ghaemiyeh.com
سرشناسه : حسینی شاهرودی، علی، - ۱۳۳۵.
عنوان و نام پديدآور : محاضرات فیالفقه الجعفری/ تقریر بحث السیدابوالقاسم الخوئی ؛ بقلم علی الحسینیالشاهرودی؛ تحقیق السیدعبدالرزاق المقرم.
مشخصات نشر : قم: مرکز الموتمرات العلمیة و البحوث الحرة التابع لموسسة دار الحدیث، ۱۴۲۹ ق.= ۲۰۰۸ م.، ۱۳۸۷.
مشخصات ظاهری : ۴ج.: نمونه.
شابک : دوره: 978-964-2730-47-6 ؛ ج. ۱978-964-2730-48-3 : ؛ ج.۲978-964-2730-49-0 : ؛ ج.۳: 978-964-2730-50-3 ؛ ج. ۴978-964-2730-51-6 :
وضعیت فهرست نویسی : فاپا
يادداشت : عربی.
يادداشت : چاپ قبلی: دارالکتبالاسلامی، ۱۳۶۵.
يادداشت : چاپ دوم.
يادداشت : ج.۱و ۲ (چاپ اول: ۱۳۸۷) (فیپا).
يادداشت : ج. ۲ و ۳ (چاپ دوم: ۲۰۰۸م. = ۱۴۲۹ق. = ۱۳۷۷).
يادداشت : ج.۳ (چاپ اول: ۱۳۸۶) (فیپا).
يادداشت : ج. ۴ (چاپ دوم: ۱۴۲۸ق. = ۲۰۰۷م. = ۱۳۸۶).
یادداشت : کتابنامه.
موضوع : اصول فقه شیعه
حقوق تجارت (فقه)
Commercial law (Islamic law)
شناسه افزوده : خوئی، سیدابوالقاسم، ۱۲۷۸ - ۱۳۷۱.
شناسه افزوده : مقرم، عبدالرزاق، ۱۸۹۸ - ۱۹۷۱م.
شناسه افزوده : Muqarram, Abd al-Razzaq
شناسه افزوده : موسسه دایرةالمعارف فقه اسلامی بر مذهب اهل بیت (ع)
رده بندی کنگره : BP۱۵۹/۸/ح۵م۳ ۱۳۸۷
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۳۱۲
شماره کتابشناسی ملی : ۱۱۷۱۴۳۱
محرر الرقمي: میثم الحیدري
محاضرات فیالفقه الجعفری
محاضرات فیالفقه الجعفری
تقریر بحث السیدابوالقاسم الخوئی
بقلم علی الحسینیالشاهرودی
تحقیق السیدعبدالرزاق المقرم.
مرکز الموتمرات العلمیة و البحوث الحرة التابع لموسسة دار الحدیث
محاضرات فیالفقه الجعفری
تقریر بحث السیدابوالقاسم الخوئی
صورة
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين
قوله قدّس سرّه: «مقدّمتان»: الاولى: الخيار لغة اسم مصدر [1]
[1] ذكر قدّس سرّه في المقام مقدّمتين:
ملخّص الاولى - بتوضيح -: أنّ الجواز و اللزوم على قسمين، حكميّ و حقّي، و إن كان كلا القسمين بحكم الشارع، و لكن بينهما فرق أوجب ذلك تسمية أحد القسمين بالحكمي و الآخر بالحقّي اصطلاحا.
و بيان ذلك الفرق: أنّ الجواز هو بمعنى المضيّ لغة، و اللزوم بمعنى الثبوت، فالجواز و اللزوم الحكمي حكم الشارع بهذين المعنيين، أي مضيّ تصرّف المكلّف فعلا و تركا فهذا هو الجواز الحكمي، و الحكم بثبوت الفعل أو الترك في ذمّته و هذا معنى اللزوم الحكمي. و أمّا في الحقّي فزائدا على هذا يكون هناك حكم وضعيّ من الشارع، و هو سلطنة إسقاط هذا المضيّ و الجواز بحيث لا يكون تصرّفه بعد ذلك ماضيا و نافذا. و هذا بخلاف الجواز الحكمي كما في الهبة، فإنّه ليس للواهب السلطنة على إسقاط هذا الجواز، بل يكون رجوعه إلى العين الموهوبة ماضيا و نافذا و لو أسقط الجواز ألف مرّة. و هذا هو الفرق بين الجواز الحكمي و الجواز الحقيّ. و كذلك الحال في اللزوم الحقّي و الحكمي، فإنّ اللزوم الحقّي هو سلطنة إلزام الطرف بالبيع و عدم إلزامه بالإقالة. فموضوع بحث الخيارات هو الجواز بهذا المعنى.
إذا عرفت ذلك، نقول: إنّ الخيار سواء كان مصدرا كالاختيار و الخيرة و ما بمعناهما أو كان اسم مصدر من «الاختيار» ليس إلاّ بمعنى طلب الخير، و تسمية القادر مختارا من باب أنّ القادر دائما يطلب خير نفسه، بخلاف العاجز فإنّه مجبور.
و تسمية السلطنة في المقام بالخيار أيضا من هذا القبيل، لأنّ من له السلطنة دائما يطلب ما هو خير له، و لذا يقال: له الخيار.
و بعض الأعلام(1)عرّفه بأنّه: ملك فسخ العقد. و اختاره الشيخ قدّس سرّه.
و في كلام بعض القدماء(2)أنّه: ملك إقرار العقد و إزالته. و اختاره المحقّق النائيني(3).
و أورد الشيخ قدّس سرّه على الثاني بأنّه: إن اريد من إقرار العقد ترك الفسخ فهو مستدرك، لأنّ ملك الإزالة عين القدرة على الترك. و إن اريد منه إلزام العقد و إسقاط الخيار فلا يؤخذ في تعريفه، مع أنّ ظاهر الإلزام هو الإلزام المطلق فينتقض بما إذا كان الخيار من الطرفين.
و أجاب المحقّق النائيني عن الإيراد الثاني: بأنّ المراد من الإلزام الإلزام من طرفه لا مطلقا(4).
و بما ذكرنا ظهر فساد كلا التعريفين - مع أنهما تعاريف لفظيّة - و ذلك لأنّ الخيار كما عرفت، ليس بمعنى السلطنة، بل هو بمعنى إعمال القدرة، فالتعبير عنه بالسلطنة مسامحة، و السلطنة مستفادة من «اللام» في «له الخيار». هذا مضافا إلى أنّ السلطنة على الفسخ - و هو فعل اختياريّ له - يصدق على الجواز الحكمي أيضا كما في الهبة، فإنّ الواهب له السلطنة على الرجوع و عدمه، بل كلّ شخص يملك فعل نفسه بمعنى أنّ له أن يفعل أو لا يفعل. فهذه الملكيّة غير مختصّة بالجواز الحقّي، و هذا بخلاف السلطنة على إسقاط الجواز الحكمي.
قوله قدّس سرّه: الثانية: ذكر غير واحد تبعا للعلاّمة [1]
و كيف كان، فالحقّ أنّ موضوع البحث هو إعمال القدرة في إسقاط الجواز الحكمي، و إن شئت فعبّر عن هذا المعنى ب «ملك إقرار العقد».
و لا ينتقض ما ذكرناه بالشفعة، فإنّه أجنبيّ عن الفسخ، و ليس إلاّ حقّ نقل بيع الغير إلى نفسه، و ليس للشفيع فسخ المعاملة.
[1] تحقيق كلام العلاّمة لا أثر له، و لكن بيان أنّ الأصل في البيع اللزوم أو الجواز تترتّب عليه الثمرة.
و يمكن أن يراد من أصالة اللزوم معان:
الأوّل: الأصل بمعنى الغالب في العقود.
و فيه - ما أفاده الشيخ -: أنّ الصغرى ممنوعة؛ لأنّه إن كان المراد الغلبة بحسب الأنواع، فمن الواضح أنّ كثيرا من العقود تكون جائزة كالهبة و نحوها، مضافا إلى أنّ البيع كثيرا ما ينعقد جائزا. و إن كان المراد الغلبة بحسب الأزمان - بمعنى أنّ البيع يكون في غالب زمان تحقّقه لازما - فهي و إن كانت مسلّمة، لكنّها لا تنفع في المقام و لا يوجب إلحاق الفرد المشكوك باللازم. و الكبرى ممنوعة أيضا؛ إذ لم ترد في رواية أنّ الظنّ يلحق الشيء بالأعمّ الاغ لب، و ليس بناء من العقلاء على ذلك.
الثاني: الأصل بمعناه اللغوي، و هو كون الشيء كذا بحسب طبعه، كما يقال:
الأصل في الجسم الاستدارة، بمعنى أنّ طبعه على ذلك، و ذلك لأنّ نموّ ما يكون قابلا للنموّ في الفضاء، حيث إنّ نسبة الفضاء إلى جميع أطرافه على حدّ سواء، فلا محالة لو لم يكن هناك قاسر ينمو مستديرا، فالمراد من الطبع هو هذا المعنى.
و إن كان بعض الأجسام غير مستديرة كالمربّع و المخمّس و المسدّس و المخروطي و أمثال ذلك، فلا يضرّ هذا بكون الأصل في الأجسام الاستدارة بالمعنى المزبور.
و في المقام يكون طبع البيع على اللزوم، و لا يضرّ بذلك أنّ بعض أفراده يكون جائزا.
و فيه: أنّ طبع البيع لا يكون مقتضيا للّزوم و لا للجواز، بل هما حكمان مترتّبان عليه إمّا من الشارع و إمّا من العقلاء، فالقول بأنّ طبع البيع يقتضي اللزوم لا وجه له.
و أمّا أنّ بناءه عرفا و شرعاظ على اللزوم فإنّه أوّل الكلام، إلاّ أن يرجع إلى قاعدة «المقتضي و المانع» و قد ذكرنا في محلّه أنّها ليست بحجّة، و ليس عليها بناء من العرف و العقلاء.
الثالث: الأصل المستفاد من العمومات.
الرابع: استصحاب بقاء أثر العقد بعد الفسخ.
أمّا العمومات:
فمنها: قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1).
و تقريب الاستدلال به على أصالة اللزوم: هو أنّ ظاهر الآية وجوب الوفاء بكلّ عقد مطلقا قبل الفسخ و بعده، فالخارج عن الآية إنّما هو بالتخصيص لا غير.
و اورد على هذا الاستدلال بوجوه:
منها: أنّ العقود على قسمين جائزة و لازمة، و الوفاء في كلّ منهما بحسبه.
و اجيب عنه - كما ذكره الشيخ قدّس سرّه -: أنّ الجواز و اللزوم من أحكام العقد، لا أنّ العقد في حدّ نفسه ينقسم إلى قسمين.
و منها: أنّه بعد الفسخ ليس هناك عقد حتّى يجب الوفاء به، و بعبارة اخرى: بعد
1) سورة المائدة: الآية 1.
الفسخ يشكّ في بقاء العقد، فلا مورد للتمسّك ب أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.
و فيه: أنّ العقد بالمعنى المصدري هو فعل المتعاقدين و ليس له بقاء، و ليس بمعنى الاسم المصدري حتّى يعقل له البقاء و الاستمرار، فالواجب هو الوفاء بالعقد حدوثا إذ لا بقاء له، و العقد بالمعنى المصدري لا فرق فيه قبل الفسخ و بعده، إذ لا بقاء له حتّى يشكّ فيه بعد الفسخ، و هذا واضح.
و منها: أنّ وجوب الوفاء لا يتعلّق إلاّ بما يكون متعلّقه فعلا اختياريّا للمكلّف - كنذر الصوم و نحو ذلك - لا بما هو خارج عن قدرة المكلّف، كالالتزام بالملكيّة و نحوها، لأنّها أمر خارج عن قدرة المكلّف، إن اعتبره الشارع أو العقلاء يكون و إلاّ فلا، و لا معنى للالتزام به، فتختصّ الآية بالالتزام بالامور المقدورة كالنذر و نحوه، و لا تعمّ البيع.
و فيه: ما أفاده الشيخ قدّس سرّه، من أنّ الوفاء بالعقد إنّما هو بمعنى ترتيب آثار مقتضاه، و ترتيب آثار مقتضاه أمر اختياريّ للمكلّف.
و لا يخفى ما في جوابه قدّس سرّه:
أمّا أوّلا: فلأنّ الوفاء لم يعهد أن يكون بمعنى ترتيب آثار المقتضي، لذا لو غصب البائع المبيع من المشتري، لا يقال: إنّه لم يف بعقده.
و ثانيا: أنّ وجوب ترتيب آثار مقتضى العقد غير مختصّ بالعاقدين، بل يجب ذلك على جميع المكلّفين، فلا وجه لتخصيصه بهم، فهذا الجواب ليس بشيء.
و التحقيق أن يقال: إنّ الوفاء يكون بمعنى التمام، يقال: درهم وافي أي تامّ، فمعنى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ هو وجوب إتمام العقد، و إتمام العقد في كلّ مورد بحسبه، و على هذا فيجب إتمام العقد - و هذا الوجوب وجوب إرشادي كما هو واضح -
و بإطلاقه يشمل بعد الفسخ أيضا. و هذا مدلول مطابقيّ للآية، و لازم إتمام العقد البناء على كون المبيع ملكا للمشتري، فيكون دليلا للمقام.
و منها: قوله تعالى: أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ (1).
و الاستدلال به مبنيّ على مقدّمتين، أحدهما: أنّ قوله «أحلّ» ظاهر في الحلّية التكليفيّة، ثانيهما: أنّ المراد من البيع هو التصرّفات المترتّبة عليه لا نفسه، إذ لا معنى للحكم بحلّية مجرّد إنشاء البيع. و بعد المقدّمتين نتمسّك بإطلاق حلّية التصرّف حتّى بعد الفسخ، و ليس معنى اللزوم إلاّ ذلك.
و في كلتا المقدّمتين نظر:
أمّا في الاولى؛ فلأنّ الحلّية في اللغة الفارسيّة يرادفه لفظ «باز بودن» و «رها بودن» فالحلال هو الشيء الذي ليس بالنسبة إليه منع، كما أنّ الحرمة بمعنى الحرمان، و الحرام بمعنى الممنوع عنه، و هذه المعاني جامعة بين الوضعيّة و التكليفيّة، و عليه فاستفادة الوضع أو التكليف من هذه الألفاظ لا بدّ و أن تكون بقرينة خارجيّة، كإسنادها إلى الأفعال أو غيرها، و ليست في الآية المباركة قرينة على إرادة التكليف من «أحلّ» بل القرينة على خلافه، و هي إسناده إلى البيع الذي اعترف قدّس سرّه بالاحتياج إلى التقدير أو يكون المراد من البيع التصرّفات المتوقّفة عليه.
و إذا كان المراد الحلّية الوضعيّة فلا يمكن التمسّك بها للمقام، لأنّه إرشاد إلى نفوذ البيع العرفي و صحّته و أجنبيّ عن مسألة اللزوم، إذ معنى أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ أنّه تعالى أقرّه مقرّه و أثبته في مكانه. و هكذا في حَرَّمَ اَلرِّبٰا فإنّه يحتمل أن يكون بمعنى
1) سورة البقرة: الآية 275.
الحرمة الوضعيّة أي عدم النفوذ، و لا ينافي ذلك أن يكون حراما تكليفا أيضا، كما هو كذلك.
و أمّا الثانية؛ فنفرض ظهور «أحلّ» في التكليف، و لكن أيّ مانع من أن يكون نفس إنشاء البيع حلالا، فإنّه أيضا فعل من الأفعال، و حينئذ بالدلالة الالتزاميّة يدلّ على النفوذ و الإمضاء، و على هذا أيضا يكون أجنبيّا عن اللزوم و عدمه.
ثم أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّه حيث إنّ الشكّ يكون في رفع الفسخ للآثار الثابتة لم يمكن التمسّك في رفعه إلاّ بالاستصحاب.
و هذا الكلام بظاهره صدوره عن الشيخ غريب، إذ لو سلّمنا ظهور الآية في حلّية التصرّفات و إطلاقها حتّى بعد الفسخ، فلماذا لا يمكن التمسّك إلاّ بالاستصحاب، و في أيّ مورد كان الأصل العملي مقدّما على الأصل اللفظي.
و من هذه الجهة تصدّى الاستاذ المحقّق النائيني قدّس سرّه لتوجيه هذا الكلام بما حاصله: أنّ ارتفاع الحكم من الانقسامات اللاحقة للحكم كالعلم به، فلا إطلاق للحكم بالنسبة إلى حال ارتفاعه، و إذا لم يكن هناك إطلاق فلا مجال إلاّ للتمسّك بالاستصحاب. و هذا هو الفرق بين هذه الآية و الآية السابقة، انتهى(1).
و فيه: أنّ رفع الحكم الشرعي غير رفع المتعاقدين لما اعتبراه في مقام المعاقدة، و الفسخ رفع الاعتبار لا رفع الحكم الشرعي، فلا مانع من أن يكون للحكم إطلاق يشمل صورة ارتفاع هذا الاعتبار، و ليس المراد ارتفاع الحكم حتّى يكون من الانقسامات الثانويّة. فما أفاده في غير محلّه.
1) منية الطالب 11/3.
فالوجه في بطلان الاستدلال بهذه الآية إنّما هو إنكار المقدّمتين.
و منها: قوله تعالى لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (1).
و تقريب الاستدلال بها للمقام يكون من جهتين: الاولى من عقد المستثنى، و الثانية من المستثنى منه.
أمّا من الجهة الاولى فيقال: المراد من الأكل في قوله تعالى لاٰ تَأْكُلُوا ليس الأكل الخارجي، بل هو كناية عن مطلق التصرّفات، إذ لا خصوصيّة للأكل من بين التصرّفات، فظاهر المستثنى منه حرمة جميع التصرّفات في أموال بعض بالنسبة إلى البعض الآخر. و من الواضح أنّ نقيض الحكم الثابت في المستثنى منه يثبت للمستثنى، و نقيض حرمة التصرّف جوازه، فمقتضى الاستثناء جواز التصرّفات المترتّبة على التجارة عن تراض، و لازم الحكم بجواز التصرّفات إمضاء التجارة، و إلاّ يلزم الحكم بجواز التصرّف في أموال الغير، و بإطلاقه يشمل ما بعد الفسخ أيضا، و هذا هو معنى اللزوم.
و أورد عليه الشيخ قدّس سرّه بعين الإيراد الذي أورده على الآية السابقة، و هو أنّ الشكّ إنّما هو في بقاء الأثر، و لا يمكن التمسّك إلاّ بالاستصحاب. و يأتي توجيه المحقّق النائيني قدّس سرّه في الفرق بين المقام و الآية السابقة. و يردّه ما ذكرناه حذو النعل بالنعل.
إلاّ أنّ في المقام زيادة على الآية السابقة، و هي أنّ المراد من «الأكل» ليس التصرّفات، و إنّما المراد منه السلطنة على المال بعنوان المالكيّة، و التعبير عنها
1) سورة البقرة: الآية 188.
ب «الأكل» متعارف في اللغة العربيّة و الفارسيّة و غير هما. و أمّا مجرّد التصرّف من دون ادّعاء السلطنة فلا يعبّر عنه بالأكل عرفا، كما لو غصب غاصب عباء غيره لا بعنوان التملّك بل أخذه بعنوان رفع الحاجة به ليلة واحدة و ردّه بعد ذلك، فلا يقال:
إنّه أكل العباء، بخلاف ما إذا أخذه بعنوان المالكيّة، و هذا واضح جدّا.
و على هذا، فليست الآية إلاّ إرشادا إلى نفوذ التجارة، و تكون أجنبيّة عن اللزوم و الجواز، فلا يتمّ هذا التقريب.
و اورد عليه أيضا بوجه آخر قابل للدفع، و هو أنّ الآية لا تكون من جهة الإثبات في مقام البيان، و إنّما هي في صدد بيان عقد المستثنى منه، و هو عدم جواز الأكل.
و فيه: ما هو واضح، و هو أنّه خلاف الظاهر، إذ نرى أنّه لو قال المولى: لا تكرم الفسّاق إلاّ زيدا، يتمسّك بإطلاق «زيد» من حيث حالاته، و لا يقال إنّ المولى لم يكن في مقام البيان من ناحية المستثنى. و بالجملة بما ذكرنا ظهر عدم صحّة هذا التقريب.
و لكن يمكن تقريب الاستدلال بوجه آخر، بأن يقال: إنّ الاستثناء في المقام لا بدّ و أن يكون مفرّغا؛ لما ذكرناه غير مرّة أنّ الاستثناء المنقطع ممّا لا معنى له إلاّ أن يرجع إلى المتّصل، بأن يكون المستثنى منه مقدّرا و يكون الاستثناء مفرّغا، و على هذا فالمستثنى منه في الآية محذوف، و الدليل عليه هو التعليل في قوله «بالباطل» فكأنّه قال تعالى: لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بسبب من الأسباب فإنّه باطل إلاّ إذا كان السبب تجارة عن تراض، فحصر تعالى أسباب جواز الأكل بالتجارة عن تراض، و من الواضح أنّ الفسخ لا يكون تجارة، و على تقدير كونه تجارة فلا يكون عن تراض، فلا يكون سببا محلّلا لأكل مال الغير، إذ من الواضح أن الثمن قبل
الفسخ كان مال البائع و المثمن كان للمشتري. و بهذا التقريب نثبت اللزوم بالآية الشريفة.
و بعبارة اخرى: لو كان الاستثناء منقطعا فلا دلالة له على الحصر، لأنّ مفاده حينئذ ليس إلاّ إثبات حكم لموضوع و رفعه عن موضوع آخر، و صورته صورة الاستثناء فقط، و هذا بخلاف ما إذا قلنا بأنّ الاستثناء لا بدّ و أن يكون متّصلا و لو ادّعاء، فحينئذ يدلّ على الحصر و يتمّ ما ذكرناه.
و أمّا التمسّك بعقد المستثنى منه، فتقريبه: أنّ المراد من «الباطل» هو الباطل العرفي، فالمقدّر في الآية هو الأسباب الباطلة العرفيّة، فمعنى الآية حينئذ: لا تأكلوا أموالكم بسبب من الأسباب الباطلة عند العرف، و من الواضح أنّ الفسخ يكون من الأسباب الباطلة عند العرف، و على هذا فلا تدلّ على فساد الأكل بالقمار و نحوه من الأسباب الصحيحة عند العرف. هذا هو الاحتمال الأوّل، و عليه يتمّ الاستدلال.
و الاحتمال الثاني أن يكون المراد الباطل الشرعي، فالمعنى لا تأكلوا أموالكم بالأسباب الباطلة في الشرع. و على هذا لا يتمّ الاستدلال، و يكون التمسّك به حينئذ من التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة، إذ نحتمل أن يكون الفسخ من الأسباب الصحيحة شرعا.
و هناك احتمال ثالث و هو الصحيح، و هو أن يكون الباطل هو الباطل الواقعي، إذ البطلان - في مقابل الحقّ - أمرّ واقعيّ مع قطع النظر عن اعتبار العقلاء أو الشارع أو غير هما فتأمّل، فلا وجه لتخصيصه بالعرفي أو الشرعي، بل المراد الأسباب الباطلة في الواقع. و على هذا الاحتمال أيضا لا يمكن الاستدلال؛ لأنّ الشبهة مصداقيّة، إذ يحتمل أن لا يكون الفسخ من الأسباب الباطلة في الواقع. فهذان
الوجهان مشتركان في عدم جواز التمسّك و الاستدلال بناء عليهما.
و منها: قوله عليه السّلام «لا يحلّ مال امرء مسلم إلاّ عن طيب نفسه»(1)و تقريب الاستدلال به بوجهين:
الوجه الأوّل: أنّ حلّية المال لا يكون إلاّ بطيب نفس المالك، و من الواضح أنّ التصرّف بعد الفسخ يكون تصرّفا في مال الغير لا عن طيب نفسه.
أقول: «الحلّ» قد عرفت أنّه بمعنى الإرسال و الإطلاق، و هذا المعنى جامع بين التكليفي و الوضعي، و على هذا ففي بعض الموارد يستفاد من متعلّقه أن المراد منه التكليف و في بعض الموارد الوضع، و في المقام حيث تعلّقت الحلّية بالمال، و المال غير قابل لتعلّق الحلّية به - سواء كانت وضعيّة أو تكليفيّة - فلا بدّ من التقدير، و المقدّر لا محالة يكون جميع التصرّفات التي منها الفسخ.
و على هذا نقول: لو كان المراد من عدم حلّية الفسخ الحلّية الوضعيّة على خلاف سائر التصرّفات، فيرد عليه: أنّ إرادة معنيين من لفظ واحد بأن يراد منه بالنسبة إلى بعض مصاديق متعلّقة معنى و بالنسبة إلى بعضها الآخر معنى آخر و إن كان ممكنا عقلا، و لكنّه خلاف التعابير العرفيّة.
و لو كان المراد من عدم حلّية الفسخ الحلّية التكليفيّة، فيرد عليه أوّلا: أنّ الفسخ ليس تصرّفا فلا وجه لأن يكون حراما لأنّه ليس إلاّ مجرّد قصد الرجوع أو الإنشاء، و لا معنى لأن يكون هذا حراما تكليفا. و ثانيا: أنّ النهي في المقام إذا كان تكليفيّا دالاّ على المبغوضيّة فلا يدلّ على الفساد.
1) عوالي اللآلي 113/2، الحديث 309.
و يرد على كلا التقديرين: أنّ الفسخ و لو فرضنا أنّه تصرّف بالدقّة، لكن عرفا يكون التصرّف منصرفا عنه و لا يكون في العرف تصرّفا، فلا تشمله الرواية أصلا.
الوجه الثاني: أن يتمسّك بإطلاق عدم حلّية التصرّفات بدون طيب النفس حتّى لما بعد الفسخ، فيكون التصرّف بعد الفسخ حراما، و لازم ذلك عدم نفوذ الفسخ، إذ لو كان نافذا لم يكن وجه لحرمة التصرّف.
و فيه: أنّ متعلّق عدم الحلّ - أي الحرمة - إنّما هو مال الغير، و بعد الفسخ يشكّ في أنّه باق على ملك الغير أم لا، فلا بدّ من استصحاب البقاء حتّى يتمّ المطلوب، فالاستدلال يتوقّف على الاستصحاب، و بدونه يكون من الشبهة المصداقيّة.
و منها: قوله عليه السّلام «الناس مسلّطون على أموالهم»(1)و هذه الرواية منقولة في البحار(2)، و أظنّ أنّها عامّي، و لكن ضعفها منجر بعمل الأصحاب و شهرتها عندهم.
و تقريب الاستدلال بها: أنّ ظاهرها إثبات السلطنة المطلقة، لا السلطنة في مقابل الحجر، بمعنى مجرّد جواز التصرّف و لو لم يكن له منع الغير عن التصرّف، كتصرّف الأب و الجدّ مثلا، و إذا كانت ظاهرة في السلطنة المطلقة فلازمها عدم جواز تصرّف الغير بدون إذنه، و منها الفسخ.
و فيه: أنّ الفسخ ليس من قبيل التصرّفات الخارجيّة، بل و لا من قبيل البيع، و ذلك لأنّه لا تعلّق له بالمال أصلا، و إنّما هو حلّ العقد، فلا يكون الفسخ بنفسه منافيا لسلطنة الغير على المال، و إذا لم يكن الفسخ بنفسه منافيا فلا يمكن التمسّك
بالرواية لعدم جواز التصرّف بعد الفسخ، لاحتمال خروج العين بالفسخ عن ملك المالك السابق.
و بعبارة اخرى: نفس الفسخ لا يكون منافيا للسلطنة، و شمول الرواية للتصرّفات بعد الفسخ فرع بقاء سلطنة المالك السابق، و هو فرع بقاء موضوع السلطنة، أي كون العين مالا له، و من الواضح أنّ الحكم لا يثبت موضوعه.
و منها: قوله عليه السّلام «المؤمنون عند شروطهم»(1).
و تقريب الاستدلال به واضح.
و ربما يورد عليه: أنّ الشرط لا يصدق على الالتزامات الابتدائيّة كما يظهر من القاموس، حيث يقول: الشرط هو الالتزام التبعي في بيع و نحوه، و هكذا استعماله في بعض الأدعية، كما في دعاء التوبة و دعاء الندبة، إذ الظاهر أنّ قوله: «و شرطي عليك أن لا أعود» أنّه التزام في ضمن الطلب و الاستغفار كما هو أمر عرفي. و قوله:
«و شرطت عليهم الزهد» الالتزام في ضمن الخلقة و إضافة الوجود.
و فيه: أنّ الشرط ليس إلاّ بمعنى الربط، و لذا يقال «شريط» للحبل الذي يشدّ بين شيئين من جهة أنّه يربط بين طرفيه. فهذه الدعوى لا وجه له، خصوصا ما ذكر في القاموس، من اعتبار أن يكون الالتزام في ضمن بيع و نحوه، و يعارضه ما ورد في الأدعية و نحوها. فمن هذه الجهة لا إيراد في الرواية و يصدق على الالتزامات الابتدائيّة.
و لكن الاستدلال به للزوم العقد فاسد من جهة اخرى، و هي أنّ ظاهر هذه
1) الوسائل 30/15، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 4.
الجملة هو وجوب العمل بما التزموا به و إتيان ذلك في الخارج، و هذا المعنى يختصّ بالالتزامات المتعلّقة بالأعمال نظير الخياطة و أمثالها، و لا يأتي في مثل البيع و نحوه لأنّه غير متعلّق بالفعل كما هو واضح، فلا معنى لأن يقال: المؤمن عند عقده أي لازم لذلك و ملتصق به، و مرجعه إلى لزوم الشرط عليه.
فإن قلت: إنّ المراد من «عند» بالنسبة إلى شرط الأفعال و إن كان هو الوجوب التكليفي، و لكن لا ينافي ذلك أن يكون بالنسبة إلى غير الأفعال بمعنى الوجوب الوضعي أي النفوذ.
قلت: هذا و إن كان ممكنا، لكنّه خلاف الفهم العرفي، فمن هذه الجهة لا يمكن التمسّك بالرواية. و في باب خيار الشرط لا نثبت بها إلاّ وجوب الوفاء بالشرط، و أمّا الخيار عند التخلّف فإثباته يكون بدليل آخر، كما سيأتي إن شاء اللّه.
و منها: قوله عليه السّلام «البيّعان بالخيار مالم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع»(1).
و كيفيّة الاستدلال به واضح، و لكن الجملة الأخيرة التي بها يتمسّك في المقام لا يستفاد منها إلاّ المستفاد من مفهوم قوله «مالم يفترقا» أي بعد الافتراق لا يكون هذا الخيار باقيا، أي يكون على طبعه الأوّلي، و لذا لا يكون منافيا لثبوت خيار العيب و الغبن و تخلّف الشرط و نحو ذلك، لا أنّ هذه الخيارات تكون بالتخصيص كما أفاده المحقّق النائيني قدّس سرّه(2). و بالجملة ليس في الرواية ظهور في إثبات أزيد من اللزوم الطبعي الذي يقتضيه عدم محدوديّة المبادلة، فتأمّل.
و لا يخفى أنّ هذه الرواية و قوله تعالى أَحَلَّ اَللّٰهُ اَلْبَيْعَ على فرض تماميّتهما يكون دليلا للزوم خصوص البيع، و سائر العمومات المذكورة غير مختصّة به.
و تحصّل ممّا ذكرنا دلالة قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و قوله تعالى لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ على المدّعى من غير إشكال. هذا كلّه في العمومات.
ثمّ يقع الكلام في مقتضى الاستصحاب. و الاستصحاب أكثر فائدة من العمومات، و ذلك لجريانه في الشبهات الموضوعيّة أيضا بخلافها، فإنّها مختصّة بالشبهات الحكميّة.
و كيف كان، مقتضى الاستصحاب بقاء ملكيّة المالك السابق حتّى بعد الفسخ، و نعبّر عن هذا باللزوم. و ليس هذا استصحاب الحكم اللزومي أو عدم جعل الخيار، إذ ليست له حالة سابقة، مضافا إلى معارضته بالمثل كما هو واضح.
و اورد على التمسّك بهذا الاستصحاب بوجهين:
الأوّل: أنّ في المقام استصحاب حاكم، و هو استصحاب بقاء علاقة المالك الأوّل و سلطنته على الفسخ.
و فيه أوّلا: أنّه تارة يقال إنّ الملكيّة أمر ذو مراتب بحسب الدقّة العقليّة، و اخرى يقال ليست لها مراتب كما هو الحقّ. أمّا على الثاني فعدم جريان الاستصحاب واضح، لأنّ تلك الملكيّة قد ارتفعت يقينا، و ثبوت الحقّ الذي هو أجنبيّ عن الملكيّة مشكوك فيه، و الأصل عدمه. و أمّا على الأوّل فالاستصحاب و إن كان له موضوع، و لكنّه غير جار لمغايرة المرتبتين عرفا، فالمشكوك مغاير مع المتيقّن في نظر العرف، و من الواضح أنّ الاتّحاد العرفي هو الموضوع للاستصحاب.
و ثانيا: لو سلّمنا جريان استصحاب بقاء مرتبة من الملكيّة و العلاقة التي نعبّر
عنها ب «الحقّ» نقول: هذه العلاقة و الحقّ أجنبيّ عن خيار الفسخ بالكلّية، لأنّه لم تكن للمالك السلطنة على الفسخ وردّ الملك عن مالكه قبل وقوع البيع حتّى يستصحب بقاؤها، لوضوح أنّ ثبوت هذه السلطنة فرع تحقّق العقد و وقوعه على المال خارجا، فاستصحاب بقاء العلاقة لا يثبت هذه السلطنة التي لم تكن قبل وقوع البيع. فهذا الإيراد ليس بشيء.
الثاني: استصحاب بقاء الخيار الثابت في المجلس.
و فيه أوّلا: أنّ هذا لا يجري في ما لا خيار فيه للمجلس.
و ثانيا: تارة نقول بإمكان تحقّق خيارين و ثبوتهما معا في زمان واحد، و اخرى لا نقول به:
أمّا على الثاني، فلا محالة في المجلس لا يكون إلاّ شخص واحد من الخيار، غايته يحتمل أن يكون لذلك الشخص الواحد سببان و علّتان، فبعد ارتفاع أحد السببين يشكّ في بقاء ذلك الشخص بعينه بسبب آخر، فيستصحب بقاء ذلك الشخص بعينه. كما لو علمنا بوجود زيد في الدار، و علّة بقائه كان هو المطالعة، و انعدم هذه العلّة يقينا، و لكن يشكّ في بقائه بواسطة علّة اخرى كنوم و نحوه، فمن الواضح جريان هذا الاستصحاب. و في المقام أيضا قد علمنا بتحقّق شخص خيار بسبب المجلس، و هذا السبب انعدم يقينا، و لكن نحتمل بقاء ذلك الخيار بسبب آخر، فنستصحب بقاءه.
و لكن هذا الاستصحاب كما ذكره الشيخ قدّس سرّه مخالف لعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بناء على أن يكون له عموم أزماني أيضا، و مخالف لقوله عليه السّلام «فإذا افترقا وجب البيع» فإنّ ظاهره أنّ شخص هذا الجواز انقلب إلى اللزوم، و هذا لا ينافي ثبوت خيار آخر
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّه يظهر من المختلف في مسألة أنّ المسابقة لازمة أو جائزة [1]
بسبب آخر، و من المفروض أنّه لم يكن هناك جواز آخر حتّى يستصحب.
و مراد الشيخ من وجوب الرجوع هنا إلى عموم «أوفوا» أو إلى ما ورد من أنّه «إذا افترقا وجب البيع» هو الرجوع من جهة إثبات هذا المعنى. فلا يرد عليه أنّ الكلام في مقتضى الأصل لا العمومات اللفظيّة؛ لأنّ الرجوع إليها ليس من جهة إثبات اللزوم كما عرفت.
و أمّا على الأوّل، فيرجع الشكّ في البقاء إلى احتمال وجود خيار آخر مقارنا مع خيار المجلس، و بعد ارتفاع خيار المجلس يشكّ في بقاء كلّي الخيار، فيكون استصحابه من قبيل استصحاب الكلّي القسم الثالث في الفرد المقارن لا غير المقارن. و حيث إنّ الشيخ قدّس سرّه يقول بجريانه في الفرد المقارن(1)، فلا بدّ له من الالتزام
بجريان هذا الاستصحاب في المقام. و لكن قد بيّنا أنّ الحقّ - وفاقا لصاحب الكفاية(2)و من تبعه - عدم جريان استصحاب القسم الثالث حتّى في الفرد المقارن؛ لأنّ المتيقّن مرتفع قطعا و المشكوك مسبوق بالعدم. و عليه فالحقّ عندنا عدم جريان هذا الاستصحاب أيضا، فيكون استصحاب بقاء ملك المالك السابق حتّى بعد الفسخ سليما عن المعارض.
[1] أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّ هذا الأصل أي أصالة الجواز حسن في المسابقة و شبهها ممّا
لا يحصل به التمليك و التسليط، فبعد الفسخ و تحقّق السبق يشكّ في أنّه تملّك أم لا، و الأصل عدمه.
و أورد عليه المحقّق النائيني(1): بأنّكم حيث تلتزمون بجريان الاستصحاب التعليقي - إمّا لكفاية المتيقّن التقديري في جريانه، أو بإرجاعه إلى استصحاب الملازمة الثابتة يقينا، كما في غليان الزبيب مثلا، فإنّه قدّس سرّه يلتزم بجريان استصحاب الحكم التعليقي الثابت على العنب و هو أنّه إذا غلا يحرم أو ينجس، أو استصحاب الملازمة الثابتة بين غليان العنب و الحرمة - فكيف لا تقولون به في المقام، بأن تقولوا: إنّ الطرف على تقدير السبق كان مالكا قبل الفسخ و بعد الفسخ نستصحب ذلك و فعلا السبق تحقّقه وجداني فأحد الجزءين محرز بالوجدان و الآخر بالاستصحاب، أو باستصحاب الملازمة؟
ثمّ يقول قدّس سرّه: و نحن و إن أنكرنا جريان الاستصحاب التعليقي في مثل العنب و الزبيب و لكن لا ننكره في المقام؛ و ذلك لأنّ الأحكام الشرعيّة لها مقامان: مرتبة الجعل و مرتبة المجعول أي الفعليّة، إذ من الواضح أنّها تكون من قبيل القضايا الحقيقيّة، و ارتفاع المرتبة الاولى لا يكون إلاّ بالنسخ، و لذا لو فرضنا أنّ الخمر الخارجي انقلب و صار خلاّ، فإنّ هذا الانقلاب لا يوجب ارتفاع الحكم بتلك المرتبة، بل حرمة الخمر الثابتة بقوله تعالى فَاجْتَنِبُوهُ تكون باقية على حالها، لأنّها من قبيل القضايا الحقيقيّة. و المرتبة الثانية مقام الفعليّة، و هذا لا يكون إلاّ بتحقّق الموضوع بجميع قيوده، و رفعه كما يمكن أن يكون بالنسخ يمكن أن يكون
1) انظر منية الطالب 18/3.
بانعدام الموضوع. و نحن نقول بجريان استصحاب بقاء الحكم في كلا المرتبتين، فلو شككنا في أنّ الحرمة المجعولة للخمر ارتفع أم لا، نتمسّك باستصحاب عدم النسخ. و إذا فرضنا تحقّق الخمر بقيوده نحكم بفعليّة الحرمة؛ لأنّ مرحلة جعل الحكم باقية بالاستصحاب و مرحلة فعليّته محرزة بالوجدان فتكون الحرمة فعليّة.
و هكذا في الشكّ في ارتفاع الحكم بمرتبته الفعليّة. نعم بين هاتين المرتبتين مرتبة اخرى، و نحن نقول بعدم جريان الاستصحاب في تلك المرتبة كما في الزبيب و العنب. و تمام الكلام في محلّه، إذ من الواضح أنّه محتاج إلى البسط و التفصيل.
و المقام أيضا من قبيل القسم الأوّل؛ و ذلك لأنّه بمجرّد إنشاء المتعاقدين حكم الشارع بالملكيّة لمن يكون سابقا - على طبق التزام المتعاقدين - و بعد الفسخ نشكّ في ارتفاع هذا الحكم الذي كان مجعولا بنحو القضيّة الحقيقيّة و بقائه، فنستصحبه، و بعد حصول السبق يكون الموضوع محرزا بالوجدان، و هذا واضح.
و الإنصاف أنّ ما أفاده في غاية المتانة جدّا.
ثمّ إنّه في الشبهة المصداقيّة لا يجوز الرجوع إلى العام، كما لو لم يعلم أنّ هذا العقد الخارجي هل هو بيع حتّى يكون لازما، أم هو هبة حتّى تكون جائزة، فإنّه لا يجوز الرجوع إلى العمومات، لاحتمال أن يكون من أفراد المخصّص، بل لا بدّ من الرجوع إلى الأصل العملي، و هو استصحاب بقاء أثر العقد و عدم زواله بالفسخ، إلاّ أن يكون هناك أصل حاكم عليه. نظير ما لو شككنا في عقد أنّه كان هبة إلى غير الرحم أو كان صدقة، فعلى الأوّل يجوز له الرجوع، و على الثاني لا يجوز لأنّ ما كان للّه لا يرجع، فمقتضى الأصل عدم قصد الواهب القربة، لأنّ الصدقة مطلق الفعل للّه تعالى و الهبة ليست إلا تمليك بلا عوض، فنفس هذا التمليك لو لم يقصد به القربة
يكون هبة فيكون جائزا. و نظير ما لو علمنا بأنّ العقد الخارجي هبة، و لكن شككنا في أنّه هل هي إلى ذي رحم أم لا، فنتمسّك بأصالة عدم تحقّق النسب، أمّا على مسلكنا فبالعدم الأزلي، و أمّا على مسلك المشهور فلقيام الدليل على جريان خصوص هذا الاستصحاب، و هو الرواية التي تعرّض لها الشيخ قدّس سرّه في الرسائل(1)، و مضمونها: «و امرأة تحتك تحتمل أنّها رضيعتك...»(2)و يمكن أن تكون إرشادا إلى صحّة استصحاب العدم الأزلي. أو إذا ادّعى المتّهب أنّه زوجه الواهب أو زوجه - بناء على أن يكون هبة الزوجة إلى الزوج و بالعكس لازما - فيستصحب عدم تحقّق الزوجيّة، و هذا المعنى حالة سابقة.
ثمّ أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّه ليس مفاد هذا الأصل إلاّ عدم جواز العقد و عدم انفساخه بالفسخ، و أمّا تعيين العقد فلا يثبت به، فلا تترتّب عليه آثار العقد اللازم، بل في كلّ أثر لا بدّ و أن يرجع إلى الأصل الجاري فيه. و عليه لو شككنا في اشتغال الذمّة بالعوض من جهة الشك في أنّ العقد كان هبة أو بيعا، يتمسّك لدفعه بالبراءة. و إذا شككنا في الضمان فيما إذا تبيّن فساد العقد بأن شككنا في أنّ التمليك كان مجّانيا بهبة و نحوها فلا ضمان أو أنّه كان تمليكا بعوض فيكون الطرف ضامنا، أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّه في هذا الفرض يحكم بالضمان لعموم «على اليد» إن كان هو المستند للضمان، و أمّا إن كان المستند الإقدام على الضمان أو كان عنوان الهبة خارجا عن عموم «على اليد» فلا يمكن التمسّك بعموم «على اليد» لأنّه شبهة مصداقيّة، انتهى.
قوله قدّس سرّه: في أقسام الخيار و هي كثيرة [1]
أقول: الظاهر أنّه لا دليل على خروج عنوان الهبة عن عموم «على اليد» و إنّما الخارج هو الإقدام على المجّانية، و عليه فلو شككنا في أنّه أقدم على عدم الضمان أم لم يقدم، فالأصل عدمه. و هكذا لو كان الدليل على الضمان هو قاعدة اليد، كما ذكر في محلّه.
ثمّ في هذه الصورة لو رجع الواهب بحسب دعوى الموهوب له، لا محالة يعلم الطرف إجمالا إمّا بضمانه بعوض العين أو بوجوب ردّ نفسها إليه، ففي التعيين لا بدّ إمّا من القرعة بناء على جريانها في أمثال المقام كما هو الحقّ، أو الصلح القهري كما في نظائره.
هذا، و لكن لم نعلم وجه تعرّض الشيخ قدّس سرّه لهذا الفرع في المقام.
[1] أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّ أقسام الخيار كثيرة، و لكن المذكور منها في جميع الكتب سبعة و قد أنهاها بعضهم إلى أزيد من ذلك.
و نحن نقول: التحقيق أنّ الجامع بين الجميع ثلاثة؛ و ذلك لأنّ الخيار تارة يكون مجعولا شرعا ابتداء و اخرى يكون مجعولا ببناء المتعاقدين و ثالثة يكون بتبع تخلّف بعض ما يكون دخيلا في الالتزام إمّا ضمنا و إمّا استقلالا. أمّا الأوّل فمثل خيار المجلس و نحوه، و أمّا الثاني فينحصر في شرط الخيار و ربّما يعبّر عنه ب «خيار الشرط» و أمّا الثالث فيعبّر عنه ب «خيار تخلّف الشرط» أو «تخلّف الوصف» و هذا ينقسم إلى أقسام عديدة. فالأولى أن يقسّم الخيار إلى ثلاثة أقسام ثمّ يقسّم القسم الثالث إلى أقسام.
قوله قدّس سرّه: في خيار المجلس [1]
[1] و المراد بالمجلس مطلق المكان، أي الأين الواقع فيه العقد، سواء كان المتعاقدان في حال تحقّق العقد جالسين أو نائمين أو قائمين. و لا يضرّ اختلاف الأين أيضا مالم يصدق الافتراق، كما لو فرضنا وقوع البيع في حال مشي المتعاقدين، فإنّ في جميع أمكنة مشيهما يتحقّق خيار المجلس مالم يفترقا.
و التعبير ب «المجلس» يحتمل أن يكون لأجل الغلبة.
و كيف كان، أفاد قدّس سرّه بأنّه لا إشكال في ثبوته للمتبايعين إذا كانا أصليّين - أي في صورة اجتماع كلا القيدين - و لا في ثبوته للوكيلين في الجملة.
فالكلام يقع في مقامين:
المقام الأوّل: في ثبوته للوكيلين.
و الوكيل تارة يكون وكيلا في مجرّد إجراء الصيغة فقط، و اخرى يكون وكيلا مفوّضا.
و فعلا يكون الكلام في الوكيل في مجرّد إجراء الصيغة كما هو الغالب.
و الحقّ عدم ثبوت خيار المجلس له؛ و ذلك لانصراف دليله عنه، و هو قوله عليه السّلام:
«البيّعان بالخيار مالم يفترقا»(1)لأنّ عنوان البائع منصرف عنه. و يؤيّد المدّعى أنّ هذه الرواية بمنزلة المخصّص لقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فلا محالة يكون بالنسبة إلى من تشمله الآية المباركة، و من الواضح أنّ خطاب «أوفوا» متوجّه إلى الملاّك و لا يشمل الوكيل في مجرّد إجراء العقد، خصوصا على ما بيّناه في معنى الوفاء.
1) الوسائل 345/12-346، الباب الأوّل من أبواب الخيار، الحديث 1 و 2 و 3، و 350، الباب 3 من الأبواب، الحديث 6.
و أفاد الشيخ قدّس سرّه وجها آخر لعدم ثبوت الخيار للوكيل، و حاصله: أنّ أدلّة إثبات الخيار إنّما يثبته لكلّ من المتعاقدين فيما انتقل عنه بعد الفراغ عن كونه مسلّطا على ما انتقل إليه، و لذا لا يثبت الخيار فيما إذا لم يكن مسلّطا على ما انتقل إليه، كما إذا كان المبيع ممّن ينعتق عليه أو كان منذور التصدّق أو ممّا يجب صرفه في نفقة من يجب عليه نفقته. و لو شكّ في هذه الامور لا يمكن التمسّك بأدلّة الخيار لإثبات الخيار، إلاّ أن يكون هناك أصل موضوعيّ كأصالة عدم تحقّق النسبة بين المبيع و المشتري فلا يكون ممّن ينعتق عليه أو أصالة عدم تعلّق النذر بالتصدّق بهذا العين إلى غير ذلك. و لكن هذه الاصول لا يثبت الموضوع كما هو واضح.
و هذا الكلام بظاهره ممّا لا وجه له؛ و ذلك لعدم الدليل على اعتبار التسلّط على ما انتقل إليه في ثبوت الخيار أصلا. و أمّا الأمثلة المذكورة، فإن قلنا إنّ الفسخ هو ترادّ العينين، ففيها قابليّة العين للرد مفقودة لخروجها عن الملك أو تعلّق حقّ الغير بها، فتأمّل. و أمّا إن قلنا بأنّ الفسخ هو حلّ العقد ففي هذه الأمثلة أيضا نقول بثبوت الخيار، غايته تنقلب العين إلى المثل أو القيمة.
و من جهة عدم تماميّة كلام الشيخ بظاهره أوّله المحقّق النائيني قدّس سرّه(1)بما حاصله أنّ الخيار إنّما يثبت لمن يكون مالكا لالتزام الطرف الآخر.
و توضيحه: أنّ في المعاملات اللازمة ينحلّ العقد إلى التزامين، أحدهما: التزام كلّ منهما بالمبادلة بين المالين، و ثانيهما: الالتزام بالوقوف على هذا الالتزام و إثباته و عدم رفع اليد عنه، فكلّ من المتعاقدين يملك هذا الالتزام الثاني في ذمّة الغير.
1) منية الطالب 22/3 و 24.
و من هذه الجهة قلنا بثبوت الإقالة على القاعدة لأنّ كلاّ منهما يملك هذا الالتزام الذي لأجله ثبت اللزوم الحقّي فلهما إسقاطه. و أمّا فيما لم يكن فيه هذا الالتزام الثاني فلا تجري فيه الإقالة كما في باب النكاح، لأنّ اللزوم فيه حكميّ لا حقّي، و كان كثيرا مّا يقول إنّ الخيار إنّما يثبت في مورد قابل للإقالة، أي فيما يمكن فيه الفسخ بالإقالة، و لا يجري فيما لا تجري فيه الإقالة. و إذا ثبتت هذه الكبرى الكلّية، ففي المقام حيث إنّه ليس للوكيل في إجراء الصيغة حقّ الإقالة ببناء العرف، فليس له خيار المجلس أيضا، انتهى.
و هذا الكلام و إن كان له صورة حسنة، لكن يرد عليه أنّ اعتبار هذا المعنى في ثبوت الخيار ممّا لا دليل عليه عقلا و لا شرعا، و لذا في النكاح الذي التزم قدّس سرّه بعدم قابليّته للإقالة، كثيرا مّا يثبت الخيار لأحد الزوجين بالامور المعلومة.
و بالجملة بعد الإغماض عن الوجه الأوّل و هو دعوى الانصراف، فإنّ هذه الوجوه لا تكون مانعة عن ثبوت الخيار، إذ يمكن للشارع التصريح بثبوت الخيار للأجنبيّ عن المال، و لو دلّ دليل على ذلك لا يكون به بأس، و الإطلاق بناء على تسليمه يكون دليلا على ذلك، إلاّ أن ترجع هذه الوجوه إلى الوجه الأوّل أي الانصراف.
و بالجملة: بعض أدلّة خيار المجلس موضوعه عنوان «التاجران» و من الواضح أنّ هذا العنوان غير صادق على الوكيلين، خصوصا بملاحظة تقييده بقوله عليه السّلام «إذا لم يكذبا أو لم يخونا...» و عدم شمول هذه الرواية للوكيلين و إن لم يكن مضرّا بدلالة الروايات الشاملة - بناء على تسليم شمول «البيّعان» لهما أيضا، لأنّه لا مفهوم لها حتّى يوجب حمل المطلق عليه و ليس المقام مقام حمل المطلق على
المقيّد - لكن ربما يوهن دلالتها. و بعض الأدلّة موضوعه «البيّعان» و قد ذكرنا أنّ دعوى انصراف هذا العنوان عن الوكيلين غير بعيد. هذا أوّلا.
و ثانيا: إنّ مناسبة الحكم و الموضوع تقتضي أن تكون الرواية ناظرة إلى رفع اللزوم الثابت بقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فإنّ معنى الوفاء - على ما ذكرنا - هو الإتمام، و معنى «أوفوا» هو الأمر بالإتمام، و حيث نعلم قطعا أنّ الحكم التكليفي بالإتمام غير مراد قطعا لعدم اختصاصه بخصوص من بيده العقد، و حيث إنّ ظاهر الآية أنّ الخطاب متوجّه إليه، فلا محالة يكون إرشادا إلى نفوذ المعاملة و لزومها.
و عليه فرواية «البيّعان» تكون ناظرة إلى الآية، لا بمعنى الحكومة، بل بمعنى أنّه ينفي اللزوم عن موضوع الحكم في الآية، و هو من بيده العقد، و هو المالك ليس إلاّ.
هذا، مضافا إلى أنّ ذيلها، و هو قوله عليه السّلام: «فإذا افترقا وجب البيع»(1)ظاهر في أنّ الخيار ثابت لمن يلزم البيع بالنسبة إليه بعد الافتراق، و ليس هو إلاّ المالك، إذ لا معنى للزوم البيع على الأجنبي، فتأمّل.
و مضافا إلى قوله عليه السّلام في بعض الروايات: «فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا»(2)الظاهر في أنّ الرضا باللزوم الذي يحصل نوعا بالافتراق موجب لسقوط الخيار، و من الواضح أنّ من يكون رضاه بقاء معتبرا هو المالك.
و بهذين الوجهين نقول لا خيار للوكيلين.
و أمّا الوجه الثالث الذي أفاده الشيخ، و هو أنّ الخيار إنّما يثبت لمن هو مسلّط
على من انتقل إليه، أو الذي أفاده المحقّق النائيني من أنّ الخيار إنّما يثبت فيما تثبت فيه الإقالة، فقد ذكرنا أنّه لا دليل على شيء منهما.
ثمّ ذكر الشيخ قدّس سرّه في المقام وجوها اخر:
أحدها: أنّه في بعض أدلّة خيار المجلس قد قارن بينه و بين خيار الحيوان، و حيث لا يرضى فقيه بالتزام ثبوت خيار الحيوان للوكيل، فلا بدّ و أن يكون موضوع خيار الحيوان خصوص البائع، و من وحدة السياق يستفاد أنّ خيار المجلس أيضا موضوعه خصوص البائع دون الوكيل. و هذا و إن لم يكن موجبا لحمل المطلقات عليه، إلاّ أنّ سياق الجميع يشهد باتّحاد المراد من البيّعان في الجميع.
و فيه: أنّ عدم التزامهم بثبوت خيار الحيوان ليس من جهة أنّ المستعمل فيه في هذه الرواية خصوص المالكين دون الوكيلين، بل من جهة قيام دليل خاصّ على ذلك، كقوله عليه السّلام: «صاحب الحيوان بالخيار»(1)إلى غير ذلك ممّا يأتي تفصيله في محلّه.
و بعبارة اخرى: اختصاص خيار الحيوان بالمالكين بالتخصيص، و هذا لا يوجب تضييق دائرة المستعمل فيه في المطلق أصلا، و إذا كان كذلك فبمقدار ما ثبت التخصيص نرفع اليد عن إطلاق المطلق، و في الزائد نتمسّك به.
هذا، مضافا إلى أنّ دعوى اتّحاد المراد من لفظ «البيّعان» في جميع الروايات ممّا لا دليل عليه. فهذا الوجه ليس بشيء.
ثانيها: أنّ أدلّة سائر الخيارات مختصّة بالملاّك، فكذلك دليل خيار المجلس.
1) الوسائل 345/12، الباب الأوّل من أبواب الخيار، الحديث الأوّل.
أقول: صدور هذا الكلام من الشيخ من الغرائب؛ و ذلك لأنّ عدم ثبوت سائر الخيارات للوكيل من جهة اختصاص أدلّتها بالملاّك، لأنّ دليل خيار الغبن و تخلّف الشرط و تبعّض الصفقة ليس إلاّ «لا ضرر» و هذا مختصّ بالملاّك، إذ لا ضرر على مجري الصيغة أصلا، و هكذا في خيار العيب فإنّ دليله قاعدة «لا ضرر» و إن كان فيه رواية اخرى، و في المقام المفروض إطلاق الدليل لو قطعنا النظر عن الوجهين الأوّلين، فلا يقاس خيار المجلس بسائر الخيارات، لأنّ القياس مع الفارق.
ثالثها: أنّ حكمة جعل الخيار هو الإرفاق على الملاّك، و لا معنى للإرفاق على الوكيل بجعل الخيار له.
و فيه أوّلا: أنّ انحصار حكمة الخيار في الإرفاق غير معلوم، بل يمكن أن تكون هناك مصلحة اخرى أوجبت جعل الخيار للوكيل.
و ثانيا: أنّ الحكمة لا يلزم الاطّراد، و ليست كالعلّة التي يدور معها الحكم.
رابعها: أنّ ثبوت الخيار للوكيل مناف لسلطنة الملاّك على أموالهم، فيقع التعارض بين دليلهما، و بعد التساقط مقتضى الأصل عدم ثبوت الخيار له.
و فيه: أنّه لو كان الخيار حلّ العقد فلا تنافي. و لو قلنا أنّه ترادّ العينين، فنقول إنّ دليل الخيار وارد في مورد السلطنة، فيكون مخصّصا لدليلها لا معارضا له.
هذا كلّه في الوكيل في مجرّد إجراء الصيغة.
و أمّا الوكيل المفوّض، فتارة يكون مفوّضا في خصوص البيع حدوثا فقط نظير ما إذا وكّله في شراء دار له، و اخرى يكون مفوّضا في جميع التصرّفات قبل البيع و بعده، أي يكون وكيلا مفوّضا في البيع حدوثا و بقاء، نظير العامل في باب القراض و المضاربة.
أمّا الأوّل، فلا يجري فيه الوجه الأوّل من الوجهين اللذين اخترنا هما، و هو دعوى انصراف البيّع عن الوكيل؛ إذ الوكيل المفوّض في البيع و الشراء يصدق عليه البائع و الشاري من غير شبهة و من دون مسامحة، كما نرى في التجّار الذين ليس شغلهم إلاّ بيع الأمانة، فإنّه يصدق عليهم عنوان «البيّع» حقيقة. و لكن يجري فيه الوجه الثاني، و هو ظهور دليل الخيار في أنّه ناظر إلى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الذي هو مختصّ بمالك العقد، و يكون مخصّصا له، و من الواضح أنّ الوكيل المفوّض في البيع لا يكون بعد إيجاد البيع مالكا للعقد كما هو واضح، و لذلك نقول إنّه لا خيار له.
و أمّا الثاني، فلا يجري فيه كلا الوجهين؛ أمّا الأوّل - و هو الانصراف - فواضح.
و أمّا الثاني فكذلك، لأنّ الوكيل المفوّض يكون مالكا للعقد بعد البيع أيضا، و يكون اختيار المال بيده، و يمكنه تبديله بأيّ نحو أراد، و لهذا يتوجّه إليه خطاب «أوفوا» و لزوم إتمام العقد، إذ يمكنه عدم الإتمام، و إذا كان خطاب «أوفوا» متوجّها إليه فيشمله دليل الخيار لا محالة، فنلتزم بثبوته لهذا القسم من الوكيل.
ثمّ حيث إنّ كلام الشيخ قدّس سرّه في المقام غير خال عن الإجمال، أورد عليه بعض بأنّ هذا الفرض خارج عن محلّ الكلام؛ لأنّ الكلام في ثبوت الخيار للوكيل بنفسه لا في التوكيل في الفسخ كما يظهر من عبارته قدّس سرّه إذ يقول: «فإن كان مستقلاّ في التصرّف في مال الموكّل بحيث يشمل فسخ المعاوضة بعد تحققها...» و ظاهره أنّ الوكيل وكيل في الفسخ أيضا.
و لكن ليس مراده قدّس سرّه ذلك، بل المراد كونه مستقلاّ في التصرّف و وكيلا مفوّضا تامّا بحيث يكون له جميع التصرّفات بحكم العقلاء، ففي هذه الصورة يسقط الخيار لنفس الوكيل لا بعنوان الوكالة. و بالجملة عبارته لا تخلو عن إجمال و إهمال، و لكن
مراده واضح. هذا كلّه في الوكيل.
و أمّا ثبوت الخيار للموكّل، فتفصيله أنّه تارة يكون وكيله وكيلا مفوّضا، و اخرى غير مفوّض. أشكل الشيخ قدّس سرّه في ثبوت الخيار للموكّل.
و لكن التحقيق أنّه لا إشكال في ثبوته له في كلا القسمين، لصدق «البيّع» عليه عرفا؛ و ذلك لأنّ البيع ليس هو الإنشاء و إيجاد اللفظ، و إنّما هو اعتبار على ما هو الحقّ عندنا(1)، أو مبادلة كما عن المصباح(2)، أو تمليك عين بعوض كما اختاره المحقّق الخراساني(3). و على أيّ حال ليس مجرّد الإنشاء و اللفظ بيعا، بل هو اعتبار شيء. و هذا الاعتبار حقيقة قائم بالموكّلين لا الوكيلين، و إنّما الوكيلان كالآلة لهما، و لذا يصدق على من باع داره بالتوكيل أنّه «بيّع» من غير مسامحة.
و أمّا مسألة عدم حنثه ببيع وكيله فيما لو نذر أن لا يبيع داره، فالتحقيق فيها أنّه تابع لقصد الناذر، فلو قصد البيع أعمّ من أن يكون وكيلا بالمباشرة أو التسبيب يحنث، و إن قصد خصوص المباشرة لا يحنث ببيع وكيله. و أمّا لو قصد عدم إيجاد هذا العنوان في الخارج، فليس له التسبيب إلى البيع بأن يوكّل غيره في إيجاده و لو بقاء فيما إذا كان تحقّق البيع و عدمه تحت قدرته. و أمّا إذا لم يكن كذلك، كما إذا فرضنا ولاية الغير على المال أو جعل غيره وكيلا في ضمن عقد لازم بحيث لا يقدر على عزله، فلا يكون هذا النذر منعقدا. و بالجملة يصدق البائع و البيّع على الموكّل من غير شبهة.
نعم ذكر لثبوت الخيار للوكيل و الموكّل شبهات:
منها: أنّه يستلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى، و هو استعمال البيّع في البائع بالمباشرة و التسبيب.
و فيه: أنّ جعل الخيار بنحو القضايا الحقيقيّة، فيثبت في كلّ مورد صدق هذا العنوان، فالموضوع هو عنوان البيّع، فلا يلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى.
و منها: أنّ الخيار حقّ واحد نظير الملك الواحد، فكما لا يمكن أن يكون ملك واحد مملوكا لمالكين، كذلك لا يمكن أن يكون الحقّ الواحد متعلّقا بشخصين.
و فيه: أنّه ما المراد بالواحد، فإنّ ما ذكر إنّما يتمّ في الواحد الشخصي، و ليس الخيار في المقام واحدا شخصيّا. نعم متعلّق الخيار بيع واحد شخصي، و إلاّ فلكلّ منهما خيار مستقل، هذا في الحلّ. و يمكن النقض بجعل الخيار لأشخاص عديدة كما هو واضح.
و كيف كان، فثبوت الخيار للموكّل ممّا لا إشكال فيه. هذا كلّه في ثبوت الخيار له من حيث صدق عنوان البيّع على الموكّل.
ثمّ إنّه يظهر من الشيخ قدّس سرّه اعتبار حضوره في مجلس العقد في ثبوته.
أقول: مجلس العقد لا خصوصيّة له، و إنّما المعتبر هو الاجتماع بقرينة التفصيل و أنّه إذا افترقا وجب البيع، فإنّه لو كان البيع في صورة الافتراق واجبا فالخيار مختصّ بصورة الاجتماع كما في آية «التيمّم».
و المراد من الاجتماع هو الاجتماع المعاملي، فلا بدّ في ثبوت الخيار للمتبايعين أن يكون لهما اجتماع معاملي، و إلاّ فلا يثبت لهما الخيار.
و الاجتماع المعاملي كما يحصل في حضور مجلس العقد، ربما يحصل في
غيره، كما لو فرضنا أنّهما ساوما في مجلس ثمّ أرسلا شخصا لتوكيل الغير في مجرّد إجراء العقد في مكان آخر، فإنّه يصدق أنّهما اجتمعا على المعاملة.
و بالجملة: التحقيق في ثبوت الخيار للموكّلين ما عرفت، من أنّه يصدق البيّع عليهما عرفا، فالأدلّة يشملهما. و الكلام في اعتبار اجتماعهما و كيفيّة ذلك، فنقول:
إنّه لو لم تكن الأدلّة مغيّاة بعدم الافتراق لقلنا بثبوت الخيار لهما مطلقا، و لكن حيث قيّدت بقوله: «ما لم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع» يعلم من ذلك اعتبار الاجتماع في ثبوت الخيار لهما، و لذا يقع الكلام في بيان المراد من الاجتماع. من الواضح أنّه ليس المراد منه الاجتماع في دار أو حانوت أو بلد و نحو ذلك، لصدق الاجتماع فيما لو أوقعا المعاملة و البيع في البيداء و الصحراء. و كذلك ليس المراد الالتصاق كما هو واضح، إذ هذا الاجتماع غير معتبر يقينا و غير واقع، فلا بدّ و أن يكون المراد من الاجتماع الاجتماع البدني، لكن اجتماعا عرفيّا الذي يكون جامعهما عنوان البيع و المعاملة فيصدق هذا العنوان و لو كان أحدهما في بلد و الآخر في بلد آخر و أوقعا البيع بواسطة تلفون و نحوه؛ لما عرفت أن المراد من الاجتماع الاجتماع في مقام المعاملة و أن يصدق أنّهما اجتمعا في مقام المعاملة. فالمعتبر هو هذا المعنى لا الاجتماع المعاملي، فإنّه لا ينعدم بافتراق الأبدان، فلا بدّ عليه من أن يكون الخيار ثابتا دائما.
و لا يخفى أنّ حدوث عنوان الاجتماع للبيع يكون كافيا في تحقّق الخيار بقاء أيضا ما لم يحصل الافتراق و البعد بين بدنيهما على ما هو ظاهر قوله «فإذا افترقا» فتأمّل. و على هذا فلو اجتمعا للبيع و أوجداه ثمّ ناما في ذلك المجلس أو اشتغلا بعمل آخر و لكن لم يتفرّقا، يكون الخيار ثابتا لهما و باقيا إلى أن يتفرّقا.
و بالجملة، بما ذكرنا ظهر أنّه لا يعتبر حضورهما في مجلس العقد، فلو اجتمعا للبيع ثمّ وكّلا شخصا آخر لإنشاء العقد في مجلس آخر يثبت الخيار لهما. و هكذا بالعكس لو فرضنا أنّه كان لكلّ منهما وكيل مفوّض و دخل الموكّلان في مجلس و لكن لم يجتمعا للبيع، و في ذلك المجلس وقع البيع بين الوكيلين، فلا يثبت الخيار للموكّلين مع أنّهما كانا حاضرين في مجلس العقد، سواء علما بالمعاملة و كانا ملتفتين إليهما أم كانا غافلين عنها؛ و ذلك لعدم صدق الاجتماع للبيع عليهما.
هذا، و أفاد المحقّق النائيني(1)أنّ الوكيل لو كان وكيلا مفوّضا، يكون اجتماعه مع الطرف بمنزلة اجتماع الموكّل، فيثبت الخيار للموكّل أيضا و لو لم يكن مجتمعا.
و فيه: أنّ التوكيل إنّما يصحّ في الامور الاعتباريّة التي تستند عرفا إلى السبب كاستنادها إلى المباشر عرفا نظير البيع و نحوه، و أمّا الامور المتأصّلة كالأكل و النوم و نحوهما فلا معنى فيها للتوكيل، و لا يستند إذا صدر عن الوكيل إلى الموكّل عرفا و لو كان سببا له، فلو وكّل أحد غيره لأن ينام أو يأكل من قبله مثلا، فإنّه لا يصدق النائم و الآكل على الموكّل؛ و لذا لو مات الوكيل المفوّض أو ضحك مثلا لا يستند هذا الفعل إلى موكّله عرفا، و ذلك واضح.
و كيف كان، فإنّ بين ثبوت الخيار للوكيل و ثبوته للموكّل عموما من وجه، فربما يثبت الخيار لهما معا، و اخرى يثبت للوكيل دون الموكّل، و ثالثة بالعكس، كما لا يخفى.
ثمّ إنّه لو سبق واحد ممّن له الخيار بإعمال خياره أو اسقاطه من طرف واحد،
1) منية الطالب 28/3.
فهل ينفذ و يسقط خيار الباقين أو يتقدّم الفاسخ مطلقا؟
ظاهر كلام الشيخ هو الأوّل، و استدلّ عليه بأنّ الخيار كان من جانب و طرف واحد.
و حيث إنّ في الخيار من الطرفين لو أسقط طرف واحد خيار نفسه يكون خيار الطرف الآخر باقيا؛ لذا أشكل المحشّون على الشيخ بأنّه لا فرق بين الخيار من الطرفين أو من طرف واحد، و هذه الجهة لا تكون فارقة بينهما. و أوّل من أبدى الإشكال على ما نعلم هو السيّد قدّس سرّه(1)و تبعه من تبعه.
و توضيح الإشكال: أنّ الخيار يكون على أقسام ثلاثة؛ لأنّه تارة يكون خيار واحد متعلّق بأشخاص عديدة نظير العام المجموعي، كما احتمله الشيخ في باب إرث الخيار و صرّح به في محلّه، و إعمال هذا لا يكون إلاّ بإمضاء الجميع. و اخرى يكون المجعول صرف وجود الخيار لأشخاص عديدة، و في هذا القسم كلّ من سبق منهم إلى إعمال الخيار أو إسقاطه و إمضاء المعاملة ينفذ منه و يسقط عن الباقين.
و ثالثة يكون الخيار مجعولا بنحو الإطلاق و السريان، بأن يكون منحلاّ إلى خيارات عديدة و يثبت لكلّ واحد منهم خيار مستقل، و في هذا القسم لا يسقط خيار الباقين بإمضاء بعض أو إسقاطه. فمناط سقوط الخيار عن شخص بإمضاء غيره و عدمه إنّما هو كون الخيار من قبيل القسم الأخير أو القسم الوسط، فإن كان من قبيل الأخير لا يسقط، و إن كان من قبيل الثاني يسقط، لأنّه لم يكن إلاّ خيار واحد و قد سبق الغير إليه سواء كان من طرفين أو من طرف واحد، فلا مدخليّة لهذه الجهة - أي
1) حاشية المكاسب للسيّد اليزدي 6/2.
كون الخيارات من طرف واحد أو من الطرفين - في ذلك أصلا. و لذا لو فرضنا ثبوت الخيار لأشخاص عديدة بجعل المتعاقدين بإسقاط أحدهم خياره لا يسقط خيار الباقين؛ و لذا أشكل المحشّون على الشيخ بكلمة واحدة بأنّه ما الفرق بين ثبوت الخيار لأشخاص عديدة من طرف واحد أو من طرفين.
أقول: الظاهر أنّ مراد قدّس سرّه من أنّ الخيار في المقام من جانب واحد لا من جانبين، ليس هو ما فهموه من أنّ مجموع الخيارات من أحد طرفي العقد، بل مراده أنّ ثبوت الخيار للوكيل و الموكّل يكون طوليّا لا عرضيّا، بمعنى أنّ خيار الوكيل عين الخيار الثابت للموكّل، أي خيار الوكيل مستند إلى الموكّل طولا، فإذا أسقط الوكيل الخيار و أجاز البيع فكأنّ الموكّل أيضا أجاز، كما أنّه لو باع الوكيل يستند البيع إلى الموكّل، نظير ما إذا كان وكيلا في الفسخ و الإمضاء فأمضى و أسقط الخيار، فيقال إنّ الموكّل أسقط خياره.
و بالجملة: ملخّص هذا التوجيه و ما احتملناه في بيان مراده يتّضح ببيان مقدّمات:
الاولى: أنّ إعمال الخيار الذي يكون للوكيل المفوّض ليس بعنوان الوكالة، و إلاّ لم يكن وجه لاختصاصه بالوكيل المفوّض الذي صدق عليه عنوان «البيّع» بل كان أيضا للوكيل المفوّض غير البيّع، بل و لغير المفوّض إذا وكّله المالك البيّع في إعمال الخيار و إن كان أجنبيّا عن العقد. هذا، مضافا إلى أنّ ثبوت الخيار للموكّل أوّل الكلام. و بعبارة اخرى: ثبوت الخيار للوكيل المفوّض لم يكن متوقفا على ثبوته للموكّل و لو كان إعمال الخيار له بعنوان الوكالة فرع ثبوت للموكّل.
الثانية: أنّ أدلّة الخيار تكون ناظرة إلى دليل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و لا يكون ناظرا
إلاّ لمن يكون مخاطبا بخطاب «أوفوا» و يكون البيع بالنسبة إليه لازما في حدّ نفسه، و ببيان الشيخ - الذي يمكن إرجاعه إلى ما ذكر - أن يكون مسلّطا على ما انتقل إليه، و لذا ذكرنا أنّه لا خيار للوكيل في البيع مع أنّ عنوان «البيّع» كان صادقا عليه.
فما دام يصدق عليه عنوان الوكالة في إعمال الخيار و السلطنة على حلّ العقد يكون له الخيار، و أمّا لو سقط عن هذه السلطنة بأن عزله عن الوكالة في إعمال الخيار فلا تشمله أدلّة الخيار، و يسقط خياره الذي ثبت له بعنوان كونه بيّعا، فيدور الخيار مدار شمول خطاب «أوفوا» له و عدمه.
الثالثة: أنّ فعل الوكيل في الامور التي يكون وكيلا فيها، يستند إلى الموكّل و يكون فعل الموكّل بعينه و لو لم يقصد عنوان الوكالة، و لو فرض أنّه يمكنه إتيانه لنفسه لا بعنوان الوكالة أيضا - كما في الوكيل في البيع فإنّه كما يمكنه إيقاع البيع بعنوان الوكالة يمكنه إيقاعه فضولة - فلو لم يقصد الوكالة و أوقع البيع، لا يكون بيعه محتاجا إلى الإجازة، لأنه يكون فعل وكيل المالك و يكون بمنزلة فعله و يستند إليه.
و بعد هذه المقدّمات تعرف أنّه لو أعمل الوكيل الخيار إمّا فسخا و إمّا إمضاء، فكأنّ الموكّل أعمل خياره. نعم لا بدّ و أن يكون إعمال خياره في زمان وكالته في حلّ العقد و إبقائه - كما عرفت في المقدّمة الثانية - و أمّا إذا أسقط وكالته في حلّ العقد و لو كان وكيلا في غير إعمال الخيار، لا يشمله خطاب «أوفوا» و يسقط خياره الذي كان ثابتا له بعنوان أنّه بيّع، فلا ينتقض ما ذكرناه بفسخ الوكيل بعد انعزاله عن الوكالة. و هكذا لا يرد النقض بفسخ الموكّل؛ و ذلك لأنّ الموكّل بإسقاط خياره و إمضاء العقد يسقط خيار الوكيل، أي يعزله عن الوكالة في حلّ العقد، إذ لا معنى
قوله قدّس سرّه: ثمّ على المختار من ثبوته للموكّلين، فهل العبرة فيه بتفرّقهما [1]
لأن يكون راضيا بلزوم العقد و مع ذلك يوكّل الغير في الإمضاء و الفسخ، فإمضاؤه للعقد حقيقة يرجع إلى عزل الوكيل؛ و لذا ليس للوكيل بعد ذلك حقّ الفسخ أصلا.
و المقطوع أنّ مراده قدّس سرّه من الخيار من الطرف الواحد هو هذا المعنى.
و يحتمل أيضا أن يكون مراده أمرا آخر، و هو أنّ عنوان الدليل هو «البيّعان»، و المراد من التثنية هو المشتري و البائع إمّا من باب التغليب أو من باب المجاز.
و على كلّ فظاهره أنّ الخيار الثابت لطرفين يكون خيارين متعدّدين، بخلاف الخيار الثابت لطرف واحد، فإنّه خيار واحد، سواء ثبت للوكيل أو للموكّل أو لكليهما. و إذا كان الخيار واحدا فلا محالة يكون بنحو صرف الوجود في التكاليف، إذا سبق إلى إعماله واحد سقط عن الباقي.
و لكن يوهن هذا الاحتمال ما تقدّم من أنّه مبتن على كون الخيار واحدا شخصيّا، و هو خلاف ظهور القضيّة في القضيّة الحقيقيّة.
و الغرض من تعرّضنا له في المقام ما ذكره بعض مشايخنا العظام(1)، من بنائه المسألة على أن يكون استعمال «البيّعان» من قبيل التغليب أو المجاز. و لا وجه له أصلا.
[1] الوجوه التي احتملها الشيخ قدّس سرّه ثلاثة، الأوّل: أن يكون الميزان تفرّق الموكّلين لأنّهما البيّعان حقيقة، الثاني: تفرّق الوكيلين، الثالث: تفرّق الجميع.
و هناك وجه رابع يظهر من السيّد المحشّي قدّس سرّه(2): و هو أن يكون الميزان بالتفرّق
موجبة جزئيّة من أيّ منهم حصل؛ بدعوى أنّ الغاية هو جنس التفرّق، و هو يتحقّق بتفرّق أيّ منهم.
و فيه: أنّه لو كان المراد من الغاية جنس التفرّق، فلا محالة يكون من ناحية الاجتماع أيضا كذلك، فلا بدّ و أن يكتفى بجنس الاجتماع أيضا، و هو حاصل في هذا الغرض.
و بعبارة اخرى: لو كان الميزان الجنس، ففي المقام الاجتماع يكون متحقّقا لا الافتراق، و ذلك لأنّ الافتراق ليس أمرا وجوديّا، بل هو أمر عدمي، أي عدم تحقّق طبيعيّ الاجتماع، و هذا الأمر العدمي لا يتحقّق مع وجود فرد أو صنف من الاجتماع، لأنّ نقيضه حينئذ و هو طبيعيّ الاجتماع يكون متحقّقا. نعم صنف أو فرد خاص من الاجتماع يكون معدوما لا جنسه.
و التحقيق في المقام أنّه لو كان المراد من «البيّع» في قوله «البيّعان بالخيار» هو جنس البائع و المشتري، بأن كان من قبيل صرف الطبيعة موضوعا للحكم، فلا محالة تكون الغاية أعني الافتراق أيضا و هكذا نقيضه و هو الاجتماع أيضا صفة للجنس، فيراد منهما جنس الاجتماع و الافتراق. و على هذا يتمّ ما أفاده الشيخ و يكون الميزان في الافتراق هو افتراق الجميع؛ إذ مع اجتماع البعض يكون عنوان جنس البيّع المجتمع موجودا، فالخيار ثابت. و بهذا أيضا يتمّ ما أفاده في المسألة السابقة كما ذكرنا. فالظاهر أنّ هذا المعنى مختار الشيخ قدّس سرّه.
و لكن قد عرفت أنّ هذا المبنى غير صحيح؛ أوّلا: لكونه خلاف ظهور الرواية في القضيّة الحقيقيّة. و ثانيا: هذا مخالف لمبنى الشيخ و لما أفاده من اعتبار حضور الوكيلين في مجلس العقد، إذ لو كان المراد من البيّع جنسه و من الاجتماع في
المجلس جنسه أيضا، لكان هذا العنوان متحقّقا و لو لم يكن الوكيل مجتماعا و حاضرا في المجلس. و أمّا إن كان المراد من البيّع الطبيعة السارية و كان الحكم انحلاليّا فيكون الاجتماع أيضا انحلاليّا، و لا بدّ أن يلحظ اجتماع كلّ من البيّعين مع الآخر. و على هذا فلو كان للوكيلين مجلس آخر غير مجلس الموكّلين و بالعكس، فبافتراق كلّ من الوكيلين أو الموكّلين عن طرفه يسقط خياره. مثلا لو افترق الموكّلان عن مجلسهما دون الوكيلين يسقط خيارهما و يكون خيار الوكيلين باقيا.
و أمّا لو فرضنا أنّ مجلس الجميع واحد و يكون لكلّ من الوكيلين و الموكّلين طرفان:
الموكّل و وكيله، فبتفرّق الوكيلين أو الموكّلين أو أحدهما لا يسقط خيار الباقين.
و بعبارة اخرى لا يسقط إلاّ خيار من تفرّق، لأنّه يصدق على من لم يتفرّق أنّه مجتمع مع البائع أو المشتري. فلو فرضنا في هذا الفرض أنّه تفرّق وكيل البائع و نفس المشتري و بقي البائع و وكيل المشتري في المجلس، فإنّه يصدق عنوان اجتماع البيّعين. و هذا بخلاف القسم الأوّل الذي فرضنا كون مجلس الوكيل و الموكّل متعدّدا، فإنّه فيه لو قام أحد الوكيلين عن مجلسهما، لا يصدق على الطرف الباقي عنوان المجتمع مع البائع أو المشتري اللذين فرض اجتماعهما في مجلس آخر.
ثمّ إنّه قدّس سرّه بعد ما بيّن بعض خصوصيّات ثبوت الخيار للوكيل و الموكّل معا، أفاد أنّ الوكيل لو كان وكيلا في التصرّف قبل العقد لا بعده، لا يثبت له الخيار، لا من جهة عدم صدق البيّع عليه، بل من جهة أنّ أدلّة الخيار مسوقة لإفادة سلطنة كلّ من المتعاقدين على ما انتقل عنه بعد الفراغ عن تمكّنه من ردّ ما انتقل إليه. و قد ذكرنا نحن أنّه يمكن إرجاع هذا الوجه إلى الوجه الثاني من الوجهين اللذين اخترناهما،
و هو كون أدلّة الخيار ناظرة إلى دليل وجوب الوفاء. و الحقّ كما أفاده.
ثمّ قال: «هل للموكّل بناء على ثوبت الخيار له تفويض الأمر إلى الوكيل بحيث يصير ذا حقّ خياري؟ الأقوى العدم؛ لأنّ المتيقّن من الدليل ثبوت الخيار للعاقد على القول به عند العقد لا لحوقه له بعده».
و حاصله: أنّ الوكيل الذي لم يثبت له الخيار، لا يمكن أن يصير ذا حقّ خياري بتفويض المالك بعد تحقّق العقد؛ لأنّ دليل الخيار إنّما يتكفّل إثباته حين العقد لا بعده، فلا يشمل هذا الوكيل بعد تفويض المالك بعد العقد.
و أورد غير واحد على استدلاله قدّس سرّه بما حاصله: أنّ الكلام في هذا الفرض إنّما هو في ثبوت الخيار للوكيل بالتوكيل، لا بعنوان أنّه بيّع و شمول أدلّة الخيار له، فكان اللازم التعرّض لدليل التوكيل في الخيار و تفويضه للغير، و أمّا أدلّة الخيار فأجنبيّ عن المقام، و الاستدلال لعدم ثبوته بعدم شمولها لحقوق الخيار ممّا لا وجد له.
أقول: تفصيل الكلام يكون في مقامين.
الأوّل: في أنّ الخيار قابل للنقل و الانتقال أم لا؟
الثاني: في بيان مراد الشيخ و دفع الإشكال عنه.
أمّا المقام الأوّل، فالمستفاد من الأدلّة أنّ الخيار من الحقوق، إذ لم يؤخذ عنوان الحقّ و الحكم في دليل بهذا العنوان، و إنّما الحقّ ما ثبت قابليّته للإسقاط أو النقل و الانتقال، بخلاف الحكم فإنّه غير قابل لذلك. و بالجملة من الضروري أنّ من له الخيار له السلطنة على خياره، و هكذا من الواضح أنّ الخيار له ماليّة عرفا، و عليه فلو كان المراد من التفويض جعل خيار آخر للطرف في عرض ثبوت الخيار لنفسه
بأن يكون لكلّ منهما الخيار، فهذا ممّا لا يمكن، لأنّه لم تكن له سلطنة على جعل الحقّ للغير، و إنّما هو مجعول شرعي. و أمّا إن كان المراد نقل خياره إلى الغير و تنزيله منزلة نفسه بحيث لا يبقى لنفسه بعد ذلك خيار، فلا مانع لكونه قابلا للنقل و الانتقال.
و لا يرد عليه سوى ما ذكره بعض، من أنّ هذا الخيار مغيّا بالافتراق، فإذا انتقل إلى الغير فلو كانت الغاية حينئذ افتراق المنقول إليه فهو خلاف ظاهر دليل الخيار، و لا يكون لمن له الخيار سلطنة على تغيير الحكم الشرعي، إذ جعل الغاية للخيار حكم شرعي، فلا معنى لأن يتغيّر أو ينتقل إلى الغير بتفويض المالك. و لو كانت الغاية افتراق المنقول عنه فكذلك أيضا، لأنّ ظاهر الأدلّة أنّ الغاية هو تفرّق البائع الذي له الخيار، و هذا الشخص بالتفويض سقط خياره.
و جوابه واضح، و هو أنّ الموضوع هو ذات البيّع لا بعنوان ثبوت الخيار. و بعبارة اخرى: لا وجه لإدخال الحكم في الموضوع، إذ عنوان «له الخيار» هو الحكم المجعول في تلك الأدلّة، و أمّا موضوعها فنفس البيّع، فنختار الشقّ الثاني و لا يكون مخالفا لظهور أدلّة الخيار. هذا، و بعد فرض سلطنة من له الخيار على إسقاطه، لو شككنا في قابليّته للنقل و عدمها، نتمسّك بعموم «أوفوا».
و أمّا المقام الثاني، فالظاهر هو أنّ مراده قدّس سرّه ليس ثبوت الخيار له بالتوكيل و تفويض الخيار إليه، بل مراده أنّ في هذا الفرض الذي فرضنا أنّ الوكيل كان كيلا مستقلاّ في التصرّف قبل العقد و كان عنوان «البيّع» صادقا عليه - و إنّما لم نقل بثبوت الخيار له من الجهة الثانية، و هي عدم سلطنته على ما انتقل إليه لانقضاء وكالته بمجرّد تحقّق البيع، وقد عرفت أنّ أدلّة الخيار يكون بعد الفراغ عن سلطنة
قوله قدّس سرّه: و ممّا ذكرنا اتّضح عدم ثبوت الخيار للفضوليّين [1]
من له الخيار على ما انتقل إليه، هذا على مبناه، و على مبنانا عدم شمول خطاب «أوفوا» له و عدم كونه مأمورا بإتمام العقد لأنّه سقط عن الوكالة بتمام العقد فصار أجنبيّا عن المال - ففي هذا الفرض يقول الشيخ قدّس سرّه إنّه لو كان الموكّل حاضرا في مجلس العقد، و بعد العقد أنشأ الوكالة له ثانيا و صار أيضا وكيلا مفوّضا، فقهرا يشمله خطاب «أوفوا» و تكون له السلطنة على ما انتقل إليه و توجد فيه الجهة الثانية أيضا، فهل يشمله دليل الخيار و يصير ذا حقّ خياري أم لا، و من الواضح أنّ دليل الخيار إنّما يشمل من يكون داخلا في موضوعه حال العقد لا بعده، أي يكون مخاطبا بخطاب «أوفوا» و مسلّطا على ما انتقل إليه حينه لا بعده.
و الذي يدلّ على أنّ مراده ما ذكرنا، أنّه خصّص هذا الفرض بخصوص التفويض إلى الوكيل السابق الذي كان هو البائع، و لو كان مراده الخيار بعنوان الوكالة، لم يكن وجه لهذا التخصيص، لأنّه يمكن توكيل الأجنبي أيضا في الفسخ. و أظنّ أنّ هذا ظاهر جدّا.
[1] ملخّص ما أفاده أنّ عدم ثبوت الخيار للفضولي ليس من جهة عدم صدق «البيّع» عليه؛ لصدق ذلك عرفا خصوصا فيما إذا كان المال تحت تصرّفه في مدّة مديدة، أو كان حصوله تحت يده بأحد الأسباب العرفيّة كالقمار مثلا، فإنّه يعدّ مالكا عرفا و يصدق عليه عنوان البائع، و ليس المراد من البيع ما أفاد الملك شرعا؛ إذ لازم ذلك عدم ثبوت الخيار قبل القبض في الصرف و السلم لعدم تحقّق الملك، بل الوجه في ذلك فحوى ما تقدّم من عدم ثبوته للوكيلين غير المستقلّين.
أقول: الأولويّة ممنوعة على ما أفاده من صدق البائع على الفضولي عرفا، خصوصا لو كان المراد من الوكيلين غير المستقلّين الوكيل في مجرّد إجراء الصيغة؛
فإنّ في ما تقدّم يكون كلا المانعين عن الشمول موجودا و في المقام مانع واحد، فكيف يكون المنع في المقام بالفحوى و الأولويّة؟ نعم يكون حال الفضولي حال الوكيل المفوّض قبل العقد لو كان عنوان «البيّع» صادقا عليه، و إلاّ فيكون حاله حال الوكيل في مجرّد إجراء العقد.
ثمّ بعد الفراغ من عدم ثبوت الخيار للفضولي إمّا بالفحوى و الأولويّة أو لاشتراكه مع الوكيل غير المفوّض في المناط، أفاد أنّ في ثبوته للمالكين بعد الإجازة مع حضورهما في مجلس العقد وجه. و اعتبار مجلس الإجازة على القول بالنقل له وجه، خصوصا على القول بأنّ الإجازة عقد مستأنف.
و ظاهر كلامه التفصيل بين النقل و الكشف، و أنّه على الثاني يعتبر حضورهما في مجلس العقد، و على الأوّل الميزان حضورهما في مجلس الإجازة.
و الحقّ أنّه لا وجه لهذا التفصيل أصلا؛ إذ على كلا القولين لا يصدق عنوان «البيّع» على الأصيل إلاّ بعد الإجازة. أمّا على النقل أو كونها عقدا مستأنفا فواضح، و أمّا على الكشف فلما ذكرنا أنّ الأصيل حال الإجازة يعتبر الملكيّة من حين العقد، و لا يصدق البائع عليه إلاّ من حين الاعتبار الذي هو البيع حقيقة.
و كيف كان، أورد عليه المحقّق النائيني قدّس سرّه(1)بما توضيحه: أنّه لو كان الاجتماع في مجلس الإجازة، لا يصدق على المجيز عنوان «البيّع المجتمع حال العقد» لأنّ المفروض تأخّر الإجازة عن العقد زمانا و نحتمل أن يكون لصدق عنوان «البيّع المجتمع حال العقد» خصوصيّة، و حيث إنّ المجيز لم يكن بائعا حين العقد
1) منية الطالب 29/3-30.
فلا نطمئنّ بشمول الأدلّة له، إذ ليس لها إطلاق من هذه الجهة، انتهى.
و هذا نظير ما أفاده الشيخ قدّس سرّه في عدم ثبوت الخيار للوكيل بتفويض الموكّل، من تأخّر عنوان «السلطنة على ما انتقل إليه» من البيع، و المتيقّن من الدليل ثبوت الخيار حين العقد لمن هو معنون بعنوان موضوع الدليل.
و لا يخفى ما فيه؛ إذ ليس موضوع دليل الخيار إلاّ عنوان «البيّع المجتمع» المخاطب بخطاب «أوفوا» و كلّما صدق هذا العنوان يثبت الخيار. و لا يقاس المقام بما أفاده الشيخ قدّس سرّه في تفويض الأمر إلى الوكيل الذي اخترناه؛ و ذلك لأنّ هناك كان عنوان «البيّع» صادقا على الوكيل و لم يكن الحكم ثابتا له لعدم السلطنة على ما انتقل إليه، بخلاف المقام فإنّ عدم ثبوت الخيار له حال العقد إنّما هو من جهة عدم صدق البيّع عليه أصلا، فإذا صدق عليه لا مانع من شمول الدليل و ثبوت الخيار له.
ثمّ إنّ لبعض مشايخنا المحققين قدّس سرّه(1)في المقام كلام و تحقيق، و حاصله: أنّ في التوكيل يقع البيع بتسبيب الموكّل فيصحّ إسناده إليه فيصدق عليه عنوان «البائع» أي موجد البيع، فكان للبيع الواقع من الوكيل موجدان: موجد بالتسبيب و هو الموكّل، و موجد بالمباشرة و هو الوكيل، و هذا بخلاف المجيز فإنّه لا يتسبّب إلى إيجاد البيع، بل بالإجازة يستند البيع الواقع إلى نفسه، فلا يصدق عليه البائع لا تسبيبا و لا مباشرة.
أقول: و هذا تدقيق متين، و لكن المجيز بالإجازة يبرز أمرين و يعمل عملين، أحدهما: استناد الإنشاء الصادر من الفضولي إلى نفسه أي إظهار الرضا بذلك،
1) حاشية كتاب المكاسب للإصفهاني 74/4.
و ثانيهما: اعتبار المبادلة بين المالين، فهو يوجد هذا الاعتبار، لا أنّه يستند اعتبار الفضولي إلى نفسه، و من الواضح أنّ حقيقة البيع ليس إلاّ اعتبار المبادلة المبرز إمّا بإنشاء نفس المالك أو وكيله أو المستند إليه بإجازته، فالإنشاء و إن لم يكن بتسبيبه بل يستند الإنشاء الواقع إلى نفسه، و لكن من جهة إيجاد الأمر الاعتباري الذي هو البيع حقيقة يصدق عليه البيّع واقعا و عرفا، و بالجملة للإجازة جهتان، فصدق «البيّع» على المجيز ممّا لا إشكال فيه. فالأقوى ثبوت الخيار للأصيل بعد الإجازة لو حصل الاجتماع مع المالك الآخر، سواء كان في مجلس العقد أو مجلس الإجازة.
ثمّ إنّ الشيخ قدّس سرّه بعد هذا ذكر أمرين:
أحدهما: أنّه يحتمل أن تكون الإجازة التزاما بالعقد فلا خيار بعدها، ثمّ أمر بالتأمّل. و وجهه واضح؛ إذ المجيز ليس أسوأ حالا من المالك العاقد، فكما لا يكون عقده إلاّ التزاما بأصل المبادلة لا بلزومها، كذلك الإجازة ليست إلاّ التزاما بما التزم به الفضولي، و هو أصل المبادلة. نعم لو قصد بقوله «التزمت» إسقاط خياره و لزوم المعاملة يكون الخيار ساقطا. و بعبارة اخرى: الرضا بالمعاملة أجنبيّ عن إسقاط الخيار كما هو واضح.
ثانيهما: أنّه لا فرق في الفضولي بين الغاصب و غيره، فلو تبايع غاصبان ثمّ تفاسخا، لم يزل العقد على قابليّة لحوق الإجازة.
أقول: هذه مسألة استطراديّة، و كان محلّ تعرّضها بحث الإجازة، بأن يقال هناك أنّه هل يعتبر في لحوق الإجازة عدم تفاسخ الفضوليّين أو لا يعتبر ذلك، و من الواضح عدم اعتباره؛ و ذلك لأنّه بمجرّد إنشاء الفضوليّين تحقّق في الخارج ما هو
قوله قدّس سرّه: و يكفي حينئذ الإنشاء أصالة من أحدهما [1]
قابل للإجازة، و لا أثر لتفاسخهما في إعدام ذلك. نعم لو ندم أحدهما قبل تماميّة العقد و قال «ندمت» لم تتحقّق أصل المعاملة.
[1] إذا كان العقد بين أصيل و فضولي، فعلى مسلك الشيخ قدّس سرّه على ما تقدّم، يكون البيع من قبل الأصيل لازما، و قد ذكرنا أنّ المختار خلافه.
و في هذا الفرض: تارة يكون المالك حاضرا في مجلس العقد فيجيز، و في هذا القسم لا إشكال في ثبوت الخيار لهما. و اخرى لا يكون حاضرا في مجلس العقد.
و في هذا القسم: تارة يكون للأصيل و المالك اجتماع في مجلس الإجازة، و اخرى لا يكون لهما اجتماع أصلا.
أمّا لو لم يكن بينهما اجتماع، فلا ريب في عدم ثبوت الخيار.
و أمّا بناء على الأوّل، و هو فرض اجتماعهما في مجلس الإجازة، فيظهر من المحقق النائيني قدّس سرّه(1)عدم ثبوته لهما لتأخّر الاجتماع عن مجلس العقد.
و لكن الأقوى ثبوته لهما، لأنّ عنوان «البيّع» لا يصدق عليهما إلاّ بعد تحقّق الإجازة. هذا كلّه في الأصيل مع المجيز.
و أمّا في الأصيل مع الفضولي، فالكلام يقع في مقامين: الأوّل في الأصيل، و الثاني في الفضولي.
أمّا في الأصيل، فعدم ثبوت الخيار له على مسلكنا - و هو عدم كون البيع لازما من قبله - واضح. و أمّا على مسلك الشيخ فالظاهر أيضا عدم ثبوته له؛ و ذلك لأنّ عنوان البيع لا يتحقّق إلاّ بعد الإجازة، لأنّ البيع إنّما هو اعتبار قائم بالمالكين، فبيع
1) منية الطالب 30/3.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لو كان العاقد واحدا لنفسه أو غيره عن نفسه أو غيره [1]
الأصيل مع الفضولي ليس إلاّ إنشاء البيع فقط، و يكون من جانب الأصيل بعينه كالإيجاب قبل تحقّق القبول، فهل يمكن صدق البيع على الإيجاب قبل القبول؟ فإنّه من الواضح أنّه لا يصدق عليه عنوان البيع. نعم هو بيع بعد الإجازة، و لا إطلاق لدليل الخيار يشمل من يصدق عليه البيّع مشروطا. و لا ينافي هذا كون البيع لازما من قبله فتأمّل؛ إذ هو غير مرتبط بصدق البيع على إنشائهما. و كذلك لا ينافيه ما تقدّم من صدق البيّع عرفا على الفضولي إذا كان متصرّفا في المال كبعض الغصّاب، فلا خيار له بالنسبة إلى الفضولي.
و من هذا ظهر الحكم في المقام الثاني أيضا؛ و ذلك لعدم صدق البيّع على الفضولي حتّى إذا كان غاصبا و متصرّفا، و ذلك لأنّ الصدق على الغاصب يكون في نظر العرف لا الشرع، و من الواضح أنّ المراد من البيّع هو البيّع شرعا لا عرفا، إذ لا معنى لجعل الخيار لمن لا يكون بائعا في نظره. و هذا لا ربط له بمسألة اعتبار حصول الملكيّة، فلا ينتقض المقام بباب بيع الصرف قبل القبض. هذا كلّه في ثبوت الخيار للوكيل و الموكّل.
[1] الوجوه الثلاثة: أن يكون بائعا لغيره عن غيره، و لغيره عن نفسه، و لنفسه عن غيره ولاية أو وكالة.
و لا يخفى أنّ مورد البحث إنّما هو فيما إذا لم يكن الإقالة ممكنا، بأن كان وكيلا أو وليّا من قبل البائع و المشتري معا فرأى مصلحة الطرفين في الإقالة، فإنّه حينئذ لا أثر لجعل خيار المجلس، و البحث عنه يكون لغوا محضا فتأمّل، فلا بدّ أن يكون موضوع البحث ما إذا لم يمكن الإقالة، بأن لم يكن مصلحة الطرفين مثلا.
و كيف كان، فأفاد الشيخ قدّس سرّه أنّ المحكيّ عن ظاهر الخلاف و المحقّق و العلاّمة و غيرهم(1)ثبوت الخيار له من وجهين، من جهة أنّه بائع و من جهة أنّه مشتر.
خلافا للمحكيّ في التحرير من القول بالعدم(2). ثم يقول قدّس سرّه في آخر المسألة «الاولى التوقّف تبعا للتحرير و جامع المقاصد»(3). و لا يخفى تنافي ما يظهر من صدر عبارته و هو قوله «خلافا للمحكيّ في التحرير» و ذيلها و هو قوله «الأولى التوقّف تبعا للتحرير» فإنّ بين هذين الإسنادين تنافيا ظاهرا.
و بالجملة، ما يتصوّر أن يكون مانعا وجوه:
منها: أنّ «البيّعان» تثنية، و هي دالّة على اثنين، و في المقام حيث إنّ البائع و المشتري واحد، فلا يشمله العنوان، كما لا يصدق عليه المتبايعان.
و فيه: أنّ هذا متين على أن لا يكون انحلاليّا، و أمّا إن كان انحلاليّا - كما هو ظاهر القضيّة الحقيقيّة و يؤيّده أنّ الخيار المجعول لهما خيار ان لا خيار واحد لهما معا فكأنّه قال «البائع و المشتري لكلّ منهما خيار» و التعبير بلفظ «البيّعان» من باب التغليب - فيشمل كلاّ من البائع و المشتري و إن لم يكن مصداقا ل «البيّعان» كما لو قال «أكرم العلماء» فإنّه يشمل إكرام زيد العالم مع أنّه ليس مصداقا للجمع و هو العلماء. و منها: أنّ ظاهر قوله عليه السّلام: «ما لم يفترقا» أو «حتّى يفترقا» هو تقييد الموضوع بالافتراق فيما بعد بنحو الشرط المتأخّر، فكأنّه قال: البيع المتعقّب بالافتراق يكون له الخيار.
و فيه: أنّ لازم هذا عدم ثبوت الخيار فيما إذا لم يتحقّق الافتراق فيما بعد، كما لو فرضنا أنّ الوكيل المفوّض مات في مجلس العقد مثلا. و بالجملة فساد هذا الوجه من الواضحات.
و منها: أنّ الافتراق و إن لم يكن قيدا بل هو ظاهر في الغاية، و لكن جعل شيء غاية إنّما يصحّ في صورة إمكان تحقّق ذلك الشيء، و أمّا في صورة امتناعه فجعله غاية لغو محض، كما لو جعل الغاية لحكم اجتماع النقيضين. و في المقام حيث جعل الغاية الافتراق، فهذا قرينة على أنّ المراد من «البيّعان» هو خصوص ما إذا كانا اثنين، و لا يشمل الفرد الواحد إذا صدق عليه عنوان البائع و المشتري، و لذا نقول لو كان البيّعان شخصين متّصلين في الأجزاء الرئيسيّة كالأضلاع و نحوها، و لكن كانا مع ذلك شخصين بأن كانا مختلفين في النوم و المرض و أمثال ذلك كما هو واقع، لا يثبت لهما الخيار لعدم إمكان تفرّقهما.
و فيه: أنّ ما ذكر أعني لغويّة الجعل، إنّما يتمّ لو كان بنحو القضيّة الشخصيّة أو كان من المستحيلات الذاتيّة، و أمّا لو كان بنحو القضيّة الحقيقيّة و لم يكن من المستحيلات الذاتيّة أي بالنسبة إلى كل فرد فرد من أفراد موضوعه كاجتماع النقيضين، فلا بأس بذلك و لا يكون لغوا، كما ورد في بعض روايات الرعاف في الصلاة: «أنّ الرجل على صلاته ما لم يتكلّم أو يحدث حدثا»(1)و يمكن أن يكون المصلّي أخرسا غير قادر على التكلّم و مع ذلك جعل التكلّم غاية بنحو القضيّة الحقيقيّة، إذ من الواضح أنّ القضيّة الحقيقيّة ليس إلاّ الجعل على تقدير و فرض
1) انظر الوسائل 1244/4، الباب 2 من أبواب قواطع الصلاة.
التحقّق، فيشمل جميع أفراد الموضوع على فرض تحقّق الغاية أو العنوان حتّى الأفراد التي لا يكون تحقّقه بالنسبة إليها ممكنا.
و منها: أنّه و لو سلّمنا عدم لغويّة جعل مثل هذه الغاية، لكن الافتراق إنّما هو عدم اجتماع ما من شأنه الاجتماع، فالتقابل بين الافتراق و الاجتماع بنحو العدم و الملكة، و لذا استظهرنا اعتبار الاجتماع في ثبوت الخيار. و على هذا فيعتبر في ثبوت الحكم قابليّة موضوعه للافتراق و لو لم يمكن ذلك كما في الشخصين المتّصلين بالأعضاء الرئيسيّة، فإنّ فيهما قابليّة الافتراق و شأنيّته، بخلاف الشخص الواحد إذا باع و اشترى، فإنّه ليس في الشخص الواحد شأنيّة الاجتماع و الافتراق أصلا. و بالجملة الافتراق محتاج إلى طرفين المفترق و المفترق عنه، فلا معنى له في الشخص الواحد. نعم في الشخصين المتّصلين يعقل الافتراق، لكنّه يستلزم موتهما.
و بهذا البيان فصّل بعض بين الشخصين المتّصلين إذا باع أحدهما و اشترى الآخر و بين الشخص الواحد كذلك، فقالوا بثبوت الخيار في الأوّل دون الثاني.
أقول: هذا الوجه و إن كان أمتن الوجوه، لكن جوابه هو ما ذكرناه في محلّه، من أنّ المطلق أو العام إذا قيّد بمقيّد متّصل، هل يقيّد ذلك المطلق بضدّ ذلك المقيّد أو يقيّد بالاتّصاف بعدم ذاك القيد بنحو السالبة المعدولة أو يقيّد بعدمه بنحو السالبة المحصّلة؟ و قد اخترنا الاحتمال الثالث. مثلا لو قال المولى: أكرم العلماء إلاّ الفسّاق منهم، فهل يقيّد موضوع «أكرم» بالعادل فيكون الواجب إكرام العالم العادل، أو يقيّد بالاتّصاف بالعدم أي العالم غير الفاسق بنحو الاتّصاف بالعدم، أو يقيّد بعدم الفسق بنحو العدم المحمولي و السالبة المحصّلة أي الذي لا يكون فاسقا؟ و إذا كان التقييد بهذا النحو فيمكن تقييد غير القابل و من ليس له شأنيّة الملكة بعدم الملكة
لكن بنحو السالبة المحصّلة لا المعدولة كما عرفت. ففي المقام الموضوع هو البائع الذي لم يفترق سواء كان قابلا للافتراق و لم يفترق أو لم يكن قابلا للافتراق أصلا، و حينئذ يكون السلب من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، و من الواضح أنّ عدم الافتراق ليس من قبيل عدم الملكة، إذ لا يعقل تقابل العدم و الملكة بين النقيضين و إلاّ لزم صحّة ارتفاعهما، فإمّا أن يصدق على الشيء الافتراق و إمّا عدمه نظير العمى و عدم العمى، فلا بدّ إمّا من صدق العمى على شيء و إمّا عدم العمى و لا ثالث.
و ما ذكرناه واضح جدّا في قوله عليه السّلام: «البيّعان بالخيار مالم يفترقا».
و أمّا قوله عليه السّلام في بعض الروايات: «البيّعان بالخيار مالم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا»(1)فربما يتوهّم أنّ ظاهره تقييد الموضوع بأمر وجودي و هو تحقّق الافتراق فيما بعد. و لكن يندفع هذا التوهّم بأنّ هذه الرواية تبيّن حكمين، أحدهما: حكم صورة عدم الافتراق و هو ذو الغاية، و ثانيهما: حكم فرض تحقّق الافتراق، و قيد الافتراق إنّما هو قيد للحكم الثاني لا الأوّل. و على هذا جعل الغاية حصول الافتراق مع عدم تحقّقها في بعض أفراد الموضوع على ما ذكرنا إنّما هو مبنيّ على الغالب، فلا حاجة إلى إثبات أنّ «حتّى» يدخل على المستحيلات أيضا، كقوله تعالى: حَتّٰى يَلِجَ اَلْجَمَلُ فِي سَمِّ اَلْخِيٰاطِ (2)بخلاف غيره ممّا يدل على الغاية. و الظاهر أنّ مراد الشيخ عليه السّلام من قوله «و جعل الغاية التفرّق المستلزم للتعدّد مبنيّ على الغالب» هو ما ذكرناه، لأنّ أصل تقييد الموضوع مبنيّ على الغالب. و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» قد يستثنى بعض أشخاص المبيع عن عموم ثبوت هذا الخيار [1]
و بالجملة، فالتحقيق ثبوت الخيار للواحد المتّصف بعنوانين من طرفين و من جهتين، من جهة كونه بائعا و من جهة كونه مشتريا، وفاقا لجمع من المتقدّمين كالعلاّمة و الشهيدين(1)و أمثالهم.
ثمّ لو فرضنا ثبوت الخيار للواحد، يقع الكلام في غاية هذا الخيار، فبعض قال بإمكان أن تكون غايته أطول مجلس يمكن أن يفرض مجلسا للبيع، أو أوسط مجلس بيع يفرض. و لكن الحقّ أنّ كلّ هذه قول بلا دليل، بل مقتضى أدلّة الخيار ثبوته ما لم تحصل الغاية، فيكون باقيا إلى الأبد، إلاّ أن يراد مجرّد الإمكان الذاتي لا الوقوعي.
يستثنى بعض أشخاص المبيع عن عموم ثبوت الخيار المجلس[1]
مثل العمودين و محارم المرأة، و المحتمل فيه ثلثة:
ثبوته مطلقا، و عدم ثبوته مطلقا، و ثبوته لخصوص البائع دون المشتري.
و التحقيق أنّه بناء على عدم دخوله في ملك المشتري و انعتاقه من ملك البائع - على ما هو المختار و مرّ تفصيله في باب المعاطاة؛ من جهة أنّ حقيقة البيع ليس إلاّ الإعطاء لا مجّانا و هذا لا يستلزم دخول العوض في كيس من يخرج عنه المعوّض، و هكذا ما ورد من أنّه «لا عتق إلاّ في ملك» بناء على تسليم دلالته على اعتبار أن يكون المعتق مالكا يكون أجنبيّا عن الانعتاق - فعلى هذا المبنى لا ريب في عدم ثبوت الخيار لا للبائع و لا للمشتري؛ و ذلك لأنّ تصوير البيع مع فرض عدم دخول المعوّض في ملك المشتري و انعتاقه عنه من ملك بائعه يمكن على أحد
1) التذكرة 515/1-516، الدروس 265/3، و المسالك 197/3-198.
وجهين، الأوّل: أن لا يكون المبيع العبد بل يكون في الحقيقة انعتاقه، فكأنّ البائع يلتزم بانعتاق مملوكه في مقابل هذا الثمن و كذلك المشتري، أو أنّ مالك الثمن يملّكه لمالك العبد بإزاء انعتاقه. و على هذا فهذا الالتزام غير قابل للفسخ، لقيام الإجماع على عدم رجوع الحرّ عبدا، فهذا الالتزام أي الالتزام بالانعتاق لا بدّ و أن يكون أبديّا. الثاني: أن يكون المبيع هو العبد و أنّه يملّكه البائع للمشتري تمليكا عقلائيّا لكن الشارع لم يمض هذا التمليك الذي أنشأه المتبايعان بل رتّب عليه حكما آخر، و هو انعتاق المبيع و تملّك البائع للثمن. و على هذا أيضا يكون عدم ثبوت الخيار واضحا، لفساد البيع على الفرض، و الخيار إنّما يثبت في البيع الصحيح الممضى عند الشارع.
هذا كلّه بناء على عدم دخول من ينعتق عليه في ملك المشتري.
و أمّا بناء على ما هو المشهور، من أنّه يدخل في ملكه آنا مّا ثمّ ينعتق، فلا إشكال في أنّ العين غير قابل للردّ، للإجماع على عدم رجوع الحرّ إلى العبوديّة، فإذا قلنا بأنّ الفسخ هو ترادّ العينين فلا يجري في المقام. و أمّا لو قلنا بأنّه يتعلّق بالعقد و يجعل العقد كأن لم يكن، فإذا انفسخ العقد و انحلّ فحيث إنّ العين تلفت أو صارت كالتالف تحت يد المشتري و سلطنته، فمقتضى قاعدة «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» أنّه لا بدّ للمشتري من أداء المثل أو القيمة.
فالمقتضي في هذا الفرض لثبوت الخيار مطلقا موجود، فيقع الكلام فيما يمكن أن يكون مانعا عن ذلك.
و ما قيل في ذلك وجوه:
منها: أنّ المبيع لم يدخل تحت يد المشتري، فلا تجري قاعدة «اليد» لإعطاء
المثل أو القيمة، بل يكون التلف في ملك البائع، فلا وجه لثبوت الخيار.
و فيه: أنّ اليد - كما عرفت - ليس اليد و الأخذ الخارجي، و إنما هو السلطنة خارجا و قد حصلت، و إلاّ فمع هذا الفرض الذي ذكره المستشكل لا بدّ و أن يكون التلف من كيس مالك العبد، و هذا ممّا لا يمكن الالتزام به.
و منها: أنّ الحكمة في جعل الخيار إنّما هو لتروّي المالكين لأن يدفع عن نفسه الغبن، و في المقام المشتري يقدم على الغبن و يوطّن نفسه على زوال هذا المقدار من الماليّة عن كيسه فلا يثبت الخيار من طرفه. و لا يثبت الخيار من طرف البائع أيضا لتغليب جانب الحرّية على الرقّية.
و فيه ما لا يخفى؛ إذ من الواضح أنّ توطين النفس إنّما هو على انعتاق العبد بقيمته الواقعيّة لا بأزيد من ذلك، و هذا لا يستلزم أن يوطّن نفسه على الغبن، هذا في المشتري. و أمّا في البائع فلأنّ فسخ المعاملة لا يستلزم عود الحرّ إلى العبوديّة حتّى يقال بغلبة جانب الحريّة، بل ينتقل إلى المثل و القيمة.
و منها: أنّهما قد أقدما و تواطآ على إخراج العين عن الماليّة. و بعبارة اخرى المشتري كأنّه بشرائه أتلف العين، و كذلك البائع ببيعه، غايته بالتسبيب لا المباشرة، و من الواضح أنّ التصرّف يكون مسقطا للخيار، فكيف بالإتلاف! و إذا كان التصرّف رافعا فكيف لا يكون دافعا؟ أي إذا كان رافعا للخيار الثابت، فإذا فرض تحقّقه حين البيع فيكون دافعا عن ثبوت الخيار لا محالة بالأولويّة، لأنّ الرفع أقوى من الدفع.
و فيه: أنّ كون التصرّف موجبا لسقوط الخيار ليس من الامور العقليّة البرهانيّة.
و بعبارة اخرى لو كان مدرك مسقطيّة التصرّف للخيار برهانا عقليّا نظير المضادّة
و الممانعة بين ثبوتهما و تحقّقهما معا، لكان لما ذكر وجه، و لكن لا مدرك سوى ما ورد في خيار الحيوان من قوله عليه السّلام: «أرأيت إن قبّلها المشتري أو لامس... الخ»(1)فلا بدّ من التوقّف على مقدار ظهورها، و لا ظهور لها سوى في مسقطيّة التصرّف الكاشف عن الرضا بلزوم المعاملة كشفا نوعيّا، من باب أنّ الشخص لا يتصرّف نوعا فيما انتقل إليه إلاّ إذا كان راضيا بذلك، و هذا المعنى لا يتحقّق إلاّ فيما إذا تحقّق التصرّف في ملكه، أي بعد تحقّق البيع، و أمّا قبله أو حينه أي قبل دخوله في ملكه فليست له هذه الكاشفيّة و أجنبيّ عن مورد الرواية.
هذا، مضافا إلى أنّه عليه لا بدّ و أن لا نقول بثبوت الخيار فيما إذا علما بأنّه بمجرّد تحقّق البيع و القبض يأخذ المبيع من المشتري غاصب، و لم يلتزموا به.
و مضافا على الكلّ، ربما يقال باختصاصه بخصوص صورة العلم بكونه ممّن ينعتق عليه، كما هو ظاهر كلام الشيخ.
و لكن أورد عليه المحقّق النائيني قدّس سرّه(2)بما حاصله: أنّ الإتلاف ليس من الامور القصديّة المتفرّعة على العلم، بل يصدق مع الجهل، و بهذا تمسّك قدّس سرّه لنفي الخيار مطلقا بناء على أن يكون البيع بنفسه سببا للانعتاق لا أن يكون حكما شرعيّا مترتّبا عليه.
ثمّ إنّه أفاد في المقابس: أنّ ثبوت الخيار مبنيّ على أنّ الخيار و الانعتاق هل يحصلان بمجرّد البيع، أو بعد ثبوت الملك آنا مّا، أو الأوّل بالأوّل و الثاني بالثاني،
أو العكس. و حاصل هذا التقسيم أنّه تارة يقال بثبوت الخيار و الانعتاق بمجرّد تحقّق العقد و لو لم تتحقّق الملكيّة فيما بعد، و اخرى يقال بعدم ثبوتهما إلاّ بعد تحقّق الملكيّة، و ثالثة يقال بتحقّق الخيار بمجرّد العقد دون الانعتاق، و رابعة بالعكس. و أمّا حكم الأقسام فيقوى القول بالعدم في جميع الأقسام سوى القسم الثالث، أمّا في القسم الرابع فلسبق الانعتاق على تحقّق الخيار، و أمّا في الباقي فلأنصّية أخبار العتق من أخبار الخيار؛ إذ أدلّة انعتاق العمودين نصّ في ذلك بخلاف أدلّة الخيار، فإنّ شمولها لمثل المقام ليس إلاّ بالإطلاق أو العموم. ثمّ احتمل الثبوت قريبا جمعا بين الدليلين، و حينئذ تنتقل العين إلى المثل أو القيمة؛ للإجماع على عدم إمكان زوال يد البائع عن العوضين، و أنّ الفسخ بمنزلة ظهور العيب في العبد، فكما أنّه لو ظهر العبد معيوبا فللمشتري مطالبة الأرش، و هكذا في العكس كذلك لو فسخ المعاملة و كان العين بمنزلة التالف، فيرجع البائع إلى المشتري بالقيمة. و أمّا في القسم الثالث فاتّجه الثبوت للسبق و للجمع بين الأدلّة(1)، انتهى.
و أورد عليه الشيخ قدّس سرّه بما حاصله: أنه إن قلنا بأنّه يعتبر في الفسخ قابليّة خروج الملك - أي العين - عن ملك المنتقل إليه إلى ملك الفاسخ، و بعبارة اخرى لو قلنا بأنّه يتلقّى الفاسخ الملك من المفسوخ عليه، فإذا كانت العين خارجة عن ملكه فيرجع بعد الفسخ إلى البدل لأنّ التلف كان في ملكه. و هذا بخلاف ما إذا لم تكن العين قابلة لذلك كما في المقام الذي لا يكون الملك قابلا لغير الانعتاق، فإنّ التلف
1) مقابس الأنوار/ 240.
فيه يكون بحكم الشارع، فلا خيار؛ لأنّ لازمه دخول العمودين في ملك من ينعتق عليه. و أمّا إن قلنا بأنّ الفسخ لا يقتضي أزيد من ردّ العين على تقدير بقائه و بدله على تقدير التلف، فالظاهر ثبوت الخيار من غير فرق بين هذه الأقسام.
أقول: ما أفاده الشيخ قدّس سرّه متين جدّا، و ظاهره ثبوت الخيار.
و لكن التحقيق أن يقال إنّ الفسخ ليس بمعنى تلقّي الملك من المفسوخ عليه، و لا بمعنى ردّ العين على تقدير البقاء و بدلها على تقدير التلف؛ إذ لم يقم عليهما دليل، لا آية و لا رواية، بل حقيقة الفسخ ليس إلاّ حلّ العقد بقاء، فإذا فسخ و انحلّ العقد و كان العين تالفا فحيث إنّ للعين بقاء عرفا باعتبار العقلاء، فلا محالة بقاء يكون مال الغير تحت يد من تلف عنده، فمقتضى «على اليد» هو أداؤها بنفسها إن كانت موجودة و ببدلها إن كانت تالفة، هذا في التلف. و أمّا لو كان أتلفها، فحيث عرفت أنّ لها بقاء اعتبارا، فكأنّه بقاء أتلف مال الغير و إن كان حين الإتلاف مال نفسه. و بهذا البيان صحّحنا ضمان الأيادي المتعاقبة و رجوع من رجع إليه المالك إلى من دونه و أخذه منه؛ إذ لا يتمّ هذا إلاّ بالالتزام ببقاء العين اعتبارا في ذمّة كلّ منهم ملكا لهذا الذي رجع إليه المشتري و أخذ بدلها منه.
و بالجملة، ليس المدرك لرجوع كلّ من البائع و المشتري إلى الآخر إلاّ أحد قاعدتين، إمّا قاعدة «من أتلف» و إمّا قاعدة «على اليد» و ليس مجرّد الإقدام على الضمان من موجبات الضمان كما مرّ سابقا. و في محلّ البحث ليس شيء منهما موجودا؛ أمّا الإتلاف فقد عرفت الكلام فيه، و أمّا اليد فلوضوح عدم دخول العبد تحت يده و في سلطانه. و لا ينافي هذا تحقّق الملك آنامّا، و لا تحقّق القبض؛ و ذلك لأنّ هذا النحو من الملكيّة المختصرة غير القابلة لشيء سوى الانعتاق، لا يعدّ عرفا
يدا على العين. و هذا بخلاف القبض المعتبر في البيع، فإنّه ليس إلاّ بمعنى رفع البائع يده عن العين، فليس القبض كاليد، فتأمّل.
و على هذا فلو قلنا بالفسخ لا بدّ و أن نقول بزوال ملكيّة البائع عن العوض و المعوّض، و حيث إنّ هذا مقطوع البطلان و قام الإجماع على خلافه، فلا مناص لنا من الالتزام بعدم الخيار في هذا الفرض و أمثاله ممّا يكون نظير المقام، فتأمّل.
و بالجملة، بعد تحقّق المعاملة و الربط بين الالتزامين فإنّه عند تصرّف كلّ من المتعاملين فيما انتقل إليه لو سئل عنه الآخر بأنّه لم تتصرّف في هذا المال؟ فيجيبه بأنّك التزمت بأنّه ملكي، و لو سأله الأجنبيّ عن ذلك فيجيبه بأنّه ملكي بمقتضى التزام مالكه السابق، فدائما يتوجّه إليه هذا السؤال التقديري، و يجيب بهذا الجواب التقديري. و هكذا لو باعه المشتري إلى شخص ثالث، فإنّه يتوجّه إليه هذا السؤال و الجواب، إلى أن ينحلّ العقد إمّا بفسخ أو إقالة، فالفسخ يؤثّر من حينه، و من حينه يكون العقد كالعدم، لا أنّ الفسخ يكشف عن انحلاله قبل الفسخ.
و مثال هذا: ما إذا قامت أمارة و حجّة على تعيين القبلة في جهة، فصلّى من قامت لديه الحجّة إلى تلك الجهة، فإنّه لو سأله سائل بأنّه لم صلّيت إلى هذه الجهة؟ يجيب بأنّه قامت الحجّة على أنّ القبلة إليها، و هكذا لو سأله السائل بعد الصلاة إلى آخر الوقت بأنّه لم لا تعيد صلاتك؟ فيجيب بعين ذلك الجواب، و كذلك لو سئل بعد الوقت بأنّه لم لا تعيد صلاتك؟ فيجيب بعين ذلك الجواب، و كذلك لو سئل بعد الوقت بأنّه لم لا تقضي؟ فيجيب بعين الجواب. فلو سقطت تلك الحجّة عن الحجّية فإنّه لا يكشف هذا عن عدم موافقة أفعاله السابقة مع الحجّة، بل بعد ذلك لا يمكنه التمسّك بها.
و في المقام أيضا يكون الفسخ نظير سقوط الحجّة عن الحجّية، فلا أثر له إلاّ من حينه. نعم تترتّب آثار انحلال العقد من السابق بالنسبة إلى الامور التي يعتبر بقاؤه عرفا و بالنسبة إلى خصوص البائع و المشتري الأوّل اللذين كانا مخاطبين بخطاب «أوفوا» لا بالنسبة إلى الأجنبي، فتأمّل.
و على هذا لو فسخ العقد بعد تلف العين أو أقالا، فحيث إنّ التالف له اعتبار بقاء عرفا في ملك من تلف عنده فيما إذا فرض لاعتبار بقائه أثر كما في المقام، فبالفسخ أو الإقالة ينتقل إلى ملك المالك الأصلي بقاء أيضا، و حيث إنّ التلف أيضا له بقاء، فبقاء يكون التلف في ملك الغير، و أمّا في المقام فحيث لا يمكن اعتبار ملكيّة المشتري للعبد الذي هو أحد عموديه، فلا يجري هذا المعنى، أي لا يكون التلف بقاء في ملك الغير.
و بهذا البيان نقول بعدم ثبوت الخيار في هذا الفرض و نظائره، كما لو فرضنا أنّ المشتري نذر خروج المثمن عن ملكه إلى ملك الغير بمجرّد دخوله في ملكه بنحو شرط النتيجة، فإنّه لا خيار له فيه بهذا التقريب.
و هكذا لو اشترى العبد نفسه، فإنّه تارة يكون الشراء في الذمّة و اخرى بالثمن الخارجي بناء على القول بأنّ العبد يملك.
و ربما يشكل في الثاني بأنّ شراء مال شخص بمال نفسه لا معنى له. و اجيب عن ذلك بأنّ كيفيّة ملكيّة المالين مختلفة، فإنّ ملكيّة المولى لعبده مغاير سنخا مع ملكيّته لمال العبد، فإنّ ملكيّته لمال العبد طوليّ، أي في طول ملكيّة العبد له. و فيه:
أنّه لا معنى للملكيّة الطوليّة و التبديل بين السنخين من الملكيّة، فلا بدّ و أن يكون الشراء في الذمّة.
قوله قدّس سرّه: و منها: العبد المسلم المشترى من الكافر [1]
و ربما يشكل أيضا في أصل المطلب بأنّه لا معنى لأن يملك الإنسان نفسه، فلا بدّ و أن يجعل الثمن الانعتاق.
و كيف كان، فعلى كلا القولين لا معنى لثبوت الخيار؛ أمّا على الثاني فواضح. و أمّا على الأوّل فلما عرفت من أنّه لا معنى لاعتبار بقاء ملكيّة الإنسان لنفسه، بل يكون عدم الاعتبار هنا أولى من الفرض السابق و هو بين العمودين.
و لا يخفى أنّ ظاهر كلام الشيخ قدّس سرّه أنّ عدم ثبوت الخيار في هذا الفرض لوجه آخر غير جهة عدم ثبوته في الفرع السابق، و هو دعوى انصراف أدلّة الخيار - أعني البيّعان - عن شراء الإنسان نفسه. و الظاهر أنّه إن صحّ يكون وجها ثانيا لعدم الخيار.
منها: العبد المسلم المشترى من الكافر [1] بدعوى أنّه غير قابل لأن يرجع ملكا للمالك الأوّل.
و تفصيل الكلام في ذلك مرّ سابقا، و بنحو الإجمال نقول: لا دليل على عدم تملّك الكافر للمسلم، نعم ليس له سلطنة عليه لقوله تعالى: وَ لَنْ يَجْعَلَ اَللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (1)و يجبر على البيع لحكم أمير المؤمنين عليه السّلام بذلك(2). و على هذا فلا مانع من ثبوت الخيار فيه، و يرجع العبد إلى ملك الكافر ثمّ يجبر على البيع.
إلاّ أن يقال: إنّ هذا أيضا سلطنة منه فيرجع إلى البدل. نعم لو لم يكن هذا بيعا
قوله قدّس سرّه: و فيها أيضا أنّه لو اشترى جمدا في شدّة الحر ففي الخيار إشكال [1]
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لا يثبت خيار المجلس في شيء من العقود سوى البيع [2]
حقيقة بل كان استنقاذا في الحقيقة بصورة البيع فلا خيار، و لكن لا يساعد عليه الدليل.
[1] و ذلك لوجهين:
أحدهما: اعتبار قابليّة المبيع للبقاء في ثبوت الخيار، و الجمد في الحرّ ينعدم شيئا فشيئا.
و اورد عليه بأنّ هذا دعوى بلا دليل.
ثانيهما: أن البائع في هذا المقام لا يضمن المشترى إلاّ بهذا الثمن، و لا يضمنه بماله، و إذا لم يكن تضمين فلا معنى للفسخ. و بعبارة اخرى: هما أقدما على تلف هذا المال بمجرّد المعاملة عليه مع علمهما بأنّه ينعدم تدريجا، نظير ما مرّ في شراء من ينعتق عليه، من أنّ إقدامهما على البيع مع علمهما بالانعتاق إقدام على إتلاف المال.
و فيه: أنّ الإقدام على التلف و الإتلاف يمكن فرضه في شراء من ينعتق عليه، لما فرض من كون البيع بنفسه سببا للتلف، فالإقدام على البيع إقدام على التلف. و هذا بخلاف المقام؛ فإنّ التلف أمر تكويني خارجي يتحقّق، سواء أقدما على البيع أم لم يقدما عليه، فالتلف أجنبي عن البيع الذي أقدما عليه، فلا يقاس بذلك الباب.
مضافا إلى أنّ الإقدام على التلف لا يوجب رفع الضمان.
[2] الكلام يكون في مقامين:
الأوّل: في ثبوت الخيار في غير البيع من العقود.
الثاني: في ثبوته في جميع أقسام البيع حتّى الصرف و السلم قبل القبض.
أمّا المقام الأوّل، فالظاهر عدمه في غير البيع؛ و ذلك لاختصاص دليل الخيار به، و التعدّي عن البيع إلى سائر العقود قياس لا يتمّ إلاّ على مسلك أبي حنيفة، و لذا لم يقل أحد - على ما نعلم - بثبوت الأرش في غير البيع، كالإجارة و نحوها.
و هكذا لا يمكن التعدّي من البيع إلى غيره في حكم التلف قبل القبض من جهة قوله عليه السّلام: «كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه»(1).
نعم الأحكام الثابتة في البيع من جهة كونه مبنيّا على المداقّة و عدم التغابن كاعتبار عدم الغرر بقوله عليه السّلام «نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر»(2)تجري في غيره من المعاملات المبنيّة على المداقّة - كالإجارة و نحوها - من جهة استكشاف الملاك.
و لذا لا يجري في العقود المبنيّة على المسامحة و التغابن كالصلح و نحوه، و لذا لا يعتبر العلم بالعوض و المعوّض في الصلح، و لا يضرّ الغرر و الجهل في ذلك.
ثمّ إنّ محلّ البحث إنّما هو العقود اللازمة. و أمّا الجائزة فلا إشكال في عدم الخيار فيها، لا للزوم اللغويّة حتّى ينتقض بثبوت خيارين عرضيّين، بل لما ذكرنا من أنّ دليل الخيار إنّما يكون ناظرا إلى دليل «أوفوا» ففي كلّ مورد يكون اللزوم ثابتا ذاتا تأتي أدلّة الخيار و إلاّ فلا.
و بهذا يندفع النقض المتقدّم؛ لأنّ الخيارين يثبتان في عرض واحد و في ظرف
توجّه خطاب «أوفوا» في حدّ ذاته لو لا الخيار.
فما يظهر من الشيخ الطوسي قدّس سرّه(1)من أنّه لا مانع من دخول خيار المجلس و خيار الشرط في الوكالة و العارية و الوديعة و القراض و أمثال ذلك، لا نعلم له محملا أحسن ممّا أفاده الشيخ قدّس سرّه من دخول الخيار فيها إذا وقعت في ضمن عقد البيع.
و أمّا المقام الثاني، و هو ثبوت الخيار في بيع الصرف و السلم قبل القبض، بعد الفراغ عن ثبوته فيهما بعد القبض و الإقباض.
و الكلام فيه يكون في موردين:
الأوّل: في وجوب القبض و الإقباض و عدمه.
الثاني: في ثبوت الخيار إمّا مطلقا أو على تقدير وجوب القبض و الإقباض.
أمّا المورد الأوّل، فاستدلّ على وجوب القبض و الإقباض بوجوه:
أحدها: الروايات الواردة في ذلك الباب، كقوله عليه السّلام: «و إن نزى حائطا فانز معه»(2)الظاهر في أنّه لا تفارقه حتّى يتحقّق التقابض، و ظاهرها الوجوب.
و فيه: أنّ هذه الأوامر ليست أوامر مولويّة، إذ من الواضح أنّه لو نزى أحدهما الحائط و لم ينز الآخر معه لم يأت بمعصية، و بالإصرار على ذلك لا يكون فاسقا، و إنّما هي أوامر إرشاديّة إلى بطلان المعاملة إذا حصل التفرّق قبل القبض و الإقباض.
ثانيها: ما نقل عن العلاّمة قدّس سرّه(3)من أنّه لو تحقّق القبض من طرف واحد يلزم
الربا. و الظاهر أنّ المحكيّ في التذكرة أنّه يشبه الربا. و ذلك لأنّ للأجل قسطا من الثمن؛ و لذا قالوا لو بيع جنس نقدا بمثله نسية يكون البيع باطلا لكونه ربويّا، و في المقام أيضا يكون كذلك أو مثله لو كان العوضان كلاهما من جنس واحد، أي من الذهب أو الفضّة.
و فيه ما لا يخفى؛ فإنّه لم يشترط التأجيل في أحد العوضين حتّى يلزم الربا، و مجرّد كونه نظير الربا من جهة، لا دليل على حرمته، إذ ليس كلّما يماثل الحرام حراما.
ثالثها: التمسّك بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و هذا عقد، فيجب الوفاء به و ترتيب آثاره، و منها القبض.
