ghaemiyeh.com
مَوْسُوعَةُ
سيرَة اَهْل البَیْت علیهم السلام
الجُزءُ الثّٰاني وَالثَّلاثُون
الإِمَام مُحمَّد الجَوٰادِ علیه السلام
تَألٖيفُ
باقِر شَریفِ القَرَشٖي
تَحْقٖيقُ
مَهْدِي بَاقِر القَرَشٖي
مُؤَسَّسَةُ الإِمَام الحَسَن
لِإِحْيٰاءِ تُراثِ أَهْلِ الْبَيْتِ علیهم السلام
الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : .... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
مَوْسُوعَةُ
سيرَة اَهْل البَیْت علیهم السلام
الإِمَام مُحمَّد الجَوٰادِ علیه السلام
مَوْسُوعَةُ
سيرَة اَهْل البَیْت علیهم السلام
الجُزءُ الثّٰاني وَالثَّلاثُون
الإِمَام مُحمَّد الجَوٰادِ علیه السلام
تَألٖيفُ
باقِر شَریفِ القَرَشٖي
تَحْقٖيقُ
مَهْدِي بَاقِر القَرَشٖي
مَوْسُوعَةُ سيرَة اَهْل البَیْت علیهم السلام
تَألٖيف : باقِر شَریفِ القَرَشٖي
تَحْقٖيقُ : مَهْدِي بَاقِر القَرَشٖي
الناشر : ... دار المعروف - مؤسّسة الإمام الحسن علیه السلام
المطبعة : ... ستار
الطبعة الثانية : ... 1433ه- / 2012م
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 8275- 964 - 978
ردمك الجزء (32) : 2 - 74- 8275 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه و آله و سلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إلى العقل الملهم .. الذي صنع الحياة العلميّة والفكريّة في الأرض إلى الفكر المبدع .. الذي صنع التجديد والابتكار للمسلمين إلى الإمام الأعظم
الإِمٰامُ الصَّادِقُ عَلَیهِ السَّلامُ
أرفع بكل تواضع وخشوع هذا المجهود
الذي تشرّفت فيه بالبحث عن سيرة حفيده
الإِمَامُ الْجَوٰادُ عَلَیهِ السَّلامُ
معجزة الفكر والعلم في الإسلام، آملاً أن يحظى بالقبول
المؤلّف
1 من أروع صور الفكر والعلم في الإسلام الإمام أبو جعفر الثاني محمّد الجواد علیه السلام الذي حوى فضائل الدنيا ومكارمها ، وفجّر ينابيع الحكمة والعلم في الأرض ، فكان المعلّم والرائد للنهضة العلميّة ، والثقافية في عصره ، وقد أقبل عليه العلماء والفقهاء ، ورواة الحديث ، وطلبة الحكمة والمعارف ، وهم ينتهلون من نمير علومه وآدابه ، وقد روى عنه الفقهاء الشيء الكثير ممّا يتعلّق بأحكام الشريعة الإسلاميّة من العبادات والمعاملات وغير ذلك من أبواب الفقه ، وقد دوّنت في موسوعات الفقه والحديث .
لقد كان هذا الإمام العظيم أحد المؤسّسين لفقه أهل البيت علیهم السلام الذي يمثّل الإبداع والأصالة ، وتطور الفكر .
وروى عنه العلماء ألواناً ممتعة من الحكم والآداب التي تتعلّق بمكارم الأخلاق وآداب السلوك ، وهي من أثمن ما أثر عن الإسلام من غرر الحكم التي عالجت مختلف القضايا التربوية والأخلاقية .
2 ودلّل الإمام أبو جعفر الجواد علیه السلام بمواهبه وعبقرياته ، وملكاته العلميّة الهائلة التي لا تُحدّ على الواقع المشرق الذي تذهب إليه الشيعة الإمامية من أنّ الإمام لا بدّ أن يكون أعلم أهل زمانه وأفضلهم من دون فرق بين أن يكون صغيراً أو كبيراً ، فإنّ الله أمدَّ أئمّة أهل البيت علیهم السلام بالعلم والحكمة وفصل الخطاب كما أمدَّ أولي العزم من أنبيائه ورسله ، وتعتبر هذه الجهة إحدى العناصر الحيّة في عقيدة الشيعة .
لقد برهن الإمام أبو جعفر علیه السلام على ذلك فقد تقلّد الإمامة والزعامة الدينية بعد وفاة أبيه الإمام الرضا علیه السلام وكان عمره الشريف - فيما أجمع عليه المؤرّخون - لا يتجاوز السبع سنين ، وهو دور لا يسمح لصاحبه - حسب سيكلوجية الطفل - أن يخوض في أي ميدان من ميادين العلوم العقلية ، أو يدخل في عالم المناظرات والبحوث الجدلية ، مع كبار العلماء والمتخصّصين فإنّ ذلك غير ممكن لمن كان في سن الطفولة . إلّا أنّ الإمام الجواد علیه السلام وهو بهذا السنّ قد خرق هذه العادة .
فقد سأله أشهر علماء عصره عن أعقد المسائل الفلسفية والكلامية والفقهية فأجابهم عنها ، وكان ممّن سأله يحيى بن أكثم قاضي قضاة بغداد الذي انتخبه العباسيون لامتحان الإمام فسأله عن مسألة فقهية ، ففرّع الإمام عليها عدّة فروع ثمّ سأله عن أي فرع أراده منها ، فلم يهتدِ يحيى لذلك ، ولم يستطع أن يتخلّص ممّا هو فيه ، واعترف بعدم قدرته على مجاراة الإمام (1).
ولقد شغلت مناظراته مع يحيى وغيره من علماء عصره الرأي العام في بغداد وغيرها ، فكانت حديث الأندية والمجالس ، وتحدّثت بها الركبان ، ولا تزال تسجّل له الاعجاب على امتداد التاريخ .
وممّا يدلّل على مدى ثرواته العلميّة ، وهو بهذا السن انّ فقهاء الشيعة بعد وفاة الإمام الرضا علیه السلام قد خفّوا إلى يثرب للتعرّف على الإمام القائم من بعده ، فأرشدهم الثقات إلى الإمام الجواد فمثلوا أمامه وسألوه عن أعمق المسائل ، وأكثرها تعقيداً فأجابهم عنها ، ويقول الرواة : انّه سئل في موضع آخر عن ثلاثين ألف مسألة فأجاب عنها ، ومن الطبيعي أنّه لا تعليل لهذه الظاهرة المحيّرة والمذهلة للفكر إلّا بما تذهب إليه الشيعة الإمامية من أنّ أئمّة أهل البيت علیهم السلام قد منحهم الله تعالى العلم وآتاهم من الفضل ما لم يؤت أحداً من الناس .
1) سنعرض لهذه المسألة وغيرها في البحوث الآتية .
3 ويقول بعض المؤرّخين : إنّ مواهب الإمام الجواد علیه السلام وعبقرياته قد ملكت عواطف المأمون ، ومشاعره فأخلص له في الحبّ والولاء فقدّمه على أبنائه ، وأهل بيته ، وزوّجه من ابنته اُمّ الفضل ، ووفّر له العطاء الجزيل ، وأوعز إلى جهاز حكومته وسائر الأوساط الرسمية باحترامه وتبجيله .. إلّا أنّه لا واقع لذلك كما سنعرض له في بحوث هذا الكتاب .
4 ولم يلق الإمام الجواد علیه السلام أي ضغط اقتصادي طيلة حياته وإنّما عاش مرفّهاً عليه غاية الترفيه فقد أجرى له المأمون مرتباً سنوياً يبلغ حوالي مليون درهم ، وهي كثيرة في ذلك العصر الذي كان الدرهم فيه يساوي قيمة شاة .
وكانت ترد إليه الأموال الطائلة من الحقوق الشرعية التي تذهب الشيعة إلى لزوم دفعها إلى الإمام ، كنصف الخمس الذي يسمّيه فقهاء الشيعة الإمامية بحقّ الإمام علیه السلام وكمجهول المالك وغيره من سائر الحقوق الشرعية بالإضافة إلى واردات الأوقاف التي وقفها على أهل البيت علیهم السلام بعض المحسنين من الشيعة في (قم) وغيرها وكان علیه السلام يقتصد في صرفه على نفسه ، وينفق تلك الأموال الطائلة على فقراء المسلمين وذوي الحاجة والمضطرين ، ولهذا السخاء المنقطع النظير، فقد لقّب علیه السلام بالجواد وكان هذا اللقب من أميز ألقابه وأشهرها حتى عُرِف واشتهر به بين الناس .
5 واُحيط الإمام محمّد الجواد علیه السلام بهالة من الحفاوة والتكريم ، وقابلته جميع الأوساط بمزيد من الاكبار والتعظيم ، فكانت ترى في شخصيّته امتداداً ذاتياً لآبائه العظام الذين حملوا مشعل الهداية والخير إلى الناس . إلّا أنّه لم يحفل بتلك المظاهر التي اُحيط بها ، وإنّما آثر الزهد في الدنيا والتجرّد عن جميع مباهجها .
وقد رآه الحسين في بغداد ، وقد التفّت حوله الجماهير ، فحدّثته نفسه بأنّه لا يرجع إلى ما كان عليه من الزهد في الدنيا والاقبال على الله ، وشعر الإمام منه ذلك ، فأقبل عليه بلطف ورفق قائلاً:
«يا حُسَيْنُ ، إِنَّ خُبْزَ الشَّعِيرِ وَمِلْحَ الْجَرِيشِ فِي حَرَمٍ جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله و سلم أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا تَرانِي فِيهِ» (1).
وكانت هذه الظاهرة إحدى العناصر البارزة في سيرة الإمام محمّد الجواد علیه السلام كما كانت السمة البارزة في سيرة أئمّة أهل البيت علیهم السلام، فلم يؤثر عن أي أحد منهم أنّه سعى للدنيا ، أو اتّجه نحو مباهجها ، وإنّما آثروا جميعاً طاعة الله وابتغوا الدار الآخرة ، وعملوا كلّ ما يقرّبهم إلى الله زلفى .
6 وعاش الإمام محمّد الجواد علیه السلام في تلك الفترة القصيرة من حياته متّجهاً صوب العلم فرفع مناره ، وأرسى اُصوله وقواعده ، فاستغل مدّة بقائه في بغداد بالتدريس (2)وإشاعة العلم ، وبلورة الفكر بالمعارف والآداب الإسلاميّة ، وقد احتف به جمهور كبير من العلماء والرواة وهم يأخذون منه العلوم الإسلاميّة من علم الكلام والفلسفة ، وعلم الفقه ، والتفسير ، ويعرض هذا الكتاب إلى تراجمهم وإعطاء صورة مفصّلة عن حياتهم حسبما تنصّ عليه مصادر التراجم ، فإنّ الحديث عنهم من مكمّلات البحث عن شخصيّة الإمام علیه السلام.
7 أمّا عصر الإمام الجواد علیه السلام فهو من أروع العصور الإسلاميّة على امتداد التاريخ وذلك لانتشار الحضارة فيه على نطاق واسع ، وكان من أروع صور تلك الحضارة تطوّر العلوم ، وانتشار المعاهد ، وإنشاء المكتبات وترجمة الكتب الطبّية ، والفلسفية من اللغة اليونانية وغيرها إلى اللغة العربية ، وقد صارت بغداد حاضرة من أعظم حواضر العلم والفكر في الإسلام فقد ازدهرت بكبار العلماء والمتخصّصين في علوم الطبّ واللغة والفقه وغيرها كما تطوّرت الحياة الاقتصادية في بغداد إلى حدّ
غريب إلّا أنّه من المؤسف أنّه قد تكدّست الملايين من الأموال عند بعض الطبقات ، وهي التي كانت تخدم السلطة العبّاسيّة ، وتعمل لصالحها ، فقد أثرت هذه الطبقة ثراءً فاحشاً حتى حارت في صرف ما عندها من الأموال ، حتى صنعت أبواب بيوتها من الذهب ، وتفنّنت في أنواع الترف والشهوات في حين أنّ الأكثرية الساحقة من الشعوب الإسلاميّة كانت تعاني مرارة العيش والفقر والحرمان .
ونحن مدعوّون إلى دراسة عصر الإمام محمّد الجواد علیه السلام والوقوف على جميع معالمه الحضارية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فقد أصبحت دراسة العصر بهذا اللون من البحوث المنهجية التي لا غنى للباحث عنها ، ولم يعد هذا الكتاب دراسة خاصّة عن حياة الإمام محمّد الجواد علیه السلام فقط وإنّما هو دراسة شاملة ومستوعبة للعصر الإسلامي الذي نشأ فيه .
8 أمّا البحث عن حياة الملوك الذين عاصرهم الإمام محمّد الجواد علیه السلام فإنّه يرتبط ارتباطاً وثيقاً وموضوعيّاً بحياة الإمام فإنّه يصوّر مدى ما عاناه من المشاكل وماعانته الاُمّة الإسلاميّة من المصاعب والخطوب في دور اُولئك الملوك الذين جهدوا على ظلم الناس وارغامهم على ما يكرهون .
وقد قضى الإمام أبو جعفر علیه السلام أكثر أيام حياته في عهد المأمون الذي هو من أبرز ملوك العبّاسيّين فكراً وسياسة ، ومقدرة للتغلب على الأحداث ، وقد عرضنا بصورة موضوعيّة إلى دراسته ، ودراسة الأحداث السياسية التي وقعت في عهده ، والتي كان من أبرزها :
عقده لولاية العهد للإمام الرضا علیه السلام والحروب الطاحنة التي وقعت بينه وبين أخيه الأمين ، وواقعة أبي السرايا ، وغير ذلك من الأحداث ، وقد ذكرنا الأسباب التي أدّت إلى أن يزوّج المأمون ابنته اُمّ الفضل من الإمام الجواد علیه السلام كما ذكرنا دراسة عن حياة المعتصم العبّاسي الذي قاسی الإمام في عهده أشد ألوان الاضطهاد فأرغمه على مغادرة يثرب والإقامة الجبرية في بغداد ، وأقام عليه المباحث تحصي عليه جميع تصرّفاته ،
و تراقب جميع من يتّصل به ، ولمّا استبان له سموّ شخصية الإمام وأنّه لا يجاريه ولا يسايره ولا يقرّ سياسته الهادفة إلى نشر الظلم والفساد في الأرض فحينئذٍ دسّ له السمّ على يد زوجته اُمّ الفضل فاغتاله ، وكان الإمام في غضارة العمر وريعان الشباب ، ويعرض هذا الكتاب إلى تفصيل ذلك كله .
9 لا أرى هناك عائدة على الأمّة ، أو خدمة تؤدّى إليها أفضل من نشر حياة أئمّة أهل البيت علیهم السلام وإذاعة مآثرهم ، ونشر فضائلهم بين الناس فإنّهم سلام الله عليهم المصدر الأصيل لكرامة الإنسان ، وشرفه ، والينابيع الفيّاضة للفكر والوعي ، لا لهذه الأمّة فحسب ، وإنّما للناس جميعاً على اختلاف قوميّاتهم ، وأديانهم ، وميولهم .. وقد رفعوا راية الحق عالية خفّاقة ، وهي ترشد الضالّ ، وتهدي الحائر ، وتوضّح القصد ، وتدلّل على الإيمان بالله الذي تبتني عليه قوى الخير والسلام في الأرض. إنّ البحث عن سير أئمّة أهل البيت علیهم السلام يكشف عن كنوز مشرقة من العلم والحكمة ويكشف عن ذوات أخلصوا للحقّ ، وخلقوا للإيمان ، واتّجهوا صوب الله تعالى ، وتبنّوا الدعوة إليه ، وعانوا في سبيل ذلك من فراعنة عصورهم ما لم يعانه أي مصلح اجتماعي في الأرض ، إنّ الإمام الجواد علیه السلام أحد كواكب تلك العترة الطاهرة ، وهو ممّن رفع كلمة الله ، فامتحن أشدّ ما يكون الامتحان ، من أجل ذلك قابله فراعنة عصره وطواغيت زمانه بألوان قاسية من الاضطهاد والجور ويوضّح هذا الكتاب جميع هذه الجوانب .
10 ولم تحظّ المكتبة العربية بدراسة عن حياة الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام الذي هو من منابع الفكر والعلم في الإسلام ، وأحد مفاخر هذه الأمّة وقادتها الطليعيّين فلم يكتب أحد عن سيرته سوى محمّد بن وهبان فقد ألّف كتاباً عن حياته أسماه «أخبار أبي جعفر الثاني» (1)لكنّه لا يوجد في مكتباتنا . ولعلّه من جملة
1) الذريعة : 1 : 315 ، الأعلام : 7 : 155 .
ما فقدته الاُمّة من ثرواتها المخطوطة ، أو أنّه في بعض خزائن المخطوطات في مكتبات العالم .
وقد وفّقت - والحمد لله - إلى البحث عن سيرة هذا الإمام العظيم الذي ملأ الدنيا بفضائله وعلومه وزهده وتقواه ، ولا أدّعي أنّي ألممت بجميع جوانب حياته المشرقة ، فذاك أمر لا يتّفق مع الواقع الذي نخلص له ، وإنّما ألقينا أضواءً خافتة على بعض معالم شخصيّته التي هي امتداد ذاتي - بلا شكّ - لحياة آبائه الطاهرين الذين أضاءوا الحياة الفكريّة والاجتماعية في الإسلام.
والله وليّ التوفيق
مَكْتَبَةُ الإمَامُ الحَسَنُ العَامَّةُ باقِر شَریفِ القَرَشٖي
النَّجَفُ اٝلأَشْرَفُ
وِلَادَتَهُ وَ نَشْأَتُه عَلَیْهِ السَّلَامُ
وقبل أن أخوض في ميدان البحث عن معالم شخصيّة الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام، وأتحدّث عن سيرته وسائر شؤونه ، أعرض إلى حسبه الوضّاح ، وما رافقه من بيان ولادته وملامح شخصيّته ، وغير ذلك ممّا يعتبر مفتاحاً للحديث عن شخصيّته، وفيما يلي ذلك :
وليس في دنيا الأنساب نسب أسمى ، ولا أرفع من نسب الإمام أبي جعفر علیه السلام فهو من صميم الاُسرة النبويّة التي هي من أجلّ الاُسر التي عرفتها الإنسانيّة في جميع أدوارها ، تلك الاُسرة التي أمدّت العالم بعناصر الفضيلة والكمال ، وأضاءت جوانب الحياة بالعلم والإيمان .أمّا الاُصول الكريمة ، والأرحام المطهّرة التي تفرّع منها فهي :
أمّا أبوه فهو الإمام علي الرضا ابن الإمام موسى بن جعفر ابن الإمام محمّد الباقر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب علیهم السلام وهذه هي السلسلة الذهبيّة التي لو قرأت على الصمّ البكم لبرأوا بإذن الله عزّ وجلّ -كما يقول المأمون العبّاسي (1)-.
1) عيون أخبار الرضا علیه السلام : 2 : 147 .
ويقول الإمام أحمد بن حنبل: « لو قرأت هذا الاسناد على مجنون لبرئ من جِنّته» (1).
وفي بعض أعلام هذه الاُسرة الكريمة يقول أبو العلاء المعرّي الذي كان يسيء الظنّ بأكثر الناس :
وَالشُّخوصُ الَّتي أَضاءَ سَناها ٭٭٭ قَبلَ خَلقِ المِرّيخ وَالمِيزانِ
قَبلَ أَنْ تُخلَقِ السَّماواتُ ٭٭٭ وَتُؤْمَرْ أَفْلاكَهُنَّ بِالدَّوَرانِ
من هذه الشجرة الطيّبة الكريمة على الله ، والعزيزة على كلّ مسلم تفرّع الإمام محمّد الجواد علیه السلام.
أمّا السيّدة الفاضلة الكريمة اُمّ الإمام محمّد الجواد علیه السلام فقد كانت من سيّدات نساء المسلمين عفّة وطهارة وفضلاً، ويكفيها فخراً وشرفاً أنّها ولدت علماً من أعلام العقيدة الإسلاميّة ، وإماماً من أئمّة المسلمين ، ولا يحطّ من شأنها أو يُوهن كرامتها أنّها أمة ، فقد حارب الإسلام هذه الظاهرة واعتبرها من عناصر الحياة الجاهليّة التي دمّرها ، وقضى على معالمها ، فقد اعتبر الفضل والتفوّق إنّما هو بالتقوى ، وطاعة الله ولا اعتبار بغير ذلك من الاُمور التي تؤوّل إلى التراب .
إنّ الإسلام - بكلّ اعتزاز وفخر - ألغى جميع ألوان التمايز العنصري ، واعتبره من أهمّ عوامل التأخّر والانحطاط في المجتمع لأنّه يفرّق ولا يوحّد ، ويشتّت ولا يجمع ، ولذلك فقد سارع أئمّة أهل البيت علیهم السلام إلى الزواج بالإماء للقضاء على هذه النعرات الخبيثة وإزالة أسباب التفرقة بين المسلمين.
1) الصواعق المحرقة : 207.
فقد تزوّج الإمام زين العابدين ، وسيّد الساجدين بأمة أولدت له الشهيد الخالد ، والثائر العظيم زيداً.
وتزوّج الإمام الرضا علیه السلام أمة فأولدت له إماماً من أئمّة المسلمين وهو الإمام الجواد علیه السلام .
لقد كان موقف الأئمّة علیهم السلام من زواجهم بالإماء هو الردّ الحاسم على أعداء الإسلام الذين جهدوا على التفرقة بين المسلمين .
أمّا اسم السيّدة اُمّ الإمام الجواد علیه السلام فقد اختلف الرواة فيه ، وهذه بعض الأقوال :
1 - اسمها الخيزران ، سمّاها به الإمام الرضا علیه السلام، وكانت تسمّى درّة (1).
2 - اسمها سكينة النوبية . وقيل المريسية (2).
وقيل : إنّها ممّن تنتمي إلى مارية القبطية زوجة الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم (3).
3 - اسمها ريحانة (4).
4 - اسمها سبيكة (5).
وأهملت بعض المصادر اسمها ، واكتفت بالقول إنّها اُمّ ولد (6).
وعلى أي حال فإنّه ليس من المهمّ في شيء الوقوف على اسمها ، ومن المؤسف
أنّ المصادر التي بأيدينا لم تشر إلى أي جانب من جوانب حياتها .
وأحاط الإمام الرضا علیه السلام السيّدة الكريمة جاريته بكثير من الرعاية والتكريم ، فقد استشفّ من وراء الغيب أنّها ستلد له ولداً قد اختاره الله للإمامة وللنيابة العامّة عن النبيّ الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم، فهو أحد أوصيائه الاثني عشر ، وقد أخبر الإمام الرضا علیه السلام بذلك أعلام أصحابه .
وعهد الإمام الرضا علیه السلام إلى شقيقته السيّدة الجليلة حكيمة بنت الإمام موسى بن جعفر علیه السلام بأن تقوم برعاية جاريته ، وتلازمها حتّى تلد (1).
وقامت السيّدة حكيمة بما طلب منها الإمام الرضا علیه السلام، ولمّا شعرت الجارية بالولادة أمر علیه السلام شقيقته بأن تحضر مع القابلة لولادتها، وقام علیه السلام فوضع مصباحاً في البيت (2)وظلّ علیه السلام يرقب الوليد العظيم .. ولم تمض إلّا لحظات حتّى ولدت جاريته عَلماً من أعلام الفكر والجهاد في الإسلام .
وغمرت الإمام الرضا علیه السلام موجات من الأفراح والسرور بوليده المبارك، وطفق يقول : «قَدْ وُلِدَ لى شَبيهُ مُوسَى بْنِ عِمْرانَ فَالِقِ الْبِحارِ ، وَشَبِيهُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ، قُدِّسَتْ اُمٌّ وَلَدَتْهُ» (3).
والتفت علیه السلام إلى أصحابه فبشّرهم بمولوده قائلاً: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَهَبَ لي مَنْ يَرِثُني ،
وَيَرِثُ آلَ داوُدَ» (1).
وقد عرفهم بأنّه الإمام من بعده ، وقد استقبل الإمام الرضا علیه السلام الوليد العظيم بمزيد من الغبطة؛ لأنّه المنتظر للقيادة الروحيّة والزمنيّة لهذه الاُمّة ، وكان في المجلس شاعر أهل البيت دعبل الخزاعي (2)وقد شارك أهل البيت في أفراحهم ومسرّاتهم بولادة الإمام أبي جعفر علیه السلام .
وأسرع الإمام الرضا علیه السلام إلى وليده المبارك فأخذه وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعيّة ، فأذّن في اُذنه اليمنى، وأقام في اليسرى ، ثمّ وضعه في المهد (3).
وكنّى الإمام الرضا علیه السلام ولده الإمام محمّد الجواد بأبي جعفر ، وهي ككنية جدّه الإمام محمّد الباقر علیه السلام ويفرق بينهما فيقال : للإمام الباقر أبو جعفر الأوّل ، وللإمام الجواد أبو جعفر الثاني .
أمّا ألقابه الكريمة فهي تدلّ على معالم شخصيّته العظيمة ، وسموّ ذاته ، وهي :
1 - الجواد : لُقِّب بذلك لكثرة ما أسداه من الخير والبرّ والإحسان إلى الناس .
2 - التقيّ : لقّب بذلك لأنّه اتّقى الله وأناب إليه ، واعتصم به ، فلم يستجب
لأي داع من دواعي الهوى ، فقد امتحنه المأمون بشتّى ألوان المغريات فلم ينخدع ، فأناب إلى الله وآثر طاعته على كلّ شيء .
3 - القانع (1).
4- الرضي (2).
5 - المختار (3).
6 - المتوكّل (4).
7 - المرتضى (5).
8 - الزكيّ (6).
9 - باب المراد : وقد عُرِف بهذا اللقب عند عامّة المسلمين التي آمنت بأنّه باب من أبواب الرحمة الإلهيّة التي يلجأ إليها الملهوفون وذوو الحاجة لدفع ما ألمّ بهم من مكاره الدهر وفجائع الأيّام.
هذه بعض ألقابه الكريمة ، وكلّ لقب منها يشير إلى إحدى صفاته الرفيعة ، ونزعاته الشريفة التي هي من مواضع الاعتزاز والفخر لهذه الاُمّة.
أمّا ملامحه فكانت كملامح آبائه التي تحكي ملامح الأنبياء علیهم السلام فكانت أسارير التقوى بادية على وجهه الكريم، وقد وصفته بعض المصادر بأنّه : «كان أبيضاً ، معتدل القامة» (7).
ونصّ بعض المؤرّخين على أنّه كان شديد السمرة ، وجاء ذلك في رواية شاذة (1).
إلّا أنّ الاُستاذ الإمام الخوئي دلّل على أنّها من الموضوعات (2)وقد أعرضنا عن ذكرها لشذوذها وعدم صحّتها .
والمشهور بين المؤرّخين أنّ ولادة الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام كانت في 19 من شهر رمضان سنة 195ه- (3).
وقيل : إنّ ولادته كانت في الخامس من رمضان سنة 175ه- ، وهو اشتباه محض فإنّه من المقطوع به أنّه لم يولد في تلك السنة ، وإنّما ولد في سنة 195ه- حسبما أجمع عليه الرواة والمؤرّخون .
أمّا نقش خاتمه فيدلّ على مدى انقطاعه إلى الله ، فقد كتب عليه « العزّة لله » (4)
وجاء في مكارم الأخلاق : 92 : عن محمّد بن عيسى قال : « سمعت الموفق يقول : كنت قدّام أبي جعفر الثاني ، وأراني خاتماً في إصبعه ، فقال لي : أَتَعْرِفُ هَذَا الْخاتَمَ ؟ فقلت له : نعم أعرف نقشه ، فأمّا صورته فلا ، وكان خاتم فضّة كلّه وحلقته ، وفصّه فصّ مدوّر ، وكان عليه مكتوباً ( حسبي الله ) وفوقه وأسفله وردة ، فقلت له : خاتم من هذا ؟ فقال : خاتَمُ أَبِي الْحَسَنِ . فقلت له : وكيف صار في يدك ؟
قال : لَمّا حَضَرَتْهُ الْوَفاةُ دَفَعَهُ لي وَقالَ : لَا تُخْرِجْهُ مِنْ يَدِكَ إِلّا إِلىٰ عَلِيٍّ ابْني».
،لقد آمن بأنّ العزّة إنّما هي لله تعالى وحده خالق الكون وواهب الحياة .
نشأ الإمام محمّد الجواد علیه السلام في بيت النبوّة والإمامة ، ذلك البيت الذي أعزّ الله به المسلمين ، وقد ترعرع علیه السلام في ظلاله وهو يتلقّى المُثُل العليا من أبيه ، وقد أفاض عليه أشعة من روحه العظيمة ، وقد تولّى بذاته تربيته ، فكان يصحبه في حلّه وسفره ، ويطعمه بنفسه .
وقد روى يحيى الصنعاني ، قال : « دخلت على أبي الحسن الرضا علیه السلام وهو بمكّة ، وكان يقشّر موزاً ويطعم أبا جعفر ، فقلت له : جعلت فداك ، هذا المولود المبارك ؟
قال علیه السلام : نَعَمْ يا يَحْيِیٰ هٰذَا الْمَوْلودُ الَّذي لَمْ يُولَدْ في الْإِسْلامِ مَوْلودٌ أَعْظَمُ بَرَكَةً عَلىٰ شيعَتِنا مِنْهُ» (1).
إنّ هذا اللون من التربية المطعّم بالحبّ والتكريم له أثره البالغ في التكوين النفسي وازدهار الشخصيّة حسبما قرّره علماء التربية والنفس .
وملك الإمام محمّد الجواد علیه السلام في سنّه المبكّر من الذكاء والعبقريّة ما يثير الدهشة ويملك النفس إكباراً وإعجاباً ، وقد ذكر المؤرّخون بوادر كثيرة من ذكائه كان من بينها ما يلي :
1) الكافي : 6: 360 . تنقيح المقال : 3 : 317. بحار الأنوار: 50: 20 .
1 - ما رواه اُميّة بن عليّ ، قال : «كنت مع أبي الحسن الرضا بمكّة في السنة التي حجّ فيها مودّعاً البيت الحرام عندما أراد السفر إلى خراسان ، وكان معه ولده أبو جعفر الجواد ، فودّع أبو الحسن البيت ، وعدل إلى المقام فصلّى عنده ، وكان أبو جعفر قد حمله أحد غلمان الإمام يطوف به ، وحينما انتهى إلى حجر إبراهيم جلس فيه وأطال الجلوس ، فانبرى إليه موفّق الخادم، وطلب منه القيام معه فأبى عليه ، وهو حزين ، قد بان عليه الجزع ، فأسرع موفق إلى الإمام الرضا علیه السلام وأخبره بشأن ولده ، فأسرع إليه ، وطلب منه القيام فأجابه بنبرات مشفوعة بالبكاء والحسرات قائلاً : كَيْفَ أَقومُ ؟ وَقَدْ وَدَّعْتَ يا أَبَتي الْبَيْتَ وَداعاً لَا رُجوعَ بَعْدَهُ.
وسرت موجة من الألم في نفس الإمام الرضا علیه السلام فالتمس منه القيام معه فأجابه إلى ذلك » (1).
ودلّت هذه البادرة على مدى ذكائه ، فقد أدرك من وداع أبيه للبيت الحرام أنّه الوداع الأخير له ، لأنّه رأى ما عليه من الوجل والأسى ممّا أوحى إليه أنّه النهاية الأخيرة من حياته، وفعلاً قد تحقّق ذلك ، فإنّ الإمام الرضا علیه السلام بعد سفره إلى خراسان لم يعد إلى الديار المقدّسة ، وقضى شهيداً مسموماً على يد المأمون العبّاسي .
2 - ومن بوادر ذكائه ما حدّث به المؤرّخون : « أنّ المأمون قد اجتاز في موكبه الرسمي في بعض شوارع بغداد على صبيان يلعبون ، وكان الإمام الجواد واقفاً معهم ، فلمّا بصروا بموكب المأمون فرّوا خوفاً منه سوى الإمام الجواد فإنّه بقي واقفاً فبهر منه المأمون، وكان لا يعرفه ، فقال له : هلّا فررت مع الصبيان ؟
فأجابه الإمام بمنطقه الرائع الذي ملك به عواطف المأمون قائلاً :
1) كشف الغمّة : 3 : 152 .
يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنينَ ، لَمْ يَكُنْ بِالطَّريقِ ضيقٌ فَأُوَسِّعَهُ لَكَ ، وَلَيْسَ لي جُرْمٌ فَأَخْشاكَ ، وَالظَّنُّ بكَ حَسَنٌ أَنَّكَ لَا تَضُرُّ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ .
وعجب منه المأمون وسأله عن نسبه فأخبره به فترحّم على أبيه (1)وسنعرض لهذه الجهة في البحوث الآتية .
3- ومن آيات نبوغه المذهل أنّه في سنّه المبكّر قد سأله العلماء والفقهاء عن ثلاثين ألف مسألة فأجاب عنها ، ولا مجال لتعليل هذه الظاهرة إلّا بالقول إنّ الله تعالى قد منح أئمّة أهل البيت علیهم السلام طاقات مشرقة من العلم لم يمنحها إلّا إلى اُولي العزم من أنبيائه ورسله .
وكان الإمام الرضا علیه السلام يشيد دوماً بولده الإمام الجواد ، ويدلّل على فضله ومواهبه ، وقد بعث الفضل بن سهل إلى محمّد بن أبي عباد كاتب الإمام الرضا علیه السلام يسأله عن مدى علاقة الإمام الرضا علیه السلام بولده الجواد علیه السلام .
فأجابه : ما كان الرضا يذكر محمّداً إلّا بكنيته ، يقول : كَتَبَ لي أَبو جَعْفَرٍ ، وَكُنْتُ أَكْتُبُ إِلٰى أَبي جَعْفَرٍ علیه السلام، وكان آنذاك بالمدينة ، وهو صبيّ ، وكانت كتب أبي جعفر ترد إلى أبيه وهي في منتهى البلاغة والفصاحة » (2).
وحدّث الرواة عن مدى تعظيم الإمام الرضا علیه السلام لولده الجواد علیه السلام، فقالوا : «إنّ عباد بن إسماعيل وابن أسباط كانا عند الإمام الرضا بمنى إذ جيء بأبي جعفر فقالا له : هذا المولود المبارك ؟
فاستبشر الإمام وقال : نَعَمْ هٰذَا الْمَوْلودُ الَّذي لَمْ يولَدْ في الْإِسْلامِ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْهُ » (1).
وهناك طائفة كثيرة من الأخبار قد اُثرث عن الإمام الرضا علیه السلام، وهي تشيد بفضائل الإمام الجواد علیه السلام وتدلّل على عظيم مواهبه وملكاته .
واُحيط الإمام الجواد منذ نعومة أظفاره بهالة من التكريم والتعظيم من قِبل الأخيار والمتحرّجين في دينهم ، فقد اعتقدوا أنّه من أوصياء رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم الذين فرض الله مودّتهم على جميع المسلمين .
وقد ذكر الرواة أنّ عليّ بن جعفر الفقيه الكبير ، وشقيق الإمام موسى بن جعفر ، وأحد أعلام الأسرة العلوية في عصره ، كان ممّن يقدّس الإمام الجواد علیه السلام ويعترف له بالفضل والإمامة ، فقد روى محمّد بن الحسن بن عمارة ، قال : «كنت عند عليّ بن جعفر بن محمّد جالساً بالمدينة ، وكنت أقمت عنده سنتين أكتب عنه ما سمع من أخيه - يعني الإمام أبا الحسن موسى - إذ دخل أبو جعفر محمّد بن عليّ الرضا علیه السلام مسجد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فوثب عليّ بن جعفر بلا حذاء ولا رداء ، فقبّل يده وعظّمه، والتفت إليه الإمام الجواد قائلاً : اجْلِسْ يا عَمِّ رَحِمَكَ اللهُ .
فقال له أبو جعفر علیه السلام : يا عَمِّ ، اجْلِسْ رَحِمَكَ اللَّهُ.
وانحنى عليّ بن جعفر بكلّ خضوع قائلاً: يا سيّدي ، كيف أجلس وأنت قائم ؟
وانصرف الإمام الجواد علیه السلام ورجع عليّ بن جعفر إلى أصحابه فأقبلوا عليه يوبّخونه على تعظيمه للإمام مع حداثة سنّه قائلين له : أنت عمّ أبيه ، وأنت
1) بحار الأنوار: 20:50 .
تفعل به هذا الفعل ؟
فأجابهم عليّ بن جعفر جواب المؤمن بربّه ودينه ، والعارف بمنزلة الإمامة قائلاً: اسكتوا إذا كان الله عزّوجلّ - وقبض على لحيته - لم يؤهل هذه الشيبة - يعني الإمامة - وأهلّ هذا الفتى ، ووضعه حيث وضعه ، نعوذ بالله ممّا تقولون . بل أنا له عبد » (1).
ودلّل عليّ بن جعفر على أنّ الإمامة لا تخضع لمشيئة الإنسان وإرادته ولا تنالها ید الجعل الإنساني ، وإنّما أمرها بيد الله تعالى فهو الذي يختار لها من يشاء من عباده من دون فرق بين أن يكون الإمام صغيراً أو كبيراً.
وملكت مواهب الإمام محمّد الجواد علیه السلام عواطف العلماء فسجّلوا إعجابهم وإكبارهم له في مؤلّفاتهم ، وفيما يلي بعض ما قالوه :
قال الذهبي : «كان محمّد يلقّب بالجواد، وبالقانع ، والمرتضى ، وكان من سروات آل بيت النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم، وكان أحد الموصوفين بالسخاء فلذلك لقّب بالجواد» (2).
قال ابن تيميّة : « محمّد بن عليّ الجواد كان من أعيان بني هاشم ، وهو معروف بالسخاء ، ولهذا سمّي بالجواد » (3).
قال الصفدي: «كان محمّد يلقّب بالجواد ، وبالقانع ، وبالمرتضى ، وكان من سروات آل بيت النبوّة .. وكان من الموصوفين بالسخاء ، ولذلك لقّب بالجواد » (1).
قال السبط بن الجوزي : « محمّد الجواد كان على منهاج أبيه في العلم والتقى و الجود » (2).
قال الشيخ محمود بن وهيب : « محمّد الجواد هو الوارث لأبيه علماً وفضلاً وأجلّ اخوته قدراً وكمالاً » (3).
قال خير الدين الزركلي : « محمّد بن الرضا بن موسى الكاظم ، الطالبي ، الهاشمي ، القرشي ، أبو جعفر، الملقّب بالجواد ، تاسع الأئمّة الاثني عشر عند الإمامية كان رفيع القدر كأسلافه ذكياً ، طليق اللسان ، قويّ البديهة .. » (4).
قال الشيخ كمال الدين محمّد بن طلحة : « أمّا مناقب أبي جعفر الجواد فما
اتّسعت حلبات مجالها ، ولا امتدّت أوقات آجالها بل قضت عليه الأقدار الإلهيّة بقلّة بقائه في الدنيا بحكمها وأسجالها فقلّ في الدنيا مقامه ، وعجّل القدوم عليه كزيارة حمامه فلم تطل بها مدّته ولا امتدّت فيها أيامه » (1).
وأدلى عليّ بن عيسى الأربلي بكلمات أعرب فيها عن عميق إيمانه وولائه للإمام الجواد علیه السلام قال : « الجواد في كلّ أحواله جواد، وفيه يصدق قول اللغوي جواد من الجودة .. فاق الناس بطهارة العنصر ، وزكاء الميلاد ، وافترع قلّة العلاء فما قاربه أحد ولا كاد مجده ، عالي المراتب ، ومكانته الرفيعة تسمو على الكواكب ، ومنصبه يشرف على المناصب ، إذا أنس الوفد ناراً قالوا : ليتها ناره ، لا نار غالب ، له إلى
المعالي سموّ ، وإلى الشرف رواح وغدوّ ، وفي السيادة إغراق وعلوّ ، وعلى هام السماك ارتفاع وعلوّ ، وعن كلّ رذيلة بعد ، وإلى كلّ فضيلة دنوّ ، تتأرج المكارم من أعطافه ويقطر المجد من أطرافه ، وتروى أخبار السماح عنه ، وعن أبنائه وأسلافه ، فطوبى لمن سعى في ولائه ، والويل لمن رغب في خلافه ، إذا اقتسمت غنائم المجد والمعالي كان له صفاياها ، وإذا امتطيت غوارب السؤدد كان له أعلاها وأسماها ، يباري الغيث جوداً وعطية، ويجاري الليث نجدة وحمية ، ويبذ السير سيرة رضية » (2).
هذه بعض الكلمات التي أدلى بها كبار المؤلّفين ، وهي تمثّل إعجابهم بمواهب الإمام وعبقرياته وما اتّصف به من النزعات الشريفة التي تحكي صفات آبائه الذين رفعوا مشعل الهداية في الأرض .
في ظِلَالِ أبیهِ عَلَیْهِ السَّلٰامُ
عاش الإمام محمّد الجواد في ظلال أبيه فترة قصيرة من الزمن لا تتجاوز السبع سنين ، وكان بهذا السن يملك من الذكاء والعبقريات ما يثير الدهشة كما أنّ من المؤكّد أنّه قد انطبعت في دخائل نفسه مثل أبيه ، وقيمه الخالدة التي كانت مشعلاً للهداية واليقظة والاحساس في المجتمع الإسلامي ونتحدّث بإيجاز عن بعض شؤون الإمام الرضا علیه السلام ومدى حبّه للإمام الجواد ، وغير ذلك ممّا يرتبط بالموضوع .
أمّا أخلاق الإمام الرضا علیه السلام فانّها نفحة من روح الله ، وهي تضارع أخلاق جدّه الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم الذي بعث ليتمّم مكارم الأخلاق ، وقد حدّث إبراهيم بن العبّاس عن سموّ أخلاقه علیه السلام بقوله :
« ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا علیه السلام، ما جفا أحداً قطّ ، ولا قطع على أحد كلامه ، ولا ردّ أحداً عن حاجة ، وما مدّ رجليه بين جليسه ، ولا اتّكى قبله ، ولا شتم مواليه ومماليكه ، ولا قهقه في ضحكه ، وكان يُجلس على مائدته مماليكه ومواليه ، قليل النوم بالليل ، يحيي أكثر لياليه من أوّلها إلى آخرها ، كثير المعروف والصدقة في السرِّ ، وأكثر ذلك في الليالي المظلمة » (1).
1) مناقب آل أبي طالب : 3: 469. كشف الغمّة : 3: 110. أعيان الشيعه : 2 : 14 .
وهذه الأخلاق كأخلاق جدّه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم الذي طوّر حياة الإنسان ، وأنقذ الاُمم والشعوب من حياة التيه والتأخّر إلى حياة حافلة بالعزّة والكرامة .
لقد روى المؤرّخون صوراً رائعة من مكارم أخلاقه ، فقد رووا : « أنّه لمّا كان في خراسان وتقلّد ولاية العهد ، التي هي أرقى منصب في الدولة الإسلاميّة بعد الخلافة فلم يأمر أحداً من مواليه وخدمه في الكثير من شؤونه وإنّما كان يقوم بذاته في خدمة نفسه ، وقد احتاج إلى الحمام فكره أن يأمر أحداً بتهيئته ، ومضى إلى حمّام في البلد لم يكن صاحبه يعرفه .
فلمّا دخل الحمّام كان فيه جندي فأزال الإمام عن موضعه ، وأمره أن يصبّ الماء على رأسه ، ودخل الحمّام رجل كان يعرف الإمام فصاح بالجندي هلكت ، أتستخدم ابن بنت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم؟ فذعر الجندي ووقع على الإمام يقبّل أقدامه ، ويقول : هلّا عصيتني إذ أمرتك ؟
فتبسّم الإمام في وجهه وقال له برفق ولطف : إنَّها لَمَثوبَةٌ ، وَما أَرَدْتُ أَنْ أَعصِيَكَ فيما اُثابُ عَلَيْهِ » (1).
ومن معالي أخلاقه أنّه إذا جلس على مائدة أجلس عليها مماليكه حتى السايس والبوّاب (2)، وقد أراد بذلك القضاء على التمايز بين النّاس ، وإفهام المجتمع أنّهم جميعاً على صعيد واحد ، وقد اثر عنه من الشعر في ذلك قوله :
لَبِستُ بِالْعِفَّةِ ثَوبَ الْغِنىٰ ٭٭٭ وَصِرتُ أَمْشي شامِخَ الرَّأْسِ
لَستُ إِلى النَّسناسِ مُسْتَأْنِساً ٭٭٭ لكِنَّني آنسُ بِالنَّاسِ (3)
إِذا رَأَيتُ التیهَ مِنْ ذي الْغِنىٰ ٭٭٭ تِهْتُ عَلَى التّائِهِ بِالْیاسِ (1)
ما إِنْ تَفاخَرتُ عَلىٰ مُعدَمٍ ٭٭٭ وَلَا تَضَعْضَعْتُ لإِفْلاسِ (2)
ودلّل الإمام بهذا الشعر على مدى ما يتمتّع به من مكارم الأخلاق التي هي امتداد مشرق لأخلاق آبائه الذين أسّسوا الفضائل والمكارم في دنيا العرب والإسلام .
وزهد الإمام الرضا عليه السلام في جميع رغائب الحياة ، ومباهج الدنيا ، واتّجه صوب الله تعالى ، وحينما تقلّد ولاية العهد لم يحفل بأي مظهر من مظاهر السلطة ولم يقم لها أي وزن ، وقد اعتبر مشي الرجال خلف الرجل فتنة للتابع ، ومذلّة للمتبوع فلم يرغب في موكب رسمي وكان من أبغض الأشياء وأشدّها كراهية عنده أن يقابل بما يقابل به الملوك والخلفاء من مظاهر العظمة والاُبّهة .
وقد تحدّث عن زهده محمّد بن عباد ، قال : «كان جلوس الرضا عليه السلام على حصيرة في الصيف وعلى مسح (3)في الشتاء ، ولباسه الغليظ من الثياب ، حتّى إذا برز للناس تزيأ » (4).
ويقول الرواة : « إنّه التقى بسفيان الثوري ، وكان الإمام قد لبس ثوباً من خز، فأنكر عليه الثوري ذلك وقال له : لو لبست ثوباً أدنى من هذا ؟
فأخذ الإمام يده برفق وأدخلها كمّه ، فإذا تحت ذلك الثوب مسح ، وقال عليه السلام له : یا سُفْيَانُ ، الْخَزُّ لِلْخَلْقِ ، وَالْمِسْحُ لِلْحَقِّ » (5).
لقد كان الزهد في الدنيا من أبرز الذاتيّات في خُلق أهل البيت عليهم السلام، فقد اتّصلوا بالله ، وانقطعوا إليه ، ورأوا أن غيره زخرف لا يُوصل إلى الحقّ .
ولم يكن في الدنيا شيء أحبّ إلى الإمام الرضا عليه السلام من الإحسان إلى الناس والبرّ بهم، فقد كان السخاء من عناصره ومقوّماته ، وقد ذكر المؤرّخون بوادر كثيرة من کرمه وجوده كان منها ما يلي :
1 - إنّه أنفق جميع ما عنده على الفقراء حينما كان في خراسان ، وصادف ذلك في يوم عرفة فأنكر عليه الفضل بن سهل وقال له : إنّ هذا لمغرم .
فأجابه الإمام : بَلْ هُوَ الْمَغْنَمُ ، لَا تَعُدَّنَّ مَغْرَماً مَا ابْتَغَيْتَ بِهِ أَجْراً وَكَرَماً » (1).
إنّه ليس من المغرم في شيء صلة الفقير ، والإحسان إلى الضعيف ابتغاء مرضاة الله ، وإنّما المغرم أن ينفق الإنسان أمواله بغير وجه مشروع ، خصوصاً الإنفاق على ما لا يعود على المجتمع بفائدة .
2 - ومن كرمه أنّه وفد عليه رجل فسلّم عليه ، وقال له : أنا رجل من محبّيك ومحبّي آبائك ، مصدري من الحجّ ، وقد نفدت نفقتي ، وما معي ما أبلغ مرحلة ، فإن رأيت أن ترجعني إلى بلدي ، فإذا بلغت تصدّقت بالذي تعطيني عنك .
فقام علیه السلام ودخل حجرة في داره ، ولم يلبث أن أخرج يده ، وقال له : خُذْ هٰذِهِ الْمائَتي دينارٍ وَاسْتَعِنْ بِها في مَؤونَتِكَ وَنَفَقَتِكَ ، وَتَبَرَّكْ بِها وَلَا تَصَدَّقْ بِها عَنّي ، وانصرف الرجل مسروراً وقد غمرته نعمة الإمام ، والتفت بعض الحاضرين إلى الإمام فقال له : لِمَ سترت نفسك عن الرجل وأخرجت يدك فناولته المال ، ولم تره ؟
1) مناقب آل أبي طالب : 4 : 361 .
فقال علیه السلام: إنَّما صَنَعْتُ ذلِكَ مَخافَةَ أَنْ أَرىٰ ذُلَّ السُّؤالِ في وَجْهِهِ لِقَضائي حاجَتَهُ ، أَما سَمِعْتَ حَديثَ رَسولِ اللهِ صلی الله علیه و آله و سلم: الْمُسْتَتِرُ بِالْحَسَنَةِ تَعْدِلُ سَبْعينَ حِجَّةً ، وَالْمُذيعُ بِالسَّيِّئَةِ مَخْذولٌ ، وَالْمُسْتَتِرُ بِها مَغْفورٌ لَهُ . أَما سَمِعْتَ قَوْلَ الشَاعِرِ:
مَتىٰ آتِهِ يَوماً لأَطلبَ حاجَةً ٭٭٭ رَجَعتُ إِلىٰ أَهْلي وَوَجْهِي بِمائِهِ (1)
3 - ومن بوادر سخائه أنّه مرّ به فقیر فقال له : أعطني على قدر مروّتك .
فأجابه الإمام : لَا يَسَعُني ذلِكَ .
والتفت الفقير إلى أنّه قد أخطأ في كلامه فقال : أعطني على قدر مروّتي .
وقابله الإمام ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً : إِذَنْ فَنَعَمْ .
وأمر له بمائتي دينار » (2).
إنّ مروءة الإمام لا تحدّ فلو أعطاه ما في الأرض فليس على قدر مروّته ورحمته التي هي امتداد ذاتي لرحمة الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم.
هذه بعض البوادر من كرمه وجوده التي لم يقصد بها إلّا إدخال السرور على القلوب البائسة الحزينة التي أثقلتها مرارة الحياة وبؤسها .
كان الإمام علیه السلام أعلم أهل زمانه وأفضلهم ، وأدراهم بشؤون الشريعة وأحكام الدين ، وقد تحدّث عبد السلام الهروي - وهو ممّن رافق الإمام عن سعة علمه علیه السلام- فقال: «ما رأيت أعلم من عليّ بن موسى الرضا، ولا رآه عالم إلّا شهد له بمثل شهادتي ، ولقد جمع المأمون في مجالس له عدداً من علماء الأديان ، وفقهاء
الشريعة ، والمتكلّمين فغلبهم عن آخرهم ، حتى ما بقي منهم أحد إلّا أقرّ له بالفضل ، وأقرّ له على نفسه بالقصور .
ولقد سمعته يقول : كنت أجلس في «الروضة» والعلماء بالمدينة متوافرون فإذا عيي الواحد منهم عن مسألة أشاروا إليّ بأجمعهم وبعثوا إليّ المسألة فاُجيب عنها » (1).
وقال إبراهيم بن العبّاس : « ما رأيت الرضا يسأل عن شيء قطّ إلّا علم ، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان الأوّل إلى وقته وعصره ، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كلّ شيء فيجيب فيه ، وكان كلامه وجوابه وتمثّله انتزاعات من القرآن ، وكان يختمه في كلّ ثلاثة أيّام ويقول علیه السلام: لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَخْتِمَهُ في أَقْرَبِ مِنْ ثَلاثَةِ أَيّامٍ لَفَعَلْتُ ، وَلكِنّي ما مَرَرْتُ بِآيَةٍ قَطُّ إِلَّا فَكَّرْتُ فيها ، وَفي أَيِّ شَيْءٍ نَزَلَتْ ، وَفي أَيِّ وَقْتِ ؟ فَلِذلِكَ صِرْتُ أُخْتِمُ في كُلِّ ثَلاثَةِ أَيّامٍ » (2).
لقد كان الإمام الرضا علیه السلام من عمالقة الفكر والعلم في الإسلام، وهو ممّن صنع للمسلمين حياتهم العلميّة والثقافية ، والتحدّث عن قدراته العلميّة يستدعي دراسة خاصّة ومطوّلة عسى أن نوفّق لها إن شاء الله .
وكان الإمام الرضا علیه السلام من أعبد الناس ، وأخلصهم في طاعته لله ، وما ترك نافلة من النوافل ولا مستحبّاً من المستحبّات ، وقد فعل كلّ ما يقرّبه إلى الله زلفى .
وقد حدّث رجاء بن أبي الضحّاك عن مدى عبادته ، وكان قد رافق الإمام في سفره من يثرب إلى خراسان ، قال : « والله ما رأيت رجلاً كان أتقى لله تعالى منه ،
ولا أكثر ذكراً لله في جميع أوقاته منه ، ولا أشدّ خوفاً لله عزّ وجلّ منه » (1).
لقد أخلص الإمام الرضا علیه السلام في عبادته وطاعته لله أعظم ما يكون الإخلاص فقد خُلِق للطاعة وخُلِق للعبادة ، وتجرّد عن مباهج الدنيا وزينتها واتّجه صوب الله تعالى .
أمّا هيبته فكانت تعنو لها الجباه ، فقد بدت عليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك ، وكان من هيبته إنّه إذا جلس للنّاس أو ركب لم يقدر أحد أن يرفع صوته من عظيم هیبته (2).
وأدلى فريق من العلماء والمؤلّفين بكلمات عن الإمام الرضا علیه السلام وهي تعرب عن إكبارهم وتعظيمهم له وفيما يلي بعضها :
وأعرب المأمون في كثير من المناسبات عن إعجابه بشخصيّة الإمام الرضا علیه السلام وهذه بعض كلماته :
1 - قال المأمون لاُسرته حينما لامته على عقده ولاية العهد للإمام الرضا علیه السلام : « أمّا ما ذكرتم من استبصار المأمون في البيعة لأبي الحسن الرضا علیه السلام فما بايع له المأمون إلّا مستبصراً في أمره ، عالماً بأنّه لم يبق أحدٌ على ظهرها - أي ظهر الأرض - أبين فضلاً، ولا أطهر عفّة ، ولا أورع ورعاً ، ولا أزهد زهداً في الدنيا ، ولا أطلق نفساً ، ولا أرضى في الخاصّة والعامّة ، ولا أشدّ في ذات الله منه .. » (1).
2 - قال المأمون : « الإمام الرضا خير أهل الأرض ، وأعلمهم ، وأعبدهم » (2).
ولهذه الصفات الرفيعة الماثلة فيه قالت الشيعة بإمامته ، وانّه ممّن فرض الله طاعتهم ومودّتهم على الناس .
وكان إبراهيم بن العبّاس ممّن رافق الإمام علیه السلام وقد تحدّث عن معالي أخلاقه ،
وكان ممّا قاله فيه : « ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا وشهدت منه ما لم اُشاهد من أحد » (1).
قال عارف تامر : « يعتبر الإمام الرضا من الأئمّة الذين لعبوا دوراً كبيراً على مسرح الأحداث الإسلاميّة في عصره .. » (2).
وكثير من أمثال هذه الكلمات التي عبّرت عمّا تميّز به الإمام من الصفات الرفيعة التي لم يتّصف بها أحد سوى آبائه الذين رفعوا علم الهداية في الأرض .
ونظم الشعراء الكثير من الشعر في معالي صفات الإمام الرضا علیه السلام ومكارم أخلاقه وفيما يلي بعضهم :
وهام الصولي (1)
هو أبو إسحاق إبراهيم بن العبّاس الصولي ، كان كاتباً بليغاً ، وشاعراً مجيداً ، ومن شعره :
وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ بِها الفَتىٰ ٭٭٭ ذَرْعاً وَعِندَ اللهِ مِنْها المَخْرَجُ
ضاقَتْ فَلَمّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقاتُها ٭٭٭ فُرجَتْ وَكانَ يَظُنُّها لَا تُفْرَجُ
و من كلامه : مثل أصحاب السلطان مثل قوم علوا جبلاً ثمّ وقعوا منه فكان أقربهم إلى التلف أبعدهم في الارتقاء .. يروي عن الإمام الرضا علیه السلام.
توفّي بسرّ من رأى ، في منتصف شهر شعبان سنة ( 243ه-) جاء ذلك في الكنی والألقاب : 2 : 432 - 433 .
إعجاباً بالإمام فأنشد يقول :أَلا إِنَّ خَيْرَ النّاسِ نَفْساً وَوالِداً ٭٭٭ وَرَهْطاً وَأَجْداداً عَلِيُّ الْمُعَظَّمُ
أَتَتْنا بِهِ لِلْحِلمِ وَالْعِلمِ ثامِناً ٭٭٭ إماماً يُؤَدّي حُجَّةَ اللهِ تُكْتَمُ (2)
وتنسب هذه الأبيات الرائعة إلى أبي نواس ، وقد قالها حينما عوتب على تركه لمدح الإمام الرضا علیه السلام فقال :
قيلَ لي أَنتَ أَوْحَدُ النّاسِ طُرّاً ٭٭٭ في فُنونٍ مِنَ الْكَلامِ (1)النَّبِيهِ
لكَ مِنْ جَوهَرِ الْكَلامِ بَديعُ ٭٭٭ يُثمِرُ الدُّرَّ في يَدَي مُجْتَنيهِ
فَعَلى مَ (2)تَرَكْتَ مَدْحَ ابْنِ موسى ٭٭٭ وَالخِصالِ الَّتي تَجَمَّعنَ فيهِ
قُلْتُ لَا أَهْتَدي لِمَدحِ إِمامٍ ٭٭٭ كانَ جِبْريلُ خادِماً لِأَبيهِ (3)
قال الشاعر عبدالله بن المبارك في مدح الإمام :
هذا عَلِيٌّ وَالْهُدىٰ يَقودُهُ ٭٭٭ مِنْ خَيرِ فِتْيانِ قُرَيشٍ عودُهُ (4)
لقد أجمع المسلمون بجميع طبقاتهم على إكبار الإمام علیه السلام وتعظيمه ، والاعتراف له بالفضل .
1) في نسخة : « المقال » .
2) في نسخة : « فلماذا » . وفي نسخة : « ما » .
3) عيون أخبار الرضا علیه السلام : 2 : 142 و 143 . مسند الرضا علیه السلام : 26. الحلقات الذهبية - الحلقة 21 : 20 . مسند الإمام الرضا علیه السلام : 1 : 180 . سير أعلام النبلاء : 9 : 389. کشف الغمّة : 2: 317 و 318. بحار الأنوار: 49: 235.
4) مناقب آل أبي طالب : 4 : 362.
وأرغم المأمون الإمام الرضا علیه السلام على قبول ولاية العهد ، وأكرهه على ذلك فهدّده بالقتل إن لم يستجب له ، أمّا الأسباب التي دعته إلى هذا الإجراء فهي :
أوّلاً : النزاع الذي كان بينه وبين أخيه ، ممّا أدّى إلى اندلاع نار الحرب بينهما وانضمام معظم الاُسرة العبّاسيّة إلى الأمين الذي كان أحبّ إليهم من المأمون ، فأراد تقوية مركزه السياسي ، وبسط نفوذه ، فعقد ولاية العهد إلى زعيم العلويّين وسيّدهم الإمام الرضا علیه السلام الذي يكنّ له المسلمون أعظم الولاء والتقدير ، ويرون في شخصيّته امتداداً لشخصيّة جدّه الرسول صلی الله علیه و آله و سلم .
ثانياً : ثورة أبي السرايا .
ثالثاً : تصاعد المدّ الشيعي الذي أخذ بالاتّساع ، فشمل أغلب أنحاء الدولة ، فأراد المأمون بعهده للإمام أن يتخلّص من حركات الشيعة كما يقول ابن خلدون (1).
هذه بعض الأسباب التي دفعت المأمون إلى عقده لولاية العهد للإمام الرضا علیه السلام وكان على علم بأنّها صورية لا واقع لها ، وممّا يدلّل على ذلك أنّه شرط عليه « أن لا يولّي أحداً ، ولا يعزل أحداً، ولا ينقض رسماً ولا يغيّر شيئاً ممّا هو قائم ، ويكون في الأمر مشيراً من بعيد » (2).
ومن الطبيعي أنّه لو كان يعلم بصحّة نيّة المأمون ، وسلامة اتّجاهه لما وقف هذا الموقف السلبي من حكومته، وتعاون معه في جميع المجالات.
ولمّا بايع النّاس الإمام الرضا علیه السلام بولاية العهد اعتلى المأمون المنبر فخطب الناس وممّا جاء في خطابه :
« أيّها الناس جاءتكم بيعة عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، والله لو قرأت هذه الأسماء على الصمّ البكم لبرأوا بإذن الله عزّ وجلّ .. » (1).
وأوعز المأمون إلى جميع ولاته وعمّاله على الأقاليم الإسلاميّة بإقامة المهرجانات العامّة ، وإظهار معالم الزينة في البلاد ، كما أمر الخطباء بإذاعة فضائل الإمام علیه السلام والتحدّث عن مآثر أهل البيت علیهم السلام وأقام في بلاطه مهرجاناً عامّاً حضرته جميع الأوساط الشعبية ، وقد أجلس الإمام إلى جانبه فقام العبّاس الخطيب فخطب خطبة بليغة ، وختمها بقوله :
لا بُدَّ لِلنّاسِ مِنْ شَمْسٍ وَمِنْ قَمَرٍ ٭٭٭ فَأَنْتَ شَمْسُ وَهٰذا ذلِكَ القَمَرُ (2)
وتمّت بذلك هذه البيعة التي فرح بها العالم الإسلامي ، وأعلن المسلمون تأییدهم لها فقد أيقنوا أنّها ستحقّق جميع آمالهم ورغباتهم .
ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للحديث عن بعض شؤون الإمام الجواد علیه السلام مع أبيه الإمام الرضا علیه السلام.
وبالرغم من حداثة سنّ الإمام الجواد علیه السلام فقد كان هو القائم بشؤون أبيه ورعاية اُموره خصوصاً ما كان منها بالمدينة (1).
ويقول المؤرّخون : إنّه كان يأمر الموالي ، وينهاهم ، ولا يخالفه أحد في ذلك وكان الإمام الرضا علیه السلام مسروراً بقيام ابنه بمهامه وشؤونه .
وحينما كان الرضا علیه السلام في خراسان بعث إلى الإمام الجواد علیه السلام برسالة جاء فيها :
« يا أَبا جَعْفَر ، بَلَغَني أَنَّ الْمَوالِيَ إِذا رَكِبْتَ أَخْرَجوكَ مِنْ الْبابِ الصَّغيرِ ، فَإِنَّما ذلِكَ مِنْ بُخْلِ بِهِمْ لِئَلّا يَنالَ مِنْكَ أَحَدٌ خَيْراً ، فَأَسْأَلُكَ بِحَقّي عَلَيْكَ ، لَا يَكُنْ مَدْخَلُكَ وَمَخْرَجُكَ إِلَّا مِنَ الْبابِ الْكَبِيرِ، وَإِذا رَكِبْتَ فَاصْحَبْ مَعَكَ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ ثُمَّ لَا يَسْأَلُكَ أَحَدٌ إِلَّا أَعْطَيْتَهُ.
وَمَنْ سَأَلَكَ مِنْ عُمومَتِكَ أَنْ تُبِرَّهُ فَلَا تُعْطِهِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسينَ دِيناراً ، وَالْكَثيرُ إِلَيْكَ . وَمَنْ سَأَلَكَ مِنْ عَمّاتِكَ فَلَا تُعْطِها أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِيناراً ، وَ الْكَثيرُ إِلَيْكَ . إِنّي إِنَّما اُريدُ أَنْ يَرْفَعَكَ اللَّهُ ، فَأَنْفِقْ ، وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْتاراً » (2).
إنّ سجية الأئمّة الطاهرين الكرم والإحسان إلى الناس ، والبرّ بالضعفاء والفقراء ،
لقد لفت الإمام الرضا علیه السلام انتباه ولده إلى ما يصنعه الموالي معه من إخراجه من الباب الصغيرة في الدار لئلّا يراه الفقراء حتى ينعم عليهم ، وقد أمره علیه السلام بالخروج من الباب الكبيرة حيث يزدحم عليها الضعفاء والمحرومون . وعهد إليه أن يقوم بإكرامهم والإنعام عليهم وقد كانت هذه الظاهرة إحدى العناصر الذاتية في أخلاق أئمّة أهل البيت علیهم السلام .
ونصّ الإمام الرضا علیه السلام على إمامة ولده الجواد ، ونصبه خليفة من بعده ومرجعاً عامّاً للمسلمين ليرجعوا إليه في شؤونهم الدينية ، وقد روى النصّ على إمامته جمهور كبير من الرواة كان منهم :
روى محمّد المحمودي عن أبيه ، قال : «كنت واقفاً على رأس الإمام الرضا علیه السلام بطوس فقال له بعض أصحابه : إنْ حدث حدث فألى من ؟ وإنّما سأله عن الإمام من بعده حتى يدين بطاعته والولاء له .
فقال علیه السلام له : إِلىٰ ابْني أَبي جَعْفَرٍ .
وكان الإمام أبو جعفر علیه السلام في مرحلة الطفولة ، فقال له : إنّي استصغر سنّه !!
فردّ عليه الإمام هذه الشبهة قائلاً : إِنَّ اللهَ بَعَثَ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ قائِماً في دونِ السِّنِّ ، الَّتي يَقومُ فيها أَبو جَعْفَرٍ » (1).
وحفل جواب الإمام الرضا علیه السلام بالدليل الحاسم فإنّ الله تعالى بعث عيسى علیه السلام نبيّاً وآتاه العلم صبياً وهو دون سنّ الإمام أبي جعفر علیه السلام ، والنبوّة والإمامة من منبع واحد
1) الدرّ النظيم : 704 .
لا يناطان بالصغير والكبير وإنّما أمرهما بيد الله تعالى فهو الذي يختار لهما من أحبّ من عباده .
وممّن روى النصّ على إمامة الجواد علیه السلام صفوان بن يحيى ، قال : «قلت للرضا علیه السلام : قد كنّا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر علیه السلام فكنت تقول : يَهَبُ الله لي غُلاماً ، فَقَدْ وَهَبَهُ اللهُ لَكَ فَأَقَرَّ عُيونَنا ، فَلَا أَرانا اللهُ يَوْمَكَ ، فَإِنْ كانَ كَوْنٌ فَإِلىٰ مَنْ ؟
فأشار بيده إلى أبي جعفر علیه السلام وهو قائم بين يديه ، فقلت : جعلت فداك ، هذا ابن ثلاث سنين ؟!
قال : وَما يَضُرُّهُ مِنْ ذلِكَ شَيْءٌ، فَقَدْ قامَ عِيسىٰ علیه السلام بِالْحُجَّةِ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثِ سِنينَ » (1).
وروی معمر بن خلاد النصّ من الرضا علیه السلام على إمامة ولده الجواد ، قال : « سمعت الرضاء علیه السلام يقول وذكر شيئاً .
فقال : ما حاجَتُكُمْ إِلىٰ ذلِكَ ؟ هٰذا أَبو جَعْفَرٍ قَدْ أَجْلَسْتُهُ مَجْلِسي ، وَصَيَّرْتُهُ مَكاني وقال إِنّا أَهْلُ بَيْتٍ يَتَوارَثُ أَصاغِرُنا عَنْ أَكابِرِنا الْقُذَّةَ (2)بِالْقُذَّةِ » (3).
1) اُصول الكافي : 1 : 383 . الفصول المهمّة : 251 .
2) القذة - بضمّ القاف وفتح الذال _: ريش السهم . يقال : حذو القذة بالقذة إذا تساويا في - المقدار حيث يقدر كلّ واحد منهما على قدر صاحبه ، ويقطع ويضرب مثلاً للشيئين يتساويان .
3) الفصول المهمّة : 251. إعلام الورى : 2 : 346 . وقريب منه في اُصول الكافي : 1: 320 ، باب الإشارة و النصّ على أبي جعفر الثاني علیه السلام .
ومن رواة النصّ على إمامة الجواد علیه السلام عبد الله بن جعفر ، قال : «دخلت على الرضا علیه السلام أنا وصفوان بن يحيى ، وأبو جعفر علیه السلام قائم قد أتى له ثلاث سنين ، فقلنا : جعلنا الله فداك، ونعوذ بالله إن حدث حدث فمن يكون بعدك ؟
قال علیه السلام : ابْني هٰذا ، وأومأ إلى ولده الإمام الجواد.
قال : قلنا له : وهو في هذا السنّ ؟ !
قال : نَعَمْ وَهُوَ في هٰذَا السِّنِّ . إِنَّ اللهَ تَبارَكَ وَتَعالىٰ احْتَجَّ بِعيسَى وَهُوَ ابْنُ سَنَتَيْن » (1).
وممّن سمع النصّ على الإمام الجواد من أبيه محمّد بن أبي عباد ، قال : « سمعت الإمام الرضا علیه السلام يقول : أَبو جَعْفَرٍ وَصِیِّي وَ خَليفَتي في أَهْلي مِنْ بَعْدي » (2).
إلى غير ذلك من النصوص التي اُثرت عن الإمام الرضا علیه السلام وهي تعلن إمامة الجواد علیه السلام من بعده ، وأنّه أحد خلفاء الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم على اُمّته.
وبعدما استنفدت الأغراض السياسية للمأمون في بيعته للإمام الرضا علیه السلام رأى أن يغدر به ، ويفتك بحياته ، وعلينا أن نتحدّث - بإيجاز - عن الأسباب التي دعته إلى اقتراف هذه الجريمة وهي :
واُترعت نفس المأمون بالحسد للإمام الرضا علیه السلام، وكان سبب ذلك ما ظهر للناس من فضل الإمام وعلمه .
وقد روى المؤرّخون أنّ المأمون أوعز إلى علماء الأقطار الإسلاميّة بالقدوم إلى خراسان لامتحان الإمام ، وقد خاضوا معه مختلف المسائل الفلسفيّة والكلاميّة والبحوث الطبيّة وغيرها ، وقد خرجوا من عنده وهم يقولون بإمامته ويذيعون فضله وينشرون معارفه .
