موسوعة سیرة أهل البیت علیهم السلام جلد 31

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

تأليف: باقر شريف القرشي

تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي

الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)

المطبعة : ستار

الطبعة الثانية : 1433هـ / 2012م

عدد النسخ :1000 نسخة

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف

ردمك الدورة : 1 - 42 - 8275 - 964 - 978

ردمك الجزء «30»: 5 - 73 - 8275 – 964 - 978

عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هاتف 009647805694970

محرّر الرقمي: محمّد رادمرد

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

الجزء الحادي و الثّلاثون

الإمام علي بن موسی الرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)

تأليف: باقر شريف القرشي

تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي

موسسة الأمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)

لإحياء تراث أهل البيت

اشارة

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

الإمام عليّ بن موسی الرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

الجزء الحادي و الثّلاثون

الإمام عليّ بن موسی الرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)

تأليف: باقر شريف القرشي

تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي

موسسة الأمام الحسن لإحياء تراث أهل البيت

موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)

تأليف: باقر شريف القرشي

تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي

الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)

المطبعة : ستار

الطبعة الثانية : 1433هـ / 2012م

عدد النسخ :1000 نسخة

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف

ردمك الدورة : 1 - 42 - 8275 - 964 - 978

ردمك الجزء «30»: 5 - 73 - 8275 – 964 - 978

عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هاتف 009647805694970

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تقدیم

1 - في سيرة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ملتقى أصيل للمثل العليا، والقيم الكريمة التي يعتز بها هذا الكائن الحي من بني الإنسان. ولعلّ الجانب الروحي من أظهر مميزاته وسماته، فقد انقطع إلى اللّه تعالى انقطاعاً كاملاً حتّى تفاعل حبّه مع جميع ذاتيّاته وعناصره، وقد أثرت روحانيّته على الزاهد المعروف بـ(معروف الكرخي) الذي كان من أعبد أهل زمانه، فقد كانت هدايته ونكرانه لذاته، وانصرافه عن ملاذ حياته على يد الإمام، فقد رأى صرحاً من القداسة والطهر فتكهرب به، وانجذب إليه، وسار على هديه في التجرد عن الدنيا والإقبال على الخالق العظيم.

2 - لقد كانت قيم الإمام العظيم مضرب المثل في عصره، واستوعبت جميع لغات العصر، فقد شاعت مواهبه وعبقرياته، واحتف العلماء والرواة به، وهم ينتهلون من نمير علومه، ويسجّلون ما يفتي به، وما يدلي به من روائع الحكم والآداب.

وقد تحدّثت الأندية والمجالس عن روعة دفاعه عن الفكر الإسلامي وذلك في مناظراته القيّمة، واحتجاجاته الصارمة على العلماء والفلاسفة من مختلف المذاهب والأديان، وقد خاض القسم الأوفر منها في البلاط العبّاسي في (خراسان)، وقد ذكرنا نماذج منها في الجزء الأوّل من هذا الكتاب

3 - ولم يعرف السلك الدبلوماسي في العصر الأموي والعبّاسي مثل المأمون في صياغت للمخطّطات السياسيّة، والتغلب على مجريات الأحداث مهما كانت غامضة ومعقدة، فقد أحاطت به أزمات خطيرة وحرجة جداً كادت أن تقضى على حكومته، وتلف لواءها، وكان من أبرزها شيوع الفتن والثورات الشعبيّة في معظم أرجاء العالم الإسلامي التي سئمت من الحكم العبّاسي.

من هذه

بالإضافة إلى صراعه المسلّح مع أخيه الأمين، وقتله له، وقد تخلّص الأحداث بمهارة فائقة، فأجبر الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) على قبول ولاية العهد التي هي أسمى مركز في الدولة العبّاسية بعد الخلافة، وضرب السكة الرسمية باسمه، وأخذت وسائل إعلامه تذيع بين المسلمين فضل المأمون وما أسداه من الإحسان إلى أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقد رشح سيّدهم وإمامهم لهذا المنصب الخطير، ونقل بذلك الخلافة من بني العبّاس إلى السادة العلويّين الذين هم دعاة العدل الاجتماعي والعدل السياسي في الإسلام، وقد أخمدت بهذه الخديعة نيران الحروب، وقضي على وسائل الفتن والتمرد على حكومته.

4 - وكان الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) على علم لا يخامره شكّ بنوايا المأمون وزيف ما أظهره من الولاء الكاذب للأسرة العلوية، وأنه يضمر له بالذات خلاف ما يظهره، وأنّه يبغي له الغوائل، ويكيده في غلس الليل وفي وضح النهار، فلم يشترك (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع جهاز حكومته، ولم يبد أي نشاط أو تجاوب بأي عمل من أعمال الدولة، فقد تجرد تجرداً تاماً عن جميع شؤونها، ولم يبق له سوى الاسم أنه ولي عهد المأمون، ويلقي الجزء الثاني من الأضواء على هذه الجوانب، وما ألم بها من أحداث.

5 - وقد ألمحنا في تقديم الجزء الأوّل إلى بحوث هذا الكتاب ومحتوياته بجزء يه، وإنما كرّرنا ذكر بعضها في هذا التقديم نظراً لأهمّيتها، وبعد نظر

القراء إليها، سائلين من اللّه تعالى أن يحشرنا يوم نلقاه في زمرة العارفين بفضل أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).

إنّه تعالى وليّ القصد والتوفيق

المكتبة الإمام الحسن العامّة

باقر شَريف القَرشي

النَّجف الاشرف

علل الأحكام وغيرها

إشارة:

وأجمعت العدليّة من الشيعة والمعتزلة على أنّ كلّ حكم صادر من الشارع المقدّس لم يكن عفويّاً مطلقاً، وإنّما كان منوطاً بمصلحة شاملة للفرد والمجتمع تعود عليهم بالخير العميم، سواء أكان ذلك الحكم واجباً أم مندوباً، وكذلك إذا كان الحكم محرّماً أو مكروهاً، فإنّه يشتمل على مفسدة ملزمة أو غير ملزمة تعود بالضرر الجسيم على الإنسان، وأن من المستحيل أن يصدر حكم من الشارع العظيم خالياً من المصالح أو فيه من المفاسد، فإن ذلك يستلزم الطعن في حكمة الشارع، كما يستلزم لغوية التشريع وعدم فائدته، وخالفت في ذلك الأشاعرة، فزعمت أنّ أحكام الشارع كلّها عفوية ومجرّدة عن الحكم والمصالح، وهذا الرأي بادي الوهن، يترتب عليه كثير من اللوازم الفاسدة ذكرتها مصادر علم الكلام.

وعلى أي حال، فقد أعلن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ضرورة اشتمال الأحكام الشرعيّة على المصالح في جانب الواجبات والمفاسد في جهة المحرمات، وقد أدلى بذلك

في تقديم أجوبته عن علل بعض الأحكام التي سأله عنها الفضل بن شاذان.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنْ سَأَلَ سائِلٌ : هَلْ يَجوزُ أَنْ يُكَلِّفَ الْحَكِيمُ عَبْدَهُ فِعْلاً مِنَ الْأَفْعَالِ لِغَيْرِ عِلْةٍ وَلَا مَعْنى ؟

قيلَ لَهُ : لَا يَجوزُ ذلِك؛ لأنَّهُ حَكيمٌ، غَيْرُ عَابِثٍ وَلَا جَاهِل.

فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَأَخْبِرْنِي لِمَ كَلَّفَ الْخَلْقَ ؟

قيلَ : لِعِلَلٍ كَثِيرَةٍ.

فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَأَخْبِرْنِي عَنْ تِلْكَ الْعِلَلِ مَعْرُوفَةٌ مَوْجُودَةٌ هِيَ، أَمْ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ وَلَا مَوْجودَةٍ.

قيلَ : بَلْ هِيَ مَعْرُوفَةٌ مَوْجودَةٌ عِنْدَ أَهْلِها» (1).

وعلى أي حال، فقد شاعت في عصر الإمام تساؤلات كثيرة عن علل بعض البحوث الكلامية، كما شاعت تساؤلات أخرى عن الحكمة في تشريع بعض الأحكام الشرعيّة، وهناك تساؤلات أخرى عن أحوال الأنبياء، وشؤون الأمم الماضية، وقد عرضت على الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأجاب عنها، وقد عرض عليه كوكبة منها محمّد بن سنان، كما سمع الفضل بن سمع الفضل بن شاذان جملة منها من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفيما يلي عرض لها :


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 99.

المسائل الكلامية

إشارة:

أما المسائل الكلامية التي ذكر عللها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهي :

1 - الحكمة في أمر الخلق بالإقرار باللّه

وأدلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالحكم الوثيقة التي من أجلها وجب على العباد الإقرار باللّه تعالى وبرسله وبما جاء من عنده.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : لِمَ أَمَرَ الْخَلْقَ بِالْإِقْرارِ بِاللّه وَبِرَسُولِهِ وَحُجَّتِهِ، وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ ؟

وأجاب الإمام بما يلي : لِعِلَلٍ كَثيرَةٍ :

منها : إِنَّ مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِاللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمْ يَجْتَنِبْ مَعَاصِيهِ، وَلَمْ يَنْتَهِ عَنِ ارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ، وَلَمْ يُراقِبْ أَحَداً فيما يَشْتَهِي، وَيَسْتَلِذٌ مِنَ الْفَسَادِ وَالظُّلْمِ، وَإِذا فَعَلَ النَّاسُ هذِهِ الأَشياءَ، وَارْتَكَبَ كلّ إِنْسَانٍ مَا يَشْتَهِي وَيَهْواهُ مِنْ غَيْرِ مُرَاقَبَةٍ لَأَحَدٍ كَانَ فِي ذَلِكَ فَسادُ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، وَوُثوبُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فَغَصَبوا الْفُروجَ وَالْأَمْوالَ، وَأَباحوا الدماءَ وَالنِّساءَ، وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً مِنْ غَيْرِ حَقٌّ وَلَا جُرْمٍ، فَيَكُونُ فِي ذلِكَ خَراب الدُّنْيا، وَهَلاكَ الْخَلْقِ، وَفَسادُ الْحَرْثِ وَالنَّسْل.

ومنها : إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ حَكيمٌ، وَلَا يَكونُ الْحَكيمُ، وَلَا يُوصَفُ بِالْحِكْمَةِ إِلَّا الَّذِي يَحْظُرُ الْفَسَادَ، وَيَأْمُرُ بِالصَّلاح، وَيَزْجُرُ عَنِ الظُّلم، وَيَنْهَى عَنِ الْفَوَاحِشِ، وَلَا يَكونُ حَظْرُ الْفَسَادِ، وَالْأَمْرُ بِالصَّلاحِ، وَالنَّهْي عَنِ الْفَوَاحِشِ إِلَّا بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِاللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَمَعْرِفَةِ الْآمِرِ وَالنَّاهِي.

وَلَوْ تُرِكَ النَّاسُ بِغَيْرِ إِقْرَارِ بِاللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا مَعْرِفَتِهِ لَمْ يَثْبُتْ أَمْرٌ بِصَلاحٍ وَلَا نَهْي عَنْ فَسَادٍ؛ إِذْ لَا أَمِرَ وَلَا ناهِي.

ومنها : إِنَّا وَجَدْنَا الْخَلْقَ قَدْ يَفْسُدُونَ بِأمورٍ باطِنَةٍ مَسْتورَةٍ، فَلَوْلا الْإِقْرَارُ بِاللّه وَخَشْيَتُهُ بِالْغَيْبِ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ إِذا خَلا بِشَهْوَتِهِ وَإِرادَتِهِ يُراقِبُ أَحَداً فِي تَرْكِ مَعْصِيَةٍ، وَانْتِهاكِ حُرْمَةٍ، وَارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ إِذا كانَ فِعْلُهُ مَسْتوراً عَنِ الْخَلْقِ غَيْرُ مُراقب لأحَدٍ، فَكانَ يَكونُ في ذلِكَ خِلافُ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، فَلَمْ يَكُنْ قِوامُ الْخَلْقِ وَصَلاحُهُمْ إِلَّا بِالْإِقْرارِ مِنْهُمْ بِعَلِيم خَبِيرٍ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى، آمِرِ بِالصَّلاحِ، ناهِ عَنِ الْفَادِ، لَا تَخْفى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، لِيَكُونَ فِي ذلِكَ انْزِجَارٌ لَهُمْ عَمَّا يَخْلُونَ بِهِ مِنْ أَنْواع الْفَسادِ» (1).

إنّ أوثق عملية لاستئصال الجريمة وإقصائها عن الفرد والمجتمع، وتطهير الأرض من الذنوب والآثام، هو غرس الإيمان باللّه تعالى في أعماق النفوس، ودخائل القلوب، والاعتقاد بأنّه تعالى بالمرصاد لكل من يقترف جريمة وإثماً في حق نفسه ومجتمعه، وأنه سيعاقبه بأقسى ألوان العقاب عليها.

ومن الطبيعي أنّ الإنسان بمقتضى حبّه لذاته، وسعيه لطلب الخير له، سوف يمتنع من اقتراف أي ذنب يؤدّي إلى هلاكه وشقائه.

لقد ازدادت الجرائم في هذه العصور، وازدادت العمليات الإرهابية، كقتل الأبرياء، واختطاف الطائرات، وما شابه ذلك من الجرائم والموبقات، وذلك مسبب عن ضعف الإيمان باللّه، وقلة الوازع الديني في النفوس.

إن الإيمان باللّه تعالى تبتنى عليه قوى الخير والسلام في الأرض، وأنه أوثق طريق لإشاعة العدل والأمن والرخاء بين الناس، وبقلّة الإيمان وانعدامه ستزداد محنة الإنسان وشقاؤه وبلاؤه.


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 100.

2 - الإقرار اللّه بالوحدانيّة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ أَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِقْرارَ وَالْمَعْرِفَةَ بِأَنَّ اللّه وَاحِدٌ أَحَدٌ ؟

قيل : لِعِللٍ :

منها : أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمُ الْإِقْرَارُ وَالْمَعْرِفَةِ لَجَازَ أَنْ يَتَوَهُموا مُدَبِّرَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ، وَإِذا جاز ذلِكَ لَمْ يَهْتَدُوا إِلَى الصّانِع لَهُمْ مِنْ غَيْرِهِ؛ لأَنَّ كلّ إِنْسانِ مِنْهُمْ كَانَ لَا يَدْري؛ لأنَّهُ إِنَّما يَعْبُدُ غَيْرَ الَّذِي خَلَقَهُ، وَيُطيعُ غَيْرَ الَّذِي أَمَرَهُ، فَلَا يَكونُونَ عَلَى حَقيقَةٍ مِنْ صائِعِهِمْ وَخالِقِهِمْ، وَلَا يَثْبُتُ عِنْدَهُمْ أَمْرُ آمِرٍ، وَلَا نَهْي ناءٍ، إِذا لَا يُعْرَفُ الأمِرُ بِعَيْنِهِ، وَلَا النَّاهِي مِنْ غَيْرِهِ.

ومنها : أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ اثْنَيْنِ لَمْ يَكُنْ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَوْلَىٰ بِأَنْ يُعْبَدَ وَيُطاعَ مِنَ الْآخَرِ، وَفِي إِجازَةِ أَنْ يُطاعَ ذلِكَ الشَّريك إِجازَةً أَنْ لَا يُطاعَ اللّه، وَفي إِجازَةِ أَنْ لا يُطاعَ اللّه كُفْرٌ بِاللّه وَبِجَميع كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَإِنْباتُ كلّ باطِلِ، وَتَرْكُ كلّ حَقٌّ، وَتَحْلِيلُ كلّ حَرامٍ، وَتَحْرِيمُ كلّ حَلالٍ، وَالدُّخولُ في كلّ مَعْصِيَةٍ، وَالْخُروجُ مِنْ كلّ طَاعَةٍ، وَإباحَةُ كلّ فَسادٍ، وَإبْطالُ كلّ حَقٌّ.

ومنها : أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَكونَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ لَجازَ لإِبْلِيسَ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ ذَلِكَ الْآخَرَ حتّى يُضادُ اللّه تَعالى في جَميع حُكْمِهِ، وَيَصْرِفَ الْعِبادَ إِلى نَفْسِهِ، فَيَكونُ في ذلِك أَعْظَمُ الْكُفْر، وَأَشَدُّ النِّفاق» (1).

وحكى هذا المقطع ضرورة الإيمان بوحدانية اللّه تعالى، واستحالة وجود شريك له، وقد أدلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأدلته الرائعة على ذلك، وأنّه يلزم من وجود شريك اللّه تعالى اختلال النظام، وفساد الكون، وانعدام التوازن في هذه العوالم.


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 102.

3 - اللّه ليس كمثله شيء

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ الْإِقْرَارَ بِاللّه بِأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ؟

قيلَ : لِعِلَلٍ :

منها : أَنْ لَا يَكونوا قاصِدينَ نَحْوَهُ بِالْعِبادَةِ وَالطَّاعَةِ دونَ غَيْرِهِ، غَيْرُ مُشْتَبِهِ عَلَيْهِمْ أَمْرُ رَبِّهِمْ وَصائِعِهِمْ وَرَازِقِهِمْ.

ومنها : أَنَّهُمْ لَوْلا يَعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَمْ يَدْرُوا لَعَلَّ رَبَّهُمْ وَصانِعَهُمْ هَذِهِ الأَصْنامُ الَّتي نَصَبَها لَهُمْ آبَاؤُهُمْ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنِّيرانُ، إِذا كَانَ جَائِزاً أَنْ يَكونَ عَلَيْهِمْ مُشْتَبِهٌ، وَكانَ يَكونَ فِي ذلِكَ الْفَسادُ وَتَرْلُ طاعاتِهِ كُلَّهَا، وَارْتِكَابُ مَعَاصِيهِ كُلَّها عَلَىٰ قَدْرِ ما يَتَنَاهَىٰ إِلَيْهِمْ مِنْ أَخْبَارِ هَذِهِ الْأَرْبَابِ وَأَمْرِها وَنَهْيِها.

ومنها : أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْرِفُوا أَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَجَازَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَجْرِي عَلَيْهِ ما يَجْرِي عَلَى الْمَخْلُوقينَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْجَهْلِ، وَالتَّغْييرِ، وَالزَّوالِ وَالْفَناءِ، وَالْكَذِبِ، وَالْإِعْتِدَاءِ، وَمَنْ جازَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَشْياءُ لَمْ يُؤْمَنْ فَنَاؤُهُ، وَلَمْ يُوثَقٌ بِعَدْلِهِ، وَلَمْ يُحَقِّقْ قَوْلُهُ، وَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ، وَوَعْدُهُ وَوَعِيدَهُ، وَثَوابُهُ وَعِقابُهُ، وَفِي ذلِكَ فَسادُ الْخَلْقِ، وَإِبْطالُ الرُّبوبيّة» (1).

ذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا المقطع العلل الوثيقة التي توجب على العباد الإيمان بأنّ اللّه تعالى ليس كمثله شيء، ولا شبيه له ؛ إذ لو كان له مثل لجرى عليه تعالى ما يجري على المخلوقين من العجز والجهل والفناء، وغير ذلك، وفي ذلك فساد الخلق وإبطال الربوبيّة.


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 103.

4 - العلّة في تكليف العباد

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : لِمَ أَمَرَ اللّه تَعَالَى الْعِبادَ وَنَهَاهُمْ ؟ قيلَ : لأَنَّهُ لَا يَكونُ بَقاؤُهُمْ وَصَلاحُهُمْ إِلَّا بِالأمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْمَنْعِ مِنَ الْفَسَادِ وَالتَّغَاصُبِ» (1).

أفاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّ العلّة في التكاليف الشرعيّة من الواجبات والمحرمات، هي بقاء الإنسان واستمرار وجوده، ففيها صلاحه والمحافظة على أمنه ومصالحه وسعادته، وفي تركها شقاؤه وهلاكه

5 - العلة فى معرفة الرسل

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةَ الرُّسُلِ، وَالْإِقْرارَ بِهِمْ، وَالْإِذْعانَ لَهُمْ بِالطَّاعَةِ ؟

قيل : لأَنَّهُ لَمّا أَنْ لَمْ يَكُنْ فِي خَلْقِهِمْ وَقِواهُمْ ما يُكْمِلُونَ بِهِ مَصالِحَهُمْ، وَكَانَ الصَّانِعُ مُتَعالِياً عَنْ أَنْ يُرى، وَكانَ ضَعْفُهُمْ وَعَجْرُهُمْ عَنْ إدْراكِهِ ظَاهِراً، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُد مِنْ رَسولٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مَعْصوم، يُؤَدِّي إِلَيْهِمْ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَأَدَبَهُ، وَيَقِفُهُمْ عَلَى مَا يَكُونُ بِهِ اجْتِرارُ مَنافِعِهِمْ وَمَضارِّهِمْ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَتَهُ وَطاعَتَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي مَجِيء الرَّسولِ مَنْفَعَةٌ، وَلَا سَد حاجَةٍ، وَلَكَانَ إِتْيانُهُ عَبَثاً لِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ وَلَا صَلاحٍ، وَلَيْسَ هذا مِنْ صِفَةِ الْحَكيمِ الَّذِي أَتْقَنَ كلّ شَيْءٍ» (2).

وحكى هذا المقطع الأسباب الموجبة لمعرفة الرسل، والإقرار بنبوّتهم وضرورة تصديقهم، وإلّا كانت معرفتهم عبثاً ولغواً.


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 110.

2) عيون أخبار الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 107.

6 - الحكمة في إطاعة أولى الأمر

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ جَعَلَ أُولِي الْأَمْرِ وَأَمَرَ بِطَاعَتِهِمْ ؟

قيلَ : لِعِلَلٍ كَثِيرَةٍ :

منها : أَنَّ الْخَلْقَ لَمَا وُقِفُوا عَلَى حَدَّ مَحْدودٍ، وَأُمِرُوا أَنْ لَا يَتَعَدُّوا ذلِكَ الْحَدِّ لِمَا فِيهِ مِنْ فَسادِهِمْ، لَمْ يَكُنْ يَثْبُتُ ذلِكَ وَلَا يَقومُ إِلَّا بِأَنْ يَجْعَلَ فيهِ أَميناً يَمْنَعُهُمْ مِنَ التَّعَدِّي، وَالدُّخولِ فيما حُظِرَ عَلَيْهِمْ، لأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذلِكَ لَكَانَ أَحَدٌ لَا يَتْرُكُ لَذَّتَهُ وَمَنْفَعَتَهُ لِفَسادِ غَيْرِهِ، فَجَعَلَ عَلَيْهِمْ قَيْماً يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْفَسادِ، وَيُقيمُ فيهِمُ الْحُدودَ وَالأَحْكامَ.

ومنها : إِنَّا لَا نَجِدُ فِرْقَةٌ مِنَ الْفِرَقِ، وَلَا مِلَّةَ مِنَ الْمِلَلِ بَقَوا وَعاشوا إِلَّا بِقَيِّمِ وَرَئِيسٍ، وَلَمَّا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيا، فَلَمْ يَجُزْ فِي حِكْمَةِ الْحَكِيم أَنْ يَتْرُكَ الْخَلْقَ مِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَلَا قِيامَ إِلَّا بِهِ، فَيُقاتِلُونَ بِهِ عَدُوَّهُمْ، وَيَقْسِمُونَ فَيْئَهُمْ وَيُقيمُ لَهُمْ جُمَعَهُمْ وَجَمَاعَتَهُمْ، وَيَمْنَعُ ظَالِمَهُمْ مِنْ مَظْلُومِهِمْ.

ومنها : أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ إِمَاماً قَيِّماً أَميناً حافِظاً مُسْتَوْدَعَا لَدَرَسَتِ الْمِلَّهُ، وَذَهَبَ الدِّينُ، وَغُيِّرَتِ السُّنَنُ وَالأَحْكامُ، وَلَزادَ فيهِ الْمُبْتَدعونَ، وَنَقَصَ مِنْهُ الْمُلْحِدُونَ، وَشَبَّهوا ذلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، لأَنا وَجَدْنَا الْخَلْقَ مَنْقوصينَ مُحْتاجينَ غَيْرَ كَامِلِينَ، مَعَ اخْتِلافِهِمْ وَاخْتِلافِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشَتَّتِ أَنْحائِهِمْ، فَلَوْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ قَيِّماً حافِظاً لِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، لَفَسَدُوا عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَا، وَغُيِّرَتِ الشَّرائِعُ وَالسُّنَنُ، وَالأَحْكامُ وَالْإِيْمَانُ، وَكانَ فِي ذلِكَ فَسَادُ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ» (1).

وتحدّث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا المقطع عن ضرورة الإمامة، وأنّها عنصر أساس لإقامة


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 100 و 101.

الحياة الإسلاميّة، وإقامة حدود اللّه تعالى وأحكامه، وقد أقام الإمام على ذلك المزيد من العلل والأسباب.

7 - الإمامة من نسل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ لَا يَجوزُ أَنْ يَكونَ الْإِمَامُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الرَّسولِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟

قيل : لِعِلل :

منها : أَنَّهُ لَمّا كانَ الْإِمَامُ مُفْتَرَضَ الطَّاعَةِ، لَمْ يَكُنْ بُدٌ مِنْ دَلَالَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَيَتَمَيَّز بِها مِنْ غَيْرِهِ، وَهِيَ الْقَرابَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَالْوَصِيَّةُ الظَّاهِرَةُ لِيُعْرَفَ مِنْ غَيْرِهِ، وَيُهْتَدَى إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ.

ومنها : أَنَّهُ لَوْ جَازَ فِي غَيْرِ جِنْسِ الرَّسُولِ، لَكَانَ قَدْ فُضَّلَ مَنْ لَيْسَ بِرَسُولٍ عَلَى الرُّسُلِ: إِذْ جُعِلَ أَوْلادُ الرَّسولِ أَتْباعاً لأَوْلادِ أَعْدائِهِ، كَأَبِي جَهْلِ وَابْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، لأَنَّهُ قَدْ يَجوزُ بِزَعْمِهِمْ أَنْ يَنتَقِلَ ذلِكَ في أَوْلادِهِمْ إذا كانوا مُؤْمِنينَ، فَيَصيرُ أَوْلادُ الرَّسولِ تابعينَ، وَأَوْلادُ أَعْداءِ اللّه وَأَعْداهُ رَسولِهِ مَتبوعينَ، فَكانَ الرَّسُولُ أَوْلَى بِهَذِهِ الْفَضيلَةِ مِنْ غَيْرِهِ وَأَحَقَّ.

ومنها : أَنَّ الْخَلْقَ إِذا أَفَرُوا لِلرَّسُولِ بِالرِّسالَةِ، وَأَذْعنوا لَهُ بِالطَّاعَةِ لَمْ يَتَكَبَّرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَتَّبِعَ وَلَدَهُ، وَيُطيعَ ذُرِّيَّتَهُ، وَلَمْ يَتَعاظَمْ ذلِكَ في أَنْفُسِ النَّاسِ، وَإِذا كانَ ذلِكَ في غَيْرِ جِنْسِ الرَّسولِ كَانَ كلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُمْ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَدَخَلَهُمْ مِنْ ذلِكَ الْكِبْرُ، وَلَمْ تَسْخُ أَنْفُسُهُمْ بِالطَّاعَةِ، لِمَنْ هُوَ عِنْدَهُمْ دونَهُمْ، فَكَانَ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ إِلَى الْفَسَادِ وَالنِّفَاقِ وَالْإِخْتِلافِ» (1).


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 102.

لقد أقام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه التعاليل الوثيقة على ضرورة كون الإمام من نسل النبيّ ومن ذرّيّته، فإنّه أدعى لشمل الأمة، وجمع الكلمة، واجتنابها ويلات التفرقة والاختلاف، كما حدث ذلك حينما أقصيت العترة الطاهرة عن مراكز الحكم والمسؤوليّة، فاختلفت الأمة، وشاعت فيها الأهواء، وسادت فيها الفتن والعداوات، وكان ذلك من أعظم ما منيت به الأمّة من الكوارث والخطوب.

علل الأحكام الشرعيّة

إشارة:

وأدلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكثير من علل الأحكام الشرعيّة، وأسباب تشريعها، وذلك فيما كتبه من أجوبة لأسئلة محمّد بن سنان، وما نقله عنه الفضل بن شاذان، ويعتبر ذلك من أروع البحوث، وأكثرها فائدة، لأنّها تلقي الأضواء على الأسباب الوثيقة التي من أجلها قنن الشارع العظيم أحكامه المقدّسة، وفيما يلي ذلك :

أحكام الطهارة

1 - غسل الجنابة

وتحدّث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الأسباب التي دعت الشارع إلى إلزامه بالغسل من الجنابة، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «عِلَّةً غُسْل الْجَنابَةِ : النَّظافَةُ، وَتَطْهِيرُ الْإِنْسانِ نَفْسَهُ مِمَّا أَصَابَ مِنْ أَذَاهُ، وَتَطْهِيرُ سَائِرِ جَسَدِهِ؛ لأَنَّ الْجَنابَةَ خارِجَةٌ مِنْ كلّ جَسَدِهِ، فَلِذلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ تَطْهِيرُ جَسَدِهِ كُلِّهِ» (1).

وبين الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الغايات السامية التي من أجلها شرع الإسلام غسل الجنابة، وهي :

النظافة : وعنى الإسلام عناية بالغة بالنظافة، واعتبرها من الإيمان؛ لأنها من أحدث الوسائل في الوقاية من الأمراض، التي تنشأ معظمها من الأوساخ والقذارة، والغسل من أظهر وسائل الطهارة والنظافة للجسم.

إعادة الحيوية للجسم : إن الجنابة توجب نحول الجسم وذبوله، والغسل يعيد للبدن نشاطه وحيويته، وقد أكدت ذلك البحوث الطبية الحديثة.


1) عيون أخبار الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 88.

2- غسل العيدين والجمعة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيما أجاب به عن أسئلة محمّد بن سنان : «وَعِلَّةٌ غُسْلِ الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ، وَغَيْرِ ذلِكَ مِنَ الْأَغْسَالِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، وَاسْتِقْبَالِهِ الْكَرِيمَ الْجَلِيلَ، وَطَلَبِ الْمَغْفِرَةِ لِذُنوبِهِ، وَلِيَكونَ لَهُمْ يَوْمُ عِيدٍ مَعْرُوفٌ، يَجْتَمِعُونَ فِيهِ عَلى ذِكْرِ اللّه تَعالى، فَجَعَلَ فِيهِ الْغُسْلَ تَعْظيماً لِذلِكَ الْيَوْمِ، وَتَفْضِيلاً لَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَزِيادَةٌ فِي النَّوافِلِ وَالْعِبَادَةِ، وَلِتَكُونَ تِلْكَ طَهَارَةٌ لَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ» (1).

ويستحبّ الغسل يوم عيد الأضحى، وعيد الفطر، ويوم الجمعة، وغيرها من المناسبات الدينيّة، كيوم عيد الغدير، وزيارة مراقد الأئمّة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وغير ذلك مما ذكره الفقهاء، وقد عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الحكمة في تشريع الغسل في هذه الموارد، وهي :

1 - تعظيم الإنسان لخالقه العظيم، وطلب العفو والمغفرة منه تعالى.

2 - تعظيم الأعياد، وتحفيز المسلمين إلى الاجتماع والتآلف فيما بينهم.

3 - تفضيل تلك الأيّام على غيرها من أيّام السنة؛ لوقوع هذه المناسبة العظيمة فيها.

4 - زيادة العبادة، وإحياء تلك الأيّام بذكر اللّه تعالى.

5 - وأمّا الغسل في يوم الجمعة فحكمته أن يكون البدن على طهارة ونظافة من الجمعة إلى الجمعة.

3 - غسل الميّت

وعلّل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجوب غسل الميّت بتعليلين :


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) الان : 2 : 88 – 89.

الأول : قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَعِلَّةٌ غُسْلِ الميّت أَنَّهُ يُغْسَلُ لأَنَّهُ يَطْهُرُ وَيَنْظَفُ مِنْ أَدْنَاسِ أَمْراضِهِ، وَما أَصابَهُ مِنْ صُنوفِ عِلَلِهِ، لأَنَّهُ يَلْقَى الْمَلائِكَةَ وَيُباشِرُ أَهْلَ الْآخِرَةِ، فَيُسْتَحَبُّ إِذا وَرَدَ عَلَى اللّه، وَلَقِيَ أَهْلَ الطَّهَارَةِ، وَيُمَاسَونَهُ وَيُمَاسَهُمْ أَنْ يَكونَ طاهِراً نَظيفاً، مُوَجَهَا بِهِ إِلَى اللّه لِيَطْلُبِ بِهِ وَيَشْفَعَ لَهُ».

الثاني : قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَعِلَّةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ الذي مِنْهُ خُلِقَ، فَيُجْنِبُ، فَيَكونُ غُسْلُهُ لَهُ» (1).

وعني الإسلام عناية بالغة بأموات المسلمين، وقد دعا المسلمين إلى تشييعهم ومواساة أهلهم بمصابهم، وأوجب على المسلمين وجوباً كفائياً تغسيلهم والصلاة عليهم ومواراتهم، وقد علل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لزوم تغسيلهم بما يلي :

1 - تطهير الميّت من القذارة والجراثيم التي في جسمه من جراء مرضه، وذلك بغسله بماء السدر والكافور، وهما من معقمات البدن.

2 - إنّ الميّت بعد تغسيله يكون طاهراً نظيفاً، فإذا كان مؤمناً صافح الملائكة والمؤمنين من أهل الآخرة.

3 - إنّ آخر ما يخرج من الميّت هو الحويمن الذي خلق منه، وبهذا يستحقّ الغسل، وقد أكدت بعض النظريات الحديثة هذه الجهة، وذهبت إلى أنّ الحويمن الذي تكوّن منه الإنسان يبقى حياً، ومنه يبعث، وينتشر يوم القيامة.

وعلى أي حال، فإنّ أروع ما قنّن للأموات من الأحكام، هو ما قننه الإسلام لهم من التغسيل والمواراة في الأرض.

4 - غسل مسّ الميّت

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَعِلَّةُ اغْتِسالِ مَنْ غَسَّلَهُ أَوْ مَسَّهُ، فَطَهَارَةٌ لِما أَصابَهُ مِنْ نَضْحِ الميّت ؛


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 89.

لأنَّ الميّت إِذا خَرَجَتِ الرّوحُ مِنْهُ بَقِيَ أَكْثَرُ آفَتِهِ، فَلِذلِكَ يُتَطَهَّرُ مِنْهُ وَيُطَهَّرُ» (1).

إذا لامس الإنسان الميّت بعد برده وجب عليه الغسل، وكذلك إذا غسله، وقد علّل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجوب الغسل بأنّ الإنسان بعد موته يكون كتلة من الجراثيم، فيجب على من لامسه الغسل للتخلّص لامسه الغسل للتخلّص من الإصابة بها.

5 - عدم وجوب الغسل للبول والغائط

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَعِلَّةُ التَّخْفِيفِ فِى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ ؛ لأَنَّهُ أَكْثَرُ وَأَدْوَمُ مِنَ الْجَنابَةِ، فَفَرَضَ فيهِ بِالْوُضوءِ لِكَثْرَتِهِ وَمَشَقَّتِهِ، وَمَجِيئِهِ بِغَيْر إِرادَةٍ مِنْهُمْ وَلَا شَهْوَةٍ، وَالْجَنابَةُ لَا تَكونُ إِلَّا بِاسْتِلْذاذِ مِنْهُمْ وَالْإِكْراهُ لأَنْفُسِهِمْ» (2).

وعلّل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عدم وجوب الغسل للبول والغائط، واكتفى فيه بالطهارة للموضعين؛ لأنّ إيجاب الغسل فيه مشقّة شديدة، وخرج لا يطاق، فلذا رفعه الشارع.

6 - الوضوء
إشارة:

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ أُمِرُوا بِالْوُضُوءِ وَبُدِئَ بِهِ ؟

قيلَ لَهُ : لأَنْ يَكونَ الْعَبْدُ طَاهِراً إِذا قامَ بَيْنَ يَدَى الْجَبَارِ، وَعِنْدَ مُناجاتِهِ لَهُ، مُطيعاً لَهُ فيما أَمَرَهُ، نَقِيّاً مِنَ الْأَدْناسِ وَالنَّجَاسَةِ، مَعَ ما فيهِ مِنْ ذَهَابِ الْكَسَلِ، وَطَرْدِ النَّعَاسِ، وَتَزْكِيَةً لِلْفُؤادِ بَيْنَ يَدَى الْجَبّار» (3).


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1: 96.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 95.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 111.

علّل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجوب الوضوء بالمناحي الروحية، وهي :

1 - أنّ الوضوء مقدّمة للصلاة، وجوهر الصلاة هو الإقبال على اللّه، خالق الكون وواهب الحياة، وعلى المصلّي أن يتخلّص من شواغل الحياة، ويتجه بمشاعره وعواطفه نحو اللّه تعالى.

وكان الإمام الحسن سيّد شباب أهل الجنّة وريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إذا وقف للصلاة ترتعد فرائصه، ويصفر لونه، وسئل عن سبب ذلك، فقال إنه واقف بين يدي ملك جبّار، فالوضوء مقدّمة لهذه العبادة العظيمة، وهو عبارة عن نظافة الجسم من الأقذار والأدناس، وهذا مما يناسب عظمة الصلاة.

2 - إن الوضوء يطرد الكسل، ويذهب النعاس، ويهيّئ المصلّي للصلاة بنشاط وحيوية.

3 - إنّ في الوضوء تزكية للفؤاد، وطهارة للنفس؛ لأنّه مقدّمة للوقوف بين يدي اللّه تعالى.

ويضاف لهذه الفوائد الروحيّة التي تفضّل بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإن فيه فوائد صحية بالغة الأهمية، كان منها أنّه يقي العيون من الإصابة بالرمد لأنها تغسل بالماء النظيف عدة مرات في اليوم.

ومنها : غسل الأنف بماء بارد، وهو مما يقي من الإصابة بالزكام الذي هو مفتاح الأمراض.

ومنها: إن غسل الوجه واليدين يقيهما من الإصابة بالأمراض الجلدية والالتهابات، فقد ذكر في الطب الحديث إن كثيراً من الميكروبات تصيب الإنسان من طريق اختراق الجلد، خصوصاً طفيليات الديدان، ولا شك أنّ الغسل المتكرّر للمواضع المكشوفة من بدن الإنسان من أهم طرق الوقاية من الإصابة بها.

ومنها : إنّ الجراثيم التي تدخل إلى الفم فإنّما هي من طريق تلويث الأيدي،

فإذا كانت الأيدي مغسولة نظيفة على الدوام، كانت أحسن وقاية من الإصابة بتلك الجراثيم (1).

أفعال الوضوء

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَجُعِلَ الْمَسْحُ عَلَى الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ ؟ وَلِمَ يُجْعَلْ ذلِكَ غُسْلاً كُلَّهُ أَوْ مَسْحاً كُلَّهُ ؟

قيل : لِعِلَل شَتّى :

منها : أَنَّ الْعِبادَةَ الْعُظمى إِنَّما هي الركوع والسجودُ، وَإِنَّما يَكونُ الرُّكوع والسجود بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لَا بِالرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ

ومنها : أَنَّ الْخَلْقَ لَا يُطيقونَ في كلّ وَقْتِ غَسْلَ الرَّأْسِ وَالرَّجْلَيْنِ، وَيَشْتَدُّ ذلِكَ عَلَيْهِمْ فِي الْبَرْدِ وَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ وَأَوْقاتٍ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَغَسْلُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ أَخَفُ مِنْ غُسْلِ الرَّأْسِ وَالرَّجْلَيْنِ، وَإِذا وُضِعَتِ الْفَرائِضُ عَلَىٰ قَدْرِ أَقَلَّ النَّاسِ طَاعَةً مِنْ أَهْلِ الصَّحَّةِ، ثُمَّ عُمَّ فيها الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ.

ومنها : أنَّ الرأْسَ وَالرِّجْلَيْنِ لَيْسا في كلّ وَقْتِ بادِيَيْنِ ظَاهِرَيْنِ كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، لِمَوْضِعَ الْعِمامَةِ وَالْخُفَّيْن وَغَيْر ذلك» (2).

الوضوء عند أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) : الغسل الوجه واليدين، ومسح الرأس والرجلين، وقد ذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) علل هذه الأفعال، وهي :

1 - إن الصلاة التي من أجلها شرّع الوضوء قوامها الركوع والسجود، وهما يقومان بالوجه واليدين، فالغسل يكون لهما لا لغيرهما.


1) الإسلام والطب الحديث : 62 و 63.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 104.

2 - إنّ في غسل الرأس والرجلين مشقة عظيمة، وحرجاً شديداً، خصوصاً في أيّام البرد والسفر والمرض، فاكتفى الشارع بالمسح لها.

3 - إنّ الأعضاء البارزة في جسم الإنسان : هي الوجه واليدان دون غيرهما، فالغسل يكون لها.

وعلّل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيما كتبه لمحمّد بن سنان بتعليل آخر يقرب من هذا التعليل.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَعِلَّةَ الوضوءِ الَّتِي مِنْ أَجْلِها صَارَ غُسْلُ الْوَجْهِ وَالذِّراعَيْنِ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ وَالرَّجُلَيْنِ، فَلِقِيامِهِ بَيْنَ يَدَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَ اسْتِقْبَالِهِ إِيَّاهُ بِجَوَارِحِهِ الظَّاهِرَةِ، وَ مُلاقاتِهِ بِهِمَا الْكِرَامَ الْكَاتِبينَ.

فَغَسْلُ الْوَجْهِ لِلسُّجودِ وَالْخُضوع، وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ لِيَقْلِبَهُما، وَيَرْغَبُ بِهِمَا، وَيَرْهَبُ. وَيَتَبَتَّلُ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ وَالْقَدَمَيْنِ لأَنَّهُما ظَاهِرانِ مَكْشوفانِ، يَسْتَقْبِلُ بِهِما في كلّ حالاتِهِ، وَلَيْسَ فِيهِما مِنَ الْخُضوعِ وَالتَّبَتُّلُ مَا فِي الْوَجْهِ وَالذِّراعَيْنِ» (1).

وهذا التعليل قريب من التعليل الأول، وهو ظاهر لا يحتاج لإيضاح.

أحكام الصلاة

إشارة:

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ أُمِرُوا بِالصَّلاةِ ؟

قيلَ: لأَنَّ الصَّلاةَ الْإقرارُ بِالرُّبوبِيَّةِ، وَهُوَ صَلاحٌ عام؛ لأنَّ فِيهِ خَلْعَ الْأَنْدادِ، وَالْقِيامُ بَيْنَ يَدَيِ الْجَبَارِ بِالذُّلِّ وَالْإِسْتِكانَةِ وَالْخُضوع وَالْخُشوع، وَالْإِعْتِرَافُ وَطَلَبُ الْإِقالَةِ مِنْ سالِفِ الذُّنوبِ، وَوَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ كلّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيَكُونَ الْعَبْدُ ذَاكِراً للّه غَيْرَ نَاسٍ لَهُ، وَيَكونَ خاشِعاً وَجِلاً مُتَذَلُلاً طالباً راغِباً في الزِّيَادَةِ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْإِنْزِجَارِ عَنِ الْفَسَادِ، وَصَارَ ذلِكَ عَلَيْهِ فِي كلّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِئَلَّا يَنْسَى الْعَبْدُ مُدَبِّرَهُ


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 89.

وَخالِقَهُ، وَالْقِيامُ بَيْنَ يَدَي رَبِّهِ، زاجِراً لَهُ عَنِ الْمَعاصِي، وَحاجزاً وَمَانِعاً لَهُ عَنْ أَنواع الفساد» (1).

الصلاة معراج المؤمن وقربان كلّ تقيّ، وقد أدلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببعض المصالح والحكم في تشريعها، وهي :

1 - من فوائد الصلاة وثمراتها : الإقرار بالعبوديّة المطلقة اللّه تعالى الخالق العظيم الذي ليس كمثله شيء، وعلى المصلّي أن يزداد في خشوعه وخضوعه وتذلّله أمام اللّه، ويطلب منه العفو والغفران من ذنوبه التي اقترفها في حياته.

2 - إن الصلاة إذا وقعت صحيحة جامعة للشرائط، فإنّها تقي الإنسان من المعاصي، وتزجره عن المنكر، وتوجهه نحو الخير.

3 -. إنّ تكرار الصلاة في كلّ يوم من حكمته أن يكون الإنسان على صلة وثيقة ودائمة بخالقه ومدبّر شؤونه، ومضافاً لهذه الثمرات التي أدلى بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنّها من أقوى الأسباب التي تمد المجتمع الإنساني بالقوى الروحية الخلاقة.

إنّ الإنسان إذا لم تتصل روحه بخالقها، فإنّه تظهر عليه مظاهر الوحشة والاكتئاب، والصلاة تتيح له الاتصال بالمبدأ الفياض، فتزيل عنه ما ألم به من الهلع والوحشة والاكتئاب، وتودع فيه قوة نفسيّة يستطيع بها أن يقف أمام الأحداث التي يمني بها.

1 - أذان الصلاة
إشارة:

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : أَخْبِرْنِي عَنِ الْأَذَانِ لِمَ أُمِرُوا بِهِ ؟

قيلَ : لِعِلَلٍ كَثيرَةٍ :


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 103 و 104.

منها : أَنْ يَكونَ تَذكيراً لِلسّاهي، وَتَنبيهاً لِلْغافِلِ، وَتَعْرِيفاً لِمَنْ جَهِلَ الْوَقْتَ، وَاشْتَغَلَ عَنِ الصَّلاةِ، وَلِيَكونَ ذلِك داعياً إلى عِبادَةِ الْخالِقِ، مُرَغْباً فيها، مُقرّاً لَهُ بِالتَّوْحِيدِ، مُجَاهِراً بِالْإِيمَانِ، مُعْلِنَا بِالْإِسْلامِ، مُؤذِنَا لِمَنْ نَسِيَها (1).

وَإِنَّما يُقالُ : مُؤَذِّنٌ لأَنَّهُ يُؤَذِّنُ بِالصَّلاةِ» (2).

وتحدّث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الحكمة في تشريع أذان الإعلام، وهي :

1 - تذكير الساهي للصلاة، وتنبيه الغافل، ليقوم بتأدية هذه الفريضة.

2 - التعريف بدخول وقت الصلاة ليستعدّ المسلمون لأدائها فرادى وجماعة.

3 - إنّ الأذان دعوة لعبادة الخالق العظيم، وإقرار له بالتوحيد.

فصول الأذان
إشارة:

وحكى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) العلل في فصول الأذان، وهي :

1 - البدء بالتكبير

«فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ بُدى فيهِ - أي في الأذان بالتكبير - وَهُوَ اللّه أَكْبَرُ - قبل التهليل - وَهُوَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه ؟

قيلَ : لأَنَّهُ أَرادَ أَنْ يَبْدَأَ بِذَكِرِهِ وَاسْمِهِ، لأَنَّ اسْمَ اللّه تَعَالَى فِي التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِ الْحَرْفِ، وَفِي التَّهْلِيلِ في آخِرِ الْحَرْفِ، فَبَدَأَ بِالْحَرْفِ الَّذِي اسْمُ اللّه في أَوَّلِهِ لَا فِي آخِرِهِ» (3).

عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الحكمة في افتتاح الأذان بـ(اللّه أكبر) من دون أن يفتتح بـ(لا إله إلا اللّه)؛ وذلك ليبتدأ الأذان ويفتتح باسمه تعالى، بخلاف التهليل،


1) في العلل : «لمن يتساهى».

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 105.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 105.

فإنّ اسمه تعالى يكون في الآخر، وهذا غير مناسب لافتتاح الأذان.

2 - التكبير أربعاً

«فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَ التَّكْبِيرُ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ أَرْبَعاً ؟

قيلَ : لأَنَّ أَوَّلَ الْأَذانِ إِنَّمَا يُبْدَأُ غَفْلَةٌ، وَلَيْسَ قَبْلَهُ كَلامٌ يُنَبِّهُ الْمُسْتَمِعَ لَهُ، فَجَعَلَ ذلِكَ تَنْبيها لِلْمُسْتَمِعِينَ لِما بَعْدَهُ فِي الْأَذَانِ» (1).

الغاية من الأذان هي تنبيه المسلمين للاستعداد للصلاة، وجعل فيه التكبير أربعاً لهذه الغاية، كما يقول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

3 - فصول الأذان مثنى

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَلِمَ جُعِلَ - أي الأذان - مَثْنى مَثْنى ؟

قيلَ : لأَنْ يَكونَ مُكَرَّراً في آذانِ الْمُسْتَمِعِينَ، مُؤَكَّداً عَلَيْهِمْ إِنْ سَهَا أَحَدٌ عَنِ الأوّل لَمْ يَسْهَ عَنِ الثاني، وَلأَنَّ الصَّلاةَ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، وَلِذلِكَ جُعِلَ الأَذانُ مَثْنى مَثْنى» (2).

إنّ في كلّ فصل من فصول الأذان دعوة إلى الخير، ودعوة إلى الفلاح والنجاح، فتكرارها إنّما هو لأجل تثبيت هذه المفاهيم في أذهان السامعين.

4 - الشهادتان

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ شَهادَتَيْنِ ؟

قيلَ : لأَنَّ أَوَّلَ الْإِيمَانِ إِنَّمَا هُوَ التَّوْحِيدُ، وَالْإِقْرَارُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَالثَّانِي الْإِقْرارُ لِلرَّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بِالرِّسالَةِ، وَإِنَّ طَاعَتَهُما وَمَعْرِفَتَهُما مَقْرُونَتانِ، وَإِنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ إِنَّما هُوَ الشَّهَادَةُ، فَجَعَلَ الشَّهَادَتَيْنِ فِي الْآذانِ، كَما جَعَلَ فِي سَائِرِ الْحُقوقِ شَهَادَتَيْنِ،


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 105.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 105.

فَإِذا أَقَرُ اللّه بِالْوَحْدانِيَّةِ، وَأَقَرَّ لِلرَّسولِ بِالرِّسالَةِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِجُمْلَةِ الإيمان؛ لأنَّ أَصْلَ الإيمانِ إِنَّما هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللّه وَبِرَسولِهِ» (1).

ويفتتح الأذان بعد التكبير بالشهادتين : الشهادة اللّه تعالى بالوحدانية، والشهادة للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالرسالة، وهما أصل الإسلام وشعاره، فمن قال بهما فتترتب عليه آثار الإسلام، فيحقن دمه وماله، كما أن سائر الحقوق تثبت بشهادتين، فكذلك الإسلام يثبت بالشهادتين.

5 - الدعاء للصلاة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ الدُّعاءُ إِلَى الصَّلاةِ ؟

قيلَ : لأَنَّ الْأَذانَ إِنَّما وُضِعَ لِمَوْضِع الصَّلاةِ، وَإِنَّما هُوَ النَّدَاءُ إِلَى الصَّلاةِ، فَجُعِلَ النداءُ إِلَى الصَّلاةِ في وَسَطِ الآذانِ، فَقَدَّمَ الْمُؤَذِّنُ قَبْلَهَا أَرْبَعاً التَّكْبِيرَتَيْنِ وَالشَّهَادَتَيْنِ، وَأَخَّرَ بَعْدَها أَرْبَعاً يَدْعو إِلَى الْفَلَاحِ حَثَّا عَلَى الْبِرِّ، وَالصَّلَاةِ.

ثُمَّ دَعَا إِلى خَيْرِ الْعَمَلِ مُرَغَباً فِيهَا وَفِي عَمَلِهَا وَفي أَدائِها، ثُمَّ نادى بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ لِيم بَعْدَها أَرْبَعاً، كَما أَتَمَّ قَبْلَها أَرْبَعاً، وَلِيَخْتِمَ كَلامَهُ بِذِكْرِ اللّه كَما فَتَحَهُ بِذِكْرِ اللّه تعالى» (2).

واهتمّ الإسلام اهتماماً بالغاً بالصلاة، فجعلها في طليعة طقوسه الدينية، وشرّع الأذان للإعلام بدخول الوقت حتّى يتهيأ المسلمون لأداء هذه الفريضة الكبرى، وقد جعل في الأذان بعد الشهادتين، حي على الصلاة، وهي دعوة لإقامتها، كما أنّ الدعوة إلى الفلاح، وإلى خير العمل، في فصول الأذان شاملتان للصلاة، فهي من الفلاح كما أنها من خير الأعمال.


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 113.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 113.

6 - التهليل في آخر الأذان

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَ آخِرَها التهليلُ، وَلَمْ يُجْعَلْ آخِرَها التَّكْبِيرُ كَما جُعِلَ فِي أَوَّلِها التَّكْبِيرُ ؟

قيلَ : لأَنَّ التَّهْلِيلَ اسْمُ اللّه فِي آخِرِهِ، فَأَحَبَّ اللّه تَعَالَى أَنْ يُخْتَمَ الْكَلَامُ بِاسْمِهِ كَمَا فَتَحَهُ بِاسْمِهِ».

إنّ التهليل في آخر الأذان هو نفي كلّ معبود، وكلّ إله، سوى اللّه تعالى، مبدع الأكوان، وخالق الحياة، وكما فتح الأذان بـ«اللّه أكبر»، فقد ختم بـ«لا إله إلّا اللّه»، فكانت فاتحة الأذان هو اسم اللّه تعالى وخاتمته كذلك.

7 - التهليل دون التسبيح

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ لَمْ يُجْعَلْ بَدَلَ التَّهْلِيلِ التَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ، وَاسْمُ اللّه في آخرهما ؟

قيلَ : لأَنَّ التَّهْلِيلَ هُوَ إِقْرَارٌ للّه تَعَالَى بِالتَّوْحِيدِ، خَلْعُ الْأَنْدادِ مِنْ دُونِ اللّه، وَهُوَ أَوَّلُ الْإِيمَانِ، وَأَعْظَمُ مِنَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدِ» (1).

وعرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الحكمة في جعل التهليل آخر الأذان دون التسبيح، وهو «سبحان اللّه»، والتحميد وهو «الحمد اللّه» ؛ لأنّ التهليل أعظم منهما، فإنّه إقرار اللّه تعالى بالوحدانية، ونفي كلّ معبود سواه، ولا يعطى التسبيح والتحميد هذا المعنى.

2 - فصول الصلاة
إشارة:

وتحدّث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)لها عن الحكمة الكافية في معظم أجزاء الصلاة وشرائطها،


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2: 113.

وفيما يلي ذلك :

1 - رفع اليدين في التكبير

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ يَرْفَعُ - أي المصلي - الْيَدَيْنِ فِي التَّكْبِيرِ ؟

قيلَ : لأَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ هُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْإِبْتِهالِ وَالتَّبَتُّلِ وَالتَّضَرُّع.

فَأَحَبَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ فِي وَقْتِ ذِكْرِهِ لَهُ مُتَبَلاً مُتَضَرِّعاً مُبْتَهِلاً؛ وَلأَنَّ فِي رفع الْيَدَيْنِ إِحْضَارَ النِّيَّةِ، وَإِقْبالَ الْقَلْب عَلى ما قالَ وَفَصَدَهُ» (1).

أما رفع اليدين في التكبير فهو ضرب من ضروب العبودية المطلقة اللّه تعالى كما فيه إحضار للنيّة التي هي بداية الدخول في الصلاة.

2 - التكبيرات السبع

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَ التَّكْبِيرُ فِي الْإِسْتِفْتاح سَبْعَ تَكْبيرات ؟

قيلَ : إِنَّما جُعِلَ ذلِكَ لأَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الرُّكْعَةِ الأولى التي هِيَ الْأَصْلُ سَبْعُ تَكْبيراتٍ : تَكْبِيرَةُ الْإِسْتِفْتاح - وَهِيَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرامِ الَّتي يُفْتَحُ بِها الصَّلاةُ -، وَتَكْبِيرَةُ الرُّكوعِ - أي حين الهبوط لِلرُّكوع -، وَتَكْبِيرَتانِ للسُّجودِ، فَإِذا ذَكَرَ الْإِنْسَانُ أَوَّلَ الصَّلاةِ سَبْعَ تَكْبيراتٍ، فَقَدْ أَحْرَزَ التَّكْبِيرَ كُلَّهُ، فَإِنْ سَها في شَيْءٍ مِنْهَا أَوْ تَرَكَهَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ نَقْصُ في صَلاتِهِ» (2).

لهذه الغاية شرّعت التكبيرات السبع حين الدخول في الصلاة، وإحدى هذه التكبيرات تكبيرة الإحرام.


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 117.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 115.

3 - قراءة القرآن

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ أُمِرُوا بِالْقِراءَةِ - أي بقراءة القرآن - في الصَّلاةِ ؟

قيلَ: لِئَلَّا يَكونَ الْقُرْآنُ مَهْجوراً مُضَيَّعاً، وَلِيَكونَ مَحْفوظاً فَلا يَضْمَحِلَّ، وَلَا يُجْهَلَ» (1).

ولهذه الحكمة فقد أمر بقراءة الفاتحة وسورة أخرى من القرآن في الصلاة، في الركعة الأولى والثانية

4 - قراءة الفاتحة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ بُدِئَ بِالْحَمْدِ فِي كلّ قِراءَةٍ دونَ سَائِرِ السُّوَرِ ؟

قيلَ : لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ فِي الْقُرْآنِ وَالْكَلامِ جُمِعَ فِيهِ جَوامِعُ الْخَيْرِ وَالْحِكْمَةِ، مَا جُمِعَ في سورَةِ الْحَمْدِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى :

«الْحَمْدُ للّه» إِنَّمَا هُوَ أَداءٌ لِمَا أَوْجَبَ اللّه تَعَالَى عَلَىٰ خَلْقِهِ مِنَ الشُّكْرِ، وَشُكْرٌ لِما وَفَّقَ عَبْدُهُ لِلْخَيْرِ.

«رَبِّ الْعالَمِينَ» تَمْجِيدٌ لَهُ، وَتَحْمِيدٌ، وَإِقْرَارٌ، وَأَنَّهُ هُوَ الْخَالِقُ الْمَالِكُ لَا غَيْرَهُ.

«الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» اسْتِعْطَافٌ وَذِكْرٌ لَآلَائِهِ وَنَعْمَائِهِ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ.

«مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» إِقْرَارٌ لَهُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشورِ وَالْحِسابِ وَالْمُجازاةِ، وَإِيجَابٌ لَهُ مُلْكُ الْآخِرَةِ كَما أَوْجَبَ لَهُ مُلْكَ الدُّنْيا.

«وإِيَّاكَ نَعْبُدُ» رَغْبَةٌ وَتَقَرُّبٌ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَإِخْلَاصٌ بِالْعَمَلِ لَهُ دونَ غَيْرِهِ.

«وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» اسْتِرَادَةٌ مِنْ تَوْفِيقِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَاسْتِدامَتِهِ لِما أَنْعَمَ اللّه عَلَيْهِ وَبَصَرَهُ.


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 113.

«اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ» اسْتِرْشَادٌ لأَدَبِهِ، وَاعْتِصَامٌ بِحَبْلِهِ، وَاسْتِرَادَةٌ في الْمَعْرِفَةِ بِرَبِّهِ وَبِعَظَمَتِهِ وَبِكِبْرِيَائِهِ.

«صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» تَوْكِيدٌ فِي السُّؤالِ وَالرَّغْبَةِ، وَذِكْرٌ لِما تَقَدَّمَ مِنْ أياديهِ وَنِعَمِهِ عَلَى أَوْلِيانِهِ، وَرَغْبَةٌ فِي مِثْلِ تِلْكَ النَّعَمِ.

«غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» اسْتِعَاذَةٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُعَانِدِينَ الْكَافِرِينَ الْمُسْتَخِفَينَ بِهِ وَبِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.

«وَلَا الضَّالِّينَ» اعْتِصامُ مِنْ أَنْ يَكونَ مِنَ الضَّالِّينَ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.

فَقَدِ اجْتَمَعَ فيها مِنْ جَوامِعِ الخَيْرِ وَالْحِكْمَةِ في أَمْرِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيا ما لَا يَجْمَعُهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْياءِ» (1).

ولهذه المطالب العظيمة، والمعاني السامية، فقد أمر الشارع بافتتاح الصلاة بها لا بغيرها من سور القرآن الكريم، فقد أثر عنه أنه «لَا صَلاةَ إِلَّا بِفاتِحَةِ الْكِتَابِ»، وهذا النفي نفي للماهية لو جيء بغير الفاتحة في الصلاة

5 - الجهر والإخفات

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَ الْجَهْرُ فِي بَعْضِ الصَّلواتِ، وَلَمْ يُجْعَلْ في بَعْضٍ ؟

قيلَ : لأنَّ الصَّلاةَ الَّتي يُجْهَرُ فيها إِنَّمَا هِيَ صَلَواتٌ تُصَلَّى فِي أَوْقَاتٍ مُظْلِمَةٍ، فَوَجَبَ أنْ يُجْهَرَ فيها لِيَمُرَّ الْمارُّ فَيَعْلَمَ أَنْ هَاهُنا جَمَاعَةٌ، فَإذا أرادَ أَنْ يُصَلِّي صَلَّى، وَإِنْ لَمْ يَرَ جَمَاعَةً تُصَلِّي سَمِعَ وَعَلِمَ ذلِكَ مِنْ جِهَةِ السَّماع، وَالصَّلاتانِ اللتانِ لَا يُجْهَرُ فيهما


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 114.

إِنَّما هُما بِالنَّهارِ، وَفي أَوْقاتٍ مُضيئَةٍ، فَهِيَ تُدْرَكُ مِنْ جِهَةِ الرُّؤْيَةِ، فَلَا يُحْتاجُ فيها إلَى السَّماع» (1).

الصلاة التي يجهر فيها بقراءة الفاتحة والسورة هي صلاة الصبح والعشاءين، وقد علّل الإمام ذلك لتنبيه المارّ في الظلام ليتحفّز لأداء الصلاة، وأما الصلاة التي يخفّف بقراءتها فهي صلاة الظهر والعصر، فلا موجب للجهر فيها؛ وذلك لعدم وجود ظلمة في الوقت.

6 - الركوع والسجدتان

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَ رَكْعَةٌ وَسَجْدَتَانِ ؟

قيلَ : لأنَّ الرُّكوعَ مِنْ فِعْلِ الْقِيامِ، وَالسُّجودَ مِنْ فِعْلِ الْقُعودِ، وَصَلاةُ الْقاعِدِ عَلَى النَّصْفِ مِنْ صَلاةِ الْقَائِمِ، فَضوعِفَ السُّجودُ لِيَسْتَوِيَ بِالرُّكوعِ، فَلَا يَكونُ بَيْنَهُما تَفاوُتٌ؛ لأَنَّ الصَّلاةَ إِنَّمَا هِيَ رُكوعٌ وَسُجُودٌ» (2).

ولهذه العلة فقد جعل السجود ضعف الركوع، ليتساويا من هذه الحيثية، كما أفاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

7 - التسبيح في الركوع والسجود

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَ التَّسْبيحُ في الركوع والسجودِ ؟

قيلَ : لِعِلَلٍ :

منها : أَنْ يَكونَ الْعَبْدُ مَعَ خُضوعِهِ وَخُشوعِهِ وَتَعَبدِهِ وَتَوَرُّعِهِ وَاسْتِكانَتِهِ وَتَذَلُّلِهِ وَتَواضُعِهِ وَتَقَرُّبِهِ إِلَى رَبِّهِ مُقَدَّساً لَهُ، مُمَجَّداً، مُسَبِّحاً، مُعَظَّماً، شَاكِراً لخالثقِهِ وَرازِقِهِ،


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 116.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 115.

فَلَا يَذْهَبُ بِهِ الْفِكْرُ وَالْأَمَانِيُّ إِلَى غَيْرِ اللّه» (1).

ولهذه الجهات السامية فقد جعل التسبيح في الركوع والسجود دون غيره من سائر الأذكار.

8 - الدعاء في القنوت

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَلِمَ جُعِلَ الدُّعاءُ فِي الرَّكْعَةِ الأولى قَبْلَ الْقِراءَةِ، وَلِمَ جُعِلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ الْقُنوتُ بَعْدَ الْقِراءَةِ ؟

قيلَ : لأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَفْتَحَ قِيامَهُ - أي المصلي - لِرَبِّهِ وَعِبَادَتَهُ بِالتَّحْمِيدِ وَالتَّقْدِيسِ، وَالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، وَيَخْتِمَهُ بِمِثْلِ ذلِكَ، وَلِيَكونَ في القِيامِ عِنْدَ الْقُنوتِ أَطْوَلُ» (2).

عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الحكمة في استحباب الدعاء قبل الدخول في الصلاة؛ وذلك لإظهار العبودية المطلقة اللّه تعالى، وإظهار الخضوع والتذلل له، وليكون الدعاء في القنوت أطول ؛ وذلك لإظهار الانقياد والطاعة اللّه تعالى.

9 - تحليل الصلاة بالتسليم

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَ التَّسْلِيمُ تَحْلِيلَ الصَّلاةَ وَلَمْ يُجْعَلْ بَدَلَهُ تَكْبيراً أوْ تَسْبيحاً أَوْ ضَرْباً آخَرَ ؟

قيلَ : لأَنَّهُ لَمّا كانَ في الدخولِ فِي الصَّلاةِ تَحْرِيمُ الْكَلَامِ لِلْمَخْلُوقِينَ، وَالتَّوَجُهُ إِلَى الْخالِقِ، كَانَ تَحْلِيلَها كَلامُ الْمَخْلُوقينَ وَالْإِنْتِقالُ عَنْهَا، وَابْتِداءُ الْمَخْلُوقينَ فِي الْكَلامِ إِنَّما هُوَ بِالتَّسْلِيمِ» (3).


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 114.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 113.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 115.

ولهذه الحكمة جعل تحليل الصلاة بالتسليم، فقد حرّم الشارع على المصلّي عند الشروع في الصلاة، الكلام وغيره من سائر الأفعال، وينتهي هذا التحريم بالتسليم.

3 - أوقات الصلاة
إشارة:

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَتِ الصَّلواتُ في هَذِهِ الْأَوْقاتِ، وَلَمْ تُقَدَّمْ وَلَمْ تُؤَخَّرْ ؟

قيلَ : لأَنَّ الْأَوْقاتَ الْمَشْهُورَةَ الْمَعْلُومَةَ الَّتي تَعُمُ أَهْلَ الْأَرْضِ فَيَعْرِفَها الْجاهِلُ وَالْعالِمُ، أَرْبَعَةٌ : غُروبُ الشَّمْسِ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ، يَجِبُ عِنْدَهُ الْمَغْرِبُ، وَسُقوطُ الشَّفَقِ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ، يَجِبُ عِنْدَه الْعِشاءُ الْآخِرَةُ، وَطُلُوعُ الْفَجْرِ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ، يَجِبُ عِنْدَهُ الْغَداةَ، وَزَوالُ الشَّمْسِ مَشْهُورٌ مَعلومٌ، يَجِبُ عِنْدَهُ الظُّهْرُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْعَصْرِ وَقْت مَعْلوم مِثْلَ هَذِهِ الْأَوْقاتِ، فَجُعِلَ وَقْتُها عِنْدَ الْفَراغِ مِنَ الصَّلاةِ الَّتِي قَبْلَها» (1).

وذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحكمة في جعل الأوقات الخاصة للصلاة، وأنّها مشهورة معروفة عند جميع أهل الأرض على اختلاف لغاتهم، فكما أنّها مضبوطة، ولذلك كان من الحكمة جعلها أوقاتاً للصلاة.

وأضاف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لذلك علة أخرى. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَعِلَّةٌ أُخْرى : إِنَّ اللّه أَحَبَّ أَنْ يَبْدَأَ النَّاسُ فِي كلّ عَمَلٍ أَوَّلاً بِطَاعَتِهِ، فَأَمَرَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ أَنْ يَبْدَأوا بِعِبَادَتِهِ، ثُمَّ يَنْتَشِرُوا فيما أَحَبّوا مِنْ مَرَمَّةِ دُنْيَاهُمْ، فَأَوْجَبَ صَلاةَ الْغَدَاةِ عَلَيْهِمْ.

فَإِذا كانَ نِصْفُ النَّهارِ وَتَركوا ما كانوا فيه مِنَ الشُّغْلِ، وَهُوَ وَقْت يَضَعُ النَّاسُ فيهِ ثِيَابَهُمْ وَيَسْتَريحونَ وَيَشْتَفِلُونَ بِطَعامِهِمْ وَقَيلولَتِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَبْدَأوا أولاً بِذِكْرِهِ


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 116.

وَعِبَادَتِهِ، فَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ الظُّهْرَ، ثُمَّ يَتَفَرَّعُونَ لِمَا أَحَبُّوا مِنْ ذلِكَ.

فَإِذا قَضَوا وَطَرَهُمْ، وَأَرادوا الْإِنْتِشَارَ فِي الْعَمَلِ لَآخِرِ النَّهَارِ، بَدَأوا أَيْضاً بِطَاعَتِهِ، ثُمَّ صاروا إلى ما أَحَبُوا مِنْ ذلِكَ، فَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ الْعَصْرَ ثُمَّ يَنْتَشِرُونَ فيما شاءوا مِنْ مَرَمَّةِ دُنْيَاهُمْ.

فَإِذا جاءَ اللَّيْلُ وَوَضَعوا زِينَتَهُمْ، وَعادوا إِلى أَوْطَانِهِمْ ابْتَدأوا أَوَّلاً بِعِبَادَةِ رَبِّهِمْ، ثُمَّ يَتَفَرَّعُونَ لِما أَحَبّوا مِنْ ذلِكَ، فَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ الْمَغْرِبَ.

فَإِذا جاءَ وَقْتُ النَّوْم، وَفَرِعُوا مِمَّا كانوا بِهِ مُشْتَفِلِينَ، أَحَبُّ أَنْ يَبْدأوا أَوْلاً بِعِبادَتِهِ وَطاعَتِهِ، ثُمَّ يَصيرونَ إلى ما شاءوا أَنْ يُصبروا إِلَيْهِ مِنْ ذلِكَ فيكونون قد بدأوا في كلّ عَمَلٍ بِطَاعَتِهِ وَعِبادَتِهِ، فَأَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الْعَتَمَةَ (1)، فَإِذَا فَعَلُوا ذلِكَ لَمْ يَنْسَوْهُ وَلَمْ يَغْفَلُوا عَنْهُ، وَلَمْ نَفْسُ قُلوبُهُمْ، وَلَمْ تَقِل رَغْبَتُهُمْ (2).

وألم كلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالحكم والمصالح التي من أجلها شرعت الصلاة في هذه الأوقات الخاصة ولم تشرع في غيرها.

صلاة العصر

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ إِذا لَمْ يَكُنْ لِلْعَصْرِ وَقْتُ مَشْهُورٌ مِثْلَ تِلْكَ الْأَوْقاتِ أَوْجَبَهَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ، وَلَمْ يوجِبْهَا بَيْنَ الْعَتَمَةِ وَالْغَدَاةِ، وَبَيْنَ الْغَدَاةِ وَالظُّهْرِ ؟

قيلَ : لأَنَّهُ لَيْسَ وَقْتُ عَلَى النَّاسِ أَخَفَّ وَلَا أَيْسَرَ وَلَا أَخْرى أَنْ يَعُم فيهِ الضَّعِيفُ وَالْقَوِيُّ بِهَذِهِ الصَّلاةِ مِنْ هذَا الْوَقْتِ وَذلِكَ أَنَّ النَّاسَ عَامَّتُهُمْ يَشْتَغِلُونَ فِي أَوَّلِ النَّهارِ بِالتّجارَةِ وَالْمُعَامَلاتِ، وَالذَّهَابِ فِي الْحَوائج، وَإِقَامَةِ الْأَسْواقِ، فَأَرادَ أَنْ لَا يَشْغَلَهُمْ


1) العتمة : ثلث الليل الأوّل بعد غيبوبة الشفق والعشاء الآخرة.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 116.

عَنْ طَلَبِ مَعاشِهِمْ، وَمَصْلَحَةِ دُنْيَاهُمْ، وَلَيْسَ يَقْدِرُ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلى قيام اللَّيْل وَلَا يَشْعرونَ بِهِ وَلَا يَنْتَبِهونَ لِوَقْتِهِ لَوْ كَانَ واجِباً، وَلَا يُمْكِنُهُمْ ذلِكَ، فَخَفَّفَ اللّه عَنْهُمْ. وَلَمْ يَجْعَلْها فِى أَشَدَّ الأَوْقاتِ عَلَيْهِمْ، وَلكِنْ جَعَلَها في أَخَفِّ الأَوْقاتِ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «يُرِيدُ اللّه بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» (1)» (2).

ذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحكمة في امتداد وقت صلاة العصر من صلاة الظهر إلى آخر وقت النهار ؛ وذلك للتخفيف على الناس، وإن كان قد جعل وقتاً لفضيلة أداء صلاة العصر، وهو صيرورة الظل مثل سبعي الشاخص، ومنتهى وقت الفضيلة ذهاب أربعة أسباع الشاخص (3).

4 - صلاة الجماعة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ جَعَلَ - أي الشارع - الْجَمَاعَةَ ؟

قيلَ : لِئَلَّا يَكونَ الإِخْلاصُ وَالتَّوْحِيدُ وَالْإِسْلامُ وَالْعِبادَةُ للّه إِلَّا ظَاهِراً مَكْشوفاً مَشْهوراً؛ لأنَّ فِي إِظْهَارِهِ حُجَّةٌ عَلَى أَهْلِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ اللّه وَحْدَهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِيَكُونَ الْمُنافِقُ وَالْمُسْتَخِفُ لِما أَقَرَّ بِظَاهِرِ الْإِسْلامِ وَالْمُراقَبَةِ، وَلِيَكُونَ شَهادَةُ النَّاسِ بِالْإِسْلامِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ جائِزَةٌ مُمْكِنَةٌ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْمُسَاعَدَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى، وَالذَّوْدِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ مَعَاصِي اللّه عَزَّ وَجَلَّ» (4).

صلاة الجماعة من أهمّ العبادات في الإسلام؛ وذلك لما يترتّب عليها من المصالح والمنافع للمسلمين، ومن بينها تعارف المسلمين بعضهم ببعض، وشيوع


1) البقرة 2 : 185.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 117.

3) منهاج الصالحين : 1 : 113.

4) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 116.

المحبة والتآلف فيما بينهم، وإظهارهم صفاً واحداً أمام أعدائهم، وقد أدلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببعض منافعها وحكمها في هذا المقطع من كلامه.

5 - صلاة السنّة
إشارة:

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَ صَلاةُ السُّنَّةِ أَرْبَعاً وَثَلاثِينَ رَكْعَةً ؟ قيلَ : لأنَّ الفَريضَةَ سَبْعَ عَشَرَةَ رَكْعَةً، فَجُعِلَتِ السُّنَّةُ مِثْلِي الْفَرِيضَةِ كَمَالاً لِلْفَرِيضَةِ» (1).

أمّا صلاة السنّة فيراد بها الرواتب اليومية، وهى ثمان ركعات للظهر قبلها، وثمان بعدها قبل العصر للعصر، وأربع بعد المغرب لصلاة المغرب، وركعتان من جلوس تُعدّان بركعة بعد صلاة العشاء، وثمان ركعات لصلاة الليل، وركعتا الشفع بعدها، وركعة الوتر بعدها، وركعتان لصلاة الصبح قبلها، فمجموعها تكون أربعاً وثلاثين، وقد علّل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك بجعل السنّة مثلى الفريضة، ليكون كمالاً لها.

صلاة السنّة في أوقات مختلفة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَ صَلاةُ السُّنَّةِ في أَوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَلَمْ يُجْعَلْ في وَقْتٍ واحِدٍ ؟

قيلَ : لأَنَّ أَفْضَلَ الْأَوْقاتِ ثَلاثَةٌ : عِنْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَبِالْأَسْحَارِ، فَأَحَبَّ أَنْ يُصَلَّى لَهُ في كلّ هَذِهِ الْأَوْقاتِ الثَّلاثَةِ لأَنَّهُ إِذا فُرِّقَتِ السُّنَّةُ فِي أَوْقاتٍ شَتّى، كانَ أَداؤُهَا أَيْسَرَ وَأَخَفَّ مِنْ أَنْ تُجْمَعَ كُلُّها فِي وَقْتِ وَاحِدٍ» (2).

لقد ذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحكمة في تفريق أوقات صلاة السنة، فقد جعلت في أفضل الأوقات وأحبّها عند اللّه تعالى، مضافاً إلى أن أداءها في وقت واحد لا يخلو


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 117.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 118.

من حرج وصعوبة.

6 - صلاة الجمعة
إشارة:

وأدلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببعض الحكم والمصالح في صلاة الجمعة، وفيما يلى ذلك :

صلاة الجمعة ركعتين

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ صَارَتْ صَلاةُ الْجُمْعَةِ - إِذا كَانَتْ مَعَ الْإِمَامِ – رُكْعَتَيْنِ، وَإِذا كانَتْ بِغَيْرِ إِمَامٍ رَكْعَتَيْنِ وَرَكْعَتَيْنِ - يعني يصلي صلاة الظهر - ؟

قيلَ : لِعِلَلٍ شَتّى :

ومنها : أَنَّ النَّاسَ يَتَخَطَّوْنَ إِلَى الْجُمُعَةِ مِنْ بَعْدِ، فَأَحَبَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُمْ لِمَوْضِعِ التَّعَبِ الَّذِي صاروا إِلَيْهِ.

ومنها : إِنَّ الْإِمَامَ يَحْبِسُهُمْ لِلْخُطْبَةِ، وَهُمْ مُنْتَظِرُونَ لِلصَّلاةِ، وَمَنِ انْتَظَرَ الصَّلاةَ فَهُوَ فِي صَلاةٍ فِي حُكْمِ التَّمامِ.

ومنها : إِنَّ الصَّلاةَ مَعَ الْإِمَامِ أَتَمُّ وَأَكْمَلُ لِعِلْمِهِ وَفِقْهِهِ وَعَدْلِهِ وَفَضْلِهِ.

ومنها : إِنَّ الْجُمُعَةَ عِيدٌ، وَصَلاةُ الْعِيدِ رَكْعَتَانِ، وَلَمْ تُقْصَرْ لِمَكانِ الْخُطْبَتَيْنِ» (1).

وإنّما قصرت صلاة الجمعة فصارت ركعتين لهذه الحكم والعلل التي أدلى بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

حكمة الخطبة في صلاة الجمعة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَتِ الْخُطْبَةُ ؟


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 118.

قیل : لأَنَّ الْجُمْعَةَ مَشْهَد عام، فَأَرادَ أَنْ يَكونَ الإمامُ سَبَباً لِمَوْعِظَتِهِمْ، وَتَرْغيبِهِمْ فِي الطَّاعَةِ، وَتَرْهِيبِهِمْ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَتَوقيفِهِمْ عَلى ما أَرادَ مِنْ مَصْلَحَةِ دينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَيُخْبِرُهُمْ بِما وَرَدَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَوْقاتِ وَمِنَ الْأَحْوَالِ الَّتي لَهُمْ فِيهَا الْمَضَرَّةُ وَالْمَنْفَعَةُ» (1).

إنّ من أعظم الحكم والمصالح في صلاة الجمعة، هي الخطبة التي يدلي بها الإمام، فإنّها تستهدف نشر الوعي الديني والسياسي بين المسلمين، كما تنمّي في نفوسهم النزعات الخيّرة، وتهديهم إلى سواء السبيل.

خطبتان في صلاة الجمعة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَتْ خُطْبَتانِ ؟

قيلَ : لِتَكونَ واحِدَةً لِلثَّنَاءِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّقْدِيسِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَالأخْرى لِلْحَوائِج وَالأَعْذَارِ وَالْإِعْذَارِ وَالدُّعاءِ، وَما يُريدُ أنْ يُعَلِّمَهُمْ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ بِما فيهِ الصَّلاحُ وَالْفَسادُ» (2).

وأعرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الحكمة في تشريع الخطبتين في صلاة الجمعة، فأولى الخطبتين تكون في الثناء على اللّه تعالى، خالق الكون وواهب الحياة، وبيان عظمته فيما أبدعه من العجائب في مخلوقاته، والخطبة الثانية تكون لبيان ما يصلح المسلمين في دنياهم وآخرتهم.

خطبة الجمعة قبل الصلاة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَتِ الْخُطْبَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلاةِ، وَجُعِلَتْ في الْعِيدَيْنِ بَعْدَ الصَّلاةِ ؟

قيلَ : لأَنَّ الْجُمُعَةَ أَمْرٌ دائِمٌ يَكونُ فِي الشَّهْرِ مِراراً، وَفِي السَّنَةِ كَثِيراً، فَإِذَا كَثُرَ ذلِكَ


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 118.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 118.

عَلَى النَّاسِ صَلّوا وَتَرَكوهُ، وَلَمْ يُقيموا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقوا عَنْهُ، فَجُعِلَتْ قَبْلَ الصَّلاةِ لِيَحْتَبِسوا عَلَى الصَّلاةِ وَلَا يَتَفَرَّقُوا وَلَا يَذْهَبوا.

وَأَمَّا الْعِيدانِ فَإِنَّما هُما فِى السَّنَةِ مَرَّتَانِ، وَهُما أَعْظَمُ مِنَ الْجُمْعَةِ، وَالزّحام فيهما أَكْثَرُ، وَالنَّاسُ مِنْهُمْ أَرْغَبُ، فَإِنْ تَفَرَّقَ بَعْضُ النَّاسِ بَقِيَ عامتُهُمْ، وَلَيْسَ هُما بِكَثير فَيَمُلُوا أَوْ يَسْتَخِفّوا بهما» (1).

وعلّق الشيخ الصدوق (نضّر اللّه مثواه) على هذا الحديث بقوله : «جاء الخبر هكذا، والخطبتان في الجمعة، والعيد بعد الصلاة؛ لأنهما بمنزلة الركعتين الأخيرتين، وإنّ أوّل من قدّم الخطبتين عثمان بن عفّان؛ لأنّه لمّا أحدث ما أحدث لم يكن الناس يقفون على خطبته ويقولون ما نصنع بمواعظه وقد أحدث ما أحدث، فقدّم الخطبتين ليقف الناس انتظاراً للصلاة ولا يتفرّقوا عنه.

تجب صلاة الجمعة على مَن كان على فرسخين

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ وَجَبَتِ الْجُمُعَةِ عَلَى مَنْ يَكُونُ عَلَىٰ فَرْسَخَيْنِ، لَا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ ؟

قيلَ : لأَنَّ ما يُقْصَرُ فيهِ الصَّلاةُ بَريدانِ ذاهِبٌ، أَوْ بَرِيدٌ ذاهِبٌ وَجائِيِّ، وَالْبَرِيدُ : أَرْبَعُ فَراسِخ، فَوَجَبَتِ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ هُوَ نِصْفُ الْبَرِيدِ الَّذِي يَجِبُ فيهِ النَّقْصيرُ؛ وَذلِكَ أَنَّهُ يَجِيءُ عَلَى فَرْسَخَيْنِ، وَيَذْهَبُ فَرْسَخَيْنِ، فَذلِكَ أَرْبَعَةُ فَراسِخِ، وَهُوَ نِصْفُ طَريقِ الْمُسَافِرِ» (2).

ولهذه الجهة التي ذكرها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) و وجبت الجمعة على من كان على فرسخين لا أكثر.


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 118.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 119.

نافلة الجمعة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ زِيدَ في صَلاةِ السُّنَّةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ ؟

قيلَ : تَعْظيماً لِذلِكَ الْيَوْم، وَتَفْرِقَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَيُسْتَحَبُّ التَّنَفُلُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً، وَقَدْ زادَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ عَلَى السِّنَّ عَشَرَةَ الَّتِي هِيَ نَوافِلُ سائِرِ الْأَيَامِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّي سِتّاً مِنْها عِنْدَ انْبِساطِ الشَّمْسِ، وَسِنَا عِنْدَ ارْتِفَاعِهَا، وَسِتّاً قَبْلَ الزَّوالِ، وَرَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الزَّوالِ» (1).

7 - صلاة المسافر
إشارة:

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ قُصِّرَتِ الصلاةُ في السَّفَرِ ؟

قيل : لأنَّ الصَّلاةَ الْمَفْرُوضَةَ أَوَّلاً إِنَّما هِيَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ، وَالسَّبْعُ إِنَّما زِيدَتْ عَلَيْهَا بَعْدَ، فَخَفَّفَ اللّه عَنْهُمْ تِلْكَ الزِّيَادَةَ لِمَوْضِعِ السَّفَرِ، وَتَعَبِهِ، وَنَصَبِهِ، وَاشْتِعَالِهِ بِأَمْرِ نَفْسِهِ وَظَعْنِهِ، وَإِقَامَتِهِ، لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عَمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعِيشَتِهِ، رَحْمَةٌ مِنَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَتَعَطَّفَاً عَلَيْهِ، إِلَّا صَلاةَ الْمَغْرِبِ، فَإِنَّهَا لَمْ تُقْصَرُ؛ لأنَّها صَلاةٌ مَقْصُورَةٌ فِي الْأَصْلِ» (2).

عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الحكمة في قصر صلاة المسافر، وهي ما يعانيه من المتاعب والمصاعب من سفره، خصوصاً في تلك الأزمات التي كانت فيها وسائل النقل محصورة بالحيوانات وبالسفن، وكلاهما يوجبان المشقة والعناء، فتفضل الشارع فأسقط عن المسافر نصف الصلاة الرباعية تفضّلاً منه ورحمة بالعباد.

المسافة الموجبة للقصر

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ وَجَبَ التَّقْصِيرُ فِي ثَمَانِيَةِ فَراسِخِ لَا أَقَلُّ مِنْ ذلِكَ وَلَا أَكْثَرَ ؟


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 119.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 119.

قيلَ : لأَنَّ ثَمَانِيَةَ فَراسِخِ مَسيرَةً يَوْمِ لِلْعَامَّةِ وَالْقَوَافِلِ وَالْأَنْقالِ، فَوَجَبَ التَّقْصِيرُ فِي مَسيرَةِ يَوْمٍ» (1).

بيّن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحكمة في جعل الشارع ثمانية فراسخ مسافة للتقصير، ثم عقب (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك بقوله :

«فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ وَجَبَ التَّقْصِيرُ فِي مَسيرَةِ يَوْمِ لَا أَكْثَرَ ؟

قيل : لأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ فِي مَسيرَةِ يَوْمٍ لَمَا وَجَبَ فِي مَسِيرَةِ سَنَةٍ؛ وَذَلِكَ لأَنَّ كلّ يَوْمٍ يَكونُ بَعْدَ هَذَا الْيَوْم فَإِنَّما هُوَ نَظيرُ هَذَا الْيَوْمِ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ فِي هَذَا الْيَوْمِ لَما وَجَبَ في نظيرِهِ إِذا كَانَ نَظِيرُهُ مِثْلَهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُما» (2).

أفاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه لو لم تجعل المسافة في تقصير الصلاة ثمانية فراسخ التي هي مسيرة يوم للزم منه أن تكون مسافة التقصير في اليوم الثاني؛ إذ هو نظير اليوم الأوّل، ولا ميزة له عليه، وهكذا في اليوم الثالث وما زاد عليه، ولازمه التسلسل المجمع على بطلانه، وأردف الإمام كلامه هذا بقوله :

«فإنْ قالَ قَائِلٌ : قَدْ يَخْتَلِفُ السَّيْرُ، فَلِمَ جُعِلَتْ مَسيرَةُ يَوْمٍ ثَمَانِيَةَ فَراسِخِ ؟

قيلَ : لأَنَّ ثَمَانِيَةَ فَراسِحْ مَسيرُ الْجِمَالِ وَالْقَوافِلِ، وَهُوَ سَيْرُ الَّذِي يَسيرُهُ الْجَمَالُونَ وَالمُكارون» (3).

سقوط نوافل النهار

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ تُرِكَ تَطَوُّعُ النَّهارِ - أي نوافل النهار - ؟ وَلِمَ يُتْرَكُ تَطَوُّعُ اللَّيْلِ؟


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 119.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 119.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 119 و 120.

قيلَ : لأَنَّ كلّ صَلَاةٍ لَا تَقْصِيرَ فيها، فَلا تَقْصِيرَ في تَطَوُّعِها؛ وَذلِكَ أَنَّ الْمَغْرِبَ لَا تَقْصِيرَ فيها، فَلَا تَقْصير فيما بَعْدَها مِنَ التَّطَوُّع، وَكَذلِكَ الْغَداةَ لَا تَقْصِيرَ فيما قَبْلَها مِنَ التَّطَوِّع» (1).

عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى سقوط نافلة النهار، وعدم سقوط نافلة الليل، وقد علل ذلك بأن سقوط النافلة تابع لقصر الصلاة، ولا تقصير في صلاة الليل، وقد عقب على هذا بقوله :

«فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَما بالُ الْعَتَمَةِ - أي صلاة العشاء - مَقْصُورَةٌ، وَلَيْسَ نَتْرُكُ رَكْعَتَاهُ ؟

قيلَ : إِنَّ تِلْكَ الرَّكْعَتَيْنِ لَيْسَنَا مِنَ الْخَمْسِينَ، وَإِنَّما هُما زِيادَةٌ فِي الْخَمْسِينَ تَطَوُّعاً، لِيَتمَّ بِها بَدَلُ كلّ رَكْعَةٍ مِنَ الْفَريضَةِ رَكْعَتَيْنِ مِنَ التَّطَوُّع» (2).

أفاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنّ صلاة العشاء تقصر في السفر، فلِمَ لا تسقط نافلتها وهي ركعتان من جلوس.

فأجاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن نافلة العشاء عند الشارع تعادل ركعة من قيام، والسبب في ذلك ليتم بدل كلّ ركعة من الفريضة ركعتين من النافلة، ولهذه العلّة فلا تسقط نافلة العشاء عن المسافر فيصلي صلاة الليل في أوّله.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ جَازَ لِلْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ أَنْ يُصَلِّيا صَلاةَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ؟

قيلَ : لاشْتِغالِهِ وَضَعْفِهِ لِبَحْرِزَ صَلاتَهُ فَيَسْتَريحَ الْمَرِيضُ فِي وَقْتِ رَاحَتِهِ، وَيَشْتَغِلَ الْمُسافِرُ بأَشْعَالِهِ وَارْتِحالِهِ وَسَفَرِهِ» (3).

أمّا صلاة الليل فهي في الهزيع الأخير من الليل، وقد أباح الشارع للمسافر


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 120.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 120.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 120.

والمريض أن يصلّياها في أول الليل، وذلك تفضلاً ومنة منه عليهما، كما أفاد الإمام.

8 - الصلاة على الميّت
إشارة:

وتحدّث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن بعض العلل في أحكام الأموات، والتي منها الصلاة.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ أُمِرُوا بِالصَّلاةِ عَلَى الميّت ؟

قيلَ : لِيَشْفَعُوا لَهُ، وَيَدْعُوا لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي وَقْتِ مِنَ الْأَوْقَاتِ أَحْوَجَ إِلَى الشَّفاعَةِ فِيهِ وَالطَّلَبِ وَالْإِسْتِغْفَارِ مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ» (1).

إنّ دعاء المؤمنين الذين يصلون على جنازة الميّت بالمغفرة والرحمة له، من أهم ما يحتاج إليه الميت، فلعل اللّه يستجيب الدعاء، ويعفو عنه، ويمنحه المغفرة والرضوان.

التكبيرات الخمس على الميّت

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَتِ خَمْسُ تَكْبيراتٍ دونَ أَنْ يُكَبَّرَ أَرْبَعاً أَوْ سِتّاً ؟

قيلَ : إِنَّ الْخَمْسَ إِنَّما أُخِذَتْ مِنَ الْخَمْسِ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» (2).

إنّ التكبيرات الخمس ترمز إلى الصلاة اليومية التي هي خمس صلوات.

الصلاة على الميّت بغير وضوء

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَلِمَ جُوِّزَ الصَّلاةُ عَلَى الميّت بِغَيْرِ وُضوءٍ ؟

قيلَ : لأَنَّهُ لَيْسَ فيها رُكوعٌ وَلَا سُجودٌ، وَإِنَّمَا هِيَ دُعاءٌ وَمَسْأَلَةٌ، وَقَدْ يَجوزُ أَنْ تَدْعُوَ اللّه وَتَسْأَلَهُ عَلَى أَي حالٍ كُنْتَ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْوُضوءُ فِي الصَّلاةِ الَّتي فيها الرُّكوع


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 120.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 120.

وَالسُّجودُ» (1).

ولهذا السبب فقد قيل بأنّ الصلاة على الميّت دعاء وليست بصلاة حقيقية.

الصلاة على الميّت في كلّ وقت

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ جَوَّزْتُمْ الصَّلاةَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ ؟

قيلَ : لأَنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ إِنَّما تَجِبُ فِي وَقْتِ الْحُضورِ، وَالْعِلَّةُ لَيْسَتْ هِيَ مُوَقَّتَةٌ كَسَائِرِ الصَّلَواتِ، وَإِنَّما هِيَ صَلاةٌ تَجِبُ فِي وَقْتِ حُدوثِ الْحَدَثِ، لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ فِيهِ اخْتِيَارٌ، وَإِنَّما هُوَ حَقٌّ يُؤَدَى، وَجائِرٌ أَنْ تُؤدَّى الْحُقوقُ في أَيِّ وَقْتٍ، إِذا لَمْ يَكُنِ الْحَقُّ مؤقَّتاً» (2).

ولم يجعل الشارع وقتاً خاصاً لصلاة الميت، وإنما يصلى عليه في جميع آنات الزمان؛ لأن الصلاة حق من حقوقه على الأحياء، والحق يؤدى في كلّ وقت.

9 - صلاة الآيات
إشارة:

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَتْ عَشْرَ رَكَعَاتٍ ؟

قيل : لأَنَّ الصَّلاةَ الَّتِي نَزَلَ فَرْضُها مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضَ أَوَّلاً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَإِنَّمَا هِيَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ، فَجُمِعَتْ تِلْكَ الرَّكَعَاتُ، وَإِنَّما جُعِلَ فيها السُّجودُ لأَنَّهُ لَا يَكونُ صَلاةٌ فيها رُكوع إِلَّا وَفيها سُجودٌ، وَلِكَيْ يَخْتِمُوا أَيْضاً صَلاتَهُمْ بِالسُّجودِ وَالْخُضوع، وَإِنَّما جُعِلَتْ أَرْبَعَ سَجْدَاتٍ ؛ لأنَّ كلّ صَلَاةٍ نَقَصَ سُجودُها مِنْ أَرْبَعِ سَجْدَاتٍ لَا تَكونُ صَلاةٌ؛ لأَنَّ أَقَلَّ الْفَرْضِ السُّجودُ فِي الصَّلاةِ لَا يَكون إِلَّا عَلى أَرْبَعِ سَجْدَاتٍ» (3).


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 121.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 121.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 121 و 122.

صلاة الآيات ركعتان في كلّ واحدة خمسة ركوعات، ينتصب بعد كلّ واحد فيها، وسجدتان بعد الانتصاب من الركوع الخامس، ويتشهد بعدهما ويسلّم، وقد حكى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحكمة في جعل عشر ركوعات لهذه الصلة، وهي أنّها ترمز إلى ما كلّف به العباد من الصلاة أولاً، وهي عشر ركعات.

صلاة الكسوف

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَتْ لِلْكُسوفِ صَلاةٌ ؟

قيلَ : لأَنَّهُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَدْرِي لِرَحْمَةٍ ظَهَرَتْ أَمْ لِعَذابٍ ؟

فَأَحَبَّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَنْ تَفْزَعَ أُمَّتُهُ إِلى خالِقِها وَراحِمِها عِنْدَ ذلِكَ، لِيَصْرِفَ عَنْهُمْ شَرَّها، وَيَقيهِمْ مَكْرَها، كَما صَرَفَ عَنْ قَوْمٍ يُونُسَ حينَ تَضَرَّعُوا إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلٌ» (1).

ولهذه الجهة فقد أمر الشارع بالصلاة عند كسوف الشمس وخسوف القمر، وعند كلّ مخوف سماوي أو أرضي، كالريح السوداء والحمراء والخسف، وغير ذلك مما ذكره الفقهاء.

10 - صلاة العيد

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَ التَّكْبِيرُ فيها أَكْثَرَ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَاةِ ؟

قيلَ : لأَنَّ التكبيرَ إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ، وَتَمْجِيدهُ عَلى ما هَدَى وَعافى، كَما قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللّه عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (2)» (3).


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 121.

2) البقرة 2 : 185.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 122.

وأعرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الحكمة في جعل التكبير في صلاة العيد أكثر من غيره؛ وذلك للتدليل على عظم هذا اليوم الأغرّ عند اللّه تعالى.

أحكام الصوم

إشارة:

وتحدّث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الحكمة في تشريع الصوم، وعن بعض علل التشريع فيما يتعلّق بأحكام شهر رمضان المبارك.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ أُمِرَ بِالصَّوْمِ ؟

قيلَ : لِكَيْ يَعْرِفُوا أَلَمَ الْجوعَ وَالْعَطَشِ، فَيَسْتَدِلُوا عَلَى فَقْرِ الْآخِرَةِ، وَلِيَكونَ الصَّائِمُ خاشِعاً ذليلاً، مُسْتَكيناً مأجوراً، مُحْتَسِباً عارفاً، صابراً عَلى ما أَصابَهُ مِنَ الجوع وَالْعَطَشِ، فَيَسْتَوْجِبَ الثَّوابَ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْإِنْكِسارِ عَنِ الشَّهَواتِ، وَلِيَكونَ ذلِكَ واعِظاً لَهُمْ فِي الْعاجِلِ، وَرايضاً لَهُمْ عَلى ما كَلَّفَهُمْ، وَدَليلاً لَهُمْ فِي الْآجِلِ، وَلِيَعْرِفُوا شِدَّةَ مَبْلَغ ذلِكَ عَلَى أَهْلِ الْفَقْرِ وَ الْمَسْكَنَةِ في الدُّنْيا، فَيُؤَدُّوا إِلَيْهِمْ مَا افْتَرَضَ اللّه لَهُمْ في أَمْوَالِهِمْ» (1).

لقد تحدث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الحكم والفوائد المترتبة على الصوم، والتي منها العطف على الفقراء، فإنّ الصائم عندما يجوع يشعر بألم الجوع، فيدفعه ذلك للعطف على الفقراء والمساكين، ومن حكم الصوم المساواة بين الأغنياء والفقراء في هذا الواجب.

ومن حكمه تقوية الإرادة في نفس الإنسان؛ وذلك بامتناعه عن الأكل والشرب، وغيرهما من متطلبات الجسد، وقد وضع (جيهاردت) الألماني كتاباً في تقوية الإرادة، جعل أساسه الصوم، وذهب إلى أن الصوم هو الوسيلة الفعالة لسلطان الروح


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 123.

على الجسد، وأن الإنسان يعيش مالكاً زمام نفسه، وليس أسيراً لميوله الماديّة.

هذه بعض حكم وفوائد الصوم، وقد أدلى الإمام الا بالكثير من فوائده.

1 - شهر رمضان
إشارة:

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَ الصَّوْمُ فِي (شَهْرِ رَمَضانَ) خاصَّةً دونَ سَائِرِ الشهور ؟

قيلَ : لأَنَّ (شَهْرَ رَمضانَ) هُوَ الشَّهْرُ الَّذِى أَنْزَلَ اللّه تعالى فيهِ الْقُرْآنَ، وَفِيهِ فَرَقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، كَمَا قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ» (1).

وَفِيهِ نُبِّئَ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وَفِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وَفيها يُفْرَقُ كلّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، وَهُوَ رَأْسُ السَّنَةِ، يُقَدِّرُ فيها ما يَكونُ فِي السَّنَةِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، أَوْ ضُرٍّ أَوْ مَنْفَعَةٍ، أَوْ رِزْقٍ أَوْ أَجَلٍ، وَلِذلِكَ سُمِّيَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ» (2).

ولهذه الحكم فرض اللّه تعالى الصوم في هذا الشهر، وميّزه على بقية الشهور.

اقتصار الصوم على شهر رمضان

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ أُمِرُوا بِصَوْمِ (شَهْرِ رَمَضَانَ) لَا أَقَلَّ مِنْ ذلِكَ وَلَا أَكْثَرَ ؟

قيلَ : لأَنَّهُ قُوَّةُ الْعِبادَةِ الَّذي يَعِمُّ فيها الْقَوِيَّ وَالضَّعِيفَ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ اللّه الْفَرائِضَ عَلى أَغْلَبِ الْأَشْياءِ، وَأَعَمَّ الْقَوِيَّ، ثُمَّ رَخَّصَ لأهْلِ الضَّعْفِ، وَرَغَبَ أَهْلَ الْقُوَّةِ في الْفَضْلِ، وَلَوْ كانوا يَصْلُحونَ عَلَى أَقَلِّ مِنْ ذلِكَ لِنَقَصَهُمْ، وَلَوِ احْتاجوا إِلَى أَكْثَرِ


1) البقرة 2 : 185.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 123.

مِنْ ذلِكَ لَزادَهُمْ» (1).

إنّ حكمة اللّه تعالى وتدبيره للأشياء اقتضت أن تكون مصلحة العباد صيام ثلاثين يوماً، ولو كانت المصلحة أقل من ذلك لنقصهم، كما أنّ المصلحة لو كانت أكثر لزوّدهم عليه.

ترك الحائض للصوم والصلاة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَلِمَ إِذا حاضَتِ الْمَرْأَةُ لَا تَصومُ وَلَا تُصَلِّي ؟

قيلَ : لأَنَّها في حَدَّ نَجاسةِ (2)، فَأَحَبَّ اللّه أَنْ لَا تَعْبُدَهُ إِلَّا ظَاهِرَةً، وَلأَنَّهُ لَا صَوْمَ لِمَنْ لَا صَلاةَ لَهُ» (3).

ولهذه الجهة فقد سقط الصوم والصلاة عن الحائض، إلّا أنّها تقضي الصوم دون الصلاة إذا طهرت من الحيض.

قضاء الحائض للصوم

قال : «فَلِمَ صارَتْ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلاةَ ؟

قيلَ : لِعِلَلٍ شَتّى :

فمنها : أَنَّ الصِّيامَ لَا يَمْنَعُها مِنْ خِدْمَةِ نَفْسِهَا وَخِدْمَةِ زَوْجِهَا، وَإِصْلَاح بَيْتِها، وَالْقِيامِ بِأَمْرِها، وَالْإِشْتِعَالِ بِمَرَمَّةٍ مَعيشَتِها، وَالصَّلاةُ تَمْنَعُها مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ؛ لأنَّ الصَّلاةَ تكونُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَة مِراراً، فَلَا تَقْوىٰ عَلَى ذلِكَ، وَالصَّوْمُ لَيْسَ كَذلِكَ.

ومنها : أَنَّ الصَّلاةَ فِيها عَنا وَتَعَبٌ، وَاشْتِغالُ الْأَرْكَانِ، وَلَيْسَ فِي الصَّوْمِ شَيْءٌ مِنْ ذلِكَ، وَإِنَّما هُوَ الْإِنساكُ عَنِ الطَّعامِ وَالشَّرابِ، وَلَيْسَ فِيهِ اشْتِغَالُ الْأَرْكانِ.


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 123.

2) لعل الصحيح : «في حال نجاسة».

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 123.

ومنها : أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ وَقْتٍ يَجِيءُ إِلَّا عَلَيْها صَلاةٌ جَديدَةٌ فِي يَوْمِهَا وَلَيْلَتِهَا، وَلَيْسَ الصَّوْمُ كَذلِكَ؛ لأَنَّهُ كُلَّما حَدَثَ يَوْمٌ وَجَبَ عَلَيْها الصَّوْمُ، وَكُلَّما حَدَثَ وَقْتُ الصَّلاةِ وَجَبَتْ عَلَيْها الصَّلاةُ» (1).

ولهذه العلل الوثيقة فقد أسقط الشارع الصلاة عن الحائض قضاء؛ لأن في الإتيان بها مشقة وجهداً على المرأة، بخلاف الصوم، فإن قضاءه ليس فيه جهد وحرج عليها.

2 - قضاء شهر رمضان

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قَائِل : إِذا مَرِضَ الرَّجُلُ، أَوْ َسافَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ سَفَرِهِ، أَوْ لَمْ يُفِقْ مِنْ مَرَضِهِ، حتّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ (شَهْرُ رَمَضَانَ) آخَرُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْفِداءُ لِلْأَوَّلِ، وَسَقَطَ الْقَضاءُ، فَإِذا أَفَاقَ بَيْنَهُما، أَوْ أَقامَ وَلَمْ يَقْضِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضاءُ والفداء ؟

قيلَ : لأَنَّ ذلِكَ الصَّوْمَ إِنَّما وَجَبَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، فِي ذلِكَ الشَّهْرِ، فَأَمَّا الَّذِي لَمْ يُفِقْ، فَإِنَّهُ لَمَا أَنْ مَرَّتْ عَلَيْهِ السَّنَةُ كُلُّها، وَقَدْ غَلَبَ اللّه تَعَالَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ السَّبِيلَ إِلى أَدائِهِ سَقَطَ عَنْهُ، وَكَذلِكَ كُلُّما غَلَبَ اللّه عَلَيْهِ، مِثْلُ الْمُنْمَى عَلَيْهِ الَّذِي يُؤْمِى عَلَيْهِ يَوْماً وَلَيْلَةٌ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضاءُ الصَّلاةِ، كَما قالَ الصَّادِقُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) : كُلُّما غَلَبَ اللّه عَلَيْهِ الْعَبْدَ فَهُوَ أَعْذَرُ لَهُ؛ لأَنَّهُ دَخَلَ الشَّهْرُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ في شَهْرِهِ وَلَا سَنَتِهِ؛ لِلْمَرَضِ الَّذى كانَ فِيهِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْفِداءُ؛ لأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمٌ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَداءَهُ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْفِدَاءُ، كَمَا قَالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسًا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً» (2).


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 124.

2) المجادلة : 4:58.

وَكَما قَالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ» (1)، فَأَقامَ الصَّدَقَةَ مقامَ الصَّيامِ إِذا عَسِرَ عَلَيْهِ» (2).

عرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى المريض إذا استمرّ به المرض من رمضان إلى رمضان آخر، ولم يبرأ، فإنّه لا قضاء عليه، وإنّما تجب عليه الفدية، والسبب في ذلك أنّه لا تكليف له بالقضاء لمرضه، وأما من برأ في أثناء السنّة ولم يصم ما عليه، فإنّه يجب عليه القضاء ؛ وذلك لتمكنه، كما تجب عليه الفدية.

وعقب الإمام على ذلك بقوله :

«فَإِنْ قالَ قَائِلٌ : فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ إِذْ ذَاكَ فَهُوَ الْآنَ يَسْتَطِيعُ ؟

قيلَ لَهُ : إِنَّهُ لَمَا دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضانَ آخَرُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْفِداءُ لِلْمَاضِينَ ؛ لأَنَّهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمٌ فِي كَفَّارَةٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْهُ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْفِداءُ، وَإِذا وَجَبَ الْفِداءُ سَقَطَ الصَّوْمُ، وَالصَّوْمُ ساقِطْ وَالْفِداءُ لازِمَ، فَإِنْ أَفَاقَ فيما بَيْنَهُما وَلَمْ يَصُمْهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْفِداءُ لِتَضْيِيعِهِ، وَالصَّوْمُ الاسْتِطَاعَتِهِ» (3).

3- الصوم بدل تحرير الرقبة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَلِمَ وَجَبَ فِي الْكَفَّارَةِ - عَلَى مَنْ لَمْ يَجِدْ تَحْرِيرُ رَقَية - الصِّيَامُ دونَ الحجّ وَالصَّلاةِ وَغَيْرِهِما ؟

قيل : لأَنَّ الصَّلاةَ وَالْحَجَّ وَسَائِرِ الْفَرائِضِ مَانِعَةٌ لِلْإِنْسانِ مِنَ التَّقَلُّبِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ، وَمَصْلَحَةِ مَعِيشَتِهِ مَعَ تِلْكَ الْعِلَلِ التي ذَكَرْناها في الحائِضِ التي تقضي الصيام


1) البقرة 2 : 196.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 124.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 2 : 124 و 125.

وَلَا تَقْضِي الصَّلاةَ» (1).

ولهذه العلل فقد جعل الشارع الصيام بدلاً من تحرير الرقبة، ولم يجعل الصلاة والحج وغيرهما عوضاً عنها؛ لأنّ لازم ذلك تعطيل الأعمال، وعدم استطاعة الإنسان على تحصيل معاشه.

4 - صيام شهرين متتابعين
إشارة:

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، دونَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَهْرٌ وَاحِدٌ أَوْ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ ؟

قيلَ : لأنَّ الْفَرْضَ الَّذي فَرَضَ اللّه عَلَى الْخَلْقِ وَهُوَ شَهْرٌ وَاحِدٌ، فَضوعِفَ فِي هَذَا الشَّهْرِ فِي كَفَّارَتِهِ تَوْعِيداً وَ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ» (2).

التتابع في صيام شهرين

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَلِمَ جُعِلا مُتَتَابِعَيْنِ ؟

قيلَ : لَيْلًا يَهُونَ عَلَيْهِ الأَداءُ فَيَسْتَخِفٌ بِهِ؛ لأَنَّهُ إِذا قَضاهُ مُتَفَرِّقاً هانَ عَلَيْهِ الْقَضاءُ» (3).

إنّ التتابع في صيام الشهرين إنّما هو عقوبة لمن أفطر متعمداً منتهكاً حرمات اللّه تعالى، فشدّد عليه تعالى ذلك

5 - عيد الفطر

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ َقائِلٌ : فَلِمَ جُعِلَ يَوْمُ الْفِطْرِ عِيداً ؟


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 125.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 125 و 126.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 126.

قيلَ : لِكَيْ يَكونَ لِلْمُسْلِمِينَ مَجْمَعٌ يَجْتَمِعُونَ فيهِ، وَيَبْرُزونَ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ، فَيَحْمَدُونَهُ عَلَى مَا مَنَّ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونَ يَوْمَ عِيدٍ، وَيَوْمَ اجْتِمَاعِ، وَيَوْمَ فِطْرِ، وَيَوْمَ زَكَاةٍ، وَيَوْمَ رَغْبَةٍ، وَيَوْمَ تَضَرُّعِ وَلَأَنَّهُ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ يَحِلُّ فِيهِ الْأَكْلُ وَالشَّرْبُ؛ لأنَّ أَوَّلَ شهورِ السَّنَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ (شَهْرُ رَمَضَانَ)، فَأَحَبَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي ذلِكَ الْيَوْم مَجْمَعٌ يَحْمَدُونَهُ فِيهِ وَيُقَدِّسونَهُ» (1).

لهذه العلل والحكم التي أدلى بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد جعل يوم الفطر عيداً للمسلمين، يجتمعون فيه، ويبارك بعضهم بعضاً على توفيق اللّه لهم بصيام شهر رمضان المبارك.

أحكام الحجّ

إشارة:

وتحدّث الإمام عن العلة في تشريع الحجّ، وعلل بعض الأحكام المتصلة به.

وجوب الحجّ

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ أُمِرَ بِالْحَجِّ ؟

قيلَ : لِعِلَّةِ الْوَفادَةِ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَطَلَبِ الزِّيَادَةِ، وَالْخُروج مِنْ كلّ مَا اقْتَرَفَ الْعَبْدُ تائِباً مِمَا مَضى، مُسْتَأْنِفَا لِما يُسْتَقْبِلُ، مَعَ ما فِيهِ مِنْ إِخْراجِ الْأَمْوالِ، وَتَعَبِ الْأَبْدانِ، وَالْإِشْتِعَالِ عَنِ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ، وَحَظْرِ الْأَنْفِسِ عَنِ اللَّذَاتِ، شَاخِصٌ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، ثابِتٌ ذلِكَ عَلَيْهِ دَائِمٌ، مَعَ الْخُضوعِ وَالْإِسْتِكانَةِ وَالتَّذَلُّلِ، مَعَ مَا فِي ذلِكَ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ مِنَ الْمَنافِعِ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا، وَمَنْ فِي الْبَرْدِ وَالْحَرِّ (2)، مِمَّنْ يَحِجٌ وَمِمَّنْ لَا يَحِجُّ، مِنْ بَيْنِ تاجِرٍ وَجالِبٍ، وَبائِعِ وَمُشْتَرِي، وَكَاسِبٍ وَمِسْكِينٍ، وَمَكَارٍ وَفَقيرٍ، وَقَضاءِ حَوائِجِ أَهْلِ الْأَطْرافِ فِي الْمَواضِعِ الْمُمْكِن لَهُمُ الْإِجْتِمَاعُ فِيهَا مِنَ النَّفَقَةِ، وَنَقْلِ


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 122.

2) لعلّ الصحيح : «في البرّ والبحر».

أَخْبَارِ الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) إِلى كلّ صَفْع وَناحِيَةٍ، كَما قالَ اللّه تَعَالَى: «فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُ واقَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (1)» (2).

الحجّ مؤتمر عام يهدف إلى غايات عظيمة، ومنافع مهمة، تعود بالخير العميم على العالم الإسلامي، وقد أدلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببعضها، ولو أردنا أن نستقصي ثمرات الحجّ وفوائده لضاق بنا المجال، وأهم ما فيه تعارف الشعوب الإسلاميّة بعضها بحاجات البعض منها ؛ وذلك للوصول إلى مستوى رفيع بين شعوب العالم وأمم الأرض، ومضافاً لذلك الناحية الاقتصاديّة، فإنّ لكل شعب من الشعوب الإسلاميّة صناعات ومنتوجات لا توجد في غيرها، وبواسطة الحجّ يمكن إبرام اتفاقات تجاريّة فيما بينها لتبادلها.

وعلى أي حال، فالحج يرمز إلى رفع مستوى الحياة الفكرية والعملية والاقتصاديّة للمسلمين، ولا يضاهيه أي مؤتمر من مؤتمرات الدول العالمية.

الحج مرة واحدة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ أُمِرُوا بِحَجَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ ؟

قيلَ لَهُ : لأَنَّ اللّه تَعَالَى وَضَعَ الْفَرائِضَ عَلَى أَدْنَى الْقَوْمِ مَرَّةٌ، كَما قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي» (3)يَعْني شاةٌ، لِيَسَعَ لَهُ الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، وَكَذلِكَ سَائِرُ الْفَرائِضِ إِنَّمَا وُضِعَتْ عَلَى أَدْنَى الْقَوْمِ قُوَّةً، فَكانَ مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِضِ الحجّ الْمَفْرُوضُ واحِداً، ثُمَّ رُغْبَ بَعْدَ أَهْلِ الْقُوَّةِ بِقَدَرِ طَاقَتِهِمْ» (4).


1) التوبة 9: 122.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) الان : 2 : 126.

3) البقرة 2: 196.

4) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) الان : 2 : 126.

حجّة الإسلام إنّما تجب على المسلم مرّة واحدة، ولم يفرض فيها التعدّد التي أدلى بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي أن الإسلام قد وضع تكاليفه وأحكامه على أدنى الناس قوّة، وأدناهم قوّة في البدن والمال لا يتمكن الحجّ أكثر من مرّة واحدة.

فلذا وجب على الجميع مرّة واحدة. نعم، قد يجب الحجّ بالنذر وشبهه، وبالإجارة وغير ذلك مما ذكره الفقهاء.

الإحرام

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ أُمِرُوا بِالْإِحْرامِ ؟

قيل : لأَنْ يَخْشَعوا قَبْلَ دُخولِ حَرَمِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ وَأَمْنِهِ، وَلَئَلَّا يَلْهُوا وَيَشْتَغِلُوا بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيا وَزِينَتِها، وَيَكونوا جاديّن فيما بَيْنَهُمْ، قاصِدينَ نَحْوَهُ، مُقْبِلِينَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِمْ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ اللّه تَعَالَى وَلِبَيْتِهِ، وَالتَّذَلُّلِ لَأَنْفُسِهِمْ عِنْدَ قَصْدِهِمْ إِلَى اللّه تَعَالَى، وَوَفادَتِهِمْ إِلَيْهِ راجِينَ ثَوابَهُ، راهِبينَ مِنْ عِقابِهِ، ماضينَ نَحْوَهُ، مُقْبِلِينَ إِلَيْهِ بِالذُّلِّ وَالْإِسْتِكانَةِ وَالْخُضوع» (1).

إنّ الحاجّ إذا أحرم للحجّ أو للعمرة فيجب عليه أن يبتعد عن شهوات نفسه وملذاتها، ويخرج عن مألوفاتها، فتحرم عليه وسائل الرفاهية والزينة : من النساء ولبس المخيط والطيب وحلق شعر رأسه، ويجتنب هجر الكلام ومره، فلا جدال ولا فسوق في الحج.

إنّ الإحرام رياضة للنفس على احتمال المشاق والمكروه، وفيها من التعظيم اللّه تعالى، وإذلال النفس أمامه، إلى غير ذلك من الحكم التي ذكرها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

الطواف بالبيت

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيما كتبه لمحمّد بن سنان : «وَعِلَّةُ الطَّوافِ بِالْبَيْتِ : إِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 127.

قالَ لِلْمَلائِكَةِ : «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ» (1)، فَرَدَوا عَلَى اللّه تَعَالَى بِهَذَا الْجَوابِ، فَعَلِمُوا أَنَّهُمْ أَذْنَبوا، فَنَدِموا فَلاذوا بِالْعَرْشِ، فَاسْتَغْفَروا، فَأَحَبَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُتَعَبَّدَ بِمِثْل ذلِكَ الْعِبادَةِ، فَوَضَعَ في السَّمَاءِ الرّابِعَةِ بَيْتاً بِحِدَاءِ الْعَرْشِ يُسَمَّى الضُّراحُ، ثُمَّ وَضَعَ في السَّماءِ الدُّنْيا بَيْتاً يُسَمَّى الْبَيْتِ الْمَعْمُورُ بِحِذَاءِ الضُّراحِ، ثُمَّ وَضَعَ هَذَا الْبَيْتَ بِحِذاءِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ فَطَافَ بِهِ، فَتابَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ، وَجَرى ذلِكَ في وَلَدِهِ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (2).

إنّ الطواف حول الكعبة المقدّسة فيه من الدروس الرفيعة التي منها : إنّه تخليد لذلك المكان المعظم الذي بناه شيخ الأنبياء إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعبادة اللّه الواحد القهار، في وقت لم يكن هناك بيت للعبادة سواه. ومنها أنّ الطواف معراج للمؤمن كالصلاة، ففيه سموّ للروح، واتصال بالخالق العظيم، إلى غير ذلك من الثمرات والفوائد.

استلام الحجر

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَعِلَّةُ اسْتِلامِ الْحَجَرِ : أَنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَا أَخَذَ مواثيق بَنِي آدَمَ أَلْتَقَمَهُ الْحَجَرَ، فَمِنْ ثُمَّ كُلَّفَ النَّاسُ بِمُعَاهَدَةِ ذلِكَ الْمِيثَاقِ، وَمِنْ ثُمَّ يُقالُ عِنْدَ الْحَجَرِ: أمانتي أَديتها، وَمِيثَاقَ تَعَاهَدْتُهُ لِتَشْهَدَ لي بِالْمُوافاة، وَمِنْهُ قَوْلُ سَلْمَانَ : بِالْمُوافاةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ سَلْمَانَ : لِيَجِيءَ الْحَجَرُ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِثْلُ جَبَل أَبِي قُبَيْسِ، لَهُ لِسانٌ وَشَفَتانِ يَشْهَدُ لِمَنْ وافاهُ بِالْمُوافاة» (3).

لقد تحدث الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الحكمة في استلام الحجر الأسود الذي هو موضع تقديس وتعظيم عند المسلمين، فقد كرمه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقبّله، ومما لا شبهة أن ذلك ينم عن سموّ هذا الحجر الذي يشهد لمن وافاه يوم القيامة بالموافاة له.


1) البقرة 2: 30.

2) علل الشرائع : 2 : 406.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 127.

الحجّ في ذي الحجة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ جُمِلَ وَقْتُها عَشْرُ ذى الْحَجَّةِ ؟

6قيلَ : لأَنَّ اللّه تَعالى أَحَبُّ أَنْ يُعْبَدَ بِهَذِهِ الْعِبادَةِ أيّام النَّشْرِيقِ، وَكانَ أَوَّلُ ما حَجَّتْ إِلَيْهِ الْمَلائِكَةُ، وَطافَتْ بِهِ في هَذَا الْوَقْتِ، فَجَعَلَهُ سُنَّةً وَوَقْتاً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَأَما النَّبِيِّونَ : آدَمُ وَنوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمحمّد صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَنْبِياءِ، إِنَّما حَجّوا في هذَا الْوَقْتِ، فَجُعِلَتْ سُنَّةٌ فِي أَوْلادِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (1).

ولهذه الأسباب فقد جعل الحجّ في هذا الوقت المبارك دون غيره.

كلمة فيليب حتّى في الحجّ

ومن الجدير بالذكر أن نختم هذا البحث عن الحجّ بكلمة الدكتور فيليب حتّي، قال : «ولا يزال الحجّ على كرّ العصور نظاماً لا يبارى في تشديد عرى التفاهم الإسلامي، والتأليف بين مختلف طبقات المسلمين، ويفضله يتسنّى لكل مسلم أن يكون رحالة مرة في حياته على الأقل، وأن يجتمع مع غيره من المؤمنين اجتماعاً أخوياً، ويوحد شعوره مع شعور من سواه من القادمين من أطراف الأرض. ويفضل هذا النظام يتيسر للزنوج والبربر والصينيين والفرس والترك والعرب، وغيرهم، أغنياء كانوا أم فقراء، عظماء أم صعاليك، أن يتألفوا لغة وإيماناً وعقيدة، وقد أدرك الإسلام نجاحاً لم يتفق لدين آخر من أديان العالم في القضاء على فوارق الجنس واللون والقوميّة، خاصة بين أبنائه، فهو لا يعترف بفاصل بين أفراد البشر إلّا الذي يقوم بين المؤمنين وبين غير المؤمنين، ولا شك أن الاجتماع في مواسم الحجّ أدّى


1) علل الشرائع : 1 : 127.

خدمة كبرى في هذا السبيل» (1).

أحكام الزكاة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيما كتبه لمحمّد بن سنان عن أجوبة مسائله في علل الأحكام، قال :

«وَعِلَّةُ الزَّكاةِ مِنْ أَجْلِ قُوتِ الْفُقَرَاءِ، وَتَحْصينِ أَمْوالِ الْأَغْنِياءِ؛ لأَنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَلَّفَ أَهْلَ الصَّحَةِ الْقِيامَ بِشَأْنِ أَهْلِ الزَّمَانَةِ - وهم المرضى - وَالْبَلْوى، كَما قالَ اللّه تَعَالَى : «لتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ» (2)فِي أَمْوالِكُمْ بِإِخْراجِ الزَّكاةِ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ بِتَوْطِينِ الْأَنْفُسِ عَلَى الصَّبْرِ، مَعَ ما في ذلِكَ مِنْ أَداءِ شُكْرِ نِعَمِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَالطَّمَعِ في الزِّيادَةِ، مَعَ مافيهِ مِنَ الرَّأْفَةِ وَ الرَّحْمَةِ لأَهْلِ الضَّعْفِ وَالْعَطْفِ عَلَىٰ أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ، وَالْحَنَّ لَهُمْ عَلَى الْمُواساة، وَتَقْوِيَةِ الْفُقَراءِ، وَالْمَعونَةِ عَلى أَمْرِ الدِّينِ، وَهُمْ عِظَةٌ لأَهْلِ الْغِنى، وَعِبْرَةٌ لَهُمْ، لِيَسْتَدِلُوا عَلَى فُقَراءِ الْآخِرَةِ بِهِمْ، وَما لَهُمْ مِنَ الْحَقِّ فِي ذلِكَ عَلَى الشُّكْرِ للّه تَبارَكَ وَتَعالَى لِما خَوَّلَهُمْ وَأَعْطَاهُمْ، وَالدُّعاءِ وَالتَّضَرُّع وَالْخَوْفِ مِنْ أَنْ يَصِيروا مِثْلَهُمْ فِي أُمورٍ كَثِيرَةٍ فِي أَداءِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَاصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ» (3).

الزكاة نظام اجتماعي خلّاق، يحفظ التوازن بين طبقات الأمة، ويقضي على داء الفقر الذي هو مأوى لكل جريمة، ففي البيئات التي يشيع الفقر فيها تروج المذاهب المتطرّفة، وتستحل الأعمال الوحشية.

إنّ الزكاة تطهر النفوس من البخل والقسوة والإثرة والطمع، وغير ذلك من أرجاس الرذائل الاجتماعيّة التي تبعث على الفتن والكراهية والعدوان. وقد تحدّث


1) تاريخ العرب : 1 : 187.

2) آل عمران 3: 186.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 96.

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ثمراتها ومصالحها التي تعود على المجتمع بالخير العميم.

أحكام الميّت

إشارة:

قد تقدّم الكلام في غسل الميّت ومسه في أحكام الطهارة 26 و 27.

1 - تكفين الأموات

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ أُمِرُوا بِكَفَنِ الميّت ؟

قيلَ : لِيَلْقى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ طَاهِرَ الْجَسَدِ، وَلَئِلًا تَبْدو عَوْرَتُهُ لِمَنْ يَحْمِلُهُ وَيَدْفِنُهُ، وَلَيْلًا يَظْهَرَ النَّاسُ عَلَى بَعْضِ حالِهِ، وَقُبْح مَنْظَرِهِ، وَتَغَيرِ ريحِهِ، وَلَيْلًا يَقْسو الْقَلْبُ مِنْ كَثْرَةِ النَّظَرِ إِلى مِثْل ذلِكَ لِلْعاهَةِ وَالْفَادِ، وَلِيَكونَ أَطْيَبَ لأَنْفُسِ الأَحْياءِ، وَلَئِلّا يَبْغَضَهُ حَمِيمٌ فَيُلْقِيَ ذِكْرَهُ وَمَوَدَّتَهُ، فَلَا يَحْفَظَهُ فيما خَلَّفَ، وَأَوْصاهُ، وَأَمَرَهُ بِهِ، واجِباً كانَ أَوْ نَدْباً» (1).

ولهذه الحكم الوثيقة البالغة الأهمية، فقد ألزم الشارع العظيم بتكفين الأموات احتراماً لهم، وصيانة لأجسادهم التي إن بدت مجها الأحياء واحتقروها.

2 - دفن الأموات

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإِنْ قالَ قائِلٌ : فَلِمَ أُمِرَ بِدَفْنِهِ ؟

قيلَ : لِئَلَّا يَظْهَرَ النَّاسُ عَلى فَسَادِ جَسَدِهِ، وَقُبْحِ مَنْظَرِهِ، وَتَغَيَّرِ رِيحِهِ، وَلَا يَتَأَذَّى الْأَحْياءُ بِريحِهِ، وَبِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنَ الْآفَةِ وَالْفَسادِ، وَلِيَكُونَ مَسْتوراً عَنِ الْأَوْلِياءِ وَالْأَعْداءِ، فَلَا يَسْمَتَ عَدُوُّهُ، وَلَا يَحْزَنَ صِديقُهُ» (2).


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 120.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 121.

ولهذه الحكم الوثيقة، فقد أوجب مواراة الأموات، ودفنهم للستر عليهم، فإنّه إذا تفسخت أجسامهم، وانتشرت جيفتهم، فإنّهم يشكّلون خطراً على البيئة، ويكونون مصدراً للأوبئة، بالإضافة إلى قبح منظرهم، وكراهة رائحتهم، وغير ذلك مما أفاده الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

علل بعض المحرّمات

إشارة:

وأدلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالعلل التي من أجلها حرّمت بعض الأعمال في الإسلام، ذلك فيما كتبه إلى محمّد بن سنان عن أجوبة مسائله، وهي :

1 - قتل النفس

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَحَرَّمُ اللّه قَتْلَ النَّفْسِ لِعِلَّةِ فَسادِ الْخَلْقِ فِي تَحْلِيلِهِ لَوْ أُحِلَّ، وَفَنائِهِمْ، وَفَسادِ التَّدْبير» (1).

تعتبر جريمة القتل العمد من أخطر الجرائم، وأشدّها إخلالاً بالأمن، وقد حرمه الإسلام وشدّد في العقوبة على الجاني. قال تعالى : «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الألْبَابِ» (2)، ولو حلّت هذه الجريمة لأوجبت فساد الخلق وفناءهم.

2 - عقوق الوالدين

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَحَرَّمَ اللّه عُقوقَ الْوالِدَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخُروج عَنِ التَّوْقِيرِ» (3).

إنّ اللّه تعالى قرن حقوق الوالدين بحقوقه، وطاعتهما بطاعته، وإن من أفحش المحرّمات عقوقهما، والتنكر لما أسدياه على الولد من ألوان البر والإحسان ض


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 98.

2) البقرة 2 : 179.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 98.

3 - الزنا
إشارة:

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَحُرِّمَ الزِّنَا لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَسَادِ مِنْ قَتْلِ الْأَنْفُسِ، وَذَهَابِ الْأَنْسَابِ، وَتَرْكِ التَّرْبِيَةِ لِلْأَطْفَالِ، وَفَسادِ الْمَوارِيثِ، وَما أَشْبَهَ ذلِكَ مِنْ وُجوهِ الْفَسادِ» (1).

الزنا من أفحش ألوان الرذائل، ووصفه القرآن بالفاحشة. قال تعالى: «وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً» (2).

والزاني يشكّل جريمة على المجتمع الإنساني ؛ لأنه إن نشأ منه طفل فإنّه ينشأ بلا أب يرعاه، ويصاب بالعقد النفسيّة، ويقترف أفظع الجرائم، بالإضافة إلى إضاعة الأنساب، بينما الزواج ناموس طبيعي يفرض على المرء أن يبذل حياته لتربية أطفاله تربية صالحة ليكونوا قرّة عين له.

عقوبة الزاني

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَعِلَّةً ضَرْبِ الزَّانِي عَلى جَسَدِهِ بِأَشَدَّ الضَّرْبِ لِمُباشَرَتِهِ الزِّنَا، وَاسْتِلْذَاذِ الْجَسَدِ كُلِّهِ بِهِ، فَجَعَلَ الضَّرْبَ عُقوبةٌ لَهُ، وَعِبْرَةً لِغَيْرِهِ، وَهُوَ أَعْظَمُ الْجِناياتِ» (3).

وكان من محاسن التشريع الإسلامي أن شرع العقوبات الصارمة لهذه الرذيلة، وهي مائة جلدة لغير المحصن، والرجم للمحصن.

قال تعالى : «والزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كلّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّه إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (4).


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 99.

2) الإسراء 17 : 32.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 104.

4) النور 24: 2.

الشهادة المثبتة للزنا

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَالْعِلَّةً في شَهادَةِ أَرْبَعَةٍ - أي الشهود - في الزنا، وَاثْنَيْنِ فِي سَائِرِ الْحُقوقِ؛ لِشِدَّةِ حَدٌ الْمُحْصَن لأنَّ فيهِ الْقَتْلَ، فَجُعِلَتِ الشَّهَادَةُ فِيهِ مُضاعَفَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ قَتْلِ نَفْسِهِ، وَذَهَابِ نَسَبِ وَلَدِهِ، وَلِفَسادِ الْمِيرَاثِ» (1).

إن عقوبة الزنا لا تثبت إلا بأربعة شهود عدول يرون حقيقة الزنا بالمشاهدة، ولا بدّ أن يشهدوا جميعاً، فإذا تخلّف واحد منهم تعرّض الثلاثة الباقون لعقوبة القذف، والحكمة في هذا التشديد لئلا يتجرأ الناس على اتهام بعضهم بعضاً دون مبالاة.

4 - اللواط والمساحقة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَعِلَّةٌ تَحْرِيمِ الذُّكْرَانِ لِلذِّكْرانِ، وَالْإِنَاثِ لِلْإِنَاثِ؛ لِما رُكَّبَ فِي الْإِنَاثِ، وَما طُبعَ عَلَيْهِ الذِّكْرانُ، وَلِما في إِتْيانِ الذُّكْرانِ الذُّكْرانَ، وَالْإِناثِ الْإِناثَ مِنِ انْقِطَاعِ النَّسْلِ، وَفَسادِ التَّدْبِيرِ، وَخَرابِ الدُّنْيا» (2).

أمّا اللواط فإنّه من الجرائم الخُلقيّة، وفيه خروج عن سنن الطبيعة، وقد سمّاه اللّه تعالى بالفاحشة، قال تعالى : «وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِن أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ» (3).

وعقوبة اللواط القتل ؛ لأنّ في هذه الجريمة إضاعة الأنساب، وخراب الدنيا، كما قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وأمّا المساحقة فإنّها من الرذائل الخُلقيّة، وفيها شذوذ عن سنة اللّه تعالى،


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 102.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 104.

3) الأعراف 7 : 80.

وخروج عن طبيعة الإنسان.

5 - النظر إلى شعور النساء

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَحُرِّمَ النَّظَرُ إِلى شُعورِ النِّساءِ الْمَحْجُوبَاتِ بِالْأَزْواجِ، وَإِلَى غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ؛ لما فيهِ مِنْ تَهَيُّج الرِّجالِ، وَما يَدْعو التَّهْييجُ إِلَيْهِ مِنَ الْفَسَادِ، والدخول فيما لَا يَحِلُّ وَلَا يُحَلُّ، وَكَذلِكَ ما أَشْبَهَ الشُّعورَ إِلَّا الَّذِي قَالَ اللّه تَعَالَى: «وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ» (1)، أَيْ غَيْرَ الْجُلْبَابِ، فَلَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إِلَى شُعورٍ. مِثْلِهِنَّ» (2).

إنّ النظر إلى شعر المرأة وزينتها يكهرب الرجل ويدفعه إلى اقتراف الحرام، أما النظر إلى شعر العجائز الطاعنات في السنّ، فإنّه لا يبعث غراماً، ولا يولّد شهوة، فلذا أباحه الإسلام.

6 - الربا

وعرض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بيان الأسباب والعلل في تحريم الربا، وذلك في عدة بيانات، وهي :

• قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَعِلَّةً تَحْريم الرِّبا : إِنَّما نَهَى اللّه عَنْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ فَسادِ الْأَمْوالِ؛ لأَنَّ الْإِنْسانَ إِذَا اشْتَرَى الدَّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ كَانَ ثَمَنُ الدَّرْهَمِ دِرْهَماً، وَثَمَنُ الْآخَرِ باطِلاً، فَبَيْعَ الرِّبا وَكَسٌ عَلى كلّ حالٍ عَلَى الْمُشْتَرِي وَعَلَى الْبائِعِ، فَحَرَّمَ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى الرِّبا لِعِلَّةٍ فَسادِ الْأَمْوالِ، كَما حَظَرَ عَلَى السَّفيهِ أَنْ يُدْفَعُ مَالُهُ إِلَيْهِ، لِما يُتَخَوَّفُ عَلَيْهِ مِنْ إِفْسادِهِ حتّى يُؤْنَسَ مِنْهُ رُشْدَهُ، فَلِهذِهِ الْعِلَّةِ حَرَّمَ اللّه الرِّبا، وَبَيْعُ الدِّرْهَمَيْنِ يَداً بِيَدِ».

1) نور 24: 60.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 104 و 105.

•

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَعِلَّةً تَحْريم الرِّبا بَعْدَ الْبَيِّنَةِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِسْتِخْفافِ بِالْحَرامِ الْمُحَرَّمِ، وَهِيَ كَبِيرَةٌ بَعْدَ الْبَيانِ، وَتَحْرِيمُ اللّه تَعَالَى لَها، وَلَمْ يَكُنْ ذلِكَ مِنْهُ - أي من المرابي- إِلَّا اسْتِخْفافُ بِالتَّحْرِيمِ لِلْحَرامِ، وَالْإِسْتِخْفَافُ بِذلِكَ دُخول فِي الْكُفْرِ».

•

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وَعِلَّةً تَحْريم الرِّبا بِالنَّسِيئَةِ لِعِلَّةِ ذِهَابِ الْمَعْرُوفِ، وَتَلَفِ الْأَمْوالِ، وَرَغْبَةِ النَّاسِ في الرِّبْحِ، وَتَرْكِهِمُ الْقَرْضَ وَالْفَرْضَ، وَصَنائِعَ الْمَعْرُوفِ، وَلِمَا فِي ذلِكَ مِنَ الْفَسَادِ وَالظُّلْمِ وَفَنَاءِ الْأَمْوالِ» (1).

حرم الإسلام الربا تحريماً شاملاً، واعتبره من أفحش أنواع الظلم، وهو يتنافى مع تعاليم الإسلام التي تدعو إلى المعونة والمساعدة والرحمة، والربا يسبب العداوة والبغضاء، وينشر البؤس والفقر بين الناس.

إنّ الربا يؤدّي إلى وجود طبقة رأسمالية في المجتمع، تتضخم عندها الأموال، وهي لا تعمل ولا تبذل جهداً في الحركة الاقتصاديّة.

وقد ثبت أنّ الربا وسيلة لاستعمار الشعوب واحتلالها، فالحكومات التي تستقرض تتضاعف عليها الفوائد، فتعجز عن تسديدها، وتقع بذلك تحت شبكة الاستعمار الذي ينهب الثروات، ويترك البؤس شائعاً في البلاد.

وجاء تحريم الربا في القرآن تحريماً قاطعاً. قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّه وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّه وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ» (2).

وقال تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً» (3).


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 100 و 101.

2) البقرة 2 : 278 و 279.

3) آل عمران 3: 130.

وقد لعن الإسلام صاحب رأس المال والمدين، والكاتب والشاهد، لأنهما أعانا على ما نهى اللّه عنه.

7 - أكل مال اليتيم

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَحُرِّمَ أَكل مال اليتيم ظُلْماً لِعِلَلٍ كَثِيرَةٍ مِنْ وُجُوهِ الْفَسَادِ، أَوَّلُ ذَلِكَ إِنَّهُ إِذا أَكَلَ الْإِنْسانُ مالَ الْيَتِيمِ ظُلْماً فَقَدْ أَعانَ عَلَى قَتْلِهِ، إِذِ الْيَتِيمُ غَيْرُ مُسْتَغْنٍ، وَلَا مُحْتَمِلٌ لِنَفْسِهِ، وَلَا عِلْمَ بِشَأْنِهِ، وَلَا لَهُ مَنْ يَقومُ عَلَيْهِ وَيَكْفِيهِ، كَقِيامَ وَالِدَيْهِ، فَإِذا أَكَلَ مَالَهُ فَكَأَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ وَصَيَّرَهُ إِلَى الْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ، مَعَ ما خَوَّفَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَجَعَلَ مِنَ الْعُقوَبَةِ في قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةٌ ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّه» (1)».

ولقول أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَ في أَكْلِ مالِ الْيَتِيمِ عُقوبَتَيْنِ : عُقوبَةً فِي الدُّنْيا، وَعُقوبَةٌ فِي الْآخِرَةِ، فَفِي تَحْريم مالِ الْيَتِيم استبقاءُ الْيَتيم، وَاسْتقلالِهِ بِنَفْسِهِ، وَالسَّلامَةِ لِلْعَقِب أَنْ يُصيبَهُ ما أَصابَهُ لِما وَعَدَ اللّه فِيهِ مِنَ الْعُقوبَةِ، مَعَ ما فِي ذلِكَ مِنْ طَلَبِ الْيَتِيمِ بِثَأْرِهِ إِذَا أَدْرَكَ، وَوُقوعِ الشَّحْنَاءِ وَالْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ حَتَّىٰ يَتَفَانَوا» (2).

لقد شدّد الإسلام في تحريم أكل مال اليتيم، وأمر بصيانة أمواله، والمحافظة عليها حتّى يبلغ. قال تعالى : «وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ» (3).

وقد أدلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالأسباب الناجمة عن حرمة أكل مال اليتيم.


1) النساء 4: 9.

2) عيون أخبار الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 99.

3) النساء 6:4.

8 - السرقة
إشارة:

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَحُرْمَةُ السَّرِقَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ فَسادِ الْأَمْوالِ، وَقَتْلِ الْأَنْفُسِ لَوْ كَانَتْ مُباحَةٌ، وَلِما تَأْتي في التَّغَاصُبِ مِنَ الْقَتْلِ وَالتَّنازُعِ وَالتَّحَاسُدِ، وَمَا يَدْعُو إِلَى تَرْكِ التِّجارَاتِ وَالصَّناعاتِ فِي الْمَكاسِبِ، وَاقْتِناءِ الْأَمْوالِ إِذا كانَ الشَّيْءُ الْمُقْتَنى لَا يَكونُ أَحَدٌ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ» (1).

أمّا السرقة فهي من أفحش المحرمات؛ لأنّها أكل لأموال الناس بغير حقّ، فالسارق يأخذ مال الغير الذي أفنى عمره في تحصيله، ويترك شبح الفاقة جاثماً عليه، وينعم هو بما سرقه منه، وهو من أسوأ ألوان الظلم، وقد جعل الشارع العظيم عقوبة السارق قطع اليد. قال تعالى : «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا» (2).

ويشترط في السرقة التي توجب قطع اليد عدة شروط ذكرها الفقهاء، فإذا توفرت فتقطع يد السارق.

قطع يد السارق اليمني

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَعِلَّةٌ قَطْعِ الْيَمِينِ مِنَ السَّارِقِ، وَلأَنَّهُ يُباشِرُ الْأَشْيَاءَ بِيَمِينِهِ، وَهِيَ أَفْضَلُ أَعْضَائِهِ، وَأَنْفَعُها لَهُ، فَجُعِلَ قَطْعُها نَكالاً وَعِبْرَةً لِلْخَلْقِ، لِئَلَّا يَبْتَعُوا أَخْذَ الْأَمْوالِ مِنْ غَيْرِ حلها، وَلأَنَّهُ أَكْثَرُ ما يُباشِرُ السَّرِفَةَ بِيَمِينِهِ.

وَحُرِّمَ غَصْبُ الْأَمْوالِ، وَأَخْذُها مِنْ غَيْرِ حِلَّها، لِمَا فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ، وَالْفَسَادُ مُحَرَّمٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَناءِ، وَغَير ذلِكَ مِنْ وُجوهِ الْفَسادِ» (3).


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 103 و 104.

2) المائدة 5: 38.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 103.

ولهذه الأسباب الوثيقة التي أدلى بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد أمر الإسلام بقطع يد السارق اليمني دون اليسرى.

9 - الخمر

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «حَرَّمَ اللّه الْخَمْرَ لِما فيها مِنَ الْفَسادِ، وَمِنْ تَغْييرها عُقولَ شاربيها، وَحَمْلِها إِيَّاهُمْ عَلَى إِنْكَارِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَالْفِرْيَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى رُسُلِهِ، وَسَائِرِ ما يَكُونُ مِنْهُمْ مِنَ الْفَسادِ وَالْقَتْلِ وَالْقَدْفِ وَالزَّنا، وَقِلَّةِ الْإِحْتِجازِ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْحَرامِ، فَبِذلِكَ قَضَيْنَا عَلى كلّ مُسْكِرِ مِنَ الْأَشْرِبَةِ أَنَّهُ حَرامٌ مُحَرَّم؛ لأنَّهُ يَأْتِي مِنْ عَاقِبَتِها ما يَأْتِي مِنْ عَاقِبَةِ الْخَمْرِ، فَلْيَجْتَنِبُهُ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللّه وَالْيَضوْمِ الْآخِرِ وَيَتَوَلانَا، وَيَنْتَحِلُ مَوَدَّتَنَا، فَإِنَّهُ لا عِصْمَةً بَيْنَنا وَبَيْنَ شاربيها» (1).

أمّا مضارّ الخمر على الإنسان وعلى المجتمع فهي كثيرة لا تحصى، وقد حرّمها الإسلام تحريماً باتّاً.

قال تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ» (2).

إنّ الخمر سبب لكل رذيلة، ومنشأ لارتكاب كلّ منكر، وإن كثيراً من حوادث الزنا والسرقة وغيرهما من الجرائم تنشأ من الخمر، مضافاً إلى تدميره لصحة الإنسان، فإنّ الكحول التي فيها تتسرّب إلى دم الإنسان حتّى أنه لو أخذ مقدار من دم السكران فإنّه يحترق كما يحترق السبيرتو، مضافاً إلى ما يسببه من التهاب الجهاز الهضمي،


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 105.

2) المائدة 5 : 90 الميسر : هو القمار الأنصابُ : حجارة أو أصنام كان العرب يذبحون قرابينهم عندها. الأزلام : قطع من الخشب بهيئة السهام، كانوا في الجاهلية يستقسمون بها لأجل التفاؤل والتشاؤم.

وارتفاع الضغط الدموي، وغير ذلك، وقد ذكرنا أضراره الصحية في كتابنا (العمل وحقوق العامل في الإسلام).

10 - الميتة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَحُرِّمَتِ الْمَيْتَةُ لِما فيها مِنْ فَسادِ الْأَبْدانِ، وَالآفَة... الخ» (1).

أما أكل الميتة فهو يسبب كثيراً من الأمراض، وربّما أدّى الأكل منها إلى الوفاة (2)، فإنّ الجراثيم لا تزال ملازمة لها، وإن تعقيم لحم الميتة بطريق النار لا يجدي شيئاً، كما نصّ على ذلك الطب الحديث.

11 - الدم

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَحَرَّمَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ الدَّمَ كَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ فَسَادِ الْأَبْدَانِ، وَلأَنَّهُ يُورِثُ الْمَاءَ الْأَصْفَرَ، وَيَبْخَرُ الْفَمَ، وَيُنْتِنُ الرِّيحَ، وَيُسِيءُ الْخُلُقَ، وَيُورِثُ الْقَسْوَةَ لِلْقَلْبِ، وَقِلَّةِ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، حتّى لَا يُؤْمِنُ أَنْ يَقْتُلَ والِدَهُ وَصاحِبَهُ» (3).

وحرّم الإسلام شرب الدم لأنّه يحمل إفرازات وسموماً قاتلة، أما إذا أخذ من دم حيوان مريض، فإنّ الجراثيم التي فيه تنتقل إلى من يتناوله، وبإجماع الأطباء أنّ الدم لا يعتبر غذاءً مطلقاً.

12 - الطحال

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَحُرِّمَ الطَّحالُ لِما فِيهِ مِنَ الدَّمُ، وَلأَنَّ عِلَّتَهُ وَعِلَّةَ الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَاحِدَةٌ؛ لأَنَّهُ يَجْرِي مَجْراها فِي الْفَسادِ» (4).


1) عيون أخبار الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 101.

2) الإسلام والطب الحديث / عبدالعزيز إسماعيل : 17.

3) عيون أخبار الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 101.

4) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 101.

أما الطحال فقد حرّمه الإسلام، واعتبره كالدم والميتة؛ وذلك لما يترتب على تناوله من الأضرار والمفاسد لجسم الإنسان، كما أفاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

13 - الخنزير والقرد

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَحُرِّمَ الْخِنزيرُ لأَنَّهُ مُشَوَّهُ، جَعَلَهُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ عِظَةٌ لِلْخَلْقِ، وَعِبْرَةً وَتَخْويفاً وَدَليلاً عَلَى مَا مُسِخَ عَلَى خِلْقَتِهِ، وَلأَنَّ غِدَاءَهُ أَقْذَرُ الْأَقْدَارِ، مَعَ عِلَلٍ كَثِيرَةٍ.

وَكَذلِكَ حُرِّمَ الْقِرْدُ لأَنَّهُ مُسِخَ مِثْلُ الْخِنْزِيرِ، وَجُعِلَ عِظَةً وَعِبْرَةٌ لِلْخَلْقِ، وَدَليلاً عَلَى ما مُسِخَ عَلَى خِلْقَتِهِ وَصورَتِهِ، وَجُعِلَ فِيهِ شَبَهَا مِنَ الْإِنْسانِ لِيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْخَلْقِ الْمَغْضوب عَلَيْهِمْ».

لقد حرّم الإسلام لحم الخنزير، وقد أنقذ المسلمين بذلك من شرّ عظيم. يقول بيتي وديسكون : «إنّ الإصابة بدودة لحم الخنزير تكاد تكون عامة في جهات خاصة من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، ولكنّها تكاد تكون نادرة الوجود في البلاد الشرقية لتحريم دين أهلها أكل لحم الخنزير، وينقل لحم الخنزير كذلك مرض الترنجينا للإنسان».

وفيما يلي بعض الحقائق عن لحم الخنزير ومدى خطورته :

1 - لا يمكن للطبيب الأخصائي أن يقرّر أنّ خنزيراً غير مصاب بهذه الديدان. بل أن جميعها مصابة بها.

2 - إنّ الأنثى الواحدة من هذه الديدان تضع (1500 جنين) في الغشاء المخاطي المبطن لأمعاء المصاب، فتوزّع الملايين المولودة من الإناث جميعاً بطريق الدورة الدموية، وتبثّها في جميع أجزاء الجسم، وتتجمّع الأجنّة في العضلات، فتسبّب آلاماً شديدة والتهابات عضليّة مؤلمة جدّاً، ويصاب بعد ذلك بأورام خبيثة.

3 - إنّه لا يوجد علاج لهذا المرض، ومضافاً لذلك فإنّ لحم الخنزير ينقل

للإنسان بعض الجراثيم العفنة (والباراتيفود)، وهي تسبّب للإنسان تسمّماً حادّاً مصحوباً بالتهابات شديدة في الجهاز الهضمي قد تسبّب الوفاة في بضع ساعات (1).

14 - الأرنب

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَحُرِّمَ الْأَرْنَبُ لأَنها بِمَنْزِلَةِ السَّنَورِ، وَلَها مَخالِيبٌ كَمَخالِيبِ السَّنَورِ، وَسَباعِ الْوَحْشِ، فَجَرَتْ مَجْراها مَعَ قَذَرِها في نَفْسِها، ما يَكونُ مِنْها مِنَ الدَّمِ، كَما يَكُونُ مِنَ النِّساءِ لأَنَّها مَسْخٌ» (2).

أمّا الأرنب فحرام أكله، وقد ذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) علل ذلك، ولكن بعض المذاهب الإسلاميّة لم تستقذره وأباحت أكله.

15 - سباع الطير والوحش

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَحُرِّمَ سِباعُ الطَّيْرِ وَالْوَحْشِ كُلُّها لأَكْلِها الْجِيَفَ، وَلُحومَ النَّاسِ. وَالْعَذْرَةَ، وَما أَشْبَهَ ذلِكَ، فَجَعَلَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ دَلائِلَ ما يَحِلُّ مِنَ الْوَحْشِ وَالطَّيْرِ وَما حُرِّمَ، كما قال أَبي عَبْدِ اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): كلّ ذي ناب مِنَ السَّباعِ، وَذِي مَخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، حَرامٌ، وَكُلُّ ما كَانَتْ لَهُ قائِصَةٌ مِنَ الطَّيْرِ فَحَلالٌ.

وعلّة أخرى يفرّق بين ما يحلّ من الطير وما حرّم، قوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كُلْ ما دَفَّ، وَلَا تَأْكُلْ ما صَفَّ» (3).

وحرم الإسلام سباع الطير كالبازي والرخمة، وكذا يحرّم من الطيور ما ليس له قانصة ولا حوصلة ولا صيصيّة، وهي الشوكة خلف رجل الطائر خارجة عن الكف، ويكفي وجود واحدة منها في حلّ الطير (4).


1) روح الدين الإسلامي : 405.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 100.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 100.

4) منهاج الصالحين : 2 : 274.

وقد علّل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحرمة بأنّها تأكل الجيف، ولحوم الناس والعذرة، ويتأثر لحمها بذلك، فلحومها غير صالحة لمعدة الإنسان.

16 - ما أُهلّ به لغير اللّه

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَحُرِّمَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّه، الَّذي أَوْجَبَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ عَلى خَلْفِهِ مِنَ الْإِقْرارِ بِهِ، وَذِكْرِ اسْمِهِ عَلَى الذَّبَائِحِ الْمُحَلَّلَةِ، وَلَئِلَا يُسَوّى بَيْنَ مَا تُقُرِّبَ بِهِ إِلَيْهِ، وَبَيْنَ ما جُعِلَ عِبادَةٌ لِلشَّيَاطِينِ وَالْأَوْثَانِ، لأَنَّ فِي تَسْمَيةِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ الْإِقْرَارُ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَما فِي الْإِهْلالِ لِغَيْرِ اللّه مِنَ الشِّرْكِ بِهِ، وَ التَّقَرُّبِ بِهِ إِلى غَيْرِهِ، لِيَكونَ ذِكْرُ اللّه وَتَسْمِيَتِهِ عَلَى الذُّبِيحَةِ فَرْقاً بَيْنَ مَا يُحِلُّ اللّه وَبَيْنَ ما حَرَّمَ اللّه» (1).

لقد حرّم ما أهل به لغير اللّه تعالى ممّا يتقرب به إلى الأصنام والأوثان، وهو ما تعمله الجاهليّة الأولى التي لا تملك وعياً ولا فكراً، فهي كالبهائم، وقد حرّم الإسلام ذبائحها استقذاراً لأفكارها وأعمالها، وإنّ ذبائحهم غير نظيفة ولا صالحة للأكل.

17 - كراهة أكل لحوم البغال

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَكَرِهَ أَكل لحوم الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ الْأَهْلِيَّةِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلى ظُهورِها وَاسْتِعْمالِها، وَالْخَوْفُ مِنْ قَتْلِها، لَا لِقَذَرِ خِلْقَتِهَا، وَلَا لِقَذَرِ غِذَائِها» (2).

لقد كره الإسلام أكل لحوم البغال والحمير الأهلية؛ وذلك لأنهما من أهم وسائل النقل في تلك العصور وذبحها، مما يوجب الشحّة في وسائل النقل، فلذاكره الإسلام ذبحها، أمّا لحمها فهو صالح للأكل، وليس فيه شيء مما يوجب الضرر


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 100.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 104.

بالصحة العامّة.

18 - زواج الرجل بأربعة نسوة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وَعِلَّةً تَزْويج الرَّجُلِ أَرْبَعَةَ نِسْوَةٍ، وَتَحريمُ أَنْ تَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةُ أَكْثَرَ مِنْ واحِدٍ ؟ لأَنَّ الرَّجُلَ إِذا تَزَوَّجَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ كَانَ الْوَلَدُ مَنْسوباً إِلَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ لَوْ كَانَ لَها زَوْجَانِ، وَأَكْثَرُ مِنْ ذلِكَ لَمْ يُعْرَفِ الْوَلَدُ لِمَنْ هُوَ إِذْ هُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي نِكَاحِهَا، وَفِي ذلِكَ فَسادُ الْأَنْسَابِ وَالْمَوَارِيثِ وَالْمَعارِفِ» (1).

لقد بيّن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحكمة في جواز زواج الرجل بأربع نساء دون المرأة، فليس لها ذلك، فإنّه لو أبيح لها الزواج بأكثر من زوج واحد في زمان واحد، فإن من يولد منها لمن يكون من الزوجين، وبذلك تضيع الأنساب وتفسد المواريث.

19 - الطلاق ثلاثاً

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَعِلَّةُ الطَّلاقِ ثَلاثاً لِما فِيهِ مِنَ الْمُهْلَةِ فيما بَيْنَ الْواحِدَةِ إِلَى الثَّلاثِ، لِرَغْبَةٍ تَحْدَثُ أَوْ سُكون غَضَبِهِ، إِنْ كانَ، وَلِيَكونَ ذلِكَ تَخْويفاً وَتَأديباً لِلنِّساءِ، وَزَجْراً لَهُنَّ عَنْ مَعْصِيَةِ أَزْواجِهِنَّ، فَاسْتَحَقَّتِ الْمَرْأَةُ الْفُرْقَةَ وَالْمُبايَنَةَ لِدُخولِها فيما لَا يَبْقَى مِنْ مَعْصِيَةِ زَوْجِها» (2).

طلاق العدّة هو أنّ يطلق الرجل زوجته مع اجتماع الشرائط، ثم يراجع قبل خروجها من العدة فيواقعها، ثمّ يطلقها في طهر آخر، فتحرم عليه حتّى تنكح زوجاً آخر، وقد ذكر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحكمة في هذا الطلاق وأسبابه.

20 - المطلّقة تسع تطليقات

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَعِلَّةً تَحْرِيمِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ تِسْع تَطليقاتٍ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ أَبَداً، عُقوبَةٌ، لَيْلًا


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 102.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 102.

يَتَلاعَبَ بِالطَّلاقِ، وَلَا يَسْتَضْعِفَ الْمَرْأَةَ، وَليكون ناظراً في أموره، مُتَيقِّظاً، مُعْتَبِراً، وَلِيكونَ يَأْساً لَهُما مِنَ الْإِجْتِمَاع بَعْدَ تِسْع تَطليقات» (1).

المرأة إذا طلقت على النحو المذكور في المسألة السابقة، فتزوجها شخص طلقها، فتزوّجها زوجها الأوّل، فطلّقها ثلاثاً على النهج السابق، حرمت عليه حتّى تنكح زوجاً آخر، فإذا تزوّجها آخر وطلّقها، ثم تزوّجها زوجها الأوّل فطلقها ثلاثاً، على النهج السابق، حرمت عليه مؤبداً، وقد علّل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك بما ذكره، وأما إذا كان الطلاق ليس عديّاً، فإنّها لا تحرم المطلقة مؤبداً، وإن زاد عدد الطلاق على التسع.

21 - ميراث المرأة

أما ميراث المرأة، فإنّها ترث نصف ما يرث الرجل، وقد علّل (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك بتعليلين. وهما :

الأول : قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَعِلَّةُ إِعْطَاءِ النِّساءِ نِصْفَ ما يُعْطَى الرَّجالُ مِنَ الْمِيرَاتِ؛ لأَنَّ الْمَرْأَةَ إِذا تَزَوَّجَتْ أَخَذَتْ، وَالرَّجُلُ يُعْطِي، فَلِذلِكَ وَفَّرَ عَلَى الرِّجالِ».

الثاني : قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَعِلَّةٌ أُخْرى في إِعْطَاءِ الذَّكَرِ مِثْلَيْ مَا تُعْطَى الْأُنْثَى؛ لأَنَّ الْأُنْثَى فِي عِيالِ الذَّكَرِ إِنِ احْتاجَتْ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَعولَها، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُها، وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَعولَ الرَّجُلَ، وَلَا تُؤْخَذْ بِنَفَقَتِهِ إِنِ احْتاجَ، فَوَفَّرَ اللّه تَعَالَى عَلَى الرِّجَالِ لِذلِكَ؛ وَذَلِكَ قَوْلُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ : «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللّه بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا» (2)» (3).


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 102.

2) النساء 34:4.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 105.

بما أنّ الرجل مسؤول عن الإنفاق على المرأة بما تحتاجه من المسكن والطعام واللباس، وغير ذلك مما ذكره الفقهاء، فلذا كان ميراثها نصف ميراث الرجل، كما أفاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن علل بعض الأحكام التي أثرت عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

علل بعض الشؤون الإسلاميّة

إشارة:

وأثرت عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كوكبة من الأحاديث في تعليل بعض الشؤون الإسلاميّة، وهي:

القران غضّ

روى إبراهيم بن العبّاس، عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنه روى عن أبيه : «إِنَّ رَجُلاً سَأَلَ الإمامَ الصَّادِقَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَقالَ لَهُ : ما بالُ الْقُرْآنِ لَا يَزْدادُ عِنْدَ النَّشْرِ وَالدِّرَاسَةِ إِلَّا غَضَاضَةٌ ؟

فَقالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): لأَنَّ اللّه لَمْ يُنْزِلْهُ لِزَمانِ دونَ زَمَانٍ، وَلَا لِنَّاسِ دونَ نَاسِ، فَهُوَ فِي كلّ زَمَانٍ جَديدٌ، وَعِنْدَ كلّ قَوْمٍ غَضٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ» (1).

إنّ القرآن الكريم المعجزة الكبرى للإسلام؛ وذلك لما فيه من أحكام خلّاقة تساير الزمن، وتساير التطوّر، وليس فيها ما يشذ عن سنن الكون، ولا ما يخالف الفطرة، مضافاً لروعة فصاحته، وعظيم بلاغته، فمهما تداولته الأيّام فهو غضّ جديد.

علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قسيم الجنّة والنار

قال المأمون للرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أبا الحسن، أخبرني عن جدك أمير المؤمنين، بأيّ وجه هو قسيم الجنّة والنار ؟ وبأي معنى، فقد كثر فكري في ذلك ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أميرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَمْ تَرْوِ عَنْ أَبِيكَ، عَنْ آبائِهِ، عَنْ عَبْدِ اللّه بْنِ عبّاس، أَنَّهُ قالَ : سَمِعْتُ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَقولُ : حُبُّ عَلِيَّ إِيمَانٌ، وَبُغْضُهُ كُفْرٌ ؟


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 93.

فقال : بلى.

فقال الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): فَقَسِمْةُ الجنّة وَالنَّارِ إِذا كانَتْ عَلى حُبِّهِ وَبُغْضِهِ، فَهُوَ قَسيمُ الجنّة وَالنَّارِ.

فقال المأمون : لا أبقاني اللّه بعدك يا أبا الحسن، أشهد أنك وارث علم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

قال أبو الصلت الهروي : فلما انصرف الرضا إلى منزله أتيته، فقلت له : يابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ما أحسن ما أجبت به المأمون ؟

فقال الرضا : يا أبا الصَّلْتِ، إِنَّما كَلَّمْتُهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ آبائِهِ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنه قال : قالَ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : يا عَلِيُّ، أَنْتَ قَسيمُ الجنّة وَالنَّارِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، تَقولُ لِلنَّارِ : هذا لي، وَهَذا لَكِ» (1).

الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو رمز لكل مكرمة في الإسلام، فهو قسيم الجنّة والنار، ليس في ذلك شك، وقد تواترت الأخبار عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (2)

وفي كنز العمال : 6 : 402 : «قال عليّ : أنا قسيمُ النّارِ».

وفي كنوز الحقائق / المناوي : 92 : «قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : عَلِيٌّ قَسيمُ النَّارِ».

.

وقد علّل الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا التعليل الوثيق الذي أعجب به المأمون.

عدم إرجاع فدك

روى عليّ بن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه، عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «سألته عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): لمَ لم يسترجع فدك لما ولي أمر الناس ؟


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 92.

2) الصواعق المحرقة : 75.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لأَنا أَهْلَ بَيْتٍ إِذا وَلينا اللّه عَزَّ وَجَلَّ لَا يَأْخُذُ لَنا حُقوقنا مِمَّنْ ظَلَمَنا إِلَّا هُوَ، وَنَحْنُ أَوْلِياءُ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا نَحْكُمُ لَهُمْ، وَنَأْخُذُ حُقوقَهُمْ مِمَّنْ يَظْلِمُهُمْ وَلَا نَأْخُذُ لأنفُسنا» (1).

استولى أبو بكر على فدك، وأخذها من يد سيدة نساء العالمين، والسبب في ذلك حتّى لا تقوى شوكة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي حرب اقتصاديّة الغرض منها شل الحركة المعادية للحكم القائم، وقد ظلت فدك بأيدي الولاة والحاكمين، وقد استرجعت للسادة العلويّين أيّام عمر بن عبد العزيز، وأيّام المأمون، والحديث عنها ذو شجون، والحاكم هو اللّه تعالى يحكم بين عباده بالحق في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

صحابة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)

روی محمّد بن موسی بن نصر الرازي، قال : حدّثني أبي، قال : سئل الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : أَصْحابي كَالنُّجومِ، بِأَيْهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ، وعن قوله : دَعوا لي أَصْحابي.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذا صحيحٌ يُريدُ مَنْ لَمْ يُغَيِّرُ بَعْدَهُ وَلَمْ يُبَدِّلْ.

قيل : وكيف يعلم أنهم قد غيّروا أو بدلوا ؟

قال : لِما يَرْوونَهُ مِنْ أَنَّهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قالَ : لَيُذَادَنَّ (2)برجالٍ مِنْ أَصْحَابِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ اللّه حَوْضي، كَمَا تُدَادُ غَرَائِبُ الْإِبِلِ عَنِ الْمَاءِ، فَأَقولُ : يَا رَبِّ، أَصْحابي، أَصْحابي !

فَيُقالُ لي : إِنَّكَ لَا تَدْري ما أَحْدَثوا بَعْدَكَ، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ، فَأَقولُ :


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 92.

2) ليذادن : أي ليطردنّ.

بُعْداً لَهُمْ وَسُحْقاً (1)

وبهذا المضمون روايات كثيرة.

، أَفَتَرى هذا لِمَنْ لَمْ يُغَيِّرُ وَلَمْ يُبَدِّل» (2).

وليست الصحبة عاصمة عن الخطأ، ففي الصحابة سمرة بن جندر، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم من رؤوس النفاق والضلال.

انحراف الناس عن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

روى عليّ بن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه، قال : «سألت الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كيف مال الناس عنه إلى غيره، وقد عرفوا فضله وسابقته ومكانه من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنما مالوا عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ وَقَدْ عَرَفوا فَضْلَهُ، لأَنَّهُ كَانَ قَتَلَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَأَعْمَامِهِمْ وَأَخْوالِهِمْ، وَأَقْرِبائِهِمُ الْمُحادِّينَ اللّه وَلرَسولِهِ عَدَداً كبيراً، فَكانَ حِقْدُهُمْ عَلَيْهِ لِذلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَلَمْ يُحِبُوا أَنْ يَتَوَلَّىٰ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ فِي قُلُوبِهِمْ عَلَى غَيْرِهِ مِثْلُ ذلِكَ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْجِهَادِ بَيْنَ يَدَي رَسُولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مِثْلُ ما كانَ لَهُ، فَلذلِكَ عَدَلوا عَنْهُ، وَمالوا إلى سواه» (3).

لقد وتر الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأقربين والأبعدين في ذات اللّه تعالى وحصد رؤوس المشركين بسيفه الذي أقام به الإسلام، وقد أترعت نفوس القوم بالكراهية والبغض له، فمالوا عنه وحكموا غيره.


1) روى البخاري : 6 : 119، ط. الأميريّة، عن عبد اللّه بن مسعود، عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، أنّه قال : «أَنَا فَرَطَكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَيُرْفَعُنَّ مَعَى رِجالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دوني، فَأَقولُ : يَا رَبِّ أَصْحابي ؟ فيُقالُ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ».

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 93.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 78.

سكوت الإمام عن أخذ حقّه

روى الهيثم بن عبد اللّه الرماني، قال : «سألت عليّ بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقلت له : يابن رسول اللّه، أخبرني عن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم لم يجاهد أعداءه خمساً وعشرين سنة بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ثم جاهد في أيّام ولايته ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لأَنَّهُ اقْتَدى بِرَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فِي تَرْكِهِ جِهَادَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةٌ، وَبِالْمَدِينَةِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَذلِكَ لِقِلَّةِ أَعْوانِهِ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ عَلِيٌّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) تَرَكَ مُجاهَدَةَ أَعْدائِهِ لِقِلَّهِ أَعْوانِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا لَمْ تَبْطُلْ نُبُوَّةً رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مَعَ تَرْكِهِ الْجِهَادَ ثلاثَ عَشْرَةَ سَنَةٌ وَتِسْعَةَ عَشَرَ شَهْراً، فَكَذلِكَ لَمْ تُعَطَّلْ إِمَامَةُ عَلِيُّ مَعَ تَرْكِهِ الْجِهَادَ خَمْساً وَعِشْرِينَ سَنَةً؛ إِذْ كَانَتِ الْعِلَّةُ الْمَانِعَةُ لَهُما واحِدَةٌ» (1).

إنّ الإمام أمير المؤمنين ترك حقّه، ولم يجاهد أعداءه وذلك لقلة الناصر، فقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَطَفَقْتُ أَرْتَأيِ بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فيهَا الكَبيرُ، وَيَشيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حتّى يَلْقَى رَبَّهُ !

فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَانَا أَحْجَى، فَصَبَرتُ وُفى العَيْنِ قَدْى. وَفِي الحَلْقِ شَجاً، أَرى تُرَاثِي نَهْباً، حتّى مَضَى الأوّل لِسَبِيلِهِ، فَأَدْلَى بِهَا إِلَى فَلانٍ بَعْدَهُ» (2).

إنّ الإمام لم تكن له فئة ينصرونه، ولم يكن يأوي إلى ركن شديد، مع كثرة أعدائه ومناوئيه، فصبر سلام اللّه عليه، وترك حقه إيثاراً للمصلحة العامّة، وحفظاً على كلمة المسلمين.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن علل بعض الشؤون الإسلاميّة التي أدلى بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) الان : 2 : 87 و 88.

2) شرح نهج البلاغة : 1 : 51، الخطبة : 3.

أحوال الأنبياء والأمم السالفة

إشارة:

وسئل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن علل أحوال بعض الأنبياء والأمم السالفة، فأجاب، وفيما يلي بعضها :

روى إبراهيم بن محمّد الهمداني، قال : «قلت لأبي الحسن عليّ بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): لأيّ علة أغرق اللّه عزّ وجلّ فرعون وقد آمن به، وأقر بتوحيده ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لأَنَّهُ آمَنَ عِنْدَ رَوْيَةِ الْبَأْسِ، وَالْإِيمَانُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَأْسِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَذَلِكَ حَكَمَ اللّه تَعالى في السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللّه وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا» (1).

وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: «الْيَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً» (2).

وَهَكَذَا فِرْعَوْنُ لَمَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ، قَالَ : «آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِله إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (3).

فَقِيلَ لَهُ : «الْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةٌ» (4).

وقد كان فرعون من قرنه إلى قدمه في الحديد، وقد لبسه على بدنه، فلما أغرق ألقاه


1) غافر 40: 84 و 85.

2) الأنعام 6 : 158.

3) یونس 90:10.

4) یونس 10: 91 و 92.

اللّه عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ بِبَدَنِهِ، لِيَكُونَ لِمَنْ بَعْدَهُ عَلامَةٌ، فَيَرَوْنَهُ مَعَ تَثَقْلِهِ بِالْحَدِيدِ عَلَى مُرْتَفَعٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَسَبِيلُ التَّثْقِيلِ أَنْ يَرْسُبَ وَلَا يَرْتَفِعَ، وَكَانَ ذلِكَ آيَةً وَعَلَامَةً.

وَلَعِلَّةٍ أُخْرَى أَغْرَقَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِرْعَوْنَ، وَهِيَ أَنَّهُ اسْتَغَاثَ بِمُوسَىٰ لَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ، وَلَمْ يَسْتَغِثْ بِاللّه، فَأَوْحَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ : يا مُوسَى، لَمْ تُغِثْ فِرْعَوْنَ لأَنَّكَ لَمْ تَخْلُقْهُ، وَلَوِ اسْتَغاثَ بي لأَغَثْتُهُ» (1).

غرق الدنيا أيّام نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ)

روى عبد السلام بن صالح الهروي، قال : «قلت للرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يابن رسول اللّه، لأيّ علة أغرق اللّه عز وجل الدنيا كلها في زمن نوح، وفيهم الأطفال وفيهم من لا ذنب له ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما كانَ فيهِمُ الْأَطْفَالُ؛ لأَنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَعْقَمَ أَصْلَابَ قَوْمِ نُوْحٍ وَأَرْحَامَ نِسائِهِمْ أَرْبَعينَ عاماً، فَانْقَطَعَ نَسْلُهُمْ، فَغَرِقوا وَلَا طِفْلَ فيهِمْ، وَمَا كانَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ لِيُهْلِكَ بِعَذَابِهِ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَأَمَّا الْباقونَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ فَأُغْرِقُوا لِتَكْذِيبِهِمْ لِنَبِيِّ اللّه نُوحٍ وَسَائِرُهُمْ أَغْرِقُوا بِرِضَاهُمْ بِتَكْذِيبِ الْمُكَذِّبِينَ، وَمَنْ غَابَ عَنْ أَمْرِ فَرَضِيَ بِهِ كانَ كَمَنْ شَهِدَهُ وَأَتاهُ» (2).

معجزة موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قال ابن السكيت للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لماذا بعث اللّه عزّ وجلّ موسى بن عمران (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالعصا، ويده البيضاء، وآلة السحر، وبعث عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالطبّ، وبعث محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بالكلام والخطب ؟


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 84.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 81.

فقال له أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ اللّه تَبارَكَ وَتَعَالَى لَمَا بَعَثَ مُوسى كانَ الْأَغْلَبَ عَلَى أَهْل عَصْرِهِ السِّحْرُ، فَأَتاهُمْ مِنْ عِنْدِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ بِما لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْقَوْم، وَفي وَسْعِهِمْ مِثْلُهُ، وَبِما أَبْطَلَ بِهِ سِحْرَهُمْ، وَأَثْبَتَ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ.

وَإِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعَثَ عِيسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وَقْتِ ظَهَرَتْ فِيهِ الزَّمَانَاتُ - وهي العلل والأمراض - وَاحْتاجَ النَّاسُ إِلَى الطِّبِّ، فَأَتاهُمْ مِنْ عِنْدِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ بِما لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِثْلُهُ، وَبِما أَحْيا لَهُمُ الْمَوْتَى، وَأَبْرَأَ لَهُمُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِ اللّه تَعَالَى، وَأَثْبَتَ بِهِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ.

وَإِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعَثَ محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في وَقْتِ كَانَ الْأَغْلَبَ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِ الْخُطَبُ وَالْكَلامُ، فَأَتَاهُمْ مِنْ كِتابِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ وَمَواعِظِهِ وَأَحْكَامِهِ ما أَبْطَلَ بِهِ قَوْلَهُمْ، وَأَثْبَتَ بهِ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ.

وبهر ابن السكّيت، وراح يقول : تاللّه ما رأيت مثلك اليوم قط، فما الحجّة على الخلق اليوم ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الْعَقْلُ، يُعْرَفُ بِهِ الصَادِقُ عَلَى اللّه فَيُصَدِّقُهُ، وَالْكاذِبُ عَلَى اللّه فَيُكَذِّبُهُ. فقال ابن السكيت : هذا واللّه هو الجواب (1).

أولوا العزم (عَلَيهِم السَّلَامُ)

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّما سُمِّي أولوا الْعَزْمِ بِـ أَوْلِي الْعَزْمِ؛ لأنَّهُمْ كانوا أَصْحابَ الشَّرائِعِ وَالْعَزائِمِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ كلّ نَبِيٌّ بَعْدَ نُوحٍ (عَلَيهِ السَّلَامُ) كانَ على شَرِيعَتِهِ وَمِنْهَاجِهِ وَتَابِعاً لِكِتَابِهِ إِلَى زَمَنِ إِبْراهِيمَ الْخَلِيلِ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَكُلَّ نَبِيَّ كانَ في أيّام إِبْرَاهِيمَ وَبَعْدَهُ، كَانَ عَلَى شَرِيعَتِهِ وَ مِنْهاجِهِ، وتابعاً لِكِتَابِهِ إِلى زَمَنِ مُوسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَكُلَّ نَبِيَّ كَانَ فِي زَمَنِ مُوسَىٰ وَبَعْدَهُ كَانَ


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 85 و 86.

على شَرِيعَةِ مُوسَى وَمِنْهَاجِهِ، وَتَابِعاً لِكِتَابِهِ إِلَى أيّام عِيسَى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَكُلَّ نَبِيَّ كَانَ فِي أيّام عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَبَعْدَهُ كانَ عَلى مِنْهاج عِيسَى وَشَريعَتِهِ، وتابعاً لِكِتابِه إِلى زَمَنِ نَبِيِّنا محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فَهَؤُلاءِ الْخَمْسَةُ أولوا الْعَزْمِ، فَهُمْ أفْضَلُ الْأَنْبِياءِ وَالرُّسُلِ، وَشَرِيعَةُ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لَا تُنْسَخُ إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنِ ادَّعَى بَعْدَهُ نُبُوَّةً، أَوْ أَتى بَعْدَ الْقُرْآنِ بِكِتابٍ، فَدَمُهُ مُباحٌ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَ ذلِكَ مِنْهُ» (1).

الحواريّون

روى عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن أبيه، قال : «قلت لأبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): لِمَ سمّي الحواريون الحواريّين ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَمَا عِنْدَ النَّاسِ فَإِنَّهُمْ سُمَوا حَوارِيِّينَ لأَنَّهُمْ كانوا قَصَارِينَ، يُخَلِّصونَ الثّيابَ مِنَ الْوَسَخِ بِالْغَسْلِ، وَهُوَ إِسْمٌ مُشْتَقٌ مِنَ الْخُبْزِ الْحَوارِ (2).

وَأَمَا عِنْدَنا فَسُمِّيَ الْحَوَارِيَونَ الْحَوارِيِّينَ لأَنَّهُمْ كانوا مُخْلِصِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَمُخْلِصِينَ لِغَيْرِهِمْ مِنْ أَوْسَاحَ الذُّنوبِ بِالْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ.

قال : فقلت له : فلِمَ سمّي النصارى ؟

قال : لأنهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ اسْمُها (نَاصِرَةُ) مِنْ بِلادِ الشّامِ، نَزَلَتْها مَرْيَمُ وَعِيسَى (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) بَعْدَ رُجوعِهِما مِنْ مِصْرَ» (3).

إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) خليل اللّه

روى الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «سمعت سمعت أبي يحدّث


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 86.

2) الخبز الحوار : هو الذي نخل مرّة بعد مرّة، وفي القاموس : «إنّه الدقيق الأبيض».

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 85.

عن أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنّه قال : إِنَّما اتَّخَذَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ إِبْراهِيمَ خَليلاً؛ لأَنَّهُ لَمْ يَرُدُّ أَحَداً، وَلَمْ يَسْأَلْ أَحَداً قَطُّ، غَيْرَ اللّه عَزَّ وَجَل» (1).

إسماعيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) صادق الوعد

روى سليمان الجعفري، عن أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنّه قال : «أَتَدْري لِمَ سُمِّيَ إِسْمَاعِيلُ صادِقَ الْوَعْدِ ؟

قلت : لا أدري.

فقال : وَعَدَ رَجُلاً فَجَلَسَ لَهُ حَوْلاً يَنْتَظِرُهُ» (2).

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن علل وأحوال بعض الأنبياء والأمم السالفة التي أدلى بها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 82.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 85.

علوم ومعارفه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

جوامع الكلم

إشارة:

وأثرت عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) جمهرة من غرر الحكم والآداب والوصايا والنصائح، وغيرها مما ينفع الناس، وقد دلّلت على أنه كان المربي الأكبر للعالم الإسلامي في عصره، وأنّه قد جهد على تهذيب المسلمين، وتربيتهم بلباب الحكمة، ونلمّح لبعض ما أثر عنه :

فضل العقل

أمّا العقل فهو أفضل نعمة أنعمها اللّه على الإنسان، وميّزه به عن الحيوان السائم، وقد تحدّث الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عنه في بعض أحاديثه، وهي :

1 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «صَديقُ كلّ امْرِى عَقْلُهُ، وَعَدُوهُ جَهْلُهُ» (1).

ما أروع هذه الكلمة الحكيمة، فإنّ العقل هو الصديق الأكبر للإنسان الذي يحميه ويصونه، وينقذه من محن الدنيا وخطوبها، وعدوّ الإنسان الأكبر هو الجهل الذي يلقي به في متاهات سحيقة من هذه الحياة.

2 - روى أبوهاشم الجعفري، قال : «كنا عند الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فتذاكرنا العقل والأدب. فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أبا هاشم، الْعَقْلُ حَيَاءٌ مِنَ اللّه، وَالْأَدَبُ كُلْفَةٌ، فَمَنْ تَكَلَّفَ الْأَدَبَ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَكَلَّفَ الْعَقْلَ لَّمْ يَزْدَدْ بِذلِكَ إِلَّا جَهْلاً» (2).


1) أصول الكافي : 1 : 11. وسائل الشيعة : 11: 161.

2) أصول الكافي : 1: 23.

أمّا الأدب فهو أمر مكتسب يقدر على تحصيله الإنسان، وأما العقل فإنّه هبة ومنحة من اللّه تعالى لا يتمكن الإنسان من كسبه.

3 - روى الحسن بن الجهم، قال : «ذكر العقل عند أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : لَا يَعْبَأُ بِأَهْلِ الدِّينِ مِمَّنْ لَا عَقْلَ لَهُ.

قلت له : جعلت فداك، إنّ ممّن يصف هذا الأمر قوماً لا بأس بهم عندنا، وليست لهم تلك العقول.

فقال : لَيْسَ هَؤُلاءِ مِمَّنْ خَاطَبَ اللّه، إِنَّ اللّه خَلَقَ الْعَقْلَ فَقالَ لَهُ: أَقْبلُ، فَأَقْبَلَ، وَقالَ لَهُ : أَدْبِرْ، فَأَدْبَرَ. فَقالَ : وَعِزَّتِي وَجَلالي، ما خَلَقْتُ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْكَ، أَوْ أَحَبَّ إِليَّ مِنْكَ، بِكَ اَخُذُ، وَبِكَ أعْطى» (1).

إنه ليس هناك شيء خلقه اللّه أفضل من العقل، وعليه يرتكز التكليف، فالذي فقد عقله غير مكلف، وغير مأثوم بما يقترفه من أنواع المحرمات، فالعقل هو أحد الشروط في صحة التكليف ونفوذه على المكلّف

4 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَفْضَلُ الْعَقْلِ مَعْرِفَةُ الْإِنْسانِ نَفْسَهُ» (2).

إنّ الإنسان إذا عرف نفسه كيف صوّرت، وكيف تنتهي، فقد ظفر بالخير العميم، فإنّ ذلك يبعده عن النزعات الشريرة، ويبعثه نحو النزعات الخيّرة، كما يدلّ ذلك على معرفة خالقه العظيم.

وفي الحديث : «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ».

التفكّر في أمر اللّه

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَيْسَ الْعِبادَةُ كَثرَةَ الصَّلاةِ وَالصَّوْم، إِنَّمَا الْعِبادَةُ كَثْرَةُ التّفْكُرِ في أَمْرِ


1) أصول الكافي : 1 : 27.

2) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 196.

اللّه عَزَّ وَجَلّ» (1).

إنّ التفكر في مخلوقات اللّه، والتأمّل في بدائع خلقه، والنظر فيما يحتويه هذا الكون من الأسرار والعجائب يدلّل ذلك بصورة واضحة على الخالق العظيم، وإذا عرف الإنسان ربِّه فقد نجا من اقتراف الشرّ، وارتكاب الجريمة، وصار مصدر عطاء وخير لنفسه لنفسه ومجتمعه.

محاسبة النفس

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ رَبِحَ، وَمَنْ غَفَلَ عَنْها خَسِرَ» (2).

إنّ محاسبة الإنسان لنفسه فيما يعمله من حسنات وسيئات، فيردعها عن اقتراف السيئات، وينمّي فيها الخيرات، دليل على سموّ النفس والظفر بالربح والخير، ومن غفل عن محاسبة نفسه فإنّها تهبط به إلى مستوى سحيق من الشرّ ما له من قرار.

الحلم

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَا يَكونُ الرَّجُلُ عابداً حتّى يَكونَ حَليماً، الحديث» (3).

إن الحلم من أفضل النزعات الكريمة التي يتصف بها الإنسان، فالحلم عن المسيء، والصفح عن المعتدي عليه من سموّ النفس، وبلوغها أرقى درجات الكمال، وإنّ الإنسان بالحلم يسود غيره، ويكون لمجتمعه رائد خير ودليل هدى.

الصمت

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مِنْ عَلاماتِ الْفِقْهِ - أي المعرفة - الْحِلْمُ وَالْعِلْمُ وَالصَّمْتُ. إِنَّ الصَّمْتَ


1) الميزان في تفسير القرآن : 8: 369. وسائل الشيعة : 11: 153.

2) أصول الكافي : 2 : 111.

3) أصول الكافي : 2 : 113.

بابٌ مِنْ أبوابِ الْحِكْمَةِ. إِنَّ الصَّمْتَ يَكْسِبُ الْمَحَبَّةَ، إِنَّهُ دَليلٌ عَلى كلّ خَيْرٍ» (1).

إنّ الصمت وحفظ اللسان يقيان الإنسان من شرّ عظيم، ويجنّباه المكاره التي وليدة الكلام والنطق.

التواضع

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «التَّواضُعُ أَنْ تُعْطِيَ النَّاسَ مَا تُحِبُّ أَنْ تُعْطَاهُ».

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيما كتبه لمحمّد بن سنان : «التَّواضُعُ دَرَجَاتٌ، مِنْها أَنْ يَعْرِفَ الْمَرْءُ قَدْرَ نَفْسِهِ، فَيُنْزِلَها مَنْزِلَتَهَا بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، لَا يُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَ لَأَحَدٍ إِلَّا مِثْلَ مَا يُؤْتَىٰ إِلَيْهِ، إِنْ أُتِيَ إِلَيْهِ بِسَيِّئَةٍ دَرَأَها (2)بِالْحَسَنَةِ، كاظِمُ الْغَيْظِ، عافٍ عَن النَّاسِ، وَاللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (3).

إنّ حقيقة التواضع أن يعطي الإنسان للناس من التكريم والإحسان والبرّ مثل ما يحبّ ويتمنّى أن يُعطى لنفسه. إنّ التواضع دليل على شرف النفس وسموها، ومن تواضع للناس أحبوه وأكرموه، وأحبّه اللّه ورفعه.

الخصال الكريمة في المؤمن

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا يَكونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً حتّى يَكونَ فِيهِ ثَلاثُ خِصَالٍ : سُنَّةٌ مِنْ رَبِّهِ، وَسُنَّةٌ مِنْ نَبِيِّهِ، وَسُنَّةٌ مِنْ وَلِيِّهِ.

أَمّا السُّنَّةُ مِنْ رَبِّهِ : فَكِثْمَانُ سِرِّهِ. قَالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ: «عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ» (4).


1) أصول الكافي : 2 : 124.

2) درأها: أي دفعها.

3) الدر النظيم : 693.

4) الجن 72: 26 و 27.

وَأَمّا السُّنَّةُ مِنْ نَبِيَّهِ : فَمُداراةُ النَّاسِ، فَإِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ نَبِيَّهُ بِمُداراةِ النَّاسِ، فَقالَ : «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ» (1).

وَأَما السُّنَّةُ مِنْ وَلِيّهِ : فَالصِّبْرُ فى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَاءِ» (2).

يا لها من خصال كريمة ترفع مستوى الإنسان إلى قمة الشرف والكمال، وتجنّبه من الوقوع في المهالك.

احسن الناس، واسوا الناس

قال علی بن شعیب (3): «دخلت على أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال لي : يا عَلِيُّ، مَنْ أَحْسَنُ النَّاسِ مَعاشاً ؟

•

يا سيدي أنت أعلم به.منى.

•

يا عَلِيُّ، مَنْ حَسُنَ مَعَاشُ غَيْرِهِ في مَعَاشِهِ

•

يا عَلِيُّ، مَنْ أَسْوأُ النَّاسِ مَعاشاً ؟

•

يا سيدي، أنت أعلم به منى

•

مَنْ لَمْ يَعِضُ بِخَيْرِهِ في مَعاشِهِ.

وجعل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوصيه بفعل الخير والإحسان إلى الناس قائلاً: يا عَلِيُّ، أَحْسِنوا جوارَ النَّعَمِ، فَإِنَّها وَحْشِيَّةٌ، مَا نَأَتْ عَنْ قَوْمٍ فَعَادَتْ إِلَيْهِمْ

يا عَلِيُّ، إِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ مَنَعَ رِفْدَهُ، وَأَكَلَ وَحْدَهُ، وَجَلَدَ عَبْدَهُ» (4).


1) الأعراف 7: 199.

2) وسائل الشيعة : 11 : 241.

3) قال صاحب تنقيح المقال : «لم أقف على عليّ بن شعيب بهذا العنوان في كتب الرجال، وإنما وقفت على عليّ بن أبي شعيب المدائني، وإن له كتاباً صغيراً، والظاهر كونه إماميّاً».

4) بحار الأنوار: 78 : 341.

وحوت هذه الكلمات الدعوة إلى فعل الخير والإحسان إلى النّاس والبرّ بهم.

الإيمان والإسلام

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْإِيمَانُ فَوْقَ الْإِسْلامِ بِدَرَجَةٍ، وَالتَّقْوى فَوْقَ الْإِيمَانِ بِدَرَجَةٍ، وَما قُسْمَ في النَّاسِ شَيْءٌ أَقَلَ مِنَ التَّقْوى» (1).

إن اليقين باللّه من أقوى درجات الإيمان، وهو من صفات المتقين العظام الذين امتحن اللّه قلوبهم للإيمان.

العجب المفسد للعمل

سأل أحمد بن نجم الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن العجب المفسد للعمل ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : الْعُجْبُ دَرَجَاتٌ : مِنْهَا : أَنْ يُزَيَّنَ لِلْعَبْدِ سُوءُ عَمَلِهِ فَيَراهُ حَسَناً، وَيَحْسَبُ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً. وَمِنْهَا : أَنْ يُؤْمِنَ الْعَبْدُ فَيَمُنَّ عَلَى اللّه، وَاللّه الْمِنَّةُ عَلَيْهِ فِيهِ» (2).

إنّ العجب بالمعنى الثاني ناشئ عن فقدان الإيمان، وعدم نضوج الفكر، وهو المفسد للعمل.

الذنوب

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كُلَّما أَحْدَثَ الْعِبادُ مِنَ الذُّنوبِ ما لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أُحْدِثَ لَهُمْ مِنَ الْبَلاءِ ما لَمْ يَكونوا يَعْرِفُونَ» (3).

لقد أحدث الناس ألواناً رهيبة من المعاصي والذنوب ما لم تكن معلومة ومعروفة


1) مواهب الرحمن : 1 : 64.

2) بحار الأنوار: 78: 335.

3) وسائل الشيعة : 11: 240.

من قبل، فصبّ اللّه عليهم أنواعاً من المحن والبلاء ولم يعرفونها من قبل.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لِتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ، فَيَدعو خِيارُكُمْ فَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ» (1).

إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منهج أصيل في الحياة الإسلاميّة، وإن إهماله له مضاعفاته السيّئة التي منها إشاعة المنكرات، وعدم استجابة دعاء الأخيار.

مَن أحبّ عاصياً

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ أَحَبُّ عَاصِياً فَهُوَ عاصِ، وَمَنْ أَحَبَّ مُطيعاً فَهُوَ مُطِيعٌ، وَمَنْ أَعانَ ظالِماً فَهُوَ ظَالِمٌ، وَمَنْ خَذَلَ ظَالِماً فَهُوَ عادِلٌ، إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ اللّه وَبَيْنَ أَحَدٍ قَرابَةٌ، وَلَا تُنالُ وَلايَةُ اللّه إِلَّا بِالطَّاعَةِ» (2).

إنّ من أحب عمل قوم حشر في زمرتهم كما في الحديث، فمن أحبّ العاصي كان عاصياً، ومن أحب المطيع كان مطيعاً.

خيار الناس

سئل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن خيار العباد، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الَّذينَ إِذا أَحْسَنوا اسْتَبْشَروا، وَإِذا أَساءُوا اسْتَغْفَرُوا، وَإِذا أَعْطُوا شَكَروا، وَإِذا ابْتُلُوا صَبَرُوا، وَإِذا غَضِبوا عَفَوا» (3).


1) وسائل الشيعة : 11 : 394.

2) وسائل الشيعة : 11 : 446.

3) تحف العقول : 445.

حقّاً إن من يتصف بهذه الصفات الكريمة فهو من أفضل الناس، ومن خيارهم، وأنّه قد بلغ قمة الكمال والفضل.

شرف العمل

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الَّذِي يَطْلُبُ مِنْ فَضْلِ يَكْفُ بِهِ عِيالَهُ أَعْظَمُ أَجْراً مِنَ الْمُجَاهِدِ فِي سَبيلِ اللّه» (1).

إنّ العمل لإعاشة العيال جهاد في سبيل اللّه، وشرف يكتسبه العامل، ومجد يفخر به.

تماميّة العقل

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَا يُتِمُّ عَقْلُ امْرِيُّ مُسْلِمٍ حتّى تَكونَ فِيهِ عَشْرُ خِصَالٍ : الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمولٌ، وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمونٌ، يَسْتَكْثِرُ قَليلَ الْخَيْرِ مِنْ غَيْرِهِ، وَيَسْتَقِلُّ كَثِيرَ الْخَيْرِ مِنْ نَفْسِهِ، لَا يَسْأَمُ مَنْ طَلَبَ الْحَوائِجِ إِلَيْهِ، وَلَا يَمَلُّ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ طولَ دَهْرِهِ، الْفَقْرُ فِي اللّه أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْغِنى، وَالذُّلُّ في اللّه أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعِزّ في عَدُوُّهِ، وَالْخُمولُ أَشْهَى إِلَيْهِ مِنَ الشَّهْرَةِ.

ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): العاشرة وما العاشرة.

قيل له : ما هي ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَا يَرى أَحَداً إِلَّا قالَ : هُوَ خَيْرٌ مِنّي وَأَتْفى، إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلانِ : رَجُلٌ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَتْقى، وَرَجُلٌ شَرِّ مِنْهُ وَأَدْنى، فَإِذا لَقِيَ الَّذي هُوَ شَرٌّ مِنْهُ وَأَدْنى، قالَ : لَعَلَّ خَيْرَ هذا باطِنٌ وَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَخَيْرِي ظَاهِرٌ وَهُوَ شَرٌّ لي، وَإِذا رَأَى الذي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَتْقى تَواضَعَ لَهُ لِيَلْحَقَ بِهِ، فَإِذا فَعَلَ ذلِكَ فَقَدْ عَلا مَجْدُهُ، وَطابَ خَيْرُهُ، وَحَسُنَ ذِكْرُهُ،


1) تحف العقول : 445.

وَسادَ أَهْلَ زَمانِهِ» (1).

حقّاً إنّ من يتصف بهذه الصفات العشر فقد كمل إيمانه، وكمل عقله، وكان على اتصال وثيق باللّه، فيعزّه ويعلي ذكره في الدنيا، ويمنحه الدرجات العليا يوم القيامة.

حقيقة التوكل على اللّه

سأله رجل عن قول اللّه تعالى : «وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّه فَهُوَ حَسْبُهُ» (2).

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): التَّوَكَّلُ دَرَجاتٍ مِنْها أَنْ تَشِقَ بِهِ فِي أَمْرِكَ كُلِّهِ فِيمَا فَعَلَ بِكَ، فَمَا فَعَلَ بِكَ كُنْتَ راضِياً، وَتَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَأْلُكَ إِلَّا خَيْراً وَنَظَراً، وَتَعْلَمَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي ذلِكَ لَهُ، فَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ بِتَقْويضِ ذلِكَ إِلَيْهِ، وَمِنْ ذلِكَ الْإِيمَانُ بِغُيُوبِ اللّه الَّتي لَمْ يُحِطْ عِلْمُكَ بِها، فَوَكَلْتَ عِلْمَهَا إِلَيْهِ وَإِلَى أَمَنائِهِ عَلَيْهَا، وَوَثِقْتَ بِهِ فِيهَا وَفِي غَيْرِها» (3).

وأعطى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) صورة واضحة عن حقيقة التوكل على اللّه تعالى، وهو أن يفوّض الإنسان أموره كلّها إليه تعالى، فإنّ ذلك هو محض الإيمان واليقين باللّه.

أركان الإيمان

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْإِيمَانُ أَرْبَعَةُ أَرْكَانِ : التَّوَكَّلُ عَلَى اللّه، وَالرّضا بِقَضاءِ اللّه، وَالتَّسْلِيمَ لأَمْرِ اللّه، وَالتَّقْويضُ إِلى اللّه. قالَ الْعَبْدُ الصّالِحُ (4): «وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللّه إِنَّ اللّه بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوَقَاهُ اللّه سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا» (5)» (6).


1) تحف العقول : 443.

2) الطلاق 65: 3.

3) تحف العقول : 443.

4) العبد الصالح : هو مؤمن آل فرعون.

5) غافر 40 : 44 و 45.

6) تحف العقول : 445.

إنّ الإيمان باللّه يقوم على هذه الأركان الأربعة، فإذا اتصف بها الشخص فقد بلغ ذروة الإيمان ومنتهاه.

خصال كريمة

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «خَمْسٌ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَلا تَرْجُوهُ لِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ : مَنْ لَمْ تَعْرِفِ الْوَثاقَةَ في أرومَتِهِ، وَالْكَرَمَ فِي طِباعِهِ، وَالرَّصانَةَ فِي خُلْقِهِ، وَالنَّبْلَ فِي نَفْسِهِ، وَالْمَخَافَةَ لِرَبِّهِ» (1).

إنَّ من اتّصف بهذه الصفة الكريمة قد حاز قصب السبق في الشرف والمروءة، وهو الذي يرجى رفده وكرمه.

شكر النعم

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْمُنْعِمَ مِنَ الْمَخْلُوقينَ لَمْ يَشْكُر اللّه عَزَّ وَجَلٌ» (2).

إنّ شكر المنعم واجب، فمن لم يشكره وتنكر له، فإنّه لا يشكر اللّه عزّ وجلّ على نعمه وألطافه التي أسداها إليه.

صلة الأرحام

وأثرت عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكوكبة من الأحاديث في حثّ أصحابه وشيعته على صلة الأرحام، كان منها ما يلي :

1 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يَكونُ الرَّجُلُ يَصِلُ رَحِمَهُ، فَيَكونُ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ ثَلاثُ سِنِينَ، اللّه فَيُصَيِّرُها اللّه ثَلاثِينَ سَنَةً، وَيَفْعَلُ اللّه ما يَشاءُ» (3).


1) تحف العقول : 446.

2) وسائل الشيعة : 11: 542.

3) وسائل الشيعة : 15: 243.

2 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما نَعْلَمُ شَيْئاً يَزيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا صِلَةَ الرَّحِمِ، حتّى إِنَّ الرَّجُلَ يَكونُ أجَلُهُ ثَلاثَ سِنينٍ فَيَكونُ وَصولاً لِلرَّحِمِ فَيَزِيدُ اللّه في عُمْرِهِ ثَلاثِينَ سَنَةٌ فَيَجْعَلُها ثَلاثاً وَثَلاثِينَ سَنَةٌ، وَيَكونُ أَجَلُهُ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ سَنَةً فَيكونُ قاطِعاً لِلرَّحِمِ فَيَنْقُصُهُ اللّه ثَلاثِينَ سَنَةٌ، وَيَجْعَلُ أَجَلَهُ إلى ثَلاث سنينَ» (1).

3 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قال أَبو عَبْدِ اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): صِلْ رَحِمَكَ وَلَوْ بِشُرْبَةِ مَاءٍ، وَأَفْضَلُ ما تُوصَلُ بِهِ الرَّحِمَ كَف الأذى عَنْهَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ مُنْسَأَةٌ فِي الْأَجَلِ، مَحَبَّةٌ في الأَهْلِ» (2).

إنّ خير وسيلة لترابط المجتمع وتضامنه هو البرّ بالأرحام والإحسان إليهم، فإن ذلك يوحّد ما بين عواطفهم ومشاعرهم، وبذلك تتكون الخلايا الصالحة التي ينشأ منها المجتمع.


1) وسائل الشيعة : 15 : 245.

2) أصول الكافي : 2 : 151.

من حكم بعض الأنبياء

إشارة:

روى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعض الحكم القيمة التي أدلى بها بعض الأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وفيما يلي بعضها :

مناجاة موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرانَ لَمّا ناجى رَبَّهُ، قال : يا رَبِّ، أَبَعيدٌ أَنْتَ مِنّى فَأُناديك، أَمْ قَرِيبٌ فَأَناجِيكَ ؟

فَأَوْحَى اللّه إِلَيْهِ : يَا مُوسَىٰ، أَنا جَليسُ مَنْ ذَكَرَني.

قالَ مُوسى : إِنِّي أَكونُ في حالٍ أُجِلكَ أَنْ أَذْكُرَكَ فيها.

قالَ : يا مُوسى، اذْكُرْني عَلَى كلّ حالٍ (1).

في صحف إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «في صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ : أَيُّهَا الْمَلَكُ الْمَغْرُورُ، إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَبْني الْبِناءَ، وَلَا لِتَجْمَعَ الدُّنْيا، وَلَكِنْ بَعَثْتَكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنِّي لَا أَرُدَّها وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كافِرٍ» (2).

عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع الحواريّين

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «قالَ عِيسَى لِلْحَوارِينَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ، لَا تَأْسَوا عَلى ما فاتَكُمْ مِنَ


1) الفصول المهمّة : 234. وسائل الشيعة : 1 : 311، الحدیث 820.

2) تاريخ اليعقوبي : 2 : 453.

الدُّنْيا كَما لَا يَأْسى أَهْلُ الدُّنْيا عَلى ما فاتَهُمْ مِنْ دينِهِمْ إِذا أَصابوا دُنْيَاهُمْ» (1).

وقد ألمحنا في البحوث السابقة إلى بعض ما أثر عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أحوال الأنبياء، وقد حفلت ببعض ما أدلوا به من الكلمات الحكميّة.

وعظ وإرشاد

ونقل الرواة والمؤرّخون طائفة من كلام الإمام وشعره في الوعظ والإرشاد كان منها ما يلي :

1 - قال محمّد بن عبيدة : «دخلت على الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فبعث إلى صالح بن سعيد فوعظنا جميعاً، وكان من وعظه أنّه قال :

«قال أبو جَعْفَرٍ - يعني الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)- : كُنْ خَيْراً لَا شَرَّ مَعَهُ كُنْ وَرَقاً لَا شَوْكَ مَعَهُ، وَلَا تَكُنْ شَوْكاً لا وَرَقَ مَعَهُ، وَشَرّاً لَا خَيْرَ مَعَهُ.

ثم قال : إِنَّ اللّه يُبْغِضُ الْقِيلَ وَالْقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّوَالِ.

ثمّ قال : إِنَّ بَني إِسْرَائِيلَ شَدَّدوا، فَشَدَّدَ اللّه عَلَيْهِمْ. قَالَ لَهُمْ مُوسَى : اذْبَحُوا بَقَرَةً، قالوا : ما لَوْنُها ؟ فَلَمْ يَزالوا يُشَدِّدونَ حتّى ذَبحوا بَقَرَةً بِمِلْء جِلْدِها ذَهَباً.

ثم قال : إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) قالَ : إِنَّ الْحُكَماءَ ضَيَّعوا الْحِكْمَةَ لَمّا وَضَعوها عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِها» (2).

2 - كتب المأمون إلى الإمام يطلب منه أن يعظه، فكتب إليه هذه الأبيات :

«إِنَّكَ في دُنْيا لَها مُدَّة***يُقْبَلُ فيها عَمَلُ الْعَامِلِ

أما ترى الموتَ مُحيطاً بها***يَسْلُبُ فيها أمل الآمل


1) أصول الكافي : 2 : 137.

2) بحار الأنوار 72: 345.

تُعَجِّلُ الذَّنْبَ بِما تَشْتَهي***وَتَأْمُلُ التّوبَةَ مِنْ قابل

وَالْمَوتُ يَأْتي أَهْلَهُ بَغْتَةً***ما ذاكَ فِعْلُ الْحازِمِ الْعاقِلِ» (1)

3 - وممّا نظمه فى الوعظ هذه الأبيات :

كُلُّنا يَأْمُلُ مَداً في الْأَجَلْ***وَالمَنايا هُنَّ آفاتُ الأَمَل

لَا تَغُرَّنَّكَ أَباطيلُ الْمُنى***وَالْزَمِ الْقَصْدَ وَدَعْ عَنْكَ الْعِلَلْ

إِنَّمَا الدُّنْيا كَظل زائل***حُلَّ فيهِ راكِبٌ ثُمَّ ارْتَحَل (2)

4 - قيل له : كيف أصبحت ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَصْبَحْتُ بِأَجَلٍ مَنْقوصٍ، وَعَمَلٍ مَحْفُوظٍ، وَالْمَوْتُ فِي رِقابِنَا، وَالنَّارُ مِنْ وَرائِنا، وَلَا نَدْرى ما يُفْعَلُ بنا» (3).

5 - قال ياسر الخادم : سمعت عليّاً الرضا بن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : أَوْحَشُ ما يَكونُ هذَا الْخَلْقُ فِي ثَلاثَةِ مَواضِعِ : يَوْمَ وُلِدَ إِلَى الدُّنْيا، وَيَخْرُجُ الْمَوْلُودُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَيَرَى الدُّنْيا، وَيَوْمَ يَموتُ فَيُعايِنُ الْآخِرَةَ وَأَهْلَهَا، وَيَوْمَ يُبْعَثُ فَيَرِىٰ أَحْكاماً لَمْ يَرَهَا فِي دَارِ الدُّنْيا، وَقَدْ سَلَّمَ اللّه تَعَالَى عَلَى يَحْيِي فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَواطِنِ، وَآمَنَ رَوْعَتَهُ، فَقَالَ : «وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً» (4).

وَقَدْ سَلَّمَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ عَلى نَفْسِهِ فِي هَذِهِ الثَّلاثَةِ الْمَواطِنِ، فَقَالَ : «وَالسَّلَامُ


1) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 199، نقلاً عن الاختصاص : 98.

2) عيون التواريخ : 3 : 227. مصوّر في مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، تسلسل 2769. البداية والنهاية : 10: 250.

3) تحف العقول : 446.

4) مريم 19 : 15.

عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أَبْعَثُ حَيّاً» (1)» (2).

6 - شكا إليه رجل أخاه، فأنشأ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول :

أَعْذِرْ أَخَاكَ عَلَى ذُنُوبِهْ***وَاسْتُرْ وَغَطُ عَلى عُيوبِهْ

وَاصْبِرْ عَلَى بَهْتِ السَّفي***ـهِ وَلِلزَّمانِ عَلى خُطوبة

وَدَعِ الْجَوابَ تَفَضّلاً***وَكِلِ الظَّلومَ إِلى حَبيبهْ (3)

7 - وأنشد النوفلي للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الأبيات :

رأيتُ الشَّيْبَ مَكْروهاً وفيه***وَقارٌ لَا تَليقُ بهِ الذُّنوبُ

إِذا رَكِبَ الذُّنوبَ أَخو مَشِيبٍ***فَما أَحَدٌ يَقولُ : مَتى يَتوب

سَأَصْحَبُهُ بتقوى اللّه حَتّى***يُفَرِّقُ بَيْنَنَا الْأَجَلُ الْقَرِيبُ (4)


1) مریم 19: 33.

2) نور الأبصار : 140.

3) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 198.

4) عيون التواريخ : 3 : 227.

وصاياه ونصائحه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

وأدلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببعض الوصايا والنصائح لخواص شيعته، كان منها ما يلي

1 - وصيّته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأحمد عليّه

وأوصى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحمد بن محمّد بن أبي نصر بوصيّة جاء فيها :

«لَا تَمَلَّ الدُّعاءَ، فَإِنَّهُ مِنَ اللّه بِمَكانٍ وَعَلَيْكَ بِالصَّبْرِ، وَطَلَبِ الْحَلالِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ. وَإِيَّاكَ وَمُكاشَفَةَ النّاسِ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتِ نَصِلُ مَنْ قَطَعَنا، وَنُحْسِنُ إِلَى مَنْ أَساءَ إِلَيْنَا، فَنَرَى وَاللّه فِي ذلِكَ الْعَاقِبَةَ الْحَسَنَةَ» (1).

لقد أوصاه بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال التي يسمو بها الإنسان.

2 - وصيّته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لإبراهيم

وأوصى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إبراهيم بن أبي محمود بوصيّة جاء فيها :

أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ آبائِهِ، عَنْ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، قال : «مَنْ أَصْغَىٰ إِلَىٰ ناطِقِ فَقَدْ عَبَدَهُ، فَإِنْ كانَ النّاطِقُ عَنِ اللّه فَقَدْ عَبَدَ اللّه، وَإِنْ كانَ النَّاطِقُ عَنْ إِبْلِيسَ فَقَدْ عَبَدَ إِبْلِيسَ».

إلى أن قال : «يابْنَ أَبي مَحْمودٍ، إِذا أَخَذَ النَّاسُ يَميناً وَشِمَالاً فَالْزَمْ طَريقَتَنا، فَإِنَّهُ مَنْ لَزِمَنا لَزِمْنَاهُ، وَمَنْ فَارَقَنا فَارَقْناهُ، فَإِنَّ أَدْنى ما يَخْرُجُ بِهِ الرَّجُلُ مِنَ الْإِيمَانِ أَنْ يَقولَ لِلْحَصاة : هذِهِ نَواةٌ ثُمَّ يَدينُ بِذلِكَ وَيَبْرَأُ مِمَّنْ خَالَفَهُ.

يابْنَ أَبي مَحْمُودٍ، احْفَظْ ما حَدَّثْتُكَ بِهِ، فَقَدْ جَمَعْتُ لَكَ فيهِ خَيْرَ الدُّنْيا


1) وسائل الشيعة : 4 : 1129.

والآخرة» (1).

وحفلت هذه الوصيّة بلزوم اتباع أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، والاقتداء بنهجهم، والاهتداء بسيرتهم، فإنّ ذلك النجاة والأمن من الهلاك والفوز برضوان اللّه تعالى

3 - وصيّته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأحمد والحسين

قال أحمد بن عمر والحسين بن يزيد : «دخلنا على الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقلنا له : إنّا كنّا في سعة من الرزق، ونضارة من العيش، فتغيرت الحال بعض التغيّر، فادع اللّه أن يردّ ذلك إلينا.

فأجابهما الإمام بلزوم القناعة، والرضى بما قسم اللّه لهما قائلاً : أَيَّ شَيْءٍ تُريدونَ أَنْ تَكونوا مُلوكاً ؟ أَيَسُرُّكُمْ أَنْ تَكونوا مِثْلَ طَاهِرِ (2)وَهِرْثِمَةَ (3)، وَإِنَّكُمْ عَلَى خِلافِ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ.

فانبرى أحدهما قائلاً : لا واللّه ما سرني أن لي الدنيا بما فيها ذهباً وفضة وإنّي على خلاف ما أنا عليه - يعني منحرفاً عن أهل البيت -.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ اللّه يَقولُ: «اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِن عِبَادِيَ الشَّكُورُ» (4). أَحْسِنِ الظَّنَّ بِاللّه، فَإِنَّ مَنْ حَسُنَ ظَنَّهُ بِاللّه كانَ اللّه عِنْدَ ظَنَّهِ، وَمَنْ رَضِيَ بِالْقَلِيلِ


1) وسائل الشيعة : 18 : 92.

2) طاهر : هو أبو الطيّب، الملقّب بذي اليمينين لأنّه ضرب شخصاً بيساره فقدّه نصفين، وفيه : يقول بعض الشعراء : «كلتا يديك يمين حين تضربه». كان والياً على خراسان من قبل المأمون، وهو الذي أطاح بحكومة الأمين وقتله، وأقام المأمون مكانه، وكان شيعياً من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).

3) هرثمة بن أعين : كان من قادة المأمون، ومن أصحاب الإمام الرضاع (عَلَيهِ السَّلَامُ) وخواصه.

4) سبأ 34: 13.

مِنَ الرَّزْقِ قُبِلَ مِنْهُ الْبَسِيرُ مِنَ الْعَمَلِ، وَمَنْ رَضِيَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْحَلالِ خَفَّتْ مَؤُونَتُهُ، وَنَعِمَ أَهْلُهُ، وَبَصَّرَهُ اللّه داءَ الدُّنْيا وَدَواءَهَا، وَأَخْرَجَهُ مِنْها سالِماً إِلى دارِ السَّلامِ» (1).

لقد أوصاهما الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)ن بالقناعة التي هي كنز لا يفنى، وعرفهما أنهما يملكان ما هو أثمن وأغلى من الذهب والفضة، وهو الولاء لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، الذي هو من أعظم نعم اللّه على عباده المخلصين.

4 - المساواة بين الغنى والفقير

وأوصى الإمام أصحابه بالمساواة بين الغني والفقير بالسلام، فقد قال : «من لقي فقيراً مسلماً فسلّم عَلَيْهِ خلاف سلامه عَلَى الغنى لقى اللّه عَزَّ وَجَلَّ وهو عَلَيْهِ غضبان» (2).

ومثلت هذه الوصيّة الأخلاق العظيمة عند أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين خلقهم اللّه رحمة لعباده، فقد ألزموا شيعتهم بالمساواة بين أبناء المسلمين حتّى بالسلام، وكرهوا التمايز بينهم.