و فيه أوّلا: أنّه أمّا بناء على ما ذكرناه في معنى «أوفوا» و أنّه أمر بإتمام العقد لكون الوفاء بمعنى التمام و الكفاية، فعدم دلالته على المدّعى واضح؛ لأنّه حينئذ يكون إرشادا إلى عدم رفع اليد عن الالتزام لعدم كونه مؤثّرا في بطلان البيع. و أمّا بناء على ما أفاده الشيخ، من أنّه بمعنى وجوب ترتيب آثار العقد عليه، فنقول آثار العقد ليس إلاّ ترتيب آثار ما التزما به، و في البيع لا يلتزم كلّ منهما بالإقباض إلاّ مشروطا بإقباض الآخر، و إذا لم يكن كلّ منهما ملتزما بالإقباض، فليس مقتضى الالتزام ذلك، فلا يجب بمقتضى «أوفوا». و بعبارة اخرى: معنى الآية - على هذا - إنّما هو العمل بما التزما به، و ليس في البيع التزام بالإقباض إلاّ مشروطا بإقباض الطرف.
و لا ينتقض بلزوم تخلية كلّ منهما ما انتقل عنه في غير الصرف و السلم؛ لأنّه ليس من جهة وجوب الإقباض، بل ذلك من جهة تملّك المنتقل إليه لما انتقل إليه
بمجرّد العقد، و إذا صار ملكه يكون التصرّف في ملك الغير بدون إذنه حراما، فوجوب رفع اليد عنه على مالكه الأوّل إنّما هو من جهة أنّه ملك الغير. و بالجملة وجوب التسليم هناك من لوازم الملكيّة لا من جهة وجوب الإقباض.
و ثانيا: أنّ دليل «أوفوا» لا يشمل العقد الفاسد شرعا، أي ما لا يكون مؤثّرا في نظره، فتأمّل.
لا يقال: سلّمنا عدم وجوب الإقباض على كلّ منهما مستقلاّ، و لكن إقباضهما معا من حيث المجموع يكون ممّا التزما به، فيشمله عموم «أوفوا» و يكون الإقباض عليهما مجموعا واجبا بوجوب واحد.
لأنّا نقول: هذا خلاف ظهور الآية في الانحلاليّة كما في غير الإقباض من آثار البيع. فالظاهر عدم وجوب الإقباض أصلا.
و أمّا المورد الثاني، فنقول: أثر الخيار بناء على وجوب التقابض واضح؛ إذ بالفسخ يمكنه إسقاط التكليف عن نفسه، لأنّه بالفسخ ينحلّ العقد فلا يبقى شيء حتّى يجب الوفاء به.
لا يقال: إنّه لا معنى لوجوب الإقباض و حرمة تركه عليه مع ثبوت الخيار له.
لأنّا نقول: ليس معنى الخيار إلاّ سلطنته على حلّ العقد، فما لم يفسخ و يكون العقد باقيا يجب عليه الإقباض، و إذا فسخه يسقط الوجوب.
و نظير ذلك كثير: منها ما لو وهب أمته إلى الغير بغير عوض، فإنّه حينئذ يحرم عليه النظر إليها، و مع ذلك له أن يرجع و يفسخ عقد الهبة. و كما في البيع الخياري فإنّه بعد البيع يحرم على البائع أن يتصرّف في المبيع و مع ذلك له فسخ البيع. و في الأحكام التكليفيّة نظيره المسافر الذي يجب عليه القصر و مع ذلك له أن يقيم و يعدم
قوله قدّس سرّه: و ممّا ذكرنا يظهر الوجه في كون مبدأ الخيار للمالكين الحاضرين في مجلس عقد الفضوليّين من زمان إجازتهما [1]
موضوع وجوب القصر. و بالجملة بناء على وجوب الإقباض فإنّ أثر الخيار واضح.
و أمّا بناء على عدم وجوبه فأثره إلغاء العقد عن قابليّته للتماميّة بلحوق التقابض، و هذا أثر له، فمن جهة الأثر لا إشكال في الخيار.
و إنّما الكلام في شمول أدلّة خيار المجلس له و عدمه؟
و الحقّ عدم الثبوت لوجهين:
الأوّل: الأدلّة الواردة في أنّ بيع الصرف قبل التقابض لا يكون بيعا، فإنّ ظاهر بعضها و إن كان نهيا عن البيع من دون التقابض، و لكن ذكرنا أنّ هذه النواهي ليست نواهي مولويّة، بل هي إرشاديّة إلى البطلان و أنّه ليس ببيع، و هذه تكون حاكمة على دليل الخيار، و هو قوله عليه السّلام «البيّعان بالخيار».
الثاني: أنّ «البيّع» في نفسه و إن كان غير قاصر عن شمول البائع و المشتري في الصرف و السلم قبل الإقباض، و لكن بقرينة ذيل الرواية، و هو قوله عليه السّلام «فإذا افترقا وجب البيع» يختصّ بالظهور العرفي بخصوص البيع الذي إذا حصل الافتراق يكون البيع لازما و لو في حدّ نفسه، و لا يشمل البيع الذي يبطل بالافتراق و يسقط عن قابليّة الصحّة بالكلّية كما في المقام، و هو بيع الصرف قبل التقابض.
و بالجملة خيار المجلس غير ثابت في بيع الصرف و السلم قبل التقابض، لقصور أدلّته عن شموله. نعم سائر الخيارات غير خيار الحيوان يجري فيه، كخيار الشرط مثلا، فتأمّل.
[1] ما ذكره قدّس سرّه هو كون الخيار لغوا ما لم تكن المعاملة لازمة، و أنّه لا ثمرة لثبوت الخيار في بيع الصرف قبل التقابض، و أفاد أنّه بعين هذا البيان يظهر أنّ مبدأ زمان
قوله قدّس سرّه: في مسقطات الخيار [1]
ثبوت الخيار للمالكين إذا كانا حاضرين في مجلس عقد الفضولي هو حين الإجازة لا من حين العقد.
أقول: الظاهر أنّ الأمر في الفضولي أوضح؛ و ذلك لأنّ بيع الصرف قبل التقابض يكون بيعا عرفا و إن ذكرنا أنّه ليس ببيع في نظر الشارع، بخلاف عقد الفضوليّين قبل الإجازة، فإنّه لا يكون بيعا عند العرف أيضا، فلا يصدق عليه عنوان البيع أصلا. مضافا إلى لغويّة الخيار. هذا كلّه إذا كان طرفا العقد فضوليّين.
و أمّا إن كان أحد الطرفين أصيلا، فهل يثبت الخيار له من حين العقد أم لا؟ الظاهر هو الثاني؛ و ذلك لأنّه و إن لم يكن ثبوت الخيار له لغوا بناء على ما اخترناه تبعا للشيخ، من كون العقد لازما من قبله، لكون دليل «أوفوا» انحلاليّا و لكن عنوان «البيّع» لا يصدق على الأصيل مادام لم يجز المالك الآخر؛ و لذا لو سئل عنه، هل بعت دارك؟ لا يقول «نعم» بل يقول: بعد تحقّق البيع غير معلوم. و هذا نظير ما ذكرناه في أوّل البيع، من أنّ مجرّد الإيجاب قبل القبول لا يكون بيعا، و إنّما البيع هو المعاقدة و الربط بين التزامين، و هو لا يحصل إلاّ بعد تحقّق القبول.
[1] و هي امور:
منها: اشتراط السقوط.
و يتصوّر اشتراط السقوط على وجوه ثلاثة:
الأوّل: أن يشترط في ضمن هذا العقد أو عقد آخر عدم الفسخ. و لا إشكال في نفوذه. و لا يرد عليه شيء.
و لكن معنى نفوذه ليس إلاّ وجوب الوفاء به و حرمة الفسخ. و أمّا عدم نفوذ الفسخ بمعنى عدم ترتّب الأثر عليه، فهو مبتن على دلالة النهي على الفساد في
المعاملات و ما شابهها. و بعبارة اخرى مقتضى «المؤمنون عند شروطهم» ليس أزيد من وجوب الوفاء به و حرمة مخالفته، لما ذكرنا من أنّ قوله «عند شروطهم» ظاهره أن الشروط لازم و ملصق بهم، أي واجب عليهم، و على هذا فيكون صغرى من صغريات مسألة «النهي عن المعاملات» و التحقيق - كما ذكرنا - أنّه غير دالّ على الفساد في أمثال المقام، فإذا عصى هذا الشخص و فسخ العقد، يكون فسخه مؤثّرا.
الثاني: أن يشترط إسقاط الخيار. و هذا الوجه لا يرد عليه شيء، سوى أنّه إسقاط ما لم يجب. و سيأتي أنّه لا بأس بذلك، أي إسقاط الخيار حين ثبوته.
الثالث: أن يشترط سقوط الخيار و عدم ثبوته له.
و اورد على هذا الوجه بإيرادات كثيرة:
الإيراد الأوّل: أنّه خارج عن اختيار المتعاملين لأنّه حكم شرعي، و متعلّق الشرط لا بدّ و أن يكون اختياريّا للشارط، و إلاّ فلا يشمله قوله عليه السّلام «المؤمنون عند شروطهم».
و فيه: أنّ هذا الشرط اختياريّ لكن بالتسبيب. و يدلّ عليه استشهاد الإمام بهذه الرواية لسقوط الخيار باشتراط السقوط في الأمة المكاتبة المزوّجة من مملوك، فإنّه يثبت لها الخيار بعد صيرورتها حرّا.
و لكن في صحيحة مالك بن عطيّة، قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل كان له أب مملوك و كان تحت أبيه جارية مكاتبة قد أدّت بعض ما عليها، فقال لها ابن العبد: هل لك أن اعينك في مكاتبتك حتّى تؤدّي ما عليك بشرط أن لا يكون لك
الخيار بعد ذلك على أبي إذا أنت ملكت نفسك؟ قالت: نعم، فأعطاها في مكاتبتها على أن لا يكون لها الخيار بعد ذلك. قال عليه السّلام لا يكون لها الخيار، المسلمون عند شروطهم»(1)و هذه الرواية صريحة في نفوذ شرط السقوط.
إلاّ أنّه اورد عليها بأنّها غير معمولة بها في موردها؛ و ذلك لأنّ ظاهرها الشرط الابتدائي، و قام الإجماع على عدم لزوم الشروط الابتدائيّة.
و أجاب عنه الشيخ قدّس سرّه بأنّه يمكن أن يكون الإسقاط عوضا في المصالحة.
و فيه أوّلا: أنّ كونه عوضا للمصالحة مخالف لظاهر السؤال.
و ثانيا: على هذا تكون الرواية أجنبيّة عن المقام، لأنّ الكلام في لزوم اشتراط سقوط الخيار لا في جعله عوضا في المصالحة.
و أفاد أيضا بأنّها تقيّد بما إذا كان الاشتراط في ضمن عقد لازم، للإجماع على عدم نفوذ الشروط الابتدائيّة.
و أجاب السيّد قدّس سرّه(2): بأنّه نأخذ بإطلاق الرواية و نقول بنفوذ جميع الشروط حتّى الابتدائيّة منها.
أقول: الظاهر أنّه لا نحتاج إلى شيء من هذه الوجوه، و ذلك لأنّ ظاهر السؤال في الرواية أنّ الاشتراط كان في ضمن الإعطاء و هو الهبة، و هي من العقود، لأنّه يقول للمكاتبة «هل لك أن أعطيك أو اعينك في مكاتبتك على أن لا يكون لك الخيار» و ظاهره أنّ الإعطاء كان مجّانيا و اشترط في ضمن الإعطاء سقوط الخيار،
و ليس ذلك عوضا للإعطاء كما هو واضح، بل هو شرط في الهبة المعوّضة، أي المشروطة بشيء.
على هذا لا يرد شيء، سوى أنّ الهبة من العقود الجائزة، فلا أثر للاشتراط في ضمنه.
و يدفعه: أنّ الأمر و إن كان كذلك، لكن ظاهر السؤال أنّ المكاتبة، أي الموهوب لها قد تصرّفت فيما وهبه إيّاها، فصارت الهبة لازمة للتصرّف. و الإنصاف أنّ ظهور هذه الرواية فيما ذكر في غاية الوضوح.
و بالجملة: فالإيراد الأوّل هو الإشكال في شمول الرواية لمثل هذا الاشتراط من جهة كونه خارجا عن اختيار المكلّف بعد الفراغ عن ظهور لفظ «عند» المذكور في الرواية - الذي منه يستفاد الوجوب - في الأفعال الاختياريّة. و قد عرفت الجواب عنه و أنّ ذكر الإمام عليه السّلام لهذه الجملة في الرواية قرينة على العموم.
الإيراد الثاني: أنّ دليل لزوم الشروط و وجوب الوفاء بها في المقام يكون معارضا بدليل الخيار، و بينهما عموم من وجه، و حيث إنّ أدلّة الخيار أقوى فتتقدّم عليه.
و فيه ما أفاده الشيخ، و حاصله: أنّ النسبة بين دليل الشرط و دليل الخيار و إن كانت عموما من وجه، و لكن حيث إنّ المعارضة بين دليل لزوم الشرط و دليل المشروط موجودة في جميع الموارد، لاستحالة أن يكون هناك فعل خاليا عن الحكم في الواقع فيقع التعارض بين كلّ دليل من أدلّة الأحكام الواقعيّة و دليل الشرط، إلاّ فيما إذا كان الشرط موافقا مع حكم المشروط، كأن اشترط فعل واجب أو ترك محرّم أو لزوم ما هو لازم أو جواز ما هو جائز، و في غيرها يقع التعارض.
فإن قدّمت أدلّة الحكم الواقعي فلا يبقى لدليل الشرط مورد سوى هذه الموارد التي لا أثر للزوم الشرط فيها أصلا، فيلزم لغويّته.
و بعبارة اخرى: لو كان متعلّق النذر إتيان فعل جائز أو تركه فتقع المعارضة بين دليل لزوم الشرط و وجوب العمل به و بين دليل إباحة ذلك الفعل. و هذه المعارضة لا تختصّ بباب دون باب، بل يكون بينه و بين كلّ واحد واحد من هذه الأدلّة. فلو قدّمت عليه يختصّ لزوم الشرط بخصوص ما إذا كان متعلّقا بفعل واجب أو ترك حرام أو حكم وضعي موافق للحكم الواقعي لذلك الشيء، و من الواضح أنّ جعل اللزوم للشرط في خصوص هذه الموارد لغو محض.
و من هذه الجهة يتقدّم دليل الشرط على جميع هذه الأدلّة و يكون كالحاكم عليها من هذه الجهة، نظير ما ذكره الشيخ قدّس سرّه في تقديم دليل حجّية الأمارات على أدلّة الاصول. و تقريبه: أنّ كلّ مورد من موارد قيام الأمارة على حكم، لا محالة يكون موردا لأصل من الاصول، إمّا البراءة و إمّا الاستصحاب و إمّا الاحتياط، فلو قدّمت أدلّتها عليه لا يبقى له مورد، و لذا يكون دليلها كالحاكم على تلك الأدلّة فيتقدّم عليها. و هذا البيان بعينه يجري في المقام.
الإيراد الثالث: عدم شمول الرواية من جهة استلزامه الدور. و تقريبه: أنّ لزوم العقد يتوقّف على أن يكون العقد لازما، لأنّه لو كان العقد جائزا لا يكون الشرط شرطا في ضمن عقد لازم، فلا يكون لازم الوفاء.
و الجواب عنه بوجهين:
الأوّل: أنّه ما الدليل على عدم لزوم الشرط الذي يكون في ضمن عقد جائز مع أنّ مقتضى عموم «المؤمنون عند شروطهم» هو نفوذ الشرط و لزوم العمل على
طبقه؟ نعم في الشروط الابتدائيّة قام الإجماع على ذلك، و أمّا في غيرها فلا دليل على التخصيص. و عليه فلا يتوقّف لزوم الشرط على لزوم العقد أصلا.
الثاني: ما أفاده الشيخ قدّس سرّه و حاصله أنّ توقّف لزوم الشرط على لزوم العقد ليس له مدرك من آية أو رواية، و إنّما هو بحكم العقل و من جهة التنافي بين جواز المتبوع و لزوم التابع. و هذا التنافي إنّما يكون فيما إذا لم يكن الشرط بنفسه لزوم العقد، بل كان أمرا آخر كخياطة ثوب أو كنس مسجد و نحو ذلك، و أمّا لو كان الشرط لزوم العقد فمقتضى لزوم الشرط هو لزوم العقد، فكلّ من التابع و المتبوع يكون لازما، فلا تنافي في البين، انتهى.
و لا يخفى أنّ ما أفاده متين، و إجماله: أنّه على فرض التنزّل ممّا ذكرناه من عدم توقّف لزوم الشرط على لزوم العقد و عدم التنافي بين لزومه و جواز العقد مطلقا، لا منافاة في هذا الفرض الذي يكون الشرط لزوم العقد.
الإيراد الرابع: أنّه داخل في ذيل دليل نفوذ الشرط، و هو قوله عليه السّلام «إلاّ ما خالف» فهذا الشرط مخالف للكتاب و السنّة.
و يتبعه الإيراد الخامس: و هو أنّ هذا إسقاط ما لم يجب.
و بعبارة اخرى: هذان الإيرادان واردان على سبيل منع الخلوّ، و تقريبه أنّ الشرط لو كان عدم تحقّق هذا الحقّ له، فيرد الإيراد الأوّل و أنّ هذا مخالف للكتاب و السنّة، لكونه مخالفا لإطلاق قوله عليه السّلام «البيّعان بالخيار». و إن كان إسقاطه، أي إسقاط خيار يثبت لو لا هذا الإسقاط، فيرد الإيراد الثاني.
و أجاب الشيخ قدّس سرّه عنه بوجهين:
الأوّل: أنّ قوله عليه السّلام «البيّعان بالخيار» منصرف عن صورة اشتراط اللزوم و عدم الخيار.
الثاني: أنّ مقتضى الجمع بين دليل الخيار و دليل لزوم الشرط هو حمل دليل الخيار على الحكم الطبعي و الاقتضائي لا الفعلي، و حينئذ فلا ينافي عدمه بواسطة الشرط أو نحو ذلك.
ثمّ ورد في دفع توهّم أنّه على هذا لا يكون شرط مخالفا للكتاب و السنّة أصلا، فما الفارق بين المقام؟ و أفاد أنّ الفارق هو أنّ متعلّق الشرط في المقام و نظائره حقّ و في سائر المقامات حكم.
أقول: أمّا ما أفاده أوّلا فمّما لا نفهمه؛ إذ لا موجب لانصراف «البيّعان» إلى غير المشروط، بل مقتضى إطلاقه الشمول.
و هكذا ما أفاد ثانيا؛ إذ هذا الجمع ممّا لا دليل عليه.
و التحقيق أن يقال: إنّ الشرط تارة يطلق على نفس الالتزام، و اخرى ما يلتزم به و يعبّر عنه ب «المشروط» أيضا.
أمّا الالتزام المخالف للكتاب فهو الالتزام الذي يكون مع قطع النظر عن تعلّق ملزم به - كنذر أو يمين أو اشتراط في ضمن عقد غير جائز كما في الالتزام بعدم التزويج أو بعدم النوم في الليل و نحو ذلك - ممّا ورد الدليل بعدم جوازه.
و أمّا الملتزم به الذي هو مخالف للكتاب و السنّة، فهو الأمر الذي يكون حراما مع قطع النظر عن الالتزام به. و أمّا إذا لم يكن حراما فلا يكون الالتزام بفعله محرّما، و كذلك في طرف الترك إذا لم يكن الفعل واجبا لا يكون تركه حراما. هذا من حيث الحكم التكليفي. و أمّا الوضعي، فكلّ ما لم يكن بحسب طبعه الأوّلي محكوما بعدم
الصحّة و النفوذ لا يكون مخالفا للكتاب و السنّة فلا بأس بالالتزام به. و أمّا إذا كان كذلك كما في اشتراط عدم أخذ السريّة في ضمن نكاح الزوجة الدائمة الذي ورد الدليل على عدم نفوذه و أنّ شرط اللّه أسبق و نظائر ذلك، فلا يمكن الالتزام به إلاّ إذا قام الدليل على أنّ حرمته التكليفيّة أو عدم صحّته الوضعيّة منوطة بما إذا لم يتعلّق به نذر أو لم يكن الالتزام به في ضمن عقد و نحو ذلك، كما في الإحرام قبل الميقات، فإنّه حرام إلاّ إذا نذر ذلك.
و بالجملة: تفصيل الكلام في بيان الشرط المخالف لمقتضى العقد و المخالف للكتاب و السنّة هو أنّ الأثر المترتّب على العقد، تارة يكون العقد مقتضيا له مع قطع النظر عن الحكم الشرعي، و بعبارة اخرى يكون هو المنشأ بالعقد و متعلّقا للالتزامين، و اخرى يكون بحكم الشارع. و الأوّل نظير ملكيّة المشتري للمثمن و البائع للثمن، فإنّ هذا مما يقتضيه نفس البيع و لو مع قطع النظر عن الحكم الشرعي، فلو باع زيد ماله بشرط أن لا يملكه المشتري، يكون هذا الشرط مخالفا لما يقتضيه العقد، و كذلك لو باعه بشرط أن لا يكون له ثمن. و حقيقة هذا الاشتراط يرجع إلى التنافي و التناقض؛ و لذا لا يكون صحيحا. و أمّا إذا لم يكن ممّا يقتضيه نفس العقد، بل كان حكما شرعيّا مترتّبا عليه، كالحكم بأنّ الطلاق بيد من أخذ بالساق في عقد الزوجيّة، فلو زوّجت امرأة نفسها من رجل و اشترطت عليه أن لا يكون مسلّطا على الطلاق و أن يكون أمر الطلاق بيدها، فهذا شرط ليس مخالفا لما يقتضيه العقد، لأنّ علقة الزوجيّة في حدّ نفسها لم تكن مقتضية لأن يكون الطلاق بيد الزوج، بل هذا حكم شرعي رتّبه الشارع عليه، فمثل هذا شرط لا
يكون مخالفا لمقتضي العقد بحيث يلزم منه التناقض، بل يكون مخالفا للكتاب و السنّة.
و لقد اشتبه هذا الفرق على كثير من الأعلام حتّى رفع عنه الشبهة شيخنا المرتضى في باب الشروط بما ذكرناه. و لكن العجيب منه قدّس سرّه أنّه لم يلتزم في المقام بما أفاده هناك، و جعل اشتراط عدم الخيار من الشروط المخالفة لمقتضى العقد، و الحال أنّ الخيار لم يكن مما يقتضيه عقد البيع؛ لأنّ مقتضاه ليس إلاّ ملكيّة كلّ منهما لما انتقل إليه بعوض، بل هو حكم شرعي مترتّب عليه. و لا بدّ أن يحمل كلامه قدّس سرّه إمّا على أنّه أراد بيان ما ذكره المستشكل، أو أنّ مراده من المخالف لمقتضى العقد هو هذا المعنى، أي المخالف للحكم الشرعي الثابت للعقد و أنّ في التعبير مسامحة.
هذا كلّه في الفرق بين ما يقتضيه نفس العقد و ما يكون حكما شرعيّا مترتّبا عليه.
و أمّا الشرط المخالف للكتاب و السنّة، فقد عرفت أنّ الشرط - كبعض المصادر الاخر - تارة يطلق على نفس الفعل، و اخرى على متعلّقه، نظير لفظ «الزينة» التي تطلق على نفس التزيّن و على ما يتزيّن به.
ثمّ إنّ كلّ أمر يكون فعله حلالا بالمعنى الأعمّ فإنّ الالتزام به يكون جائزا و غير مخالف للكتاب و السنّة، نظير الالتزام بفعل المباحات. و هكذا كلّ ما يكون تركه حلالا يصحّ الالتزام بتركه، إلاّ إذا علم من الخارج حرمة الالتزام به، نظير الالتزام بترك التسرّي على ما يظهر من رواية و إن كان لها معارض في موردها، إذ
يقول عليه السّلام: «بئس ما صنع و لكن فليف بشرطه»(1)و في الاولى يقول عليه السّلام: «ليس له أن يعمل بالشرط لأنّ شرط اللّه أسبق»(2)هذا في الأحكام التكليفيّة.
و أمّا الوضعيّة، فإن كانت قابلة للإسقاط و الانتقال قهرا أو اختياريّا فلا محالة يكون من الحقوق. و إن كانت غير قابلة لذلك يكون من الأحكام. فالقسم الأوّل اشتراط عدمه لا يكون مخالفا للكتاب و السنّة؛ و ذلك لأنّه حقّ بحكم الشارع لهذا الشخص، فكما كان له إسقاطه بعد ثبوته، له إسقاطه قبل ذلك أيضا. و ليس المراد من اشتراط السقوط إلاّ هذا المعنى، أي إسقاطه قبل الثبوت، في مقابل الوجه الثاني و هو الإسقاط بعد الثبوت، و من الواضح أنّ هذا ليس تصرّف في حكم المولى و بخلافه حتّى يكون مخالفا للكتاب و السنّة.
نعم يرد عليه أمران:
أحدهما: أنّه اسقاط ما لم يجب.
و الثاني: أنّه لم تكن له السلطنة على الإسقاط قبل تحقّق البيع، فكيف يسقط مع عدم السلطنة له على ذلك؟
و الجواب عن الأوّل: فأوّلا بالنقض بما إذا كان الموكّل حاضرا في مجلس عقد الوكيلين و في عين آن وقوع العقد منهما أسقط خياره من غير تأخير، فهل يلتزم أحد بعدم سقوط الخيار في هذا الفرض؟ الظاهر أنّه لا يلتزم به أحد.
و من هذا يعلم الحلّ أيضا، و هو أنّه لا يعتبر تأخّر الإسقاط عن الثبوت، و لا دليل
عليه، بل يمكن ذلك مقارنا لتحقّق العقد كما في المثال المتقدّم، و إذا كان ممكنا فيصحّ في المقام أن يشترط سقوطه في ضمن العقد، فهذا بنفسه إسقاط، و هو مقارن للعقد على الفرض.
نعم فيما إذا اشترط عدم الخيار في العقد اللاحق في ضمن عقد سابق عليه، ربما يتوهّم أنّه إسقاط ما لم يجب بعد.
و يدفعه ما نذكره في جواب الإشكال الثاني. و الجواب عنه هو أنّ الخيار جعل على موضوعه بنحو القضيّة الحقيقيّة، فهو مجعول مع قطع النظر عن إيجاد العقد، و بالعقد يكون فعليّته، فهو يسقطه في ظرف ثبوته.
فالإسقاط يكون بنحو الواجب التعليقي، و حيث إنّ له السلطنة في ظرف تحقّقه، فمن الآن يعتبر سقوطه في ظرفه. و ما قيل من أنّ التعليق يكون باطلا، فعلى فرض تسليمه لا يكون في مثل المقام. مع أنّا ذكرنا في التعليق في البيع أنّه لا مانع منه؛ لأنّ دليله الإجماع على فرض تسليمه، و ليس لبطلانه رواية و لا دليل عقلي عدا ما لفّقه المحقّق التستري، و قد ذكرنا ذلك مفصّلا. و تحقّق الإجماع في مثل المقام غير معلوم. و بهذا يندفع الإشكالين معا. هذا في القسم الأوّل، أي الذي يقبل الإسقاط و الانتقال و يكون من تركة الميّت و ينتقل الى الورثة.
و أمّا ما لا يكون كذلك أي الحكم، فاشتراط عدمه يكون مخالفا للكتاب و السنّة، نظير طهارة شيء أو نجاسته، إذ من الواضح أنّه لا معنى لأن يقال: مات فلان و ترك طهارة مثلا، فمثل هذا لو اشترط في ضمن عقد - كأن باع داره بشرط أن لا يكون الشيء الفلاني طاهرا أو نجسا - لا يكون نافذا.
ثمّ إنّ الشيخ قدّس سرّه أفاد وجوها في تصوير هذا الشرط. و نحن و إن ذكرنا ذلك سابقا
في أوّل هذا البحث و كان اللازم بيان كلام الشيخ هناك و غفلنا عنه، و لذا نستدرك الآن ما فات و نقول:
ذكر قدّس سرّه أنّ أوّل الوجوه: أن يشترط عدم الخيار، و هذا هو شرط السقوط الذي تكلّمنا فيه.
الثاني: أن يشترط عدم الفسخ.
و الكلام فيه يكون في مقامين:
أحدهما: في أنّه على هذا لو خالف و فسخ، هل يكون فسخه نافذا أو لا؟ و بعبارة اخرى: مقتضى دليل الشرط هل هو حكم تكليفي محض غير مستتبع لحكم إلزامي، فلو فسخ ليس فيه إلاّ الإثم و إلاّ فالفسخ نافذ، أو انّه حكم وضعي أيضا؟
ثانيهما: في أنّ هذا الشرط بناء على أن يكون أثره مجرّد الحكم التكليفي لا الوضعي، هلى له أثر أم لا؟
أمّا المقام الأوّل، فاستدل الشيخ قدّس سرّه على عدم نفوذ الفسخ بوجهين و المحقّق النائيني قدّس سرّه بوجه ثالث(1)و لكن نحن نذكر ما أفاده المحقق النائيني متمّما للوجه الأوّل الذي أفاده الشيخ.
أحدهما: أنّ الحكم التكليفي بوجوب ترك الفسخ يكون رافعا للسلطنة على الفسخ، و بضميمة ما أفاده المحقّق النائيني - و هو استلزام هذا لعدم كونه قادرا على إيجاد الفسخ شرعا، و يعتبر القدرة الشرعية أيضا في نفوذ المعاملات و نظائرها -
1) منية الطالب 47/3.
ينتج أنّ الفسخ لا يقع منه صحيحا و لا نافذا، انتهى.
و فيه: أنّ السلطنة تارة تكون سلطنة تكليفيّة و اخرى وضعية. أمّا السلطنة التكليفيّة فهي عبارة اخرى عن الإباحة و عدم كون المكلّف ملزما بأحد طرفي الفعل من الوجود أو العدم، و أمّا السلطنة الوضعيّة فهي عبارة عن نفوذ تصرّفه و صحّته وضعا، و لا ملازمة بينهما؛ إذ يمكن أن لا تكون للمكلّف سلطنة تكليفيّة على عمل و تكون له السلطنة الوضعيّة، كما لو فرضنا أنّ أحدا باع داره في أثناء الصلاة، فإنّه لم تكن له السلطنة عليه تكليفا و كان له ذلك وضعا، إذ يكون بيعه نافذا و صحيحا. و العكس أيضا ممكن و واقع كما هو واضح. و على هذا ففي المقام السلطنة التكليفيّة مرفوعة عن المشروط عليه و ليس له ذلك، و أمّا السلطنة الوضعيّة فلا دليل على ارتفاعها عنه، و قد عرفت عدم الملازمة بين السلطنتين.
اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّ دليل السلطنة الوضعية على الفسخ أعني دليل إثبات الخيار، كقوله عليه السّلام: «البيّعان بالخيار» مدلوله المطابقي هو إثبات السلطنة التكليفيّة، و أمّا السلطنة الوضعيّة فهي ثابتة بمدلوله الالتزامي، و على هذا لو سقطت دلالته المطابقيّة من جهة وجوب الوفاء بالشرط و قلنا بحرمة الفسخ عليه تكليفا، فلا محالة يسقط دلالته الالتزاميّة أيضا، فلا يدلّ على ثبوت السلطنة الوضعيّة حينئذ أصلا؛ إذ من الواضح أنّ الدلالة الالتزاميّة تكون تابعة للدلالة المطابقيّة حدوثا و بقاء و حجّية.
و لكن هذا المبنى فاسد من رأسه، لأنّ أدلّة الخيار مدلولها المطابقي هو إثبات السلطنة الوضعية، خصوصا بقرينة قوله عليه السّلام في ذيل بعضها: «إذا افترقا وجب البيع»، الظاهر بل الصريح في الحكم الوضعي، و المقابلة يقتضي أن يكون صدر
الخبر أيضا مثبتا للحكم الوضعي.
ثمّ لا يخفى أنّ ما أفاده الشيخ قدّس سرّه لو فرض تماميّته في حدّ نفسه، لا يكون جاريا في المقام على مبناه قدّس سرّه من أنّ الشروط التي تكون في ضمن العقود الجائزة غير لازمة الوفاء، و ذلك لأن هذا العقد الذي اشترط في ضمنه أن لا يفسخ عقد جائز على الفرض.
نعم على المختار من نفوذ الشروط و لو كانت في ضمن عقد جائز، يجري ما تقدم مع جوابه.
ثانيهما: استفادة عدم نفوذ الفسخ من اطلاق ما دلّ على وجوب الوفاء بالشرط لما بعد الفسخ، كقوله عليه السّلام: «المؤمنون عند شروطهم» لو كان دالاّ على الحكم التكليفي، أو قوله عليه السّلام في إحدى الروايتين، في رجل تزوّج امرأة و اشترط عليه أن لا يتسرّى، فقال عليه السّلام: «بئس ما صنع و لكن فليف بشرطه»(1)، فإنّ ظاهره الحكم التكليفي، و مقتضى إطلاق وجوب الوفاء، و هو ترتيب آثار الشرط لما بعد الفسخ أيضا، هو حرمة تصرّف الشارط في ما انتقل عنه حتّى بعد الفسخ كما في الوفاء بالعقد، و إذا كان تصرّفه فيه حراما يستلزم ذلك أن لا يكون فسخه نافذا؛ اذ لا معنى للنهي عن تصرّفه مع صحّة الفسخ و نفوذه، فإنه حينئذ يكون مالكا له و تصرّفه تصرّفا في ملكه. و نظير هذا التقريب تقدم منه قدّس سرّه في قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و استفادة اللزوم لجميع العقود منه إلاّ ما خرج بالدليل، انتهى.
1) انظر الوسائل 30/15، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 4، و الحديث منقول بالمضمون.
و فيه أوّلا: ما تقدم منّا مرارا، من أنّ معنى الوفاء هو التماميّة، فقوله عليه السّلام: «فليف بشرطه»، ظاهره أنّ التزامه نافذ و تمام و غير قابل للحلّ، لا أنّه يجب عليك ترتيب آثار الشرط. و هكذا في «المؤمنون عند شروطهم».
و ثانيا: لو سلّمنا ذلك و قلنا إنّه دالّ على وجوب ترتيب آثار الشرط، نقول: أثر الشرط - أي أثر الالتزام بترك الفسخ - أيّ شيء؟ هل يكون أثره حرمة التصرّف؟ من الواضح أنّها ليست أثرا لذلك، و إنّما هي أثر تحقّق الفسخ خارجا. و بعبارة اخرى: دليل الوفاء بالشرط يقتضي ترتيب آثار نفس الالتزام، و هو في المقام أن لا يفسخ، و لا يقتضي البناء على تحقّق متعلقه أعني المشروط خارجا. و على هذا فكم فرق بين قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و دليل الشرط من حيث جريان ما أفاده قدّس سرّه فيه دون المقام، و الفرق واضح، و هو أنّ الالتزام في العقود كالبيع مثلا، يكون بملكيّة الطرف، فمعنى ترتيب آثاره هو ترتيب آثار ملكيّته عليه، و من آثارها حرمة التصرّف، بخلاف المقام فإنّ المشروط هو أن لا يفسخ، و ليس أثره حرمة التصرّف، بل حرمة التصرّف أثر للفسخ، فلا يقاس أحد المقامين بالآخر.
و أورد السيّد قدّس سرّه في الحاشية(1)نقضا على الشيخ، و نعم ما أفاد، و هو النقض بما إذا كان الشرط إيجاد الفسخ، بأن باع داره و شرط عليه أن يفسخ بعد شهر مثلا، فهل يتوهّم لزوم ترتيب آثار الفسخ و لو لم يفسخ بعد، من باب وجوب ترتيب آثار الشرط أعني الفسخ عليه؟
و يمكن النقض بأمر آخر، كما لو فرضنا أنّه اشترط على المشتري أن يهب
1) حاشية المكاسب 11/2.
المبيع لغيره، فهل يمكن الالتزام بأنّ هذا كاف في تحقّق الهبة و بعد العقد يجب ترتيب آثارها و لو لم يهب بعد؟
و الحلّ واضح كما ذكرناه.
و بالجملة، على هذا لا يبقى شيء يمكن التمسّك به لإثبات عدم نفوذ الفسخ سوى الكبرى الكلّية، و هي مسألة دلالة النهي عن المعاملات على الفساد. و حيث إنّ المختار عندنا عدم دلالته عليه، فالظاهر نفوذ فسخه و إن كان آثما.
و أمّا المقام الثاني، فالحقّ أنّه لا ثمرة لهذا الشرط بناء على نفوذ فسخه؛ و ذلك لأن نتيجة الاشتراط إنّما هو ثبوت خيار الشرط للشارط عند تخلّف المشروط عليه، و في المقام ما دام لم يفسخ المشروط عليه فلا تخلف، و بعد فسخه لا يبقى موضوع لتحقّق خيار التخلّف للشارط، لانحلال العقد بفسخه. نعم لو كان المشروط عليه متديّنا فنفس الحكم التكليفي و حرمة الفسخ عليه يكون رادعا له عن الفسخ.
هذا كلّه في القسم الأوّل.
و أمّا القسم الثاني، و هو أن يشترط عليه إسقاط الخيار، أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّ مقتضى ظاهر هذه العبارة وجوب الإسقاط بعد العقد.
و أورد عليه السيّد في حاشيته(1)، بأنّ هذا صريح هذه العبارة لا ظاهرها، و أمّا ظاهرها فهو أن يكون الإسقاط بعد العقد بلا فصل.
أقول: الظاهر أنّ إيراده عليه غير وارد؛ إذ مراد الشيخ قدّس سرّه من قوله «مقتضى ظاهره وجوب الإسقاط بعد العقد» أنّ ظاهر هذه الجملة ليس اشتراط السقوط و أن
1) حاشية المكاسب 12/2.
لا يتحقق له الخيار أصلا و هو الوجه الأوّل، بل ظاهرها اشتراط الإسقاط بعد تحققه، و من الواضح أنّها ظاهرة فيه لا صريح، فكلامه قدّس سرّه أجنبي عن ظهور الإشتراط في اتّصال المشروط بالعقد و عدمه، و يمكن أن يكون الشرط الإسقاط بلا فصل، كما يمكن أن يكون هو الإسقاط بعد شهر أو أقلّ أو أكثر و لا بدّ في تعيينه من قرينة.
و كيف كان، أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّه لو أخلّ بالشرط و فسخ العقد يجري في نفوذه و عدم نفوذه الوجهان المتقدّمان و أنّ الأقوى عدم التأثير.
أقول: الوجه الثاني و إن كان جاريا فيه، و لكن الوجه الأوّل - و هو استفادة عدم نفوذ الفسخ من حرمته و وجوب تركه من باب استلزام الحرمة لعجز المكلّف و رفع سلطنته عن التصرّف مع أنّه يعتبر في نفوذه أن يكون غير عاجز عن التصرّف - غير جار في المقام و إن فرضنا جريانه هناك؛ و ذلك للفرق بين المقامين، و هو أنّ الشرط في ذلك القسم حيث كان ترك الفسخ فلا محالة كان ذلك واجبا و نقيضه و هو الفسخ كان محرّما، بعين دليل وجوب نقيضه أعني عدم الفسخ، و إذا كان الفسخ محرّما فكان معجزا له شرعا و رافعا لسلطنته، على ما تقدّم الكلام فيه. و أما المقام فالشرط هو الإسقاط و هو الواجب، و نقيضه عدم الاسقاط افرض أنّه محرم، و أمّا الفسخ فهو ضدّ الإسقاط، فلا يقتضي الأمر بالإسقاط النهي عن الفسخ حتّى يكون معجزا عنه شرعا و رافعا لسلطنته عليه، إلاّ بناء على استلزام الأمر بالشيء النهي عن ضدّه العام، و هو بمراحل عن الواقع، فلا يجري في هذا القسم سوى الوجه الأوّل، و قد عرفت الجواب عنه. فالظاهر نفوذ فسخه في هذا القسم بطريق أولى.
ثمّ إنّ المشروط عليه تارة يسقط الخيار كما شرط، و اخرى يفسخ العقد، و ثالثه
لا يسقط و لا يفسخ. و هذا تارة يكون عن قصور كما لو فرض أنّه بعد العقد صار مجنونا أو مات، و اخرى يكون عن تقصير بأن لا يفسخ و لا يسقط عالما و عامدا.
أمّا على الأوّل و هو ما اذا عمل بالشرط و أسقط الخيار، فلا إشكال في عدم ثبوت خيار تخلّف الشرط للشارط.
و أما على الثاني فلا إشكال أيضا في ثبوت الخيار له.
و أمّا على الثالث فهل يثبت له خيار تخلف الشرط بمجرد عدم الإسقاط أم لا؟ ظاهر كلام الشيخ بل صريحه هو التفصيل بين ما إذا قلنا بنفوذ فسخه و عدم نفوذه، فأفاد ثبوته له على الأوّل و عدمه على الثاني، بدعوى أنّه لو لم يكن فسخه نافذا فأيّ أثر للإسقاط؟ فلا يلزم من عدمه تخلّف لما هو غرض الشارط و هو بقاء العقد و نفوذه، و هذا بخلافه على الثاني فإنّ العقد قبل الإسقاط يكون متزلزلا، و ربما يكون تزلزل العقد ضررا على الشارط و خلاف غرضه.
أقول: بناء على الأوّل هل يكون الإسقاط فعلا لغوا و مع ذلك صار واجبا، أو أنّه فعل ذو أثر؟ لا يمكن الالتزام بالأوّل، فلا بدّ و أن يكون ذا أثر و لو عند العقلاء و لو لم يكن كذلك شرعا، إذ ربما لا يكون المشروط عليه متديّنا و ملتزما بأصل الدين أو بفروعه و لا يكون لزوم المعاملة شرعا معتبرا عنده، فإذا أسقط خياره لا يكون له الخيار عند العقلاء و في المحاكم العرفيّة أيضا و يكون البيع لازما عندهم أيضا، نظير ما لو فرضنا أنّه اشترط في ضمن العقد إسقاط الخيار و أن يكتب ذلك بخطّه فأسقط من عليه الشرط خياره، و لكن أبى أن يكتب ذلك، فهل يمكن أن يقال ان المعاملة بالإسقاط صارت لازمة و لا أثر للكتابة شرعا فعدمها لا يكون تخلفا للشرط؟ إذ من الواضح أنّ الكتابة له أثر عند العقلاء، و المقام أيضا من هذا القبيل، و هذا المقدار
من الأثر يكفي في كون تخلّفه تخلّفا للشرط. فالحقّ ثبوت الخيار له في هذا الفرض أيضا.
ثمّ إنّ الشيخ قدّس سرّه تعرّض لبعض أحكام الشرط بالمناسبة - و إن كان له محلّ آخر و نتبعه نحن - بقوله قدّس سرّه: بقي الكلام في أنّ المشهور أنّ تأثير الشرط يكون على أقسام ثلاثة؛ لأنّه تارة يذكر في متن العقد، و هذا ممّا لا إشكال فيه. و اخرى لا يذكر أصلا لا في متن العقد و لا قبله بل ليس في البين إلاّ مجرد القصد، و هذا أيضا لا إشكال فيه لأنّه فاسد يقينيا. و ثالثة لا يذكر في متن العقد بل يذكر قبل العقد و يقاول عليه، و هذا هو محلّ الكلام. و استدلّ لبطلانه بوجوه.
و ليعلم أوّلا أنّ الشرط لا يكون قيدا لنفس البيع لوجهين، الأوّل: أنّه تعليق في البيع و هو مجمع على بطلانه. الثاني: أنّ لازمه أن يكون البيع باطلا عند تخلّف الشرط؛ لأنّ البيع كان معلّقا عليه و على فرض تحقّقه في الخارج، فإذا لم يتحقّق فلا بيع.
و لا يمكن أيضا أن يكون قيدا للعوضين؛ لأنّ لازمه بطلان البيع عند التخلّف، لا ثبوت خيار تخلّف الشرط، و ذلك لأنّ المبيع أو الثمن حينئذ يكون مقيّدا و هذا الموجود ليس ذلك، نظير ما إذا باع حمارا فانكشف أنّه فرس مثلا، فلا بدّ و أن تكون الشروط الضمنيّة امورا مستقلّة في ضمن الالتزام المعاملي و مربوطة به.
و كيفيّة ارتباطها به هي أنّ العقود اللازمة فيها التزامان، أحدهما: الالتزام بالبيع و هذا هو الالتزام المعاملي، و الثاني: الالتزام بالبقاء على هذا الالتزام، و الالتزام الأوّل الذي هو البيع حقيقة غير مربوط بالشرط، و إنّما الشرط مربوط بالالتزام الثاني، و هو الالتزام ببقاء الالتزام الأوّل، و هذا هو وجه ارتباط الشرط بالبيع، و يأتي لهذا مزيد
بيان في محلّه.
و بعد هذا نقول: من الوجوه المذكورة لعدم تأثير هذا الشرط ما أفاده الشيخ قدّس سرّه، و حاصله: أنّ المتبادر من الشرط هو الالتزام المذكور في متن العقد المرتبط بمطلب آخر، فهذه المقاولة قبل الوعد إمّا أن يكون مجرّد وعد بالالتزام فيما بعد فلا أثر له لعدم وجوب الوفاء به، و إمّا التزام مستقلّ غير مربوط بالعقد لأنه لم يقع العقد مبنيّا عليه، لأن ارتباطه لا يكون إلاّ بذكره في متن العقد و المفروض أنّه لم يذكر، فلا يصدق عليه الشرط و لا تشمله أدلّته، انتهى.
و فيه أوّلا: النقض بالشروط الارتكازيّة العقلائيّة التي يلتزم قدّس سرّه بل الجميع يلتزمون بتأثيرها، مع أنّها غير مذكورة في متن العقد كما في خيار الغبن، فإنّ المدرك لثبوته و إن قيل إنّه حديث «لا ضرر» أو «لا حرج» و لكنّه غير تام، فعمدة المدرك له هو أنّ المرتكز عند العرف في البيع هو حفظ ماليّة الشيء في ضمن شيء آخر، فكأنّ اشتراط تساوي قيمة سوقيّة العوضين مذكور في العقد، أي يكون في حكم المذكور، فإذا تخلّف يأتي الخيار. و مثله مسألة تسليم البلد، فلو باع شيئا و بعد البيع قال: اسلّمك المبيع في بلد آخر، يأتي الخيار للمشتري، لتخلّف الشرط، مع أنّ تسليم البلد لم يذكر في متن العقد، و هذا أيضا من جهة الارتكاز العرفي، و نظائرها كثيرة.
و ثانيا: بالحلّ، و هو أنّ حقيقة الشرط على ما يظهر من القاموس و من العرف ليس إلاّ الالتزام المرتبط بأمر آخر أي الالتزام بابقاء الالتزام الأوّل كما حقّقناه، و الارتباط بين الالتزام و شيء آخر أجنبيّ عن مرحلة اللفظ، نعم لا بدّ له من مظهر إمّا مطلقا أو في حال إيجاد العقد، و المظهر في المقام هو نفس المقاولة السابقة على
العقد، فهي بقاء يكون مظهرا للالتزام المربوط سابقا حين العقد، كما أنّ الارتكاز العرفي كان مظهرا في الفرعين السابقين. و بعبارة اخرى: المقاولة السابقة - كالارتكاز العرفي - يجعل الالتزام في حكم المذكور في متن العقد و يكون قرينة على ذلك، فالالتزام المربوط في حدّ نفسه موجود، و مظهره حين العقد أيضا موجود عند من يعلم بذلك المقاولة، فلا وجه لعدم نفوذه.
الوجه الثاني منها: ما أفاده المحقّق النائيني قدّس سرّه(1)، و ملخّصه أنّ القصد و الداعي غير معتبر في العقد ما لم ينشأ باللفظ، فلا بدّ من ذكره في متن العقد حتّى يرتبط بالعقد، إذ مجرّد البناء عليه ليس التزاما به.
أقول: جوابه يظهر ممّا تقدم.
و بالجملة: حاصل الوجه الأوّل الذي أفاده الشيخ هو أنّ المتبادر من الشرط هو الالتزام المذكور في ضمن العقد، فلا تشمله أدلّة الوفاء بالشرط لمّا لم يذكر في متن العقد.
و حاصل ما ذكره المحقّق النائيني - الذي جعلناه وجها ثانيا - أنّ ارتباط الشرط بالعقد لا يكون إلاّ بذكره في متن العقد. و قد عرفت الجواب عنهما.
الوجه الثالث من الوجوه: روايات ثلاثة واردة في باب النكاح المنقولة في الوسائل و غيره.
فيقع الكلام في أنّها هل تدلّ على عدم نفوذ مطلق الشرط إذا لم يكن مذكورا في ضمن النكاح و كان النكاح مبنيّا عليه للمقاولة السابقة عليه في موردها و هو
1) منية الطالب 48/3.
النكاح، أو لا دلالة لها إلاّ على عدم نفوذ خصوص شروط المتعة، أي تعيين المهر و تعيين المدّة و أنّ أحدهما لا يرث من الآخر إذا كانت كذلك، لا مطلق الشرط حتّى في خصوص النكاح؟
ثمّ في أنّه بناء على الأوّل هل يتعدّى عن موردها و هو النكاح إلى سائر العقود أيضا أم لا؟
أمّا الجهة الثانية فلا إشكال في عدم التعدّي عن النكاح إلى غيره كما سيظهر وجهه.
و أمّا الجهة الاولى فالظاهر أيضا أنّ مدلولها ليس إلاّ عدم نفوذ خصوص شروط النكاح إذا لم يذكر في متن العقد.
أمّا الرواية الاولى و هي رواية ابن بكير، قال: قال ابو عبد اللّه عليه السّلام: «إذا اشترطت على المرأة شروط المتعة فرضيت به و أوجبت التزويج، فاردد عليها شرطك الأوّل بعد النكاح، فإن أجازته فقد جاز، و إن لم تجزه فلا يجوز عليها ما كان من شرط قبل النكاح»(1)و المراد من ردّ الشرط بعد النكاح هو ذكره حين النكاح، و إلاّ فذكره بعد النكاح ممّا لا أثر له. و عدم دلالتها الا على خصوص شروط المتعة - و هي الامور الثلاثة المتقدّمة - واضح، لأنّ موضوع الحكم هو ذلك.
و أمّا الرواية الثانية فهي رواية عبد اللّه ابن بكير، قال: «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام ما كان من شرط قبل النكاح هدمه النكاح، و ما كان بعد النكاح فهو جائز»(2)و ربما
قوله قدّس سرّه: «فرع» ذكر العلاّمة في التذكرة موردا لعدم جواز اشتراط نفي خيار المجلس [1]
يتوهّم أنّ دلالتها على عدم نفوذ مطلق الشروط المذكورة قبل النكاح أوضح لعدم تقيد الشرط فيها بشرط النكاح.
و لكن الظاهر انها دالة على خلاف المطلوب، و ذلك لأنّ الهدم إنّما يستعمل فيما إذا كان الشيء ثابتا قبله، فظاهر هذه الرواية أنّ الشرط قبل العقد يكون مؤثّرا و لكن النكاح يهدمه تعبّدا و على خلاف القاعدة، فظاهرها أيضا أنّ عقد النكاح لو لم يذكر فيه المدّة و المهر بل وقع مبنيّا عليه فينقلب دائما على خلاف القاعدة، لأنّ القاعدة تقضي بطلانه، لأنّ ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد، لا أن ينقلب إلى النكاح الدائم، فتأمّل.
و الرواية الثالثة ما رواها محمد ابن مسلم: «قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول في الرجل يتزوّج الرجل متعة، أنّهما يتوارثان إذا لم يشترطا و إنّما الشرط بعد النكاح»(1).
و هذه أيضا ظاهرها اشتراط عدم التوارث.
و على كل حال، هذه الروايات أجنبيّة عن المقام بلا شبهة.
[1] و هو أنّه قال: لو نذر المولى أن يعتق عبده إذا باعه فلو باعه لم يصحّ البيع؛ لصحة النذر فيجب الوفاء به و لا يتمّ ذلك مع نفي الخيار، إلاّ أن يكون الشرط ملغى - كما عليه بعض علمائنا - فيلغو الشرط و يصحّ البيع، انتهى(2).
و أفاد الشيخ قدّس سرّه ما حاصله: أنّ هذا مبنيّ على ما تقدّم، من أن يكون رفع السلطنة التكليفيّة عن شيء مستلزما لرفع السلطنة الوضعيّة عنه أيضا، فإن قلنا بذلك فلا محالة لا تكون له السلطنة الوضعيّة على البيع فيكون لغوا، و إلاّ فلا مانع من نفوذه.
أقول: فرق بين المقام و المقام المتقدّم، و عدم صحّة البيع في المقام يتوقّف على مقدمتين: الاولى ما تقدم، و الثانية أن نقول بحرمة المقدّمات المفوّتة و وجوب حفظها، لأنّ في اشتراط عدم الفسخ كان عدم الفسخ بنفسه متعلّقا للشرط، بخلاف البيع في المقام فإنه لم يتعلّق النذر بعدم البيع و إنّما تعلّق بالعتق، و هذا البيع أي البيع بشرط عدم الخيار يكون مفوّتا للواجب في ظرفه، لأنّ قبل البيع لا يكون العتق واجبا و بالبيع مع نفي الخيار يعجز البايع عن العتق، فلا يتوجه إليه التكليف بالبيع.
نعم بهذا العمل يفوّت غرض المولى، فإن قلنا بأنّ تفويت غرض المولى في ظرفه قبيح، بدعوى أنّ العقل لا يفرّق بين عصيان المولى و تفويت غرضه، فيكون هذا حراما، و إلاّ فلا حرمة، بل على هذا أيضا لا يكون حرمة البيع بنحو الإطلاق - كما أفاد السيّد في الحاشية(1)- إذ ربما يعلم البايع بأنّه يتمكّن من العتق بعد البيع المشروط بنفي الخيار، كما لو علم بأنّ المشتري يندم من المعاملة و يقيل معه، أو يعلم بأنّه قادر على الشراء منه، أو يعلم بأنّه يموت و ينتقل إليه بالارث، فإنّه في جميع هذه الفروض لا يكون البيع مفوّتا لغرض المولى، إذ يمكن للمكلّف إيجاد متعلّق غرضه بهذه الامور.
1) حاشية المكاسب 13/2.
و ذكر المحقّق النائيني قدّس سرّه(1)ما حاصله: أنّ العتق المتوقّف على هذه الامور الذي هو خارج عن تحت اختيار الناذر، لا يكون متعلّقا للنذر، بل يتعلّق النذر بالفرد الاختياري، و على هذا فالبيع المشروط بنفي الخيار يكون مفوّتا لمتعلّق النذر و لغرض المولى.
و فيه ما لا يخفى؛ فإنّه لو كان هناك في النذر فردان، أحدهما مقدور للناذر و الاخرى خارج عن قدرته، فلا محالة يتعلّق النذر بالفرد المقدور دون غيره، و أمّا إذا كان النذر مشروطا بالبيع و معلّقا عليه بنحو القضيّة الحقيقيّة فلا محالة يشمل جميع أفراده، ما كان تحت اختياره محضا أو ما كان منوطا باختيار الغير أيضا.
إن قلت: إنّه بناء على القول بوجوب حفظ المقدّمة المفوّتة و حرمة تفويت الواجب في ظرفه، لا يتوقف عدم نفوذ الشرط في المقام على ما تقدم في اشتراط سقوط الخيار من استلزام سقوط السلطنة التكليفيّة لسقوط السلطنة الوضعيّة؛ للفرق بين المقامين، و هو أنّ الشرط هناك أي شرط عدم الفسخ لم يكن شرطا مخالفا للكتاب و السنّة و لم يكن محرّما، و إنّما المحرّم كان الفسخ بعد اشتراط عدمه، و أمّا في المقام فنفس اشتراط عدم الخيار يكون محرّما، بناء على حرمة تفويت الواجب في ظرفه، فمجرّد هذا يوجب خروجه عن أدلّة نفوذ الشرط، كقوله عليه السّلام «كلّ شرط جائز من المسلمين» و دخوله في المستثنى، و هو قوله عليه السّلام «إلاّ ما خالف الكتاب و السنّة» فلا يكون هذا الشرط نافذا، سواء قلنا باستلزام رفع السلطنة التكليفيّة للسلطنة الوضعيّة أم لم نقل به.
1) منية الطالب 49/3.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» و من المسقطات إسقاط هذا الخيار بعد العقد [1]
قلت: أمّا لو كان المراد من الشرط ما التزم به، فقد عرفت أنّ كونه مخالفا للكتاب و السنّة هو أن يكون محرّما في نفسه، أي كان ما التزم به فعل حرام و مبغوض أو ترك واجب، و من الواضح أنّ عدم الخيار الذي هو متعلّق الالتزام في المقام لا يكون محرّما في حدّ نفسه، نعم الإسقاط يمكن أن يقال إنّه محرّم، لكنّه ليس متعلّقا للالتزام، فالملتزم به ليس مخالفا للكتاب و السنّة. و إن كان المراد من الشرط نفس الالتزام فمعنى مخالفته للكتاب و السنّة أن يكون في نفسه مبغوضا، سواء كان متعلّقه - و هو الملتزم به - مبغوضا أم لم يكن، نظير الالتزام بترك التسرّي، فإنّ ترك التسرّي في حدّ نفسه ليس من المحرّمات، و لكن الالتزام به مبغوض.
و على هذا نسأل من المستشكل أنّه هل يكون المراد من الالتزام المخالف للكتاب ما يكون الذي هو موضوع المستثنى و هو المخالف له بعنوانه، أو يعمّ ما إذا كان مخالفا و لو بانطباق عنوان آخر عليه نظير ما إذا كان الاشتراط في ضيق الوقت و أوجب تفويت وقت الصلاة، فإنّه بهذا العنوان يكون محرّما و مع ذلك يكون نافذا و لا يكون داخلا في المستثنى من غير شبهة. فالمقدار المتيقّن من المخالف هو المخالف بعنوانه، و أمّا الزائد فداخل في عموم المستثنى منه. هذا تمام الكلام في دفع هذه الشبهة.
[1] و الدليل على نفوذه أوّلا: الاجماع.
و ثانيا: ما يدلّ على سقوط الخيار بالتصرّف معلّلا بأنّه رضى منه بالأولويّة.
و أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّ دلالته على نفوذ الإسقاط بالفحوى.
و نقول: كون دلالته على ذلك بالفحوى بحيث لو فرض عدم حجّية الفحوى لم تكن الروايات دالّة على ذلك ممنوع، فلا بدّ و أن يكون مراده قدّس سرّه من الفحوى
الأولويّة في إطلاق الإمام عليه السّلام و تطبيقه الكبرى أعني الرضا المظهر على التصرّف، مع أنّ التصرّف كاللمس و التقبيل و نحوه ليست فيه كاشفيّة عن الرضا في جميع الموارد؛ لأنّه يمكن أن يكون الإنسان في حال التصرّف غافلا عن البيع، فكون الإسقاط رضى مع أنّه كاشف عنه دائما يكون بالأولويّة، فالأولويّة تكون في انطباق العلّة على الإسقاط، لا الأولويّة في ثبوت الحكم كما لا يخفى.
و ثالثا: النبويّ المعروف، و هو «الناس مسلّطون على أموالهم»(1)و هذا و إن كان من حيث هو ضعيف السند، و لكن شهرته في كلمات الأصحاب و استدلالهم به يكون جابرا له.
و كيف كان، تقريب الاستدلال به هو أنّه لو كان للناس سلطنة على أموالهم و دلّ النبويّ على ثوبتها عليه مع أنّ المال أقوى من الحقّ، فدلالته على إثبات السلطنة على الحقّ الذي هو مرتبة ضعيفة من المال يكون بطريق أولى.
فيقع الكلام أوّلا في مقدار ما يثبت به من السلطنة على المال، ثمّ في مقدار السلطنة على الحقّ و كيفيّة ذلك، بناء على صحّة الأولويّة المذكورة.
فنقول: لا إشكال في سلطنة المالك على إعدام ماله خارجا بأن يأكل الخبز و يشرب الماء و يحرق الحطب. و كذا له السلطنة على إعدامه تشريعا، بأن يعتق العبد أو يوقف الدار على الجهة بنحو التحرير وفك الملك إلى غير ذلك، فإنّها إعدام في عالم التشريع. و لا إشكال في تسلّطه عليهما أي على التصرف المعدم للمال خارجا و المعدم له شرعا. و الدليل على ذلك النبويّ المتقدّم.
1) عوالي اللآلي 222/1، الحديث 99.
و هناك تصرّف آخر وقع الكلام في تسلّط المالك على ذلك التصرّف و عدمه، و هو إلغاء سلطنة نفسه عن ملكه، و يعبّر عنه بالإعراض، إذ إلغاء السلطنة ليس تصرّفا في المال، بل هو تصرّف في السلطنة، فلا دليل على ثبوتها؛ لأنّ ظاهر النبويّ ثبوت السلطنة على نفس المال لا السلطنة على السلطنة. و بعبارة المحقق النائيني قدّس سرّه(1)هذا تصرّف يكون فوق السلطنة، و لذا استدلّوا على جواز الإعراض و نفوذه بالسيرة و بما ورد في نثار العرس و نحوه. و على كلّ، سواء كان الإعراض نافذا أو لم يكن، فإنّ النبوي يكون أجنبيا عن إثبات السلطنة على إعدام السلطنة.
هذا كلّه في مقدار السلطنة على المال.
و أمّا السلطنة على الحقّ، فالحقّ بنفسه يكون بمعنى السلطنة على فسخ العقد و إمضائه، و هو يكون بمنزلة نفس المال لا بمنزلة ملكيّة المال؛ و ذلك لما دلّ على انتقال الحقّ بالإرث كانتقال المال به، و من الواضح أنّه لو كان بمنزلة الملكيّة لم يكن قابلا لأن يورث، كما أنّ الملكيّة غير قابلة للإرث، فإذا كان بمنزلة المال و فرضنا دلالة النبويّ على السلطنة على الحقّ بالأولويّة، فلا محالة يثبت هناك سلطنتان طوليّتان: أحدهما السلطنة على الفسخ و الإمضاء و هو الحقّ الثابت بدليله، و ثانيهما السلطنة على هذه السلطنة الثابتة بالنبويّ المتقدّم بالأولويّة، بعد الفراغ عن أنّ الحقّ بمنزلة نفس المال لا السلطنة على المال، لما دلّ على قابليّته للإرث كما أنّ المال قابل للإرث، فيدلّ النبويّ على سلطنة مالك الحقّ على الإسقاط و نفوذ ذلك منه. و لا يقاس الحقّ بالسلطنة على المال كما عرفت. هذا كلّه في كيفيّة
1) منية الطالب 49/3.
السلطنة على الحقّ.
و أمّا الأولويّة التي ادّعاها الشيخ قدّس سرّه في المقام، فاورد عليه بشبهة، تقريبها: أنّ المال لا يكون بمعنى العلقة و الإضافة و الملكيّة، و إنّما هو طرف لعلقة الملكيّة كالدار و العقار و نحو ذلك، و العلقة التي يكون بين المال و مالكه هي علقة قويّة يعبّر عنها بالملكيّة، و الحقّ - كما عرفت - كالمال، و علقته مع من له الحقّ علقة ضعيفة، و على هذا فلو كان النبوي دالاّ على ثبوت السلطنة على نفس العلقة القويّة فبالأولويّة يكون دالاّ على السلطنة على العلقة الضعيفة، فيكون الاستدلال تامّا.
و أمّا إن كان مدلوله السلطنة على طرف العلقة القويّة - كما هو الظاهر منه - و يكون سبب السلطنة تلك العلقة القويّة فلا أولويّة حينئذ لثبوتها على طرف العلقة الضعيفة بسبب تلك العلقة الضعيفة، بل ينعكس الأولويّة؛ لأنّ السلطة على القوي يستلزم السلطة على الضعيف، و لكن السلطة بواسطة السبب القوي لا يستلزم السلطة فيما إذا كان سبب السلطة ضعيفا كما هو واضح، و على هذا فلا أولويّة في ثبوت السلطة على الحقّ، بل الأولويّة تنعكس، بمعنى أنّ السلطنة لو ثبتت على الحقّ مع أنّ علقته ضعيفة تثبت على المال بطريق أولى، لأنّ علقته قويّة. و بالجملة، لو كان المراد من المال الملكيّة و لو بالإشراب يتمّ الأولويّة، و إلاّ فلا، انتهى.
و فيه: أنّ السلطنة على التصرّف تارة يكون في المال و اخرى على المال، فإن كان في المال فالأمر كما ذكره المستشكل؛ لأنّ معنى ذلك السلطنة على التصرّفات المترتّبة على الملكيّة التي هي علقة قويّة، و ترتّب أمر على قويّ لا يستلزم ترتّبه على الضعيف. و أما إن كانت السلطنة على المال لا في المال - كما هو ظاهر الخبر - ففي الحقيقة يكون مسلّطا على إعدام المال، و لازم هذا أن يكون مسلّطا
على إعدام نفس الملكيّة أيضا و لو بإعدام موضوعه. و بعبارة اخرى تكون له السلطنة على ما يترتّب عليه بقاء الملكيّة، و من الواضح أنّ ثبوت السلطنة عليه يستلزم ثبوتها على إعدام العلقة الضعيفة أيضا، و الرواية ظاهرها ثبوت السلطنة على المال لا في المال، بل صريحها ذلك، فتأمّل.
و ثالثا: استدلّ الشيخ قدّس سرّه بأدلّة الشروط، بناء على شمولها للشروط الابتدائيّة.
و فيه: أنّها لا تشمل المقام حتّى بناء على ذلك؛ لأنّ الإسقاط لا يكون بنفسه التزاما بشيء أصلا، نعم ربما يكن للمسقط التزام بترتيب آثاره و لوازمه.
ثمّ أفاد قدّس سرّه أنّ الظاهر سقوط الخيار بكلّ لفظ يكون دالا على الإسقاط و لو بالدلالة الإلتزاميّة.
و الكلام يكون في موردين:
الأوّل: فيما أفاده.
و الثاني: في أنّه هل يعتبر أصل اللفظ أم لا؟
أمّا الأوّل، فاستدلّ الشيخ على ذلك بوجوه ثلاثة.
الأوّل: الفحوى المتقدّمة من تطبيق الإمام عليه السّلام الكبرى الكلّية و هي الرضا المنكشف، على الفعل الذي له كاشفيّة نوعا لا دائما، بقوله عليه السّلام: «ذلك رضى منه».
الثاني: فحوى ما دلّ على كفاية بعض الأفعال في إجازة عقد الفضولي؛ لأنّ اعتبار اللفظ في العقود يكون أهمّ و أولى، فإذا اكتفي فيها بالفعل المظهر، ففي المقام بطريق أولى.
أقول: لم نجد ما دلّ على ذلك سوى ما ورد في نكاح العبد بدون إذن سيّده،
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لو قال أحدهما لصاحبه: اختر [1]
فلمّا علم المولى بذلك سكت، فقال عليه السّلام: «سكوته رضاه» و ما ورد في اعتبار رضا العمّة و الخالة بتزويج ابن الأخ و الاخت، و كلا الموردين أجنبيّان عن المقام؛ و ذلك لأنّ الإجازة تارة يكون لأجل استناد العقد إلى المجيز، و اخرى الاستناد إلى من يعتبر استناد العقد إليه يكون حاصلا غايته اعتبر الشارع رضاء شخص آخر في صحّة ذلك العقد، و الموردان من قبيل الثاني، أمّا الأوّل فلأنّ نكاح العبد يكون أجنبيّا عن مولاه، و لا يلزم استناده اليه، غاية الأمر اعتبر الشارع رضى المولى به، و هكذا نكاح ابن الأخ و ابن الاخت لا ربط له بالعمّة و الخالة أصلا، و تعبّدا اعتبر رضاهما بذلك، فكفاية السكوت في الكاشفيّة عن الرضا مطلقا تعبّدا لأنّه كاشف عنه نوعا لا يثبت كفاية السكوت في مقام الإجازة للاستناد، و لم نجد سوى الروايتين دليلا على ذلك.
الثالث: أنّ الإسقاط بكلّ دلالة كان يكون صغرى للكبرى الكليّة، و هي كلّ ما يكون مصداقا للإسقاط يكون نافذا، و لا بدّ أن يكون مدرك هذه الكبرى الإجماع، إذ لو كان مدركها الوجهين المتقدّمين لما كان دليلا ثالثا، و على هذا فلو تمّ الإجماع يتمّ ما أفاده. هذا كلّه في المورد الأوّل.
و أمّا المورد الثاني، فالظاهر أنّه لا يعتبر فيه اللفظ أصلا؛ لما دلّ على أنّ الرضا المظهر و لو بالفعل يكون مسقطا للخيار.
ثمّ رتّب الشيخ قدّس سرّه على ما ذكر أنّه لو قال أحدهما: «أسقطت الخيار من الطرفين» و أجاز الآخر، يسقط الخيار من الطرفين. و بعد ما ذكرنا ظهر وجهه؛ إذ الإجازة بنفسه إسقاط للخيار كما هو واضح.
[1] لا يخفى أنّ المراد من ذيل بعض روايات خيار المجلس، و هو قوله عليه السّلام: «أو
يقول أحدهما لصاحبه: اختر» هو نفي العموم المستفاد من صدر الرواية، و هو قوله عليه السّلام: «البيعان بالخيار» إذ مفاده ثبوت الخيار لكليهما، و هذه الغاية غاية للعموم لا لأصل الخيار، فبعد هذا القول لا يكون الخيار ثابتا بنحو العموم، أي لهما معا، بل يسقط خيار قائله، ففرق بين الغايتين المذكورتين في الرواية؛ فإنّ الافتراق غاية لأصل الخيار، بخلاف قول أحدهما: اختر. و هذا واضح جدا.
ثمّ حيث لا نحتمل أن يكون مجرّد هذا القول مسقطا للخيار تعبّدا، و لو لم يكن ظاهرا في الإسقاط أو لم يقصد المتكلّم به ذلك؛ و لذا يقع الكلام فيما يمكن أن يراد من هذه الجملة، بعد وضوح مفاد هيئتها و هو الطلب أو ابراز الشوق و نحو ذلك، و وضوح معنى مادّته و هي الخير، فظاهر «اختر» هو طلب اختياره ما هو خير لنفسه.
و من الواضح أنّ هذا الطلب ليس طلبا مولويّا بداعي البعث و التحريك، فالمحتمل فيها أحد وجوه أربع، الأوّل: أن يكون المراد منها إسقاط خياره و رفع اليد عنه. الثاني: أن يكون المراد منها تمليك خياره لصاحبه. و الفرق بين الوجهين هو الفرق بين إبراء الدين و هبته للمديون، فالأوّل لا يتوقّف على القبول بخلاف الثاني، فإنّ الهبة من العقود القائمة بالطرفين. الثالث: أن يراد منها توكيله في إعمال خياره فسخا و إمضاء و تفويض خياره اليه. الرابع: أن يريد بها مجرّد الاختيار و الخروج عن التحيّر بأن يستعلم أنّ صاحبه يريد الإمضاء أو الفسخ.
و لا يترتّب على شيء من هذه الأقسام أثر لو فسخ هذا الشخص، لأنّ الفسخ ينفذ و ينحلّ العقد.
و أمّا لو سكت أو أمضى، فعلى الأوّل لا يكون لمن قال «اختر» خيار بعد ذلك؛
قوله عليه السّلام: ثمّ إنّه لا إشكال في أنّ إسقاط أحدهما خياره [1]
لأنّه سقط بقوله «اختر» من دون توقّف على شيء. و أمّا على الثاني فلو كان في البين ما يكون دالاّ على قبول الطرف لهذا التمليك من سكوت أو إمضاء أو قرينة اخرى، فيسقط خياره أيضا. و أمّا إذا لم يكن في البين ذلك فيبقى خياره؛ لأنّ انتقال خياره عنه كان فرع قبول الطرف، و هو بعد لم يتحقّق، فخياره باق بعد، فعلى القسم الثاني لا بدّ من هذا التفصيل. و أمّا على الثالث فما دام الوكيل ساكتا و لم يمض العقد بإسقاط الخيار، فللموكّل عزله عن الوكالة إذا ندم، فله اعمال خياره. و أمّا إذا أسقط الموكّل الخيار و أمضى العقد، فلو لم يكن قاصدا لإسقاط خيار موكّله كما لو كان غافلا عنه مثلا، أو لم يقصد إلاّ الإمضاء من قبل نفسه فقط فكذلك يكون خيار الموكل باقيا، نعم لو قصد الإسقاط من قبله لا محالة يسقط خياره، فعلى الوجه الثالث لا بدّ من التفصيل بين الوجه الثلاثة. و أمّا على الرابع فلا وجه لسقوط خيار المختبر و المستعلم أصلا، بل يكون خياره باقيا، سواء أمضى الطرف و أسقط خياره أو كان ساكتا.
و هذه التفاصيل هي التي تترتّب على الأقسام الأربعة، و حيث لا ظهور لهذه الجملة في عرفنا هذا في أحد هذه الأقسام - لو لم نقل بظهورها في خصوص القسم الرابع - فلا محالة يكون مجملا، و عند الإجمال و الشكّ في الموضوع يرجع إلى استصحاب بقاء الخيار.
نعم ربما يقال بأنّها كانت ظاهرة في القسم الأوّل في العرف السابق، و لذا جعل غاية لثبوت الخيار في ذيل الرواية بنحو الإطلاق. و لكن الإنصاف أنّه لا ظهور لها فيه في هذا الزمان، مع أنّه لا ظهور لمضمونها فيه في سائر اللغات غير العربيّة.
[1] و من فروع مسألة الإسقاط أنّ إسقاط أحد الطرفين خياره و إمضاء العقد من
طرفه لا يوجب سقوط خيار الطرف الآخر، بل يكون له حقّ الفسخ و الإمضاء بعد ذلك أيضا؛ لأنّ كلاّ منهما ليس له إلاّ إسقاط حقّه دون حقّ طرفه. و يترتّب على هذا أنّه لو تقارن فسخ أحدهما مع إمضاء الآخر يكون الفسخ نافذا، لعدم المعارضة بين فسخ أحد الطرفين و إمضاء الطرف الآخر أصلا. و هذا معنى ما ذكروا، من تقدّم الفاسخ على المجيز، و الفسخ على الإجارة.
و أمّا الأمثلة التي ذكرها الشيخ قدّس سرّه بعد هذا، فأجنبيّة عن المقام، إذ ليس الإمضاء فيها من طرف و الإجازة من الطرف الآخر. و بالجملة مورد هذه الأمثلة ما إذا كان الإمضاء من المجيز بعينه مستندا إلى الفاسخ، كما لو أجاز الوكيل في الفسخ و الإمضاء، و فسخ الموكّل أو بالعكس، أو اعتق المشتري أو البائع العبد و الجارية معا دفعة واحدة فيما إذا كان أحدهما ثمنا و الآخر مثمنا في مجلس البيع، أو اجاز بعض الورثة البيع الخياري المنتقل حقّ الخيار إليهم و فسخ الآخرون.
و ليعلم أوّلا أنّ المراد من الوكيل في المقام هو الوكيل في الفسخ و الإمضاء، لا الوكيل الموفّض في أصل البيع حدوثا و بقاء الذي قلنا بثبوت الخيار له مستقلا في عرض ثبوته للموكّل إذا كان حاضرا في المجلس، إذ حينئذ يمكن أن يقال ببقاء خيار الوكيل و قبول فسخه حتّى مع عدم رضا الموكّل بذلك.
و كيف كان، في هذا الفرض لو أمضى الوكيل و أسقط الخيار لا يكون بعد للموكّل حقّ الفسخ أصلا، لأنّ إسقاط الوكيل كان مستندا إلى الموكّل، فكأنّه هو أسقط خيار نفسه.
و على هذا، فلو تقارن فسخ الموكّل مع إمضاء الوكيل، فالظاهر عدم تأثير كلّ منهما، لأنّ تأثيرهما معا لا يمكن، و ترجيح أحدهما على الآخر بلا مرجّح.
و ربما قيل - كما في الحاشية(1)-: بأنّ الترجيح مع عمل الموكّل و هو المؤثّر؛ بدعوى أنّ إعماله الخيار عزل للوكيل عن الوكالة.
و فيه أوّلا: أنّ مجرّد تصدّي الموكّل و تصرّفه فيما أوكل غيره في التصرّف فيه ليس عزلا للوكيل، و لذا لو فرضنا عدم نفوذ تصرّف الموكّل أو انحلال عقده بإقالة و نحوه، يكون الوكيل باقيا على وكالته، نعم تصرّف الموكلّ بما ينافي تصرّف الوكيل يكون معدما لموضوع الوكالة لا عزلا له. هذا مع إمكان أن يقال إنّ العزل لا يكون إلاّ بعد تماميّة تصرّف الموكّل بالفسخ أو الإمضاء، إلاّ على مسلك الشيخ قدّس سرّه من تحققه بمجرّد الشروع في ذلك.
و ثانيا: لو سلّمنا أنّ هذا التصرّف من الموكّل يدلّ التزاما على عزل الوكيل، لكن اتّفق الفقهاء - وفاقا للرواية - على نفوذ تصرّف الوكيل على الموكّل ما لم يصل الخبر إليه، و في المقام المفروض أنّه لم يكن خبر العزل واصلا إليه حين الفسخ أو الإمضاء. هذا كلّه في تعارض فسخ الوكيل مع إمضاء الموكّل أو بالعكس.
و أمّا مثاله الثاني و هو عتق العبد و الجارية معا، و الحقّ فيه أيضا عدم تأثير ذلك في كلّ منهما؛ إذ لازم عتق البائع العبد الذي نفرضه مبيعا هو فسخ العقد، و لازم عتقه الجارية هو إمضاء العقد، و هذان الأمران ممّا لا يجتمعان، و هكذا تأثير العتق في كليهما غير ممكن، لأنّ أحدهما مال الغير و الترجيح بلا مرجّح، فلا أثر لذلك لا في العتق و لا في الفسخ أو الإمضاء.
و أمّا المثال الثالث أعني فسخ بعض الورثة البيع الخياري المنتقل إليهم و إمضاء
1) حاشية المكاسب 13/2.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» من جملة مسقطات الخيار افتراق المتبايعين [1]
البعض الآخر، بناء على أن يكون المالك لهذا الحقّ كلّي الوارث، نظير مالكيّة كلّي الفقراء و السادات للزكاة و الخمس؛ فإنّ الأقوال في المسألة - على ما يتعرّض له الشيخ قدّس سرّه في آخر الخيارات عند التعرّض لانتقال الخيار إلى الورثة لقوله عليه السّلام: «ما تركه الميّت فلوارثه»(1)- ثلاثة، أحدها: أن ينتقل الحقّ إلى طبيعيّ الوارث و صرف وجوده، و عليه ينفذ من كلّ من سبق إلى إعماله منهم و بذلك يسقط الخيار، و على هذا يدخل المسألة في محلّ الكلام فيما إذا تقارن الفسخ من بعض مع الإمضاء من البعض الآخر، و نتعرض لبيان حكمه. ثانيها: أنّ الحقّ ينتقل إلى مجموع الورثة، و عليه فيعتبر في نفوذ الفسخ و الإمضاء اتّفاقهم على ذلك، و إلاّ فلا ينفذ حتّى مع سكوت بعضهم فكيف بصورة المعارضة. ثالثها: ان ينتقل إلى كلّ منهم بالنسبة إلى مقدار ما يرث من المال، و على هذا أيضا لا تعارض بين فسخ بعض و إسقاط بعض كما هو واضح.
و أمّا حكم صورة التعارض فالحقّ عدم تأثير شيء منهما، لما تقدّم في المثالين الأوّلين. و لا وجه للقول بترجيح الفسخ على الإمضاء كما ينسب إلى العلاّمة(2).
و أورد عليه الشيخ قدّس سرّه: بأنّه ليس لما أفاده وجه تام. و أفاد السيّد المحشّي(3):
بأنّه لا وجه له أصلا لا تامّا و لا ناقصا. و الحقّ معه قدّس سرّه. هذا كلّه في الإسقاط.
[1] الكلام فيها يكون في جهات:
الاولى: في أنّ مسقطيّته هل يكون بالتعبّد المحض أو أنّه يكون من باب كاشفيّته النوعيّة عن الرضا؟
الثانية: في أنّه هل يكفي التفرّق و لو بالدقّة العقليّة كمقدار إصبع أو شعرة واحدة، أو يعتبر أن يكون بالخطوة كما هو ظاهر عبارة جملة من الأصحاب، أو يعتبر التفرّق العرفي؟
الثالثة: في أنّه هل يعتبر في الافتراق حركة كلّ منهما أحدهما إلى المشرق و الآخر إلى المغرب أو يكفي حركة أحدهما؟
أمّا الجهة الاولى: فالإنصاف أنّ التفرّق ليست فيه كاشفيّة نوعيّة عن الرضا بلزوم المعاملة أصلا، خصوصا ممّن هو غافل عن وقوع المعاملة أو جاهل بحكمها أو فيما إذا لم يكن المتعاملان من أهل الإسلام. و لا يكون الافتراق كاللمس و التقبيل أو الوطء و نحو ذلك من التصرّفات الكاشفة عن الرضا بلزوم المعاملة و البناء على عدم فسخها نوعا. و بالجملة يكون هناك أفعال كاشفة عن الرضا نوعا، و لو نوقش في كون جميع الامور المذكورة منها كاللمس مثلا أو التقبيل، و أمّا مثل الوطء أو الأكل فلا خفاء في كاشفيته عن الرضا و البناء على عدم الفسخ، و التفرّق لا يكون منها عرفا؛ و لذا لم يجعل من مسقطات خيار الحيوان و لا غيره من الخيارات، كما جعل بعض التصرّفات الكاشفة عن الرضا مسقطا، و لم يتوهّم أحد أنّ التفرّق يوجب سقوط خيار الحيوان أو خيار الغبن مثلا، و هذا ليس إلاّ لما ذكرناه.
هذا، مضافا إلى أنّ مسقطيّته لو كانت من باب الكاشفيّة لم يكن مسقطا مستقلاّ، و لم يكن وجه لتخصيصه بالذكر، و لذا لا بدّ و أن يقال إنّ الافتراق حدّ تعبّديّ محض لخيار المجلس.
و أمّا ما ورد ممّا ظاهره ذلك، كقوله عليه السّلام: «فلا خيار لهما بعد الرضا»(1)فلا بدّ من رفع اليد عن ظهوره الأوّلي، إذ نرى وجدانا عدم كاشفيّة الافتراق عن ذلك، فيحمل على أنّ المراد بالرضا الرضا بأصل المعاملة أي الرضا الحدوثي، لا الرضا بالمعاملة بقاء، فالمعنى حينئذ إذا افترقا لا خيار لهما بعد رضاهما بأصل المعاملة.
أو يحمل على الرضا ببقاء المعاملة قبيل الافتراق فإنّهما كانا راضيين ببقاء المعاملة و عدم الفسخ، إذ لو كانا نادمين عنها لإبرزا ذلك، فعدم إبرازهما حين التفرّق أمارة على الرضا بالبقاء حينئذ، فتأمّل. فالمعنى إذا افترقا لا خيار لهما بعد أنّهما كانا راضيين باللزوم حين الافتراق.
و أمّا الجهة الثانية، فظاهر كلام الشيخ كفاية مسمّاه و لو بمقدار إصبع أو أقلّ؛ لإطلاق الروايات.
و لذا يقول قدّس سرّه: إنّ تعبير بعضهم عن الافتراق بالخطوة إمّا أن يكون مبنيّا على الغالب، أو من باب التمثيل لأنّ أقلّ مقدار التفرّق غالبا يكون بالخطوة، و لذا صرّح بعضهم بالتأمّل في كفاية الخطوة و اعتبر أزيد منها؛ بدعوى انصراف التفرّق إليه.
و يؤيّده قوله عليه السّلام: «فلمّا استوجبتها قمت فمشيت خطى ليجب البيع»(2)إذ لو كان الخطوة كافيا لما قال عليه السّلام: «فمشيت خطى ليجب البيع» بل قال «خطوة».
و بالجملة، في تعبيره عليه السّلام بالجمع تأييد لاعتبار الإزيد من الخطوة. و يجيب الشيخ قدّس سرّه عن الانصراف بالمنع، و عن الرواية بعدم الدلالة، و لم يذكر وجه عدم
دلالة الرواية. و الظاهر أنّ وجهه هو أنّ دلالتها على عدم كفاية الخطوة الواحدة يكون بمفهوم الوصف، و هو لا يكون حجّة، انتهى.
نقول: حيث إنّ المراد بالافتراق الافتراق بالنسبة إلى مجلس البيع، و المتبايعان في مجلس البيع غالبا لا يكونان ملتصقين ببدنهما حتّى يكون افتراقهما بحسب الدقّة العقليّة و لو بمقدار إصبع أو شعرة، فيكون المراد من الافتراق الافتراق المعاملي، و هو عرفا لا يصدق بمثل هذا المقدار، إذ هذا المقدار من التحرّك يتحقق غالبا بل حتّى بأزيد من ذلك كخطوة إذا لم يخرج عن المجلس. و بالجملة، الافتراق بالنسبة إلى الاجتماع المعاملي أمر عرفي لا يصدق إلاّ بما يعتدّ به عرفا فتأمّل، سواء كان عن اختيار أو اضطرار. نعم في الإكراه كلام سنتكلّم فيه.
و أمّا ما أفاده الشيخ قدّس سرّه في المنع عن دلالة الرواية فلا وجه له؛ لأنّ الاستدلال ليس بمفهوم الوصف بل بالتعليل و قوله عليه السّلام: «ليجب البيع» فإنّ ظاهره أنّه تعليل لجميع ما تقدّم، فغرضه عليه السّلام من المشي خطوات إنّما كان وجوب البيع و لزومه، و عليه فلا بأس بدلالتها.
و بالجملة، إنّ الافتراق بين الملتصقين و إن يتحقّق بانفصالهما و لو بمقدار شعرة، و لكن ليس المراد من الافتراق في الروايات هذا المعنى، إذ غالبا لا يكون المتبايعان ملتصقين، فلا محالة يكون المراد منه الافتراق المعاملي عن مجلس البيع، و الافتراق عن مجلس البيع عرفا لا يتحقّق إلاّ بالتفرّق المعتدّ به، لا بمقدار خطوة أو خطوتين، بل لا يبعد أن يعتبر فيه الإعراض و الخروج عن المجلس أيضا، إذ لو قام أحدهما عن ذلك المكان الذي وقع فيه البيع و مشى خطوات لأجل حاجة ثمّ رجع إلى مكانه لا يصدق التفرّق عن المجلس عرفا. و على هذا فلا يصدق التفرّق عرفا
قوله قدّس سرّه: «مسألة» المعروف أنّه لا اعتبار بالافتراق عن إكراه [1]
على المشي بمقدار خطوة، فلا وجه لما أفاده الشيخ قدّس سرّه من التمسّك باستصحاب الخيار؛ لعدم الشكّ في ذلك أصلا.
و أمّا الجهة الثالثة، فكما أفاد الشيخ قدّس سرّه، الافتراق بمعنى عدم المصاحبة أو انقضاء مجلس البيع، و هو يحصل بحركة أحدهما، كما يظهر من الرواية أيضا.
[1] ما يتصوّر من أقسام المسألة أربعة؛ لأنّه تارة يكون كلّ من الافتراق و عدم الفسخ عن طيب النفس، و اخرى يكون الافتراق عن إكراه دون عدم الفسخ و لم يكن مكرها على عدم الفسخ حين الافتراق، و ثالثة يكون عدم الفسخ عن إكراه دون الافتراق كما لو أكرهه شخص على أن لا يفسخ و لكن لم يجبره على التفرّق بل كان مختارا في البقاء في المجلس إلى سنة مثلا، و رابعة يكون مكرها على كلا الأمرين أي على الافتراق و عدم الفسخ معا.
و نحن نتعرّض للقسم الرابع، و يظهر منه حال الأقسام الاخر أيضا، فنقول:
المشهور بينهم في هذا القسم أنّه لا اعتبار بهذا التفرّق و يكون خياره باقيا.
و الاستدلال لذلك بوجوه:
منها: دعوى انصراف الافتراق المسند الى القاعد إلى الافتراق الاختياري.
و أورد عليه الشيخ قدّس سرّه: بأنّ دعوى التبادر و الانصراف إلى الاختيار في مقابل الاضطرار له وجه، إذا الفعل الصادر من المضطرّ حقيقة لا يكون فعله، بل صورة فعل.
و في الاستدلال و الجواب كليهما نظر؛ و ذلك لما ذكرنا في محلّه من أنّ الهيئات الإخباريّة ليس إلاّ موضوعة للحكاية و الإخبار بتحقّق المبدأ، سواء كان عن اختيار أو غيره، و لذا لا يختلف معنى الهيئة سواء كان المخبر به واقعا عن طيب النفس أو
عن كره أو عن اختيار أو اضطرار، كما في قولك: «نام زيد» إذا كان نومه عن اختيار أو لا عن اختيار. و أمّا المادّة فهي موضوعة لنفس المبدأ، و لا دخل للاختيار و عدمه في معنى المادّة أصلا. نعم نفس المعاني مختلفة و على أقسام ثلاث؛ لأنّ بعضها يكون في نفسه ممّا يعتبر فيه الاختيار و يكون عملا اختياريّا نظير البيع فإنّ هذا المعنى لا يتحقّق إلاّ عن اختيار، و بعضها غير اختياري نظير الشوق مثلا، و بعضها قابل للتحقّق بكلا النحوين نظير النوم، فظهور بعض الأفعال المستندة إلى الفاعل في الاختياري إنّما هو من جهة أنّ معناه كذلك، فلا يقاس به غيره من الأفعال التي ليست فيها تلك الجهة، أي لا يكون معناها ممّا يعتبر فيه الاختيار، و الافتراق المبحوث عنه في المقام من هذا القبيل، لأنّه معنى غير معتبر فيه الاختيار و لا عدمه، فيشمل كلا الوجهين. و لو لا ذلك لكان اللازم على المشهور القائلين به أن يلتزموا بعدم تأثير الافتراق الحاصل عن إكراه و لو لم يكن مكرها على الفسخ، و هذا ممّا لا يلتزمون به.
و منها: الاستدلال بحديث الرفع، بناء على شموله لرفع الحكم الوضعي أيضا.
و أورد عليه الشيخ: بأنّ لازم هذا أن لا يكون الافتراق الحاصل عن اضطرار أو عن خطأ و نسيان مؤثّرا أيضا، و لا يلتزمون به. و هكذا ينتقض بالتفرّق عن إكراه و لو كان متمكّنا من الفسخ.
و لذا أجاب السيّد في الحاشية(1)و المحقّق النائيني(2)- على ما في التقرير -
بالحلّ، و حاصله أنّ حديث الرفع بالنسبة إلى الأحكام الوضعيّة لا يشمل ما كان القصد فيه معتبرا كالبيع و الطلاق و نحو ذلك.
و فيه: أنّ هذه دعوى بلا دليل؛ و لذا شرب الخمر خطأ أو عن اكراه لا يكون مانعا عن الاقتداء به مع انه لا يعتبر في الشرب القصد، فتأمّل. و العجب من المحقق النائيني قدّس سرّه حيث يجيب في المقام بهذا، مع أنّه مخالف لما حقّقه في الاصول من شمول حديث الرفع لجميع الأحكام الوضعيّة.
ثمّ أفاد السيّد أيضا بأنّه يمكن الإشكال في التمسّك بحديث الرفع بوجه آخر، و حاصله أن يقال: إنّ حديث الرفع مختصّ بما اخذ في موضوع حكم آخر، سواء كان حكمه الأوّلي و في حدّ نفسه الإباحة أو الحرمة أو غير ذلك.
و فيه: أنّ هذا أيضا دعوى بلا دليل، مع أنّ جميع الأحكام الوضعية من هذا القبيل، و منها مسقطيّة الافتراق.
هذا، و لكن التحقيق عدم شمول حديث الرفع للمقام لا للوجهين المتقدّمين، بل لأنّ مفاد حديث الرفع إنّما هو رفع الحكم المترتّب على موضوع أو المتعلّق بمتعلّق في حدّ نفسه إذا صدر ذلك الموضوع أو ذلك المتعلّق عن إكراه، و ليس مفاده إثبات الحكم إذا لم يتحقّق الموضوع أو المتعلّق و كان عدم تحقّقه عن إكراه. مثلا الظهار يوجب الكفّارة فهو مأخوذ في موضوع هذا الحكم، فإذا صدر عن إكراه يرتفع هذا الحكم بمقتضى حديث الرفع، لكن عكسه و هو ما إذا أراد كلّ من المشتري و البائع البيع و لكن أكرهما مكره على عدم الإنشاء، و فرضنا دخل الإنشاء في تحقق البيع، فلا يثبت له حديث الرفع ذلك الحكم المترتّب على الإنشاء.
و بعبارة اخرى: ظاهر الحديث رفع الحكم عن الموضوع أو المتعلّق إذا صدر عن
إكراه و جعله كالعدم في عالم التشريع، لا إثبات الحكم من غير تحقّق موضوعه أو متعلّقه إذا تعلّق الإكراه بأمر آخر غير الموضوع و المتعلّق و استلزم ذلك عدم تحقّق الموضوع عن كره كما في المقام.
و توضيح ذلك: هو أنّ موضوع الخيار هو البيع ما دام المتبايعان في المجلس، ففي الحقيقة كون المتبايعين في مجلس البيع دخيل في موضوع الحكم بالخيار، لا أن الافتراق جعل مسقطا للخيار، فالتعبير عن الافتراق بالمسقط مسامحة واضحة، فإنّ مقتضى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ هو لزوم البيع حتّى في المجلس، و لو لا جعل الخيار ما دام المتبايعان مجتمعين لكان البيع لازما بمقتضى ذلك الدليل، فالشارع جعل الخيار لهما إذا كانا في المجلس، و مع جعل الخيار لهما كذلك يكون جعل المسقطيّة أيضا لغوا محضا، إذ الجعل الأوّل - أي جعل الخيار في المجلس - يكفي عن جعل الافتراق مسقطا، فجعل الخيار لا بدّ منه و جعل المسقط لغو، و إذا كان كذلك فما هو دخيل في موضوع الخيار هو الاجتماع، و حينئذ لو فرضنا أنّه اكره أحدهما أو كلاهما على الافتراق، فقد أكرها على أمر غير موضوع الخيار. نعم عدم تحقّق موضوع الخيار يكون عن إكراه، و قد عرفت أنّ حديث الرفع لا يجعل عدم الموضوع إذا كان مستندا إلى الإكراه كوجوده، و لا يوجب ترتيب آثار الوجود على هذا العدم. و لا يمكن أن يلتزم بهذا في غير المقام، كباب العقود و الإيقاعات و نحو ذلك بالضرورة.
ثمّ على هذا لو اكرها على البقاء في المجلس، ربما يقال - كما في
الحاشية(1)- إنّ هذا البقاء الإكراهي يكون كالعدم بمقتضى الحديث، و لازمه سقوط الخيار حينئذ.
هذا، مضافا إلى النقض بما إذا كان البقاء في المجلس عن اضطرار أو نسيان أو خطأ؛ فإنّهم لا يلتزمون بسقوط الخيار حينئذ. و الحلّ ما ذكرناه.
و بالجملة: تحصل ممّا ذكرنا عدم صحّة التمسّك بالوجهين المتقدّمين لإثبات بقاء الخيار إذا كان الافتراق عن إكراه.
فيبقى الكلام في الوجهين الآخرين اللذين أفادهما الشيخ.
أحدهما: التمسّك بصحيحة فضيل، و تقريب الاستدلال بها بوجهين:
الأوّل: أن يكون المراد من الرضا في قوله عليه السّلام: «لا خيار لهما بعد الرضا» الرضا المقارن للافتراق، إذ لا عبرة بالرضا في غير ذلك الحين، و حينئذ يكون ظاهر الصحيحة أنّ الافتراق المتّصل بالرضا مسقط لا غيره.
الثاني: أن يكون المراد أنّ المسقط هو الافتراق الكاشف عن الرضا نوعا، و من الواضح أنّ الافتراق عن إكراه لا يكون متّصلا بالرضا و لا كاشفا عنه نوعا.
و فيه أوّلا: النقص بالاضطرار و نحوه و بصورة التمكّن من الفسخ.
و ثانيا: ظهور الصحيحة في هذين المعنيين ممنوع كما أفاده الشيخ قدّس سرّه فيما تقدّم، و نحن قد ذكرنا هناك أنّه نحمل الرواية على أنّ المراد من قوله عليه السّلام: «لا خيار لهما بعد الرضا» أنّه لا خيار لهما بعد عدم الفسخ أي هذا المعنى رضاء فعلي، و من الواضح أنّ هذا الحمل أيضا من باب ضيق الخناق. فالإنصاف أنّه لا دلالة
1) حاشية المكاسب 15/2.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لو اكره أحدهما على التفرّق [1]
للصحيحة على المطلب أيضا.
ثانيهما: دعوى الإجماع على أنّ الافتراق الحاصل عن كره في صورة الإكراه على الفسخ أيضا لا يكون مسقطا.
و هذا الوجه إن تمّ و لم يحتمل أن يكون مدركه أحد الامور الثلاثة المتقدّمة فبها، و إلاّ فيلحق بتلك، و الظاهر عدم تماميّته، خصوصا مع وجود المخالف. فالحقّ أنّ الافتراق يوجب سقوط الخيار سواء وقع عن إكراه أو اختيار.
ثمّ بناء على هذا لا يبقى مجال للمسألة السابقة؛ لأنّه لو كان الافتراق مطلقا مسقطا و لو عن إكراه أو اضطرار فلا فرق بينما إذا اكره أحدهما على الافتراق دون الآخر أو اكرها معا على ذلك، كما لو فرضنا أنّ المكره أكره أحدهما على الحركة و بقي الثاني اختيارا و لم يصاحبه، أو أكره أحدهما على البقاء و تحرّك الآخر اختيارا، فإنّه على ما ذكرنا في جميع الصور يسقط الخيار، فنحن نتكلّم فيما أفاده الشيخ قدّس سرّه على تقدير التنزّل.
[1] الأقوال في فرض إكراه أحدهما و عدم منع الآخر عن المصاحبة أربعة: سقوط خيارهما معا و هو أوّل الأقوال، و عدم سقوطه كذلك و هو القول الثاني، و سقوط خيار الباقي عن اختيار دون المكره على الحركة و هو القول الثالث، و التفصيل الذي نسب إلى العلاّمة قدّس سرّه بين ما إذا كان الإكراه على الحركة فيسقط الخيار عنهما و ما إذا كان الإكراه على البقاء و كان حركة من تحرّك عن اختيار فيثبت خيارهما.
و مبنى هذه الأقوال أنّ الافتراق الذي هو أمر وحداني ضدّ الاجتماع و المصاحبة أو نقيضه الذي لا يمكن تحقّقه إلاّ بالنسبة إلى طرفيه إذ لا يعقل أن يكون أحد طرفيه مفترقا دون الطرف الآخر، هل اخذ في الدليل اختيارا بنحو العامّ المجموعي
أي جعل التفرّق الاختياري منهما موجبا لسقوط خيار كلّ منهما و عليه لا يكون هذا الافتراق مسقطا، أو جعل التفرّق الاختياري بنحو العامّ الاستغراقي و نتيجته التفصيل بين المختار و غيره، أو أنّه جعل الاختيار دخيلا فيه موجبة جزئيّة أي و لو حصل من أحدهما اختيارا و حينئذ نتيجته سقوط الخيار مطلقا لو لم نقل بأنّ الافتراق أمر وجوديّ لا يتحقّق إلاّ بالحركة، و إلاّ فالنتيجة هو تفصيل العلاّمة قدّس سرّه.
هذا، و لكن ظاهر الأدلّة هو الأوّل و لو أنّ ظاهر تعليق الجمع بالجمع هو الاستغراق كما هو واضح.
و على هذا، فالتحقيق أن يقال: إنّ مقتضى الرواية - على ما عرفت - أنّ الافتراق مسقط و لو كان عن إكراه، و لا بدّ في إخراج الافتراق الحاصل عن إكراه من مخصّص فإن كان المدرك في ذلك حديث الرفع فالحقّ أنّه لا يكون مسقطا؛ و ذلك لأنّ مقتضى الحديث أنّ حركة هذا الشخص جعل كلا حركة في عالم التشريع، فلا يترتّب عليه أثر، فبقاء الطرف في المجلس و عدم مصاحبته معه خصوصا إن كان عالما بالحكم و أنّ الافتراق الحاصل من طرفه باكراه كالعدم في حكم الشارع، لا يوجب صدق الافتراق الاختياري، فتأمّل. و أمّا إذا كان مدركه الإجماع فلا بدّ من الاقتصار على المورد المتيقّن، و ليس المقام من ذلك، فلا يخصّص الرواية بالنسبة إليه. و إذا كان مدركه الصحيحة فسواء كان المراد من الرضا الرضا المقارن بالافتراق أو الرضا النوعي، فكلا الأمرين مفقودان في الفرض، إذ ليس المراد من الرضا إلاّ رضا الطرفين بمناسبة الحكم و الموضوع و إن كانت ظاهرة في غيره طبعا.
و تحصّل ممّا ذكر: أنّه بناء على ما هو المختار من أنّه لا دخل للإكراه و عدمه في سقوط الخيار بالافتراق و أنّ الخيار يسقط و لو اكره المتبايعان معا على التفرق و تركا
التخاير، فلا مجال للتفاصيل المتقدّمة أصلا. و أمّا بناء على دخل عدم الاكراه في ذلك و أن التفرق الإكراهي لا أثر له، فلو اكره أحد المتبايعين على التفرّق دون الآخر بأن اكره أحدهما على الحركة و بقي الآخر في المجلس و لم يصاحبه أو اكره أحدهما على البقاء في المجلس و خرج الآخر باختياره، فهناك أقوال: سقوط خيارهما معا، و هذا مبنيّ على أن يكون التفرّق الاختياري موجبة جزئيّة موجبا لسقوط الخيار. و ثبوته لهما معا، و هذا مبنيّ على أن يكون التفرّق الاختياري منهما معا موجبا لسقوط الخيار. و التفصيل بين المختار و المكره فيسقط بالنسبة إلى الأوّل دون الثاني. و التفصيل الآخر المستند إلى العلاّمة بين ما إذا كان الخروج عن اختيار و البقاء عن إكراه أو العكس فيسقط الخياران معا على الأول أو يثبتان معا على الثاني.
و منشأ التفصيل الأوّل أنّ الحكم في التفرّق انحلالي، و الثاني أنّ الافتراق أمر وجوديّ لا يحصل إلاّ بالحركة لا بأمر عدمي.
هذا ملخّص الأقوال، و لا فائدة في ذكرها أي في ذكر التصويرات و تطويل الكلام فيها، و إنّما المهمّ بيان الحقّ منها، فنقول قد ذكرنا أنّ مقتضى إطلاق قوله عليه السّلام «مالم يفترقا...» هو أنّه موجب لسقوط الخيار و لو كان عن إكراه؛ إذ دعوى انصرافه إلى الاختياري قد عرفت ما فيه، فلا بدّ في رفع اليد عن ذلك من دليل، و الدليل لا يخلو من أحد امور ثلاثة، أحدها: حديث الرفع، فلو كان المخصّص و المقيّد ذلك، نقول حيث إنّ التفرّق في كل مورد ليس إلاّ أمرا وحدانيا أي واحدا لا متعدّدا، فلا محالة إذا لم يكن تحقّقه عن كره من الطرفين، لا يصدق عليه أنه تفرّق إكراهي، فلا يشمله حديث الرفع، فتأمّل. و نتيجة ذلك سقوط خيارهما معا. و ثانيها أن يكون
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لو زال الإكراه [1]
المخصّص هو الإجماع، و حينئذ لا بدّ من الاقتصار على المورد المتيقّن من ذلك، و هو فرض إكراهما معا، فنقول: أولا لا إجماع في المقام لوجود المخالف الصريح بالوجدان، و ثانيا لو سلّمنا ذلك، المتقين من مورده هو خصوص المكره لا هما معا أي ثبوت الخيار له لا لهما، فالنتيجة هو التفصيل الأوّل على فرض التنزّل. ثالثها:
أن يكون المخصّص صحيحة الفضيل و قوله عليه السّلام: «فلا خيار لهما بعد الرضا» و عليه نقول: مضافا إلى ما مرّ من أنّ المراد منه إمّا كاشفيّة التفرّق و عدم الفسخ عن الرضا نوعا أو الرضا المقارن، أنّ ظاهره على تقدير التنزّل و إن كان دخل رضاهما معا في سقوط الخيار، و لكن بمناسبة الحكم و الموضوع يعلم أنّ رضا كلّ منهما يوجب سقوط خياره، فهو في الحقيقة كالقضيّة الانحلاليّة، و نتيجته سقوط خيار المختار دون المكره، و هو التفصيل الأوّل.
هذا، و ليعلم أنّ جريان ما ذكرناه في القسم الثاني و هو ما إذا كان الإكراه على بقاء أحدهما و تحرّك الآخر بالاختيار دون العكس الذي هو القسم الأوّل، يكون أوضح؛ لأنّه لا فرق بين البقاء عن إكراه و البقاء عن اضطرار أو في حال النوم، و لذا لم يستشكل أحد في سقوط الخيار فيما لو خرج أحدهما عن المجلس و الآخر نائم مثلا أو غافل.
[1] بناء على عدم تأثير الافتراق الحاصل عن إكراه، لو اكرها على التفرّق ثمّ زال الإكراه و المفروض أنّ الخيار باق بعد، فما مسقطه؟ المحكيّ عن جماعة هو أنّ المسقط له التفرّق عن مجلس زوال الإكراه؛ بدعوى أنّ التفرّق السابق حيث كان عن إكراه فجعل كلا تفرّق، فهما في حكم الشارع مجتمعان، فإذا افترقا بعد الزوال فقد حصل الافتراق الاختياري فيسقط الخيار.
و أورد عليه الشيخ قدّس سرّه بما حاصله أنّ الافتراق حصل وجدانا، و إنّما كان كالعدم بالنسبة الى حكمه و هو مسقطيّته للخيار، فالباقي بحكم الشارع هو الخيار لا مجلس العقد، و النصّ ساكت عن حكم هذا الخيار و غايته، فلا بدّ إمّا من الاقتصار على المقدار المتيقّن منه و هو ثبوته بنحو الفوريّة، و إمّا من الالتزام ببقائه بالاستصحاب إلى أن يتحقّق أحد المسقطات الاخر غير التفرّق، انتهى.
أقول: التحقيق أن يقال إنّ مدرك عدم مسقطيّة التفرّق الناشئ عن إكراه، إن كان انصراف الدليل إلى التفرّق الناشئ عن الرضا، فلا محالة يكون دليل الخيار شاملا لبعد هذا التفرّق أيضا؛ فيكون الخيار ثابتا بالنصّ، و لكن لا تكون له غاية حينئذ؛ لأنّ الغاية كانت هي التفرّق عن رضا، و في الفرض تحقّق التفرّق لا عن رضا، ففات أحد جزئي الموضوع، و لا يتمكّن المتبايعان من إيجاده إلا بإعادة المعدوم، و هو محال، فيكون الخيار بالنسبة إليهما نظير ما إذا كان المتبايعان ملصقين أحدهما بالآخر، فكما يكون خيارهما باقيا إلى الأبد، كذلك في المقام. و إن كان المدرك لذلك حديث الرفع، فمقتضى إطلاق الدليل و إن كان سقوط الخيار بالتفرّق و لو كان عن إكراه، فإنّ حديث الرفع بواسطة الحكومة قيّد ذلك الإطلاق بخصوص غير الإكراهي، فيدلّ على بقاء الخيار في صورة الإكراه على التفرّق. و هكذا لو كان المخصّص صحيحة الفضيل. و أمّا لو كان المدرك هو الإجماع فغاية ما يستفاد منه ليس إلاّ ثبوت الخيار بعد التفرّق الإكراهي فورا، إذ هو المتيقّن منه، و لا يدلّ دليل خيار المجلس على ثبوته بعد ذلك، و إذا لم يدلّ فيدور الأمر بين استصحاب بقاء الخيار أو الرجوع إلى عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و هذا هو النزاع المعروف بين المحقّقين و الشيخ قدّس سرّه، منشؤه أنّ للعام عموم أزماني أيضا أم لا؟ و كيف كان،
قوله قدّس سرّه: «مسألة» و من مسقطات هذا الخيار التصرّف [1]
فيدخل في ذلك الباب. و لا يخفى ان ثبوت الخيار في الآن الأوّل ثابت بالإجماع و لا يحتاج في إثباته إلى الاستصحاب، كما يظهر من تقريرات المحقّق النائيني(1).
[1] المشهور بينهم هو مسقطيّة التصرّف لخيار المجلس، كما أنّه مسقط لخيار الحيوان و الشرط و الغبن.
و إنّما الكلام في مدرك ذلك، و هو امور ثلاثة:
الأوّل: ما أفاده المحقّق النائيني قدّس سرّه، و حاصله أنّ تصرّف كلّ من المشتري و البائع فيما انتقل اليه، له ظهور و كاشفيّة في إسقاط الخيار و الالتزام بالعقد، و قد مرّ سابقا أنّه يكتفى في مقام الإنشاء بكلّ قول بل بكل فعل له ظهور في ذلك، و لا يعتبر فيه لفظ خاص و فعل مخصوص، و التصرّف ربما يكون كاشفا عن الإسقاط، كما أنّ تصرّف البائع في البيع ببيع و نحوه يكون دليلا و كاشفا عن الفسخ، فيسقط الخيار به.
و فيه أوّلا: أنّ هذا المعنى لازم أعمّ للتصرّف، لأنّه لا يكون التصرّف مظهرا عن الالتزام في حال الغفلة عن ذلك أو في حال البناء على العدم كما هو واضح.
و ثانيا: أنّ الكلام في المقام في مسقطية التصرّف من حيث نفسه لا من جهة أنّه فسخ، و إلاّ لم يكن وجه لتخصيص التصرّف بالذكر.
الثاني: ما أفاده الشيخ، و هو التمسّك بإطلاق ما ورد في ذيل دليل خيار الحيوان، و هو قوله: «فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة أيّام فذلك رضى منه»(2)بدعوى أنّ ذكر المشتري إنّما هو من باب أنّ خيار الحيوان ليس إلاّ
للمشتري، و إلاّ فلا فرق في المسقطات بين المشتري و البائع، و هما في ذلك سيّان، فإذا كان التصرّف مسقطا للخيار من ناحية المشتري يكون كذلك من ناحية البائع أيضا.
و فيه: انّه لا وجه لهذا التوهّم أصلا بعد قوله عليه السّلام: «قبل ثلاثة أيّام» فإنّ ذلك قرينة ظاهرة على انّ المراد خيار الحيوان لا مطلق الخيار.
الثالث: ما أفاده الشيخ قدّس سرّه أيضا، و هو التمسّك بإطلاق التعليل الوارد في الرواية المتقدّمة، و هو قوله «فذلك رضى منه» بدعوى أنّ هذا ليس هو الجزاء، لأنّه لا ربط بينه و بين الشرط، بل الجزاء محذوف، و هذا علّته قائم مقامه، و التقدير: إذا أحدث حدثا يسقط الخيار فإنّه رضى منه، فعلّة السقوط هو أنه رضى منه، فحذف الجزاء و وضع العلّة مقامه، و هذا كثير في الآيات القرآنية و في كلمات العرب. و جمع الشيخ جملة من الآيات القرآنيّة التي هي كذلك في باب الاستصحاب. و إذا كان كذلك فمقتضى إطلاق العلّة أنّ التصرّف يوجب سقوط الخيار مطلقا.
و فيه: أنّ التمسّك بعموم العلّة و إن كان متينا، لكنّه إنّما يصحّ فيما إذا كانت العلّة أمرا عرفيا و ممّا يفهمه العرف، كما لو قال «لا تشرب الخمر لأنّه مسكر» فإنّ الإسكار ممّا يفهمه العرف فيتعدّى من مورده إلى غيره، بخلاف ما إذا كانت العلّة بنفسها أمرا تعبّديا، فإنه لا يمكن التعدّي حينئذ من موردها أصلا كما في المقام، إذ كون التصرّف في خيار الحيوان رضى لا يستقيم إلاّ بالتعبّد، إذ ليس التصرّف رضى و التزاما بالبيع حقيقة، خصوصا مع البناء على عدم الالتزام بالبيع، بأن كان تصرّفه عن غير اختيار و غفلة مثلا، فلا بدّ و أن يكون المراد من الرضا الالتزام التعبّدي، أي إنّ التصرّف قبل ثلاثة أيّام في نظري التزام، فهو أمر تعبّدي يتمسّك به في كلّ مورد
قوله قدّس سرّه: الثاني: خيار الحيوان [1]
ثبت التعبّد و لا يتعدّى إلى غيره، إذ في كل مورد يحتاج إلى التعبّد. هذا كلّه إذا كان المراد أنّ التصرّف بنفسه رضا، و إلاّ فإن كان المراد أنّ التصرف كاشف عن الرضا بحسب النوع بنحو من العناية، فلا يمكن التمسّك به أصلا كما هو واضح.
[1] الكلام فيه يقع من جهات:
الاولى: من جهة مورده.
الثانية: في متعلّقه و في من له الخيار.
الثالثة: في زمان ثبوته.
الرابعة: في مسقطاته.
أمّا الكلام في الجهة الاولى، أفاد الشيخ قدّس سرّه في ذلك ما حاصله أنّ ظاهر النصّ و الفتوى ثبوته لكلّ مبيع ذي حياة، سواء كان صغيرا كدود الأبريسم أو كبيرا كالفيل مثلا، ثمّ نفى البعد عن اختصاصه بالحيوان المقصود حياته، فمثل السمك الخارج من الماء خارج، لأنّه لا يباع إلاّ من حيث إنّه لحم، و ليست ماليّته عند العقلاء إلاّ بذلك.
أقول: أمّا وجه التعميم في الحكم فهو عموم قوله عليه السّلام «في الحيوان كلّه شرط ثلاثة أيّام»(1)و نظائره، بعد البناء على أنّ عنوان الحيوانيّة في الرواية مأخوذ بنحو المرآتيّة إلى ذوات الحيوانات، فيعمّ ما يكون المطلوب منه اللحم أو المطلوب حياته عند العقلاء.
و أمّا وجه الاختصاص فأحد أمرين: إمّا ظهور العنوان في الموضوعيّة إذا اخذ
1) الوسائل 349/12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 1 و 4.
في الدليل كما هو الظاهر، فموضوع الدليل هو الحيوان، و لا يشمل مثل السمك المخرج من الماء الذي ليس المقصود منه عرفا و ماليّته إلاّ بلحمه و كبيع الصنم المقصود منه خشبته لا هيئته. أو أن يقال إن العنوان و إن كان مرآتا و موضوع الحكم هو الذوات، و لكن حكمة جعل الخيار - و هو الاستخبار في الحيوان هذه المدة و اختيار ما هو الأصلح بحاله فسخا و إمضاء التي هي مفقودة فيما يكون المطلوب منه لحمه - يكون كالقرينة لعدم ظهور الرواية في العموم، فيكون الكلام كالمحتفّ بما يصلح للقرينيّة، فليس له حينئذ ظهور في العموم و لو لم نقل بظهور أخذ العنوان في الموضوعيّة.
و بما ذكرنا ظهر عدم الإشكال فيما إذا صار كذلك لعارض كالظبي المصطاد مثلا إذا صار مشرفا على الموت من جهة جرح الكلب المعلّم أو جرح السهم، فإنّ الظبي في نفسه يكون المطلوب حياته، و لكن لهذا العارض يكون المطلوب منه لحمه عند العرف، بل ربما يوزن و يشترى، فإنّ هذا القسم ملحق بما إذا كان كذلك ذاتا لا لعارض كالسمك للأكل مثلا من غير فرق بينهما، فإن قلنا باختصاص الدليل بما يكون المقصود حياته يكون هذا خارجا، و إلاّ فيكون داخلا.
ثمّ لو قلنا بأنّ زهاق الروح و عدمه في هذا القسم ممّا له دخل في الماليّة أو به قوامها بحيث يكون الحيوان معه ملحقا بالتالف، يكون تحقّقه قبل القبض تلفا قبل القبض، و بعده تلفا في زمان الخيار فيحسب ممّن عليه الخيار. و أمّا لو لم يكن زهاق الروح إلاّ من قبيل تخلّف العوارض فلا يكون تلفا من البائع. و لا يخفى أنّه لا ربط لهذا الحكم بالحكم السابق، فالالتزام بأنّ زهاق الروح لا يكون تلفا من البائع مع الإشكال في ثبوت الخيار فيه - كما عن الشيخ قدّس سرّه - لا منافاة بينهما لعدم
قوله قدّس سرّه: «مسألة» المشهور اختصاص هذا الخيار بالمشتري [1]
الملازمة بين الحكمين، إذ ثبوت الخيار فيه فرع عموم الدليل و أن يكون عنوان الحيوانيّة مأخوذا بنحو المرآتيّة، بخلاف كون زهاق روحه تلفا من البائع، فإنّه فرع دخل الحياة في ماليّته أو قوام ماليّته بالحياة، فيمكن الالتزام بأنّ زهاق الروح ليس دخيلا في ماليّته عرفا مع الالتزام باختصاص دليل الخيار بما يكون المقصود منه الحياة، فلا يرد على الشيخ قدّس سرّه إشكال أصلا. ثم في انتهاء أمد الخيار في هذا القسم وجوه.
ثمّ هل يختصّ خيار الحيوان بالمبيع الشخصي أو يعم الكلّي أيضا؟
أمّا لو كان الكلّي كلّيا في المعيّن كبيع صاع من صبرة، كما لو فرضنا تحقّق عدّة شياة بأوصاف متّحدة و باع واحدا منها، فلا إشكال في ثبوت خيار الحيوان في ذلك، لصدق بيع الحيوان عليه بلا عناية.
و أمّا لو كان في الذمّة كبيع شاة بأوصاف معيّنة، فربما يقال أو قيل بعدم ثبوته فيه، و الوجه في ذلك أحد أمرين إمّا انصراف بيع الحيوان عن هذا البيع، و إمّا أنّه غير متعارف فلا تشمله أدلّة خيار الحيوان لذلك. و في الأوّل أنّ الانصراف لا يمكن دعواه بلا وجه، و لا وجه له في المقام. و في الثاني أنّ مجرّد كون بعض الأفراد غالب الوجود و بعضها نادر الوجود لا يوجب منع شمول الدليل لما هو نادر، و إلاّ لكان اللازم عدم الخيار أيضا فيما إذا كان بيع الحيوان من قبيل الكلّي في المعيّن، لأنّه أيضا غير متعارف. فالحق جريان الخيار في بيع الكلّي أيضا بقسميه لإطلاق الأدلة بل عموم بعضها أيضا.
[1] و هذه هي الجهة الثانية و الأقوال فيها ثلاثة: اختصاصه بالمشتري، و تعميمه لكلّ من المتبايعين، و اختصاصه بصاحب الحيوان أي بمن ينتقل اليه الحيوان، فإن
كان المبيع حيوانا فالخيار للمشتري، و إن كان الثمن حيوانا فالخيار للبائع، و إن كان كلاهما حيوانا فالخيار لهما.
و جملة من الروايات ظاهرة الدلالة في اختصاص الخيار بخصوص المشتري و إن كانت مختلفة في الظهور قوّة و ضعفا.
فصحيحة فضيل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «قال: قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيّام للمشتري»(1)ظاهرة في الاختصاص، لا من جهة مفهوم الوصف و القيد، بل لأنّ الإتيان بالقيد في الكلام لا معنى له لو لا الاختصاص. و يظهر قوّة ظهورها بملاحظة ذيلها و إطلاق نفي الخيار لهما بعد الافتراق في بيع غير الحيوان.
و يتلوها في الظهور رواية عليّ بن ساباط(2)و صحيحة الحلبي(3)و أظهر من الكل رواية قرب الإسناد(4).
و يعارضها صحيحة محمّد بن مسلم: «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام في الحيوان و في سوى ذلك من بيع حتّى يفترقا»(5).
و أفاد الشيخ قدّس سرّه أوّلا: أن صحيحة محمّد بن مسلم أرجح بحسب السند من رواية قرب الإسناد و إن لم يكن أقوى منها دلالة، و هي أرجح أيضا من الروايات المتقدّمة دلالة، و من الواضح أنّ أقوائيّة الدلالة هي أوّل المرجّحات، و هي متقدّمة
على الأكثريّة و نحوها.
و أفاد ثانيا: بقوله «و لكن الإنصاف...» ما حاصله أنّ الطائفة الاولى من الأخبار من حيث المجموع لا تقصر في الدلالة عن الصحيحة مع اشتهارها بين الروايات، فإمّا أن تتقدّم على الصحيحة أو تتكافآن، و المرجح بعد ذلك عموم أدلّة لزوم البيع بالافتراق، و المتيقّن خروج المشتري، انتهى.
أقول: أمّا ما أفاده في آخر كلامه من أن المرجح بعد التكافؤ هو العمومات فممّا لا ينبغي صدوره منه، إذ هو مبنيّ على سقوط الخبرين المتعارضين المتكافئين قوّة و ضعفا، و هذا القول خلاف التحقيق و خلاف مختاره أيضا، لأنه قدّس سرّه يرى أنّ المرجع بعد التكافؤ إنّما هو التخيير في الأخذ بين الروايتين لا التساقط و إن كان مقتضى القاعدة ذلك، لكن التخيير إنّما هو بالدليل كما هو واضح.
و أمّا ما أفاده من أقوائيّة صحيحة محمّد بن مسلم من الأخبار بحسب الدلالة، ففيه: أنّ مجرّد أقوائيّة ظهور أحد الخبرين المتعارضين لا يوجب الترجيح ما لم يكن موجبا لقرينيّة القويّ للضعيف. و بعبارة اخرى: أقوائيّة الدلالة ليست من المرجّحات المنصوصة، و إنّما هي موجبة لرفع التعارض من البين عرفا لقرينيّة أحدهما للآخر، فلا بدّ و أن يكون الخبران حينئذ بحيث لو اجتمعا في كلام واحد لم يكن بينهما تناف بحسب العرف، مثل أن يقال «صلّ» و «لا بأس بتركها مثلا» فإنه لا تنافي بينهما، بل تكون الجملة الثانية لأقوائيّته قرينة على عدم إرادة الوجوب من الجملة الاولى، و إذا لم يكونا كذلك فالتنافي بينهما ثابت و إن كان أحدهما أقوى دلالة من الآخر بمراتب. و المقام من هذا القبيل؛ إذ لا معنى لأن يقال «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام في الحيوان» و «الخيار في الحيوان للمشتري» و لا
يكون أحدهما قرينة على الآخر أصلا، فالأقوائيّة بحسب الدلالة ملغى، بل صحيحة محمّد بن مسلم ساقطة عن الحجّية أصلا لإعراض المشهور عنها، إذ لم يفتوا بمضمونها مع وجودها في الكتب الأربعة، فتأمّل. و بالجملة بعد عدم الترجيح من حيث الدلالة، تصل النوبة إلى الترجيح بالشهرة، و من الواضح أنّ الشهرة مع الأخبار، إذ مدار الشهرة بكثرة النقل عن الإمام لا النقل عن الراوي كما هو واضح، و من المعلوم أنّ مضمون الأخبار أكثر و أشهر من حيث النقل عن الامام عليه السّلام. و لو أغمضنا عن ذلك و قلنا بتكافؤهما من حيث الشهرة تصل النوبة إلى المرجّح الثالث، أعني موافقة الكتاب، و من الواضح أنّ الأخبار موافقة لعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و مع الغضّ عن ذلك أيضا تصل النوبة إلى التخيير فنختار الأخبار.
و أمّا دعوى الإجماع من السيّد المرتضى قدّس سرّه(1)، مع وضوح بطلانه، معارض بالإجماع المنقول من السيّد ابن زهرة صاحب الغنية(2)، فلا اعتبار به، و هذا هو القول الثالث، و يدلّ عليه إطلاق صحيحة محمّد بن مسلم: «المتبايعان بالخيار مالم يفترقا و صاحب الحيوان بالخيار إلى ثلاثة أيّام»(3)و رواية اخرى نقلها السيّد في الحاشية(4). و ما يتوهّم معارضته معها موثقة ابن فضّال و بعض الروايات المتقدّمة التي دلّت على اختصاص خيار الحيوان بالمشتري.
و يمكن الجواب عن الروايات بأنّ تخصيصها بالمشتري من جهة أنّ الغالب هو
أنّ المشتري يكون صاحب الحيوان و المبيع يكون حيوانا و الثمن يكون غير حيوان.
و أمّا موثّقة ابن فضّال فمعارضتها مع الصحيحة متوقّفة على أن يكون للموثقة مفهوم، و إلاّ فمجرّد كون القيد ظاهرا في الاحترازيّة لا يوجب معارضتها معها؛ و ذلك لأن المطلق إن كان ثابتا بنحو الانحلال و مطلق الوجود كما في المقام، فلا ينافيه ثبوت الحكم لفرد أو صنف خاصّ منه، إذ كلّ فرد فرد كان محكوما بذلك، و ذلك المقيّد أيضا كان محكوما به، إلاّ إذا كان للمقيّد مفهوم و كانت فيه دلالة على عدم ثبوت الحكم لفاقد القيد. نعم لو كان الحكم في المطلق بنحو صرف الوجود بأن كان حكما واحدا ثابتا للمطلق و دلّ الدليل على ثبوته للمقيّد، فلا محالة يقع التعارض و التنافي بينهما و إن لم يكن للمقيّد مفهوم، و يتقدّم المقيّد على المطلق لأقوائيّته من جهة. و الحكم في المطلق في المقام من قبيل الأوّل، فلا ينافيه المقيّد إلاّ إذا كان له مفهوم، بأن كان جملة شرطيّة مثلا. و ببيان آخر: حيث إنّ الحكم في المطلق انحلالي فإثبات الحكم في المقيّد لا يوجب نفيه عن المطلق، فلا وجه لحمل المطلق على المقيّد حينئذ أصلا. نعم لا بدّ و أن يكون لذكر القيد في الكلام نكتة، و هي في المقام الغلبة بحسب التحقّق الخارجي، فإنّه غالبا يكون صاحب الحيوان أي من ينتقل اليه الحيوان هو المشتري و في الغالب بحسب المتعارف لا يجعل الثمن حيوانا. و لا تكون هذه الغلبة موجبة لعدم التمسّك بإطلاق صحيحة محمّد بن مسلم، بأن يقال حيث إنّه غالبا يكون صاحب الحيوان هو المشتري فلا إطلاق لصاحب الحيوان يشمل ما إذا كان صاحب الحيوان أي من ينتقل إليه بائعا كما يقع ذلك نادرا، و ذلك لأنّ عدم كون بعض الأفراد نادر التحقّق ليس من مقدّمات الحكمة أصلا كما حقّق في محلّه، و لذا يثبت جميع الأحكام الثابتة للإنسان إذا
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لا فرق بين الأمة و غيرها في مدّة الخيار [1]
قوله قدّس سرّه: «مسألة» مبدأ هذا الخيار من حين العقد [2]
تحقّق في الخارج إنسان ذو رأسين مثلا مع أنّه نادر التحقّق، و بالجملة لا ملازمة بين الأمرين أصلا.
و لا تعارضهما أيضا صحيحة محمّد بن مسلم الظاهرة في ثبوت الخيار للمتبايعين كما هو واضح. و يحتمل بعيدا حملها على ما إذا كان العوضان حيوانين، فلا يبعد الالتزام بثبوته لمن انتقل إليه الحيوان.
[1] هذا هو المشهور، و لكن نسب إلى جمع أنّ مدّة خيار الأمة هو مدّة استبرائها، من جهة حكمهم بضمان البائع لها مدّة استبرائها؛ إذ لا وجه لضمانه لها إلاّ ان يكون للمشتري الخيار في هذه المدّة، فيكون التلف في زمان الخيار، و يحسب ممّن عليه الخيار.
و حيث لم يصرّحوا بهذه الجهة في كلامهم و القول بأنّ هذه دليلهم ليس إلاّ تخرّصا بالغيب، يقول الشيخ قدّس سرّه «و لم أقف لهم على دليل» و الحقّ كما أفاد، إذ مجرّد أنّه ليس في البين سبب من أسباب الضمان لا يوجب أن نقول بأنّهم يقولون بالخيار و من هذه الجهة يحكمون بالضمان هذا، مضافا إلى أنّه لا دليل على انحصار أسباب الضمان بالأسباب المذكورة.
[2] و هذه هي الجهة الثالثة من الكلام، و هو أنّ مبدأ خيار الحيوان هل هو من حين العقد أو بعد انقضاء خيار المجلس؟ مقتضى ظاهر الأدلّة هو الأوّل.
و حكي عن السيد قدّس سرّه(1)أنّه لا مجمع بين الخيارين بحسب المورد حتّى ينازع
1) انظر حاشية المكاسب 17/2.
في أنّ زمانهما متّحد أو يكون زمان حدوث أحدهما بعد انقضاء مدّة الآخر؛ و ذلك لما يستفاد من التفصيل في صحيحة محمّد بن مسلم(1)أو صحيحة فضيل بن يسار(2)بين بيع الحيوان و غيره و أنّ الخيار في الأوّل إلى ثلاثة أيّام و في الثاني حتّى يفترقا.
هذا، و لكن ما أفاده كان وجيها لو كان خيار الحيوان أيضا ثابتا للمتبايعين و كان الموضوع في كلّ من الحكمين متّحدا مع الآخر، فإنّه حينئذ يكون التفصيل قاطعا للشركة، و أمّا لو كان الموضوع متعدّدا كما في المقام، فإنّ الموضوع في خيار المجلس المتبايعان و في خيار الحيوان هو المشتري فلا يكون تفصيلا. نعم نفس هذه الأدلة المفصّلة لا تثبت خيار المجلس لمورد بيع الحيوان، و لكن المطلقات كافية لاثباته، و لا منافاة بين الدليلين أي المطلقات و المفصّلة، لعدم المفهوم للمفصّلة.
و على هذا، فيمكن اجتماعهما في مورد واحد؛ و لذا وقع الخلاف في وقوع اجتماعهما، فابن زهرة و الشيخ و الحلّي(3)جعلوا مبدأ خيار الحيوان من حين التفرّق، و استدل الشيخ لذلك بأنّ الخيار يدخل إذا ثبت العقد و العقد لم يثبت قبل التفرّق، و أفاد شيخنا الأنصاري قدّس سرّه بأنّ هذه الدعوى لم نعرفها، و الحقّ معه قدّس سرّه لأنّ مراده من الاستقرار لو كان الاستقرار و اللزوم الفعلي فهما ممّا لا يجتمعان لأنّهما متضادان، و إن كان الاستقرار الطبيعي بمعنى اللزوم في طبعه و مع قطع النظر عن
الخيار ففي المقام العقد مستقرّ طبعا و لازم من حين وقوعه، فلا بدّ و أن نقول لا نعرف لذلك وجها. و بالجملة ظاهر الأدلّة هو ثبوت الخيار من حين وقوع البيع.
و ما يكون ظاهر الدلالة في التفصيل هو صحيحة محمّد بن مسلم: «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام في الحيوان و في سوى ذلك من بيع حتّى يفترقا» و مثلها صحيحة زرارة. و لكنّ الذي يرد على الاستدلال بها هو أنّها ساقطة عن الحجّية؛ إمّا لإعراض الأصحاب أو لغير ذلك، و على أيّ حال لا يكون مضمونهما مفتى به عند الأصحاب، و إمّا للمعارضة أو لغير ذلك. و أمّا غيرها فصحيحة فضيل ليس التفصيل فيها من الإمام عليه السّلام، و إنّما التفصيل في السؤال، فكأنّه يسأل عن حكم البيع في طبعه و يسأل عن بيع الحيوان أيضا من حيث إنّه بيع حيوان، فيجيب عليه السّلام في كلّ بحكمه في طبعه من حيث هو. و أمّا سائر الروايات فليس فيها ظهور في ذلك، لأنّ التفصيل فيها بين المشتري في خيار الحيوان و غيره، فكأنّها ليست إلاّ في مقام بيان أمد الخيار ليس إلاّ، و أنّ أمد خيار الحيوان إلى ثلاثة أيّام و خيار المجلس حتّى التفرّق. و بالجملة ليس لها ظهور في التفصيل بحيث تعارض مطلقات أدلّة خيار المجلس و تقيّدها. و هذا الذي ذكرناه ربما يحتمل جريانه في الصحيحتين أيضا.
و الحاصل أنّ قوله عليه السّلام: «المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا و إذا افترقا وجب البيع» يكون مشتملا على عقد إيجابي و هو ثبوت الخيار لهما قبل التفرّق، و عقد سلبي و هو لزوم البيع و وجوبه بعد التفرّق، و أخبار خيار الحيوان بأجمعها - ما يثبت الخيار للمتبايعين و ما يثبته للمشتري و ما يثبته لصاحب الحيوان - لا معارضته فيها مع تلك الرواية من حيث العقد الإيجابي، لأنّ كليهما مثبتان أحدهما يثبت الخيار إلى زمان التفرّق و الآخر إلى ثلاثة أيّام فلا منافاة بينهما، و إنّما التنافي بينها و بين
العقد السلبي من تلك الرواية أي وجوب البيع بعد الافتراق، و حيث إنّ روايات خيار الحيوان أخصّ فيخصّص بها العقد السلبي.
