال 15/127عن ابن عساكر).
2) أخرجه السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال 6/393 ط حيدر آباد الأولى، كما في فضائل الخمسة 3/97.
3) أخرجه الخطيب في تاريخه 14/98، وأبو نعيم في الحلية 1/66.
خمساً:...، وأما الثانية فلواء الحمد بيده، آدم ومن ولده تحته. الحديث(1).
5 - ومن ذلك حديث مخدوج بن زيد الذهلي أنَّ النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قال لعلي: أما علمتَ يا علي أنَّ أول من يُدعى به يوم القيامة أنا، فأقوم عن يمين العرش في ظله فأكسى حلّة خضراء من حلل الجنة، ثم يدعى بالنبيين بعضهم على إثر بعض، فيقومون سماطين عن يمين العرش، ويكسون حللا خضراء من حلل الجنة، ألا وإني أخبرك يا علي أنَّ أمتي أول الأمم يُحاسبون يوم القيامة، ثم أبشر أول من يدعى بك لقرابتك مني ومنزلتك عندي، فيدفع إليك لوائي وهو لواء الحمد تسير به بين السماطين آدم (علیه السلام)، وجميع خلق الله تعالى يستظلون بظل لوائي يوم القيامة، وطوله مسيرة ألف سنة، سنانه ياقوتة حمراء، قبضته فضة بيضاء، زجه درة خضراء، له ثلاث ذوائب من نور، ذوابة في المشرق، وذوابة في المغرب، والثالثة في وسط الدنيا مكتوب عليه ثلاث أسطر الأول: (بسم الله الرحمن الرحيم)، الثاني: (الحمد له رب العالمين)، الثالث: (لا إله إلاّ الله محمد رسول الله) طول كل سطر مسيرة ألف سنة، وعرضه مسيرة ألف سنة، فتسير باللواء، والحسن عن يمينك، والحسين عن يسارك، حتى تقف بيني وبين إبراهيم في ظل العرش، ثم تُكسى حلة من الجنة، ثم ينادي منادٍ من تحت العرش: نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك علي.
1) أخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة 2/203 وورد بلفظ قريب من ذلك عن الحارث عن علي(علیه السلام) (أخرجه العقيلي وعنه السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتیبه کنز العمال 15/114).
أبشر يا علي إنك تكسى إذا كسيت، وتدعى إذا دعيت، وتحبى إذا حبيت.
قال المحب الطبري في الرياض النضرة، وفي ذخائر العقبى: أخرجه أحمد في المناقب (1).
ثم قال: وفي رواية أخرجها الملا في سيرته: قيل: يا رسول الله وكيف يستطيع علي أن يحمل لواء الحمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: وكيف لا يستطيع ذلك وقد أعطي خصالاً شتى، صبراً كصبري وحسناً كحسن يوسف، وقوة كقوة جبريل.
وأخرج الحديث ابن المغازلي المالكي في المناقب، عن أبي زيد الباهلي وفيه: إنَّ رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) آخى بين المسلمين، وقال: يا علي أنت أخي، أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، أما علمت يا علي أن أول من يدعى به يوم القيامة... إلى آخر الحديث(2).
وأخرجه أيضاً الخوارزمي في مقتل الحسين، وفي المناقب (3)، وسبط ابن الجوزي في التذكرة نقلا عن مناقب أحمد بتغيير يسير في اللفظ، وزاد في آخره: وتقف على عقر حوضي تسقي من عرفت(4).
فكان علي يقول: والذي نفسي بيده لأذود عن حوض رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) أقواما من المنافقين كما تذاد غريبة الأبل عن الحوض ترده.
ثم قال السبط: فإن قيل: قد أخرج طرف من هذا الحديث في الموضوعات، قلنا: الذي أخرج في الموضوعات من طريق الدارقطني عن ميسرة بن حبيب والحكم بن ظهير، وهذا الذي رواه أحمد من غير هذا الطريق، وأحمد مقلد في الباب، متى روى حديثا وجب المصير إلى روايته لأنه إمام زمانه وعالم أوانه، والمبرز في عالم النقل على أقرانه، والفارس الذي لا يجارى في ميدانه.
6 - ومنها ما رواه جابر بن سمرة أنّهم قالوا: يا رسول الله مَن يحمل رايتك يوم القيامة؟ قال: من عسى أن يحملها يوم القيامة إلا من كان يحملها في الدنيا علي بن أبي طالب(1).
وأحاديث لواء الحمد كثيرة لا يسعها هذا المقام ولابن عربي في الفتوحات كلام عن لواء الحمد ذكره في جواب السؤال 76، فمَن أحب الإطلاع عليه فليراجعه.
1) أخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة 2/202 و قال: أخرجه نظام الملك في أماليه. والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال 15/119، وقال: أخرجه الطبراني. والمتقي الهندي في منتخب كنز العمال.
49 - تهديهم إلى الجنان الفاخره*** وغيرهم هم الفئات الخاسره
إشارة منه دام ظله إلى ما ورد في عدة أحاديث عن الرسول(صلی اللّه علیه و آله و سلم) بأن عليا يدخل شيعته إلى الجنة، فمن تلكم الأحاديث:
1 - ما أخرجه ابن المغازلي المالكي في المناقب وعنه القندوزي في الينابيع عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: يا علي أنت قسيم الجنة والنار وأنت تقرع باب الجنة وتدخلها أحباءك بغير حساب (1).
2 - وما أخرجه ابن المغازلي المالكي في المناقب (2)في تفسير قوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا
عَظِيمًا(1)بسنده عن ابن عباس أنه سئل عن قول الله عزّ وجل وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا... الآية؟ قال: سأل قوم النبي صلى الله عليه [وآله]وسلم فقالوا فيمن نزلت هذه الآية يا نبي الله؟)قال: إذا كان يوم القيامة عقد الله لواء من نور أبيض فإذا مناد: ليقم سيد المؤمنين ومعه الذي آمنوا بعد بعث محمد صلى الله عليه [وآله] وسلم. فيقوم علي بن أبي طالب، فيُعطى اللواء من النور الأبيض بيده، تحته جميع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، لا يخالطهم غيرهم حتى يجلس على منبر من نور رب العزة، ويُعرض الجميع عليه رجلا رجلا، فيعطي أجره ونوره، فإذا أتى على آخرهم قيل لهم: قد عرفتم موضعكم ومنازلكم من الجنة، إنَّ ربكم يقول: عندي مغفرة وأجر عظيم - يعني الجنة. فيقوم علي والقوم تحت لوائه معهم حتى يدخل بهم الجنة.ثم يرجع إلى منبره، فلا يزال يُعرض عليه جميع المؤمنين، فيأخذ نصيبه منهم إلى الجنة، وينزل أقواماً إلى النار.فذلك قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ...(2)يعني السابقين الأولين من المؤمنين وأهل الولاية له (... وَالَّذِينَ كَفَرُوا)
وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ(1)، يعني بالولاية بحق علي، وحق علي الواجب على العالمين(2).)3- وما أخرجه ابن حجر الهيتمي في الصواعق في الآية العاشرة من الآيات الواردة في أهل البيت قال:وأخرج الطبراني أنه صلى الله عليه [وآله] وسلم قال لعلي: أول أربعة يدخلون الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وذريتنا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرياتنا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا.و عقب ابن حجر عن ذلك بقوله: وسنده ضعيف، لكن يشهد له ما صح عن ابن عباس أنَّ الله يرفع ذرية المؤمن معه في درجته وإن كانوا دونه في العمل، ثم قرأ (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ... الآية(3)(4).)أقول: كأنّ ابن حجر نسي أو تناسى قوله في كتاب تطهير الجنان واللسان: (بل الضعيف في المناقب حجة(5)، فما باله يتلّون كالحرباء؟! مع أنه يعترف أنه يشهد له ما صحّ عن ابن عباس، ولكنها شناشن أموية، وكم)
له مثل ذلك من وخزات تنبئ عما في صدره من سوء الطوبة.4- وما أخرجه الخطيب الخوارزمي في مناقبه بسنده مرفوعاً عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم قال: يا علي إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله وأخذت أنتَ بحجزتي، وأخذ ولدك بحجزتك، وأخذ شيعة ولدك بحجزتهم، فترى أين يؤمر بنا (1).)5 - وما أخرجه الحمويني في فرائد السمطين بسنده مرفوعاً عنه صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: إذا كان يوم القيامة يقعد علي بن أبي طالب على الفردوس - وهو جبل قد علا على الجنة فوقه عرش رب العالمين و من سفحه تنفجر أنهار الجنة و تتفرق في الجنان - وهو جالس على الكرسي من نور يجري بين يديه التسنيم، لا يجوز أحد الصراط إلا ومعه براءة بولايته وولاية أهل بيته، يشرف على الجنة، فيدخل محبيه الجنة، ومبغضيه النار (2.)6 - وما أخرجه القندوزي الحنفي في ينابيع المودة بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: إذا سألتم الله عز وجل فاسألوه لي الوسيلة...إلى أن قال: فيقف علي على حجزة جهنم، ويأخذ زمامها بيده و قد علا زفيرها واشتد حرها، فتنادي جهنم يا علي ذرني فقد أطفأ نورك
لهبي. فيقول لها علي: ذري هذا وليي وخذي هذا عدوي. فلجهنم يومئذ أشد مطاوعة لعلي فيما يأمرها به من رق أحدكم لصاحبه، ولذلك كان علي قسيم النار والجنة(1.)7- وما أخرجه القندوزي أيضاً بسنده عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، وساق الحديث إلى أن قال: وأنت قسيم الجنة والنار تدخل محبيك الجنة ومبغضيك النار (2.)وقد مرت أحاديث دالة على ذلك في شرح الأبيات 35، 36، 37، 38، 39، 40، 43، 44، فراجع.
## علي (علیه السلام ميزان الأعمال كلها)5- كان عليّ بينَهم مِيزَانا*** لكلِّ فِعْل كائن ما كانا51 - فريضةً يُؤتى بها أو نافله*** يرونها عاليةً وسافلهإشارة منه دام ظله إلى أن الإمام أمير المؤمنين(علیه السلام كان ميزان الأعمال كما دلّت على ذلك عدة أحاديث:)1 - منها الأحاديث التي ورد فيها: «وهذا - يعني عليا - فاروق هذه الأمة، يفرق بين الحق والباطل»، أو بلفظ «الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل»، وقد مرت جملة منها في شرح البيت 42، فراجع.2 - ومنها الأحاديث التي جاء فيها: «حبه حسنة وبغضه سيئة»، وبلفظ «حبّه إيمان وبغضه نفاق»، وقد مرت بعض تلكم الأحاديث في شرح البيت 44، فراجع.
3 - ومنها الأحاديث الدالة على أنَّ عليا مع الحق والحق مع علي(1، وفي جملة من المصادر جاء في آخرها لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض.)4 - ومنها الأحاديث الدالة على أن موالاته شرط قبول الأعمال نحو قوله (علیه السلام: يا علي لو أن عبداً عبد الله عز وجل مثل ما أقام نوح في قومه، و كان له مثل أحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله، و مد في عمره حتى حجّ ألف عام على قدميه، ثم قتل بين الصفا والمروة مظلوما، ثم لم يوالك يا علي لم يشم رائحة الجنة ولم يدخلها (2).)ونحوه ما رواه مالك بن أنس - إمام المالكية - عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: من أحب عليا قبل الله صلاته وصيامه وقيامه واستجاب دعاءه، ألا ومن أحب عليا أعطاه في كل عرق في بدنه مدينة في الجنة، ألا ومن أحب آل محمد أمن من الحساب والميزان والصراط، ألا ومن مات على حب آل محمد فأنا كفيله بالجنة مع الأنبياء، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله.
1) كالحديث الذي أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه 14/321، والدولابي في الأسماء والكنى 2/89، وابن عساكر في تاريخه (ترجمة الإمام) 3/120، وابن بدران في تهذيبه 4/107، والهيثمي في مجمع الزوائد 9/134، والحمويني في الفرائد 1/177.
2) أخرج هذا الحديث الخوارزمي في المناقب، ص 39 ط تبريز، وفي مقتل الحسين 1/37، وابن حجر في لسان الميزان 5/219، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة، ص 252، والسيوطي في ذيل اللثالئ، ص 61 وغيرهم.
ولعل أوضح دلالة منه ما هو أكثر صراحة حديث ابن عباس مرفوعا:أنا ميزان العلم وعلي كفّتاه، والحسن والحسين خيوطه، وفاطمة علاقته، والأئمة من أمتي عموده، توزن فيه أعمال المحبين لنا والمبغضين لنا (1.
1) أخرجه الديلمي كما في تنزيه الشريعة لابن عراق 1/397، وعقب بقوله: ولم يبين علته. وذكره السخاوي في المقاصد الحسنة، ص 67 وقال: إسناده ضعيف.)أقول: ولم يبين وجه ضعفه.وأخرجه الخوارزمي في مقتل الحسين 1/107 ط الزهراء في النجف. وإسناد الحديث مسلسل بقول الراوي وسألني أن لا أبذله إلى خمسة من الرواة. ثم يقول الراوي: واستحلفني أن لا أبذله إلى ثلاثة آخرين منهم. وأخرجه السيوطي في ذيل اللثالئ، 60 ط لكهنو، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة، ص 236 نقلا عن المناقب السبعين في الحديث السادس والثلاثين. وأخرجه أيضاً في ص 245 نقلاً عن مودة القربى في المودة الثانية، وأخرجه آخرون غيرهم.
## علي (علیه السلام وليد الكعبة)52 - إن عليًّا لوليدُ البَيْتِ*** وليس ذا لمن مَضَى أو يأتيإشارة منه دام ظله إلى ولادة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام، في البيت الحرام، ولم يولد أحد قبله ولا بعده فيه.)قال الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين: فقد تواترت الأخبار أنَّ فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة. وأقر الذهبي في تلخيص المستدرك بكلمة الحاكم(1.)وحكى الحافظ الكنجي الشافعي في كفاية الطالب نقلاً عن ابن النجار عن الحاكم أنه قال: ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواه إكراما له بذلك، وإجلالا لمحله في التعظيم (2.)
وقال البدخشي في مفتاح النجاة: ولم يولد في البيت الحرام أحد سواه قبله ولا بعده، وهي فضيلة خصه الله بها.وجاء في هامش فرائد السمطين عند قول الحمويني: (وقيل: لم يولد في الكعبة إلا علي: ورواه أيضا عمر بن محمد بن عبد الواحد في الفصل الأول من الباب الثاني من كتاب النعيم المقيم الورق 16 ب، قال: مولده (علیه السلام) (كان) في الكعبة المعظمة، ولم يولد بها سواه... (1).)وقال ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة: ولد علي بمكة المشرفة بداخل البيت الحرام... ولم يولد في البيت الحرام قبله أحد سواه، وهي فضيلة خصه الله تعالى بها إجلالاً له، وإعلاء لمرتبته وإظهاراً لتكرمته (2.)وقال الشنقيطي في كفاية الطالب ومن مناقبه كرَّم الله وجهه أنه ولد في داخل الكعبة ولم يعرف ذلك لأحد غيره (3.)وقال الآلوسي المفسر الشهير في شرح عينية عبد الباقي العمري المسمّى (شرح الخريدة الغيبية في شرح القصيدة العينية عند قول الناظم:)أنت العليُّ الذي فوق العُلا رُفعا*** ببطن مكة وسط البيت إذ وُضعاقال الشارح المذكور: وفي كون الأمير كرم الله وجهه ولد في البيت أمر مشهور في الدنيا، وذكر في كتب الفريقين السنّة والشيعة...
إلى أن قال: ولم يشتهر وضع غيره كرم الله وجهه كما اشتهر وضعه، بل لم تتفق الكلمة عليه، وأحرى بإمام الأمة أن يكون وضعه فيما هو قبلة للمؤمنين، سبحان من يضع الأشياء في مواضعها وهو أحكم الحاكمين (1.)وقال الشبلنجي ولم يولد في البيت الحرام قبله أحد سواه قاله ابن الصباغ(2.)وقال شاه ولي الله الدهلوي: تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليا في جوف الكعبة، فإنَّه ولد في يوم الجمعة ثالث عشر من شهر رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة في الكعبة، ولم يولد فيها أحد سواه قبله ولا بعده (3.)ولمزيد التعرف على المصادر والكلمات والأشعار التي تناولت هذه الفضيلة بالذكر يحسن مراجعة كتاب (الغدير، فستجد قائمة بأسماء ستة عشر مصدراً غير ما ذكرنا من كتب العامة، وخمسين من الخاصة، كما تقف على ذكر من خص مولده (علیه السلام) بتأليف خاص وذكر عشرين شاعراً ممن نظم هذه الفضيلة (4).)كما يحسن مراجعة كتاب أرجح المطالب وإحقاق الحق وغيرهما من
المصادر التي تكفلت ببيان النصوص الدالة على ذلك.
## تبليغ سورة براءة53 - خُصِّصَ بالتبليغ والقِراءه*** للمُشركينَ سُورة البراءهإشارة منه دام ظله إلى تبليغ سورة براءة، وذلك أنَّ رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم بعث أبا بكر بآيات من صدر السورة تبلغ أربعين آية - كما في حديث علي - ليقرأها على أهل مكة، فجاء الوحي من الله الجليل على لسان الأمين جبرئيل: «لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك». فبعث عليا على ناقته العضباء إثر أبي بكر، وقال له: «أدركه، فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه واذهب إلى أهل مكة فاقرأه عليهم». فلحقه علي (علیه السلام)، في الجحفة -أو ضجنان، أو العرج، أو ذي الحليفة - وأخذ الكتاب منه، فرجع أبو بكر إلى النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) وقال: هل نزل فيّ شيء؟ قال: لا، ولكني أُمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي ولا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني، علي مني وأنا من علي، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي.)قال علي (علیه السلام: بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا)
يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلم ومشرك في المسجد الحرام بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبي عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر.وحديث تبليغ براءة من الأحاديث الصحيحة، واحتج به ابن عباس على عمر أيام خلافته حين قال له: يا ابن عباس أظن القوم استصغروا صاحبكم إذ لم يولّوه أموركم. فقال ابن عباس: والله ما استصغره رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم إذا اختاره لسورة البراءة يقرؤها على أهل مكة. فقال عمر: الصواب تقول...)كما احتج به أمير المؤمنين على رجال الشورى الخمسة فيما احتج به من فضائله التي اختص بها، فقال: أفيكم من اؤتمن على سورة براءة، وقال له رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: إنه لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني غيري؟ قالوا: لا.)وقد رواه من الصحابة جماعة لا يتطرق الريب إلى حديثهم كعلي وأبي بكر، وابن عباس وأبي ذر وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين، وحبشي بن جنادة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي رافع، وأنس بن مالك.لكن هناك من هملج فلم يبعد الريب عن نفسه، بل روى الحديث بصيغة دلّت على عواره، ورفعها إلى بعض الصحابة، فمن ذلك حديث ابن عمر الذي أخرجه الحاكم في المستدرك بسنده عن جميع بن عمیر
الليثي، قال: أتيت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فسألته عن علي رضي الله عنه فانتهرني ثم قال: ألا أحدثك عن علي ؟ هذا بيت رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم في المسجد وهذا بيت علي رضي الله عنه، إنَّ رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) بعث أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ببراءة إلى أهل مكة فانطلقا فإذا هما براكب فقالا: من هذا؟ قال: أنا، علي يا أبا بكر هات الكتاب الذي معك. قال: و مالي؟ قال: والله ما علمت إلا خيراً. فأخذ علي الكتاب فذهب به، ورجع أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إلى المدينة، فقالا: ما لنا يا رسول الله؟ قال مالكما إلا خيراً، ولكن قيل لي إنَّه لا يبلغ عنك إلا أنت أو رجل منك (1).)فهذا حديث حشر فيه اسم عمر مقروناً بأبي بكر، موحياً كأنه كان شريكاً له في الإمارة والتبليغ وهو من الغرابة بمكان حتى حكم بأنه حديث شاذ كما قاله الحاكم في تعقيبه عليه، ثم قال: والحمل فيه على جميع بن عمير، وبعده على إسحاق بن بشر، وهو أحد رجال سند الحديث.وتعقبه الذهبي في التلخيص بعد ذكر كلام الحاكم فقال منتقداً الحاكم: فلم يورد الموضوع هنا؟!وإذا كان الحاكم والذهبي حمّلا الرواة المساكين تبعة شذوذ الحديث ووضعه فما رأيهم في طامة كبرى ورواية أخرى رواها أبو هريرة - راوية
1) المستدرك 3/15.
الإسلام - وأخرجها عنه البخاري في صحيحه. وهو أصح كتاب عندهم بعد كتاب الله !! - فانظر ماذا روى:أخرج البخاري في صحيحه في تفسير سورة براءة في باب قوله (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ... إلى قوله (...مُخْزِي الْكَافِرِينَ) (1)بسنده عن حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى، أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ثم قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بعلي بن أبي طالب وأمره أن يؤذن ببراءة.)قال أبو هريرة: فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان(2.)وأخرج البخاري أيضاً بعد ذلك في باب قوله (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ... إلى قوله (... الْمُشْرِكِينَ) (3)بسنده عن حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في المؤذنين... بنحو ما مر وتفاوت يسير.)ولم يخرج البخاري غير حديث أبا هريرة المذكور في البابين فيما
يتعلق بالمقام.وهنا أدرك شراح الحديث مدى غرابة حديث أبي هريرة، إذ دس أنفه مع المؤذنين، وقال: (بعثني أبو بكر فسجل على أبي بكر - إن صح الحديث - مخالفة صريحة الأمر رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) حيث انتزع الكتاب من أبي بكر وأمر عليًّا بتبليغ براءة، وقال: «لا يؤدّي عني إلا أنا أو علي»، ثم أين كان أبو بكر حتى يكون له حق في إرسال مؤذنين بعد أمر الرسول؟)أوَلا يكون ما رواه البخاري هو من أساطير أبي هريرة ليثبت لنفسه مقاماً، وربما كان ذلك من أحاديث المزادتين اللتين كانتا عنده فيما زعم.ولرد الإشكال على حديثه فقد تبرع الطحاوي في كتابه مشكل الآثار - فيما نقله عنه ابن حجر في فتح الباري(1- بدفع الإشكال بما زاد في الطين بلة، فقال: هذا مشكل لأنَّ الأخبار في هذه القصة تدل على أن النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) كان بعث أبا بكر بذلك، ثم أتبعه عليًّا فأمره أن يؤذن، فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة ومن معه بالتأذين مع صرف الأمر عنه في ذلك إلى علي؟)ثم أجاب بما حاصله أنَّ أبا بكر كان الأمير على الناس في تلك الحجة بلا خلاف - [ أقول: وهذا هو عين الخلاف ] - وكان علي هو المأمور بالتأذين بذلك، وكأن عليا لم يطق التأذين بذلك وحده، واحتاج إلى من يعينه على ذلك، فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة وغيره ليساعدوه على ذلك.ثم ساق من طريق محرر بن أبي هريرة - والولد سر أبيه - عن أبيه
1) فتح الباري 9/388.
قال: كنت مع علي حين بعثه النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم ببراءة إلى أهل مكة، فكنت أنادي معه بذلك حتى يصحل صوتي، وكان هو ينادي قبلي حتى يعيى(1.)أقول: ألا مسائل الطحاوي ومن تبعه على رأيه في هذه البلايا، كيف يتفق ما يزعمون من بعث أبي بكر لأبي هريرة كما في البخاري وما يزعمه أبو هريرة فيما يرويه أحمد وغيره أنه كان مع علي حين بعثه النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، أوليس ذلك من التناقض؟ولم يُرضِ طموح أبي هريرة إلى المعالي أن يبعثه أبو بكر في مؤذنين حتى روى للمسلمين أنَّ أبا بكر بعثه وحده، ولم يذكر المؤذنين الذين زعمهم كما في حديث البخاري، وهذا الانفراد ذكره ابن سعد في الطبقات في سيرة الرسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم بسنده عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر...الخ؟!)ولم يشبع نهمه ما ادعاه من الانفراد في التبليغ عن أبي بكر فجاوز الحد والعد، حتى فاجأنا بأعجب من ذلك كله وأغرب - وكم في أحاديث شيخ المضيرة من عجائب وغرائب - وذلك فيما رواه البلاذري في أنساب الأشراف في ترجمة الإمام أمير المؤمنين.قال: حدثنا القاسم بن سلام أبي عبيد، حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن المغيرة، عن الشعبي عن محرَّر بن أبي هريرة، عن أبيه قال: كنت
1) وأخرجه أحمد وغيره من طريق محرَّر بن أبي هريرة. و(محرر) بمهملتين بوزن محمد كما في المشتبه للذهبي، ص 576.
مؤذن علي حين بعثه رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم ببراءة إلى مكة، قال: فناديت حتى صحل صوتي، قلت بماذا ناديت؟ قال: ناديتهم أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله أربعة أشهر (؟!) فإذا مضت الأربعة أشهر فإنَّ الله بريء من المشركين ورسوله (1).)يا الله لم يرض أبو هريرة لنفسه أن يزعم أن أبا بكر بعثه في مؤذنين وأمرهم بأن يؤذنوا في الناس كما مرَّ في حديثه عن صحيح البخاري، ولم يرض لنفسه زعمه بأنه بعثه وحده، كما لم يرض لنفسه أن يكون مع علي حين بعثه النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم كما مر في حديثه عن مسند أحمد وغيره، حتى جاءنا بها شوهاء صلعاء، فاحتجن(2)كل التبليغ لنفسه وحده، فكان هو المؤذن الوحيد حتى صحل صوته كما يقول لابنه ألا من يسأله أين صار بقية المؤذنين الذين بعثهم أبو بكر وكان هو من جملتهم؟ ثم ما هو الدور الذي قام به علي وقد أمره النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) أن يؤدي هو عنه، ولم يرض لذلك حتى مثل أبي بكر فكيف خالف علي أمر النبي؟)نعم، الجواب لا زال عند أبي هريرة في الجراب.وبعد ألا مسائل أولئك الحفاظ ورواة السنة: كيف صح عندهم رواية هذا الإنسان وهو هو في خموله شأناً ونسباً وقلة صحبة، وهم يروون
أن الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم لم يرض أن يبلغ عنه مثل أبي بكر وهو هو في مقامه وصحبته ومكانته ؟؟)فرسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم الذي لا يرضى - تبعاً لأمر الوحي- بأبي بكر، ويقول: «لا يؤدِّي عني إلا أنا أو رجل مني من أهل بيتي»، كيف يرضى بأبي هريرة أن يؤذن عنه ببراءة؟ لاها الله إنها لطامة ما بعدها طامة.)ولعل من الطريف المضحك للقارئ لو فاجأته فأخبرته أن أبا هريرة الذي زعم حضوره تلك الواقعة، وانبرى الطحاوي وأضرابه لتوجيه حديثه لم يكن حاضرا يومئذ لا في مكة ولا في المدينة، بل كان في ذلك التاريخ بالبحرين مع العلاء بن الحضرمي، حيث بعثه الرسول في شهر ذي القعدة عام ثمان للهجرة مع العلاء بن الحضرمي فسأله العلاء عمّا يستطيع عمله في البحرين، فرغب أن يكون مؤذناً له، وبقي هناك إلى ولاية قدامة بن مظعون حيث ولاه عمر على البحرين، ثم عزله و ولى أبا هريرة سنة 20 كما في الطبري أو 21 كما عن غيره.وأبو هريرة فارق الحجاز منذ شهر ذي القعدة سنة 8 ه-، ولم يعد إليه حتى استدعاه عمر بعد سنة 20، لإقامة الشهادة على قدامة بن مظعون حين شرب الخمر، وقد كان ولاه البحرين سنة 20 بعد العلاء بن الحضرمي - وكان قدامة من البدريين وله بعد قربى الخؤولة مع حفصة وعبد الله بن عمر - لكن لم يحصنه ذلك فيمنع عمر من التحقيق في أمره، فقال للجارود العبدي - وهو سيد عبد قيس - وقد أخبره أنَّ قدامة شرب فسكر: من يشهد
معك؟ فقال: أبو هريرة. فاستدعاه للشهادة، فقال: لم أره يشرب، ولكني رأيته سكران يقيء. فقال له عمر: لقد تنطعت(1في الشهادة. فأقام عليه الحد، ولم يحد أحد من أهل بدر في الخمر إلا قدامة (2).)وفي سنة 21 ولّى أبا هريرة على البحرين، فبلغ عمر عنه أمور تخل بالأمانة، فاستدعاه وحاسبه، وقيل: إنه أوجع ظهره بالدرة حتى أدماه. وقال له كما في طبقات ابن سعد: (عدوا لله وللإسلام وفي رواية: (سرقت مال الله).)فهذا هو أبو هريرة، خرج من الحجاز في ذي القعدة سنة 8 ه-، ولم يعد إلى المدينة إلا سنة 20 ه- حين دُعي للشهادة، وعاد إلى البحرين، ولم يدخل المدينة حتى استدعاه عمر للمحاسبة، فكيف يدعي باطلاً حضوره في سنة تسع بالمدينة ومكة، فتارة يقول: خرج مع علي، وأخرى يقول: أرسله أبو بكر مع المؤذنين وأنه كان ينادي بمنى حتى يصحل صوته؟!وما هذه بأولى مزاعمه التي اختلقها فالرجل لم يستح من دعوى المشاهدة في موارد أخرى أيضاً وهو بعد لم يسلم، أو لم يأت رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم مثل زعمه دخوله على رقية بنت الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم) زوجة عثمان وبيدها مشط... الخ كما في المستدرك للحاكم، ولكن الحاكم لم يستسغ ذلك من أبي هريرة، فقال: هذا حديث صحيح الإسناد واهي المتن، فإنَّ)
رقية ماتت سنة ثلاث من الهجرة عند فتح بدر، وأبو هريرة إنَّما أسلم بعد فتح خيبر. وكذلك الذهبي أنكر ذلك فقال: الحديث صحيح الإسناد منكر المتن، فإنَّ رقية ماتت وقت بدر، وأبو هريرة أسلم وقت خيبر (1.)ومثل زعمه حضور فتح خيبر، ومثل ذلك كثير لا يخفى على الباحث الخبير، فمن ابتغاه فليقرأ كتاب (شيخ المضيرة وكتاب (أبو هريرة) للمرحومين العلمين أبي ريّة وشرف الدين، جزاهما الله خيراً عن الإسلام والمسلمين.)وأعود فأقول: ألا من عاقل منصف يتدبر أمثال هذه المزاعم من أبي هريرة وأضرابه، ثم ليحكم بالحق على تلك الكتب التي ترويها، فهل هي من الصحة بمكان؟ فضلا عن وصف بعضها بأنه أصح كتاب بعد كتاب الله !!والآن نسوق قائمة بأسماء المصادر التي يسع القارئ الرجوع إليها بنفسه، ليقف على مدى التلاعب في مروياتها في خصوص تبليغ سورة براءة، ليعرف مدى الأمانة عند أصحابها، حتى إن بعضهم اقتصر على قوله: علي مني وأنا من علي، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي.1 - تفسير الطبري 10/40 ط الميمنية.2 - تفسير الرازي ج 15 ط البهية.3- تفسير النيشابوري بهامش الطبري 10/39.
1) المستدرك 4/48.
4 - تفسير الكشاف 2/23.5- تفسير ابن كثير 2/333 فما بعدها ط مصطفى محمد.6 - تفسير القرطبي 8/67.7- تفسير الخازن 3/47.8- تفسير البغوي بهامش الخازن 3/49.9 - تفسير النسفي بهامش الخازن 2/23.10 - تفسير البيضاوي 2/275 ط مصطفى محمد.11 - تفسير أبي حيان الأندلسي 5/7 ط السعادة.12 - تفسير السيوطي (الدر المنثور 3/ 209- 211 ط مصر الأولى.)13 - تفسير الشوكاني 2/319.14 - تفسير الآلوسي 10/40 ط المنيرية.15 - تفسير المنار 10/156 - 157.16- تفسير المراغي 4/56 ط دار الفكر.17 - تفسير الجواهر 5/81.18 - تفسير الثعلبي (مخطوط: تفسير سورة براءة.)19 - تاريخ الطبري 3/154.20 - تاريخ ابن كثير 5/37، 7/357 ط السعادة.21 - تاريخ الخميس 2/141.22 - سيرة ابن هشام 4/203.23 - الروض الأنف 2/328.
24 - سيرة زيني دحلان 2/356 بهامش الحلبية.25 - شرح نهج البلاغة 2/60، 3/105 ط مصر الأولى.26 - طبقات ابن سعد (السيرة النبوية.)27 - إمتاع الأسماع للمقريزي، ص 499 تحقيق محمود محمد شاكر.28 - شرح المواهب اللدنية للزرقاني 3/91 ط الأزهرية.29 - صحيح البخاري 1/671 ط دلهي، الهند.30 - فتح الباري لابن حجر 9/387 - 391 ط مصطفى البابي الحلبي.31 - إرشاد السادي للقسطلاني 7 / 137 - 138 ط أفست لبنان.32 - عمدة القاري للعيني 8/637.33 -مسند أحمد، 1/150، 331، 3/212، 283 ط مصر الأولى.34 - صحيح الترمذي 5/275 نشر المكتبة الإسلامية، تحقيق إبراهيم عطوة عوض.35 - سنن البيهقي 9/224.36 - تحفة الأحوذي 4/115 ط أفست دار الكتاب العربي، بيروت.37- سنن الدارمي 2/67 ط الاعتدال بدمشق سنة 1349ه-.38 - عارضة الأحوذي 11/228، 230 فما بعدها ط دار العلم للجميع.39 - سنن ابن ماجة 1/44 ط عيسى البابي، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
40 - جامع الأصول لابن الأثير، 2/233، 9/471، 475 ط السنة المحمدية.41 - مجمع الزوائد 7/29 ط القاهرة سنة 1352ه-.42 - جمع الفوائد للروداني 2/331 ط المكتبة الجامعة بمكة المكرمة.43 - الجامع الصغير للسيوطي 2/98 ط بولاق.44 - التيسير للمناوي 2/147 ط أفست عن بولاق.45 - كنز العمال 2/672، 270، 276، 15/95 ط حيد آباد الثانية.46 - كنز الحقائق، ص 76 ط العثمانية سنة 1305ه-.47 - المقاصد الحسنة للسخاوي، ص 65 ط مصر سنة 1375ه-.48 - تيسير الوصول لابن الديبع 3/316 ط مؤسسة الحلبي.49 - الأموال لأبي عبيد، ص 165 ط الأولى.50 - تهذيب الأسماء واللغات للنووي ج 1/ق1/ 348.51 - مصابيح السنة للبغوي 2/202 ط الخيرية سنة 1318ه-.52 - مشكاة المصابيح 3/243 برقم 6083 ط المكتب الإسلامي بدمشق.53 - المناقب لابن المغازلي المالكي، ص 221 - 226 - 227.54 - المناقب للخوارزمي، ص 99.55- البيان والتعريف لابن حمزة 1/168 ط حلب.56 - ينابيع المودة، ص 88 وغيرها ط إسلامبول.57 - تذكرة الخواص، ص 22 ط الحجرية إيران سنة 1285ه-.
58 - الرياض النضرة 2/147، 173.59 - الفصول المهمة، ص 22 ط النجف.60 - ذخائر العقبى، ص 69.61 - كفاية الطالب، ص 126 ط الغري.62 - مطالب السؤول، ص 17 ط إيران سنة 1287ه-.63 - فرائد السمطين 1/328.64 - الصواعق المحرقة، ص 73 ط الميمنية.65 - نور الأبصار، ص 88 ط دار الكتب العلمية، بيروت.66 - إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار، ص 170.67 - شواهد التنزيل للحسكاني 1/ 232- 243.68 - خصائص النسائي، ص 20 ط التقدم بمصر سنة 1348ه-.69 - منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5/30.70 - تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص 169.71 - تاريخ الإسلام للذهبي 2/195 ط الأزهرية.72 - تذكرة الحفاظ للذهبي أيضا في ترجمة سويد بن سعيد.73 - منتخب ذيل المذيل للطبري ص 67 ط الاستقامة.74 - مرقاة المفاتيح 5/569.75 - فيض القدير 4/357 ط مصطفى محمد.76 - أبو بكر الصديق للشيخ علي الطنطاوي ط الشرقي، دمشق.77 - السراج المنير للعزيزي 2/459 ط الشرفية سنة 1304ه-.
78 - حاشية الحنفي على السراج المنير (بهامشه 2/459، وفيها تخرص بالباطل.)79 - ذخائر المواريث 1/186.80 - التفسير الواضح 10/21 ط دار الكتاب العربي مصر.81 - في ظلال القرآن 10/35 ط الأولى.82 - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام 2/ 376- 388.)83 - أنساب الأشراف 2/154- 155 ط الأعلمي، بيروت، تحقيق المحمودي.84 - أخبار شعراء الشيعة للمرزباني، ص 31.85 - أخبار أصبهان لأبي نعيم 1/253.هذا ما تيسر لي الإطلاع عليه، وما فاتني أكثر من ذلك.
## علي (علیه السلام محطم الأصنام)45 - قد كسَّرَ الأصنام وهوَ صَاعدُ*** منكب خير الناسِ إِذْ يجاهدُإشارة منه دام ظله إلى صعود الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام على منكب رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) إلى ظهر الكعبة لتحطيم الأصنام التي كانت على ظهرها.)وقد روى ذلك من الصحابة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام، وابن عباس، وجابر، وابن مسعود، وأبو هريرة.)وأخرج الحفاظ أحاديثهم بألفاظ متفاوتة، وقد ظهر لي بعد التتبع والتحقيق في صور الحديث أن صعود الإمام لتكسير الأصنام على ظهر الكعبة كان مرتين مرة قبل الهجرة، ومرة أخرى بعد الهجرة، وذلك في فتح مكة.1 - أما ما كان قبل الهجرة فكان في ليلة الهجرة على ما صرح به الإمام أمير المؤمنين قال: لما كانت الليلة التي أمرني رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم أن أبيت على فراشه وخرج من مكة مهاجراً، انطلق بي رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) إلى)
الأصنام فقال: اجلس فجلست إلى جانب الكعبة، ثم صعد رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم على منكبي، ثم قال انهض فنهضت به فلما رأى ضعفي تحته قال: اجلس فجلست فأنزلته عني، وجلس رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) ثم قال لي: يا علي اصعد على منكبي. فصعدت على منكبيه، ثم نهض بي رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) وخيّل إلي أني لو شئت نلت السماء، وصعدت إلى الكعبة، وتنحّى رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم)، فألقيت صنمهم الأكبر، وكان من نحاس موتداً بأوتاد من حديد في الأرض، فقال لي رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم): عالجه. فعالجت، فما زلت أعالجه ويقول رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم): إيه إيه. فما زلت أعالجه حتى استمكنت منه فقال: دقّه. فدققته فكسرته ونزلت(1).)فالحديث أخرجه الحفاظ وأرباب المسانيد كما ستأتي الإشارة إليهم، ومنهم إمام الحنابلة أحمد في مسنده.
1) أخرج الحديث بهذا اللفظ الحاكم في المستدرك 3/5، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقد سبق أن أخرجه في 2/367، ولم يذكر في أوله تعيين الليلة، ولكن جاء في آخره فتكسر وترديت من فوق الكعبة، فانطلقت أنا والنبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) نسعى، وخشينا أن يرانا أحد من قريش وغيرهم. قال علي: فما صعد به حتى الساعة. وعقبه الحاكم أيضاً بقوله: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وذكر الذهبي في تلخيص المستدرك في ذيل الموضعين المذكورين الحديثين معاً، وقال في تعقيب الحديث في 2/367: رواه إسحاق بن راهويه وعبد الله بن روح المدايني عن شبانة. صحيح. إلا أنه عقب بقوله: إسناد نظيف والمتن منكر. وليت شعري لم يستنكره الذهبي؟ لو لم يكن من الذين (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ) سورة البقرة، الآية 17.
ولفظه كما رواه أبو مريم الأسدي عنه قال: انطلقت أنا والنبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم حتى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم): اجلس وصعد على منكبي، فذهبت لأنهض به فرأى مني ضعفا، فنزل وجلس لي نبي الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) وقال: اصعد على منكبي. قال: فصعدت على منكبيه، قال: فنهض بي، قال: فإنَّه يُخيل إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء، حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صفر أو نحاس، فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم): اقذف به. فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير، ثم نزلت فانطلقت أنا ورسول الله نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس (1).)أقول: ويؤيد ذلك ما ورد مرسلا، قال علي: دعاني رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم وهو بمنزل خديجة (علیها السلام) ذات ليلة، فلما صرت إليه قال: اتبعني يا علي. فما زال يمشي وأنا وراءه ونحن نخترق بيوت مكة حتى أتينا الكعبة وقد أنام الله كل عين... إلى آخر الحديث.)وفيه: ونزلت وخرجنا من الكعبة شرفها الله تعالى حتى أتينا منزل خديجة(علیها السلام. الحديث (2).)
1) أخرجه بهذا اللفظ أحمد بن حنبل في مسنده 1/57 ط مصر بتحقيق أحمد محمود شاكر. وقال المحقق في الهامش: إسناده صحيح والحديث في مجمع الزوائد 6/23، ونسبه لأحمد وابنه وأبي يعلى والبزار وقال: (ورجال الجميع ثقات) ثم قال المحقق: ومن الواضح أن هذه القصة كانت قبل الهجرة.
2) إحقاق الحق 8/689 نقلا عن در بحر المناقب.
وحديث أبي مريم عن علي (علیه السلام الذي مرَّ نقله عن أحمد في مسنده أخرجه ابنه باختصار (1). كما مرَّ نقله عن الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (2). وأخرجه الذهبي في التلخيص في ذيل المستدرك، وقد مر ما كشف به خبيئته، والنسائي في الخصائص (3)، والكلابي في مناقبه (4)، والمحب الطبري في الرياض النضرة وقال: أخرجه أحمد وصاحب الصفوة وأخرجه الحاكمي(5). وأخرجه أيضاً في ذخائر العقبى (6)، وابن الجوزي في صفة الصفوة، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص(7)، وابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول (8)، والقندوزي الحنفي في الينابيع (9)، أخرجه عن أحمد والبزاز والموصلي.)ثم حكى عن المناقب أن محمد بن حرب الهلالي سأل الإمام الصادق (علیه السلام عن سر عجز الإمام عن حمل الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم)، وهو الذي قلع باب خیبر ورماه على الخندق وذكر الجواب، وهو طويل لا يسع)
1) مسند أحمد 2/325.
2) المستدرك 2/367، 3/5.
3) الخصائص، ص 31 ط التقدم.
4) مناقب الكلابي المطبوع في آخر مناقب ابن المغازلي، ص 429.
5) الرياض النضرة 2/200.
6) ذخائر العقبى، ص 85.
7) صفة الصفوة 1/119. تذكرة الخواص، ص 17 ط إيران سنة 1285ه-.
8) مطالب السؤول، ص 12 ط إيران سنة 1287ه-.
9) ينابيع المودة، ص 139 ط إسلامبول.
المقام نقله، فليرجع طالبه إلى المصدر المذكور.وذكر في آخر الباب أبياتاً نسبها إلى الشافعي وهي قوله:قيل لي قل لعلي مدحاً*** ذكره يخمد ناراً مؤصدَهُقلت لا أقدم في مدح امرئ*** ضَلَّ ذو اللب إلى أن عبدهوالنبي المصطفى قال لنا*** ليلة المعراج لما صعدهوَضَعَ اللهُ بظهري يَدَه*** فأحس القلب أن قد بردهوعلي واضع أقدامه*** في محلّ وَضَعَ الله يَدَه (1)وأخرجه ثانيا في صفحة 254 نقلا عن مودة القربى للهمداني في المودة الثامنة، وأخرجه الحمويني في فرائد السمطين (2، والخوارزمي في مناقبه (3)والزرندي في نظم درر السمطين(4)، والسيوطي في جمع الجوامع، وأخرجه عن ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وأحمد وابن جرير والخطيب وقال: صححه (5). وأخرجه المتقي الهندي في منتخب كنز العمال (6)، والخطيب في تاريخ بغداد، وفي موضح أوهام الجمع)
1) أخرج هذه الأبيات أيضاً الديار بكري في تاريخ الخميس 2/95، ولم ينسبها إلى الشافعي بل قال: قال الشاعر.
2) فرائد السمطين 1/249.
3) مناقب الخوارزمي، ص 73 ط تبريز سنة 1226ه-، ص 71 ط الحيدرية.
4) نظم درر السمطين، ص 125 ط القضاء، النجف.
5) جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال 15/151 ط حيدر آباد الثانية.
6) منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5/54.
والتفريق (1، وبرهان الدين الحلبي في سيرته (2)، والزمخشري في خصائص العشرة كما في السيرة الحلبية (3)، وزيني دحلان في سيرته (4).)هذا ما كان قبل الهجرة.2 - وأما ما كان بعد الهجرة فهو الذي دل عليه حديث ابن مسعود وجابر وابن عباس بألفاظ متقاربة، قالوا: إن النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم دخل مكة يوم الفتح، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما لقبائل العرب لكل قوم صنم: فجعل يطعنها بمخصرة في يده ويقول (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ)(5)فينكب الصنم لوجهه، حتى ألقاها جميعا، وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة، وكان من قوارير صفر، وفي رواية جابر وكان على البيت صنم طويل يقال له: (هُبَل)، فنظر النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) إلى علي وقال له: يا علي تركب عليَّ أو أركب عليك لألقي هبل عن ظهر الكعبة؟ قلت: يا رسول الله بل تركبني. فلما جلس على ظهري لم أستطع حمله لثقل الرسالة، قلت: يا رسول الله بل أركبك. فضحك ونزل وطأطأ لي ظهره واستويت عليه، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو أردت أن أمسك السماء لأمسكتها بيدي فألقيت هبل عن ظهر الكعبة -وهو من نحاس- فأنزل الله تعالى ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ)
وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(1).)وذكر الزمخشري في الكشاف في تفسير الآية المذكورة قصة تكسير الأصنام وصعود علي لتكسير صنم خزاعة - وكان من قوارير صفر - قال: فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلاً أسحر من محمد (2.)وقبل الختام من الخير أن نشير إلى أنّ ابن المغازلي أخرج حديث كسر الأصنام عن أبي هريرة، ومن الطبيعي أن نجد عنصر المشاهدة والحضور متمثلاً في حديثه كعادته في الوقائع التي لم يحضرها، والملفت للنظر ما انفرد بروايته - فيما أعلم - من قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: أما ترى هذا الصنم بأعلى الكعبة؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: فأحملك فتناوله. فقال: بل أنا أحملك يا رسول الله. فقال (صلی اللّه علیه و آله و سلم): والله لو أنَّ ربيعة ومضر جهدوا أن يحملوا مني بضعة وأنا حي ما قدروا ولكن قف يا علي فضرب رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) بيده إلى ساقي علي فوق القرنوس(3)، ثم اقتلعه من الأرض بيده فرفعه حتى تبين بياض إبطيه، ثم قال له: ما ترى يا علي؟ قال: أرى أن الله عزَّ وجل قد شرَّفني بك حتى إني لو أردت أن أمس السماء لمسستها. فقال)
1) سورة الإسراء، الآية 81.
2) كما ذكر ذلك أيضاً النيسابوري في تفسيره بهامش الطبري 15/78 ط الميمنية. راجع تاريخ الخميس 2/95، والمواهب اللدنية للقسطلاني 1/204، وشرح المواهب للزرقاني 2/336، ونزهة المجالس للصفوري 2/78، والخصائص للسيوطي 1/264 ط حیدر آباد.
3) القرنوس: الخرزة في أعلى الخف كما في تاج العروس 4/216.