ولما استبان للمأمون ذلك أوعز إلى محمّد بن عمرو الطوسي بطرد الناس عن مجلس الإمام (1)، وقد كشف النقاب عن هذه الجهة أبو الصلت الهروي عندما سأله أحمد بن عليّ الأنصاري فقال له : كيف طابت نفس المأمون بقتل الرضا مع إكرامه ومحبّته له وما جعل له من ولاية العهد ؟
فأجابه أبو الصلت : إنّ المأمون إنّما كان يكرمه ويحبّه لمعرفته بفضله ، وجعل له ولاية العهد من بعده ليرى الناس أنّه راغب في الدنيا فيسقط محلّه من نفوسهم ، فلمّا لم يظهر منه ذلك للنّاس إلّا ما ازداد به فضلاً عندهم ، ومحلّاً في نفوسهم ، جلب عليه المتكلّمين من البلدان طمعاً في أن يقطعه واحد فيسقط محلّه عند العلماء ، ويشتهر نقصه عند العامّة ، فكان لا يكلّمه خصم من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والبراهمة والملحدين والدهريّة، ولا خصم من فِرق المسلمين المخالفين إلّا قطعه وألزمه الحجّة ، وكان الناس يقولون : والله إنّه أولى بالخلافة من المأمون ، وكان أصحاب الأخبار يرفعون ذلك إليه فيغتاظ من ذلك ويشتدّ حسده (2).
إنّ الحسد من أخبث الأمراض النفسية وهو يفرز جميع الرذائل ، فقد ألقى الناس في شرّ عظيم وهو - من دون شكّ - قد دفع المأمون إلى اغتيال الإمام والفتك به .
وذهب بعض المؤرّخين إلى أنّ المأمون إنّما سمّ الإمام إرضاءً لعواطف بني العبّاس ومداراة لهم (1)، فقد قامت قيامتهم حينما صار الإمام ولي عهد المأمون وخافوا على الخلافة أن تنتقل إلى آل عليّ علیه السلام، وقد أراد المأمون أن يزيل ما في نفوسهم فاغتال الإمام علیه السلام بعد أن تمّت أهدافه السياسيّة .
ولعلّ من أوثق الأسباب التي دفعت المأمون إلى اغتيال الإمام هو أنّ الإمام كان لا يُحابي المأمون ، ولا يداريه ، وكان دوماً يوصيه بتقوى الله وطاعته ، ويحذّره العقاب في الدار الآخرة ، وقد أدلى بهذه الجهة أبو الصلت الهروي ، قال : «كان الرضا لا يُحابي المأمون من حقّ ، وكان يجيبه بما يكره في أكثر أحواله ، فيغيظه ذلك ويحقده عليه ، ولا يظهره له فلما أعيته الحيلة في أمره اغتاله وقتله » (2).
ومن الأسباب التي أدّت إلى حقد المأمون على الإمام علیه السلام حديث صلاة العيد، فقد طلب من الإمام أن يصلّي صلاة العيد ، فامتنع الإمام من إجابته ، وأصرّ عليه المأمون ، فأجابه الإمام إلى ذلك إلّا أنّه شرط عليه أن يصلّي بالناس كما كان جدّه
رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يصلّي بهم ، ووافق المأمون على ذلك وأمر القوّاد وسائر النّاس أن يبكّروا إلى دار الإمام ، وخرج الناس بجميع طبقاتهم في الصبح الباكر وجلسوا في الطرقات ، وأشرفوا من السطوح وهم يتطلّعون إلى خروج الإمام ، وقام الإمام في الصبح فاغتسل لصلاة العيد ، وتعمّم بعمامة بيضاء ألقى طرفاً منها على صدره ، وطرفاً منها بين كتفيه ، وأمر مواليه أن يفعلوا مثل ذلك ، وخرج علیه السلام حافياً وبيده عكّاز وكان لا يسير خطوة إلّا رفع رأسه فكبّر ، وقد تخيّل إلى الناس أنّ الهواء وحيطان البيوت تجاوبه .
وكان القوّاد وسائر الناس قد تزيّنوا ولبسوا السلاح وتهيّأوا بأحسن هيئة كما كانوا يفعلون مع ملوكهم ، وواصل الإمام مسيرته بتلك الهيئة التي تعنو لها الجباه ، وقد رفع صوته قائلاً: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ عَلىٰ ما هَدانا، اللهُ أَكْبَرُ عَلىٰ ما رَزَقَنا مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعامِ ، وَالْحَمْدُ لِلهِ عَلىٰ ما أَبْلانا .. » (1).
ورفع الناس أصواتهم يدعون بدعائه ، وهم يبكون ، وقد تذكّروا في الإمام ماكان يفعله رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، وبان لهم ضلال اُولئك الحكّام وأنّهم على غير الحقّ ، وصارت مرو ضجّة واحدة ، وسقط القوّاد من دوابهم .
ويقول بعض المؤرّخين أنّ السعيد منهم من كان يعرف أحداً فيعطيه دابّته ليوصلها إلى أهله .
وكان الإمام إذا سار عشر خطوات وقف فكبّر الله أربعاً ، وتابعه الناس في ذلك ، وقد علا منهم البكاء ، فقد رأوا في الإمام امتداداً ذاتياً لشخصيّة جدّه الرسول صلی الله علیه و آله و سلم المحرّر الأكبر للإنسانيّة المعذّبة .
وقد وصف البحتري خروج الإمام إلى الصلاة بقوله :
1) الكافي : 1 : 489 و 490 .
ذَكَروا بِطَلْعَتِكَ النَّبِيَّ فَهَلَّلوا ٭٭٭ لَمّا طَلَعْتَ مِنَ الصُّفوفِ وَكَبَّروا
حَتّىٰ انْتَهَيْتَ إِلى المُصَلّىٰ لابِساً ٭٭٭ نورَ الهُدىٰ يَبْدو عَلَيْكَ فَيَظْهَرُ
وَمَشَيْتَ مَشيَةً خاشِع مُتَواضِعٍ ٭٭٭ لِلَّهِ لَا يَزْهو وَلا يَتَكَبَّرُ
وَلَو أَنَّ مُشْتاقاً تَكَلَّفَ غَيرَ ما ٭٭٭ في وُسْعِهِ لَمَشىٰ إِلَيْكَ المِنْبَرُ (1)
وبلغ المأمون ما عليه الناس من الإكبار والتعظيم للإمام ، فقال له الفضل بن سهل : إن بلغ الرضا المصلّى على هذا الحال افتتن الناس به ، فالرأي أن تسأله أن يرجع ، فأرسل إليه المأمون أن يرجع ، فرجع الإمام (2).
هذه بعض البوادر التي ذكرها المؤرّخون لحقد المأمون على الإمام وقد خاف على ملكه وسلطانه فصمّم على اقتراف أخطر جريمة في الإسلام، وهي تصفية الإمام علیه السلام جسدياً .
ولما ضاق المأمون ذرعاً من الإمام عمد إلى اغتياله ، فاستدعاه وقدّم له عنقوداً من العنب كان قد سمّ بعضه فناوله له وقال : يابن رسول الله ، ما رأيت عنباً أحسن من هذا ؟
فردّ عليه الإمام : رُبَّما كانَ عِنَبٌ أَحْسَنَ مِنْهُ في الْجَنَّةِ.
وطلب المأمون من الإمام أن يأكل منه ، فتريّب الإمام ، وقال له : تَعْفيني مِنْهُ ؟ فنهره المأمون وصاح به : لا بدّ من ذلك ، وما يمنعك منه لعلّك تتّهمنا بشيء ؟ وأرغم الإمام على تناوله ، فأكل ثلاث حبّات ، ورمى بالعنقود ، وقد أثّر السمّ به
في الوقت فقام من المجلس ، فقال له المأمون : إلى أين ؟
فرمقه الإمام بطرفه وقال له بنبرات حزينة مرتعشة : إِلىٰ حَيْثُ وَجَّهْتَني - يعني إلى الموت - (1).
وتفاعل السمّ في بدنه ، وأحاطت به آلام الموت، فأرسل إليه المأمون رسولاً وقال له : قل له : ما توصيني به ؟
وعرض على الإمام ذلك فقال علیه السلام : قل له : يُوصِيكَ أَنْ لَا تُعْطي أَحَداً ما تَنْدَمُ عَلَيْهِ (2).
وعرض الإمام بذلك إلى ما أعطاه المأمون له من ولاية العهد وما ألزم به نفسه أمام الله والاُمّة ثمّ خاس بعد ذلك ، والتفت الإمام إلى أبي الصلت قائلاً: يا أَبا الصَّلْتِ، قَدْ فَعَلوها (3).
يشير بذلك إلى اغتيال المأمون له ، وأخذ الإمام في تلك الفترة الرهيبة يعاني آلام السمّ ، فقد تقطّعت أمعاؤه ، وذابت حشاشته .
ودنا الموت سريعاً من الإمام ليخمد تلك الشعلة المشرقة التي أضاءت الحياة الفكريّة والاجتماعيّة في دنيا العرب والإسلام ، وكان الإمام في تلك المحنة الحازية مشغولاً بذكر الله لم تصدّه عنه آلام الموت، ولفظ أنفاسه الأخيرة مشفوعة بتوحيد الله وتمجيده ، وقد ارتفعت روحه العظيمة إلى بارئها كما ترتفع أرواح الأنبياء والأوصياء تحفّها ملائكة الله ورضوانه .
لقد ارتفعت روح الإمام إلى الله بعد أن أدّى رسالته الإصلاحيّة العظيمة في الذبّ عن دين الله ، وحماية مبادئه وأهدافه .
وكتم المأمون موت الإمام الرضا يوماً وليلة، ثمّ أنفذ إلى محمّد بن جعفر الصادق علیه السلام وجماعة من آل أبي طالب، يأمرهم بالحضور عنده ، فلمّا مثلوا أمامه نعى إليهم الإمام ، وأظهر لهم الحزن الشديد والأسى العميق ، وقام معهم إلى جثمان الإمام فاطلعهم عليه وأنّه لم يُضرب بسيف أو يُطعن برمح ، ثم خاطب الجثمان العظيم قائلاً: « يعزّ عليّ يا أخي أن أراك في هذه الحالة ، وقد كنت آمل أن أقدم قبلك فأبى الله إلّا ما أراد » (1).
وقام المأمون بتجهيز جثمان الإمام علیه السلام فغسّله ، وأدرجه في أكفانه وكتب إلى جميع أنحاء خراسان للفوز بتشييعه .
وهرع الناس بجميع طبقاتهم إلى تشييع جثمان الإمام ، فكان يوماً مشهوداً لم تشهد خراسان مثله ، وتقدّم المأمون أمام النعش وجعل يخاطب الجثمان ليسمعه الناس قائلاً : « أي المصيبتين عليّ أعظم فقدي إيّاك أم اتّهام الناس لي » .
وجيء بالجثمان تحت هالة من التهليل والتكبير ، فواراه المأمون في مقرّه الأخير بجوار هارون الرشيد ، وقد وارى أنصع صفحة من صفحات الرسالة الإسلاميّة التي
1) الإرشاد : 355 .
أمدّت الناس بعناصر الوعي والفكر .
لقد دفن الإمام علیه السلام في تلك البقعة الطاهرة ، وأصبح مرقده الشريف في خراسان مناراً للكرامة الإنسانيّة ، وهو أعزّ حرم وأمنعه في الإسلام ، فما يعرف الناس ضريحاً لوليّ من أولياء الله له مثل تلك الحشمة والعزّة والكرامة ، وقد استشفّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم من وراء الغيب أنّ بعض أوصيائه سيدفن في خراسان فأعلن ذلك ، وذكر ما يحظى به زائره من الكرامة والمثوبة عند الله ، وقال صلی الله علیه و آله و سلم : «سَتُدْفَنُ بَضْعَةٌ مِنّي بِخُراسانَ ، ما زَارَها مَكْرُوبٌ اِلَّا نَفَّسَ اللهُ كُربَتَهُ ، وَلَا مُذْنِبٌ اِلَّا غَفَرَ اللهُ ذُنُوبَهُ » (1).
وقد نظم بعض الشعراء هذا الحديث الشريف ببيتين من الشعر وقد رُسِما على جدران المشهد الشريف وهما :
مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَرىٰ قَبْراً بِرُؤْيَتِهِ ٭٭٭ يُفَرِّجُ اللهُ عَمَّنْ زارَهُ كُرَبَهْ
فَلْيَأْتِ ذا القَبرَ إنَّ اللهَ أَسْكَنَهُ ٭٭٭ سُلالَةً مِنْ رَسولِ اللهِ مُنْتَجَبَهْ (2)
وفي أنوار اليقين من مخطوطات مكتبة كاشف الغطاء جاء هذا البيت :
فَلْيَأْتِ طُوساً فَإِنَّ اللهَ أَسْكَنَها ٭٭٭ سُلالَةً مِنْ رَسولِ اللَّهِ مُنْتَجَبَه
وأثرت عن الإمام الجواد زيارة خاصّة لأبيه هذا نصّها : « السَّلامُ عَلَيْكَ مِنْ إِمامٍ عَصيبٍ ، وَإِمامٍ نَجيبٍ ، وَبَعيدٍ قَريبٍ ، وَمَسْمومٍ غَريبٍ » (3).
وأثرت عن الإمام الجواد عدّة روايات تحدّث بها عن فضل الزيارة لمرقد أبيه
وما أعدّه الله للزائر من الأجر والثواب وهذه بعضها :
1 - روی عبد العظيم بن عبدالله الحسني قال : « سمعت محمّد بن عليّ الرضا علیه السلام يقول : « مَا زارَ أَبِي علیه السلام أَحَدٌ فَأَصَابَهُ أَذىً مِنْ مَطَرٍ ، أَوْ بَرْدٍ ، أَوْ حَرَّ ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ جَسَدَهُ عَلَى النّارِ » (1).
2 - روی عبدالعظيم بن عبد الله الحسني ، قال : « قلت لأبي جعفر : قد تحيّرت بين زيارة أبي عبد الله الحسين علیه السلام وبين زيارة قبر أبيك بطوس فما ترى ؟
فقال لي : مَكَانَكَ .
ثمّ دخل وخرج ودموعه تسيل على خديّه ، فقال: زُوّارُ قَبْرِ أَبي عَبْدِ اللهِ علیه السلام كَثِيرُونَ ، وَزُوّارُ قَبْرِ أَبِي علیه السلام بِطُوسٍ قَلِيلونَ» (2).
3 - روى عليّ بن أسباط ، قال : « سألت أبا جعفر علیه السلام ما لمن زار أباك بخراسان ؟ قال علیه السلام : الْجَنَّةَ وَاللهِ الْجَنَّةُ » (3).
وحينما وافى النبأ المؤلم أهالي يثرب بوفاة الإمام الرضا علیه السلام هرعوا إلى الإمام الجواد فجعلوا يعزّونه بمصابه الأليم ، ويشاركونه الأسى واللوعة ، كما وفدت من سائر الأقطار وفود كثيرة ، وهي ترفع تعازيها للإمام ، وممّن وفد عليه الشاعر الكبير عبدالله بن أيّوب الخريبي ، وكان من المتّصلين بالإمام الرضا علیه السلام والمنقطعين إليه ، وقد رفع إلى الإمام الجواد هذه الأبيات الرقيقة :
يابْنَ الذَّبيحِ وَیابْنَ أَعْراقِ الثَّرىٰ ٭٭٭ طابَتْ أَرومَتُهُ وَطابَ عُروقا
يابْنَ الوَصِيِّ وَصِيِّ أَفْضَلِ مُرْسَلٍ ٭٭٭ أَعْني النَّبِيَّ الصّادِقَ المَصْدوقا
ما لُفَّ في خِرَقِ القَوابِلِ مِثْلَهُ ٭٭٭ أَسَدٌ يُلَفُّ مَعَ الخَرِيقِ خَريقا
يا أَيُّها الحَبْلُ المَتينُ مَتىٰ أَعُذْ ٭٭٭ يَوْماً بِعَقْوَتِهِ أَجِدْهُ وَثيقا
أَنا عائِذٌ بِكَ في القِيامَةِ لائِذُ ٭٭٭ أَبْغي لَدَيكَ مِنَ النَّجاةِ طَريقا
لَا يَسْبِقَنِّي في شَفاعَتِكُمْ غَداً ٭٭٭ أَحَدٌ فَلَسْتُ بِحُبِّكُمْ مَسْبوقا
يابْنَ الثَّمانِيَةِ الأَئِمَّةِ غُرّبوا ٭٭٭ وَأَبا الثَّلاثَةِ شُرِّقوا تَشْريقا
إِنَّ المَشارِقَ وَالْمَغارِبَ أَنْتُمُ ٭٭٭ جاءَ الكِتابُ بِذلِكُمْ تَصْديقا (1)
كما وفدت عليه جمهرة اُخرى من الشيعة وهي ترفع له تعازيها الحارّة وتواسيه بمصابه العظيم .
وتحيّرت الشيعة أشدّ ما تكون الحيرة في شؤون الإمامة بعد وفاة الإمام الرضا علیه السلام، فقد كان سنّ الإمام الجواد سبع سنين وأشهر ممّا أدّى إلى اضطراب بعضهم ووقوع النزاع في صفوفهم .
فقد رأى بعضهم أنّ من كان بهذا السنّ لا يكون إماماً، وأنّ الإمامة لا بد أن يتقلّدها الرجل الكبير ، واجتمع فريق من الشيعة في بيت من بيوتهم ، وكان من بينهم الريّان بن الصلت ، ويونس ، وصفوان بن يحيى ، ومحمّد بن حكيم ، وعبد الرحمن ابن الحجّاج ، وخاضوا في مسألة الإمامة فجعلوا يبكون ، فقال لهم يونس : دعوا البكاء حتى يكبر هذا الصبيّ - يعني الإمام الجواد - .
1) مقتضب الأثر : 51 .
فردّ عليه الريّان بن الصلت قائلاً : إن كان أمر من الله جلّ وعلا، فابن يومين مثل ابن مائة سنة ، وإن لم يكن من عند الله فلو عمّر الواحد من الناس خمسة آلاف سنة ما كان يأتي بمثل ما يأتي به السادة أو بعضه . وهذا ممّا ينبغي أن ينظر فيه (1).
وكان هذا هو الجواب الحاسم المرتكز على الواقع المشرق الذي تذهب إليه الشيعة الإمامية من أنّ كبر السن وصغره لا مدخليّة لهما في الترشيح لمنصب الإمامة الذي يضارع منصب النبوّة في أكثر خصوصيّاته ، فإنّ أمرهما بيد الله تعالى فهو الذي يهبهما لمن يختار من عباده .
ووفدت إلى يثرب جمهرة من كبار العلماء والفقهاء وقد انتدبوا من قِبل الأوساط الشيعيّة في بغداد وغيرها من الأمصار ، وذلك للتعرّف على الإمام بعد وفاة الإمام الرضا علیه السلام ، وكان عددهم - فيما يقول المؤرّخون - ثمانين رجلاً .
ولما انتهوا إلى يثرب قصدوا دار الإمام أبي عبد الله الصادق علیه السلام ففرش لهم بساط أحمر ، وخرج إليهم عبد الله ابن الإمام موسى علیه السلام فجلس في صدر المجلس ، مُضفياً على نفسه المرجعيّة للاُمّة ، وأنّه الإمام بعد الإمام الرضا علیه السلام ، وقام رجل فنادى بين العلماء : هذا ابن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فمن أراد السؤال فليسأل ، فقام إليه أحد العلماء فسأله : ما تقول في رجل قال لإمرأته : أنت طالق عدد نجوم السماء ؟
فأجابه عبدالله بجواب يخالف فقه أهل البيت علیهم السلام قائلاً : طُلِّقت ثلاثاً دون الجوزاء .
وذهل العلماء والفقهاء من هذا الجواب الذي شذّ عمّا قرّره الأئمّة الطاهرون من أنّ الطلاق يقع واحداً ، ولا نعلم - لِمَ استثنى عبد الله الجوزاء عن بقية الكواكب ؟
1) دلائل الإمامة : 250 . فِرق الشيعة : 59 .
وانبرى إليه أحد الفقهاء فقال له : ما تقول في رجل أتى بهيمة ؟
فأجابه على خلاف ما شرع الله قائلاً: تقطع يده ، ويجلد مائة جلدة .
وبهت الحاضرون ، وضجّ بعضهم بالبكاء من هذه الفتاوى التي خالفت أحكام الله ، وحاروا في أمرهم ، وبينما هم في حيرة وذهول إذ فُتِح باب من صدر المجلس ، وخرج موفّق ، ثمّ أطلّ عليهم الإمام أبو جعفر وهو بهيبته التي تعنو لها الجباه ، وقام الفقهاء والعلماء إجلالاً وإكباراً له ، وانبرى شخص فعرّفهم بأنّه الإمام بعد أبيه ، والحجّة الكبرى على المسلمين.
فقام إليه صاحب السؤال الأوّل فقال له : ما تقول فيمن قال لامرأته : أنت طالق عدد نجوم السماء ؟
فأجابه الإمام علیه السلام : يا هٰذا اقْرَأْ كِتابَ اللهِ تَبارَكَ وَتَعالىٰ : الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَهِيَ في الثّالِثَةِ » .
وبهر الحاضرون من مواهب الإمام ، وقد أيقنوا أنّهم وصلوا إلى الغاية التي ينشدونها ، ورفع السائل إلى الإمام فتيا عمّه في المسألة .
فالتفت علیه السلام إليه قائلاً : يا عَمِّ اتَّقِ اللهَ ، وَلَا تَفْتِ وَفي الاُمَّةِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ .
وأطرق عبدالله برأسه إلى الأرض ، ولم يدرِ ماذا يقول ، وقام إلى الإمام صاحب المسألة الثانية فقال له : ما تقول فيمن أتى بهيمة ؟
فقال علیه السلام : يُعَزَّرُ ، وَتُحْمىٰ ظَهْرُ الْبَهِيمَةِ ، وَتُخْرَجُ مِنَ الْبَلَدِ لِئَلّا يَبْقىٰ عَلَى الرَّجُلِ عارُها .
وعرض السائل على الإمام فتوى عمّه ، فأنكر عليه أشدّ الإنكار وقال له متأثّراً : لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ . يا عَبْدَاللهِ ، إِنَّهُ لَعَظيمٌ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقِفَ غَداً بَيْنَ يَدَي اللَّهِ فَيَقولُ لَكَ : لِمَ أَفْتَيْتَ عِبادي بِما لَا تَعْلَمُ وَفي الاُمَّةِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ ؟
وأخذ عبدالله يلتمس له المعاذير قائلاً : رأيت أخي الرضا ، وقد أجاب في هذه
المسألة بهذا الجواب .
فأنكر عليه الإمام وصاح به : إِنَّما سُئِلَ الرِّضا علیه السلام عَنْ نَبّاشٍ نَبَشَ قَبْرَ امْرَأَةٍ فَفَجَرَ بِها ، وَأَخَذَ ثِيابَها فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ لِلسَّرِقَةِ ، وَجَلْدِهِ لِلزِّنا ، وَنَفْيِهِ لِلْمُثْلَةِ فَفَرِحَ الْقَوْمُ (1).
وسأله العلماء والفقهاء عن مسائل كثيرة في مختلف أبواب الفقه ، وقد بلغت فيما يقول المؤرّخون ثلاثين ألف مسألة ، وصرّح بعضهم أنّه سئل في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة فأجاب عنها علیه السلام (2).
ونحن لا نتصوّر إمكان ذلك في مجلس واحد ، وذلك لعدم سعة الوقت ، والصحيح إنّه سئل عن ثلاثين ألف مسألة في نوب متفرّقة وأزمنة متعدّدة .
وعلى أي حال فقد أيقن العلماء بإمامته ورجعوا إلى أمصارهم وهم يذيعون إمامة الجواد علیه السلام وينقلون إلى المسلمين سعة علومه ومعارفه ، وأنّه المعجزة الكبرى للإسلام حيث إنّه بهذا السنّ وقد بلغ من العلوم والمعارف ما لا يحدّ ولا يوصف .
ومن الجدير بالذكر أنّ بعض الشيعة كانوا قد سألوا الإمام الرضا علیه السلام عن مسائل فأجابهم عنها ، فخفّوا إلى الإمام الجواد علیه السلام بعد وفاة أبيه ، فسألوه عنها ليمتحنوه في ذلك فأجابهم عنها حسب جواب أبيه .
وقد روى أبو خراش النهدي ، قال : « كنت حضرت مجلس الرضا فأتاه رجل فقال له : جعلت فداك ، اُمّ ولد لي ، وهي صدوق أرضعت جارية لي بلبن ابني ، أيحرم عليَّ نكاحها ؟
فقال علیه السلام : لا رِضاعَ بَعْدَ فِطامٍ .
ثمّ سأله عن الصلاة في الحرمين ، فقال علیه السلام: إِنْ شِئْتَ قَصَّرْتَ ، وَإِنْ شِئْتَ أَتْمَمْتَ .
قال : فحججت بعد ذلك ، فدخلت على أبي جعفر فسألته عن المسائل فأجابني بعين ما أجاب به أبوه (1).
وعلى أي حال، فقد رجعت الشيعة إليه ، وقالت بإمامته ، ولم يشذّ أحد منهم ويقول بإمامة غيره .
1) الدرّ النظيم : 705 و 706 .
مِنْ مُثُلِه الْعُلْيَا
وتجسّدت في شخصيّة الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام جميع المثل العليا والنزعات الرفيعة التي يعتزّ بها هذا الكائن الحيّ من بني الإنسان ، وكان من بينها ما يلي :
وتقلّد الإمام أبو جعفر علیه السلام الإمامة والزعامة الدينيّة العامّة وكان عمره الشريف سبع سنين وأشهر ، كما تقلّد عيسى بن مريم النبوّة وهو دون هذا السنّ .
لقد بنيت الإمامة على فلسفة عميقة تهدف إلى رفع مستوى الإنسان وتحقيق ما يصبو إليه من إقامة الحقّ والعدل .
ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للتحدّث عن بعض شؤونها .
وعنت الإمامة بتحقيق الأهداف الأصلية التي ينعم في ظلالها الإنسان وكان من بین تلك الأهداف :
1 - إقامة العدل في جميع أنحاء البلاد، من دون فرق بين أن يكون العدل اجتماعيّاً أو سياسيّاً ، فلا تواجه الاُمّة في ظلّ الإمامة الرشيدة أي غبن اجتماعي أو فردي ، ولا يوجد أي امتياز لقوم على آخرين ، فالجميع سواء أمام العدل والحقّ ،
وبإقامة هذا العدل الخالص يكون الإنسان خليفة لله في أرضه ، ولا تجد الاُمّة أي إلتواء في مسيرتها .
2 - الثورة على الظلم والطغيان، ومناجزة البطش، ومنع سيطرة القويّ على الضعيف ، وقد تبنّت الشيعة بصورة إيجابية هذه الجهة ، فقد قامت بثورات متلاحقة ضدّ الظلم والبغي ، وحاريت القوى الغادرة ، وقد رفعت رؤوس أعلامهم وأئمّتهم على الرماح وهي تنير طريق الحرية والكرامة .
فقد قتل معاوية جماعة منهم عمرو بن الحمق الخزاعي داعي الحقّ وعلم الحرية والنضال ، وبعد قتله رفع رأسه يطاف به في الأقطار والأمصار ، وهو ينير للناس طريق الكفاح .
وقتل يزيد بن معاوية العترة الطاهرة من أبناء الرسول ورفع رؤوسهم على الرماح ، وقد خلدت تلك الثورات للإسلام مجداً على امتداد التأريخ ، فقد عرّفت العالم أنّ الإسلام دين الكفاح والثورة على الظلم والبغي والاستبداد .
إنّ الثورات المدوّية التي قامت في الإسلام لم تكن إلّا بوحي من الإمامة التي استوعبت أفكارها المشرقة قلوب أولئك الثوّار الذين ألغموا قصور الظالمين بعبوات ناسفة أتت على معالم زهوهم وجبروتهم .
3 - صيانة اقتصاد الاُمّة ، وعدم التصرّف في الخزينة المركزية إلّا في الصالح العامّ ، والعمل على تنمية القدرات الاقتصاديّة في البلاد، وزيادة الدخل الفردي ، وتطوير الاقتصاد العامّ بما يضمن رفع البؤس الذي هو رديف الكفر والإلحاد ، وليس للحاكم وغيره من المسؤولين في جهاز الحكم التلاعب في مقدّرات الدولة أو اصطفاء شيء منها لنفوسهم وذويهم .
وقد كان السبب الرئيسي في الثورة التي أطاحت بحكومة عثمان عميد الاُسرة الاُمويّة هو تلاعب بني اُميّة بأموال الدولة واصطفائها لهم ولمن سار في جهازهم .
4 - إشاعة الإيمان بالله الذي تبتني عليه قوى الخير والسلام في الأرض ، فإنّ الإيمان بالله إذا استقرّ في أعماق النفس ودخائل الذات يستحيل أن يقترف الشخص ظلماً أو جوراً أو اعتداءاً على الغير، وإنّما يكون مصدر رحمة وخير إلى الناس .
5 - العمل على تزكية النفوس، وطهارة القلوب، وغرس النزعات الكريمة والصفات الفاضلة فيها ليكون فعل الخير والابتعاد عن الشرّ عنصراً من عناصرها ومقوّماً من مقوّماتها ، وبذلك يتحقّق للبشريّة أهمّ ما تصبو إليه .
6 - نشر الأمن العامّ ، والقضاء على جميع ألوان الاضطرابات ، فيعيش الفرد آمناً مطمئناً لا يلاحقه رعب ، ولا يطارده خوف ، فتعيش الشاة إلى جانب الذئب لا تخشى منه ولا تحذره .
هذه بعض الأهداف الرفيعة التي تنشدها الإمامة التي تقول بها الشيعة الإماميّة ، وهي أسمى قاعدة للتطوّر البشري في جميع مراحل التأريخ .
ولا بدّ أن تتوفّر في الإمام الصفات الرفيعة ، والمثل الكريمة ، ومن بينها ما يلي :
وتجمع الشيعة على أنّ الإمام لا يدانيه أحد في سعة علومه ومعارفه ، وأنّه لا بدّ أن يكون أعلم أهل زمانه وأدراهم بشؤون الشريعة وأحكام الدين ، والإحاطة بالنواحي السياسيّة والإداريّة ، وغير ذلك ممّا يحتاج إليه الناس .
أمّا الأدلّة على ذلك فهي متوفّرة لا يتمكّن أحد أن ينكرها أو يخفيها ، فالإمام أمير المؤمنين سيّد العترة الطاهرة هو الذي فتق أبواباً من العلوم بلغت - فيما يقول العقّاد - اثنين وثلاثين علماً ، وهو الذي أخبر عن التقدّم التكنولوجي الذي يظهر على مسرح
الحياة ، فقد قال علیه السلام : « يَأْتي زَمانٌ عَلَى النّاسِ يَرىٰ مَنْ في الْمَشْرِقِ مَنْ في الْمَغْرِبِ ، وَمَنْ في الْمَغْرِبِ يَرىٰ مَنْ في الْمَشْرِقِ » .
وقال علیه السلام : « يَأْتي زَمانٌ عَلَى النّاسِ يَسْمَعُ مَنْ في الْمَشْرِقِ مَنْ في الْمَغْرِبِ ، وَمَنْ في الْمَغْرِبِ يَسْمَعُ مَنْ في الْمَشْرِقِ » ، وتحقّق ذلك بظهور جهاز التلفزيون والراديو .
وقال علیه السلام : « يَأْتي زَمانٌ عَلَى النّاسِ يَسيرُ فيهِ الْحَديدُ » ، وتحقّق ذلك بظهور القطار والسيارات وغيرهما .
وأمثال هذه الاُمور التي أخبر عنها ، يجدها المتتبّع في الكتب التي تبحث عن هذه الاُمور كالغيبة للشيخ الطوسي وبعض أجزاء البحار ، وغيرهما ممّا اُلِّف في هذا الموضوع .
أمّا الإمام الصادق علیه السلام المعجزة العلم والفكر في الأرض ، فقد أخبر عن تلوّث الفضاء والبحار ، وما ينجم عنهما من الأضرار البالغة للإنسان ، كما أخبر عن وجود الحياة في بعض الكواكب ، وهو الذي وضع قواعد التشريح ، وخصوصيّة أعضاء الإنسان والعجائب التي في بدنه والتي منها الأجهزة المذهلة ، وقد عرض لذلك كتابه المسمّى بتوحيد المفضّل ، ويعتبر المؤسّس الأوّل لعلوم الفيزياء والكيمياء ، فقد وضع اُصولها على يد تلميذه جابر بن حيّان مفخرة الشرق ، ورائد التطوّر البشري في الأرض.
وقد دلّل الجواد علیه السلام على ما تذهب إليه الشيعة في الإمامة ، فقد كان وهو في سنّه المبكر قد خاض في مختلف العلوم وسأله العلماء والفقهاء عن كلّ شيء فأجاب عنه ، ممّا أوجب انتشار التشيّع في ذلك العصر وذهاب أكثر العلماء إلى القول بالإمامة .
لقد احتفّ بالإمام الجواد علیه السلام - وهو ابن سبع سنين وأشهر - العلماء والفقهاء والرواة وهم ينتهلون من نمير علومه ، وقد رووا عنه الكثير من المسائل الفلسفيّة
والكلاميّة ، ويعتبر ذلك من أوثق الأدلّة على ما تذهب إليه الشيعة في الإمامة .
وأمر آخر بالغ الأهمّية تذهب إليه الشيعة في أئمّتها وهو عصمتهم من الزيغ ، وامتناعهم من الولوج في أي ميدان من ميادين الإثم والباطل ، وهو حقّ لا شبهة فيه ، فإنّ من يمعن النظر في سيرة الأئمّة الطاهرين تتجلّى له هذه الحقيقة بوضوح ، فالإمام أمير المؤمنين علیه السلام - على حدّ تعبيره - لو اُعطي الأقاليم السبع بما تحت أفلاكها على أن يعصي الله في جلب شعيرة يسلبها من فم جرادة ما فعل ، أليست هذه هي العصمة ؟
أمّا الإمام الحسين سيّد الأحرار علیه السلام ، فإنّه لو سالم السياسة الاُمويّة لما واجه أهوال كربلاء وخطوبها ، لقد كانت العصمة من أبرز ذاتيّاتهم ، ومن أظهر صفاتهم ، فقد كانوا يملكون رصيداً قوياً من الإيمان، وطاقات هائلة من التقوى تمنعهم من اقتراف أي ذنب من الذنوب .
إنّ العصمة بهذا الإطار لا تنافي العلم ، ولا تشذّ عن سنن الحياة ، ومن أنكرها في أئمّة أهل البيت علیهم السلام فقد انحرف عن الحقّ ، ومال إلى الباطل والضلال .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن إمامته .
كان الإمام الجواد علیه السلام أعبد أهل زمانه ، وأشدّهم خوفاً من الله تعالى ، وأخلصهم في طاعته وعبادته ، شأنه شأن الأئمّة الطاهرين من آبائه الذين وهبوا أرواحهم لله ، وعملوا كلّ ما يقرّبهم إلى الله زلفى .
أمّا مظاهر عبادة الإمام الجواد علیه السلام ، فهي :
كان الإمام الجواد علیه السلام كثير النوافل ، ويقول الرواة : كان يصلّي ركعتين يقرأ في كلّ ركعة سورة الفاتحة ، وسورة الإخلاص سبعين مرّة (1).
وكان كثير العبادة في شهر رجب ، وقد روى الريّان بن الصلت ، قال : «صام أبو جعفر الثاني علیه السلام لمّا كان ببغداد يوم النصف من رجب ، ويوم سبع وعشرين منه ، وصام معه جميع حشمه ، وأمرنا أن نصلّي بالصلاة التي هي اثنتا عشرة ركعة ، تقرأ في كلّ ركعة الحمد وسورة ، فإذا فرغت قرأت الحمد أربعاً ، وقل هو الله أحد أربعاً والمعوذتين أربعاً ، وقلت : لا إلٰه إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد الله ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم أربعاً ، الله الله ربّي ، ولا اُشرك به شيئاً أربعاً ، لا اُشرك بربّي أحداً أربعاً » (2).
وكان يقول : إِنَّ في رَجَبٍ لَلَيْلَةٌ خَيْرٌ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، وَهِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ ، وذكر علیه السلام فيها صلاة خاصّة (3).
بِسْمِ اللهِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ٭ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا (4)، ( لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ٭ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ)
نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (1)، ( حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ٭ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ) (2).)ما شاءَ اللهُ لَا ما شاءَ النّاسُ ، ما شاءَ اللهُ وإِنْ كَرِهَ النّاسُ .حَسْبِيَ الرَّبُّ مِنَ الْمَرْبُوبِينَ ، حَسْبِيَ الْخالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقينَ ، حَسْبِيَ الرّازِقُ مِنَ الْمَرْزُقِينَ ، حَسْبِيَ الَّذي لَمْ يَزَلْ حَسْبِي ، حَسْبِي مَنْ كانَ مُنْذُ كُنْتُ لَمْ يَزَلْ حَسْبِي ، حَسْبِيَ اللهُ [ الَّذي] لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ، وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظيمِ (3.)##### حجّه علیه السلاموكان الإمام أبو الجعفر علیه السلام كثير الحجّ ، وقد روى الحسن بن علي الكوفي بعض أعمال حجّه ، قال : « رأيت أبا جعفر الثاني علیه السلام في سنة خمس عشرة ومائتين ودّع البيت بعد ارتفاع الشمس ، وطاف بالبيت يستلم الركن اليماني في كلّ شوط .فلمّا كان الشوط السابع استلمه واستلم الحجر ، ومسح بيده ثمّ مسح وجهه بيده ، ثمّ أتى المقام ، فصلّى خلفه ركعتين ، ثمّ خرج إلى دبر الكعبة إلى الملتزم ، فالتزم البيت ، وكشف الثوب عن بطنه ، ثمّ وقف عليه طويلاً يدعو ، ثمّ خرج من باب الحناطين وتوجّه .قال : فرأيته في سنة ( 219ه- ودّع البيت ليلاً يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في كلّ شوط ، فلمّا كان في الشوط السابع التزم البيت في دبر الكعبة قريباً من)
الركن اليماني وقوف الحجر المستطيل وكشف الثوب عن بطنه ، ثمّ أتى الحجر فقبّله ومسحه وخرج إلى المقام فصلّى خلفه ، ثمّ مضى ولم يعد إلى البيت ، وكان وقوفه على الملتزم بقدر ما طاف بعض أصحابنا سبعة أشواط وبعضهم ثمانية » (1.)وروى عليّ بن مهزیار بعض الخصوصيات في حجّ الإمام علیه السلام ، قال : « رأيت أبا جعفر الثاني علیه السلام ليلة الزيارة طاف طواف النساء ، وصلّى خلف المقام ، ثمّ دخل زمزم فاستقى منها بيده بالدلو الذي يلي الحجر وشرب منه وصبّ على بعض جسده ، ثمّ اطّلع في زمزم مرّتين ، وأخبرني بعض أصحابنا أنّه رآه بعد ذلك في سنة فعل مثل ذلك » (2.)وكان هذا التدقيق من الرواة في نقل هذه الخصوصيّات باعتبار أنّ فعل الإمام علیه السلام من السنة التي يتعبّد بها عند الشيعة .##### من أدعيته علیه السلام###### اشارةللإمام الجواد أدعية كثيرة تمثّل مدى انقطاعه إلى الله تعالى ، فمن أدعيته هذا الدعاء :« يا مَنْ لَا شَبيهَ لَهُ وَلَا مِثالَ ، أَنْتَ اللهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا أَنْتَ ، وَلَا خالِقَ إِلَّا أَنْتَ ، تُفْني الْمَخْلوقينَ ، وَتَبْقى أَنْتَ ، حَلُمْتَ عَمَّنْ عَصاكَ ، وَفي الْمَغْفِرَةِ رِضاكَ » (3.)وكتب إليه محمّد بن الفضيل يسأله أن يعلمه دعاءاً فكتب إليه هذا الدعاء
الشريف تقول : إذا أصبحت وأمسيت :اللهُ اللهُ رَبِّي ، الرَّحْمٰنُ الرَّحيمُ ، لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً.وَإِنْ زِدْتَ عَلىٰ ذلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ ، ثُمَّ تَدْعو بِما بَدا لَكَ في حاجَتِكَ ، فَهُوَ لِكُلِّ شَيْءٍ بِإِذْنِ اللهِ تَعالىٰ يَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (1.)###### دعاؤه علیه السلام في الثناء على الله عزّ وجلّ« يا ذَا الَّذي كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ، ثُمَّ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ، ثُمَّ يَبْقىٰ وَيُفْنىٰ كُلُّ شَيْءٍ ، وَيا ذَا الَّذي لَيْسَ في السَّماواتِ الْعُلیٰ ، وَلَا في الْأَرضَينَ السُّفْلى ، وَلَا فَوْقَهُنَّ ، وَلَا بَيْنَهُنَّ ، وَلَا تَحْتَهُنَّ إِلٰهٌ يُعْبَدُ غَيْرُهُ » (2.)دُعَاءٌ آخَرْ« يا مَنْ لَا شَبيهَ لَهُ وَلَا مِثالَ ، أَنْتَ اللهُ لَا إِلٰهَ إِلّا أَنْتَ ، وَلَا خالِقَ إِلَّا أَنْتَ ، تُفْنِي الْمَخْلوقينَ وَيَبْقىٰ أَنْتَ » (3.)###### دعاؤه علیه السلام بحمد الله جلّ جلاله« اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلىٰ مَرَدِّ نَوازِلِ الْبَلاءِ ، ومَمُلِمّاتِ الضّرّاءِ ، وَكَشْفِ نَوائِبِ اللْأَواءِ ، وَتَوالي سُبُوغِ النَّعْماءِ .
ولَكَ الْحَمْدُ رَبِّ عَلىٰ هَنئِ عَطائِكَ ، وَمَحْمُودِ بَلائِكَ ، وَجَليل آلائِكَ .ولَكَ الْحَمْدُ عَلىٰ إِحْسانِكَ الْكَثيرِ ، وَخَيْرِكَ الْغَزِيرِ ، وَتَكْليفِكَ الْيَسيرِ ، وَدَفْعِكَ الْعَسيرِ.ولَكَ الْحَمْدُ يا رَبِّ عَلىٰ تَثْميرِكَ قَليلَ الشُّكْرِ، وَإِعْطائِكَ وافِرَ الْأَجْرِ، وَحَطِّكَ مَثْقَلَ الْوِزْرِ، وَقَبُولِكَ ضيقَ الْعُذْرِ ، وَوَضْعِكَ باهِظَ الْإِصْرِ، وَتَسْهِيلِكَ مَوْضِعَ الْوَعْرِ ، وَمَنْعِكَ مُفْظِعَ الْأَمْرِ .وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى الْبَلاءِ الْمَصْروفِ ، وَوافِرِ الْمَعْروفِ ، وَدَفْعِ الْمَخوفِ ، وَإِذْلال الْعَسْوفِ.وَلَكَ الْحَمْدُ عَلىٰ قِلَّةِ التَّكْليفِ ، وَكَثْرَةِ التَّخْفيفِ ، وَتَقْوِيَةِ الضَّعيفِ ، وَإِغاثَةِ اللَّهيفِ .ولَكَ الْحَمْدُ عَلىٰ سَعَةِ إِمْهالِكَ ، وَدَوامِ إِفْضالِكَ ، وَصَرْفِ إِمْحالِكَ ، وَحَميدِ فِعالِكَ ، وَتَوالي نَوالِكَ.وَلَكَ الْحَمْدُ عَلىٰ تَأْخيرِ مُعاجَلَةِ الْعِقابِ ، وَتَرْكِ مُغافَصَةِ (1الْعَذابِ ، وَتَسْهِيلِ طُرُقِ الْمَآبِ ، وَإِنْزالِ غَيْثِ السَّحابِ ، إِنَّكَ الْمَنانُ الْوَهّابُ » (2).)
###### دعاؤه علیه السلام لطلب العافية في السفراللّٰهُمَّ إِنّي اُريدُ سَفَراً ، فَخِرْ لي فيهِ ، وَأَوْضِحْ لي فيهِ سَبِيلَ الرَّأْي وَفَهِّمْنيه ، وَافْتَحْ عَزْمي بِالْإِسْتِقامَةِ ، وَاشْمِلْني في سَفَري بِالسَّلامَةِ ، وَأَفْدِ لي بِهِ جَزِيلَ الْحَظِّ وَالْكَرامَةِ ، وَاكْلَأْني فيهِ بِحُسْنِ الْحِفْظً وَالْحِراسَةِ ، وَجَنِّبْني اللّٰهُمَّ وَعْثاءَ الْأَسْفارِ .وَسَهِّلْ لي حُزونَةَ الْأَوْعارِ، وَاطْوِ لِيَ الْبَعيدَ لِطُولِ انْبِساطِ الْمَراحِلِ ، وَقَرِّبْ مِنّي بُعْدَ نَأْي الْمَناهِلِ ، وَباعِدْ في الْمَسيرِ بَيْنَ خُطَى الرَّواحِلِ ، حَتّى تُقَرِّبَ نِياطَ الْبَعيدِ ، وَتُسَهِّلَ وَعُورَ الشَّديدِ . وَلَقِّني اللّٰهُمَّ في سَفَري نُجْحَ طائِرِ الْواقِيَةِ ، وَهَنِّئْني غُنْمَ الْعافِيَةِ ، وَخَفيرَ الْإِسْتِقْلالِ ، وَدَليلَ مُجاوَزَةِ الْأَهْوالِ ، وَباعِثَ وُفُورِ الْكفايَةِ ، وَسانِحَ خَفيرِ الْوِلايَةِ .وَاجْعَلِ اللَّٰهُمَّ رَبِّ سَبَباً عَظيمَ السِّلْمِ ، حاصِلَ الْغُنْمِ ، وَاجْعَلِ اللّٰهُمَّ اللَّيْلَ سِتْراً مِنَ الْآفاتِ ، وَالنَّهارَ مانِعاً مِنَ الْهَلَكاتِ ، وَاقْطَعْ عَنّي قَطْعَ لُصُوصِهِ بِقُدْرَتِكَ ... » (1.)###### دعاؤه علیه السلام لقضاء الحاجةوكانت إذا ألمّت به حاجة دعا الله عزّ وجلّ بهذا الدعاء الشريف :«اللّٰهُمَّ جَديرٌ مَنْ أَمَرْتَهُ بِالدُّعاءِ أَنْ يَدْعوكَ ، وَمَنْ وَعَدْتَهُ بِالْإِجابَةِ أَنْ
1) المصباح : 189 . بحار الأنوار: 91 : 115 .
يَرْجوكَ ، وَلِيَ اللَّٰهُمَّ حاجَةً قَدْ عَجَزَتْ عَنْها حيلَتي ، وَكَلَّتْ فيها طاقَتي ، وَضَعُفَتْ عَنْ مَرامِها قُدْرَتي ، وَسَوَّلَتْ لي نَفْسِيَ الْأَمَارَةُ بِالسُّوءِ ، وَعَدُوّيَ الْغَرورُ الَّذي أَنا مِنْهُ مُبْتَلىً: أَنْ أَرْغَبَ فيها إِلىٰ ضَعيفٍ مِثْلي وَمَنْ هُوَ في النُّكُولِ شَكْلي .حَتّىٰ تَدارَكْتَني رَحْمَتُكَ ، وَبادَرَتْني بِالتَّوْفيقِ رَأْفَتُكَ ، وَرَدَدْتُ عَلَيَّ عَقْلي بِتَطَوُّلِكَ ، وَأَلْهَمْتَني رُشْدي بِتَفْضُّلِكَ ، وَأَحْيَيْتَ بِالرِّجاءِ لَكَ قَلْبِي ، وَأَزَلْتَ خُدْعَةَ عَدُوّي عَنْ لُبّي ، وَصَحَّحْتَ بِالتّأْمیلِ فِكْرِي ، وَشَرَحْتَ بِالرَّجاءِ لاسْعافِكَ صَدْرِي ، وَصَوَّرْتَ لِيَ الْفَوْزَ بِبُلوغِ ما رَجَوْتُهُ، وَالْوصُولِ إِلىٰ ما أَمَّلْتُهُ.فَوَقَفْتُ اللَّٰهُمَّ رَبِّ بَيْنَ يَدَيْكَ سائِلاً لَكَ ، ضارِعاً إِلَيْكَ ، واثِقاً بِكَ ، مُتَوَكِّلاً عَلَيْكَ في قَضاءِ حاجَتي ، وَتَحْقيقِ اُمْنِيَّتي ، وَتَصْديقِ رَغْبَتي ، فَأَنْجِحِ اللّٰهُمَّ حاجَتي بِأَيْمَنِ نَجاحٍ ، وَاهْدِها سَبِيلَ الْفَلاحِ .وَأَعِذْني اللّٰهُمَّ رَبِّ بِكَرَمِكَ مِنَ الْخَيْبَةِ وَالْقُنوطِ ، وَالْأَناةِ وَالتَّثْبيطِ بِهَنئِ إِجابَتِكَ ، وَسابِغِ مَوْهِبَتِكَ، إِنَّكَ مَليٌّ وَلِيٌّ ، وَعَلىٰ عِبادِكَ بِالْمَنائِحِ الْجَزيلَةِ وَفِيٌّ.وأَنْتَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ ، وَبِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ، وَبِعبادِكَ خَبِيرٌ بَصيرٌ » (1.)
1) المصباح: 400 . الدعوات: 59 .
###### دعاؤه علیه السلام لطلب الرزق والسعة« اللّٰهُمَّ أَرْسِلْ عَلَيَّ سِجالَ رِزْقِكَ مِدْراراً ، وَأَمْطِرْ سَحائِبَ إِفْضالِكَ عَلَيَّ غِزاراً ، وَأَدِمْ غَيْثَ نَيْلِكَ إِلَيَّ سِجالاً ، وَأَسْبِلْ مَزِيدَ نِعَمِكَ عَلیٰ خَلَّتي إِسْبالاً ، وَأَفْقِرْني بِجُودِكَ إِلَيْكَ ، وَأَغْنِني عَمَّنْ يَطْلُبُ ما لَدَيْكَ ، وَداوِ داءَ فَقْري بِدَواءِ فَضْلِكَ ، وَانْعَشْ صَرْعَةَ عَيْلَتي بِطَوْلِكَ ، وَتَصَدَّقْ عَلىٰ إِقْلالي بِكَثْرَةِ عَطائِكَ ، وَعَلَى اخْتِلالي بِكَرِيمِ حَبائِكَ ، وَسَهِّلْ رَبِّ سُبُلَ الرِّزْقِ إِلَيَّ ، وَثَبِّتْ قَواعِدَهُ لَدَيَّ ، وَبَجِّسْ لي عُيونَ سَعَةِ بِرَحْمَتِكَ ، وَفَجِّرْ أَنْهارَ رَغْدِ الْعَيْشِ قِبَلي بِرَأْفَتِكَ ، وَأَجْدِبْ أَرْضَ فَقْرِي ، وَأَخْصِبْ جَدْبَ ضُرّي ، وَاصْرِفْ عَنّي في الرِّزْقِ الْعَوائِقَ ، وَاقْطَعْ عَنّي مِنَ الضّيقِ الْعَلائِقَ ، وَارْمِني اللَّٰهُمَّ مِنْ سَعَةِ الرِّزْقِ بِأَخْصَبِ سِهامِهِ ، وَاحْبُني مِنْ رَغَدِ الْعَيْشِ بِأَكْثَرِ دَوامِهِ.وَاكْسُني اللَّٰهُمَّ سرابيلَ السَّعَةِ ، وَجَلابيبَ الدَّعَةِ ، فَإِنّي يا رَبِّ مُنْتَظِرٌ لإِنْعامِكَ بِحَذْفِ الْمَضيقِ ، وَلِتَطَوُّلِكَ بِقَطْعِ التَّعْوِيقِ ، وَلِتَفَضُّلِكَ بِإِزالَةِ التَّقْتيرِ ، وَلِوصُولِ حَبْلي بِكَرَمِكَ بِالتَّيْسيرِ.وَأَمْطِرِ اللَّٰهُمَّ عَلَيَّ سَماءَ رِزْقِكَ بِسِجالِ الدِّيَمِ ، وَأَغْنِني عَنْ خَلْقِكَ بِعَوائِدِ النِّعَمِ ، وَارْمِ مَقاتِلَ الْإِقْتارِ مِنّي ، وَاحْمِلْ كَشْفَ الضُّرِّ عَنّي عَلىٰ مَطايا الْإِعْجالِ ، وَاضْرِبْ عَنّي الضِّيقَ بِسَيْفِ الْإِسْئصالِ .وَأَتْحِفْني رَبِّ مِنْكَ بِسَعَةِ الْإِفْضالِ ، وَامْدُدْني بِنُمُوِّ الْأَمْوالِ ،
وَاحْرُسْني مِنْ ضيقِ الْإِقْلالِ ، وَاقْبِضْ عَنّي سُوءَ الْجَدْبِ ، وَابْسُطْ لي بِساطُ الْخِصْبِ ، وَاسْقِني مِنْ ماءِ رِزْقِكَ غَدَقاً ، وَانْهَجْ لِي مِنْ عَميمِ بَذْلِكَ طُرُقاً ، وَفَاجِئْني بِالثَّرْوَةِ وَالْمالِ ، وَانْعَشْنِي بِهِ مِنَ الْإِقْلالِ ، وَصَبِّحْني بِالْإِسْتِظهارِ، وَمَسِّئْني بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الْيَسارِ، إِنَّكَ ذُو الطَّوْلِ الْعَظيمِ، وَالْفَضْلِ الْعَميمِ ، وَالْمَنِّ الْجَسيمِ ، وَأَنْتَ الْجَوادُ الْكَريمُ » (1.)###### دعاؤه علیه السلام في الطلب خير الدنيا والآخرة« يا مَنْ أَظْهَرَ الْجَميلَ ، وَسَتَرَ الْقَبيحَ ، وَلَمْ يَهْتِكِ السِّتْرَ عَنّي ، يا كَرِيمَ الْعَفْوِ ، يا حَسَنَ التَّجاوُزِ ، يا واسِعَ الْمَغْفِرَةِ ، يا باسِطَ الْيَدَيْنِ بِالرَّحْمَةِ ، یا صاحِبَ كُلِّ نَجْوىٰ ، وَمُنْتَهىٰ كُلِّ شَكْوىٰ ، يا كَرِيمَ الصَّفْحِ ، يا عَظيمَ الْمَنِّ ، يا مُبْتَدِءَ كُلِّ نِعْمَةٍ قَبْلَ اسْتِحْقاقِها ، يا رَبّاهُ ، يا سَيِّداهُ ، يا مَوْلَاه ، يا غِياثاهُ ، صَلِّ عَلىٰ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تَجْعَلَني في النّارِ ، ثمّ تسأل ما بدا لك » (2.)###### دعاؤه علیه السلام في أوّل ليلة من شهر رمضانوكان علیه السلام يستقبل شهر رمضان المبارك ، شهر الطاعة والمغفرة بهذا الدعاء الشريف، وذلك بعد الفراغ من صلاة المغرب .
« اللّٰهُمَّ يا مَنْ يَمْلِكُ التَّدْبِيرَ وَهُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، يا مَنْ يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفي الصُّدُورُ ، وَيُجِنُّ الضَّمِيرُ ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . اللّٰهُمَّ اجْعَلْنا مِمَّنْ نَوىٰ فَعَمِلَ ، وَلَا تَجْعَلْنا مِمَّنْ شَقِيَ فَكَسِلَ ، وَلَا مِمَّنْ هُوَ عَلىٰ غَيْرِ عَمَلٍ يَتَّكِلُ .اللّٰهُمَّ صَحِّحْ أَبْدانَنا مِنَ الْعِلَلِ ، وَأَعِنّا عَلىٰ مَا افْتَرَضْتَ عَلَيْنا مِنَ الْعَمَلِ ، حَتّىٰ يَنْقَضِيَ عَنّا شَهْرُكَ هٰذا وَقَدْ أَدَّيْنا مَفْرُوضَكَ فِيهِ عَلَيْنا . اللَّٰهُمَّ أَعِنّا عَلىٰ صِيامِهِ ، وَوَفِّقْنا لِقِيامِهِ ، وَنَشِّطْنا فِيهِ لِلصَّلَاةِ ، وَلَا تَحْجُبْنا مِنَ الْقِراءَةِ ، وَسَهِّلْ لَنا فِيهِ إيتاءَ الزَّكاةِ .اللّٰهُمَّ لَا تُسَلِّطْ عَلَيْنا وَصَباً وَلَا تَعَباً وَلَا سَقَماً وَلَا عَطَباً . اللّٰهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِفْطارَ مِنْ رِزْقِكَ الْحَلَالِ . اللَّٰهُمَّ سَهِّلْ لَنا فِيهِ ما قَسَمْتَهُ مِنْ رِزْقِكَ ، وَيَسِّرْ ما قَدَّرْتَهُ مِنْ أَمْرِكَ ، وَاجْعَلْهُ حَلَالاً طَيِّباً نَقِيّاً مِنَ الْآثامِ ، خالِصاً مِنَ الْآصارِ وَالْأَجْرامِ .اللَّٰهُمَّ لَا تُطْعِمْنا إِلَّا طَيِّباً غَيْرَ خَبِيثٍ وَلَا حَرامٍ ، وَاجْعَلْ رِزْقَكَ لَنا حَلَالاً لَا يَشُوبُهُ دَنَسٌ وَلَا أَسْقامٌ ، يا مَنْ عِلْمُهُ بِالسِّرِّ كَعِلْمِهِ بِالْإِعْلَانِ ، يا مُتَفَضِّلاً عَلىٰ عِبادِهِ بِالْإِحْسانِ ، يا مَنْ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ، أَلْهِمْنا ذِكْرَكَ ، وَجَنِّبْنا عُسْرَكَ ، وَأَنِلْنا يُسْرَكَ ، وَاهْدِنا لِلرَّشادِ ، وَوَفِّقْنا لِلسَّدادِ ، وَاعْصِمْنا مِنَ الْبَلَايا ، وَصُنّا مِنَ الْأَوْزار وَالْخَطايا ، يا مَنْ لَا يَغْفِرُ عَظِيمَ الذُّنُوبِ غَيْرُهُ ، وَلَا يَكْشِفُ السُّوٓءَ إِلَّا هُوَ ، يا أَرْحَمَ
الرّاحِمِينَ ، وَأَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ.صَلِّ عَلىٰ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ وَاجْعَلْ صِيامَنا مَقْبُولاً ، وَبِالْبِرِّ وَالتَّقْوىٰ مَوْصُولاً ، وَكَذٰلِكَ فَاجْعَلْ سَعْيَنا مَشْكُوراً ، وَقِيامَنا مَبْرُوراً ، وَقُرْآنَنا مَرْفُوعاً ، وَدُعَاءَنا مَسْمُوعاً ، وَاهْدِنا لِلْحُسْنىٰ ، وَجَنِّبْنَا الْعُسْرىٰ ، وَيَسِّرْنا لِلْيُسْرىٰ ، وَأَعْلِ لَنَا الدَّرَجاتِ ، وَضاعِفْ لَنَا الْحَسَناتِ ، وَاقْبَلْ مِنَّا الصَّوْمَ وَالصَّلاةَ ، وَاسْمَعْ مِنَّا الدَّعَواتِ ، وَاغْفِرْ لَنَا الْخَطِيئاتِ ، وَتَجاوَزْ عَنَّا السَّيِّئاتِ ، وَاجْعَلْنا مِنَ الْعامِلِينَ الْفائِزِينَ ، وَلَا تَجْعَلْنا مِنَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضّالِّينَ ، حَتّىٰ يَنْقَضِيَ شَهْرُ رَمَضانَ عَنَّا وَقَدْ قَبِلْتَ فِيهِ صِيامَنا وَقِيامَنا ، وَزَكَّيْتَ فِيهِ أَعْمالَنا ، وَغَفَرْتَ فِيهِ ذُنُوبَنا ، وَأَجْزَلْتَ فِيهِ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ نَصِيبَنا ، فَإِنَّكَ الْإِلٰهُ الْمُجِيبُ ، وَالرَّبُّ الْقَرِيبُ ، وَأَنْتَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ » (1.)###### أدعيته علیه السلام في الأيّام###### دعاؤه علیه السلام في يوم السبتبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِاُعيذُ نَفْسي بِاللهِ الَّذي (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ
1) إقبال الأعمال : 1 : 76 و 77 .
إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (1).)ثمّ تقرأ الحمد والمعوّذتين والتوحيد ، وتقول:كَذلِكَ اللهُ رَبُّنا وَسَيِّدُنا وَمَوْلانا ، لَا إِلٰهَ إِلّا هُوَ ، نورُ النورِ ، وَمُدبّرُ الاُمور ، ( نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (2).)( الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ - لِلشَّيْ ءِ - كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (3).)( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماوَاتٍ طِباقاً (4)، ﴿ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ)
الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (1)، وَأَحْصىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً .)أَعُوذُ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذي شَرٍّ مُعْلِن بِهِ أَوْ مُسِرٍّ ، وَمِنْ شَرِّ الْجِنَّةِ وَالْبَشَرِ ، وَمِنْ شَرِّ ما يَظْهَرُ بِاللَّيْلِ وَيَكْمُنُ بِالنّهارِ ، وَمِنْ شَرِّ طوارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ، وَمِنْ شَرِّ ما يَنْزِلُ الْحَماماتِ وَالْحُشُوشَ (2، وَالْخَراباتِ وَالْأَوْديَةِ ، وَالْصَحارىٰ وَالْغِياضِ (3)، وَالْشَجَرَ وَما يَكونُ في الْأَنْهارِ .)اُعيذُ نَفْسي وَمَنْ يَعْنيني أَمْرُهُ بِاللَّهِ (مالِكِ الْمُلْكِ يُؤْتِي الْمُلْكَ مَن يَشَاءُ ، وَيَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن يَشَاءُ ، وَيُعِزُّ مَن يَشَاءُ ، وَيُذِلُّ مَن يَشَاءُ ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .یولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ، وَیُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ، وَیُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ، وَیُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ، وَیَرْزُقُ مَنْ یَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (4).)لَهُ مَقَالِيدُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ ، يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ، إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (5).
( خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَىٰ ٭ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ٭ «لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ ٭ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَىٰ ٭ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ) (1).
لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ، مُنْزِلُ التَّوْراةِ وَالْإِنْجيلِ وَالزَّبورِ وَالْفُرْقانِ الْعَظيمِ، مِنْ شَرِّ كُلِّ طاغٍ وباغِ ، وَنافِثٍ (2)، وَشَيْطانٍ وَسُلْطانٍ ، وَساحِرٍ وَكاهِنِ ، وَناظرٍ وطارقٍ ، وَمُتَحَرِّكِ وَساكِنٍ ، وَمُتَكَلِّمٍ وَساكِتٍ ، وَمُتَخَيّلٍ وَمُتَمَثِّلٍ ، وَمُتَلَوّنٍ وَمُحْتَقِرٍ.
وَنَسْتَجيرُ بِاللهِ حِرْزِنا وَناصِرِنا وَمُؤْنِسِنا ، وَهُوَ يَدْفَعُ عَنّا ، لَا شَريكَ لَهُ وَلَا مُعِزَّ لِمَنْ أَذَلَّ ، وَلَا مُذِلَّ لِمَنْ أَعَزَّ ، وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ، وَصَلَّى اللهُ عَلىٰ سَيِّدنا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرينَ ، وَسَلَّمَ تَسْليماً (3).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، اسْتَوَى الرَّبُّ عَلَى الْعَرْشِ ، وَقامَتِ
السَّمٰواتُ وَالْأَرْضُ بِحِكْمَتِهِ ، وَزَهَرَتِ النُّجومُ بِأَمْرِهِ ، وَرَسَتِ الْجِبالُ بِإِذْنِهِ ، لَا يجاوزُ اسْمهُ مَنْ في السَّمٰواتِ وَالْأَرْضِ ، الَّذي دانَتْ لَهُ الْجِبالُ وَهِيَ طائِعَةٌ ، وَانْبَعَثَتْ لَهُ الْأَجْسادُ وَهِيَ بِالِيَةٌ ، وَبِهِ احْتَجِبُ عَنْ كُلِّ غاوٍ ، وَباغٍ ، وَطاغٍ ، وَجَبّارِ ، وَحاسِدٍ .
وَبِسْمِ اللَّهِ الَّذي جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَينِ حَاجِزاً. وَأَحْتَجِبُ بِاللهِ الَّذي جَعَلَ في السَّماءِ بُروجاً ، وَجَعَلَ فيها سِراجاً ، وَقَمَراً مُنيراً ، وَزَيَّنَها للنّاظِرِينَ ، وَحَفَظَها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجيمِ ، وَجَعَلَ في الْأَرْضِ رواسي (1)جِبالاً وَأَوْتاداً ، أَنْ يوصِلَ إِلَيَّ سُوءٌ أَوْ فاحِشَةٌ أَوْ بَلِيَّةٌ .
حٰم حٰم ( حٰم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمٰنِ الرَّحيمِ ) (2). حٰم حٰم ( حٰم ٭ عسق ٭ كذلِكَ يوحي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزيزُ الْحَكيمُ ) (3). وَصَلَّى اللهُ عَلىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَسَلَّمَ تَسْليماً (4).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اُعيذُ نَفْسي بِرَبِّي الْأَكْبَرِ ، مِمّا يَخْفىٰ وَما يَظْهَرُ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ أُنْثىٰ
وَذَكَر ، وَمِنْ شَرِّ ما وارَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ .
قُدّوسُ قُدّوسُ ، رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالروحِ ، أَدْعُوكُمْ أَيُّها الْجِنّ إِنْ كُنْتُم سامِعينَ مُطيعينَ ، وَأَدْعُوكُمْ أَيُّها الْإِنْسُ إِلَى اللَّطيفِ الْخَبيرِ، وَأَدْعُوكُمْ أَيُّها الْجِنّ وَالْإِنْسِ إِلَى الَّذي خَتَمْتُهُ بِخاتَمِ رَبِّ الْعالَمينَ ، وَخاتَم جَبْرئيلَ وَميكائيلَ وَإِسْرافيلَ ، وَخاتَم سُلَيْمانَ بْنِ داودَ ، وَخاتَمِ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْمُرْسَلينَ وَالنَّبِيِّينَ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَجْمَعينَ.
وَأَجْزِ عَنْ فلانِ بْنِ فُلانٍ كُلَّما يَغْدو وَيَروحُ ، مِنْ ذي سَمِّ : حَيَّةٍ ، أَوْ عَقْرَبٍ ، أَوْ ساحِرٍ ، أَوْ شَيْطانٍ رَجيمٍ ، أَوْ سُلْطانٍ عَنيدٍ .
أَخَذْتُ عَنْهُ ما يَرىٰ وَما لَا يَرىٰ ، وَما رَأَتْ عَيْنُ نائِمٍ أَوْ يَقْظانِ ، بِإِذْنِ اللهِ اللَّطيفِ الْخَبيرِ ، لَا سُلْطانَ لَكُمْ عَلَى اللهِ ، لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَصَلَّى اللهُ عَلىٰ رَسولِهِ سَيِّدنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَسَلَّمَ تَسْليماً (1).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اُعيذُ نَفْسي بِاللَّهِ الْأَكْبَرِ، رَبِّ السَّمٰواتِ الْقائِماتِ بِلَا عَمَدٍ ، وَبِالَّذي خَلَقَها في يَوْمَيْنِ ، وَقَضىٰ في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ في يَوْمَينِ
1) الدعوات / الراوندي : 100 و 101.
وَقَدَّرَ فيها أَقْواتَها، وَجَعَلَ فيها جِبالاً وَأَوْتاداً ، وَجَعَلَها فِجاجاً وَسُبُلاً ، وَأَنْشَأَ السَّحابَ ( الثِّقالَ ) وَسَخَّرَهُ ، وَأَجْرَى الْفُلْكَ ، وَسَخَّرَ الْبَحْرَ ، وَجَعَلَ في الْأَرْضِ رَواسِيَ وَأَنْهاراً ، مِنْ شَرِّ ما يَكُونُ في اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَتَعْقِدُ عَلَيهِ الْقُلوبُ ، وَتَراهُ الْعيونُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ .
كَفانا اللَّهُ ، كَفانا اللهُ ، كَفانا اللهُ . لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ الطّاهِرِينَ ، وَسَلَّمَ تَسْليماً (1).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اُعيذُ نَفْسي بِالْأَحَدِ الصَّمَدِ ، مِنْ شَرِّ النَّفّاثاتِ في الْعُقَدِ ، وَمِنْ شَرِّ ابنِ قِتْرَةَ (2)وَما وَلَدَ.
أَسْتَعيذُ بِاللَّهِ الْواحِدِ الْأَحَدِ الْأَعْلىٰ ، مِنْ شَرِّ ما رَأَتْ عَيْني وَما لَمْ تَرَ. أَسْتَعيذُ بِاللَّهِ الْواحِدِ الْفَرْدِ الْكَبِيرِ الْأَعْلىٰ ، مِنْ شَرِّ مَنْ أَرادَني بِأَمْرٍ عَسيرٍ.
اللّٰهُمَّ صَلِّ عَلىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَاجْعَلْني في جِوارِكَ ، وَحِصْنِكَ الْحَصينِ ، الْعَزِيزِ الْجَبّارِ ، الْمَلِكِ الْقُدّوسِ ، الْقَهّارِ السَّلامِ ، الْمُؤْمِنِ
الْمُهَيْمِنِ الْغَفّارِ، عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرِ الْمُتَعالِ .