هذا كلّه في تنافي روايات الباب مع دليل خيار المجلس. و أمّا هذه الروايات فليست ظاهرة إلاّ في بيان أمد الخيار في بيع الحيوان و بيع غير الحيوان حتّى صحيحة محمّد بن مسلم التي هي أظهر روايات المقام و هي «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام في الحيوان و فيما سوى ذلك من بيع حتّى يفترقا» فإنّها ظاهرة عرفا و بالنظر الأوّلي و بطبعها في أنّ أمد الخيار في بيع الحيوان إلى ثلاثة أيّام و في بيع غيره إلى أن يفترقا، و ليس لها ظهور في غير هذا أصلا، و هكذا سائر الروايات بطوائفها الثلاث، فلا ينبغي الإشكال في أنّ مبدأه هو أوّل زمان البيع لا بعد الافتراق.
و أمّا مقتضى الأصل العملي فربما يقال: إنّ الأصل عدم ارتفاع الخيار بعد انقضاء ثلاثة أيّام.
و قد يقرّب الأصل بنحو آخر و يقال: الأصل عدم كون البيع خياريّا من جهة خيار الحيوان قبل انقضاء ثلاثة أيّام.
و الذي يرد على كلّ من الوجهين: أنّهما مثبتان بالقياس إلى الحكم بأنّ مبدأه بعد انقضاء ثلاثة أيّام كما أفاده الشيخ، فيترتّب عليه آثار المستصحب لو كان له أثر، لا آثار لازمه و هو كون مبدأ الخيار بعد انقضاء مدّة خيار المجلس.
و يرد عليهما أيضا: أنّهما خلاف ظاهر أدلّة خيار الحيوان.
و يرد على خصوص التقريب الأوّل: أنّ هذا الأصل غير جار في بعض الموارد، كما لو فرضنا أنّ المتبايعين لم يتفرّقا إلاّ بعد إنقضاء ثلاثة أيّام و مضى زمان
بعد الثلاثة كساعة أو أزيد أو أقل ثمّ حصل التفرّق؛ لأنّه في هذا القسم الخيار الذي كان ثابتا و هو خيار المجلس مقطوع الإرتفاع، و خيار الحيوان مشكوك التحقّق في هذه الساعة على جميع الأقوال، إذ بناء على القول بثبوته من حين العقد فقد ارتفع بانقضاء زمانه، و على القول بحدوثه بعد الافتراق فهو بعد لم يحصل لعدم حصول الافتراق، فالاستصحاب الشخصي غير جار في مثل هذا المورد، نعم الاستصحاب الكلّي لا بأس به.
و أورد المحقّق النائيني قدّس سرّه(1)على التقريب الثاني بما حاصله: أنّه ما المراد من استصحاب عدم كون البيع خياريّا؟ فإن كان المراد منه العدم النعتي فليست له حالة سابقة، و إن كان المراد العدم المحمولي فلا أثر لاستصحابه لكونه مثبتا.
و فيه أوّلا: أنّ هذا الكلام لا ربط له بالمقام، لأنّه ليس المستصحب في المقام من قبيل الصفة و الموصوف كالمرأة القرشيّة مثلا، لأنّ موضوع الخيار ليس هو البيع، و إنّما هو المتبايعان، فيقال لم يكن قبل تحقّق البيع للمتبايعان خيار فيستصحب ذلك. و بعبارة اخرى لم يكن كلّ منهما قادرا على نقل مال صاحبه إلى نفسه بدون رضاه و لم تكن له السلطنة على ذلك بنحو القضيّة الحقيقيّة، و بعد تحقّق البيع نستصحب عدمها، و هذا المقدار يكفينا في المقام و لا نحتاج إلى استصحاب عدم كون البيع خياريّا حتّى يستشكل.
و ثانيا: نحن نستصحب عدم الجعل بأن نقول: خيار الحيوان للمتبايعين قبل تفرّقهما لم يكن مجعولا في أوّل البعثة، لا قبله حتّى يقال بأنّه عدم أزلي، فنستصحبه.
1) منية الطالب 63/3.
و ما أورده المحقّق النائيني قدّس سرّه على استصحاب الجعل من أنّه مثبت بالقياس إلى المجعول، قد أجبنا عنه نقضا و حلاّ، أمّا النقض فباستصحاب بقاء الجعل فإنّه لو ثبت جعل الحرمة للخمر و شككنا في أنّه هل ارتفع ذلك بنسخ أو غيره لا محالة نستصحب بقاءه و نرتّب عليه آثاره. و من هذا ظهر حلّه أيضا، و هو أنّ الأحكام إنّما تكون مجعولة بنحو القضايا الحقيقيّة، فكلّ فرد فرد يكون متعلّقا للحكم، و تمام الكلام في محلّه.
و ربّما يستدلّ للمدّعى أيضا بما دلّ على أنّ تلف الحيوان في الثلاثة يكون من البائع، و إذا قلنا بأنّ مبدأه من حين البيع و قبل التفرّق، فبإطلاقه يشمل ما إذا كان التلف قبل التفرّق، و لازم ذلك أن يكون التلف في زمان الخيار المشترك من البائع، مع أنّه لا بدّ و أن يكون من المشتري و من تلف المبيع عنده، و هذا بخلاف ما إذا قلنا بأنّ مبدأ الثلاثة بعد التفرّق، فإنّه حينئذ يكون التلف ممّن لا خيار له، فتنطبق الرواية على القاعدة.
و فيه أوّلا: ما أفاده الشيخ قدّس سرّه من أنّ هذا يكون محمولا على الغالب، فإنّ مدّة اجتماعهما في المجلس بحسب المتعارف يكون أقلّ من مدّة خيار الحيوان، أعني ثلاثة أيّام بمراتب، فتأمّل.
و ثانيا: أنّ كون التلف في زمن الخيار المشترك محسوبا ممّن تلف عنده المال ليس مدلول رواية و لا آية، و لو كان هناك دليل فإنّما هو على القاعدة و بحسب طبع المطلب، لا حكم تعبّدي بل إرشادي؛ إذ من له الغنم فعليه الغرم بحسب الطبع، خرج عن هذه القاعدة ما إذا كان التلف في زمان الخيار المختصّ فيحسب ممّن
لا خيار له بقوله عليه السّلام: «التلف في زمان الخيار ممّن لا خيار له» و المقام الذي يكون لأحد المتبايعين خيار واحد و للآخر خياران، ليس موردا لتلك الرواية، و لكن حيث دلّت الروايات على أنّ التلف في الثلاثة يكون من البائع، لا محالة يخرج عن مقتضى القاعدة. و لا منافاة بين ما دلّ على خروجه عنها و بين شيء من الأدلّة أصلا.
و استدلّ أيضا لكون المبدأ بعد انقضاء خيار المجلس، بما ذكره الشيخ قدّس سرّه متفرّقا، حيث ذكر جزء منه في أوّل كلامه و تعرّض لجزئه الآخر في ذيل كلامه، و لكن كلاهما استدلال و إشكال واحد، و لا بدّ من ذكرهما بنحو الترديد، و حاصله أنّه لو اجتمع الخياران، فتارة يتداخلان و يكون حينئذ خيار واحد بسببين و لازمه اجتماع سببين لمسبّب واحد، و اخرى لا يتداخلان بل يكون هناك خياران مستقلاّن و لازمه اجتماع المثلين، انتهى.
و أجاب عنه الشيخ: بأنّ الخيارين إن كانا مختلفين من حيث الماهيّة نظير الأحداث كالجنابة و الحيض و مسّ الميّت مثلا، فإنّ كلاّ منها مختلفة مع الآخر ماهيّة، و لذا كلّ منها يحتاج إلى رافع مستقلّ، غايته دلّ الدليل على كفاية غسل الجنابة عن الباقي و لا عكس. و بالجملة: إن كان الخياران ماهيّتين فلا بأس بتعددهما إذ لا يلزم من ذلك اجتماع المثلين، و إن كانا متّحدين و ماهيّة واحدة فلا محذور أيضا، لأنّ المجلس و كون البيع بيع حيوان و أمثال ذلك، إمّا معرّفات لما هو السبب و إمّا أن يكون كلّ منها تامّا في السببيّة لو لم يكن مجتمعا مع الآخر. و أمّا في فرض الاجتماع فكلّ منهما جزء العلة لاتمامها حتّى يلزم توارد علّتين على معلول واحد، انتهى.
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ المراد بزمان العقد زمان مجرّد الصيغة... أو زمان الملك؟ [1]
و فيه: ما أفاده المحقق النائيني قدّس سرّه(1)، من أنّ باب المعرّف أجنبيّ عن المقام لأنّه خلاف ظاهر الأدلّة، و باب العلل و الأسباب أيضا أجنبيّ لأن الموضوع ليس علّة للحكم أصلا، نعم هو كالعلّة من حيث الترتّب. فهذه الاجوبة غير مربوط بالمقام.
و التحقيق أن يقال: إنّ المورد الواحد لو دخل تحت موضوعين، فإن كان الحكم قابلا للتعدّد فيتعدّد لا محالة، و إن لم يكن قابلا للتعدّد لا محالة يتأكّد لو كان قابلا للتأكّد، و إن لم يكن قابلا للتأكّد أيضا لا محالة يكون هناك حكم واحد من حيثين.
و الأوّل نظير ما لو فرضنا أنّ المولى قال «من أكل في شهر رمضان فليعتق رقبة» و قال أيضا «من جامع فيه فليطعم» و شخص واحد أتى بهما معا، فيجتمع فيه كلا الحكمين. و الثاني نظير ما لو أمر المولى بشيء و أمر الوالد به أيضا فإنّ وجوبه حينئذ يتأكّد. و الثالث مثل ما لو قتل شخص أبا زيد و أخاه مثلا أو سبّ النبي - العياذ باللّه - و أهان الكعبة مثلا، فإنّه يجب قتله حينئذ لكلّ من الأمرين، و حيث لا معنى لتعدّد القتل و تأكّده فلا محالة يكون الواجب قتلا واحدا بسببين. و المقام أيضا من هذا القبيل فإنّ الخيار أعني السلطنة و القدرة على الفسخ غير قابل للتعدّد و لا للتأكّد، فلا محالة يثبت في مورد الاجتماع خيار واحد من حيثين، و له إسقاط حيث دون حيث، فتأمّل.
[1] أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّ الظاهر هو الثاني، يعني زمان الملك، و استظهره من كلام
1) منية الطالب 63/3.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لا إشكال في دخول الليتين المتوسّطتين في الثلاثة أيّام [1]
الجواهر(1)حيث قال: «فعلى هذا لو أسلم حيوانا في طعام» أي جعل الثمن في بيع السلم الكلّي حيوانا، و النكتة في هذا التعبير «و جعل الحيوان ثمنا لا مبيعا» هو اختصاص الخيار بالحيوان المعيّن دون الكلّي، فجعل الحيوان مبيعا في السلم مناف لذلك المبنى، و لذا مثّل بهذا.
و تحقيق الحال في المقام: أنّ الموضوع في أدلّة الخيار إنّما هو عنوان البيّع أو المتبايعين أو المشتري، فتكون ناظرة إلى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و مخصّصا له، فيتحقّق الخيار للمتبايعين أو لأحدهما من حين توجّه خطاب «أوفوا» إليه، أي من حين لزوم العقد لا من حين إجراء العقد و لا من حين الملك، و عليه فالخيار في بيع الفضولي إنّما يتحقّق بعد تحقّق الاجازة، سواء قلنا بالنقل أو الكشف أو الانقلاب؛ و ذلك لأنّ اللزوم لا يكون إلاّ بعدها على جميع الأقوال. و أمّا في بيع السلم فإن قلنا بأنّ المستفاد من «أوفوا» ليس إلاّ حكما إرشاديّا و هو إتمام العقد و تماميّته كما هو الظاهر منه، فلا يكون شاملا له قبل القبض، لما ورد من أن يكون يدا بيد، فلا خيار إلاّ بعد التقابض، و أمّا بناء على أن يكون مفاده حكما تكليفيّا و قلنا بوجوب الإقباض فلا بأس بثبوته قبل الإقباض، و لكن الكلام في أصل المبنى و أن يكون مفاد «أوفوا» هو الحكم التكليفي كما مرّ منّا غير مرّة.
[1] لا ريب في أنّ اليوم ظاهر عرفا في زمان طلوع الشمس إلى غروبه، و لكن
1) لم نعثر عليه في الجواهر، نعم في بعض شروح الكتاب: أنّه المحقّق الشيخ علي كاشف الغطاء قدّس سرّه في تعليقته على اللمعة.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» يسقط هذا الخيار بامور [1]
حيث إنّ البيع كما يقع في أوّل طلوع الشمس كثيرا مّا يقع في الزوال و بين الزوال و طلوع الشمس أو بينه و بين الغروب، و مع ذلك ورد في الروايات بأنّ الخيار إلى ثلاثة أيّام من دون تقييد، فيستفاد منه التلفيق. و هكذا ظاهر الروايات هو أنّ زمان الخيار هو جميع ما بين المبدأ و المنتهى، فدخول الليلتين المتوسّطتين لا إشكال فيه. و هكذا الليلة الثالثة أيضا إذا وقع البيع بعد طلوع الشمس بمقدار بحيث يحتاج إلى التلفيق.
و إنّما الكلام في غير هذا الفرض، و هو ما لو فرضنا وقوع البيع في أوّل الشمس مثلا، فهل تكون الليلة الثالثة أيضا داخلة في زمان الخيار أم لا؟
الظاهر هو الثاني، لأنّ إدخال المتوسّطات إنّما كانت من جهة ظهور الروايات في أنّ ما بين المبدأ و المنتهى جميعه زمان الخيار، و المنتهى ليس إلاّ آخر اليوم الثالث، و لا يكون شيء من الليل داخلا فيه، فإثباته فيها يحتاج إلى الدليل.
و لا يخفى أيضا ما في كلام الشيخ قدّس سرّه من قوله «فكأنّه قال الخيار يستمرّ إلى أن يمضي ستّ و ثلاثون ساعة من النهار» إذ تختلف ساعات النهار باختلاف الفصول.
[1] هذه هي الجهة الرابعة من الكلام، و هي البحث عن مسقطات خيار الحيوان، و هي امور:
منها: اشتراط سقوطه في ضمن العقد، سواء كان الاشتراط في ضمن نفس ذلك العقد أو عقد آخر. أمّا صحة اشتراطه في ضمن عقد آخر فلا خفاء في صحّته، و أمّا اشتراطه في نفس ذلك العقد فربما يقال بأنّه إسقاط ما لم يجب، و قد تقدّم الكلام في جوابه في خيار المجلس، و حاصله أنّ عدم جواز إسقاط ما لم يجب لم يرد عليه دليل، و مقتضى «المؤمنون عند شروطهم» و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ نفوذ ذلك.
و هكذا لا مانع من اشتراط سقوطه في بعض زمان الخيار؛ لأنّ الخيار انحلاليّ، ففي كل آن من زمان الخيار يكون له حقّ الفسخ، فلا مانع من إسقاطه.
و منها: الإسقاط بعد العقد. و هذا أيضا واضح.
و منها: التصرّف. و لا خلاف في مسقطيّته في الجملة. و إنّما الخلاف في صغرياته، فأفرط بعض في ذلك حتّى قال بمسقطيّة كلّ تصرّف حتّى مثل أن يقول للجارية: اغلقي الباب مثلا. و لكن الإنصاف أنّه لا فائدة في نقل أقوالهم و تعرّض كلماتهم.
و إنّما المهمّ بيان ما يستفاد من الأدلّة.
منها: ما في صحيحة ابن رئاب: «فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة أيّام فذلك رضى منه و لا شرط له، قيل له: و ما الحدث؟ قال: إن لامس أو قبّل أو نظر منها إلى ما كان محرّما عليه قبل الشراء»(1).
و منها: صحيحة الصفّار: «كتبت إلى أبي محمد عليه السّلام في الرجل اشترى دابّة فأحدث فيها من أخذ الحافر أو نعلها أو ركب ظهرها فراسخ، أله أن يردّها في الثلاثة أيّام التي له فيها الخيار بعد الحدث الذي يحدثها أو الركوب الذي يركبها؟ فوقّع عليه السّلام إذا أحدث فيها حدثا فقد وجب الشراء»(2)فعنوان المسقط في الأدلّة هو إحداث الحدث، و من الواضح أنّه ليس مرادفا للتصرّف، و لا يصدق ببعض التصرّفات الخفيفة، كالأمر بإغلاق الباب و أمثال ذلك ممّا يعمل مع غير المملوك أيضا و لذا جعل الركوب عدّة فراسخ في السؤال في صحيحة الصفّار في قبال
الأحداث كما هو واضح، و نظره عليه السّلام بمثل اللمس و التقبيل و النظر إلى ما كان محرّما، فإنّ هذه الامور و إن كانت من حيث هي امور جزئيّة، و لكن حيث إنّها تصرّف في العرض و مخالف لغيرة البائع لذا عدّها الإمام عليه السّلام من الأحداث.
و بالجملة هذه الامور المذكورة تكون مسقطة قطعا إمّا للتعبّد المحض أو لأنّها من الأحداث لكونها تصرّفا في عرض البائع، و لا يبعد ذلك. فالميزان في غير الامور المذكورة في الرواية هو صدق إحداث الحدث في المبيع عليه.
هذا هو المستفاد من الرواية من حيث هي مع قطع النظر عن التعليل فيها بقوله «فذلك رضى منه» فلا بدّ من أن يقع الكلام فيما يستفاد من هذه الجملة، و المحتمل فيها وجوه أربعة، بعد وضوح أنّ المراد من الرضا فيها ليس مجرّد الرضا الباطني بمعنى طيب النفس في قبال الكراهة، فإنّه مضافا إلى عدم كونه موضوعا لحكم من هذه الأحكام، خلاف الظاهر؛ فإنّ الرضا بمعنى طيب النفس يتعدّى بلفظ «باء» بخلاف الرضا بمعنى الاختيار، فإنّه يتعدّى بنفسه و يقال: رضيته، أي اخترته، و لم يتعدّ الرضا في الرواية ب «الباء» كما هو واضح:
الأوّل من الوجوه: أن يكون المراد من الرضا الرضا الفعلي التعبّدي، فيكون المعنى أنّ إحداث الحدث يكون اختيارا فعليّا تعبّدا.
الثاني: أن يكون المراد الرضا و الاختيار الحقيقي، و بيانه عليه السّلام مبنيّ على علمه بالغيب. و هذا الوجه و إن أفاد الشيخ بأنّه أحسن الوجوه، و لكن الظاهر أنّه أردء الوجوه، لأنّ حكمه عليه السّلام ليس حكما شخصيّا بالقياس إلى شخص خاص، و إنّما هو حكم كلّي بنحو القضايا الحقيقيّة، و نرى وجدانا أنّ كثيرا مّا لا يكون إحداث الحدث اختيارا للبيع، فلا يمكن المساعدة على هذا الوجه.
الثالث: أن يكون المراد بحسب الكاشفيّة النوعيّة، و ذلك أيضا يكون على وجهين:
إذ تارة يكون للكاشفيّة النوعيّة موضوعيّة و يكون كالحكمة للحكم نظير اختلاط المياه في العدّة.
و اخرى يكون بنحو المرآتيّة إلى الاختيار الشخصي. و هذا هو الوجه الرابع.
و الفرق بين الوجهين أنّه على الأوّل يسقط الخيار و لو لم يكن المحدث قاصدا للإسقاط، بخلاف الثاني. و بالجملة هذه الجملة سواء قلنا بأنّه بنفسها جواب الشرط أو قلنا بأنّ المجموع جواب أو قلنا بأنّها توطئة و الجواب ما بعدها، يحتمل فيها الوجوه المتقدّمة.
أمّا الاحتمال الثاني فقد عرفت أنّه موهون جدّا لأنّه خلاف الواقع.
و أمّا الاحتمال الثالث و الرابع و جامعهما أن يكون أحداث الحدث كاشفا نوعيّا عن الرضا بمعنى الاختيار عرفا، فيرد عليه أنّه مناف للأمثلة المذكورة في بعض الروايات كاللمس و النظر و نحو ذلك.
و يرد على خصوص الوجه الثالث - و هو أن يكون الكاشفيّة حكمة للحكم لا علّة، و يترتّب عليه سقوط الخيار بإحداث الحدث الذي يكون كاشفا عرفا حتى إذا نصب القرينة على عدم قصد الإسقاط -: أنّه خلاف الظاهر؛ إذ التعليل ظاهر في علّية المعلّل به للحكم لا كونه حكمة، خصوصا في مثل المورد الذي يكون كبرى كلّية قابلة الانطباق على مصاديقه بحيث يتشكّل بعد التعليل صغرى و كبرى، كما في قولك: لا تشرب الخمر لأنّه مسكر، فيقال: هذا مسكر و كلّ مسكر حرام، كما يظهر من كلام المحقّق النائيني قدّس سرّه في بحث اللباس المشكوك، فإنّه قدّس سرّه بيّن هناك
ميزانا للعلّة و الحكمة. و من جملة ما أفاد، هو أنّ التعليل لو كان بنحو يكون المستفاد منه كبرى كلّية قابلة الانطباق على المورد و سائر أفراده يكون علّة للحكم، و إذا لم يكن كذلك كما في التعليل الوارد في وضوء كثير الشك و أنّه لا يعتني بشكه: من أنّه عبادة الشيطان و أمثال ذلك، فإنّ هذه الأمور ليست كبرى كلّية قابلة الانطباق على موارد فيكون حكمة للحكم لا علّة. و بالجملة هذا الذي أفاد قدّس سرّه متين جدّا و إن ناقشنا في بعض ما أفاده هناك.
و يرد على الوجه الرابع - و هو أن تكون الكاشفيّة بنحو العلّية، و يترتّب عليه عدم سقوط الخيار فيما إذا علمنا من الخارج أو نصب قرينه على أنّه لم يقصد الإسقاط -: أنّه عليه لا يكون إحداث الحدث مسقطا مستقلاّ في قبال سائر المسقطات، بل يكون من أحد مصاديق الإسقاط، لأنّا لم نعتبر في الإسقاط أن يكون باللفظ، بل يكفي كلّ مبرز و لو كان فعلا.
و على هذا فالصحيح من الاحتمالات هو الاحتمال الأول، و هو أن يكون إحداث الحدث اختيارا تنزيلا و تعبّدا سواء كان كاشفا أم لم يكن، إذ للشارع تنزيل شيء منزلة شيء كما في تنزيل المطلّقة الرجعيّة منزلة الزوجة ما دامت في العدّة، و لكن المختار أنّها زوجة حقيقة، و كيف كان فالشارع نزّل إحداث الحدث منزلة الاختيار و ان لم يكن ذلك اختيارا و رضى واقعا.
ثمّ في بعض الروايات تنزيل آخر، و هو تنزيل بعض التصرّفات التي لا يصدق عليه الحدث عرفا منزلة الحدث، كاللمس و التقبيل و النظر، فهذا تعبّد ثان في المقام.
و كيف كان، فإن ثبت ظهور التعليل فيما ذكرناه فبها، و إلاّ فيكون مجملا،
فالرايات الاخر بل صدر هذه الرواية أيضا ظاهرة في أنّ الميزان إنّما هو صدق إحداث الحدث، و لا يصدق على كلّ تصرّف و إن كان كاشفا عن الإسقاط، فمسقطيّة تلك التصرّفات إنّما هي من باب كونه إسقاطا للخيار، لا أنّه إحداث حدث فيه.
بقي الكلام في ركوب الدابّة الذي وقع موردا للسؤال في صحيحة الصفّار، و حيث إن الراوي رجل فصيح، عطف - بذوقه السليم - الركوب على «أحدث» و قال: «فأحدث فيها من أخذ الحافر أو نعلها أو ركب ظهرها» فإنّ جملة «ركب» عطف على «أحدث» من عطف الجملة على الجملة، لأنّ الركوب ليس إحداث شيء في الدابة، و هكذا جعل الركوب في قبال إحداث الحدث في ذيل سؤاله، و في مقام الجواب وقّع عليه السّلام «إذا أحدث فيها حدثا فقد وجب الشراء» و لم يتعرّض لحكم الركوب. و ربما يقال إن سكوته عليه السّلام عنه دليل المنع عن مسقطيّته.
و لكن التحقيق أنّ الركوب على قسمين: تارة يكون بحيث يوجب حدوث أمر في المركوب من تعب أو ضعف أو لا يوجب فيه شيئا، فعلى الثاني لا يكون مسقطا بخلاف الأوّل.
و بالجملة: ظهر ممّا ذكرنا صحّة ما أفاده جمع من الأعلام، من أنّ الإجازة التي تكون إمضاء للعقد إذا صدر ممّن انتقل اليه يكون فسخا إذا صدر ممّن انتقل عنه، لأنّ الإجازة الفعليّة لا بدّ و أن يكون بتصرّف يكون كاشفا عن الرضا بالبيع و لا يجتمع مع عدم الرضا به، و من الواضح أنّه إذا صدر عمّن انتقل عنه يكون فسخا للبيع.
قوله قدّس سرّه: الثالث: خيار الشرط [1]
و لا يرد عليه ما أفاده المحقّق النائيني قدّس سرّه،(1)من أنّه فرق بين التصرّفين إذ تصرّف من انتقل إليه يكون تصرّفا في ماله و تصرّف من انتقل عنه يكون في مال غيره و يكون غصبا و حراما. فكلّها أجنبيّ عن المقام.
[1] اشتراط الخيار من الامور المتعارفة عند العقلاء فيكفي في نفوذه الإمضاء الشرعي.
و تدلّ على ذلك الأخبار الخاصّة الواردة في موارد مخصوصة، غاية الأمر أنّ دلالتها على نفوذ مطلق الشرط لا يتمّ إلاّ بضميمة عدم القول بالفصل و أمثاله.
فالأولى الاستدلال لذلك بالأخبار العامّة، كالخبر المستفيض: «المسلمون عند شروطهم»(2)و في بعض الروايات: «إلاّ ما خالف كتاب اللّه»(3)و في بعضها: «و سنّة نبيّه(4)».
و اورد على صدر الرواية و هو قوله صلّى اللّه عليه و آله: «إلاّ ما خالف كتاب اللّه» بوجهين:
أمّا ما اورد على صدر الرواية فقد تقدّم الكلام فيه في الجملة، و نتعرّض له في المقام في الجملة، و تفصيله موكول إلى محلّه في الشروط.
و حاصله: أنّ لفظ «عند» المذكور في الرواية الظاهر في لزوم المشروط مع الشارط كناية عن إلزام الوفاء بالشرط عليه، فيكون المستفاد من الرواية حكما تكليفيّا، و هو وجوب الوفاء بالشرط، فلا بدّ و أن يكون متعلّق الشرط من الأفعال،
و لا يكون الشرط المأخوذ في الرواية شاملا لشرط النتيجة، مثل شرط المالكيّة أو شرط ثبوت الخيار كما في المقام؛ إذ لا معنى للزوم الوفاء بما يكون خارجا عن قدرة المكلّف، انتهى.
و قد أجبنا عن ذلك بما حاصله: أنّ الشرط الذي هو بمعنى الربط كما يصدق على الملتزم به كذلك يصدق على نفس الالتزام الذي حقيقته ربط بين العقد و شيء آخر و هو الملتزم به، فمعنى الوفاء بالشرط هو إتمام ذلك الالتزام و إنهاؤه، و الإلزام بالوفاء ليس إلاّ إرشادا إلى نفوذ ذلك الالتزام، و على هذا فلا مانع من شمول الرواية لشرط النتيجة كالملكيّة و نحوها. و تمام الكلام في باب الشروط.
و أمّا الوجهان اللذان اوردا على ذيل الرواية:
فأحدهما: ما عن صاحب المستند(1)، و حاصله أنّ مقتضى عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و إطلاقه، هو لزوم العقد و عدم سلطنة كلّ من المتبايعين على فسخ العقد، خرج عن تحته عنوان خيار المجلس، و بعد المجلس يكون البيع محكوما باللزوم.
و هكذا مقتضى قوله عليه السّلام «إذا افترقا فلا خيار لهما» أيضا هو لزوم العقد بعد انقضاء المجلس، فاشتراط ثبوت السلطنة بعد ذلك يكون مخالفا للكتاب و السنّة، فلا يكون موردا للحديث من جهة استثناء الشرط المخالف للكتاب عن ذلك، انتهى.
و فيه: أنّ لزوم البيع و إن كان ثابتا - كما أفاد - و لكنّه ليس لزوما حكميّا، بل هو لزوم حقّي موافق لطبع المطلب، و هو عدم سلطنة كلّ أحد على التصرّف في مال غيره بدون رضاه، و الدليل على ذلك صحّة الفسخ بالإقالة كما دلّ عليه الدليل بل
1) المستند 382/14.
على استحبابه إذا استقال أحد الطرفين من الآخر. و إذا كان اللزوم حقّا فلا محالة يكون قابلا للتصرّف فيه، و لا يكون اشتراط عدمه شرطا مخالفا للكتاب و السنّة.
هذا، مضافا إلى أنّه على ما ذكره صاحب المستند لا بدّ و أن لا يكون اشتراط الخيار نافذا و لو كان في ضمن عقد آخر، و لا يمكن الالتزام به. و بالجملة، الجواب عن الإشكال هو ما ذكرناه.
و أمّا ما أفاده السيّد قدّس سرّه(1)في الحاشية: من أنّ لزوم العقد المستفاد من «أوفوا» أو من «إذا افترقا» من مقتضيات إطلاق العقد لا طبعه، لثبوت البيع الخياري في الشرع كثيرا، و لو كان اللزوم من مقتضيات طبعه كان ثبوت الخيار فيه منافيا له.
فلا يمكن المساعدة عليه؛ لأنّ ثبوت الخيار في مورد لا يوجب التعدّي عنه، و إلا لأمكن تصوير خيار المشي أيضا، و ليس هذا إلاّ قياسا باطلا، فتأمّل.
و ثانيهما: أنّ في بعض الروايات ورد: «المسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب اللّه»(2)و لا محالة تقع المعارضة بينه و بين الروايات التي قيّد فيها الشرط النافذ بما لا يكون مخالفا للكتاب. و لا يمكن أن يقال نأخذ بكلتا الروايتين و نعتبر في الشروط كلا الأمرين، من عدم كونه مخالفا للكتاب و لزوم كونه موافقا له؛ لما ذكرناه في بحث الاصول في باب «أنّ الأمر هل يقتضي النهي عن ضدّه» من أنّه لا يمكن أن يجعل أحد الضدّين شرطا لشيء و ضدّه الآخر مانعا عنه، أو عدم ضدّه أيضا شرطا له، سواء كان الضدّان لهما ثالث أم لم يكن لهما ثالث؛ للزوم اللغويّة، إذ
جعل أحد الضدّين أو الأضداد شرطا يغني عن جعل بعض الأضداد الاخر مانعا، و يكون نظير ما لو قال أحد: أكرم أحدا يكون غير زيد و غير عمر و غير بكر و هو خالد مثلا، فإنّ تعيين خالد يكفي عن ذكر سابقته، و يكون ذلك لغوا محضا.
و بالجملة، كون مخالفة الكتاب مانعا و موافقته شرطا غير ممكن، للزوم اللغويّة؛ و لذا لا يمكن الأخذ بكلتا الروايتين، و لا بدّ من طرح أحدهما، فيقع التعارض بينهما، انتهى.
و فيه: أنّ الإجماع قائم على عدم اعتبار موافقة الشرط للكتاب، فلا محالة نرفع اليد عن التي دلّت على اعتباره. هذا، مضافا الى أنّه لا معنى لاشتراط ما هو موافق للكتاب، إذ الموافق للكتاب ثابت من دون اشتراط.
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ العمومات تدلّ على نفوذ اشتراط الخيار من دون إشكال.
ثمّ لا فرق بين أن يكون زمان الخيار الثابت بالاشتراط متّصلا أو منفصلا.
و ما عن بعض الشافعيّة أو كلّهم من أنّ البيع كيف يكون جائزا بعد اللزوم، فممّا لا ينبغي الإصغاء إليه؛ لما ذكره العلاّمة قدّس سرّه(1)من النقض بخيار تأخير ردّ الثمن أو خيار الرؤية أو خيار المجلس و نحو ذلك. مضافا إلى وهن الإشكال في حدّ نفسه؛ إذ كلّ حادث يكون مسبوقا بالعدم، و من جملته جواز العقد، و لم نفهم مانعا عن ذلك.
و الحاصل: أنّ الروايات الواردة في المقام على طائفتين: منها ما ظاهرها اعتبار أن لا يكون الشرط مخالفا للكتاب و السنّة، و منها ما يظهر منها اعتبار موافقة
1) التذكرة 520/1.
الكتاب كقوله عليه السّلام: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب اللّه»(1)أو قوله عليه السّلام: «المسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب اللّه»(2)إلى غير ذلك، فإن ألغينا الطائفة الثانية بحملها على عدم المخالفة - بواسطة الإجماع أو الإعراض عنها أو غير ذلك - فبها، و إلاّ فيقع التنافي بينهما و تكونان من قبيل المتعارضين بالعرض، إذ ليس التنافي بينهما بالذات كما عرفت، و إنما تنافيهما من جهة أنّ الالتزام بصدورهما معا موجب للّغوية، و إذا كان تعارضهما بالعرض فلا محالة لا يكون داخلا في أخبار باب التعارض، بل يسقط كلا الظهورين، فيرجع إلى عموم «المسلمون عند شروطهم».
هذا، و لكن التحقيق أنّ الأخبار الواردة في المقام: بعضها يكون بنحو الاستثناء، و بعضها كالاستثناء، و بعضها ليس فيه استثناء أصلا. أمّا ما فيه الاستثناء فهو صحيحة ابن سنان(3)الدالّة على نفوذ كلّ شرط إلاّ ما خالف كتاب اللّه، و موثّقة ابن عمّار «إلاّ شرطا حرّم حلالا أو أحلّ حراما»(4)و ما هو كالاستثناء فهو النبويّ المعروف «من اشترط شرطا سوى كتاب اللّه عزّ و جل فلا يجوز ذلك»(5)و ما ليس فيه استثناء و لا يكون كالاستثناء أيضا فهو قوله عليه السّلام «المسلمون عند شروطهم فيما
وافق كتاب اللّه»(1)و حيث إنّ الجملة المستثنى و المستثنى منه عقدان - عقد المستثنى و عقد المستثنى منه - و من عقد المستثنى منه يعبّر بالمفهوم، فلا محالة يقع التنافي بين منطوق ما اعتبر موافقة الكتاب و بين العقد المستثنى منه من الروايات التي اعتبر عدم مخالفة الكتاب بنحو العموم من وجه، و أمّا بين عقد المستثنى فلا تنافي، و على هذا فالتنافي بين الروايات لا يكون بواسطة العلم الإجمالي حتّى يكون التعارض بينهما بالعرض، بل تعارضهما ذاتي، و حينئذ فتحمل الطائفة التي ظاهرها اعتبار الموافقة على عدم المخالفة؛ بقرينة قيام الإجماع على عدم اعتبار ذلك و إعراض المشهور. هذا، مضافا إلى أنّ التعبير عن المخالف بعدم الموافق كثير في العرف، فيمكن أن يكون المراد من غير الموافق في المقام هو المخالف للكتاب، فتأمّل.
ثمّ هل يعتبر أن يكون مدّة الخيار مضبوطا أم لا؟
أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّه لو تراضيا على مدّة معلومة كقدوم الحاجّ بطل، و ادّعى عدم الخلاف فيه و نقل حكاية الاجماع عليه صريحا لأنّه غرر في البيع، ثم قال:
و لا عبرة بمسامحة العرف في أمثال المقام بعد وضوح صدق الغرر عرفا كما في المقام، و هو الجهل بمدّة الخيار و لذا يقع التشاحّ في مدّة الخيار كثيرا، فإنّ تسامح العرف في ذلك ليس إلاّ من باب عدم مبالاتهم، و لكن الشارع لا يرضى بالغرر أصلا، كما يظهر من النبويّ المشهور، و لذا أفاد بعض الأكابر أنّ دائرة الغرر عند الشارع أضيق منها عند العرف.
1) تقدّم تخريجه آنفا.
و معنى هذه الجملة أنّ الشارع لا يتسامح في الإقدام على الغرر كما يتسامح العرف في ذلك، لا أنّ لفظ «الغرر» له وضع على حدة عند الشارع، إذ لو كان مراده ذلك لكان اللازم أن يقول: دائرة الغرر عند الشارع أوسع لا أضيق، فلا يرد على هذه الجملة شيء.
ثمّ نقل استدلالا آخر من صاحب الجواهر(1)، و حاصله أنّ اشتراط الخيار في المدّة المجهولة مخالف للكتاب لأنّه غرر. و أجاب عنه بأنّه إن كان مراده أنّ البيع يكون غرريّا فهو خارج عن محلّ الكلام لأن الكلام في فساد الشرط و سراية الفساد منه الى البيع لا بالعكس، و إن كان مراده أنّ الشرط يكون غررا و فاسدا فلا دليل على فساد الغرر في غير البيع. مضافا إلى أنّ الشرط إذا كان غرريا يكون البيع أيضا غرريّا و مخالفا للكتاب، فاستناد فساده حينئذ إلى فساد الشرط كالأكل من القفا. هذا حاصل ما أفاد بتوضيح.
و التحقيق أنّ الجهالة، تارة تكون جهالة بحسب التزام المتبايعين أو أحدهما و لا يكون ما وقع عليه الالتزام معلوما حتّى في علم اللّه، كما لو فرضنا أنّ البائع اشترط على المشتري لنفسه الخيار إلى زمان مجيء زيد، و هو مردّد بين ابن عمرو الذي يجيء بعد عشرة أيّام، و ابن بكر الذي سافر الى مكّة و لا يجيء إلاّ بعد ستّة أشهر، و ابن خالد الذي سافر إلى أمريكا للتحصيل و لا يأتي إلاّ بعد عشر سنين مثلا. و اخرى لا تكون الجهالة بحسب التزامهما بل يكون مورد الالتزام معلوما عند كليهما و لكنّه مردّد بين زمان طويل و قصير. و الفرق بين الجهالتين هو أنّ واقع مدّة
1) الجواهر 32/23.
الخيار معلوم عند اللّه في الثاني، بخلاف الأوّل فإن المدّة فيه مردّد واقعا.
فإن كانت الجهالة من قبيل الأوّل فلا إشكال في فساد الشرط و فساد العقد أيضا، لا من جهة الغرر، بل من جهة عدم تحقّق المعاقدة رأسا؛ و ذلك لعدم ورود الإيجاب و القبول على مورد واحد، فإنّ كلاّ من الموجب و القابل أو أحدهما لا يعلم ما قصده الآخر، فورودهما على مورد واحد غير معلوم.
و أمّا لو كانت الجهالة من قبيل الثاني فلا بدّ أن يفصّل بين ما إذا كان الاختلاف يسيرا بحيث لا يوجب تفاوتا في القيمة زيادة أو نقصانا فلا يكون غرريّا، و بين ما إذا لم يكن الاختلاف كذلك فتسري حينئذ غرريّة الشرط إلى البيع و يكون البيع غرريّا فيفسد، فهذا الشرط ليس كسائر الشروط الفاسدة حتّى يقع البحث عن كونه مفسدا أو غير مفسد، بل يوجب فساده لا محالة لسراية الغرريّة منه إليه.
و الذي يدلّ على صحّته فيما إذا كان الاختلاف يسيرا و أنه حينئذ لا يكون غرريّا، ما نرى من صحّة الإجارة مدّة شهر هلالي أو النكاح المنقطع مدّة سنة هلاليّة من غير خلاف، بل هو المعمول المتعارف في زماننا، مع أنّ الشهر الهلالي يختلف يوما، إذ يحتمل أن يكون ثلاثين يوما أو تسعا و عشرين، و هكذا في السنة.
و هذا ليس إلاّ من جهة أنّ الاختلاف يسير لا يوجب الغرر، و هذا بخلاف ما إذا كان الاختلاف فاحشا بحيث يوجب زيادة القيمة أو نقصانها، فإنّه حينئذ يكون البيع خطرا و يكون فاسدا.
و لا يرد النقض بمثل خيار المجلس حيث لا يعلم مدّته أو بخيار الغبن أو خيار العيب أو خيار الرؤية.
و ذلك لأنّ خيار المجلس حكم تعبّدي ثابت للبيع الصحيح، و ثبوت حكم
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لا فرق في بطلان العقد بين ذكر المدّة المجهولة [1]
غرريّ بالدليل لا ربط له بغرريّة البيع بحسب إقدام المتبايعين؛ فإنّ الفاسد هو الثاني. هذا أوّلا.
و ثانيا: الاختلاف في زمان المجلس أيضا يسير بحسب المتعارف إذ لم يسمع إلى الآن أن يطول مجلس بيع مدّة يوم و ليلة مثلا فكيف بالأكثر، و خيار المجلس مجعول بحسب المتعارف.
و أمّا خيار الغبن أو العيب مثلا فهما خياران على القاعدة، و مرجعهما إلى التزام البائع بصحة المبيع في ضمن العقد أو التزامه بأن لا يكون الثمن الذي يأخذه في مقابل المبيع أزيد من القيمة السوقيّة، و من الواضح أنّ هذين الالتزامين لا يوجبان خطرا على الملتزم أصلا، و أيّ خطر يلزم من التزام البائع بصحّة المبيع أو التزامه بمساواة الثمن مع قيمته السوقيّة.
ثمّ لا يخفى أن اشتراط الخيار إلى الأبد لا يكون من قبيل اشتراط الخيار مدّة مجهولة؛ و ذلك لأنّ مدّة الخيار معلوم، و هو إلى الأبد، غاية الأمر من له الخيار لا يبقى إلى الأبد و إلاّ فمدّة الخيار مضبوط. و بعبارة اخرى: يجعل العقد اللازم في طبعه عقدا جائزا بالاشتراط كالهبة، و لذا لو فرضنا بقاءه إلى يوم القيامة يكون له الخيار، و الجهل بزمان موته لا يوجب الجهل بزمان المشروط و لا غرريّة في البيع.
و هذا واضح جدّا.
[1] تارة يشترط ثبوت الخيار فقط من دون تقييدا أصلا. و في هذا القسم لو قلنا بظهور الإطلاق في العموم فنتيجته ثبوت الخيار الأبدي. و لو لم نقل بذلك يدخل في القسم الثاني.
و اخرى يقيّده بمدّة و لا يعيّنها. و في هذا القسم وقع الخلاف في أنّه باطل من
جهة الغرر أو يحمل على ثلاثة أيّام بدعوى انتفاء الغرر بالتحديد الشرعي.
و لا يخفى أنّ النزاع في أنّ التحديد هل يوجب التخصّص في أدلّة الغرر بحيث لا يشمل المقام و لا يصدق عليه الغرر، أو يكون تخصيصا فيها إمّا بنحو التحديد كما في باب الوصيّة بجزء من ماله حيث حدّد بسبع تركته أو الوصيّة بشيء من ماله إلى غير ذلك، أو لا يكون بنحو التحديد بل يكون بنحو الحكم بذلك تعبّدا من دون تحديد ما قصداه، نظير الحكم بثبوت الخيار ثلاثة أيّام في الحيوان، فكما أثبت لذلك الحصّة من البيع خيار ثلاثة أيّام أثبته أيضا لهذه الحصّة و هو البيع بشرط الخيار من غير تعيين، فالتخصيص يمكن تصويره بنحوين.
و كيف كان، النزاع في إثبات أحد هذه المحتملات لغو، و لا تترتّب عليه ثمرة و إن كان احتمال التخصّص بعيدا جدّا، إذ التحديد لا يرفع الغرر البيعي و الخطر بحسب إقدام المتبايعين وجدانا، فلا بدّ و أن يكون تخصيصا لتلك الأدلّة.
و بالجملة: المهمّ إنّما هو بيان ما قيل في إثبات ذلك، و ما استدل به وجوه ثلاثة:
الأوّل: دعوى الإجماع عليه من الانتصار و الغينة و الجواهر للقاضي و اختيار العلاّمة الطباطبائي و الشيخ - على ما حكي عنه - و صاحب الدروس لهذا لقول(1).
الثاني: ما حكي عن الخلاف(2)من وجود أخبار الفرقة به، و من الواضح أنّ حكاية الشيخ يكون بمنزلة إرسال الخبر، و يجبر ضعفها سندا و دلالة بعمل الأصحاب و الإجماعات المنقولة.
الثالث: رواية حنّان بن منقذ(1).
أمّا الوجه الأول، ففيه: أنّ نقل الغنية و الجواهر للإجماع غالبا يكون مستندا إلى نقل السيّد في الانتصار، فالكلّ يرجع إلى نقل السيّد فقط، و قد بيّن في محلّه أنّ الإجماع المنقول من السيّد قدّس سرّه لا اعتبار به. و أمّا اختيار بعض الأعلام لهذا القول، مع أنّه ليس موجبا لشيء أصلا، معارض باختيار سائر المحقّقين خلافه، كالمحقّق(2)و أمثاله، و ليست نسبتهم إليهم إلاّ نسبة الواحد إلى المئة أو أقلّ.
و أمّا الوجه الثاني، ففيه: أنّ ما ذكره إمّا أن يكون مبنيّا على الغفلة أو يكون مبنيّا على الاجتهاد. و الدليل عليه عدم وجود شيء من هذه الأخبار في كتب الرواية و لا في كتب الشيخ حتّى المعدّة منها لنقل الأخبار كالتهذيب و الاستبصار، و هذا قرينة قطعيّة على غفلته قدّس سرّه، و الاشتباه من غير المعصوم غير عزيز، كما رأيناه من بعض الأكابر قدّس سرّهم. أو أنّ نقله مبنيّ على الاجتهاد و استفاد ذلك من الرواية الواردة في خيار الحيوان: «من أنّ صاحب الحيوان أو المشتري في الحيوان بالخيار إلى ثلاثة أيّام اشترط أم لم يشترط»(3)كما احتمله السيّد في الحاشية(4). هذا أوّلا.
و ثانيا: لو فرضنا وجودها في كتب الروايات لم يكن لنا بدّ من إلغائها؛ من جهة إعراض المشهور عنها.
و ثالثا: ما قالوا من انجبار سندها بالإجماعات المنقولة من العجائب، إذ انجبار
قوله قدّس سرّه: «مسألة» مبدأ هذا الخيار عند الإطلاق من حين العقد [1]
السند فرع ثبوت أصل الرواية لا مالم يثبت كونه رواية. و هذا مراد الشيخ من قوله:
لا المرسل المجهول العين أي الذي لم تثبت خبريّته و انجبار الدلالة فرع تحقّق دالّ قاصر الدلالة؛ بناء على انجبار الدلالة بالعمل. و كيف كان، صدور هذا الكلام من العلماء غريب جدّا.
و أما الوجه الثالث، و هو رواية حنّان، و حاصلها ان هذا الرجل كان يخدع في المعاملة، فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله: «إذا بعت فقل لا خلابة و جعل له الخيار ثلاثا أو و لك الخيار ثلاثا» فلم نفهم مناسبتها مع المقام أصلا و أنّه ما معنى «لا خلابة»؟
و احتمل في ذلك وجوه، أحدها: أن يكون بمعنى خيار ثلاثة أيّام شرعا و أن يكون لهذا اللفظ حقيقة شرعيّة. ثانيها: أن يكون جعل الخيار له من النبي صلّى اللّه عليه و آله حكم تعبديّ خاصّ بالنسبة إليه حيث إنه مالك جميع المملوكات في الواقع. ثالثها:
أن يكون بمعنى لا خديعة، أي بشرط أن لا أكون مخدوعا في المعاملة و عليه فيكون هذا الخيار خيار الغبن. و كيف كان، لا يخفى ما يرد على جميع الاحتمالات. و على كل تقدير، لا ربط لها بالمقام أصلا.
فالإنصاف أنّ الحمل على ثلاثة أيّام لا وجه له، و الصحيح هو القول بالبطلان، بناء على القول بسراية الغرر من الشرط إلى البيع.
ثمّ أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّه ربما يقال في المقام بفساد خصوص الشرط دون أصل البيع. و أجاب عنه بما ذكرناه من أنّ فساد هذا الشرط لا محالة يسري إلى البيع، و ليس من قبيل سائر الشروط.
[1] الكلام فيها يكون في مقامين، أحدهما: في إمكان جعل خيار الشرط من حين العقد و استحالته. و ثانيهما: في وقوعه.
أمّا المقام الأول، فليس هناك مانع عن إمكانه إلاّ ما تقدّم من الشيخ قدّس سرّه من استلزامه اجتماع سببين على مسبّب واحد أو اجتماع المثلين بنحو الترديد. و قد تقدّم الجواب عنه.
و أمّا المقام الثاني، فربما يقال بأنّ مقتضى إطلاق كلام المتبايعين هو أنّ مبدءه من حين العقد، و يقابله ما ذكره الشيخ قدّس سرّه من أنّ المتبادر منه جعله في زمان لولا جعل الخيار لكان البيع لازما، لأنّ ظاهر فعلهما هو جعل الخيار في مورد ليس لهم خيار كما هو واضح. و على هذا فيثبت خيار الشرط بعد التفرّق، و في بيع الحيوان بعد انقضاء ثلاثة أيّام.
و لا يرد على هذا ما أفاده الشيخ قدّس سرّه، من أنّ هذا إنّما يتمّ مع العلم بثبوت خيار المجلس أو خيار الحيوان بحيث يقصدان ثبوت الخيار المشروط بعد التفرّق و انقضاء ثلاثة أيّام، و أمّا إذا لم يعلما ذلك و لم يقصداه فيدخل في الكبرى الكلّية، و هي ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد؛ لأن الخيار ثبت على خلاف ما قصداه.
و ذلك لما أفاده المحقق النائيني قدّس سرّه، و حاصله أنّ مورد تخلّف ما وقع عمّا قصد إنّما هو فيما إذا قصد المتبايعان عنوانا خاصّا و ترتّب في الخارج عنوان مضادّ له، كما لو قصدا البيع و تحقّق الإجارة في الخارج مثلا، لا فميا إذا تحقّق ذلك العنوان الذي قصد، غايته لم يمضه الشارع في مقدار من الزمان. و بعبارة اخرى: ليس لاستحالة وقوع عنوان على خلاف ما قصد دليل خاصّ، و إنّما هو أمر على القاعدة، لأنّ مقتضى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ إنّما هو لزوم ترتيب آثار الملتزم به لا آثار ضدّه، فترتيب آثار الضدّ يكون منافيا لدليل نفوذه و هو «أوفوا» فنفوذ العقد مع الحكم بترتيب آثار ضدّه عليه يكون من الجمع بين الضدّين. و هذا المعنى في المقام
قوله قدّس سرّه: «مسألة» يصحّ جعل الخيار لأجنبيّ [1]
مفقود؛ لأنّ ما قصد و هو ثبوت الخيار واقع في الخارج، غاية الأمر قد خصّص نفوذه بمقدار من الزمان، و أيّ منافات بين ذلك و بين دليل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ؟
ثمّ أفاد الشيخ قدّس سرّه بأنّه لو جعل مبدء الخيار من حين التفرّق بطل لأدائه إلى الجهالة و الغرر.
و لكن التحقيق أنّه تارة يكون مجموع مدّة ثبوت الخيار معلوما و يكون الجهل في استناد أيّ مقدار من تلك المدّة إلى أيّ سبب من أسباب الخيار، نظير ما لو اشترطا ثبوت الخيار بعد التفرّق و انقضاء ثلاثة أيّام إلى آخر شهر رمضان مثلا، فإنّ في هذا الفرض مدّة الخيار معلوم، غايته لم يعلم أنّه في أيّ مقدار منها يكون الخيار خيار المجلس و في أيّ مقدار الخيار خيار الشرط.
و اخرى يكون مدّة ثبوت الخيار مجهولا، كما لو اشترطا ثبوت الخيار خمسة أيّام بعد التفرّق و لم يعلم أنّ مدّة اجتماعهما في المجلس أربعة أيّام حتّى يكون مجموع زمان الخيار تسعة أيّام أو ستة أيّام حتّى يكون مجموع زمان الخيار أحد عشر يوما، فإنّ هذا غرر فتأمّل، و إن كان مدة خيار الشرط الذي أقدما عليه معلوما في حدّ نفسه.
و بالجملة فالقسم الأوّل محكوم بالصحّة بخلاف القسم الثاني فإنّه محكوم بالبطلان.
[1] و كان الأولى تقديم ما أخّره قدّس سرّه، و هو التكلّم في معقوليّة جعل الخيار للأجنبي، فلنقدّم الكلام في جهات:
الاولى: في إمكان جعل الخيار للأجنبي.
و ربما يتخيّل استحالة ذلك كما نقله الشيخ. و الوجه في ذلك كونه مخالفا
للمشروع، أي الكتاب و السنّة؛ بدعوى أنّ الثابت في الشرع صحّة الفسخ بأحد الأسباب لنفس المتعاقدين.
و لا يخفى أنّ هذا المقدار من الدليل ليس إلاّ مصادرة واضحة، فلا بدّ من ضمّ ما أفاده الشيخ قدّس سرّه في خيار المجلس حتّى تكون للاستدلال صورة. و حاصله أنّ الخيار إنّما هو سلطنة كلّ من المتبايعين على ما انتقل عنه بعد الفراغ عن سلطنته على ما انتقل اليه، و من الواضح أنّ الأجنبي ليست له سلطنة على ذلك، و ليس في البين شيء انتقل اليه حتّى تكون له السلطنة عليه فلا معنى لثبوت الخيار له.
و فيه أوّلا: أنّ هذا المعنى للخيار ليس إلاّ تعبيرا بلازمه، إذ لا تكون السلطنة على ما انتقل اليه مأخوذا في معناه لا لغة و لا شرعا، بل الخيار ليس إلاّ السلطنة على حلّ العقد كما ذكرناه سابقا، و لذا ينتقل الخيار للزوجة بالإرث بالقياس الى العقار مع أنّها لا ترث من العقار شيئا لا من العين و لا من القيمة، و لكن اذا كان لزوجها خيار فيه ينتقل ذلك الخيار إليها مع أنّها أجنبيّة عنه، و ربما تترتّب على ثبوت الخيار لها ثمرة، بأن تفسح العقد فينتقل العقار إلى مالكه الأوّل و ثمنه إلى الميّت فترث من الثمن، و الظاهر أنّ إرثها الخيار مورد تسالم الفقهاء.
و ثانيا: لو سلّمنا ذلك، فهو إنّما يتمّ لو كان جعل الخيار للأجنبي إثبات حقّ و سلطنة له مستقلاّ. و يحتمل أن نقول في المقام أنّ الخيار الثابت للأجنبي لا يكون كذلك، بل هو ثابت له بعنوان الوكالة عمّن جعل له الخيار، فكأنّ السلطنة يكون له حقيقة و للأجنبي إعمالها وكالة عنه.
و لا يقال: إنّه لو كان ذلك بعنوان الوكالة، فللموكّل و من جعل له الخيار أن يعزله عن ذلك، لأنّ الوكالة من العقود الجائزة.
لأنّا نقول: الوكالة و إن كانت كذلك، لكنّها مشروطة في ضمن العقد اللازم فتكون لازمة.
و بالجملة، فهذا الاستدلال لا يرجع الى محصّل، فالصحيح إمكان ذلك.
الجهة الثانية: في أنّه هل تعتبر في صحّة تصرّفه مراعاة مصلحة الجاعل أم لا؟
ربما يقال بالتفصيل بين ما إذا قلنا بأنّ ثبوت الخيار له يكون بعنوان الوكالة فيعتبر مراعاة المصلحة له حينئذ، و بين ما إذا لم نقل بذلك و قلنا بأن ثبوته له يكون مستقلاّ، فإنّه حينئذ لا يجب عليه مراعاة مصلحة الجاعل، لأنّه على الأوّل يكون المقام داخلا في باب الوكالة، و من الواضح اعتبار ذلك في تصرّفات الوكيل، فلو و كلّ زيد عمروا في إجارة داره فآجرها بعشر قيمته، لا يكون ذلك نافذا.
هذا، و لكن التحقيق عدم ابتناء المسألة على القولين، و لا بدّ أن يقال: إنّه - على كلا القولين - لو قامت قرينة على عدم دخل لحاظ المصلحة في جعل الخيار له، فيصحّ تصرّفه و لو كان على خلاف المصلحة. و لو لم تقم على ذلك قرينة، فمقتضى ظاهر حال الجاعل المتبادر من إطلاق كلامه هو أنّ جعل الخيار له إنّما هو من جهة أن يلاحظ في مقام الإعمال مصلحته كما هو الغالب المتعارف أيضا، فلا بدّ له من ملاحظة ذلك على كلا القولين من غير فرق بينهما، بل اعتبار ملاحظة المصلحة في الوكيل أيضا ليس إلاّ من جهة هذا الظهور و الإطلاق، فلو فرضنا هناك أيضا قيام القرينة على توكيله حتّى في التصرّفات المضرّة بحال الموكّل يكون مطلق تصرّفه نافذا و لو كان على خلاف المصلحة. و الظاهر أنّ ما ذكرناه هو مراد الشيخ قدّس سرّه من قوله: لتبادره من الإطلاق.
الجهة الثالثة: هل يعتبر رضى من يجعل له الخيار أم لا؟
الظاهر أن هذه المسألة من صغريات الكبرى الكلّية، و هي اعتبار رضى من يجعل له ملكيّة شيء أو الحقّ و السلطنة - التي هي أيضا من مراتب الملكيّة و ملحقاتها - في تحقّقها أم لا يعتبر في ذلك رضاه، نظير انتقال المال إلى الوارث بالإرث أو ملكيّة الموقوف عليهم لمنافع العين الموقوفة، إلى غير ذلك؟ و لم أجد أجد موضعا تعرّضوا لبيانها مبسوطا إلاّ في باب الوصيّة بالملكيّة، و أنّه هل يكون من العقود فيعتبر رضاء الموصى له أم هي من الإيقاعات.
و في باب الوصيّة اخترنا كونها من الإيقاعات، من جهة إطلاق أدلّة باب الوصيّة.
و أمّا في غيرها، فاستدلّ لاعتبار رضاه بأمرين:
أحدهما: «الناس مسلّطون على أنفسهم» فربما لا يرضى بسلطنة نفسه على شيء أو بكونه مالكا لشيء، بل ربما يترتّب على ثبوت ذلك له ضرر عليه، فلا يثبت ذلك إلاّ بقبوله و رضاه.
هذا، و لكن ليس لهذه الرواية في كتب الأخبار عين و لا أثر و إن كانت مشهورة في الألسن، فلا يمكن التعويل عليها. نعم «الناس مسلّطون على أموالهم» موجود(1)و ربما يتمسّك بذلك لثبوت السلطنة على النفس أيضا بالأولويّة. و لا يبعد ذلك.
ثانيهما: بقوله تعالى حكاية عن موسى بن عمران: لاٰ أَمْلِكُ إِلاّٰ نَفْسِي
1) تقدّم تخريجه آنفا.
وَ أَخِي (1)و من الواضح أنّه أجنبيّ عن المقام.
و لكن الذي يهوّن الخطب أنّه لا دليل على ثبوت هذا الحقّ أو الملكيّة بدون رضاه، و من الواضح أنّ ثبوته يحتاج إلى دليل.
و لا يقال: إنّ مقتضى «المسلمون عند شروطهم» هو نفوذ ذلك الشرط؛ لأنّا نقول: «المسلمون عند شروطهم» أو أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لا يكون ناظرا إلاّ الى نفوذ التزامهم و أنّه ليس لهم أن يرفعوا اليد عن التزامهم و عمّا التزموا به، و أمّا تحقق الملكيّة فهو أجنبيّ عن الآية و الرواية فتأمّل، و ليس نفوذ الالتزام مع عدم تحقّق الملتزم به إلاّ بعد الرضا و قبول الطرف لغوا كما هو واضح.
و بالجملة، فالحقّ اعتبار رضاه في ثبوت الخيار و السلطنة له.
الجهة الرابعة: في أنّه هل ينتقل خيار الأجنبي إلى وارثه بالإرث أم لا؟
أمّا بناء على القول بأن الحقّ ثابت للجاعل و ليس للأجنبي إلاّ السلطنة على إعماله، فمن الواضح عدم انتقاله إلى الورثة لأنّ بالموت ينقطع أمد الوكالة.
و أمّا بناء على أن يكون الأجنبيّ بنفسه ذا حقّ و ذا خيار، فربما يتوهم قابليّته للانتقال. و لكن الظاهر أنّ الأمر ليس كذلك؛ لأنّ جعل الخيار له إنّما هو بعنوان أنّه ذا نظر في المعاملة، فكأنّ نظره و رأيه دخيل في ثبوت الخيار، نظير باب التقليد فإنّ المتّبع إنّما هو رأي المجتهد؛ و لذا لو زال رأيه لا يبقى لتقليده مجال. و في المقام أيضا كذلك.
و بالجملة: الخيار لا يكون لذات الأجنبي، بل يكون له بعنوان يزول بموته، و من
1) سورة المائدة/ 25.
الواضح أنّه في هذا الفرض لا ينتقل الخيار منه إلى غيره، كما لو فرضنا أنّه جعل الحقّ لشخص بعنوان أنّه عادل فمات و له وارث فاسق فإنّه لا ينتقل إليه الحقّ قطعا.
نعم لو فرضنا أنّه جعل الخيار لذات الشخص و كان جهة كونه ذا نظر من قبيل الداعي، أمكن القول بانتقاله. هذا كلّه في جهات المقام.
بقي الكلام في أصل المطلب بعد الفراغ عن معقوليّة جعل الخيار للأجنبي و إمكان ذلك، فنقول:
تارة يجعل الخيار لواحد، و لا إشكال في ذلك، فإنّه إن أمضى البيع ينفذ، و إن فسخ ينفسخ.
و اخرى يجعل الخيار للمتعدّد، سواء كانا متبايعين أو أجنبيين أو أجنبيّا مع المتبايعين أو مع أحدهما.
و في هذا القسم أيضا، تارة يكون الخيار لهما بنحو العامّ المجموعي بأن يجعل خيار واحد لكليهما، و اخرى يكون بنحو العامّ الاستغراقي بأن يكون لكلّ منهما الخيار مستقلاّ، و ثالثة يجعل الخيار للطبيعة و صرف الوجود.
أمّا بناء على الأوّل، لو اتّفقا على الفسخ أو الإمضاء ينفذ. و أمّا لو اختلفا فلا ينفذ من كلّ منهما لا الفسخ و لا الإمضاء؛ و ذلك لأنّ من له الخيار لم يفسخ و لم يمض؛ لما فرضنا من أنّ الخيار خيار واحد مجعول لهما معا، فاختلافهما يكون نظير ما لو كان الخيار لواحد فأمضى بإحدى يديه و فسخ بالاخرى في آن واحد فتأمّل.
و بالجملة هذا واضح.
و أمّا بناء على الثاني، و هو أن يكون الخيار لكلّ واحد منهما، فبناء على القول بعدم ثبوت حقّ لهما مستقلا، فينفذ فعل من سبق إلى إعمال الخيار، إجازة كان أم
فسخا؛ و ذلك لأنّ فعله يكون بمنزلة فعل الموكّل، فإذا أجاز فكأنّ الموكّل أمضى، فلا يبقى مجال لوكالة الثاني. و هكذا إذا فسخ. و أمّا بناء على القول بثبوت حقّ لكلّ منهما مستقلاّ، فإن اتّفقا فلا كلام أيضا. و أمّا إذا اختلفا فيتقدّم الفاسخ، سواء كان الفسخ مقدّما على الإمضاء أو العكس أو كانا مقارنين؛ و ذلك لأنّ الإمضاء من أحدهما لا يوجب إلغاء سلطنة الآخر، إذ ليس الإمضاء إلاّ إلغاء سلطنة نفسه، و لم تكن له السلطنة على حقّ الغير، فيكون حقّه باقيا، فإذا فسخ ينفسخ. و هذا بخلاف ما إذا كان الفسخ مقدّما؛ فإنّه بذلك ينعدم موضوع سلطنة الغير، و هو العقد، إذ العقد ينحلّ بالفسخ، فلا يبقى موضوع لإمضاء الآخر.
و أمّا بناء على الثالث، و هو أن تكون السلطنة للطبيعي، فلا محالة يتحقّق الحقّ لكلّ من سبق إلى إعماله و يكون نافذا، و بعد ذلك لا تبقى سلطنة في العين، لأنّ المفروض أنّه كان للطبيعي، و هو يتحقّق بأوّل الوجود. هذا كلّه في فروض المسألة.
و لا بأس بجعل الخيار بكل هذه الأقسام.
نعم في فرض واحد يكون الجعل لغوا، و هو ما إذا جعل الخيار للمتبايعين بنحو العامّ المجموعي؛ فإنّ جعل هذا الخيار ممّا لا أثر له، لإمكان الإقالة مع قطع النظر عن هذا الخيار. نعم فيما إذا لم يكن الإقالة ممكنا يترتّب عليه أثر، كما لو فرضنا جعله في باب النكاح، بناء على القول بجواز جعل الخيار في النكاح، لا بناء على عدمه، لأنّ اللزوم هناك حكم لا حقّ.
بقي الكلام في بيان كلام الوسيلة و الدروس الذي نقله الشيخ قدّس سرّه.
قال: و عن الوسيلة أنّه إذا كان الخيار لهما و اجتمعا على فسخ أو إمضاء نفذ، و إن
لهم يجتمعا بطل(1).
أقول: يمكن أن يكون المراد من قوله «إذا كان الخيار لهما» ثبوته لهما بنحو العامّ المجموعي، و عليه يتمّ ما أفاده، و لكن حيث إنّ ظاهر كلامه جعل الخيار للمتبايعين بقرينة ذيل كلامه و هو قوله «و إن كان لغير هما» فيرد عليه مسألة لغويّة هذا الخيار.
و إن كان المراد ثبوته لهما بنحو العامّ الاستغراقي، يرد عليه أنّه حينئذ لو اختلفا يتقدّم الفاسخ كما ذكرناه، فلا معنى لقوله «بطل» هذا إذا كان مرجع الضمير في «بطل» إلى الفسخ و الإمضاء بقرينة مرجع الضمير في «نفذ» فإنّ السياق يقتضي اتّفاق المرجع فيهما. و إن كان مرجع الضمير فيه «البيع» يرد عليه أنّه لا وجه لبطلان البيع باختلافهما. نعم على المختار ينفسخ العقد، و التعبير عن انفساخ العقد بالبطلان ليس على ما ينبغي.
ثم قال: «و إن كان لغيرهما و رضي نفذ البيع، و إن لم يرض كان المبتاع بالخيار».
أقول: ما المراد من قوله «رضي» أو «لم يرض»؟ فإن كان المراد من الرضا اختيار البيع و امضاؤه و من عدم الرضا الفسخ، فلا مجال لقوله «إن لم يرض كان المبتاع بالخيار» و لا وجه لخياره أصلا، إذ لم يتخلّف الشرط، لأنّ معنى تخلّف الشرط هو عدم ثبوت ما اشترطاه، و في المقام ما اشترطاه - و هو الخيار - ثبت، غايته لم يعمل ذو الخيار خياره، و هذا ليس تخلّفا في الشرط، فلماذا يكون المبتاع - أي جاعل الخيار - بالخيار. و إن كان مراده من «رضي» هو الرضا بثبوت الخيار
1) الوسيلة/ 238.
له - لما ذكرناه من اعتبار قبوله في ثبوت الخيار له - فيتمّ ما أفاد و يكون كلاما وجيها، فالمعنى حينئذ، إن رضي من جعل له الخيار يكون البيع نافذا و صحيحا من قبله، و إن لم يقبل يكون للجاعل خيار تعذّر الشرط أو تخلّفه. هذا كلّه في بيان كلام الوسيلة.
و أمّا ما في الدرس فإنّه قال: يجوز اشتراطه - إلى أن قال - و لو خولف أمكن اعتبار فعله، و إلاّ لم يكن لذكره فائدة،(1)انتهى.
أقول: إن كان الخيار المجعول لهما بنحو العامّ المجموعي فعند الاختلاف لا وجه لأن يكون الاعتبار بفعل الأجنبي - كما هو ظاهر كلامه - بل لا ينفذ. و ما أفاد من أنّه حينئذ لم يكن لذكره فائدة، ممنوع، إذ يكفي في الفائدة أنّ بذكره يعدم استقلال سلطنة طرفه في البيع، و هذا فائدة مهمّة.
و أمّا لو كان المجعول الخيار بنحو العامّ الاستغراقي، فإن كان الأجنبي هو الفاسخ فلا وجه لقوله «أمكن» بل قطعا يعتبر فعله، على ما قدّمناه.
و إن كان هو الممضي فلا وجه لاعتبار قوله، و لا يلزم من ذلك لغويّة، لأنّه كان مسلّطا على الفسخ و الإمضاء.
و أمّا إن كان مراده من اعتبار فعله أنّ فعله أيضا مورد اعتناء، فهو واضح، و لكن لا معنى حينئذ للتعبير ب «أمكن» بل يقينا يكون فعله مورد شأن و اعتبار.
و بالجملة، فجميع هذه الاحتمالات الأربع ممّا لا يخلو عن إشكال.
استدراك: في بيان معنى الشرط، و يتّضح به ما تقدّم من إمكان اشتراط الخيار
1) الدروس 268/3.
للأجنبي و استحالته، و أنّه هل يكون بنحو جعل الوكالة أو جعل الحقّ؟ و هكذا مسألة انتقاله بالإرث و عدمه.
فنقول: من الواضح أنّ تخلّف الشرط يوجب الخيار لمن له الشرط، و لا يوجب بطلان البيع.
و على هذا فربما يستشكل بأنّه لو كان الاشتراط تقييدا في الالتزام العقدي، فلازمه بطلان العقد عند انكشاف عدم تحقّق الشرط، لا ثبوت الخيار. و إن كان التزاما آخر مقارنا للالتزام العقدي، فأيّ ربط له بالعقد حتّى يوجب تخلّفه ثبوت الخيار لفسخه؟
فلا بدّ أن نحقّق معنى الشرط بحيث لا يرد عليه هذا الإشكال.
فنقول: ليس المراد من الشرط تقييد المبيع بالمشروط، وصفا كان أو فعلا أو نتيجة، لاستحالة تقييد المبيع الشخصي. نعم يمكن تقييد الكلّي بوصف، كبيع العبد الكاتب، و لكن ذلك ليس من باب الاشتراط، و لذا لو تخلّف في مقام التسليم لا يوجب ذلك الخيار، بل يطالب بذلك المقيّد.
و هكذا ليس المراد منه التعليق في العقد و الالتزام؛ لأنّ ذلك باطل أوّلا. و ثانيا لازم ذلك بطلان البيع، إذ لم يتحقّق المعلّق عليه، لا ثبوت الخيار.
فالتحقيق أنّ معنى الشرط - بحيث يرتفع الإشكال - هو أنّ الشرط ليس التزاما آخر مباينا للالتزام العقدي، و إنّما هو تعليق الالتزام باستمرار الالتزام الأوّل المتعلّق بأصل المعاملة على شيء، فكأنّ الشارط يقول: ثباتي على التزامي المعاملي بحيث لا أرفع عنه اليد بقاء مبنيّ على خياطة الثوب، أو على أن يكون العبد كاتبا، أو يكون دارك ملكا لخالد، إلى غير ذلك، و هذا الالتزام الثاني غير الالتزام المعاملي،
فلا يوجب تخلّفه بطلان المعاملة، و ليس أجنبيّا عنه حتّى لا يكون مربوطا به، بل هو التزام باستمرار ذلك الالتزام الأوّل، فلذلك يوجب تخلّفه الخيار و السلطنة على رفع اليد عن الالتزام المعاملي بقاء. و بهذا ظهر أنّ من يكون له الحقّ و السلطنة لا بدّ و أن يكون هو الشارط لا الأجنبي. هذا كلّه في بيان معنى الشرط.
و أمّا المشروط، فيمكن أن يكون وصفا ككون العبد كاتبا، و يمكن أن يكون فعلا كأن يشترط أن يخيط له ثوبه، و يمكن أن يكون نتيجة كما في اشتراط أن يكون ماله ملكا لزيد.
و لكن في صحّة كلّ منها و نفوذه يعتبر أن يكون المشروط في حدّ نفسه مع قطع النظر عن الاشتراط أمرا موافقا للكتاب و السنّة نظير الخيار لأحد المتبايعين، أو كون ماله ملكا لأحد، فإنّ المشروط عليه كان له أن يملك ماله لآخر غاية الأمر كان محتاجا إلى الإنشاء و الإيجاد المبرز، و إذا كان التمليك بالاشتراط فيكون ذلك إنشاء و إبرازا له، و لم نعتبر في المبرز في التمليك لفظا مخصوصا. نعم ما يعتبر في تحقّقه مبرز خاص كالاطلاق مثلا، لا يتحقّق بالاشتراط.
و أمّا إذا لم يكن المشروط في حدّ نفسه أمرا مشروعا فلا ينقلب عمّا هو عليه بالاشتراط، سواء كان عدم مشروعيّته أو مخالفته من جهة الحكم التكليفي أو الحكم الوضعي، و الخيار للأجنبي لا يثبت مشروعيّته و نفوذه مع قطع النظر عن الاشتراط، فلا ينفذ ب أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فاشتراطه يكون نظير اشتراط صحّة التوضّؤ بالماء المضاف و الحكم بنفوذه من باب «المسلمون عند شروطهم».
و بالجملة، فلا بدّ أن يكون الخيار لأحد المتبايعين و للأجنبي الوكالة في إعماله، و على هذا فلا يكون قابلا للانتقال بالإرث كغيرها من الوكالات. نعم الفرق بينها
و بين سائر موارد الوكالة أنّها حيث يكون حقّا لأحد المتبايعين على الآخر لا يقبل العزل إلاّ مع رضاهما بذلك، و مع تراضيهما ينعزل. و هذا أيضا مؤيّد لما ذكرناه.
و لا بأس ببيان روايات باب الشرط و أدلّته، فنقول: من الواضح أنّه ليس المراد من الكتاب في قوله عليه السّلام: «إلاّ ما خالف كتاب اللّه» أو «ما وافق كتاب اللّه» ما بين الدفّتين بالإجماع بل بالضرورة؛ لأنّ الشروط في المعاملات ليست مثل وجوب الصلاة و أمثالها حتّى يكون مذكورا فيه، فالمراد منه الحكم كما في قوله تعالى:
كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (1)و يؤيّده عطف السنّة عليه في بعض الروايات، فإذا كان المراد الحكم الشرعي أعمّ من أن يكون في الكتاب أو في السنّة و أعمّ من أن يكون ظاهريّا أو واقعيّا، فقلّ مورد يوجد أن لا يكون له حكم إمّا واقعا و إمّا ظاهرا و بمقتضى الاصول، فيدور الأمر كلّية بين المخالف و الموافق، فما لا يكون مخالفا يكون موافقا، فليس بين اعتبار الموافقة أو عدم المخالفة تناف أصلا، بل مؤدّى كلا الأمرين واحد.
نعم في مثل مورد الاشتغال أو التخيير العقلي يمكن أن لا يكون هناك حكم لا واقعا و لا ظاهرا، و لكن في مثله أيضا كما لا يمكن إحراز الموافقة لا يمكن إحراز عدم المخالفة أيضا، لأنّ الأمرين متلازمان، و من الواضح أنّه لا بدّ من إحراز ذلك في الحكم بالصحّة و شمول الدليل، حتّى الدليل الذي يعتبر عدم المخالفة، و حتّى بناء على القول بالتمسّك بالعام في الشبهات الموضوعيّة؛ و ذلك لأنّ من يقول بذلك لا يقول به فيما إذا كان المخصّص متّصلا قطعا، كما حقّق في محلّه.
1) سورة البقرة/ 183.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» يجوز لهما اشتراط الاستئمار [1]
و هكذا لا فرق في لزوم إحراز القيد بين أن يكون وجوديّا أو عدميّا و لو بالأصل، كما هو مقتضى التحقيق الذي بنوا عليه الأعلام فعلا، خلافا لمسلك القدماء قدّس سرّهم. و بالجملة بناء على هذا لا تنافي بين الروايات، و مؤدّى الكلّ واحد.
[1] كأن يشترط أحد المتبايعين لنفسه الخيار إذا أمره خالد بالفسخ إمّا بعد الاستئمار أو مطلقا.
و هذا يكون على قسمين: إمّا بنحو التعليق بأن يكون له الخيار من حين العقد و إعماله يكون في ظرف أمر الغير، أو بنحو المشروط.
و كيف كان، لو أمره ذلك الشخص بالإمضاء، لا إشكال في أنّه لا يثبت له الخيار، و لكن إذا أمره بالفسخ فهل يكون ملزما بالفسخ أو لا؟ الظاهر هو الثاني، و ذلك لأنّ بالأمر تثبت له السلطنة على الفسخ لا الجبر عليه، و ليس لطرفه في البيع إجباره على الفسخ إذ لم تكن له سلطنة عليه، إلاّ أن يكون الشرط هو الفسخ عند أمره بذلك. و هذا مضافا إلى أنّه خارج عن محلّ الكلام، لا وجه لإجباره حينئذ في الفسخ، و ذلك لأنّه إن فسخ هو فبها، و إلاّ يثبت للطرف خيار تخلّف الشرط، فله أن يفسخ العقد بنفسه من دون حاجة إلى إجباره أصلا.
ثمّ هل يعتبر مراعاة المستأمر للمصلحة، فإذا أمر بالفسخ - مثلا - مع عدم مراعاته لمصلحة المستأمر بل راعى مصلحة نفسه في ذلك، فهل يكون ذلك أيضا مجزيا أم لا؟
يظهر من كلام الشيخ قدّس سرّه أنّ الكلام إنّما هو في وظيفة المستأمر بالكسر في فرض عدم مراعاة الآمر مصلحته، لا وظيفة الآمر من حيث جواز أمره كذلك و عدمه. و الحقّ كما أفاد؛ لأنّه لا وجه لأن يكون الآمر ملزما بذلك أصلا، و بالجملة
مقتضى إطلاق كلام المتبايعين هو عدم اعتبار ذلك، إلاّ أن يدّعى انصراف كلامهما إلى صورة مراعاة المصلحة، كما لا يبعد ذلك. و بناء على ذلك لا يثبت له الخيار إلاّ إذا كان أمره بذلك مع مراعاة مصلحة المستأمر، و بدونه لا يثبت له الخيار، إذ لم يرض طرفه في البيع بثبوت الخيار له على ذلك التقدير، و ربما يكون ثبوته ضررا عليه و ممّا لا يريده و لا يرضى به.
ثمّ أفاد بعض الأكابر إشكالا في أصل معقوليّة هذا الخيار و جعله، و حاصله أنّ هذا أمر غير معقول؛ و ذلك لأنّ قدرة المستأمر على الفسخ فرع ثبوت الخيار له، و هو متوقّف على أمره بالفسخ، و صحّة أمره متوقّف على أن يكون قادرا عليه، إذ الطلب الحقيقي من العاجز محال. ثمّ أفاد بأنّ هذا لا يندفع بأنّ القدرة الّتي هي شرط للتكليف هو القدرة في ظرف العمل، و هذا الشخص في ظرف العمل يكون قادرا على الفسخ؛ و ذلك لأنّ هذه القدرة معلول للأمر، فلا يعقل أن يكون الأمر معلولا لها، للزوم علّية الشيء لعلّية نفسه. و لذا التجأ إلى أنّ ما هو الشرط ليس الأمر الجدّي و إنّما هو التلفّظ بذلك.
و فيه ما لا يخفى؛ فإنّ العاقل لا يشترط مثل هذا الشرط بحيث لو أراد الآمر صرف صيغة الأمر - مثلا - و في ذلك المقام تلفّظ بكلمة «افسخ» ثبت لهذا الشخص الخيار، فإنّه لا يمكن الالتزام بذلك قطعا.
فالتحقيق: أنّه بناء على أنّ القدرة ليست شرطا للتكليف و إنّما هي معتبرة في رتبة الامتثال، فالإشكال غير وارد كما هو واضح. و أمّا بناء على المشهور من اعتبارها كذلك، فالجواب أنّ المستأمر يكون قادرا على الفسخ و اعتبار حلّ العقد من قبل نفسه، و الأمر غير دخيل فيه أصلا، و إنّما الأمر يكون دخيلا في نفوذ فسخه
قوله قدّس سرّه: «مسألة» من أفراد خيار الشرط ما يضاف البيع إليه [1]
شرعا، و النفوذ الشرعي أجنبيّ عن المأمور به في المقام.
و بهذا نجيب عن إشكال أبي حنيفة في باب النهي في العبادة و ما ذكره من دلالته على الصحّة؛ إذ نقول إنّ متعلّق التكليف إنّما هو ذات العمل و المعاملة، و المكلّف قادر عليه، و الصحّة و عدمها أجنبيّ عن المكلّف.
[1] و هو أن يشترط في البيع لنفسه الخيار بشرط ردّ الثمن.
و جوازه في الجملة ممّا لا إشكال فيه، كما ادّعي الإجماع على ذلك و وردت الروايات بذلك.
و إنّما الكلام في أنّ الروايات هل يعمّ جميع أقسامه أو يختصّ ببعض الأقسام لانصرافها إليه؟ و بعبارة اخرى: الكلام في أنّ أيّ قسم من أقسامه يكون صحيحا.
فنقول: القسم الأوّل أن يكون الخيار مجعولا بنحو التعليق، إمّا مطلقا أو بنحو التوقيت. و الأوّل كما لو باعا و اشترطا ثبوت الخيار للبائع بعد ردّ الثمن مطلقا في أيّ وقت كان. و الثاني كما لو اشترطا ثبوته كذلك إلى رأس السنة أو مدّة ستّة أشهر مثلا.
و ربما يحكم في هذا القسم بالفساد لوجهين:
أحدهما: من جهة التعليق، و التعليق في العقود موجب للبطلان.
و فيه: أنّ دليل ذلك ليس إلاّ الإجماع، فلا يشمل مثل المقام، بل لا بدّ من الاقتصار في مورده أيضا على المتيقّن، و لذا قلنا إنّ التعليق على أمر موجود فعلي لا مانع منه.
ثانيهما: أنّ المعاملة فيه يكون غرريّا، و ذلك لعدم العلم بثبوت الخيار فيها و عدمه، لأنّ الخيار معلّق على الفرض، فلا يدرى أنّ المعلّق عليه - و هو ردّ
الثمن - هل يتحقّق في الخيار حتّى يثبت الخيار أم لا يتحقّق، و البيع الذي لا يعلم أنّه خياريّ و متزلزل أم لا، يكون غرريّا.
و هذا هو ظاهر كلام السيّد المحشي قدّس سرّه(1)لا ما استظهره المحقّق النائيني(2)، من كون الغرريّة ناشئة من عدم مضبوطيّة مدّة الخيار، و لذا أجاب عنه بأنّ في المؤقّت يكون زمان الخيار مضبوطا فلا غرر، و التزم بالغرر فيما لم يكن زمانه مضبوطا، فجوابه قدّس سرّه أجنبيّ عن الإشكال.
و الحق أن يقال في الجواب: إنّ هذا البيع يكون متزلزلا من حين العقد قبل تحقّق المعلّق عليه، و ذلك لقدرة البائع على إثبات الخيار لنفسه بردّ الثمن بحسب النوع، و لا فرق في تزلزل العقد بين أن يكون الخيار ثابتا فعلا و كان إعماله معلّقا على أمر، أو يكون نفس الخيار معلّقا على أمر يكون تحت قدرة من يجعل له الخيار، فإنّ القدرة على القدرة قدرة على ذلك الشيء، فالمشتري إنّما يقدم على العقد المتزلزل، و أي خطر يكون في ذلك؟
و بما ذكرناه ظهر فساد ما التزم به المحقّق النائيني قدّس سرّه من الالتزام بغرريّة البيع فيما إذا لم يكن الخيار بنحو التوقيت، لأنّ الغرر من ناحية تزلزل العقد و عدمه ممنوع - كما عرفت - و مدّة الخيار أيضا يكون مضبوطا و إلى الأبد. فالإنصاف انطباق هذا القسم من جعل الخيار على القاعدة.
القسم الثاني: ما إذا اشترطا الخيار من حين البيع، لكن جعل متعلّقه الفسخ بعد
ردّ الثمن أو مقارنا له، نظير ملكيّة منافع السنة الآتية من الآن في باب الإجازة مثلا.
و هذا القسم لا إشكال في صحّته أصلا.
القسم الثالث: أن يجعل له الخيار كما في الثاني، لكن يشترط أن يكون الفسخ بنفس الفعل أعني ردّ الثمن. و هذا القسم و إن كان صحيحا، و لكن هو من صغريات القسم الثاني، و ليس قسما في مقابله؛ لأنّه بعد جعل الخيار فعلا للفسخ بعد ردّ الثمن قد يشترط أيضا أن يكون الفسخ بلفظ خاص أو فعل مخصوص. و بالجملة لا أثر لهذا التقسيم و إلاّ لكثر ذلك، إذ يمكن أن يشترط الفسخ بفعل آخر غير ردّ الثمن، كرفع اليد أو الحاجب أو نحو ذلك، إلاّ أن يكون تقسيمه هذا بلحاظ مورد الروايات.
القسم الرابع: أن يكون الشرط وجوب الإقالة عليه إذا استقاله. و هذا أيضا صحّته واضح، لكنّه خارج عن بيع الخيار، فإذا لم يقله بعد الاستقالة إمّا يجبره على ذلك أو يفسخ العقد هو بنفسه بخيار تخلّف الشرط.
القسم الخامس: أن يشترط عليه وجوب بيعه عليه إذا ردّ الثمن.
و ربما يستشكل فيه بما أفاده العلاّمة، من استلزامه الدور. و لكن فساد الإشكال يكون بنحو لا يمكن تقريبه.
و كيف كان، قد أجبنا عن ذلك حلاّ و نقضا بما إذا اشترط على المشتري أن يبيعه لثالث، و لم يستشكل فيه أحد على الظاهر. فهذا الإشكال ليس بشيء.
نعم في بعض روايات العينة، و هو الشراء نسية بأكثر و البيع نقدا بأقل، قيّد الجواز بما إذا لم يشترط على المشتري بأن يبيعه لنفسه نقدا، فربما يستظهر منه الفساد في المقام أيضا. و لكن من الواضح أنّ هذا إنّما هو من جهة رجوعه حقيقة إلى الربا و أنّه
ليس لهما حينئذ قصد البيع حقيقة و لو لم يكن لذلك، فلا بدّ من الاقتصار على خصوص مورده، لأنّه حكم على خلاف القاعدة.
القسم السادس: أن يشترط انفساخ العقد بردّ الثمن.
و أورد عليه المحقّق النائيني قدّس سرّه(1)بما حاصله: أنّه لو كان الشرط انفساخ العقد بلا سبب و إنشاء فهذا مخالف للكتاب و السنّة، لأنّه يعتبر في النقل و الانتقال الإنشاء. و إن كان نفس هذا الاشتراط إنشاء للفسخ: فتارة يكون المشروط الانفساخ من حين العقد غايته مشروطا بردّ الثمن بنحو الشرط المتأخّر، و حينئذ يلزم من وجود البيع عدمه. و اخرى يكون المشروط الانفساخ بعد ردّ الثمن لا من حين العقد، و إنشاؤه يكون من حين البيع. و هذا أيضا لا يصحّ، لأنّ إنشاء الانفساخ لا بدّ و أن يكون بعد تحقّق البيع و بعد صيرورة البائع و المشتري مالكا لهذا الشرط.
و لا يقاس المقام بإنشاء امور مترتّبة بانشاء واحد واحد، مثل أن يوكّل خالدا بأن يزوّج له امرأة ثمّ يطلّقها رأس ستّة أشهر ثمّ يرجع إليها، و كلّ هذه التوكيلات تكون بإنشاء واحد. هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح كلامه قدّس سرّه.
و لكن الإنصاف أنّه لا وجه لما أفاده بناء على أن يكون الانفساخ فيما بعد و إنشاؤه يكون في ضمن العقد، و ليس ذلك إلاّ من قبيل اشتراط أن يملّكه إيّاه بعده مدّة خاصّة.
و لا يرد عليه شيء سوى التعليق في الشرط، و قد عرفت أنّه لا دليل على بطلانه في أمثال المقام، بل لو لا الإجماع لقلنا بصحّة إنشاء الفسخ لبيع قبل إنشائه، فلا نفهم
1) منية الطالب 81/3-82.
لما ذكره معنى محصّلا.
و بالجملة، فبطلان هذا الوجه ليس لما أفاده، بل لأنّ البيع بحسب الارتكاز العرفي و المعنى اللغوي إنّما هو التمليك الدائمي، و البيع بشرط الانفساخ لا يكون إلاّ تمليكا محدودا، و يكون نظير أن يشترط في البيع تملّكه للمبيع و تملّك المشتري للثمن بعد ستّة أشهر مثلا، فإنّ واقع هذا الاشتراط إنّما هو تحديد مدّة التمليك، إذ لا يملّكه إلاّ إلى زمان ردّ الثمن، و لا يعمّ تمليكه لما بعد الانفساخ.
و لا فرق فيما ذكر بين اشتراط الانفساخ أو اشتراط أن يرجع المبيع إلى ملك البائع و الثمن إلى ملك المشتري بنحو شرط النتيجة، فإذا كان الثاني صحيحا يكون الأوّل كذلك و بالعكس، و إذا كان فاسدا فكذلك.
و الحاصل أنّ هذا الوجه يكون باطلا. و لا يقاس بما إذا اشترط أحد المتبايعين أن يكون الثمن أو المثمن ملكا لشخص ثالث بعد مدّة؛ و ذلك لأنّ التحديد فيه لا يكون في مدّة التمليك، بل التمليك فيه يكون أبديّا، غاية الأمر يكون التمليك حدوثا لواحد و بقاء لشخص آخر، و قد ذكرنا في محلّه أنّه لا يعتبر في البيع دخول العوض في ملك من يخرج عن المعوّض حدوثا فكيف بقاء.
و بالجملة، صحّة الوجوه السابقة إنّما هي على القاعدة، و لا يحتاج الى تطبيق الروايات عليها أصلا.
ثمّ مع قطع النظر عن الإشكال المتقدّم و تسليم أنّ البيع يصدق على التمليك المحدود أيضا، فإنّ اشتراط الانفساخ بردّ الثمن ممّا لا معنى له، و إن كان بغير شرط ردّ الثمن ممكنا حينئذ. و ذلك لأنّه ما المراد من ردّ الثمن؟ فإن كان المراد منه مجرّد الردّ فلازمه انفساخ العقد بمجرّد أن يردّ الثمن إليه و إن كان غصبا و إجبارا. و إكان
المراد منه الردّ الذي يباح له التصرّف فيه فلازمه الانفساخ إذا ردّه إليه و أباح له التصرّف فيه. و إن كان المراد الرّد بعنوان التمليك فلازمه الانفساخ إذا وهبه إيّاه، و لازمه أيضا أن يردّ إليه بدل الثمن أيضا، و لا يمكن الالتزام بشيء منها. و إن كان المراد الردّ بعنوان الانفساخ فهذا ليس إلاّ الفسخ، فالشرط في الحقيقة يكون هو الخيار لا الانفساخ. و بالجملة الردّ و إن كان موضوعا لتحقّق الانفساخ، و لكن ليس الفسخ إلاّ إيجاد ذلك بقصد الانفساخ.
هذا، و يمكن تصوير وجه آخر في المقام، و هو أن يكون الشرط وكالة البائع عن المشتري في أن يتملّك المبيع بعد ردّ الثمن إليه. و هذا يتّحد في الأثر مع شرط الانفساخ، و يكون من قبيل إنشاء امور مترتّبة في وقت واحد، و لا إشكال فيه. هذا كلّه على القاعدة.
و أمّا الروايات، فهي قابلة للانطباق على جميع الأقسام، و لا يستفاد منها شيء.
و لا بأس بنقلها تيمّنا بنحو الإجمال:
منها: رواية أبي جارود عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «عن رجل باع داره من رجل و كان بينه و بين الذي اشتراه خلطة، فشرط أنّك إن أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فأتاه بماله؟ قال: له شرطه»(1).
و عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السّلام: «قال: إن بعت رجلا على شرط، فإن أتاك بمالك، و إلاّ فالبيع لك»(2).
قوله قدّس سرّه: الثاني: الثمن المشروط ردّه [1]
و من الواضح أنّه لا دلالة في شيء من الروايتين على قسم من الأقسام، بل تكونان قابلتين للانطباق على الجميع.
و يحتمل في الثانية أن تكون خارجة عن المقام أصلا، و يكون من باب تخلّف الشرط فيما إذا اشترط أداء الثمن إلى وقت خاص. و القرينة على ذلك هو قوله عليه السّلام «و إلاّ فالبيع لك» إذ لو كان المراد عدم ردّ الثمن في مورد اشتراط الخيار عند ردّه، كان اللازم أن يقول عليه السّلام: و إلاّ - أي و إن لم يردّ الثمن - فالبيع له لا لك، لأنّ المراد من البيع المبيع، كما يستعمل في ذلك كثيرا.
و منها: موثّقة إسحاق: «قال: سمعت من يسأل أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول، و قد سأله:
رجل مسلم احتاج إلى بيع داره، فمشى إلى أخيه فقال له: أبيعك داري هذه و يكون لك أحبّ إليّ من أن يكون لغيرك، على أن تشترط لي أنّي إذا جئتك بثمنها إلى سنة تردّها عليّ؟ قال: لا بأس»(1).
و لا دلالة فيها أيضا على كيفيّة الاشتراط و أنّه كان بنحو اشتراط الإقالة أو الفسخ إلى غير ذلك من الأقسام. نعم لو كان لبعضها إطلاق و لم تكن مجملة يشمل جميع الصور المعقولة.
[1] أفاد الشيخ في المقام أمرين على كلا التقديرين:
أحدهما: أنّه لو لم يقبض البائع من المشتري الثمن بعد، فهل يكون له الخيار أو لا بدّ من تحقّق الردّ؟
الظاهر هو الأوّل، لا لما يوهم إليه كلام الشيخ قدّس سرّه من أنّ اشتراط الخيار على
1) الوسائل 355/12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث الأوّل.
تقدير الردّ ينحلّ إلى جعل الخيار له قبل القبض مطلقا، و بعد القبض مشروطا بردّ الثمن، حتّى يقال كيف يمكن إنشاء خيارين أحدهما مطلقا و الآخر مشروطا بإنشاء واحد، بل من جهة أنّ الردّ لا خصوصيّة له في نظر المتبايعين، و المقصود إنّما هو كون الثمن عند البائع، و هو قبل القبض موجود بنفسه و بعد القبض لا يتحقّق إلاّ بعد الردّ، فالردّ إنّما اخذ مقدّمة لتحقّق الثمن عند البائع، و على هذا فيكون له الخيار قبل القبض. نعم لو علمنا أنّ الردّ له موضوعيّة فلا يثبت الخيار إلاّ به.
و لكن التحقيق أنّه لا بأس بما استظهرناه من كلام الشيخ، و هو أن يكون المجعول هو الخيار التقديري على تقدير تحقّق القبض، بأن يكون التقدير و الشرط أيضا مقدّرا على شيء، فالمجعول هو الخيار المشروط بالردّ على تقدير تحقّق القبض.
و نظير ذلك شائع في الاستعمالات العرفيّة و الشرعيّة، مثلا يجب التمام على من قصد الإقامة و هذا التقدير أيضا مشروط بأن يكون مسافرا، أو أنّ الصلاة على تقدير وقوعه في النجس مثلا محكومة بالبطلان و يكون هذا الحكم التقديري أيضا على تقدير عدم الاضطرار إلى ذلك.
ففي المقام أيضا كذلك، الخيار مشروط بالردّ و هذا الاشتراط أيضا يكون على تقدير القبض، ففي الحقيقة يكون المجعول خيارين: خيار مطلق و هو قبل القبض، و خيار على تقدير الردّ مشروطا بالقبض.
ثانيهما: أنّه على تقدير عدم القبض، لو لم يفسخ حتّى انقضت المدّة، أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّه لزم البيع، ثم قال: و يحتمل العدم. و المحشّون جعلوه راجعا إلى الجملة الاولى من كلامه، و هو ثبوت الخيار له لو لم يقبض الثمن. و لكن بناء على
قوله قدّس سرّه: و إن قبض الثمن المعيّن [1]
ما ذكرناه في بيان كلامه، يمكن إرجاعه إلى الجملة التي هو متّصل بها، و هي الجملة الأخيرة في كلامه، أعني قوله «لزم البيع» فيكون المعنى حينئذ أنّه يحتمل عدم لزوم البيع و بقاء الخيار للبائع في هذا الفرض بناء على أن يكون المجعول خيارا مطلقا قبل القبض و خيارا مشروطا بالردّ على تحقّق القبض، فتأمّل. هذا، و لكن الأظهر رجوعه إلى الجملة الاولى.
[1] تارة يكون الثمن شخصيّا، و اخرى يكون كلّيا في المعيّن. و الظاهر أنّ الشيخ قدّس سرّه ألحقه بالشخصي، و هو كذلك. و ثالثة يكون كلّيا في الذمّة. و الثالث أيضا:
تارة يكون في ذمّة المشتري، و اخرى في ذمّة البائع كما هو مورد صحيحة سعيد بن يسار، و ثالثة يكون في ذمّة الأجنبي. و على تقدير أن يكون الثمن شخصيّا: تارة يشترط ردّ عينه، أو يطلق الشرط و يشترط ردّ الثمن من دون تقييده بشيء، و ثالثة يشترط ردّ ما يعمّ بدله أيضا حتّى على تقدير التمكّن من ردّ العين، و رابعة على تقدير عدم التمكّن من ردّ العين إمّا مطلقا أو لا بسبب منه.
أمّا الوجه الأوّل، فلا إشكال فيه.
و أمّا الوجه الثاني، فأفاد الشيخ أنّ مقتضى ظاهر الشرط فيه ردّ العين، و استظهر من إطلاق محكيّ الدروس و حاشية الشرائع أنّ الإطلاق لا يحمل على العين، ثمّ قال: و يحتمل حمله - أي كلام الدروس - على الثمن الكلّي.
أقول: لا وجه لحمله على ذلك، و التحقيق أن يقال: إنّ المثن تارة يكون ممّا ليس لخصوصيّاته الشخصيّة اعتبار في نظر العرف، كالنقود مثل الدراهم و الدنانير، فإنّ الملحوظ فيها عرفا ليس إلاّ مقدار ماليّتها، بل يلحظ ماليّة غيرها بها، فيقال هذه الدار يسوي بألف دينار، و لا يقال يسوى بعشرة آلاف بيض مثلا. و اخرى
لا يكون كذلك، كغيرها من الأجناس.
فإن كان من قبيل الأوّل، فدعوى الانصراف إلى خصوصه لا وجه له، بل يعمّ شخصه و بدله كما في الدروس، لأنّ هذا الارتكاز العرفي يكون قرينة على عدم دخلها في ذلك.
و إن كان من قبيل الثاني، فدعوى انصراف الإطلاق إلى شخص الثمن - كما أفاد الشيخ قدّس سرّه - وجيه جدّا، فلا بدّ من حمل الإطلاق عليه. و بهذا يجمع بين القولين.
و الظاهر أنّ العرف أيضا يفرّقون بين القسمين.
و أمّا الوجه الثالث، فربما يقال باستحالة هذا الاشتراط.
و نقول: إن كان الوجه في ذلك منافاته للفسخ، بدعوى أنّ الفسخ هو حلّ العقد و جعله كأن لم يكن بقاء، و لازم ذلك دخول كلّ من العوضين في ملك مالكه الأصلي، ففرض بقاء الثمن في ملك البائع مناف لفرض تحقّق الفسخ، و لازم صحّته تحقّق المبادلة من دون سبب.
فيمكن الجواب عنه بأحد وجهين:
الجواب الأوّل: أن يقال إنّ حقيقة هذا الاشتراط يكون إنشاء للخيار مطابقة و للمبادلة بين الثمن و بدله في مقام الردّ التزاما، فالأمران ينشآن بإنشاء واحد، فكأنّ المشتري ببيع الثمن على تقدير ردّ البائع بدله إليه أنشأ الفسخ و البيع معا بإنشاء واحد في بيع ذي الخيار.
و لا يقال: هذا الإنشاء يكون من قبيل بيع ما لا يملك، فإنّ المشتري لا يملك الثمن إلاّ بعد تحقّق الفسخ، و قبله لا يكون مالكا للثمن. و يكون أيضا من قبيل التعليق في البيع؛ لأنّه مشروط بردّ البدل، و هو فاسد.
لأنّا نقول: الدليل على بطلان بيع ما لا يملك و بطلان التعليق لا يشمل المقام.
و بالجملة، إن صحّ هذا الجواب، و إلاّ نتمسّك بالجواب الثاني.
الجواب الثاني: أنّ الاشتراط بالالتزام يدلّ على جعل حقّ للبائع في مبادلة الثمن في مقام الردّ في ضمن المعاملة نظير الوكالة، فالبائع بردّ الثمن ينشىء أمرين:
الفسخ و المبادلة، نظير بيع ذي الخيار بعينه.
و إن كان الوجه ما أفاده المحقّق النائيني قدّس سرّه(1)من أنّ إنشاء الفسخ لا بدّ و أن يكون بقول أو فعل يكون مصداقا للفسخ، و ردّ البدل في المقام ليس مصداقا للفسخ. و هذا الذي أفاد هو بعينه ما ذكره في بحث المعاطاة في فساد النكاح المعاطاتي(2).
فجوابه أوّلا: أنّ ما أفاده لم يدلّ عليه دليل، و لا يعتبر في الفسخ - كغيره من العقود و الإيقاعات - سوى الاعتبار المبرز، و لا يعتبر في المبرز أن يكون مبرزا عرفا. نعم يعتبر المبرز في ذلك و لو كانت مبرزيّته بحسب بناء المتعاملين و جعلهم، أو كان عند قوم دون قوم، كما في التكلّم بلغة خاصّة.
و ثانيا: لو سلّمنا ذلك و اعتبرنا أن يكون القول أو الفعل مصداقا للفسخ فردّ البدل بعنوان المبادلة من أظهر مصاديق الفسخ.
فالتحقيق هو صحّة هذا الشرط، و لازمه تحقّق الفسخ بردّ البدل و لو في فرض بقاء العين و التمكّن من ردّها.
و بهذا ظهر حكم اشتراط ردّ القيمة في المثلي و المثل في القيمي؛ إذ ليس المانع عن ذلك سوى ما تقدّم مع جوابه.
هذا كلّه فيما إذا كان الثمن شخصيّا.
و أمّا إن كان كلّيا: فتارة يكون في ذمّة البائع، و اخرى في ذمّة غيره كالمشتري أو الأجنبي:
أمّا لو كان في ذمّة البائع، فنفس الكلّي يكون قابلا للقبض بالقياس إليه، فهو يقبض الكلّي من ذمّته، فشرط ردّ عين الثمن الذي يقبضه غير معقول؛ لأنّ الردّ الخارجي لا يتعلّق بالكلّي، فهذه قرينة عامّة عقليّة على أنّ الشرط ليس إلاّ ردّ بعض مصاديق الكلّي.
و أمّا لو لم يكن في ذمّته، فمع عدم تحقّق القبض ثبوت الخيار واضح.
و أمّا لو تحقّق القبض، فتارة يكون الشرط هو ردّ خصوص ما قبضه خارجا.
و هذا أيضا واضح؛ فإنّه لا خيار إلاّ إذا ردّ عين ما أخذه، فإذا تلفت العين يسقط الخيار لا محالة، لعدم القدرة على إيجاد شرطه. و أمّا إذا أطلق، فلا وجه لدعوى انصرافه إلى خصوص ما قبضه أصلا، كما ادّعاه الشيخ قدّس سرّه في هذا الفرض إذا كان الثمن شخصيّا، و اخترناه أيضا فيما لم يكن الثمن من قبيل الدراهم و الدنانير و أمثال ذلك؛ و ذلك لأنّ الثمن في المقام ليس إلاّ الكلّي، و الخصوصيّات لا تكون دخيلة في البيع بوجه من الوجوه، غايته أنّ المشتري في مقام التسليم طبّقه على بعض أفراده.
و عليه فردّ الثمن يتحقّق بردّ أيّ فرد من أفراده شاء، أي يصدق ردّ الكلّي على ردّ كلّ فرد من مصاديقه، و قد عرفت أنّ الخصوصيات الشخصيّة لا دخل لها في الثمن، فيثبت الخيار بردّ أيّ فرد منه.
قوله قدّس سرّه: الثالث: قيل: ظاهر الأصحاب [1]
ثمّ ما أفاده الشيخ قدّس سرّه في المقام بقوله «و يدلّ عليه صريحا بعض الأخبار المتقدّمة» ممّا لا نفهمه؛ إذ ليست فيها صراحة بذلك. نعم رواية أبي الجارود يكون لها ظهور في ذلك، بناء على أن يكون المراد بقول السائل «هذا الرجل» البائع لا المشتري، و أن يكون الثمن من النقود التي لا يربح منها إلاّ مع صرفها، لا مثل الغنم و الإبل و نحو ذلك ممّا يربح به مع بقاء عينه في ملكه. و أمّا لو كان المراد منه المشتري - كما هو الظاهر من ذيل الرواية - فليس فيها ظهور أيضا.
[1] يقع الكلام في الفسخ بالردّ في مقامين: مقام الثبوت و أنّه هل يعقل ذلك أم لا؟ و مقام الإثبات.
أمّا المقام الأوّل، فربما يقال فيما إذا كان الاشتراط على الوجه الأوّل، بعدم معقوليّته؛ بدعوى أنّ الفسخ لا بدّ و أن يكون بعد ثبوت الخيار، و المفروض أنّه معلّق على الردّ، فالخيار لا يتحقّق إلاّ بعد الردّ، فالفسخ به يكون فسخا قبل زمان الخيار.
و يجري هذا بعينه فيما إذا كان الاشتراط بالوجه الثاني، لكن فيه خفاء في الجملة، فيقال: إنّ الخيار و إن كان ثابتا من حين العقد، و لكن حيث كان إعماله مشروطا بتحقّق الردّ، فالسلطنة على إعماله لا يكون إلاّ بعد تحقّق الردّ، فليس له إعماله به.
نعم لا يجري ما ذكر بناء على أن يكون الاشتراط بأحد الوجوه الاخر، كاشتراط وجوب الإقالة و وجوب البيع و أمثال ذلك.
و لكن التحقيق أنّه لو قامت قرينة على أنّ الشرط هو ثبوت الخيار بعد الردّ زمانا، فالأمر كما أفاد في الدروس، لا يعقل الفسخ به، و يكون نظير ما إذا اشترط في عقد ثبوت الخيار لأحد المتعاقدين بعد مضيّ ساعة من زمان العقد و فسخ من له
الخيار قبل مجيء ذلك الزمان، و لا إشكال في بطلانه. و يكون نظير ما أفاده المحقّق النائيني قدّس سرّه في فساد النكاح المعاطاتي، من أنّ المستفاد من الآية المباركة و هي قوله تعالى: إِلاّٰ عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ (1)أنّ الزوجيّة لا بدّ و أن يكون سابقة زمانا على الوطي و إلاّ لا يكون عدم حفظ الفرج عن الزوجة، و إذا كان النكاح بالمعاطاة يعني الوطي، فبنفس الوطي تتحقّق الزوجيّة لا قبله، و لذا يكون الوطي محرّما. و بالجملة لو قامت قرينة على ما ذكرناه فلا إشكال في بطلان الفسخ بالردّ.
و أمّا لو لم تكن قرينة في البين فلا ظهور لمجرّد اشتراط الخيار بعد الردّ - و لو كان بنحو القضيّة الشرطيّة - في أزيد من البعديّة الرتبيّة، و إذا كان كذلك فالبعديّة الرتبيّة لا تنافي المقارنة الزمانيّة، فبالردّ يوجد الفسخ و الخيار معا في آن واحد، و يكون نظير ما تقدّم إجمالا و يأتي في الشروط مفصّلا، و هو بيع من له الخيار و عتق العبد المبيع في زمان الخيار، كما لو فرضنا أنّ البائع قبل التفرّق عن مجلس البيع و انقضاء خياره باع المبيع من شخص آخر أو المعتق بعد أن باع العبد اعتقه في زمان الخيار، فإنّ العتق و البيع - على ما استظهره المشهور من الرواية - لا بدّ و أن يقع من المالك، و حين البيع و العتق في الفرضين لا يكون البائع و المعتق مالكا. و لذا التزم الشيخ قدّس سرّه بأنّ الفسخ يتحقّق بالشروع في إنشاء البيع أو العتق، و أمّا هما فلا يتحقّقان إلاّ بعد تماميّة العقد و الإيقاع.
و أمّا نحن فأجبنا عن الإشكال، بأنّ المراد من الملك في الرواية ليس ملك المبيع و المعتق، و إنّما المراد ملك نفس البيع و العتق بأن يكون المبيع و المعتق مملوكا، و في
1) سورة المؤمنون/ 6.
قوله قدّس سرّه: الرابع: يسقط هذا الخيار بإسقاطه بعد العقد [1]
الفرضين حيث يكون كلّ من البائع و المعتق ذو خيار فيكون مالكا للبيع أو العتق، و سيأتي الكلام في ذلك. هذا كلّه في مقام الثبوت.
و أمّا مقام الإثبات، فالظاهر أنّ أحدا من المحقّقين لم يستشكل في أنّ الردّ دالّ على الفسخ.
نعم نسبه الشيخ قدّس سرّه إلى القيل، بدعوى أنّ الردّ يدلّ على إرادة الفسخ لا على نفسه.
و أجاب عنه الشيخ قدّس سرّه بما توضيحه: أنّ الإرادة ربما يستعمل و يراد منه البناء، و اخرى يراد منه الإرادة التي يتعقّبه المراد. فإن كان مراد هذا القائل من كون الردّ دالاّ على إرادة الفسخ الإرادة بالمعنى الثاني فهو المطلوب، إذ ليس في غير الردّ ممّا يتحقّق به الفسخ دلالة على أزيد من ذلك. و إن كان مراده هو الثاني فقط فهو غير سديد. و كيف كان، لا وجه لعدم كفايته مع أنّهم يكتفون بأدون من ذلك و أخفى منه دلالة.
ثمّ أفاد الشيخ قدّس سرّه دلالة الروايات على ذلك، و لا وجه له؛ لاحتمال أن يحمل ما يدلّ منها على تحقّق الفسخ بالردّ بخصوص ما إذا كان الشرط هو الانفساخ. نعم لو قلنا بعدم معقوليّة ذلك و حملنا الرواية على شرط الفسخ يتمّ ما أفاده.
[1] الكلام في سقوط هذا الخيار بالإسقاط.
أمّا على الوجه الثاني - و هو أن يكون الخيار ثابتا من حين العقد - فواضح.
و أمّا بناء على الوجه الأوّل و أن يكون ثبوت الخيار مشروطا بالردّ، فهل يمكن إسقاطه أم لا؟
ربما يقال بعدمه؛ من جهة أنّ إسقاط الخيار يكون فرع ثبوته، و قبل ذلك يكون
من قبيل إسقاط ما لم يجب، نظير إسقاط خيار الحيوان قبل التفرّق بناء على أن يكون مبدؤه من حين التفرّق لا من حين العقد كما أفاده في التذكرة.
و اجيب عن الإشكال بوجوه ثلاث:
الأوّل: ما أفاده الشيخ قدّس سرّه، و حاصله أنّ البائع في المقام يكون مالكا للخيار من جهة قدرته على إيجاده، و إذا كان مالكا له و لو بالواسطة يكون له إسقاطه، و ليس من قبيل إسقاط ما لم يجب. و بعبارة اخرى: المقتضي للإسقاط و هو العقد موجود، و ليس المانع إلاّ توهّم عدم كونه مسلّطا و مالكا للخيار، و قد عرفت أنّه مالك له بهذا التقريب. و بهذا فرّق بين المقام و إسقاط خيار الحيوان قبل التفرّق.
و لكن التحقيق فساد ما أفاده طردا و عكسا:
أمّا طردا؛ فلأنّ الكلام في المقام ليس في خصوص ما إذا كان الردّ شرطا للخيار مطلقا، بل يعمّ ما إذا كان الشرط منفصلا، كالردّ بعد سنة مثلا، و فيه لا يكون البائع قادرا لإثبات الخيار لنفسه فعلا.
و أمّا عكسا؛ فلأنّ في بعض صور المقيس أي خيار الحيوان، أيضا يكون من له الخيار متمكّنا من إيجاد خيار الحيوان لنفسه، بأن يقوم من المجلس و يتفرّق، كما لو فرضنا أنّه قادر على التفرّق و لا يتمكّن طرفه من مصاحبته لمرض أو شيء آخر.
هذا، مضافا إلى أنّ القدرة على إيجاد الخيار لا يكفي في صحّة الإسقاط و إلاّ لانتقض بالفسخ قبل البيع فيما إذا كان قادرا على إيجاد البيع الخياري، إذ في هذا الفرض أيضا يكون القدرة على إيجاد الخيار موجودا. لا يقال: إنّ في المقام يكون المقتضي و هو البيع موجودا بخلاف الفرض؛ لأنّا نقول: لم يقم دليل على اعتبار وجود المقتضي في ذلك، فلو جعلتم الميزان في صحّة الفسخ القدرة على إيجاد
الخيار لم يفرق بين المقامين أصلا.
الثاني: ما أفاده السيد قدّس سرّه(1)، و حاصله أنّ دليل بطلان إسقاط ما لم يجب ليس إلاّ الإجماع، و لا يشمل الإسقاط في مثل هذه الموارد لوجود المخالف القائل بجواز ذلك في المقام.
و فيه: أنّ هذا إنّما يتمّ لو كان الكلام من جهة وجود المانع، و ليس كذلك، بل الكلام في أصل المقتضي. و حاصله أنّ الإسقاط في المقام ليس فعليّا، إذ لا معنى لإسقاط خيار يكون ظرف ثبوته فيما بعد فعلا، فلا بدّ و أن يكون الإنشاء فعليّا و المنشأ فيما بعد، يعني ينشأ فعلا سقوط الخيار في ظرفه، و لا دليل على نفوذ هذا الإنشاء، فليس الكلام من جهة المانع بعد ثبوت المقتضي حتّى يقال إنّ المانع هو الإجماع و لا يشمل مثل المقام.
الثالث: ما أفاده السيّد قدّس سرّه في الحاشية(2)، و تبعه المحقّق النائيني(3)، و حاصله أنّ نفس الشرط قابل للإسقاط، فإنّ الشارط بالشرط يملك على المشروط عليه التزامه و لو كان المشروط أمرا متأخّرا فيما بعد، و يكون ذا حقّ عليه، فله أن يسقط حقّه. و لذا ذكر قدّس سرّه أنّا لا نفهم وجها لتشقيق الشيخ قدّس سرّه بقوله «على الوجه الثاني» فإنّه على جميع الفروض للشارط أن يرفع اليد عن الشرط بمقتضى الكبرى الكلّية الاصطياديّة، و هي أنّ لكلّ ذي حقّ أن يرفع اليد عن حقّه.
و فيه: أنّه على ما بيّنا في معنى الشرط في المعاملة، من أنّ الالتزام بالعقد يكون
معلّقا على ذلك المشروط، فإن كان الشرط فعلا للمشروط عليه يكون الشارط مالكا لالتزامه كما أفاد. و لو كان ظرف العمل فيما بعد يكون مالكا لذلك العمل في ذمّته من حين العقد، نظير ما لو آجر نفسه لعمل فيما بعد كرأس السنة مثلا، فإنّ المستأجر يكون مالكا لذلك العمل الذي لم يوجد ظرفه بعد من حين تحقّق عقد الإجارة. و لذا ذكر الشيخ قدّس سرّه في باب الشروط أوّلا أنّ الشارط يلزمه بإيجاد الشرط، فإن لم يقدر عليه يثبت له الخيار. و أمّا إذا كان شرط النتيجة، كما لو باع داره بشرط أن يكون حانوت المشتري ملكا لولده بعد سنة مثلا، فلا يملك الشارط على المشروط عليه شيئا في هذا الفرض أصلا، لأنّ الشرط ليس فعلا له حتّى يملكه في ذمّة المشروط عليه؛ بل هو الملكيّة فيما بعد، فمن حين العقد لا يملك الشارط شيئا حتّى يرفع اليد عن ملكيّته، لأنّ الشرط ليس فعلا حتّى نقول: إنّ الشارط من الآن يملك الفعل فيما بعد، و لا تكون الملكيّة فعليّة حتّى يسقطها فعلا.
و لا معنى أيضا لأن نقول يملك فعلا الملكيّة التي هي فيما بعد. و بالجملة، مقامنا أيضا من قبيل الثاني، و لذا لا يملك الشارط في ذمّة المشروط عليه شيئا حتّى يسقطه. و هذا واضح. نعم ما أفاده يجري في الوجوه التي يكون المشروط فيها هو الفعل كشرط الإقالة و وجوب البيع و نحو ذلك.
ثمّ ربما يستدلّ للمقام بإطلاق قوله عليه السّلام في الرواية الواردة في خيار المجلس «فلا خيار لهما بعد الرضا» و قوله عليه السّلام في خيار الحيوان «فذلك رضى منه» حيث يعمّ ما إذا كان الرضا في زمان الخيار أو قبل زمانه، كما لو فرضنا وقوع التقبيل و الملامسة و نحوهما في المجلس.
و لكن التحقيق فساد ذلك؛ لما مرّ من إجمالهما، و لذا حملنا الرضا في الاولى
على الرضا بأصل البيع لا بإسقاط الخيار، و لا معنى لحمله في الثانية على إسقاط الخيار، لأنّ ذلك مبنيّ على علمه و التفاته بالحكم و أنّ له الخيار و أنّ خياره يسقط بهذا العمل، و كلّ هذه الامور بعيدة عن ذهن العامّة.
ثمّ لو اكره على عدم الردّ حتّى انقضت مدّة الخيار يسقط خياره، لأنّ حديث الرفع يرفع الحكم عن موضوع يكون ذا حكم شرعا إذا صدر عن إكراه، و أمّا ما ليس له حكم فلا يثبت له الحكم بحديث الرفع إذا اكره عليه، كما لو فرضنا أنّه اكره على ترك البيع مثلا، فحديث الرفع لا يكون شاملا له.
المسقط الثانى لهذا الخيار: عدم الرّد إلى انقضاء المدّة، و ذلك واضح، لأنّ ثبوت الخيار بعد انقضاء زمانه ممّا لا وجه له.
و أفاد الشيخ في المقام أنّه لو ردّ و لكن تبيّن أنّ المردود كان من غير جنس الثمن فلا ردّ. و ليس ذلك من باب تخلّف الداعي، لأنّه ليس الثمن من الامور التي تتغيّر بالقصد، و إنّما كان الشرط ردّ الثمن و لم يتحقّق. و أمّا لو ظهر معيبا كفى في الرّد، و له الاستبدال؛ من جهة أنّ وصف الصحّة كان مشروطا بالشرط الضمني، و للمشتري أن يطالب البائع بوصف الصحّة، و حيث لا يمكن أداؤه إلاّ بالاستبدال، لذا أفاد أنّ له الاستبدال.
و ربما يقال: لا فرق بين الوجهين، فاحتمال عدم ثبوت الخيار يجري في الثاني أيضا.
و أجاب عنه المحقّق النائيني قدّس سرّه بما حاصله: أنّ الهيولي و المادّة المشتركة ليست قوام الماليّة بها في نظر العرف، و لذا لا قيمة للمادّة المشتركة بين التراب و الذهب، و إنّما الماليّة تكون بإزاء الصورة النوعيّة العرفيّة لا العقليّة، أي ما يراه العرف صورة
نوعيّة لا العقل، و بينهما عموم من وجه كما هو واضح. و لذا لو باع شيئا بعنوان أنّه عبد فبان جارية يبطل البيع، و أمّا إذا باع العبد بعنوان أنّه كاتب فبان أنّه فاقد للوصف يكون البيع صحيحا و يتخيّر المشتري بين الفسخ و الإرش. و هكذا في مقام القبض إذا كان المبيع كلّيا. و هكذا في مقام الردّ أيضا. و على هذا ففي القسم الأوّل ما ردّه البائع إلى المشتري حيث إنّه من غير الجنس فلم يردّ إليه ما يستحقّه، بخلاف القسم الثّاني فإنه ردّ إليه الثمن، غايته كان فاقدا لوصف الصحّة، فتحقّق به الرد، غايته كان عليه أن يردّه صحيحا، فللمشتري مطالبته بذلك الوصف و استبداله، انتهى.
و كلامه قدّس سرّه و إن كان متينا في محلّه، لكنّه أجنبيّ عن المقام؛ و ذلك لأنّ مراد المتبايعين من الردّ لو كان مجرّد إعطاء الشيء للمشتري و إن لم يكن بعنوان أن يكون ملكا له، بل بما أنّه فعل، نظير ما لو كان الشرط أن يصلّي ركعتين مثلا، فلا إشكال في ذلك، فإنّه يأتي فيه التفصيل المتقدّم، لأنّه على الأوّل لم يردّ الثمن و على الثاني ردّه و لكن فاقدا لوصف الصحّة. و لكن هذا الفرض خارج عن البيع الخياري المتعارف، فإنّ الشرط فيه هو ردّ الثمن بعنوان أن يكون ملكا للمشتري و يردّ المبيع في قباله إلى البائع، فلا بدّ و أن يكون الردّ بعنوان تمليكه للمشتري.
و على هذا فإن كان الشرط ردّ خصوص الثمن فلا يتحقّق بردّ مثل المبيع صحيحا كان أو معيبا - فتأمّل - كما لا يتحقّق بردّ غير الجنس. و إن كان الشرط مطلقا بناء على شموله لردّ البدل أيضا أو كان أعمّ من ردّ عينه أو بدله فقد ذكرنا أنّ لازم ذلك أن يكون للبائع حقّ تبديل الثمن في مقام الردّ. و لا فرق في التبديل بين أن يبدّله بغير جنسه أو بجنسه، معيبا كان أو صحيحا. و عليه فلا بدّ من القول بثبوت الخيار
في الفرضين على الثاني و عدمه في الفرضين على الأوّل، و لا فرق بينهما.
الثالث من المسقطات: التصرّف في الثمن المعيّن.
و الدليل عليه ما دلّ على أنّ تصرّف ذي الخيار فيما انتقل إليه يكون رضى بالبيع في باب خيار الحيوان بعد عمل الأصحاب به في غير ذلك المورد أيضا كخيار المجلس. هذا كلّه ما أفاده الشيخ قدّس سرّه.
ثمّ نقل ما حكي عن المحقّق الأردبيلي(1)و تليمذه السبزواري صاحب الكفاية(2)، من الإشكال على هذا بأنّ المدار في خيار الشرط على التصرّف في الثمن لأن ينتفع به، و إذا فرضنا سقوط الخيار به يكون جعله لغوا. ثمّ تمسّك لذلك أيضا بالموثّقة المشتملة على بيع الدار.
و استشكل على المحقّق الأردبيلي السيد بحر العلوم الطباطبائي(3): بأنّ المدار بحسب العرف في هذا البيع الخياري و إن كان على التصرّف في الثمن لكن قبل الردّ لا بعده، و قبل الردّ لا خيار حتّى يكون التصرّف من ذي الخيار، و أمّا التصرّف بعد الردّ الذي هو مورد كلام الأصحاب قدّس سرّهم فليس بناء المعاملة عليه، فلا ينافي ما ذكره قدّس سرّه على مسقطيّة التصرّف بعد الردّ، فتأمّل؛ إذ لا نفهم و لا نعقل التصرّف في الثمن بعد الردّ، إلاّ أن يكون المراد التصرّفات الاعتباريّة.
و استشكل على السيّد قدّس سرّه صاحب الجواهر: بأنّ كون الخيار بعد الردّ مستلزم لجهالة مبدء الخيار فيكون البيع غرريّا، مضافا إلى أنّ العرف أيضا يساعد أن يكون
الخيار من زمان العقد لا بعد الردّ، و لذا أشكل كثير من الأصحاب على الشيخ الطوسي و ضعّف قوله بتوقّف الملك على مضيّ زمان الخيار بما دلّ على أنّ غلّة المبيع في البيع الخياري يكون للمشتري(1)، و لازم تضعيفهم قول الشيخ بهذه الرواية أن يكونوا قد استظهروا ثبوت الخيار فيه من حين العقد.
و استشكل الشيخ المرتضى قدّس سرّه على جميعهم:
أمّا على كلام الأردبيلي؛ فبأنّه لا مخصّص لما دلّ على سقوط الخيار بالتصرّف بعد ما أنّ الأصحاب عملوا به في غير مورده أيضا. و ما ذكر من أنّ بناء هذه المعاملة يكون على التصرّف في الثمن فهو إنّما يكون في البيع الغالب وقوعا عند العرف، و هو البيع الكلّي، فإنّ في بيع مثل الدار و نحوه من الامور الخطيرة غالبا يكون الثمن كلّيا لا شخصيّا، و ظاهر الحال في الثمن الكلّي كفاية ردّ بدله، فلا يكون حينئذ التصرّف في المدفوع ثمنا دليلا على الرضا بالبيع. هذا كلّه فيما إذا كان الثمن كلّيا. و أمّا إذا كان الثمن شخصيّا فيمكن أن يكون البناء العرفي على عدم مسقطيّة التصرّف فيه من جهة أن التصرّف في مثل المقام لا يكون رضى بالعقد عرفا أو من جهة تواطؤ المتعاملين على ذلك.
أقول: لم نفهم معنى محصّلا لما أفاده قدّس سرّه في المقام ردّا على الأردبيلي، فإنّه موافق معه في الثمن الكلّي و أفاد في الثمن الشخصي أنّ وجه بناء العرف على عدم مسقطيّة التصرّف فيه إمّا أنّه لا يكون التصرّف عرفا رضى و التزاما بالعقد أو أنّ الظاهر تواطؤ المتعاملين على ذلك، و هذا أيضا عين ما أفاده الأردبيلي، فليس هذا
1) جواهر الكلام 40/23.
إشكالا عليه.
و أمّا على السيّد، فأوّلا: بأنّ المستفاد من الأدلّة جواز الإسقاط بالفعل كالقول، ففي كلّ مورد يصحّ الإسقاط به يصحّ الإسقاط بالفعل أيضا، و قد عرفت أنّه قبل الردّ يصحّ إسقاط الخيار بالقول لكونه مسلّطا على إيجاد الخيار و قادرا عليه، فيصحّ بالفعل أيضا.
و ثانيا: أنّ هذا الاحتمال هو أحد الاحتمالات الخمسة، و لا دليل على تعيّنه.
و أمّا على صاحب الجواهر، فبأنّ الجهالة بمبدء الخيار لا يوجب غررا إذا كان منتهاه مضبوطا كما في المقام، إذ لا فرق عرفا بين أن يجعل الخيار لأحد المتبايعين مدّة سنة أو يجعل له السلطنة على إيجاد الخيار لنفسه في هذه المدّة، فكما لا يرون الأوّل غرريّا لا يرون الثاني أيضا غرريّا. نعم ذكر في التذكرة(1)أنّه لا يجوز اشتراط الخيار ثلاثة أيّام مثلا بعد التفرّق. لكن الفرق يظهر بالتأمّل، انتهى.
و أفاد السيّد المرتضى قدّس سرّه: أنّ الفرق إنّما هو قدرة البائع على إيجاد الخيار لنفسه بالردّ في المقام، بخلاف خيار الحيوان فإنّه ربما لا يقدر كلّ منهما على إيجاد التفرّق و إيجاد خيار الشرط.
و لكن الظاهر أنّه ليس بفارق، و إنّما الفرق ما ذكرنا و ذكره الشيخ قدّس سرّه في خيار الحيوان، من أنّ زمان الخيار في المقام معلوم بخلاف الخيار بعد التفرّق، فإنّه لا يعلم أنّ التفرّق متى يحصل، فإذا حصل بعد ساعة يكون مجموع مدّة الخيار ثلاثة أيّام و ساعة مثلا، و إذا لم يحصل إلاّ بعد ساعتين تزيد مدّة الخيار ساعة، و لذا يكون
1) التذكرة 520/1.
قوله قدّس سرّه: الخامس: لو تلف المبيع كان من المشتري [1]
غررا و جهالة.
و أمّا ما أفاده صاحب الجواهر من الاستشهاد بالعرف فلا وجه له، لأنّ الكلام ليس في الظهور العرفي حتّى يتمسّك بالعرف، و إنّما الكلام في ما قصده المتعاملان، و نظر العرف أجنبيّ عن ذلك. هذا حاصل ما ذكروه.
و لكن التحقيق يقتضي أن يقال: إنّ التصرّف تارة يكون مصداقا لإجازة العقد و إسقاط الخيار عرفا، فيسقط به الخيار مطلقا حتّى بناء على القول بعدم الخيار قبل الردّ، لكن بناء على القول بجواز إسقاطه قبل ثبوته كما هو مسلك الشيخ قدّس سرّه، و اخرى لا يكون كذلك، و في مثله لا يكون مسقطا. و البناء على التصرّفات إنّما هو فيما يكون من هذا القبيل لا من قبيل الأوّل.
و أمّا الرواية فحيث كانت على خلاف القاعدة فلا بدّ من الاقتصار على موردها.
و إذا تعدّينا عن موردها إلى خيار المجلس، لا نتعدّى إلى المقام أصلا.
[1] و هل يوجب ذلك أو تلف الثمن سقوط الخيار مطلقا، أو لا يوجبه مطلقا، أو يفصّل بين ما إذا كان قبل الردّ أو بعده؟ وجوه.
و يقع الكلام في بيان قواعد ثلاث:
الأوّل: الخراج بالضمان.
الثاني: التلف قبل القبض يكون من مال بائعه.
الثالث: تلف المبيع في زمان الخيار ممّن لا خيار له.
أمّا الاولى، فهي على الظاهر ليست مورد رواية و لا معقد إجماع، بل هي من كلام الفقهاء. و أوّل من تكلّم بها على الظاهر أبو حنيفة.
و كيف كان، ربما تفسّر بأنّ جواز الانتفاع موجب للضمان، ففي كلّ مورد كانت
المنافع لشخص يكون ضمان العين أيضا عليه. و على هذا فعدم الضمان في باب العارية و الإجارة لا بدّ و أن يكون تخصيصا في القاعدة. مضافا إلى أنّ هذا التفسير مخالف لظاهر اللفظ، نعم لو كان «الضمان بالخراج» لكان له ظهور فيه.
و ربّما تفسّر بعكس هذا و يقال: إنّ جواز الانتفاع يكون سبب الضمان، فالضمان موجب لملكيّة المنافع، ففي كلّ مورد كانت العين مضمونة على أحد تكون منافعها عائدة إليه، و على هذا يشمل موارد الضمان و لو كان بالغصب، كما استدلّ بها أبو حنيفة لعدم وجوب الاجرة على الغاصب في قضيّة البغلة(1). و هذا أيضا لا يمكن الالتزام به، إذ لا معنى لأن يقال إنّ منافع العين المغصوبة تكون ملكا للغاصب، و لذا قال عليه السّلام في تلك القضيّة: «في مثل هذا القضاء و شبهه تحبس السماء ماءها... الخ».
فلا بدّ و أن تفسّر هكذا بأن يقال: إنّ المراد من الضمان هو الضمان المعاملي، فالمعنى أنّ العين إذا دخلت في ضمان أحد بالمعاملة لا محالة تكون منافعها راجعة إليه، و عليه فالقاعدة تكون قاعدة عقلائيّة لا تعبّدية.
و أمّا الثانية، فموردها هو ما إذا كان المبيع شخصيّا لا كلّيا، إذ لا معنى لتلف الكلّي، و معنى أنّ التلف يكون من مال البائع، هو انفساخ المعاملة و صيرورتها كأن لم تكن، و هي أيضا قاعدة عقلائيّة لا تعبّدية، و ذلك لأنّ البيع في نظر العرف ليس هو اعتبار المبادلة فقط، بل اعتبارها منضمّا إلى التسليم الخارجي، بمعنى التخلية بين المبيع و المشتري، فإذا تلف المبيع قبل التسليم، فكأنّه لم يتحقّق البيع أصلا.
1) الوسائل 255/13، الباب 17 من أبواب الإجارة، الحديث الأوّل.
ثمّ الظاهر أنّ الفقهاء قدّس سرّهم لم يقتصروا فيها على خصوص موردها، بل تعدّوا عنه إلى تلف الثمن، و إلى غير البيع من العقود المعاوضيّة كالإجارة و نحوها، بل و إلى ما يشبه بالعقود المعاوضيّة كالنكاح مثلا، و التزموا بانفساخ النكاح إذا كان المهر أمرا شخصيّا و تلف قبل تسليمه إليها.
و أمّا الثالثة: و هي أنّ التلف في زمان الخيار يكون ممّن لا خيار له، و هذه قاعدة تعبّدية على خلاف المتعارف عند العقلاء، لأنّهم بعد تسليم المبيع إلى المشتري أو الثمن إلى البائع يرونه خارجا عن ذمّته و داخلا في عهدة مالكه الفعلي، سواء كان له الخيار أم لم يكن، فهذه قاعدة تعبّدية مجعولة لحكمة اقتضتها لا نعرفها، كما هو الشأن في جميع القوانين التعبّدية.