له: تناول الصنم يا علي. فتناوله ثم رمى به، ثم خرج رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم من تحت علي وترك رجليه، فسقط على الأرض فضحك، فقال له: ما أضحكك يا علي؟ فقال: سقطت من أعلى الكعبة فما أصابني شيء، فقال رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم): وكيف يصيبك شيء، وإنما حملك محمد(صلی اللّه علیه و آله و سلم)، وأنزلك جبريل(علیه السلام). انتهى.)وهذا الوصف الدقيق لكيفية رفع النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم لعلي مما انفرد بروايته أبو هريرة، الدال على المشاهدة والحضور، وهو لم يكن حاضرا يومئذ بمكة، بل ولا في الحجاز، بل كان بالبحرين، وقد سبق أن نبّهت على ذلك في قصة تبليغ براءة، فراجع، ولا حاجة للإعادة، وإنما أردت التنبيه على أنه (في كل وادٍ أثر من ثعلبة).)ومما يدلك على زعم أبي هريرة في حديثه ما رواه من قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: لو أن ربيعة ومضر جهدوا أن يحملوا مني بضعة وأنا حي ما قدروا.)أقول: فهل أن حماره اليعفور، وناقته القصواء، وناقته العضباء، أو بغلته الدلال، كانت تلكم الحيوانات أقوى من ربيعة ومضر؟! حيث كان يركبها، وربما أردف معه غيره عليها.فقد أخرج مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، وابن الجوزي في كتابه الحدائق، عن عبد الله بن جعفر قال: كان رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم إذا قدم من سفر تلقي بالصبيان من أهل بيته.)قال: وإنه قدم من سفره، فسبق بي إليه قال: فحملني بين يديهعلي إمام البررة: الجزء الأول
قال: ثم جيء بأحد ابني فاطمة، إما الحسن وإما الحسين، فأردفه خلفه. قال: فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة (1.)ويبقى الجواب عند أبي هريرة في مخزون الجراب.ولا عجب منه لو روى مثل هذه الطامّة، ما دام يحمل تعويذ الهامّة والسامّة من كل عين لامّة، فلا يجرؤ على محاسبته أحد بعد الخليفة عمر الذي أوجع ظهره ضرباً حتى أدماه، لخيانته ماليّا وكذب حديثه.أما بعد عمر فقد غدا يسرح ويمرح، تحوطه رعاية الحاكمين، وتغدق عليه من أموال المسلمين جزاء ما كان يرويه من أحاديث مكذوبة.فلا عجب إذن، فإن منتهى الإرب هو في معرفة السبب، وهو إنكار فضيلة صعود الإمام (علیه السلام على منكبي الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم)، وهي فضيلة لم يرق لأبي هريرة وأسياده الذين أغدقوا عليه حتى صار وصار... أن يروي هذه الفضيلة كما هي فشوّه صفحته قبل أن يشوّه صفحة التاريخ، وهو أقصر باعاً من أن يطمس فضيلة شاعت وذاعت حتى تغنى بها الشعراء، فقال بعضهم:)ماذا أقولُ بِمَنْ حُطَّتْ له قَدَمٌ*** في موضعِ وضَعَ الرحمن يمناهوقال العمري في عينيته العصماء:وأنت أنت الذي حطت له قَدَمٌ*** في موضع يده الرحمن قد وَضَعا
1) صحيح مسلم 4/1885. السنن الكبرى للبيهقي 5/260. مسند أحمد 1/203. الجامع الصغير 1/189. معرفة أسامي أرداف النبي، ص 22.
قال الآلوسي في شرحه لهذا البيت: وقيل: أحب عليه الصلاة والسلام (يعني عليا أن يكافئ الكعبة حيث ولد في بطنها بوضع الصنم عن ظهرها، فإنها كما ورد في بعض الآثار كانت تشتكي إلى الله تعالى عبادة الأصنام حولها وتقول: أي رب حتى متى تعبد هذه الأصنام حولي؟)والله تعالى يعدها بتطهيرها من ذلك.وإلى هذا أشار المرحوم العلامة السيد رضا الهندي بقوله:لما دَعَاك الله قدماً لأن*** تُولَد في البيت فلبيتَهُشكرته بين قريش بأنْ*** طَهَّرْتَ مِنْ أصنامهم بیتهومسك الختام أن نتوسل إلى الله تعالى بما توسل به الشاعر بقوله كما ذكره الزرقاني في شرح المواهب وزيني دحلان في السيرة:قال الشاعر:يا رب بالقدم التي أوطاتها*** من قاب قوسين المحل الأعظماوبحرمة القدم التي جعلت لها*** كتفُ المؤيَّد بالرسالة سُلّماثبت على متن الصراط تكرماً*** قَدَمي وكُن لي مُنقذاً ومُسَلَّماواجعلهما ذُخَرِي فَمَنْ كانا له*** ذُخْراً فليس يخافُ قَطُّ جهنَّما
## علي الصدّيق الأكبريا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمة55 - أكبرُ صدِّيق أتاهُ لَقَباً*** مَعَ النبيِّ كانَ للناسِ أَبَاًإشارة منه دام ظله إلى فضيلتين خص النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم بهما أمير المؤمنين(علیه السلام):)الأولى: لقبه بالصديق الأكبر.والثانية: جعله معه أبا للأمة.أما الأولى فقد ورد في عدة أحاديث أنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم لقبه تارة بالصديق وتارة بالصديق الأكبر.)1- أما ما ورد من تلقيبه بالصديق فمن ذلك ما رواه ابن عباس وأبو ليلى وجابر وأبو أيوب الأنصاري وغيرهم عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم، قال: الصديقون ثلاثة: حزقيل مؤمن آل فرعون وحبيب النجار صاحب آل يس، وعلي بن)
أبي طالب، وهو أفضلهم.راجع أحاديث الصحابة المذكورين وغيرهم في المصادر التالية:1 - مناقب الإمام أمير المؤمنين لأحمد بن حنبل (مخطوط.)2 - مناقب ابن المغازلي، ص 245.3 - الرياض النضرة 2/153 ط تصحيح النعساني.4 - كفاية الطالب، ص 47.-5 فرائد السمطين 1/ 282.6 - شواهد التنزيل 2/224.7 - معرفة الصحابة لأبي نعيم 1/302 ط مكتبتي الدار بالمدينة والحرمين بالرياض.8- تاریخ ابن عساکر (ترجمة الإمام 1/8.)9 - ينابيع المودة، ص 124 ط إسلامبول عن أحمد في مسنده وأبي نعيم وابن المغازلي والموفق الخوارزمي و ص 185 نقلا عن مناقب أحمد و ص 233، 284.10 - أسد الغابة 5/287.11 - الفتح الكبير للنبهاني، ص 202.12 - مشارق الأنوار للحمزاوي، ص 78 ط مصر بمطبعة الشرق سنة 1356ه-.13 - منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد 5/30-31.)
14 - الصواعق المحرقة، ص 74 - 75ط الميمنية.15 - شرح نهج البلاغة 2/451 ط مصر الأولى.16 - فردوس الأخبار للديلمي حرف الصاد 2/581.17 - تفسير الرازي 27/57 ط عبد الرحمن محمد بمصر.18 - الجامع الصغير للسيوطي 2/56 ط بولاق.19 - السراج المنير للعزيزي 13/403 ط الشرقية سنة 1304ه-.20 - جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال 12 /201- 202 ط حيدر آباد الثانية.21 - التيسير في شرح الجامع الصغير للمناوي 2/104، ثم قال: فهو صديق هذه الأمة الأعظم، ولهذا قال: أنا الصديق الأكبر، لا يقولها غيري22 - الأمالي الخميسية للإمام المرشد بالله يحيى بن الحسين الشجري 1/139.23 - ذخائر العقبى، ص 56.24 - فيض القدير للمناوي 4/ 237- 238.*****2 - أما ما ورد من تلقيبه (علیه السلام بالصديق الأكبر فمن ذلك ما ورد عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم): إن هذا أول من آمن بي وأول من يصافحني يوم القيامة، وهو الصدِّيق الأكبر، وهذا فاروق هذه الأمة، يفرق بين الحق والباطل، وهذا يعسوب المؤمنين.)
وقد رواه غير واحد من الصحابة، منهم سلمان وأبو ذر وابن عباس وحذيفة وأبو ليلى الغفاري وغيرهم بألفاظ متفاوتة، ومنهم من سمعه يقول لعلي ما مر نقله، ومنهم من سمعه يقول له: أنت الصديق الأكبر، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل.وقد أخرج أحاديثهم أصحاب المصادر التالية فيها:1- المحب الطبري في الرياض النضرة 2/155، وقد قال في ص 153: و سمَّاه رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم صديقاً. وحكى في ص 155 عن الخجندي قوله: ويلقب بيعسوب الدين وبالصديق الأكبر.2 - وأخرجه أيضا في ذخائر العقبى، ص 56.3 - ابن عبد البر في الاستيعاب 4/169 بهامش الإصابة ط مصطفى محمد.4 - الموفق الخوارزمي في المناقب، ص 62 ط تبريز.5 - ابن الأثير في أسد الغابة 5/287 ط مصر الأولى.6 - الحمويني في فرائد السمطين 1/ 139- 140.7 - ابن عساكر في تاريخه (ترجمة الإمام 1/75-78.)8 - أبو جعفر الإسكافي في نقض العثمانية للجاحظ المطبوع معها بمصر، ص 20 جمع ونشر السندوبي سنة 1352ه-.9 - ابن أبي الحديد في شرح النهج 3/257 ط مصر الأولى.10 - السيوطي في اللئالئ المصنوعة 1/167.
11 - الحلبي في سيرته 1/380 ط سنة 1320ه-.12 - ابن حمزة الحسيني نقيب دمشق في البيان والتعريف 2/110 ط حلب، 3/27 ط دار الكتب العلمية، بيروت.13 - نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد 9/102 ط القدسي.14 - السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال 12/214 ط حيدر آباد الثانية.15 - المتقي الهندي في منتخب كنز العمال 5/33 بهامش مسند أحمد ط الأولى بمصر.16 - الإمام المرشد بالله يحيى بن الحسين الشجري في الأمالي الخميسية 1/144.17- الذهبي في ميزان الاعتدال 1/316 ط السعادة بمصر.18 - الروداني في جمع الفوائد 2/331.و لشيوع هذا اللقب وثبوته كان علي (علیه السلام يفتخر به على المنبر، ويسمعه المسلمون، ويتحدى به من يعانده، ولم يُؤثر أن أحداً أنكر عليه ذلك أو غمز فيه، فقد كان (علیه السلام) يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر، وأنا الفاروق الأعظم، لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر ولقد صليت قبل الناس سبع سنين، قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة.)أخرجه بهذا اللفظ أو بألفاظ متقاربة أصحاب المصادر التالية:1- سنن ابن ماجة 1/57 ط الغازية، ص 44 ط مصر برقم 120 ط
محققة.2- خصائص النسائي، ص 3 ط التقدم، ص 18.3 - مناقب الإمام لأحمد بن حنبل (مخطوط.)4 - رسالة النقض على العثمانية للإسكافي، ص 20 ط مصر ونشر حسن السندوبي.وقال في ص 28: ولو كان إسلامه عن تلقين وتربية لما افتخر هو (علیه السلام على رؤوس الأشهاد، ولا خطب على المنبر وهو بين عدو محارب وخاذل منافق فقال: أنا عبد الله وأخو رسول الله، وأنا الصديق الأكبر والفاروق الأعظم، صليت قبل الناس سبع سنين، وأسلمت قبل إسلام أبي بكر وآمنت قبل إيمانه.)فهل بلغكم أنَّ أحدا من أهل ذلك العصر أنكر ذلك، أو عابه أو ادَّعاه لغيره، أو قال له: إنما كنت طفلا... إلى آخر كلامه في إثبات مرامه.5 - مستدرك الحاكم 3/111.6 - الرياض النضرة 2/ 155، 167.7 - ذخائر العقبى، ص 58.8- الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2/20 ط حيدر آباد.9 - تلخيص المستدرك للذهبي بذيل المستدرك 3/111.10 - الكشف والبيان للثعلبي (مخطوط.)
11 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/10 ط مصر الأولى.12 - الأوائل لأبي هلال العسكري.13 - الضعفاء للعقيلي في ترجمة عباد بن عبد الله 3/137 ط دار الكتب العلمية.14 - تهذيب الكمال للمزي.15 - المصنف لابن أبي شيبة.16 - فرائد السمطين 1/248.17 - اللئالئ المصنوعة 1/166 ط بولاق.18 - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام 1 /53- 54.)19 - جمع الفوائد للروداني 2/331 نشر المكتبة الجامعة بمكة المكرمة.20 - جمع الجوامع للسيوطي كما في ترتيبه كنز العمال 15/107.21 - تاريخ الطبري 2/56.22 - أنساب الأشراف للبلاذري 2/149 في ترجمة الإمام، ط بيروت بتحقيق المحمودي.ونختتم الحديث عن اختصاص الإمام أمير المؤمنين علي(علیه السلام بلقب الصديق الأكبر بقول السيد الحميري و لنعم ما قال:)
أشهد بالله وآلائه*** والله عما قلته سائليإنَّ علي بن أبي طالب*** لخير ما حاف وما ناعلصدِّيقُنا الأكبر فاروقنا*** فاروق بين الحق والباطل (1)هذا ما يتعلق بالفضيلة الأولى التي أشار إليها الناظم دام ظله بقوله: أكبر صديق أتاهُ لَقَباً...................2 - وأما الفضيلة الثانية وهي التي أشار إليها بقوله:..................مع النبي كانَ للناس أَبَاًفقد ورد عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم قوله لعلي: «أنا وأنت أبوا هذه الأمة»، أو قوله «أنا وعلي أبوا هذه الأمة »، أو قوله: «أنا وهو أبوا هذه الأمة».(2).)وأخرج القندوزي الحنفي في ينابيع المودة حديث أبي سعيد بن عقيصا، عن الحسين، عن أبيه قال: قال رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: يا علي أنت أخي وأنا أخوك...)إلى أن قال: أنا وأنت أبوا هذه الأمة. الحديث (3.)وأخرج القندوزي أيضا في الينابيع عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده أمير المؤمنين علي (علیه السلام، قال: قال رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم): إنَّ الله قد فرض)
عليكم طاعتي، ونهاكم عن معصيتي، وفرض عليكم طاعة علي بعدي ونهاكم عن معصيته، وهو وصبي ووارثي، وهو مني وأنا منه...إلى أن قال: وأنا وهو أبوا هذه الأمة (1.)وروى في غاية المرام نقلا عن الخصائص للشريف الرضي رحمه الله -وقد أخرجه الشريف (2بإسناد عن سلمة بن كهيل عن أبيه في قول الله عزّ وجل (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا)(3).)قال: أحد الوالدين علي بن أبي طالب علي(علیه السلام(4).)وهناك أحاديث تؤكد هذا المعنى بلفظ: حق علي على هذه الأمة -على المسلمين - كحق الوالد على الولد - على ولده -.وتلكم الأحاديث رواها من الصحابة علي (علیه السلام، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبد الله، وأبو أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك كلهم رووها عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم)، وقد أخرجها الحفاظ في زبرهم، وهم:)1 - الخوارزمي في مناقبه، ص 224 ط تبريز.2 - المحب الطبري في الرياض النضرة 2/172.3 - ابن عساكر في تاريخ دمشق (ترجمة الإمام (علیه السلام).)
2/227 - 271.4 - ابن شيرويه الديلمي في الفردوس، حرف الحاء 2/210 ط بيروت.5 - الحمويني في فرائد السمطين 1/ 296- 297.6 - ابن المغازلي المالكي في المناقب، ص 47-48.7 - الذهبي في ميزان الاعتدال 2/313 في ترجمة عيسى بن عبد الله العلوي.8 - ابن حجر في لسان الميزان 4/399 في ترجمة عيسى العلوي.9 - القندوزي الحنفي في ينابيع المودة، ص 123 ط إسلامبول.10 - المناوي في كنوز الحقائق، ص 53 ط مصر سنة 1305 ه-.11 - الصفوري في نزهة المجالس 2/212 ط مصر.12 - السيوطي في ذيل اللئالئ، ص 7.13 - الشيخ الطوسي في أماليه 1/277 مطبعة النعمان النجف.14 - ابن عراق في تنزيه الشريعة 1/398.
## علي (علیه السلام عنده علم الكتاب)56 - وعندَه عِلْمُ الكِتَابِ المَنْزَلِ*** فِي مُحْكَمِ الآياتِ والمؤوّلإشارة منه دام ظله إلى ما ورد في اختصاصه (علیه السلام، بعلم الكتاب وما جاء فيه من محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وعام وخاص، ومجمل مبين، وأحكام وفرائض وسنن، وقصص ومواعظ وحكم وآثار وغيرها.)وهذا الذي أشار إليه دام ظله دلّت عليه أحاديث نبوية، وآثار موقوفة عن الصحابة، وفي مقدمتهم الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام.)أما الأحاديث المرفوعة فمنها ما صح عنه (علیه السلام من أقواله، نحو:«علي عيبة علمي ». «يا علي إنَّ الله أمرني أن أدنيك وأعلمك لتعي وأنزلت هذه الآية ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ)(1)، فأنت أذن واعية لعلمي».)ونحو: «أنا مدينة العلم وعلي بابها ». «أنا دار العلم وعلي بابها ».
1) سورة الحاقة، الآية 12.
«أنا مدينة الحكمة وعلي بابها ». «أنا دار الحكمة وعلي بابها ». «أنا مدينة الفقه وعلي بابها».ونحو: أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب، فما عُلّمتُ شيئاً إلا علمته عليًّا، فهو باب علم مدينتي.ونحو: ليهنك العلم يا أبا الحسن، فقد شربت العلم شربا، ونهلته نهلا.ونحو: أقضاكم علي.ونحو: إنَّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلتُ على تنزيله. فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا. فقال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن خاصف النعل وكان علي قد أخذ نعل رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم وهو يخصفها.)ولابن طلحة الشافعي كلام في تعقيبه هذا الحديث، استعرض فيه منطوق الحديث ودلالته، ومعنى التأويل والتنزيل ببيان شاف كاف واف تحسن مراجعته (1.)ولنكتف بما ذكرناه من أحاديث نبوية - وعدتها اثنا عشر حديثاً - دلّت بالصراحة والملازمة على أعلمية الإمام، وأنه المبين لشرائع الإسلام، دون غيره من سائر الأنام.وأما الآثار الموقوفة: فمنها ما صح عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام من)
1) مطالب السؤول، ص 23 ط إيران سنة 1287ه-.
أقواله التي تضافر نقلها عنه.أ -نحو قوله: علمني رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم ألف باب من العلم، كل باب يفتح لي ألف باب.)ب -ونحو قوله: كنت إذا سألته أجابني - النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم - وإن سكت ابتدأني، وما نزلت عليه آية إلا قرأتُها وعلمتُ تفسيرها وتأويلها، ودعا الله أن لا أنسى شيئاً علّمني إياه، فما نسيت من حرام ولا حلال، وأمر ونهي، وطاعة ومعصية، ولقد وضع يده على صدري وقال: اللهم املأ قلبه علماً وفهماً وحكماً ونوراً. ثم قال لي: أخبرني ربي عز وجل أنه قد استجاب لي فيك.)ج -ونحو قوله: «سلوني قبل أن لا تسألوني ». «سلوني قبل - يوشك - أن تفقدوني ». «سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقدعرفت بليل نزلت أم بنهار في سهل أم جبل، ولو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب ».د -ونحو قوله: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو كُسرت - ثنيت - لي الوسادة فجلست عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، بقضاء يزهر، يصعد إلى الله، والله ما نزلت آية في ليل أو نهار، ولا سهل ولا جبل ولا بر ولا بحر إلا وقد عرفت أي ساعة نزلت، وفيمن نزلت وما من قريش رجل جرت عليه المواسي إلا وقد نزلت فيه آية من كتاب
الله، وآيتان تسوقه إلى الجنة، أو تقوده إلى النار، ولأن يعلموا ما فرض الله لنا على لسان النبي الأمي أحب إلي من ملء الأرض فضة، وإني لأعلم أنَّ القلم جرى بما هو كائن أما والله الذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنَّ مثلنا فيكم كمثل سفينة نوح في قومه ومثل باب حطة في بني إسرائيل.فقام رجل - في بعض المصادر هو ابن الكواء - فقال: فما نزل فيك يا أمير المؤمنين؟قال الراوي: فغضب - الإمام - ثم قال: أما والله لو لم تسألني على رؤوس القوم ما حدثتك. ثم قال: هل تقرأ سورة هود؟ ثم قرأ (َفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ(1)، فرسول الله على بَيِّنَةٍ من ربِّه، وأنا أتلوه والشاهد منه. ه- -ونحو قوله: ما بين لوحي المصحف من آية إلا وقد علمت فيمن نزلت وأين نزلت وإن بين جوانحي لعلماً جما، فسلوني قبل أن تفقدوني.
و -نحو قوله: إذا كنت غائبا عن نزول الآية كان يحفظ علي رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) ما كان ينزل عليه من القرآن وإذا قدمت عليه أقرأنيه، ويقول: يا علي أنزل الله عليَّ بعدك كذا وكذا، وتأويله كذا وكذا. ويعلّمني تأويله وتنزيله.
إلى غير ذلك من آثار مروية عنه وموقوفة عليه.
1) سورة هود، الآية 17.
أما ما ورد في حقه من أقوال الصحابة واعترافهم بأنهم لم يبلغوا معشار ما لديه، فذلك شيء كثير، نقتصر على ذكر ما ورد عن إمامي التفسير عند الصحابة وهما عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما.
أما ما روي عن ابن عباس وهو حبر الأمة وترجمان القرآن، فقد قال: ما أنزل آية في القرآن يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلا كان علي أميرها وشريفها، ولقد عاتب الله تعالى أصحاب محمد (صلی اللّه علیه و آله و سلم) في غير آية، فما ذكر عليّا إلا بخير.)وقال: ما نزل في أحد من الصحابة من كتاب الله ما نزل في علي نزل في علي ثلاثمائة آية.وقال: أخذ بيدي - علي - في ليلة مقمرة، فخرج بي إلى البقيع بعد العشاء، وقال: اقرأ يا عبد الله. فقرأت (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فتكلم في أسرار الباء إلى بزوغ الفجر، وقال لي: قم يا ابن عباس إلى منزلك فتأهب لفرضك. فقمت وقد وعيت ما قال، ثم تفكرت فإذا علمي بالقرآن وعلم أصحاب محمد في علم علي ليس إلا كالقرارة في المثعنجر (1).)وقال أيضاً: قال لي علي: يا ابن عباس إذا صليت العشاء فالحق الجبانة. قال: فصليت ولحقته - وكانت ليلة مقمرة - قال: وقال لي: ما تفسير الألف من (الحَمْدُ ؟ قلت: لا أعلم. فتكلّم فيها ساعة تامة، ثم قال: ما)
1) القرارة: الغدير الصغير المثعنجر: البحر.
تفسير اللام من (الحَمْد ؟ قلت: لا أعلم. فتكلّم في تفسيرها ساعة تامة، ثم قال: ما تفسير الحاء من (الحمد)؟ قلت: لا أعلم. فتكلّم في تفسيرها ساعة تامة، ثم قال: ما تفسير الميم من (الحَمْد)؟ قلت: لا أعلم. فتكلّم في تفسيرها ساعة، ثم قال: ما تفسير الدال من (الحَمْد)؟ قلت: لا أدري. فتكلّم فيها إلى أن بزغ عمود الفجر.)قال: فقال لي: قم يا ابن عباس إلى منزلك فتأهب لفرضك، فقمت وقد وعيت ما قال لي، ثم تفكرت فإذا علمي بالقرآن في جنب علم علي كالقرارة في المثعنجر.وقال: علم النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم من علم الله، وعلم علي من علم النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم) و علمي من العلم علي وما علمي وعلم الصحابة - أصحاب محمد- في علم علي إلا كقطرة في سبعة أبحر.)وقال: كل ما تكلمت به في التفسير فإنّما أخذته من علي كرم الله وجهه.وأما ما روي عن عبد الله بن مسعود -وهو من السابقين الأولين- فقد قال: إنَّ القرآن نزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن، وإنَّ عليَّا عنده علم الظاهر والباطن.وقال أيضاً: لو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغه المطي لأتيته. فقال له رجل: أما لقيت علي بن أبي طالب؟ فقال: بلى قد لقيته.وقال أيضاً: قرأت على رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم سبعين - تسعين - سورة،)
وختمت القرآن على خير الناس علي بن أبي طالب.وهذا القول من ابن مسعود أخرجه الطبراني في معجميه الأوسط والكبير(1، وابن عساكر في تاريخه والخوارزمي في مناقبه، والهيثمي في مجمع الزوائد، وعقب عليه بقوله: هو في الصحيح خلا قوله: وختمت... إلى آخره(2).)والعجب منه كيف يتوقع من صاحب الصحيح -وهو البخاري طبعاً- أن يذكر تتمة الحديث، وهي تدل على فضيلة للإمام، بل على أفضليته على بقية الصحابة، وهوى البخاري معروف وبالنصب موصوف.ولنختم الكلام بشهادة خزيمة بن ثابت - وهو ذو الشهادتين - فقد أنشد الأبيات التالية وهو واقف بين يدي المنبر يوم بويع الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام، فقال:)إذا نحن بايعنا عليا فحَسْبُنَا*** أبو حَسَن مما تخافُ مِنَ الفتنوجدناه أولى الناس بالناس إنَّهُ*** أطب قريش بالكتاب وبالسننوإن قريشاً ما تشقُ غباره*** إذا ما جرى يوماً على الصخر البدنوفيه الذي فيهم من الخير كله*** وما فيهم كلُّ الذي فيه مِن حَسَنْوالآن نذكر جملة من المصادر التي أخرجت الآثار الموقوفة، ويأتي ما يتعلق بالأحاديث المرفوعة:
1 - تفسير الحبري ص 6.2 - تفسير الطبري 12/10.3- تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري 27/4 في تفسير سورة الذاريات.4 - تفسير الدر المنثور 3/324.5 - شواهد التنزيل 1/ 275- 282.6 - الاستيعاب (ترجمة الإمام.)7- الإصابة (ترجمة الإمام.)8 - أسد الغابة (ترجمة الإمام.)9 - طبقات ابن سعد 2/ق2/101.10 - حلية الأولياء 1/ 65، 67.11 - مستدرك الحاكم 3/ 114- 115.12 - تلخيص المستدرك بهامش المستدرك.13 - فرائد السمطين 1/ 338- 341.14 - مطالب السؤول، ص 21 ط إيران سنة 1287ه-.15 - تذكرة الخواص، ص 10 ط إيران سنة 1285ه-.16 - مناقب الخوارزمي، ص 54 - 56 ط تبريز.17 - مناقب ابن المغازلي، ص 270.
18 - كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 235.19 - الرياض النضرة 2/207.20 - ذخائر العقبى، ص 83.21 - معجم الطبراني الكبير 11/264 ط الأوقاف ببغداد (الأولى، ص 210، 9/76 الطبعة الثانية.)22 - أخبار القضاة لوكيع 1/90.23 - شرح نهج البلاغة 1/208 الطبعة الأولى المصرية.24 - مجمع الزوائد 9/ 116، 288.25 - میزان الاعتدال 2/67.26 - مقتل الحسين للخوارزمي 1/44.27 - معرفة الصحابة لأبي نعيم 1/ 298، 307.28 - كنز العمال 15/100 ط حيدر آباد الثانية.29 - منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5/43.30 - السيرة الحلبية 2/207.31 - سيرة زيني دحلان بهامش الحلبية 2/11.32 - الشرف المؤبد، ص 64 ط بيروت سنة 1309ه-.33 - ينابيع المودة، ص 69 - 74 ط إسلامبول سنة 1302ه-.34 - أسنى المطالب للجزري، ص 15.
35 - تاريخ ابن عساكر 2 /485- 486، 3/20-26.36 - الفائق للزمخشري (قرر.)37 - الغريبين للهروي (قرر.)38 - لسان العرب (قرر.)39 - نهاية اللغة لابن الأثير (قرر.)40 - تاج العروس (قرر.)41 - نظم درر السمطين، ص 89.42 - الفتح المبين للحكيم الترمذي كما في ينابيع المودة، ص 70.43 - الدر المنظم لابن طلحة الشافعي كما في ينابيع المودة، ص 69.
## أقضاكم علي57 - يحكمُ عَدْلاً ويقولُ فَصْلا*** وعندَه الصَّعْبُ يكونُ سَهْلاإشارة منه دام ظله إلى ما صح عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم أنه قال: يا علي أخصمك بالنبوة ولا نبوة بعدي، وتخصم الناس بسبع، ولا يحاجك فيها أحد من قريش: أنت أولهم إيماناً بالله، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأقسمهم بالسوية، وأعدلهم بالرعية، وأبصرهم بالقضية، وأعظمهم عند الله مزية.)وجاء نحو ذلك في قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم لابنته الصديقة الطاهرة الزهراء (علیها السلام) في أخريات أيامه، وقد دخلت عليه باكية تشكو الضيعة من بعده، فقال لها في حديث طويل جاء فيه: وزوجتك زوجاً وهو أشرف أهل بيتك حسباً، وأرحمهم بالرعية، وأكرمهم منصباً، وأعدلهم بالسوية، وأبصرهم بالقضية.)فمن كان بمثل هذه الصفات العالية والمقامات السامية، وله الأفضلية
في كلها بقول من لا ينطق عن الهوى، أليس هو الذي يحكم عدلاً ويقول فصلاً، ويكون الصعب عنده سهلاً.كيف لا وقد دعا له (علیه السلام حين بعثه إلى اليمن قاضياً وقد ضرب صدره وهو يقول: اللهم اهدِ قلبه وثبت لسانه.)قال علي (علیه السلام: فما أعيى علي قضاء، وما شككت في قضاء بين اثنين فما زلت قاضياً.)والشهادة له بأنه أقضى الأمة قد صدرت في حقه من الرسول الأكرم(صلی اللّه علیه و آله و سلم في مناسبات عديدة وألفاظ مختلفة، فتارة يقول: «علي أقضى أُمَّتي»، وأخرى يقول: «أقضاهم علي»، وثالثة يقول: «أعلم أمتي بالسنة والقضاء بعدي علي بن أبي طالب (علیه السلام) ». و و و... إلى ما هنالك من أحاديث متضافرة لفظا، متواترة معنى واضحة دلالة ثابتة سنداً.)وليس هناك من يرتاب أو يشك في أن عليا (علیه السلام كان أعلم الأمة وأقضاها، إلا شاك أو معاند، وكيف يشك في ذلك وقد أجمع من تقدمه من الخلفاء: أبو بكر وعمر وعثمان، مضافاً إلى السيدة عائشة وابن عباس وابن مسعود وغيرهم، بأنَّ الإمام هو الأعلم، وعنده فصل القضاء، وإليه المرجع في الإفتاء.)ومن الذي يجهل أو يتجاهل رجوع الخلفاء إليه عندما تنزل بهم المعضلات، فلا مفزع لديهم إلا حلال المشكلات!؟وقد اشتهرت أقوالهم في ذلك عندما يفرج عنهم الكروب، خصوصاً
أقوال عمر، وخصوصا ما شاع عنه واشتهر من قوله: (لولا علي لهلك عمر. وقد عدَّت موارد قوله ذلك، فقيل: إنها كانت سبعين موردا. فضلا عن أقواله الباقية نحو (علي أقضانا)، و ( لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو حسن)، و(اللهم لا تنزلن بي شديدة إلا وأبو الحسن جنبي)، و(لولاك لافتضحنا).)ونقل عن عثمان قوله: لولا علي لهلك عثمان.وقالت عائشة: هو أعلم بالسنة.وقال ابن مسعود: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي بن أبي طالب. وقد مرَّ عنه أنه ختم عنده القرآن.وقال ابن عباس: والله لقد أعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم والله لقد شارككم في العشر العاشر.ويحكى عن أبي الدرداء - وكان قد سكن الشام - قوله: العلماء ثلاثة: رجل بالشام - ويعني نفسه -، ورجل بالكوفة - ويعني ابن مسعود-، ورجل بالمدينة - يعني علي بن أبي طالب-، فالذي بالشام يسأل الذي بالكوفة والذي بالكوفة يسأل الذي بالمدينة، والذي بالمدينة لا يسأل أحداً.وقال شريح القاضي: حدثنا علي بن أبي طالب وكان أقضى الأمة (1.)ومن راجع كتب الحديث والفقه وحتى التاريخ في خصوص قضاء
1) تهذيب تاريخ ابن عساكر 6/85.
الإمام، وقف على قضايا وقضايا عجز عنها غيره، ولم يكن لها غير أبي حسن علي، حتى إنه ليجد مثل معاوية بن أبي سفيان - وهو ألد أعدائه - قد رجع إليه بطريق غير مباشر، حيث كان يبعث إليه من يسأله دون أن يذكر ذلك عنه، ولكن الإمام وأبناءه وصحبه كانوا يعرفون ذلك، فعتب بعض من كان مع الإمام عليه، وكيف تجيبه وهو عدونا، فقال ما مضمونه يكفيكم احتياجه إلينا.وفي استنطاقه ضرار بن عمرو ليصف له الإمام (علیه السلام، وتصديقه له بكل ما وصف ما يدحض مزاعم المعاندين. فقد جاء في وصف الإمام من قول ضرار بعد أن استعفى فلم يعف، فقال: أما إذا لا بد من وصفه، كان والله بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه... إلى آخر وصفه الرائع البليغ الذي بلغ من معاوية أن بكى، وقال: رحم الله أبا حسن، كان والله كذلك.)ومن شاء المزيد في المقام من معرفة الأحاديث النبوية فليرجع إلى المصادر التالية:1- سنن ابن ماجة 1/14، 168، باب في ذكر القضاة.2- سنن أبي داود: كتاب الأقضية في باب كيف القضاء.3- سنن البيهقي 10/ 86.4 - مسند الطيالسي 1/16، 19.
5- مسند أحمد 1/83، 88، 111، 136، 149 وأماكن أخرى.6- الاستيعاب في ترجمة الإمام.7 - حلية الأولياء 1/ 65- 66، 4/381.8- مجمع الزوائد 9/165.9 - مطالب السؤول، ص 34.10 - كفاية الطالب، ص 139 الطبعة الأولى.11 - الرياض النضرة 2/198.12 - ذخائر العقبى، ص 83، 84.13 - كنز العمال 12 /214، 15/99 ومواضع أخرى.14 - خصائص النسائي، ص 11 ط التقدم بمصر.15 - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام ج 3.)أما مصادر الآثار الموقوفة عن الخلفاء والصحابة فليرجع من شاء الاستزادة إلى المصادر التالية:1- طبقات ابن سعد 2/ق2/ 102.2 - الاستيعاب (ترجمة الإمام.)3- الرياض النضرة، 2 /194، 197، 198، 244.4 - مناقب الخوارزمي، ص 58، 60-61.5- مقتل الخوارزمي 1/45.
6 - تذكرة الخواص، ص 87، 88ط النجف.7 - كنز العمال ج 15.8 - منتخب کنز العمال بهامش مسند أحمد 2/352.)9 - مطالب السؤول، ص 30.10 - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام 3 /27- 44.)11 - تاريخ ابن كثير 7/359، وقال: ثبت عن عمر.12 - حلية الأولياء 1/65.13 - سنن البيهقي 7/442.14 - الفتوحات الإسلامية لزيني دحلان 2/306.15 - سنن النسائي 1/32.16 - سنن ابن ماجة 1/42.17 - فتح الباري 9/234، 15/131.18 - سنن أبي داود باب المجنون يسرق أو يصيب حداً.19 - مستدرك الصحيحين 1/457.20 - تفسير الفخر الرازي في ذيل تفسير (وَالتِّين وَالزَّيْتُون.)21 - فيض القدير 3/46، 4/456 - 357.22 - سنن البيهقي 10 /120.23 - موطأ مالك في كتاب الأقضية.
24 - مسند أحمد 1/96، 100، 113، 117، 120، 133 ومواضع أخرى.25 - مسند الطيالسي 1/15.26 - مشكل الآثار للطحاوي ج 1 (كتاب الطهارة.)27 - صحيح مسلم 1/160، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين.وأما مصادر وصف ضرار للإمام (علیه السلام، وقد مر فيه قوله: (يقول فصلا، ويحكم عدلا)، وبعض المصادر ذكرت بعض الوصف ولم تذكره كاملا، ومصادر الوصف كما يلي:)1- طبقات ابن سعد 2/ق2/100.2- أسد الغابة 4/22.3 - أمالي القالي 2/143 ط دار الكتب المصرية.4 - زهر الآداب 1/40.5- ربيع الأبرار 1/835 ط بغداد.6 - نهاية الإرب 3/176 ط دار الكتب المصرية.7 - شرح نهج البلاغة 4/277 ط الأولى بمصر.8 - المستطرف 1/127.9 - أخبار الأول للإسحاقي، ص 37.10 - الإتحاف بحب الأشراف، ص 7.
11 - تاريخ بغداد 12 /443.12 - حلية الأولياء 1 /84.13 - الاستيعاب 2/463 ط حیدر آباد.14 - صفة الصفوة لابن الجوزي 1/121 ط حیدر آباد.15 - مطالب السؤول، ص 33 ط الحجرية سنة 1287ه-.16 - نظم درر السمطين، ص 134.17 - ذخائر العقبى، ص 100.18 - الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، ص 111 ط الغري.19 - الرياض النضرة 2/212.20 - الشرف المؤبد، ص 59.21 - الأمالي الخميسية 1/142.وغيرها وغيرها.
## حديث الغدير58- هذا على والغدير يشهد*** بأنّه المولى الإمام الأوحد59 - قد أمر النبيُّ بالتبليغ*** مُهدّداً بوعده البليغ60 - فامتثل النبيُّ أمرَ رَبِّهِ*** بذا استقرَّ الماء في مصبِّهِ61 - من الحدوج قد أقاموا منبرا*** رقى بها أمانُ سكان الثرى62 - يخطبهم بخطبة بليغة*** ينصحهم فيها بكلِّ صيغه63 - مد يديه وعلياً رفعه*** فبلغ القوم بما قَدْ سَمِعه64 - مذ تمتِ النعمة واهتم بها*** أشرقتِ الأرضُ بنور ربها65 - تبيَّنَ الرشدُ من الغَيِّ فلا*** يُعذرُ مَن في غيه توغلا66 - قال علي هو مولى من أنا*** مولاه، ربي بيننا قد قرنا67 - فبادَرَ القومُ له واستسلموا*** بإمرة للمؤمنين سلّموا
68 - على عليّ مُظهرينَ للوفا*** قلوبهم مملوءةٌ مِن الجفا69 - يُحبه النبيُّ والرب العلي*** والملأ الأعلى وذو القلب الصفي70 -لا يُنكر الغدير إلا جاحد*** مكابر منافق معاند71 - إِنَّ الغدير أمرُه قد اشتهر*** رواه أرباب الحديث والسِّيَرْ72 - راجع كتاباً للأميني كي ترى*** أن الحديث جاوَزَ التواتراإشارة منه دام ظله إلى حديث الغدير الذي استوفى طرقه ابن عقدة في كتاب الولاية فأنهاها إلى مائة وخمسة طُرق عن سبعين صحابياً أو أكثر، وجمع الطبري في كتاب له في مجلدين ضخمين (كما رآهما ابن كثير طرق الحديث عن نيف وسبعين طريقاً، وقال ياقوت: تكلم في أوله بصحة الأخبار الواردة في غدير خم، ثم تلاه بالفضائل ولم يتم.)وقد رأى الذهبي مجلداً من طرق الحديث، قال: فاندهشت له ولكثرة تلك الطرق، ولعل ذلك كان السبب الباعث له أن جمع كتابه (طريق حديث الولاية.)وقد رأى أبو المعالي الجويني الملقب بإمام الحرمين الشافعي مجلّداً في بغداد في يد صحاف فيه روايات خبر غدير خم، مكتوباً عليه المجلدة الثامنة والعشرون من طرق قوله صلى الله عليه [وآله] وسلم: «من كُنت مولاه فهذا علي مولاه »، ويتلوه المجلدة التاسعة والعشرون.أما الحافظ أبو العلاء العطار الهمداني فكان يروي هذا الحديث بمائتين وخمسين طريقاً.
ولما كان سيدنا الناظم أحال القارئ على كتاب (الغدير في الكتاب والسنة والأدب، للمغفور له الشيخ الأميني رحمه الله - وقد طبع منه في حياته أحد عشر مجلداً، وتكرر طبعه، وهو حري بالمراجعة - فقد أغنانا بذلك عن الإسهاب في الحديث.)
## حديث المؤاخاة73 - هذا عليّ صاحب اللواء*** قد خصه النبيُّ بالا بالإخاء74 - يكفيه هذا شرفاً ومفخرا*** أبَعْدَ هذا شُبهةً؟ ماذا ترى؟إشارة منه دام ظله إلى منقبتين عظيمتين اختص بهما الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام، خصه النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم) و بهما في خصائص أخرى لم يشاركه فيها أي أحد من المسلمين.)الأولى: فضيلة حامل لواء النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم.)والثانية: فضيلة مؤاخاة النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم له.)أما الأولى، فقد مرَّت الإشارة إلى ما يتعلق بأنه (علیه السلام حامل لواء الحمد في الآخرة، وذلك في شرح البيت رقم 46.)أما أنه (علیه السلام، كان حامل لوائه في جميع مشاهده في الدنيا فذلك ما رواه غير واحد من الصحابة منهم: علي (علیه السلام)، وابنه الحسن (علیه السلام)، وابن)
عباس، وابن عبادة، وسعد، وأنس، وجابر بن سمرة، وغيرهم.1 - فعن علي(علیه السلام، أنه كسرت يده يوم أحد، فسقط اللواء من يده، فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ضعوه في اليسرى، فإنه صاحب لوائي في الدنيا والآخرة (1).)2 - وعن الحسن بن علي (علیهما السلام قال: كان رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) لا يبعث عليًّا مبعثا إلا أعطاه الراية.)وقال في خطبته صبيحة دفن أبيه: لقد فارقكم رجل أن كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ليعطيه الراية فلا ينصرف حتى يفتح الله عليه جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله (2.)3 - وعن ابن عباس قال: إن رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم دفع الراية إلى علي يوم بدر وهو ابن عشرين سنة.)وقال أيضاً: إنَّ راية المهاجرين كانت مع علي في المواقف كلها، يوم بدر، ويوم أحد، ويوم خيبر، ويوم الأحزاب، ويوم فتح مكة، ولم يزل معه في المواقف كلها (3.)
1) الرياض النضرة 2/191 وقال: أخرجه الحضرمي. وأخرجه في ذخائر العقبى، ص 75 وسماه ابن الحضرمي.
2) أخرجه المحب الطبري في الرياض النضرة 2/190، وفي ذخائر العقبى، ص 74 وقال: أخرجه أحمد. وفي كنز العمال 15/172 نقلاً عن ابن أبي شيبة وأبي نعيم وابن عساكر قال: وأورده ابن جرير من طريق الحسن عن الحسين.
3) أخرجه ابن عساكر في تاريخه (ترجمة الإمام) 1/142.
وقال أيضاً: لعلي أربع خصال ليس لأحد من العرب غيره: هو أول عربي وعجمي صلى مع النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف، وهو الذي صبر معه يوم المهراس - يعني يوم أحد- انهزم الناس كلهم غيره، وهو الذي غسله، وأدخله قبره(1.)4 - وعن ابن عبادة قال: كانت راية رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في المواطن كلها - راية المهاجرين - مع علي بن أبي طالب (2.)5 - عن سعد بن أبي وقاص، وسيأتي حديثه بعد ذلك.6 - وعن أنس بن مالك قال: سألت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فقلت: بأبي وأمي (أنت من صاحب لوائك يوم القيامة؟ قال: صاحب لوائي يوم القيامة هو صاحب لوائي في دار الدنيا. وأشار إلى علي بن أبي طالب (3).)7- وعن جابر بن سمرة قال: قالوا: يا رسول الله مَن يحمل رايتك يوم القيامة؟ قال: ومن عسى أن يحملها يوم القيامة إلا من كان يحملها في الدنيا: علي بن أبي طالب (4.)وأما المنقبة الثانية وهي المؤاخاة وهذه المنقبة ترجع في جذورها
إلى بدء الدعوة، وبالتحديد يوم إنذار العشيرة الأقربين، وقد مر بنا حديث بدء الدعوة ومصادره.ومن ألفاظه: قال (صلی اللّه علیه و آله و سلم في ذلك اليوم وهو يخاطب عشيرته: «أيكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووزيري ووصيي...»فلم يستجب له إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقال له فيما قال: أنت أخي ووزيري... الخ.)واکد (صلی اللّه علیه و آله و سلم تلك المؤاخاة بينه وبين الإمام من بعد ذلك اليوم في شتى المناسبات، حتى إذا آخى بين أصحابه في مكة، فأخى بين أبي بكر وعمر وبين حمزة وزيد بن حارثة، وبين وبين... اصطفى عليا أخاً لنفسه.)وهكذا استمر على تأكيد تلك المؤاخاة قولا وعملا، حتى حين أعلن المؤاخاة الثانية بين المهاجرين والأنصار، حيث لاحظ حاجة المهاجرين إلى معونة الأنصار، فلاحظ (صلی اللّه علیه و آله و سلم كذلك التناسب والتقارب بين المتآخيين في العقلية والمزاج والسلوكية، وشد من أواصر ذلك الرباط، حتى كاد أن يورث بعضهما من بعض على حد الأخوة النسبية. وفي هذه المرة أيضاً اصطفى عليا لنفسه أخاً، ولم يزيل (صلی اللّه علیه و آله و سلم) يعلن بأخوته لعلي حتى شاع عنه وذاع قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم): «علي أخي في الدنيا والآخرة »، وقوله: «أما ترضى أنك أخي وأنا أخوك ».)ولم يكن ذلك منه من عاطفة الرحم، بل هو اتباع لما أراده الله تعالى من اصطفائه بذلك، ففي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري مرفوعا عنه
(صلی اللّه علیه و آله و سلم قال: مكتوب على باب الجنّة: لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أخو رسول الله قبل أن تخلق السماوات والأرض بألفي عام(1).)ويؤكد ذلك ما ورد في حديث ليلة المبيت على الفراش ما يدل على أنَّ المؤاخاة كانت من الله تعالى، إذ أوحى الله إلى جبريل وميكائيل أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمد. فاتبع الرسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم وحي الله وأوامره، يصحر بتلك الأخوة موطناً بعد موطن، منذ حديث بدء الدعوة، ومرورا بيومي المؤاخاة قبل الهجرة وبعدها، ووقوفا بغدير خم حين أخذ بضبعه حتى بان بياض إبطيهما، وقال فيما قال: «معاشر الناس هذا أخي ووصيي وواعي علمي، وخليفتي على من آمن بي »، وغير ذلك من المواطن، وانتهاءاً بقوله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) في مرضه الذي توفي فيه فيما رواه عبد الله بن عمر قال: إن رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) قال في مرضه ادعوا لي أخي. فدعوا له أبا بكر، فأعرض عنه، ثم قال: ادعوا لي أخي فدعوا له عمر، فأعرض عنه، قال: ادعوا لي أخي. فدعوا له عثمان، فأعرض عنه، ثم قال: ادعوا لي أخي. فدعي له علي بن أبي طالب، فستره بثوب وأكبّ)
1) أخرجه الخطيب في تاريخه 7/387، والطبراني في معجمه الأوسط، والهيثمي في مجمع الزوائد 9/111، والمحب الطبري في الرياض النضرة 2/168 وذخائر العقبى ص 66، وسبط ابن الجوزي في تذكرته ص 14، والخوارزمي في مناقبه، ص 87 والجرداني في مصباح الظلام 2/56، وابن عساكر في تاريخه (ترجمة الإمام) 1/119، وأبو نعيم في الحلية 7/256، وابن حجر في لسان الميزان 2/484، والشنقيطي في كفاية المطالب ص34، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتييه كنز العمال 15/121 وغيرهم.