5 - التبسّم في وجه المؤمن

وأوصى الإمام أصحابه بالتبسّم في وجه المؤمن، وعدم مقابلته بالغيظ. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «مَنْ تَبَسَّمَ في وَجْهِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ كَتَبَ اللّه لَهُ حَسَنَةٌ، وَمَنْ كَتَبَ اللّه لَهُ حَسَنَةٌ لَمْ يُعَذِّبْهُ» (3).

هذه هي معالي الأخلاق التي كان الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) يوصون بها أصحابهم ليكونوا قدوة حسنة للناس.


1) تحف العقول : 448.

2) وسائل الشيعة : 8: 442.

3) وسائل الشيعة : 8: 483.

6 - وصيّة عامة

وأوصى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه وسائر الناس بهذه الوصيّة القيمة :

«اتَّقوا اللّه أَيُّهَا النَّاسُ في نِعَمَ اللّه عَلَيْكُمْ، فَلَا تُنَفِّرُوها عَنْكُمْ بِمَعاصِيهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَا تَشْكُرُونَ اللّه بِشَيْءٍ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللّه وَرَسُولِهِ، وَبَعْدَ الْإِعْتِرَافِ بِحُقوقِ أَوْلِياءِ اللّه مِنْ آلِ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، أَحَبَّ مِنْ مُعَا وَنَتِكُمْ لإخْوانِكُمُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى دُنْيَاهُمُ الَّتِي هِيَ مَعْبَرٌ لَكُمْ إلى جِنانِ رَبِّهِمْ، فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ ذلِكَ كانَ مِنْ خَاصَّةِ اللّه» (1).

لقد حفلت هذه الوصيّة بالحثّ على تقوى اللّه تعالى، ومعونة الإخوان، وإسداء المعروف إليهم.


1) الدرّ النظيم : 690 و 691.

كلماته (عَلَيهِ السَّلَامُ) القصار

وأُثرت عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكوكبة من الكلمات القصار حفلت بروائع الحكم والآداب، كان منها ما يلي :

1- قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ لِلْقلوب إقبالاً وَإِدْباراً، وَنَشاطاً وَفُتوراً، فَإِذَا أَقْبَلَتْ بَصُرَتْ وَفَهِمَتْ، وَإِذا أَدْبَرَتْ كَلَّتْ وَمَلَّتْ، فَخُذوها عِنْدَ إِقْبَالِها وَنَشَاطِها، وَاتْرُكوها عِنْدَ إِدْبارِها وَفُتورها» (1).

2 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «اصْعَبِ السُّلْطَانَ بِالْحَذَرِ، وَالصَّدِيقَ بِالتَّواضُعِ، وَالْعَدُو بالتَّحَرُزِ، وَالعامّة بِالْبِشْرِ» (2).

3 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْأَجَلُ آفَةَ الْأَمَلِ، وَالْبِرُّ غَنِيمَةُ الْحازِمِ، وَالتَّفْرِيطُ مُصيبَةُ ذي الْقُدْرَةِ، وَالْبُخْلُ يُمَزِّقُ الْعِرْضَ، وَالْحُبُّ داعي الْمَكارِهِ، وَتَحْقِيقُ أَمَلَ الآمِلِ، وَتَصْدِيقُ مَحْيلَةِ الرّاجي، وَالْإِسْتِكْثَارُ مِنَ الْأَصْدِقَاءِ في الْحَياةِ وَالْباكِينَ بَعْدَ الْوَفَاةِ» (3).

4 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّمَا يَأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ مُؤْمِنٌ مُتَّعِظٌ، فَأَمّا صاحبُ سَوْطٍ وَسَيْفِ فَلا» (4).


1) أعيان الشيعة : 2 : 29.

2) بحار الأنوار 71: 167، الحديث 34.

3) نزهة الناظر : 133.

4) تاريخ اليعقوبي : 3: 181.

5 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ تَعَرَّضَ لِسُلْطَانٍ جَائِرٍ فَأَصابَتْهُ مِنْهُ بَلِيَّةٌ لَمْ يُؤْجَرْ عَلَيْها، وَلَمْ يُرْزَقِ الصَّبْرَ فيها» (1).

6 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَا الْتَقَتْ فِئَتَانِ قَطُّ إِلَّا نَصَرَ اللّه أَعْظَمَهِما عَفْواً (2)

7- قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ مَشْيَ الرَّجالِ مَعَ الرَّجُلِ فِتْنَةٌ لِلْمَشْبوعِ، وَمَذَلَّةٌ لِلتَّابِعِ» (3).

8 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «صاحِبُ النَّعْمَةِ يَجِبُ أَنْ يُوَسِّعَ عَلى عيالِهِ» (4).

9 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ» (5).

10 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الأخُ الْأَكْبَرُ بِمَنْزِلَةِ الْآبِ» (6).

11 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مِنْ أَخْلاقِ الْأَنْبِياءِ التَّنَظُفُ» (7).

12 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَمْ يَخُنُكَ الأمينُ، وَلكِنِ ائْتَمَنْتَ الْخائِنَ»(8).

13 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْفُضولِ إِلَّا وَيَحْتاجُ إِلى فُضولٍ مِنَ الْكَلامِ» (9).

14 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ اللّه يُبْغِضُ الْقِيلَ وَالْقَالِ، وَإِضاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّوَالِ» (10).

15 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مِنَ السُّنَّةِ إِطْعَامُ الطَّعامِ عِنْدَ التَّزْويجِ» (11).


1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 453.

2) الكافي : 2 : 108، الحديث.8. تحف العقول : 446.

3) تاريخ اليعقوبي : 2 : 453.

4) بحار الأنوار: 78 : 335

5) الكافي : 2 : 643، الحديث 5.

6) تحف العقول : 442.

7) تحف العقول : 442.

8) تحف العقول : 442.

9) تحف العقول : 442.

10) الكافي : 5 : 301، الحديث 5.

11) تحف العقول : 445.

16 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «السَّخِيُّ يَأْكُلُ مِنْ طَعَامِ النَّاسِ لِيَأْكُلُوا مِنْ طَعَامِهِ» (1).

17 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّا أَهْلَ بَيْتِ نَرَى وَعْدَنا عَلَيْنَا دَيْناً كَما صَنَعَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)» (2).

18 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يَأْتي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكونُ الْعَافِيَةُ فِيهِ عَشْرَةَ أَجزاء : تِسْعَةٌ مِنْها في اعْتِزالِ النَّاسِ، وَواحِدٌ في الصَّمْتِ» (3).

19 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «عَوْنُكَ لِلضَّعيفِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ» (4).

20 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَيْسَ البخيل راحَةً، وَلَا لِحَسَودٍ لَذَّةٌ، وَلَا لِلْمُلوكِ وَفاء، وَلَا لِكَذوبٍ مُرُوّةٌ» (5).

21 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِذا ذَكَرْتَ الرَّجُلَ وَهُوَ حاضِرٌ فَكَنَّهِ، وَإِذا كانَ غَائِباً فَسَمِّهِ» (6).

22 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْمُؤْمِنُ أَخو الْمُؤْمِنِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ. مَلْعُونٌ مَلْعونٌ مَنِ اتَّهَمَ أَخاهُ. مَلْعونٌ مَلْعُونٌ مَنْ غَضَّ أَخاهُ، مَلعونٌ مَلْعُونٌ مَنْ لَمْ يَنْصَحْ أَخَاهُ. مَلْعون ملعونٌ مَنِ احْتَجَبَ عَنْ أَخِيهِ، مَلْعُونَ مَلْعون من اخْتابَ أَخَاهُ» (7).

23 – قَالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنِ اسْتَفادَ أَخاً في اللّه اسْتَفادَ بَيْتاً فِي الجنّة» (8).

24 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْمُؤْمِنُ الَّذِي إِذا أَحْسَنَ اسْتَبْشَرَ، وَإِذا أَساءَ اسْتَغْفَرَ، وَالْمُسْلِمُ


1) الكافي : 4 : 41، الحديث 10.

2) تحف العقول : 446.

3) تحف العقول : 446.

4) بحار الأنوار: 75: 326، الحديث 32.

5) الخصال: 271، الحدیث 10.

6) تحف العقول : 443.

7) وسائل الشيعة : 8: 563، الحديث 5.

8) ثواب الأعمال : 151.

الَّذِي يَسْلَمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ، وَلَيْسَ مِنًا مَنْ لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بوائِقَهُ» (1).

25 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَا تَبْذِلْ لإخْوانِكَ مِنْ نَفْسِكَ ما ضَرُّهُ عَلَيْكَ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ لَهُمْ» (2).

26 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ فَرَّجَ اللّه عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (3).

27 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَا يَجْتَمِعُ الْمَالُ إِلَّا بِخِصَالٍ خَمْسٍ : بِبُخْلِ شَديدٍ، وَأَمَلٍ طَوِيلٍ، وَحِصٍّ غالِبٍ، وَقَطِيعَةٍ لِرَحِمِ، وَإِبْثَارِ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ» (4).

28 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الْإِنسَانَ إِذَا ادَّخَرَ طَعَامَ سَنَتِهِ خَفَّ ظَهْرُهُ وَاسْتَراحَ» (5).

29 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ كَثُرَتْ مَحاسِنَهُ مُدِحَ بِهَا، وَاسْتَغْنى عَنِ التَّمَدُّحِ بِذِكْرِها» (6).

30 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ طَلَبَ الْأَمْرِ مِنْ وَجْهِهِ لَمْ يَزَلْ، وَإِنْ زَلَّ لَمْ تَخْذُلْهُ الْحِيلَةُ» (7).

31 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْمَسْكَنَةُ مِفْتَاحُ الْبُوسِ» (8).

32 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ لَمْ يُتابع رَأْبَكَ فِي صَلاحِهِ، فَلَا تُصْغِ إِلَى رَأيهِ» (9).


1) بحار الأنوار : 68: 259، الحدیث 2.

2) الكافي : 4 : 33، الحديث 2.

3) الكافي : 2 : 200، الحديث 4.

4) الخصال : 282، الحديث 29.

5) الكافي : 5: 89، الحدیث 11.

6) نزهة الناظر : 127، الحدیث 2.

7) بحار الأنوار: 68: 340، الحديث 13.

8) بحار الأنوار: 75: 353، الحديث 9.

9) بحار الأنوار: 75: 353، الحديث 9.

33 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «كَفاكَ مِمَّنْ يُريدُ نُصْحَكَ بالنَّميمَةِ ما يَجِدُ في نَفْسِهِ مِنْ سُوءِ الْحِسابِ فِي الْعاقِبَةِ» (1).

34 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيٌّ مِنْ مَحْضِ الْإِسْلامِ، وَإِنَّهُ مِنْ كِلابِ أَهْلِ النَّارِ» (2).

35 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْغَوْعَاءُ قَتَلَهُ الْأَنْبِياءِ» (3).

36 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الصَّغَائِرُ مِنَ الذُّنوبِ طُرُقٌ إِلَى الْكَبَائِرِ» (4).

37 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ لَمْ يَخَفِ اللّه فِي الْقَلِيلِ لَمْ يَخَفْهُ فِي الْكَثِيرِ» (5).

38 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبي هاشم بن القاسم الجعفري: «يا داود، إِنَّ لَنا عَلَيْكُمْ حَقّاً بِرَسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْنا حَقّاً، فَمَنْ عَرَفَ حَقْنا وَجَبَ حَقُّهُ. وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَفَّنا فَلَا حَقَّ لَهُ» (6).

39 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) للحسن بن سهل في تعزيته : «التَّهْنِئَةُ بِآجِلِ الثَّوابِ أَوْلَى مِنَ التَّعْزِيَةِ عَلى عاجِل الْمُصيبَةِ» (7).

40 - قال له رجل : سل لي ربّك التقيّة الحسنة، والمعرفة بحقوق الإخوان، والعمل بما أعرف من ذلك.


1) أعيان الشيعة : 2 : 28.

2) معجم رجال الحديث : 11 : 307.

3) بحار الأنوار 75: 352، الحديث 9.

4) بحار الأنوار : 68: 174، الحديث 10.

5) بحار الأنوار 71 : 174، الحدیث 10.

6) بحار الأنوار : 75 : 340، الحديث 39.

7) بحار الأنوار : 75: 353، الحديث 9.

فقال الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): قَدْ أَعْطَاكَ اللّه ذلِكَ، لَقَدْ سَأَلْتَ أَفْضَلَ شِعَارِ الصَّالِحِينَ وَدِثَارِهِمْ.

41 - سئل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن السفلة ؟

فقال : «مَنْ كانَ لَهُ شَيْءٌ يُلْهِيهِ عَنِ اللّه» (1).

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض ما أثر عنه من روائع الحكم والآداب.


1) بحار الأنوار: 72 : 416، الحديث 68.

أصحابه ورواة حديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

وكان الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عصره عملاق الفكر الإسلامي، وأعلم إنسان على وجه الأرض، كما يقول المأمون، وقد أمدّ العالم الإسلامي بجميع مقومات الارتقاء والنهوض، وقد اتّخذ الجامع النبوي زاده اللّه شرفاً معهداً لدروسه ومحاضراته، وقد احتف به العلماء والرواة وطلبة الفقه، وهو ابن نيف وعشرين عاماً (1)، وهم يسجلون فتواه وما يدلي به من روائع الحكم وفنون الآداب.

ووجد العلماء في أحاديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ) امتداداً ذاتيّاً لأحاديث جده الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الملهم الأوّل لقضايا الفكر والعلم في الأرض، وامتداداً مشرقاً لآبائه الأئمّة الطاهرين روّاد النهضة العلميّة والحضارية في دنيا الإسلام.

ويقول الرواة : «إنّه ليس في الأرض سبعة أشراف كتب عنهم الحديث عند الخاصّ والعام إلا علي بن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (2).

وبلغ من اهتمام العلماء بأحاديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنّه حينما اجتاز بنيسابور ازدحموا عليه، وقد بلغ عددهم ما ينيف على عشرين ألفاً، وهم يحملون المحابر، وطلبوا منه أن يتحفهم بحديث عن جده رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فروى لهم الحديث الذي سمّي بالحديث الذهبي، كما سنذكره، ونظراً لأهمّيته فقد كتبه بعض أمراء السامانية بالذهب،


1) تهذيب التهذيب : 7 : 339.

2) بحار الأنوار: 49: 100، الحديث 16.

وأوصى أن يدفن معه (1).

كما روى عنه جمهرة من العلماء المعاصرين له، ونعرض إلى تراجم أصحابه، ورواة حديثه ؛ لأنّ ذلك فيما نحسب من متممات البحث عن شخصيته لأنه يكشف عن جانب مهم من حياته العلميّة.

حرف الألف

1 - إبراهيم بن أبي البلاد

واسم أبي البلاد يحيى بن سليم الغطفاني، يكنى أبا إسماعيل (2).

عدّه الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)(3).

قال النجاشي : «كان إبراهيم ثقة، قارئاً، أديباً، وعمر دهراً، وكان أبوه ضريراً راوية للشعر، وله يقول الفرزدق : يا لهف نفسي على عينيك من رجل. ولإبراهيم محمّد ويحيى رويا الحديث، وروى إبراهيم عن أبي عبداللّه، وأبي الحسن موسى والرضا (عَلَيهِم السَّلَامُ)، بعث إليه الإمام الرضا رسالة، وأثنى عليه. له كتاب يرويه عنه جماعة» (4).

2 - إبراهيم بن أبي محمود

الخراساني : وثّقه النجاشي، وقال : «إنّه روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ). له كتاب


1) أخبار الدول : 115.

2) لسان المیزان : 1 : 40.

3) رجال الطوسي : 5212/352.

4) رجال النجاشي : 30/22.

يرويه أحمد بن محمّد بن عيسى» (1).

قال الكشبي : «قال نصر بن الصباح : إبراهيم بن أبي محمود كان مكفوفاً. روى عنه أحمد بن محمّد بن عيسى مسائل موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) تقدر بخمس وعشرين ورقة. عاش بعد الرضا».

روی حمدويه، قال : حدّثنا الحسن بن موسى الخشاب، قال : حدّثنا إبراهيم ابن أبي محمود، قال : «دخلت على أبي جعفر ومعي كتب إليه من أبيه، فجعل يقرأها ويضع كتاباً كبيراً على عينيه، ويقول : خَطَّ أبي وَاللّه، ويبكي حتّى سالت دموعه على خدّيه. فقلت له : جعلت فداك، قد كان أبوك ربّما قال لي في المجلس الواحد مرّات : أسكنك اللّه الجنّة.

فقال : وَأَنا أَقولُ لَكَ : أَدْخَلَكَ اللّه الجنّة.

فقلت : جعلت فداك، تضمن لي على ربّك أن تدخلني الجنّة ؟

قال : نَعَمْ.

قال : فأخذت رجله فقبّلتها» (2).

3 - إبراهيم بن إسحاق

النهاوندي : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه صالح بن محمّد الهمداني (3).

4 - إبراهيم بن إسماعيل

ابن داود : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه موسى بن جعفر المدائني (4).


1) رجال النجاشي : 43/25.

2) رجال الكشّي : 1072/567 و 1073.

3) معجم رجال الحديث : 1 : 911/210.

4) معجم رجال الحديث : 1: 915/211.

5 - إبراهيم بن بشر

قال النجاشي : «له مسائل إلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ). روى عنه محمّد بن عبد الحميد» (1).

6 - إبراهيم بن سلامة

النيشابوري : عدّه الشيخ من أصحاب الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف : «إنه وكيل» (2).

قال السيّد الخوئي (قدّس سِرُّه): «اختلف في حال الرجل، فمنهم من اعتبره حجّة، ومنهم من لم يعتبره، واستدلّ مَن قال باعتباره بمقدّمتين : الأولى : إنّه كان وكيلاً عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) الثانية : إنّهم سلام اللّه عليهم لا يوكلون الفاسق» (3)، وناقش السيّد في كلا المقدّمتين.

7 - إبراهيم بن شعيب

الواقفي : قال : «كنت جالساً في مسجد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وإلى جانبي رجل من أهل المدينة، وحادثته مليّاً، وسألني من أين أنت ؟

فأخبرته أنّي رجل من أهل العراق، قلت له : فمن أنت ؟

قال : مولى لأبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).

فقلت له : لي إليك حاجة.

قال : وما هي ؟

قلت : توصل لي إليه رقعة.

قال : نعم، إذا شئت، فخرجت وأخذت قرطاساً، وكتبت فيه :


1) رجال النجاشي : 35/23.

2) رجال الطوسي : 5231/353، وفي نسخة : بن سلام.

3) معجم رجال الحديث : 1 : 226 و 227.

بسم اللّه الرحمن الرحيم

إنّ مَن كان قبلك من آبائك كان يخبرنا بأشياء فيها دلالات وبراهين، وقد أحببت أن تخبرني باسمي واسم أبي وولدي.

قال : ثمّ ختمت الكتاب ودفعته إليه.

فلمّا كان من الغد أتاني بكتاب مختوم، ففضضته وقرأته، فإذا في أسفل الكتاب :

بسم اللّه الرحمن الرحيم

يا أبا إِبْراهِيمَ، إِنَّ مِنْ آبائِكَ شُعَيْباً وَصالِحاً، وَإِنَّ مِنْ أَبْنَائِكَ محمّداً وَعَلِيّاً وَفُلاناً وَفُلانَةٌ» (1).

8- إبراهيم بن شعيب

العقرقوفي (2): عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

9 - إبراهيم بن صالح

عدّه الشيخ في رجاله - من غير تلقيب ولا توصيف - من أصحاب الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

قال النجاشي : «إبراهيم بن صالح الأنماطي (5)الأسدي ثقة. روى عن أبى الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ووقف. له كتاب يرويه عدّة» (6).


1) العقرقوفي : نسبة إلى عقرقوف، قيل : هي قرية من نواحي الدجيل، وقيل : من نواحي نهر عيسى، بينها وبين بغداد أربعة فراسخ، إلى جانبها تل عظيم عال يرى من مسافة خمسة فراسخ. مراصد الاطلاع.

2) رجال الكشّي : 896/471.

3) رجال الطوسي : 5222/353.

4) رجال الطوسي : 5211/352.

5) الأنماطي : نسبة إلى أنماط، وهو ثوب من الصوف يُطرح على الهودج، له خمل رقيق.

6) رجال النجاشي : 37/24.

10 - إبراهيم بن العبّاس

إشارة:

ابن محمّد الصولي : الشاعر الملهم الكبير، يكنّى أبا إسحاق، من ألمع شعراء عصره، ومن أكثرهم ولاء ومحبة الأئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، اتصل بالإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) اتصالاً وثيقاً، وكان إبراهيم يكن في نفسه أعمق الودّ وخالصه للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ونعرض إلى بعض الجوانب من حياته :

وفادته على الإمام: وفد إبراهيم مع شاعر أهل البيت دعبل الخزاعي على الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما بايع له المأمون بولاية العهد، وقد أنشده دعبل قصيدته الخالدة التي تعدّ من محاسن الشعر العربي، وسنذكرها في ترجمته، وانبرى من بعده إبراهيم، فأنشده قصيدته التي لم يعرف منها غير هذا البيت :

أَزالَتْ عَرَاءَ الْقَلْبِ بَعْدَ التَّجَلُّدِ***مَصارعُ أَوْلادِ النبيّ محمّد

ويحكي هذا البيت توجّع الصولي وأساه على ما حلّ بأهل بيت النبوة من عظيم المحن والخطوب التي صبّها عليهم أعداء الإسلام، وفيما أحسب أنّ القصيدة كلها بهذه الجودة والمتانة، والتفجّع على مصائب أهل البيت.

ولما فرغ من إنشادها وهب الإمام لهما عشرين ألف درهم من الدراهم التي عليها اسمه الشريف.

أما دعبل فصار بجائزته إلى قم المقدّسة، فاشترى أهلها كلّ درهم بعشرة، فباع حصته بمائة ألف درهم.

وأما إبراهيم بن العبّاس، فلم يزل عنده بعضها حتّى مات (1).


1) أمالي المرتضى : 1 : 485، وجاء في أعيان الشيعة : 6: 16: «إنّ الأبيات التي قالها إبراهيم كتبت على ظهر دفتر، وعليها توقيع (متوقّ خائف)، وأنه كان يكنّي عن الإمام في مدحه له».

ومن شعره في مدح الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الأبيات :

كَفَى بِفِعَالِ امْرِی عالم***عَلَى أَهْلِهِ عادِلاً شاهدا (1)

أَرى لَهُمُ طارفاً مُونِقاً***وَلَا يَشْبَهُ الطَّارِفُ التَّالِدا (2)

يُمَنُّ عَلَيْكُمْ بِأَمْوالِكُمْ***وَتُعْطَوْنَ مِنْ مائَةٍ واحدا (3)

فلاحَمِدَ اللّه مُسْتَنْصِراً***يكون لأعْدائِكُمْ حامدا

فَضَلْتَ قَسيمَك في قُعْدَدٍ***كَما فَضَلَ الْوالِدُ الْوَلَدا (4)

وحكت هذه الأبيات عميق إيمانه بأهل البيت، وولائه لهم، وقد كنّى عنهم خوفاً من السلطة العاتية التي كانت تأخذ بالظنّ والتهمة لكلّ من والى عترة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

نماذج من شعره: ويعتبر شعر الصولي من روائع الشعر العربي، ومن مختار شعره قوله :

دَنَتْ بِأناسٍ عَنْ ثناءٍ زِيارَةٌ***وَشَطَّ بِلَيْلى عَنْ دُنُوٍّ مَزارها

وَإِن مُقيماتٍ بِمُنْعَرَج اللوى***لَأَقْرَبُ مِنْ لَيْلى وَهاتيك دارُها (5)


1) يقول السيّد الأمين في شرحه لهذا البيت: «كفى بفعال آل أبي طالب شاهداً على طيب أصلهم».

2) علّق السيّد الأمين على هذا البيت بقوله : «الطارف : الحديث، والتالد : القديم، كنّى به عن بني العبّاس بأنّ لهم طارفاً مونقاً بتوليهم الخلافة، ولكنّه لا يشبه أصلهم بطيب أفعاله».

3) لم يصرّح إبراهيم باسم المخاطبين، فقد عنى آل أبي طالب، وعلى رأسهم الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد منّ عليهم المأمون بما أعطاهم من بعض الهبات التي هي من أموالهم.

4) المخاطب بقوله : «فَضَلْتَ» هو الإمام العظيم الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والمراد بقسيمه هو المأمون.

5) وفيات الأعيان : 1 : 25.

وله :

وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ بِها الفتى***ذَرْعاً وَعِنْدَ اللّه مِنْهَا المَخرَجُ

ضاقَتْ فَلَمّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقاتُها***فُرِجَتْ وَكُنتُ أَظُنُّها لَا تُفْرَجُ (1)

وله أيضاً :

كُنْتَ السَّوادَ لِمُقْلَتي***فَبَكَى عَلَيْكَ النَّاظِرُ

مَنْ شاءَ بَعْدَكَ فَلْيَمُتْ***فَعَلَيْكَ كُنْتُ أُحاذِرُ (2)

حرقه لديوان شعره : كان إبراهيم صديقاً لإسحاق بن إبراهيم، فأنسخه شعره في الإمام علي بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ودفع إليه شيئاً من شعره بخطه، وكانت النسخة عنده حتّى ولي الطاغية المتوكل، وولي إبراهيم ديوان الضياع، وقد حصل تباعد وكراهية بين إبراهيم وإسحاق، فعزله إبراهيم عن ضياع كانت بيده وطالبه بمال وألح عليه، وأساء مطالبته، فدعا إسحاق بعض من يثق به من إخوانه، وقال له : امض إلى إبراهيم بن العبّاس فأعلمه أن شعره في علي بن موسى بخطه عندي، وبغير خطه، واللّه لئن استمرّ على ظلمي، ولم يزل عني المطالبة، لأوصلن الشعر إلى المتوكل.

قال : فصار الرجل إلى إبراهيم بن العبّاس فأخبره بذلك، فاضطرب اضطراباً شديداً، وجعل الأمر في ذلك إلى الواسطة، فأسقط عنه جميع ما كان طالبه به، وأخذ الشعر منه، وأحلفه أنّه لم يبق عنده منه شيء، فلما حصل عنده عمد إلى إحراقه بحضرته (3).


1) وفيات الأعيان : 1 : 29.

2) أمالي المرتضى : 1 : 485.

3) وفيات الأعيان : 1 : 29.

نموذج من كتابته : وكان إبراهيم كاتباً بليغاً، ومن بديع ما كتبه عن بعض ملوك العبّاسيّين إلى بعض البغاة الخارجين يتهدّدهم ويتوعدهم : «أما بعد، فإنّ لأمير المؤمنين أناة، فإن لم تغن عقب بعدها وعيداً، فإن لم يغن أغنت عزائمه، والسلام.

وعلّق ابن خلكان على هذه الرسالة بقوله : «وهذا الكلام مع وجازته في غاية الابداع»(1).

وفاته : توفّي إبراهيم في منتصف شعبان سنة (243هـ) بـ(سرّ من رأى) (2).

11 - إبراهيم بن عبد الحميد

قال الشيخ : «إنّه من أصحاب الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ). أدرك الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم يسمع منه على قول سعد بن عبد اللّه، واقفي. له كتاب» (3).

وقال في الفهرست : «إبراهيم بن عبد الحميد ثقة، له أصل، أخبرنا به أبو عبداللّه محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد» (4).

وتوثيق الشيخ له في «الفهرست» ليس شرطاً، ويمكن أن يكون أنه رجع عن الوقف، ودان بدين الحق.

12 - إبراهيم بن عليّ

ابن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، وأمّ عليّ بن عبداللّه سيدة النساء بطلة كربلاء السيّدة زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ). عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)(5).


1) وفيات الأعيان : 1 : 29.

2) وفيات الأعيان : 1 : 29.

3) رجال الطوسي : 5195/251.

4) الفهرست : 12/40.

5) رجال الطوسي : 5217/352.

13 - إبراهيم بن محمّد

الأشعري، القمّي : قال النجاشي : «إنّه ثقة. روى عن الإمام موسى والإمام الرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وأخوه الفضل، وكتابهما شركة رواه الحسن بن علي بن فضّال عنهما (1).

وثّقه ابن داود في رجاله، والفاضل المجلسي، وغيرهم (2).

14 - إبراهيم بن محمّد

الخزاز : روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه الحسن بن سعيد (3).

15 - إبراهيم بن محمّد

مولى خراساني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

16 - إبراهيم بن محمّد

الهمداني : كان وكيلاً للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

وعدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا والإمام الجواد والإمام الهادي (عَلَيهِم السَّلَامُ) (6).

17 - إبراهيم بن موسى

روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه محمّد بن حمزة بن القاسم (7).


1) رجال النجاشي : 24 و 42/25.

2) تنقيح المقال : 42/362.

3) معجم رجال الحدیث : 1 : 282/290.

4) رجال الطوسي : 5227/353.

5) رجال الكشّي : 1136/611.

6) رجال الطوسي : 5210/352 و : 5515/373 و : 5637/383.

7) معجم رجال الحدیث : 1: 309/299.

18 - إبراهيم بن هاشم

أبو إسحاق القمّي : أصله من الكوفة، وانتقل إلى قم المقدّسة. عدّه النجاشي من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال : «إن أصحابنا يقولون : إنّه أوّل من نشر حديث الكوفيين بقم. له كتب منها كتاب النوادر، وكتاب قضايا الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (1).

19 - إبراهيم بن هاشم

العبّاسي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

وظاهره أنه إمامي، مجهول الحال (3).

قال السيّد الخوئي (قدّس سِرُّه): «والصحيح : هاشم بن إبراهيم لا إبراهيم بن هاشم، كما في النجاشي» (4).

20 - أحمد بن أبي نصر

روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه أحمد بن محمّد (5).

21 - أحمد بن أشيم

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6).

روى عن يونس، وروى عنه أحمد بن محمّد (7).


1) رجال النجاشي : 18/16.

2) رجال الطوسي : 5221/352.

3) تنقيح المقال : 1 : 29.

4) معجم رجال الحديث : 1: 332/353.

5) معجم رجال الحديث : 2 : 422/36.

6) رجال الطوسي : 5200/351.

7) معجم رجال الحديث : 2 : 446/54.

22 - أحمد بن الفيض

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

23 - أحمد بن عامر

ابن سليمان بن صالح بن وهب الذي استشهد مع ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : حدّث ابنه عبداللّه، قال : «ولد أبي سنة (157هـ)، ولقي الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) سنة (194هـ)، ومات الرضا بطوس سنة (203هـ) يوم الثلاثاء لثمان عشرة خلون من جمادى الأولى، وشاهدت أبا الحسن وأبا محمّد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وكان أبي مؤذناً لهما» (2).

24 - أحمد بن عمر

الحلّال : كان يبيع الحِلّ - يعني الشَّيْرَج. روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وله عنه مسائل (3).

25 - أحمد بن محمّد

ابن أبي نصر البزنطي : كوفي، ثقة، لقي الإمام الرضا وأبا جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وكان عظيم المنزلة عندهما، وله من الكتب : كتاب الجامع، وله كتاب النوادر (4).

قال الشيخ في كتابه «الغيبة» : «كان واقفاً، ثم رجع لما ظهر من المعجزات على يد الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)لها الدالة على صحّة إمامته، فالتزم الحجّة، وقال بإمامته وإمامة من بعده من ولده» (5).


1) رجال الطوسي : 5226/352.

2) رجال النجاشي : 250/100.

3) رجال النجاشي : 248/99.

4) رجال النجاشي : 180/75.

5) الغيبة / الشيخ الطوسي : 71، الحديث 75.

قال أحمد بن محمّد بن أبي نصر : كنت عند الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأمسيت عنده، قال : فقلت : انصرف ؟

فقال لي : لَا تَنْصَرِفْ فَقَدْ أَمْسَيْنَ.

قال : فأقمت عنده.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لجاريته : هاتي مَضْرَبَتِي وَوِسادَتي، فَافْرِشي لأَحْمَدَ فِي ذلِكَ الْبَيْتِ.

قال : فلمّا صرت في البيت دخلني شيء، فجعل يخطر ببالي من مثلي في بيت وليّ اللّه (1)، وعلى مهاده.

فناداني : يا أَحْمَدُ، إِنَّ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عادَ صَعْصَعَةَ بْنَ صَوْحَانَ، فَقَالَ : يا صَعْصَعَةُ، لَا تَجْعَلْ عِيادَتِي إِيَّاكَ فَخْراً عَلَى قَوْمِكَ، وَتَوَاضَعْ للّه يَرْفَعُكَ».

وهو ممّن أجمع على الإقرار له بالفضل وتصحيح ما يصحّ عنه.

توفّي سنة (221هـ) (2).

26 - أحمد بن محمّد

ابن حنبل بن هلال الشيباني : عدّه الشيخ من أصحاب أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

قال ابن حجر : «أحمد بن محمّد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المروزي، نزیل بغداد، أبو عبداللّه أحد الأئمّة، ثقة، حافظ، فقيه، حجّة، وهو رأس الطبقة العاشرة، مات سنة (241هـ) وله سبع وسبعون سنة» (4).


1) وفي رواية : «فقلت : الحمد اللّه حجّة اللّه ووارث علم النبيّين أنس بي... الخ».

2) معجم رجال الحديث : 2 : 234 و 800/235.

3) رجال الطوسي : 5301/351.

4) تهذيب التهذيب : 1 : 44، الحديث 96.

27 - أحمد بن محمّد

ابن عيسى الأشعري، القمّي : شيخ القميّين ووجههم وفقيههم، وكان الرئيس الذي يلقى السلطان، ولقي أبا جعفر الثاني وأبا الحسن العسكري (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).

له كتب، منها : كتاب التوحيد، وكتاب فضل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وكتاب المتعة، وكتاب النوادر، وكان غير مبوّب فبوبه داود بن كورة، وكتاب الناسخ والمنسوخ، وكتاب الأظلّة، وكتاب المسوخ، وكتاب فضائل العرب.

قال ابن نوح : ورأيت له عند الدبيلي كتاباً في الحجّ (1).

28 - أحمد بن يوسف

مولى بني تيم اللّه : كوفي، كان منزله بالبصرة، وتوفّي ببغداد. عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف إنه ثقة (2).

29 - إدريس بن زيد

من أصحاب الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ). ذكره الصدوق في مشيخة الفقيه مع عليّ بن إدريس أولاً، مع توصيفهما بصاحبي الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ووصفه بالقمي عند ذكر طريقه إليه ثانياً (3).

30 - إدريس بن عبداللّه

ابن سعد الأشعري : ثقة، له كتاب، يروي عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

31 - إدريس بن عيسى

الأشعري، القمّي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ). ثقة،


1) رجال النجاشي : 198/82.

2) رجال الطوسي : 5205/351.

3) معجم رجال الحديث : 3 : 1047/9.

4) رجال النجاشي : 259/104.

وروى عنه حديثاً واحداً (1).

32 - إدريس بن يقطين

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

33 - إسحاق (ابن الإمام موسى)

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

روى عن أخيه وعن عمه، عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه محمّد بن مسلم (4).

34 - إسحاق بن آدم

الأشعري، القمّي روى عن أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، له كتاب يرويه جماعة (5).

35 - إسحاق بن إبراهيم

الحضيني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا والإمام الجواد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) (6).

قال الكشّي : «إنّه وصل إلى خدمة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بواسطة الحسن بن سعيد الأهوازي» (7).


1) رجال الطوسي : 5203/352.

2) رجال الطوسي : 5216/352.

3) رجال الطوسي : 5219/352.

4) معجم رجال الحدیث: 3: 1181/72.

5) رجال النجاشي : 176/73.

6) رجال الطوسي : 5220/352 و : 5514/374، وفي نسخة : إسحاق بن محمّد بن إبراهيم».

7) رجال الكشّي : 1041/551.

36 - إسحاق بن إبراهيم

الحنظلي : يعرف بابن راهويه. عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

37 - إسماعيل بن سعد

الأحوص : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه محمّد بن خالد (2).

38 - إسماعيل بن عبّاد

القصري - من قصر ابن هبيرة - : عدّه البرقي من أصحاب أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

39 - إسماعيل بن عيسى

روى عن الإمام أبي الحسن والإمام الرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وروى عنه ابنه سعد (4).

40 - إسماعيل بن قتيبة

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف : «إنّه مجهول» (5).

41 - إسماعيل بن مهران

ابن أبي نصر السكوني : مولى، كوفي، يكنى أبا يعقوب، ثقة، معتمد عليه، من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ). ألف مجموعة من الكتب، كان منها :

1 - الملاحم.

2 - ثواب القرآن.

3 - الاهليلجة.


1) رجال الطوسي : 5202/351.

2) معجم رجال الحديث : 3: 1341/137.

3) رجال البرقي : 1474/128.

4) معجم رجال الحديث : 3: 1397/163.

5) رجال الطوسي : 5230/353.

4 - صفة المؤمن والفاجر.

5 - خطب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).

6- النوادر (1).

وقد طعن في حديثه ابن الغضائري، وقال : «ليس حديثه بالنقي، فيضطرب تارة، ويصلح أخرى، ويروي عن الضعفاء كثيراً، ويجوز أن يخرج شاهداً».

وينى سيدنا الخوئي (قدّس سِرُّه) على وثاقته لشهادة جعفر بن محمّد بن قولويه، وعليّ بن إبراهيم، والشيخ، والنجاشي، والعياشي بوثاقته، وليس فيما ذكره ابن الغضائري دلالة على عدم وثاقته، بل إن نفي النقاوة من حديثه من جهة أنّه يوي عن الضعفاء (2).

42 - إسماعيل بن همام

ابن عبدالرحمن البصري : مولى كندة. روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثقة هو وأبوه وجدّه، له كتاب يرويه عنه جماعة (3).

43 - أصرم بن مطر

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

44 - أفلح بن يزيد

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).


1) رجال النجاشي : 26 و 49/27.

2) معجم رجال الحديث : 3 : 1437/194.

3) رجال النجاشي : 62/30.

4) رجال الطوسي : 5225/353.

5) رجال الطوسي : 5215/353.

45 - أفلح بن يزيد

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف : «إنه مجهول» (1).

46 - أيوب بن نوح

ابن درّاج، كوفي، مولى النخع : ثقة. عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

وكان وكيلاً، وتوفّي ولم يخلف إلا مائة وخمسين ديناراً، وكان الناس يظنون أنّ عنده مالاً كثيراً لأنه كان وكيلاً للأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) (3).

47 - الياس بن عمرو

الصيرفي الخزّاز : خير، من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولما حضرته الوفاة قال لمن حوله : «اشهدوا عَلَيَّ وليست ساعة الكذب هذه الساعة، سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : وَاللّه لَا يَموتُ عَبْدٌ يُحِبُّ اللّه وَرَسُولَهُ، وَيَتَوَلَّى الأئمّة، فَتَمَسَّهُ النّارُ» (4).

حرف الباء

48 - بائس

مولى حمزة بن اليسع الأشعري : ثقة، عدّه الشيخ من أصحاب الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

49 - بكر بن صالح

الرازي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6).


1) رجال الطوسي : 5229/353.

2) رجال الطوسي : 352 : 5214.

3) رجال النجاشي : 254/102.

4) رجال الكشّي : 1083/572.

5) رجال الطوسي : 5234/353.

6) رجال الطوسي : 5233/353.

قال الشيخ : «له كتاب في درجات الإيمان، ووجوه الكفر، والاستغفار، والجهاد» (1).

قال ابن الغضائري : «ضعيف جداً، كثير التفرد بالغرائب: (2).

حرف الثاء

50 - ثلج بن أبي الثلج

اليعقوبي : من ولد داود بن علي اليعقوبي. عدّه الشيخ من أصحاب الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

حرف الجيم

51 - جعفر بن إبراهيم

الحضرمي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

52 - جعفر بن إبراهيم

روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه إبراهيم بن هاشم (5).

53 - جعفر بن بشير

البجلي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6). من زهّاد الشيعة وعبّادهم


1) الفهرست : 126/87.

2) رجال ابن الغضائري : 19/44.

3) رجال الطوسي : 5235/353.

4) رجال الطوسي : 5239/354.

5) معجم رجال الحديث : 4 : 2106/46.

6) رجال الطوسي : 5238/352.

ونسّاكهم، وله مسجد بالكوفة باق في بجيلة.

يقول النجاشي : «وأنا وكثير من أصحابنا إذا وردنا الكوفة نصلّي فيه مع المساجد التي يُرغب في الصلاة فيها».

توفي جعفر (رَحمهُ اللّه) بالأبواء سنة (208هـ)، وكان يلقب فَقْحة العلم، وله من المؤلفات :

1 - كتاب المشيخة.

2 - كتاب الصلاة.

3 - كتاب المكاسب.

4 - كتاب الصيد

5 - كتاب الذبائح (1).

قال الشيخ : «له كتاب ينسب إلى جعفر بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وراوية الإمام عليّ بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (2).

54 - جعفر بن عيسى

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

روى عن الإمام الكاظم والرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وروى عنه أخوه محمّد بن عیسی (4).

55 - جعفر بن مثنى

الخطيب، مولى لثقيف، كوفي، واقفي : عدّه الشيخ من أصحاب الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).


1) رجال النجاشي : 304/119.

2) الفهرست : 142/92.

3) رجال الطوسي : 5237/353.

4) معجم رجال الحدیث : 4 : 2215/90.

5) رجال الطوسي : 5236/353.

56 - جعفر بن محمّد

القزويني : ذكره الشيخ في باب الكنى من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

حرف الحاء

57 - الحسن بن إبراهيم

الكوفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

58 - الحسن بن أسباط

الكندي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

59 - الحسن بن أسد

البصري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

60 - الحسن بن بشار

ثقة، صحيح، كان واقفيّاً

المدائني : من أصحاب الإمام الكاظم والرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، ثقة، عليل صحيح ثم رجع (5).

61 - الحسن بن بشير

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف: «إنّه مجهول» (6).


1) رجال الطوسي : 5498/369.

2) رجال الطوسي : 5250/354.

3) رجال الطوسي : 5256/355.

4) رجال الطوسي : 5285/357.

5) رجال ابن داود : 400/72.

6) رجال الطوسي : 5284/357.

62 - الحسن بن الجهم

ابن بكير بن أعين أبو محمّد الشيباني : ثقة، روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، له كتاب (1).

63 - الحسن بن الجهم

الرازي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

64 - الحسن بن الحسين

الأنباري : روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه علي بن الحكم (3).

65 - الحسن بن الحسين

ابن صالح : روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه علي بن عبد الغفّار (4).

66 - الحسن بن الحسين العلوى

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

روى عنه أحمد بن محمّد (6).

67 - الحسن بن راشد

عدّه الشيخ من غير توصيف من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (7).


1) رجال النجاشي : 109/50.

2) رجال الطوسي : 5248/354.

3) معجم رجال الحديث : 4 : 2767/304.

4) معجم رجال الحديث : 4 : 2772/305.

5) رجال الطوسي : 5380/356.

6) معجم رجال الحديث : 4 : 2780/307.

7) رجال الطوسي : 5269/355.

68 - الحسن بن زياد

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف : إنّه ثقة (1).

69 - الحسن بن سعيد

الكوفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

70 - الحسن بن شاذان

الواسطي : قال : «كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشكو إليه جفاء أهل واسط، وحملهم علَيَّ، وكانت عصابة من العثمانية تؤذيني.

فوقّع بخطه : إِنَّ اللّه تَبَارَكَ وَتَعالى أَخَذَ مِيثَاقَ أَوْلِيَاتِنَا عَلَى الصَّبْرِ فِي دَوْلَةِ الْباطِلِ، فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ، فَلَوْ قَدْ َقامَ سَبِّدُ الْخَلْقِ لَقالوا : «يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ» (3)» (4).

71 - الحسن بن شعيب

المدائني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

72 - الحسن بن عبّاد

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6).


1) رجال الطوسي : 5258/355.

2) رجال الطوسي : 5258/355.

3) یس 36: 52.

4) معجم رجال الحديث : 4 : 2861/357.

5) رجال الطوسى 5252/354.

6) رجال الطوسي : 5276/356.

73 - الحسن بن العبّاس

المعروفي : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه عليّ بن محمّد (1).

74 - الحسن بن عليّ

ابن فضّال مولى لتيم الرباب : كوفي، ثقة (2).

قال النجاشي : «قال أبو عمرو : قال الفضل بن شاذان : كنت في قطيعة الربيع، في مسجد الربيع، أقرأ على مقرئ يقال له : إسماعيل بن عبّاد، فرأيت قوماً يتناجون، فقال أحدهم : بالجبل رجل يقال له ابن فضال أعبد من رأينا أو سمعنا به، فإنّه ليخرج إلى الصحراء فيسجد السجدة، فيجيء الطير فيقع عليه، فما يظنّ إلّا أنّه ثوب أو خرقة، وإنّ الوحش لترعى حوله، فما تنفر منه لما قد أنست به، وإن عسكر الصعاليك ليجيئون يريدون الغارة أو قتال قوم، فإذا رأوا شخصه طاروا في الدنيا فذهبوا - أي خوفاً منه -.

قال الفضل : فظننت أن هذا رجل كان في الزمان الأول، فبينا أنا بعد ذلك قاعد في قطيعة الربيع مع أبي (رَحمهُ اللّه) ؛ إذ جاء شيخ حلو الوجه، حسن الشمائل، عليه قميص نَرْسي، ورداء نَرْسي، وفي رجليه نعل مخضر، فسلّم على أبي، فقام إليه فرحب به وبجّله، فلما أن مضى يريد ابن أبي عمير، قلت : مَن هذا الشيخ ؟

فقال : هذا الحسن بن علي بن فضال

قلت : هذا ذلك العابد الفاضل ؟

قال : هو ذاك.

قلت : ليس هو ذلك، ذاك بالجبل.


1) معجم رجال الحديث : 4 : 2888/371.

2) رجال الطوسي : 5241/354.

قال : هو ذاك، كان يكون بالجبل ما أغفل عقلك من غلام، فأخبرته بما سمعت من القوم فيه.

قال : هو ذلك، فكان بعد ذلك يختلف إلى أبي.

ثم خرجت إليه بعد إلى الكوفة، فسمعت منه كتاب ابن بكير وغيره من الأحاديث، وكان يحمل كتابه ويجيء إلى الحجرة فيقرأه عليَّ، فلمّا حجّ خَتَنُ طاهر بن الحسين، وعظمه الناس لقدره وماله، ومكانه من السلطان، وكان قد وصف له، فلم يصر إليه الحسن، فأرسل إليه : أحبّ أن تصير إليَّ.

فقال : ما لي ولطاهر، لا أقربهم، ليس بيني وبينهم عمل.

فعلمت بعد هذا أن مجيئه إليَّ كان لدينه، وكان مصلاه بالكوفة في الجامع عند الاسطوانة التي يقال لها : السابعة، ويقال لها : اسطوانة إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان يجتمع هو وأبو محمّد الحجّال، وعلي بن أسباط، وكان الحجال يدعي الكلام، فكان من أجدل الناس، فكان ابن فضال يغري بينه وبيني في الكلام في المعرفة، وكان يحبني حباً شديداً، وكان الحسن عمره كله فطحيّاً مشهوراً بذلك، حتّى حضره الموت فمات، وقد قال : بالحقّ (رضیَ اللّهُ عنهُ)، وله من الكتب ما يلي :

1 - كتاب الزيارات.

2 - كتاب البشارات.

3 - كتاب النوادر.

4 - كتاب الردّ على الغالية.

5 - كتاب الشواهد من كتاب اللّه.

6 - كتاب المتعة.

7 - كتاب الناسخ من المنسوخ.

8 - كتاب الملاحم.

9 - كتاب الصلاة.

10 - كتاب يرويه القمّيّون خاصة عن ابنه عليّ عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكانت وفاته (رَحمهُ اللّه) سنة (224هـ) (1).

75 - الحسن بن عليّ

ابن زياد الوشاء، البجلي، الكوفي : من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن وجوه هذه الطائفة، وقد روى عن جده الياس أنّه لمّا حضرته الوفاة قال : «اشهدوا علَيَّ، وليست ساعة الكذب هذه الساعة السمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : وَاللّه لَا يَموتُ عَبْدٌ يُحِبُّ اللّه وَرَسولَهُ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وَيَتَوَلَّى الأئمّة، فَتَمَسَّهُ النَّارُ، ثم أعاد الثانية والثالثة من غير أن أسأله».

وروى أحمد بن محمّد بن عيسى، قال : خرجت إلى الكوفة في طلب الحديث، فلقيت بها الحسن بن علي الوساء، فسألته أن يُخرج لي كتاب العلاء بن رزين القلّاء، وأبان بن عثمان الأحمر، فأخرجهما إلى

فقلت له : أحبّ أن تجيزهما لي

فقال لي : يا رحمك اللّه، وما عجلتك ؟ اذهب فاكتبهما، واسمع من بعد.

فقلت : لا أمن الحدثان.

فقال : لو علمت أنّ هذا الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه، فإنّي أدركت في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ، كلّ يقول : حدّثني جعفر بن محمّد».

له كتب منها : كتاب ثواب الحجّ والمناسك، وكتاب النوادر. وله مسائل الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).


1) رجال النجاشي : 34 - 72/36.

2) رجال النجاشي : 39 و 80/40.

76 - الحسن بن علي

ابن يقطين بن موسى، مولى بني هاشم كان فقيهاً، متكلّماً روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، له كتاب مسائل أبي الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

77 - الحسن بن عليّ

الديلمي : ذكره الوحيد في التعليقة، وقال : «مولى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (2).

78 - الحسن بن عليّ

مولى تيم اللّه بن ثعلبة: كوفي. عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

79 - الحسن بن عليّ

الوشاء : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «كنت مع أبي وأنا غلام، فتعشينا عند الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (4).

80 - الحسن بن عمر

ابن يزيد : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

81 - الحسن بن فضال

روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و عن جماعة، وروى عنه بنوه : أحمد وعلي ومحمّد وموسى بن عمر (6).


1) معجم رجال الحديث : 5: 3051/79.

2) رجال النجاشي : 91/45.

3) معجم رجال الحديث : 5 : 3008/65.

4) رجال الطوسي : 5242/35.

5) معجم رجال الحديث : 5 : 3032/74.

6) رجال الطوسي : 5254/355.

82 - الحسن بن قارن

روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه إبراهيم بن هاشم (1).

83 - الحسن بن القاسم

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

روى الكشّي بسنده عن الحسن بن القاسم، قال : «حضر بعض ولد جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) الموت، فأبطأ عليه الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فعمني ذلك لإبطائه على عمه محمّد، ثم جاء فلم يلبث أن قام، فقمت معه، فقلت له : جعلت فداك، عمّك في الحال التي هو فيها تقوم وتدعه ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): عَمِّي يَدْفِنُ فُلاناً - يعني الذي هو عندهم -.

قال : فواللّه ما لبثنا أن تماثل المريض للشفاء، ودفن أخاه الذي كان عندهم صحيحاً. قال الحسن الخشاب : فكان الحسن يعرف الحق بعد ذلك ويقول به» (3).

84 - الحسن بن محبوب

السرّاد، ويقال له : الزرّاد : يكنى أبا عليّ، مولى بجيلة، كوفي، ثقة. روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عن ستين رجلاً من أصحاب الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان جليل القدر ألف مجموعة من الكتب، كان منها ما يلي :

1 - كتاب المشيخة

2 - كتاب الحدود.

3 - كتاب الديات.


1) معجم رجال الحديث : 5 : 3056/81.

2) رجال الطوسي : 5276/356، وفي نسخة : «الحسين بن القاسم».

3) رجال الكشّي : 1143/613.

4 - كتاب الفرائض.

5 - كتاب النكاح.

6 - كتاب الطلاق.

7 - كتاب النوادر، نحو ألف ورقة.

8 - كتاب التفسير.

9 - كتاب العتق (1).

وعدّه الشيخ الكشّي من الفقهاء الذين أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عنهم عند تسمية الفقهاء من أصحاب الإمام الكاظم والإمام الرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ). توفي سنة (224هـ) وله من العمر خمسة وسبعون عاماً (2).

85 - الحسن بن محمّد

ابن أبي طلحة : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

86 - الحسن بن محمّد

ابن سهل النوفلي : ضعّفه النجاشي، وقال : «لكن له كتاب حسن، كثير الفوائد أسماه : مجالس الرضا مع أهل الأديان» (4).

87 - الحسن بن محمّد

القمي : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه الخيبري (5).


1) الفهرست : 162/96.

2) رجال الكشّي : 1050/556 و : 1094/584.

3) رجال الطوسي : 5267/355.

4) رجال النجاشي : 75/37.

5) معجم رجال الحديث : 5 3133/136.

88 - الحسن بن محمّد

النوفلي، الهاشمي : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

89 - الحسن بن النضر

الأرمني : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه أحمد بن محمّد بن عيسى (2).

90 - الحسن بن يزيد

النخعي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

91 - الحسن بن يونس

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

92 - الحسن التفليسي

يكنى أبا محمّد : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

93 - الحسين بن عمر

ابن عمر : ثقة. عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6).

94 - الحسين بن إبراهيم

ابن الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (7).


1) معجم رجال الحديث : 5 : 3137/137.

2) معجم رجال الحديث : 5: 3172/150.

3) رجال الطوسي : 5265/355.

4) رجال الطوسي : 5249/354.

5) رجال الطوسي : 5245/354.

6) رجال الطوسي : 5261/355.

7) رجال الطوسي : 5274/356.

95 - الحسين بن أبي سعيد

المكّاري، أبو عبد اللّه : كان هو وأبوه وجهين في الواقفة. «دخل على الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له : فتحت بابك للناس، وقعدت للناس تفتيهم، ولم يكن أبوك يفعل هذا ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لَيْسَ عَلَيَّ مِنْ هارون - أي الرشيد - بَأْسٌ.

ثمّ قال له : أَطْفَأَ اللّه نورَ قَلْبِكَ، وَأَدْخَلَ الْفَقْرَ بَيْنَكَ، وَيْلَكَ ! أما عَلِمْتَ أَنَّ اللّه أَوْحَى إلى مَرْيَمَ أَنَّ فِي بَطْنِكِ نَبِيّاً، فَوَلَدَتْ مَرْيَمُ عِيسى (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فَمَرْيَمُ مِنْ عِيسَى، وَعِيسَى مِنْ مَرْيَمَ، وَأَنَا مِنْ أَبِي، وَأَبِي مِنّي.

فقال له : أسألك عن مسألة ؟

فقال له : ما أَخالُكَ تَسْمَعُ مِنّي... سَلْ.

فقال له : رجل حضرته الوفاة فقال : ما ملكته قديماً فهو حرّ، وما لم يملكه بقديم فليس بحرّ.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : أَما تَقْرَأُ هذِهِ الْآيَةَ : «وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ» (1)، فَما مَلَكَ الرَّجُلُ قَبْلَ السَّتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ قَديمٌ، وَما مَلَكَ بَعْدَ السِّنَّةِ أَشْهُرٍ فَلَيْسَ بِقَديم، ثم خرج من عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولم يلبث أن نزل به الفقر والبلاء» (2).

96 - الحسين بن بشّار

الواسطي : مولى زياد، ثقة، صحيح. روى عن الإمام أبي الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عن أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).


1) یس 36: 39.

2) معجم رجال الحديث : 5: 3262/179.

ولما توفي الإمام الكاظم (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) خرج الحسين بن بشار إلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو غير مؤمن بموت الإمام الكاظم، ولا مقر بإمامة الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأراد أن يسأله، ولما انتهى إلى الإمام، وكان بالصوى، فاستأذن عليه ودخل، فرحب به الإمام وأدناه إليه، ثمّ قال له : يا حُسَيْنُ، إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يُنْظُرَ اللّه إِلَيْكَ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ، وَتَنْظُرَ إِلَى اللّه مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ، فَوالِ آلَ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وَوَالِ وَلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ

وبادر الحسين قائلاً: انظر إلى اللّه عزّ وجلّ ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إي واللّه.

وجزم الحسين بعد ذلك بموت الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإمامة ولده الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) من بعده.

والتفت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليه وقال له : ما أَرَدْتُ أَنْ آذَنَ لَكَ لِشِدَّةِ الْأَمْرِ وَضيقِهِ - وذلك للرقابة التي فرضت عليه من قبل السلطة العبّاسية -، وَلكِنْ عَلِمْتُ الأَمْرَ الَّذي أَنتَ عَلَيْهِ - وهو الوقف -.

وأضاف الإمام قائلاً: خُبِّرْتَ بِأَمْرِكَ، يعني اطلعت على ما أنت عليه ؟

فقال الرجل : بلى» (1).

97 - الحسين بن بشر

روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه أحمد بن محمّد (2).

98 - الحسين بن الجهم

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).


1) رجال الكشّي : 449 و 847/450.

2) معجم رجال الحديث : 3321/205:50.

3) رجال الطوسي : 5248/354.

وذهب الإمام الأستاذ الخوئي (قدّس سِرُّه) أنّه من المحتمل وقوع التحريف في الاسم، والصحيح هو الحسن، وقد تقدمت ترجمته في الحسن بن الجهم الرازي (1).

99 - الحسين بن خالد

الصيرفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

روى الصدوق بسنده : عن صفوان بن يحيى، قال : كنت عند الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فدخل عليه الحسين بن خالد الصيرفي، فقال له جعلت فداك، إنّي أريد الخروج إلى الأعوض.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): حَيْثُمَا ظَفَرْتَ بِالْعَافِيَةِ فَالْزَمْهُ، فلم يقنعه ذلك، فخرج يريد الأعوض، فقطع عليه الطريق، وأخذ كلّ شيء كان معه من المال» (3).

100 - الحسين بن زياد

عدّه الشيخ من رواة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف : «إنّ له كتاب الرضاع» (4).

101 - الحسين بن سعيد

ابن حمّاد، ابن مهران الأهوازي : من موالي الإمام علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثقة روى عن الإمام الرضا وأبي جعفر الثاني وأبي الحسن الثالث (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وأصله كوفي، وانتقل مع أخيه الحسن إلى الأهواز، ثمّ تحوّل إلى قم المقدّسة، فنزل على الحسن بن أبان، وتوفّي بقم.

وله ثلاثون كتاباً، وهي : كتاب الوضوء، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب


1) معجم رجال الحديث : 5 : 3334/21.

2) رجال الطوسي : 5262/355.

3) معجم رجال الحديث : 5: 229 و 3381/230.

4) رجال الطوسي : 5277/356. الفهرست : 220/110.

الصوم، كتاب الحج، كتاب النكاح والطلاق، كتاب الوصايا، كتاب الفرائض، كتاب التجارات، كتاب الإجارات، كتاب الشهادات، كتاب الأيمان والنذور والكفارات، کتاب الأشربة، كتاب المكاسب، كتاب التقيّة، كتاب الخمس، كتاب المروة والتجمّل، كتاب الصيد والذبائح، كتاب المناقب، كتاب المثالب، كتاب التفسير، كتاب المؤمن، كتاب الملاحم، كتاب المزار، كتاب الدعاء، كتاب الردّ على الغالية، كتاب العتق والتدبير (1).

102 - الحسين بن شعيب

المدائني عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

103 - الحسين بن صالح

الخثعمي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

104 - الحسين بن عبدربه

له مكاتبة إلى الإمام الرضا ء (عَلَيهِ السَّلَامُ) رواها ابنه عليّ بن الحسين (4).

105 - الحسين بن عليّ

ابن ربيع، مولى بني هاشم : عدّه البرقي من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

106 - الحسين بن عليّ

ابن يقطين : ثقة. عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6).


1) رجال النجاشي : 136/58 و 137.

2) رجال الطوسي : 5252/354.

3) رجال الطوسي 05275/356.

4) معجم رجال الحديث : 6 : 3449/7.

5) رجال البرقي : 1460/128.

6) رجال الطوسي : 5246/354.

107 - الحسين بن قياما

واقفي. روى الكشّي بسنده عن الحسين بن بشّار، قال : «استأذنت أنا والحسين بن قياما على الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صرنا (1)، فأذن لنا.

قال - أي الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)- : اقْرَعُوا مِنْ حاجَتِكُمْ.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحسين : تخلو الأرض من أن يكون فيها إمام ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا، إِلَّا واحِدٌ صامِت لَا يَتَكَلَّمُ.

قال : فقد علمت أنك لست بإمام.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وَمِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ ؟

قال : إنّه ليس لك ولد، وإنما هي في العقب.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : فَوَاللّه لَا تَمْضِي الْأيّام وَاللَّيالي حَتَّىٰ يُولَدَ لي ذَكَرٌ مِنْ صُلْبِي يَقومُ بِمِثْلِ مقامي، يُحْيِي الْحَقِّ، وَيَمْحَقُ الْباطِلَ» (2).

108 - الحسين بن موسى

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما عدّه من أصحاب الإمام الكاظم، وقال : «إنّه واقفي» (3).

وللإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) رسالة نذكرها عند عرض رسائله.

109 - الحسين بن ميّاح

نقل ابن داود عن ابن الغضائري أنّه من أصحاب الإمام الكاظم والرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)


1) صرنا - وفي نسخة : «حربا» : قرية من قرى المدينة.

2) رجال الكشّي : 1044/553.

3) رجال الطوسي : 526/355 و : 4995/336.

وأنّه ضعيف، غال (1).

110 - الحسين بن يسار

المدائني : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه علي بن أحمد بن أشيم (2).

111 - حمّاد بن بكر

ابن محمّد الأزدي : من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

112 - حمّاد بن عثمان

ابن عمرو بن خالد الفزاري، مولاهم كوفي : كان يسكن عَرْزم، فنسب إليها، هو وأخوه عبداللّه ثقتان، رويا عن الإمام الصادق، وروى حماد عن الإمام الكاظم والإمام الرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) توفّي حمّاد بالكوفة سنة (190هـ) (4).

113 - حمّاد بن عثمان

الناب : عدّه الشيخ البرقي من أصحاب الإمام أبي عبد اللّه والكاظم والرضا (عَلَيهِم السَّلَامُ) (5).

وعده الكشّي ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم. توفي سنة (190هـ) بالكوفة (6).

114 - حمّاد بن عيسى

أبو محمّد الجهني : مولى، أصله من الكوفة، وسكن البصرة. روى عن الإمام


1) رجال ابن داود : 155/241.

2) معجم رجال الحديث : 6: 3708/115.

3) معجم رجال الحديث : 6: 3921/204.

4) رجال الكشّي : 371/143.

5) رجال البرقي : 1441/127.

6) رجال الكشّي : 705/375.

أبي عبد اللّه الصادق عشرين حديثاً، وعن الإمام أبي الحسن وعن الإمام الرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وكان ثقة في حديثه، صدوقاً، قال : سمعت من أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) سبعين حديثاً، فلم أزل أدخل الشك على نفسي حتّى اقتصرت على هذه العشرين» (1).

وفد على الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له : جعلت فداك، ادع اللّه لي أن يرزقني داراً، وزوجة، وولداً، وخادماً، والحج في كلّ سنة.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): اللهمَّ صَلَّ عَلى محمّد وَآلِ محمّد، وَارْزُقْهُ داراً، وَزَوْجَةً، وَوَلَداً، وَخادِماً، وَالْحَجَّ خَمْسِينَ سَنَةٌ.

قال حمّاد : فلمّا اشترط خمسين سنة علمت أني لا أحجّ أكثر من خمسين سنة.

قال : وحججت ثماني وأربعين سنة، وهذه داري قد رزقتها، وهذه زوجتي وراء الستر تسمع كلامي، وهذا ابني، وهذا خادمي قد رزقت كلّ ذلك، فحجّ بعد هذا الكلام حجّتين تمام الخمسين.

ثم خرج بعد الخمسين حاجاً، فزامل أبا العبّاس النوفلي القصير، فلما صار في موضع الإحرام دخل يغتسل، فجاء الوادي فحمله، فغرق في الماء، وتوفي قبل أن يحج زيادة على خمسين حجّة (2).

وقد ألّف مجموعة من الكتب، منها : كتاب الزكاة، وكتاب الصلاة، وغيرهما (3).

115 - حمدان بن إبراهيم

الأهوازي : كوفي. عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).


1) رجال النجاشي : 369/142.

2) رجال الكشّي : 571/3166.

3) رجال النجاشي : 370/142.

4) رجال الطوسي : 5281/356.

116 - حمزة بن بزيع

الأنصار على نمو الصالة الجزء الحادي والثلاثون

الواقفي، فقد استماله إلى الوقف علي بن أبي حمزة البطائني، وزياد بن مروان القندي، وعثمان بن عيسى الرواسي، حينما طمعوا بالحقوق الشرعيّة التي ائتمنوا عليها، وقد بذلوا شيئاً منها إلى حمزة بن بزيع وابن المكاري وكرام الخثعمي (1).

روى إبراهيم بن يحيى بن أبي البلاد، قال : «قال الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ما فَعَلَ الشَّقِيُّ حَمْزَةُ ابْنُ بَزِيعٍ ؟

فقلت : هو ذا قد قدم.

فقال : يَزْعُمُ أَنَّ أَبي حَيٌّ، هُمُ الْيَوْمَ شَكَالُ وَلَا يَموتُونَ غَداً إِلَّا عَلَى الزَّنْدَقَةِ» (2).

117 - حيدر بن أيوب

وهو ممّن روى النص من الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) على إمامة ولده على الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

حرف الخاء

118 - خلف بن سلمة

البصري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

119 - خيران (مولى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)) قال النجاشي : «له كتاب أخبرنا به أحمد بن محمّد بن هارون... الخ» (5).


1) الغيبة : 63، الحديث 65.

2) الغيبة : 68 و 69، الحديث 72.

3) معجم رجال الحديث : 6: 4125/311.

4) رجال الطوسي : 5286/357.

5) رجال النجاشي : 409/155.

حرف الدال

120 - دارم بن قبيصة

قال النجاشي : «دارم بن قبيصة بن نهشل بن مجمع أبو الحسن التميمي الدارمي السائح. روى عن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، له عنه كتاب الوجوه والنظائر وكتاب الناسخ والمنسوخ» (1).

وطعن فيه ابن الغضائري، وقال : «لا يؤنس بحديثه ولا يوثّق» (2).

121 - داود بن سلیمان

ابن جعفر، أبو أحمد القزويني : ذكره ابن نوح في رجاله، له كتاب عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

122 - داود بن عليّ

العبدي: كان من أصحاب المهدي العبّاسي. عدّه الشيخ من أصحاب الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

123 - داود بن عليّ

اليعقوبي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

وعدّه النجاشي ممّن روى عن الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف : «إنه ثقة، وله كتاب» (6).

124 - داود بن القاسم

ابن إسحاق بن عبداللّه بن جعفر بن أبي طالب، أبو هاشم الجعفري : كان عظيم


1) رجال النجاشي : 429/162.

2) رجال الغضائري : 47/58.

3) رجال النجاشي : 426/161.

4) رجال الطوسي : 5288/257.

5) رجال الطوسي : 5389/357.

6) رجال النجاشي : 422/160.

المنزلة عند الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، منهم الإمام الرضا والإمام الجواد والإمام الهادي والإمام العسكري وحجّة اللّه في أرضه الإمام المنتظر، وقد روى عنهم كلهم، وله أخبار ومسائل، وشعر جيّد فيهم، وكان مقدّماً عند السلطان، وله كتاب (1).

روى الكليني بسنده عن داود بن القاسم، قال : «دخلت على أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومعي ثلاث رقاع غير معنونة، واشتبهت علَيَّ فاغتممت، ثم تناول لا إحداها، وقال : هذِهِ رِفْعَةُ فُلانٍ، فبهت، فنظر إلى فتبسّم.

فقلت : جعلت فداك، إنّي لمولع بأكل الطين، فادع اللّه لي.

فسكت، ثمّ قال لي بعد ثلاثة أيّام ابتداءاً : يا أبا هَاشِمٍ، قَدْ أَذْهَبَ اللّه عَنْكَ أَكْلَ الطِّين.

قال أبو هاشم : فما شيء أبغض إليَّ منه اليوم» (2).

125 - داود بن مافنة

الصرمي : مولى بني قرّة، ثمّ بني صَرْمة، كوفي. روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، يكنّى أبا سليمان، ويقي إلى أيّام أبي الحسن العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وله مسائل إليه (3).

126 - داود بن النعمان

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

وروى الكشّي بسنده : عن حمدويه، عن أشياخه، أنّهم قالوا : «داود بن النعمان خير، فاضل، وهو عم الحسن بن علي بن النعمان، وكان عليّ بن النعمان أوصى


1) الفهرست : 276/124.

2) أصول الكافي : 1 : 569، الحديث 5.

3) رجال النجاشي : 425/161.

4) رجال الطوسي : 5287/257.

بكتبه لمحمّد بن إسماعيل بن بزيع» (1).

127 - دعبل بن عليّ

الخزاعي : شاعر الإسلام الذي وهب حياته اللّه، وناهض أئمّة الظلم والجور، ونصر أئمة الهدى والحقّ، وجاهد كأعظم ما يكون الجهاد في سبيلهم، فتعرّض لسخط ملوك العبّاسيّين ونقمتهم، فطاردته أجهزتهم ومخابراتهم، ويقي صامداً لم يحفل بما عاناه من الأهوال والخطوب.

لقد كان دعبل لسان الجبهة المعارضة للحكم العبّاسي الفاسد الذي استأثر بخيرات البلاد، وأنفقها بسخاء على الدعارة والمجون، وترك البلاد تموج بالفقر والحرمان، وراح دعبل بأدبه الفياض يهجو أولئك الملوك، ويثير سخط العامّة عليهم.

ونعرض بإيجاز إلى ترجمة دعبل، وإعطاء صورة موجزة عن شخصيّته الملهمة :

مكانته العلميّة : وبالإضافة لما يتمتع به دعبل من المواهب الأدبية التي جعلته في الرعيل الأوّل من أدباء عصره، فقد كان من العلماء، فقد روى عن الإمام الرضا وأبي جعفر محمّد الجواد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) (2)اللذين هما من مصادر الفقه عند الإمامية، كما روى عن جماعة من الأعلام في عصره، كان من بينهم ما يلي :

1 - الحافظ شعبة بن الحجّاج (المتوفّى سنة 160هـ)، وبهذا الطريق يروى عنه الحديث في كتب الفريقين، كما في أمالي الشيخ : 240، وتاريخ ابن عساكر : 5: 228.

2 - الحافظ سفيان الثوري (المتوفّى سنة 161هـ) تاریخ ابن عساکر : 5: 228.


1) رجال الكشّي : 1141/612.

2) معجم رجال الحديث : 7 : 4456/146.

3 - إمام المالكية مالك بن أنس (المتوفّى سنة 179هـ).

4 - أبو سعيد سالم بن نوح البصري (المتوفّى بعد المائتين).

5 - عبداللّه أبو عبد اللّه محمّد بن عمر الواقدي (المتوفّى سنة 207هـ).

6 - الخليفة المأمون العبّاسي (المتوفّى سنة 218هـ).

7 - أبو الفضل عبداللّه بن سعد الزهري البغدادي (المتوفّى سنة 260هـ).

8 - محمّد بن سلامة يروي عنه بطريقه شيخ الطائفة في أماليه عن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطبته الشقشقية الشهيرة.

9 - سعيد بن سفيان الأسلمي المدني، أمالي الشيخ : 227.

10 - محمّد بن إسماعيل.

11 - مجاشع بن عمر.

12 - موسى بن سهل الراسبي.

كما روى عن دعبل جماعة من مشاهير الرواة، كان من بينهم :

1 - أبو الحسن علي، أخو دعبل.

2 - موسی بن حماد اليزيدي.

3 - أبو الصلت الهروي (المتوفّى سنة 236هـ).

4 - هارون بن عبد اللّه المهلبي.

5 - عليّ بن الحكم.

6 - عبد اللّه بن سعيد سعيد الأشقري.

7 - موسى بن عيسى المروزي.

8 - ابن النادي أحمد بن أبي داود (المتوفّى سنة 272هـ).

9 - محمّد بن موسى البربري (1).

وقد كشفت هذه الجهة عن مكانته العلميّة، وأنّ معارفه لم تقصر على الأدب والشعر، وإنّما كانت شاملة للحديث والفقه.

مؤلّفاته : وألف دعبل كوكبة من الكتب دلّت على قدراته العلميّة، كان من بينها :

1 - کتاب طبقات الشعراء : وهو من الكتب القيمة، ومن الأصول المعوّل عليها الأدب والتراجم، وقد نقل عنه أعلام المؤلفين، كابن عساكر، والخطيب البغدادي، وابن خلكان، واليافعي، وغيرهم، وكان من بين أبوابه ما يلي :

•

أخبار شعراء البصرة.

•

أخبار شعراء الحجاز.

•

أخبار شعراء بغداد.

وغير ذلك من الأبواب التي حفل بها، وهو من أمّهات الكتب.

2 - كتاب الواحدة في مناقب العرب ومثالبها (2).

3 - دیوان شعره : وقد جمعه الصولي، ويحتوي على ثلاثمائة ورقة حسبما نص عليه ابن النديم (3)، وليس له وجود في خزائن المخطوطات العربية، وأكبر الظنّ أنّه قد ضاع كبقية المخطوطات العربية التي خسرها العالم العربي والإسلامي.

وقد انبرى مشكوراً الأستاذ المغفور له عبد الصاحب الدجيلي، فبذل جهداً شاقاً في عدة سنين إلى جمع ما عُثر عليه من شعر دعبل وأبرزه إلى عالم النشر بعنوان دیوان دعبل بن على الخزاعي، وقد طبع في النجف الأشرف سنة (1382هـ)،


1) الغدير :2 : 373 مقدّمة ديوان دعبل / عبد الصاحب الدجيلي : 22 - 24.

2) الغدير: 371/2 و 372.

3) الفهرست : 229.

ويحتوي على مقدّمة وافية عرض فيها لحياة دعبل وآثاره، وقد أسدى بذلك خدمة للفكر والأدب.

شعره : ووهب دعبل أدبه وفكره للعلويّين الذين هم دعاة العدل الاجتماعي في الإسلام، والذين ناضلوا كأشد ما يكون النضال لإعلان حقوق الإنسان، وإنقاذ الفقراء والمحرومين من ويلات الحكم الأموي والعبّاسي، وهذه نماذج مما قاله في مدحهم ورثائهم :

مدحه للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ):

أَلا إِنَّهُ طُهرٌ زَكِيٌّ مُطَهَّرٌ***سريع إلى الْخَيْراتِ وَالبَرَكاتِ

غُلاماً وَكَهلاً خَيرُ كَهْلٍ وَيافع***وَأَبْسَطُهُمْ كَفَاً إلى الكرباتِ

وَأَشْجَعُهُمْ قَلْباً، وَأَصْدَقُهُمْ أَخا***وَأَعْظَمُهُمْ فِي الْمَجدِ وَالقُرُباتِ

أخو الْمُصْطَفَى بَلْ صِهرُهُ وَوَصِيُّهُ***مِنَ القَوْم وَالسَّنَارُ لِلعورات

کهارونَ مِنْ مُوسَىٰ عَلَى رَغْمِ مَعْشَرٍ***سفال لام شقق الشرات

فَقالَ : أَلا مَنْ كُنْتُ مَولاهُ مِنكُمُ***فَهذا لَهُ مَوْلى بُعيد وفاتي

أَخي وَوَصِيّي وَابْنُ عَمِّي وَوارِثي***وقاضي ديوني مِنْ جَميعِ عِداتي (1)

وليس في هذا الشعر تكلّف، وإنّما هو منسجم مع الواقع، وصادق كلّ الصدق، فقد حكى بعض صفات الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والتي منها أنه طهر طاهر، كما أنّه من أندى الناس كفّاً، ومن أشجعهم قلباً، فقد خاض أهوال الحروب، وهو الأسد الضرغام الذي أباد قوى الشرك والإلحاد، كما أنّه من ألصق الناس برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فهو أخوه وصهره ووصيه، وكان منه بمنزلة هارون من موسى، وقد قال في حقّه يوم


1) دیوان دعبل : 98 و 99.

غدير خم : «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ، فَهذا عَلِيٌّ مَوْلاهُ».

ولنستمع إلى مقطوعة أخرى من شعره في مدح الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، يقول :

نَطَقَ القُرآنُ بِفَضلِ آلِ محمّد***وَوَلايَةٍ لِعَليْهِ لَمْ تُجحَدِ

لِوَلايَةِ المُختارِ مَنْ خَيرُ الوَرى***بَعْدَ النبيّ الصَّادِقِ المُتَوَدِّدِ

إِذْ جَاءَهُ المِسْكِينُ حالَ صَلاتِهِ***فَامْتَدَّ طَوعاً بِالذُراعِ وَبِاليَدِ

فَتَناوَلَ المِسْكينُ مِنهُ خاتَماً***هِبَةَ الكَرِيمِ الأَجْوَدِ بْنِ الْأَجْوَدِ

فَاخْتَصَّهُ الرَّحْمَنُ في تَنْزِيلِهِ***مَنْ حازَ مِثلَ فَخارِهِ فليَعْدُدِ

إِنَّ الإِلهَ وَلِيُّكُمْ وَرَسولَهُ***وَالمُؤمِنينَ فَمَنْ يَشَأْ فَلْيَجْحَدِ

يَكُن الإلهُ خَصيمَهُ فيها غَداً***وَاللّه لَيسَ بِمُخْلِفِ في المَوْعِدِ (1)

وواضح هذا الشعر كلّ الوضوح، فقد حكى فضيلة من فضائل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي أن مسكيناً قصد جامع الرسول في يثرب، فطلب من المسلمين أن يسعفوه، فلم يعطه أحد منهم شيئاً، وكان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يصلّي، فأوماً إليه، وأعطاه خاتمه، وهو كلّ ما يملكه، وحينما فرغ الإمام من صلاته نزل الوحي على الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وهو يقلّد الإمام وساماً من أغلى الأوسمة التي قلّدته بها السماء، فقد نزل الوحي بهذه الآية الكريمة : «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّه وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ» (2)، ودلالة هذه الآية واضحة، فقد حصرت الولاية العامّة في اللّه تعالى والرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، والإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي أدّى الزكاة وهو في حال ركوعه.

وهذه الآية من أوثق الأدلة على إمامة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنّه أحقّ وأولى


1) دیوان دعبل : 101.

2) المائدة 5 : 55.

بخلافة المسلمين من غيره، فقد قرن تعالى ولايته بولاية اللّه وولاية رسوله.

ولنستمع إلى أبيات أخرى قالها في الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

سُقياً لِبَيعَةِ أَحْمَدٍ وَوَصِيِّهِ***أعنى الإمام وليَّنا المَحْسودا

أعني الذي نَصَرَ النبيّ محمّداً***قبل البرية ناشئاً ووليدا

أَعْني الَّذِي كَشَفَ الكُروبَ وَلَمْ يَكُنْ***في الحَرْبِ عِندَ لِقائِهِ رِعْديدا

أَعْني المُوَحدَ قَبلَ كلّ مُوَحّدٍ***لا عابداً وثَناً ولا جُلْمودا

وَهُوَ المُقيمُ عَلى فِراشِ محمّدٍ***حتّى وَقاهُ مَكايداً وَمَكيدا

وَهُوَ المُقَدَّمُ عِندَ حَوْماتِ النَّدا***ماليس يُنْكَرُ طارفاً وَتَليدا (1)

وعرض دعبل في هذه الآيات إلى نصرة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فهو المنافح الأوّل عن كلمة التوحيد، ويجهوده وجهاده قام دين الإسلام، وقد كشف الكروب عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في أحلك الظروف وأقساها، ففي واقعة بدر وأحد والخندق وغيرها كان الإمام البطل الأوحد الذي أطاح برؤوس المشركين، وسحق جيوشهم، ورفع راية التوحيد.

و عرض دعبل إلى مبيت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على فراش النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ووقايته له بمهجته، وقد قام بأروع عمليّة فدائية في الإسلام، فما أعظم أياديه على هذا الدين.

هذا بعض ما قاله دعبل في مدح الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

رثاؤه للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

وروّع المسلمون بكارثة كربلاء التي انتهكت فيها حرمة الرسول اللّه في أبنائه وذرّيّته، فقد أبادت جيوش الأمويين بوحشيّة قاسية عترة النبيّ له، واقترفت فيهم


1) دیوان دعبل : 102.

أفطع الجرائم، وقد اهتز لهول هذه الفاجعة الضمير الإنساني، وقد اندفع دعبل الذي هو علويّ الفكر إلى رثاء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فرثاه بذوب روحه في مجموعة من روائع نظمه، كان من بينها هذه اللوحات :

أَ أَسْبَلْتَ دَمعَ العَينِ بِالعَبَراتِ***وَبِثَّ تُقاسي شِدَّةَ الزَّفَراتِ ؟

وَتَبْكي لآثار لآلِ محمّد***فَقَدْ ضاقَ مِنْكَ الصَّدرُ بِالْحَسَراتِ

أَلا فَابْتِهِمْ حَقّاً وَأَجْرِ عَلَيْهِمْ***عُيوناً لرَيْبِ الدهرِ مُنسَكِبَاتِ

وَلَا تَنْسَ في يوم الطفوفِ مُصابَهُمْ***بِداهِيَةِ مِنْ أَعْظَمِ النَّكَباتِ

سقى اللّه أَجداثاً عَلَى طَفْ كَرْبَلا***مرابِعَ أَمْطَارٍ مِنَ المُزنَاتِ

وَصَلَّى على روح الحُسَينِ حَبيبِهِ***طريحاً عَلى النَّهْرَينِ بِالفَلَواتِ

قتيلاً بِلا جُرمِ يُنادي لِنَصرِهِ***فريداً وحيداً أين أين حماتي

أَأَنْسى وَهَذا النَّهرُ يَطفَحُ ظَامِئاً***قتيلاً ومظلوماً بِغَير يراتِ

وَقَدْ رَفعوا رَأْسَ الحُسَين على القنا***وساقوا نساء ولها خَفِراتِ

فَقُلْ لابْن سَعدٍ عَذَّبَ اللّه سَعْدَهُ****ستلقى عَذابَ النَّارِ بِاللَّعَناتِ

سَأَقْنُتُ طول الدهر ما هَبَتِ الصَّبا***وأَقْنُتُ بِالأصالِ وَالغَدَواتِ

عَلى مَعْشَرٍ ضَلُّوا جَميعاً وَضَيَّعوا***مقالَ رَسولِ اللّه بِالشُّبُهَاتِ

لَقَدْ رَفَعوا رَأسَ الحُسَينِ عَلَى القَنا***وساقوا نساء حُسَّراً وَلِهاتِ

تُؤفّوا عُطاشاً نازحينَ وَعَادَروا***مدارِسَ وَحْيِ اللّه مُنْدَرِساتِ

يَعُزُّ عَلى المُختار أن يَمْكُت ابنه***طريحاً بِلا دَفْنِ لدى الهَبَواتِ

وَيَرفَعُ رَأْسُ الرُّمْحِ رَأْسَ حَبِيبِهِ***وَيُسْرَى بِهِ لِلشَّامِ في الحرباتِ

وَيَنكُثُهُ بِالعودِ مَنْ لاكَتِ أُمُّهُ***لِحَمْزَةَ كَبْداً لَمْ يُسَعُ بِلَهَاةِ

مَصائِبٌ أَجْرَتْ عَينَ كلّ مُوَحّدٍ***دماء رماها القَلْبُ بِالْعَبَراتِ (1)

ومثلت هذه الأبيات لوعة الخزاعي وأساه على ما حل بابن الرسول وريحانته من فوادح الخطب والمصائب المذهلة التي تذوب من هولها الجبال، فقد قتله البغاة استجابة لرغبات أسيادهم الأمويين، وتركوا جثمانه الشريف ملقى على صعيد كربلا لم يواروه، واحتزوا رأسه الشريف، وجعلوا يطوفون به في الأقطار والأمصار تشفياً منه، وإظهاراً لفرحتهم الكبرى بقتله.

ولنستمع إلى مقطوعة أخرى من رثائه للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، يقول :

رَأسُ ابْنِ بِنتِ محمّد وَوَصِيِّهِ***ياللرَّجالِ عَلى قَناةٍ يُرفَعُ

وَالْمُسْلِمُونَ بِمَنظَرٍ وَبِمَسْمَع***لا جازعٌ مِنْ ذا وَلَا مُتَخَشُعُ

أَیْقَظْتَ أَجفاناً وَكُنتَ لَها كَرى***وَأَنَمْتَ عَيْناً لَمْ تَكُنْ بِكَ تَهْجَعُ

كُحِلَتْ بِمَنظَرِكَ العُيونُ عمايةً***وَأَصَمَّ نَعيْكَ كلّ أُذْنٍ تَسْمَعُ

ما رَوضَةٌ إِلَّا تَمَنَّتْ أَنَّها***لَكَ مَضجَعٌ وَلِخَطُّ قَبرِكَ مَوضِعُ (2)

لقد نعى دعبل ذهاب الحمية الإسلاميّة، فقد استسلم المسلمون للذلّ والهوان، ومدوا أعناقهم بخنوع لحكومة يزيد التي استهانت بقيمهم ومقدراتهم، فرفعت رأس ابن بنت نبيّهم على أطراف الأسنّة والرماح يطاف به في الأقطار والأمصار، وذلك بمنظر ومسمع من جميع الأوساط، ولم يبد أحد نقمته وسخطه على يزيد، وفيما أحسب أنّ ذلك كان ناجماً من العنف والارهاب اللذين سادا على الأمة، فكانت السلطة تأخذ بالظنّة والتهمة، وتأخذ البريء بالسقيم، والمقبل بالمدبر، ومن الطبيعي أن ذلك أوجب انتشار أوبئة الخوف عند المسلمين.


1) دیوان دعبل : 107.

2) دیوان دعبل : 99 و 100.

هذه بعض مراثي دعبل لسيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ)

هجاؤه : لقد نقم دعبل على ملوك عصره العبّاسيّين، وهجاهم بأقذع ألوان الهجاء، ولم يكن بذلك مدفوعاً وراء العواطف والأهواء التي لا تمت إلى الحق بصلة، فقد جانب أولئك الملوك الحق، وسخّروا اقتصاد الأمة إلى شهواتهم، فأنفقوا ملايين الأموال على المغنّين والعابثين، وجلبوا القصورهم ما حرّم اللّه من الخمر وأنواع اللهو، في حين أنّ الأمة كانت تعاني الفقر والحرمان، وقد خيم عليها البؤس.

ولنستمع إلى بعض هجائه :

هجاؤه للرشيد :

ولما توفّي الإمام الرضا اللها سارع المأمون فدفنه إلى جانب أبيه، وسئل عن، ذلك فقال : ليغفر اللّه لهارون بجواره للإمام الرضا، ولما سمع دعبل ذلك هزاً، وقال :

قبران في طوسَ : خيرُ النّاسِ كُلِّهم***وَقَبرُ شَرْهِمُ هذا مِنَ العِبَر

ما يَنفَعُ الرّجسَ مِنْ قُرْبِ الزَّكِى وَلا***عَلَى الزَّكِي بِقُرْبِ الرَّحِسِ مِنْ ضَرَرِ

هيهاتَ كلّ امْرِىءٍ رَهْنٌ بِما كَسَبَتْ***لَهُ يَداهُ، فَخُذْ ما شِئْتَ أَوْ فَذَرِ

أي هجاء لهارون أقذع وأمر من هذا الهجاء، فقد عبّر عنه تارة بشر الناس، وأخرى بالرجس، وأنّ قربه من مثوى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينتفع به، فكل امرئ يعامل بما كسبت يداه، ولا عبرة بغير ذلك

هجاؤه لابراهيم :

ولما بايع المأمون الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بولاية العهد غضب العبّاسيون، وانتفخت أوداجهم، فعمدوا إلى إبراهيم بن المهدي شيخ المغنّين فبايعوه، وانبری دعبل إلى هجائه، فقال :

نَعَرَ ابنُ شَكلةَ بِالعِراقِ وَأَهلِهِ***فَهَا إِلَيهِ كلّ أَطْلَسَ مَائِقِ

إن كان إبراهيم مُضْطَلِعاً بها***فَلَتَصْلُحَنْ مِنْ بَعْدِهِ لِمُخارِقِ

وَلَتَصْلُحَنْ مِنْ بَعدِ ذاكَ لِزَلزَلٍ***وَلَتَصْلُحَنُ مِنْ بَعْدِهِ لِمُخارِقِ

أَنَّى يَكونُ وَلَيسَ ذاكَ بِكائن***يَرِثُ الخِلافَةَ فَاسِقٌ عَنْ فَاسِقِ (1)

وأقذع هجاء وأمره هذا الهجاء، فإنّ الخلافة لو صلحت لإبراهيم لصلحت لغيره من المغنّين، كمخارق وزلزل ومارق، وبذلك تكون الدولة دولة المغنين، وأنّ من المستحيل أن تتحوّل الخلافة إلى هذا المستوى السحيق، وأن يرث الخلافة فاسق عن فاسق.

ومن الطريف أنّ الجند اجتمعوا حول بلاطه يطالبونه برواتبهم، ولم يكن عنده شيء من المال، فانبرى أحد الظرفاء فخاطب الجند، فقال لهم : سوف يخرج إبراهيم ويغني لهذا الجانب بصوت، ويغني للجانب الآخر بصوت، وهذا هو أرزاقكم، وسمع دعبل بذلك، فقال :

يا مَعْشَرَ الأَجْنادِ لَا تَقْنَطُوا***خُذُوا عَطَايَاكُمْ وَلَا تَسْخَطوا

فسوف يُعطيكُمْ معبدية***يَلتَذُّ بها الأَمرَدُ وَالأَشْمَط (2)

وَالمَعبْدِيَاتُ لِقَوَادِكُمْ***لا تَدخُلُ الكيسَ وَلا تُربَط

وهكذا يَرْزُقُ أَجنادَهُ***خَليفَةٌ مُصْحَفهُ البَربَط

أرأيتم هذه السخرية ؟ وهذا الاستهزاء بشيخ المغنّين الذي يرزق أجناده بالغناء الذي لا يدخل الكيس ولا يربط ؟


1) دیوان دعبل : 174.

2) الأمرد : الذي لا لحية له. الأشمط : الذي له لحية.

هجاؤه للمعتصم :

أما هجاء دعبل للمعتصم فكان مرّاً وقاسياً، وكان المعتصم طاغياً ظالماً لا عهد له بالرأفة والرحمة، وقد صدق دعبل في هجائه له بهذه المقطوعة :

بكى لِشَتاتِ الدِّينِ مُكْتَيْبٌ صَبُّ***وَفاضَ بِفَرْطِ الدَّمعِ مِنْ عَينِهِ غَرْبُ

وَقامَ إِمَامٌ لَمْ يَكُنْ ذا هِدايَةٍ***فَلَيسَ لَهُ دين وَلَيسَ لَهُ لُبُّ

وما كانَتِ الأَنباءُ تَأْتِي بِمِثْلِهِ***يُمَلكُ يَوماً أَوْ تَدينُ لَهُ العُرْبُ

وَلكِنْ كَما قال الذين تتابعوا***مِنَ السَّلَفِ الماضِينَ إذْ عَظُمَ الخَطْبُ

مُلوكُ بَني العبّاس في الكُتُبِ سَبْعَةٌ***وَلَمْ تَأْتِنا عَنْ ثَامِن لَهُمْ كُتُبُ

كَذلِكَ أَهل الكَهْفِ فِي الكَهْفِ سَبعَةٌ***خيارٌ إذا عُدّوا وَثَامِنُهُمْ كَلْبُ

وَإِنِّي لأُعْلِي كَلْبُهُمْ عَنكَ رِفْعَةً***لأَنَّكَ ذو ذَنْبٍ وَلَيسَ لَهُ ذَنْبُ

كأنَّكَ إِذْ مُلكْتَنا لِشَقائنا***عجوز عليها النّاجُ والعَقد والأتبُ

لَقَدْ َضاعَ مُلكُ النَّاسِ إِذ سَاسَ مُلْكَهُمْ***وصيفٌ وَأَشْنَاسٌ وَقَدْ عَظُمَ الكَرْبُ (1)

ومثّلت هذه الأبيات محنة المسلمين وشقاءهم بخلافة المعتصم الذي لم يتمتّع بأي صفة كريمة تؤهله لمركز الخلافة الإسلاميّة التي هي ظلّ اللّه في الأرض، وقد ظل دعبل في عهده مختفياً يطارده الرعب والفزع، فقد أوعز المعتصم إلى شرطته باعتقاله، ولكنهم لم يظفروا به، ولمّا هلك المعتصم هجاه بهذه الأبيات :

قد قُلتُ إِذْ غَيْبُوهُ وَانْصَرَفوا****في شَرِّ قَبرِ لِشَرٌ مَدْفونِ

إِذهَبْ إِلَى النَّارِ وَالعَذابِ فَما***خِلْتُكَ إِلَّا مِنَ الشَّياطينِ


1) دیوان دعبل : 129 و 130.

ومَا زِلتَ حتّى عَقَدْتَ بَيعَةَ مَنْ***أَضَرَّ بِالمُسْلِمِينَ وَالدِّينِ (1)

هجاؤه للواثق :

ولمّا تولّى الواثق عمد دعبل إلى طومار فكتب فيه الأبيات التالية، ودفعها إلى الحاجب، وقال له : قل له هذه أبيات امتدحك بها دعبل، وهذه الأبيات :

الحَمدُ للّه لَا صَبْرٌ وَلَا جَلَدُ***وَلَا عَرَاءٌ إِذا أَهلُ الهَوى رَقَدوا

خليفَةٌ ماتَ لَمْ يَحْزَنُ لَهُ أَحَدٌ***وَآخَرٌ قامَ لَمْ يَفْرَحُ بِهِ أَحَدُ

فَمَرَّ هذا، وَمَرَّ السُّومُ يَتْبَعُهُ***وقام هذا فَقامَ الوَيْلُ وَالنَّكَدُ

ولمّا فضها الواثق وقرأها تميّز غيظاً وغضباً، وطلب دعبل بكل ما يقدر عليه من الطلب، فلم يظفر به حتّى هلك الواثق (2).

هذه صور من هجائه، وهي تمثل اندفاعه نحو الحق، ونصرته للمظلومين والمضطهدين في عصره.

لقد كان دعبل من زعماء المعارضة للحكم العبّاسي في عصره، ومن الجناية على الفكر أن يوصم الرجل بأنّه خبيث اللسان لم يسلم أحد من الخلفاء من لسانه (3)، فإنّ هذا القول رخيص، وبعيد عن الواقع.

لقد هام دعبل في حبّ أهل البيت الذين اضطهدتهم الحكومات العبّاسية، وجهدت في ظلمهم وظلم شيعتهم، فاندفع دعبل بوحي من عقيدته إلى نصرتهم، والذب عنهم، والتشهير بخصومهم، وليس في ذلك أي نقص عليه، وإنّما هو


1) دیوان دعبل : 209.

2) دیوان دعبل : 149.

3) الأغاني : 18 : 29.

فخر وشرف له.

إلى جنّة المأوى : وظل دعبل معظم حياته مجاهداً ومناضلاً قد سخر من ملوك عصره الذين استباحوا حرمات اللّه، فهجاهم بأمر وأقذع ألوان الهجاء، وقد طاردته السلطة ورامت تصفيته جسدياً، ولكنه اختفى، وراح يجوب في الأقطار يلاحقه الفزع والخوف، وهو القائل في تائيته الخالدة :

لَقَدْ خِفْتُ فِي الدُّنْيا وَأيّام سَعْيِها***وَإِنِّي لأَرْجُو الأَمْنَ بَعْدَ وَفاتي

وقد أعلن بشجاعة فائقة استعداده للموت، فقال: «لي خمسون سنة أحمل خشبتي - أي خشبة الإعدام على كتفي أدور على من يصلبني عليها، فما أجد من يفعل ذلك».

وكانت نهاية دعبل على يد ذئب من ذئاب عصره، وهو مالك بن طوق التغلبي، فقد طلبه، فهرب إلى البصرة، وكان إسحاق بن العبّاس العبّاسي والياً عليها، وقد بلغه هجاء دعبل له، فأمر بإلقاء القبض عليه، فجيء به إليه مخفوراً، فدعا بالنطع والسيف ليضرب عنقه، فأنكر دعبل القصيدة التي قيلت في ذمه، وأن عدوّاً له قالها ونسبها له ليغري بدمه، وجعل دعبل يتضرّع إليه، فأعفاه من القتل، إلا أنه دعا بالعصي والمقارع، وانهال عليه ضرباً بوحشية قاسية، ثمّ خلى سبيله، فهرب إلى الأهواز (1).

وسارع مالك بن طوق فبعث رجلاً حصيفاً مقداماً وأعطاه سمّاً، وأمره باغتيال دعبل، وأعطاه عوض هذه الجريمة عشرة آلاف درهم، وانبرى الرجل مسرعاً إلى الأهواز، فجد في طلب دعبل، فعثر عليه في قرية من نواحي الشوش، فاغتاله بعد صلاة العتمة، فضربه على ظهر قدمه بعكاز له زج مسموم فتسمم بدنه، ومات


1) الأغاني : 18 : 60.

في غده، ودفن بتلك القرية، وقيل : بل حمل إلى السوس فدفن بها (1)، وانتهت بذلك حياة هذا المجاهد الذي قارع الباطل بشجاعة، وقد رثاه صديقه الشاعر الكبير أبو تمام الطائي بهذه الأبيات :

قدْ رَادَ فِي كَلَفِي وَأَوْقَدَ لَوْعَتِي***مثوى حَبيبٍ يَوْمَ ماتَ وَدِعبِلِ

أَخَويَّ لَا تَزَلِ السَّماءُ نَحِيلَةٌ***تَغْشاكُما بِسَماءِ مُزْنٍ مُسْبِل

جدَتْ عَلى الأهواز يَبعُد دونَهُ***مسرى النَّعِيِّ وَرِمَّةٌ بِالمَوصِلِ (2)

رحم اللّه دعبلاً، فقد كان علماً من أعلام الإسلام، وقد استشهد في سبيل المبادئ الكريمة والمثل العليا التي تبنّاها في جميع أدوار حياته.

حرف الراء

128 - رحيم عبدوس

الخنجي : روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه علي بن الحكم (3).

129 - ریان بن شبیب

خال المعتصم العبّاسي : ثقة، سكن قم، وروى عنه أهلها، وجمع مسائل الصباح بن نصر الهندي للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

وقد روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه إبراهيم بن هاشم (5).


1) الأغاني الأغاني : 18 : 60.

2) وفيات الأعيان : 1 : 180.

3) معجم رجال الحديث : 7: 4560/182.

4) رجال النجاشي : 436/165.

5) معجم رجال الحديث : 7: 4638/209.

130 - الريّان بن الريان بن الصلت

الأشعري، القمي، أبو عليّ : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثقة، صدوق، له كتاب جمع فيه كلام الإمام الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الفرق بين الآل والأمة (1).

وروی معمّر بن خلاد، قال : قال لي الريان بن الصلت - وكان الفضل بن سهل بعثه إلى بعض كور خراسان - قال : «أحبّ أن تستأذن لي على أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأسلم عليه، وأودعه، وأحبّ أن يكسوني من ثيابه، وأن يهب لي من الدراهم التي ضربت باسمه.

قال : فدخلت عليه، فقال لى مبتدئاً : يا مُعَمَّرُ، أَيُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْنا وَأَكْسوهُ مِنْ ثِيابي، وَأَعْطِيهِ مِنْ دراهمي.

قال : قلت : سبحان اللّه ! واللّه ما سألني إلا أن أسألك ذلك له.

فقال لي : يا مُعَمَّرُ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ مُوَفَّقٌ، قُلْ لَهُ : فَلْيَجِيء.

قال : فأذنت له، فدخل عليه، فسلّم عليه، فدعا له بثوب من ثيابه، فلمّا خرج قلت : أي شيء أعطاك ؟

وإذا في يده ثلاثون درهماً» (2).

حرف الزاي

131 - زكريّا (أبو يحيى)

كوكب الدم : عدّه الشيخ في باب الكنى من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).


1) رجال النجاشي : 436/165.

2) رجال الكشى : 1036/547.

3) رجال الطوسي : 5506/370.

وقال حمدويه، عن العبيدي، عن يونس : «كان زكريا أبو يحيى شيخنا من الأخيار» (1)، وضعفه ابن الغضائري.

132 - زكريا بن آدم

ابن عبداللّه بن سعد الأشعري، القمى : ثقة، جليل، عظيم القدر، وكان له وجه عند الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، له كتاب (2).

وروى الكشّي : أنه سمع من بعض أصحابنا عن أبي طالب عبداللّه بن الصلت القمي، قال : «دخلت على أبي جعفر الثاني (عَلَيهِ السَّلَامُ) في آخر عمره فسمعته يقول : جَزى اللّه صَفْوَانَ بْنَ يَحْيى، وَ محمّد بْنَ سِنَانٍ، وَزَكَرِيَّا بْنَ آدَمَ عَنّي خَيْراً، فَقَدْ وَفَوا لِي» (3).

وروى محمّد بن حمزة، عن زكريا بن آدم، قال : «قلت للرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إنّي أريد الخروج عن أهل بيتي، فقد كثر السفهاء فيهم.

فقال : لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ أَهْلَ بَيْتِكَ يُدْفَعُ عَنْهُمْ - أي البلاء - كَمَا يُدْفَعُ عَنْ أَهْلِ بَغْدَادَ أبِي الْحَسَنِ الْكَاظِمِ (4)».

وممّا يدلّ على جلالة قدره، وسموّ مكانته، ما رواه علي بن المسيّب، قال : قلت للرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : شقتي بعيدة، ولست أصل إليك في كلّ وقت، فعمّن أخذ معالم ديني ؟

فقال : مِنْ زَكَرِيَّا بْنِ آدَمَ الْقُمِّيِّ الْمَأْمونِ عَلَى الدِّينِ وَالدُّنْيا.

قال عليّ بن المسيب : فلما انصرفت قدمت على زكريا بن آدم فسألته عمّا احتجت إليه».


1) رجال الكشّي : 1127/606.

2) رجال النجاشي : 458/174.

3) رجال الكشّي : 964/503.

4) رجال الكشّي : 1111/594.

وروى محمّد بن إسحاق والحسن بن محمّد، قالا : «خرجنا بعد وفاة زكريا بن آدم بثلاثة أشهر نحو الحج، فتلقانا كتابه (عَلَيهِ السَّلَامُ)في بعض الطريق، فإذا فيه :

ذَكَرْتَ مَا جَرىٰ مِنْ قَضاءِ اللّه بِهِ فِي الرَّجُلِ المتوفّى رَحْمَةُ اللّه عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ، وَيَوْمَ قُبِضَ، وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً، فَقَدْ َعاشَ أيّام حَياتِهِ عارفاً بِالْحَقِّ، قَائِلاً بِهِ، صابراً مُحْتَسِباً لِلْحَقِّ، قائِماً بِما بِحُبِّ اللّه وَلِرَسُولِهِ، وَمَضَى رَحِمَهُ اللّه غَيْرَ نَاكِثٍ، وَلَا مُبَدِّلٍ، فَجَزاهُ اللّه أَجْرَ نِيَّتِهِ، وَأَعْطَاهُ خَيْرَ أَمْنِيَتِهِ، وَذَكَرْتَ الرَّجُلَ الْمُوصى إِلَيْهِ، وَلَمْ تَعْرِفْ فِيهِ رَأْيَنا، وَعِنْدَنَا مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ أَكْثَرُ مِمَّا وَصَفْتَ - يعني الحسن بن محمّد بن عمران -» (1).

وقد كشفت هذه الرواية عن سموّ مكانته عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

133 - زكريا بن إدريس

ابن عبداللّه بن سعد الأشعري، القمي، أبو جرير : روى عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، له كتاب (2).

وروى زكريا، قال : «دخلت على الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أوّل الليل في حدثان موت أبي جرير، فسألني عنه، وترحم عليه، ولم يزل يحدّثني وأحدثه حتّى طلع الفجر، فقام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فصلّى الفجر» (3).

134 - زكريا بن عبد الصمد

القمّي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثقة، وأضاف : «إنّه يكنّى أبا جرير، من أصحاب أبي الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (4).


1) رجال الكشّي : 594 و 1112/594 - 1114.

2) رجال النجاشي : 455/173.

3) رجال الكشّي : 1150/616.

4) رجال الطوسي : 5294/357.

135 - زكريا بن محمّد

أبو عبداللّه المؤمن : روى عن الإمام أبي عبد اللّه والإمام أبي الحسن (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، ولقي الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المسجد الحرام، وحكى عنه ما يدل على الوقف، وكان مختلط الأمر في حديثه، له كتاب منتحل الحديث (1).

136 - زكريا بن يحيى

روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه بكر بن صالح (2).

حرف السين

1 - سعد (خادم أبي دلف)

قال الشيخ : له مسائل عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أخبرنا بها عدة من أصحابنا، عن أبي المفضل، عن ابن بطة، عن أحمد بن أبي عبد اللّه» (3).

138 - سعد بن سعد

ابن الأحوص بن سعد بن مالك الأشعري القمي : ثقة، روى عن الإمام الرضا والإمام أبي جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) كتابه المبوّب، وروى محمّد بن خالد البرقي عنه مسائله للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

وروى عبد اللّه بن الصلت القمي، قال : «دخلت على الإمام أبي جعفر الثاني في آخر عمره...، قال : جَزَى اللّه صَفْوَانَ بْنَ يَحْيى، وَمحمّد بْنَ سِنَانٍ، وَزَكَرِيَا بْنَ آدَمَ


1) رجال النجاشي : 453/172.

2) معجم رجال الحديث : 7: 4718/288.

3) فهرست الطوسي : 318/136.

4) رجال النجاشي : 470/179.

عَنِّي خَيْراً، فَقَدْ وَفَوا لِي» (1).

139 - سعيد بن جناح

الأزدي، مولاهم، بغدادي : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو وأخوه أبو عامر، كانا ثقتين، له كتاب صفة الجنّة والنار، وكتاب قبض روح المؤمن والكافر (2).

140 - سعيد بن حماد

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف: «إنّه مجهول» (3).

141 - سعيد بن سعيد

القمّي : ثقة، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

142 - سليمان بن جعفر

الطالبي الجعفري: روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى أبوه عن الإمام أبي عبداللّه وأبي الحسن، وكانا ثقتين، له كتاب فضل الدعاء (5).