و الدليل عليها روايات خاصّة، و كلّها واردة في خصوص تلف المبيع. و الظاهر أنّ موردها خيار الحيوان. و لذا وقع الخلاف في إسرائها إلى صورة تلف الثمن؛ بدعوى أنّ البيع بمعنى المبادلة فالبيع يعمّ الثمن المثمن، و لكن من الواضح أنّه لا يصحّ أن يقال: بعث الثمن بالدار مثلا، فالمبيع ظاهر في خصوص المثمن عرفا.
و هكذا اختلفوا في أنّها تشمل جميع المعاوضات الخياريّة أو تختصّ بخصوص البيع، و في أنّ الخيار فيها يعمّ خيار المجلس و خيار الشرط أيضا أو يختصّ بموردها.
و كيف كان، ليس المقام مقام تفصيل هذه الامور. و سيأتي إن شاء اللّه في محلّه.
و التعرّض بهذا المقدار كان مقدّمة لبيان مطلبنا.
و حاصل الكلام فيه أنّ صاحب الجواهر قدّس سرّه فصّل في تلف المبيع بين ما إذا كان قبل الردّ أو بعده.
و الإنصاف أنّه لا وجه للتفصيل أصلا؛ أمّا أوّلا: فلأنّه قدّس سرّه التزم في الردّ على المصابيح بأنّ الخيار للبائع لا يعقل أن يكون بعد الردّ لأنّه موجب للغرر، و عليه فالتلف سواء كان قبل الردّ أو بعده يكون في زمان خيار البائع.
و ثانيا: مقتضى إطلاق الروايات ثبوت الحكم في الخيار المنفصل أيضا، و لازمه أن يكون التلف ممّن لا خيار له و لو كان التلف قبل وصول زمان الخيار.
و ثالثا: هذه الروايات أجنبيّة عن المقام، لأنّها في مورد يكون التلف في ملك ذي الخيار و عنده، بحيث يكون التلف من ماله عند العقلاء، غاية الأمر أنّ الشارع تعبّدا لحكمة جعل التلف ممّن لا خيار له، و المقام ليس من هذا القبيل. و على فرض شمولها للمقام فإنّ نتيجته في صورة تحقّق الردّ هو الانفساخ لا ثبوت الخيار.
و بالجملة، فالحقّ أن الخيار ثابت على التقديرين.
و ربما يقال في المقام أنّ الغرض في اشتراط الخيار هو ارتجاع العين، فكأنّ الشرط هو ارتجاع العين، فلا شرط في صورة تلفها.
و لكن الإنصاف أنّ الغرض نوعا و إن كان ذلك، و لكن حيث إنّ الثمن في البيع الخياري نوعا بل دائما يكون أقلّ من ثمن المثل، فعند التلف نقصان القيمة قابل للتدارك، فيفسخ و يرجع إلى القيمة الواقعيّة.
و لا يقال: إنّه على هذا - أي بناء على أن يكون الخيار مشروطا ببقاء العين - فلا وجه لعدم جواز تفويت العين و وجوب إبقائها، لأنّه لا يجب إبقاء موضوع خيار الغير.
لأنّا نقول: وجوب الإبقاء ليس مترشّحا من ذلك، بل هو وجوب مستقلّ مشروط ضمنا في البيع، فإنّ اشتراط استردادها قرينة على أنّ نفس العين متعلّق
لغرض البائع، فينحلّ إلى شرط الإبقاء و شرط الاسترداد، نظير ما لو نذر الإقامة في بلد، فإنّ وجوبها حينئذ ليس من أجل الأمر بإتمام الصلاة فإنّه مشروط بها، بل هو وجوب مستقلّ قد أتى من قبل النذر. هذا كلّه في تلف المبيع.
و أمّا لو تلف الثمن، و لا بدّ أن يفرض الثمن شخصيّا، إذ لو كان كلّيا لا معنى لتلفه. و لا بدّ أيضا أن يفرض الشرط ردّ شخصه لا بدله، و إلاّ فالخيار ثابت قطعا.
و لا بدّ أيضا أن نفرض عدم تحقّق الفسخ بالردّ، و أن يكون الردّ موجبا لثبوت الخيار أو لإعماله لا أن يكون بنفسه فسخا، و أن لا يكون التلف بالإتلاف.
و بالجملة، على هذا نقول: تارة يكون التلف قبل الردّ و اخرى بعده.
فإن كان بعده فالخيار ثابت قطعا و للبائع أن يفسخ المعاملة و يرجع إلى المشتري بالمثل أو القيمة الواقعيّة، إلاّ بناء على القول بشمول أدلّة التلف في زمان الخيار لتلف الثمن أيضا. و قد ذكرنا أنّه لا وجه لذلك، لأنّ في أدلّتها عنوان «المبيع» و دعوى صدقه على الثمن دعوى بلا برهان. و صاحب الجواهر قدّس سرّه استظهره من رواية معاوية بن ميسرة المتقدّمة. و أورد عليه الشيخ قدّس سرّه بأنّه لم أعرف وجه الاستظهار. و الحقّ كما أفاده؛ لأنّه إن كان المراد من قول أبي جارود «فإنّ هذا الرجل قد أصاب في هذا المال» المشتري، كما يشهد به ذيل الرواية، فتكون أجنبيّة عن المقام. و إن كان المراد منه البائع و أنّه أصاب في الثمن شيئا و الإمام عليه السّلام أجابه بالعكس و بأنّه كما تكون الدار للمشتري و تلفها يكون عليه و منافعها، فبالملازمة تكون منافع الثمن للبائع، فيمكن تطبيقه على المقام، لكن بضميمة ما أفاده الشيخ، و هو قاعدة «الخراج بالضمان» فحيث إنّ منافع الثمن تكون للبائع بمقتضى الرواية، فيدخل تحت هذه القاعدة، و هي الكبرى الكلّية، فيكون ضمانه أيضا على البائع
قوله قدّس سرّه: السادس: لا إشكال في القدرة على الفسخ بردّ الثمن [1]
لا على المشتري، و تتمّ صورة الاستدلال. و لكن يرد عليه أنّه لا حاجة في إثبات أنّ منافع الثمن للبائع إلى الاستدلال بالرواية، لأنّه أمر عقلائي و الاجماع على ذلك، غاية الأمر أنّ أدلّة «التلف في زمان الخيار ممّن لا خيار له» تكون واردة و حاكمة عليها - أي على القاعدة - أو مخصّصة لها، لأنّ موردها هو ذلك، نظير حكومة قاعدة الفراغ و التجاوز على الاستصحاب لأنّها واردة في ذلك المورد. فالإنصاف تحقّق الخيار في هذا الفرض.
و أمّا لو كان التلف قبل الردّ، فربما يقال بعدم ثبوت الخيار حينئذ، بناء على عدم ثبوت الخيار قبل الرد.
و فيه أوّلا: أنّ هذا مخالف لمبنى صاحب الجواهر قدّس سرّه من كون الخيار من حين العقد.
و ثانيا: أنّ أدلّة «التلف في زمان الخيار» ليست مختصّة بالخيار المتّصل، لأنّها ليست بهذا العنوان، بل مضمونها أنّ التلف ممّن ليس له الخيار حتّى ينقضي شرطه، و ظاهره أنّ في الخيار المنفصل ما لم تنقض مدّة الخيار - سواء كان قبل وصوله أو بعده - يكون ممّن لا خيار له. و عليه فبناء على عدم ثبوت الخيار قبل الردّ و تحقّق التلف قبل ذلك يكون التلف من المشتري أيضا. و لكن الصحيح أنّه لا فرق بين أن يكون التلف قبل الردّ أو بعده في ثبوت الخيار، لأنّ المتعارف في خيار الشرط - أي في البيع الخياري - هو الخيار من حين العقد و اشتراط إعماله بالردّ.
[1] يتحقّق الخيار بردّ الثمن إلى نفس المشتري بلا ريب.
و أمّا لو ردّه إلى وكيله أو وليّه مع التعذّر من ردّه إليه أو لا مع التعذّر، فهل يوجب ذلك الخيار أيضا أو لا يوجبه؟
و الكلام في ذلك يقع في جهات:
الاولى: أنّ الأصحاب تسالموا على عدم اعتبار حضور من عليه الخيار في مجلس الفسخ، فلو فسخ في غيبته يكون فسخه نافذا واقعا. و لكن إثبات ذلك يحتاج إلى الحلف أو غير ذلك فهو كلام آخر. و لم يخالف في ذلك سوى العامّة و قليل من الخاصّة. و لكن هذا المعنى أجنبيّ عن مسألة اعتبار أن يكون ردّ الثمن إلى المشتري بالكلّية. و لا منافاة بين اعتبار الثاني في تحقّق الخيار و عدم اعتبار الأوّل في تحقّق الفسخ، إلاّ أن يكون الفسخ بنفس الردّ، فحينئذ يمكن اعتبار حضوره من جهة تحقّق الفسخ لا الخيار.
فما أفاده صاحب الحدائق(1)من نقل الاتّفاق على عدم لزوم ردّ الثمن إلى المشتري مع غيبته من جهة اتّفاقهم على عدم اعتبار حضور الخصم في فسخ ذي الخيار و الإيراد على المشهور و اتّفاقهم بأنّه بعيد عن مساق الأخبار، غير وجيه؛ لأنّ الاتّفاق و التسالم على عدم اعتبار حضور الخصم لا يستلزم الاتّفاق على عدم لزوم ردّ الثمن إلى المشتري. و دعوى مخالفة فتواهم للأخبار أيضا غير وجيه، كما أفاده الشيخ قدّس سرّه.
الثانية: في أنّه هل يعتبر أن يكون الردّ إلى نفس المشتري أو يكفي الردّ إلى وكيله أو وليّه مطلقا أو مع التعذّر؟
و الكلام فيها أيضا يكون في جهتين:
الاولى: في ما تقتضيه أدلّة الوكالة و الولاية. و التحقيق أنّ الأفعال تكون على
1) الحدائق 35/19-36.
قسمين: منها ما يكون قابلا للمباشرة و التسبيب و يكون قابلا للاستناد إلى غير فاعله بالإجازة و التوكيل، كعنوان البيع و الشراء و نحو ذلك. و منها ما لا يكون إلاّ مباشريّا و لا يقبل الاستناد بالإجازة أصلا، نظير عنوان الأكل مثلا، فإنّ أكل زيد لا يستند إلى عمرو و لو كان بإجازته إلاّ مسامحة. فالوكالة و الولاية إنّما يتحقّق في القسم الأوّل دون الثاني، و ذلك واضح. فأدلّة الوكالة و الولاية تنزّل فعل الوكيل و الولي منزلة فعل الموكّل و المولّى عليه، لكن في الأفعال التي تكون قابلة للاستناد، و القبض يكون منها. و لذا كما يتحقّق ذلك بقبض نفس الإنسان يتحقّق عرفا بما إذا أمر ابنه بالقبض فقبضه، فيصدق عرفا أنّ الوالد قبض المال، لأنّ قبض ابنه بمنزلة قبضه حيث كان بإجازته. و على هذا فبقض الوكيل المطلق أو الولي يكون قبض الموكّل و المولّى عليه بمقتضى ما دلّ على أنّ الوكيل كالأصيل أو الوليّ كالمولّى عليه، فيتحقّق الردّ بقبض كلّ منهما.
نعم يبقى الكلام في أنّ الوكيل بحسب العرف لا يكون وكيلا إلاّ في ما يكون صلاحا للموكّل، و هكذا الولي ليست له الولاية إلاّ في ما يكون مصلحة للمولّى عليه، فلا بدّ أن نقول بتحقّق الرد عند الردّ إلى الوكيل و الولي في خصوص ما إذا كان قبضه مصلحة للموكّل و المولّى عليه لا مطلقا، إلاّ إذا كانت هناك قرينة على أنّ الوكيل وكيل حتّى فيما لا يكون مصلحة للموكّل، أو قام دليل على الولاية المطلقة لشخص بحيث يشمل التصرّف التي لا تكون مصلحة للمولّى عليه، كما ثبت ذلك في الولاية على الغيّب في الإنفاق على زوجته، فإنّ الحاكم الشرعي له الولاية على ذلك مع أنّه ضرر على الغائب. هذا كلّه لو أردنا أن نثبت الردّ بقبض الوكيل و الولي فلا بدّ من التخصيص كما عرفت.
و أمّا لو أردنا ذلك من جهة اخرى، بأن نقول ليس الردّ إلاّ تمكين المشتري من التصرّف في الثمن، فلو فرضنا أنّ الوكيل بمنزلة الموكّل و كذلك الولي، فبنفس تمكينه من الثمن يتحقّق الردّ فيثبت الخيار فيفسخ، و إذا فسخ يدخل الثمن في ملك موكّله أو المولّى عليه قهرا، فيجوز له القبض، لأنّ الثمن حينئذ يكون من قبيل سائر أمواله، و لا معنى حينئذ لأن يكون القبض على خلاف مصلحته من حيث كونه موجبا للخيار، لأنّ الخيار غير متوقّف على قبضه.
فيرد عليه: أنّه لا دليل على كون الوكيل منزّلا منزلة الموكّل و كذلك الولي، بحيث تكون زيادة الوكيل زيادة الموكّل و تقبيل يده بمنزلة يد الموكّل إلى غير ذلك. و هكذا لم يقم دليل على أنّ تمكين الوكيل بمنزلة تمكين الموكّل أو الحضور عنده بمنزلة الحضور عند موكّله. و ما دلّ عليه الدليل إنّما هو تنزيل فعله منزلة فعله. و المفروض أنّه لم يصدر من الوكيل فعل، و ليس إحضار المال عنده أو تمكينه منه تمكينا له لا شرعا و لا عرفا، فهذا الوجه غير وجيه.
الثانية: في ما يقتضيه ظاهر كلام المتعاقدين و شرطهما. و الظاهر بحسب الارتكاز العرفي أنّ اشتراط المشتري ردّ الثمن إنّما هو من جهة أنّه يريد حفظ ماله بحيث لا يتلف عند البائع إذا فسخ و استردّ المبيع بأن لا يبقى عند البائع، إذ لو بقى عنده ربما لا يقدر أن يأخذها منه، لا أنّ مقصده خصوص أن يردّه إلى نفسه. و هذا المعنى قرينة عامّة على أنّ ما يشترطه أعم من الردّ إلى نفسه أو إلى وكيله أو وليّه، فإنّ المقصد هو حفظ ماله و يحفظ بذلك. و عليه فبردّ الثمن إلى الوكيل أو الولي يتحقّق الشرط و يثبت الخيار، سواء كان الردّ إليه بنفسه متعذّرا عقلا أو شرعا أم لم يكن.
و بهذا ظهر حكم الردّ إلى وارث المشتري بعد موته، فإنّ الظاهر عرفا - كما ذكر - هو أنّ الشرط أعمّ من الردّ إليه بنفسه أو الردّ إلى ما يكون منزّلا منزلته، و هو الوارث بعد موته، فيثبت للبائع الخيار بعد موت المشتري لهذه الجهة، لا لما أفاده المحقّق النائيني قدّس سرّه(1)من أنّ العين متعلّق حقّ الغير فينتقل إلى الوارث؛ لأنّ الخيار حقّ متعلّق بالعقد لا بالعين.
و لو اشترى الأب للطفل بخيار البائع بالردّ، فبالردّ إليه يثبت الخيار يقينا، و هل للبائع أن يردّه إلى الوليّ الآخر كالجدّ مثلا أم لا؟
فنقول: إن كان الشرط أن يردّه إلى خصوص ذاك الولي فمن الواضح أنّ الخيار لا ثبت بالردّ إلى غيره، كما أنّه لو كان الشرط أعمّ من ذلك يثبت الخيار. و أمّا إذا كان الشرط مطلقا، فبناء على ما ذكرناه من أنّ المقصود من الاشتراط إنّما هو حفظ الماليّة و دخوله في تصرّف المالك و أنّ هذه قرينة عامّة على أن الشرط أعمّ، فيثبت الخيار بالردّ إليه أيضا، من دون فرق بين ما إذا كان الردّ إلى الوليّ المشتري متعذّرا أو كان ممكنا؛ و ذلك لأنّ بالردّ إلى أيّ منهما يتحقّق الشرط، و هو حفظ الماليّة و دخول الثمن في تصرّف المالك، إذ المالك هو الطفل، و الدخول في تصرّف وليّه يكون دخولا في تصرّفه كما هو واضح.
و أمّا إذا كان الوليّ حاكما فاشترى للصغير بخيار البائع، فهل يثبت الخيار بالردّ إلى حاكم آخر أم لا؟
أمّا لو كان الشرط الردّ إلى خصوصه فلا ينبغي الريب في اعتبار ذلك، كما أنّه لو
1) منية الطالب 99/3.
قوله قدّس سرّه: السابع: إذا أطلق اشتراط الفسخ بردّ الثمن لم يكن له ذلك إلاّ بردّ الجميع [1]
كان أعمّ فلا إشكال في عدم اعتباره.
و أمّا لو أطلق فيدخل المقام فيما أفاده الشيخ قدّس سرّه عند بيان قوله تعالى:
وَ لاٰ تَقْرَبُوا مٰالَ اَلْيَتِيمِ (1)من أنّه هل يجوز للحاكم مزاحمة الحاكم الآخر في التصرّف في مال اليتيم أو لا يجوز؛ من جهة أنّ تصرّفه إنّما هو من جهة أنّه لا وليّ له، و بعد تصرّف الحاكم الأوّل و وضع اليد عليه، يخرج عن المال الذي لا وليّ له، أو من جهة أنّ تصرّفه إنّما يكون بعنوان النيابة عن الإمام، فالمزاحمة معه مزاحمة مع الإمام عليه السّلام أو لغير ذلك؟ و قد ذكرنا هناك أنّه لا دليل على عدم جواز مزاحمته، و إن كان جوازها بعيدا عن مذاق الشرع.
و بالجملة: بناء على الأوّل يثبت الخيار بالردّ إليه لما ذكرنا، و أمّا بناء على الثاني فلا؛ لأنّ الحاكم الآخر بقبض المال يخرج عن كونه حاكما شرعيّا، لأنّ قبضه حينئذ يكون فسقا، فيصير أجنبيّا عن المال، و لا يتحقّق حينئذ الردّ، أعني حفظ الماليّة و دخول الثمن تحت تصرّف المالك، فتأمّل.
و على هذا، ففرق بين ولاية الحاكم و ولاية الأب و الجدّ في المقام كما عرفت.
[1] و الكلام في جهات:
الاولى: أنّه في فرض إطلاق الشرط لا يثبت الخيار لو ردّ بعض الثمن حتّى بالقياس إلى ما يقابله من المثمن؛ لانصرافه إلى ردّ جميع الثمن.
الثانية: صريح كلام الشيخ قدّس سرّه أنّه في هذا الفرض لا يجوز للمشتري التصرّف في
1) سورة الأنعام/ 152، و الإسراء/ 34.
المدفوع لأنّه باق على ملك البائع، و أنّه ضامن له لو تلف إذا دفعه إليه على وجه الثمنيّة.
و لم نفهم وجه ضمان المشتري للمدفوع، و لا دليل عليه. نعم ادّعي الإجماع على ضمان المأخوذ بالسوم، و لكنّه أجنبيّ عن المقام. و دفعه البائع إلى المشتري إن كان بعنوان الثمنيّة و ملكه إيّاه فلا وجه لما أفاده من عدم جواز تصرّف المشتري فيه، و إن لم يكن بذلك العنوان يكون وديعة لا محالة، و لا ينطبق عليه عنوان آخر، و الوديعة لا توجب الضمان.
الثالثة: لو كان الشرط أن يثبت للبائع الخيار في كلّ جزء من المبيع بردّ ما يقابله من الثمن، يثبت له الخيار فيما يقابل المدفوع؛ لأنّ هذا الخيار خيار جعليّ بحسب جعل المتعاقدين.
و خالف في ذلك صاحب المستند قدّس سرّه(1)بدعوى أنّ هذا مخالف للكتاب و السنّة؛ لأنّ الروايات واردة في اشتراط ردّ جميع الثمن لا بعضه.
و فيه ما لا يخفى؛ فإنّ صحّة هذا الشرط لم يكن أمرا على خلاف القاعدة، و لم نثبت نفوذه بالروايات حتّى يقتصر على موردها، بل كان مشمولا لقوله عليه السّلام:
«المؤمنون عند شروطهم» فلا فرق بين القسمين أصلا، و ليس مخالفا للكتاب و السنّة.
ثمّ على هذا، لو فسخ البائع في مقدار من المبيع، ذكر أنّه يثبت للمشتري خيار تبعّص الصقفة بعد ما لم يفسخ البائع البقيّة في باقي مدّة خياره حتّى خرجت المدّة.
1) المستند 387/14.
و في ثبوته له قبل خروج المدّة وجهان.
و التحقيق أنّ اشتراط ردّ بعض الثمن يتصوّر على وجوه ثلاثة:
الأوّل: أن يشترط الخيار في كلّ جزء من المثمن إذا ردّ ما يقابله من الثمن.
و هذا لا إشكال فيه؛ لأنّ البيع ينحلّ إلى بيوع عديدة، فإذا فرضنا أنّه باع الدار بمئة دينار مثلا، فكلّ عشر منها بيع بعشرة دنانير، فيمكن أن يجعل الخيار في كلّ جزء مستقلاّ.
و في هذا القسم كما يتمكّن البائع من فسخ الجميع، يتمكّن من فسخ البعض دون بعض، من غير أن يستلزم ذلك خيار تبعّض الصفقة للمشتري؛ لأنّ خيار تبعّض الصفقة إنّما هو من جهة الشرط الضمني للانضمام، و مع التصريح بعدم اشتراط الانضمام، لا معنى لثبوت خيار تبعّض الصفقة.
الثاني: أنّ يشترط الخيار في كلّ من البيوع التي ينحلّ إليها البيع، و لكن مشروطا بأن يردّ جميع الثمن فيما بعد، إمّا في مدّة الخيار، و إمّا في الأعمّ من ذلك بنحو الشرط المتأخّر، على النحو المعقول الذي تصوّرناه في الشرط المتأخّر.
و هذا أيضا واضح؛ فإنّه لو لم يردّ جميع الثمن في ظرفه لا يكون فسخه مؤثّرا أصلا، فلا وجه لثبوت خيار تبعّض الصفقة للمشتري أيضا.
الثالث: أن يشترط الخيار في البعض، غاية الأمر يشترط المشتري على البائع أن يكون له خيار فسخ الجميع إذا فسخ البائع البعض بردّ بعض الثمن دون كلّه و لا يكون راضيا باشتراكه مع البائع في الثمن.
و في هذا الفرض لو ردّ البعض و فسخ البيع فيما يقابله من الثمن، إمّا في تمام مدّة الخيار و إمّا في بعضه بحسب جعل المتبايعين، يكون للمشتري حقّ إلزامه بفسخ
قوله قدّس سرّه: الثامن: كما يجوز للبائع اشتراط الفسخ بردّ الثمن، كذا يجوز للمشتري اشتراط الفسخ بردّ المثمن [1]
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لا إشكال و لا خلاف في عدم اختصاص خيار الشرط بالبيع [2]
الجميع، و إلاّ فيكون له خيار تخلّف الشرط. و هذا أيضا واضح. فلا بدّ من أن يكون مراد الشيخ من تبعّض الصفقة هو هذا الخيار، أعني خيار تخلّف الشرط، و إلاّ فليس لثبوت خيار تبعّض الصفقة معنى معقول في المقام.
[1] نفوذ اشتراط الفسخ للمشتري بردّه المبيع ممّا لا ينكر لإطلاق الأدلّة.
و هل يمكن اشتراط ردّ بدله مطلقا أو فيما تعذّر ردّ المبيع؟ الظاهر هو الإمكان، لما تقدّم في اشتراط ردّ البدل في الثمن، كما يجوز اشتراط ردّ التالف المثلي بالقيمة و القيمي بالمثل.
و الشيخ قدّس سرّه أشكل في الأوّل و أمكن الجواز في الثانى؛ بدعوى أنّه ليس من قبيل اشتراط ضمان القيمي بالمثل أو المثلي بالقيمة، و ليس مخالفا لمقتضى الفسخ، بل يكون من قبيل مبادلة ما يثبت في ذمّة المشتري بعد الفسخ بالقيمة أو بالمثل.
و لكن التحقيق أنّه لا فرق بين الفرضين، فكما يكون الثاني من قبيل مبادلة ما في الذّمة بالمثل أو القيمة، كذلك في الأوّل، فإنّه بعد الفسخ حيث يكون المبيع تالفا، لا محالة ينتقل إلى الذمّة، فيبادله مع شيء آخر في مقام الأداء، فلا يكون هذا الاشتراط منافيا لمقتضى العقد.
[2] مقتضى عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و «المؤمنون عند شروطهم» هو نفوذ اشتراط الخيار في كلّ عقد، أي في كلّ التزام، سواء كان من العقود المعاوضيّة أو غير المعاوضيّة أو كان من الإيقاعات، سواء كانت جائزة أو لازمة، نعم في العقود
الإذنيّة كالوكالة و الجعالة و الإباحة حيث لا التزام فيها، فلا معنى للخيار و اشتراطه فيها أصلا.
و أفاد الشيخ في المقام ما حاصله اختصاص هذا الخيار بغير العقود الجائزة و عدم جريانه في العقود الجائزة.
و قد عرفت أنّ مقتضى عموم الدليل نفوذه في مطلق العقود.
و ما يمكن أن يكون مانعا أحد امور ثلاثة:
الأوّل: أن يكون مخالفا للكتاب و السنّة، نظير جعل الخيار فيما يكون لازما حكما لا حقّا.
الثاني: أن يكون مخالفا لمقتضى العقد كما في الرهن، فإنّه لا معنى لأن يكون العين رهنا و مع ذلك يكون للراهن الخيار في الردّ، فإنّه مناف لكونه رهنا كما أفاد الشيخ في باب المعاطاة.
الثالث: أن يكون جعل الخيار لغوا و تحصيلا للحاصل، كما في العقود الجائزة نظير الهبة و الوصيّة و أمثالها. فيقع الكلام في مانعيّة كلّ من هذه الامور الثلاثة.
أمّا مانعيّة اللغويّة لجعل الخيار في العقود الجائزة كالهبة مثلا، فالظاهر أنّ جعل الخيار فيها ليس لغوا و لا تحصيلا للحاصل؛ أمّا في العقود التي يترقّب لزومها أيضا بسبب من الأسباب كالهبة - فإنّه يكون لازما بالتصرّف في الموهوب - فواضح، لأنّ الخيار الذاتي يزول بالتصرّف، بخلاف الخيار المجعول فإنّه يبقى بعد التصرّف أيضا.
و أمّا فيما لا يترقّب لزومه كالوصيّة مثلا، فلأنّ الخيار الذاتي و الجواز كذلك إنّما هو جواز حكمي، و الجواز الحكمي لا يكون قابلا للانتقال إلى الوارث أو إلى غيره بالإرث أو بنحو آخر، بخلاف الجواز و الخيار الحقّي، فإنّه قابل للانتقال إلى
الوارث بل و إلى غير الوارث أيضا، فهو يجعل الخيار لنفسه لهذا الغرض العقلائي، و به تندفع اللغويّة.
و الظاهر أنّ مورد الجواز الحكمي و متعلّقه مغاير لمورد الجواز الحقّي و ما يتعلّق به؛ و ذلك لأنّ الجواز الحقّي - على ما يظهر من الروايات - يكون متعلّقا بردّ العين أي استرداد العين، كما هو صريح بعض الأخبار، بخلاف الخيار المجعول فإنّ متعلّقه هو العقد، لأنّ الخيار - كما عرفت - إنّما هو ملك فسخ العقد و حلّه، فهما بحسب المورد أيضا متغايران، و الأوّل متعلّق باسترداد العين و يتبعه حلّ العقد، و الثاني بعكسه، فلا يلزم من تحقّقهما معا اجتماع المثلين. هذا، مضافا إلى ما مرّ من أنّ مرجع اجتماع الخيارات العديدة إلى ثبوت خيار واحد من حيثيّات عديدة كما هو واضح.
و بالجملة: لا تلزم من جعل الخيار في العقود الجائزة لغوية و لا إشكال آخر أصلا.
و أمّا المانع الثاني، فادّعى الشيخ قدّس سرّه عدم الخلاف في عدم دخول الخيار في الإيقاعات، و ما قيل في وجه ذلك وجوه:
الأوّل: دعوى الإجماع عليه.
و فيه: أنّه على تقدير ثبوته لا مانع من التمسّك به. و لكنّه أوّلا غير ثابت، و ثانيا على فرض ثبوته فإنّما هو في الموارد الخاصّة كالطلاق مثلا، فلا يمكن التعدّي عن ذلك، و لا تستفاد منه كبرى كلّية، أعني عدم الخيار في كلّية الإيقاعات كما هو واضح.
الثاني: دعوى انصراف الدليل عن الشروط في ضمن الإيقاعات، كانصرافه عن
الشروط الابتدائيّة.
و فيه: أنّه لا وجه للانصراف بعد صدق مفهوم الشرط عليه.
الثالث: أنّ الإيقاعات بأجمعها - غير الوصيّة بناء على كونها من الإيقاعات - إنّما هي امور عدميّة، و لا معنى لثبوت الخيار فيها.
و يمكن تقريب هذا الوجه بنحوين:
أحدهما: أنّ ثبوت الخيار في الإيقاعات التي هي امور عدميّة - فإنّ الطلاق هو رفع علقة الزوجيّة، و العتق رفع علقة الرقّية، و الإبراء رفع ما في ذمّة المديون - مستلزم لإعادة المعدوم، فإنّ لازم فسخ الإيقاع عود العلقة التي انعدمت بهذا الإيقاع، و إعادة المعدوم محال عقلا.
ثانيهما: أنّ الاعتبار إنّما يتعلّق بالماهيّة وجودا و عدما، فإنّ البائع يعتبر ملكيّة المشتري للمبيع و المشتري يعتبر ملكيّة البائع للثمن و عدم ملكيّته للمثمن و بالإسراء يعتبر ملكيّة العبد أو الأمة و بالبيع يعتبر عدم ملكيّته له أولها و ملكيّة غيره، و لا معنى لأن يتعلّق الاعتبار بعدم عدم الملكيّة، و لازم فسخ الإيقاع هو أن يعتبر عدم عدم الماهيّة، إذ الإيقاع هو اعتبار أمر عدمي، و فسخه يكون اعتبار عدمه بناء على ما ذكرناه من أنّ الفسخ إنّما هو بمعنى الحلّ و اعتبار عدم العقد أو الإيقاع.
أمّا الجواب عن الأوّل، فأوّلا: لا استحالة في إعادة المعدوم كما بني في محلّه.
و ثانيا: المراد من عود العلقة ليس عود تلك العلقة التي انعدمت بعينها، بل المراد ثبوت علقة اخرى نظير تلك العلقة التي انعدمت بالإيقاع. هذا، مضافا إلى أنّ هذا الإشكال غير مختصّ بالمقام، بل يجري في الفسخ في العقود أيضا، فإنّ به ترجع العلقة التي كانت بين المال و مالكه الأوّلي. و الجواب ما ذكرناه.
و أمّا عن الثاني، فبأنّ الاعتبار يتعلّق بعدم العدم إذا كان عنوانا لأمر وجودي كما في المقام، فإنّ المراد من اعتبار عدم عدم العلقة إنّما هو اعتبار وجود نظير العلقة الثابتة قبل الإيقاع، و يكون مثل ما لو قيل: لا تترك الصلاة، فإنّه بناء على أن يكون النهي بمعنى طلب الترك، يكون متعلّق الطلب هو عدم العدم أي ترك الترك، و ليس في ذلك محذور، لرجوعه إلى الفعل و هو الأمر الوجودي. و أمثال ذلك كثيرة في العرف.
الرابع: أنّ الشرط لا بدّ و أن يكون بين اثنين، فإذا فرضناه في الإيقاع، فإن اعتبرنا وقوعه بين اثنين و احتياجه إلى الإيجاب و القبول يكون خلفا، لأنّ المفروض أنّ المشروط فيه إيقاع و غير محتاج إلى القبول. و إن لم نعتبر ذلك لا يتحقّق الشرط.
و فيه: أنّ الشرط التزام آخر في ضمن الالتزام الإيقاعي، و لا ربط لأحدهما بالآخر، فأيّ مانع أن يكون أحد الالتزامين محتاجا إلى الطرف دون الآخر. و كون أحدهما بين اثنين - بناء على اعتبار القبول في الشروط - لا يوجب احتياج الالتزام الآخر إله و وقوعه أيضا بين اثنين كما هو واضح. و بالجملة لا يمكن إثبات الحكم الشرعي بهذه الامور العقلّية.
و المهمّ في المقام أمران:
أحدهما: أنّ قوله عليه السّلام: «المسلمون عند شروطهم» كما ذكرنا، إنّما هو عنوان ثانوي، فلا يشمل إلاّ ما كان جائزا في حدّ نفسه و لو مع قطع النظر عن ذيل الحديث، فلا بدّ و أن يكون المشروط جائزا و لو بمقتضى أصل من الاصول العمليّة كالبراءة أو الاستصحاب. و ذيل الحديث يكون مؤكّدا لما ذكرناه، و إلاّ فمن أصل
الحديث يستفاد ما ذكرناه، إذ لا يتوهّم أحد أنّ اشتراط أن لا يصلّي أحد من المتعاملين عشرة أيّام مثلا، أو اشتراط أحدهم ارتكاب بعض أطراف المعلوم بالإجمال الذي يكون بحكم العقل محكوما بلزوم الاجتناب و لو لم يكن محكوما بذلك شرعا، أو اشتراط ارتكاب أحد الشبهات قبل الفحص مثلا، كلّ ذلك لا يكون مشمولا لهذا الحديث، و لذا ذكرنا أنّ المراد من عدم المخالفة و الموافقة في الروايات شيء واحد. و بالجملة لا بدّ و أن يكون متعلّق الالتزام الشرطي جائزا.
ثانيهما: أنّ الخيار في العقود كالبيع و نحوه قد علمنا جوازه من جواز الإقالة.
و لا يخفى أنّ ما أفاده الشيخ قدّس سرّه من استفادة ذلك من خيار المجلس و خيار الحيوان لا وجه له؛ و ذلك لأنّه حقّ خاصّ ثبت بالدليل في مورد مخصوص، و لا يمكن إسراؤه إلى غير مورده. مثلا نقول بثبوت الخيار في غير الحيوان أيضا قياسا له على الحيوان، فإنّ هذا ممّا لا وجه له. فكون الفسخ سببا لارتفاع أثر العقد قد علمناه من جواز الإقالة، و من الواضح أنّ الإقالة ليست عقدا جديدا، و إنّما هو حلّ العقد، و لذا حكمنا بجواز اشتراطه في ضمن البيع، و تشمله الروايات، و يكون نافذا.
و أمّا في غيرها كالإيقاعات و نحوها، فلم يدل دليل على جواز الفسخ فيها، و مقتضى الأصل العملي فيها - و هو الاستصحاب - عدم عود العلقة المعدومة بذلك الإيقاع، و إذا لم يحرز جوازه فلا يصحّ ذلك بالاشتراط، لما عرفت أنّ تلك الأدلّة لا تكون مشرّعا.
و ربما ينتقض على ما ذكرناه بجعل الخيار للأجنبي، فإنّ جواز فسخه لم يثبت بالدليل، و مقتضى الأصل العملي عدمه.
و فيه أوّلا: أنّه ثابت بدليل خاص. و ثانيا: يمكن إقالة الأجنبي إذا تراضى
المتعاملان بذلك، و هو دليل على جواز فسخه.
و ربما ينتقض أيضا بالرجوع في الطلاق و حقّ الفسخ في النكاح بواسطة بعض العيوب.
و جواب الكلّ واضح؛ فإنّ الرجوع يمكن أن يكون من جهة عدم زوال علقة الزوجيّة قبل انقضاء العدّة. و مع التنزّل فالرجوع و الفسخ في باب النكاح إنّما هو خيار حكمي لا حقّي، و لا يرتبط ذلك بالمقام، و لا يستفاد منه جواز الخيار الحقّي أيضا. مضافا إلى ما عرفت من أنّ ثبوت الخيار في بعض الموارد لا يوجب جواز الفسخ و سببيّة الفسخ لارتفاع الأثر مطلقا، فإنّ ذلك لا يثبت إلاّ بثبوت الإقالة كما تقدّم.
و بما ذكرنا ظهر ما في كلام صاحب الجواهر قدّس سرّه(1)حيث يلتزم بمجيء خيار تخلّف الشرط في الطلاق مع التزامه بعدم نفوذ شرط الخيار فيه، فلو طلّقها و اشترط عليها أن تخيط له ثوبه فلم تعمل بالشرط يثبت له الخيار.
و قد ظهر جوابه بما ذكرناه، و سيأتي له مزيد توضيح.
و بالجملة: بناء على ما ذكرناه من أنّ المراد من عدم المخالفة للكتاب مخالفته للشريعة، فلا تتحقّق في الخارج شبهة مصداقيّة للموافق و المخالف، إذ جميع موارد الشك يكون موردا لأصل من الاصول و لو الاشتغال العقلي، فدائما إمّا يكون الشرط موافقا أو يكون مخالفا.
و أمّا بناء على ما أفاده الشيخ في معنى الموافق و المخالف، فكثيرا مّا تتحقّق لهما
1) الجواهر 64/23.
شبهات مصداقيّة، و لذا قال قدّس سرّه: و لا أقلّ من الشكّ في ذلك الراجع... الخ، فإذا شككنا في مورد لا محالة لا يمكننا التمسّك بالعموم، لأنّه تمسّك بالعام في الشبهات المصداقيّة، فلا بدّ من الرجوع إلى الاصول العمليّة. و مقتضاها يختلف حسب اختلاف المباني، فبناء على جريان استصحاب العدم الأزلي و أنّ الشرط في جواز الشرط هو موافقة الكتاب، فعند الشك في أنّه هل تحقّقت الموافقة أم لا؟ فالأصل الأزلي عدمها. و أمّا لو قلنا بأنّ الشرط هو عدم المخالفة، فمقتضى الاستصحاب عدم المخالفة، فمفاد استصحاب العدم الأزلي يختلف على القولين.
و أمّا بناء على عدم جريان الاستصحاب في الأعدام الأزليّة، فحيث لا يمكن التمسّك بالعام في الشبهات المصداقيّة، فلا محالة يشكّ عند الاشتراط في ثبوت الحقّ للمشروط له و عدمه، و الأصل عدم ثبوته له بالاشتراط.
ثمّ لو كانت هناك معاملة، صورتها صورة المعاوضة و حقيقتها الإيقاع، كما لو قال: صالحتك ما في ذمّتك بأن تخيط لي ثوبي، و كان مقصده إبراء ما في ذمّته، لا أن يكون الإبراء في مقابل خياطة الثوب، لا يجوز فيه الخيار. كما أنّه لو انعكس الأمر يجوز فيه جعل الخيار. و الوجه في ذلك هو أنّ الميزان ليس باللفظ و انّما هو بما قصده المنشىء.
و على هذا لو صالح أحد المترافعين صاحبه بمال معيّن على أن يرفع اليد عن دعواه، لا يكون مانع عن جعل الخيار فيه، لأنّه معاوضة حقيقيّة.
و لكن نقل الشيخ قدّس سرّه عن غاية المرام(1)عدم دخوله فيه؛ من جهة أنّه مناف
1) غاية المرام (مخطوط) 295/1.
لمشروعيّته لقطع المنازعة.
و فيه أوّلا: أنّ هذه - أعني منافاته لمقتضى العقد - كبرى اخرى لا ربط لها بما نحن فيه، و هو مانعيّة مخالفة الخيار للكتاب و السنّة.
و ثانيا: ثبوت الخيار فيه لا ينافي مقتضى العقد، و ذلك لأنّ الفسخ يرفع أثر المصالحة بقاء لا حدوثا، كما أنّ الفسخ في البيع يرفع أثر المبادلة بقاء لا حدوثا، و لذا لا يكون منافيا لمقتضى البيع.
و ثالثا: من الواضح جواز الإقالة في مثل هذه المصالحة. و الدليل عليه بناء العقلاء مع عدم الردع عنه، فإنّا نرى أنّه لو ندم كلّ منهما عن الصلح و تراضيا بالرجوع إلى المرافعة و ردّ المدّعي ما أخذه من المنكر، يكون نافذا عند العقلاء، فإذا ثبت ذلك يصحّ الاشتراط فيه أيضا.
هذا كلّه في اشتراط الخيار في الإيقاعات، و قد عرفت عدم جوازه.
ثمّ هل يلحق بشرط الخيار اشتراط شرط آخر فيها مثل خياطة الثوب مثلا أم يجوز ذلك؛ بدعوى أنّ شرط خياطة الثوب غير مناف للكتاب و السنّة؟
و التحقيق أنّه بناء على ما ذكرناه في بيان معنى الشرط و أنّه لا يرجع إلى التعليق في البيع لاستلزامه بطلانه - إمّا مطلقا بناء على مبطليّة التعليق فيه و إمّا مع تخلّف الشرط - لا ثبوت الخيار حينئذ، كما مرّ مفصّلا، فحقيقة الشرط يكون التزاما من المشروط عليه و التزاما ثانويّا معلّقا من المشروط له، فالمشروط عليه في المثال يلتزم في ضمن المعاملة بخياطة الثوب و المشروط له يلتزم باستمرار التزامه الأوّل و أن لا يرفع اليد عنه إذا عمل المشروط عليه بالتزامه، فالمشروط له يجعل لنفسه الخيار تبعا لو لم يعمل المشروط عليه بالتزامه. فإذا فرضنا أنّ الشرط بالقياس إلى
أحدهما لا يكون مشمولا لقوله عليه السّلام: «المسلمون عند شروطهم» لا مانع من أن يكون من الطرف الآخر مشمولا له و واجب الوفاء به. ففي هذا الفرض نقول بأنّ خياطة الثوب واجب على المشروط عليه و يجبره الحاكم على ذلك، و لكن الخيار لا يتحقّق للمشروط له.
و هذه التفرقة في المقام يكون نظير ما أفادوه في باب النكاح إذا شرطت الزوجة على الزوج المكان مثلا، فيجب على الزوج حينئذ أن لا يخرجها من بلد شاءته، و لكن إذا لم يف بالشرط لا يكون لها خيار الفسخ، كما هو واضح.
و نحن أسرينا ما أفادوه في النكاح إلى الإيقاعات أيضا. و من هذا القبيل أن يشترط في إعتاق العبد خدمة مدّة لو لم يكن بنحو العوضيّة، فتأمّل.
هذا كلّه في الإيقاعات.
و أمّا العقود فهي على أقسام:
منها: ما لا يدخله الخيار اتّفاقا كالنكاح.
و استدلّ لذلك بوجوه:
منها: الإجماع، و لو تمّ لكان التمسّك به في محلّه.
و منها: توقّف ارتفاعه على الطلاق من جهة الأدلّة الخاصّة، و مضمون بعضها:
لا يكون الطلاق إلاّ ب «هي طالق».
و فيه: أنّ هذا إنّما يتمّ لو كان المراد من الطلاق معناه اللغوي بمعنى التسريح و إعدام علقة الزوجيّة. و أمّا إن كان بمعنى الطلاق الشرعي فهو ليس بمعنى الفسخ و انحلال العقد، بل هو أمر خاصّ تعبّدي، و لذا تستحقّ الزوجة المهر أو نصفه إذا لم تكن مدخولا بها، و إذا كان فسخا لم يكن وجه لذلك. و الحاصل أنّه حيث يحتمل
أن يكون المراد منه الطلاق الشرعي، لا يمكن الاستدلال به في المقام، إذ انحصار أسباب الطلاق الشرعي بذلك لا ينافي اشتراط الخيار و ثبوت الفسخ.
و منها: أنّ النكاح هو إيجاد العلقة الدائميّة بين الزوج و الزوجة في مقابل المتعة، فجعل الخيار فيه مناف لذلك.
و فيه: أنّ الفسخ لا يوجب تحديد ما انشىء بقول «زوّجت» و بعبارة اخرى يكون رفعا لا دفعا، و لذا يجري في البيع بلا كلام، مع أنّ البيع أيضا تمليك دائمي.
و منها: أنّ ثبوت الخيار للزوج يكون ضررا على الزوجة، لأنّه إذا فسخ يرجع المهر إلى الزوج مع أنّه قد استمتع بها، فيكون استمتاعها مجّانا، و هذا ضرر عليها.
و فيه أوّلا: أنّ الدليل أخصّ من المدّعى؛ و ذلك لإمكان أن يجعل الخيار للزوجة لا للزوج، و حينئذ تكون منافع المهر لها ما دامت لم تفسخ، و إذا فسخت يرجع المهر إلى الزوج و زوجيّتها إليها.
و ثانيا: أنّها إذا أقدمت بنفسها على جعل الخيار للزوج، فأيّ ضرر يكون عليها.
و بالجملة جميع هذه الوجوه لا ترجع إلى محصّل.
فالأولى أن يستدلّ على ذلك بما تقدّم، من أنّ نفوذ الشرط إنّما يكون فيما إذا ثبت جوازه في حدّ نفسه، و في النكاح لم يثبت ذلك، إمّا للقطع بعدم دخول الإقالة فيه إذا تراضيا بذلك، و مع الشك في جواز الإقالة و عدمه، فمقتضى الاستصحاب بقاء علقة الزوجيّة و عدم زوالها بالإقالة.
و بعبارة واضحة: الإقالة لا تكون مؤثّرة في رفع الزوجيّة إمّا قطعا و إمّا بمقتضى الاستصحاب، فلا دليل على نفوذ جعل الخيار. و التمسّك بثبوت خيار الفسخ ببعض العيوب قد عرفت الجواب عنه، فلا نعيد.
و من جملة العقود: ما اختلف في ثبوت الخيار فيه، و منها الوقف.
و استدلّ على عدم دخول الخيار فيه بوجهين:
الأوّل: أنّ الوقف فكّ ملك بلا عوض.
الثاني: أنّه يعتبر فيه قصد القربة، و ما كان للّه فلا يرجع.
و في كلا الوجهين نظر.
أمّا في الأوّل، فلأنّ مجرد كون الخروج عن الملك بلا عوض لا ينافي الخيار، كما في الهبة بلا عوض. و أمّا كون الوقف فكّ ملك، فأوّلا: هو أخصّ من المدّعى، لما ذكرناه في الوقف من أنّه ليس تحريرا، و إنّما هو تمليك للموقوف عليهم لكن تمليكا محبوسا. نعم في بعض أقسام الوقف - كوقف المساجد - ذكرنا أنّه يمكن أن يكون فكّا و تحريرا من قبيل فكّ العبد، و لكنّه يمكن حينئذ أن يرجع إلى الإيقاعات، فالدليل أخصّ من المدّعى. و ثانيا: فكّ الملك متحقّق في البيع أيضا و لو تبعا، فإنّه فكّ المبيع من ملك البائع و فكّ الثمن من ملك المشتري، فإذا كان فكّ الملك مانعا من جعل الخيار فليكن في البيع أيضا.
و أمّا في الثاني، فأوّلا: اعتبار قصد القربة في الوقف أوّل الكلام و إن اعتبره بعض.
و ثانيا: ظاهر قوله عليه السّلام: «ما كان للّه لا يرجع»(1)أنّ ما كان له في الخارج و اتصف بكونه للّه، لا ما يعتبر له تعالى، فلا تكون الرواية مانعة عن اعتبار الخيار في شيء في مقام اعتباره للّه تعالى.
و ثالثا: ليس المراد من قوله «ما كان للّه» ما يقصد به القربة، و إلاّ لكان اللازم عدم
1) انظر الوسائل 315/13، الباب 11 من أبواب الوقوف و الصدقات.
ثبوت جميع الخيارات في البيع إذا قصدت به القربة، و كذلك في سائر المعاملات، فلازمه أن لا يكون له خيار المجلس و لا خيار الغبن و لا غير ذلك. فالحقّ أنّ المراد من «ما كان للّه» ما يكون عينه للّه خارجا، و يكون الطرف في العقد في الواقع هو اللّه كالصدقة، كما أنّ الرواية أيضا واردة في ذلك المورد، فإنّه بحسب الآيات و الروايات كأنّه تعالى يأخذه حقيقة لقوله تعالى: وَ يَأْخُذُ اَلصَّدَقٰاتِ (1)و الروايات في ذلك الباب كثيرة، و كذلك الخمس لقوله تعالى: فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ (2)و كذلك الزكاة. و عليه فالرواية أجنبيّة عن المقام؛ فإنّ العين الموقوفة لا تكون له تعالى. نعم يحتمل ذلك في مثل وقف المساجد. و على كلّ، فلا تكون دليلا لعدم الخيار في الوقف مطلقا.
و استدلّ المحقّق النائيني قدّس سرّه(3)لعدم دخول الخيار في الوقف بدليل ثالث، و حاصله: أنّ جعل الخيار فيه مخالف للتأبيد، و لا بدّ أن يكون الوقف أبديّا.
و فيه: أنّه إن اريد من التأبيد الدوام، فإنّ الفسخ رفع لا دفع، فلا ينافي في دوامه كما في البيع. و إن اريد أنّ الوقف يكون بمعنى إيقاف العين و حبسه عن النقل و الانتقال، فحينئذ و إن كانت له صورة مليحة، و لكن يدفعه أنّ الوقف ليس إيقافا من كلّ جهة، فلا مانع من أن يكون العين موقوفا إلاّ من جهة واحدة، و هو رجوعه بالفسخ إلى البائع، كما تدلّ عليه صحّة اشتراط البيع فيه، و هو مورد النصّ بخصوصه.
و في المقام موثّقة استدلّ بها الشيخ قدّس سرّه للمنع عن دخول الخيار في الوقف، و استدلّ بها المحقّق النائيني(1)للجواز، و هي قوله عليه السّلام: «من أوقف أرضا ثمّ قال:
إن احتجت إليها فأنا أحقّ بها، ثمّ مات، فإنّها ترجع في الميراث»(2)و بمضمونها أخبار اخر(3).
أمّا تقريب المحقّق النائيني قدّس سرّه فحاصله: أنّ ظاهر الرواية هو أنّه اشترط الخيار لنفسه ثمّ فسخ و مات و لذا رجع إلى الميراث.
و فيه: أنّ هذا محتاج إلى تقدير سطر، و إلاّ فظاهرها آبية عن هذا المعنى.
و أمّا تقريب الشيخ قدّس سرّه فحاصله: أنّ معنى قوله عليه السّلام «يرجع في الميراث» هو بطلان الوقف، و ليس للبطلان جهة إلاّ اشتراط الخيار، فهو مضافا إلى أنّه فاسد بنفسه، يكون مفسدا أيضا.
و فيه: أنّه لا بدّ و أن يفهم المراد و الظاهر من قوله «أنا أحقّ بها» فإنّه لو كان ظاهرا في جعل الخيار لكان الاستدلال في غاية المتانة، و لكن يحتمل أن يكون المراد منه شرط النتيجة و رجوع المال إليه عند الحاجة، و لازم ذلك أن يكون الوقف محدودا بحدّ غير معلوم الحصول، و على فرض حصوله مجهول من حيث الزمان، و حينئذ يكون المانع من صحّة الوقف أحد هذه الامور لا شرط الفسخ، بل تكون أجنبيّة عن ذلك بالكلّية، فلا دلالة فيها إلاّ على فساد شرط الرجوع، إذ لا يبعد ظهورها في ذلك.
فالاولى التمسّك بما ذكرناه، من أن دليل «المسلمون عند شروطهم» ليس مشرّعا، و لا بدّ و أن يكون الشرط جائزا في حدّ نفسه حتّى يشمله، و لا دليل على جواز الخيار في الوقف.
و من جملة العقود المختلف فيها: الصدقة.
ففي التذكرة في باب خيار الشرط: أمّا الهبة المقبوضة، فإن كانت لأجنبيّ غير معوّض عنها و لا قصد بها القربة و لا تصرّف المتّهب، يجوز للواهب الرجوع فيها، و إن اختلّ أحد القيود لزمت. و هل يدخلها خيار الشرط؟ الأقرب ذلك، انتهى(1).
و ظاهره دخول الخيار في الصدقة، أعني الهبة بقصد القربة و لو إلى غير ذي رحم.
و أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّ الأقوى عدم دخوله فيها، لعموم ما دلّ على أنّه لا يرجع فيما كان للّه.
و فيه: أنّه أيّ مانع أن يكون الحكم بعدم الرجوع حكما طبيعيّا للصدقة، نظير ما ذكرناه في قوله عليه السّلام: «فإذا افترقا وجب البيع» حيث ذكرنا أنّ اللزوم بعد الافتراق لا ينافي ثبوت الخيار بالاشتراط أو بالعيب أو بغير ذلك، لأنّ الحكم بلزومه إنّما هو اللزوم الطبعي الذي قصده المتبايعان القابل للعدم بالاشتراط أو بغيره.
إلاّ أن يقال: حيث إنّ العين تكون له تعالى، فكأنّه تعالى طرف و أخذ و لذا لا يرجع فيه، و هذه الكبرى غير قابلة للتخصص، فإنّ قبح الاسترداد منه تعالى لا يختصّ بحال دون حال، فتأمّل. و بالجملة فالأولى التمسّك له أيضا بما تقدّم. هذا
1) التذكرة 522/1.
كلّه في الصدقة.
و أمّا الهبة بعد التصرّف، فربما يقال بأنّ لزومها حكميّ لا حقّيّ، فلا يدخل فيها الخيار. و لكن الظاهر ببناء العقلاء دخول الإقالة فيها إذا تراضيا بها و لم يرد ردع من الشارع عنها. و بهذا يظهر أنّ اللزوم فيها حقّي لا حكمي، فيدخل فيها شرط الخيار.
و أمّا الصلح، فقد تقدّم أنّه إن كان من قبيل المعاوضات يدخل فيه الخيار. و إن كان من قبيل الإبراء يكون ملحقا به.
نعم يبقى الكلام في أنّه لو صالح بمال بلا عوض مع ذي الرحم، فإن قلنا بأنّ الصلح ليس له عنوان خاص، يكون هذا الصلح ملحقا بالهبة إلى ذي الرحم.
و لا يبعد أن يقال إنّ اللزوم في الهبة إلى الرحم لزوم حكمي لا حقّي، فلا يدخل فيه الخيار حينئذ. و إن قلنا بأنّه عنوان مستقل فلا يبعد دخول الخيار فيه لأنّه ليس من قبيل الهبة. و ذلك واضح.
و أمّا الرهن، فعن غاية المرام أنّ ثبوت الخيار فيه مناف لمقتضاه، إذ الرهن يكون بمعنى الوثيقة(1).
و أورد عليه الشيخ بأنّ كون وضعه على اللزوم لا ينافي في جعل الخيار فيه بالتراضي.
و التحقيق: أنّ جعل الخيار فيه مطلقا غير مقيّد بزمان خاصّ لا يجوز قطعا، لكونه منافيا لاستيثاق الطرف و اطمينانه. و أمّا جعله في وقت خاصّ كرأس الشهر مثلا، فربما يقال إنّه يكون رفعا للوثيقة فيكون منافيا لإطلاق الرهن لا لأصله.
1) غاية المرام (مخطوط) 295/1.
و لكن الظاهر أنّ الرهن إنّما هو الوثيقة لزمان أداء الدين و أنّه إذا لم يؤدّه في رأس الأجل تكون العين المرهونة وثيقة عنده للوصول إلى حقّه و ماله، فجعل الخيار للراهن و لو في وقت خاص ينافي وثوقه في ذلك الحين و اطمينانه. و بالجملة الرهن وثيقة للدين حين الأجل، أي وقت أداء الدين، فلا فرق في جعل الخيار فيه مطلقا أو مقيّدا بوقت خاص. فالظاهر عدم دخوله فيه لكونه مخالفا لمقتضى العقد.
و أمّا بيع الصرف، فربما يقال - كما عن الشافعي - أنّ المقصود من اعتبار الشارع التقابض فيها أن لا تبقى بينهما علقة، و جعل الخيار مناف لذلك.
و فيه أوّلا: أنّه لم يعلم أنّ اعتبار التقابض شرّع لأجل نفي العلقة بينهما.
و ثانيا: أنّ الفسخ لا يوجب ثبوت العلقة بين المتبايعين، و إنّما هو حلّ العقد، فيتمكّن كلّ منهما أن يفسخ و يضع المبيع أو الثمن عند الحاكم ليوصله إلى صاحبه و يطلب من الحاكم أن يأخذ له ماله من طرفه.
و أمّا القسمة و المعاطاة، فربما يقال بعدم دخول الخيار فيهما؛ بدعوى أنّ الشرط لا بدّ و أن يكون باللفظ، و اللفظ لا يرتبط بالفعل.
و التحقيق أنّ القسمة إن كانت بالتراضي القولى، بأن يقولا: رضينا بهذه القسمة، أي بأن يكون الطرف الشرقي مثلا لزيد و الغربي لعمرو، فلا إشكال في ثبوت الخيار. و أمّا إن كانت بالفعل أي بالمعاطاة، و هذا هو مراد التذكرة من قوله «و إن لم يكن فيها ردّ» و بالجملة في هذا القسم ربما يأتي الإشكال المتقدّم، و هو أنّه لو كان الشرط باللفظ فلا يرتبط بالفعل و إذا لم يكن باللفظ لا يتحقّق الشرط، لأنّ الشرط لا يكون إلاّ باللفظ.
و فيه أوّلا: لما ذا لا يرتبط اللفظ بالفعل، فإنّ هذا ممنوع؛ و لذا كثيرا ما يطلب
قوله قدّس سرّه: خيار الغبن [1]
المجيء - مثلا - بالإشارة بالرأس و يبرز الشرط باللفظ و يقال «متعمّما» مثلا، أو يبرز التمليك بالفعل و يشترط في حين العمل باللفظ و يقول «بشرط أن يكون مختصّا لك» أو «تلبسه بنفسك» مثلا، فلا مانع من ربط الفعل بالقول.
و ثانيا: لو سلمنا أنّ الإنشاء القولي لا يرتبط بالإنشاء الفعلي، نقول: لا مانع من أن تنصب القرينة قبل الإنشاء الفعلي على الشرط، مثلا يقول: إني متى ما بعت هذا العين اشترط فيه الخيار، ثمّ ينشأ الشرط و البيع أو القسمة - مثلا - معا بفعل واحد، فيكون الفعل الواحد مبرزا لكلا الأمرين. و لا مانع من ذلك سوى ما تقدّم، من اعتبار ذكر الشرط في متن العقد. و قد عرفت ما فيه و أنّه لا دليل عليه. نعم لا بدّ من إبرازه بأيّ نحو كان.
فتلخّص ممّا ذكرناه أنّ المانع من جعل الخيار أحد امور ثلاثة: اللغوية و قد عرفت أنّه لا مورد لها، و المخالفة لمقتضى العقد و ينحصر محلّه بالرهن، و مخالفة الكتاب و السنّة و قد مرّ أنّ الميزان الكلّي الذي تستفاد منه موافقة الشرع هو ثبوت الإقالة و عدمه و لا عبرة بغيرها. هذا تمام الكلام في خيار الشرط.
الرابع: خيار الغبن[1]
الغبن بمعنى الخدعة، غبنه أي خدعه.
و في اصطلاح الفقهاء هو زيادة القيمة في البيع على القيمة الواقعيّة.
و الظاهر أنّه مبنيّ على التوسعة و المسامحة؛ فإنّ زيادة القيمة في البيع غالبا لا تكون بنحو الخدعة، كما لو فرضنا أنّ كلاّ من المتبايعين عالم بالزيادة و مع ذلك أقدما عليها، فإنّهم يطلقون الغبن على هذه المعاملة و لكن لا خيار فيها للمغبون، من جهة أنّ العلم بالغبن من أحد مسقطات الخيار. و هكذا لو كانا جاهلين بزيادة القيمة؛ فإنّ قوام الخدعة بعلم الغابن و جهل المغبون.
كما أنّه بناء على ما أفاده الشيخ قدّس سرّه من أنّ عدم كون الزيادة ممّا يتسامح فيه شرط في ثبوت خيار الغبن و ليس من مقوّمات الغبن بل هو خارج عن مفهومه بخلاف الجهل بالقيمة فإنّ به قوام الغبن و هو داخل في مفهومه، يكون في الاصطلاح مسامحة اخرى من هذه الجهة؛ و ذلك لأنّ الاختلافات اليسيرة في القيمة - كفلس في دينار - موجود في غالب الأجناس، و لا يكون ذلك زيادة في القيمة أصلا، فإطلاق الغبن في موردها و القول بأنّ عدم ثبوت الخيار من جهة الشرط الخارجي، مسامحة واضحة.
و لكن بما ذكرنا ظهر أنّ الأمر بعكس ما أفاده الشيخ قدّس سرّه؛ فإنّ الجهل لا يكون داخلا في مفهوم الغبن في الاصطلاح، بخلاف عدم كون الزيادة، ممّا يتسامح فيها، فإنّه شرط فيه كما عرفت.
و كيف كان، لا يهمّنا تطويل الكلام في بيان معنى الغبن و لا ثمرة فيه.
و إنّما المهمّ التعرّض لدليل ثبوت خيار الغبن و مقدار ثبوته.
أفاد الشيخ قدّس سرّه - بعد ما حكى الإجماع على ثبوت خيار الغبن عن الغنية و المختلف(1)- أنّ المحكيّ عن المحقّق في درسه(2)إنكار ذلك، و لا يعدّ ذلك خلافا في المسألة، كسكوت جماعة عن التعرّض له.
و لا يخفى ما فيه؛ فإنّ الإنكار في الدرس لو كان بنحو المناقشة فالأمر كما أفاده، و لكنّه خلاف ظاهر حكاية الإنكار. و لو كان إنكارا حقيقيّا لا يفرق بين أن
يكون في الدرس أو غيره.
و استدلّ لثبوت خيار الغبن في التذكرة(1)بقوله تعالى: إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (2)بدعوى أنّ المغبون لو عرف غبنه لا يكون راضيا بالمعاملة.
و وجّه الشيخ قدّس سرّه كلامه: بأنّ رضا المغبون بما يأخذه عوضا إنّما كان مبنيّا على أن يسوي بما يدفعه عوضا عنه، و هذا مفقود في المقام.
و فيه: أنّه لو كان المبيع أو الثمن مقيّدا بذلك، ففيه أوّلا: أنّ تخلّفه حينئذ يوجب بطلان البيع لاختلال أركانه، و لا يصحّحه الرضا بذلك بعد العلم بالغبن لفحوى ما دلّ على صحّة الفضولي و بيع المكره بعد لحوق الرضا به و نفوذه؛ و ذلك لأنّ أركان البيع في الفضولي و بيع المكره يكون تامّا سوى إجازة المالك و رضاه، فإذا أجاز يتمّ البيع، و هذا بخلاف المقام، فإنّ البيع فيه لا مبيع له. و ثانيا: لو سلّمنا صحّته، فثبوت الخيار فيه لا وجه له أصلا.
و إن لم يكن مقيّد بذلك - كما هو الحقّ، لما مرّ من أنّ الموجود الخارجي غير قابل للتقييد و لا معنى فيه لذلك - بل كان بنحو الداعي، فتخلّفه لا يوجب الخيار.
ثمّ أفاد الشيخ قدّس سرّه: أنّه لو أبدل قدّس سرّه هذه الآية بقوله تعالى: لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ (3)لكان أولى. ثمّ أفاد أنّه يقع التعارض حينئذ بينه و بين ذيله بناء على ما مرّ من عدم خروج المعاملة الغبنيّة عن التجارة عن تراض، فيتساقطان و يرجع إلى أصالة اللزوم.
و التحقيق أنّا ذكرنا غير مرّة أنّ «الباء» في الآية للسببيّة و المستثنى منه محذوف قد جعلت العلّة مقامه، و ذلك كثير في الاستعمالات العرفيّة، فتقديرها: لا تأكلوا أموالكم بسبب من الأسباب فإنّه باطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراض، فبين صدر الآية و ذيلها مقابلة لا يعقل وقوع التعارض و التنافي بينهما، فكلّ سبب إمّا أن يكون داخلا في المستثنى و إمّا في المستثنى منه، فإذا فرضنا دخول البيع الغبني في المستثنى فلا يعقل دخوله في المستثنى منه أيضا.
و بما ذكرنا ظهر أنّ كلمة «لا» غلط في النسخ في قوله قدّس سرّه: «إلا أن يقال أنّ التراضي مع الجهل بالحال لا يخرج عن كونه...» و الصحيح هو «يخرج» و إن ذكر السيّد في الحاشية(1)تأويلا لصحّته.
و ظهر أيضا فساد ما أفاد، من أنّ آية النهي يشمل صورة الخدعة و يثبت الخيار فيها و بعدم القول بالفصل نثبته في غير صورة الخدعة.
و الحاصل أنّ الآية بكلّها أجنبيّة عن المقام.
و حاصل الكلام في المقام: أنّ الشيخ قدّس سرّه بعد ما أورد على استدلال التذكرة بما حاصله أنّ التساوي ليس عنوانا للعوضين و قيدا لهما و إنّما هو من قبيل الداعي و على فرض كونه قيدا لازمه البطلان عند التخلّف لا الخيار، أفاد أنّه لو أبدل الآية بقوله تعالى: لاٰ تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ... كان أولى بدعوى أنّ تملّك ما يسوي درهما بعشرة و نفوذ ذلك يكون من أوضح أقسام أكل المال بالباطل و مقتضى ذلك هو حرمته حتّى قبل تبيّن الغبن لكنّه خرج عن عموم الآية بالإجماع، ثمّ جعل
1) حاشية المكاسب 35/2.
التعارض بينه و بين قوله تعالى: إِلاّٰ أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و مع التكافؤ يرجع إلى أصالة اللزوم، ثمّ قال: إلاّ أن يقال إنّ التراضي مع الجهل يخرج عن كونه أكلا بالباطل، ثمّ قال أيضا: و يمكن أن يقال إنّ آية التراضي تشمل صورة عدم الخدعة و بعدم القول بالفصل يثبت عدم الخيار في الباقي و هكذا لا تأكلوا أموالكم يشمل صورة الخدعة من غير معارض و يثبت الخيار في غير صورة الخدعة أيضا بعدم القول بالفصل فتتعارضان لا محالة. و قد عرفت الجواب عنه و أنّ المستثنى منه في الآية محذوف و المستثنى مع المستثنى منه متقابلان فإمّا أن تكون المعاملة ناشئة عن سبب باطل أو تكون بسبب التجارة عن تراض.
ثمّ إنّ لشيخنا المحقّق النائيني(1)تقريب آخر لكلام العلاّمة في التذكرة، حاصله: أنّ المراد من التجارة هي معناها الاسم المصدري الذي له بقاء في اعتبار العقلاء، و ظاهر الآية هو اعتبار الرضا في التجارة بالمعنى الاسم المصدري أيضا، و البيع الغبني ما لم يتبيّن الغبن يكون مقرونا بالرضا، و أمّا بعده لو رضي به يكون الشرط محقّقا، و لو لم يرض به يكون خارجا عن الآية.
و فيه أوّلا: ما أفاده هو قدّس سرّه من أنّ اعتبار الرضا بالبيع بعد انكشاف الغبن غير ثبوت الخيار، فإنّ الخيار هو ملك فسخ العقد و لا بدّ في إعماله من الإنشاء و لا يسقط ذلك فيما ثبت بالرضا بأصل البيع كما هو واضح.
و ثانيا: أنّ الآية بالفهم العرفي ظاهرة في اعتبار استناد التجارة - و لو بمعناها الاسم المصدري - بالرضا، بأن يكون حدوثه مقارنا معه، و أمّا اقترانها معه بقاء
1) منية الطالب 109/3.
أيضا فلا دليل عليه، و إلاّ لكان مفاد الآية إثبات خيار دائميّ في جميع المعاملات، و لا ظهور لها فيه أصلا.
و التحقيق أن يقال: إنّ مدرك ثبوت خيار الغبن هو كون المساوات شرطا في المعاملة شرطا ضمنيّا عقلائيّا، و يمكن حمل ذيل كلام التذكرة أيضا على ذلك.
و تقريبه: أنّ نظام العالم إنّما هو بالمبادلة بين الأموال، فإنّه ربما يكون عند أحد حنطة زائدا على مقدار حاجته و ليس له لحم مثلا و الآخر بالعكس، فلا يستقيم النظام إلاّ بالمبادلة، و لكن العقلاء يلحظون مقدار الماليّة بين العوضين، و لذا لا يقدم أحد منهم على أن يشتري كاغذا بعباء يسوى بعشرة دنانير مثلا، فتساوي المالين معتبر عندهم، ففي مقام المبادلة يجعلون التزامهم بها و عدم رفع اليد عنها معلّقا و منوطا بالتساوي؛ و لذا نرى عند فقدان التساوي يرجع المغبون إلى الغابن و لا يرى العقلاء به رأسا، و إذا كان شرطا فعند التخلّف يكون له الخيار، ففي الحقيقة يرجع خيار الغبن إلى تخلّف الشرط.
و لا يرد على هذا التقريب سوى الوجهين اللذين أوردهما الشيخ قدّس سرّه على كلام التذكرة:
أحدهما: أنّ التساوي إنّما هو من قبيل الدواعي.
و ثانيهما: أنّ تخلّف الشرط إنّما يوجب الخيار إذا كان مذكورا في متن العقد.
و يرد على الأوّل أوّلا: أنّ الداعي هو الذي يكون علّة غائيّة للفعل، كالنوم على السرير مثلا في شرائه، و من الواضح أنّ التساوي ليس علّة غائيّة.
و ثانيا: لو سلّمنا ذلك، لا تنافي بين أن يكون الشيء داعيا و مع ذلك يؤخذ شرطا في المعاملة، فإثبات أنّ التساوي داع لا ينفي شرطيّته، فكان على الشيخ قدّس سرّه
أن يثبت عدم شرطيّته، و إلاّ فإثبات كونه داعيا لا يغني عن شيء.
و على الثاني أوّلا: ما مرّ من أنّه لا دليل على لزوم ذكر الشرط في متن العقد، و قد تعرّضنا في باب النكاح لبعض الروايات التي توهم دلالتها على ذلك، و أجبنا عنها.
و ثانيا: لو سلّمنا ذلك، فهو إنّما يكون فيما إذا كان الشرط ابتدائيّا من خصوص المتعاملين، و أمّا في الشروط العقلائيّة فلا وجه لذلك أصلا. و بعبارة اخرى:
الشروط العقلائيّة مذكورة في متن العقد على أيّ حال، و الدالّ عليها بناء العقلاء، و هو قرينة عامّة، فهي من المداليل الالتزاميّة كما هو واضح.
فالإنصاف عدم ورود شيء من الأمرين و أنّ خيار الغبن ثابت و يرجع إلى خيار تخلّف الشرط كما عرفت.
و استدلّ للمقام أيضا بالنبويّ الوارد في ثبوت الخيار في تلقّي الركبان(1)بدعوى أنّه اثبت لغبنهم نوعا.
و الكلام فيه تارة يقع من حيث السند و اخرى من حيث الدلالة.
أمّا من حيث السند، فربما يقال بانجباره بعمل الأصحاب. و لكن التحقيق أنّ الانجبار بعمل المشهور إنّما يكون فيما إذا احرز استناد العمل إليه، و أمّا مع العلم بعدمه أو الظنّ بذلك أو الشكّ فيه كما في المقام - حيث ذكروا وجوها في ثبوت خيار الغبن كما هو واضح - فلا، بل يكون حينئذ داخلا في عموم قوله تعالى: إِنْ
1) السنن الكبرى 348/5.
جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (1)نعم لو قلنا بحجّية الشهرة الفتوائيّة و الظنّ الحاصل منها، لا محالة يكون الحكم ثابتا، و حيث إنّ النبوي موافق له من ذلك الجهة يخرج عن مورد الآية و يكون مفاده مبيّنا، و لكنّه بمراحل من الواقع، فلا يمكن الاستدلال به.
و مع التنزّل عن ذلك و فرض صحّة سنده، لا يدلّ على خيار الغبن، بل مدلوله ثبوت خيار تلقّي الركبان، و بين الأمرين عموم من وجه كما هو واضح؛ لأنّه كثيرا ما ليس غرض المتلقّي غبن البائع، بل ربما تكون له أغراض اخر و يشتري منهم بالقيمة الواقعيّة، فليس ثبوت الخيار من جهة الغبن، بل هو خيار مستقل، و لكن قد عرفت ضعف سنده.
و استدلّ أيضا ب «لا ضرر».
و هذه القاعدة لا يمكن الخدشة في سندها، فإنّ فيها روايات تقرب من التواتر، و ربما تصل إلى ثلاث مئة أو أكثر.
و لكن يقع البحث فيه في مقامين:
الأوّل: في أنّ المقام هل يكون من موارد هذه القاعدة أم لا؟ و بعبارة اخرى:
يشمل لا ضرر للبيع الغبني أو لا يكون شاملا له؟
الثاني: في أنّه بعد فرض الشمول، هل تكون النتيجة ثبوت الخيار للمغبون كما هو المشهور أو أنّ النتيجة ردّ الغابن المقدار الزائد إلى المغبون أو النتيجة هو تخيير المشتري بين الأمرين؟
1) سورة الحجرات/ 6.
أمّا المقام الأوّل، فالضرر ليس بمعنى عدم النفع كما أفاده المحقّق الخراساني(1)، و إنّما هو بمعنى النقص، سواء كان في الأموال أو في الأبدان أو في الامور الاعتباريّة، و استعماله في عدم النفع لا يخلو عن مسامحة واضحة.
فمدلول الروايات هو أنّ الضرر لا يكون مستندا إلى الشرع، يعني لم يجعل في الإسلام حكم يوجب الضرر و النقص. و على هذا فموردها إنّما هو الأحكام التي يكون الضرر مستندا إليها، كالوضوء الضرري مثلا، فهي تكون مرفوعة. نعم في خصوص شراء الماء بأغلى من قيمته ورد دليل خاصّ بلزوم الشراء معلّلا ذلك بأنّ ما يؤتى من الثواب عليه أكثر. و أمّا ما لا يكون الضرر مستندا إليه، فالروايات أجنبيّة عنه، كما في مورد الهبة، فإنّ الهبة توجب النقص في المال، و لكنّه ليس مستندا إلى نفوذها و إلى الإمضاء الشرعي، و إنّما هو مستند إلى إقدام الواهب، و إلاّ لكان اللازم إمّا بطلان الهبة أو ثبوت الخيار فيها، و لم يلتزم بهما أحد.
و في المقام لو قلنا بأنّ تساوي المالين بحسب القيمة من الشروط الضمنيّة العقلائيّة و أنّ التزام كلّ منهما باستمرار البيع و بقائه يكون مقيّدا بذلك و مع ذلك أمضى الشارع البيع مع عدم التساوي، فضرر المغبون يكون مستندا إلى الحكم الشرعي. و أمّا لو لم نقل بذلك و قلنا بأنّ التساوي يكون من قبيل الدواعي و أنّ الالتزام الثاني أيضا مطلق، فالضرر حينئذ لا يكون مستندا إلى الحكم الشرعي، و إنّما يكون مستندا إلى إقدام المغبون على الغبن، و لذا يكون أجنبيّا عن مورد الروايات كالهبة و نظائرها، و على هذا فلا يبقى مجال للتكلّم في المقام الثاني و بيان
1) كفاية الاصول/ 432.
النتيجة أصلا.
و الحاصل: أنّه بعد ما عرفت من أنّ الضرر هو بمعنى النقص، فمعنى «لا ضرر في الإسلام» أنّه لم يجعل حكم ينشأ منه الضرر، كوجوب الوضوء الضرري مثلا. و أمّا لو كان الضرر و النقص متحقّقا في الخارج، غاية الأمر تعلّق الإمضاء الشرعي بذاك الموضوع الضرري المتحقّق كما في المقام، فلا يكون مشمولا له أصلا، و إلاّ فلو فرضنا شموله، فلا دليل يخرج صورة علم المغبون و إقدامه على الضرر أصلا، إلاّ أن يتمسّك لذلك بالإجماع.
و لو تنزّلنا عن ذلك و قلنا بشموله للمقام فلازمه فساد المعاملة لا الخيار، و ذلك لأنّ مفاده رفع الحكم الضرري أعني الإمضاء و النفوذ، لا ثبوت الخيار.
اللهمّ إلاّ أن يقال - كما قيل - إنّ المراد لا ضرر غير متدارك.
و فيه أوّلا: هذا التقييد خلاف الظاهر و ممّا لا وجه له.
و ثانيا: لازمه ثبوت الخيار حتّى مع علم المغبون و إقدامه عن علم لأنّ الضرر و النقص متحقّق فيه أيضا، فلا بدّ و أن يتدارك.
و ثالثا: يلزم من هذا تأسيس فقه جديد، إذ المعنى حينئذ أنّ كل ضرر يقع يكون قد تداركه الشارع، فلو احترق دار زيد مثلا، فلا بدّ أن يتدارك من بيت المال، و لا يمكن الالتزام به.
و بهذا ظهر ما في كلام كلّ من المثبتين للخيار و النافين له، أي المثبتين للغرامة و نحوها بقاعدة لا ضرر.
و قد عرفت أنّ الحقّ عدم الشمول، و على تقدير الشمول فالحقّ هو فساد المعاملة لا شيء آخر.
و مع التنزّل عن جميع ما ذكر، أي لو فرضنا الشمول و أنّ المرفوع ليس هو الحكم أعني النفوذ بل قلنا إنّ المراد لا ضرر غير متدارك و لا يرد عليه شيء، فهل النتيجة هو الخيار كما هو المشهور، أو الغرامة، أو التخيير بينهما طوليّا؟
و بعبارة اخرى: مفاد العقد السلبي أعني عدم ثبوت الضرر في الإسلام معلوم من الروايات، و أمّا العقد الإيجابي أعني كيفيّة تدارك الضرر فليس بمعلوم، و كما يمكن أن يكون بثبوت الخيار، يمكن أن يكون بردّ المقدار الزائد من القيمة، و يمكن أن يكون بثبوت الخيار له طولا بأن يرجع أوّلا إلى الغابن في المقدار الزائد، فإن دفعه إليه و إلاّ فيثبت له الخيار.
و الفرق بين القسمين الأخيرين واضح؛ فإنّه في الصورة الاولى له أن يلزم الغابن بردّ المقدار الزائد على القيمة و لو بواسطة الحاكم، بخلاف الصورة الثانية فإنّه عند امتناعه يثبت له الخيار و له أن يفسخ المعاملة. و هذا الفرض ليس موردا لثبوت خيار التبعّض للغابن كما هو واضح.
و بالجملة، رجّح الشيخ قدّس سرّه الاحتمال الثاني؛ بدعوى أنّ سلطنة المغبون على أخذ ملك الغابن و إخراجه عن ملكه يكون ضررا عليه لتعلّق غرض الناس بما ينتقل إليهم من أعواض أموالهم، و يندفع ذلك باسترداد المقدار الزائد.
هذا، و لا يخفى أنّ الضرر بالقياس إليه ليس في عرض ضرر المغبون لأنّه لا ينقص من أصل ماله شيء، فإطلاق الضرر عليه بمعنى عدم النفع بضرب من المسامحة.
و بالجملة، فيه أوّلا: أنّ هذا المحذور بعينه موجود في استرداد المقدار الزائد، و هكذا في كون المغبون مسلّطا على أحد الأمرين من الخيار و استرداد الزائد.
و ثانيا: لو كان المراد من ردّ الزائد هو الردّ بعنوان الغرامة لما أتلفه على المغبون - كما هو صريح كلام الشيخ - فمن الواضح أنّه حينئذ يكون أجنبيّا عن قاعدة «لا ضرر» بالكلّية، بل لا بدّ من التماس دليل آخر لذلك. و إن كان بنحو المجّانية فيرد عليه كلام الإيضاح و جامع المقاصد، فإنّ الهبة لا تخرج المعاملة عمّا وقع عليه كما هو واضح.
مضافا إلى الكلّ: أنّ دفع الزيادة لا يثبت بلا ضرر إلاّ بناء على أن يكون المراد منه الضرر غير المتدارك كما لا يخفى.
فتحصّل ممّا ذكرنا أنّه في فرض التنزّل تكون النتيجة هو ثبوت الخيار ليس إلاّ، و الاحتمالان اللذان ذكرهما الشيخ قدّس سرّه لا يمكن الالتزام بهما، لأنّه أوّلا: إلزام الغابن بردّ المقدار الزائد يكون ضررا عليه، إذ كثيرا ما يكون إقدامه على المعاملة من جهة أن يأخذه بأرخص من قيمته الواقعيّة، و لو لا ذلك لم يكن يقدم عليها، فإلزامه بإعطاء القيمة الواقعيّة و قبول المعاملة كذلك يكون ضررا عليه. و ثانيا: قد عرفت أنّه لا بدّ و أن يكون ما يدفعه بعنوان الهبة و المجّانية و لا يخرجها عن الغبنيّة أصلا.
و ثالثا: قد ذكرنا في بحث الاصول أنّ في مورد التعارض - حتّى إذا كان بنحو الحكومة أو الورود - لا يرفع اليد عن الدليل إلاّ في المقدار الذي نشأ منه التنافي بينهما و إن كان يرتفع بارتكاب أزيد من ذلك أيضا، و مثّلنا هناك بأنّه لو ورد دليل بوجوب إكرام العلماء ثمّ ورد دليل آخر بأنّه لا بأس بترك إكرام زيد الذي هو منهم، فيمكن رفع التنافي برفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب بالكلّية و حمله على الاستحباب، و يمكن أيضا رفعه برفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب في خصوص هذا الفرد الذي هو زيد، و لكن لا تصل النوبة إلى الأوّل أصلا؛ فإنّ ما نشأ منه
التنافي إنّما هو ظهور الأمر في الوجوب بالنسبة إلى خصوص هذا الفرد، فارتكاب خلاف الظاهر أزيد من ذلك المقدار لا وجه له. و هكذا في المقام فإنّ منشأ التنافي مع «لا ضرر» إنّما هو لزوم المعاملة، فلا بدّ من رفع اليد عن ذلك أي عن اللزوم، لا إثبات حكم آخر أعني لزوم ردّ المقدار الزائد و إن كان يرتفع به الضرر أيضا.
و بعبارة اخرى: قاعدة «لا ضرر» ظاهره نفي الحكم الذي ينشأ منه الضرر لا إثبات الحكم فيما يلزم من عدم جعله الضرر. و لا يصغى الى ما قيل من أنّ عدم الحكم أيضا يكون مرتفعا إذا أتى منه الضرر فإنّه أيضا تحت اختيار الشارع؛ فإنّ ظاهر قوله عليه السّلام «في الإسلام» ينفي ذلك.
و استدلّ للمقام بروايات ثلاث أو أربع ذكرها الشيخ، و العمدة منها هي الرواية الاولى، و هو قوله عليه السّلام: «غبن المسترسل - أي من وثق به و أوكل أمره إليه - سحت»(1).
و تقريب الاستدلال بها هو: أنّ السحت بمعنى الخبيث يطلق على الأعيان و يحمل عليها، كما في قوله عليه السّلام: «ثمن الكلب سحت»(2)أو «ثمن العذرة سحت»(3). و حيث حمل في الرواية في المقام على الحدث و هو الغبن، فلا بدّ و أن يكون الغبن كناية عمّا يأخذه الغابن من الثمن أو المثمن في البيع، فهو سحت أي خبيث، و حيث قام الإجماع على صحّة البيع الغبني مع رضا المغبون بذلك، فلا محالة يقيّد بخصوص ما إذا فسخ المغبون، و بهذا يتمّ المطلوب و المدّعى. و هذا
هو أحد الاحتمالات الثلاث التي أفادها الشيخ.
و فيه أوّلا: أنّه من مخالفة الظهور بمكان.
و ثانيا: التقييد حينئذ لا وجه له، فمدلولها حينئذ مخالف للإجماع، فإنّ تصرّف الغابن فيما انتقل إليه قبل الفسخ جائز إجماعا بلا شبهة.
و الاحتمال الثاني الذي أفاده: هو أن يكون المراد خصوص المقدار الزائد عن القيمة الذي يأخذه الغابن من المغبون، نظير المقدار الزائد الذي يدفع بعنوان الربا، فهو سحت لا مجموع المال، و إذا كان سحتا و حراما يكون موجبا للضمان.
و فيه أوّلا: أن مجرّد كونه حراما لا يوجب الضمان، و لا يقاس بمسألة الربا، فإنّ قياسه بها مع الفارق، إذ في المقام يكون الزائد داخلا في ملك الغابن قطعا، بخلاف الربا، فلا معنى للضمان، و ذلك واضح.
و ثانيا: هذا المعنى لا ربط له بالخيار، بل عليه يجب ردّه حتّى مع الإمضاء.
الاحتمال الثالث: أن يكون المراد أنّ الغابن مطلقا - لا في خصوص البيع - بمنزلة آكل السحت، بأن يكون استعارة في التشبيه، نظير زيد أسد.
و لا يخفى ما فيه، أمّا أوّلا: فلأنّ تشبيه الغابن بآكل السحت تشبيه بارد.
و ثانيا: هذا الاحتمال أجنبيّ عن البيع الغبني، خصوصا إذا لم يكن الغابن عالما أو كان عالما و لكن لم يخدع المغبون، فإنّه لا حرمة حينئذ أصلا.
و التحقيق أن يقال: إنّ السّحت مصدر من سحت يسحت، و السّحت في اللغة بمعنى الإهلاك و الإيصال إلى العقاب، و منه قوله تعالى: فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذٰابٍ (1)
1) سورة طه/ 61.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» يشترط في هذا الخيار أمران [1]
أي يوصلكم، فمعنى قوله عليه السّلام: «ثمن الكلب سحت» أي موصل إلى العذاب و العقاب، فكما يطلق على الأعيان يطلق على الأفعال أيضا من غير مسامحة، كما أنّ الحرمة أيضا كذلك، غايته حمل الحرمة على الأعيان يكون بنحو من العناية، كما نقول: الخمر حرام، أو قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ (1)و على هذا فمعنى قوله عليه السّلام: «غبن المسترسل سحت» أي حرام، فهذه الرواية ملحق بالروايات الاخر، و لا يمكن الاستدلال بشيء منها في المقام.
فتحصّل من جميع البحث أنّ عمدة الدليل لخيار الغبن هو الشرط الضمني.
و أمّا الإجماعات المنقولة فلا اعتبار بها لكونها معلوم المدرك.
يشترط في هذا الخيار أمران[1]
إن كان المغبون جاهلا لا إشكال في ثبوت الخيار.
و هكذا لو كان قاطعا بتساوي القيمة ثمّ انكشف الخلاف. و هكذا لا إشكال في عدم ثبوت الخيار لو كان عالما بزيادة القيمة.
إنّما الإشكال فيما إذا كان شاكّا في ذلك أو كان ظانّا بالزيادة و أقدم ثمّ انكشف ذلك بعد المعاملة، فهل يثبت له الخيار في هذا الفرض أم لا؟
أمّا لو كان المدرك لخيار الغبن هو الإجماع، فمن الواضح أنّه لا بدّ من الاقتصار فيه على القدر المتيقّن، و هو صورة الجهل أو القطع بتساوي القيمة، فلا وجه لثبوته مع الشكّ و الظنّ.
و أمّا لو كان المدرك قاعدة «لا ضرر» فحيث إنّ الضرر في حدّ نفسه يصدق على النقص حتّى في فرض الإقدام عليه بناء على مسلكهم، و لذا يرون خروج
1) سورة النساء/ 23.
صورة الإقدام عن مورد القاعدة بالمخصّص و هو الإجماع على عدم الخيار فيها، فإذا فرضنا أنّ «لا ضرر» يشمل صورة الإقدام و الإجماع خصّصه بغيرها، فحيث إنّ الإجماع بمنزلة المخصّص المنفصل، ففي الموارد المشكوكة في صدق الإقدام عليها - كالمقام - يتمسّك بعموم العام و نقول بثبوت الخيار فيها.
و أمّا لو كان المدرك هو الشرط الضمني كما هو الحقّ، فإمكان اشتراط التساوي مع الشكّ في ذلك و مع الظنّ بالعدم بمكان من الإمكان، بل لو قامت الأمارة الشرعيّة أيضا على عدم التساوي - كالبيّنة مثلا - مع ذلك لا مانع من اشتراط التساوي، لأنّ البيّنة و إن كان مفادها ترتيب آثار الواقع، لكنّها لا تزيل الصفة النفسانيّة أعني الشكّ وجدانا، و يدلّ على ذلك صحّة التصريح بالاشتراط في هذه الموارد، و إذا كان الاشتراط ممكنا، فبناء العقلاء عليه يكون كالتصريح بالاشتراط، فتخلّفه يوجب الخيار، نعم مع العلم بعدم التساوي لا يمكن الاشتراط كما هو واضح.
و بالجملة، فعدم الخيار يكون في صورتين: أن يكون المغبون عالما و أقدم، أو لم يكن عالما و لكنّه أقدم على البيع على جميع التقادير فإنّه يكون إسقاطا للشرط كما هو واضح. ثمّ لو أقدم المغبون على الزيادة بمقدار يتسامح فيه فظهر أنّها أزيد منه بمقدار يتسامح فيه منفردا لا منضمّا بما أقدم عليه، فهل يوجب الخيار أم لا؟
الظاهر هو الأوّل؛ و ذلك لأنّه لم يقدم على الغبن و إنّما أقدم على ما لا يكون غبنا فلا أثر له أصلا، و المفروض أنّه مغبون لزيادة مجموع الزائد على ما يتسامح فيه.
و لا يخرجه عن الغبن كون زيادة خصوص ذاك المقدار ممّا يتسامح بها عرفا، فإنّ هذا المعنى موجود في جميع موارد الغبن، إذ لا يصدق الغبن على كلّ جزء جزء من الزيادة.
قوله قدّس سرّه: ثمّ إن المعتبر القيمة حال العقد [1]
و أمّا إن كان الزائد على ما أقدم عليه ممّا لا يتسامح فيه حتّى منفردا، فثبوت الخيار بطريق أولى.
و لو أقدم على ما لا يتسامح فيه عرفا فبانت زيادته بما يتسامح فيها فالظاهر عدم الخيار؛ و ذلك لأنّه أقدم على الضرر و الغبن، و المقدار الزائد على ما أقدم عليه ليس ضررا عرفا فهو كالعدم، لأنّ غالب الأجناس تتفاوت قيمتها السوقيّة بمقدار يسير، فلا يكون التفاوت بذلك زيادة على القيمة الواقعيّة أصلا. و ذلك واضح.
و أمّا لو أقدم على ما لا يتسامح فيه فبانت زيادته بما لا يتسامح به أيضا فالظاهر ثبوت الخيار؛ و ذلك لأنّه أقدم على تلك الزيادة بشرط لا. و بعبارة اخرى: يصدق على الزائد على ما أقدم عليه أنّه ضرر و لم يقدم هو على ذلك كما هو واضح.
و لا يقاس هذا بالفرض السابق.
[1] صور المسألة أربعة؛ لأنّه تارة يكون أحد المتبايعين مغبونا من أوّل العقد إلى الأبد، و لا إشكال في ثبوت الخيار فيها. و اخرى لا غبن في البين لا حال العقد و لا بعده، و هذه أيضا لا إشكال في عدم الخيار فيها. و إنما الكلام في القسمين الوسط بينهما:
أحدهما: أن يكون التساوي بين العوضين موجودا حين العقد و لم يكن أحدهما مغبونا و لكن بعد ذلك زيدت قيمة سوقيّة أحد العوضين.
و ثانيهما: بعكس هذه، و هو أن يكون قيمة أحدهما أكثر من الآخر حين العقد و كان أحد المتعاملين مغبونا و لكن بعد العقد ارتفعت قيمة العين المغبون فيها بحيث حصل التساوي بين العينين و ارتفع الغبن من البين.
أمّا في الصورة الاولى، فالتحقيق عدم الخيار فيها؛ لأنّ الزيادة قد حصلت
في ملك من انتقلت إليه العين، و لا وجه للخيار بحصولها أصلا، و إلاّ لانسدّ باب التجارة، فإنّ الاسترباح كثيرا ما يكون بترقّي قيمة الأجناس. و بالجملة لا يصدق الغبن على هذه الزيادة أصلا، و لا يكون ضررا على من انتقلت العين منه.
و من الغريب ما افيد في المقام، من أنّ وجوب دفع العين التي ترقى قيمتها إلى من انتقل إليه يكون ضررا على من انتقلت عنه؛ إذ لا نفهم وجها لكون دفع مال الغير إلى مالكه ضررا بواسطة زيادة قيمته السوقيّة.
و أغرب من ذلك ما قيل: من أنّ الزيادة لو كانت عينيّة - كسمن الدابّة مثلا - يكون وجوب دفع مقدار الزائد ضررا؛ إذ قد عرفت أنّ الزيادة حصلت في ملكه، و لا فرق بين أن تكون قيميّة أو عينيّة.
و أمّا الصورة الثانية، فإن كان المدرك للخيار قاعدة «لا ضرر» فمن الواضح أنّها لا تشمل المقام؛ إذ بعد تحقّق الزيادة يرتفع ضرر المشتري أو البائع، و لا يكون للفسخ حينئذ أثر من حيث تدارك نقصان الماليّة أصلا، لارتفاع الضرر و النقصان بنفس الزيادة. و بالجملة الموضوع في القاعدة هو الضرر، فيدور الحكم مداره، ما دام يكون الضرر موجودا يكون الخيار ثابتا، و إذا ارتفع الضرر يرتفع الخيار أيضا.
و في المقام قبل حصول الزيادة كان الخيار ثابتا و زال بحصولها، و لا دليل على كفاية حدوث الضرر في تحقّق الخيار بقاء أيضا.
و أمّا إن كان مدركه هو الشرط الضمني، فالظاهر ثبوت الخيار؛ و ذلك لأنّ الشرط ببناء العقلاء إنّما هو تساوي القيمة حين العقد لا بعد الدخول في ملكه و تماميّة البيع، فإذا تخلّف الشرط يتحقّق الخيار.
و للاستاذ النائيني قدّس سرّه(1)في المقام كلام، حاصله: أنّ الشرط الضمني إنّما هو تسليم كلّ منهما ما ينتقل عنه إلى الآخر في حال تساوي القيمة، لا نفس تساوي القميتين، فإنّ ذلك غير قابل للاشتراط؛ لما ذكرنا في محلّه أنّ متعلّق الشرط لا بدّ و أن يكون مقدورا للشارط و فعلا اختياريّا له، إذ لا يتعلّق الالتزام بما يكون خارجا عن القدرة.
و بما ذكرناه غير مرّة في معنى الشرط و حقيقته، يظهر ما في كلامه قدّس سرّه؛ فإنّه لا مانع من أن يتعلّق الشرط بغير المقدور، فإنّ مرجعه إلى تعليق الالتزام باستمرار المعاملة على شيء، من غير فرق بين أن يكون ذلك الشيء مقدورا أو غير مقدور.
و هذا كلّه واضح لا كلام فيه، و إنّما الكلام فيما إذا كان لتماميّة البيع و حصول الملكيّة شرط شرعي و حصلت الزيادة قبل حصوله كما في بيع الصرف مثلا، فيما إذا كان المشتري - مثلا - مغبونا حين تحقّق العقد و زيدت قيمة المبيع قبل الإقباض، فإنّه ربما يتوهّم فيه أنّ الشرط هو تساوي القيمتين حين تحقّق الملكيّة شرعا، و هو حاصل في هذا الفرض، فلا وجه للخيار.
و يندفع: بأنّ هذا الشرط الضمني غير مختصّ بالمسلمين، بل يكون في معاملات الكفّار أيضا، فالظاهر أنّ ما عليه بناء العرف و العقلاء هو الملكيّة العقلائيّة الحاصلة بالعقد، لا الشرعيّة المتوقّفة على الإقباض.
ثمّ ربما يقال: إنّ في هذا الفرض يكون وجوب إقباض المبيع على البائع ضررا عليه إذا كانت الزيادة في المبيع، و وجوب إقباض الثمن على المشتري ضرر عليه
1) منية الطالب 119/3.
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّه لا عبرة بعلم الوكيل [1]
إذا كانت الزيادة في الثمن، فيثبت الخيار لذلك.
و فيه ما لا يخفى؛ فإنّه على تقدير تسليمه، يوجب رفع الحكم بوجوب الإقباض؛ لأنّه هو المنشأ للضرر، لا ثبوت الخيار كما هو واضح.
[1] أمّا الوكيل في مجرّد إنشاء العقد فلا عبرة بعلمه و جهله، و ذلك واضح.
و أمّا الوكيل في المعاملة، فإن كان عالما بأنّ المعاملة غبنيّة و مع ذلك أقدم عليه، فإن قلنا بأنّ الوكالة منصرفة عن هذه الصورة - كما لا يبعد ذلك - فلا محالة تكون تلك المعاملة فضوليّة؛ لأنّ الوكيل لم يكن وكيلا في إيجادها. و إن لم نقل بذلك أو كان الوكيل مفوّضا حتّى في مثلها فلا يثبت الخيار حينئذ؛ و ذلك لأنّ علم الوكيل يكون بمنزلة علم الموكّل، فلا خيار، و ذلك واضح.
و أمّا إن كان جاهلا بالحال، فإن كان الموكّل أيضا جاهلا فلا ريب في ثبوت الخيار له. و أمّا إن كان الموكّل عالما بذلك و لم يردعه فظاهر كلام الشيخ عدم ثبوت الخيار له؛ من جهة أنّه أقدم على ذلك.
و لكن التحقيق أنّه يختلف بحسب اختلاف مدرك خيار الغبن، فإن كان مدركه قاعدة «لا ضرر» يكون لعدم الخيار وجه، بأن يقال إنّ الموكّل مع علمه بالحال و عدم الردع كأنّه يقدم على الضرر. و إن كانت الخدشة في ذلك ممكنا أيضا، بأن يقال إنّ مجرّد هذا لا يكون إقداما على الضرر، خصوصا إذا كان معتقدا بثبوت خيار الغبن له بعد ذلك و كان هناك مانع عن ردعه و لو مانعا طفيفا. و أما إن كان مدرك الخيار هو الشرط الضمني فالظاهر ثبوت الخيار في هذا الفرض، و ذلك لأنّ الشرط الضمني بحسب الارتكاز العقلائي متحقّق من الوكيل لفرض جهله بالحال، و علم الموكّل بذلك ليس من المسقطات و لا يكون مضرّا بالاشتراط كما هو واضح.
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ الجهل إنّما يثبت باعتراف الغابن و بالبيّنة [1]
و كم فرق بين هذه الصورة و بين الفرض الأوّل أي عكسها، فإنّه مع علم الوكيل بالحال لا يتحقّق الاشتراط، سواء كان الموكّل عالما أو جاهلا، بخلاف جهله.
فالحق ثبوت الخيار في جميع الأقسام الستّة.
هذا كلّه في ثبوت الخيار للموكّل.
و أمّا ثبوته للوكيل، فظاهر كلام الشيخ هو التفصيل بين ما إذا كان الوكيل مفوّضا مطلقا بحيث يشمل مثل الفسخ فإنّه حينئذ يكون كالولي، و بين غيره.
و لا يخفى ما في كلامه قدّس سرّه؛ فإنّ مورد الكلام في المقام ليس إعمال الوكيل خيار موكّله، فإنّ هذا يكون لكلّ من وكّله في ذلك و لكلّ وكيل مطلقا و لو كان أجنبيّا عن هذه المعاملة بخصوصها. و إنّما الكلام في ثبوت الخيار للوكيل بعنوانه، و من الواضح أنّ هذا المعنى لا ربط له بكون الوكيل وكيلا مطلقا. و لا يقاس المقام بخيار المجلس الذي ذكرنا أنّه يثبت للوكيل إذا كان وكيلا مطلقا؛ و ذلك لأنّ ذلك الخيار خيار تعبّدي كان موضوعه عنوان البيع، و ذكرنا هناك أنّ «البيّع» يصدق على الوكيل المطلق، بخلاف خيار الغبن فإنّه خيار جعليّ - على ما هو الصحيح - و الخيار الجعلي يكون تابعا لجعل المتبايعين، فيثبت لكلّ من جعل له. و على هذا ففي المقام لا يبعد أن يقال إنّ بناء العقلاء على اشتراط الخيار لنفس الوكيل أيضا في صورة الغبن، فيثبت له الخيار أيضا. هذا كلّه في ثبوت الخيار و عدمه.
طرق اثبات الجهالة[1]
أمّا صورة الاعتراف و قيام البيّنة فواضح.
و أمّا لو اختلفا أي الغابن و المغبون و لم تكن بيّنة، بأن ادّعى الغابن علم المغبون و ادّعى المغبون جهله و ثبوت الخيار، فأيّ منهما يكون مدّعيا و أيّ منهما منكرا؟
ظاهر كلام الشيخ قدّس سرّه بل صريحه هو تقديم قول المغبون؛ من جهة أصالة عدم
العلم، و هو حاكم على استصحاب لزوم العقد.
و لكن التحقيق أنّ العلم و الجهل لم يؤخذ شيء منهما في لسان دليل، فيختلف الحال بحسب اختلاف مدرك خيار الغبن، فبناء على أن يكون مدركه قاعدة «لا ضرر» و يكون المانع عن شمولها الإقدام على الضرر، ففي المقام الضرر ثابت يقينا و يشكّ في تحقّق الإقدام و الأصل عدمه، و نتيجة ذلك هو ثبوت الخيار.
و أمّا بناء على أن يكون مدركه الاشتراط فينعكس الأمر؛ و ذلك لأنّ الأصل عدم تحقّق الاشتراط، كما هو الحال في الشكّ في تحقّق الاشتراط في جميع الموارد.
و لا يكون هذا الأصل محكوما لأصالة عدم علم المغبون؛ لأنّ عدم الاشتراط ليس من آثاره الشرعيّة كما هو واضح.
و بالجملة، تارة يكون النزاع في أصل ثبوت الغبن و تحقّقه، و اخرى يكون ثبوت الغبن مسلّما و مفروغا عنه و يكون نزاع المتعاملين في ثبوت الخيار للمغبون من جهة ادّعائه الجهل بالغبن، و عدم ثبوته من جهة ادّعاء الغابن علم المغبون، فلا بدّ من وقوع البحث في مقامين:
المقام الأوّل: في حكم اختلافهما في أصل الغبن، و كان الأولى أن يقدّمه الشيخ قدّس سرّه و يؤخّر المقام الثاني.
و كيف كان، سواء كان سبب اختلافهما في ذلك اختلافهما في مقدار الثمن كما لو ادّعى المشتري المدّعي للغبن أنّ الثمن المجعول كان عشرة و ادّعى البائع أنّه كان ثمانية مثلا، أو كان اختلافهما في القيمة كما لو ادّعى البائع أنّ المثمن يسوي بعشرة و ادّعى المشتري أنّه لا يسوي إلاّ بخمسة بعد اتّفاقهما على أنّ الثمن الذي اشتراه به كان عشرة، أو كان اختلافهما في تاريخ تفاوت القيمة السوقيّة، أو كان اختلافهما
في تاريخ وقوع العقد، أو غير ذلك ممّا يوجب الاختلاف في تحقّق الغبن، فإنّه على جميع هذه التقادير و على كلا المسلكين يكون القول قول منكر الغبن، و لا بدّ لمدّعيه من إثبات ذلك؛ لأنّه على المسلك الصحيح يدّعي الاشتراط و تخلّف الشرط و عليه إثباته، و على المسلك الآخر يدّعي الضرر و عليه إثباته، و إلاّ فأصالة اللزوم محكّمة و ليس في البين أصل موضوعيّ على خلافه.
و أمّا المقام الثاني، و هو فيما إذا تنازعا في ثبوت الخيار بعد اتّفاقهما على تحقّق أصل الغبن، كما لو ادّعى الغابن علم المغبون بالحال و ادّعى المغبون جهله بذلك، فبناء على المسلك المختار في مدرك الخيار يكون المغبون النافي للعلم مدّعيا؛ و ذلك لأنّه يدّعي الاشتراط في ضمن العقد و الغابن يكون منكرا، و لا أثر لموافقة قول المغبون مع أصالة عدم العلم كما تقدّم، فعلى المغبون إقامة البيّنة على دعواه، و إلاّ فتصل النوبة إلى حلف الغابن و تسمع دعواه مع اليمين، من غير فرق بين أن يكون المغبون من أهل الخبرة أو غيره.
ثمّ ظاهر كلام الشيخ أنّ المدّعي هو الغابن و المغبون منكر، و قد عرفت خلافه.
ثمّ إنّه بعد التسليم أيضا بقوله «هذا مع أنّه قد يتعسّر... الخ» يقول قدّس سرّه: يسمع قول المغبون مع اليمين من جهة أنّ المورد يكون ممّا تتعسّر على المدّعي إقامة البيّنة عليه و لا يتمكّن المنكر من الحلف لجهله بالحال و أنّ مورد النزاع أمر لا يعلم إلاّ من قبل المدّعي.
هذا، و لا يخفى ما فيه؛ فإنّه بعد تسليم أنّه مدّع، لا مسرح لما أفاده أصلا؛ أمّا أوّلا: فلأنّ الجهل ليس ممّا تتعسّر إقامته البيّنة عليه.
و ثانيا: لو سلّمنا ذلك، لأيّ شيء لا يتمكّن الغابن من الحلف، إذ كثيرا ما يكون
الغابن عالما بعلم المغبون بالحال، كما لو فرض أنّه أعلمه بذلك ثمّ باع، فليس من قبيل الامور التي لا تعرف إلاّ من قبل المدّعي.
و ثالثا: لو سلّمنا أنّه لا يتمكّن من الحلف فهو يقول «لا أدري» و يدخل في ذلك الباب المعنون في الفقه مستقلاّ، و هو باب ما لو قال المنكر: «لا أدري» و ادّعى عدم العلم. و حكمه إمّا توقيف الدعوى أو استحلافه على عدم العلم أو ردّ اليمين إلى المنكر، إلى غير ذلك.
و رابعا: لو سلّمنا جميع ذلك، تكون الكبرى ممنوعة و لا دليل عليها، لأنّ موارد يمين المدّعي محصورة، و هي: اليمين للاستظهار، و التي تكون جزء من البيّنة فيما إذا لم يكن له إلاّ شاهد واحد، و اليمين عند ردّ المنكر و أمثال ذلك، و ليست صورة تعسّر إقامة البيّنة منها. هذا كلّه على المسلك الحقّ.
و أمّا بناء على المسلك الآخر، و هو كون مدرك الخيار قاعدة «لا ضرر» فالمانع عن ثبوته يكون هو الإقدام، و يختلف الحكم حسب اختلاف الوجوه المذكورة في بيان المدّعي و المنكر، فإنّهم ذكروا في تعريف المدّعي وجوها ثلاثة - كما أفاده السيّد في ملحقات العروة(1)- أحدها: أنّ المدّعي من إذا ترك ترك، الثاني: أنّه من خالف قوله الأصل، الثالث: من خالف قوله الظاهر. و الظاهر أنّ الوجه الأوّل هو الصحيح؛ لأنّه لم يرد في الروايات شيء في بيانه فهو موكول إلى العرف، و العرف لا يرون المدّعي إلاّ من يقيم الدعوى على غيره، سواء كان قوله موافقا للأصل أو الظاهر أو مخالفا.
1) العروة الوثقى 34/3 و 35.
و السيد قدّس سرّه و إن أفاد أنّ هذه الوجوه الثلاثة يرجع بعضها إلى بعض، و لكن الظاهر خلافه في المقام، فهو مورد نقض عليه قدّس سرّه؛ فإنّه على الأوّل يكون المغبون هو المدّعي لأنّه الذي إن ترك ترك و هو الذي يقيم الدعوى على الغابن بادّعاء حقّ له في ماله الذي انتقل إليه قطعا، فيأتي فيه جميع ما تقدّم. و على الثاني ينعكس الأمر فإنّ الأصل عدم إقدام المغبون على الضرر فيكون قوله موافقا للأصل و قول الغابن مخالفا له فهو المدّعي دونه. و على الثالث لا بدّ من التفصيل بين ما إذا كان المغبون من أهل الخبرة أو من غيرهم، فإنّه لو كان من أهل الخبرة يكون ظاهر الحال مخالفا لدعواه فإنّ الظاهر أنّ أهل الخبرة لا يجهل الحال فيكون مدّعيا، و إن لم يكن منهم لا يكون قوله مخالفا لظاهر الحال.
فتلخّص من جميع ما ذكرناه: أنّ في المقام الأوّل يكون المثبت للغبن مدّعيا و عليه إثباته، و في المقام الثاني على المسلك الصحيح يكون مدّعي الخيار مدّعيا للاشتراط و لا بدّ له من إقامة البيّنة و إلاّ فيسمع قول الغابن مع يمينه و لا يفرق في ذلك اختلاف المباني في تعريف المدّعي كما هو واضح، و على المسلك الآخر يأتي التفصيل المتقدّم و يختلف الحكم باختلاف التعاريف.
و حاصل الكلام في بيان هذه الكبرى الكلّية أعني تعيين المدّعي و المنكر، هو أنّ الصحيح من التعاريف هو التعريف الأوّل، و هو أنّ المدّعي من إذا ترك ترك، فإنّه لم يرد في تعريفه بيان من الروايات، فهو موكول إلى العرف، و هذا التعريف هو الموافق للفهم العرفي. و أمّا التعريف الثاني، و هو كون المدّعي من خالف قوله الأصل، فمضافا إلى أنّه ممّا لم يقم عليه دليل، لا يكون مطّردا إذ ربما لا يكون قول أحدهما مخالفا للأصل دون الآخر، فلا بدّ حينئذ من الرجوع إلى التعريف الأوّل في
قوله قدّس سرّه: الشرط الثاني: كون التفاوت فاحشا [1]
مقام تعيين المدّعي و المنكر. و هكذا التعريف الثالث، و هو تعريفه بمن يكون قوله مخالفا للظاهر؛ فإنّه ربما لا يكون في البين ظاهر يخالفه قول أحدهما و يوافقه قول الآخر، فلا بدّ من الرجوع حينئذ إلى التعريف الثاني، و قد عرفت أنّه أيضا ربما يرجع إلى الوجه الأوّل، فالصحيح هو ذلك. هذا كلّه في بيان هذه الكبرى الكلّية.
و أمّا المقام، فسواء كان النزاع في تخلّف الشرط و عدمه بعد تسليمهما أصل الاشتراط كما في المقام الأوّل، أو كان النزاع في أصل الاشتراط و عدمه كما في المقام الثاني، يكون مدّعي الخيار مدّعيا و عليه إقامة البيّنة، و إلاّ يتوجّه الحلف إلى طرفه. و لا يصغى إلى ما أفاده الشيخ قدّس سرّه في المقام، من أنّه يسمع قول المدّعي لتعسّر إقامة البيّنة عليه كما تقدّم. و هذا على التعريف الأوّل واضح، و هكذا على التعريف الثاني؛ فإنّ الأصل عدم الاشتراط و عدم تخلّف الشرط، فالأصل مخالف مع قول مدّعي الخيار. نعم على التعريف الثالث لا بدّ من التفصيل بين كون المغبون من أهل الخبرة أو من غيرهم كما عرفت ذلك فيما سبق في تعيين المدّعي على القول بأنّ مدرك الخيار هو قاعدة «لا ضرر» هذا تمام الكلام في صور التنازع.
[1] التفاوت اليسير لا يكون موجبا للغبن على ما هو الصحيح. و على فرض صدق الغبن عليه لا يوجب الخيار؛ للإجماع على ما اختاره الشيخ قدّس سرّه، و قد تقدّم الكلام فيه.
و وقع الخلاف في تحديد التفاوت اليسير حتّى قال بعض الشافعيّة أنّ التفاوت بمقدار الثلث - كما لو اشترى ما يسوي ثلاثة بأربعة، أو باع ما يسوي ثلاثة باثنين مثلا - لا يوجب الخيار.
و أورد عليه الشيخ: بأنّ التفاوت بمقدار الثلث يوجب الخيار يقينا بل بمقدار
الربع أيضا بلا إشكال. نعم الإشكال في الخمس، و لا يبعد أن يكون أيضا موجبا للخيار. و هو قدّس سرّه يحدّده بالواحد في العشرة أعني العشر أو في العشرين و هو نصف العشر.
و كيف كان، فالذي يقتضيه التحقيق هو أنّ كلّ هذه التحديدات لا ترجع إلى محصّل، بل لا يمكن تحديد اليسير بالكسر؛ لأنّه يتفاوت من حيث كونه يسيرا أو غير يسير بحسب اختلاف المقدار - أي مقدار الثمن أو المثمن - زيادة و نقصانا. مثلا لو اشترى أرضا بخمسين ألف دينار مثلا و كان التفاوت فيه بمقدار نصف العشر الذي يصير عبارة عن مئتين و خمسين دينارا، يكون ذلك التفاوت كثيرا، و إن كان بحسب الكسر نصف عشر الثمن. و هكذا بالعكس ربما يكون التفاوت بمقدار الخمس أو أزيد مثلا و مع ذلك يكون يسيرا، كما لو اشترى الشخّاط الذي يسوي أربعة فلس بخمسة مثلا، فإنّ الفلس الواحد غير قابل و يسير عرفا، و الاختلاف فيه كثيرا مّا يكون في أصل القيمة السوقيّة بأن يباع في سوق بأربعة و في سوق آخر بخمسة أو في دكّان بخمسة و في دكّان آخر بأربعة، فلا يصدق معه الغبن مع أنّ الاختلاف بمقدار الخمس.
فالميزان في تحديد اليسير هو ما أفاده في التذكرة(1)، و هو كون التفاوت ممّا لا يتغابن الناس بمثله، فالميزان هو هذا. و لكنّه أمر مجهول تختلف فيه الأنظار، ففي كلّ مورد ثبت كونه يسيرا لا كلام في عدم ثبوت الخيار فيه، و في كلّ مورد ثبت كونه فاحشا يثبت فيه الخيار، و هذا واضح.
1) التذكرة 523/1.
إنّما الكلام فيما إذا لم يحرز لا هذا و لا ذاك و شككنا في ذلك.
و الشكّ في ذلك تارة يكون من قبيل الشبهة المفهوميّة و اخرى من قبيل الشبهة المصداقيّة؛ فإنّه تارة يشكّ في أنّ هذا المقدار من التفاوت كالعشر مثلا، هل يعدّ تفاوتا عرفا حتّى يشمله اشتراط التساوي؟ و بعبارة اخرى: يشكّ في اشتراط التساوي بهذا المقدار و عدمه. و اخرى يكون أصل اشتراط التساوي بمقدار العشر ثابتا و يشكّ في أنّ هذا التفاوت بمقدار العشر أو أقلّ؟
و في كلا الفرضين المرجع هو أصالة اللزوم بناء على ما اخترناه فيما سبق، من أنّه في الاختلافات اليسيرة لا يصدق الغبن أصلا، و ليس في البين تفاوت في القيمة في الحقيقة، فإنّه على هذا في المقام يشكّ في الاشتراط أو تخلّف الشرط، و الأصل عدمه.
و أمّا على مسلك الشيخ من أنّه يصدق الغبن و الضرر على مثل هذا التفاوت، و لكنّه لا يوجب الغبن بواسطة الإجماع، فيختلف الحال في الفرضين، فإن كانت الشبهة مفهوميّة بأن لا يعلم صدق مفهوم «ما يتسامح فيه» على هذا التفاوت المتحقّق في المقام، فحيث يدور أمر المخصّص بين الأقلّ و الأكثر يرجع إلى العام و إن كان المخصّص لبّيا، فإنّ الشكّ يكون في التخصيص الزائد. و أمّا إن كانت الشبهة مصداقيّة، فحيث لا يمكن الرجوع إلى العام حينئذ - كما حقّقناه في الاصول - لا محالة يرجع إلى الاصول العمليّة، فإن قلنا بجريان استصحاب الأعدام الأزليّة نستصحب في المقام عدم تسامح الناس في هذا المقدار، و ببركته يثبت الخيار. و إن لم نقل بذلك فيرجع إلى أصالة اللزوم الذي مدركه استصحاب بقاء كلّ من المالين على ملك مالكه.
و الحاصل أنّه لو علم أنّ التفاوت ممّا لا يتسامح فيه يثبت الخيار. و لو احرز أنّه ممّا يتسامح فيه لا يثبت الخيار، سواء قلنا بأنّه ليس بغبن و ضرر أصلا كما اخترناه، أو قلنا إنّه غبن و ضرر لكن لا يثبت فيه الخيار بواسطة الإجماع، أو فصّلنا في ذلك بين مقدار التفاوت؛ فإنّه لا يترتّب على ذلك ثمر عملي و إنّما هو بحث علميّ محض. و أمّا إذا لم يحرز ذلك و شككنا في أنّ التفاوت هل هو بمقدار يسير أو بمقدار غير يسير لا يتسامح فيه العرف إمّا من جهة الشبهة المفهوميّة بحيث لا يعلم أنّ التفاوت بمقدار العشر داخل فيما لا يتسامح أو لا، أو من جهة الشبهة المصداقيّة كما لو علمنا أنّ التفاوت بمقدار العشر يكون ممّا لا يتسامح فيه و بمقدار نصف العشر ممّا يتسامح فيه و لكن الشك كان في مقدار التفاوت، فإنّه في كلا الفرضين، على المختار من أنّ مدرك خيار الغبن هو الاشتراط يرجع إلى أصالة اللزوم فإنّ الشكّ في الفرض الأوّل يكون في الاشتراط، و في الفرض الثاني في تخلّف الشرط، و الأصل عدمه، فلا يثبت الخيار. و أمّا على المسلك الآخر، فإن كان الشكّ في أصل ثبوت الضرر فالأمر كذلك، و أمّا إن كان الشكّ في أنّ الضرر الموجود هل هو يسير أم لا، فلو كانت الشبهة مفهوميّة فيدور أمر المخصّص اللبّي لقاعدة «لا ضرر» - و هو الإجماع - بين الأقلّ و الأكثر، و قد حقّقنا في الاصول أنّه في المقدار الزائد يتمسّك بعموم العام لأنّ الشك حينئذ يكون في تخصيص الزائد و الأصل عدمه فالنتيجة ثبوت الخيار. و أمّا إن كانت الشبهة مصداقيّة و من جهة الامور الخارجيّة فلا يمكن الرجوع إلى العام حينئذ؛ لإجمال المخصّص فتصل النوبة إلى الاصول العمليّة، فإن قلنا بجريان استصحاب العدم الأزلي فنستصحب عدم كون الضرر ممّا يتسامح فيه، و ذلك لأنّا نشكّ في تحقّق هذه الصفة بعد تحقّق الضرر و الأصل عدمه،
و ببركة هذا الأصل يدخل المشكوك فيه تحت العام و يثبت الخيار. و لا يكون هذا الأصل مثبتا و لا معارضا باستصحاب عدم كونه ممّا يتغابن فيه؛ و ذلك لأنّ العام بعد ورود المخصّص - سواء كان وجوديّا أو عدميّا - لا يوجب إلاّ تعنون العام بأن لا يكون من أفراد المخصّص بنحو العدم المحمولي لا النعتي، و على هذا فما لم يكن داخلا تحت الخاص يكون من أفراد العام، و قد حقّقنا ذلك في محلّه في الاصول.
هذا إذا قلنا بجريان استصحاب العدم الأزلي. و أمّا لو لم نقل بذلك فلا يمكن الرجوع إلى قاعدة «لا ضرر» و لا إلى عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لأنّه مخصّص بالقاعدة، فلا محالة يرجع إلى أصالة اللزوم، و النتيجة عدم الخيار.
ثمّ إنّهم قدّس سرّهم فرّقوا في الضرر في باب المعاملات و في باب التكاليف، فقال بعضهم: إنّ الضرر المرفوع في باب المعاملات هو الضرر النوعي و المرفوع في باب التكاليف هو الضرر الشخصي، و لذا لو فرضنا أنّ الغسل لجميع المكلّفين ضرريّ لبرد و نحوه و فرضنا أنّ شخصا واحدا من جهة حرارة مزاجه لا يضرّه الغسل، يكون الغسل واجبا عليه بلا شبهة. و قال بعض آخر: إنّ الضرر في باب المعاملات ماليّ و في باب التكاليف حاليّ، و لذا يجب شراء الماء للوضوء و لو بأضعاف قيمته لمن لا يكون ذلك الضرر المالي بالقياس إلى حاله ضررا عليه.
و بالجملة، هذه التفرقة مع أنّ الدليل واحد، أوقع الأعلام في حيص و بيص.
و أجاب الشيخ قدّس سرّه عن ذلك بجوابين:
حاصل أحدهما: أنّ الضرر إنّما هو بمعنى النقص في المال أو البدن أو العرض، و هو متحقّق في شراء المال بأزيد من قيمته و لو لم يكن المقدار الزائد بالقياس إلى هذا الشخص إلاّ يسيرا، و لذا لو كان الوضوء مستلزما لتلف ماله و لو بعين هذا
قوله قدّس سرّه: «إشكال» ذكر في الروضة و المسالك [1]
المقدار اليسير، لا يلتزمون بوجوب الوضوء بل ينتقل تكليفه إلى التيمّم كما أفاده الشهيد قدّس سرّه(1)، فالميزان في الضرر في باب المعاملات و التكاليف هو الضرر الشخصي الذي تكون الروايات ظاهرة فيه، غاية الأمر في خصوص شراء الماء للوضوء ورد الدليل على وجوبه و إن كان ضررا(2)، فهو تخصيص في تلك الروايات، كما وردت روايات في وجوب الغسل على المريض الذي يجنب نفسه متعمّدا مع علمه بأنّ الغسل يضرّه و إن كان ضررا عليه(3).
و هذا الوجه متين جدّا.
ثانيهما: أنّ المراد من الضرر هو الضرر الشخصي، و لكن في شراء الماء للوضوء لا يكون ضررا، لأنّه يوجب كثرة الأجر و الثواب، كما يظهر من الروايات.
و فيه أوّلا: أنّ لازم هذا أن يلتزم بذلك في جميع العبادات، فلو فرضنا أنّ القيام في الصلاة ضرريّ، يجب أيضا لأنّه موجب لكثرة الأجر، فلا يكون للقاعدة مورد من التكاليف.
و ثانيا: على هذا يلزم أن نقيّد الموضوع في «لا ضرر» بما ليس بمتدارك، فالضرر إذا لم يكن متداركا يكون مرفوعا، و أمّا إذا كان متداركا فلا، و التقييد خلاف الظاهر. فالوجه الصحيح هو الوجه الأوّل.
[1] حاصل ما ذكره أنّه تارة يكون المشتري مغبونا، و اخرى يكون البائع مغبونا، و ثالثة يكونان معا مبغونين.
و أورد عليه الفاضل التوني(1): أنّ الغبن من طرف البائع أن يكون الثمن أقلّ من القيمة السوقيّة و من طرف المشتري أن يكون أكثر، و لا يعقل كونه أقلّ و أزيد، فلا يعقل الغبن من الطرفين.
و تصدّى جماعة لتصحيح ما أفاده الشهيد(2)و غيره، و منهم الفاضل القمّي قدّس سرّه(3)حيث قال: إنّها تفرض فيما إذا باع متاعه بأربعة توامين و اشترط في ضمنه أن يعطيه بدل التوامين ثمانية دنانير ثمّ انكشف أنّ الطعام يسوي أربعة توامين و التوامين لا تسوي إلاّ خمسة دنانير، فكلّ منهما يكون مغبونا.
و الجواب عن ذلك: ما ذكره الشيخ قدّس سرّه، فإنّه لو لاحظنا البيع مع الشرط المذكور كما هو الميزان لأنّ للشرط قسطا من الثمن خصوصا إذا كان المشروط التمليك، مثلا لو باع كتابا يسوي خمسين درهما و اشترط على المشتري أن يملّكه شيئا يسوي خمسين أيضا، لا يكون في هذه المعاملة مغبونا. و بالجملة، لو لوحظت المعاملة من حيث المجموع، لا محالة إمّا أن يكون أحدهما مغبونا دون الآخر أو لا يكون في البين غبن أصلا. و أمّا لو لاحظنا كلاّ من البيع و الاشتراط مستقلاّ، فكلّ منهما و إن كان مغبونا من جهة، و لكن حينئذ تكون هناك معاملتان في إحداهما يكون المشتري مغبونا و في الاخرى البائع، و هو خارج عن محلّ الكلام، و هو غبنهما معا في معاملة واحدة.
و بعين هذا الجواب يجاب عن الوجه الثاني، و هو ما إذا باع شيئين في عقد واحد
بثمنين فغبن البائع في أحد هما و المشتري في الآخر كما هو واضح.
الوجه الثالث: و هو في الحقيقة تأويل لكلام الشهيد، و حاصله أنّ الغبن يطلق على موارد تخلّف الوصف و ما وقعت المعاملة مبنيّة عليه، و على ذلك يمكن فرض كون البائع و المشتري معا مغبونين فيما إذا اشتري صبرة من الحنطة بعنوان أنّها منّان بنصف قيمتها السوقيّة مثلا ثمّ تبيّن أنّها منّ و نصف مثلا، ففي هذا الفرض البائع يكون مغبونا لأنّ الثمن الذي انتقل إليه أقلّ من القيمة السوقيّة، و المشتري يكون مغبونا أيضا لأنّه إنّما اشترى الصبرة بعنوان أنّها منّان فتبيّن أنّها ناقصة عن ذلك المقدار، فكلّ منهما مغبون.
و لا يخفى أنّ هذا الوجه لا ينطبق على كلام الشهيد و غيره.
الوجه الرابع: و هو أمتن الوجوه، أن نفرض للمثمن قيمة في داخل البلد و قيمة اخرى في خارج البلد أو نفرض أنّ له قيمة في بلد و قيمة اخرى في بلد آخر، و اشتراه المشتري بثمن بين القيمتين و اشترطا في ضمن المعاملة أن ينقله البائع من البلد الذي تكون قيمة المثمن فيه أكثر و يسلّمه إيّاه في البلد الآخر، أو يشترط البائع عليه أن لا يبيعه إلاّ في ذلك البلد أو يبيعه هناك و كلّ ذلك جهلا منهما بالقيمة. مثلا نفرض أنّ قربة من الماء قيمتها في النجف مئة فلس و في الكوفة أربعة فلوس و اشتري رجل من رجل قربة من الماء في النجف بعشرين فلسا و اشترط عليه أو اشترط كلّ على الآخر أن ينقله إلى الكوفة و يسلّمه إلى المشتري هناك جهلا منهما بقيمة في النجف و الكوفة.
و أورد عليه الشيخ قدّس سرّه بما حاصله: أنّ المبيع بعد العقد باق على قيمته قبل العقد، و إنّما النقصان يكون في نقله إلى البلد الآخر، ففي مثل هذا الفرض يكون البائع
مغبونا، و الميزان بالقيمة وقت المبيع و في محلّه و هي ليست إلاّ قيمة واحدة.
هذا، و لكن بناء على ما ذكرناه و حقّقناه من أنّ الشروط لها دخل في زيادة القيمة و نقصانها و لا تكون أجنبيّة عنها - كما قيل - لا بدّ و أن يلحظ المبيع في المقام مع هذا الشرط لا بدونه، و بذلك يتمّ هذا الوجه؛ و ذلك لأنّ البائع متضرّر من لزوم هذا البيع، فإنّه قد باع ما يسوي مئة بعشرين، و هذا ضرر عليه وجدانا، مضافا إلى لزوم عمل آخر عليه و هو نقله إلى البلد الآخر. و هكذا المشتري فإنّه تنتقل إليه العين في بلد لا يسوي إلاّ أربعة دراهم، و هو أيضا ضرر، فيثبت الخيار لو كان مدركه قاعدة «لا ضرر». و هكذا لو كان مدركه الشرط الضمني، فإنّ كلاّ منهما يشترط تساوي قيمة ما انتقل إليه مع ما انتقل عنه، و كلّ منهما يشترط بالشرط الضمني حفظ ماليّة ماله مع تبدّل عينه، و المفروض أنّ ماليّة كلّ من المالين ينقص بسبب هذه المعاملة، و ليس المراد من الغبن إلاّ استلزام لزوم المعاملة نقصان الماليّة، و في المقام لزوم هذا البيع يستلزم ذلك، فلا يقال إنّ للعين بضميمة هذا الشرط أيضا قيمة اخرى متوسّطة بين القيمتين فإمّا أن يكون خصوص البائع مغبونا أو خصوص المشتري، فتأمّل.
و بالجملة، هذا الوجه أحسن الوجوه و إن كان لا يخلو عن شيء.
الوجه الخامس: هو أن نفرض ذلك فيما إذا كان العوضان معا من العروض كما لو بيع كتاب بكتاب لا بثمن، فادّعى كلّ من المتبايعين أنّه مغبون و لم يتمكّنا من إثبات ذلك و وصلت النوبة إلى التحالف فحلف كلّ منهما على أنّه لم يغبن صاحبه، فإنّه حينئذ يثبت الخيار لكلّ منهما ظاهرا.
و فيه أوّلا: أنّ الكلام ليس في الخيار الظاهري.
و ثانيا، نتيجة التحالف إنّما هو عدم الغبن أصلا، فأنّه الذي يكون موردا لحلفهما،
قوله قدّس سرّه: «مسألة» ظهور الغبن شرط شرعي لحدوث الخيار [1]
و لا وجه لثبوت الغبن بالحلف على عدمه.
و ثالثا: لو سلّمنا ذلك، نقول لا ثمرة لهذا التحالف أصلا، لأنّ ثمرة ثبوت الغبن إنّما هو ثبوت حقّ للفسخ، و هذا غير محتاج إلى التنازع في الخيار لأنّه يتحقّق بالإقالة، فتأمّل.
[1] وقع الخلاف في أنّ العلم بالغبن هل هو شرط في ثبوت الخيار أو أنّه طريق إليه؟
و منشؤه اختلاف كلمات الأعلام، فظاهر بعضهم هو الأوّل، و ظاهر آخرين هو الثاني حيث قال: الغبن سبب للخيار أو أنّ التصرّف قبل ظهور الغبن يسقط الخيار.
و من الواضح أنّ السقوط فرع الثبوت.
و لكن لا يخفى أنّه يمكن إرجاع بعض الكلمات إلى بعض؛ إذ يمكن أن يراد من سببيّة الغبن للخيار سببيّته له في ظرفه و هو ظهور الغبن، و المراد من المسقطيّة مسقطيّة التصرّف للخيار في ظرف ثبوته.
و العمدة في المقام هو الفحص عمّا يقتضيه الدليل، فنقول: لو كان مدرك خيار الغبن الإجماع، فمن الواضح أنّ المتيقّن من مورده هو صورة ظهور الغبن و أمّا قبل ذلك فلا إجماع لاختلاف الأقوال في ثبوته. و أمّا لو كان المدرك قاعدة «لا ضرر» فمن الواضح أنّ الضرر ثابت قبل العلم أيضا، و ليس العلم دخيلا في ذلك أصلا.
و هكذا لو كان المدرك هو الشرط الضمني فإنّ التخلّف متحقّق قبل العلم أيضا.
و حيث عرفت أنّ دليل خيار الغبن إنّما هو الشرط الضمني، و بعد ذلك القاعدة، و لا يعتنى بالإجماع، فالحقّ هو ثبوت الخيار قبل العلم أيضا.
و نتيجة ذلك أنّه لو ردّ المغبون قبل ظهور الغبن زورا يكون في الواقع ردّه
قوله قدّس سرّه: «مسألة» يسقط هذا الخيار بامور [1]
صحيحا، و هكذا لو فسخ باعتقاد ثبوت الخيار له من جهة اخرى كاشتراط الخيار مثلا و في الواقع لم يكن له ذلك و كان في الواقع مغبونا و هو لا يعلم، يكون فسخه نافذا، إلى غير ذلك.
و بالجملة، تترتّب عليه جميع الآثار المترتّبة على الخيار بعنوان الخيار، لا المختصّ منها ببعض الأقسام دون بعض. مثلا لو قلنا بأنّ التلف في زمان الخيار يكون ممّن لا خيار له و قلنا بأنّ هذه القاعدة غير مختصّة بخيار المجلس أو الحيوان - كما هو موردها - نقول بجريانها في المقام أيضا، فلو تلف المبيع في ظرف الغبن و لو لم يعلم به المغبون يكون من مال الغابن.
نعم الآثار التي تترتّب على الخيار و شيء زائد، لا تترتّب عليه. مثلا مسقطيّة التصرّف للخيار بناء على القول بأنّ مسقطيّته للخيار إنّما هو من جهة الكشف النوعي على الرضا بالمعاملة لا من جهة التعبّد، لا يكون في المقام إلاّ بعد العلم و ظهور الغبن، فإنّه قبل العلم ليست له الكاشفيّة. و ذلك كلّه واضح.
يسقط هذا الخيار بامور[1]
أحدها: الإسقاط.
و تارة يكون ذلك بعد ظهور الغبن و العلم به و اخرى يكون قبله.