عليه، فلما خرج من عنده قيل له: ما قال؟ قال: علّمني ألف باب يفتح ك-ل باب إلى ألف باب.وهذا الحديث أخرجه الحافظ ابن عدي في كامله وأبو يعلى وابن كثير في تاريخه(1، ولم يستسغ طعمه، فحكى تضعيفه عن ابن عدي بحجة تضعيف أحد رواته، وهو ابن لهيعة الذي قال فيه أحمد بن حنبل: ما كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه. ووصفه الذهبي بأنه الإمام الكبير قاضي الديار المصرية وعالمها ومحدثها (2).)وإذا كان ابن كثير أعله بوجود ابن لهيعة في سنده فإن شيخه ابن تيمية أبطل الحديث - دفعاً بالصدر - دون أن يبين علّته، فقال في منهاج السنة: أما حديث المؤاخاة فباطل (3.)وقال في موضع آخر: والنبي لم يؤاخ عليا (4.)لك الله يا علي مؤاخاة النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم لم ينكرها أحد حتى عدوك اللدود معاوية بن أبي سفيان، لكن ابن تيمية أربى على ذلك في عداوته، فأنكرها جملة وتفصيلا.)ولنختم الكلام عن حديث المؤاخاة بقول رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم لعلي (علیه السلام): أنت أخي وأنا أخوك فإن ناكرك أحد فقل: أنا عبد الله وأخو)
رسول الله، لا يدعيها بعدك إلا كذاب(1.)فكان الإمام (علیه السلام بعد ذلك يفتخر ويقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذب، آمنت قبل الناس بسبع سنين (2).)وقد افتخر بذلك في حياة الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم حين أنشد - ورسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) يسمع - فقال:)أنا أخو المصطفى لا شك في نسبي*** ربیت معه وسبطاه هما ولديجدي وجد رسول الله منفرد*** وفاطم زوجتي لا قول ذي فَنَدِصدقته وجميع الناس في بهم*** منَ الضلالة والإشراك والنَّكَدالحمد الله شكراً لا شريك له*** البَرِّ بالعبد والباقي بلا أحدفقال له رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: صدقت يا علي (3).)وقد روى الحمويني وغيره من الحفاظ قوله أنا عبد الله وأخو رسول الله، لم يقلها أحد قبلي ولا يقولها أحد بعدي إلا كذاب أو مفتر.
1) أخرجه أحمد في المناقب، وأبو يعلى في مسنده، وابن عساكر في تاريخه 1/121، والكنجي في كفايته، وسبط ابن الجوزي في تذكرته، وصححه ورد على جده في تضعيفه.
2) مستدرك الحاكم 3/112 و تلخيص الذهبي.
3) فرائد السمطين 1/221 مناقب الخوارزمي، ص 95ط النجف. دستور معالم الحكم الباب 9 كفاية الطالب، ص 84 كنز العمال 15/120. نظم درر السمطين، ص 96 أخبار أصبهان 2/99.
فقام إليه رجل فقال: أنا أقول كما يقول هذا فضرب به الأرض(1.)وفي رواية ابن عساكر لهذا الحديث في تاريخه أن الرجل من غطفان، وأنَّه قال: أنا عبد الله وأخو رسوله. فصرع فجعل يضطرب، فحمله أصحابه، (قال زيد بن وهب راوي الحديث: فاتبعتهم حتى انتهينا إلى دار عمارة، فقلت لرجل منهم: أخبرني عن صاحبكم؟ فقال: ماذا عليك من أمره؟ فسألتهم بالله، فقال بعضهم: لا والله ما كنا نعلم به بأساً حتى قال تلك الكلمة، فأصابه ما ترى فلم يزل كذلك حتى مات(2).)
## حديث المنزلة75 - أليس يكفينا حَديثُ المنزله*** أن عليًّا سيكون الأمر له76 - مَقَامُه مِنَ النبيِّ المؤتمن*** مقام هارون وموسى ذي المنن77 - إن عليًّا لم يكن نبيا*** والسِّرُّ فيه لم يكن خفيا78 - إنّ النبي دينه قد أكملا*** فبعده البعث يكون مهملاإشارة منه دام ظله إلى حديث المنزلة، وهو قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزله هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.)وهذا الحديث من الأحاديث الصحيحة، الثابتة سنداً، والواضحة دلالة، أخبت غير واحد من الحفاظ بصحته، وأخرجه أصحاب الصحاح الستة وغيرهم: البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة، وأحمد، والطيالسي والخطيب البغدادي، وأبو نعيم، والحاكم، والذهبي وابن سعد، وابن عبد البر والطحاوي، والطبراني في الأوسط والكبير
وابن جرير، والهيثمي، وابن عساكر، وابن الأثير، والبغوي وابن عدي والباوردي، والمحب الطبري، وغيرهم خلق كثير كما سنوقفك على موارد تخريجهم في ثبت المصادر إن شاء الله.فلا غرابة أن قال ابن عبد البر في الاستيعاب في أول ترجمة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام، بعد أن روى الحديث وهو من أثبت الآثار وأصحها، رواه عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم سعد بن أبي وقاص، وطرق حديث سعد فيه كثيرة جداً، قد ذكرها ابن أبي خيثمة وغيره، ورواه ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأم سلمة، وأسماء بنت عميس، وجابر بن عبد الله، وجماعة يطول ذكرهم.)كما لا غرابة فيما قاله الحاكم الحسكاني وهذا هو حديث المنزلة الذي كان شيخنا أبو حازم الحافظ يقول: خرجته بخمسة آلاف إسناد (1.)ولا غرابة أيضاً فيما قاله الخوارزمي في كتابه مقتل الحسين: وروى حديث «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»من الصحابة علي وعمر وعامر بن سعد[؟]، وسعد بن أبي وقاص، وأم سلمة، وأبو سعيد، وابن عباس، وجابر، وأبو هريرة، وجابر بن سمرة، وحبشي بن جنادة، وأنس ومالك بن الحويرث، وأبو أيوب، ويزيد بن أبي أوفى، وأبو رافع، وزيد بن أرقم، والبراء، وعبد الله بن أبي أوفى، ومعاوية بن أبي سفيان، وابن عمر، وبريدة بن الحصيب، وخالد بن عرفطة، وحذيفة بن أسيد
1) شواهد التنزيل 1/152.
وأبو الطفيل وأسماء بنت عميس، وفاطمة بنت رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم، وفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهم(1).)كما لا عجب أن خصه غير واحد بالتأليف، كما صنع أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، حيث صنف كتابا في سرد أحاديث المنزلة، وإذا شح الزمان بنسخته فلم نقف عليه إلى الآن، فقد وصلت إلينا أخباره.وممن خصه بالتأليف سيدنا المجاهد صاحب العبقات قدس سره فخصه بمجلدين ضخمين من كتابه الجليل (عبقات الأنوار، وهو كتاب مطبوع وإن كان عزيز النسخة.)أقول: فلا غرابة فيمن أخرجه بأسانيده المتعددة، ولا تمن خصه بتأليفه المنضدة، فإنَّ ذلك حقيق بشأنه.ولكن العجب والغرابة ممن ينكر صحته كما فعل الآمدي فيما حكاه عنه ابن حجر الهيتمي في الصواعق في الشبهة الثانية عشرة (2، وهذا من الآمدي مكابرة وقحة، كيف لا وقد سمعت ما قال أصحابه في هذا الحديث، وكثرة من رواه من الصحابة، وتظافر على نقله أصحاب الصحاح والمسانيد، ومنهم الشيخان - البخاري ومسلم، وقد قيل في صحيحيهما وفي خصوص البخاري: إنه أصح كتاب بعد كتاب الله؟ وقول الآمدي في هذا)
الحديث غير صحيح يخدش في صحة الصحاح المعتبرة عند قومه، ومنها صحيح البخاري، ولا أظن قومه يرضون منه بذلك.وبعكس الآمدي كان الفيروزآبادي صاحب القاموس، فإنه وإن أغرب في مقاله، لكن لم يعزب بباله التشكيك بصحة الحديث ومآله، فقد قال في خاتمة كتابه سفر السعادة وباب فضائل علي رضي الله عنه ومنقول فيه أحاديث لا تُعد ومن أفضحها (؟ الأحاديث المجموعة في الكتاب المسمَّى بالوصايا النبوية، أول كل حديث منها يا علي والثابت من تلك الجملة حديث واحد يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى(1).)ولعلّ أعجب من هذا وذاك من يخبت بصحته ويذعن بتظافره، ثم يحاول جاهداً التشكيك في دلالته الدالة على عموم المنزلة إلا ما استثني، وهي النبوة، فقد قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: وهذا الحديث... روي عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم عن غير سعد من حديث، عمر، وعلي نفسه وأبي هريرة، وأبي سعيد وأنس، وجابر بن سمرة وحبشي بن جنادة، ومعاوية، وأسماء بنت عميس وغيرهم، وقد استوعب طرقه ابن عساكر في ترجمة علي، ثم قال بعد كلام له:واستدل بحديث الباب - يعني حديث المنزلة - على استحقاق علي للخلافة دون غيره من الصحابة، فإنَّ هارون كان خليفة موسى وأجيب أنَّ هارون لم يكن خليفة موسى إلا في حياته لا بعد موته لأنه مات قبل موسى باتفاق، أشار إلى ذلك الخطابي.
1) سفر السعادة، ص 281.
وقال الطيبي: معنى الحديث أنه متصل بي نازل مني منزلة هارون من موسى، وفيه تشبيه مبهم بينه بقوله: «إلا أنّه لا نبي بعدي »، فعرف أنَّ الاتصال المذكور بينهما ليس من جهة النبوة، بل من جهة ما دونها وهي الخلافة، ولما كان هارون المشبه به إنَّما كان خليفة في حياة موسى، دلّ ذلك على تخصيص خلافة علي للنبي صلى الله عليه [وآله] وسلم بحياته، والله اعلم(1.)وقال إمام الحرمين الجويني في كتابه (الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ط الجزائر: وربما يستروحون - الإمامية - إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم أنه قال لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»ولا حجة لهم في ذلك، فإنه وارد على سبب مخصوص، وهو أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم لما نهض لغزوة تبوك استخلف عليّاً رضي الله عنه على المدينة، وشقَّ عليه تخلّفه عن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فقال له الرسول ما قال وأنزله منزلة هارون من موسى في الاستخلاف إذ مر موسى لميقاته، ثم لم يل هارون أمراً بعد وفاة موسى، بل مات قبله في التيه (2).)قال ابن حجر الهيتمي: الشبهة الثانية عشرة: زعموا - يعني الشيعة- أنَّ من النص التفصيلي على علي قوله صلى الله عليه [وآله] وسلم لما خرج
إلى تبوك واستخلفه على المدينة: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»، ثم ذكر وجه الاستدلال ورد بقوله:وجوابها: أنَّ الحديث إن كان غير صحيح كما يقوله الآمدي فظاهر وإن كان صحيحاً كما يقوله أئمة الحديث والمعول في ذلك ليس إلا عليهم، كيف وهو في الصحيحين، فهو من قبيل الآحاد، وهم لا يرونه حجة في الإمامة، وعلى التنزل فلا عموم له في المنازل، بل المراد ما دل عليه ظاهر الحديث أنَّ عليَّا خليفة عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم مدة غيبته بتبوك.واستمر في هذيانه حتى قال: سلّمنا أنَّ الحديث يعم المنازل كلها لكنه عام مخصوص، ... والعام المخصوص غير حجة في الباقي، أو حجة ضعيفة على الخلاف فيه...(1.)وعلى هذا المنوال نسج غير واحد ممن لم يسعهم إنكار الحديث أو التشكيك بصحته، ونسجهم أوهى من بيت العنكبوت، وحجتهم داحضة، لأن قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم لأمير المؤمنين: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»لم یكن مورده غزاة تبوك فحسب، حتى يتشبث ابن حجر وغيره بأن الرسول(صلی اللّه علیه و آله و سلم) قال له ذلك حين أراد الإمام الخروج معه كما سنبين ذلك فيما بعد، ويؤيد ذلك جواب سعد بن أبي وقاص لسعيد بن المسيب وقد سأله عن حديث المنزلة، فأخبره عن سماعه ذلك في غزاة تبوك، فقال له سعيد: أأنت)
1) الصواعق المحرقة، ص 29 ط الميمنية سنة 1312ه-.
سمعت هذا من رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم ؟ قال: نعم لا مرة ولا مرتين يقول ذلك لعلي(1).)بل إنَّ موارد قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»أكثر من عشرة مواطن فيما أحصيت، وربما فاتني أكثر من ذلك، وليس في جملة منها، بل ليس فيها جميعا - عدا غزوة تبوك - مدعاة للاستخلاف مدة غيابه على حد ما زعم الزاعمون أمثال ابن حجر الهيتمي.)والآن من الخير أن نذكر موارد صدور الحديث عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم، متبعين التسلسل التاريخي لصدورها، ولعل مورد غزاة تبوك كان آخرها أو في أواخرها، فما يصنع المتشدقون، بما سبق أو لحق ذلك؟)ثم نعطف على بقية إيرادهم من كونه استخلافاً في الحياة، وأنه عام مخصوص، وهو غير حجة في الباقي، أو حجة ضعيفة على الخلاف فيه، والآن إليك ذكر الموارد:1- فمن موارده إن لم يكن هو أول مورد فيما أحسب، وإلا فهو من أوائلها، وذلك عندما أمر (صلی اللّه علیه و آله و سلم بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد غير باب علي فورمت آناف القوم حتى راجعه بعضهم، فقال لهم: ما أنا سددت أبوابكم ولا فتحت باب علي، ولكن الله سدَّ أبوابكم وفتح باب علي.)ولسنا بصدد حديث سد الأبواب فإنَّه سيأتي الحديث عنه مفصلاً، إلا أنَّ في حديث بناء المسجد النبوي الشريف وحديث سد الأبواب ورَدَ
1) مناقب ابن المغازلي، ص 33 میزان الاعتدال 1/263. لسان الميزان 2/324.
تشبيه الإمام (علیه السلام بهارون، ومعلوم أن بناء المسجد النبوي كان في السنّة الأولى للهجرة.)فقد جاء في حديث ابن عباس قال: قال رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم لعلي: إنَّ موسى سأل ربه أن يطهر مسجده لهارون وذريته، وإني سألت الله أن يطهر لك ولذريتك من بعدك. ثم أرسل إلى أبي بكر: أن سد بابك. فاسترجع، وقال: سمعا وطاعة فسدَّ بابه، ثم إلى عمر كذلك، ثم صعد المنبر فقال: ما أنا سددت أبوابكم ولا فتحت باب علي، ولكن الله سد أبوابكم وفتح باب علي (1).)وجاء في حديث أبي حازم الأشجعي قال: قال رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: إن الله أمر موسى أن يبني مسجداً طاهراً لا يسكنه إلا هو وهارون، وإنَّ الله أمرني أن أبني مسجداً طاهراً لا يسكنه إلا أنا وعلي وابنا علي(2).)وجاء في حديث جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: يا علي إنَّه يحل لك في المسجد ما يحل لي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي... الخ (3.)
1) الموضوعات لابن الجوزي 1/364، وتعقبه السيوطي فأخرجه في اللئالئ المصنوعة، ص 211 ط الهند الأولى، 1/ 180- 183 طبع مصر، ونقله عن النسائي في السنن الكبرى، كما أخرجه أيضاً في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال 15/155 نقلاً عن البزار في مسنده.
2) الخصائص الكبرى للسيوطي 3/294 نقلا عن الزبير بن بكار.
3) المناقب للموفق بن أحمد الخوارزمي، ص 65، ينابيع المودة، ص 88.
وجاء في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري قال: إن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قام خطيباً قال: إنَّ رجالاً يجدون في أنفسهم شيئاً أن أسكنت عليا في المسجد وأخرجتهم، والله ما أخرجتهم وأسكنته، بل الله أخرجهم وأسكنه إن الله عزَّ وجل أوحى إلى موسى وأخيه (أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ(1)، ثم أمر أن لا يسكن مسجده ولا ينكح فيه ولا يدخله جنب إلا هارون وذريته، وإنَّ عليَّا مني بمنزلة هارون من موسى، وهو أخي، ولا يحل لأحد أن ينكح فيه النساء إلا علي وذريته، فمن ساءه فههنا. وأشار بيده إلى الشام (2).)فهذا المورد ظاهر الدلالة في تشبيه منزلة الإمام من النبي بهارون في منزلته من موسى، إلا أنه ليس بنبي.وأما من حيث السند فقد قال ابن حجر في (القول المسدد في الذب عن مسند أحمد في رد قول ابن الجوزي، حيث قال في حديث سد الأبواب إنَّه باطل وموضوع. قال: دعوى لم يستدل عليها إلا بمخالفة الحديث الذي في الصحيحين - يعني حديث الخوخة- وهذا إقدام على رد الأحاديث الصحيحة بمجرد التوهم...)إلى أن قال: وهذا الحديث هو حديث مشهور، وله طرق متعددة كل طريق على انفراده لا يقصر عن رتبة الحسن، ومجموعها مما يقطع
بصحته... الخ(1.)2 - ومن موارد قول رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم لعلي: «أنت مني بمنزله هارون من موسى»يوم المؤاخاة الثانية، وهي كانت عام الهجرة أيضا، وإليك نص الحديث بلفظ ابن عباس:)قال: لما آخى النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فلم يؤاخ بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبين أحد منهم، خرج علي مغضباً حتى أتى جدولاً، فتوسد ذراعه فسفت عليه الريح، فطلبه النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم حتى وجده فوكزه برجله، فقال له: قم، فما صلحت إلا أن تكون أبا تراب أغضبت علي حين آخيت بين المهاجرين والأنصار ولم أؤاخ بينك وبين أحدٍ منهم، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي، ألا من أحبّكَ حُقَّ بالأمن والإيمان، ومن أبغضك أماته الله ميتة جاهلية، وحوسب بعمله في الإسلام(2.)وفي لفظ زيد بن أبي أوفى قال: لما آخى رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم بين أصحابه قال علي: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد! فقال: والذي بعثني بالحق نبياً ما أخرتك إلا لنفسي، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وأنت أخي ووارثي، وأنت معي)
في قصري في الجنّة مع ابنتي فاطمة وأنت أخي ورفيقي، ثم تلا (إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ(1)المتحابون في الله ينظر بعضهم إلى بعض (2).)3، 4 - ومن موارد الحديث المذكور ما ورد في حديث أسماء بنت عميس في ولادة كل من الحسن والحسين (علیهما السلام، وأنَّ الله سبحانه وتعالى أهبط جبرئيل على النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) عند ولادة كل منهما، وأمره أن يبلغ النبي أن يسميهما باسمي ابني هارون «وإنَّ عليا منك بمنزلة هارون من موسى »شبر وشبير، وسؤال النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) عن معناهما بلسان عربي قال: الحسن والحسين.)هذا مضمون الحديث، وهو طويل من طلبه فليرجع إلى مصادره، فقد أخرجه الحفاظ في أسفارهم (3. وفي معناه حديث سلمان، وقد أخرجه ابن عساكر في ترجمة الحسنين وغيره.)5 - ومن موارده ما ورد في حديث فتح خيبر - وكان الفتح في السنة
1) سورة الحجر، الآية 47.
2) أخرجه أحمد في فضائل الإمام، كما في كنز العمال 15/92. ينابيع المودة /56. الطبقات الخليفة بن خياط 1/242. فرائد السمطين 1/ 115- 116. الرياض النضرة 1/13، وغيرها، وفي أوله زيادة طويلة تدل ألفاظها على أنها دخيلة فلتراجع وللحديث مصادر أخرى.
3) شرف المصطفى لأبي سعيد الخركوشي. مقتل الحسين للموفق بن أحمد 1/87. ذخائر العقبى، ص 64. الرياض النضرة 2/144، 163 ينابيع المودة، ص 204، 220 وغيرها.
السابعة من الهجرة - فقد أخرج الموفق بن أحمد الخوارزمي في مناقبه (1بسنده عن علي (علیه السلام)، ورواه مرسلاً أيضاً (2)، وأخرجه عنه القندوزي الحنفي في ينابيعه عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) يوم فتحت خيبر: يا علي لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا تمر بملأ من المسلمين إلا وأخذوا تراب رجليك وفضل طهورك يستشفون به ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك ترثني وأرثك أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، إنك تؤدي ديني... (3).)والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.6 - ومن موارده ما رواه ابن عباس وغيره في حديث عمرة القضاء - وهي كانت في السنة السابعة من الهجرة أيضاً - أنَّ عمارة ابنة حمزة بن عبد المطلب، وأمها سلمى بنت عميس - كانت بمكة، فلما قدم رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم كلم علي بن أبي طالب رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) فقال: علام نترك ابنة عمنا يتيمة بين ظهراني المشركين ؟ فلم ينه النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) عن إخراجها.)وفي حديث البراء قال: فخرج النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم. فتناولها علي، فأخذ بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك. فحملتها.)
فاختصم علي وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أخذتها وأخرجتها من بين أظهر المشركين، وهي ابنة عمي. وقال جعفر ابنة عمي وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي - وكان النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم قد آخى بينهما حين آخى بين المهاجرين، وكان وصي حمزة - فقال (صلی اللّه علیه و آله و سلم): أما أنت يا زيد فمولاي وأنا مولاك، وأما أنت يا جعفر فأشبهت خَلقي وخُلقي، خذها يا جعفر أنت أحقهم بها، تحتك خالتها. وقال: الخالة بمنزلة الأم، وأما أنت يا علي فأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة.)وقال الأنماطي - أحد رواة الحديث-: إلا أنه لا نبوة(1.)وفي جملة من طرق الحديث في تلك المصادر أسقط حديث المنزلة واستبدل بقوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: «أنت مني وأنا منك »، أو «أنت أخي وصاحبي »، أو «أنت صفي وأميني وأنت مني وأنا منك». إلى غير ذلك من محاولات فاشلة لطمس تلك الفضيلة، وهي منطوق حديث المنزلة.)والذي دلّنا على ذلك ما ورد في الخصائص للنسائي، قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون وأنا منك، وقال الجعفر... الخ(2.)ونحن نقلنا الحديث - حديث المنزلة - في هذا المورد عن ابن عساكر
فراجع.7 - ومن موارده ما رواه القرماني في تاريخه، فقال: وما صح من الخبر والدليل في فضل من أحب أولاد عقيل رضي الله عنهم: عن عقيل ابن أبي طالب، قال: نازعت عليَّا وجعفر بن أبي طالب بين يدي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في شيء، فقلت: والله ما أنتما بأحب إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم مني، إنَّ قرابتنا لواحدة، وإن أبانا وأمنا لواحد، كذلك يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: أنا أحب أسامة بن زيد فقلت: إني لست عن أسامة أسألك، وإنما أسألك عن نفسي. فقال: يا عقيل والله إني لأحبك لخلتين: لقرابتك ولحب أبي طالب أبيك - وكان أحبهم إلى أبي طالب - وأما أنت يا جعفر إنَّ خلقك يشبه خلقي، وأما أنت يا علي فأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي(1.)فهذا المورد لا بد أن يكون قبل السنة الثامنة، لذكر جعفر فيه وجعفر استشهد في غزاة مؤتة، وهي كانت في السنة الثامنة قبل الفتح.تلكم هي الموارد التي وفقت لتعيين زمان صدور الحديث منه (صلی اللّه علیه و آله و سلم فيها، وكلها كانت قبل غزوة تبوك، وربما فاتني غيرها.)أما غزاة تبوك فهي المورد:8- وقد كانت في السنة التاسعة للهجرة، وهي أكثر الموارد شهرة،
1) أخبار الدول وآثار الأول، ص 122 ط بغداد سنة 1282ه-.
لكثرة من رواها من الصحابة، ومنهم:علي، وعمر، وابن عباس، وجعفر، وسعد بن أبي وقاص، وأبو سعيد الخدري وابن مسعود وأبو أيوب، وزيد بن أرقم والبراء بن عازب، وجابر بن عبد الله، وجابر بن سمرة، وأبو بردة و مالك بن الحويرث، وأنس، وحبشي بن جنادة، وأم سلمة، وأسماء بنت عميس، وفاطمة بنت حمزة، وزيد بن أبي أوفى ونبيط بن شريط، وغيرهم.وأكثرهم تحديثا بذلك هو سعد، فقد روى عنه أولاده عامر وإبراهيم ومصعب وعائشة، ورواه عنه ابن عمر وسعيد بن المسيب وطرقه كثيرة ولعل ابن المسيب - وهو من التابعين - الوحيد الذي حاقق سعدا في حديثه ذلك بعد أن كان سمع الحديث من أبنائه.وحديث سعد ثابت في الصحيحين من حديث شعبة عن سعد بن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم خرج إلى تبوك واستخلف عليا، فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس نبي بعدي(1.)وقد أخرج مسلم والترمذي وأحمد والحاكم والذهبي وغيرهم
1) أخرجه البخاري في صحيحه في غزوة تبوك، ومسلم في صحيحه في باب فضائل علي، وعنهما في اللولو والمرجان 3/132، وفي دليل القاري، ص 108 أن البخاري أخرجه مرتين في فضائل أصحاب النبي، في باب 10 من مناقب علي بن أبي طالب 7/71، وفي المغازي في باب غزوة تبوك 8/112.
بأسانيدهم عن عامر بن سعد، قال معاوية لسعد: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول وقد خلّفه في بعض مغازيه: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي... ثم ذكر حديث إعطائه الراية يوم خيبر، ومصاهرته على ابنته.وقد أخرج هذا الحديث الحافظ ابن كثير في تاريخه عن أبي زرعة الدمشقي، وفيه ما يُشعر بأن معاوية طلب أولاً من سعد أن يطوف به، لأنه نسي - أو كاد - سنن الطواف، وأنه أدخله بعد ذلك معه إلى دار الندوة، وأجلسه على سريره معه، ثم أخذ يشتم عليَّا، فقال سعد: أدخلتني دارك، وأجلستني على سريرك، ثم وقعت في علي تشتمه. ثم ذكر الخصال الثلاث، وأن كل واحدة منهن أحب إليه مما طلعت عليه الشمس، ثم قال: لا أدخل عليك دارك بعد هذا اليوم. ثم نفض رداءه وخرج (1.)وفي مروج الذهب للمسعودي تتمة طريفة في هذه المحاورة تطلب من هناك (2.)وقد أخرج ابن كثير جملة وافرة من طرق حديث المنزلة المنتهية إلى سعد، وأنهاها بقوله: وقد تقصى الحافظ ابن عساكر هذه الأحاديث في
ترجمة علي في تاريخه فأجاد وأفاد، وبرز على النظراء والأشباه والأنداد رحمه رب العباد يوم التناد.أقول: وهو كما قال فمن شاء الاستزادة فليرجع إلى تاريخ ابن عساكر (1.)ولا يفوتني تنبيه القارئ إلى أنَّ في بعض أحاديث سعد التي رواها عنه سعيد بن المسيب وحاققه فيها نقرأ: فأدخل - سعد - يديه في أذنيه وقال (نعم وإلا فاستكتا - أي فاصتكتا - كما في صحيح مسلم وخصائص النسائي وأسد الغابة ومناقب الخوارزمي وغيرها، ونقرأ قول سعد أيضاً: (نعم سمعت ذلك لا مرة ولا مرتين) كما في مناقب ابن المغازلي وغيره.)كما نقرأ جملة من أقوال رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم قالها في حديث المنزلة في غزاة تبوك، أما قبل الحديث نحو قوله: إنَّ المدينة لا تصلح إلا بي أو بك(2). وذكرت هذه الجملة أيضا بعد حديث المنزلة كما في حديث علي (3).)ونحو قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: إنه لا ينبغي لي أن أذهب إلا وأنت خليفتي كما في بعض أحاديث ابن عباس.)ونحو قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: «إلا أنه لا نبي بعدي، ولو كان لكنته »كما في)
حديث جابر (1.)فهذه الفقرات فيها من الدلائل والمؤشرات على أن الحديث لم يكن خاصاً بمورده كما زعم غير واحد من الخصوم، بل فيه شمولية في الاستخلاف، لعموم المنزلة إلا ما استثني وهي النبوة، وما قدمناه من الموارد السبعة التي تقدمت غزاة تبوك زمانا وورد فيها حديث المنزلة كما لساناً وبيانا تدل على ذلك، إذ ليس ثمة دواع للاستخلاف في مكان محدود أو زمان معدود ليتشبث به الخصم كما زعم ذلك في غزاة تبوك وهو ليس بشيء.قال الحافظ السروي في متشابهات القرآن: والأمة مجتمعة على أنَّ النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم استخلف عليا بالمدينة عند خروجه إلى تبوك، ولم يثبت بعد ذلك عزله، واجتمعت الأمة على أنه ما كان للنبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) خليفتان أحدهما في المدينة والآخر في بقية الأمة، فيجب أن يكون هو الإمام بعده لثبوت ولايته على المدينة إلى بعد وفاته، وحصول الإجماع على أنه ليس له إلا خليفة واحد (2).)والآن نذكر موارد أخرى وإن لم أتمكن فعلا من الجزم بتعيين زمان صدور الحديث في بعضها، إلا أنها واضحة الدلالة على أنها لم تكن في تبوك، ولا هي من الموارد التي سبقتها، فهي غيرها من غير شك، وهذه
ثمانية موارد أذكرها باختصار:1 - ما أخرجه القندوزي الحنفي عن يحيى بن سعيد البلخي عن علي الرضا، عن أبيه، عن آبائه عن علي بن أبي طالب سلام الله عليهم قال: بينا أنا أمشي مع رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم في بعض طرق المدينة، إذ لقينا شيخ طويل كث اللحية بعيد ما بين المنكبين، فسلم على رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) ورحب به، ثم التفت إلي فقال: السلام عليك يا رابع الخلفاء ورحمة الله وبركاته ثم قال: أليس كذلك هو يا رسول الله؟ فقال له: بلى. ثم مضى فقلت: يا رسول الله، ما معنى قول هذا الشيخ الذي قال لي وتصديقك قوله ؟)قال: أنت كذلك والحمد لله، إن الله تبارك وتعالى قال في كتابه (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً(1)، وقال يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً (2)، وقال حكاية عن موسى حين قال لهارون اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ (3)إذ استخلفه موسى في قومه، وقال تعالى ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ)(4)فكنت أنت المبلغ عن الله تعالى وعن رسوله وأنت وصي، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فأنت رابع الخلفاء كما قال لك الشيخ. قلت: من هو؟ قال:)
ذاك أخوك الخضر (علیه السلام، فاعلمه (1).)2 - ما أخرجه الموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب ضمن حديث المناشدة قول الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام لأصحاب الشورى فأنشدكم الله هل تعلمون أني كنت إذا قاتلت عن يمين رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) قال: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»؟، قالوا اللهم نعم(2).)وهذا النص يدل على تكرار الحديث بحكم تكرار القتال مع الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم فجميع مغازي الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم) التي كان فيها القتال ثمان بدر وأحد والأحزاب والمريسيع وخيبر وفتح مكة وحنين والطائف - كما في كتب السيرة والتاريخ - ويعني ذلك أن الرسول(صلی اللّه علیه و آله و سلم) قال لعلي في كل تلك المواطن: أنت مني بمنزلة هارون من موسى.)وحديث المناشدة أخرجه ابن عساكر وعنه السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال وذكر حديث المناشدة بسنده عن أبي ذر...إلى أن قال: قال علي: فهل تعلمون أنَّ رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم قال لي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى؟... فهل لخلق مثل هذه المنزلة؟ نحن صابرون ليقضي الله أمراً كان مفعولاً (3).)
3- ما أخرجه السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال من مسند عمر عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: كفوا عن ذكر علي بن أبي طالب، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول في علي ثلاث خصال، لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي مما طلعت عليه الشمس كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح ونفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم والنبي صلى الله عليه [وآله] وسلم متكئ على علي بن أبي طالب حتى ضرب بيده على منكبه ثم قال: أنت يا علي أول المؤمنين إيماناً، وأولهم إسلاماً، ثم قال: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وكذب علي من زعم أنه يحبني ويبغضك(1.)4 - ما أخرجه الموفق بن أحمد في المناقب وعنه القندوزي في ينابيع المودة عن محمد بن عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر يحدث عن أبيه عن جده عن أبي جده عمار، قال: سمعت أبا ذر جندب بن جنادة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم آخذاً بيد علي فيقول: يا علي أنت أخي وصفيي ووزيري وأميني، مكانك مني مكان هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي من مات وهو يحبك ختم الله عز وجل له بالأمن والإيمان، ومن مات وهو يبغضك لم يكن له نصيب من الإسلام(2.)5 - ما أخرجه ابن عساكر والحمويني والطبراني والهيثمي والكنجي الشافعي والمتقي الهندي والمناوي وغيرهم بأسانيدهم إلى ابن عباس قال:
قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لأم سلمة هذا علي بن أبي طالب لحمه من لحمي ودمه من دمي وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (1.)وفي فرائد السمطين، ومناقب الخوارزمي وينابيع المودة زيادة قوله: يا أم سلمة هذا علي أمير المؤمنين وسيّد المسلمين، ووصيي، ووعاء (وعيبة علمي، وبابي الذي أوتى منه أخي في الدنيا والآخرة ومعي في السنام الأعلى يقتل القاسطين والناكثين والمارقين (2).)6 - ما أخرجه أبو نعيم كما في منهاج الكرامة للعلامة الحلي، عن ابن عباس قال: أخذ النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم بيد علي وبيدي ونحن بمكة، وصلى أربع ركعات، ورفع يده إلى السماء فقال: اللهم موسى بن عمران سألك، وأنا محمد نبيك أسألك أن تشرح لي صدري، وتحل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي علي بن أبي طالب أخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري. قال ابن عباس: سمعت مناديا ينادي: يا أحمد قد أوتيت ما سألت (3).)
1) تاریخ دمشق (ترجمة الإمام) 1/78، 335. فرائد السمطين 1/150. المعجم الكبير للطبراني 12/14 الطبعة الثانية. مجمع الزوائد 9/111. كفاية الطالب، ص 167. منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5/31. كنوز الحقائق للمناوي.
2) ينابيع المودة، ص 129.
3) ذكره في البرهان السابع والثلاثين على إمامة أمير المؤمنين (علیه السلام)، ولعله أخذه من كتاب أبي نعيم ( ما نزل من القرآن في علي)، إذ لم أقف على الخبر في كتبه التي تحضرني فعلا كمعرفة الصحابة ودلائل النبوة وحلية الأولياء وتاريخ أصبهان.
ونحو هذا حديث أسماء وأنها رأت النبي بإزاء ثبير يقول: أشرق ثبير أشرق ثبير. ثم ذكرت الدعاء بنحو ما مر(1.)ويعجبني ما قاله الحافظ السروي في كتابه متشابهات القرآن عند ذكره الآية الكريمة (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي إلى قوله (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى)(2)قال: لا يخلو الكلام فيه من ثلاثة معان: إما أن يكون نبيا مثل هارون، أو أخوه لأبيه وأمه، أو خليفته في أمته، إذ لم يجد له من موسى إلا هذه المنازل، فلما بطلت منزلة النبوة والأخوة لأب وأم، ثبتت له المنزلة الثالثة، وهي أنه خليفته كما قال اخلفني في قومي وكل كلام جاء على وجه واثنين وثلاثة فسد منها خلة وخلتان ثبتت الثالثة (3). وقال في مقام آخر ومن أتقن صحة هذا الحديث ثم زعم أن أحداً أفضل من علي لا يخلو من أن يقول: ( دعاء النبي مردود) أو يقول: (إن
1) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 4/295 في تفسير الآية (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) (سورة طه، الآية 25) عن ابن مردويه والخطيب وابن عساكر)وأخرج السيوطي أيضاً عن السلفي في الطيوريات بسنده عن أبي جعفر محمد بن علي قال: لما نزلت (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (سورة طه الآيات 29- 31) كان رسول الله على جبل ثم دعا به وقال: اللهم اشدد أزري بأخي علي. فأجابه إلى ذلك.
2) سورة طه الآيات 29 - 36.
3) متشابهات القرآن 2/31.
الله لم يعرف الفاضل من المفضول)، أو يقول: (إنَّ الله تعالى عرف الفاضل من خلقه، فكان المفضول أحب إليه منه)(1).
7 - ما أخرجه الثعلبي في تفسيره الكشف والبيان في تفسير قوله تعالى إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا (2)، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة، والسبط في تذكرته، والحمويني في فرائد السمطين، والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل والشبلنجي في نور الأبصار بالإسناد عن عباية الربعي من حديث أبي ذر الغفاري، قال: سمعت رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) بهاتين وإلا صمتا، ورأيته بهاتين وإلا عميتا، يقول: علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، أما إني صليت مع رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) يوما من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد...)إلى أن قال: وكان علي راكعاً، فأومى إليه بخنصره اليمنى وكان يتختم فيها، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، قال أبو ذر: فلما فرغ - النبي - من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم موسى سألك فقال قَالَ(رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي(3)فأنزلت عليه قرآناً)
ناطقاً (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا(1).)اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك، اللهم واشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي، عليا اشدد به ظهري.قال أبو ذر فما استتم رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم الكلمة حتى نزل عليه جبرئيل من عند الله تعالى...(2)ثم ذكر نزول آية التصدق بالخاتم (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (3). 8 - ما أخرجه الموفق بن أحمد في المناقب، وعنه القندوزي الحنفي في ينابيع المودة وغيرهما بإسنادهم عن أهل البيت (علیهم السلام) عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: يا علي أنت مني بمنزلة شيث من آدم وبمنزلة سام من نوح، وبمنزلة إسحاق من إبراهيم كما قال تعالى وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ (4)، وبمنزلة هارون من موسى وبمنزلة شمعون من عيسى، وأنت وصيي ووارثي... إلى آخر)
الحديث (1.)فهذه ثمانية موارد أخرى ذكر فيها تنزيل الإمام من النبي بمنزلة هارون من موسى، مضافاً إلى ما ذكرناه آنفاً، من السبعة موارد التي كانت قبل غزاة تبوك، فصار المجموع خمسة عشر مورداً سوى غزاة تبوك، وكلها تدل دلالة واضحة وصريحة على مراد رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم وهي استخلافه في حياته ومن بعد وفاته، وآخر الأحاديث وهو الذي تضمن تنزيله بمنزلة شيث من آدم وسام من نوح، وإسحاق من إبراهيم، وشمعون من عيسى، وقوله: «أنت وصيّي ووارثي »، يدحض ما تشدق الخصم به من أنَّ تنزيله بمنزلة هارون من موسى، إنَّما يعني مدة غيابه عن المدينة، كما أنَّ هارون كان خليفة موسى في قومه حين ذهب إلى الطور، فكذلك كان علي خليفة الرسول مدة غيابه عن المدينة، فإذا كان ذلك يجري في خصوص هارون - وهو غير مسلّم- فهو لا يجري بالنسبة إلى شيث وسام وإسحاق وشمعون كما أن ما جاء في جملة من أحاديث غزاة تبوك من فقرات - أشرنا إلى بعضها - كقوله: «إنَّ المدينة لا تصلح إلا بي أو بك»، وقوله: «إنَّه لا ينبغي لي أن أذهب إلا وأنت خليفتي»، وقوله: «لا نبي بعدي ولو كان لكنته».)كل تلكم الجمل فيها مؤشرات إلى أنَّ الحديث ليس خاصا بمورده كما زعم الخصوم. على أنَّ خصوص المورد لا يخصص الوارد، فالحديث
1) ينابيع المودة، ص 86.
عام بعموم المنزلة إلا ما استثني منها وهي النبوة، فدعوى ابن حجر الهيتمي في الصواعق، ومن هو على شاكلته ناعق، أن العام المخصوص غير حجة في الباقي أو يكون حجة ضعيفة، دعوى باطلة، تأباها شريعة المسلمين وسيرتهم، فإنَّ من المعلوم الواضح عند المسلمين أن عمومات الكتاب والسنة وردت عليها مخصصات، وبقي المسلمون يعملون بالباقي تحت العام بعد ورود التخصيص.ولا أطيل على القارئ، ولكن هل من حقي أن أسائل ابن حجر وأضرابه: ما قولهم في عمومات آيات المواريث؟ ألم يقولوا بأنها مخصصة بحديث (نحن معاشر الأنبياء لا نورث؟)فهل ترك المسلمون العمل بآيات المواريث في الباقي من العام المخصوص؟ثم ما بال ابن حجر وهو الذي سبق له أن ذكر عن الآمدي إنكاره صحة حديث المنزلة، ما باله لم يرجع إليه فيراه ما يقول في هذا المقام، والرجل كان من الفحول فارسا في الأصول، وسعيه الحثيث لم يبلغ به مرتبة الراجل في الحديث، وهذا كتابه (الإحكام في أصول الأحكام يقول فيه:)اختلف القائلون بالعموم في صحة الاحتجاج به بعد التخصيص في ما بقي، فأثبته الفقهاء مطلقاً، وأنكره عيسى بن أبان وأبو ثور مطلقاً، ومنهم من فصل... فقال البلخي: إنَّ خص بدليل متصل كالشرط والصفة
والاستثناء فهو حجّة، وإنَّ خص بدليل منفصل فليس بحجة (1.)ثم عرض لآراء آخرين من المفصلين، ثم قال: والمختار صحة الاحتجاج به فيما وراء صور التخصيص (2.)ثم قال: والمعتمد في ذلك الإجماع والمعقول. أما الإجماع فهو أن فاطمة رضي الله عنها احتجت على أبي بكر في ميراثها من أبيها بعموم قوله تعالى (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدكُمْ الآية (3)، مع أنه مخصص بالكافر والقاتل، ولم ينكر أحد من الصحابة صحة احتجاجها مع ظهوره وشهرته، بل عدل أبو بكر في حرمانها إلى الاحتجاج بقوله صلى الله عليه [وآله] وسلم: ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)(4).)ثم قال: وأما المعقول: فهو أنَّ العام قبل التخصيص حجّة في كل واحد من أقسامه إجماعاً، والأصل بقاء ما كان قبل التخصيص بعده، إلا أن يوجد له معارض (5.)وأخيراً إذا كان العام قبل تخصيصه غير حجة في الباقي كما حكاه الآمدي عن ابن أبان وأبي ثور، أو حجّة ضعيفة كما زعمه ابن حجر، فلنقرأ على الأحكام السلام فما أكثر العمومات المخصصة في الشريعة
الإسلامية، حتى قيل: ما من عام إلا وقد خصوالآن فلنسائلهم: إذا كان الحديث لا دلالة فيه على عموم المنزلة، فلماذا تهالك رواتهم على روايته: تارة بقلبه وتصحيفه، وأخرى بتشويهه وتحريفه؟!فحريز بن عثمان الناصبي يرويه عن الوليد بن عبد الملك بن مروان الفاسق الأموي بلفظ: قارون من موسى.أتريد سنداً أعلا وأوثق من هذا؟!وليعلم القارئ العزيز أن حريزاً هذا من رواة البخاري في صحيحه، كما روى عنه الأربعة في كتبهم - الترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو داود- كما روى عنه غيرهم. ولو رجع الباحث إلى ترجمته في تهذيب التهذيب(1لابن حجر لوجد سيلا من التوثيقات له مع الاعتراف بأنه كان شديد التحامل على الإمام (علیه السلام).)قال ابن عمار: يتهمونه أنه كان ينتقص عليَّا، ويروون عنه ويحتجون به ولا يتركونه.وقزعة بن سويد بن حجير الباهلي بصري، وهو من رجال الترمذي وابن ماجة.قال فيه البخاري: ليس بذاك القوي. وقال أحمد: مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال النسائي: ضعيف.
1) تهذيب التهذيب 2/ 237- 241.
وقال الذهبي في ميزانه في ترجمته: وله حديث منكر عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس مرفوعا: لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن الله اتخذ صاحبكم خليلا. أبو بكر وعمر مني بمنزلة هارون من موسى.رواه غير واحد عن قزعة، وأخرج الخطيب في تاريخه الشطر الثاني من الحديث في ترجمة علي بن الحسن الوراق الشاعر، فرواه عنه بإسناده إلى قزعة بن سويد... قال: أبو بكر وعمر مني بمنزلة هارون من موسى(1.)وأخرجه المتقي الهندي في كنز العمال عن الخطيب (2، وابن الجوزي في الواهيات.)غير أن الذهبي ذكر الحديث في ميزانه في ترجمة الرجل، وقال: عن محمد بن جرير الطبري بخبر كذب هو المتهم به متنه: أبو بكر مني بمنزلة هارون من موسى (3.)فلاحظ أنه لم يرد ذكر عمر في هذا، فمن أضافه أولاً، ومن أسقطه أخيراً؟وحيث لا جواب، لأن حديثهم كله هباب.وأخيراً نختم المقام بأبيات لزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي
طالب (علیه السلام، قالها وقد سمع قوماً يقدمون على جده غيره، فقال:)فَمَن شرَّفَ الأقوام يوماً برأيه*** فإنَّ عليا شرفته المناقبوقالَ رسولُ اللهِ والحقُّ قوله*** وإِنَّ رُغمت منهم أنوفٌ كَواذِبُبأنك مني يا علي معالناً*** كهارون من موسى أخ لي وصاحبدعاه ببدر فاستجاب لأمره*** وما زال في ذاتِ الإلهِ يُضاربُفما زال يعلوهم به وكأنه*** شهاب تلقاه القوابس ثاقب(1)مصادر حديث المنزلة على اختلاف الموارد التي ورد فيها1- صحيح البخاري: كتاب بدء الخلق، باب مناقب علي وغزوة تبوك.2- صحیح مسلم كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي.3- سنن الترمذي 2/301.4 - سنن ابن ماجة 1/28 ط مصر سنة 1313ه-.5- مسند أحمد 1/170، 185، 3/288 ط الميمنية.6 - مسند أبي داود الطيالسي 1/28، 29 ط حیدر آباد.7 - معجم الطبراني الكبير 11/62.8 - معجم الطبراني الأوسط: كما في مجمع الزوائد.
1) معجم شعراء الطالبيين (مخطوط).
9 - معجم الطبراني الصغير 2/22، 54.10 - حلية الأولياء 7/ 195- 196، 8/307.11 - أخبار أصبهان لأبي نعيم 1/80، 2/328 وغيرها.12 - تاریخ بغداد 1/324، 3/288، 4/204، 9/394، 11/432 وغيرها.13 - مستدرك الحاكم 2/337، 3/117، 143.14 - تلخيص المستدرك للذهبي 2/337 بهامش المستدرك.15 - سيرة ابن هشام 2/520 ط الحلبي.16 - خصائص النسائي، ص 15 فما بعدها ط التقدم.17 - مصابيح السنة للبغوي 1/201 ط الخيرية بمصر.18 - فتح الباري 8/76 ط البابي الحلبي.19 - عمدة القاري 16/218 ط المنيرية.20 - المطالب العالية لابن حجر العسقلاني 4/57.21 - طبقات ابن سعد 3/ق1/14، 15.22 - جمع الفوائد 2/330.23 - ذيل تاريخ بغداد لابن النجار 17/114.24 - مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي 3/242.25 - تاريخ الخلفاء للسيوطي 1/65.