هُوَ اللهُ ، هُوَ اللهُ ، هُوَ اللهُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ ، مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثيراً دائِماً (1).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اُعيذُ نَفْسي بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ ، مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ ، وَقائِمٍ وَقاعِدٍ ، وَحاسِدٍ وَمُعانِدٍ ، ( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنکُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَیٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ) (2)، ( ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ) (3)، وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً ٭ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً (4)، ( الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ ) (5)، ﴿ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ) (6)، ( يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ) (7)، ( فَسَيَكْفِيكَهُمُ)
اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (1)، لَا إِلٰه إِلَّا اللهُ ، وَاللَّهُ غالِبٌ عَلىٰ أَمْرِهِ ، لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ ، مُحَمَّد رَسُولُ اللهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَعُوذُ بِقُدْرَةِ اللهِ ، وَأَعُوذُ بِرَسولِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْليماً (2).)###### دعاؤه علیه السلام في يوم الجمعةبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَليِّ الْعَظيمِ ، اللّٰهُمَّ رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوحِ وَالنَّبيِّينَ وَالْمُرْسَلينَ ، وَقاهِرُ مَنْ في السَّمٰواتِ وَالْأَرْضينَ ، وَخالِقِ كُلِّ شَيْءٍ وَمالِكَهُ .كُفَّ عَنّي بِأْسَ أَعْدائِنا ، وَمَنْ أَرادَنا بِسُوءٍ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، وَأَعْمِ أَبْصارَهُمْ وَقُلوبَهُمْ ، وَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ حِجاباً وَحَرِساً وَمَدْفَعاً ، إِنَّكَ رَبَّنا ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ لَنا إِلَّا بِاللَّهِ ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْنا ، وَإِلَيْهِ أَنَبْنا ، وَإِلَيْهِ الْمَصيرُ .رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذينَ كَفَروا ، وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكيمُ، رَبَّنا عافِنا مِنْ كُلِّ سُوءٍ ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتِها ، وَمِنْ شَرِّ ما يَسْكُنُ في اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ سُوءٍ ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ ذي شَرٍّ ، رَبَّ الْعالَمينَ وَإِلٰهَ الْمُرْسَلينَ ، صَلِّ عَلىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعينَ
وَأَوْليائِكَ ، وَخُصَّ مُحَمَّداً وَآلِهِ أَجْمَعِينَ بِأَتَمَّ ذلِكَ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظيمِ.بِسْمِ اللَّهِ ، وَبِاللَّهِ ، أُؤمِنُ بِاللَّهِ ، وَبِاللَّهِ أَعُوذُ ، وَبِاللَّهِ أَعْتَصِمُ، وَبِاللَّهِ أَسْتَجِيرُ ، وَبِعِزَّةِ اللَّهِ وَمَنْعَتِهِ أَمْتَنِعُ مِنْ شَياطينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، وَمِنْ رَجِلهِمْ وَخَيْلِهِمْ ، وَرَكْضِهِمْ وَعَطْفِهِمْ ، وَرَجْعِهِمْ وَكَيْدِهِمْ ، وَشَرِّهِمْ وَشَرِّ ما يَأْتونَ بِهِ تَحْتَ اللَّيْلِ وَتَحْتَ النَّهارِ، مِنَ الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ ، وَمِنْ شَرِّ الْغائِبِ وَالْحاضِر ، وَالشّاهِدِ وَالزّائِرِ ، أَحْياءً وَأَمْواتاً ، أَعْمىٰ وَبَصيراً ، وَمِنْ شَرِّ الْعامَّةِ وَالْخاصَّةِ ، وَمِنْ شَرِّ نَفْسِ وَوَسْوَسَتِها ، وَمِنْ شَرِّ الدّناهِش وَالْحِسّ وَاللَّمْسِ وَاللَّبْسِ ، وَمِنْ عَيْنِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، وَبِالاسْمِ الَّذي اهْتَزَّ لَهُ عَرْشُ بَلْقيس .واُعيذُ ديني وَنَفْسي وَجَميعَ ما تَحوطُهُ عِنايَتي مِنْ شَرِّ كُلِّ صورَةٍ وَخيالٍ ، أَوْ بياضٍ أَوْ سَوادٍ ، أَوْ تِمِثالٍ ، أَوْ معاهِدٍ أَوْ غَيْرِ معاهِدٍ ، مِمَّنْ يَسكُنُ الْهواءَ وَالسَّحابَ ، وَالظُّلمات وَالنّورَ ، وَالظِّلَّ وَالْحَرورَ، وَالْبَرَّ وَالْبُحورَ ، وَالسَّهْلَ وَالْوعورَ ، وَالْخَرابَ وَالْعِمْرانَ ، وَالْآكامَ وَالْآجامَ ، وَالْمغائِضَ وَالْكَنائسَ ، وَالنَّواويسَ وَالْفَلَواتِ ، وَالْجبّاناتِ (1مِنَ الصّادِرِينَ وَالْوارِدينَ ، مِمَّنْ يَبْدو بِاللَّيْلِ وَيَنْتَشِرُ بِالنَّهارِ، وَبِالْعَشِيّ وَالْأَبْكارِ، وَالْغُدوِّ وَالْآصالِ ، وَالْمُريبينَ وَالْأَسامِرَة وَالْأَفاتِرَةِ وَالْفَراعِنَة)
1) المقابر.
وَالْأَبالِسَة ، وَمِنْ جُنودِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ ، وَعَشائِرِهمْ وَقَبائِلِهِم ، وَمِنْ هَمْزِهِمْ وَلَمْزِهِمْ ، وَنَفْثِهِمْ وَوَقاعِهِمْ ، وَأَخْذِهِمْ وَسِحْرِهِمْ ، وَضَرْبِهِمْ وَعَبَثِهِمْ ، وَلَمْحِهِمْ وَاحْتِيالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ.وَمِنْ شَرِّ كُلِّ ذي شَرٍّ مِنَ السَّحَرَةِ وَالْغيلانِ ، وَاُمّ الصّبيانِ ، وما وَلَدُوا وَما وَرَدُوا، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ ذي شَرٍّ داخلٍ وَخارِجِ ، وَعارِضِ وَمُعْتَرضِ ، وَساكِنِ وَ مُتَحَرِّكِ ، وَضَربانِ عِرْقٍ ، وَصُداعٍ وَشَقيقَةٍ ، وَاُمّ ملدمٍ ، وَالْحُمّى وَالْمُثَلَّثَةِ وَالرُّبْعِ ، وَالْغبِّ وَالنّافِضَةِ وَالصّالِبَةِ ، وَالداخِلَةِ وَالْخارِجَةِ .وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِناصِيَتِها ، إِنَّكَ عَلىٰ صِراطٍ مُسْتَقيمٍ ، وَصَلَّى اللهُ عَلىٰ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطّاهِرينَ » (1.)وهذه العوذة الأخيرة كتبها أبو جعفر محمّد بن عليّ الرضا علیهما السلام لابنه أبي الحسن علي بن محمّد علیهما السلام وهو صبيّ في المهد ، وكان يعوّذه بها ويأمر أصحابه ، رواها عبد العظيم الحسني رضي الله عنه ، عنه علیه السلام (2.)###### دعاؤه علیه السلام لكشف الظلمو من أدعيته علیه السلام السياسيّة التي يسأل الله عزّ وجلّ فيها أن يزيل ظلم الحكّام الجور المستبدّين :1 - « اللّٰهُمَّ إِنَّ ظُلْمَ عِبادِكَ قَدْ تَمَكَّنَ في بِلَادِكَ حَتّىٰ أَماتَ الْعَدْلَ ،
وَقَطَعَ السُّبُلَ ، وَمَحَقَ الْحَقَّ ، وَأَبْطَلَ الصِّدْقَ ، وَأَخْفَى الْبِرَّ ، وَأَظْهَرَ الشَّرَّ ، وَأَهْمَلَ التَّقْوىٰ ، وَأَزالَ الْهُدىٰ ، وَأَزاحَ الْخَيْرَ ، وَأَثْبَتَ الضَّيْرَ (1وَأَنْمَى الْفَسادَ ، وَقَوَّى الْعِنادَ ، وَبَسَطَ الْجَوْرَ ، وَعَدَى الطَّوْرَ.)اللّٰهُمَّ يا رَبِّ لَا يَكْشِفُ ذلِكَ إِلَّا سُلْطانُكَ ، وَلَا يُجيرُ مِنْهُ إِلَّا امْتِنانُكَ ، اللّٰهُمَّ رَبِّ فَابْتَزَّ الظُّلْمَ ، وَبُثَّ جِبالَ الْغَشْمِ ، وَأَخْمِلْ سُوقَ الْمُنْكَرِ ، وَأَعِزَّ مَنْ عَنْهُ زَجَرَ ، وَاحْصُدْ شَأْفَةَ أَهْلِ الْجَوْرِ ، وَأَلْبِسْهُمُ الْحَوْرَ بَعْدَ الْكَوْرَ ، وَعَجِّلْ لَهُمُ الْبَياتَ ، وَأَنْزِلْ عَلَيْهِمُ الْمُثُلاتِ ، وَأَمِتْ حَياةَ الْمُنْكَراتِ لِيَأْمَنَ الْمَخُوفُ ، وَيَسْكُنَ الْمَلْهُوفُ ، وَيَشْبَعَ الْجائِعُ ، وَيُحْفَظَ الضّائِعُ ، وَيُأْوَى الطَّرِيدُ ، وَيَعُودَ الشَّرِيدُ ، وَيُغْنَى الْفَقيرُ ، وَيُجارَ الْمُسْتَجيرُ ، وَيُوَقَّرَ الْكَبِيرُ ، وَيُرْحَمَ الصَّغيرُ ، وَيُعَزَّ الْمَظْلُومُ ، وَيُذَلَّ الظّالِمُ ، وَيُفَرَّجَ الْمَغْمُومُ ، وَتَنْفَرِجَ الْغَماءُ ، وَتَسْكُنَ الدَّهْماءُ ، وَيَمُوتَ الْاِخْتِلافُ ، وَيَحْيَى الْائتِلَافُ ، وَيَعْلُوَ الْعِلْمُ ، وَيَشْمِلَ السِّلْمُ ، وَيُجْمَعَ الشِّتاتُ ، وَيَقْوَى الْإيمانُ ، وَيُتْلَى الْقُرْآنُ ، إِنَّكَ أَنْتَ الدَّيّانُ الْمُنْعِمُ الْمَنّانُ » (2.)2 - اللّٰهُمَّ مَنائِحُكَ مُتَتابعَةٌ ، وَأَياديكَ مُتَوالِيَةٌ ، وَنِعَمُكَ سابِقَةٌ ، وَشُكْرُنا قَصيرٌ ، وَحَمْدُنا يَسيرٌ ، وَأَنْتَ بِالتَّعَطُّفِ عَلىٰ مَنْ اعْتَرَفَ جَديرٌ .
اللّٰهُمَّ وَقَدْ غَصَّ اَلُ الْحَقِّ بِالرّيقِ ، وَارْتَبَكَ أَهْلُ الصِّدْقِ في الْمَضيقِ ، وَأَنْتَ اللّٰهُمَّ بِعبادِكَ وَذَوي الرَّغْبَةِ إِلَيْكَ شَفيقٌ ، وَبِإِجابَةِ دُعائِهِمْ وَتَعْجيلِ الْفَرَج عَنْهُمْ حَقيقٌ .اللّٰهُمَّ فَصَلِّ عَلىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَبادِرْنا مِنْكَ بِالْعَوْنِ الَّذي لَا خِذْلانَ بَعْدَهُ ، وَالنَّصْرِ الَّذي لَا بِاطِلَ يَتَكَأَّدَهُ ، وَأَتِحْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ مَتاحاً فَيّاحاً يَأْمَنُ فيهِ وَلِيُّكَ ، وَيَخيبُ فيهِ عَدُوُّكَ، وَتُقامُ فيهِ مَعالِمُكَ ، وَتَظْهَرُ فيهِ أَوامِرُكَ ، وَتَنْكَفُّ فيهِ عَوادي عِداتِكَ .اللّٰهُمَّ بِادِرْنا مِنْكَ بِدارِ الرَّحْمَةِ، وَبادِرْ أَعْداءَكَ مِنْ بَأْسِكَ بِدارِ النَّقِمَةِ. اللّٰهُمَّ أَعِنّا وَأَغِثْنا ، وَارْفَعْ نَقِمَتَكَ عَنّا ، وَأَحِلَّها بِالْقَوْمِ الظَّالِمينَ » (1.)3 - «اللّٰهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ بِلَا أَوَّلِيَّةٍ مَعْدُودَةٍ ، وَالْآخِرُ بِلَا آخِرِيَّةٍ مَحْدُودَةٍ ، أَنْشَأْتَنا لَا لِعِلَّةٍ اِقْتِساراً ، وَاخْتَرَعْتَنا لَا لِحاجَةٍ اِقْتِداراً ، وَابْتَدَعْتَنا بِحِكْمَتِكَ اِخْتياراً ، وَبَلَوْتَنا بِأَمْرِكَ وَنَهْيِكَ اِخْتِباراً .فَأَنْتَ رَبُّ الْعِزَّةِ وَالْبَهاءِ ، وَالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرياءِ ، وَالْإِحْسانِ وَالنَّعْماءِ وَالْمَنِّ وَالْآلَاءِ ، وَالْمَنْحِ وَالْعَطاءِ ، وَالْاِنجازِ وَالْوَفاءِ . لَا تُحيطُ الْقُلُوبُ لَكَ بِكُنْهِ ، وَلَا تُدْرِكُ الْأَوْهامُ لَكَ صِفَةً ، وَلَا يُشْبِهُكَ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِكَ ، وَلَا يُمَثَّلُ بِكَ شَيْءٌ مِنْ صَنْعَتِكَ ، تَبارَكْتَ أَنْ تُحَسَّ أَوْ تُمَسَّ أَوْ تُدْرِكَكَ
1) بحار الأنوار : 82 : 225.
الْحَواسُّ الْخَمْسُ ، وَأَنّىٰ يُدْرِكُ مَخْلُوقٌ خالِقَهُ ، وَتعالَيْتَ يا إلٰهي عَمّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبيراً .اللّٰهُمَّ أَدِلْ لِأَوْليائِكَ مِنْ أَعْدائِكَ الظَّالِمينَ، الْباغينَ ، النّاكِثينَ ، الْقاسِطينَ، الْمارِقينَ ، الَّذينَ أَضَلُّوا عِبادَكَ ، وَحَرَّفُوا كِتابَكَ ، وَبَدَّلُوا أَحْكامَكَ ، وَجَحَدُوا حَقَّكَ ، وَجَلَسُوا مَجالِسَ أَوْليائِكَ ، جُرْأَةً مِنْهُمْ عَلَيْكَ ، وَظُلْماً مِنْهُمْ لِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكَ ، عَلَيْهِمْ سَلَامُكَ ، وَصَلَواتُكَ وَرَحْمَتُكَ وَبَرَكاتُكَ ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا خَلْقَكَ ، وَهَتَكُوا حِجابَ سِتْرِكَ عَنْ عِبادِكَ ، وَاتَّخَذُوا اللّٰهُمَّ مالَكَ دُوَلاً ، وَعِبادَكَ خَوَلاً ، وَتَرَكُوا اللّٰهُمَّ عالَمَ أَرْضِكَ في بَكْماءَ عَمْياءَ ظَلْماءَ مُدْلَهِمَّةً ، فَأَعْيُنُهُمْ مَفْتُوحَةٌ ، وَقُلُوبُهُمْ عَمِيَّةٌ ، وَلَمْ تَبْقَ اللّٰهُمَّ عَلَيْكَ مِنْ حُجَّةٍ ، لَقَدْ حَذَّرْتَ اللّٰهُمَّ عَذابَكَ ، وَبَيَّنْتَ نَكالَكَ ، وَوَعْدتَ الْمُطيعينَ إِحْسانَكَ ، وَقَدَّمْتَ إِلَيْهِمْ بِالنُّذُرِ ، فَآمَنَتْ طائِفَةٌ وَأَيَّدْتَ ...وَجَدِّدِ اللّٰهُمَّ عَلىٰ أَعْدائِكَ وَأَعْدائِهِمْ نارَكَ وَعَذابَكَ الَّذي لَا تَدْفَعُهُ عَنِ الْقَوْمِ الظَّالِمينَ .اللّٰهُمَّ صَلِّ علىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَقَوِّ ضَعْفَ الْمُخْلِصينَ لَكَ بِالْمَحَبَّةِ الْمُشايعينَ لَنا بِالْمُوالَاةِ ، الْمُتَّبِعينَ لَنا بِالتَّصْدِيقِ وَالْعَمَلِ، الْمُؤازِرِينَ لَنا بِالْمُواساةِ فينا ، الْمُحيينَ ذِكْرَنا عِنْدَ اجْتِماعِهِمْ ، وَشَدِّدِ اللّٰهُمَّ رُكْنَهُمْ ، وَسَدِّدِ اللّٰهُمَّ لَهُمْ دينَهُمُ الَّذي ارْتَضَيْتَهُ لَهُمْ ، وَأَتْمِمْ عَلَيْهِمْ
نِعْمَتَكَ ، وَخَلِّصْهُمْ ، وَاسْتَخْلِصْهُمْ ، وَسُدَّ اللّٰهُمَّ فَقْرَهُمْ ، وَأَلْمُمِ اللّٰهُمَّ شَعْثَ فاقَتِهِمْ ، وَاغْفِرِ اللّٰهُمَّ ذُنُوبَهُمْ وَخَطاياهُمْ ، وَلَا تُزِغْ قُلُوبَهُمْ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَهُمْ ، وَلَا تُخِلَّهُمْ - أَيْ رَبِّ - بِمَعْصِيَتِهِمْ، وَاحْفَظْ لَهُمْ ما مَنَحْتَهُمْ بِهِ مِنَ الطَّهارَةِ بِوِلَايَةِ أَوْلِيائِكَ ، وَالْبَراءَةِ مِنْ أَعْدائِكَ ، إِنَّكَ سَميعٌ مُجيبٌ » (1.)وتمثّل أدعية الأئمّة الطاهرين جوهر الإخلاص والطاعة لله فقد اتّصلوا بالله تعالى ، وانطبع حبّه في مشاعرهم وعواطفهم ، فهاموا بمناجاته والدعاء له .#### زهده علیه السلاماما الزهد في الدنيا فإنّه من أبرز الذاتيات في خُلق أئمّة أهل البيت علیهم السلام فقد أعرضوا عن زهرة هذه الدنيا، وفعلوا كلّ ما يقرّبهم إلى الله زلفى .لقد كان الإمام عليّ أمير المؤمنين علیه السلام رائد العدالة الكبرى في الأرض في أيّام خلافته يلبس أخشن الثياب ويأكل أجشب العيش ، ولم يتّخذ من غنائمها وفراً ، ولم يضع لبنة على لبنة ، وعلى ضوء هذه السيرة المشرقة الواضحة سار الأئمّة الطاهرون ، فقد زهدوا جميعاً في الدنيا وأعرضوا عن رغائبها .لقد كان الإمام الجواد علیه السلام شابّاً في مقتبل العمر، وكان المأمون يغدق عليه الأموال الوافرة البالغة مليون درهم. وكانت الحقوق الشرعية ترد إليه من الطائفة الشيعيّة التي تذهب إلى إمامته بالإضافة إلى الأوقاف التي في (قم وغيرها ، إلّا أنّه لم يكن ينفق شيئاً منها في اُموره الخاصّة وإنّما كان ينفقها على الفقراء والمعوزين والمحرومين .)وقد رآه الحسين المكاري في بغداد ، وكان محاطاً بهالة من التعظيم والتكريم
1) مهج الدعوات : 81 : البلد الأمين : 657. بحار الأنوار : 82 : 225 و 226 .
من قِبل الأوساط الرسمية والشعبية فحدّثته نفسه أنّه لا يرجع إلى وطنه يثرب وسوف يقيم في بغداد راتعاً في النعم والترف، وعرف الإمام قصده ، فانعطف عليه وقال له : « يا حُسَيْنُ ، خُبْزُ الشَّعِيرِ وَمِلْحُ الْجَرِيشِ فِي حَرَمِ جَدّي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه و آله و سلم أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا تَرانِي فِيهِ » (1.)إنّه لم يكن من عشاق تلك المظاهر التي كانت تضفيها عليه الدولة ، وإنّما كان كآبائه الذين طلّقوا الدنيا ، واتّجهوا صوب الله تعالى لا يبغون عنه بديلاً.#### كرمه علیه السلامكان الإمام أبو جعفر علیه السلام من أندى الناس كفّاً وأكثرهم سخاءً ، وقد لُقِّب بالجواد لكثرة كرمه ومعروفه وإحسانه إلى النّاس ، وقد ذكر المؤرّخون بوادر كثيرة من كرمه كان منها ما يلي :1 - روى المؤرّخون أنّ أحمد بن حديد قد خرج مع جماعة من أصحابه إلى الحجّ ، فهجم عليهم جماعة من السرّاق ونهبوا ما عندهم من أموال ومتاع ، ولما انتهوا إلى يثرب انطلق أحمد إلى الإمام محمّد الجواد وأخبره بما جرى عليهم ، فأمر علیه السلام له بكسوة وأعطاه دنانير ليفرّقها على جماعته، وكانت بقدر ما نهب منهم (2. لقد أنقذهم الإمام من المحنة وردّ لهم ما سلب منهم .)2 - روى العتبي عن بعض العلويّين إنّه كان يهوى جارية في يثرب ، وكانت يده قاصرة عن ثمنها ، فشكا ذلك إلى الإمام الجواد علیه السلام، فسأله عن صاحبها فأخبره عنه ، ولمّا كان بعد أيام سأل العلوي عن الجارية فقيل له : قد بيعت وسأل عن المشتري
لها ، فقالوا له : لا ندري .وكان الإمام الجواد قد اشتراها سرّاً ، ففزع العلوي نحو الإمام ، وقد رفع صوته : بيعت فلانة .فقابله الإمام ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً : هَلْ تَدْرِي مَنِ اشْتَراها ؟- لا.وانطلق معه الإمام إلى الضيعة التي فيها الجارية ، فانتهى إلى البيت الذي فيه الجارية ، فأمره علیه السلام بالدخول إلى الدار ، فأبى العلوي لأنّها دار الغير ولم يعلم أنّ الإمام قد اشتراها ، وأصرّ عليه الإمام بالدخول ، ولم يلتفت إلى أنّها ملك الإمام ، ثمّ إنّه دخل الدار مع الإمام فلمّا رأى الجارية التي يهواها ، قال علیه السلام له : أَتَعْرِفُها ؟- نعم .هِيَ لَكَ وَالْقَصْرُ وَالضَّيْعَةُ وَالْغُلَّةُ وَجَمِيعُ ما فِي الْقَصْرِ فَأَقِمْ مَعَ الْجارِيَةِ .وملأ الفرح قلب العلوي وحار في شكر الإمام » (1.)هذه بعض البوادر التي ذكرها المؤرّخون من كرمه وبرّه بالفقراء والمستضعفين ويقول الرواة : إن كرم الإمام ومعروفه قد شمل حتّى الحيوانات .فقد روى محمّد بن الوليد الكرماني ، قال : « أكلت بين يدي أبي جعفر الثاني علیه السلام حتّى إذا فرغت ورفع الخوان ذهب الغلام ليرفع ما وقع من فتات الطعام فقال علیه السلام له : ما كانَ في الصَّحْراءِ فَدَعْهُ وَلَوْ فَخِذُ شاةٍ ، وَما كانَ في الْبَيْتِ فَتَتَبَّعْهُ وَالْقُطْهُ » (2.)لقد أمره علیه السلام بترك الطعام الذي في الصحراء ليتناوله الطير وسائر الحيوانات التي ليس عندها طعام .
#### الإحسان إلى الناسأمّا الإحسان إلى الناس والبرّ بهم فإنّه من سجايا الإمام الجواد علیه السلام ، ومن أبرز مقوّماته ، وقد ذكر الرواة بوادر كثيرة من إحسانه ، كان منها ما یلي :روى أحمد بن زكريا الصيدلاني ، عن رجل من بني حنيفة من أهالي بست و سجستان (1، قال : « رافقت أبا جعفر في السنة التي حجّ فيها في أوّل خلافة المعتصم فقلت له - وأنا على المائدة - : إنّ والينا - جعلت فداك - يتولّاكم أهل البيت ويحبّكم وعليّ في ديوانه خراج ، فإن رأيت - جعلني الله فداك - أن تكتب إليه بالإحسان إليَّ .فقال علیه السلام : لَا أَعْرِفُهُ .فقلت : جعلت فداك ، إنّه على ما قلت من محبّيكم أهل البيت ، وكتابك ينفعني واستجاب له الإمام فكتب إليه بعد البسملة :« أَمّا بَعْدُ ، فَإِنَّ مُوصِلَ كِتابي هٰذا ذَكَرَ عَنْكَ مَذْهَباً جَميلاً ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْبَيْتِ ، وَإنَّ ما لَكَ مِنْ عَمَلِكَ إِلَّا ما أَحْسَنْتَ فِيهِ ، فَأَحْسِنْ إِلىٰ إِخْوانِكَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ
1) سجستان - بكسر أوّله وثانيه -: وهي جنوبي هراة .)قال محمّد بن بحر الرهني : « سجستان : إحدى بلدان المشرق ، ولم تزل لفاحاً على الضيم ممتنعة من الهضم منفردة بمحاسن ، متوحّدة بمآثر لم تعرف لغيرها من البلدان ، ما في الدنيا سوقة أصحّ منهم معاملة ، ولا أقلّ منهم مخاتلة .وأضاف في تعداد مآثرها : أنّه لُعن عليّ بن أبي طالب على منابر الشرق والغرب ، ولم يلعن على منابرها إلّا مرّة ، وامتنعوا على بني اُميّة حتى زادوا في عهدهم أن لا يلعن على منبرهم أحد ..وأي شرف أعظم من امتناعهم من لعن أخي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم على منبرهم ، وهو يلعن على منابر الحرمين مكّة والمدينة ؟ - معجم البلدان : 3 : 190 - 191 .
سائِلُكَ عَنْ مَثاقيلِ الذَّرِّ وَالْخَرْدَل (1» .)ولما ورد إلى سجستان عرف الوالي - وهو الحسين بن عبدالله النيسابوري- إنّ الإمام قد أرسل إليه رسالة فاستقبله من مسافة فرسخين ، وأخذ الكتاب فقبّله ، واعتبر ذلك شرفاً له ، وسأله عن حاجته فأخبره بها ، فقال له : لا تؤدِّلي خراجاً ما دام لي عمل ، ثمّ سأله عن عياله فأخبره بعددهم ، فأمر له ولهم بصلة ، وظلّ الرجل لا يؤدّي الخراج ما دام الوالي حيّاً ، كما انّه لم يقطع صلته عنه (2كلّ ذلك ببركة الإمام ولطفه .)#### مواساته علیه السلام للناسوواسى الإمام الجواد علیه السلام الناس في سرّائهم وضرّائهم ، ويقول المؤرّخون : إنّه قد جرت على إبراهيم بن محمّد الهمداني مظلمة من قِبل الوالي ، فكتب إلى الإمام الجواد علیه السلام يخبره بما جرى عليه ، فتألّم الإمام وأجابه بهذه الرسالة :« عَجَّلَ اللَّهُ نُصْرَتَكَ عَلىٰ مَنْ ظَلَمَكَ ، وَكَفاكَ مَؤونَتَهُ ، وَأَبْشِرْ بِنَصْرِ اللهِ عاجِلاً إِنْ شاءَ اللهُ ، وَبِالْأَجْرِ آجِلاً ، وَأَكْثِرْ مِنْ حَمْدِ اللَّهِ تَعالىٰ » (3.)ومن مواساته للناس تعازيه للمنكوبين والمفجوعين، فقد بعث رسالة إلى رجل قد فجع بفقد ولده ، وقد جاء فيها بعد البسملة :« ذَكَرْتَ مُصيبَتَكَ بِعَليٍّ ابْنَكَ ، وَذَكَرْتَ أَنَّهُ كانَ أَحَبَّ وُلْدِكَ إِلَيْكَ ، وَكَذلِكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ، إِنَّما يَأْخُذُ مِنَ الْوَلَدِ وَغَيْرِهِ أَزْكىٰ ما عِنْدَ أَهْلِهِ لَيُعْظِمَ
بِهِ أَجْرَ الْمُصابِ بِالْمُصيبَةِ ، فَأَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ ، وَأَحْسَنَ عَزاكَ ، وَرَبَطَ عَلىٰ قَلْبِكَ إِنَّهُ قَديرٌ ، وَعَجَّلَ اللهُ عَلَيْكَ بِالْخَلَفِ ، وَأَرْجُو أَنْ يَكونَ اللَّهُ تَعالىٰ قَدْ فَعَلَ إِنْ شاءَ اللهُ » (1.)وأعربت هذه الرسالة الرقيقة عن مدى تعاطف الإمام مع الناس ، ومواساته لهم في البأساء والضرّاء.ومن مواساته للناس أنّ رجلاً من شيعته كتب إليه يشكو ما ألمَّ به من الحزن والأسى لفقد ولده ، فأجابه الإمام علیه السلام برسالة تعزية جاء فيها :« أَما عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَخْتارُ مِنْ مالِ الْمُؤْمِنِ ، وَمِنْ وُلْدِهِ أَنْفَسِهِ ليُؤْجِرَهُ عَلىٰ ذلِكَ » (2.)لقد شارك الناس في البأساء والضرّاء ، وواساهم في فجائعهم ومحنهم ، ومدَّ يد المعونة إلى فقرائهم ، وضعفائهم ، وبهذا البرّ والإحسان فقد احتلّ القلوب والعواطف وأخلص له الناس وأحبّوه كأعظم ما يكون الإخلاص والحبّ .هذه بعض مثل الإمام الجواد علیه السلام وقيمه ، وقد رفعته إلى المستوى الرفيع الذي بلغه آباؤه الذين فجّروا ينابيع العلم والحكمة في الأرض ، ورفعوا مشعل الهداية والإيمان بالله تعالى .لقد كان الإمام الجواد علیه السلام من أروع صور الفضيلة والكمال في الأرض ، فلم ير الناس في عصره من يضارعه في علمه وتقواه وورعه ، وشدّة تحرّجه في الدين ، فقد كان نسخة لا ثاني لها في فضائله ومآثره التي هي السرّ في إمامته .
لقد عجبت الأوساط الإسلاميّة بالإمام الجواد علیه السلام فقد هالتهم مواهبه وملكاته العلميّة التي لا تحدّ ، وهي ممّا زادت الشيعة إيماناً ويقيناً بصحّة ما تذهب إليه وتعتقد به من أنّ الإمام لا بدّ أن يكون أعلم أهل زمانه وأفضلهم وأتقاهم .وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض مثل الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام.
## عُلومُهُ وَمَعَارِفُهُ عَلَیْهِ اٝلْسَّلَامُ### اشارةعُلومُهُ وَمَعَارِفُهُ عَلَیْهِ اٝلْسَّلَامُ
أمّا سعة علوم الإمام ومعارفه فإنّها مذهلة للفكر ، فهو - بحقّ - معجزة الإسلام الكبرى ، لقد خاض في مختلف العلوم والفنون وهو في سنّه المبكر ، وسأله العلماء والفقهاء والفلاسفة والمتكلّمون وعلماء الحديث عن أدقّ المسائل وأعمقها فأجابهم عنها ، وقد ذهلوا من ذلك وتحيّروا ، وآمن بعضهم بإمامته .ومن الطبيعي أنّه لا تعليل لهذه الظاهرة المحيّرة سوى القول بالإمامة ، وهو ما تذهب إليه الشيعة من أنّ أئمّة أهل البيت علیهم السلام قد منحهم الله العلم والحكمة وفصل الخطاب ، كما منح اُولي العزم من أنبيائه ورسله .ونعرض بإيجاز إلى بعض ما اُثر عنه من العلوم ، وروائع الحكم والآداب ، وفيما يلي ذلك :### الحديث#### اشارةروى الإمام محمّد الجواد علیه السلام طائفة من الأحاديث بسنده عن جدّه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، كما روى كذلك عن جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، وعن جدّه الإمام الصادق علیه السلام ، و عن أبيه الإمام الرضا علیه السلام ، وفيما يلي ذلك :
#### رواياته علیه السلام عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلمأمّا ما رواه عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فمجموعة من الأخبار، وهذه بعضها :1 - روی علیه السلام بسنده : أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال : إِنَّ فاطِمَةَ أَحْصَنَتْ فَرجها فَحَرَّمها اللهُ وَذُرِّيَّتَها عَلَى النّارِ » (1.)2 - روی علیه السلام بسنده : عن جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، أنّه قال : بَعَثَني رَسولُ اللهِ صلی الله علیه و آله و سلم إِلَى الْيَمَنِ فَقالَ لي وَهُوَ يُوصيني : يا عَلِيُّ ، ما خابَ مَنِ اسْتَخارَ ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشارَ .يا عَلِيُّ ، عَلَيْكَ بِالدَّلْجَةِ (2، فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوىٰ بِاللَّيْلِ وَلَا تُطْوىٰ بِالنَّهارِ .)يا عَلِيُّ ، اغْدُ بِسْمِ اللهِ ، فَإِنَّ اللهَ بارَكَ لاُمَّتي في بُکورِها » (3.)3 - روی علیه السلام : أنَّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال : « مَنْ عَتَبَ عَلَى الزَّمانِ طالَتْ مَعْتَبَتُهُ » (4.)4 - روی علیه السلام بسنده : أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال : « الْمَرْءُ مَخْبوءٌ تَحْتَ لِسانِهِ » (5.)
#### ما يرويه علیه السلام عن الإمام أمير المؤمنين علیه السلاموروى عن جدّه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام طائفة من الأخبار، وكان من بينها ما يلي : قال علیه السلام: قامَ إِلىٰ أَميرِ الْمُؤْمِنينَ رَجُلٌ بِالْبَصْرَةِ ، فَقالَ : أَخْبِرْنا عَنِ الْإِخْوانِ ؟فَقالَ : الْإِخْوانُ صِنْفانِ : إِخْوانُ الثِّقَةِ ، وَإِخْوانُ الْمُكاشَرَةِ .فَأَمّا إِخْوانُ الثِّقَةِ فَهُمْ كَالْكَفِّ ، وَالْجَناحِ وَالْأَهْلِ ، وَالْمالِ ، فَإِذا كُنْتَ مِنْ أَخيكَ عَلىٰ ثِقَةِ فَابْذِلْ لَهُ مالَكَ وَيَدَكَ ، وَصافِ مَنْ صافَهُ ، وَعادِ مَنْ عاداهُ ، وَاكْتُمْ سِرَّهُ ، وَأَعِنْهُ ، وَأَظْهِرْ مِنْهُ الْحَسَنَ . وَاعْلَمْ - أَيُّها السّائِلُ - أَنَّهُمْ أَعَزُّ مِنَ الْكِبْريتِ الْأَحْمَرِ .وَأَمّا إِخْوانُ الْمُكاشَرَةِ فَإِنَّكَ تُصيبُ مِنْهُمْ لَذَّتَكَ ، فَلَا تَقْطَعَنَّ ذلِكَ مِنْهُمْ ، وَلَا تَطْلُبَنَّ ما وَراءَ ذلِكَ مِنْ ضَميرِهِمْ ، وَابْذِلْ لَهُمْ ما بَذَلوا لَكَ مِنْ طَلاقَةِ الْوَجْهِ ، وَحَلاوَةِ اللِّسانِ » (1.)لقد درس الإمام أمير المؤمنين علیه السلام نفسيّة المجتمع ، ووقف على دخائل النفوس وميولها واتّجاهاتها ، وأعطى صوراً حيّة عن جميع المناحي الاجتماعيّة ، والتي منها الصداقة بين الناس ، فقد حلّلها تحليلاً واقعياً بما لا يختلف على امتداد التأريخ وفي مختلف العصور .
1) وسائل الشيعة : 8 : 58 .
#### رواياته علیه السلام عن الإمام الصادق علیه السلاموروى عن الإمام الصادق علیه السلام حديثاً جاء فيه :« أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ أَباهُ عَنْ مَسائِلِ فَكانَ مِمّا أَجابَهُ بِهِ ، أَنْ قالَ: قُلْ لَهُمْ: هَلْ كانَ فيما أَظْهَرَ رَسولُ اللهِ صلی الله علیه و آله و سلم مِنْ عِلْمِ اللهِ اخْتِلافٌ ؟فَإِنْ قالوا : لا ، فَقُلْ لَهُمْ: فَمَنْ حَكَمَ بِحُكْمِ فيهِ اخْتِلافٌ فَهَلْ خالَفَ رَسولَ اللهِ ؟ فَيَقولونَ: نَعَمْ .فَإِنْ قالوا : لَا فَقَدْ نَقَضوا أَوَّلَ كَلامِهِمْ ، فَقُلْ لَهُمْ: ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرّاسِخونَ في الْعِلْمِ .فَإِنْ قالوا : مَنِ الرّاسِخونَ في الْعِلْمِ؟ فَقُلْ: مَنْ لَا يَخْتَلِفُ في عَمَلِهِ.فَإِنْ قالوا : مَنْ ذاكَ ؟ فَقُلْ : كانَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله و سلم صاحِبَ ذاكَ.إلى أن قال : وَإِنْ كانَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه و آله و سلم لَمْ يَسْتَخْلِفْ أَحَداً فَقَدْ ضَيَّعَ مَنْ في أَصْلابِ الرِّجالِ مِمَّنْ يَكونُ بَعْدَهُ ، قالَ : وَما يَكْفيهِمُ الْقُرْآنُ ؟قالَ : بَلىٰ لَوْ وَجَدوا لَهُ مُفَسِّراً .قالَ : وَما فَسَّرَهُ رَسولُ اللهِ صلی الله علیه و آله و سلم؟قالَ : بَلىٰ قَدْ فَسَّرَهُ لِرَجُلٍ واحِدٍ ، وَفَسَّرَ لِلْاُمَّةِ شَأْنَ ذلِكَ الرَّجُلِ ، وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالِبٍ علیه السلام.
إلى أن قال : وَالْمُحْكَمُ لَيْسَ بِشَيْئَيْنِ إِنَّما هُوَ شَيْءٌ واحِدٌ ، فَمَنْ حَكَمَ بِحُكْمٍ لَيْسَ فيهِ اخْتِلافٌ فَحُكْمُهُ مِنْ حُكْمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمَنْ حَكَمَ بِحُكْمِ فيهِ اخْتِلافٌ فَرَأَىٰ أَنَّهُ مُصيبٌ فَقَدْ حَكَمَ بِحُكْمِ الطّاغوتِ » (1.)وقد عرض هذا الحديث لموضوع الخلافة ، وحفل بأوثق الأدلّة العقليّة على إمامة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام وبطلان ما يذهب إليه المنكرون لإمامته .
1) وسائل الشيعة : 18 : 131 .
#### روايته علیه السلام عن أبیه علیه السلامروی عبدالعظیم بن عبدالله الحسني ، قال : « حدّثني أبو جعفر الثاني علیه السلام قال : سَمِعْتُ أَبِي يَقولُ : سَمِعْتُ أَبِي مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ علیه السلام يَقولُ : دَخَلَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدِ الْبَصْرِيِّ عَلىٰ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فَلَمَّا سَلَّمَ وَجَلَسَ تَلا هٰذِهِ الْآيَةَ (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ (1)ثُمَّ أَمْسَكَ .)فَقالَ لَهُ أَبو عَبْدِ اللهِ : ما أَسْكَتَكَ ؟قالَ : أُحِبُّ أَنْ أَعْرِفَ الْكَبائِرَ مِنْ كِتابِ اللهِ .فَقالَ : نَعَمْ يا عَمْرو ، أَكْبَرُ الْكَبائِرِ الْإِشْراكُ بِاللهِ ، يَقولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ (2).)وَبَعْدَهُ الْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ، لأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ: ﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (3).)وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ ، لأَنَّ اللَّهَ يَقولُ: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (4).)
وَمِنْها عُقوقُ الْوالِدَيْنِ ، لأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ الْعاقَّ جَبّاراً شَقِيّاً .وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، لأنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : ( فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا (1).)وَقَذْفُ الْمُحْصَناتِ ، لأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعالىٰ يَقولُ : ( لُعِنُواْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (2).)وَأَكْلُ مالِ الْيَتیمِ ظُلْماً ، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (3). وَالْفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ ، لأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : ( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (4).
وَأَكْلُ الرّبا ، لأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ) (5).
وَالسِّحْرُ ، لأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : ( وَلَقَدْ عَلِمُواْ لِمَنِ اشْتَراهُ مَالَهُ فِي
الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ) (1).
وَالزِّنا ، لأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : ( وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثَامَاً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تابَ ) (2).
وَالْيَمينُ الْغَموسُ ، لأنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ: ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ) (3).
وَالْغُلولُ ، يَقولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (4).)وَمَنْعُ الزّكاةِ الْمَفْروضَةِ ، لأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : ( فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ (5)، وَشَهادَةُ الزُّورِ .)وَكِتْمانُ الشَّهادَةِ ، لأنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : ( وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (6).
وَشِرْبُ الْخَمْرِ ، لأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَدَلَ بِها عِبادَةَ الْأَوْثانِ ، وَتَرْكُ الصَّلاةِ
مُتَعَمِّداً لأَنَّ رَسولَ اللهِ صلی الله علیه و آله و سلم قالَ : مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ مُتَعَمِّداً فَقَدْ بَرِئَ مِنْ ذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسولِهِ ، وَنَقْضُ الْعَهْدِ ، وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ ، لأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ: ( أُولٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (1).
قالَ : فَخَرَجَ عَمْرو وَلَهُ صُراخٌ مِنْ بُكائِهِ وَهُوَ يَقولُ : هَلَكَ مَنْ قالَ بِرَأْيِهِ وَنازَعَكُمْ في الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ » (2).
وحذّر هذا الحديث الشريف من اقتراف الجرائم التي تمسخ ضمير الإنسان ، وتهدّد الحياة الاجتماعية بالخطر ، وتقف عائقاً في طريق حضارة الإنسان وتقدّمه .
واُثيرت في عصر الإمام الجواد علیه السلام كثير من الشكوك والأوهام حول قضايا التوحيد أثارها من لا حريجة له في الدين من الحاقدين على الإسلام لزعزعة العقيدة الإسلاميّة في نفوس المسلمين ، وتشكيكهم في مبادئ دينهم العظيم .
وقد أجاب الإمام الجواد علیه السلام عن كثير من تلك الشبه ، وفنّدها ، وكان من بينها :
1 - وفد على الإمام أبي جعفر علیه السلام بعض المتضلّعين في علم الفلسفة والكلام فقدّم له السؤال التالي .
أخبرني عن الربّ تبارك وتعالى ، له أسماء وصفات في كتابه ؟ فأسماؤه وصفاته هي هو .
وحلّل الإمام علیه السلام سؤاله إلى وجهين ، كما حلّل الوجه الثاني منهما إلى وجهين ، وقد صحّح بعض تلك الوجوه ، وأبطل البعض الآخر منها لأنّها تتنافى مع واقع التوحيد قال علیه السلام :
إِنَّ لِهٰذَا الْكَلامِ وَجْهَيْنِ : إِنْ كُنْتَ تَقولُ : هِيَ هُوَ ، أَيْ إِنَّهُ ذُو عَدَدٍ وَ كَثْرَةٍ فَتَعالَى اللهُ عَنْ ذلِكَ.
وَإِنْ كُنْتَ تَقولُ : لَمْ تَزَلْ هٰذِهِ الصِّفاتُ وَالْأَسْماءُ ، فَإِنَّ لَمْ تَزَلْ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ : فَإِنْ قُلْتَ : لَمْ تَزَلْ عِنْدَهُ في عِلْمِهِ ، وَهُوَ مُسْتَحِقُّها فَنَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ تَقولُ : لَمْ يَزَلْ تَصْويرُها وَهِجاؤُها ، وَتَقْطيعُ حُروفِها ، فَمَعاذَ اللَّهِ أَنْ يَكونَ مَعَهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ ، بَلْ كانَ اللهُ ، وَلَا خَلْقَ ، ثُمَّ خَلَقَها وَسيلَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ
خَلْقِهِ يَتَضَرَّعونَ بِها إِلَيْهِ وَيَعْبُدونَهُ ، وَهِيَ ذِكْرُهُ ، وَكانَ اللهُ وَلَا ذِكْرَ، وَالْمَذْكورُ بِالذِّكْرِ هُوَ اللهُ الْقَديمُ الَّذي لَمْ يَزَلْ وَالْأَسْماءُ وَالصِّفاتُ مَخْلوقاتُ الْمَعاني ، وَالْمَعْني بِها هُوَ اللهُ الَّذي لَا يَليقُ بِهِ الْإِخْتِلافُ وَالْإِئْتِلافُ ، وَإِنَّما يَخْتَلِفُ وَيَأْتَلِفُ الْمُتَجَزّئُ.
فَلَا يُقالُ: اللَّهُ مُؤْتَلِفٌ ، وَلَا اللهُ كَثيرٌ ، وَلَا قَليلٌ ، وَلكِنَّهُ الْقَديمُ في ذاتِهِ لِأَنَّ ما سِوَى الْواحِدِ مُتَجَزِّئٌ ، وَاللهُ واحِدٌ لَا مُتَجَزِّئٌ ، وَلَا مُتَوَهَّمٌ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَكُلُّ مُتَجَزِّئٍ وَمُتَوَهَّمٍ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فَهُوَ مَخْلوقٌ دالٌّ عَلىٰ خالِقِ لَهُ.
فَقَوْلُكَ : إِنَّ اللَّهَ قَديرٌ خَبَّرْتَ أَنَّهُ لَا يُعْجِرُهُ شَيْءٌ ، فَنَفَيْتَ بِالْكَلِمَةِ الْعَجْزَ وَجَعَلْتَ الْعَجْزَ سِواهُ ، وَكَذلِكَ قَوْلُكَ عالِمٌ إِنَّما نَفَيْتَ بِالْكَلِمَةِ الْجَهْلَ وَجَعَلْتَ الْجَهْلَ سِواهُ ، فَإِذا أَفْنَى اللَّهُ الْأَشْياءَ أَفْنَى الصُّوَرَ وَالْهِجاءَ ، وَلَا يَنْقَطِعُ وَلَا يَزالُ مَنْ لَمْ يَزَلُ عالِماً .
وألمّ كلام الإمام بجوهر التوحيد فأبطل أن تكون أيّة صفة من صفاته تعالى مستلزمة للعدد والكثرة وذلك لما يترتّب عليها من الآثار الفاسدة المستحيلة بالنسبة له تعالى ، فلا حدوث في صفاته ، ولا تجزّىء في ذاته فصفاته عين ذاته ، كما دلّل على ذلك في علم الكلام .. أمّا تحليل هذه الفقرات من كلامه فإنّه يستدعي بحوثاً مطوّلة ، وقد آثرنا الإيجاز فيها .
وبهر السائل من إحاطة الإمام بهذه البحوث المعقّدة وراح يسأله قائلاً:
كيف سمّي ربّنا سميعاً ؟
فأجابه الإمام جواباً رائعاً دفع به الشبهة قائلاً :
إِنَّهُ لَا يَخْفىٰ عَلَيْهِ ما يُدْرَكُ بِالْأَسْماعِ ، وَلَمْ نَصِفْهُ بِالسَّمْعِ الْمَعْقولِ في الرَّأْسِ ، وَكَذلِكَ سَمَّيْناهُ بَصيراً لِأَنَّهُ لَا يَخْفىٰ عَلَيْهِ ما يُدْرَكُ بِالْأَبْصارِ مِنْ لَوْنٍ وَشَخْصٍ وَغَيْرِ ذلِكَ ، وَلَمْ نَصِفْهُ بِنَظَرِ لَحْظِ الْعَيْنِ ، وَكَذلِكَ سَمَّيْناهُ لَطيفاً لِعِلْمِهِ بِالشَّيْءِ اللَّطيفِ ، مِثْلِ الْبَعوضَةِ وَأَحْقَرِ مِنْ ذلِكَ ، وَمَوْضِعِ الشَّقِّ مِنْها ، وَالْعَقْلِ وَالشَّهْوَةِ ، وَالسِّفادِ وَالْحَدَبِ عَلىٰ نَسْلِها ، وَإِفْهامِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ ، وَنَقْلِها الطَّعامَ وَالشَّرابَ إِلىٰ أَوْلَادِها في الْجِبالِ وَالْمَفاوِز وَالْأَوْدِيَةِ وَالْقِفارِ ، فَعِلْمُنا أَنَّ خالِقَها لَطيفٌ بِلا كَيْفٍ ، وَإِنَّما الْكَيْفِيَّةُ لِلْمَخْلوقِ الْمُكَيَّفِ .
وَكَذلِكَ سُمِّيَ رَبُّنا قَوِيّاً لَا بِقُوَّةِ الْبَطْشِ الْمَعْروفِ مِنَ الْمَخْلوقِ ، وَلَوْ كانَ قُوَّتُهُ قُوَّةَ الْبَطْشِ الْمَعْروفِ مِنَ الْخَلْقِ لَوَقَعَ التَّشْبِيهُ ، وَلَاحْتَمَلَ الزِّيادَةَ ، وَما احْتَمَلَ الزِّيادَةَ احْتَمَلَ النُّقْصانَ ، وَما كانَ ناقِصاً كانَ غَيْرَ قَديمٍ ، وَما كانَ غَيْرَ قَديمٍ كانَ عاجِزاً ، فَرَبُّنا تَبارَكَ وَتَعالىٰ لَا شِبْهَ لَهُ وَلَا ضِدَّ وَلَا نِدَّ وَلَا كَيْفَ ، وَلَا نِهايَةَ وَلَا أَقْطارَ، مُحَرَّمٌ عَلَى الْقُلوبِ أَنْ تُمَثِّلَهُ ، وَعَلَى الْأَوْهامِ أَنْ تَحِدَّهُ ، وَعَلَى الضَّمائِرِ أَنْ تُكَيِّفَهُ جَلَّ عَنْ أَداةِ خَلْقِهِ وَسِماتِ بَرِيَّتِهِ ، وَتَعالىٰ عَنْ ذلِكَ عُلُوّاً كَبيراً » (1).
إنّ صفات الله تعالى الإيجابيّة السلبيّة وليست على غرار الصفات التي يتّصف بها
1) الكافى : 1 : 116 - 117 . التوحيد : 142 - 143 .
الممكن الذي يفتقر في وجوده إلى علّة تفيض عليه الوجود ، كما يفتقر عدمه إلى علّة ، بالإضافة إلى أنّ صفات الممكن مثل البصر والسمع إنّما تقوم بجوارح الإنسان ويستحيل عليه ذلك تعالى إذ ليست له جوارح ولا أبعاض .
إنّ من صفات الله تعالى أنّه ( لطيف ) وذلك لعلمه بالأشياء اللطيفة كالبعوضة وما هو أصغر وأدقّ منها ، وقد ألهمها الله هداها فهي تسير سيراً عجيباً في منتهى الروعة والدقّة ، تحافظ على حياتها وعلى نوعيّتها، وتحدب على نسلها فترعاه وتعاهده بالطعام . إنّ هذه الحركات من الحيوانات الصغيرة لتنادي بوجود خالقها العظيم الذي ألهمها هداها .
إنّ من صفات الله تعالى أنّه ( قويّ ) ولكن ليست هذه القوّة كالقوة التي يتّصف بها الإنسان ، وهي قوّة البطش والانتقام فإنّ هذه الصفة قابلة للزيادة والنقصان والتغيير ويستحيل أن يتّصف بذلك الله تعالى عن مشابهة مخلوقاته .
إنّ صفات الله تعالى وذاته لا تتحمّلها الأوهام ولا العقول والأفكار لأنّها إنّما تتصوّر الممكنات الخاضعة لهذا اللون من التصوّر ويمتنع عليه تعالى ذلك كما دلّل عليه في البحوث الفلسفية والكلامية .
وعلى أي حال فقد أثبت الإمام في هذه البحوث أنّه من عمالقة الفلسفة والكلام في الإسلام وإنّا نسأل في أيّة مدرسة درس الإمام علم الفلسفة والكلام حتى صار من أقطاب هذا الفنّ وأجاب بهذه الأجوبة الدقيقة التي يعجز عن الإتيان بمثلها كبار الفلاسفة والعلماء ، إنّه لا تعليل لذلك سوى ما تقول به الشيعة إنّ الله تعالى منحه العلم والفضل وآتاه الحكم صبياً .
2 - سأل محمّد بن عيسى الإمام أبا جعفر علیه السلام عن التوحيد قائلاً: إنّي أتوهّم شيئاً ، فأجابه الإمام :
« نَعَمْ غَيْرُ مَعْقولٍ ، وَلَا مَحْدودٌ ، فَما وَقَعَ وَهْمُكَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ
فَهُوَ خِلافُهُ ، لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهامُ ، كَيْفَ تُدْرِكُهُ الْأَوْهامُ وَهُوَ خِلافُ ما يُعْقَلُ ، وَخِلافُ ما يُتَصَوَّرُ في الْأَوْهامِ، إِنَّما يُتَوَهَّمُ شَيْءٌ غَيْرُ مَعْقولٍ وَلَا مَحْدودٌ » (1).
إنّ وهم الإنسان إنّما يتعلّق بالاُمور الخاضعة للوهم والتصوّر ، أمّا الاُمور التي لا تخضع لذلك فإنّه من المستحيل أن يتعلّق بها الوهم والخيال حسب ما قرّر في علم الفلسفة ، فالله تعالى في ذاته وصفاته لا يصل له الوهم ولا الخيال لأنّهما إنّما يدركان الاُمور الممكنة دون واجب الوجود .
3 - روى الحسين بن سعيد ، قال : « سئل أبو جعفر الثاني علیه السلام : يجوز أن يقال لله إنّه شيء ؟
فقال علیه السلام: نَعَمْ يُخْرِجُهُ مِنَ الْحَدَّيْنِ : حَدَّ التَّعْطيلِ وَحَدَّ التَّشْبيهِ » (2).
إنّ الشيئيّة التي تطلق على الممكنات لا تطلق عليه تعالى إلّا بشرط تجريده من حدّ التعطيل ، وحدّ التشبيه اللذين هما من أبرز صفات الممكن.
4 - سأل أبو هاشم الجعفري الإمام الجواد علیه السلام عن قوله تعالى : لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ .)فقال علیه السلام: يا أَبا هاشِمٍ ، أَوْهامُ الْقُلوبِ أَدَقُّ مِنْ أَبْصارِ الْعيونِ ، أَنْتَ قَدْ تُدْرِكُ بِوَهْمِكَ السِّنْدَ وَالْهِنْدَ ، وَالْبُلْدانَ الَّتي لَمْ تَدْخُلْها ، وَلَا تُدْرِكُها بِبَصَرِكَ ، فَأَوْهامُ الْقُلوبِ لَا تُدْرِكُهُ فَكَيْفَ أَبْصارُ الْعيونِ ؟ (3.)
إنّ ذات الله تعالى لا تدركها أوهام القلوب على مدى ما تحمله من سعة الخيال فضلاً عن إدراكها بالعين الباصرة فإنّ كلّاً منهما محدود بحسب الزمان والمكان وذات الله تعالى لا يجري عليها الزمان والمكان فإنّه تعالى هو الذي خلقهما .وعلى أيّ حال فإنّ العقول في جميع تصوّراتها محدودة لا يمكن أن تكتشف الاُمور التي لا تخضع للحدّ زماناً ومكاناً ، يقول الشافعي : « إنّ للعقل حدّاً ينتهي إليه كما أن للبصر حدّاً ينتهي إليه » .5 - سأل أبو هاشم الجعفري الإمام أبا جعفر الجواد علیه السلام ، قال : ما معنى الواحد ؟فأجابه علیه السلام : الَّذي اجْتَمَعَتِ الْأَلْسُنُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحيدِ كَما قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ (1). وبهذا ينتهي بنا الحديث عن البحوث الرائعة التي أدلى بها الإمام علیه السلام عن التوحيد ، وهي تكشف عن مدى ثرواته العلميّة الهائلة .
1) التوحيد : 44 .
وتشكّل الأحاديث التي تُروى عن الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام مصدراً خصباً لاستنباط الأحكام الشرعية لدى فقهاء الشيعة الإماميّة؛ لأنّها من السنّة التي فسّرت - عندهم - بقول المعصوم وفعله وتقريره .
وقد اُثرت عنه طائفة كبيرة من الأخبار دوّنت في موسوعات الفقه والحديث ، وقد شملت معظم أبواب الفقه نذكر بعضها :
أمّا بحوث الصلاة وفروعها فهي من أوسع أبواب الفقه ، وكان من بين تلك الفروع التي عرض لها الإمام أبو جعفر علیه السلام ما يلي :
1 - روى الصدوق بسنده عن يحيى بن عمران ، قال : «كتبت إلى أبي جعفر الثاني علیه السلام في السنجاب (1)، والفنك (2)والخزّ (3)وقلت : جعلت فداك ، أُحبّ أن لا تجيبني بالتقيّة في ذلك .
1) السنجاب : حيوان على حدّ اليربوع أكبر من الفأرة شعره في غاية النعومة ، يُتّخذ من جلده الفراء يلبسه المتنعّمون ، وهو شديد الختل إن أبصر الإنسان صعد إلى الشجرة العالية ، وهو كثير في بلاد الصقالبة وأحسن جلوده الأزرق ، جاء ذلك في مجمع البحرين.
2) الفنك : دويبة برية يؤخذ منها الفرو ، يقال : إنّ فروها أطيب من جميع أنواع الفراء ، جاء ذلك في مجمع البحرين .
3) الخزّ : دابة من دواب الماء تمشي على أربع تشبه الثعلب ، ترعى في البر ، وتنزل في البحر ، لها وبر يُعمل منه الثياب ، تعيش في الماء ، جاء ذلك في مجمع البحرين .
فكتب بخطّه إليّ : صَلِّ فيها » (1).
واستدلّ الفقهاء بهذا الخبر ونحوه ممّا ورد في هذا الموضوع على جواز الصلاة في جلود هذه الحيوانات ، وهناك روايات اُخرى دالّة على المنع من الصلاة فيها ، ولسنا بصدد النظر في ترجيح إحدى الطائفتين من هذه الأخبار على الاُخرى فإنّ ذلك من شأن الكتب الفقهيّة الاستدلالية وليس هذا الكتاب منها .
2 - روى قاسم الصيقل ، قال : « كتبت إلى الرضا علیه السلام : إنّي أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي فاُصلّي فيها .
فكتب إليّ : اتَّخِذْ ثَوْباً لِصَلاتِكَ .
فكتبت إلى أبي جعفر علیه السلام: كنت كتبت إلى أبيك بكذا وكذا فصعب عليّ ذلك ، فصرت أعملها من جلود الوحشيّة الذكيّة .
فكتب إليّ : كُلُّ أَعْمالِ الْبِرِّ بِالصَّبْرِ يَرْحَمُكَ اللهُ فَإِنْ كانَ ما تَعْمَلُ وَحْشِيّاً ذَكِيّاً فَلَا بَأْسَ (2).
3 - واستدلّ الفقهاء على جواز الصلاة بالنعل الطاهرة الذكية بما رواه عليّ بن مهزیار ، قال : « رأيت أبا جعفر علیه السلام صلّى حين زالت الشمس يوم التروية ستّ ركعات خلف المقام وعليه نعلاه لم ينزعهما » (3).
وروی عبدالله بن رزین أنّه رأى أبا جعفر الثاني علیه السلام يصلّي في مسجد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم عند بيت فاطمة علیها السلام يخلع نعليه ، ويصلّي وإنّه رآه في ذلك الموضع الذي كان يصلّي فيه يصلّي في نعليه ولم يخلعهما ، حتّى فعل ذلك أيّاماً (4).
4 - واستند الفقهاء على جواز مناجاة الله في أثناء الصلاة برواية محمّد بن عليّ بن الحسين عن الإمام أبي جعفر علیه السلام قال : لَا بَأْسَ أَنْ يَتَكَلَّمَ الرَّجُلُ في صَلاةِ الْفَرِيضَةِ بِكُلِّ شَيْءٍ يُناجِي بِهِ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ » (1).
هذه بعض الأخبار التي أثرت عن الإمام أبي جعفر علیه السلام في الصلاة .
وردت عن الإمام أبي جعفر علیه السلام عدّة أخبار في فروع الزكاة كان من بينها ما يلي : استدلّ الفقهاء على جواز إخراج القيمة دون العين فيما تجب فيه الزكاة بما روي عن الإمام أبي جعفر علیه السلام فقد روى محمّد بن خالد البرقي ، قال : «كتبت إلى أبي جعفر الثاني علیه السلام : هل يجوز أن اُخرج عمّا يجب في الحرث من الحنطة والشعير ، وما يجب على الذهب دراهم قيمة ما يسوى أم لا يجوز إلّا أن يخرج من كلّ شيء ما فيه ؟
فأجابه : أَيُّما تَيَسَّرَ يَخْرُجُ » (2).
وتلتزم الشيعة الإمامية بلزوم الخمس ووجوبه الذي هو من أهمّ الضرائب الإسلاميّة التي فرضها الله على المسلمين لازدهار اقتصادهم ، ومعالجة الفقر والبؤس، ونصف من الخمس المسمّى بحقّ الإمام ينفق على إقامة معالم الشريعة الإسلاميّة وازدهار الحياة الفكريّة والعلميّة في الإسلام، وهو يجب في مواضع- ذكرها الفقهاء - منها ما يفضل عن مؤونة سنة الإنسان له ولعياله من أرباح التجارات ، والصناعات والزراعات ونحوها .
وقد استدلّ الفقهاء على ذلك بما اُثر عن الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام من الأخبار والتي منها :
1 - روى عليّ بن مهزیار ، عن محمّد بن الحسن الأشعري ، قال : «كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني علیه السلام: اخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصنّاع ؟ وكيف ذلك ؟
فكتب علیه السلام بخطّه : الْخُمْسُ بَعْدَ الْمَؤُونَةِ » (1).
2 - روى الشيخ في الصحيح عن عليّ بن مهزيار ، قال : «كتب إليه أبو جعفر علیه السلام وقرأت أنا كتابه إليه في طريق مكّة .
قال : إِنَّ الَّذي أَوْجَبْتُ في سَنَتي هٰذِهِ ، وَهٰذِهِ سَنَةُ عِشْرِينَ وَمائَتَيْنِ فَقَطْ لِمَعْنىً مِنَ الْمَعاني أَكْرَهُ تَفْسيرَ الْمَعْنىٰ كُلَّهُ خَوْفاً مِنَ الْإِنْتِشارِ ، وَسَاُفَسِّرُ لَكَ بَعْضَهُ إِنْ شاءَ اللَّهُ :
إِنَّ مَوالِيَّ أَسْأَلُ اللهَ صَلاحَهُمْ إِنَّ بَعْضَهُمْ قَصَّرُوا فيما يَجِبُ عَلَيْهِمْ ، فَعَلِمْتُ ذلِكَ فَأَحْبَبْتُ أَنْ اُطَهِّرَهُمْ وَاُزَكِّيهِمْ بِما فَعَلْتُ مِنْ أَمْرِ الْخُمُسِ في عامِي هٰذا قالَ تَعالىٰ: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٭ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ٭ «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ
1) وسائل الشيعة : 6 : 348 .
الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (1).
وَلَمْ أَوْجِبْ عَلَيْهِمْ ذلِكَ ، في كُلِّ عامٍ وَلَا أُوْجِبُ عَلَيْهِم إِلَّا الزَّكاةَ الَّتي فَرَضَها اللهُ عَلَيْهِمْ ، وَإِنَّما أَوْجَبْتُ عَلَيْهِمُ الْخُمُسَ في سَنَتي هٰذِهِ في الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الَّتي قَدْ حالَ عَلَيْهِما الْحَوْلُ ، وَلَمْ أُوجِبْ ذلِكَ عَلَيْهِمْ في مَتَاعٍ ، وَلَا آنِيَةٍ ، وَلَا دَوابٍّ ، وَلَا خَدَمٍ، وَلَا رِبْحٍ رَبَحوهُ في تِجارَةٍ، وَلَا ضَيْعَةٍ إِلّا في ضَيْعَةٍ سَاُفَسِّرُ لَكَ أَمْرَها تَخْفيفاً مِنّي عَنْ مَوالِيَّ، وَمَنّاً مِنّي عَلَيْهِمْ لِما يَغْتالُ السُّلْطانُ مِنْ أَمْوالِهِمْ ، وَلِما يَنوبُهُمْ في ذاتِهِمْ.
فَأَمّا الْغَنائِمُ وَالْفَوائِدُ فَهِيَ واجِبَةٌ عَلَيْهِمْ في كُلِّ عامٍ ، قالَ اللهُ تَعَالىٰ : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ ﴾ فَالْغَنائِمُ وَالْفَوائِدُ يَرْحَمُكَ اللهُ فَهِيَ الْغَنِيمَةُ يَغْنَمُها الْمَرْءُ وَالْفائِدَةُ يُفيدُها . وَالْجائِزَةُ مِنَ الْإِنْسانِ لِلْإِنْسانِ الَّتي لَهَا خَطَرٌ، وَالْمِيراثُ الَّذي لَا يُحْتَسَبُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَا ابْنِ ، وَمِثْلُ عَدُوٍّ يُصْطَلَمُ فَيُؤْخَذُ مالُهُ ، وَمِثْلُ مالٍ يُؤْخَذُ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ صاحِبٌ ، وَما صارَ إِلىٰ مَوالِيَّ مِنْ أَمْوالِ الْخُرَّمِيَّةِ الْفَسَقَةِ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَمْوالاً عِظاماً صارَتْ إِلىٰ قَوْمِ مِنْ مَوالِيَّ فَمَنْ كانَ عِنْدَهُ
1) الجمعة 62: 103 - 105 .
شَيْءٌ مِنْ ذلِكَ فَلْيُوصِلْهُ إِلىٰ وَكيلِي ، وَمَنْ كانَ نائِياً بَعيدَ الشُّفَّةِ فَلْيَعْمَدِ لإيصالِهِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ ، فَإِنَّ نِيَّةَ الْمَرْءِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ ، فَأَمّا الَّذي أُوجِبُ مِنَ الضَّياعِ وَالْغِلّاتِ في كُلِّ عامٍ فَهُوَ نِصْفُ السُّدُسِ ، مِمَّنْ كانَتْ ضَيْعَتُهُ تَقومُ بِمَؤُونَتِهِ ، وَمَنْ كانَتْ ضَيْعَتُهُ لَا تَقَومُ بِمَؤُونَتِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ نِصْفُ سُدُسٍ وَلَا غَيْرَ ذلِكَ » (1).
ومنيت هذه الصحيحة بكثير من الغموض وعدم وضوح المراد منها وقد ذكرت عليها عدّة إشكالات تصدّى بعض المحقّقين من الفقهاء إلى تفنيدها ، وذكر المحقّق الفقيه البحراني ما نصّه : فالحقّ ما ذكره جملة من الأصحاب من أنّ الرواية في غاية الإشكال ونهاية الاعضال (2).
واستند فقهاء الشيعة الإمامية في فتاواهم في بعض فروع الحجّ ومسائله إلى ما اُثر عن الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام فيها ، وفيما يلي ذلك :
1 - استند الفقهاء في استحباب الحجّ للصبي بما رواه محمّد بن الفضيل ، قال : « سألت أبا جعفر الثاني علیه السلام عن الصبيّ متى يحرم به ؟
قال : إِذا أَثْغَرَ (3).
وقد تعرّض الفقهاء إلى كيفيّة حجّه بالتفصيل .
2 - وأفتى فقهاء الإمامية بأنّ المخالف إذا حجّ ثمّ استبصر لم يعد حجّه إلّا أن يخلّ بركن عندنا (1)، وقد وردت رواية عن الإمام أبي جعفر علیه السلام تقضي بالإعادة .
فقد روى عليّ بن مهزیار قال : « كتب إبراهيم بن محمّد بن عمران الهمداني إلى أبي جعفر علیه السلام : إنّي حججت وأنا مخالف ، وكنت صرورة فدخلت متمتّعاً بالعمرة إلى الحجّ .
قال : فكتب إليه : أَعِدْ حَجَّكَ » (2).
وحمل الشيخ الأمر بإعادة الحجّ على الاستحباب (3).
3 - واتّفق فقهاء الإمامية بأنّ حجّ التمتّع أفضل أنواع الحجّ لمن أراد أن يحجّ حجّاً مندوباً ، وقد استندوا في ذلك إلى ما ورد عن الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام وغيره من أئمّة العترة الطاهرة علیهم السلام .
فقد روى أحمد بن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي جعفر الثاني علیه السلام قال : «كان أبو جعفر علیه السلام يقول : الْمُتَمَتِّعُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنَ الْمُفْرَدِ السّائِقِ لِلْهَدْيِ .
وكان يقول : لَيْسَ يَدْخُلُ الْحاجُّ بِشَيْءٍ أَفْضَلُ مِنَ الْمِتْعَةِ » (4).
4 - من التروك اللازمة في الحجّ التظليل للرجل الصحيح سائراً ، أمّا المرأة فيجوز لها الظلّ (5).
وقد ورد عن الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام في ذلك ما رواه بكر بن صالح قال : « كتبت إلى أبي جعفر الثاني علیه السلام إنّ عمّتي معي وهي زميلتي ويشتدّ عليها الحرّ
إذا أحرمت أفترى أن أظلّل عليّ وعليها ؟
فكتب عليه علیه السلام : ظَلِّلْ عَلَيْها وَحْدَها » (1).
هذه بعض فروع الحجّ التي وردت أحكامها عن الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام .
وسئل الإمام أبو جعفر الجواد علیه السلام عن بعض مسائل النذور وفروعه فأجاب عنها ، وكان ممّا سئل عنه .
1 - سئل الإمام الجواد علیه السلام عن الرجل يقول : عليّ مائة بدنة أو ما لا يطيق .
فقال : قالَ رَسولُ اللهِ صلی الله علیه و آله و سلم : ذلِكَ مِنْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ (2).
إنّ القدرة على الامتثال -كما يقول الفقهاء - شرط في صحّة التكليف ويستحيل أن يتعلّق بغير المقدور ، فمتعلّق النذر في هذه المسألة لمّا كان غير مقدور ولا يطيقه المكلّف كان النذر باطلاً.
2 - رفع رجل من بني هاشم رسالة إلى الإمام الجواد علیه السلام جاء فيها : « إنّي كنت نذرت نذراً منذ سنين أن أخرج إلى ساحل من سواحل البحر إلى ناحيتنا ممّا يرابط فيه المتطوّعة نحو مرابطتهم بجدّة وغيرها من سواحل البحر ، افترى جعلت فداك أنّه يلزمني الوفاء به أو لا يلزمني أو افتدي الخروج إلى ذلك بشيء من أبواب البرّ لأصير إليه إن شاء الله ؟ » .
فأجابه علیه السلام برسالة جاء فيها : « إِنْ كانَ سَمِعَ مِنْكَ نَدْرَكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُخالِفينَ فَالْوَفاءُ بِهِ إِنْ كُنْتَ تَخافُ شُنْعَتَهُ وَإِلّا فَاصْرِفْ ما نَوَيْتَ مِنْ ذلِكَ في أَبْوابِ الْبِرِّ ، وَفَّقَنا اللهُ
وَإِيّاكَ لِما يُحِبُّ وَيَرْضىٰ » (1).