و نتعرّض للأوّل أوّلا، فنقول: تارة يكون الإسقاط مع العلم بمقدار الغبن و مرتبته، و هذا لا إشكال في صحّته.
و اخرى يكون مع الجهل بذلك و لكنّه يسقط خيار غبنه بالغا ما بلغ و في أيّ مرتبة كان. و هذا أيضا لا إشكال فيه.
و إنّما الكلام في القسم الثالث، و هو ما لو أسقطه باعتقاد أنّ غبنه يكون بمقدار العشر مثلا فبان أنّه أزيد منه بمراتب، ففي هذا الفرض هل يسقط الخيار أم لا؟
احتمل الشيخ فيه الوجهين، ثمّ مال إلى الثاني، و اختاره المحقّق النائيني(1)، و حاصل تقريبه قدّس سرّه في المقام: هو أنّ الخيار ليس في المقام إلاّ أمرا واحدا بسيطا، و لا يمكن أن يكون عنوان كون الغبن بمقدار العشر - مثلا - قيدا للإسقاط، فإنّ لازمه التعليق في الإنشاء المجمع على بطلانه، فلا بدّ أن يكون ذلك من قبيل الداعي للإسقاط، نظير ما لو أسقط غبنه باعتقاد أنّ الطرف رجل كريم يعطيه بإزاء ذلك أضعاف مقدار غبنه فلم يعطه شيئا، و أوضح مثال لذلك هو ما لو اعتقد أنّه أحدث بخصوص البول و توضّأ لارتفاع ذلك ثمّ بان له أنّه أحدث بالريح أيضا مقارنا للبول فهل يوجب قصده الأوّل بطلان الوضوء لكونه قيدا أو لا يوجبه لكونه داعيا؟ الظاهر هو الثاني لأنّه من قبيل تخلّف الداعي. و في المقام أيضا كون الغبن بمقدار العشر - مثلا - يكون داعيا لإسقاط ذلك الخيار الواحد البسيط، هذا.
و فيه أوّلا: أنّه على هذا لو صرّح المغبون بأنّه أسقط مرتبة من الغبن - أعني الغبن بمقدار العشر مثلا - ثمّ انكشف أنّ الغبن كان أزيد من ذلك، فلازمه سقوط الخيار رأسا، لأنّ الخيار أمر وحدانيّ بسيط و هذا القيد المصرّح به في الكلام يكون من قبيل الداعي، و إلاّ يكون من باب التقييد في الإنشاء، فيسقط الخيار رأسا، مع أنّه قدّس سرّه يصرّح في أوّل كلامه بعدم سقوط الخيار في هذا الفرض.
و ثانيا: و هو الحلّ، أنّه لو كان المدرك لخيار الغبن هو قاعدة «لا ضرر» فحيث إنّ ما هو الضرر في المقام، أعني ما يوجب الضرر الذي هو المرفوع بالقاعدة، إنّما هو لزوم البيع لا نقص القيمة، إذ لو كان المرفوع ذلك كان لازمه بطلان البيع - و هذا من
1) منية الطالب 130/3-131.
جملة ما أوردناه على التمسّك بالقاعدة لإثبات خيار الغبن - فعلى فرض تسليم كونها مدركا يكون الضرري و المرفوع هو اللزوم، و من الواضح أنّ البيع ليس له إلاّ لزوم واحد، فهذا اللزوم الوحداني مرفوع بواسطة الضرر، و إذا أقدم عليه و ألغاه يرجع اللزوم و يسقط الخيار الناشئ من الضرر، فيتمّ ما أفاده قدّس سرّه.
و لكن قد عرفت أنّ المدرك ليس ذلك، و إنّما المدرك هو الشرط الضمني، و على ذلك فاشتراط التساوي ينحلّ إلى شروط عديدة، فإذا الغي بعضها يكون الباقي باقيا على حاله، و عند تخلّفه يأتي خيار تخلّف الشرط، فكأنّه تكون هناك خيارات عديدة. مثلا اشتراط تساوي قيمة العوضين ينحلّ إلى أن لا يكون التفاوت بمقدار العشر و لا بمقدار نصفه و لا بمقدار ربعه و هكذا، فإذا رفع اليد عن بعض هذه الشروط يبقى الباقي على حاله، و إذا تخلّف بعضه يأتي الخيار.
و بهذا يرتفع الإشكال عن النقض الذي ذكرناه؛ فإنّ ثبوت الخيار هناك يكون لما ذكرناه.
و بالجملة: كما أنّه في صورة التصريح باشتراط التساوي بهذه المراتب يوجب تخلّف بعضها ثبوت الخيار، كذلك إذا كان الاشتراط بالارتكاز العقلائي.
هذا كلّه إذا كان الإسقاط مجّانا و بلا عوض.
و أمّا إذا كان بعوض كعنوان الصلح المبنيّ على المداقّة لا المحاباة، فمن الواضح بحسب ما هو المرتكز أنّه ليس المعوّض إسقاط مرتبة من الغبن دون مرتبة بحيث يكون له الخيار أيضا بعد أخذه العوض و يجتمع عنده العوض و المعوّض، فإنّه ليس كذلك بحسب الارتكاز، فلا محالة يدور الأمر حينئذ بين الاحتمالين اللذين أفادهما الشيخ قدّس سرّه، أحدهما: بطلان هذا الصلح من رأس لعدم وقوعه على الحقّ
الموجود، و بعبارة اخرى ما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع، ثانيهما: صحّته مع ثبوت خيار الغبن فيه، لأنّ الخيار الذي وقع عليه الصلح كانت قيمته أكثر ممّا جعل عوضا له باعتقاد أنّ عوضه المتعارف هو بالمقدار الذي جعل عوضا فيه. و لا فرق في الغبن بين أن يكون من جهة التفاوت في أصل المال أو في الماليّة، و في المقام النقصان إنّما هو من جهة تفاوت الماليّة لا نقصان العين كما هو ظاهر كلام الشيخ قدّس سرّه فإنّ صدوره منه قدّس سرّه من الغرائب؛ و ذلك لأنّ المصالحة لم تقع على التفاوت و النقصان، و إنّما وقعت على نفس الخيار، و تختلف ماليّة الخيار بحسب اختلاف مراتب سببه و مقداره، فالغبن من جهة الجهل بالماليّة لا بالعين، و إلاّ كان لازمه بطلان الصلح للغرر، لا ثبوت الخيار كما هو واضح.
هذا كلّه إذا كان الإسقاط بعد العلم بالغبن.
و أمّا إن كان قبله، فبناء على القول بأنّ العلم ليس شرطا لذلك فيصحّ الإسقاط.
و لا يرد عليه شيء سوى أمر واحد نتعرّض له في طيّ الكلام.
و أمّا بناء على القول الآخر، فحيث إنّ ظهور الغبن شرط في ثبوت الخيار، فقبل ذلك لا خيار، فيكون إسقاطا لما لا يجب، و لازم ذلك هو التعليق، و هو موجب للبطلان بالإجماع.
هذا هو الذي اورد على إسقاط الخيار مجّانا قبل العلم به.
و أجاب عنه الشيخ قدّس سرّه بما حاصله: أنّ هذا التعليق لا يوجب البطلان لأنّه يكون تعليقا على ما يتوقّف عليه المنشأ واقعا، كتعليق الطلاق على الزوجيّة في قولك: إن كانت هذه زوجتي فهي طالق.
و مثّل قدّس سرّه لذلك مثالين آخرين، أحدهما: ضمان درك المبيع إذا ظهر مستحقّا
للغير، ثانيهما: التبرئة عن عيوب المبيع.
و نقول: أمّا هذان المثالان فلا ربط لهما بالتعليق أصلا فضلا من أن يكون التعليق فيهما على ما يتوقّفان عليه واقعا؛ أمّا المثال الأوّل فلأنّ ضمان درك المبيع ثابت بقاعدة «على اليد» من دون حاجة إلى الإنشاء، فإنشاء ذلك لا يحدث أمرا جديدا، و إنّما يكون إبرازا لما هو ثابت بدليله. و أمّا المثال الثاني فحقيقة البراءة عن العيوب المحتملة في المبيع يرجع إلى إلغاء اشتراط وصف الصحّة الثابت بارتكاز العقلاء لولا الإلغاء، فكأنّه يقول: أنا لا أشترط وصف الصحّة في المبيع و لا التزم بذلك، و هذا أجنبيّ عن باب الإنشاء كما هو واضح.
و أمّا الكلام في أصل الكبرى، أي ما أفاده من أنّ التعليق في المقام يكون من التعليق على ما يتوقّف عليه العقد واقعا و تنظيره في المقام بطلاق مشكوكة الزوجيّة، ففيه: أنّ التعليق على ما يتوقّف عليه العقد إنّما يكون فيما لم يكن متعلّق الإنشاء أمرا استقباليّا، بل كان أمرا فعليّا كطلاق مشكوكة الزوجيّة فعلا معلّقا على أن تكون زوجة، و أمّا إنشاء أمر استقباليّ من الآن فهو ليس من باب التعليق على ما يتوقّف عليه العقد كما هو واضح، فما أجاب به قدّس سرّه غير صحيح. فلا بدّ من أن يقال: إنّ أصل الإيراد غير صحيح؛ فإنّه لا إجماع على بطلان التعليق فيما إذا كان المقتضي للمعلّق عليه موجودا كما في المقام.
ثمّ إنّه إذا كان الإسقاط بعوض كما في الصلح بعوض، يرد عليه إشكال آخر، و هو أنّ تحقّق المصالح عليه غير معلوم، فعلى تقدير عدم الغبن في الواقع لا يكون هناك معوّض.
و أفاد الشيخ قدّس سرّه بعد إيراد هذا الإشكال أنّ الأولى ضمّ شيء محقّق الوجود إلى
المصالح عنه المجهول الوجود، كخيار آخر محقّق أو شيء آخر.
ثمّ أفاد أيضا أنّه لو تبيّن عدم الغبن لا يقسّط العوض عليه لأنّه كان داخلا في المعوّض على تقدير وجوده لا مطلقا، هذا.
و نقول: أمّا بناء على المختار من مدرك خيار الغبن و هو الشرط الضمني، فلا مجال لهذا الإشكال، بل يكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع؛ و ذلك لأنّ العوض بناء على ذلك لا يكون إلاّ بإزاء إسقاط الشرط المحقّق ببناء العقلاء لكن بنحو شرط النتيجة، فالعوض إنّما هو بإزاء سقوط الشرط لا سقوط الخيار، و الاشتراط موجود على الفرض، سواء كان الخيار موجودا بسبب تخلّف الشرط أو لم يكن، و هذا واضح.
و أمّا بناء على القول بأنّ المدرك هو قاعدة «لا ضرر» أو الإجماع، فالإشكال وارد؛ لأنّ المصالح عنه حينئذ ليس إلاّ سقوط الخيار. و لا يندفع بما أفاده الشيخ قدّس سرّه من ضمّ شيء محقّق الوجود إليه؛ و ذلك لما ذكرنا في مسألة «بيع العبد الآبق مع الضميمة» من أنّ ذلك إنّما هو بالتعبّد على خلاف القاعدة؛ فإنّ ضمّ المعلوم إلى المجهول في البيع لا يرتفع به الغرر، بل يكون باقيا على غرريّته، و لذا لم يلتزم أحد بصحّة إجارة العبد الآبق مع الضميمة حتّى القائل بصحّة بيعه كذلك، فقياس المقام بذلك الباب في غير محلّه.
ثمّ بناء على صحّة ذلك، لما ذا لا يقسّط العوض عليه لو تبيّن عدمه مع أنّه قصد وقوع جزء من العوض بازائه، و ليس ذلك إلاّ أمرا قصديّا. و ما ذكره من أنّه كان دخيلا على تقدير وجوده، موجب للتعليق المتسالم على بطلانه.
و بالجملة: بناء على المسلكين لا بدّ في رفع الإشكال من أن يجعل تمام العوض
قوله قدّس سرّه: الثاني من المسقطات: اشتراط سقوط الخيار في متن العقد [1]
بإزاء الضميمة التي هي محقّق الوجود و يكون هو المصالح عليه و يشترط في ضمنه سقوط الخيار على تقدير ثبوته، و التعليق في ذلك لا يوجب البطلان، و قد مرّ الجواب عنه.
[1] ذكر الشيخ قدّس سرّه في اشتراط سقوط خيار المجلس و خيار الحيوان في متن العقد جملة من الإشكالات الواردة في المقام أيضا.
و العمدة منها إشكالان:
أحدهما: أنّه يكون إسقاطا لما لا يجب؛ فإنّ ثبوت الخيار إنّما هو بعد تماميّة العقد.
و فيه: أنّه لم ترد في بطلان إسقاط ما لم يجب آية و لا رواية، و إنّما الإشكال فيه من جهة كونه مستلزما للتعليق، و قد ذكرنا أنّ المدرك في بطلان التعليق ليس سوى الإجماع، و لم يقم إجماع على بطلان التعليق في المقام أي في إسقاط ما لم يجب في ضمن العقد؛ لوجود المخالف كما هو واضح.
ثانيهما: إشكال الدور، و حاصله أنّ لزوم الشرط و نفوذه متوقّف على لزوم العقد الذي وقع الاشتراط في ضمنه، فإذا كان لزوم العقد أيضا متوقّفا على لزوم الشرط و نفوذه، يلزم الدور.
و فيه أوّلا: أنّ لزوم الشرط غير متوقّف على لزوم العقد، بل الشروط في ضمن العقود الجائزة أيضا لازمة الوفاء. نعم في العقود الجائزة يحقّ للمتعاقدين إعدام موضوع الشرط بفسخ العقد، كما في المسافر فإنّه يجب عليه القصر و مع ذلك له إعدام الموضوع بقصد الإقامة، فلزوم الشرط غير متوقّف على لزوم العقد.
و ثانيا: لزوم العقد لا يتوقّف على نفوذ الشرط و ليس من قبله، و إنّما هو من جهة
العمومات كقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فإنّ هذه الحصّة من العقد أعني ما اشترط فيه سقوط الخيار، باق تحت العموم و لم يخرج عنه، هذا.
و لا يخفى أنّ ارتفاع الإشكال و اندفاعه عن اشتراط سقوط خصوص هذا الخيار بناء على أن يكون مدركه الاشتراط، في غاية الوضوح؛ و ذلك لأنّ حقيقة اشتراط سقوطه حينئذ يرجع إلى دفع تحقّق الاشتراط الارتكازي، فكأنّه يوجد قاصرا لتحقّق الاشتراط كما هو واضح.
هذا كلّه في الإشكالين اللذين هما مشترك الورود في جميع الخيارات.
و في المقام إشكال آخر يخصّه، و هو أنّ اشتراط إسقاط خيار الغبن موجب لغرريّة البيع.
و لذا التزم الشهيد(1)و الصيمري(2)ببطلانه، و تردّد المحقّق الثاني قدّس سرّه(3)في صحّته، و قاسوا بذلك اشتراط سقوط خيار الرؤية.
و لكن الشيخ قدّس سرّه التزم بصحّته، و أورد عليهم بوجوه ثلاث، اثنان منها مختصّ بخصوص الإشكال في اشتراط سقوط خيار الغبن، و واحد منها يجري في اشتراط سقوط خيار الرؤية.
الأوّل منها: هو أنّ الجهل بمقدار الماليّة لا يوجب غرريّة البيع و إلاّ لزم بطلانه مع الجهل بالقيمة السوقيّة، كما لو اشترى المشتري من البائع بثمن و هو لا يعلم بقيمته السوقيّة أصلا. و هذا الإيراد يكون نقضيّا عليهم.
الثاني: أنّ الخيار إنّما هو من آثار البيع الصحيح، و لا يمكن أن يكون موجبا لرفع الغرر و صحّة البيع، و إلاّ لصح كلّ بيع غرريّ متزلزلا، أي مع ثبوت الخيار. هذا ما أورده على الإشكال في اشتراط سقوط خيار الغبن.
و أمّا في خيار الرؤية، فحاصل ما أفاد أنّ صحّة البيع و إن كانت موقوفة على اشتراط تلك الصفات المرئيّة، و لكن اشتراطها له أثران: صحّة البيع و ثبوت الخيار على تقدير التخلّف، فمرجع إسقاط خيار الرؤية إلى الالتزام بعدم تأثير تخلّف تلك الأوصاف، أي الالتزام بعدم ترتّب هذا الأثر على الاشتراط، أي إلى عدم الالتزام بأصل الشرط، و لا يوجب ذلك غررا في البيع، هذا.
و في جميع ما أفاده نظر:
أمّا في الأوّل؛ فلأنّ للشهيد أن يسأل من الشيخ قدّس سرّه و يقول: هل البيع مع الجهل بالقيمة السوقيّة يكون مع اشتراط التساوي و لو بالارتكاز أم لا؟ فإن كان مع الاشتراط فهو أجنبيّ عن المقام و لا يصحّ النقض به، و إن كان مع عدمه فصحّته أوّل الكلام، و علي أيّ تقدير لا يصحّ النقض به.
و أمّا في الثاني؛ فكثيرا مّا يكون موجبا لصحّة البيع و يرتفع به الغرر كما هو واضح، و الكلام في المقام إنّما هو في اشتراط سقوط الخيار الذي يأتي من الشرط الضمني الارتكازي، لا الخيار الذي يجيء من قاعدة «لا ضرر» أو من الإجماع؛ لما ذكرنا غير مرّة أنّ الكلام في المعاملات يكون مع قطع النظر عن هذه الجهات، لأنّا نفرض وقوع المعاملة بين غير المسلم أو غير المتديّن، فتأمّل.
و أمّا في الثالث؛ فلأنّا ذكرنا مرارا أنّ متعلّق الالتزام لا بدّ و أن يكون أمرا اختياريّا للملتزم، إذ لا معنى للالتزام بأمر غير اختياري، فحقيقة اشتراط سقوط الخيار
يرجع إلى الالتزام باستمرار العقد و بقائه، و من الواضح أنّ هذا الالتزام مناف و مناقض للالتزام و البناء على وجود تلك الصفة، فلا يمكن الجمع بينهما، فالالتزام الثاني معدم للالتزام و البناء الأوّل، فتلزم غرريّة البيع، و ذلك واضح.
فالتحقيق في جواب الإشكال عن خصوص الغبن أوّلا: أنّ ما ذكره الشهيد من لزوم الغرر أخصّ من المدّعى فالدليل أخصّ؛ و ذلك لأنّا نفرض الكلام فيما إذا كان المشتري و البائع كلاهما عالمين بالقيمة و مطمئنّين بعدم الزيادة و النقيصة، و مع ذلك ليس هناك غرر و خطر، فتأمّل. و يجري هذا البيان في خيار الرؤية.
و ثانيا: قد ذكرنا مرارا أنّ الغرر يكون متقوّما بأمرين: الجهل، و تعلّقه بذات المبيع أو الثمن كما لو فرضنا أنّ المشتري لا يعلم أن المبيع حنطة أو شعير مثلا، أو بأوصافه ممّا لها دخل في غرض العقلاء كالسمن و الهزال في الحيوان مثلا. و أمّا الجهل بمقدار الماليّة فلا يوجب خطرا في البيع، نعم يكون الخطر و الغرر و الجهل في أمر اعتباريّ خارج عن البيع و هو الجهل بالقيمة السوقيّة، يعني لا يعلم أنّه بأيّ قيمة يشتريه الناس أو يبيعونه، و من الواضح أنّ هذا أجنبيّ عن الخطر في البيع، و لذا يصحّ البيع لو فرضنا وقوعه بين آدم و حوّاء - مثلا - في زمان لم يكن غيرهما من العقلاء موجودا و لم يكن هناك سوق. و هذا بخلاف ما إذا كان الجهل بالأوصاف، فإنّه يوجب الغرر في نفس البيع، فاشتراط سقوط خيار الرؤية لا يقاس بالمقام. و يلحق بالجهل بالأوصاف الجهل بالنقصان أيضا، و لذا يكون خيار العيب ملحقا بخيار الرؤية، فلا يصحّ اشتراط سقوطه.
و بهذا ظهر أنّه لا وجه لما أفاده المحقّق النائيني قدّس سرّه: من إلحاق خيار العيب بخيار الغبن؛ إذ هو ملحق بخيار الرؤية كما عرفت.
قوله قدّس سرّه: الثالث: تصرّف المغبون [1]
[1] تارة يقع الكلام في تصرّف المغبون و اخرى في تصرّف الغابن.
و الكلام فعلا في تصرّف المغبون، و تارة يكون البحث في تصرّفه قبل العلم بالغبن و اخرى في تصرّفه بعد العلم به.
أمّا التصرّف قبل العلم، فالمتقضي لثبوت الخيار - سواء كان هو الضرر أو الشرط الضمني أو الإجماع - موجود، و لا وجه لمسقطيّة ذلك التصرّف إلاّ توهم أنّ التصرّف بنفسه مسقط تعبّدي للخيار قياسا بمسقطّية تصرّف ذي الخيار لخيار العيب و لو كان قبل العلم به. و من الواضح أنّه لا وجه لذك، و لا يمكن قياس أحد المقامين بالآخر. و يمكن أن يكون السرّ في التعبّد بمسقطيّة التصرّف في خيار العيب هو أنّ الضرر هناك يمكن تداركه بوجهين: فسخ العقد و أخذ الأرش، فلا يكون منحصرا بالخيار، و لذا جعل التصرّف و لو من دون علم بالعيب مسقطا للخيار تعبّدا، و هذا بخلاف الغبن فإنّ تداركه منحصر بالخيار و القدرة على فسخ العقد. و هذا واضح.
و أمّا إن كان التصرّف بعد العلم بالغبن، فتارة يقصد بذلك إسقاط الخيار بحيث يجعله مصداقا للإسقاط، و لا إشكال في سقوطه حينئذ؛ لما ذكرنا مرارا من أنّه لا يعتبر أن يكون الإنشاء بالقول، بل يصحّ بكلّ فعل يكون مصداقا لذلك العقد عرفا، و المفروض أنّ التصرّف مصداق للإسقاط و قد قصد به الإنشاء. و هذا أيضا واضح.
و اخرى لا يقصد به ذلك، إمّا لأجل أنّه لا يراه كاشفا عن الرضا باللزوم و إنّما هو كاشف عن الرضا بالملكيّة، و إمّا لأجل تردّده في الفسخ و عدمه، أو لغير ذلك من الوجوه، و هي كثيرة، و الجامع بين الكلّ هو أنّه لم يقصد به الإسقاط، فهل يوجب ذلك سقوط الخيار أم لا يوجب؟
و الوجه في عدم الخيار حينئذ ينحصر في أحد أمرين:
أحدهما: قيام الدليل على مسقطيّة ذلك التصرّف للخيار بعد ثبوته من جهة شمول دليله للمقام أيضا.
ثانيهما: دعوى قصور المقتضي لثبوت الخيار في المقام و عدم شمول دليله لمثل المورد.
و الأمر الأوّل ينحصر في وجهين:
الأوّل: دعوى الإجماع على مسقطيّة التصرّف لأطلاق معاقد إجماعهم، و هو أنّ تصرّف ذي الخيار فيما انتقل عنه موجب للفسخ و فيما انتقل إليه موجب للإجازة.
الثاني: دعوى استنباط حكم كلّي من التعليل في الرواية الواردة في سقوط خيار الحيوان باللمس و التقبيل، و هو قوله عليه السّلام: «فذلك رضى منه».
و في كلا الوجهين ما لا يخفى:
أمّا الإجماع، فأوّلا: أنّه محتمل المدركيّة، و ليس إجماعا تعبّديا، فإنّ الظاهر أنّ نظرهم في الحكم بسقوط الخيار إنّما هو استفادة تلك الكبرى من التعليل.
و ثانيا: كيف تحقّق الاتّفاق مع أنّ ظاهر كلام الشيخ عدم تعرّض القدماء لذلك؟
و ثالثا: لو سلّمنا ثبوت الاتّفاق، فمعقده إنّما هو الملازمة بين الأمرين و أنّ كلّ تصرّف يكون فيما انتقل عنه فسخا يكون بعينه فيما انتقل إليه إجازة. و هذه كبرى كلّية غير متكلّفة لإثبات الصغرى.
و أمّا دعوى استنباط الكبرى الكلّية، فقد ذكرنا في محلّه أنّ المستفاد من تلك الرواية ليس إلاّ أنّ تلك التصرّفات المنصوصة رضى بالبيع تعبّدا، و لذا نقول بسقوط خيار الحيوان باللمس و التقبيل و لو كان بانيا على الفسخ و نصب القرينة على ذلك
و لم يكن ذلك التصرّف منه رضى بالبيع.
و أمّا الأمر الثاني، أعني دعوى قصور المقتضي للخيار لأن يشمل صورة التصرّف، فتقريبه: أنّ المدرك للخيار إن كان هو الضرر، فحيث إنّ التصرّف يكون كاشفا نوعا عن الرضا، فكأنّ المغبون بعد ذلك رضي بالضرر بقاء، فيكون نظير الإقدام على الضرر حدوثا، و لا فرق بينهما، فكما أنّه في صورة العلم بالغبن لو أقدم على البيع لا يثبت له الخيار لكونه مقدما على الضرر، كذلك لو رضي بالضرر بقاء يرتفع خياره. و لو كان المدرك للخيار هو الإجماع فلا بدّ من الاقتصار على المقدار المتيقّن من مورده، و هو صورة عدم التصرّف، انتهى.
و فيه أوّلا: أنّ المدرك للخيار ليس قاعدة «لا ضرر» و لا الإجماع، و إنّما هو الشرط الضمني، و هو موجود في المقام، فليس هذا و لا ذاك.
و ثانيا: لو سلّمنا أنّ المدرك هو الضرر فليس التصرّف كاشفا عن الرضا بالضرر، فإنّ الضرر في المقام الذي هو مرفوع بالقاعدة إنّما هو لزوم البيع لا الملكيّة، و إلاّ كان اللازم بطلان البيع لا الخيار، و من الواضح أنّ التصرّف لا يكون كاشفا إلاّ عن الرضا بالملكيّة لا اللزوم، و في مسألة الإقدام على البيع مع العلم بالغبن و إن كان بالدقّة يمكن التفكيك أيضا، بأن يقال إنّه لا يقدم على الضر و هو اللزوم و إنّما يقدم على الملكيّة و لكن بالنظر العرفي كأنّه يقدم على الضرر و اللزوم أيضا، و هذا بخلاف المقام فإنّ التصرّف بنظر العرف أيضا لا يكون كاشفا عن الرضا بلزوم البيع.
و ثالثا: نسلّم أنّ المدرك هو الإجماع و المتيقّن منه إنّما هو صورة عدم التصرّف، فلما ذا لا نتمسّك بالاستصحاب لإبقاء ذلك الخيار المتيقّن الثابت بالإجماع و نقول قبل التصرّف كان له الخيار و نشكّ بعد التصرّف في ارتفاعه و الأصل عدمه.
و ما يتوهّم أن يكون مانعا عن إجراء الاستصحاب في المقام إنّما هو امور ثلاثة:
أحدها: أنّ الإجماع دليل لبّي و الميزان في حجّيته عندنا إنّما هو جهة كشفه عن قول المعصوم، ففي الحقيقة الحجّة إنّما هو القطع الخارجي، و من المعلوم أنّا لا نقطع بثبوت الخيار بعد التصرّف، فتأمّل.
و فيه: أنّا لا نريد في الاستصحاب إبقاء المشكوك بالدليل الدالّ على حدوثه، و إلاّ لا نسدّ باب الاستصحاب في جميع الموارد، فإنّ دليل الحدوث في جميع موارد الاستصحاب لا يكون متكفّلا للبقاء. مثلا لو قامت البيّنة على عدالة زيد في يوم الجمعة و شككنا في بقائها يوم السبت فنثبته بالاستصحاب، مع أنّ البيّنة لم تخبر إلاّ عن عدالة يوم الجمعة. و بالجملة نفس الحدوث إذا كان محرزا بالدليل فالبقاء نثبته بالاستصحاب، كما هو الحال في جميع موارد الاستصحاب.
ثانيها: أنّ الشكّ في المقام يكون شكّا في المقتضي، و لا يجري الاستصحاب في ذلك.
و فيه أوّلا: أنّه قد بيّنا في محلّه جريان الاستصحاب في الشكّ في المقتضي أيضا.
و ثانيا: أنّ المقام ليس من الشكّ في المقتضي أصلا؛ و ذلك لما حقّقناه في محلّه، من أنّ الشكّ في الملاك ليس من الشكّ في المقتضي، لأنّ ضابط الشكّ في المقتضي هو أن يكون الشكّ في البقاء حتّى مع فرض عدم حدوث كلّ حادث و عدم انعدام كلّ موجود سوى المشكوك فيه، و من الواضح أنّ الشكّ في المقام ليس كذلك، و إنّما هو من جهة التصرّف، فالشكّ حقيقة إنّما هو في رافعيّة الموجود لا في المقتضي، و كم فرق بينهما؟
ثالثها: ما أفاده المحقّق النائيني قدّس سرّه(1)، و هو أنّ الشكّ في المقام إنّما هو في تبدّل الموضوع، لأنّ الموضوع للخيار هو المغبون بما أنّه مغبون لا بما هو متصرّف، و بعد التصرّف تبدّل بالمغبون المتصرّف.
و فيه: أنّ هذا الذي أفاد في تبدّل الموضوع مخالف لما حقّقه الشيخ قدّس سرّه و بيّنه المحقّق المذكور مفصّلا و بنى عليه، من أنّ الميزان في تبدّل الموضوع و عدمه هو أن يرى العرف بمناسبة الحكم و الموضوع أنّ الباقي هو الموضوع للحكم و إن كان مغايرا لما اخذ موضوعا في لسان الدليل و أن لا يراه كذلك. مثلا لو قال المولى:
الماء المتغيّر ينجس، فموضوع الحكم بالنجاسة في الدليل هو الماء المتغيّر، و لكن حيث إنّ النجاسة بنظر العرف يكون من الأعراض، فمعروضه في الحقيقة عندهم هو نفس الماء، و وصف التغيّر علّة للحكم، و لذا يرون موضوع الحكم بالنجاسة نفس الماء، فبعد زوال تغيّره من قبل نفسه لو شككنا في بقاء النجاسة و عدمه يجري الاستصحاب بلا شبهة، لأنّ العرف يرون الموضوع باقيا. و بالعكس في مسألة التقليد لو زالت ملكة الاجتهاد عن مجتهد و شككنا في بقاء حكمه و هو جواز تقليده، لا وجه لاستصحاب الحكم السابق، لأنّ موضوع الحكم بجواز التقليد متبدّل بنظر العرف، لأنّ الموضوع لذلك بنظرهم لم يكن هذا الشخص أي ذات المجتهد بما هو، بل بما أنّه مجتهد. و على هذا ففي المقام موضوع الحكم في الخيار هو المغبون بما هو مغبون لا بما أنّه غير متصرّف في العين، و من الواضح أنّ التصرّف لا يوجب عدم صدق هذا العنوان عليه كما هو واضح، فلا وجه لاحتمال
1) منية الطالب 135/3.
تبدّل الموضوع أصلا.
فتلخّص ممّا ذكر أنّه لا وجه لمسقطيّة التصرّف سواء كان قبل العلم بالغبن أو بعده.
و استثني من ذلك التصرّفات المتلفة لعين إمّا حقيقة كأكل المبيع أو إحراقه مثلا، و إمّا شرعا كبيعه أو عتق المبيع إذا كان عبدا. و ألحق بها بعض التلف السماوي أيضا.
و أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّ سقوط الخيار عند الإتلاف هو المشهور بين المتأخّرين.
و لكن لم أجد عنوان هذه المسألة في كلام من تقدّم على المحقّق على ما تتبّعت.
و كيف كان، المهمّ هو التكلّم في مدرك الحكم، فنقول: الاستدلال على سقوط الخيار في المقام يمكن أن يكون بوجهين:
الأوّل: دعوى قيام الإجماع على مسقطيّة تلك التصرّفات بعد فرض شمول دليل ثبوت الخيار لمثل المقام.
الثاني: دعوى عدم شمول الأدلّة له و أنّه لا مقتضي لثبوته أصلا.
أمّا دعوى الإجماع على المسقطيّة، ففيه أوّلا: أنّ إثبات الاتّفاق مع عدم تعرّض القدماء لهذه المسألة - على ما يدّعيه الشيخ قدّس سرّه بعد التتبّع - ممّا لا يمكن.
و ثانيا: لو سلّمنا تحقّقه؛ فمورده هو مطلق التصرّفات المتلفة و غيرها، و لا اختصاص له بالمقام، فيأتي فيه ما تقدّم.
و أمّا دعوى عدم المقتضي، فتقريبه: هو أنّه لو كان المدرك لخيار الغبن هو الإجماع فلا بدّ من الاقتصار على المورد الميتقّن منه، و هو غير صورة التصرّف.
و لا يقال: أنّا نثبت حدوث الخيار بالإجماع و نحكم ببقائه بحكم الاستصحاب كما في التصرّف غير المتلف؛ لأنّا نقول ثبوت الخيار قابل للبقاء حتّى بعد التلف
مشكوك الحدوث، و لا يمكن إثباته بالإجماع. و بعبارة أوضح: يحتمل أن يكون الخيار الثابت بالإجماع هو خصوص الترادّ لا ملك فسخ العقد، و إذا كان كذلك فلا يكون الخيار القابل للبقاء في هذا الفرض متيقّن الحدوث أصلا؛ إذ يحتمل أن يكون مورد الإجماع هو خصوص الترادّ كما في باب المعاطاة، و من الواضح أنّ الترادّ في فرض التلف غير ممكن، فكيف يستصحب؟ و لا يقاس المقام بالفرض المتقدّم، و هو فرض التصرّف غير المتلف للعين الذي ذكرنا فيه أنّه نثبت حدوث الخيار قبل التصرّف بالإجماع و نحكم ببقائه بحكم الاستصحاب؛ فإنّ في ذلك الفرض كان الخيار الثابت قابلا للبقاء حتّى بعد التصرّف، سواء كان ذلك ملك فسخ العقد أو كان هو الترادّ، و ذلك واضح. و لو كان المدرك قاعدة «لا ضرر» ففي فرض الإتلاف أو التلف يكون ضرر المغبون معارضا بضرر الغابن، و ذلك لأنّه في صورة بقاء العين لم يكن الفسخ ضررا على المغبون، غاية الأمر قد يكون مانعا عن انتفاعه. و أمّا في فرض تلف العين فالفسخ ضرر عليه، و لذا يتعارض الضرران فلا يؤثّر كلّ منهما، انتهى.
و نقول: ما ذكره هذا المستدلّ من أنه لو كان المدرك هو الإجماع لم يكن شاملا للمقام و لا يمكن إثباته بالاستصحاب، و إن كان صحيحا، و لكن المدرك ليس هو ذلك، و إنّما المدرك له هو الشرط الضمني الموجود في جميع الفروض حتّى فرض التصرّف عن علم، و لذا لا نفرّق بين القسمين أصلا.
و أمّا ما ذكره من تعارص الضررين، فجوابه ما أفاده الشهيد قدّس سرّه في اللمعة(1)،
1) اللمعة الدمشقيّة/ 109.
و حاصله: أنّ جواز العقد لا يكون ضررا على الغابن، لأنّ الغبن لو كان مثليّا بعد الفسخ ينتقل إليه و يردّ المثل، و إن كان قيميّا يردّ القيمة، و المفروض أنّه أيضا كان مقدما على تبديله بالقيمة على الفرض، و بعبارة اخرى: المدار في الضرر هو النقص المالي لا الأغراض الشخصيّة، و في كلا الفرضين في المقام لا يوجب الفسخ نقصا ماليّا على الغابن أصلا، نعم ربما تكون له علاقة بخصوص ذلك العين بحيث لو لم تكن قيمته زائدا مثلا لما كان يقدم على بيعه أو يرضى بتبديله بمثله، و لكن هذه الامور لا توجب النقص في ماله و لا يوجب صدق الضرر عليه.
و ربما يستدلّ للمقام بوجه ثالث: و هو أنّ إخراج المغبون العين عن ملكه يكون إقداما على الضرر و لو كان عن جهل.
و فيه أوّلا: أنّ هذا الدليل أخصّ من المدّعى لأنّ الكلام في الأعمّ من التلف و الإتلاف لا عن علم.
و ثانيا: أنّه لا يتمّ إلاّ في فرض العلم و الالتفات، و أمّا مع الغفلة أو الجهل أو اعتقاد أنّه غير مغبون مثلا، لا يكون ذلك إقداما على الضرر.
فالصحيح هو ثبوت الخيار في جميع الفروض كما عرفت. و الظاهر أو المظنون أنّ عدم تعرّض القدماء لهذه المسألة - أي لمسقطيّة التصرّف المتلف أو التلف - مع أنّهم تعرّضوا لخيار الغبن و مسقطاته، إنّما كان من جهة أنّهم لم يروه مسقطا كما اخترناه، فالمظنون موافقتهم مع ما اخترناه.
بقي الكلام في التنبيه على امور:
الأوّل: أنّه لا فرق في تصرّف المغبون بين أن يكون مشتريا أو بائعا، فمن قال بمسقطيّة التصرّف لا بدّ و أن يقول به في كلا الفرضين، فلا وجه لاختصاص ذلك
بالمشتري، إلاّ بناء على القول بأنّ مدرك مسقطيّة التصرّف هو الإجماع، فلا بدّ حينئذ من الاقتصار على المقدار المتيقّن من مورده، و هو تصرّف المشتري. و لكن قد عرفت عدم إمكان الاتّكال عليه أصلا.
الثاني: أنّه بناء على المختار من دليل ثبوت هذا الخيار و أنّه هو الشرط الضمني، لا فرق بين أن يكون التصرّف متلفا حقيقة أو يكون متلفا حكما كالتصرّفات الناقلة، و لا فرق فيها أيضا بين أن يكون نقلا جائزا أو لازما. و هكذا لو كان المدرك له قاعدة «لا ضرر» كما هو مختار الشيخ قدّس سرّه.
نعم لو كان المدرك له هو الإجماع و احتملنا أن يكون مورده هو الترادّ في خصوص إمكان ذلك، لكان للتفصيل بين التلف و غيره و بين الناقل اللازم و الجائز وجه. و لكنّه موهون جدّا.
الثالث: أنّه لا وجه لما أفاده الشيخ قدّس سرّه من الفرق بين ما إذا كان العين المنقولة عادت إليه بسبب جديد كإرث وهبة و نحوهما، أو عاد إليه بذلك السبب كما لو فسخ بواسطة خيار شرط و نحوه؛ و ذلك لأنّ فسخ المغبون يوجب انفساخ المعاملة الثانية الواقعة من حين الفسخ، و يرجع إلى ملك المغبون لا محالة، سواء كان نقلا لازما أو جائزا. نعم فيما إذا لم يمكن ردّ العين إلى الغابن إمّا بنفسها أو بالأوصاف و الشؤون التي انتقلت العين معها إلى المغبون، لو فرضنا أنّه تصرّف فيها تصرّفا متلفا لها عرفا لا عقلا كما لو مزج الدهن بالسمن مثلا، أو ما اذا مزجه بشيء من جنسه كخلط الدهن بالدهن فإنّه لا يكون تلفا و لكن يكون موجبا للشركة، أو أجرها مثلا، فإنّه لا يمكن ردّ العين في الصورة الاولى أصلا، و في الآخرين لا يمكن الردّ مع الأوصاف و الشؤون التي كانت العين واجدة لها حين ما انتقلت إلى المغبون، ففي
جميع هذه الصور يتحقّق الفسخ من المغبون، و لكن حيث لا يتمكّن من ردّ العين على ما كانت عليه، لا محالة ينتقل إلى المثل و القيمة، و يكون مأمورا بردّ المثل و القيمة.
و الحاصل أنّه بناء على مسلكنا في مدرك خيار الغبن يتحقّق الفسخ من المغبون في جميع هذه الصور، لأنّه عبارة عن حلّ العقد بقاء، فإذا أمكن ردّ العين لا بدّ من ردّها و إلاّ فينتقل إلى البدل. و لا يفرق بين أن يكون عود العين إلى الغابن بسبب جديد أو بالسبب الأوّل، لأنّ الشرط الضمني موجود في كلا الفرضين.
و أمّا على مسلك الشيخ في ذلك من مدركيّة قاعدة «لا ضرر» لخيار الغبن، فينبغي أيضا أن لا نفرّق بين أن يكون العود بسبب جديد أو بنفس السبب الأوّل؛ و ذلك لأنّه قبل تحقّق العود ربما يتوهّم أن يكون ثبوت الخيار للمغبون ضررا على الغابن من جهة عدم تمكّنه من الوصول إلى عين ماله فلا محالة يتعارض الضرران فلا يؤثّران فتسقط القاعدة، و أمّا بعد العود سواء كان بسبب جديد أو بعين السبب الأوّل لا تعارض في البين أصلا، لأنّ الفسخ حينئذ لا يكون ضررا على الغابن.
و بعبارة اخرى: المانع عن جريان قاعدة «لا ضرر» إنّما كان ضرر الغابن، فإذا ارتفع يؤثّر ضرر المغبون في رفع اللزوم لا محالة، فأيّ وجه للتفرقة بين السبب الجديد و غيره، فإنّ الزائل العائد كالذي لم يزل. و هكذا الكلام في حصول الشركة. هذا كلّه في تصرّف المغبون.
و أمّا لو تصرّف الغابن فيما انتقل إليه، فلا وجه لسقوط خيار المغبون أصلا؛ لأنّ تصرّف الغابن أجنبيّ عن المغبون. و هذا واضح.
ثمّ لو فسخ فهل يكون ذلك موجبا لانفساخ العقد من أوّل الأمر أو من حينه؟
الظاهر هو الثاني وفاقا للشيخ قدّس سرّه إلاّ في مسألة الاستيلاد، فإنّه قدّس سرّه قوّى فيه تقديم حقّ الخيار على الاستيلاد؛ من جهة أنّ حقّ الخيار أسبق من الاستيلاد، فإنّ الاستيلاد - و هو تولّد الولد منها - إنّما هو بعد ثبوت الخيار لذي الخيار و لذا يتقدّم الخيار عليه.
و فيه ما لا يخفى؛ فإنّ حقّ الخيار لذي الخيار و حقّ الاستيلاد لمن عليه الخيار، وكلا الحقّين يتحقّقان في زمان واحد، و لا سبق لأحدهما على الآخر. و أمّا نفس الخيار أعني إعماله و نفس الاستيلاد أعني تحقّق الولد في الخارج، فليس لهما ضابط كلّي، بل ربما يكون هذا سابقا على ذاك و ربما بالعكس، فلا فرق بين الاستيلاد و غيره من التصرّفات التي تكون في حكم الإتلاف.
ففي جميع الصور يتحقّق الفسخ من حينه، و لذا لا يكون الفاسخ مستحقّا للمنافع التي كانت للعين قبل الفسخ من حين العقد، بل يكون ذلك ملكا لمن عليه الخيار.
و من الواضح أنّه لو كان الفسخ حلاّ للعقد من حينه لكان اللازم أن تكون النماءات جميعها للفاسخ، و إذا كان الفسخ من حينه فببناء العقلاء و ارتكازهم تكون العين تحت يد من عليه الخيار و في ذمّته و إن لم تكن كذلك حقيقة فتأمّل، فتجري قاعدة «على اليد» فلا بدّ من ردّ العين بنفسها إذا كان ذلك ممكنا بأيّ نحو كان، من فسخ العقد الثاني اذا كان له الخيار أو بالشراء منه أو بغير ذلك، فكيف إذا تمكّن منه بسبب جديد كإرث و نحوه. و إذا لم يتمكّن فلا محالة لا بدّ له من ردّ المثل إذا أمكن ذلك أو القيمة مع عدم الإمكان.
و هذا الذي ذكرناه هنا من لزوم ردّ العين أوّلا ثمّ المثل ثمّ القيمة مع عدم التمكّن بمقتضي «على اليد» يكون واضحا خصوصا بناء على ما ذكرناه في بيان القاعدة،
من أنّ العين بجميع خصوصيّاتها تنتقل إلى الذمّة، فما عن المسالك صحيح لا يرد عليه ما أفاده الشيخ.
ثمّ لو فسخ و كان ردّ العين ممتنعا و أدّى البدل ثمّ اتّفق عود الملك إليه و تمكّن من ردّ العين، فهل يجب عليه ذلك أم لا؟
ظاهر كلام الشيخ قدّس سرّه هو الثاني، خصوصا لو كان العود بسبب جديد.
و لكن التحقيق أنّه إن كان ردّ البدل بعنوان بدل الحيلولة و لم يرض الفاسخ بتملّكه عوض العين فلا بدّ لمن عليه الخيار من ردّ العين مهما تمكّن منه و لو بسبب جديد؛ لما عرفت من عدم الفرق بينه و بين نفس ذاك السبب.
و أمّا إن كان أخذ البدل بعنوان الرضا بذلك بدلا عن العين كما هو الظاهر، فلا يجب عليه ردّ العين إذا أمكن ذلك و لو لم يكن بسبب جديد؛ و ذلك لأنّه رضي بالبدل عوضا عن ماله و بخصوصيّات البدل عوضا عن خصوصيّات العين، فتأمّل. و هذا بناء على ما ذكرناه سابقا في مسألة تعاقب الأيادي و أنّه كلّ من رجع إليه المالك الأوّل يصير مالكا للمال بالمعاوضة القهريّة، يكون أوضح.
و بالجملة، بعد البناء على أنّ الخيار يتعلّق بالعقد لا بالعين، لا مانع من الفسخ في جميع الصور، و بعده تكون نفس العين في ذمّة الغابن إمّا بمقتضي «على اليد» أو بمقتضي «من أتلف» فإنّه أتلف العين على المغبون، فيجب عليه ردّ العين إن كان ممكنا إمّا بفسخ المعاملة إن لم يكن لازما أو بالإقالة أو بالشراء و نحو ذلك.
فما أورده الشيخ قدّس سرّه على صاحب المسالك حيث قال: و لو كان الناقل ممّا يمكن
إبطاله الزم بالفسخ، فإن امتنع فسخه الحاكم... الخ(1)، غير وارد؛ و ذلك لتماميّة ما في المسالك فإنّه يلزم بالردّ و لازم ذلك إلزامه بالإبطال فإن امتنع يجبره الحاكم فإنّه وليّ الممتنع و إلاّ فتصل النوبة إلى عدول المؤمنين و بعده إلى فسّاقهم، و فساد ما أورده عليه فإنّ البدل يستحقّه المغبون بعنوان بدل الحيلولة، و لا يختصّ بدل الحيلولة بالحيلولة بين المالك و بين العين الخارجي حتّى يقال إنّ العين بالفسخ لا يرجع إلى ملك الفاسخ لأنّه منقول إلى ملك غير الغابن، بل يأتي في الحيلولة بينه و بين ما في الذمّة أيضا. و في المقام الغبن قد حال بين المغبون و بين العين التي يملكها في ذمّته، فيستحقّ عليه بدل الحيلولة. و لا يفرق الحال فيما ذكر بين تصرّف الغابن و المغبون كما هو واضح.
ثمّ لو تصرّف تصرّفا مغيّرا للعين، فتارة يكون بالنقيصة و اخرى بالزيادة عينيّة كانت أو حكميّة.
و تكلّم الشيخ قدّس سرّه أوّلا في النقصان، و حاصل ما أفاده: أنّ النقيصة تارة يكون ممّا يوجب الأرش و اخرى يكون ممّا لا يوجبه، فإن أوجب الأرش أخذه مع الأرش.
و نقول: ظاهر تعبيره قدّس سرّه ب «الأرش» أن يكون مراده من تغيير الوصف هو خصوص تغيير وصف الصحّة، إذ الأرش هو الفرق بين المعيب و الصحيح. و لكن من الواضح أنّه ليس المعيار في لزوم ردّ العين مع مقدار الفرق بين الواجد للوصف و الفاقد، هو خصوص وصف الصحّة و العيب، بل يعمّ جميع الأوصاف التي لها دخل في زيادة ماليّة العين، سواء كان من قبيل وصف الصحّة كما لو فرضنا أنّ العبد كان
1) المسالك 206/3.
صحيحا ثمّ صار أعمى حين الفسخ، أو كان من قبيل الأوصاف غير الدخيلة في الصحّة كما لو فرضنا أنّ العبد كان كاتبا و الآن نسي الكتابة، فإنّ وصف الكتابة ليس ممّا له دخل في الصحّة، و لذا لو تخلّف لا يوجب الأرش، بل يوجب خيار تخلّف الوصف كما هو واضح.
و بالجملة، لا وجه للاختصاص بتلك الأوصاف. و الظاهر أنّ تعبيره قدّس سرّه ب «الأرش» إمّا من باب التغليب و إمّا مسامحة، و إلاّ فمراده قدّس سرّه من الأرش هو الفرق بين الواجد للوصف و الفاقد له قطعا. و الدليل على ذلك هو التعليل في ذيل كلامه، و هو قوله: لأنّ الفائت مضمون بجزء من العوض... الخ.
هذا كلّه في تلف الوصف. و مثله أيضا لو تلف بعض العين.
و أمّا لو كانت العين مستأجرة فالأقوال التي يذكرها الشيخ قدّس سرّه ثلاثة:
أحدها: أن يكون على المغبون أن يصبر حتّى تنقضي مدّة الإجارة بلا استحقاق شيء على الغابن، لأنّه إنّما تصرّف في ملكه المطلق و كانت ملكيّة المنافع تابعة للملكيّة المطلقة للعين و كان له استيفاؤها، فليس للمغبون حقّ في مطالبة الاجرة من الغابن، بل لا بدّ و أن يصبر، فالغابن استوفى منفعة مجّانا.
و من الواضح أنّ هذا الاحتمال لا تمكن المساعدة عليه، بل صدروه من مثل الشيخ قدّس سرّه من الغرائب.
ثانيها: ما نقله عن المحقّق القمّي(1)، و هو انفساخ الإجارة في بقيّة المدّة؛ من جهة أنّ ملك منفعة الملك المتزلزل متزلزل، نظير فسخ بيع العين المستأجرة بخيار الشرط.
1) جامع الشتات 431/3-432، المسألة 203.
و هذا الاحتمال أيضا لا دليل عليه؛ و ذلك لأنّ مالك العين يملك منافعها التي لم يأت ظرف استيفائها، و لذا تصحّ إجارة الدار مثلا مدّة تسعين سنة، فتأمّل.
ثالثها: ما نقله عن العلاّمة(1)، من استحقاقه اجرة المثل.
و هذا أيضا لا وجه له.
و هناك احتمالان آخران:
الأوّل: أن تكون الإجارة فضوليّة منوطة بإجازة الغابن، فإن أجاز يستحقّ اجرة المسمّى، و إن لم يجز و ردّها تبطل.
الثاني: أن تكون الإجارة صحيحة و يكون اجرة المسمّى ملكا للموجر، غاية الأمر يستحقّ المغبون على الغابن مقدار الفرق بين العين مستأجرة عن غيرها.
و ربما يختلف ذلك عن اجرة المثل كما هو واضح.
و هذا الاحتمال هو الأوجه من الوجوه الخمسة؛ و ذلك لأنّ كون العين مسلوبة المنفعة أو كونها قابلة لاستيفاء منافعها صفتان في العين توجبان نقص القيمة و زيادتها، فلو كانت العين حين ما دخلت تحت يد الغابن متّصفة بقابليّة اسيتفاء منافعها و عند الردّ لم تكن متّصفة بتلك الصفة، و من الواضح أنّها من الصفات التي تختلف بها ماليّة العين بل قوام ماليّة الأعيان إنّما هو بمنافعها، فلا بدّ من أن يؤدّي الغابن إلى المغبون قيمتها، سواء كان أقلّ من اجرة المسمّى أو المثل أو كان أكثر.
ثمّ إنّ الشيخ قدّس سرّه أفاد في ذيل نقل كلام العلاّمة أنّه سيجيء ما يمكن أن يكون فارقا بين المقامين.
1) القواعد 96/2.
و نقول: إنّ هذه الجملة لو كان راجعا إلى الفرق بين الفسخ و التفاسخ، فمضافا إلى أنّه لا يأتي، لا فرق بينهما، و لذا بظاهرها لا يتمّ. و لكن المظنون أنّه راجع إلى كلام المحقّق القمّي قدّس سرّه و قياسه المقام بفسخ البائع بخيار الشرط، فإنّه سيأتي في محلّه أنّه فرق بين خيار الشرط أي الخيار بشرط ردّ الثمن لأنّ ظاهر الاشتراط هو اشتراط أن لا يتصرّف الطرف فيما انتقل إليه تصرّفا ناقلا للعين أو للمنفعة بمثل هذه التصرّفات أي الإجارة مدّة طويلة مثلا، بخلاف الخيارات الاخر. و بالجملة المظنون أنّها راجعة إلى ذلك و كتابتها في ذيل كلام العلاّمة من غلط النسّاخ، و اللّه العالم. هذا كلّه إذا كان التصرّف بالنقيصة.
و أمّا إن كان بالزيادة، فتارة تكون الزيادة حكميّة محضة و اخرى عينيّة محضة و ثالثة حكميّة و عينيّة.
أمّا إن كانت حكميّة محضة، فمثّل له الشيخ قدّس سرّه في المقام بقصارة الثوب و تعليم الصنعة و التزم فيها بثبوت الشركة.
و لكنه لم يمثّل لها في تصرّف المغبون. و نسخ الكتب هناك مختلفة، ففي بعضها أنّ الأقوى هو الردّ في الوسطى و هو الزيادة الحكميّة، و على هذا لا بدّ و أن يكون مراد قدّس سرّه من الزيادة الحكميّة زيادة القيمة السوقيّة فقط، لا زيادة الوصف مثل القصارة و تعليم الصنعة، و إلاّ يكون حكمه هناك منافيا مع الحكم بعدم الردّ و ثبوت الشركة في المقام. و في بعض النسخ أنّ الأقوى عدم الردّ لحصول الشركة، و لو كان هذا هو الصحيح لكان مراده قدّس سرّه من الزيادة الحكميّة زيادة الوصف كما في المقام.
و كيف كان، فالمهمّ بيان حكم الفرض، فنقول: تارة لا يكون الوصف الحادث في العين بعمل الغابن بل يكون حدوثه منه تعالى، و لكنّه ممّا تتفاوت به قيمة العين
و تزيد، كما لو فرضنا أنّ العبد كان فاسقا سيّء الخلق و عند الغابن صار صالحا حسن الخلق أو كان مريضا و صار عند الغابن صحيحا من دون إعماله شيئا من التداوي و نحوه، فإنّ العبد المريض أو الفاسق الفاجر تتفاوت قيمته مع العبد الصحيح أو الأمين الخيّر، بل ربّما يكون التفاوت ضعفين أو أكثر، و لكن حدوث صفة الصحّة أو الأمانة على الفرض يكون بهدايته تعالى و عافيته لا بعمل الغابن.
و اخرى تكون زيادة الوصف بعمل الغابن، و لكن ذلك الوصف لا يكون موجبا لزيادة ماليّة العين أصلا و يكون وجوده و عدمه سيّان، كما لو فرضنا أنّ الغابن علّم العبد لغة مهجورة متروكة كاللغة السريانيّة مثلا أو اشترى دارا و طهّر أرضه بزحمات، فإنّ حدوث وصف التعلّم في الأوّل و الطهارة في الثاني و إن كان بعمل الغابن بل ربما تصدّى لزحمات، و لكنّه لا يوجب زيادة في قيمة العين أصلا.
و في هذين القسمين ظاهرهم الاتّفاق على رجوع العين إلى المغبون بعد فسخه من دون أن يستحقّ الغابن عليه شيئا؛ لأنّه لم يعمل شيئا في القسم الأوّل و نفس الوصف لا يقابل بالمال و لا يكون مملوكا مستقلاّ بل يكون تابعا للعين حدوثا و بقاء و لذا لم يوجب ذلك الشركة، و في الثاني و إن عمل الغابن و لكن عمله حيث لم يكن بأمر المغبون و لم يكن الغابن أجيرا له و إنّما عمل في ملكه فلا يكون عمله مضمونا على المغبون و الوصف الحاصل لا يوجب زيادة في الماليّة على الفرض. و هذا واضح.
و إنّما الإشكال في القسم الثالث، و هو ما إذا كان الوصف بعمل الغابن و كان موجبا لزيادة القيمة، كما لو علّم العبد صناعة كالتجارة و الكتابة، فهما وصفان يوجب كلّ منهما زيادة قيمة العبد و قد حدث بعمله.
و في هذا الفرض التزم الشيخ قدّس سرّه بحصول الشركة بعد الفسخ.
و نقول: لا وجه لحصول الشركة في هذا الفرض بناء على ما التزموا به في الفرضين السابقين من أنّ الوصف لا يقابل بالمال؛ فإنّه على هذا يكون من قبيل زيادة القيمة، و إلاّ فلا فرق بين هذا الفرض و فرض حصول الوصف من دون فعل الغابن، فلا بدّ و أن يلتزم بحصول الشركة هناك أيضا، و لم يلتزموا به.
و بالجملة: لو كان الوصف ممّا يا قبل بالمال و يكون باقيا على ملك الغابن فلا بدّ من الالتزام بالشركة فيما إذا كان حدوثه من اللّه تعالى من غير عمل الغابن؛ إذ هو وصف حادث في ملكه و لا وجه لأن ينتقل إلى غيره بلا سبب و لا فرق بين القسمين. و لكن التحقيق أنّ الوصف غير قابل لأن يقابل بالمال و إن كان موجبا لزيادة قيمة الموصوف، فيكون في الحقيقة من قبيل زيادة القيمة السوقيّة التي هي أمر اعتباري.
ثمّ لو تنزّلنا عن ذلك و قلنا بأنّه يقابل بالمال فليس لازمه هو الشركة؛ لأنّ الشركة لا بدّ و أن يكون بأحد أمرين: إمّا الامتزاج و هو يوجب الشركة القهريّة أو إنشاء الشركة و هو من العقود، و ليس شيء منهما موجودا في المقام، نعم في المقام يكون ضمّ ملك إلى ملك بحيث لا يمكن تفكيكهما نظير ما لو جعل بندي عباء من ملك شخص و من شخص آخر أو غير ذلك، فإنّه لا يوجب الشركة أصلا فتأمّل، بل يكون كلّ ملك باق على ملك مالكه. هذا كلّه في نفس الوصف.
و أمّا ما أفاده المحقق النائيني قدّس سرّه(1): من أنّ عمله محترم و له جهة صدور قائم
1) منية الطالب 148/3.
بالعامل وجهة وقوع قائم بالعين فبجهة صدوره يكون ممّا يقابل بالمال فيستحقّ على المغبون الاجرة، فقد ظهر جوابه ممّا تقدّم؛ و ذلك لأنّ عمله بجهة صدوره لم يكن تحقّقه بأمر من المغبون و لا بإجازة منه، بل كان قد عمل في ملكه، و لا يوجب ذلك ضمان غيره، فالحقّ عدم الشركة في كلا القسمين. هذا في الزيادة الحكميّة.
و أمّا الزيادة العينيّة المحضة، كغرس الزرع أو الشجر أو نصب عمارة أو شيء آخر في الأرض، فإنّها لا توجب زيادة قيمة الأرض، بل لها قيمة مستقلّة و للأرض قيمة مستقلّة لا تتفاوت بها.
و الاحتمالات التي ذكرها الشيخ قدّس سرّه ثلاثة:
الأوّل: أن يكون المغبون مسلّطا على قلعه، و هو ما أفتى به العلاّمة قدّس سرّه في المختلف في الشفعة(1). فإن قلعه الغابن بنفسه فبها، و إلاّ فيلزمه الحاكم أو يقلعه المغبون بنفسه إذا قدر على ذلك من دون أن يكون عليه أرش.
و الثاني: أن لا يكون مسلّطا على قلعه و لا يكون مستحقّا للاجرة من الغابن و لا للأرش أصلا، بل عليه أن يصبر حتّى يقلعه بنفسه، كما عليه المشهور في باب التفليس.
و هذا الاحتمال يكون نظير ما ذكره الشيخ قدّس سرّه فيما إذا وجد العين مستأجرة، من أنّ على الفاسخ الصبر حتّى تنقضي مدّة الإجارة من دون أن يجب على الغابن بذل عوض المنفعة. و نحن هناك و إن وافقناه في أنّه لا بدّ و أن يصبر الفاسخ حتّى تنقضي
1) المختلف 356/5.
مدّة الإجارة، و لكن ذكرنا أنّ على الغابن أن يؤدّي إليه الفرق بين العين مستأجرة و غير مستأجرة.
الثالث: أن يكون مسلّطا على قلعه مع الأرش، أي مع الفرق بين الشجر و الخشب أو بين العمارة و الكرستة مثلا.
و هناك احتمال رابع أفاده الشيخ: و هو أن يكون لكلّ من المالكين تخليص ماله عن مال صاحبه، فإن أراد مالك الغرس ذلك فعليه أرش طمّ الأرض، و إن أراده مالك الأرض فعليه أن يؤدّي الفرق بين الشجر و الخشب مثلا.
و الصحيح من هذه الاحتمالات و الموافق للقاعدة إنّما هو الاحتمال الأوّل المنقول عن العلاّمة قدّس سرّه؛ و ذلك لأنّه هو الذي يقتضيه قانون الفسخ، فبعد فسخ المغبون يستحقّ من الغابن عينه بمقتضى قانون «اليد» خاليا عن كلّ شاغل فيطالبه بذلك، فإن قلعه فبها و إلاّ فيرجع إلى الحاكم فيقلعه بأمر الحاكم، و حينئذ يكون الإتلاف بأمر الشارع و لا يكون موجبا للضمان كما هو واضح.
و لا يقاس المقام ببيع الأرض المستأجرة؛ فإن المالك فيه قد استوفى جميع منافعها و لذا ليس للمشتري مطالبة المستأجر بتخيلة الأرض، بخلاف مثل المقام و مثل باب التفليس لو رجع صاحب الأرض إليها - بناء على أنّ مالك العين أحقّ بها من غيره - فوجدها مغروسة فتأمّل، فإنّ تصرّف صاحب الغرس في الأرض بقاء يكون ظلما و عدوانا.
و لا يقاس أيضا بمسألة «تعارض الضررين» في مثل ما إذا أدخل بقرة رأسها في قدر شخص آخر و لم يمكن تخليص كلّ من المالين عن الآخر إلاّ باتلاف أحدهما حيث التزم فيها بعض بالتخيير و بعض بتقديم أقلّ الضررين إلى غير ذلك؛ و ذلك لأنّه
ليس لأحدهما أن يطالب الآخر بتخليص ماله، فإنّ النسبة إلى كلّ منهما على حدّ سواء، بخلاف المقام فإنّ نفس الأرض كما تكون ملكا لمالكها، نفس الفضاء الذي يعبرّ عنه الفلاسفة ب «البعد الموهومي» أيضا ملك له، فلمالك الأرض أن يطالب مالك الغرس بتخليص الأرض و نقل غرسه إلى مكان آخر، و لا عكس إذ من الواضح أنّه لا معنى لأن يقول مالك الغرس لمالك الأرض: انقل أرضك أو فضاءك إلى مكان آخر مطلقا. و هكذا في غير الأرض أيضا إذا كانت العين تحت يد المتصرّف فارغا عن الشاغل يدا ضمانيّا، كما لو فرضنا أنّ المبيع كان لوحا و الغابن المشتري نبّته بالذهب مثلا، فإنّه بمقتضى قاعدة «على اليد» يجب على المشتري أن يردّ العين إلى المغبون كما وقعت تحت يده. نعم لو فرضنا أنّ غاصبا غصب اللوح من شخص و الذهب من شخص آخر و نبّته في اللوح و بعد ذلك مات الغاصب و تمكّن كلّ من المالكين من استرداد ملكه، يكون من قبيل البقرة و القدر. و لكن لا يقاس اللوح و أمثاله بالأرض؛ فإنّ لها خصوصيّة، و دائما يكون مالكها هو المطالب، و لا يطالب و لو كان غرس الشجر أو بناء العمارة بفعل غاصب كما مثّلنا في اللوح و الذهب.
و بهذا ظهر أنّ ما أفاده الشيخ قدّس سرّه من أنّ لكلّ منهما تخليص ماله مع أرش ما يرد على مال الآخر من النقص، لا يتمّ إلاّ من طرف واحد، و هو طرف الغابن أي مالك الغرس في المثال، فإذا قلع الغرس يكون عليه أرش طمّ الأرض، لقاعدة «اليد» أو «الإتلاف» و ليس له أن يطالب المغبون أي مالك الأرض بتفاوت ما بين كونه منصوبا و مقلوعا، أي التفاوت بين الشجر و الخشب، و ذلك لأنّه إنّما يريد أرضه كما كانت، و تضرّر مالك الغرس بذلك أجنبيّ عنه.
و لا معنى لأن يقال: إنّ لزوم تخليص الأرض على مالك الغرس ضرر عليه فيكون مرفوعا عنه؛ و ذلك لأنّ بقاءه أيضا ضرر على مالك الأرض، فيتعارض الضرران، فتسقط القاعدة، فتأمّل.
و يكون هذا التوهّم نظير ما لو كان قيمة المال في دكّان أزيد من قيمته في مكان آخر، فيقول مستأجر الدكّان يعد تماميّة المدّة: إنّ نقل متاعي من هذا الدكّان ضرر عليّ، فإنّه من الواضح أنّه ليس له ذلك أصلا.
ثمّ إن ما أفاده في المختلف في باب الشفعة(1)، من قوله: إنّ الفائت لمّا حدث في محلّ معرّض للزوال... الخ، و هكذا ما ذكره الشيخ قدّس سرّه: من أنّ الغرس وقع في ملك متزلزل... الخ، و يظهر منهما أنّ وجه عدم لزوم التدارك إنّما هو اقدام مالك الغرس على الضرر، و لازم ذلك لزوم التدارك في غير صورة الإقدام، كما لو كان الغرس في ملك غير متزلزل ثمّ وقع التفاسخ أو الإقالة أو غير ذلك، غير تمام.
أمّا أوّلا: فلما عرفت من أنّ الضررين متعارضان. و ثانيا: الإقدام إنّما يكون بعد ثوبت الحكم.
و هكذا التمسّك بمفهوم الرواية، و هي: «ليس لعرق ظالم حقّ»(2)لإثبات الحقّ للغارس إذا لم يكن ظالما، يكون من التمسّك بأضعف مفهوم الوصف كما هو واضح.
و بالجملة، في جميع الصور حتّى في باب التفليس أيضا يكون المالك الأرض
تخليص ماله بلا أرش عليه.
و إذا عرفت هذا لا بأس بالتنبيه على امور تبعا للشيخ قدّس سرّه:
منها: أنّه إذا جاز القلع، فهل تجوز للمغبون مباشرة القلع أم له مطالبة الغابن بذلك، و مع امتناعه يجبره الحاكم؟
أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّ هناك وجوها، و ما أفاده في هذا المقام ليس إلاّ وجهان؛ لأنّ عدم جواز القلع للمغبون إنّما هو وجه واحد، و بعد امتناع الغابن فإنّ الرجوع إلى الحاكم و مع التعذّر إلى عدول المؤمنين، جميعها من توابع الوجه الثاني، و بعبارة اخرى: بعد الامتناع يدخل في حكم الممتنع، و ليست للمقام خصوصيّة، فلا يعدّ وجها آخر في قباله، إلاّ أن تكون وجوه اخر ذكرت في غير المقام.
و كيف كان، فالتحقيق هو عدم جواز قلع المغبون؛ لأنّه تصرّف في مال الغير و لا وجه له أصلا، نعم لو امتنع يجبر على القلع. و هكذا الكلام لو دخلت أغصان شجر الجار إلى داره.
و ما جعله الشيخ فرقا بين المقامين، من أنّ دخول الأغصان في دار الجار يكون بغير فعل المالك بخلاف المقام، ممنوع صغرى و كبرى:
أمّا صغرى؛ فلأنّ دخول الأغصان كثيرا ما ينتهي إلى اختيار المالك أيضا، فإنّ غارسه في مكان قريب من دار الجار نوعا يعلم بدخول أغصان شجره في دار جاره، فدخول الأغصان يكون منتهيا إلى فعله الاختياري، و في الغرس ربما لا يكون فعلا اختياريّا للغابن، كما لو فرضنا أنّ الغاصب غرس الشجر في هذا الأرض أو أنّ وكيله المفوّض غرسه من دون علم الموكّل بذلك.
و أمّا كبرى؛ فلأنّ حرمة التصرّف في مال الغير لا يختصّ بمقام دون مقام.
و منها: أنّه لو اختار المغبون إبقاء الغرس، فهل يستحقّ الاجرة من الغابن أم لا؟
الظاهر بل الواضح هو الأوّل؛ لأن الرضا بالبقاء ليست فيه المجّانية. و توهّم أنّ المغبون لم يكن له إلاّ حقّ واحد و هو حقّ القلع و المفروض أنّه أسقطه بالرضا بالبقاء، واضح الفساد.
و منها: أنّه ذكر في المسالك(1)أنّ في الشجر يتعيّن إبقاؤه بالاجرة؛ لأنّ له أمدا ينتظر.
و لا يخفى ما فيه؛ فإنّ طول المدّة و قصرها لا يمكن أن يكون مدركا للحكم الشرعي، نعم يمكن أن يكون وجها لحكم العرف بالضرر و عدمه.
و بالجملة: بمقتضى قاعدة «اليد» لا بدّ للغابن من تسليم الأرض إلى المغبون فارغا عن كلّ شاغل كما أخذه منه، و تضرّره بذلك أجنبيّ عن المغبون كما عرفت، فلا فرق بينهما أصلا، فالإبقاء بالاجرة لو كان ثابتا في المقام يعني في المدّة اليسيرة، لكان ثابتا في المدّة الكثيرة - كعشرين سنة - أيضا. و لعلّه لما ذكرنا أشار بقوله: فتأمّل.
و منها: أنّه لو طلب مالك الغرس القلع، فهل لمالك الأرض منعه لاستلزامه نقص أرضه، أم لا لأنّ كلاّ منهما مسلّط على ماله و ليس لأحدهما أن يمنع الآخر عن التصرّف في ماله؟
الظاهر هو الثاني، نعم له أن يمنعه من الدخول في أرضه، و أمّا منعه عن القلع فلا. و بعد القلع - كما عرفت - على الغابن أرش طمّ الأرض و نحوه ممّا يحدث
1) لم نعثر عليه في المسالك، نعم هو موجود في الروضة 469/3.
بسببه في الأرض.
هذا كلّه في التغيير بالزيادة.
و أمّا التغيير بالامتزاج، فحاصل ما أفاد الشيخ أنّ المزج تارة يكون بغير الجنس و اخرى بالجنس.
فإن كان بغير الجنس، فإن كان بنحو الاستهلاك عرفا كمزج الدهن بالتمّن مثلا، فهو في حكم التالف فيرجع إلى المثل أو القيمة. و إن لم يعدّ تالفا عرفا كمزج الخلّ و الأنجبين مثلا، فوجهان: حصول الشركة و كونه ملحقا بالتالف. هذا ما أفاده قدّس سرّه.
و المختار من الوجهين هو الوجه الثاني و أنّ المزج في مثل المقام إذا كان بغير الجنس بحيث تحقّقت بعد المزج هناك حقيقة ثالثة عرفا، يكون ملحقا بالمعدوم عرفا، فيرجع إلى المثل أو القيمة.
و لا يقاس بما إذا كان المزج واقعا في ملك شخصين إمّا اختيارا أو بغير اختيار، فإنّ هناك تحصل الشركة لا محالة، سواء تبدّلت بالمزج صورته النوعيّة حقيقة أو عرفا. مثلا لو فرضنا أنّ أحد عنصري الماء كان لزيد و الآخر لعمرو فمزجهما شخص و تحقّق منهما الماء، فلا محالة يكون الماء مشتركا بينهما؛ و ذلك لأنّ المادّة إذا كانت ملكا لأحد تتبعه ملكيّة الصورة النوعيّة مهما تغيّرت و تبدّلت، و لذا لو فرضنا أنّ غاصبا غصب بيضة من شخص و وضعها تحت دجاجة و صارت فرخا، يكون الفرخ ملكا له، و ليس للغاصب أن يقول: ما غصبته منك كان بيضة و الآن أردّ لك بيضة. و ذلك كلّه واضح. و أمّا في المقام فإنّ تبدّل الصورة لم يكن في ملك المغبون. و بعبارة اخرى: وقت المزج لم تكن المادّة ملكا للمغبون بل كان ملكا للغابن، فلم تدخل الصورة بالتبع في ملكه، و عين ماله قد تلف على الفرض، فليس
له الرجوع إلاّ إلى المثل أو القيمة.
ثمّ لا يخفى ما في عبارة المصنّف من المسامحة في المقام، و هو قوله «فيكون كالتالف الرافع للخيار» و عن بعض المحشّين أنّه من سهو القلم، و لكنّه ليس كذلك، بل هو من باب المسامحة، إذ مراده من رفع الخيار رفع استرجاع نفس العين. و ذلك واضح. هذا كلّه إذا كان المزج بغير الجنس.
و أمّا إن كان بالجنس، فتارة يكون بالمساوي و اخرى بغير المساوي، و على الثاني تارة يكون بالأجود و اخرى بالأردى.
أمّا إن كان بالمساوي فتحصل الشركة لا محالة.
و إن كان بالأردى فالمحتمل وجوه:
الأوّل: الشركة و استحقاقه أرش النقص بمعنى أنّه يقوّم في هذا الحال و يقوّم قبل المزج فيؤخذ الفرق بينهما.
الثاني: أن يشاركه بمقدار التفاوت أيضا في نفس العين، مثلا لو كان الردي يسوي نصف قيمة الجيّد يكون المغبون شريكا له بمقدار ثلثين لا النصف.
الثالث: أن يستحقّ مقدار التفاوت من الثمن، ففي الفرض شركته في العين تكون في النصف، و لكن في الثمن بعد البيع يكون له ثلثان، و الثلث الآخر يكون للغابن.
أمّا الاحتمال الأخير فلا وجه له أصلا لا صحيحا و لا فاسدا؛ و ذلك لأنّ الشركة في الثمن تكون فرغ الشركة في العين، و لا معنى لعدم الشركة في الزائد على النصف في العين و تكون الشركة في ثمنها كما هو واضح.
و على مبنانا المتقدّم فإنّ الصحيح هو الوجه الأوّل؛ لأنّ المغبون يستحقّ العين من الغابن كما أخذها منه، و في المقام حيث إنّه ناقص حكما فلا بدّ و أن يؤدّي الغابن
قوله قدّس سرّه: بقي الكلام في حكم تلف العوضين مع الغبن [1]
إليه الأرش.
و أمّا لو كان المزج بالأجود، فاحتمل فيه الشيخ وجهين: الشركة بنسبة قيمتها في نفس العين أو في الثمن كذلك، و لكن التحقيق أنّه داخل في مسألة الزيادة الحكميّة، و حيث اخترنا هناك أنّ الزيادة الحكميّة لا توجب الأرش و لا شيئا آخر على المغبون فلا محالة يكون المغبون شريكا مع الغابن بنسبة نفس المالين من دون أن يكون عليه أرش أو غير ذلك، فهذه زيادة رزقها اللّه للمغبون مجّانا.
[1] الكلام فيه يقع في جهات:
الاولى: في حكمه، تارة يتكلّم فيه من حيث إنّ متعلّق الخيار هو ترادّ العينين، و مع تلف أحدهما لا يبقى مجال لإعماله، و هذا قد تقدّم الكلام فيه مفصّلا، فيكون المقام من صغريات ما تقدّم.
و اخرى في أنّ إتلاف المغبون يكون رضى منه بالبيع فيسقط الخيار لذلك، و هذا أيضا تقدّم الكلام فيه. و لكن هذا الوجه يختصّ بخصوص إتلاف المغبون لما انتقل إليه، و لا يعمّ سائر الصور.
الثانية: أنّه بعد الفسخ هل يغرم الغابن للمغبون لو كان التالف ما انتقل إليه أو المغبون للغابن لو كان التالف ما انتقل عنه، قيمة يوم التلف أو قيمة يوم الفسخ إذا كان التالف قيميّا؟
أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّ هناك قولين، و ظاهر الأكثر هو الأوّل، أي قيمة يوم التلف.
و نقول: الأقوال في التلف تحت اليد الضماني أربعة:
أحدها: أنّه يضمن قيمة يوم الغصب، أي اليوم الذي وقع المال تحت يد الضامن؛ بدعوى أنّ ذلك اليوم هو اليوم الذي ضمن المال.
ثانيها: أن يضمن قيمة يوم التلف؛ بدعوى أنّه هو اليوم الذي تنتقل العين إلى القيمة.
ثالثها: أن يضمن أعلى القيم؛ لأنّ للمالك أن يطالبه أيّ وقت أراد و يكون تفاوت القيمة مضمونا عليه.
رابعها: أن يكون قيمة يوم الأداء.
و على ما ذكرناه من أنّ نفس العين تكون في العهدة يكون المتعيّن هو الوجه الرابع مطلقا. و في المقام يوم الغصب أعني يوم صيرورة المال مال الغير و مضمونا على الغابن أو المغبون هو يوم الفسخ.
و الظاهر أنّ ما نسبه الشيخ قدّس سرّه إلى الأكثر في المقام من اعتبار قيمة يوم التلف، إنّما هو من جهة تطبيق كلامهم هناك - أي الكبرى الكلّية التي التزموا بها في اليد الضماني إذا تلفت العين و هي قيمة يوم التلف - على المقام، و إلاّ فالظاهر أنّ الأكثر لم يفتوا بهذا في المقام بخصوصه، و لنا شاهد على ما ادّعيناه سنذكره عن قريب.
ثمّ إنّ الشيخ قدّس سرّه بعد ما نسب اعتبار قيمة يوم التلف في المقام إلى الأكثر، أفاد:
أنّ في الدروس و المسالك و محكيّ حاشية الشرائع و في الحدائق(1)صرّحوا بأنّه لو اشترى عينا بعين فقبض أحدهما دون الاخرى فباع المقبوض ثمّ تلف غير المقبوض، أنّ البيع الأوّل ينفسخ بتلفه بمقتضى «كلّ مبيع تلف قبل القبض فهو من مال بائعه» و لكن البيع الثاني صحيح، فيغرم البائع الثاني للبائع الأوّل - مثلا - قيمة المقبوض يوم تلف غير المقبوض. و هذا صريح في أنّ العبرة بيوم الفسخ لأنّ يوم
1) الدروس 211/3، المسالك 257/3، الحدائق 189/19-190.
تلف غير المقبوض هو يوم الانفساخ، و ليست العبرة بقيمة يوم التلف، فلما ذا التزموا في المقام بقيمة يوم التلف، و الفرق بين المسألتين مشكل، انتهى.
و حاصله الإشكال على الأكثر فيما أفادوه في المقامين مع أنّهما من واد واحد.
و الظاهر عدم ورود الإشكال عليهم أصلا. و العجب منه قدّس سرّه و من المحشّين حيث لم يبيّنوا ذلك.
و تحقيقه هو أنّ تلف المقبوض في ملك مالكه الأصلي إنّما يكون يوم تلف غير المقبوض و انفساخ العقد؛ و ذلك لأنّ قبل ذلك لم يكن تلفه في ملك مالكه الأصلي و إنّما كان ملكا للبائع الثاني، و هذا بخلاف اليد في موارد اليد الضماني التي تكون العين فيها باقية على ملك مالكها كما في الغصب، فإنّ التلف مهما تحقّق يكون تلفا في ملك مالكه، فتنتقل العين في ذلك الحين إلى الذمّة بقيمتها. و لازم هذا الدليل أن يلتزم في تلف المقبوض بما أفادوه من قيمة يوم الفسخ، فإنّه هو اليوم الذي تنتقل العين إلى ذمّة البائع الثاني بقيمتها، فكلامهم هنا لا يكون منافيا مع ما أفادوه في تلك الكبرى الكلّية بل يكون من صغرياتها. و أمّا المقام أعني فسخ المغبون، فبعينه يكون من قبيل تلف غير المقبوض، و حكمهما واحد. و الظاهر أنّهم لا يلتزمون بقيمة يوم التلف فيه، بل يلتزمون بقيمة يوم الفسخ، إذ هو يوم التلف في ملكه كما أفادوه في تلف المقبوض. و هذه قرينة على أنّ ما نسبه قدّس سرّه إليهم إنّما هو من تطبيق تلك الكبرى على المقام، فلا إشكال عليهم أصلا.
الثالثة: أنّه لو كان التلف بإتلاف الأجنبي، فإن كان قد أدّى البدل إلى من وقع التلف في ملكه قبل تحقّق الفسخ، فبعد الفسخ ليس للمغبون أو للغابن أن يرجع إلى المتلف، لأنّه قد سقط ضمانه بأداء البدل.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» الظاهر ثبوت خيار الغبن في كلّ معاوضة ماليّة [1]
و أمّا إن كان الفسخ قبل أداء البدل فللمالك أن يرجع إلى أيّ منهما شاء نظير تعاقب الأيادي، لأنّ الإتلاف حدوثا و إن لم يكن في ملك هذا الشخص بل كان في ملك طرفه، و لكنّه بقاء يكون في ملكه، و لا فرق بين المقام و تعاقب الأيادي، فتأمّل.
الرابعة: لو كان الإتلاف بفعل المغبون أو بفعل الغابن فأبرءه الآخر ثمّ فسخ المغبون، لا بدّ من ردّ غير التالف و أخذ قيمة التالف؛ لأنّ الإبراء بمنزلة القبض.
هذا تمام الكلام في المقام، و هو قليل من كثير كما أفاده الشيخ قدّس سرّه.
[1] هل الخيار يجري في جميع المعاوضات أو يختصّ بخصوص البيع أو هناك تفصيل؟
التحقيق أنّه لو كان مدركه هو الإجماع فلا بدّ من الاقتصار على المتيقّن من مورده، و هو خصوص البيع.
و تعرّضهم لعدم جريان خيار المجلس في غير البيع و عدم تعرّضهم لجريان خيار الغبن و غيره و عدمه في غير البيع، لا يستظهر منه عمومها و جريانها في ذلك أي في سائر المعاوضات بدعوى أنّها لو لم تكن جارية فيها لتعرّضوا لذلك كما تعرّضوا لعدم جريان خيار المجلس و اختصاصه بالبيع؛ و ذلك لأنّ تعرّضهم لخيار المجلس إنّما كان من جهة وجود المخالف من العامّة، فإنّهم قائلون بجريانه في مطلق المعاوضات مع اختصاص دليله بخصوص البيع، و ليس منهم مخالف في المقام.
و كيف كان، تحصيل الاتّفاق في ثبوت خيار الغبن في جميع المعاوضات ممّا لا يمكن مع وجود المخالف صريحا.
و أمّا إن كان المدرك قاعدة «لا ضرر» فيجري في جميعها، لأنّ الغبن ضرر أينما
تحقّق، و بالإجماع خصّصت القاعدة بصورة الإقدام على الضرر.
نعم يقع الكلام حينئذ في أنّه هل يثبت الخيار فيما إذا كان الإقدام على المعاوضة مع احتمال كونها ضرريّة و إمكان الفحص عن ذلك مسامحة من جهة صدق الإقدام بهذا المقدار، و عدمه كما أفاده الشيخ في ذيل المسألة، و لكنه غير مختصّ بها فإنّه يجري في البيع أيضا و لو على تقدير اختصاص خيار الغبن به كما تعرّض له الشيخ فيما تقدّم، فذكره في المقام لا يكون له وجه؟
و أمّا إن كان المدرك هو الشرط الضمني، فيجري الخيار في كلّ معاوضة لا تكون مبنيّة على المغابنة و تكون مبنيّة على حفظ الماليّة و التبديل بين الأعيان بحسب الارتكاز العرفي كما هو المطلوب في كلّي التجارات و عليه مدارها. و على هذا يتمّ التفصيل الذي ذكره الشيخ قدّس سرّه بين كلّ عقد وقع شخصه على حفظ الماليّة و عدم المسامحة بحسب الارتكاز العقلائي و غيره.
و أمّا الصلح فهو يكون على أقسام ثلاث:
لأنّه تارة يكون ملحقا بالبيع بل هو هو حقيقة، غاية الأمر لا يعتبر فيه جميع ما كان معتبرا في البيع، و هو الصلح المعمولي في سوق الحراج غالبا، فإنّ الدلاّلين غالبا في مقام الايجاب يعبّرون بلفظ «صالحت» لا «بعت»، و في هذا القسم يثبت الخيار بلا شبهة.
و اخرى يكون الصلح مبنيّا على المسامحة كما في صلح ما في الذمم عند الاشتباه و الجهل بمقداره، أو صلح المال إلى الأخ أو الصديق مثلا، فإنّه يكون مبنيّا على المسامحة، و الغرض منه ليس حفظ الماليّة كما هو واضح.
و القسم الثالث هو الصلح في مقام الدعاوي و المرافعات، و الظاهر أنّ الصلح في
قوله قدّس سرّه: «مسألة» اختلف أصحابنا في كون هذا الخيار على الفور أو على التراخي [1]
هذا القسم لا يكون واقعا على ما في الذمّة، لأنّ ثبوت شيء في ذمّة المدّعي أو المنكر مشكوك، و الصلح على شيء مشكوك الثبوت لا معنى له، فإن كان الصلح على ما في الذمّة فإنّه ربما لا يكون فيه بدل فيكون باطلا، فالصلح فيه إنّما يكون واقعا على إسقاط الدعوى و عدم الترافع، و لذا أفتى بعض من قارب عصرنا بأنّ ذمّة المديون في هذا القسم لا يسقط، فلو فرضنا أنّه لم يكن عند الصلح عالما باشتغال مّته و علم به بعد ذلك لا بدّ له من أدائه، و هذا ليس إلاّ من جهة أنّ الصلح وقع على إسقاط الدعوى فتأمّل، و على هذا فلا معنى لخيار الغبن في هذا القسم أيضا.
[1] و حاصلها أنّه هل يكون خيار الغبن فوريّا بالفوريّة العرفيّة لا بالدقّة العقليّة فإذا فرضنا أنّ المغبون علم بالغبن و لم يفسخ المعاملة فورا عرفا لمسامحة مثلا يسقط خياره و ليس له الفسخ بعد ذلك، أو لا يكون فوريّا، أو يفصّل؟ وجوه.
و المشهور هو الأوّل؛ للاقتصار على المتيقّن فيما هو على خلاف الأصل.
و قرّره جامع المقاصد(1): بأنّ المستفاد من أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ليس لزومها و طلب استمرارها آنامّا، فإنّه حاصل في غالب المعاملات بل في جميعها، فإنّ الفسخ لا يكون متّصلا بتاء «قبلت» بل يفصل بين تماميّة المعاملة و بين الفسخ غالبا بل دائما، فلزومها آنامّا حاصل، فيكون جعله لغوا، فلا بدّ و أن يكون المجعول هو اللزوم و الاستمرار في تمام الأزمنة، خرج عن ذلك زمان ظهور الغبن، و في المقدار الزائد عموم الآية محكّمة.
1) جامع المقاصد 38/4.
و استدلّ بعض من يرى القول الثاني: باستصحاب بقاء الخيار.
و فصّل في الرياض(1): بين ما إذا قلنا بأنّ مدرك الخيار هو الإجماع فيتمسّك بالاستصحاب، و ما إذا قلنا إنّ مدركه هو قاعدة «لا ضرر» فلا يمكن التمسّك به.
و أفاد الشيخ الأعظم قدّس سرّه أن جميع الوجوه تمكن الخدشة فيها.
و حاصل ما أفاد يبتني على مقدّمتين:
المقدّمة الاولى: أنّ الأحكام تكليفيّة و وضعيّة حيث إنّها زمانيّة فلا بدّ من وقوعها في زمان، و لكن الزمان تارة يكون ظرفا للحكم محضا من دون أن يكون قيدا له و أن يوجب مروره عليه تعدّده، نظير ظرفيّة الزمان للأشحاص، فإنّ مرور زمانين بشخص واحد لا يوجب تعدّد ذلك الشخص، فزيد في يوم الخميس عين زيد في يوم الجمعة، و الاختلاف إنّما هو في ظرفه و هو الزمان من دون أن يكون موجبا لتعدّده. و اخرى يكون موجبا لتعدّد الحكم و يكون قيدا له.
مثال الأوّل: وجوب صلاة الظهر من أوّل الزوال إلى وقت غروب الشمس مثلا، فإنّه وجوب واحد مستمر.
و مثال الثاني: وجوب جميع الصلوات مثلا، فإنّ وجوب صلاة الظهر وجوب مستقلّ و وجوب صلاة العصر وجوب آخر. و هكذا استحباب صوم كلّ يوم مغاير مع استحباب صوم اليوم الثاني، غاية الأمر أنّها أحكام متماثلة.
و بعبارة اخرى: تارة تكون للحكم أفراد طوليّة، و اخرى لا تكون له إلاّ أفراد عرضيّة.
1) الرياض 191/8.
فإن كان العموم من قبيل الأوّل و خرج عنه فرد طولي لا محالة نتمسّك بالعموم في الأفراد الاخر، لأنّ خروجها تخصيص زائد و أصالة العموم محكّمة، و لا معنى للرجوع فيها إلى الاستصحاب حتّى مع قطع النظر عن العموم؛ لأنّه من قبيل إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر. كما أنّ استحباب صوم كلّ يوم خصّص في يوم العيدين، فلو شككنا في استحبابه في يوم بعد العيد، لا معنى لاستصحاب بقاء حكمه في يوم العيد، بل يرجع إلى العموم.
و إن كان من قبيل الثاني و ارتفع ذلك الحكم الواحد الشخصي فلا معنى للرجوع إلى العموم؛ لأنّ الحكم - على الفرض - حكم واحد شخصي مستمر، فإذا فرضنا أنّه ارتفع في زمان، فإثباته في الزمان الثاني إثبات حكم جديد يحتاج إلى دليل جديد، و إثباته بذلك الدليل الأوّل يعدّ قياسا باطلا، ففي هذا القسم لا معنى للرجوع إلى العام حتّى لو لم يكن الاستصحاب جاريا. فما أفاده الشيخ قدّس سرّه من تغاير مورد الرجوع إلى العام و إلى الاستصحاب متين في الغاية.
ثمّ بناء على ما ذكر، لا فرق بين أن يكون العموم مستفادا من دليل لفظيّ أو من مقدّمات الحكمة، فما أورده بعض على المحقّق من أنّ عموم الآية بالنسبة إلى الأزمان مستفاد من الإطلاق و لا يمكن التمسّك به، ممّا لا وجه له.
المقدّمة الثانية: في بيان أنّ المقام من أيّ القسمين؟
و حاصلها: أنّ الآية، و هي قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ معناه التحت اللفظي وجوب إتمام العقود، و حيث نعلم وجدانا أنّه ليس حكما تكليفيّا بحيث لو فسخ أحد المتعاقدين و قال: فسخت، يكون عاصيا، فلا بدّ من حملها على الإرشاد، فبالمطابقة أو بالالتزام تكون دالّة على لزوم العقد. و اللزوم المجعول بها ليس إلاّ
لزوما واحدا مستمرّا نظير الملكيّة المستمرّة. هذا على المختار.
و أمّا على مسلك الشيخ، من أنّ مفاد الآية أحكام تكليفيّة - كحرمة التصرّف فيما انتقل عنه مثلا - و أنّ الحكم الوضعي منتزع عنها، فربما يقال بجواز التمسّك بإطلاقها لما بعد الفسخ، فيكون المجعول بها أحكاما عديدة.
و لكن حيث لا يكون في الآية لفظ دالّ على ذلك مثل كلمة «في كلّ آن» أو «في جميع الأزمان» مثلا، و لا محذور في الالتزام بكون المجعول بها حكما واحدا سوى مسألة اللغويّة - و هذا المحذور يندفع بأحد أمرين إمّا الالتزام بكون المجعول حكما واحدا مستمرّا أو بكون المجعول أحكاما عديدة، و حيث إنّ الثاني يحتاج إلى مؤنة زائدة فيتعيّن الأوّل - فيكون المجعول حكما واحدا فيلحق بالقسم الثاني، و بعد ارتفاعه لا يمكن الرجوع إليها، بل يستصحب الجواز.
و ملخّص ما أفاده الشيخ في الفرق بين مورد الرجوع إلى العام و مورد استصحاب المخصّص، هو أنّ الزمان لو كان موجبا لتعدّد الحكم باختلافه بحيث تكون هناك أحكام عديدة بحسب تعدّد الأزمنة يكون من قبيل الأوّل، و لو كان الزمان ظرفا محضا بحيث لا يكون هناك إلاّ حكم واحد مستمرّ يكون من قبيل الثاني. فالتمسّك بالاستصحاب في الأوّل يكون من القياس، و في الثاني التمسّك بعموم العام لا وجه له؛ لأنّ ذلك الحكم الواحد ارتفع قطعا وعوده يحتاج إلى دليل، فلا مناص من استصحاب حكم المخصّص، و إلاّ فيرجع إلى الاصول الاخر، هذا.
و لشيخنا النائيني قدّس سرّه(1)في المقام كلام، حاصله أنّه أفاد مقدّمات في بيان كلام
1) منية الطالب 163/3-173.
الشيخ قدّس سرّه دفعا لما يرد عليه من الإشكال. و عمدة المقدّمات التي ذكرها مقدّمتان، أحدهما في بيان الكبرى و الفرق بين الموردين، و ثانيهما في تعيين الصغرى.
أمّا المقدّمة الاولى، فملخّصها أنّ الزمان تارة يكون تحت الحكم و يكون الحكم واردا على الزمان بحيث يتقيّد الحكم في الرتبة السابقة على تحقّقه بالزمان و ينشأ مقيّدا، و اخرى يكون الزمان فوق الحكم و يكون الزمان واردا عليه و ظرفا له.
و القسم الأوّل إنّما هو فيما إذا اخذ الزمان قيدا في المتعلّق نظير إكرام يوم الجمعة و يوم السبت مثلا، فإنّ الإكرام فيه يتقيّد أوّلا بالزمان و يكون الحكم واردا عليه.
و مثال القسم الثاني ما إذا كان الزمان ظرفا أو قيدا لنفس الحكم، فإنّ نفس الحكم ربما يكون دائميّا غير منسوخ و ربما يكون مؤقّتا و منسوخا.
و في القسم الأوّل يمكن أن يكون نفس دليل الحكم متكفّلا للاستمرار و الدوام، بخلاف القسم الثاني فإنّه لا يمكن أن يكون نفس دليل ذلك الحكم متكفّلا لدوامه و أنّ هذا الجعل ممّا لا ينسخ أو أنّه مؤقّت و ينسخ فيما بعد، فلا بدّ من دليل آخر لإثبات دوامه من استصحاب أو رواية كقوله عليه السّلام: «حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة»(1)و ذلك لأنّ النسخ إنّما هو بمعنى رفع الحكم الثابت، فالرفع عدم الرفع إنّما هو فرع ثبوت أصل الحكم و يكون متأخّرا عنه، فلا معنى لإثبات ذلك بنفس دليل ثبوته. و حيث إنّ الرواية و هي قوله عليه السّلام: «حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة...» على فرض صحّتها لا تدلّ إلاّ على استمرار الحكم الثابت، و بعد تخصيص الحكم بفرد في مقدار من الزمان، يكون الشكّ في أصل
1) الوسائل 124/18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 47.
ثبوت الحكم بعده لا في استمراره، فلا يكون المقام مشمولا لها. و يأتي تفصيل الكلام فيها في محلّه إن شاء اللّه.
و بالجملة على هذا فمورد التمسّك بالعموم إنّما هو القسم الأوّل دون القسم الثاني.
و أمّا المقدّمة الثانية، فحاصلها التفرقة بين الأحكام الوضعيّة و التكليفيّة و في التكليفيّة بين الأوامر و النواهي و إثبات أنّ اللزوم إنّما هو في القسم الثاني لا الأوّل، هذا.
و لا يخفى ما في كلا القسمين من المقدّمة الاولى، و لا يهمّنا التعرّض لما في القسم الأوّل، و إنّما المهمّ بيان القسم الثاني.
فنقول: إنّه تارة يكون الشكّ في دوام نفس الحكم الكلّي و استمرار نفس الجعل و أنّه ينسخ أم لا، و اخرى يكون الشكّ في استمرار المجعول و أنّه بعد فعليّة الحكم بفعليّة موضوعه هل يكون ذلك الحكم الفعلي أبديّا أو يكون مؤقّتا؟
فإن كان الشكّ من قبيل الأوّل فالحقّ كما أفاد، لا يمكن التمسّك بنفس دليل الحكم لإثبات دوام الحكم و أنّه لا ينسخ فيما بعد؛ لما أفاد من أنّ دوام الحكم و ارتفاعه فرع ثبوته، بل لا بدّ من التماس دليل آخر لدوامه مثل الرواية المشهورة من أنّ حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة.
و أمّا إن كان الشكّ في المجعول و أنّ هذا الحكم الفعلي بفعليّة موضوعه كالملكيّة بعد تحقّق البيع مثلا، هل هي ملكيّة مستمرّة أبديّة أو أنّها ملكيّة مؤقّتة؟ فلا ريب في صحّة التمسّك بدليلها لإثبات الاستمرار؛ و ذلك لما ذكرنا غير مرّة من أنّ الإهمال النفس الأمري غير معقول، فلا بدّ و أن يكون المجعول إمّا حكما مستمرّا أو
حكما مؤقّتا، و لا معنى لأن يكون مهملا من هذه الجهة كسائر الجهات أيضا.
و كم فرق بين الشكّين؛ فإنّ الشكّ في دوام المجعول أجنبيّ عن الشكّ في استمرار أصل الجعل، إذ يمكن أن يكون المجعول أبديّا و جعله مؤقّتا و بالعكس، فلا وجه للخلط بين القسمين.
و من البديهي أنّ الشكّ في لزوم البيع في المقام يكون من قبيل الشكّ في المجعول لا في أصل الجعل و استمرار الحكم الكلّي؛ إذ من الواضح أنّا لا نشكّ في نسخ الحكم بلزوم البيع بعد انكشاف الغبن و عدم فسخ المغبون فورا، و إنّما الشكّ في أنّ اللزوم المجعول هل هو لزوم مستمرّ باق بعد ذلك أم لا؟
فما أفاده من أنّ الزمان لو لم يكن قيدا للمتعلّق لا يكون الدليل متكفّلا للاستمرار و عدمه، غير تامّ. و يدلّ على ذلك أنّ نفس النجاسة المجعولة على الملاقي مثلا أو للأعيان النجسة، يمكن أن يكون حكما مستمرّا كما يمكن أن يكون مؤقّتا، كما أنّ إنشاء علقة الزوجيّة يمكن أن يكون أبديّا و يمكن أن يكون مؤقّتا، مع أنّ الزمان لا يكون فيهما قيدا للمتعلّق كما هو واضح. فالفرق بين الموردين إنّما هو بما ذكرناه و هو الميزان، لا بما أفاده قدّس سرّه.
و بالجملة، بعد ما عرفت من عدم جواز التمسّك بعموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فهل يمكن استصحاب حكم المخصّص أعني بقاء الخيار أم لا؟
المناقشات الواردة على ذلك امور ثلاثة:
المناقشة الاولى: ما أفاده الشيخ قدّس سرّه، و هو أنّه حيث لم نحرز موضوع الخيار من دليل لفظي، و المتيقّن إنّما هو المتضرّر الذي لا يتمكّن من دفع ضرره و تداركه، فلا يكون بقاء الموضوع محرزا إذا كان المتضرّر متمكّنا من دفع الضرر و لو آنامّا،
فيكون الشكّ في بقاء الموضوع، انتهى.
و فيه أوّلا: أنّ الموضوع إن كان هو المتمكّن من دفع ضرره مع قطع النظر عن حكم الشارع بثبوت الخيار، فكما كان المغبون كذلك حين صدور العقد هكذا يكون غير متمكّن بعد انقضاء زمان ظهور الغبن بل إلى الأبد أيضا. و إن كان غير المتمكّن بلحاظ الحكم الشرعي فلا يكون المغبون غير متمكّن من حين صدور العقد أيضا فتأمّل، فلا يكون الموضوع متحقّقا أصلا، و لازمه عدم ثبوت الخيار له أصلا، فهذه الدعوى مما لا تمكن المساعدة عليها.
و ثانيا: ما أفاده المحقّق النائيني قدّس سرّه(1)، و حاصله أنّ ما ذكره الشيخ إنّما هو من قبيل الأكل من القفا، فإنّه يمكن تقريب المناقشة بوجه أدقّ و أمتن، بأن يقال إنّ دليل خيار الغبن إنّما هو حديث «لا ضرر» و موضوعه إنّما هو الحكم الضرري، ففي المقام اللزوم الضرري يكون مرفوعا، و من الواضح أنّ الحكم الضرري إنّما هو اللزوم المستمرّ، و أمّا اللزوم الذي يتخلّل فيه العدم في زمان يمكنه رفع ضرره، فلا يكون مثله حكما ضرريّا أصلا، فكلّ من القسمين أجنبيّ عن الآخر، و هما موضوعان أجنبيّان، انتهى.
أقول: هذه هي المناقشة الثانية في استصحاب الخيار.
و فيه: أنّ الضرر إنّما هو بمعنى النقص، و لزوم البيع الغبني في كلّ آن يكون ضررا على المغبون بمعنى أنّه موجب لنقص ماله، إذ فرضنا أنّه اشترى ما يسوي عشرة بعشرين مثلا، و هذا هو النقص المالي، فلزومه ضرر سواء كان مستمرّا أو تخلّل بينه
1) منية الطالب 174/3.
العدم، فكلّ آن ثبت فيه اللزوم يكون ضرريّا من دون فرق بين الاستمرار و عدمه.
نعم لو فرضنا أنّ المغبون علم بثبوت الخيار و فوريّته و لم يفسخ المعاملة إلى أن انقضى زمان الخيار يكون مقدما على الضرر، فيسقط خياره من جهة الإقدام، و لكنّه أجنبيّ عمّا نحن بصدده من إثبات الفوريّة أو التراخي.
هذا، مضافا إلى أنّ جميع هذه الوجوه ممّا لا أساس لها؛ لأنّها مبتنية على أن يكون مدرك خيار الغبن قاعدة «لا ضرر» و قد عرفت عدم صحّة ذلك و أنّ المدرك الصحيح له إنّما هو الشرط الضمني، و موضوعه ذات المتعاملين، فلو شككنا في استمراره بحسب إمضاء الشارع و عدمه من جهة احتمال قطعه في مقام الإمضاء الشرعي، يجري استصحابه من دون أن يكون الشكّ في بقاء الموضوع و تبدّله أصلا.
المناقشة الثالثة: و هي ترد حتّى على المختار في مدرك خيار الغبن، و حاصله أنّ الشكّ في المقام يكون من قبيل الشكّ في المقتضى.
و نقول: كلمات الشيخ في تقريب الشكّ في المقتضى في غاية الإجمال و الإشكال، و لذا بيّن مراده المحقّق النائيني قدّس سرّه بما حاصله: أنّ الشكّ في المقتضي إنّما هو فيما إذا كان احتمال الارتفاع موجودا حتّى مع قطع النظر عن حدوث معدوم أو انعدام موجود، بل يكون الشكّ فقط بلحاظ مرور الزمان، و الشكّ في الرافع إنّما هو فيما إذا كان احتمال الارتفاع بلحاظ وجود شيء أو انعدام موجود. مثلا تارة يشكّ في بقاء علقة الزوجيّة من جهة الشكّ في المدّة المجعولة في الأجل، و اخرى يشكّ في ذلك من جهة أنّ الزوج أنشأ طلاق الزوجة بالفارسيّة مثلا، و الأوّل من قبيل الشكّ في المقتضي، و الثاني من قبيل الشكّ في الرافع.
و كيف كان، بناء على هذا فالشكّ في بقاء الخيار و ارتفاعه في المقام إنّما هو من جهة مرور الزمان فقط مع قطع النظر عن أمر آخر، فيكون من قبيل الشكّ في المقتضي، فالصغرى في هذه المناقشة متينة جدّا. و من يقول بعدم جريان الاستصحاب في الشكّ في المقتضي لا مناص له من الالتزام بعدم جريانه في المقام.
و لكن الكلام في الكبرى؛ فإنّا قد بيّنا في محلّه أنّ الاستصحاب يجري مع الشكّ في المقتضي كما يجري مع الشكّ في الرافع، و نسبة دليل حجّيته إليهما على حدّ سواء، و قوله عليه السّلام: «لا تنقض اليقين بالشكّ» يشمل الشكّ في المقتضي على حدّ شموله للشكّ في الرافع.
و على هذا فيجري استصحاب بقاء الخيار، و النتيجة هو استمرار خيار الغبن و الحكم بالتراخي فيه.
و لكن على مسلك الشيخ حيث التزم بعدم جواز الرجوع إلى عموم «أوفوا» من جهة أنّ المستفاد منه إنّما هو حكم واحد مستمرّ، و لا إلى استصحاب حكم المخصّص لأنّ الشكّ فيه شكّ في بقاء الموضوع أو أنّه شكّ في المقتضي، فلا محالة تصل النوبة إلى الاصول الاخر، و المرجع في المقام أصالة عدم تأثير الفسخ و بقاء كلّ من المالين على ملك مالكه الأصلي. و لا يكون ذلك من قبيل الاستصحاب مع تبدّل الموضوع؛ لأنّ موضوع الملكيّة هو ذات المتبايعين و هما باقيان على حالهما.
ثم ذكر تفصيلا من بعض معاصريه(1)، و حاصله أنّه لو كان مدرك استمرار
1) و هو الشيخ علي آل كاشف الغطاء في تعليقته على اللمعة (مخطوط)، مبحث خيار التأخير.
اللزوم و بقائه هو قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ للقطع بأنّه ليس المراد منه اللزوم آنا مّا فإنّه حاصل و كان هو العلّة إثباتا للزوم البيع، فتكون العلّة السابقة باقية في الزائد من مقدار المخصّص و يتمسّك به و لا يلغو الاعتبار السابق بورود المخصّص. و أمّا لو كان مدركه هو الاستصحاب فبعد التخصيص في زمان يكون المتيقّن السابق على زمان الاستصحاب هو حكم المخصّص لا العام، انتهى.
و فيه: أنّ ما جعله مبنى للرجوع إلى عموم الآية هو المبنى للرجوع إلى الاستصحاب على ما أفاده الشيخ قدّس سرّه، و أمّا إجراء الاستصحاب ففيه ما تقدّم من أنّه من قبيل الشكّ في بقاء الموضوع و الشكّ في المقتضي.
ثمّ إنّه ربما يقال: إنّ القول بالتراخي في خيار الغبن يكون ضررا على الغابن فيشمله حديث «لا ضرر» كما أنّه بناء على لزوم العقد من طرف الأصيل يكون تأخير الإجازة أو الردّ ضررا عليه.
و فيه: أنّ الأمر في الفضولي كما افيد، فإنّه لو لم يكن الأصيل مقدما على العقد الفضولي - كما لو فرضنا أنّه لم يكن عالما بأنّ طرفه ينشئ العقد فضولة - يكون الزوم العقد من قبله مع تأخير الإجازة أو الردّ ضرريّا. كما لو فرضنا أنّ امرأة زوّجت نفسها من شخص باعتقاد أن منشئ الصيغة وكيل من قبله ثمّ بان أنّه كان فضوليّا، فإنّها لو لم تتمكّن من فسخ العقد و تزويج نفسها للغير حتّى يردّ الزوج أو يمضه فإنّ هذا ضرر واضح. و لو فرضنا مثله في البيع بأن يكون الأصيل ممنوعا من التصرّف فيما انتقل عنه و فيما انتقل إليه و لا يتمكّن من الفسخ فإنّ هذا ضرر.
بخلاف المقام فإنّ من عليه الخيار أعنى الغابن يكون متمكّنا من التصرّف فيما انتقل إليه بأيّ تصرّف شاء حتّى التصرّف الناقل، فإذا فسخ ذو الخيار، فإن كانت العين باقية ترجع إليه، و إلاّ فإلى بدلها، فلا ضرر فيه أصلا.
و بعبارة اخرى: أصل ثبوت الخيار للمغبون ضرر على الغابن لأنّه موجب لزوال المقدار الزائد من الماليّة التي دخلت في ملكه بهذه المعاملة، و لكن هذا أوّلا ليس ضرا لأنّه لا يكون نقصا في الماليّة، و ثانيا هو في طول ضرر المغبون فلا يعارضه، و أمّا استمراره فلا يوجب ضررا و نقصا على الغابن أصلا.
ثمّ إنّ الشيخ قدّس سرّه ذكر فروعا كلّها مبتنية على القول بفوريّة خيار الغبن، و أمّا على المختار فلا مجال لشيء منها. و نحون نذكرها تبعا تنزّلا و على فرض تسليم ما أفاده قدّس سرّه:
منها: أنّ الفوريّة المعتبرة هل هي الفوريّة الحقيقيّة الفلسفيّة فلو فرضنا أنّه سامح في الفسخ آنا واحدا يسقط خياره، أو أنّها الفوريّة العرفيّة الحقيقيّة، أو أنّها الفوريّة المسامحيّة العرفيّة - كما عن التذكرة(1)- من جهة أنّ الأحكام محمولة على المرتكز عند العرف فلا بأس بإتمام العمل الذي يكون مشغولا به حين ما علم بالغبن و لا بإغلاق الباب و لبس العمامة و اللباس بل لا مانع من أن يصبر إلى الصباح لو علم بالغبن في الليل، إلى غير ذلك؟
أمّا الاحتمال الأخير فلا تمكن المساعدة عليه؛ فإنّ موضوع الخيار لو كان هو المتضرّر غير المتكّن من دفع ضرره، فيرتفع ذلك بهذه المسامحات التي لا ربط
1) التذكرة 529/1.
للفسخ بها أصلا، فإنّ الفسخ لا يتوقّف على الخروج من الدار و لا على لبس العمامة و الرداء و لا على أن يصبح، فكلّها أجنبيّة عن الفسخ.
و أمّا الاحتمال الأوّل فمقتضى الأدلّة و إن كان ذلك، و لكن حيث إنّ الفسخ غالبا بل دائما يتوقّف على التروّي، بل ربما يدهش المغبون حين علمه بالغبن و لا يتمكّن من الفسخ، فالمتّجه هو الاحتمال الثاني.
و منها: أنّ المغبون لو أخّر الفسخ جهلا منه بالحكم فهل يسقط خياره أم لا؟
تارة يكون جهله جهلا مركّبا و لا يكون ملتفتا إلى جهله، و اخرى يكون جهلا بسيطا و يحتمل المغبون ثبوت الخيار لنفسه.
أمّا في الصورة الاولى فلا إشكال في بقاء خياره، لأنّه لم يتمكّن من الفسخ، إذ التمكّن فرع إحراز الحكم.
و أمّا في الصورة الثانية فربما يقال إنّه كان متمكّنا من الفسخ بمجرّد احتمال ثبوت الخيار له و كان عليه أن يفسخ ثمّ يفحص عن الحكم الشرعي فلا يكون معذورا، كما أنّ الجهل بالحكم لا يوجب ارتفاع العقاب.
و فيه أوّلا: النقض بالجهل بالموضوع، فإنّه أيضا يتمكّن من الفسخ ثمّ الفحص عن الموضوع، و لم يلتزم هناك أحد بسقوط الخيار.
و ثانيا: أنّ المراد من التمكّن على الفسخ ليس التمكّن على مجرّد إنشاء لفظ «فسخت» و إلاّ فهو موجود في الجهل بالموضوع، و إنّما المراد التمكّن من إنشاء الفسخ الممضى شرعا، و هو متوقّف على إحراز ثبوت الخيار. و قياس المقام بثبوت العقاب مع الجهل بالحكم في صورة عدم الفحص لا وجه له أصلا، فإنّ العقاب أمر أجنبيّ عن الأحكام الوضعيّة.
ثمّ لو ادّعى الجهل فهل يسمع قوله أم لا؟ ظاهر الشيخ هو التفصيل بين ما إذا كان ظاهر حاله العلم بذلك و بين ما لا يكون كذلك، فلا تسمع دعواه على الأوّل و تسمع منه على الثاني.
و نقل عن التذكرة(1)التفصيل بين من يكون ظاهر حاله الجهل لكن هو قريب العهد بالإسلام أو كان ممّن نشأ في البريّة فتسمع دعواه، و إلاّ فلا تسمع منه.
و لكن الظاهر أنّه لو كان المراد من الجهل مجرّد الاحتمال فذلك ثابت بالقياس إلى كلّ أحد حتّى بعض الطلبة، و إن اريد منه أمر آخر فلا وجه لاعتباره.
فالتحقيق أنّه لو احرز علمه بالحكم لا تسمع دعواه و إلاّ فتسمع منه، لأنّ الموضوع إنّما كان المتضرّر غير المتمكّن، و هذا الشخص لم يكن متمكّنا قبلا فيستصحب عدم تمكّنه. و هذا واضح.
و إذا ادّعى النسيان، فربما يستشكل فيه؛ من جهة أنّ الأصل بقاء علمه بالحكم فهو مدّع لا يسمع قوله إلاّ إذا أقام البيّنة على طبق دعواه، و من أنّ هذه الدعوى ممّا تتعسّر إقامة البيّنة عليها - فإنّ النسيان أمر لا يعرف إلاّ من قبله - فتسمع دعواه.
و لكن التحقيق أنّ قوله موافق للأصل؛ لأنّ العلم و عدمه لم يؤخذ في موضوع الحكم بالخيار و اللزوم، و إنّما الموضوع هو غير المتمكّن، و إثبات التمكّن بأصالة بقاء العلم من أوضح أنحاء المثبت، فالمرجع هو استصحاب عدم تمكّنه من الفسخ.
و بعبارة اخرى: لا بدّ و أن يكون عدم الفسخ مستندا إلى اختياره حتّى يسقط الخيار، و تحقّق هذا الاستناد مشكوك و الأصل عدمه. هذا تمام الكلام في خيار الغبن.
1) التذكرة 605/1.
قوله قدّس سرّه: الخامس: خيار التأخير [1]
[1] المشهور ثبوت الخيار للبائع عند تأخير الثمن بعد ثلاثة أيّام.
و ظاهر الشيخ و المحكيّ عن الإسكافي(1)هو بطلان البيع. و توقّف في البطلان المحقّق الأردبيلي(2)، و قوّاه صاحب الكفاية السبزواري(3)، و جزم به صاحب الحدائق(4).
و لكن المشهور هو الصحّة و ثبوت الخيار؛ بدعوى أنّ لزوم البيع في هذه الصورة حيث إنّه مستلزم لأنّ يكون البائع ممنوعا عن التصرّف في المثمن تشريعا و مع ذلك يكون ضمانه عليه أيضا و المفروض أنّه ممنوع من التصرّف في الثمن تكوينا و هذا ضرر عليه، لذا جعل الخيار له إرفاقا عليه.
و كيف كان، لا يهمّنا التعرّض لقاعدة «لا ضرر» لوجود روايات في المقام.
منها: رواية علي بن يقطين(5)، و هي ظاهرة في بطلان البيع.
و الشيخ قدّس سرّه مع تسليمه لظهورها في البطلان لم يلتزم بذلك؛ بدعوى أنّ فهم العلماء و حملة الأخبار لنفي اللزوم دون البطلان لا أقلّ يوجب الشكّ في ذلك، فيرجع إلى الاستصحاب.
و يقع الكلام في ثلاثة جهات:
الاولى: في كيفيّة إثبات الخيار بالاستصحاب.
الثانية: في كيفيّة الرجوع إلى الاستصحاب مع وجود الروايات.
الثالثة: في بيان حقيقة الحال و ما يستفاد من الروايات.
أمّا الجهة الاولى، فملخّص الكلام فيها هو أنّه لو فسخ البائع بعد الثلاثة فلا كلام في انحلال البيع على كلا القولين، فيرجع كلّ من المالين إلى ملك مالكه الأصلي، إمّا من جهة بطلان البيع بنفسه و إمّا من جهة انحلاله بالفسخ. و إنّما الكلام في صورة عدم فسخه، و في هذه الصورة نشكّ في بقاء أثر البيع و عدمه، فنستصحب ذلك، و ليس معنى الخيار إلاّ هذا، و قد ثبت ببركة الاستصحاب.
و أمّا الجهة الثانية، فكأنّ الشيخ قدّس سرّه جعل فهم العلماء موجبا لسقوط ظهور رواية علي بن يقطين في بطلان البيع، و لا أقلّ من الشكّ في ذلك فيرجع حينئذ إلى الاستصحاب.
و فيه ما لا يخفى؛ فإنّ فهم العلماء إنّما يكون حجّة في مورد الجهل بالمعنى اللغوي أي في إثبات الظهور، و أمّا إذا كان المعنى و الظاهر محرزا ففهم العلماء خلاف ذلك لا يكون حجّة أصلا. و هذا هو الذي ذكره الشيخ قدّس سرّه في آخر دليل الانسداد(1)، من أنّ الشهرة و إن كانت جابرة للسند و لكنّها لا تكون كاسرة للدلالة و الظهور، فلا يمكن رفع اليد عن الظهور بواسطة قيام الشهرة على خلافه.
و أمّا الجهة الثالثة، فالحقّ هو ما اختاره المشهور من الحكم بثبوت الخيار لا بطلان البيع؛ و ذلك لأنّ ما يكون ظاهرا في بطلان البيع إنّما هو رواية واحدة و هي
1) فرائد الاصول 587/1.
رواية علي بن يقطين، و هناك روايات اخرى عديدة(1)ظاهرة في ثبوت الخيار، إذ في جميعها نفى الإمام عليه السّلام البيع عن المشتري فقال: «لا بيع له» و لا بدّ أن تكون هذه العناية الزائدة - مع أنّ البيع إنّما يكون بينهما - لجهة، و ليست إلاّ لأنّ البيع حينئذ لا يكون بنفع المشتري. فعلى الظاهر ظهورها في ثبوت الخيار ممّا لا ينكر، فيقع التعارض بينها و بين رواية علي بن يقطين، و من الواضح أنّها تتقدّم عليها لوجود المرجّح الأوّل فيها و هي الشهرة، إذ هي أكثر منها بمراتب. و لو تنزّلنا عن ذلك أي عن ظهورها في ذلك، فلا أقلّ من الإجمال، و حينئذ نرفع اليد عن سند رواية علي بن يقطين لإعراض المشهور عنها، فتسقط حينئذ من حيث السند فتأمّل، و تصل النوبة إلى الاستصحاب على ما تقدّم.
و الحاصل أنّه بناء على ظهور رواية علي بن يقطين في بطلان البيع، يكون الالتزام بالخيار دون البطلان بأحد الوجهين المتقدّمين، فإنّه لو قلنا بظهور الأخبار الاخر في نفي اللزوم تتقدّم عليها بعد وقوع المعارضة بينهما من جهة شهرتها و إن كانت رواية علي بن يقطين صحيحة، و أظنّ أنه توجد في تلك الأخبار رواية صحيحة أيضا، و كيف كان فالشهرة كافية لترجيحها. و أمّا لو لم نقل بظهورها في نفي اللزوم و قلنا بإجمالها، فتسقط تلك الرواية بإعراض المشهور عنها، إذ لم يعمل بها من القدماء سوى الشيخ و الإسكافي قدّس سرّه و من المتأخّرين سوى السبزواري و صاحب الحدائق، و إذا سقطت بواسطة الإعراض فيثبت الخيار بواسطة الاستصحاب بالبيان المتقدّم.
1) راجع الوسائل 356/12، الباب 9 من أبواب الخيار.
هذا كلّه لو قلنا بظهور هذه الرواية في بطلان البيع. و لكن التحقيق أنّها غير ظاهرة في ذلك، بل تكون ظاهرة في نفي اللزوم، إذ ظهور جملة «لا بيع بينهما» و إن كان في بطلان البيع، لكن هذا الظهور إنّما يكون فيما إذا لم تعلّق على عدم رضاء البائع بالبيع بعد ثلاثة أيّام، و أمّا إذا علّقت عليه فيكون ظاهرا في نفي اللزوم و ثبوت الخيار للبائع، و في الرواية علّقت عليه فيكون ظاهرا في نفي اللزوم و ثبوت الخيار للبائع، و في الرواية علّقت على ذلك.
و نحن ننقل الرواية و نتعرّض لبيانها، عن علي بن يقطين: «قال: سألت أبا الحسن عليه السّلام عن الرجل يبيع البيع - على ما في نسخة، و «المبيع» كما في نسخة اخرى - و لا يقبضه صاحبه و لا يقبض الثمن، قال: الأجل بينهما ثلاثة أيّام، فإن قبضه بيعه، و إلاّ فلا بيع بينهما»(1)و ظاهر التفريع ب «الفاء» في قوله «فإن قبضه» هو أنّ الشرط هو إقباض الثمن بعد الأجل المذكور لا بينه، و من الواضح أنّ كلمة «إن» الشرطيّة إذا دخل على الفعل الماضي يقلبه إلى المضارع إذا لم يكن مسبوقا ب «كان» و الظاهر أنّ الشيخ قدّس سرّه أبقى الفعل الماضي على ما هو عليه و جعله بمنزلة المسبوق بلفظ «كان»، و لذا كأنّه قدّس سرّه جعل هذه الجملة مبيّنة للأجل المذكور قبله، و قد عرفت أنّ لفظ «الفاء» و عدم اقتران «إن» الشرطيّة بكلمة «كان» يأبى ذلك.
و كيف كان، لو كان لها ظهور فيما ذكرناه فيتمسّك بها لنفي اللزوم، و إلاّ فلا أقلّ من الإجمال، فيرجع حينئذ إلى الروايات الاخر لو كان لها ظهور في نفي اللزوم.
و لو لم يكن لها ظهور أيضا و كانت مجملة كما يظهر ذلك من المشهور - فإنّ رئيسهم
1) تقدم تخريجه آنفا.
قوله قدّس سرّه: ثم إنّه يشترط في هذا الخيار امور [1]
و هو العلاّمة قدّس سرّه(1)لم يستدلّ بها لنفي اللزوم، بل استدلّ لذلك بالاستصحاب - فيرجع إلى الاستصحاب بالبيان المتقدّم، و نتيجته نفي اللزوم كما عرفت. هذا كلّه في أصل الاستدلال.
يشترط في هذا الخيار امور[1]
الأوّل من الشروط التي أفادها قدّس سرّه في المقام: هو اشتراط عدم قبض المبيع.
أمّا بناء على ما ذكرناه فلا وجه لاعتبار عدم إقباض المثمن أصلا؛ و ذلك لأنّ جواب الإمام عليه السّلام لم يقيّد بصورة عدم إقباض المثمن في الثلاثة أي في الأجل و إن كان عدم الإقباض مأخوذا في سؤال السائل، فإنّ ذلك لا يوجب تقييد الجواب و الحكم بذلك كما هو واضح. و لا أقلّ من إجماله من حيث اعتبار هذا الشرط، فيرجع إلى الروايات الاخر، و هي مطلقة بلا شبهة كرواية إسحاق و أمثالها. فظهر بما ذكرناه أمران: أصل الحكم، و عدم اعتبار هذا الشرط.
و يحتمل أن يكون هذا الوجه هو المستند لإنكار صاحب الرياض(2)و الجواهر(3)، لا ما احتمله الشيخ قدّس سرّه من عدم وجود هذه الفقرة في النسخة الموجودة عندهم، و لا احتمال قرائة «قبضه بيّعه» بتخفيف الأوّل و تشديد الثاني، و إن كان ما أورده عليه الشيخ قابلا للمنع، خصوصا ما ذكره من أصالة عدم التشديد، فإنّه معارض بها في الأوّل.
و بالجملة، فعلى هذا يكون للبائع الخيار عند تأخير دفع الثمن و لو كان المثمن قد قبضه إيّاه.
ثمّ لو كان عدم قبض الثمن مستندا إلى عدوان البائع، كما لو فرضنا أنّ المشتري خلّى بين البائع و بين الثمن و البائع امتنع من القبض، فهل يثبت الخيار أيضا أم لا يثبت؟
الظاهر هو الثاني؛ و ذلك لأنّ الحكم في جملة من الروايات معلّق على عنوان «عدم المجيء بالثمن» مع أنّ المراد من الإقباض في المقام ليس إلاّ التخلية بينه و بين المال كما هو واضح. و ما أفاده الشيخ قدّس سرّه في المقام إنّما هو مؤيّد لا يمكن الاستدلال به.
ثمّ أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّه لو قبضه المشتري - أي قبض المشتري المبيع - بالقهر و الجبر، فهل يكون ذلك القبض كلا قبض و لا يوجب سقوط الخيار، أو يوجبه، أو يفصّل بين صورة استرداد المبيع و عدمه، أو يفصّل بين ما إذا قلنا إنّ هذا النحو من القبض موجب لسقوط الضمان في باب «كلّ مبيع تلف قبل القبض» فإن قلنا بأنّه موجب لسقوط الضمان هناك نقول بأنّه موجب لسقوط الخيار في المقام، و إن قلنا بعدمه هناك نقول بعدم السقوط في المقام؟ فالأقوال أربعة.
و لا يخفى أنّه بناء على ما ذكرناه من أنّ الإقباض الاختياري لا يوجب سقوط الخيار لا يبقى مجال لهذا النزاع أصلا، فالنزاع إنّما هو على مبنى الشيخ.
و التحقيق هو القول الأوّل حينئذ، و هو أنّ هذا القبض يكون كلا قبض فتأمّل؛ و ذلك لأنّ إسناد الإقباض إلى المشتري ظاهر في الإقباض الاختياري. و لا يقاس المقام بسقوط الضمان بالقبض غير الاختياري؛ لأنّ الضمان هناك مترتّب على عنوان «القبض» و في المقام رتّب على «الإقباض» و كم فرق بينهما؟
ثمّ إنّ السيد المحشّي قدّس سرّه(1)استشكل على العلاّمة في إجرائه استصحاب الصحّة: بأنّ ظاهر الأدلّة هو بطلان البيع من أوّل الأمر، و لا أقلّ من الإجمال، فأي وقت كان البيع صحيحا حتّى تستصحب الصحّة؟.
و فيه: أنّ هذا مخالف للعمومات ك «أوفوا» و «أحلّ اللّه البيع» و غير ذلك، فإنّ مقتضى ذلك هو الصحّة، و مجرّد احتمال أن يكون المراد من الروايات البطلان من أوّل الأمر لا يوجب رفع اليد عن تلك العمومات.
و بالجملة: تلخّص ممّا ذكرناه أنّه بناء على أن يكون قوله عليه السّلام «فإن قبضه» في صحيحة علي بن يقطين بتقدير «كان» يعتبر في ثبوت الخيار عدم إقباض المبيع، فإذا فرضنا أنّ البائع أقبضه قبل انقضاء ثلاثة أيّام يسقط خياره، و حيث كان هذا هو مختار الشيخ قدّس سرّه لذا رتّب فروعا:
أحدها: أنّه لو كان عدم إقباض المبيع لعدوان البائع كما لو فرضنا أنّ المشتري جاء بالثمن إلى البائع و هو لم يدفع إليه المبيع إمّا تقصيرا أو قصورا، و ليس المراد من العدوان في المقام العدوان بمعنى الغصب بل المراد منه العدوان المعاملي، أي العمل بما هو خلاف مبنى المعاملات، فإنّ بناء البيع على دفع المبيع إلى المشتري إذا أتى بالثمن، فلو لم يدفعه حينئذ يكون ذلك عدوانا معامليّا، فهل يكون له الخيار في هذا الفرض أو يسقط خياره؟
ثانيها: أنّه لو قبض المشتري المبيع لكن بدون إذن البائع كما إذا قبضه سرقة و غيلة، فهل يوجب ذلك سقوط الخيار أم لا؟
1) حاشية المكاسب 52/2.
ثالثها: أنّه لو مكّن البائع المشتري من القبض و لم يقبض أي لم يتحقّق القبض في الخارج، فهل يكون ذلك إقباضا منه و موجبا لسقوط الخيار أم لا يسقط الخيار إلاّ بتحقّق القبض خارجا؟
رابعها: أنّه إذا أقبض بعض المثمن دون بعض، فهل يكون ذلك كقبض المجموع أو يكون كلا قبض أو يسقط الخيار بالنسبة إلى الأجزاء المقبوضة دون غيرها؟ وجوه.
و ليعلم أنّه لا مجال لشيء من هذه الفروع الأربعة على مشينا أصلا؛ إذ بعد ما اخترنا ثبوت الخيار حتّى مع إقباض جميع المثمن عن الرضا، كيف يتوهّم سقوطه في فرض مجرّد التمكين أو تحقّق القبض بدون إذن البائع أو إقباض بعض المبيع دون بعض؟ فالتعرّض لها إنّما هو على مبناه قدّس سرّه.
أمّا الفرع الأوّل، فالظاهر عدم الخيار إذا كان عدم الإقباض عن عدوان البائع؛ و ذلك لأنّه يستظهر من مجموع الأدلّة أنّه إنّما جعل هذا الخيار التعبّدي إرفاقا على البائع، لئلاّ يقع في الضرر عند امتناع المشتري من تسليم الثمن، فلو فرضنا أنّ المشتري جاء إليه بالثمن و لكنّه لم يسلّم إليه المبيع عدوانا، فلا يكون حينئذ مورد للإرفاق و لو كان ذلك عن قصور لا تقصير، فتأمّل.
و أمّا الفرع الثاني، فقد تقدّم الكلام فيه، و مضافا إلى ذلك نقول: الإقباض المأخوذ في الروايات ظاهره الإقباض الذي يقتضيه طبع البيع و الشراء، لا الإقباض بالسرقة و الغيلة؛ فإنّ الإقباص منصرف عن مثله قطعا.
و أمّا الفرع الثالث، و هو ما إذا مكّن البائع المشتري من القبض و لم يقبض، فظاهر بعض هو أنّ مجرّد التمكين غير مؤثّر و لا يوجب سقوط الخيار، و استظهره من قول
السائل في بعض الروايات: «و يدعه - أو تركه - عنده»(1).
و أفاد السيّد المحشّي قدّس سرّه(2): «أنّ المستظهر هو صاحب الجواهر»(3).
و أورد عليه: بأنّ الترك عند البائع أعمّ من صورة التمكين و عدمه.
و نقول: لو كان استظهار صاحب الجواهر من قول السائل من جهة ظهور هذه الجملة في التمكين، فإيراد السيّد وارد لأنّه أعمّ من ذلك. و إن كان من جهة إطلاقه فجميع الروايات مطلقة و ذيل صحيحة علي بن يقطين و هو قوله عليه السّلام «إن قبضه» يقيّدها لو قلنا إنّه ظاهر في القبض الخارجي، و لو لم نقل بظهوره في ذلك فسائر المطلقات أيضا كافية و لا وجه للاستدلال بخصوص قول السائل.
و بالجملة، كفاية مجرّد التمكين في سقوط الخيار و عدمها مبنيّ على ظهور الصحيحة، فإنّها بمفهومها يقيّد المطلقات لو فرضنا ظهور الإقباض في الإقباض الخارجي، و إلاّ فالإطلاقات محكّمة، و لا يبعد الثاني.
و أمّا الفرع الرابع، و هو صورة إقباض بعض المبيع دون بعض، فالظاهر أنّها من صغريات الكبرى الكلّية التي مرّ الكلام فيها غير مرّة، و هي أنّه لو كان العقد الواحد بالقياس إلى بعض أجزاء متعلّقة واجدا لشرائط الصحّة و بالقياس إلى بعضها الآخر فاقدا لها أو كان بالقياس إلى بعض الأجزاء واجدا لشرائط اللزوم و إلى البعض الآخر فاقدا لها. و الأوّل كبيع الخمر و الخلّ معا ببيع واحد، و الثاني كبيع مال نفسه مع مال غيره كذلك فضوله، فكلّ حكم أثبتناه هناك يجري في المقام أيضا.
قوله قدّس سرّه: الشرط الثاني: عدم قبض مجموع الثمن [1]
و قد ذكرنا أنّ حكم هذه الكبرى مبتن على أنّ العقد الواحد على ماله أجزاء عديدة ينحلّ إلى بيوع عديدة أو لا ينحلّ و يكون بيعا واحدا؟ فعلى الأوّل يكون البيع بالنسبة إلى الأجزاء الواجدة لشرائط الصحّة صحيحا و بالنسبة إلى الأجزاء الفاقدة فاسدا، و هكذا الكلام في اللزوم و عدمه، غاية الأمر يثبت خيار تبعّض الصفقة للمشتري عند تبعّض البيع. و على الثاني لا بدّ من الالتزام بصحّة البيع في الجميع أو بفساده كذلك. و المختار هو الأوّل بشهادة العرف.
و كيف كان، لا مجال لشيء من هذه الفروع في المثمن على المختار. نعم يجري في الثمن؛ لأنّه يعتبر عدم قبضه في ثبوت الخيار بلا شبهة، و سنتعرّض لها إن شاء اللّه.
[1] عدم قبض الثمن معتبر في ثبوت هذا الخيار، و إلاّ لم يكن خيار تأخير الثمن، و تدلّ عليه الروايات.