26 - المحبر لمحمد بن حبيب الهاشمي، ص 125.27 - المناقب لابن المغازلي، ص 27 - 37.28 - المناقب للخوارزمي، ص 76، 83، 95 وغيرها.29 - الرياض النضرة 2/157، 162 فما بعدها.30 - ذخائر العقبى، ص 63 فما بعدها.31 - البداية والنهاية 7/ 339- 340.32 - تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص 65 ط الميمنية.33 - الفتح الكبير للنبهاني 1/277 ط مصر.34 - ينابيع المودة، ص 204، 130 وغيرها.35 - منتخب الصحيحين، ص 76ط التقدم.36 - فرائد السمطين 1/115، 122.37 - كنز العمال 15/92، 139، 144، 152.38 - مقتل الحسين للخوارزمي 1/48.39 - آثار الدول للقرماني، ص 122 ط بغداد الأولى.40 - مشكل الآثار للطحاوي 2/309.41 - أسد الغابة 4/26، 5/8.42 - الاستيعاب 2/459.43 - مجمع الزوائد 9/109 - 111.
44 - تاريخ ابن جرير 2/368.45 - كنز العمال 12 /200، 204، 206، 207، 15/92 وغيرها.46 - تنزيه الشريعة لابن عراق الكناني 2/382، 397.47 - الكامل في التاريخ لابن الأثير 2/106 ط مصر سنة 1303ه-.48 - وفيات الأعيان 2/104.49 - الإصابة 2/507.50 - كفاية الطالب للكنجي الشافعي، ص 148، 151، 154 ط النجف الأولى.51 - العقد الفريد 2/194 ط بولاق سنة 1302ه-.52 - الدر المنثور: في أواخر سورة التوبة (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ.)وغيرها الكثير.
## علي (علیه السلام، خير الخلق بعد النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم))79 - فضلُ عليّ فوق فضل الأنبيا*** سوى ابن عمه إمامِ الأصفياإشارة منه دام ظله إلى مسألة تفضيل الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام على جميع الأنبياء سوى ابن عمه سيدهم وخاتمهم (صلی اللّه علیه و آله و سلم)، وهذه المسألة ربما أرجعها بعضهم إلى مسألة المفاضلة بين الأولياء والأنبياء التي ذهب إليها بعض العرفاء من أصحاب المقالات من غير الشيعة الاثني عشرية، كما حكي ذلك عن الحكيم الترمذي القائل بتفضيل بعض الأولياء على الأنبياء في كتابه (ختم الولاية) أو ختم الأولياء.)وحيث لم تحضرني نسخته فعلا، وربما كانت مفقودة اليوم(1، إلا أنَّ العارف الحكيم ابن عربي الحاتمي الطائي أثبت فهرساً بمطالب كتاب ختم)
1) لقد نشر عثمان يحيى كتاب (ختم الأولياء) في مجلة المشرق البيروتية في السنة الخامسة والخمسين عام 1961م، ص 3، 245، 260، كما في مجلة معهد المخطوطات العربية 8/342.
الولاية وسماه (الجواب المستقيم عمّا سُئِل عنه الترمذي الحكيم(1).)فقد جاء في السؤال 18: أين مقام الأنبياء من الأولياء؟وجاء في السؤال 146 عن قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: إنَّ لله عباداً ليسوا بأنبياء يغبطهم النبيون بمقامهم وقربهم إلى الله تعالى؟)وخلاصة ما أجاب به مع ما استدل عليه في مقام آخر: أنَّ غبطة النبيين والشهداء للأولياء تدل على أنهم أفضل منهم وأقرب إلى الحق جلّ وعلا، ولو لم يكونوا أفضل لم يغبطوهم.وأشار إلى ذلك ابن تيمية في رسالة له في علم الباطن والظاهر فقال: ومن هؤلاء من يفضل بعض الأولياء على الأنبياء، وقد يجعلون الخضر من هؤلاء... بل لما تكلم الحكيم الترمذي في كتاب ختم الأولياء بكلام ذكر أنه يكون في آخر الأولياء من هو أفضل من الصحابة، وربما لوح بشيء من ذكر الأنبياء، قام عليه المسلمون وأنكروا ذلك عليه، ونفوه من البلد بسبب ذلك (2.)وسواء صح ما حكي عن الترمذي أو لا، وسواء صح استدلاله أو لا، فلسنا بحاجة إليه، وإن كان الحكيم الترمذي يتمتع بمكانة عالية عند
1) فهرس كتاب خاتم الأولياء (مخطوطة إستانبول عمومية رقم 3750) نقلا عن ماسينيون. كما في مقدمة كتاب الرياضة وآداب النفس، تحقيق أج اربري والدكتور علي حسن عبد القادر ط مصر سنة 1947م، وللحسن بن سليمان كتاب تفضيل الأئمة على الأنبياء أخرج عنه في البحار في 26/ 309- 319، فراجع.
2) مجموعة الرسائل المنيرية، الرسالة الحادية عشرة 1/250.
أصحابه ومريديه حتى إنَّ فريد الدين العطار ذكر في تذكرته أنَّ الخضر كان يعلمه (1.)وسواء صح هذا الغلو أم لا، إلا أنا أردنا بما ذكرناه عنه إشارة إلى أنَّ القول بالتفضيل ليس من مختصات الشيعة الإمامية، ليطبل بذلك من أراد التشهير بهم والتجني عليهم، مستغلا سذاجة الرعاع وهملجة الأتباع ممن ينعقون مع كل ناعق أمثال ابن تيمية وابن حزم وابن روزبهان وأضرابهم.أما الشيعة الإمامية فلهم حجتهم التي ثبتت بالكتاب والسنة، ولعل أوفى من كتب في ذلك هو شيخ الإمامية وكبيرهم في عصره، وهو الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي المتوفى سنة 413ه-، فقد كتب رسالة خاصة في هذا الموضوع يحسن مراجعتها لمن أراد، وهي مطبوعة ضمن مجموعة من رسائله في النجف الأشرف وأول المجموعة المسائل الجارودية، وآخرها المسائل السروية والرسالة المشار إليها هي السابعة من المجموعة، وله في كتابه أوائل المقالات (2كلام في المفاضلة بين الأئمة والأنبياء (علیهم السلام)، استعرض فيه مقالات فرق الشيعة، ويظهر منه الميل إلى التفضيل، كما أنَّ الحافظ السروي في متشابهات القرآن ومختلفه (3)حكي عنه القول بذلك، وأنه قول أكثر الشيعة الإمامية... ثم ذكر)
استدلاله.وخلاصة ما استدل به في هذا المقام وفيما سبق من كتبه ما يلي:قال الشيخ المفيد: استدل أكثر أصحابنا على أنَّ أمير المؤمنين أفضل من كافة البشر سوى النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم من ثلاثة أوجه: بكثرة الثواب، وظواهر الأعمال، والمنافع الدينية بالأعمال.)فالأول: مثل قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: «أنا سيد البشر ». وقوله: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر». وإذا ثبت أنه أفضل البشر وجب أن يليه أمير المؤمنين في الفضل، بدلالة المحكوم له بأنه نفسه في آية المباهلة بالإجماع، وقد علم أنَّه لم يرد بالنفس ما به قوام الجسد من الدم السائل والهواء ونحوه، ولم يرد نفس ذاته، إذ كان لا يصح دعاء الإنسان نفسه، ولا إلى غيره، فلم يبق إلا أنه أراد المثل والعدل والتساوي في كل حال إلا ما أخرجه الدليل.)ومن ذلك أنه جعله في أحكام حبه وبغضه وحروبه سواء مع نفسه بلا فصل، وقد علم أنه لم يضع الحكم في ذلك للمحاباة، بل وضعه على الاستحقاق، فوجب أن يكون مساوياً له في الأحكام إلا ما أخرجه الدليل.ومن ذلك ثبوت المحبة له بالإجماع في حديث الطير والراية والوفاة كما تقدّم ترتيبه.ومن ذلك اشتهار الأخبار في درجاته يوم القيامة، وقد ثبت أن القيامة محل الجزاء، وأنَّ الترتيب فيها بحسب الأعمال، وإذا كان مضمون هذه الأخبار يفيد تقدم أمير المؤمنين على كافة الخلق سوى رسول الله
(صلی اللّه علیه و آله و سلم في كرامة الثواب، دلّ ذلك على أنه أفضل من سايرهم في الأعمال.)ومن ذلك قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: «علي خير البشر »، و«سيد البشر »، و «خير الخلق»ونحو ذلك (1).وأما ظواهر الأعمال فإنَّه لا يوجد في الإسلام لبشر ما يوجد لعلي وإذا كان الإسلام أفضل الأديان، لأنه أعم مصلحة للعباد كان العمل في تأديته وشرائعه أفضل الأعمال، مع الإجماع على أن شريعة الإسلام أفضل الشرائع، والعمل بها أفضل الأعمال، ويؤكد ذلك قوله تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ (2).)وأما المنافع الدينية بالأعمال هو أنَّ النفع بالإسلام الذي جاء به النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم إذا كان إنما وصل إلى هذه الأمة بأمير المؤمنين، ثبت له الفضل الذي وجب للنبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) من جهة ربِّه على قواعد المعتزلة في القضاء بالفضائل من جهة النفع العام، وتفاضل الخلق فيه بحسب كثرة القائمين للدين والمنتفعين بذلك من الأنام (3).)
## حديث الثقلين80- إن حديث الثقلين مشتهر*** شاعَ به فضلُ عليّ وظَهَرْ81- فهو عديل للكتاب المنزل*** وكلُّ مَنْ تَابَعَه لم يَضللإشارة منه دام ظله إلى الحديث المشهور المعروف بحديث الثقلين، حيث قال (صلی اللّه علیه و آله و سلم في عدة مواطن - كما سيأتي-: إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي... الخ.)وهذا هو الحديث الذي وضع فيه النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم للناس مرجعاً يرجعون إليه في جميع المشاكل التي تعترض حياتهم، وحيث وضعهم أمام مصدرين لا ثالث لهما، ضمن لهم في الاعتصام بهما الأمان من كل شقاء وضلال، وهما كتاب الله تعالى وعترته.)وهو حين يتقدم بهذا التعهد والضمان إلى جميع الأجيال المتعاقبة من بعده، يبين للناس أنَّ صلاحية التمسك بهذين الدليلين ليس وقفاً على
عصر دون آخر، ولا حكراً على أمة دون أخرى، كما أنه أبان للناس أنه لا ينبغي أن يكون لأي تطور حضاري أو عرف زمني أي سلطان أو تغلب عليهما.ولإحاطة القارئ بشيء يسير عن هذا الحديث سنداً ومتناً ودلالة، وبالتالي إلى مصادر تخريجه ومن خصه بالتأليف، لا بد من الإشارة إلى ذكر موارده التي قال فيها الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم في جملة من مشاهده، فإنَّ في ملاحظة أجواء الصدور ما يعين على إدراك حقائق الأمور، في تأكيد الدلالة والظهور، ويغني عن الإسهاب والشرح في السطور.)لقد قام (صلی اللّه علیه و آله و سلم بذلك في عدة مواطن، وهي فيما أحصيت حسب تتبعي واستقرائي - ولا أزعم أنه تام - ستة مواطن، وهي كما يلي:)أولاً: عند منصرفه من الطائف عام ثماني للهجرة، وكان ذلك بعد فتح مكة.فقد أخرج ابن عقدة في كتابه الموالاة والحافظ أبو الفتوح العجلي في كتابه الموجز، والديلمي في الفردوس، وأبو بكر بن أبي شيبة في المصنف، وأبو يعلى في مسنده وعن هؤلاء وغيرهم أخرج الحديث ابن حجر العسقلاني في المطالب العالية (1، وابن حجر الهيتمي في الصواعق(2)، ونور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه أبو يعلى، وفيه طلحة بن)
جبر، وثقه ابن معين في رواية، وضعفه الجوزجاني، وبقية رجاله ثقات(1. وأخرجه أيضاً ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة مقتصراً على بعضه (2)، وأخرجه السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال (3)وغيرهم جميعا عن عبد الرحمن بن عوف، ولفظه كما في المطالب العالية وغيره قال:)لما افتتح رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم مكة انصرف إلى الطائف، فحاصرها سبع عشرة أو ثماني عشرة فلم يفتتحها، ثم أوغل روحة أو غدوة، فنزل ثم هجر - أي صلى الهاجرة، أي الظهر - ثم فتح الله الطائف، ثم قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس، إني فرط لكم، وأوصيكم بعترتي خيراً، وإن موعدكم الحوض، والذي نفسي بيده ليقيمنَّ الصلاة وليؤتي الزكاة، أو لأبعثنَّ إليهم رجلا مني أو كنفسي، فليضربن أعناق مقاتليهم، وليسبين ذراريهم. قال: فرأى الناس أنه أبو بكر أو عمر، فأخذ بيد علي، فقال: هو هذا.وقد يثير حديث ابن عوف هذا بعض الهمز واللمز، خصوصا وقد خلا من ذكر الثقلين كما هو مشهور ومسطور، إلا أنَّ الباحث النابه إذا رجع إلى حديث غزاة الطائف، ووعى ما جرى في أجوائها، أدرك أن جهداً للرواة بذلوه حوله فيما أصابه من حذف وتشذيب، وتعتيم
وتضبيب، فابن عوف الذي هو أحد رواته، رواه بدون لفظ الثقلين، إلا أنه على نفسه عما أخفاه هو أو غيره - مما كانت تجنّه الصدور - فإنَّ في قوله: (فرأى الناس يوهم عامة الناس، ولا أقل من بعض الناس إن لم يكن جميعهم، فمن هم أولئك الناس؟)لقد أخطأ الموهم في حسابه، ولا نقول شيئا في عتابه.فالناس في هذا الحديث هم الناس الذين قالوا في ذلك اليوم أيضاً حينما انتجي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم عليا فأطال مناجاته فقال الناس كما في سنن الترمذي وغيره: لقد طال نجواه لابن عمه. فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ما أنا انتجيته، ولكن الله انتجاه(1.)وهذا الحديث - أعني حديث المناجاة - طالته أيضاً يد الإثم السياسي بالتعتيم، فسترت أسماء الناس الذين صورتهم غضاباً، فقالوا في مناجاة الرسول لابن عمه ما قالوا، بينما نجد الحديث عن جابر بن عبد الله الأنصاري وهو يكشف لنا من قال ذلك للنبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم دون أي مواربة أو تحفظ، وبدون إثارة أي حفيظة، فيقول فيما أخرجه عنه الطبراني في معجمه الكبير والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال وغيرهما:)لما كان يوم غزوة الطائف قام النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم مع علي رضي الله عنه ملياً من النهار، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: يا
1) سنن الترمذي 2/300، وأخرجه أيضاً الخطيب البغدادي في تاريخه 7/402، وابن الأثير في أسد الغابة 4/27 وغيرهما.
رسول الله لقد طالت مناجاتك عليا منذ اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ما أنا انتجيته ولكن الله انتجاه(1.)ففي هذا الحديث كما في الذي قبله مؤشر يوحي بأن لرواة السوء يدا في إخفاء كثير من معالم ما جرى في ذلك اليوم على حقيقته، إما حنقا على أبي بكر، أو بغضاً لأبي تراب، فإنَّ أبا بكر كان يقول بعد ذلك علي عترة رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم(2.)وما يدرينا لعل أبا بكر حين كان يقول ذلك قد استفاده من معطيات حديث الطائف، وقد مرَّ في حديث ابن عوف بعض ذلك.ثانياً: يوم عرفة، وقد الخطيب (صلی اللّه علیه و آله و سلم بذلك وهو على ظهر ناقته القصواء.)ثالثاً: في مسجد الخيف بمنى، وذلك في حجة الوداع.رابعاً: يوم الغدير.خامساً: يوم قبض في آخر خطبة له على المنبر، وستأتي بنصها.وهذه المواطن الأربعة وردت في حديث علي (علیه السلام، الذي أخرجه القندوزي الحنفي في الينابيع:)
قال: عن علي (علیه السلام: إنَّ الذي قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يوم عرفة، ومسجد الخيف، ويوم الغدير، ويوم قبض في خطبة على المنبر: أيها الناس إني تركت فيكم الثقلين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما، الأكبر منهما كتاب الله والأصغر عترتي أهل بيتي، وإنَّ اللطيف الخبير عهد إلي أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض كهاتين - أشار بالسبابتين - ولا أن أحدهما أقدم من الآخر، فتمسكوا بهما، لن تضلوا، ولا تقدّموا منهم، ولا تخلّفوا عنهم، ولا تعلموهم فإنَّهم أعلم منكم(1).)ولم يكن هذا الحديث هو وحده الذي ذكرت فيه تلك المواطن، بل ثمة أحاديث أخر عن صحابة آخرين ذكروا فيها تلك المواطن منفردة، كما لم يكن هذا الحديث هو الوحيد عن علي (علیه السلام فيه ذكر الثقلين، بل له أحاديث أخرى نحو ما أخرجه الهيثمي عن البزار في مسنده، وأخرجه عنه السيوطي أيضاً في كتابه (إحياء الميت بفضائل أهل البيت)، قال السيوطي: أخرج البزار عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: إني مقبوض وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي، وإنكم لن تضلوا بعدهما(2).)ونحو ما أخرجه ابن جرير في تهذيب الآثار وصححه كما نقله عنه السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال عن محمد بن عمر بن
علي عن أبيه عن علي بن أبي طالب قال: إن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله سبب بيد الله وسبب بأيديكم، وأهل بيتي(1.)ونحو ما أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء بسنده عن علي قال: خطب رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بالجحفة، فقال: أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى. قال: فإني كائن لكم على الحوض فرطاً، وسائلكم عن اثنين: عن القرآن وعن عترتي(2.)وأخيراً ما رواه التابعي الجليل سليم بن قيس، وأخرجه عنه بسنده الحافظ الحمويني في كتابه فرائد السمطين في الباب الثامن والخمسين بسنده عن سليم قال: رأيت عليا (علیه السلام، في مسجد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في خلافة عثمان (رض) وجماعة يتحدثون... ثم ذكر حديث المفاخرة بين المهاجرين والأنصار، وعلي ساكت لا ينطق هو ولا أحد من أهل بيته، فأقبل عليه القوم فقالوا: يا أبا الحسن ما يمنعك أن تتكلّم؟ فقال: ما من الحيين إلا وقد ذكر فضلاً وقال حقاً. ثم قررهم بمن أعطاهم الله الفضل به وهو رسول الله صلى الله عليه [وآله]...)إلى أن قال بعد ذكر جملة وافرة من مناقبه، وهم يقرون له بذلك: أنشدكم الله أتعلمون أنَّ رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قام خطيباً
لم يخطب بعد ذلك، فقال: يا أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فتمسكوا بهما لن تضلوا، فإن اللطيف الخبير أخبرني وعهد إلي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. فقام عمر بن الخطاب شبه المغضب فقال يا رسول الله أكل أهل بيتك؟ قال: لا، ولكن أوصيائي منهم، أولهم أخي ووزيري ووارثي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي، هو أولهم، ثم ابني الحسن، ثم ابني الحسين، ثم تسعة من ولد الحسين، واحد بعد واحد حتى يردوا علي الحوض، هم شهداء الله في أرضه، وحجته على خلقه، وخزَّان علمه، ومعادن حكمته من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم عصى الله.فقالوا كلّهم نشهد أنَّ رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال ذلك (1.)أما ما أخرجه الصحابة عن المواطن الأخرى فأكثرها وروداً وأظهرها دلالة حديث يوم الغدير، وهو الذي حضره مائة ألف أو يزيدون.فمما روي في ذلك عن زيد بن أرقم ما أخرجه مسلم في صحيحه، بسنده عن يزيد بن حيان، قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وسمعت حديثه،
1) فرائد السمطين 1/312.
وغزوت معه وصلّيت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدّثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم. قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنتُ أعي من رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فما حدّثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلفونيه. ثم قال: قام رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خمّا بين مكة والمدينة وحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد، إلا أيها الناس فإنّما أنا بشر، يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به. فحثّ على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي(1.)وأخرج مسلم في صحيحه هذا الحديث مكرراً بطرق متعددة، وفي بعضها قال يزيد بن حيان فقلنا من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: وأيم الله إنَّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده (2.)وأخرج الحاكم بسنده عن مسلم بن صبيح عن زيد بن أرقم (رض قال: قال رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم): إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وأهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.)
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه(1.)أقول: وأخرجه الذهبي في تلخيص المستدرك، ورمز له ب- (خ م وهما رمز البخاري ومسلم.)وحديث زيد بن أرقم بألفاظه المتفاوتة، وصيغه المختلفة، أخرجه غير واحد من الحفاظ وأئمة السنن والسير في أكثر من ستين مصدراً فيما أحصيت.منهم الترمذي في سننه (2، والدارمي في سننه (3)، والبيهقي في السنن الكبرى (4)، والبغوي في مصابيح السنة (5)، وأحمد بن حنبل في مسنده (6)، والطبراني في معجمه الكبير (7)، والحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين (8)، وابن أبي عاصم في كتاب السنة(9)، والهيثمي في مجمع)
1) المستدرك 3/148.
2) صحيح الترمذي 13/200 ط الصاوي، 5/663 بتحقيق إبراهيم عطوي عوض.
3) سنن الدرامي 2/431 ط دمشق.
4) السنن الكبرى 2/148، 10/113 ط حیدر آباد، وأخرجه أيضاً في كتابه الاعتقاد، 164 ط مصر.
5) مصابيح السنة، ص 205 - 206 ط الخيرية بمصر.
6) مسند أحمد 4/347، 371 وأماكن أخرى.
7) المعجم الكبير 5/ 166، 170 - 171، 183 ط الثانية.
8) مستدرك الحاكم 3/109 وصححه على شرط الشيخين ولم يتعقبه الذهبي بشيء.
9) كتاب السنّة برقم 1150، 1151، 1152، 1555.
الزوائد (1، وابن المغازلي في المناقب (2)، وابنا الأثير في أسد الغابة وجامع الأصول (3)وغيرهم.)وقد روى حديث الثقلين في يوم الغدير سوى من تقدم: علي وأم سلمة، وجابر، وحذيفة بن أسيد، وعامر بن ليلى بن ضمرة، وغيرهم.أما الذين رووه سوى من تقدم في يوم عرفة فهم جابر، وأبو ذر وأحاديث هؤلاء مبثوثة في جملة المصادر الآتية في آخر البحث.ومن الذين رووه في آخر خطبة له (صلی اللّه علیه و آله و سلم، علي، وابن عباس، وجابر أيضاً، وإليك حديث ابن عباس رضي الله عنه:)أخرج خطيب خوارزم الموفق بن أحمد المكي الحنفي في مقتل الحسين (علیه السلام، في حديث طويل قال: ذكره ابن أعثم الكوفي في تاريخه بأسانيد له كثيرة... إلى أن قال:)وقال ابن عباس: خرج النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم قبل موته بأيام يسيرة إلى سفر له ثم رجع وهو متغير اللون محمر الوجه، فخطب خطبة بليغة موجزة وعيناه تهملان دموعا قال فيها:)أيها الناس إني خلّفت فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي وأرومتي ومزاج مائي وثمرتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ألا وإني
أنتظرهما، ألا وإني لا أسألكم من ذلك إلا ما أمرني ربي أن أسألكم به المودة في القربى فانظروا لا تلقوني على الحوض وقد أبغضتم عترتي وظلمتموهم، ألا وإنه سترد علي يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الأمة:راية سوداء مظلمة فتقف عليَّ، فأقول من أنتم؟ فينسون ذكري ويقولون: أهل التوحيد من العرب. فأقول: أنا أحمد نبي العرب والعجم. فيقولون: نحن من أمتك يا أحمد. فأقول لهم: كيف خلفتموني من بعدي في أهل بيتي وعترتي وكتاب ربي؟ فيقولون: أما الكتاب فضيّعناه ومزّقناه، وأما عترتك فحرصنا على أن ننبذهم - نبيدهم - عن جديد الأرض. فأولي وجهي عنهم، فيصدرون ظماء عطاشى مسودّة وجوههم.ثم ترد عليّ راية أخرى أشدّ سواداً من الأولى، فأقول لهم: من أنتم؟ فيقولون كالقول الأول بأنهم من أهل التوحيد، فإذا ذكرت لهم اسمي عرفوني وقالوا: نحن أمتك. فأقول لهم: كيف خلفتموني في الثقلين الأكبر والأصغر؟ فيقولون أما الأكبر فخالفناه، وأما الأصغر فخذلناه ومزّقناه كل ممزّق. فأقول لهم: إليكم عني. فيصدرون ظماء عطاشى مسودة وجوههم.ثم ترد عليَّ راية أخرى تلمع نوراً، فأقول لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل التوحيد والتقوى، نحن أمة محمد، ونحن بقية أهل الحق الذين حملنا كتاب ربنا، فحللنا حلاله، وحرَّمنا حرامه، وأحببنا ذرية محمد فنصرناهم بما نصرنا به أنفسنا وقاتلنا معهم، وقتلنا من ناوأهم. فأقول
لهم: ابشروا فأنا نبيكم محمد، ولقد كنتم في دار الدنيا كما وصفتم. ثم أسقيهم من حوضي فيصدرون رواء.ألا وإن جبرئيل قد أخبرني بأن أمتي تقتل ولدي الحسين بأرض كرب وبلاء، ألا فلعنة الله على قاتله وخاذله آخر الدهر (1.)قال:- ابن عباس -: ثم نزل عن المنبر، ولم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلا وتيّقن أن الحسين مقتول.سادساً: وفي حجرته وقد غصت بأصحابه، وقد رواه علي وفاطمة وأم سلمة وغيرهم.فحديث علي (علیه السلام أخرجه الموفق الخوارزمي في مقتل الحسين بسنده عن علي (علیه السلام)، قال: لما ثقل رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) في مرضه، والبيت غاص بمن فيه، قال: ادعوا لي الحسن والحسين. فجاءا فجعل يلثمهما حتى أغمي عليه، فجعل علي يرفعهما عن وجه رسول الله، ففتح عينيه وقال: دعهما يتمتعا مني وأتمتع منهما، فستصيبهما بعدي إثرة.)ثم قال: أيها الناس قد خلّفت فيكم كتاب الله وسنتي وعترتي أهل بيتي، فالمضيع لكتاب الله تعالى كالمضيع لسنتي، والمضيع لسنتي كالمضيع لعترتي أما إنَّ ذلك لن يفترقا حتى اللقاء على الحوض (2.)وأحسب فيما أظن - وظني الألمعي يقين - أن ذلك كان بعد يوم
الخميس، ذلك اليوم الذي أراد أن يكتب فيه لأمته كتاباً لن يضلّوا بعده، فمنع منه من منع، وقال كلمة لا أستسيغ ذكرها، معناها: (قد غلبه الوجع كما في صحيح البخاري وغيره، فأغمي عليه لشدة الصدمة، وتنازع الصحابة فيما بينهم، فأفاق (صلی اللّه علیه و آله و سلم)، فنهرهم وطردهم وقال: اخرجوا عني، لا ينبغي عند نبي تنازع وأوصاهم بثلاث، وقال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به، وأوصيكم بأهل بيتي خيراً.)وقد نسي - وبالأصح تناسى - بعض الرواة هذه الفقرة الأخيرة من الوصية دون غيرها.وهذا هو اليوم الذي كان ابن عباس إذا ذكره بكى حتى يبل دمعه الحصى، ويقول: الرزيَّة كل الرزيَّة ما حال بين رسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم وبين أن يكتب لهم الكتاب.)ومهما يكن أمر ذلك اليوم وما جرى فيه، ومهما يكن تاريخ ذلك اليوم وتحديد زمن وقوع حديث الثقلين قبله أو بعده، فإن في كل من حديث الثقلين وحديث الكتف والدواة ما يجلب الانتباه، فقد ورد فيهما معاً جملة (لن تضلّوا، وهذه الفقرة اشتركا فيها، مضافاً إلى اشتراكهما في الغاية وزمان الصدور ومكانه، فكل منهما كان لتأمين الأمة من الضلالة، وكل منهما كان في مرضه الذي توفي فيه وفي حجرته وقد غصت بأصحابه، وتلك الجملة (لن تضلوا) لم أقف على صدورها عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) إلا في بضعة)
أحاديث(1، كلها توحي بأنَّ عليَّا وفاطمة والحسن والحسين هم أهل بيته خاصة، وهم خليقون بأن يقرنوا بالكتاب، والتمسك بهما معاً - الكتاب والعترة - طريق الأمة إلى الصواب، إذا أحسنوا التقدير ولم يخطئوا الحساب كما في هذين الحديثين.)وثمة حديث ثالث يجري مجراهما في الغاية، ويسايرهما حتى النهاية ولا يبعد مشاركته لهما في زمان الصدور أيضا، وذلك قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم كما عن الحسن بن علي وأنس وعائشة وغيرهم:)ادعوا لي سيد العرب - يعني علي بن أبي طالب-، فقالت عائشة: ألست سيد العرب؟ فقال: أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب. فلما جاء أرسل إلى الأنصار، فأتوه فقال لهم: يا معشر الأنصار ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده أبداً؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هذا علي فأحبوه بحبي، وأكرموه بكرامتي، فإنَّ جبرئيل أمرني بالذي قلت لكم من
1) لقد بحثت كثيراً في جوامع الحديث من صحاح ومسانيد وسنن وحتى في بعض كتب السيرة والأدب واستعنت بالمعاجم الموضوعة للدلالة على مواضع الأحاديث أمثال مفتاح الصحيحين ومفتاح كنوز السنة، وذخائر المواريث، وموسوعة أطراف الحديث والمعجم المفهرس وهو أحسنها وضعاً، واشملها جمعاً، فلم أقف إلا على بضعة أحاديث ورد فيها قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم): (لن تضلوا)، وهي التي أشرت إليها أعلاه، وأما ما رواه مالك في الموطأ 2/208 بلفظ: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه)، فهو تحريف لحديث الثقلين كما سيأتي بيانه إذن فهو داخل فيه فلا نعده بمفرده، هذا مبلغ علمي وفوق كل ذي علم عليم.
الله عز وجل(1.)فإنّ جو صدور هذا الحديث يوحي بأنه كان بعد حديث الكتف والدواة الذي أعلن فيه بعض المهاجرين خلافه عليه، فاستدعى (صلی اللّه علیه و آله و سلم الأنصار فقال لهم ذلك.)وهناك حديث رابع يدور أيضا في فلك الأحاديث الثلاثة السابقة. فقد جاء في كتاب اللئالئ المصنوعة للسيوطي: وقال ابن أبي شيبة في مسنده: حدثنا الفضل بن دكين عن ابن أبي غنية عن أبي الخطاب عن مجدوح الذهلي عن جسرة حدثتني أم سلمة، قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم إلى صرحة المسجد، فنادى بأعلى صوته ألا إن هذا المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض إلا النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم وأزواجه وعلياً، وفاطمة ألا هل بينت لكم الأسماء أن تضلوا.ثم قال السيوطي: أخرجه البيهقي في سننه (2.)أقول: لدى مراجعتي سنن البيهقي وجدت أن ما ذكره السيوطي لم
1) حلية الأولياء 1/63. وقال: رواه أبو بشر عن سعيد بن جبير عن عائشة، نحوه في السؤدد مختصراً. المعجم الكبير للطبراني 3/88. الرياض النضرة 2/177. ذخائر العقبى، ص 70 جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال 12/216، 15/126. مجمع الزوائد 9/131. نزهة المجالس للصفوري 2/208 منتخب كنز العمال (بهامش مسند أحمد) كما حكى تخريجه عن الطبراني عن الحسن والدارقطني في الإفراد عن ابن عباس وعند غيره عن جابر.
2) اللئالئی المصنوعة 1/183 ط مصر الأولى.
يخل من تصرف في متنه، حيث حذف منه، وأقحم فيه. وإلى القارئ نص ما في سنن البيهقي، بسنده إلى الفضل بن دكين - إلى آخر السند - عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فوجه [كذا] هذا المسجد، فقال: ألا لا يحلّ هذا المسجد لجنب ولا لحائض إلا لرسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين، ألا قد بيّنت لكم الأسماء أن لا تضلّوا.ورواه بسند آخر، ولفظ متنه ألا إن مسجد[ي] حرام على كل حائض من النساء، وكل جنب من الرجال إلا على محمد وأهل بيته: علي وفاطمة والحسن والحسين (1.)والآن للقارئ أن يقارن بين ما حكاه السيوطي عن السنن وما هو موجود فيها، فهل يجد ذكراً للأزواج؟ فمن أين أقحمه السيوطي؟ثم لماذا حذف اسم الحسن والحسين، واسمهما مذكور في متن الحديث؟فهذا الدسّ والبسّ ينبئ عن تظافر الجهود أولا وأخيراً على إطفاء نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره.وهذا حديث خامس مورث الاطمئنان واليقين بمفاد الأحاديث السابقة، إذ أن جملة لن تضلوا وردت فيما يختص بالتمسك بالإمام أمير المؤمنين (علیه السلام، فقد روى ابن المغازلي المالكي الواسطي في المناقب بسنده)
1) السنن الكبرى للبيهقي 7/65 ط دار الفكر، أفست عن ط حيدرآباد.
إلى زيد بن أرقم، قال: كنا جلوسا عند رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم فقال: ألا أدلكم على من لو استر شدتموه لن تضلوا ولن تهلكوا؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هو هذا. وأشار إلى علي بن أبي طالب. ثم قال واخوه ووازروه، وصدقوه، وانصحوه، فإن جبرئيل أخبرني بما قلت(1).)وهذا حديث سادس في حقائقه، رواه الحافظ القندوزي في ينابيع المودة عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم: لن تضلوا ولن تهلكوا وأنتم في موالاة علي، وإن خالفتموه فقد ضلّت بكم الطرق والأهواء في الغي فاتقوا الله فإن ذمة الله علي بن أبي طالب(2).)هذه هي جملة الأحاديث التي وقفت عليها، وقد وردت فيها جملة (لن تضلوا، وكلها صدرت من منبع واحد هو رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) الذي لا ينطق عن الهوى، بل هو وحي يوحى، وصبّت في رافد واحد وهو التمسك بالكتاب والعترة اللذين هما وديعته عند أمته ومسائلهم عنهما.)وكل تلك الأحاديث تنبئ عن مدى اهتمام النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم بهداية أمته، حيث أمرهم بالتمسك بالثقلين حفاظاً عليهم من الضلال بعد الهداية وذلك معنى جوهر الرسالة المحمدية بكل ما للهداية من أصول وفروع وهو معنى قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) الذي كثيراً ما ألقاه على مسامع المسلمين: تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها.)
## رواة الحديث:قال ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة في جملة من كلامه على الآية الرابعة من الآيات الواردة في حق أهل البيت (علیهم السلام:)ثم اعلم أن الحديث التمسك بذلك -ويعني حديث التمسك بالثقلين لقوله(صلی اللّه علیه و آله و سلم: «ما إن تمسكتم بهما»- طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً، ومرَّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه، وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، وفي أخرى أنّه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أخرى أنه قال ذلك بغدير خم، وفي أخرى أنّه قاله لما قام خطيباً بعد منصرفه من الطائف كما مرّ.)ولا تنافي، إذ لا مانع من أنه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن، وغيرها، اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة. وفي رواية الطبراني عن ابن عمر: آخر ما تكلّم به النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: اخلفوني في أهل بيتي(1.)أقول: إذا عرفنا أن النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم كان يخطب المسلمين ويذكر لهم هذا الحديث مراراً، حتى قبيل وفاته قاله في مرضه لأصحابه و هم عنده قد امتلأت بهم الحجرة، فهل يعقل بعد هذا البيان أن تنتهي طرق الحديث إلى نيف وعشرين صحابياً؟)ولست في مقام تحقيق ذلك، ولكن أحببت تنبيه القارئ إلى أنَّ العقل
1) الصواعق المحرقة، ص 89 ط الميمنية سنة 1312ه-، ص 148 الطبعة الثانية بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف.
والنقل يقضيان بأن رواة هذا الحديث من الصحابة كانوا آلافاً مؤلفة، وأضعافاً مضاعفة، لا كما ذكره ابن حجر ومن هو على شاكلته من أصحابه كالسخاوي وأضرابه، وإنَّ طرقه وردت عن نيف وعشرين صحابيا؟وإني في هذه الساعة على قلة البضاعة، وقفت على أسماء أكثر من أربعين صحابياً، منهم تسعة وثلاثون رجلاً وثلاث نساء، وهم كما يلي: الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وزوجته الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء، وابنهما الإمام الحسن الزكي (علیهم السلام، وابن عمهما حبر الأمة عبد الله بن عباس، وأم المؤمنين أم سلمة، وأم هاني بنت أبي طالب، وسلمان، وأبو ذر والمقداد، وعمار وعمر وابنه عبد الله بن عمر وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وأبو الهيثم بن التيهان وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأبو رافع مولى رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) وزيد بن أرقم، وزيد بن أسلم، وزيد بن ثابت والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن حنطب وجبير بن مطعم وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، وعدي بن حاتم وسهل بن سعد الأنصاري، وأبو أيوب الأنصاري وعقبة بن عامر وأبو شريح الخزاعي، وأبو قدامة الأنصاري، وأبو ليلى الأنصاري، وضميرة الأسلمي، وعامر بن ليلى بن ضمرة وجرير بن عبد الله وحبشي بن جنادة، وأبو هريرة(1).)
1) بعض هؤلاء الصحابة روى الحديث نصا وبعضهم شهد بسماعه كما في بعض أحاديث المناشدة، وكلا الفريقين لا يتطرق الريب إليهم في ذلك، إلا آخرهم وهو أبو هريرة، الذي أخرج الحديث عنه السيوطي في إحياء الميت، ص 247 بهامش الإتحاف للشبراوي والسخاوي في استجلاب ارتقاء الغرف والسمهودي في جواهر العقدين، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة، ص 39 ط إستانبول، وغيرهم، فإنَّ النفس لا تركن إلى روايته، لأنه لم يكن حاضراً في جميع تلك المواطن التي خطب فيها رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) و ذكر الحديث الثقلين، حيث كان مع العلاء بن الحضرمي بالبحرين مؤذناً له، وكان تولية العلاء في ذي القعدة عام ثمان للهجرة، وبقي أبو هريرة هناك حتى استدعاه عمر للشهادة على قدامة بن مظعون، ثم رجع حتى سنة 20 أو 21 حين استدعاه عمر وقد بلغه عنه الخيانة المالية، فشاطره أمواله، وقد سبق أن بينت ذلك مفصلا في حديث تبليغ براءة وما بعده فراجع.)اللهم إلا أن يكون سمع الحديث ممن حضر تلك المشاهد من الصحابة، فرواه عنه مدلساً ولم يصرح باسمه، وهو كان ممن يستحل هذا النوع من التدليس في الحديث، فإذا حوقق في سماعه اعترف بذلك، كما في نسبته حديث (من أصبح جنبا فلا صيام له فكذبته عائشة فقال: إنه سمعه من الفضل بن العباس. وذلك بعد موت الفضل وما يدرينا أنه صدق في سماعه ذلك من الفضل!
هؤلاء الذين وقفت على أسمائهم، ولا شك أنهم لم يكونوا وحدهم فحسب الذين حضروا تلك المشاهد التي قال فيها النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم حديث الثقلين، بل لا شك أنه رواه خلائق غيرهم ممن حضر تلك المجامع العامة، ولا غضاضة علينا إن لم نعثر على أسمائهم، فربما بقيت في صدور ذوي الشحناء ممن لا حريجة له في الدين (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)(1).)
1) سورة البقرة، الآية 146.
## متن الحديث:لقد ورد الحديث المذكور بصيغ متعددة، وألفاظ متفاوتة، تبعاً لطبيعة الموارد التي أشرت إليها، ونظراً لتعدد الرواة، واختلاف استعدادهم للتحمّل والأداء، مضافاً إلى نوازع الآراء ونوازع الأهواء، كل ذلك مما يجعل التفاوت في النقل كأثر طبيعي، فلا غرابة إذ وردت صوره متعددة، وألفاظه مختلفة، ولكنها جميعا قريبة في المبنى، متحدة في المعنى.ففي رواية زيد بن أرقم مثلاً التي أخرجها الترمذي في سننه جاءت بلفظ: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا بما تخلفوني فيهما.لكن عند مسلم في صحيحه وردت بصور متعددة مرَّ بعضها آنفاً، وعند غيره كذلك، إلا أنها جميعاً تشير إلى معنى واحد، وإن اختلفت ألفاظها.ولسنا بصدد بيان التفاوت بين ألفاظ حديث الرواة، أو مدى التفاوت بين صور حديث الراوي الواحد مع تعيينه والمصدر الذي هو فيه، فإنَّ ذلك يحتاج إلى مزيد من الوقت ولا كثير فائدة فيه، نعم نحن الآن نكتفي بعرض عدة صور للحديث المذكور، لنرى مدى الإجماع وبالأصح مدى الاتفاق على تعيين المراد منها، وإن اختلفت ألفاظها لكن معانيها متحدة.
فمنها: إني خلفت - مخلّف - فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي.ومنها: إني مخلّف فيكم كتاب ربي عز وجل وعترتي أهل بيتي.ومنها: إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي.ومنها: إني تركت فيكم خليفتين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض.ومنها: إني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي.ومنها: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي.ومنها: إني تارك فيكم الثقلين، الثقل الأكبر والثقل الأصغر، الثقل الأكبر كتاب الله، والثقل الأصغر عترتي أهل بيتي.ومنها: إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي.ومنها: إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي.ومنها: تركت فيكم ما لم تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي.
فهذه الصور جميعاً بينها القاسم المشترك وهو استخلاف الكتاب والعترة، وأمر الأمة باتباعهما معاً لتكون في أمن من الظلال ما تمسكت بهما، وأنهما لن يفترقا حتى يردا الحوض وبالتالي فالرسول مُسائل الأمة عنهما، كما في جملة أخرى من صور الحديث مرّ بعضها.ولنا عودة عند شرح تتمة قول سيدنا الناظم دام ظله فيما يتعلّق بهذا الموضوع.82 - فهل تُرى كانَ الحديث مجملاً*** ذي فكرةٌ مِنْ عاقل لن تُقبَلا83 - بل الحديث واضح الدلالةْ*** بنصب أهل البيت والرسالةْإشارة منه دام ظله إلى وضوح الدلالة في الحديث على إمامة أهل البيت (علیهم السلام.)ولا أظن أن من أوتي عقلاً ومسكة من دين، يحتاج إلى تبيان ذلك له مع صراحة الحديث ووضوحه، فالنبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم -وهو أفصح من نطق بالضاد - لم يبهم أو يوهم ولم يهمهم أو يغمغم، بل أفصح ولم يتمتم فأعلن المقال، وأوضح الحال على رؤوس الأشهاد، بلسان عربي مبين وأكد ذلك مقاماً بعد مقام في مشاهد عامة، يخطب فيها المسلمين، من على ظهر ناقته القصواء كما في عرفة ومسجد الخيف بمنى، أو على صهوة منبره كما في بقية مشاهده كغزاة الطائف، ويوم الغدير وآخر خطبة له في المدينة)
وحتى يوم قال ذلك في حجرته فهو لم يقل ذلك بين نسائه وأهل بيته وحدهم بل قاله والحجرة غاصة بأصحابه.فهو في جميع تلك المحافل الحاشدة يريد إعلام المسلمين - جميع المسلمين - صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، شاهدهم وغائبهم قطعا للمعاذير وإتماما للحجة.يروم أن يبلغهم أمراً هو من عند الله تعالى، لا من عند نفسه، وهو على حال يوشك أن يدعى فيجيب داعي ربه، فهو إذن في مقام الوصية وهو في مقام نصب الخليفة من بعده، وتعيين القائم بوظائفه، والقيم على أمَّته، والراعي لشؤونها في صلاحها.وهو في مقام التحذير والإنذار بعد البيان والإعذار من مغبة التخلف عن امتثال أمره، وكل ذلك واضح لا لبس فيه، تدل كل فقرة على ذلك.فمهما شرق وغرب وراوغ وأغرب من لا حريجة له في الدين في تفسير العترة من الثقلين فإنَّ الصبح واضح لذي عينين.فهذا حديث حذيفة بن أسيد بطوله أوضح بيانا، وأفصح تبيانا، وقد أخرجه الحفاظ بعدة أسانيد:قال: لما صدر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم من حجة الوداع نهى أصحابه عن شجرات - سمرات - بالبطحاء متقاربات أن ينزلوا تحتهن، ثم بعث إليهن فقُمَّ ما تحتهن من الشوك، وعمد إليهن فصلّى
تحتهن، ثم قام فقال:يا أيها الناس إني قد نبأني اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا نصف عمر الذي من قبله، وإني لأظنُّ أني يوشك أن أدعى فأجيب، وإني مسؤول، وإنكم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟قالوا نشهد أنك قد بلغت وجهدت ونصحت، فجزاك الله خيراً. فقال: أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وان جنته حق، وناره حق، وأنَّ الموت حق، وأن البعث بعد الموت حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور؟قالوا: بلى نشهد بذلك. قال: اللهم اشهد.ثم قال: أيها الناس إنَّ الله، مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا مولاه -يعني عليا - اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.ثم قال: أيها الناس إني فرطكم، وإنكم واردون علي الحوض، حوض أعرض ما بين بصرى وصنعاء، فيه عدد النجوم قدحان من فضة، وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما، الثقل الأكبر كتاب الله عز وجل سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتي، فإنه نبأني اللطيف الخبير أنهما لن ينقضيا - لن يفترقا حتى يردا علي الحوض(1.)
1) حلية الأولياء 1/355. المعجم الكبير للطبراني 3/180 الطبعة الثانية بالموصل. مجمع الزوائد 9/165 إتحاف المتقين 15/532 ينابيع المودة، ص 37 - 38 وغيرهم.
فهل بعد ذلك يبقى شك أو ريب في صحة الحديث سنداً، ووضوحه دلالة، وبعد بيان معنى الثقلين، وأنهما أهم من الشيء الخطير النفيس المصون - كما هو المعنى اللغوي لهما- وبعد بيان من هم العترة الذين استخلفهم النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم ، ونصبهم أئمة من بعده، وأمر الأمة بالاقتداء بهم كما في حديث ابن عباس رضي الله عنه.)فقد أخرج أبو نعيم في الحلية والحمويني في فرائد السمطين بسندهما عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: من سره أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنَّة عدن غرسها ربِّي، فليوال عليا من بعدي وليوال وليَّه وليقتد بالأئمة من بعدي فإنهم عترتي خلقوا من طينتي، رزقوا فهما وعلما وويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، للقاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي(1.)ومع هذا كله يبقى متنطّع يناقش في معنى الثقلين، أو متشدق يحاول التشكيك في هوية العترة.ومهما وجد مثل هذا أو ذاك فإنَّ حديثي زيد بن ثابت وسعيد الخدري، يقطعان جهيزة كل ناعق.وذلك ما أشار إليه سيدنا الناظم دام ظله بقوله الآتي.
1) حلية الأولياء 1/86 فرائد السمطين 1/53.
## أهل البيت (علیهم السلام هم حجج الله وأركان الهدى)84 - خلائفُ الناسِ همُ هُداةُ*** إلى الرشادِ والتَّقَى دُعَاةُ85 - هُمْ حُجج الله وأركان الهدى*** قبلة كل مؤمنِ والمُقْتَدَىإشارة منه دام ظله إلى ما جاء في بعض نصوص حديث الثقلين والتعبير عنهما بخليفتين، وهذا ما ورد في حديث زيد بن ثابت فيما أخرجه أحمد في مسنده (1، والطبراني في معجمه الكبير (2)، وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات (3). وقال في موضع آخر: رواه أحمد وإسناده جيد (4). وأخرجه السيوطي في جملة من كتبه، ففي الدر)
المنثور(1في تفسير قوله تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْل اللهِ جَمِيعًا)(2)، وفي الجامع الصغير، وفي جمع الجوامع على ما في ترتيبه كنز العمال، وفي إحياء الميت، وهو الحديث السادس والخمسون (3)، وأخرجه الآلوسي في تفسيره (4)، والمناوي في فيض القدير والتيسير (5)، والعزيزي في السراج المنير (6)، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة(7)، والمرتضى الزبيدي في إتحاف المتقين (8)، وغيرهم في مصادر تربو على الثلاثين.)والحديث كما يلي بلفظ الزبيدي قال: وأما حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه فرواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة، وأبو بكر بن أبي شيبة، والطبراني في كتاب السنة من طريق القاسم بن حيان عن زيد بن ثابت رفعه:إني تارك فيكم الخليفتين من بعدي: كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض.