143 - سليمان بن الجعفري

روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه أبو أيوب المدني (6).

144 - سليمان بن حفص

روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه محمّد بن إسماعيل(7).


1) رجال الكشّي : 964/503.

2) رجال النجاشي : 512/191.

3) رجال الطوسي : 5307/358، وفي نسخة : «سعد».

4) رجال الطوسي : 5306/358.

5) رجال النجاشي : 182 و 483/183.

6) معجم رجال الحديث : 8 : 5420/241.

7) معجم رجال الحديث : 8 : 5426/242.

145 - سليمان بن حفص

المروزي : روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

146 - سليمان بن داود

الخفاف : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

147 - سلیمان بن رشید

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3)

روى عن أبيه، وروى عنه محمّد بن عيسى (4).

148 - السندي بن الربيع

الكوفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

149 - سوادة القطان

روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه الحسن بن علي بن فضال (6).

150 - سهل بن اليسع

ابن عبد اللّه بن سعد الأشعري، القمّى : ثقة، روى عن الإمام الكاظم والإمام والرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) (7).


1) معجم رجال الحديث : 8: 5428/243.

2) رجال الطوسي : 5303/358.

3) رجال الطوسي : 5302/358.

4) معجم رجال الحديث : 8: 5440/261.

5) رجال الطوسي : 5305/358.

6) معجم رجال الحديث : 8 5588/320.

7) رجال النجاء 493/186.

151 - سهل الأشعري

روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه ابنه محمّد (1).

حرف الشين

152 - شعيب بن حمّاد

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

وعدّه البرقي من أصحاب الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

حرف الصاد

153 - صالح بن عبداللّه

الخثعمي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

وعدّه البرقي من أصحاب الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)(5).

154 - صالح بن عليّ

ابن عطية، البغدادي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6).


1) معجم رجال الحديث : 8: 5618/332.

2) رجال الطوسي : 5308/358.

3) رجال البرقي : 134/122.

4) رجال الطوسي : 5309/359.

5) رجال البرقي : 1410/125.

6) رجال الطوسي : 5310/359.

وعدّه البرقي من أصحاب الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)(1).

155 - صالح الخباز

الكوفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

156 - صباح بن نصر

الهندي : له مسائل الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

157 - صدقة الخراساني

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

158 - صفوان بن يحيى

أبو محمّد البجلي، بياع السابري : كوفي، ثقة ثقة. روى أبوه عن الإمام أبي عبداللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى هو عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكانت له عنده منزلة شريفة. ذكره الكشى فى رجال الإمام أبي الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وقد توكل للإمام الرضا والإمام أبي جعفر الجواد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وسلم مذهبه من الوقف، وكان على جانب عظيم من الزهد والعبادة، وقد بذل له جماعة من الواقفة أموالاً كثيرة، فلم يستجب لهم، وكان صديقاً حميماً لعبد اللّه بن جندب، وعليّ بن النعمان، وروي أنهم تعاقدوا في بيت اللّه الحرام، أنه من مات منهم صلّى من بقي صلاته، وصام عنه صيامه، وزكى عنه زكاته، فماتا وبقي صفوان، فكان يصلي في كلّ يوم مائة وخمسين ركعة، ويصوم في السنة ثلاثة أشهر، ويزكي زكاته ثلاث


1) رجال البرقي : 1373/123.

2) رجال الطوسي : 5312/359.

3) رجال النجاشي : 539/202.

4) رجال الطوسي : 5313/359.

دفعات، وكل ما يتبرع به عن نفسه ممّا عدا ما ذكرناه تبرع عنهما مثله.

ومن شدة تحرّجه وتقواه أن إنساناً كلّفه حمل دينارين إلى أهله في الكوفة، فقال له : إنّ جمالي مكراة، وأنا أستأذن الاجراء، وكان على جانب كبير من الورع والعبادة على ما لم يكن عليه أحد من طبقته.

وقد صنف ثلاثين كتاباً لم يعرف منها إلا ما يلي :

1 - كتاب الوضوء.

2 - كتاب الصلاة.

3 - كتاب الصوم.

4 - كتاب الحجّ.

5 - كتاب الزكاة.

6 - كتاب النكاح.

7 - كتاب الطلاق.

8- كتاب الفرائض.

9 - كتاب الوصايا.

10 - كتاب الشراء والبيع.

11 - كتاب العتق والتدبير.

12 - كتاب البشارات.

13 - كتاب النوادر.

وقد ذكرت عنه أحاديث مشرقة في التقوى، كما نقلت عن أئمة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ)أحاديث في مدحه والثناء عليه. انتقل إلى رحمة اللّه تعالى سنة (210هـ) (1).


1) رجال النجاشي : 197 و 524/198.

حرف الطاء

159 - طاهر بن حاتم

ابن ماهويه القزويني : أخو فارس بن حاتم، كان صحيحاً ثم خلط، له كتاب ذكره الحسن بن الحسين (1).

قال الشيخ : «كان مستقيماً ثمّ تغيّر، وأظهر القول بالغلوّ، له روايات» (2).

حرف العين

160 - عبّاد بن محمّد

ابن سليمان النوفلي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

161 - العبّاس (مولى الإمام الرضا)

روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه محمّد بن عليّ (4).

162 - العبّاس بن جعفر

ابن محمّد بن الأشعث: روى الصدوق بسنده إلى الحسن بن علي الوشاء، قال : «سألني العبّاس بن جعفر أن أسأل الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يحرق كتبه إذا قرأها مخافة أن تقع في يد غيره، فابتدأني (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل أن أسأله : أَعْلِمْ صاحِبَكَ أَنِّي إِذا قَرَأْتُ كُتُبَهُ إِلَيَّ حَرَقْتُها (5).


1) رجال النجاشي : 551/208.

2) فهرست الطوسي : 370/149.

3) رجال الطوسي : 5368/366.

4) معجم رجال الحديث : 9: 6213/252.

5) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2: 237.

163 - العبّاس بن محمّد

الوراق، يونسي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

164 - العبّاس بن معروف

أبو الفضل، مولى جعفر بن عبداللّه الأشعري : قمّي، ثقة، له كتاب الآداب، وله نوادر (2).

165 - العبّاس بن موسى

النخاس : كوفي، ثقة، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

166 - العبّاس بن هشام قال النجاشي : «إنّه من قبيلة بني أسد، وإنّه ثقة جليل في أصحابنا، كثير الرواية، کسر اسمه فقيل عُبَيْس، له كتب، منها : كتاب الحج، وكتاب الصلاة، وكتاب المثالب سمّاه کتاب خالدات فلان وفلان، وكتاب جامع الحلال والحرام، وكتاب الغيبة، وكتاب نوادر، والرواة كثيرة عنه في هذه الكتب. توفي اللّه سنة) (220هـ)» (4).

167 - العبّاس بن هلال

الشامي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

168 - العبّاس النجاشي

كوفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6).


1) رجال الطوسي : 5346/361.

2) رجال النجاشي : 743/281.

3) رجال الطوسي : 5347/361.

4) رجال النجاشي : 741/280.

5) رجال الطوسي : 5353/361.

6) رجال الطوسي : 5359/362.

169 - عبد الجبار بن المبارك

النهاوندي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما عدّه من أصحاب الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

170 - عبد الحميد بن سعيد

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما عدّه من أصحاب الإمام الكاظم، وروى عنه صفوان بن يحيى (2).

171 - عبد الرحمن بن ابي نجران

مولى، كوفي : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى أبوه نجران عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان عبد الرحمن ثقة ثقة، معتمداً على ما يرويه، له كتب كثيرة.

قال أبو العبّاس : «لم أرَ منها إلا كتابه في البيع والشراء» (3).

172 - عبدالسلام بن صالح

الهروي : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثقة، صحيح الحديث، له كتاب وفاة الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

روى الصدوق عن محمّد بن عبد اللّه بن طاهر، قال : «كنت واقفاً على رأس أبي وعنده أبو الصلت الهروي، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن محمّد بن حنبل، فقال أبي : ليحدّثني كلّ رجل منكم بحديث، فقال أبو الصلت الهروي : حدّثني علي بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وكان واللّه رضي كما سُمّي - عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه


1) رجال الطوسي : 5325/360 و : 5579/377.

2) رجال الطوسي : 5355/361 و : 5065/340.

3) رجال النجاشي : 622/235.

4) رجال النجاشي : 643/245.

الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ)، قال : قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ.

فلما خرجنا قال أحمد بن محمّد بن حنبل : ما هذا الإسناد ؟

فقال له أبي : هذا سعوط (1)المجانين إذا سعط به المجنون أفاق (2).

173 - عبدالعزيز بن مسلم

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3)، وهو الذي روى عنه رواية مبسوطة في بيان مقام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأن منزلة الإمامة منزلة الأنبياء، وأنها خلافة اللّه وخلافة الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ومقام الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وميراث الحسن والحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وفيها الاستدلال بالآيات على انحصار الإمامة في المعصومين (عَلَيهِم السَّلَامُ) (4).

174 - عبد العزيز بن المهتدى

الأشعري، القمي : ثقة، روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، له كتاب (5).

قال في حقّه الفضل بن شاذان : «ما رأيت قميّاً يشبهه في زمانه» (6).

وقال أيضاً في حقه : كان خير قمي فيمن رأيته، وكان وكيل الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (7). كما كان للإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد دفع إليه أموالاً من الحقوق، فتسلّمها وكتب إليه بعد البسملة : وَقَدْ عَرَفْتُ الوجوة التى صارَتْ إِلَيْكَ مِنْهَا، غَفَرَ اللّه لَكَ، وَلَهُمُ الذُّنوبَ


1) السعوط - بالفتح - : الدواء يصبّ في الأنف.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 206، الحديث 6.

3) رجال الطوسي : 5361/362.

4) أصول الكافي : 1: 255، الحديث 1.

5) رجال النجاشي : 642/245.

6) رجال الكشّي : 974/506.

7) رجال الكشّي : 910/483.

وَرَحِمَنَا وَإِيَّاكُمْ» (1).

175 - عبداللّه بن أبان

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه على بن إسماعيل الدغشي (3).

176 - عبد اللّه بن إبراهيم

الأنصاري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

177 - عبداللّه بن أيوب

الجزيني، أبو محمّد، كان منقطعاً إلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان فاضلاً شاعراً أديباً، وقد رثا الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال يخاطب ولده الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

يابن الوصي وصي أكرم مرسل***أعني النبيّ الصادق المصدوقا

يسبقني في شفاعتكم غداً***أحد فلست بحبكم مسبوقا

يابن الثمانية الأئمّة غربوا***وأبا الثلاثة شرّقو تشريقا

إنّ المشارق والمغارب أنتم***جاء الكتاب بذلكم تصديقا (5)

178 - عبداللّه بن جندب

هو العالم العابد الزاهد. عدّه الشيخ من أصحاب الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) تارة، ومن أصحاب الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخرى، وثالثة من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو أحد وكلاء


1) الغيبة / الطوسي : 349.

2) رجال الطوسي05358/362.

3) معجم رجال الحديث : 10: 9637/75.

4) رجال الطوسي : 5364/362.

5) مقتضب الأثر : 51 و 52. بحار الأنوار: 49: 325، الحديث 7.

الإمام الكاظم والإمام الرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وقد قال للإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ): ألست عني راضياً ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إي واللّه، ورسول اللّه عنك راض.

وروی یونس بن عبدالرحمن، قال : رأيت عبداللّه بن جندب وقد أفاض من عرفات، وكان عبد اللّه أحد المجتهدين، قال يونس : فقلت له : قد رأى اللّه اجتهادك منذ اليوم.

فقال عبد اللّه : واللّه الذي لا إله إلا هو لقد وقفت موقفي هذا، وأفضت ما سمعني اللّه دعوت لنفسي بحرف واحد لأني سمعت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : الداعي لأخيه الْمُؤْمِن بظهر الغيب ينادى من أعنان السماء : لك بكل واحدة مائة ألف، فكرهت أن أدع مائة ألف مضمونة لواحدة لا أدري أجاب إليها أم لا ؟

وروى الحسن بن علي بن يقطين، وكان سيء الرأي في يونس، قال : «قيل لأبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأنا أسمع : إن يونس مولى آل يقطين يزعم أن مولاكم والمتمسّك بطاعتكم عبداللّه بن جندب يعبد اللّه على سبعين حرفاً، ويقول إنّه شاك.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هُوَ وَاللّه أَوْلى بِأَنْ يَعْبُدَ اللّه عَلى حَرْفٍ، ما لَهُ وَلِعَبْدِ اللّه بْنِ جُنْدَبٍ. إِنَّ عَبْدَ اللّه بْنَ جُنْدَبٍ لَمِنَ الْمُخْبِتِينَ» (1).

179 - عبد اللّه بن الحارث

وهو ممّن روى النصّ من الإمام الكاظم الالها على إمامة ولده الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

180 - عبد اللّه بن الصلت عبداللّه

أبو طالب القمّي : مولى بني تميم، ثقة، مسكون إلى روايته. روى عن الإمام


1) رجال الكشّي : 1098/586.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 27، الحديث 14 معجم رجال الحديث : 10: 6770/152 و : 6777/154.

الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، يُعرف له كتاب التفسير (1).

وعدّه البرقي من أصحاب الإمام الرضا ومن أصحاب الإمام الجواد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) (2).

وقد كتب إلى الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يأذن له أن يندب أباه، فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : أَن انْدُبْني، وَانْدُبْ أَبي (3).

وكتب إلى الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأبيات شعر، وذكر فيها أباه الإمام الرضا، وسأله أن يأذن له ليقول فيه الشعر، فقطع الشعر وحبسه، وكتب في صدر ما بقي من القرطاس : قَدْ أَحْسَنْتَ، فَجَزاك اللّه خَيْراً (4).

181 - عبد اللّه بن طاووس

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قائلاً : عاش مائة سنة (5).

182 - عبداللّه بن عليّ

ابن الحسين بن زيد بن على بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، له نسخة رواها (6).

183 - عبد اللّه بن المبارك

النهاوندي : من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (7).


1) رجال النجاشي : 564/217.

2) رجال البرقي : 1470/129، 1509/131.

3) رجال الكشّي : 1074/567.

4) رجال الكشّي : 451/245 و : 1075/568.

5) رجال الطوسي : 63/384.

6) رجال النجاشي : 599/227.

7) مناقب آل أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ): 4 : 368، وفي رجال البرقي والكشّي والطوسي : «عبدالجبار بن المبارك النهاوندي».

184 - عبد اللّه بن محمّد

الأسدي، الحجّال، مولى بني تيم : ثقة. عدّه الشيخ من أصحاب الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

وكذلك عدّه البرقي (2).

قال النجاشي : «إنّه ثقة ثقة، ثبت له كتاب يرويه عدة من أصحابنا» (3).

185 - عبد اللّه بن محمّد

ابن حصين الحضيني الأهوازي : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثقة ثقة، له كتاب يرويه عدة من أصحابنا، أما اسم ذلك الكتاب فهو «المسائل للرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (4).

186 - عبد اللّه بن محمّد

ابن علي بن العبّاس التميمي الرازي : له نسخة عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

187 - عبد اللّه بن المغيرة

مولى بني نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب : خزاز، كوفي، عدّه الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6).

وروى الكشي، قال : وجدت بخطّ أبي عبد اللّه الشاذاني، قال العبيدي محمّد بن عيسى : حدّثني الحسن بن علي بن فضال، قال : قال عبد اللّه بن المغيرة : «كنت واقفاً فحججت على تلك الحالة، فلما صرت بمكة خلج في صدري شيء، فتعلّقت

پ


1) رجال الطوسي : 18/381.

2) رجال البرقي : 1488/130.

3) رجال النجاشي : 595/226.

4) رجال النجاشي : 597/227

5) رجال النجاشي : 603/228.

6) رجال الطوسي : 4/379.

پ

بالملتزم، فقلت : اللّهمّ قد علمت طلبتي وإرادتي، فأرشدني إلى خير الأديان، فوقع في نفسي أن آتي الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأتيت المدينة فوقفت ببابه، فقلت للغلام : قل لمولاك : رجل من أهل العراق بالباب.

فسمعت نداءه : ادْخُلْ يا عَبْدَ اللّه بْنِ الْمُغِيرَةِ.

فدخلت، فلما نظر إلى قال : قَدْ أَجابَ اللّه دَعْوَتَكَ وَهَدَاكَ لدينِهِ.

فقلت : أشهد أنك حجّة اللّه وأمينه على خلقه (1).

وروى سهل بن زياد الآدمي، قال : «لما صنّف عبد اللّه بن المغيرة كتابه وعد أصحابه أن يقرأ عليهم في زاوية من زوايا مسجد الكوفة، وكان له أخ مخالف فلما حضر والاستماع الكتاب جاء أخوه وجلس.

فقال عبد اللّه لهم : انصرفوا اليوم.

فقال له أخوه : أين ينصرفون ؟ فإنّي جئت لما جاءوا.

فقال : لِمَ جاءوا ؟

قال : يا أخى، رأيت فيما يرى النائم أنّ الملائكة تنزل من السماء.

فقلت : لماذا ينزلون ؟

فقال قائل : ينزلون ليستمعوا الكتاب الذي يخرجه عبداللّه بن المغيرة، فأنا أيضاً جئت لهذا، وأنا تائب إلى اللّه، فسر عبد اللّه بذلك» (2).

188 - عبدالوهاب

المعروف بأبي كثير النهاوندي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).


1) رجال الكشّي : 1110/594.

2) الاختصاص : 85.

3) رجال الطوسي : 12/380.

189 - عبیداللّه

ابن أبي عبد اللّه : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه السياري (1).

190 - عبيد اللّه بن إسحاق

المدائني : روى عن أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه عمرو بن عثمان (2).

191 - عبیداللّه بن عبداللّه

الدهقان: روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه عليّ بن الريان (3).

192 - عبیداللّه بن على

ابن سُوّار : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

193 - عبيد النصري

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (5).

194 - عبيس بن هشام

الناشري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6).

195 - عثمان بن رشيد

من أصحاب الإمام الرضا ءا. روى عن معروف بن خربوذ، وروى عنه علي بن حديد (7).


1) معجم رجال الحديث : 11: 7435/63.

2) معجم رجال الحديث : 11 : 7451/66.

3) معجم رجال الحديث : 11: 7481/75.

4) رجال الطوسي : 5376/362.

5) رجال الطوسي : 5349/361.

6) رجال الطوسي : 5371/362.

7) معجم رجال الحديث : 7577/107:11.

196 - عثمان بن عيسى

أبو عمرو العامري، الكلابي : شيخ الواقفة ووجهها، وأحد الوكلاء المستبدين بأموال الإمام موسى بن جعفر، وذكر نصر بن الصباح، قال : «كان له - يعني للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) - في يده مال، فمنعه، فسخط عليه».

وقال : ثم تاب وبعث إليه بالمال، وكان يروي عن ابن حمزة، وقد رأى في المنام أنه يموت ب- (الحائر الحسيني)، فترك منزله بالكوفة، وأقام بالحائر حتّى مات، ودفن هناك.

وصنّف كتباً منها : كتاب المياه (1).

وقد عدّه ابن شهرآشوب من ثقات الإمام الكاظم اللّه، وقال الإمام الخوئي (قدّس سِرُّه): «لا ينبغي الشكّ في أنّ عثمان بن عيسى كان منحرفاً عن الحقّ، ومعارضاً للرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو غير معترف بإمامته، وقد استحل أموال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولم يدفعها إليه، وأمّا توبته وردّه الأموال بعد ذلك فلم تثبت، فإنّها رواية نصر بن الصباح، وهو ليس بشيء» (2).

197 - عطية بن رستم

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف: «إنّه مجهول» (3).

198 - عقبة بن رستم

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).


1) رجال النجاشي : 817/300.

2) معجم رجال الحديث : 11: 7610/120.

3) رجال الطوسي 5381/363.

4) رجال الطوسي : 5351/361.

199 - عليّ بن أبي ثور

كوفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

200 - علي بن أحمد

ابن أشيم: عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

201 - علي بن إدريس

صاحب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذكره الصدوق في المشيخة. روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه محمّد بن سهل (3).

202 - علي بن أسباط

ابن سالم بياع الزُّطِّيَ (4)، أبو الحسن المقري : كوفي، ثقة، كان فطحيّاً، وجرت بينه وبين عليّ بن مهزیار رسائل في ذلك، فرجع عليّ عن فكرته وقال بإمامة الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان من أوثق الناس وأصدقهم لهجة، له كتاب الدلائل (5).

203 - عليّ بن جعفر

ابن محمّد بن عليّ بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ): أبو الحسن جليل القدر، وثيق الإيمان، وهو أحد رواة النصّ على الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما كان من ثقاته، ونقل الرواة بوادر من إيمانه، وتحرّجه في الدين، وهذه بعضها :

1- حدّث علي بن جعفر، فقال : قال لي رجل أحسبه من الواقفية : ما فعل


1) رجال الطوسي : 5373/362.

2) رجال الطوسي : 5340/360، وفي نسخة : «ابن رستم».

3) معجم رجال الحديث : 11: 7922/259.

4) الزُّطّي : نوع من السودان والهنود. مجمع البحرين: 2 : 276.

5) رجال النجاشي : 663/252.

أخوك أبو الحسن - يعني الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)-.

فأجابه : قد مات.

• ما يدريك بذلك ؟

فأجابه بمنطق الفصل : اقتسمت أمواله، وأنكحت نساؤه، ونطق الناطق من بعده - أي قام الإمام من بعده -.

•

من الناطق من بعده ؟

•

أبو جعفر ابنه.

وانبرى الرجل قائلاً: أنت في سنّك وقدرك، وأبوك جعفر بن محمّد تقول هذا القول في هذا الغلام ؟ !

وأجابه بواقع الإيمان قائلاً: ما أراك إلا شيطاناً، ثم أخذ بكريمته فرفعها إلى السماء، وقال : ما حيلتي إن كان اللّه رأه أهلاً لهذا - أي للإمامة - ولم تكن هذه الشيبة أهلاً لها» (1).

إنّ الإمامة بيد اللّه تعالى، فهو الذي يختار لها من أزكياء عباده، ولا عبرة بتقدّم السنّ وغيره.

2 - روى أبو عبداللّه الحسين ابن الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «كنت عند الإمام أبي جعفر - يعني الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالمدينة وعنده عليّ بن جعفر وأعرابي من أهل المدينة جالس، فقال لي الأعرابي : مَن هذا الفتى - وأشار إلى الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) -.

فقلت له : هذا وصيّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

ويهر الأعرابي وقال : يا سبحان اللّه ! رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قد مات منذ مائتي سنة


1) رجال الكشّي : 803/429.

كذا وكذا سنة، وهذا حدث كيف يكون وصي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟

وأوضح له الحسين الأمر قائلاً: هذا وصيّ علي بن موسى، وعلي وصي موسى بن جعفر، وموسى وصيّ جعفر بن محمّد، وجعفر وصي محمّد بن عليّ، ومحمّد وصيّ عليّ بن الحسين، وعليّ وصيّ الحسين، والحسين وصيّ الحسن، والحسن وصي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعلي بن أبي طالب وصيّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعرف الأعرابي وصي الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وكان الإمام قد بعث إلى طبيب لفصده، فقام عليّ بن جعفر، فقال : يا سيدي، يبدأ بي لتكون حدّة الحديد فيَّ قبلك.

وانبرى الحسين فخاطب الأعرابي قائلاً: هذا عمّ أبيه.

ولما فرغ الطبيب من عمليته أراد الإمام أن يخرج، فأسرع علي بن جعفر فسوّى له نعليه حتّى يلبسهما» (1).

ودلّ ذلك على عميق إيمانه ومعرفته بالإمام، وما له من المنزلة العظيمة عند اللّه تعالى.

3 - روى محمّد بن الحسن بن عمّار، قال : «كنت عند عليّ بن جعفر جالساً بالمدينة، وكنت أقمت عنده سنتين أكتب عنه ما يسمع من أخيه - يعني أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - ؛ إذ دخل عليه أبو جعفر محمّد بن علي الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) المسجد - أي مسجد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) - فوثب عليّ بن جعفر بلا حذاء ولا رداء فقبّل يده وعظمه.

فقال له الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا عَمِّ، اجْلِسْ رَحِمَكَ اللّه.

فردّ عليه عليّ بأدب وخضوع قائلاً: يا سيدي، كيف اجلس وأنت قائم ؟

ولمّا رجع عليّ بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبخونه على تعظيمه


1) رجال الكشّي : 429 و 804/430.

للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلين : أنت عم أبيه، وأنت تفعل هذا الفعل ؟

ولم يفهموا حقيقة الإمامة، وأن اللّه تعالى قد منحها للإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأجابهم عليّ قائلاً: اسكتوا إذا كان اللّه عزّ وجلّ - وقبض على لحيته - لم يؤهل هذه الشيبة، وأهل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه، كيف أنكر فضله ؟ نعوذ باللّه ممّا تقولون، بل أنا له عبد» (1).

204 - علي بن حديد

ابن حكيم، المدائني، كوفي، مولى الأزد : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

وعدّه البرقي من أصحاب الإمام الرضا والجواد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) (3).

وروى الكشّي بسنده عن أبي عليّ بن راشد، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «قال أبو عليّ للإمام : جعلت فداك، قد اختلف أصحابنا فأصلّي خلف أصحاب هشام بن الحكم ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): عَلَيْكَ بِعَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ.

قلت : فأخذ بقوله ؟

قال : نَعَمْ :

فلقيت عليّ بن حديد فقلت : نصلي خلف أصحاب هشام بن الحكم ؟

قال : لا».

وفي هذه الرواية - إن صحّت - دلالة على توثيق الرجل ومدحه (4).


1) أصول الكافي : 1 : 380.

2) رجال الطوسي : 5338/360.

3) رجال البرقي : 52/130 و : 31/133.

4) رجال الكشّي : 499/279.

205 - عليّ بن الحسن

ابن رباط، البجلي، الكوفي : ثقة، معوّل عليه، من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، له كتاب الصلاة (1).

206 - عليّ بن الحسين

ابن يحيى : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

207 - علي بن سعيد

المدائني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

208 - علي بن سويد

السائي (4): عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف : «أنّه ثقة» (5).

«وروى الكشّي أنه كتب إلى الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) رسالة حينما كان في السجن يسأله فيها عن حاله، وعن جواب مسائل كتبها إليه.

فأجابه برسالة جاء في بعض فصولها بعد البسملة : الْحَمْدُ للّه الْعَلِيُّ الْعَظِيمِ الَّذِي بِعَظَمَتِهِ وَنورِهِ أَبْصَرَ قُلوبَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبِعَظَمَتِهِ وَنوره عاداهُ الْجاهِلُونَ، ابْتَغى إِلَيْهِ الْوَسيلَةَ بِالْأَعْمَالِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالْأَدْيَانِ الشَّتَى، فَمُصِيبٌ وَمُخْطِيٌّ، وَصَالٌ وَمُهْتَدِي، وَسَمِيعٌ وَأَصَمٌ، وَبَصِيرٌ وَأَعْمَى، وَحَيْرَانٌ، فَالْحَمْدُ للّه الَّذي عُرِفَ وَصْفُ دِينِهِ بِمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).


1) رجال النجاشي : 659/251.

2) رجال الطوسي : 5342/361.

3) رجال الطوسي : 5372/362.

4) السائي : ينسب إلى قرية قريبة من المدينة يقال لها : الساية.

5) رجال الطوسي : 5320/359.

أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّكَ امْرُؤٌ أَنْزَلَكَ اللّه مِنْ آلِ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بِمَنْزِلَةٍ حَاصَّةٍ مَوَدَّةً بِما أَلْهَمَكَ مِنْ رُشْدِكَ، وَبَصْرَكَ في أَمْرِ دينِكَ بِفَضْلِهِمْ، وَرَدَّ الأمورَ إِلَيْهِمْ وَالرّضى بما قالوا.

وجاء في جانب آخر من هذه الرسالة :

«ادْعُ إِلى صِراطِ رَبِّكَ فينا مَنْ رَجَوْتَ إِجابَتَهُ، وَلَا تَحْصِرْ حَصْرَنَا، وَوَالِ آلِ محمّد وَلَا تَقُلْ لِما بَلَعْضكَ عَنا أَوْ نُسِبَ إِلَيْنا هذا باطِلٌ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْرِفُ خِلافَهُ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي لِمَ قُلْناهُ ؟ وَعَلَى أَيُّ وَجْهِ وَضَعْنَاهُ، آمِنْ بِمَا أَخْبَرْتُكَ وَلَا تُفْشِ مَا اسْتَكْتَمْتُكَ، أَخْبِرُكَ أَنَّ مِنْ أَوْجَبِ حَقٌّ أَحْيِكَ أَنْ لَا تَكْتُمَهُ شَيْئاً يَنْفَعُهُ لَا مِنْ دُنياهُ وَلَا مِنْ آخِرَتِهِ» (1).

وفي هذه الرسالة جوانب مهمة، وقد دلّت على سموّ مكانة عليّ، وعظيم منزلته عند الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

209 - عليّ بن سيف

ابن عميرة النخعي، الكوفي، مولى، ثقة : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، له كتاب كبير (2).

210 - عليّ بن عليّ بن صاعد

البربري : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، روى عنه ابنه الحسين (3).

211 - عليّ بن عبداللّه

ابن عمران : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه سعد بن السندي (4).


1) رجال الكشّي : 454 : 454 و 859/455.

2) رجال النجاشي : 729/278.

3) معجم رجال الحديث : 12 : 8203/62.

4) معجم رجال الحدیث: 12: 827/81.

212 - عليّ بن عبيد اللّه

ابن الحسين بن علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أبو الحسن : كان أزهد آل أبي طالب، وأعبدهم في زمانه، واختص بالإمام موسى وبالإمام الرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، واختلط بالإماميّة، ولما أراد محمّد بن إبراهيم طباطبا أن يبايع له أبو السرايا بعده أبى عليه، وردّ الأمر إلى محمّد بن محمّد بن زيد بن عليّ، له كتاب في الحجّ يرويه كله عن الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

وروى الكشي، قال : «قرأت في كتاب محمّد بن الحسن بن بندار بخطه : حدّثني محمّد بن يحيى العطّار، قال : حدّثني أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن سليمان بن جعفر، قال : «قال لي عليّ بن عبيد اللّه بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ): اشتهي أن أدخل على أبي الحسن الرضا أسلّم عليه.

قلت : فما يمنعك عن ذلك ؟

قال : الإجلال والهيبة له، وأتقى عليه

قال : فاعتلّ أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) علّة خفيفة، وقد عاده الناس، فلقيت عليّ بن عبیداللّه فقلت : قد جاءك ما تريد، قد اعتل أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) علّة خفيفة وقد عاده الناس، فإن أردت الدخول عليه فاليوم.

قال : فجاء إلى أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عائداً، فلقيه أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكلّ ما يحبّ من المكرمة والتعظيم، ففرح بذلك عليّ بن عبيد اللّه فرحاً شديداً، ثمّ مرض عليّ بن عبید اللّه فعاده أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأنا معه، فجلس حتّى خرج من كان في البيت، فلما خرجنا أخبرتني مولاة لنا أنّ أمّ سلمة امرأة علي بن عبيد اللّه كانت وراء الستر تنظر إليه، فلما خرج خرجت، وانكبت على الموضع الذي كان أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)


1) رجال النجاشي : 671/256.

فيه جالساً تقبله وتتمسّح به.

قال سليمان : ثم دخلت على عليّ بن عبيد اللّه فأخبرني بما فعلت أمّ سلمة، فخبرت به أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : يا سُلَيْمَانُ، إِنَّ عَلِيَّ بْنَ عُبَيْدِ اللّه وَامْرَأَتَهُ وَوُلْدَهُ مِنْ أَهْلِ الجنّة.

يا سُلَيْمَانُ، إِنَّ وَلْدَ عَلِيَّ وَفاطِمَةَ إِذا عَرَّفَهُمُ اللّه هذَا الأَمْرَ - يعني الإمامة - لَمْ يَكونوا كَالنَّاسِ» (1).

213 - عليّ بن عثمان

ابن رزين : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

214 - عليّ بن عليّ

ابن رزين الخزاعي، أخو دعبل بن عليّ، له كتاب كبير عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى إسماعيل بن عليّ، عن أبيه عليّ، قال : «حدّثني أبي سنة اثنتين وسبعين ومائتين، قال : حدّثنا أبو الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بطوس سنة (198هـ)، وكنا قصدناه على طريق البصرة، ودخلناها فصادفنا بها عبد الرحمن بن مهدي عليلاً، فأقمنا عليه أياماً، ومات عبدالرحمن، وحضرنا جنازته والصلاة عليه، ودخلنا على الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنا وأخي دعبل، فأقمنا عنده إلى آخر سنة (200هـ)، وخرجنا إلى قم بعد أن خلع الرضا على أخي دعبل قميص خز أخضر، وأعطاه خاتم فضه عقيق، ودفع إلي-ه دراهم رضويّة، وقال له : يا دِعْبِلُ، مُرْ عَلى قُم، فَإِنَّكَ سَتُفيدُ بِها.

وقال له : احْتَفِظُ بِهِذَا الْقَمِيصِ، فَقَدْ صَلَّيْتُ فيهِ أَلْفَ لَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، وَخَتَمْتُ فِيهِ الْقُرْآنَ أَلْفَ خَتْمَةٍ.


1) رجال الكشّي : 593 و 1109/594.

2) رجال الطوسي : 5370/362.

قال إسماعيل : ولد أبي سنة (172هـ)، وتوفي سنة (283هـ)، فكان عمره (111) سنة، وولد عمّي دعبل سنة (148هـ) في خلافة المنصور، ورأى الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولقي الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتوفي سنة (245هـ) أيّام المتوكل» (1).

215 - علي بن الفضل

الواسطي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

وعدّه البرقي من أصحاب الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

ووصفه الصدوق بصاحب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

216 - علي بن مهدي

ابن صدقة الرقّي، أبو الحسن : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

روى عنه ابنه أبو علي أحمد.

قال النجاشي : «له كتاب عن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (6).

217 - علی بن مهزیار

الأهوازي، أبو الحسن، دورقي الأصل، من عيون العلماء، ومن كبار الفقهاء، روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والإمام أبي جعفر الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واختص به، وتوكل له، وكذلك اختص وتوكل للإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان من المتقين العباد، ويقول الرواة : «إنّه إذا طلعت الشمس سجد، ولا يرفع رأسه حتّى يدعو لألف من إخوانه بمثل


1) رجال النجاشي : 276 و 727/277.

2) رجال الطوسي : 5343/361.

3) رجال البرقي : 193/125.

4) معجم رجال الحديث : 12 : 8369/115.

5) رجال الطوسي 5329/360.

6) رجال النجاشي : 728/276.

ما دعا لنفسه، وكان على جبهته سجادة مثل ركبة البعير.

رسائل الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليه : بعث الإمام أبو جعفر الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليه بعدّة رسائل فيها ثناء وإكبار وتقدير له، ومن بينها ما يلي :

1 - بعث الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الرسالة، وقد جاء فيها بعد البسملة :

«يا عَلِيُّ، أَحْسَنَ اللّه جَزَاكَ، وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ، وَمَنَعَكَ مِنَ الْخِزْيِ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَحَشَرَكَ اللّه مَعَنا.

يا عَلِيُّ، قَدْ بَلَوْتُكَ وَخَبَّرْتُكَ فِي النَّصيحَةِ وَالطَّاعَةِ وَالْخِدْمَةِ، وَالتَّوْقِيرِ وَالْقِيامِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْكَ، فَلَوْ قُلْتَ: إِنِّي لَمْ أَرَ مِثْلَكَ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ صَادِقاً، فَجَزَاكَ اللّه جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً، وَمَا خَفِيَ عَلَيَّ مَقامَكَ وَلَا خِدْمَتَكَ فِي الحَرِّ وَالْبَرْدِ، في اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، فَأَسْأَلُ اللّه إِذا جَمَعَ الْخَلائِقَ لِلْقِيامَةِ أَنْ يَحْبُوكَ بِرَحْمَةٍ تَغْتَبِطُ بِها، إِنَّهُ سَمِيعُ الدُّعاءِ» (1).

وفي هذه الرسالة ثناء عاطر، وإشادة بمقام هذا العالم الصالح الذي بلغ القمّة في تقواه وصلاحه وولائه لأئمة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ).

2 - ومن بين الرسائل التي بعثها الإمام إليه هذه الرسالة، وقد جاء فيها بعد البسملة :

«أَسْأَلُ اللّه أَنْ يَحْفَظَكَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ، وَفِي كلّ حالاتِكَ، وَأَبْشِرْ فَإِنِّي أَرْجو أَنْ يَدْفَعَ اللّه عَنْكَ، وَأَسْأَلُ اللّه أَنْ يَجْعَلَ لَكَ الْخِيَرَةَ فيما عَزَمَ لَكَ بِهِ مِنَ الشُّخوص في يَوْمِ الْأَحَدِ، فَأَخَّرْ ذلِكَ إِلَى يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ إِنْ شاءَ اللّه، صَحِبَكَ اللّه فِي سَفَرِكَ، وَخَلَفَك فى أَهْلِكَ، وَأَدَى عَنْكَ أَمانَتَكَ، وَسَلِمْتَ بِقُدْرَتِهِ... الخ» (2).


1) الغيبة : 349، الحديث 306.

2) رجال الكشّي : 550 و 1040/551.

3- وبعث الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الرسالة، وجاء فيها بعد البسملة :

«وَصَلَ إِلَيَّ كِتابَكَ، وَفَهِمْتُ ما ذَكَرْتَ فِيهِ، وَقَدْ مَلَاتَني سُروراً، فَسَرَّكَ اللّه، وَأَنَا أَرْجُو مِنَ الْكَافِي الدَافِعِ أَنْ يَكْفِيكَ كَيْدَ كلّ كَائِدِ إِنْ شَاءَ اللّه تَعَالَى» (1).

هذه بعض الرسائل التي بعثها الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليه، وهي تكشف عن سموّ مكانة علي بن مهزيار، وجلالة شأنه، وما له من الأهمية البالغة في نفس الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

مؤلّفاته : وألّف علي بن مهزيار مجموعة من الكتب، كان معظمها في الفقه الإسلامي، ومن بينها ما يلي :

1 - كتاب الوضوء.

2 - كتاب الصلاة.

3 - كتاب الزكاة.

4 - كتاب الصوم.

5 - كتاب الحجّ.

6 - كتاب الطلاق.

7 - كتاب الحدود.

8 - كتاب الديات.

9 - كتاب التفسير.

10 - كتاب الفضائل.

11 - كتاب العتق والتدبير.

12 - كتاب التجارات والاجارات.


1) رجال الكشّي : 1040/550.

13 - كتاب المكاسب.

14 - كتاب المثالب.

15 - كتاب الدعاء.

16 - كتاب التجمّل والمروّة.

17 - كتاب المزار.

18 - كتاب الردّ على الغلاة.

19 - كتاب الوصايا.

20 - كتاب المواريث.

21 - كتاب الخمس.

22 - كتاب الشهادات.

23 - كتاب فضائل المؤمنين وبرّهم.

24 - كتاب الملاحم.

25 - كتاب التقية

26 - كتاب الصيد والذبائح

27 - كتاب الزهد.

28 - كتاب الأشربة.

29 - كتاب النذور والأيمان والكفارات.

30 - كتاب الحروف.

31 - كتاب القائم.

32 - كتاب البشارات.

33 - كتاب الأنبياء.

34 - كتاب النوادر (1).

هذه بعض مؤلّفاته، وهي تحكي عن قدراته العلميّة، وما يتمتع به من الفضل.

218 - على بن يحيى

يكنى أبا الحسن عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

219 - عليّ بن يونس

این بهمن : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

220 - عمّار بن يزيد

عدّه الشيخ من أصحاب الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ). روى عنه الحسن والحسين إبنا سعيد (4).

221 - عمر بن زهير

الجزري: عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

222 - عمر بن فرات

الكاتب، البغدادي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ). وأضاف : أنه فعال غالي»(6). وفي بعض المصادر : «أنه كان بوّاباً للإمام».

223 - عمرو بن سعيد

المدائني : ثقة، روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، له كتاب يرويه جماعة (7).


1) رجال النجاشي : 664/253.

2) رجال الطوسي : 5357/261، وفي نسخة : «يكنى أبا الحسين».

3) رجال الطوسي : 5282/363.

4) رجال الطوسي : 5360/362.

5) رجال الطوسي : 5367/362، وفي نسخة : «عمرو».

6) رجال الطوسي : 5363/362.

7) رجال النجاشي : 767/2871.

224 - عيسى بن عثمان

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف : «أنه مجهول» (1).

225 - عيسى بن عيسى

الكلابي، مولى لبني عامر، كوفي، واقفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

حرف الفاء

226 - فضالة بن أيّوب

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف: «أنه عربي أزدي» (3).

قال النجاشي : «إنّه روى عن الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وكان ثقة في حديثه، مستقيماً في دينه، له كتاب الصلاة» (4).

227 - فضل بن سنان

النيسابوري : عدّه الشيخ من أصحاب الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف: «أنه وكيل للإمام» (5).

228 - فضل بن سهل

ذو الرئاستين : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6)، وهو من ألدّ أعداء


1) رجال النجاشی : 5379/3630.

2) رجال الطوسي : 5352/3611.

3) رجال الطوسي : 5383/336.

4) رجال النجاشي : 850/312.

5) رجال الطوسي : 5385/363.

6) رجال الطوسي : 5384/363.

الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو وأخوه قد أغريا المأمون على قتل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

وفي الفضل وفي أخيهالحسن يقول الشاعر :

تَقولُ حَليلَتي لَمّا رَأَتْني***أَشدُّ مَطِيَّتي مِنْ بَعْدِ حَل

أَبَعدَ الفَضلِ تَرتَحِلُ المَطايا***فَقُلتُ نَعَمْ إِلَى الحَسَنِ بْنِ سَهْلِ

حرف القاف

229 - القاسم بن أسباط

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف : إنه مجهول (2).

230 - القاسم بن الفضيل

روى عن الامام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه ابن أبي عمير (3).

231 - القاسم بن يحيى

ابن الحسن : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

وله كتاب في آداب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).


1) معجم رجال الحديث : 13 : 9354/288.

2) رجال الطوسي : 5386/363.

3) معجم رجال الحديث : 14 : 9527/35.

4) رجال الطوسي : 5387/363.

5) فهرست الطوسي : 575/202.

حرف الميم

232 - محسن بن أحمد

البجلي، يكنى أبا أحمد : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

233 - محسن بن أحمد

القيسي، من موالي قيس عيلان، من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، له كتاب (2).

234 - محمّد (مولى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ))

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

235 - محمّد بن أبي جرير

القمّي : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه أحمد بن علي الجعفي (4).

236 - محمّد بن أبي عبادة

كان مشتهراً بسماع الغناء، وشرب النبيذ. سأل الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن السماع، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لأَهْلِ الْحِجَازِ رَأَيْ فِيهِ، وَهُوَ فِي حَيِّزِ الْبَاطِلِ وَاللَّهْوِ، أَمَا سَمِعْتَ اللّه تَعَالَى يَقولُ : «وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً» (5)» (6).

237 - محمّد بن أبي عمير

أبو أحمد الأزدي : من موالي المُهَلّب بن أبي صُفْرَة، بغدادي الأصل والمقام


1) رجال الطوسي : 5471/386.

2) رجال النجاشي : 1133/423.

3) رجال الطوسي : 5407/364.

4) معجم رجال الحديث : 14 : 9968/234.

5) الفرقان 25: 72.

6) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 135، الحديث 5.

لقي الإمام أبا الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وسمع منه أحاديث، كناه الإمام في بعضها، فقال : يا أبا أَحْمَد، وروى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كان جليل القدر، عظيم المنزلة عند الشيعة وأبناء السنّة، وكان حبس في أيّام الرشيد، فقيل ليلي القضاء، وقيل : بل ليدلّ على مواضع الشيعة وأصحاب الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

وروى الكشّي بسنده عن الفضل بن شاذان، قال : «دخلت العراق فرأيت واحداً يعاتب صاحبه، ويقول له : أنت رجل عليك عيال، وتحتاج أن تكتسب عليهم، وما أمن أن تذهب عيناك لطول سجودك، فلما أكثر عليه، قال له : أكثرت عليَّ، ويحك ! لو ذهبت عين أحد من السجود لذهبت عين ابن أبي عمير، ما ظنك برجل سجد سجدة الشكر بعد صلاة الفجر، فما رفع رأسه إلا بعد زوال الشمس».

وروى الفضل، قال : «أخذ يوماً شيخي بيدي وذهب بي إلى ابن أبي عمير، فصعدنا إليه في غرفة، وحوله مشايخ له يعظمونه ويبجّلونه، فقلت لأبي : مَن هذا ؟

قال أبي : هذا ابن أبي عمير.

قلت : الرجل الصالح العابد ؟

قال : نعم».

وروى الفضل، قال : «ضرب ابن أبي عمير مائة خشبة وعشرين خشبة بأمر هارون، تولّى ضربه السندي بن شاهك على التشيع وحبس، فأدى مائة وإحدى وعشرين ألفاً حتّى خلّى عنه.

فقلت : كان متموّلاً ؟

قال : نعم، كان ربّ خمسمائة ألف درهم» (2).


1) رجال النجاشي : 887/326.

2) رجال الكشّي : 591 و 1106/592.

وألّف مجموعة كثيرة من الكتب، ذكر ابن بطّة أن له أربعة وتسعين كتاباً، منها : المغازي. وذكر النجاشي كتب أخرى، منها : كتاب النوادر، وكتاب الاستطاعة والأفعال والردّ على أهل القدر والجبر، وكتاب الاحتجاج في الإمامة، وكتاب البداء، وكتاب المتعة، ومسائله للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وغير ذلك (1).

رحم اللّه محمّد بن أبي عمير، فقد كان من وجوه الشيعة ومن أعلامهم، والمجاهدين عنهم.

238 - محمّد بن أحمد

ابن قيس بن عيلان : كوفي، مولى، له كتاب، ثقة، عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

239 - محمّد بن إسحاق

ابن عمّار الصيرفي، الكوفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

وروى الكليني بسنده عن محمّد بن إسحاق، قال : «قلت لأبي الحسن الأوّل - وهو الإمام الكاظم - : ألا تدلّني إلى من أخذ عنه ديني ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : هذا ابْني عَلِيٍّ. إِنَّ أَبي أَخَذَ بِيَدي فَأَدْخَلَني إِلَى قَبْرِ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَقَالَ : يا بُنَيَّ، إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ» (4)، إِنَّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ إذا قالَ قَوْلاً وَفي بِهِ» (5).

وعدّه الشيخ المفيد من خاصة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن ثقاته، ومن أهل الورع


1) رجال النجاشي : 887/327.

2) رجال الطوسي : 5430/366.

3) رجال الطوسي : 5410/365.

4) البقرة 2 : 30.

5) أصول الكافى : 1 : 269، الحديث 4.

والعلم والفقه من شيعته (1).

240 - محمّد بن إسحاق

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

وروى الكشّي بسنده عن يزيد بن إسحاق أخي محمّد، وكان من أرفع الناس لهذا الأمر، قال : «خاصمني مرّة أخي محمّد، وكان مستوياً - أي مؤمناً، فلما طال الكلام بيني وبينه، قلت له : إن كان صاحبك بالمنزلة التي تقول : فاسأله أن يدعو اللّه لي حتّى أرجع إلى قولكم.

قال : قال لي محمّد : فدخلت على الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقلت له : جعلت فداك، إنّ لي أخاً وهو أسنّ منّى، وهو يقول بحياة أبيك، وأنا كثيراً ما أناظره، فقال لي يوماً من الأيّام : سل صاحبك إن كان بالمنزل الذي ذكرت أن يدعو اللّه لي حتّى أصير إلى قولكم، فإنِّي أحبّ أن تدعو اللّه له.

قال : فالتفت أبو الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) نحو القبلة، فذكر ما شاء اللّه أن يذكر، ثمّ قال: اللّهُمّ خُذْ بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَ مَجامِعِ قَلْبِهِ حتّى تَردَّهُ إِلَى الْحَقِّ، وكان يقول هذا وهو رافع يده اليمني.

قال : فلما قدم أخبرني بما كان، فواللّه ما لبثت إلّا يسيراً حتّى قلت له بالحقّ» (3).

241 - محمّد بن أسلم

الطبري، الجبلي : أصله من الكوفة، كان يتجر إلى طبرستان، يقال : كان غالياً، فاسد الحديث. روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).


1) الإرشاد : 6:1.

2) رجال الطوسي : 5449/367.

3) رجال الكشّي : 605 و 1126/606.

4) رجال النجاشي : 999/368.

242 - محمّد بن إسماعيل

ابن بزيع : مولى أبي جعفر المنصور، كان من صالحي الشيعة وثقاتهم (1).

قال له الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ اللّه تعالى بأبواب الظَّالِمينَ، مَنْ نَورَ اللّه لَهُ الْبُرْهانَ، وَمَكَّنَ لَهُ فِي الْبِلادِ، لِيَدْفَعَ بِهِمْ عَنْ أَوْلِيَائِهِ، وَيُصْلِحَ اللّه بِهِ أُمورَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَيْهِمْ مَلْجَاً الْمُؤْمِنَ مِنَ الضُّرَّ، وَإِلَيْهِمْ يَفْزَعُ ذو الْحَاجَةِ مِنْ شيعَتِنا، وَبِهِمْ يُؤْمِنُ اللّه رَوْعَةَ الْمُؤْمِنِ في دارِ الظُّلْمَةِ، أُولئِكَ أَمَنَاءُ اللّه فِي أَرْضِهِ، أُولئِكَ نورُ في رَعِيَّتِهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَيَزْهُرُ نورُهُمْ لأَهْلِ السَّمَوَاتِ كَمَا تَزْهُرُ الْكَواكِبُ ِلأَهْلِ الْأَرْضِ، أُولئِكَ مِنْ نَوِرِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُضِيءُ مِنْهُمُ الْقِيامَةُ، خُلِقوا وَاللّه الجنّة، وَخُلِقَتِ الجنّة لَهُمْ، فَهَنيئاً لَهُمْ ما عَلَى أَحَدِكُمْ أنْ لَوْ شَاءَ لَنالَ هذا كُلَّهَ.

فانبرى محمّد قائلاً: بماذا جعلني اللّه فداك ؟

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يَكونُ مَعَهُمْ - أي مع الحكومة الجائرة - فَيَسُرُّنَا بِإِدْخال السرورِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ شيعَتِنا، فَكُنْ مِنْهُمْ يا محمّد (2).

وروى الحسين بن خالد الصيرفي، قال : «كنا عند الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونحن جماعة، فذكر محمّد بن إسماعيل بن بزيع، فقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأصحابه : وَدَدْتُ أَنَّ فيكُمْ مِثْلَهُ (3).

وألّف مجموعة من الكتب، كان منها : كتاب ثواب الحج، وكتاب الحجّ (4).

وقد طلب من الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يأمر له بقميص من ثيابه ليجعله كفناً له،


1) رجال النجاشي : 893/330.

2) رجال النجاشي : 331 و 893/332.

3) رجال النجاشي : 893/332.

4) رجال النجاشي : 893/331.

فبعث إليه بقميص، فقال له : كيف أصنع به ؟ فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : انْزَعْ أَزْرارَهُ (1).

243 - محمّد بن أورمة

أبو جعفر القمّي : «اتّهمه القمّيّون بالغلوّ، وبعثوا إليه من يقتله، فلما رأوا أنّه يصلّي كفّوا عنه (2).

قال ابن الغضائري : «اتّهمه القميّون بالغلوّ، وحديثه نقي لا فساد فيه، ولم أر شيئاً ينسب إليه تضطرب منه النفس إلا أوراقاً في تفسير الباطن، وما يليق بحديثه، وأظنّها موضوعة عليه، ورأيت كتاباً بإخراج من أبي الحسن علي بن محمّد لا إلى القميص في براءته ممّا قذف به» (3).

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

ألّف مجموعة كبيرة من الكتب، وكتبه صحاح، إلّا كتاباً ينسب إليه ترجمته في تفسير الباطن، فإنّه مختلط (5).

244 - محمّد بن جذاعة

الفارسي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6).

245 - محمّد بن جعفر

العتبي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (7).


1) رجال الكشّي : 450/245.

2) رجال النجاشي : 891/328.

3) رجال الغضائري : 133/93.

4) رجال الطوسي : 5463/367.

5) رجال النجاشي : 891/329.

6) رجال الطوسي : 5414/365، وفي نسخة : (بن خزاعة).

7) رجال الطوسي : 5466/367.

246 - محمّد بن جعفر

المقنائي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

247 - محمّد بن جعفر

الخزاز : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

248 - محمّد بن جمهور

قال النجاشي : «محمّد بن جمهور العَمِّي ضعيف الحديث، فاسد المذهب، وقيل فيه أشياء اللّه يعلم بها من عظمها. روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وله كتب : كتاب الملاحم الكبير، كتاب نوادر الحج، كتاب أدب العلم» (3).

قال ابن الغضائري : «إنّه غال، فاسد الحديث، لا يكتب حديثه، رأيت له شعراً يحلّل فيه محرّمات اللّه عزّ وجلّ» (4).

249 - محمّد بن الحسن

ابن زياد، الميثمي الأسدي، مولاهم، أبو جعفر : ثقة، عين. روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، له كتاب (5).

250 - محمّد محمّد بن الحسين

ابن يزيد : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه علي بن أسباط (6).


1) رجال الطوسي : 5402/364، وفي نسخة : «المقتبي».

2) رجال الطوسي : 5442/366.

3) رجال النجاشي : 901/337.

4) رجال الغضائري : 131/92.

5) رجال النجاشي : 979/363.

6) معجم رجال الحديث : 16: 10591/23.

251 - محمّد بن حمزة

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

252 - محمّد بن خالد

البرقي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2). كان ضعيفاً في الحديث، وكان أديباً، حسن المعرفة بالأخبار وعلوم العرب، وله كتب منها : كتاب التنزيل والتعبير، كتاب يوم وليلة، كتاب التفسير، كتاب مكة والمدينة، كتاب حروب الأوس والخزرج، كتاب العلل، كتاب في علم الباري، كتاب الخطب (3).

253 - محمّد بن الخصيب

الأهوازي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

254 - محمّد بن راشد

كان باباً للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

255 - محمّد بن زيد

الرازمي : خادم الامام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6).

256 - محمّد بن زيد

الطبري، الكوفي الأصل : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (7).


1) رجال الطوسي : 5455/367.

2) رجال الطوسي : 5390/363.

3) رجال النجاشي : 898/335.

4) رجال الطوسي : 5456/367.

5) معجم رجال الحديث : 16 : 10728/78.

6) رجال النجاشي 368 : 1000.

7) رجال الطوسي : 5403/364.

روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه أحمد بن المثنى ومروك بن عبيد (1).

257 - محمّد بن سالم

القمّي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

258 - محمّد محمّد بن سليمان

الديلمي البصري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

259 - محمّد بن سماعة

الصيرفي، كوفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

كان ثقة، ووجهاً من وجوه الشيعة، له : كتاب الوضوء وكتاب الحيض، وكتاب الصلاة وكتاب الحجّ (5).

260 - محمّد بن سنان

أبو جعفر الزاهري : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو ضعيف جدّاً لا يعوّل عليه، ولا يلتفت إلى ما تفرد به، وروى محمّد بن عيسى، قال : «كنت مع صفوان بن يحيى بالكوفة في منزل؛ إذ دخل علينا محمّد بن سنان، فقال صفوان : إنّ هذا ابن سنان لقد همّ أن يطير غير مرّة، فقصصناه حتّى ثبت معنا»، وهذا يدلّ على اضطراب كان وزال عنه، وقد صنّف كتباً منها : كتاب الطرائف، وكتاب الأظلّة، وكتاب المكاسب، وكتاب الحج، وكتاب الصيد والذبائح، وكتاب الشراء والبيع، وكتاب الوصيّة، وكتاب النوادر


1) معجم رجال الحديث : 8: 10790/99.

2) رجال الطوسي : 5458/367.

3) رجال الطوسي : 5389/363.

4) رجال الطوسي : 5418/365.

5) رجال النجاشي : 890/329.

توفى سنة (266هـ) (1)، وقد وثقه السيّد الخوئي (قدّس سِرُّه)، وقال : «إنّه كان من الموالين، وممّن يدين اللّه بموالاة أهل بيت نبيّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فهو ممدوح، فإن ثبت فيه شيء المخالفة فقد زال، وقد رضي عنه المعصوم سلام اللّه عليه، ولأجل ذلك عدّه من الشيخ ممدوحاً، حسن الطريقة (2).

261 - محمّد بن سهل

الأشعري : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعن جماعة، وروى عنه جماعة (3).

262 - محمّد بن سهل

البجلي، الرازي، اسند عنه : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

263 - محمّد بن سهل

ابن اليسع الأشعري، القمّي : روى عن الإمام الرضا والجواد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، له كتاب (5).

264 - محمّد بن صدقة

العنبري، البصري، أبو جعفر : روى عن الإمام أبي الحسن موسى، وعن الإمام الرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، له كتاب عن الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) (6).

265 - محمّد بن الصيقل

الأزدي : عدّه البرقي من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (7).


1) رجال النجاشي : 888/328.

2) معجم رجال الحديث : 16: 10911/160.

3) معجم رجال الحديث : 16: 10922/167.

4) رجال الطوسي : 5421/365.

5) رجال النجاشي : 996/367.

6) رجال النجاشي : 983/364.

7) رجال البرقي : 1451/128، وفي الروايات : «محمّد بن عبد اللّه الصيقل».

266 - محمّد بن عبداللّه

الأشعري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

267 - محمّد بن عبداللّه

الأشعري القمى : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

268 - محمّد بن عبداللّه

ابن عمرو بن سالم الصفار له نسخة تشبه كتاب الحلبي مبوّبة كبيرة. روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

269 - محمّد بن عبداللّه

ابن عيسى الأشعري، القمّى : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

270 - محمّد بن عبداللّه

الخراساني : خادم الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه (5).

271 - محمّد بن عبداللّه

الطاهري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6).

272 - محمّد بن عبداللّه

الطهوري: عدّه البرقي من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (7).


1) رجال الطوسي : 5411/365.

2) رجال الطوسي : 5419/365.

3) رجال النجاشي : 366/990.

4) رجال الطوسي : 5419/365.

5) معجم رجال الحديث : 16: 11135/253.

6) رجال الطوسي : 5436/366.

7) رجال البرقي : 1389/130.

273 - محمّد بن عبداللّه

القمّي : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه أحمد بن محمّد بن أبي نصر (1).

274 - محمّد بن عبداللّه

المدائني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

275 - محمّد بن عبيد

روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه عليّ بن سيف (3).

276 - محمّد بن عبيد

الهمداني : روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

277 - محمّد بن عبیداللّه

روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه أحمد بن محمّد بن أبي نصر (5).

278 - محمّد بن عبيدة

روى عن الإمام أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه إبراهيم بن محمّد الهمداني (6).

279 - محمّد بن عرفة

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (7).


1) معجم رجال الحديث : 16: 11152/257.

2) رجال الطوسي : 5420/365.

3) معجم رجال الحديث : 16: 11177/263.

4) معجم رجال الحديث : 16: 11187/265.

5) معجم رجال الحديث : 16: 11188/265.

6) معجم رجال الحديث : 16: 11207/272.

7) رجال الطوسي : 5408/364.

280 - محمّد بن عليّ

ابن جعفر : عدّه البرقي من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

281 - محمّد بن عليّ

ابن الحسين بن زيد بن الحسين : له نسخة يرويها عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

282 - محمّد بن عليّ

الهمداني : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه إبراهيم بن هاشم وجماعة (3).

283 - محمّد بن عمّار

ابن الأشعث النهدي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

284 - محمّد بن عمارة

روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه سعد بن سعد (5).

285 - محمّد بن عمر

ابن یزید روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه أحمد بن الجهم (6).

286 - محمّد بن عمر

ابن يزيد بيّاع السابري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (7).


1) رجال البرقي : 1457/128.

2) رجال النجاشي : 992/366.

3) معجم رجال الحديث : 17 : 11411/58.

4) رجال الطوسي : 5409/365، وفي نسخة : «بن عمار».

5) معجم رجال الحديث : 17 : 11419/59.

6) معجم رجال الحديث : 17 : 11442/68.

7) رجال الطوسي : 5441/366.

287 - محمّد بن عمر

الساباطي : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه أحمد (بن محمّد) بن أبي نصر (1).

288 - محمّد بن عمرو

الكناسي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

289 - محمّد بن عمرو

ابن سعيد الزيات، ثقة. روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) نسخة (3).

290 - محمّد بن عيسى

ابن يقطين، مولى أسد بن خزيمة، أبو جعفر : جليل عند الشيعة، ثقة، عين كثير الرواية، حسن التصانيف (4).

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

ألّف مجموعة من الكتب، منها : كتاب الإمامة، كتاب الواضح المكشوف في الردّ على أهل الوقوف، كتاب المعرفة، كتاب بعد الإسناد، كتاب قرب الإسناد، كتاب الوصايا، كتاب اللؤلؤة، كتاب المسائل المحرّمة، كتاب الضياء، كتاب الطرائف، كتاب التجمّل والمروة، كتاب الفيء والخمس، كتاب الرجال، کتاب الزكاة، كتاب ثواب الأعمال، كتاب النوادر (6)


1) معجم رجال الحديث : 17 : 11449/71.

2) رجال الطوسي : 5453/367، وفي نسخة : «بن عمر».

3) رجال النجاشي : 1001/369.

4) رجال النجاشي : 896/3330.

5) رجال الطوسي : 5464/367.

6) رجال النجاشي : 896/334.

291 - محمّد بن عيسى

القمي : روى عن الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه مروك بن عبيد (1).

292 - محمّد بن فرات

الجعفي : كذّاب، منحرف عن الحق، كان يكذب على الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد شكاه إلى يونس، فقال له : يا يُونُسُ، أَما تَرى إِلَى محمّد بْنِ الفُراتِ وَمَا يَكْذِبُ عَلَىَّ ؟

فقال يونس : أبعده اللّه وأشقاه.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): قَدْ فَعَلَ اللّه بِهِ َذلِكَ، أَذاقَهُ اللّه حَرَّ الْحَدِيدِ كَمَا أَذاقَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِمَّنْ كَذِبَ عَلَيْنا.

يا يُونُسُ، إِنَّما قُلْتُ ذلِكَ لِتُحَذَرَ عَنْهُ أَصْحابي، وَتَأْمُرَهُمْ بِلَعْنِهِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ، فَإِنَّ اللّه بريء مِنْهُ (2).

وروى عليّ بن إسماعيل الميثمي، عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أنه قال : «آذاني محمّد بْنُ الْفُراتِ آذَاهُ اللّه، وَأَذاقَهُ حَرَّ الْحَدِيدِ، آذَانِي لَعَنَهُ اللّه ما آذى أبو الْخَطَابِ لَعَنَهُ اللّه جَعْفَرَ بْنَ محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بِمِثْلِهِ، وَمَا كَذَبَ عَلَيْنا خَطَابِيٍّ بِمِثْلِ ما كَذَبَ محمّد بْنُ الْفُراتِ، وَاللّه ما مِنْ أَحَدٍ يَكْذِبُ عَلَيْنا إِلَّا وَيُذيقُهُ اللّه حَرَّ الْحَدِيدِ» (3).

ولم يلبث محمّد بن فرات بعد دعاء الإمام عليه إلا قليلاً حتّى قتله إبراهيم بن شكلة أخبث قتلة (4).


1) معجم رجال الحديث : 17: 11515/123.

2) رجال الكشّي : 1046/554.

3) رجال الكشّي : 1048/555.

4) رجال الكشّي : 1048/555.

293 - محمّد بن الفرج

الرخجي : ثقة. عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1). كان شديد الولاء لأئمة الهدی (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ووثيق الصلة بهم، وله مكاتبات معهم ذكرها الكشّي في ترجمته.

294 - محمّد بن الفضل

الأزدي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

295 - محمّد بن الفضل

ابن عمر : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

296 - محمّد بن الفضيل

صيرفي، يرمى بالغلو، له كتاب. عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

297 - محمّد بن الفيض

المدائني، مولى عمر بن الخطاب : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

298 - محمّد بن القاسم

ابن الفضيل بن يسار : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه البرقى (6).

299 - محمّد بن القاسم

ابن الفضيل : روى عن الإمام الكاظم والإمام الرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وروى عنه جماعة (7).


1) رجال الطوسي : 5459/367.

2) رجال الطوسي : 5390/363.

3) رجال الطوسي : 5431/366.

4) رجال الطوسي : 5423/365.

5) رجال الطوسي : 5469/367.

6) معجم رجال الحديث : 17: 11599/161.

7) معجم رجال الحديث : 17: 11597/160.

300 - محمّد بن القاسم

البوشنجاني : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

301 - محمّد بن كعب القرطى

وهو الذي رأى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في المنام، فقال له : يا محمّد، سُرِرْتُ بِما تَصْنَعُ مَعَ أَوْلادي في الدُّنْيا ؟

فقال له محمّد : لو تركتهم فيمن أصنع ؟

فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : فَلاَ جَرَمَ تُجْزَى مِنّي فِي الْعُقْبى، فكان بين يديه طبق تمر صيحاني، فسألته عن ذلك، فأعطاني قبضة فيها ثماني عشرة تمرة، فتأوّلت ذلك أن أعيش ثماني عشرة سنة، ونسيت ذلك، ورأيت يوماً ازدحام الناس، فسألتهم عن ذلك، فقالوا : أتى عليّ بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فرأيته جالساً في ذلك الموضع وبين يديه طبق فيه تمر صيحاني، فسألته عن ذلك، فناولني قبضة فيها ثماني عشرة تمرة.

فقلت : زدني منه.

فقال : لَوْ رَادَكَ جَدِّي لَزِدْنَاكَ (2).

302 - محمّد بن مالك

ابن الأبرد النخعي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

303 - محمّد بن منصور

الأشعري : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).


1) رجال الطوسي : 5467/367.

2) معجم رجال الحديث : 17 : 11645/178.

3) رجال الطوسي : 5461/367.

4) رجال الطوسي : 5417/365.

304 - محمّد بن منصور

الأشعثي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف: «أنّه مجهول» (1).

305 - محمّد بن منصور

ابن نصر، الخزاعي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

306 - محمّد بن منصور

الكوفي : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه محمّد بن سعد (3).

307 - محمّد بن يحيى

ابن حبيب : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه أحمد بن يحيى (4).

308 - محمّد بن يحيى

الساباطي : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه صفوان (5).

309 - محمّد بن يزيد

الطبري : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6).

310 - محمّد بن يونس

ابن عبد الرحمن : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (7).


1) رجال الطوسي : 5473/368.

2) رجال الطوسي : 5416/365.

3) معجم رجال الحديث : 17: 11837/278.

4) معجم رجال الحديث : 18 : 11986/32.

5) معجم رجال الحديث : 18 : 12000/38.

6) معجم رجال الحديث : 18 : 12029/48.

7) رجال الطوسي : 5435/366.

311 - محمّد بن يحيى

أخو مغلس : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

312 - مرزبان

روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه سعد بن سعد (2).

313 - مرزبان بن عمران

الأشعري، القمّي : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، له كتاب (3).

314 - مروان بن يحيى

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف إنه مجهول (4).

315 - مروك بن عبيد

روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه جماعة (5).

316 - مسافر

مولى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أمره الإمام الرضا، فقال له : الْحَقِّ بِأَبي جَعْفَرٍ - يعني الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) - فَإِنَّهُ صاحِبُكَ (6).

317 - معاوية بن حكيم

ابن معاوية بن عمّار الدهني : ثقة، جليل، من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)،


1) رجال الطوسي : 5400/364، وفي نسخة : «بن بحر».

2) معجم رجال الحديث : 18 : 12212/115.

3) رجال النجاشي : 1134/423.

4) رجال الطوسي : 5425/365.

5) معجم رجال الحديث : 18 : 12235/125.

6) رجال الكشّي : 972/506.

له كتب، منها : كتاب الطلاق، كتاب الحيض، كتاب الفرائض، كتاب النكاح، كتاب الحدود، كتاب الديات، وله نوادر (1).

318 - معاوية بن سعد

روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه محمّد بن سنان (2).

319 - معاوية بن سعيد

الكندي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

له مسائل عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

320 - معاوية بن يحيى

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

321 - معاوية الجعفري

من رواة النصّ من الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) على إمامة ولده الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6).

322 - معروف الكرخي

هو أبو محفوظ، ابن فيروز، وقيل : فيرزان : كان أبواه نصرانيّين، من أهالي بهريان إحدى قرى واسط، سلّمه أبوه إلى المعلم، فكان يقول له : قل : ثالث ثلاثة، فيأبى معروف ويقول : هو الواحد، فيضربه المعلّم ضرباً مبرحاً، وهو يأبى أن يقول :


1) رجال النجاشي : 1097/506.

2) معجم رجال الحديث : 18 : 12443/205.

3) رجال الطوسي : 5427/366.

4) رجال النجاشي : 1904/410.

5) رجال الطوسي : 5426/365.

6) الكافي : 1 : 374، الحديث 15. عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 42:1.

ثالث ثلاثة، ثم هرب من المعلّم، وأسلم على يد الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

ورجع إلى منزله فطرق الباب، فقالوا : مَن في الباب ؟

فقال : معروف.

فقالوا : على أي دين أنت ؟

قال : على الدين الحنفي، وأسلم أبواه وأهله جميعاً (2).

وكان بعد إسلامه حاجباً للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وازدحمت الشيعة على باب الإمام، فكسروا ضلع معروف من شدة الزحام، وبقي أياماً عليلاً، وقد أوصى أن يتصدق بقميصه الذي كان لابساً له لأنه أحب أن يخرج من الدنيا كما دخلها عرياناً (3).

رحم اللّه معروفاً، فقد كان من أفذاذ العارفين والمتقين، ونال الدرجة العليا ببركة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).

323 - معمر بن خلاد

بغدادي، ثقة : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، له كتاب الزهد (4).

324 - معن بن خالد

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف: «إنّه ثقة، وله كتاب» (5).

325 - مقاتل بن مقاتل

البلخي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف : «أنّه واقفي


1) التصوّف في الشعر العربي : 5.

2) طبقات الصوفية : 85.

3) التصوّف في الشعر العربي : 46.

4) رجال النجاشي : 1128/421.

5) رجال الطوسي : 5429/366.

خبیث» (1).

إلّا أنّ الكشّي ذكر رواية تدلّ على استقامته وعدم وقفه، فقد روى الحسين بن عمر بن یزید، قال : «دخلت على الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأنا شاك في إمامته، وكان زميلي الطريق رجلاً يقال له : مقاتل بن مقاتل، وكان قد مضى على إمامته - أي إمامة الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) - بالكوفة، فقلت له : عجّلت.

فقال : عندي في ذلك - أي في إمامة الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) - برهان وعلم.

قال الحسين : فقلت للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : قد مضى أبوك ؟

فقال : إي واللّه، وَإِنِّي لَفِي الدَّرَجَةِ الَّتي فيها رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَمَنْ كَانَ أَسْعَدَ بِبَقَاءِ أَبِي مِنِّي ؟

ثمّ قال : إِنَّ اللّه تَبارَكَ وَتَعَالَى يَقولُ : «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» (2)العارِفُ لِلإمامَةِ حينَ يَظْهَرُ الإمام.

ثم قال : ما فَعَلَ صاحِبُكَ ؟

فقلت : مَن ؟

قال : مُقاتِلُ بْنُ مُقاتِلِ الْمَسْنونِ الْوَجْهِ، الطَّويلِ اللَّحْيَةِ، الْأَقْنَى الْأَنْفِ ؟

وأضاف (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : أما إنَّهُ ما رَأَيْتُهُ، وَلَا دَخَلَ عَلَى، وَلكِنَّهُ آمَنَ وَصَدَّقَ.

ثمّ إنّه أوصاني به، ثم انصرفت من عند الإمام وإذا بمقاتل أمامي، فقلت له : لك بشارة عندي، لا أخبرك بها حتّى تحمد اللّه مائة مرّة، وأخبرته بما قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (3).


1) رجال الطوسي : 5428/366.

2) الواقعة 56 : 10 و 11.

3) رجال الكشّي : 614 و 1146/615.

وعلق الإمام الخوئي (قدّس سِرُّه)على هذه الرواية، فقال : «إنّها صريحة في أنّ الرجل كان قائلاً بإمامة الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعلى تقدير أنه كان واقفاً فقد رجع عن وقفه» (1).

326 - موسى بن أبى الحسن

الرازي : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه إبراهيم بن هاشم (2).

327 - موسی بن جند

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

328 - موسی بن رنجویه

الأرمني : ضعيف، له كتاب (4).

عدّه البرقي من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

329 - موسى بن سلمة

كوفي : له كتاب عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخبر به أحمد بن محمّد (6).

330 - موسى بن عيسى

ابن عبيد اليقطيني : بعث له الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) هدية رزم ثياب، وغلماناً، وأموالاً يحج بها عنه، وكذلك بعث لأخيه موسى بن عبيد، وليونس بن عبدالرحمن أموالاً ليحجّوا بها عنه (7).


1) معجم رجال الحديث : 18: 12605/313.

2) معجم رجال الحديث : 19: 12719/15.

3) رجال الطوسي : 5465/367، وفي نسخة : «جنيد».

4) رجال النجاشي : 1088/409.

5) رجال البرقي : 1487/129.

6) رجال النجاشي : 1090/409.

7) معجم رجال الحديث : 18: 12826/63.

331 - موسى بن القاسم

ابن معاوية بن وهب البجلي : ثقة، كوفي، جليل. عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

له كتب، منها : كتاب الوضوء، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصيام، كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب الحج، كتاب الحدود، کتاب الديات، کتاب الشهادات، كتاب الأيمان والنذور، كتاب أخلاق المؤمن، كتاب الجامع، كتاب الأدب (2).

332 - موسی بن معمر

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

333 - موسی بن مهران

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

334 - موفق بن هارون

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

335 - موفق (خادم الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ))

قال الوحيد في التعليقة : «يظهر منه كونه من خدامه، بل ومن خواصه وأصحاب أسراره» (6).


1) رجال الطوسي : 5424/365.

2) رجال النجاشي : 1073/405.

3) رجال الطوسي : 5451/367.

4) رجال الطوسي : 5454/367.

5) رجال الطوسي : 5452/367.

6) معجم رجال الحديث : 19: 12877/82.

حرف النون

336 - نصر بن قابوس

اللخمي، القابوسي : روى عن الامام أبي عبد اللّه، وأبي إبراهيم، وأبي الحسن الرضا (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وكان ذو منزلة عندهم، له كتاب (1).

337 - نصر بن مغلس

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

حرف الواو

338 - الوليد بن أبان

روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه أحمد بن محمّد (3).

339 - الوليد بن أبان

الضبّي، الرازي : عدّه البرقي من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

حرف الهاء

340 - هارون بن عمر

أبو موسى المجاشعي : صحب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، له كتب، منها : كتاب ما نزل


1) رجال النجاشي : 1146/427.

2) رجال الطوسي : 5474/368.

3) معجم رجال الحديث : 69: 12144/193.

4) رجال البرقي : 1473/129.

في القرآن في علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

341 - هاشم بن إبراهيم

العبّاسي، ويقال له : المشرقي : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، له كتاب يرويه جماعة (2).

342 - هرثمة بن أعين

أبو حبيب : كان من خدم المأمون، وكان موالياً للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

343 - هشام بن إبراهيم

الأحمر: عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

344 - هشام بن إبراهيم

العبّاسي : روى الريان، قال : «دخلت على العبّاسي يوماً، فطلب دواة وقرطاساً بالعجلة، فقلت : ما لك ؟

فقال : سمعت من الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشياء أحتاج أن اكتبها لا أنساها، فكتبها، فما كان بین هذا وبين أن جاءني بعد جمعة في وقت الحرّ، وذلك بمرو، فقلت : من أين جئت ؟

فقال : من عند هذا

فقلت : من عند المأمون ؟

قال : لا.


1) رجال النجاشي : 1182/439.

2) رجال النجاشي : 1168/435.

3) معجم رجال الحديث : 19: 255.

4) رجال الطوسي : 5476/368.

قلت : من عند الفضل بن سهل ؟

قال : لا من عند هذا.

فقلت : مَن تعني ؟

قال : من عند عليّ بن موسى.

فقلت : ويلك خذلت ! أي شيء قصتك ؟

قال : دعني من هذا، متى كان آباؤه يجلسون على الكراسي حتّى يبايع لهم بولاية العهد، كما فعل هذا ؟

فقلت : ويلك ! استغفر ربك.

فقال : جاريتي فلانة أعلم منه

وأسرع الريان فدخل على الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأخبره بقصة العبّاسي، وطلب منه أن يأذن له باغتياله، فنهاه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن ذلك (1). وله أحاديث مع الإمام سنعرض لها في بحوث هذا الكتاب.

345 - الهيثم بن عبداللّه

روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه الحسين بن علي بن زكريا (2).

346 - الهيثم بن عبداللّه

الرماني، كوفي : روى عن الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، له كتاب (3).


1) قرب الإسناد : 148.

2) معجم رجال الحديث : 19: 13393/321.

3) رجال النجاشي : 1172/436.

حرف الياء

347 - ياسر

خادم الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو مولى حمزة بن اليسع، له مسائل (1).

348 - يحيى بن إبراهيم

ابن أبي البلاد : ثقة هو، وأبوه من القرّاء، له كتاب (2).

349 - يحيى بن أحمد

ابن قيس بن عيلان : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

350 - يحيى بن بشار

دخل على الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد وفاة أبيه، فجعل يستفهم عن بعض ما كلّمه الإمام، ثمّ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : نَعَمْ، يا سُماعُ.

فقال له : جعلت فداك، كنت واللّه القب بهذا في صباي وأنا في الكتاب، قال : فتبسم (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وجهي (4).

351 - يحيى بن جندب

الزيّات : عدّه البرقي من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

352 - يحيى بن سليمان

الكاتب : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6).


1) رجال النجاشي : 1228/453.

2) رجال النجاشي : 445 و 1205/446.

3) رجال النجاشي : 5492/369.

4) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 231، الحدیث 21.

5) رجال البرقي : 1478/129.

6) رجال الطوسي : 5486/369.

353 - يحيى بن العبّاس

الوراق : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف : إنّه مجهول (1).

354 - يحيى بن عمرو

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

355 - يحيى بن المبارك

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).

356 - يحيى بن محمّد

ابن أبي حبيب : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه محمّد بن عمرو بن سعد الزيّات (4).

357 - يحيى بن موسى

الصنعاني : روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه محمّد بن أبي عمير (5).

358 - يحيى بن يحيى

التميمي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأضاف إنّه عامّي (6).

359 - يحيى بن يزيد

أبو خالد الكوفي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (7).


1) رجال الطوسي : 5494/369.

2) رجال الطوسي : 5480/368، وفي نسخة : «بن عمر».

3) رجال الطوسي : 5479/368.

4) معجم رجال الحديث : 20: 13577/88.

5) معجم رجال الحديث : 20: 13594/92.

6) رجال الطوسي : 5482/368.

7) رجال الطوسي : 5485/368.

360 - يحيى الصنعاني

روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه ابن أبي عمير (1).

361 - يزيد بن عمر

عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

362 - اليسع بن حمزة

روى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عنه محمّد بن صندل (3).

363 - يعقوب بن سعيد

الكندي : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).

364 - يعقوب بن عبداللّه

ابن جندب : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (5).

365 - يعقوب بن يقطين

ثقة : عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6).

366 - يونس بن عبدالرحمن

مولى عليّ بن يقطين : كان وجهاً من وجوه الشيعة، وعلماً من أعلامهم، رأى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين الصفا والمروة، ولم يرو عنه. روى عن الإمام الكاظم والإمام الرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وكان وكيلاً للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومن خاصته، وقد قال عبدالعزيز بن


1) معجم رجال الحديث : 20: 13616/99.

2) رجال الطوسي : 5490/369.

3) معجم رجال الحديث : 20: 13694/124.

4) رجال الطوسي : 5493/369.

5) رجال الطوسي : 5487/369.

6) رجال الطوسي : 5489/369.

المهتدي للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إني لا أقدر على لقائك في كلّ وقت، فعمّن أخذ معالم ديني ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): خُذْ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ» (1).

ويقول الرواة : «إنّ الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ضمن الجنّة ليونس ثلاث مرّات» (2).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حقّه : «يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن هُوَ كَسَلْمَانَ في زَمانِهِ» (3).

وروی یونس، قال : «مات أبو الحسن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وليس من قوامه أحد وعنده المال الكثير، وذلك سبب وقوفهم وجحودهم موته، وكان عند زياد القندي سبعون ألف دينار، وعند عليّ بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار، قال : رأيت ذلك، وتبين لي الحق، وعرفت من أمر أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما علمت، فكلّمت ودعوت الناس إليه، قال : فبعثا - أي زياد القندي وعلي بن أبي حمزة - إليَّ، وقالا لي : لا تدعو إلى هذا إن كنت تريد المال، فنحن نغنيك، وضمنا لي عشرة آلاف دينار.

قال يونس : فقلت لهما : إنا روينا عن الصادقين (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنهم قالوا : إِذا ظَهَرَتِ الْبِدَعْ فَعَلَى الْعالِم أَنْ يُظْهِرَ عِلْمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ سُلِبَ عَنْهُ نورُ الْإِيمانِ، وما كنت أدع الجهاد وأمر اللّه على كلّ حال.

قال : فناصباني وأظهرا لي العداوة» (4).

وأثرت عن أئمة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ) أخبار كثيرة في مدحه، والثناء عليه، وأنّه من عمالقة التقوى، ومن علماء آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وقبال تلك الأخبار وردت أخبار في ذمه، وهي إما موضوعة، أو أنها جاءت لأجل التقليل من أهمّيته في ذلك العصر الذي


1) رجال الكشّي : 910/483.

2) رجال الكشّي : 11/484.

3) رجال الكشّي : 919/486.

4) بحار الأنوار: 12 : 308.

عانت الشيعة فيه ألواناً مريرة من المآسي والخطوب.

ألف يونس مجموعة كبيرة من الكتب، معظمها في الفقه، وبعضها في تفسير القرآن الكريم.

توفّي (رَحمهُ اللّه) في المدينة المنوّرة، ودفن مجاوراً لقبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وابنه الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : «انظروا إلى ما خَتَمَ اللّه لِيُونُسَ، قَبْرُهُ بِالْمَدينَةِ مُجاوِراً لِرَسولِ اللّه»(1).

367 - يونس بن يعقوب

البجلي، الدهني : ثقة. عدّه الشيخ المفيد في رسالته العدديّة من الفقهاء الأعلام، والرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام، والفتيا والأحكام، الذين لا يُطعن عليهم، ولا طريق إلى ذمّ واحد منهم. روى عن الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وروى عن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

توفّي يونس بالمدينة فبعث إليه أبو الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بحنوطه وكفنه، وجميع ما يحتاج إليه، وأمر مواليه وموالي أبيه وجده أن يحضروا جنازته، وقال لهم : هذا مَوْلى لأبي عَبْدِ اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَكانَ يَسْكُنُ الْعِراقَ، وقال لهم : احْفِرُوا لَهُ فِي الْبَقيع، فَإِنْ قالَ لَكُمْ أَهْل الْمَدِينَةِ إِنَّهُ عِراقِيُّ لَا نَدْفِنُهُ بِالْبَقيع، فقولوا لَهُمْ : هذا مَوْلى لأبي عَبْدِ اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَكَانَ يَسْكُنُ الْعِراقَ، فَإِنْ مَنَعْتُمُونَا أَنَّ نَدْفِنَهُ بِالْبَقيع مَنَعْناكُمْ أَنْ تَدْفِنوا مواليكُمْ في البقيع، ودفن في البقيع (3).

وأمر الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يرش على قبره الماء شهراً أو أربعين يوماً (4).


1) رجال الكشّي : 921/486.

2) جوابات أهل الموصل : 34.

3) رجال الكشّي : 721/386.

4) رجال الكشّي : 722/386.

رحم اللّه يونس، فقد فاز بولائه ومحبته لأهل البيت.

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض أصحاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهم كوكبة من أعلام عصره، وفيهم جمهرة من المؤلّفين والرواة والفقهاء الذين أمدوا الفقه الإمامي بما دوّنوه بما أفتى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الأحكام الشرعيّة.

عصر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

واتّسم عصر الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالعصر الذهبي، وأنه من أزهى العصور وأروعها في التاريخ الإسلامي، وذلك لازدهار العمران، وتطوّر الزراعة، وسيطرة الدولة الإسلاميّة على معظم مناطق العالم، فقد أصبحت خاضعة للحكم العبّاسي، كما أصبحت بغداد عاصمة العالم الإسلامي، بل وعاصمة الدنيا، فقد كانت أعظم حاظرة يؤمها رجال العلم والسلك الدبلوماسي من مختلف أنحاء العالم، وذلك للظفر بمنصب من مناصب الدولة، أو لعرض ما تحتاجه بلادهم من الشؤون الإدارية والاقتصاديّة والعلميّة.

وعلينا أن نعرض إلى شؤون ذلك العصر لما فيه من صلة وثيقة في البحث عن حياة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

الحياة العلميّة

إشارة:

وازدهرت الحياة العلميّة في عصر الإمام، وزهت أنشطتها في جميع أنواع العلوم، وكان ذلك من أرقى ألوان التقدّم الحضاري التي انتهت إليه الدولة العبّاسية في جميع أدوار حكمها، ونعرض بإيجاز إلى بعض صور التقدّم العلمي، وهي :

قمر ابن المقنّع

وكان من بدائع مخترعات ذلك العصر هو القمر الذي صنعه عطاء الخراسان المعروف بالمقنّع، فكان ذلك القمر يطلع، ويراه الناس من مسيرة شهرين، ثم يغيب عنهم، وفيه يقول أبو العلاء المعري :

أَفِقْ إِنَّمَا الْبَدرُ المُقَنَّعُ رَأْسُهُ***ضَلالٌ وَغَيٌّ مِثْلُ بَدرِ المُقَنَّع (1)

وإليه أشار أبو القاسم هبة اللّه بن سناء الملك الشاعر في جملة قصيدة بقوله :

إِلَيْكَ فَما بَدرُ الْمُقَنَّع طالِعاً***بِأَسْحَرِ مِنْ أَلْحاظِ بَدْرِ المُعَمَّم (2)

ولم تشر المصادر التي بأيدينا إلى كيفية صنع ذلك القمر وإلى الأجهزة التي تكوّن منها، كما لم تشر إلى أي بلد كان فيه ذلك القمر، وأكبر الظنّ أنّه كان في بغداد عاصمة الملك العبّاسي في ذلك الوقت.

وعلى أي حال، فإنّ صنع ذلك القمر يعتبر أعظم إنجاز علمي تحقّق في


1) الأعلام : 5: 29.

2) وفيات الأعيان : 2 : 426.

تلك العصور.

كما إن من المنجزات العلميّة في تلك العصور استخدام البلور في السفن، كما نص على ذلك بعض المؤرّخين.

المعاهد والمكتبات

إشارة:

وأنشأت الحكومة العبّاسيّة المعاهد والمدارس في بغداد لتدريس العلوم الإسلاميّة وغيرها، فقد انشأت فيها حوالي ثلاثون مدرسة، وما فيها مدرسة إلا ويقصر القصر البديع عنها، وأشهرها النظامية (1)، كما أنشئت فيها المكتبات العامّة، ومن أهمها :

بيت الحكمة

فقد نقل إليها الرشيد مكتبته الخاصة، وأضاف إليها من الكتب ما جمعه جده المنصور وأبوه المهدي، وفي عهد المأمون طلب من أمير صقلية بعض الكتب العلميّة والفلسفيّة، فلما وصلت إليه نقلها إلى مكتبة بيت الحكمة، كما جلب إليها من خراسان الكثير من الكتب، وكان حيثما ما يسمع بكتاب جلبه لها (2).

وكان سهل بن هارون بن راهبون كاتباً في دار الحكمة، وقد جعله المأمون خازناً على قسم من المكتبة، وهي الكتب الفلسفية التي نقلت إليه من جزيرة قبرص، وذلك أنّ المأمون لمّا هادن صاحب الجزيرة أرسل إليه يطلب خزانة كتب اليونان، وكانت مجموعة عندهم في بيت لا يظهر عليها أحد، فجمع صاحب الجزيرة بطانته وذوي الرأي، واستشارهم في حمل الخزانة إلى المأمون، فأشاروا عليه بعدم


1) رحلة ابن جبير : 208.

2) حياة الإمام محمّد الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 236.

الموافقة إلّا مطران واحد، فإنّه قال له : الرأي أن تعجّل بإنفاذها إليه، فما دخلت هذه العلوم العقليّة على دولة إلا أفسدتها، وأوقعت الخلاف بين علمائها، علمائها، فأرسلها إليه، فاغتبط بها المأمون، وجعل سهل خازناً عليها (1). وكان الخازن العام للمكتبة غيلان الفارسي، وكان ينسخ للرشيد والمأمون.

وظلّت هذه الخزانة تغذي البحاثة وأهل العلوم بأنواع العلوم، ولما استولى السفاك المغولي على بغداد عمد إلى إتلافها، وبذلك فقد خسر العالم الإسلامي أهم تراث له.

ترجمة الكتب

وكان من مظاهر تطوّر الحياة العلميّة والثقافيّة في ذلك العصر، الإقبال على تعريب اللغات الأجنبيّة، وقد تناولت كتب الطب والرياضة والفلك، وأصناف العلوم السياسيّة والفلسفيّة، ذكر أسماء كثير منها ابن النديم في «الفهرست»، وكان يرأس ديوان الترجمة حنين بن إسحاق.

وقد روى ابن النديم : أنّ المأمون كانت بينه وبين ملك الروم مراسلات، وقد استظهر عليه المأمون، فكتب إليه يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدخرة ببلاد الروم، فأجابه إلى ذلك بعد امتناع، فأوفد المأمون لذلك جماعة منهم الحجّاج بن مطر وابن البطريق وسلم صاحب بيت الحكمة وغيرهم، فأخذوا مما وجدوا، فلما حملوها إليه أمر بنقلها، فنقلت إلى دار الحكمة» (2).

ومن الطبيعي أنّ تلك المعرَّبة قد ساعدت على نموّ الفكر العربي والإسلامي، كما ساهمت في تطوّر العلوم في البلاد الإسلاميّة، فقد اشتغل الكثيرون من طلاب


1) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّة / مصطفی عبدالرزاق : 47.

2) الفهرست : 339.

العلوم بتفقهها ودراستها.

الخرائط والمراصد

ومن مظاهر التقدّم العلمي في ذلك العصر : أن المأمون أمر بوضع خريطة لجميع أنحاء العالم سمّيت الصورة المأمونيّة، وهي أوّل خريطة صنعت للعالم في العصر العبّاسي، كما أمر بإنشاء مرصد فلكي فأنشأ بالشماسيّة، وهي إحدى محلّات بغداد (1).

العلوم السائدة

إشارة:

أمّا العلوم السائدة دراستها في ذلك العصر، فهي :

1 - التفسير

ویراد به تفسیر آیات القرآن الكريم، وإيضاح معانيها، وبيان الناسخ من المنسوخ، والمطلق من المقيّد، والعام والخاص، وغير ذلك، وقد اتّجه المفسّرون في تفسيرهم إلى اتّجاهين :

الأول : التفسير بالمأثور، ونعني به تفسير القرآن الكريم بما أثر عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) والأئمّة الطيّبين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، وهذا ما سلكه معظم المفسّرين الشيعة، كتفسير القمّي، والبرهان، والعسكري، وغيرها.

وحجّة الشيعة في ذلك أنّ أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لهم المخصوصون بعلم القرآن، والعالمون بتفسيره.

يقول الإمام أبو جعفر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما يَسْتَطيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْعِيَ أَنَّ عِنْدَهُ جَمِيعَ الْقُرْآنِ


1) عصر المأمون : 1 : 375 : 375.

كُلَّهُ، ظَاهِرَهُ وَباطِنَهُ، غَيْرُ الْأَوْصياء» (1).

ويقول شيخ الطائفة الشيخ الطوسي : «إنّ تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) و عن الأئمّة الذين قولهم حجة كقول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)» (2).

الثاني : التفسير بالرأي، ويراد به الأخذ بالاعتبارات العقليّة الراجعة إلى الاستحسان، وقد ذهب إلى ذلك المفسّرون من المعتزلة والباطنية، فلم يعنوا بما أثر عن أئمة الهدى اللّه في تفسير القرآن الكريم، وإنّما استندوا في تفسيره إلى ما يرونه من الاستحسانات العقليّة (3)، أمّا الأخذ بالظواهر، فإنّه ليس من التفسير في شيء ولا مانع منه.

ومن الجدير بالذكر أنّ أوّل مدرسة للتفسير بالمأثور أقيمت في الإسلام كانت في عهد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد كان أوّل مفسّر للقرآن، وعنه أخذ حبر الأمة عبداللّه بن عبّاس وغيره من أعلام الصحابة، وقام من بعده الأئمّة الطاهرون (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقد تناولت الكثير من محاضراتهم تفسير القرآن، وأسباب نزوله، وفضل قراءة آياته.

2 - الحديث

ومن بين العلوم السائدة دراستها في ذلك العصر : علم الحديث، ونعني به ما أثر عن النبي، أو عن أحد أوصيائه الأئمّة الطاهرين، من قول أو فعل أو تقرير لشيء، فإنّ ذلك كله من السنة، وفي السنّة كما في القرآن الكريم العام والخاص، والمطلق والمقيّد، وغير ذلك.

وقد سبقت الشيعة إلى تدوين الأحاديث، فقد حثّ أئمة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ) أصحابهم


1) التبيان : 1 : 4.

2) حياة الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 181.

3) حياة الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 181.

على ذلك، فقد روى أبو بصير، قال : «دخلت على الإمام أبي عبد اللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : ما يَمْنَعُكُمْ مِنَ الْكِتابَةِ، إِنَّكُمْ لَنْ تَحْفَظُوا حتّى تَكْتُبُوا، إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدِي رَهْطُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَشْيَاءَ فَكَتَبوها» (1).

وقد قام جماعة من أصحاب الإمام الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى جمع الأحاديث الصحيحة في جوامع كبيرة، وهي الجوامع الأولى للإمامية، وتعدّ الأساس لتدوين الجوامع الأربعة لمشايخ الإسلام الثلاثة (2).

3 - الفقه

ومن أجل العلوم الإسلاميّة وأميزها : علم الفقه، وقد ساد انتشاره في ذلك العصر وغيره من سائر العصور، ويناط بهذا العلم الشريف معرفة التكاليف اللازمة على المكلّفين، وعليهم المسؤولية أمام اللّه تعالى في امتثالها وتطبيقها على واقع حياتهم.

وقام أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بدور فعّال ونشط في إنشاء مدرستهم الفقهيّة التي ضمّت أعلام الفقهاء والعلماء، كزرارة ومحمّد بن مسلم وجابر بن يزيد الجعفي وأبي حنيفة، وغيرهم من عيون العلماء، وقد دوّنوا ما سمعوه من الأئمّة الطاهرين في أصولهم التي بلغت زهاء أربعمائة أصل، ثمّ هذبت وجمعت في الكتب الأربعة التي رجع إليها فقهاء الإمامية في استنباطهم للأحكام الشرعيّة.

وتعتبر الشيعة من أسبق المذاهب الإسلاميّة إلى تدوين الفقه. يقول مصطفى عبد الرزاق : «إنّ النزوع إلى تدوين الفقه كان أسرع إلى الشيعة من سائر المسلمين، ومن المعقول أن يكون النزوع إلى تدوين الأحكام الشرعيّة أسرع إلى الشيعة لأنّ اعتقادهم العصمة في أئمتهم أو ما يشبه العصمة كان حرياً أن يسوقهم إلى الحرص


1) مستدرك وسائل الشيعة : 17 : 292، الباب 8، الحدیث 21383.

2) مقدمة المقنع والهداية : 10.

على تدوين أقضيتهم وفتاواهم» (1).

4 - الأصول

ومن بين العلوم التي تدرس في تلك العصور وغيرها الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعيّة، وقد أسس هذا العلم الإمام الأعظم أبو جعفر محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).

5 - النحو

وهو من العلوم التي مثلت دوراً مهماً في العصر العبّاسي، فقد كانت بعض مسائله وبحوثه موضع جدل، وقد عقدت لها الأندية في قصور الخلفاء، وقد جرى نزاع وجدل حاد في بعض مسائله بين كبار علماء النحو، وذلك بمحضر من الخليفة العبّاسي.

وتخصص بهذا العلم جماعة من الأعلام في ذلك العصر كان في طليعتهم الكسائي والفرّاء وسيبويه. وأسس هذا العلم الإمام أمير المؤمنين لا رائد الحكمة والعلم في الإسلام.

6 - الكلام

وانتشر هذا العلم انتشاراً واسعاً في ذلك العصر، فقد خاض العلماء والمتكلمون البحوث المهمة في هذا العلم للدفاع عن معتقداتهم، ويعدّ في طليعة المتكلمين هشام بن الحكم تلميذ الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد أبطل معتقدات خصومه، وأثبت بأدلته الحاسمة مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذي هو دين اللّه الذي ارتضاه لعباده. ومن أشهر المتكلمين عند أهل السنّة : واصل بن عطاء، وأبو الهذيل العلاف


1) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّة : 202 و 203.

2) حياة الإمام محمّد الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 195.

وأبو الحسن الأشعري، وحجة الإسلام الغزالي.

7 - الطبّ

وانتشر علم الطب في ذلك العصر، وبعد الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في طليعة علماء هذا الفنّ، وكانت رسالته في الطب من أروع البحوث الطبيّة حتّى سمّيت بالرسالة الذهبيّة، وقد شجّع ملوك بني العبّاس على دراسة هذا العلم، ومنحوا الأموال الطائلة للمتخصّصين فيه، أمثال جبريل بن بختيشوع الطبيب الحاذق.

8 - الكيمياء

ومن أهمّ العلوم التي نالت الاهتمام في ذلك العصر هو علم الكيمياء، وقد تخصص فيه جابر بن حيان مفخرة الشرق العربي، وقد تلقى بحوثه من عملاق الفكر الإسلامي الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الذي يسمّيه بعض علماء الغرب بالدماغ المفكر للإنسانية، فكان هو المؤسس لهذا العلم.

9 - الهندسة المعماريّة والمدنيّة

وبلغت الهندسة المعمارية والمدنيّة أوجها في ذلك العصر، فقد أبدع المهندسون إبداعاً رائعاً في هندستهم لقصور الخلفاء، سواء أكانت في بغداد أم في سرّ من رأى، فكانت تلك القصور من أضخم ما شيّدت على امتداد التاريخ، ومن بدائع الهندسة المعمارية البرك التي صنعت في سرّ من رأى، والتي هام بها الشعراء، وأذهلت أفكار العلماء، ومضافاً لذلك الألواح الفنيّة والمعلقات التي لم يصنع مثلها حتى في هذا القرن الذي بلغت فيه الهندسة والتقدم التكنولوجي الذروة.

10 - الفلك

ومن العلوم السائدة في ذلك العصر : علم الفلك، وقد كان من المتخصصين

فيه المأمون العبّاسي.

هذه بعض العلوم السائدة في ذلك العصر، وهي تمثّل الانطلاق الفكري والتطوّر العلمي في عصر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

المراكز العلميّة

1 - بغداد

وكانت بغداد حاظرة من حواظر العلم في الإسلام، فهي - كما ذكرنا - عاصمة الملك، وعاصمة العلم، وقد سادت فيها أنواع الثقافات العالية، وانتشرت فيها المعاهد والمدارس، وبيوت الحكمة، والمكتبات العامّة والخاصّة.

2 - يثرب

أمّا يثرب، فإنّها من أهم المراكز العلميّة في الإسلام، فقد تشكلت فيها مدرسة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد ضمت عيون الفقهاء والعلماء، وقد سهروا على تدوين أحاديث أئمة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد عنوا بصورة خاصة بتدوين أحاديثهم الخاصة في الفقه باعتباره النظام المتكامل في الإسلام، كما تشكلت في يثرب مدرسة التابعين، وهي مدرسة فقهية عنت بأخذ ما روي من الصحابة في الفقه.

3 - الكوفة

وتأتي الكوفة بعد يثرب في الأهمية، فقد كان الجامع الأعظم مركزاً عاماً للدراسات الإسلاميّة، وقد انتشرت الحلقات الدراسية التي تضم مئات الطلاب الذين يتلقون دروسهم من الأساتذة المتخصصين بالعلوم الإسلاميّة من الفقه والتفسير والحديث والعلوم العربيّة، وقد عنت مدرسة الكوفة بصورة موضوعية وخاصة بعلوم أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد حدث الحسن بن علي الوشاء، فقال :

«أدركت في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ، كلّ يقول : حدّثني جعفر بن محمّد» (1).

وكانت في الكوفة أسر علميّة رفيعة الشأن قد تخرّجت من جامع الكوفة، وهي : آل حيّان التغلبي، وآل أعين، وبنو عطيّة، وبيت بني دراج، وغيرهم (2).

وانشئت في الكوفة مدرسة للنحو، وكان من أساتذتها البارزين الكسائي الذي عهد إليه الرشيد بتعليم ابنيه : الأمين والمأمون (3).

4 - البصرة

أما البصرة، فكانت مركزاً مهماً لعلم النحو، وكان أوّل من أنشأ هذه المدرسة أبو الأسود الدؤلي تلميذ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكانت هذه المؤسّسة تنافس مدرسة الكوفة، وقد سمّي نحاة البصرة «أهل المنطق» تمييزاً لهم عن نحاة الكوفة، وكان من أعلام هذه المؤسّسة سيبويه الفارسي، وهو مؤلف كتاب سيبويه في النحو، وهو من أنضج الكتب العربية، ومن أكثرها عمقاً وأصالة.

يقول «دي بور» : «فلو نظرنا إلى كتاب سيبويه لوجدناه عملاً ناضجاً، ومجهوداً عظيماً، حتّى أن المتأخرين قالوا : إنّه لا بد أن يكون ثمرة جهود متظافرة لكثير من العلماء مثل قانون ابن سينا» (4).

وكما كانت البصرة مركزاً مهماً لعلم النحو، فقد كانت مدرسة لعلم تفسير القرآن الكريم، وكان من العلماء البارزين في هذا الفنّ أبو عمرو بن العلاء، وبالإضافة لذلك


1) حياة الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : 1 : 82.

2) تاريخ الإسلام : 2 : 338.

3) حياة الإمام محمّد الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 191.

4) تاريخ الفلسفة في الإسلام : 39.

فقد كانت البصرة مدرسة لعلم العروض واللغة، وكان المتخصّص بهذين العلمين الخليل بن أحمد صاحب كتاب العين، الذي هو أوّل معجم لغوي وضع في اللغة العربيّة (1).

هذه بعض مظاهر الحياة العلميّة والثقافية في ذلك العصر، وكان الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرائد الأعلى للحركة العلميّة، فقد احتف به العلماء والفقهاء وهم ينتهلون من نمير علومه، كما عقدت في البلاط العبّاسي الأندية، وقد ضمت كبار العلماء الذين ندبهم المأمون لامتحان الإمام وخرج العلماء وهم يذيعون فضله، ويذكرون بإعجاب ثرواته العلميّة الهائلة.


1) حياة الإمام محمّد الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 192.

الحياة الاقتصاديّة

إشارة:

ولم يعن الإسلام بشيء كما عنى بمكافحة الفقر، فقد اعتبره كارثة مدمّرة يجب إقصاؤه عن الحياة العامّة، فقد ألزم ولاة الأمور بالعمل على تنمية الاقتصاد، وزيادة دخل الفرد، وبسط الرخاء والرفاهية بين الناس، وكان من بين ما عنى به في تطوير الاقتصاد أن ألزم ولاة المسلمين بإنفاق أموال الدولة على الصالح العام، وذلك بتنمية الزراعة، وإنشاء المشاريع العامّة، وما تزدهر به البلاد.

كما منع ولاة المسلمين أن يصطفوا لأنفسهم وأقربائهم شيئاً من خزينة الدولة، وقد جافى بنو العبّاس هذه السياسة الخلّاقة، فاتخذوا مال اللّه دولاً، وعباد اللّه خولاً، وأنفقوا الأموال الهائلة على شهواتهم وملاذهم، وبناء قصورهم، ووهبوا الأموال الطائلة للمغنّين والعابثين، وأدّت هذه السياسة إلى أزمات حادة في الاقتصاد العامّ، فانقسم المجتمع إلى طبقتين :

الأولى : الطبقة الرأسمالية، التي انحصرت عندها ثروة الأمّة، ولا عمل لها إلّا التبطل واللهو والإسراف في المحرّمات.

الثانية : طبقة العمّال والفلّاحين، وقد شقيت هذه الطبقة، فقد شاع فيها الفقر والحرمان، وقد أدّى هذا الانقسام في صفوف المجتمع إلى فقدان التوازن في الحياة الاقتصاديّة، وانعدام الاستقرار في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة على حدّ سواء (1).

ونتحدّث بإيجاز عن شؤون الحياة الاقتصاديّة العامّة، وما عاناه المواطنون من الشقاء والحرمان :


1) الإدارة الإسلاميّة في عزّ العرب : 82.

واردات الدولة

أمّا واردات الدولة في عصر الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكانت ضخمة للغاية، أُحصيت الواردات من الخراج وحده فكان المجموع ما يزيد على (400) مليون درهم (1).

ومن الجدير بالذكر أنه بلغ من سعة المال ووفرته أنّه كان لا يعد، وإنما كان يوزن، فكانوا يقولون : إنّه سنّة أو سبعة آلاف قنطار من الذهب (2).

ومن المؤسف حقّاً أنّ تلك الأموال الهائلة لم تنفق على تطوير حياة المسلمين، وإنعاش الفقراء والمحرومين، وإنما كان الكثير ينفقه الملوك ووزراؤهم وأبناؤهم وحاشيتهم على ملاذهم وشهواتهم، وقد أنفقوا على لياليهم الحمراء ما لا يحصى، كما حظى المغنون والعابثون والماجنون بالثراء العريض.