ولم ينعقد هذا النذر لأنّ متعلّقه غير راجح ، وقد حثّ الإمام على أن يصرف نفقات مرابطته في وجوه البرّ والتي منها الإحسان إلى الفقراء .
وأفتى فقهاء الإماميّة بأنّ من حنث ما عاهد عليه الله تجب عليه الكفّارة المخيّرة وهي : عتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستّين مسكيناً ، وقد استندوا في ذلك إلى ما روي عن الإمام أبي جعفر علیه السلام.
فقد روى أحمد بن محمّد بن عيسى في نوادره ، عن أبي جعفر الثاني علیه السلام في رجل عاهد الله عند الحجر أن لا يقرب محرماً أبداً ، فلمّا رجع عاد إلى المحرم .
فقال أبو جعفر علیه السلام : يَعْتِقُ أَوْ يصَومُ أَوْ يَتَصَدَّقُ عَلىٰ سِتّينَ مِسْكيناً وَما تَرَكَ مِنَ الْأَمْرِ أَعْظَمُ وَيَسْتَغْفِرُ اللهَ وَيَتوبُ إِلَيْهِ (2).
سئل الإمام أبو جعفر علیه السلام عن بعض مسائل الوقف فأجاب عنها ، وعلى ضوء أجوبته أفتى الفقهاء ، وكان من بين ما سئل عنه :
1 - إنّه سئل عن الوقف الذي يكون على اُسرة وهي منتشرة في أنحاء مختلفة في البلاد ، فهل يجب على متولّي الوقف أن يوصل إليهم حقّهم من واردات الوقف ؟
فأجاب علیه السلام بعدم لزوم ذلك عليه ، وإنّ الوارد يختصّ بمن حضر البلد الذي فيه الوقف ، وهذا نصّ السؤال والجواب :
روى عليّ بن محمّد بن سليمان النوفلي ، قال : « كتبت إلى أبي جعفر الثاني علیه السلام أسأله عن أرض وقفها جدّي على المحتاجين من ولد فلان ابن فلان ، وهم كثيرون متفرّقون في البلاد .
فأجاب : ذَكَرْتَ الْأَرْضَ الَّتي وَقَفَها جَدُّكَ عَلىٰ فُقَراءِ وُلْدِ فُلانٍ ، وَهِيَ لِمَنْ حَضَرَ الْبَلَدَ الَّذي فيهِ الْوَقْفُ وَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَتَّبِعَ مَنْ كانَ غَائِباً » (1).
2 - روى عليّ بن مهزيار ، قال : « كتبت إلى أبي جعفر الثاني علیه السلام انّ فلاناً ابتاع ضيعة فأوقفها وجعل لك في الوقف الخمس ، ويسأل عن رأيك في بيع حصّتك من الأرض أو تقويمها على نفسه بما اشتراها ، أو يدعها موقفة ؟
فكتب علیه السلام : أَعْلِمْ فُلاناً أَنّي آمُرُهُ أَنْ يَبيعَ حَقِّي مِنَ الضَّيْعَةِ ، وَإِیْصالِ ثَمَنِ ذلِكَ إِلَيَّ ، وَإِنَّ ذلِكَ رَأْيِي إِنْ شاءَ اللهُ ، أَوْ يُقَوِّمُها عَلىٰ نَفْسِهِ إِنْ كانَ ذلِكَ أَوْفَقُ لَهُ (2).
وحمل الحرّ العاملي الرواية على عدم قبض الإمام للضيعة ، كما هو الظاهر منه حتى يصحّ البيع .
3 - روى عليّ بن مهزیار ، قال : « كتبت إلى أبي جعفر علیه السلام أعلمه أنّ إسحاق بن إبراهيم وقف ضيعته على الحجّ ، واُمّ ولده وما فضل عنها للفقراء ، وإنّ محمّد بن إبراهيم أشهد على نفسه بمال يفرّق في اخواننا ، وإنّ في بني هاشم من يعرف حقّه ، يقول بقولنا ممّن هو محتاج ، فترى أن يصرف ذلك إليهم إذا كان سبيله سبيل الصدقة ؟ لأنّ وقف إسحاق إنّما هو صدقة ..
فكتب علیه السلام في الجواب : فَهِمْتُ رَحِمَكَ اللهُ ما ذَكَرْتَ مِنْ وَصِيَّةِ إِسْحاقَ بْنِ إبْراهيمَ رضي الله عنه ، وَما أَشْهَدَ بِذلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْراهِيمَ رضي الله عنه، وَمَا اسْتَأْمَرْتَ بِهِ مِنْ إِيصالِكَ
بَعْضَ ذلِكَ إِلىٰ مَنْ كانَ لَهُ مَيْلٌ وَمَوَدَّةٌ مِنْ بَني هاشِمٍ مِمَّنْ هُوَ مُسْتَحِقٌّ فَقيرٌ ، فَأَوْصِلْ ذلِكَ إِلَيْهِمْ يَرْحَمُكَ اللهُ ، فَهُمْ إِذا صاروا إِلىٰ هٰذِهِ الْخِطَّةِ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِمْ لِمَعْنىً لَوْ فَسَّرْتُهُ لَكَ لَعَلِمْتَهُ إِنْ شاءَ اللهُ » (1).
وأدرج الحرّ العاملي هذه الرواية تحت عنوان ( جواز إعطاء فقراء بني هاشم من الصدقة سوى الزكاة من الوقف على الفقراء ) (2).
واثرت عن الإمام أبي جعفر علیه السلام في الزواج عدّة أخبار استند إليها الفقهاء في فتواهم ، وكان من بينها عدم ولاية العمّ على ابنة أخيه في الزواج .
فقد روی محمّد بن الحسن الأشعري ، قال : « كتب بعض بني عمّي إلى أبي جعفر الثاني علیه السلام : ما تقول في صبيّة زوجها عمّها ، فلمّا كبرت أبت التزويج .
فكتب علیه السلام : لا تُكْرَهُ عَلىٰ ذلِكَ وَالْأَمْرُ أَمْرَها » (3).
وسئل الإمام أبو جعفر علیه السلام عن الطلاق المخالف لفقه أهل البيت علیهم السلام ، فأجاب علیه السلام بعدم صحّته إن كان المطلّق ممّن يدين بالولاء لهم ، ويسير على وفق ما اُثر عنهم ، وإن كان المطلّق لا يرى ذلك فطلاقه صحيح .
وهذا نصّ جوابه عن هذا السؤال الذي سأله عنه إبراهيم بن محمّد الهمداني : «فَهِمْتُ ما ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ بِنْتِكَ وَزَوْجِها - إلى أن قال -: وَمِنْ حَنَثِهِ بِطَلاقِها غَيْرَ مَرَّةٍ
فَانْظُرْ فَإِنْ كانَ مِمَّنْ يَتَولّانا ، وَيَقولُ بِقَوْلِنا فَلَا طَلاقَ عَلَيْهِ لأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ أَمْراً جَهِلَهُ . وَإنْ كانَ مِمَّنْ لَا يَتَوَلّانا وَلَا يَقولُ بِقَوْلِنا فَاخْتَلِعْها مِنْهُ ، فَإِنَّهُ نَوَى الْفِراقَ » (1).
وإذا توفّرت في الرضاع الشروط المعتبرة التي ذكرها الفقهاء فيترتّب عليه ما يترتّب على النسب من الآثار الوضعيّة ، ففي الحديث : «الرّضاعُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ » .
وكان من بين مسائل الرضاع التي عرضت على الإمام أبي جعفر علیه السلام وأجاب عنها ما رواه عليّ بن مهزیار ، قال : « سأل عيسى بن جعفر بن عيسى أبا جعفر الثاني علیه السلام أنّ امرأة أرضعت لي صبيّاً ، فهل يحلّ لي أن أتزوج ابنة زوجها ؟
فقال لي : ما أَجْوَدَ ما سَأَلْتَ مِنْ هاهُنا يُؤْتىٰ أَنْ يَقولَ النّاسُ : حَرُمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ مِنْ قِبَلِ لَبَنِ الْفَحْلِ ، هٰذا هُوَ لَبَنُ الْفَحْلِ لَا غَيْرُهُ .
فقلت له : الجارية ليست ابنة المرأة التي أرضعت لي ، هي ابنة غيرها .
فقال : لَوْ كُنَّ عَشْراً مُتَفَرِّقاتِ ما حَلَّ لَكَ شَيْءٌ مِنْهُنَّ ، وَكُنَّ في مَوْضِع بَناتِكَ (2).
وسئل الإمام أبو جعفر الجواد علیه السلام عن الزاني ، هل له أن يتزوّج بالمزني بها ؟
فأجاب علیه السلام بالجواز بعد استبرائها ، وهذا نصّ السؤال مع جوابه :
روى الحسن بن عليّ بن شعبة ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الجواد علیه السلام،
أنّه سئل عن رجل نكح امرأة على زنا أيحلّ له أن يتزوّجها ؟
فقال : يَدَعُها حَتّىٰ يَسْتَبْرِئَها مِنْ نُطْفَتِهِ وَنُطْفَةٍ غَيْرِهِ إِذْ لَا يُؤْمَنُ مِنْها أَنْ تَكونَ قَدْ أَحْدَثَتْ مَعَ غَيْرِهِ حَدَثاً كَما أَحْدَثَتْ مَعَهُ ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُ بِها إِنْ أَرادَ ، فَإِنَّما مَثَلُها مَثَلُ نَخْلَةٍ أَكَلَ رَجُلٌ مِنْها حَراماً ثُمَّ اشْتَراها فَأَكَلَ مِنْها حَلالاً » (1).
من الآثار الخطيرة التي تترتّب على اقتراف جريمة الزنا : أنّ ابن الزنا لا يلحق بأبويه ويحرم من ميراثهما ، وقد اُثر عن الإمام أبي جعفر علیه السلام في ذلك ما رواه محمّد بن الحسن الأشعري ، قال : « كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني علیه السلام معي يسأله عن رجل فجر بأمرأة ، ثمّ إنّه تزوّجها بعد الحمل ، فجاءت بولد هو أشبه خلق الله به .
فكتب بخطّه وخاتمه : الْوَلَدُ لِغَيَّةِ لَا يُوَرَّثُ » (2).
من البحوث الفقهيّة : الشفعة ، وقد سئل الإمام أبو جعفر علیه السلام عن بعض أحكامها فأجاب عنها ، فقد روى الثقة الفقيه عليّ بن مهزیار ، قال : «سألت أبا جعفر الثاني علیه السلام عن رجل طلب شفعة أرض فذهب على أن يحضر المال فلم ينضّ ، فكيف يصنع صاحب الأرض إن أراد بيعها أيبيعها أو ينتظر مجيء شريكه صاحب الشفعة ؟
قال : إنْ كانَ مَعَهُ بِالْمِصْرِ فَلْيَنْتَظِرْ بِهِ ثَلاثَةَ أَيّامٍ فَإِنْ أَتاهُ بِالْمالِ وَإِلّا فَلْيَبِعْ ، وَبَطَلَتْ
شَفْعَتُهُ في الْأَرْضِ وَإِنْ طَلَبَ الْأَجَلَ إِلىٰ أَنْ يَحْمِلَ الْمالَ مِنْ بَلَدٍ إِلىٰ آخَرَ فَلْيَنْتَظِرْ بِهِ مِقْدارَ ما يُسافِرُ الرَّجُلُ إِلىٰ تِلْكَ الْبَلْدَةِ ، وَيَنْصَرِفُ وَزِيادَةَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِذا قَدِمَ فَإِنْ وافاهُ وَإِلّا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ (1).
وقد أدرج الشيخ الحرّ هذا الخبر تحت هذا العنوان ( باب أنّ الثمن إذا كان في المصر انتظر به ثلاثة أيام ، وإن كان في بلد آخر انتظر به قدر الذهاب والعودة وزيادة ثلاثة أيام ، فإن زاد بطلت الشفعة ) .
وسئل الإمام أبو جعفر علیه السلام عن بعض فروع الميراث فأجاب عنها ، ونعرض لبعضها :
1 - روى محمّد بن عليّ بن الحسين باسناده عن البزنطي ، قال : « قلت لأبي جعفر الثاني علیه السلام : رجل هلك ، وترك ابنته وعمّه .
فقال : الْمالُ لِلْإِبْنَةِ .
قال : وقلت له : رجل مات وترك ابنة له وأخاً له - أو قال : ابن أخيه -.
فقال : الْمالُ لِلْإِبْنَةِ » (2).
2 - روى عليّ بن مهزیار ، قال : « سألت أبا جعفر الثاني علیه السلام عن دار كانت لامرأة وكانت لها ابن وابنة ، فغاب الابن في البحر ، وماتت المرأة ، فادّعت ابنتها أنّ اُمها كانت صيّرت هذه الدار لها وباعت أشقاصاً منها وبقيت في الدار قطعة إلى جنب دار رجل من أصحابنا ، وهو يكره أن يشتريها لغيبة الابن، وما يتخوّف أن لا يحلّ شراؤها ، وليس يعرف للابن خبر .
فقال لي : وَمُنْذُ كَمْ غابَ ؟
قلت : منذ سنين كثيرة .
قال : يَنْتَظِرُ بِهِ غَيْبَةَ عَشْرَةِ سِنينَ ، ثُمَّ يَشْتَري (1).
فقلت : إذا انتظر به غيبة عشر سنين يحلّ شراؤها ؟
قال : نَعَمْ » (2).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض المسائل الفقهية التي أدلى بها الإمام الجواد علیه السلام حينما سئل عنها وهي تكشف بوضوح عن أنّ الإمام علیه السلام قد كان المرجع الوحيد الذي يرجع إليه معظم المسلمين في شؤونهم الدينيّة .
وكشف الإمام محمّد الجواد علیه السلام النقاب عن العلّة في تشريع بعض الأحكام، وكان من بينها ما يلي :
1 - سئل محمّد بن سليمان عن العلّة في جعل عدّة المطلّقة ثلاث حِيض أو ثلاثة أشهر، وصارت عدّة المتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً.
فأجابه الإمام علیه السلام عن ذلك : أَمّا عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ ثَلاثَةُ قُروءٍ فَلاِسْتِبْراءِ الرَّحِمِ مِنَ الْوَلَدِ ، وَأَمّا عِدَّةُ الْمُتَوَفّىٰ عَنْها زَوْجُها فَإِنَّ اللَّهَ تَعالىٰ شَرَطَ لِلنِّساءِ شَرْطاً ، وَشَرَطَ عَلَيْهِنَّ شَرْطاً فَلَمْ يُحابِهِنَّ فيما شَرَطَ لَهُنَّ ، وَلَمْ يَجُرْ فيما اشْتَرَطَ عَلَيْهِنَّ .
أَمّا ما شَرَطَ لَهُنَّ في الْإِیْلاءِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ إِذْ يَقولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُر (1)، فَلَمْ يُجَوِّزْ لأَحَدٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ في الْإِیْلاءِ لِعِلْمِهِ تَبارَكَ اسْمُهُ أَنَّهُ غايَةُ صَبْرِ الْمَرْأَةِ عَنِ الرَّجُلِ .)وَأَمّا ما شَرَطَ عَلَيْهِنَّ فَإِنَّهُ أَمَرَها أَنْ تَعْتَدَّ إِذا ماتَ زَوْجُها أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَأَخَذَ مِنْها لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ ما أَخَذَ لَها مِنْهُ في حَياتِهِ عِنْدَ الْإِیْلاءِ ، قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً (2)، وَلَمْ يَذْكُرِ)
الْعَشَرَةَ الْأَيّامِ في الْعِدَّةِ إِلّا مَعَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَعَلِمَ أَنَّ غايَةَ الْمَرْأَةِ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ في تَرْكِ الْجِماعِ فَمِنْ ثَمَّ أَوْجَبَهُ عَلَيْها وَلَها » (1.)2 - سأل محمّد بن سليمان الإمام الجواد علیه السلام عن العلّة فيما إذا قذف الرجل امرأته بجريمة الزنا تكون شهادته أربع شهادات بالله ، وإذا قذفها غيره - سواء أكان قريباً لها أم بعيداً - جلد الحدّ أو يقيم البيّنة على ما قال .فأجابه علیه السلام : قَدْ سُئِلَ أَبو جَعْفَرٍ - يعني الإمام الباقر علیه السلام- عَنْ ذلِكَ فَقالَ: إِنَّ الزَّوْجَ إِذا قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَقالَ : رَأَيْتُ ذلِكَ بِعَيْني كانَتْ شَهادَتُهُ أَرْبَعَ شَهاداتٍ باللهِ .وَإِذا قالَ : إِنَّهُ لَمْ يَرَهُ قيلَ لَهُ أَقِمِ الْبَيِّنَةَ عَلىٰ ما قُلْتَ ، وَإِلَّا كانَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ ، وَذلِكَ أَنَّ اللهَ تَعالىٰ جَعَلَ لِلزَّوْجِ مَدْخَلاً لَا يَدْخُلُهُ غَيْرُهُ والِدٌ وَلَا وَلَدٌ يَدْخُلُهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ فَجازَ لَهُ أَنْ يقولَ : رَأَيْتُ ، وَلَوْ قالَ غَيْرُهُ : رَأَيْتُ ، قيلَ لَهُ: وَما أَدْخَلَكَ الْمَدْخَلَ الَّذي تَرىٰ هٰذا فيهِ وَحْدَكَ ، أَنْتَ مُتَّهَمٌ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُقيمَ عَلَيْكَ الْحَدَّ الَّذي أَوْجَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ » (2.)هذا بعض ما اثر عنه في بيان علل بعض الأحكام التي شرعها الإسلام.
### التبشير بالإمام المهدي عليه السلاموالشيء المحقّق الذي لا يمكن إنكاره ، ولا إخفاؤه هو ما بشّر به الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم اُمّته بخروج المصلح العظيم الإمام المنتظر الذي يقيم اعوجاج الدين ، وتتحقّق في ظلال حكمه العدالة الاجتماعية الكبرى فيأمن المظلومون والمضطهدون ، ويعمّ الحقّ جميع أنحاء الدنيا، ويقضى على الغبن الاجتماعي ، وتزول عن الناس جميع أفانين الظلم والجور، ويكون حكمه الزاهر امتداداً ذاتياً لحكومة النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم وحكومة الإمام أمير المؤمنين علیه السلام رائد الحقّ والعدل في الأرض .إنّ الاعتقاد بضرورة خروج الإمام المنتظر عجّل الله فرجه جزء من رسالة الإسلام، وعنصر هام من عناصر العقيدة الإسلاميّة ، فإنّ الإسلام بمفهومه الصحيح لا بدّ أن يسود الأرض ، ولا بدّ للمبادئ الوضعيّة من أن تتحطّم لأنّها جرّت المحن والخطوب للإنسان ، وأخلدت له المشاكل والمتاعب ، ولا بدّ أن ينقذ الله عباده من شرورها واستبدادها على يد هذا الإمام العظيم.وعلى أي حال فقد تواترت الأخبار عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم و عن الأئمّة الطاهرين بحتمية خروج قائم آل محمّد صلی الله علیه و آله و سلم ، وكان ممّن بشر به الإمام الجواد علیه السلام ، وفيما يلي بعض ما اُثر عنه :1 - روى عبد العظيم بن عبد الله الحسني ، قال : « دخلت على سيدي محمّد بن عليّ بن موسى علیه السلام وأنا اُريد أن اسأله عن القائم هل هو المهدي أو غيره ؟ فابتدأني قائلاً :« يا أَبَا الْقاسِمِ ، إِنَّ الْقائِمَ مِنّا هُوَ الْمَهْدِيُّ الَّذي يَجِبُ أَنْ يُنْتَظَرَ في غَيْبَتِهِ ، وَيُطاعَ في ظُهورِهِ ، وَهُوَ الثّالِثُ مِنْ وُلْدِي ، وَالَّذي بَعَثَ مُحَمَّداً
بِالنُّبُوَّةِ ، وَخَصَّنا بِالْإِمامَةِ ، إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا إِلّا يَوْمٌ واحِدٌ لَطَوَّلَ اللهُ ذلِكَ الْيَوْمَ حَتّىٰ يَخْرُجَ فيهِ فَيَمْلَأَ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَما مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً ، وَإِنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وَتَعالىٰ لَيُصْلِحُ لَهُ أَمْرَهُ في لَيْلَةٍ كَما أَصْلَحَ أَمْرَ كَليمِهِ مُوسىٰ ، إِذْ ذَهَبَ يَقْتَبِسُ ناراً فَرَجَعَ وَهُوَ رَسولٌ نَبِيٌّ .وأضاف الإمام الجواد قائلاً: أَفْضَلُ أَعْمالُ شيعَتِنا انْتِظارُ الْفَرَج » (1.)2 - روى عبد العظيم الحسني ، قال : « قلت لمحمّد بن علي : إنّي لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمّد صلی الله علیه و آله و سلم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ؟ فأجابه الإمام الجواد علیه السلام :« يا أَبا الْقاسِمِ ، ما مِنّا إِلَّا وَهُوَ قائِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَادٍ إِلىٰ دينِ اللهِ ، وَلكِنَّ الْقائِمَ الَّذي يُطَهِّرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ الْأَرْضَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْجُحودِ ، وَيَمْلَأُها عَدْلاً وَقِسْطاً هُوَ الَّذي تَخْفىٰ عَلَى النّاسِ وِلادَتُهُ ، وَيَغيبُ عَنْهُمْ شَخْصُهُ ، وَيُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ تَسْمِيَتُهُ ، وَهُوَ سَمِيُّ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه و آله و سلم وَكَنِيِّهِ ، وَهُوَ الَّذي تُطُوىٰ لَهُ الْأَرْضُ ، وَيَذِلُّ لَهُ كُلُّ صَعْبٍ ، وَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ مِنْ أَصْحابِهِ عِدَّةُ أَهْلِ بَدْرٍ ثَلاثُمائَةٍ وَثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً مِنْ أَقاصي الْبِلادِ ، وَذلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2). فَإِذا اجْتَمَعَتْ لَهُ هٰذِهِ الْعِدَّةُ مِنْ أَهْلِ الْإِخْلاصِ)
أَظْهَرَ اللهُ أَمْرَهُ » (1.)لقد أخبر الإمام الجواد علیه السلام عن بعض خصائص الإمام المنتظر علیه السلام من غياب شخصه وحجبه عن الأنظار ، كما أخبر عن عدد أصحابه بعد ظهوره وأنّهم كعدد أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يوم بدر ، فقد استطاع بتلك القلّة المتسلّحة بالإيمان والوعي أن يقضي على معالم الجاهليّة، ويدمّر القوى الباغية ، ويرفع كلمة الله عالية في الأرض.كذلك وصيّه الأعظم الإمام المنتظر علیه السلام ، فإنّه بأصحابه القلّة المؤمنة سوف يغيّر مجرى الحياة ، فيبسط العدل السياسي والعدل الاجتماعي في ربوع الأرض ، ويحقّق للإنسانيّة أعظم الانتصارات، ويقضي على معالم الجاهليّة التي طغت في هذه العصور التي خضع الناس فيها للمادة ، ولم يعد للقيم الروحية والمثل الكريمة أي ظلّ في النفوس ، أرانا الله الأيام المشرقة من أيام حكمه .
1) إكمال الدين وإتمام النعمة : 2 : 49 . كفاية الأثر : 281 .
### من واقع الإيمان#### اشارةللإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام بعض النصائح الرفيعة الهادفة إلى الإيمان بالله والثقة به والتوكّل عليه ، ومن بينها :#### 1 - الثقة بالله عزّ وجلّقال علیه السلام : «إِنَّ مَنْ وَثِقَ بِاللهِ أَراهُ السُّرُورَ ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ كَفاهُ الْاُمُورَ ، وَالثِّقَةُ بِاللَّهِ حِصْنٌ لَا يَتَحَصَّنُ فِيهِ إِلَّا الْمُؤْمِنُ ، وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ نَجاةٌ مِنْ كُلِّ سُوءٍ ، وَحِرْزٌ مِنْ كُلِّ عَدُوٍّ » (1.)وحفلت هذه الكلمات الذهبية بأروع ما يحتاج إليه الناس في حياتهم وهو الثقة بالله خالق الكون وواهب الحياة ، فمن وثق به أراه السرور ، ومن توكّل علیه کفاه الاُمور.#### 2 - الاستغناء بالله عزّ وجلّودعا الإمام الجواد علیه السلام إلى الاستغناء بالله تعالى، ورجائه دون غيره ، قال علیه السلام :« مَنِ اسْتَغْنىٰ بِاللهِ افْتَقَرَ النّاسُ إِلَيْهِ ، وَمَن اتَّقَى اللهَ أَحَبَّهُ النّاسُ » (2.)إنّ من يستغني بالله فقد استغنى عن غيره، ويفتقر إليه الناس لأنّه يكون داعية ومصدر عطاء لهم .
#### 3 - الانقطاع إلى الله عزّ وجلّوحثّ الإمام الجواد علیه السلام على الانقطاع إلى الله الذي لا ينقطع فيضه ولا لطفه ، أمّا من ينقطع إلى غيره فقد باء بالخيبة والخسران .قال علیه السلام : « مَنِ انْقَطَعَ إِلىٰ غَيْرِ اللهِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَيْهِ » (1.)#### 4 - القصد إلى الله بالقلوبإنّ من واقع الإيمان القصد إلى الله تعالى في أعماق القلوب ودخائل النفوس ، ومن الطبيعي أنّ ذلك أبلغ بكثير من أتعاب الجوارح ومعاناتها بالأعمال وقد أعلن علیه السلام ذلك بقوله : « الْقَصْدُ إِلَى اللهِ تَعالىٰ بِالْقُلوبِ أَبْلَغَ مِنْ إِتْعابِ الْجَوارِح بِالْأعْمالِ » (2.)
### مكارم الأخلاق#### اشارةودعا الإمام الجواد علیه السلام إلى الاتّصاف بمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات ، وكان ممّا أوصى به :1 - قال علیه السلام : « مِنْ حُسْنِ خُلُقِ الرَّجُلِ كَفُّ أَذاهُ ، وَمِنْ كَرَمِهِ بِرُّهُ لِمَنْ يَهْواهُ ، وَمِنْ صَبْرِهِ قِلَّهُ شَكْواهُ ، وَمِنْ نُصْحِهِ نَهْيُهُ عَمّا لَا يَرْضاهُ ، وَمِنْ رِفْقِ الرَّجُلِ بِأَخِيهِ تَرْكُ تَوْبِيخِهِ بِحَضْرَةِ مَنْ يَكْرَهُ ، وَمِنْ صِدْقِ صُحْبَتَهُ إِسْقاطُهُ الْمَؤُونَةَ ، وَمِنْ عَلَامَةِ مَحَبَّتِهِ كَثْرَةُ الْمُوافَقَةِ وَقِلَّةُ الْمُخالَفَةِ » (1.)ووضع علیه السلام بهذه الكلمات الرائعة الاُسس لحسن الأخلاق ومكارم الأعمال ، والدعوة إلى قيام الصداقة والصحبة على واقع من الفكر والمرونة .2 - قال علیه السلام : «حَسَبُ الْمَرْءِ مِنْ كَمالِ الْمُروءَةِ أَنْ لا يَلْقىٰ أَحَداً بِما يَكْرَهُ.. وَمِنْ عَقْلِهِ إِنصافُهُ قَبولَ الْحَقِّ إِذا بانَ لَهُ » (2.)#### قضاء حوائج الناسوكان ممّا دعا إليه الإمام الجواد علیه السلام السعي والمبادرة في قضاء حوائج الناس ، وذلك لما لها من الآثار التي تترتّب عليها والتي منها دوام النعم .قال علیه السلام : « إِنَّ لِلَّهِ عِباداً يَخُصُّهُمْ بِدوامِ النِّعَمِ ، فَلَا تَزالُ فيهِم ما بَذَلوا لَها ، فَإِذا مَنَعوها نَزَعَها عَنْهُم وَحَوَّلَها إِلىٰ غَيْرِهِم » (3.)
وأكّد علیه السلام ذلك في حديث آخر له قال :« ما عَظُمَتْ نِعَمُ اللهِ عَلىٰ أَحَدٍ إِلَّا عَظُمَتْ إِلَيْهِ حَوائِجُ النّاسِ ، فَمَن لَمْ يَحْتَمِلْ تِلْكَ الْمَؤونَةَ عَرَّضَ تِلْكَ النِّعْمَةَ لِلزَّوالِ » (1.)#### من آداب السلوكووضع الإمام الجواد علیه السلام البرامج الصحيحة لحسن السلوك وآدابه بين الناس ، وكان من بين ما دعا له :1 - قال علیه السلام : « ثَلَاثُ خِصالٍ تُجْلَبُ فِيْهِنَّ الْمَوَدَّةُ : الْإِنْصافُ فِي الْمُعاشَرَةِ ، وَالْمُواساةُ فِي الشِّدَّةِ ، وَالْإِنْطِواءُ عَلىٰ قَلْبٍ سَلِيمٍ » (2.)2 - قال علیه السلام : « ثَلَاثَةٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ لَمْ يَنْدَمْ : تَرْكُ الْعَجَلَةِ ، وَالْمَشُورَةُ ، وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ تَعالىٰ عِنْدَ الْعَزِيمَةِ ، وَمَنْ نَصَحَ أَخاهُ سِرّاً فَقَدْ زانَهُ ، وَمَنْ نَصَحَهُ عَلَانِيَةً فَقَدْ شانَهُ » (3.)3 - قال علیه السلام : « عِنْوانُ صَحِيْفَةِ الْمُؤْمِنِ حُسْنُ خُلُقِهِ ، وَعِنْوانُ صَحِيفَةِ السَّعِيدِ حُسْنُ الثَّناءِ عَلَيْهِ ، وَالشُّكْرُ زِيْنَةُ الرّوايَةِ ، وَخَفْضُ الْجَناحِ زِيْنَةُ الْعِلْمِ ، وَحُسْنُ الْآدابِ زِيْنَةُ الْعَقْلِ ، وَالْجَمالُ فِي اللِّسانِ ، وَالْكَمالُ فِي الْعَقْلِ » (4.)وحفلت هذه الكلمات باُصول الحكمة وقواعد الأخلاق والآداب ، ولو لم تكن له إلّا هذه الكلمات لكانت كافية في التدليل على إمامته ، إذ كيف يستطيع شابّ في مقتبل العمر أن يدلي بهذه الحكم الخالدة التي يعجز عن الإتيان بمثلها كبار العلماء .
#### الدعوة إلى فعل المعروفودعا الإمام الجواد علیه السلام إلى اصطناع المعروف قال علیه السلام : « أَهْلُ الْمَعْرُوفِ إِلَى اصْطِناعِهِ أَحْوَجُ مِنْ أَهْلِ الْحاجَةِ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّ لَهُم أَجْرَهُ وَفَخْرَهُ وَذِكْرَهُ ، فَمَهْما اصْطَنَعَ الرَّجُلُ مِنْ مَعْرُوفٍ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ فيهِ بِنَفْسِهِ (1.)#### التوبةوفتح الله باب التوبة لعباده ، ودعاهم إلى طهارة نفوسهم ، وإنقاذهم ممّا اقترفوه من عظيم الجرائم والذنوب.وقد روى أحمد بن عيسى في نوادره عن أبيه أنّ رجلاً أربى (2دهراً ، فخرج قاصداً أبا جعفر الجواد علیه السلام ، و عرض عليه ما ارتكبه من عظيم الإثم فقال علیه السلام له :)« مَخْرَجُكَ مِنْ كِتابِ اللهِ ، يَقولُ اللهُ: (فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فَانْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ (3)وَالْمَوْعِظَةُ هِيَ التَّوْبَةُ ، فَجَهْلُهُ بِتَحْرِيمِهِ ، ثُمَّ مَعْرِفَتُهُ بِهِ ، فَما مَضىٰ فَحَلالٌ ، وَما بَقِيَ فَلْيَسْتَحْفِظْ » (4). أمّا الأموال الربويّة التي أخذها - بغير حقّ - فيجب عليه أن يردّها إلى أربابها ولا تبرأ ذمّته منها بالتوبة والرواية ناظرة إلى الحكم التكليفي .
وروى الإمام الجواد علیه السلام ، عن آبائه علیهم السلام « أَوْحَى اللَّهُ إِلىٰ بَعْضِ الْأَنْبِياءِ : أَمّا زُهْدُكَ
في الدُّنْيا فَتَعَجُّلُكَ الرّاحَةَ ، وَأَمّا انْقِطاعُكَ إِلَيَّ فَيُعَزِّزُكَ بي ، وَلكِنْ هَلْ عادَيْتَ لي عَدُوّاً ، وَوالَيْتَ لي وَلِيّاً » (1).
وتحدّث الإمام الجواد علیه السلام ، عمّا يحتاج إليه المؤمن في هذه الحياة بقوله : « الْمُؤْمِنُ يَحْتاجُ إِلىٰ تَوْفيقِ مِنَ اللَّهِ ، وَواعِظٍ مِنْ نَفْسِهِ ، وَقَبولٍ مِمَّنْ يَنْصَحُهُ » (2).
واثرت عن الإمام الجواد علیه السلام بعض المواعظ ومنها ما يلي :
1 قال علیه السلام : « تَأْخيرُ التَّوْبَةِ اغْتِرارٌ ، وَطولُ التَّسْوِيفِ حَيْرَةٌ ، وَالْإِعْتِلالُ عَلَى اللهِ هَلَكَةٌ ، وَالْإِصْرارُ عَلَى الذَّنْبِ أَمْنٌ لِمَكْرِ اللهِ (فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ (1)» (2).
2 - قال له رجل : أوصني ، فأوصاه علیه السلام بهذه الوصية القيّمة :
« تَوَسَّدِ الصَّبْرَ ، وَاعْتَنِقِ الْفَقْرَ ، وَارْفُضِ الشَّهَواتِ ، وَخالِفِ الْهَوىٰ ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تَخْلُوَ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ ، فَانْظُرْ كَيْفَ تَكونُ » (3).
3 - كتب الإمام الجواد علیه السلام إلى بعض أوليائه هذه الرسالة الموجزة وهي حافلة بالوعظ والارشاد وقد جاء فيها :
« أَمّا هٰذِهِ الدُّنْيا فَإِنّا فيها مُعْتَرِفونَ ، وَلكِنْ مَنْ كانَ هَواهُ هَوىٰ صاحِبِهِ وَدانَ بِدينِهِ فَهُوَ مَعَهُ حَيْثُ كانَ (4)، وَالْآخِرَةُ هِيَ دارُ الْقَرارِ » (5).
هذه بعض مواعظه الحافلة بالدعوة إلى العمل بما يقرّب الإنسان من ربِّه ، ويبعده عن عقابه ، وفيها التحذير من اتّباع النزعات الشريرة القائمة في نفس الإنسان ، وهي
تدفعه إلى الهلكة والمخاطر، والانحراف في ميادين الرذائل والجرائم .
لقد عنى الإمام محمّد الجواد علیه السلام في وعظ الناس وإرشادهم كما عنى آباؤه بذلك ، فقد كانت هذه الظاهرة من ألمع ما نقرأه في سيرتهم وحياتهم .
وتبادل الإمام الجواد علیه السلام مع جماعة من القائلين بإمامته جملة من الرسائل تناولت مختلف القضايا ومن بين تلك الرسائل :
1 - بعث الإمام الجواد علیه السلام رسالة إلى رجل من أهل الحيرة جاء فيها بعد البسملة :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي انْتَجَبَ مِنْ خَلْقِهِ ، وَاخْتارَ مِنْ عِبادِهِ ، وَاصْطَفىٰ مِنَ النَّبِيِّينَ مُحَمَّداً صلى الله عليه و آله و سلم فَبَعَثَهُ بَشيراً وَنَذيراً وَ دَليلاً عَلىٰ سَبِيلِهِ الَّذي مَنْ سَلَكَهُ لَحِقَ ، وَمَنْ تَقَدَّمَهُ مَرَقَ ، وَمَنْ عَدَلَ عَنْهُ مُحِقَ ، وَصَلَّى اللهُ عَلىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ .
أَمّا بَعْدُ: فَإِنّي اُوصي أَهْلَ الْإِجابَةِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذي جَعَلَ لِمَنِ اتَّقاهُ الْمَخْرَجَ مِنْ مَكْروهِهِ ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْجَبَ لِوَلِيِّهِ ما أَوْجَبَهُ لِنَفْسِهِ وَنَبِيِّهِ في مُحْكَمِ كِتابِهِ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبين .. وَقَدْ بَلَغَني عَنْ أَقْوامِ انْتَحَلوا الْمَوَدَّةَ وَنُحِلوا بِدينِ اللَّهِ ، وَدينِ مَلائِكَتِهِ شَكوا في النِّعْمَةِ ، وَحَمَلوا أَوْزارَهُمْ وَأَوْزارَ الْمُقْتَدينَ بِهِمْ ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ وَما وَرِثوهُ مِنْ أَسْلافٍ صالِحينَ ، أَبْصَروا فَلَزِموا ، وَلَمْ يُؤْثِروا دُنْياً حَقيرَةً عَلىٰ آخِرَةِ مُؤَبَّدَةٍ ، فَأَيْنَ يَذْهَبُ الْمُبْطِلونَ؟ سَوْفَ يَأْتي عَلَيْهِمْ يَوْمٌ يَضْمَحِلُّ عنْهُمْ فيهِ الْباطِلُ ، وَتَنْقَطِعُ أَسْبابُ الْخَدائِعِ ، وَذلِكَ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذِ الْقُلوبُ لَدَى الْحناجِرِ .
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي يَفْعَلُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَليمُ الْخَبِيرُ » (1).
ولم تشر المصادر التي بأيدينا إلى أسماء هؤلاء الأشخاص الذين انحرفوا عن الحقّ ، وضلّوا عن الطريق ، ولم نعلم الأسباب التي دعتهم إلى رفضهم لمبدأ أهل البيت علیهم السلام وانتحال دين آخر .
2 - وردت على الإمام أبي جعفر علیه السلام رسالة رواها بكر بن صالح ، قال : «كتب صهر لي إلى أبي جعفر الثاني رسالة جاء فيها : « إنّ أبي ناصب خبيث الرأي ، وقد لقيت منه شدّة وجهداً ، فرأيك جعلت فداك في الدعاء لي ، وما ترى جعلت فداك ، أفترى أن اُكاشفه أم اُداريه ؟ ».
فأجابه الإمام علیه السلام بعد البسملة :
« قَدْ فَهِمْتُ كِتابَكَ ، وَما ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ أَبِيكَ ، وَلَسْتُ أَدَعِ الدُّعاءَ لَكَ إِنْ شاءَ اللهُ ، وَالْمُداراةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْمُكاشَفَةِ ، وَمَعَ الْعُسْرِ يُسْر.
(فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقينَ ) (2)، ثَبَّتَكَ اللهُ عَلىٰ وَلايَةِ مَنْ تَوَلَّيْتَ ، نَحْنُ وَأَنْتُمْ وَديعَةُ اللَّهِ الَّذي لَا تَضيعُ وَدايِعُهُ » (3).
ودلّت هذه الرسالة على لزوم البرّ بالأب ، وإن كان ناصبياً مبغضاً لأهل البيت علیهم السلام ، وأمرت الولد بالصبر على ما يلقاه من أبيه من جهد وعناء ، وبهذه الأخلاق الرفيعة كان الأئمّة يوصون أتباعهم بالتحلّي بها ليكونوا قدوة إلى الناس .
3 - كان إبراهيم بن محمّد وكيل الإمام الجواد علیه السلام بهمدان لتعليم الناس معالم
دينهم ، وقبض الحقوق الشرعية منهم ، وإرسالها للإمام علیهم السلام وكان قد بعث ما قبضه للإمام علیه السلام، فأرسل علیه السلام له هذه الرسالة :
« قَدْ وَصَلَ الْحِسابُ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْكَ ، وَرَضِيَ عَنْهُمْ ، وَجَعَلَهُمْ مَعَنا في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ مِنَ الدَّنانيرِ بِكَذا ، وَمِنَ الْكِسْوَةِ بِكَذا ، فَبارَكَ اللَّهُ فيكَ ، وَفي جَميعِ نِعَمِ اللَّهِ إِلَيْكَ .
وَقَدْ كَتَبْتُ إِلَى النَّضْرِ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْتَهِيَ عَنْكَ ، وَعَنِ التَّعَرُّضِ لَكَ ، وَلِخِلافِكَ ، وَأَعْلَمْتُهُ مَوْضِعَكَ عِنْدي.
وَ كَتَبْتُ إِلىٰ أَيُّوبَ أَمَرْتُهُ بِذلِكَ أَيْضاً.
وَكَتَبْتُ إِلىٰ مَوالِيَّ بِهَمَدانَ كِتاباً أَمَرْتُهُمْ بِطاعَتِكَ ، وَالْمَصيرِ إِلىٰ أَمْرِكَ ، وَأَنْ لَا وَكيلَ سِواكَ » (1).
وأعربت هذه الرسالة عن مزيد ثقة الإمام علیه السلام بوكيله إبراهيم ، ودعمه الكامل له فقد اتّصل بالمناوئين له وأمرهم بطاعته، والمصير إلى أمره ، وتقوية مركزه .. وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض رسائله .
1) بحار الأنوار : 50 : 108 .
للإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام مجموعة من الكلمات الذهبيّة التي تُعدّ من مناجم التراث الإسلامي ، ومن أروع الثروات الفكريّة في الإسلام ، وقد حفلت باُصول الحكمة ، وقواعد الأخلاق وخلاصة التجارب ، وفيما يلي بعضها :
1 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: قال علیه السلام : « لَا تُعاجِلُوا الْأَمْرَ قَبْلَ بُلوغِهِ فَتَنْدَموا ، وَلَا يَطولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأمَدُ فَتَقْسوا قُلوبُكُمْ ، وَارْحَموا ضُعَفاءَكُمْ ، وَاطْلُبوا الرَّحْمَةَ مِنَ اللهِ بِالرَّحْمَةِ لَهُمْ » (1).
وحفل هذا الحديث باُمور بالغة الأهمّية ، وقد جاء فيه :
النهي عن العجلة والتسرّع في الاُمور قبل أن يتبيّن حالها ، وذلك لما تجرّ من الندامة والخسران .
النهي عن طول الأمل لأنّه ممّا يوجب قسوة القلب ، والبعد عن الله .
الحثّ على رحمة الضعفاء ، والإحسان إلى المحرومين، فإنّ ذلك مفتاح لطلب الرحمة من الله .
2- قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « ثَلَاتٌ يَبْلُغْنَ بِالْعَبْدِ رِضْوانَ اللَّهِ تَعالىٰ : كَثْرَةُ الْإِسْتِغْفارِ، وَخَفْضُ الْجانِبِ ، وَكَثْرَةُ الصَّدَقَةِ ، وَثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فيهِ لَمْ يَنْدَمْ : تَرْكُ الْعَجَلَةِ ، وَالْمَشوَرَةُ، وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ تَعالىٰ عِنْدَ الْعَزْمِ » (2).
وحفل هذا الحديث بالدعوة لما يقرّب الإنسان من ربِّه ، فقد حثّ على كثرة الاستغفار ، ولين الجانب ، وكثرة الصدقة ، وهذه الخصال يحبّها الله ، ويبلغ بها العبد رضوانه تعالى كما حفل الحديث بما يسعد به الإنسان في هذه الحياة ، فقد دعاه إلى الاتّصاف بهذه الخصال الثلاث وهي :
قَد يُدرِكُ المُتَأَنّي بَعضَ حَاجَتهِ ٭٭٭ وقَد يَكونُ معَ المُسْتَعْجِلِ الزَّللُ
المشورة في الاُمور ، وعدم الاستبداد فيها ، فإنّ الإنسان كثيراً ما يخطئ .
التوكّل على الله تعالى عند العزم على ما يريد أن يفعله الإنسان ، والابتعاد عن التردّد الذي يسبّب القلق النفسي ، والاضطراب في الشخصيّة .
3 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « كَيْفَ يَضيعُ مَنِ اللهُ كافِلُهُ ، وَكَيْفَ يَنْجو مَنِ اللَّهُ طالِبُهُ » (1).
وفي هذا الحديث الشريف دعوة إلى الاتّصال بالله، والوثوق بقدرته تعالى ، فإنّ من المستحيل أن يضيع من يكفله الله ، كما إنّ من المستحيل أن ينجو من كان الله يطلبه .
4 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « يَوْمُ الْعَدْلِ عَلَى الظَّالِمِ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الْجَوْرِ عَلَى الْمَظْلومِ» (2).
وحذّر الإمام علیه السلام من الظلم والاعتداء على الناس ، فإنّ الله تعالى لا بدّ أن ينتقم من الظالم إن عاجلاً أو آجلاً ، وإنّ يوم العدل والقصاص الذي يمرّ عليه يكون شبيهاً
في شدّته وقسوته باليوم الذي كان على المظلوم .
5 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « ما هَدَمَ الدّينَ مِثْلُ الْبِدَع ، وَلَا أَفْسَدَ الرّجالُ مِثْلُ الطَّمَع ، وَبِالرّاعي تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ ، وَبِالدُّعاءِ تُصْرَفُ الْبَلِيَّةُ » (1).
وصوّرت هذه الكلمات بعض الجوانب الدينية ، والاجتماعية والسياسية ، وهي:
البدع التي تلصق بالدين فإنّها تشوّه واقعه، وتلحق به الخسائر لأرصدته الروحية والفكريّة .
الأطماع التي تقضي على أصالة الشخص ، وتجرّه إلى ميادين سحيقة من مجاهل هذه الحياة .
صلاح الراعي ممّا يوجب صلاح الشعب ، وتطوّره ، وتنميته الفكريّة والاجتماعيّة .
الدعاء إلى الله فإنّه من موجبات صرف البلاء ودفع القضاء .
6- قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « الدِّينُ عِزٌّ ، وَالْعِلْمُ كَنْزٌ، وَالصَّمْتُ نورٌ » (2).
ولا شكّ في هذه الحقائق التي أدلى بها الإمام العظيم علیه السلام ، فإنّ تقوى الله عزّ وشرف للإنسان ، كما أنّ العلم من أعظم الكنوز وأثمنها في هذه الحياة ، أمّا الصمت فإنّه نور لأنّه يعود على صاحبه بأفضل النتائج ، ويجنّبه كثيراً من المشاكل والخطوب .
7- قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « ما اسْتَوىٰ رَجُلانِ في حَسَبٍ وَدينِ إِلَّا كانَ أَفْضَلُهُما عِنْدَ اللهِ آدَبَهُما ..
إلى أن قال : بِقِراءَتِهِ الْقُرْآنَ كَما أُنْزِلَ ، وَدُعائِهِ اللَّهَ مِنْ حَيْثُ لَا يُلْحِنُ ، فَإِنَّ الدُّعاءَ الْمَلْحونَ لَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ » (1).
وأشادت هذه الكلمات بالآداب وجعلتها من مميّزات الشخص ، ومن موجبات القرب إلى الله تعالى ، كما جعلت من صميم الآداب قراءة القرآن الكريم بعيداً عن اللحن ، الذي يوجب كثيراً تشويه المعنى وتحريفه كما شجب الإمام علیه السلام اللحن وإنّ الدعاء الملحون لا يصعد إلى الله تعالى .
8 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَنْ شَتَمَ اُجيبَ ، وَمَنْ غَرَسَ أَشْجارَ التُّقَى اجْتَنىٰ ثِمارَ الْمُنىٰ » (2).
ما أروع هذه الكلمة التي حكت الواقع الاجتماعي ، فإنّ من يتعرّض للناس بالسباب والشتم فإنّه - حتماً - يُجاب بالمثل ، كما أنّ المتهوّر يُصاب من جرّاء تهوّره بالهلاك والدمار.
9 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « الْعُلَماءُ غُرَباءٌ لِكَثْرَةِ الْجُهّالِ بَيْنَهُمْ » (3).
العلماء غرباء في المجتمع الذي يسوده الجهل فإنّ بضاعتهم لا يقيم لها الجهّال وزناً بل ويزدرون بها ، وأي غربة للعالم أعظم من هذه الغربة .
10 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَنْ أَحَبَّ الْبَقَاءَ فَلْيُعِدَّ لِلْمَصائِبِ قَلْباً صَبوراً » (4).
إنّ من أراد البقاء وطول الحياة فليتسلّح بالصبر ، ولا يجزع من المصائب والأحداث التي تمرّ به ، فإنّ الجزع يقضي على الإنسان ، ويعرّضه للفناء والأسقام .
11 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَنْ عَمِلَ عَلىٰ غَیْرِ عِلْمٍ كانَ ما يُفْسِدُ أَكْثَرُ مِمّا يُصْلِحْ » (1).
إنّ العمل بغير هدى وبغير علم لا يُوصل إلى نتيجة صحيحة ، ويكون مدعاة إلى الخطأ وعدم إصابة الواقع ، ففي الحقیقة إنّ ما يفسده أكثر ممّا يصلحه .
12 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَنِ اسْتَفادَ أَخاً في اللَّهِ فَقَدِ اسْتَفادَ بَيْتاً في الْجَنَّةِ » (2).
إنّ من يستفيد أخاً في الله فقد ظفر بأفضل النعم ، وذلك لما يستفيد منه من التوجيه نحو الخير والبعد عن الشرّ ، وكلّ ما يزيّنه ، ويبلغ به رضوان الله .
13 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَنْ أَطاعَ هَواهُ أَعْطىٰ عَدُوَّهُ مُناهُ » (3).
إنّ إطاعة الهوى والانقياد للشهوات تحقّق للعدوّ أعظم أمانيه ، فإن أطاع إبليس فقد تحقّق ما يبتغيه من حيلولة العبد عن ربّه ، وإطاعة الهوى ممّا تسقط الشخص اجتماعياً، وهذا أعظم سرور الأعداء .
14 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « راكِبُ الشَّهَواتِ لَا تُقالُ عَثْرَتُهُ » (4).
إنّ من انقاد لشهواته صار أسيراً لها فإنّه لا تقال له عثرة ، ولا يمنح العذر في ذلك .
15 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: «عِزُّ الْمُؤْمِن غِناهُ عَنِ النّاسِ » (5).
إنّ أهمّ ما يعتزّ به المؤمن إذا أغناه الله عن الناس ، ولم تكن له أيّة مصلحة
عندهم ، فإنّه يكون حرّاً بذلك قد ملك عزّه وشرفه .
16 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « لَا تَكُنْ وَلِيّاً لِلَّهِ في الْعَلانِيَةِ عَدُوّاً لَهُ في السِّرِّ » (1).
إنّ الذي يتولّى الله ويؤمن به إنّما يكون صادقاً فيما إذا خاف الله في علانيته وسرّه ، أمّا إذا تولّاه أمام الناس ، وعصاه سرّاً فإنّه لم يكن في إيمانه صادقاً وإنّما كان كاذباً ومنافقاً .
17 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « إِصْبِرْ عَلىٰ ما تَكْرَهُ فيما يَلْزَمُكَ الْحَقُّ ، وَاصْطَبِرْ عَمّا لَا تُحِبُّ فيما يَدعوكَ إِلَى الْهَوىٰ » (2).
أمر علیه السلام الناس بالانقياد للحقّ وإن كان مخالفاً للرغبات والميول كما أمر بمجانبة الهوى والابتعاد عنه .
18 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: «قَدْ عاداكَ مَنْ سَتَرَ عَنْكَ الرُّشْدَ اتِّباعاً لِما تَهْواهُ » (3).
عرض علیه السلام بذلك إلى بعض الأذناب والعملاء من أتباع السلطة الذين يحجبون عن المسؤولين ما تحتاج إليه الاُمّة من الاصلاح الشامل ، ففي الحقيقة هؤلاء هم الأعداء ، وإن أظهروا المودّة والإخلاص .
19 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « إِيّاكَ وَمُصاحَبَةَ الشِّرِّيرِ ، فَإِنَّهُ كَالسَّيْفِ الْمَسْلولِ ، يَحْسُنُ مَنْظَرُهُ ، وَيَقْبَحُ أَثَرُهُ » (4).
حذّر الإمام علیه السلام من مصاحبة الشرير وذلك لما تترتّب على مصاحبته من الآثار السيئة التي منها الوقوع في المهالك ، وإنّه مهما حسن سمته فهو كالسيف المسلول يحسن منظره ويقبح أثره .
20 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « الْحَوائِجُ تُطْلَبُ بِالرَّجاءِ ، وَهِيَ تُنْزَلُ بِالْقَضاءِ » (1).
إنّ حوائج الناس إنّما تُطلب بالرجاء من الله ، وهي تنزل بقضائه ، ولا دخل في ذلك لسعي الإنسان وإرادته .
21 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « الْعافِيَةُ أَحْسَنُ عَطاءٍ » (2).
إنّ من أفضل نعم الله التي أسبغها على عباده هي الصحّة والعافية ، فهي الثروة والغنى ، ومن حرم العافية فقد حُرِم كلّ شيء في الحياة .
22 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « إِذا نَزَلَ الْقَضاءُ ضاقَ الْفَضاءُ » (3).
إنّ قضاء الله إذا نزل بالإنسان واختاره تعالى إلى جواره فإنّ الفضاء على سعته يضيق به .
23 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « لَا تُعادِيَنَّ أَحَداً حَتّىٰ تَعْرِفَ الَّذي بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعالىٰ ، فَإِنْ كانَ مُحْسِناً لَمْ يُسْلِمْهُ إِلَيْكَ ، وَإِنْ كانَ مُسيئاً فَإِنَّ عِلْمَكَ بِهِ يَكْفيكَهُ فَلَا تُعادِيهِ » (4).
وحذّر الإمام علیه السلام من العداوة للنّاس ، وإنّ المسلم ينبغي أن يغرس في نفسه الحبّ والولاء لأخيه المسلم ، وأمر بالفحص عمّن نعاديه فإن كانت علاقته قويّة مع الله تعالى فإنّه لا يسلمه لنا ، وإن كان مسيئاً فعلمنا باساءته يكفينا عن عداوته .
24 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « التَّحَفُّظُ عَلىٰ قَدْرِ الْخَوْفِ ، وَالطَّمَعُ عَلىٰ قَدْرِ النَّيْلِ » (1).
إنّ الحذر والتحفّظ من أي شيء كان إنّما هو على قدر الخوف منه ، فالتحفّظ - مثلاً - من الوقوع في المعاصي إنّما هو على قدر الخوف من الله فإن كان الخوف قوياً فيمتنع الإنسان امتناعاً كلّياً من اقتراف أي ذنب أو مخالفة لله وإن كان ضعيفاً فإنّه قد يقع في الإثم والحرام ، كما أنّ الطمع في الشيء على قدر النيل منه ، فإن كان النيل متوفّراً له كان الطمع قوياً وبالعكس .
25 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « كَفىٰ بِالْمَرْءِ خِيانَةً أَنْ يَكونَ أَميناً لِلْخَوَنَةِ » (2).
إنّ أعظم دليل على خيانة المرء لنفسه واُمّته أن يكون أميناً للخونة ومعيناً لهم .
26 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « ما شَكَرَ اللهَ أَحَدٌ عَلىٰ نِعْمَةٍ أَنْعَمَها عَلَيْهِ إِلَّا اسْتَوْجَبَ بِذلِكَ الْمَزِيدَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَى لِسانِهِ » (3).
إنّ الله تعالى الذي بيده الخير والحرمان قد وعد - وهو لا يخلف الميعاد - من شكره بالمزيد قال تعالى : ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) وهو يعطي المزيد فيما إذا نوى العبد الشكر قبل أن يظهره بلسانه .
27 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَنْ أَمَّلَ فاجِراً كانَ أَدْنىٰ عُقوبَتِهِ الْحِرْمانُ » (1).
لا ينبغي لأيّ إنسان يملك وعيه واختياره أن يأمّل غير خالقه ، فإذا أمّل فاجراً فأقلّ ما يعاقب به الحرمان وعدم قضاء حاجته .
28 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَوْتُ الْإِنْسانِ بِالذُّنوبِ أَكْثَرُ مِنْ مَوْتِهِ بِالْأَجَلِ ، وَحَياتُهُ بِالْبِرِّ أَكْثَرُ مِنْ حَياتِهِ بِالْعُمْرِ » (2).
يشير الإمام علیه السلام إلى الحياة المعنوية ، فمن يقترف الذنوب والجرائم فهو ميّت بين الأحياء ومن يعمل البرّ ويسدي الخير لاُمّته وبلاده فهو حيّ ومخلّد ذكره وإن مات .
29 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَنْ أَخْطَأَ وُجوهَ الْمَطالِبِ خَذَلَتْهُ الْحِيَل » (3).
يريد الإمام علیه السلام أن يقول : إنّ من يخطئ في سلوكه فإنّ وجوه الحيل وطرقه تخذله ولا يصل إلى نتيجة صحيحة .
30 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَنِ اسْتَحْسَنَ قَبيحاً كانَ شَريكاً فيهِ » (4).
إنّ من يستحسن القبيح ، أو يدافع عنه فإنّه يتحمّل وزره وإثمه ويكون شريكاً لفاعله .
31 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَنْ كَثُرَ هَمَّهُ سَقِمَ جَسَدُهُ» (5).
لا إشكال أنّ كتمان الهمّ ، وعدم نشره بين الأهل والاخوان ممّا يوجب تدهور
الصحّة وإذابة الجسم ، وإشاعة السقم فيه .
32 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « أَرْبَعُ خِصالٍ تُعينُ الْمَرْءَ عَلَى الْعَمَلِ : الصِّحَّةُ ، وَالْغِنىٰ ، وَالْعِلْمُ وَالتَّوْفِيقُ » (1).
هذه الاُمور الأربعة : التي أدلى بها الإمام علیه السلام من المقدّمات التمهيديّة لايجاد فعل الخير وتحقّقه في الخارج .
33 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: «الْعامِلُ بِالظُّلْمِ ، وَالْمُعينُ عَلَيْهِ ، وَالرّاضِي بِهِ شُرَكاءٌ ثَلاثَتهم » (2).
إنّ هؤلاء الأصناف الثلاث كلّهم يشتركون في الإثم ، والعقاب ، فإنّ الظلم الذي هو أبغض شيء إلى الله تعالى يستند إلى بعض هؤلاء بالمباشرة ، وإلى البعض الآخر بالرضا .
34 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « الصَّبْرُ عَلَى الْمُصيبَةِ مُصيبَةٌ لِلشّامِتِ » (3).
إنّ الصبر على المصيبة وعدم إبداء الجزع عليها تكون من أعظم المصائب على الشامت الذي يريد أن تحرق المصيبة من شمت به .
35 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « لَوْ سَكَتَ الْجاهِلُ ما اخْتَلَفَ النّاسُ » (4).
إنّ نطق الجاهل في المواضيع التي يجهلها هي التي أوجدت الاختلاف بين الناس .
36 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَقْتَلُ الرَّجُل بَيْنَ فَكَّيْهِ » (1).
إنّ هلاك الإنسان بمنطقه فكثيراً ما يجرّ الكلام الدمار لصاحبه ، وقد لاقى أحرار العالم القتل بسبب ما أدلوا به من النقد لحكّام الظلم والجور .
37 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « النّاسُ أَشْكالٌ ، وَكُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شاكِلَتِهِ » (2).
وألمّت هذه الكلمة بالواقع الاجتماعي الذي يعيشه الناس ، فهم أصناف مختلفة في الميول والاتّجاهات ، وكلّ يعمل وفق اتّجاهه الفكري ، والعقائدي .
38 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « النّاسُ إِخْوانٌ فَمَنْ كَانَتْ اُخُوَّتُهُ في غَيْرِ ذاتِ اللهِ ، فَإِنَّها فَهِيَ عَداوَةٌ ، وَذلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) (3)» (4).
إنّ الصداقة إذا لم تقم على أساس المحبّة في الله وقامت على أساس المنافع والمصالح الشخصية فإنّها - حتماً - تنقلب إلى العداوة والبغضاء حينما تتأثّر المصالح القائمة بينهما بمؤثّرات اُخرى .
39 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « كُفْرُ النِّعْمَةِ داعِيَةٌ لِلْمَقْت » (5).
لا شكّ أنّ الكفر بالنعمة وعدم الشكر لها ممّا يوجب المقت عند الله والناس .
40 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَنْ جازاكَ بِالشُّكْرِ فَقَدْ أَعْطاكَ أَكْثَرَ مِمّا أَخَذَ مِنْكَ » (1).
إنّ مجازاة المحسن بالشكر وإذاعة فضائله ومعروفه هي في الحقيقة أكثر من عطائه لأنّها توجب له الذكر الحسن الذي هو أعظم مكسب للإنسان .
41 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرّاً فَقَدْ زانَهُ ، وَمَنْ وَعَظَهُ عَلانِيَةً فَقَدْ شَانَهُ » (2).
إنّ موعظة الأخ والصديق إذا كانت سرّاً فإنّها تنمّ عن الإخلاص والصدق في الموعظة وإذا كانت علانية فإنّها لا تخلو من التشهير به .
42 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « ما أَنْعَمَ اللهُ عَلىٰ عَبْدِ نِعْمَةً فَعَلِمَ أَنَّها مِنَ اللَّهِ إِلّا كَتَبَ اللَّهُ جَلَّ اسْمُهُ شُكْرَها لَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْمِدَهُ عَلَيْها ، وَلَا أَذْنَبَ ذَنْباً فَعَلِمَ أَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ إِنْ شاءَ عَذَّبَهُ ، وَإِنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ ، إِلّا غَفَرَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ » (3).
إنّ الإنسان إذا اتّصل بربّه ، وارتبط بخالقه فإنّه تعالى يكتبه من الشاكرين لنعمته قبل أن يتلفّظ العبد بالشكر ، كما يغفر له خطيئته قبل أن يستغفر منها .
43 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « الشَّرِيفُ كُلُّ الشَّرِيفِ مَنْ شَرَّفَهُ عِلْمُهُ ، وَالسُّؤْدَدُ حَقُّ السُّؤْدَدِ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ رَبَّهُ » (4).
إنّ الشرف كلّ الشرف إنّما هو بالعلم لا بغيره من الاعتبارات التي يؤول أمرها إلى
التراب كما أنّ حقيقة السؤدد إنّما هي في تقوى الله وطاعته ، واجتناب معاصيه .
44 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَنْ شَهِدَ أَمْراً فَكَرِهَهُ كانَ كَمَنْ غابَ عَنْهُ ، وَمَنْ غابَ عَنْ أَمْرٍ فَرَضِيَهُ كانَ كَمَنْ شَهِدَهُ » (1).
جاء في الحديث : « لِكُلِّ امْرئٍ ما نَوىٰ » فإذا حضر أمراً وكان كارهاً له وغير راض به فإنّه يكون كمن غاب عنه ، ولا يكتب عليه إثمه ، إن كان فيه إثم ، ومن غاب عن أمر فرضي به يكون كمن شهده فيكتب له خيره أو شرّه .
45 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَنْ أَصْغىٰ إِلىٰ ناطِقٍ فَقَدْ عَبَدَهُ ، فَإِنْ كانَ النّاطِقُ عَنِ اللهِ فَقَدْ عَبَدَ اللهَ ، وَإِنْ كانَ النّاطِقُ يَنْطِقُ عَنْ لِسانِ إبْليسَ ، فَقَدْ عَبَدَ إِبْليسَ » (2).
إنّ من أصغى إلى ناطق وآمن بقوله ، واعتقد به ، فإن كان ذلك الناطق مبلّغاً عن الله فقد عبد الله ، وإن كان الناطق مبلّغاً عن إبليس فقد عبده .
46 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « إِظْهارُ الشَّيْءِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحْكِمَ مَفْسَدَةٌ لَهُ » (3).
إنّ إذاعة أيّة فكرة سياسيّة أو اجتماعية قبل أن تستحكم ويتمّ أمرها ، فإنّه مفسدة لها ، وربّما توجب إقبارها قبل أن تظهر إلى حيز الوجود .
47 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « نِعْمَةٌ لَا تُشْكَرُ كَسَيِّئَةٍ لَا تُغْفَرُ » (4).
إنّ عدم شكر النعمة من السيّئات التي لا تغفر؛ لأنّ في ذلك تضييعاً للإحسان
الذي يجب أن يشكر .
48 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَنْ هَجَرَ الْمُداراةَ قارَبَهُ الْمَكْروهُ » (1).
إنّ من لا يداري الناس فقد تعرّض للمكروه والإساءة إلى نفسه .
49 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَنِ انْقادَ إِلَى الطُّمَأْنينَةِ قَبْلَ الْخِبْرَةِ ، فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْهَلَكَةِ وَالْعاقِبَةِ الْمُتْعِبَةِ » (2).
إِنّ من يطمئن إلى شيء ويثق به قبل أن يختبره ويفحصه فإنّه من الطبيعي قد عرّض نفسه إلى الهلكة والخسران .
50 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْمَوارِدَ أَعْيَتْهُ الْمَصادِرُ » (3).
إنّ من جهل موارد الأشياء ومداخلها فقد أعيته المصادر والخروج منها .
51 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « لَا يَغُرُّكَ سَخَطُ مَنْ رِضاهُ الْجَوْرُ » (4).
وفي هذا الحديث تحذير من الاتّصال بالظالمين الذين إذا سخطوا قابلوا الناس بالاستبداد والجور.
52 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « الْأَيّامُ تَهْتِكُ لَكَ الْأَمْرَ عَنِ الْأَسْرارِ الْكامِنَةِ » (5).
كلّما تقدّمت الأيام ، وكرّت الليالي ستنكشف أسرار الطبيعة ، وخفايا الحقائق وما جهله الإنسان في عالم الفضاء ودنيا الكواكب، وغير ذلك من الأسرار المذهلة
في هذا الكون .
53 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « مَنْ عَتَبَ مِنْ غَيْرِ ارْتِیابِ أَعْتَبَ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْتابٍ » (1).
إذا كان العتاب من غير ريبة قُبل العتاب ، ولا يقابل بالاستعتاب .
54 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « أَفْضَلُ الْعِبادَةِ الْإِخْلاصُ » (2).
الاخلاص جوهر العبادة وروحها فإذا تعرّت عنه فقد فقدت أهمّ عناصرها ومقوّماتها .
55 - قَالَ عَلَیهِ السَّلام: « الثِّقَةُ بِاللهِ ثَمَنٌ لِكُلِّ غالٍ ، وَسُلَّمٌ إِلىٰ كُلِّ عالٍ » (3).
إنّ الحياة إنّما تسمو فيما إذا كانت مشفوعة بالثقة بالله تعالى خالق الكون وواهب الحياة كما أنّ الثقة به تعالى هي السلّم الذي يبلغ به الإنسان القمم العالية في دنيا الوجود .
هذه بعض كلمات الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام ، وقد عالج بها مختلف القضايا ، وقد عرض فيها لعلم الاجتماع وعلم النفس، ووضع برامج الأدب ، وخلاصة التجارب وما ينفع الناس .
أَصْحَابُهُ وَرُوَاةُ حَدیثِهِ عَلَیْهِ اٝلْسَّلَام
واحتفّ جمهور كبير من العلماء والرواة بالإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام وهم يقتبسون من نمير علومه التي ورثها من جدّه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وكانوا يدوّنون أحاديثه وفتاواه وما يدلي به من روائع الحكم والآداب، ولهؤلاء الأعلام يرجع الفضل في تدوين ذلك التراث القيّم الذي يعدّ من ذخائر الثروات الفكريّة في الإسلام .
لقد عمل أصحاب الأئمّة علیهم السلام بوحي من عقيدتهم الدينيّة التي ألزمتهم بالحفاظ على أحاديث الأئمّة وتدوينها ، والتي يرجع إليها فقهاء الشيعة الإمامية في استنباطهم للأحكام الشرعية ، ولولاها لما كان للشيعة هذا الفقه المتطوّر العظيم الذي اعترف بأصالته وعمقه جميع رجال الفكر والقانون في العالم .
والشيء الذي يدعو إلى الاعتزاز والفخر بأصحاب الأئمّة علیهم السلام وهو أنّهم قد جهدوا على ملازمة الأئمّة وتدوين أحاديثهم في وقت كان من أعسر الأوقات، وأشدّها حراجة، وأعظمها ضيقاً ، فقد ضربت الحكومات العبّاسيّة الحصار الشديد على الأئمّة ، ومنعت من الاتّصال بهم لئلا تتبعهم الجماهير الإسلاميّة ، وقد بلغ من الضيق على العلماء والرواة أنّهم كانوا لا يستطيعون أن يجهروا باسم أحد الأئمّة الذين أخذوا عنه وإنّما كانوا يلمّحون إليه ببعض أوصافه وسماته من دون التصريح باسمه خوفاً من القتل أو السجن .
وعلى أي حال ، فنعرض إلى ما نعثر عليه من تراجم أصحاب الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام لأنّ ذلك من متمّمات البحث عن حياته ، فإنّه يكشف جانباً أصيلاً
من حياته الفكريّة والعلميّة ، وفيما يلي ذلك :
اليعقوبي : عدّه الشيخ مرّة من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام واُخرى من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام (1).
وذكره البرقي في أصحاب الإمام الجواد والإمام الهادي علیهما السلام (2).
الهمداني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا والجواد علیهما السلام (3). وذكر الكشّي في ترجمته له أنّه كان وكيلاً، وأنّه حجّ أربعين حجّة .
وقد ذكرنا في البحوث السابقة رسالة الإمام أبي جعفر علیه السلام له ، وهي تدلّ على وثاقته ، وعظيم منزلته عند الإمام علیه السلام . وروى الكشّي بسنده عنه أنّه قال : «كتبت إلى أبي جعفر علیه السلام أصف له صنع السبع بي .
وكتب بخطه : « عَجَّلَ اللهُ نُصْرَتَكَ مِمَّنْ ظَلَمَكَ ، وَكَفاكَ مَؤونَتَهُ ، وَأُبَشِّرُكَ بِنَصْرِ اللَّهِ عاجِلاً ، وَبِالْأَجْرِ آجِلاً ، وَأَكْثِرْ مِنْ حَمْدِ اللَّهِ » (4).
وذكر سيّدنا الاُستاذ طبقته في الحديث (5).
أبو إسحاق الأهوازي . له كتاب البشارات (1): عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام و من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام (2).
وروى الكشّي عن أحمد بن عليّ بن كلثوم ، قال : « وكان من الفقهاء ، وكان مأموناً على الحديث ، قال : حدّثني محمّد بن إبراهيم بن مهزیار ، قال : إنّ أبي لمّا حضرته الوفاة دفع إليَّ مالاً ، وأعطاني علامة ، ولم يعلم بتلك العلامة أحد إلّا الله عزّ وجلّ ، وقال : من أتاك بهذه العلامة فادفع إليه المال .