و عليه فتجري الفروع المتقدّمة:
الأوّل: لو قبض بعض الثمن دون بعض، فهل يوجب ذلك سقوط الخيار أم لا؟
ظاهر كلام الشيخ هو الثاني مستدلاّ بظاهر الروايات، و قد أيّده بفهم أبي بكر بن عيّاش في رواية ابن الحجّاج(1). ثم قال قدّس سرّه ما حاصله: أنّ العلاّمة في التذكرة(2)استدلّ بتلك الرواية، و فيه نظر، انتهى.
و في تقريرات المحقّق النائيني قدّس سرّه(3): و لم يعلم وجه النظر
و نقول: الظاهر أنّ وجه النظر واضح كما أفاده السيّد المحشّي(1)، و لا تصلح الرواية إلاّ للتأييد؛ و ذلك لوجهين، الأوّل: ضعف سندها، الثاني: أنّ في الرواية التي ينقلها لا دلالة على المطلب.
و بعبارة اخرى: ما يمكن الاستدلال به من هذه الرواية - و هو قول الإمام عليه السّلام - لا دلالة فيه، و ما فيه الدلالة على المطلب - و هو فهم أبي بكر - لا يمكن الاستدلال به، إذ ليس ذلك حجّة كما هو واضح. و استدلال العلاّمة قدّس سرّه بها في غير محلّه. نعم لا بأس بذكرها مؤيّدا للمقام.
و كيف كان، فإذا كان ظاهر الإتيان بالثمن الإتيان بجميعه - كما لا يبعد ذلك - يكون الإتيان ببعض الثمن بلا أثر و لا يوجب سقوط الخيار، و إلاّ فتدخل المسألة في الكبرى الكلّية التي قدّمناها غير المختصّة بالبيع، فيجري حكمها في المقام، فلا نطيل.
الثاني: لو قبض الثمن بدون إذن المشتري كما لو قبضه بالجبر أو سرقة و غيلة، فظاهر الشيخ قدّس سرّه ثبوت الخيار و أنّ هذا القبض غير مؤثّر.
و استدلّ لذلك بوجهين:
أحدهما: ظهور الروايات في الإقباض الاختياري.
ثانيهما: أنّ ضرر البائع باللزوم باق على حاله في هذا الفرض، فإنّ ضمان درك المبيع يكون عليه و لا يجوز له التصرّف في الثمن أيضا، فيكون هذا القبض كلا قبض، إذ هو ممنوع عن التصرّف فيه شرعا، و ضمان المبيع أيضا عليه كما كان
1) حاشية المكاسب 52/2.
قبل القبض.
و فيه ما لا يخفى؛ أمّا ما أفاده من بقاء الضرر، فالتحقيق أن يقال إنّ الثمن إن كان كلّيا و البائع طبّقه على الشخص و قبضه، فالخيار و إن لا يسقط بذلك، لكنّه من جهة عدم تحقّق قبض الثمن أصلا، فإنّ الثمن على الفرض كلّي، فهو لم يقبض الثمن بل قبض مال الغير. و إن كان شخصيّا فيجوز له التصرّف فيه. و أمّا درك المبيع فيمكن دفعه بتسليم المبيع إيّاه بالتخلية بينه و بينه إذ ليس التسليم إلاّ ذلك، و على فرض امتناعه من التسلّم يتمكّن من دفعه إلى وليّ الممتنع كالحاكم الشرعي، و على تقدير عدم وجوده إلى عدول المؤمنين، فأيّ ضرر عليه في هذا الفرض؟
و أمّا ظهور الروايات، فنقول: لا يبعد أن يقال إنّ قوله عليه السّلام «إن جاء بالثمن» كناية عن وصول المال إليه بأيّ نحو كان، و لذا لا يعتبر أن يجيء هو بنفسه بالمال بل يكفي إرساله.
و إن أنكرت ذلك و قلت: المجيء و إن كان كناية عن وصول المال إليه لكن قيد الاختيار يستظهر، فالنتيجة أن يكون المعتبر الإيصال بالاختيار.
نقول: هذه القضية الشرطيّة مفهوما و منطوقا لا يشمل المقام الذي يكون الثمن عند البائع، لأنّ المجيء بالمال و عدمه حينئذ يكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، إذ لا موضوع حينئذ للمجيء بالثمن إليه و عدمه، لأنّ المال عنده على الفرض، و إذا لم يكن المقام مشمولا للروايات مفهوما و منطوقا، يرجع إلى العمومات الأوليّة مثل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و نثبت بها لزوم البيع. و على هذا المشي لا أثر لإجازة القبض من المشتري أصلا.
و أمّا على مختار الشيخ قدّس سرّه فيتولّد في المقام فرع آخر، و هو أنّه لو أجاز
المشتري هل تكون إجازته كاشفة أو ناقلة و مثبتة؟ مختار الشيخ قدّس سرّه هو الثاني.
و نقول: لو كان التزامه بالنقل في المقام من جهة التزامه به في الإجازة في البيع الفضولي، و إنّما التزم بالكشف هناك من جهة التعبّد، فليس ذلك صحيحا؛ لما ذكرنا هناك من أنّ الكشف في الإجازة يكون على القاعدة. و إن كان التزامه به لخصوصيّة في المقام فالأمر كما أفاد؛ و ذلك لأنّ الموضوع للحكم باللزوم إنّما هو إقباض الثمن اختيارا، و لا يتحقّق ذلك إلاّ من حين الإجازة، ففي هذا الحين يتمّ الموضوع لا قبله.
و بعبارة اخرى: الكشف إنّما يتصوّر في الامور الاعتباريّة كالملكيّة و نحوها، و أمّا الامور الخارجيّة فلا معنى للكشف فيها، فإنّ استناد الأمر الخارجي إلى المجيز لا يكون إلاّ من حين الإجازة.
ثمّ إنّه ربما يقال: إنّ في هذا الفرض - أي صورة قبض الثمن بغير رضا المشتري - يكون الخيار ساقطا من جهة اخرى، و هي أنّ مجرّد أخذ الثمن يكون إسقاطا للخيار و رضى بالبيع، فيسقط خياره بالإسقاط.
و فيه أوّلا: أنّ الأخذ إنّما يكون قبل ثبوت الخيار أي قبل انقضاء ثلاثة أيّام، فكيف يوجب سقوطه؟
و ثانيا: لو فرضنا بقاء الثمن عنده حتّى بعد انقضاء الثلاثة و كان ذلك كاشفا عن رضاه بالبيع، لا يكون الرضا بالبيع مستلزما لإسقاط الخيار، إذ يمكن الرضا بالبيع مع عدم إسقاط الخيار و لا ملازمة بينهما، نعم تعبّدا جعل بعض التصرّفات الكاشفية عن الرضا بالبيع مسقطا في بعض الخيارات بقوله عليه السّلام «ذلك رضى منه» و قد مرّ الكلام في بيانه.
قوله عليه السّلام: الشرط الثالث: عدم اشتراط تأخير تسليم أحد العوضين [1]
الثالث: هل يكون تمكين البائع من الثمن مسقطا أم يعتبر القبض في ذلك؟
الحقّ هو الأوّل؛ و ذلك لأنّ قوله عليه السّلام «إن جاء ما بينه و بين ثلاثة» أو قوله «فإن جاء في مدّة الثلاثة» أو قوله «فجاء بالثمن» ليس لشيء منها ظهور في اعتبار الإقباض الخارجي، و ليس من إقباض الثمن بهذا العنوان في الروايات عين و لا أثر إلاّ في سؤال الراوي في صحيحة علي بن يقطين، و لا يدلّ ذلك على اعتباره.
فالصحيح كفاية التمكين في سقوط الخيار، و قد تعرّضنا لهذا الفرع في إقباض المبيع، و كان الأولى عدم التعرّض له هناك.
[1] ليعلم أوّلا أنّ أيّا من الحكمين اللذين تدلّ الروايات عليهما - أي الحكم بثبوت الخيار بعد الثلاثة و الحكم بعدمه قبل الثلاثة - على وفق القاعدة، و أيّا منهما على خلاف القاعدة؟ فنقول: الظاهر أنّ الثاني - أعني الحكم بعدم ثبوت الخيار في الثلاثة - يكون على خلاف القاعدة إرفاقا على المشتري؛ و ذلك لأنّ مقتضى طبع البيع و الشراء هو أنّ كلاّ من المتبايعين يستحقّ مطالبة ما انتقل إليه من الآخر بمجرّد تماميّة البيع بمقتضى الشرط الضمني الارتكازي، فلو لم يسلّمه يثبت له الخيار، فحكم الشارع بعدم الخيار في الثلاثة يكون على خلاف القاعدة إرفاقا على المشتري. و أمّا حكمه بثبوت الخيار بعدها فهو على وفق القاعدة.
إذا عرفت هذا، نقول: تارة يكون اشتراط تأخير تسليم الثمن في مدّة أقلّ من ثلاثة أيّام، و اخرى يكون أكثر من ثلاثة أيّام، و ثالثة يكون بمقدارها. فإن كانت المدّة أقلّ من ثلاثة فلا يكون للبائع حقّ المطالبة في تلك المدّة بمقتضى الاشتراط، و هذا لا يوجب عدم ثبوت حقّ المطالبة له بعد الثلاثة أيضا، و لا يكون مانعا عن ثبوت الحكم الإرفاقي أيضا لإطلاق الروايات. و إن كانت أكثر من ثلاثة أيّام ففي
قوله قدّس سرّه: الشرط الرابع: أن يكون المبيع عينا أو شبهه [1]
المدّة الزائدة على الثلاثة لا يثبت له الخيار للاشتراط، و أمّا بعدها فيثبت لإطلاق الروايات. و إن كانت بمقدارها فليس له الخيار فيها من جهتين: الإرفاق التعبّدي و الاشتراط، و بعدها يثبت له الخيار. فما عن بعض الأكابر من عدم ثبوت الخيار لو اشترط الخيار و لو ساعة، ممّا لا نعلم له وجها.
[1] الظاهر عدم اعتبار هذا الشرط لإطلاق الروايات أوّلا، و ثانيا أنّه قد ذكرنا أنّ ثبوت حقّ المطالبة بمجرّد تحقّق البيع يكون على القاعدة و الإرفاق يكون على خلافها، فلو فرضنا أنّه باع الكلّي يستحقّ مطالبة الثمن من المشتري قاعدة، و عدم الخيار في ثلاثة أيّام يكون بالتعبّد، و يثبت بعد انقضاء المدّة.
و لكن الشيخ قدّس سرّه اعتبر هذا الشرط لوجوه:
الأوّل: ظهور كلمات الأصحاب في ذلك.
و الإنصاف أنّ استظهاره قدّس سرّه من جملة من العبارات في غير محلّه.
نعم الشيخ الطوسي قدّس سرّه(1)صرّح بذلك، و أمّا غيره فلا. و يدلّ على ما ذكرناه من عدم ظهور كلام غير الطوسي قدّس سرّه في الاعتبار، ما أفاده الشهيد قدّس سرّه في الدروس(2):
أنّ الشيخ قيّد في المبسوط هذا الخيار بشراء المعيّن. و ظهور هذا الكلام في اختصاص ذلك بالشيخ غير قابل للإنكار، و من الواضح أنّ الشهيد أعرف بكلام الفقهاء و فهمه من غيره، حتّى أنّهم يعبّرون عنه ب «لسان الفقهاء» من جهة تبحّره في فهم كلماتهم.
الثاني: اختصاص حديث «لا ضرر» بالشخصي.
و فيه: أنّه لو كان هو المدرك، نقول الصبر على عدم قبض الثمن ضرر واضح.
الثالث: أنّ روايتي ابن يقطين و ابن عمّار مشتملتان على البيع أو المبيع الذي يطلق على ما يعرّض للبيع، و الكلّي لا يقع معرّضا لذلك. و رواية زرارة ذكر فيها لفظ «المتاع» و هو ظاهر في الشخصي. و في رواية ابن عيّاش «من اشترى شيئا» و «الشيء» ظاهر في الموجود الخارجي.
أمّا رواية ابن يقطين و ابن عمّار، ففيه أوّلا: أنّ الكلّي أيضا قابل لأن يعرّض للبيع كما هو فعل التجّار غالبا خصوصا في السلف.
و ثانيا: أنّ البيع إنّما هو مصدر، و إطلاقه على المفعول - كما في القتيل الذي يطلق على المقتول - إنّما هو من جهة الأول و المشارفة، و الكلّي يقع عليه البيع بلا شبهة.
و أمّا رواية زرارة، ففيه: أنّ «المتاع» عبارة اخرى عن الأجناس كالشعير و الحنطة مثلا، سواء كان كلّيا أو شخصيّا.
و لو سلّمنا أنّ «المتاع» مشتقّ من «المتعة» و هو ما ينتفع به، و لا ينتفع بالكلّي، نقول: إنّ المراد من الانتفاع ليس هو الانتفاع الفعلي بل المراد الشأني، كما يطلق الملبوس على الملبوس الكلّي مع عدم اللبس الخارجي، فيقال: ليس عندي لباس مثلا، و لو كان المراد اللباس الفعلي لم يصحّ سلبه كما هو واضح.
و أمّا رواية ابن عيّاش، ففيه: أن «الشيء» مرادف للفظ «چيز» في الفارسيّة، و هو يطلق على ماله تقرر مّا، و لذا يطلق على المستحيلات أيضا، فيقال: اجتماع النقيضين شيء مستحيل مثلا.
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ هنا امورا قيل باعتبارها في هذا الخيار [1]
فلا ظهور لشيء منها في اختصاص الحكم بالمعيّن.
نعم ظاهر لفظ «يدعه عنده» في صحيحة زرارة هو التعيّن و الشخصيّة، لكنّه في كلام السائل لا في كلام الإمام عليه السّلام.
ثمّ لا يخفى أنّ الشيخ بعد نقل كلام الغنية(1)، قال: ثمّ ذكر أنّ تلف المبيع قبل الثلاثة من مال المشتري و بعده من مال البائع.
هذا الحكم بظاهره غير صحيح، و لم نفهم وجها لكون التلف قبل الثلاثة من مال المشتري و بعدها من مال البائع، بل الظاهر أنّ الحكم بالعكس، فإنّ التلف قبل الثلاثة يكون تلفا قبل القبض فيكون من البائع، و بعدها حيث يكون في زمان الخيار يكون ممّن لا خيار له و هو المشتري. و أظنّ أنّه اشتباه في الكتابة، و الحقّ عكس ما كتب في هذه النسخ التي بأيدينا.
[1] ظاهر كلام السرائر(2)و التحرير(3)اعتبار عدم ثبوت الخيار لهما أو لأحدهما من جهة اخرى في ثبوت خيار التأخير.
و أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّه لم أعرف وجها معتمدا في اعتبار هذا الشرط، سواء اريد منه خصوص خيار الشرط - كما هو ظاهر كلام السرائر - أو اريد الأعمّ منه و من غيره، و سواء اريد مطلق الخيار و لو كان مختصّا بما قبل انقضاء الثلاثة أم اريد الخيار الثابت بعد انقضائها إمّا حدوثا أو بقاء أيضا.
و نقول: الظاهر - كما أفاد الشيخ - أنّ هذا القول مبنيّ على مقدّمتين، أحدهما:
أنّ ظاهر الأخبار هو ما إذا كان تأخير الثمن مماطلة و لا عن حقّ فإذا فرضنا أنّ التأخير كان عن حقّ تكون الروايات منصرفة عنه. ثانيهما: أنّ ذا الخيار له حقّ تأخير التسليم في مدّة خياره، فضمّ المقدّمتين ينتج أنّه لو كان هناك خيار يجوز لمن له الخيار تأخير التسليم، فالتأخير حينئذ يكون عن حقّ و لا يكون مماطلة، فتكون الأدلّة منصرفة عنه.
هذا، و لم يورد عليه الشيخ سوى النقض بأمرين، الأوّل: استلزامه أن يكون مبدء خيار التأخير بعد انقضاء زمان خيار المجلس، الثاني: أن يكون غير جار في بيع الحيوان. و لا يلتزمون بهما.
و المحقّق النائيني قدّس سرّه(1)اختار ما اختاره العلاّمة، و أفاد لتقريره مقدّمتين، الاولى: أنّ دليل لزوم العقد و هو قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يكون مخصّصا بالعقد الخياري، سواء كان الخيار فيه ذاتيّا - كما في الهبة إلى غير ذي رحم - أم كان عرضيّا، و حينئذ فكما لا يكون أصل العقد لازم الوفاء تكون الشروط الضمنيّة فيه أيضا غير لازم الوفاء بها بطريق أولى. الثانية: أنّ بناء المعاملات على التسليم و التسلّم، فالقبض و الإقباض يكون من الشروط الضمنيّة، و لذا يقال: إنّ ذلك ممّا يقتضيه إطلاق البيع، إذ لا معنى لكون الشيء مقتضى إطلاق البيع إلاّ كونه من الشروط الضمنيّة في البيع، و لهذا نقول لا يجب التسليم على كلّ من المتبايعين لو امتنع الآخر عن تسليم ما انتقل عنه. و بهذا نجيب عن المحقّق الأردبيلي، حيث قال: إنّ ظلم أحد المتبايعين و منع الغير عن حقّه لا يوجب جوازه على الآخر.
1) منية الطالب 183/3-184.
و بالجملة، على هذا لو كان الخيار للمشتري لا يكون تأخير دفع الثمن منه مماطلة و من غير حقّ بل يكون له حقّ ذلك بمقتضى المقدّمة الاولى، و لو كان لخصوص البائع و المفروض أنّه لم يسلّم المثمن يجوز للمشتري تأخير تسليم الثمن بمقتضى المقدّمة الثانية. و بضمّ هاتين المقدّمتين إلى ما يستظهر من الأخبار يتمّ المطلوب.
ثمّ إنّه بعد هذا أفاد أنّه لا يلزم أن يكون التأخير في مجموع الثلاثة لا عن حقّ إذ لا ملزم لذلك، فإذا فرضنا أنّ التأخير في الآن الآخر من الثلاثة كان عن غير حقّ يثبت الخيار، لأنّ التأخير كان عن غير حقّ. و على هذا فلا فرق بين حدوث الخيار بعد الثلاثة أو ثبوته في الثلاثة و ارتفاعه قبل انقضائها.
و بهذا أجاب عن نقض الشيخ قدّس سرّه، أمّا عن النقض بخيار الحيوان فلأنّ الآن المتعقّب للثلاثة يكون التأخير فيه عدوانيّا فتأمّل. و أمّا عن خيار المجلس فلأنّه لا يدوم المجلس إلى ثلاثة أيّام بحيث لا يحصل فيها الافتراق بينهما أبدا، انتهى.
و فيه: منع المقدّمة الاولى؛ و ذلك لأنّ مستند وجوب تسليم كلّ منهما ما انتقل عنه إلى الآخر لو كان هو أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لكان ما أفاده من عدم وجوب التسليم في زمان الخيار صحيحا، و لكن ليس الأمر كذلك، و قد عرفت أنّ «أوفوا» إنّما هو كناية عن تماميّة العقد و عدم قابليّته للانحلال. و إنّما المستند لوجوب القبض و التسليم هو ما يدلّ على حرمة التصرّف في مال الغير، و هي غير مخصّصة بصورة جواز العقد.
و بعبارة اخرى: لو كان لزوم التسليم من آثار لزوم العقد لكان ما أفاده تامّا، و لكنّه ليس كذلك، و إنّما لزوم التسليم يكون من آثار صحّة العقد و إن كان جائزا.
قوله قدّس سرّه: و منها: تعدّد المتعاقدين [1]
و قدرة أحد المتبايعين أو كليهما على الفسخ لا يوجب جواز تصرّفه فيما انتقل عنه و صار ملكا للغير. و سيأتي الكلام في ذلك مفصّلا في محلّه إن شاء اللّه. فهذه المقدّمة غير تامّة.
و على هذا، يكون تصرّف من له الخيار من أوّل الأمر عدوانيّا، فيثبت خيار التأخير على جميع التقدير. فإذا كان للبائع خيار من جهة اخرى - كالعيب أو الغبن أو نحو ذلك - بعد الثلاثة يثبت له الخيار من جهتين.
و ربما يستشكل فيه من جهة توهّم اجتماع المثلين. و قد تعرّضنا لجوابه في خيار الحيوان فلا نعيد.
[1] الوجه في اعتبار تعدّدهما أمران:
الأوّل: دعوى اختصاص النصوص بذاك المورد.
الثاني: أنّ خيار التأخير يثبت بعد انقضاء خيار المجلس، و التفرّق لا يحصل مع اتّحادهما، فلا يسقط خيار المجلس إلاّ باشتراط سقوطه.
و في كلّ منهما ما لا يخفى؛ أمّا في الأوّل، فلأنّ المأخوذ في أدلّة ثبوت خيار التأخير ليس إلاّ عدم قبض الثمن بناء على مسلكنا، أو عدم إقباض المبيع أيضا على مختار الشيخ قدّس سرّه، و كلّ من الأمرين ممكن في فرض اتّحاد المتعاقدين، إذ يمكن أن يقول المشتري - بعد إقباض المبيع أو قبله -: آتيك بالثمن، كما هو مورد بعض الروايات، فلا وجه لدعوى اختصاص النصوص أصلا.
و أمّا في الثاني، فلأنّ خيار المجلس أجنبيّ عن المتعاقدين، لما تقدّم أنّ موضوعه إنّما هو البيّعان، فلا يثبت للمتعاقدين، و لا عبرة بمصاحبتهما إذا كانا وكيلين في إنشاء العقد. نعم إذا كان العاقد وليّا على البائع و المشتري و كان الثمن
قوله قدّس سرّه: و منها: أن لا يكون المبيع حيوانا [1]
و المثمن تحت تصرّفه، يكون عدم ثبوت خيار التأخير من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، كما لو فرضنا أنّ الثمن قبل البيع كان عند البائع أمانة مثلا و المبيع عند المشتري، إذ لا معنى حينئذ للتأخير.
[1] نسب ذلك إلى الصدوق(1). و الوجه في ذلك رواية علي بن يقطين: «عن رجل اشترى جارية فقال: أجيئك بالثمن، فقال: إن جاء فيما بينه و بين شهر، و إلاّ فلا بيع له»(2).
و التعدّي إلى مطلق الحيوان لا بدّ و أن يكون بدعوى أنّ ذكر الجارية إنّما هو من باب المثال. و هو كما ترى.
و الشيخ قدّس سرّه ناقش في دلالة الرواية؛ من جهة أنّه ليست فيها دلالة على صورة عدم إقباض الجارية، و لا قرينة على حملها عليها، فاحتمل حملها على صورة اشتراط التأخير في ضمن العقد أو على استحباب الصبر إلى شهر.
و فيه ما لا يخفى؛ أمّا أوّلا: فلما عرفت من عدم اعتبار عدم إقباض المبيع.
و ثانيا: هذه الرواية تثبت حكما خاصّا في مورد مخصوص و لا يعتبر فيه عدم إقباض المبيع، فتكون غير مربوطة بتلك الروايات.
و ثالثا: لو سلّمنا أنّها متّحدة مع تلك الروايات، يكون سبيلها سبيل الروايات المطلقة، فتقيّدها صحيحة علي بن يقطين لو فرضنا دلالتها على اعتبار ذلك، فالمناقشة في دلالة الرواية لا وجه لها.
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ مبدأ الثلاثة من حين التفرّق أو من حين العقد؟ [1]
و الصحيح أن يناقش في سندها؛ من جهة مخالفة المعظم معها، إذ لم يفت بمضمونها أحد سوى الصدوق، فتسقط عن الحجّية، فحينئذ لا بأس بحملها على تلك المحامل البعيدة حذرا من طرحها بالكلّية.
[1] كأنّ الشيخ قدّس سرّه يسلّم ظهور قوله عليه السّلام «فإن جاء بينه و بين ثلاثة أيّام» - في بعض الروايات - في أنّ مدّة الغيبة تكون ثلاثة أيّام. و الوجه في ذلك هو أنّ الشخص لا معنى لأن يجعل طرف المقابلة لليوم و يقال: المدّة بين البائع و بين ثلاثة أيّام مثلا، فلا بدّ و أن يكون الطرف هو فعله و هو التفرّق.
و فيه ما لا يخفى؛ أمّا أوّلا: فلأنّ مرجع الضمير في الروايتن إنّما هو الشراء لا المشتري بحسب الظهور العرفي.
و ثانيا: لو سلّمنا أنّه يرجع إلى شخص المشتري فنقول: له فعلان، التفرّق و الشراء، فأيّ مرجّح لرجوعه إلى الأوّل دون الثاني.
و تدلّ على كون المبدأ من حين العقد رواية إسحاق بن عمار، حيث فرّع فيها مضيّ الثلاثة على تحقّق البيع. و هكذا صحيحة علي بن يقطين كما أفاد الشيخ.
ثمّ لو شككنا في ذلك، فبعد انقضاء ثلاثة أيّام من حين العقد، هل يمكن استصحاب بقاء المهلة بمقدار زمان المجلس أم لا؟ الظاهر هو الثاني؛ و ذلك لأنّ المقام يكون من قبيل إجمال المخصّص و دورانه بين الأقلّ و الأكثر، لأنّك قد عرفت أنّ مقتضى الشرط الضمني هو ثبوت الخيار عند عدم الإقباض بمجرّد تماميّة العقد، خرج عن ذلك مقدار ثلاثة أيّام بالتعبّد، فالمتيقّن من الخارج إنّما هو الثلاثة من حين العقد، و أمّا الزائد عن ذلك فخروجه مشكوك، و لا معنى للاستصحاب.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» يسقط هذا الخيار بامور [1]
«مسألة» يسقط هذا الخيار بامور[1]
لا إشكال في سقوطه بالإسقاط بعد الثلاثة، و هذا هو المسقط الأوّل.
و إنّما الكلام في سقوطه بالإسقاط في الثلاثة و بالاشتراط في متن العقد. و هذا هو المسقط الثاني في بيانه قدّس سرّه.
و أشكل الشيخ فيه بوجهين:
أحدهما: أنّه إسقاط لما لم يجب، إذ الخيار يثبت بعد الثلاثة.
ثانيهما: أنّ قوله عليه السّلام: «المؤمنون عند شروطهم» و نظائره لا يكون مشرّعا، فلا بدّ و أن يكون متعلّق الشرط في حدّ نفسه أمرا مشروعا حتّى ينفذ شرطه. و لذا أفاد أنّه لو ثبت إجماع على جواز هذا الشرط نقول بصحّته، و بفحواه يدلّ على جواز الإسقاط قبل الثلاثة، و إلاّ فللنظر فيه مجال.
و التحقيق: أنّ ما أفاده إنّما يجري في الخيار التعبّدي الشرعي، إذ حينئذ يمكن أن يقال إنّ إسقاطه قبل ثبوته يكون إسقاطا لما لم يجب و لا دليل على نفوذه، و صحّة اشتراط سقوطه في ضمن العقد فرع جوازه شرعا في حدّ نفسه.
و يمكن الجواب عنه: بأنّ الإشكال إنّما يرد إذا كان الإسقاط فعليّا، و أمّا إذا كان الإنشاء فعلا و المنشأ هو السقوط فيما بعد أي في ظرف ثبوته، فلا إشكال في جوازه، و نفوذ اشتراطه في متن العقد يثبت ب «أوفوا» أو ب «المؤمنون عند شروطهم» و مضافا إلى هذا فإنّ النصّ يدلّ على نفوذ هذا الاشتراط كما مرّ تفصيله في الشروط.
و أمّا الخيار الجعلي ببناء المتعاملين فلا موضوع فيه لما ذكر أصلا؛ و ذلك لأنّ ظرف تحقّق الخيار الناشئ من الاشتراط أو تخلّف الشرط و لو فرضناه متأخّرا، و لكن حقّ الشرط يثبت للشارط بمجرّد تماميّة العقد، فله إسقاطه قبل ثبوت
قوله قدّس سرّه: الثالث: بذل المشتري للثمن بعد الثلاثة [1]
الخيار. و هكذا من أوّل العقد لكلّ من المتعاملين أن يشترط في العقد عدمه إذا كان الشرط ارتكازيّا، فيكون في الحقيقة دفعا لا إسقاطا.
و الذي يؤيّد ما ذكرناه من أنّ حقّ الشرط من الحقوق الثابتة قبل زمان الخيار، أنّه لو باع أحد داره من زيد و اشترط عليه عملا في زمان خاصّ - كالحجّ عن والده مثلا - فمات الشارط قبل مجيء ذاك الزمان و لم يعمل المشروط عليه بالشرط، فإنّ لورثة الميّت أن يطالبوه بالشرط مع أنّ الخيار لم يكن متحقّقا في زمان حياة الميّت حتّى يكون ممّا تركه الميّت و ينتقل إلى ورثته، و لا معنى لأن يقال إن الخيار ثبت للميّت و انتقل منه إلى وارثه. و ليس ذلك إلا لأنّ حقّ الشرط كان ثابتا للمورّث و انتقل بموته إلى الورثة، و لذا لهم أن يطالبونه بالشرط.
و كيف كان، قد عرفت أنّ خيار التأخير إنّما هو ببناء المتعاملين إرتكازا، فهو جعليّ ضمني و ليس خيارا تعبّديا ثابتا بالروايات أو بقاعدة «لا ضرر» و إنّما الروايات أثبتت المهلة للمشتري إلى ثلاثة أيّام، فلا وجه لما ذكر أصلا، و يصحّ إسقاطه و رفع اليد عن الشرط. و هكذا اشتراط سقوطه في متن العقد.
[1] اختار العلاّمة(1)سقوط الخيار ببذل الثمن بعد انقضاء المدّة، كما لو فرضنا أنّه جاء بالثمن بعد انقضاء الثلاثة بساعة مثلا.
و قيل بعدم سقوطه تمسّكا بالاستصحاب، و استحسنه الشيخ بناء على أن يكون مدرك خيار التأخير هو الأخبار، و أفاد أنّه لو كان المدرك قاعدة «لا ضرر» فلا وجه لبقاء الخيار، لأنّه لا ضرر على البائع بعد البذل، و الحكم الناشئ من قبله يدور مدار
1) التذكرة 523/1.
قوله قدّس سرّه: الرابع: أخذ الثمن من المشتري [1]
فعليّة الضرر - إلى أن قال ما حاصله - و لا يبعد أن يكون المناط في الأخبار ضرر البائع، فحينئذ تكون منصرفة عن الفرض، فمختار التذكرة لا يخلو عن قوّة. هذا حاصل ما أفاد.
و في كلّ من جملاته ما لا يخفى:
أمّا ما استحسنه من الاستصحاب لو كان المدرك هو الأخبار، فيرد عليه أنّه لا وجه للتمسّك بالاستصحاب حينئذ، فإنّ إطلاق الروايات كاف لإثبات بقاء الخيار.
و أمّا ما أفاده من أنّ الحكم يدور مدار الضرر الفعلي لو كان المدرك له قاعدة «لا ضرر» فهو و إن كان متينا كما هو الشأن في كلّ حكم و موضوعه، و لكن قد عرفت أنّ مدرك الخيار ليست هي القاعدة و لا الأخبار، و إنّما هو الشرط الضمني، فبمجرّد التأخير في الساعة الاولى بعد البيع تخلّف الشرط، و مقتضى ذلك ثبوت الخيار، و لكن الشارع إرفاقا على المشتري أخّره إلى انقضاء ثلاثة أيّام، و بعدها يثبت سواء أتى بالثمن أم لم يأت به كما هو مقتضى الروايات أيضا.
و أمّا ما أفاده من أنّه لا يبعد أن يكون المناط في الروايات هو الضرر فيدور الحكم مداره فهو غير صحيح؛ لاحتمال أن يكون المناط فيها هو الشرط الضمني، و هذا لو لم يكن متيقّنا فلا أقلّ من احتماله، فلا وجه لما في التذكرة أصلا.
[1] أفاد الشيخ قدّس سرّه: أن مسقطيّة الأخذ إنّما يكون بناء على عدم سقوط الخيار بالبذل، و إلاّ فلم يحتج إلى الأخذ.
و نقول: لا وجه لاعتبار ذلك؛ لأنّه ليس المراد من الأخذ خصوص الأخذ ببذل المشتري، بل أعمّ منه و من الأخذ بغير البذل، كأخذه منه جبرا بعد التخلية بينه و بين
المثمن أو الأخذ من وكيله أو عبده مثلا.
ثمّ إنّه هل يعتبر إفادة العلم بأنّ الأخذ كان بعنوان أنّه الثمن أو يكفي الظنّ بذلك أم لا يعتبر الظنّ أيضا؟
و القسم الآخر غالبا يتحقّق فيما إذا كان الثمن كليّا، فإنّ أخذ الشيء الخارجي، كما يحتمل أن يكون بعنوان أنّه الثمن يحتمل أن يكون بعنوان آخر من العناوين كالهبة و العارية إلى غير ذلك. و أمّا في الثمن الشخصي فلا معنى لاحتمال أن يكون الأخذ بعنوان آخر غير عنوان أنّه ملكه و ثمن لما باعه.
و قال الشيخ قدّس سرّه: إنّ خير الوجوه أوسطها لكن الأقوى هو الأخير.
و الظاهر أنّ هذا التعبير خلاف المتعارف، إذ لا معنى لأن يكون خير الوجوه الوجه الثاني و مع ذلك يكون الأقوى الأخير. و كان الأولى أن يقول هكذا: لا يبعد الوسط و الأقوى الأخير.
و ليعلم أيضا أنّ في النسخ تقديما و تأخيرا، فإنّ قوله قدّس سرّه: «فلو احتمل الأخذ بعنوان العارية أو غيرها لم ينفع» لا بدّ و أن يكون بعد قوله «و هل يشترط إفادة العلم بكونه لأجل الالتزام» و قبل قوله «أو يكفي الظنّ» لا بعده، إذ لا ربط له به كما هو واضح.
و كيف كان، لو علم أن الأخذ كان بعنوان الثمنيّة، فهل يكون مسقطا أم لا؟ الحقّ هو الثاني؛ و ذلك لأنّ أخذ الثمن بعد الثلاثة إنّما هو جريا على مقتضى العقد، و ليس ذلك التزاما بلزوم العقد بقاء، فإنّ الخيار ثبت بالتأخير، و إسقاطه لا يكون إلاّ بقصده - لأنّه من الامور القصديّة - و إنشائه بما يكون مبرزا له عرفا، و أخذ الثمن لا يلازم شيئا من الأمرين.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» في كون هذا الخيار على الفور أو التراخي [1]
و بهذا ظهر الحال في صورة الشكّ أيضا، فإنّه لو لم يكن الأخذ مسقطا مع العلم بكونه بعنوان الثمنيّة، فمع الشكّ لا يكون مسقطا بطريق أولى.
و لا وجه لما أفاده الشيخ قدّس سرّه من أنّه أمارة عرفيّة أو الاستدلال بما تقدّم من الروايات؛ إذ ما يحتمل أن يكون عارية كيف يكون رضى بالبيع؟ و إذا كانت كاشفيّته عن الالتزام باللزوم مشكوكا، فكيف يكون من أوضح أفراد الرضا بالبيع؟
و بالجملة، لو لم يكن في الأخذ قرينة على أنّه بعنوان الالتزام بالبيع يكون عدم مسقطيّته لوجهين، و إلاّ فلو كانت هناك قرينة خارجيّة على أنّ الأخذ كان بذاك العنوان، يدخل في المقام الأوّل و لا يكون مسقطا، لما تقدّم من أنّ الرضا بالبيع لا يكون ملازما لإسقاط التأخير.
و بما ذكرنا ظهر الحال في مطالبة الثمن؛ إذ مطالبة الثمن يكون نظير المطالبة في الثلاثة في بيع الحيوان أو المطالبة في المجلس، فكما لا يوجب سقوط الخيار فيهما لا يوجبه في المقام أيضا.
و ما أفاده الشيخ في المقام و إن كان متينا، لكنّه غير محتاج إليه كما عرفت.
[1] تارة يقع الكلام في كلّي الخيار و اخرى في خصوص المقام.
أمّا كلّي الخيار، فقد تقدّم الكلام في بيانه و أنّ المختار هو القول بالتراخي؛ لأنّ اللزوم لزوم واحد مستمرّ، فإذا ارتفع عوده يحتاج إلى دليل، و ليس دليل اللزوم انحلاليّا حتّى يتمسّك به في المقدار الزائد عن مقدار التخصيص يقينا، فيستصحب الخيار.
و قد أجبنا عمّا اورد على الاستصحاب من أنّ الشكّ في تبدّل الموضوع و أنّ الشكّ في المقتضي، فلا نعيد.
و لكن نقول: من توقّف في ذلك المقام في إجراء الاستصحاب من جهة أنّ الشكّ في المقتضي، ليس له التمسّك به في خصوص المقام بدعوى أنّ دليل هذا الخيار إنّما هو الروايات فالموضوع معلوم؛ و ذلك لأنّ الإشكال هناك لم يكن منحصرا بتبدّل الموضوع حتّى يرتفع في المقام، بل الإشكال الثاني - و هو كون الشك في المقتضي - باق على حاله، فلا وجه لما أفاه الشيخ و المحقّق النائيني(1)«قدّس سرّهما» من التفرقة بين المقامين.
نعم في المقام خصوصيّة، و هو إثبات التراخي بواسطة إطلاق الروايات.
لا لما أفاده الشيخ قدّس سرّه من أنّ ظاهر النفي في الأخبار هو نفي حقيقة البيع، و الأنسب بنفي الحقيقة هو نفي اللزوم أبدا لا مؤقّتا؛ حتّى يرد عليه بأنّ الأقربيّة و الأنسبيّة لا يكون معيّنا.
بل لإطلاق نفي اللزوم بالقياس إلى ما بعد الأخذ و ما قبله؛ لأنّ الروايات مطلقة، ينفي لزوم العقد مطلقا و لو في فرض التراخي.
و هذا بناء على أن تكون الروايات ظاهرة في نفي اللزوم واضح.
و أمّا بناء على ظهورها في بطلان البيع أو احتمال ظهورها فيه، فنقول: للروايات حينئذ اطلاقان، أحدهما: إطلاقها لما قبل الفسخ و بعده، و هذا الإطلاق أي إطلاقها من هذه الجهة يتقيّد بالقطع الخارجي على عدم بطلان البيع لو لم يفسخ البائع و رضي به الناشئ من الإجماع على ذلك، و قد ذكرنا أنّ الروايات لو كانت مجملة من حيث دلالتها على البطلان أو على نفي اللزوم، ففي فرض عدم الفسخ نتمسّك
1) منية الطالب 189/3.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لو تلف المبيع بعد الثلاثة [1]
لإثبات بقاء البيع و نفوذه باستصحاب الصحّة، و في فرض الفسخ يكون البيع باطلا لا محالة و هذا معنى الخيار، و في المقام نقول: لو كانت الروايات ظاهرة فإطلاقها من جهة وقوع الفسخ و عدمه يتقيّد بواسطة الإجماع على صحّة البيع لو لم يفسخ فتأمّل، فلا محالة يختصّ البطلان بصورة الفسخ. و ثانيهما: إطلاقها من حيث وقوع الفسخ فورا أو مع التراخي، و لا وجه لتقييدها من هذه الجهة، و تقييدها من الجهة الاولى لا يستلزم تقييدها من هذه الجهة أيضا.
فبناء على القول بظهورها في نفي اللزوم صحّة التمسّك بإطلاقها في المقام واضح، و هكذا بناء على ظهورها في البطلان، فعلى كلا التقديرين يمكن التمسّك بإطلاقها لإثبات التراخي كما عرفت، و لا تصل النوبة إلى استصحاب الصحّة كما توهّم أصلا.
[1] تارة يكون التلف في الثلاثة و اخرى بعد الثلاثة، و على كلّ تارة يكون قبل القبض و اخرى بعده:
أمّا إن كان بعد الثلاثة و بعد القبض، فلا إشكال في أنّه يكون من مال المشتري؛ أمّا بناء على القول باعتبار عدم إقباض المبيع في ثبوت الخيار للبائع فلأنّ التلف بعد الإقباض، و هو يكون من مال المشتري. و أمّا بناء على عدم اعتبار ذلك و ثبوت الخيار في هذا الفرض للبائع، فمضافا إلى الوجه المتقدّم - و هو أنّ التلف بعد القبض يكون من مال المشتري - يكون له وجه ثان، و هو أنّ التلف في زمان الخيار يكون ممّن لا خيار له و هو المشتري في المقام. و بالجملة لا إشكال فيما ذكر على كلا القولين.
و أمّا إن كان التلف بعد الثلاثة و قبل القبض، فظاهر النبوي المعمول به بين
الأصحاب، و هو «كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه»(1)أنّ التلف يكون من مال البائع.
و يعارضه في المقام أمران، أحدهما: القاعدة المعروفة المستفادة من قوله صلى اللّه عليه و آله:
«الخراج بالضمان»(2)، ثانيهما: قاعدة «أنّ التلف في زمان الخيار يكون ممّن لا خيار له».
أمّا معارضة الأوّل فتقريبه: أنّ ظاهر قوله: «الخراج بالضمان» هو أنّ منافع الشيء يكون بإزاء ضمانه، فمن تكون المنافع له يكون الضمان عليه، و في المقام على ما هو المسلّم بين المشهور من حصول الملكيّة و النقل و الانتقال قبل انقضاء الخيار و عدم توقّفه عليه، تكون المنافع ملكا للمشتري، فلا بدّ و أن يكون ضمانه عليه أيضا، فيعارض النبوي المشهور من «أنّ التلف قبل القبض من مال البائع» في المقام.
و فيه أوّلا: أنّ معنى الحديث ليس كما ذكر، و إنّما هو في خصوص الضمان المعاملي كما تقدّم تفصيله فراجع.
و ثانيا: لو سلّمنا ذلك فهو مختصّ بخصوص المنافع المستوفاة غصبا كما في غصب الدابّة و السفر عليها، كما استفاده أبو حنيفة و حكم من أجله بعدم وجوب الاجرة على الغاصب، و لا يجري في مثل المقام الذي ينحلّ البيع قبل التلف آنامّا فيتلف المبيع في ملك البائع على ما يستفاد من النبوي و تقدّم الكلام فيه، فيكون
النبوي واردا عليها.
و ثالثا: مع تسليم جميع ما تقدّم، نقول: النبويّ المشهور يخصّص هذه القاعدة لأنّ النسبة بينهما عموم مطلق، فتختصّ بغير مورد التلف قبل القبض.
و أمّا بيان معارضه الثاني فهو واضح؛ لأنّ التلف على الفرض في زمان الخيار، فلا بدّ و أن يكون ممّن لا خيار له و هو المشتري في المقام، فيعارض القاعدة المثبتة لضمان البائع و أنّ التلف يكون منه.
و فيه أوّلا: أنّه لا عموم لهذه القاعدة بحيث تشمل جميع الخيارات، بل لا يبعد اختصاصها ببعض الخيارات كما سيجيء إن شاء اللّه.
و ثانيا: على تقدير عمومها فإنّما هي مصطادة من الإجماع و الروايات الواردة في موارد خاصّة مثل المجلس و الحيوان، و ليست لها قوّة ظهور في العموم بحيث تعارض النبوي المنجبر ضعفها بعمل المشهور فيخصّص به.
و ثالثا: أنّ مقتضى هذه القاعدة مثل قاعدة «كلّ مبيع تلف قبل القبض يكون من مال بائعه» هو انفساخ المعاملة قبل تحقّق التلف آنامّا و دخول التالف في ملك من عليه الخيار و تلفه في ملكه، لا ضمان من عليه الخيار لما تلف في ملك ذي الخيار فتأمّل. و على هذا فتختصّ هذه القاعدة بما إذا كان انفساخ العقد موجبا لأن يكون التلف في ملك من عليه الخيار، و لا تشمل ما إذا كان أثر الانفساخ بالعكس، أي كان موجبا لأن يكون التلف في ملك ذي الخيار. و المقام من هذا القبيل؛ فإنّه لو قلنا بانفساخ البيع آنامّا قبل التلف يكون تلف المبيع من مال البائع و هو ذو الخيار، و على هذا فتختصّ القاعدة بغير مورد قاعدة «كل مبيع تلف...». نعم لو قلنا بأنّ مقتضى هذه القاعدة ثبوت الضمان على من عليه الخيار مع كون التلف في ملك من
له الخيار لما تمّ هذا الوجه كما هو واضح.
و بما ذكرناه ظهر الحال فيما إذا فرضنا التلف في الثلاثة؛ فإنّ الإشكال فيه يكون أهون، إذ لا يعارض النبوي المشهور في ذاك الفرض إلاّ قاعدة «الضمان بالخراج» دون قاعدة «التلف في زمان الخيار» فإنّها لا تجري فيه، إذ لا خيار للبائع في الثلاثة.
و الحاصل: أنّ التلف لو كان بعد الإقباض يكون من المشتري سواء كان في الثلاثة أو بعدها، و إن كان قبل الإقباض فيكون من البائع بمقتضى النبويّ المعروف، و قد عرفت أنّ شيئا من القاعدتين لا يصلح لأن تعارضه.
و حكي عن الشيخ في النهاية(1)أنّه إذا باع الإنسان شيئا و لم يقبض المتاع و لا قبض الثمن يكون العقد موقوفا إلى ثلاثة أيّام - إلى أن قال - فإن هلك المبيع في هذه الثلاثة و لم يكن قبضه إيّاه كان من مال البائع، و إن كان قبضه إيّاه و هلك في الثلاثة كان من مال المشتري، و إن هلك بعد الثلاثة كان من مال البائع على أيّ حال، لأنّ الخيار له بعد الثلاثة.
و نقول: الجملة الأخيرة مع التعليل المذكور في كلامه لا يستقيم لو لم يكن فيها سقط، و ذلك لأنّ ظاهر قوله «على أيّ حال» أنّه سواء كان التلف بعد قبض المبيع أو قبله، و من الواضح أنّ التلف لو كان بعد القبض يكون من المشتري على جميع التقادير.
1) النهاية/ 385-386.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لو اشترى ما يفسد من يومه [1]
و ما أفاده بعض مشايخنا العظام(1): من أنّ المراد بقوله «على أيّ حال» أنّه سواء قلنا في الصورتين المتقدّمتين بأنّه من مال البائع أو من المشتري أم لم نقل بعد حمل هذه الجملة على التلف قبل القبض، مناف لظاهر الكلام.
و وجّه الفاضل الإيرواني(2)كلام الشيخ قدّس سرّه بوجه هو أحسن الوجوه، و حاصله:
أنّ المنسوب إلى الشيخ قدّس سرّه - كما نسبه الشيخ الأنصاري إليه - عدم تحقّق النقل و الانتقال و الملكيّة في زمان الخيار، و يحتمل أن لا يرى قدّس سرّه عدم إقباض المبيع معتبرا في ثبوت الخيار، و على هذا فسواء أقبض المبيع أو لم يقبضه، لو لم يقبض الثمن يكون له الخيار بعد الثلاثة، فالتلف يكون في زمان الخيار، و في زمان الخيار على مسلكه قدّس سرّه يكون المبيع ملكا للبائع و الثمن ملكا للمشتري، فيكون ضمانه عليه سواء أقبضه أو لم يقبضه.
و يرد على هذا الوجه أنّه خلاف ظاهر التعليل في الرواية، و هو قوله «لأنّ الخيار له بعد الثلاثة» إذ التعبير ب «له» ظاهر في أنّ العلّة هو ثبوت الخيار للبائع، لا مجرّد وقوع التلف في زمان الخيار.
و بالجملة، لم نفهم ما هو المراد القطعي للشيخ قدّس سرّه، و لكن المراد الاحتمالي على الظاهر هو ما أفاده قدّس سرّه، و هو أحسن المحامل و الوجوه، و لم نر من قرّبه مثله.
[1] احتمال بطلان البيع في الفرض موهون للإجماع على صحّته، بخلافه في المسألة السابقة، فإنّه لم يكن هناك إجماع على عدم البطلان.
و كيف كان، التمسّك بقاعدة «لا ضرر» لإثبات الخيار في المقام لا وجه له؛ و ذلك لأنّ احتمال الضرر من ناحية عدم تمكّنه من التصرّف في الثمن الذي هو ملكه، يكون نظير ما لو منع من التصرّف في سائر أمواله بغصب غاصب و نحوه.
و أمّا من ناحية كون ضمان المبيع عليه فهو ثابت بدليل خاص، و مورده ضرريّ دائما فلا يرتفع بالقاعدة.
فالوجه في ذلك هو رواية زرارة(1)و مرسلة محمّد بن أبي حمزة(2)المنجبرة بعمل المشهور.
و لكن التحقيق على ما ذكرناه أنّ الوجه في ذلك هو الشرط الضمني، و الرواية تثبت اللزوم في اليوم، لا أنّها تنفي اللزوم. و كيف كان الحكم واضح.
و إنّما الكلام في فقه حديث المرسلة و أنّه ما معنى قوله عليه السّلام: «لو اشترى ما يفسد من يومه»؟ هل يكون كلمة «من» ابتدائيّا نشويّا بمعنى أنّ الفساد ينشأ من اليوم أو أنّ ابتداء الفساد يكون من اليوم، أو أنّه يكون بمعنى «في» و أنّ المراد من اليوم هو خصوص النهار أو الشامل للّيل أيضا بمعنى أربع و عشرين ساعة كما هو ظاهره لغة لو لم تكن قرينة في البين؟
و لكن بعد وضوح الحكم و ثبوت الخيار في أوّل انقضاء النهار، لا داعي للتعرّض لهذه الامور، فتأمّل.
ثمّ إنّه هل يعتبر في هذا الخيار ما يعتبر في خيار التأخير أم لا؟
الظاهر هو الثاني لأنّ هذا خيار مستقلّ لا ربطه به.
و ربما تعتبر في المقام ما لم نعتبره في المسألة السابقة، مثل اعتبار أن يكون المبيع شخصيّا، فإنّه يعتبر الشخصيّة في المقام، إذ لا معنى لفساد الكلّي.
و هكذا يعتبر عدم إقباض المبيع، لأنّه في فرض إقباضه لا معنى لثبوت الخيار للبائع. و بالجملة، لا ربط لأحد المسألتين بالاخرى أصلا.
ثمّ لو كان المبيع ممّا يفسد بنصف يوم مثلا أو بيومين مثلا، فمقتضى ما اخترناه من مقتضى الشرط الضمني و أنّ الأدلّة مثبتة للّزوم في مقدار يوم واحد في المقام و في ثلاثة أيّام في المسألة السابقة، هو ثبوت الخيار من حين التخلّف العرفي؛ و ذلك لعدم شمول دليل لزوم يوم واحد لذاك الفرض.
ثمّ لا يخفى أنّه يمكن أن يقال: إنّ الرواية الواردة في المقام خصوصا رواية زرارة، تثبت الخيار للبائع فيما يفسد من يومه إذا لم يقبض المبيع و لو قبض الثمن، و هو خيار مستقلّ غير خيار التأخير؛ فإنّ المبيع حيث إنّه يتلف في يومه و إذا كان قبل القبض يكون من مال البائع لا محالة، فجعل له الخيار ليفسخ المعاملة و يتمكّن من الانتفاع بالمبيع. كما أنّه يمكن أن تكون الرواية مخصّصا لقاعدة «كلّ مبيع تلف قبل القبض فهو من مال بائعه» بأن يكون مؤدّاها عدم ضمان البائع لتلف المبيع فيما يفسد من يومه إلاّ في اليوم الواحد و أمّا التلف بعده يكون من مال المشتري و لو كان قبل القبض.
و تحقيق المقام يقتضي التكلّم في الرواية المنسوبة إلى زرارة من حيث سندها أوّلا و من حيث دلالتها ثانيا.
أمّا السند، فنقول: الظاهر أنّ إسنادها إلى زرارة سهو من صاحب الوسائل قدّس سرّه،
و ليست من طريق زرارة، و إنّما هي من بعض بني فضّال عن أحمد بن هلال عمّن روى عن الصادق عليه السّلام كما ذكره الصدوق في الفقيه(1).
فالرواية مضافا إلى أنّ راويها الأوّل مجهول، ضعيفة من حيث أحمد بن هلال.
و قد ذكرنا أنّ مجرّد كون الرواية عن بني فضّال لا يوجب اعتبارها، و ما ورد من قوله عليه السّلام: «خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا» لا يثبت صحّة جميع رواياتهم و لو عن مجهول، و إنّما هو في مقام بيان أنّ ارتدادهم و فساد عقيدتهم لا يوجب سقوط رواياتهم و أنّهم مع ذلك موثوقون.
هذا، مضافا إلى أنّ الشيخ في التهذيب(2)نقل هذه الرواية و لم يذكر فيها هذا الذيل، فيحتمل أن يكون من كلام الصدوق قدّس سرّه كما جزم به صاحب الجواهر(3)، إذ دأب الصدوق إدخال فتواه في الروايات كما يظهر من مراجعة الفقيه. و على هذا فهي ضعيفة من حيث السند.
و أمّا الدلالة، فحيث لم يذكر في الرواية - على تقدير كونها رواية - متعلّق العهدة، فيحتمل أن يكون المراد من قوله «العهدة فيما يفسد من يومه مثل البقول و البطّيخ و الفواكه، يوم إلى الليل» عهدة المبيع، كما استفاده السيّد في الحاشية(4)، و حينئذ يكون مخصّصا لقاعدة «كلّ مبيع تلف قبل القبض فهو من مال بائعه».
و يحتمل أيضا أن يكون المراد عهدة البيع أي الالتزام بالبيع و لزومه، و على هذا
قوله قدّس سرّه: السادس: خيار الرؤية [1]
يكون مثبتا للخيار للبائع، و بإطلاقها تشمل صورة قبض الثمن أيضا، و لكن يقيّدها مفهوم مرسلة محمّد بن أبي حمزة من قوله «فإن جاء بالثمن ما بينه و بين الليل، و إلاّ فلا بيع له» فإنّ مفهومها عدم الخيار لو جاء بالثمن إلى الليل.
و كيف كان، العمدة في المقام هي المرسلة، و أمّا هذه الرواية - لو كانت رواية - فهي ضعيفة سندا و دلالة، فلا يعبأ بها.
ثمّ إنّ المراد من الفساد في اليوم، ليس هو الفساد اللغوي أعني زوال آثار الشيء التي تترتّب عليه، كما هو المراد من قوله عليه السّلام في الخمر: «أفسدها»(1)و إنّما المراد منه ذهاب الطراوة عنه. و الدليل عليه أنّه قلّ ما يتّفق في الفواكه - خصوصا ما كانت منها موجودة في زمان صدور الروايات - أن تزول عنها آثارها بمجرّد مضيّ يوم عليها، فلا بدّ و أن يكون المراد من الفساد ذلك، فتأمّل.
ثمّ هل يكون زوال رواج السوق أيضا ملحقا بالفساد، كما لو فرضنا أنّ يوم الأربعاء مثلا يكون سوق بيع السمك رائجا بخلاف يوم الخميس، فهل يكون ذلك أيضا ملحقا به أم لا؟
الظاهر عدم شمول الرواية له، و لكن بناء على مسلكنا من أنّ مدرك الخيار هو الشرط الضمني يثبت فيه الخيار من غير شبهة.
[1] لو كان خيار الرؤية خصوص ما بيّنه الشيخ قدّس سرّه ففي الحقيقة يكون راجعا إلى خيار تخلّف الوصف، و هذا مناف لجعله خيارا مستقلاّ كما صنعه الشهيد(2)أيضا
على ما ببالي. و لكن الظاهر أنّه أعمّ مما وصفه، بل هو الخيار المسبّب عن رؤية المبيع أو الثمن على خلاف ما كان معتقدا فيه و بانيا عليه حين البيع. نعم لا بدّ و أن لا تكون هناك جهالة موجبة لغرريّة البيع و بطلانه.
و كيف كان، لا وجه للاستدلال لثبوت هذا الخيار بحديث «لا ضرر» و ذلك لأنّ الضرر الذي هو عبارة عن نقصان المال - مثلا - في المقام، لا يكون ناشئا عن لزوم البيع حتّى يرتفع بالحديث و يثبت اللزوم، و إنّما هو ناشئ عن نفس البيع، فلا يمكن إثبات الخيار به.
فالصحيح أن يستدلّ له بالشرط الضمني الذي تقدّم، فإنّه دليل جار في غالب الخيارات. و تؤيّد الاستدلال بالشرط الضمني الروايات الواردة في المقام، منها صحيحة جميل بن درّاج.
و بالجملة، لو كان البيع مبنيّا على اشتراط البائع ثمّ تبيّن تخلّف الشرط فيثبت خيار تخلّف الشرط. و إن كان مبنيّا على توصيف البائع و تخلّف الوصف يثبت خيار تخلّف الوصف. و في الحقيقة خيار تخلّف الوصف يرجع إلى تخلّف الشرط، إذ لا معنى للالتزام بالوصف إلاّ اشتراطه، ففي الحقيقة يكون اشتراط الوصف و لا يكون في قباله كما حقّق في محلّه.
و أمّا إن لم يكن هناك توصيف و لا اشتراط، بل كان المشتري معتقدا لوجود وصف في المبيع من جهة رؤيته للمبيع قبلا أو لإخبار أحد بذلك أو لقياس ما لم يره بما رآه فإنّ القياس في الجملة جبليّ للعقلاء، فثبوت خيار الرؤية فيه يحتاج إلى دليل.
و ليس في البين ما يحتمل دلالته عليه إلاّ روايتان:
أحدهما: رواية جميل «قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل اشترى ضيعة و قد كان يدخلها و يخرج منها، فلمّا أن نقد المال صار إلى الضيعة فقلّبها ثم رجع فاستقال صاحبه، فلم يقله، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إنّه لو قلّب منها - أو فتّش منها (على ما في بعض الروايات) - و نظر إلى تسع و تسعين قطعة ثمّ بقي منها قطعة لم يرها لكان له فيها خيار الرؤية»(1).
و الوجوه المحتملة في الرواية ثلاثة:
أحدها: أن يكون المراد أن المشتري في زمان البيع فتّش تسعا و تسعين جزءا و لم يفتّش الجزء الأخير و كان جاهلا به و كان البيع بالقياس إليه غرريّا. و حينئذ يكون المراد من قوله عليه السّلام «لكان له فيها خيار الرؤية» بطلان البيع و أنّ له أن يختار البيع بعد ذلك و هو يكون معاملة جديدة، و على هذا يكون البيع باطلا إمّا في جميع المبيع أو في خصوص ما فيه الغرر، على الخلاف في ذلك.
ثانيها: أن يكون المراد من قوله «بقي قطعة لم يرها» عدم الرؤية بعد البيع، أي فتّش الجميع و لم يفتّش جزءا من المبيع، و من الواضح أنّ عدم الرؤية لا يوجب الخيار، و على فرض ثبوته فإنّ التعبير عنها ب «خيار الرؤية» مسامحة، بل المناسب أن يعبّر عنها ب «خيار عدم الرؤية».
ثالثها: أن يكون المراد من عدم الرؤية عدم وجود قطعة منها، و التعبير عن عدم الوجود بعدم الرؤية كثير في اللغة، و على هذا فيثبت له خيار تبعّض الصفقة، و المراد من الخيار هو ذلك.
1) تقدم تخريجه آنفا.
و أمّا احتمال أن يكون المراد من عدم الرؤية عدم رؤيته على الوصف الذي كان معتقدا فيه، فلا شاهد له في الرواية إلاّ مجرّد التعبير عن الخيار بخيار الرؤية، فلا يمكن أن يستدلّ بها لثبوت الخيار بمجرّد انكشاف خلاف ما اعتقده المشتري في المبيع مع عدم توصيف البائع و لا اشتراطه بل و لا إعلامه الذي لم يلتزم بثبوته أحد على ما نعلم سوى صاحب الحدائق(1).
و أمّا صحيحة زيد الشحّام(2)، فعدم دلالتها على ثبوت خيار الرؤية أوضح من أن يخفى.
و لا يبعد دعوى ظهورها في بطلان شراء سهم قبل خروجه لكونه غرريّا، و يكون معنى قوله عليه السّلام «و إن اشترى فهو بالخيار إذا خرج» أنّ البيع يكون باطلا و له التراضي و انشاء بيع جديد بعد خروج السهم.
و كيف كان، فالميزان في ثبوت خيار الرؤية إنّما هو ثبوت الشرط الضمني و عدمه، ففي كلّ مورد تحقّق ذلك - و لو ارتكازا - يثبت الخيار، و إلاّ فلا.
و على هذا، فلا فرق بين البائع و المشتري في ثبوت الخيار، إذ هو تابع للشرط الضمني.
و أمّا لو كان مدركه صحيحة جميل فلا وجه للتعدّي إلى البائع أصلا، إذ هو خلاف الظاهر. و دعوى أنّ الضمير في «فتّشها» يرجع إلى الأعمّ من البائع و المشتري، أو أنّ الضمير في قوله عليه السّلام «له فيها الخيار» راجع إلى الأعمّ، ممّا لا وجه
قوله قدّس سرّه: «مسألة» مورد هذا الخيار بيع العين الشخصيّة الغائبة [1]
له و خلاف الظاهر.
[1] بعدما أفاد أنّ مورد خيار الرؤية هو بيع العين الشخصيّة سواء كانت جزئيّا خارجيّا أو من قبيل الكلّي في المعيّن و أنّه لا مجرى له في بيع الكلّي في الذمّة إذ لا معنى لتخلّف الوصف أو الشرط في المبيع الكلّي غايته أنّ الذي يسلّمه البائع في مقام التسليم خارجا إن كان موافقا لذلك الكلّي و مصداقا له فهو و إلاّ فيجبره على تسليم ما هو مصداقه - تكلّم في مقامين:
أحدهما: في بيان الصفات التي يعتبر العلم بها في خروج البيع عن الغرريّة.
ثانيهما: في أنّ خيار الرؤية لا يثبت في المقام - سواء كان المبيع واجدا للصفة أو كان فاقدا لها - و الإشكال في صحّة بيع العين الشخصيّة بتوصيف البائع و الجواب عنه.
و لا يخفى أنّ التكلّم في المقام الأوّل لا يناسب المقام، و كان المناسب أن يبحث عنه في شروط العوضين، و لكن حيث تعرّض له في المقام فنحن نتبعه أيضا.
و نقول: ذهب بعض إلى أنّ الأوصاف التي يعتبر العلم بها في صحّة بيع العين الغائبة هي الأوصاف التي يعتبر العلم بها في صحّة بيع السلم، فما يعتبر العلم به هناك يعتبر العلم به في المقام أيضا.
و ذهب بعض آخر إلى أنّه يعتبر العلم بالأوصاف التي توجب زيادة ثمنه وجودا و عدما.
و بعض آخر اقتصر على ذكر اعتبار العلم بالصفة من دون تقييدها بشيء.
و الشيخ الأنصاري قدّس سرّه أرجع بعض الأقوال إلى بعض، فأرجع القول الأوّل إلى الآخر؛ بدعوى أنّ مراد من قال باعتبار العلم بالصفات التي يعتبر العلم بها في السلم
ليست خصوص الصفات التي يعتبر العلم بها فيه فعلا حتّى يقال إنّه يتسامح في العلم بصفات المبيع في السلم من جهة أنّ المداقّة ربما يفضي إلى عزّة الوجود الملازم لتعذّر التسليم على البائع خارجاظ فيكون البيع حينئذ باطلا من جهة عزّة وجود المبيع و احتمال عدم تمكّن البائع من تسليمه، و إنّما المراد الصفات التي يعتبر العلم بها فيه اقتضاء لا فعلا و بلحاظ الطوارئ، و من الواضح أنّ ما يعتبر العلم بها اقتضاء مع قطع النظر عن المحذور، إنّما هي جميع الصفات التي تختلف بها الرغبات.
هذا، مضافا إلى أنّه لا وجه للتسامح في العلم بأوصاف المبيع في بيع السلم أصلا؛ أمّا أوّلا: فلأنّ استقصاء الصفات لا يوجب تعذّر التسليم و لا يلازمه، و ثانيا:
لو فرضنا أنّه أوجب ذلك في بعض المقامات لا يوجب ذلك رفع اليد عمّا كان معتبرا من العلم بالأوصاف، بل يلتزم في ذلك المورد ببطلان البيع، كما حكموا بعدم جواز السلم في بيع ما لا يمكن ضبط أوصافه، كما في الفيروزج مثلا فإنّه تختلف قيمته بأقلّ تفاوت وصف من أوصافه بحيث لا يفهمه إلاّ أهل الخبرة اختلافا فاحشا، فلا يمكن بيعه سلما بأوصاف خاصّة.
ثمّ أفاد أنّ الأوصاف التي تختلف بها القيمة غير محصورة و لا ضابط لها خصوصا في العبيد و الإماء. و الاقتصار فيما يعتبر العلم به على معظم الصفات التي يرتفع به معظم الغرر يكون إحالة على المجهول، و يستلزم الاقتصار على ما دون ما يعتبر العلم به في السلم.
ثم قال: و لا أجد في المسألة أوثق من أن يقال إنّ المعتبر هو الغرر العرفي في العين الحاضرة و الغائبة، إذ لا دليل على ذلك إلاّ حديث «نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن بيع
الغرر» و هو محمول على الغرر العرفي، انتهى ملخّصا.
و ما أفاده في غاية المتانة، و نقول توضيحا لما أفاده: إنّ الأوصاف تكون على أقسام ثلاثة:
الأوّل: الأوصاف التي بها قوام ماليّة العين و ما يكون بحكمها نظير الأوصاف النوعيّة الحقيقيّة كوصف كون المبيع ذهبا أو نحاسا مثلا، أو النوعيّة العرفيّة مثل كون المبيع عبدا أو أمة، فإنّ العبديّة و الأمتيّة حقيقة من أوصاف الصنف و لكن عرفا كأنّهما نوعان.
الثاني: ما يكون موجبا لزيادة الثمن أو نقصانه لكن زيادة متسامحا فيها أو نقصانا كذلك، مثل كون المبيع كتابا مصحّحا أو غير مصحّح أو كونه جديدا مثلا.
الثالث: ما لا يكون موجبا لزيادة الثمن و لا رغبة العقلاء أصلا، بل كان متعلّقا لغرض شخص المشتري، كما في وصف طهارة المبيع أو كونه كتابا بخطّ والده مثلا إلى غير ذلك ممّا تتفاوت به رغبة الأشخاص من دون أن يكون دخيلا في زيادة القيمة السوقيّة أو رغبة الناس إليه.
أمّا القسم الثالث، فلا يكون الجهل به مضرّا بصحّة البيع و لا يعتبر العلم به في صحّته، إذ لا يوجب الجهل به غررا عرفا، و الدليل منحصر في الحديث كما عرفت.
كما أنّ القسم الأوّل من الأوصاف يعتبر العلم به أو اشتراطه في البيع، على كلام يأتي في بحث الشروط.
و أمّا القسم الوسط أعني الثاني، فهو ملحق بالأوّل أي بما لا يعتبر العلم به؛ و ذلك لأنّه و إن كان موجبا لزيادة القيمة و نقصانها، و لكن حيث يكون ممّا يتسامح فيها عرفا، فلا يوجب الجهل به غررا في البيع، و لا يعتبر العلم بأزيد ممّا عرفت
لا في المقام و لا في باب السلم، لعدم الدليل على ذلك.
نعم ربما يقال باعتبار العلم بمقدار الكيل و الوزن في بعض الموارد مثل بيع الحنطة و الشعير و لو لم يكن الجهل به موجبا لغرريّة البيع، و لكنّه لدليل خاصّ على فرض صحّته، فلا يقاس عليه جميع الموارد.
بقي الكلام في المقام الثاني، و هو الإشكال في صحّة هذا العقد، أي بيع العين الحاضرة أو الغائبة بتوصيف البائع.
و الوجوه المذكورة في المقام ثلاثة:
الوجه الأوّل: أنّ ذكر الأوصاف لو رجع إلى تقييد المبيع يكون مشكوك الوجود فمن هذه الجهة يكون البيع غرريّا، و إن لم يكن بنحو تقييد المبيع فلا يخرج البيع بمجرّد ذكر الوصف عن الغرريّة فإنّه من حيث الجهل بأوصاف المبيع يكون البيع غرريّا، فعلى كلا التقديرين يكون البيع باطلا، فلا يمكن البيع بتوصيف البائع، بل لا بدّ في صحّة البيع من أن يكون المشتري عالما بأوصاف المبيع من الخارج.
الوجه الثاني: أنّ توصيف البائع لا يخلو من أن يكون بأحد نحوين:
إمّا بنحو التقييد و هو غير معقول في الأعيان الخارجيّة فإنّ التقييد إنّما يكون في الكلّي و به يكون حصّة و أمّا العين الشخصيّة الخارجيّة فغير قابلة لذلك، و إمّا بنحو الاشتراط و الالتزام و متعلّقه لا بدّ و أن يكون إمّا فعلا اختياريّا للشارط مثل الخياطة أو أمرا اعتباريّا نظير الملكيّة و هي المسمّى ب «شرط النتيجة» و أمّا الالتزام بالصفة فلا معنى له و يكون نظير أن يلتزم الشخص بكون المسافة بين النجف و الحلّة عشرين فرسخا
مثلا. و هذا الوجه أفاده بعض مشايخنا العظام «قدّس سرّهم» في تعليقته(1).
الوجه الثالث: ما يظهر من كلام الشيخ قدّس سرّه، من أنّ الشرط ليس التزاما أجنبيّا عن الالتزام البيعي، و لذا سلامة الشرط تشريعا يكون موجبا لصحّة البيع، و عدم سلامته تشريعا يوجب بطلان البيع و فساده، فكما أنّ فساده التشريعي يسري إلى البيع، كذلك عدم سلامته خارجا يوجب بطلان البيع؛ و لذا التزم المحقّق الأردبيلي(2)ببطلان البيع في المقام عند التخلّف و أفاد أنّ البطلان يكون على القاعدة، كما احتمله العلاّمة(3)أيضا.
و التفصيل الذي أجاب به صاحب الجواهر(4)لا يكون جوابا عن الإشكال، كما أنّ ما أفاده الشيخ قدّس سرّه من الخروج عن ذلك بالإجماع و الروايات لا يكون إلاّ جوابا فقهيّا و لا يرتفع به الإشكال.
و الحاصل: أنّ بيع العين الخارجيّة بتوصيف البائع يرد عليه امور ثلاثة، الأوّل:
بطلان البيع على تقدير التقييد و عدمه، الثاني: أنّ رجوع التوصيف إلى تقييد المبيع لا معنى له و إلى اشتراط الوصف كذلك، و الثالث: أنّ فساد الشرط تشريعا كما يوجب فساد البيع كذلك فساده خارجا يوجب فساد البيع.
و التحقيق في الجواب عنها يستلزم التكلّم في حقيقة الشرط الضمني و إن كان قد تقدّم الكلام فيه مرارا.
و الاحتمالات فيه أربع:
أحدها: أن يرجع الاشتراط إلى تقييد المبيع، و قد عرفت أن العين الخارجية غير قابلة للتقييد.
ثانيها: أن يكون الالتزام الشرطي التزاما مستقلاّ غير مربوط بالالتزام البيعي، غايته أنّهما متقارنان زمانا، و على هذا فيكون نظير الشروط الابتدائيّة و لا يكون تخلّفه موجبا لفساد البيع و لا دليل على لزومه.
ثالثها: أن يكون بمعنى تعليق الالتزام البيعي. و هذا مضافا إلى أنّه من التعليق على الأمر المجهول المجمع على بطلانه، يستلزم بطلان البيع عند عدم تحقّق الشرط لا ثبوت الخيار.
رابعها: أن يكون الالتزام الثاني أعني الالتزام باستمرار البيع معلّقا على حصول الشرط، بمعنى ثبوت الخيار له عند عدم تحقّق الشرط، و قد مرّ الكلام فيه مفصّلا مرارا. و هذا هو الاحتمال الصحيح.
و على هذا، فنتكلّم في الوجوه الثلاثة التي اشكل بها في المقام، فنقول: أمّا الإشكال الأوّل، فلا مجال له بناء على ما ذكرناه؛ لأنّ توصيف البائع يرجع إلى اشتراط الوصف، بمعنى تعليق المشترى التزامه باستمرار البيع على وجود الوصف، و إذا تخلّف الوصف يكون له الخيار. و بهذا ترتفع غرريّة البيع، إذ من الواضح أنّ المشتري عند تخلّف الوصف لو كان مخيّرا بين فسخ البيع و إمضائه لا يتوجّه إليه خطر و لا ضرر أصلا. نعم يتخلّف غرض شخص المشتري من البيع إذ كان غرضه تحصيل مبيع واجد للصفة فلم يحصل غرضه، و لكن هذا لا يكون خطرا و غررا عرفا، فلا غرر من هذه الجهة.
و لا يقال: إنّ ثبوت الخيار فرع صحّة البيع، فكيف يمكن تصحيحه بثبوته و رفع الغرر به؛ لأنّا نقول - كما ذكرنا غير مرّة -: إنّ الخيار المجعول شرعا و تعبّدا فرع صحّة البيع و لا يرفع به الغرر كخيار المجلس مثلا، و أمّا الخيار المجعول بالتزام المتبايعين فيرتفع به الغرر و الخطر عرفا، فلا يقاس أحدهما بالآخر. و هذا واضح.
و أمّا الإشكال الثاني، فظهر اندفاعه بما ذكر، فإنّ الاشتراط إذا رجع إلى تعليق الالتزام الثاني أي الالتزام بالاستمرار، فكما يمكن تعلّقه بأمر اختياري يمكن تعلّقه بأمر غير اختياري أيضا، إذ لا مانع من تعليق شيء عليه.
و أمّا الإشكال الثالث، فالوجه في سراية فساد الشرط إلى المشروط هو أنّ مقتضى صحّته و شمول دليل النفوذ له أمران، أحدهما: لزوم العمل بالشرط على من التزم به، و ثانيهما: ثبوت الخيار للشارط عند التخلّف، و إذا فرضنا أنّ الشرط كان فاسدا - كما لو اشترط في ضمن البيع شرب الخمر أو ترك الصلاة مثلا - و فرضنا عدم شمول دليل النفوذ له، يكون فاسدا لا محالة. و حينئذ لو قلنا إنّ الشرط ليس كالجزء بحيث ينحلّ البيع بالقياس إليه، فيقال البيع الواحد غير قابل لأن يتّصف بالصحّة و الفساد معا، فلا بدّ من الالتزام ببطلان البيع، و هذا معنى مفسديّة الشرط الفاسد. و أمّا لو قلنا بأنّ الشرط كالجزء، فكما أنّ فساد البيع بالقياس إلى بعض الإجزاء لا يستلزم فساده بالقياس إلى الجميع، هكذا فساد الشرط و عدم نفوذه لا يستلزم فساد أصل البيع. و إذا عرفت وجه كون فساد الشرط و عدم سلامته موجبا لبطلان البيع و فساده، نقول أيّ ربط بين فساد الشرط تشريعا و عدم سلامته كذلك و بين عدم وجوده في الخارج بعد كونه صحيحا و سالما شرعا و قابلا لأن يشمله دليل النفوذ بل المفروض شموله له، و هل يكون مجال للقياس بينهما؟
و بالجملة، توصيف المبيع الشخصي و بيعه مبنيّا على الوصف لا يرجع إلى تقييد المبيع و لا إلى تقييد البيع و لا يكون التزاما أجنبيّا عن الالتزام البيعي، بل يكون تقييدا في الالتزام بالبيع و جعل الخيار على تقدير تخلّف الوصف. و هذا في العين الشخصيّة واضح.
و أمّا في الكلّي و تقييده في مقام البيع، فيمكن أن يكون القيد قيدا للمبيع بأن يصير المبيع حصّة خاصّة و يمكن أن يكون قيدا للالتزام الثاني، مثلا لو باع منّا من الحنطة بشرط أن يكون من حنطة العراق يكون القيد راجعا إلى المبيع و في الحقيقة يكون المبيع حصّة من الحنطة. و لو باعه بشرط أن يسلّمه إلى المشتري في يوم الجمعة مثلا يكون هذا القيد قيدا للالتزام الثاني لا للمبيع، و في الثاني يوجب تخلّفه خيار الشرط بخلافه في الأوّل.
و نظيره في الاستيجار للعبادة، أنّ الإنسان تارة يوجر نفسه للعبادة عن الغير و يشترط في ضمن الإجازة أن يوقعها في الليل مثلا، و اخرى يوجر نفسه للعبادة في الليل بأن يكون متعلّق العبادة خاصّا، فإنّ التخلّف في الأوّل يوجب خيار تخلّف الشرط للمستأجر بخلافه في الثاني، و ربما يستحقّ الأجير على الأوّل اجرة المثل على تقدير الفسخ بخلافه على الثاني فإنّ العمل فيه يكون أجنبيّا عن المستأجر.
و كيف كان، الغرض ممّا ذكرناه بيان عدم تماميّة ما أفاده المحقّق النائيني قدّس سرّه من أنّ القيود في الكلّي لا بدّ و أن ترجع إلى التقييد، و أنّه ليست هناك لا بدّية بل يكون كلا الأمرين ممكنا، و تترتّب على كلّ من القسمين ثمرات مختلفة عمّا تترتّب على الآخر كما هو واضح. هذا كلّه في الأوصاف العرضّية.
و أمّا الأوصاف الذاتيّة فإذا اخذت في البيع لا يمكن أن تكون قيدا للالتزام الثاني
أي الالتزام باستمرار البيع؛ و ذلك لأنّ متعلّق الالتزام البيعي - على ما عرّفوا البيع من أنّه مبادلة مال بمال - لا بدّ و أن يكون هو الصورة النوعيّة، لأنّ الهيولي و المادّة المشتركة بين جميع الأشياء غير قابلة لأن يتعلّق به البيع و المبادلة، و إذا كان متعلّق البيع هو الصورة النوعيّة التي هي المال حقيقة، فلا يمكن أن تكون متعلّقا للإلتزام الثاني أيضا، إذ من الواضح اعتبار المغايرة بين متعلّق الالتزام البيعي و ما يعلّق عليه الالتزام بالاستمرار، فتأمّل.
فلا بدّ من أن يكون تقييد المبيع بالصفات الذاتيّة راجعا إلى تقييد البيع و تعليقه، مثلا لو قال: بعتك هذا الذهب بشرط أن يكون ذهبا، يكون نفس البيع معلّقا على ذهبيّته، و لا مانع من التعليق على الموضوع، كما أفاد الشيخ قدّس سرّه من أنّه لا مانع من تعليق البيع على ما يتوقّف عليه واقعا، كما لو قال: بعتك إن قبلت مثلا. و على هذا فعند التخلّف يكون البيع باطلا أي لم يكن متحقّقا أصلا من رأس، و ليس هناك مجال توهّم ثبوت الخيار أصلا.
بقي الكلام في تشخيص الصفات الذاتيّة عن الصفات العرضيّة. و الظاهر أنّ الميزان في كون الصفة ذاتيّة و مقوّمة لشيء أو عرضيّة، إنّما هو بنظر العرف لا بالدقّة الفلسفيّة، إذ المراد من المال في تعريف البيع هو المال العرفي، و لذا ربما تكون الصفة بالدقّة صفة عرضيّة و بنظر العرف تكون ذاتيّة بحيث يرى العرف الفاقد لتلك الصفة أمرا مباينا للواجد. و المثال الواضح لذلك هو تباين الكتب بعضها مع بعض، فكتاب نهج البلاغة مباين مع كتاب المغني مع أنّ جميعها قرطاس و مداد و بالدقة من جنس واحد و نوع واحد، و هكذا العبد و الأمة بنظر العرف نوعان مع أنّهما حيوان ناطق. و ربما ينعكس الأمر و مثّل له الشيخ بلبن الغنم و الجاموس و الخلّ
قوله قدّس سرّه: «مسألة» الأكثر على أنّ الخيار عند الرؤية فوريّ [1]
المتّخذ من التمر أو العنب فإنّهما متباينان بالدّقة و لكن بنظر العرف تعدّ خصوصيّة كلّ منهما من الأعراض.
و بالجملة، الكبرى الكلّية واضحة و إن كانت الصغرى التي أفادها الشيخ قدّس سرّه غير صحيحة، فإنّ الخلّ مادّته هي المادّة السكّرية، و هكذا لبن الغنم و الجاموس يكون اختلافهما نظير اختلاف الماء الخارج من هذا العين أو ذاك العين غير موجب لاختلاف ماهيّتهما.
و كيف كان، ما أفاده صاحب الجواهر(1)من أنّه فرّق بين الصفات الذاتيّة و العرضيّة في غاية الجودة، و إن كان ما أفاده في ذيل كلامه من أنّ المقام يكون من باب تعارض الإشارة و التوصيف - كما لو قال: أكرم هذا العالم، و أشار إلى رجل غير عالم، فدار الأمر بين رفع اليد عن أحد الأمرين - فلا بدّ من تقديم أقواهما و هو الإشارة، غير تمام؛ أمّا أوّلا: فلأنّه غير مربوط بالمقام، و ثانيا: لازم ذلك صحّة البيع و عدم الخيار كما أفاد الشيخ قدّس سرّه.
[1] أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّي لم أجد للقائلين بفوريّة هذا الخيار دليلا صالحا على ذلك، و حينئذ يبقى سؤال الفرق بين المقام و خيار الغبن و العيب من القائلين بالفوريّة في المقام و بالتراخي هناك.
و التحقيق أنّه لو تمّ في المقام الإجماع على فوريّة خيار الرؤية فبها، و إلاّ فإن كان مدرك ثبوته صحيحة جميل المتقدّمة، فالظاهر بعد تسليم ثبوت دلالتها على ثبوت هذا الخيار، أنّه لا إطلاق فيها من حيث الفوريّة و التراخي، بل تكون مجملة
1) انظر الجواهر 94/23.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» يسقط هذا الخيار بترك المبادرة عرفا [1]
من هذه الجهة؛ و ذلك لأنّ المحتمل فيها وجهان، أحدهما: أن يكون المراد من قوله عليه السّلام «لكان له فيها خيار الرؤية» ثبوت خيار منشؤه الرؤية كما في خيار العيب مثلا، و على هذا يكون لها إطلاق بل ظهور في استمرار الخيار، ثانيهما: أن يكون المراد ثبوت خيار عند الرؤية، كما يقال خيار المجلس، أي ما يكون ثابتا ما دام المجلس باقيا، و على هذا فليس لها إطلاق، بل لا يشمل ما بعد الرؤية أصلا.
و حيث يجري فيها الاحتمالان، فلا يمكن التمسّك بإطلاقها.
و أمّا لو كان المدرك هو الإجماع فاستصحاب بقاء الخيار غير جار على مسلك الشيخ قدّس سرّه.
و لو لم يكن المدرك لا هذا و لا ذاك، بل كان حديث «لا ضرر» فعدم اللزوم يدور مدار بقاء الضرر، فإذا فرضنا أنّه ارتفع بارتفاع اللزوم في زمان فلا معنى حينئذ للاستصحاب، و إذا كان باقيا فيكون الخيار ثابتا بالحديث من دون حاجة إلى الاستصحاب. فعلى كلا التقديرين لا مجال للاستصحاب.
و أمّا إذا كان المدرك الاشتراط الضمني بالمعنى المختار، فالتزامه بالبيع كان معلّقا على وجود الصفة، و مع التخلّف ليس له التزام باستمرار البيع إلى الأبد، فيثبت التراخي.
[1] مسقطات هذا الخيار امور:
الأوّل: ترك المبادرة إلى الفسخ بناء على القول بفوريّته، و التعبير عنه ب «المسقط» مسامحة، فإنّه يكون من قبيل انتهاء أمد الحكم.
الثاني: إسقاطه بعد الرؤية بالقول، إذ هو حقّ ثابت لذي الخيار، و لكلّ ذي حقّ أن يسقط حقّه.
الثالث: إسقاطه كذلك بالفعل، إذ لم نعتبر في الفسخ أن يكون إنشاؤه باللفظ، بل ذكرنا أنّه يمكن إنشاؤه بكلّ مظهر له عرفا.
الرابع و
الخامس: إسقاطه قبل الرؤية إمّا بالقول و إمّا بالفعل.
و في هذين القسمين وقع الإشكال بأنّه يكون إسقاط ما لم يجب.
و ربما يبتني الكلام على أنّ الرؤية طريق لثبوت الخيار أو أنّه سبب، فعلى الأوّل يمكن إسقاطه قبل الرؤية و على الثاني لا يمكن ذلك.
ثمّ قوّى الشيخ قدّس سرّه سقوط الخيار بالإسقاط قبل الرؤية لو جعلت شرطا لثبوت الخيار أيضا. و الوجه لما أفاده ما تقدّم من إمكان إسقاط الخيار بعد تحقّق المقتضي لثبوته و لو لم يحصل الشرط بعد.
و نقول: كلّ هذه الوجوه لا مجال لها بناء على مسلكنا من أنّ ثبوت هذا الخيار يكون بالشرط الضمني؛ و ذلك لأنّ التزام البائع أو المشتري بلزوم البيع معلّق على وجود الوصف واقعا، فلو لم يكن الوصف موجودا لا يكون ملتزما باستمرار البيع واقعا سواء علم بالتخلّف أو بعد لم يعلم. و هكذا لو قلنا بأنّ حقيقة الاشتراط هو جعل الخيار على تقدير التخلّف، فإنّ المراد منه التخلّف الواقعي.
و على كلّ، يكون له حقّ الشرط من حين البيع على ما عرفت، و لكلّ ذي حقّ أن يسقط حقّه. و الظاهر أنّه لا إشكال في ذلك.
و إنّما الإشكال فيما إذا اشترط سقوطه في ضمن العقد، و الأقوال فيه ثلاثة:
الأوّل: فساد الشرط و البيع معا؛ من جهة أنّ اشتراط سقوطه موجب لكون البيع غرريّا، فإنّ ارتفاع الغرر إنّما كان من جهة الخيار.
الثاني: فساد الشرط فقط؛ من جهة أنّ بيع العين مبنيّا على الوصف مع التزامه
بعدم ثبوت الخيار له على تقدير التخلّف يكون نظير الجمع بين متناقضين.
الثالث: صحّة البيع و الشرط معا؛ بدعوى أنّ الغرر لم يكن مرتفعا بواسطة الشرط و الخيار حتّى يكون اشتراط سقوطه موجبا لغرريّة البيع، لأنّ الخيار إنّما يلحق البيع الصحيح، فكيف يمكن تصحيح البيع به، و إلاّ لجاز تصحيح كلّ بيع غرريّ به. و لو كان الالتزام بعدم الخيار موجبا لغرريّة البيع لكانت البراءة من العيوب أولى بأن تكون غرريّة، لأنّ الفرق بين المعيب و الصحيح و التفاوت بينهما بحسب القيمة يكون أكثر من التفاوت بين واجد الصفة و فاقدها، هذا.
و التحقيق أنّه لو لم يكن هناك ما يوجب علم المشتري أو اطمئنانه بالصفات و كان رافع الغرر في الحقيقة هو الاشتراط، فمن الواضح أنّ اشتراط سقوطه موجب لغرريّة البيع، و قد عرفت أنّ الخيار المجعول بجعل المتعاملين لا يقاس بالخيار التعبّدي، فإنّ ثبوت الثاني فرع صحّة البيع، و لا يمكن رفع الغرر و تصحيح البيع به، بخلاف الأوّل فإنّه تابع لجعل المتعاملين و يرتفع به الغرر، فاشتراط سقوطه مفسد للبيع.
و أمّا لو كان الجهل و الغرر مرتفعا من جهة اخرى، كما لو فرضنا أنّه مطمئنّ بوجود الصفات مثلا، فاشتراط سقوط الخيار عند التخلّف لا مانع منه و لا يكون فاسدا و لا مفسدا.
فالحقّ هو التفصيل و اختيار القول الأوّل فيما إذا كان ارتفاع الغرر بالاشتراط و اختيار القول الثالث - و هو الصحّة - فيما اذا كان الغرر مرتفعا من جهة اخرى كإخبار البائع أو اطمئنان المشتري إلى غير ذلك.
و أمّا القول الثاني فبما ذكرنا اتّضح فساده؛ و ذلك لأنّ اشتراط سقوط الخيار
يرجع إلى عدم اشتراط وجود الوصف في المبيع، بمعنى عدم تعليق الالتزام الثاني بوجوده، و المفروض أنّ رفع الغرر لم يكن بالاشتراط حتّى يكون عدمه فاسدا و مفسدا. و أمّا إشكال أنّه يكون إسقاطا لما لم يجب فممنوع صغرى و كبرى و انطباقا.
و هذا التفصيل الذي ذكرناه يجري في البراءة من العيوب أيضا، فإنّ صحّة المبيع أو الثمن لو كان محرزا من الخارج، فاشتراط سقوط الخيار عند تبيّن الخلاف لا يكون مضرّا بالبيع. و أمّا لو لم يكن كذلك بل كان رفع الغرر بواسطة اشتراط الصحّة فيكون ذلك مفسدا للبيع بطريق أولى، خصوصا إذا لم تكن لمعيوبه قيمة، فإنّه حينئذ يدور أمر المبيع بين ما يكون مالا و ما ليس بمال أصلا.
نعم أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّ في البراءة عن العيوب خصوصيّة موجبة لصحّة اشتراطها، و هي وجود أصل في موردها موجب للاطمئنان بالصحّة و يرتفع به الغرر من دون حاجة إلى اشتراط وصف الصحّة، و هو أصالة الصحّة في الأشياء الثابتة ببناء العقلاء.
و فيه أوّلا: أنّ أصالة الصحّة ليست من الاصول العقلائيّة، و إنّما هي من جهة الظنّ بالصحّة من جهة الغلبة فلا دليل على اعتبارها. بل ربما يكون ذلك معارضا بأمارة اخرى غير معتبرة - مثلها - على الفساد، كما لو كان عالما بأنّ هذا التفّاح بائت مثلا، و المظنون في التفّاح البائت هو الفساد، فيعارض الظنّ بالصحّة الحاصل من غلبة الصحيح على الفاسد، فليس فيها ضابط كلّي.
و ثانيا: لو فرضنا أنّها من الاصول العقلائيّة التي بنى عليها العقلاء، نقول:
لا يرتفع بها الغرر و الخطر و الخوف الذي هو حالة نفسانيّة، إذ من الواضح أنّه
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لا يسقط هذا الخيار ببذل التفاوت و لا بإبدال العين [1]
لا يرتفع إلاّ بالاطمئنان أو الاشتراط.
فالصحيح ما أفاده ثانيا - و نعم ما أفاد - و هو أنّ حديث «نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن بيع الغرر» ليس حكما آبيا عن التخصيص، فبالإجماع و الروايات يمكن تخصيصه بغير مورد التبرّي من العيوب.
و أمّا ما قيل: من أنّ الصحّة مع التبرّي إنّما هي من جهة أنّ البائع أو المشتري أقدم على الغرر فلا يكون مضرّا، فهو من الغرائب؛ و ذلك لأنّ الحديث إنّما هو في مورد الإقدام و مورده هو الإقدام، فكيف يكون الإقدام موجبا لصحّة البيع الغرري.
[1] لو كانت للبائع - مثلا - عين اخرى غير هذا المبيع مشتملة على الصفة و قال:
ابدّل هذا المبيع لك، أو قال: أبذل لك الفرق بين الواجد و الفاقد، فهل يكون البذل أو الإبدال، أي حضوره لهذين الأمرين موجبا لسقوط خيار الطرف أم لا؟
الظاهر هو الثاني؛ و ذلك لعدم الدليل على مسقطيّة البذل أو الإبدال.
و أمّا ما أفاده الشيخ قدّس سرّه من أنّ العقد إنّما وقع على العين الشخصيّة و إعطاء البدل أو البذل معاوضة جديدة و محتاجة إلى عقد جديد، و إن كان صحيحا، و لكنّه غير مربوط بالمقام؛ فإنّ الكلام هنا في أنّ نفس حضور الشخص للبذل أو إعطاء البدل مسقط لخياره أم لا، و ليس الكلام في أنّ مجرّد البذل أو مجرّد إعطاء البدل يوجب ملكيّة الطرف للمبذول أو للبدل حتّى يقال هذه محتاجة إلى معاوضة جديدة، فالصحيح ما ذكرناه.
و يمكن أن يستدلّ له أيضا بناء على أن يكون مدرك الخيار الاشتراط، بإطلاق الشرط لصورة البذل و عدمه و الإبدال و عدمه.
قوله قدّس سرّه: و لو شرط في متن العقد الإبدال [1]
[1] الكلام في اشتراط بذل التفاوت أو الإبدال عند التخلّف في ضمن العقد يكون من جهات ثلاث:
الاولى: في أنّ هذا الشرط سائغ أم لا؟
الثانية: في أنّه هل يعتبر في اشتراط بذل التفاوت - على تقدير جوازه - أن يكون مقدار التفاوت معلوما أم لا؟
الثالثة: في أنّه عند التخّلف لو كان حاضرا لبذل التفاوت أو للإبدال يكون الخيار أيضا باقيا أم يسقط الخيار بذلك؟
أمّا الجهة الاولى، فتارة يكون شرط البذل بنحو شرط الفعل و اخرى يكون بنحو شرط النتيجة.
و الأوّل واضح لا إشكال فيه.
و الثاني يكون من قبيل اعتبار الملكيّة المتأخّرة مجّانا لا في مقابل الوصف من الآن بنحو التعليق فتكون نتيجته نتيجة الهبة، و من الواضح أنّه لا يعتبر في التمليك أن يكون الإنشاء بلفظ مخصوص كما يعتبر ذلك في باب الطلاق، فتحصل الملكيّة عند تحقّق المعلّق عليه. و ليس فيه إشكال إلاّ من ناحية التعليق، و قد مرّ مرارا أن الدليل على بطلان التعليق إنّما هو الإجماع، و معقده العقود لا الإيقاعات، بل التعليق في الشروط كثير، و لم نر أحدا استشكل فيه من هذه الجهة، فلا إجماع على بطلان التعليق في الشروط، فيكون الشرط سائغا و يشمله دليل نفوذ الشرط فيكون نافذا.
و العجب أنّ الشيخ لم يتعرّض لاشتراط بذل التفاوت أصلا.
و أمّا الجهة الثانية، فمع الجهل بمقدار التفاوت، تارة يكون الشرط هو بذل
التفاوت الواقعي و اخرى يكون بذل التفاوت بين الفاقد و الواجد بالنسبة.
و على الأوّل، لا إشكال في أنّه غرريّ تسري غرريّته إلى البيع و يكون البيع غرريّا فيكون فاسدا؛ و ذلك لأنّ التفاوت الواقعي غير معلوم من جميع الوجوه و ربما يكون بمقدار تمام الثمن بل ربما يكون أضعاف ما أخذه من الثمن، كما لو فرضنا أنّه باع جوهرة كالألماس مثلا بمئة دينار مبنيّا على اتّصافها بصفة ككونه من القسم البرليان و اشترط في ضمن العقد بذل التفاوت عند تخلّف الوصف، فإنّ التفاوت بين الواجد و الفاقد لا يبعد أن يكون بألف دينار مثلا، و هذا البيع الذي لا يدري البائع أنّه على تقدير تخلّف الوصف هلى يبقى عنده من الثمن شيء أو لا يبقى له أصلا و على تقدير البقاء لا يعلم مقداره بأيّ عنوان، يكون من أوضح أفراد البيع الغرري.
و على الثاني - أي لو كان المراد بذل التفاوت من الثمن بحسب نسبة الواجد إلى الفاقد - فلا يبعد الالتزام بأنّه لا يوجب غرريّة البيع؛ و ذلك لأنّ مقدار التفاوت بهذا العنوان معلوم، و الجهل بمقدار التفاوت بحسب القيمة السوقيّة غير مضرّ، لما ذكرنا أن الجهل بالقيمة السوقيّة لا يوجب غرريّة البيع، كما لو باع كتاب الرسائل بكتاب الكفاية مثلا بعد العلم بجميع الخصوصيّات و الجهل بقيمتهما السوقيّة، فإنّه صحيح كما تقدّم. و من هذا القبيل بذل مقدار من الثمن عند تبعّض الصفقة، فإنّه أيضا غير معلوم بحسب المقدار فتأمّل. و المقام أيضا من هذا القبيل فتأمّل.
و بالجملة: إنّ ما يعتبر العلم به في رفع الغرر - كما تقدّم الكلام فيه سابقا - هو العلم بأصل وجود المبيع أو الثمن؛ إذ مع الجهل به تكون المعاملة غرريّة، و هكذا العلم بأوصافهما و الشروط المأخوذة في البيع؛ إذ باختلافهما تتفاوت الماليّة كثيرا.
و ما سوى هذه الامور لا يعتبر العلم به، و الجهل به غير مضرّ بالبيع كالجهل بالقيمة
السوقيّة مثلا، أو الجهل بما يسلم له من الثمن كما في المقام؛ فإنّ الشرط لو كان هو بذل التفاوت بحسب نسبة الثمن يكون الشرط أيضا معلوما، غاية الأمر يكون الجهل بمقدار التفاوت و بما يسلم له من الثمن بعد بذل التفاوت، و لا يكون ذلك مضرّا، كما لو باع مال نفسه مع مال غيره ببيع واحد فإنّه يكون صحيحا مع أنّه لا يعلم بما يسلم له من الثمن بإزاء ماله، خصوصا لو لم يجز المالك الأصيل. و هكذا لو كان المبيع معيبا إذ البائع لا يعلم مقدار التفاوت بين المعيب و الصحيح، و مع ذلك يكون البيع صحيحا و لا يكون غرريّا، كما تشهد بصحّته الأخبار. نعم لو لم تكن النسبة محفوظة يكون ذلك من أوضح أنحاء الغرر.
و لو تنزّلنا عن ذلك، فيكون حال البيع في هذه الصورة حال اشتراط سقوط الخيار، و قد ذكرنا أنّه لا يوجب الغرر لو كان كلّ منهما عالما بوجود الصفة.
و أمّا الجهة الثالثة - أي بقاء الخيار في هذه الصورة و عدمه - فالحقّ أنّه مبتن على أنّ ظاهر اشتراط البذل بحسب المتفاهم العرفي، هل هو إلغاء ثبوت الخيار على تقدير التخلّف، أو أنّه مضافا إلى ثبوت الخيار له على تقدير التخلّف و كونه مخيّرا بين الفسخ و الرضا بالفاقد، إثبات حقّ أخذ الأرش له بالجعل لا بالتعبّد كما في فرض العيب، فيكون حينئذ مخيّرا بين امور ثلاثة؟
و لا يبعد الأوّل، و مع الشكّ في ذلك فمقتضى الاستصحاب عدم ثبوت الخيار كما هو واضح.
و التمسّك بقاعدة «لا ضرر» لإثبات الخيار في المقام لا وجه له؛ أمّا أوّلا: فلأنّ القاعدة ليست مدركا للخيار، و ثانيا: لو سلّمنا ذلك فهي غير شاملة للضرر الشخصي أي لتخلّف الغرض و الداعي، فإنّه لا يوجب الخيار.
هذا كلّه في شرط بذل التفاوت بين الفاقد و الواجد.
و أمّا شرط الإبدال، فإن كان بنحو شرط النتيجة كما لو اشترط دخول العين الخارجيّة الواجدة للوصف في ملك المشتري أو اشترط مالكيّته لها في ذمّته على تقدير تخلّف الوصف، فأفاد الشيخ قدّس سرّه أنّه يكون على قسمين؛ لأنّ البدل إمّا أن يكون بإزاء المبيع الفاقد للوصف أو يكون بإزاء نفس الثمن.
و أورد على الأوّل بأنّه تعليق في المعاوضة و موجب للضرر؛ للجهل بالمبدل و لأنّ الشرط لا يفيد الملكيّة المعاوضيّة.
و نقول: أمّا ما أفاد من أنّ الشرط لا يفيد الملكيّة فقد مرّ الكلام فيه و أنّه لا يعتبر في باب المعاوضات أن تكون بلفظ مخصوص. و أمّا كونه غرريّا فلا نعرف له وجها؛ لأنّ البدل و المبدل معلوم، و على فرض التسليم لا يوجب غرريّة البيع في فرض الاطمئنان بتحقّق الوصف من الخارج كما ذكرناه في اشتراط سقوط الخيار.
و أمّا التعليق فقد تقدّم أنّ مدرك بطلانه هو الإجماع و لا إجماع عليه في الشروط، فلا مانع من اشتراط التبديل بإزاء المبيع الفاقد للوصف، و في الحقيقة تكون هناك مبادلتان طوليّتان كما هو واضح.
و أورد على الثاني - مضافا إلى الامور المتقدّمة - بأنّ ذلك مستلزم لانفساخ العقد و دخول الثمن في ملك المشتري ثمّ المبادلة بينه و بين الواجد، و لا ينهض الشرط لإثبات هذه الامور.
و فيه: أنّ الشرط في حدّ نفسه ينهض لإثبات الانفساخ، إذ الانفساخ كما يمكن أن يتحقّق بالإقالة يصحّ أن يتحقّق بالشرط، و لذا لو اشترط في ضمن عقد انفساخ العقد الآخر يكون ذلك نافذا. و لكن قد ذكرنا سابقا أنّ اشتراط انفساخ العقد في
ضمن نفسه إلى زمان كاشتراط انفساخه إلى أوّل الشهر مثلا، أو في حال كاشتراط انفساخه على تقدير مجيء زيد مثلا، يرجع إلى تحديد الملكيّة في البيع، و هو خلاف مقتضى البيع الذي هو الملكيّة الأبديّة، فمن هذه الجهة يبطل البيع. فلهذه الجهة لا يصحّ شرط الإبدال بإزاء الثمن على تقدير التخلّف، لا لما أفاده الشيخ من أنّ الشرط لا ينهض لإثبات ذلك. هذا كلّه في شرط النتيجة.
و أمّا شرط الفعل فصحّته أوضح من أن يخفى.
ثمّ إنّ صاحب الحدائق(1)أورد على الدروس(2)حيث استقرب الفساد في فرض اشتراط الإبدال، و ظاهره هو الفساد مطلقا سواء ظهر تحقّق الوصف أو تخلّفه، بما حاصله - على ما نفهم من كلامه على اضطرابه و إجماله - أنّه لا وجه لإطلاق القول بالبطلان حتّى في فرض ظهور تحقّق الوصف، و إنّما البطلان في خصوص فرض تخلّف الوصف. و الوجه في بطلان البيع في هذه الصورة - على ما نستظهر من كلامه - هو مخالفة الشرط حينئذ للأخبار الدالّة على ثبوت الخيار في هذا الفرض، فيكون الشرط مخالفا للسنّة، فيفسد و يفسد العقد أيضا. ثمّ أرجع البطلان في كلامه قدّس سرّه إلى بطلان الشرط لا البيع.
و فيه أوّلا: أن الأخبار - كما تقدّم - لم تكن دالّة على ثبوت الخيار، و إنّما كان مدركه هو الشرط الضمني.
و ثانيا: على تقدير كونها دالّة عليه، يكون الخيار من الحقوق القابلة للإسقاط،
قوله قدّس سرّه: «مسألة» الظاهر ثبوت خيار الرؤية في كلّ عقد [1]
فلا مانع من اشتراط سقوطه.
و ثالثا: على هذا لا بدّ من الالتزام بفساد الشرط و البيع على كلا التقديرين أي سواء تخلّف الوصف أو لم يتخلّف؛ إذ الشرط المخالف للكتاب و السنّة موجود في العقد و لو على بعض التقادير دون بعض.
[1] هل يختصّ خيار الرؤية بخصوص البيع أم يجري في غيره من العقود المعاوضيّة الواقعة على عين شخصيّة موصوفة أيضا كالإجارة و الصلح و أمثال ذلك؟
ظاهر كلام الشيخ قدّس سرّه أنّ أخبار خيار الرؤية مختصّة بخصوص البيع و لا تشمل سائر العقود، و دليل اللزوم و هو قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أيضا لا يشمل العقد في فرض تخلّف الوصف، لأنّ عدم الالتزام بترتيب آثار العقد على العين الفاقدة للوصف لا يكون نقضا للعقد لعدم تعلّق العقد بها، و لازمه بطلان العقد. و لذا يثبت قدّس سرّه الخيار فيها بوجه آخر، و هو أنّ الأمر عند تخلّف الوصف في غير البيع من المعاوضات المبنيّة على الوصف يدور بين البطلان رأسا أو الصحّة مع ثبوت الخيار، و حيث إنّ البطلان مخالف لطريقة الفقهاء، فلا بدّ من الالتزام بالصحّة و الخيار. فكأنّه قدّس سرّه يدّعي شبه الإجماع على الخيار فيها و به يثبته، هذا.
و لكن ما أفاده قدّس سرّه مبنيّ على أن يكون مدرك خيار الرؤية هو الأخبار و أن يكون دليل اللزوم منحصرا بخصوص الآية المباركة.
و فيه ما لا يخفى؛ فإنّ دليل اللزوم غير منحصر بالآية، و قد أفاد قدّس سرّه في باب المعاطاة وجوها خمسة لإثبات اللزوم و منها الاستصحاب، و لا مانع من التمسّك به في المقام، و به نلتزم باللزوم. و أمّا البطلان فليس فيه مخالفة لبناء الفقهاء، مع أنّ
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لو اختلفا فقال البائع: لم يختلف صفته [1]
المحقّق الأردبيلي قدّس سرّه(1)التزم بالبطلان عند تخلّف الوصف حتّى في البيع، هذا.
و الصحيح أن يقال: إنّ مدرك خيار الرؤية إنّما هو الشرط الضمني، و هو تعليق في الالتزام الثاني أي استمرار العقد، فتخلّف الوصف لا يوجب البطلان بل يوجب خيار التخلّف، فلا يفرق الحال بين البيع و غيره من العقود أصلا.
[1] اختلف كلام العلاّمة قدّس سرّه في التذكرة و المختلف، ففي التذكرة(2)قدّم قول المشتري لأصالة؛ براءة ذمّته من الثمن، فلا يجب عليه دفعه ما لم يقرّ به أو يثبته بالبيّنة، و في المختلف(3)في نظير هذه المسألة: أنّ إقراره بالشراء إقرار بالاشتغال، و أنّ الثمن ملك البائع.
و جمع الشيخ بين كلاميه بأنّه يمكن أن يكون المراد ببراءة ذمّته من الثمن عدم وجوب تسليمه عليه بناء على ما أفاده في التذكرة في أحكام الخيار من عدم وجوب تسليم الثمن في زمان الخيار و هكذا المثمن و إن تسلّم الآخر.
و الشيخ قدّس سرّه فصّل بين ما إذا كان الشرط شرط الفعل و ما إذا كان شرط الوصف، ففي الأوّل يكون البائع هو المنكر و المشتري هو المدّعي و عليه الإثبات؛ لأنّ كلاّ منهما معترف بأنّ العقد واقع على هذه العين أو الحصّة مثلا و المشتري يدّعي على البائع اشتراط أمر آخر و الأصل عدمه. و هذا بخلاف الثاني فإنّ النزاع فيه يرجع إلى أنّ العقد هل وقع على هذه العين الفاقدة للوصف أم لا و الأصل عدمه، و أصالة عدم وقوعه على الواجد للوصف لا يثبت وقوعه على الفاقد.
و لا يخفى ما في كلامه قدّس سرّه؛ أمّا أوّلا: فلأنّ أصالة عدم وقوع العقد على هذه العين الفاقدة للوصف مخالف للوجدان؛ إذ يقينا وقع العقد عليها، غاية الأمر أنّ النزاع في أنّ البيع هل كان مبنيّا على الوصف أم لا، نعم في بيع الكلّي يكون لهذا الأصل مجال.
و ثانيا: قد ذكرنا أنّ التوصيف لا يمكن أن يرجع إلى تقييد المبيع لأنّ العين الشخصيّة غير قابلة لذلك، و لا يمكن أن يرجع إلى البيع لأنّه تعليق موجب لبطلانه، و لا يمكن أن يكون التزاما في التزام إذ لا معنى لتعلّق الالتزام بوجود الوصف الذي هو أمر غير اختياري، فينحصر بالحصر العقلي أن يكون قيدا للالتزام الثاني أي المتعلّق بالاستمرار.
فالصحيح أن يقال: إنّه سواء كان النزاع في أصل الاشتراط و عدمه، أو كان في تعيين الشرط كما لو فرضنا أنّ البائع يقول الوصف المعتبر في البيع هو الخياطة و هو موجود و المشتري يقول الوصف الذي اعتبرنا وجوده هو الكتابة و هو ليس بموجود، حيث إنّ منشأ الخيار هو الاشتراط، فمقتضى الأصل عدم تحقّق الاشتراط، فالقول قول البائع و لا بدّ لمدّعي الخيار من الإثبات كما في جميع موارد الاختلاف في ثبوت الخيار و عدمه. و في الفرض الثاني لا يعارض أصالة عدم اشتراط الكتابة بأصالة عدم اشتراط الخياطة؛ فإنّ ذلك لا يثبت اشتراط الكتابة إلاّ بنحو الأصل المثبت.
و بالجملة: الذي يستفاد من كلام الشيخ قدّس سرّه - بعد إمعان النظر فيه - هو أنّه يفرّق بين التوصيف و شرط الفعل، و في التوصيف أيضا يفرّق بين ما إذا كان
التوصيف في مقام الإثبات بنحو الاشتراط و ما إذا كان بنحو التقييد، ففي شرط الفعل و التوصيف بنحو الاشتراط يلتزم بأنّ القول قول نافي الخيار و هو البائع في الفرض إذ كلاهما متّفقان على وقوع العقد على هذه العين الخارجيّة و مدّعي الخيار يدّعي الاشتراط و الأصل عدمه، و أمّا في التوصيف الذي يكون في مقام الإثابت بنحو التقييد لا الاشتراط فيقول قدّس سرّه - بتوضيح منّا - إنّه و إن كان ثبوتا يرجع إلى الاشتراط إذ لا معنى لتقييد الموجود الخارجي، و لكن في مقام الإثبات و التعبير ينشؤه بنحو التقييد. فالفرق بين القسمين إنّما هو في مقام الإثبات فقط، فإنّه في مقام الإثبات يرجع الشكّ إلى تعلّق العقد بالعين الفاقدة للوصف أو الأعمّ منها و من الواجدة أو تعلّقه بما هي واجدة له، و اللزوم من أحكام البيع الواقع على العين بالنحوين الأوّلين، و الأصل عدم وقوعه على الفاقدة و على الأعمّ، فينتفي اللزوم بذلك.
و الحاصل: أنّه قدّس سرّه يسلّم رجوع التوصيف بالنحو الثاني إلى الاشتراط و أنّ الفرق بين القسمين إنّما هو في مجرّد التعبير، حيث يقول إنّ أخذ الصفات في المبيع و إن كان في معنى الاشتراط إلاّ أنّه بعنوان التقييد. و ظاهر هذا الكلام هو ما ذكرناه، و لكن التقييد في مرحلة الإنشاء فقط موجب لانقلاب النزاع.
و فيه ما لا يخفى؛ فإنّ مجرّد اللفظ و الإنشاء و التعبير لا يكون فارقا و موجبا للتبدّل أصلا، و إلاّ لو كان للتعبير أثر لكان العقد في هذا الفرض باطلا رأسا لا خياريّا. فالصحيح ما ذكرناه فلا نعيد.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لو نسج بعض الثوب فاشتراه على أن ينسج الباقي كالأوّل [1]
[1] بطلانه منسوب إلى جمع، و صحّته منسوب إلى المختلف(1).
و استدلّ في التذكرة(2)للبطلان: بأنّ بعضه عين حاضرة و بعضه في الذمّة مجهول.
و أفاد الشيخ قدّس سرّه بعد نقل الأقوال و هذا الاستدلال: أنّه لا يحضرني المختلف الآن حتّى أتأمّل في دليله، و الذي ذكر للمنع لا ينهض مانعا فالذي يقوى في النظر... الى آخره.
و الوجوه التي احتملها قدّس سرّه في تصوير هذا الشراء ثلاثة:
الأوّل: أن يشتري المنسوج منضمّا إلى غزل معيّن خارجي مشروطا بأن ينسجه بمنوال هذا المنسوج أوّلا. و على هذا فلا مانع من صحّة البيع؛ لأنّ المبيع معلوم، فإذا نسجه على ذلك المنوال فهو، و إلاّ فإن نسجه بغير ذاك المنوال فإن أمكن حلّه و نسجه ثانيا كذلك فيجبر على ذلك، و إن لم يمكن أو لم يفعل يثبت للمشتري خيار تخلّف الشرط.
الثاني: أن يبيع المنسوج منضمّا إلى مقدار من الغزل الموصوف بوصف معيّن في الذمّة على أن ينسجه مثل الأوّل. و هذا أيضا لا إشكال في صحّته. و إذا لم ينسجه في هذه الصورة على ذلك المنوال بل نسجه بغير ذلك المنوال فلا يلزم على المشتري أن يقبل ذلك، بل يجبره على قطع ما نسجه ثانيا من المنسوج أوّلا و إتمامه
بذلك المنوال، و إن لم يمكن القطع بعد النسج تفسد المعاملة بالنسبة إلى الغزل لعدم قدرة البائع على التسليم، فيثبت له خيار تبعّض الصفقة في المنسوج أوّلا.
الثالث: أن يبيع هذا المنسوج منضمّا إلى مقدار معيّن من المنسوج في الذمّة.
و هذا أيضا يرجع إلى الوجه السابق و صحيح لا إشكال فيه، فلا يمكن تصحيح كلام العلاّمة في هذه الصورة أصلا، إذ لا وجه فيه للبطلان. و لكن الذي يظهر من كلام العلاّمة - على ما ينقله السيّد المحشّي قدّس سرّه في حاشيته(1)- أن مراده غير هذه الصورة، بل هناك صورة اخرى يحتملها السيدّ قدّس سرّه لا يبعد أن يكون مراد العلاّمة ذلك، بل كلامه ظاهر فيه، و هي أن يبيع المنسوج أوّلا منضمّا بشخص ذلك المنسوج ثانيا الذي لم يوجد بعد بل هو غزل بعد و يريد نسجه، فكأنّه يبيع هذا المنسوج الموجود منضمّا إلى المنسوج المعدوم بصورته فعلا الذي يوجد فيما بعد.
و هذا البيع و إن لم يكن مانع من صحّته من حيث كون بعض المبيع معدوما؛ لما ذكرنا من أنّ المعدوم قابل لأن تعتبر له الملكيّة كما في الوصيّة للبطون اللاحقة مثلا، أو أن تعتبر له المملوكيّة كما في بيع الكلّي أو مملوكيّة المنافع مثلا، و لكنّه فاسد من جهة قوله صلّى اللّه عليه و آله: «لا تبع ما ليس عندك» بناء على أن يكون نهيا عن بيع مطلق ما لا يملكه حين البيع، لا عن خصوص ما كان موجودا و لم يكن عنده و ملكه. و على هذا يكون خروج بيع الكلّي عن الرواية بالتخصيص لا بالتخصصّص.
و هذا الاحتمال هو أحد الاحتمالين اللذين ذكرناهما في بيان الحديث فيما تقدّم.
و بالجملة، على هذا فالمقدار غير المنسوج فعلا و إن كانت مادّته و هو الغزل أو
1) حاشية المكاسب 65/2.
قوله قدّس سرّه: السابع: في خيار العيب [1]
الصوف مثلا موجودا عنده، و لكن حيث إنّه يبيع المنسوج، و قوام ماليّته يكون بصورته و هي النسج و هو معدوم بعد، فيشمله الحديث و يكون بيعه باطلا من هذه الجهة. فهذا الوجه هو المتعيّن لمورد كلامه دون الوجوه المتقدّمة، و كلامه ظاهر الدلالة في ذلك، فراجعه في حاشية السيّد قدّس سرّه.
[1] كون إطلاق البيع مقتضيا لاعتبار وصف الصحّة في المبيع و الثمن يبتني على مقدّمتين:
أحدهما: أنّ الملحوظ بحسب ارتكاز العقلاء في المبادلة إنّما هو ماليّة الأشياء.
ثانيهما: أنّ وصف الصحّة لها دخل في ماليّة الأشياء بنحو ربما يكون التفاوت بين الصحيح و المعيب أزيد من نصف القيمة. و هذا أيضا ارتكازيّ للعقلاء. و هي تابعة لكثرة منافع الشيء و قلّتها لو لم تعارض جهة كثرة المنافع حيثيّة كثرة الوجود.
مثلا ما تتقوّم به حياة الأشياء كالماء مثلا و إن كانت منافعه أكثر و أهمّ من جميع الأشياء و لكن حيث إنّه كثير الوجود تكون ماليّته قليلة جدّا، بخلاف بعض الجواهر فإنّ منافعها و إن كانت قليلة و لكن جهة قلّة وجودها موجبة لغلاء ثمنها و ماليّتها عند العقلاء.
و الفرق بين وصف الصحّة و سائر الأوصاف التي لها دخل في ماليّة الأشياء واضح؛ فإنّها ليست كوصف الصحّة المعتبرة في ماليّة جميع الأشياء و ليست عدمها نقصا في الشيء كعدم وصف الصحّة، فاعتبار وصف الصحّة في ماليّة الأشياء ارتكازيّ للعقلاء بخلاف سائر الأوصاف، فتأمّل.
و بعبارة اخرى: وصف الصحة له دخل في قيمة سوقيّة الشيء، فإنّ الأشياء مع قطع النظر عن أوصافها لها قيمة عند العرف و وصف الصحّة له دخل فيها، بخلاف
سائر الأوصاف فإنّها إن وجدت في شيء يزود ذلك الشيء بحسب قيمته الأصليّة أو ينقص عنه. و هذا هو الفارق بينهما.
و بالجملة، عليهما يتمّ ما أفاده الشيخ من أنّ إطلاق العقد يقتضي وقوعه مبنيّا على سلامة العين من العيب.
و المراد من إطلاق العقد هو إطلاقه في مقام الإثبات، أي عدم تقييده بالتبرّي من العيوب أو بوقوعه على المعيب. و المراد من الاقتضاء أيضا الاقتضاء في مقام الإثبات. أي إطلاق العقد في مقام الإثبات و عدم تقييده بالتبرّي من العيوب أو بوقوعه على المعيب بضميمة المقدّمتين، يقتضي إثباتا أن يكون وصف الصحّة شرطا بحسب ارتكاز العقلاء.
و على هذا البيان لا يرد شيء ممّا اورد على الشيخ قدّس سرّه، من أنّ عدم تقييد البيع بكونه مبنيّا على سلامة العين لا يقتضي اعتبار السلامة فيها، غاية الأمر لا ينافي ثبوته بدليل آخر، لا أنّه يقتضي ذلك. و ذلك لأنّ المراد من الإطلاق ليس هو عدم تقييده بوصف الصحّة و إلاّ لتمّ ما اورد، و إنّما المراد عدم تقييده بالبراءة من العيب أو بكون المبيع أو الثمن معيبا، فيكون حينئذ كاشفا بحسب الارتكاز عن اعتبار وصف الصحّة و اشتراطه.
ثمّ إنّ ترك اشتراطه صريحا إنّما هو من جهة كونه ارتكازيّا و اعتمادا على ذلك، لا لما أفاده الشيخ من أنّه اعتمادا على أصالة السلامة؛ فإنّه لا معنى للتعويل على أصالة الصحّة، إذ لو كان المراد منها استصحاب الصحّة، فإنّه - مضافا إلى أنّه لا أثر لنفس المستصحب في المقام و إنّما الأثر لنفس الاستصحاب و ربما يعتبر في جريانه أن يكون لبقاء نفس المستصحب أثر و مع قطع النظر عن ذلك أو القول بعدم اعتباره
كما هو الحقّ، فإنّه ربما يقال إنّ ما يستفاد من أدلّة حجّية الاستصحاب إنّما هو ترتيب آثار بقاء المستصحب فلا يكون موجبا للإحراز، و ما يكون موجبا لارتفاع الغرر إنّما هو إحراز وصف الصحّة - لا تكون الحالة السابقة في جميع الأشياء هي السلامة كما في العبد مثلا، فإنّه يحتمل أن يكون مريضا من أوّل وجوده أو في موارد توارد الحاليتن عليه سابقا إلى غير ذلك. و إن كان من جهة الظنّ من حيث إنّ الغالب في الأشياء هو الصحيح، فالغلبة أوّلا غير معلوم، و على فرض تسليمه ربما تكون هناك جهة اخرى معارضة للغلبة، و على فرض عدمه لا يوجب رفع الغرر.
و بالجملة، كان الأولى أن يعلّل الشيخ قدّس سرّه ترك الاشتراط بما ذكرنا، لا بالاعتماد على أصالة السلامة.
و على هذا المبنى يكون الفرق بين البيع و مسألة النذر أو اليمين ظاهرا؛ فإنّ وصف الصحّة بحسب ارتكاز العرف يكون شرطا في البيع، و ليس هذا الارتكاز موجودا في باب النذر كما لو نذر أن يذبح شاة، فلا ينتقض ما ذكرناه بالنذر. نعم لو كان اعتبار السلامة من جهة دعوى الانصراف لكان للنقض بالنذر و لدعوى منع الانصراف و أنّ المبيع جزئيّ غير قابل للانصراف و أنّ مقتضاه بطلان البيع، وجه و مجال.
ثمّ إنّه لو صرّح المتبايعان باشتراط وصف الصحّة التي كانت معتبرة بالارتكاز فإنّه لا يزيد ذلك على الارتكاز شيئا، نعم يفيد ذلك تأكيد الارتكاز و ما كان مستفادا من إطلاق العقد و عدم تقييده بالتبرّي من العيب من جهة الارتكاز، فالخيار الثابت فيه على تقدير ظهور العيب إنّما هو خيار العيب الذي يسقط ببعض التصرّفات و يقتصر فيه على أخذ الأرش؛ و ذلك لأنّ الميزان و المناط إنّما هو بالمنكشف
قوله قدّس سرّه: «مسألة» ظهور العيب في المعيب يوجب تسلّط المشتري [1]
لا بالكاشف، فلا يفرق بين أن يكون الكاشف عن اشتراط وصف الصحّة لفظا أو فعلا - كالاشارة - أو ارتكازا.
و تؤيّد ما ذكرناه رواية يونس: «في رجل اشترى جارية على أنّها عذراء فلم يجدها عذراء، قال: يردّ عليه فضل القيمة»(1)فإنّ ظاهر السؤال أنّ هذا الوصف اشترط في ضمن العقد تصريحا. و الظاهر أيضا أنّ عدم كونها عذراء إنّما هو عيب في الجارية و نقص من الخلقة الأصليّة لأنّه فقدان وصف كمال، فتأمّل. و ظاهر قوله «فلم يجدها عذراء» أنّ المشتري وطأها و لم يجدها عذراء، فالاقتصار في الجواب على ثبوت الأرش الظاهر في تعيّنه و عدم جواز الردّ، ظاهر في أنّ الخيار الثابت عند اشتراط وصف الصحّة تصريحا ليس سوى ثبوت خيار العيب الساقط بالوطء؛ و ذلك لأنّه لو كان هناك خيار تخلّف الشرط لم يكن لسقوطه بالتصرّف وجه، بل كان المشتري مع ذلك قادرا على الردّ، فإنّ خيار تخلّف الشرط لا يسقط بالتصرّف، فتأمّل.
[1] ثبوت الخيار قبل التصرّف المسقط للردّ - على ما يأتي الكلام فيه - ممّا لا خلاف فيه، و هكذا أخذ الأرش بعد التصرّف.
و إنّما الخلاف في أنّ الأرش ثابت في عرض الردّ أي من أوّل الأمر و قبل التصرّف أو يكون في طوله؟ المشهور هو الأوّل، أي التخيير بين الردّ و الأرش، و ربما ادّعي الإجماع عليه.
1) الوسائل 418/12، الباب 6 من أبواب العيوب، الحديث الأوّل.
نعم نسب إلى الشيخ في المبسوط(1)أنّ الأرش مشروط باليأس عن الردّ. فإن كان مراده من اليأس، اليأس من جهة الحكم الشرعي و التصرّف المانع عن الردّ شرعا فيكون مرجعه إلى اختيار القول الثاني، و إن كان مراده اليأس من غير جهة التصرّف المانع شرعا فيكون قولا ثالثا، و لا دليل عليه، بل يكون منافيا لإطلاق الأدلّة.
و كيف كان، الظاهر اختصاص أدلّة الأرش بصورة التصرّف المانع عن الردّ شرعا، فيكون في طول ثبوت حقّ الرد.
و لذا استدلّ لثبوته في عرض ثبوت الخيار بوجوه غير خالية عن التعسّف:
من جملتها: الاستدلال لذلك بما في الفقه الرضوي: «فإن خرج السلعة معيبا و علم المشتري فالخيار إليه إن شاء ردّه و إن شاء أخذه أو ردّ عليه بالقيمة أرش العيب»(2)و في بعض النسخ: «و ردّ عليه بالقيمة أرش العيب» أي ردّ البائع على المشتري أرش عيب المبيع بالقيمة - من باب ردّ عليه الكلام - أو ردّ المشتري على البائع أي رجع إليه بأرش العيب. و المستفاد منه على الأوّل هو التخيير بين امور ثلاثة و على الثاني التخيير بين أمرين. و دلالته على ذلك واضح.
و لكن الكلام في سنده؛ فإنّه لم يثبت كون ما في الفقه الرضوي رواية حتّى ينجبر ضعفها بالعمل. مع أنّ استناد المشهور إليه في الحكم بالتخيير غير معلوم، لأنّهم ذكروا لذلك وجوها اخر و من جملتها دعوى الإجماع على ثبوت التخيير،
فإن تمّ ذلك و أوجب الاطمئنان بقول المعصوم فهو، و إلاّ فلا اعتبار به.
و من جملتها: دعوى شمول أدلّة الردّ لردّ بعض الثمن، أي يكون أعمّ من ردّ البيع رأسا أو ردّه في الجملة.
و فيه: مضافا إلى أنّه خلاف ظاهرها، أنّ لازم هذا أن يكون الردّ من عين الثمن لا من غيرها، و هم لا يلتزمون بذلك.
و من جملتها: أنّ ما يكون سببا لثبوت الخيار و حقّ الأرض إنّما هو عدم تسليم البائع أو المشتري الصحيح، و إلاّ لو كان قد سلّم السالم لم يثبت هناك شيء، و هذا موجود من أوّل الأمر، فلا بدّ و أن يكون كلا المسبّبين موجودا كذلك.
و فيه: أنّ عدم تسليم الصحيح و إن كان هو المقتضي لثبوت حقّ الأرش، و لكن أيّ مانع من أن يكون ثبوت حقّ الأرش مشروطا بشرط و هو التصرّف في العين بالنحو المسقط كما سيأتي تفصيله.
و من جملتها: أنّ وصف الصحّة ليس كسائر الأوصاف، فإنّها دخيلة في كمال الأشياء و لا يكون عدمها نقصا عرفا، و بهذا فرّقنا بينهما من جهة كون إطلاق العقد مقتضيا لاعتبار وصف الصحّة دون غيرها من الأوصاف.
و بالجملة، فإذا كان العيب نقصا عرفا تكون الصحّة بمنزلة الجزء، فإذا كانت فائتة يتدارك باسترداد ما قابله من الثمن، و هذا معنى الأرش، ثمّ يثبت له خيار تبعّض الصفقة، فكلا الأمرين يثبتان في عرض واحد على القاعدة.
و أورد الشيخ قدّس سرّه على هذا الوجه: بمنع المنزلة و أنّ وصف الصحّة ليس كالجزء، و لذا لم يبطل البيع فيما يقابله من الثمن، بل له استحقاق المطالبة ليس إلاّ. ثمّ يترقّى ذلك و يقول: إنّ الجزء الواقعي لو اخذ وجوده في المبيع الشخصي على وجه
الشرطيّة - كما في بيع الأرض على أنّه جربان فبان أنّها جريب واحد - لا يقابل فواته بجزء من الثمن، بل يكون الثمن بتمامه واقعا بإزاء الموجود، غاية الأمر يثبت له خيار تخلّف الشرط، و المقام من هذا القبيل لو سلّمنا كون وصف الصحّة بمنزلة جزء المبيع أو الثمن، انتهى.
و أورد عليه السيّد في الحاشية(1)بما حاصله: أنّه يمكن أن يقال إنّ الجزء يقابل بالثمن و لو اخذ على نحو الاشتراط، و في المثال ينقص من الثمن ما يقابل الناقص، إذ الأجزاء يقابل بالثمن عرفا سواء اعتبرت بنحو الجزئيّة أو الوصفيّة، بخلاف الأوصاف فإنّها و إن اعتبرت بنحو الجزئيّة لا تقابل بالثمن عرفا. ثمّ يؤيّد ما أفاده برواية عمر بن حنظلة: «في رجل باع أرضا على أنّها عشرة أجربة(2)...» الظاهرة في التبعيض في صورة اشتراط كون الأرض عشرة أجربة و انكشاف أنّها خمسة جريب مثلا.
و نقول: اعتبار الأجزاء في البيع بنحو التوصيف يكون على قسمين:
لأنّ البيع حينئذ تارة يكون منحلاّ و يقع كلّ جزء من الأجزاء المذكورة فيه بنحو التوصيف بإزاء جزء من الثمن بحسب النسبة، كما لو باع الصبرة المجهولة من الحنطة من حيث الوزن بعشرة دراهم على أن يكون كلّ منّ منها بدرهم مثلا. فهذا النحو من البيع ظاهر عرفا في التقسيط و أنّ كلّ درهم يكون واقعا بإزاء منّ من الحنطة، فإذا ظهر كون الصبرة أقلّ من عشرة أمنان، لا محالة يردّ إلى المشتري ما
كان يقابله من الثمن، و يثبت له خيار تبعّض الصفقة، و ليس موردا لخيار تخلّف الشرط أصلا. و مورد الرواية من هذا القبيل كما هو واضح.
و اخرى لا تكون الأجزاء ملحوظة بحسب الكيل أو الوزن أو المساحة أو غير ذلك - ممّا اعتبر الأجزاء بحسبه في البيع - بنحو التوصيف، كما لو باع برتقالا على أن يكون وزنه ربع الأوقية(1)مثلا، فإنّ معيار بيع البرتقال لا يكون بالوزن بل يكون بالعدد، فلا يقع عرفا كلّ جزء من أجزائه بإزاء مقدار من الثمن. أو باع عباءة على أن يكون صوفه أوقية مثلا فبان عدم كونها بهذا المقدار. أو باع دارا على أن يكون مساحتها مئة أذرع مثلا فبان أنّها أقلّ من ذلك، فإنّ الدار عرفا يباع من حيث المجموع لا أنّ الثمن يقسّط على كلّ ذرع منها.
و بالجملة: في القسم الأوّل يقع كلّ جزء من الثمن بإزاء جزء من المبيع و لو كانت الأجزاء مأخوذة في البيع بنحو التوصيف، و الحقّ ما أفاده السيّد في هذا القسم. و أمّا في القسم الثاني فلا يتمّ ما أفاده، بل عند التخلّف يثبت خيار تخلّف الشرط و لا يتبعّض الثمن.
و كيف كان، هذا الوجه الذي ذكره الشيخ قدّس سرّه لإثبات التخيير أيضا ملحق بالوجوه السابقة.
و الذي ينبغي أن يقال هو أنّه هل يختصّ ثبوت حقّ الأرش بما إذا كان التصرّف المسقط قبل ظهور العيب أو كان بعد ظهور العيب و لكن كان عن غير اختيار، فإذا فرضنا أنّه علم بالعيب قبل التصرّف ثمّ تصرّف في العين بالتصرّف
1) الأوقية النجفيّة: عبارة عن مئة مثقال صيرفيّة (انظر النقود الإسلاميّة/ 150).
المسقط للردّ اختيارا يسقط الردّ و الأرش معا و ليس له حقّ الردّ و لا حقّ أخذ الأرش، أو لا يختصّ ثبوت حقّ الأرش بذلك بل يعمّ هذه الصورة أيضا؟
من الواضح أنّه لا يمكن الالتزام بالأوّل و لا يلتزم به أحد، فالحقّ هو الثاني، و لازم ذلك هو ثبوت حقّ الأرش قبل التصرّف أيضا، إذ يعلم قطعا - و لو بمناسبة الحكم و الموضوع - أنّه لا يكون للتصرّف الاختياري دخل في ثبوت حقّ الأرش.
مثلا لو ظهر العيب في المبيع قبل حصول التصرّف و تحقّقه و أراد المشتري أن يأخذ الأرش فيقول له البائع ما اسلّم لك الأرش و ليس لك حقّ ذلك و إذا أردت ذلك لا بدّ لك من أن تتصرّف في المبيع ثمّ تطالبني بالأرش إذ ثبوت حقّ المطالبة لك مشروط بأن تتصرّف فيه و لو اختيارا، فإنّه يعدّ هذا الكلام من البائع لغوا عند أهل العرف و العقلاء.
و بالجملة، لو لم يكن الأرش ثابتا فيما إذا ظهر العيب و تصرّف بعده تصرّفا اختياريّا لكان للقول بعدم التخيير بين الردّ و الأرش من أوّل الأمر وجه، و لكن لا يلتزمون بذلك بل يلتزمون بثبوته، و مع ذلك لا وجه للقول بالاختصاص، إذ لازمه أن يكون ثبوت حقّ الأرش مشروطا بفعله الاختياري، و هو مناف لمناسبة الحكم و الموضوع.
و لا يخفى أنّ ثبوت الأرش في فرض تحقّق التصرّف الاختياري بعد ظهور العيب هو مقتضى إطلاق بعض أدلّة الأرش، و أظهرها في ذلك هو الرواية المرويّة عن عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام، و بعد ثبوته فالتخيير ثابت لا محالة بالبيان الذي قدّمناه.