إسراف و تبذير

وأسرف ملوك العبّاسيّين إسرافاً هائلاً، وأنفقوا أموال المسلمين بغير تحرج على ملاذهم ورغباتهم الخاصة، فقد كان المأمون في دمشق، فأصابته ضائقة اقتصاديّة، فحملت إليه ثلاثون مليون درهم من مال الخراج، فأمر بإنفاق (24) مليون درهم على أصحابه، والباقي أنفقه على جنده (3).

وكان الإسراف والتبذير بأموال المسلمين ظاهرة سائدة عند ملوك بني العبّاس فقد بنى المهدي منتزهاً أنفق عليه (50) مليون درهم (4).

وصرف المتوكل على قصره المعروف بالماحوزة (50) مليون درهم، وعلى


1) المقدمة : 179 و 180.

2) المقدمة : 181.

3) الكامل في التاريخ : 6: 433.

4) تاريخ الأمم و الملوك : 6: 383. الكامل في التاريخ : 6: 70.

قصره المعروف بالعروس (30) مليون درهم، وعلى البهو (25) مليون درهم.

يقول الشابشتي : «إنّ المتوكل لما كان من أرباب الذوق والأنس لا يقعده عمّا يشتهيه مال، وقد انصرف انصرافاً عجيباً إلى بناء قصور فخمة في سامراء كثر عددها حتّى بلغت ستة عشر قصراً، أنفق في سبيلها أموالاً جساماً تكاد تخرج عن حدود التصديق وفرة» (1).

ومن تبذير المتوكل أنّه أنفق على ختان أولاده (86) مليون درهم.

زواج المأمون ببوران

ومن ألوان البذخ والإسراف الهائل في أموال المسلمين هو ما أنفقه المأمون من الأموال الطائلة المذهلة في زواجه بالسيّدة بوران، فلم يقع نظير ما أنفق على ذلك الزواج منذ خلق اللّه الأرض.

لقد أمهر المأمون زوجته ألف ألف دينار، مع العلم أن قيمة الدينار في ذلك العصر كانت تساوي جملاً، وشرط الحسن بن سهل والد السيدة بوران أن يبني بها في قريته الواقعة بفم الصلح (2)، فأجابه إلى ذلك.

ولما أراد الزواج سافر إلى فم الصلح ونثر على العسكر الذي كان معه ألف ألف دينار، وصحب معه من الغلماء الصغار ثلاثين ألفاً، وسبعة آلاف جارية.

ما العسكر الذي كان معه فكانوا أربعمائة ألف فارس، وثلاثمائة ألف راجل وكان الحسن يذبح لضيوفه ثلاثين ألف رأس من الغنم، ومثيلها من الدجاج، وأربعمائة بقرة، وأربعمائة جمل، وسمّى الناس هذه الدعوة «دعوة الإسلام»،


1) الديارات : 364.

2) فم الصلح كورة فوق واسط، لها نهر يستمد من دجلة على الجانب الشرقي يُسمّى فم الصلح. معجم البلدان : 5 : 177.

وهي تسمية مغلوطة، فإنّه ليس من الإسلام في شيء مثل هذا الإسراف الذي كان من أموال المسلمين.

لقد بلغت نفقات المأمون وحده على هذا العرس (38) مليون درهم (1)، من غير ما أعطاه لوالدها الحسن، فقد أعطاه (10) ملايين درهم من خراج فارس، وأقطعه الصلح (2).

وعلى أي حال، فإنّه حينما بنى المأمون ببوران نثروا من سطح دار الحسن بن سهل بنادق عنبر، فاستخف بها الناس وزهدوا فيها، ونادى فيهم شخص قائلاً : كلّ من وقعت في يده بندقة فليكسرها، فإنّه يجد فيها رقاعاً في بعضها تحويل ب- (1000) دينار، وفي بعضها (10) أثواب من الديباج، وفي بعضها (5) أثواب، وفي بعضها غلام، وفي بعضها جارية، وحمل كلّ من وقعت بيده رقعة إلى الديوان واستلم ما فيها (3).

كما أنفق المأمون على قادة جيشه فقط خمسين ألف ألف درهم (4).

ويقول الباهلي مهنئاً للحسن وابنته والمأمون :

بارَكَ اللّه لِلحَسَنُ***ولبورانَ في الخَتَنْ

يابْنَ هارونَ قَدْ ظَفَ***رْتَ وَلكِنْ بِبِنْتُ مَنْ (5)

ولمّا كانت ساعة الزفاف أجلست بوران علی حصیر منسوج من الذهب، ودخل عليها المأمون ومعه عماته وجمهرة من العبّاسيّات، فنثر الحسن بن سهل على


1) أخبار الموفقيّات : 98.

2) نساء الخلفاء : 68.

3) تاريخ اليعقوبي : 2 : 459.

4) تزيين الأسواق : 3 : 117.

5) الحدائق الوردية : 2 : 220.

المأمون وزوجته (300) لؤلؤة، وزن كلّ واحدة مثقال، وما مدّ أحد يده لالتقاطها، وأمر المأمون عمّاته بالتقاطها، ومدّ المأمون يده فالتقط واحدة منها، وبادرت العبّاسيات بالتقاطها، وقال المأمون : قاتل اللّه أبا نواس، كأنه حضر مجلسنا هذا

حيث قال في وصف الخمرة :

كَأَنْ صُغرى وَكُبرى مِنْ فَواقِعِها***حَصْباءُ دُرُ عَلَى أَرضِ مِنَ الذَّهَبِ (1)

لقد أنفق المأمون والحسن بن سهل هذه الأموال على هذا الزواج، وهي من دون شك قد اختلست من بيت مال المسلمين الذي يجب إنفاقه في شريعة اللّه على مكافحة الفقر، وإزالة البؤس من دنيا الإسلام.

ومن الجدير بالذكر أن هارون الرشيد لما تزوّج بالسيدة زبيدة صنع وليمة لم يصنع مثلها في الإسلام، فقد جعل الهبات غير محصورة، فقدمت أوانٍ من الذهب مملوءة بالفضة، وأوانٍ من الفضة مملوءة بالذهب، وفوانج المسك، وقطع العنبر، وكان هذا هو الإسراف والتبذير الذي حرّمه الإسلام حفظاً على اقتصاد الأمة من الانهيار.

بؤس العامّة وشقاؤها

وعانت الأكثرية الساحقة من المجتمع الإسلامي في عصر المأمون وغيره من عصور الحكم العبّاسي البؤس والحرمان، فقد كانت ترزح تحت كابوس رهيب من الفقر والبؤس، ولنستمع لأبي العتاهية يحدّثنا عما كانت عليه العامة من البؤس والشقاء. يقول مخاطباً الملك العبّاسي :

مَنْ مُبْلِغْ عَنِّي الإما***مَ نَصائحاً مُتَوالِيَه

إِنِّي أَرى الأَسْعَارَ أَسْ***عار الرَّعيَّة غاليه


1) تاریخ بغداد : 7: 332.

وَأرى المَكاسِبَ نَزْرَةٌ***وأرى الضرورة فاشيه

وَأَرى غُمومَ الدَّهْرِ را***ئخة تَمُرُّ وَعَادِيَه

وَأَرى اليتامى في البيو***تِ البائساتِ الخالِيَه

مِنْ بَينِ راجِ لَمْ يَزَلْ***يَسْمو إِلَيْكَ وَراجِيه

يَشكونَ مَجْهَدَةً بأص***واتٍ ضعاف عاليه

يَرجونَ رِفْدَكَ كَي يَرَوا***ممّا لقوه العافيه

وَمُصَيِّبَاتِ الجوعِ إِذْ***تُمْسى وَتُصْبِحُ طاوِيَه

مَنْ لِلْبطون الجائعا***ت وللجسوم العاريه

أَلْقَيْتُ أَخْباراً إلَيْ***ك مِنَ الرَّعية شافيه (1)

وحكى هذا الشعر الاجتماعي الحالة السائدة في عصر أبي العتاهية، فملايين من الشعب المسلم عارية أجسامهم، جائعة بطونهم، خاوية أبدانهم في حين قد زخرت خزائن ملوك العبّاسيّين بالملايين من أموال المسلمين، غير أنها لم تنفق في صالحهم، وإنّما كانت تنفق على الشهوات وعلى ما يفسد الحياة العامّة.

ولنستمع إلى بشار في أرجوزته التي يمدح فيها يزيد بن المهلب عامل المنصور الدوانيقي على افريقيا. يقول :

وَصِبْيَةٌ أَكْبَرُهُمْ صَغِيرُ***إِلَيْكَ مِنْ خَوْفِ الْبَلايا مورُ

أَما تَرى فَأَنْتَ بِي بَصِيرُ***طالِبَ خَيْرٍ خَطوهُ قَصِيرُ

قَدْ ساقَهُ القَحْطُ ودَهَرٌ بورُ***بَلْ عَالَ نَوْمي بائع مسعورُ

يَمْشِي بِرِقٌ بَطنُهُ مَسْطُورُ***يَهولُني لِقاؤُهُ الْمَحْذُورُ


1) مسالك الأبصار : 3951.

وَأَنَا مِنْ رُؤْيَتِهِ مَذعورُ***يروعُني وَلَيسَ لي مُجير

إِنِّي لَمّا أَوْلَيْتَني شَكورُ***فَهَلْ لِمَا بِي مِنْ أَذًى تَغْيِيرُ (1)

أرأيتم كيف كانت المجاعة سائدة في العصور العبّاسية الأولى، لقد استجار هذا الشاعر بابن المهلب لينقذه من ويلات الفقر وكوارث البؤس، ويقول هذا الشاعر راجياً يعقوب بن داود :

يا أَيُّها الرَّجُلُ الْغادِي لِحَاجَتِهِ***عِندَ الخَليفَةِ بَينَ المَطْلِ وَالجودِ

إنَّ الحوائِجَ قَدْ سُدَّت مَطالِعُها***فَابْعَثْ لَها جاهَ يَعْقُوبَ بْنِ داودِ

قالَتْ فَطِيمَةُ : صُمْ فينا فَقُلْتُ لَها :***إن شاء يعقوب صُمْنا يا ابْنَةَ الجودِ

إذا ابْنُ داودَ أعطاني مَعونتَهُ***كانَ الفَراغُ وَلَمْ أَربع على عودِ (2)

أرأيتم هذا التذلّل والاستعطاف، فقد سدّت نوافذ العيش على أغلب الطبقات، وعانى الناس الجوع والحرمان.

الضرائب الثقيلة على المواريث

ومن ظلم العبّاسيّين وجورهم أنّهم فرضوا الضرائب الباهضة على تركة الأموات، وقد حكى لنا ابن المعتزّ في أرجوزته الوضع الراهن وما عاناه الناس من الظلم والقسوة، يقول :

وَيْلٌ لِمَنْ مات أبوه موسِراً****أَلَيْسَ هذا مُحْكَماً مُشْتَهرا

وَكانَ في دارِ الْبَلاءِ سِجْنُهُ***وَقِيلَ مَنْ يَدْرِي بِأَنَّكَ ابْنُهُ


1) دیوان بشار: 3 190.

2) دیوان بشار: 3: 59.

فَقالَ : جيراني وَمَنْ يَعْرِفُني***فَنَتَفوا سيالَهُ حتّى فَنى (1)

وَأَسْرَفوا في لَكْمِهِ وَدَفْعِهِ***وَانْطَلَقَتْ أَكْفُهُمْ فِي صَفْعِهِ

وَلَمْ يَزَلْ فِي أَضْيَقِ الحُبوسِ***حتّى رمى لَهُمْ بالكيس (2)

لقد أسرف العبّاسيون في الظلم والجور، فنهبوا أموال الناس بغير حق، ويقول المؤرّخون : «إن كثيراً من الحكّام يحاولون بعد موت ذوي الثروة أنه لا وارث له حتّى يستولوا على تركته» (3).

وهذا الإجراء القاسي يتصادم مع تعاليم الإسلام التي قضت بأنّ ما تركه الميّت فلوراثه، وليس للحكّام عليه أي سلطان. نعم، من مات ولا وارث له تنتقل تركته إلى بيت مال المسلمين، ولم يقتصر التعذيب ومصادرة أموال الناس بغير حق على طبقة خاصة من الناس، وإنّما شملت أمهات الخلفاء، فقد عذب القاهر العبّاسي أم أخيه المقتدر، وعلّقها برجلها لتُخرج ما عندها من أموال، وتحمل أوقافها، وتوكل في بيعها، فامتنعت، ولكنّ القاهر أرغمها على ذلك بعد تعذيب وبطش شديد (4).

القسوة في أخذ الخراج

وقاسى المسلمون كأشدّ ما تكون القسوة في أخذ الخراج منهم، فقد استعملت الدولة عليهم جباة إرهابيين لا يرجون اللّه وقاراً، ولا يخافون سوء الحساب، فكانوا أشرّ من الأفاعي، فقد أخذوا يعلّقون الرجل البدين من ذراع واحدة حتّى يشرف على الموت، وقد وصف ابن المعتز الحالة النكراء التي يؤخذ بها الخراج، يقول :


1) السبالة : الشارب.

2) الحضارة الإسلاميّة : 1 : 199.

3) الحضارة الإسلاميّة : 1 : 200.

4) الحضارة الإسلاميّة : 1 234.

فَكَمْ وَكَمْ مِنْ رَجُلٍ نَبيل***ذي هَيْبَةٍ وَمَركَبٍ جَليل

رَأَيْتُهُ يَعْتَلُ بِالْأَعْوانِ إلَى***الحُبوسِ وَإِلَى الدِّيوان

حتّى أُقيمَ في جَحِيمِ الْهاجِرَة***وَرَأْسُهُ كَمِثْلِ قِدْرٍ فائِرَه

وَجَعَلوا في يَدِهِ حِبالاً***مِنْ قِنَّبٍ يُقَطِّعُ الْأَوْصالا

وَعَلَّقوه في عُرى الجدار****كَأَنه برادَةٌ في الدارِ

وَصَفَقوا قَفاهُ صَفْقَ الطَّبْلِ***نَصباً بِعَينِ شامِتٍ وَخِلَّ

إذا اسْتَغاثَ مِنْ سَعِيرِ الشَّمسِ***أجابَهُ مُسْتَخْرِجُ بِرَفْسِ

وَصَبَّ سَجَانٌ عَلَيْهِ الزَّيْتا***وصارَ بَعْدَ بَرُّةٍ كَمَيْنا

حتّى إذا طال عَلَيْهِ الجَهْدُ***وَلَمْ يَكُنْ مِمَّا أَرادَ بُدُّ

قالَ : انْذَنوا لى أَسْأَلُ التُجّارا***قَرْضاً وإلا بعْتُهُمْ عِقارا

وَأَجِّلونى خَمْسَةٌ أَيَّاما***وَطَوّقوني مِنْكُمْ إِنْعاما

فَضايَقُوا وَجَعَلوها أَرْبَعَة***وَلَمْ يُؤَمل في الكلام مَنْفَعَه

وَجاءَهُ المُعَيّنونَ الفَجَرَة***وَأَقْرَضوهُ واحِداً بِعَشَرَه

ثُمَّ تَأَدّى ما عَلَيْهِ وَخَرَج***وَلَمْ يَكُنْ يَطْمَعُ فِي قُرْبِ الْفَرَج

وجاءَهُ الأعْوانُ يَسْأَلونَهُ***كَأَنَّهُمْ كانوا يُدَلِّلُونَهُ

وَإِن تَلَكاً أَخَذوا عِمامته***وَهَشَموا أَخْدَعَهُ وَهامَتَه

فَالآنَ زالَ كلّ ذاكَ أَجْمَع***وَأَصْبَحَ الجَورُ بِعَدلٍ يُقْمَع (1)

لقد وصف ابن المعتزّ القسوة البالغة التي يصبّها الجباة على أهل الخراج، فقد أرهقوهم وعذبوهم، وكان من تعذيبهم فيما يقول الرواة : أنهم يضربون على


1) الحضارة الإسلاميّة : 1 : 132 و 133.

رؤوسهم بالدبابيس(1)، وتغرز في أظافيرهم أطراف القصب (2)، وكان المنصور يعلّق الناس من أرجلهم حتّى يؤدّوا ما عليهم (3).

وأما أخذ الخراج في زمن المهدي العبّاسي، فكان في منتهى القسوة، فكان أهل الخراج يعذّبون بصنوف من العذاب من السباع والزنابير والسنانير (4).

أما الرشيد فقد اشتدّ في أخذ الخراج، وبطش بالناس بطشاً ذريعاً، واستعمل عليهم جباة لا رحمة ولا رأفة عندهم، فقد ولّى عبداللّه بن الهيثم في أخذ هذه الضريبة، فعذب الناس بصنوف مروعة من العذاب الأليم، فدخل عليه ابن عياض فرأى قسوته وعذابه للناس، فقال له : ارفعوا عنهم، إنّي سمعت عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول : مَنْ عَذَبَ النّاسَ في الدُّنْيا عَذَّبَهُ اللّه يَوْمَ الْقِيامَةِ، فأمر برفع العذاب عن الناس (5).

وجاء في وصيّة أبي يوسف للرشيد ما عومل به أهل الخراج من القسوة البالغة، يقول : «بلغني أنّه قد يكون في حاشية العامل أو الوالي جماعة منهم من له حرمة، ومنهم من له إليه وسيلة ليسوا بأبرار ولا صالحين يستعين بهم، ويوجههم في أعماله يقتضي بذلك الذمامات فليس يحفظون ما يوكلون بحفظه، ولا ينصفون من يعاملونه، إنّما مذهبهم أخذ شيء من الخراج كان، أو من أموال الرعيّة، ثمّ إنّهم يأخذون ذلك كله فيما بلغني بالعسف والظلم والتعدّي» (6).


1) ذكر المعتزلة / أحمد بن يحيى : 92.

2) الكامل في التاريخ : 8: 181 و 182.

3) المحاسن والمساوئ : 339.

4) الوزراء والكتاب : 142.

5) تاريخ اليعقوبي : 3: 146.

6) الخراج / أبو يوسف : 116.

وأضاف بعد ذلك قائلاً: «وبلغني أنّهم يقيمون أهل الخراج في الشمس، ويضربونهم الضرب الشديد، ويعلقون عليهم الجرار، ويقيّدونهم بما يمنعهم من الصلاة، وهذا عظيم عند اللّه، شنيع في الإسلام» (1).

وقد خولف بهذا الإجراء القاسي ما أمر به الإسلام من الرفق بالناس، وتحريم القسوة معهم في أخذ الخراج، وغيره من أي أمر كان، ولكن حكام بني العبّاس قد جافوا ذلك وابتعدوا عنه.

تركة ملوك العبّاسيّين

إشارة:

وامتلأت خزائن ملوك العبّاسيّين بالأموال الطائلة التي اختلست من الشعوب الإسلاميّة، وأخذت بالعنف والقهر، وهذه قائمة بما تركه بعض ملوكهم من الأموال :

1 - تركة المنصور

وترك الدوانيقي بعد هلاكه أربعة عشر مليون دينار، وستمائة مليون درهم (2).

2 - تركة المهدى

وترك المهدي في خزائنه سبعة وعشرين مليون درهم (3).

3 - تركة الرشيد

وترك هارون الرشيد تسعمائة مليون درهم (4).


1) الخراج : 118.

2) مروج الذهب : 3 : 318 البدء والتاريخ : 6 : 92. أمراء الشعر في العصر العبّاسي : 35.

3) أخبار الموفقيات / الزبير بن بكار: 23.

4) عصر المأمون : 1 : 135.

هذه بعض الأموال التي تركوها، وقد استولوا عليها بغير حق، وقد عاني المسلمون في جميع عهودهم الضيق والبؤس والحرمان.

هذه بعض معالم السياسة الاقتصاديّة في الحكم العبّاسي من أوله إلى منتهاه، وخلاصة القول فيها أنّها لم تكن مبنيّة على أسس سليمة، ولم تساير الاقتصاد الإسلامي الذي يهدف إلى إنعاش الشعوب، ونشر الرخاء، والقضاء على البؤس والحاجة.

فالملك العبّاسي كالملك الأموي ظلّ اللّه في الأرض يتصرّف في إمكانيات العباد حسب رغباته، ألم يقل الدوانيقي : «أيها الناس، إنّما أنا سلطان اللّه في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده، وأنا خازنه على فيئه، أعمل بمشيئته، وأقسمه بإرادته، وأعطيه بإذنه، قد جعلني اللّه عليه قفلاً إذا شاء أن يفتحني فتحني، وإذا شاء أن يقفلني قفلني» (1).

وهذه السياسة القاتمة لا يقرّها الإسلام، فإنّ أموال المسلمين للمسلمين يجب أن تنفق على صالحهم ورفع مستواهم اقتصادياً وفكرياً، وليس لرئيس الدولة أي سلطان عليها.

كراهة المسلمين للحكم العبّاسي

وكره المسلمون الحكم العبّاسي، ونقموا منه كأشدّ ما تكون النقمة، وتمنّوا رجوع الحكم الأموي على ما فيه من قسوة وعذاب، فقد ساسوا الأمة بسياسة الظلم والجور. يقول عبدالرحمن الأفريقي للمنصور الدوانيقي : «ظهر الج-ور ببلادنا، فجئت لأعلمك، فإذا الجور يخرج من دارك، ورأيت أعمالاً سيئة، وظلماً فاشياً، ظننته لبعد البلاد منك، فجعلت كلّما دنوت منك كان الأمر أعظم».


1) تاریخ دمشق : 32 : 311. تاريخ الأمم والملوك : 6: 331.

فالتاع المنصور من كلامه، وأمر بإخراجه (1).

وسأل المنصور ابن أبي ذؤيب فقال له : أي الرجال أنا ؟

فأجابه بمنطق الأحرار الذي لا يخضع للسلطان قائلاً: أنت واللّه عندي شرّ الرجال، استأثرت بمال اللّه ورسوله، وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين، وأهلكت الضعيف، واتبعت القوي، وأمسكت أموالهم (2).

كانت سياسة ملوك بني العبّاس متشابهة في الظلم والجور. يقول أحمد بن أبي نعیم :

ما أَحْسَبُ الجُورَ يَنقَضى وَعَلى النا***س أميرٌ مِنْ آلِ عبّاس

فنفاه المأمون بسبب هذا البيت إلى السند (3).

ويقول أبو عطاء السندي :

يا لَيْتَ جُورٌ بَنى مروان دامَ لَنا***وَلَيتَ عَدْلُ بَني الْعبّاس في النّارِ (4)

واستنهض سليم العدوي الأمّة لتثور على الحكم العبّاسي، يقول :

حَتّى مَتى لا نَرَى عَدْلاً نُسَرُّ***بِهِ ولاً ترى لولاة الْحَقِّ أَعْوانا

مُسْتَمْسِكَينَ بِحَقِّ قائِمينَ بِهِ***إذا تَلَوَّن أهْلُ الجَوْر ألوانا

يا للرّجال لداء لا دواء لَهُ***وَقائِدٍ ذي عَمَىً يَقْتادُ عُمْيانا (5)

ويقول شاعر الأحرار سديف :


1) تاریخ بغداد : 10: 215.

2) الإمامة والسياسة : 2 : 145.

3) نهاية الارب : 8: 175.

4) الفتوح: 8: 338.

5) المستطرف : 1 : 97.

إِنَّا لَنَأْمَلُ أَن ترتدّ الفتنا***بَعدَ التَّباعُدِ وَالشَّحناءِ وَالإِحْنِ

وَتَنْقَضَى دَولَةٌ أَحْكامُ قادَتِها***فينا كَأَحْكامِ قَوْمٍ عَابِدِي وَثَنِ

وانتشر هذا الشعر، وسمعه المنصور، فأوعز إلى عامله عبدالصمد بدفنه حيّاً، ففعل (1).

ويقول الدكتور أحمد محمود صبحي : «لكن ذلك المثل الأعلى للعدالة والمساواة الذي انتظره الناس من العبّاسيّين قد أصبح وهماً من الأوهام، فشراسة المنصور والرشيد وجشعهم، وجور أولاد علي بن عيسى وعبثهم بأموال المسلمين يذكرنا بالحجّاج وهشام ويوسف بن عمر الثقفي، وعمّ الاستياء أفراد الشعب بعد أن استفتح أبو عبداللّه المعروف بالسفاح، وكذلك المنصور بالإسراف في سفك الدماء على نحو لم يُعرف من قبل» (2).

لقد نقم المسلمون على الحكم العبّاسي الذي لم يحقق أي هدف من أهدافهم، ولا أي أمل من آمالهم، وإنّما كان سادراً في الطيش والعنف، وإرغام الناس على ما يكرهون.

الفتن والثورات الشعبية

وماجت البلاد الإسلاميّة بالفتن، وشاعت فيها الثورات الشعبيّة، وهي من دون شك كانت ناجمة عن سوء السياسة العبّاسية التي لم ترع بأي حال من الأحوال مصالح المجتمع ورغباته الهادفة إلى تحقيق العدل السياسي والاجتماعي بين الناس، ومن أهم الثورات التي اندلعت هي :


1) العمدة / ابن رشیق : 1 : 75.

2) نظرية الإمامة : 381.

ثورة أبي السرايا

أما ثورة أبي السرايا فهي من أخطر الثورات التي اندلعت في ذلك العصر، وقد خسر المسلمون فيها مائتي ألف مقاتل، ونتحدث بإيجاز عن بعض معالم هذه الثورة، وهي :

مفجّر الثورة

أما مفجّر هذه الثورة، وواضع تصاميمها ومخططاتها، فهو الزعيم العلوي العظيم محمّد بن إبراهيم المعروف بالطباطبائي (1)، فقد رأى هذا العلوي الكريم ما مني به المسلمون من الظلم والاضطهاد، وما عاناه السادة العلويّون من التنكيل والارهاق، فتحفّز لإعلان الثورة لإنقاذ المسلمين من الطغمة العبّاسيّة الحاكمة، وقد وصفه المؤرّخون بأنه كان شديد الرقة والعطف على الفقراء والمحرومين، فقد اجتاز في بعض شوارع الكوفة فرأى عجوزاً تتبع أحمال الرطب فتلتقط ما يسقط منها، وتجمعه في كساء رثّ، فسألها عن ذلك، فقالت له : إنّي امرأة لا رجل لي يقوم بمؤونتي، ولي بنات لا يعدن أنفسهم بشيء، فأنا أتتبع هذا في الطريق، وأتقوّته أنا وولدي.

ولمّا سمع ذلك انهارت قواه وانفجر باكياً، والتفت إليها قائلاً بحرارة : واللّه أنت وأشباهك تخرجوني غداً حتّى يسفك دمي (2).

ودفعه هذا الاحساس والحدب على الفقراء لإعلان الثورة لينقذهم من الظالمين الذين اختلسوا أموال الشعب.

وأخذ محمّد في تدبير أموره، فاتصل بذوي الرأي والنفوذ من زعماء العرب


1) سمّي بهذا الاسم للكنة في لسانه أيّام طفولته، وقد لقبه بذلك أبوه. تاريخ ابن خلدون : 8:4.

2) مقاتل الطالبيّين : 539.

وشخصيّات المسلمين يطلب منهم الانضمام إليه والاشتراك معه في مقاومة الظلم. وقلب الحكم القائم، والتقى بالزعيم العربي الكبير نصر بن شيث، فعرض عليه الأمر، فانبرى نصر يعلن دعمه له، ويحرّضه على الثورة قائلا له : حتّى متى توطأون بالخسف، وتهتضم شيعتكم، ويُنزى على حقّكم (1).

وألهبت هذه الكلمات عواطفه ومشاعره، وتحفّز محمّد إلى الاسراع في الثورة لمّا رأى اختلاف العبّاسيّين، وتفرّق كلمتهم، وتشتت شملهم بسبب الفتنة الكبرى التي حدثت بين الأمين والمأمون، فقد أوجبت تصدّع الحكم، وتطلع المجتمع إلى ثورة تنقذهم من ويلات الحكم العبّاسي.

انضمام أبي السرايا إلى الثورة

ومما زاد في إحكام الثورة وخطورتها انضمام القائد المحنك أبي السرايا إليها وكان علوي الرأي، يتحرّق ألماً على ما أصاب السادة العلويّين من المآسي والخطوب على أيدي العبّاسيّين، ومن الخير أن نتحدث عن بعض شؤون هذا القائد الملهم.

انّه السري بن منصور الشيباني الثائر الشجاع، من الأمراء العصاميين، خاض كثيراً من الحروب، ولما نشبت الفتنة بين الأمين والمأمون التحق بمعسكر هرثمة بن أعين، وصار معه في ألفي مقاتل، وخوطب بالأمير، ولما قتل الأمين نقص هرثمة من عطايا الجيش ومرتباتهم، فساء ذلك أبا السرايا، وعزم على التخلي عنه، واستأذنه أن يحجّ، فأذن له، وأعطاه عشرين ألف درهم، فأخذها وفرقها بين أصحابه، وقد استمال بذلك قلوبهم، وأوصاهم باتباعه إلى عين التمر.

فلمّا انتهوا إليها أخذوا عاملها ونهبوا أمتعته، ولقوا عاملاً آخر لبني العبّاس فأخذوا


1) مقاتل الطالبيّين : 519.

أمواله، وقسّموها بينهم، ولما انتهت الأنباء إلى هرثمة فقد صوابه، وأرسل جيشاً لمناجزة أبي السرايا، ولمّا التقى الجيشان دارت بينهم معركة رهيبة، فانهزم جيش هر ثمة، ومني بخسائر فادحة، وسار أبو السرايا قاصداً نحو الأنبار، فلما وصل إليها استولى على الإدارة المحلّيّة، وقتل عاملها إبراهيم الشروري وصادر جميع أمواله.

التقاء أبي السرايا بمحمّد

وأخذ أبو السرايا يواصل الزحف بجيوشه، ولا ينتهي إلى بلد حتّى يفتك بعمال بني العبّاس، ووصل إلى الرقة، وفيها التقى بالزعيم الكبير محمّد بن إبراهيم، وبعد مباحثات جرت بينهما عرضا فيها ما يعانيه المسلمون من الذل والهوان والقهر من الحكم العبّاسي، صمّما على القضاء عليه، والدعوة إلى بيعة الرضا من آل محمّد (1).

وأسند محمّد إلى أبي السرايا القيادة العسكرية العامّة، ومنحه ثقته، وفوّض إليه جميع شؤون الثورة ومخططاتها.

إعلان الثورة

وأعلن أبو السرايا الثورة على الحكم العبّاسي، وزحف بجيوشه نحو نینوی، واتجه صوب مرقد أبي الأحرار وسيد الشهداء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فزار المرقد الطاهر، وأطال الزيارة، وجعل يتمثل بأبيات منصور النمري قائلاً:

نَفْسِي فِداءُ الحُسينِ يَومَ غَدا***إلى المَنايا عَدْوَلاً قافِل

ذاكَ يَومَ أَنْحى بِشَفْرَتِهِ***علَى سَنامِ الإِسْلامِ وَالكَاهِلِ

كَأَنَّما أَنْتَ تُعْجِبُني أَلَّا***يَنزِلَ بِالْقَومِ نِقْمَةُ الْعَاجِلِ

لا يَعجَلُ اللّه إِن عَجِلْتَ وَما***رَبُّكَ عَمّا تَرينُ بِالْغَافِلِ


1) حياة الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : 2 : 400 و 405، نقلاً عن تاريخ ابن خلدون : 7: 243.

مظلومةٌ وَالنبيّ والدها***يُدبرُ أَرْجاءَ مُقْلَةٍ حافل

أَلَا مَساعِيرَ يَغْضَبون لها***بِسَلَّةِ البَيْضِ وَالْقَنا الذابِلِ

ورفع عقيرته قائلاً: من كان هاهنا من الزيدية فليقم إليّ.

فوتب إليه جماعات من الجيش فخطبهم خطبة طويلة أشاد فيها بأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وبيّن مآثرهم وفضائلهم، وما عانوه من الظلم والاضطهاد من خصومهم وأعدائهم، وعرج في خطابه على سيّد الشهداء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال :

أيّها الناس، هبكم لم تحضروا الحسين فتنصروه، فما يقعدكم عمّن أدركتموه ولحقتموه وهو غداً خارج طالب بثأره وحقّه، وتراث آبائه، وإقامة دين اللّه، وما يمنعكم من نصرته ومؤازرته، إنّي خارج من وجهي هذا إلى الكوفة للقيام بأمر اللّه، والذبّ عن دينه، والنصر لأهل بيته، فمن له نية في ذلك فليلحق بي...».

واستجابت له الزيديّة وغيرهم، واتجه أبو السرايا بجيوشه نحو الكوفة.

وأمّا محمّد فقد أعلن الثورة في نفس اليوم الذي ثار فيه أبو السرايا، وقد التفّت حوله الجماهير الحاشدة، وظلّ محمّد يترقب بفارغ الصبر قدوم أبي السرايا عليه، وقد طالت الأيّام حتّى يئس منه أصحابه، ولاموا محمّداً على الاستعانة به، واغتم محمّد لتأخره عنه، وبينما هم في قلق واضطراب إذ طلعت عليهم جيوش أبي السرايا، ففرح محمّد وسرّ سروراً بالغاً، ولمّا قرب منه قام إليه محمّد واعتنقه، ويقي معه أياماً ثم اتّجه معه صوب الكوفة، فلما انتهى إليها استقبله أهلها استقبالاً رائعاً، وأظهروا الفرحة الكبرى بقدومه وبايعوه بالإجماع (1).

واحتلت جيوش أبي السرايا الكوفة، ونهبوا جميع ما في قصر الفضل بن عيسى والي الكوفة، ولم يرغب بذلك أبو السرايا، فأصدر أوامره المشدّدة إلى الجيش


1) مقاتل الطالبتين : 533.

بالكفّ عن السلب والنهب، وإرجاع المنهوبات إلى أهلها.

وأرسل الحسن بن سهل حاكم العراق من قبل المأمون ثلاثة آلاف فارس بقيادة زهير بن الحسن لحرب أبي السرايا، ولما انتهت إلى الكوفة التحمت مع جيوش أبي السرايا، فانهزم الجيش العبّاسي شرّ هزيمة، واستولى جيش أبي السرايا على جميع أمتعته (1)، وقد انتصر أبو السرايا انتصاراً رائعاً، وسرى الخوف والرعب في نفوس العبّاسيّين، وأيقن الكثيرون منهم أن الثورة قد نجحت، وأن مصيرهم في خطر عظيم.

وفاة الزعيم محمّد

ومن المؤسف حقاً أنّ الزعيم الكبير محمّد بن إبراهيم قد توفّي، وذهبت معظم المصادر التاريخية إلى أنه توفي وفاة طبيعية، وعزت بعض المصادر وفاته إلى أبي السرايا، فقد دسّ إليه سماً فاغتاله ليتخلّص منه، وأكبر الظن أنه توفي حتف أنفه، ولم يكن لأبي السرايا أي ضلع فيها؛ لأنّ الثورة كانت في بدايتها، وليس من الممكن بأي حال من الأحوال أن يُقدم أبو السرايا على اغتياله في تلك الظروف الحرجة التي لم يتيقن فيها بنجاح ثورته.

ومهما يكن من أمر، فإنّ أبا السرايا قام بتجهيز الجثمان الطاهر، فغسله وأدرجه في أكفانه، وحملوه في غلس الليل البهيم إلى الغريّ فدفنوه فيه (2)ورجعوا إلى الكوفة، وفي الصباح جمع أبو السرايا الناس ونعى إليهم الزعيم الكبير محمّد، وعزاهم بوفاته، فارتفعت الأصوات بالبكاء، والتفت إليهم قائلاً:

لقد أوصى أبو عبد اللّه إلى شبيهه، ومن اختاره، وهو أبو الحسن عليّ بن


1) مقاتل الطالبيّين : 432.

2) مقاتل الطالبيّين : 434.

عبید اللّه، فإن رضيتم به فهو الرضى، وإلا فاختاروا لأنفسكم.

وساد الوجوم في جميع قطعات الجيش، ولم ينبس أحد ببنت شفة، وانبرى العلوي محمّد بن محمّد بن زيد، وهو غلام حدث السنّ، فخاطب العلويّين قائلاً: يا آل علي، إنّ دين اللّه لا يُنصر بالفشل، وليست يد هذا الرجل - يعني أبا السرايا - عندنا بسيئة، وقد شفى الغليل، وأدرك الثأر.

والتفت إلى علي بن عبيد اللّه، فقال له : ما تقول يا أبا الحسن، فقد وصانا بك. امدد يدك نبايعك.

وأضاف يقول : إنّ أبا عبيد اللّه (رَحمهُ اللّه) قد اختار، فلم يعدم الثقة في نفسه، ولم يألوا جهداً في حق اللّه الذي قلّده، وما ردّ وصيّته تهاوناً بأمره، ولا أدع هذا نكولاً عنه، ولكن أتخوّف أن اشتغل به عن غيره مما هو أحمد وأفضل عاقبة، فامض رحمك اللّه لأمرك، واجمع شمل بني عمّك، فقد قلّدناك الرئاسة علينا، وأنت الرضى عندنا، الثقة في أنفسنا.

ثم التفت إلى أبي السرايا فقال له : ما ترى، أرضيت به ؟

وسارع أبو السرايا قائلاً: رضاي من رضاك، وقولي من قولك.

وجذبوا يد محمّد بن محمّد فبايعوه، وقام محمّد في الوقت بعزم ثابت فنظم شؤون حكومته، وبعث عماله إلى الأقطار الإسلاميّة التي فتحها أبو السرايا، وهذه المناطق التي بعث إليها عماله :

1 - الكوفة : وقد ولّى عليها إسماعيل بن عليّ.

2 - اليمن : وقد ولّى عليها إبراهيم نجل الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ).

3 - الأهواز : وقد جعل عليها زيد بن موسى.

4 - البصرة : وقد استعمل عليها العبّاس بن محمّد.

5 - مكة : وقد جعل عليها الحسن بن الحسن الأفطس والياً.

6 - واسط : وقد جعل عليها جعفر بن محمّد بن زيد، وجعل على شرطته روح بن الحجاج، وأسند القضاء إلى عاصم بن عامر.

وضربت النقود بالكوفة، وكتب عليها الآية الكريمة : «إِنَّ اللّه يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفَا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ» (1)، وأخذت الثورة تتّسع في مناطق العالم الإسلامي، فقد سئم المسلمون من الحكم العبّاسي، واستجابوا بفرح وسرور إلى الحكم العلويّ.

وأدرك العبّاسيّون الخطر الذي يهدّد حياتهم وزوال سلطانهم، فقد مُني والي العراق الحسن بن سهل بهزيمة ساحقة، فكتب إلى طاهر بن الحسين لينضم إليه إلى قتال أبي السرايا، ولكن كتبت إليه رقعة فيها هذه الأبيات، وقد أخفى صاحبها اسمه، وهي :

قِناعُ الشَّكُ يَكْشِفُهُ اليَقينُ***وَأَفضَلُ كَيدِكَ الرَّأْيِّ الرَّصِينُ

تَثَبَّتْ قَبلَ يَنفَذُ فيكَ أَمْرٌ***يهيجُ لِشَرِّهِ داءٌ دَفين

اتَنْدِبُ طَاهِراً لِقِتالِ قَومٍ***بِنُصرَتِهِمْ وَطاعَتِهِمْ يَدِينُ

سَيُطلِقُها عَلَيكَ مُعَقَلاتٍ***تَصُرُّ ودونَها حَربٌ زَبونُ

ویبعَثُ كامِناً في الصدرِ مِنْهُ***وَلا يَخْفَى إِذا ظَهَرَ المَصون

فَشَأْنكَ وَاليَقِينُ فَقَدْ أَنَارَتْ***مَعالِمُهُ وَأَظْلَمَتِ الظُّنون

ودونَكَ ما تُريدُ بِعَزِمٍ رَأْيٍ***تُدَبَّرُهُ وَدَعْ ما لا يَكونُ

ولما قرأ الحسن هذه الأبيات رجع عن رأيه، وكتب إلى هرثمة بن أعين يسأله التعجيل في القدوم إليه، وأوفد لمقابلته السندي بن شاهك، وكانت بين الحسن وهر ثمة شحناء وتنافر، فلما التقى به السندي وناوله الكتاب، فقرأ، وقال : نوطئ


1) الصف 61 : 4.

نحن الخلافة، ونمهد لهم أكنافها، ثمّ يستبدّون بالأمور ويستأثرون بالتدبير علينا فإذا انفتق عليهم فتق بسوء تدبيرهم وإضاعتهم الأمور أرادوا أن يصلحوه بنا، لا واللّه، ولا كرامة حتّى يعرف أمير المؤمنين - يعني المأمون - سوء آثارهم، وقبيح أفعالهم.

وتباعد عنه السندي ويئس منه، ووردت عليه رسالة من المنصور بن المهدي، فلمّا قرأها استجاب، وقفل راجعاً إلى بغداد، فلما صار إلى النهروان خرج البغداديون إلى استقباله، وفي طليعتهم الوجوه وقادة الجيش، وحينما رأوه ترجّلوا جميعاً، ونزل في داره، وأمر الحسن بن سهل بدواوين الجيش فنقلت إليه ليختار من الرجال ما شاء، وأطلقت إليه بيوت الأموال، وأخذ هرثمة يجمع الجيوش ويعدّ العدة لمناجزة أبي السرايا.

ولمّا كملت جيوشه وكان عددهم ثلاثين ألف مقاتل ما بين فارس وراجل زحف بهم نحو الكوفة، واجتاز على المدائن فاستولى عليها، وهزم عاملها، ثمّ زحف نحو الكوفة، والتقى جيشه بجيش أبي السرايا، فالتحما ودارت بينهما معارك رهيبة، وقد قتل من أصحاب أبي السرايا خلق كثير، وقد انهارت قواه العسكرية، ولم يعد قادراً على حماية الكوفة التي هي عاصمته، فهرب نحو القادسية، ثمّ منها إلى السوس، فأغلق أهلها عليه الأبواب، وطلب أبو السرايا منهم أن يفتحوها له، ففتحوها، ووقعت الحرب بينهم وبين أهالي السوس، فانهزم أبو السرايا قاصداً خراسان، فنزل قرية يقال لها برقانا، فخرج إليهم عاملها، فاجتمع بهم، وأعطاهم الأمان، فاستجابوا له، وفي نفس الوقت أرسلهم إلى الحسن بن سهل، وكان مقيماً بالمدائن، فلمّا انتهوا إليه أمر بقتل أبي السرايا، فقتل، ثم أمر بصلب رأسه في الجانب الشرقي من بغداد، كما أمر بصلب بدنه في الجانب الغربي من بغداد (1).


1) حياة الإمام موسی بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : 2: 403 - 406، نقلاً عن مقاتل الطالبيّين وغيره.

وكانت المدة بين خروجه وقتله عشرة أشهر (1).

وانتهت بذلك هذه الحادثة الخطيرة، وقد قتل فيها ما يقرب من مائتي ألف مقاتل، ومما لا شبهة فيه أنّ هذه الثورة وأمثالها كانت ناجمة من سوء السياسة العبّاسيّة التي لم تألوا جهداً في ظلم الناس وإرغامهم على الذل والعبودية للحكم العبّاسي.

وعلى أي حال، فإنّ الحياة السياسيّة في عصر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كانت مضطربة وبشعة، فقد شاعت الاضطرابات، وانتشر التمرّد على الحكم العبّاسي في معظم البلاد الإسلاميّة.

التنكيل بالعلويّين

ومن أقسى المحن التي عاناها السادة العلويّون في العصور العبّاسية الأولى والتي شاهد بعضها الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو التنكيل القاسي بالعلويّين، فقد عمد العبّاسيون بشكل سافر إلى اضطهادهم وتصفيتهم جسدياً.

وكان أوّل من أوقع الفتنة بين العلويّين والعبّاسيّين هو المنصور الدوانيقي (2)، وهو القائل : قتلت من ذرّيّة فاطمة ألفاً أو يزيدون، وتركت سيدهم ومولاهم وإمامهم جعفر بن محمّد» (3).

لقد قتل هذا العدد من أبناء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ليجعلهم ذخراً له يقدمهم إلى اللّه تعالى وإلى جدهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وهو الذي ترك لولده خزانة رؤوس العلويّين، وعلق بكل رأس ورقة كتب فيها اسم العلوي، وقد حوت رؤوس شيوخ وأطفال


1) الكامل في التاريخ : 5 : 177.

2) تاريخ الخلفاء : 261. مروج الذهب : 4: 222.

3) الأدب في ظل التشيع : 68.

وشباب (1).

وقال للإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): لأقتلنّك ولأقتلن أهلك حتّى لا أبقى على الأرض منكم قامة سوط (2).

وقال أبو القاسم الرسي عندما هرب من المنصور إلى السند :

لَمْ يَروِهِ ما أَراقَ البَغْيُ مِنْ دَمِنا***في كلّ أَرْضِ فَلَمْ يَقْصُرْ مِنَ الطَّلَبِ

وَلَيْسَ يَشفي غليلاً في حَشَاهُ سِوى***أَنْ لا يَرى فَوقَها إِبْناً لِبِنْتِ نَبِي (3)

إن ما اقترفه المنصور من إراقة دماء ذرية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من أسوأ الصفحات في تاريخ الدولة العبّاسية، كما يقول السيّد أمير عليّ (4).

وفي عهد الهادي عانت الأسرة العلوية الخوف والارهاب، فقد أخافهم خوفاً شديداً، وألح في طلبهم، وقطع أرزاقهم واعطياتهم، وكتب إلى الآفاق بطلبهم (5)، وهو صاحب واقعة «فخ» الشبيهة بكارثة كربلاء في مآسيها، فقد بلغ عدد الرؤوس التي أرسلت إليه مائة ونيفاً، وسبى الأطفال والنساء، وقتل السبي حتّى الأطفال (6).

وأمّا في عهد الرشيد، فقد عانى العلويّون أشدّ وأقسى ألوان الظلم. يقول الفخري : «لم يكن - أي الرشيد - يخاف اللّه وأفعاله بأعيان آل علي، وهم أولاد بنت نبيّه لغير جرم» (7).


1) تاريخ الأمم والملوك : 6: 320.

2) مناقب آل أبي طالب : 3 : 357.

3) النزاع والتخاصم : 51.

4) مختصر تاريخ العرب : 18.

5) تاريخ اليعقوبي : 3: 136.

6) حياة الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : 1 : 491، نقلاً عن تاريخ الأمم والملوك : 7 : 475.

7) الآداب السلطانية : 20.

وقد أقسم على تصفيتهم وتصفية شيعتهم، يقول : «حتام اصبر على آل بني أبي طالب، واللّه لأقتلنّهم ولأقتلنّ شيعتهم» (1).

وقد أوعز إلى عامله على يثرب بأن يضمن العلويّون بعضهم بعضاً (2)، وهو الذي هدم قبر سيّد الشهداء، وريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقطع السدرة التي كان يستظل تحتها الزائرون، وقد قام بذلك عامله على الكوفة موسى بن عيسى العبّاسي (3).

ومن أعظم ما اقترفه من الإثم اغتياله لإمام المسلمين، وسيّد المتّقين، الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعدما قضى في سجونه حفنة من السنين.

ويصف دعبل الخزاعي في قصيدته العصماء التي رثى بها الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما عاناه العلويّون من القتل والسجن والتعذيب من العبّاسيّين. يقول :

وَلَيْسَ حَيَّ مِنَ الأَحْياءِ نَعْلَمُهُ***مِنْ ذِي يَمَانٍ ولا بَكْرٍ وَلا مُضَرٍ

إلَّا وَهُمْ شُرَكَاءٌ في دِمَائِهِمْ***كَما تَشَارَكَ أَيْسَارٌ عَلَى جُزر (4)

قَتْلاً وَأَسْراً وَتَخْوِيفاً ومَنْهَبَةً***فِعل الغُرَاةِ بِأَهْلِ الرّومِ وَالخَزَرِ

أَرى أُمَيَّةَ مَعْذورينِ إِنْ قَتَلُوا***وَلَا أَرى لِبَني العبّاس مِنْ عُذْرِ (5)

ويقول منصور النمري :

آلُ النبيّ وَمَنْ يُحِبُّهُم***يَتَطَامَنُون مَخافَةَ القَتْلِ


1) الأغاني : 225:5.

2) الولاة والقضاة : 198.

3) أمالي الطوسي : 330.

4) الأيسار : جمع يَسَر، وهو الذي يتولى قسمة الجزور.

5) دیوان دعبل : 105. الغدير : 2 : 375.

أَمِنَ النَّصارى وَاليَهودُ وهُمْ***مِنْ أُمَّةِ التوحيد في أَزْلِ

وعرض الشاعر الكبير ابن الرومي في قصيدته التي رثى بها الشهيد الخالد يحيى إلى محن العلويّين، وما جرى عليهم من صنوف التعذيب، يقول :

أَلَا أَيُّهَذَا النَّاسُ طال ضَريرُكُمْ***بِآلِ رَسولِ اللّه فَاخْشُوا أَوِ ارْتَجوا

أَكُلُّ أَوانٍ للنبيّ محمّد***قَتيلٌ زَكِي بِالدِّمَاءِ مُضَرَّجُ

تبيعونَ فيهِ الدِّينَ شَرُّ أَئِمَّةٍ***فَللّه دينُ اللّه قَدْ كادَ يَمرَجُ (1)

إلى أن قال :

بَني المُصْطَفَى كَمْ يَأْكُلُ النَّاسُ شِلْوَكُمْ***لِبَلواكُمُ عَمّا قَليلٍ مُفَرِّجُ (2)

أما فيهم راعٍ لِحَق نَبِيّهِ***وَلَا حَائِفٌ مِنْ رَبِّهِ يَتَحَرَّجُ (3)

وقد عرض أحرار الشعراء إلى ما عاناه السادة من الخطوب والمحن من أئمة الظلم والجور في كثير مما نظموه، وقد ذكرنا القسم الكثير منه في مؤلّفاتنا عن أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، من أراد الوقوف عليه فليراجعها، ونختم هذا البحث بالرسالة الآتية، فقد عرضت ما جرى على العلويّين

رسالة الخوارزمی

وكشف الخوارزمي في رسالته التي بعثها إلى أهل نيشابور ما جرى على السادة العلويّين من ضروب المحن والبلاء التي يُعانيها غيرهم، وننقل بعض ما جاء منها،

قال :


1) أراد بشرّ الأئمّة ملوك العبّاسيّين. يمرج : أي يفسد ويضطرب.

2) الشلو : العضو، والمراد قتل أبنائهم.

3) مقاتل الطالبيّين: 646.

«فلما انتهكوا - أي بني أميّة - ذلك الحريم، واقترفوا ذلك الإثم العظيم غضب اللّه عليهم، وانتزع الملك منهم، فبعث عليهم أبا مجرم - لا أبا مسلم - فنظر لا نظر اللّه إليه إلى صلابة العلوية، وإلى لين العبّاسيّة، فترك تقاه، واتبع هواه، وباع آخرته بدنياه، وافتتح عمله بقتل عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب وسلّط طواغیت خراسان وخوارج سجستان وأكراد أصفهان على آل أبي طالب يقتلهم تحت كلّ حجرٍ ومدر، ويطلبهم في كلّ سهل وجبل، حتّى سلّط عليه أحبّ الناس إليه فقتله كما قتل الناس في طاعته، وأخذه بما أخذ الناس في بيعته، ولم ينفعه أن أسخط اللّه برضاه، وأن ركب ما لا يهواه.

وخلت إلى الدوانيقي الدنيا، فخبط فيها عسفاً، وتقضى فيها جوراً وحيفاً، وقد امتلأت سجونه بأهل بيت الرسالة، ومعدن الطيب والطهارة، قد تتبع غائبهم، وتلقّط حاضرهم، حتّى قتل عبد اللّه بن محمّد بن عبد اللّه الحسني (بالسند) على يد عمر بن هشام الثعلبي، فما ظنك بمن قرب متناوله عليه، ولان مسّه على يديه ؟

وهذا قليل في جنب ما قتله هارون منهم، وفعله موسى قبله بهم، فقد عرفتم ما توجّه على الحسين بن علي بفخّ من موسى، وما اتفق على عليّ بن الأفطس الحسيني من هارون، وما جرى على أحمد بن علي الزيدي، وعلى القاسم بن عليّ الحسني من حبسه، وعلى غسّان بن حاضر الخزاعي حين أخذ من قبله، وبالجملة أن هارون مات وقد حصد شجرة النبوّة، واقتلع غرس الإمامة وأنتم أصلحكم اللّه أعظم نصيباً في الدين من الأعمش، فقد شتموه، ومن شريك فقد عزلوه، ومن هشام بن الحكم فقد أخافوه، ومن علي بن يقطين فقد اتّهموه».

وعرض بعد هذا إلى بني أمية، ثمّ عرض ثانياً لبني العبّاس قائلاً :

«وقل في بني العبّاس فإنك ستجد بحمد اللّه تعالى مقالاً، وجل في عجائبهم فإنك ترى ما شئت مجالاً.

يجيء فيئهم فيفرّق على الديلمي والتركي ويحمل إلى المغربي والفرغاني ويموت إمام من أئمة الهدى، وسيّد من سادات بني المصطفى، فلا تتبع جنازته، ولا تجصص مقبرته، ويموت (ضراط) لهم أو لاعب أو مسخرة أو ضارب، فتحضر جنازته العدول والقضاة، ويعمر مسجد التعزية عنه القواد والولاة، ويسلم فيهم من يعرفونه دهرياً أو سوفسطائيّاً، ولا يتعرّضون لمن يدرس كتاباً فلسفيّاً ومانويّاً، ويقتلون من عرفوه شيعيّاً، ويسفكون دم من سمّى ابنه عليّاً، ولو لم يقتل من شيعة أهل البيت غير المعلى بن خنيس قتيل داود بن عليّ، ولو لم يحبس فيهم غير أبي تراب المروزي لكان ذلك جرحاً لا يبرأ، ونائرة لا تطفأ، وصدعاً لا يلتئم، وجرحاً لا يلتحم.

وكفاهم أن شعراء قريش قالوا في الجاهلية أشعاراً يهجون بها أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويعارضون فيها أشعار المسلمين، فحملت أشعارهم ودونت أخبارهم، ورواه-ا الرواة، مثل الواقدي ووهب بن منبه التميمي، ومثل الكلبي والشرقي بن القطامي، والهيثم بن عدي، وداب بن الكناني.

وإنّ بعض شعراء الشيعة يتكلّم في ذكر مناقب الوصي وفي ذكر معجزات النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فيقطع لسانه، ويمزّق ديوانه، كما فعل بعبد اللّه بن عمار البرقي، وكما أُريد بالكميت بن زيد الأسدي، وكما نبش قبر منصور بن الزبرقان النمري، وكما دمّر على دعبل بن عليّ الخزاعي، مع رفقتهم من مروان بن أبي حفصة اليمامي، ومن علي بن الجهم الشامي ليس إلا لغلوّهما في النصب واستيجابهما مقت الربّ، حتّى أنّ هارون ابن الخيزران وجعفر المتوكل على الشيطان - لا على الرحمن - كانا لا يعطيان مالاً، ولا يبذلان نوالاً إلا لمن شتم آل أبي طالب، ونصر مذهب النواصب مثل عبد اللّه بن مصعب الزبيري، ووهب بن وهب أبي البختري، ومن الشعراء مثل مروان بن أبي حفصة الأموي، فأما في أيّام جعفر، فمثل بكار بن عبداللّه الزبيري، وأبي السمط بن أبي الجون الأموي، وابن أبي الشوارب العبشمي».

وعرج بعد هذا الكلام على بني أمية، وما اقترفوه من ظلم العلويّين، ثم استأنف الكلام عن العبّاسيّين، فقال :

«ما هذا بأعجب من صياح شعراء بني العبّاس على رؤوسهم بالحق، وإن كرهوه، ويتفضيل من نقصوه وقتلوه. قال منصور بن الزبرقان على بساط هارون :

آلُ النَّبى وَمَنْ يُحِبُّهُمُ***يَتَطَامَنونَ مَخافَةَ الْقَتْلِ

أمِنَ النَّصارى واليهودُ وَهُمْ***مِنْ أُمَّةِ التَّوحيدِ في أَزْلِ(1)

وقال دعبل بن عليّ، وهو صنيعة بني العبّاس وشاعرهم: (2)

أَلَمْ تَرَ أَنِّي مِنْ ثَمَانِينَ حِجَّةٌ***أَروحُ وَأَغْدو دائِمَ الْحَسَراتِ

أَرى فَيْئَهُمْ فِي غَيْرِهِمْ مُتَقَسِّماً***وَأَيديهِمْ مِنْ فَيئِهِمْ صَفِراتِ

وقال عليّ بن العبّاس الرومي، وهو مولى المعتصم :

بِكُل أَوانٍ للنبيّ محمّدٍ***قَتِيلٌ زَكِي بِالدِّمَاءِ مُضَرَّجُ

وقال إبراهيم بن العبّاس الصولي، وهو كاتب القوم وعاملهم في الرضا لما قرّبه المأمون :

يُمَنُّ عَلَيْكُمْ بِأَموالِكُمْ***وَتُعطُونَ مِنْ مائَةٍ واحدا

وكيف لا ينتقصون قوماً يقتلون بني عمهم جوعاً وسغباً، ويملأون ديار الترك والديلم فضّة وذهباً، يستنصرون المغربي والفرغاني، ويجفون المهاجري والأنصاري، ويولون أنباط السواد وزاراتهم، وقلف العجم قيادتهم، ويمنعون آل أبي


1) الأزل : الضيق والشدّة.

2) لم يكن دعبل الخزاعي صنيعة بني العبّاس، وإنّما هو صنيعة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وشاعرهم، وعانى في سبيلهم المصاعب والكوارث.

طالب ميراث أُمّهم، وفيء جدّهم، يشتهي العلوي الأكلة فيحرمها، ويقترح على الأيّام الشهوة فلا يطعمها، وخراج مصر والأهواز، وصدقات الحرمين والحجاز تصرف إلى ابن أبي مريم المديني، وإلى إبراهيم الموصلي، وابن جامع السهمي، وإلى زلزل الضارب، وبرصوما الزامر، وإقطاع بختيشوع النصراني، قوت أهل بلد، وجاري بغا التركي، والأفشين الأسروشني كفاية أُمة ذات عدد.

والمتوكل يتسرّى باثني عشر ألف سريّة، والسيّد من سادات أهل البيت يتعفف بزنجيّة أو سنديّة، وصفوة مال الخراج مقصور على أرزاق الأفاغنة، وعلى موائد المخانثة، وعلى طعمة الكلابين، ورسوم القرّادين، وعلى مخارق وعلوية المغنّي، وعلى زرزر، وعمر بن بانة الملهي، ويبخلون على الفاطمي بأكلة أو شربة، يصرفونه على دائق وحبة، ويشترون العوادة بالبدر، ويجرون لها ما يفي برزق عسكر، والقوم الذين أحلّ لهم الخمس، وحرمت عليهم الصدقة، وفرضت لهم الكرامة والمحبّة، يتكفّفون ضراً، ويهلكون فقراً، ويرهن أحدهم سيفه، ويبيع ثوبه، وينظر إلى فيئه بعين مريضة، ويشتد على دهره بنفس ضعيفة ليس له ذنب إلا أن جده النبي، وأباه الوصي، وأمه فاطمة، وجدته خديجة، ومذهبه الإيمان، وإمامه القرآن، وحقوقه مصروفة إلى القهرمانة والمفرطة وإلى المغمزة وإلى المزررة، وخمسه مقسوم على نقار الديكة الدمية، والقردة، وعلى رؤوس اللعبة والعبة، وعلى مرية الرحلة.

وماذا أقول في قوم حملوا الوحوش على النساء المسلمات، وأجروا العبادة وذويه الجرايات، وحرثوا تربة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالفدان، ونفوا زوّاره إلى البلدان، وما أصف من قوم هم نطق السكارى في أرحام القيان ؟

وماذا يقال في أهل بيت منهم البغا، وفيهم راح التخنيث وغدا، وبهم عرف اللواط ؟

كان إبراهيم بن المهدي مغنّياً، وكان المتوكل مؤنثاً موضعاً، وكان المعتز مخنثاً، وكان ابن زبيدة معتوهاً مفركاً، وقتل المأمون أخاه، وقتل المنتصر أباه، وسمّ

موسى بن المهدي أُمِّه، وسمّ المعتضد عمّه.

وعرض بعد هذا إلى مصائب الأمويين، ثم ختم كلامه بعيوب العبّاسيّين قائلاً:

«وهذه المثالب مع عظمها وكثرتها، ومع قبحها وشنعتها، صغيرة وقليلة في جنب مثالب بني العبّاس الذين بنوا مدينة الجبارين، وفرّقوا في الملاهي والمعاصي أموال المسلمين، هؤلاء أرشدكم اللّه الأئمّة المهديون الراشدون، الذين قضوا بالحقّ وبه يعدلون، بذلك يقف خطيب جمعتهم، وبذلك تقوم صلاة جماعتهم» (1).

لا أكاد أعرف وثيقة سياسية جامعة مثل هذه الوثيقة، فقد ألمت بأحوال ملوك العبّاسيّين، وحكت سوء سياستهم، التي منها قسوتهم البالغة على السادة العلويّين، وحرمانهم من جميع حقوقهم الطبيعية، حتّى بلغت بهم الضائقة إلى حد لا يُطاق، في حين أنّ الأموال الطائلة كانت تنفق على الشهوات، وعلى العابثين والمغنين والماجنين وأهل البيت، ومن يمت إليهم من شيعتهم، لا يجدون الرغيف ولا الستر، ولا غير ذلك من مستلزمات الحياة.

كما حكت هذه الوثيقة أموراً بالغة الأهمية والخطورة، ولا نحتاج إلى بيانها فهي واضحة في مدلولها.

مع الواقفية

إشارة:

من الأحداث التي جرت في عصر الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأزعجته إلى حدّ بعيد، هي انتشار مذهب الواقفيّة بين صفوف الشيعة، فقد ذهب القائلون بالوقف إلى أنّ الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) حيّ ولم يمت، ولا يموت، وأنّه رفع إلى السماء كما رفع المسيح بن مريم، وأنه هو القائم المنتظر الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلما وجوراً، وزعموا أن الذي في سجن السندي بن شاهك ليس هو الإمام


1) رسائل الخوارزمي : 130 - 140، ط. القسطنطينية / 1297.

موسى، وإنما شبّه وخيّل إلى الناس أنّه هو...

ولا بدّ من وقفة قصيرة للحديث عن بعض شؤون هذه العصابة :

1 - سبب الوقف

أمّا سبب الوقف فهو يعود إلى أن الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما كان في سجن هارون نصّب وكلاء له لبعض الحقوق الشرعيّة التي كانت ترد إليه من الشيعة، وقد اجتمعت أموال كثيرة عند بعض الوكلاء، فكان عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار.

فلمّا توفّي الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) جحدوا موته، واشتروا بالأموال التي عندهم الضياع والدور، وقد طلبها الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) منهم، فأنكروا موت أبيه، وأبوا تسليمها له (1).

2 - انتشار الوقف

وانتشرت أفكار الواقفيّة بسبب الدعاة، فقد بذلوا الأموال الطائلة بسخاء لشراء الضمائر، وإضلال الناس، فقد روى يونس بن عبدالرحمن، قال : «مات أبو إبراهيم موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وليس من قومه أحد إلا وعنده المال الكثير، وكان ذلك سبب وقفهم وجحدهم موته طمعاً في الأموال، فكان عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دینار، وعند عليّ بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار، فلما رأيت ذلك، وتبينت الحق وعرفت من أمر أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما عرفت تكلمت ودعوت الناس إليه، فبعثا إليَّ، وقالا : ما يدعوك إلى هذا ؟ إن كنت تريد المال فنحن نعينك، وضمنالي عشرة آلاف دينار، وقالا : كف.

فأبيت وقلت لهما : إنا روينا عن الصادقين (عَلَيهِم السَّلَامُ) أنهم قالوا : إِذا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ فَعَلَى الْعالِمِ أَنْ يُظْهِرَ عِلْمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ سُلِبَ نورَ الْإِيمَانِ، وَمَا كُنْتُ لأَدَعَ الْجِهَادَ فِي أَمْرِ اللّه


1) بحار الأنوار : 48 : 252، الحديث 1.

عَلى كلّ حالٍ، فناصباني، وأضمرالي العداوة» (1).

بمثل هذه الأساليب والخدع انتشر مبدأ الوقف، ولكنّه ما لبث أن تحطّم، وانكشف زيفه، وظهر دجل دعاته.

3 - شجب الإمام للواقفية

وأنكر الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) على دعاة الواقفية ما ذهبوا إليه، فقد كتب إليه بعض شيعته يسأله عنهم، فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : الْواقِفُ حائِدٌ عَنِ الْحَقِّ، وَمُقِيمٌ عَلَى سَيِّئَةٍ إِنْ ماتَ لَها كانَتْ جَهَنَّمُ مَأْواهُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» (2).

وسأله بعض الشيعة عن جواز إعطاء الزكاة لهم، فنهاه عن ذلك، وقال : إِنَّهُمْ كُفَّارٌ، مُشْرِكونَ، زَنَادِقَةٌ (3).

ووفد محمّد بن الفضيل على الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال للإمام يخبره بحال زعماء الوقف : جعلت فداك، إنّى خلّفت ابن أبي حمزة، وابن مهران، وابن أبي سعيد - وهم زعماء الواقفية - أشدّ أهل الدنيا عداوة اللّه تعالى.

فأجابه الإمام : ما ضَرَّكَ مَنْ ضَلَّ إِذا اهْتَدَيْتَ، إِنَّهُمْ كَذَّبُوا رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وَكَذَّبُوا فُلاناً، وَفُلاناً، وَكَذَّبوا جَعْفَرَ وَمُوسَى، وَلي بِآبائي أُسْوَةٌ.

فانبرى محمّد قائلاً: إنّك قلت لابن مهران : أَذْهَبَ اللّه نورَ قَلْبِكَ، وَأَدْخَلَ الْفَقْرَ بَيْتَك.

فقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : كَيْفَ حَالُهُ، وَحالُ إِخْوَانِهِ ؟

فأخبره محمّد باستجابة دعائه، وأنّهم معانون البؤس والفقر قائلاً: يا سيدي،


1) بحار الأنوار: 48 : 252، الحديث 1.

2) بحار الأنوار: 48 : 263، الحديث 18.

3) بحار الأنوار: 48 : 263، الحديث 19.

هم بأشدّ حال مكروبون ببغداد، لم يقدر الحسين أن يخرج إلى العمرة».

لقد تميّز موقف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالشدة والصرامة تجاه هؤلاء الذين ساقتهم الأطماع إلى التمرّد على الحق وجحود الإمام.

1 - الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع ابن مهران

أما الحسين بن مهران، فهو من أعلام الواقفية، وكان يكتب إلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلهجة تنم عن نفاقه وعدم إيمانه، فكان يأمر الإمام وينهاه، وقد تخلّى بذلك عن نواميس الأدب، فلم يرع مقام الإمام، وقد كتب إليه الإمام برسالة، وأمر أصحابه باستنساخها لئلّا يسترها ابن مهران، وهذه صورة الكتاب بعد البسملة :

عافانا اللّه وَإِيَّاكَ، جاءَني كِتابُكَ تَذْكُرُ فيهِ الرَّجُلَ الَّذي عَلَيْهِ الْخِيانَةُ وَالْغَيُّ، وَتَقولُ : احْذَرْهُ، وَتَذْكُرُ ما تَلْقَانِي بِهِ، وَتَبْعَثُ إِلَيَّ بِغَيْرِهِ، وَاحْتَجَجْتَ فِيهِ فَأَكْثَرْتَ، وَزَعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْراً، وَأَرَدْتَ الدخول في مِثْلِهِ... تَقولُ : إِنَّهُ عَمِلَ فِي أَمْرِي بِعَقْلِهِ وَحيلَتِهِ، نَظَراً مِنْهُ لِنَفْسِهِ، وَإِرادَةَ أَنْ تَمِيلَ إِلَيْهِ قُلوبُ النَّاسِ، لِيَكونَ الْأَمْرُ بِيَدِهِ وَإِلَيْهِ، يَعْمَلُ فِيهِ بِرَأْيِهِ، وَيَزْعُمُ أَني طاوَعْتُهُ فيما أَشَارَ بِهِ عَلَيَّ، وَهَذا أَنْتَ تُشيرُ عَلَيَّ فيما يَسْتَقِيمُ عِنْدَكَ في الْعَقْلِ وَالْحِيَلَة بَعْدَكَ [ بِغَيْرِكَ ] لَا يَسْتَقِمِ الْأَمْرُ إِلَّا بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ :

أَما قَبلْتَ الأَمْرَ عَلى ما كانَ يَكونُ عَلَيْهِ، وَأَما أَعْطَيْتَ الْقَوْمَ ما طَلَبوا، وَقَطَعْتَ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَالْأَمْرُ عِنْدَنَا مُعْوَجٌ، وَالنَّاسُ غَيْرُ مُسَلَّمينَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ مَالِي وَذَاهِبونَ، فَالْأَمْرُ لَيْسَ بِعَفْلِكَ وَلَا بِحِيلَتِكَ يَكونُ. وَلَا نَفْعَلُ الَّذِي نَحَلْتَهُ بِالْرَأْي وَالْمَشورَةِ. وَلِكنَّ الأَمْرَ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَفْعَلُ فِي خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ مَنْ يَهْدِي اللّه فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِدا (1).


1) إشارة إلى قوله تعالى : «مَن يَهْدِ اللّه فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً».الكهف 18 : 17.

فَقُلْتَ : وَاعْمَلْ فِي أَمْرِهِمْ، وَأَحْتَلْ فِيهِ، وَكَيْفَ لَكَ الْحِيلَةُ، وَاللّه يَقولُ : «وَأَقْسَمُوا بِاللّه جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّه وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ» إِلى قوله عز وجل : «وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُقْتَرِفُونَ» (1)، فَلَوْ تُجيبُهُمْ فيما سألوا عَنْهُ اسْتَقَامُوا وَسَلَّموا، وَقَدْ كانَ مِنَي ما أَمَرْتُكَ، وَأَنْكَرْتَ وَأَنْكَرُوا مِنْ بَعْدِي، وَمُدَّ لي لِقائي، وَما كانَ ذلِكَ مِنّي إِلَّا رَجاءَ الإِصْلاح لِقَوْلِ أَميرِ الْمُؤمِنينَ : اقْتَرِبوا وَسَلّوا، فَإِنَّ الْعِلْمَ يَفيضُ فَيْضاً، وَجَعَل يَمْسَحُ بَطْنَهُ وَيَقولُ: ما مُلِئَ طَعَامٌ، وَلكِنْ مَلَاتُهُ عِلْماً بِهِ، وَاللّه ما آيَةٌ نَزَلَتْ في بَرَّ وَلَا بَحْرٍ، وَلَا سَهْل وَلَا جَبَلٍ، إِلَّا أَنا أَعْلَمُها، وَأَعْلَمُ فيمَنْ نَزَلَتْ.

وَقَوْلُ أَبي عَبْدِ اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِلَى اللّه أَشْكُو أَهْلَ الْمَدِينَةِ، إِنَّما أنا فيهِمْ كَالشَّعْرَةِ أَتَنَقَّلُ، يُريدونَني أَنْ لَا أَقولَ الْحَقَّ، وَاللّه لَا أَرَالُ أَقولُ الْحَقَّ حَتَّىٰ أَمُوتَ.

فَلَمّا قُلْتُ حَقاً أريدَ بِهِ حَفْنُ دِمائِكُمْ، وَجَمْعُ أَمْرِكُمْ عَلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ، أَنْ يَكُونَ سِرُّكُمْ مَكْتوماً عِنْدَكُمْ غَيْرَ فَاشٍ فِي غَيْرِكُمْ.

وَقَدْ قالَ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : سرّاً أَسَرَّهُ اللّه إِلى جَبْرَئِيلَ، وَأَسَرَّهُ جَبْرَئِيلُ إِلى محمّد، وَأَسَرَّهُ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إِلى عَلِيٌّ، وَأَسَرَّهُ عَلِيٌّ إِلَى مَنْ شَاءَ.

ثمّ قال : قالَ أَبو جَعْفَرِ (عَلَيهِ السَّلَامُ): ثُمَّ أَنْتُمْ تُحَدِّثُونَ بِهِ فِي الطَّريقِ، فَأَرَدْتُ حَيْثُ مَضى صاحِبُكُمْ أَنْ أَلفَ أَمْرَكُمْ عَلَيْكُمْ لِئَلَّا تَضَعُوهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَلَا تَسْأَلُوا عَنْهُ غَيْرَ أَهْلِهِ، فَتَكونوا في مَسْأَلَتِكُمْ إِيَّاهُمْ هَلَكْتُمْ، فَكَمْ مِنْ دَعِي إِلى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَكُنْ داخِلاً.

ثُمَّ قُلْتُمْ : لا بُدَّ إِذا كانَ ذلِكَ مِنْهُ يَثْبُتُ عَلى ذلِكَ، وَلَا يَتَحَوَّلُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ. قُلْتُ : لأَنَّهُ كانَ مِنَ التَّقِيَّةِ، وَالْكَفُّ أولى، وأما إذا تَكَلَّمَ فَقَدْ لَزِمَهُ الْجَوابُ فيما يُسْأَلُ


1) الأنعام 6 : 109 - 113.

عَنْهُ، وَصارَ الَّذي كُنتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تَذمُونَ بِهِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ مَرْدُودٌ إِلى غَيْرِكُمْ، وَأَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْكُمُ اتِّباعُهُمْ فِيهِ إِلَيْكُمْ، فَصَيَّرْتُمْ ما اسْتَقامَ في عُقولِكُمْ وَآرَائِكُمْ، وَصَحَ بِهِ الْقِياسُ عِنْدَكُمْ بذلك لازماً لِما زَعَمْتُمْ مِنْ أَنْ لَا يَصُحُ أَمْرُنا، زَعَمْتُمْ حتّى يَكونَ ذلِك عَلَيَّ لَكُمْ.

فَإِنْ قُلْتُمْ : إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ لِصاحِبِكُمْ فَصَارَ الْأَمْرُ أَنْ وَقَعَ إِلَيْكُمْ نَبَذْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَراءَ ظُهورِكُمْ، فَلَوْ أَتَّبِعْ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، وَمَا كَانَ بُدُّ مِنْ أَنْ تَكونوا كَما كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ قَدْ أُخْبِرْتُمْ أَنَّهَا السُّنَنُ وَالْأَمْثَالُ الْقُذَةُ بِالْقُذَّةِ.

وَما كانَ يَكونُ ما طَلَبْتُمْ مِنَ الْكَفِّ أَوَّلاً وَمِنَ الْجَوابِ آخِراً، شِفاءٌ لِصُدورِكُمْ وَلَا ذَهَابَ شَكّكُمْ، وَما كانَ بُدَّ مِنْ أَنْ يَكونَ ما قَدْ كانَ مِنْكُمْ، وَلَا يَذْهَبُ عَنْ قُلوبِكُمْ حتّى يُذْهِبَهُ اللّه عَنْكُمْ، وَلَوْ قَدَرَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَلى أَنْ يُحِبّونا وَيَعْرفوا حَقْنا، وَيُسَلِّموا لأَمْرِنا، فَعَلوا، وَلكِنَّ اللّه يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَتَابَ.

فَقَدْ أَجَبْتُكَ فِي مَسائِلَ كَثِيرَةٍ، فَانْظُرْ أَنْتَ وَمَنْ أَراد الْمَسَائِلَ مِنْهَا وَتَدَبَّرَها، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسَائِلِ شِفَاءٌ فَقَدْ مَضى إِلَيْكُمْ مِنِّي مَا فِيهِ حُجَّةٌ وَمُعْتَبَرٌ.

وَكْثَرَةُ الْمَسَائِل مَعِيبَةٌ عِندنا مَكْرُوهَةٌ، إِنَّما يُريدُ أَصْحابُ الْمَسائِلِ الْمِحْنَةَ لِيَجِدوا سَبيلاً إلَى الشُّبْهَةِ وَالضَّلالِ، وَمَنْ أَرادَ لَبْساً لَبَسَ اللّه عَلَيْهِ، وَوَكَلَهُ إِلى نَفْسِهِ، وَلَا تَرى أَنْتَ وَأَصْحابُكَ أَنّي أَجَبْتُ بِذلِكَ، وَإِنْ شِئْتُ صَمَتُ فَذاكَ إِلَيَّ لَا مَا تَقولُه أَنتَ وَأَصْحابُكَ، لَا تَدْرُونَ كَذَا وَكَذَا، بَلْ لا بُدَّ مِنْ ذلِكَ إِذْ نَحْنُ مِنْهُ عَلَى يَقِينِ، وَأَنْتُمْ مِنْهُ في شَكٍّ (1).

وانتهت هذه الرسالة التي بعثها الإمام إلى الحسين بن مهران، وقد احتوت على


1) رجال الكشى : 1121/599.

أمور غامضة، بالإضافة إلى تقطع فصولها وعدم ترابطها، وأكبر الظنّ أنّه قد حذف منها ما يوجب ربطها، وإيضاح المقصود منها

وعلى أي حال، فقد عبّرت هذه الرسالة عن محنة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وآلامه من الواقفيّة الذين غرّتهم الدنيا.

2 - الحسين بن عمر

قال : «سمعت يحيى بن أكثم قاضي سامراء بعدما جهدت به وناظرته، وحاورته وواصلته، وسألته عن علوم آل محمّد، فقال : بينا أنا ذات يوم دخلت أطوف بقبر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فرأيت محمّد بن علي الرضا (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) يطوف به، فناظرته في مسائل عندي، فأخرجها إليَّ، فقلت له : واللّه إنّي أريد أن أسألك مسألة، وإني واللّه لأستحى من ذلك !

فقال لي : أنا أُخْبِرُكَ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَني، تَسْأَلُني عَنِ الْإِمَامِ.

فقلت : هو واللّه هذا !

فقال : أنا هُوَ.

فقلت : علامة ؟

فكان في يده عصا، فنطقت وقالت : إنّ مولاي إمام هذا الزمان، وهو الحجّة» (1).

وروى الحسين بن عمر بن يزيد، قال : «دخلت على الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأنا يومئذ واقف، وقد كان أبي سأل أباه عن سبع مسائل، فأجابه في ستّ، وأمسك عن السابعة، فقلت : واللّه لأسألته عمّا سأل أبي أباه، فإن أجاب بمثل جواب أبيه كانت دلالةً، فسألته، فأجاب بمثل جواب أبيه في المسائل الستّ، فلم يزد في الجواب واواً


1) أصول الكافي : 1: 353.

ولا ياءً، وأمسك عن السابعة.

وقد كان أبي قال لأبيه : إني احتج عليك عند اللّه يوم القيامة أنك زعمت أنّ عبد اللّه لم يكن إماماً.

فوضع (عَلَيهِ السَّلَامُ) يده على عنقه ثم قال له : نِعَمْ، احْتَجْ عَلَيَّ بِذلِكَ عِنْدَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، فَما كانَ فيهِ مِنْ إِثْمِ فَهُوَ فِي رَقَبَتي... الخ» (1).

3 - الوشاء

روى الوشّاء، قال : «أتيت خراسان وأنا من الواقفية، وقد حملت معي قناعاً، وكان معي ثوب وشي في بعض الرزم، ولم أعرف مكانه، فلما قدمت ونزلت في بعض منازلها لم أشعر إلا ورجل مدني من بعض مولّديها، فقال لي : أبو الحسن الرضا يقول لك : ابْعَثْ إِلَيَّ التَّوْبَ الْوَشْي الَّذِي عِنْدَكَ.

فقلت : ومن أخبر أبا الحسن بقدومي ؟ وأنا قدمت آنفاً، وما عندي ثوب وشي.

فرجع إليه وأخبره، فعاد إليَّ، فقال لي : يقول لك : هُوَ فِي مَوْضِع كَذا وَكَذا، فطلبته حيث قال، فبعثت به إليه» (2)، وكان ذلك سبباً لهدايته.

هؤلاء بعض المؤمنين الذين هداهم اللّه، ورجعوا عن الوقف، ودانوا بإمامة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).

مشكلة خلق القرآن

من الأحداث المهمة في عصر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هي مسألة خلق القرآن، فقد اختلف العلماء فيها اختلافاً كثيراً، وعانى منهم جماعة سخط الدولة ونقمتها، وغضب


1) أصول الكافي : 1: 353.

2) أصول الكافي : 1 : 354.

الجمهور.

لقد نشأت هذه الفكرة في أواخر الدولة الأموية، وكان أوّل من ابتدعها الجعد بن درهم معلم مروان بن محمّد آخر خلفاء بني أمية، فهو أوّل من تكلّم بها، وقد حرّر و شرح فصولها وأذاعها في دمشق، فطلبته السلطة فهرب منها، ثم نزل الكوفة، فتعلم منه الجهم بن صفوان الذي تنسب إليه الطائفة الجهميّة (1).

ويقول ابن الأثير : «إنّ هشام بن عبد الملك قبض على الجعد وأرسله مخفوراً إلى خالد القسري أمير العراق وأمره بقتله، فحبسه خالد ولم يقتله، فبلغ الخبر هشاماً، فكتب إليه يلومه ويعزم عليه بقتله، فأخرجه خالد من الحبس في وثاقه، فلما صلّى العيد يوم الأضحى قال في آخر خطبته : انصرفوا وضحوا يقبل اللّه منكم، فإنّي أريد أن أضحي اليوم بالجعد، فإنّه يقول : ما كلّم اللّه موسى، ولا اتخذ اللّه إبراهيم خليلاً، تعالى اللّه عما يقول الجعد، ثم نزل وذبحه» (2).

وظلّت هذه الفكرة بعد مقتل الجعد تحت الخفاء وفي طي الكتمان إلى دور هارون، وعندما ظهر أمر المعتزلة، وانتشرت أفكارهم أعلنوا القول بخلق القرآن، وكان من أهم الداعين إلى ذلك بشر المريسي، وقد ألف فيها عدّة كتب، وبلغ خبره هارون، فقال : واللّه لئن أظفرني اللّه به لأقتلنه قتلة ما قتلتها أحداً، ولما بلغ بشر ذلك توارى واختفى طيلة حكم هارون (3).

ولما ولي الحكم المأمون نشطت الحركة، وأخذت الفكرة بالنمو والاتساع، وتبنّى المأمون القول بخلق القرآن، وحمل الناس على القول بها، فمن خالفها تعرّض للنقمة والعذاب.


1) شرح العيون : 159.

2) عصر المأمون : 1 : 395.

3) النجوم الزاهرة : 1 : 147.

وتعتبر هذه المسألة من أهم الأحداث الخطيرة التي حدثت في عصر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد تعرّض لبسطها وإيضاح جوانبها الفلاسفة من المعتزلة وغيرهم، وهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالكلام النفسي، فهي من فروعه وبحوثه، ولولا خوف الإطالة لتحدّثنا عنها بالتفصيل (1).

الكذب على الأئمّة

وشاع افتعال الأحاديث والكذب على الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) في عصر الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وزاد على غيره من سائر العصور، وذلك للحط من شأنهم، والتقليل من أهمّيتهم، ومن بين تلك الأحاديث ما نقله أبو الصلت، فقد قال للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يابن رسول اللّه، ما شيء يحكيه الناس عنكم ؟

وسارع الإمام :قائلاً: ما هُوَ ؟

يقولون : إنّكم تدعون أن الناس عبيد لكم.

فأنكر الإمام ذلك، وتبرأ منه، وقال : اللهم فاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَشْهَدُ بِأَنِّي لَمْ أَقُلْ ذلِكَ قَطُّ، وَلَا سَمِعْتُ أَحَداً مِنْ آبَائِي قَالَهُ، وَأَنْتَ الْعالِمُ بِما لَنا مِنَ الْمَظَالِم عِنْدَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَإِنَّ هَذِهِ مِنْهَا.

ثم التفت إلى أبي الصلت، فقال له : يا عَبْدَ السَّلامِ، إِذا كانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَبِيدُنا عَلَى ما يقولونَ: فَعَلَى مَن نَبِيعُهُمْ ؟

يا عَبْدَ السَّلامِ، أَمُنْكِرٌ أَنْتَ لِما أَوْجَبَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ لَنا مِنَ الْوَلايَةِ كَما يُنْكِرُهُ غَيْرُكَ» (2).


1) حياة الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : 2 : 213.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 197، الحديث 6. بحار الأنوار: 49: 170، الحديث 7.

وعلّق العلّامة السيّد هاشم معروف الحسني (رَحمهُ اللّه) على هذه الرواية بقوله : «لقد أنكر الإمام على السائل ذلك الاتهام الذي أراد أعداؤهم من خلاله التشنيع عليهم، وعدّه من جملة المظالم التي ارتكبتها الأمة بحقهم؛ لأنّ نسبة ذلك لهم يعني أنّهم يخالفون سنن الإسلام، ونصوص القرآن التي لا ترى فضلاً لأحد إلّا بالتقوى» (1).

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن عصر الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد ذكرنا بحثاً مفصلاً عن هذا العصر في كتابنا (حياة الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)) ولا نكرر ما ذكرناه.


1) سيرة الأئمّة الاثني عشر : 2 : 359.

في عَهَدِ الرشيد والأمين والمأمون

إشارة:

عاصر الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثلاثة من ملوك العبّاسيّين، وهم : هارون الرشيد، والأمين، والمأمون، وفي عهد الرشيد انطوت نفسه على حزن عميق وأسى مرير، وذلك لما اتخذه هارون من إجراءات صارمة وقاسية ضدّ السادة العلويّين عامة، وضدّ أبيه الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما تحدّثنا عنه في فصول هذا الكتاب، ونتحدث بإيجاز عن هؤلاء الملوك، وعن مواقفهم مع الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).

هارون الرشيد

إشارة:

وهو من أشهر ملوك بني العبّاس، فقد انتشر اسمه، وذاع ذكره في الشرق والغرب، واستوسقت له الدنيا، وزها له الملك، وأصبحت عاصمته بغداد عروس الشرق، وامتد حكمه وسلطانه إلى أغلب أنحاء الأرض، وهو القائل للسحاب : «أين ما تمطرين ففي ملكي»، وقد ذعنت له ملوك الأرض، وصغرت أمام سلطانه، ونعرض إلى بعض ملامح شخصيته، وهي :

القسوة

أمّا القسوة، فكانت من عناصره ومقوّماته، وكان فيما يقول المؤرّخون جبّاراً سفّاكاً للدماء على نمط ملوك الشرق المستبدّين، حسبما يقول الأمير شكيب أرسلان (1).


1) حياة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 119.

وكان من قسوته البالغة فتكه بالسادة العلويّين، وتنكيله بهم، فقد صبّ عليهم وابلاً من العذاب الأليم لم يألفوه إلا في عهد جده الطاغية السفاك منصور الدوانيقي، وقد عرضنا إلى ما لاقوه في عهده من الضرّ والمحن والبلاء.

الحقد

ومن عناصر شخصية الرشيد أنّه كان حقوداً على ذوي الأحساب العريقة والشخصيات اللامعة التي تتمتّع بمكانة مرموقة في الأوساط الاجتماعيّة، وقد حقد على سيّد المسلمين الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، فأودعه في ظلمات السجون ثمّ اغتاله بالسم، وذلك لما للإمام من منزلة عظمى في نفوس المسلمين، وهكذا كان حاقداً على كلّ من ذاع اسمه، وانتشر فضله بين الناس، فقد نكب البرامكة فقتل أعلامهم، وصادر أملاكهم، وتركهم بأقصى مكان من الذلّ والهوان، وذلك لما لهم من مكانة عند الناس، فكانت الشعراء تلهج بذكرهم، وتذيع جودهم وسخاءهم، فغاظه ذلك، وورم أنفه، فأنزل بهم عقابه الصارم.

لقد كان الحقد من مقومات شخصية هارون، وعنصراً بارزاً من عناصره.

التحلّل

ولم يملك هارون أي رصيد من التقوى والإيمان، فكان متحللاً منساباً وراء شهواته وملاذه، وكان من مظاهر تحلّله ما يلي :

1 - شربه للخمر

كان هارون مدمناً على شرب الخمر، وربّما كان يتولّى بنفسه سقاية ندمائه، وكانت أخته عليّة تصنع له الخمر الجيّد وتبعثه إليه، وقد ذكرنا عرضاً مفصلاً لإدمانه على الخمر، وعكوفه على شربها في كتابنا (حياة الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)).

2 - ولعه بالغناء

ونشأ هارون بين أحضان المغنيات والمطربات، وقد اجتمع في قصره عدد كبير من العازفات والمغنيات، فكان في قصره ثلثمائة جارية من الحسان يعزفن ويغنّين (1).

وقد جعل المغنّين طبقات ومراتب، فكان إبراهيم الموصلي وابن جامع وزلزل الضارب في الطبقة الأولى، وكان زلزل يضرب على العود، ويغنّي الموصلي وابن جامع، والطبقة الثانية : إسحاق وسليم بن سلام وعمرو الغزال، والطبقة الثالثة : أصحاب المعازف والطنابر (2).

وهام بحبّ ثلاث مغنّيات من جواريه هنّ غادر، وماردة، وهيلانة، وخنث وقال فيهن الشعر، ومن قوله :

مَلَكَ الثَّلاثُ الآنساتُ عِناني***وَحَلَلْنَ مِنْ قَلبي أَعَزُّ مَكانِ

ما لي تُطاوِعُني البَرِيَّةُ كُلُّها***وأطيعُهُنَّ وَهُنَّ فِي عِصْيانِ

ما ذاكَ إِلَّا أَنَّ سُلْطَانَ الْهَوى وَبِهِ غَلَبْنَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطاني (3)

وقد عرضنا بصورة مفصلة إلى هذه الظاهرة من حياة الرشيد في كتاب (حياة الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)).

3 - لعبه بالنرد

ومن تحلّل هارون وعدم مبالاته باقتراف الحرام : لعبه بالنرد (4)، وهو من أنواع القمار، وقد لعب مرّة مع إسحاق الموصلي بالنرد، وقد قامره على الخلعة التي


1) تاريخ التمدّن الإسلامي 5 : 118.

2) التاج : 40 - 42.

3) فوات الوفيات 4: 225.

4) حياة الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : 2: 70.

عليه، فغلبه الرشيد، فقام وخلع ما عليه من ثياب، فامتنع الرشيد من لبسها، وقال له : ويلك ! أنا ألبس ثيابك ؟

فقال إسحاق : إي واللّه إذا أنصفت، وإذا لم تنصف قدرت وأمكنك

قال : ويلك ! أو أفتدي منك ؟

قال : نعم.

قال الرشيد : وما الفداء ؟

قال إسحاق : قل أنت يا أمير المؤمنين، فإنّك أولى بالقوة.

فقال : كلّ ما علَيَّ.

قال إسحاق : فمر به يا أمير المؤمنين، فدعا بغير ما عليه من الثياب، ونزع ما كان عليه فدفعه إلى إبراهيم (1).

وكان يلعب بالشطرنج إذا سافر في دجلة (2).

هذه بعض الأعمال التي أثرت عن هارون، وقد دلّت بوضوح على تحلّله وعدم تمسّكه بتعاليم الدين الحنيف.

لقد أسرف هارون في الشهوات، وصار بلاطه مسرحاً لجميع ألوان الدعارة والمجون، فلا يكاد يخلو من حفلات الرقص والغناء وشرب الخمور، ولم يعد حكمه بأي حال من الأحوال يمثل أي جانب من جوانب الحكم الإسلامي.

مع الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وحينما اغتال هارون الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعث عصابة من رجال الأمن للاطّلاع


1) الأغاني : 5: 69 و 70.

2) الأغاني 9 : 64.

على شؤون الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومعرفة اتّجاهات وميوله.

وشعر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك، فأراد التخلّص من هارون، فمضى إلى السوق والأمن يتابعه، فاشترى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ديكاً وكلباً وكبشاً، ورفع رجال الأمن ذلك إلى هارون، فلمّا عرف ذلك استراح من جانب الإمام (1)، وعرف أنه ليس أهلاً لأن يقوم بأي حركة ضدّه، وأمر رجال أمنه بالتوجه إلى بغداد.

وانبرى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى نشر أحكام اللّه وتعاليم الإسلام، وإيضاح جوانب الإمامة، وفزع بعض أعلام شيعته وخافوا بأنّه لا يصيبه أي مكروه من هارون، وأنّه لا يخاف جانبه بعد الذي صنعه من شراء الديك والكلب والكبش، وكان ممّن خاف على الإمام وحذّره من بطش هارون هم :

1 - صفوان بن يحيى

قال صفوان : «لمّا مضى أبو إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتكلّم أبو الحسن الرضا، خفنا عليه فقيل له : إنك قد أظهرت أمراً عظيماً، وإنا نخاف عليك هذا الطاغية - يعني هارون -.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لِيَجْهَدْ جَهْدَهُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيَّ» (2).

2 - محمّد بن سنان

قال محمّد بن سنان : «قلت لأبي الحسن الرضا في أيّام هارون : إنك قد شهرت نفسك بهذا الأمر - أي إظهار الإمامة - وجلست مجلس أبيك، وسيف هارون يقطر من دمائكم.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): جَرَّأَنِي عَلى هذا ما قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : إِنْ أَخَذَ أَبو جَهْلِ مِنْ رَأْسَى شَعْرَةً فَاشْهَدوا أَنِّي لَسْتُ بِنَبِيٍّ، وَأَنا أقولُ لَكُمْ: إِنْ أَخَذَ هارونُ مِنْ رَأْسِي شَعْرَةٌ فَاشْهَدوا


1) بحار الأنوار: 49: 275.

2) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4: 97.

أَنِّي لَسْتُ بِإِمام» (1).

وشاية عيسى بن جعفر

وانبری عیسی بن جعفر نحو هارون حينما توجّه من الرقة إلى مكّة، فقال له : اذكر يمينك التي حلفت بها في آل أبي طالب، فإنّك حلفت إن ادعى أحد بعد موسى الإمامة ضربت عنقه صبراً، وهذا عليّ ابنه يدعي هذا الأمر - أي الإمامة - ويقال فيه ما يقال في أبيه. فلم يحفل هارون بكلامه، ونظر إليه مغضباً، وقال له : وما ترى، أتريد أن أقتلهم كلهم ؟

وكان في المجلس موسى بن مهران، فبادر إلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخبره بالأمر فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما لي وَلَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ إِليَّ عَلَى شَيْءٍ (2).

وشاية يحيى

وممّن وشى بالإمام يحيى البرمكي، فقد قال لهارون : هذا عليّ الرضا بن موسى قد تقدّم، وادّعى الأمر لنفسه، فلم يحفل به هارون، وقال له : يكفينا ما فعلنا بأبيه، أتريد أن نقتلهم جميعاً (3)؟

وقد باءت بالفشل جميع المحاولات التي حكت ضدّه (عَلَيهِ السَّلَامُ).

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على البرامكة

وكان للبرامكة دور خطير في التنكيل بالإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد أوغروا صدر


1) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4: 97.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 226.

3) الاتحاف بحت الأشراف : 59.

الطاغية هارون عليه، وكان الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) عالماً بذلك، فراح يدعو عليهم، فقد روى محمّد بن الفضيل، قال : «لمّا كان في السنة التي بطش فيها بالبرامكة، ونزل بهم من البلاء ما نزل، كان أبو الحسن الرضا واقفاً بعرفة يدعو، ثم طأطأ رأسه، فسئل عن ذلك، فقال : إِنِّي كُنْتُ أَدْعو اللّه تعالى عَلَى الْبَرامِكَةِ بِما فَعَلُوا بِأَبي، فَاسْتَجابَ اللّه لِي الْيَوْمَ فيهِمْ، ولم يلبث يسيراً حتّى بطش هارون بجعفر ويحيى، وتغيّرت أحوالهم» (1).

وروى الحسن بن عليّ الوشاء، عن مسافر، قال : كنت مع أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمنى، فمر يحيى بن خالد مع قوم من آل برمك، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : مَساكِينُ هَؤُلاءِ لَا يَدْرُونَ ما يَحِلُّ بِهِمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.

وأضاف الإمام قائلاً: وا عَجَبي مِنْ هذا، هارونُ وَأَنا كَهَاتَيْنِ، وضمّ بإصبعه.

قال مسافر : فواللّه ما عرفنا معنى حديثه حتّى دفناه معه (2).

لقد استجاب اللّه دعاء وليّه، فأنزل عقابه الصارم بالبرامكة، فأزال نعتهم، وأباد أعلامهم، فقد نكّل بهم هارون أفظع وأقسى ما يكون التنكيل، فقتل جعفر وقسمه نصفين، وجعل كلّ نصف في الأماكن الحساسة في بغداد، وألقى يحيى مع بقية أبنائه في سجونه، وصادر أموالهم المنقولة وغير المنقولة.

كبس دار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ولما ثار محمّد بن جعفر بن محمّد على هارون أرسل الجلودي إلى منا. مناجزته وأمره أن يغير على دور العلويّين في المدينة، ويسلب ما على نسائهم من ثياب وحلي، ولا يدع على واحدة منهن إلّا ثوباً واحداً.


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 225.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 245، الحديث 2.

وهجم الجلودي على دار الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقام الإمام وجمع السيدات من بنات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في بيت، ووقف على باب البيت، فقال الجلودي للإمام : لا بد أن أدخل البيت فأسلبهنّ كما أمرني الرشيد.

فقال له الإمام : أَنا أَسْلِبُهُنَّ لَكَ، وَأَحْلِفُ أَني لا أدَعُ عَلَيْهِنَّ شَيْئًا إِلَّا أَخَذَتَهُ، فلم يزل الإمام يطلب إليه ويتوسل حتّى سكن، وقام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى البيت فأخذ ما على العلويات من حلي وحلل، ولم يدع عليهن شيئاً حتّى أقراطهن وخلاخيلهنّ وازرارهنّ، وسلّم جميع ذلك إلى الجلودي ليقوم بتسليمه إلى طاغية بغداد (1).

وتأثر الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشدّ ما يكون التأثّر من هذا الاعتداء الصارخ على بيته، فلم يرع هارون كرامة الإمام ولا كرامة بنات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، واقترف معهن ما اقترفه جند يزيد مع عائلة ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وسيد شباب أهل الجنّة، الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد مقتله، فقد تدافعوا كالكلاب المسعورة إلى نهب ما على العلويات من حليّ وحلل.

وعلى أي حال، فإنّ هارون لم يقم فيما أحسب بإجراء آخر ضد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) غير هذا الاجراء.. ومن الجدير بالذكر أن الإمام قد انطوت نفسه على حزن عميق على ما حل بأبيه الإمام موسى الالها من المحن والخطوب التي صبّها عليه هارون، فقد أودعه في ظلمات سجونه حفنة من السنين، وقابله بمزيد من التوهين، ثمّ اغتاله بالسم، وكذلك صب جام غضبه على السادة العلويّين، فأنزل بهم العقاب الصارم، وقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، ولم يرع فيهم أواصر النسب، وقرابتهم من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، التي هي أولى بالرعاية والعطف من كلّ شيء.


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 161. بحار الأنوار: 49: 166.

رسالة سفيان لهارون

من الجدير أن ننهي الحديث عن هارون بهذه الرسالة القيمة التي بعثها سفيان الثوري إلى هارون، فإنّها تكشف عن الكثير من جوانب حياته، فقد كتب إليه هارون رسالة يطلب فيها ودّه، والاتّصال به.

فأجابه سفيان بما يلي :

«من العبد الميّت سفيان إلى العبد المغرور بالآمال هارون، الذي سُلب حلاوة الإيمان، ولذة قراءة القرآن

أمّا بعد : فإنّي كتبت إليك أعلمك أنّي قد صرمت حبلك، وقطعت ودّك، وأنك جعلتني شاهداً عليك بإقرارك على نفسك في كتابك، بما هجمت على بيت مال المسلمين فأنفقته في غير حقّه، وأنفذته بغير حكمه، ولم ترض بما فعلته، وأنت ناء عني، حين كتبت إلي تشهدني على نفسك، فأما أنا فإنّي قد شهدت عليك أنا وإخواني الذين حضروا قراءة كتابك، وسنؤدّي الشهادة غداً بين يدي اللّه الحكم العدل.

یا هارون، هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم، هل رضي بفعلك المؤلّفة قلوبهم، والعاملون عليها في أرض اللّه، والمجاهدون في سبيل اللّه، وابن السبيل ؟ أم رضي بذلك حملة القرآن، وأهل العلم - يعني العاملين - ؟ أم رضي بفعلك الأيتام والأرامل ؟ أم رضي بذلك خلق من رعيتك؟

فشد - يا هارون - مئزرك، وأعدّ للمسألة جواباً، وللبلاء جلباباً، واعلم أنك ستقف بين يدي اللّه الحكم العدل، فاتق اللّه في نفسك إذا سلبت حلاوة العلم والزهد ولذة قراءة القرآن ومجالسة الأخيار، ورضيت لنفسك أن تكون ظالماً، وللظالمين إماماً.

یا هارون، قعدت على السرير ولبست الحرير واسبلت ستوراً دون بابك، وتشبّهت بالحجّة بربّ العالمين، ثمّ أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك وسترك، يظلمون الناس ولا ينصفون، ويشربون الخمر، ويحدّون الشارب، ويزنون ويحدون الزاني، ويسرقون ويقطعون السارق، ويقتلون ويقتلون القاتل، أفلا كانت هذه الأحكام عليك وعليهم قبل أن يحكموا بها على الناس ؟ فكيف بك - يا هارون - غداً إذا نادى المنادي من قبل اللّه : احشروا الظلمة وأعوانهم، فتقدّمت بين يدي اللّه ويداك مغلولتان إلى عنقك لا يكفّهما إلا عدلك وإنصافك، والظالمون حولك، وأنت لهم إمام أو سائق إلى النار، وكأني بك - يا هارون - وقد أخذت بضيق الخناق، ووردت المساق، وأنت ترى حسناتك في ميزان غيرك، وسيئات غيرك في ميزانك على سيّئاتك بلاء على بلاء، وظلمة فوق ظلمة.

محمّداً

فاتّق اللّه - يا هارون - في رعيّتك، واحفظ محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في أمته، واعلم أن هذا الأمر لم يصر إليك إلا وهو صائر إلى غيرك، وكذلك الدنيا تفعل بأهلها واحداً بعد واحد، فمنهم من تزوّد زاداً نفعه، ومنهم من خسر دنياه وآخرته، وإياك ثمّ إيّاك أن تكتب إليَّ بعد هذا، فإنّي لا أُجيبك

والسلام»

ثم بعث بالكتاب من غير طي ولا ختم(1).

وحكى هذا الكتاب تصرّف هارون بأموال المسلمين، وإنفاقها في غير جهاتها المشروعة، كما حكت هذه الرسالة إيمان سفيان وقوّة شخصيته، ونكرانه لذاته... وبهذه الرسالة نطوي الحديث عن حكومة هارون.


1) حياة الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : 2 : 59 و 60، نقلاً عن حياة الحيوان : 2 : 188.

حكومة الأمين

إشارة:

وتسلّم الأمين بعد وفاة أبيه القيادة الإسلاميّة، وكان بإجماع المؤرّخين غير مؤهل لهذا المنصب الرفيع، وذلك لما يتصف به من نزعات وضيعة، كان منها ما يلي :

1 - انهماكه في اللذّات

وانصرف الأمين بعد تقلده للخلافة إلى اللهو والطرب، وعهد بأمور الدولة إلى الفضل بن الربيع، فجعل يتصرّف في شؤون الدولة حسب رغباته وميوله (1).

وقد جدّ في طلب الملهّين (2)، كما اشتغل بالخصيان ورقص النساء (3).

2 - كراهته للعلم

من صفات الأمين : بغضه للعلم، وكراهته للعلماء، وكان أميّاً، لا يقرأ ولا يكتب (4).

وإذا كان بهذه الصفة فكيف قلده هارون شؤون المسلمين، وجعله حاكماً على أعظم امبراطورية في العالم كلّه ؟ !

لقد قلّده الخلافة استجابة لعواطف السيّدة زبيدة، وسائر الأسرة العبّاسية الذين


1) حياة الإمام محمّد الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 244.

2) مآثر الإنافة في معالم الخلافة : 1 : 285. روضة الأعيان : الورقة 99، وجاء فيه : «أنه اشترى عربيّة المغنّية بمائة ألف دينار».

3) تاريخ الخلفاء : 134. مختصر تاريخ الدول : 134.

4) السلوك لمعرفة دول الملوك : 1 : 16.

كانت ميولهم معه.

3 - ضعف الرأي

ولم يتمتّع الأمين برأي حصيف، فلم تصقله التجارب، ولم تهذّبه الأيام، وقد أعطي الملك العريض ولم يحسن أي شيء، وقد وصفه المسعودي بقوله : «كان قبيح السيرة، ضعيف الرأي، يركب هواه، ويهمل أمره، ويتكل في جليلات الخطوب على غيره، ويثق بمن لا ينصحه» (1).

ووصفه الكتبي بقوله : «وكان قد هان عليه القبيح، فاتّبع هواه ولم ينظر في شيء من عقباه، وأنّه كان من أبخل الناس على الطعام، وكان لا يبالي أين قعد، ولا مع من شرب» (2).

ويقول عنه الفخري : «إنّه لم يجد للأمين شيئاً من سيرته يستحسنه فيذكره (3).

4 - احتجابه عن الرعيّة

ومن نزعاته أنه كان ينفر من الناس تكبّراً عليهم، فقد احتجب عن رعيته وأهالي مملكته، وقد خفّ إليه إسماعيل بن صبيح، وكان أثيراً عنده، فقال له : يا أمير المؤمنين، إنّ قوّادك وجندك وعامة رعيّتك قد خبثت نفوسهم، وساءت ظنونهم، وكبر عندهم ما يرون من احتجابك عنهم، فلو جلست لهم ساعة من نهار فدخلوا عليك، فإنّ في ذلك تسكيناً لهم، ومراجعة لآمالهم.

واستجاب الأمين لهذه النصيحة، فجلس في بلاطه، ودخل عليه الشع-اء


1) التنبيه والأشراف: 302.

2) عيون التواريخ : 3، ورقة 212.

3) الآداب السلطانية : 212.