قال : فخرجت إلى بغداد، ونزلت في خان ، فلمّا كان اليوم الثاني إذ جاء شيخ ودقّ الباب ، فقلت للغلام : انظر من هذا ؟
فقال : شيخ بالباب .
فقلت : ليدخل ، فدخل وجلس ، فقال : أنا العمري، هات المال الذي عندك ، وهو كذا وكذا ، ومعه العلامة .
قال : فدفعت إليه المال » (3).
وقد وقع إبراهيم بن مهزيار بهذا العنوان في إسناد كثير من الروايات تبلغ خمسين مورداً (4).
ذكره الصدوق في باب من شاهد الإمام المنتظر (عجّل الله فرجه)، وذكر له حديثاً مفصّلاً وطريقاً في هذا النوع (5).
من أهل جسر بابل : عدّه الشيخ من أصحاب الجواد علیه السلام ، والظاهر أنّه إمامي مجهول الحال (1).
المروزي ، ذكره الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام ، (2)كتب إليه الإمام الجواد علیه السلام رسالة جاء فيها :
« أَمّا الدُّنْيا فَنَحْنُ فيها مُتَفَرِّجونَ في الْبِلادِ ، وَلكِنْ مَنْ هَوىٰ صاحِبَهُ فَإِنْ دانَ بِدينِهِ فَهُوَ مَعَهُ وَإِنْ كانَ نائِياً عَنْهُ ، وَأَمّا الْآخِرَةُ فَهِيَ دارُ الْقَرارِ » (3).
جرت بينه وبين أبي الهذيل العلّاف مناظرة ، وقد أثبت أحمد فيها ضرورة الإمامة ، وفيما يلي نصّها :
أحمد : إنّي أتيتك سائلاً ؟
أبو الهذيل : سل وأسأل الله العصمة .
أحمد : أليس من دينك أنّ العصمة والتوفيق لا يكونان إلّا من الله لا بعمل تستحقّه به .
أبو الهذيل : نعم .
أحمد : فما معنى دعائك ؟ اعمل وخذ .
أبو الهذيل : هات مسألتك .
أحمد : شيخي أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) .
أبو الهذيل : قد أكمل لنا الدين.
أحمد : شيخي ، أخبرنا إن سألتك عن مسألة لا تجدها في كتاب الله ، ولا في سنة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ولا في قول أصحابه ، ولا في حيلة فقهائهم ما أنت صانع ؟
أبو الهذيل : هات .
أحمد : شيخي ، خبرني عن عشرة كلّهم عنين وقعوا في طهر واحد بامرأة ، وهم مختلفوا الأمر ، فمنهم من وصل إلى بعض حاجته ، ومنهم من قارب حسب الإمكان منه ، هل في خلق الله اليوم من يعرف حدّ الله في كلّ رجل منهم مقدار ما ارتكب من الخطيئة فيقيم عليه الحدّ في الدنيا ويطهر منه في الآخرة ؟ وليعلم ما يقول : في أنّ الدين قد كمل ..
أبو الهذيل : هيهات (1).
لقد كان أحمد بن حماد من أعلام الشيعة وثقاتهم وقد وردت بعض الأخبار تقدح فيه إلّا أنّ الاُستاذ الخوئي ناقشها ، وأثبت عدم صحّتها (2).
الأشعري القمّي ، كان وافد القمّيّين (3). روى عن الإمام الجواد علیه السلام وأبي الحسن ، وكان من العلماء ، ألّف الكتب التالية : كتاب « علل الصوم » ، و «مسائل الرجال لأبي الحسن الثالث » (4).
وجاء في القسم الأوّل من الخلاصة أنّه ثقة ، وكان وافد القمّيّين . روى عن أبي جعفر الثاني وأبي الحسن ، وكان خاصّة أبي محمّد ، وشيخ القمّيّين ، رأى صاحب الزمان عجّل الله فرجه (5).
وممّا يدلّ على عظيم شأنه عند الأئمّة علیهم السلام ما رواه الكشّي بسنده عن أحمد بن الحسين القمّي الآبي أبو علي ، قال : « كتب محمّد بن أحمد بن الصلت القمّي إلى ( الدار ) كتاباً ذكر فيه قصّة أحمد بن إسحاق القمّي وصحبته ، وأنّه يريد الحجّ ، واحتاج إلى ألف دينار ، فإن رأى سيّدي أن يأمر باقراضه إيّاه ، ويسترجع منه في البلد إذا انصرف فافعل ؟
فوقّع علیه السلام : « هِيَ لَهُ مِنّا صِلَةٌ ، وَإِذا رَجَعَ فَلَهُ عِنْدَنا سِواها » (1).
ووردت أخبار كثيرة في الثناء عليه ، وأنّه من عيون أصحاب الأئمّة علیهم السلام فضلاً وزهادة وتحرّجاً في الدين .
ابن عيسى القمّي الأشعري ، ثقة . له نسخة عن أبي جعفر الثاني علیه السلام حسبما يقول النجاشي (2).
الكوفي ، الكرخي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (3).
ابن أبي نصر البزنطي ، كوفي ثقة ، لقي الإمام الرضا علیه السلام وكان عظيم المنزلة عنده ، روى عنه كتاباً ، له من الكتب : كتاب « الجامع » ، كتاب « النوادر » (4).
قال النجاشي : لقي الرضا، وأبا جعفر علیهما السلام، وكان عظيم المنزلة عندهما (5). وروى الكشّي بسنده عنه ، أنّه قال : « دخلت على أبي الحسن علیه السلام أنا وصفوان بن يحيى ومحمّد بن سنان .. فجلسنا عنده ساعة ، ثمّ قمنا .
فقال لي : أَمّا أَنْتَ يا أَحْمَدُ فَاجْلِسْ ، فجلست فأقبل يحدثني ، فأسأله فيجيبني حتى ذهب عامة الليل ، فلما أردت الانصراف قال لي : يا أَحْمَدُ ، تَنْصَرِفُ أَوْ تَبِيتُ ؟
قلت : جعلت فداك ، ذلك إليك إن أمرت بالانصراف انصرفت ، وإن أمرت بالقيام أقمت .
قال : أَقِمْ فَهٰذَا الْحَرَّسُ ، وَقَدْ هَدَأَ النّاسُ وَناموا ، فقام وانصرف .
فلمّا ظننت أنّه دخل ، خررت لله ساجداً فقلت : الحمد لله ، حجّة الله ، ووارث علم النبيين أنس بي من بين اخواني ، وحبّبني ، فأنا في سجدتي وشكري ، فما علمت إلّا وقد أقبل الإمام ، فأخذ بيدي فغمزها ، ثمّ قال : إِنَّ أَميرَ الْمُؤْمِنينَ علیه السلام عادَ صَعْصَعَةً في مَرَضِهِ ، فَلَمّا قامَ مِنْ عِنْدِهِ قالَ: يا صَعْصَعَةُ ، لَا تَفْتَخِرَنَّ عَلىٰ إِخْوانِكَ بِعِيادَتي إِيّاكَ ، وَاتَّقِ اللهَ ، ثمّ انصرف عنّي (1).
إنّ أئمّة أهل البيت علیهم السلام لا يرضون بالزهو ولا بالافتخار ويرون ذلك ضرباً من ضروب البعد عن الله ، وإنّ اللازم على المسلم أن يتّصل بالله اتّصالاً واقعياً، ولا يشرك أي أحد في الاتّصال به.
طبقته في الحديث : وقع بهذا العنوان في إسناد جملة من الروايات تبلغ زهاء سبعمائة وثمانية وثمانين مورداً ، وذكر الاُستاذ الخوئي من روى عنه (2).
وفاته : توفّي هذا العالم الكبير سنة (221) (3)، وقد خسر المسلمون في وقته علماً من أعلام التقوى والفقه .
ابن بندار الأقرع ، مولى الربيع : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام .
وظاهره أنّه إمامي مجهول الحال (1).
ابن خالد البرقي : عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (2).
ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للحديث عنه .
مؤلّفاته : ألّف كتباً كثيرة منها :
«المحاسن» ، وكتاب « الإبلاغ » ، وكتاب « التراحم والتعاطف » ، وكتاب « آداب النفس » ، وكتاب « المنافع » ، وكتاب « المعاشرة » ، وكتاب « المعيشة » ، وغيرها ممّا يزيد على المائة ذكرها النجاشي ، والشيخ في الفهرست (3).
طبقته في الحديث: وقع بعنوان أحمد بن محمّد بن خالد في إسناد جملة من الروايات تبلغ زهاء ثمانمائة وثلاثين مورداً ، وذكر سيّدنا الاُستاذ الخوئي من روى عنه (4).
ابن عبيد القمّي الأشعري ، من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام ذكر ذلك الشيخ (5).
ابن عبيد الله الأشعري القمّي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (1).
قال النجاشي : « إنّه شيخ من أصحابنا ، ثقة . روى عن أبي الحسن الثالث علیه السلام (2).
ابن عيسى الأشعري القمّي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (3).
وهو أوّل من سكن قم ، يكنّى أبا جعفر ، قال النجاشي : « وأبو جعفر رحمه الله شيخ القمّيّين ، ووجيههم وفقيههم غير مدافع ، وكان أيضاً الرئيس الذي يلقى السلطان ، ولقي الرضا علیه السلام ، و أبا جعفر الثاني علیه السلام ، وأبا الحسن العسكري علیه السلام » (4).
مؤلّفاته : وألّف مجموعة من الكتب ، منها : كتاب « التوحيد » ، كتاب « فضل النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم » ، كتاب « المتعة » ، كتاب « النوادر » ، وكان غير مبوّب فبوّبه داود بن كورة ، ومنها : كتاب « الناسخ والمنسوخ » (5).
طبقته في الحديث : وقع أحمد بن محمّد بن عيسى بهذا العنوان في إسناد عدّة من الروايات تبلغ زهاء 2290 مورداً.
روى عن الإمام أبي جعفر علیه السلام، وعليّ بن محمّد علیه السلام ، وعن أبي ثابت ،
وأبي جعفر البغدادي ، وأبي الحسن ، وغيرهم (1).
نسب ابن داود في القسم الأوّل ( 135 ) إلى رجال الشيخ ذكره في أصحاب الإمام الجواد علیه السلام وتوثيقه إيّاه ولكنّه غير موجود فيه (2).
يكنّى أبا القاسم : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (3).
روى عن الإمام الجواد علیه السلام ، وروى عنه محمّد بن عيسى بن عبيد .
ذكره الكشّي في ترجمة هاشم بن أبي هاشم ، وأبي السمهري (4).
ابن هاشم القمّي . روى عن الإمام أبي جعفر علیه السلام، وروى عنه عليّ بن مهزيار (5).
الحضيني : عدّه الشيخ من أصحاب الجواد علیه السلام، وأضاف : أنّه لقي الرضا علیه السلام (6).
القيسي ، الشامي . روى عن الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام . له كتاب (7).
قال ابن الغضائري : « إنّه ضعيف الرواية في مذهبه ارتفاع » (1).
اليعقوبي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (2).
ابن يونس الأحول ، الصيرفي ، مولى بجيلة . روى عن الإمام أبي جعفر الثاني علیه السلام، وروى عنه أحمد بن عيسى . له کتاب نوادر (3).
الهاشمي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (4).
روى عن أبي حفص العطّار ، وروى عنه عليّ بن مهزيار (5).
ابن سعد الأحول : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (6).
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (1).
روى عن زكريّا بن آدم القمّي ، وروى عنه منصور بن العبّاس (2).
يكنّى أبا علي ، مولى لآل المهلّب ، بغدادي ، ثقة : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (3).
وعدّه المفيد في رسالته العددية من الفقهاء الأعلام والرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام ، الذين لا يُطعن عليهم بشيء ، ولا طريق لذمّ واحد منهم .
كان وكيلاً للإمام أبي الحسن العسكري علیه السلام على بغداد وما والاها من القرى والمدائن .
وقد كتب الإمام إلى أهالي تلك المدن : « قَدْ أَقَمْتُ أَبا عَلِيٍّ بْنَ راشِدِ مَقامَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ، وَمَنْ قِبَلَهُ مِنْ وُكَلائي وَقَدْ أَوْجَبْتُ في طاعَتِهِ طاعَتي ، وَفي عِصْيانِهِ الْخُروجُ إِلىٰ عِصْياني » (4).
ودلّت هذه الرسالة على سموّ مكانته ، وعظيم منزلته عند الإمام أبي الحسن علیه السلام ، فقد قرن طاعته بطاعته ، وعصيانه بعصيانه .
ومن الطبيعي أنّه لم ينل هذه المنزلة إلّا بطاعته لله ، وتحرّجه في الدين ، وممّا يدلّ على عظيم مكانته عند الإمام العسكري علیه السلام ما رواه الكشّي بسنده عن محمّد بن عيسى اليقطيني ، قال : «كتب أبو الحسن العسكري علیه السلام إلى أبي عليّ بن بلال في سنة 232ه- كتاباً جاء فيه بعد البسملة :
«أَحْمَدُ اللهَ إِلَيْكَ ، وَأَشْكُرُ طَوْلَهُ وَعَوْدَهُ ، وَاُصَلِّي عَلىٰ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ صَلَواتُ اللهِ وَرَحْمَتُهُ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ إِنّي أَقَمْتُ أَبا عَلِيٍّ مَقامَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ وَائْتَمَنْتُهُ عَلىٰ ذلِكَ بِالْمَعْرِفَةِ بِما عِنْدَهُ الَّذي لَا يَقْدِمُهُ أَحَدٌ ، وَقَدْ أَعْلَمُ أَنَّكَ شَيْخُ ناحِيَتِكَ ، فَأَحْبَبْتُ إِفْرادَكَ ، وَإِكْرامَكَ بِالْكِتابِ بِذلِكَ ، فَعَلَيْكَ بِالطَّاعَةِ لَهُ ، وَالتَّسْليمِ إِلَيْهِ ، جَميعَ الْحَقِّ قِبَلَكَ ، وَأَنْ تَحُثَّ مَوالِيَّ عَلىٰ ذلِكَ ، وَتُعَرِّفُهُمْ مِنْ ذلِكَ ، ما يَصيرُ سَبَباً إِلىٰ عَوْنِهِ وَكِفايَتِهِ فَذلِكَ تَوْفيرٌ عَلَيْنا ، وَمَحْبوبٌ لَدَيْنا ، وَلَكَ بِهِ جَزاءٌ مِنَ اللَّهِ وَأَجْرٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ يُعْطي مَنْ يَشاءُ ذو الْإِعْطاءِ ، وَالْجَزاءِ بِرَحْمَتِهِ وَأَنْتَ في وَديعَةِ اللهِ .. » (1). » .
ودلّلت هذه الرسالة على ما يتمتع به الحسن من مزيد الثقة عند الإمام علیه السلام ، فقد أرجع إليه اُمور شيعته وألزمهم بالانقياد لأمره وتسليم حقوقهم إليه .
وقد أبّنه الإمام العسكري بعد وفاته بقوله : «إِنَّهُ عاشَ سَعيداً ، وَماتَ شَهيداً » (2).
وما نال هذه المنزلة عند الإمام علیه السلام إلّا بتقوى الله وطاعته ، وزهده في الدنيا .
ابن حمّاد بن مهران ، مولى عليّ بن الحسين علیه السلام، أبو محمّد الأهوازي ، كان مع أخيه الحسين من أصحاب الإمام الرضا علیه السلام والإمام الجواد علیه السلام حسبما يقول البرقي (1).
وقال النجاشي : « إنّه شارك أخاه في الكتب الثلاثين المصنّفة ، وهي : كتاب الوضوء ، كتاب الصلاة ، كتاب الزكاة ، كتاب الصوم ، كتاب الحجّ ، كتاب النكاح ، كتاب الطلاق ، كتاب العتق والتدبير والمكاتبة ، كتاب الأيمان والنذور ، كتاب التجارات والإجارات ، كتاب الخمس ، كتاب الشهادات ، كتاب الصيد والذبائح ، کتاب المكاسب ، كتاب الأشربة ، كتاب الزيارات ، كتاب التقيّة ، كتاب الردّ على الغلاة ، كتاب المناقب ، كتاب المثالب ، كتاب الزهد ، كتاب المروة ، كتاب حقوق المؤمنين وفضلهم ، كتاب تفسير القرآن ، كتاب الوصايا ، كتاب الفرائض ، كتاب الحدود ، كتاب الديات ، كتاب الملاحم ، كتاب الدعاء » (2).
ودلّت هذه المؤلّفات على ثروته العلميّة ، فقد تناولت بالإضافة إلى البحوث الفقهية تفسير القرآن الكريم ، والردّ على الغلاة ، والمناقب والمثالب وغيرها من البحوث الكلامية والتأريخية .
ابن الحَرِيش ، الرازي ، أبو علي . روى عن الإمام أبي جعفر الثاني علیه السلام .
قال النجاشي : « إنّه ضعيف جدّاً ، له كتاب «إنّا أنزلناه في ليلة القدر » ، وهو كتاب رديء الحديث ، مضطرب الألفاظ » (3).
وقال : فيه ابن الغضائري : « وهذا الرجل لا يلتفت إليه ، ولا يكتب حديثه » (1).
ابن خراش ، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (2).
ابن أبي عثمان الملقّب سجّادة ، أبو محمّد ، كوفيّ ، ضعّفه أصحابنا . له كتاب « نوادر » (3).
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (4).
وروى الكشّي رواية بسنده عن نصر بن الصباح تدلّ على فساد عقيدته ، وبطلان مذهبه ، وقد أعرضنا عن ذكرها (5).
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (6).
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام ، ووصفه بأنّه ثقة صحیح (7).
روى عن حمّاد بن عيسى ، وروى عنه الحسين بن سليمان في ثواب زيارة الإمام
الحسين في يوم عاشوراء (1).
اليعقوبي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (2).
ابن حمّاد الأهوازي ، ثقة . روى عن الإمام الرضا علیه السلام وأبي جعفر علیه السلام وأبي الحسن الثالث علیه السلام ، وهو أخو الحسن الذي تقدّمت ترجمته ، وذكرنا أسماء الكتب الثلاثين التي ألّفها مع أخيه .
طبقته في الحديث : وقع في إسناد كثير من الروايات تبلغ خمسة آلاف وعشرين مورداً ، فقد روى عن أبي الحسن موسى ، وأبي الحسن الرضا، وأبي جعفر علیهم السلام ، وغيرهم (3).
ابن نوح : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام . وكذلك عدّه البرقي (4).
القمّي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (5).
القمّي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (6).
روى عن الإمام الرضا علیه السلام ، وروى عنه الحميري (1).
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (2).
وكذلك عدّه البرقي . روى عن الإمام أبي الحسن الهادي علیه السلام ، وروى عنه محمّد ابن إسماعيل (3).
ابن جعفر علیه السلام، كان من أفذاذ أبناء الأئمّة علیهم السلام، وقد سأله أعرابي عن الإمام الجواد بقوله : مَن هذا الفتى ؟
فأجابه الحسين : هذا وصيّ رسول الله (4).
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (5).
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (6).
وكذلك ذكره البرقي في أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (7).
روى عن الإمام الهادي علیه السلام ، وروى عنه محمّد بن عیسی (1).
الأشعري ، أبو يعلى ، القمّي . روى عن الإمام الرضا علیه السلام وأبي جعفر الثاني علیه السلام، ثقة ، وجه . له كتاب (2).
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام ، ومن أصحاب الإمام الرضا علیه السلام ، والإمام موسى بن جعفر علیه السلام (3).
القراطيسي . قال الكشّي : « وجدت في كتاب محمّد بن الحسن بن بندار القمّي بخطّه ، حدّثني الحسين بن محمّد بن عامر ، قال : حدّثني خيران الخادم القراطيسي قال : « حججت أيّام أبي جعفر محمّد بن عليّ بن موسى علیه السلام ، وسألت عن بعض الخدم - وكانت له منزلة من أبي جعفر علیه السلام - فسألته أن يوصلني إليه .
فلمّا صرنا إلى المدينة ، قال لي : تهيّأ فإنّي اُريد أن أمضي إلى أبي جعفر علیه السلام ، فمضيت معه فلمّا أن وافينا الباب ، قال : ساكن في حانوت فاستأذن ودخل ، فلمّا أبطأ عليّ رسوله خرجت إلى الباب فسألت عنه ، فأخبروني أنّه قد خرج ومضى ، فبقيت متحيّراً.
فبينما أنا كذلك إذ خرج خادم من الدار ، فقال : أنت خيران ؟
فقلت : نعم .
قال لي : ادخل ، فدخلت ، وإذا أبو جعفر علیه السلام قائم على دكان لم يكن فرش له ما يقعد عليه ، فجاء غلام بمصلّى فألقاه له ، فجلس .
فلمّا نظرت إليه تهيّبت ودهشت فذهبت لأصعد الدكان من غير درجة ، فأشار علیه السلام إلى موضع الدرجة ، فصعدت وسلّمت ، فردّ السلام ، ومدّ يده إليّ فأخذتها وقبّلتها ، ووضعتها على وجهي فأقعدني بيده ، فأمسكت يده ممّا داخلني من الدهشة ، فتركها في يدي صلوات الله عليه ، فلمّا سكنت خلّيتها ، فسألني وكان الريّان بن شبيب قال لي : إن وصلت إلى أبي جعفر علیه السلام قل له : مولاك الريّان بن شبيب يقرأك السلام ، ويسألك الدعاء له ولولده ، فذكرت له ذلك ، فدعا له ولم يدع لولده ، فأعدت عليه ، فدعا له ولم يدع لولده ، فأعدت عليه ثلاثاً فدعا له ولم يدع لولده ، فودّعته وقمت .
فلمّا مضيت نحو الباب سمعت كلامه ، ولم أفهم ما قال ، وخرج الخادم في أثري ، فقلت له : ما قال سيّدي لمّا قمت ؟
فقال : قال : مَنْ هٰذَا الَّذي يَرىٰ أَنْ يَهْدِيَ نَفْسَهُ ، وُلِدَ هٰذا في بِلادِ الشِّرْكِ ، فَلَمّا أُخْرِجَ فيها صارَ إِلىٰ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُمْ ، فَلَمّا أَرادَ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ هَداهُ » (1).
ابن إسحاق بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب ، أبو هاشم الجعفري . كان عظيم
1) رجال الكشّي : 1132/609 .
المنزلة عند الأئمّة علیهم السلام ، شريف القدر ، ثقة (1).
قال الشيخ : « إنّه من أهل بغداد ، جليل القدر، عظيم المنزلة عند الأئمّة علیهم السلام، وقد شاهد جماعة منهم الرضا ، والجواد ، والهادي ، والعسكري وصاحب الأمر علیهم السلام . وقد روى عنهم كلّهم . وله أخبار ومسائل وله شعر جيّد فيهم ، وكان مقدّماً عند السلطان . وله كتاب » (2).
وروى الكليني بسنده عن داود بن القاسم ، قال : « دخلت على أبي جعفر علیه السلام ومعي ثلاث رقاع غير معنونة، واشتبهت عليّ فاغتممت ، فتناول إحداها ، وقال : هٰذِهِ رِقْعَةُ رَيّانِ بْنِ شَبِيبٍ ، ثمّ تناول الثانية ، فقال : هٰذِهِ رِقْعَةُ فُلانٍ ، فبهت .
فنظر إليّ فتبسّم ، فقلت : جعلت فداك، إنّي لمولع بأكل الطين، فادعُ الله ، فسکت.
ثمّ قال لي بعد ثلاثة أيام ابتداءاً منه : يا أَبا هاشِم ، قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْكَ أَكْلَ الطّينِ .
قال أبو هاشم : فما شيء أبغض إليّ منه اليوم » (3).
الصّرمي ، مولى بني قرّة ، ثمّ بني صرمة ، كوفي ، يكنّى أبا سليمان . روى عن الإمام الرضاء علیه السلام وبقي إلى أيّام أبي الحسن العسكري علیه السلام ، وله مسائل (4).
وروى عن الإمام أبي جعفر الثاني علیه السلام ، وروى عنه أحمد بن محمّد بن عيسي في ثواب زيارة الإمام الرضا علیه السلام (5).
هو أخو عليّ بن مهزيار ، من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (1).
الخزاعي ، المنافح عن أهل البيت علیهم السلام، والمجاهد دونهم ، فقد وهب حياته وفكره وعواطفه لنشر فضائلهم وإذاعة مآثرهم ، وقد لقي في سبيلهم أعنف المشاكل ، وأقسى الخطوب، فقد طاردته مباحث الأمن العبّاسي ، ولاحقته شرطتهم، إلّا أنّه لم يحفل بذلك وبقي صامداً، يعلن فضائل أسياده الأئمّة الطاهرين ، وينتقص خصومهم ملوك بني العبّاس الذين نهبوا أموال الشعوب الإسلاميّة ، وأنفقوها على ملاذهم وشهواتهم من دون أن تنفق على تطوّر الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في الإسلام.
أمّا دراسة حياة هذا البطل العظيم ، فإنّها تستدعي كتاباً خاصّاً، فقد حفلت حياته بالجهاد المشرق في سبيل مبدئه وعقيدته ، وقد صارع أقوى دول العالم في ذلك العصر ، فقد هجا ملوك بني العبّاس الذين كانوا يملكون معظم دول الدنيا ، بأقسى ألوان الهجاء .
وبالإضافة إلى أنّه من عمالقة الفكر السياسي والأدبي في عصره ، فقد كان من كبار العلماء ، وقد روى عن الإمام أبي الحسن الرضا علیه السلام والإمام أبي جعفر علیه السلام ، وروى عنه عليّ بن الحكم (2). وبهذه الكلمات الموجزة ينتهي الحديث عنه .
ابن عبدالله بن سعد الأشعري ، القمّي ، كان ثقة جليلاً، عظيم القدر ، وكان له وجه عند الإمام الرضا علیه السلام ، وله كتاب (1).
وروى الكشّي بسنده عن عبد الله بن الصلت القمّي ، قال : « دخلت على أبي جعفر الثاني علیه السلام في آخر عمره فسمعته يقول : جَزَى اللهُ صَفْوانَ بْنَ يَحْيِيٰ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ سِنانٍ ، وَزَكَرِيّا بْنَ آدَمَ عَنّي خَيْراً ، فَقَدْ وَفَوا لِي » (2).
ودلّ ذلك على عظيم منزلته ، وسموّ شأنه عند الإمام علیه السلام .
وروى عليّ بن المسيّب ، قال : « قلت للرضا علیه السلام : شقّتي بعيدة ، ولست أصل إليك في كلّ وقت ، فممّن آخذ معالم ديني ؟
فقال علیه السلام : مِنْ زَكَرِيّا بْنِ آدَمَ الْقُمِّيِّ ، الْمَأْمونِ عَلَى الدِّينِ وَالدُّنْيا .
قال عليّ بن المسيب : فلمّا انصرفت قدمت على زكريّا بن آدم فسألته عمّا احتجت إليه » (3).
وكشفت هذه الرواية عن أنّ زكريّا كان فقيهاً ، وكان مرجعاً للفتيا بين المسلمين، وذكر الرواة أخباراً كثيرة في مدحه والثناء عليه .
ابن الأحوص الأشعري ، القمّي ، ثقة . روى عن الإمام الرضا والإمام الجواد علیهما السلام كتابه المبوّب (1).
وقد دعا له ولزكريّا بن آدم الجواد علیه السلام ، كما تقدّم .
الرازي . قال فيه النجاشي : «كان ضعيفاً في الحديث ، غير معتمد عليه فيه ، وكان أحمد بن محمّد بن عيسى يشهد عليه بالغلوّ والكذب ، وأخرجه من قمّ إلى الريّ ، وكان يسكنها ، وقد كاتب أبا محمّد العسكري علیه السلام على يد محمّد بن عبدالحميد العطّار للنصف من ربيع الآخر سنة 255ه- . له كتاب التوحيد » (2).
وقد عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (3).
النيسابوري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (4).
يكنّى أبا الخير الرازي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (1).
قال النجاشي : « صالح بن أبي حمّاد : لقي أبا الحسن العسكري ، وكان أمره ملتبساً ، يعرف وينكر . له كتب منها كتاب خطب أمير المؤمنين علیه السلام، وكتاب نوادر » (2).
وذكر سيّدنا الاُستاذ طبقته في الحديث (3).
ابن سهل . كان وكيلاً للإمام الجواد على الأوقاف في قم ، وقد روى الكليني بسنده عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، قال : «كنت عند أبي جعفر الثاني علیه السلام إذ دخل عليه صالح بن محمّد بن سهل ، وكان يتولّى له الوقف بقم ، فقال : يا سيّدي، اجعلني من عشرة آلاف في حلّ فإنّي أنفقتها .
فقال له : أَنْتَ في حِلٍّ .
فلمّا خرج صالح قال أبو جعفر : أَحَدُهُمْ يَثِبُ عَلىٰ أَمْوالِ حَقِّ آلِ مُحَمَّدٍ ، وَأَیْتامِهِمْ وَمَساكينِهِمْ وَفُقَرائِهِمْ وَأَبْناءِ سَبيلِهِمْ فَيَأْخُذَهُ ثُمَّ يَجِيءُ فَيَقولُ: اجْعَلْني في حِلٍّ ، أَتَراهُ ظَنَّ أَنَّي أَقولُ : لَا أَفْعَلُ ؟
وَاللهِ لَيَسْأَلَنَّهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَنْ ذلِكَ سُؤالاً حَثِيثاً » (4).
الهمداني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (1).
وعدّه البرقي من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام (2).
وعدّه ابن شهرآشوب في المناقب من ثقات أبي الحسن عليّ بن محمّد علیه السلام ، روى عن إبراهيم بن إسحاق النهاوندي ، وروى عنه أبو صالح شعيب بن عيسى في ثواب زيارة الإمام عليّ بن موسى الرضا علیه السلام (3).
البجلي ، بيّاع السّابري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام ، كما عدّه من أصحاب الإمام الكاظم علیه السلام ، والإمام الرضا علیه السلام (4).
لقد تربّى صفوان على فكرة أهل البيت علیهم السلام، واقتدى بهم في سلوكه ، وسار على هديهم ، فكان من عمالقة التقوى والدين في الإسلام ، ومن ألمع أصحاب الأئمّة الطاهرين علیهم السلام في فضائله وعلومه ، ولا بدّ من وقفة قصيرة للتحدّث عنه .
وثاقته : واتّفق الرواة والمترجمون على وثاقته ، فقد قال الشيخ : « إنّه أوثق أهل زمانه عند أهل الحديث » (5).
وقال النجاشي : « إنّه ثقة ، ثقة » (6).
عبادته : كان صفوان أعبد أهل زمانه ، فكان يصلّي كلّ يوم وليلة مائة وخمسين
ركعة ، ويصوم في السنة ثلاثة أشهر ، ويُخرج زكاة ماله في كلّ سنة ثلاث مرّات » (1).
شدّة تحرّجه في الدين : وكان صفوان من أشدّ الناس في تحرّجه للدين ، يقول الرواة : إنّ إنساناً كلّفه حمل دينارين إلى أهله في الكوفة ، فقال له : إنّ جمالي مكراة وأنا أستأذن الاُجراء (2)، وكان هذا منتهى ما وصل إليه المتّقون من التحرّج في الدين .
معاهدته مع إخوانه : وعقد مع بعض اخوانه المتّقين معاهدة في بيت الله الحرام تنصّ على أنّ من مات منهم فالباقي عليه أن يعمل لصاحبه ما يعمله لنفسه من الخيرات والمبرّات ، وقد التزموا بذلك ، وكان آخر من بقي منهم صفوان ، فكان كلّما يصنعه لنفسه يصنعه لصاحبيه (3).
عدم حبّه للرياسة : وزهد صفوان في جميع مظاهر هذه الحياة ، فقد رفض مظاهر الرياسة ، وقد قال الإمام أبو الحسن علیه السلام : ما ذِئْبانِ ضارِيانِ في غَنَمِ قَدْ غابَ عَنْها رُعاتُها بِأَضَرَّ في دينِ مُسْلِمٍ مِنْ حُبِّ الرِّياسَةِ . ثمّ قال : لكِنْ صَفوانُ لَا يُحِبُّ الرِّياسَةَ (4).
طاعته للأئمّة : وكان صفوان مطيعاً للأئمّة الطاهرين علیهم السلام لم يخالفهم ولم يشذّ عن هديهم في قول ولا فعل ، وقد أثنى عليه الإمام الجواد علیه السلام لهذه الظاهرة ، فقد روى عليّ بن الحسين بن داود القمّي ، قال : « سمعت أبا جعفر علیه السلام يذكر صفوان بن يحيى ومحمّد بن سنان ، وقال : رَضِيَ اللهُ عَنْهُما بِرِضايَ عَنْهُما ، فَما خالَفاني وَما خالَفا أَبي علیه السلام قَطُّ » (5).
فقاهته : كان صفوان من أبرز الفقهاء في عصره ، روى الكشّي بسنده عن الفقيه الكبير محمّد بن سنان ، أنّه قال : « من كان يريد المعضلات فَإليَّ ، ومن أراد الحلال والحرام فعليه بالشيخ يعني صفوان بن يحيى » (1).
مؤلّفاته : ألّف صفوان ثلاثين كتاباً منها : كتاب الوضوء ، كتاب الصلاة ، كتاب الصوم ، كتاب الحجّ ، كتاب الزكاة ، كتاب النكاح ، كتاب الطلاق ، كتاب الفرائض ، کتاب الوصايا ، كتاب الشراء والبيع ، كتاب العتق والتدبير ، كتاب البشارات (2)، ودلّت هذه الكتب الفقهيّة على مدى تضلّعه واختصاصه في علم الفقه .
وفاته : توفّي هذا العالم الكبير سنة ( 210 ) ه- بالمدينة ، وبعث الإمام أبو جعفر الجواد علیه السلام بحنوطه وكفنه ، وأمر أسماعيل بن موسى بالصلاة عليه (3)وقد وارى جثمانه في البقيع ، وانتهت بذلك حياته التي وهبها لله ورسوله ولأهل البيت علیهم السلام .
الهمداني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (4).
النهاوندي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (5).
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (1).
قال النجاشي : « إنّه روى عن الإمام الرضا علیه السلام ، وروى أبوه أبو نجران عن الإمام أبي عبد الله علیه السلام .. وكان عبد الرحمن ثقة ، ثقة ، معتمداً على ما يرويه ، له كتب كثيرة وقد عدّ منها كتاب المطعم والمشرب ، وكتاب يوم وليلة ، وكتاب النوادر » (2).
روى عن أبي الحسن الثاني ، وأبي جعفر الثاني علیهما السلام ، وعن أبي بصير ، وأبي جميلة ، وأبي هارون المكفوف ، وابن أبي عمير، وغيرهم (3).
مولى بني تيم الله بن ثعلبة ، يكنّى أبا طالب ، ثقة ، من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام حسب ما ذكره الشيخ (4).
وقد روى انّه كتب إلى الإمام أبي جعفر علیه السلام يستأذنه أن يندب أباه الإمام الرضا علیه السلام .
فكتب علیه السلام إليه : « أَنِ انْدُبْني ، وَانْدُبْ أَبي » (5).
الرازي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (6).
الحصيني ، الأهوازي : عدّه الشيخ من أصحاب الجواد علیه السلام (1).
قال النجاشي : « إنّه ثقة ، ثقة . له كتاب يرويه عدّة من أصحابنا ، أمّا اسم كتابه فهو المسائل للرضاء علیه السلام » (2).
ابن سهل بن داود : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (3).
ابن سالم بيّاع الزُطِّيّ : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (4).
قال النجاشي : « إنّه كوفي ، ثقة ، وكان فطحيّاً ، جرى بينه وبين عليّ بن مهزیار رسائل في ذلك رجعوا فيها إلى أبي جعفر الثاني علیه السلام ، فرجع عليّ بن أسباط عن ذلك القول وتركه ، وقد روى عن الرضا علیه السلام من قبل ذلك ، وكان من أوثق الناس وأصدقهم لهجة . له كتاب الدلائل ، وله كتاب التفسير ، وله كتاب المزار، وله کتاب نوادر مشهور » (5).
روى عن أبي الحسن موسى ، وأبي الحسن الرضا ، وأبي جعفر الثاني علیهم السلام، وعن غيرهم (6).
بغدادي ، ثقة ، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (1).
قال النجاشي : إنّه روى عن أبي الحسن الثالث علیه السلام له كتاب (2).
ابن حكيم ، المدائني ، الأزدي الساباطي : عدّه الشيخ من أصحاب الجواد علیه السلام (3).
وقال النجاشي : « له كتاب » (4).
وقد أرشد الإمام الجواد علیه السلام إلى الائتمام به في صلاة الجماعة ، فقد روى الكشّي بسنده عن أبي عليّ بن راشد ، قال : « قلت لأبي جعفر الثاني علیه السلام : جعلت فداك ، قد اختلف أصحابنا فاُصلّي خلف أصحاب هشام بن الحكم ؟
قال علیه السلام : عَلَيْكَ بِعَلِيِّ بْنِ حَديدٍ .
قلت : فأخذ بقوله ؟ قال : نَعَمْ » (5).
روى عن الإمام أبي الحسن الماضي علیه السلام ، والرضا علیه السلام ، وأبي جعفر الثاني علیه السلام ، وعن غيرهم ، وروى عنه أبو جعفر ، وابن أبي عمير ، وابن جمهور ، وغيرهم (6).
الواسطي ، أبو الحسين القصير ، المعروف بالمُنَمِّس ، عمّر أكثر من مائة سنة (7).
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (1).
ابن عليّ بن عمر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب علیه السلام، والد الناصر الحسن بن عليّ : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (2).
روى عن عليّ بن جعفر بن محمّد ، وروى عنه عليّ بن مهزیار (3).
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (4)، روى عن سليمان بن نهيك ، وروى عنه إبراهيم بن هاشم (5).
كان زيدياً ثمّ رجع إلى القول بالإمامة حينما شاهد معاجز الإمام أبي جعفر الثاني علیه السلام، وقد روى طرفاً من مناقبه وفضائله ، وقد روى عن الإمام الجواد علیه السلام و عن أحمد بن الحسن بن عليّ ، وأحمد بن عبدوس وعبدالكريم وغيرهم ، وروى عنه ابن سماعة ، والحسن بن محمّد وسعد بن عبد الله ، وغيرهم (6).
القمّي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (7).
قال النجاشي : « إنّه ثقة من أصحابنا . له كتاب الاستطاعة على مذهب أهل العدل » (1).
المدائني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام وكذلك عدّه البرقي (2).
عدّه البرقي من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (3).
ابن سليمان النوفلي . روى عن الإمام أبي جعفر الثاني علیه السلام وروى عنه موسی بن جعفر (4).
ابن هارون بن الحسن بن محبوب ، من أصحاب الإمام أبي جعفر الثاني علیه السلام (5).
العلوي ، الحسني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (6).
القلانسي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (1).
من ألمع أصحاب الإمام الجواد علیه السلام، ومن مشاهير علماء عصره فضلاً وتقوى ، ونلمح إلى بعض شؤونه :
إسلامه : كان عليّ بن مهزيار ينتحل دين المسيحيّة ، فهداه الله إلى الإيمان فأسلم وأخلص في إسلامه أشدّ ما يكون الإخلاص (2).
عبادته : ولم ير مثل عليّ بن مهزيار في طاعته وتقواه ، وبلغ من عبادته أنّه إذا طلعت الشمس سجد لله فلا يرفع رأسه من السجود حتّى يدعو لألف رجل من إخوانه بمثل ما دعا لنفسه ، وكان على جبهته مثل ركبة البعير (3)من كثرة السجود لله .
وثاقته في الرواية : وأجمع المترجمون له على وثاقته في الرواية ، فقد قال النجاشي : « كان ثقة في روايته لا يطعن عليه » (4).
مؤلّفاته : وألّف مجموعة من الكتب تدلّ على سعة علومه ومعارفه ، ومن بينها : کتاب « الوضوء » ، كتاب « الصلاة » ، كتاب « الزكاة » ، کتاب « الصوم » ، کتاب « الحجّ » ، كتاب « الطلاق » ، كتاب « الحدود » ، کتاب « الديات » ، کتاب « التفسير » ، كتاب « الفضائل » ، كتاب « العتق والتدبير » ، كتاب « المكاسب » ، كتاب
« المثالب » ، كتاب « الدعاء » ، كتاب « التجمّل والمروة » ، كتاب « المزار » ، کتاب « الردّ على الغلاة » ، كتاب « الوصايا » ، كتاب « المواريث » ، کتاب « الخمس » ، كتاب « الشهادات » ، كتاب « فضائل المؤمنين وبرّهم » ، كتاب « الملاحم » ، كتاب « التقية » ، كتاب « الصيد والذبائح » ، كتاب « الزهد » ، كتاب « الأشربة » ، كتاب « النذور والايمان والكفّارات » ، کتاب « الحروف » ، کتاب « القائم » ، کتاب « البشارات » ، كتاب « الأنبياء » ، كتاب « النوادر » ، کتاب « رسائل علي بن أسباط » (1).
ومعظم هذه المؤلّفات حسب أسمائها من الفقه ، وهي تدلّ على أنّه من كبار الفقهاء في الإسلام.
رسائل الإمام الجواد علیه السلام له : وبعث الإمام الجواد علیه السلام إلى عليّ بن مهزيار عدّة رسائل ، وهي تكشف عن عظيم صلته بالإمام علیه السلام وسموّ منزلته ومكانته عنده ومن بين هذه الرسائل :
1 - من رسائل الإمام الجواد علیه السلام إليه هذه الرسالة ، وقد جاء فيها بعد البسملة :
« قَدْ وَصَلَ إِلَيَّ كِتابَكَ ، وَفَهِمْتُ ما ذَكَرْتَ فيهِ ، وَقَدْ مَلَأَتْني سُروراً ، فَسَرَّكَ اللهُ ، وَأَنا أَرْجو مِنَ الْكافي الدّافِع أَنْ يَكْفِيَكَ كَيْدَ كُلِّ كائِدٍ إِنْ شاءَ اللهُ تَعالىٰ » (2).
ودلّت هذه الرسالة على قيام عليّ بن مهزيار بخدمة الإمام علیه السلام وقد ملأت قلبه الشريف فرحاً وسروراً ، فراح يدعو له بأن يجزل له الله المزيد من الثواب والأجر .
2 - جاء في رسالة اُخرى للإمام علیه السلام إليه :
«قَدْ فَهِمْتُ ما ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ الْقُمِّيِّينَ خَلَّصَهُمُ اللهُ ، وَفَرَّجَ عَنْهُمْ ، وَسَرَرْتَني بِما ذَكَرْتَ مِنْ ذلِكَ ، وَلَمْ تَزَلْ تَفْعَلُ سَرَّكَ اللهُ بِالْجَنَّةِ ، وَرَضِيَ عَنْكَ ، عَنْكَ بِرِضائي عَنْكَ ، وَأَنا أَرْجو مِنَ اللهِ حُسْنَ الْعَوْنِ وَالرَّأْفَةِ ، وَأَقولُ : حَسْبُنا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكيلُ » (1).
وكشفت هذه الرسالة عن إنقاذ عليّ للقمّيّين من محنة كانوا فيها ممّا أوجب سرور الإمام ، ودعائه له بالفوز بالفردوس الأعلى مقرّ الأنبياء والصالحين.
3 - ومن رسائل الإمام إليه :
«فَاشْخَصْ إِلىٰ مَنْزِلِكَ صَيَّرَكَ اللَّهُ إِلىٰ خَيْرِ مَنْزِلٍ في دُنْياكَ وَآخِرَتِكَ » (2).
لقد أمره الإمام علیه السلام بالشخوص إلى منزله بعد ما أدّى ما عليه من الخدمة للإمام علیه السلام .
4- وجاء في رسالة اُخرى للإمام إلى عليّ بن مهزيار ما نصّه :
« أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَحْفَظَكَ مِنْ بَيْن يَدَيْكَ ، وَمِنْ خَلْفِكَ ، وَفي كُلِّ حالاتِكَ ، فَأَبْشِرْ فَإِنّي أَرْجُو أَنْ يَدْفَعَ اللهُ عَنْكَ ، وَأَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ لَكَ الْخِيَرَةَ فيما عَزَمَ لَكَ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الشُّخوصِ في يَوْمِ الْأَحَدِ ، فَأَخِّرْ ذلِكَ إِلىٰ يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ إِنْ شاءَ اللهُ .
صَحِبَكَ اللَّهُ في سَفَرِكَ ، وَخَلَفَكَ في أَهْلِكَ ، وَأَدّىٰ عَنْكَ أَمانَتَكَ ، وَسَلِمْتَ بِقُدْرَتِهِ .. » (3).
لقد دعا الإمام علیه السلام بأحرّ الدعاء إلى عليّ ، وطلب منه تأجيل السفر من يوم الأحد إلى يوم الاثنين ، وذلك لما فيه من المصلحة التي تقضي بذلك .
5 - وكتب عليّ إلى الإمام الجواد علیه السلام رسالة يسأله التوسعة عليه ، وتحليله لما في يده من مال للإمام .
فأجابه : « وَسَّعَ اللهُ عَلَيْكَ ، وَلِمَنْ سَأَلْتَ لَهُ التَّوْسِعَةَ فى أَهْلِكَ وَأَهْل بَيْتِكَ ، وَلَكَ يا عَلِيُّ عِنْدي أَكْثَرُ مِنَ التَّوْسِعَةِ ، وَأَنا أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَصْحَبَكَ بِالتَّوْسِعَةِ وَالْعافِيَةِ ، وَيُقْدِمُكَ عَلَى الْعافِيَةِ ، وَيَسْتُرُكَ بِالْعافِيَةِ إِنَّهُ سَميعُ الدُّعاءِ » (1).
وقد أجاز الإمام علیه السلام بما طلبه من المال ودعا له بأخلص الدعاء .
6 - وكتب عليّ بن مهزيار إلى الإمام علیه السلام رسالة يطلب فيها الدعاء له .
فأجابه : « وَأَمّا ما سَأَلْتَ مِنَ الدُّعاءِ فَإِنَّكَ بَعْدُ لَسْتَ تَدْرِي كَيْفَ جَعَلَكَ اللهُ عِنْدي وَرُبَّما سَمَّيْتُكَ بِاسْمِكَ وَنَسَبِكَ ، مَعَ كَثْرَةِ عِنايَتي بِكَ ، وَ مَحَبَّتي لَكَ ، وَمَعْرِفَتي بِما أَنْتَ عَلَيْهِ ، فَأَدامَ اللَّهُ لَكَ أَفْضَلَ ما رَزَقَكَ مِنْ ذلِكَ وَرَضِيَ عَنْكَ ، وَبَلَّغَكَ أَفْضَلَ نِيَّتِكَ ، وَأَنْزَلَكَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلىٰ بِرَحْمَتِهِ ، إِنَّهُ سَميعُ الدُّعاءِ ، حَفِظَكَ اللهُ وَتَوَلّاكَ ، وَدَفَعَ عَنْكَ السُّوءَ بِرَحْمَتِهِ . وَكَتَبْتُ بِخَطِّي » (2).
لقد احتلّ عليّ بن مهزیار قلب الإمام الجواد صلوات الله عليه بصلاحه وتقواه ، ومزيد خدماته له .
7 - ومن بين رسائل الإمام إلى عليّ هذه الرسالة ، وقد رواها الحسن بن شمون ، وقد جاء فيها بعد البسملة :
« يا عَلِيُّ ، أَحْسَنَ اللَّهُ جَزاكَ ، وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ ، وَمَنَعَكَ مِنَ الْخِزْي في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَحَشَرَكَ اللهُ مَعَنا .
يا عَلِيُّ قَدْ بَلَوْتُكَ ، وَخَبَرْتُكَ في النَّصيحَةِ ، وَالطَّاعَةِ ، وَالْخِدْمَةِ ، وَالتَّوْقيرِ ، وَالْقِيامِ بِما يَجِبُ عَلَيْكَ ، فَلَوْ قُلْتُ: إِنّي لَمْ أَرَ مِثْلَكَ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكونَ صادقاً.
فَجَزاكَ اللهُ جَنّاتِ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً ، وَما خَفِيَ عَلَيَّ مَقامَكَ ، وَلَا خِدْمَتَكَ في الْحَرِّ وَالْبَرْدِ ، وَاللَّيْلِ وَالنَّهارِ ، فَأَسْأَلُ اللهَ إِذا جَمَعَ الْخَلائِقَ لِلْقِيامَةِ أَنْ يَحْبُوكَ بِرَحْمَةٍ تُغْتَبَطُ إِنَّهُ سَميعُ الدُّعاءِ » (1)
وأعطت هذه الرسالة وغيرها من رسائل الإمام علیه السلام إلى عليّ صورة مشرقة عن سموّ منزلته وعظيم مكانته عند الإمام علیه السلام وأنّه نسخة لا ثاني لها في تقواه وورعه ، فلم ينسّ الإمام علیه السلام خدماته وما أسداه عليه من ألوان البرّ والمعروف .
طبقته في الحديث : وقع عليّ بن مهزيار في إسناد كثير من الروايات تبلغ أربعمائة وثلاثين مورداً.
روى عن الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام وأبي الحسن الثالث علیه السلام ، وعن أبي داود
1) الغيبة : 349 .
المسترق ، وأبي عليّ بن راشد ، وابن أبي عمير ، وغيرهم (1).
وبهذا ينتهي البحث عن سيرة هذا العملاق العظيم الذي وهب حياته لخدمة الإمام الجواد علیه السلام حتّى أخلص له الإمام أعظم الإخلاص ، وأحبّه أشدّ ما يكون الحبّ .
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام . وكذلك عدّه البرقي (2).
وقد كتب إلى الإمام الجواد علیه السلام رسالة يسأل فيها عن رجل اعتمر في شهر رمضان ، ثمّ حضر الموسم ، أيحجّ مفرداً للحجّ أو يتمتّع أيّهما أفضل ؟
فكتب علیه السلام إليه : يَتَمَتَّعُ (3).
يكنّى أبا الحسن، يروى عنه كتاب « ثواب إنّا أنزلناه » : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (6).
البزنطي صاحب أيّوب بن نوح : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (1).
(الحضيني) ، الأهوازي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (2).
وقال حمدان الحضيني للإمام الجواد علیه السلام : إنّ أخي - يعني محمّداً - مات.
فقال علیه السلام : رَحِمَ اللهُ أَخاكَ ، فَإِنَّهُ كانَ مِنْ خِصِّيصِ شِيعَتي (3).
روی محمّد عن الإمام أبي جعفر ، وروى عنه عليّ بن مهزيار (4).
الرازي ، أصله من قم : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (5).
وكذلك عدّه البرقي (6).
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (1).
روى عن عبد الرحمن بن أبي نجران ، وروى عنه سعد بن عبد الله (2).
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (3).
عدّه البرقي من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (4).
ابن حمّاد ، المحمودي ، يكنّى أبا عليّ . روى الكشّي بسنده عنه ، إنّ الإمام الجواد علیه السلام عزّاه بوفاة أبيه ، فقد كتب له :
« قَدْ مَضىٰ أَبوكَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَنْكَ ، وَهُوَ عِنْدَنا عَلىٰ حالٍ مَحْمودَةٍ ، وَلَمْ يَتَعدّ مِنْ تِلْكَ الْحالِ » (5).
ابن بزيع : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا والإمام الجواد علیهما السلام (6)، وكان من
خيار أصحاب الأئمّة علیهم السلام في ورعه وتقواه ، ونتحدّث - بإيجاز - عن بعض شؤونه .
اتّصاله بالإمام الرضا علیه السلام : واتّصل محمّد بالإمام الرضا علیه السلام اتّصالاً وثيقاً ، فكان علیه السلام ينظر إليه بعين الإكبار والتقدير ، وقد روى الحسين بن خالد الصيرفي ، قال : « كنّا عند الإمام الرضا علیه السلام ونحن جماعة ، فذكر محمّد بن إسماعيل فقال علیه السلام يخاطب أصحابه : وَدَدْتُ أَنَّ فِيكُمْ مِثْلَهُ » .
وقد روى عن الإمام الرضا علیه السلام ، أنّه قال : « إِنَّ لِلَّهِ تَعالىٰ بِأَبْوابِ الظّالِمينَ مَنْ نَوَّرَ اللَّهُ لَهُ الْبُرْهانَ ، وَمَكَّنَ لَهُ في الْبِلادِ ، لِيَدْفَعَ بِهِمْ عَنْ أَوْلِيائِهِ ، وَيُصْلِحَ اللهُ بِهِ اُمورَ الْمُسْلِمينَ ، إِلَيْهِمْ مَلْجَأَ الْمُؤْمِنِ مِنَ الضَّرَرِ ، وَإِلَيْهِمْ يَفْزَعُ ذو الْحاجَةٍ مِنْ شيعَتِنا ، وَبِهِمْ يُؤْمِنُ اللَّهُ رَوْعَةَ الْمُؤْمِنِ في دارِ الظَّلَمَةِ ، اُوْلئِكَ الْمُؤْمِنونَ حَقّاً ، اُوْلٰئِكَ اُمَناءُ اللَّهِ في أَرْضِهِ ، اُوْلٰئِكَ نورٌ في رَعِيَّتِهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، وَيَزْهُرُ نورُهُمْ لأَهْلِ السَّماواتِ كَما تَزْهُرُ الدُّرِيَّةُ لأَهْلِ الْأَرْضِ ، اُولٰئِكَ مِنْ نورِهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُضِيءُ مِنْهُمُ الْقِيامَةُ ، خُلِقوا وَاللَّهِ لِلْجَنَّةِ ، وَخُلِقَتِ الْجَنَّةُ لَهُمْ ، فَهَنيئاً لَهُمْ ، ما عَلىٰ أَحَدِكُمْ أَنْ لَوْ شاءَ لَنالَ هٰذا كُلَّهُ .
قال : قلت : بماذا جعلني الله فداك ؟
قال : يَكونُ مَعَهُمْ فَيَسُرُّنا بِإِدْخالِ السُّرورِ عَلَى الْمُؤْمِنينَ مِنْ شيعَتِنا ، فَكُنْ مِنْهُمْ يا مُحَمَّدُ » (1).
وأشاد الإمام الرضا علیه السلام بمن يتّصل بالسلطة ليقوم بقضاء حوائج المسلمين ودفع
1) معجم رجال الحديث : 15 : 10246/96 .
الغائلة والمكروه عنهم ، فإنّ ذلك من أفضل ألوان الخير ، ومن أعظم ما يتقرّب به المسلم إلى الله تعالى .
مع الإمام الجواد علیه السلام : واتّصل محمّد بن إسماعيل بالإمام الجواد اتّصالاً وثيقاً ، فقد قال بإمامته ، وقد روى عنه بعض الأحاديث المتعلّقة في أحكام الشريعة ، وقد سأل من الإمام أن يمنحه قميصاً قد وضعه على بدنه ليجعله كفناً له فبعث إليه الإمام علیه السلام ذلك (1).
مؤلّفاته : وألّف محمّد بن إسماعيل مجموعة من الكتب ، كان منها كتاب الحجّ ، وكتاب ثواب الحجّ ، وغيرهما (2).
الرازي . روى عن الإمام الجواد علیه السلام ، وروى عنه السياري ، كما روى عن سليمان ابن جعفر الجعفري ، وروى عنه سهل بن زياد (3).
ابن أبي خالد الأشعري . روى عن الإمام أبي جعفر علیه السلام، وروى عنه الحسين بن سعید (4).
ابن عمّار . روى عن الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام، وروى عنه محمّد بن خلاد (5).
ابن محبوب : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (1).
الواسطي ، من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (2).
وروى الفضل بن شاذان : « أنّه كان كريماً على أبي جعفر علیه السلام ، وأنّ أبا الحسن علیه السلام أنفذ إليه نفقة في مرضه وكفنه وأقام مأتماً عند موته » (3).
ابن شَمُّون البصري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (4).
قال ابن الغضائري : « محمّد بن الحسن بن شمُّون ، أصله بصري ، واقف ، ثمّ غلا، ضعيف متهافت ، لا يلتفت إليه ، ولا إلى مصنّفاته وسائر ما يُنسب إليه » (5).
وقال النجاشي فيه : « كان ضعيفاً جدّاً ، فاسد المذهب ، وأضيف إليه أحاديث في الوقف - أي في الوقف على الإمام موسى بن جعفر وأنّه حي لم يمُت - ، وكان من أباطيله ما زعمه أنّه سمع الإمام موسى بن جعفر علیه السلام يقول : مَن أخبرك انّه مَرَّضَني ، وغسّلني ، وحنّطني ، وكفّنني ، وألحدني ، وقَبَرَني ، ونَفض يده من التراب فكذّبه » .
وقال : « مَن سأل عنّي ، فقُل : حيّ والحمد لله ، لعن الله من سئل عنّي فقال مات » (6).
له من الكتب ، كتاب السُنن والآداب ومكارم الأخلاق ، كتاب المعرفة ، كتاب نوادر .
كان له من العمر 114 سنة » (1).
الأشعري . روى عن الإمام أبي جعفر علیه السلام وروى عنه عليّ بن مهزیار (2).
ابن أبي الخطّاب ، أبو جعفر الزيات الهمداني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (3).
قال فيه النجاشي : « إنّه جليل ، من أصحابنا ، عظيم القدر ، كثير الرواية ، ثقة ، عين ، حسن التصانيف ، مسكون إلى روايته . له كتاب التوحيد ، كتاب المعرفة والبداء ، كتاب الردّ على أهل القدر ، كتاب الإمامة ، كتاب اللؤلؤة ، كتاب وصايا الأئمّة ، كتاب النوادر » (4).
وقع محمّد بن الحسن في إسناد كثير من الروايات تبلغ مائة وتسعة وثمانين مورداً ، روى عن أبي داود المنشد ، وابن أبي نصر ، وابن محبوب، وغيرهم (5).
العلوي. روى عن الإمام الجواد علیه السلام ، وروى عنه علي بن مهزیار ، قال : « كتب
محمّد بن أبي حمزة العلوي إلى أبي جعفر علیه السلام : مولى لك أوصى إليَّ بمائة درهم ، وكنت أسمعه يقول : كلّ شيء هو لي فهو لِمولاي ، فمات وتركها ، ولم يأمر فيها بشيء ، وله امرأتان إمّا إحداهما فببغداد ، ولا أعرف لها موضعاً الساعة ، واُخرى بقُم ، ما الذي تأمرني في هذه المائة درهم ؟
فكتب إليه : انْظُرْ أَنْ تَدْفَعَ مِنْ هٰذِهِ الدَّراهِمِ إِلىٰ زَوْجَتَي الرَّجُلِ حَقَّهُما ، وَحَقُّهُما مِنْ ذلِكَ الثُّمُنُ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَالْرُّبْعُ ، وَتَصَدَّقْ عَلىٰ مَنْ تَعْرِفْ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ حاجَةً إِنْ شاءَ اللهُ » (1).
ودلّت هذه الرواية على ثقة الإمام علیه السلام به ، حيث جعله وكيلاً عنه في التصرّف في المال .
أبو عبد الله البرقي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (2).
وقد وثّقه الشيخ ، وقال في الفهرست : « له كتاب النوادر . روى عنه أحمد بن محمّد بن عيسى ، وأحمد بن أبي عبد الله » (3).
وقد ضعّفه النجاشي وقال : « كان ضعيفاً في الحديث ، وكان محمّد أديباً ، حسن المعرفة بالأخبار وعلوم العربية . له كتب منها كتاب التنزيل والتعبير ، كتاب يوم وليلة ، كتاب التفسير ، كتاب مكّة والمدينة ، كتاب حروب الأوس والخزرج ، كتاب العلل ، كتاب في علم الباري ، كتاب الخطب » (4).
وضعّفه ابن الغضائري ، قال : « حديثه يعرف وينكر ، ويروي عن الضعفاء كثيراً ،
ويعتمد المراسيل » (1).
واعتمد بعض المحقّقين في علم الرجال على توثيق الشيخ له ، ولم يعین بتضعيف النجاشي وابن الغضائري له .
ابن عبد الحميد : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (2).
أبو جعفر الزاهري الخزاعي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (3).
وقال في الفهرست : « محمّد بن سنان : روى رسالة أبي جعفر إلى أهل البصرة » (4). وقد ضعّفه النجاشي ، وقال : «إنّه ضعيف جدّاً » (5).
وقال الفضل بن شاذان : «لا أحلّ لكم أن ترووا أحاديث محمّد بن سنان » (6).
وقال محمّد بن سنان عند موته : « لا ترووا عنّي ممّا حدّثت شيئاً ، فإنّما هي كتب اشتريتها في السوق » (7).
وقد طعن في حديثه واتُّهم بالغلوّ ، وعدم التحرّج في الدين ، وقد روى الكشّي ، قال : « رأيت في بعض كتب الغلاة .. عن الحسن بن عليّ ، عن الحسن بن شعيب ، عن محمّد بن سنان ، قال : دخلت على أبي جعفر الثاني علیه السلام فقال لي : يا محمّد ، كيف أنت إذا لعنتك ، وبرئت منك ، وجعلتك محنة للعالمين ، أهدي بك من أشاء واضل بك من أشاء .
قال : قلت له : تفعل بعبدك ما تشاء يا سيّدي ، أنت على كلّ شيء قدير ..
ثمّ قال : يا محمّد ، أنت عبد أخلصت الله ، إنّي ناجيت الله فيك فأبى إلّا أن يضل بك كثيراً ويهدي بك كثيراً » (1).
وكثير من أمثال هذه المنكرات والخرافات رُويت عنه .
أبي الصهبان ، القمّي عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام، ورد توثيقه في الوجيزة ، والبلغة، ومشتركات الكاظمي (2).
المدائني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (3).
وأضاف : أنّه لحق الإمام موسى بن جعفر علیه السلام ، يعني لمّا أخذ من المدينة إلى بغداد (4).
ابن مهران ، أبو جعفر الكرخي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام مضيفاً أنّه يرمى بالغلو والضعف (5).
قال النجاشي : « إنّه غال ، كذّاب ، فاسد المذهب والحديث ، مشهور بذلك . له كتب منها : كتاب الممدوحين والمذمومين ، كتاب مقتل أبي الخطاب ، كتاب
الملاحم ، كتاب التبصرة ، كتاب النوادر ، وهو أقرب كتبه إلى الحقّ والباقي تخلیط » (1).
يُكنّى أبا بشر : عدّه الشيخ من غير توصيف من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (2).
الرخجي (3): عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (4).
كان من وجوه الشيعة ، ولمّا توفّي الإمام محمّد الجواد علیه السلام اجتمعت عنده الشيعة لمعرفة الإمام القائم بعد الجواد علیه السلام (5)، وله أخبار حسان ذكرها المترجمون له .
الناب : عدّه البرقي من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (6).
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (7).
عدّه البرقي من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (8).
الخزاز، الكرماني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (1).
ابن عبد الرحمن : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا علیه السلام، واُخرى من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (2).
وروى الكشّي : « أنّ الحكومة العبّاسيّة لمّا أجبرت ابن أبي عُمير على تسمية الشيعة لتعتقلهم ، فأبى أن يخبر بأسمائهم ، فضُرب مائة سوط ، وكاد أن يُسمّيهم من شدّة التعذيب ، إلّا أنّه لمّا سمع نداء محمّد بن يونس : يا محمّد بن أبي عُمير ، اذكر موقفك بين يدي الله ، صبر على التعذيب ولم يخبر بأسمائهم » (3).
العبدي ، البصري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام ، وأضاف : أنّه ثقة (4).
ابن أبي حفصة ، مولى بني عجل : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (5).
وروى الكشّي عن محمّد بن مسعود ، قال : « سألت علي بن الحسن عن مروك بن عبيد ، فقال : ثقة ، شيخ صدوق » (6).
وذكر الشيخ في الفهرست أنّ له كتاباً (1).
المدايني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (2).
وقد أدرك الإمام الصادق علیه السلام وروى عنه ، وعن الإمام موسى بن جعفر علیه السلام ، وقد كان من أجلّاء العلماء والفقهاء ، وقد رُمي بالفطحيّة ، وقد عمّر مائة سنة (3).
ابن معاوية عمّار الدهني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (4).
قال النجاشي : « معاوية بن حكيم بن عمّار الدُهنيّ : ثقة ، جليل ، من أصحاب الرضا علیه السلام . قال أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله : سمعت شيوخنا يقولون : روى معاوية بن حكيم أربعة وعشرين أصلاً لم يروِ غيرها . وله كتب منها : كتاب الطلاق ، وكتاب الحيض ، وكتاب الفرائض ، وكتاب النكاح ، وكتاب الحدود ، وكتاب الديات ، وله نوادر » (5).
قال الكشّي : «إنّه فطحي ، وهو عدل عالم » (6).
عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (7).
إلّا أنّ النجاشي قال : « منذر بن محمّد بن سعيد بن أبي الجهم القابوسيّ ،
أبو القاسم ، من ولد قابوس بن النعمان بن المنذر ... ثقة ، من أصحابنا ، من بيت جليل . له كتب منها : وفود العرب إلى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم، وكتاب جامع الفقه ، وكتاب الجمل ، وكتاب صفّين ، وكتاب الغارات » (1).
أبو الحسين الرازي : عدّه الشيخ تارة من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام ، واُخرى من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام (2).
قال النجاشي : « إنّه سكن بغداد ومات بها، وكان مضطرب الأمر . له كتاب نوادر » (3).
اليعقوبي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام، ومن أصحاب الإمام الهادي علیه السلام (4).
المنقري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (5)، وهو مجهول الحال .
ابن عبد الملك بن هشام : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (6).
ابن بَزيْع ، مولى المنصور : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (1).
قال النجاشي : « إنّه ثقة ، كوفي . له كتاب » (2).
وورد توثيقه في الوجيزة والبلغة والخلاصة .
ابن معاوية بن وهب البجلي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا علیه السلام، ومن أصحاب الإمام الجواد (3).
قال النجاشي : « إنّه ثقة ، جليل ، واضح الحديث ، حسن الطريقة . له كتب منها : كتاب الوضوء ، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة ، كتاب الحجّ ، كتاب النكاح ، كتاب الطلاق ، كتاب الحدود ، كتاب الديات، كتاب الشهادات ، كتاب الأيمان والنذور ، كتاب أخلاق المؤمنين ، كتاب الجامع ، كتاب الآداب » (4).
البغدادي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام .
ونقل عن الفضل بن شاذان : « أنّه كان فقيهاً ، عالماً ، صالحاً ، مرضيّاً » (5).
ابن محبوب : عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (1).
قال النجاشي : « إنّه ثقة صدوق . روى عن أبيه ، له كتاب نوادر » (2).
عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (3).
أمّا الذين عُرفوا بالكنية من أصحاب الإمام واشتهروا بها فهم :
البصري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (4).
وقد وثّقه الكشّي ، فقد روى عن الفضل بن شاذان ، قال : « حدّثني أبو جعفر البصري، وكان ثقة ، صالحاً ، فاضلاً » (5).
ابن الحصين الحصيني : عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (1).
المهري ، البصري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (2).
عدّه الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (3).
كوفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (4).
هؤلاء بعض الرواة الذين رووا عن الإمام أبي جعفر علیه السلام .
أمّا السيدات اللاتي روين عن الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام فهنّ :
بنت الحسين، وهو أحمد بن داود البغدادي : عدّها الشيخ بهذا العنوان من السيدات اللاتي تشرّفن بسؤال الإمام الجواد علیه السلام (5).
ابن يحيى : عدّها الشيخ من جملة أصحاب الإمام الجواد علیه السلام (1).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض أصحاب الإمام الجواد علیه السلام وقد كان فيهم جماعة من أعلام الفكر والعلم والأدب في ذلك العصر، وقد دلّت هذه الجمهرة من أصحابه على مدى ما يتمتّع به الإمام من الثروات العلميّة الهائلة ، فإنّهم إنّما صحبوه للاستفادة من نمير علمه .
1) رجال الطوسي : 5628/380 .
عَصْرِ اٝلإمَامِ عَلَیْهِ اٝلْسَّلَامُ
أمّا عصر الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام، فقد كان من أزهى العصور الإسلاميّة وأروعها ، فقد تميّز في نهضته العلميّة وحضارته الفكريّة ، وقد ظلّ المسلمون وغيرهم أجيالاً وقروناً يعيشون على موائد الثروات الفكريّة والعلميّة التي اُسّست في ذلك العصر.
ولا بدّ لنا من الحديث بإيجاز عن معالم الحياة في عصر الإمام علیه السلام ، فقد أصبحت دراسة العصر من المباحث المنهجيّة التي لا غِنى للباحث عنها ، لأنّها تكشف عن أبعاد الشخصيّة ، وتدلّل على مناحيها الفكريّة ، وسائر اتّجاهاتها ، وفيما يلى عرض لذلك :
أمّا الحياة الثقافية في ذلك العصر ، فتعتبر من أبرز معالم الحياة في العصور الإسلاميّة على الاطلاق ، فقد ازدهرت الحركات الثقافيّة ، وانتشر العلم انتشاراً واسعاً، وتأسّست المعاهد الدراسيّة ، وانتشرت المكاتب العامّة ، وأقبل الناس بلهفة على طلب العلم .
يقول نيكلسون : « وكان لانبساط رقعة الدولة العبّاسيّة ، ووفرة ثروتها ، ورواج تجارتها أثر كبير في خلق نهضة ثقافيّة لم يشهدها الشرق من قبل ، حتّى لقد بدا أنّ
الناس جميعاً - من الخليفة إلى أقلّ أفراد العامّة شأناً- غدوا فجأة طلّاباً للعلم أو على الأقل أنصاراً للأدب ، وفي عهد الدولة العبّاسيّة كان الناس يجوبون ثلاث قارّات سعياً إلى موارد العلم والعرفان ليعودوا إلى بلادهم كالنحل يحملون الشهد إلى جموع التلاميذ المتلهّفين ، ثمّ يصنّفون بفضل ما بذلوه من جهد متّصل هذه المصنّفات التي هي أشبه شيء بدوائر المعارف، والتي كان لها أكبر الفضل في إيصال هذه العلوم الحديثة إلينا بصورة لم تكن متوقعة من قبل » (1).
ونُلمح إلى بعض المعالم الرئيسيّة من تلك الحياة الثقافيّة .