1) الدر المنثور 2/60.
2) سورة آل عمران الآية 103.
3) الجامع الصغير 1/61 طبعة بولاق جمع الجوامع على ما في ترتيبه كنز العمال 1/154 الطبعة الثانية بحيدر آباد إحياء الميت بهامش الإتحاف للشبراوي، ص 270.
4) روح البيان 4/17.
5) فيض القدير 3/14. التيسير 1/367.
6) السراج المنير 2/56.
7) ينابيع المودة، ص 38.
8) إتحاف المتقين 15/534.
ولم يكن زيد بن ثابت وحده روى الحديث بلفظ الخليفتين، بل رواه أيضاً كذلك أبو سعيد الخدري كما أخرجه الثعلبي في تفسير قوله تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا(1)في كتابه الكشف والبيان، ولفظه فيما حكي عنه بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول:)يا أيها الناس إني قد تركت فيكم خليفتين، إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل محدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض. فالتعبير بالخليفتين في حديثي زيد بن ثابت وأبي سعيد إما أن يكون هو النص الذي نطق به الرسول(صلی اللّه علیه و آله و سلم -وهو كذلك- فلا مجال لاجتهاد أي كان في تأويله، وإما أن يكون نقلاً، بالمعنى فيدل على أنَّ زيداً وأبا سعيد فَهما من نص الحديث بلفظ الثقلين معنى الخليفتين، وهو ما فهمه أيضاً غيرهما، فاستساغا التعبير عنه بالخليفتين، ولا نشك في صدقهما وفهمهما معاً، خصوصاً زيد بن ثابت، فهو ممن لا يتهم في حديثه:)أولاً: لأنه كان من كتاب الوحي فيما يُروى.وثانياً: كان عثمانياً كما يقول أبو عمرو في الاستيعاب في ترجمته.فهو لا يتهم في نقله كما لا يُتهم في فهمه أيضاً، فهو الذي اختاره أبو بكر لجمع القرآن في عهده، كما اختاره عثمان أن يملي المصحف على نفر
1) سورة آل عمران الآية 103.
من قريش جمعهم إليه، فكتبوه على ما هو عليه اليوم بأيدي الناس.وفيه يقول من رثاه كما في ترجمته في الإصابة:فمَن للقوافي بعد حسانَ وابنه*** ومَنْ للمعاني بعد زيد بن ثابتِفحديث الثقلين ثابت سندا، واضح دلالة، محكم نصا لا لبس ولا غموض فيه دل بصراحته وفصاحته على حجية الكتاب والعترة بمدلول واحد ومفادٍ واحد، فهما قرينان، مقترنان لا يفترقان ولا يتفارقان ولا يخلو منهما زمان، حتى يردا على الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم حوضه، كما أخبر بذلك الصادق المصدق بقوله: « لن يفترقا ».)وليس المراد من العترة سوى أئمة أهل البيت وساداتهم، وهم الأئمة الاثنا عشر(علیهم السلام، فكل مذاهب المسلمين لم تزعم ولا تزعم أن لأئمتهم وخلفائهم - من كانوا ومهما كانوا - دوام الاستمرارية والاستدامة مع الكتاب المجيد إلى يوم القيامة، إلا الشيعة الاثنا عشرية، فإنهم قالوا بذلك، وهم على حق في ذلك، فإن منطوق الحديث دل على حصرهم بأن التمسك بهم عاصم من الضلالة، والحيرة والجهالة، ولولا تفوقهم بما آتاهم الله من فضله حتى فاق فضلهم فضل العالمين، لما قرنهم الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم) بالكتاب، وجعلهم حجة على العباد، لأنَّ فاقد الشيء لا يعطيه (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(1).
1) سورة يونس الآية 35.
وهذا الحديث دال على عصمة الأئمة كما هو دال على عصمة الكتاب للملازمة بينهما، وحيث ثبتت عصمتهم لامتناع الخطأ عليهم بشهادة الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم) وجبت إمامتهم، وإلا لزم الخطأ منه -والعياذ بالله- في الأمر بالرجوع إليهم والتمسك بهم، وهذا محال.
ثم ما قيل ويقال من عدم تولّيهم زمام الأمور وقيادة الأمة، فهو من سوء اختيار الأمة، ولا قدح في إمامة الإمام إذا لم يتمسك كل الناس به، ولم يرجعوا إليه ويستضيئوا بنور علمه، كما لا قدح في الكتاب إذا أعرض الناس عن التمسك به والعمل بما فيه، وسيأتي أن حالهم في ذلك حال الشمس وقد جللها السحاب.
والحاصل أن كلاً من الكتاب والعترة ثبتت إمامتهما وخلافتهما وحجيتهما بمدلول واحد ومفاد واحد ثابت فيهما معا بنص «ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا»، فالتمسك بهما معاً هو العاصم من الضلالة، ولا يغني التمسك بأحدهما عن الآخر وإن ذهب الناس يميناً أو شمالاً.
ولقد قال الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، وهو يخاطب جماعة المسلمين: فأين تذهبون؟ وأنى تُؤفكون؟ والأعلام قائمة، والآيات واضحة، والمنار منصوبة، فأين يتاه بكم؟ بل كيف تعمهون؟ وبينكم عترة نبيكم، وهم أزمة الحق وأعلام الدين وألسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورود الهيم العطاش.
أيها الناس خذوها من خاتم النبيين (صلی اللّه علیه و آله و سلم): «إنه يموت من مات منا
وليس بميت، ويبلى من بلي منا وليس ببال»، فلا تقولوا بما لا تعرفون فإنَّ أكثر الحق فيما تنكرون واعذروا من لا حجة لكم عليه، وأنا هو ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر، وأترك فيكم الثقل الأصغر، وركزت فيكم راية الإيمان، ووقفتكم على حدود الحلال والحرام، وألبستكم العافية من عدلي وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي، وأريتكم كرائم الأخلاق من نفسي فلا تستعملوا الرأي فيما لا يدرك قعره البصر، ولا تتغلغل إليه الفِکَر(1).
وقال أيضاً في كلام له: أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا؟ كذباً وبغياً علينا، أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم بنا يستعطى الهدى، ويستجلى العمى، إنَّ الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم (2).
وأخرج القندوزي الحنفي في الينابيع عن المناقب بسنده عن الإمام الحسن الزكي (علیه السلام) قال: خطب جدي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) يوما، فقال بعدما حمد الله
1) شرح نهج البلاغة لمحمد عبده 1/ 152- 153.
2) شرح نهج البلاغة للشيخ محمد عبده 2/ 36- 37، وعلّق في الهامش بعد ذكره حديث الثقلين قائلاً: وأمير المؤمنين قد عمل بالثقل الأكبر وهو القرآن، وترك الثقل الأصغر وهو ولداه، ويقال عترته قدوة للناس. وقال الشيخ محمد حسن نائل المرصفي في شرحه لنهج البلاغة 1/184 معلقا على قول الإمام الآنف الذكر والثقل الأكبر الذي عمل به هو القرآن وترك الثقل الأصغر وهو ولداه.
و أثنی عليه:
معاشر الناس إني أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن تمسكتم بهما لن تضلوا، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فتعلموا منهم ولا تعلّموهم، فإنهم أعلم منكم، ولا تخلو الأرض منهم، ولو خلت لانساخت بأهلها.
ثم قال: اللهم إنك لا تخلي الأرض من حجة على خلقك، لئلا تبطل حجتك، ولا تضل أولياؤك بعد إذ هديتهم، أولئك الأقلون عدداً، والأعظمون قدراً عند الله عزّ وجل، ولقد دعوت الله تبارك وتعالى أن يجعل العلم والحكمة في عقبي وعقب عقبي وفي زرعي وزرع زرعي إلى يوم القيامة، فاستجيب لى(1).
وعلى ضوء هذه الخطبة كان أمير المؤمنين (علیه السلام)، يقول كما في كلامه مع كميل بن زياد النخعي:
اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله، وبيناته، وكم ذا؟ وأين أولئك؟ أولئك والله الأقلّون عدداً، والأعظمون عند الله قدراً، يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون وآنسوا بما استوحش به الجاحدون وصحبوا الدنيا بأبدان
1) ينابيع المودة، ص 20 ط إستانبول.
أرواحها معلّقة بالمحل الأعلى أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه، آه آه شوقاً إلى رؤيتهم(1).
وعلى ضوء تلكم الخطبة قال الحسن بن علي (علیه السلام)، في خطبة له بعد بيعة الناس له بالأمر:
نحن حزب الله الغالبون، ونحن عترة رسوله الأقربون، ونحن أهل بيته الطيبون، ونحن أحد الثقلين الذين خلفهما جدي(صلی اللّه علیه و آله و سلم) في أمته، ونحن ثاني كتاب الله، فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالمعول علينا تفسيره ولا اتظنا تأويله، بل تيقنا حقائقه، فأطيعونا فإنَّ طاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله عز وجل وطاعة رسوله، مقرونة قال جل شأنه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)، وقال عز وجل (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)(2)، (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، واحذروا الإصغاء لهتاف الشيطان، فإنَّه لكم عدو مبين.
وعلى ضوء ذلك أيضاً كان الإمام زين العابدين - فيما أخرج الحمويني بسنده عنه - يقول: نحن أئمة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغر المحجلين وموالي المسلمين، ونحن أمان لأهل الأرض، كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا تمسك السماء
أن تقع على الأرض إلا بإذن الله، وبنا ينزل الغيث، وتنشر الرحمة وتخرج بركات الأرض، ولولا ما على الأرض منا لانساخت بأهلها.
ثم قال: ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم (علیه السلام) من حجة الله فيها ظاهر مشهور، أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة فيها، ولولا ذلك لم يعبد الله.
قال الأعمش - راوي الحديث عن الإمام الصادق (علیه السلام)-: كيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال: كما ينتفع الناس بالشمس إذا سترها السحاب.
ولو أردنا أن نذكر ما ورد عن كل إمام من أئمة أهل البيت (علیهم السلام)، مما يؤكد تلك الحقيقة لطال بنا المقام فالحمد لله الذي منَّ علينا بولايتهم وموالاتهم، ونسأله أن يجعلنا من المتمسكين بهم إلينا قولاً وعملاً، إنه سميع مجيب.
86- شبهك النبيُّ بالسفينةْ*** سفينة لنوح القديمةْ(1)
87- مراعياً حال العقول القاصره*** لم يُدركوا ما لا تراه الباصره
88- شبه بالمشكاة في القرآن*** نور الإله الخالقِ المَنانِ
89- ما قيمة الفلك تجاه المرتضى*** أفضل مَن يأتي وخير من مضى
90- هذي تنجيك من الموت وذا*** أتاك من نار الجحيم مُنقِذا
إشارة من سيدنا الناظم دام ظله إلى تشبيه النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم) و أهل بيته بسفينة نوح (علیه السلام)، التي نجا فيها هو ومن معه من الغرق، حيث التطم الماء حولها وطما، كما قال سبحانه وتعالى (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ)(2).
و بین دام ظله وجه التشبيه بها مراعاة الرسول الكريم (صلی اللّه علیه و آله و سلم) لفهم المخاطبين الذين لا تدرك عقولهم إلا ما تدركه أبصارهم، كما بين نحو ذلك التشبيه في الكتاب المجيد حيث ضرب الله الأقل لنوره مثلا، فقال سبحانه (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ)(1).
والحديث الذي أشار إليه دام ظله هو الحديث المعروف بحديث السفينة، وقد تضافر نقله في أكثر من ستين مصدراً - فيما وقفت عليه - ولا شك في أنَّ هناك مصادر أخرى لم يتيسر لي الإطلاع عليها فعلا.
وقد ورد الحديث بألفاظ متفاوتة، وما ذلك إلا لتعدد رواته من الصحابة، فكل رواه بما وعاه وفي مقدمة من رواه من الصحابة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام)، ورواه من العبادلة: عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير، ورواه أبو ذر، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك،وسلمة بن الأكوع، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وربما غيرهم ممن لم أقف على أحاديثهم.
أما حديث أمير المؤمنين (علیه السلام)، فقد أخرجه عنه ابن السري ورواه عن طريقه المحب الطبري في ذخائر العقبى ولفظه: أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تعلّق بها فاز، ومن تخلف عنها زُجّ في النار (2).
أقول: أحسب أن ثمة تصحيفا في قوله (زج) في النار، والصواب (زخّ) بالخاء المعجمة بمعنى دفع ورمي والشاهد على ذلك ورود الحديث في جملة من المعاجم اللغوية في مادة (زخخ) بلفظ و «من تخلف عنها زُخ في النار» أي دفع ورمي (1)، ومهما يكن صحة اللفظ فالمعنى واحد.
وأخرج ابن أبي شيبة وعنه الشوكاني في فتح القدير والسيوطي في الدر المنثور في تفسير قوله تعالى وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ(2)عن علي(علیه السلام) قوله: إنما مثلنا في هذه الأمة كسفينة نوح وكباب حطة في بني إسرائيل(3).)وأخرجه السيوطي أيضاً عنه في تفسيره الدر المنثور في تفسير قوله تعالى (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ(4)(5).)وأما حديث ابن عباس فقد أخرجه البزار في مسنده والدارقطني في الأفراد، والطبراني في معجميه الكبير والصغير، وأبو نعيم، وعنهم الهيثمي
في مجمع الزوائد، والمحب الطبري في كتابيه الرياض النضرة وذخائر العقبى، والحمويني في الفرائد والعزيزي في السراج المنير(1، وغيرهم واللفظ له: إنَّ مثل أهل بيتي (هم علي وفاطمة وابناهما وبنوهما) فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك.)وأما حديث ابن الزبير فقد أخرجه البزار في مسنده، وعنه الروداني في جمع الفوائد والسيوطي في إحياء الميت والسمهودي في جواهر العقدين، والهيثمي في مجمع الزوائد(2، واللفظ له: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها سلم ومن تركها غرق.)وأما حديث أبي ذر فقد أخرجه البزار في مسنده، والطبراني في معاجمه الثلاثة - الكبير والأوسط والصغير- والحاكم في المستدرك وصحّحه، واللفظ له، بسنده عن حنش الكناني قال: سمعت أبا ذر يقول وهو آخذ بباب الكعبة: أيها الناس من عرفني فأنا من عرفتم، ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم يقول: مثل أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.)وأخرجه الهيثمي أيضاً عنه وعن البزار، وزاد في آخره: ومن قاتلنا في آخر الزمان كمَن قاتل مع الدجال(3.)
وأما حديث أبي سعيد الخدري فقد أخرجه البزار وأبو يعلى في مسنديهما، والطبراني في الأوسط والصغير وغيرهم، واللفظ عند الطبراني كما في مجمع الزوائد: إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل، من دخله غفر له(1.)وأما حديث أنس فقد أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه، ولفظه إنَّما مثلي ومثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق(2.)وأما حديث سلمة بن الأكوع فقد أخرجه ابن المغازلي المالكي في كتابه المناقب، ولفظه: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا (3.)وأما حديث أبي الطفيل عامر بن وائلة فقد أخرجه الدولابي في كتابه الكنى والأسماء، ولفظه: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تركها غرق(4.)قال ابن حجر في الصواعق: جاء - الحديث - من طرق كثيرة يقوي بعضها بعضاً: مثل أهل بيتي - إنَّ مثل أهل بيتي، ألا إنَّ مثل أهل بيتي- فيكم مثل سفينة نوح في قومه من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، أو
من ركبها سلم ومن تركها غرق(1.)أقول: لقد مرَّ في ذيل بعض صور الحديث تشبيه أهل البيت بباب حطة في بني إسرائيل، كما في حديثي علي وأبي سعيد الخدري، وهذا التشبيه قد ورد لعلي خاصة كما عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: علي باب حطة من دخل منه كان مؤمناً، ومن خرج منه كان كافراً (2).)وورد نحو ذلك في حديث لابن مسعود قال فيه: قال رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم: علي بن أبي طالب باب الدين من دخل فيه كان مؤمناً، ومن خرج عنه كان كافراً.)أخرجه الديلمي في الفردوس كما ذكره القندوزي الحنفي عنه في ينابيع المودة (3، ولم أقف عليه في مطبوع الفردوس، وثمة أحاديث أخرى بهذا المعنى لست بصدد ذكرها.)ونعود الآن إلى حديث السفينة الذي أشار إليه سيدنا الناظم دام ظله فنقول: لقد بلغ من الشهرة والاستفاضة حداً لا مجال للتشكيك في صحته ولقد أخبت بصحته العلماء، بل استفاض حتى نظمه الشعراء منذ القرون
1) الصواعق المحرقة، ص 234.
2) أخرجه الدارقطني في الأفراد، وعنه ابن حجر في الصواعق ص 77، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال 12/203 والمتقي الهندي في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5/29، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة، ص 284، كما أخرجه جه الديلمي في الفردوس، 3/90، والنبهاني في الفتح الكبير 2/242.
3) ينابيع المودة، ص 236.
الإسلامية الأولى.ونظرة فاحصة في المصادر الآتية تدرأ عنك أوهام المشككين تمن ران على قلوبهم الزيغ، خصوصاً وأن جميع تلكم المصادر من غير طرق الشيعة، لئلا يتطرق الريب إلى مرضى القلوب.ولعل القارئ يدهش إذا ما قرأ حديث معاوية وبذله بدرة من المال لمن قال في علي ما فيه، فابتدر عمرو بن العاص فقال أبياته الشهيرة، وفي آخرها أشار إلى أن عليًّا كفلك نوح، وهذا مؤدى حديث السفينة، فقال:بآلِ محمدٍ عُرف الصواب*** وفي أبياتهم نَزَل الكتابوهم حجج الإله على البرايا*** بهم وبجدهم لا يُسترابولا سيما أبو حسن علي*** له في المجد مرتبةٌ تُهابُإذا طلبتْ صوارمه نفوساً*** فليس لها سوى نعم جوابطعامُ حُسامِهِ مُهَجُ الأعادي*** وفيضُ دم الرقاب لها شرابوضربته كبيعته بخمّ*** معاقدها من الناس الرقابإذا لم تَبْرَا من أعدا علي*** فما لك في محبَّتِه ثوابهو البكّاء في المحراب ليلاً*** هو الضحّاك إذا آن الضرابهو النبأ العظيم وفلك نُوح*** وباب الله وانقطع الجواب(1)
1) ذكر ذلك الهمداني في كتاب الإكليل المشهور وعنه في النصائح الكافية للسيد محمد ابن عقيل، ص 108.
أقول: لعلّ القارئ يدهش من عمرو وحاله، للبون الشاسع بين صدقه في مقاله ومخالفته له بفعاله ولا عجب فهو ابن النابغة أعماه حب الدنيا حتى باع من معاوية آخرته بدنياه كما اعترف هو بذلك كما في حديث صفين.وقد نظم ذلك غير واحد من فحول الشعراء، فهذا الإمام الشافعي يقول:ولما رأيتُ الناس قد ذهبت بهم*** مذاهبهم في أبحر الغيّ والجهلركبتُ على اسم الله في سفن النَّجا*** وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسلوأمسكت حبل الله وهو ولاؤهم*** كما قد أُمرنا بالتمسك بالحبل(1)وهذا أبو عثمان الخالدي الموصلي قال في قصيدة له:أعاذل إن كساء التقى*** كسانيه حبي لأهل الكساءسفينة نوح فمن يعتلق*** بحبلهم يعتلق النجاء(2)وهذا الشهاب الخفاجي ذكر الحديث في كتابه شفاء العليل، ثم قال:إنَّ آل البيت حبي*** لهم مائي وزاديوهم سفْنُ نجاتي*** في معاشي ومعادي(3)
وهذا العجيلي الشافعي قال في قصيدة له في مدح أهل البيت (علیه السلام:)سفينة ينجو بها من ركبا*** وهالك في النارِ من تجنَّباوقال في قصيدة له نونية:وهم السفينة للنجاة وحبهم*** فرض وحبلُ تمسك وأمانُحاشاه يأمرنا ركوب سفينة*** مخروقة أم زاغت البصرانُوإن رمت المزيد عن حديث السفينة فعليك بمراجعة المصادر التالية:1- تفسير النيسابوري بهامش الطبري 25/32 ط الميمنية بمصر سنة 1321ه-.2 - تفسير ابن كثير الشامي 4/114 ط الاستقامة بمصر سنة 1373ه-.3 - تفسير السيوطي الدر المنثور 1/72، 3/334 ط أفست الإسلامية.4 - تفسير روح المعاني للآلوسي 25/30 ط مصر الأولى.5 - مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي 3/256 برقم 6174 ط المكتب الإسلامي.6 - الجامع الصغير للسيوطي 2/327 ط بولاق.7 - السراج المنير شرح الجامع الصغير للعزيزي 3/299 ط الشرفية سنة 1304ه-.8- فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي 5/517 ط مصطفى
محمد بمصر.9 - التيسير شرح الجامع الصغير للمناوي 2/374 ط المكتب الإسلامي.10 - جمع الفوائد للروداني المغربي 2/368 ط مكة المكرمة.11 - مجمع الزوائد للهيثمي 9/168.12 - معجم الطبراني الكبير 3/ 45- 46، 12/27 ط الثانية بالموصل.13 - معجم الطبراني الصغير 1/ 139- 140، 2/22 نشر السلفية بالمدينة المنورة.14 - مستدرك الحاكم 2/343، 3/ 150- 151 ط أفست بيروت.15 - تلخيص المستدرك للذهبي بهامشه.16 - كنوز الحقائق للمناوي، ص 141 ط بولاق، ص 18 ط العثمانية، ص 88 بهامش ج 2 الجامع الصغير ط دار الكتب العربية.17 - المطالب العالية لابن حجر 4/72 ط الكويت.18 - الصواعق المحرقة، ص 19، 111 ط مصر الأولى سنة 1312ه-.19 - تاریخ بغداد 12/91 ط السعادة بمصر.20 - ذخائر العقبى للمحب الطبري، ص 20 ط القدسي بمصر.21 - ينابيع المودة، ص 27 - 28، 183، 193، 261 ط إستانبول سنة 1302ه-.
22 - حلية الأولياء لأبي نعيم 4/306 ط السعادة بمصر.23 - البدء والتاريخ 3/22 ط أفست المثنى.24 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1/73 ط مصر الأولى.25 - إسعاف الراغبين للصبان بهامش نور الأبصار، ص 120 ط دار الكتب العلمية - بيروت.26 - نور الأبصار للشبلنجي، ص 126 ط دار الكتب العلمية- بيروت.27 - مشارق الأنوار للحمزاوي، ص 109 ط الشرفية بمصر، ص 86 ط الشرق بمصر سنة 1356ه-.28 - الكنى والأسماء للدولابي 1/76 ط حيدر آباد.29 - الشرف المؤبد للنبهاني، ص 30 ط بيروت سنة 1309ه-.30 - إحياء الميت للسيوطي بهامش الإتحاف، ص 248 - 249 ط الأدبية بمصر سنة 1316ه-.31 - الإنباء على قبائل الرواة، ص 66 ط ونشر القدسي بمصر سنة 1350ه-.32 - مقتل الحسين للخوارزمي الحنفي 1/104 ط النجف.33 - ميزان الاعتدال للذهبي 1/482 ط مصر محققة.34 - المناقب لابن المغازلي المالكي، ص 132 - 134 ط إيران.
35 - المعرفة والتاريخ للفسوي 1/538 ط بغداد.36 - عيون الأخبار لابن قتيبة 1/211 ط دار الكتب المصرية.37 - المعارف لابن قتيبة، ص 252 ط مصر تحقیق د. ثروت عكاشة.38 - نظم درر السمطين للزرندي، ص 235 ط النجف.39 - الفصول المهمة لابن الصباغ الصفاقسي المالكي، ص 8 ط النجف، ص 10 ط إيران الأولى.40 - النهاية في اللغة لابن الأثير 2/298 ط دار إحياء التراث العربي، بيروت مادة (زخخ.)41 - لسان العرب لابن منظور 3/497 ط أفست بولاق مادة (زخخ.)42 - تاج العروس للزبيدي 3/259 ط أفست بيروت مادة (زخخ.)43 - أساس البلاغة للزمخشري 1/396 ط دار الكتب المصرية مادة (زخخ.)44 - ثمار القلوب للثعالبي، ص 39 ط مصر محققة.45 - التمثيل والمحاضرة للثعالبي، ص 23 ط مصر سنة 1381ه-.46 - مصنف ابن أبي شيبة 1/151، 156 ط دار الفكر - بيروت.47 - كنز العمال للمتقي الهندي 3/81 - 82، 85 وغيرها ط حيدر
آباد الثانية سنة 1385ه-.48 - منتخب كنز العمال للمتقي الهندي بهامش مسند أحمد 5/92 ط أفست دار صادر - بيروت.49 - تاريخ اليعقوبي 12/188 ط النجف الأولى.50- صبح الأعشى للقلقشندي، 10/131، 12/226 ط أفست مصر.51 - شرح همزية البوصيري بهامش شرح الشمائل لجسوس 2/770 ط مصر سنة 1346ه-.52 - شفاء الغليل للخفاجي، ص 194 ط السعادة بمصر سنة 1325ه-.53 - الأمالي الخميسية للهاروني الشجري 1/152، 154 ط مصر.54 - جواهر العقدين للسمهودي 2/121 ط بغداد.55 - فتح القدير للشوكاني 1/75 ط مصر.56 - الكامل لابن عدي 6/240 ط بيروت.57 - مسند الشهاب رقم 1342 - 1345 ط بيروت.58 - مسند البزار 2/245 ط بيروت.59 - كتاب الأمثال لأبي الشيخ، ص 333.وهذه الأربعة أخذتها عن:60. موسوعة أطراف الحديث النبوي في أجزائها الأحد عشر، فلتراجع في مضانّها.
61 - جواهر البحار للنبهاني 1/361 ط مصطفى محمد الحلبي وأولاده بمصر سنة 1397ه-.62 - رشفة الصادي للحضرمي، ص 79 ط مصر.63 - الفتح الكبير للنبهاني 1/414، 2/131، 3/23.64 - نزهة المجالس للصفوري 222/2 ط محمد علي صبيح بمصر.65 - مودة القربى للسيد علي الهمداني في المودة الثانية، ص 245، 261 ضمن ينابيع المودة.
## علي(علیه السلام يدور الحق معه حيثما دار)91 - تدور دوراً أو يدورُ الحقُّ*** مداره حولَكَ لا ينشقُإشارة من سيدنا الناظم دام ظله إلى ما ورد في الأحاديث النبوية من قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: علي مع الحق والحق معه، اللهم أدر الحق معه حيثما دار.)وقد ورد ذلك صراحة كما مر وبالملازمة كما في قوله: «علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض». ونحو قوله(صلی اللّه علیه و آله و سلم: «وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل ». وقد مرت الإشارة إليهما فيما سبق.)والحديث الأول رواه من الصحابة علي وابن عباس وسعد بن أبي وقاص، وأبو ذر، وأبو سعيد، والبراء بن عازب، وأم سلمة، وعائشة، وغيرهم.أما حديث علي فقد أخرجه الحاكم في مستدركه، ولفظه: قال
رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: رحم الله عليًّا، اللهم أدر الحق معه حيث دار.)ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (1.)وأخرجه الترمذي في سننه (2، وابن الأثير في جامعه (3)، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال (4)، وابن حجر في الصواعق (5)بزيادة في أوله يأباها ما جاء في آخره.)ثم إن عليًّا (علیه السلام قد احتج بهذا الحديث في يوم الشورى عند مناشدة الخمسة الآخرين، وهم عثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، فقال لهم: أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) قال: الحق مع علي وعلي مع الحق، ويدور الحق مع علي كيفما دار؟ (6))وأما حديث ابن عباس فقد أخرجه الحمويني في فرائد السمطين بسنده إلى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم:
الحق مع علي بن أبي طالب حيث دار(1.)وأما حديث سعد بن أبي وقاص فقد أخرجه ابن عساكر في ترجمته من تاريخه والبزار في مسنده وعنه في مجمع الزوائد، ولفظه كما رواه ابن عساكر بسنده إلى عبد الله بن عبد الله المديني قال:حج معاوية فمرَّ بالمدينة، فجلس في مجلس فيه سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس فالتفت إلى عبد الله بن عباس فقال: يا أبا عباس إنك لم تعرف حقنا من باطل غيرنا، فكنت علينا ولم تكن معنا، وأنا ابن عم المقتول ظلماً - يعني عثمان بن عفان - وكنت أحق بهذا الأمر من غيري فقال ابن عباس: اللهم إن كان هكذا فهذا - وأوماً إلى ابن عمر - أحق بها - الخلافة - منك، لأن أباه قتل قبل ابن عمك. فقال معاوية ولا سواء، إن أبا هذا قتله المشركون، وابن عمي قتله المسلمون.فقال ابن عباس: هذا والله أدحض لحجتك وأبعد لك. فتركه وأقبل إلى سعد فقال: يا أبا إسحاق أنت الذي لم تعرف حقنا وجلس [كذا]، فلم تكن معنا ولا علينا.فقال سعد: إني رأيت الدنيا قد أظلمت، فقلت لبعيري: إخ فأنختها حتى انكشفت.فقال معاوية: لقد قرأت ما بين اللوحين، ما قرأت في كتاب الله عزَّ وجل إخ. فقال سعد: أما إذا أبيت فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه
1) فرائد السمطين 1/ 176- 177.
[وآله] وسلم يقول لعلي أنت مع الحق والحق معك حيثما دار.فقال معاوية: لتأتيني على هذا ببينة. فقال سعد: هذه أم سلمة تشهد على رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فقاموا جميعاً ودخلوا على أم سلمة، فقالوا: يا أم المؤمنين إنّ الأكاذيب قد كثرت على رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، وهذا سعد يذكر عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم ما لم نسمعه أنه قال لعلي أنت مع الحق والحق معك حيثما دار.فقالت أم سلمة: في بيتي هذا قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لعلي.فقال معاوية لسعد: يا أبا إسحاق ما كنت قط عندي ألوم منك الآن إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وجلست عن علي، لو سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لكنت خادماً لعلي حتى أموت(1.)وأما حديث أبي ذر فقد أخرجه ابن مردويه في المناقب وقد سئل عن اختلاف الناس، فقال للسائل: عليك بكتاب الله والشيخ علي بن أبي طالب (علیه السلام، فإني سمعت النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: علي مع الحق والحق معه وعلى لسانه، والحق يدور حيثما دار علي.)وأما حديث أبي سعيد الخدري فقد أخرجه أبو يعلى في مسنده،
1) مجمع الزوائد 7/236 تاريخ مدينة دمشق 20/360.
وسعيد بن منصور في سننه، وعنهما السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال، ولفظه عنه صلى الله عليه [وآله] وسلم: الحق مع ذا الحق مع ذا - يعني عليا - في لفظ الهيثمي عنهما، مشيراً إلى على(1.)وأما حديث البراء بن عازب فقد أخرجه عنه العصامي المكي في سمط النجوم العوالي ضمن روايته لحديث الغدير، فقال: كنا عند النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم في سفر فنزلنا بغدير خم...إلى أن قال: فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار(2.)وأما حديث أم سلمة فقد مرَّت الإشارة إليه في حديث سعد بن أبي وقاص، وأخرجه بطريق آخر عنها الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده عن أبي ثابت مولى أبي ذر قال: دخلت على أم سلمة فرأيتها تبكي وتذكر عليا، وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: علي مع الحق والحق مع علي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة (3.)وأخرجه أيضاً ابن عساكر في تاريخه (4كما مرَّ، ورواه الزمخشري في)
ربيع الأبرار، والحمويني في فرائد السمطين - واللفظ له - بسنده إلى شهر بن حوشب قال:كنت عند أم سلمة رضي الله عنها، إذ استأذن رجل فقالت له: من أنت؟ قال: أنا أبو ثابت مولى علي بن أبي طالب (علیه السلام. فقالت أم سلمة: مرحباً بك يا أبا ثابت ادخل فدخل فرحبت به، ثم قالت: يا أبا ثابت أين طار قلبك حين طارت القلوب مطائرها؟ فقال: مع علي (علیه السلام). قالت: وفّقت والذي نفسي بيده، لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: علي مع الحق، والقرآن والحق والقرآن مع علي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض(1).)وأخرجه الحاكم في المستدرك بتفاوت في اللفظ (2، وستأتي الإشارة إليه.)وأما حديث عائشة فقد أخرجه ابن مردويه في المناقب، والديلمي في الفردوس وغيرهما بلفظ: أنه لما عُقر جمل عائشة دخلت داراً بالبصرة، أتى إليها محمد بن أبي بكر فسلّم عليها فلم تكلمه، فقال لها: أنشدك الله أتذكرين يوم حدثتني عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم أنه قال: الحق لن يزال مع علي وعلي مع الحق لن يختلفا ولن يفترقا؟ فقالت: نعم (3.)
وعلى ضوء هذا الحديث كانت مقالة جمع من الصحابة والتابعين وحتى علماء الدين، فمنهم على سبيل المثال لا الحصر:1 - أم المؤمنين أم سلمة كانت تقول: كان علي على الحق، ومن اتَّبعه اتَّبع الحق، ومن تركه ترك الحق، عهد معهود قبل يومه هذا(1.)2 - أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية، فقد روى جري بن سمرة قال: لما كان من أهل البصرة الذي كان بينهم وبين علي بن أبي طالب، انطلقت حتى أتيت المدينة، فأتيت ميمونة بنت الحارث، وهي من بني هلال، فسلمت عليها فقالت من الرجل؟ فقلت: من أهل العراق. قالت: من أي أهل العراق؟ قلت: من أهل الكوفة. قالت من أي أهل الكوفة؟ قلت: من بني عامر قالت: مرحباً، قرباً على قرب، ورحباً على رحب، فمجيء ما جاء بك ؟ قلت: كان بين علي وبين طلحة الذي كان فأقبلت فبايعت عليا. قالت: فالحق به، فوالله ما ضل وما ضُل به. حتى قالتها ثلاثاً.قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير جري بن سمرة، وهو ثقة.3 - عبد الله بن عباس: فقد أخرج الكنجي الشافعي في كفاية الطالب بسنده عن ابن عباس قال: ستكون فتنة، فمن أدركها منكم فعليه بخصلة من كتاب الله تعالى وعلي بن أبي طالب (علیه السلام، فإني سمعت)
1) مجمع الزوائد 9/134 قال الهيثمي: رواه الطبراني.
رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم وهو يقول: هذا أول من آمن بي وأول من يصافحني وهو فاروق هذه الأمة، يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظلمة، وهو الصديق الأكبر، وهو بابي الذي أوتى منه وهو خليفتي من بعدي(1).)4 - عمار بن ياسر: فقد أخرج مقالته الطبراني كما رواه عنه الهيثمي في مجمع الزوائد عن عبد الله بن سلمة قال: قيل لعمار قد هاجر أبو موسى (قال: والله ليخذلن جنده، وليفرنّ جهده، ولينقض عهده، والله إني لأرى قوما ليضر بنكم ضربا يرتاب له المبطلون، والله لو قاتلوا حتى بلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أن صاحبنا على الحق، وهم على الباطل. قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات (2).)5 - أبو ذر الغفاري: كما أخرج ذلك عنه ابن مردويه في المناقب، أنه سُئل عن اختلاف الناس، فقال: عليك بكتاب الله والشيخ علي بن أبي طالب (علیه السلام، فإني سمعت النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) يقول: علي مع الحق والحق معه وعلى لسانه، والحق يدور حيثما دار علي.)6 - كعب بن عجرة قال: تكون بين الناس فرقة واختلاف فيكون هذا وأصحابه على الحق - يعني عليا- (3.)
7 - وأخيراً قال الرازي في تفسيره: وأما أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر، ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى، والدليل عليه قوله (علیه السلام: اللهم أدر الحق مع علي حيث دار(1).)وأما ما أشرت إليه سابقا من وجود أحاديث دلّت بالملازمة على أنَّ الحق مع علي وذكرت الحديث المشهور المستفيض نقله عند الحفاظ، نحو قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: «علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض»، فهذا قد مر بأسانيده ومصادره في شرح قول سيدنا الناظم دام ظله:)أنتَ مَعَ القرآن لن تفترقا*** إلى ورودِ الحوض يوم الملتقىفراجع.وهناك أحاديث أخرى دالة على ذلك لولا خوف الإطالة لأشرت إليها، وقد مر، بعضها فراجع.وإليك مصادر الحديث الأول: «علي مع الحق والحق مع علي يدور الحق معه حيثما دار» ونحو ذلك مما مر من آثار موقوفة تتعلق به وهي كما يلي:1- سنن الترمذي 3/166 ط الصاوي بمصر.2 - تحفة الأحوذي 12/126، 166.
1) التفسير الكبير 1/111.
3 - جامع الأصول لابن الأثير 420/9 ط أفست المحمدية بمصر.4 - مستدرك الحاكم 124/3 - 126 ط أفست بيروت.5 - تلخيص المستدرك للذهبي بهامشه.6 - مجمع الزوائد للهيثمي 233/7 - 234، 236، 134/9.7- فرائد السمطين للحمويني 176/1 - 177 ط بيروت.8 - الإنصاف للباقلاني، ص 58ط القاهرة.9 - نهاية الإقدام للشهرستاني، ص 493.10 - تاريخ بغداد 321/14 ط السعادة بمصر.11 - تاريخ الإسلام للذهبي 198/2 ط مصر.12 - تاريخ ابن كثير 361/7 ط مصر.13 - الإمامة والسياسة لابن قتيبة 78/1 ط مصطفى محمد بمصر.14 - ربيع الأبرار للزمخشري ط بغداد.15 - تاریخ ابن عساكر (ترجمة الإمام 117/3 - 120 ط بیروت.)16 - تهذيب تاريخ ابن عساكر 107/4، 109/6 ط الترقي بدمشق17 - شرح نهج البلاغة 592/2ط الأولى بمصر.18 - كنز العمال 217/12 - 218 ط حيدر آباد الثانية.19 - منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 30/5 - 33 - 34 ط مصر الأولى.
20 - كنوز الحقائق للمناوي، ص 70 ط بولاق.21 - المناقب لابن المغازلي المالكي، ص 244 ط إيران.22 - المناقب للخوارزمي، ص 62 ط تبريز، ص 56 ط الحيدرية.23 - تفسير الرازي 205/1 ط البهية بمصر.24 - كفاية الطالب للكنجي الشافعي25 - الفتح الكبير للنبهاني 131/2.26 - العلل المتناهية لابن الجوزي 254/1.27 - سمط النجوم العوالي 483/2 ط السلفية.28 - الضعفاء للعقيلي 211/4.
## آية الولاية والتصدق بالخاتم92 - خُصِّصْتَ في التنزيل بالولايةْ*** فَسَّرَت السُّنَةُ تلك الآيةإشارة منه دام ظله إلى آية الولاية، وهي قوله تعالى ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1). وهذه الآية مخصوص بها الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، لأنها نزلت في حقه وحده، ولم يشاركه فيها أحد حتى من أهل بيته، ولذلك قال سيدنا الناظم: (خصصت في التنزيل بالولاية).
أما ما أشار إليه من تفسير السنّة لتلك الآية، فهو ما ورد في شأن نزول الآية الكريمة، وإلى القارئ بعض ما ورد في ذلك:
قال الآلوسي في تفسيره روح المعاني وغالب الأخباريين على أنها
1) سورة المائدة، الآية 55.
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي*** وكلُّ بطيء في الهدى ومسارع
أيذهب مدحيك المحبر ضائعاً*** وما المدح في جنب الإله بضائع
فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً*** زكاة فدتك النفس يا خير راكع
فأنزل فيك الله خير ولايةٍ*** وأثبتها أَثْنَا كتاب الشرائع (2)
وقال: وبلغني أنه قيل لابن الجوزي رحمه الله تعالى: كيف تصدق علي كرم الله وجهه بالخاتم وهو في الصلاة والظن فيه بل العلم الجازم أن له كرم الله تعالى وجهه شغلا شاغلا فيها عن الالتفات إلى ما لا يتعلق بها، وقد حكى ما يؤيد ذلك كثير؟ فأنشأ يقول:
يُسقي ويشرب لا تُلهيهِ سَكرتُه*** عن النديم ولا يلهو عن الناس(1)
أطاعَه سُكره حتى تمكن من*** فعل الصحاة فهذا أوحد الناس(2)
قال الفخر الرازي في كتابه الأربعين في أصول الدين بعد تقرير وجه الاستدلال بالآية المذكورة، وبيان الكلام في معنى الولي والولاية المرادين في الآية، وأن المراد من لفظ الولي هو المتصرف لا بمعنى الناصر، قال: فصار معنى الآية: إنَّما المتصرف فيكم أيها الأمة هو الله ورسوله والمؤمنون الموصوفون بكذا وكذا، والمتصرف في كل أمة هو الإمام، فثبت أن هذه الآية دالة على إمامة شخص معيَّن، وإذا ثبت هذا فنقول: وجب أن يكون ذلك الشخص هو عليا رضي الله عنه، الله عنه، ويدل عليه وجهان:
الأول: أنَّ الأمة في هذه الآية على قولين: منهم من قال: إنها لا تدلّ على إمامة أحد منهم. ومنهم من قال: إنها تدل على إمامة علي بن أبي طالب. وليس في الأمة أحد يقول: إنها تدل على إمامة غيره. فلما ثبت دلالتها على أصل الإمامة وجب دلالتها على إمامة علي بن أبي طالب، إذ
لو دلّت على إمامة غيره كان ذلك قولا ثالثاً خارقا للإجماع، وهو باطل.
الثاني: أنه اتفق أئمة التفسير على أنَّ المراد بقوله (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) هو علي بن أبي طالب، فلما دل قوله (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) والمؤمنون الموصوفون بكذا وكذا على إمامة من كان مراداً بقوله والمؤمنون (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ)، وثبت أن المراد بذلك هو علي، ثبت دلالة هذه الآية على إمامة علي رضي الله عنه(1).
وقد روى شأن نزول الآية في علي (علیه السلام) جماعة من الصحابة، منهم علي، وأبو ذر، وابن عباس، وعبد الله بن سلام، وعمار بن ياسر وسلمة بن كهيل وأبو رافع وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وعتبة بن حكيم، والمقداد بن الأسود الكندي.
وقال به من التابعين: ابن الحنفية، ومجاهد والسدي وابن جريج وعطاء.
واستدلّ به بعض الفقهاء على أنَّ العمل القليل لا يبطل الصلاة وأنَّ الصدقة تسمى زكاة.
ونظمه الشعراء كمنقبة ثابتة مختصة به (علیه السلام).
فأما أحاديث الصحابة فيمكن مراجعة أحاديث كل منهم في مصادره كما يلي:
1) الأربعين في أصول الدين، ص 448 ط حیدر آباد.
فحديث علي (علیه السلام) في الدر المنثور للسيوطي: وقال أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه. وأخرجه ابن كثير في تفسيره وفي تاريخه والحاكم في معرفة علوم الحديث (1)، وابن عساكر في تاريخه (ترجمة الإمام) والخوارزمي في المناقب وغيرهم.
وحديث أبي ذر رضي الله عنه أخرجه النيسابوري في تفسيره (2)، وابن الصباغ الصفاقسي المالكي في الفصول المهمة نقلا عن الثعلبي في تفسيره، والحافظ الحسكاني في شواهد التنزيل(3).
وحديث ابن عباس رضي الله عنه أخرجه الخطيب في المتفق، وعنه السيوطي في الدر المنثور (4)، وقال: وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ الآية، قال: نزلت في علي بن أبي طالب. والبلاذري في أنساب الأشراف وابن عساكر في تاريخه(5)وغيرهم.)وحديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه أخرجه ابن مردويه، وعنه السيوطي في تفسيره والمحب الطبري في الرياض النضرة والرازي في تفسيره، وغيرهم.
وحديث عمار بن ياسر رضي الله عنه أخرجه الطبراني في الأوسط، وابن مردويه كما في تفسير السيوطي، وفرائد السمطين (1، والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل، والهيثمي في مجمع الزوائد وغيرهم.)وحديث سلمة بن كهيل رضي الله عنه أخرجه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر (2.)وحديث أبي رافع رضي الله عنه أخرجه الطبراني، وابن مردويه وأبو نعيم.وحديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه أخرجه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل (3، وأبو الفتوح الرازي في تفسيره (4).)وحدیث انس بن مالك أخرجه الحافظ الحسكاني في شواهد التنزيل، والحمويني في فرائد السمطين والكنجي الشافعي في كفاية الطالب.وحديث عتبة بن حكيم أخرجه عنه الطبري في تفسيره (5.)وحديث المقداد بن الأسود الكندي أخرجه الحافظ الحسكاني في
شواهد التنزيل(1.)فهؤلاء عشرة من الصحابة سوى أولهم وإمامهم ووليهم الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام.)وأما التابعون لهم بإحسان فكل الذين رووا عن أولئك الصحابة الأولين، أما الذين وصلت أقوالهم إلينا فهم:1 - محمد بن الحنفية: وحديثه أخرجه الحافظ الحسكاني في شواهد التنزيل(2.)2 - مجاهد بن جبر المكي: أخرج حديثه ابن جرير الطبري في تفسيره(3، والسيوطي في الدر المنثور(4).)3 - ابن جريج، وهو عبد الملك بن جريج المكي وحديثه أخرجه الحافظ الحسكاني في شواهد التنزيل(5.)4 - عطاء بن السائب المكي وحديثه أخرجه الحافظ الحسكاني في شواهد التنزيل (6.)5- إسماعيل السدي: أدرك أنس بن مالك، ورأى الحسين (علیه السلام،)
توفي حدود 128ه-، وحديثه أخرجه ابن جرير في تفسيره(1.)وأما ما استدل به الفقهاء، فقد قال الكيا الطبري: وهذا يدل على أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، فإنَّ التصدق بالخاتم في الركوع عمل جاء به في الصلاة، ولم تبطل الصلاة(2.)وقال: وقوله (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ يدلّ على أن صدقة التطوع تسمى زكاة، فإن عليا تصدق بخاتمه في الركوع، وهو نظير قوله تعالى ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)(3)، وقد انتظم الفرض والنفل، فصار اسم الزكاة شاملاً للفرض والنفل كاسم الصدقة وكاسم الصلاة ينتظم الأمرين.)وقال ابن خويز منداد: قوله تعالى ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ تضمنت جواز العمل اليسير في الصلاة، وذلك أنَّ هذا خرج مخرج المدح، وأقل ما في باب المدح أن يكون مباحاً، وقد روي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أعطى السائل شيئاً وهو في الصلاة، وقد يجوز أنَّ هذه صلاة تطوع، وذلك أنه مكروه في الفرض... الخ(4).)وقال الجصاص الحنفي في أحكام القرآن في أول (باب العمل اليسير في الصلاة قال الله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1).)روي عن مجاهد والسدي وأبي جعفر وعتبة بن أبي حكيم أنها نزلت في علي بن أبي طالب حين تصدق بخاتمه وهو راكع...إلى أن قال: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ يدلّ على أنَّ صدقة التطوع تسمى زكاة، لأنَّ عليا تصدق بخاتمه تطوعا، وهو نظير قوله تعالى (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةِ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ). وقد انتظم الفرض والنفل، فصار اسم الزكاة شاملا للفرض والنفل كاسم الصدقة وكاسم الصلاة ينتظم الأمرين(2).