فمدحوه في قصائدهم، وهو لا يفهم ما يقولون، ثم انصرف عن الناس فركب الحراقة إلى الشماسية، واصطفّت له الخيل، وعليها الرجال، وقد اصطفوا على ضفاف دجلة، وحملت معه مطابخ القصر، وما فيه من الخزائن.

أما الحراقة التي ركبها، فكانت سفينة صنعت شبيهة بالأسد، وما رأى الناس منظراً أبهى ولا أجمل من ذلك المنظر، وكان معه في السفينة أبو نواس ينادمه، وقال يصف تلك السفينة :

سَخَّرَ اللّه لِلأَمينِ مَطايا***لَمْ تُسَخَّرْ لِصاحِبِ المِحْرابِ (1)

فَإِذا ما رِكَابُهُ سِرْنَ بَرّاً***سار في الماءِ راكِباً لَيْتَ عَابِ

أمداً باسطاً ذراعيه يهوي***أَهْرَتَ الشَّدقِ كالحَ الأَنْيابِ (2)

لا يُعانيهِ بِاللجامِ وَلا السَّ***وْط وَلَا عَمْزِ رِجْلِهِ فِي الرُّكَابِ

عَجِبَ النَّاسُ إِذ رَأَوكَ عَلَى صُو***رَةِ لَيْثٍ يَمُرُّ مَرَّ السحاب

سَبِّحُوا إِذْ رَأُوكَ سِرتَ عَلَيهِ***كَيفَ لَوْ أَبْصروكَ فَوقَ العُقاب (3)

ذات زور ومنسرٍ وجناحي***ن تَشُقُ العُباب بَعدَ العُبابِ

تَسبِقُ الطَّيرَ فِي السَّمَاءِ إِذا ما اسْ***تعجلوها بجيئَةٍ وَذَهَابِ

باركَ اللّه لِلأَمينِ وَأَبْقى***له رداء الشباب

مَلِكٌ تَقصُرُ المَدائِحُ عَنهُ***هاشمي موفق للصواب (4)

هذه بعض نزعات الأمين وصفاته، وهي تحكي صورة إنسان تافه قد اتّجه صوب


1) صاحب المحراب : هو سليمان بن داود (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) الذي بنى بيت المقدس.

2) أهرت الشدق : واسعه كالح الأنياب : أي كاشرها.

3) العقاب : إحدى السفن التي كانت معدّة للأمين.

4) أبو نواس : 103 و 104.

ملذّاته وشهواته، ولم يعن بأي حال من الأحوال فى شؤون الدولة الإسلاميّة، وإنما كان متجهاً نحو شهواته.

خلعه للمامون

وتقلد الأمين الخلافة يوم وفاة أبيه الرشيد، وقد تسلّم خاتم الخلافة والبردة والقضيب التي كان يتسلّمها الملوك من قبله من بني العبّاس.

ولم يمض زمان طويل من الوقت حتّى فسدت العلائق ما بين الأمين والمأمون، فقد لعبت الحواشي المحيطة بهما في خلق الأزمات بينهما، وتبودلت الرسائل بينهما وهي تحمل السباب والشتائم لكلّ منهما، وليس فيها أي دعوة إلى المودّة والصفاء، وعمد الأمين فخلع أخاه المأمون رسمياً عن ولاية العهد، وجعلها لولده موسى وهو طفل صغير في المهد، وسمّاه الناطق بالحقِّ، وأرسل إلى الكعبة المقدّسة من جاء بكتاب العهد الذي علقه فيها الرشيد، وجعل فيه ولاية العهد إلى المأمون، وحينما أتي به مزقه، ولم يف به، وكان ذلك فيما يقول المؤرخون برأي الفضل بن الربيع وبكر بن المعتمر في نكثه للعهد وبيعته لولده.

يقول رجل أعمى من أهل بغداد :

أضاعَ الْخِلافَةَ غِشُّ الوَزير***وَفِعْلُ الإمام وَرَأْيُ الْمُشير

وَما ذاكَ إِلَّا طَريقُ الغُرور***وَشَرُّ المَسالِكِ طُرْقُ الغُروز

فعالُ الخَليفَةِ أعجوبَةً***وَأَعْجَبُ مِنْهُ فِعَالُ الوزير

وَأَعجَبُ مِنْ ذا وَذا أَنَّنا***نُبايعُ لِلطَّفل فينا الصغير

وَمَنْ لَيسَ يُحسِنُ مَسْحَ انْفِهِ***وَلَمْ يَخْلُ مِنْ مَتنِهِ حِجْرُ ظِير

وما ذاكَ إِلَّا بِباغ وَغاوٍ***يُريدانِ نَقْضَ الْكِتابِ المُنير

وَهذانِ لَوْلا انْقِلابُ الزَّمانِ***في العيرِ هذانٍ أَمْ في النفير

ولكنها فِتَن كَالجبا***لِ تَرَفَّع فيها الوَضيعُ الحَقيرُ (1)

تقصير الرشيد

وألقى الرشيد العداء والفتنة بين أبنائه، فقد نصب الأمين ملكاً من بعده، وجعل المأمون ولي عهده، وكتب بذلك العهود والمواثيق، وأشهد عليها، وعلّقها في جوف الكعبة، مع علمه بالعداء العارم بين الأخوين، فكانت النتيجة هي الأحداث المؤسفة التي ذهب ضحيتها عشرات آلاف من المواطنين، وتخريب بغداد، وقد أعرب بعض الشعراء عن أسفه العميق على ما فعله الرشيد، يقول :

أقولُ لِغُمَّةٍ في النفسِ مِنِّي***ودَمعُ العَينِ يَطْرِدُ اطرادا

خُذي لِلهَولِ عُدْتَهُ بِحَزمٍ***سَتَلقَى ما سَيَمْنَعُكَ الرُّقادا

فَإِنَّكِ إِن بَقيتِ رَأيتِ أَمْراً***يُطيلُ لَكِ الْكَابَةَ والسُّهادا

رأى المَلِكُ المُهَذَّبُ شَرَّ رَأْيِ***بِقِسْمَتِهِ الْخِلافَةَ وَالْبِلادا

رأى ما لَوْ تَعَقَّبَهُ بِعِلمٍ***لِبَيَّضَ مِنْ مَفارِقِهِ السَّوادا

أَرادَ بِهِ لِيَقطَعَ عَنْ بَنِيهِ***خلافَهُمْ وَيَبْتَدِلُوا الوِدادا

وَأَلْقَحَ بَينَهُمْ حَرْباً عَواناً***وَسَلَّسَ لا جتنابهم القيادا

فَوَيلٌ لِلرَّعيَّةِ عَنْ قَليلٍ***لَقَدْ أَهْدَى لَها الكَرْبُ الشَّدادا

وَأَلبَسَها بَلاء غَير فانٍ***وَأَلْزَمَها النَّضَعْضُعَ وَالفَسادا

سَتَجري مِنْ دِمَائِهِمْ بُحورٌ***زَواخِرُ لَا يَرُونَ لَها نفادا

فَوزُرُ بَلاتِهِمْ أَبَداً عَلَيهِ***أغَيّاً كانَ ذلِكَ أَمْ رَشادا (2)


1) تاريخ الأمم والملوك : 7: 7 و 8 مروج الذهب : 3 : 397.

2) تاريخ الأمم والملوك - حوادث سنة 186هـ: 6: 474 و 475

الحروب الطاحنة

وبعد ما خلع الأمين أخاه المأمون رسمياً عن ولاية العهد، وأبلغه ذلك ندب إلى حربه علي بن عيسى، ودفع إليه قيداً من ذهب، وقال له : «أوثق المأمون، ولا تقتله حتّى تقدم به إليَّ»، وأعطاه مليوني دينار سوى الأثاث والكراع.

ولمّا انتهت الأنباء من بغداد بالاجراءات التي اتخذها الأمين ضدّ أخيه، بادر المأمون فخلع أخاه، ونصّب نفسه حاكماً عامّاً على العالم الإسلامي، وقطع الخراج عن الأمين، وألغى اسمه من الطراز والدراهم والدنانير، وأعلن الخروج عن طاعته، وندب إلى قتاله طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين، وجهزهما بجيش.

والتقى الجيشان بالري، والتحما في معركة رهيبة، جرت فيها أنهار من الدماء، وأخيراً انتصر جيش المأمون على جيش الأمين، وقتل القائد العام لقواته المسلّحة، وانتهب جميع أمتعته وأسلحته، وكتب طاهر بن الحسين إلى الفضل بن سهل وزير المأمون يخبره بهذا الانتصار الرائع، ويهنئه فيه، وجاء في رسالته : «كتبت إليك ورأس علي بن عيسى في حجري، وخاتمه في يدي، والحمد للّه ربّ العالمين».

وبادر الفضل فسلّم عليه بالخلافة وبشّره بهذا الانتصار، وأيقن المأمون بالنصر، فبعث إلى طاهر بالهدايا والأموال، وشكره شكراً جزيلاً على ذلك، وسماه (ذا اليمينين، وصاحب خيل اليدين)، وأمره بالتوجّه إلى العراق لاحتلال بغداد، والقضاء على أخيه.

ولما علم الفضل بن الربيع وزير الأمين بهزيمة الجيش، ومقتل علي بن عيسى بن ماهان أسقط ما في يده، وأيقن بالرزء القاصم الذي حلّ بهم، وفي ذلك يقول الشاعر :

عَجِبْتُ لِمَعْشَرٍ يَرجونَ نُجْحاً***لأَمْرِ ما تَتِمُ بِهِ الأمورُ

وكَيفَ يَتِمُ ما عَقدوا وراموا***وَأُسٌ بِنائِهِمْ فيه الفجور

أَهاب إلى الضَّلالِ بِهِمْ غَوِيٌّ***وَشَيطان مَواعِدُهُ غُرُورُ

يُصيبُ بِهِمْ وَيَلعَبُ كلّ لِعْبٍ***كَما لَعِبَتْ بشاربها الخمورُ

وكادوا الحَقِّ وَالْمَأمون غدراً***وَلَيْسَ بِمُفْلِحِ أَبَداً غَدورُ

هُوَ الْعَدلُ النَّجِيبُ البَرُّ فينا***تَضَمَّنَ حُبَّهُ مِنَا الصُّدورُ

وعاقبة الأمور له يقيناً***بِهِ شَهِدَ الشَّريعَةُ وَالزبور(1)

وحكى هذا الشعر انتصار المأمون، وأنّه الفائز بالخلافة، وأنّه لا يتمّ أمر الأمين لأنّ الذين ناصروه كان أس بنائهم على الفجور والبغي، وأن أنصاره قد أهاب بهم الضلال والغى، وأنّ المنتصر هو المأمون، فإنّه العدل النجيب الذي عقد له الولاء في قلوب الناس.

محاصرة بغداد

وخفّت جيوش المأمون إلى احتلال بغداد بقيادة طاهر بن الحسين، وقد حاصرت بغداد، وأيقن الأمين بالهزيمة، فكتب إلى طاهر يطلب منه الأمان لنفسه وعائلته وأنصاره، وأنّه يستقيل من الخلافة لأخيه.

فقال طاهر : «الآن ضيق خناقه، وهيض جناحه، وانهزم فساقه، لا والذي نفسي بیده حتّى يضع يده في يدي، وينزل على حكمي».

ولم يجبه إلى شيء ممّا أراد.

ودام الحصار على بغداد مدة طويلة حتّى تخرّبت فيها معالم الحضارة، وعمّ الفقر والبؤس جميع سكانها، وكثر العابثون والشذاذ، فقاموا باغتيال الأبرياء،


1) مروج الذهب : 3 : 397.

ونهب الأموال، ومطاردة النساء، وانبرى جماعة من خيار الناس بقيادة رجل يقال له : سهل بن سلامة، فمنعوا العابثين من إيذاء الناس، وتصدوا لهم بقوّة السلاح حتّى أخرجوهم من بغداد.

وعلى أي حال، فقد مُنيت بغداد بأفدح الخسائر، وفقدت زينتها وشبابها، وشاع الشكل والحزن والحداد في جميع أنحائها، وقد رثاها جماعة من الشعراء. يقول الأعمى في قصيدة له :

وَأَبْكي لإخراقٍ وَهَدَمِ مَنازِلٍ***وَقَتلِ وَإِنْهابِ اللهىٰ وَالذَّخَائِرِ

وَإبْرازِ رَبَاتِ الخُدورِ حَواسِراً***خَرَجْنَ بِلا خُمْرٍ وَلا بِمَازِرِ

تراها خيارى لَيْسَ تَعرِفُ مَذْهَباً***نَوافِرَ أَمْثَالَ الظُّباءِ النَّوافِرِ

كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَعْدادُ أَحْسَنَ مَنْظَراً***وَمَلْهَى رَأَتُهُ عَينُ لاهٍ وَناظِرِ

بلی هكذا كانَتْ فَأَذهَبَ حُسْنَها***وَبَدَّدَ مِنْهَا الشَّمْلَ حُكمُ المَقادِرِ

وَحَلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِالنَّاسِ قَبْلَهُمْ***فَأَضحوا أحاديثاً لِبادٍ وَحاضِرِ

أَبَغداد يا دارَ المُلوكِ وَمُجْتَنى***صُنوفِ المُنى يا مُسْتَقَرَّ المنابر

وَيا جَنَّةَ الدُّنْيا ويا مطلب الغنى***ومُسْتَنْبَطَ الأَمْوالِ عِنْدَ المَتاجِرِ

أبِيني لَنا أَيْنَ الَّذينَ عَهَدْتِهِمْ***يَحِلُّونَ فى رَوْضِ مِنَ الْعَيْشِ ناضِر

وَأَيْنَ المُلولُ في المَواكِبِ تَغْتَدي***تُشَبَّهُ حُسْناً بِالنُّجومِ الزَّواهِرِ (1)

والقصيدة كلّها توجّع وألم على ما حلّ ببغداد من الدمار الشامل في الأموال والأنفس.

ويصف شاعر آخر حالة بغداد، وما حلّ بها من الخراب، يقول :

مَنْ ذَا أَصَابَكِ يا بَعْدادُ بِالعَيْنِ***أَلَمْ تَكوني زَماناً قُرَّةَ العَيْنِ


1) مروج الذهب : 3 : 401 و 402.

أَلَمْ يَكُنْ فِيكِ قَوْمٌ كَانَ قُرْبُهُمُ***وَكانَ مَسْكَنُهُمْ زَيْناً مِنَ الزَّيْنِ

صاحَ الزَّمانُ بِهِمْ بِالْبَيْنِ فَانْقَرَضوا***ماذا لقيت بهِمْ مِنْ لَوْعَةِ البَيْن (1)

ورثی شاعر آخر بغداد وما حلّ بأهلها من الخطوب والنكبات، يقول :

بكَتْ عَيْني عَلى بَعْدادَ لَمّا***فَقَدتُ غَضارَةَ العَيْش الأنيق

تَبَدَّلْنا هموماً مِنْ سُرور***وَمِنْ سَعَةٍ تَبَدلنا بضيق

أَصابَتْنَا مِنَ الحُسَادِ عَينٌ***فَأَفَنَتْ أَهْلَنَا بِالْمَنجَنيقِ

فَقَومٌ أُحرقوا بِالنّارِ قَسْراً***وَنائِحَةٌ تَنوحُ عَلَى غَرِيقِ

وصائِحَةُ تنادي يا صحابي***وَقائِلَةٌ تَقولُ أيا شقيقي

وحوراء المدامع ذات دل***مُضَمَّخَةُ المَجاسِدِ بِالخُلوقِ

تُنادي بِالشَّفيقِ فَلا شفيق***وَقَدْ فُقِدَ الشَّفيقُ مَعَ الرّفيق

وَقَوْمَ أُخْرِجوا مِنْ ظِلَّ دُنْياً***مَتاعُهُمْ يُباعُ بِكُلِّ سوقٍ

وَمُغْتَرِبٌ بَعيدُ الدّارِ مُلقى***بلا رَأْسٍ بِقارِعَةِ الطَّريقِ

توسَّط مِنْ قِتالِهم جميعاً***فَما يَدرونَ مِنْ أَيِّ الفَرِيقِ

فَلا وَلَدٌ يُقيم على أبيه***وَقَدْ هَرَبَ الصَّديقُ عَنِ الصَّديقِ (2)

وحكت هذه القصيدة الحالة الراهنة في بغداد من انتشار القتل، وفقدان الأمن، وشيوع الخوف في جميع أرجاء بغداد.

قتل الأمين

وكان الأمين في تلك المحنة الحازبة مشغولاً بلهوه وطربه، وقد أحاطت به


1) مروج الذهب : 3 : 404.

2) مروج الذهب : 3: 405.

جيوش المأمون، ويروي المؤرّخون أنّه كان يصطاد سمكاً مع جماعة من الخدم، وكان من بينهم كوثر، وكان مغرماً به، فخرج ينظر إلى الجيش المحيط بالقصر، فأصابته شجّة في وجهه، فجعل يبكي، فوجه الأمين من جاء به فجعل يمسح الدم من وجهه وهو يقول :

ضربوا قُرَّةَ عَيْني***وَمِن أَجْلى ضَرَبُوهُ

أَخَذَ اللّه لِقَلْبي***مِن أُناسٍ أَخْرَقوه (1)

وكانت الأنباء تتوافد عليه بهزيمة جيشه، ومحاصرة قصره، فلم يعن بذلك كلّه، وكان مشغولاً مع كوثر في صيد الأسماك التي جعلها في حوض كبير له، وكان يقول : «يصطاد كوثر ثلاث سمكات، وما صدت إلّا سمكتين».

وكان بهذه الحالة المزرية مشغولاً بلهوه حتّى هجمت عليه طلائع جيش المأمون فأجهزت عليه، وحمل رأسه إلى طاهر بن الحسين، فنصبه على رمح، وتلا قوله تعالى : «اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ» (2)» (3).

وهجاه بعض الشعراء بقوله :

إذا غَدا مَلِك بِاللَّهْوِ مُسْتَغِلاً***فَاحْكُمْ عَلَى مُلْكِهِ بِالوَيْلِ وَالخَرَبِ

أَما تَرَى الشَّمْسَ في الميزان هابطة***لَمّا غَدا وَهْوَ بُرجُ اللَّهْوِ وَالطَّرَبِ (4)

وبعث طاهر برأس الأمين إلى المأمون في خراسان، فلما رآه حزن وتأسف، فقال


1) تاریخ بغداد : 4 : 109 تاریخ دمشق : 56 : 222. تاريخ الإسلام : 13 : 383.

2) آل عمران 3: 26.

3) عيون التواريخ : 3، ورقة 211.

4) حياة الحيوان : 1 : 78.

له الفضل : الحمد للّه على هذه النعمة الجليلة، فإنّ محمّداً كان يتمنى أن يراك بحيث رأيته.

وأمر المأمون بنصب رأس أخيه في صحن الدار، وقد وضع على خشبة، وأعطى الجند وأمر كلّ من قبض رزقه أن يلعنه، فكان الجندي يقبض رزقه ويلعن الرأس، وقبض بعض العجم عطاءه فقيل له : العن هذا الرأس، فقال : لعن اللّه هذا، ولعن والديه، وأدخلهم في كذا وكذا من أمّهاتهم.

فقيل له : لعنت أمير المؤمنين، وكان المأمون يسمعه فتغافل عنه، وأمر بحط رأس أخيه وردّه إلى العراق، فدفن مع جثّته (1).

وانتهت بذلك حياة الأمين، وقد حكت عن قساوة المأمون وعدم رأفته على أخيه، فقد سلبت الرحمة من نفسه، وما ذاك إلّا لحرصه على الملك.

ولم تظهر لنا أية بوادر للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهد الأمين، ولعل السبب في ذلك هو انشغاله في الحرب مع أخيه، فقد أشغلته هذه الحرب عن التعرض للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأي مكروه.


1) مروج الذهب : 225 – 229.

حكومة المأمون

إشارة:

وقبل أن نتحدّث عن شؤون الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهد المأمون، نعرض بإيجاز إلى إعطاء صورة عنه، وهي كما يلي :

أُمّه

أمّا أمّ المأمون فكانت أمة، وهي إحدى خادمات قصر الرشيد، وقد عهد إليها بطبخ الطعام، ويصفها المؤرّخون بأنها كانت أشوه وأقذر جارية في مطبخ الرشيد، أما السبب في ملامسة الرشيد لها فتعزوه بعض المصادر إلى أن السيدة زبيدة لعبت مع الرشيد الشطرنج فغلبته، فحكمت عليه أن يطأ أقبح جارية في المطبخ، وهي مراجل، فأبى هارون ذلك، وبذل لها خراج مصر والعراق لتعفيه، فأبت ولم تقبل وانصاع إلى حكمها، فوطأ مراجل فعلقت منه بالمأمون (1).

وقد ولد سنة 170هـ، وهي السنة التي استخلف بها الرشيد، فلما بشّر به سمّاه المأمون تيمناً بذلك (2).

وقد توفّيت أمه في النفاس، وقد تولى تربيته الفضل بن سهل.

وقد اتخذ الحاقدون على المأمون من أمّه وسيلة لهجائه والتشهير به، وعدملياقته لتولّى منصب الخلافة، يقول له أخوه الأمين :

وَإِذا تَطاوَلَتِ الرِّجالُ بِفَضْلِها***فَاريعْ فَإِنَّكَ لَسْتَ بِالمتطاول


1) حياة الحيوان : 1 : 72.

2) عصر المأمون : 1 : 210.

أعطاك رَبُّكَ ما هَويتَ وَإِنَّما***تلقى خِلافَ هَواكَ عِندَ مَراجِلِ

تَعْلُو المَنابِرَ كلّ يَوْمٍ آمِلاً***ما لَسْتَ مِنْ بَعدِي إِلَيْهِ بِواصِلٍ (1)

وفي أيّام الفتنة عيّره بأمه، وكتب إليه :

يابْنَ الَّتي بيعَتْ بِأَبْخَسِ قِيمَةٍ***بَيْنَ المَلا فى السّوقِ هَلْ مِنْ زائِدِ

ما فيكَ مَوْضِعُ غَرزَةٍ مِنْ إِبْرَةٍ***إلا وفيه نُطْفَةٌ من واحد

فردّ عليه المأمون :

وَإِنَّما أُمَّهَاتُ النّاسِ أَوعِيّة***مستودعات وَلِلأُمَاتِ أَكْفاء

فَلَرُبَّ مُعرِبَةٌ لَيْسَتْ بِمُنْجِبَةٍ***وَطالَما أَنجَبَتْ في الخِدْرِ عَجْمَاءُ (2)

وقال الرقاشي في مدحه للأمين، وهو يعرّض بمراجل أمّ المأمون :

لَمْ تَلِدُهُ أَمَةً تَعرفُ***في السُّوقِ التّجارا (3)

وليس على المأمون أي نقص من جهة أمّه، فقد هدم الإسلام هذه النعرات الجاهليّة، وساوى بين جميع أجناس البشر، فليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى.

صفات المأمون

إشارة:

أمّا صفات المأمون ونزعاته النفسية، فهي كما يلي :


1) تاريخ الخلفاء : 304.

2) محاسن بغداد دار السلام : 121.

3) الآداب السلطانية : 212. المعارف : 387.

الغدر

أمّا الغدر فهو من ذاتيّات المأمون، ومن عناصره، فقد بايع الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بولاية العهد، وبعد ما انتهت مآربه السياسيّة غدر به، فدسّ له سمّاً قاتلاً فقتله، كما سنوضح ذلك في البحوث الآتية، وقد غدر بطائفة من أعلام عصره ممن كان يحذر منهم، وهم :

1 - عبداللّه بن موسى الهادي

وكان يندّد بالمأمون، وكان يعربد عليه إذا شرب معه، فساء المأمون ذلك، فحبسه في منزله، وأقعد على بابه حرساً، ثمّ إنّه أظهر له الرضى، وصرف الحرس عن بابه، وكان عبداللّه مغرماً بالصيد، فدسّ إلى خادم من خدمه فسقاه سماً في دراج وهو بموسياباذ، ولما أحسّ بالسم قال لأصحابه : هو آخر ما تروني (1).

2- إسحاق بن موسى

الهادي : وقد احتفت به فصائل من الجيش حينما كان المأمون في خراسان وأمرته، فاستولى على بعض المناطق، فدسّ إليه المأمون ابنه وخادماً له فقتلاه وقاد به ابنه وقتل الخادم بالسياط (2).

3 - حميد بن عبدالحميد

الطوسي : دعاه المأمون لتناول الطعام، وكان عنده أحمد بن أبي خالد الأحول، وهو من الحاقدين على حميد ومن أعدائه، ولما قربت المائدة أجلس المأمون أحمد إلى جانبه، فساء ذلك حميد، وقال للمأمون : يا أمير المؤمنين، لا أماتني اللّه


1) أسماء المغتالين : 200.

2) أسماء المغتالين: 199.

حتّى يريني الدنيا عليك سهلة حتّى ترى أيّنا أنفع لك.

وانتهز أحمد هذه الفرصة فقال للمأمون : يا أمير المؤمنين، إنما يتمنى فساد ملكك والفتنة.

فغضب المأمون وقام عن المائدة، ولم يتمّ غذاءه، وقد أضمر ذلك في نفسه، ولما أراد البناء ببوران قال لحميد : يا أبا غانم، قد أذنت لك في الحج، فانصرف حميداً مسروراً، وأمر بتهيئة أسباب السفر، ودخل جبريل بن بختیشوع على حميد فقال له : يا أبا غانم، طَرِّ بدنك فإنّي أرجو أن تأتي بكل جارية معك حاملاً، وكان حميد مغرماً بالنكاح، ثمّ سقاه شربة، وكان في مجلسه عبداللّه الطيفوري، وكان متطبّباً، فلما رأى الشربة فهم الأمر، فقال لجبريل : أبو غانم قد ضعف عن هذه ؟

وقصد بذلك أنه انكشف له ما دبر لأبي غانم من الاغتيال، وتناول أبو غانم الشربة، فأثرت به في الوقت، وجعل الطيفوري يداويه حتّى تماثل للشفاء قليلاً إلّا أنّه بعد ذلك أثر به السمّ وقضى عليه (1).

4 - الفضل بن سهل

واغتال المأمون الفضل بن سهل، وكان وزيره ومستشاره، إلا أنّه خشي منه، فدس إليه من قتله في الحمام، وسنوضّح ذلك في البحوث الآتية.

هؤلاء بعض الذين اغتالهم المأمون، مقتدياً بمعاوية، فهو أوّل الملوك الذين فتحوا باب الاغتيال والغدر في الإسلام.

القسوة

وظاهرة أخرى من صفات المأمون وهي القسوة، وانعدام الرحمة والرأفة من


1) أسماء المغتالين : 199.

نفسه، فقد قتل أخاه وحمل رأسه إليه، ولو كانت عنده نزعة من الرحمة لعفا عن أخيه بعد ما طلب العفو والأمان وتسليم السلطة إليه.

ومن قسوته أنه بعد ما اغتال الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) القابل السادة العلويّين بمنتهى الشدّة والصرامة، فعهد إلى جلاديه بقتلهم والتنكيل بهم أينما وجدوا.

الدهاء

ولم تعرف الدبلوماسيّة الإسلاميّة في العصر العبّاسي من هو أدهى من المأمون، ولا من هو أدرى منه في الشؤون السياسيّة، فقد كان سياسياً من الطراز الأول، فقد استطاع بدهائه أن يتغلب على كثير من الأحداث الرهيبة التي ألمت به، وكادت تطوي حياته وسلطانه.

فقد استطاع بمهارة فائقة أن يقضي على أخيه الأمين الذي كان يتمتع بتأييد مكثّف من قبل الأسرة العبّاسيّة والقيادات العسكرية العليا.

كما استطاع أن يقضي على أعظم ثورة مضادة له، تلك ثورة القائد الملهم أبي السرايا، التي اتسع نطاقها فشملت معظم الأقاليم الإسلاميّة، وقد سقط معظمها بأيدي الثوّار، وكان شعار الثورة الدعوة إلى الرضا من آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وقد حمل الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قسراً إلى خراسان، وهو الزعيم الأوحد للأسرة العلوية، والمرجع العام للعالم الإسلامي، فأرغمه على قبول ولاية العهد، وعهد إلى جميع أجهزة حكومته بإذاعة مآثر الإمام أمير المؤمنين وباقي أفراد الأئمّة الطاهرين، كما ضرب السكة باسم الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد أوهم الثوار والقوى العسكرية التي كان معظمها يدينون بالولاء لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بأنّه علوي العقيدة، وأنّه جاد في تحويل الخلافة إلى العلويّين حتّى أيقنوا أنّه لا حاجة لاستمرار الثورة، وإراقة الدماء، وقضى بذلك على تلك الثورات، كما تعرّف في نفس الوقت على العناصر الشيعيّة

التي عجز آباؤه عن معرفتهم، وهذا التخطيط السياسي فيما أحسب من أروع المخطّطات السياسيّة التي عرفها العالم في جميع مراحل التاريخ (1).

الميل إلى اللهو

وكان المأمون شديد الميل إلى اللهو، وكان بعض ما أثر عنه في ذلك ما يلي :

1 - لعبه بالشطرنج

وأهمّ لعبة عند المأمون وأحبّها إليه هي الشطرنج (2)، فقد هام فيها، وقد وصفها :

أَرْضُ مُرَبَّعَةٌ حَمْراءُ مِنْ أَدَمِ***ما بَينَ الفَينِ مَوصوفَينِ بِالكَرَمِ

تذاكرا الحرب فَاحْتالا لها شَبَهاً***مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْعَيا فيها بِسَفْكِ دَمِ

هذا يغيرُ عَلى هذا وذاكَ عَلى***هذا يغيرُ وَعَينُ الحَرْبِ لَمْ تَنَم

فَانْظُرْ إِلى الخَيْلِ قَدْ جَاشَتْ بِمَعْرَكَةٍ***في عَسْكَرَيْنِ بِلا طَبْلٍ وَلا عَلَم (3)

وألمّ هذا الشعر بوصف دقيق للشطرنج، وفيما أحسب أنه أسبق من نظم فيه، وأحاط بأوصافه ودقائقه، وقد تعلّم هذه اللعبة من أبيه الرشيد الذي كان من الماهرين فيها، وقد أهدى إلى ملك فرنسا أدوات الشطرنج، ولم تكن معروفة فيها، وتوجد حالياً تلك الأدوات التي أهداها الرشيد في متاحف فرنسا (4).

2 - ولعه بالموسيقى

وكان المأمون مولعاً بالغناء والموسيقى، ويقول المؤرّخون : إنّه كان معجباً أشدّ ما يكون الاعجاب بأبي إسحاق الموصلي الذي كان من أعظم العازفين والمغنين


1) حياة الإمام محمّد الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 231 و 232.

2) العقد الفريد : 3: 254.

3) المستطرف : 2 : 306.

4) حياة الإمام محمّد الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 233.

في العالم العربي، وقال فيه : «كان لا يغني أبداً إلا وتذهب عني وساوسي المتزايدة من الشيطان» (1).

وكان يحيي لياليه بالغناء والرقص والعزف على العود كأبيه الرشيد الذي لم يمرّ على قصره اسم اللّه تعالى، وإنما كانت لياليه الليالي الحمراء.

3 - شربه للخمر

وعكف المأمون على الإدمان على الخمر، فكان يشربها في وضح النهار وفي غلس الليل، ولم يتألّم في اقتراف هذا المحرم الذي هو من أفحش المحرمات في الإسلام. إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن بعض نزعات المأمون وصفاته.

التحف الثمينة التي أهديت للمأمون

وقام الأمراء والأشراف بتقديم الهدايا القيمة والتحف الثمينة للمأمون تقرباً إليه، وكان من بعض ما أهدي إليه ما يلي :

1 - أهدى أحمد بن يوسف للمأمون سفطاً من الذهب فيه قطعة عود هندي في طوله وعرضه، وكتب فيه هذا يوم جرت فيه العادة باتحاف العبيد للسادة، وقد قلت :

عَلَى العَبْدِ حَقٌّ وَهوَ لا شَكٍّ فاعل*** وَإِن عَظُمَ المَوْلى وَجَلتَ فَواضِلة

أَلَمْ تَرَنا نَهْدي إِلَى اللّه مَالَهُ***وَإِنْ كَانَ عَنْهُ ذا غِنى فَهوَ قابِلُهُ

وَلَوْ كانَ يُهْدَى لِلجَليل بِقَدْرِهِ***لَقَصَّرَ عَنْهُ البَحرُ يَوْماً وَساحِلة

ولكننا نهدي إلى مَنْ نُجِلُّهُ***وَإِن لَمْ يَكُنْ في وسعنا ما يُشاكِلُه (2)


1) الحضارة العربية / جاك س. ريسلر : 108.

2) صبح الأعشى : 2 : 420.

2 - أهدى أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي إلى المأمون في يوم مهرجان مائة حمل زعفران قد وضعت في أكياس من الابريسم، وقد حملتها أتان شهب وحشيّة، فجاءت الهدايا والمأمون عند حرمه، فأخبر بالهدية، فسارع إلى النظر إليهما، فلما رآها عجب بها، وسأل عن الحمر التي حملت الزعفران، هل هنّ ذكور أم إناث ؟

فقيل له : إنّها إناث، فسر بذلك، وقال : قد علمت أنّ الرجل أعقل من أن يوجه على غير أتن (1).

3 - أهدى ملك الهند جملة من الهدايا، وفيها جام ياقوت أحمر، ومعها رسالة جاء فيها : نحن نسألك أيها الأخ أن تنعم في ذلك بالقبول، وتوسع عذراً في التقصير (2).

هذه بعض الهدايات التي قدمت للمأمون تقرباً له، وطمعاً في الظفر ببعض الوظائف منه.

تظاهره بالتشيع

وذهب بعض المؤرّخين والباحثين إلى أنّ المأمون قد اعتنق مذهب التشيّع، وقد استندوا إلى ما يلي :

من علّمه التشيع

إنّه أعلن أمام حاشيته وأصحابه أنه قد اعتنق مذهب التشيع، وذلك في الحديث التالي : روى سفيان بن نزار، قال : كنت يوماً على رأس المأمون، فقال لأصحابه : أتدرون من علّمني التشيّع ؟


1) التحف والهدايا : 109.

2) التحف والهدايا : 109.

فقالوا جميعاً : لا واللّه ما نعلم ؟

فقال : علمنيه الرشيد.

فانبروا قائلين : كيف ذلك والرشيد كان يقتل أهل البيت ؟ !

قال : كان يقتلهم على الملك؛ لأنّ الملك عقيم، لقد حججت معه سنة، فلما صار إلى المدينة تقدّم إلى حجابه، وقال لهم : لا يدخلن علي رجل من أهل المدينة ومكة، ولا من المهاجرين والأنصار وبني هاشم، وسائر بطون قريش إلا نسب نفسه...

وامتثل الحجّاب ذلك، فكان الرجل إذا أراد الدخول عليه عرف نفسه إلى الحجاب، فإذا دخل فيصله بحسب مكانته ونسبه، وكانت صلته خمسة آلاف دينار إلى مائتي دينار.

يقول المأمون : وبينما أنا واقف إذ دخل الفضل بن الربيع، فقال : يا أمير المؤمنين، على الباب رجل يزعم أنه موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

فأقبل الرشيد على أبنائه وعلى سائر القوّاد وقال لهم : احفظوا على أنفسكم، ثمّ قال للفضل : ائذن له، ولا ينزل إلا على بساطي.

يقول المأمون : ودخل شيخ مسخد (1)قد أنهكته العبادة، كأنّه شن بال (2)قد كلم (3)السجود وجهه وأنفه.

فلمّا رأى الرشيد أنه أراد أن ينزل من دابته، فصاح : لا، واللّه إلّا على بساطي :


1) المسخد : مصفر الوجه.

2) الشن البال : القربة البالية.

3) كلم : أي جرح.

فمنعه الحجّاب من الترجّل، ونظر إليه الجميع بإجلال وإكبار وتعظيم، ووصل الإمام البساط والحجّاب والقوّاد محدقون به، فنزل عن راحلته، فقام إليه الرشيد واستقبله إلى آخر البساط، وقبل وجهه وعينيه، وأخذ بيده حتّى صيره في صدر المجلس وأجلسه معه، وأقبل عليه يحدثه، ويسأله عن أحواله، ثم قال له : يا أبا الحسن، ما عليك من العيال ؟

فقال : يزيدون على الخمسمائة.

قال هارون : أولاد كلّهم ؟

قال الأمام : لا أَكْثَرُهُمْ مَوالي وَحَشَمٌ ، أَمَّا الْوَلَدُ فَلي نَيِّفٌ وَثَلاثونَ، وذكر عدد الذكور وعدد الإناث، والتفت إليه هارون فقال له : لِمَ لا تزوّج النسوان من بني عمومتهن وأكفائهن ؟

• اليَدُ تَقْصُرُ عَنْ ذلِكَ

ما حال الضيعة ؟

• تُعْطِي فِي وَقْتٍ، وَتَمْنَعُ فِي آخَرَ.

هل عليك دَين ؟

• نَعَمْ.

كم هو ؟

• عَشَرَةُ آلافِ دِينَارٍ.

يابن العمّ، أنا أعطيك من المال ما تزوّج به الذكران والنسوان، وتقضي به الدين، وتعمر به الضياع.

فشكره الإمام على ذلك، وقال له : وَصَلَتْكَ رَحِمٌ يابْنَ الْعَمِّ، وَشَكَرَ اللّه هَذِهِ النِّيَّةَ الْجَمِيلَةَ وَالرَّحِمُ ماسةٌ، وَالْقَرابَةُ واشِجَةٌ، وَالنَّسَبُ واحِدٌ، وَالْعبّاس عَمُ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)،

وَصِنْوَ أَبِيهِ، وَعَمُ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَصِنْوَ أَبِيهِ، وَما أَبَعْدَكَ اللّه مِنْ أَنْ تَفْعَلَ ذلِكَ، وَقَدْ بَسَطَ يَدَكَ، وَأَكْرَمَ عُنْصُرَكَ، وَأَعْلَى مَحْتَدِكَ (1).

فقال هارون : افعل ذلك وكرامة.

وأخذ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوصيه بالبر والإحسان إلى عموم الفقراء قائلاً: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ اللّه قَدْ فَرَضَ عَلى وَلاةِ الْعَهْدِ أَنْ يُنْعِسُوا فُقَراءَ الأُمَّةِ، وَيَقْضُوا عَن الْغَارِمِينَ، وَيُؤَدَوا عَنِ الْمُثْقَلِ، وَيَكْسو الْعَارِيَ، وَيُحْسِنُوا إِلَى الْعانِي (2)، فَأَنْتَ أَوْلى مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ.

فانبری هارون قائلاً: افعل ذلك يا أبا الحسن.

ثمّ قام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقام الرشيد تكريماً له، وقبل عينيه ووجهه، ثم أقبل على أولاده فقال لهم : يا عبد اللّه، و يا محمّد، ويا إبراهيم، امشوا بين يدي عمّكم وسيّدكم، خذوا بركابه، وسوّوا عليه ثيابه، وشيّعوه إلى منزله.

وانصرف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفي نفس الطريق أسرّ إلى المأمون فبشّره بالخلافة، وقال له : إِذا مَلَكْتَ هذَا الْأَمْرَ فَأَحْسِنُ إِلى وَلَدي.

ومضى الإمام مشيّعاً من قبل أبناء هارون إلى منزله، ورجع المأمون إلى منزله، فلما خلا المجلس من الناس التفت إلى أبيه قائلاً: يا أمير المؤمنين، من هذا الرجل الذي قد أعظمته وأجللته وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته، وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه، ثمّ أمرتنا بأخذ الركاب له ؟

فقال هارون : هذا إمام الناس، وحجّة اللّه على خلقه، وخليفته على عباده. وبهر المأمون فقال لأبيه : يا أمير المؤمنين، أليست هذه الصفات لك وفيك ؟ فأجابه هارون بالواقع قائلاً: أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر


1) المحتد : الأصل.

2) العاني : الفقير.

وموسى بن جعفر إمام حقّ، واللّه يا بني ! إنّه لأحق بمقام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) منّي ومن الخلق جميعاً، وواللّه إن نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك، فإنّ الملك عقیم.

ولما أراد الرشيد الانصراف من المدينة إلى بغداد أمر بصرة فيها مائتا دينار، وقال للفضل بن الربيع : اذهب بها إلى موسى بن جعفر، وقل له : يقول لك أمير المؤمنين : نحن في ضيقة، وسيأتيك برنا بعد الوقت.

فقام المأمون، وقال لأبيه : تعطي أبناء المهاجرين والأنصار وسائر قريش، ومَن لا تعرف حسبه ونسبه خمسة آلاف دينار إلى ما دونها، وتعطي موسى بن جعفر وقد عظمته وجللته مائتي دينار أخس عطيّة أعطيتها أحداً من الناس ؟ !

فزجره هارون، وقال له : اسكت لا أمّ لك، فإنّي لو أعطيت هذا ما ضمنته له، ما كنت آمنه أن يضرب وجهي غداً بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه، وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم وأعينهم.

وأعرب هارون عن خشيته من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقضت سياسته في محاربته اقتصادياً لئلا يقوى على مناهضته، وكان في المجلس مخارق المغني، فتألم وانبرى إلى هارون قائلاً: يا أمير المؤمنين، قد دخلت المدينة وأكثر أهلها يطلبون مني شيئاً، وإن خرجت ولم أقسم فيهم شيئاً لم يتبين لهم فضل أمير المؤمنين علي، ومنزلتي عنده.

فأمر له هارون بعشرة آلاف دينار فقال له مخارق : يا أمير المؤمنين، هذا لأهل المدينة، وعلَيَّ دَين أحتاج أن أقضيه. فأمر له بعشرة آلاف دينار، ثمّ قال له : بناتي أريد أن أزوجهنّ، فأمر له بعشرة آلاف دينار، وقال له : لا بد من غلّة تعطينيها ترد علي وعلى عيالي وبناتي، فأمر له باقطاع (1)تبلغ وارداتها في السنة عشرة آلاف


1) الاقطاع : القطعة من الأرض الزراعية.

دينار، وأمر أن يعجّل ذلك له، وقام مخارق مسرعاً إلى بيت الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلما انتهى إليه استأذن على الإمام، فأذن له، فقال له : قد وقفت على ما عاملك هذا الطاغية، وما أمر لك به، وقد احتلت عليه لك، وأخذت منه صلات ثلاثين ألف دينار واقطاعاً تغل في السنة عشرة آلاف دينار، ولا واللّه يا سيدي ما أحتاج إلى شيء من ذلك، ما أخذته إلّا لك، وأنا أشهد لك بهذه القطاع، وقد حملت المال لك.

فشكره الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ذلك، وقال له : بارَكَ اللّه لَكَ فى مالِكَ، وَأَحْسَنَ جَزاءَكَ، ما كُنتُ لأخُذَ مِنْهُ دِرْهَماً واحداً، وَلَا مِنْ هذِهِ الأقْطاعِ شَيْئاً، وَقَدْ قَبِلْتَ صِلَتَكَ وَبِرَّكَ، فَانْصَرِفْ راشداً، وَلَا تُراجِعْني في ذلِكَ.

وقبل مخارق يد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وانصرف عنه» (1).

وحكت هذه الرواية ما يلي :

1 - احتفاء الرشيد بالإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حين أنه لم يحفل بأي إنسان كان، فقد سيطر على أغلب أنحاء الأرض، وسرى اسمه في الشرق والغرب.

2 - اعتراف هارون بأنّ الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو حجّة اللّه على العالمين، وأنه إمام هذه الأمة، وقائد مسيرتها الزمنية والروحيّة، وأنّ هارون زعيم هذه الأمة بالقهر والغلبة لا بالاستحقاق.

3 - حرمان الإمام الكاظم من العطاء الذي يستحقه، وذلك من أجل أن لا يقوى على مناهضة هارون والخروج على سلطانه.

4 - إعطاء المغني - مخارق - الأموال الطائلة، وحرمان أبناء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من حقوقهم التي نهبها هؤلاء البغاة.


1) عيون أخبار الرضا عمال الان : 1 : 88 - 93.

هذه بعض المعالم في هذه الرواية.

رد فدك للعلويّين

من الأمور التي يستند القائلون فيها إلى تشيّع المأمون ردّه فدكاً للعلويّين بعد أن صادرتها الحكومات السابقة منهم، وكان الغرض من مصادرتها إشاعة الفقر والحرمان بين العلويّين، وفرض الحصار الاقتصادي عليهم كي لا يتمكنوا من مناهضة أولئك الحكّام، وقد قام المأمون بردّها عليهم، وقد رفع عنهم الضائقة الاقتصاديّة التي كانت آخذة بخناقهم، وقد مدحه شاعر أهل البيت دعبل الخزاعي على هذه المكرمة التي أسداها على العلويّين بقوله :

أَصْبَحَ وَجْهُ الزَّمانِ قَدْ ضَحِكا***بِرَدِّ مَأْمونِ هَاشِمٍ فَدَكا

واعتبر الكثير من الباحثين هذا الإجراء دليلاً على تشيّع المأمون.

إشادته بالإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وأشاد المأمون بالإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رائد الحق والعدالة في الإسلام، فقد كتب إلى جميع الآفاق بأن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) أفضل الخلق بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (1).

وقد روى الصولي أشعاراً له في فضل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كان منها ما يلي :

لا تُقْبَلُ الثَّوبَةُ مِنْ تَائِبٍ***إِلَّا بِحُبِّ ابْن أَبي طالب

أَخِي رَسولِ اللّه بَلْ صهره***والصهرُ لَا يَعْدِلُ بِالصّاحِبِ

إِن جَمَعا في الفَضْل يَوماً فَقَدْ***فاق أخوهُ رَغْبَةُ الرّاغِبِ


1) تذكرة الخواص : 366.

فَقَدِّم الهادِيَ في فَضلِهِ***تَسْلَمْ مِنَ اللَّائِمِ وَالعائِبِ

ومن شعره الذي يردّ به على من عابه في قربه لأبناء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يقول :

وَمِنْ عَاوِ يَغُصُّ عَلَيَّ غَيْظاً***إِذا أَدنَيتُ أَوْلادَ الوَصِيُّ

فَقُلتُ : أَلَيسَ قَدْ اوْتيتَ عِلْماً***وبان لَكَ الرّشيدُ مِنَ الغَوِي

وَعَرَّفتَ احْتِجاجي بِالمَثاني***وَبِالمَعْقُولِ وَالْأَثَرِ القَوِي

بِأَيَّةِ خِلَّةٍ وَبِأَيِّ مَعْنى****تُفَضُلُ مُلْحِدينَ عَلى عَلِيٍّ

عَلِي أَعْظَمُ الثَّقَلينِ حقّاً***وَأَفْضَلُهُمْ سِوى حَقٍّ النبيّ (1)

ومن شعره قاله في أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) هذه الأبيات :

إن مال ذو النصبِ إِلى جانب***ملتُ مَعَ الشَّيعِي في جانب

أكون في آلِ نَبِيِّ الهُدى***خَير نَبِيُّ مِنْ بَني غالِبِ

حُبُهُمْ فَرضٌ نُؤَدِّي بِهِ***كَمِثلِ حَجٌ لازِمِ واجِبِ (2)

وهذا الشعر صريح في ولائه لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وتقديمه لهم بالفضل على غيرهم. وروى له الصولي هذه الأبيات في الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

الامُ عَلَى حُبِّ الوَصِيِّ أَبي الحَسَن***وَذلِكَ عِندي مِن عَجائِبِ ذي الزَّمَنْ

خَليفَةُ خَير النّاسِ وَالأَوَّلُ الذي***أعان رَسولَ اللّه في السِّرِّ والعَلَنُ

وَلَولاهُ ما عُدَّتْ لِهاشِمَ إمرَةٌ***وَكَانَتْ عَلَى الأيّام تَقْضِي وَتُمْتَهَنْ

فَوَلَّىٰ بَني العبّاس مَا اخْتَصَّ غَيْرَهُمْ***وَمَنْ مِنْهُ أَوْلى بِالتَّكَرُمِ وَالمِنَنْ

فَأَوْضَحَ عَبدُ اللّه بِالبَصْرَةِ الهُدى***وَفاضَ عُبَيْدُ اللّه جوداً عَلَى الْيَمَنْ


1) المحاسن والمساوئ : 1 : 105.

2) تذكرة الخواص : 367.

وَقَسْم أَعْمالَ الخِلافَةِ بَيْنَهُمْ***فَلازالَ مَرْبوطاً بذا الشُّكْرِ مُرْتَهَنْ (1)

وحكى هذا الشعر الأيادي البيضاء التي أسداها الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الأسرة العبّاسية حينما ولي الخلافة، فقد قلّد ولاية البصرة إلى عبداللّه بن العبّاس، وكان وزيره ومستشاره الخاص، كما قلّد عبيد اللّه بن العبّاس ولاية اليمن، ولكنّ الأسرة العبّاسيّة قد تنكّرت لهذا المعروف، فقابلت أبناء الإمام بالقتل والتنكيل، وارتكبت معهم ما لم ترتكبه الأسرة الأموية، وقد أوضحنا في هذا الكتاب جوانب كثيرة من اضطهادهم للسادة العلويّين، فلم يرعوا فيهم أنهم أبناء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وأنّهم وديعته في أمته، فعمدوا إلى قتلهم تحت كلّ حجر ومدر.

ونسب إلى المأمون هذان البيتان :

إذا المُرْجِيُّ سَرَّكَ أَنْ تَراهُ***يموتُ لِحينِهِ مِنْ قَبل مَوتِهُ

فَجَدُدْ عِنْدَهُ ذِكْرَى عَلِيّ***وَصَلِّ عَلَى النبيّ وَآلِ بَيْتِه

فردّ عليه إبراهيم بن المهدي المعروف بابن شكلة :

إِذا الشَّيعِيُّ جَمجَمَ في مَقالٍ***فَسَرَّكَ أَن يَبوحَ بِذَاتِ نَفْسِهْ

فَصَلِّ عَلَى النبيّ وَصَاحِبَيهِ***وزيريهِ وَجارَيهِ بِرَمْسِه (2)

ومن الطريف ما ذكره الصولي أنه كان مكتوباً على سارية من سواري جامع البصرة :

رَحِمَ اللّه عَلِيّاً إِنَّهُ كَانَ تَقِياً

وكان يجلس إلى تلك السارية حفص أبو عمر الخطابي، وكان أعور، فعمد إلى محو ذلك، وكتب بعض المجاورين إلى الجامع إلى المأمون يخبره بمحو الخطابي


1) تذكرة الخواصّ : 366.

2) مروج الذهب : 3 : 329.

للكتابة، فشقّ على المأمون ذلك، وأمر بإشخاصه إليه، فلما مثل عنده قال له : لم محوت اسم أمير المؤمنين من السارية ؟

فقال الخطابي : وما كان عليها ؟

قال المأمون : كان عليها : «رحم اللّه عليّاً إنّه كان تقياً».

فقال : إن المكتوب رحم اللّه عليّاً إنّه كان نبياً.

فقال المأمون : كذبت، بل كانت القاف أصح من عينك الصحيحة، ولولا أن أزيدك عند العامّة نفاقاً لأدبتك، ثم أمر بإخراجه (1).

انتقاصه معاوية

واستدلّ القائلون بتشيّع المأمون إلى أنّه أمر بسبّ معاوية بن هند، وانتقاصه في جميع أنحاء العالم الإسلامي، فقد أمر أن ينادي المنادي : «أنّ برئت الذمّة من أحد من الناس ذكر معاوية بخير أو قدمه على أحد من أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)» (2).

وهذا لا يصلح دليلاً على تشيّع المأمون، لأنّ معاوية قد انكشف، وظهر واقعه، فقد تسالمت على قدحه جميع الأوساط، وأنّه الخصم اللدود للإسلام، وأنّه صاحب الأحداث والموبقات.

استدلاله على إمامة الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ومن أهم ما استدلّ به القائلون على تشيّع المأمون عقده للمؤتمرات العلميّة، واستدلاله ببالغ الحجّة على إمامة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنّه القائد الأوّل للمسيرة الإسلاميّة بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وهو أولى بمقامه، وأحق بمركزه من غيره.


1) تذكرة الخواص : 367.

2) مروج الذهب : 3 : 361.

ومن أروع المؤتمرات التي أقامها المأمون في بلاطه، ومن أكثرها أهميّة هذا المؤتمر الذي حضره أربعون من علماء الحديث وعلماء الكلام، انتخبهم يحيى بن أكثم من بين علماء بغداد، وقد أدلوا بحججهم على ما يذهبون إليه من تفضيل الخلفاء على الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، إلّا أّن المأمون فنّد حججهم بأدلّة حاسمة دلت على براعته واطلاعه الواسع في البحوث الكلامية، ونحن ننقل النص الكامل لهذه المناظرة الرائعة لما لها من الأهمية البالغة، وفيما يلي ذلك :

المأمون : ولمّا مثل العلماء أمام المأمون، التفت إليهم بعد ترحيبه بهم، فقال لهم : إنّي أريد أن أجعلكم بيني وبين اللّه تبارك وتعالى في يومي حجة، فمن كان حاقناً (1)أو له حاجة فليقم إلى قضاء حاجته، وانبسطوا، وسلّوا خفافكم، وضعوا أرديتكم، ففعلوا ما أمرهم به.

والتفت المأمون لهم قائلاً: أيها القوم، إنّما استحضرتكم لأحتج بكم عند اللّه تعالى، فاتقوا اللّه وانظروا لأنفسكم وإمامكم، ولا يمنعكم جلالتي ومكاني من قول الحق حيث كان، وردّ الباطل على مَن أتى به، وأشفقوا على أنفسكم من النار، وتقربوا إلى اللّه تعالى برضوانه، وإيثار طاعته، فما أحد تقرب إلى مخلوق بمعصية الخالق إلا سلطه اللّه عليه، فانظروني بجميع عقولكم.

إنِّي رجل أزعم أن علياً لا خير البشر بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فإن كنت مصيباً فصوّبوا قولي، وإن كنت مخطئاً فردوا عليَّ وهلموا، فإن شئتم سألتكم، وإن شئتم سألتموني.

وليس في هذا الكلام أي التواء، أو خروج عن المنطق، وإنّما صاحبه يريد الحقيقة الناصعة.

علماء الحديث : وسارع علماء الحديث قائلين : بل نحن نسألك.


1) الحاقن : الذي يضايقه البول.

وانبرى المأمون فأرشدهم إلى طريق الحوار قائلاً: هاتوا وقلدوا كلامكم رجلاً واحداً منكم، فإذا تكلّم فإن كان عند أحدكم زيادة فليزده، وإن أتى بخلل فسدّدوه.

الدليل الأوّل : وأدلى عالم من علماء الحديث بحجته على أن أبا بكر هو خير هذه الأمة بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قائلاً : نحن نزعم أنّ خير الناس بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أبو بكر، من قبل الرواية المجمع عليها جاءت عن الرسول له، قال : «اقتدوا بالذين من بعدي أبو بكر وعمر»، فلما أمر نبي الرحمة بالاقتداء بهما علمنا أنه لم يأمر بالاقتداء إلا بخير الناس.

جواب المأمون وناقش موضوع الحديث المنسوب إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) نقاشاً موضوعيّاً، فقال : الروايات كثيرة، ولا بدّ من أن تكون كلّها حقاً، أو كلّها باطلاً، أو بعضها حقاً، وبعضها باطلاً، فلو كانت كلها حقاً كانت كلها باطلاً من قبل أن بعضها ينقض بعضها، ولو كانت كلّها باطلاً كان في بطلانها بطلان الدين، ودرس الشريعة (1)، فلمّا بطل الوجهان ثبت الثالث بالاضطرار، وهو أن بعضها حقّ، وبعضها باطل، فإذا كان ذلك فلابد من دليل على ما يحق منها ليعتقد، أو ينفي خلافه، فإذا كان دليل الخبر في نفسه حقاً كان أولى ما اعتقده وأخذ به.

وروايتك هذه من الأخبار التي أدلتها باطلة في نفسها، وذلك أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أحكم الحكماء، وأولى الخلق بالصدق، وأبعد الناس من الأمر بالمحال، وحمل الناس على التدين بالخلاف، وذلك أنّ هذين الرجلين لا يخلو من أن يكونا متفقين من كلّ جهة كانا واحداً في العدد والصفة والصورة والجسم، وهذا معلوم أن يكون اثنان بمعنى واحد من كلّ جهة.

وإن كانا مختلفين فكيف يجوز الاقتداء بهما، وهذا تكليف بما لا يُطاق؛ لأنك


1) أي إماتة الشريعة.

إذا اقتديت بواحد خالفت الآخر، والدليل على اختلافهما أن أبا بكر سبى أهل الردّة وردّهم عمر أحراراً، وأشار عمر بعزل خالد لقتله مالك بن نويرة فأبى أبو بكر عليه، وحرّم عمر المتعتين ولم يفعل ذلك أبو بكر، ووضع عمر ديوان العطية ولم يفعله أبو بكر، واستخلف أبو بكر ولم يفعل عمر، ولهذا نظائر كثيرة.

وردّ المأمون وثيق للغاية، فقد زيّف الحديث، وأثبت أنه من الموضوعات، ولا نصيب له من الصحّة.

الدليل الثاني :

وانبرى عالم آخر من علماء الحديث فاستدلّ على أفضليّة الشيخين وتقدّمهما على الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالحديث المنسوب إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، قال : إن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال : «لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً».

المأمون :

وزيّف المأمون هذا الحديث قائلاً: هذا مستحيل من قبل أن رواياتكم قد صرّحت أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) آخي بين أصحابه وأخر عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له في ذلك : وَما أَخَّرْتُكَ إِلَّا لِنَفْسي، فأي الروايتين ثبتت بطلت الأخرى.

إنّ مناقشة المأمون للحديث مناقشة موضوعية ليس فيها أي تحيّز، وإنما كانت خاضعة للدليل الحاسم.

الدليل الثالث :

وانبرى محدث آخر، فقال : إنّ عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال على المنبر : «خير هذه الأمة بعد نبيّها أبو بكر وعمر».

المأمون :

وناقش المأمون هذا الحديث، قائلاً : هذا مستحيل لأنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لو علم أنّهما

أفضل ما ولّى عليهما مرّة عمرو بن العاص ومرّة أسامة بن زيد، وممّا يكذّب هذه

الرواية قول علي لما قبض النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «وَأَنَا أَوْلَى بِمَجْلِسِهِ مِنّي بِقَميصي وَلكِنْ أَشْفَقْتُ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ كُفَاراً».

وقوله (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَنَّى يَكونانِ خَيْراً مِنّي ؟ ! وَقَدْ عَبَدْتُ اللّه قَبْلَهُما، وَعَبَدْتُهُ بَعْدَهُما. وأبطل المأمون الحديث وبين زيفه، فلم يصلح لأن يكون دليلاً للخصم.

الدليل الرابع:

وقال عالم من علماء الحديث : إنّ أبا بكر أغلق بابه، وقال : هل من مستقيل فاُقيله، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «قدّمك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فمن ذا يؤخّرك ؟».

المأمون :

وردّ المأمون الحديث قائلاً: هذا باطل لأنّ عليّا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قعد عن بيعة أبي بكر، ورويتم أنّه قعد عنها حتّى قُبضت فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وأنها أوصت أن تدفن ليلاً لئلا يشهدا جنازتها.

ووجه آخر وهو أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لو كان استخلفه فكيف كان له أن يستقيل، وهو يقول للأنصار : قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين : أبا عبيدة وعمر.

الدليل الخامس :

وقال عالم آخر : إنّ عمرو بن العاص قال : يا نبي اللّه، من أحبّ الناس إليك من النساء ؟ قال : «عائشة»، فقال : من الرجال ؟ فقال : «أبوها».

المأمون :

وردّ المأمون هذا الحديث، فقال : هذا باطل لأنكم رويتم أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وضع بين يديه طائر مشوي، فقال : «اللَّهُمَّ انْتِني بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ»، فكان عليّاً، فأي رواياتكم تقبل ؟

إن حديث الطائر المشوي مجمع عليه، وهو يدلّ بوضوح على أن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحب الخلق عند اللّه وأقربهم إليه.

الدليل السادس :

وانبرى عالم آخر، فقال : إنّ عليّاً قال : من فضلني على أبي بكر وعمر جلدته حدّ المفتري.

المأمون:

وأجاب المأمون عن هذا الحديث المنسوب إلى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : كيف يجوز أن يقول عليّ : اجلد الحدّ على من لا يجب حدّ عليه، فيكون متعدّياً لحدود اللّه، عاملاً بخلاف أمره، وليس تفضيل من فضّله عليهما فرية، وقد رويتم عن إمامكم أنّه قال : وليتكم ولست بخيركم، فأي الرجلين أصدق عندكم أبو بكر على نفسه، أو عليّ على أبي بكر، مع تناقض الحديث في نفسه، ولا بدّ له من أن يكون صادقاً أو كاذباً، فإن كان صادقاً فأنّى عرف ذلك بوحي ؟ فالوحي منقطع أم بالتظنين، فالمتظنّي متحيّر، أو بالنظر فالنظر بحث وإن كان غير صادق، فمن المحال أن يلى أمر المسلمين ويقوم بأحكامهم ويقيم حدودهم كذاب.

الدليل السابع:

وقال عالم آخر : إن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال : «أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة».

المأمون :

قال المأمون : هذا الحديث محال لأنّه لا يكون في الجنّة كهل، ويروى أنّ «أشحمية» كانت عند النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فقال : لَا يَدْخُلِ الجنّة عَجوز، فبكت، فقال لها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): إِنَّ اللّه تَعَالَى يَقولُ : «إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءَ * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً» (1)، فإن زعمتم أن أبا بكر ينشأ شاباً إذا دخل الجنّة، فقد رويتم أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال للحسن والحسين : «إِنَّهُما سَيْدا شَباب أهْل الجنّة مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالآخِرينَ،


1) الواقعة 56 : 35 - 37.

وَأَبوهُما خَيْرٌ مِنْهُما.

ومناقشة المأمون للحديث مناقشة منطقيّة غير خاضعة للأهواء والتيارات المذهبية.

الدليل الثامن :

وقال عالم آخر من علماء الحديث : إنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال : لو لم أكن أبعث فيكم لبعث عمر.

المأمون :

قال المأمون في تفنيد هذا الحديث : هذا محال لأنّ اللّه تعالى يقول : «إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ» (1)، وقال تعالى : «وإذ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّين مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ» (2)، فهل يجوز أن يكون من لم يؤخذ ميثاقه على النبوة مبعوثاً، ومن أخذ ميثاقه على النبوة مؤخّراً ؟

إنّ مناقشة المأمون لهذه الأحاديث مبنية على الفكر والمنطق وليس فيها ما يشد عنهما.

الدليل التاسع :

وانبرى عالم آخر فأدلى بحجته قائلاً: إن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) نظر إلى عمر يوم عرفة فتبّسم، فقال : «إنّ اللّه تبارك وتعالى باهى بعباده عامة وبعمر خاصّة».

المأمون :

وقال المأمون في ردّه على هذا الحديث : هذا مستحيل لأن اللّه تبارك وتعالى


1) النساء 4: 163.

2) الأحزاب 7: 33.

لم يكن ليباهي بعمر وبدع نبيه، فيكون عمر في الخاصّة والنبيّ في العامّة.

وليست هذه الروايات بأعجب من روايتكم أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال : «دخلت الجنّة فسمعت خفق نعلين، فإذا بلال مولى أبي بكر سبقني إلى الجنّة»، فقلتم : عبد أبي بكر خير من الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لأنّ السابق أفضل من المسبوق.

الدليل العاشر :

وانبری محدّث آخر، فقال : إن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال : «لو نزل العذاب ما نجا إلا عمر بن الخطاب».

المأمون :

هذا خلاف الكتاب أيضاً؛ لأن اللّه تعالى يقول لنبيّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): «وَمَا كَانَ اللّه لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ» (1)، فجعلتم عمر مثل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

الدليل الحادي عشر :

وقال محدّث آخر : لقد شهد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) العمر بالجنّة في عشرة من الصحابة.

المأمون :

لو كان كما زعمتم لكان عمر لا يقول لحذيفة : نشدتك باللّه أمن المنافقين أنا ؟ فإن كان قد قال له النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : أنت من أهل الجنّة ولم يصدّقه حتّى زكّاه حذيفة، فصدق حذيفة ولم يصدّق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فهذا على غير الإسلام، وإن كان قد صدّق النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فليم سأل حذيفة ؟ وهذا الخبران متناقضان في أنفسهما.

الدليل الثاني عشر :

وقال عالم آخر : قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «وضعت في كفة الميزان ووضعت أمتي في كفة أخرى، فرجحت بهم، ثمّ وضع مكاني أبو بكر فرجح بهم، ثم عمر فرجح بهم،


1) الأنفال 8: 33.

ثم رفع الميزان».

المأمون :

وفنّد المأمون هذا الحديث فقال : هذا محال، لأنّه لا يخلو من أن يكون أجسامهما أو أعمالهما، فإن كانت الأجسام فلا يخفى على ذي روح أنه محال، لأنه لا يرجح أجسامهما بأجسام الأمة، وإن كانت أفعالهما فلم تكن بعد، فكيف بما ليس ؟

والتفت المأمون إلى العلماء فقال لهم : أخبروني بما يتفاضل الناس ؟

وانبرى بعض العلماء فقال : يتفاضلون بالأعمال الصالحة.

وعلّق المأمون على هذا الكلام قائلاً: أخبروني ممّن فضل صاحبه على عهد النبيّ اللّه، ثمّ إنّ المفضول عمل بعد وفاة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بأكثر من عمل الفاضل على عهد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ثم أيلحق به ؟ فإن قلتم : نعم، أوجدتكم في عصرنا هذا من هو أكثر جهاداً وحجّاً وصوماً وصلاة وصدقة من أحدهم ؟

فانبروا جميعاً قائلين : صدقت لا يلحق فاضل دهرنا بفاضل عصر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

فقال لهم المأمون : انظروا فيما روت أئمتكم الذين أخذتم عنهم أديانكم في فضائل عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقيسوا إليها ما ورد في فضائل تمام العشرة الذين شهدوا لهم بالجنّة، فإن كانت جزءاً من أجزاء كثيرة، فالقول قولكم، وإن كانوا قد رووا في فضائل على (عَلَيهِ السَّلَامُ) أكثر، فخذوا عن أئمتكم ما رووا ولا تتعدّوه.

وحار القوم في الجواب، فقد سدّ عليهم المأمون كلّ ثغرة يسلكون فيها للدفاع عمّا يذهبون إليه، والتفت إليهم المأمون قائلاً : ما لكم سكتم ؟

فقالوا : قد استقصينا؛ إذ لم تبق عندهم حجة يتمسكون بها.

فقال لهم المأمون : إنّي سائلكم : أخبروني أي الأعمال كان أفضل يوم بعث اللّه نبيّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟

فقالوا جميعاً : السبق إلى الإسلام؛ لأن اللّه تعالى يقول: «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» (1).

وسارع المأمون قائلاً: فهل علمتم أحداً أسبق من علي إلى الإسلام ؟

وارتفعت أصواتهم قائلين : إنّه - أي عليّ - سبق حدثاً لم يجر عليه حكم، وأبو بكر أسلم كهلاً قد جرى عليه الحكم - أي التكليف - وبين هاتين الحالتين فرق.

وأجاب المأمون قائلاً: خبروني عن إسلام عليّ بإلهام من قبل اللّه تعالى أم بدعاء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟

فإن قلتم بإلهام، فقد فضلتموه على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ؛ لأن النبيّ لم يلهم، بل أتاه جبرئيل عن اللّه تعالى داعياً.ومعرّفاً.

وإن قلتم بدعاء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فهل دعاه من قبل نفسه أو بأمر اللّه تعالى، فإن قلتم : من قبل نفسه، فهذا خلاف ما وصف اللّه تعالى به نبيَّه في قوله: «وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ» (2)، وفي قوله تعالى : «وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى» (3)، وإن كان من قبل اللّه تعالى فقد أمر اللّه تعالى نبيّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بدعاء عليّ من بين صبيان الناس وإيثاره عليهم، فدعاه ثقة به، وعلماً بتأييد اللّه تعالى.

وخلة أخرى : خبروني عن الحكيم هل يجوز أن يكلّف خلقه ما لا يطيقون، فإن قلتم : نعم، فقد كفرتم، وإن قلتم : لا، فكيف يجوز أن يأمر نبيّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بدعاء من لا يمكنه قبول ما يؤمر به لصغره وحداثة سنّه، وضعفه عن القبول.

وعلة أخرى : هل رأيتم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) دعا أحداً من صبيان أهله وغيرهم فيكونوا


1) الواقعة 56: 10 و 11.

2) ص 38: 86.

3) النجم 53: 3 و 4.

أُسوة مع عليّ، فإن زعمتم أنه لم يدع أحداً غيره، فهذه فضيلة لعليّ على جميع صبيان الناس.

والتفت المأمون إلى العلماء فقال لهم : أي الأعمال بعد السبق إلى الإيمان ؟

فقالوا جميعاً : الجهاد في سبيل اللّه.

وانبرى المأمون يقيم عليهم الحجّة في تقديم الإمام على غيره بالفضل قائلاً: هل تجدون لأحد من العشرة في الجهاد ما لعليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جميع مواقف النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من الأثر ؟ هذه بدر قتل من المشركين فيها نيف وستون رجلاً، قتل عليّ منهم نيفاً وعشرين، وأربعون لسائر الناس.

وانبرى عالم من علماء الحديث فقال : كان أبو بكر مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في عريشه يدبرها.

فردّ عليه المأمون قائلاً : لقد جئت بهذا عجيبة ! ! كان يدبر دون النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أو أو معه فيشركه، أو لحاجة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى رأي أبي بكر ؟ أي الثلاث أحب إليك ؟

وأجاب العالم : أعوذ باللّه من أن أزعم أنه يدبّر دون النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أو يشركه أو بافتقار من النبيّ إليه.

وردّ عليه المأمون قائلاً: فما الفضيلة في العريش ؟ فإن كانت فضيلة أبي بكر بتخلفه عن الحرب، فيجب أن يكون كلّ متخلف فاضلاً أفضل من المجاهدين، واللّه عز وجل يقول : «لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّه بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلَا وَعَدَ اللّه الْحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ اللّه الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً» (1).


1) النساء 4: 95.

ووجّه المأمون خطابه إلى إسحاق بن حماد بن زيد، وهو من كبار علماء الحديث، فقال له : اقرأ سورة هل أتى ؟

وأخذ إسحاق في قراءة السورة، فلما انتهى إلى قوله تعالى : «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً» إلى قوله : «سَعْيُكُم مَشْكُوراً» (1)قال له المأمون : فيمن نزلت هذه الآيات ؟

• في عليّ.

وانبرى المأمون قائلاً: هل بلغك أنّ عليا اللّه قال حين أطعم المسكين واليتيم والأسير «إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّه لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً» (2)على ما وصف اللّه تعالى في كتابه.

•

لا.

•

إنّ اللّه تعالى عرف سريرة عليّ ونيّته، فأظهر ذلك في كتابه تعريفاً لخلقه أمره.

•

هل علمت أنّ اللّه تعالى وصف في شيء مما وصف في الجنّة، ما في هذه السورة «قَوَارِيرَا مِن فِضَّةٍ» (3)؟

•

لا.

•

فهذه فضيلة أخرى، كيف تكون القوارير من فضة ؟

•

لا أدري.

يريد كأنها من صفائها من فضة يُرى داخلها كما يرى خارجها، وهذا مثل قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): يا إسحاق، رُوَيْداً شَوْقُكَ بِالْقَوارير، وعنى به نساء كأنها القوارير رقة،


1) الإنسان 76 8 - 22.

2) السورة المتقدّمة: الآية.9.

3) السورة المتقدمة : الآية 16.

وقوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : رَكِبْتُ فَرَسَ أَبي طَلْحَةَ فَوَجَدْتُهُ بَحْراً، أي كأنه بحر من كثرة جريه وعدوه، وكقول اللّه تعالى : «وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ» (1)، أي كأنه يأتيه الموت، ولو أتاه من مكان واحد مات.

•

يا إسحاق، ألست ممن يشهد أن العشرة في الجنّة ؟

•

بلى.

•

أرأيت لو أنّ رجلاً قال : ما أدري أصحيح هذا الحديث أم لا، أكان عندك كافراً ؟

•

لا.

•

أرأيت لو قال : ما أدري هذه السورة قرآناً أم لا، أكان عندك كافراً ؟

•

بلی.

•

يا إسحاق، خبرني عن حديث الطائر المشوي أصحيح عندك ؟

•

بلى.

•

بان واللّه عنادك، لا يخلو هذا من أن يكون كما دعاه النبيّ أو يكون مردوداً، أو عرف اللّه الفاضل من خلقه، وكان المفضول أحبّ إليه، أو تزعم أن اللّه لم يعرف الفاضل من المفضول، فأي الثلاث أحب إليك ؟

وحار إسحاق ولم يهتد إلى الجواب، ويقي يتأمل فوجد مسلكاً يدافع به عن فكرته، فقال : يا أمير المؤمنين، إن اللّه تعالى يقول في أبي بكر : «ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّه مَعَنَا» (2). فنسبه اللّه إلى صحبة نبيّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وسارع المأمون في الردّ عليه قائلاً: سبحان اللّه ! ما أقلّ علمك باللغة والكتاب،


1) إبراهيم 14 : 17.

2) التوبة 9 40.

أما يكون الكافر صاحباً للمؤمن، فأي فضيلة في هذا ؟ أما سمعت قول اللّه تعالى : «قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً» (1)، فقد جعله له صاحباً.

وقال الهزلي شعراً :

وَلَقَدْ غَدَوتُ وَصاحِبِي وَحشِيَّةٌ***تَحتَ الرِّداءِ بَصِيرَةٌ بِالْمَشْرِقِ

وقال الأزدي :

وَلَقَدْ ذعرت الوَحْشَ فيهِ وَصاحِبي***مَحْضُ الْقَوائِمِ مِنْ هِجانِ هَيكَلِ

فصیّر فرسه صاحبه.

وأمّا قوله : «إِنَّ اللّه مَعَنَا»، فإنَّ اللّه تبارك وتعالى مع البر والفاجر، أما سمعت قوله تعالى : «مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا» (2).

وأمّا قوله : «لَا تَحْزَنْ» فأخبرني عن حزن أبي بكر كان طاعة أو معصية، فإن زعمت أنه طاعة فقد جعلت النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ينهى عن الطاعة، وهو خلاف صفة الحكيم، وإن زعمت أنه معصية فأي فضيلة للعاصي ؟

وأخبرني عن قوله تعالى : «فَأَنْزَلَ اللّه سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ» (3). على مَن ؟

وانبرى إسحاق فقال : نزلت - أي السكينة - على أبي بكر لأنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) منزه عن صفة السكينة.

فأجابه المأمون : أخبرني عن قوله تعالى: «وَيَوْمَ حُنَيْنِ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ


1) الكهف 18: 37.

2) المجادلة 58: 7.

3) التوبة 9 : 40.

فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللّه سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ» (1)، أتدري من المؤمنين الذين أرادهم اللّه في هذا الموضع ؟

• لا.

وأخذ المأمون يشرح لإسحاق معنى الآية الكريمة قائلاً: إنّ الناس انهزموا يوم حنين، فلم يبق مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلّا سبعة من بني هاشم، عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يضرب بسيفه، والعبّاس أخذ بلجام بغلة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، والخمسة محدقون بالنبيّ له خوفاً من أن يناله سلاح الكفّار، حتّى أعطى اللّه تبارك وتعالى رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الظفر، عنى بالمؤمنين في هذا الموضع عليّاً ومن حضر من بني هاشم، فمن كان أفضل أمن كان مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فنزلت السكينة على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعليه أم من كان في الغار مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ولم يكن أهلاً لنزولها عليه، يا إسحاق، من أفضل : من كان مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في الغار أو من نام على مهاده وفراشه، ووقاه بنفسه حتّى تمّ للنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما عزم عليه من الهجرة.

إنّ اللّه تبارك وتعالى أمر نبيّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أن يأمر عليّاً بالنوم على فراشه، ووقايته بنفسه، فأمره بذلك، فقال علي : أَتَسْلَمُ يَا نَبِيَّ اللّه ؟

فقال : نَعَمْ.

قال : سَمْعاً وَطاعَةٌ، ثم أتى مضجعه، وتسجى بثوبه، وأحدق المشركون به لا يشكون في أنّه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقد أجمعوا على أن يضربه رجل من كلّ بطن من قريش ضربة لئلا يطلب الهاشميون بدمه، وعليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يسمع بأمر القوم فيه من التدبير في تلف نفسه، فلم يدعه ذلك إلى الجزع كما جزع أبو بكر في الغار، وهو مع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعلي وحده، فلم يزل صابراً محتسباً، فبعث اللّه تعالى ملائكته تمنعه من مشركي قريش، فلما أصبح قام فنظر القوم إليه فقالوا : أين محمّد ؟ قال : وَما عِلْمِي بِهِ ؟ قالوا :


1) التوبة 9 25 و 26.

فأنت غدرتنا، ثم لحق بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فلم ينزل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) أفضل لما بدا منه، إلا ما يزيد خيراً حتّى قبضه اللّه تعالى إليه، وهو محمود مغفور له.

يا إسحاق، أما تروي حديث الولاية ؟

•

نعم.

•

اروه.

فرواه له، فقال المأمون : أما ترى أنه أوجب لعليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) على أبي بكر وعمر من الحقّ ما لم يوجب لهما عليه ؟

فقال إسحاق : إنّ الناس يقولون : إنّ هذا قاله بسبب زيد بن حارثة.

فأنكر المأمون ذلك وقال : وأين قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هذا ؟

فأجاب إسحاق : قاله بغدير خم بعد منصرفه من حجّة الوداع.

وسارع المأمون لإبطال ذلك قائلاً: متى قتل زيد بن حارثة ؟ أليس قد قُتل قبل غدیر خم ؟

•

بلی.

•

أخبرني لو رأيت ابناً لك أنت على خمس عشرة سنة يقول : مولاي مولى ابن عمّي أيّها الناس فاقبلوا، أكنت تكره له ذلك ؟

•

بلى.

وكرّ المأمون منكراً عليه قائلاً: أتنزه ابنك عما لا تنزّه عنه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

والتفت إليه المأمون ليقيم عليه الحجّة قائلاً: أتروي قول النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لعليّ : أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى ؟

•

نعم.

•

أما تعلم أن هارون أخو موسى لأبيه وأمه ؟

•

بلی.

•

فعليّ كذلك ؟

•

لا.

سارع المأمون قائلاً: هارون نبي، وليس على كذلك، فما المنزلة الثالثة إلا الخلافة، لقد قال المنافقون : إنه استخلفه استثقالاً، فأراد أن يطيّب نفسه، وهذا كما حكى اللّه تعالى عن موسى، حيث قال لهارون : «اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» (1).

و انبرى إسحاق قائلاً : إن موسى خلف هارون في قومه وهو حي، ثم مضى إلى ميقات ربّه تعالى، وإن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) خلف عليّاً حين خرج إلى غزاته :

وردّ عليه المأمون : أخبرني عن موسى حين خلف هارون أكان معه حيث مضى إلى ميقات ربّه عزّ وجلّ أحد من أصحابه ؟

•

نعم.

•

أوليس قد استخلفه على جميعهم ؟

•

بلی.

فكذلك عليّ خلفه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حين خرج إلى غزاته في الضعفاء والنساء والصبيان، إذ كان أكثر قومه معه، وإن كان قد جعله خليفة على جميعهم، والدليل على أنّه جعله خليفة عليهم في حياته إذا غاب وبعد موته قوله :(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) «عَلِيٌّ مِنّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»، وهو وزير النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أيضاً بهذا القول لأن موسى قد دعا اللّه تعالى، وقال فيما دعا: «وَاجْعَل لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي *


1) الأعراف 7: 142.

هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» (1)، فإذا كان علي منه بمنزلة هارون من موسى فهو وزيره، كما كان هارون وزير موسى، وهو خليفته كما كان هارون خليفة موسى.

مع علماء الكلام

وبعدما حاجج المأمون علماء الحديث، وتغلب عليهم بمناقشته للأحاديث التي تمسكوا بها في الاستدلال على ما يذهبون إليه، التفت بعد ذلك إلى علماء الكلام فقال لهم : أسألكم أو تسألوني ؟

• بل نسألك.

والتفت عالم منهم، فقال للمأمون : أليست إمامة عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قبل اللّه عزّ وجلّ ؟ نقل ذلك عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من نقل الفرائض مثل الظهر أربع ركعات، وفي مائتي درهم خمسة دراهم، والحج إلى مكة ؟

فقال المأمون : «بلى».

فقال المتكلّم : فما بالهم لم يختلفوا في جميع الفرائض واختلفوا في خلافة عليّ وحدها ؟

المأمون: «لأنّ جميع جميع الفرائض لا يقع فيها من التنافس والرغبة مثل ما يقع في الخلافة».

متكلّم : وانبرى متكلّم آخر، فقال : ما أنكرت أن يكون النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أمرهم باختيار رجل منهم يقوم مقامه رأفة بهم، ورقة عليهم، من غير أن يستخلف هو بنفسه، فیعصى خليفته فينزل بهم العذاب.

المأمون : أنكرت ذلك من قبل إن اللّه تعالى أرأف بخلقه من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)،


1) طه 20: 29 – 32.

وقد بعث نبيه إليهم وهو يعلم أن فيهم عاص ومطيع، فلم يمنعه تعالى ذلك من إرساله.

وعلّة أخرى : لو أمرهم باختيار رجل منهم كان لا يخلو من أن يأمرهم كلهم أو بعضهم، فلو أمر الكلّ من كان المختار ؟ ولو أمر بعضاً دون بعض كان لا يخلو من أن يكون على هذا المعنى علامة، فإن قلت : فلابد من تحديد الفقيه وسمته.

وانبرى متكلّم فقال : روي أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال : ما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللّه حسن، وما رأوه قبيحاً فهو عند اللّه قبيح.

فردّ عليه المأمون هذه المقالة الفاسدة التي تستلزم التصويب المجمع على بطلانه، وهو أن ليس اللّه تعالى في كلّ واقعة حكم يصيبه من يصيبه، ويخطئه من يخطئه، وهذا جواب المأمون : «هذا القول لا بد أن يكون يريد كلّ المؤمنين أو البعض، فإن أراد الكلّ فهذا مفقود ؛ لأن الكل لا يمكن اجتماعهم، وإن كان البعض، فقد روى كلّ في صاحبه حسناً، مثل رواية الشيعة في عليّ، ورواية الحشوية في غيره، فمتى يثبت ما تريدون من الإمامة ؟».

وقال متكلم آخر : فيجوز أن تزعم أن أصحاب محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أخطأوا ؟

فأجابه المأمون : كيف نزعم أنهم أخطأوا واجتمعوا على ضلالة وهم لم يعلموا فرضاً ولا سنّة، لأنك تزعم أن الإمامة لا فرض من اللّه تعالى، ولا سنة من الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فكيف يكون فيما ليس عندك بفرض ولا سنّة خطأ ؟».

وسارع متكلّم آخر فقال للمأمون : إن كنت تدعي لعلي من الإمامة دون غيره، فهات بينتك على ما تدّعي.

مناقشة المأمون : «ما أنا بمدّع، ولكنّي مقرّ، ولا بيّنة على مقرّ، والمدعي من يزعم أنّ إليه التولية والعزل، وأنّ إليه الاختيار، والبيّنة لا تعرى من أن تكون من شركائه، فهم خصماء، أو تكون من غيرهم والغير معدوم، فكيف يؤتى بالبينة

على هذا ؟

وقال متكلّم آخر : فما كان الواجب على علي الا بعد مضي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟

وأجاب المأمون : «قد فعله - أي فعل ما يجب عليه -».

وأشكل المتكلم قائلاً: أفما وجب عليه أن يعلم الناس أنه إمام ؟

وسارع المأمون قائلاً: «إنّ الإمامة لا تكون بفعل منه في نفسه، ولا بفعل من الناس فيه من اختيار أو تفضيل أو غير ذلك، وإنّها تكون بفعل من اللّه تعالى فيه، كما قال لإبراهيم : «إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» (1)، وكما قال تعالى لداود : «يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ» (2)، وكما قال عز وجل للملائكة في آدم : «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (3).

فالإمام إنّما يكون إماماً من قبل اللّه تعالى وباختياره إياه في بدء الصنيعة والتشريف في النسب والطهارة في المنشأ والعصمة في المستقبل، ولو كانت بفعل منه في نفسه كان من فعل ذلك الفعل مستحقاً للإمامة، وإذا عمل خلافها اعتزل فيكون خليفة من قبل أفعاله».

وأشكل متكلّم آخر فقال : لِمَ أوجبت الإمامة لعلي بعد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ؟

وأجاب المأمون : «الخروجه من الطفولة إلى الإيمان كخروج النبيّ من الطفوليّة إلى الإيمان والبراءة من ضلالة قومه عن الحجّة، واجتنابه الشرك كبراءة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من الضلالة، واجتنابه للشرك، لأن الشرك ظلم ولا يكون الظالم إماماً، ولا من عبد وثناً بإجماع، ومن شرك فقد حلّ من اللّه تعالى محلّ أعدائه، فالحكم فيه الشهادة


1) البقرة 2: 124.

2) ص 38: 26.

3) البقرة :2 : 30.

عليه بما اجتمعت عليه الأمة حتّى يجيء إجماع آخر مثله، ولأن من حكم عليه مرّة فلا يجوز أن يكون حاكماً، فيكون الحاكم محكوماً عليه مرة، فلا يكون حينئذ فرق بين الحاكم والمحكوم عليه.

وأشكل شخص آخر من المتكلمين، فقال : لِمَ لا يقاتل عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبا بكر وعمر، كما قاتل معاوية ؟

وأجاب المأمون : «المسألة محال لأنّ لِمَ اقتضاء، ولم نفي، والنفي لا يكون له علة، إنما العلة للاثبات، وإنما يجب أن ينظر في أمر عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمن قبل اللّه أم من قبل غيره، فإن صحّ أنّه من قبل اللّه تعالى، فالشكّ في تدبيره كفر لقوله تعالى : «فلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً» (1).

فأفعال الفاعل تبع له صلة، فإن كان قيامه عن اللّه تعالى، فأفعاله عنه، وعلى الناس الرضى والتسليم، وقد ترك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) القتال يوم الحديبية يوم صدّ المشركون هديه عن البيت، فلما وجد الأعوان وقوي حارب كما قال اللّه تعالى في الأوّل : «فَاصْفَح الصَّفْحَ الْجَمِيلَ» (2)، ثم قال عز وجل: «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كلّ مَرْصَدٍ» (3)».

وانبرى متكلّم آخر، فقال : إذا زعمت أنّ إمامة علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قبل اللّه تعالى، وأنه مفترض الطاعة، فلمَ لا يجوز إلا التبليغ والدعاء للأنبياء (عَلَيهِم السَّلَامُ) وجاز لعليّ أن يترك ما أمر به من دعوة الناس إلى طاعته ؟

جواب المأمون : «إنا لم نزعم أن عليّاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمر بالتبليغ فيكون رسولاً، ولكنه وضع


1) النساء 4: 65.

2) الحجر 15 : 85.

3) التوبة 9: 5.

علماً بين اللّه تعالى وبين خلقه، فمن تبعه كان مطيعاً، ومن خالفه كان عاصياً، فإن وجد أعواناً يتقوّى بهم جاهد، وإن لم يجد أعواناً فاللوم عليهم لا عليه ؛ لأنهم أمروا بطاعته على كلّ حال ولم يؤمر هو بمجاهدتهم إلا بقوّة، وهو بمنزلة البيت على الناس الحجّ إليه، فإذا حجّوا أدوا ما عليهم، وإذا لم يفعلوا كانت اللائمة عليهم لا على البيت».

وقال متكلّم آخر : إذا وجب أنه لا بدّ من إمام مفترض الطاعة بالاضطرار، كيف يجب بالاضطرار أنه علي دون غيره ؟

جواب المأمون : وردّ المأمون هذه الشبهة بقوله : «إنّ اللّه تعالى لا يفرض مجهولاً، ولا يكون المفروض - أي الإمامة وغيرها من التكاليف - ممتنعاً، إذ المجهول ممتنع من قبل أنّ اللّه تعالى لا يفرض مجهولاً، ولا يكون المفروض ممتنعاً، فلابد من دلالة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) على الفرض ليقطع العذر بين اللّه وبين عباده، أرأيت لو فرض اللّه تعالى على الناس صوم شهر فلم يعلم الناس أي شهر هو ؟ ولم يوسم بوسم وكان على الناس استخراج ذلك بعقولهم حتّى يصيبوا ما أراد اللّه تعالى. فيكون الناس حينئذٍ مستغنين عن الرسول المبيّن لهم، وعن الإمام الناقل لهم خبر الرسول إليهم».

وأشكل متكلّم آخر فقال : من أين أوجبت أن علياً كان بالغاً حين دعاه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فإنّ الناس يزعمون أنه كان صبياً حين دعي، ولم يكن جاز عليه الحكم، ولا بلغ مبلغ الرجال ؟

جواب المأمون : «إنّه لا يرى في ذلك الوقت من أن يكون ممن أرسل إليه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ليدعوه، فإن كان كذلك فهو محتمل التكليف، قوي على أداء الفرائض»... الخ.

وجوم العلماء

ووجم علماء الحديث وعلماء الكلام، فقد أفحمهم المأمون، وألزمهم الحجة، واستدلّ على إمامة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأوثق الأدلة وأنصعها.

أسئلة المأمون للعلماء

ووجّه المأمون أسئلة إلى العلماء، كان منها ما يلي

1 - أليس قد روت الأمّة بإجماع منها أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) قال : «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»؟

فقال العلماء بأجمعهم : بلى يا أمير المؤمنين.

وعرض عليهم المأمون حديثاً نبوياً آخر فقال : ورووا عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَنّه قال : «مَن عَصَى اللّه بِمَعْصِيَةٍ صَغُرَتْ أَوْ كَبُرَتْ، ثُمَّ اتَّخَذَها دِيناً، وَمَضى مُصِراً عَلَيْها فَهُوَ مُخَلَّدٌ بَيْنَ أَطْباقِ الْجَحِيمِ» ؟ وصدّق العلماء الحديث وأقرّوا به.

فقال لهم المأمون : خبّروني عن رجل تختاره الأمة، هل يجوز أن يقال له : خليفة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ومن قبل اللّه عزّ وجلّ، ولم يستخلفه الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟ فإن قلتم : نعم، فقد كابرتم، وإن قلتم : لا وجب أن يكون فلان غير خليفة لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وأقبل المأمون يعظهم بعد حديث جرى بينه وبين العلماء في هذا الموضوع قائلاً: اتقوا اللّه، وانظروا لأنفسكم، ودعوا التقليد، وتجنبوا الشبهات، فواللّه ما يقبل اللّه تعالى إلا من عبد لا يأتي إلا بما يعقل، ولا يدخل إلا فيما يعلم أنه حق، والريب شك، وإدمان الشك كفر باللّه تعالى وصاحبه في النار.

والتفت إليهم بعد هذا التأنيب قائلاً : أخبروني عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هل استخلف حين مضى أم لا ؟

فقالوا جميعاً : لم يستخلف.

وأشكل عليهم المأمون قائلاً : فتركه ذلك - أي الاستخلاف لأحد من بعده - هدى أم ضلال ؟

فأجابوا : بل هدى.

وانبرى المأمون يقيم الدليل على بطلان ما ذهبوا إليه قائلاً: فعلى الناس أن يتّبعوا الهدى، ويتركوا الباطل ويتنكبوا الضلال ؟

فأجابوا : قد فعلوا ذلك - أي اتبعوا الهدى -.

وأخذ المأمون يقيم أروع الحجج والبراهين على زيف ما قالوه قائلاً : لِمَ استخلف الناس بعده - أي بعد النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) - وقد تركه هو فترك فعله ضلال، ومحال أن يكون خلاف الهدى هدى.. وإذا كان ترك الاستخلاف هدى، فلِمَ استخلف أبو بكر ولم يفعله النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)؟ ولم جعل عمر الأمر بعده شورى بين المسلمين خلافاً على صاحبه، لأنكم زعمتم أنّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لم يستخلف، وأن أبا بكر استخلف، وعمر لم يترك الاستخلاف كما فعل أبو بكر، وجاء بمعنى ثالث، وهو الشورى التي نص عليها لتعيين الخليفة من بعده، فخبروني أي ذلك ترونه صواباً، فإن رأيتم فعل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) صواباً فقد أخطأتم أبا بكر، وكذلك القول في بقية الأقاويل.

وخبروني أيهما أفضل ما فعله النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بزعمكم من ترك الاستخلاف، أو ما صنعت طائفة من الاستخلاف ؟

وخبروني هل يجوز أن يكون تركه من الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هدى وفعله من غيره هدى ؟ فيكون هدى ضدّ هدى، فأين الضلال حينئذ ؟

وخبروني هل ولي أحد بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) باختيار الصحابة منذ قبض النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) إلى اليوم.

فإن قلتم : لا، فقد أوجبتم أنّ الناس كلّهم عملوا ضلالة بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وإن قلتم : نعم، كذبتم الأمة، وأبطل قولكم الوجود الذي لا يدفع.

وخبروني عن قول اللّه عزّ وجلّ : «قُل لِمَن مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُل للّه» (1)، أصدق هذا أم كذب ؟

فأجابوا : نعم إنّه صدق.

وانبرى المأمون قائلاً: أليس ما سوى اللّه اللّه إذ كان محدثه ومالكه ؟

• نعم.

وثار المأمون فقال : ففي هذا بطلان ما أوجبتم من اختياركم خليفة، تفرضون طاعته، وتسمّونه خليفة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وأنتم استخلفتموه وهو معزول عنكم إذا غضبتم عليه، وعمل بخلاف محبّتكم، ومقتول إذا أبى الاعتزال.

وتكلّم بعد هذا الكلام بعنف مع القوم، ثم استقبل القبلة ورفع يديه قائلاً: اللهم إنّى أرشدتهم، اللهم إنّي قد أخرجت ما وجب على إخراجه من عنقي، اللّهمّ إنّي أدين بالتقرب إليك بتقديم عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الخلق بعد نبيك محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كما أمرنا به رسولك (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (2).

ووجم القوم، ولم يجدوا منفذاً يسلكون فيه للدفاع عمّا يرونه، وكان معظم استدلال المأمون على إمامة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائماً على المنطق والدليل ولا أكاد أعرف حقيقة ناصعة واضحة وضوح الشمس كإمامة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد فرضته مواهبه وعبقريّاته، وشدّة إنابته إلى اللّه، وزهده، وتخلّيه عن الدنيا، كلّ ذلك جعله أولى بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من غيره، فلم يملك أحد من الصحابة ولا من أقرباء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) و أرحامه مثل ما يملكه من الطاقات الندية الخلّاقة من العلم والنزاهة والشرف وغير ذلك من الصفات الكريمة والنزعات العظيمة، وبهذه الجهة


1) الأنعام 6 : 12.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 184 - 199.

كان أولى بمركز النبيّ ومقامه، أما قرابته من النبيّ فليس لها أي أثر في ترجيحه على غيره من المسلمين، فإن هذه الجهة لا تصلح دليلاً تثبت به أحقّيّة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالخلافة.

وعلى أي حال، فإنّ ما أقامه المأمون من هذه الأدلة على إمامة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن المقصود منها إلا التقرب إلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتّى ينال ثقته منه، وقد صرّح بذلك إسحاق بن حماد، فقال : «لم يكن الغرض في تفضيله الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) على جميع الصحابة إلا تقرباً للإمام أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان الإمام نفسه يقول لأصحابه الذين يثق بهم : لَا تَغْتَرُّوا بِقَوْلِهِ، فَما يَقْتُلُني وَاللّه غَيْرُهُ، وَلكِنْ لَا بُدَّ لي مِنَ الصَّبْرِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ» (1).

عقده ولاية العهد للإمام

وثمة دليل آخر اعتمد عليه الذاهبون إلى تشيّع المأمون، وهو عقده ولاية العهد للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبذلك فقد عرّض الخلافة التي تقمصها العبّاسيون إلى الخطر وتسليمها إلى السادة العلويّين.

هذه أهم الأدلة التي استند إليها القائلون بتشيع المأمون، وأنه علوي الفكر والرأي.

زيف تشيعه

والذي نراه بمزيد من التأمل والتحقيق أنّ المأمون لم يكن من الشيعة، ولم يعتنق ولاء أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وإنما بدرت هذه البوادر التي ذكرها لأغراض سياسية لا علاقة لها مطلقاً بدعوى التشيع، ويدعم ذلك ما يلي :


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 185.

1 - إنّه من الأسرة العبّاسيّة التي عُرفت بالبغض والعداء لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فلم تنجب هذه الأسرة إلا الجبابرة الطغاة الذين صبوا جام غضبهم على آل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وعترته، فقد عمدوا إلى قتلهم، وتشريدهم، والتنكيل بهم، وقد اقترفوا معهم ما لم تقترفه الأسرة الأموية، بل إنّ الأسرة الأموية على ما عرفت به من العداء العارم لأبناء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فإنّها لم تقابلهم بمثل ما قابلهم به بنو العبّاس، وقد كان لبني أمية من الفواضل ما ليس لبني العبّاس، وقد أوضحنا بعض ما عاناه العلويّون منهم في فصول هذا الكتاب.

وعلى أي حال، فإنّه من المستبعد جداً أن يتحوّل المأمون عن خطة آبائه، ويغيّر منهجهم وسلوكهم بين عشية وضحاها، فيكون علوي الرأي، وموالياً لخصوم آبائه، ويعرض دولته إلى الخطر.

2 - أمّا انتقاصه لمعاوية والحكّام الذين سبقوه، وتفضيل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليهم، فإنّه لم يكن جدّيّاً، وإنما كان صورتاً لأغراض سياسية، فقد روى التغلبي - وكان معاصراً له - قال : «قال المأمون : وظنوا أنه لا يجوز تفضيل عليّ إلا بانتقاص غيره من السلف، واللّه ما أستجيز أن أنتقص الحجاج بن يوسف، فكيف بالسلف الطيّب» (1).

إنّه يمتنع من انتقاص الارهابي المجرم الحجّاج الذي أغرق العراق لما سفكه من دماء الأبرياء.

ونسب له من الشعر ما يدعم ذلك، فقد قال :

أَصْبَحَ ديني الَّذي أُدينُ بِهِ***وَلَسْتُ مِنْهُ الغَداةَ مُعْتَذِرا

حُبُّ عَلِيٌّ بَعْدَ النبيّ وَلَا***أَشْيَمُ صِدِّيقاً وَلا عُمَرا


1) عصر المأمون : 1 : 369.

ثُمَّ ابْنُ عَفَانِ فِي الجِنانِ مَعَ ال***أَبْرارِ ذاكَ القَتيلُ مُصْطَبِرا

أَلا وَلا أَشْيمُ الزُّبَيْرَ وَلا***طَلْحَةَ إِنْ قالَ قَائِلٌ غُدَرا

وعائِشُ الأمُ لَسْتُ أَشْتِمُها***مَنْ يَفْتَريها فَنَحْنُ مِنْهُ بُرا (1)

إلى غير ذلك من الشواهد والأدلة التي تثبت زيف تشيعه، وأنه لا علاقة له مطلقاً بأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).

3 - اغتياله للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد ما نفدت أغراضه السياسيّة ولم يكتف بذلك. وإنّما أوعز إلى عامله على مصر وهو السريّ بغسل المنابر التي كان يخطب عليها بولاية العهد للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2)، وهذا يكشف عما يكنّه في أعماق نفسه من البغض والعداء للإمام.

لقد استبان بصورة واضحة للأسرة العلوية زيف ما يدعيه المأمون من الولاء لهم، وأنه كان صوريّاً لا واقع له، ويقول الرواة : «إنّه كتب إلى عبد اللّه بن موسى بن عبداللّه ابن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب يعطيه الأمان، ويضمن له ولاية العهد بعده، كما صنع مثل ذلك بالإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد جاء في كتابه :

«ما ظننت أن أحداً من آل أبي طالب يخافني بعدما عملته بالرضا».

فأجابه برسالة كشف فيها عن نوايا المأمون، وهذا نصها :

«وصل كتابك، وفهمته، تختلني فيه عن نفسي ختل القانص، وتحتال علي حيلة المغتال القاصد لسفك دمي

وعجبت بذلك العهد وولايته لي بعدك، كأنك تظنّ أنّه لم يبلغني ما فعلته بالرضا، ففي أي شيء ظننت أني أرغب من ذلك ؟ أفي الملك الذي قد غرتك


1) البداية والنهاية : 10 : 277.

2) الولاة والقضاة : 170.

نضرته وحلاوته ؟ فواللّه لئن أقذف وأنا حي في نار تتأجج أحبّ إليَّ من أن ألي أمراً بين المسلمين أو أشرب شربة من غير حلّها مع عطش شديد قاتل.

أم في العنب المسموم الذي قتلت به الرضا ؟ أم ظننت أن الاستتار قد أملني وضاق به صدري ؟ فواللّه إنّي لذلك، ولقد مللت الحياة، وأبغضت الدنيا، ولو وسعني في ديني أن أضع يدي في يدك حتّى تبلغ من قبلي مرادك لفعلت ذلك، ولكن اللّه قد حظر عليَّ المخاطرة بدمي، وليتك قدرت عليَّ من غير أن أبذل نفسي لك فتقتلني ولقيت اللّه عزّ وجلّ بدمي ولقيته قتيلاً مظلوماً، فاسترحت من هذه الدنيا.

واعلم أنّي رجل طالب النجاة لنفسي، واجتهدت فيما يرضي اللّه عزّ وجلّ عنّي، وفي عمل أتقرب به إليه، فلم أجد رأياً يهدي إلى شيء من ذلك، فرجعت إلى القرآن الذي فيه الهدى والشفاء، فتصفحته سورة سورة، وآية آية، فلم أجد شيئاً أزلف للمرء عند ربه جل وعزّ من الشهادة في طلب مرضاته.

ثمّ تتبعته ثانية أتأمّل الجهاد أيه أفضل، ولأي صنف، فوجدته جلّ وعلا يقول : «قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةٌ» (1)، فطلبت أي الكفّار أضرّ على الإسلام، وأقرب من موضعي، فلم أجد أضرّ على الإسلام منك، لأنّ الكفّار أظهر واكفرهم فاستبصر الناس في أمرهم، وعرفوهم فخافوهم، وأنت ختلت المسلمين بالإسلام، وأسررت الكفر، فقتلت بالظنّة، وعاقبت بالتهمة، وأخذت مال اللّه من غير حلّه فأنفقته في غير حلّه، وشربت الخمر المحرمة صراحاً، وأنفقت مال اللّه على الملهّين، وأعطيته المغنّين، ومنعته من حقوق المسلمين، فغششت بالإسلام، وأحطت بأقطاره إحاطة أهله، وحكمت فيه للمشرك، وخالفت اللّه ورسوله في ذلك خلافة المضاد المعاند.

فإن يسعدني الدهر، ويعينني اللّه عليك، بأنصار الحق أبذل نفسي في جهادك


1) التوبة 9 : 123.

بذلاً يرضاه منّي، وأن يمهلك ويؤخرك ليجزيك بما تستحقه في منقلبك، أو تختر مني الأيّام قبل ذلك فحسبي من سعيي ما يعلمه اللّه عزّ وجلّ من نيتي.

والسلام» (1)

ووضعت هذه الرسالة المأمون على طاولة التشريح، فأظهرت زيفه، وكشفت خداعه ودجله، وأنّه لا واقع بأي حال من الأحوال إلى ما يزعمه من الولاء والحبّ لأهل البيت.

أمّا الفصول الأخيرة من هذه الرسالة، فقد ألحقت المأمون بقافلة الكفار الذين يجب جهادهم، والإطاحة بهم، كما بينت سياسة المأمون، وأنّها تأخذ الناس بالظنّة وتعاقبهم بالتهمة، وبالإضافة إلى ذلك فقد أعربت عن تحلّل المأمون، وذلك بشربه للخمر، وإنفاقه لأموال المسلمين على الملاهي والمغنين والعابثين والماجنين.

لقد كانت هذه الرسالة صرخة مدوّية في وجه الطاغية المأمون، وهي من الصفحات المشرقة في مناهضة الظلم والطغيان.

ومن الجدير بالذكر أنه يروى جانب آخر من هذه الرسالة أو من رسالة أخرى بعثها هذا السيّد الجليل إلى المأمون يقول فيها :

«هبني لا تأرلي عندك، وعند آبائك المستحلّين لدمائنا، الآخذين حقّنا، الذين جاهروا في أمرنا فحذرناهم، وكنت ألطف حيلة منهم بما استعملته من الرضا بنا، والتستر لمحننا، تختل واحداً فواحداً منا، ولكنني كنت امراً حبّب إليَّ الجهاد، كما حبب إلى كلّ امرئ بغيته، فشحذت سيفي، وركبت سناني على رمحي، واستفرهت فرسي، ولم أدر أي العدو أشد ضرراً على الإسلام، فعلمت أن كتاب اللّه يجمع كلّ شيء، فقرأته فإذا فيه : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِنَ


1) مقاتل الطالبيّين : 500 و 501.

الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةٌ»».

ومن بنود هذه الرسالة :

«وتدبّرت فإذا أنت أضرّ على الإسلام والمسلمين من كلّ عدوّ لهم لأن الكفار خرجوا منه، وخالفوه، فحذرهم الناس وقاتلوهم، وأنت دخلت فيه ظاهراً، فأمسك الناس، وطفقت تنقض عراه عروة عروة، فأنت أشدّ أعداء الإسلام ضرراً عليه...» (1).

وحكت هذه الفصول بعض الجوانب من السياسة العبّاسية التي تركزت على ظلم السادة العلويّين والتنكيل بهم، كما حكت تعطش السيّد الجليل نجل الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الجهاد للإطاحة بحكم المأمون الذي هو من ألد أعداء الإسلام، فقد نقض عراه عروة عروة على حدّ تعبير هذه الرسالة.