أمّا المراكز الثقافية في عصر الإمام أبي جعفر علیه السلام فهي :
وكانت يثرب من أهم المراكز العلميّة في ذلك العصر ، فقد تشكّلت فيها مدرسة أهل البيت علیهم السلام ، وقد ضمّت عيون الفقهاء والرواة من الذين سهروا على تدوين أحاديث أئمّة أهل البيت علیهم السلام ، وقد عنوا بصورة موضوعيّة بتدوين أحاديثهم الخاصة في الفقه باعتباره روح الاسلام وجوهره ، كما تشكّلت في يثرب مدرسة التابعين ، وهي مدرسة فقهيّة عنت بأخذ الفقه ممّا روي عن الصحابة ، ويرجع بما لم يرو عنهم إلى ما يقتضيه الرأي والقياس حسب ما ذكروه .
وتأتي الكوفة بعد يثرب في الأهمّية ، فقد كان الجامع الأعظم من أهم المعاهد ،
1) تاریخ الاسلام : 2 : 322 .
والمدارس الإسلاميّة ، فقد انتشرت فيه الحلقات الدراسيّة ، وكان الطابع العامّ للدراسة هي العلوم الإسلاميّة من الفقه والتفسير والحديث وغيرها .
وكانت الكوفة علويّة الرأي ، فقد عنت مدرستها بعلوم أهل البيت علیهم السلام، وقد حدّث الحسن بن علي الوشاء ، فقال : « أدركت في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ كلّ يقول : حدّثني جعفر بن محمّد » (1).
ومن أهم الاُسر العلميّة التي درست في ذلك الجامع هي آل حيّان التغلبي ، وآل أعين ، وبنو عطيّة ، وبيت بني دراج ، وغيرهم (2).
ولم يكن الفقه وحده هو السائد في مدرسة الكوفة ، وإنّما كان النحو سائداً أيضاً ، فقد اُنشأت في الكوفة مدرسة النحويّين ، وكان من أعلامها البارزين : الكسائي الذي عهد إليه الرشيد بتعليم ابنيه الأمين والمأمون .
ومن الجدير بالذكر أنّ هذا العلم الذي يصون اللسان عن الخطأ قد اخترعه الإمام أمير المؤمنين علیه السلام فهو الذي وضع قواعده واُصوله .
أمّا البصرة ، فقد كانت مركزاً مهمّاً لعلم النحو ، وكان أوّل من وضع أساس مدرسة البصرة أبو الأسود الدؤلي تلميذ الإمام أمير المؤمنين علیه السلام، وكانت هذه المدرسة تنافس مدرسة الكوفة ، وقد سُمّي نُحاة البصرة ( أهل المنطق ) تمييزاً عن نُحاة الكوفة .
وكان من أعلام هذه الصناعة سيبويه الفارسي ، وهو صاحب كتاب سيبويه ، الذي هو من أنضج الكتب العربية وأكثرها عمقاً وأصالة.
يقول دي بور : «فلو نظرنا إلى كتاب سيبويه لوجدناه عملاً ناضجاً ، ومجهوداً عظيماً ، حتّى إنّ المتأخّرين قالوا : إنّه لا بدّ أن يكون ثمرة جهود متظافرة لكثير من العلماء ، مثل قانون ابن سینا » (1).
وكما كانت البصرة ميداناً لعلم النحو ، كذلك كانت مدرسة لعلم التفسير الذي كان من علمائه البارزين أبو عمرو بن العلاء ، وكانت مدرسة أيضاً لعلم العروض الذي وضع اُصوله الخليل بن أحمد صاحب كتاب العين الذي هو أوّل معجم وضع في اللغة العربية .
أمّا بغداد ، فقد ازدهرت بالحركات العلميّة والثقافيّة، وقد انتشرت فيها المدارس والمعاهد ، ولم يعد هناك شيء أيسر ولا أبذل من العلم ، ولم تختصّ بغداد في علم خاصّ كما كانت بقية المراكز الإسلاميّة ، وإنّما شملت جميع أنواع العلوم من العقليّة والنقليّة ، وكذا سائر الفنون .
وقد أصبحت أعظم حاضرة علميّة في ذلك العصر، وقد توافد عليها طلّاب العلوم والمعرفة من جميع أقطار الدنيا .
يقول لغوستان لوبون : «كان العلماء ورجال الفنّ والاُدباء من جميع المِلل والنِحل من يونان وفارس وأقباط وكلدان يتقاطرون إلى بغداد، ويجعلون منها مركزاً للثقافة في الدنيا .
قال أبو الفرج عن المأمون : إنّه كان يخلو بالحكماء ، ويأنس بمناظرتهم ، ويلتذّ بمذاكرتهم ، علماً منه بأنّ أهل العلم هُم صفوة الله من خلقه ، ونخبته من عباده » (2).
هذه بعض المراكز الثقافيّة في ذلك العصر.
وكان من العلوم السائدة التي أقبل الناس على تعلّمها ، هي :
أمّا علوم القرآن الكريم ، فمن بينها ما يلي :
ويعني هذا العلم بالبحث عن قراءة القرآن ، وقد وجدت سبع طُرق في القراءات ، كلّ طريقة منها تُنسب إلى قارئ ، ومن أشهرهم في العصر العباسي يحيى بن الحارث الذماري ( المتوفّى سنة 145ه- ) ، وحمزة بن حبيب الزيات ( المتوفّى سنة 156ه-) ، وأبو عبد الرحمن المقري (المتوفّى سنة 213ه-) ، وخلف بن هشام البزّار (المتوفّى سنة 229ه-) (1).
ويُراد به إيضاح الكتاب العزيز وبيان معناه ، وقد اتّجه المفسّرون في تفسيره إلى اتّجاهين :
الأوّل : التفسير بالمأثور، ونعني به تفسير القرآن بما اُثر عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم وأئمّة الهُدى ، وهذا ما سلكه أغلب مُفسّري الشيعة ، كتفسير القمّي والعسكري والبرهان ، و حجّتهم في ذلك أنّ أئمّة أهل البيت علیهم السلام هم المخصوصون بعلم القرآن على
1) المعارف : 230 - 231. فهرست ابن النديم : 42 - 45 .
حقيقته وواقعه .
وقد أدلى بذلك الإمام أبو جعفر الباقر علیه السلام بقوله : « ما يَسْتَطيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدَّعي أَنَّ عِنْدَهُ جَميعَ الْقُرْآنِ كُلَّهُ ، ظاهِرَهُ وَباطِنَهُ ، غَيْرُ الْأَوْصياءِ » (1).
وقد تظافرت الأدلّة على وجوب الرجوع إليهم في تفسير القرآن .
يقول الشيخ الطوسي : « إنّ تفسير القرآن لا يجوز إلّا بالأثر الصحيح عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم وعن الأئمّة الذين قولهم حجة كقول النبي صلی الله علیه و آله و سلم » (2).
الثاني : التفسير بالرأي ، ويُراد به الأخذ بالاعتبارات العقليّة الراجعة إلى الاستحسان ، وقد ذهب إلى ذلك المفسّرون من المعتزلة والباطنيّة ، فلم يعنوا بما اُثر عن أئمّة الهُدى في تفسير القرآن الكريم ، وإنّما استندوا في تفسيره إلى ما يرونه من الاستحسانات العقليّة (3).
وعلى أي حال، فإنّ أوّل مدرسة للتفسير بالمأثور كانت في عهد الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ، فهو أوّل مفسّر للقرآن الكريم ، وعنه أخذ عبد الله بن عباس وغيره من أعلام الصحابة ، وكذلك اهتمّ به اهتماماً بالغاً الأئمّة الطاهرون ، فتناولت الكثير من محاضراتهم تفسير القرآن ، وأسباب نزول آياته وفضل قراءته .
ومن العلوم السائدة دراستها في ذلك العصر « الحديث » الذي هو من أهمّ مصادر التشريع الإسلامي، ونعني به ما اُثر عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم ، أو عن أحد أوصيائه الأئمّة الطاهرين ، من قول أو فعل أو تقرير لشيء ، ويعبّر عن ذلك كلّه بالسنّة .
وقد سبق الشيعة إلى تدوين الأحاديث ، فقد حثّ الأئمّة الطيّبون أصحابهم على ذلك ، فقد روى أبو بصير ، قال : « دخلت على أبي عبد الله علیه السلام فقال : ما يَمْنَعُكُمْ مِنَ الْكِتابَةِ ؟ إِنَّكُمْ لَنْ تَحْفَظوا حَتّىٰ تَكْتُبوا ، إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدي رَهْطٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ سَأَلوني عَنْ أَشْياءَ فَكَتَبوها (1).
وقد انبرى جماعة من أصحاب الإمام الرضا علیه السلام إلى جمع الأحاديث الصحيحة في جوامع كبيرة ، وهي الجوامع الاُولى للإماميّة، والتي تعدّ الأساس لتدوين الجوامع الأربعة لمشايخ الإسلام الثلاثة (2).
ومن أميز العلوم التي ساد انتشارها في ذلك العصر، بل في جميع العصور الإسلاميّة ، هو علم الفقه الذي يناط به معرفة التكاليف اللازمة على المكلّفين، وعليهم المسؤولية عند الله في امتثالها وتطبيقها على واقع حياتهم ، ومن ثمّ كان الاهتمام بدراسة علم الفقه أكثر من سائر العلوم .
وقد قام أئمّة أهل البيت علیهم السلام بدور فعّال في إنشاء مدرستهم الفقهيّة التي تخرّج منها كبار الفقهاء والعلماء ، أمثال : زرارة ومحمّد بن مسلم وجابر بن يزيد الجعفي ، وأمثالهم من عيون العلماء ، وقد دوّنوا ما سمعوه من الأئمّة الطاهرين في اُصولهم التي بلغت زهاء أربعمائة أصل ، ثمّ هذّبت وجمعت في الكتب الأربعة التي يرجع إليها فقهاء الإماميّة في استنباطهم للأحكام الشرعيّة .
ولم يقتصر هذا النشاط في طلب علم الفقه والإقبال علیه علی الشیعة ، وإنّما شمل جميع الطوائف الإسلاميّة .
وأسّس هذا العلم الإمام أبو جعفر الباقر علیه السلام ، حسبما حقّقناه عند البحث عن حياته ، وهذا العلم ممّا يتوقّف عليه الاجتهاد والاستنباط ، وكان موضع دراسة في ذلك العصر .
وهو من العلوم التي لعبت دوراً مهمّاً في العصر العبّاسي ، فقد كانت بحوثه موضع جدل ، وقد عقدت لها الأندية في قصور الخلفاء ، وجرى في بعض مسائله نزاع حادّ بين علماء هذا الفنّ .
وقد تخصّص بهذا العلم جماعة من الأعلام في ذلك العصر في طليعتهم الكسائي والفرّاء وسيبويه ، وقد أسّس هذا العلم الإمام أمير المؤمنين علیه السلام رائد العلم والحكمة في الأرض.
من العلوم التي انتشرت في ذلك العصر علم الكلام ، ويقصد به الدفاع عن المعتقدات الدينيّة بالأدلّة العلميّة ، وقد أسّس هذا الفنّ أئمّة أهل البيت علیهم السلام ، وتخصّص به جماعة من تلاميذهم ، يعدّ في طليعتهم العالم الكبير هشام بن الحكم ، ومن أشهر المتكلّمين عند أهل السنّة : واصل بن عطاء ، وأبو الهذيل العلّاف، وأبو الحسن الأشعري ، والغزالي .
وانتشر علم الطبّ في ذلك العصر، وقد شجّع ملوك بني العبّاس على دراسته ،
ومنحوا الجوائز والأموال الطائلة للمتخصّصين فيه ، أمثال : جبريل بن بختشوع الطبيب النصراني .
ومن العلوم التي نالت الاهتمام في ذلك العصر هو علم الكيمياء ، وقد تخصّص فيه جابر بن حيّان مفخرة الشرق العربي ، وقد تلقّى بحوثه من الإمام الصادق علیه السلام الدماغ المفكّر في الإنسانيّة فهو الذي أسّس هذا العلم .
هذه بعض العلوم المنتشرة والسائدة في عصر الإمام الجواد علیه السلام ، وقد اُلّفت فيها مئات الكتب ممّا فقد أو هو مخطوط في خزائن المكتبات في العالم .
وكان من مظاهر تطوّر الحياة الثقافيّة في ذلك العصر الإقبال على ترجمة الكتب اللغة الأجنبيّة إلى اللغة العربيّة ، وقد تناولت كتب الطبّ ، والرياضة ، والفلك ، وأصناف العلوم السياسيّة والفلسفة ، ذكر أسماء كثير منها : ابن النديم في الفهرست ، وكان يرأس ديوان الترجمة حنين بن إسحاق ، وقد روى ابن النديم : « أنّ المأمون كان بینه وبین ملك الروم مراسلات ، وقد استظهر عليه المأمون فكتب إليه يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدّخرة ببلد الروم .
فأجابه إلى ذلك بعد امتناع ، فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجّاج بن مطر ، وابن البطريق ، وسلم صاحب بيت الحكمة وغيرهم ، فأخذوا ممّا وجدوا ،
فلمّا حملوه إليه أمرهم بنقله فنقل » (1).
وقد ساعدت تلك الكتب المترجمة على نموّ الفكر العربي ، وساهمت في تطوّر العلوم في البلاد الإسلاميّة ، فقد اشتغل الكثيرون من المسلمين في تفسيرها إلى الناشئة العلميّة .
وأنشأت الحكومة العبّاسيّة في بغداد المدارس والمعاهد لتدريس العلوم الإسلاميّة وغيرها ، فقد اُنشئت فيها حوالي ثلاثون مدرسة ، وما فيها من مدرسة إلّا ويقصر القصر البديع عنها ، وأعظمها وأشهرها النظاميّة (2).
كما اُسّست فيها المكتبات العامّة التي كان منها مكتبة بيت الحكمة ، فقد نقل إليها الرشيد مكتبته الخاصّة، وأضاف إليها من الكتب ماجمعه جدّه المنصور وأبوه المهدي .
وفي عهد المأمون طلب من أمير صقلية بعض الكتب العلميّة والفلسفيّة ، فلمّا وصلت إليه نقلها إلى مكتبة بيت الحكمة ، كما جلب إليها من خراسان الكثير من الكتب ، وكان حيث ما سمع بكتاب جلبه لها ، وظلّت هذه الخزانة التي هي من أثمن ما في العالم قائمة يرجع إليها البحّاث وأهل العلم .
فلمّا استولى السفّاك المغولي على بغداد سنة ( 656ه-) عمد إلى إتلافها ، وبذلك فقد خسر العالم الإسلامي أعظم تراث له .
وكان من مظاهر ألوان التقدّم الثقافي والحضاري في ذلك العصر أنّ المأمون أمر بوضع خريطة للعالم سُمّيت ( الصورة المأمونيّة ) ، وهي أوّل خريطة صُنعت للعالم في العصر العبّاسي ، كما أمر بإنشاء مرصد فلكي فاُنشأ بالشماسيّة وهي إحدى محلّات بغداد (1).
ففي هذا الجوّ العلمي الزاهر كان الإمام أبو جعفر الجواد علیه السلام الرائد الأعلى للحركة الثقافيّة ، فقد التفّ حوله العلماء أثناء إقامته في بغداد وهم ينتهلون من نمير علومه ، وقد سألوه عن أدقّ المسائل الفلسفيّة والكلاميّة ، فأجابهم عنها حسب ما ذكرناه في البحوث المتقدّمة .
1) عصر المأمون : 1 : 375 .
أمّا الحياة السياسيّة في عصر الإمام أبي جعفر علیه السلام ، فقد كانت بشعة وحرجة للغاية ، لا للإمام فحسب ، وإنّما كانت لعموم المسلمين ؛ وذلك لما فيها من الأحداث الجسام .
فقد مُنيت الاُمّة بموجات عارمة من الفتن والاضطرابات ، وقبل أن نتحدّث عنها نرى من اللازم أن نعرض لمنهج الحكم في العصر العبّاسي وغيره ممّا يتّصل بالموضوع ، وفيما يلي ذلك :
أمّا منهج الحكم في العصر العباسي ، فإنّه كان على غرار الحكم الاُموي ، لم يتغيّر ولم يتبدّل ، وقد وصفه ( نكلسون ) بأنّه نظام استبدادي ، وأنّ العبّاسيّين حكموا البلد حكماً مطلقاً على النحو الذي كان يحكم به ملوك آل ساسان قبلهم (1).
لقد كان الحكم خاضعاً لرغبات ملوك العبّاسيّين واُمرائهم ، ولم يكن له أي التقاء مع القانون الإسلامي ، فقد شذّت تصرّفاتهم الإداريّة والاقتصاديّة والسياسيّة عمّا قنّنه الإسلام في هذه المجالات.
لقد استبدّ ملوك بني العبّاس بشؤون المسلمين، وأقاموا فيهم حكماً ارهابياً لا يعرف الرحمة والرأفة ، وهو بعيد كلّ البعد عمّا شرّعه الإسلام من الأنظمة الخلّاقة الهادفة إلى بسط العدل، ونشر المساواة والحقِّ بين الناس .
1) اتّجاهات الشعر العربي : 49 .
ولم تخضع الخلافة الإسلامية حسب قيمها الأصيلة إلى أيّ قانون من قوانین الوراثة ، ولا لأيّ لون من ألوان المحاباة أو الاندفاع وراء الأهواء والعواطف، فقد حارب الاسلام جميع هذه المظاهر واعتبرها من ألوان الانحطاط والتأخّر الفكري للمسلمين ، وأناط الخلافة بالقيم الكريمة ، والمُثل العُليا ، والقدرة على إدارة شؤون الاُمّة ، فمن يتّصف بها فهو المرشّح لهذا المنصب الخطير الذي تدور عليه سلامة الاُمّة وسعادتها .
أمّا الشيعة ، فإنّما خصّت الخلافة بالأئمّة الطاهرين من أهل البيت علیهم السلام ، لا لقرابتهم من الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم وأنّهم ألصق الناس به وأقربهم إليه ، وإنّما المواهبهم وعبقريّاتهم ، وما اتّصفوا به من الفضائل التي لم يتّصف بها أحد غيرهم .
وأمّا الذين طبّلوا بالوراثة فهم العبّاسيّون ، فاعتبروها القاعدة الصلبة لاستحقاقهم للخلافة لأنّهم أبناء عمّ الرسول صلی الله علیه و آله و سلم وقد بذلوا الأموال الطائلة لأجهزة الإعلام لنشر ذلك وإذاعته بين الناس .
وقد هبّت إلى الوسط العبّاسي المرتزقة تتقرّب بانتقاص العلويّين ، وتشهد بأنّ ذئاب بني العبّاس هم أولى بالنبيّ صلی الله علیه و آله و سلم من السادة الأطهار من آل الرسول صلی الله علیه و آله و سلم .
ويقول الرواة : « إنّ أبان بن عبد الحميد كان مُبعداً عن العباسيّين لولائه لأهل البيت علیهم السلام فخفّ إلى البرامكة وطلب منهم أن يوصلوه إلى الرشيد ، فأشاروا عليه أنّه لا سبيل إلى ذلك إلّا أن يعرض في شِعره أنّ بني العباس هم ورثة النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم وأولى بالخلافة من العلويّين ، فأجابهم إلى ذلك ، ونظم قصيدة جاء فيها :
نَشَدتُ بحَقِّ اللهِ مَنْ كانَ مُسْلِماً ٭٭٭ أَعَمُّ بِما قَدْ قُلتُهُ : العُجْمَ وَالعَرَبْ
أَعَمُّ رَسولِ اللهِ أَقْربُ زُلفَةً ٭٭٭ لَدَيهِ أَمِ ابْنِ العَمِّ في رِتبَةِ النَّسَبْ
وَأَيُّهُما أَوْلىٰ بِهِ وَبِعَهدِهِ ٭٭٭ وَمَنْ ذا لَهُ حَقُّ التُّراثِ بِما وَجَبْ
فَإِنْ كانَ عَبّاسٌ أَحَقَّ بِنَسْلِكُمْ ٭٭٭ وَكانَ عَلِيٌّ بَعدَ ذاكَ عَلىٰ سَبَبْ
فَأَبناءُ عَباسِ هُمُ يَرِثونَهُ ٭٭٭ كَما العَمُّ لابْنِ العَمِّ في الْإِرْثِ قَدْ حَجَبْ (1)
ولمّا قرأ قصيدته على الرشيد ملئت نفسه اعجاباً فمنحه الرضا، ومنحه الأموال الطائلة .
ولمّا إلتزم العبّاسيّون بقانون الوراثة، قاموا بتصرّفات شاذّة ونابية ومعادية لمصلحة الاُمّة ، وكان من بينها :
1 - إسناد الخلافة إلى الذين لم يبلغوا سنّ الرشد ، فقد عهد الرشيد بالخلافة إلى ابنه الأمين وكان له من العمر خمس سنين ، وإلى ابنه المأمون وكان عمره ثلاث عشرة سنة .
وقد انحرف بذلك عمّا قرّره الإسلام من أنّ منصب الخلافة إنّما يُسند إلى من كان يتمتّع بالحكمة والتجارب ، وممارسة الشؤون الاجتماعيّة ، والدراية التامّة بما تحتاج إليه الاُمّة في جميع مجالاتها ، وليس من سبيل لاسنادها للأطفال والصبيان .
1) الأغاني : 23 : 171 .
2 - إسناد ولاية العهد لأكثر من واحد ، فإنّ في ذلك تمزيقاً لشمل الاُمّة ، - وتصديعاً لوحدتها ، وقد شذّ الرشيد عن ذلك فقد أسند الخلافة من بعده إلى الأمين والمأمون ، وقد ألقى الصراع بينهما ، وعرّض الاُمّة إلى الأزمات الحادّة ، والفتن الخطيرة ، وسنعرض لها في البحوث الآتية .
من الأجهزة الحسّاسة في الدولة العبّاسيّة هي الوزارة ، فكانت - على الأكثر - وزارة تفويض ، فكان الخليفة يعهد إلى الوزير بالتصرّف في جميع شؤون دولته ، ويتفرّغ هو للّهو والعبث والمجون ، فقد استوزر المهدي العباسي يعقوب بن داود ، وفوّض إليه جميع شؤون رعيّته وانصرف إلى ملذّاته ، وفيه يقول الشاعر :
بَنِي أُمَيَّةَ هُبّوا طالَ نَومُكُمُ ٭٭٭ إِنَّ الخَليفَةً يَعقوبُ بْنُ داودِ
ضاعَتْ خِلافَتُكُمْ يا قَومِ فَالتَمِسوا ٭٭٭ خَليفَةَ اللهِ بَينَ النّايِ وَالعودِ
واستوزر الرشيد يحيى بن خالد البرمكي ، ومنحه جميع الصلاحيّات ، واتّجه نحو ملاذّه وشهواته ، فكانت لياليه الحمراء في بغداد شاهدة على ذلك .
وتصرّف يحيى في شؤون الدولة الواسعة الأطراف حسب رغباته ، فقد أنفق الأموال الطائلة على الشعراء المادحين له ، واتّخذ من العمارات والضِياع التي كانت وارداتها تدرّ عليه الملايين ، وهي التي سبّبت قيام هارون الرشيد باعتقاله ، وقتل ابنه جعفر ومصادرة جميع أموالهم .
وفي عهد المأمون أطلق يد وزيره الفضل بن سهل في اُمور الدولة ، فتصرّف فيها حيثما شاء ، وكان الوزير يكتسب الثراء الفاحش بما يقترفه من النهب والرشوات ، وقد عانت الاُمّة من ضروب المحن والبلاء في عهدهم ما لا يوصف، فكانوا الأداة الضارّة للشعب ، فقد استخدمتهم الملوك لنهب ثروات الناس وإذلالهم
وإرغامهم على ما يكرهون .
وكان الوزراء معرّضين للسخط والانتقام ، وذلك لما يقترفونه من الظلم والجور ، وقد نصح دعبل الخزاعي الفضل بن مروان أحد وزراء العبّاسيّين فأوصاه بإسداء المعروف والإحسان إلى الناس ، وقد ضرب له مثلاً بثلاثة وزراء ممّن شاركوه في الاسم وسبقوه إلى كرسي الحكم ، وهم الفضل بن يحيى ، والفضل بن الربيع ، والفضل بن سهل ، فإنّهم لمّا جاروا في الحكم تعرّضوا إلى النقمة والسخط .
يقول دعبل :
أَلا إِنَّ في الفَضْلِ بْنِ سَهْلِ لَعِبرَةً ٭٭٭ إِنِ اعتَبَرَ الفَضْلُ بْنُ مَروانَ بِالفَضْلِ
وَفي ابْنِ الرَّبِيعِ الْفَضْلِ لِلفَضْلِ زاجِرٌ ٭٭٭ إِنِ ازْدَجَرَ الفَضْلُ بْنُ مَروانَ بِالفَضْلِ
وَلِلفَضْلِ في الْفَضْلِ بْنِ يَحْيىٰ مَواعِظٌ ٭٭٭ إِنِ اتَّعَظَ الفَضْلُ بْنُ مَروانَ بِالْفَضْلِ
إِذا ذُكِروا يَوْماً وَقَدْ صِرتَ رابعاً ٭٭٭ ذُكِرتَ بِقَدرِ السَّعْي مِنْكَ إِلى الفَضْلِ
فَأَبْقِ جَميلاً مِنْ حَديثٍ تَفُزْ بِهِ ٭٭٭ وَلَا تَدَعِ الْإِحْسانَ وَالأَخْذَ بِالفَضْلِ
وَلَمْ أَرَ أَبْياتاً منَ الشِّعْرِ قَبْلَها ٭٭٭ جَميعَ قَوافِيها عَلى الْفَضْلِ وَالْفَضْلِ
وَلَيسَ لَها عَيبٌ إِذا هِيَ اُنْشِدَتْ ٭٭٭ سَوى أَنَّ نُصْحِي الفَضْلَ كانَ مِنَ الْفَضْلِ
ومن غرائب ما اقترفه الوزراء من الخيانة أنّ الخاقاني وزير المقتدر بالله العبّاسي ولّى في يوم واحد تسعة عشر ناظراً للكوفة ، وأخذ من كلّ واحد رشوة (1).
وكثير من أمثال هذه الفضائح والمنكرات عند بعض وزراء العبّاسيّين .
1) تاريخ التمدّن الإسلامي : 4 : 182 .
لعلّ من أبرز الأحداث السياسيّة التي جرت في عصر الإمام محمّد الجواد علیه السلام هي الفتنة الكبرى التي وقعت بين الأمين والمأمون ، وأدّت إلى إشعال نار الحرب بينهما ، وقد كلّفت المسلمين ثمناً باهضاً ، وذلك بما اُريق من الدماء ، وإزهاق الأنفُس في سبيل استقرار المُلك والسلطان لأحدهما ، وقبل أن نعرض إلى ذكر هذه الأحداث نُشير بإيجاز إلى بعض شؤون الأمين وأحواله :
ولم تكن في الأمين أيّة صفة كريمة يستحق بها هذا المنصب الخطير في الاسلام ، فقد أجمع المترجمون له على انّه لم يتّصف بأيّة نزعة شريفة ، وانّما قلّده الرشيد منصب الخلافة نظراً لتأثير زوجته السيدة زبيدة عليه وفيما يلي بعض صفاته .
كان الأمين ينفر من العلم ، ويحتقر العلماء ، وكان اُمّياً لا يقرأ ولا يكتب (1)، وإذا كان بهذه الصفة كيف قلّده الرشيد الخلافة الإسلاميّة ! ؟
وكان الأمين ضعيف الرأي ، وقد اُعطي المُلك العريض ولم يحسن سياسته ، وقد وصفه المسعودي بقوله : « كان قبيح السيرة، ضعيف الرأي ، يركب هواه ، ويهمل أمره ، ويتّكل في جليلات الخطوب على غيره ، ويثق بمن لا ينصحه » (2).
ووصفه الكتبي بقوله : « وكان قد هانَ عليه القبيح فاتّبع هواه ، ولم ينظر في شيء من عقباه . وكان من أبخل الناس على الطعام ، وكان لا يبالي أين قعد ، ولا مع من شرب » (1).
وممّا لا شبهة فيه أنّ أصالة الفكر والرأي من أهم الشروط التي يجب أن تتوفّر فيمن يلي اُمور المسلمين .
واحتجب الأمين عن الرعية ، كما احتجب عن أهل بيته وامرائه وعمّاله ، واستخفّ بهم (2)وانصرف إلى اللهو والطرب ، وقد عهد إلى الفضل بن الربيع اُمور دولته ، فجعل يتصرّف فيها حسب رغباته وميوله ، وقد خفّ إلى الأمين إسماعيل بن صبيح ، وكان أثيراً عنده ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، إنّ قوّادك وجُندك وعامّة رعيتك ، قد خبثت نفوسهم، وساءت ظنونهم ، وكبر عندهم ما يرون من احتجابك عنهم ، فلو جلست لهم ساعة من نهار فدخلوا عليك ، فإنّ في ذلك تسكيناً لهم ، ومراجعة لآمالهم . واستجاب له الأمين فجلس في بلاطه ، ودخل عليه الشعراء فأنشدوه قصائدهم ، ثمّ انصرف فركب الخراقة إلى الشماسيّة ، واصطّفت له الخيل وعليها الرجال ، وقد اصطفّوا على ضفاف دجلة ، وحملت معه المطابخ والخزائن ، أمّا الخراقة التي ركبها فكانت سفينة على مثال أسد ، وما رأى الناس منظراً كان أبهى من ذلك المنظر ، وقد ركب معه أبو نؤاس وكان ينادمه فقال :
سَخَّرَ اللهُ لِلأَمينِ مَطايا ٭٭٭ لَمْ تُسَخَّرْ لِصاحِبِ المِحْرابِ (3)
فَإِذا ما رِكابُهُ سِرْنَ بَحْراً ٭٭٭ سارَ في الماءِ راكِباً لَيث ض غابِ
أَسَداً باسطاً ذراعَيْهِ يَعْدو ٭٭٭ أَهَرَتَ الشِّدْقِ كالِخَ الأَنْيابِ (1)
لا يُعانيهِ بِاللِّجامِ وَلَا السَّو ٭٭٭ طِ وَلَا غَمزِ رِجلِهِ في الرِّكابِ
عَجِبَ النّاسُ إِذ رَأُوكَ عَلى صو ٭٭٭ رَةِ لَيثٍ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
سَبِّحوا إِذْ رَأوكَ سِرْتَ عَليهِ ٭٭٭ كَيفَ لَوْ أَبْصَروكَ فَوقَ العُقابِ (2)
ذاتَ زَوْرٍ وَمِنْسَرٍ جَناحَينِ ٭٭٭ تَشُقُّ العُبابَ بَعدَ العُبابِ
تَسبِقُ الطَّيرَ في السَّماءِ إِذا ما ٭٭٭ اسْتَعْجَلوها بِجِيئَةٍ وَذَهابٍ
بارَكَ اللهُ لِلأَمينِ وَأَبْقا ٭٭٭ هُ لَهُ رِداءَ الشَّبابِ
مَلِكٌ تَقصُرُ المَدائِحُ عَنهُ ٭٭٭ هاشِمِيٌّ مُوَفَّقٌ لِلصَّوابِ (3)
هذه بعض نزعات الأمين وصفاته ، وهي تصوّر لنا إنساناً تافهاً ، قد اتّجه إلى ملذّاته وشهواته ، ولم يعن بأيّ شأن من شؤون الدولة الإسلاميّة .
وتقلّد الأمين الخلافة يوم توفّى الرشيد ، وقد ورد عليه خاتم الخلافة والبردة والقضيب التي يتسلّمها كلّ من يتقلد الخلافة من ملوك العبّاسيّين ، وحينما استقرت له الاُمور خلع أخاه المأمون ، وجعل العهد لولده موسى ، وهو طفل صغير في المهد وسمّاه الناطق بالحقِّ ، وأرسل إلى الكعبة من جاءه بكتاب العهد الذي علّقه فيها الرشيد، وقد جعل فيه ولاية العهد للمأمون بعد الأمين، وحينما أتى به مزّقه ،
وكان ذلك - فيما يقول المؤرخون - برأي الفضل بن الربيع وبكر بن المعتمر .
وهذا ليس غريباً عليه فقد اقترف كل ما هو مجاف للأخلاق والأعراف .
وبعد ما خلع الأمين أخاه المأمون عن ولاية العهد ، وأبلغه ذلك رسمياً ندب إلى حربه عليّ بن عيسى ، ودفع إليه قيداً من ذهب ، وقال له : أوثق المأمون ولا تقتله حتى تقدم به إلَيَّ ، وأعطاه مليوني دينار سوى الأثاث والكراع .
ولمّا علم المأمون ذلك سمّى نفسه أمير المؤمنين ، وقطع عنه الخراج ، وألغى اسمه من الطراز والدراهم والدنانير ، وأعلن الخروج عن طاعته ، وندب طاهر بن الحسين ، وهرثمة بن أعين إلى حربه والتقى الجيشان بالريّ ، وقد التحما في معركة رهيبة جرت فيها أنهار من الدماء ، وأخيراً انتصر جيش المأمون على جيش الأمين ، وقتل القائد العامّ للقوّات المسلّحة في جيش الأمين ، وانتهبت جميع أمتعته وأسلحته .
وكتب طاهر بن الحسين إلى الفضل بن سهل وزير المأمون يخبره بهذا الانتصار الباهر ، وقد جاء في رسالته : « كتبت إليك ورأس علي بن عيسى في حجري، وخاتمه في يدي ، والحمد لله ربّ العالمين » .
ودخل الفضل على المأمون فسلّم عليه بالخلافة ، وأخبره بالأمر ، وأيقن المأمون بالنصر ، فبعث إلى طاهر القائد العامّ في جيشه بالهدايا والأموال ، وشكره شكراً جزيلاً على ذلك ، وقد سمّاه ذا اليمينين ، وصاحب خيل اليدين، وأمره بالتوجّه إلى احتلال العراق والقضاء على أخيه الأمين .
وخفّت جيوش المأمون إلى احتلال بغداد بقياده طاهر بن الحسين ، فحاصرت بغداد ، وقد دام الحصار مدة طويلة تخرّبت فيها معالم الحضارة في بغداد ، وعمّ الفقر والبؤس جميع سكانها ، وكثر العابثون والشذّاذ ، فقاموا باغتيال الأبرياء ، ونهبوا الأموال، وطاردوا النساء حتّى تهيّأت جماعة من خيار الناس تحت قيادة رجل يقال له سهل بن سلامة ، فمنعوا العابثين ، وتصدّوا لهم بقوّة السلاح حتّى أخرجوهم من بغداد (1).
وعلى أيّ حال ، فقد منيت بغداد بأفدح الخسائر من جرّاء تلك الفتنة الكبرى ، وقد فقدت الكثير من أبنائها ، وقد زحفت جيوش المأمون إلى تطويق قصر الأمين ، وإلحاق الهزائم بجيشه ، فلم تتمكّن من الصمود أمام جيش المأمون الذي كان يتمتّع بروح معنوية عالية بالإضافة إلى ما يملكه من العتاد والسلاح .
وكان الأمين في تلك المحنة الحازبة مشغولاً بلهوه وطربه ، ويقول المؤرّخون : إنّه كان يصطاد سمكاً مع جماعة من الخدم ، وكان فيهم ( كوثر ) الذي كان مغرماً به ، فكانت توافيه الأنباء بهزيمة جنوده ، ومحاصرة قصره فلم يعن بذلك ، وكان يقول : اصطاد كوثر ثلاث سمكات وما اصطدت إلّا سمكتين ، وهجمت عليه طلائع جيش المأمون فأجهزت عليه، وحمل رأسه إلى طاهر بن الحسين فنصبه على رمح وتلا قوله تعالى : (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ ) (2)
وقال فيه بعض الشعراء :
إِذا غَدا مَلِكٌ بِاللَّهْوِ مُشْتَغِلاً ٭٭٭ فَاحْكُمْ عَلىٰ مُلْكِهِ بِالوَيْلِ وَالخَرَبِ
أَما تَرَى الشَّمْسَ في الميزانِ هابِطَةً ٭٭٭ لَمّا غَدا وَهْوَ بُرجُ اللَّهْوِ وَالطَّرَبِ (1)
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الخلاف بين الأمين والمأمون ، وهو من أعظم الأحداث السياسية في ذلك العصر .
من الأحداث السياسيّة في ذلك العصر خلافة إبراهيم الخليع الذي لم يترك لوناً من ألوان المجون إلّا ارتكبه ، وكان مدمناً على الخمر في أكثر أوقاته ، وقد نصّبه العبّاسيّون خليفة عليهم ، وذلك لحقدهم على المأمون وكراهيّتهم له ، وقد بايعه الغوغاء ، وأهل الطرب من الناس .
ومن الطريف أنّ الغوغاء أرادوا منه المال فجعل يسوّفهم ، وطال عليهم الأمر، فأحاطوا بقصره فخرج إليهم رسوله فأخبرهم أنّه لا مال عنده ، فقام بعض ظرفاء بغداد فنادى : « أخرجوا إلينا خليفتنا ليغنّي لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات ، ولأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات فتكون عطاءاً لهم » (2).
وقد سخر به دعبل في أبيات له ، فقد وصفه بأبشع الصفات وجعل مصحفه البربط . ووصفه رسترستين بقوله : « لم تكن له مواهب الحاكم ، ولكنّه كان رجلاً سليم الذوق ، يهتمّ بالموسيقى والغناء » (3).
وزحف المأمون بجيوشه نحو بغداد للقضاء على تمرّد إبراهيم ، فلمّا علم ذلك هرب ، وهرب من كان يعتمد على نصرته ، وقال في هجائهم :
فَلا جُزِيَتْ بَنُو العَبّاسِ خَيْراً ٭٭٭ عَلىٰ زُعْمِي وَلَا اغْتَبَطَتْ بِرِيِّ
أَتَوني مُهْطِعينَ وَقَدْ أَتاهُمْ ٭٭٭ بَوارُ الدَّهْرِ بِالْخَبَرِ الْجَلِيِّ
وَقَدْ ذُهِلَ الحَواضِنُ عَنْ بَنيها ٭٭٭ وَسَدِّ الثَّديِ عَنْ فَمِهِ الصَّبِيِّ
وَحُلَّ عَصائِبُ الأَمْلاكِ مِنْها ٭٭٭ وَشُدَّتْ في رُؤُوسِ بَنِي عَلِيٍّ
فَضَجَّتْ أَنْ تُشَدَّ عَلىٰ رُؤوسِ ٭٭٭ تُطالِبُها بِميراثِ النَّبيِّ (1)
وظلّ إبراهيم مختفياً في بغداد يطارده الرعب والخوف ، وقد ظفر به المأمون فعفا عنه لأنّه لم يكن له أي وزن سياسي حتّى يخشى منه .
من أعظم الثورات الشعبيّة التي حدثت في عصر الإمام أبي جعفر علیه السلام هي ثورة أبي السرايا التي استهدفت القضايا المصيريّة لجميع الشعوب الإسلاميّة ، فقد رفعت شعار الدعوة إلى ( الرضا من آل محمد صلی الله علیه و آله و سلم ) الذين هم الأمل الباسم للمضطهدين والمحرومين ، وكادت أن تعصف هذه الثورة بالدولة العبّاسيّة ، فقد استجاب لها معظم الأقطار الإسلاميّة ، فقد كان قائدها الملهم أبو السرايا ممّن هذّبته الأيّام ، وحنّكته التجارب ، وقام على تكوينه عقل كبير.
فقد استطاع بمهارته أن يجلب الكثير من أبناء الإمام موسى بن جعفر علیه السلام
1) التنبيه والاشراف : 303 . الولاة والقضاة : 168 .
ويجعلهم قادة في جيشه ، ممّا أوجب اندفاع الجماهير بحماس بالغ إلى تأييد ثورته والانضمام إليها ، إلّا أنّ المأمون قد استطاع بمهارة سياسيّة فائقة أن يقضي على هذه الحركة ، ويقبرها في مهدها ، فقد جلب الإمام الرضا علیه السلام إلى خراسان ، وأرغمه على قبول ولاية العهد ، وأظهر للمجتمع الإسلامي أنّه علويّ الرأي ، فقد رفق بالعلويّين ، وأوعز إلى جميع أجهزة حكومته بانتقاص معاوية والحطّ من شأنه ، وتفضيل الإمام أمير المؤمنين على جميع صحابة النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم ، فاعتقد الجمهور أنّه من الشيعة ، واستطاع بهذا الاُسلوب الماكر أن يتغلّب على الأحداث ، ويخمد نار الثورة ، كما ألمحنا إلى ذلك في بعض فصول هذا الكتاب .
هذه بعض الثورات التي حدثت في عصر الإمام محمّد الجواد علیه السلام ، وهي تحكي عن عدم استقرار الوضع السياسي في ذلك العصر .
ولم يشكّ أحد من المسلمين أنّ أهل البيت علیهم السلام الأولى بالخلافة وأحقّ بها من العبّاسيّين ، كما أنّ العبّاسيّين كانوا لا يرون أنّهم أهل للخلافة مع وجود العلويّين، وقد بايعوا بالإجماع الزعيم العلويّ الكبير محمّد ذا النفس الزكيّة ، فقد اجتمعوا بالأبواء مع العلويّين ، فانبرى صالح بن عليّ فقال لهم : « إنّكم القوم الذين تمتدّ إليهم أعين الناس ، فقد جمعكم الله في هذا الموضع ، فاجتمعوا على بيعة أحدكم ، وتفرّقوا في الآفاق، فادعوا الله لعلّه أن يفتح عليكم وينصركم » .
وبادر المنصور الدوانيقي فدعاهم إلى بيعة محمّد الذي تؤيّده جميع القوى الإسلاميّة في ذلك العصر ، فقال : « لأي شيء تخدعون أنفسكم ، والله لقد علمتم ما الناس أصور - أي أميل - أعناقاً ، ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى ، وأشار إلى محمّد بن عبد الله » .
وصدّقوا جميعاً مقالته قائلين بلسان واحد : « والله صدقت إنّا نعلم هذا » .
وبادر العلويّون والعبّاسيّون إلى بيعة محمّد ، وكان ممّن بايعه السفّاح والمنصور ، وكان أشدّهم اندفاعاً في خدمته والتملّق إليه المنصور الدوانيقي ، فكان يأخذ بركابه ، ويسوّي عليه ثيابه ، ويقول : إنّه مهدينا أهل البيت (1).
وكانت بيعة المنصور لمحمّد موضع وفاق، فقد جيء بعثمان بن محمّد الزبيري أسيراً إلى المنصور بعد فشل ثورة محمّد ، فصاح به المنصور : « يا عثمان ، أنت الخارج عليَّ مع محمّد » .
فأجابه عثمان بمنطق الأحرار ، وهو ساخر من الحياة ، وهازئ بالموت قائلاً:
« بايعته أنا وأنت بمكّة فوفيت ببيعتي ، وغدرت ببيعتك » .
وكانت هذه الكلمات كالصاعقة على رأس الطاغية ، فشتمه ، إلّا أنّ عثمان لم يعن به وأجابه بالمثل ، فأمر السفّاك بقتله ، فقتل (2).
ويذكر أبو فراس الحمداني في شافيته نكث العبّاسيّين لبيعتهم للعلويّين بقوله :
بئْسَ الجَزاءُ جَزِيتُمْ في بَني حَسَنٍ ٭٭٭ أَباهُمُ العَلَمَ الهادِي وَاُمَّهُمُ
لَا بَيْعَةً رَدَعَتكُمْ عَنْ دِمائِهِمُ ٭٭٭ وَلَا يَمينٌ وَلَا قُرْبىٰ وَلَا ذِمَمُ
لقد بايع العبّاسيّون بالإجماع العلويّ الثائر محمّد ذا النفس الزكيّة ، إلّا أنّهم نكثوا بيعتهم ، وخاسوا بعدهم ، فقتلوه وقتلوا كلّ من كان متّصلاً به من العلويّين وغيرهم .
واختلس العبّاسيّون السلطة من العلويّين ، فقد أوعزوا إلى دعاتهم في بداية الثورة برفع شعار الدعوة إلى الرضا من آل محمّد صلی الله علیه و آله و سلم، وأن يموّهوا بكلّ حذر على
الجماهير بأنّ الخلافة لأهل البيت علیهم السلام ، ولا نصيب فيها لغيرهم ، وفي سبيل هذه الدعوى الغالية ضحّى المسلمون بأفلاذ أكبادهم .
فقد أيقن المسلمون وآمنوا أنْ لا منقذ لهم ، ولا محرّر لهم من جور الاُمويّين وظلمهم سوى أهل البيت حماة العدل ، ودعاة الحقّ في الإسلام .
يقول السيّد مير عليّ : « وكانت كلمة أهل البيت هي السحر الذي يؤلّف بين قلوب مختلف طبقات الشعب ، ويجمعهم حول الراية السوداء » (1).
وتستّر العبّاسيّون تحت هذا الظلال الوارف الذي جمع ما بين العواطف والمشاعر ، وأخذوا يردّدون الشعارات التي تردّدها الجماهير، وهي أن لا حاكم للمسلمين سوى الرضا من آل محمّد صلی الله علیه و آله و سلم ، وانطلقت الاُمّة في مسارها وهي تدكّ حصون الظالمين وتبيد دعاتهم وجيوشهم ، ولمّا تمّ النصر وإذا بالعبّاسيّين قد زحفوا إلى دست الحكم واحتلّوا منصب أهل البيت علیهم السلام وسرقوا جهود الجماهير .
وخابت آمال المسلمين حينما تسلّم العبّاسيّون قيادة الاُمّة ، فلم تتغيّر أيّة جهة من معالم السياسة الاُمويّة ، فقد عاد الجور، وانفتح باب الظلم على مصراعيه .
يقول الدكتور أحمد محمود صبحي : « ولكن ذلك المثل الأعلى للعدالة والمساواة الذي انتظره النّاس من العبّاسيّين قد أصبح وهماً من الأوهام ، فشراسة المنصور والرشيد وجشعهم ، وجور أولاد عليّ بن عيسى وعبثهم بأموال المسلمين يذكّرنا بالحجّاج وهشام ويوسف بن عمر الثقفي ، وعمّ الاستياء أفراد الشعب بعد أن استفتح عبد الله المعروف بالسفّاح ، وكذلك المنصور بالإسراف في سفك الدماء
1) روح الإسلام : 308 .
على نحو لم يعرف من قبل » (1).
وقد صوّر شعراء ذلك العصر مدى خيبة المسلمين وضياع آمالهم في الحكم العبّاسي ، يقول أبو عطاء السندي :
يا لَيْتَ جَورُ بَني مَروانَ عادَ لَنا ٭٭٭ يا لَيتَ عَدلُ بَني العَبّاسِ في النّارِ
وقال عطاء يذكر ارتفاع الأسعار :
بَني هاشِمٍ عودوا إِلىٰ نَخَلاتِكُمْ ٭٭٭ فَقَدْ قامَ سِعرُ التَّمرِ صاعاً بِدِرهَمِ
وقال أحمد بن أبي نعيم :
لَا أَحْسَبُ الجَورَ يَنقَضي وَعَلى الاُ ٭٭٭ مَّةِ والٍ مِنْ آلِ عَبّاسِ
وقال أبو دلامة في المنصور :
وَكُنّا نُرَجّي مِنْ أَميرِ زِيادَةً ٭٭٭ فَزادَ لَنا فيها بطولِ القَلانِسِ
وقال سليم العدوي :
حَتّى مَتى لَا نَرى عَدْلاً نُسَرُّ بِهِ ٭٭٭ وَلَا نَرىٰ لِولاةِ الْحَقِّ أَعْوانا
مُسْتَمسِكينَ بِحَقٍّ قائِمينَ بِهِ ٭٭٭ إِذا تَلَوَّنَ أَهْلُ الجَورِ أَلْوانا
ياللرّجالِ لِداءٍ لَا دَواءَ لَهُ ٭٭٭ وَقائِدٍ ذي عَمىً يَقْتادُ عُمْيانا
ويقول دعبل الخزاعي :
أَلَمْ تَرَ للأَيّامِ ما جَرَّ جَوْرُها ٭٭٭ عَلى النّاسِ مِنْ نَقضِ وَطولِ شَتاتِ
1) نظرية الإمامة : 381 .
وَمِنْ دُوَلِ المُسْتَهْتِرِينَ وَمَنْ غَدا ٭٭٭ بِهِمْ طالِباً للنّورِ مِنْ ظُلُماتِ
وقال سديف :
إِنّا لَنَأْمَلُ أَنْ تَرتَدَّ اُلْفَتُنا ٭٭٭ بَعدَ التَّباعُدِ وَالشَّحْناءِ وَالإِحَنِ
وَتَنْقَضي دَولَةٌ أَحْكامُ قادَتِها ٭٭٭ فينا كَأَحْكامِ قَوْمٍ عابِدي وَثَنِ
ولمّا سمع الطاغية المنصور بهذين البيتين كتب إلى عامله عبد الصمد أن يدفنه حيّاً ، ففعل (1).
لقد انهارت الأماني التي كانت تأمل بها الشعوب الإسلاميّة ، وتبدّدت أحلامهم إلى سراب ، فقد كان الحكم العبّاسي قائماً على الجبروت والطغيان ، ومتعطّشاً إلى سفك الدماء ، وربّما كانت معالم الحياة السياسيّة في العهد الاُموي خيراً منها بكثير في العهد العبّاسي الأوّل ، فقد كانت لبني اُميّة من الفواضل ما لم تكن للمنصور الدوانيقي السفّاك على حدّ تعبير الإمام الصادق علیه السلام .
واضطهدت أكثر الحكومات العبّاسيّة العلويّين رسميّاً، وقابلتهم بمنتهى القسوة والشدّة ، وقد رأوا من العذاب ما لم يروه في العهد الاُموي ، وأوّل من فتح باب الشرّ والتنكيل بهم الطاغية فرعون هذه الاُمّة المنصور الدوانيقي (2).
وهو القائل : « قتلت من ذريّة فاطمة ألفاً أو يزيدون ، وتركت سيّدهم ومولاهم جعفر بن محمّد » (3).
وهو صاحب خزانة رؤوس العلويّين التي تركها لابنه المهدي تثبيتاً لملكه وسلطانه ، وقد ضمّت تلك الخزانة رؤوس الأطفال والشباب والشيوخ من العلويّين (1).
وقد ادّخرها الفاجر لآخرته ليقدّمها هدية إلى جدّهم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فالويل له يوم حشره ونشره .
وقد قال أبو القاسم الرسي العلوي حينما هرب من سجنه :
لَمْ يَروِهِ ما أَراقَ البَغيُ مِنْ دَمِنا ٭٭٭ في كُلِّ أَرض ولم يقصر مِنَ الطَّلَبِ
وَلَيسَ يَشفي غَليلاً في حَشاهُ سِوىٰ ٭٭٭ أَنْ لَا يَرىٰ فَوقَها لِبِنْتِ نَبِيِّ (2)
وهو الذي وضع أعلام العلويّين في سجونه الرهيبة حتّى قتلتهم الروائح الكريهة ، وردم على بعضهم السجون حتى توفّوا ، لقد اقترف هذا الطاغية السفّاك جميع ألوان التصفية الجسديّة مع العلويّين، وعانوا في ظلال حكمه من صنوف الارهاب والتنكيل ما لا يوصف لفضاعته وقسوته .
أمّا موسى الهادي ، فقد زاد على سلفه المنصور، وهو صاحب واقعة فخّ التي لا تقل في مشاهدها الحزينة عن واقعة كربلاء .
قال الإمام الجواد علیه السلام في فجائعها : « لَمْ يَكُنْ لَنا بَعْدَ الطَّفِّ مَصْرَعٌ أَعْظَمُ مِنْ فَخٍّ » ، وقد ارتكب فيها هذا السفّاك من الجرائم ما لم يُشاهد مثله ، فقد أوعز بقتل الأطفال وإعدام الأسرى ، وظلّ يطارد العلويّين ، ويلحّ في طلبهم فمن ظفر به قتله ، ولكن لم تطل أيّام هذا الجلّاد حتّى قصم الله ظهره .
أمّا هارون الرشيد ، فهو لم يقلّ عن سلفه في عدائه لأهل البيت علیهم السلام والتنكيل
بهم ، وهو القائل : « حتام اصبر على آل بني أبي طالب ، والله لأقتلنّهم ولأقتلنّ شيعتهم ، ولأفعلنّ وأفعلنّ » (1).
وهو الذي سجن الإمام الأعظم موسى بن جعفر علیه السلام حفنة من السنين ، ودسّ إليه السمّ حتى توفّي في سجونه ، لقد جهد الرشيد في ظلم العلويّين وإرهاقهم ، فعانوا في عهده جوّاً من الارهاب لا يقلّ فضاعة عمّا عانوه في أيّام المنصور.
ولما آلت الخلافة إلى المأمون رفع عنهم المراقبة ، وأجرى لهم الأرزاق ، وشملهم برعايته وعنايته ، ولكن لم يدم ذلك طويلاً فإنّه بعد ما اغتال الإمام الرضا علیه السلام بالسمّ ، أخذ في مطاردة العلويّين والتنكيل بهم كما فعل معهم أسلافه .
وعلى أيّ حال، فإنّ من أعظم المشاكل السياسيّة التي امتحن بها المسلمون امتحاناً عسيراً هي التنكيل بعترة النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم وذرّيته ، وتقطيع أوصالهم بيد الزمرة العبّاسيّة الخائنة التي لا تقلّ في قسوتها وشرورها عن بني اُميّة ، فقد انتهى الأمر بأبناء النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم أنّهم كانوا يتضوّرون جوعاً حتّى بلغ الحال بالقاسم بن إبراهيم أنّه كان يطبخ الميتة ويأكلها لفقره وسوء حاله (2).
إلى غير ذلك من المآسي التي حلّت بهم ، ومن الطبيعي أنّها قد كوت قلب الإمام أبي جعفر الجواد علیه السلام ، وأخلدت له الأسى والحزن .
لعلّ من أعقد المشاكل السياسيّة التي ابتلي بها المسلمون في ذلك العصر هي محنة خلق القرآن ، فقد أشاعت الفتن والخطوب في البلاد ، فقد أظهر المأمون هذه المسألة في سنة ( 212ه-).
وقد امتحن بها العلماء امتحاناً شديداً ، وارهقوا إلى حدّ بعيد، فمن لا يقول بمقالة المأمون سجنه أو نفاه أو قتله ، وقد حمل الناس على ما يذهب إليه بالقوّة والقهر.
إنّ هذه المسألة تعتبر من أهمّ الأحداث الخطيرة التي حدثت في ذلك العصر ، وقد تعرّض الفلاسفة والمتكلّمون إلى بسطها وإيضاح غوامضها ، ولولا خوف الإطالة والخروج عن الموضوع لتحدّثنا عنها بالتفصيل .
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن الحياة السياسيّة في عصر الإمام الجواد علیه السلام .
وجهد الإسلام على تطوير الحياة الاقتصاديّة وازدهارها ، واعتبر الفقر كارثة مدمّرة يجب القضاء عليه بكافّة الطرق والوسائل ، وألزم ولاة الاُمور والمسؤولين أن يعملوا جاهدين على تنمية الاقتصاد العامّ ، وزيادة دخل الفرد ، وبسط الرخاء والرفاهية بين الناس ليسلم المسلمون من الشذوذ والانحراف الذي هو - على الأكثر - وليد الفقر والحرمان .
وكان من بين ما عنى به أنّه حرّم على ولاة الاُمور إنفاق أموال الدولة في غير صالح المسلمين ، ومنعهم أن يصطفوا منها لأنفسهم وأقربائهم ، ومن يمتّ إليهم ، ولكن ملوك بني العبّاس قد جافوا ما أمر به الإسلام في هذا المجال ، فاتّخذوا مال الله دولاً وعباد الله خولاً ، وأنفقوا أموال المسلمين على شهواتهم وملاذّهم من دون أن يتحرّجوا في ذلك .
وقد أدّت هذه السياسية الملتوية إلى أزمات حادّة في الاقتصاد العامّ ، فقد انقسم المجتمع إلى طبقتين : الاُولى الطبقة الراقية في الثراء التي لا عمل لها إلّا التبطّل واللهو ، والاُخرى الطبقة الكادحة التي تزرع الأرض ، وتعمل في الصناعة ، وتشقى في سبيل اُولئك السادة من أجل الحصول على فتات موائدهم ، وترتّب على فقدان التوازن في الحياة الاقتصاديّة انعدام الاستقرار في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة على السواء (1).
ونتحدّث بإيجاز عن شؤون الحياة الاقتصاديّة في ذلك العصر :
1) الإدارة الإسلاميّة في عزّ العرب : 82 .
أمّا واردات الدولة الإسلاميّة في العصر العبّاسي الذي عاش فيه الإمام أبو جعفر الجواد علیه السلام فقد كانت ضخمة للغاية ، فقد أحصى ابن خلدون الخراج في عهد المأمون فكان مجموعه ما يزيد على 400 مليون درهم (1).
وقد بلغ من سعة المال ووفرته أنّه كان لا يُعدّ ، وإنّما كان يوزن ، فكانوا يقولون : إنّه بلغ ستة أو سبعة آلاف قنطار من الذهب (2).
وقد حسب عامل المعتصم على الروم خراجها فكان أقلّ من ثلاثة آلاف ألف ، فكتب إليه المعتصم يعاتبه ، وممّا جاء في عتابه : « إنّ أخسّ ناحية عليها أخس عبيدي خراجها أكثر من خراج أرضك » (3).
ومن المؤسف أنّ هذه الأموال الوفيرة لم تنفق على تقدّم المسلمين وتطوير حياتهم ، وإنّما كان الكثير منها يصرف على الشهوات والملذّات ، وقد عكست تلك الأموال الهائلة ترف بغداد في ذلك العصر ذلك الترف الذي تحكيه قصص ( ألف ليلة وليلة ) التي مثّلت حياة اللهو في ذلك العصر .
وتهالك الناس في ذلك العصر على جمع المال بكلّ وسيلة ، سواء أكانت مشروعة أم غير مشروعة ، فقد أصبح المال هو المقياس في قيم الرجال ، وأخذ يتردّد في الأمثلة الجارية في بغداد « المال مال ، وما سواه محال » ، وتوسّل الناس
إلى جمعه بكلّ طريق لا يعفون عن محرم ، ولا يتورّعون عن خبيث ، وأصبح الخداع والغشّ هو الوسيلة في جمعه (1).
وتضخّمت الثروات الهائلة عند بعض الناس ، خصوصاً في بغداد التي هي عاصمة العالم الإسلامي ، فقد وجدت فيها طبقة رأسماليّة كانت تملك الملايين ، وكذلك البصرة فقد ضمّت طبقة كبيرة من أهل الثراء العريض ، فقد كانت البصرة ثغر العراق والمركز التجاري الخطير الذي يصل بين الشرق والغرب، وتستقبل متاجر الهند ، وجزر البحار الشرقية، ومن أجل ذلك سمّيت البصرة أرض الهند واُمّ العراق (2).
وكان من ألوان ذلك الإسراف والبذخ في أموال المسلمين هو ما أنفقه المأمون من الأموال الطائلة المذهلة في زواجه بالسيّدة بوران ، فقد أمهرها ألف ألف دينار ، وشرط عليه أبوها الحسن بن سهل أن يبني بها في قريته الواقعة ( بفم الصلح ) ، فأجابه إلى ذلك .
ولمّا أراد الزواج سافر إلى ( فم الصلح ) ونثر على العسكر الذي كان معه ألف ألف دینار ، وكان معه في سفره ثلاثون ألفاً من الغلمان الصغار والخدم الصغار والكبار وسبعة آلاف جارية .
وعرض العسكر الذي كان معه فكان أربعمائة ألف فارس ، وثلثمائة ألف راجل . وكان الحسن بن سهل يذبح لضيوفه ثلاثين ألف رأس من الغنم ، ومثليها من الدجاج ،
وأربعمائة بقرة ، وأربعمائة جمل ، وسمّى الناس هذه الدعوة « دعوة الإسلام » ولكن هذا ليس من الإسلام في شيء ، فإنّ الإسلام قد احتاط أشدّ ما يكون الاحتياط في بيت مال المسلمين فحرم إنفاق أي شيء في غير صالحهم .
وحينما بنى المأمون ببوران نثروا من سطح دار الحسن بن سهل بنادق عنبر فاستخفّ بها الناس ، وزهدوا فيها ، ونادى شخص من السطح قائلاً : كلّ من وقعت بیده بندقة فليكسرها فإنّه يجد فيها رقعة وما فيها له ، وكسر الناس البنادق فوجدوا فيها رقاعاً في بعضها تحويل بألف دينار، وفي اُخرى خمسمائة دينار إلى أن تصل إلى المائة دينار ، وفي بعضها فرس ، وفي بعضها عشرة أثواب من الديباج ، وفي بعضها خمسة أثواب ، وفي بعضها غلام ، وفي بعضها جارية ، وحمل كلّ من وقعت بيده رقعة إلى الديوان واستلم ما فيها (1).
كما أنفق على قادة الجيش فقط خمسين ألف ألف درهم (2).
ويقول الباهلي مهنّئاً للحسن وابنته وللمأمون :
بارَكَ اللهُ لِلحَسَنْ ٭٭٭ وَلِبورانَ في الخَتَنْ
يابْنَ هارونَ قَدْ ظَفَ ٭٭٭ رْتَ وَلكِنْ بِبِنْتُ مَنْ (3)
ولمّا كانت ساعة الزفاف اُجلست بوران على حصير منسوج من الذهب ، ودخل عليها المأمون ومعه عمّاته وجمهرة من العبّاسيّات ، فنثر الحسن بن سهل على المأمون وزوجته ثلاثمائة لؤلؤة ، وزن كلّ واحدة مثقال ، وما مدّ أحد يده لالتقاطها ، وأمر المأمون عمّاته بالتقاطها ، ومدّ يده فأخذ واحدة منها ، فالتقطتها العبّاسيّات ،
وقال المأمون : قاتل الله أبا نواس كأنّه حضر مجلسنا هذا حيث قال في وصف الخمرة :
كَأَنَّ صُغرىٰ وَكُبرىٰ مِنْ فَواقِعِها ٭٭٭ حَصْباءُ دُرٍّ عَلىٰ أَرضٍ مِنَ الذَّهَبِ (1)
لقد أنفق الحسن والمأمون هذه الأموال الطائلة على زواجه ، وهي من بيت مال المسلمين ، وقد أمر الله بانفاقه على مكافحة الفقر ومطاردة البؤس والحرمان .
ومن الجدير بالذكر أنّ هارون الرشيد لمّا تزوّج بالسيّدة زبيدة صنع وليمة لم يسبق مثلها في الإسلام ، فقد جعل الهبات غير محصورة ، فكانت أواني الذهب مملوءة بالفضّة ، وأواني الفضّة مملوءة بالذهب ، ونوافج المسك وقِطع العنبر (2).
وكان هذا هو الاسراف والتبذير الذي حرّمه الإسلام حفظاً على الاقتصاد العامّ في البلاد.
ووهب ملوك بني العبّاس أموال المسلمين بسخاء إلى المغنّين والمغنّيات والخدم والعملاء ، فقد غنّى إبراهيم بن المهدي العبّاسي محمّد الأمين صوتاً فأعطاه ثلاثمائة ألف ألف درهم فاستكثرها إبراهيم ، وقال له : يا سيّدي ، لو قد أمرت لي بعشرين ألف ألف درهم .
فقال له الخليفة : هل هي إلّا خراج بعض الكور (3).
وغنّى ابن محرز عند الرشيد بأبيات مطلعها « واذكر أيام الحمى ثمّ انثن »
فاستخفّ به الطرب فأمر له بمائة ألف درهم، وأعطى مثل ذلك للمغنّي دحمان الأشقر (1).
ولمّا تقلّد المهدي العبّاسي الخلافة وزّع محتويات إحدى خزانات بيت المال بين مواليه وخدمه (2).
إلى غير ذلك من الهبات والهدايا التي كانت من الخزينة المركزيّة التي ألزم الإسلام بإنفاقها على المشاريع الحيويّة التي تزدهر بها البلاد.
وبدل أن يتّجه ملوك بني العبّاس إلى إصلاح البلاد وتنميتها الاقتصاديّة فقد اتّجهوا بنهم وجشع إلى اقتناء الجواري ، والمغالاة في شرائها ، فقد جلبت إلى بغداد الجواري الملاح من جميع أطراف الدنيا ، فكان فيهنّ الحبشيّات ، والروميّات ، والجرجيّات، والشركسيّات، والعربيّات من مولدات المدينة والطائف واليمامة ومصر ، ذوات الألسنة العذبة ، والجواب الحاضر ، وكان بينهنّ الغانيات اللاتي يعزفن بما عليهنّ من اللباس الفاخر، وما يتّخذن من العصائب التي ينظمنها بالدرّ والجواهر ، ويكتبن عليهنّ بصفائح الذهب (3).
وقد كان عند الرشيد زهاء ألفي جارية ، وعند المتوكّل أربعة آلاف جارية (4).
وقد زار الرشيد في يوم فراغه البرامكة ، فلمّا أراد الانصراف خرجت جواريهم فاصطففن مثل العساكر صفّين صفّين، وغنين وضربن بالعود ، ونقرن على الدفوف
إلى أن طلع مقاصير القصر (1).
وكان عند والدة جعفر البرمكي مائة وصيفة ، لباس كلّ واحدة منهنّ وحليّها غير لبوس الاُخرى وحليّها (2).
لقد كان اقتناء الجواري بهذه الكثرة من نتائج وفرة المال وكثرته عند هذه الطبقة الرأسماليّة التي حارت في كيفيّة صرف ما عندها من الأموال .
وتفنّن ملوك بني العبّاس في بناء قصورهم ، فأشادوا أضخم القصور التي لم يشيّد مثلها في البلاد ، وقد بنوا في بغداد قصر الخلد تشبيهاً له بجنّة الخلد التي وعد الله فيها المتّقين.
وكان من أعظم الأبينة الأيوان الذي بناه الأمين ، وقد وصفه المؤرّخون بأنّه جعله كالبيضة بياضاً ثمّ ذهب بالابريز المخالف بينه باللازورد ، وكان ذا أبواب عظام ومصاريع غلاظ تتلألأ فيه مسامير الذهب التي قمعت رؤوسها بالجوهر النفيس ، وقد فرش بفرش كأنّه صبغ بالدم وقد نقش بتصاوير من الذهب ، وتماثيل العقيان ، ونضّد فيه العنبر الأشهب والكافور المصعد (3).
وقد أنفق جعفر البرمكي على بناء داره نحواً من عشرين مليون درهم (4)، وقد تفنّن الناس في بناء القصور وقد وصفها ابن الجهم بقوله :
صُحونٌ تُسافِرُ فيها العُيونُ ٭٭٭ وَتَحسُرُ عَنْ بُعْدِ أَقْطارِها
وَقُبَّةُ مُلْكِ كَأَنَّ النَّجو ٭٭٭ مَ تُضيء إِلَيها بِأَسْرارِها
وَفَوّارَةٌ ثَأرُها في السَّماءِ ٭٭٭ فَلَيسَتْ تُقَصِّرُ عَنْ ثَأرِها
إِذا اُوقِدَتْ نارُها بِالعِراقِ ٭٭٭ أَضاءَ الحِجازَ سَنا نارِها
تَرُدُّ عَلى المُزْنِ ما أَنزَلَتْ ٭٭٭ عَلَى الأَرْضِ مِنْ صَوبِ أَقْطارِها
لَها شُرُفاتٍ كَأَنَّ الرَّبيعَ ٭٭٭ كَساها الرِّياضُ بِأَنْوارِها (1)
وبلغ البذخ والترف في ذلك العصر حتّى أنّ كثيراً من أبواب الدور في بغداد كانت من الذهب في حين أنّ الأكثريّة الساحقة كانت تشكو الجوع والحرمان .
وحفلت قصور العبّاسيّين بأنواع الأثاث وأفخرها في العالم .
ويقول المؤرّخون : إنّ السيّدة زبيدة قد اصطفت بساطاً من الديباج جمع صورة كلّ حيوان من جميع الأجناس ، وصورة كلّ طائر من الذهب ، وأعينها اليواقيت والجواهر . يقال إنّها أنفقت على صنعه مليون دينار (2).
كما اتّخذت الآلة من الذهب المرصّع بالجوهر ، والابنوس ، والصندل عليها الكلاليب من الذهب الملبّس بالوشي والديباج ، والسمور ، وأنواع الحرير ، كمثل اتّخاذها شمع العنبر ، واصطناعها الخفّ مرصّعاً بالجوهر واتّخاذها الشاكرية (3).
أمّا مجالس البرامكة فكانت مذهلة ، فكان الرشيد إذا حضر مجالس البرامكة وهو بین الآنية المرصّعة والخزائن المجزعة ، والمطارح من الوشي والديباج والجواري
يرفلن في الحرير والجوهر ، ويستقبلنه بالروائح التي لا يدرى لطيبها ما هي ، خيّل إليه أنّه في الجنّة بين الجمال والجوهر والطيب (1).
وكان من نتائج بذخ العبّاسيّين وترفهم ما ذكره ابن خلدون أنّه كانت في قصورهم دور لنسج الثياب تسمّى دور الطراز ، وكان القائم عليها ينظر في اُمور الصنّاع وتسهيل آلاتهم وإجراء أرزاقهم (2).
وتعدّدت ألوان الطعام بسبب تقدّم الحضارة ، فقد روى طيفور عن جعفر بن محمّد الأنماطي أنّه تغذّى عند المأمون فوضع على المائدة ثلاثمائة لون من الطعام (3).
ونظراً لتعدّد ألوان الطعام فقد فسدت أسنانهم ممّا اضطرّهم إلى شدّها بالذهب للعلاج (4).
وخلّف ملوك بني العبّاس ووزراؤهم من الأموال ما لا يحصى ، وفيما يلي بعض ما تركوه :
وترك الطاغية البخيل المنصور الدوانيقي من الأموال التي سرقها من المسلمين ما يقرب من ستمائة مليون درهم وأربعة عشر مليون دينار (1).
وقد كدّس هذه الأموال الهائلة في خزائنه وترك الفقر والبؤس يهيمنان على جميع أنحاء البلاد الإسلاميّة .
خلّف الرشيد من المال ما يقدّر بنحو تسعمائة مليون درهم (2).
وتوفّيت الخيزران اُمّ الرشيد ، فكانت غلّتها ألف ألف وستّين ألف درهم (3).
وترك عمرو بن سعدة - أحد وزراء المأمون - ما يقرب من ثمانية ملايين دينار فأخبروا المأمون بذلك في رقعة فكتب عليها : « هذا قليل لمن اتّصل بنا ، وطالت خدمته لنا ، فبارك الله لولده فيه » (4).