وقال إسماعيل القنوي الحنفي في حاشيته على تفسير البيضاوي في قول البيضاوي (وعلى هذا): أي وعلى كون المراد الركوع (يكون دليلاً على أن الفعل القليل في الصلاة لا يبطلها) وهو ما لا يظن الرائي أنه ليس في الصلاة، أو ما يستكثره المصلي. قال الإمام السرخسي: هذا أقرب إلى مذهب أبي حنيفة، فإن رأيه التفويض إلى رأي المبتلى، وقيل: ما يحتاج إلى اليدين كثير، وإلا فهو قليل(3).
وقال الشهاب القاضي في (عناية القاضي وكفاية الراضي) حاشيته على تفسير البيضاوي: وقيل: إنه كان قبل تحريم الكلام في الصلاة، فإنه
كان جائزاً ثم نسخ، وبأنه أشار إليه فأخذه من إصبعه بلا فعل له(1).
وقال أبو السعود العمادي الحنفي في تفسيره، وسليمان الجمل في الفتوحات الإلهية وروي أنها - الآية - نزلت في علي رضي الله عنه حين سأله سائل وهو راكع، فطرح إليه خاتمه كأنه كان مرخي في خنصره غير محتاج في إخراجه إلى كثير عمل يؤدي إلى فساد الصلاة(2).
وأما نظم الشعراء لتلك المنقبة فأولهم حسان بن ثابت، وقد مرت بك أبياته التي رواها الآلوسي في تفسيره، وقد رواها قبله جمع لعل أقدمهم زماناً - فيما اطلعت عليه من المصادر - هو الحافظ الحسكاني من أعلام القرن الخامس الهجري، فقد رواها بنحو ما تقدم بتفاوت يسير(3)، ورواها أيضاً الخوارزمي في المناقب، والحمويني في فرائد السمطين والكنجي الشافعي في كفاية الطالب والزرندي في نظم درر السمطين وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص(4)، وأخيراً وليس آخراً الآلوسي كما سبق، وفي المصادر المذكورة نجد بيتاً خامساً قبل الأخير وهو قوله:
بخاتمك الميمون يا خير سيد*** و يا خير شار ثم يا خير بايع
ولحسان أيضا شعر ذكر فيه جملة من فضائل الإمام (علیه السلام)، ومنها ما
يتعلق بالمقام قوله من جملة أبيات:
من ذا بخاتمه تصدق راكعاً*** وأسرها في نفسه إسرارا
ولكن كل ذلك وغيره، لم يذكر في مطبوع ديوان حسان بن ثابت بتحقيق وشرح عبد الرحمن البرقوقي، وقد استدركنا عليه جملة وافرة من ذلك، كلها تتعلق بمدح الإمام أمير المؤمنين وزوجته الصديقة فاطمة الزهراء (علیها السلام).
ولم يكن حسان بن ثابت الشاعر الصحابي الوحيد الذي ذكر هذه الفضيلة، فقد ذكر المرزباني في كتاب أخبار شعراء الشيعة في ترجمة خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين الأبيات التالية من قوله:
فَدَيتُ عليا إمام الورى*** سراج البرية إمام التقى
وصيَّ الرسول وزوج البتول*** إمام البرية شمس الضحى
تصدق خاتمه راكعاً*** وأحسن بفعل إمام الورى
ففضله الله ربُّ العباد(1)وأنزلَ في شأنه (هَلْ أَتَى)(2)
وعنه أخرجها ابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب(3).
وقال السيد الحميري في قصيدة له في ديوانه:
من ذا بخاتمه تصدّق راكعاً*** فأثابه ذو العرش عنه ولاء(4)
وقال أيضاً:
وأنزل فيه ربُّ الناس آياً*** أقرت من مواليه العيونا
بأني والنبي لكم ولي ومُؤْتُونَ الزكاة وراكعون(1)
وقال دعبل بن علي الخزاعي كما في ديوانه وكتاب شعر دعبل بن علي الخزاعي(2):
نطَقَ القرآنُ بفضل آل محمد*** وولاية لعليّهِ لم تُجحَدِ
بولاية المختار من خير الذي*** بعد النبي الصادق المتودّد
إذ جاءه المسكينُ حال صلاته*** فامتدَّ طوعاً بالذراع وباليد
فتناول المسكين منه خاتماً*** هبة الكريم الأجود بن الأجود
فاختصه الرحمن في تنزيله*** من حاز مثل فخاره فليعددِ
إنّ الإله وليكم ورسوله*** والمؤمنين فمَن يَشَا فَلْيَجْحَدِ(3)
يكن الإله خصيمه فيها غداً*** والله ليس بمخلف في الموعد
1) ديوان السيد الحميري ص 430.
2) ديوان دعبل بن علي الخزاعي، ص 68، جمع وتحقيق الدكتور محمد يوسف نجم الجامعة الأمريكية - بيروت. شعر دعبل بن علي الخزاعي، ص 256 صنعة الدكتور عبد الكريم الأشتر المدرس في كلية الآداب بجامعة دمشق.
3) لقد وهم الدكتور نجم في تعليقه على البيت السادس حيث قال: لعله يشير إلى حديث غدير خم... ولكن الدكتور الأشتر أصاب حين علق بقوله: إشارة إلى قوله تعالى (إنماوليكم الله ورسوله والذين آمنوا...).
والباحث لا يعدم الشواهد الكثيرة مما نظمه الشعراء في ذلك.
وختاماً لذكرهم نختم الحديث عنهم بما ختم به الصاحب بن عباد من قوله:
ولما علمت بما قد جنيتُ*** وأشفقتُ من سَخَطِ العالِم
نقشت شفيعي على خاتمي*** إماما تصدق بالخاتم
وبعد هذا الاتفاق على رواية الحديث وشأن نزول الآية الكريمة منذ عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء ومحدثين، ومفسّرين ومؤرخين، وحتى نظمه الشعراء من السابقين فضلاً عن المحدثين.
بعد كل هذا نقرأ قول ابن تيمية في منهاج السنة: قد وضع بعض الكذابين حديثاً مفترى أنَّ هذه الآية (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾(1)نزلت في عليّ لما تصدق بخاتمه في الصلاة، وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل...(2)
إلى آخر ما ذكره من أوهام وأباطيل، ومزاعم وأضاليل لا تقيم حجة ولا تنير محجة، لكنها شناشن أخزمية، وضغائن أقوام ناصبية، لم يستمرثوا الحق، وإلا لم هذه العقدة المستعصية من علي، وما ذنب علي في هذا؟
ألا مسائل هذا الرجل ومن تابعه وشايعه: إذا كان الحديث مفترى كيف استدل به الفقهاء على إثبات حكم شرعي يتعبد به المسلمون، وجعلوا الآية من آيات الأحكام، وقد مر ما يثبت ذلك.
ثم كيف يكون الحديث كذباً بإجماع أهل العلم بالنقل، مع تخريج الحفاظ وأئمة الحديث له في كتبهم؟ وقد مر بك قول الفخر الرازي في حكاية اتفاق أئمة أهل التفسير، وقول الآلوسي، وغالب الأخباريين، فأين الإجماع الذي يدعيه ابن تيمية؟ اللهم إلا أن يكون أولئك الحفاظ ليسوا من أهل العلم، فلا يضر خروجهم بإجماع ابن تيمية المزعوم.
وليت شعري لماذا لم يسم لنا عشرة منهم؟
أما نحن الآن فسنقدم للقارئ قائمة بأسماء ستين مصدراً أخرج أصحابها - الحديث المفترى عند ابن تيمية - ليحكم القارئ على أصحابها - وهم من مشاهير الحفاظ وأئمة أهل الحديث وأعلام المفسرين والمؤرخين- بما يراه، ولنترك الأمر لإنصافه، فيما زعمه ابن تيمية في خلافه.
مصادر حديث التصدق بالخاتم في الصلاة حال الركوع وأن ذلك سبب نزول الآية:
1 - تفسير الطبري 6/165، 6/288 ط الثانية مصطفى البابي الحلبي بمصر.
2 - مختصر تفسير الطبري لأبي يحيى التجيبي 1/148 ط الهيئة العامة
للتأليف والنشر سنة 1390ه-.
3 - تفسير الكشاف للزمخشري 1/468 ط مصطفى البابي الحلبي سنة 1367ه-.
4 - تفسير ابن كثير 2/71، وعقب على رواية ابن مردويه للحديث بإسناده فقال: وهذا إسناد لا يقدح به.
5 - تفسير الخازن 1/475 ط الميمنية.
6 - تفسير النسفي بهامش تفسير الخازن 1/491، 1/289 ط دار الفكر بيروت.
7 - تفسير البيضاوي بهامش تفسير السراج المنير 2/42 ط الخيرية.
8- تفسير البغوي بهامش تفسير الخازن 2/55.
9 - تفسير القرطبي 6/221.
10 - تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 3/514.
11 - تفسير التسهيل لابن جزي 1/181 ط مصطفى محمد.
12 - تفسير الدر المنثور للسيوطي 2/ 293- 294.
13 - تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري 6/ 145- 146.
14 - تفسير الشوكاني (فتح القدير) 2/50.
15 - تفسير الآلوسي (روح المعاني) 6/149 ط المنيرية.
16 - تفسير الرازي 12/ 26- 31 ط أفست دار الكتب العلمية.
17 - أسباب النزول للواحدي ص 148.
18 - أسباب النزول للسيوطي بهامش تفسير الجلالين 1/127 ط الثالثة.
19 - أحكام القرآن للجصاص 2/446.
20 - الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف، ص 56.
21 - شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني 1/165 وما بعدها.
22 - مطالع الأنظار للبيضاوي، ص 476 - 479.
23 - شرح التجريد للقوشجي، ص 402 ط إيران سنة 1301ه-.
24 - معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري، ص 102 ط دار الكتب المصرية.
25 - جامع الأصول لابن الأثير 9/478.
26 - المواقف للإيجي 3/276.
27 - المقاصد للتفتازاني 2/288.
28 - كنز العمال 15/95، 146 طبعة حيدرآباد الثانية.
29 - منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5/38.
30 - المتفق والمفترق للخطيب البغدادي.
31 - أنساب الأشراف للبلاذري 1/150 ط بيروت تحقيق المحمودي.
32 - الرياض النضرة للمحب الطبري 2/227.
33 - ذخائر العقبى للمحب الطبري ص 102.
34 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3/275 ط مصر الأولى.
35 - نقض العثمانية للإسكافي، ص 319 تحقيق هارون للعثمانية.
36 - المناقب لابن المغازلي المالكي، ص 311 - 314 ط إيران.
37 - المناقب للخوارزمي الحنفي، ص 178 ط إيران.
38 - مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي، ص 31 ط إيران.
39 - تذكرة خواص الأئمة لسبط ابن الجوزي، ص 9 ط إيران.
40 - كفاية الطالب للكنجي الشافعي، ص 228، 250 ط النجف الثانية.
41 - فرائد السمطين للحمويني 1/187 ط بيروت.
42 - نظم درر السمطين للزرندي /86 - 87ط النجف.
43 - الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، ص 123 ط إيران.
44 - ينابيع المودة للقندوزي الحنفي، ص 202، 212 ط إسلامبول سنة 1302ه-.
45 - نور الأبصار للشبلنجي، ص 77.
46 - تاريخ ابن عساكر 2/409 (ترجمة الإمام) ط بيروت.
47 - جواهر العقدين للسمهودي ق2/ ج 1/106 ط بغداد.
48 - الصواعق المحرقة لابن حجر، ص 24.
49 - كتاب الأربعين في أصول الدين للفخر الرازي، ص 448 - 449 ط حیدر آباد.
50 - الجمع بين الصحاح الست لرزين كما في جامع الأصول لابن الأثير 9/8.
51 - تفسير فتح البيان 3/80.
52 - تفسير زاد المسير لابن الجوزي 2/383.
53 - تفسير المنار 6/446، ويلاحظ فيه ما قاله محمد عبده المصري.
54 - وجوه المثاني للتهانوي بهامش بيان القرآن 3/41 ط لاهور.
55 - تفسير القاسمي 6/243.
56 - عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي 3/257.
57 - تفسير أبي السعود 2/39.
58 - الفتوحات الإلهية للشيخ سليمان الجمل 1/504.
59 - تفسير شاهي للأمير أبي الفتح الجرجاني 2/87 ط إيران.
60 - الإكليل على مدارك التنزيل (حاشية عبد الحق الدهلوي) 3/196 ط الهند.
93 - وآية التطهير فيكم نزلت*** وسنَّةُ الهادي بكم قد نطقت
94 - دلالة التذكير (عنكم) حقّقت*** شراكة الغير لكم قد أخفَقَت(1)
أشار سيدنا الناظم دام ظله إلى نزول آية التطهير في خصوص أهل البيت (علیهم السلام)، وهم الخمسة أهل الكساء. وهي قوله تعالى إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(2).)والكلام في إثبات شأن نزولها واختصاصها بالخمسة الأطهار: النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين من الوضوح بمكان، بحيث لا يحتاج إلى مزيد بيان، لولا ما يجده القارئ من محاولات يائسة لإدخال عناصر من غيرهم معهم، كبقية بني هاشم، بحجة أنهم ممن
حرّمت عليهم الصدقة، وإدخال الأزواج من أمهات المؤمنين، بحجة أنَّ الآية وقعت في سياق الآيات التي خوطبن بها كقوله تعالى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ(1)إلى آخر ما هنالك من تشويش وتهويش لست بصدد عرضه ونقضه، بعد أن أشار الناظم إلى ردّ ذلك بقوله بأن تذكير الضمير في قوله تعالى (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ) وكذلك (وَيُطَهِّرَكُمْ) عزل الأزواج، والسنة النبوية قد نطقت بأسماء الخمسة دون غيرهم، فلا مجال بعد ذلك لاحتمال التعميم من أصحاب التعتيم.)نعم يلزمنا مزيد إيضاح لما ذكره دام ظله، وذلك بعرض أسماء القائلين باختصاص الآية الكريمة بالخمسة الطاهرين فقط، وفي مقدمتهم ثلاثة من أهل البيت الذين نزلت فيهم الآية الكريمة، وهم:1 - رسول الله محمد بن عبد الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)(2)، فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره بسنده مرفوعاً عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) قال: أنزلت هذه الآية في خمسة: فيّ وفي علي والحسن والحسين وفاطمة ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(3).)
1) سورة الأحزاب، الآية 32.
2) سورة النجم، الآيتان 3-4.
3) تفسير الطبري 22/5. ومن المؤسف جداً ما نقرؤه في بعض المصادر ومنها بعض كتب التفسير من تحريف أو تصحيف في هذا الحديث نحو ما ورد في تفسير التسهيل لابن جزي ص 561 طبع دار الكتاب العربي - بيروت، قال: لو وروي أن النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) قال: نزلت هذه الآية في خمسة: في ولد [كذا] علي وفاطمة والحسن والحسين. فاقرأ واضحك واسأل: أين الخامس؟ إنَّما الصحيح: في وفي علي... الخ.
ونحوه في مجمع الزوائد وقال الهيثمي: رواه البزار وفيه بكير بن يحيى بن، ربان وهو ضعيف(1.)وأخرج السيوطي ذلك في الدر المنثور نقلا عن ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني(2.)2 - أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام، فقد أخرج الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل، بسنده عن علي قال: جمعنا رسول الله في بيت أم سلمة: أنا وفاطمة وحسنا وحسينا، ثم دخل رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) في كساء له وأدخلنا معه، ثم ضمنا ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. فقالت أم سلمة: يا رسول الله فأنا - ودنت منه - فقال: أنت فمن أنت! وأنت على خير. أعادها ثلاثا يصنع ذلك(3).)3 - الحسن السبط (علیه السلام: فقد أخرج الحسكاني في شواهد التنزيل بسنده عن الحسن بن علي قال:)لما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله وإياه في كساء لأم سلمة خيبري، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي، فأذهب عنهم الرجس
وطهرهم تطهيرا(1.)وأخرجه أيضاً ابن المغازلي المالكي في المناقب بلفظه سواء(2.)وروى كل من الحاكم النيسابوري(3، والكنجي الشافعي(4)، وأبو الفرج الأصبهاني (5)، والهيثمي (6)، وابن أبي الحديد (7)، كل هؤلاء رووا عن الإمام الحسن بن علي (علیه السلام) قوله في خطبة له بالكوفة جاء فيها كما في لفظ الحاكم الحسكاني: فإنا أمراؤكم وضيفانكم وأهل البيت الذين سمّى الله في كتابه (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (8).)وممن قال باختصاص الآية الكريمة بالخمسة أهل الكساء، عبد الله ابن عباس، وعبد الله بن جعفر وهما من بني هاشم، وروايتهما لذلك الاختصاص تدفع زعم مشاركة بني هاشم للخمسة في شمول الآية الكريمة لهم.
فأما حديث عبد الله بن عباس فقد أخرجه الحاكم الحسكاني(1والحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه، وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل، وعنهم السيوطي(2)عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: إنَّ الله قسم الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسماً، فذلك قوله (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ)(3)(وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ)(4)، فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين، ثم جعل القسمين أثلاثاً، فجعلني في خيرها ثلثاً، فذلك قوله (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ)(5)فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل، فجعلني في خيرها قبيلة، وذلك قوله (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)(6)، وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله تعالى ولا فخر، ثم جعل القبائل بيوتاً، فجعلني في خيرها بيتاً، فذلك قوله (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(7)، فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب.)
فإن كان حديثه هذا لا يأبى المشاركة في عنوان أهل البيت فإن أحاديثه الآتية تأبى ذلك، وهي قرينة على تعيين المراد في حديثه الأول، فقد أخرج الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل عن ابن عباس أيضاً قال: دعا رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم الحسن والحسين وعليا، وفاطمة، ومد عليهم ثوبا، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا(1).)وأخرج أيضاً عنه، قال في قوله (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ قال: نزلت في رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين(2).)وعنه أيضاً كما عن ابن مردويه في المناقب والسيوطي في تفسيره: قال ابن عباس شهدنا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم تسعة أشهر، يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند وقت كل صلاة فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا الصلاة رحمكم الله. كل يوم خمس مرات.)وأما حديث عبد الله بن جعفر فقد أخرجه الحاكم النيسابوري في المستدرك (3، والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل (4)عن ابن جعفر قال: لما نظر رسول الله إلى الرحمة هابطة قال ادعوا لي ادعوا لي. فقالت)
زينب (صفية خ: من يا رسول الله؟ قال علي وفاطمة والحسن والحسين. فجاء بهم، فألقى عليهم النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم كساء له، ثم رفع يده فقال: اللهم إنَّ هؤلاء آلي، فصلّ على محمد وعلى آل محمد. وأنزل الله (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ) الآية. وأخرج الحاكم الحسكاني هذا الحديث بتفصيل أوفى في شواهد التنزيل(1)، فراجع.
فلو كان في الآية شمول الجميع بني هاشم لذكر هذان السيدان الجليلان اشتراكهما وألهما في هذه الفضيلة والمنقبة الجليلة.
وأما زعم دخول الأزواج في مفاد الآية الكريمة، لأنها وقعت في سياق الآيات التي خوطبن بها كما زعمه البيضاوي وغيره جمع كثير فينفيه رواية اثنتين من أمهات المؤمنين باختصاص الآية بالخمسة أهل الكساء، وهما السيدتان أم سلمة وعائشة.
فأما حديث أم سلمة فهو من أكثر أحاديث الباب تخريجاً لدى الحفاظ لكثرة رواته عنها، فقد رواه عنها كما في مصدر واحد وهو شواهد التنزيل أكثر من عشرة من صحابة وتابعين، وعن كل واحد جماعة كثيرون، حتى إن راويا واحدا عنها، وهو شهر بن حوشب روى عنها هذا الحديث، وبلغ عدد الرواة عنه في كتاب واحد وهو شواهد التنزيل خمسة عشر راوياً، فما ظنك بسائر المصادر الأخرى التي انفردت برواة
1) شواهد التنزيل 2/32.
آخرين عنها، ولسنا الآن بصدد الحديث عن كثرة الطرق والرواة عنها ولكن أحببنا تنبيه القارئ إلى أن السبب في ذلك أن الآية الكريمة أو نزولها كان في بيتها دون بيوت سائر أزواجه، ولنقرأ ما تقوله هذه السيدة أم المؤمنين في بعض ما روي عنها:
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، وابن مردويه، كما في الدر المنثور عن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم كان في بيتها على منامة له عليها كساء خيبري، فجاءت فاطمة رضي الله عنها ببرمة فيها خزيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ادعي زوجك وابنيك حسناً وحسيناً. فدعتهم، فبينما هم يأكلون إذ نزلت على رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(1)، فأخذ النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم بفضلة إزاره فغشاهم إياها، ثم أخرج يده من الكساء وأوماً إلى السماء، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قالها ثلاث مرات.
قالت أم سلمة: فأدخلت رأسي في الستر - وفي لفظ ابن مردويه: فرفعت الكساء لأدخل معهم - فجذبه من يدي، فقلت: يا رسول الله، وأنا معهم؟ فقال: إنّك إلى خير. مرتين.
1) سورة الأحزاب، الآية 33.
وفي لفظ ابن مردويه: قلت يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال: إنك إلى خير، إنّك من أزواج النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم(1).
وفي حديث آخر عنها أخرجه الترمذي في سننه في باب ما جاء في فضل فاطمة وصححه، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق:
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: في بيتي نزلت (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين فجلّلهم رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بكساء كان عليه، ثم قال هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
وعند الحاكم في المستدرك في تفسير سورة الأحزاب بسند آخر، وصححه على شرط البخاري وزاد في آخره:
قالت أم سلمة: يا رسول الله ما أنا من أهل البيت؟ قال: إنك على خير، وهؤلاء أهل بيتي، اللهم أهلي أحق(2).
وأما حديث عائشة فقد أخرجه مسلم، وأحمد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم النيسابوري(3)كما في الدر
المنثور(1)، وأخرجه أيضا الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة الإمام
الحسن(علیه السلام)، والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل وغيرهم(2).
واللفظ كما في صحيح مسلم:
عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة: ثم خرج النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم غداة، وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(3).
وروي هذا الحديث عنها بطرق، وفي بعضها أنها قالت: ألست من أهلك؟ قال: إنّك لعلى خير. ولم يدخلني معهم(4).
وفي بعض آخر: فقلت يا رسول الله: أنا من أهلك؟ قال: تنحّي فإنّك إلى خير(5).
ورواه الثعلبي أيضا في تفسير الآية الكريمة، كما روى ذلك عنها جل من ألف في الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم) في ذكر لباسه: وقد خرج وعليه مرط شعر أسود
(مرحّل) (مرجّل) الخ، وبتر كثير منهم آخر الحديث، فلاحظ.
فهاتان السيدتان تنفيان بكل صراحة دخولهما في تلك المنقبة العظيمة والخصيصة التي اختص الله تعالى بها رسوله الكريم، وابن عمه علي، وابنته فاطمة وابنيها الحسن والحسين، فكل منهما قرأنا حديثهما على اختلاف روايته ورواته، وقرأنا في ذلك استفهامهما: (ألست من أهلك؟) أو (ألست من أهل البيت)؟ و يجيب النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) السيدة أم سلمة: إنك إلى خير، إنك من أزواج النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم)، وهؤلاء أهل بيتي، اللهم أهلي أحق. ويجيب السيدة عائشة: تنحّي فإنك إلى خير.
فكيف يزعم الزاعمون أن الآية تشمل الأزواج، بحجة وقوعها في سياق الآيات التي خوطب فيها نساء النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم)، وأنها تشمل جميع أهل البيت السكني والمعنوي، فتشمل الأزواج وجميع الآل ممن حرمت عليهم الصدقة، والنصوص المتقدمة تأبى عليهم التشريك، وهي صريحة باختصاص المراد من أهل البيت في هذه الآية الكريمة بالخمسة أهل الكساء.
ولا مجال للاجتهاد مقابل النص، مهما تشبث به الواهمون من مخيلات داعبت الأحلام، فكانت سبباً لمزالق الأقدام، حيث تراقصت الأقلام من مفسرين ومتكلمين ومحدثين من قدامى ومحدثين، وكلهم على نسق واحد في اجترار تلك المزاعم التي لا تثبت حجة، ولا تنير محجة.
ونحن بعد أن قدمنا قول الرسول الكريم (صلی اللّه علیه و آله و سلم) الذي لا ينطق عن
الهوى، بل هو وحي يوحى، واتبعناه بما ورد عن الإمامين أمير المؤمنين وابنه الحسن الزكي (علیهما السلام)، وأضفنا - قطعاً للمعاذير - ما رواه الحفاظ وأئمة السنن عن بني هاشم وأزواج النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) بعد هذا كله لسنا بحاجة ماسة لنقل مزيد من الشواهد ولكن من الخير أن نذكر أسماء بعض الصحابة الذين رووا ورأوا أنَّ الآية الكريمة تخص الخمسة دون من عداهم خصوصاً وأنَّ بعض من سنذكر أسماءهم ممن فارقوا عليا في هواهم، فلا يتّهمون بممالاته بحجة موالاته وإلى القارئ أسماءهم ومروياتهم، وهم:
1- أبو الحمراء هلال بن الحرث من خدام النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) وهو القائل في حديثه كما في شواهد التنزيل على اختلاف ألفاظه لتعدد الرواة عنه: خدمت النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) نحواً من تسعة أشهر، فما مرَّ يوم يخرج فيه إلى الصلاة إلا جاء باب علي وفاطمة، فأخذ بعضادتي الباب، ثم يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمكم الله، إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ الآية(1).)وهذا المتن بتغيير يسير أخرجه البخاري في تاريخه الكبير في ترجمته فقال:أبو الحمراء له صحبة، قال أبو عاصم: عن عباد أبي يحيى قال أبو داود: عن أبي الحمراء قال صحبت النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم تسعة أشهر، فكان إذا أصبح كل يوم يأتي باب علي وفاطمة فيقول:
1) شواهد التنزيل 2/ 47- 52.
السلام - كذا - (عليكم ظ أهل البيت (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(1).)ومن الغريب جدا ما نقرؤه عند ابن حجر في كتابه الإصابة -وقد أخطأ الإصابة في كثير من موارده في الإصابة ومنها ما ذكره- في ترجمة أبي الحمراء في الكنى، حيث قال أبو الحمراء مولى النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم، اسمه هلال ابن الحارث ويقال ابن ظفر نقله ابن عيسى في تاريخ حمص، تقدم في الأسماء. قال البخاري: يقال له صحبة ولا يصح حديثه(2).)أقول: لقد مرَّ نقل كلام البخاري في ترجمته، فقارن بينه وبين ما نقله عنه ابن حجر، لتعرف مبلغ مدى الأمانة، وليت ابن حجر ذكر ما ذكره البخاري من حديث أبي الحمراء ليتسق مع قوله المفترى على البخاري: (ولا يصح حديثه، لكنه لم يذكر الحديث، واكتفى بإصدار الحكم عليه (وعلى هذه فقس ما سواها).)ونعود إلى حديث أبي الحمراء، فقد أخرجه غير من ذكرنا ابن عبد البر في الاستيعاب في موردين في هلال بن الحمراء وفي الكنى (أبو الحمراء(3)، والحبري في ما نزل من القرآن في أهل البيت(4)، والهيثمي في)
مجمع الزوائد(1، والطبري في تفسيره (2)، والسيوطي في الدر المنثور، نقلاً عن الطبراني وابن مردويه والطبري(3).)2 - أنس بن مالك من خدام النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم: وحديثه أخرجه من الحفاظ جمع كثير من مفسرين ومحدثين وغيرهم، منهم: ابن أبي شيبة في المصنف، وأحمد في المسند، والترمذي في سننه وحسنه، وابن جرير في تفسيره، والطبراني في معجمه الكبير، والحاكم في المستدرك وصححه، وابن مردويه في المناقب، وابن المغازلي المالكي في المناقب، والبلاذري في أنساب الأشراف، وابن عساكر في تاريخه والسيوطي في تفسيره وغيرهم بصور متعددة وألفاظ متقاربة، منها:)عن أنس أنّ رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الصبح، يقول: الصلاة يا أهل البيت ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.)وفي بعض صور الحديث: أنَّ رسول الله كان يمر ببيت فاطمة بعد أن بنى بها علي بن أبي طالب بستة أشهر. كما عن البغوي والدارقطني وابن شاهين في فضائل فاطمة والحسكاني في شواهد التنزيل(4.)
3 - ثوبان مولى رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم: وأخرج حديثه ابن عساكر في تاريخه في ترجمة ثوبان وابن بدران في تهذيبه والطبراني في معجمه الأوسط، وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد بألفاظ متقاربة، عن ثوبان قال:)إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم دعا لأهله، فذكر عليا وفاطمة وغيرهما، قال: قلت يا رسول الله أمن أهل البيت أنا؟ قال: فسکت:قال قلت يا رسول الله أمن أهل البيت أنا ؟ فقال في الثالثة: نعم ما لم تقم على باب سدة، أو تأتي أميراً فتسأله. وفي لفظ: على ألا تقف على باب سدة، ولا تأتي أميراً(1.)4 ۔ سعد بن أبي وقاص الزهري وأخرج حديثه ابن جرير في تفسيره، والحاكم أبو عبد الله في المستدرك، وابن مردويه في المناقب والحافظ الحسكاني في شواهد التنزيل والسيوطي في تفسيره، والترمذي في صحيحه، ومسلم في صحيحه، والحمويني في فرائده، وغيرهم بألفاظ متقاربة.منها: عن سعد أنه قال لمعاوية في المدينة: لقد شهدت عن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في علي ثلاثاً، لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، شهدته وقد أخذ يدي ابنيه الحسن والحسين وفاطمة وقد جاروا إلى الله عز وجل وهو يقول: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
1) مجمع الزوائد9/173 تهذیب ابن بدران 3/279.
وفي لفظ آخر عنه: نزل على رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم الوحي، فأدخل عليا وفاطمة وابنيها تحت ثوبه، ثم قال: اللهم هؤلاء أهلي وأهل بيتي.وفي لفظ مسلم في صحيحه في باب فضائل علي عن عامر بن سعد قال: مرَّ معاوية بسعد فقال: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟فقال سعد: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهنَّ له رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فلا أسبه - ثم ذكر حديث المنزلة وحديث الراية- وقال: ولما نزلت هذه الآية (إنَّما يُرِيدُ الله الآية دعا رسول الله عليًّا وفاطمة وحسناً، وحسيناً، وقال: اللهم هؤلاء أهلي.)وأخرج هذا الحديث بطوله الترمذي في سننه، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه. يعني صحة السند.5 - واثلة بن الأسقع الليثي: وقد أخرج حديثه ابن جرير في تفسيره، وابن حبان في صحيحه والطبراني في معجمه الكبير، والحاكم في المستدرك، وأحمد في فضائل الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام، وفي المسند، وابن المغازلي في المناقب، والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل، وابن الأثير في أسد الغابة، والهيثمي في مجمع الزوائد، وابن شيبة في مصنفه، وأبو يعلى في مسنده وغيرهم بألفاظ متفاوتة ومتقاربة في المعنى.)فمن صور حديثه كما في شواهد التنزيل(1، والمناقب لابن)
1) شواهد التنزيل 2/ 41- 43.
المغازلي(1، بسند الحافظ الحسكاني إلى شداد أبي عمار، قال: دخلت على واثلة وعنده قوم، فذكروا عليا فشتموه فشتمته معهم، فلما قاموا قال: شتمت هذا الرجل قلت رأيت القوم شتموه فشتمته معهم. قال: ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله؟ قلت بلى قال أتيت فاطمة أسألها عن علي، فقالت: توجه إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فجلست انتظره، حتى جاء رسول الله ومعه علي وحسن وحسين، أخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل، فأدنى عليَّاً وفاطمة فأجلسهما بين يديه، وأجلس حسناً وحسيناً كل واحدٍ منهما على فخذه، ثم لف عليهما ثوبه - أو كساءه. ثم تلا هذه الآية ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا). ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحق. وفي حديث آخر: قال واثلة بن الأسقع: والله لا أزال أحب عليا وحسناً وحسيناً وفاطمة بعد إذ سمعت رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) يقول فيهم ما قال.
إلى آخر ما ورد عن طريق واثلة في هذا الباب.
قال ابن الأثير في أسد الغابة: قال أبو أحمد العسكري: يقال أن الأوزاعي لم يرو في الفضائل حديثاً غير هذا، والله أعلم.
قال: وكذلك الزهري لم يرو فيها إلا حديثاً واحداً، كانا يخافان بني أمية(2).
6 - عمر بن أبي سلمة - وأمه أم المؤمنين أم سلمة-: وحديثه أخرجه ابن جرير في تفسيره، والطبراني في معجمه الكبير، والترمذي في سننه في كتاب الفضائل، وأحمد في مسنده، والحسكاني في شواهد التنزيل وغيرهم.
وصور الحديث عنه متقاربة، منها: عن عطاء بن أبي رباح عن عمر بن أبي سلمة قال: نزلت هذه الآية على النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) (إنَّمَا يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) الآية وهو في بيت أم سلمة، فدعا فاطمة وحسناً وحسيناً وعلياً، فجلّلهم جميعاً بكساء علي خلفه وفاطمة وحسن وحسين بين يديه، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
فقالت أم سلمة: فأنا معهم؟ قال: أنتِ في مكانك، وأنتِ على خير.
7 - البراء بن عازب الأنصاري: وأخرج حديثه الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق(1)، والحسكاني في شواهد التنزيل، ولفظه بسنده عن البراء بن عازب قال: جاء علي وفاطمة والحسن والحسين إلى باب النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) فخرج النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم)، فقال بردائه فطرحه عليهم، وقال: اللهم هؤلاء عترتي.
8- جابر بن عبد الله الأنصاري: وأخرج حديثه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل، ولفظه بسنده إلى جابر:قال نزلت هذه الآية على النبي وليس في البيت إلا فاطمة والحسن والحسين وعلي إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ
1) تاريخ دمشق (ترجمة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)).
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا. وفي حديثه الآخر: فألبسهم من ثوبه ثم قال هؤلاء أهلي، هؤلاء أهلي(1).)9 - أبو سعيد الخدري وأخرج حديثه ابن جرير في تفسيره، والطبراني في معجمه الأوسط، والهيثمي في مجمع الزوائد، والعقيلي في كتابه الضعفاء، ببعض أسانيده وتعقبه بقوله: وهذا يروى بإسناد أصلح من.هذا وأخرجه أيضاً الثعلبي في تفسيره، والحسكاني في شواهد التنزيل(2.)ومن صور الحديث بسنده إلى عمران بن أبي مسلم قال: سألت عطية عن هذه الآية ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا فقال: أحدثك عنها بعلم، حدثني أبو سعيد الخدري أنها نزلت في رسول الله وفي الحسن والحسين وفي فاطمة وعلي وقال: قال رسول الله: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. فكانت أم سلمة بالباب فقالت: وأنا؟ فقال رسول الله: إنك بخير وإلى خير.)وفي حديث ثان بسند آخر جاء في آخره: أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم.10 - أبو برزة الأسلمي: وحديثه أخرجه الطبراني، وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد، قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم
سبعة عشر شهراً، فإذا خرج من بيته أتى باب فاطمة فقال: الصلاة عليكم (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ الآية(1).)فهؤلاء من الصحابة عشرة، وفيهم سعد بن أبي وقاص المعدود من العشرة المبشرة، وفيهم أنس وثوبان، وهؤلاء لا يتهمون بولائهم لعلي لمفارقتهم له في أهوائهم، مضافاً إلى من قدمنا ذكرهم كلهم قالوا باختصاص آية التطهير بالخمسة أصحاب الكساء.فأين مجال التشكيك حتى يزعم لهم في هذه الفضيلة شريك؟ونود أن ننبه على أمر ذي بال، هو أنه مرَّ بنا في أحاديث بعض الصحابة ما يدل على تكرار عملية التجليل بالكساء في أزمان مختلفة وأماكن متعددة، مما يدل على أن النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم كان هادفاً بذلك تأكيد الأمر لأهل بيته المعنيين بالآية الكريمة، المخصوصين بتلك الفضيلة، وهم علي وفاطمة والحسن والحسين (علیهم السلام) دون غيرهم، فكان يكرر عملية التجليل بالكساء طوراً، وتلاوة تلك الآية الكريمة أو غيرها أطواراً. كل ذلك بمشهد متواصل من الصحابة، بدءاً من يوم نزول الآية الكريمة في بيت أم سلمة، ومروراً ببيت عائشة فيما حدثت به، ثم في بقية المشاهد التي حكاها بقية الصحابة كما في حديث سعد بن أبي وقاص، وحديث واثلة بن الأسقع، وحديث البراء بن عازب، وفي هذه المشاهد المختلفة زمانا ومكانا يجمع النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) عليا و وفاطمة والحسن والحسين، فيجلّلهم معه بكسائه، ثم يتلو)
1) مجمع الزوائد 9/169.
الآية الكريمة، ويقول: اللهم هؤلاء أهل بيتي.ومرَّ بنا تكرار تلاوة الآية في عملية نبوية أخرى ليس فيها ذكر الكساء، ولكنها أكثر وضوحاً وأظهر تأكيداً، حيث كان يقف بباب علي وفاطمة كل يوم عند وقت كل صلاة طيلة تسعة أشهر، يتلو الآية الكريمة كما شهد ذلك ابن عباس وأبو الحمراء.وعند صلاة الصبح طيلة ستة أشهر كما شهد ذلك أنس.وكل يوم إذا خرج من بيته طيلة سبعة عشر شهرا كما شهده أبو برزة الأسلمي.أما أبو سعيد الخدري في حديث له - غير ما مرَّ - قال: إن النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم جاء إلى باب علي أربعين صباحا بعدما دخل على فاطمة فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(1).)وجاء في آخر حديث زواج علي من فاطمة كما عن أنس أن النبي قال: يا علي لا تحدثن إلى أهلك شيئاً حتى آتيك. حتى قال: أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً (2.)والباحث في مصادر التفسير وجوامع الحديث من صحاح وسنن ومسانيد يجد أحاديث تحكي أطواراً أخرى من التجليل والتبجيل لعلي
وفاطمة والحسن والحسين، يتلو فيها الرسول الكريم آية أخرى غير آية التطهير، أو يدعو لهم بدعاء خاص، أو يكرمهم بشارة لم يميز بها أحداً سواهم.فمن تلك الأحاديث ما روته زينب بنت أم سلمة، قالت: إنَّ رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم كان عند أم سلمة - وهي أمها - فجعل الحسن من شق، والحسين من شق، وفاطمة في حجره، وقال رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد(1).)ومن تلك الأحاديث ما رواه علي (علیه السلام أنه دخل على النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) وقد بسط شملة، فجلس عليها هو وفاطمة والحسن والحسين، ثم أخذ النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) بمجامعه فعقد عليهم، ثم قال: اللهم ارض عنهم كما أنا عنهم راض(2).)ومن تلك الأحاديث ما روته أم سلمة، قالت: جاءت فاطمة بنت النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم إلى رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) متوركة الحسن والحسين، في يدها برمة النبي الهلالي للحسن فيها سخين، حتى أتت بها النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم)، فلما وضعتها قدامه قال: أين أبو حسن؟ قالت في البيت فدعاه فجلس النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) وعلي وفاطمة)
1) مجمع الزوائد 9/168 نقلا عن معجم الطبراني الأوسط، وفي الحديث سقط من النساخ فيما أظن إذ لم يرد ذكر علي فيه مع وروده في حديث آخر لزينب بنت أم سلمة في هذا الباب، أخرجه الهيثمي أيضاً في مجمع الزوائد 9/171، فراجع.
2) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 9/916، وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير عبيد بن طفيل وهو ثقة، كنيته أبو سيدان.
والحسن والحسين يأكلون.قالت أم سلمة: وما سامني النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم، و ما أكل طعاماً وأنا عنده إلا سامنيه قبل ذلك اليوم - تعني سامني دعاني إليه. فلما فرغ التف عليهم بثوبه، ثم قال: اللهم عاد من عاداهم، ووال من والاهم.)ومن تلك الأحاديث ما رواه صبيح قال: كنت بباب النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم، فجاء علي وفاطمة والحسن والحسين فجلسوا ناحية، فخرج رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) إلينا فقال: إنكم على خير وعليه كساء خيبري، فجللهم به، وقال: أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم(1).)إلى غير ذلك من أحاديث نقرأ فيها النص النبوي صريحاً بأسماء الخمسة أهل الكساء، وأنهم المعنيون بآية التطهير دون من سواهم، وأثبت ذلك قولاً وعملاً فيما روي عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم كما تقدم.)وعلى ضوء هذه الحقيقة الثابتة المسلّمة عند الصحابة والتابعين وأعلام المسلمين من مفسرين ومحدثين نظم كثير من الشعراء النظم الرائع ذلك الواقع الذائع الشائع، لم يخالجهم تشكيك، ولم تخرجهم مزاعم التشريك، بل سمَّوهم بأعيانهم، وهم على مختلف أزمانهم وبلدانهم لا تسعني بهم الإحاطة، أنى وهم من المدينة المنورة إلى غرناطة.فمن المدينة المنورة نجد ذكوان مولى بني هاشم يجيب مروان في قصة مذكورة في التاريخ في مناقب ابن شهر اشوب.
1) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 9/169.
أماطَ الله عنهم كلِّ رِجْس*** وطهرهم بذلك في المثانيفعالَهُمْ سواهم من نظير*** ولا كفء هناك ولا مدانيأيجعل كل جبار عنيد*** إلى الأخيار من أهل الجنان(1)ومن أقصى المشرق نقرأ قول ابن دريد صاحب الجمهرة كما في مناقب الحافظ السروي:إن النبي محمداً ووصيه*** وابنيه وابنته البتول الطاهرةأهل العباء فإنني بولائهم*** أرجو السلامة والنجا في الآخرة(2)كما نقرأ قول الكاشفي كما في روح البيان للبرسوي:آلُ العباء رسولُ الله وابنته*** والمرتضى ثم سبطاه إذا اجتمعوا(3)ونقرأ قول الشاعر كما في مناقب ابن المغازلي المتوفى سنة 483 ه-:بأبي خمسةً هم جنبوا الرّج-*** س كراماً وطُهروا تطهيراأحمد المصطفى وفاطم أعني*** وعلياً وشبراً وشبيرامَنْ تولاهم تولاه ذو العرش*** ولقاه نضرة وسروراوعلى مبغضيهم لعنة الله*** وأصلاهم المليك سعيراوعلى ذلك قول الصفي الحلي في ديوانه في آخر قصيدة له يمدح
الإمام أمير المؤمنين(علیه السلام:)إنما الله عنكم أذهب الرج-س فردَّت بغيظها الحُسّادُذاك مدح الإله فيكم فإن فهت بمدح فذاك قول معاد(1)ويقول الصنوبري المتوفي سنة 334ه- كما في ديوانه من قصيدة له:حب النبي محمد ووصيّه*** مع حبّ فاطمة وحبّ بنيهاأهل الكساء الخمسة الغرر التي*** يبني العُلا بعلاهم بانيها(2)ويقول فتيان الشاغوري المتوفى سنة 615 ه- كما في ديوانه من قصيدة له:وهل أحد بمكرمة يُسامي*** أبا حسن وفاطمة البتولاوهل من خمسة يوماً سواهم*** أتمّوا ستة مع جبرئيلا(3)ويقول الرحالة الشهير ابن جبير الأندلسي في رحلته:وأحبُّ النبي المصطفى وابن عمّه*** علي وسبطيه وفاطمة الزهراهم أهل بيت أُذهب الرجس عنهم*** وأطلعهم أفقُ الهدى أنجما زهراموالاتهم فرض على كل مسلم*** وحبّهم أسنى الذخائر في الأخرى(4)
ويقول الإمام البوصيري صاحب قصيدة البردة في همزيته العصماء:وبام السبطين زوج علي*** وبنيها ومن حوته العباءوإليهم أشار في البردة بقوله:قد حققت سورة الأحزاب ما جحدت*** أعداؤهم وأبانت وجه فضلهمويقول النبهاني في المجموعة النبهانية يخاطب الرسول الكريم(صلی اللّه علیه و آله و سلم مستشفعاً به وبأهل بيته أهل العباء:)وبأهل العباء: أنت علي*** حسن والحسين والزهراءوبنيهم ومن تناسل منهم*** فلهم حكم من حواه العباءأذهب الله رجسهم فَهم من*** كل عيب عاب الورى أبرياء(1)فهؤلاء عشرة من الشعراء مختلفي الزمان والمكان من المشرق والمغرب قرأنا من شعرهم المعجب المطرب، صرحوا بتلك الحقيقة الثابتة، بأن أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً هم الخمسة أهل العباء، دون غيرهم ممن زعم الزاعمون بشمول الآية لهم.ولنختم الكلام بتلخيص ما قاله ابن حجر في الصواعق المحرقة.قال: ثم هذه الآية منبع فضائل أهل البيت النبوي، لاشتمالها على غرر من مآثرهم والاعتناء بشأنهم، حيث ابتدأت ب- (إنما المفيدة لحصر إرادة الله تعالى في أمرهم على إذهاب الرجس الذي هو الإثم أو الشك)
1) المجموعة النبهانية 1/278.
فيما يجب الإيمان به عنهم، وتطهيرهم من سائر الأخلاق والأحوال المذمومة، وسيأتي في بعض الطرق تحريمهم على النار، وهو فائدة ذلك التطهير وغايته، إذ منه إلهام الإنابة إلى الله تعالى، وإدامة الأعمال الصالحة.وقال: حكمة ختم الآية ب- (تطهيرا المبالغة في وصولهم لأعلاه، وفي رفع التجوز عنه، ثم تنوينه تنوين التعظيم والتكثير والإعجاب المفيد إلى أنه ليس من جنس ما يُتعارف ويُؤلف.)ثم أكد صلى الله عليه [وآله] وسلم ذلك كله بتكرير طلب ما في الآية لهم بقوله: «اللهم هؤلاء أهل بيتي »إلى آخر ما مر، وبإدخاله نفسه معهم في العد لتعود عليهم بركة اندراجهم في سلكه، بل رواية اندراج جبرئيل وميكائيل معهم إشارة إلى علي قدرهم. وأكده أيضاً بطلب الصلاة عليهم بقوله: فاجعل صلاتك إلى آخر ما مر.وأكده أيضاً بقوله: «أنا حرب لمن حاربهم »إلى آخر ما مرَّ أيضاً.وفي رواية أنّه قال بعد ذلك: «ألا من آذى قرابتي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى».وفي أخرى: «والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد بي حتى يحبني ولا يحبني حتى يحب ذوي».فأقامهم مقام نفسه، ومن ثَمَّ صح أنه صلى الله عليه [وآله] وسلم
قال: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي». والحقوا به في قصة المباهلة في آية (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ(1)الآية، فغدا صلى الله عليه [وآله] وسلم محتضناً الحسن، آخذاً بيد الحسين، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها، وهؤلاء هم أهل الكساء فهم المراد في آية المباهلة كما أنهم من جملة [؟] المراد بآية ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ)، فالمراد بأهل البيت فيها وفي كل ما جاء في فضلهم أو فضل الآل أو ذوي القربى جميع آله صلى الله عليه [وآله] وسلم، وهم مؤمنو بني هاشم والمطلب...(2))إلى آخر ما قاله في تضعيف ما روي أن آل محمد كل تقي ونحو ذلك، ولسنا بصدد مناقشته إلا في قوله فهم المراد في آية المباهلة كما أنهم من جملة المراد بآية ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الخ.)فنقول له: إذا كان أهل البيت الذي افتتح الكلام عنهم هم أهل الكساء الخمسة، واستدل على ذلك حتى انتهى إلى آية المباهلة، فكيف الآن يقول هم من جملة (أهل المراد بآية (إنَّمَا يُريدُ اللَّهُ)، مع ما تقدم من- من ذكر التأييد والتأكيد القولي والفعلي منه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) في حق علي وفاطمة والحسن والحسين، فذلك منه عجيب، وإن أمره المريب. على أن في بعض الأحاديث في المقام قال(صلی اللّه علیه و آله و سلم): فأنا وأهل بيتي
مطهرون من الذنوب. وهذا معنى العصمة التي يقول بها الشيعة لهم صلوات الله عليهم أجمعين، والحديث المشار إليه قد مر عن ابن عباس ذكره كما أخرجه الفسوي في كتابه المعرفة والتاريخ(1)، والشجري في الأمالي الخميسية(2)، والسيوطي في الدر المنثور(3)، والحاكم الحسكاني، والحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه، وأبو نعيم والبيهقي معاً في كتابيهما الدلائل، فراجع.