4 - إبادته للسادة العلويّين بعد اغتياله للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد عمدت مخابراته ورجال أمنه إلى مطاردتهم واستئصالهم، وقد اغتال كوكبة من أبناء الإمام موسی (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد استخدم السمّ كأعظم سلاح لتصفية أبناء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فقد اغتال بالسم السيّد الشريف الجليل إبراهيم نجل الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولمّا توفّي أنزله في ملحودة قبره الفقيه ابن السماك، وأنشد حينما ألحده :

ماتَ الإمامُ المُرْتَضى مَسموماً***وَطَوى الزمانُ فَضائِلاً وَعُلوما

قد ماتَ فى الزوراء مظلوماً كَما***أضحى أَبوهُ بِكَرْبَلا مَظْلُوما

فَالشَّمْسُ تَندُبُ مَوتَهُ مُصْفَرَّةً***والبدرُ يَلْطِيمُ وَجْهَهُ مَغْموما (2)

إنّ اغتياله للسادة العلويّين، ومطاردتهم حتّى هربوا خوفاً منه مختفين في الأقطار


1) مقاتل الطالبيّين : 628 و 629.

2) أعيان الشيعة : 2 : 230.

والأمصار ينسف دعوى تشيعه، وأنّه لا علاقة له بالولاء لأهل البيت شأنه شأن آبائه الذين هم من ألد أعداء أبناء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

أسباب تظاهره بالتشيّع

ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للبحث عن بعض الأسباب التي دعت المأمون لتظاهره بالولاء لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وإعلان تشيّعه في المحافل الرسمية، وفيما أحسب أن الذي دعاه لذلك ما يلي :

1 - إنّه كان مختلفاً أشدّ ما يكون الاختلاف مع أسرته العبّاسية الذين كانت ميولهم مع أخيه الأمين، لأنّ أمّه السيدة زبيدة، وهي من صميم الأسرة العبّاسية، وكانت من أندى الناس كفاً، ومن أكثرهم عطاء وصلة للعبّاسيين، أمّا أمّ المأمون فهي (مراجل)، وكانت امن إماء القصر، وكان العبّاسيون يحتقرون المأمون من جهة أُمه، فأراد بما أظهره من الولاء للعلويّين، وعقده ولاية العهد للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) إرغامهم وإذلالهم وقهرهم.

2 - إنّه أراد بإظهاره التشيع إرضاء قادة جيشه الذين كانت لهم ميول ومحبّة لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).

3 - وإنّما عمد المأمون إلى العطف على العلويّين، وإذاعة فضائل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجلب عواطف الشعب البار الذين أترعت عواطفهم وقلوبهم بالمحبّة والولاء لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد تسلّح بهم في محاربته لأخيه الأمين.

4 - ومن الأسباب الوثيقة جداً التي دعت المأمون إلى التظاهر بالتشيع وعقده ولاية العهد للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو القضاء على الثورة العارمة التي فجرتها الشيعة بقيادة السادة العظام من أبناء الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد التهمت الكثير من مناطق العالم الإسلام وكادت تقضي على الحكم العبّاسي، ولكنّه استطاع بدهاء

منقطع النظير القضاء عليها، وذلك بعقده ولاية العهد للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو سيد العلويّين وزعيمهم بلا منازع، والذي يدين شطر كبير من هذه الأمّة بإمامته. لقد أخمد المأمون الثورة واستأصلها من جذورها بعطفه المصطنع لأهل البيت، وترشيحه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للخلافة، ثمّ مبايعته له بولاية العهد، وضربه للسكّة باسمه.

5 - ولعلّ من جملة الأسباب التي حفزت المأمون إلى تظاهره بالتشيع، هو كشف الشيعة، ومعرفة السلطة بأسمائهم وأماكنهم بعد ما كانوا خلايا تحت الخفاء، فقد عجزت الحكومات العبّاسيّة السابقة على حكومة المأمون عن معرفتهم، والوقوف على نشاطاتهم، ومعرفة خلاياهم، فأراد المأمون بما صدر منه من الإحسان إلى العلويّين، وانتقاصه للخلفاء، وذمه لمعاوية، وغير ذلك مما صدر منه كشف الشيعة حتّى تطاردهم أجهزة أمنه وشرطته، وقد دلّت على ذلك بعض الوثائق الرسمية التي صدرت منه...

هذه بعض الأسباب التي دعت المأمون إلى التظاهر بالولاء لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).

منهج حكمه

ونهج المأمون في أيّام حكومته منهج معاوية بن هند، فقد ذكر المؤرخون أنّه عرضت عليه سيرة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأبى أن ينهج نهجهم، ويسير بسياستهم، ولكنّه قبل أن يسير بسيرة معاوية الذئب الجاهلي الذي كان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها كيف يشاء، وقال المأمون : إن كان فهذا (1).

لقد اقتدى بمعاوية ونهج نهجه، فعمد إلى اغتيال الأبرياء، فدسّ إليهم سمّاً قاتلاً فقضى عليهم، كما فعل معاوية بخصومه، وهو القائل : «إنّ اللّه جنوداً من عسل»،

لقد كان المكر والخداع من أبرز صفاته كما كان معاوية.


1) المحاسن والمساوئ : 295.

الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وولاية العَهْدِ

إشارة:

نحن أمام حدث تاريخي مهمّ بالغ الخطورة، أشغل الرأي العام، وأذهل كافّة الأوساط السياسيّة، وهو عقد المأمون ولاية العهد للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الأمر الذي يؤذن بتحوّل الخلافة من بني العبّاس إلى خصومهم السادة العلويّين، فقد بهر الناس وتساءلوا : كيف تحوّلت السياسة العبّاسيّة بين عشية وضحاها إلى هذا الخط المعاكس للخطّ السياسي الذي سلكه العبّاسيون منذ بداية حكمهم، وهو قهر السادة العلويّين وإبادتهم، فقد أفنوا شبابهم فدفنوهم أحياء، وألقوا أطفالهم في نهر دجلة، واستعملوا معهم جميع ألوان الإباده...

والمأمون فيما عرفه الناس، وعرفه التاريخ، هو من أبناء هذه الأسرة الظالمة لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، لم يشذّ في سلوكه عن سلوك آبائه، ولم ينحرف عن اتجاههم المعادي للعلويّين، قد تغذى وتربّى على بغضهم وعدائهم، فجده المنصور، وأبوه الرشيد، وهما قد سلكا جميع الطرق لتصفية العلويّين جسدياً، وسخرا جميع أجهزتهم السياسيّة والاقتصاديّة للحطّ من شأن العلويّين وكرامتهم، وإبعادهم عن الساحة السياسيّة في دنيا العرب والإسلام.

وبعد هذا فما الذي دعا المأمون إلى هذا التغيير المفاجئ، والعدول عن خطّةآبائه ومنهجهم فعقد ولاية العهد إلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟

كما أنّه كيف انصاع الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ذلك مع علمه بانحراف المأمون، و ما يكنّه في دخائل نفسه من البغض لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)؟

هذا ما سنتحدّث عنه.

دوافع المأمون

ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للنظر في الأسباب والدوافع التي دعت المأمون إلى عقده ولاية العهد للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهذه بعضها :

1 - إنّه لم يكن له مركز قوي في الدولة الإسلاميّة، فقد كانت الأسرة العبّاسية تحتقره وذلك من جهة أمّه (مراجل) التي كانت من خدم القصر، مضافاً إلى صلته القوية بالفضل بن سهل، وتوليته جميع أموره، وهو فارسي الأصل، وكذلك كان أخوه الأمين يبغضه ويبغي له الغوائل، ويكيده من جهة منافسته له على السلطة، فأراد المأمون تدعيم مركزه، وتقوية نفوذه، والتغلب على الحاقدين عليه، فعقد ولاية العهد لأعظم شخصيّة في العالم الإسلامي، وهو الإمام علي بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهو ابن الإمام الصادق الملهم الأوّل لقضايا الفكر والعلم في الإسلام، كما يدين بإمامته والولاء له شطر كبير من المسلمين، فلذا بادر إلى تعيينه لهذا المنصب الخطر في الدولة الإسلاميّة.

2 - وقبل أن يتسلّم المأمون قيادة الدولة الإسلاميّة كان على علم بما يكنّه المجتمع الإسلامي من الكراهية والبغض للأسرة العبّاسيّة، وذلك لما اقترفوه من الظلم والاستبداد بأمور المسلمين، وما صبّوه على السادة العلويّين دعاة العدل الاجتماعي من أنواع الجور والطغيان، حتّى تمنّى المسلمون عودة الحكم الأموي على ما فيه من قسوة وعذاب.

يقول الشاعر :

يا لَيْتَ جَورُ بَني مَروان عاد لنا***وَلَيْتَ عَدلُ بَني العبّاس في النّارِ

ويقول شاعر آخر :

ما أَحْسَبُ الجَوْرَ يَنْقَضي وَعَلى ال***أمَّةِ َوالٍ مِنْ آلِ عبّاس

فأراد المأمون أن يفتح صفحة جديدة للمواطنين، ويلقي الستار على سياسة آبائه، فعيّن الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو أمل الأمة الإسلاميّة لولاية العهد.

3 - إنّ معظم جيش المأمون ضباطاً وجنوداً كانوا من الشيعة الذين يدينون بإمامة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأراد أن يكسب ودهم وإخلاصهم

4 - إنّ الثورة ضدّ الحكم العبّاسي قد اندلعت في معظم الأقاليم الإسلاميّة، وكان شعار الثوار لهذه البيعة التي عقدها للإمام، وفي نفس الوقت فقد أضفى على الإمام لقب الرضا ليجلب بذلك المأمون عواطف الثوّار.

وبالفعل فقد بايع الثوّار المأمون، واستراح من الخطر المحدق بدولته الذي كاد أن يفل لواءها، ويطوي معالمها، وكانت خطة المأمون - وهو من الطراز الأوّل في السلك الدبلوماسي - أن يتغلب على الأحداث المحيطة، وينقذ حكومته من أعظم خطر محدق بها.

5 - وفي بيعة المأمون للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بولاية العهد، فقد أكسب حكومة المأمون الشرعيّة، وأنها ليست ظالمة كحكومة آبائه، وعلى هذا فالخروج عليه غير مشروع، ويجب على المسلمين مناهضة الثائرين عليه.

6 - ومن المكاسب التي ظفر بها المأمون في هذه البيعة هو أنّه تعرف على عناصر الشيعة وتعرّف على هوياتهم، ولم يعودوا يعملون في السرّ والخفاء، فقد كانت خلاياهم سرّيّة للغاية، وبعد البيعة ظهر أمرهم وانكشفوا للسلطة.

7 - ومن الأهداف التي كان ينشدها المأمون في هذه البيعة هو إظهار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه ليس من الزاهدين في الدنيا، وإنما كان من عشاقها في قبوله لهذه البيعة، ولم تكن تخفى على الإمام جميع أهداف المأمون، فقد أبطلها وذلك بالشروط التي اشترطها على المأمون أن لا ينصب ولا يعزل، ويكون بمنأى عن الحكم، كما سنوضح ذلك

هذه بعض الأهداف التي دعت المأمون إلى عقده ولاية العهد إلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

ونعود للحديث عن ولاية العهد، وموقف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) منها، وبعض المواضيع التي ترتبط بها، وفيما يلي ذلك :

رسالة الفضل إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وأرسل الفضل بن سهل رسالة إلى الإمام الرضا لا يطلب فيها القدوم إلى خراسان ليتسلّم الخلافة من المأمون، وهذا نصها بعد البسملة :

«لعليّ بن موسى الرضا، وابن رسول اللّه المصطفى، المهتدى بهديه، المقتدى بفعله، الحافظ لدين اللّه، الخازن لوحي اللّه، من وليه الفضل بن سهل، الذي بذل في ردّ حقه إليه مهجته، ووصل ليله فيه بنهاره.

سلام عليك أيها المهتدي ورحمة اللّه وبركاته، فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلّا هو، وأسأله أن يصلّي على محمّد عبده.

أمّا بعد : فإني أرجو أنّ اللّه قد أدّى لك، وأذن لك في ارتجاع حقك ممّن استضعفك، وأن يعظم مننه عليك، وأن يجعلك الإمام الوارث، ويري أعداءك ومن رغب عنك، منك ما كانوا يحذرون.

وإن كتابي هذا عن إزماع من أمير المؤمنين عبد اللّه الإمام المأمون، ومنّي، على ردّ مظلمتك عليك، وإثبات حقوقك في يديك، والتخلّي منها إليك، على ما أسأل اللّه الذي وقف عليه أن تبلغني ما أكون بها أسعد العالمين، وعند اللّه من الفائزين،


1) عرض السيّد جعفر مرتضى العاملي بصورة موضوعية وشاملة إلى الأهداف التي دعت المأمون لترشيح الإمام وليّ عهده، وقد أحصاها إلى أحد عشر هدفاً في كتابه حياة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ولحقّ رسول اللّه من المؤدّين، ولك عليه من المعاونين، حتّى أبلغ في توليك ودولتك كلتا الحسنتين.

فإذا أتاك كتابي - جعلت فداك - وأمكنك أن لا تضعه من يديك، حتّى تسير إلى أمير المؤمنين، الذي يراك شريكاً في أمره، وشفيعاً في نسبه، وأولى الناس بما تحت يده، فعلت ما أنا بخيرة اللّه محفوفاً، وبملائكته محفوظاً، وبكلاءته محروساً، وأنّ اللّه كفيل لك بكل ما يجمع حسن العائدة عليك، وصلاح الأُمّة بك، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل.

والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته» (1)

وحفلت هذه الرسالة التي رفعها أكبر مسؤول في الدولة العبّاسية بما يلي :

1 - إضفاء الألقاب الكريمة، والنعوت الرفيعة على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أنّه حافظ لدين اللّه تعالى، وخازن لوحيه، وهذه الألقاب هي التي تضفيها الشيعة على أئمّتهم.

2 - إعلام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بإرجاع الخلافة إليه، وأن اللّه تعالى قد شاء أن يرجع ويعود هذا الحق السليب الذي تناهبته أيدي الظالمين إلى أهله وأصحابه، وهم أهل بيت النبوة، وسيّدهم الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).

3 - إن هذه الرسالة لم تكن بإيحاء وتدبير من الفضل وحده، وإنما كانت منه ومن المأمون، فهو الذي عزم على التخلي عن الخلافة وتسليمها للإمام.

4 - واحتوت هذه الرسالة على طلب الفضل من الإمام مغادرة يثرب فوراً والتوجه إلى خراسان ليتسلّم قيادة الحكم.

موقف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ولم تظهر المصادر التي بأيدينا جواب الإمام على هذه الرسالة، إلّا أنّه من المؤكد


1) التدوين / عبدالكريم الرافعي الشافعي : 51:4.

أنّ الإمام رفض رفضاً باتاً الاستجابة لها، وذلك لعلمه بنوايا المأمون، وأنّه لا واقع الرسالة الفضل إليه، وإنّما كانت هناك دوافع سياسية مدبّرة تحت الكواليس هي التي دفعت الفضل والمأمون إلى هذا العرض.

رسل المأمون إلى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وأرسل المأمون وفداً رسمياً لإشخاص الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) من يثرب إلى خراسان، أما الشخص الذي كان يرأس الوفد فقد ذهب أكثر المؤرّخين إلى أنّه الرجاء بن أبي الضحاك، وقيل : إنّه عيسى بن يزيد المعروف بالجلودي، واستبعد ذلك السيّد الأمين، وقال : «إنّ الجلودي كان من قوّاد الرشيد، وكان عدواً للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وليس من الحكمة أن يبعثه المأمون لاشخاص الإمام» (1).

وقد عهد المأمون إلى رئيس الوفد أن يأتي بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على طريق البصرة والأهواز وفارس، وأن لا يأتي به على طريق الكوفة وقم(2).

كما كتب المأمون إلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن لا يأخذ على طريق الجبل وقم، وإنما يأخذ على طريق البصرة والأهواز وفارس (3).

والسرّ واضح كلّ الوضوح في إصرار المأمون واهتمامه على أن لا يأتى الإمام من طريق الكوفة وقم هو أنّ هاتين المدينتين من مراكز الشيعة، وأهلها ممّن يدينون بالولاء للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويقولون بإمامته، ومن الطبيعي أنه إذا اجتاز عليهما فسوف يقابل بمزيد من الحفاوة والتكريم، الأمر الذي يعزّز مركز الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويشكل ذلك خطراً على الدولة العبّاسيّة، أما مرور الإمام على البصرة فلا مكسب فيه للإمام لأنها كانت


1) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 121.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 149.

3) أعيان الشيعة : 2 : 17.

عثمانية الهوى، كما كانت تدين بالولاء للعبّاسيّين، وهذا الإجراء يكشف عن زيف خطة المأمون في التخلّي عن الحكم، وإرجاعه للعلويّين.

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يودّع قبر النبيّ

ولم يجد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابداً من إجابة المأمون، فمضى إلى قبر جده الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فودّعه الوداع الأخير، وعلم أنه لا عودة له إلى جواره.

روى محول السجستاني، قال : «لما ورد البريد بإشخاص الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى خراسان كنت أنا بالمدينة، فدخل المسجد ليودّع قبر جده رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فودعه مراراً، وكان صوته يعلو بالبكاء والنحيب، فتقدمت إليه، وسلّمت عليه، فردّ السلام، وهنّأته بما يصير إليه.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): ذَرْنِي، فَإِنِّي أَخْرُجُ مِنْ جِوارِ جَدّي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَأَموتُ فِي غُرْبَةٍ، وَادْفَنُ في جَنْبِ هارون.

قال محول : فخرجت متبعاً طريق الإمام حتّى مات بطوس، ودفن بجنب هارون» (1).

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأمر أهله بالبكاء عليه

وكان الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)لها على علم لا يخامره أدنى شك أن لا عودة له إلى أهله ووطنه، فودعهم الوداع الأخير، وجمع عياله وأمرهم بالبكاء والنحيب عليه، وهو يسمع ذلك، ووزّع عليهم اثني عشر ألف دينار (2)وعرفهم أنّه لا عرفهم أنّه لا يرجع إليهم أبداً.


1) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 122.

2) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 123. كشف الغمة : 3: 95.

إقامة ولده الجواد مقامه

وأقام الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولده الجواد مقامه، وهو ابن سبع سنين أو يزيد على ذلك، وأدخله مسجد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ووضع يده على حافة القبر الشريف، وألصق ولده بالقبر، واستحفظه عند جدّه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وقال له : أَمَرْتُ جَميعَ وُكَلائِي وَحَشمي بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَكَ، وعرّف أصحابه أنه القيم من بعده (1).

إلى بيت اللّه الحرام

وقبل أن يتوجّه الإمام إلى خراسان يمّم وجهه نحو بيت اللّه الحرام ليودعه الوداع الأخير، وقد صحب معه معظم عائلته، وكان من بينهم ولده الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولما انتهى إلى بيت اللّه المعظم أدّى التحيّة، فطاف بالبيت، وصلّى بمقام إبراهيم، وسعى وطاف معه ولده الإمام الجواد، فلما انتهى إلى حجر إسماعيل جلس فيه، وأطال الجلوس، فانبرى إليه موفّق الخادم، وطلب منه القيام، فأبى، وقد بدا عليه الحزن والأسى، فأسرع موفق نحو الإمام الرضا وأخبره بشأن ولده، وبادر الإمام الرضا نحو ولده، فطلب منه القيام، فأجابه بنبرات مشفوعة بالبكاء والحسرات قائلاً : كَيْفَ أَقومُ وَقَدْ وَدَّعْتَ يا أَبَتِي الْبَيْتَ وَداعاً لَا رُجوعَ بَعْدَهُ ؟

لقد رأى الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما بدا على أبيه من الوجل والأسى، فاستشفّ من ذلك أنّه النهاية الأخيرة من حياة أبيه، وفعلاً قد تحقق ذلك، فإنّ الإمام الرضا لم يعد في سفرته إلى الديار المقدّسة، وقضى شهيداً مسموماً على يد المأمون العبّاسي.

إلى خراسان

وغادر الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيت اللّه الحرام متوجهاً إلى خراسان، وقد قوبل بمنتهى


1) الدرّ النظيم : 678.

الحفاوة والتكريم والإجلال في كلّ بلد أو حيّ اجتازه، فقد سارع المسلمون إلى الاحتفاء به، وهم يتبركون بتقبيل يديه، ويعرضون عليه التشرّف بضيافته وتقديم الخدمات له، كما يسألونه عن أحكام دينهم، وهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) يجيبهم عن ذلك.

في نيسابور

وطوت قافلة الإمام البيداء تجد في السير، لا تلوي على شيء حتّى انتهت إلى نيسابور(1)

لَيْسَ في الأَرْضِ مِثلُ نَيسابورُ***بَلَدٌ طَيْبٌ وَرَبِّ غَفُورُ

وقال المرادي يذمّ أهلها :

لَا تَنْزِلَنَّ بِنَيسابورَ مُعْتَرِباً***إِلَّا وَحَبلُكَ مَوصولٌ بِسُلْطانِ

أو لا فَلا أَدَبٌ يُجْدِي وَلَا حَسَبٌ***يُعْني وَلَا حُرْمَةٌ تُرْعَى لِإِنْسَانِ

وقد تخرّج منها من أئمة العلم ما لا يحصى، منهم : الحافظ الإمام أبو علي الحسين بن عليّ بن زيد بن داود بن يزيد النيسابوري الصائغ. معجم البلدان : 5 : 331 و 332.

، وقد استقبل فيها استقبالاً شعبياً منقطع النظير، فلم تشاهد نيسابور في جميع تاريخها مثل ذلك الاستقبال، وكان في طليعة المستقبلين كبار العلماء والفضلاء ورجال الحديث، وقد رووا عنه الحديث الذهبي الذي سنذكره.

ونزل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في محلّة الغربي أو الفروي في دار شخص سماه أهل نيسابور «پسنده»، وهي كلمة فارسية معناها في العربيّة مرضي؛ لأن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ارتضاه من دون الناس فنزل في داره، وزرع الإمام في تلك الدار لوزة فنبتت، وصارت شجرة وأثمرت في سنة، ولما علم الناس جعلوا يستشفون بلوزها، فمن أصابته علة تبرك بالتناول من لوزها فعوفي ببركة الإمام العظيم، وقد قطع بعض أغصانها شخص


1) نیسابور : قال ياقوت الحموي : «نيسابور مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة، معدن الفضلاء، ومنبع العلماء، لم أر فيما طوفت من البلاد مدينة كانت مثلها، وقال في مدحها أبو العبّاس الزوزني المعروف بالمأموني :

فعمي، وقطع تلك الشجرة ابن حمدان فأصابه العمى (1).

وكان في نيسابور حمّام، فدخل فيه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاغتسل فيه، ثم خرج منه وصلى على ظهره، وأخذ أهالي نيسابور يتبركون بذلك الحمّام فيغتسلون فيه ويشربون منه التماساً للبركة، ويصلّون على ظهره ويدعون اللّه عزّ وجلّ في حوائجهم فتقضى لهم ببركة الإمام العظيم (2).

الحديث الذهبي

وأحاط العلماء ورواة الحديث بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان على بغلة شهباء، وقد لبس عمامته، وكان في مقدّمة العلماء يحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، ومحمّد بن رافع، وأحمد بن حرب، وغيرهم (3).

ولما رأته الجماهير الحاشدة وهو بتلك الهيئة التي تحكي هيئة جده رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) تعالت أصواتهم بالتهليل والتكبير مشفوعة بالأسى والبكاء، وقد ضجت البقعة بالبكاء، فنادى العلماء والحفاظ : «معاشر الناس، انصتوا وعوا، ولا تؤذوا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في عترته».

وألقى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على العلماء هذا الحديث الشريف، فقال : «سَمِعْتُ أَبي مُوسى ابْنَ جَعْفَرٍ يَقولُ : سَمِعْتُ أَبي جَعْفَرَ بْنَ محمّد يَقولُ : سَمِعْتُ أَبِي محمّد بْنَ عَلِيٌّ يَقولُ : سَمِعْتُ أَبي عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقولُ : سَمِعْتُ أَبِي الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيَّ يَقولُ : سَمِعْتُ أَبي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقولُ : سَمِعْتُ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يَقولُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه حِصْنِي، فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ مِنْ عَذَابِي.


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 133.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 135.

3) المنتظم / ابن الجوزي: 10 : 120.

ولمّا مرّت الراحلة نادى أهل نيسابور، فقال : وَلكِنْ بِشُروطِها، وَأَنَا مِنْ شروطها» (1).

إنّ كلمة (لا إله إلا اللّه) حصن من حصون اللّه تعالى، ولكنّها ليست على إطلاقها موجبة للنجاة من العذاب، والأمن من العقاب، ولكن بشروط منها الإقرار بإمامة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو أحد أوصياء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وقد كتب هذا الحديث الشريف ما ينيف على عشرين ألفاً (2)من العلماء والحفّاظ، أما سند هذا الحديث الشريف، فهو من أجل وأروع الأحاديث المسندة.

يقول أحمد بن حنبل : «لو قرئ هذا الإسناد على مجنون لبرئ من جنّته» (3).

وقد أوصى بعض أمراء السامانية أن يكتب هذا الحديث بالذهب ويدفن معه (4).

إلى طوس

وسرت قافلة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من نيسابور، وهي تطوي الصحراء حتّى انتهت إلى سناباد، وفيه جبل كانت تنحت منه القدور، فاستند إليه، قال : اللَّهُمَّ انْفَعْ بِهِ، وَبَارِكْ فيما يُجْعَلُ فيهِ، وَفيما يُنْحَتُ مِنْهُ، ثم أمر بأن ينحت منه قدور له، فنحتت له، وقال : لا يطبخ ما أكله إلّا فيها.

وفي سناباد دار حميد بن قحطبة الطائي التي فيها قبر هارون الرشيد، فمضى إليها الإمام، وانتهى إلى قبر هارون فخط بيده إلى جانبه، وقال لمن حوله : هذِهِ تُرْبَتي، وفيها اُدْفَنُ، وَسَيَجْعَلُ اللّه هذَا الْمَكانَ مُخْتَلَفَ شِيعَتِي وَأَهْلِ مَحَبَّتِي. وَاللّه مَا يَزورُني


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 135، ونال هذا الحديث أهمية كبرى عند العلماء، فذكروا له عدة طرق، وأدرجوه في الأخبار المتواترة التي هي قطعية الصدور.

2) أخبار الدول : 115.

3) الصواعق المحرقة : 203.

4) أخبار الدول : 115.

مِنْهُمْ زَائِرٌ، وَلَا يُسَلَّمَ عَلَيَّ مِنْهُمْ مُسَلَّمَ إِلَّا وَجَبَ لَهُ غُفْرانُ اللّه وَرَحْمَتُهُ بِشَفَاعَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ.

ثم استقبل القبلة فصلى ركعات، ودعا بدعوات، ولما فرغ من صلاته سجد سجدة طال مكثه فيها، فأحصيت له فيها خمسمائة تسبيحة (1).

ثم ناول (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعض ثيابه إلى حميد لغسلها، فأخذها حميد وأعطاها إحدى جواريه، فأخذتها، وسرعان ما أقبلت وقالت : وجدت رقعة في قميص أبي الحسن، فناولتها إلى حميد وسارع بها إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال له : ما فيها يابن رسول اللّه ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذِهِ عُوْدَةٌ مَنْ أَمْسَكَهَا فِي جَيْبِهِ كَانَ مَدْفوعاً عَنْهُ، وَكانَتْ لَهُ حِرْزَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ، وَمِنَ السُّلْطَانِ.

وطلب حميد من الإمام أن يمليها عليه، فأملاها، وهذا نصها بعد البسملة :

بِسْمِ اللّه إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيَا أَوْ غَيْرَ تَقِيٌّ، أَخَذْتُ بِاللّه السَّمِيعِ، وَلَا عَلَى , عَلى سَمْعِكَ وَ بَصَركَ، لَا سُلْطانَ لَكَ عَلَيَّ سَمْعي، وَلَا عَلَى بَصَرِي، وَلَا عَلى شَعْرِي، وَلَا عَلَىٰ بَشَرِي، وَلَا عَلَى لَحْمي، وَلَا عَلَى دَمي، وَلَا عَلى مُخّي، وَلَا عَلَى عَصَبِي، وَلَا عَلَى عِظامي، و لا عَلى مالى، وَلا عَلى ما رَزَقَنِي رَبِّي، سَتَرْتُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بِسِتْرِ النُّبُوَّةِ الَّذِي اسْتَتَرَ أَنْبِياءُ اللّه بِهِ مِنْ سَطَواتِ الْجَبَابِرَةِ وَالْفَراعِنَةِ جَبْرَئِيلُ عَنْ يَمِينِي، وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَساري، وَإِسْرافيلُ مِنْ وَرائي. وَمحمّد صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَمامِي، وَاللّه مُطَّلِعُ عَلَيَّ يَمْنَعُكَ مِنّي، وَيَمْنَعُ الشَّيْطَانَ مِنّي، اللهُمَّ لَا يَغْلِبْ جَهْلُهُ أَنَاتَكَ أَنْ يَسْتَفِزَّني


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2: 136 و 137.

وَيَسْتَخِفَّني، اللهُمَّ إِلَيْكَ الْتَجَأْتُ، اللهم إلَيْكَ الْتَجَاتُ، اللهم إلَيْكَ الْتَجَأْتُ (1).

استقبال المأمون للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وأمر المأمون باستقبال الإمام استقبالاً رسمياً، فخرجت القوات المسلحة لاستقباله وسائر أبناء الشعب، وكان المأمون في مقدّمة مستقبليه، ومعه الفضل بن سهل، وبقيّة وزرائه ومستشاريه، فصافح الإمام، ورحبّ به ترحيباً حارّاً، وخصص له داراً فخمة، مزوّدة بالخدم والحشم، وسائر ما يحتاج إليه، وعنى به عناية فائقة

عرض الخلافة على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وعرض المأمون على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تنازله عن الخلافة رسمياً، وتقليد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بها، فقال له : يابن رسول اللّه، قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك وعبادتك، وأراك أحق بالخلافة منّي.

فأجابه الإمام : بِالزُّهْدِ بِالدُّنْيا أَرْجو النَّجاةَ مِنْ شَرِّ الدُّنْيا، وَبِالْوَرَع عَنِ الْمَحارِمِ أَرْجو الْفَوْزَ بِالْمَعَانِمِ، وَبِالتَّواضُعِ فِي الدُّنْيا أَرْجُو الرَّفْعَةَ عِنْدَ اللّه...

لقد أعرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن زهده في الدنيا، وورعه عن محارم اللّه تعالى مبتغياً بذلك الفوز في الدار الآخرة والرفعة عند اللّه.

وسارع المأمون قائلاً: إني رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة واجعلها لك.

ولم تخف على الإمام نوايا المأمون، وإنّه إنّما قام بذلك تنفيذاً لأغراضه السياسيّة، وكيف يتنازل عن الخلافة وقد قتل أخاه الأمين من أجلها، وخرب بغداد


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 138 مهج الدعوات : 50.

ونشر في ربوع العالم الإسلامي الشكل والحزن والحداد، فكيف يسلمها للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟

وأجابه الإمام بجواب حاسم أغاظ المأمون، وورم منه أنفه قائلا له : إنْ كانَتْ هَذِهِ الْخِلافَةُ لَكَ فَلا يَجوزُ أَنْ تَخْلَعَ لِباساً أَلْبَسَكَهُ اللّه وَتَجْعَلَهُ لِغَيْرِكَ، وَإِنْ كَانَتِ الْخِلافَةُ لَيْسَتْ لَكَ فَلا يَجوزُ أَنْ تَجْعَلَ لي ما لَيْسَ لَكَ».

وأفحم المأمون، فقد سدّ الإمام عليه كلّ نافذة يسلك منها، وراح يقول مهدّداً للإمام : لا بد لك من قبول هذا الأمر.

فأجابه الإمام : لَسْتُ أَفْعَلُ ذلِكَ طَائِعاً أَبَداً.

وبهر ذو الرئاستين، وراح يقول : «واعجبا ! رأيت المأمون أمير المؤمنين يفوّض أمر الخلافة إلى الرضا، ورأيت الرضا يقول : لا طاقة لي بذلك، ولا قدرة لي عليه، فما رأيت خلافة قط كانت أضيع منها».

لقد كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عالماً بزيف هذا العرض، وعدم جديته، فالمأمون من الأسرة العبّاسيّة الحاقدة على آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقد ارتكبت معهم من المجازر ما لم ترتكبه الأسرة الأموية، فقتلوهم في وضح النهار وفي غلس الليل، وقد جهدوا أن لا يبقى علويّاً على وجه الأرض، والمأمون ليس أقل خبثاً، فقد اغتال سيّد العلويّين الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقتل غيره من السادة الأطهار، فكيف يثق الإمام به.

المبرّرات المزعومة للمأمون

أمّا المبررات المزعومة للمأمون في عرضه للخلافة على الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهي :

1 - إنّه وجّه دعوة إلى الفضل بن سهل وإلى أخيه الحسن بن سهل، فلمّا مثلا عنده عرض عليهما ما نواه من تقليد الخلافة للإمام، فجعل الحسن يعظم ذلك عليه، ويعرّفه مضاعفات ذلك.

فقال المأمون : إنّي عاهدت اللّه أن أخرجها - أي الخلافة - إلى أفضل آل أبي طالب

إن ظفرت بالمخلوع، وما أعلم أحداً أفضل من هذا الرجل - يعني الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) -» (1).

ومعنى هذا أنّه عقد عهداً مع اللّه يجب الوفاء به إن تم القضاء على أخيه وظفر به أن يعطي الخلافة إلى أفضل رجل من آل أبي طالب، وكان أفضلهم في عصره هو الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولكن لا واقع لذلك مطلقاً كما دلّت على ذلك الأحداث.

2 - إنه حاول بنقل الخلافة إلى العلويّين أن يكافئ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ما أسداه إلى العبّاسيّين من فضل حينما ولي الخلافة، فقد جعل عبداللّه بن عبّاس وزيراً له، كما قلّده إمارة البصرة، وكذلك قلّد عبيد اللّه بن العبّاس ولاية اليمن، وغير ذلك من الأيادي التي أسداها إليهم، فأراد المأمون بما عمله مكافأة الإمام في ولده (2).

3 - إنه إنما عمل ذلك طاعة اللّه وطلباً لمرضاته، والخير للأمة، ومصلحة المسلمين (3).

هذه بعض المبررات التي تذرّع بها المأمون لنقل الخلافة إلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).

زيف مبرّراته

ولا واقع مطلقاً لهذه المبرّرات، فلو كان المأمون صادقاً فيها لما منع من مرور الإمام على الكوفة في مجيئه من يثرب، وذلك خشية من أن يكون له استقبال شعبي في هذه المدينة التي هي من مراكز الشيعة في العالم الإسلامي.

وكذلك منع اجتيازه على قم للعلة ذاتها، ومضافاً لذلك فإن عبد اللّه بن أبي سهل


1) مقاتل الطالبيّين : 562 و 563. الفصول المهمّة : 241.

2) الآداب السلطانية : 219.

3) أعلن المأمون ذلك في وثيقة العهد التي سنذكرها.

النوبختي - الذي كان عالماً بالنجوم - أخبره أن وقت البيعة للإمام الرضا في الوقت الذي قرره المأمون ليس بصالح ولا يتم، فأمر المأمون على تنفيذ بيعته للإمام في ذلك الوقت (1)، الأمر الذي ينم عن خبثه ودجله في هذا الأمر.

عرض ولاية العهد على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وحاول المأمون بجميع الطرق والوسائل إقناع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على قبول الخلافة أو ولاية العهد من بعده، فامتنع من إجابته امتناعاً شديداً، وقد استمرت المحاولات على إقناعه أكثر من شهرين، إلا أنها لم تجد شيئاً، وأصر الإمام على رفضه وامتناعه عن قبول أي منصب من مناصب الدولة.

ونفدت جميع الطرق الدبلوماسية التي سلكها المأمون لإقناع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على قبول ولاية العهد، فرأى أن يسلك طريقاً آخر، وهو التهديد والتوعيد للإمام، فقد بعث إلى الإمام، فلما مثل عنده جرى حوار بينهما، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : وَاللّه ما كَذَبْتُ مُنْذُ خَلَقَني رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، وَما زَهِدْتُ فِي الدُّنْيا لِلدُّنْيا، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ ما تُريدُ ؟

وسارع المأمون قائلاً: ما أريد ؟

وطلب الإمام منه الأمان إن صارحه بالحقيقة قائلاً: الأمانُ عَلَى الصِّدْقِ.

• لك الأمان.

وبين الإمام دوافع المأمون في إصراره على تقليده ولاية العهد قائلاً: تُريدُ بِذلِك أَنْ يَقولَ النَّاسُ : إِنَّ عَلِيَّ بْنَ مُوسى لَمْ يَزْهَدْ فِى الدُّنْيا، بَلْ زَهِدَتِ الدُّنْيا فِيهِ، أَلَا تَرَوْنَ كَيْفَ قَبِلَ وَلَايَةَ الْعَهْدِ طَمَعاً فِي الْخِلافَةِ ؟

وغضب المأمون وورم أنفه، فصاح بالإمام قائلاً: إنك تتلقاني أبداً بما أكرهه،


1) فرج المهموم : 142. تاريخ حكماء الإسلام : 222 و 223.

وقد أمنت سطوتي، فباللّه أقسم لئن قبلت ولاية العهد، وإلا أجبرتك على ذلك، فإن فعلت، وإلّا ضربت عنقك (1).

وانبرى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتضرع إلى اللّه تعالى ويدعو قائلاً:

اللهُمَّ إِنَّكَ قَدْ نَهَيْتَنِي مِنَ الْإِلْقاءِ بِيَدِي إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَقَد أُكْرِهْتُ وَاضْطَرَرْتُ، كَما أَشْرَفْتُ مِنْ قَبْلِ عَبْدِ اللّه الْمَأْمُونِ عَلَى الْقَتْلِ إِنْ لَمْ أَقْبَلْ وَلَايَةَ عَهْدِهِ، وَقَدْ أُكْرِهْتُ وَاضْطَرَرْتُ كما اضْطَرَّ يُوسُفُ وَدانيالُ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)؛ إِذْ قَبِلَ كلّ واحِدٍ مِنْهُما الْوَلايَةَ مِنْ طَاغِيَةِ زمانِهِ.

اللهمَّ لَا عَهْدَ إِلَّا عَهْدُكَ، وَلَا وَلايَةَ لي إِلَّا مِنْ قِبلِكَ، فَوَفِّقْنِي لِإِقَامَةِ دِينِكَ، وَإِحْياءِ سُنَّةِ نَبِيِّكَ محمّد، فَإِنَّكَ أَنتَ الْمَوْلى، وَأَنْتَ النصيرُ، وَنِعْمَ الْمَوْلَى أَنْتَ وَنِعْمَ النصيرُ (2).

وقبل الإمام ولاية العهد وهو باك حزين (3)قد طافت به الآلام والهموم.

شروط الإمام

وشرط الإمام الالها على المأمون شروطاً تكشف عن عدم رضاه بولاية العهد، وإجباره على قبول هذا المنصب، وهي :

1- لا يولي أحداً.

2- لا يعزل أحداً.

3 - لا ينقض رسماً.


1) أمالي الصدوق : 43. عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 140.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 19.

3) ينابيع المودة : 284.

4 - يكون مشيراً من بعيد في شؤون الدولة (1).

وأجاز المأمون هذه الشروط التي تتصادم مع أهدافه، وتفضح نواياه.

نص وثيقة ولاية العهد

ولم تقتصر ولاية العهد بين الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبين المأمون على البحوث الكلامية، وإنّما دوّنت في وثيقة رسميّة، وقع عليها الإمام والمأمون، وشهد عليها كبار رجال الدولة، وقد نقلتها جمهرة من مصادر التاريخ، وقد اطلع عليها ابن الجوزي، وقال : «ابتاعها خالي بمائتي دينار، وحملها إلى سيف الدولة صدقة بن منصور، وكان فيها خطوط جماعة من الكتاب مثل الصولي عبد اللّه بن العبّاس، والوزير المغربي» (2).

وقد اطلع عليها عليّ بن عيسى الاريلي، ونقل نصها في كتابه (كشف الغمّة) وذلك في سنة (670هـ) (3)، ونحن ننقل نصها، فقد جاء فيها بعد البسملة :

«هذا كتاب كتبه عبداللّه بن هارون الرشيد، أمير المؤمنين لعلي بن موسى بن جعفر.

أمّا بعد : فإن اللّه عزّ وجلّ اصطفى الإسلام ديناً، واصطفى من عباده رسلاً دالين عليه، وهادين إليه، يبشِّر أولهم بآخرهم، ويصدّق تاليهم ماضيهم، حتّى انتهت نبوّة اللّه إلى محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) على فترة الرسل، ودروس من العلم، وانقطاع من الوحي، واقتراب من الساعة، فختم اللّه به النبيين، وجعله شاهداً لهم، ومهيمناً عليهم، وأنزل عليه كتابه العزيز الذي «لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْن يَدَيْهِ وَلَا مِن خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِن


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 140.

2) مرآة الزمان : 5، ورقة 148 مصوّر.

3) كشف الغمّة : 3 : 124 و 125.

حَكِيم حَمِيدٍ» (1)بما أحل وحرّم، ووعد وأوعد، وحذّر وأنذر، وأمر به ونهى عنه، لتكون له الحجّة البالغة على خلقه، «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيَّنَةٍ وَإِنَّ اللّه لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ» (2).

فبلّغ عن اللّه رسالته، ودعا إلى سبيله بما أمره من الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ثمّ بالجهاد والغلظة، حتّى قبضه اللّه إليه، واختار له ما عنده (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فلما انقضت النبوة، وختم اللّه بمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الوحي والرسالة، جعل قوام الدين، ونظام أمر المسلمين بالخلافة، وإتمامها وعزّها والقيام بحق اللّه فيها بالطاعة التي يقام بها فرائض اللّه تعالى وحدوده، وشرائع الإسلام وسننه، ويجاهد بها عدوّه.

فعلى خلفاء اللّه طاعته فيما استحفظهم واسترعاهم من دينه وعباده، وعلى المسلمين طاعة خلفائهم ومعاونتهم على إقامة حق اللّه وعدله، وأمن السبيل، وحقن الدماء، وصلاح ذات البين، وجمع الألفة، وفي خلاف ذلك اضطراب حبل المسلمين، واختلالهم، واختلاف ملّتهم، وقهر دينهم، واستعلاء عدوّهم، وتفرّق الكلمة، وخسران الدنيا والآخرة.

فحقّ على من استخلفه اللّه في أرضه، وائتمنه على خلقه، أن يجهد نفسه، ويؤثر ما فيه رضى اللّه وطاعته، ويعتمد لما اللّه مواقفه عليه، ومسائله عنه، ويحكم بالحق، ويعمل بالعدل فيما أحله اللّه وقلده، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول لنبيه داود : «يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةٌ فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللّه إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللّه لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ» (3).


1) فصلت 42:41.

2) الأنفال 8: 42.

3) ص 38: 26.

وقال عز وجل: «فَوَ رَبِّكَ لَنَسْأَلُنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (1).

وبلغنا أن عمر بن الخطاب، قال : لو ضاعت سخلة بشاطئ الفرات لتخوّفت أن يسألني اللّه عنها.

وأيم اللّه إنّ المسؤول عن خاصة نفسه، الموقوف على عمله فيما بينه وبين اللّه، ليعرض على أمر كبير، وعلى خطر عظيم، فكيف بالمسؤول عن رعاية الأمة، وباللّه الثقة، وإليه المفزع، والرغبة في التوفيق والعصمة، والتسديد والهداية إلى ما فيه ثبوت الحجّة، والفوز من اللّه بالرضوان والرحمة.

وأنظر الأمّة لنفسه، وأنصحهم اللّه في دينه وعباده من خلائقه في أرضه، من عمل بطاعة اللّه وكتابه وسنة نبيّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في مدّة أيّامه وبعدها، وأجهد رأيه فيمن يوليه عهده، ويختاره لإمامة المسلمين ورعايتهم بعده، وينصبه علماً لهم، ومفزعاً في جمع الفتهم، ولم شعثهم، وحقن دمائهم، والأمن بإذن اللّه من فرقتهم، وفساد ذات بينهم، واختلافهم، ورفع نزغ الشيطان وكيده عنهم، فإنّ اللّه عزّ وجلّ جعل العهد بعد الخلافة من تمام الإسلام وكماله، وعزّه وصلاح أهله، وألهم خلفاءه الخلافة من توكيده لمن يختارونه له من بعدهم ما عظمت به النعمة، وشملت فيه العافية، ونقض اللّه بذلك مكر أهل الشقاق والعداوة والسعي والفرقة والتربص للفتنة.

ولم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة فاختبر بشاعة مذاقها، وثقل محملها، وشدّة مؤونتها، وما يجب على من تقلّدها من ارتباط طاعة اللّه، ومراقبته فيما حمله منها، فأنصب بدنه، وأسهر عينه، وأطال فكره فيما فيه عز الدين، وقمع المشركين، وصلاح الأمة، ونشر العدل، وإقامة الكتاب والسنة، ومنعه ذلك من الخفض والدعة، ومهنا العيش، علماً بما اللّه سائله عنه، ومحبّة أن يلقى اللّه مناصحاً له في دينه وعباده، ومختاراً لولاية عهده، ورعاية الأمة من بعده أفضل


1) الحجر 15: 92 و 93.

من يقدر عليه في دينه وورعه وعلمه، وأرجاهم للقيام في أمر اللّه وحقه، مناجياً بالاستجارة في ذلك، ومسألته إلهامه ما فيه رضاه وطاعته في آناء ليله ونهاره، معملاً في طلبه والتماسه في أهل بيته من ولد عبد اللّه بن العبّاس، وعلي بن أبي طالب فكره ونظره، مقتصراً ممّن علم حاله ومذهبه منهم على علمه، وبالغاً في المسألة عمّن خفي عليه أمره جهده وطاعته، حتّى استقصى أمورهم معرفة، وابتلى أخبارهم مشاهدة، واستبرأ أحوالهم معاينة، وكشف ما عندهم مساءلة.

فكان خيرته بعد استخارته اللّه، وإجهاده نفسه في قضاء حقه في عباده وبلاده في البيتين جميعاً : علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين ب-ن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لما رأى من فضله البارع، وعلمه النافع، وورعه الظاهر، وزهده الخالص، وتخلّيه من الدنيا، وتسلّمه من الناس.

وقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطئة، والألسن عليه متفقة، والكلمة فيه جامعة، ولما لم يزل يعرفه به من الفضل يافعاً وناشئاً، وحدثاً ومكتهلاً، فعقد له بالخلافة من بعده، واثقاً بخيرة اللّه في ذلك، إذ علم اللّه أنه فعله إيثاراً له وللدين، ونظراً للإسلام والمسلمين، وطلباً للسلامة، وثبات الحجّة، والنجاة في اليوم الذي يقوم الناس فيه لربّ العالمين.

ودعا أمير المؤمنين ولده وأهل بيته وخاصته وقواده وخدمه، فبايعوا مسرورين، عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة اللّه على الهوى في ولده وغيرهم ممن هو أشبك منه رحماً، وأقرب قرابة.

وسمّاه الرضا؛ إذ كان رضا عند أمير المؤمنين، فبايعوا معشر أهل بيت أمير المؤمنين، ومن بالمدينة المحروسة من قواده وجنده وعامة المسلمين لأمير المؤمنين، وللرضا من بعده عليّ بن موسى على اسمه وبركته، وحسن قضائه لدينه وعباده، بيعة مبسوطة إليها أيديكم، منشرحة لها صدوركم، عالمين بما أراد أمير المؤمنين بها، وآثر طاعة اللّه، والنظر لنفسه ولكم فيها، شاكرين اللّه على ما ألهم

أمير المؤمنين بها من قضاء حقه في رعايتكم، وحرصه على رشدكم وصلاحكم راجين عائدة ذلك في جمع الفتكم، وحقن دمائكم، ولمّ شعثكم، وسدّ ثغوركم، وقوة دينكم، ورغم عدوّكم، واستقامة أموركم، وسارعوا إلى طاعة اللّه، وطاعة أمير المؤمنين، فإنّه الأمن إن سارعتم إليه، وحمدتم اللّه عليه، عرفتم الحظ فيه إن شاء اللّه» (1).

وانتهت هذه الوثيقة، وكان تاريخها يوم الاثنين لسبع خلون من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين هجريّة.

وطلب المأمون من الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يكتب بيده الشريفة بقبول هذا العهد. فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) بخطّه بعد البسملة ما يلي :

الْحَمْدُ للّه الْفَعَالِ لِما يَشاءُ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلَا رَادَّ لِقَضائِهِ، يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدورُ، وَصَلَاتُهُ عَلَىٰ نَبِيِّهِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَآلِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرينَ.

أَقولُ وَأَنا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ : إِنَّ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ عَضَدَهُ اللّه بِالسَّدادِ، وَوَفَّقَهُ لِلرَّشادِ عَرَفَ مِنْ حَقِّنا ما جَهِلَهُ غَيْرُهُ، فَوَصَلَ أَرْحاماً قُطِعَتْ، وَأَمِنَ أَنْفُساً فَزِعَتْ، بَلْ أَحْيَاهَا وَقَدْ تَلِفَتْ، وَأَغْنَاهَا إِذِ افْتَقَرَتْ، مُبْتَغِياً رضى رَبِّ الْعالَمينَ، لَا يُريدُ جَزَاءً مِنْ غَيْرِهِ، وَسَيَجْزي اللّه الشَّاكِرِينَ، وَلَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.

وَإِنَّهُ جَعَلَ إِلَيَّ عَهْدَهُ، وَالْإِمْرَةَ الْكُبْرِى إِنْ بَقيتُ بَعْدَهُ، فَمَنْ حَلَّ عُقْدَةً


1) صبح الأعشى : 9 : 362 - 366.

أَمَرَ اللّه بِشَدّها، وَفَصَمَ عُرْوَةٌ أَحَبَّ اللّه إِيثَاقَهَا، فَقَدْ أَبَاحَ اللّه حَرِيمَهُ، وَأَحَلَّ مَحْرَمَهُ، إِذ كانَ بِذلِكَ زارِياً عَلَى الْإِمَامِ، مُنْتَهِكاً حُرْمَةَ الْإِسْلامِ، بِذلِكَ جَرَى السَّالِفُ، فَصَبَرَ مِنْهُ عَلَى الْفَلَتاتِ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَى الْعَزَماتِ، خَوْفاً مِنْ شَعَاتِ الدِّينِ، وَاضْطِرابِ حَبْلِ الْمُسْلِمينَ، وَلِقُرْبِ أَمْرِ الْجاهِليَّةِ، وَرَصَدَ فُرْصَةً تُنْتَهَرْ، وَبائِقَةً تَبْتَدِرْ.

وَقَدْ جَعَلْتُ اللّه عَلَى نَفْسي أَنِ اسْتَرْعَانِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَلَّدَنى خِلافَتَهُ الْعَمَلَ فِيهِمْ عَامَّةٌ، وَفِي بَنِي الْعبّاس بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ خاصَّةً، بِطَاعَتِهِ وَطاعَةِ رَسولِهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وَأَنْ لَا أَسْفِكَ دَماً حَراماً، وَلَا أَبِيحَ فَرْجاً وَلَا مالاً إِلَّا ما سَفَكَتْهُ حُدودُ اللّه، وَأَباحَتْهُ فَرائِضُهُ، وَأَنْ أَتَخَيَّرَ الْكُفاةَ جَهْدي وَطاقَتِي، وَجَعَلْتُ بِذلِكَ عَلى نَفْسي عَهْداً مُؤَكَّداً، يَسْأَلُنى اللّه عَنْهُ، فَإِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤولاً» (1).

وَإِنْ أَحْدَثْتُ أَوْ غَيَّرْتُ أَوْ بَدَّلْتُ كُنْتُ لِلْغِيَرِ مُسْتَحِقَّاً، وَلِلنَّكال مُتَعَرِّضاً، وَأَعوذُ بِاللّه مِنْ سَخَطِهِ، وَإِلَيْهِ أَرْغَبُ في التَّوْفِيقِ لِطَاعَتِهِ، وَالْحَوْلِ بَيْنِي وَبَيْنَ مَعْصِيَتِهِ، فِي عَافِيَةٍ لي وَلِلْمُسْلِمِينَ.

وَالْجامِعَةُ وَالْجَفْرُ يَدُلّانِ عَلى ضِدّ ذلِكَ، وَما أَدْرى ما يُفْعَلُ وَلا بِكُمْ، «إِنِّ الْحُكْمُ إِلَّا للّه يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ» (2)، لكِنِّي


1) الإسراء 34:17.

2) الأنعام 6 : 57.

امْتَثَلْتُ أَمْرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَآثَرْتُ رِضَاهُ، وَاللّه يَعْصِمُني وَإِيَّاهُ، وَأَشْهَدْتُ اللّه عَلَى نَفْسِي بِذلِكَ، وَكَفَى بِاللّه شَهِيداً....

وَكَتَبْتُ بِخَطَي، بِحَضْرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَطَالَ اللّه بَقَاءَهُ، وَالْفَضْلِ بْنِ سَهْلِ، وَسَهْلِ بْنِ الْفَضْلِ، وَيَحْيِى بْنِ أَكْثَمَ، وَبِشْرِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، وَحَمَادِ بْنِ النُّعْمَانِ، فِى شَهْر رَمَضانَ سَنَةَ إِحْدَى وَمائَتَيْنِ».

وكتب الفضل بن سهل وزير المأمون ما صورته :

«رسم أمير المؤمنين أطال اللّه بقاءه قراءة مضمون هذا المكتوب ظهره وبطنه بحرم سيدنا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بين الروضة والمنبر على رؤوس الأشهاد، ومرأى ومسمع من وجوه بني هاشم، وسائر الأولياء والأجناد، وهو يسأل اللّه أن يعرف أمير المؤمنين وكافة المسلمين الحجّة به على جميع المسلمين، وأبطل الشبهة التي كانت اعترضت آراء الجاهلين : «مَا كَانَ اللّه لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ» (1)».

وكتب الفضل بن سهل في التاريخ المعيّن فيه.

وكتب يحيى بن أكثم القاضي ما صورته : «شهد يحيى بن أكثم على مضمون هذه الصحيفة، ظهرها وبطنها، وكتب بخطه بالتاريخ».

وكتب حمّاد بن النعمان ما صورته : «شهد حمّاد بن النعمان بمضمون ظهره وبطنه».

وكتب بشر بن المعتمر ما صورته : شهد بمثل ذلك بشر بن المعتمر، وكتب بخطه بالتاريخ» (2).


1) آل عمران 3: 179.

2) صبح الأعشى : 9: 392 و 393.

ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للنظر في وثيقة المأمون، وما كتبه الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وما شهد به الفضل بن سهل، وفيما يلي ذلك :

محتويات الوثيقة

وحفلت وثيقة ولاية العهد التي وقعها المأمون والإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما يلي:

أوّلاً: الإشادة بالإسلام ويكتاب اللّه العظيم الذي هو المنهج الكامل، والدستور الشامل لسعادة الإنسان وصلاحه.

ثانياً : الإشادة بالرسول العظيم داعية اللّه الأكبر، ورافع مشعل التوحيد، ومنار الفكر في الأرض.

صَلَّى ثالثاً : بيان أهمية الخلافة بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فبها قوام الدين، ونظام أمر المسلمين، وهي ظلّ اللّه في الأرض.

رابعاً : لزوم طاعة المسلمين للخلفاء، فإنّ عدم طاعتهم تنجم منه الأضرار البليغة على العالم الإسلامي.

خامساً : إنّ على الخلفاء مسؤوليات خطيرة، والتي منها إيثار طاعة اللّه على كلّ شيء، والحكم بالحق والعدل بين الناس، إلى غير ذلك من المسؤوليات الجسام التي عرضتها الوثيقة بصورة شاملة.

سادساً : إن من أهم مسؤوليات الخلفاء تعيين ولاة العهد من بعدهم، وأن يكون التعيين قائماً على الاختبار التام، والفحص الشديد في أمر من يعينه من بعده، وأن لا يكون الاختيار خاضعاً للمحاباة والأهواء، فإن في ذلك تعريض الأمة لأخطار جسام تمنى بها.

سابعاً : إنّ المأمون قد بذل جهداً شاقاً وعسيراً في اختيار ولي عهده، فلم يجد في الأسرة العلوية، ولا في الأسرة العبّاسيّة من هو أفضل من الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)،

وذلك لما يتمتع به من الصفات الكريمة التي منها :

1 - الفضل البارع.

2 - العلم النافع.

3 - الزهد الخالص في الدنيا.

4 - الورع عن محارم اللّه تعالى

وهذه الصفات الكريمة هي التي دفعت المأمون لانتخاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وترشيحه لولاية العهد من بعده.

ما تضمنه كتاب الإمام

أما محتويات ما كتبه الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) على وثيقة ولاية العهد، فهي كما يلي :

أوّلاً: الإشادة بصلات المأمون للسادة العلويّين، فقد أنعشهم بها بعد ما عانوا من الضيق والحرمان والظلم من حكّام بني العبّاس الذين جهدوا على أن لا يبقى علويّاً على وجه الأرض، فقد دفنوهم أحياء، وقتلوهم تحت كلّ حجر ومدر، وألقوا أطفالهم في حوض دجلة حتّى ماتوا، إلى غير ذلك من المآسي التي صبّها العبّاسيّون على العلويّين.

ثانياً : أشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : «إِذْكانَ بِذلِكَ زارِياً عَلَى الْإِمَامِ... الخ» إلى قول جده الإمام أمير المؤمنين، باب مدينة علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ورائد حكمته، الذي أقصاه القوم عن منصبه الذي قلّده النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) له في يوم غدير خم، وقد عانت الأمة من جرّاء ذلك ألواناً رهيبة من المآسي والويلات، فقد أصبحت الخلافة بأيدي الجناة أمثال : معاوية ويزيد ومروان والوليد والمنصور وغيرهم من أئمّة الظلم والجور الذين لم يألوا جهداً في ظلم الناس وإرغامهم على ما يكرهون.

وأشار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقول : «فَصَبَرَ مِنْهُ عَلَى الْفَلَتاتِ» إلى قول عمر بن الخطاب الذي

وصم بيعة أبي بكر بأنّها فلتة وقى اللّه المسلمين شرها، فقد صبر الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على هذه الفلتة، وفي العين قذى، وفي الحلق شجا - على حدّ تعبيره - وذلك حرصاً منه على كلمة الإسلام من الانهيار ووحدة المسلمين من التصدّع، وذلك لقرب المسلمين من الجاهليّة، وتربّص القوى المعادية للإسلام للفتك والانقضاض عليه إذا حدث انقسام بين صفوف المسلمين، الأمر الذي دعا الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) للصبر على نهب تراثه.

ثالثاً : إنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد قطع على نفسه عهداً مسؤولاً عنه أمام اللّه، وأمام المسلمين أن يسوس الناس سياسة قوامها العدل الخالص، والحق المحض، ويعيد للناس سيرة جده الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ويختار لجهاز الحكم الأكفاء الصالحين الذين يخشون اللّه تعالى، ويبتغون الدار الآخرة... بكل هذه الأهداف العظيمة سيحققها الإمام إذا تقلد خلافة المسلمين.

رابعاً : واستشف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من وراء الغيب أنه لا يتقلد الخلافة ولا تنعم الأمة بحكمه، فقد قرأ في الجامعة والجفر اللذين هما من ودائع النبوة، وفيهما علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، أنّ الخلافة لا تنتهى إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأن تقلده لولاية العهد إنّما هو خداع وتضليل من قبل المأمون.

محتوى كتابة الفضل

أما ما كتبه الفضل بن سهل على وثيقة ولاية العهد، فإنّه يشير إلى أنّ هذه الوثيقة متى أمر المأمون بقراءتها في الجامع النبوي بين الروضة والمنبر الشريف على رؤوس الأشهاد من وجوه الهاشميين، والقوات المسلّحة وسائر الناس ليكون ذلك أبلغ في توكيد العهد، ودفع آراء الجاهلين والمغرضين.

هذه بعض محتويات الوثيقة وملحقاتها، وقد كانت صريحة في محتوياتها،

وليس فيها أي لبس أو غموض.

البيعة للإمام

وعقد المأمون لبيعة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)نا مهرجاناً شعبياً عاماً حضره الوزراء وكبار رجال الدولة وقادة القوات المسلّحة وبقيّة أبناء الشعب، وفي طليعتهم العلويّون والعبّاسيّون، وكان ذلك لخمس خلون من شهر رمضان المبارك (1)سنة (201هـ) (2).

وجلس المأمون على دست الخلافة، ووضع للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسادتين عظيمتين حتّى لحق بمجلس المأمون، وعليه عمامة، وقد تقلد سيفاً، وأمر المأمون ولده العبّاس أن يبايع للإمام، فكان أوّل من بايعه (3)، ثم بايعه الناس.

كيفية البيعة

أمّا كيفيّة بيعة الناس للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكانت فريدة لم يألفها ملوك الأمويين والعبّاسيّين، فقد رفع (عَلَيهِ السَّلَامُ) يده، وتلقى بظهرها وجهه الشريف، وباطنها وجوه المبايعين.

ويهر المأمون من ذلك وراح يقول للإمام : ابسط يدك للبيعة.

فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هكذا كانَ يُبايِعُ (4).

ولعلّ ذلك يستند إلى قوله تعالى : «يَدُ اللّه فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» (5)، فلا يصح أن


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1: 274.

2) سرّ السلسلة العلوية : 38 مرآة الزمان : 6، ورقة 40.

3) الإرشاد : 2 : 261. بحار الأنوار: 49: 145 و 146، الحديث 23.

4) مقاتل الطالبيّين : 376.

5) الفتح 10:48.

تكون يد المبايع فوق يد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أو فوق يد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

الإمام يخبر بعدم تماميّة هذا الأمر

ولمّا جلس الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لذلك المجلس، وقد لبس الخلع، والخطباء والشعراء يشيدون بفضله، ويدعون الناس إلى مبايعته نظر (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بعض مواليه وقد داخله السرور، وعمّته الأفراح، فأشار إليه فأسرع نحوه، فأسر إليه قائلاً: لَا تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِشَيْءٍ مِمَّا تَرى مِنْ هذَا الْأَمْرِ، وَلَا تَسْتَبْشِرْ فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ (1).

وتحقّق ما أخبر به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنه لم تتم هذه البيعة للإمام، خاس المأمون بعده ووعده، فغدر بالإمام ودسّ إليه سمّاً فاغتاله.

خطبة المامون

ولمّا انتهت مراسيم البيعة قام المأمون فاعتلى المنبر، وخطب الناس فقال في جملة خطابه :

«أيها الناس، جاءتكم بيعة عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ)، واللّه لو قرأت هذه الأسماء على الصمّ البكم لبرأوا بإذن اللّه عزّ وجلّ» (2).

خطبة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ولما تمت البيعة للإمام الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) طلب منه المأمون أن يعتلي المنبر ويخطب الناس، فصعد المنبر وقال بعد حمد اللّه والثناء عليه :


1) الفصول المهمّة : 238.

2) عیون أخبار الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 147.

«أَيُّها النَّاسُ، إِنَّ لَنا عَلَيْكُمْ حَقًّا بِرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وَلَكُمْ عَلَيْنا حَقٌّ بِهِ، فَإِذا أَدَّيْتُمْ إِلَيْنا ذلِكَ وَجَبَ عَلَيْنَا الْحَقَّ لَكُمْ...» .

ولم يذكر الإمام غير هذه الكلمات (1)التي أعرب فيها عن حقّه على الناس لأنّه ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الذي بر بدينهم ودنياهم، وأخرجهم من حياة التيه والضياع، فإذا وفوا له بحقه، وأقاموه خليفة عليهم، فقد وجب عليه أن يقيم في ربوعهم الحق بجميع رحابه ومفاهيمه.

خطبة العبّاس

وانبرى العبّاس الخطيب، فخطب خطاباً رائعاً بليغاً، وختم خطابه بهذا البيت :

لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ شَمْسٍ وَمِنْ قَمَرِ***فَأَنْتَ شَمْسٌ، وهذا ذلِكَ القَمَرُ (2)

الممتنعون من البيعة

وامتنع جماعة من البيعة للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد حقدوا عليه وكرهوه، ونقموا على المأمون ببيعته بولاية العهد للإمام، وهم :

1 - عيسى الجلودي.

2 - عليّ بن عمران.

3 - أبو يونس (3).

وأمر المأمون بإلقاء القبض عليهم وإيداعهم في السجن.


1) مقاتل الطالبيّين : 376. الإرشاد : 2 : 262.

2) تذكرة الخواص : 364.

3) عيون أخبار الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 171، الحديث 24.

تنفيذ حكم الإعدام فيهم

وأمر المأمون بإخراج هؤلاء الثلاثة الممتنعين من البيعة للإمام من السجن، فلما مثلوا عنده رأوا الإمام إلى جانبه، فتميّزوا غيظاً وغضباً، وانبرى عليّ بن عمران فقال للمأمون : أُعيذك باللّه يا أمير المؤمنين أن تخرج هذا الأمر الذي جعله اللّه لكم، وخصكم به، وتجعله في أيدي أعدائكم، ومن كان آباؤك يقتلونهم ويشرّدونهم في البلاد.

فصاح المأمون : يابن الزانية، وأنت بعد على هذا ؟

ثمّ أمر بضرب عنقه، فنفذ ذلك فيه.

وأدخل عليه أبو يونس، فلما رأى الإمام إلى جانب المأمون محاطاً بهالة من الحفاوة والتكريم ساءه ذلك، وخاطب المأمون قائلاً: يا أمير المؤمنين، هذا الذي بجنبك واللّه صنم يُعبد من دون اللّه.

فأمر المأمون بإعدامه، فأعدم.

وأدخل عليه الجلودي، وكان من أعدى الناس لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهو الذي بعثه الرشيد لسلب بنات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في يثرب، ومصادرة ما عليهنّ من حليّ وحلل، فجاء إلى بيت الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأراد الهجوم على بيت الإمام، وسلب ما على العلويات من ثياب، فأبى الإمام، فلم يعن به الجلودي، وأخذ الإمام يتوسل إليه، ويعده بأن يأتيه بما أراد، فانصاع لقوله، ودخل الإمام إلى بيته، فجمع له كلّ ما على العلويات من حلي وحلل فجاء به إلى الجلودي، فأخذه.

وقد طلب الإمام من المأمون أن يهب له الجلودي، فقال المأمون يا سيدي، هذا الذي فعل ببنات محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ما فعل من سلبهن ؟

ونظر الجلودي إلى الإمام وهو يكلم المأمون ويتوسل إليه في العفو عنه،

فظن الغبي أنه يريد الانتقام منه لما فعله معه، فقال للمأمون : يا أمير المؤمنين، أسألك باللّه وبخدمتي للرشيد أن لا تقبل قول هذا في.

والتفت المأمون إلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له : يا أبا الحسن، قد استعفى، ونحن نبّر قسمه.

وخاطب المأمون الجلودي فقال له : لا واللّه لا أقبل قوله فيك.

ثم التفت إلى الشرطة وقال لهم : ألحقوه بصاحبيه، فقدم وضربت عنقه (1).

قرارات هامّة

وأصدر المأمون قرارات هامة بمناسبة عقده ولاية العهد للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي :

1 - إعطاء الجنود رواتبهم سنة كاملة.

2 - ترك اللباس الأسود الذي كان لباس العبّاسيّين (2)

فقال : زيّ ولد عمك العبّاس، يا محمّد، ويل لولدك من ولد عمك العبّاس». وسائل الشيعة : 3: 279.

ولبس اللباس الأخضر، لأنّ ذلك فيما أحسب هو لباس أهل الجنّة، قال تعالى: «وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ» (3).

3 - ضرب الدراهم والدنانير باسم الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد أورد السيّد عبد القادر أحمد اليوسف نماذج من تلك النقود ما يلي :

الدينار: كتب في مركز وجهه : لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له.


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 161 و 162.

2) ورد في بعض الأخبار : «أن جبرئيل هبط على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في قباء أسود، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) له : يا جَبْرَئِيلُ، ما هذا الزَّيُّ ؟

3) الكهف 18: 31.

وكتب على النطاق بسم اللّه، ضرب هذا الدينار بسمرقند سنة اثنين ومائتين.

وكتب على الطوق : «للّه الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللّهِ» (1).

وكتب في مركز القفا : اللّه، محمّد رسول اللّه، المأمون خليفة اللّه ممّا أمر الأمير الرضا ولي عهد المسلمين علي بن موسى بن علي بن أبي طالب.

وكتب على طوق مركز القفا : محمّد رسول اللّه أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

الدرهم : نقل عبد القادر صورة الدرهم من متحف برلين المرقم (1295) صورة الكتابة في مركز الوجه : لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، سنة ثلاث ومائتين.

كتابة الطوق : «للّه الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللّهِ».

كتابة القفا : اللّه، محمّد رسول اللّه، المأمون خليفة اللّه، ممّا أمر به الرضا.

كتابة الطوق : محمّد رسول اللّه أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

صورة أخرى من الدرهم الموجود في المتحف البريطاني في لندن تحت رقم 289.

مركز الوجه كتب عليه : لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له.

النطاق : كتب عليه سنة اثنين.

الطوق : كتب عليه : «للّه الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ».

مركز القفا مر به الأح-


1) الروم 30 : 4 و 5.

... المسلمين عليّ بن موسى

...عليّ بن أبي طالب.

... ذو الرئاستين.

الطوق : محمّد رسول اللّه.

إنّ هذه النقاط هي حروف ممحاة، لأنّها مصوّرة هكذا (الكتلوكات) العالمية، ومسحت هذه الكتابة نتيجة قدم هذه النقود، وتداولها الكثير، وتوجد نماذج من الدراهم ضربت سنة (704هـ) تيمناً بسكّة الإمام، وقد كُتب عليها ما كتب على السكة الأصليّة (1).

زواج الإمام بابنة المأمون

وعرض المأمون على الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يتزوج الأميرة السيدة أمّ حبيب (2)، فقبل الإمام ذلك وتزوّج بها، وإنّما عمد لذلك المأمون تقرباً للإمام، وحتى تقوى العلاقة بينهما، ويرى بعض المحللين للأخبار أنّ سبب ذلك أن تكون ابنته عيناً لأبيها على جميع تصرفات الإمام وتحرّكاته، وهذا ليس ببعيد عن سياسة المأمون ودهائه.

البيعة للإمام في جميع الأقطار

إشارة:

وأمر المأمون جميع ولاته وعماله في جميع الأقطار والأقاليم الإسلاميّة بأخذهم البيعة للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بولاية العهد من جميع المواطنين، وهذه بعض الأقاليم التي أخذت فيها البيعة :


1) الإمام علي الرضا وليّ عهد المأمون : 62 - 56.

2) ذكر أبو الفرج الاصفهاني : أن الإمام الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) تزوج بابنة المأمون أمّ الفضل، وهو خطأ والصحيح أنه تزوّج بأم حبيب.

1 - يثرب

واستقبلت يثرب بجميع قطاعاتها الشعبيّة نبأ ولاية العهد للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمزيد من الأفراح والابتهاج، وسارع والي يثرب عبدالجبار المساحقي إلى الجامع النبوي ليأخذ البيعة من أهالي المدينة للإمام بعد أن أمره المأمون بذلك، واعتلى أعواد المنبر فخطب الناس، وكان من جملة خطابه :

«أيّها الناس، هذا الأمر الذي كنتم فيه ترغبون، والعدل الذي كنتم تنتظرون، والخير الذي كنتم ترجون هذا عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب سلام اللّه عليهم سنّة آباؤهم هم خير من يشرب صوب الغمام» (1).

لقد كانت البيعة للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أهم ما تصبو إليه الأمة الإسلاميّة، ومن أغلى أمانيها، فهي تترقب بفارغ الصبر رجوع الحكم للإمام ليقيم فيها العدل الخالص، وينشر الأمن والرخاء في ربوعها، وينقذها من جور العبّاسيّين وظلمهم.

2 - مصر

وكتب المأمون إلى عامله على مصر (السري) يأمره بأخذ البيعة من المصريين لوليّ عهده الإمام الرضا، وقد ورد الكتاب على السرّي في شهر محرم سنة (202هـ) وقام السري بأخذ البيعة للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، إلا أنّ إبراهيم بن المهدي شيخ المغنّين ببغداد قام بإفساد هذه البيعة، فقد كتب إلى وجوه الجند وقادتهم بمصر يأمرهم بخلع المأمون وولي عهده، وبالوثوب على السري، وقد استجاب له جماعة، منهم الحارث بن زرعة بن محزم بالفسطاط، وعبد العزيز الوزير الجروي بأسفل الأرض،


1) العقد الفريد : 5 : 226.

وسلامة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي بالصعيد، وسليمان بن غالب بن جبريل، وعبد العزيز بن عبدالرحمن بن عبد الجبّار الأزدي، فناهضوا السري، ودعوا الناس إلى بيعة إبراهيم، وجعلوا الوالي على مصر عبد العزيز الأزدي، فحاربهم السري، وظفر بعبد العزيز، ويجمع من أهل بيته، فقتل بعضهم، وبعث ببعضهم مع ابنه عبد العزيز إلى المأمون فقتلهم، وهرب الباقون إلى الحروري وذلك لمنعته (1)، وأخمدت بذلك الثورة، وبايع الناس للإمام.

3 - مكّة

ووجّه المأمون إلى مكة المكرّمة عيسى الجلودي ليأخذ البيعة من أهلها للإمام، وكان إبراهيم أخو الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مكة مقيماً، ودعا عيسى المكيين إلى بيعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإلى لبس اللباس الأخضر، فاستجابوا له فرحين شاكرين، داعين للمأمون على تحقيق أمنيتهم، وأملهم في هذه البيعة (2).

4 - الكوفة

وتلقّت الأكثريّة الساحقة في الكوفة بمزيد من الفرح والسرور نبأ البيعة للإمام، وقد عهد المأمون لأخذ البيعة من الكوفيين للعبّاس نجل الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأمدّه إبراهيم بن عبد الحميد بمائة ألف درهم، وقال له : قاتل عن أخيك، فإنّ أهل الكوفة يجيبونك إلى ذلك، وأنا معك، وقام العبّاس بهذه المهمة، فاستجاب له جمهور كبير منهم.

وقال له قوم : إن كنت تدعو للمأمون ثم من بعده لأخيك فلا حاجة لنا في


1) الولاة وكتاب القضاة : 168.

2) تاريخ اليعقوبي : 3 : 277.

دعوتك، وإن كنت تدعو إلى أخيك أو بعض أهل بيتك أو إلى نفسك أجبناك ؟

فقال لهم العبّاس : أنا أدعو إلى المأمون أولاً، ثم من بعده لأخي الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

وامتنع هؤلاء من البيعة للإمام، وأخذوا ينددون بمن بايع، ويدعونهم إلى نكث البيعة، ولما علم إبراهيم بن المهدي تخاذل أهل الكوفة أوعز إلى جيشه المقيم في النيل بقيادة سعيد وأبي البط لإخضاع الكوفة، والقضاء على التمرّد، وسرت جيوش إبراهيم حتّى انتهت إلى القنطرة قرب دير الأعور، فاعترضتهم قوة عسكرية بقيادة العلوي عليّ بن محمّد بن جعفر، وأبي عبداللّه شقيق الزعيم الكبير أبي السرايا، فالتحمت معها، وأخيراً انتصرت جيوش إبراهيم بن المهدي.

وزحفت جيوش إبراهيم نحو الكوفة، وقد ارتدت اللباس الأسود، وكان شعارها يا منصور لا طاعة للمأمون» وجبن أهل الكوفة عن مناجزتهم، فأرسلوا وفداً لطلب الأمان للعبّاس وجماعته من القائد العام لجيش إبراهيم، فأجابهم إلى ذلك، وشرط عليهم أن يخرج العبّاس وأصحابه من الكوفة، وأقبل الوفد إلى العبّاس، وهو لا يعلم بذلك، فقالوا له : إنّ عامّة من معك غوغاء، وقد ترى ما يلقى الناس من الحرب والنهب والقتل، فاخرج من بين أظهرنا لا حاجة لنا فيك (2).

وخرج العبّاس من الكوفة وقد انطوت نفسه على حزن عميق وأسى مرير، واستبان له أنّ أهل الكوفة لا ذمّة لهم، ولا وفاء لهم بعهد ووعد، ودخلت جيوش إبراهيم الكوفة ولم تحدث أي مصادمات بينها وبين الجماعة التي بايعت الإمام بولاية العهد.

هذه بعض المناطق التي أخذت فيها البيعة للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بولاية العهد.


1) تاريخ الأمم والملوك : 7: 142.

2) تاريخ الأمم والملوك : 7: 142 – 145.

ناقدون للإمام

إشارة:

ووجّه جماعة من الشيعة وغيرهم نقداً للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) على قبوله لولاية العهد من قبل المأمون العبّاسي، كان منهم :

1 - محمّد بن عرفة

وأقبل محمّد بن عرفة نحو الإمام، وقال له : يابن رسول اللّه، ما حملك على الدخول في ولاية العهد ؟

فأجابه الإمام : ما حَمَلَ جَدّي أميرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الدُّخولِ فِي الشَّورى (1).

لقد أرغم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الدخول في الشورى التي عقدها عمر بن الخطاب لانتخاب الخليفة من بعده، وقد أعلن الإمام عن أساه وحزنه لانضمامه مع أعضاء الشورى، قائلاً: «فَبَاللّه وَلِلشُّورَىٰ ! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِي مَعَ الأوّل مِنْهُمْ، حتّى صِرْتُ أُقْرَنُ إِلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ !».

وكما أرغم جدّه وأكره على الدخول في الشورى فكذلك أرغم هو على قبول ولاية العهد.

2 - رجل

وأنكر عليه رجل تقلّده لولاية العهد قائلاً له : كيف صرت إلى ما صرت إليه من المأمون ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : أَيُّهُما أَفْضَلُ النبيّ أَوِ الْوَصِيُّ ؟


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1: 152، الحديث 4. مناقب آل أبي طالب : 3: 473. وسائل الشيعة : 12 : 148.

•

النبي.

•

أَيُّهُما أَفْضَلُ الْمُسْلِمُ أَوِ الْمُشْرِكُ ؟

•

لا بل المسلم.

•

إِنَّ الْعَزيز - عزيز مصر - كانَ مُشْرِكاً، وَكانَ يُوسُفُ نَبِيَّاً، وَإِنَّ الْمَأْمُونَ مُسْلِمٌ، وَأَنَا وَصِيُّ، وَيُوسُفُ سَأَلَ الْعَزِيزَ أَنْ يُوَلِيَهُ حينَ قَالَ لَهُ : «اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ» (1)، وَأَنا أُخْبِرْتُ عَلى ذلِكَ (2).

3 - الريان بن الصلت

ودخل الريّان بن الصلت على الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له : يابن رسول اللّه، إنّ الناس يقولون : إنّك قبلت ولاية العهد مع إظهارك الزهد في الدنيا ؟

فأجابه الإمام : قَدْ عَلِمَ اللّه كَراهَتي لِذلِكَ، فَلَمّا خُيّرْتُ بَيْنَ قَبولِ ذلِكَ وَبَيْنَ الْقَتْلِ اخْتَرْتَ الْقَبولَ عَلَى الْقَتْل.

وَيْحَهُمْ إِنَّ يُوسُفُ كَانَ نَبِيَّاً رَسُولاً، فَلَمّا دَفَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلى تَوَلّي خَزائِنِ الْعَزِيزِ قَالَ لَهُ له : «اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ»، وَدَفَعَتْنِي الضَّرُورَةُ إِلَى قَبولِ ذلِكَ، عَلَى إِكْرَاءِ وَإِجْبَارٍ بَعْدَ الْإِشْرافِ عَلَى الْهَلاكِ، عَلى أَني ما دَخَلْتُ في هَذَا الْأَمْرِ إلا دخول خارج مِنْهُ، فَإِلَى اللّه الْمُشْتَكَى، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ (3).

وأعرب الإمام عن كراهته البالغة وبغضه الشديد لهذا المنصب، إلّا أنّه أرغم وأجبر على ذلك


1) يوسف 12 : 55.

2) عيون أخبار الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 150، الحديث.1. وسائل الشيعة : 12 : 146.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 150 و 151، الحدیث 2. وسائل الشيعة : 12: 147.

4- خارجي

وأقبل خارجي يشتد نحو الإمام، فقال له : أخبرني عن دخولك لهذا الطاغية فيما دخلت فيه، وهم عندك كفار، وأنت ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فما حملك على هذا ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وهؤلاء أَكْفَرُ عِنْدَكَ أَمْ عَزِيزُ مِصْرَ وَأَهْلُ مَمْلَكَتِهِ ؟ أَلَيْسَ هؤُلاءِ عَلى حال يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُوَحْدونَ، وَأُولئِكَ لَمْ يُوَحدوا اللّه وَلَمْ يَعرفوهُ، وَيُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ ابْنُ نَبِيٍّ فَسَأَلَ الْعَزيزَ وَهُوَ كَافِرٌ فَقالَ : «اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَليمٌ»، وَكانَ يَجْلِسُ مَجْلِسَ الْفَراعِنَةِ، وَإِنَّما أنا رَجُلْ مِنْ وُلْدِ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أَخْبَرَنِي عَلى هذَا الْأَمْرِ، وَأَكْرَهَني عَلَيْهِ، مَا الَّذِي أَنْكَرْتَ وَنَقِمْتَ عَلَيَّ ؟

وراح الخارجي يقول : أشهد أنك ابن رسول اللّه، وأنّك صادق (1).

وأعرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أحاديثه مع الناقدين له عن إرغامه على قبول ولاية العهد، فقد خيّر بينها وبين القتل، فاختار ولاية العهد لإنقاذ نفسه من الهلاك الذي لا يعود بأيّة فائدة على القضيّة الإسلاميّة.

الناقمون على المأمون

إشارة:

ونقمت القوى المعادية لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) على المأمون لعقده ولاية العهد للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واعتبروا ذلك تحويلاً للخلافة عن الأسرة العبّاسية التي ينعمون في ظلالها.

وكان من أشدّ الناقمين على المأمون الأسرة العبّاسيّة، فقد اعتبرت ذلك خطراً على مملكتهم، وقد قامت قيامتهم، وورمت آنافهم، وقاموا بما يلي من الإجراءات :


1) الخرائج والجرائح : 2 : 766 و 767، الحديث.86 وسائل الشيعة : 12 : 149 و 150.

خلع المأمون

وخلع العبّاسيون بيعة المأمون، واعتبروها لاغية، وأعلنوا أمام الجماهير عصيانهم للمأمون، وطلبوا من المواطنين رفض بيعته، وبيعة ولي عهده، فاستجاب لهم خلق كثير، وبذلك فلم تعد بيعة للمأمون في أعناقهم.

البيعة لإبراهيم بن شكلة

وعمد العبّاسيون إلى بيعة عميدهم إبراهيم بن شكلة (1)شيخ المغنّين والموسيقيين في بغداد، ودعي له بالخلافة، وسمّي بالمرضي (2)، وكانت خلافته موضع استهزاء وسخرية من قبل الأوساط الواعية والمفكرة، وذلك لاستهتاره، وتحلّله من جميع القيم والأعراف، وفيه يقول الشاعر الاجتماعي الثائر دعبل الخزاعي :

نَعَرَ ابنُ شَكْلةَ بِالعِراقِ وَأَهلِهِ***فَهَفا إلَيهِ كلّ أَطْلَسَ مائقِ (3)

إن كان إبراهيم مُضْطَلِعاً بها***فَلَتَصْلُحَنْ مِنْ بَعْدِهِ لِمَخارِقِ

وَلَتَصْلُحَنْ مِنْ بَعْدِ ذاكَ لِزُلْزِلٍ***وَلَتَصْلُحَنُ مِنْ بَعْدِهِ لِلْمَارِقِ

أَنَّى يَكونُ وَلَيْسَ ذاكَ بِكائن***يَرِثُ الْخِلافَةَ فَاسِقٌ عَنْ فَاسِقِ(4)

لقد سخر دعبل من الخلافة التي تولاها هذا المائق المتحلل، وإذا صلحت له


1) شكلة : أمّ إبراهيم، وكانت جارية سوداء، وكان إبراهيم شديد السواد، عظيم الجثة، حتّى قيل له : التنين. وفيات الأعيان : 1 : 39.

2) تاريخ اليعقوبي : 2 : 450.

3) نعر : صاح. الأطلس : الذئب. المائق : المغيظ الباكي.

4) وفيات الأعيان : 1 : 21. تاریخ بغداد : 6 : 142.

فلتصلح من بعده لأقرانه المغنّين أمثال زلزل ومخارق. ومن سخرية الأقدار أن تؤول الخلافة الإسلاميّة لإبراهيم، ويتولى شؤون المسلمين، وكان إبراهيم - فيما يقول المؤرّخون - من أعدى الناس لآل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وحينما علم بعقد ولاية العهد للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ورم أنفه، وانتفخت أوداجه غيظاً وغضباً، وأثر عنه من الشعر في ذلك هذه الأبيات:

فَلا جُزِيَتْ بَنو الْعبّاس خَيْراً***عَلَى زَعْمِي وَلا اغْتَبَطَتْ بِرِيٌّ

أَتُونِي مُهْطِعِينَ وَقَدْ أَناهُمْ***بوارُ الدَّهْرِ بِالخَبَرِ الجَلِي

وَحُلْ عَصائِبُ الْأَمْلاكِ مِنْها***وَشُدَّتْ في رُؤوسِ بَني عَلِيٌّ

فَضَحُتْ أَن تُشَدَّ عَلَى رُؤوس***تطالبها بميراتِ النبيّ (1)

وفي عهده أصيبت الخزينة المركزية بالعجز، واجتمع الأجناد على بلاطه مطالبين بأرزاقهم، فخرج إليهم رسوله، وقال لهم : إنّه لا مال عنده، وطلب أحد الظرفاء، فقال : بدلاً من المال فليخرج الخليفة فيغنّي لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، ولأهل ذلك الجانب ثلاثة أصوات (2).

ونظم دعبل هذه الصورة المضحكة بقوله :

يا مَعْشَرَ الأَجْنَادِ لا تَقْنَطُوا***وَارْضَوا بما كان وَلا تَسْخَطوا

فَسَوفَ تُعْطَوْنَ حُنَينِيَّةً***يَلْتَذُّها الأَمْرَدُ وَالأَشْمَطُ (3)

وَالمَعْبدِيَاتُ لِقَوَادِكُمْ***لا تَدْخُلُ الكِيسَ وَلا تُربَط (4)


1) الولاة وكتاب القضاة : 168.

2) وفيات الأعيان : 1 : 21.

3) الأمرد الذي لا لحية له. الأشمط : الذي له لحية.

4) المعبديات : أصوات من الغناء تنسب إلى معبد المغنّي.

وهكذا يَرْزُقُ قُوّادَهُ***خليفةٌ مُصْحَفُهُ البَربَط (1)

قَدْ خُتِمَ الصَّكُ بِأَرْزاقِكُمْ***وَصُحُحَ العَزْمُ فَلا تَسْخَطوا

بَيْعَةُ إِبْرَاهِيمَ مَشْرُومَةً***يُقْتَلُ فيها الخَلْقُ أَوْ يُقْحَطوا (2)

رسالة المأمون للعبّاسيّين

وتبودلت رسائل السبّ والقذف بين المأمون وأعمامه وأقربائه العبّاسيّين، وكان من بينها هذه الرسالة التي بعثها المأمون للعبّاسيين (3)، وهذا نصها بعد البسملة :

«الحمد للّه ربّ العالمين

وصلّى اللّه على محمّد وآل محمّد على رغم أنف الراغمين

أمّا بعد : عرف المأمون كتابكم، وتدبير أمركم، ومخض زبدتكم، وأشرف على قلوب صغيركم وكبيركم، وعرفكم مقبلين ومدبرين، وما آل إليه كتابكم في مراوضة الباطل، وصرف وجوه الحق عن مواضعها، ونبذكم كتاب اللّه والآثار، وكلما جاءكم به الصادق محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، حتّى كأنكم من الأمم السالفة، التي هلكت بالخسفة والغرق والريح والصيحة والصواعق والرجم.

«أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبِ أَقْفَالُهَا» (4)

والذي هو أقرب إلى المأمون من حبل الوريد، لولا أن يقول قائل : إن المأمون


1) البربط : العود.

2) عصر المأمون : 3: 255 و 256.

3) وهي جواب عن رسائلهم التي بعثوها للمأمون، وطلبوا منه الإجابة عليها، فأجابهم بهذه الرسالة التي جرّدتهم من كلّ محتوى نبيل وشريف.

4) محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) 47 : 24.

ترك الجواب عجزاً لما أجبتكم، من سوء أخلاقكم، وقلة أخطاركم، ورك-اك-ة عقولكم، ومن سخافة ما تأوون إليه من آرائكم، فليستمع مستمع، فليبلغ شاهد غائباً».

وحفل هذا المقطع من كلام المأمون بما يلي :

1 - إنّه ابتدأ رسالته بالصلاة على النبي، ثمّ عطف عليه فصلى عليهم، وعقب ذلك بقوله : «على رغم الراغمين وعنى بالراغمين بني العبّاس الذين جهدوا على محو ذكر آل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وإزالة أرصدتهم الروحية والفكرية من دنيا الإسلام.

2 - إنّ المأمون مطلع على خفايا نفوس العبّاسيّين، وعالم بدخائل قلوبهم، عرفهم مقبلين ومدبرين، عرفهم مندفعين نحو الباطل، نابذين للحقِّ، تاركين لكتاب اللّه، وما جاء به الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

3 - إنّه إنّما أجابهم عن رسائلهم لا عناية بهم، وإنما كي لا يقال إنه عاجز عن الجواب.

ولنعد لنقرأ الفصل الثاني من رسالة المأمون :

«فإنّ اللّه تعالى بعث محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) على فترة من الرسل، وقريش في أنفسها وأموالها لا يرون أحداً يساميهم ولا يباريهم، فكان نبيّناً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أميناً من أوسطهم بيتاً، وأقلهم مالاً، فكان أوّل من آمن به خديجة بنت خويلد، فواسته بمالها، ثم آمن به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو ابن سبع سنين، لم يشرك باللّه شيئاً طرفة عين، ولم يعبد وثناً، ولم يأكل ربا، ولم يشاكل الجاهلية في جهالاتهم، وكانت عمومة رسول اللّه إما مسلم مهين أو كافر معاند، إلا حمزة فإنّه لم يمتنع من الإسلام، ولا يمتنع الإسلام منه، فمضى لسبيله على بينة من ربه.

وأمّا أبو طالب فإنّه كفله وربّاه، ولم يزل مدافعاً عنه، ومانعاً منه، فلما قبض اللّه أبا طالب فهم القوم، وأجمعوا عليه ليقتلوه، فهاجر إلى القوم «وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ وُا الدَّارَ

وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (1)».

عرض هذا المقطع إلى بعثة الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في مجتمع متكبر يرى أنّه لا يدانيه ولا يساويه أحد، وفي فجر الدعوة المشرقة ما آمن به إلا أُمّ المؤمنين السيّدة خديجة، وقد رصدت لدعوته جميع أموالها، ومن بعدها آمن به الإمام أمير المؤمنين سلام اللّه عليه، وكان عمره الشريف سبع سنين، ولم يسجد لصنم ولم يعبد وثناً، وإنّما عبد اللّه تعالى عن إيمان وإخلاص.

أمّا أعمام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فكان فيهم المشرك والحاقد والضال، وهو أبو لهب، وكان فيهم بطل الإسلام أسد اللّه الشهيد حمزة الذي أعز اللّه به الإسلام، ونافح عن الرسول بكل بسالة حتّى استشهد.

وخيرة أعمام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هو أبو طالب الذي آمن بالإسلام، واعتنق أهدافه ومبادئه، ووقف إلى جانب الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) يحميه، ويدفع عنه كيد المعتدين، ولما انتقل هذا العملاق العظيم إلى حظيرة القدس، فقد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) المحامي والمدافع عنه، وهمت قريش بقتله، فخرج (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) مهاجراً إلى يثرب، فاتخذها مقراً لدعوته، وعاصمة لحكومته، فقد وجد فيها الصفوة الصادقة المتفانية في الذبّ عنه.

ولنعد إلى فصل آخر من فصول هذه الرسالة :

«ولم يقم مع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أحد من المهاجرين كقيام علي بن أبي طالب، فإنّه آزره، ووقاه بنفسه، ونام في مضجعه، ثمّ لم يزل بعد مستمسكاً بأطرف الثغور، وينازل الأبطال، ولا ينكل عن قرن، ولا يولّي عن جيش، منيع القلب، يؤمر على الجميع، ولا يؤمر عليه أحد، أشدّ الناس وطأة على المشركين، وأعظمهم جهاداً


1) الحشر 59: 9.

في اللّه، وأفقههم في دين اللّه، وأقرأهم لكتاب اللّه، وأعرفهم بالحلال والحرام.

وهو صاحب الولاية في حديث غدير خم، وصاحب قوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هارُونَ مِنْ مُوسى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَي، وصاحب يوم الطائف، وكان أحب الخلق إلى اللّه تعالى وإلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وصاحب الباب فتح له، وسدّ أبواب المسجد وهو صاحب الراية يوم خيبر، وصاحب عمرو بن عبد ود في المبارزة، وأخو رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حين آخى بين المسلمين.

وهو منيع جزيل، وهو صاحب آية «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً» (1)، وهو زوج فاطمة سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء أهل الجنّة، وهو ختن خديجة، وهو ابن عمّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ربّاه وكفله، وهو ابن أبي طالب في نصرته وجهاده، وهو نفس رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في يوم المباهلة.

وهو الذي لم يكن أبو بكر وعمر يتقلدان أمراً حتّى يسألانه عنه، فما رأى أنغذاه، وما لم يره ردّاه، وهو دخل من بني هاشم في الشورى، ولعمري لو قدر أصحابه على دفعه عنه، كما دفع العبّاس رضوان اللّه عليه، ووجدوا إلى ذلك سبيلاً لدفعوه.

فأما تقديمكم العبّاس عليه، فإنّ اللّه تعالى يقول: «أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّه لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللّه» (2).

واللّه لو كان ما في أمير المؤمنين من المناقب والفضائل والآي المفسرة في القرآن خلة واحدة في رجل من رجالكم أو غيره لكان مستأهلاً للخلافة، مقدماً على أصحاب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بتلك الخلة، ثم لم تزل الأمور تترقى به إلى أن ولي أمور المسلمين فلم يعن بأحد من بني هاشم إلا بعبد اللّه بن عبّاس، تعظيماً لحقه، ووصلة


1) الإنسان 76: 8.

2) التوبة 9: 19.

لرحمه، وثقة به، فكان من أمره الذي يغفر اللّه له».

وعرض هذا المقطع إلى بعض فضائل الإمام أبي الحسين رائد الحكمة والعلم في دنيا الإسلام، والتي منها دفاعه عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فقد آزره ووقاه بنفسه ومهجته، وبات على فراشه حينما احتمت قريش على قتله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وقد نازل الأبطال، فحصد رؤوسهم دفاعاً عن الإسلام، فكان من أشدّ الناس وطأة على الكافرين والملحدين. فما أعظم عائدته على الإسلام.

ومن فضائله أنّه كان أعلم المسلمين، وأفقههم، وأكثرهم إحاطة ودراية بأحكام الدين، وشريعة سيّد المرسلين، وقد عقد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) له الولاية، وجعله خليفة من بعده في غدير خم، وقال مقالته الذائعة : «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهذا عَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللهم والِ مَنْ والاهُ، وَعادِ مَنْ عاداه»، وأشاد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) به مرّة أخرى، فقال له : «أَنْتَ مِنّي بمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي.

وكان من سموّ منزلته، وعظيم شأنه عند النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أنّه أمر بسدّ جميع الأبواب التي كانت على جامعه الأعظم، ولم يستثن منها إلا باب عليّ، فإنّها ظلت مفتوحة لم تغلق، ومن مناقبه أنّه صاحب الراية يوم خيبر، فهو الذي فتح حصون خيبر وقضى على اليهود، وهو صاحب عمرو بن ود الذي جبن المسلمون عن منازلته، فلم يبرز إليه سوى بطل الإسلام وحاميه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ومن مناقب الإمام أمير المؤمنين أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لمّا أخى بين المسلمين فبقي عليّ وحده، فأخاه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وقال له : يا عَلِيُّ، أَنْتَ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

ومن مناقبه وفضائله أنّه نزلت فيه وفي ولديه وزوجته سيدة نساء العالمين الآية الكريمة : «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً» (1).


1) الإنسان 76: 8.

ومن مناقبه أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) زوجّه سيّدة نساء العالمين ويضعته فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)فلم يكن لها كفؤ سواه.

ومن عظيم مناقبه أنه نفس النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كما دلت على ذلك بوضوح آية المباهلة فكان سلام اللّه عليه بمواهبه وعبقرياته امتداداً ذاتياً لشخصية الرسول الكريم التي ملأت الآفاق نوراً.

ونظراً لسموّ ذاته، وعظيم مكانته كان أبو بكر وعمر لا ينفذان أمراً حتّى يأخذا رأيه فيه، ومن الطبيعى أن ذلك الأمر مما يتعلق بأحكام الدين.

وفي هذا المقطع أنه لو وجدت بعض فضائل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجل من المسلمين لكان أهلاً ليتقلد الخلافة والإمرة على المسلمين، هذا بعض ما قاله المأمون في هذا المقطع، ولنستمع إلى فصل آخر من هذه الرسالة يقول :

«ثمّ نحن وهم يد واحدة كما زعمتم - حتّى قضى اللّه تعالى بالأمر إلينا، فأخفناهم وضيقنا عليهم وقتلناهم أكثر من قتل بني أميّة إيّاهم.

ويحكم ! إنّ بنى أميّة إنّما قتلوا من سل منهم سيفاً، وإنا معاشر بني العبّاس قتلناهم جملاً فلتسألن أعظم الهاشمية بأي ذنب قتلت (1)، ولتسألن نفوس ألقيت في دجلة والفرات، ونفوس دفنت ببغداد والكوفة أحياء.

هيهات، إنه من عمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره (2)».

عرض هذا المقطع إلى بعض ما جرى على آل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من المآسي من حكّام بني العبّاس، فقد جهدوا على ظلمهم وتصفيتهم جسدياً.


1) إشارة إلى قوله تعالى : «بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ» التكوير 81: 9.

2) إشارة إلى قوله تعالى : «فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَهُ» الزلزلة 76: 7 و 8.

يقول المنصور الدوانيقي للإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لأقتلنّك ولأقتلن أهلك، حتّى لا أبقي منكم قامة سوط (1).

وقال المنصور : قتلت من ذرّيّة فاطمة ألفاً أو يزيدون، وتركت سيدهم ومولاهم جعفر بن محمّد (2).

وقال إسماعيل الديباج عندما هرب من المنصور :

لَمْ يُرْوِهِ ما أَراقَ الْبَغْيِ مِنْ دَمِنا***في كلّ أَرْضِ فَلَمْ يَقْصُرْ مِنَ الطَّلَبِ

وَلَيْسَ يَشْفِي غَلِيلاً في حَشَاهُ سِوى***أَن لا يَرَى فَوْقَهَا إِبْناً لِبنْتِ نَبِي (3)

وقد عرض المأمون إلى ألوان رهيبة ممّا صبّه العبّاسيون على السادة العلويّين من الماسى والتي منها :

1 - إبادة العلويّين جملاً.

2 - إلقاؤهم وهم أحياء في حوض دجلة والفرات حتّى ماتوا غرقاً.

3 - دفنهم وهم أحياء في بغداد والكوفة.

إلى غير ذلك من صنوف الارهاق والتنكيل الذي عاناه أبناء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من العبّاسيّين.

ولنستمع إلى فصل آخر من هذه الرسالة :

«وأمّا ما وصفتم في أمر المخلوع، وما كان فيه من لبس، فلعمري ما لبس عليه أحد غيركم، إذ هونتم عليه النكث، وزيّنتم له الغدر، وقلتم له : ما عسى أن يكون من أمر أخيك، وهو رجل مغرب، ومعك الأموال والرجال، نبعث إليه فيؤتى به،


1) مناقب آل أبي طالب : 3: 357. بحار الأنوار: 47: 178.

2) الأدب في ظل التشيع : 68.

3) النزاع والتخاصم المقريزي : 51.

فكذبتم ودبرتم، ونسيتم قول اللّه تعالى: «وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللّه» (1)».

وأعرب المأمون في هذا المقطع عن الأحداث التي جرت بينه وبين أخيه الأمين، وأنها تستند إلى العبّاسيّين، فهم الذين حبّبوا إليه خلع المأمون والنكاية به، ولم يكن ما وقع عن رأي الأمين وتدبيره.

وهذا فصل آخر من هذه الرسالة :

«وأما ما ذكرتم من استبصار المأمون في البيعة لأبي الحسن الرضا، فما بايع له المأمون إلا مستبصراً في أمره، عالماً بأنه لم يبق أحد على ظهرها أبين فضلاً، ولا أظهر عفة، ولا أورع ورعاً، ولا أزهد زهداً في الدنيا، ولا أطلق نفساً، ولا أرضى في الخاصة والعامّة، ولا أشدّ في ذات اللّه منه، وأن البيعة له لموافقة رضى الربّ عزّ وجلّ، ولقد جهدت وما أجد في اللّه لومة لائم.

ولعمري لو كانت بيعتي محاباة لكان العبّاس ابني وسائر ولدي أحبّ إلى قلبي، وأحلى في عيني، ولكن أردت أمراً وأراد اللّه أمراً، فلم يسبق أمري أمر اللّه».

وحكى هذا المقطع بيعته للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بولاية العهد، وأنها لم تكن محاباة، أو اندفاعاً وراء العواطف والأهواء، وإنما كانت عن اجتهاد وتبصر، وتدبّر في أمور المسلمين، وذلك لما يتمتع به الإمام العظيم من الصفات الرفيعة، والتي منها :

1 - إن الإمام أفضل إنسان على وجه الأرض.

2 - إن الإمام أعف إنسان.

3 - الورع عن محارم اللّه.

إجماع المسلمين على تعظيمه وتقديمه بالفضل على غيره


1) الحجّ 22 : 60.

5 - إنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا تأخذه في اللّه لومة لائم.

وهذه الصفات هي التي دفعت المأمون إلى البيعة للإمام بولاية العهد.

ولنستمع إلى فصل آخر من هذه الرسالة. يقول :

«وأمّا ما ذكرتم ممّا مسكم من الجفاء في ولايتي، فلعمري ما كان ذلك إلا منكم بمظافرتكم عليَّ، ومما يلتكم إيَّاه، فلما قتلته وتفرّقتم عباديد، فطوراً أتباعاً لابن أبي خالد، وطوراً أتباعاً لأعرابي، وطوراً أتباعاً لابن شكلة، ثم لكل من سلّ سيفاً علَيَّ، ولولا أنّ شيمتي العفو، وطبيعتي التجاوز، ما تركت على وجهها منكم أحداً، فكلكم حلال الدم محلّ بنفسه».

وأعرب المأمون عن الجفاء والحرمان الذي لحق بالعبّاسيّين في عهده، فإنّهم هم السبب في ذلك، فقد أيّدوا الأمين وناصروه، ولما قتل انضموا إلى كلّ من أعلن التمرّد على حكومته، أمثال : إبراهيم بن شكلة، وغيره، وبذلك فقد ملأوا قلب المأمون حقداً عليهم، ولولا أن طبيعته التجاوز - كما يقول - لما أبقى عبّاسيّاً على وجه الأرض.

وهذا فصل آخر من رسالته. يقول : «وأما ما سألتم من البيعة للعبّاس ابني، «أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ» (1)؟

ويلكم ! إنّ العبّاس غلام حدث السنّ، ولم يؤنس رشده، ولم يمهل وحده، ولم تحكمه التجارب، تدبّره النساء، وتكفله الإماء، ثمّ لم يتفقه في الدين، ولم يعرف حلالاً من حرام إلا معرفة لا تأتي به رعيّة، ولا تقوم به حجة، ولو كان مستأهلاً قد أحكمته التجارب، وتفقه في الدين، وبلغ مبلغ أمير العدل في الزهد في الدنيا، وصرف النفس عنها ما كان له عندي، إلا ما كان لرجل من عك وحمير، فلا تكثروا من هذا المقال، فإن لساني لم يزل مخزوناً عن أمور وأنباء كراهية أن


1) البقرة 2: 61.

تخنث النفوس عندما تنكشف، علماً بأن اللّه بالغ أمره، ومظهر قضاه يوماً.

فإذا أبيتم إلا كشف الغطاء، وقشر العظاء، فالرشيد أخبرني عن آبائه، وعمّا وجده في كتاب الدولة وغيرها، أنّ السابع من ولد العبّاس لا تقوم لبني العبّاس بعده قائمة، ولا تزال النعمة متعلّقة عليهم بحياته، فإذا أودعت فودّها، وإذا فقدتم شخصي فاطلبوا لأنفسكم معقلاً وهيهات ما لكم إلا السيف يأتيكم الحسني الثائر البائر، فيحصدكم حصداً، أو السفياني المرغم والقائم المهدي لا يحقن دماءكم إلّا بحقّها».

وحفل هذا المقطع بذكر الأسباب التي دعت المأمون إلى عدم ترشيح ولده العبّاس لولاية العهد، فإنّه لم يستجمع الشرائط التي ينبغي توفرها في ولي العهد من العلم والفضل والتقوى وغيرها، فقد كان العبّاس غلاماً لم تهذبه الأيام، ولم تصقله التجارب، ولم يقم على تكوينه علم أو ثقافة، وإنّما كان صبياً تدير أموره النسوان، وتدبّر شؤونه الأمهات، فكيف يصح أن يرشّحه لهذا المنصب الخطير ؟

وأضاف المأمون بعد هذا إلى أن الرشيد أخبره عما وجده في كتاب الدولة من أن نهاية الدولة العبّاسيّة تكون بعد الملك السابع من بني العبّاس، وبعده لا تقوم للعبّاسيّين قائمة.

وقد أخطأ الرشيد، فقد استمرّت الدولة العبّاسية بعد السابع من ملوكهم، وكانت نهايتها على يد هولاكو التتار، فقد حصد رؤوس العبّاسيّين، وأزال ملكهم

وسلطانهم. ولنستمع إلى فصل آخر من هذه الرسالة. يقول : وأما ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسى بعد استحقاق لها في نفسه، واختيار مني له، فما كان ذلك منّي إلا أن أكون الحاقن لدمائكم، والذائد عنكم، باستدامة المودة بيننا وبينهم، وهي الطريق أسلكها في إكرام آل أبي طالب، ومواساتهم في الفيء بيسير ما يصيبهم منه».