ومعظم هذه الأموال قد اختلست من المسلمين ، ونهبت من الخزينة المركزيّة .
وقد خالفوا بذلك ما أمر به الإسلام من الاحتياط الشديد في أموال المسلمين ، وعدم صرفها وإنفاقها إلّا في صالحهم .
وعاش أكثر خلفاء بني العبّاس عيشة لهو وطرب ومجون ، ليس فيها ذكر لله ولا لليوم الآخر ، لقد قضوا أيّامهم في هذه الحياة التافهة التي تمثّل السقوط والانحطاط . يقول الشاعر في بعض خلفائهم :
خَليفَةٌ في قَفَصٍ ٭٭٭ بَينَ وَصيفٍ وَبُغا
يَقولُ ما قالا لَهُ ٭٭٭ كَما تَقولُ البَبَّغا
وقد روى أحمد بن صدقة قال : « دخلت على المأمون في يوم السعانين (1)، وبين يديه عشرون وصيفة جلباً روميّات مزنّرات ، قد تزيّنّ بالديباج الرومي ، وعلّقن في أعناقهنّ صلبان الذهب ، وفي أيديهنّ الخوص والزيتون .
فقال المأمون : ويلك يا أحمد ! قد قلت في هؤلاء أبياتاً فغنّي فيها ، ثمّ أنشده :
ظِباءٌ كَالدَّنانيرِ ٭٭٭ مِلاحٌ في المَقاصيرِ
جَلاهُنَّ السَّعانينُ ٭٭٭ عَلَينا في الزَّنانيرِ
وَقَدْ زَرَّفن أَصْداغاً ٭٭٭ كَأَذْنابِ الزَّرازيرِ
وَأَقْبَلْنَ بِأَوْساطٍ ٭٭٭ كَأَوْساطِ الزَّنابيرِ
فغنّاه بها فلم يزل يشرب وترقص الوصائف بين يديه أنواع الرقص (2).
وقد حفلت كتب التاريخ والأدب بالشيء الكثير من مجونهم وطربهم وانشغالهم
عن النظر في اُمور المسلمين بالدعارة والفجور.
وكان من مظاهر الحياة اللاهية لعبهم بالنرد والشطرنج، والعناية بتربية الحمام والمغالاة في أثمانه (1).
كما تهارشوا بالديوك والكلاب (2).
ولعبوا بالميسر وقد انتشر ذلك حتى في حانات الفقراء (3).
ومن المؤسف أنّ الطرب والمجون قد سرى إلى بعض المحدّثين الذين يجب أن يتّصفوا بالإيمان والاستقامة ، فقد ذكر الخطيب البغدادي عن المحدّث محمّد بن الضوء إنّه ليس بمحلّ لأن يؤخذ عنه العلم؛ لأنّه كان من المتهتّكين بشرب الخمر والمجاهرة بالفجور ، وكان أبو نواس يزوره في الكوفة في بيت خمار يقال له جابر (4).
وبجانب حياة اللهو والطرب التي عاشها الناس في عصر الإمام أبي جعفر علیه السلام ، فقد كانت هناك طائفة من الناس قد اتّجهت إلى الزهد والتقشّف ، ونظرت إلى مباهج الحياة نظرة زهد واحتقار ، فكان من بينهم إبراهيم بن الأدهم ، وهو ممّن ترك الحياة الناعمة وأقبل على طاعة الله وكان يردّد هذا البيت :
اتَّخِذِ اللهَ صاحِباً ٭٭٭ وَدَعِ النّاسَ جانِبا
وكان يلبس في الشتاء فرواً ليس تحته قميص (5)مبالغة منه في الزهد .
وكان ممّن عُرِف بالتقشّف معروف الكرخي ، فكان يبكي وينشد في السحر :
أَيَّ شَيْءٍ تُريدُ مِنّي الذُّنوبُ ٭٭٭ شُغِفَتْ بي فَلَيسَ عَنّي تَغيبُ
ما يَضُرُّ الذُّنوبَ لَوْ أَعْتَقَتْني ٭٭٭ رَحْمَةً بِي فَقَدْ عَلاني المَشيبُ (1)
وكان من زهّاد ذلك العصر بشر بن الحارث ، وهو القائل :
قَطْعُ اللَّيالي مَعَ الأَيّامِ في خُلُقٍ ٭٭٭ وَالقَومُ تَحتَ رَواقِ الهَمِّ وَالقَلَقِ
أَحْرىٰ وَأَعْذَرُ لي منْ أَنْ يُقالَ غَداً ٭٭٭ إِنّي التَمَسْتُ الغِنىٰ مِنْ كَفِّ مُخْتَلقِ
قالوا قَنَعْتَ بِذا ؟ قُلتُ القنوعُ غِنىً ٭٭٭ لَيسَ الغِنى كَثْرَةُ الأَمْوالِ وَالوَرَقِ
رَضيتُ بِاللهِ في عُسْرِي وَفي يُسري ٭٭٭ فَلَسْتُ أَسْلُكُ إِلّا أَوْضَحَ الطُّرُقِ (2)
ومن الطبيعي أنّ هذه الدعوة إلى الزهد إنّما جاءت من إفراط ملوك العبّاسيّين والطبقة الرأسماليّة في الدعارة والمجون ، وعدم عفافهم عمّا حرّمه الله من الملاهي .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن عصر الإمام الجواد علیه السلام .
في عَصْرِ المَأمُونِ
عاش الإمام أبو جعفر محمّد الجواد علیه السلام معظم حياته في عهد المأمون ، ولم يلبث بعده إلّا قليلاً حتّى وافاه الأجل المحتوم.
ويرى بعض المؤرّخين أنّ المأمون كان يكنّ له أعظم الودّ وخالص الحبّ ، فزوّجه من ابنته اُمّ الفضل ، ووفّر له العطاء الجزيل ، وكان يحوطه ويحميه ويخشى عليه عوادي الدهر ، ويضنّ به على المكروه ، وكان يصرّح أنّه يبغي بذلك الأجر من الله ، وصلة الرحم التي قطعها آباؤه .
وفيما أحسب أنّ ذلك التكريم لم يكن عن إيمان بالإمام أو إخلاص له ، وإنّما كان لدوافع سياسيّة ، نعرض لها في البحوث الآتية .
وعلى أيّ حال، فلابدّ لنا من وقفة قصيرة لدراسة حياة المأمون ، والوقوف على اتّجاهاته الفكريّة والعقائديّة ، والنظر فيما صدر منه من تكريم للإمام علیه السلام ، فإنّ ذلك ممّا يرتبط ارتباطاً موضوعيّاً في البحث عن حياة الإمام أبي جعفر علیه السلام ، وفيما يلي ذلك :
من أبرز نزعات المأمون وصفاته ما يلي :
ولم تعرف الدبلوماسيّة الإسلاميّة في العصر العبّاسي من هو أذكى من المأمون ، ولا من هو أدرى منه في الشؤون السياسيّة العامّة ، فقد كان سياسيّاً من الطراز الأوّل ، فقد استطاع بحدّة ذكائه ، وقدراته السياسيّة أن يتغلّب على كثير من الأحداث الرهيبة التي ألمّت به ، وكادت تطوي حياته ، وتقضي على سلطانه .
فقد استطاع أن يقضي على أخيه الأمين الذي كان يتمتّع بتأييد مكثّف من قِبل الاُسرة العبّاسيّة ، والسلطات العسكريّة .
كما استطاع أن يقضي على أعظم حركة عسكريّة مضادّة له ، تلك ثورة أبي السرايا التي اتّسع نطاقها فشملت الأقاليم الإسلاميّة حتّى سقط بعضها بأيدي الثوار ، وكان شعار تلك الثورة الدعوة « إلى الرضا من آل محمّد صلى الله عليه و آله و سلم » ، فحمل الإمام الرضا علیه السلام إلى خراسان ، وكان علیه السلام زعيم الاُسرة العلويّة وعميدها ، فأرغمه على قبول ولاية العهد ، وعهد إلى جميع أجهزة حكومته بإذاعة فضائله ومآثره ، كما ضرب السكّة باسمه ، فأوهم على الثوار والقوى الشعبيّة المؤيّدة لهم أنّه جادّ فيما فعله ، حتّى أيقنوا أنّه لا حاجة إلى الثورة وإراقة الدماء بعد أن حصل الإمام علیه السلام على ولاية العهد ، وقضى بذلك على الثورة ، وطوى معالمها ، وهذا التخطيط من أروع المخطّطات السياسيّة التي عرفها العالم في جميع مراحل التاريخ .
وصفة اُخرى من صفات المأمون البارزة ، هي القسوة ، وانعدام الرحمة والرأفة
من آفاق نفسه، أمّا ما يدعم ذلك فهو قتله لأخيه حينما قبضت عليه قوّاته العسكريّة ، ولو كان يملك شيئاً من الرحمة لما قتل أخاه .
كما أنّه قابل العلويّين بعد قتله للإمام الرضا علیه السلام بمنتهى الشدّة والقسوة ، فعهد إلى جلّاديه بقتلهم والتنكيل بهم أينما وجِدوا .
وظاهرة اُخرى من نزعات المأمون وصفاته وهي الغدر، فقد بايع للإمام الرضا علیه السلام بولاية العهد ، وبعد ما انتهت مآربه السياسيّة دسّ إليه السمّ فقتله ليتخلّص منه .
أمّا الميل إلى اللهو فقد كان عنصراً من عناصر حياته ، فقد أقبل عليه بنهم ، وفيما يلي بعض ما اُثر عنه :
ولم يكن شيء من الملاهي أحبّ إلى المأمون من الشطرنج (1)، فقد هام في هذه اللعبة ، وقد وصفها بهذه الأبيات :
أَرْضٌ مُرَبَّعَةٌ حَمْراءُ مِنْ أَدَمِ ٭٭٭ ما بَينَ إِلفَينِ مَوصوفَينِ بِالكَرَمِ
تَذاكَرا الحَربَ فَاحْتالا لَها شَبَهاً ٭٭٭ مِنْ غَيرِ أَنْ يَسْعَيا فيها بِسَفْكِ دَمِ
هٰذا يَغيرُ عَلىٰ هٰذا وذاكَ عَلى ٭٭٭ هٰذا يَغيرُ وَعَينُ الحَرْبِ لَمْ تَنَمِ
1) العقد الفريد : 3 : 254 .
فَانْظُرْ إِلى الخَيْلِ قَدْ جاشَتْ بِمَعْرَكَةٍ ٭٭٭ في عَسْكَرَيْنِ بِلا طَبْلٍ وَلا عَلَمٍ (1)
وألمّ هذا الشعر بوصف دقيق للشطرنج، ولعلّه أسبق من نظم فيه الشعر الذي أحاط بأوصافه ، وكان أبوه الرشيد مولعاً بالشطرنج ، وقد أهدى إلى ملك فرنسا أدواته ، وتوجد حالياً في بعض متاحف فرنسا .
وكان المأمون مولعاً بالغناء والموسيقى ، وكان له هوى شديد في ذلك ، وكان معجباً أشدّ ما يكون الإعجاب بأبي إسحاق الموصلي ، الذي كان من أعظم العازفين والمغنّين في العالم العربي ، وقد قال فيه : « كان لا يغني أبداً إلّا وتذهب عنّي وساوسي المتزايدة من الشيطان » (2).
وكان يحيي لياليه بالغناء والرقص، والعزف على العود ، ولم يمرّ اسم الله ولا ذكره في قصوره ولياليه .
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن بعض نزعات المأمون وصفاته ، وهي تكشف عمّا كان يتمتّع به من القابليات الدبلوماسيّة ، كما كشفت عن ميوله ورغباته الخاصّة في اللهو والدعارة والمجون .
والشيء الذي يهمّنا هو البحث عن تظاهر المأمون بالتشيّع ، حتّى اعتقد الكثيرون من البحّاث أنّه من الشيعة؛ لأنّه قام بما يلي :
وردّ المأمون فدكاً للعلويّين بعد أن صادرتها الحكومات السابقة عليه ، وكان قصدها إشاعة الفقر بين العلويّين، وفرض الحصار الاقتصادي عليهم حتّى يشغلهم الفقر والبؤس عن مناهضة اُولئك الحكّام ، وقد أنعش المأمون العلويّين ، ورفع عنهم تلك الضائقة الاقتصاديّة التي كانت آخذة بخناقهم ، ويعتبر كثيرون من البحّاث هذا الإجراء دليلاً على تشيّعه ، ولمّا سجّل لهم فدكاً قام دعبل فأنشد أبياتاً أوّلها :
أَصْبَحَ وَجْهُ الزَّمانِ قَدْ ضَحِكا ٭٭٭ بِرَدِّ مَأْمونِ هاشِمٍ فَدَكا
وقام المأمون بإجراء خطير ، فقد أعلن رسميّاً فضل الإمام أمير المؤمنين علیه السلام رائد العدالة الاجتماعيّة في الأرض على عموم الصحابة ، كما أعلن الحطّ من معاوية بن أبي سفيان الذئب الجاهلي .
وكان هذا الإجراء من أهمّ المخطّطات التي تُلفت النظر إلى تشيّعه ، فقد جرى سلفه على انتقاص الإمام ، والحطّ من شأنه ، وتقديم سائر الصحابة عليه .
وثمّة أمر آخر استند إليه القائلون بتشيّعه ، وهو عقده ولاية العهد إلى الإمام الرضا علیه السلام ، وقد أخرج بذلك الخلافة من العبّاسيّين إلى العلويّين .
هذه أهمّ الاُمور التي استند إليها القائلون بتشيّعه ، والذي نراه - بكثير من التأمّل - أنّ الرجل لم يكن من الشيعة ، ولم يكن يتعاطف معهم ، وإنّما صنع الاُمور المتقدّمة تدعيماً لسياسته وأغراضه ، ويدلّ على ذلك ما يلي :
أوّلاً : إنّه كان مختلفاً أشدّ ما يكون الاختلاف مع الاُسرة العبّاسيّة الذين كانت
ميولهم مع أخيه الأمين ، لأنّ اُمّه زبيدة كانت من أندى الناس كفّاً ، ومن صمیم العبّاسيّين ، أمّا اُمّ المأمون فهي مراجل ، فكانت من إماء القصر العبّاسي ، وكان العبّاسيّيون ينظرون إليه نظرة احتقار باعتبار اُمّه ، فأراد المأمون بما أظهره من التشيّع ارغام اُسرته الذين كانوا من ألدّ الأعداء إلى آل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وشيعتهم .
ثانياً : إنّه أراد كشف الشيعة ، ومعرفة السلطة بهم بعدما كانوا تحت الخفاء ، ولم تستطع الحكومات العبّاسيّة معرفتهم والوقوف على أسمائهم وخلاياهم ، فأراد المأمون بما صدر منه من إحسان لهم أن يكشفهم ، وقد دلّت على ذلك بعض الوثائق الرسميّة التي صدرت منه. ثالثاً : إنّه أراد القضاء على الحركة الثوريّة التي فجّرتها الشيعة بقيادة الزعيم الكبير أبي السرايا ، فرأى المأمون أنّ خير وسيلة للقضاء عليها وشلّ فعاليّاتها هو الإحسان إلى الشيعة .
هذه بعض الأسباب التي أدّت إلى تظاهر المأمون بالتشيّع ، والتزامه ببعض القضايا التي تذهب إليها الشيعة .
والذي يهمّ القرّاء - فيما اعتقد - هو البحث عن علاقة الإمام أبي جعفر علیه السلام بالمأمون ومدى ارتباطه به ، وسائر شؤونه معه ، وفيما يلي ذلك :
وجرى أوّل إلتقاء بين الإمام أبي جعفر علیه السلام والمأمون في بغداد، حينما كان المأمون خارجاً مع حاشيته في موكب إلى الصيد ، فاجتاز في الطريق على صبية ، فلمّا رأوه انهزموا خوفاً منه سوى الإمام الجواد علیه السلام، فبصر به المأمون فوقف يسأله عن عدم فراره .
فأجابه بحكمة وتدبر : لَيْسَ في الطَّريقِ ضِيقٌ حَتّىٰ اُوَسِّعَهُ لَكَ ، وَلَيْسَ لي جُرْمٌ فَأَخْشاكَ مِنْهُ ، وَالظَّنُّ بِكَ حَسَنٌ إِنَّكَ لَا تَضُرُّ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ .
ويُهر المأمون من هذا المنطق الفيّاض فراح يسأله : ما اسمك ؟ مُحَمَّدٌ .
ولم يستكثر عليه المأمون هذا الذكاء المفرط ، فهو من أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومركز الوعي والإحساس في الأرض ، وترحّم المأمون على الإمام الرضا علیه السلام ، وانطلق في مسيرته نحو البيداء للصيد .
ولمّا انتهى إلى موضع الصيد أرسل بازياً كان معه فغاب عنه ، وبعد فترة عاد وفي منقاره سمكة صغيرة فيها بقايا الحياة ، فتعجّب المأمون وقفل راجعاً إلى بلاطه ، والتقى بالإمام الجواد علیه السلام ، وبادره المأمون قائلاً : يا محمّد ما في يدي ؟
فأجابه الإمام : إِنَّ اللهَ تَعالىٰ خَلَقَ في بَحْرِ قُدْرَتِهِ سَمَكاً صَغيراً تَصيدُهُ بازاتُ الْمُلوكِ وَالْخُلَفاءِ ، كَيْ يَخْتَبِروا بِها سُلالَةَ بَني الْمُصْطَفىٰ .
ولم يملك المأمون إعجابه بالإمام فراح يقول : أنت ابن الرضا حقّاً !!
وأخذه معه ، وأحسن إليه ، وبالغ في إكرامه (1)، وكان هذا الاجتماع أوّل إلتقاء بين الإمام والمأمون .
وأجمع المؤرّخون على أنّ المأمون قد رغب في زواج الإمام أبي جعفر علیه السلام من ابنته اُمّ الفضل ، فهو الذي دعاه إلى هذه المصاهرة .
1) نور الأبصار : 146 . أخبار الدول : 116 . الاتحاف بحبّ الأشراف : 64. بحر الأنساب : 2 : 19 ( من مصوّرات مكتبة الإمام أمير المؤمنين ) .
ومن الجدير بالذكر أنّها ثاني علاقة تكون بهذا المستوى بين الاُسرتين العلويّة والعبّاسيّة بعد ما انهارت جميع اُسس العلائق والقرابة التي كانت بينهما ، ولم يعد أي تقارب أو إلتقاء بين الاُسرتين، وكان ذلك منذ عصر الطاغية اللئيم المنصور الدوانيقي ، وجرى أبناؤه على ذلك فنكّلوا بالعلويّين أفظع ما يكون التنكيل .
وذكر الرواة والمؤرّخون عدّة أسباب لإقدام المأمون على هذه المصاهرة ، وهذه بعضها :
1 - ما أدلى به نفس المأمون حينما عزم على أن يزوّج الإمام من ابنته ، فقال : « أحببت أن أكون جدّاً لمرء ولده رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وعليّ بن أبي طالب علیه السلام » .
وفيما اعتقد أنّ هذا ليس هو السبب الحقيقي في هذه المصاهرة ، فإنّ المأمون لم يؤمن بقرارة نفسه في هذه الجهة ، ولو كان صادقاً فيما يقول لما اغتال الإمام الرضا علیه السلام وما أوعز إلى جهاز حكومته بمطاردة العلويّين وقتلهم .
2 - إنّ الذي دعا المأمون إلى ذلك إعجابه بمواهب الإمام الجواد علیه السلام وعبقريّاته التي أصبحت حديث الأندية والمجالس ، وهذا الرأي لم يحظ بأيّ تأييد علمي .
3 - إنّه أراد التمويه على الرأي العامّ بإظهار براءته من اغتياله للإمام الرضا علیه السلام فإنّه لو كان قاتلاً له لما زوّج ابنه من ابنته .
4 - إنّه حاول الوقوف على نشاط الإمام الجواد علیه السلام ، والإحاطة باتّجاهاته السياسيّة ، ومعرفة العناصر الموالية له ، والقائلة بإمامته ، وذلك من طريق ابنته التي ستكون زوجة له .
5 - لعلّ من أهمّ الأسباب، وأكثرها خطورة هو أنّ المأمون قد حاول من هذه المصاهرة جرّ الإمام إلى ميادين اللهو واللعب ليهدم بذلك صرح الإمامة الذي تدين
به الشيعة ، والذي كان من أهمّ بنوده عصمة الإمام وامتناعه من اقتراف أي ذنب عمداً كان أو سهواً .
وكان من الطبيعي أن يفشل في ذلك ، فإنّ الإمام علیه السلام لم يتجاوب معه بأيّ شكل من الأشكال ، ولو كان في ذلك ازهاق نفسه، أمّا ما يدلّ على ذلك كلّه فهو ما رواه ثقة الإسلام الكليني . قال ما نصّه : « احتال المأمون على أبي جعفر علیه السلام بكلّ حيلة (1)، فلم يمكنه فيه شيء ، فلمّا اعتلّ وأراد أن يبني عليه ابنته (2)دفع إلى مائتي وصيفة من أجمل ما يكون إلى كلّ واحدة منهنّ جاماً فيه جوهر يستقبلن أبا جعفر إذا قعد في موضع الأخيار ، فلم يلتفت إليهنّ ، وكان هناك رجل يقال له مخارق ، صاحب صوت وعود ، وضرب ، طويل اللحية فدعاه المأمون ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن كان شيء من أمر الدنيا فأنا أكفيك أمره ، فقعد بين يدي أبي جعفر علیه السلام فشهق مخارق شهقة اجتمع عليه أهل الدار ، وجعل يضرب بعوده ويغنّي .
فلمّا فعل ساعة وإذا أبو جعفر لا يلتفت إليه يميناً ولا شمالاً ، ثمّ رفع إليه رأسه ، وقال : اتَّقِ اللهَ ياذا الْعُثْنونِ (3).
قال : فسقط المضراب من يده والعود ، فلم ينتفع بيديه إلى أن مات ، فسأله المأمون عن حاله قال : لمّا صاح بي أبو جعفر فزعت فزعة لا اُفيق منها أبداً (4).
وكشفت هذه الرواية عن محاولات المأمون لجرّ الامام علیه السلام إلى ميادين اللهو ، فقد عرض عليه جميع ألوان المغريات ، وكان الإمام آنذاك في ريعان الشباب ، فاعتصم علیه السلام بطاقاته الروحيّة الهائلة ، وامتنع عمّا حرّمه الله عليه ، وقد أفسد علیه السلام
بذلك مخطّطات المأمون الرامية إلى إبطال ما تذهب إليه الشيعة من عصمة أئمّتهم ، وكانت هذه الجهة - فيما نحسب - هي السبب في إضفاء لقب التقيّ عليه لأنّه اتّقى الله في أشدّ الأدوار ، وأكثرها صعوبة ، فوقاه الله شرّ المأمون (1).
وفزع العبّاسيّون أشدّ ما يكون الفزع حينما علموا أنّ المأمون قد عزم على مصاهرة الإمام الجواد علیه السلام ، فعقدوا اجتماعاً حضره كبارهم ، وذوو الرأي والمشورة منهم ، وعرضوا فيما بينهم خطورة الأمر ، وما قد ينتهي إليه من نقل الخلافة والملك من العبّاسيّين إلى العلويّين، وبعد مداولة الحديث، ومناقشة الأمر من جميع جهاته ، أجمع رأيهم على الاجتماع بالمأمون ، وإبداء المعارضة التامّة لما أقدم عليه .
وهرع إلى البلاط العبّاسي الأدنون من المأمون من العبّاسيّين ، وقد نخر الحزن قلوبهم وساد فيهم صمت رهيب ، وانبروا إلى المأمون فقالوا له : « ننشدك الله يا أمير المؤمنين ، أن تقيم على هذا الأمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا ، فإنّا نخاف أن تُخرج عنّا أمراً قد ملّكناه الله ، وتنزع منّا عزّاً ألبسناه ، فقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً، وما كان عليه الخلفاء الراشدون من تبعيدهم ، والتصغير بهم ، وقد كنّا في وهلة من عملك مع الرضا ما علمت ، حتّى كفانا الله المهمّ من ذلك ، فالله الله ، أن تردّنا إلى غمّ قد انحسر عنّا ، واصرف رأيك عن ابن الرضا ، واعدل إلى ما تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره » .
1) معاني الأخبار : 64 . بحار الأنوار: 50 : 16 .
ووضع العبّاسيّون أمام المأمون النقاط الحسّاسة المثيرة للعواطف ، فقد نبّهوه بأحقاد آبائه وعدائهم للعلويّين ، وما صنعه بهم الخلفاء السابقون من تبعيدهم عن مراكز الحكم ، وما صبّوه عليهم من صنوف التنكيل والتعذيب ، وليس له أن يشذّ عن سنّة آبائه وسيرتهم فإنّه يشكّل بذلك خطراً على اُسرته ، ولم يعن المأمون بذلك وراح يفنّد ما قالوه ، قائلاً: « أمّا ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه ، ولو أنصفتم القوم لكانوا أوْلى بكم .
وأمّا ما كان يفعله من قبلي بهم ، فقد كان به قاطعاً للرحم ، وأعوذ بالله من ذلك ، والله ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرضا، ولقد سألته أن يقوم بالأمر، وأنزعه عن نفسي فأبى، وكان أمر الله قدراً مقدوراً .
وأمّا أبو جعفر محمّد بن عليّ قد اخترته لتبريزه على كافّة أهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنّه ، والاُعجوبة فيه بذلك ، وأنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه ، فيعلموا أنّ الرأى ما رأيت فيه » .
وندّد المأمون بالعبّاسيّين فهم الذين قطعوا أواصر الرحم والقربی بينهم وبين العلويّين ، ولو أنصفوا نفوسهم ، ورجعوا إلى حوازب أفكارهم ، لرأوا أنّ العلويّين أوْلى بمقام النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم ومركزه منهم لأنّهم ذرّيته وأبناؤه ، ولأنّ هذا الدين قد بني بتضحياتهم وجهادهم .
وأمّا العبّاسيّون - قديماً وحديثاً - فليست لهم أيّة خدمة للإسلام ولا للمسلمين، وأنّما صنعوا ما أضرّ بالإسلام والمسلمين.
وعرض المأمون في حديثه إلى الإمام أبي جعفر علیه السلام ، فأبدى إعجابه البالغ به ، فهو الاُعجوبة الكبرى الذي بزّ جميع أهل العلم والفضل ، وتفوّق عليهم مع صغر سنّه .
وانبرى العبّاسيّون فطلبوا منه أن يؤجّل زواج الإمام حتّى يكبر ويتفقّه في الدين
قائلين : « إنّ هذا الفتى وإن راقك منه هديه فإنّه صبيّ لا معرفة له ولا فقه ، فامهله ليتأدّب ويتفقّه في الدين ، ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك » .
وردّ عليهم المأمون بما عرفه من واقع أهل البيت علیهم السلام قائلاً : « ويحكم ! إنّي أعْرف بهذا الفتى منكم ، وإنّ هذا من أهل بيت علمهم من الله ومواده وإلهامه ، لم يزل آباؤه أغنياءاً في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال ، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبيّن لكم ما وصفت من حاله » .
إنّ المأمون لعلى بيّنة بأئمّة أهل البيت علیهم السلام الذين آتاهم الله من العلم والحكمة ما لم يؤت أحداً من العالمين.
واتّفق المأمون مع العبّاسيّين على امتحان الإمام الجواد علیه السلام لعلّه يعجز عن الجواب فيفسد بذلك مصاهرته للمأمون، بالإضافة إلى أنّهم سيتّخذون من ذلك وسيلة لبطلان ما تذهب إليه الشيعة من أنّ الإمام أعلم أهل عصره وأفضلهم ، وانبرى العبّاسيّون قائلين : « قد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه ، فخلِّ بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشريعة ، فإنْ أصاب الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره ، وظهر للخاصّة والعامّة سداد رأي أمير المؤمنين ، وإن عجز عن ذلك ، فقد كفينا الخطب في معناه » (1).
وانصرف العبّاسيّون ، وهم يفتّشون عن شخصيّة علميّة تتمكّن من امتحان الإمام وتعجيزه .
وأجمع رأي العبّاسيّين على اختيار يحيى بن أكثم قاضي قضاة بغداد ، وأحد أعلام الفقه في ذلك العصر، لامتحان الإمام أبي جعفر علیه السلام ، وعرضوا عليه الأمر ،
1) الإرشاد : 359 - 360 .
ومنّوه بالأموال الطائلة إن امتحن الإمام وعجز عن جوابه ، فإنّه يحقّق لهم أعظم الانتصارات .
وأجابهم يحيى إلى ذلك ، وانصرف إلى منزله ، وراح يفتّش في كتب الفقه والحديث عن أعقد المسائل وأهمّها ليمتحن بها الإمام علیه السلام ، وانطلق العبّاسيّون إلى المأمون فعرّفوه باستجابة يحيى لهم ، وطلبوا منه تعيين يوم لامتحان الإمام ، فعيّن لهم يوماً خاصّاً.
ولمّا حضر اليوم المقرّر لامتحان الإمام علیه السلام هرع العبّاسيّون إلى بلاط المأمون ، وحضر الاجتماع أهل الفضل وأعلام الفكر وسائر طبقات الناس وكان يوماً مشهوداً ، وقد غصّت قاعة الاجتماع على سعتها بالناس ، وأمر المأمون أن يفرش للإمام أبي جعفر علیه السلام دست ، ويجعل له فيه مسورتان ، فصنع له ذلك ، وجلس فيه الإمام علیه السلام وكان له من العمر تسع سنين وأشهر، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه، وجلس المأمون في دست متّصل بدست الإمام علیه السلام .
واستحال الجمع إلى آذان صاغية ، وانبرى يحيى إلى المأمون فطلب منه أن يأذن له في امتحان الإمام فأذِن له في ذلك ، واتّجه يحيى صوب الإمام وقال له : أتأذن لي - جعلت فداك - في مسألة ؟
وقابله الإمام ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً : سَلْ إِنْ شِئْتَ .
ووجّه يحيى مسألته إلى الإمام قائلاً : ما تقول - جعلني الله فداك - في مُحرم قتل صيداً ؟
وحلّل الإمام علیه السلام هذه المسألة إلى عدّة مسائل ، وشقّقها إلى مجموعة من الفروع وسأل يحيى أي فرع منها أراد قائلاً:
« قَتَلَهُ في حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ ، عالِماً كانَ الْمُحْرِمُ أَمْ جاهِلاً، قَتَلَهُ عَمْداً أَوْ خَطَأً ، حُرّاً كانَ الْمُحْرِمُ أَمْ عَبْداً ، صَغيراً كانَ أَمْ كَبِيراً، مُبْتَدِئاً بِالْقَتْلِ أَمْ مُعِيداً ، مِنْ ذَواتِ الطَّيرِكانَ الصَّيْدُ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ ، مِنْ صِغارِ الصَّيْدِ أَمْ مِنْ کِبارِها ، مُصِّراً كانَ أَوْ نادِماً ، في اللَّيْلِ كانَ قَتْلُهُ لِلصَّيْدِ أَمْ نَهاراً ، مُحْرِماً كانَ بِالْعُمْرَةِ إِذْ قَتَلَهُ أَوْ بِالْحَجِّ كانَ مُحْرِماً » .
وذهل يحيى وتحيّر ، وبان عليه العجز ، إذ لم يتصوّر هذه الفروع المترتّبة على مسألته ، وعلت في القاعة أصوات التكبير والتهليل ، فقد استبان للجميع أنّ أئمّة أهل البيت علیهم السلام هم معدن العلم والحكمة ، وأنّ الله منح كبارهم وصغارهم ما منح به أنبياءه من الكمال والعلم .
لقد شقّق الإمام علیه السلام هذه المسألة إلى هذه الفروع ، وإن كان بعضها لا يختلف فيه الحكم ، كما إذا كان القتل للصيد في الليل أم في النهار ، فإنّ الحكم فيهما واحد ، وإنّما ذكر الإمام علیه السلام ذلك لتبكيت الخصم الذي سأل الإمام للامتحان لا للفهم .
وعلى أي حال ، فإنّ المأمون لمّا رأى العجز قد استبان على يحيى فلم يطق جواباً أقبل على بني العبّاس فقال لهم : « الحمد لله على هذه النعمة ، والتوفيق لي في الرأي . أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه » (1).
واستبان لبني العبّاس فضل الإمام ، وأنّه من عمالقة الفكر والعلم في الإسلام .
كما ظهر لهم صحّة ما قاله المأمون : إنّهم لا يعرفون أهل البيت علیهم السلام .
وأنكر ابن تيميّة هذه الرواية ، واعتبرها من الموضوعات - بغير أدب في التعبير -
1) الإرشاد : 361 . وسائل الشيعة : 9 : 187 .
فقد علّق عليها بما نصّه : « إنّ هذه الحكاية التي حكاها عن يحيى بن أكثم من الأكاذيب التي لا يفرح بها إلّا الجاهل ، ويحيى بن أكثم أفقه وأعلم وأفضل من أن يطلب تعجيز شخص بأن يسأله عن محرم قتل صيداً ، فإن صغار الفقهاء يعلمون حكم هذه المسألة ، فليست من دقائق العلم وغرائبه ، ولا ما يختصّ به المبرّزون في العلم .
ثمّ مجرّد ما ذكره ليس فيه إلّا تقسيم أحوال القاتل ليس فيه بيان حكم هذه الأقسام ، ومجرّد التقسيم لا يقتضي العلم بأحكام الأقسام ، وإنّما يدلّ إن دلّ على حسن السؤال ، وليس كلّ من سُئل أحسن أن يجيب .
ثمّ إن كان ذكر الأقسام الممكنة واجباً فلم يستوف الأقسام ، وإن لم يكن واجباً فلاحاجة إلى ذكر بعضها ، فإنّ من جملة الأقسام أن يقال : متعمّداً كان أو مخطئاً ، وهذا التقسيم أحقّ بالذكر من قوله : عالماً كان أو جاهلاً، فإنّ الفرق بين المتعمّد والمخطئ ثابت بالإثم باتّفاق الناس ، وفي لزوم الجزاء في الخطأ نزاع مشهور ، فقد ذهب طائفة من السلف والخلف إلى أنّ المخطئ لا جزاء عليه ، وهو أحد الروايتين عن أحمد ، قالوا : إنّ الله قال : ( وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) (1)، فخصّ المتعمّد بوجوب الجزاء ، وهذا يقتضي أنّ المخطئ لا جزاء عليه ، لأنّ الأصل براءة ذمّته ، والنصّ إنّما وجب على المتعمّد ، فبقي المخطئ على الأصل ، ولأنّ تخصيص الحكم بالمتعمّد يقتضي انتفاؤه عن المخطئ ، فإنّ هذا مفهوم صفة في سياق الشرط ، وقد ذكر الخاصّ بعد العامّ ، فإنّه إذا كان الحكم يعمّ النوعين كان قوله : ( وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّداً ) فزاد اللفظ ، ونقص المعنى ، وكان هذا ممّا يصان عنه كلام أدنى الناس حكمة ، فكيف كلام الله الذي هو خير الكلام وأفضله ، وفضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ، والجمهور القائلون
1) المائدة 5 : 95 .
بوجوب الجزاء على المخطئ يثبتون ذلك بعموم السنّة والآثار ، وبالقياس على قتل الخطأ في الآدمي ، ويقولون : إنّما خصّ المتعمّد بالذكر لأنّه ذكر من الأحكام ما يخصّ به المتعمّد وهو الوعيد لقوله : ( لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَن عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ ) (1)، فلمّا ذكر الجزاء والانتقام كان المجموع مختصّاً بالمتعمّد و لم یلزم أن یثبت بعضه مع عدم العمد .
و مثل هذا قوله : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا (2)، فإنّه أراد بالقصر قصر العدد وقصر الأركان ، وهذا القصر الجامع للنوعين متعلّق بالسفر والخوف ، ولا يلزم من الاختصاص بمجموع الأمرين أن لا يثبت أحدهما مع أحد الأمرين ، ولهذا نظائر ، ولذلك كان ينبغي أن يسأله أقتله وهو ذاكر لإحرامه أو ناس ، فإنّ في الناسي نزاعاً أعظم ممّا في الجاهل ، ويسأل هل قتله لكونه صال عليه ، أو لكونه اضطر إلى مخمصة أو قتله عبثاً ظلماً بلا سبب .)وأيضاً فإنّ في هذه التقاسيم ما يبيّن جهل السائل ، وقد نزّه الله من يكون إماماً معصوماً عن هذا الجهل ، وهو قوله : أَفي حِلٍّ قَتَلَهُ أَمْ في حَرَمٍ ، فإنّ المحرم إذا قتل الصيد وجب عليه الجزاء، سواء أكان في الحلّ أم في الحرم باتّفاق المسلمين ، والصيد الحرمي يحرم قتله على المحلّ والمحرم ، فإذا كان محرماً وقتل صيداً حرمياً توكّدت الحرمة ولكن الجزاء واحد .وأمّا قوله : « مُبْتَدِئاً أَوْ عائِداً » فإنّ هذا فرق ضعيف لم يذهب إليه إنسان من أهل العلم ، وأمّا الجماهير فعلى أنّ الجزاء يجب على المبتدئ وعلى العائد وقوله في القرآن : ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ قيل : إنّ المراد من عاد إلى ذلك في الإسلام)
بعدما عفا الله عنه في الجاهليّة .وقيل : نزول هذه الآية كما قال : ( وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ (1).)وقوله : ( وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْاُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ (2).)وقوله : ( قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَا قَدْ سَلَفَ (3)يدلّ على ذلك ، إنّه لو كان المراد غفر الله في أوّل مرّة لما أوجب عليه جزاءاً، ولا انتقم منه وقد أوجب عليه الجزاء أوّل مرّة .)وقال : ( لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ فمن أذاقه الله وبال أمره كيف يكون قد عفا عنه ، وأيضاً قوله : ( عَمَّا سَلَفَ ) لفظ عامّ واللفظ العامّ المجرّد عن قرائن التخصيص لا يراد مرّة واحدة ، فإنّ هذا ليس من لغة العرب ، ولو قدر أنّ المراد بالآية عفا الله عن أوّل مرّة ، وإنّ قوله : ﴿ وَمَنْ عَادَ ) يراد به العود إلى القتل ، فإنّ انتقام الله منه إذا عاد لا يسقط الجزاء عنه ، فإنّ تغليظ الذنب لا يسقط الواجب كمن قتل نفساً بعد نفس لا يسقط عنه قود ولا دية ولا كفّارة » (4).)وحفل كلام ابن تيميّة بالمغالطات التي هي أبعد ما تكون عن الحقّ وألصق ما تكون بالباطل ، والتي كان منها ما يلي :أوّلاً : إنّه برّأ يحيى ونزّهه من الإقدام على امتحان الإمام علیه السلام ، فهو - على حدّ تعبيره - أفقه وأعلم وأفضل من أن يطلب تعجيز شخص ، والذي نراه - حسب
التحقيق العلمي - أنّه لا مانع من إقدام يحيى على ذلك بعد ما طلب منه العبّاسيّون ، ومنّوه بالأموال ، وقد كان القضاء في العصر العبّاسي أداة بيد السلطة ، فكانوا يسايرون رغبة الخلفاء ويقضون ويفتون على حسب ميولهم ، وكان ممّا رواه المؤرّخون في ذلك ، إنّ هارون الرشيد قد شغف بجارية لأبيه المهدي كان قد دخل بها فامتنعت عليه ، وقالت له : لا أصلح لك إنّ أباك قد طاف بي .فلم يمتنع عنها وازداد شغفه و غرامه بها ، فأرسل خلف القاضي أبي يوسف فقال له : أعندك شيء في هذا ؟فأفتى أبو يوسف بما وافق هوى هارون وخالف كتاب الله وسنّة نبيّه قائلاً: يا أمير المؤمنين ، أوَ كلّما ادّعت أمة شيئاً ينبغي أن تصدّق ، لا تصدّقها ، فإنّها ليست بمأمونة » .وقد خالف بفتواه ما حكم به الإسلام صراحة من أنّ النساء مصدقات على فروجهن .وعلّق ابن المبارك على هذه الفتوى بقوله : « لم أدرِ ممّن أعجب ، من هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين وأموالهم لا يتحرّج عن حرمة أبيه ، أو من هذه الأمَة التي رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين ، أو من هذا فقيه الأرض وقاضيها !!قال : اهتك حرمة أبيك واقض شهوتك ، وصيّره في رقبتي » (1.)وهناك فتاوى كثيرة لأبي يوسف شذّت عن القواعد الفقهيّة ، واتّفقت مع رغبات السلطة الحاكمة . إنّ القضاء لم يكن مستقلّاً في العصر العبّاسي ، وإنّما كان خاضعاً لرغبات الخليفة وميوله .ثانياً : إنّ هذه المسألة التي سأل يحيى عنها الإمام علیه السلام ليست من المسائل
1) حياة الإمام موسى بن جعفر علیهما السلام : 2 : 44 .
البسيطة - كما يقول ابن تيميّة - وإنّما هي من دقائق علم الفقه باعتبار ما يتفرّع عليها من الفروع ، وما يتشعّب عليها من المسائل ، وأكبر الظنّ أن يحيى إنّما سأل الإمام عنها باعتبار ذلك ، إذ أنّه ليس من السذاجة ، وعدم الدراية بشؤون الفقه حتّى يسأل الإمام عن مسألة بسيطة .ثالثاً : إنّ ابن تيميّة ذكر أنّ الإمام علیه السلام لم يعرض إلى بيان حكم هذه الأقسام التي فرّعها على المسألة ، وهذا يدلّ على عدم تتّبعه ، ونظرته للاُمور بصورة سطحيّة فإنّ الإمام علیه السلام قد تعرّض بالتفصيل لأحكام هذه الأقسام - كما سيأتي -.رابعاً : أنكر ابن تيميّة أن يكون الإمام علیه السلام عالماً بأحكام هذه الأقسام ، فقد قال : « ومجرّد التقسيم لا يقتضي العلم بأحكام هذه الأقسام » إنّ الإمام الذي استمدّ علومه من آبائه العظام الذين هم ورثة الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم قد عرض بصورة شاملة لبيان أحكام الأقسام ، ولكن ابن تيميّة قد وضع حجاباً على عينيه فلم يبصر ما ذكره الإمام علیه السلام .خامساً : ذكر ابن تيميّة أنّ ذكر الأقسام الممكنة إن كان واجباً فلم يستوفِ -أي الإمام - الأقسام ، وإن لم يكن واجباً ، فلا حاجة إلى ذكر بعضها ، إنّى لا أعرف كلاماً حافلاً بالمغالطات مثل هذا الكلام إذ أي علاقة أو ربط بين الحكم التكليفي الإلزامي - وهو الوجوب - وبين ذكر الأقسام التي أدلى بها الإمام ، لقد فرّع الإمام على سؤال يحيى تلك الفروع ، ومن الطبيعي أنّ ذكرها غير مرتبط أصلاً بأي حكم من الأحكام .سادساً : من مؤاخذات ابن تيميّة على كلام الإمام أنّه لم يذكر المتعمّد والمخطئ ، وهو أحقّ بالذكر من غيره ، وهذا من الغرابة بمكان لقد أدلى الإمام علیه السلام بذلك ولم يهمله ، ولكن ابن تيميّة قد أخفاه للتشهير بالإمام والنيل منه .سابعاً : من مؤاخذات ابن تيميّة على الإمام علیه السلام إنّه لم يستوفِ ذكر الأقسام ،
وقد عدّ ابن تيميّة جملة منها ، وهذا من المغالطات لأنّ الإمام علیه السلام ليس في مقام بيان استيعاب جميع صور المسألة حتّى يشكل عليه بذلك ، وإنّما ذكر بعض صورها لإفحام يحيى .هذه بعض المؤاخذات التي تواجه كلام ابن تيميّة الذي خلا من كلّ صيغة علميّة .ولنعد بعد هذا إلى ما جرى للإمام علیه السلام بعد فشل يحيى في مسألته .### خطبة العقدوبعد ما اُفحم يحيى بن أكثم ، وظهر عليه العجز ، وبان لحضّار الحفل فضل الإمام أبي جعفر علیه السلام وتقدّمه في العلم على غيره - مع صغر سنّه - التفت إليه المأمون فقال له : أتخطب يا أبا جعفر ؟وأظهر الإمام علیه السلام الرضا بذلك ، فأسرع المأمون قائلاً: اخطب - جعلت فداك - لنفسك ، فقد رضيتك، وأنا مزوّجك اُمّ الفضل ابنتي ، وإن رغم قوم لذلك .وانبرى الإمام فأنشأ خطبة العقد قائلاً :« الْحَمْدُ لِلَّهِ إِقْراراً بِنِعْمَتِهِ ، وَلَا إِلٰهَ إِلّا اللَّهُ إِخْلاصاً لِوَحْدانِيَّتِهِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلىٰ سَيِّدِ بَرِيِّتِهِ ، وَالْأَصْفِياءِ مِنْ عِتْرَتِهِ.أَمّا بَعْدُ : فَقَدْ كانَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى الْأَنامِ أَنْ أَغْناهُمْ بِالْحَلالِ عَنِ الْحَرامِ ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (1).)
1) النور 24 : 32 .
ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ مُوسىٰ يَخْطُبُ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ عَبْدِ اللهِ الْمَأْمونِ وَقَدْ بَذَلَ لَها مِنَ الصَّداقِ مَهْرَ جَدَّتِهِ فاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله و سلم خَمْسَمائَةِ دِرْهَمٍ جِياداً فَهَلْ زَوَّجْتَني يا أَميرَ الْمُؤْمِنينَ عَلىٰ هٰذَا الصِّداقِ ؟».وانبرى المأمون بحسب وكالته عن ابنته أو ولايته عليها فيما إذا كانت صغيرة ، فقال : نعم قد زوّجتك يا أبا جعفر على هذا الصداق المذكور ، فهل قبلت النكاح ؟قال الإمام علیه السلام : قَدْ قَبِلْتُ ذلِكَ وَرَضيتُ بِهِ (1.)وأمر المأمون الناس على اختلاف مراتبهم بالجلوس وعدم التفرّق من المجلس .قال الريّان : ولم نلبث أن سمعنا أصوات الملاحين في محاوراتهم ، فإذا الخدم يجرّون سفينة قد صنعت من الفضّة قد شدّت بحبال من الابريسم ، وهي مملوءة من الغالية ، فأمر المأمون - أوّلاً - بأن تخضّب لحاء الخاصّة ، وبعدهم العامّة وتطيّب الجميع ، ثمّ وضعت الموائد فأكل الناس منها (2.)### المأمون يطلب إيضاح المسألةوطلب المأمون من الإمام أبي جعفر علیه السلام إيضاح المسألة السابقة التي سأله عنها يحيى بن أكثم . فأجابه علیه السلام إلى ذلك ، وقد روي جوابه بصورتين :الاُولى : ما رواه الحسن بن عليّ بن شعبة في تحف العقول مرسلاً عن أبي جعفر الجواد علیه السلام ، وقد جاء في الجواب :« إِنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا قَتَلَ صَيْداً فِي الحِلِّ وَكَانَ الصَّيدُ مِنْ ذَواتِ الطَّيْرِ مِنْ
کِبارِهِ فَعَلَيْهِ شاةٌ ، وَإِنْ أَصابَهُ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ الْجَزاءُ مُضاعَفاً ، وَإِذا قَتَلَ فَرْخاً فِي الْحِلَّ فَعَلَيْهِ حَمَلٌ قَدْ فُطِمَ مِنَ اللَّبَن ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقِيْمَةُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَرَمِ ، وَإِذا قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ الْحَمَلُ وَقِيْمَةُ الْفَرْخِ. وَإِنْ كانَ مِنَ الْوَحْشِ فَعَلَيْهِ فِي حِمارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ ، وإِنْ كانَ نَعامَةً فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ (1، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيَصُمْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً. وَإِنْ كَانَ بَقَرَةً فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيُطْعِمْ ثَلَاثِينَ مِسْكِيناً ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيَصُمْ تِسْعَةَ أَيَّامٍ . وَإِنْ كانَ ظَبْياً فَعَلَيْهِ شاةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيُطْعِمْ عَشْرَةَ مَساكِينَ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . وَإِنْ أَصَابَهُ في الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ الْجَزاءُ مُضاعَفاً ( هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) (2)حَقّاً واجِباً أَنْ يَنْحَرَهُ إِنْ كانَ فِي حَجٍّ بِمِنیً حَيْثُ يَنْحَرُ النّاسُ . وَإِنْ كانَ فِي عُمْرَةٍ يَنْحَرُهُ بِمَكَّةَ فِي فِناءِ الْكَعْبَةِ وَيَتَصَدَّقُ بِمِثْلِ ثَمَنِ شاةٍ. وَإِنْ قَتَلَ حَماماً مِنْ حَمامِ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ دِرْهَمٌ يَتَصَدَّقُ بِهِ ، وَدِرْهَمٌ يَشْتَرِي بِهِ عَلَفاً لِحَمامِ الْحَرَمِ. وَفِي الْفَرْخِ نِصْفُ دِرْهَمٍ ، وَفِي الْبَيْضَةِ رُبْعُ دِرْهَمٍ ، وَكُلُّ ما أَتى بِهِ الْمُحْرِمُ بِجَهالَةٍ أَوْ خَطَأٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلَّا الصَّيْدَ ، فَإِنَّ عَلَيْهِ فِيهِ الْفِداءَ بِجَهالَةٍ كانَ أَمْ بِعِلْمٍ ، بخَطَأٍ كانَ أَمْ بِعَمْدٍ. وَكُلُّ ما أَتى بِهِ الْعَبْدُ فَكَفّارَتُهُ عَلى صَاحِبِهِ مِثْلُ ما يَلْزَمُ صَاحِبَهُ. وَإِنْ دَلَّ عَلَى الصَّيْدِ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَقُتِلَ الصَّيْدُ فَعَلَيْهِ فِيهِ الْفِداءُ ،)
وَالْمُصِرُّ عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ بَعْدَ الْفِداءِ الْعُقُوبَةُ فِي الْآخِرَةِ ، وَالنّادِمُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْفِداءِ فِي الْآخِرَةِ. وَإِنْ أَصابَ لَيْلاً أَوْكارَها (1خَطَأً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَتَصَيَّدَ ، فَإِنْ تَصَيَّدَ بِلَيْلِ أَوْ نَهارٍ فَعَلَيْهِ فِيهِ الْفِداءُ، وَالْمُحْرِمُ لِلْحَجِّ يَنْحَرُ الْفِداءَ بِمَكَّةَ ... » .)وأمر المأمون أن يُكتب ذلك عن أبي جعفر علیه السلام ، والتفت المأمون إلى أهل بيته الذين أنكروا تزويجه فقال لهم : هل فيكم من يجيب بهذا الجواب ؟قالوا : لا والله ولا القاضي - يا أمير المؤمنين - كنت أعلم به منّا فقال : ويحكم ! أما علمتم أنّ أهل هذا البيت ليسوا خَلقاً من هذا الخَلق ، أما علمتم أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بايع الحسن والحسين علیهما السلام وهما صبّيان ولم يبايع غيرهما طفلين ، أو لم تعلموا أنّ أباهم عليّاً علیه السلام آمن برسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وهو ابن تسع سنين فقبل الله ورسوله إيمانه ، ولم يقبل من طفل غيره ولا دعا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم طفلاً غيره ، أولم تعلموا أنّها ذرّية بعضها من بعض يجري لآخرهم ما يجري لأوّلهم (2.)وألمّ جواب الإمام بأحكام جميع جوانب الصيد وفروعه ، سواء في الحجّ أم في العمرة ، في الحلّ كان الصيد أم في الحرم ، فيما إذا كان الصائد محرماً .الثانية : ما رواها الشيخ المفيد أنّ المأمون قال لأبي جعفر علیه السلام : إن رأيت جعلت فداك أن تذكر الفقه فيما فصّلته من وجوه قتل الصيد لنعلمه ونستفيده ؟ فقال أبو جعفر علیه السلام : نَعَمْ إِنَّ الْمُحْرِمَ إِذا قَتَلَ صَيْداً في الْحِلِّ ، وَكانَ الصَّيْدُ مِنْ ذَواتِ الطَّيْرِ ، وَكانَ مِنْ كِبارِها فَعَلَيْهِ شاةٌ ، فَإِنْ أَصابَهُ في الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ
الْجَزاءُ مُضاعَفاً ، فَإِذا قَتَلَ فَرْخاً في الْحِلِّ فَعَلَيْهِ حَمْلٌ قَدْ فَطِمَ مِنَ اللَّبَنِ وَإِذا قَتَلَهُ في الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ الْحَمْلُ وَقيمَةُ الْفَرْخِ ، وَإِنْ كانَ مِنَ الْوَحْشِ وَكانَ حِمارَ وَحْشِ فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ ، وَإِنْ كانَ نَعامَةً فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ ، وَإِنْ كانَ ظَبِياً فَعَلَيْهِ شاةٌ ، فَإِنْ قَتَلَ شَيْئاً مِنْ ذلِكَ في الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ الْجَزاءُ مُضاعَفاً هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ، وَإِذا أَصابَ الْمُحْرِمُ ما يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ فيهِ ، وَكانَ إِحْرامُهُ بِالْحَجِّ نَحَرَهُ بِمِنیً ، وَإِنْ كانَ إِحْرامُهُ بِالْعُمْرَةِ نَحَرَهُ بِمَكَّةَ ، وَجَزاءُ الصَّيْدِ عَلَى الْعالِمِ وَالْجاهِلِ سَواءٌ ، وَفي الْعَمْدِ لَهُ الْمَأْثَمُ وَهُوَ مَوْضوعٌ عَنْهُ في الْخَطَأِ وَالْكَفّارَةُ عَلَى الْحُرِّ في نَفْسِهِ وَعَلَى السَّيِّدِ في عَبْدِهِ ، وَالصَّغيرُ لَا كَفّارَةَ عَلَيْهِ وَهِيَ عَلَى الْكَبِيرِ واجِبَةٌ ، وَالنّادِمُ يَسْقُطُ بِنَدَمِهِ عَنْهُ عِقابُ الْآخِرَةِ ، وَالْمُصِرُّ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِقابُ في الْآخِرَةِ.فقال له المأمون : أحسنت يا أبا جعفر أحسن الله إليك (1.)أمّا الرواية الاُولى فهي أوسع وأكثر شمولاً لأحكام الصيد في الحجّ دون الرواية الثانية .### الإمام علیه السلام يسأل يحيىوطلب المأمون من الإمام الجواد علیه السلام أن يوجّه سؤالاً إلى يحيى بن أكثم ، فأجابه الإمام علیه السلام إلى ذلك والتفت إلى يحيى فقال له : أَسْأَلُكَ ؟فأجابه يحيى بتأدّب : ذاك إليك - جعلت فداك - فإن عرفت جواب ما تسألني
1) الإرشاد : 362 .
عنه ، وإلّا استفدت منك .فقدّم له الإمام سؤالاً شبيهاً باللغز وذلك لمصلحة تقتضيها الظروف التي هو فيها ، والتي كان منها إظهار فضله أمام العبّاسيّين الذين جحدوا فضله وفضل آبائه .قال علیه السلام : أَخْبِرْني عَنْ رَجُلٍ نَظَرَ إِلى امْرَأَةٍ في أَوَّلِ النَّهارِ فَكانَ نَظَرُهُ إِلَيْها حَراماً عَلَيْهِ.فَلَمّا ارْتَفَعَ النَّهارُ حَلَّتْ لَهُ.فَلَمّا زالَتِ الشَّمْسُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ.فَلَمّا كانَ وَقْتُ الْعَصْرِ حَلَّتْ لَهُ.فَلَمّا غَرُبَتِ الشَّمْسُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ .فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها وَقْتَ الْعِشاءِ الْآخِرَةِ حَلَّتْ لَهُ.فَلَمّا كانَ انْتِصافُ اللَّيْل حَرُمَتْ عَلَيْهِ.فَلَمّا طَلَعَ الْفَجْرُ حَلَّتْ لَهُ ، ما حالُ هٰذِهِ الْمَرْأَةِ ؟ وَبِماذا حَلَّتْ لَهُ ؟ وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ ؟وبهر يحيى ، وحار في الجواب، والتفت إلى الإمام قائلاً : « والله ما اهتدي إلى جواب هذا السؤال ، ولا أعرف الوجه فيه ، فإن رأيت أن تفيدنا فيه ؟وأخذ الإمام في تحليل المسألة قائلاً:هٰذِهِ أَمَةٌ لِرَجُلٍ مِنَ النّاسِ نَظَرَ إِلَيْها أَجْنَبِيٌّ في أَوَّلِ النَّهارِ فَكانَ نَظَرُهُ إِلَيْها حَراماً عَلَيْهِ .
فَلَمّا ارْتَفَعَ النَّهارُ ابْتاعَها مِنْ مَوْلاها فَحَلَّتْ لَهُ.فَلَمّا كانَ عِنْدَ الظُّهْرِ أَعْتَقَها فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ .فَلَمّا كانَ وَقْتُ الْعَصْرِ تَزَوَّجَها فَحَلَّتْ لَهُ.فَلَمّا كانَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ ظاهَرَ مِنْها فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ.فَلَمّا كانَ وَقْتُ الْعِشاءِ الْآخِرَةِ كَفَّرَ عَنِ الظِّهارِ فَحَلَّتْ لَهُ.فَلَمّا كانَ في نِصْفِ اللَّيْلِ طَلَّقَها واحِدَةً فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ.فَلَمّا كانَ عِنْدَ الْفَجْرِ راجَعَها فَحَلَّتْ لَهُ .وذهل الحاضرون من علم الإمام علیه السلام - وهو بهذا السنّ - وأقبل المأمون على اُسرته قائلاً: هل فيكم أحد يجيب عن المسألة بمثل هذا الجواب ، أو يطرق القول فيما تقدّم من السؤال ؟فانبروا جميعاً قائلين : لا والله إنّ أمير المؤمنين أعلم بما رأى (1.)لقد آمنوا بفضل الإمام بعد ما رأوه قد خاض مع يحيى أعقد المسائل وأدقّها ، ولم يهتدِ المأمون ولا يحيى إلى الإجابة عنها .### هدايا بمناسبة عقد الزواجولمّا كان اليوم الثاني من بعد إجراء عقد الزواج حضر الناس في البلاط العبّاسي وفي مقدّمتهم قادة الجيش ، وسائر الجهاز الرسمي ، وغيرهم ومن عامّة الناس ، وهم يرفعون آيات التهاني إلى الإمام الجواد علیه السلام وإلى المأمون بهذه المناسبة السعيدة ،
1) الإرشاد : 363 .
وأمر المأمون بأن تقدّم لهم الهدايا والعطايا ، فقدّمت لهم ثلاثة أطباق من الفضّة فيها بنادق مسك وزعفران معجون في أجواف تلك البنادق ، وفيها رقاع مكتوبة بأموال جزيلة ، وعطايا سنيّة ، وإقطاعات فأمر المأمون بنثرها على القوم في خاصّته ، فكان كلّ من وقع في يده بندقة أخرج الرقعة التي فيها ، والتمسه ، فأطلق له ، ووضعت البدر فنثر ما فيها على القوّاد وغيرهم ، وانصرف الناس وهم أغنياء بالجوائز والعطايا، وتقدّم المأمون بالصدقة على كافّة المساكين (1.)### احتفاف الجماهير بالإمام علیه السلامواُحيط الإمام الجواد أثناء إقامته في بغداد بهالة من التكريم والتعظيم ، والتفّت حوله الجماهير فقد رأت فيه امتداداً ذاتياً لآبائه الطاهرين الذين أضاءوا الحياة بجوهر الإسلام وواقع الإيمان ، فكان الإمام إذا سار في الشارع اصطفّت له المارّة وعلا منها التكبير والتهليل ، وهي ترفع صوتها عالياً : هذا ابن الإمام الرضا .وقد حدّث عن مظاهر ذلك التكريم القاسم بن عبد الرحمن ، وكان زيديّاً ، قال : « خرجت إلى بغداد ، فرأيت الناس يتشوفون ويقفون ، فقلت : ما هذا ؟قالوا : ابن الرضا .فقلت : والله لأنظر إليه ، فطلع ، وكان راكباً على بغل أو بغلة ، فلعنت أصحاب الإمامة إذ يقولون : إنّ الله افترض طاعة هذا، وبصر بي الإمام فعدل إليَّ ، وقال : يا قاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ ، ( أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (2)، وذهلت لمّا عرف نيّتي ، وقلت بإمامته (3).)
### محاضراته علیه السلام في بغدادواستغل الإمام أبو جعفر علیه السلام مدّة بقائه في بغداد بالتدريس (1وبلورة الفكر العامّ بالعلوم والمعارف الإسلاميّة ، وكان يلقي محاضراته القيّمة على العلماء والرواة في بهو بيته ، وقد تناولت مختلف العلوم والفنون من علم الحديث ، والتفسير ، وعلم الفقه ، وعلم الكلام ، وعلم الاُصول ، إلّا أنّ علم الفقه قد حظي بالجانب الأكبر من اهتمامه.)### سفره علیه السلام إلى يثربوسافر الإمام أبو جعفر علیه السلام بعد أن عقد على اُمّ الفضل إلى يثرب ، وقد استقرّ بها حفنة من السنين، وقد قام بشؤون العلويّين، كما قام بإعاشة الفقراء والمحرومين ، فكان موئلهم ، أمّا هو فقد عاش عيشة بسيطة كعيشة آبائه ، فلم يرفّه على نفسه ، وإنّما حمّلها من أمره رهقاً .وقد احتفّ به الفقهاء والعلماء ورواة الحديث، وهو يفيض عليهم من نمير علومه ومعارفه ، وقد روى عنه العلماء جوانب كثيرة من الفقه وغيره ، وقد ألمحنا إليها في البحوث السابقة .### بناؤه علیه السلام باُمّ الفضلوبعد ما بلغ الإمام الجواد علیه السلام سنّ الخامسة عشرة سافر إلى بغداد للزواج باُمّ الفضل التي عقد عليها ، وقدم إلى بغداد في شهر صفر ليلة الجمعة ، وأقام فيها .وكان المأمون بتكريت ، فقصده ، وقابله المأمون بمزيد من الحفاوة والتكريم ،
1) عقيدة الشيعة : 200 .
وأمر أن تدخل عليه زوجته اُمّ الفضل ، فاُدخلت عليه في دار أحمد بن يوسف، وكانت داره على شاطئ دجلة ، فأقام بها حتّى موسم الحجّ ثمّ خرج منها (1.)### المهنّئون بزواجه علیه السلامووفد جماعة من أعيان بغداد وغيرها على الإمام وهم يهنّئونه بزواجه ، ويبدون أفراحهم بهذه المناسبة ، وكان ممّن وفد عليه محمّد بن علي الهاشمي ، ولنستمع إلى حديثه ، قال : « دخلت على أبي جعفر صبيحة عرسه بابنة المأمون ، وكنت تناولت من أوّل الليل دواءاً فأصابني العطش، وكرهت أن أدعو بالماء ، فنظر أبو جعفر في وجهي ، وقال : أَراكَ عَطْشاناً ؟قلت : أجل .قال : يا غُلامُ، اسْقِنا ماءاً.فقلت في نفسي : الساعة يأتون بماء مسموم ، واغتممت لذلك ، فأقبل الغلام ومعه الماء ، فتبسّم في وجهي ، ثمّ قال : يا غُلامُ ، ناوِلْني الْماءَ ، فتناوله وشرب ، ثمّ ناولني فشربت وأطلت عنده ، وعطشت فدعا بالماء ، وفعل کما فعل بالمرة الاُولى ، وخرجت من عنده وأنا أقول : أظنّ أنّ أبا جعفر يعلم ما في النفوس كما تقول الرافضة » (2.)لقد خاف محمّد على الإمام أبي جعفر علیه السلام من العبّاسيّين أن يغتالوه بالسمّ ولا تمنعهم مصاهرتهم له لأنّها لم تكن عن حسن نيّة .وممّن وفد على الإمام علیه السلام مهنّئاً أبو هاشم الجعفري، فقد قال له : لقد عظمت
علينا بركة هذا اليوم - أي يوم زواج الإمام -.وردّ عليه الإمام قائلاً : يا أَبا هاشِمٍ ، عَظُمَتْ بَرَكاتُ اللَّهِ عَلَيْنا فيهِ .لقد أسند أبو هاشم عظمة البركة إلى اليوم الذي تزوّج فيه الإمام ، والحال ليس كذلك فإنّ الأيّام لا تُوجد البركة وإنّما يوجدها الله خالق الكون وواهب الحياة ، وشعر أبو هاشم أنّ كلامه لا يخلو من زحاف فقال للإمام : يا مولاي ، فما أقول في اليوم ؟- قُلْ فيهِ خَيْراً فَإِنَّهُ يُصيبُكَ .- يا مولاي ، افعل هذا ولا اُخالفه .إنّ الأيّام ليس فيها بركة أو خير على الإنسان ، وإنّما ذلك بيد الله تعالى فهو الذي يفيضه على من يشاء من عباده ، وقد قال له الإمام : إِذاً تُرْشَدُ وَلَا تَرىٰ إِلَّا خَيْراً (1.)### مغادرته علیه السلام بغدادوغادر الإمام محمّد الجواد علیه السلام بغداد بعد زواجه باُمّ الفضل ، وقد خرج معه أهله وعياله فتوجّه بهم إلى بيت الله الحرام لأداء الحجّ (2.)وقد سرّ العبّاسيّون بمغادرته بغداد، وذلك لحقدهم البالغ عليه ، لما ظهر من عظيم فضله ، وانتشار علمه على صغر سنّه ، الأمر الذي صار حديث الأندية والمجالس في بغداد وغيرها ، فخافوا أن يعهد له المأمون بالخلافة كما عهد لأبيه الإمام الرضا علیه السلام من قبل .لقد غادر الإمام بغداد ليقيم في يثرب ويكون بمنأى عن مؤامرات العبّاسيّين وأحقادهم.
### كرامة للإمام علیه السلاموأجمع المؤرّخون والرواة على أنّ الإمام لمّا خرج من بغداد متوجّهاً إلى يثرب جرت له في أثناء الطريق كرامة ، ولنترك الشيخ المفيد يحدّثنا عنها ، قال : « لمّا توجّه أبو جعفر علیه السلام من بغداد إلى المدينة ومعه اُمّ الفضل خرج الناس يشيّعونه ، ولمّا صار إلى شارع باب الكوفة انتهى إلى دار المسيّب عند مغيب الشمس ، فنزل ودخل المسجد ، وكان في صحنه نبقة لم تحمل بعد ، فدعا بكوز فيه ماء فتوضّأ في أصل النبقة ، وقام علیه السلام فصلّى بالناس صلاة المغرب ، فقرأ في الاُولى منها الحمد وإذا جاء نصر الله ، وقرأ في الثانية الحمد وقل هو الله ، وقنت قبل ركوعه فيها ، وصلّى الثالثة وتشهّد وسلّم .ثمّ جلس هنيهة يذكر الله جلّ اسمه ، وقام من غير أن يعقب فصلّى النوافل أربع ركعات ، وعقب تعقيبها ، وسجد سجدتي الشكر ، ثمّ خرج فلمّا انتهى إلى النبقة رآها الناس وقد حملت حملاً حسناً ، فتعجّبوا من ذلك ، وأكلوا منه فوجدوا نبقاً حلواً لا عجم له ، وودّعوه ومضى من وقته » (1.)إنّ الله تعالى قد منح أئمّة أهل البيت من الكرامات والمعاجز ما لا يحصى كما منح جدّهم الرسول صلی الله علیه و آله و سلم ليؤمن بهم الناس ، ويلتجئوا إليهم في السرّاء والضرّاء ، فيجعلوا منهم وسائط إلى الله تعالى .### اُمّ الفضل تشكو الإمام علیه السلام إلى أبيهاوشاء الله تعالى أن تحرم اُمّ الفضل الذرّيّة من الإمام الجواد علیه السلام ، فاضطرّ
1) الإرشاد : 2 : 288 و 289 . أخبار الدول : 116 . وسائل الشيعة : 6: 490 ، الحديث 4. الفصول المهمّه / ابن الصبّاغ : 267 . بحار الأنوار: 50: 89 ، الحديث 4. الثاقب في المناقب / ابن حمزة الطوسي : 512 .