ويزيد ذلك تأكيداً ما حدث به الضحاك بن مزاحم أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم كان يقول: نحن أهل بيت طهرهم الله من شجرة النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وبيت الرحمة، ومعدن العلم.
والآن إتماماً للبحث نقدم للقارئ قائمة بأسماء ما يزيد على مائة مصدر في شتى المعارف الإسلامية من تفسير وحديث وكلام وتاريخ وأدب وغيرها من صنوف المعرفة، وجميعها لمؤلفين أعلام من علماء المسلمين ممن لا يتهمون في المقام بموالاة الإمام، كما يُتهم الشيعة بذلك عند عديمي الإنصاف، إمعانا في توسيع شقة الخلاف:
1- تفسير الطبري 22/5- 8 ط مصر الأولى.
2 - تفسير الفخر الرازي 2/700 ط الأستانة، 8/85 ط البهية بمصر.
3 - تفسير الكشاف للزمخشري، 1/193، 327 ط مصطفی محمد بمصر.
4 - تفسير القرطبي 11/263، 14/182- 183 ط مصر.
5 - تفسير البحر المحيط 7/231 ط أفست دار الفكر.
6 - تفسير البيضاوي في سورة الأحزاب 4/163 ط دار صادر.
7 - تفسير التسهيل لابن جزي 3/137 ط مصطفى محمد بمصر سنة 1355ه-.
8 - تفسير زاد المسير لابن الجوزي 1/399.
9 - تفسير الخازن 3/466 ط الميمنية سنة 1317ه- بمصر.
10 - تفسير ابن كثير 3/ 483- 486 ط الاستقامة سنة 1373ه-.
11 - تفسير السيوطي 5/ 198- 199 أفست إيران.
12 - تفسير روح المعاني للآلوسي 22/14 ط المنيرية بمصر.
13 - تفسير روح البيان لإسماعيل حقي البرسوي 7/171 ط أفست دار الفكر.
14 - أسباب النزول للواحدي، ص 267 ط هندية بمصر.
15 - أحكام القرآن للجصاص 3/443 ط هندية بمصر.
16 - أحكام القرآن لابن عربي المالكي 3/166 تحقيق البجاوي، ط عيسى الحلبي بمصر سنة 1377ه-.
17 - شواهد التنزيل للحسكاني 2/36.
18 - ما نزل من القرآن في أهل البيت للحبري، ص 71 - 77 ط إيران.
19 - صحيح مسلم، 2/242، باب فضائل أهل بيت النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) ط بولاق.
20 - شرح صحيح مسلم للنووي 194/15.
21 شرح صحيح مسلم للآبي 6/255.
22 - شرح صحيح مسلم للسنوسي الحسيني 6/255 بهامش السابق.
23 - سنن الترمذي 5/ 351- 352، 623 تحقيق عطوة، ط المكتبة الإسلامية.
24 - تحفة الأحوذي شرح صحيح الترمذي 9/ 66- 68 ط الاعتماد بمصر، 10/289 نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
25- مسند أحمد بن حنبل 1/331، 3/259، 285، 4/107، 6/292، 296، 298، 304، 323 وغيرها.
26 - مسند الطيالسي حديث 2059 ط حیدر آباد.
27 - المصنف لابن أبي شيبة 12/73 ط دار الفكر.
28 - المستدرك للحاكم 2/416، 3/52، 132، 146 - 147، 158،
172 وغيرها.
29 - تلخيص المستدرك للذهبي في الموارد المذكورة بهامشه.
30 - السنن الكبرى للبيهقي 2/ 149- 150، 152 ط حیدر آباد.
31 - معجم الطبراني الكبير 3/ 52- 57، 9/26، 12/77، 82 ط الموصل.
32 - مصابيح السنة للبغوي 2/204 ط الخيرية بمصر.
33 - جامع الأصول لابن الأثير 10/ 100- 102 ط أفست.
34 - مجمع الزوائد للهيثمي، 7/91، 9/ 119- 121، 146، 166، 167، 168، 169، 171 - 172، 207.
35 - فتح الباري 3/422، 7/74، 138.
36 - معجم الطبراني الصغير 1/65، 134 ط المدينة المنورة.
37 - كنز العمال 15/144 ط حيدرآباد، الثانية.
38 - منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5/96.
39 - فتح القدير للشوكاني 4/270.
40 - الروض النضير للسياغي، 1/151، 159، 170 الطبعة الثانية بمصر سنة 1388ه-.
41 - مشكاة المصباح للخطيب التبريزي ج3 الحديث 6126، 6127 ط المكتب الإسلامي.
42 - مشكل الآثار للطحاوي 1/ 318- 332 إلى 337 ط حيدر آباد.
43 - صحيح ابن حبان، ص 555 رقم الحديث 2245.
44 - دلائل النبوة للبيهقي 1/133 ط دار النصر بمصر سنة 1389ه-.
45 - جمع الجوامع للسيوطي، رقم 6762.
46 - الشفاء للقاضي عياض 2/41 ط الأستانة سنة 1304ه-.
47 - شرح الشفاء لملا علي القاري 2/80، 82 - 83 ط عثمانية سنة 1316ه-.
48 - شرح الشهاب للشهاب الخفاجي 3/409.
49 - الأمالي الخميسية للشجري 1/151 ط بيروت.
50 - الأمالي لأبي طالب الهاروني، ص 112 ط بيروت.
51 - الكامل لابن عدي 7/127 ط دار الفكر بيروت.
52 - الضعفاء للعقيلي 3/304 ط دار الكتب العلمية بيروت.
53 - أخلاق النبوة، ص 110 نقلا عن موسوعة أطراف الحديث النبوي.
54 - الأنوار المحمدية للنبهاني، ص 434 ط بيروت سنة 1312ه-.
55 - الفتوحات المكية، الباب 29 ص 255.
56 - جواهر البحار للنبهاني، 1/36، 3/142 ط مصر سنة 1379ه-.
57 - فرائد السمطين للحمويني 1/367.
58 - المناقب لابن المغازلي، ص 301 - 306 ط إيران سنة 1312ه-.
59 - المناقب للخوارزمي، ص 35 ط إيران.
60 - الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، ص 8-9 ط إيران.
61 - الشرف المؤبد لآل محمد للنبهاني، ص 6-12 ط بيروت.
62 - نور الأبصار للشبلنجي، ص 123 ط دار الكتب العلمية.
63 - الإتحاف بحب الأشراف للشبراوي، ص 18 ط الأدبية مصر سنة 1316ه-.
64 - إسعاف الراغبين للصبان بهامش نور الأبصار، ص 114 - 117.
65 - مشارق الأنوار للحمزاوي، ص 89 ط الشرق بمصر سنة 1365ه-.
66 - جواهر العقدين للسمهودي 2/ق1/ 7- 8 - 13 إلى 16، 24 ط بغداد.
67 - القول الفصل لما لبني هاشم من الفضل للحداد 1/48، 2/162 ط جاوا.
68 - ذخائر العقبى للمحب الطبري، ص 21 - 24، 87 ط القدسي بمصر.
69 - الرياض النضرة للمحب الطبري، 2/188، 203.
70 - كفاية الطالب للكنجي الشافعي، ص 54، 93، 151، 202،
242، 301 ط النجف الثانية.
71 - تذكرة خواص الأمة، ص 244 ط النجف.
72 - مطالب السؤول لابن طلحة، ص 8 ط إيران.
73 - السيرة الحلبية.
74 - شرح المواهب اللدنية للزرقاني 7/4 ط الأزهرية سنة 1328ه-.
75 - فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي 3/14 ط مصطفى محمد سنة 1356ه-.
76 - الصواعق المحرقة لابن حجر، ص 85 - 87 ط مصر سنة 1312ه-.
77 - الكافي الشاف لتخريج أحاديث الكشاف، ص 26 ط في آخر تفسير الكشاف ط مصطفى محمد.
78 - الإصابة لابن حجر العسقلاني 1/329، 2/502، 4/367 ط مصطفى محمد.
79 - الخصائص الكبرى للسيوطي 3/329 ط مصر بتحقيق هراس.
80 - الإتقان للسيوطي 2/200 ط مصطفى محمد سنة 1386ه- بمصر.
81 - أسد الغابة 22/9- 12 - 18 - 20، 3/11، 413، 4/29، 5/174، 512 ط مصر.
82 - تاريخ ابن عساكر 1/250 ترجمة الإمام علي (علیه السلام)، وأيضاً في ترجمة الإمام الحسن (علیه السلام).
83 - تهذیب تاریخ ابن عساکر لابن بدران 4/207، 317 - 318.
84 - الاستيعاب 2/460 ط حیدر آباد.
80 - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 9/126، 10/278.
86 - تاريخ جرجان للسهمي، ص 26 ط حيدر آباد.
87 - حبيب السير 1/ 11- 407 ط الحيدري إيران.
88 - التاريخ الكبير للبخاري (الكنى)، ص 25 ط حيدرآباد.
89 - التاريخ الكبير للبخاري 1/ق2/110، 196 ط أفست عن حيدر آباد.
90 - منحة المعبود 2/129 ط المنيرية بالأزهر سنة 1372ه-.
91 - أنساب الأشراف للبلاذري 1/104 ط بيروت.
92 - سير أعلام النبلاء للذهبي 3/190 ط مصر.
93 - مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصبهاني، ص 52 ط مصر بتحقيق صقر.
94 - مقتل الحسين للخوارزمي 1/57 ط النجف.
95 - العقد الفريد 2/194 ط العامرة بمصر، 4/311 ط محققة.
96 - شرح نهج البلاغة للمعتزلي 4/11 ط مصر الأولى.
97 - تاريخ أصبهان لأبي نعيم 1/108.
98 - حلية الأولياء لأبي نعيم 4/153.
99 - تاريخ ابن كثير 7/337، 8/35.
100 - نظم درر السمطين للزرندي، ص 238 ط النجف.
101 - سمط النجوم العوالي للعصامي المكي 2/488 ط السلفية.
102 - المعرفة والتاريخ للفسوي 1/498 ط بغداد.
103 - نزهة المجالس للصفوري 2/222 ط محمد علي صبيح بمصر.
104 - تاريخ الإسلام للذهبي 3/6.
105 - شرح الشمائل لجسوس 1/85 ط محمد علي صبيح سنة 1346ه-.
106 - شرح الشمائل لملا علي القاري 1/122 ط مصطفى البابي سنة 1318ه-.
107 - بهجة المحافل لعماد الدين العامري 2/ 399-400 أفست طبع الجمالية بمصر سنة 1331ه-.
108 - عارضة الأحوذي لابن العربي المالكي 12/85 ط دار العلم للجميع.
109- جمع الفوائد للروداني المغربي 2/367 ط الأولى سنة 1404ه-.
110 - التاج الجامع للأصول للشيخ منصور علي ناصف 3/308، 4/185 ط عيسى البابي الحلبي مصر.
111 - المجموعة النبهانية 1/106، 202.
112 - شرح قصيدة الصاحب بن عباد للقاضي جعفر بن أحمد البهلولي اليماني، ص 93.
113 - التبصرة لابن الجوزي 1/452 ط عيسى البابي الحلبي.
114 - معترك الأقران للسيوطي 1/497.
115 - تاريخ القرماني، ص 120 ط بغداد على الحجر سنة 1282ه-.
116 - الحسن والحسين لمحمد رضا، أمين مكتبة جامعة فؤاد الأول، ص 6 - 7، ط مصر سنة 1372ه-.
95 - قال النبي أنا نور وعلي*** يَنْزِلُ فِي الجَنَّةِ جَنْبَ مَنْزِلِي
أشار سيدنا الناظم دام ظله بقوله في هذا البيت إلى حديثين نبويين:
الأول: إلى قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم): «خُلقت أنا وعلي من نورٍ واحد». وما في معناه كما سيأتي.
الثاني: إلى قوله (صلی اللّه علیه و آله و سلم): «يا علي أما ترضى أن يكون منزلك في الجنة مقابل منزلي؟»الخ وما في معناه.
أما الحديث الأول فقد رواه جماعة من الصحابة، منهم علي وابن، عباس وعثمان وسلمان، وأبو ذر، وسعيد، وجابر، وغيرهم. ونختار حديث أولهم وحديث آخرهم، ونحيل القارئ على أحاديث الباقين إلى مصادر أحاديثهم.
فأما حديث علي فقد أخرجه المير سيد علي بن شهاب الهمداني في
كتابه (مودة القربى وأهل العبا) في المودة الثامنة عن علي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) قال: قال رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم): يا علي خلقني الله وخلقك من نوره، فلما خلق آدم (علیه السلام) أودع ذلك النور في صلبه، فلم نزل أنا وأنت شيء واحد، ثم افترقنا في صلب عبد المطلب، ففي النبوة والرسالة، وفيك الوصية والإمامة.
وأخرج هذا أيضاً القندوزي في ينابيع المودة(1).
وأما حديث ابن عباس فقد أخرجه الحمويني في فرائد السمطين والكنجي الشافعي في كفاية الطالب، وابن حجر العسقلاني في لسان الميزان والسيوطي في ذيل اللثالث المصنوعة وغيرهم.
وأما حديث عثمان فقد أخرجه الميرسيد علي بن شهاب الهمداني في المودة الثامنة من مودة القربى وأهل العبا، وعنه القندوزي الحنفي في ينابيع المودة(2).
وأما حديث سلمان فقد أخرجه أحمد في فضائل الإمام وابن المغازلي المالكي في المناقب، والديلمي في الفردوس، والخوارزمي الحنفي في المناقب، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب، والحمويني في الفرائد والمحب الطبري في الرياض النضرة والذهبي في ميزان الاعتدال، وابن حجر العسقلاني في لسان الميزان وغيرهم.
وأما حديث أبي ذر فقد أخرجه ابن المغازلي المالكي في المناقب
وسبط ابن الجوزي في التذكرة، وابن عراق في تنزيه الشريعة والقندوزي في ينابيع المودة.
وأما حديث أبي سعيد فقد أخرجه الكنجي في كفاية الطالب.
وأما حديث جابر فقد أخرجه ابن المغازلي في المناقب، والصفوري في نزهة المجالس، ولفظه عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قال:
إن الله خلقني أنا وخلق عليا من نورين بين يدي العرش، نسبح لله ونقدسه قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلما خلق الله آدم أسكننا في صلبه ثم نقلنا من صلب طيب وبطن طاهر، حتى أسكننا في صلب إبراهيم، ثم نقلنا من صلب إبراهيم إلى صلب طيب وبطن طاهر، حتى أسكننا في صلب عبد المطلب، ثم افترق النور في عبد المطلب، فصار ثلثاه في عبد الله وثلثه في أبي طالب، ثم اجتمع النور مني ومن علي في فاطمة، فالحسن والحسين نوران من نور رب العالمين.
وإلى هذا الحديث أشار الحافظ الحمويني بقوله في فرائد السمطين:
أخو أحمد المختار صفوة هاشم*** أبو السادةِ الغُر الميامين مؤتمن
وصي إمام المرسلين محمد*** علي أمير المؤمنين أبو الحسن
هما ظهرا شخصين والروح واحد*** بنص حديث النفس والنور فاعلمن(1)
وبعد هذا كله أليس من الغريب أن نجد من ينسب وضع الحديث إلى بعض الغلاة من الشيعة فيقول: ولهذا التوافق بين هذين الاسمين
1) فرائد السمطين 1/15.
الكريمين - محمد وعلي - ولقائهما معا قبل أن تتداولهما العرب، وتتعامل بهما، نظر بعض الغلاة من شيعة علي في هذا وعدوه شهادة على فضل علي... ولم يكتفوا بهذا، بل جعلوا هذا التوافق أمراً سماويًا، فوضعوا لذلك حديثا نسبوه إلى النبي... (خلقت أنا وعلي من نور، وكنا على يمين العرش قبل أن يخلق آدم بألفي عام، ثم خلق الله آدم فانتقلنا في أصلاب الرجال، ثم جعلنا في صلب عبد المطلب، ثم شقّ أسماءنا من اسمه، فالله محمود وأنا محمد، والله الأعلى وعلي علي!!).
ثم نقل عن الشوكاني قوله في تعليقته على هذا الحديث: وهو موضوع، وضعه جعفر بن أحمد بن علي بن بيان... وكان رافضياً وضّاعاً.
أقول: لقد مرَّت أسماء الصحابة الذين رووا الحديث وأسماء أصحاب المصادر الذين أخرجوا أحاديثهم مع أسماء كتبهم، فهل كان فيهم بعض الغلاة من شيعة علي كما يقول الكاتب؟(1)
وهل فيهم من اسمه جعفر بن أحمد بن علي بن بيان الذي وصفه الشوكاني بالرفض، ورماه بالوضع؟
وعلى الباحث أن يرجع إلى المصادر المشار إليها، ليعلم أن أصحابها رووا الحديث بأسانيد ليس بين رجالها من اسمه جعفر بن أحمد المذكور وجميع أصحاب المصادر ليسوا من الشيعة بل هم من المذاهب الإسلامية
1) راجع كتاب علي بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة لعبد الكريم الخطيب، ص 92 مط السنة المحمدية سنة 1386ه-، 1966م.
الأخرى، وفيهم الحنبلي كأحمد إمام الحنابلة، وفيهم الحنفي والشافعي والمالكي، فراجع.
95- ................. *** يَنْزِلُ فِي الجَنَّةِ جَنْبَ مَنْزِلي
أشار سيدنا الناظم دام ظله إلى الحديث الذي فيه أن منزل علي - قصره - إلى جنب منزل النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) وقصره، وذلك ما رواه عنه(صلی اللّه علیه و آله و سلم) كل من علي وسلمان وعبد الله بن أبي أوفى، وحذيفة.
وللاختصار نذكر حديث أولهم وآخرهم، ونحيل القارئ إلى مراجعة المصادر التالية بعد ذلك للاطلاع على أحاديث الآخرين.
أما حديث علي فقد أخرجه الهاروني في أماليه عن علي قال: كان لي عشرة من رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) ما أحب أن لي بإحداهن ما طلعت عليه الشمس قال لي يا علي أنت أخي في الدنيا وفي الآخرة، وأقرب الخلائق مني في الموقف يوم القيامة، ومنزلي يواجه منزلك في الجنّة كما يتواجه منزل الأخوين في الله، وأنت الولي، والوزير، والوصي، والخليفة في الأهل والمال وفي المسلمين في كل غيبة، وأنت صاحب لوائي في الدنيا والآخرة وليك وليي، وولي ولي الله وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله تعالى(1).
وأما حديث حذيفة، قال: قال رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم): إن الله اتخذني
1) أمالي الهاروني، ص 65.
خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، فقصري وقصر إبراهيم في الجنة متقابلان، وقصر علي بن أبي طالب صلوات الله عليه بين قصري وقصر إبراهيم، فيا له من حبيب بين خليلين.
وفي الختام نذكر بعض مصادر الحديثين المشار إليهما في البيت السابق:
1 - فضائل أحمد (نسخة مصورة).
2 - المناقب لابن المغازلي المالكي، ص 87 - 89 ط إيران.
3 - المناقب للخوارزمي الحنفي.
4 - مقتل الحسين عالية للخوارزمي الحنفي 42/1 - 50 ط النجف.
5 - نظم درر السمطين للزرندي، ص 79 ط النجف.
6 - كفاية الطالب للكنجي الشافعي، ص 227، 314 - 316 ط النجف الثانية.
7 - تذكرة خواص الأمة لسبط ابن الجوزي.
-8 - الرياض النضرة للمحب الطبري 2/164 ط الخانجي بمصر.
9 - فرائد السمطين، 1/36، 41، 102 - 104 ط بيروت.
10 - تاریخ ابن عساكر 135/1 (ترجمة الإمام) ط بيروت.
11 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 450/2 ط مصر الأولى.
12 - ينابيع المودة للقندوزي الحنفي 83/10 - 256 ط إسلامبول سنة
1302ه-.
13 - نزهة المجالس للصفوري 2/230 ط مصر.
14 - اللثالئ المصنوعة للسيوطي 1/166 ط مصر.
15 - الفوائد المجموعة للشوكاني، ص 342 ط مصر.
16 - تنزيه الشريعة لابن عراق 1/351 ط مصر.
17- ميزان الاعتدال 1/507 ط القاهرة.
18 - لسان الميزان للعسقلاني 3/377.
19 - أمالي الهاروني، ص 65ط بيروت.
20 - العلل المتناهية 1/249.
96- أَقْدَمُكُم سِلْماً وإسْلاماً أَتَى***................
أشار سيدنا الناظم دام ظله إلى ما ورد عنه في حق علي (علیه السلام) و وصفه له بأنه أقدم أمته سلماً، وأعظمهم حلماً، وأكثرهم علماً ونحو ذلك، وقد روى بهذا اللفظ ونحوه عن جماعة من الصحابة منهم عائشة، وأسماء، وبريدة، وجابر، وابن عباس، وأنس، وعلي الهلالي، وغيرهم.
كما أشار دام ظله إلى ما ورد عنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم) بلفظ: «أنت أول من آمن بي». أو قوله: «أول هذه الأمة وروداً على نبيها (صلی اللّه علیه و آله و سلم) أولها إسلاما علي ابن أبي طالب».
ونحو ذلك مما يؤدي معناه، وهذا ما رواه جماعة من الصحابة، منهم: علي وسلمان، وابن عباس، وأبو ذر، وبريدة، وابن مسعود، وعفيف الكندي، وأبو رافع وزيد بن أرقم وغيرهم، وقد مرَّ بعض ذلك
في مناسبات متقدمة، فلتراجع.
والآن لنقتصر على ما ورد فيه لفظ «أقدمهم - أو أقدم أمتي- سلماً»... الخ، وهذا ما روته عائشة قالت: حدثتني فاطمة ابنة محمد أنّ النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قال لها: زوجتك أعلم المؤمنين علماً، وأقدمهم سلماً، وأفضلهم حلماً(1).
وروته أسماء بنت عمیس قالت: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لفاطمة: زوّجتك أقدمهم سلماً، وأعظمهم حلماً، وأكثرهم علماً(2).
ونكتفي بهذين النصين روماً للاختصار، ومن شاء الاستزادة فليرجع إلى المصادر التالية:
1 - تاریخ ابن عساكر (ترجمة الإمام) 1/233، 234 - 244.
-2 أنساب الأشراف للبلاذري 1/104.
3 - كنز العمال، 12/205، 15/98، ص 118.
4 - المصنف لعبد الرزاق 5/490.
5- المعجم الكبير للطبراني.
6 - مجمع الزوائد 9/102، 114.
7- جواهر العقدين 2/1ق/127.
8 - مناقب الخوارزمي، ص 63، 169.
9 - المغني للقاضي عبد الجبار 2/ 138- 139.
10 - إتحاف السادة المتقين 8/227.
11 - تاريخ الإسلام للذهبي 2/195.
12 - سمط النجوم العوالي 2/491.
13 - كتاب الأربعين في أصول الدين للفخر الرازي، ص 471.
14 - أمالي الهاروني، ص 88.
15 - شرح قصيدة الصاحب بن عباد في أصول الدين للقاضي البهلولي، ص 73.
16 - الروض النضير للسياغي 1/168.
17 - ينابيع المودة، ص 86.
18 - المستدرك للحاكم 3/129.
19 - علل الحديث لابن أبي حاتم، ص 264.
20 - المصنف لابن أبي شيبة 12/83.
21 - جمع الجوامع للسيوطي، ص 4273، 4274 طبع مجمع
البحوث.
22 - تذكرة الموضوعات للفتني، ص 178.
23 - المغني عن حمل الأسفار للعراقي 3/266 ط عيسى البابي.
99 - .................. *** وفيه قد جاء حديث لا فتى
إشارة منه دام ظله إلى ما جاء في حق الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) من نداء ملك يقال له (رضوان) في يوم بدر: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي.
أخرجه ابن عساكر في تاريخه بسنده عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي قال: لما خرج رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) إلى المدينة في الهجرة، أمرني أن أقيم بعده حتى أؤدي ودائع كانت عنده للناس، وإنما كان يُسمى الأمين، فأقمت ثلاثاً، وكنت أظهر ما تغييت يوماً واحداً، ثم خرجت فجعلت أتبع طريق رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم)، حتى قدمت بني عمرو بن عوف ورسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) مقيم فيهم، فنزلت على كلثوم بن الهدم، وهنالك منزل رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) في حضوره عليه في بدر ومعه ملك يُنادي: لا سيف إلا ذو الفقار
ولا فتى إلا علي(1).
وأخرجه أيضاً ابن سعد بتفاوت في الطبقات في ترجمة الإمام أمير المؤمنين(2)، وابن كثير في تاريخه(3)، والحاكم في المستدرك(4)، وابن عدي في الكامل، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب(5)، وأخرجه من تسعة طرق، وأخرج ثامنها فقط عن ستة عشر شيخا له، وتعقبه بقوله: أجمع أئمة الحديث على نقل هذا الجزء كابرا عن كابر رزقناه عاليا بحمد الله عن الجم الغفير كما سقناه، وقال: ورواه الحاكم مرفوعاً، وأخرجه عنه البيهقي في مناقبه(6).
وستأتي بقية المصادر في النهاية.
وأما حديث النداء في يوم أحد فقد أخرجه ابن هشام في سيرته(7)، والطبري في تاريخه(8)وغيرهما، وستأتي أسماؤهم في قائمة المصادر آخر البحث.
وإليك حديثه كما عند الطبري، فقد روى بسنده إلى أبي رافع قال: لما قتل علي بن أبي طالب أصحاب الألوية، أبصر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم جماعة من مشركي قريش، فقال لعلي: احمل عليهم. فحمل عليهم ففرق جمعهم، وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي، قال: ثم أبصر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم جماعة (أخرى) من مشركي قريش، فقال لعلي: احمل عليهم. فحمل عليهم ففرق جماعتهم، وقتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لؤي فقال جبرئيل: يا رسول الله، إنّ هذه المواساة. فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: إنه مني وأنا منه فقال جبرئيل: وأنا منكما. قال: فسمعوا صوتا:
لا سيف إلا ذو الفقار*** ولا فتى إلا علي
وإلى القارئ مصادر ذلك في يومي بدر وأحد:
1 - كفاية الطالب للكنجي الشافعي، ص 277 - 281 الطبعة الثانية.
2 - المناقب لابن المغازلي المالكي، ص 199 ط إيران.
3 - المناقب للخوارزمي الحنفي، ص 100 - 133 ط إيران.
4 - الرياض النضرة للمحب الطبري 2/190 ط الخانجي بمصر
5- ذخائر العقبى للمحب الطبري، ص 68، 74ط القدسي بمصر.
6 - غرر الخصائص الواضحة للوطواط، ص 292 ط الشرفية.
7 - تاریخ ابن كثير الشامي 7/213، ص 235 ط مصر الأولى.
8 - نزهة المجالس للصفوري 2/209 ط مصر الأولى.
9 - تمييز الطيب من الخبيث لابن الديبع الشيباني، ص 238 ط مصر.
10 - المقاصد الحسنة للسخاوي، ص 466 ط القدسي.
11 - ينابيع المودة، 209، 251 ط إسلامبول.
12 - سيرة ابن هشام 2/100 ط الحلبي.
13 - تاريخ الطبري 2/ 509- 514 ط مصر دار المعارف.
14 - معجم الطبراني (في ترجمة أبي رافع) ط بغداد.
15 - الأغاني 15/192 ط دار الكتب.
16 - الروض الأنف للسهيلي 2/143 ط مصر.
17 - تذكرة خواص الأمة لسبط ابن الجوزي الحنفي، ص 30-31 ط النجف.
18 - شرح نهج البلاغة للمعتزلي، 2/561، 3/236، ص 380 ط مصر الأولى.
19 - فرائد السمطين 1/257 ط بيروت.
20 - نظم درر السمطين للزرندي، ص 120 - 121 ط النجف.
21 - الفصول المهمة للصفاقسي المالكي، ص 38 ط النجف.
22 - نور الأبصار للشبلنجي، ص 45 - 46ط العامرة بمصر.
23 - طبقات ابن سعد 3/22 ط بيروت.
24 - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام) 1/139 ط بيروت.
25 - مستدرك الصحيحين للحاكم 2/385، 3/134 ط أفست بيروت.
26 - السنن الكبرى للبيهقي 3/276 ط حيدر آباد.
27 - فتح الباري لابن حجر العسقلاني 10/196 ط مصر الثانية.
28 - كنز العمال للمتقي الهندي 3/154 الحديث 24212.
29 - شرح المقاصد للتفتازاني 2/220 ط الأستانة.
30 - كشف الخفا ومزيل الالتباس للعجلوني 506/2 ط مصر.
31 - سمط النجوم العوالي للعصامي 505/2 نشر السلفية.
32 - الموضوعات لابن الجوزي 1/382 ط مصر.
33 - اللثالث المصنوعة للسيوطي 1/189 ط مصر، الأولى.
34 - لسان الميزان لابن حجر 4/406 ط حیدر آباد.
35 - ميزان الاعتدال للذهبي، 2/17، 3/324 ط محققة بمصر.
36 - مجمع الزوائد للهيثمي 6/114 ط القدسي.
37 - معجم الشعراء للمرزباني، ص 280 ط مصر.
38 - تنزيه الشريعة لابن عراق 1/385 ط محققة بمصر.
39 - النهاية في اللغة لابن الأثير (فقر) 2/104 ط الخيرية.
40 - تاج العروس للزبيدي (فقر) 3/742 ط مصر الأولى.
97 - أليس يكفي آيةُ المباهلة*** أن عليًّا نفسُ طَهَ الفاضلة
أشار سيدنا الناظم دام ظله إلى ما ورد في آية المباهلة، وذلك في قوله تعالى(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)(1).
فقد ذكر المفسرون وأصحاب الحديث والسير وغيرهم في سبب نزولها: أن النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم) لما دعا نصارى نجران إلى الإسلام جاءه منهم وفد للمفاوضة يضم ستين عضواً بينهم ثلاثة عشر رجلاً من أشرافهم وذوي الرأي والحجى منهم، وكان الوفد برئاسة ثلاثة، وهم العاقب واسمه عبد المسيح وهو أميرهم، والسيد واسمه الأيهم، وهو صاحب رحلهم، وأبو
1) سورة آل عمران الآية 61.
حارثة وكان صاحب مدراسهم وأسقفهم وحبرهم الأعظم.
ولما أتوا النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) في المسجد وكانت عليهم أردية الحرير وخواتيم الذهب وقد أظهروا الصليب، فسلّموا عليه فلم يرد عليهم ولم يكلمهم، فانطلقوا يلتمسون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف لمعرفة سابقة لهم بهما، فوجدوهما في مجلس للمهاجرين، فأخبروهما بذلك فلم يحيرا جواباً، وقالا لعلي - وكان حاضرا -: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟
قال: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ثم يعودون إليه. ففعلوا ذلك، وجاؤوا فسلّموا فردَّ عليهم، فعرض عليهم الإسلام فامتنعوا، وكثر الكلام، والجدال فنزلت عليه الآية الكريمة، فقرأها ودعاهم إلى المباهلة فرضوا بذلك وتواعدوا من الغد.
فخرج رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) من الغد و عليه مرط من شعر أسود يحتضن الحسين وقد أخذ بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها، وهو يقول لهم: إذا دعوت فأمّنوا. فلما رأى النصارى ذلك المشهد قال الأسقف: يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو أقسمت على الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.
وفي حديث سعد بن أبي وقاص - كما في صحيح مسلم والترمذي ومستدرك الحاكم وسنن البيهقي والإصابة لابن حجر وغيرها - قال: لما نزلت هذه الآية قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ الآية دعا رسول الله
(صلی اللّه علیه و آله و سلم) عليا وفاطمة وحسناً وحسيناً، وقال: اللهم هؤلاء أهلي.
وفي تفسير الرازي أنه (علیه السلام) لما خرج في المرط الأسود فجاء الحسن رضي الله عنه فأدخله، ثم جاء الحسين رضي الله عنه فأدخله، ثم فاطمة ثم علي رضي الله عنهما، ثم قال إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا. ثم قال الرازي: واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث.)وفي تفسير السراج المنير للشربيني روى ذلك عن عائشة بنحو ما مر عن الرازي مرسلا، ثم قال: وفي ذلك دليل على نبوته (صلی اللّه علیه و آله و سلم وعلى فضل أهل الكساء رضي الله تعالى عنهم... الخ.)وقال الحاكم في معرفة علوم الحديث: وقد تواترت الأخبار في التفاسير عن عبد الله بن عباس، وغيره أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أخذ يوم المباهلة بيد علي وحسن وحسين وجعلوا فاطمة وراءهم، ثم قال: هؤلاء أبناؤنا وأنفسنا ونساؤنا، فهلموا أنفسكم وأبناءكم ونساءكم (ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(1).)فقال العاقب للسيد: لا تلاعنه، إنك إن لاعنته لا نفلح نحن ولا أعقابنا وقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك. ثم تفاوضوا حتى رضوا بأن يعطوا الجزية عن يد و هو صاغرون.وهذه المنقبة الجليلة والمكرمة والفضيلة التي تواترت الأخبار في
1) علوم الحديث للحاكم، ص 50.
التفاسير عن عبد الله بن عباس وغيره أنها في الخمسة أهل الكساء كما مرَّ عن الحاكم النيسابوري، وأنها كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث كما مرَّ عن الرازي ذلك، ونضيف إلى قوله - وبالأحرى نصحح له قوله - أن ذلك مما اتفق على تصحيحه غير واحد من أهل التفسير والحديث والتاريخ بل وحتى كتب الأدب، فهذا أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني روى الحديث بسبعة أسانيد، وقال في بعضها: وحدثني به جماعة آخرون بأسانيد مختلفة، واللفظ يزيد وينقص.وللإخبات بصحته فقد أرسل إرسال المسلمات كما في تفاسير الرازي والقرطبي، والنسفي وابن جزي والشربيني، والجلالين، وفي غيرها كتاريخ ابن الأثير، ومختار الأغاني لابن منظور، وغيرها وغيرها. وفعل ذلك الخوارزمي الحنفي بعد أن روى الحديث بأسانيد متعددة، ثم ذكر المراسيل، وحتى نظمه الشعراء، واحتج به المتكلمون والفقهاء.أقول: مع هذا كله لم يسلم الحديث من كيد الحاسدين المعاندين، وحقد الحاكمين الماكرين، ومن يلهث في ركابهم من الضالعين الضالين فتجاهله بعض وشوهه آخر ودس فيه ثالث، وحرفه رابع، ولعل هناك خامسا وسادسا وسابعا يجدهم الباحث المتتبع، أتدري لم ذلك كله؟والجواب بكل بساطة: لأن الحديث كما يقول الزمخشري في كشافه: لا دليل أقوى من هذا على فضل أصحاب الكساء، وهم علي وفاطمة والحسنان.
يالله وللمسلمين ما بال النصارى يعترفون بفضلهم حين رأوا وجوههم فقالوا: (نرى وجوهاً لو أقسمت على الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله. وينكر فضلهم من يزعم أن له في الإسلام نصيباً، لماذا ذلك كله؟ ليزيلوا الحق عن أهله، ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ)؟)والمنكرون في ذلك أربعة أنماط، ولا يعدم الباحث غيرهم من الأخلاط بين الأسقاط.فالنمط الأول الذي تجاهل حديث المباهلة بالمرة، فذكر حديث وفد نصارى نجران، لكنه لم يذكر أسماء من خرج بهم (صلی اللّه علیه و آله و سلم المباهلة، وهم كثيرون، ونختار مثالا لهم صنيع البخاري في صحيحه، وابن سعد في طبقاته، وابن هشام في سيرته، ولعلهم أقدم محدث وكاتب ومؤرخ سيرة صنعوا ذلك، فتبعهم غيرهم خصوصا من شرح كتابي البخاري وابن هشام.)أما البخاري فلم يذكر في كتاب التفسير من صحيحه آية المباهلة ضمن تفسيره لآيات من سورة آل عمران، ولم يشر إلى قصتها من قريب أو بعيد، لكنه في كتاب المغازي ذكر عنوان (باب قصة أهل نجران، فذكر ثلاثة أحاديث:)1 - بسنده عن حذيفة قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يريدان أن يلاعناه، قال: فقال
أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لإن كان نبياً فلاعنّا فلا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلاً أميناً، ولا تبعث معنا إلا أميناً.فقال: لأبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين حق أمين. فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح. فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: هذا أمين هذه الأمة.2 - بسنده عن حذيفة، وهو كسابقه وقريب من لفظه.3 - بسنده عن أنس عنه صلى الله عليه [وآله] وسلم، قال: لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.هذا ما ذكره البخاري في صحيحه (الذي هو أصح كتاب بعد كتاب الله فيما يقولون، ولم يزد على ذلك، وكأنه عقد الباب لذكر أمانة أبي عبيدة بن الجراح و لعل من المدهش أنه لم يذكر في مناقب أبي عبيدة سوى حديثين من هذه الثلاثة هما أحد حديثي حذيفة والآخر عن أنس.)وحيث إن الحديث عن إرسال أبي عبيدة مع نصارى نجران دعوى بلا برهان، لذلك فقد اضطر أحد شراح صحيحه وهو الحافظ ابن حجر العسقلاني أن قال: ذكر أهل السير ومنهم ابن إسحاق: أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم بعث عليا إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم، وهذه القصة غير قصة أبي عبيدة، لأن أبا عبيدة توجه معهم، فقبض مال
الصلح ورجع، وعلي أرسله النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم بعد ذلك يقبض منهم ما استحق عليهم من الجزية، يأخذ ممن أسلم منهم ما وجب عليه من الصدقة، والله أعلم(1.)ونحن أيضا نقول له: والله أعلم بصحة ما يقول، ولا يهمنا ذلك بمقدار ما يهمنا تنبيه القارئ إلى ما ذكره البخاري في حديثه الأول من قوله: (جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يريدان أن يلاعناه.)كيف يمكن تصديقه في ذلك، والقرآن الكريم شاهد على كذبه فهو صريح في خطابه، فصيح في بيانه، حيث يقول مخاطبا نبيه الكريم (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ، فإن الآية الكريمة دلّت على أن إرادة طلب الملاعنة إنما كان من الرسول (صلی اللّه علیه و آله و سلم)، لا من العاقب والسيد.)ثم إذا صح ما زعمه في روايته أنهما جاءا يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا نفعل.ماذا حدث لهما فبدل رأيهما؟ إذ أن قول أحدهما لصاحبه لا تفعل يدل على حدوث ما استدعى ترك طلب الملاعنة، فما هو ذلك الحادث يا تری؟
1) فتح الباري 9/158.
إنه ليس غير رؤيتهم تلك الوجوه التي قالوا عنها: (لو سألت الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله كما في صحيح مسلم وغيره، فلم يغصّ البخاري بذكرهم؟)وأما قول ابن حجر: ذكر أهل السير ومنهم ابن إسحاق: أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم بعث عليًّا إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم.فقد سبق له في كتاب المغازي في شرحه لحديث جابر، وفيه قوله: (فقدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بسعايته، فقال ابن حجر: وقوله هذا (وقدم علي بسعايته) بكسر السين المهملة، يعني ولايته على اليمن، لا بسعاية الصدقة(1).)قال النووي تبعاً لغيره: لأنه كان يحرم عليه ذلك كما ثبت في صحيح مسلم في قصة طلب الفضل بن العباس أن يكون عاملاً على الصدقة، فقال له النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: إنها أوساخ الناس. فكيف يصح قوله: بعث عليًّا إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم.هذا عن البخاري، وأما ابن سعد في كتابه الطبقات(2فقد طوى ذكر المباهلة بأهل البيت، فلم يشر إليها من قريب أو بعيد.)وأما ابن هشام فهو أيضاً على شاكلته في كتمان أمر المباهلة، فقد ذكر
عن ابن إسحاق وفد نصارى نجران وذكر آية المباهلة والدعوة إليها، لكنه كتم أسماء من خرج بهم النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم غداة المباهلة، وهم علي وفاطمة وابناهما الحسن والحسين، وتبعه على ذلك أيضاً شارح سيرته السهيلي في الروض الأنف.)ولا غرابة عندي فيما صنع ابن هشام بعد أن قرأته في سيرته فعرفته مؤرّخ دولة، كما عرفت عدم أمانته في نقله عن ابن إسحاق في روايته، لكن الغرابة عندي من السهيلي في روضه، وهو هو في عمله وحفظه، كيف تم على ابن هشام في عدم أمانته في هذا المقام، فقال في كتابه الروض الأنف:وفي حديث أهل نجران زيادة كثيرة عن ابن إسحاق من غير رواية ابن هشام منها أن راهب نجران حين رجع الوفد وأخبروه الخبر، رحل إلى النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم فسمع منه، وأهدى إليه القضيب والقعب والبرد الذي هو الآن عند خلفاء بني العباس يتوارثونه(1).)والناظر في قول السهيلي هذا يجد مؤشرا واضحا على حجم الزيادة الكثيرة التي اطلع عليها عن ابن إسحاق من غير رواية ابن هشام، لكنه لم يذكرها، برمتها، ولماذا؟ ذلك ما نتلمس نحن الإجابة عليه !!وهنا مثار العجب والاستغراب، إذا كانت الزيادة كثيرة وهو قد اطلع عليها، ونقل نبذة منها، لماذا لم يذكرها كلها بنصها وفصها كما اطلع عليها؟
1) الروض الأنف 2/50.
ألا يكشف كتمانه عن دخيلة نفسه، وأنه هو الآخر لم يرق له رواية لم يطق ابن هشام ذكرها فهو يشاركه، هواه، وكأن الذي أهمه ذكره من محذوف رواية ابن هشام عن ابن إسحاق هو هدية الراهب للنبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم القضيب والقعب والبرد الذي هو الآن عند خلفاء بني العباس يتوارثونه، وهذا هو بيت القصيد، وعليه النغم والنشيد في معزوفة الحاكمين من أمويين وعباسيين وحتى سلاطين الحكم العثماني.)ولولا خوف الإطالة والخروج عما نحن بصدده لأفدت القارئ بما وقفت عليه خلال مطالعاتي عن البردة النبوية التي كان الأمويون والعباسيون يزعمون، وراثتها وهيهات هيهات فلا تزيدهم حسنات، ولا تمحو عنهم سيئات، رغم كل ما ذكره مؤرخوهم لها ولهم من الترهات(1.
1) ذكر ابن كثير في كتابه السيرة النبوية 4/712: قال الحافظ البيهقي: وأما البرد الذي عند الخلفاء فقد روينا عن محمد بن إسحاق بن يسار في قصة تبوك أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أعطى أهل أيلة بردة مع كتابه الذي كتب لهم أماناً لهم، فاشتراها أبو العباس عبد الله بن محمد بثلاثمائة دينار - يعني بذلك أول خلفاء بني العباس وهو السفاح. اه-.)قال ابن كثير: وقد توارث بنو العباس هذه البردة خلفاً عن سلف... الخ.ونقرأ نحو ذلك في تاريخ القرماني، ص 86 ط بغداد سنة 1282ه- نقلا عن الذهبي في تاريخه، فأين هذا مما ذكره السهيلي بأنها بردته التي أهداها له أسقف نجران؟ومهما قرأنا عن الآثار النبوية وما كتبه المؤرخون عنها قديماً وحديثاً لا نجد غير المكرر والمعاد، وإذا حققنا في ذلك لا يثبت ما يقوله مؤرخو الحكم والدولة بأن البردة التي كانت عند الخلفاء العباسيين هي بردة النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم، خصوصاً إذا لاحظنا أن وفد نصاری نجران كان في السنة العاشرة كما يظهر من تاريخ كتاب الصلح الذي كتبه(صلی اللّه علیه و آله و سلم) لهم، أما وقعة تبوك فقد كانت في السنة التاسعة من الهجرة، فكيف يصح ما زعمه السهيلي بأن ما وجده عند ابن إسحاق من غير رواية ابن هشام أن البردة التي كان يتوارثها العباسيون هي التي أهداها أسقف نجران إلى النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم)؟)أقول: كيف يصح هذا مع ما نقله ابن كثير عن الحافظ البيهقي عن ابن إسحاق أيضاً، أن بردة الخلفاء العباسيين هي التي اشتراها أبو العباس من أهل أيلة بثلاثمائة دينار فالبردة واحدة، والراوي لها بزعمه أيضاً هو واحد وهو ابن إسحاق، فيا ترى أي الخبرين هو الصحيح؟أقول: وليس يصح منهما شيء، خصوصاً إذا قرأنا ما ذكره القرماني، ص 86 عن البردة والقضيب الخ، وأن البردة هي التي أعطاها (صلی اللّه علیه و آله و سلم إلى كعب بن زهير حين أنشده قصيدته (بانت سعاد)، وأن معاوية أرادها منه فلم يعطها، فلما مات اشتراها من أبنائه بعشرين ألف درهم.)ونجد الحديث عن هذه البردة وأنها هي التي كان الخلفاء يتوارثونها إلى أن انتهت إلى المستعصم، فخرج بها لملاقاة هولاكو كبير التتار وبيده القضيب فانتزعهما هولاكو وجعلهما في طبق من نحاس فأحرقهما وذرى رمادهما في دجلة وقال ما أحرقتهما استهانة بهما، بل حرقتهما تطهيراً لهما. راجع عنها في تاريخ القرماني عند ذكر المستعصم.كما نجد حديثاً عن البردة في شرح قصيدة (بانت سعاد لابن هشام، وأوفى ما تجد عنها في (الآثار النبوية)، ص 11 ط الثانية، سنة 1375ه- لأحمد تيمور باشا دون غيرها من المصادر، ومهما يكن الحديث عن البردة والقضيب فليس لمن زعم من الحكام أنهما عنده له فيهما من نصيب، فقد قال الداعي الحسن بن زيد في كتابه إلى محمد بن طاهر عامل العباسيين، وختمه بأبيات أنشأها على البديهة كما في أمالي أبي طالب الهاروني، ص 118 جاء فيها قوله:)ردُّوا علينا تراث والدنا*** خاتمه والقضيب والحبرةوبيت ذي العرش سلموه لنا*** تليه منا عصابة طهرةوقال غيره:ردُّوا تراث محمد ردُّوا*** ليس القضيب لكم ولا البرد
ولا يضيرنا كتمان السهيلي لبقية رواية ابن إسحاق، كما لم يضرنا تعامي ابن هشام عنها، فقد روى غير ابن هشام ذلك عنه، حتى لو لم يكن روى ابن إسحاق ذلك فليس ذلك بأمر خطير، فكم له من نظير ولا يضير.أما النمط الثاني الذي شوه حديث المباهلة بحذف اسم علي من بين أسماء الذين أخرجهم النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم للمباهلة، ومن هذا النمط نفر نمّ هو على نفسه، فكشف عن دسه وأسّه، نحو ما صنعه الطبري في تاريخه وإحدى رواياته في تفسيره وابن كثير في تاريخه وتفسيره، والذهبي في كتابيه سير أعلام النبلاء وتاريخ الإسلام.)وهناك آخرون كانوا في هذا الركاب ولا نطيل معهم الحساب كابن قيم الجوزية في زاد المعاد وابن حجر في فتح الباري، والحموي في خزانة الأدب.ومن المحدثين محمد الغزالي في فقه السيرة، وغيرهم.ولا يهمنا استقصاؤهم بقدر ما يهمنا بيان مدى أمانة الثلاثة الذين تقدمت أسماؤهم.