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ في كون ظهور العيب مثبتا للخيار أو كاشفا عنه [1]
[1] الظاهر أنّه لا أثر لهذا البحث - أعني النزاع في أنّ خيار العيب يتحقّق بظهور العيب أو بنفس العيب و يكون الظهور كاشفا عنه - في المقام، و إن ترتّب الأثر على مثل هذا البحث في خيار الغبن و خيار الرؤية كما تقدّم؛ و ذلك لأنّ أثره إنّما هو أمران:
أحدهما: جواز التبرّي من العيب في ضمن العقد أي اشتراط سقوط الخيار بناء على الأوّل و عدم جوازه لكونه إسقاطا لما لم يجب بناء على الثاني،
ثانيهما: جواز إسقاط الخيار قبل ظهور العيب على الأوّل و عدم جوازه لاستلزامه التعليق في الإسقاط على الثاني.
و لا يتوقّف شيء منهما في المقام على هذا النزاع:
أمّا التبرّي، فلأنّ جوازه ثابت بمقتضى الصحيحة المرويّة عن أبي جعفر عليه السّلام:
«أيّما رجل اشترى شيئا و به عيب أو عوار و لم يتبرّأ إليه...(1)» فالتبرّي من العيب جائز و مسقط للخيار، سواء قلنا بأنّ الخيار يثبت بعد ظهور العيب أو قلنا بأنّ ظهور العيب كاشف.
و أمّا إسقاط الخيار قبل ظهور العيب، فبناء على ما ذكرناه - من أنّ خيار العيب يكون من باب خيار تخلّف الشرط غاية الأمر أنّ الشارع من جهة ثبوت اشتراط وصف الصحّة في غالب المعاملات جعل له أحكاما خاصّة و إلاّ فهو ثابت بمقتضى الشرط الضمني الارتكازي - فلا مانع من إسقاطه قبل ظهور العيب أصلا، كما هو واضح.
1) الوسائل 362/12، الباب 16 من أبواب الخيار، الحديث 2.
و أمّا لو جعلناه خيارا مستقلاّ في قبال خيار تخلّف الشرط و جعلنا مدرك ثبوته الروايات الواردة فيه، فنقول المانع من إسقاطه حينئذ قبل ظهور العيب بناء على أن يكون له دخل في تحقّقه ليس إلاّ مسألة التعليق و أنّه باطل إجماعا.
فأوّلا: نثبت جوازه بالإجماع على جواز إسقاطه بخصوصه إذ لم نر مخالفا في المسألة.
و ثانيا: أنّ في بعض الروايات الواردة في المقام و إن اخذ عنوان العلم بالعيب في ثبوت الخيار، و لكن ظاهرها أنّ العلم به مأخوذ بنحو الطريقيّة لا الموضوعيّة كما هو الشأن في كلّ علم مأخوذ في الموضوع، و عليه فتكون دليلا على ثبوت الخيار بمجرّد وجود العيب واقعا،
و ثالثا: في المقام روايات مطلقة لم يؤخذ فيها عنوان العلم بالعيب أصلا، مثل ما ورد عن عليّ عليه السّلام: «من أنّه كان لا يردّ الجارية بعيب إذا وطئت»(1)بناء على أنّ بيان فعله عليه السّلام إنّما هو لبيان الحكم فإنّ إطلاقه يكون مثبتا لجواز الردّ حتّى قبل العلم بالعيب. و ليس ما اخذ فيه عنوان العلم بالعيب أو وجد ان العيب قابلا لتقييدها؛ و ذلك لأنّه لو لم يكن ظاهرا في كون العلم طريقيّا فلا أقلّ من الإجمال، و ليس فيه ظهور في دخل هذا العنوان في ثبوت الخيار، هذا أوّلا. و ثانيا: لو سلّمنا ذلك أيضا، نقول لا معارضة بينه و بين المطلقات حتّى يحمل المطلق على المقيّد، و قد ذكرنا في الاصول أنّ حمل المطلق على المقيّد إنّما يكون في مورد كان الحكم بنحو صرف الوجود لا مطلق الوجود، و بعبارة فيما لم يكن الحكم انحلاليّا، و في المقام الحكم
1) الوسائل 415/12، الباب 4 من أبواب أحكام العيوب، الحديث 8.
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّه لا فرق في هذا الخيار بين الثمن و المثمن [1]
انحلاليّ كما هو واضح، فلا منافاة بين ما يثبت الخيار في فرض العلم بالعيب و ما يثبته مطلقا، و ليس لما اخذ فيه عنوان العلم بالعيب أو وجدان العيب مفهوم، فراجع.
و رابعا: التعليق لا يكون باطلا في أمثال المقام، كما مرّ تفصيله غير مرّة.
[1] هل يختصّ هذا الخيار بالمشتري أو يثبت للبائع أيضا عند ظهور العيب في الثمن؟
الظاهر أنّه لا خلاف لهم في عموميّته؛ و ذلك لأنّ العنوان في غالب الروايات و إن كان عنوان الاشتراء و ثبوت الخيار للمشتري، و لكن المشتري يعمّ البائع أيضا، إذ الشراء يستعمل في البيع كما في قوله تعالى: وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ (1)إلى غيره من الاستعمالات القرآنيّة.
و لكن قد ذكرنا سابقا أنّه فرق بين «الاشتراء» الذي هو من باب الافتعال و «الشراء» الذي هو مجرّده، فلا يتمّ هذا الاستدلال.
و لكن بعض الروايات مطلق، مثل ما ورد عن عليّ عليه السّلام و أنّه كان لا يردّ الجارية بالعيب إذا وطئت، الظاهر في أنّه ليس في مقام الحكاية المجرّدة، و إنّما هو في مقام بيان الحكم بلسان الحكاية، كما كان يقع منهم ذلك كثيرا مّا لتقيّة أو لغير ذلك، و إذا كان في مقام بيان الحكم فيمكن التمسّك بإطلاقه، و يشمل ذلك فرض كون الجارية ثمنا أو مثمنا، فيكون بإطلاقه دليلا لثبوت الخيار للبائع أيضا. و من الواضح أنّ الجارية لا خصوصيّة لها في المقام، فإذا ثبت خيار العيب للبائع إذا كان المبيع جارية، فنلتزم بثبوته للبائع مطلقا؛ لعدم القول بالفصل.
1) سورة يوسف/ 20.
قوله قدّس سرّه: القول في مسقطات هذا الخيار [1]
ثمّ هل يجري خيار العيب في سائر المعاملات أو يختصّ بخصوص البيع؟ مثلا إذا فرضنا أنّه استأجر دابّة فظهر كونها معيبا و فرضنا أنّ اجرة الدابّة المعيبة يكون أقلّ من الصحيحة، فهل يكون مخيّرا بين الردّ و الأرش أو يثبت له الخيار أم لا؟
أمّا الخيار فيثبت فيه بناء على ما ذكرناه من أنّ مرجعه إلى تخلّف الشرط. و أمّا الأرش أو الخيار بناء على كونه تعبّديا فلا؛ لأنّ الروايات واردة في البيع و لا تعمّ غيرها.
ثمّ لا يخفى أنّ ما أفاده الشيخ قدّس سرّه في مقام تعميم جريان الخيار و ثبوته للبائع أيضا، من أنّ ذكر المشتري إنّما هو من جهة أنّ العيب غالبا يكون في المبيع دون الثمن، لأنّ الثمن غالبا يكون من النقود بخلاف المثمن.
فغير ميتن؛ أمّا أوّلا: فلمنع كون الثمن غالبا من النقود، نعم في البلاد المهمّة يكون كذلك، و أمّا في القرى فلا، خصوصا في زمن الأئمّة الذي كان زمان قلّة النقود.
و ثانيا: كون ذكر المبيع من جهة غلبة وجود العيب فيه لا يثبت ثبوت الخيار للبائع أيضا إذا كان الثمن معيوبا.
و بالجملة، ثبوت الخيار يحتاج إلى دليل، و هذا لا يكون دليلا على عموميّة الحكم، فتأمّل.
في مقامين [1] الكلام يكون فيها في مقامين:
المقام الأوّل: في مسقطات خصوص الردّ.
المقام الثاني: في مسقطات الردّ و الأرش معا.
أمّا المقام الأوّل، فالمسقط
الأوّل للخيار: إسقاطه. و لا إشكال في سقوطه
بالإسقاط و الالتزام بالعقد. و لا يكون ذلك إسقاطا للأرش؛ لأنّ الالتزام بالبيع ليس التزاما بالعيب كما في كلام بعض القدماء. نعم لو أسقط خياره و قال: أسقطت خياري، لا يبعد أن يكون ذلك مسقطا للأرش أيضا من جهة أنّ الخيار طرفه متعدّد، الردّ و الأرش و قبول المعيب بلا أرش، فيسقط الجميع بذلك.
الثاني من المسقطات: التصرّف، و لا إشكال في كونه مسقطا إذا قصد به الإسقاط؛ لأنّه إسقاط فعلي و لم نعتبر في المسقط أن يكون باللفظ. و أمّا بيان ما هو الكاشف النوعي عن الإسقاط فهو أجنبيّ عن المقام؛ إذ هو بحث في مقام الإثبات، و تظهر ثمرته في باب التخاصم و الترافع إذا تصرّف المشتري مثلا و ادّعى البائع أنّه قصد به الإسقاط و هو كاشف نوعيّ عنه و أنكر المشتري ذلك، و لا ربط له بالمقام الذي يكون البحث فيه عن مقام الثبوت و ما يكون مسقطا للخيار واقعا.
و بالجملة، التصرّف من حيث هو من دون أن يقصد به الإسقاط لا يكون مسقطا إلاّ إذا أوجب تغيّرا في العين لا تبقى العين قائمة بعينها، و هذا هو المستفاد من مرسلة جميل(1)، مثل قطع الثوب أو خياطته أو صبغه. و أمّا سائر التصرّفات فلا دليل على مسقطيّتها.
و ما يمكن أن يستدلّ به لمسقطيّة التصرّف مطلقا امور:
الأوّل: دعوى الإجماع على ذلك.
و من الواضح أنّ دعوى الإجماع في المقام مع أنّ جملة من القائلين بذلك استدلّوا له بكونه كاشفا عن الرضا، ممّا لا يعتنى به.
1) الوسائل 363/12، الباب 16 من أبواب الخيار، الحديث 3.
الثاني: قوله عليه السّلام في الصحيح: «فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا...»(1)بدعوى أنّ إحداث الحدث يعمّ كلّ تصرّف، خصوصا بضميمة تفسير الإمام عليه السّلام إحداث الحدث باللمس و التقبيل و النظر إلى ما لا يحلّ النظر إليه لغير المالك في الرواية الواردة في خيار الحيوان(2).
و فيه أوّلا: أنّ إحداث الحدث - على ما هو المرتكز في الأذهان - إنّما هو بمعنى إيجاد أمر جديد في الشيء، و لا يصدق على كلّ تصرّف. مثلا لو أمر المولى عبده بشيء، لا يقال عرفا أنّه أحدث فيه شيئا. و أمّا تفسير الإمام ذلك باللمس و التقبيل و النظر، فذلك لا يدلّ إلاّ على أنّه اريد منه معنى شاملا لهذه الامور في المورد المخصوص، و لا يوجب ذلك رفع اليد عن ظهور اللفظ في جميع الموارد أو أنه يراد منه معنى عامّا في كلّ مورد.
و ثانيا: لا يبعد أن يقال إنّ مثل لمس الجارية و تقبيلها و النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه منها لغير المالك يكون إحداث الحدث فيها و لو من حيث إذهاب شرفها مثلا.
و ثالثا: لو فرضنا أنّ إحداث الحدث صار مجملا و لم ندر ما المراد منها، تكون المرسلة مبيّنة لإجمالها بعد وضوح المراد منها كما ستعرفه.
الثالث: إطلاق المرسلة.
و فيه: أنّه على خلاف المطلوب أدلّ، حيث يقول عليه السّلام «إن كان الثوب قائما بعينه
ردّه على صاحبه و أخذ الثمن، و إن كان قد قطع أو خيط أو صبغ رجع بنقصان العيب» و من الواضح أنّ مقتضى إطلاقها جواز الردّ ما دامت العين قائمة بعينها، و هذا التعبير لم نجده في الأخبار إلاّ في المقام و في جواز الرجوع إلى الموهوب في باب الهبة. و بالجملة مقتضى إطلاقها عدم كون التصرّف مسقطا ما دامت العين قائمة بعينها. نعم يدلّ ذيلها على مسقطيّة التصرّف الموجب لحدوث شيء في المعيب و عدم كونه قائما بعينه، و هو قوله عليه السّلام: «إن كان الثوب قد قطع أو خيط».
و بالجملة: المرسلة و الصحيحة يكونان دليلا لما ذكرناه و على أنّ التصرّف بعنوانه لا يكون مسقطا و إنّما المسقط إحداث الحدث و أن لا يكون المعيب قائما بعينه.
و يدلّ أيضا على ذلك قوله عليه السّلام: «كان عليّ لا يردّ الجارية بعيب إذا وطئت» و يستفاد منه أنّ المانع عن الردّ إنّما هو الوطء، و أمّا قبل تحقّق الوطء لا مانع من الردّ و لو أتى بمقدّماته مثل اللمس و التقبيل و النظر التي تكون مقدّمة للوطء غالبا بل دائما، و هذا يعارض تفسير إحداث الحدث باللمس و أخويه كما استظهر من تفسيره في خيار الحيوان.
و يؤيّد ما ذكرناه ما ورد في ردّ الجارية بعدما لم تحض ستّة أشهر عند المشتري(1).
و هكذا ما ورد من جواز ردّ المملوك في أحداث السنة، أي إذا ابتلى بمرض مهمّ بين السنة. و ربما يقال إنّ الوجه في هذا الحكم إنّما هو كون مادّة المرض موجودة
1) الوسائل 413/12، الباب 3 من أبواب العيوب، و فيه حديث واحد.
قوله قدّس سرّه: الثالث: تلف العين [1]
فيه حين البيع و ظهوره يكون في السنة و وجود المادّة عيب. و بالجملة، عادة لا يخلو المملوك من الاستخدام إذا كان عند المشتري أشهر أو أكثر و مع ذلك يجوز ردّها.
و يؤيّد أيضا ما ذكرناه ما دلّ على عدم كون ركوب الدابّة مسقطا لخيار الحيوان كما تقدّم في محلّه، فراجع.
فتلخّص من جميع ما ذكرناه أنّ التصرّف بعنوانه لا يكون مسقطا. نعم إذا قصد به الإسقاط يكون مسقطا من جهة أنّه إسقاط فعلي، و إذا كان موجبا لعدم كون المعيب قائما بعينه و كان إحداث حدث فيه يكون مسقطا من جهة عدم كون العين قائمة بعينها.
[1] فرّق المشهور بين هذا الخيار أعني خيار العيب، سواء كان التلف حقيقيّا أو حكميّا كالانتقال إلى الغير، و سواء كان التلف تلف نفس العين أو تلف أوصافه و شؤونه كما لو استؤجر العين أو رهن أو أبق العبد.
و المدرك لذلك - مع أنّ مقتضى القاعدة و كون حقّ الخيار متعلّقا بالعقد لا بالعين هو جواز الفسخ حتّى في صورة التلف الحقيقي و الرجوع إلى المثل أو القيمة - إنّما هو قوله عليه السّلام في المرسلة: «فإن كان الثوب قائما بعينه ردّه...» و قوله عليه السّلام في الصحيح: «فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئا...» بدعوى أنّ العين بعد التلف الحقيقي أو الحكمي إمّا بنفسه أو بشؤونه لا تكون قائمة بعينها و يصدق إحداث الحدث في المعيب على بيعه و رهنه و إيجاره.
و اورد على هذا: بأنّ التلف الحقيقي و إن كان تغييرا للعين و لا يصدق معه كون المعيب قائما بعينه، و لكن التلف الحكمي - كالبيع و نحوه - لا يكون تغييرا
و لا يوجب زوال العين عمّا كانت عليه، فإنّ الامور الاعتباريّة ليست ممّا توجب تغيّرا في الشيء. و المراد من عدم كون الشيء قائما بعينه هو تغيّره خارجا، و لا يصدق ذلك بمجرّد أنّ العرف كانوا يعتبرونه سابقا ملكا لزيد و الآن يعتبرونه ملكا لآخر و هو عمرو مثلا، فإنّ هذا لا يكون تغييرا عرفا، بل معه يكون الشيء قائما بعينه، و هذا لا إشكال فيه. و هكذا إحداث الحدث في شيء لا يكون إلاّ بإيجاد وصف خارجيّ فيه أو إعدام وصف خارجيّ منه، و كلّ ذلك أجنبيّ عن الامور الاعتباريّة، و بذلك لا يزول الشيء عمّا هو عليه و ليس إحداث الحدث فيه. و لهذا التزم جمع بأنّ التلف الحكمي لا يكون مسقطا لهذا الخيار.
و نقول: هذا الإيراد و إن كان متينا في حدّ نفسه و لا يمكن الاستدلال على مسقطيّة التلف الحكمي بكونه إحداث الحدث في العين أو كونه موجبا لعدم كونها قائمة بعينها لما ذكر، و لكن مع ذلك فإنّ الحقّ - وفاقا للمشهور - هو مسقطيّة ذلك من جهة اخرى، و هي أنّ هاتين الروايتين جعلتا حكم ظهور العيب دائرا بين أمرين، أحدهما الردّ و ثانيهما أخذ الأرش، و مقتضى ذلك مع كون الإمام عليه السّلام في مقام البيان أن لا ثالث في البين، فإذا فرضنا في مورد أنّ الردّ كان غير ممكن فيتعيّن الأرش لا محالة و لو كان المعيب قائما بعينه، و لا تصل النوبة إلى الفسخ و ردّ المثل أو القيمة، إذ لا دليل على ذلك.
و بعبارة أوضح: الحكم في المقام هو الردّ، و لا معنى للحكم بالردّ إلاّ في فرض إمكانه، فبمناسبة الحكم و الموضوع يستفاد أنّ المراد من كونه المعيب قائما بعينه بقاؤه بعينه مع إمكان ردّه. و هكذا الكلام في الصحيحة.
و بالجملة: ظاهرهما أنّ الأمر في ظهور العيب يدور بين الردّ و الأرش، و في كلّ
مورد لا يمكن الرد يتعيّن الأرش و إن كان مقتضى القاعدة فيه هو جواز الفسخ و الرجوع إلى المثل أو القيمة.
و على هذا، فلا بدّ لنا من التفصيل بين العقود اللازمة و الجائزة و أن نفرّق بينهما، فإنّ الردّ في الثانية ممكن دون الاولى و المفروض أنّ العين قائمة بعينها و لم تتغيّر عمّا هي عليه بالنقل فيجوز الردّ، بخلاف العقود اللازمة إذ الردّ فيها غير ممكن؛ أمّا في مثل البيع فواضح، و أمّا في الإجازة و الرهن أمثال ذلك فلأنّ ردّ الشيء لا يكون بردّه بجميع شؤونه، و لا يصدق الردّ فيما إذا ردّ العين مسلوب المنفعة إلى عشرين سنة مثلا، و هكذا إذا ردّه متعلّقا لحقّ الغير.
ثم إنّه لو عاد المعيب إلى ملك المشتري بعد خروجه عن ملكه و صار الردّ ممكنا بعد امتناعه، فهل يثبت حقّ الردّ أم لا؟
الظاهر هو الثاني؛ و ذلك أمّا على ما ذكرناه من عدم كون الاختلافات الاعتباريّة موجبة للتغيّر و عدم صدق إحداث الحدث عليها فواضح، و مجرّد تحقّق عدم إمكانه في زمان مع إمكانه فعلا ليس من المسقطات.
و أمّا على المشهور من صدق التغيّر و إحداث الحدث عليها، فلأنّ ظاهر المرسلة و قوله عليه السّلام فيها «فإن كان الثوب قائما بعينه» هو اعتبار قيامه بعينه حين الردّ لا قبله لمكان «كان» كما في قوله عليه السّلام: «من كان من الفقهاء صائنا لنفسه» أي كان كذلك حين التقليد لا فيما سبق، و من الواضح أنّ المعيب بعد عوده يكون قائما بعينه و يكون كما كان.
و أمّا الصحيحة و قوله عليه السّلام فيها «فإنّ أحدث...» فالظاهر منه - و اللّه العالم - إحداث ما يكون باقيا في العين حين إرادة الردّ لا ما ارتفع أثره. و مع التنزّل عن ذلك
قوله قدّس سرّه: «فرع» لا خلاف نصّا و فتوى في أنّ وطء الجارية [1]
فلا أقلّ من الإجمال و ليس فيه ظهور في الماضي فتكون المرسلة مبيّنة لها.
و على هذا فيثبت الردّ عند العود، بل نقول بذلك في عود التالف الحقيقي أيضا، كما لو فرضنا أنّ العبد صار أعمى أو أعرج ثمّ زال مرضه مثلا.
و لا يصغى إلى ما ربما يقال: من أنّ الملكيّة بعد العود إنّما هي ملكيّة حادثة جديدة، و هي غير الملكيّة السابقة التي انتقلت إليه من المالك الأوّل، و ذلك لما ذكرناه مفصّلا في بحث المعاطاة و قلنا إنّ المبادلة و النقل و الانتقال إنّما يكون بين نفس المالين لا بين الملكيّتين، و ملكيّة المالك الأوّل بالفسخ - على أيّ تقدير - تكون ملكيّة جديدة حادثة، فما ذكرناه صحيح لا ريب فيه.
و تلخّص أنّ التلف الحقيقي سواء كان تلف نفس العين أو تلف أوصافه يكون مسقطا. و أمّا التلف الحكمي فيفرق فيه بين العقود اللازمة و الجائزة فيكون مسقطا على الأوّل دون الثاني. و لو عاد المعيب إلى ملك المشتري يثبت له خيار العيب.
[1] هذا هو المسقط الرابع أعنى الوطء في الجارية، و مسقطيّته بناء على القول بأنّ التصرّف مطلقا مسقط يكون على القاعدة. و أمّا على القول بعدم كون التصرّف مطلقا مسقطا فالدليل على مسقطيّة خصوص الوطء موجود، و هو روايات عديدة(1).
و البحث - بعد وجودها و دلالتها بل صراحتها في مسقطيّة الوطء - في أنّها هل تكون منطبقة على القاعدة أم تكون على خلافها كما فعله العلاّمة قدّس سرّه(2)لغو.
و ملخّص ما أفاده هو أنّ الوطء جناية على الأمة و ليس كسائر التصرّفات، و لذا
تكون مسقطيّته ثابتة و لو لم نقل بمسقطيّة التصرّف.
و فيه ما لا يخفى؛ أمّا أوّلا: فلأنّ الوطء في الإماء ليس موجبا لنقصان شرافتها حتّى يكون جناية كما يكون كذلك في الأحرار، و لذا لم نسمع أن يسأل في مقام شراء الإماء عن عدد من ملكها كما لا يسأل ذلك في شراء سائر الحيانات أيضا، بخلاف مقام تزويج الأحرار فإنّه يسأل عن ذلك، يعني تعدّد ازدواجها و وحدته، بل عن مقداره أيضا على تقدير التعدّد.
و ثانيا: لو سلّمنا ذلك فهو إنّما يكون في الأبكار لا الثيّبات، و ذلك واضح.
و كيف كان، حكم المسألة لا إشكال فيه من جهة ورود النصّ بذلك، كقوله عليه السّلام:
«معاذ اللّه أن أجعل لها أجرا»(1)و بهذا المضمون رواية اخرى عن الصادق عليه السّلام(2).
فالكلام يقع في فقه الحديث؛ إذ ربما يورد على قوله عليه السّلام: «معاذ اللّه أن أجعل لها أجرا» أنّ ذلك مخالف لما ورد في المتعة: «أنّ المنقطعات مستأجرات»(3)فأيّ وجه للاستعاذة باللّه من جعل الاجرة في مقابل الفروج.
و لذا حمل الشيخ قدّس سرّه التطبيق على التقيّة و إن كان نفس الحكم واقعيّا.
و لكن الحقّ أنّ النقض من أصله غير وارد؛ لأنّ المراد من «أنّهن المستأجرات» ليس أنّ المهر واقع بإزاء الفروج، بل المراد أنّ المهر واقع بإزاء الزوجيّة المؤقّتة نظير الإجارة فكأنّهن مستأجرات، ففي الحقيقة تكون الرواية في مقام التنزيل.
و يؤيّده أنّ الرواية واردة في مقام السؤال عن إرث المنقطعات. هذا أوّلا.
و ثانيا: أنّه ليس في قوله عليه السّلام «معاذ اللّه» ظهور و لا إشعار في المنع عن الاجرة للفروج مطلقا، و المحتمل فيه وجهان:
الوجه الأوّل: أن تكون الاستعاذة من جعل الأجر لذلك من جهة أنّ الوطء كان واقعا في ملكه، و التصرّف الواقع في ملك الشخص لا يكون موجبا للاجرة. و هذا الوجه هو الأظهر لو حملنا الروايات الواردة في ردّ الجارية إذا ظهرت كونها حبلى و ردّ العشر أو نصف العشر أو الكسوة معها، على خصوص ما إذا كانت امّ ولد و كان الجنين من المالك، فإنّه عليه يكون البائع ممنوعا من بيعه، فتكون الجارية باقية في ملك البائع و يكون وطء المشتري حينئذ في ملك الغير، فالحكم بلزوم ردّ العشر أو نصف العشر أو غير ذلك لا يكون منافيا لما أفاده عليه السّلام في هذه الرواية من أنّ الوطء حيث وقع في ملك الواطء فلا يلزمه دفع الاجرة.
و أمّا لو أخذنا بإطلاق تلك الروايات و قلنا بلزوم ردّ مقدار من قيمتها حتّى لو كان الجنين مملوكا و لم تكن الجارية امّ ولد و كان البيع صحيحا و الوطء واقعا في ملك المشتري، فحينئذ يقع التنافي بين هذا الوجه الذي ذكرناه في قول أمير المؤمنين عليه السّلام و بين إطلاق تلك الروايات.
فلا بدّ من القول بالوجه الثاني، و هو أن تكون الاستعاذة ردعا لقول الثاني - و تبعه ابن أبي ليلى - من الحكم بردّ الجارية في فرض الوطء و ردّ مثل المهر على البائع، فإنّه عليه السّلام حيث رأى أنّ هذا حكم بغير ما أنزل اللّه و هو تشريع، استعاذ باللّه من القول به، أي من أن يشرّع - سلام اللّه عليه - كما شرّع في الدين غيره. و يشعر بذلك كلمة «أجعل» فإنّ ظاهرها أنّ الاستعاذة إنّما هو من جعله بنفسه هذا الحكم، و هو ظاهر في الردع عمّن قال به، و أنّه ليس بحكمه تعالى.
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ المشهور استثنوا [1]
و هذا التوجيه لا ينافي إطلاق الروايات الواردة في الحبلى، كما لا ينافي ما ورد في المنقطعات من «أنّهن المستأجرات» بناء على دلالته على أنّ الاجرة تكون بإزاء البضع.
[1] الوطء يكون مسقطا للخيار في غير الحبلى من دون خلاف في ذلك. و هكذا لا خلاف في أنّ الوطء لا يكون موجبا لسقوط الردّ إذا كانت الجارية امّ ولد.
و إنّما الخلاف في وطء الجارية الحبلى إذا لم تكن امّ ولد، كما لو فرضنا أنّ الحبل كان من غير مالكها بأن كانت الجارية مزوّجة أو محلّلة لعبد المولى مثلا.
و المشهور فيه هو الردّ.
و خالف في ذلك جماعة. و الوجه في الخلاف هو حمل الروايات الواردة في ردّ الجارية إذا كانت حبلى على خصوص امّ الولد و عدم التمسّك بإطلاقها.
و الشيخ قدّس سرّه يقوّي احتمال التقييد و يقول: إنّ ظاهر الأخبار في بادئ النظر و إن كان ما ذكره المشهور، إلاّ أنّ العمل على هذا الظهور يستلزم مخالفة الظاهر من وجوه:
الأوّل: أنّ ظاهر جملة «يردّ» هو الوجوب، فإنّها جملة خبريّة في مقام الإنشاء، فإذا أبقينا إطلاق الروايات على حالها و لم نحملها على خصوص امّ الولد لا بدّ لنا من ارتكاب أحد خلاف ظاهرين و رفع اليد عن أحد ظهورين، إمّا ظهور جملة «يردّ» في الوجوب و حملها على الإباحة لأنّ من الواضح أنّ ردّ الجارية التي ليست بامّ ولد بعدما وطئت لا يكون واجبا بل غايته أن يثبت الخيار فلا بدّ من حمل هذه الجملة على الجواز و هو خلاف الظاهر، و إمّا حمل الحمل و تقييده بكونه من غير المولى و حينئذ لا تكون جملة «يردّ» ظاهرة في الوجوب لأنّها واردة في مقام توهّم
الحظر الناشئ ممّا دلّ على مانعيّة الوطء عن ردّ الجارية فتكون حينئذ ظاهرة في الإباحة و هذا بخلاف ما لو لم نقيّده بذلك إذ ليس حينئذ في البين ما يوجب توهّم الحظر من ردّ امّ الولد إذا وطئت، فلا بدّ من ارتكاب أحد هذين الأمرين. و هذا بخلاف ما إذا حملنا الروايات على خصوص امّ الولد، فإنّ وجوب الردّ حينئذ يكون على القاعدة، لأنّ الجارية إذا كانت امّ ولد تكون باقية في ملك البائع فيجب ردّها إليه.
و لا يقال: إنّ هذا التقييد أيضا يكون خلاف الظاهر؛ لأنّا نقول: في الروايات قرينة على التقييد، و ليس هذا التقييد من قبيل التقييد الأوّل و بلا وجه، و القرينة عليه هو ظهور جملة «يردّ» في الوجوب، فإنّ الحكم ربّما يكون قرينة على الموضوع، كما أنّ المتعلّق أيضا يكون قرينة على الموضوع في مثل قولك: لا تضرب أحدا.
الثاني: أنّه في هذه الروايات أثبت لزوم ردّ عشر القيمة أو نصفها و ردّ الجارية معا، فلو حملناها على خصوص امّ الولد يكون العقر و ردّ مقدار من القيمة على القاعدة، لأنّ الوطء كان في ملك الغير فلا بدّ من ردّ قيمته. و أمّا لو أخذنا بإطلاقها، ففي غير امّ الولد يكون الوطء في ملك المشتري، فيكون ردّ بدله مخالفا لقاعدة «عدم العقر في وطء الملك» أو أن نقول إنّ الفسخ بالعيب يكون فسخا من حين البيع لا من حين الفسخ، و هذا أيضا خلاف القاعة الثابتة عندهم من «كون الفسخ من حينه لا من أصله» فلا بدّ من أن نخالف إحدى القاعدتين.
الثالث: أنّه لو أبقينا إطلاق الروايات على حاله فلا بدّ و أن تكون مخصّصة لما دلّ على أنّ الوطء مسقط لخيار العيب، و هذا بخلاف ما لو حملناها على خصوص امّ الولد فإنّ البيع حينئذ يكون باطلا و لزوم الردّ يكون من ذلك الجهة و لا يكون
تخصيصا في تلك الأدلّة. و بعبارة اخرى: يدور الأمر بين التخصيص و التخصّص، و الثاني أولى.
الرابع: أنّه في بعض روايات الباب يقول عليه السّلام: «يردّها و يكسوها»(1)و ذكر الكسوة دون العقر إشارة إلى أنّها في شرف الحريّة و إن كانت بعد باقية في ملك مالكها، و لكنّها حيث صارت امّ ولد كأنّها صارت في شرف الحريّة، و لذا عبّر عليه السّلام ب «يكسوها» و بالجملة إعطاء الكسورة للزوجة المطلّقة كأنّه من شؤون الحرائر، كما ورد في الكتاب المجيد في طلاق المرأة غير المدخولة بها إذا لم تفرض لها فريضة.
و بالجملة لو لا هذه العناية لكان الأنسب أن يعبّر ب «العقر» أو «الاجرة» و أمثال ذلك.
الخامس: أنّه لو أبقينا إطلاق هذه الروايات على حاله و قلنا بثبوت الخيار للمشتري في فرض الوطء إذا كانت الجارية حبلى، يكون منافيا لما ذكروه من كون مطلق التصرّف مسقطا، فإنّ الوطء لا ينفكّ عادة عن التصرّف فيها بمثل الأمر بإغلاق الباب و نحو ذلك، فمقتضى ذلك القول سقوط الخيار و لزوم البيع بذلك التصرّفات، و لا معنى لثبوت الخيار بعد اللزوم بواسطة الوطء. و حمل الروايات على مورد تحقّق الوطء من دون ثبوت هذه التصرّفات و إن كان ممكنا، و لكنّه تقييد بالفرض النادر.
و لا يقال: إنّ نظير هذا الإشكال يرد على غير هذه الأخبار ممّا دلّ على ردّ الجارية بعد مدّة طويلة مع أنّها لا تنفكّ عن وقوع هذه التصرّفات، أو ما دلّ على سقوط الخيار بالوطء مع أنّ الوطء عادة لا ينفكّ عن مثل تلك التصرّفات، فسقوط
1) الوسائل 417/12، الباب 5 من أبواب أحكام العيوب، الحديث 6.
الخيار يكون بها لا بالوطء، فما يجاب به هناك نجيب به في المقام.
لأنّا نقول: في ذلك المقام لم يكن لنا بدّ من تقييد المورد بالفرض النادر، و لكن في المقام يمكننا التخلّص عن الإشكال بوجه آخر، و هو حمل الروايات على خصوص امّ الولد، فليست في المقام لا بدّية.
و بالجملة، فهذه الامور تكون قرينة على أنّ المراد منها خصوص امّ الولد و تكون ظاهرة فيه.
ثمّ يقول قدّس سرّه ما حاصله: أنّه لو تنزّلنا عن ظهورها فيما ذكر لا محالة يقع التعارض بين هذه الأخبار و ما دلّ على مانعيّة الردّ بنحو العموم من وجه؛ و ذلك لأنّ تلك الأخبار لا تشمل امّ الولد، فإنّها لا تدخل في ملك المشتري حتّى يكون الوطء مانعا من الردّ، فهي أخصّ من روايات المقام من هذه الجهة، و هذه الروايات تكون مختصّة بالحبلى سواء كانت امّ ولد أم لم تكن، فمن هذه الجهة تكون أخصّ منها، و مورد اجتماعهما هو الحبلى التي ليست امّ ولد، فإنّه بمقتضى تلك الروايات يكون وطؤها مانعا عن ردّها، و مقتضى هذه الأخبار أنّ الحبلى و إن وطئت تردّ، فيقع التنافي بين الطائفتين، و ما عدا الوجه الثالث يعني دوران الأمر بين التخصيص و التخصّص يكون مرجّحا لتقييد روايات المقام، فتتقدّم تلك الروايات، فتكون النتيجة لزوم البيع و عدم جواز ردّها.
ثمّ يتنزّل عن ذلك و يقول: لو فرضنا عدم صلاحيّة هذه الوجوه للتقييد و لا للترجيح و تكافأ الطائفتان، فلا بدّ من الرجوع إلى عموم ما دلّ على أنّ إحداث الحدث مسقط، فلا خيار على هذا التقدير أيضا.
ثمّ يقول: و يمكن أن يكون المرجع قوله عليه السّلام: «و إن كان الثوب قائما بعينه» و هذه
الجارية قائمة بعينها، فيثبت فيها الخيار.
ثمّ يقول قدّس سرّه: و لو خدش في عموم هذه الروايات و لم يمكن الرجوع إلى هذا و لا إلى ذلك، تصل النوبة إلى الأصل العملي، و هو أصالة بقاء الجواز الثابت قبل التصرّف، فيستصحب بقاؤه، و حينئذ يبقى إشكال العقر على حاله. و لكن الظاهر أنّه لا تصل النوبة إلى التعارض و لا إلى الرجوع إلى الأصل اللفظي أو الأصل العملي، بل روايات المقام ظاهرة - لما ذكر - في خصوص امّ الولد، انتهى.
و في جميع ما أفاده نظر:
أمّا في الوجه الأخير، و هو منافاة ثبوت الردّ في الحبلى مع ما دلّ على مسقطيّة التصرّف مطلقا أو لزوم حمل الروايات على المورد النادر، فصدوره من الشيخ قدّس سرّه من الغرائب؛ لأنّه مناف لما أفاده قبل صفحتين من عدم كون مثل هذه التصرّفات مسقطا للخيار و أيّده بما دلّ على ردّ الجارية إذا لم تحض ستّة أشهر عند المشتري و ردّ المملوك في أحداث السنة.
و أمّا الوجه الرابع، و هو ظهور قول السائل في المرسلة: «رجل باع جارية حبلى و هو لا يعلم» و ظهور «يكسوها» في قول الإمام في بعض الروايات في أنّها امّ ولد؛ من جهة أنّها لو لم تكن امّ ولد لم يكن لجهل البائع بحبلها مدخليّة في البيع، فإنّ الظاهر من ذكر هذا القيد هو أنّه لو كان عالما بأنّها امّ ولد لم يقدم على بيعها، و هكذا قول الإمام عليه السّلام «يكسوها» فيه إشعار إلى أنّها امّ ولد كما تقدّم، ففيه: أمّا جملة «لا يعلم» في السؤال، فحيث إنّه لم يقع في قول الإمام فلا يكون دليلا على شيء، و أمّا قول الإمام عليه السّلام «يكسوها» فأوّلا: ليس فيه إشعار بذلك لأنّ المراد منه - و لو بضميمة سائر الروايات - إعطاء العشر أو نصف العشر غاية الأمر بعنوان الكسوة،
و ثانيا: هذه الرواية بظاهرها لا تكون حجّة لأنّه لم يعمل بها أحد إذ لم يقل أحد بالردّ و الكسوة و إن اختلفوا في أصل الردّ و على تقدير الردّ في إعطاء العشر أو نصف العشر أو التفصيل في ذلك بين البكر و غيره، و مضافا إلى الجميع كون مورد هذه الرواية خصوص امّ الولد لا يكون قرينة صارفة لإطلاق المطلقات.
و أمّا الوجه الثالث، و هو دوران الأمر بين التخصيص و التخصّص، ففيه: أنّ الكبرى الكلّية - أعني تقديم التخصّص على التخصيص - و إن كان مسلّما، و لكن موردها إنّما هو فيما إذا كان الخاصّ مجملا و دار أمره بين أن يكون مخصّصا أو غير مخصّص، مثلا لو قال: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم زيدا، فدار أمر الخاص بين أن يكون المراد منه زيد العالم حتّى يكون مخصّصا أو زيد الجاهل حتّى يكون خروجه عن العام بالتخصّص، فحينئذ يتمسّك بعموم العام و يقال بوجوب إكرام زيد العالم لظهور العام في ذلك مع عدم وجود ما يصلح لتخصيصه.
و بعبارة اخرى: لم ترد في دوران الأمر بين التخصيص التخصّص آية و لا رواية، و إنّما وجه تقديم التخصيص هو أصالة العموم، فلا بدّ و أن يفرض في مورد لا يكون للخاص ظهور في التخصيص، و إلاّ فيتقدّم ظهور الخاص على ظهور العام و يخصّص به، و المقام من قبيل الثاني فإنّه لو سلّمنا ظهور هذه الروايات في الإطلاق فلا محالة يوجب تخصيص العمومات التي دلّت على سقوط الخيار بالوطء.
و بهذا ظهر الجواب عن الوجه الثاني أيضا، و هو لزوم تخصيص إحدى القاعدتين، أي قاعدة «عدم العقر في وطء الملك» أو «كون الفسخ من حينه لا من أصله» و ذلك لأنّ قاعدة «عدم العقر» ليست آبية عن قبول التخصيص، فإذا دلّ الدليل على تخصيصها فتخصّص به.
فالعمدة في المقام هو الوجه الأوّل، و هو ظهور قوله عليه السّلام «يردّ» في الوجوب، فإنّه متين من حيث كونه إشكالا و إن لم يكن صحيحا، و ذلك لأنّ ارتكاب خلاف الظاهر بأحد النحوين إنّما كان لازما فيما إذا لم تكن هناك قرينة على أن يكون المراد من الحبلى خصوص غير امّ الولد، و لكن القرينة على ذلك موجودة في بعض الروايات، و هو صحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: «عن رجل اشترى جارية حبلى و لم يعلم بحبلها فوطأها؟ قال: يردّها على الذي ابتاعها منه، و يردّ عليها نصف عشر قيمتها لنكاحه إيّاها، و قد قال عليّ عليه السّلام: لا تردّ الجارية التي ليست بحبلى إذا وطأها صاحبها»(1).
و قرينيّة هذه الصحيحة على التقييد يكون من جهتين:
الاولى: من حيث ذكر السائل جملة «لا يعلم» في السؤال، فإنّ إسناد الجهل إلى البائع قرينة على كون الجارية امّ ولد - و إلاّ لم تكن لذكره فائدة إذ لا فرق في بيع غير امّ الولد بين ما إذا كان جاهلا بحبلها أو عالما - و هكذا إسناد عدم العلم إلى المشتري يكون قرينة على أنّ المراد من الحبلى غير امّ الولد إذ لو كانت امّ ولد لم يفرق الحال في فساد البيع بين ما إذا كان المشتري عالما بذلك أم لم يكن، نعم علمه و جهله بالحبل في غير امّ الولد ربما يؤثّر من حيث إقدامه على شراء الحبلى و عدمه.
الثانية - و هي العمدة -: ذيل هذه الصحيحة، و هو قوله عليه السّلام: «و قد قال عليّ عليه السّلام...» و تقريبه هو أنّه لو كان المراد من صدر الرواية ردّ خصوص من لا
1) الوسائل 416/12، الباب 5 من أبواب أحكام العيوب، الحديث الأوّل.
يكون امّ ولد يرتبط الذيل معه، إذ ربما يتوهّم منافاته لإطلاق ما ورد عن عليّ عليه السّلام من عدم ردّ الجارية بالعيب إذا وطئت، فأفاد الإمام ذلك دفعا لتوهّم المنافاة، و هذا بخلاف ما إذا اريد منها امّ الولد، فإنّه حينئذ يكون الذيل أجنبيّا عن الصدر، إذ في امّ الولد يكون البيع باطلا، فكلام أمير المؤمنين عليه السّلام يكون أجنبيّا عن ذلك، فتأمّل.
و بالجملة، فهذه الصحيحة تكون قرينة على تقييد الروايات بخصوص غير امّ الولد.
و لو تنزّلنا عن ذلك و لم نقل باختصاصها بغير امّ الولد بل قلنا بإطلاقها، فلا محالة يقع التعارض بينها و بين ما دلّ على المنع عن ردّ الجارية إذا وطئت بنحو العموم من وجه، و حينئذ إن قلنا بالرجوع إلى المرجّحات في التعارض بالعموم من وجه فلا ريب في ثبوت الرجحان في المقام لهذه الروايات دون تلك الروايات، فإنّ فيها مثل هذه الصحيحة المتقدّمة، و هي موافق لعمل المشهور. و إن قلنا بمقالة الشيخ قدّس سرّه و التساقط في التعارض بنحو العموم من وجه فبعد تساقط الطائفتين يرجع إلى العمومات الفوقانيّة، مثل قوله عليه السّلام: «فأحدث فيه حدثا» أو قوله عليه السّلام: «إن كان الثوب قائما بعينه» و حينئذ فلا بدّ من التفصيل بين البكر و الثيّب، إذ يتحقّق إحداث الحدث بالوطء في البكر دون الثيّب، و هكذا البكر بعد الوطء لا تكون قائمة بعينها بخلاف الثيّب. فبمقتضى صدر المرسلة لا بدّ من القول بسقوط الخيار في البكر و مقتضى ذيلها ثبوته في الثّيب و بضميمة عدم القول بالفصل يقع التنافي بين الصدر و الذيل فتأمّل، فلا بدّ من الرجوع إلى الأصل العملي و هو استصحاب بقاء الخيار الثابت قبل الوطء، فعلى جميع الفروض و التقادير يكون الحقّ مع المشهور و كما فهموه، هذا.
و لكن التحقيق أن يقال: لو جعلنا مدرك الردّ في غير امّ الولد الروايات الواردة في المقام من جهة اختصاصها بغير امّ الولد أو بعد تعارضها مع الأدلّة المانعة عن ردّ الجارية إذا وطئت و ترجيح هذه الطائفة أو الأخذ بها لأجل القول بالتخيير عند التعارض، فيثبت قول المشهور و يحكم بالردّ و لزوم ردّ العقر أيضا بتلك الروايات.
و أمّا لو تساقطا و وصلت النوبة إلى عموم «فإن أحدث» أو عموم قوله عليه السّلام: «فإن كان الثوب قائما بعينه» و وقع التعارض بين ذيل المرسلة و صدرها و الصحيحة بضميمة عدم القول بالفصل بين البكر و الثيّب كما تقدّم و سقطا أيضا و رجعنا إلى الأصل العملي و هو استصحاب بقاء الخيار، فحينئذ يشكل الأمر في إثبات العقر.
و ظاهر كلام الشيخ قدّس سرّه إثباته بعدم القول بالفصل. و لكنّه محلّ منع؛ لما ذكروه في محلّه في الاصول و هو بحث البرائة من أنّ مورد إثبات اللوازم بعدم القول بالفصل إنّما هو فيما إذا اثبت الملزوم بالأمارات، و أمّا إذا كان ذلك مفاد الأصل العملي مثل الاستصحاب فلا يمكن إثبات لازمه بعدم القول بالفصل؛ و ذلك لأنّ غاية ما يستفاد من عدم القول بالفصل هو الملازمة بين الواقع و اللازم لا بين مفاد الأصل و ذلك الشيء الآخر، و حيث إنّ الأمارات محرزة للواقع تعبّدا يترتّب عليه ما ثبتت ملازمته معه من جهة عدم القول بالفصل، بخلاف ما إذا كان الحكم مفاد أصل من الاصول فإنّ عدم القول بالفصل لا يثبت ملازمة شيء مع الحكم الظاهري المستفاد منها، و على هذا فلا بدّ من الرجوع في العقر إلى الأصل الجاري فيه في حدّ نفسه و هو البراءة.
فمقتضى الأصل في الردّ هو بقاء الخيار و في العقر هو عدم لزوم إعطائه، و حيث لم يحكم أحد من الفقهاء بالجواز مع عدم العقر - فإنّهم بين قائل بعدم جواز الردّ
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ المحكيّ عن المشهور إطلاق الحكم بوجوب ردّ نصف العشر [1]
أصلا و قائل بجوازه مع العقر - فبضميمة عدم القول بالفصل يقع التعارض بين استصحاب بقاء الخيار و أصالة البراءة عن لزوم إعطاء العقر و يتساقطان، فلا بدّ من الرجوع إلى الأصل الفوقاني و هو أصالة بقاء كلّ من المالين على ملك مالكه بعد الفسخ و النتيجة هو اللزوم. و بالجملة لو وصلت النوبة إلى الرجوع إلى الأصل العملي ينعكس الأمر و يكون النتيجة عدم جواز الردّ.
[1] الكلام يقع في مقامين:
أحدهما: في ثبوت الردّ في الحبلى إذا كانت بكرا.
ثانيهما: في أنّه على تقدير ثبوت الردّ فيها أيضا، هل يكون العقر فيها نصف العشر أو تمام العشر؟
أمّا المقام الأوّل، فالظاهر أنّ الأقدمين من الفقهاء لم يتعرّضوا لهذه المسألة سوى ما نقله الشيخ قدّس سرّه عن السرائر(1)و الغنية(2)من دعوى عدم الخلاف في ثبوت العشر في عقر البكر و اختصاص نصف العشر بالثيّب. و يظهر من ذلك أنّ ثبوت أصل الردّ في البكر كان مفروغا عنه عندهم.
و كيف كان، ربما يستدلّ لثبوت الردّ في البكر بالمرسلة المنقولة في الكافي، حيث يقول قدّس سرّه: و في رواية اخرى: «إن كانت بكرا فعشر قيمتها، و إن كانت ثيّبا فنصف عشر قيمتها...»(3).
و فيه أوّلا: أنّ مورد الرواية غير معلوم، و لعلّه يكون في خصوص امّ الولد، و لم يذكر الرواية بتمامها.
و ثانيا: الرواية ضعيفة السند لأنّها مرسلة، و ليس الإرسال من الكافي حتّى لا يكون مضرّا بالسند. و ما أفاده الشيخ قدّس سرّه من انجبار سندها بالإجماع المدّعى من الغنية فغير صحيح، لأنّ في جبر السند لا بدّ من إحراز الاستناد إلى الرواية، و أمّا مجرّد توافق بعض الآراء لرواية ضعيفة لا يوجب جبر سندها، و هذا الإجماع المنقول في حدّ نفسه غير قابل للاستدلال به، كما لا يكون موجبا لانجبار ضعف سند الرواية أيضا.
و ربما يستدلّ في المقام أيضا بصحيحة ابن سنان.
و فيه: أنّ الصحيحة و إن كانت مطلقة، و لكن بمناسبة ذيلها و استثناء الإمام عليه السّلام مورد الرواية عن كلام علي عليه السّلام تكون ظاهرة في أنّ الإمام عليه السّلام إنّما هو في مقام بيان عدم مانعيّة الوطء من حيث إنّه وطء في الجارية الحبلى الثابتة بمقتضى إطلاق كلام علي عليه السّلام، و أمّا لو كان الوطء في مورد ملازما لإحداث أمر آخر في الجارية نظير الإفضاء أو إزالة البكارة و أمثال ذلك فليست الصحيحة في مقام بيان ذلك، و ليس لها إطلاق يشمل هذه الموارد، فإنّ شمول إطلاقها لها محتاج إلى مؤونة زائدة.
و أمّا الروايات الاخر فقد عرفت أنّه لا يمكن الاستدلال بها، لاحتمال اختصاصها بخصوص امّ الولد، خصوصا بملاحظة ظهور جملة «يردّ» في وجوب
الردّ، و ليست فيها قرينة على اختصاصها بخصوص امّ الولد كما هي موجودة في الصحيحة.
و بالجملة، فمن حيث وطء الجارية الباكرة الحبلى و إن لم تكن ممنوعة من الردّ، و لكن من حيث إنّها غير قائمة بعينها لزوال بكارتها و أنّه إحداث حدث فيها تكون ممنوعة من الردّ بمقتضى الصحيحة و مرسلة جميل المتقدمتين، إلاّ أن يكون الوطء في الدبر بناء على شمول الوطء للوطء في الدبر أيضا، فحينئذ يجوز ردّها لكونها قائمة بعينها و لعدم زوال بكارتها، فتشملها صحيحة ابن سنان بإطلاقها.
فالحقّ أنّه لا دليل على ثبوت الردّ في الجارية الباكرة الحبلى إذا وطئت، فتأمّل.
المقام الثاني: المشهور أطلقوا الحكم بوجوب ردّ نصف العشر، و أفاد الشيخ أنّ ظاهر السرائر بل الإجماع المدّعى في كلام الغنية أيضا هو وجوب ردّ نصف العشر في الثّيب و العشر في البكر.
و ما يحتمل أن يكون وجها لهذا التفصيل امور ثلاثة:
الأوّل: الإجماع المنقول في السرائر و الغنية.
و فيه: أنّ الإجماع المنقول خصوصا من القدماء و من قبل زمان السيّد الذين كانوا يدّعون الإجماع على الحكم الفرعي تعويلا على الإجماع على القاعدة - كما أنّ السيّد يدّعي الإجماع على جواز الوضوء بالماء المضاف من جهة الإجماع على أصالة البراءة و لكن تطبيقها على المورد يكون بنظره مع أنّ أحدا من الفقهاء لم يفت بذلك - لا يمكن الاستدلال به.
الثاني: مرسلة الكافي.
و قد عرفت أنّها ضعيفة السند أوّلا، و موردها غير معلوم ثانيا، فلا يمكن أن
تكون مفصّلة للروايات الواردة في المقام.
الثالث: رواية عبد الملك(1)التي لم يذكر فيها إلاّ ردّ العشر بعد تقييدها بخصوص البكر، لما ورد من وجوب ردّ نصف العشر.
و فيه أوّلا: أنّ هذا التقييد تقييد بالفرد النادر، و هو مستهجن لا يمكن المصير إليه.
و ثانيا: ذكر الشهيد(2)- و أكرم به و أنعم - أنّ الصدوق ذكرها بلفظ «النصف» و الظاهر أنّه من سهو الراوي في الإسقاط كما أفاده الشيخ قدّس سرّه.
و بالجملة، فالصحيح أنّه لا فرق بين البكر و الثيّب في مقدار العقر أصلا. و الحقّ ثبوت نصف العشر في البكر و الثيّب، لإطلاق صحيحة عبد اللّه بن سنان التي هي العمدة في ثبوت الخيار في غير امّ الولد.
و أمّا ما في صحيحة ابن مسلم من أنّه «يكسوها» فليس معمولا به عند الأصحاب، إذ لم يفت أحد في وطء الأمة بلزوم إعطاء الكسوة على ما نعلم، فلا بدّ من ردّ علمها إلى أهلها. و لا بأس بحملها على إعطاء الكسوة بمقدار نصف العشر حذرا من طرح الرواية.
و هكذا مرسلة الكافي المفصّلة بين البكر و الثيّب قد عرفت الخدشة فيها دلالة و سندا.
و أمّا ما في رواية عبد الرحمان من أنّه «يردّ معها شيئا» فإن كان المراد من
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ مقتضى الإطلاق جواز الردّ و لو مع الوطء في الدبر [1]
الشيء شيئا مّا، فهي بهذا المعنى معرض عنها عند الأصحاب يعني هذه الجملة منها.
و هكذا ما دلّ على ردّ عشر القيمة فهي أيضا غير قابل للاستقامة في قبال الصحيحة، مع احتمال أن يكون موردها خصوص امّ الولد، فمقدار العقر هو نصف العشر.
[1] أفاد الشيخ قدّس سرّه إمكان دعوى انصراف الأدلّة إلى الوطء في القبل، فيقتصر في مخالفة العمومات على المتيقّن.
و لا يخفى أنّ دعوى الاقتصار على المتيقّن إنّما يتمّ بناء على القول بأنّ التصرّف مطلقا مسقط للخيار. و أمّا لو لم نقل بذلك - كما لا يقول به الشيخ قدّس سرّه أيضا - فالاقتصار على المتيقّن يقتضي إلحاق الوطء بالدبر في المقام بالوطء في القبل.
و كيف كان، الحقّ أنّه لا وجه لدعوى انصراف الوطء عن الوطء في الدبر، كما يشهد لذلك فتوى الأصحاب في جملة من الموارد و عدم فرقهم بين الوطء في القبل و الدبر في باب الحدّ و لزوم الغسل و أمثال ذلك من استحقاق الزوجة لتمام المهر و نحوه.
ثمّ أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّ في لحوق التقبيل و اللمس بالوطء وجهان: من الخروج عن مورد النصّ و من ثبوت الردّ فيهما بالأولويّة.
نقول: عنوان هذا البحث من الشيخ قدّس سرّه من الغرائب؛ لأنّ الوطء لا ينفكّ عن اللمس و التقبيل إلاّ نادرا، فحمل الروايات الواردة في عدم مانعيّة الوطء عن الردّ على مورد لم يكن مقرونا أو مسبوقا باللمس و التقبيل يكون في غاية الاستهجان، فالإنصاف دلالتها على عدم مانعيّة اللمس و التقبيل أيضا.
قوله قدّس سرّه: الرابع من المسقطات: حدوث عيب عند المشتري [1]
ثمّ أفاد قدّس سرّه أنّ صريح بعض النصوص و الفتاوى اختصاص الحكم بالوطء مع الجهل بالعيب، و لكن إطلاق كثير من الروايات يشمل العالم.
و التحقيق هو الاختصاص؛ و ذلك لدلالة صحيحة عبد اللّه بن سنان - ظهورا لا صراحة - في الاختصاص، حيث يقول: «سألته عن رجل اشترى جارية حبلى و لم يعلم بحبلها فوطأها»(1)فإنّ ظاهر «الفاء» هو تفريع الوطء على عدم العلم بالحبل، و جواب الإمام جواب عن هذا السؤال و ليس فيه إطلاق، فلا يقال إنّ المورد لا يكون مخصّصا.
و هكذا ظاهر رواية عبد الرحمان حيث قال: «عن الرجل يشتري الجارية فيقع عليها فيجدها حبلى؟»(2)فإنّ ظاهر «فيجدها حبلى» هو أنّه لم يكن عالما بالحبل قبل الوطء.
و الروايات الاخر في بعضها قيّد الحكم بعدم علم المشتري أيضا و إن سقط هذا القيد في نسخ المكاسب. و البعض الآخر كمرسلة الكافي، مضافا إلى ضعف سند بعضها، يحتمل أن يكون موردها خصوص امّ الولد، فلا يمكن التمسّك بإطلاقها للمقام. و ما فيه قرينة على الاختصاص بغير امّ الولد إنّما هو الصحيحة المتقدّمة، و قد عرفت أنّها ظاهرة في الاختصاص، فلا وجه للتعدّي إلى العالم بالحبل.
[1] تارة يكون حدوث العيب قبل القبض و اخرى بعده إمّا في زمان الخيار التعبّدي أو الجعلي أو بعد زمان الخيار.
و في القسمين الأوّلين يقع الكلام في جهتين:
الاولى: في أنّ حدوث العيب قبل القبض أو في زمان الخيار هل يكون موجبا لخيار العيب أم لا؟ و الكلام فيهما من هذه الجهة يقع في محلّه.
الثانية: في أنّه هل يوجب سقوط الخيار الثابت بالعيب السابق أم لا؟ و هذه الجهة هي محلّ الكلام في المقام.
و فصّل فيه المحقّق(1)بين العيب الحادث قبل القبض و بين العيب الحادث بعد القبض و في زمان الخيار، فالتزم بالمسقطيّة في الأوّل دون الثاني.
و أورد عليه الشيخ و غيره - كالسيّد في الحاشية(2)- بأنّ منشأ عدم سقوط الخيار بالعيب الحادث قبل القبض و هو كونه مضمونا على البائع، موجود في العيب الحادث في زمان الخيار أيضا، لأنّ التلف في زمان خيار المشتري يكون من البائع.
و زاد في الحاشية بأنّ مدرك كون ضمان العيب الحادث قبل القبض على البائع يكون أضعف دلالة ممّا دلّ على ثبوت ضمانه عليه في العيب الحادث في زمان الخيار، فإنّ الدليل في التلف قبل القبض منحصر بقوله عليه السّلام: «كلّ مبيع تلف قبل القبض فهو من مال بائعه» و ظاهره هو تلف نفس العين لا أوصافه، فلا بدّ في تسرية الحكم إلى الأوصاف من قياس أو دعوى الأولويّة و أمثال ذلك، و هذا بخلافه في زمان الخيار، لما ورد من الدليل الخاص في كون تلف الأوصاف في زمان الخيار على من لا خيار له، و هو صريح في ذلك، انتهى.
و الحقّ أنّ الإيراد غير وارد على المحقّق؛ و ذلك لاحتمال أن لا يكون نظره قدّس سرّه في الحكم بثبوت الخيار و عدم سقوطه بالعيب الحادث قبل القبض إلى ما ورد من أنّ «كلّ مبيع تلف قبل القبض...» و أنّ ضمان التالف يكون على البائع كما توهّم، بل يكون نظره إلى أمر علميّ دقيق، و هو التمسّك بإطلاق الروايات الواردة في ثبوت الخيار بالعيب، بتقريب أنّه ليس في بعض الروايات ظهور في اعتبار ورود البيع على المعيب، كقوله: «في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد به عيبا» و في بعضها:
«عن الرجل يشتري الجارية فيقع عليها فيجدها حبلى» فتأمّل، و على هذا فإطلاقها يشمل صورة حدوث العيب قبل القبض أيضا.
و لا يقال: إنّ حدوث العيب قبل القبض و إن كان موجبا للخيار بمقتضى إطلاق الروايات، و لكن لا مانع من أن يكون مسقطا للخيار السابق الثابت بالعيب السابق و موجبا لحدوث خيار آخر فيه.
لأنّا نقول: مقتضى إطلاق الروايات أنّ كلاّ من العيبين يكون سببا للخيار في عرض الآخر، و ليست بينهما طوليّة حتّى يكون أحدهما مسقطا للخيار الثابت بالعيب السابق، فهما في عرض واحد، و لا دليل على مسقطيّة أحدهما للآخر أصلا؛ و ذلك لأنّه يصدق على هذا المعيب أنّه قائم بعينه، فإنّ الميزان في كون العين قائمة بعينها و عدمه إنّما هو حال تسليمها إلى المشتري، و لذا يصدق على ردّه بما له من الصفات حال التسليم أنّه ردّ العين إلى البائع، و هذا بخلاف ما إذا كان العيب حادثا بعد القبض و في زمان الخيار، فإنّه لا يصدق على العين أنّها قائمة بعينها، و مقتضى إطلاق ذيل الرواية أو مفهومها عدم ثبوت الخيار حينئذ، و لا منافاة عقلا بين سقوط الخيار الثابت بالعيب و ثبوت خيار آخر تعبّدي أو مجعول. فالذي أفاده
قوله قدّس سرّه: و أمّا الثالث أعني العيب الحادث في يد المشتري [1]
المحقّق متين غايته.
ثمّ إنّ صاحب الجواهر(1)أشكل على المحقّق و شيخه ابن نما قدّس سرّه - بعد أن استظهر من كلام المحقّق أنّه يقول بثبوته بخصوص العيب السابق، و جعل قول كلّ منهما عكسا لقول الآخر - بما حاصله أنّه ما المانع من تعدّد الخيار؟ و ما الموجب للالتزام بوحدته حتّى يخالف في أنّه هو الخيار الثابت بالعيب السابق أو بالعيب اللاحق مع أنّ الظاهر ثبوت كلا الخيارين؟
و فيه ما لا يخفى؛ فإنّ كلام المحقّق إنّما هو في مقام بيان أنّ حدوث العيب في زمان الخيار يكون مسقطا له، و أمّا أنّ حقّ الردّ يكون بالعيب اللاحق فليس كلامه ناظرا إليه أصلا، بل لا يبعد أن يكون الخيار و حقّ الردّ بخصوص الخيار الثابت هناك كالحيوان و المجلس، لا بالعيب اللاحق. و أمّا قول ابن نما فهو في مقام بيان عدم سقوط الخيار السابق بحدوث العيب في زمان الخيار، و هذا لا يأبى عن التعدّد، فأصل الاستظهار في غير محلّه، فكيف بالإشكال.
و بما ذكرنا ظهر أنّ قول المحقّق ليس معاكسا لقول شيخه، و لا يقول هو قدّس سرّه بأنّ الخيار يثبت بالعيب اللاحق أصلا.
[1] المشهور في ذلك أنّه مانع عن الردّ بالعيب السابق.
و خالف المشهور بالكلّية الشيخ المفيد قدّس سرّه(2)فالتزم بعدم مانعيّته عن الردّ.
و أورد عليه العلاّمة قدّس سرّه بما حاصله(3): أنّ تضرّر المشتري من العيب السابق
ليس بأعظم من تضرّر البائع بالعيب اللاحق إذا فسخ العقد.
و في كلامه ما لا يخفى؛ و ذلك لأنّه إن اريد من ذلك إبداء المانع عن شمول أدلّة الخيار فلا يتمّ ذلك لإطلاق الأدلّة، و إن أراد رفع المقتضي فكذلك لأنّ المدرك للخيار ليس هو القاعدة حتّى تسقط بمعارضة الضررين، و على فرض التساقط لا بدّ من الرجوع إلى استصحاب بقاء الخيار، و يمكن دفع ضرر البائع بأداء أرش العيب الحادث كما أفاد الشيخ قدّس سرّه. فالحق مع المفيد قدّس سرّه إلاّ أن يكون العيب الحادث موجبا لعدم بقاء المعيب قائما بعينه، فإنّه حينئذ يسقط الخيار لذلك لا لحدوث العيب.
ثمّ الظاهر عدم صدق التغيّر و زوال العين عمّا هو عليه بحدوث صفة فيها موجبة لزيادة قيمتها كالسمن مثلا، فتأمّل.
و لا كلام أيضا في صدقه فيما إذا كان الوصف موجبا لنقصان قيمة المبيع، سواء كان نقصانا أو وصفا حسّيا مثل ذهاب بصر الحيوان و خياطة الثوب أو معنويّا كنسيان العبد الكتابة مثلا.
و هناك قسم ثالث يوجب نقصان قيمة العين عند بعض و زيادتها عند بعض آخر، و ذلك مثل الصبغ. و الظاهر عدم صدق التغيّر بذلك أيضا، إلاّ أنّ تمثيل الإمام عليه السّلام بذلك في ذيل المرسلة و تطبيقه تلك الكبرى على الصبغ يوجب مسقطيّة خصوص الصبغ تعبّدا، فتأمّل.
ثمّ لو زال العيب الحادث، فهل يعود الخيار بناء على القول بسقوطه بواسطة حدوثه أو فيما إذا كان موجبا للتغيّر أم لا؟
الظاهر هو الأوّل؛ و ذلك لما ذكرنا من أنّ ظاهر جملة «كان» هو الفعليّة حين إرادة الفسخ لا المضي، كقوله عليه السّلام: «من كان من الفقهاء...» و لا دليل على أنّ مجرّد
حدوث العيب مانع عن الردّ مطلقا.
و العلاّمة في التحرير(1)فصّل بين ما إذا كان العيب الحادث بسبب المشتري أو كان بسبب سماوي، فالتزم بثبوت حقّ الردّ في الثاني لو زال العيب دون الأوّل.
و أفاد الشيخ - بعد ما منع عن الردّ بدعوى أنّ عود الخيار الساقط يحتاج إلى دليل - أنّ كلامه يمكن أن يكون من جهة أنّ المنع من ردّ المعيوب بالعيب الحادث عند المشتري إنّما كان لأجل تضرّر البائع بردّه و ضمان المشتري لما حدث، و انتفى الأمران بزوال العيب.
و في توجيه الشيخ و كلام العلاّمة ما لا يخفى:
أمّا في توجيه الشيخ؛ فلأنّ الظاهر - كما ذكرناه - أنّ مدرك الخيار بعد زوال العيب هو المطلقات و أنّ كلمة «كان» ليس ظاهرا في المضي، و يصدق على العين بعد زوال العيب عنها أنّها قائمة بعينها. و بعبارة اخرى: لم يكن المنع عن الردّ بواسطة حدوث العيب عند المشتري من جهة وجود المانع عن الردّ و هو تضرّر البائع حتّى يرتفع بزوال العيب، بل كان المنع عن الردّ فيه لعدم المقتضي له حينئذ.
و على هذا فلا فرق بين أن يكون العيب بإحداث المشتري و بسببه أو كان بسبب سماوي، فتأمّل.
و بهذا ظهر ما في كلام العلاّمة أيضا.
ثمّ لو رضي البائع بردّه معيبا إمّا مع الأرش أو بدونه، فظاهر الشيخ قدّس سرّه هو جواز الردّ حينئذ، لأنّ عدم جواز الردّ إنّما كان لحقّ البائع.
1) التحرير 183/1.
قوله قدّس سرّه: «تنبيه» ظاهر التذكرة و الدروس أنّ من العيب المانع من الردّ [1]
و التحقيق خلافه؛ فإنّ المانع عن الردّ إنّما هو إطلاق الأدلّة لا شيء آخر، و هو ثابت في فرض رضاء البائع أيضا، إلاّ أن يرجع إلى الأقالة. و في فرض الإقالة تارة يشترط سقوط حقّ البائع بمطالبة الأرش و اخرى لا يشترط ذلك. و على الأوّل لا كلام. و أمّا على الثاني فهل يستحقّ الأرش الواقعي أو الأرش بنسبة الثمن؟ الظاهر هو الأوّل؛ و ذلك لأنّ حدوث العيب بمنزلة النقص، فيضمنه المشتري للبائع بضمان اليد و بقيمته الواقعيّة، و لا ربط للثمن بما يضمنه المشتري للبائع لليد أصلا.
و هذا بخلاف الأرش الذي يطلبه المشتري من البائع للعيب السابق في فرض عدم الردّ، فإنّه لا يستحقّ إلاّ مطالبة الأرش بنسبة الثمن لا الأرش الواقعي، فإنّ البائع إنّما ضمن النقصان بضمان معاملي، و الأرش الواقعي ربما يزود على أصل الثمن.
و الفرق بين القسمين واضح كما أفاده الشيخ قدّس سرّه.
ثمّ لو رضي البائع بردّه معيبا، فأفاد الشيخ الطوسي(1)عدم جواز مطالبة البائع حينئذ بالأرش، و لكنّه مناف لإطلاق أدلّة الأرش كما ذكره الشيخ قدّس سرّه.
[1] من الامور المانعة عن الردّ - على ما ذكره الشيخ - هو تبعّض الصفقة، و أفاد أنّ التعدّد الموجب لتبعّض الصفقة، تارة يكون في الثمن أو المثمن و اخرى يكون في البائع و ثالثة يكون في المشتري. و الأوّل كما لو اشترى شيئا واحدا بثمن واحد فظهر بعض الثمن أو بعض المثمن معيبا، فإنّه إذا اريد الفسخ حينئذ في المقدار المعيب يوجب ذلك تبعّض الصفقة للطرف الآخر. و الثاني كما لو باع اثنان من واحد
1) المبسوط 132/2.
شيئا فظهر معيبا و أراد المشتري ردّ نصيب أحد البائعين. و الثالث كما لو اشترى اثنان من واحد شيئا و أراد أحدهما الردّ و الآخر الإمضاء. و يلحق بذلك ما لو كان المشتري واحدا و لكن انتقل حقّه في الخيار إلى وارثه و كان متعدّدا.
و كيف كان، تحقيق الكلام في الأوّل هو أنّ وحدة المبيع أو الثمن تارة تكون وحدة حقيقيّة نظير ما إذا اشترى العبد الواحد فظهر أنّ بعض أجزائه معيب فإنّ العبد واحد حقيقي، و اخرى تكون وحدة عرفيّة اتّصالية كما لو كان المبيع عشرة أذرع من الكرباس فظهر ذراع منها معيبا، و من هذا القبيل ما لو اشترى الدار فظهر سردابه معيبا مثلا فإنّ الدار واحد عرفي، أو اشترى كتابا فوجد غلافه معيبا إلى غير ذلك، و ثالثة تكون وحدة عقديّة.
أمّا في الأوّلين، و هما ما إذا كان المبيع واحدا حقيقيّا أو واحدا عرفيّا و ظهر بعض أجزائه معيبا، فلا إشكال في عدم جواز ردّ خصوص الجزء المعيب.
و أمّا في الثالث، فتارة تكون الوحدة العقديّة في خصوص مقام الإنشاء لا المنشأ كما لو قوّم كلّ من الفرس و الكتاب مثلا بمئة دينار و انشئ بيعهما بإنشاء واحد، و اخرى تكون وحدتهما في مقام المنشأ و المعتبر كما لو باعهما معا بثمن واحد بحيث لا يعلم أنّ أيّ مقدار من الثمن وقع بإزاء الفرس و أيّ مقدار منه وقع بإزاء الكتاب.
و في أوّل هذين القسمين لا إشكال في جواز ردّ بعض المبيع؛ فإنّه في الحقيقة يكون هناك بيعان و مبيعان.
كما لا إشكال في عدم جواز ردّ البعض في القسمين الأوّلين.
و إنّما الإشكال في جواز ردّ البعض في القسم الأخير بعد وضوح جواز ردّ
المجموع أي المعيب و الصحيح معا في هذا القسم؛ إمّا للإجماع على تقدير تحقّقه أو لصدق المعيب على مجموع هذا المبيع أو لاستلزام ردّ البعض لخيار تبعّض الصفقة أو لغير ذلك، و على أيّ حال يجوز ردّ المجموع أي الصحيح و المعيب معا بلا خلاف في ذلك.
و المشهور في ردّ البعض هو عدم الجواز.
و الكلام يقع في مدرك قول المشهور؛ فإنّ التمسّك بالإجماع في مثل المقام لا وجه له، بل تحصيله ملحق بالمتعذّر، و على فرض تحقّقه يحتمل أن يكون المدرك لفتوى جملة منهم الوجوه التي نتعرّض لها، فليس ذلك إجماعا تعبّديا كاشفا عن قول المعصوم.
و من جملة ما استدلّ به لقول المشهور: هو أنّ المردود لو كان جزء مشاعا - أي نصف المعيب غير معيّن فيما إذا رضي المشتري مثلا بأن يتضرّر بقبول نصف المعيب دون تمامه فردّ نصفه مشاعا - فالمردود ناقص من جهة حدوث الشركة فيه.
و إن كان معيّنا كما لو ردّ تمام المعيب أو بعضه المعيّن فهو ناقص من حيث حدوث التفريق فيه فيوجب ثبوت خيار تبعّض الصفقة فيه، انتهى.
و أورد عليه صاحب الجواهر(1): بأنّ ضرر البائع يمكن أن يتدارك بثبوت الخيار له و لا بأس بذلك، نظير ثبوت خيار الحيوان في جزء المبيع لو كان مركّبا من الحيوان و غيره مع أنّه ضرر على البائع و يندفع ضرره بثبوت خيار تبعّض الصفقة له.
و أجاب الشيخ عن صاحب الجواهر: بأنّ ثبوت خيار تبعّض الصفقة للبائع
1) الجواهر 248/23.
يكون ضررا على المشتري فإنّ غرضه ربما يتعلّق بإمساك الجزء الصحيح و لا يريد خروجه عن ملكه.
و فيه أوّلا: النقض بثبوت خيار تبعّض الصفقة للبائع فيما إذا فسخ المشتري الجزء من المبيع في الثلاثة، فإنّ ثبوت الخيار له ينافي غرض المشتري من إمساك الجزء الآخر.
و ثانيا: أنّ فوات غرض المشتري ثابت على التقديرين أي سواء كان له خيار ردّ خصوص المعيب أم لم يكن. و بعبارة اخرى: على تقدير عدم ثبوت خيار ردّ البعض له أيضا يتضرّر، فإنّ إمساك الجزء المعيب يكون منافيا لغرضه، كما أنّ ردّ الصحيح ربما يكون منافيا لغرضه.
و ثالثا: قد ذكر أنّ كون شيء منافيا للغرض الشخصي أجنبيّ عن باب الضرر بالكلّية.
و رابعا: المشتري يقدم بنفسه على هذا الضرر، إذ له أن لا يردّ الجزء المعيب حتّى لا يحصل للبائع خيار تبعّض الصفقة.
و بالجملة، فلا يكون هذا الوجه قابلا لأن يستدلّ به، فلا بدّ من العمل بالمطلقات الدالّة على ثبوت الخيار في ردّ البعض.
و من جملة ما استدلّ به للمشهور: ما أفاده صاحب الجواهر(1)- بعد ما ردّ الاستدلال الأوّل - و هو أنّ المستفاد من الأدلّة أنّ الخيار حقّ واحد متعلّق بمجموع المبيع لا كلّ جزء، و لو لم يكن ظاهر الأدلّة ذلك فلا أقلّ من الإجمال، فلا دليل
1) الجواهر 248/23.
على جواز ردّ البعض، و الأصل هو اللزوم.
و فيه: أنّ الخيار و إن كان حقّا واحدا، و لكن مورده هو المعيب لا المبيع، فإذا فرضنا التبعيض في ردّ المعيب كما تقدّم في ردّ البعض المشاع لكان لهذا الاستدلال وجه. و أمّا ردّ تمام المعيب فأجنبيّ عن هذا الاستدلال، فإنّه ليس في عنوان أدلّة خيار العيب عنوان ردّ المبيع أصلا، و إنّما المأخوذ فيها عنوان المعيب، فمورد الخيار هو المعيب و لو كان جزءا من المبيع، كما أنّ متعلّق خيار الحيوان هو جزء المبيع فيما إذا بيع الحيوان و غيره ببيع واحد مع أنّه جزء المبيع لا تمامه.
و بالجملة، فمقتضى إطلاق الأدلّة جواز ردّ البعض المعيب، إذ يصدق عليه أنّه معيب قائم بعينه و لم يحدث فيه حدثا.
بقي في المقام الوجهان الآخران:
أحدهما: الاستدلال بما دلّ على المنع من ردّ الثوب إذا خيط أو صبغ.
و فيه أوّلا: أنّ الصبغ و الخياطة ليسا كالسمن الموجب للزيادة دائما حتّى تحصل لهما الشركة دائما.
و ثانيا: أنّ المنع هناك يمكن أن يكون لأجل صدق عنوان إحداث الحدث على الخياطة و الصبغ، نعم لو كان المنع لهذا المعنى - كما أفاد الشيخ - لتمّ الاستدلال.
ثانيهما: دعوى الإجماع على المنع من الردّ.
و قد عرفت الجواب عنه فلا يفيد.
فالحقّ هو جواز ردّ تمام المعيب لإطلاق الأدلّة، حيث عرفت أنّ متعلّق الخيار إنّما هو خصوص المعيب و هو قائم بعينه و يصدق على ردّه أنّه ردّه كما انتقل إليه.
هذا كلّه في القسم الأوّل.
و أمّا القسم الثالث، و هو ما إذا كان المشتري متعدّدا و البائع واحدا، و في هذا الفرض تارة يكون هناك بيعان متعلّقان بشيء واحد غاية الأمر بينهما تقارن زماني، كما لو فرضنا أنّ المالك باع نصف العبد من زيد و باع وكيله في ذلك الحين نصفه الآخر إلى عمرو مثلا أو هو بنفسه في آن واحد باع نصف العبد من زيد بالتلفّظ و النصف الآخر من عمرو بالإشارة مثلا، فليست بينهما وحدة لا في مقام الإنشاء و لا في مقام المنشأ. و هذا القسم خارج عن محلّ الكلام و يجوز انفراد كلّ منهما بالردّ دون الآخر.
و اخرى يكون بينهما اتّحاد في مقام الإنشاء و إن كان في مقام الثبوت و المنشأ هناك بيعان، بيع نصفه من زيد و بيع النصف الآخر من عمرو.
و محلّ الكلام هو هذا القسم و أنّه هل يتبع فيه مقام الإثبات و يكون ملحقا بالبيع الواحد من تمام الجهات أو يتبع فيه مقام الثبوت و المنشأ و يلحق بالمتعدّد؟
و ليلعم أنّ محلّ الكلام إنّما هو في صورة علم البائع بتعدّد المشتري أو أنّ الواحد يشتريه بالشركة لا لنفسه فقط، و إلاّ فلو لم يكن عالما به أو ادّعى عدم علمه بذلك و وصلت النوبة إلى الترافع فكلامنا أجنبيّ عن ذلك.
و كيف كان، المشهور - و وافقهم الشيخ - ذهبوا إلى عدم جواز انفراد أحدهما بالردّ. و خالفهم العلاّمة(1)و جمع من المحقّقين.
و استدلّ للمشهور بوجوه ثلاثة:
الأوّل: دعوى انصراف أدلّة خيار العيب عن صورة تعدّد المشتري.
1) التحرير 274/1.
و فيه أوّلا: أنّ دعوى الانصراف لا وجه له أصلا، و ليس شيء من أسباب الانصراف موجودا في المقام حتّى ندرة الوجود لو قلنا بأنّه موجب للانصراف؛ فإنّ في غالب البيوع و إن كان المشتري واحدا، و لكن الشراء بنحو الاشتراك في التجّار و غيرهم معمول، و لا يعدّ نادرا.
و ثانيا: بناء على هذا لم يجز الانفراد في القسم الأوّل مع أنّ الظاهر أنّه لم يستشكل في جوازه أحد، فتأمّل.
الثاني: أنّ جواز ردّ أحدهما دون الآخر يكون ضررا على البائع فيرتفع بحديث «لا ضرر».
و فيه أوّلا: أنّ البائع هو الذي أقدم على هذا الضرر، لا من جهة حكم الشارع بجواز انفراد أحدهما بالردّ حتّى يقال إنّه دوري؛ فإنّ الإقدام على الضرر إنّما هو فرع جواز الانفراد بالفسخ، و إثبات الجواز بالإقدام دور واضح. بل من جهة الشرط الضمني العقلائي، فإنّ وصف الصحّة - كما عرفت سابقا - مشروط في كلّ من الثمن و المثمن ارتكازا، فعدم التبرّي من العيب في قوّة اشتراط ردّ كل من المشتريين عند ظهور العيب، فمن هذه الجهة أقدم على الضرر لا من جهة الحكم الشرعي حتّى يلزم الدور.
و ثانيا: هذا الضرر معارض بضرر المشتري من الصبر على المعيب، فإنّا لو فرضنا أن أحد المشتريين أخ البائع مثلا و يصبر على الضرر، فما شأن المشتري الآخر و لماذا يصبر على المعيب و يكون ملزما بقبوله.
الثالث: أنّ ردّ أحدهما منفردا موجب لحصول النقص في المبيع فلا يكون قائما بعينه. و بعبارة اخرى: شرط ثبوت خيار العيب إنّما هو كون العين قائمة بعينها،
أو أنّ عدم كونها قائمة بعينها مانع عن الرد، و على أيّ تقدير لا يكون المردود في هذا الفرض قائما بعينه، فلا يجوز ردّه.
و فيه أوّلا: النقض بالقسم الأوّل، فإنّ ردّ أحدهما دون الآخر في ذلك الفرض أيضا موجب لحصول الشركة، و هو نقص على الفرض، مع أنّه - على الظاهر - لم يخالف في جواز الردّ فيه أحد.
و ثانيا: أنّ معنى كون العين قائمة بعينها ليس إلاّ إمكان ردّها كما انتقل إليه من البائع، و أمّا أنّه بعد ردّه إليه تحصل الشركة أم لا، فلا ربط له بالمشتري. و بالجملة المال انتقل إليه مشاعا فيردّه كذلك، و مقتضى إطلاق الأدلّة جواز ردّ كلّ من الشريكين ما انتقل إليه.
و لا يخفى أنّ ما ذكرناه إنّما هو فيما إذا كان المشتري متعدّدا، و أمّا لو كان المشتري واحدا ثمّ تعدّد الملاّك بالإرث و نحوه، فليس حينئذ لكلّ منهم أن يردّ ما انتقل إليه خاصّة؛ لأنّ الخيار كان حقّا واحدا للمشتري، و لم يكن المشتري متعدّدا حتّى يتعدّد الخيار. نعم يصحّ أن يردّ واحد منهم جميع المال بناء على القول بانتقال حقّ الخيار إلى كلّ واحد من الورثة، فلا يقاس هذا الفرع بمحلّ الكلام، كما يشعر بذلك كلام الشيخ قدّس سرّه في صدر التنبيه؛ فإنّه قاس تعدّد الملاّك بتعدّد المشتري مطلقا، و كان عليه أن ينبّه على ما ذكرنا، و لعلّه سقط من قلمه الشريف. هذا كلّه في القسم الثالث.
و أمّا القسم الرابع - و كان الأنسب تقديمه على القسم الثالث - و هو تعدّد البائع و وحدة المشتري، كما إذا اشترى عبدا من شخصين فظهر معيبا فأراد ردّ حصّة أحدهما دون الآخر، فالظاهر أنّه لا إشكال فيه بل و لا مخالف في ذلك و لا يكون
قوله قدّس سرّه: «مسألة» يسقط الأرش دون الردّ [1]
ذلك موجبا لضرر على البائع، فإنّ ماله كان من أوّل الأمر مشاعا، و تبدّل الشريك ليس ضررا، و إنّما هو غرض شخصي أجنبيّ عن باب الضرر، فتأمّل.
[1] المسقطات في المقام على أقسام ثلاثة:
منها: ما يكون مسقطا للردّ فقط دون الأرش، و قد تقدّم الكلام فيه.
و منها: ما يكون مسقطا للردّ و الأرش معا، و سنتعرّض له.
و منها: ما يكون مسقطا للأرش فقط دون الردّ، و نتكلّم في ذلك.
و نقول: يسقط الأرش فقط في موردين:
أحدهما: إذا اشترى ربويّا بجنسه فظهر أحدهما معيبا.
و الأقوال فيه ثلاثة:
أحدها: عدم جواز أخذ الأرش؛ حذرا من لزوم الربا. و عليه فينحصر تخلّص المشتري عن التضرّر بالردّ إذا أمكن ذلك، فتأمّل.
الثاني: جواز أخذ الأرش.
الثالث: التفصيل بين مطالبة الأرش من جنس الثمن أو المثمن و من غير الجنس، أي التفصيل بين أداء الأرش من الجنس فلا يجوز و من غيره فيجوز.
و هذا التفصيل هو الذي نسبه العلاّمة(1)إلى بعض الشافعيّة، و ردّه بأنّه لا فرق بين أن يكون الأرش من المماثل أو من غير المماثل، فإنّ الميزان صدق الزيادة في البيع، فإنّ صدق الزيادة على الأرش يصدق على المماثل و غيره، ففي الحقيقة المسألة ذات قولين، جواز أخذ الأرش و عدمه.
1) التذكرة 531/1.
و العمدة في وجه عدم جواز أخذ الأرش أمران:
أحدهما: ما أفاده الشيخ - بعد ما قوّى القول بعدم الجواز - من أنّ الأرش عوض وصف الصحّة شرعا و عرفا، و وصف الصحّة في أحد الجنسين في المعاوضات الربويّة ملغاة في نظر الشارع، فلا يكون قابلا لأن يقع بإزائه مال، فلا يجوز أخذ الأرش عند تخلّفه.
و فيه: أنّ وصف الصحّة في جميع الموارد لا يقابل بالمال؛ و إلاّ لثبت في ذمّة البائع و لو لم يطالبه المشتري بذلك حتّى مات، و لكن مع ذلك لا مانع من أن يكون الاشتراط الضمني الارتكازي - أي اشتراط الخيار على تقدير تخلّف الوصف - داعيا و موجبا لأن يجعل الشارع تعبّدا حقّا للمشتري، و بعبارة اخرى: يكون التخلّف داعيا لجعل الغرامة، فالأرش غرامة لا عوض لوصف الصحّة. نعم الداعي لجعلها يكون هو تخلّف الوصف، و ليست في أدلّة الربا دلالة على أنّ وصف الصحّة في البيع الربوي لا يكون داعيا لجعل الغرامة و سببا لها أصلا.
ثانيهما: ما أفاده المحقّق الخراساني في الحاشية(1)، و حاصله أنّ البيع في فرض أخذ الأرش و إن لم يكن ربويّا حدوثا، و لكنّه يكون ربويّا بقاء بعد أخذ الأرش؛ إذ يصدق عليه بقاء أنّه بيع جنس بجنس مع الزيادة.
و فيه أوّلا: أنّ ظاهر أدلّة حرمة الزيادة في المعاملة الربويّة هو حرمتها حدوثا لا بقاء.
و ثانيا: قد تقدّم غير مرّة أنّ البيع بل كلّ عقد عبارة عن عقد التزام كلّ من
1) حاشية كتاب المكاسب/ 222.
المتعاقدين بالمبادلة بالآخر، و أمّا الالتزام باستمرار العقد و لزومه فأجنبيّ عن أصل البيع، و الأرش يكون في قبال الالتزام بالبيع و لا يكون زيادة في البيع. و بعبارة اخرى: الالتزام بالبيع بقاء يكون في مقابل الأرش و لا ربط له بنفس البيع، فتأمّل.
و ثالثا: لو سلّمنا صدق الزيادة في البيع على ذلك أيضا، نقول إنّ الأرش حقّ شرعيّ تعبّدي، و الداعي لجعله هو ذاك الاشتراط الضمني.
و بالجملة فهذان الوجهان - كغيرهما - غير قابلين لأن يكونا مانعين عن ثبوت الأرش، فلا بدّ من الرجوع إلى المطلقات، فلو لم يكن لأدلّة حرمة الربا ظهور في المنع عن الزيادة و لو بعنوان الغرامة - كما هو الصحيح - فيؤخذ بإطلاق أدلّة الأرش و يحكم بثبوته، و إلاّ فإن كانت ظاهرة في ذلك فيقع التعارض بينها و بين أدلّة ثبوت الأرش بالعموم من وجه، و على مسلك الشيخ تتساقطان، و الأصل عدم ثبوت استحقاق الأرش عند مطالبته بذلك، فتكون النتيجة من حيث الحكم الوضعي موافقا مع القول الأوّل و هو القول بشمول أدلّة الربا للمقام بلا معارض. و لكن الصحيح أنّه لا ظهور لتلك الأدلّة في المنع عن ثبوت الغرامة أصلا.
ثانيهما: ما إذا لم يكن العيب موجبا لنقصان القيمة كالخصاء في العبد مثلا.
و عدم ثبوت الأرش في هذا الفرض واضح، و لكن الكلام في أنّه بالتخصّص أو بالتخصيص؛ و ذلك لأنّا لو قلنا إنّ العيب إنّما هو النقص الموجب لنقصان الماليّة - كما لا يبعد ذلك على ما حقّقه الشيخ قدّس سرّه في بعض المباحث الآتية - فيكون سقوط الأرش يعني عدم ثبوته في المقام بالتخصّص، بل لا يثبت الخيار أيضا من الروايات. و أمّا لو قلنا بأنّ العيب هو مطلق النقصان عن الخلقة الأصليّة سواء كان موجبا لنقصان القيمة أم لم يكن، فلا محالة يكون مقتضى إطلاق أدلّة ثبوت الأرش
قوله قدّس سرّه: «مسألة» يسقط الردّ و الأرش معا بامور: أحدها: العلم بالعيب قبل العقد [1]
عند ظهور العيب ثبوته في المقام أيضا، و لكنّه خارج بالتخصيص، من جهة عدم نقصان في ماليّة المعيب حتّى يتدارك بالأرش، بل لا معنى للأرش فيه، فتأمّل.
«مسألة» يسقط الردّ و الأرش معا[1]
الوجه في ذلك هو عدم المقتضي للخيار و لا للأرش في فرض العلم بالعيب، فإنّ ظاهر الأدلّة إنّما هو ثبوت الخيار في فرض الجهل بالعيب، حيث عبّر في بعضها بقوله: «و علم بذلك العيب» و في بعضها بقوله: «فيجد به عيبا» و أمثال ذلك، و من الواضح ظهور هذه التعبيرات بل صراحتها في الاختصاص بفرض الجهل بالعيب، و إذا لم تكن الأدلّة شاملة لصورة العلم بالعيب لا يكون هناك مقتض لثبوت الخيار، فلا بدّ من الرجوع إلى مقتضى القاعدة و العمومات الدالّة على لزوم البيع.
ثمّ إنّ صاحب الجواهر قدّس سرّه(1)استدلّ لذلك بمفهوم صحيحة زرارة، و هو قوله عليه السّلام: «أيّما رجل اشترى شيئا و به عيب أو عوار و لم يتبرّأ إليه و لم يبيّنه فأحدث فيه - إلى أن قال - فإنّه يمضي عليه البيع، و يردّ عليه بقدر ما ينقص من ذلك الداء و العيب من ثمن ذلك لو لم يكن به»(2).
و تنظّر الشيخ قدّس سرّه في ذلك و قال: و فيه نظر.
فلا بدّ من التكلّم أوّلا في تقريب استدلال صاحب الجواهر و ثانيا في وجه نظر الشيخ.
أمّا تقريب الاستدلال، فيحتمل أن يكون مراده من المفهوم مفهوم القيد المعبّر
عنه بمفهوم الوصف في كلمات الاصوليّين، فإنّ التقييد بقوله «و لم ينبّه» الذي هو قيد غير محتاج إليه، لا يمكن أن يكون لغوا في كلام الإمام عليه السّلام، بل لا بدّ و أن يكون له دخل في الحكم، فعند انتفائه ينتفى جميع ما رتّب عليه، و هو قوله «فأحدث فيه - إلى قوله - فانّه يمضي عليه البيع و يردّ عليه... الخ» و نتيجة ذلك هو انتفاء الحكم بثبوت الأرش لو أحدث في المبيع حدثا إذا نبّه المشتري و كان عالما به، و ليس ذلك إلاّ من جهة عدم ثبوت الخيار أصلا.
و يحتمل أيضا أن يكون مراده مفهوم الشرط لا مفهوم الوصف، فيناقش في حجّيته بدعوى أنّ قوله عليه السّلام «أيّما رجل اشترى» معناه إن اشترى رجل شيئا، فربما يقال إنّ الشرط هو قوله «اشترى شيئا» و هو محقّق للموضوع نظير (إن ركب الأمير فخذ ركابه) و ليس له مفهوم، و أمّا قوله «لم ينبّه» أو «لم يتبرّأ منه» فهو قيد و أجنبيّ عن نفس الشرط و مفهومه مفهوم القيد.
و لكن التحقيق أن يقال: إنّ الميزان في كون الشرط محقّقا للموضوع و عدمه إنّما هو بقابليّة الجزاء لأن يكون مطلقا بالقياس إلى الشرط و عدمها، فلا بدّ و أن يقاس الحكم المذكور في الجزاء، فإن كان قابلا للإطلاق بالنسبة إليه ذاتا يكون لتلك الجملة الشرطيّة مفهوم و لا يكون الشرط محقّقا للموضوع، و أما لو كان الجزاء مقيّدا به ذاتا يكون الشرط محقّقا للموضوع و لا يثبت له مفهوم. هذا هو الميزان في ذلك.
و لكن ربما يتّفق أن يكون الجزاء بالقياس إلى بعض أجزاء الشرط من قبيل الأوّل و بالقياس إلى البعض الآخر من قبيل الثاني، كما لو قال: إن ركب الأمير و كان يوم الجمعة فخذ ركابه، فإنّ أخذ الركاب بالقياس إلى نفس ركوبه يكون مقيّدا به ذاتا و أمّا بالقياس إلى كون الركوب في يوم الجمعة يكون مطلقا، ففي هذا الفرض
يتحقّق مفهوم الشرط بالقياس إلى خصوص القيد، فمفهوم هذه القضيّة هو أنّه لو ركب الأمير في غير يوم الجمعة لا يجب أخذ ركابه. و كان الأولى أن يتعرّض الاصوليّون لهذا الفرض و يبيّنوا حكمه كما ذكرناه و إن كان واضحا، لكن التنبيه عليه كان أنسب، و لم نجد من تعرّض له.
و بالجملة، المقام يكون من هذا القبيل، فإنّ المضيّ في البيع و أخذ الأرش عند ظهور العيب بعد إحداث الحدث يكون بالقياس إلى أصل الشراء مقيّدا ذاتا إذ لا معنى لذلك قبل تحقّق البيع، و أمّا بالقياس إلى التبرّي من العيب أو التنبيه على العيب فيكون قابلا للإطلاق، فيثبت المفهوم للقضيّة بالقياس إليهما، فعند التنبيه أو التبرّي من العيب لا يكون الحكم بمضيّ البيع و أخذ الأرش ثابتا، فتأمّل. هذا كلّه في تقريب الاستدلال.
و أمّا وجه نظر الشيخ، فالظاهر - و اللّه و العالم - أنّ نظره ليس إلى شيء من الامور المتقدّمة، بل الظاهر أنّ وجهه هو أنّ التنبيه على العيب الذي هو القيد في الصحيحة ظاهره هو التبرّي عن العيب لا مجرّد الإعلام، فإنّ إعلام البائع المشتري بأنّ هذا المبيع معيب ظاهر عرفا في أنّه يبيعه مع عيبه و يتبرّي من ذلك، فيكون عطفا تفسيريّا للتبرّي، و ليس بمعنى علم المشتري بالعيب، و لا أقلّ من الإجمال.
و لكن قد ذكرنا في الاصول في حجّية الاستصحاب - بل في غير مورد - أنّ ظاهر هذه العناوين كعنوان القطع أو العلم أو البيان أو التنبيه مثلا المأخوذ في موضوع الأحكام، هو الطريقيّة لا الموضوعيّة، فيكون المراد من التنبيه هو الطريقي أعني انكشاف الحال عند المشتري، فتأمّل. مضافا إلى أنّه لا يبعد أن يكون قوله «لم ينبّه» و قوله «لم يتبرّأ» بصيغة المجهول، غاية الأمر في قوله «لم يتبرّأ» قرينة
قوله قدّس سرّه: الثاني: تبرّي البائع عن العيوب [1]
عقليّة على أنّ المتبرّي هو البائع، و ليست في «لم ينبّه»: قرينة على ذلك، فيكون بمعنى جهله بالحال، فتأمّل. فما أفاده صاحب الجواهر متين و يمكن الاستدلال به.
و يدلّ على ما ذكرناه من أنّ وجه نظر الشيخ قدّس سرّه في كلام صاحب الجواهر ليس هو الخدشة في ثبوت المفهوم بل الوجه هو إجمال المراد من قوله «و لم ينبّه» أنّ الشيخ قدّس سرّه يستدلّ بمفهوم هذه الصحيحة بعينها بعد أسطر لإثبات عدم الخيار عند تبرّي البائع من العيوب، و من الواضح أنّ الخدشة في المفهوم ينافي الاستدلال بها هناك.
ثمّ لو اشترط العالم بالعيب ثبوت خيار العيب في ضمن العقد، فإن قصد به الخيار الخاص الذي تثبت له آثار خاصّة كسقوطه بالوطء و احداث الحدث و أمثال ذلك فالشرط يكون مخالفا للسنّة فيفسد، و أمّا كونه مفسدا للعقد أم لا فمبنيّ على تلك المسألة. و إن قصد به ثبوت خيار آخر بالاشتراط أو اشترط ثبوت بعض آثار خيار العيب أو كلّها أيضا، فلا إشكال فيه، و يكون الخيار حينئذ خيار الشرط، فتأمّل. هذا كلّه في المسقط الأوّل.
[1] المدرك لذلك امور:
الأوّل: دعوى الإجماع على مسقطيّته، كما أفاد الشيخ قدّس سرّه.
الثاني: مفهوم صحيحة زرارة المتقدّمة، فإنّه ذكر في جملة الشرط فيها امور، أحدها: الشراء، ثانيها: أن يكون بالمبيع عيب أو عوار، ثالثها: أن لم ينبّه به و لا يكون المشتري عالما به، رابعها: أن لم يتبرّء البائع من العيب، و الجزاء فيها مركّب من شرط و جزاء، و مجموعهما يكون جزاء للشرط الأوّل، فكأنّه عليه السّلام قال:
إن أحدث في المبيع يمضي عليه البيع و يردّ عليه الأرش و إن لم يحدث فيه شيئا
يكون بالخيار بين الفسخ و القبول، و كلا الأمرين أي المفهوم و المنطوق يكون منتفيا عند انتفاء كلّ واحد من الامور المأخوذة في الشرط الأوّل، سوى الأمر الأوّل منها و هو الشراء؛ فإنّه محقّق للموضوع و لا يكون الجزاء بالقياس إليه قابلا للإطلاق.
و نتيجة ذلك أنّه لو انتفى أحد القيود المذكورة لا يكون هناك خيار و لا أرش فيكون البيع لازما.
و بتقريب آخر نقول: لو انتفى العيب و العوار الذي هو أحد القيود، فهل يتوهّم أن يكون الخيار ثابتا فيه بأن يكون الصحّة موجبا للخيار، من الواضح فساد هذا التوهّم و لا يتوهّمه أحد، فبالقياس إلى هذا القيد يكون المفهوم مقتضيا للّزوم، فتأمّل. و هذا يكون قرينة على ثبوت اللزوم عند انتفاء القيود الاخر أيضا، إذ الجميع في سياق واحد. فمفهوم الشرط يكون دليلا على مسقطيّة التبرّي كما أفاده الشيخ قدّس سرّه.
الثالث: المكاتبة الآتية، و هي مكاتبة جعفر بن عيسى: «قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السّلام جعلت فداك! المتاع يباع في من يزيد، فإذا نادى عليه: بريء من كلّ عيب فيه، فإذا اشتراه المشتري و رضيه و لم يبق إلاّ نقد الثمن فربما زهد فيه، فإذا زهد فيه ادّعى عيوبا و أنّه لم يعلم بها، فيقول له المنادى: قد برئت منها، فيقول المشتري: لم أسمع البراءة منها، فكتب عليه السّلام أنّ عليه الثمن»(1)و من الواضح أنّ التبرّي لو لم يكن مؤثّرا لما كان البيع في الفرض لازما، بل كان له الخيار.
و لا يقال: إنّ المشتري ادّعى عدم استماع التبرّي، فلماذا لم يجب الإمام عن
1) الوسائل 420/12، الباب 8 من أبواب أحكام العيوب، و فيه حديث واحد.
ذلك و أنّه لا بدّ له من الترافع و الحلف على عدم السماع؟
لأنّا نقول: ظاهر الرواية بل ظاهر الحال أيضا أنّ المشتري كان في مقام الاحتيال و كان دعواه في عدم السماع مقطوع الكذب، و لذا لم يتعرّض عليه السّلام لبيان ذاك الحكم.
الرابع: أنّ البيع المشروط فيه التبرّي عقد و شرط، فيشمله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و قوله عليه السّلام: «المؤمنون عند شروطهم» فيكون نافذا.
و لكن يرد على هذا الوجه أنّه مستلزم للغرر نوعا؛ فإنّ شراء شيء لم تحرز صحّته من الخارج من دون اشتراط وصف الصحّة و لو ارتكازا بل التصريح بعدمه، غرر ظاهرا، إذ التفاوت بين الصحيح و المعيب ربما يكون أكثر من التفاوت بين جنسين، و ذلك واضح، فاشتراط التبرّي في حدّ نفسه موجب لبطلان البيع رأسا.
فالعمدة في المقام هو الوجه الثاني و الثالث و هو الصحيحة و المكاتبة، و من الواضح أنّهما يخصّصان النبويّ المعروف و هو: «نهى النبيّ عن الغرر» أو «عن بيع الغرر» فإنّه قابل للتخصيص، فيخصّص بغير المقام.
ثمّ لا فرق في التبرّي من العيوب بين التبرّي منها تفصيلا و من كلّ عيب بخصوصه أو إجمالا؛ لإطلاق الصحيحة، و صريح المكاتبة فإنّ موردها التبرّي إجمالا.
ثمّ إنّه اتّضح بما ذكر صحّة التبرّي عن العيوب الموجودة حين العقد و مسقطيّته، فهل يلحق به التبرّي عن العيوب المتجدّدة أم لا؟
و ليعلم أنّ المراد من العيوب المتجدّدة إنّما هي العيوب الحادثة قبل القبض أو في زمان الخيار المختصّ بالمشتري الذي يكون ضمان البيع فيه على البائع، و إلاّ
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ البراءة في هذا المقام يحتمل إضافتها إلى امور [1]
فيكون حدوث البيع في ملك المشتري و أجنبيّا عن البائع.
ربما يقال: إنّ التبرّي من العيوب المتجدّدة يكون من قبيل إسقاط ما لم يجب.
و أجاب العلاّمة قدّس سرّه(1)عن ذلك: بأنّ التبرّي ليس من العيوب المتجدّدة فيما بعد حتّى يكون إسقاط ما لم يجب، و إنّما التبرّي يكون من الخيار الثابت بمقتضى العقد.
و أورد عليه الشيخ قدّس سرّه: بأنّه لا فرق بين الخيار و العيب في ذلك، فإنّ الخيار مسبّب عن العيب، فإذا كان العيب متجدّدا لا محالة يكون الخيار أيضا متجدّدا.
و الإيراد في محلّه.
و أجاب الشيخ قدّس سرّه عن الإشكال: بأن الصحّة في التبرّي عن العيوب المتجدّدة أولى من صحّة التبرّي من العيوب الموجودة، إذ لا غرر في الأوّل فإنّ العيب يحدث في ملك المشتري و هذا لا يوجب غرريّة البيع، بخلاف الثاني فإنّ التبرّي فيه يكون من العيوب الموجودة حين البيع.
و لا يخفى أنّ هذا الجواب غير مربوط بالإشكال، و صدوره من الشيخ غريب، إذ الإشكال إنّما هو في كونه إسقاطا لما لم يجب لا في كونه غرريّا أو غير غرري.
و الحقّ في الجواب أن يقال: إنّ المحذور في إسقاط ما لم يجب ليس إلاّ التعليق، و قد مرّ مرارا أنّ دليل بطلانه إنّما هو الإجماع، و هو لا يشمل التعليق في الشروط، فلا مانع من صحّة التبرّي عن العيوب المتجدّدة.
[1] حاصل ما أفاده أنّ البراءة لا بدّ و أن يضاف إلى شيء، و ما يصحّ إضافتها إليه امور ثلاثة، الأوّل: أن يضاف إلى العيب و معناه عدم تعهّده سلامة المبيع، الثاني: أن
1) التذكرة 525/1.
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ تبرّي البائع عن العيوب مطلقا أو عن عيب خاص إنّما يسقط تأثيره من حيث الخيار [1]
يكون المضاف إليه لها ضمان العيب و أن لا يضمن الأرش للطرف، الثالث: أن يضاف إلى حكم العيب. و على الأوّل و الثالث لا يثبت الخيار و لا الأرش، و على الثاني يسقط الأرش دون الردّ لأنّه اشترط عدم ضمانه للأرش و ما يوجبه العيب من نقص ماليّة الثمن أو المثمن. ثمّ أفاد أنّ الأنسب بمعنى البراءة هو الثاني و الأظهر عرفا هو الأوّل، هذا.
و لكن التحقيق أنّ شيئا من الأقسام لا يصحّ؛ و ذلك لأنّ الالتزام لا بدّ و أن يتعلّق بما هو تحت اختيار الملتزم، و لا يتعلّق بالأمر غير الاختياري، فنفس العيب واقعي لا معنى للالتزام بثبوته أو عدم ثبوته، و هكذا ما يترتّب على العيب من الحكم الشرعي فإنّه أيضا أجنبيّ عن المتبايعين، و أمّا الضمان فهو غير ثابت حتّى يتبرّء منه؛ إذ لا يجب أداء الأرش إلاّ بعد مطالبته بذلك، و ليس تخلّف وصف الصحّة كنقصان بعض الأجزاء.
و الصحيح أنّ التبرّي متعلّق بدوام البيع و استمراره و عدم رفع اليد عنه سواء كان هناك عيب أم لم يكن، فالمتبرّي البائع مثلا يبيع العين ملتزما بدوامه و استمراره سواء كان العين معيبا أم لم يكن، و هكذا المشتري يقبل البيع كذلك. و بعبارة اخرى:
لا يجعل التزامه باستمرار البيع معلّقا على سلامة العين الذي كان ذلك مقيّدا بها ارتكازا. و على هذا أيضا تارة يكون ما أسقطه خصوص الخيار و اخرى يكون خصوص حقّ الأرش الذي كان ثابتا بالتعبّد الشرعي و ثالثة يكون النظر إلى كلا الحيثيّتين. و على التقدير الأخير يسقطان معا بخلاف الأوّلين.
[1] أي تترتّب على البيع آثاره التكوينيّة و إن لم يترتّب عليه الخيار أو الأرش.
و تفصيل الكلام هو أنّه تارة لا يكون المتبرّي من العيب ملتفتا إلى آثاره التكوينيّة و لا يتبرّأ منها و إنّما يتبرّأ منه من جهة كونه موجبا للخيار أو الأرش، و اخرى يكون ملتفتا إليها و يتبرّأ منها أيضا.
و الأوّل هو المناسب للمقام. فهل تثبت فيه الآثار التكوينيّة و تترتّب عليه أم لا؟ مثلا لو فرضنا أنّ المبيع كان حيوانا معيبا و كان خيار الحيوان ثابتا للمشتري فمات الحيان بذاك العيب في زمان الخيار، فهل يكون من مال البائع الذي لم يكن له خيار أم لا؟ أو اشترى شيئا معيبا فتلف به قبل القبض، فهل يكون من مال البائع لكونه تلفا قبل القبض أم لا، لأنّه كان بالعيب المتبرّى منه؟
و الظاهر أنّه لا مانع من شمول إطلاق دليل «كلّ مبيع تلف قبل القبض فهو من مال بائعه» أو «التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له» للمقام.
و لا يخفى أنّ احتمال أن يكون مورد كلام الشيخ و الدروس(1)في المقام هو ترتيب آثار خيار العيب مع عدم ثبوته بنفسه، و احتمال أن يكون المراد من الفسخ، الفسخ بنفس خيار العيب الذي لم يثبت - كما يذكره السيّد في الحاشية(2)- موهون جدّا، كما يصرّح السيّد بأنّه خلاف ظاهر كلامهم، على أنّ هذا ممّا لا تنبغي الشبهة في فساده و عدم جوازه، فتأمّل.
و أمّا الثاني، أي لو كان ملتفتا إلى أنّ هذا العيب سبب لتلفه و صرّح بالتبرّي منه و قال: لا أضمن تلفه بهذا العيب و لو كان قبل القبض أو في زمان الخيار، فهو أجنبيّ
قوله قدّس سرّه: منها: زوال العيب قبل العلم به [1]
عن المقام و لا بدّ أن يبحث عنه في الشروط من حيث كونه مخالفا للسنّة، لأنّ الشارع حكم بانفساخ العقد عند التلف قبل القبض أو في زمان الخيار، و الحكم ببقاء الملكيّة محتاج إلى عقد جديد أو دليل خاص، و لا دليل على نفوذ هذا الشرط أو عدم كون الأمر كذلك، و الأمر موكول إلى محلّه.
و بالجملة، لا وجه لما في الدروس من أنّ الأقرب في الفرض الأوّل الذي هو المناسب للمقام هو عدم ضمان البائع، و لا لما قرّبه من الإشكال فيما لو كان التلف بذاك العيب و بعيب متجدّد.
[1] لو زال العيب قبل القبض بأن أقبضه صحيحا أو قبل العلم بالعيب بحيث لم يمكن ردّ العين معيبا، فهل يسقط به الخيار و الأرش معا أو يثبتان معا أو يفصّل بين الردّ و الأرش؟ أقوال.
مختار الشيخ هو الثالث؛ بدعوى أنّ ظاهر أدلّة الردّ هو ردّه معيبا، و هذا الموضوع منتف في الفرض، إذ لا يتمكّن المشتري من ردّه كذلك، فلا دليل على ثبوته. و أمّا الأرش فهو ثابت، لأنّ المشتري استحقّ مطالبته من البائع بمجرّد وقوع العقد على المعيب، فإنّ موضوعه وقوع العقد على المعيب، و هو متحقّق، و الصحّة حدثت في ملك المشتري، فهو نماء حاصل في ملكه و لا ربط له بالبائع، فسقوط الأرش يحتاج إلى دليل.
و اختار العلاّمة و جمع آخر القول الأوّل على ما استظهره الشيخ قدّس سرّه من التذكرة(1)من قوله قدّس سرّه: لو كان المبيع معيبا عند البائع ثمّ أقبضه و قد زال عيبه فلا
1) التذكرة 541/1.
ردّ لعدم موجبه، و سبق العيب لا يوجب خيارا كما لو سبق على العقد ثمّ زال قبله، بل مهما زال العيب قبل العلم أو بعده قبل الردّ سقط حقّ الردّ.
و قال الشيخ: إنّ كلامه قدّس سرّه صريح في سقوط الردّ و ظاهر في سقوط الأرش.
أمّا كونه صريحا في سقوط الردّ فواضح. و أمّا كونه ظاهرا في سقوط الأرش فلأنّه شبّه المقام بما إذا كان مسبوقا بالعيب ثمّ زال قبل العقد، فإنّ في المشبّه به لا خيار و لا أرش كما لا يخفى، فمن التشبيه يستظهر جريان حكم المشبّه به في المشبّه أيضا، و هو عدم كلا الأمرين.
و بما ذكر ظهر وجه ما أفاده العلاّمة و مدركه، و هو أنّ زوال العيب قبل القبض أو قبل العيب يكون كزواله قبل العقد.
و يمكن أن يكون المدرك لذلك كون الموضوع لكلّ من الحكمين أعنى الخيار و الأرش هو المعيب، و من الواضح أنّه بعد زوال العيب لا يكون الموضوع موجودا و لا مجال حينئذ للاستصحاب أيضا لتبدّل الموضوع، فلا يثبت الخيار و لا حقّ الأرش. هذا وجه القول الأوّل و الثالث.
بقي الكلام في القول الثاني، و هو ثبوت كلا الأمرين أي الخيار و حقّ الأرش معا. و الوجه فيه أنّ الموضوع لكلا الحكمين هو وقوع العقد على المعيب، أمّا في الأرش فواضح، و أمّا في الردّ فلأنّ ظاهر قوله عليه السّلام في صحيحة زرارة: «أيّما رجل اشترى شيئا و به عيب أو عوار» هو كون المبيع معيبا حين الشراء، و عليه فيكون الموضوع باقيا بعد زوال العيب. و هذا هو الصحيح.
و يؤيّد بقاء الخيار ما ذكرناه من أنّ الخيار شرط ارتكازيّ ضمني، و من الواضح أنّ موضوع الشرط ارتكازا هو كون المبيع معيبا حين العقد، و أمّا زوال العيب فهو
قوله قدّس سرّه: و منها: التصرّف بعد العلم بالعيب [1]
حادث في ملك المشتري و ممّا أنعم اللّه به عليه، و لا ربط له بالبائع.
[1] ذكر ابن حمزة(1)من الامور المسقطة للردّ و الأرش: التصرّف بعد العلم بالعيب.
و أفاد الشيخ أنّه يمكن أن يكون المدرك لقوله بمسقطيّته للخيار كون التصرّف رضى بالبيع، و للأرش كون الدليل المثبت للأرش بعد التصرّف ظاهر في كونه قبل العلم بالعيب و لا يعمّ ما إذا كان بعد العلم به.
و اورد عليه - كما في المكاسب - بأنّ التصرّف لا يكون رضى بالعيب، و على فرض تسليمه لا يكون رضى بالمعيب. و دعوى اختصاص النصّ بصورة كون التصرّف قبل العلم ممنوع، بل جملة من النصوص مطلقة.
و أورد بعض الأكابر على الشيخ: بأنّ بعض الروايات و إن كان مطلقا، لكنّه ضعيف، بخلاف ما ظاهره الاختصاص.
و التحقيق أنّ ذيل صحيحة ابن سنان عن الصادق عليه السّلام، و هو قوله عليه السّلام: «و قد قال عليّ: لا تردّ التي ليست بحبلى إذا وطأها صاحبها» مطلق من حيث وقوع التصرّف قبل العلم أو بعده مع أنّها صحيحة، فتأمّل. هذا، مضافا إلى أنّه لا وقع لشيء ممّا ذكر؛ فإنّ ثبوت الأرش لا يتوقّف على التصرّف حتّى يبحث في أنّه مختصّ بخصوص ما إذا كان قبل العلم أو بعده.
و على هذا، فالتصرّف إن كان فيه ظهور عرفا في إسقاط خصوص الخيار يكون مسقطا له بخصوصه و إلاّ فلا، إلاّ أن يكون من قبيل إحداث الحدث و موجبا لعدم بقاء العين قائمة بعينها فإنّه يكون مسقطا للخيار تعبّدا. و إن كانت فيه قرينة على
1) الوسيلة/ 257.
قوله قدّس سرّه: و منها: التصرّف في المعيب الذي لم تنقص قيمته بالعيب [1]
مسقطيّة الأرش أيضا فيسقطان معا. و إن كان ظاهرا في إسقاط خصوص الأرش يسقط بخصوصه.
و الحاصل أنّ التصرّف بعد العلم بهذا العنوان لا يكون من المسقطات.
[1] ليس التصرّف في الفرض مسقطا مستقلاّ برأسه، بل هو ضمّ مسقط إلى مسقط، فإنّ المسقط للأرش هو عدم ثبوت موضوعه، و المسقط للخيار هو التصرّف، فلا وجه لجعله مسقطا مستقلاّ.
و لعلّ تعرّضهم له مستقلاّ من جهة ورود إشكال على مسقطيّته في فرض عدم التمكّن من أخذ الأرش سنتعرّض له. و كان الأولى أن يتعرّضوا له في ذيل البحث عن مسقطيّة التصرّف التي تقدّم الكلام فيها، و يقال: هل تختصّ مسقطيّة التصرّف بصورة التمكّن من أخذ الأرش أو يعمّه و صورة عدم التمكّن من ذلك؟
و كيف كان، تارة يكون التصرّف مصداقا للإسقاط حقيقة، كما لو فرضنا أنّه قصد به الإسقاط. و لا ينبغي الإشكال في سقوط الخيار به أصلا، إذ هو كالإسقاط القولي.
و اخرى لا يقصد به ذلك، فيكون الكلام فيه حينئذ متمحّضا من حيث مسقطيّة التصرّف في حدّ نفسه.
و استشكل في مسقطيّته من وجهين: الأوّل: أنّ كونه مسقطا للخيار مع عدم ثبوت حقّ أخذ الأرش له يكون ضررا على المشتري، فيرتفع اللزوم بحديث «لا ضرر».
الثاني: أنّ أدلّة مسقطيّة التصرّف مختصّة بصورة التمكّن من أخذ الأرش و لا يعمّ صورة عدم التمكّن منه، فلا دليل على مسقطيّته في المقام.
و نقول: أمّا الوجه الأوّل، ففيه أوّلا: ما ذكرناه من أنّ اللزوم لا يرتفع بحديث «لا ضرر» و لا يثبت به الخيار أصلا، فراجع.
و ثانيا: هذا الضرر يكون بإقدام المشتري كما أفاده الشيخ، و إن كان هذا قابلا للمنع كما هو واضح.
و ثالثا: لو فرضنا جريان القاعدة و الحديث بالقياس إلى رفع اللزوم و قلنا بثبوت الخيار به، نقول: الضرر بمعنى مفقود في المقام، و بمعنى آخر و إن كان ثابتا لكن الحديث و القاعدة مخصّصة بهذا المعنى.
توضيحه: أنّ الضرر المالي لا يترتّب على لزوم البيع، لما فرض من أنّ العيب لا دخل له في القيمة، يعني لا يوجب نقصانها، فيبقى الضرر من حيث الغرض الشخصي، إذ ربما يكون غرض المشتري قد تعلّق بالصحيح و لا غرض له بالمعيب، و لكن الحديث بالقياس إلى هذا الضرر مخصّص بالأدلّة الدالّة على مسقطيّة التصرّف للخيار، فإنّ الضرر بهذا المعنى مترتّب على مسقطيّة التصرّف دائما سواء كان متمكّنا من أخذ الأرش أم لم يكن، فالإشكال فيه من حيث الضرر غير وارد.
و أمّا الوجه الثاني، ففيه: أنّا قد ذكرنا أنّ الأرش كالخيار يكون ثابتا من أوّل البيع، لا أنّه يثبت بعد التصرّف و سقوط الخيار، فأدلّة مسقطيّة التصرّف إنّما يكون في مقام بيان سقوط الخيار بالتصرّف، غاية الأمر حيث إنّ العيب غالبا يكون موجبا لنقصان القيمة مقارنا لبيان حكم مسقطيّة التصرّف، بيّن عليه السّلام فيها الرجوع إلى الأرش، و ليس بينهما تقيّد أصلا. و لم يتعرّض عليه السّلام لسقوط الأرش أيضا في فرض عدم
قوله قدّس سرّه: و منها: حدوث العيب في المعيب المذكور [1]
قوله قدّس سرّه: و منها: ثبوت أحد مانعي الردّ [2]
التمكّن من أخذه إمّا لوضوحه أو لندرة ذلك الفرض و اختصاصه بخصوص الخصاء و نحوه.
و بالجملة، ليس في الأدلّة إشعار بتقييد موضوع الحكم بالمسقطيّة بما إذا كان متمكّنا من أخذ الأرش أصلا، فمقتضى إطلاقها مسقطيّة التصرّف في هذا الغرض أيضا. و لا فرق بين التصرّف في هذا المورد و مورد التمكّن من أخذ الأرش أصلا.
نعم قد ذكرنا أنّ التصرّف مطلقا لا يكون مسقطا، و إنّما المسقط منه ما يكون مغيّرا للعين، فراجع.
[1] حاصل ما أفاده أنّ الإشكال المتقدّم بكلا جهتيه جار في المقام، فيحتمل ثبوت الردّ مع ردّ قيمة النقص الحاصل بالعيب الحادث، هذا.
و لكن من الواضح اندفاع الإشكال في المقام بما ذكرناه في المسقط المتقدّم. بل عدم جريان قاعدة «لا ضرر» في مسقطيّة العيب الحادث يكون أولى من عدم جريانها بالقياس إلى مسقطيّة التصرّف؛ و ذلك لمعارضة ضرر المشتري بلزوم البيع في فرض حدوث العيب بتضرّر البائع من جوازه، بخلاف التصرّف فإنّ المعارضة لا تكون فيه.
فالصحيح هو القول بالمسقطيّة في كلا الأمرين.
[2] و هو التصرّف أو حدوث العيب في المبيع المعيب إذا كان الثمن و المثمن من جنس واحد و كانا ربويّين. أمّا سقوط الأرش فلأنّ أخذه مستلزم للربا، و أمّا سقوط الردّ فللتصرّف أو لحدوث العيب.
و تحقيق المقام يقتضي التكلّم من جهات:
الاولى: في حكم المسألة، فنقول: أمّا لزوم الربا من أخذ الأرش، فقد تقدّم الكلام فيه. و الحقّ عدمه؛ و ذلك لأنّ الربا إنّما هو الزيادة في المعاملة، و أمّا الأرش فهو حقّ ثابت بدليل خاص بعنوان الغرامة تعبّدا، فلا تشمله أدلّة حرمة الربا، بل هو أجنبيّ عنها بالكلّية. و أمّا ما هو المرتكز في الأذهان من أنّ وصف الصحّة يكون ملغى شرعا في المعاملات الربويّة و أنّ لازمه عدم جواز أخذ الأرش الذي هو قيمة ذاك الوصف عند تخلّفه، ففيه: أنّ الأوصاف كلّية - و منها وصف الصحّة - لا تقابل بالمال في جميع المعاملات ربويّة كانت أو غير ربويّة و إن كانت موجبة لزيادة ماليّة العين. كما لو كان قيمة البطّيخ الحلو عشرة دراهم و اشترى بهذا الثمن، و غير الحلو بيع بخمسة دراهم، فإنّ هذه الخمسة لا تقع بإزاء وصف الحلاوة، و إنّما يكون المجموع بإزاء البطّيخ، و الحلاوة يكون سببا لزيادة قيمته؛ و إلاّ فلو كانت تقابل بالمال لكان اللازم عند تخلّف الوصف أن يكون البائع مثلا ضامنا لقيمة ذلك الوصف و ما يقع بإزائه من الثمن كما في مورد تبعّض الصفقة، سواء طالبه المشتري أم لم يطالبه، بل سواء علم به أم لم يعلم، و من الواضح أنّ الأمر ليس كذلك و لا يلتزم به أحد. و لكن مع ذلك لا تكون الأوصاف ملغاة شرعا بحيث لو أتلفها أحد على أحد و لو في الجنس الربوي - كما لو اشترى مثقالا من الذهب المصوغ بذهب و كان خياريّا ثمّ ردّه مكسورا - لم يكن عليه ضمانها. و الملغى في الجنس الربوي إنّما هو عنوان الزيادة، و من الزيادة جعل شيء بإزاء وصف الصحّة في المعاملة الربويّة، و هذا لا ربط له بإلغاء وصف الصحّة عن الماليّة كما توهّم. نعم الزيادة في البيع الربوي ممنوعة سواء كان في الصحيح أو في المعيب، كما لو فرضنا أنّه باع مثقالا من الذهب الصحيح بمثقالين من الذهب المعيب مثلا، فإنّه باطل مع
أنّ الزيادة في المعيب. و أمّا الأرش الذي هو غرامة شرعيّة لفوات وصف الصحّة الثابتة بالتعبّد فليس زيادة في البيع أصلا. و على هذا فلا مانع من أخذ الأرش في المقام.
و أمّا ما أفاده الشيخ قدّس سرّه من أنّ المشتري هو أقدم على إسقاط حقّ الأرش بإقدامه على المعاملة بين ربوبيّين فمن الغرائب؛ إذ الإقدام عليه فرع ثبوت الحكم بعدم جواز أخذ الأرش المبحوث عنه في المقام و فرع علمه و التفاته بذلك، و أمّا مع الجهل و الغفلة فليس هناك إقدام على ذلك أصلا.
ثمّ لو تنزّلنا عن ذلك، فهل يسقط حقّ الردّ بالتصرّف أو بحدوث العيب أم لا؟
الظاهر أنّ المقام بناء على ذلك يكون نظير المسقطين المتقدّمين من حيث الإشكال فيه تارة من جهة لزوم الضرر على المشتري من لزوم البيع و اخرى من حيث توهّم اختصاص أدلّة مسقطيّة التصرّف و حدوث العيب بما إذا كان متمكّنا من أخذ الأرش.
أمّا الكلام في الجهة الثانية فهو بعينه ما تقدّم هناك من غير فرق بينهما، فإنّ الأدلّة مطلقة ليس فيها إشعار بالتقييد أصلا.
و أمّا في الجهة الاولى ففرق بين المقام و المقامين المتقدّمين؛ لأنّ فيهما - كما عرفت - لم يكن لزوم البيع موجبا لتضرّر المشتري بضرر مالي، و إنّما كان ضرره من جهة تخلّف الغرض الشخصي، و قد ذكرنا أنّ الضرر بهذا المعنى قد أسقطه الشارع بأدلّة مسقطيّة التصرّف، و هذا بخلاف المقام فإنّ من لزوم البيع فيه يتضرّر المشتري بالضرر المالي، و عليه فإن قلنا إنّ دليل «لا ضرر» لا يرفع اللزوم - كما هو الحقّ - لأنّه إنّما يرفع الحكم الضرري لا أنّه يرفع الضرر الذي وقع فيه الإنسان
بعد وقوعه فيه كما هو كذلك في المقام، فإنّ المشتري بنفس البيع قد تضرّر و بنفي اللزوم يرتفع الضرر الواقع، و ليس «لا ضرر» متكفّلا لهذه الجهة، و بالجملة عليه فليس للمشتري بدّ من التضرّر، و يكون هذا التضرّر كالتضرّر بأمر سماوي مثلا.
و أمّا إن قلنا بأنّ «لا ضرر» يرفع اللزوم و يثبت الخيار، فيكون الخيار باقيا، هذا.
و لكن قد عرفت أنّه لا مانع من ثبوت الأرش أوّلا، و ثانيا: لا يرتفع اللزوم ب «لا ضرر» فالحقّ أنّ أدلّة مسقطيّة التصرّف مطلقة و أدلّة ثبوت الأرش أيضا مطلقة و أدلّة حرمة الربا أجنبيّة عن المقام و غير شاملة له.
ثمّ لو تنزّلنا عن ذلك أيضا و قلنا بأنّ الخيار ثابت في المقام إمّا بمقتضى حديث «لا ضرر» أو بدعوى اختصاص مسقطيّة التصرّف و حدوث العيب بخصوص مورد التمكّن من الأرش، فهل يكون هناك مانع آخر - غير ما ذكر - عن ثبوت الخيار أم لا؟
يظهر من العلاّمة في التذكرة(1)وجه آخر لامتناع الردّ، و لكنّه مختصّ بخصوص حدوث العيب و لا يجري في التصرّف، و هو أنّه لو ردّ إمّا بردّه مع الأرش أو بدونه، فإن ردّه بدون الأرش يكون ذلك ضررا على البائع، و إن ردّه مع الأرش يكون ربويّا.
و الظاهر أنّ مراد العلاّمة إنّما هو ثبوت الربا في ناحية الفسخ لا في أصل المعاملة، كما حمل الشيخ كلامه على ذلك.
و كيف كان، فيه: أنّ ردّ الأرش إنّما هو غرامة بواسطة اليد و لا ربط له بالمعاملة
1) التذكرة 531/1.
قوله قدّس سرّه: و منها: تأخير الأخذ بمقتضى الخيار [1]
حتّى يكون مستلزما للربا.
فتحصّل ممّا ذكر أنّ الحقّ في المسألة هو سقوط الخيار و ثبوت الأرش؛ أمّا ثبوت الأرش فلأنّ الربا الذي دلّ الدليل على حرمته إنّما هو الزيادة في البيع، و لا ربط له بالأرش، و على هذا فلا إشكال في سقوط الخيار بالتصرّف و بحدوث العيب. و مع التنزّل عن ثبوت الأرش يسقط الخيار أيضا لإطلاق الأدلّة، و حينئذ لا مفرّ للمشتري من التضرّر.
ثمّ لو تنزّلنا عن ذلك كلّه، يعني قلنا بسقوط الأرش و ثبوت الخيار، فإذا فسخ البيع و قد حدث في المبيع عيب، فهل يتضرّر البائع بذلك بلا جهة أم يتدارك ضرره بشيء؟
ذكر بعض أنّ ضرره لا بدّ و أن يتدارك بإلزام المشتري بدفع بدل المعيب بالعيب الحادث من غير جنسه معيبا بالعيب القديم و سليما من العيب الحادث، يعني يقوّم المبيع سليما عن العيب الحادث و يؤدّي قيمته إلى البائع، هذا.
و لكن لا ينطبق ما ذكره على القواعد أصلا؛ و ذلك لأنّ مقتضى الفسخ هو رجوع كلّ من الثمن و المثمن إلى ملك مالكه الأوّل إذا كان باقيا، و دفع بدله مع بقائه لا وجه له. و بعبارة اخرى: لو كان الفسخ صحيحا فلازمه رجوع كلّ من العينين إلى مالكه، و لو لم يكن صحيحا فلا وجه لدفع البدل أصلا، فهذا الذي ذكره لتدارك ضرر البائع لا بدّ و أن يكون الحكم به من المشرّع لا منّا.
[1] يعني عدم الفسخ أو أخذ الأرش فورا.
و الكلام يقع في مقامين:
الأوّل: في كونه مسقطا للأرش.
الثاني: في كونه مسقطا للردّ.
أمّا المقام الأوّل، فاستظهر الشيخ قدّس سرّه مسقطيّة التأخير لكلا الأمرين من الغنية(1)، حيث ذكر من المسقطات التبرّي و الرضا بالعيب و ترك الردّ لأنّه على الفور مع العلم. ثمّ ذكر حدوث العيب و قال: و ليس له ها هنا إلاّ الأرش. و ظاهر هذا الكلام هو سقوط الأرش أيضا في الوجوه الثلاثة المتقدّمة.
و هذا الاستظهار و إن كان في محلّه، لكن الكلام في مدرك سقوط الأرش.
و أفاد الشيخ: أنّه لعلّ المدرك هو أنّ التأخير دليل الرضا. و أورد عليه: بأن التأخير أوّلا ليس دليل الرضا، و ثانيا: لو كان كاشفا عن الرضا فهو كاشف عن الرضا بأصل البيع لا بإسقاط الأرش، فلا يعبأ بهذا الوجه.
و أورد السيّد على الشيخ في الحاشية(2): بأنّ في المقام وجها ظاهرا لسقوط الأرش، و معه لم يكن لتوجيه الشيخ لكلام الغنيّة بهذا الوجه الفاسد مجال. و ذاك الوجه الظاهر هو عموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و إطلاقه. و ذكر السيّد قدّس سرّه هذا الوجه أيضا في مورد آخر عند استدلال الشيخ على فوريّة هذا الخيار، و سيأتي إن شاء اللّه.
و لكن صدوره منه من الغرائب؛ إذ الكلام ليس في سقوط الخيار و عدمه حتّى يتمسّك بإطلاق «أوفوا» و إنّما الكلام في سقوط الأرش، و هو حقّ تعبّديّ لا ربط له ب «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» أصلا. و لم نعلم وجها لغفلته قدّس سرّه عن ذلك مع وضوحه.
و كيف كان، فالوجه في مسقطيّة التأخير للأرش ليس إلاّ ما أفاده الشيخ. و هو
غير تامّ كما عرفت.
و أمّا المقام الثاني، و هو مسقطيّته للردّ، فنفى عنه الخلاف في الغنية و الكفاية(1)، و في المسالك(2)عبّر عن ذلك ب «إنّا لا نعرف فيه خلافا» و ادّعي عليه الإجماع في بعض الكلمات، و في الرياض(3)ادّعى الشهرة على ذلك بين المتأخّرين، و في الجواهر ظاهرا: أنّ الفور هو المشهور مطلقا(4). و لكن جعله العلاّمة في التذكرة(5)أقرب.
فالمتحصّل من الجميع أنّ الحكم ليس إجماعيّا، نعم هو المشهور بينهم، فلا يمكن التمسّك بالإجماع؛ و لذا يدّعي الشيخ قدّس سرّه أنّا عرفنا الخلاف فيه.
و يمكن أن يكون مستند المشهور - كما أفاد الشيخ - الاستصحاب، يعني استصحاب اللزوم.
لكن الكلام يكون في جريان هذا الاستصحاب، و قد مرّ الكلام فيه في خيار الغبن.