الإمام علیه السلام إلى أن يتسرّى ببعض الإماء ممّن لها دين ، فرزقه الله منها الذرّيّة الصالحة ، فتميّزت اُمّ الفضل غيظاً ، ورفعت رسالة إلى أبيها تشكو فيها صنع الإمام معها ، فأجابها المأمون : يا بنيّة ، إنّا لم نزوّجك أبا جعفر لنحرّم عليه حلالاً ، فلا تعاودي لذكر ما ذكرت بعدها (1.)وظلّت اُمّ الفضل حاقدة على الإمام ، حتى اغتالته بالسمّ كما يقول بعض المؤرّخين .### المرتّب السنوي للإمام علیه السلاموأجرى المأمون مرتّباً سنوياً للإمام أبي جعفر علیه السلام يبلغ مليون درهم (2ولم ينفق الإمام هذه الأموال مع ما يرد إليه من الحقوق الشرعيّة على شؤونه الخاصّة ، وإنّما كان ينفقها - بسخاء - على الفقراء والمحرومين من العلويّين وغيرهم .)### وفاة المأمونوخرج المأمون من عاصمته بغداد إلى طرسوس (3للتنزّه والراحة ، وقد أعجبته كثيراً ، وذلك لما تتمتّع به من المناظر الطبيعيّة ، وأخذ يتجوّل في بعض متنزّهاتها ، فراقه مكان فيها كان حافلاً بالأشجار والمياه الجارية وعذوبة الهواء ، فأمر أصحابه أن ينزلوا فيها ، فنزلوا فيها ، ونصبت لهم المائدة فجلسوا للأكل ، والتفت المأمون إلى أصحابه فقال لهم : إنّ نفسي تطالبني الآن برطب جني ويكون ازاذ (4)، وبينما هم)
في الحديث إذ سمعوا قعقعة ركب البريد الواصل من بغداد ، وفيه أربع كثات (1من الخوص ملؤها رطب زاذ لم يتغيّر كأنّه جُنِي في تلك الساعة فقدّمت بين يديه ، وشعر من ذلك بقرب أجله المحتوم فكان يقول : ملكت الدنيا ، وذلّت لي صعابها ، وبلغت آرابي .)وكان يذكر وصول الرطب في أكثر أوقاته ، وهو يقول : آخر عهدي بأكل الرطب ، فكان كما قال ، فقد ألمّت به الأمراض، واشتدّت به العلّة ، وكان نازلاً في دار خاقان المفلحي خادم الرشيد ، ولمّا دنا منه الموت أمر أن يفرش له الرماد ، ويوضع عليه ، ففعل له ذلك ، وكان يتقلّب على الرماد ، وهو يقول : يا من لا يزول ملكه ، ارحم من زال ملکه (2.)واشتدّ به النزع ، وكان عنده من يلقّنه فعرض عليه الشهادة ، وكان ابن ماسويه الطبيب حاضراً ، فالتفت إلى من يلقّنه قائلاً: دعه فإنّه لا يفرّق في هذه الحال بين ربّه وماني .وفتح المأمون عينيه ، فقد لذعته هذه الكلمات ، وقد أراد أن يبطش به إلّا أنّه لم يستطع فقد عجز عن الكلام (3، ولم يلبث قليلاً حتى وافاه الأجل المحتوم ، وكان عمره ( 49 سنة ) ، أمّا مدّة خلافته فعشرون سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوماً (4).)ويقول فيه أبو سعيد المخزومي :هَلْ رَأَيْتَ النُّجومَ أَغْنَتْ عَن الْمَأ ٭٭٭ مونِ في ثَبْتِ مُلْكِهِ المَأْسوسِ
خَلَّفوهُ بِعَرْصَتَي طَرَسُوسٍ ٭٭٭ مِثلَ ما خَلَّفوا أَباهُ بِطوس (1)وكان عمر الإمام أبي جعفر علیه السلام في ذلك الوقت يربو على اثنين وعشرين عاماً ، وكان - فيما يقول المؤرّخون - ينتظر موت المأمون بفارغ الصبر لعلمه أنّه لا يبقى بعده إلّا قليلاً ثمّ يرحل إلى جوار الله ، ويفارق هذا العالم المليء بالفتن والأباطيل ، وقد قال : الْفَرَجُ بَعْدَ وَفاةِ الْمَأْمونِ بِثَلاثينَ شَهْراً.ولم يلبث بعد وفاة المأمون إلّا ثلاثين شهراً حتّى توفّي (2، وسنذكر ذلك في البحوث الآتية من هذا الكتاب .)وفي نهاية هذا الحديث نودّ أن نبيّن أنّ المأمون أسمى شخصيّة سياسيّة وعلميّة من ملوك بني العبّاس ، فقد استطاع أن يتخلّص من أشدّ الأزمات السياسيّة التي أحاطت به ، وكادت تقضي على ملكه وسلطانه .وكان من ذكائه الخارق أنّه تقرّب إلى العلويّين وأتباعهم ، فأوعز إلى أجهزة الإعلام بنشر فضل الإمام أمير المؤمنين علیه السلام على جميع الصحابة ، كما ردّ فدكاً إلى العلويّين ، وعهد إلى الإمام الرضا علیه السلام بولاية العهد ، وزوّج الإمام الجواد علیه السلام من ابنته اُمّ الفضل ، ولم يصنع ذلك عن إيمان أو إخلاص لأهل البيت علیهم السلام وإنّما صنع ذلك ليتعرّف على الحركات السريّة والأجهزة السياسيّة التي كانت تعمل في الخفاء للإطاحة بالحكم العبّاسي وإرجاع الخلافة إلى العلويّين.لقد استطاع المأمون بعد هذه العمليات التي قام بها أن يتعرّف على الخلايا وما تقوم به من النشاطات السياسيّة ضدّ الحكم العبّاسي ، وقد جهد قبله ملوك بني العبّاس أن يتعرّفوا على ذلك فلم يستطيعوا ولم يهتدوا إلى ذلك بالرغم
ممّا بذلوه من مختلف المحاولات، التي كان منها التنكيل الشديد بأنصار العلويّين وشيعتهم ، وإنزال أقصى العقوبات بهم ، فإنّهم لم يصلوا إلى أيّة معلومات عنهم ، ولم يكشفوا أي جانب من جوانبهم السياسيّة .
## إِلىٰ جَنَّةِ اٝلْمَأوَىٰ### اشارةإِلىٰ جَنَّةِ اٝلْمَأوَىٰ
وقبل أن أبدأ الحديث عن النهاية الأخيرة من حياة الإمام العظيم أبي جعفر الجواد علیه السلام ، اُقدّم عرضاً موجزاً لسيرة المعتصم العبّاسي، الذي اغتال الإمام بالسمّ ، فإنّ لذلك صلة موضوعيّة في البحث عن حياة الإمام علیه السلام وفيما يلي ذلك :### صفات المعتصم#### اشارةأمّا صفات المعتصم ونزعاته التي عُرِف بها فهي كما يلي :#### الحماقةوكان من صفات المعتصم الحماقة ، وقد وصفه المؤرّخون بأنّه إذا غضب لا يبالي من قتل ولا ما فعل (1. وهذا منتهى الحمق الذي هو من أرذل نزعات الإنسان .)#### كراهته للعلموكان المعتصم يكره العلم ، ويبغض حملته ، وقد كان معه غلام يقرأ معه في الكتاب ، فتوفّي الغلام فقال له الرشيد : يا محمّد ، مات غلامك .قال : نعم يا سيّدي واستراح من الكتاب .
1) الإسلام والحضارة العربيّة : 2 : 237 . أخبار الدول : 155 .
فقال له الرشيد : وان الكتاب ليبلغ منك هذا دعوه لا تعلّموه (1.)وبقي اُميّاً ، وحينما ولي الخلافة كان لا يقرأ ولا يكتب ، وكان له وزير عامّي ، وقد وصفه أحمد بن عمّار بقوله : «خليفة اُمّي ، ووزير عامي » (2.)لقد كان عارياً من العلم والفضل ، وعارياً من كلّ صفة شريفة يستحقّ بها منصب الخلافة في الإسلام التي هي أخطر منصب يُناط به إقامة الحقّ والعدل بين الناس، هذه بعض الصفات الماثلة فيه .#### بغضه للعربوكان المعتصم شديد الكراهية والبغض للعرب ، وقد بالغ في إذلالهم والاستهانة بهم ، فقد أخرجهم من الديوان وأسقط أسماءهم ، ومنعهم العطاء كما منعهم الولايات (3.)#### ولاؤه للأتراككان المعتصم يكنّ في أعماق نفسه خالص الولاء والحبّ للأتراك ، فقد أخذ يستعين بهم في بناء دولته ، ويعود السبب في ذلك إلى أنّ اُمّه ( ماردة كانت تركيّة فكان يحكي الأتراك في طباعهم ونزعاتهم ، وقد بعث في طلبهم من فرغانة ، واشروسنة واستكثر منهم (4).)وقد بلغ عددهم في عهده سبعين ألفاً، وقد حرص المعتصم على أن تبقى
دماؤهم متميّزة ، فجلب لهم نساءاً من جنسهم فزوّجهم بهنّ ، ومنعهم من الزواج بغيرهنّ (1وقد ألبسهم أنواع الديباج ، والمناطق الذهبيّة (2)، وقد أسند لهم قيادة الجيش ، وجعل لهم مراكز في مجال السياسة والحرب ، وحرم العرب ممّا كان لهم من قيادة الجيوش ، وقد آثرهم على الفرس والعرب في كلّ شيء .)وقد أساء الأتراك إلى المواطنين ، فكانوا يسيرون في شوارع بغداد راكبين خيولهم دون أن يعبأوا بالمارّة ، فكانوا يسحقون الشيخ والمرأة والطفل ، وقد ضجّت بغداد من اعتدائهم وعدم مبالاتهم (3.)وقد وصف دعبل الخزاعي مدى تسلّط الأتراك على المعتصم ، وبنوع خاصّ وصيف واشناس التركيّين يقول :لَقَدْ ضَاعَ أَمرُ النّاسِ إِذْ ساسَ مُلْكَهُمْ ٭٭٭ وَصيفٌ وَاشْناسٌ وَقَدْ عَظُمَ الكَرْبُوذكر دعبل أنّ المعتصم عهد بوزارته إلى الفضل بن مروان ، وكان نصرانيّاً في الأصل ، قال :وَفَضْلُ بْنُ مَرْوانِ سَيَثْلِمُ ثُلمَةً ٭٭٭ يَظَلُّ لَها الإِسْلامُ لَيسَ لَها شَعْبُ### مع الإمام الجواد علیه السلام#### اشارةواُترعت نفس المعتصم بالحقد والكراهية للإمام الجواد علیه السلام ، فكان يتميّز من الغيظ حينما يسمع بفضائل الإمام ومآثره ، وقد دفعه حسده له أن قدم على اغتياله ، كما سنتحدّث عن ذلك .
#### إشخاص الإمام علیه السلام إلى بغدادوأشخص المعتصم الإمام الجواد إلى بغداد فورد إليها لليلتين بقيتا من المحرم سنة ( 220ه- (1).)وقد فرض عليه الإقامة الجبريّة فيها ليكون على علم بجميع شؤونه وأحواله ، كما فرض عليه في نفس الوقت الرقابة الشديدة ، وحجبه من الاتّصال بشيعته ، والقائلين بإمامته .#### الوشاية بالإمام علیه السلامومن المؤسف حقّاً أن تصدر الوشاية بالإمام أبي جعفر علیه السلام من أبي داود السجستاني الذي كان من أعلام ذلك العصر ، أمّا السبب في ذلك فيعود إلى حسده للإمام علیه السلام .والحسد داء خبيث ألقى الناس في شرّ عظيم ، لقد حقد أبو داود على الإمام أشدّ ما يكون الحقد ، وذلك حينما أخذ المعتصم برأيه في مسألة فقهيّة وترك بقية آراء الفقهاء ، فتميّز أبو داود غيظاً وغضباً على الإمام علیه السلام، وسعى إلى الوشاية به ، وتدبير الحيلة في قتله.وبيان ذلك ما رواه زرقان الصديق الحميم لأبي داود قال : « إنّه رجع من عند المعتصم وهو مغتمّ ، فقلت له في ذلك .قال : إنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقة وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحدّ عليه ، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه ، وقد أحضر محمّد بن عليّ علیه السلام ، فسألنا عن القطع في أي موضع يجب أن يقطع ؟
1) شرح ميمية أبي فراس : 36 . الفصول المهمة : 262 .
فقلت : من الكرسوع (1لقول الله في التيمّم : (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) (2)، واتّفق معي على ذلك قوم.)وقال آخرون : بل يجب القطع من المرفق .قال : وما الدليل على ذلك ؟قالوا : لأنّ الله قال : ( وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (3). قال : فالتفت إلى محمّد بن عليّ علیه السلام فقال : ما تقول في هذا يا أبا جعفر ؟
قال : قَدْ تَكَلَّمَ الْقَوْمُ فيهِ يا أَميرَ الْمُؤْمِنينَ .
قال : دعنى ممّا تكلّموا به ، أي شيء عندك ؟
قال : اعْفِني عَنْ هٰذا يا أَميرَ الْمُؤْمِنينَ .
قال : أقسمت عليك بالله لما أخبرتني بما عندك فيه .
فقال : أَمّا إِذا أَقْسَمْتَ عَلَيَّ بِاللَّهِ إِنّي أَقولُ : إِنَّهُمْ أَخْطأُوا فيهِ السُّنَّةَ ، فَإِنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ أَنْ يَكونَ مِنْ مَفْصَلِ أُصولِ الْأَصابِعِ فَيُتْرَكُ الْكَفُّ .
قال : لِمَ ؟
قال : قَوْلُ رَسولِ اللهِ صلی الله علیه و آله و سلم : السُّجودُ عَلىٰ سَبْعَةِ أَعْضاءٍ : الْوَجْهُ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْن وَالرّجْلَيْنِ ، فَإِذا قُطِعَتْ يَدُهُ مِنَ الْكُرْسوعِ أَوِ الْمِرْفَقِ لَمْ يَبْقَ لَهُ يَدٌ يَسْجُدُ عَلَيْها ، وَقالَ اللهُ تَبارَكَ وَتَعالىٰ: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلهِ يَعْني بِهِ هٰذِهِ الْأَعْضاءَ السَّبْعَةَ الَّتي يَسْجُدُ عَلَيْها (فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً ) (4)، وَما كانَ لِلَّهِ لَمْ يُقْطَعْ .
قال : فأعجب المعتصم ذلك ، فأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكفّ .
قال زرقان : إنّ أبا داود قال : صرت إلى المعتصم بعد ثالثة فقلت : إنّ نصيحة أمير المؤمنين عليّ واجبة ، وأنا اُكلّمه بما أعلم إنّي أدخل به النار .
قال : ما هو ؟
قلت : إذا جمع أمير المؤمنين في مجلسه فقهاء رعيّته وعلماءهم لأمر واقع من اُمور الدين فسألهم عن الحكم فيه ، فأخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك .
وقد حضر المجلس أهل بيته وقوّاده ووزرائه وكتّابه ، وقد تسامع الناس بذلك من وراء بابه ، ثمّ يترك أقاويلهم كلّهم ، لقول رجل يقول شطر هذه الاُمّة بإمامته ، ويدّعون أنّه أولى منه بمقامه ، ثمّ يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء .
قال : فتغيّر لونه ، وانتبه لما نبّهته له ، وقال : جزاك الله عن نصيحتك خيراً » (1).
لقد اقترف أبو داود أخطر جريمة في الإسلام ، فقد دفع المعتصم إلى اغتيال إمام من أئمّة أهل البيت علیهم السلام الذين فرض الله مودّتهم على هذه الاُمّة ، والويل لكلّ من شَرِك في دمائهم .
واستشفّ الإمام الجواد علیه السلام من وراء الغيب أنّ الأجل المحتوم سيوافيه وأنّ عمره كعمر الزهور ، وقد أعلن ذلك لشيعته في كثير من المواطن وهذه بعضها :
1 - روی محمّد بن الفرج قال : كتب إليّ أبو جعفر علیه السلام : احْمِلوا إِلَيَّ الْخُمُسَ ،
1) تفسير العيّاشي : 1 : 319. تفسير البرهان : 1 : 471. بحار الأنوار: 50 : 5 . وسائل الشيعة : 18 : 490 .
لَسْتُ آخُذُ مِنْكُمْ سِوىٰ عامِي هٰذا ، ولم يلبث علیه السلام إلّا قليلاً حتّى قبض واختاره الله إلى جواره » (1).
2 - روى أبو طالب القمّي ، قال : « كتبت إلى أبي جعفر بن الرضا علیه السلام أن يأذن لي أن أندب أبا الحسن - يعني أباه -.
قال : فكتب : أَنِ انْدُبْني وَانْدُبْ أَبي » (2).
3- وأخبر علیه السلام عن وفاته فى أيّام المأمون ، فقد قال : « الْفَرَجُ بَعْدَ الْمَأْمونِ بِثَلاثينَ شَهْراً » ولم يلبث بعد المأمون ثلاثين شهراً ، حتّى قبض واختاره الله إلى جواره » (3).
4 - روى إسماعيل بن مهران : « أنّ المعتصم العبّاسي لمّا أشخص الإمام أبا جعفر علیه السلام إلى بغداد قال : قلت له : جعلت فداك ، أنت خارج ، فإلى مَن هذا الأمر من بعدك ؟
فبكى حتى اخضلّت لحيته ، ثمّ التفت إليّ فقال : عِنْدَ هٰذِهِ يُخافُ عَلَيَّ ، الْأَمْرُ مِنْ بَعْدي إِلى ابْني عَلِيٍّ » (4).
لقد كان الإمام عالماً بأحقاد المعتصم عليه ، وأنّه لا يتورّع عن اغتياله والإجهاز عليه ، فلذا أحاط أصحابه وشيعته علماً بمفارقته للحياة في عهد هذا الطاغية الجبّار .
ونصّ الإمام الجواد علیه السلام على إمامة ولده عليّ الهادي علیه السلام ، ونصبه علماً ومرجعاً للاُمّة من بعده .
فقد روى الصقر ، قال : « سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ الرضا علیه السلام يقول : إِنَّ الْإِمامَ بَعْدي ابْني عَلِيٌّ ، أَمْرُهُ أَمْرِي ، وَقَوْلُهُ قَوْلي ، وَطاعَتُهُ طاعَتي » (1).
وروى الخيراني عن أبيه : « أنّ الإمام أبا جعفر علیه السلام بعث إليه رسولاً فقال له : إِنَّ مَوْلاكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ وَيَقولُ لَكَ : إِنّي ماضِ ، وَالْأَمْرُ صائِرٌ إِلى ابْني عَلِيٍّ، وَلَهُ عَلَيْكُمْ بَعْدي ما كانَ لي عَلَيْكُمْ بَعْدَ أَبي » (2).
وكثير من أمثال هذه الروايات نصّت على أنّ الإمام أبا جعفر علیه السلام أقام ولده الإمام الهادي علیه السلام إماماً من بعده وأوجب على شيعته طاعته .
ولم يمت الإمام محمّد الجواد علیه السلام حتف أنفه ، وإنّما اغتاله المعتصم العبّاسي (3)، فقد قدم الطاغية على اقتراف هذه الجريمة النكراء .
وقد اختلف المؤرّخون في الشخص الذي أوعز إليه المعتصم للقيام بسمّ الإمام ، وفيما يلي بعض الأقوال :
1 - ذكر بعض الرواة أنّ المعتصم أوعز إلى بعض كتّاب وزرائه بأن يدعو الإمام علیه السلام إلى منزله ويدسّ إليه السمّ ، فدعاه إلّا أنّ الإمام علیه السلام اعتذر من الحضور في مجلسه ، وأصرّ عليه الكتّاب بالحضور لأجل التبرّك بزيارة الإمام له ، وأضاف أنّ أحد الوزراء أحبّ لقاءه ولم يجد علیه السلام بدّاً من إجابته ، فصار إليه ، ولمّا تناول الطعام أحسّ بالسمّ فدعا بدابته للخروج من المنزل فسأله صاحب المنزل أن يقيم عنده فقال علیه السلام :
خُروجِي مِنْ دارِكَ خَيْرٌ لَكَ (1).
2 - صرّحت بعض الروايات أنّ المعتصم أغرى بنت أخيه زوجة الإمام اُمّ الفضل بالأموال ، فدسّت إليه السمّ (2).
وعلى أي حال ، فقد قطع المعتصم بسمّه للإمام أواصر القربي ولم يرع حرمة النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم في أبنائه .
أمّا دوافع اغتيال المعتصم للإمام فهي - فيما نحسب - تتلخّص بما يلي :
أوّلاً : وشاية أبي داود فقد دفعت المعتصم إلى اغتيال الإمام .
ثانياً : حسد المعتصم للإمام علیه السلام على ما ظفر به من الإكبار والتعظيم عند عامّة المسلمين ، فقد تحدّثوا مجمعين عن مواهبه وعبقرياته وهو في سنّه المبكّر ، كما تحدّثوا عن معالي أخلاقه من الحلم وكظمه للغيظ ، وبرّه بالفقراء وإحسانه إلى المحرومين ، إلى غير ذلك من صفاته التي عجّت بذكرها الأندية والمحافل ، ممّا دفع المعتصم إلى فرض الإقامة الجبريّة عليه في بغداد ثمّ القيام باغتياله .
هذه بعض الأسباب التي دفعت المعتصم إلى اقتراف هذه الجريمة النكراء .
وأثّر السمّ في الإمام تأثيراً شديداً ، فقد تفاعل مع جميع أجزاء بدنه ، وأخذ يعاني منه آلاماً مرهقة ، فقد تقطّعت أمعاؤه من شدّة الألم ، وقد عهدت الحكومة العبّاسيّة
إلى أحمد بن عيسى أن يأتيه في السحر ليتعرّف خبر علّته (1).
وقد أخبر الإمام علیه السلام بوفاته من كان عنده في الليلة التي توفّي فيها فقال لهم : نَحْنُ مَعْشَرٌ إِذا لَمْ يَرْضَ اللَّهُ لأَحَدِنا الدُّنْيا نَقَلَنا إِلَيْهِ (2)، وأخذت الآلام من الإمام مأخذاً عظيماً .
فقد كان في ريعان الشباب وغضارة العمر ، ولمّا أحسّ بدنو الأجل المحتوم منه أخذ يقرأ سوراً من القرآن الكريم ، وقد لفظ أنفاسه الأخيرة ولسانه يلهج بذكر الله تعالى وتوحيده ، وقد انطفت بموته شعلة مشرقة من الإمامة والقيادة الواعية المفكّرة في الإسلام.
لقد استشهد الإمام علیه السلام على يد طاغية زمانه المعتصم العبّاسي ، وقد انطوت بموته صفحة من صفحات الرسالة الإسلاميّة التي أضاءت الفكر ورفعت منار العلم والفضيلة في الأرض.
وجُهِّز بدن الإمام علیه السلام فغسَّل واُدرج في أكفانه ، وبادر الواثق بن المعتصم فصلّی عليه (3)ظاهراً والإمام حاضر (4)، وحُمل الجثمان العظيم إلى مقابر قريش ، وقد احتفّت به الجماهير الحاشدة ، فكان يوماً لم تشهد بغداد مثله ، فقد ازدحمت عشرات الآلاف في مواكب حزينة وهي تردّد فضل الإمام وتندبه ، وتذكر الخسارة العظمى التي مني بها المسلمون في فقدهم للإمام علیه السلام .
وحفر للجثمان الطاهر قبر ملاصق لقبر جدّه العظيم الإمام موسى بن جعفر علیه السلام فواروه فيه وقد واروا معه القيم الإنسانيّة ، وكلّ ما يعتزّ به الإنسان من المثل الكريمة .
أمّا عمره الشريف فكان خمساً وعشرين عاماً (1)، وهو أصغر الأئمّة الطاهرين علیهم السلام سنّاً ، وقد قضى معظم حياته في نشر العلم ، وإذاعة الفضيلة بين الناس ، فكانت حياته الغالية مدرسة للفكر والوعي ومعهداً للإيمان والتقوى .
توفّى الإمام الجواد علیه السلام سنة 220ه- (2)، يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي القعدة (3).
وقيل : لخمس ليال بقين من ذي الحجّة (4).
وقيل : لست ليال خلون من ذي الحجّة (5).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن حياة هذا الإمام العظيم الذي هو من عظماء أئمّة أهل البيت علیهم السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً .
وقبل أن أقفل هذا الكتاب اُكرّر ما أعلنته في المقدّمة من أنّ هذا الكتاب على
1) تاريخ الإسلام : 15 : 385. روض المناظر في تاريخ الأوائل والأواخر / محمّد بن شحنة (مخطوط). منتخب مرآة الجنان وعبرة اليقظان (مخطوط ). تاريخ قم ترجمة البراقي (مخطوط).
2) تاريخ الخميس : 2 : 375. بحر الأنساب : 2 : 19 . تاريخ قم ( مخطوط ) . شذرات الذهب : 2 : 48 .
3) نزهة الجليس : 2 : 61 . مرآة الجنان : 2 : 81.
4) النجوم الزاهرة : 2 : 231 .
5) الفصول المهمّة : 262 .
ما فيه من جهد شاقّ فإنّه لا يعطي إلّا صورة موجزة عن حياة الإمام أبي جعفر علیه السلام ، فلم يلمّ بجميع شؤون حياته بل ولا ببعضها ، ولم يكن ذلك عن مبالغة في القول أو غلوّ في المذهب ، وإنّما هو الواقع الذي نخلص له ونؤمن به يفرض علينا ذلك .
اَلْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ اٝلْعَالَمِين وَصَلَّى اٝللهُ عَلَىٰ سَيِّدَنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِهِ اٝلْطَّاهِرِينَ
المَصَادِرُ
القرآن الکریم
1 - الأئمّة الاثنا عشر : ابن طولون ، شمس الدین محمّد : منشورات الرضي ، قم المقدّسة .
2 - اتّجاهات الشعر العربي في القرن الثاني : هدّارة ، محمّد مصطفى : دار النهضة - بيروت / 1994م.
3 - الإتحاف بحُبِّ الأشراف: الشبراويّ الشافعيّ ، عبد الله بن محمّد بن عامر ( - 1172ه-) : تحقيق : سامي الغريريّ، مؤسّسة دار الكتاب الإسلاميّ - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى 1423ه- / 2002م .
4 - إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات : الحرّ العاملي ، محمّد بن الحسن ( 1033 - 1104ه-) : دار الكتب الإسلاميّة - طهران ، الطبعة الثالثة / 1364ه- .
5 - أحسن التقاسيم : المقدسي : بريل - ليدن المحروسة / 1906م.
6 - أخبار الدول وآثار الاُول : القرمانيّ ، أحمد بن يوسف ( 939 - 1019ه-) : الحلبي - القاهرة / 1982م.
7 - الإدارة الإسلاميّة في عزّ العرب : كرد علي ، محمّد : مطبعة مصر - القاهرة / 1981م.
8 - الأدب في ظلّ التشيّع : نعمة ، عبدالله .
9 - الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد : الشيخ المفيد : أبو عبدالله محمّد بن محمّد النعمان العكبري البغدادي ( 336 - 413ه-) : طبع وتحقيق : مؤسّسة آل البيت علیهم السلام - قم المقدّسة / 1416ه-.
10 - الإسلام والحضارة العربيّة : كرد علي ، محمّد : لجنة التأليف - القاهرة / 1968م .
11 - الأعلام : الزركليّ ، خير الدين بن محمود بن محمّد ( - 1410ه-) : دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة التاسعة / 1990م.
12 - أعلام الدين في صفات المؤمنين : الديلمي ، أبو محمّد الحسن بن محمّد الواعظ ( - 841ه-) : تحقيق ونشر : مؤسّسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث ، الطبعة الاُولى / 1408ه-.
13 - إعلام الورى بأعلام الهدى : الطبرسيّ ، الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن ( من أعلام القرن السادس ) : مؤسّسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث - قم المقدّسة / 1417ه-.
14 - أعيان الشيعة : الأمين العاملي ، محسن ( 1865 - 1952م ) : دار التعارف للمطبوعات - بيروت / 2000م .
15 - الأغاني : أبو الفرج الاصفهانيّ ، عليّ بن حسين ( 284 - 356ه- ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1994م.
16 - إقبال الأعمال : السيّد ابن طاووس = رضيّ الدين أبي القاسم عليّ بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ( 589 - 644ه-) : تقديم وتعليق : الشيخ حسين الأعلمي ، مؤسّسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الاُولى 1417ه- / 1996م.
17 - الأمالي : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي ( 311 - 381ه-) : تحقيق ونشر : قسم الدراسات الإسلاميّة ، مؤسّسة البعثة - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى / 1417ه- .
18 - الإمامة والسياسة : ابن قتيبة الدينوري = أبو محمّد عبدالله بن مسلم ( 213 - 276ه-) : المكتبة الحيدريّة - قم المقدّسة / 2007 م .
19 - اُمراء الشعر في العصر العبّاسي : مقدسي ، أنيس : بيروت / 1936م.
20 - الأنباء في تأريخ الخلفاء : ابن العمراني .
21 - الأنوار البهيّة في تواريخ الحجج الإلٰهيّة : القميّ ، الشيخ عبّاس ( 1254 - 1319ه- ) ، تحقيق : فارس حسون کریم، انتشارات فدك - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى 1433ه- / 2012م.
22 - أنوار اليقين : الحسن بن محمّد الزيدي :
23 - أنوار اليقين : الطبرسي :
24 - الأوراق : أبو بكر الصولي ، محمّد بن يحيى ( - 335ه- ) :
25 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار : العلّامة المجلسيّ = محمّدباقر بن محمّد تقي ( 1037 - 1111ه-) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م .
26 - بحر الأنساب : الحسينيّ النجفيّ ، عميد الدين محمّد بن أحمد : دار المجتبى للنشر والتوزيع - المدينة المنوّرة / 1419ه-.
27 - بصائر الدرجات الكبری في فضائل آل محمّد : الصفّار ، الثقة الجليل أبو جعفر محمّد بن الحسن بن فروخ ( - 290ه-) : تعليق : التبريزي، منشورات مكتبة المرعشي النجفي ، قم المقدّسة / 1404ه-.
28 - البخلاء : الجاحظ عمرو بن بحر ( 150 - 255ه-) : دار مكتبة الهلال - بيروت ، الطبعة الثانية / 1985م.
29 - البلد الأمين : الكفعميّ ، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن عليّ بن الحسن بن محمّد العامليّ الحارثيّ ( 840 - 905ه-) : مؤسّسة قائم آل محمّد عجل الله تعالی فرجه الشریف - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى 1413ه- / 1993م.
30 - تاریخ ابن خلدون = العبر: ابن خلدون = أبو زيد ولي الدين عبدالرحمن بن محمّد الحضرمي الإشبيلي : ( 732 - 808ه-) : المكتبة العصريّة - بيروت / 2008 م .
31 - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام : شمس الدين الذهبيّ = محمّد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748ه- ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2004 م .
32 - تاريخ الإسلام السياسي : إبراهيم حسن ، حسن : دار الكتاب - بيروت / 1401ه-.
33 - تاريخ الطبري - تاريخ الاُمم والملوك : الطبري ، أبو جعفر محمّد بن جرير بن يزيد بن خالد ( 224 - 310ه- ) : مؤسّسة الأعلميّ - بيروت، الطبعة الخامسة 1409 ه- / 1989م.
34 - تاريخ بغداد : الخطيب البغداديّ ، أبو بكر أحمد بن عليّ ( 392 - 463ه-) : تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا ، دار الكتب العلميّة - بيروت ، الطبعة الاُولى 1417ه- / 1997م .
35 - تاريخ التمدّن الإسلامي : زيدان ، جرجي : دار مكتبة الحياة - بيروت / 1964م .
36 - تاريخ الحضارة الإسلاميّة في الشرق : جمال الدین سرور ، محمّد .
37 - تاريخ الخلفاء : جلال الدين السيوطيّ ، عبدالرحمن بن أبي بكر الشافعيّ ( 849 - 911ه-) : السعادة - القاهرة ، الطبعة الاُولى / 1952م.
38 - تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس : الديار بكريّ = حسين بن محمّد بن حسن ( - 966ه-) : مؤسّسة شعبان - بيروت / 1990م .
39 - تاريخ الفلسفة في الإسلام : دي بور ، تجنيز ( 1866 - 1942م ) : القاهرة / 1938م .
40 - تاريخ قم (م ) : الشيباني القمّي = أبو علي الحسن بن محمّد .
41 - التبيان في تفسير القرآن : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460ه- ) : تحقيق : أحمد حبيب قصير العاملي ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ، الطبعة الاُولى / 1409ه-.
42 - تحف العقول عن آل الرسول : ابن شعبة الحرّانيّ ، أبو محمّد الحسن بن عليّ بن الحسين ( من أعلام القرن الرابع الهجري ) : دار الشريف الرضيّ - قم المقدّسة / 1421ه-.
43 - تذكرة خواص الاُمّة : سبط ابن الجوزيّ ، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبدالله البغدادي ( 581 - 654ه- ) : منشورات الشريف الرضيّ - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى 1418ه- / 1997م.
44 - تزيين الأسواق : الأنطاكي ، داود : مطبعة الأزهريّة المصريّة - القاهرة / 1319ه- .
45 - البرهان في تفسير القرآن ( تفسير ) : البحراني ، السيّد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسيني التوبلي ( - 1107ه-) : مؤسّسة الأعلميّ - بيروت ، الطبعة الاُولى 1419ه- / 1999م.
46 - تفسير العيّاشيّ : العيّاشيّ ، أبو النضر محمّد بن مسعود بن عيّاش السلميّ السمرقنديّ ( - 320ه-) : تحقيق : قسم الدراسات الإسلاميّة ، مؤسّسة البعثة - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى / 1421ه- ( 3 مجلّدات ) .
47 - التنبيه والإشراف : المسعودي = أبو الحسن عليّ بن الحسين بن عليّ ( 345ه- ) : دار مكتبة الهلال - بيروت / 1993م.
48 - التنظيمات الاجتماعيّة والاقتصاديّة : أحمد ، صالح : دار الطليعة - بيروت / 1969م .
49 - تنقيح المقال في علم الرجال : المامقاني ، الشيخ عبدالله ( - 1351ه-) : المطبعة المرتضويّة - النجف الأشرف / 1352ه-.
50 - التوحيد : الصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي ( 311 - 381ه-) : نشر وتحقيق : مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المقدّسة ، الطبعة الثامنة / 1423ه-.
51 - تهذيب الأحكام : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460ه- ) : مكتبة الصدوق - طهران / 1417ه-.
52 - الثاقب في المناقب : ابن حمزة ، عماد الدين أبو جعفر محمّد بن عليّ الطوسي ( - 560ه- ) : مؤسّسة أنصاريان - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1412ه-.
53 - جامع الرواة وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والاسناد : الأردبيليّ الحائري ، محمّد بن عليّ : دار الأضواء - بيروت 1403ه- / 1983م.
54 - جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام : القراغوليّ البغداديّ ، السيّد محمود : الآداب - بغداد / 1329ه- .
55- الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة : البحراني ، الشيخ يوسف بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد الدرازي ( 1107 - 1186ه-) : نشر : الشيخ علي الآخونديّ ، طبع : جماعة المدرّسين - قم المقدّسة / 1409ه-.
56 - الحدائق الورديّة في مناقب الزيديّة : الشهيّد المحلى ، حسام الدين حميد بن أحمد ( - 652ه-) : جامع النهرين - صنعاء / 1402ه-.
57 - حضارة الإسلام في دار السلام : نخلة ، جميل : الأميريّة - القاهرة / 1937م.
58 - حضارة العرب : لوبون ، غوستاف : اتّحاد الكتاب العربي - دمشق / 1998م.
59 - الحضارة العربية : للمستشرق الفرنسي س. ريسْلر ، جاك : تعريب : الدكتور خليل أحمد خليل : منشورات عويدات - بيروت ، الطبعة الاُولى / 1993م .
60 - الحلقات الذهبيّة : القبيسي العاملي .
61 - حلية الأبرار: البحراني ، السيّد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسيني التوبلي ( - 1107ه- ) : مؤسّسة المعارف الإسلاميّة - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى / 1411ه-.
62 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء : أبو نعيم الاصفهانيّ ، الحافظ أحمد بن عبدالله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران ( 336 - 430 ه-) : دار الكتاب العربي - بيروت / الطبعة الخامسة / 1987م.
63 - حياة الإمام موسى بن جعفر الكاظم 8: القرشيّ ، باقر شریف (1926 - م): تحقيق : مهدي باقر القرشيّ ( ضمن موسوعة سيرة أهل البيت علیهم السلام ) : دار المعروف ، الطبعة الاُولى 1430ه- / 2009م.
64 - حياة الحيوان الكبرى : الدميريّ ، كمال الدين محمّد بن موسی ( 742 - 808ه-) : ناصر خسرو - طهران ( اوفسيت عن طبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة 1390ه- / 1970م).
65 - الخرائج و الجرائح : الراوندي ، قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة الله ( - 573ه- ) : مؤسّسة النور للمطبوعات - بيروت ، الثانية / 1411ه- .
66 - دائرة المعارف الإسلاميّة : كلمة لرستر ستين:
67 - الدرّ النظيم في مناقب الأئمّة : الشاميّ العاملي ، يوسف بن حاتم ( من أعلام القرن السابع الهجري ) : مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة / 1409ه-.
68 - الدروع الواقية : السيّد ابن طاووس - رضيّ الدين أبي القاسم عليّ بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ( 589 - 644ه-) : مؤسّسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى / 1414ه-.
69 - الدعوات : الراونديّ، أبو الحسين سعيد بن هبة الله ( - 573 ه-) : دليل ما - قم المقدّسة / 1385ه- . ش .
70 - دلائل الإمامة : ابن رستم الطبريّ ، أبو جعفر محمّد بن جرير ( - 310ه-) : مؤسّسة البعثة - قم المقدّسة / 1412ه-.
71 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة : آقا بزرك الطهرانيّ ، محمّد محسن ( 1255 - 1389ه-) : دار الأضواء - بيروت ، الطبعة الثالثة / 1403ه-.
72 - رجال البرقي : البرقي، أحمد بن محمّد بن خالد ( - 274 أو 280ه-) : جواد القيّومي الاصفهاني ، مؤسّسة القيومي - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى / 1419ه-.
73 - رجال الطوسي : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460ه- ) : تحقيق : جواد القيّومي الاصفهاني ، مؤسّسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1420ه-.
74 - رجال الكشّي = اختيار معرفة الرجال : شيخ الطائفة ، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460ه- ) : تحقيق : محمّد تقي فاضل الميبديّ والسيّد أبوالفضل الموسويان ، وزارة الثقافة والإرشاد - طهران ، الطبعة الاُولى / 1382ه- . ش .
75 - رجال النجاشي : أبو العبّاس الأسديّ الكوفيّ ، أحمد بن عليّ ( 372 - 450ه-) : جماعة المدرّسين - قم المقدّسة / 1407ه-.
76 - رحلة ابن جبير : ابن جبير : دار ومكتة الهلال - بيروت / 1981م .
77 - روح الإسلام : أمير عليّ ( 1849 - 1928م ) : دار إحياء التراث - بيروت / 1961م.
78 - السلوك لمعرفة دول الملوك : تقي الدين المقريزيّ ، أحمد بن عليّ بن عبدالقادر ( 766 - 845 ه- ) :
79 - سمط النجوم العوالي : العصامي ، عبدالملك : السلفيّة - القاهرة / 1380ه-.
80 - سير أعلام النبلاء : شمس الدين الذهبيّ = محمّد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748ه- ) : مؤسّسة الرسالة - بيروت / 1419ه-.
81 - شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب : ابن عماد الحنبلي ، أبو الفلاح عبدالحيّ بن أحمد ( 1032 - 1089ه- ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1967م .
82 - الصحيفة الرضويّة : البحرانيّ ، أحمد بن صالح .
83 - الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم : العاملي ، عليّ بن يونس : الحيدريّة - طهران ، الطبعة الاُولى / 1382ه- . ش .
84 - صفة الصفوة : ابن الجوزيّ ، أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن عليّ بن محمّد ( - 597ه-) : دار المعرفة - بيروت / 1979م.
85 - الصواعق المحرقة على أهل الرّفض والضلَال والزّندقة : ابن حجر الهيتميّ ، أبو العبّاس شهاب الدين أحمد بن محمّد بن عليّ ( 909 - 974ه- ) : تحقيق : عبدالرحمان التركي وكامل محمّد الخرّاط ، مؤسّسة الرسالة - بيروت، الطبعة الاُولى 1417ه- / 1997م ( مجلّدان ) .
86 - ضياء العالمين : أبو الحسن العاملي :
87 - طبّ الأئمّة ( برواية عبدالله والحسين ابني بسطام بن سابور الزيّات النيسابوريّين - القرن الرابع الهجري ) : المكتبة الحيدريّة - قم المقدّسة / 1416ه-.
88 - طبقات الشعراء : ابن المعتزّ ( - 296ه-) : تحقيق : عبدالستار أحمد فراج ، دار المعارف - القاهرة / 1968م.
89 - الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف : السيّد ابن طاووس = رضيّ الدين أبي القاسم عليّ بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ( 589 - 644ه- ) : تحقيق : السيّد عليّ عاشور ، الناشر: مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات - بيروت، الطبعة الاُولى / 1420ه- 1999م.
90 - العبر في خبر مَن غبر : الذهبيّ ، شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان ( 673 - 748ه-) : تحقيق : بسيوني زغلول ، طبعة دار الكتب العلميّة - بيروت .
91 - عصر المأمون : الرفاعي ، أحمد فريد : مطبعة جامعة البصرة / 1980م .
92 - العقد الفريد : ابن عبدربّه الأندلسيّ ، أبو عمر أحمد بن محمّد ( 246 - 328ه- ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م.
93 - عقيدة الشيعة : م . دونلاسن ، دوایت : تعریب ، ع . م ، مكتبة الخانجي - مصر .
94 - علل الشرائع : الشيخ الصّدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي ( 311 - 381ه-) : دار الحُجّة للثقافة - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى / 1416ه- ( جزءان في مجلّد ) .
95 - العمدة في محاسن الشعر : ابن رشيق القيرواني ، الحسن بن رشيق ( - 456ه- ) : دار الجيل - بيروت / 1972م.
96 - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب : ابن عنبة = جمال الدين أحمد بن عليّ بن الحسين الحسينيّ ( 741 - 828ه- ) : المكتبة الثقافيّة - قم المقدّسة / 2004م .
97 - عيون أخبار الرضا علیه السلام : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي ( 311 - 381ه-) : تحقيق : الشيخ حسين الأعلميّ ، مؤسّسة الأعلميّ - بيروت ، الطبعة الاُولى / 1404ه-.
98 - عيون التواريخ : ابن شاكر الكتبيّ = محمّد بن شاكر ( 681 - 764ه-) : دار الحرّية - بغداد / 1977م.
99 - عيون المعجزات : الشيخ حسين بن عبدالوهاب ( من أعلام القرن الخامس الهجري ) : مكتبة الداوري - قم المقدّسة / 1395ه-.
100 - فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين والأئمة من ذُرِّيَتهم علیهم السلام : الجوينيّ الخراسانيّ ، إبراهيم بن محمّد بن المؤيد بن عبدالله بن علي بن محمّد ( -730ه-) : تحقیق : محمّد باقر المحموديّ ، مؤسّسة المحمودي للطباعة والنشر - بيروت ، الطبعة الاُولى 1400ه- / 1980م .
101 - فِرق الشيعة : النوبختي ، الحسن بن موسی ( - 310ه-) : تعليق : السيّد محمّد صادق آل بحر العلوم ، المطبعة الحيدريّة - النجف الأشرف 1355ه- / 1936م.
102 - الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمّة : ابن الصّبّاغ = عليّ بن محمّد بن أحمد المالكي ( - 855 ه-) : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1409ه- / 1988م .
103 - الفهرست : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460ه- ) : تحقيق ونشر : الفقاهة - قم المقدّسة / 1417ه-.
104 - فهرست ابن الندیم : ابن ندیم، محمّد بن إسحاق ( - 385ه- ) : تعليق : الشيخ إبراهيم رمضان ، دار المعرفة - بيروت ، الطبعة الثانية 1417ه- / 1997م .
105 - الكافي : ثقة الإسلام الكلينيّ ، أبو جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الرازي ( 328 - 329ه-) : مؤسّسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الاُولى 1426ه- / 2005م .
106 - الكامل في التاريخ : ابن الأثير ، عزّ الدين أبي الحسن عليّ بن محمّد بن أبي الكرم الشيبانيّ ( 555 - 630ه- ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الاُولى 1408ه- / 1989م.
107 - كشف الغمّة في معرفة الأئمّة : الإربلي ، أبو الحسن عليّ بن عيسى بن أبي الفتح ( 467 - 538ه-) : دار الأضواء - بيروت / 1985م.
108 - كفاية الأثر في النصّ على الأئمّة الأثني عشر : الخزّار ، أبو القاسم عليّ بن محمّد بن عليّ الرازي القمّي ( - 400ه- ) : تحقيق : عبد اللطيف الحسيني : انتشارات بيدار - قم المقدّسة / 1401ه-.
109 - کمال الدين وتمام النعمة : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي ( 311 - 381ه-) : صحّحه وعلّق عليه : على أكبر الغفّاريّ ، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة / 1422ه- .
110 - كنز الفوائد : أبو الفتح الكراجكي ، محمّد بن علي بن عثمان الطرابلسي ( - 449 ه-) : مكتبة المصطفوي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1410ه-.
111 - الكنى والألقاب : الشيخ القمّي ، عبّاس ( 1254 - 1319ه-) : مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين - قم المشرّفة ، الطبعة الاُولى / 1425ه- .
112 - اللمعة الدمشقيّة في فقه الإماميّة : الشهيد الأوّل : محمّد بن مكّي العامليّ الجزينيّ ( 734 - 786ه- ) : تحقيق : محمّد تقي وعلي أصغر مرواريد ، نشر دار التراث - بيروت ، الطبعة الاُولى 1410ه- / 1990م.
113 - مجمع البحرين ومطلع النيّرين : فخر الدين الطريحي = محمّد بن عليّ ( 979 - 1085ه-) : تحقيق : قسم الدراسات الإسلاميّة ، مؤسّسة البعثة - طهران ، الطبعة الاُولى / 1414ه- ( 3 مجلّدات ) .
114 - مجموعة ورّام = تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: المالكيّ الأشتريّ ، الأمير أبو الحسين ورّام بن أبي فراس ( - 605ه-) : دار الكتب الإسلاميّة - طهران ، الطبعة الثانية / 1368ه-.
115 - المحاسن والمساوئ : البيهقي = إبراهيم بن محمّد ( من أعلام القرن الرابع ) : دار بيروت - بيروت 1404ه- / 1984م .
116 - المحجّة البيضاء في تهذيب الأحياء : الفيض الكاشاني ، الملّا محسن بن مرتضى محمّد محسن ( 1007 - 1091ه-) : نشر مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت / 1403ه- .
117 - مختصر البحار في أحوال الأئمّة : نور الدين :
118 - مرآة الجنان وعبرة اليقظان: اليافعيّ = أبو محمّد عبدالله بن أسعد بن عليّ بن سليمان ( - 768ه- ) : وضع حواشيه خليل المنصور، نشر دار الكتب العلميّة - بيروت ، الطبعة الاُولى 1417ه- / 1997م.
119 - مرآة الزمان في تاريخ الأعيان : سبط ابن الجوزيّ ، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبد الله البغدادي ( 581 - 654ه-) : مؤسّسة آل البيت علیهم السلام ، قم المقدّسة / 1366ه-.
120 - مروج الذهب ومعادن الجوهر : المسعوديّ ، أبو الحسن عليّ بن الحسين بن عليّ ( - 346ه- ) : تحقيق : عبدالأمير المهنّا ، نشر مؤسّسة الأعلمي - بيروت ، الطبعة الاُولى 1411ه- / 1991م.
121 - مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل : المحدّث النوريّ ، الحاج الميرزا حسين بن محمّد تقي بن تقيّ الطبرسيّ ( 1254 - 1320ه- ) : مؤسّسة آل البيت علیهم السلام لإحياء التراث - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى / 1408ه- .
122 - المستطرف : شهاب الدين الأبشهيّ ، أحمد : مصطفى البابي الحلبي - القاهرة / 1942م .
123 - مسند الرضا علیه السلام : ابن سليمان الغازي ، داود .
124 - المصباح في الأدعية والصلوات والزيارات : الكفعمي ، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن عليّ بن الحسن بن محمّد العامليّ الحارثيّ ( 840 - 905ه-) : مؤسّسة الأعلميّ - بيروت ، الطبعة الثانية / 1424ه- - 2003م .
125 - مصباح الفقاهة : السيّد الخوئيّ ، السيّد أبو القاسم الموسوي ( - 1413ه- ) :
126 - مصباح المتهجّد : شيخ الطائفة ، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ( 385 - 460ه- ) : مؤسّسة فقه الشيعة - بيروت، الطبعة الاُولى 1411ه- / 1991م.
127 - مطالب السؤول في مناقب آل الرسول : القرشيّ ، كمال الدين محمّد بن طلحة بن محمّد بن الحسن الشافعي ( 583 - 652ه- ) : مؤسّسة اُمّ القرى - قم المقدّسة / 1420ه-.
128 - المعارف : ابن قتيبة الدينوريّ، أبو محمّد عبد الله بن مسلم ( 213 - 276ه-) : دار الكتب العلميّة ، بيروت / 1407ه- .
129 - معاني الأخبار : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي (311 - 381ه-) : قدّم له : الشيخ حسين الأعلمي ، تعليق : علي أكبر الغفّاري ، نشر مؤسّسة الأعلميّ - بيروت ، الاُولى 1410ه- / 1990م.
130 - معجم البلدان : ياقوت الحمويّ ، شهاب الدين أبو عبدالله الروميّ البغداديّ ( - 626ه- ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1399ه-.
131 - معجم رجال الحديث : السيّد الخوئيّ ، السيّد أبو القاسم الموسوي ( - 1413ه-) : الثقافة الإسلاميّة - قم المقدّسة الطبعة الخامسة 1413ه- / 1992م.
132 - مقاتل الطالبيّين : أبو الفرج الأصفهاني ، عليّ بن الحسين بن محمّد بن أحمد ( - 356ه-) : مكتبة الشريف الرضيّ - قم المقدّسة / 1416ه-.
133 - مقتضب الأثر : الجوهري، أحمد بن محمّد بن عبيد الله بن عيّاش ( - 401ه-) المطبعة العلميّة - قم المقدّسة .
134 - المقنع : الشيخ الصّدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي ( 311 - 381ه-) : تحقيق ونشر : مؤسّسة الإمام الهادي علیه السلام - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى / 1415ه-.
135 - مكارم الأخلاق : أمين الإسلام ، أبو عليّ الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي الطبرسي ( 468 - 548ه- ) : دار الفقه - قم المقدّسة / 1425ه- .
136 - المكاسب المحرّمة : الشيخ الأعظم - مرتضى بن محمّد أمين الدزفولي الأنصاري ( 1214 - 1281ه-) : دار الحكمة - قم المقدّسة / 1416ه-.
137 - مناقب آل أبي طالب : ابن شهرآشوب ، أبو جعفر رشيد الدين محمّد بن عليّ السرويّ المازندرانيّ ( 488 - 588 ه-) : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1412ه- / 1991م.
138 - منتخب مرآة الجنان وعبرة اليقظان : اليافعيّ = أبو محمّد عبدالله بن أسعد بن عليّ بن سليمان ( 698 - 768ه-) : الحلبي - القاهرة .
139 - من لا يحضره الفقيه : الشيخ الصدوق ، أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي ( 311 - 381ه-) : مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات ، الطبعة الاُولى 1426ه- / 2005م.
140 - منهاج السُّنّة النبويّة : ابن تيميّة الحرانيّ ، تقي الدين أحمد بن عبدالحليم الدمشقي ( 661 - 782ه-) : إدارة الثقافة - مكّة المكرّمة / 1412ه-.
141 - مهج الدعوات في منهج العبادات : السيّد ابن طاووس ، رضيّ الدين أبي القاسم عليّ بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر ( 589 - 644ه- ) : دار الكتب الإسلاميّة - طهران ، الطبعة الاُولى / 1416ه- .
142 - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: الأتابكيّ ، أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي ( 784 - 813ه- ) : وزارة الثقافة والإرشاد القومي - القاهرة / 1972م.
143 - النزاع والتخاصم فيما بين بني اُميّة وبني هاشم : تقي الدين المقريزي ، أحمد بن عليّ ( 766 - 845ه- ) : قم المقدّسة / 1419ه-.
144 - نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس : الموسويّ الحسينيّ ، عبّاس بن عليّ ( القرن 2 الهجري ) : المكتبة الحيدريّة - قم المقدّسة / 1417ه-.
145 - نزهة الناظر وتنبيه الخاطر : الحلوانيّ ، أبو عبد الله الحسين بن محمّد ( القرن الخامس الهجري ) : مدرسة ومؤسّسة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف - قم المقدّسة ، الطبعة الاُولى / 1408ه-.
146 - نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية : محمود صبحي ، أحمد : دار النهضة العربيّة - بيروت 1411ه- / 1991م.
147 - نور الأبصار في مناقب آل بيت النبيّ المختار : الشبلنجيّ ، مؤمن بن حسن بن مؤمن : تحقيق : عبد الوارث محمّد عليّ ، دار الكتب العلميّة - بيروت ، الطبعة الاُولى 1418ه- / 1997م.
148 - الوافي بالوفيات : صلاح الدين الصفدي = خليل بن أيبك بن عبدالله ( 696 - 764ه- ) : أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى ، دار إحياء التراث - بيروت 1420ه- / 2000م.
149 - الوزراء والكتّاب : الجهشياري ، محمّد بن عبدوس : مصطفى البابي الحلبي - القاهرة ، الطبعة الاُولى / 1938م.
150 - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة : الحرّ العامليّ ، محمّد بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن الحسين ( 1033 - 1104ه-) : مؤسّسة آل البيت علیهم السلام - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1416ه-.
151 - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : ابن خلِّكان ، أبو العباس شمس الدّين أحمد بن محمّد بن أبي بكر ( - 681ه-) : تحقيق : د . إحسان عباس ، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة ، الطبعة الثانية / 1406ه-.
152 - الولاة والقضاة: الكندي = أبو عمر محمّد بن يوسف ، مكتبة الخانجي - القاهرة /1988م.
الْمُحْتویَات
الإهداء ... 7
تقديم ... 9
وِلَادَتَهُ وَنَشْأَتُهُ عَلَیْهِ اٝلْسَّلَام
17- 32
نسبه علیه السلام الوضّاح ... 19
الأب ... 19
الاُمّ ... 20
الوليد العظيم ... 22
سرور الإمام الرضا علیه السلام ... 22
مراسيم الولادة ... 23
كنيته علیه السلام ... 23
ألقابه علیه السلام ... 23
ملامحه علیه السلام ... 24
سنة ولادته علیه السلام ... 25
نقش خاتمه علیه السلام ... 25
نشأته علیه السلام ... 26
ذكاؤه وعبقريته علیه السلام ... 26
إشادة الإمام الرضا علیه السلام بالجواد علیه السلام ... 28
إكبار وتعظيم ... 29
انطباعات عن شخصيّته علیه السلام ... 30
1 - الذهبي ... 30
2 - ابن تيميّة ... 30
3 - الصفدي ... 31
4 - ابن الجوزي ... 31
5 - محمود بن وهيب ... 31
6 - الزركلي ... 31
7 - كمال الدين ... 31
8 - الأربلي ... 32
في ظِلَالِ أَبیهِ عَلَیْهِ اٝلْسَّلَام
مكارم أخلاقه علیه السلام ... 35
زهده علیه السلام ... 37
سخاؤه علیه السلام ... 38
علمه علیه السلام ... 39
عبادته علیه السلام ... 40
هيبته علیه السلام ... 41
آراء و کلمات ... 42
المأمون ... 42
إبراهيم بن العبّاس ... 42
عارف تامر ... 43
مدح الشعراء ... 44
الصولي ... 44
أبو نواس ... 44
عبدالملك بن المبارك ... 45
إرغام الإمام علیه السلام على ولاية العهد ... 46
خطبة المأمون ... 47
محافل الأفراح ... 47
مع الإمام الجواد علیه السلام ... 47
قيامه علیه السلام بشؤون أبيه علیه السلام ... 48
رسالة الإمام الرضا علیه السلام ... 48
نصّه علیه السلام على إمامة الجواد علیه السلام ... 49
1 - محمّد المحمودي ... 49
2 - صفوان بن يحيى ... 50
3 - معمر بن خلاد ... 50
4 - عبدالله بن جعفر ... 51
5 - محمّد بن أبي عباد ... 51
غدر المأمون بالرضا علیه السلام ... 51
1 - الحسد ... 52
2- ارضاء العبّاسيّين ... 53
3 - عدم محاباة الإمام للمأمون ... 53
4 - صلاة العيد ... 53
اغتيال المأمون للإمام علیه السلام ... 55
إلى جنّة المأوى ... 56
المأمون ينعى الإمام ... 57
تجهيز الجثمان العظيم ... 57
في مقرّه الأخير ... 57
فضل زيارته علیه السلام ... 58
تعازي المسلمين للإمام الجواد علیه السلام ... 59
حيرة الشيعة ... 60
وفود الفقهاء والعلماء ... 61
مِنْ مُثُلِهِ اٝلْعُلْيَا
65 - 102
الإمامة ... 67
أهدافها ... 67
صفات الإمام ... 69
العلم ... 69
العصمة ... 71
عبادته علیه السلام ... 71
نوافله علیه السلام ... 72
تعقيبه علیه السلام عقيب صلاة الفجر ... 72
حجّه علیه السلام ... 73
من أدعيته علیه السلام ... 74
دعاؤه علیه السلام في الثناء على الله عزّ وجلّ ... 75
دعاؤه علیه السلام بحمد الله جلّ جلاله ... 75
دعاؤه علیه السلام لطلب العافية في السفر ... 77
دعاؤه علیه السلام لقضاء الحاجة ... 77
دعاؤه علیه السلام لطلب الرزق والسعة ... 79
دعاؤه علیه السلام في طلب خير الدنيا والآخرة ... 80
دعاؤه علیه السلام في أوّل ليلة من شهر رمضان ... 80
أدعيته علیه السلام في الأيّام ... 82
دعاؤه علیه السلام في يوم السبت ... 82
دعاؤه علیه السلام في يوم الأحد ... 85
دعاؤه علیه السلام في يوم الاثنين ... 86
دعاؤه علیه السلام في يوم الثلاثاء ... 87
دعاؤه علیه السلام في يوم الأربعاء ... 88
دعاؤه علیه السلام في يوم الخميس ... 89
دعاؤه علیه السلام في يوم الجمعة ... 90
دعاؤه علیه السلام لكشف الظلم ... 92
زهده علیه السلام ... 96
كرمه علیه السلام ... 97
الإحسان إلى الناس ... 99
مواساته علیه السلام للناس ... 100
عُلُومُه وَمَعَارِفُهُ عَلَیْهِ اٝلْسَّلَام
103 - 165
الحديث ... 105
رواياته علیه السلام عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ... 106
ما يرويه علیه السلام عن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ... 107
رواياته علیه السلام عن الإمام الصادق علیه السلام ... 108
روايته علیه السلام عن أبيه علیه السلام ... 110
التوحيد ... 114
مسائل فقهيّة ... 120
الصلاة ... 120
الزكاة ... 122
الخمس ... 122
الحجّ ... 125
النذر ... 127
كفارة مخالفة العهد ... 128
الوقف ... 128
الزواج ... 130
الطلاق ... 130
الرضاع ... 131
حلّية زواج الزاني بالمزني بها ... 131
حرمان ابن الزنا من الميراث ... 132
الشفعة ... 132
الميراث ... 133
علل الأحكام ... 135
التبشير بالإمام المهدي علیه السلام ... 137
من واقع الإيمان ... 140
1- الثقة بالله عزّ وجلّ ... 140
2- الاستغناء بالله عزّ وجلّ ... 140
3- الانقطاع إلى الله عزّ وجلّ ... 141
4 - القصد إلى الله بالقلوب ... 141
مكارم الأخلاق ... 142
قضاء حوائج الناس ... 142
من آداب السلوك ... 143
الدعوة إلى فعل المعروف ... 144
التوبة ... 144
من وحي الله عزّ وجلّ لبعض أنبيائه ... 144
ما يحتاج إليه المؤمن ... 145
من مواعظه علیه السلام ... 146
رسائله علیه السلام ... 148
روائع الحكم والآداب ... 151
أَصْحَابُهُ وَرُوَاةُ حَدیثِهِ عَلَیْهِ اٝلْسَّلَام
167 - 223
حرف الألف ... 170
1 - إبراهيم بن داود ... 170
2 - إبراهيم بن محمّد ... 170
3 - إبراهيم بن مهزيار ... 171
4 - إبراهيم بن مهرويه ... 172
5 - أحمد بن حمّاد ... 172
6 - أحمد بن إسحاق ... 173
7 - أحمد بن عبدالله ... 174
8- أحمد بن عبدالله ... 174
9 - أحمد بن محمّد ... 174
طبقته في الحديث ... 175
وفاته ... 175
10 - أحمد بن محمّد ... 175
11 - أحمد بن محمّد ... 176
مؤلّفاته ... 176
الطعن عليه ... 176
طبقته في الحديث ... 176
12 - أحمد بن محمّد ... 177
13 - أحمد بن محمّد ... 177
14 - أحمد بن محمّد ... 177
مؤلّفاته ... 177
طبقته في الحديث ... 177
15 - أحمد بن معافى ... 178
16 - إدريس القمّي ... 178
17 - إسحاق الأنباري ... 178
18 - إسحاق بن إبراهيم ... 178
19 - إسحاق بن إبراهيم ... 178
20 - اُميّة بن علي ... 178
حرف الجيم ... 179
21 - جعفر بن داود ... 179
22- جعفر بن محمّد ... 179
23- جعفر بن محمّد ... 179
24 - جعفر بن يحيى ... 179
25 - جعفر الجوهري ... 180
حرف الحاء ... 180
26 - الحسن بن راشد ... 180
27 - الحسن بن سعيد ... 182
28 - الحسن بن العبّاس ... 182
29 - الحسن بن عبّاس ... 183
30 - الحسن بن عليّ ... 183
31- الحسن بن بشار ... 183
32 - الحسين بن أسد ... 183
33 - الحسين بن داود ... 184
34 - الحسين بن سعيد ... 184
طبقته في الحديث ... 184
35 - الحسين بن سهل ... 184
36 - الحسين بن عليّ ... 184
37- الحسين بن محمّد ... 184
38 - الحسين بن مسلم ... 185
39- الحسين بن الإمام موسى ... 185
40 - الحسين بن يسار ... 185
41 - حفص الجوهري ... 185
42 - حمزة بن يعلى ... 186
حرف الخاء ... 186
43 - خلف البصري ... 186
44 - خيران الخادم ... 186
حرف الدال ... 187
45 - داود بن القاسم ... 187
46 - داود بن مافنّة ... 188
47- داود بن مهزیار ... 189
48 - دعبل بن عليّ ... 189
حرف الزاي ... 190
49 - زكريّا بن آدم ... 190
حرف السين ... 191
50- سعد بن سعد ... 191
51 - سهل بن زياد ... 191
حرف الشين ... 191
52- شاذان بن الخليل ... 191
حرف الصاد ... 192
53 - صالح بن أبي حمّاد ... 192
54 - صالح بن محمّد ... 192
55 - صالح بن محمّد ... 193
56 - صفوان بن يحيى ... 193
وثاقته ... 193
عبادته ... 193
شدّة تحرّجه في الدين ... 194
معاهدته مع إخوانه ... 194
عدم حبّه للرياسة ... 194
طاعته للأئمّة ... 194
فقاهته ... 195
مؤلّفاته ... 195
وفاته ... 195
حرف العين ... 195
57- العبّاس بن عمر ... 195
58 - عبد الجبّار بن مبارك ... 195
59 - عبد الرحمن بن أبي نجران ... 196
60 - عبد الله بن الصلت ... 196
61 - عبد الله بن محمّد ... 196
62 - عبد الله بن محمّد ... 197
63 - عبد الله بن محمّد ... 197
64 - عليّ بن أسباط ... 197
65 - عليّ بن بِلال ... 198
66 - عليّ بن حديد ... 198
67 - عليّ بن حسان ... 198
68 - عليّ بن الحسين ... 199
69 - عليّ بن الحكم ... 199
70 - عليّ بن خالد ... 199
71- عليّ بن عبدالله ... 199
72 - عليّ بن عبد الله ... 200
73 - عليّ بن عبدالملك ... 200
74 - عليّ بن محمّد ... 200
75 - عليّ بن محمّد ... 200
76 - عليّ بن محمّد .... 200
77 - عليّ بن محمّد ... 201
78 - عليّ بن مهزیار ... 201
إسلامه ... 201
عبادته ... 201
وثاقته في الرواية ... 201
مؤلّفاته ... 201
رسائل الإمام الجواد علیه السلام له ... 202
طبقته في الحديث ... 205
79 - عليّ بن ميسّر ... 206
80- عليّ بن نصر ... 206
81 - عليّ بن يحيى ... 206
حرف القاف ... 207
82 - القاسم بن الحسين ... 207
حرف الميم ... 207
83 - محمّد بن إبراهيم ... 207
84 - محمّد بن أبي زيد ... 207
85 - محمّد بن أبي الصهبان ... 208
86 - محمّد بن أبي قريش ... 208
87- محمّد بن أبي نصر ... 208
88- محمّد بن أحمد ... 208
89- محمّد بن إسماعيل ... 208
اتّصاله بالإمام الرضا علیه السلام ... 209
مع الإمام الجواد علیه السلام ... 210
مؤلّفاته ... 210
90 - محمّد بن إسماعيل ... 210
91- محمّد بن الحسن ... 210
92- محمّد بن الحسن ... 210
93 محمّد بن الحسن ... 211
94- محمّد بن الحسن ... 211
95 محمّد بن الحسن ... 211
96 - محمّد بن الحسين ... 212
97- محمّد بن الحسين ... 212
98- محمّد بن حمزة ... 212
99- محمّد بن خالد ... 213
100 - محمّد بن سالم ... 214
101- محمّد بن سنان ... 214
102 - محمّد بن عبد الجبار ... 215
103- محمّد بن عبد الله ... 215
104 - محمّد بن عبد الله ... 215
105 - محمّد بن عبدة ... 216
106 - محمّد بن الفرج ... 216
107 - محمّد بن نصر ... 216
108 - محمّد بن نصير ... 216
109 - محمّد بن نوح ... 216
110 - محمّد بن الوليد ... 217
111- محمّد بن يونس ... 217
112 - المختار بن زياد ... 217
113 - مروك بن عبيد ... 217
114 - مصدق بن صدقة ... 218
115 - معاوية بن حكيم ... 218
116 - منذر بن قابوس ... 218
117 - منصور بن العباس ... 219
118 - موسی بن داود ... 219
119 - موسی بن داود ... 219
120 - موسى بن عبدالله ... 219
121 - موسى بن عمر ... 220
122 - موسى بن القاسم ... 220
حرف النون ... 220
123 - نوح بن شعيب ... 220
حرف الهاء ... 221
124 - هارون بن الحسن ... 221
حرف الياء ... 221
125 - یزداد ... 221
الكنی ... 221
126 - أبو جعفر ... 221
127 - أبو الحصين ... 222
128 - أبو خداش ... 222
129 - أبو سارة ... 222
130 - أبو سكينة ... 222
النساء ... 222
131 - زهراء اُمّ أحمد ... 222
132 - زينب بنت محمّد ... 223
عَصْرُ اٝلْإِمَامِ عَلَیْهِ اٝلْسَّلَامِ
225 - 270
الحياة الثقافيّة ... 227
المراكز الثقافية ... 228
1- يثرب ... 228
2 - الكوفة ... 228
3 - البصرة ... 229
4- بغداد ... 230
العلوم السائدة ... 231
1 - علوم القرآن ... 231
علم القراءات ... 231
التفسير ... 231
2 - علم الحديث ... 232
3- علم الفقه ... 233
4 - علم الاُصول ... 234
5 - علم النحو ... 234
6 - علم الكلام ... 234
7 - علم الطبّ ... 234
8 - علم الكيمياء ... 235
9 - علم الفلك ... 235
ترجمة الكتب ... 235
المعاهد والمكتبات ... 236
الخرائط والمراصد ... 237
الحياة السياسيّة ... 238
منهج الحكم ... 238
الخلافة والوراثة ... 239
تصرّفات شاذّة ... 240
الوزارة ... 241
الفتنة بين الأمين والمأمون ... 243
صفات الأمين ... 243
1 - كراهته للعلم ... 243
2- ضعف الرأي ... 243
3 - احتجابه عن الرعيّة ... 244
خلعه للمأمون ... 245
الحروب الطاحنة ... 246
محاصرة بغداد ... 247
قتل الأمين ... 247
خلافة إبراهيم الخليع ... 248
هربه ... 249
ثورة أبي السرايا ... 249
مبايعة العبّاسيّين للعلويّين ... 250
اختلاس العبّاسيّين للسلطة ... 251
خيبة آمال المسلمين ... 252
اضطهاد العلويّين ... 254
مشكلة خلق القرآن ... 256
الحياة الاقتصادية ... 258
واردات الدولة ... 259
التهالك على جمع المال ... 259
تضخّم الثروات ... 260
نفقات المأمون في زواجه ... 260
هبات وعطايا ... 262
اقتناء الجواري ... 263
التفنّن في البناء ... 264
أثاث البيوت ... 265
الثياب ... 266
ألوان الطعام ... 266
مخلّفات العبّاسيّين من الأموال ... 266
مخلّفات المنصور ... 267
مخلّفات الرشيد ... 267
مخلّفات الخيزران ... 267
مخلّفات عمرو بن سعدة ... 267
الحياة الاجتماعيّة ... 268
التقشّف والزهد ... 269
في عَصْرِ اٝلْمَأْمُونِ
271 - 307
نزعات المأمون وصفاته ... 274
1 - الدهاء ... 274
2 - القسوة ... 274
3- الغدر ... 275
4 - ميله إلى اللهو ... 275
لعبه بالشطرنج ... 275
ولعه بالموسيقى ... 276
تظاهره بالتشيّع ... 276
1- ردّ فدك للعلويّين ... 277
2- تفضيل الإمام أمير المؤمنين علیه السلام ... 277
3- ولاية العهد للإمام الرضا علیه السلام ... 277
مع الإمام الجواد علیه السلام ... 278
أوّل إلتقاء ... 278
زواج الإمام من ابنة المأمون ... 279
أسباب المصاهرة ... 280
فزع العبّاسيّين ... 282
اجتماع العبّاسيّين بالمأمون ... 282
انتداب يحيى لامتحان الإمام علیه السلام ... 284
أسئلة يحيى ... 285
مع ابن تيميّة ... 286
خطبة العقد ... 292
المأمون يطلب إيضاح المسألة ... 293
الإمام علیه السلام يسأل يحيى ... 296
هدايا بمناسبة عقد الزواج ... 298
احتفاف الجماهير بالإمام علیه السلام ... 299
محاضراته علیه السلام في بغداد ... 300
سفره علیه السلام إلى يثرب ... 300
بناؤه علیه السلام باُمّ الفضل ... 300
المهنّئون بزواجه علیه السلام... 301
مغادرته علیه السلام بغداد ... 302
كرامة للإمام علیه السلام ... 303
اُمّ الفضل تشكو الإمام علیه السلام إلى أبيها ... 303
المرتّب السنوي للإمام علیه السلام ... 304
وفاة المأمون ... 304
إِلىٰ جَنَّةِ اٝلْمَأْوَىٰ
309 - 322
صفات المعتصم ... 311
الحماقة ... 311
كراهته للعلم ... 311
بغضه للعرب ... 312
ولاؤه للأتراك ... 312
مع الإمام الجواد علیه السلام ... 313
إشخاص الإمام علیه السلام إلى بغداد ... 314
الوشاية بالإمام علیه السلام ... 314
تنبّأ الإمام علیه السلام بوفاته ... 316
تعيينه علیه السلام لولده الهادي علیه السلام ... 317
اغتيال الإمام علیه السلام ... 318
دوافع اغتياله علیه السلام ... 319
إلى جنّة المأوى ... 319
تجهيزه ودفنه علیه السلام ... 320
عمره علیه السلام ... 321
سنة شهادته علیه السلام ... 321
مصادر الكتاب ... 323
محتويات الكتاب ... 339