فالطبري مثلا في تاريخه الذي يعد من أعظم المصادر التاريخية، قد طوى الحديث عن المباهلة بالكلية، ولم يزد على قوله في حوادث السنة العاشرة من الهجرة: وفيها قدم وفد العاقب والسيد من نجران فكتب لهما رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم كتاب الصلح(1.)وبهذا الصنيع الشنيع يُعدّ من نمط البخاري وابن هشام كما مرَّ في النمط الأول، لكنه في تفسيره ذكر ستة أحاديث من بين عشرين حديثا سردها في تفسير الآية المذكورة ورد اسم علي مع الباقين في اثنين منهما، وهي ما رواه بسند عن زيد بن علي وما رواه بسنده عن السدي، كما ورد في حديث آخر في آخر تفسير الآية بسنده عن علباء بن أحمر اليشكري قال: لما نزلت هذه الآية ﴿قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ الآية قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم إلى علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين ودعا اليهود ليلا عنهم، فقال شاب من اليهود ويحكم... أليس عهدكم بالأمس من إخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير؟ لا تلاعنوا فانتهوا.)وهذا الحديث كما ترى فإن طرف الملاعنة فيه اليهود لا نصارى نجران، ولبعض المفسرين حول هذا الحديث كلام انتهى فيه إلى تعدد المباهلة.ولنعد إلى الطبري الذي هو بروايته لحديثين ورد فيهما اسم علي في
1) راجع تاريخ الطبري 3/163 ط الحسينية، 3/139 تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
مباهلة نصارى نجران، لكنه لم يرد في الأربعة الأخرى، لذا جعلناه من النمط الثاني، خصوصا في الحديث الأول الذي رواه عن الشعبي، فقال: حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير عن مغيرة عن عامر - وهو الشعبي - قال: فأمر - يعني النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم - ملاعنتهم...)إلى أن قال: فلما غدوا غدا النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم محتضنا حسيناً أخذ بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، فدعاهم إلى الذي فارقوه عليه بالأمس... الخ.ففي هذا الحديث لم يذكر عليا مع أصحاب المباهلة، وهذا ما أثار تساؤل جرير - أحد رجال السند - لأن يسأل المغيرة فيقول له: إن الناس يروون في حديث أهل نجران أن عليا كان معهم! فقال: أما الشعبي فلم يذكره، فلا أدري لسوء رأي بني أمية في علي أو لم يكن في الحديث. اه-.أقول: وإذا كان المغيرة لا يدري سبب إخفاء الشعبي لاسم علي من بين أصحاب المباهلة، فأنا أدري وذلك أن الشعبي على ما هو عليه من نصب ظاهر فهو قاض لبني أمية(1، ومؤدب لولد عبد الملك بن مروان(2)، وهو القائل ويحلف بالله: (لقد دخل علي حفرته وما حفظ القرآن)(3). فمن)
كان هكذا كيف يذكر عليا بخير؟ وكيف لا يتقرب إليهم بما تهوى أنفسهم؟ومع ذلك كان يتّقي بطش بني أمية، حتى بلغ من خوفه أنه لا يذكر اسم علي حتى لو ذكر حكماً شرعياً أو فتيا فقهية عنه، فقد ذكر ابن عساكر في تاريخه في ترجمته يزيد بن أبي مسلم الثقفي كاتب الحجاج، بسنده عن رقبة العبدي قال: خرج يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج من عند الحجاج فلقي الشعبي على الباب، فقال: لقد قضى الأمير اليوم بقضية ما كنت أرى أن أحداً من أهل القبلة يقضي بها. قال له الشعبي: أي شيء هي؟ قال: جعل متاع البيت للرجل إلا أن تقيم المرأة على شيء منه بينة. فقال له الشعبي: تكتم عليَّ؟ قال: نعم. قال: قد قضى بها رجل من أهل بدر. قال: من هو؟ قال: أنا أعرفك! اجعل لي موثقاً لا تخبر به الحجاج! قال: الله عليَّ ذلك. قال: هو علي بن أبي طالب. فدخل يزيد على الحجاج، فقال: أصلح الله الأمير قد قضيت أمس بقضية ما كان لي عجب غيرها، فخرجت فلقيت فقيهاً من أهل الكوفة على الباب فذكرتها له، فزعم أنه قضى بها رجل من أهل بدر. فقال الحجاج من هو ؟ قال: لا أخبرك، قد أخذ مني موثقاً. قال: أرأيت أن أصبت؟ قال: أنت أعلم. قال: هو عامر الشعبي، فضحك يزيد، فقال: هذا قد عرفناه الآن فمن البدري؟ قال: هو علي بن أبي طالب. فقال له:الحجاج إنا لم ننقم على علي جهالة القضاء، كان علي أفضل الناس جميعاً.فإذا كان الشعبي يخشى ذكر علي في حكم شرعي، ولا يخبر به إلا
بعد أن أخذ المواثيق، فكيف يطيق مع نصبه ذكر فضيلة له؟وما وصلنا إليه في بطون الكتب مما ينقل عنه من ذكر علي وأهل بيته وفضلهم، إنما هو من فلتات الزمان، وذلك حين يحس بالأمان، ومن ذلك ما يتعلق بحديث المباهلة، فقد ذكر محمد بن طلحة الشافعي عن الشعبي قال: قوله تعالى: (أبناؤنا الحسن والحسين (ونساؤنا) فاطمة، و(أنفسنا) على(1).)وكذا نقل عنه الواحدي في أسباب النزول، والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل.فالرجل كان معروفا بتفسيره الآية في أهل البيت، ومنهم علي (علیه السلام، حتى إن الموفق الخوارزمي الحنفي عدَّ الشعبي مع ابن عباس والحسن البصري والسدي الذين كانوا يقولون بأن عليا نفس رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) في آية المباهلة، ونقل عنهم ذلك مرسلاً إرسال المسلّمات(2).)والحسن البصري الذي ذكره الخوارزمي هو الآخر روى عنه أحمد ابن حنبل في الفضائل حديث المباهلة بدون ذكر علي (علیه السلام مع اشتهار تفسيره بخصوص أنفسنا في علي كما مرَّ، لكنه هو الآخر كان يتقي بني أمية حتى إنه نسبت إليه كلمة فعوتب عليها.)قيل له: بلغنا يا أبا سعيد أنك تقول: لو كان علي يأكل من حشف
المدينة لكان خيراً له مما صنع فقال للسائل يا ابن أخي كلمة باطل حقنت بها دما، والله لقد فقدوه سهما صائبا في مرامي الله... الخ(1.)ومهما كانت تقية الحسن إلا أنه كان أجرأ من الشعبي على إظهار الحق، فقد أخرج الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل بسنده عن الشعبي قال: قدمنا على الحجاج بن يوسف البصرة وكان الحسن آخر من دخل، ثم جعل الحجاج يذاكرنا وينتقص عليا وينال منه، فنلنا منه مقاربة له وفرقاً من شره، والحسن ساكت عاض على إبهامه، فقال له الحجاج: يا أبا سعيد مالي أراك ساكتاً؟ فقال الحسن: ما عسيت أن أقول؟ قال الحجاج: أخبرني برأيك في أبي تراب. وفي حديث آخر قال: ومن أبو تراب؟ قال: علي بن أبي طالب. قال: أقول: إن الله جعله من المهتدين. قال: هات على ما تقول برهاناً. قال: قال الله تعالى في كتابه (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ، فكان علي أول من هداه الله مع النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم.)فقال الحجاج ترابي عراقي؟! قال الحسن: هو ما أقول لك. فأمر بإخراجه.قال الحسن: فلما سلّمني الله تعالى وخرجت ذكرت عفو الله عن
1) حلية الأولياء 1/84 فرائد السمطين 1/381. أمالي القالي في النوادر 3/194.
العباد (1.)وروي السفاريني(2والقشاشي(3)وفي حاشية الخلاصة كما في دراسات تاريخه في رجال الحديث للدكتور عبد الحميد بخيت(4)وغيرها.)قال يونس بن عبيد: سألت الحسن:قلت يا أبا سعيد إنك تقول: قال رسول صلى الله عليه [وآله] وسلم، وإنك لم تدركه. قال: يا ابن أخي لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك منى ما أخبرتك إني في زمان كما ترى - وكان في عمل الحجاج - كل شيء سمعتني أقول: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فهو عن علي بن أبي طالب غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليًّا.والذي سوّغ للحسن أن يقول ذلك أنه كان يرى عليا نفس رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وباب مدينة علمه، فما كان عند علي فهو منه صلى الله عليه [وآله] وسلم.وما أكثر الشواهد على ذلك، ولا نريد الخوض في هذا المضمار الذي يكثر فيه العثار، ولا ينفع معه الاعتذار، إذ أن خلاصة الأمر في عقدة بني أمية وأتباعهم من علي (علیه السلام كما قال حفيده علي بن الحسين زين العابدين، وقد سئل ما بال قريش لا تحب عليا؟ قال: لأنه أورد أولهم إلى)
النار، وألزم آخرهم العار(1.)ولنعم ما قال أبو عمرو بن عبد البر المالكي في الاستيعاب في ترجمة الإمام: وقد كان بنو أمية ينالون منه وينتقصونه، فما زاده الله بذلكم إلا سموا وعلوا ومحبة عند العلماء(2.)وروى عن عامر بن عبد الله بن الزبير أنه سمع ابنا له ينتقص عليًّا، فقال: يا بني إياك والعودة إلى ذلك، فإن بني مروان شتموه ستين سنة، فلم يزده الله بذلك إلا رفعة، وإن الدين لم يبن شيئاً فهدمته الدنيا، وإن الدنيا لم تبن شيئا إلا عادت فهدمته(3.)ونعود إلى الطبري فنسأله: لماذا طوى الحديث بالمرة في تاريخه، وغمغم في ذكره في تفسيره بحشره أحاديث متفاوتة، وسن طريقة سلكها من بعده؟ فابن كثير صنع صنيعه فلم يذكر عليا في مكان من تاريخه(4، وإحدى روايتيه)في تفسيره لكنه ثم على نفسه في مكان من تاريخه(5في روايتيه في تفسيره.)وكذلك الذهبي فإنه حذف اسم علي في كتابه سير أعلام النبلاء إذ يذكر آية المباهلة، لكنه صرّح باسمه في كتابه الآخر تاريخ الإسلام(6، ولا)
نطيل الحساب مع هؤلاء، ولنتركهم وتركاضهم.ولننظر إلى النمط الثالث الذي لم يسعه صنع من سبقه، فاسم علي ثابت لا شك فيه عندهم، فعمدوا إلى حشر أسماء غريبة من غير أهل البيت معهم.ويمثل هذا النمط ولعله الفريد في ذلك برهان الدين الحلبي صاحب السيرة الحلبية، فقد قال في حديثه عن المباهلة: فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أقبل ومعه حسن وحسين وفاطمة وعلي رضي الله عنهم، وقال: اللهم هؤلاء أهلي. أي: وعند ذلك قال لهم الأسقف: إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل لهم جبلاً لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني. فقالوا: لا نباهلك.وعن عمر أنه قال للنبي صلى الله عليه [وآله] وسلم: لو لاعنتهم يا رسول الله بيد من كنت تأخذ؟قال صلى الله عليه [وآله] وسلم: آخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين وعائشة وحفصة.ثم قال الحلبي: وهذا -أي ذكر عائشة وحفصة- في هذه الرواية دل عليه قوله تعالى (وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُم(1).)ونحن لا نسائل البرهان الحلبي عن برهانه على صحة روايته المرسلة عن، عمر كما لا نطالبه بالمصدر الذي أخذ منه، ولا نناقشه في استدلاله
1) السيرة الحلبية 3/212 ط محمد مصطفى سنة 1320ه-.
لاعتلاله بعد اعتداله، حيث ذكر أولا ما تظافر نقله عن المفسرين والمحدثين والمؤرخين، وصدحت به حتى أناشيد، المادحين ما باله مال إلى ما رواه ثانيا، ولم يذكر له مصدرا يعتمد عليه، ولا سندا ننظر فيه، ويكفي في دحض فريته ما أخرجه البيهقي في الدلائل، وابن كثير في تفسيره(1، والسيوطي في الدر المنثور(2)في حديث أخرجه بسنده إلى سلمة بن عبد يشوع عن أبيه عن جده، جاء فيه: فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم الغد بعدما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشي خلف ظهره لملاعنته، وله يومئذ عدة نسوة.)فهذا الحديث صريح في أنه (صلی اللّه علیه و آله و سلم خرج للملاعنة، ولم يكن معه من النساء غير فاطمة، مع تنبيه الراوي وتأكيده على ذلك بقوله: وله يومئذ عدة نسوة، يعني لم يخرجهن.)والآن نسأل من البرهان الحلبي عما ذكره - إن صح - من سؤال عمر من النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم: لو لاعنتهم يا رسول الله بيد من كنت تأخذ؟)هذا السؤال لا يخلو إما أن يكون قبل الخروج للملاعنة أو بعده، فإن كان قبله فلماذا حين خرج رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم لم يخرج معه عائشة وحفصة، وقد سبق ذكرهما لعمر.)ثم لماذا لم يسأل عمر منه ثانية عن عدم إخراجهما معه؟
وإن كان السؤال بعد انقضاء أمر الملاعنة فأي معنى لسؤاله عن أمر انقضى، وقد رأى هو وغيره من الصحابة حين خرج رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم للملاعنة أخرج معه الحسن والحسين وفاطمة وعليا صلوات الله عليهم أجمعين؟)وهل لنا أن نسأل البرهان الحلبي: لماذا خص عمر بالذكر هاتين الزوجتين دون بقية أزواجه التسع؟ولعل الجواب: كان لهما ما تميزتا به على سائر أزواجه في حياته وبعد مماته.وأظن - وظن الألمعي يقين - أن ما ذكره البرهان الحلبي هو تحريف لحديث أخرجه الطبري في تفسيره بسنده عن ابن زيد، قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لو لاعنت بمن كنت تأتي حين قلت: أبناءنا وأبناءكم؟ قال: حسن وحسين(1.)أما النمط الرابع فهو الذي حرَّف الكلم عن المواضع، وأتى بمنكر من القول يلفظه المحدّث ويمجه السامع، كنحو ما عزي تخريجه إلى ابن عساكر، وعنه السيوطي، والشوكاني والألوسي، والمراغي، وربما غيرهم أيضاً قالوا.أخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية (تَعَالَوا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا الآية، قال: فجاء بأبي بكر وولده، وبعمر وولده، وبعثمان)
1) تفسير الطبري 3/193.
وولده، وبعلي وولده.ولم يعقب أحد منهم على ذلك بشيء سوى الألوسي، فقال: وهذا خلاف ما رواه الجمهور.أقول: وإذا عذرنا كل من ذكر ذلك، فلا نعذر السيوطي من بينهم لأنه كان أكثرهم إيراداً للأحاديث في تفسير هذه الآية، وهو قد أخرج قبل هذا الحديث جملة صالحة تكفي في تكذيب هذه الفرية لسلامة أسانيد بعضها وصراحة دلالتها، ومنها حديث جابر الذي قال عنه: أخرجه الحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، فقد جاء فيه: فغدا رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم وأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما - أي العاقب والسيد - فأبيا أن يجيباه وأقرا له، فقال: والذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي عليهما ناراً.)قال جابر: فيهم نزلت (تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ الآية، قال جابر: (الفُسَنَا وَالفُسَكُمْ) رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) و علي، و(ابْنَاءَنَا) الحسن والحسين، و(وَنِسَاءَنَا) فاطمة. وأغرب من كل أولئك مقالة أبي يعلى الفراء الحنبلي المتوفى سنة 458 ه- -والد صاحب كتاب (طبقات الحنابلة) - فقد قال في كتابه (المعتمد في أصول الدين) في كتاب الإمامة منه: (فصول من الكلام على الغلاة من الرافضة): ولا طريق لنا إلى أن النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) لم يخرج الصحابة معه إلى المباهلة سوى فاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم، بل يجوز أن يكون النبي
(صلی اللّه علیه و آله و سلم) ما دعا أحداً إلى المباهلة سوى علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، وما خرج معه غيرهم إلى المباهلة.
والدلالة عليه ما حدثنا محمد بن علي الفتح عن أبي الحسن الدارقطني بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءكُمْ وَانفُسَنَا وأنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ).
قال: جاء بأبي بكر وولده، وبعمر وولده، وبعثمان وولده. اه-(1).
أقول: ولسنا بحاجة إلى الرد عليه بعد ما تقدم منا ذكر الحديث، نقلاً عن مصادر غير الرافضة بأسانيدهم المتعددة ورجالهم الموثقين: أن النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم) لم يخرج سوى علي وفاطمة والحسن والحسين (علیهم السلام).
وفيما يأتي مزيد إفصاح عن أن الحديث من الصحاح، فلا عبرة بمن يتشبث بالمرسلات، ويحتج بتجويز الترهات وحبذا لو كان أبو يعلى منصفاً مع نفسه قبل أن يكون منصفا مع الرافضة، فذكر لنا تمام إسناد الدارقطني، لنعرف من هم رجاله وما مبلغهم من الصدق؟ ولكنه لم يفعل.
و مادام قد اعتمد الدارقطني في المقام فسنذكر له أيضاً عن الدارقطني ما رواه من احتجاج الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) على أهل الشورى بحديث
1) المعتمد في أصول الدين (النسخة الفريدة) في المكتبة الظاهرية بدمشق، ورقة 87-106، نقلا عن (نصوص الفكر السياسي الإسلامي)، ص 230. الإمامة عند السنة: يوسف أبيش منشورات دار الطليعة بيروت ط الأولى سنة 1966م.
المباهلة، وقد أخرجه عنه ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة(1)كما سيأتي بلفظه وكان من أهل الشورى عثمان، فلم يذكر عنه إلا التصديق بما احتج به الإمام عليه وعلى البقية.
ثم ليت شعري كيف يروى ذلك عن الدارقطني أو عن ابن عساكر مرسلاً عن جعفر بن محمد عن أبيه ونقله منه، وهذه كتب شيعة جعفر وأبيه خالية من ذلك، والذي فيها عن جعفر الله وأبيه في نزول الآية أنه دعا النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) عليا وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين لا غيرهما كما في تفاسير فرات والعياشي والقمي والطبرسي والصافي والبرهان وكذا في أمالي الشيخ والطوسي واختصاص المفيد والخرائج وإعلام الورى وروضة الواعظين وغيرها.
وكيف يصدق العاقل نسبة ذلك إلى جعفر، وحديث المباهلة لصحة سنده، وقوة حجته، وصراحة دلالته احتج به كل من أمير المؤمنين (علیه السلام) في يوم الشورى كما عن الدارقطني، وقد أخرجه عنه ابن حجر في الصواعق فقال لهم: أنشدكم بالله هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم في الرحم مني ومن جعله صلى الله عليه [وآله] وسلم نفسه، وأبناءه أبناءه، ونساءه نساءه غيري؟ قالوا: اللهم لا. الحديث(2).
واحتج به الإمام الحسن الزكي(علیه السلام)، في خطبته التي خطبها بعد مقتل أبيه، فقال: قال الله تعالى لجدي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) حين جحده كفرة أهل نجران وحاجّوه
(فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَانْفُسَنَا وَانْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)، فأخرج جدي(صلی اللّه علیه و آله و سلم) معه من الأنفس أبي، ومن البنين أنا وأخي، ومن النساء فاطمة أمي فنحن أهله ولحمه ونفسه، ونحن منه وهو منا(1).
واحتج به الإمام موسى بن جعفر (علیه السلام)، على الرشيد، ورواه كثير من مشايخنا، منهم الشيخ الصدوق في كتابه عيون أخبار الرضا، كما رواه الشبلنجي في نور الأبصار، والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة، والقره غولي في جوهرة الكلام (2).
واللفظ للشبلنجي: قال: إن الرشيد سأله يوما فقال: كيف قلتم إنكم ذرية رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وأنتم بنو علي، وإنما ينسب الرجل إلى جده لأبيه دون جده لأمه؟
فقال الكاظم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى) وليس لعيسى أب، وإنما لحق بذرية الأنبياء من قبل أمّه، وكذلك الحقنا بذرية النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) من قبل أُمِّنا فاطمة.
وزيادة أخرى: يا أمير المؤمنين: قال الله تعالى ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ
مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَالْفُسَنَا وَالفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهل) ولم يدع(صلی اللّه علیه و آله و سلم) عند مباهلة النصارى غير علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، وهم الأبناء.
ولا يفوتني التنبيه على أن النويري ذكر هذا الاحتجاج من الإمام موسى الكاظم (علیه السلام) على الرشيد في كتابه نهاية الإرب، لكنه لم يذكر اسم علي في جملة الأسماء، لكن المعلق في الهامش أشار إلى أن الإمام معهم استناداً إلى تفسير روح المعاني للألوسي، فراجع(1).
واحتج به الإمام علي بن موسى الرضا(علیه السلام) على المأمون والعلماء الحاضرين في مجلسه كما رواه الشيخ الصدوق في ذكر الفرق بين العترة والأُمَّة (2)، واستدلاله باثنتي عشرة آية، جاء قوله في الثالثة:
وأما الثالثة: فحين ميّز الله الطاهرين من خلقه، فأمر نبيه بالمباهلة بهم في آية الابتهال، فقال عز وجل: يا محمد (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَانْفُسَنَا وَانْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِيْنَ) فبرَّز النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) عليا والحسن والحسين وفاطمة صلوات الله عليهم، وقرن أنفسهم بنفسه، فهل تدرون ما معنى قوله (وَانْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ). قالت العلماء: عنى به نفسه. فقال أبو الحسن -الرضا - (علیه السلام): لقد غلطتم، إنما عنى
بها علي بن أبي طالب (علیه السلام)، ومما يدل على ذلك قول النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم) حين قال: لينتهين بنو وليعة أو لأبعثن إليهم رجلاً كنفسي - يعني علي بن أبي طالب (علیه السلام)، وعنى بالأبناء الحسن والحسين (علیهما السلام)، وعنى بالنساء فاطمة(علیها السلام)، فهذه خصوصية لا يتقدمهم فيها أحد، وفضل لا يلحقهم فيه بشر، وشرف لا يسبقهم إليه خلق، إذ جعل نفس علي (علیه السلام) كنفسه... الخ.
ولقوة الحجة في حديث المباهلة كان يحتج بها حتى غير أئمة أهل البيت(علیهم السلام)، فقد قال الشريف الرضي في كتابه حقائق التأويل:
ومن شجون هذه المسألة ما حكي عن القاسم بن سهل النوشجاني قال: كنت بين يدي المأمون في إيوان أبي مسلم بمرو، وعلي بن موسى الرضا (علیه السلام) قاعد عن يمينه، فقال لي المأمون: يا قاسم أي فضائل صاحبك أفضل؟ فقلت: ليس شيء منها أفضل من آية المباهلة، فإن الله سبحانه جعل نفس رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) و نفس علي واحدة. فقال لي: إن قال لك خصمك: إن الناس قد عرفوا الأبناء في هذا الآية والنساء، وهم الحسن والحسين وفاطمة، وأما الأنفس فهي نفس رسول الله وحده، بأي شيء تجيبه؟
قال النوشجاني: فأظلم علي ما بينه وبيني وأمسكت لا أهتدي بحجة.
فقال المأمون للرضا(علیه السلام): ما تقول فيها يا أبا الحسن؟ فقال له: في هذا شيء لا مذهب عنه. قال: وما هو؟ قال: هو أن رسول الله(صلی اللّه علیه و آله و سلم) داع ولذلك قال الله سبحانه (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَابْنَاءَكُمْ)...الخ والداعي لا يدعو نفسه، إنما يدعو غيره، فلما دعا الأبناء والنساء ولم يصح
أن يدعو نفسه، لم يصح أن يتوجه دعاء الأنفس إلا علي بن أبي طالب(علیه السلام)، إذ لم يكن بحضرته - بعد من ذكرناه - غيره ممن يجوز توجه دعاء الأنفس إليه، ولو لم يكن ذلك لبطل معنى الآية.
قال النوشجاني: فانجلى عن بصري، وأمسك المأمون قليلاً، ثم قال له: يا أبا الحسن إذا أصيب الصواب انقطع الجواب(1).
فبعد هذا كله هل يبقى مجال لتوهم صحة ما رواه الدارقطني أو ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه؟ بل إن ما ذكرناه يوجب القطع بأنه مما حاكته ألسن الضلال، وألّفته ليكون شبهة مضللة خادعة، وأنّى ولا يضيع الحق بالباطل، حتى لو اختلط الحابل بالنابل.
والآن فلنمر على رياض الشعراء لنرى بعض ما عندهم في هذا المقام من أزهار يعبق شذاها ويعرف محتواها، ونشيدها الاحتجاج، فهذا الشاعر الحماني العلوي يقول:
وأنزله منه النبيُّ كنفسه*** رواية أبرار تأدّت إلى البر
فمَن نفسه منكم كنفس محمد*** الا بأبي نفس المطهر والطُّهر
ويقول أيضاً:
والحقه يوم البهال بنفسه*** بأمر أتى من رافع السموات(2)
فَمَن نفسه منكم كنفس محمد*** بني الإفك والبهتان والفجراتِ
وهذا ابن حماد يقول:
فسمَّاه ربُّ العرش في الذكر نفسه*** فحسبك هذا القولُ إن كنتَ ذا خبر
وقال لهم: هذا وصيي ووارثي*** ومن شدّ ربُّ العالمين به أزري
ويقول أيضاً:
وقال ما قد رويتم حين الحقه*** بنفسه عند تأليف يؤلّفه
ونفس سيدنا أولى النفوس بنا*** حقاً على باطل النصاب نقذفه
وقال الصفي الحلي يرد على ابن المعتز فريته بقوله:
لكم رحم يا بني بنته*** ولكن بنو العم أولى بها
فقال الصفي:
بكم باهَلَ المصطفى أم بهم*** فَرَدَّ العداة بأوصابها
وقال أيضا في قصيدة أخرى يمدح الإمام وآله:
بكم باهل النبيُّ ولم*** يلفكم خامساً سواه يزداد
وقال الحمويني الشافعي كما في كتابه فرائد السمطين(1)يمدح الإمام:
أخو أحمد المختار صفوة هاشم*** أبو السَّادَةِ الغُر الميامين مؤتمن
وصي إمام المرسلين محمد*** علي أمير المؤمنين أبو الحسن
هما ظهر شخصين والروح واحد*** بنفس حديث النفس والنور فاعلمن
1) فرائد السمطين 1/15.
وقال آخر:
بمن باهل الله أعداءه*** وكان الرسول به أبهلا
وهذا الكتاب وإعجازه*** على مَنْ؟ وفي بيت مَن أنزلا؟
وقال آخر:
أين كانوا يوم نجرانَ إِذْ*** قيلَ تعالوا وكلُّكم شُهَداءُ
وقال آخر:
يا مَن يقيس به سواه جهالةً*** دَع عنك هذا فالقياس مضيَّعُ
لو لم يكن في النص إلا أنه*** نفس النبي كفاه هذا الموضع
ونختم ما عند الشعراء بما ذكره الثعالبي في ثمار القلوب تحت عنوان كساء آل محمد، فذكر حديث المباهلة وجمع النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) عليا وفاطمة والحسن والحسين (علیهم السلام)، وقرأ (آية التطهير) ثم قال:
ويروى أن جبريل (علیه السلام) انضم إليهم واندسّ فيهم تقرّبا إلى الله تعالى بمداخلتهم، فعدل النصارى عن المباهلة، ثم ختم كلامه بقوله: وفيهم قيل:
أفضلُ مَنْ تحتَ الفَلَك*** خمسة رهط وملك(1)
والآن فليرجع الباحث إلى أسفار المتقدمين من مفسرين ومحدثين ومتكلمين وفقهاء وشعراء، فسيجد كل صنف منهم قد اتخذ من هذه الآية سنداً فيما يرون ويروون، وقد مرَّ ما عند المفسرين والمحدثين والشعراء.
1) ثمار القلوب، ص 602 - 605.
أما الفقهاء فقد استدلوا بقوله تعالى (أبْنَاءَنَا) على دخول أولاد البنت في الأبناء في مسائل الوقف والحبس والهبات وغيرها، وبقوله (نِسَاءَنَا) على إطلاق الجمع على المفرد باعتبار الجنس، وبقوله (انْفُسَنَا) إلى إرادة الغير دون الداعي، أو هو وغيره، فهي عندهم من آيات الأحكام.
ولما نشأت مسالة التفضيل عند المتكلمين - والحديث عنها من بدئها وتطورها والعوامل التي دعت إلى احتضان السلطة لها حديث ذو شجون - تمسك بالآية كثير من المتكلمين، فهم كالمفسرين ولهم في ذلك نقض وإبرام، ولا يسعنا استيفاؤه في المقام، وقد مرَّ بعض كلام المفسرين، وعلى نحوه كلام المتكلمين، وملخصه أنهم يستدلون بالآية الكريمة على أفضلية الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، إذ كان هو نفس رسول الله (صلی اللّه علیه و آله و سلم) الذي دعاه دون غيره، ولما كان من الممتنع عقلاً يكون هو هو نفسه اتحاداً، لا بد أن يكون المراد بذلك تنزيلاً ومساواة، إلا فيما أخرجه الدليل من خصائص النبوة، ولما كان (صلی اللّه علیه و آله و سلم) أفضل من جميع الخلق فكذلك علي كان أفضل.
وعلى هذا المعنى والمبنى كان استدلال المتكلمين من الشيعة وفريق من غيرهم قديماً وحديثاً، إلا أن الرازي في تفسيره، وأبا حيان في تفسيريه البحر المحيط والنهر الماد، والألوسي في روح المعاني، خصوا بالذكر محمود بن الحسن الحمصي، وكان من أكابر المتكلمين، ووصفوه بأنه كان معلم الاثني عشرية بالري، وساقوا كلامه، وشنَّع بعضهم عليه تفضيله الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) على الأنبياء لمساواته النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) في خصائصه عدا النبوة.
ومما لا شك فيه تفضيل النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) على سائر الأنبياء، فعلي مثله، وقد مر ما ينفع في المقام في شرح قول سيدنا الناظم:
فَضْلُ عَلِيٌّ فَوْقَ فَضْلِ الأَنْبِيَا*** سِوَى ابْنِ عَمِّهِ إمَامِ الأَصفيا
فراجع.
وشنّعوا عليه تفضيله على بعض الصحابة، ويبدو من الرازي وغيره تسليمهم له بدلالة الآية على أفضليته في هذا المقام، ولو أنصفوا فيما حكوه عن الحمصي لسلّموا بأنه هو الراسخ في أذهان المسلمين منذ عهد الرسالة، وقد روته الصحابة عن النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم)، فقد أخرج الخوارزمي في المناقب بسنده عن عائشة أنها قالت: من خير الناس بعدك يا رسول الله؟ قال: علي بن أبي طالب، هو نفسي وأنا نفسه(1).
وأخرج الكنجي الشافعي في كفايته بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قلنا: يا رسول الله صلى الله عليك من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قلنا: من الرجال؟ قال: فأبوها إذن(2). قال: فقالت فاطمة: يا رسول الله ما أراك قلت في علي شيئاً؟ قال: إنّ عليا نفسي، هل
رأيت أحداً يقول في نفسه شيئاً؟!(1)
وأخرج النسائي، والطبراني في الأوسط، وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لوفد ثقيف حين جاؤوه: لتسلمنَّ أو لأبعثن إليكم رجلاً كنفسي، ليضربن أعناقكم، وليسبين ذراريكم، وليأخذن أموالكم. فالتفت إلى علي وأخذ بيده فقال: هو هذا، هو هذا. مرتين(2).
وأخرج البيهقي في كتابه المحاسن والمساوي، وعنه العصامي في سمط النجوم العوالي (3)، عن عمرو بن الأصم، وملخص حديثه أن رجلاً قام من وسط الحلقة في مجلس محمد بن عائشة فقال: يا أبا عبد الرحمن من أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم؟ فقال أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير. وعد العشرة ما عدا عليا، يقول الراوي: فقلت: اين علي؟ فقال: يا هذا تسألني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أو عن نفسه؟ قال: بل عن أصحابه. فقال: إن الله تعالى يقول (قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَانفُسَنَا
1) كفاية الطالب، ص 288 ط الحيدرية الثانية، النجف.
2) السنن الكبرى للنسائي 5/127. خصائص أمير المؤمنين للنسائي، ص 89. المصنف لعبد الرزاق 11/226 المصنف لابن أبي شيبة 7/499. المعجم الأوسط للطبراني 4/133 مجمع الزوائد 7/110. وعزاه إلى مسند أحمد ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، 9/167، والقندوزي في ينابيع المودة، ص 54.
3) سمط النجوم العوالي 2/461.
وَانْفُسَكُمْ) فكيف يكون أصحابه مثل نفسه؟(1)
قال الحافظ الكنجي الشافعي في كفايته: ومن المعلوم أن يمتنع أن تكون نفس علي (علیه السلام) هي نفس النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم (2)
علي مع الهادي كشفّي يراعة*** هما واحد في العد ليسا بإثنين
فنفس علي نفس طه وإن يكن*** هنالك من فرق تخلل في البين
فذلك من شأن النبوة وحدها*** ولا فرق في الجفنين في طرفة العين
، ولا بد أن يكون المراد هو المساواة بين النفسين، وهذا يقتضي أن كل ما حصل لمحمد صلى الله عليه [وآله] وسلم من الفضائل والمناقب قد حصل مثله لعلي(علیه السلام)، تُرك العمل بهذا النص في فضيلة النبوة، فوجب أن تحصل المساواة بينهما فيما وراء ذلك.ثم لا شك أن محمداً صلى الله عليه [وآله] وسلم كان أفضل الخلق بسائر الفضائل، فلما كان عليا (علیه السلام) مساوياً له في تلك الصفات يجب أن يكون أفضل، ولم أر الأصوليين أجابوا عن هذا بشيء(3).
ولو أردنا استيفاء جميع من قال بذلك وما قال، لما وسع المجال، والأمر في ذلك واضح لذي عينين إلا من أعمى الله قلبه، ولنختم الكلام بما
قاله العلامة الألوسي في تفسيره روح المعاني:
قال: وذهب النواصب إلى أن المباهلة جائزة لإظهار الحق إلى اليوم إلا أنه يمنع فيها أن يحضر الأولاد والنساء، وزعموا - رفعهم الله لا قدراً، وحطهم ولا حط عنهم وزراً- إلى أن ما وقع منه صلى الله عليه [وآله] وسلم كان لمجرد إلزام الخصم وتبكيته، وأنه لا يدل على فضل أولئك الكرام على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأكمل السلام، وأنت تعلم أن هذا الزعم ضرب من الهذيان وأثر من مس الشيطان...
وليس يصح في الأذهان شيء*** إذا احتاجَ النهار إلى دليل(1)
مصادر حديث المباهلة
1 - تفسير الطبري 3/ 192- 193، الميمنية بمصر.
2 - تفسير الرازي 2/ 699- 700 ط سنة 1308ه-، 8/ 80- 83، ط مصطفى محمد.
3 - تفسير الكشاف للزمخشري 1/ 326- 327، مصطفى محمد سنة 1367ه-.
4 - تفسير النيسابوري بهامش الطبري 3/ 206- 207.
5 - تفسير بحر العلوم لأبي الليث السمرقندي 2/81، الإرشاد ببغداد.
1) روح المعاني 3/168.
6 - تفسير القرطبي، 4/104، دار إحياء التراث العربي.
7- تفسير ابن كثير 1/370، 3/485 الاستقامة.
8 - تفسير البحر المحيط لأبي حيان 2/479، دار الفكر ببيروت.
9 - تفسير النهر الماد لأبي حيان بهامش البحر المحيط 2/479.
10 - تفسير البيضاوي 2/22، دار الفكر ببيروت.
11 - تفسير الخازن 1/242، مصطفى البابي الحلبي وأخويه.
12 - تفسير النسفي بهامش تفسير الخازن 1/243.
13 - تفسير الجلالين بهامش الفتوحات الإلهية للجمل الشافعي 1/283. ص 60، مصطفى البابي سنة 1374ه-.
14 - تفسير الدر المنثور للسيوطي 2/39، دار الكتب الإسلامية.
15 - تفسير التسهيل لابن جزي 1/109 مصطفى محمد سنة 1355ه-.
16 - تفسير السراج المنير للشربيني 1/183، الخيرية.
17 - تفسير أبي السعود بهامش تفسير الرازي 2/699، الاستقامة.
18 - تفسير روح المعاني للألوسي 3/ 166- 168، المنيرية.
19 - تفسير الفتح القدير للشوكاني 1/316، مصطفى البابي الحلبي.
20 - تفسير المراغي 3/175، مصطفى البابي الحلبي.
21 - تفسير روح البيان للبروسوي 1/246 الدار الوطنية ببغداد.
22 - تفسير تنوير الأذهان من روح البيان للصابوني.
23 - تفسير الواضح 3/58، دار الكتاب العربي بمصر.
24 - ما نزل من القرآن في أهل البيت للحسين الحبري الكوفي، ص 50 طهران.
25 - أسباب النزول للواحدي ص 75.
26 - شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني 1/ 120- 129، بيروت.
27 - لباب المنقول للسيوطي، ص 75.
28- صحیح مسلم 2/237، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي الحديث الثالث، بولاق.
29 - سنن الترمذي 5/225، 638 تحقيق إبراهيم عطوه عوض.
30 - سنن البيهقي 7/63، أفست دار الفكر.
31 - مسند أحمد بن حنبل 1/185.
32 - مشكاة المصابيح 3/254 حديث 6126، المكتب الإسلامي بدمشق.
33 - جمع الفوائد للروداني 2/367، الأولى سنة 1404ه-.
34 - دلائل النبوة لأبي نعيم، ص 421، حيدر آباد.
35 - دلائل النبوة للبيهقي كما في الدر المنثور للسيوطي.
36 - الشفا للقاضي عياض المالكي 2/41، الأستانة.
37- شرح الشفا لملا علي القاري 2/83، الأستانة.
38 - شرح الشفا للخفاجي 3/ 411- 412، مصر.
39 - تحفة الأحوذي 8/349 محققة نشر السلفية بالمدينة المنورة 1/82، 330، الهند.
40 - عارضة الأحوذي لابن العربي المالكي 11/135، دار العلم للجميع.
41 - معرفة علوم الحديث للحاكم ص 62 النوع السابع عشر.
42 - إمتاع الأسماع للمقريزي 1/502 مصر سنة 1941م.
43 - بهجة المحافل لعماد الدين العامري 2/15 نشر المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.
44 - شرح بهجة المحافل للأشخر اليمني بهامش السابق.
45 - شرح همزية البوصيري بهامش شرح الشمائل لجسوس.
46 - كتاب الرصف فيما روي عن النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) من الفضل والوصف للعاقولي ص 382، الكويت.
47 - شرح المواقف للجرجاني 3/276، الأستانة سنة 1310ه-.
48 - شرح التجريد للقوشجي ص 411 حجرية سنة 1301ه-.
49 - كتاب الأربعين في أصول الدين للرازي ص 546 حيدر آباد.
50 - الأئمة الاثنا عشر لشمس الدين بن طولون ص 53، بيروت.
51 - كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 141، 828 الطبعة الثانية
بالحيدرية.
52 - جواهر العقدين للسمهودي ق2، 1/ 10 - 28، 166.
53 - المناقب لابن المغازلي، ص 263، 831، إيران.
54 - نظم درر السمطين للزرندي، ص 801، النجف.
55 - نور الأبصار للشبلنجي، ص 100 مصر سنة 1312ه- بالميمنية.
56 - فتوح البلدان للبلاذري، ص 71، الأولى بمصر سنة 1319ه-.
57 - ثمار القلوب للثعالبي، ص 384، الميمنة سنة 1312ه-.
58 - السيرة الحلبية، 3/212، البهية بمصر سنة 1320ه-.
59 - ينابيع المودة، ص 244، إسلامبول سنة 1302ه-.
60 - الإصابة لابن حجر 2/503، مصطفى محمد.
61 - أسد الغابة لابن الأثير 4/26، أفست إيران.
62 - تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام) 2071 بيروت.
63 - تاريخ ابن الأثير 2/122، بولاق.
64 - تاريخ ابن كثير 5/54، 7/339، السعادة بمصر.
65 - تاريخ القرماني ص 102 حجرية بغداد سنة 1282ه-.
66 - مصابيح السنة للبغوي 2/204، الخيرية.
67 - تاريخ الإسلام للذهبي 2/194، القدسي بمصر سنة 1368ه-.
68 - الصواعق المحرقة، ص 93 الطبعة الأولى بمصر 1312ه-.
69 - الرياض النضرة 2/188، الخانجي بمصر.
70 - ذخائر العقبى، ص 25 القدسي.
71 - المناقب للخوارزمي ص 60، 96 - 97، الحيدرية.
72 - تذكرة خواص الأمة لسبط ابن الجوزي، ص 9 - 12، طهران.
73 - مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي، ص 7 حجرية سنة 1287ه-.
74 - الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، ص 7 - 8، حجرية سنة 1303ه-.
75 - فتح الباري لابن حجر 9/157 مصطفى البابي الحلبي وأولاده سنة 1387ه-.
76 - التاج الجامع للأصول للشيخ منصور علي ناصف 3/296 ط الثانية، دار إحياء الكتب العربية.
77 - زاد المعاد لابن القيم الجوزية 3/40، دار الكتاب العربي بيروت.
78 - خزانة الأدب للحموي ص 374، دار القاموس الحديث بيروت.
79 - منهاج السنة لابن تيمية 4/34، أفست بولاق سنة 1322ه-.
80 - المنتقى للذهبي، ص 734 بتحقيق محب الدين الخطيب.
81 - الاعتصام بحبل الإسلام لأحمد التابعي، ص83، السعادة بمصر سنة 1327ه-.
82 - تاريخ الخميس 2/196، الوهبية سنة 1283ه-.
83 - شرح المواهب اللدنية للزرقاني 4/43، الأزهرية.
84 - شرح الطحاوية في العقيدة السلفية لابن أبي العز الحنفي، ص 514، دار المعارف.
85 - أحكام القرآن للجصاص 2/14.
86 - تيسير الوصول لابن الديبع الشيباني 3/315، 344، مؤسسة الحلبي بمصر.
87 - أهل البيت لتوفيق أبو علم 53، 195، مصر سنة 1390ه-.
88 - أهل البيت لمحمود الشرقاوي 78 - 80، صيدا.
89 - سيد شباب أهل الجنة لحسين محمد يوسف ص 56، الشعب سنة 1973م.
90 - جوهرة الكلام للقره غولي ص 139، بغداد سنة 1329ه-.
91 - شرح نهج البلاغة للمعتزلي 4/108، مصر الأولى 16/291، بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
92 - مستدرك الحاكم 3/150، أفست بيروت.
93 - جامع الأصول لابن الأثير 9/470 أفست.
94 - مودة القربى لسيد علي الهمداني ضمن ينابيع المودة، ص 244، إسلامبول.
95 - سير أعلام النبلاء للذهبي 3/192، دار المعارف بمصر.
96 - الإتحاف للشبراوي، ص 18، الأدبية بمصر سنة 1316ه-.
97 - تلخيص المستدرك للذهبي بهامش المستدرك 3/150.
98 - معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري ص 50، دار الكتب المصرية سنة 1937م.
99 - ثمار القلوب للثعالبي، ص 406 - 605.
100 - مبارق الأزهار في شرح مشارق الإنذار لابن الملك 2/356، الأستانة سنة 1325ه-.
101 - تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 411، المنيرية سنة 1351ه-.
102 - تفسير كفاية الضعفاء السودان لعبد الله بن محمد المعروف (بفودي) ص 69، بيروت.
103 - تهذيب الأسماء واللغات للنووي 1/347، المنيرية.
104 - الأغاني لأبي الفرج 1/ 136- 137، الساسي 12/ 4- 8، دار الكتب المصرية.
105 - مختار الأغاني لابن منظور 1/ 332- 333، عيسى البابي الحلبي (تراثنا).
106 - ذخائر المواريث 1/236، مصر سنة 1352ه-... أشار إليه نقلاً عن مسلم والترمذي.
107 - أحكام القرآن لابن العربي المالكي 1/275، عيسى البابي الحلبي.
108 - فرائد السمطين 1/378 تحقيق المحمودي، بيروت.
الموضوع... الصفحة
مقدمة الشارح ...7
كتاب كريم من آية الله العظمى السيد علي البهشتي دام ظله العالي... 9
مقدمة بقلم آية الله العظمى السيد علي البهشتي دام ظله العالي...11
مقدمة الأرجوزة ...17
نبينا(صلی اللّه علیه و آله و سلم) أفضل الأنبياء والمرسلين ...28
القرآن الكريم أفضل الكتب السماوية ...33
أمة النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) خير الأمم...41
النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) علة إيجاد جميع الموجودات...57
النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) أفضل الأولين والآخرين...63
سمو معجزات النبي(صلی اللّه علیه و آله و سلم) وشيوعها...67
نبينا (صلی اللّه علیه و آله و سلم) خاتم الأنبياء والمرسلين ...70
الإنذار في يوم الدار...72
لا يحب عليا (علیه السلام) إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق...93
يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت...102
علي (علیه السلام) وزير النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) في حياته وخليفته بعد وفاته...105
علي (علیه السلام) حجة النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم) على هذه الأمة...107
أنا وعلي من شجرة واحدة...111
كنت أنا وعلي نورا قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام...115
إن الله اختار من الخلائق محمد (صلی اللّه علیه و آله و سلم) وعليا (علیه السلام)...118
علي قسيم الجنة والنار...121
يُسأل الناس يوم القيامة عن ولاية علي بن أبي طالب (علیه السلام)...125
علي وشيعته هم الفائزون...130
من آذى عليا فقد آذاني...134
أقضاكم علي...141
-علي الفاروق ...141
-علي أقضى أمتي... 144
علي يعسوب الدين وإمام المتقين...149
بغض على سيئة لا تنفع معها حسنة... 153
من سب عليًّا فقد سبَّني، ومن سبني فقد سب الله...160
علي مع القرآن والقرآن مع علي...165
علي هو الساقي من حوض الكوثر...168
لواء الحمد بيد علي يوم القيامة...172
علي (علیه السلام) يهدي الأمة إلى الجنة...177
علي(علیه السلام) ميزان الأعمال كلها ...182
علي (علیه السلام) وليد الكعبة ...185
تبليغ سورة براءة...189
علي (علیه السلام) محطم الأصنام... 204
علي الصديق الأكبر- يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمة ...214
علي (علیه السلام) عنده علم الكتاب ...224
أقضاكم علي...234
حديث الغدير...242
حديث المؤاخاة...245
حديث المنزلة ...253
علي (علیه السلام) خير الخلق بعد النبي (صلی اللّه علیه و آله و سلم)...287
حديث الثقلين...292
رواة الحديث...310
متن الحديث...313
أهل البيت (علیهم السلام) هم حجج الله وأركان الهدى...319
مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح...328
علي (علیه السلام) يدور الحق معه حيثما دار...342
آية الولاية والتصدق بالخاتم...353
آية التطهير وحديث الكساء ...371
خُلقت أنا وعلي من نور واحد...409
على (علیه السلام) أول الناس إسلاماً... 416
لا فتى إلا علي ...419
حادثة المباهلة ...425
الفهرس... 469