و ذكر الشيخ قدّس سرّه أنّ استصحاب اللزوم غير جار؛ لأنّه حكم واحد مستمر فإذا ارتفع فعوده يحتاج إلى دليل. و نحن ذكرنا ما عندنا هناك فلا نطيل، و ذكرنا أنّ استصحاب الخيار لا مانع منه، هذا.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» قال في المبسوط: من باع شيئا فيه عيب لم يبيّنه [1]
و في المقام خصوصيّة زائدة لم تكن جارية هناك يعني في خيار الغبن. و هي التمسّك بإطلاق أدلّة خيار العيب. و المهمّ منها هو صحيحة زرارة و مرسلة جميل؛ فإنّ قوله عليه السّلام في المرسلة: «إن كان قائما بعينه ردّه» مطلق، و هكذا المفهوم من قوله عليه السّلام في الصحيحة: «فأحدث فيه» و إطلاق كلّ منهما قويّ جدّا.
و ما أفاده الشيخ قدّس سرّه من أنّ الإطلاق في مقام بيان أصل الخيار و تشريعه لا من كلّ جهة، مع أنّه مقطوع العدم في مثل هذا الإطلاق القوي، قد ذكرنا في الاصول أنّه لو شككنا في أنّ المتكلّم في مقام التشريع أو البيان من كلّ جهة فبناء العقلاء يكون على الثاني و يأخذون بإطلاق كلامه، و لا وجه مع ذلك للاقتصار على المتيقّن في الخروج عن اللزوم كما في الغنية.
و أمّا الخبر الخاصّ الذي ادّعاه في الكفاية، فأفاد أنّه لم أقف عليه، و نحن أيضا لم نقف عليه.
فتلخّص أنّ التأخير لا يسقط الأرش و لا الخيار. هذا تمام الكلام في المسقطات.
[1] المتحصّل من الكلمات في وجوب الإعلام بالعيب و عدمه أقوال خمسة:
الأوّل: وجوب الإعلام مطلقا.
الثاني: استحبابه مطلقا.
الثالث: وجوبه مشروطا بعدم التبرّي، و تكون النتيجة حينئذ التخيير بين الإعلام و التبرّي.
الرابع: التفصيل بين العيب الظاهر الجليّ و بين العيب الخفيّ الذي لا يطّلع عليه الإنسان إلاّ بعد المعاشرة و استخباره مدّة، كسوء خلق العبد مثلا أو المرض الباطني و أمثال ذلك.
و على هذا أيضا تارة يقال بوجوب الإعلام بالعيب الخفي مطلقا و اخرى بوجوبه على تقدير عدم التبرّي. فالأقوال خمسة.
و الكلام في المقام يقع في جهات ثلاثة:
الجهة الاولى: أنّ الظاهر الإعلام لا دليل على وجوبه بعنوانه أصلا، و إنّما هو مبتن على صدق الغشّ على تركه و عدمه، فإذا كان تركه غشّا محرّما فيكون الإعلام واجبا مسامحة.
فنقول: ربّما يقال إنّ الغش هو عدم النصح، و عليه يكون أمرا عدميّا يصدق على ترك الإعلام مطلقا سواء تبرّأ من العيوب أو لم يتبرّأ و سواء اشترط ثبوت الخيار تصريحا أو ارتكازا أو لم يشترط ذلك أصلا؛ لصدق عدم النصح على ترك الإعلام بالعيب في جميع الصور.
و لكن الظاهر أنّ هذا خلاف ما يفهمه العرف من معنى الغش، إذ لا يقال لمن لا ينصح غيره فيما إذا عرف صلاحه أنّه غشّه. و هكذا لا يمكن الالتزام بوجوب إعلام الغير إذا اشترى شيئا من شخص آخر على الشخص الثالث الذي يرى أنّ هذه المعاملة ليست على وفق مصلحة المشتري مثلا، نعم إذا استشاره ربما يقال بلزوم بيان ما يراه صلاحا للمستشير على المستشار، و إلاّ فإنّ وجوب بيان صلاح الغير و تنبيهه عليه ابتداء ممّا لم يلتزم به أحد.
و الظاهر أنّ معنى الغشّ عرفا هو خلاف النصح لا عدمه، و هو أمر وجودي، فالنصح هو إرشاد الغير إلى ما فيه صلاحه أو تحذيره عمّا فيه فساده، و الغشّ يكون بعكسه أي إيقاع الغير في المفسدة أو تفويت صلاحه عليه. و من الواضح أنّه يعتبر في هذا المعنى أن يكون الوقوع في الضرر و المفسدة مستندا إلى الغاشّ. و على هذا
لو فرضنا أنّ البائع أظهر سلامة المبيع بحيث اعتمد المشتري في الشراء على إظهاره و كان مستندا إليه - كما في المثال الذي يذكره الشيخ قدّس سرّه - يصدق عليه أنّه غشّه سواء تبرّأ من العيوب أو لم يتبرّأ و سواء اشترط عليه الخيار أم لا و سواء كان العيب خفيّا أم جليّا. و إذا لم يكن المشتري مستندا إلى ذلك بل كان مستندا إلى أصالة السلامة و نحوها بحيث لم يكن مستندا إلى إظهاره لا يصدق عليه الغشّ في جميع الفروض.
و بالجملة، لو كان الغشّ خلاف النصح لا يكون الإعلام واجبا و لا تركه حراما.
هذا كلّه في الجهة الاولى.
الجهة الثانية: لو فرضنا أنّ الغشّ هو عدم النصح أو فرضنا أنّه أظهر سلامة المبيع بحيث استند المشتري إلى ذلك كالمثال الذي يذكره الشيخ، فهل يكون ذلك موجبا لبطلان البيع أم لا؟
الظاهر هو الثاني؛ لما تقدّم من أنّ حرمة البيع - سواء كانت بعنوانه كما في بيع الخمر أو كانت بعنوان عامّ منطبق عليه كما لو باع داره في أثناء الصلاة بناء على حرمة قطعها - لا تدلّ على الفساد أصلا، إلاّ إذا علمنا من الخارج أنّ النهي المتعلّق به إرشاديّ إلى الفساد، فراجع ما قدّمناه هناك.
ثمّ إنّ ما نسب إلى المقدّس الأردبيلي(1)- على ما في الحاشية(2)- من بطلان البيع في المقام قياسا له ببطلان المعاملة بالدراهم المغشوشة، حيث أمر عليه السّلام
قوله قدّس سرّه: «مسائل» في اختلاف المتبايعين [1]
بكسرها و إلقائها في البالوعة معلّلا بقوله: «حتّى لا يباع شيء فيه غشّ»(1)غير وجيه؛ لأنّ الأمر هناك بكسر الدراهم المغشوشة إنّما هو من جهة أنّها مغشوشة ذاتا إذ ليست فيها سكّة السلطان على ما هو المنصرف من الدرهم المغشوش. و هذا بخلاف ما إذا كان الغشّ بفعل البائع فقط إذ ليس العبد المعيب مغشوشا كما هو واضح. و كيف كان، لا وجه للحكم بفساد البيع إذا كان فيه غشّ.
الجهة الثالثة: ذكر في جامع المقاصد(2)و غيره أنّه ينبغي بطلان البيع فيما إذا كان العيب بواسطة الشوب و المزج بغير الجنس كما لو مزج اللبن بالماء مثلا. و كأنّ هذا تفصيل في كون العيب موجبا للخيار أو للأرش. و المدرك لذلك هو استلزامه الجهل بالمبيع أو الثمن.
و لكن التحقيق أنّ المزج بغير الجنس تارة يكون بحيث يستهلك الممزوج كما في مثال مزج الماء باللبن بحيث يصدق ذاك العنوان على المجموع فيقال إنّه لبن غاية الأمر يكون لبنا خفيفا و معيبا، ففي مثل هذا الفرض لا وجه لبطلان البيع. و أمّا لو لم يكن كذلك، كما لو مزج مقدارا من التراب بمقدار من الطحين مثلا بحيث لم يستهلك فيه، فحينئذ يتمّ ما أفاد و يكون البيع باطلا للجهل بمقدار الطحين، فالمثال الذي ذكره للمقام غير صحيح و إن كان الحكم في الجملة تماما.
[1] تارة يكون اختلافهما في أصل ثبوت موجب الخيار و عدمه، و اخرى يكون في تحقّق المسقط، و ثالثة في ثبوت الفسخ و عدمه. و يقع الكلام في كلّ منها مستقلاّ.
قوله قدّس سرّه: الاولى: لو اختلفا في تعيّب المبيع و عدمه [1]
[1] منشأ الاختلاف في ثبوت الخيار يكون أحد امور ثلاثة:
الأوّل: الاختلاف في أصل ثبوت العيب مع تعذّر الاستعلام.
الثاني: الاختلاف في صدق العيب على الشيء الموجود إمّا لشبهة موضوعيّة أو شبهة مفهوميّة، كما لو فرضنا أنّ في عين العبد نقطة بيضاء فادّعى المشتري أنّ هذا عيب و أنكر البائع صدق العيب عليه و تعذّر تبيّن الحال.
الثالث: بعد اتّفاقهما على تحقّق العيب و صدق عنوان العيب عليه، اختلفا في زمان حدوثه، فادّعى المشتري أنّه حدث قبل القبض أو في زمان خياره و ادّعى البائع تحقّقه بعد القبض و بعد انقضاء زمان الخيار.
أمّا على الأوّل، فليس هناك أصل موضوعيّ ينقّح حكم المسألة لا أصل عملي و لا أصل لفظي؛ لوضوح أنّ أصالة عدم تحقّق العيب لا يثبت وقوع العقد على الصحيح، فتأمّل. و هكذا «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» مختصّ بالعقد الواقع على الصحيح يعني مخصّص بغير موارد ثبوت الخيار فالشبهة مصداقيّة، فليس هناك أصل لفظي و لا عملي، فينتهي الأمر إلى الأصل الحكمي، و هو استصحاب عدم الخيار و بقاء كلّ من المالين على ملك مالكهما الثاني بعد الفسخ، فلا بدّ للمشتري المدّعي للخيار من إثبات ذلك، من دون فرق بين أن تكون الحالة السابقة في المبيع هي الصحّة أو العيب أو لم يعلم بحالته السابقة أصلا. و لكن فصّل بعض في المقام بين الأقسام الثلاثة، فالتزم بما ذكرنا من أنّه لا بدّ للمشتري من إثبات الخيار لنفسه في القسم الأوّل و الثالث، و لم يلتزم به في الثاني، بل اختار فيه ثبوت الخيار لجريان الأصل الموضوعي، و هو استصحاب بقاء العيب إلى زمان البيع.
و لكنّ التحقيق أنّ استصحاب بقاء العيب لا يثبت الخيار. و هذا الذي أفاده من
إثبات الخيار باستصحاب بقاء العيب خلط بين المتعلّق و الموضوع فتأمّل؛ فإنّ متعلّق التكليف إذا كان مركّبا نوعا يكون نفس الأجزاء متعلّقا للتكليف، بخلاف موضوعات التكاليف إذا كانت مركّبة فإنّها نوعا يكون العنوان البسيط المتحصّل منها هو الموضوع لا نفس الأجزاء أو يكون التقيّد فيها معتبرا، و عليه فإذا فرضنا أنّ بعض أجزاء الموضوع كان محرزا بالوجدان و كان بعض الأجزاء الاخر محرزا بالتعبّد لا يلتئم منهما الموضوع؛ و ذلك لأنّ باستصحاب بقاء بعض الأجزاء لا يثبت التقيّد و لا العنوان البسيط، و هذا بخلاف ما إذا كان الموضوع أو المتعلّق نفس الأجزاء كما هو كذلك غالبا في المتعلّق، فإنّه لو كان بعض تلك الأجزاء محرزا بالأصل و بعضها الآخر محرزا بالوجدان يترتّب عليها الحكم كما يترتّب الحكم على استصحاب بقاء الموضوع البسيط كخمريّة الخمر مثلا. و من الواضح أنّ الموضوع لثبوت الخيار ليس هو العقد و ثبوت البيع، بل الموضوع على ما يستفاد من قوله عليه السّلام: «أيّما رجل اشترى شيئا... إلخ» إنّما هو وقوع العقد على المعيب، و من الواضح أنّ هذا العنوان لا يثبت باستصحاب بقاء العيب فتأمّل. فلا وجه لهذا التفصيل و لا فرق بين الأقسام.
و حاصل الكلام في المقام أنّ اختلافهما تارة يكون في نفس المبيع، مثلا يدّعي البائع أنّ البيع وقع على هذه العين المعيبة و يدّعي المشتري أنّه وقع على تلك العين الصحيحة، و لا كلام لنا فعلا في ذلك.
و اخرى - بعد اتّفاقهما على المبيع و أنّ العقد وقع على هذه العين الشخصيّة - يختلفان في موجب الخيار، و حينئذ يكون الاختلاف بأحد امور ثلاثة بل أربعة:
الأوّل: في تعيّب المبيع و عدمه مع تعذّر الاستخبار، الثاني: في أنّ الشيء الموجود
عيب أو لا يكون عيبا، الثالث: بعد اتّفاقهما على حدوث العيب و أنّه عيب يختلفان في أنّه حدث في زمان ضمان البائع أو بعد انقضاء زمان ضمانه للمبيع، و هناك قسم رابع تعرض له الشيخ بعد.
أمّا في الفرض الأوّل، فأفاد الشيخ أنّ القول قول المنكر بيمينه، و من الواضح أنّ المنكر غالبا هو البائع.
و أورد عليه السيّد في الحاشية(1)بما حاصله: أنّ القول إنّما يكون قول منكر حدوث العيب فيما لو كانت الحالة السابقة للعين مجهولة أو كانت هي الصحّة، و أمّا لو فرضنا أنّ العين كانت معيبة سابقا و يكون الشكّ في زواله فينعكس الأمر و يكون القول قول مدّعي الخيار من جهة استصحاب بقاء العيب إلى زمان العقد، انتهى. و قد ذكرنا أنّ هذا الاستصحاب مثبت.
و لكن التحقيق أن يقال: إنّ متعلّق التكليف إذا كان مركّبا أو كان له تعلّق بموضوع خارجي كما في مثل شرب الخمر أو إكرام العالم مثلا، فإنّ المتعلّق ليس عنوانا بسيطا و لا مقيّدا و لذا باستصحاب خمريّة شيء تثبت حرمة شربه، مع أنّه لو كان متعلّق الحرمة الشرب المقيّد أو شرب الخمر بما أنّه شرب الخمر لم تترتّب الحرمة على شرب مستصحب الخمريّة لأنّه مثبت.
و أمّا موضوع الأحكام إذا كان مركّبا، فإن كان مركّبا من العرض و محلّه كما في قوله عليه السّلام: «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء»(2)فظاهره أنّ الاتّصاف و التقيّد له
دخل في ذلك و ليس مجرّد تحقّق الجزءين.
و أمّا لو لم يكن مركّبا من عرض و محلّه كما لو كان مركّبا من جوهرين أو عرضين، فإن كانت هناك قرينة على أنّ العنوان البسيط المتحصّل منهما هو الموضوع فلا كلام أيضا، كما ذكره الشيخ قدّس سرّه في باب صلاة الجماعة(1)فيما إذا ائتمّ المأموم الإمام في الركوع فركع و لم يعلم أنّه أدرك الركوع أم لا، فإن استظهرنا من الأدلّة أنّ الموضوع هو عنوان إدراك ركوع الإمام، فباستصحاب بقاء الإمام راكعا إلى زمان تحقّق ركوع المأموم لا يتحقّق الموضوع و لا يتحقّق الائتمام. و أمّا لو لم يكن الموضوع هذا العنوان البسيط بل كان ركوع المأموم في زمان ركوع الإمام فبالاستصحاب يتمّ الموضوع. و ذلك واضح.
و كيف كان، في هذا الفرض الذي لم يكن الموضوع مركّبا من العرض و محلّه إذا كانت في البين قرينة على التقيّد فهو، و إلاّ فالظاهر عدمه و أنّ الموضوع نفس الأجزاء لا العنوان البسيط المتحصّل منها.
إذا عرفت هذا نقول في المقام: الموضوع للخيار مركّب من وقوع البيع على شيء و كون الشيء معيبا، فالبيع بالقياس إلى ذات المبيع يكون من قبيل العرض و محلّه، فهو مأخوذ بنحو مفاد كان الناقصة. و هكذا كون ذات المبيع معيبا فإنّ هذا أيضا مفاد كان الناقصة. و أمّا نفس البيع و العيب فهما أمران عرضيّان لا ربط بينهما، فنفس وقوع البيع و نفس ثبوت العيب لذات المبيع مأخوذ بنحو مفاد كان التامّة.
و بعبارة اخرى: نفس اتّصاف ذات المبيع بالعيب هو الذي له دخل في الموضوع
1) كتاب الصلاة 334/2.
لا العنوان البسيط المتحصّل و لا العقد الواقع على المعيب. و على هذا، فباستصحاب بقاء اتّصاف ذات المبيع و وقوع البيع بالوجدان يلتئم الموضوع و يثبت الخيار.
فالحقّ هو الذي أفاده السيّد في الحاشية.
و أمّا في الفرض الثاني، أي فرض اختلافهما في كون شيء عيبا، فأفاد الشيخ أنّه كسابقه، أي يكون القول قول المنكر و لا بدّ لمدّعي الخيار من إثباته. و الوجه فيه استصحاب بقاء كلّ من الثمن و المثمن على ملك مالكه قبل الفسخ. ثمّ أفاد أنّه لو علم كونه نقصا كان للمشتري الخيار دون الأرش.
و التحقيق: أنّ ما أفاده من عدم الفرق بين العيب و النقص من حيث ثبوت حقّ الردّ بكلّ منهما، إنّما يتمّ بناء على أن يكون مدرك ثبوت خيار العيب الشرط الضمني، إذ لا فرق في ارتكاز العقلاء في مقام الشراء بين الصحّة و عدم النقص، و كما يشترطون بالارتكاز وصف الصحّة هكذا يشترطون عدم النقص الموجب لنقصان الماليّة أيضا، فلا فرق بينهما من حيث ثبوت الخيار بتخلّفهما.
و أمّا لو كان مدركه الروايات فلا فرق بين الخيار و الأرش؛ لأنّ الموضوع لكلّ منهما في الروايات هو العيب، فكما لا يثبت الأرش فيما إذا علم كونه نقصا هكذا لا يثبت الخيار أيضا. نعم لو كان المدرك للخيار هو الشرط الضمني لكان التفصيل صحيحا لو قلنا بأنّ النقص الموجب لنقصان القيمة يمكن أن لا يصدق عليه العيب.
لكنّه محلّ نظر بل منع.
و أمّا الفرض الثالث، فتارة يكون الاختلاف فيه في حدوث العيب قبل العقد أو حدوثه بعده و بعد القبض و انقضاء زمان الخيار، و اخرى يتّفقان على أنّ العيب لم يحدث في زمان العقد و يكون اختلافهما في حدوثه بعد انقضاء زمان الخيار و بعد
القبض أو حدوثه قبل القبض أو في زمان الخيار.
و ما أفاده الشيخ قدّس سرّه بقوله: «لأنّ أصالة عدم العقد حين حدوث العيب لا يثبت وقوع العقد على المعيب» مورده القسم الأوّل الذي يكون الاختلاف في تقدّم الحدوث على العقد و عدمه. و أمّا في القسم الثاني فتأخّره عنه واضح لا يحتاج إثباته إلى إجراء الأصل.
و كيف كان، القول في الفرض هو قول منكر التقدّم لأصالة اللزوم و عدم تأثير الفسخ؛ لأنّ أصالة تأخّر العقد عن الحدوث أو عدم الإقباض إلى زمان الحدوث أو بقاء زمان الخيار إلى ذلك الوقت لا أثر لها لأنها لا تثبت أنّ المبيع في حال البيع كان معيبا أو أن الحدوث كان قبل القبض أو في زمان الخيار، و من الواضح أنّ موضوع الخيار هو هذه الامور، و لذا لا يفرق الحال بين أن يكون تاريخ حدوث العيب معلوما أو مجهولا أيضا كما أفاده الشيخ قدّس سرّه.
ثمّ إنّ الشيخ قدّس سرّه حكى عن المختلف(1)أنّه حكى عن ابن الجنيد أنّه إن ادّعى البائع أنّ العيب حدث عند المشتري حلف المشتري إن كان منكرا.
و هذه الدعوى مخالف للقواعد كما هو ظاهر بما ذكرناه.
و وجّه الشيخ كلامه بامور ثلاثة:
الأوّل: أصالة عدم تسليم البائع العين الى المشتري على الوجه المقصود.
الثاني: عدم استحقاقه الثمن كلاّ.
الثالث: أصالة عدم لزوم العقد.
1) المختلف 172/5.
و في كلّ منها ما لا يخفى؛ أمّا في الأوّل، فلأنّ المشتري بعد وقوع البيع على العين الشخصيّة لا يستحقّ إلاّ تلك العين بخصوصها، و المفروض أنّ البائع قد أقبضها. نعم إن كان معيبا يستحقّ المشتري الخيار أو مطالبة الأرش.
و أمّا في الثاني، فلأنّ الثمن بتمامه يملكه البائع بعد تماميّة البيع، و الأرش إنّما هو غرامة تعبّدية، إذ من الواضح أنّ ظهور العيب ليس كنقصان الأجزاء الموجب لتبعّض الصفقة.
و أمّا في الثالث، فلأنّ الأصل هو اللزوم لا الجواز، فتأمّل.
فالظاهر بل المتيقّن أنّ ما أفاده الشيخ قدّس سرّه إنّما هو توجيه لكلامه و لم يستند إليه قدّس سرّه.
هذا كلّه في يقين المدّعي و المنكر.
و أمّا حكم كلّ منهما، فتارة يتكلّم في ذلك من حيث حكم نفسهما مع قطع النظر عن الترافع، و اخرى يقع الكلام في حكمهما من حيث الترافع.
أمّا حكمهما من حيث نفسهما، فهو أنّه يصحّ أن يعمل كلّ منهما بمقتضى علمه أو الأصل الجاري في حقّه، مثلا المنكر يجوز له التصرّف فيما انتقل إليه لأصالة بقاء ملكه و عدم زواله بفسخ مدّعي الخيار. و هذا واضح.
و أمّا الحكم من حيث ترافعهما، فتارة يختصّ إقامة البيّنة لأحدهما دون الآخر بأن يقيم خصوص المدّعي البيّنة على دعواه دون المشتري أو يقيم المنكر البيّنة على قوله دون المدّعي، و اخرى كلّ منهما يقيمان البيّنة على ما قالوا، و ثالثة لا يقيمان البيّنة كلاهما.
أمّا لو أقام البيّنة خصوص المدّعي فالحكم واضح، إذ يحكم على طبقها.
و أمّا لو أقامها خصوص المنكر فيكون الحكم مترتّبا على ما ذكروه في باب القضاء، من أنّ ظاهر قوله عليه السّلام: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر»(1)هو اختصاص البيّنة بالمدّعي و اليمين بالمنكر أو أنّ ظاهره هو الحكم التكليفي و أنّ المدّعي لا يطالب بالحلف و المنكر لا يطالب بالبيّنة، بل يطالب الأوّل بالأوّل و الثاني بالثاني، لا أنّه إذا أقام المنكر البيّنة لا يسمع منه. فإن قلنا بالأوّل لا تسمع بيّنته. و إن قلنا بالثاني تسمع البيّنة منه و بها يحسم النزاع و الترافع و لا يبقى بعده مجال لحلفه، إذ الظاهر من الأدلّة أنّ الحلف إنّما هو في فرض بقاء النزاع، فإذا ارتفع ببيّنة المنكر فيرتفع الموضوع. و لا يبعد أن يكون الصحيح هو الثاني، و تفصيل الكلام فيه موكول إلى باب القضاء. و جميع هذه الفروع التي ذكرها الشيخ أجنبيّ عن المقام، و كان الأولى أن يبحث عنها في ذلك الباب.
و لو أقام كلّ منهما البيّنة يكون من باب معارضة بيّنة الداخل أي المنكر و الخارج أي المدّعي، فربما يقال بتقديم بيّنة الخارج من جهة أنّه المطالب بها دون المنكر، و ربما يقال بتقديم بيّنة الداخل لأنّ الأصل موافق له.
و لكن من الواضح أنّ كلاّ من هذه الامور لا يمكن أن يكون مرجّحا للمقام، فمقتضى القاعدة هو التساقط.
و لكن في المقام روايات خاصّة ذكرها السيّد في ملحقات العروة(2). هذا كلّه في البيّنة.
و أمّا لو عجزا عن ذلك و لم يقم كلاهما البيّنة تصل النوبة إلى يمين المنكر، و من الواضح أنّه لو حلف المنكر و حكم الحاكم على وفقه يسقط حقّ المدّعي واقعا في الدنيا، و ليس له بعد ذلك أن يقيم البيّنة، و لو أقامها لا أثر له، لأنّ حكم الحاكم له موضوعيّة. نعم ينحلّ حكمه بإقرار المنكر فقط لدليل خاصّ كما بيّن في محلّه.
و كيف كان، لو حلف المنكر على نفي ما يدّعيه المدّعي بأن كان اليمين على نفي الواقع أي نفي الخيار أو نفي العيب واقعا فيسمع ذلك منه و يحكم الحاكم بذلك.
و أمّا لو لم يحلف على نفي الواقع بل حلف على مقتضى الأصل بأن قال: أنا شاكّ في ثبوت الخيار و أحلف على عدمه بمقتضى الاستصحاب مثلا، فهل يسمع منه ذلك أم لا؟
ربما يقال بأنّ ذلك يسمع منه قياسا للمقام بالحلف على طهارة المبيع استنادا إلى الأصل أو القاعدة و تمسّكا برواية حفص(1)، و مضمونها جواز الحلف على الملكيّة أو الشهادة بها استنادا على اليد.
و أفاد الشيخ أنّه يمكن الفرق بين الطهارة و ما نحن فيه، بأنّ المراد من الطهارة في استعمال المتشرّعة ما يعمّ الطهارة الظاهريّة.
و كيف كان، التحقيق أنّ الحلف بمقتضى الأصل لا يسمع؛ و ذلك لأنّ الحلف لا بدّ و أن يتعلّق بنفي ما يدّعيه المدّعي، فإذا كان المدّعي يدّعي ثبوت الخيار واقعا يكون حلف المنكر على عدم ثبوته ظاهرا و بمقتضى الاستصحاب أجنبيّا عن دعوى المدّعي بالكلّية، و يكون نظير ما إذا ادّعى أحد على أحد دينا و يحلف المنكر بأنّه
1) الوسائل 215/18، الباب 25 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 2.
ليس مديونا لشخص ثالث، فالقطع بمقتضى الأصل لا يوجب سقوط دعوى المدّعي فكيف بالحف عليه.
و أمّا ما ذكر في الحلف على طهارة المبيع استنادا على الأصل فهو أيضا غير صحيح؛ فإنّه لو كان المشتري عالما بنجاسة المبيع فحلف البائع على أنّه شاكّ في طهارته و أنّ الحكم الظاهري في حقّه هو الطهارة، لا يفيد المشتري الذي هو عالم بنجاسته شيئا.
و أمّا رواية حفص - و في الكفاية(1)رواية جعفر و هو غلط ظاهرا - فأجنبيّة عن المقام، إذ هي واردة في مورد قيام الأمارة على الملكيّة الناظرة إلى الواقع، و لا ربط له بالحلف على مؤدّى الأصل الذي هو في مورد الشكّ و الجهل، فالحلف على ذلك لا أثر له، فلا بدّ حينئذ من ردّ اليمين إلى المدّعي.
ثمّ لو حلف المنكر على نفي العلم بالعيب لا على نفيه بتّا، فإن كانت الدعوى علمه بذلك فيكفي و ينحلّ به النزاع.
و أمّا إن كان الدعوى على الواقع، فربما يقال بالاكتفاء بذلك، و الأقوال فيه ثلاثة:
أحدها: أنه يكتفي بذلك و يحسم به النزاع واقعا، و ليس للمدّعي بعد ذلك إقامة البيّنة، و لا تسمع منه بعد حكم الحاكم بمقتضى هذا الحلف، و فساد هذا الاحتمال واضح؛ لما ذكرنا من أنّ المدّعى إنّما هو ثبوت العيب واقعا، و الحلف على نفي العلم أجنبيّ عنه.
ثانيها: أن يكون موجبا لتأجيل الدعوى و توقيفه إلى أن يقيم المشتري البيّنة
1) كفاية الأحكام/ 94.
على دعواه. و هذا أيضا لا وجه له؛ فإنّ لكلّ مسلم بل لكلّ شخص محترم - كالذمّي مثلا - أن يقيم الدعوى على غيره، و لا يسقط ذلك الحقّ إلاّ بمسقط شرعي، و هو إمّا قيام البيّنة أو الحلف على نفي المدّعى، فلا وجه لإسقاط حقّ المدّعي و لو في مدّة من الزمان من دون سبب.
ثالثها: أن لا يسمع ذلك أصلا. و هو الصحيح الحقّ.
ثمّ على ما ذكرنا لا فرق بين فرض الاختيار و تمكّنه من الحلف على نفي الواقع و عدمه، لما عرفت من أنّه لا مناص من وقوع الحلف على نفي ما تعلّقت به دعوى المدّعي، من غير فرق بين صورة التمكّن من ذلك و عدمه.
هذا كلّه فيما إذا كانا أصيلين، يعني كان النزاع بينهما.
و أمّا إذا كان أحدهما - و نفرضه البائع - وكيلا، و هذا هو الذي تعرّض له الشيخ قدّس سرّه بقوله: فرع، لو باع الوكيل فوجد به المشتري عيبا يوجب الردّ... إلخ.
فنقول: لو كان المشتري معترفا بالتوكيل لا بدّ له من الرجوع إلى الموكّل، فإن اعترف الموكّل بالتوكيل أيضا يقع الترافع بينه و بين المشتري من جهة واحدة، و هو ثبوت العيب أو سبقه و عدمه، و حكمه ما تقدّم.
و أمّا لو أنكر الموكّل التوكيل مع أنّ المشتري معترف به يتشكّل بينهما نزاعان و مرافعتان، أحدهما في أصل التوكيل و أنّ المبيع له و بيع بتوكيله و عدمه، و الثاني في ثبوت العيب أو سبقه و عدمه. و يلحق كلّ من النزاعين في الحكم بما تقدّم.
و إقرار الوكيل بالعيب في الفرضين و في جميع الفروض الآتية لا يكون مؤثّرا و نافذا؛ لأنّه بعد تماميّة زمان وكالته يكون أجنبيّا عن العين، فإقراره بالعيب أو بسبقه يكون دعوى على الموكّل، فلا بدّ من إثباته، نعم لو كان عادلا يكون كأحد الشهود.
و أمّا لو كان المشتري منكرا للتوكيل أو جاهلا به، فليس له إلاّ الرجوع إلى الوكيل - و مرادنا من الوكيل ذات الوكيل لا بهذا العنوان فلا يناقش في التعبير - فإذا رجع إليه و تمكّن الوكيل من إقامة البيّنة إمّا على عدم العيب فيسقط الدعوى رأسا، أو على كونه وكيلا فيسقط الدعوى عنه و لا بدّ للمشتري من الرجوع إلى الموكّل.
و إلاّ أي إذا لم يتمكّن من إقامة البيّنة تكون الدعوى عليه و لا ينفعه إقرار الموكّل بالتوكيل، نعم يكون هو كأحد الشهود لو كان عادلا إذا لم يعلم كونه في مقام الاحتيال. و إذا أقرّ الموكّل بالتوكيل يصحّ للمشتري أن يقيم الدعوى على أيّ منهما شاء إذا لم يكن عالما بكذب إقراره، و ليس ذلك أي إقامة الدعوى على الموكّل منافيا لإقامته الدعوى على الوكيل المستلزمة لإنكار التوكيل كما قيل؛ و ذلك لأنه يمكن أن لا تكون إقامته الدعوى على الوكيل من جهة علمه بعدم التوكيل و يكون بمقتضى اليد و نحوها. و على هذا فبعد إقرار الموكّل بالتوكيل يمكنه أن يقيم الدعوى على الوكيل لليد، و على الموكّل لإقراره بالتوكيل.
و بالجملة: لو كان المشتري جاهلا بالوكالة و رجع إلى الوكيل و عجز الوكيل عن إقامة البيّنة، فإن اعترف بالعيب يغرم إمّا بالأرش أو بردّ الثمن بعد فسخ المشتري، و قد ذكرنا أنّ إقراره بالعيب أو بسبقه لا يكون نافذا في حقّ الموكّل، فللوكيل حينئذ أن ينازع مع الموكّل من جهتين إن كان منكرا للوكالة و سبق العيب معا، و من جهة واحدة إن كان منكرا لأحدهما؛ لأنّه يدفع به الظلامة عن نفسه.
و أمّا إذا لم يعترف الوكيل بالعيب، فإن أقام المشتري البيّنة على سبق العيب يكون نافذا بالقياس إلى الوكيل و الموكّل معا بل بالقياس إلى جميع الناس، فإذا ثبتت الوكالة يأخذ الغرامة من الموكّل من دون حاجة إلى إقامة البيّنة على سبق
العيب ثانيا.
و أمّا إن عجز عن إقامتها فللوكيل أن يحلف على عدم العيب، و هل له أن يردّ الحلف إلى الموكّل أم لا؟ الظاهر هو الأوّل، لأنّ به تندفع الظلامة المتوجّهة إليه.
فإن حلف الموكّل يغرم الوكيل و ليس له الرجوع حينئذ إلى الموكّل بل لا بدّ و أن يتضرّر بنفسه. و في هذا الفرض لو ردّ الموكّل اليمين إلى الوكيل فحلف سبق العيب الزم الموكّل.
و أمّا لو ردّ الوكيل اليمين إلى المشتري فحلف و حكم الحاكم بمقتضى اليمين المردودة بالردّ أو بأخذ الأرش من الوكيل، فهل للوكيل أن يرجع إلى الموكّل بمجرّد اليمين المردودة أم لا؟ و بعبارة اخرى: هل تكون اليمين المردودة بمنزلة إقرار الوكيل بسبق العيب حتّى لا يكون مؤثّرا بالقياس إلى الموكّل بحيث لو ثبت التوكيل لم يكن الموكّل ملزما بأداء الغرامة إلاّ بعد الترافع في سبق العيب أو أنّه كالبيّنة فينفذ في حقّ الموكّل أيضا؟ وجهان:
جعلهما في القواعد(1)مبنيّا على أنّ اليمين المردودة كالإقرار أو كالبيّنة كما عرفت.
و تنظّر فيه جامع المقاصد(2)بأنّ كون اليمين المردودة كالبيّنة لا يوجب إنكاره لسبق العيب، و مع إنكاره لذلك كيف يرجع إلى الموكّل و يأخذ منه الغرامة، فرجوعه إليه مناف لاعترافه. ثمّ استدرك و قال: اللهمّ إلاّ أن يكون إنكاره لذلك مستندا إلى
قوله قدّس سرّه: الرابعة: لو ردّ سلعة بالعيب فأنكر البائع أنّها سلعته [1]
الأصل لا العلم الوجداني بحيث لا يشكّ فيه.
و أورد عليه في مفتاح الكرامة(1): بأنّ ما ذكره جامع المقاصد مبنيّ على أنّ اليمين المردودة هل هي كبيّنة الرادّ أي المنكر أو هي كبيّنة المدّعي، و كأنّه قدّس سرّه تخيّل نفوذ بيّنة المدّعي على الجميع لا محالة دون بيّنة المنكر لذا جعل النزاع مبنيّا على ذلك.
و أورد عليه الشيخ قدّس سرّه: بأنّ كون اليمين المردودة كبيّنة المدّعي لا ينافي في عدم نفوذها للوكيل من جهة اعترافه بكذب ما يدّعيه المشتري و ما يحلف عليه.
و أفاد السيّد في الحاشية(2)أنّه لا وجه لأصل هذا النزاع أصلا، لأنّ المستفاد من الأدلّة ليس إلاّ أنّ الحلف إنّما هو لقطع النزاع و الترافع فقط، و لا يترتّب عليه أثر آخر أصلا.
و الإنصاف أنّ ما أفاده هو الحقّ الصحيح، و أنّ اليمين مطلقا لا يفيد إلاّ حسم مادّة النزاع.
[1] هذا هو الموجب الرابع في اختلافهما في ثبوت الخيار: لو ردّ المشتري العين فأنكر البائع أنّها هي المبيع.
تارة يكون البائع في هذا الفرض منكرا للخيار أيضا بأن يقول: السلعة التي وقع عليها البيع ليست هي هذه المعيبة و المبيع سالم فلا خيار لك، و اخرى يكون معترفا بأنّ المبيع معيب و أنّ الخيار ثابت للمشتري و لكن يختلفان في تعيين المبيع المعيب
فيدّعي البائع أنّ المبيع عين اخرى معيبة أقلّ عيبا من هذه السلعة التي يدّعي المشتري أنّها هي المبيع أو من غير جنسها.
أمّا في الفرض الأوّل، فاختار الشيخ - تبعا لجامع المقاصد(1)و الدروس(2)و التذكرة(3)- أنّ القول قول البائع و هو المنكر. و الوجه في ذلك هو أصالة عدم وقوع البيع على هذه السلعة المعيبة، فإنّه قبل تحقّق البيع في الخارج لم يكن هذه السلعة مبيعا فيشكّ في وقوع البيع عليها بعد ذلك، فيستصحب عدمه. و لا يكون أصالة عدم وقوعه على غيرها مثبتا لوقوعه على هذه فلا أثر لها. هذا مضافا إلى وجود الأصل الحكمي، و هو أصالة اللزوم، و ذلك واضح، و المشتري مدع للخيار فعليه الإثبات.
و أمّا في الفرض الثاني، و هو صورة اتّفاقهما على ثبوت أصل الخيار للمشتري و اختلافهما في تعيين المبيع، فحكى الشيخ قدّس سرّه عن التذكرة(4)و القواعد(5)احتمال تقديم قول المشتري على خلاف الفرض الأوّل. و ذكر الشيخ بعد ذلك أنّه بعد اتّفاقهما في ثبوت حقّ الخيار للمشتري له أن يفسخ البيع من دون توقّف على إثبات أنّ هذه السلعة هي المبيع فإذا أراد المشتري بعد الفسخ ردّ هذه السلعة و أنكر البائع يكون المشتري هو المدّعي و عليه الإثبات و البائع هو المنكر.
فهذا الفرض أيضا ملحق بالفرض السابق في تقديم قول البائع.
ثمّ إنّه نقل عن الإيضاح(1)أنّه استدلّ على تقديم قول المشتري بأنّهما بعد اتّفاقهما على ثبوت الخيار يكون اختلافهما في أمرين، أحدهما: أنّ البائع يدّعي خيانة المشتري بتغييره المبيع و المشتري ينكر ذلك و الأصل عدم خيانته فلا بدّ للبائع من إثباته، ثانيهما: أنّ البائع يدّعي سقوط الخيار الثابت للمشتري بتلف المبيع و المشتري ينكره و الأصل بقاؤه، و من هذه الجهة قوّى احتمال تقديم قول المشتري.
ثمّ أورد عليه الشيخ بما حاصله، أمّا دعواه الاولى ففيه أوّلا: أنّ أصالة عدم الخيانة لو كانت ثابتة و كان مفادها لزوم تصديق المشتري فيما يدّعيه و كانت مقدّما و واردا على سائر الاصول المعارضة لها مثل أصالة عدم ثبوت الخيار أو عدم وقوع البيع على هذه السلعة إلى غير ذلك، فلما ذا لم تجر في الفرض الأوّل و لم يلتزم بجريانها فيه. و ثانيا: أنّ أصالة عدم الخيانة كأصالة الصحّة ليس مفادها إلاّ دفع ظنّ السوء عن المؤمن و أنّه لم يفعل محرّما و لا يترتّب عليها أثر غيره أصلا، و لذا ذكر الشيخ في الرسائل(2)أنّه لو رأى أحد أنّ أحدا مرّ عليه و لم يعلم أنّه سبّه أو سلّم عليه فبمقتضى حمل فعله على الصحّة يقول لم يفعل حراما و لم يسبّني و لكن لا تترتّب على ذلك آثار السلام من وجوب الردّ و أمثاله. و ثالثا: يمكن أن لا يكون إنكار البائع مستندا إلى خيانته و لا يدّعي ذلك، بل يكون من جهة أنّه يرى المشتري مشتبها.
قوله قدّس سرّه: و أمّا الثاني و هو الاختلاف في المسقط [1]
و أمّا دعواه الثانية ففيه أوّلا: أنّه أخصّ من المدّعي، إذ لا ينحصر النزاع بخصوص خيار العيب، بل يجري في غيره من الخيارات التي لا يكون التلف مسقطا لها. و ثانيا: أنّ أصالة بقاء الخيار لا يثبت أنّ هذه السلعة هي المبيع إلاّ من جهة الملازمة. و ثالثا: لا ينحصر النزاع بفرض التلف، بل ربّما يدعي أنّ المشتري ضمّ المبيع في داره و لم يأت به مثلا، فالدليل أخصّ، هذا.
و لكن التحقيق أنّ التفصيل بين الوجهين - كما في الدروس(1)و الإيضاح - هو الصحيح؛ و ذلك لأنّهما متّفقان على ثبوت الخيار للمشتري فله أن يفسخ، فإذا فسخ ينتقل إليه الثمن لا محالة و ليس للبائع أن يمنعه من ذلك، و يعترف المشتري أن هذه السلعة المعيبة هي المبيع و هي بالفسخ انتقل إلى البائع فليس له أن يمنع البائع من التصرّف فيه بل لا بدّ له من ردّه إليه بمقتضى إقراره، ثمّ البائع يدّعي على المشتري ثبوت مال له في ذمّته غير ما يعترف به، فهذه دعوى منه عليه لا بدّ له من إثباته، و أمّا هذه السلعة التي يعترف المشتري أنّها للبائع و ينكر البائع ذلك تكون داخلة في الفرع المعروف، و هو أنّه لو أقرّ ذوا اليد بأنّ المال لزيد و أنكر زيد ذلك و قال: ليس هو لي، و تعرّضوا له في محلّه. هذا كلّه في اختلافهما في موجب الخيار.
[1] لا يخفى أنّ المراد من المسقط في المقام الأعمّ من المانع أي الدافع، كما فيما إذا تنازعا في علم المشتري بالعيب و عدمه.
و كيف كان، تارة: يكون النزاع في المقام في علم المشتري أو البائع بالعيب و عدمه، فيدّعي البائع مثلا أنّ المشتري كان عالما بالعيب فلا خيار له، و ينكر المشتري ذلك.
1) الدروس 289/3.
و أفاد الشيخ في الفرض أنّه يقدّم منكر العلم فيثبت الخيار. و الوجه في ذلك هو أصالة عدم العلم بالعيب و عدم المانع.
و الكلام يقع في جريانها، فإنّ جريان الأصل متوقّف على ترتّب أثر شرعيّ عليه و إلاّ فلا يجري، و عليه فإن كان تقريب الأصل بأصالة عدم المانع بدعوى أنّ وقوع العقد على المعيب مقتض للخيار و العلم بالعيب مانع عنه، فهو غير جار؛ إذ لا يترتّب عليه حينئذ أثر شرعي، فإنّ عدم المانع من الآثار و الامور العقليّة لا الشرعيّة.
و قياسه بباب الشكّ في الحدث حين الاشتغال بالوضوء - كما في حاشية السيّد(1)- مع الفارق، فإنّه يترتّب على الحدث أثر شرعي بخلاف المقام كما هو واضح.
و أمّا إن قرّبنا الأصل بنحو آخر و بعنوان أصالة عدم تحقّق العلم به حين العقد، فلو كان المدرك منحصرا بالشرط الضمني الارتكازي فحقيقة يرجع الشكّ في ذلك إلى الشكّ في تحقّق الاشتراط الارتكازي و عدمه، و لا يترتّب على أصالة عدم العلم الاشتراط كما هو واضح، بل الأصل عدم الاشتراط، فالنتيجة هو اللزوم و قول البائع. و لكن ليس المدرك منحصرا في ذلك، بل هناك روايات كقوله عليه السّلام: «أيّما رجل اشترى شيئا و به عيب أو عوار و لم يتبرّء منه و لم ينبّه... الخ» و قد قيّد الموضوع فيها بعدم العلم، فله جزءان؛ لما ذكرنا من أنّ قوله عليه السّلام «لم ينبّه» طريقيّ، و باستصحاب عدم العلم يتمّ الموضوع، فتأمّل. هذا كلّه في هذا الفرض.
و اخرى: يكون النزاع في تقدّم الزوال على العلم بالعيب و عدمه بعد اتّفاقهما على أصل زوال العيب. و هذا النزاع مبنيّ على القول بالتفصيل بين الزوال قبل العلم
1) حاشية المكاسب 94/2.
و بعده، و إلاّ فلا مجال له أصلا.
أفاد الشيخ في الفرض وجهين: ثبوت الخيار لأصالة بقائه، و اللزوم لاستصحاب عدم العلم به حين وجوده. ثمّ قوّى الأوّل.
و التحقيق أنّ المسألة مبتنية على أنّ الموضوع للخيار هل هو مجرّد وقوع العقد على المعيب أو أنّ الموضوع هو ظهور العيب؟ و على الثاني يرجع هذا النزاع إلى النزاع في موجب الخيار و الأصل عدمه، و على الأوّل فالشكّ في الرافع و الأصل بقاء الخيار.
و لا يخفى أنّ ما ذكره الشيخ قدّس سرّه من أنّ عبارة التذكرة تؤمي إلى اللزوم، ليس مراده من عبارته ما نقله من كون زوال العيب مسقطا مطلقا و لو بعد العلم به، لأنّك قد عرفت أنّه لا مجال لهذا النزاع على هذا المبنى، بل المراد منها ما ذكره في صدر عبارته و يستفاد منه أنّ ظهور العيب هو الموضوع للخيار لا نفس وقوع العقد على المعيب، و قد تقدّم كلامه فراجعه.
و ثالثة: يكون اختلافهما - بعد حدوث عيب جديد و زوال أحدهما - في كون الزائل هو العيب السابق أو العيب الثاني.
و أفاد الشيخ في هذا الفرض أنّ مقتضى القاعدة ثبوت الخيار لاستصحاب بقاء العيب السابق. و لا يعارضه استصحاب بقاء العيب الجديد؛ فإنّ بقاءه لا يوجب سقوط الخيار إلاّ لملازمته مع زوال العيب السابق، و قد حقّق في محلّه أنّ أصالة عدم الضدّ لا يثبت وجود ضدّه الآخر لأنّه مثبت. ثمّ نقل عن الشافعي التحالف في مثل المقام، و بعد ما حلفا يرجع إلى الأوّل. و لم يبيّن المراد من الرجوع إلى الأوّل، فتأمّل.
و تحقيق المقام يقتضي أن نتكلّم في حكم المسألة في نفسها و واقعا مع قطع النظر عن الترافع، فنقول: الخيار الثابت أوّلا قد سقط بحدوث العيب الجديد قطعا، و ثبت للمشتري حقّ الأرش فقط، و كلّ من البائع و المشتري معترفان بهذين الأمرين، و بعد ذلك يدّعي البائع سقوط حقّ الأرش أيضا من جهة ادّعائه زوال العيب السابق، و المشتري يدّعي مضافا إلى بقاء حقّ الأرش رجوع حقّ الرد الساقط بحدوث العيب الجديد من جهة ادّعائه زواله، فلكلّ من المشتري و البائع دعويان أحدهما موافق للأصل و الآخر مخالف له، فإنّ دعوى البائع عدم الخيار موافق للاستصحاب و دعواه سقوط حقّ الأرش مخالف له، و دعوى المشتري بقاء حقّ الأرش له موافق للأصل و دعواه رجوع الخيار الساقط مخالف له، فيكون الباب باب التداعي و لا بدّ من التحالف. فإن حلف أحدهما و نكل الآخر يثبت قوله، و إن حلفا معا يسقط كلا الدعويين و لا بدّ من الرجوع إلى الحكم السابق و هو ثبوت حقّ الأرش دون حقّ الردّ كما ذكره الشافعي.
و من الغريب ما أفاده الشيخ في المقام من استصحاب بقاء الخيار؛ فإنّ الخيار الثابت سقط يقينا و عوده مشكوك فيه.
و رابعا: يكون النزاع في العيب المشاهد غير المتّفق عليه، فيدّعي البائع حدوثه عند المشتري و المشتري ينكر ذلك.
و يمكن تصوير هذا الفرض على قسمين:
فإنّه تارة: لا يكون للعيب السابق تأثير في ثبوت الخيار، افرض أنّ المشتري كان عالما به مثلا بخلاف العيب المشاهد المختلف فيه، فإنّه على تقدير سبقه و وجوده حين البيع لم يكن المشتري عالما به و كان موجبا للخيار.
و اخرى: يكون العيب السابق مؤثّرا و موجبا لثبوت الخيار.
أمّا على الأوّل، فتكون المسألة خارجة عن محلّ الكلام، و تكون داخلة في الاختلاف في موجب الخيار لا في مسقطه، و يكون القول قول منكر الخيار لأصالة تأخّر العيب و عدم تقدّمه.
و أمّا على الثاني، فتارة يكون النزاع في أصل وجود العيب الثاني أي كون المشاهد عيبا و اخرى في سبقه.
و على الأوّل، أصالة عدم تحقّق العيب جار بلا إشكال.
و أمّا على الثاني، فحكى الشيخ عن الدروس(1)أنّ القول قول منكر التقدّم و هو البائع مثلا، فيحلف و يسقط الخيار، فتأمّل.
و أورد عليه الشيخ قدّس سرّه بإشكال وارد صحيح، و هو أنّ أصالة التأخّر و عدم تقدّم البيع في المقام لا أثر له، و لا يقاس بالفرع السابق؛ فإنّ فيه كان عدم التقدّم راجعا إلى عدم ثبوت الخيار و في المقام راجع إلى سقوطه بحدوث العيب، و من الواضح أنّ المسقط هو عنوان وجودي و هو عنوان التغيّر و إحداث الحدث كما في الروايات، و من الواضح أنّ هذا الأمر الوجودي لا يثبت بأصالة عدم التقدّم، انتهى.
و ما أفاده صحيح واضح.
ثمّ حكى الشيخ قدّس سرّه عن الدروس(2)أنّه لو ادّعى البائع زيادة العيب عند المشتري و أنكر احتمل الحلف... الخ.
و في هذا الفرض أيضا يأتي القسمان الأخيران؛ لأنّ النزاع تارة يكون في أصل زيادة العيب، و من الواضح حينئذ أنّ القول قول منكرها. و اخرى يكون في سبقها و تأخّرها بعد اتّفاقهما على أصلها. افرض أنّ هذا الجرح في العبد المبيع صار ناسورا مثلا، و لكن يدّعى البائع أنّه حدث بعد البيع و المشتري أنّ الجرح كان كذلك من حين وقوع البيع. و حكمها حكم الاختلاف في سبق العيب المشاهد و تأخّره.
و خامسا: يكون النزاع و الاختلاف بين البائع و المشتري في التبرّي و عدمه، فيدّعي البائع مثلا ذلك و ينكره المشتري و أنّه لم يعلم بذلك، و مقتضى الأصل و إن كان عدم الخيار، و لكن في المقام أصل حاكم عليه و هو أصالة عدم التبرّي و هو مثبت للخيار، فإنّ موضوع الخيار مركّب من أمرين: وقوع العقد على المعيب و هو محرز بالوجدان، و أمر عدمي آخر و هو عدم التبرّي و بالاستصحاب يثبت ذلك و يتمّ الموضوع.
إلاّ أنّه ربما يتوهّم خلاف ما ذكرناه من مكاتبة جعفر بن عيسى التي تقدّم الكلام فيها و سيجيء أيضا في باب الشروط لأنّه كتب عليه السّلام: «أنّ عليه الثمن» و هو صريح في لزوم البيع.
و حملها المحقّق الأردبيلي قدّس سرّه(1)على التقيّة؛ من جهة أنّ احتمال التقيّة في المكاتبة يكون قويّا، فإنّ الإنسان يهتمّ بالكتابة بما لا يهتمّ به في التكلّم، إذ التكلّم أوّلا يكون قابلا للإنكار، و ثانيا التكلّم مع الأمين مأمون من أن يقع في يد غير الأهل بخلاف الكتابة.
1) مجمع الفائدة 437/8.
و في قبال المحقّق الأردبيلي حملها المحقّق السبزواري(1)على وجه آخر و جعلها مؤيّدة لقاعدة «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر».
و في كلّ من الحملين ما لا يخفى:
أمّا في الأوّل؛ فلأنّ المكاتبة معمول بها بين الأصحاب، مضافا إلى أنّ مجرّد كونها مكاتبة لا يوجب صحّة حملها على التقيّة من دون أن يكون هناك معارض لها.
و أمّا في الثاني؛ فلأنّها على خلاف المطلوب أدلّ، لما عرفت أنّ المنكر في المقام هو المنكر للتبرّي المدّعي للخيار و طرفه هو المدّعي، فكيف تكون المكاتبة دليلا على القاعدة!
و حملها صاحب الحدائق(2)على وجه ثالث، و هو أنّ المفهوم من مساقها أنّ إنكار المشتري إنّما وقع مدالسة من جهة زهده في المبيع، فكأنّ دعواه مقطوع الكذب، و لذا لا يعتنى بدعواه، و من هذه الجهة ألزمه الإمام عليه السّلام بدفع الثمن.
و فيه - كما أفاده الشيخ قدّس سرّه - أوّلا: أنّ مثل جعفر بن عيسى بعيد أن يكون جاهلا بحكم ما إذا علم كذب الدعوى أو علم صدقها، فإنّه واضح لكلّ أحد.
و ثانيا: ظاهر السؤال هو خلاف ذلك، فإنّه يسأل «أيصدّق أم لا؟» و من الواضح أنّ فرض التصديق إنّما هو فرض احتمال صدق الدعوى واقعا، فكيف تحمل على صورة المدالسة و العلم بكذبه!
ثمّ أفاد الشيخ قدّس سرّه وجها آخر لتطبيق المكاتبة على القاعدة، و حاصل ما أفاد: هو أنّ الظاهر من سوق الحراج هو التبرّي، و ظاهر من يشتري منه شيئا أنّه سمع النداء بالتبرّي، فالمشتري يدّعي خلاف الظاهر، و من هذه الجهة ألزمه الإمام عليه السّلام بدفع الثمن. كما لا يسمع دعوى الغبن ممّن هو من أهل الخبرة مثلا، لأنّ الغبن بالقياس إليه خلاف الظاهر. و نظائره كثيرة. و هذا التوجيه توجيه متين.
و تحصّل أنّ مقتضى القاعدة في أمثال المقام إنّما هو تقديم قول المشتري، إلاّ في مثل مورد المكاتبة التي خرجت بدليل خاصّ، فتأمّل.
ثمّ إنّ في المكاتبة إشكالا آخر، حاصله أنّ ظاهرها أنّ المشتري لو كان في الواقع سامعا للتبرّي يكون خياره ساقطا، و المشهور أنّ لزوم الوفاء بالشرط إنّما هو فيما إذا ذكر في متن العقد، و إلاّ فلا يكون لازم الوفاء.
و أجاب الشيخ عنه بوجوه:
الأوّل: احتمال أن يكون المتعارف و لو في ذلك الزمان النداء بالتبرّي في ضمن الإيجاب، و ليس في المكاتبة ما يوهم وقوعه قبله.
و فيه ما لا يخفى.
الثاني: أن يكون نداؤه بمنزلة الإيجاب، يعني يكون نداؤه إيجاب ناقص، فإنّه بعد ما رغب في المبيع أحد الحضّار و زاد في قيمته، ينادي و يقول: بعتك مع جميع عيوبه مثلا، و هذا إيجاب ناقص بحيث له أن يرفع اليد عنه إذا زاد في القيمة شخص آخر، فالشرط مذكور في ضمن الإيجاب.
و فيه: أن هذا ممنوع صغرى و كبرى.
أمّا أوّلا: فليس قوله «بعتك» قبل إنشاء الإيجاب بتّا إلاّ إخبارا أو ترغيبا في
قوله قدّس سرّه: و أمّا الثالث ففيه مسائل [1]
الزيادة، و هكذا التبرّي يكون إخبارا عنه لا إنشاء. و هذا هو الظاهر المتعارف عند أهل الحراج.
و ثانيا: لو سلّمنا ذلك فالشرط إنّما يكون مذكورا في متن العقد إذا ذكره في خصوص هذا الإيجاب المتعقّب بالقبول، أي في خصوص هذا العقد، و أمّا ذكره في إيجاب آخر قبل هذا العقد فلا ربط له بهذا أصلا.
الثالث: و هو الصحيح، كفاية ذكر الشرط قبل وقوع العقد و إيقاعه مبنيّا على الشرط في لزوم الوفاء به، فيشمله عموم «المؤمنون عند شروطهم» مضافا إلى أنّ العرف في الشروط ليس على أزيد من ذلك، يعني لو ذكر الشرط قبل العقد و وقع العقد مبنيّا عليه يرونه شرطا في ضمن العقد كما يظهر ذلك بمراجعة العرف، و لو سئل عنهم يقال قد شرط ذلك في ضمن العقد.
ثمّ إنّ الشيخ قدّس سرّه تعرّض في المقام للنزاع في جملة من المسقطات، مثل إسقاط الخيار، و الرضا به، و التصرّف في المبيع أو الثمن بتصرّف مسقط و أمثال ذلك.
و الحكم في الجميع واضح؛ لأصالة عدم تحقّق شيء منها، فالقول قول المشتري.
ثمّ كرّر في المقام ما أفاده قبيل هذا فيما لو اختلفا في العيب المشاهد. و لم نعرف وجه تكراره قدّس سرّه. و حكمه ما قدّمناه، و هو بقاء الخيار لأنّ أصالة تأخّر حدوثه لا يثبت الأمر الوجودي، أعني وقوع الحدث في ملك المشتري. هذا تمام الكلام في الاختلاف في المسقط.
[1] الكلام إنّما هو في الاختلاف في الفسخ و عدمه و فيه مسائل كما أفاد.
الاولى: لو اختلفا في الفسخ و عدمه، فإنّه تارة يكون محلّ الفسخ باقيا فليس للنزاع حينئذ ثمر عملي إلاّ إذا لم يفسخ حتّى انقضى زمان الخيار، و اخرى لا يكون
محلّه باقيا.
أمّا على الأوّل، فمقتضى الأصل العملي و إن كان عدم الفسخ، إلاّ أنّه استدلّ لتقديم قول مدّعي الفسخ:
تارة: بأنّ إقراره يكون بمنزلة إنشاء الفسخ كما في دعوى الزوج الرجوع إلى الزوجة في العدّة. و لا يبعد ذلك. نعم مجرّد الإقرار في بعض الموارد لا يكفي في تحقّق الإنشاء به من جهة اعتبار شرائط فيه كالطلاق مثلا.
و اخرى: بقاعدة «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» و من الواضح أنّ الإقرار بالفسخ ليس إقرارا على نفسه، إذ الفسخ أمر مؤثّر في ماله و مال غيره، و يكون نظير الإقرار بالبيع و نحوه، و لا معنى للتمسّك بهذه القاعدة في أمثاله أصلا.
و ثالثة: بقاعدة «من ملك شيئا ملك الإقرار به» فإن المشترى مثلا يكون مالكا للفسخ فإذا أقرّ بإعماله يسمع منه ذلك. و هذه القاعدة مشهورة و ليست مورد دليل. نعم ربما يستدلّ لها برواية الكاهلي(1)الواردة في رجل أخبر بعتق عبده على ما يذكره الشيخ، أو أخبر ببيع عبده على ما ذكره السيّد في الحاشية(2)مدّعيا بأنّه لم يعثر على خبر العتق و أنّ الظاهر أنّ الاشتباه وقع في نقلها.
و كيف كان، أورد السيّد على الاستدلال بها للمقام بأمرين:
أحدهما: أنّها واردة في قضيّة شخصيّة، و لعلّ الإمام عليه السّلام كان عالما بالحال و أنّ العبد كاذب في دعواه.
و لا يخفى ما فيه؛ فإنّه خلاف الظاهر و إلاّ فهذا الاحتمال يأتي في كثير من الروايات الواردة في أبواب متفرّقة.
ثانيهما: احتمال أن يكون حكم الإمام عليه السّلام من جهة قاعدة «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» لا من جهة «ملك الإقرار».
و فيه ما تقدّم؛ من أنّ الإقرار بالبيع ليس إقرارا على النفس.
فالإنصاف أنّ الرواية دليل على القاعدة لو لم يكن فيها إشكال من جهة اخرى.
و سيجيء الكلام في بيان القاعدة إن شاء اللّه، فيمكن التمسّك بها لإثبات الفسخ في المقام.
و أمّا لو كان النزاع بعد انقضاء زمان الخيار، كما لو تلف العين مثلا، فلا بدّ لمدّعي الفسخ من الإثبات، فإن أثبت فهو و إلاّ تصل النوبة إلى حلف المنكر لو ادّعى المدّعي علمه بالفسخ، و إلاّ فلا حلف عليه أيضا.
ثمّ إذا عجز عن إثبات الفسخ، فهل يستحقّ الأرش أم لا؟ الظاهر هو الثاني؛ و ذلك لأنّ الأرش إنّما هو في فرض إمضاء العقد و مطالبته بذلك و المفروض أنّه يدّعي فسخ المعاملة، فلا يبقى مجال للأرش.
و نقل الشيخ عن الدروس(1)أنّه يحتمل أن يأخذ أقلّ الأمرين من الأرش و ما زاد على القيمة من الثمن.
و حاصل ما أفاده في الدروس في وجه ذلك - على ما نقله الشيخ - هو أنّ مدّعي الفسخ يعترف بأنّه يستحقّ الثمن من البائع مثلا، و يعترف أيضا بلزوم دفع ثمن
1) الدروس 287/3.
المبيع إلى البائع لأنّ المفروض أنّه تلف، فإن كان أصل الثمن أزيد من القيمة في الحقيقية فيطالب البائع بالزيادة، فإنّ مقدار قيمة المبيع التالف بالتهاتر القهري - و بقوله بالتقاصّ و ليس المورد من باب التقاصّ كما سنبيّن - داخل في ملكه، فيطالب البائع بالزيادة، فإن كان الأرش مساويا معها فلا كلام، و إن كان أنقص منه يستحقّه دونها لأنّه لم يتمكّن من إثبات مقدار الزيادة، و إن كان أزيد منها فهو بإقراره بالفسخ أسقط حقّه فيما زاد عليها، فعلى أيّ حال يستحقّ أقلّ الأمرين.
و فيه أوّلا: أنّ هذا إنّما يتمّ فيما إذا كان المبيع قيميّا لا مثليّا إذ لو كان مثليّا يثبت في ذمّته المثل لا القيمة حتّى تدخل في ملكه بالتهاتر، و كان الثمن أيضا من النقود و إلاّ فلو فرضنا أن الثمن كان كتاب الرسائل مثلا فهو إنّما يطالب الكتاب لا زيادة القيمة.
و ثانيا: أصل الدعوى غير صحيح؛ و ذلك لأنّ الأرش إنّما يثبت في فرض إمضاء العقد و مطالبته بالأرش، و المفروض أنّ هذا الشخص يدّعي انحلال العقد بفسخه و سقوط حقّ الأرش فكيف يستحقّه؟ فالحقّ أنّه لا يستحقّ شيئا أصلا. و البائع يتمسّك بأصالة عدم تحقّق الفسخ، و ليس عليه شيء أصلا.
و لكن الحقّ أن يقال: إنّ المشتري لو لم يكن مطالبا للأرش فليس على البائع شيء كما تقدّم. و أمّا لو فرضنا أنّه بعدما عجز عن إثبات الفسخ طالب بالأرش، فلا يمكننا الالتزام بعدم وجوب أدائه على البائع، بل يجب عليه ذلك، و هو أيضا يعلم إجمالا بلزوم أحد الأمرين عليه من دفع الثمن أو الأرش. و يكون هذا الفرض نظير ما لو كان ملك زيد في يد عمرو و ادّعى المالك أنّه باعه إيّاه و أنكر من عنده المال ذلك، فهل يمكن أن يقال إنّ المال يكون ملكا لعمرو حسب إقرار مالكه
قوله قدّس سرّه: الثانية: لو اختلفا في تأخّر الفسخ عن أوّل الوقت [1]
و لا يستحقّ الثمن منه لعجز المالك عن إثبات البيع و أنّ عمروا يأكل المال مجانا؟ من الواضح أنّه لا يمكن الالتزام به. و المقام من هذا القبيل، فلا بدّ من الالتزام بلزوم أداء الأرش على البائع.
و بيان السرّ في ذلك بحيث ينحلّ به الإشكال عن المقام و نظائره هو ما ذكرناه غير مرّة، من أنّ الدلالة الالتزاميّة تكون تابعة للدلالة المطابقيّة في الحجّية و عدمها، فإذا سقط الدليل عن الحجّية - يعني لم يكن حجّة - في مدلوله المطابقي لا يكون حجّة في مدلوله الالتزامي أيضا، فتأمّل. و عليه، ففي المقام يدلّ دعوى المشتري و إقراره بالفسخ بالمطابقة على انحلال العقد، و بالالتزام يدلّ على سقوط حقّ الأرش، و المفروض أنّ دعواه بانحلال العقد لم تثبت و لم تكن حجّة فلا يكون كلامه حجّة في مدلوله الالتزامي - أي ما يدّعيه بالالتزام - و هو سقوط الأرش أيضا، فتأمّل.
[1] كما لو ادّعى البائع مثلا أنّ المشتري لم يفسخ فورا و أنكر المشتري ذلك بناء على فوريّة خيار العيب، أو ادّعى تأخيره عن تلف المبيع مثلا بناء على عدم فوريّته.
أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّ في المسألة وجهين، أحدهما: بقاء العقد لاستصحاب عدم حدوث العقد في زمان الخيار، و ثانيهما: انحلال العقد لأصالة الصحّة في فعل الفاسخ.
و أفاد السيّد في الحاشية(1)- بعد ما أورد على أصالة الصحّة بأنّها مختصّة
1) حاشية المكاسب 95/2.
بالعقود و الإيقاعات و ليس الفسخ منها - وجها آخر في تقديم قول مدّعي الفسخ، و هو أصالة بقاء زمان الخيار إلى زمان تحقّق الفسخ. و لا يكون هذا الأصل مثبتا؛ فإنّ الخيار كان مترتّبا على أمرين: تحقّق الفسخ و هو محرز بالوجدان، و الثاني بقاء زمان الخيار، فإذا احرز بالاستصحاب يتمّ الموضوع. ثمّ قال السيّد قدّس سرّه: و لا تعارضها أصالة عدم تحقّق الفسخ إلى انقضاء زمان الخيار لأنّها لا تثبت وقوع الفسخ بعد انقضاء زمان الخيار كما هو واضح، انتهى.
و نقول: أمّا ما أورده على أصالة الصحّة فغير وارد، لأنّ الفسخ أحد الإيقاعات، و لا وجه لاختصاصها بغيره أصلا.
و أمّا ما أفاده من جريان أصالة بقاء زمان الخيار فهو كما أفاده، و لكن تعارضها أصالة عدم تحقّق الفسخ إلى انقضاء زمان الخيار.
و ما ذكره من أنّها لا تثبت وقوع هذا الفسخ بعد انقضاء زمان الخيار و إن كان صحيحا، لكن الأثر ليس مترتّبا على ذلك، أي على وقوع هذا الفسخ بعد انقضاء زمان الخيار. افرض حال هذا الفسخ لا يكون معلوما إلى الأبد و لم يعلم وقوعه في زمان الخيار أو بعده، و لكن أصالة عدم تحقّق الفسخ إلى زمان انقضاء وقت الخيار له أثر و هو بقاء العقد، فيعارض الأصل المتقدّم و يتساقطان، فليس في البين وجه لتصحيح الفسخ إلاّ أصالة الصحّة.
و لا يمكن التمسّك بها أيضا، لا لما ذكره السيّد من الاختصاص، بل لأنّ أصالة الصحّة الثابتة ببناء العقلاء إنّما تجري في العمل بعد إحراز أهليّة الفاعل و قابليّته لصدور العمل منه، و لا يجري فيما إذا كان احتمال الفساد في الفعل مستندا إلى احتمال عدم قابليّة الفاعل و أهليّته. مثلا لو فرضنا أنّ شخصا باع داره من زيد
قوله قدّس سرّه: الثالثة: لو ادّعى المشتري الجهل بالخيار أو بفوريّته [1]
و شككنا في أنّه هل كان مجنونا عند إيجاد البيع أم لا، لا يمكننا التمسّك بأصالة الصحّة. و هكذا لو أوصى شخص بمئة دينار ثمّ شككنا بعد موته في أنّه هل يكون ثلثه وافيا بهذا المقدار أو يكون تمام تركته ذلك؟ لا يمكن التمسّك بأصالة الصحّة لتصحيح الوصيّة؛ لأنّ الشكّ إنّما هو في قابليّة الموصي و أهليّته للتصرّف في هذا المقدار من المال.
و نحن انتقلنا إلى هذا المطلب الدقيق من هذه المسألة، حيث وقع السؤال عنها قبل مدّة، و لم نر من تعرّض لهذا المطلب. نعم المحقّق النائيني أفاد في بحث أصالة الصحّة اعتبار تماميّة أركان العقد في جريانها، و لكنّه ليس بهذا العنوان الذي ذكرناه، فتأمّل.
و بالجملة، أصالة الصحّة غير جارية في المقام؛ لأنّا نشكّ في أهليّة الفاسخ للفسخ حينما صدر عنه ذلك، فلا بدّ من الرجوع إلى أصالة بقاء العقد.
[1] هناك أقوال، أحدها: عدم سماع دعواه مطلقا لأنّ الجهل جهل بالحكم و لا يكون معذّرا، ثانيها: سماعه مطلقا، ثالثها: التفصيل بين دعوى الجهل بالخيار فلا يسمع لكونه خلاف ظاهر الحال، أو دعوى الجهل بالفوريّة فيسمع منه للاستصحاب.
و الحقّ منها هو الوسط؛ و ذلك لأنّ ظاهر الحال إنّما يتقدّم على الأصل في موارد مخصوصة مثل الاستبراء أو الحمّام و أمثال ذلك، و أمّا في جميع الموارد فلا، فلا بدّ في المقام من الرجوع إلى الأصل، و هو استصحاب عدم علمه به. فإذا كان جاهلا - أي كان التأخير عن جهل - لا يوجب سقوط الخيار؛ لأنّ مسقطيّته إنّما كانت لأجل كشفه عن الرضا، و من الواضح أنّ كاشفيّته عن ذلك إنّما هو في فرض علمه
قوله قدّس سرّه: القول في ماهيّة العيب [1]
لا جهله. و ذلك كلّه واضح. هذا تمام الكلام في أقسام الاختلافات.
[1] أوّلا يذكر قدّس سرّه أنّ العوار و العيب اللذين وقعا في موضوع جملة من الروايات الواردة في خيار العيب بمعنى واحد.
و لا يخفى ما فيه؛ فإنّ الظاهر أنّ العوار هو بمعنى العيب الخاص، و يعبّر عنه في الفارسيّة ب «شكستكى» و لذا لا يصدق المتعوّر على من ليس له إلاّ عين واحدة في عرفنا الفعلي، بخلاف ما إذا انكسر رأسه مثلا فيصدق عليه هذا العنوان. و من هذه الجهة عطف بين العيب و الحوار في الرواية بكلمة «أو» لا «الواو» و من الواضح أنّهما لو كانا مترادفين لم يكن وجه للعطف ب «أو» بل كان اللازم العطف ب «الواو» حتّى يكون عطفا تفسيريّا.
ثمّ أفاد أنّ العيب هو النقص عمّا تقتضيه طبيعة الشيء و ماهيّته، كما أنّ الزيادة على ذلك يكون كمالا. و يعرف مقتضى الطبيعة إمّا من الخارج و إمّا من حال غالب الأفراد، فإنّ من وجود صفة في غالب أفراد نوع يستكشف أنّ ذلك من مقتضيات الجامع بينها، فإذا فرضنا عدم وجود تلك الصفة في فرد يكون ذلك الفرد على خلاف مقتضى طبيعته. و لكن ربما تكون الغلبة على خلاف مقتضى الماهيّة و كأنّه تتبدّل حقيقته الأوّليّة إلى حقيقة ثانويّة عرفيّة كما في النقل في الألفاظ.
و على هذا لو تعارض مقتضى الماهيّة الأوّلية مع الغلبة أعني الماهيّة الثانويّة الاعتياديّة، هل يكون الميزان بالأوّل أو بالثاني؟ يرجّح الثاني؛ و لذا ثبوت الخراج في أرض لا يكون عيبا موجبا للخيار، مع أنّ مقتضى طبع الأرض أن لا يكون عليها الخراج. و هكذا الثيبوبة في الإماء المجلوبة من البلاد البعيدة لا تكون عيبا، مع أنّها مخالف
لمقتضى الطبيعة الأوّلية. و بالعكس الغلفة في العبيد عيب مع أنّها موافق للطبيعة الأوّلية، و ثبوت الخيار فيها ليس من جهة الغلفة و أنّها عيب، بل من جهة كون هذا العبد في معرض الخطر من جهة الختان، إذ ختان الشخص الكبير أمر مشكل، و ربما يكون محظورا أيضا.
ثمّ قال: و يمكن أن يقال إنّ الميزان في العيب و عدمه إنّما هو بالطبيعة الأوّلية، غاية الأمر النقصان عن الخلقة الأوّلية لو كان موافقا للغالب و الطبيعة الثانويّة الاعتباريّة لا يترتّب عليه حكم العيب، بمعنى أنّ إطلاق العقد لا يقتضي اشتراط السلامة منه، بل إطلاقه يقتضي البراءة منه لكونه موافقا للغالب، فالثيبوبة في الأمة مثلا عيب لكن سلامتها عنها لا تكون مشروطة في ضمن العقد ارتكازا لأنّ الغالب في الإماء هي الثيبوبة، و هكذا الغفلة و كون العبد معرضا للخطر، ففي مورد التعارض لا فرق بين أن نجعل الميزان الطبيعة الأوّلية أو الثانويّة في عدم ثبوت خيار العيب. نعم بينهما فرق من جهة اخرى سنتعرّض له. و بالجملة، فما أفاده العلاّمة في القواعد(1)من أنّ الغلفة في الكبير ليست عيبا، يمكن أن يكون مراده نفيه حكما - لما ذكرناه - لا موضوعا. و يدلّ على هذا أنّه التزم بثبوت الأرش و الردّ فيما لو اشترط البكارة مع أنّ الثيبوبة لو لم يكن عيبا لما كان هناك وجه لثبوت الأرش بل كان مجرد خيار تخلّف الشرط، و هذا بخلاف ما لو جعلت عيبا و كان المانع عن تأثيره عدم تحقّق الاشتراط الضمني للغلبة، فإنّ التصريح بالاشتراط يكون حينئذ بمنزلة الاشتراط الضمني فعند التخلّف يثبت الأرش و الخيار معا.
1) القواعد 73/2.
و الثمرة بين القولين تظهر في هذا الفرض - يعني الاشتراط - كما عرفت.
ثمّ ذكر قدّس سرّه أنّ الوجه السابق أقوى، انتهى.
و أفاد السيّد في الحاشية(1)أنّ المراد بالسابق هو الثاني، أي كون المدار بغلبة الأفراد لا مقتضى الطبيعة الأوّلية.
و لكن بالتأمّل يظهر أنّ مراده من السابق هو الوجه الأوّل. و يظهر ذلك ممّا رتّبه على ذلك، فراجع.
و تحقيق الكلام فيما أفاده الشيخ هو أن يقال: أوّلا لا بدّ أن يكون مراده من مقتضى الماهية ما جرت عليه عادة اللّه تعالى في خلقة الأشياء، و لا يمكن أن يكون المراد المقتضي و المقتضى الحقيقي بمعنى العلّة و المعلول بأن تكون الماهيّة علّة؛ فإنّ الماهيّة لا تقتضي إلاّ ذاتها و ذاتيّاتها، و لا يقتضى شيئا من الامور الخارجة عنها، و من الواضح أنّ جري العادة و استكشاف ذلك لا يكون إلاّ بالغلبة، فالميزان في الحقيقة هو غلبة الأفراد لكن بحيث يعدّ ذلك الطرف نادرا عرفا، و إلاّ فمجرّد الغلبة من دون أن يكون مقابله نادرا لا توجب أن تكون مخالفته عيبا، كما في وصف الحمرة في السفرجل فإنّ غالب أفراده أو أصنافه يكون أحمر و لكن غير الأحمر منه أيضا في غاية الكثرة. و بالجملة، على هذا يختلف الحال باختلاف الأزمنة و الأمكنة، إذ ربما يكون الغالب في الشيء في بلد مخالفا لما هو الغالب فيه في البلد الآخر، و عادة اللّه أيضا ربما يكون مختلفا في البلاد و الأزمان، مثلا السواد في الإنسان في بلاد الحبشة لا يكون عيبا لأنّ غالب أفراد الانسان هناك يكون
1) حاشية المكاسب 97/2.
أسود، و هذا بخلاف بلاد إيران مثلا فإنّ السواد عندهم عيب لأنّ غالب بني آدم فيها أبيض. و على هذا فالثيبوبة في الإماء التي تجلب من الخارج لا تكون عيبا و لا يوجب الخيار إلاّ إذا كان المشتري جاهلا بأنّها مجلوبة من الخارج مثلا، و هكذا في عكسه كالعبد المغلف يثبت فيه الخيار إلاّ أن يعلم المشتري بأنّه مجلوب من بلاد ليس الغالب فيهم المختون.
ثمّ هل يدور العيب مدار النقص أو الزيادة مطلقا أو الموجبين لنقصان القيمة فقط؟
أفاد الشيخ قدّس سرّه أنّ الميزان في العيب إنّما هو خصوص النقص الموجب للنقصان المالي، و أنّ ما ورد في تفسير العيب بمطلق النقص إنّما هو من قبيل شرح الاسم بعد ملعوميّة اعتبار النقص المالي فيه بحسب الارتكاز العرفي، و على هذا فالنقص غير الموجب لذلك - كازالة الشوك عن العود المقطوع لأن يجعل عصاء - لا يعدّ عيبا و لا يوجب خيار العيب، غاية الأمر حيث إنّ الغالب في الأفراد سلامتها عن ذلك النقص فعدمه يكون مشروطا في ضمن العقد بالارتكاز، و لذا يكون موجبا لخيار تخلّف الشرط.
و أفاد أنّ الثمرة بين الوجهين تظهر في موردين:
الأوّل: ما إذا طرء أحد الموانع عن خيار العيب أي أحد مسقطاته، كما لو فرضنا أنّ المشتري مثلا تصرّف في الجارية المبيعة بوطء و شبهة فإنّه بناء على أن يكون الخيار خيار تخلّف الشرط لا يسقط بذلك التصرّف، و بناء على أنّه خيار العيب يسقط تعبّدا و لا معنى حينئذ للأرش أيضا، ثم أمر بالتأمّل بقوله «فتأمّل».
و أفاد السيّد في الحاشية(1)في وجهه أنّ هذه الثمرة ليست ثمرة؛ و ذلك لأنّ دليل مسقطيّة التصرّف منصرف عن مثل المقام الذي لا يثبت الأرش فيه، و إنّما هو مختصّ بموارد لو سقط الردّ فيها يبقى حقّ الأرش، فلا يسقط الخيار بالتصرّف في المقام على التقديرين، هذا.
و نقول: يحتمل أن يكون وجه التأمّل هو دفع هذا التوهّم بأن يكون المراد أن لا يتوهّم هذا المعنى؛ لأنّ الحكم لا يدور مدار تضرّر المشتري و عدمه، و لا يكون عدم تضرّره علّة لسقوط الخيار حتّى يدور الحكم مداره، بل الحكم تعبّديّ و الأدلّة مطلقة. هذا، مضافا إلى أنّ المشتري في الفرض لا يتضرّر؛ لأنّا فرضنا أنّ النقصان لا يوجب نقصا في الماليّة، نعم ربما يكون منافيا للغرض الشخصي و ليس ذلك معيارا في الضرر أصلا كما عرفت سابقا.
الثاني: فيما إذا حصل هذا النقص غير الموجب لنقصان القيمة قبل القبض أو في زمان خيار المشتري مثلا غير خيار العيب؛ فإنّه بناء على كونه عيبا يكون مضمونا على البائع و يوجب الخيار، و أمّا على الثاني فلا يوجب تخلّف الشرط، لأنّ الشرط إنّما كان عدمه حين العقد لا بعده قبل التسليم إلى انقضاء زمان الخيار.
ثمّ قال الشيخ قدّس سرّه: و للنظر في كلا شقّي الثمرة مجال.
و نقول: مراده من الشقّين الشقّان في الثمرة الثانية، يعني كلا الدعويين أي دعوى كون حدوث العيب في الزمانين موجبا للخيار و عدم كون تخلّف الشرط فيهما موجبا لذلك. و الوجه فيه هو أنّ أدلّة خيار العيب إنّما دلّت على ثبوت الخيار لو كان
1) حاشية المكاسب 97/2.
العيب موجودا حين العقد و وقع العقد على المعيب، كما هو ظاهر قوله عليه السّلام: «أيّما رجل اشترى شيئا و به عيب أو عوار» فلا دليل على ثبوت الخيار بحدوث العيب، و ليس في البين سوى قوله عليه السّلام: «كلّ مبيع تلف قبل القبض فهو من مال بائعه» و قوله عليه السّلام: «التلف في زمن الخيار يكون ممّن لا خيار له» و من الواضح أنّ غاية مدلولهما إنّما هو أنّ تلف المبيع أو أجزائه أو أوصافه قبل القبض يكون من مال البائع و في زمن الخيار يكون ممّن لا خيار له، و هذا المعنى أجنبيّ عن ثبوت الخيار بالكلّية، فأيّ دليل على ثبوت الخيار عند حدوث العيب. و لو فرضنا دلالتهما على الخيار فلا وجه للتخصيص بخصوص العيب أصلا، بل تلف كلّ وصف يوجب الخيار، فيثبت الخيار على تقدير عدم كونه عيبا أيضا. و على كلّ يرد الإشكال على الشقّين بنحو الترديد.
ثمّ أفاد أنّه ربما يستدلّ لعدم اعتبار النقصان المالي في العيب بمرسلة السيّاري(1)الحاكية لقصّة ابن أبي ليلى و هي مشهورة.
و تقريب الاستدلال تارة يكون بإطلاق الكبرى الكلّية المنقولة عن الصادق عليه السّلام، و اخرى بفهم ابن أبي ليلى و تطبيقه تلك الكبرى على النقص غير الموجب للنقصان المالي، و ثالثة بفهم محمّد بن مسلم.
و أورد عليه الشيخ قدّس سرّه بوجوده:
الأوّل منها: هو الذي ذكره الشيخ رابعا و كان الأولى تقديمه، و هو أنّ المرسلة ضعيفة السند، و لا يمكن رفع اليد عن الأمر المركوز عند العقلاء بمجرّدها.
1) الوسائل 410/12، الباب الأوّل من أحكام العيوب، و فيه حديث واحد.
الثاني: أنّ مورد حكم ابن أبي ليلى لم يكن من قبيل المقام؛ فإنّ عدم وجود الشعر في منبت العانة لا بدّ و أن يكون من جهة نقص في المزاج كما قال السائل: «و زعمت أنّه لم يكن لها قطّ» و ظاهره عدم قابليّة مزاجها لتربية الشعر في محلّه. و يكون ذلك نظير الأقرع مع أنّ الناس يزيلون شعر رؤوسهم و لكن مع ذلك يكون القرع عيبا عندهم. و ما قاله ابن أبي ليلى للسائل من أنّ الناس يحتالون في دفعه إنّما كان مغالطة، مع أنّ الاحتيال في الدفع لا يستلزم كون عدم قابليّة المزاج لإنبات الشعر في ذلك المحلّ أمرا مرغوبا فيه كما هو واضح.
الثالث: أنّ ما ذكره الإمام و نقله عن النبي صلّى اللّه عليه و آله، و هو أنّ كلّ ما زاد في الخلقة الأصليّة أو نقص فهو عيب ليس بيانا لمعنى العيب، و إنّما هو توطئة لترتيب الآثار الشائعة للعيب على كلّ ما زاد أو نقص، و من الواضح أنّ أثره الشائع إنّما هو الردّ دون الأرش.
و أمر الشيخ قدّس سرّه بعد بيان هذا الوجه بالتأمّل. و لعلّ وجهه مخالفة هذا الوجه للظاهر؛ فإنّ ظاهر كلامه عليه السّلام إمّا بيان المعنى اللغوي و إمّا بيان العيب المأخوذ في الأدلّة بعنوان الحكومة، و لذا ذكر الوجه الرابع.
الرابع: أنّ الرواية أيضا محمول إلى العرف، فإنّ المراد من الزيادة و النقصان الذي يكون عيبا عرفا هو الموجب لنقصان القيمة.
و على كلّ حال، المرسلة لا تدلّ على المطلوب أصلا، فالحقّ أن يقال إنّه يعتبر في صدق العيب النقصان المالي كما أفاد الشيخ قدّس سرّه.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» لا إشكال و لا خلاف في كون المرض عيبا [1]
قوله قدّس سرّه: «مسألة» الحبل عيب في الإماء [2]
[1] المرض في الحيوان عيب يوجب الخيار. و إطلاق كلمات الأصحاب يشمل المرض الجزئي الذي يزول بعد يوم البيع بالكلّية مثل حمّى يوم واحد.
و ناقش الشيخ قدّس سرّه في ذلك: بأنّ عدّ مثله يكون مبنيّا على عدّ موجبات الردّ لا العيوب الحقيقيّة، فكأنّه قدّس سرّه يقول إنّ مثل حمّى اليوم الذي يزول من يومه لا يصدق عليه العيب و لا يوجب نقصا في القيمة و لكنّه يوجب الردّ.
و نقول: ما أفاده من عدم كون مثله عيبا حقيقيّا متين جدّا؛ إذ الإنسان بل مطلق الحيوان كثيرا مّا يتّفق له الابتلاء بوجع الرأس أو البطن أو الحمّى الخفيف مثلا في يوم و لا يعدّ نقصا فيه و لا عيبا، إلاّ أنّه لم يكن بعد ذلك وجها لما أفاده من كونها موجبا للردّ مع عدم صدق العيب عليها، إذ لا دليل على كونها موجبة للردّ، و لم يشترط عدمها في ضمن العقد كالعيب الحقيقي لا تصريحا و لا ارتكازا، فإنّ العقلاء يقدمون على شراء مثل هذا الحيوان كإقدامهم على شراء الحيوان السالم من ذلك المرض، و لا يفرق ذلك في رغبتهم و غرضهم، فلا وجه للالتزام بكونها موجبة للردّ مع عدم صدق العيب عليها. فالحقّ أنّ البيع معه لازم و غير قابل للفسخ و الأرش.
[2] الكلام فيها تارة يقع في الإماء و اخرى في غيرها من الحيوانات.
أمّا الكلام في الحبل في الإماء فيكون في مقامين:
المقام الأوّل: في كونه عيبا موجبا للخيار.
و قد ذكر في وجهه امور:
منها: أنّ الحبلى في معرض الخطر؛ إذ لا اعتبار بسلامتها عند الوضع.
و فيه: أنّ هذه الدعوى بنحو الكلّية ممنوعة، نعم لا بأس بها في خصوص الحمل الأوّل لكثرة الخطر فيه فاحتماله ممّا يعتني به العقلاء، و أمّا في المرّات المتأخّرة فلا خطر نوعا، فاحتماله ليس احتمالا قويّا يعتنى به كاحتمال الخطر في ركوب آلات السفر المتعارفة في زماننا هذا.
و منها: أنّ الحمل مانع عن بعض الخدمات و موجب لعجزها عن تحمّل بعض الخدمات و تحميلها عليها.
و فيه أيضا: أنّ هذا بنحو الكلّية قابلة للمنع، فإنّ النساء الساكنات في البوادي لا يفرق بين حالتيهنّ في تحمّل المشقّة أصلا، نعم يتمّ ما افيد في النساء المتمدّنات الساكنات في البلاد اللاتي ليس من عادتهنّ تحمّل المشاقّ. فهذه الدعوى أيضا متينة بنحو الموجبة الجزئيّة.
و منها: أنّ الحبل في الإماء يوجب عدم إمكان الانتفاع بها من بعض الوجوه كالوطء مثلا، بناء على القول بعدم جوازه ما دام الحبل.
و هذا الوجه متين. و يؤيّده الإجماع المدّعى في المقام عن المسالك(1)و الأخبار الواردة في ردّ الجارية الحبلى(2).
فالصحيح أنّ الحبل في الإماء عيب موجب للخيار.
المقام الثاني: في أنّ الحبل الحادث بعد البيع هل يكون موجبا لسقوط الخيار الثابت بعيب آخر؟ و بعبارة اخرى: هل يكون مسقطا للخيار أم لا؟
نقول: تارة يكون الحبل حادثا بعد البيع و قبل القبض و اخرى يكون بعده.
أمّا على الأوّل، فلا إشكال في عدم كونه مسقطا له، بل هو بنفسه موجب له لأنّه في ضمان البائع.
و أمّا على الثاني، فما دام الحبل باقيا يعني قبل الولادة و بالقياس إليه، يكون الحبل مانعا عن الردّ و لو لم يكن عيبا؛ لأنّ ما اخذ في لسان موانع الخيار إنّما هو عنوان إحداث الحدث و عدم كون العين قائمة بعينها، و هذا العنوان موجود في الفرض بلا إشكال، سواء قلنا بأنّ الحبل عيب أم لم نقل، فلا نحتاج إلى تعسّف إدخاله تحت عنوان العيب كما فعله الشيخ أصلا.
و أمّا بالنسبة إلى بعد زمان الولادة و انقضاء مدّة الحمل، فإن حدث بسببه عيب في الأمة فلا إشكال في سقوط الخيار، و إلاّ فيكون الحكم مبنيّا على المسألة المعروفة، و هي «أنّ الزائل العائد كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد».
و ما ذكرناه هو مراد العلاّمة في التذكرة(1)حيث فرّق بين الحمل الحادث في يد البائع فحكم بكونه عيبا و إن لم ينقص و الحادث في يد المشتري فحكم بكونه عيبا بشرط النقص كما أفاده السيّد في الحاشية(2)، لا ما ذكره الشيخ و حمل كلامه عليه من الفرق بين العيب الموجود حين العقد و الحادث بعده؛ فإنّ ما ذكرناه هو الظاهر من كلامه، لأنّه فرض الكلام في الحمل الحادث في الجارية أو البهيمة المعيبة بعيب آخر حين البيع. هذا كلّه في الأمة.
و أمّا الكلام في الحبل في غيرها من الحيوانات فأيضا يكون في مقامين:
أمّا المقام الأوّل، و هو في كونه عيبا موجبا للخيار، فالتحقيق أنّه ليس عيبا بناء على القول الحقّ من أنّ الحمل يكون للمشتري و يدخل في ملكه تبعا؛ إذ حينئذ لا يفوت من المشتري شيء من منافع المبيع بسبب الحمل أصلا، لأنّ الوطء غير مقصود منه و منفعة الاستلاد حاصل بالفعل و بقيّة المنافع ممكن الاستيفاء مع الحمل أيضا، و ليس في البين شيء آخر يتوهّم بسببه موجبيّة الحمل للخيار كما عرفت.
و أمّا بناء على القول ببقاء الحمل في ملك البائع و عدم دخوله في المبيع تبعا، فالظاهر أنّ الحمل حينئذ عيب، لأنّ بسببه تفوت منفعة الاستلاد. لكن المبنى فاسد؛ فإنّ الحمل يكون تابعا.
هذا، و لكن في بعض الحيوانات التي يكون الغرض المهمّ منها امور تفوت بسبب الحمل كحمل الأحمال الثقيلة في الفرس مثلا، لا يبعد القول بكون الحمل فيها عيبا موجبا لخيار، و أمّا في غيرها ممّا لا يكون النفع البارز منها إلاّ الامور غير المنافية مع الحمل - كالغنم و نحوه - فلا.
و أمّا المقام الثاني، و هو حدوث الحمل بعد البيع و كون ذلك مسقطا للخيار الثابت بالعيب السابق، فالظاهر أنّ حكمه حكم العيب الحادث في الأمة، فيأتي فيه ما تقدّم من التفصيل بين قبل الولادة و بعدها و بين عروض عيب بسبب الولادة و عدمه و ابتناء الشقّ الأخير على أنّ الزائل العائد كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد.
نعم ذكر العلاّمة في القواعد(1)أنّ الحمل في غير الأمة لا يكون مانعا عن الردّ،
1) القواعد 75/2.
و أفاد في جهة أنّ الحمل زيادة.
و نقول في تحقيق كلامه: لو كان مراده من كون الحمل زيادة أنّه لا يوجب تغيّرا في العين و يكون نظير ما لو أطار الريح الثوب إلى سطح الدار المبيعة، فمن الواضح أنّ الأمر ليس كذلك و القياس بين المثالين من الغرائب.
و إن كان مراده أنّه مع كونه موجبا لتغيّر العين لا يوجب الخيار لكونه زيادة في المبيع، بمعنى أنّه لا بدّ في الردّ من أن يردّ العين مع حملها إلى البائع كما في الثمرة المتجدّدة.
ففيه أوّلا: أنّ لزوم ردّ الحمل على فرض تسليم ثبوت الخيار و جواز الردّ ممنوع، و كذا في الثمرة. و دخول الحمل في المبيع تبعا في مقام البيع لا يستلزم دخوله فيه في مقام الردّ.
و ثانيا: الروايات الدالّة على المسقطيّة عنوان موضوعها - كما عرفت - إنّما هو إحداث الحدث و عدم قيام العين بعينها، و هي مطلقة كما هو واضح. فعلى كلّ لا يتمّ ما أفاده. هذا تمام الكلام في الحبلى.
ثمّ لا يخفى ما في كلام الشيخ قدّس سرّه في المقام و مخالفته لمبناه؛ لأنّه مع التزامه يكون الحبل عيبا كما عليه الإجماع، و التزامه - كما تقدّم - بأنّ حدوث العيب موجب لسقوط الخيار إلى الأبد و لو زال أي حدوثا و بقاء، كيف التزم بأنّ الحبل الزائل بالولادة إذا لم يوجب نقصا لا يمنع عن الردّ!
و لا يخفى أيضا أنّه يمكن الجمع بين كلمات غيره من الأعلام في التزامهم بكونه عيبا و حكمهم بأنّ الحبل إن كان موجبا للنقص عند الولادة فلا يجوز الردّ و إلاّ فيجوز، بحمل حكمهم هذا على ما بعد الولادة لا قبلها بعد القول بأنّ بناءهم أنّ
قوله قدّس سرّه: «مسألة» الأكثر على أنّ الثيبوبة ليست عيبا في الإماء [1]
زوال العيب يوجب جواز الردّ. و بعبارة اخرى: لو بنوا على أنّ حدوث العيب لا يكفي في ثبوت الخيار بقاء.
[1] الثيبوبة عيب بلا إشكال، لأنّها نقص عرفا و شرعا و نقص عن الخلقة الأصليّة أيضا.
و تحقيق المقام هو أنّه تارة تشترط البكارة و عدم الثيبوبة في الأمة صريحا و اخرى يشترط نفي الثيبوبة فيها لغرض شخصي و ثالثة يطلق البيع و لا يقيّد بها وجودا و عدما.
أمّا الفرضان الأوّلان فحكمهما واضح؛ فإنّ التخلّف في الثاني يوجب الردّ بخيار تخلّف الشرط و ليس موردا للأرش إذ ليست البكارة عيبا، و في الأوّل يوجب الأرش أيضا لأنّ الثيبوبة - كما ذكرنا - عيب.
و تدلّ على ثبوت الردّ و الأرش أيضا مرسلة السيّاري، حيث حكم فيها بأخذ التفاوت.
و أمّا رواية سماعة فهي بظاهرها و إن كانت معارضة للمرسلة لأنّه عليه السّلام حكم فيها بعدم جواز الردّ و عدم وجوب شيء على البائع، إلاّ أنّ الكلام في تعليله بأنّ البكارة ربّما تزول في حال مرض أو أمر يصيبها، فإنّ إبداءه عليه السّلام لهذا الاحتمال يشهد بل يدلّ على أنّه لو علمنا بأنّ زوالها كان بالوطء تردّ الجارية أو يؤخذ الأرش.
فلا بدّ من حملها على أحد الوجهين اللذين أفادهما الشيخ: إمّا الحمل على ما إذا كان زوالها في ملك المشتري و بعد قبضه فلا يكون مضمونا على البائع، أو الحمل على أنّ مقصود المشتري من اشتراط البكارة اشتراط عدم وطء الغير لها و أن لم يكن مسّها أحد لاشمئزاز النفس عن ذلك فاشتراطها كناية عن اشتراط ذلك،
قوله قدّس سرّه: «مسألة» ذكر في التذكرة و القواعد من جملة العيوب عدم الختان في العبد الكبير [1]
قوله قدّس سرّه: «مسألة» عدم الحيض ممّن شأنها الحيض [2]
و من الواضح أنّ تخلّفها حينئذ لا يوجب تخلّف الشرط الموجب للخيار.
و أمّا الفرض الثالث، و هو فرض الإطلاق و عدم الاشتراط صريحا، فحيث إنّ إطلاق العقد يقتضي سلامة المبيع من العيوب و قد فرضنا أنّ الثيبوبة عيب، فظهورها يوجب الخيار. إلاّ أن تقوم قرينة على تبرّي البائع من خصوص هذا العيب أو عدم التزامه بسلامة المبيع منه، فإنّه حينئذ لا خيار للمشتري، لكن لا من جهة أنّ الثيبوبة ليست عيبا، بل من جهة عدم التزامه بسلامة المبيع منها، كما في الإماء المجلوبة من بلاد الكفر إذا كانت كبيرة لأنّ الأغلب فيها الثيبوبة بخلاف الصغيرة.
[1] كون الكبير مغلفا أو غير مجدّر و إن لم يكن نقصانا عن الخلقة الأصليّة بل هو موافق للخلقة كما هو واضح، إلاّ أنّه حيث يوجب ذلك وقوع العبد في معرض الخطر لأجل الختان في الكبر أو ابتلاء الكبير بالجدري، فيكون عيبا.
و لكن الحقّ أنّ هذا بالنسبة إلى غير المجدّر مسلّم، و أمّا في غير المختون فلا، إذ ليس في الختان خطر خصوصا في أمثال زماننا هذا.
و كيف كان، لو كان ذلك عيبا فإطلاق العقد يقتضي سلامته منه فتخلّفه يوجب الخيار، إلاّ أن تقوم قرينة على عدم اشتراط سلامته منه كالعبد الكبير المجلوب من بلاد الكفر.
[2] عدم الحيض فيمن يكون من شأنه الحيض بحسب السنّ و الزمان و المكان و غير ذلك يكون عيبا، لكن لا بنفسه و من حيث هو، لأنّه ربما تتعلّق الرغبة بذلك كما لا يخفى، بل لأنّ ذلك كاشف عن مرض في باطنه أو بعض أعضائه الداخليّة و هو
قوله قدّس سرّه: «مسألة» الإباق عيب بلا إشكال و لا خلاف [1]
عيب. هذا، مضافا إلى أنّه بنفسه أيضا يمكن أن يكون عيبا لكونه على خلاف الطبيعة.
و يدلّ على كونه عيبا قول الصادق عليه السّلام و قد سئل عن رجل اشترى جارية مدركة فلم تحض إلى ستّة أشهر و ليس بها حمل، قال عليه السّلام: «إن كان مثلها تحيض و لم يكن ذلك من كبر فهذا عيب تردّ منه»(1).
و لا وجه لتقييد الحكم بمضيّ ستّة أشهر؛ لأنّ التقييد إنّما هو في السؤال، و ليس منه في جواب الإمام عين و لا أثر. نعم الجواب أيضا لا إطلاق فيه لرجوع الضمير فيه إلى مورد السؤال. و الذي يسهّل الخطب أنّ الحكم إنّما هو على القاعدة. و على أيّ حال لا وجه للتقييد.
[1] لا خلاف في كون الإباق عيبا، بل هو من أفحشه، إذ به ينتفي موضوع العبد رأسا، فاعتياده المعبّر عنه ب «گريزپا» في الفارسيّة موجب للخيار قطعا بلا شبهة.
و ما ورد في رواية محمّد بن قيس(2)من أنّه «ليس في الإباق عهدة» لا بدّ من حمله على نفي عهدة السنة عن الإباق و أنّه ليس كعيوب السنة التي يكون حدوثها موجبا للخيار و تكون عهدتها على البائع إلى سنة كالجنون و البرص و نحوهما.
نعم وقع الخلاف في أنّ تحقّق الإباق منه مرّة أو مرّتين عند البائع بحيث لم يصر ذلك عادة له، هل يكون موجبا للخيار أم يعتبر فيه التعدّد؟
ظاهر الشيخ قدّس سرّه تقوية الأوّل؛ بدعوى أنّ الإباق و لو مرّة واحدة نقص و عيب.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» الثفل الخارج عن العادة في الزيت و البذر و نحوهما عيب [1]
و لكن التحقيق خلافه؛ لأنّ الإباق و إن كان عيبا، و لكن العيب السابق إذا لم يكن باقيا حين البيع لا يوجب الخيار، فالميزان بالعيب الثابت حين العقد لا الزائل، و لذا لو فرضنا أنّ العبد كان مبتلى بمرض كالجزام مثلا، و لكنّه طاب مرضه عند البيع، لا يكون هناك خيار.
و بالجملة: الإباق يكون كسائر العيوب، فكما لا يكفي وجودها السابق عن زمان البيع في ثبوت الخيار، كذلك الإباق. و مجرّد تحقّق الإباق من العبد مرّة عند بائعه لا يوجب كونه معيبا حين البيع خصوصا لو انقلب حاله إلى زمان البيع و كان حينه من الأخيار و العدول أو ادّب بتأديب يبعد معه رجوعه إلى ذلك الأمر.
فالميزان اتّصافه بالعيب حين العقد، و هو لا يكون إلاّ بالاعتياد؛ إذ الاعتياد بشيء يكون من الأوصاف النفسانيّة.
[1] الظاهر أنّ الثخن الموجب للثقل و زيادة الوزن في جنس واحد من السمن و نحوه لا يكون ذاتيّا بل يكون بالامور العرضيّة، نعم ربما يكون الاختلاف ذاتيّا إذا كانا من جنسين كدهن البقر و الجاموس. كما أنّ المياه أيضا لا اختلاف في وزنها ذاتا، و إنّما اختلافها يكون بالعرض و من جهة اختلاط بعضها بالأجزاء الأرضيّة كالتراب أو الملح، فاختلاف أفراد الزيت و السمن في الوزن لا بدّ و أن يكون لأمر خارجي كخلطه بالدبس و نحوه.
و على هذا، تارة يكون الخلط خلطا حقيقيّا بحيث يصدق على المجموع أنّها سمن غاية الأمر يكون سمنا معيوبا، و اخرى يكون الخلط مسامحيّا كما نشاهد كثيرا الدبس تحت تنكة السمن من غير امتزاج بينهما.
أمّا على الأوّل، فلا كلام في صحّة البيع و ثبوت خيار العيب و لو كان التخليص ممكنا كما في الذهب المغشوش.
و تدلّ على هذا مضافا إلى القاعدة، رواية ميسّر بن عبد العزيز(1).
و أمّا رواية السكوني(2)فهي بظاهرها غير قابلة الانطباق على القواعد، إذ لا وجه في البيع الشخصي لأن يستحقّ المشتري مطالبة البائع بمقدار الخليط و الربّ سمنا، فلا بدّ من حملها على خيار تبعّض الصفقة، و يحمل قوله عليه السّلام: «لك بكيل الربّ سمنا» على مقدار الثمن الذي يقابله، إذ لا معنى لمطالبته بالمقدار الناقص من نفس السمن، مع أنّ البيع لم يكن كلّيا على ما هو صريح الرواية.
و أمّا على الثاني، فتارة: يبيع العكّة كلّ رطل بكذا، و هذا لا إشكال في صحّته و إن كان مقدار ما في العكّة من السمن مجهولا؛ لما ذكرنا في محلّه من أنّ الجهل بمقدار المبيع في حدّ نفسه لا يوجب بطلان البيع ما لم يوجب غررا و إن خالف فيه العلاّمة(3)و اعتبر في صحّة البيع العلم بمقدار المبيع، و قد تقدّم ما ذكرناه. و لذا لو وقع البيع على مقدار معيّن من السمن مجهول الوزن بإزاء عين ذلك المقدار من الدبس يكون البيع صحيحا في فرض تساوي قيمتهما و إن لم يكن مقدار وزنهما معلوما، إلاّ أن يشترط كون ما في العكّة من السمن مقدارا معيّنا فتخلّف بواسطة الخليط. و سيأتي الكلام فيه من حيث لحوقه بتخلّف الوصف و الشرط أو بتبعّض الصفقة.
قوله قدّس سرّه: «مسألة» قد عرفت أنّ مطلق المرض عيب [1]
و اخرى: يبيع ما في العكّة بعد إحراز وزن الظرف و المظروف معا و إسقاط مقدار من الوزن للظرف بنحو الإندار. و في هذا الفرض يكون البيع صحيحا، غايته أنّه يثبت له خيار تبعّض الصفقة كما هو واضح.
و ثالثة: يبيعه على أن يكون مقدارا معيّنا ثمّ ظهر الدردي في العكّة و نقص السمن بسببه عن ذلك المقدار. و في هذا الفرض أيضا يكون البيع صحيحا، غاية الأمر يثبت له الخيار إمّا لتبعّض الصفقة أو لتخلّف الشرط على الخلاف المتقدّم في بيع الصبرة على أنّها كذا رطلا. و الظاهر أنّ الصحيح هو الثاني، إذ ظاهر هذا العنوان هو الاشتراط كما هو واضح.
و رابعة: يباع هذا المعيّن المعلوم وزنه مع ظرفه يعني منضمّا إليه مع الجهل بما فيه من الدردي أو الجهل بوزنه و مقداره و بمقدار السمن أيضا من جهة الجهل بالدردي. و في هذا الفرض يكون البيع باطلا للجهل بمقدار المبيع الموجب للغرر، لا من حيث الجهل بمقدار الظرف بل من جهة الجهل بمقدار الدردي، فيكون نظير ما لو كان فيه صخرة مجهولة الوزن، و من الواضح أنّه موجب لبطلان البيع.
و لا يقاس بالجهل الناشئ من ضميمة المظروف بظرفه، الخارج بالدليل.
[1] المشهور أنّ أحداث السنة أربعة: الجنون و البرص و الجذام و القرن، فمتى حدث واحد منها إلى انقضاء السنة عند المشتري يكون ذلك موجبا لخياره.
و السرّ في ذلك هو أنّ مادّة هذه الأمراض يكون موجودا قبل ظهورها بسنة، فيستكشف من ظهورها وجود مادّتها حين البيع، كما يدلّ على ذلك قوله عليه السّلام في
رواية علي بن أسباط: «إنّ أحداث السنة ترد بعد السنة»(1)فإنّ الصحيح «ترد» بالتخفيف بصيغة المعلوم، لا «تردّ» بالتشديد مجهولا كما في الحدائق(2)فإنّ ذلك مناف لكلمة» بعد» كما هو واضح. و عليه، فالمعنى هو أنّ هذه الامور ترد بعد سنة من وجود موادّها. و الظاهر أنّ الأطبّاء أيضا قائلون بذلك.
و كيف كان، تدلّ على الحكم الروايات الكثيرة التي عبّر عنها الشيخ قدّس سرّه بالمستفيض. منها رواية علي بن أسباط الواردة في أنّ خيار الحيوان إلى ثلاثة أيّام، و لذا عبّر عنها الشيخ بالواردة في خيار الثلاثة.
و بالجملة الأخبار الواردة في المقام على طوائف:
منها: ما ذكر فيه الأربعة تعدادا و عنوانا(3).
و منها: ما جعل فيه العنوان أربعة، و لكن في مقام العدّ زيد عليها «الحدبة» فصارت خمسا(4). و لذا جعل «الحدبة» في الكافي(5)عطفا تفسيريّا للقرن، فإنّ الحدبة من المحدّب المقعّر، و لكنّها في الصدر تكون بمعنى خروج الصدر و دخول الظهر. و لا بأس به.
و منها: ما اقتصر فيه على ذكر ثلاثة منها كرواية محمّد بن علي(6): «يردّ
المملوك من أحداث السنة من الجنون و البرص و القرن».
و أفاد الشيخ أنّه قيل إنّ «محمّد بن علي» مجهول و احتمل بعض أنّه هو الحلبي، انتهى.
و الظاهر أنّ المحتمل هو المحقّق الأردبيلي(1)فتكون الرواية محتملة الصحّة.
و حيث إنّها بمفهومها تعارض الأخبار المتقدّمة أفاد الشيخ أنّ هذه الرواية لم يذكر فيها الجذام - إلى أن قال - و من هنا استشكل الأردبيلي في الجذام.
ثمّ قال قدّس سرّه أيضا: و ليس التعارض من باب المطلق و المقيّد كما ذكره في الحدائق(2)جوابا عن المحقّق الأردبيلي، أي ردّا عليه... الى آخر ما أفاده.
و نقول: صدر عنه قدّس سرّه في المقام اشتباهات غريبة:
منها: أنّه لم يتعرّض في بيان الأدلّة لصحيحة ابن همّام مع أنّه أشار إليها في مسألة الإباق، مع أنّها صحيحة و صريحة على المدّعى.
و منها: أنّه نسب إلى المحقّق الأردبيلي الاستشكال في الجذام مع أنّ كون الجذام من أحداث السنة إجماعيّ، و قد دلّت عليها جملة من الروايات التي منها صحيحة ابن همّام. و هكذا نسب إلى الحدائق ما ليس منه فيه عين و لا أثر.
و منها: أنّ رواية محمّد بن علي المحتمل كونه هو الحلبي أيضا مشتمل على الجذام في كثير من كتب الروايات. نعم في الحدائق سقط منها ذلك، و الظاهر كونه من سهو القلم.
و ما استشكل فيه الأردبيلي إنّما هو القرن و البرص. و الوجه في استشكاله في الأوّل هو عدم اشتمال صحيحة ابن همّام عليه، فإنّها مشتملة على الثلاثة غيره، و أمّا غيرها من الروايات فليست فيها صحيحة أي مقطوعة الصحّة و لذا لم يتمسّك بها، و كلام صاحب الحدائق في هذا المقام و قد ظهر ما فيه بما ذكرناه. و أمّا في الثاني فلما ورد فيه من أنّ العهدة فيه إلى ثلاثة أيّام، فهي معارضة لما دلّ على كونه من أحداث السنة.
و كيف كان، فإن الجذام لا خلاف في كونه من أحداث السنة أصلا، فكأنّه إجماعيّ.
نعم فيه إشكال علمي، حاصله أنّ الجذام سبب للانعتاق كما وردت به الروايات، و معه كيف يثبت الخيار؛ لأنّا لو قلنا بأنّ الانعتاق يكون في زمان ثبوت الخيار فلا محالة ينفسخ البيع قهرا و يكون التلف ممّن لا خيار له و هو البائع، و لو قلنا بأنّه يتحقّق في ملك المشتري فيكون ذلك تلفا شرعيّا و يكون مسقطا للخيار، و على أيّ تقدير لا معنى لثبوت الخيار و حقّ الردّ، هذا.
و يندفع هذا الإشكال: بأنّ أدلّة الانعتاق مطلقات غير آبية عن التقييد و التخصيص، و ليس ذلك الحكم من الأحكام العقليّة غير القابلة للتخصيص، فتخصّص بما دلّ على ثبوت الخيار في خصوص المقام لمنافاته مع الانعتاق، فينحصر الانعتاق بالجذام بغير مورد البيع، فتقديم الخيار إنّما يكون من جهة الروايات لا من جهة اخرى. و لا بدّ أن يحمل كلام المسالك(1)من تقدّم سبب الخيار
1) المسالك 305/3.
على سبب العتق على ما ذكر، فكأنّه قدّس سرّه يريد بذلك بيان حكمة ما دلّ على ثبوت الخيار في الجذام من الروايات المقدّمة على روايات الانعتاق، و إلاّ فمجرّد تقدّم سبب الخيار - على تقدير تسليمه - ليس موجبا لتقدّم الخيار على الانعتاق لو لم تكن في البين الروايات الدالّة على ثبوت الخيار.
ثمّ على هذا لو فسخ المشتري، فهل ينعتق على البائع أم لا؟ الظاهر هو الثاني؛ لأنّ روايات الانعتاق ظاهرها زوال الملكيّة السابقة على حدوث الجذام و تحديد الملكيّة به، و أمّا الحادثة بعد حدوثه فلا تشملها تلك الأدلّة، و ليس في البين دليل آخر على زوالها.
و بالجملة، استشكل المحقّق الأردبيلي في أمرين من هذه الامور الأربعة: القرن و البرص.
أمّا استشكاله في القرن فلعدم اشتمال صحيحة ابن همّام عليه، و الروايات الاخر و إن كانت جملة منها مشتملة عليه و لكنّها غير معتبرة عنده، فلا بدّ في العمل بها من انجبار سندها بالشهرة، و حيث إنّ كلام المشهور خال عن ذكر القرن - على ما يذكره الشيخ قدّس سرّه - توقّف المحقّق المذكور في الحكم.
هذا، و العجب من الشيخ مع أنّه ذكر في المقام خلوّ كلام المشهور من ذكر القرن، نسب القول بكون الأربعة من أحداث السنة إلى المشهور في صدر المسألة.
و الظاهر أنّ هذا غفلة منه قدّس سرّه.
و بالجملة، حاصل وجه توقّف الأردبيلي في الحكم في القرن هو دعوى عدم ثبوت المقتضي و الدليل على ذلك.
و فيه أوّلا: أنّ الصحيحة و إن كانت خالية عن القرن كما أفاد، و لكن الروايات
المشتملة عليه مستفيضة، و الاستفاضة أيضا تكون جابرة لضعف السند كالشهرة؛ إذ لا يختصّ الجابر بها، فإنّ في المستفيض يطمئنّ الإنسان بصدور مضمونها عن الإمام.
و ثانيا: خبر بني فضّال المنقول في الخصال(1)قد وثّقه صاحب الحدائق(2)و أخذ به صاحب الجواهر(3)، و يكفي في الوثاقة توثيق مثل صاحب الحدائق فإنّه خبرة هذا الفنّ، و هذا الخبر مشتمل على القرن أيضا.
و ثالثا: ما ذكره من استظهار عدم فتوى المشهور بكون القرن من أحداث السنة ممنوع، و كيف ذلك و قد ذكره في الدروس(4)ساكتا عن الخلاف، و الشهيد لسان الفقهاء، فلو لم يكن جازما بموافقة المشهور له لما سكت عن نقل الخلاف، فالظاهر موافقة المشهور أيضا.
فالإنصاف أنّ الاستشكال في الحكم من جهة المقتضي لا وجه له.
نعم ربما يستشكل فيه من جهة المانع - أي المعارضة - كما يظهر من كلام الشيخ، و ليس من ذلك في كلام المحقّق عين و لا أثر. و حاصله أن يقال: إن صحيحة ابن همّام(5)الخالية عن القرن بمفهومها - و هو مفهوم التحديد - تدلّ على
عدم كون غير الثلاثة المذكورة من أحداث السنة، فيعارض ما يدلّ على كون القرن منها.
و جواب هذه الشبهة واضح؛ و هو أنّ الصحيحة و إن كان لها مفهوم كما ذكر، و لكنّه ليس إلاّ إطلاقا ناشئا من السكوت و عدم البيان و ليس تصريحا بالنفي كما هو واضح، و عليه فيتقيّد بالتصريح بخلافه من غير شبهة. ألا ترى أنّه لو ذكر في مقام تحديد العلماء جماعة و سكت عن شخص ثم ذكره أيضا منهم في مجلس آخر، لا يشكّ أحد في دخوله فيهم و لا يتوقّفون في ذلك أبدا.
و بالجملة، حتّى لو كان الإطلاق في أقوى مرتبة الظهور فإنّه يتقدّم عليه المقيّد، و لذا قيّد إطلاق هذه الرواية أعني قوله عليه السّلام: «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال»(1)مع أنّ المحقّق النائيني نقل أنّا لم نجد إطلاقا أقوى منه. و هذا ظاهر.
و أمّا استشكاله في البرص فالوجه فيه صحيحة عبد اللّه بن سنان: «عهدة الرقيق ثلاثة أيّام إن كان بها حبل أو برص أو نحو هذا، و عهدته السنة من الجنون»(2)فإنّها معارضة مع ما دلّ على أنّ عهدة البرص إلى سنة، و لذا توقّف فيه المحقّق المذكور، ففي الحقيقة يكون استشكاله فيه من جهة المانع لا المقتضي.
و لكن التحقيق أنّ هذه الصحيحة غير قابلة للمعارضة مع تلك الأخبار:
أمّا أوّلا: فلأنّ صحيحة ابن همّام معتضدة بالروايات المستفيضة، و هي تكون
مرجّحة لها؛ لأنّ الشهرة أوّل المرجّحات.
و ثانيا: أنّ المشهور أفتوا بكون البرص من أحداث السنة، فكأنّهم أعرضوا عن هذه الصحيحة من جهة البرص، فتكون ملغى في حدّ نفسها أيضا، فتأمّل.
و ثالثا: هذه الصحيحة مشوّشة المتن؛ فإنّ أصل الصحيحة واردة في خيار الحيوان، فما المراد من كون العهدة في الرقيق إلى ثلاثة إذا كان بها حبل، هل المراد الحبل السابق على البيع أو الحادث عند المشتري؟ و على التقدير الأوّل لما ذا تكون العهدة إلى ثلاثة أيّام؟ و على الثاني لما ذا يكون موجبا للخيار؟ بل الحبل عنده يكون مسقطا للخيار اذا كان ثابتا قبله. هذا مضافا إلى أنّها نقلت في بعض النسخ «أو مرض» بدل «البرص» و عليه تكون أجنبيّة عن المقام.
فالإنصاف أنّ أحداث السنة أربعة و هما محلقان بها.
ثمّ بقي الكلام في بيان أمرين:
أحدهما: أنّ الخيار في أحداث السنة هل يكون مثل سائر الخيارات التي تسقط بالتصرّف أم لا؟
ثانيهما: في أنّه هل يثبت فيها الأرش أيضا كما كان يثبت في غيرها من العيوب أم لا؟
أمّا الكلام في المقام الأوّل، فقد ذكرنا فيما سبق الكبرى الكلّية في التصرّفات، و قلنا: تارة يقصد بالتصرّف الإسقاط و يكون إسقاطا عمليّا و كاشفا عنه عرفا و اخرى لا يقصد به ذلك.
فالتصرّف في المقام إن كان من قبيل الأوّل فلا إشكال في مسقطيّته للخيار في المقام كما في سائر الخيارات. و السرّ فيه أنّ الخيار حقّ لمن له الخيار و له إسقاطه،
فتارة يسقطه بالقول و اخرى بالفعل، و لا فرق بينهما أصلا.
و أمّا إن كان من قبيل الثاني فمسقطيّته يكون على خلاف القاعدة، ففي كلّ مورد قام الدليل على ذلك يتبع و إلاّ فلا يكون مسقطا. فتارة يكون ذلك التصرّف بالوطء و اخرى بإحداث الحدث و ثالثة باللمس و التقبيل و نظائره:
أمّا إن كان بالوطء، فهو أيضا ملحق بالإسقاط و يكون موجبا لسقوط الخيار؛ لإطلاق قوله عليه السّلام: «كان عليّ عليه السّلام لا يردّ الجارية بعيب إذا وطئت» فإنّ العيب في هذه الرواية شامل للعيب الحادث بعد العقد إذا كان موجبا للخيار كالامور الأربعة.
و يتقدم إطلاقه على إطلاق أدلّة أحداث السنة و إن كان بينهما عموم من وجه؛ للحكومة و كونه ناظرا إليها.
و أمّا إحداث الحدث، فما دلّ على كونه مسقطا للخيار ظاهره هو خيار العيب الموجود حين البيع كقوله عليه السّلام: «أيّما رجل اشترى شيئا و به عيب أو عوار...» فإنّ «الواو» للحاليّة كما هو واضح، فلا دليل على مسقطيّة إحداث الحدث لخيار العيب الحادث بعد البيع فليس بمسقط. هذا مضافا إلى ظهور الروايات المتقدّمة في أحداث السنة في عدم مسقطيّة هذه التصرّفات، إذ لا يمكن عادة أن لا يتحقّق من المشتري تصرّف في المبيع خصوصا إذا عمّمنا المسقط إلى كلّ تصرّف حتّى مثل «أغلق الباب» و عليه لا يبقى مورد للروايات أصلا.
و أمّا اللمس و نظائره، فقد ذكرنا أنّ الدليل الدالّ على مسقطيّته إنّما هو في خصوص خيار الحيوان، و قلنا: إنّ أقرب محامل تلك الرواية أن يحمل على أنّ هذه الامور رضاء بالبيع تعبّدا، فلا يمكن التعدّي منه إلى غيره. هذا كلّه في المقام الأوّل.
و أمّا المقام الثاني، فتارة نقول إنّ الأرش يكون على القاعدة؛ بدعوى أنّ الأرش
إنّما هو استرداد ما لم يقع بإزائه شيء من الثمن، و اخرى نقول بأنّه ثابت على خلاف القاعدة بالروايات. أمّا لو قلنا بأنّه على القاعدة فربما يتوهّم ثبوته في المقام أيضا. و لكن هذا التوهّم فاسد؛ و ذلك لأنّه و لو بنينا على ذلك على خلاف القاعدة فهو يثبت بالقياس إلى العيب الموجود حين البيع الذي يكون ما يقابله من الثمن بلا عوض، و أمّا لو كان المبيع سليما حين البيع فيكون جميع الثمن مع العوض كما هو واضح.
اللهمّ إلاّ أن يقال إنّ موادّ هذه الأمراض يكون موجودا حين البيع و يكون عيبا.
و فيه ما لا يخفى؛ و ذلك لأنّ الميزان في العيب هو العيب العرفي، و موادّ المرض لا تكون عيبا بنظر العرف، و لذا لا يتفحّصون عن ذلك، بل لو انكشف وجود مادّة المرض و لو غير هذه الأمراض في المبيع حين البيع لا يرونه خياريّا، بل ربما لا يفرّق العرف في مقام شراء العبد و الجارية بين من يكون مادّة الحمّى مثلا موجودا فيه أم غير موجود. هذا مضافا إلى أنّ لازم هذا أن يلتزم بثبوت الخيار في المقام من أوّل البيع، و لا يلتزم بها أحد أصلا.
و أمّا لو قلنا بأنّ الأرش ثبت على خلاف القاعدة، فعمدة أدلّة الأرش مختصّة بغير المقام، إلاّ أنّ إطلاق الرواية عن عليّ عليه السّلام شامل للمقام أيضا، فإنّ في ذيلها ذكر أنّه عليه السّلام كان يأخذ الأرش بعد سقوط الردّ بالوطء. و لا بأس بالتمسّك بإطلاق تلك الرواية لإثبات الأرش في المقام.
نعم يبقى حينئذ الإشكال في ثبوت الأرش قبل سقوط الخيار أيضا؛ فإنّ الرواية ساكتة عنه. و لكنّه ليس إشكالا مختصّا بالمقام، فإنّ جميع أدلّته في جميع الموارد خالية عن ثبوته قبل سقوط الخيار في غير المقام.
و الظاهر أنّ الوجه في التعدّي هو عدم القول بالفصل. و قد ذكرنا تفصيل ذلك فيما تقدّم. و بالجملة ما هو الوجه في التعدّي هناك هو الوجه في المقام أيضا.
بقي الكلام في عيوب متفرّقة تعرّض لها العلاّمة في التذكرة(1).
منها: الكفر، و استحسن قدّس سرّه هناك - على ما ينقله الشيخ قدّس سرّه - التفصيل بين أقسام الكفر من الكتابي و غيره في الجارية و الحكم بأنّ الثاني عيب دون الأوّل.
و أفا الشيخ أنّ الأقوى كونه موجبا للردّ فيما إذا لم يكن مجلوبا من بلاد الكفر لأنّه نقص موجب لتنفّر الطباع عنه و قلّة منافعه لنجاسته، دون الأرش لعدم صدق العيب عليه عرفا و عدم كونه نقصا في أصل الخلقة.
و نقول: الظاهر أنّه موجب للردّ و الأرش معا، و لا معنى لكون الكفر موجبا لقلّة منافع العبد و عدم كونه نقصا، إذ قلّة المنافع توجب نقص القيمة لا محالة، و قد ذكرنا أنّه لا يعتبر في العيب النقصان عن الخلقة الأصليّة، بل ذكرنا أنّ العيب هو نقصان الشيء عمّا يقتضيه طبع المطلب، فتأمّل.
هذا، مضافا إلى إمكان أن نقول: إنّ الكفر يكون على خلاف الخلقة الأصليّة لقوله صلّى اللّه عليه و آله: «كلّ مولود يولد على الفطرة»(2)فكأنّ مقتضى الخلقة الأصليّة هو الإسلام و الكفر يكون عارضيّا لها، خصوصا إذا كان العبد مسبيّا في حال صغره و كان سابيه مسلما فإنّه بحكم التبعيّة يكون مسلما و كفره يكون عرضيّا بلا إشكال، فتأمّل. فلا فرق بين الكتابي و غيره في ذلك. نعم في الجارية غير الكتابيّة يكون
العيب أظهر.
و منها: الفسق، و الظاهر أنّ الفسق ليس عيبا و لا موجبا لنقصان القيمة، نعم العدالة و الملكات الحميدة يكون موجبا للكمال.
و ذكر منها: كون العبد رطب الكلام - و الظاهر أنّ المراد منه كثرة التكلّم المعبّر عنه في الفارسية ب «پرگو» - أو غليظ الصوت أو زهيدا. و الظاهر أنّ المراد منه العبد الكسل أو الزهيد في الأكل حيث يستلزم ذلك الكسل.
و بالجملة، الظاهر أنّ جميع هذه الامور أجنبية عن العيب، و لا يصدق على شيء منها.
1 - القرآن الكريم.
2 - الانتصار، للسيّد الشريف المرتضى، علم الهدى أبي القاسم عليّ بن الحسين الموسوي، ط/دار الأضواء.
3 - إيضاح الفوائد في شرح إشكالات القواعد، للشيخ أبي طالب محمّد بن الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي، الملقّب ب «فخر المحقّقين» ط/مؤسّسة مطبوعات إسماعيليان.
4 - بحار الأنوار، للعلاّمة المولى محمّد باقر بن المولى محمّد تقي المجلسي، ط /المكتبة الإسلاميّة بطهران.
5 - تحرير الأحكام، للعلاّمة الحلّي، جمال الدين الحسن بن يوسف بن عليّ بن المطهّر، الطبعة الحجريّة.
6 - تذكرة الفقهاء، للعلاّمة الحلّي، الطبعة الحجريّة.
7 - التنقيح الرائع لمختصر الشرائع، للفقيه جمال الدين مقداد بن عبد اللّه لسيوري، من منشورات مكتبة آية اللّه المرعشي بقم.
8 - تهذيب الأحكام في شرح المقنعة، للشيخ الطوسي، ط/دار الكتب الإسلاميّة بطهران.
9 - جامع الشتات، للمحقّق القمّي، الميرزا أبي القاسم بن الحسن الجيلاني، ط/مؤسّسة كيهان.
10 - جامع المقاصد في شرح القواعد، للشيخ علي بن الحسين الكركي، المعروف ب «المحقّق الثاني» ط/مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث.
11 - جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، للشيخ محمّد حسن النجفي، ط/
دار الكتب الإسلاميّة بطهران.
12 - حاشية كتاب المكاسب، للآخوند الخراساني، ط/وزارت إرشاد إسلامي.
13 - حاشية المكاسب، للسيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي، الطبعة الحجريّة.
14 - حاشية المكاسب، للميرزا علي الإيرواني، الطبعة الحجريّة.
15 - حاشية كتاب المكاسب، للشيخ محمّد حسين الأصفهاني المعروف ب «الكمپاني» من منشورات پايه دانش.
16 - الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، للشيخ يوسف البحراني، ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
17 - الخصال، للشيخ الصدوق، ط/مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
18 - الخلاف، للشيخ الطوسي، ط/مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
19 - الدروس الشرعيّة في فقه الإماميّة، للشهيد الأوّل، أبي عبد اللّه محمّد بن مكّي العاملي، ط/مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
20 - الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة، للشهيد الثاني، زين الدين بن عليّ الجبعيّ العاملي، ط/مجمع الفكر الإسلامي بقم.
21 - رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل، للسيد علي الطباطبائي، ط/ مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
22 - السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى، للفقيه أبي جعفر محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي، ط/مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
23 - السنن الكبرى، تأليف الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، ط/دار المعرفة - بيروت.
24 - شرائع الإسلام في مسائل الحلال و الحرام، للمحقّق الحلّي، من منشورات دار الأضواء.
25 - العروة الوثقى، للسيد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي، ط/منشورات مكتبة الداوري بقم.
26 - عوالي اللآلي العزيزيّة في الأحاديث الدينيّة، لابن أبي جمهور الأحسائي، الشيخ محمّد بن علي بن إبراهيم، ط/مطبعة سيّد الشهداء بقم.
27 - غاية المرام في شرح شرائع الإسلام، للصيمري «مفلح بن الحسن» من مخطوطات مكتبة آية اللّه الگلپايگاني تحت الرقم 3564/18/84.
28 - غنية النزوع، للسيّد أبي المكارم بن زهرة، من منشورات مؤسّسة الإمام الصادق عليه السّلام.
29 - فرائد الاصول، للشيخ مرتضى الأنصاري، ط/مجمع الفكر الإسلامي بقم.
30 - الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السّلام، ط/مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث بقم.
31 - قواعد الأحكام في معرفة الحلال و الحرام، للعلاّمة الحلّي، الطبعة الحجريّة.
32 - الكافي، لثقة الإسلام الكليني، أبي جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق، ط/دار الكتب الإسلاميّة.
33 - كتاب الصلاة، للشيخ مرتضى الأنصاري، ط/مجمع الفكر الإسلامي بقم.
34 - كفاية الأحكام، للسبزواري «محمد باقر» الطبعة الحجريّة.
35 - كفاية الاصول، للآخوند الخراساني، ط/مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
36 - كنز العمّال، لعلاء الدين علي المتّقي الهندي، ط/مؤسّسة الرسالة.
37 - اللمعة الدمشقيّة، للشهيد الأوّل، ط/منشورات دار الفكر بقم.
38 - المبسوط في فقه الإماميّة، للشيخ الطوسي، ط/المكتبة المرتضويّة لإحياء الآثار الجعفريّة.
39 - مجمع الفائدة و البرهان في شرح إرشاد الأذهان، للمولى أحمد بن محمّد، المعروف ب «المقدّس الأردبيلي» ط/مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
40 - محاضرات في الفقه الجعفري، تقريرات السيد الخوئي، تأليف السيّد علي الحسيني الشاهرودي، ط/مطبعة الآداب في النجف الأشرف.
41 - مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، للعلاّمة الحلّي، ط/مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
42 - مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام، للشهيد الثاني، ط مؤسّسة المعارف الإسلاميّة بقم.
43 - مستدرك الوسائل، للميرزا حسين النوري الطبرسي، ط/مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث بقم.
44 - مستند الشيعة، للفاضل النراقي، ط/مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث بقم.
45 - المصابيح، للسيد الطباطبائي «بحر العلوم» من مخطوطات مكتبة آية اللّه الگلپايگاني تحت الرقم 107/31.
46 - المصباح المنير، للفيومي، ط/دار الهجرة بقم.
47 - مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلاّمة، للسيّد محمّد جواد الحسيني العاملي، الطبعة الحجريّة.
48 - مقابس الأنوار، للشيخ أسد اللّه التستري، الطبعة الحجريّة.
49 - المقنع، للشيخ الصدوق، ط/نشر مؤسّسة الإمام الهادي عليه السّلام بقم.
50 - المقنعة، لأبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي، الملقّب ب «الشيخ المفيد» ط/مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
51 - من لا يحضره الفقيه، للشيخ الصدوق، ط/دار الكتب الإسلاميّة.
52 - منية الطالب في شرح المكاسب، تقريرات المحقّق النائيني، تأليف الشيخ موسى بن محمّد النجفي الخوانساري، ط/مؤسّسة النشر الإسلامي بقم.
53 - النقود الإسلاميّة، للمقريزى، ط/دار الزهراء - بيروت.
54 - النهاية في مجرّد الفقه و الفتوى، للشيخ الطوسي، ط/انتشارات قدس محمّدي بقم.
55 - نهاية الإحكام في معرفة الحلال و الحرام، للعلاّمة الحلّي، ط/مؤسّسة إسماعيليان بقم.
56 - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، للشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي، ط/دار إحياء التراث العربي - بيروت.
57 - الوسيلة إلى نيل الفضيلة، لعماد الدين أبي جعفر محمّد بن علي الطوسي، المعروف ب «ابن حمزة» ط/مكتبة آية اللّه المرعشي بقم.
القول في الخيار 11
خيار المجلس 31
خيار الحيوان 127
خيار الشرط 149
خيار الغبن 229
خيار التأخير 319
خيار الرؤية 355
خيار العيب 385
القول في ماهيّة العيب 494
مصادر التحقيق 523