وأعرب المأمون أنّ بيعته للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان من أجل صالح العبّاسيّين، ففي هذه البيعة قد حقن دماءهم، ولعلّ سبب ذلك هو انفجار البلاد بثورات متصلة تنادي للرضا من آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) ليقيم في ربوع الوطن العدل السياسي والاجتماعي، وحينما جاء بالإمام الرضا ونصبه وليّ عهده خمدت تلك الثورات، ولو استمرّت لقضت على الحكم العبّاسي، وقضت على العبّاسيّين.

ونعود لفصل آخر من هذه الرسالة. يقول :

وإن تزعموا أني أردت أن يؤول إليهم عاقبة ومنفعة، فإنّي في تدبيركم، والنظر لكم، ولعقبكم، وأبنائكم من بعدكم، وأنتم ساهون، لا هون، تائهون في غمرة تعمهون، لا تعلمون ما يراد بكم، وما أظللتم عليه من النقمة، وابتزاز النعمة، همة أحدكم أن يمسي مركوباً، ويصبح مخموراً، تباهون بالمعاصي، وتبتهجون بها، والهتكم البرابط، مخنثون، مأفونون، لا يتفكّر متفكّر منكم في إصلاح معيشة، ولا استدامة نعمة، ولا اصطناع مكرمة، ولا كسب حسنة يمد بها عنقه «یَومَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللّه بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» (1).

أضعتم الصلاة، واتبعتم الشهوات، وأكبيتم على اللذات، فسوف تلقون غيّاً (2)، وأيم اللّه لربّما أفكّر في أمركم فلا أجد أمة من الأمم استحقوا العذاب حتّى نزل بهم لخلّة من الخلال إلا أصبتُ تلك الخلّة بعينها فيكم، مع خلال كثيرة لم أكن أظنّ أنّ إبليس اهتدى إليها، ولا أمر بالعمل بها، وقد أخبر اللّه تعالى في كتابه عن قوم صالح أنّه كان فيهم تسعة رهط يفسدون في الأرض (3)، وقد اتخذتموهم شعاراً ودثاراً،


1) الشعراء 26 : 88 و 89.

2) إشارة إلى قوله تعالى : «فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً». مریم 59 :19.

3) إشارة إلى قوله تعالى: «وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ» النمل 27: 48.

استخفافاً بالمعاد، وقلة يقين بالحساب، وأيكم له رأي يتّبع، أو روية تنفع، فشاهت الوجوه، وعفرت الخدود».

لقد وصف المأمون أسرته بأقبح الصفات التي لا يتصف بها إلّا أراذل البشر، وشذاذ الآفاق، لقد صوّرهم بصورة تشمئز منها النفوس، ويترفع عنها أقل الناس إحساساً.

ولنستمع إلى فصل آخر من رسالته. يقول : «وأما ما ذكرتم من العثرة كانت في أبي الحسن نور اللّه وجهه، فلعمري أنّها عندي للنهضة والاستقلال الذي أرجو به قطع الصراط، والأمن والنجاة من الخوف يوم الفزع الأكبر، ولا أظنّ عملاً هو عندي أفضل من ذلك، إلا أن أعود بمثلها إلى مثله، وأين لي بذلك، وأين لكم بتلك السعادة ؟».

لقد ردّ المأمون على أسرته التي عابت عليه عقده ولاية العهد للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنه قد عثر بذلك عثرة لا تغفر، فأجابهم أنه قد خطا بذلك خطوة كبرى لنهضة الأُمّة واستقلالها، فقد رشّح لزعامتها أفضل إنسان على وجه الأرض يقيم الحق، وينشر العدل، ويعيد للإسلام كرامته.

وهذا فصل آخر من هذه الرسالة. يقول :

«وأمّا قولكم : إنّي سفهت آراء آبائكم، وأحلام أسلافكم، فكذلك قال مشركو قريش: «إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُقْتَدُونَ» (1). ويلكم ! إِنَّ الدين لا يؤخذ إلّا من الأنبياء فافقهوا، وما أراكم تعقلون».

وردّ المأمون بهذا الكلام على ما زعمته أسرته من أنّه سفه آراء آبائه، وأفسد أحلام أسلافه، وذلك ببره وإحسانه إلى آل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فإن هذا المنطق الهزيل


1) الزخرف 43: 23.

قد تمسّك به المشركون من قبل حينما دعاهم الرسول الأعظم إلى كلمة التوحيد فرفضوا ذلك فقالوا : «إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُقْتَدُونَ».

ولنستمع إلى الفصل الأخير من هذه الرسالة. يقول :

«وأمّا تعييركم إيّاي بسياسة المجوس، إيّاكم فما أذهبكم «الأنفة» في ذلك، ولو ساستكم القردة والخنازير، وما أردتم إلا أمير المؤمنين، ولعمري لقد كانوا مجوساً فأسلموا كآبائنا وأمهاتنا في القديم، فهم المجوس الذي أسلموا، وأنتم المسلمون الذين ارتدوا، فمجوسي أسلم خير من مسلم ارتد، فهم يتناهون عن المنكر، ويأمرون بالمعروف، ويتقربون من الخير، ويتباعدون من الشر، ويذبون عن حرم المسلمين، يتباهجون بما نال الشرك وأهله من النكر، ويتباشرون بما نال الإسلام وأهله من الخير... منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً (1).

وليس منكم إلا لاعب بنفسه، مأفون في عقله، إما مغنّ، أو ضارب دفّ، أو زامر، واللّه لو أنّ بني أمية الذين قتلتموهم بالأمس نشروا فقيل لهم : لا تأنفوا من معائب تنالوهم بها لما زادوا على ما صيّرتموه لكم شعاراً ودثاراً، وصناعة وأخلاقاً.

ليس منكم إلّا من إذا مسه الشر ّجزع، وإذا مسه الخير منع (2)، ولا تأنفون، ولا ترجون إلا خشية، وكيف يأنف من يبيت مركوباً، ويصبح بإثمه معجباً، كأنه قد اكتسب حمداً، غايته بطنه وفرجه، لا يبالي أن ينال شهوته بقتل ألف نبي رسل، أو ملك مقرّب، أحبّ الناس من زيّن له معصية أو أعانه في فاحشة، تنظفه


1) إشارة إلى قوله تعالى : «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّه عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً» الأحزاب 33: 23.

2) اقتباس من الآية الكريمة : «إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً» المعارج 70: 20 و 21.

المخمورة، وتبرده المطمورة، مشتت الأحوال، فإن ارتدعتم ممّا أنتم فيه من السيئات والفضائح وما تهذرون به من عذاب ألسنتكم، وإلا فدونكم تعلو بالحديد.

ولا قوة إلّا باللّه، وعليه توكّلي، وهو حسبي» (1)

وانتهت هذه الرسالة، وقد أدلى المأمون في أواخرها بعيوب أسرته وفضائحها، ولا أعلم أن أسرة عربية قد وصمت بمثل الفضائح التي ذكرها المأمون، والتي انتهت بهذه الأسرة إلى مستوى سحيق ما له من قرار.


1) الطرائف : 276 - 282. بحار الأنوار: 49: 208 - 214.

شؤون الأمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)@ في خراسان

إشارة:

ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للحديث عن بعض شؤون الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما كان مقيماً في خراسان، وفيما يلي ذلك :

وفادة الشعراء على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وبادرت كوكبة من أعلام الشعر العربي في ذلك العصر نحو الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) تقدم له تهانيها وتبريكاتها لتولية ولاية العهد، كان منهم الشاعر الكبير دعبل الخزاعي الثائر على الظلم والجور، والمعبّر عن آلام المظلومين والمضطهدين، ومنهم الشاعر الملهم إبراهيم بن العبّاس الصولي نابغة عصره في الأدب نظماً ونثراً (1)، ومنهم الأديب الكبير الشاعر رزين بن علي شقيق دعبل الخزاعي.

وقبل سفرهم إلى خراسان قال دعبل لإبراهيم : إنّي أريد أن أصحبك إلى خراسان ؟

فقال له إبراهيم : حبّذا أنت صاحباً ومصحوباً، إن كنا على شريطة بشّار.

وبادر دعبل قائلاً: ما شريطته ؟

قال قوله :

أَخٌ خَيرُ مَنْ أَخَيتُ أَحْمِلُ ثِقَلَهُ***وَيَحْمِلُ عَنِّي حينَ يَعْدَحُني يُقلي


1) عرضنا لترجمته في البحث عن أصحاب الإمام ورواة حديثه ضمن هذه الموسوعة.

أَخٌ إِنْ نَبا دَهر بنا كُنتُ دونَهُ***وإنْ كانَ كَون كان لى ثِقَةٌ مِثْلى

أَخٌ مالُهُ لي لَستُ أَرهَبُ يُخْلَهُ***وَمالي لَهُ لا يَرهَبُ الدَّهرَ مِنْ يُخْلي (1)

وفي أثناء سفرهم قطع عليهم الطريق فاضطروا إلى ركب حمير كانت تحمل الشوك، فقال إبراهيم :

أعيدَتْ بَعْدَ حَملِ السُّوكِ أَحْمَالاً مِنَ الخَزْفِ***نَشاوى لا مِنَ الخَمْرِ بَلْ مِنْ شِدَّةِ الضَّعْفِ

وقال لرزين أجز هذا، فقال :

فَلَوْ كُنتُمْ عَلى هذا تصيرونَ إِلَى النَّصْفِ***تَساوَتْ حالُكُمْ فيهِ وَلَمْ تَبْقُوا عَلى الخَصْفِ

ثم قال لدعبل : أجز هذا يا أبا علي، فقال :

إذا فاتَ الَّذي فاتَ فَكونوا مِنْ ذَوي الظُّرفِ***وَخُفُوا نَقْصِفُ اليومَ فَإِنِّي بايعٌ خُفّي (2)

وانتهت قافلة هؤلاء الأعلام تطوي البيداء لا تلوي على شيء حتّى انتهت إلى خراسان وفور وصولهم بادروا إلى مقابلة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأنشده دعبل تائيته الخالدة التي سنذكرها، وأنشده إبراهيم بن العبّاس قصيدته التي لم يرو المؤرّخون منها إلّا هذا البيت :

أَزالَتْ عَناءَ القَلب بَعْدَ التَّجَلد***مَصارعُ أَولادِ النبيّ محمّد

واحتفى بهم الإمام، وقابلهم بمزيد من الحفاوة والتكريم.


1) تاريخ مدينة دمشق : 17 : 254.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 141 و 142.

جائزة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) دعبل

و وهب الإمام لدعبل صرّة فيها عشرة آلاف درهم من الدراهم المضروبة باسمه (1)

وفي رجال الكشّي : 970/505 : 970/505 : «أنه أعطاه ستمائة دينار». وفي الاتحاف : «أنه أعطاه مائة دينار»، وهو بعيد عمّا عرف به الإمام من الكرم والسخاء.

، ولم تكن تلك الدراهم قد وقعت في يد أحد قبل دعبل، فرفض دعبل أخذها، وقال : «لا واللّه ما هذا أردت، ولا له خرجت، وإنّما جئت للتشرف به، والنظر إلى وجهه»، وطلب من خادم الإمام أن يهب الإمام له ثوباً من ثيابه، فأنفذ إليه الإمام بجبة خز (2)مع الدراهم، وقال له : خُذْ هذِهِ الصُّرَّةَ، فَإِنَّكَ سَتَحْتاجُ إِلَيْهَا.

وانصرف دعبل حتّى انتهى إلى قم، وقد أذيع فيها حديث جبّة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): فسارع القميون إلى دعبل وسألوه أن يبيع لهم الجبّة بثلاثين ألف درهم (3)، فأبى وسار عن قم، فلحقه قوم من القميّين وقالوا له : إن شئت أنتأخذ المال، وإلّا فأنت أعلم.

فقال لهم : إنّى واللّه لا أعطيكم إياها طوعاً، ولا تنفعكم غصباً، فإنّها إنما تراد اللّه عزّ وجلّ، وهي محرّمة عليكم، وحلف أن لا يبيعها لهم إلا أن يعطوه بعضها لتكون في كفنه، فأعطوه كمّاً واحداً، فكان في أكفانه (4).

ويقول الرواة : «إنّ جارية لدعبل كانت أثيرة عنده قد مرضت فعصبها دعبل


1) الأغاني : 18 : 29. معجم الأدباء : 4 : 194.

2) مقدّمة ديوان دعبل : 52.

3) في رجال النجاشي : 727/277، وفي بحار الأنوار: 49: 238، الحديث 7: «إنّ الإمام خلع عليه قميصاً أخضر، وخاتماً فصه عقيق، وقال له : احْتَفِظُ بهذا الْقَمِيصِ، فَقَدْ صَلَّيْتُ فِيهِ أَلْفَ لَيْلَةٍ بِأَلْفِ رُكْعَةٍ، وَخَتَمْتُ فِيهِ الْقُرْآنَ أَلْفَ خَتْمَةٍ».

4) الأغاني : 18 : 29. معجم الأدباء : 4 : 194.

بما عنده من جبة الإمام، فبرأت» (1).

وأما الدراهم فقد باع دعبل كلّ درهم منها بعشرة دراهم إلى أهالي قم، فبلغت حصته مائة ألف درهم (2).

جائزة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لإبراهيم

ومنح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إبراهيم الصولي عشرة آلاف درهم من الدراهم التي ضُرب عليها اسمه الشريف، ولم يبعها إبراهيم، وإنّما بقيت عنده (3)، فتصرف في بعضها، ويقي الآخر عنده حتّى توفّى.

القصيدة الخالدة لدعبل

وتعد قصيدة دعبل التي ألقاها على الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) من ذخائر الأدب العربي، ومن مناجم التراث الإسلامي، وهي من أشهر قصائد دعبل، وقد أثرت في نفس الإمام تأثيراً بالغاً، حتّى بكى وأغمي عليه ثلاث مرّات (4)، لأنه عرض فيها الفجائع القاسية التي حلت بأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد كتبها دعبل في ثوب وأحرم فيه، وأوصى أن يكون في أكفانه (5).

وقد انتشرت قصيدة دعبل انتشاراً هائلاً في ذلك العصر، وقد سمعها المأمون فأعجب بها، وطلب من دعبل أن يقرأها عليه، وقال له : «لا بأس عليك، ولك الأمان من كلّ شيء فيها، وقد رويتها إلا أني أحب أن أسمعها من فيك»،


1) بحار الأنوار: 49: 352.

2) أمالي المرتضى : 1 : 484.

3) أمالي المرتضى : 1 : 484.

4) الأغاني : 18 : 42.

5) معجم الأدباء : 4: 194.

فأنشدها والمأمون يبكى حتّى اخضلّت لحيته من دموعه (1).

ومن طريف ما ينقل عن هذه القصيدة الغراء أن دعبل لمّا سار من مرو في قافلة قطع عليهم اللصوص الطريق، وأخذوا كلّ ما معهم، واتفق أن لصاً كان ينهب ما عند دعبل وينشد بيتاً من قصيدته التي ألقاها على الإمام وهو :

أَرى فَيْئَهُمْ فِي غَيْرِهِمْ مُتَقَسْماً***وَأَيْديهِمْ مِنْ فَيْنِهِمْ صَفِراتِ

فقال له دعبل : لمن هذا البيت ؟

فقال له : لرجل من خزاعة يقال له دعبل.

فقال له : أنا دعبل، ثمّ أنشده القصيدة، فذهل ونادى بقية اللصوص أن يردّوا على القافلة ما أخذوه منها تكريماً لشاعر أهل البيت، فردّوه عليهم (2).

ونظراً لأهمية هذه القصيدة فقد انبرى جمع من الأعلام إلى شرحها، ومن بين هذه الشروح :

1 - شرح السيّد نعمة اللّه الجزائري.

2 - شرح کمال الدین محمّد بن محمّد الشيرازي.

3 - شرح الحاج ميرزا على التبريزي (3).

نصّ القصيدة

ونقل المغفور له الفاضل عبد الصاحب الدجيلي نص القصيدة في ديوان دعبل عن جمهرة من المصادر المخطوطة والمطبوعة، ونحن ننقلها عنه، وهذا نصها :


1) الأغاني : 42:18.

2) نور الأبصار : 147. الاتحاف : 163. بحار الأنوار: 49: 280. مقدمة ديوان دعبل : 53.

3) الذريعة : 14: 11: 1524.

تَجاوَينَ بِالإرْنانِ وَالزَّفَراتِ ***َوائِحُ عُجمُ اللُّفْظِ وَالنَّطِقاتِ

يُخَبّونَ بِالأَنفاسِ عَنْ سِرٌ أَنفُسٍ***أسارى هوى ماض وآخَرَ آتِ

فَأَسْعَدنَ أَوْ أَسْعَفنَ حتّى تَقَوَّضَتْ***صُنوفُ الدُّجى بالفَجرِ مُنهَزِماتِ (1)

عَلى العَرَصاتِ الخالِياتِ مِنَ المَها***سَلامٌ شَحٍ صَبُّ عَلى العَرَصَاتِ (2)

فَعَهْدي بِها خُضْرُ المَعاهِدِ مَألَفاً***مِنَ العَطِراتِ البيض والخَفِراتِ (3)

ليالي يُعَدِّينَ الوِصال على القِلى***ويُعدي تدانينا على الغُرُباتِ

وَإِذْ هُنَّ يَلْحَظنَ العُيونَ سَوافِراً***وَيَستُرْنَ بِالأَيْدي عَلى الوَجَناتِ

وَإِذْ كلّ يَوْمٍ لي بِلَحْظِي نَشْوَةٌ***يَبيتُ بِها قَلْبي على نَشَواتِ

فَكَمْ حَسَراتٍ هاجَها بمُحَسِّرٍ***وُقُوفِيَ يَومَ الجَمْعِ مِنْ عَرَفاتِ (4)

أَلَمْ تَرَ لِلأيّام ما جَرَّ جَورُها***عَلى النّاسِ مِنْ نَقصٍ وَطُولِ شَتَاتِ

وَمِنْ دُوَلِ المُسْتَهْتِرينَ وَمَنْ غَدا***بِهِمْ طالِباً لِلنّورِ في الظُّلُماتِ (5)

فَكَيْفَ وَمِنْ أَنَّى بِطالِبٍ زُلفَةٍ***إلى اللّه بَعدَ الصَّومِ وَالصَّلَواتِ

سوى حُبِّ أَبْناءِ النبيّ وَرَهْطِهِ***وَيُغض بني الزرقاء والعَبَلاتِ (6)


1) تَقَوّضت الصفوف : انتقضت وتفرّقت.

2) المها: البقرة الوحشية. الصب : العاشق وذو الولع الشديد.

3) خَفِرت الجارية : استحيت أشدّ الحياء.

4) وادي محسر - بكسر السين المشدّدة - : حد منى إلى جهة عرفة. وعرفات : اسم لموضع في مكّة المكرّمة.

5) دول المستهترين : هي دول بني أمية ودول بني العبّاس الذين استهانوا بجميع الأعراف والقيم الإسلاميّة.

6) بنو الزرقاء : هم أبناء مروان طريد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، والزرقاء أُمه، وهي من النساء الفاجرات في الجاهليّة. العبلات : إحدى قبائل قريش

وَهِندٍ وَما أَدَّتْ سُميّة وابنُها***أولو الكُفْرِ في الإِسْلامِ والفَجَراتِ (1)

هُمْ نَقَضوا عَهْدَ الكِتابِ وَفَرضَهُ***ومُحْكَمَهُ بِالزّورِ وَالشُّبُهَاتِ (2)

وَلَمْ تَكُ إِلَّا مِحنَةٌ كَشَفَتْهُمُ***بدعوى ضَلالٍ مِنْ هَنِ وَهَنَاتِ

تُرات بلا قُربى ومُلك بلا هدى***وَحُكْمَ بِلا شورى بِغَيْرِ هُداةِ(3)

رَزايا أَرَتْنا خُضرَةَ الأُفُقِ حُمرَةً***وَرَدَّتْ أُجاجاً طَعْمَ كلّ فُراتِ

وَمَا سَهُلَتْ تِلكَ المَذاهِبُ فيهم***عَلى النّاسِ إِلَّا بَيعَةَ الفَلَتاتِ (4)

وَما نال أصحابُ السَّقِيفَةِ إِمْرَةً***بدعوى تُراثِ بَلْ بِأَمْرِ تِراتِ (5)

السقيفة التي أرادها دعبل هي سقيفة بني ساعدة التي تأمروا فيها على الخلافة، والنبيّ مسجى لم يدفن، وقد أسفر هذا المؤتمر عن إقصاء الإمام أمير المؤمنين عن مركز الخلافة، الأمر الذي جرّ للمسلمين الويلات والدمار.

وَلَو قَلَّدوا الموصى إليه أمورها***لَزَمْتُ بِمَأمون عَنِ العَثَراتِ (6)

أخا خاتم الرُّسُلِ المُصَفّى مِنَ القَذى***ومُفْتَرِسَ الأبطال في الغَمَراتِ (7)


1) هند : أم معاوية الصحابي المزعوم صاحب الأحداث والموبقات في الإسلام. سمية : اسم لأمّ زياد الارهابي المجرم.

2) يشير إلى الحكم الأموي الذي نقض عهد اللّه وخاس بجميع القيم الإسلاميّة.

3) يشير إلى أنّ الحكم الأموي لم يستند إلى الشورى ولا إلى القربي.

4) يشير إلى بيعة أبي بكر التي وصمها عمر بقوله : «كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه المسلمين شرّها».

5) كذا، وفي أعيان الشيعة : «بتاتِ».

6) الوصي : هو الإمام أمير المؤمنين وصيّ رسول اللّه، وباب مدينة علمه، ولو تقلد الخلافة لصان المسلمين من العثرات.

7) أخو خاتم الرسل : هو الامام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد قال له النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : «يَا عَلِيُّ، أَنْتَ أَحْي في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ».

فَإِن جَحدوا كان الغدير شهيدَهُ***وَيَدْرٌ وأَحْدٌ شامِخُ الهَضَباتِ (1)

وَآيّ مِنَ القُرآنِ تُتلى بِفَضلِهِ***وَإِيثارِهِ بِالقُوتِ في اللزباتِ (2)

وَغُرُّ خِلال أَدْرَكَتْهُ بِسَبْقِها***مَناقِبُ كانَتْ فيهِ مُؤْتَنِفات (3)

مَناقِبُ لَمْ تُدرَك بِكَيْدٍ وَلَمْ تُنَلْ***بِشَيْءٍ سِوى حَدَّ القَنا الذَّرِياتِ

نَجِيِّ لجبريل الأمين وَأَنتُم***عُكوفٌ عَلى العُزَّى مَعاً ومَناتِ (4)

بَكيتُ لِرَسْمِ الدّارِ مِنْ عَرَفَاتِ***وَأَذرَيتُ دمعَ العَينِ بِالعَبَراتِ

وَفَلَّ عُرى صبري وَهاجَ صَبابَتي***رَسوم ديارٍ أَقفَرَتْ وَعِراتِ

مدارس آیاتِ خَلَتْ مِنْ تِلاوَة***وَمَنزِلُ وَحْي مُقفِرُ العَرصات (5)

لاَلِ رَسولِ اللّه بِالخَيفِ مِنْ مِنى***وَبِالدُّكْنِ وَالتَّعريفِ وَالجَمَراتِ (6)

ديارُ عَلِيَّ وَالحُسَيْنِ وَجَعفَرٍ***وَحَمْزَةَ وَالسَّجَادِ ذي الثَّفَناتِ (7)


1) الغدير : هو الموضع المعروف الذي عقد فيه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) البيعة للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبيعة الغدير جزء من الإسلام، فمن أنكرها فقد أنكره، كما يقول بعض أعلام العصر.

2) الآيات الواردة في الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثيرة، منها : آية المباهلة، وآية المودة، وآية التطهير، وآية التصدّق بالخاتم، وغيرها من الآيات التي أشادت بعملاق الإسلام.

3) أنف كلّ شيء : أوّله. وروض أنف : ما لم يَرْعَهُ أحد. كاس أُنف : لم يُشْرَب بها. المستأنف : ما لم يسبق إليه.

4) العزّى ومنات : صنمان لقريش كانوا يعبدونهما من دون اللّه.

5) يشير إلى بيوت السادة أبناء النبيّ الذين حصدتهم سيوف الأمويين والعبّاسيّين حتّى أقفرت بيوتهم من تلك الكواكب المشرقة بنور الإيمان والتوحيد.

6) هذه المواضع المقدّسة التي ذكرها دعبل هي التي كان يقيم فيها السادة العلويّون فيحيون لياليهم فيها بعبادة اللّه وتلاوة كتابه.

7) ذو الثفنات : هو لقب لسيد الساجدين والعابدين الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد كانت له ثفنات كثفنات البعير في مواضع سجوده من كثرة سجوده للّه.

وديارٌ لِعَبدِ اللّه وَالفَضلِ صِنْوِهِ***نَجِيَّ (1)رَسولِ اللّه في الخَلَواتِ

مَنازِلُ وَحْي اللّه يَنزِلُ بَيْنَها***على أحمد المذكور في السُّوَراتِ

مَنازِلُ قَومٍ يُهتَدى بهداهُمُ***وَتُوْمَنُ مِنهُمْ زَلَّةُ العَثَراتِ

مَنازِلُ كانَتْ لِلصَّلاةِ وَلِلتُّقى***وَلِلصّوم والتطهير والحَسَناتِ

مَنازِلُ جبريل الأمينُ يَحُلُّها***مِنَ اللّه بِالتسليمِ وَالرَّحَماتِ

مَنازِلُ وَحي اللّه مَعْدِنِ عِلمِهِ***سَبيلِ رَشادٍ واضح الطرقات

منازِلُ وَحي اللّه يَنْزِلُ حَولَها***عَلى أَحمَدَ الرَّوحاتِ وَالغَدَواتِ

ديارٌ عَفاها جَوْرُ كلّ مُنابِذ***وَلَمْ تَعْفُ لِلأيّام وَالسَّنَواتِ

فيا وارثي علم النبيّ وآله وَالَهُ***عَلَيكُمْ سَلامٌ دَائِمُ النَّفَحاتِ

قفا نَسأَلِ الدّارَ الَّتي خَفَّ أَهلُها***مَتى عَهْدُها بِالصَّومِ وَالصَّلَواتِ

وَأَينَ الألى شَطَّتْ بِهِمْ غُربَةُ النَّوى***أفانين في الآفاقِ مُفترقات

هُمْ آلُ مِيراثِ النبيّ إِذا اعْتَزوا***وَهُمْ خَيرُ ساداتٍ وَخَيرُ حُماةِ

مطاعيم في الإعسار في كلّ مَشهَدٍ***لَقَدْ شُرِّفوا بِالفَضلِ وَالبَرَكاتِ (2)

وما النَّاسُ إلا حاسِدٌ وَمُكَذِّت***ومُضْطَغِنٌ ذو إِحْنَةٍ وَتِراتِ

إذا ذكروا قتلى بِبَدرِ وَخَيْبَرٍ***وَيَومَ حُنَينِ أَسْبَلُوا العَبَراتِ (3)

فَكَيفَ يُحِبّونَ النبيّ وَرَهطَهُ***وَهُمْ تَرَكُوا أَحْشَاءَهُمْ وَغِراتِ (4)


1) في نسخة : «سليل».

2) يشير دعبل إلى كرم أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وأنهم مطاعيم في الإعسار للفقراء والمحرومين.

3) يشير دعبل إلى القوى المعادية لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وترهم سيف على (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسيوف المؤمنين، فإنّهم إذا ذكروا قتلاهم بكوا عليهم أحرّ البكاء.

4) يشير دعبل إلى القوى المعادية لأهل البيت المال الذين وترهم سيف علي وسيوف المؤمنين، فإنّهم إذا ذكروا قتلاهم بكوا عليهم أحر البكاء. إن القوى المنحرفة عن أهل البيت كيف يحبون النبيّ وأهله ؟

لقد لا ينوه فى المقالِ وَأَضْمَروا***قلوباً على الأحقاد مُنْطَويات (1)

فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا بِقُربى محمّد***فَهاشِمُ أَوْلَى مِنْ هَنِ وَهَنَاتِ

سقى اللّه قَبْراً بِالْمَدِينَةِ غَيثَهُ***فَقَدْ حَلَّ فيهِ الأَمْنُ بِالبَرَكاتِ

نَبِيُّ الهُدى صَلّى عَلَيهِ مَليكه***وَبَلغَ عَنا روحَهُ النُّحُفاتِ

وَصَلَّى عَلَيهِ اللّه ما ذَرّ شارِقٌ***ولاحتْ نُجوم الليل مُبْتَدِراتِ

أَفَاطِمْ لَوْ خِلتِ الحُسَينَ مُجَدّلاً***وَقَدْ ماتَ عَطشاناً بِشَطٌ فُراتِ

إِذَنْ لَلَطَمتِ الخَدَّ فاطِمُ عِندَهُ***وَأَجرَيتِ دَمَعَ العَينِ في الوَجَناتِ

أفاطم قومي يابنَةَ الخَير وَانْدُبي***نُجُومَ سَماوَاتٍ بِأَرْضِ فَلاةِ

قبورٌ بِكُوفان وأُخرى بِطَيْبَةٍ***وَأُخْرَى بِفَجٍّ نالَها صَلَواتي (2)

وَأُخرى بِأَرضِ الجوزجانِ مَحِلُّها***وَقَبرٌ بِاخَمْرى لدى الغُرْباتِ (3)

باخمرى: هي موضع بين الكوفة وواسط، فيها استشهد إبراهيم بن عبداللّه بن الحسن في أيّام الطاغية الدوانيقي.

وَقَبرٌ ببغداد لنفسٍ زَكِيَّة***تَضَمَنُها الرَّحمن في الغُرْفَاتِ (4)

فقال : بلى يابن رسول اللّه.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

وَقَبَرٌ بِطوسٍ يا لَها مِنْ مُصِيبَةٍ***أَلَحُتْ عَلى الأَحْشَاءِ بِالزَّفَراتِ

إلى الحَشِرِ حتّى يَبْعَثَ اللّه قائِماً***يُفَرِّجُ عَنَا الغَمَّ وَالكُرُباتِ

فقال دعبل : هذا القبر الذي بطوس قبر من ؟

قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : هُوَ قَبْري. مناقب آل أبي طالب : 3 450، وغيره.


1) أراد دعبل أن المعادين للإسلام لا ينوا النبيّ بكلامهم، ولكن قلوبهم قد انطوت على عدائه.

2) أشار دعبل إلى مراقد السادة العلويّين، وأوّل مرقد لهم قبر الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في النجف التي هي في ظهر الكوفة، وقبر الشهيد مسلم بن عقيل، وفي طيبة قبور أئمة البقيع (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وفي فخ قبر الحسين بن علي بن الحسن، وغيره من العلويّين.

3) الجوزجان : فيها قبر الشهيد العظيم يحيى بن زيد الذي استشهد أيّام الوليد الأموي.

4) أما القبر الذي ببغداد فهو قبر باب الحوائج الإمام الكاظم وقبر حفيده الإمام الجواد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)، ونعت كثير من المصادر أن دعبل لما انتهى إلى هذا البيت قال له الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أَفَلَا الْحِقُ لَكَ بِهَذَا الْمَوْضِعَ بَيْتَيْنِ ؟

فَأَمَّا المُمِضَاتُ التي لَسْتُ بالغاً***مبالغها مِنّي بكُنهِ صِفاتِ(1)

قبورٌ بِجَنبِ النَّهرِ مِنْ أَرْضِ كَربَلا***مُعَرَّسُهُمْ فيها بِشَط فُراتِ

تُؤفّوا عطاشاً بِالقُراتِ فَلَيتَني***تُوُفِّيتُ فيهِمْ قَبل حين وفاتي

إِلَى اللّه أَشْكُو لَوعَةٌ عِندَ ذِكْرِهِمْ***سقتني بكأس الذُّل والقطعات

أخافُ بأَنْ أَزْدارَهُمْ فَيَشوقَني***مَصارِعُهُمْ بِالجَزْعِ فَالنَّخَلاتِ

تَقَسَّمَهُمْ رَيْبُ الزَّمانِ كَما تَرى***لَهُمْ عُفرَةٌ (2)مَعْشِيَّةُ الحُجُرَاتِ

سوى أنَّ مِنهُمْ بِالمَدِينَةِ عُصْبَةٌ***مدى الدهر أنضاء مِنَ الأَزمات

قليلَةُ زُوّارٍ سِوى بَعْضِ زُوِّرٍ***مِنَ الصّبعِ وَالعُقبانِ وَالرَّحَماتِ

لَهُمْ كلّ حينٍ نَومَةٌ بِمَضاجع***ثَوَتْ في نَواحِي الأَرضِ مُختلِفاتِ

وَقَدْ كانَ مِنهُمْ بِالحِجاز وَأَهلها***مغاويرُ يُختارونَ في السَّرَواتِ

تَنَكَّب لأواءَ السِّنين جوارُهُمْ***فَلا تَصْطَليهِمْ جَمرةُ الجَمَراتِ (3)

حِمَى لَمْ تَزُرْهُ المُذيباتُ وَأَوْجُة***تُضِيءُ لدى الأَسْتارِ وَالظُّلُماتِ


1) المصمات : الدواهي والأمور العظيمة.

2) في معجم الأدباء : «عُمْرة».

3) اللأواء : الشدّة وضيق المعيشة.

إذا أَوْرَدوا خَيْلاً تَسَعُرَ بِالقَنَا***مَساعِرُ جَمرِ المَوتِ وَالغَمَراتِ (1)

وَإِنْ فَخَروا يوماً أتوا بِمحمّد***وجبريلَ وَالفُرقان ذي السُّوَراتِ

وَعَدَوا عَلِيّاً ذا المَناقِبِ وَالعُلا***وَفاطِمَةَ الزهراءَ خَيرَ بَناتِ

وَحَمْزَةَ وَالعبّاس ذِي الهَدْيِ وَالتُقى***وَجَعفَراً الطيّار في الحُجُباتِ

أُولئِكَ لا مَنتوج هند وحزبها***سُمَيَّةَ مِنْ نَوْكَى وَمِنْ قَذِراتِ (2)

ستسْأَلُ شَيمٌ عَنهُمْ وَعَدِيُّها***وَبَيعَتُهُمْ مِنْ أَفْجَرِ الفَجِراتِ (3)

هُمْ مَنَعوا الآباءَ مِنْ أَخْذِ حَقِّهِمْ***وَهُمْ تَرَكوا الأَبناءَ رَهنَ شَتاتِ (4)

وَهُمْ عَدَلوها عَنْ وَصِي محمّد***فَبَيعَتُهُمْ جَاءَت على الغَدْراتِ

مَلامَكَ في أَهلِ النبيّ فَإِنَّهُمْ***أَحِبّايَ ما عاشوا وَأَهلُ ثقاتي

تَخَيَّرْتُهُمْ رُشْداً لأمري فَإِنَّهُمْ***عَلى كلّ حالٍ خِيرَةُ الخِيَرَاتِ

نَبَذتُ إِلَيهِمْ بِالمَوَدَّةِ صادِقاً***وَسَلَّمتُ نَفْسي طائعاً لولاتي

فَيارَبِّ زِدني مِنْ يَقيني بصيرة***وَزِدْ حُبَّهُمْ يا رَبِّ فِي حَسَناتي

سأبكيهِمُ ما حَجَّ للّه راكِبٌ***وما ناحَ قُمري عَلى الشَّجَرَاتِ

نَفْسِيَ أَنتُمْ مِنْ كُهولٍ وَفِتيَةٍ***لفَكّ عُناةٍ أَوْ لِحَمْلٍ دِياتِ


1) تشمّس : امتنع بسلاحه عن العدوّ، يقال : فرس شموس : إذا منعت ظهرها وأبت الركوب.

2) النوكى : الحمق.

3) أراد بتيم : أبو بكر، وأراد بعدي عمر بن الخطّاب، ويرى دعبل أنهما مسؤولان عما لحق أهل البيت من المآسي والنكبات، فهما اللذان أقصيا الإمام أمير المؤمنين عن الخلافة، وسبّبا للعترة الطاهرة ألواناً مريرة من المصائب.

4) أشار دعبل إلى أنّ الملوك السابقين هم الذين منعوا السادة العلويّين من أخذ حقّهم، وتركوا السادة من أبنائهم رهن شتات.

وَلِلخَيلِ لَمّا قَيْدَ المَوتُ خَطوها***فَأَطلَقتُمُ مِنهُنَّ بِالذُّرِباتِ (1)

أُحِبُّ قَصِيَّ الرَّحْمِ مِنْ أَجلِ حُبِّكُمْ***وَأَهجُرُ فِيكُمْ أُسْرَتي وَيَناتي (2)

وَأَكتُمُ حُبِّيكُمْ مَخافَةَ كاشح***عَنيد لأهلِ الحَقِّ غَيرِ مُواتِ

فَيا عَينُ بَكيهِمْ وَجودي بِعَبرة***فَقَدْ آنَ لِلسكاب وَالهَمَلاتِ (3)

لَقَدْ حَفَّت الأيّام حَولى بِشَرّها***وَإِنِّي لَأَرْجُو الأَمْنَ بَعدَ وَفاتي (4)

أَلَمْ تَرَ أَنِّي مُذ ثَلاثِينَ حِجَّةً***أروحُ وَأَغْدو دائِمَ الحَسَرَاتِ

أَرى فَيْتَهُمْ في غَيرِهِمْ مُتَقَسَّماً***وَأَيْدِيهِمْ مِنْ فَيْيْهِمْ صَفِراتِ (5)

فَكَيفَ أداوي مِنْ جَوَى بِي وَالجَوى***أمَيَّةُ أَهْلُ الكُفْرِ وَاللعَناتِ

فَآلُ رَسولِ اللّه نُحْفٌ جُسُومُهُمْ***وَآلُ زيادٍ غُلَّطُ القَصَرَاتِ (6)

بَناتُ زِيادٍ في الخُدورِ مَصونَةً***وَآلُ رَسول اللّه فى الفلوات

سَأَبكيهِمْ ما ذَرَّ في الأُفْقِ شارِقٌ***ونادى منادي الخير بالصَّلَواتِ

وَما طَلَعَتْ شَمسٌ وَحانَ غُروبُها***وَبِاللَّيلِ أَبكيهِمْ وَبِالغَدَواتِ

ديارُ رَسولِ اللّه أَصبَحْنَ بَلْقَعاً***وَآلُ زِيادٍ تَسكُنُ الحُجُرَاتِ


1) الذربات : الداهيات.

2) يريد دعبل أنه يحب ويخلص لمن أحب لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وإن كانوا بعاداً عنه عنه في النسب، ويعادي من عاداهم وإن كانوا أسرته وبناته.

3) الهملات : الدموع.

4) في رواية : «لقد خفت في الدنيا وأيّام سعيها»، وفي رواية : «أنّ دعبل لما أنشد هذا البيت رفع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يديه بالدعاء، وقال له : آمَنَكَ اللّه يَا خُزاعِيُّ يَومَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ».

5) في رواية : «أن دعبل لما بلغ إلى هذا البيت جعل الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقلب كفَه ويقول : أَجَلْ وَاللّه مُنْقَبِضات».

6) القصرات : جمع، مفرده : قصرة، وهي أصل العنق.

وَآلُ رَسولِ اللّه تُدمى نُحورُهُمْ***وَآلُ زياد زينوا الحَجَلاتِ (1)

وَآلُ رَسولِ اللّه تُسبى حَريمُهُمْ***وَآلُ زياد آمنوا الشربات

إذا وُتروا مَدّوا إلى واتريهِمْ***أكفاً عَنِ الأَوْتَارِ مُنْقَبِضاتِ

فَلَولا الذي أَرْجُوهُ في اليَومِ أَوْ غَدٍ***تَقَطَّعُ نَفْسي إِثْرَهُمْ حَسَراتِ

خروجُ إمام لا محالة خارج***يقوم على اسم اللّه وَالبَرَكاتِ (2)

يُميّزُ فينا كلّ حَقٌّ وَبَاطِلٍ***وَيَجْزي على النَّعْماءِ وَالنُّقمات

سَأَقْصُرُ نَفْسي جاهِداً عَنْ جِدالِهِمْ***كَفاني ما أَلْقَى مِنَ العَبَراتِ

فَيانفس طيبي ثُمَّ يا نَفسُ أَبْشِري***فَغَيرُ بَعيدٍ كلّ ما هُوَ آتِ

وَلَا تَجزَعي مِنْ مُدَّةِ الجَورِ إِنَّني***أَرى قُوَّتِي قَدْ آذَنَتْ بِشَتاتِ

فَإِنْ قَرَّبَ الرَّحْمَنُ مِنْ تِلكَ مُدَّتي***وَأَخَرَ مِنْ عُمْري لطول حياتي

شفِيتُ وَلَمْ أَتْرُكُ لِنَفْسي رَزِيَّةً***وَرَوَّيتُ مِنْهُمْ مُنْصُلي وقَناتي (3)

فَإِنِّي مِنَ الرَّحْمَنِ أَرْجُو بِحُبِّهِمْ***حياة لدى الفِرْدَوسِ غَيرَ بَتاتِ (4)

عَسى اللّه أَنْ يَأْوِي لِذي الخَلقِ***إِلَىٰ كلّ قَومٍ دائِمُ اللَّحَظاتِ

فَإِنْ قُلتُ عُرْفاً أَنكَروهُ بِمُنكَرِ***وَغَطُوا عَلى التَّحْقِيقِ بِالشُّبُهَاتِ

أُحاوِلُ نَقلَ الشَّمسِ مِنْ مُستَقَرَّها***وَأَسْمِعْ أحجاراً مِنَ الصَّلِداتِ

فَمِنُ عارِف لَمْ يَنْتَفِعُ وَمُعاند***یميلُ مَعَ الأَهْواءِ وَالشَّهَوَاتِ

قُصارايَ مِنْهُمْ أَنْ أَموتَ بِغُصَّةٍ***تَرَدَّدُ في صَدْري وَفي وَاللَّهَواتِ


1) الحَجَلاتِ : جمع حَجَلَة، وهي بيت يزيّن بالثياب والأسرة والستور.

2) خارج : صفة للإمام، وخبر «لا» محذوف تقديره واقع.

3) المنصل : حديدة السهم والرمح والسكّين.

4) غير بتات : أي غير منقطعة، وإنما هي حياة خالدة رائعة.

كَأَنَّكَ بِالْأَضْلاعِ قَدْ ضَاقَ رَحْبُها***لِما ضُمَّنَتْ مِنْ شِدَّةِ الزَّفَراتِ (1)

وانتهت هذه القصيدة العصماء التي نالت رضا الإمام ودعاءه لدعبل بالفوز يوم الفزع الأكبر.

وقد تأثر الإمام أشدّ ما يكون التأثر في الأبيات التي رثى بها دعبل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد بكى الإمام أمر البكاء، وأغمي عليه غير مرّة، فقد نخبت قلبه فاجعة كربلاء، وكان يقول : «إِنَّ أَمْرَ الحُسَيْن أَفْرَحَ جُفونَنَا، وَأَسْبَلَ دُموعنا، وَأَذَلَّ عَزيزَنا. يا أَرْضَ كَرْبِ وَبَلاءِ، أَوْرَثْتِنا الْكَرْبَ وَالْبَلاءَ إِلَى يَوْمِ الْإِنْقِضَاءِ، فَعَلَىٰ مِثْلِ الحُسَيْنِ فَلْيَبْكِ الْباكُونَ، فَإِنَّ البكاءَ عَلَيْهِ يَحُطُّ الذُّنوبَ الْعِظامَ» (2).

ويشتدّ حزن الإمام ويتضاعف أساه إذا حلّ شهر المحرّم، وقد قال : «كان أبى صَلَواتُ اللّه عَلَيْهِ إِذا دَخَلَ شَهْرُ مُحَرَّمٍ لَا يُرى ضاحِكاً، وَكَانَتِ الْكَارِثَةُ تَغْلِبُهُ حَتَّىٰ تَمْضِيَ مِنْهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، فَإِذا كانَ الْيَوْمُ الْعاشِرُ كانَ ذلِكَ الْيَوْمَ يَوْمَ مُصيبَتِهِ وَحُزْنِهِ وَبُكائِهِ، وَكانَ يَقولُ : هذَا الْيَوْمُ الَّذي قُتِلَ فِيهِ الْحُسَيْنُ» (3).

وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِن الْمُحَرَّمَ شَهْرٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ فيهِ الْقِتالَ، فَاسْتَحِلَّتْ فيهِ دماؤنا، وانتهكتْ فيهِ حُرْمَتُنا، وَسُبِيَتْ فيهِ ذَرارينا ونساؤنا، وَأَضْرِمَتِ النيران في مَضارِينا، وَانْتُهِبَتْ مَا فِيهِ مِنْ ثِقَلِنَا، وَلَمْ يَرْعَوا لِرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حُرْمَةٌ فِي أَمْرِنا» (4).

وروى الريان بن شبيب، قال : «دخلت على الرضا في أول يوم من المحرّم فقال لي : يابْنَ شَبِيبٍ، أَصائِمٌ أَنْتَ ؟

فقلت : لا.


1) دیوان دعبل : 124 - 145.

2) الأنوار النعمانيّة : 3 : 238.

3) الأنوار النعمانيّة : 3 : 238.

4) الأنوار النعمانيّة : 3 : 238.

فقال : إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي دَعَا فِيهِ زَكَرِيَّا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ : «رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ» (1)، فَاسْتَجابَ اللّه لَهُ وَأَمَرَ الْمَلائِكَةَ فَنَادَتْ زَكَرِيَا: «وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّه يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى» (2)، فَمَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ ثُمَّ دَعا اللّه عَزَّ وَجَلَّ اسْتَجابَ اللّه لَهُ كَمَا اسْتَجَابَ لِزَكَرِيَا.

ثم قال : يابْنَ شَبِيبٍ، إِنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الشَّهْرُ الَّذي كانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فيما مضى يُحرمونَ فيهِ الظُّلْمَ وَالْقِتالَ لِحُرْمَتِهِ، فَما عَرَفَتْ هَذِهِ الأُمَّهُ حُرْمَةَ شَهْرِها وَلَا حُرْمَةَ نَبِيُّها (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، لَقَدْ قَتَلُوا في هذَا الشَّهْرِ ذُرِّيَّتَهُ، وَسَبوا نِساءَهُ، وَانْتَهَبُوا ثِقْلَهُ، فَلَا غَفَرَ اللّه لَهُمْ ذلِكَ أَبَداً.

يابْنَ شَبِيبٍ، إِنْ كُنْتَ باكِياً لِشَيْءٍ فَابْكِ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّهُ ذُبِحَ كَما يُذْبَحُ الْكَبْشُ، وَقُتِلَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلاً ما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ شَبية، وَلَقَدْ بَكَتِ السَّمواتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ لِقَتْلِهِ، وَلَقَدْ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَرْبَعَةُ آلافٍ لِمُصْرَتِهِ فَوَجَدوهُ قَدْ قُتِلَ، فَهُمْ عِنْدَ قَبْرِهِ شُعْثٌ غُبْرٌ إِلَى أَنْ يَقومَ الْقَائِمُ فَيَكُونُونَ مَعَهُ مِنْ أَنْصارِهِ وَشِيعَتِهِ، وَشِعارُهُمْ : يَا لِثاراتِ الْحُسَيْنِ...» (3).

لقد أخلدت كارثة كربلاء الحزن والأسى لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فهم وشيعتهم في حزن مستمرّ لا ينسون ما حلّ بسبط الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) من عظيم المحن والرزايا، فقد انتهكت في يوم عاشوراء حرمة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فلم يرع في ذلك اليوم الخالد في دنيا الأحزان أي حرمة اللّه ولا لرسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فقد عمد جيش ابن مرجانة إلى قتل سبط رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بتلك القتلة المروّعة.


1) آل عمران 3: 38.

2) آل عمران 3: 39.

3) أمالي الصدوق : 192، الحدیث 202. الأنوار النعمانية : 3: 239.

ولنعد بعد هذا إلى متابعة شؤون الإمام في خراسان.

إنفاق جميع ما عنده (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وأنفق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) جميع ما يملك بخراسان على الفقراء والبؤساء، فأنكر عليه الفضل بن سهل، وقال له : إنّ هذا المغرم.

فردّ عليه الإمام ببالغ الحجة قائلاً : بَلْ هُوَ الْمَغْتَمُ، لَا تَعُدَّنٌ مَغْرَماً ما اتَّبَعْتَ بِهِ أَجْراً وَكَرَماً (1).

إنّه ليس من المغرم في شيء إنفاق الإمام جميع ما عنده على الفقراء والمحرومين، وإنقاذهم من غائلة الفقر وويلات البؤس، وإنّما المغرم ما كان ينفقه ملوك العبّاسيّين وأسلافهم الأمويون من الأموال الطائلة على شهواتهم ولياليهم الحمراء، ولم ينفقوا أي شيء على فقراء المسلمين.

خطبة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في التوحيد

وتعتبر هذه الخطبة من غرر خطب أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ومن روائع ما أثر عنهم في قضايا التوحيد، ولو لم يكن للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) من تراث إلا هذه الخطبة لكفى بها للتدليل على إمامته، وبلوغه مرتبة سامية من العلم والفضل لم يبلغها إلّا الأئمّة المعصومون سلام اللّه عليهم، ونظراً لأهمّيتها البالغة فقد تصدى سماحة المغفور له يحيى بن محمّد علي إلى شرحها، وقد جاء في مقدّمتها :

«إنّ الخطبة المعروفة الواردة في التوحيد إلى جناب الحضرة المقدّسة، والساحة المطهرة.. ثا من أئمة الدين، إمام الورى، علي بن موسى الرضا عليه التحية والثناء، لما كانت بحراً عميقاً، محتوياً على فوائد ومعارف، جامعة من فنون العلم وصنوف


1) بحار الأنوار: 49: 100، الحديث 16.

المعرفة ما لا يجمعه سواها... الخ» (1).

أما سبب إنشاء الإمام لهذه الخطبة، فهو إنّ المأمون لما أراد أن يولي الإمام ولاية العهد حسده بنو هاشم - وهم بنو العبّاس - وقالوا له : أتولّي رجلاً جاهلاً ليس له بصر (2)بتدبير الخلافة ؟ فابعث إليه رجلاً يأتينا به فترى من جهله ما يستدل به عليه.

فبعث إليه، فأتاه، فقال له بنو هاشم يا أبا الحسن، اصعد المنبر، وانصب لنا علماً نعبد اللّه عليه. فصعد المنبر، فقعد مليّاً لا يتكلّم، ثمّ انتفض واستوى قائماً، فحمد اللّه وأثنى عليه، وصلّى على النبيّ وأهل بيته، ثمّ قال :

«أَوَّلُ عِبادَةِ اللّه تَعَالَى مَعْرِفَتُهُ، وَأَصْلُ مَعْرِفَةِ اللّه عَزَّ اسْمُهُ تَوْحِيدُهُ، وَنِظامُ تَوْحِيدِهِ نَفْيُ الصَّفاتِ عَنْهُ بِشَهَادَةِ الْعُقولِ أَنَّ كلّ صِفَةٍ وَمَوْصوفٍ مَخْلوقٌ (3)، وَشَهادَةِ كلّ مَخْلُوقٍ أَنَّ لَهُ خَالِقاً لَيْسَ بِصِفَةٍ وَلَا مَوْصوفٍ وَشَهادَةِ كلّ صِفَةٍ وَمَوْصوفٍ بِالْإِقْتِرانِ، وَشَهادَةِ الْإِقْتِرانِ بِالْحَدَثِ، وَشَهَادَةِ الْحَدَثِ بِالْإِمْتِناعِ مِنَ الْأَزَلِ الْمُمْتَنِعِ مِنَ الْحَدَثِ، فَلَيْسَ اللّه تَعَالَى عَرَفَ مَنْ عَرَفَ ذاتَهُ بِالتَّشْبِيهِ (4)، وَلَا إِيَّاهُ وَحَدَ مَنِ اكْتَنَهَهُ (5)، وَلَا حَقيقَتَهُ


1) شرح خطبة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في التوحيد، مخطوطة في مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، تسلسل 1728.

2) في نسخة : «ليس له بصيرة».

3) أراد : أنّ كلّ صفة وموصوف متعدّدان ذاتاً أو اعتباراً، فإنّهما من صفات الممكن، أمّا الواجب تعالى، فإنّ صفاته عين ذاته، ولا تعدّد بينه وبين صفاته.

4) يريد : أنّه لا يعرف اللّه من يشبه ذات اللّه تعالى.

5) يريد أن مَن يطلب كنهه تعالى وحقيقته، فهو ليس من الموحدين؛ لأنّه قد جعله من الممكنات التي يمكن معرفتها.

أَصابَ مَنْ مَثَلَهُ، وَلَا بِهِ صَدَّقَ مَنْ نَهَاهُ (1)، وَلَا صَمَدَ صَمْدَهُ مَنْ أَشارَ إِلَيْهِ (2)، وَلَا إِيَّاهُ عَنى مَنْ شَبَّهَهُ، وَلَا لَهُ تَذَلَّلَ مَنْ بَعْضَهُ، وَلَا إِيَّاهُ أَرادَ مَنْ تَوَهَّمَهُ، كلّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنوعٌ، وَكُلُّ قَائِمٍ فِي سِواهُ مَعْلُولٌ.

بِصُنْعِ اللّه تَعَالَى يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ، وَبِالْعُقولِ يُعْتَقَدُ مَعْرِفَتُهُ، وَبِالْفِطْرَةِ تَثْبُتُ حُجَّتُهُ (3)، خَلَقَ اللّه الْخَلْقَ حِجابٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَمُفارَقَتُهُ إِيَّاهُمْ مُبايَنَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَابْتِدَاؤُهُ إِيَّاهُمْ دَليلٌ عَلى أَنْ لَا ابْتِداءَ لَهُ، لِعَجْزِ كلّ مُبْتَدَأَ عَن ابْتِدَاءِ غَيْرِهِ.

فَأَسْماؤُهُ تَعْبِيرٌ، وَأَفْعَالُهُ تَفْهِيمٌ، وَدَاتُهُ حَقيقَةٌ، وَكُنْهُهُ تَفْرِيقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَ غُيورُهُ تَحْدِيدٌ لِما سِواهُ، فَقَدْ جَهِلَ اللّه تَعَالَى مَنِ اسْتَوْصَفَهُ، وَقَدْ تَعَدّاهُ مَنِ اشْتَمَلَهُ (4)، وَقَدْ أَخْطَأَهُ مَنِ اكْتَنَهَهُ، وَمَنْ قالَ : كَيْفَ فَقَدْ شَبَّهَهُ، وَمَنْ قالَ لِمَ، فَقَدْ عَلَّلَهُ، وَمَنْ قالَ : مَتى، فَقَدْ وَقَتَهُ، وَمَنْ قالَ : فيمَ فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قالَ : إِلى مَ فَقَدْ نَهَاهُ، وَمَنْ قالَ : حتّى مَ، فَقَدْ غَيَّاهُ (5)،


1) أراد أنه لم يصدّق باللّه تعالى من جعل له نهاية.

2) يعني أن مَن أشار إلى اللّه تعالى فقد ضل عن الطريق، لأن اللّه ليس له جهة خاصة حتّى يشار إليه لأنه أينما تولوا فثم وجه اللّه تعالى.

3) أراد : أنّ اللّه معروف ومعلوم بالفطرة الأصيلة وبالعقول النيرة المستقيمة، فإن جميع الوجود يدلّل عليه.

4) المعنى : أنّه قد توهّم وبعد عن الصواب من تصوّر أنّه أحاط بمعرفة الخالق العظيم.

5) المعنى : أنّه من سأل عن حدّ أو نهاية أو غاية ذلك فيما يتعلق بذات الخالق العظيم، فإنّه قد ضل ضلالاً بعيداً، وانحرف عن الحق إذ كيف يصل الإنسان المحدود فكره إلى معرفة اللّه تعالى.

وَمَنْ غَيَّاهُ فَقَدْ غاياهُ، وَمَنْ غاياهُ فَقَدْ جَزَاهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ وَصَفَهُ، وَمَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ أَلْحَدَ فِيهِ.

لَا يَتَغَيَّرُ اللّه تَعَالَى بِتَغَيرِ الْمَخْلُوقِ، كَما لَا يَتَحَدَّدُ بِتَحْدِيدِ الْمَحْدُودِ، أَحَدٌ لَا بِتَأْوِيلِ عَدَدٍ، ظَاهِرٌ لَا بِتَأْوِيلِ الْمُباشَرَةِ، مُتَجَلٌ لَا بِاسْتِهْلالِ رُؤْيَةٍ، باطِنٌ لَا بِمُزايَلَةٍ، مُبايِنٌ لَا بِمَسافَةٍ، قَريبٌ لَا بِمُداناةٍ، لَطيفٌ لَا بِتَجَسُّم، مَوْجودٌ لَا بَعْدَ عَدَمٍ، فاعِلٌ لَا بِاضْطِرارٍ، مُقَدَّرٌ لَا بِحَوْلٍ فِكْرَةٍ (1)، مُدَبَّرٌ لَا بِحَرَكَةٍ، مُريدٌ لَا بِهَمَامَةٍ، شَاءَ لَا بِهِمَّةٍ، مُدْرِك لَا بِمَجَسَّةٍ (2)، سَمِيعٌ لَا بِآلَةٍ، بَصِيرٌ لَا بِأَداةٍ.

لَا تَصْحَبُهُ الْأَوْقَاتُ، وَلَا تَضْمِنُهُ الْأَمَاكِنُ، وَلَا تَأْخُذُهُ السَّناتُ (3)، وَلَا تَحُدُّهُ الصَّفاتُ، وَلَا تُقَيَّدُهُ الأَدَواتُ، سابِقُ الْأَوْقاتِ كَوْنُهُ، وَالْعَدَمُ (4)وُجودَهُ، وَالْإِبْتِداءُ أَزَلُهُ، بِتَشْعِيرِهِ الْمَشاعِرَ عُرِفَ أَنْ لَا مَشْعَرَ لَهُ (5)، وَبِتَجْهِيرِهِ الْجَواهِرَ عُرِفَ أَنْ لَا جَوْهَرَ لَهُ، وَبِمُضادَّتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ لَا ضِدَّ لَهُ، وَبِمُقارَنَتِهِ بَيْنَ الْأُمورِ عُرِفَ أَنْ لَا قَرِينَ لَهُ، ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ،


1) لا بحول فكرة : أي لا بقوّة الفكر.

2) المحسّة : آلة الحسّ.

3) السنة : النعاس.

4) أي سبق وجوده العدم.

5) عرف أن لا مشعر له، يعني : أنه تعالى لعلوّه عن مرتبة المصنوع عرف أن لا مشعر له.

وَالْجَلَايَةَ بِالْبُهم، وَالْجَسْوَ (1)بِالْبَلَلِ، وَالصَّرْدَ (2)

والصَّرْدُ - بفتح الصاد وسكون الراء -: البرد.

بِالْحَرورِ، مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِياتِها، مُفَرَّقٌ بَيْنَ مُتَدانِياتِها، دالَّةٌ، وَبِتَأْليفها عَلى مُؤَلِّفِها، ذلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : «وَمِن كلّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (3)، فَفَرَّقَ بِها بَيْنَ قَبْلِ وَبَعْدِ لِيُعْلَمَ أَنْ لَا قَبْلَ لَهُ وَلَا بَعْدَ، شاهِدَةٌ بِغَرائِرِها أَنْ لَا غَريزَةَ لِمُغْرِزِها، دالَّةٌ بِتَفاوُتِها أَنْ لَا تَفاوُتَ لِمُفاوُتِها، مُخْبِرَةٌ بِتَوْقِيتِهَا أَنْ لَا وَقْتَ لِمُوَقِّتِها، حَجَبَ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ لِيَعْلَمَ أَنَّ لَا حِجَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَها غَيْرَها.

لَهُ مَعْنَى الرُّبوبِيَّةِ إِذْ لَا مَرْبوبَ (4)، وَحَقيقَةُ الْإِلَهِيَّةِ إِذْ لَا مَأْلوة (5)، وَمَعْنَى العالم وَلَا مَعْلُومَ، وَمَعْنَى الخالِقِ وَلَا مَخْلُوقَ، وَتَأْوِيلُ السَّمْع وَلَا مَسْموع.

لَيْسَ مُنْذُ خَلَقَ اسْتَحَقَّ مَعْنى الْخالِقِ، وَلَا بِإِحْداثِهِ الْبَرايَا اسْتَفادَ


1) الحسو : المسّ.

2) الصَّرَد - بفتح الصاد وكسر الراء - : من يجد البرد سريعاً، ومنه : رجل مصراد : لِمَن يشتدّ عليه البرد ولا يطيقه. مجمع البحرين.

3) الذاريات 51: 49 والاستشهاد للمضادّة، والمعنى من كلّ شيء خلقنا ضدّين كالأمثلة المذكورة بخلافه تعالى فإنّه لا ضدّ له.

4) المراد : أن كلّ صفة كمالية في الوجود ثابتة له تعالى بذاته؛ إذ أنّها حاصلة له من غيره، وهذا مفاد : «أن الواجب الوجود لذاته واجب لذاته من جميع من جميع الوجوه».

5) المراد : أنّه تعالى هو المالك للتصرّف، والعبد مألوه له تعالى يتصرف في شؤونه.

مَعْنى الْبارِئِيَّةِ، كَيْفَ وَلَا تُغَيِّبُهُ «مُذْ»، وَلَا تُدْنِيهِ «قَدْ»، وَلَا تَحْجُبُهُ «لَعَلَّ»، وَلَا تُوَقِّتُهُ «مَتى»، وَلَا تَشْتَمِلُهُ «حِينَ»، وَلَا تُقارِنُهُ «مَعَ» (1)

كما لا تقرّبه «قد» التى هى لتقريب زمان الفعل فلا يقال : قد قرب وقت فعله، لأنّه لا ينتظر وقتاً ليفعل فيه، بل كلّ الأوقات سواء بالنسبة إليه.

ولا تحجبه عن مراده «لعل» التى هي للترجي ؛ لأنّه لا يترجى شيئاً، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.

كما لا توقته في مبادئ أفعاله «متى»، فلا يقال : متى علم متى قدر لأن صفاته الكمالية و مبادئ أفعاله أزليّة كوجوده.

كما لا تشمله ولا تحدّده ذاتاً وصفة وفعلاً حين» لأنّه فاعل الزمان.

كما لا تقارنه بشيء «مع» إذ ليس معه شيء ولا في مرتبته شيء، ومن كان كذلك فهو خالق بارئ قبل الخلق.

.

إِنَّما تَحُدُّ الْأَدَواتُ أَنْفُسَهَا، وَتُشيرُ الْآلَةُ إِلى نَظَائِرِها (2)، وَفِي الْأَشْياءِ يُوجَدُ أَفْعَالُها (3)، مَنَعَتْها مُذ الْقَديمَةِ، وَحَمَتْها قَد الْأَزَلِيَّةِ (4)، وَجَنْبَتُها لَوْلا «التَّعْمِلَةِ»، افْتَرَقَتْ فَدَلَّتْ عَلى مُفَرِّقِها، وَتَبايَنَتْ فَأَعْرَبَتْ عَلى مُباينِها لَمّا تَجَلَّى صانِعُها لِلْعُقولِ، وَبِهَا احْتَجَبَ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وَإِلَيْها


1) المراد : أنّه كيف لا يستحق الخالق أن يكون قبل الخلق، والحال أنه لا تغيبه «من» التي هي لابتداء الزمان عن فعله، أي يكون فعله متوقّفاً على زمان حتّى يكون غائباً عن فعله بسبب عدم الوصول بذلك الزمان، منتظراً لحضور ابتدائه.

2) المراد : إنّما يتقيد في الفعل والتأثير بالأدوات أمثالها في المحدودية والجسمانيّة.

3) الأمور الممكنة هي التي تتأثر وتؤثر بالآلات، وأما الحق فمنزّه عن ذلك.

4) المراد : أن اتصاف الأشياء بمعاني «مذ» و «قد» و «لولا» وتقييدها بها يمنعها من الاتصاف بالقدم والأزليّة.

تُحاكَمُ الْأَوْهامُ، وَفِيها أَثْبَتَ غَيْرَهُ (1)، وَمِنْها أَنْبَطَ الدَّليلَ، وَبِها عُرِفَ الْإِقْرَارُ، وَبِالْعُقولِ يُعْتَقَدُ التَّصْدِيقُ بِاللّه، وَبِالْإِقْرَارِ يَكْمُلُ الْإِيمَانُ بِهِ.

لَا دِيانَةَ إِلَّا بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ، وَلَا مَعْرِفَةَ إِلَّا بِالْإِخْلاصِ، وَلَا إِخْلاصَ مَعَ التَّشْبِيهِ، وَلَا نَفْيَ مَعَ إِثْبَاتِ الصِّفَةِ لِلتَّشْبِيهِ (2)، وَكُلُّ ما في الْخَلْقِ لا يوجَدُ في خَالِقِهِ، وَكُلُّ ما يُمْكِنُ فِيهِ يَمْتَنِعُ مِنْ صَانِعِهِ، وَلَا تَجْرِي عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ وَلَا السُّكونُ.

وَكَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْراهُ، أَوْ يَعودُ إِلَيْهِ مَا هُوَ ابْتَدَأَهُ، إِذا لَتَفاوَتَتْ ذاتُهُ، وَلَتَجَزَىٰ كُنْهُهُ، وَلَا مُتَنَعَ مِنَ الْأَزَلِ مَعْناهُ، وَلَما كانَ لِلْبارِي مَعْنى غَيْرَ الْمَبْرُوءِ، وَلَوْ وُجِدَ لَهُ وَرَاءٌ وُجِدَ لَهُ أَمامٌ، وَلَالْتَمَسَ التَّمَامَ إِذْ لَزِمَهُ النقصان.

وَكَيْفَ يَسْتَحِقُ الْأَزَلَ مَنْ لَا يَمْتَنِعُ مِنَ الْحَدَثِ ؟

أَمْ كَيْفَ يُنْشِئُ الْأَشْيَاءَ مَنْ لَا يَمْتَنِعُ مِنَ الْإِنْشَاءِ إِذا لَقَامَتْ عَلَيْهِ آيَةُ الْمَصْنوع، وَلَتَحَوَّلَ دَليلاً بَعْدَما كَانَ مَدْلولاً عَلَيْهِ، لَيْسَ فِي مَحالِ الْقَوْلِ حُجَّةٌ، وَلَا فِى الْمَسْأَلَةِ عَنْهُ جَوابٌ، وَلَا فِي مَعْناهُ لَهُ تَعْظِيمٌ، وَلَا فِي إِبَانَتِهِ عَنِ الْحَقِّ ضَيْمٌ إِلَّا بِامْتِناعِ الْأَزَلِيُّ أَنْ يُثَنَى، وَلَما بُدِئَ لَهُ أَنْ يُبْدِئَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، كَذَبَ الْعادِلُونَ بِاللّه، وَضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً،


1) أي في الأشياء أثبت اللّه التغيير والاختلاف، وذلك بحسب حدودها الإمكانية.

2) أي لا نفي لتشبيهه تعالى بالمخلوق مع إثبات الصفات الزائدة له.

وَخَسِرُوا خُسْراناً مبيناً.

وَصَلَّى اللّه عَلَى محمّد وَآلِهِ الطّاهِرينَ (1)

وحوت هذه الخطبة العظيمة غوامض البحوث الفلسفية والكلامية، وقد ظهرت فيها القدرات العلميّة الهائلة للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وانكشف للعبّاسيين زيغ ما ذهبوا إليه من عجز الإمام وعدم قدرته على الخوض في البحوث العلميّة.

ومن المؤكد أنّ معظم المستمعين لخطاب الإمام لم يفقهوا هذه المسائل الفلسفية التي عرضها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والتي تناولت أهم قضايا التوحيد.

خطبة كتبها (عَلَيهِ السَّلَامُ) للمأمون

وطلب المأمون من الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يكتب له خطبة ليقرأها على الناس حينما يصلّي بهم، فكتب (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الخطبة الجليلة، وقد جاء فيها بعد البسملة :

«الْحَمْدُ للّه الَّذِي لَا مِنْ شَيْءٍ كانَ، وَلَا عَلَى صُنْعِ شَيْءٍ اسْتَعَانَ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ خَلَقَ، كَمَا كَوَّنَ مِنْهُ الْأَشْيَاءَ، بَلْ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ الْجَليلُ عَنْ مُنابَذَةِ الْأَنْدادِ، وَمُكابَدَةِ الْأَضْدادِ، وَاتَّخاذِ الصَّواحِبِ وَالأوْلادِ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ محمّداً عَبْدُهُ الْمُصْطَفى، وَأَمِينُهُ الْمُجْتَبى، أَرْسَلَهُ بِالْقُرْآنِ الْمُفَصَّلِ، وَوَحْيِهِ الْمُوَصَّلِ، وَفُرْقانِهِ الْمُحَصَّلِ، فَبَشِّرَ بِثَوابِهِ، وَحَذَرَ


1) التوحيد : 34 - 41. الاحتجاج : 2 : 174 - 178. أخذنا هوامش الكتاب من تعليق السيّد هاشم الحسيني الطهراني.

مِنْ عِقابِهِ، صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ.

أوصيكُمْ عِبادَ اللّه بِتَقْوَى اللّه الَّذِي يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ، وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ، فَإِنَّ اللّه لَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدى، وَلَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يُمَكِّنْكُمْ هُدى. الْحَذَرَ الْحَذَرَ عِبادَ اللّه، فَقَدْ حَذَرَكُمُ اللّه نَفْسَهُ، فَلَا تَعَرَّضوا لِلنَّدَمِ، وَاسْتِجْلابِ النَّقَمِ، وَالْمَصِيرِ إِلى عَذَابِ جَهَنَّمَ، «إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرَا وَمُقَاماً» (1)نارٌ لَا تُطْفى، وَعُيونُ لَا تَرْقَأُ، وَنُفوس لَا تَموتُ، وَلَا تَحْيِي في السَّلاسِلِ وَالأَغْلالِ، وَالْمَثُلاتِ وَالنَّكال، «كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللّه كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً» (2)، نارٌ أَحاطَ بِها سُرادِقُهَا، فَلَا يُسْمَعُ لَهُمْ نِداءٌ، وَلَا يُجابُ لَهُمْ دُعاءٌ، وَلَا يُرْحَمُ لَهُمْ بُكاء.

فَفِرُوا عِبَادَ اللّه إِلَى اللّه بِهَذِهِ الْأَنْفُسِ الْفَانِيَةِ فِي الصَّيْحَةِ الْمُتَوَالِيَةِ، في الأيّام الْخَالِيَةِ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمُ الْمَوْتُ، فَيَغْصِبَكُمْ أَنْفُسَكُمْ، وَيَفْجَعَكُمْ بِمُهَجِكُمْ، وَيَحولَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الرَّجْعَةِ. هَيْهَاتَ حَضَرَتْ آجالُكُمْ، وَخُتِمَتْ أَعْمَالُكُمْ، وَجَفَّتْ أَقْلَامُكُمْ، فَلَا لِلرَّجْعَةِ مِنْ سَبِيلٍ، وَلَا إِلَى الْإِقَامَةِ مِنْ وُصولٍ.

عَصَمَنَا اللّه وَإِيَّاكُمْ بِمَا عَصَمَ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ الْأَبْرَارَ، وَأَرْشَدَنَا وَإِيَّاكُمْ


1) الفرقان 25 : 65 و 66.

2) النساء 56:4.

لَما أَرْشَدَ لَهُ عِبادَهُ الْأَخْيَارَ» (1).

وحفلت هذه الخطبة بالدعوة إلى فعل الخير، واجتناب الحرام، والزهد في الدنيا، والتحذير من عذاب اللّه وعقابه.

المأمون يطلب منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) محاسن الشعر

وطلب المأمون من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن ينشده أحسن ما رواه في الحلم، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَحْسَنُ مَا رَوَيْتُهُ هَذِهِ الْأَبْيات :

إن كان دوني مَنْ بَلِيتُ بِجَهْلِهِ***أَبَيْتُ لِنَفْسي أَن أُقابِلَ بِالجَهل

وَإِنْ كَانَ مِثْلِي فِي مَحَلِّي مِنَ النُّهى***هَرَبْتُ لِحِلْمي كَيْ أَجُلْ عَنِ الْمِثْلِ

وَإِن كُنتُ أَدْنَىٰ مِنْهُ فِي الفَضْلِ وَالحِجى***عَرَفتُ لَهُ حَقَّ التَّقَدُّمِ وَالفَضْلِ

وأعجب المأمون بهذه الأبيات وانبرى يقول : من قائله ؟

• بَعْضُ فتياننا.

وقال المأمون : أنشدني أحسن ما رويته في السكوت عن الجاهل، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الأبيات :

إِنِّي لَيَهْجُرُنى الصَّديقُ تَجَنُّباً***فَارِيهِ أَن لِهَجْرِهِ أَشبابا

وَأَراهُ إِن عاتَبْتُهُ أَغْرَيْتُهُ***فَأَرى لَهُ تَرْكَ العِتابِ عِتابا

وإِذا ابْتُلِيتُ بِجاهِلٍ مُتَحَلَّم***يَجِدُ الْمَحالَ مِنَ الأُمورِ صَوابا

أَوْلَيتُهُ مِنّي السُّكوتَ وَرُبَّما***كانَ السُّكوتُ عَنِ الْجَوابِ جَوابا

ويهر المأمون، وقال : ما أحسن هذا ! من قاله ؟


1) الدر النظيم : 692.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لِبَعْضٍ فِتْياننا.

ثمّ قال المأمون : أنشدني أحسن ما رويته في استجلاب العدو وحتى يكون صديقاً، فأنشده الإمام هذه الأبيات :

وَذي غِلَّةٍ سالمتُهُ فَقَهَرتُهُ***فَأَوقَرْتُهُ مِنِّي لِعَفْوِ التَّحَمُلِ

وَمَنْ لَا يُدافِعُ سَيِّئاتِ عَدُوِّهِ***بِإِحْسانِهِ لَمْ يَأْخُذِ الطُّولَ مِنْ عَلِ

وَلَمْ أَرَ فِي الْأَشْياءِ أَسْرَعَ مَهْلِكاً لِغَمْرِ قديم من وِدادٍ مُعَجِّل (1)

فقال المأمون : ما أحسن هذا ! مَن قاله ؟

•

قالَهُ بَعْضُ فِتْيانِنا.

•

أنشدني أحسن ما رويته في كتمان السر.

فأنشده :

وَإِنِّي لَأَنْسى السِّرَّكَيْ لَا أُذيعَهُ***فَيا مَنْ رَأى سِرّاً يُصانُ بِأَنْ يُنسى

مَخافَةَ أَنْ يَجْرِي بِبالِيَ ذكرُهُ***فَيَنْبِذُهُ قَلْبي إِلى مُلْتَوى الْحَشا

فيوشِكُ مَنْ لَمْ يُفْشِ سِرّاً وَجالَ في***خواطِرِهِ أَنْ لَا يُطبَقَ لَهُ حَبْساً (2)

وراح المأمون يبدي إعجابه بما حفظه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من روائع الشعر.

رسالة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ولده الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وأرسل الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) من خراسان إلى ولده الإمام الجواد هذه الرسالة، وقد جاء فيها بعد البسملة :


1) الغمر : الحقد.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 174 و 175.

«فَدَتْكَ نَفْسِي، بَلَغَنِي أَنَّ الْمَوَالِيَ إِذَا رَكِبْتَ أَخْرَجُوكَ مِنْ بَابِ الْبَسْتَانِ الصَّغِيرِ، وَإِنَّما ذاكَ مِنْ بُخْلٍ بِهِمْ لِئَلَّا يَنالَ أَحَدٌ مِنْكَ خَيْراً، فَأَسْأَلُكَ بِحَقِّى عَلَيْكَ، لَا يَكُنْ مَدْخَلُكَ وَمَخْرَجُكَ إِلَّا مِنَ الْبَابِ الْكَبِيرِ، وَإِذَا رَكِبْتَ إِنْ شاءَ اللّه فَلْيَكُنْ مَعَكَ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ لَا يَسْأَلُكَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلَّا أَعْطَيْتَهُ.

وَمَنْ سَأَلَكَ مِنْ عُمُومَتِكَ أَنْ تُبِرَّهُ فَلَا تُعْطِهِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ دِينَاراً، وَالْكَثِيرُ إِلَيْكَ.

وَمَنْ سَأَلَكَ مِنْ عَمَاتِكَ فَلَا تُعْطِها أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ دِيناراً، وَالْكَثِيرُ إِلَيْكَ.

وَمَنْ سَأَلَكَ مِنْ قُرَيْشِ فَلَا تُعْطِهِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِيناراً، وَ الْكَثِيرُ إِلَيْكَ، إِنِّي إِنَّما أُريدُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللّه، فَاتَّقِ اللّه، وَأَعْطِ وَلَا تَخَفْ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْتاراً» (1).

أرأيتم هذه النفس الملائكية التي طبعت على البر والمعروف والإحسان إلى الناس.. لقد كان الكرم عنصراً من عناصر الإمام، ومقوّماً من مقوماته، فقد حتّ ولده الجواد على صلة أرحامه، والبر بالبؤساء.

لقد حكت هذه الرسالة لوناً من ألوان التربية الرفيعة لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقد كانوا يربون أبناءهم على الشرف والفضيلة، ويغرسون في نفوسهم مكارم الأخلاق، ومحاسن الصفات، ليكونوا أمثلة للخير، وقدوة حسنة لهذه الأمة.


1) الدر النظيم : 692.

كتاب الحباء والشرط

إشارة:

نسب هذا الكتاب إلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد حفل بالثناء على الفضل بن سهل، والإشادة بجهوده الجبارة في إقامة ملك المأمون، ودحر المناهضين له من أخيه الأمين وأبي السرايا وغيرهما، فقد بذل جميع طاقاته حتّى قضى على تلك الثورات العارمة، وقد جزاه المأمون فمنحه الثراء العريض، ووهبه الأموال الطائلة، كما وهب مثل ذلك لأخيه الحسن بن سهل مجازاة لهما على عظيم إخلاصهما للمأمون، وها هو نصّ الكتاب بعد البسملة :

«أمّا بعد، فالحمد للّه البديء الرفيع، القادر القاهر، الرقيب على عباده، المقيت على خلقه، الذي خضع كلّ شيء لملكه، وذلّ كلّ شيء لعزّته، واستسلم كلّ شيء لقدرته، وتواضع كلّ شيء لسلطانه وعظمته، وأحاط بكل شيء علمه، وأحصى عدده فلا يؤوده كبير، ولا يعزب عنه صغير، الذي لا تدركه أبصار الناظرين، ولا تحيط به صفة الواصفين، له الخلق والأمر والمثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم.

والحمد للّه الذي شرع الإسلام ديناً، ففضّله وعظمه وشرفه وكرمه، وجعله الدين القيم الذي لا يقبل غيره، والصراط المستقيم الذي لا يضلّ من لزمه، ولا يهتدي من صرف عنه، وجعل فيه النور والبرهان، والشفاء والبيان، وبعث به من اصطفی من ملائكته إلى من اجتبى من رسله في الأمم الخالية، والقرون الماضية، حتّى انتهت رسالته إلى محمّد المصطفى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فختم به النبيين، وقفّى على آثار المرسلين، وبعثه رحمة للعالمين، وبشيراً للمؤمنين المصدقين، ونذيراً للكافرين المكذبين لتكون له الحجّة البالغة، وليهلك من هلك عن بيّنة، وإن اللّه لسميع عليم.

والحمد للّه الذي أورث أهل بيته مواريث النبوّة، واستودعهم العلم والحكمة، وجعلهم معدن الإمامة والخلافة، وأوجب ولايتهم، وشرف منزلتهم، فأمر رسوله

بمسألة أمّته مودتهم؛ إذ يقول : «قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي القُربی» (1)

قال العلامة : روى الجمهور في الصحيحين، وأحمد بن حنبل في مسنده، والثعلبي في تفسيره، عن ابن عبّاس (رَحمهُ اللّه)، قال : «لما نزلت قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» قالوا : يا رسول اللّه، من قرابتك الذين أوجبت علينا مودّتهم ؟

قال : عَلِيٌّ وَفاطِمَةُ وَابْناهُما». عيون أخبار الرضا : 2 : 211.

، وما وصفهم به من إذهاب الرجس عنهم، وتطهيره إياهم في قوله : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (2)

قال العلّامة : «أجمع المفسّرون وروى الجمهور كأحمد بن حنبل وغيره، أنها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ)».

.

ثمّ إن المأمون بر برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في عنرته، ووصل أرحام أهل بيته، فردّ اُلفتهم، وجمع فرقتهم، ورأب صدعهم، ورتق فتقهم، وأذهب اللّه به الضغائن والإحن بينهم، وأسكن التناصر، والتواصل والمودة والمحبّة قلوبهم، فأصبحت بيمنه وحفظه وبركته وبره وصلته أيديهم واحدة، وكلمتهم جامعة، وأهواؤهم متفقة، ورعى الحقوق لأهلها، ووضع المواريث مواضعها، وكافاً إحسان المحسنين، وحفظ بلاء المبتلين، وقرب وباعد على الدين، ثمّ اختصّ بالتفضيل والتقديم والتشريف من قدّمته مساعيه، فكان ذلك ذا الرياستين الفضل بن سهل، إذ رآه له موازراً، وبحقه قائماً، وبحجّته ناطقاً، ولنقبائه نقيباً، ولخيوله قائداً، ولحروبه مدبّراً ، ولرعيّته سائساً، وإليه داعياً، ولمن أجاب إلى طاعته مكافياً، ولمن عدل عنها منابذاً، وينصرته متفرّداً، ولمرض القلوب والنيات مداوياً.

لم ينهه عن ذلك قلة مال، ولا عواز رجال، ولم يمل به الطمع، ولم يلفته عن نيّته وبصيرته وجل، بل عندما يهول المهوّلون، ويرعد ويبرق له المبرقون


1) الشورى 42: 23.

2) الأحزاب 33 : 33.

والمرعدون، وكثرة المخالفين والمعاندين، من المجاهدين والمخاتلين، أثبت ما يكون عزيمة، وأجرأ جناناً، وأنفذ مكيدة، وأحسن تدبيراً، وأقوى في تثبيت حق المأمون، والدعاء إليه حتّى غصم أنياب الضلالة، وفل حدّهم، وقلّم أظفارهم، وحصد شوكتهم، وصرعهم مصارع الملحدين في دينهم، والناكثين لعهده، الوانين في أمره، والمستخفّين بحقه، الآمنين لما حذر من سطوته ويأسه، مع آثار ذي الرئاستين في صنوف الأمم من المشركين، وما زاد اللّه به في حدود دار المسلمين، مما قد وردت أنباؤه عليكم، وقرئت به الكتب على منابركم، وحمله أهل الآفاق إليكم وإلى غيركم.

فانتهى شكر ذي الرئاستين بلاء أمير المؤمنين عنده، وقيامه بحقه، وابتذاله مهجته، ومهجة أخيه أبي محمّد الحسن بن سهل الميمون النقيبة، المحمود السياسة إلى غاية تجاوز بها الماضين، وفاز بها الفائزين.

وانتهت مكافأة أمير المؤمنين إياه إلى ما حصل له من الأموال والقطائع والجواهر، وإن كان ذلك لا يفي بيوم من أيامه، ولا بمقام من مقاماته، فتركه زهداً فيه، وارتفاعاً من همّته عنه، وتوفيراً له على المسلمين، واطراحاً للدنيا، واستصغاراً لها، وإيثاراً للآخرة ومنافسة فيها.

وسأل أمير المؤمنين ما لم يزل له سائلاً، وإليه فيه راغباً من التخلّي والتزهد، فعظم ذلك عنده وعندنا، لمعرفتنا بما جعل اللّه عزّ وجلّ في مكانه الذي هو به من العز للدين والسلطان، والقوّة على صلاح المسلمين، وجهاد المشركين، وما أرى اللّه به من تصديق نيّته، ويمن نقيبته، وصحّة تدبيره، وقوّة رأيه، ونجح طلبته، ومعاونته على الحقّ والهدى، والبر والتقوى.

فلمّا وثق أمير المؤمنين وثقنا منه بالنظر للدين، وإيثار ما فيه صلاحه، وأعطيناه سؤاله الذي يشبه قدره، وكتبنا له كتاب حباء وشرط، قد نسخ في أسفل كتابي هذا،

وأشهدنا اللّه عليه، ومن حضرنا من أهل بيته والقوّاد والصحابة، والقضاة والفقهاء، والخاصة والعامّة.

وأمر أمير المؤمنين بالكتاب إلى الآفاق ليذيع ويشيع في أهلها، ويقرأ على منابرها، ويثبت عند ولاتها وقضاتها، فسألني أن أكتب بذلك، وأشرح معانيه، وهي على ثلاثة أبواب :

ففي الباب الأوّل : البيان عن كلّ آثاره التي أوجب اللّه بها حقّه علينا وعلى المسلمين.

الباب الثاني : البيان عن مرتبته في إزاحة علّته في كلّ ما دبر، ودخل فيه ولا سبيل عليه، فيما ترك وكره، وذلك لما ليس لخلق ممّن في عنقه بيعة إلا له وحده ولأخيه، ومن إزاحة العلة تحكيمها في كلّ من بغى عليهما وسعى بفساد علينا وعليهما، وعلى أوليائنا لئلا يطمع طامع في خلاف عليهما، ولا معصية لهما، ولا احتيال في مدخل بيننا وبينهما.

الباب الثالث : البيان عن عطائنا إيّاه ما أحبّ من ملك التخلّي وحلية الزهد، وحجّة التحقيق لما سعى فيه من ثواب الآخرة بما يتقرّر في قلب من كان شاكاً في ذلك منه، وما يلزمنا له من الكرامة والعز والحباء الذي بذلناه له ولأخيه في منعهما ما نمنع منه أنفسنا، وذلك محيط بكل ما يحتاط فيه محتاط في أمر دين ودنيا».

وانتهت هذه الكلمة، وقد أشادت بالجهود الجبارة التي بذلها الفضل بن سهل في توطيد حكومة المأمون، وإقامة دولته، كما أشادت بنزاهته، ورفضه للجوائز والهبات الكثيرة، وطلبه للتقاعد، وقد رفض ذلك، وكانت هذه الكلمة مقدّمة لكتاب الحباء والشرط، وهذا نصه بعد البسملة :

«هذا كتاب حباء وشرط من عبد اللّه المأمون أمير المؤمنين وولي عهده علي بن موسى الرضا لذي الرئاستين الفضل بن سهل في يوم الاثنين لسبع ليال خلون من

شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، وهو اليوم الذي تمّم اللّه فيه دولة أمير المؤمنين، وعقد لولي عهده، وألبس الناس اللباس الأخضر، وبلغ أمله في إصلاح وليه، والظفر بعدوّه أنا دعوناك إلى ما فيه بعض مكافاتك، على ما قمت به من حق اللّه تبارك وتعالى، وحق رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وحق أمير المؤمنين، وولي عهده علي بن موسى، وحقّ هاشم التي بها يرجى صلاح الدين، وسلامة ذات البين بين المسلمين، إلى أن يثبت النعمة علينا وعلى العامّة بذلك، وبما عاونت عليه أمير المؤمنين من إقامة الدين والسنّة، وإظهار الدعوة الثانية وإيثار الأولى، مع قمع المشركين، وكسر الأصنام، وقتل العتاة، وسائر آثارك الممثلة للأمصار في المخلوع - وهو الأمين - وقابل، وفي المسمّى بالأصفر المكنى بأبي السرايا، وفي المسمّى بالمهدي محمّد بن جعفر الطالبين، والترك الحولية، وفي طبرستان وملوكها إلى بندار هرمز بن شروين، وفي الديلم وملكها مهورس، وفي كابل وملكها هرموس، ثمّ ملكها الاصفهبند، وفي ابن البرم، وجبال بدار بنده، وعرشستان، والغور وأصنافها، وفي خراسان وبلون صاحب جبل التبت، وفي كيمان والتغرغر، وفي أرمينيا والحجاز، وصاحب السرير، وصاحب الخزر، وفي المغرب وحروبه، وتفسير ذلك في ديوان السيرة.

وكان ما دعوناك إليه وهو معونة لك ألف ألف درهم، وغلّة عشرة آلف ألف درهم جوهر أسواماً أقطعك أمير المؤمنين قبل ذلك، وقيمة مائة ألف ألف درهم جوهراً يسيراً عندنا ما أنت له مستحق، فقد تركت مثل ذلك حين بذله لك المخلوع، وآثرت اللّه ودينه، وأنك شكرت أمير المؤمنين وولي عهده، وآثرت توفير ذلك كله على المسلمين، وجدت لهم به.

وسألتنا أن نبلّغك الخصلة التي لم تزل لها تائقاً من الزهد والتخلّي ليصحّ عند من شك في سعيك للآخرة دون الدنيا، وتركك الدنيا وما عن مثلك يستغنى في حال، ولا مثلك رُدّ عن طلبه، ولو أخرجتنا طلبتك عن شطر النعيم علينا فكيف نأمر ؟ رفعت فيه المؤونة، وأوجبت به الحجّة، على من كان يزعم أن دعاك إلينا للدنيا

لا للآخرة، وقد أجبناك إلى ما سألت به، وجعلنا ذلك لك مؤكداً بعهد اللّه وميثاقه اللذين لا تبديل لهما ولا تغيير، وفوضنا الأمر في وقت ذلك إليك، فما أقمت فعزيز مزاح العلّة، مدفوع عنك الدخول فيما تكرهه من الأعمال، كائناً ما كان، نمنعك مما نمنع به أنفسنا في الحالات كلها، وإذا أردت التخلّي فمكرم، مزاح البدن، وحق لبدنك بالراحة والكرامة، ثمّ نعطيك مما تتناوله، ممّا بذلناه لك في هذا الكتاب، فتركته اليوم.

وجعلنا للحسن بن سهل مثل ما جعلناه لك، فنصف ما بذلناه من العطيّة، وأهل ذلك هو لك، وبما بذل من نفسه في جهاد العتاة، وفتح العراق مرتين، وتفريق جموع الشيطان بيده حتّى قوي الدين، وخاض نيران الحروب، ووقانا عذاب السموم بنفسه وأهل بيته، ومن ساس من أولياء الحق، وأشهدنا اللّه وملائكته وخيار خلقه، وكلّ من أعطانا بيعته، وصفقة يمينه في هذا اليوم وبعده على ما في هذا الكتاب، وجعلنا اللّه علينا كفيلاً، وأوجبنا على أنفسنا الوفاء بما اشترطنا من غير استثناء بشيء ينقصه في سرّ ولا علانية، والمؤمنون عند شروطهم، والعهد فرض مسؤول، وأولى الناس بالوفاء من طلب من الناس الوفاء، وكان موضعاً للقدرة. قال اللّه تعالى: «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللّه إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّه عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّه يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ» (1)».

وانتهت هذه الوثيقة التي عرفت بوثيقة الحباء والشرط، وقد وقع عليها المأمون والإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).

توقيع المأمون

وقد جاء فيه بعد البسملة : «قد أوجب أمير المؤمنين على نفسه جميع ما في هذا الكتاب، وأشهد اللّه تعالى، وجعله عليه داعياً وكفيلاً، وكتب بخطه في صفر سنة


1) النحل 16: 91.

(202) تشريفاً للحباء، وتوكيداً للشرط.

توقيع الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وجاء في توقيع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد البسملة : «قَدْ أَلْزَمَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرّضا نَفْسَهُ بجميع ما في هذَا الْكِتابِ، عَلى ما أَكْدَ فِيهِ فِي يَوْمِهِ وَغَدِهِ ما دامَ حَيّاً، وَجَعَلَ اللّه تَعَالَى عَلَيْهِ دَاعِياً وَ كَفيلاً، وَ كَفَى بِاللّه شَهِيداً.

وكتب بخطه في هذا الشهر - أي صفر - من هذه السنة - أي سنة (202هـ) - وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ، وَصَلَّى اللّه عَلى محمّد وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَحَسْبُنَا اللّه وَنِعْمَ الوَكيلُ» (1).

وانتهت هذه الوثيقة، وقد حكت صوراً رهيبة من الاضطراب السياسي الذي منيت به البلاد الإسلاميّة، فقد انتشرت فيها الثورات الشعبيّة، وعمّت فيها الفتن، وهذا مما يؤكده بعض المصادر من أن عصر المأمون كان عصر فتن واضطراب، وقد أخمد هذه الثورات، واستأصل جذورها الفضل بن سهل، فقد كان خبيراً ومضطلعاً بإخماد الثورات، وقد أريقت أنهار من الدماء، وانتشر الحزن والحداد في معظم الأقطار الإسلاميّة.

ومن الطبيعي أن تلك الثورات كانت ناجمة عن الظلم والجور السائدين في ذلك العصر، فقد ساس العبّاسيون العالم الإسلامي سياسة قاتمة لا بصيص فيها من نور العدل والحقّ.

وعلى كلّ حال، فإنّ هذه الوثيقة بقسميها لم تكن من إنشاء الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ). وإنما كانت من إنشاء الجهاز الحاكم وأعوانه، ونسبت إلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) لتكسب الجهة الشرعيّة، وتكون غير قابلة للنقض، ويدعم ذلك ما يلي :

أولاً : إنّ هذه الوثيقة قد منحت الملايين من الأموال إلى الفضل بن سهل،


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 154 - 159.

ووهبته الثراء العريض جزاءً لخدماته للمأمون، وقمعه للثورات المعادية له. ومن الطبيعي أنّ تلك الأموال إنّما هي من الخزينة المركزية التي هي ملك لجميع المسلمين، ومما لا شبهة فيه أنّه لا يجوز التفريط بأقل القليل من أموال المسلمين، ولا يجوز أن تعطى مكافأة أو غير ذلك إلى أي شخص، وإنما يجب إنفاقها على صالح المسلمين، وتطوير حياتهم، وإنعاشهم، ونشر الرخاء عليهم، فكيف جاز للإمام أن يجيز ذلك ويقرّ منح هذه الأموال للفضل.

ثانياً : إنّ هذه الوثيقة قد حوت آيات من المدح والثناء على المأمون والفضل بن سهل، والطعن في ثورة أبي السرايا وثورة جعفر بن محمّد الطالبيّين، وكلّ ذلك ليس من خلق الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهو لا يمدح أحداً حتّى يكون جديراً بالمدح والثناء، ولا يذمّ كذلك أحداً حتّى يكون جديراً بالذم والتوهين، كانت هذه سيرته ومنهجه، فكيف يمنح المأمون هذا الثناء ؟ وكيف يمدح هذا الفضل بهذا المدح ؟ مع العلم أنه سلام اللّه عليه كان يكن في أعماق نفسه ودخائل ذاته الكراهية والبغضاء لهما، وذلك لعلمه بما انطوت عليه نفوسهما من الشر والحقد عليه، وإنما قام المأمون بتكريم الإمام ومنحه ولاية العهد لمناورة سياسية لم تكن خافية عليه.

ثالثاً : إنّ هذه الوثيقة تتنافى مع ما اشترطه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المأمون في قبوله لولاية العهد أن لا يتدخل في أي أمر من أمور الدولة، ويكون بمعزل عن جميع الأحداث السياسيّة، فكيف يتدخل في أمر الفضل، ويجازيه على إخلاصه للمأمون، وعلى سعيه في إخماد الثورات الملتهبة التي اندلعت ضدّ المأمون ؟ !

هذه بعض المؤاخذات التي تواجه نسبة هذه الوثيقة للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).

مع أخيه زيد

وانضمّ زيد إلى الثورة التي أعلنها أبو السرايا داعية محمّد بن إبراهيم الحسني، وقد قلّد زيداً ولاية الأهواز، فسار إليها ليتولى مهام منصبه، فاجتاز على البصرة،

وكانت خاضعة للحكم العبّاسي، فأحرق دور بني العبّاس، ومن أجل ذلك لُقّب بزيد النار، ولما فشلت ثورة أبي السرايا، استتر زيد فطلبه الحسن بن سهل، فظفر به، فحبسه، ولم يزل في الحبس حتّى ظفر إبراهيم شيخ المغنّين المعروف بابن شكلة فهجم البغداديون على السجن، وأخرجوا زيداً من السجن، ومضى إلى يثرب، ودعا لبيعة محمّد بن جعفر، فبعث المأمون جيشاً فقضى على الثورة، وأسر زيد وجيء به مخفوراً إلى المأمون، فقال له : يا زيد خرجت بالبصرة، وتركت أن تبدأ بدور أعدائنا من أميّة، وثقيف، وغني، وباهلة، وآل زياد، وقصدت دور بني عمّك - يعني بني العبّاس - ؟

فقال له زيد بمرح : يا أمير المؤمنين أخطأت من كلّ جهة، وإن عدت للخروج بدأت بأعدائنا.

وضحك المأمون، وبعثه إلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال له : قد وهبت لك جرمه، فأحسن أدبه (1).

ولما مثل أمام الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال له : وَيْلَكَ يا زَيْدُ، فَعَلْتَ بِالْمُسْلِمِينَ بِالْبَصْرَةِ مَا فَعَلْتَ، وَتَزْعُمُ أَنَّكَ ابْنُ فَاطِمَةَ بنتِ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وَاللّه لأَشَدُّ النَّاسِ عَلَيْكَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

يا زَيْدُ، يَنْبَغِي لِمَنْ أَخَذَ بِرَسولِ اللّه أَنْ يُعْطي بِهِ.

ولما انتهى كلام الإمام إلى المأمون بكى، وقال : هكذا ينبغي أن يكون أهل بيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) (2).


1) تنقيح المقال : 1 : 471.

2) مرآة الجنان : 2 : 13.

مع أٌخته فاطمة

وكتب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو في خراسان إلى السيّدة الزكية فاطمة المعروفة بالسيّدة معصومة أن تلحق به، فقد كانت أثيرة عنده، وعزيزة عليه، ولما انتهى الكتاب إليها تجهزت وسافرت إليه (1).

ولمّا وصلت إلى ساوه مرضت، فسألت عن المسافة بينها وبين قم، فقيل لها : عشرة فراسخ، فأمرت بحملها إلى قم، فحملت إليها، ونزلت في بيت موسى بن خزرج فأخذ بزمام ناقتها وأقدمها إلى داره، فبقيت عنده سبعة عشر يوماً، ثم انتقلت إلى حظيرة القدس، فقام موسى بتجهيزها ودفنها في أرض كانت له، وبنى على مرقدها الطاهر سقيفة من البواري إلى أن بنت عليها السيدة زينب بنت محمّد بن علي الجواد قبّة (2).

وأصبح مرقدها الطاهر من أعزّ أمكنة العباده، والمراقد المطهرة في الإسلام، كما أصبحت تلك المدينة المقدّسة جامعة من جوامع العلم، ومركزاً من مراكز الثقافة في الإسلام.

ويقول الحسن بن محمّد القمّي : «كنت عند الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال : إن اللّه حَرَماً وَهُوَ مَكَّةَ، وَلِرَسُولِهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) حَرَماً وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، وَلأميرِ الْمُؤْمِنينَ حَرَماً وَهُوَ الْكُوفَةُ، وَلَنا حَرَماً وَهُوَ قُمْ، وَسَتَدْفَنُ فِيهِ امْرَأَةٌ مِنْ وُلدى تُسمّى فَاطِمَةُ، مَنْ زارَها وَجَبَتْ لَهُ الجنّة» (3).

وقد أعلن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك قبل ولادتها.


1) جوهرة الكلام : 146.

2) حياة الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : 2 : 439.

3) تحفة العالم : 36.

صلاة العيد

وطلب المأمون من الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)لها أن يصلي بالناس صلاة العيد، ويخطب بعد الصلاة، لتطمئنّ بذلك قلوب العامّة، ويعرفوا فضله، فامتنع الإمام من إجابته وقال له : قَدْ عَلِمْتَ ما كانَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الشَّروط، وهي عدم تدخله في أي أمر من الأمور.

فقال المأمون : إنّما أريد بهذا أن يرسخ في قلوب العامّة والجند والشاكرية هذا الأمر فتطمئن قلوبهم، ويقروا لما فضلك اللّه به.

وأصرّ المأمون عليه، فاضطر إلى إجابته، ولكنّه شرط عليه أن يخرج إلى الصلاة كما كان يخرج جدّه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هو وجوده الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له المأمون : اخرج كيف شيئت، وأوعز المأمون إلى القوات المسلحة، وإلى سائر الناس باستقبال الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وخرجت الجماهير تنتظر خروج الإمام وقد غصت بهم الطرقات، وأشرفوا من أعلى منازلهم، ولما طلعت الشمس قام الإمام فاغتسل، ولبس عمامة بيضاء، وألقى طرفاً منها على صدره الشريف، وطرفاً بين كتفه، وأمر مواليه أن يصنعوا مثل صنعه، ثمّ أخذ بيده عكازة وخرج، ثم أخذ بيده عكازة وخرج بتلك الحالة التي تعنو لها الجباه، ورفع رأسه الشريف إلى السماء، فكبر أربع تكبيرات، وقد تهيأ الجيش وتزين بأحسن زينة، ثم وقف على الباب فكبر أربعاً، وقال : اللّه أَكْبَرُ عَلى ما هَدَانَا، اللّه أَكْبَرُ عَلى ما رَزَقَنا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ. الْحَمْدُ للّه عَلَى مَا أَبْلَانَا....

وضجّت الأرض بالتكبير، وماج الناس، وعلت أصواتهم بالتكبير، وتذكّروا في صورة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) صورة جدّه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) الذي طوّر الحركة الفكرية في الأرض، وتبيّن لهم زيغ أولئك الملوك الذين حكموهم بالظلم والجور.

وكان الإمام العظيم سلام اللّه عليه يمشي على قدميه، ويقف في كلّ عشر

خطوات، ويكبر اللّه تعالى أربع مرّات، وتخيّل الناس أن السماء والأرض والحيطان تجاوبه، وصارت مرو ضجّة واحدة، وبلغ المأمون ذلك فارتاع وفزع، وانبرى إليه الفضل بن سهل، فقال له : يا أمير المؤمنين، إن بلغ الرضا المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس، فالرأي أن تسأله أن يرجع.

وبعث المأمون بعض جلاوزته إلى الإمام فسأله الرجوع، فدعا لا بخفه فلبسه ورجع من دون أن يصلّي بالناس (1)، وقد أظهرت هذه البادرة روحانيّة الإمام، وزهده في الدنيا، ورفضه لمباهج الملك والسلطان، ويصف البحتري خروج الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الصلاة بهذه الكيفية بقوله :

ذكَرُوا بِطَلْعَتِكَ النبيّ فَهَللوا***لَمّا طَلَعْتَ مِنَ الصُّفوفِ وَكَبَّروا

حتى انْتَهَيْتَ إلى المُصَلّى لابساً***نُور الهدى يبدو عَلَيكَ فَيَظْهَرُ

وَمَشيتَ مَشيَةَ حَاضِعِ مُتَواضِعٍ***للّه لَا يَزهو وَلَا يَتَكَبَّرُ

وَلَو أَنَّ مُشْتاقاً تَكَلَّفَ غَيْرَ ما***في وُسْعِهِ لَمَشى إِلَيْكَ الْمِنْبَرُ (2)

ويقول الرواة : «إنّ خروج الإمام إلى الصلاة بهذه الكيفيّة كان من أهم العوامل التي أدت إلى حقد المأمون على الإمام، وإقدامه على اغتياله».

استسقاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وحبس المطر عن الناس، فعزى ذلك بعض الحاقدين على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى تولية ولاية العهد، وأخذوا يذيعون ذلك وينشرونه في الأوساط الشعبية للطعن بشخصيّة


1) أصول الكافي : 1 : 189 و 190. عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 150 و 151. المناقب : 4: 371 و 372.

2) مناقب آل أبي طالب : 4 : 372.

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبلغ المأمون ذلك، فثقل عليه، وعرض ذلك على الإمام، وطلب منه أن يدعو اللّه تعالى لينزل المطر على الناس، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إِنِّي أَفْعَلُ ذلِكَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ.

فقال له المأمون : ولم ذلك ؟

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) أتاني الْبارِحَةَ، وَمَعَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَقالَ: يا بُنَيَّ، انْتَظِرْ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، فَابْرُزْ إِلَى الصَّحْرَاءِ وَاسْتَسْقِ، فَإِنَّ اللّه تَعَالَى سَيَسْقِيهِمْ، وَأَخْبِرْهُمْ بِما يُريكَ اللّه مِمَّا لَا يَعْلَمُونَ مِنْ حالِهِمْ لِيَزْدادوا عِلْماً بِفَضْلِكَ وَمَكَانِكَ مِنْ رَبِّكَ عَزَّ وَجَلٌ (1).

وانتظر المأمون وباقي حاشيته الاثنين، وقد أوعز إلى جميع الأوساط الشعبية بالخروج إلى الصحراء يوم الاثنين، ولمّا حلّ هذا اليوم هرعت الناس إلى الصحراء، وخرج الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعليه هيبة الأنبياء، فلما انتهى إلى الصحراء نُصب له منبر وقد حفّت به الجماهير، وقد علت أصواتهم بالتهليل والتكبير.

دعاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

واعتلى الإمام المنبر، فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه، ثمّ قال :

«اللهم يا رَبِّ أَنْتَ عَظِّمْتَ حَقَّنا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَتَوَسُلوا بنا كَما أَمَرْتَ، وَأَمَّلُوا فَضْلَكَ وَرَحْمَتَكَ، وَتَوَقَّعوا إِحْسَانَكَ وَنِعْمَتَكَ، فَاسْقِهِمْ سُقْياً نافعاً غَيْرَ رايثٍ (2)، وَلَا ضائِرِ، وَلْيَكُن ابْتِداءُ مَطَرِهِمْ بَعْدَ انْصِرافِهِمْ مِنْ مَشْهَدِهِمْ هذا إلى مَنازِلِهِمْ وَمَقارِّهِمْ».

وأضاف الإمام قائلاً: فَوَالَّذِي بَعَثَ محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) بِالْحَقِّ نَبِيّاً، لَقَدْ نَسَجَتِ الرِّياحُ في الْهَواءِ الْغُيومَ، وَأَرْعَدَتْ وَأَبْرَقَتْ.


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): 1 : 179، الحديث 1.

2) غير رايث : أي غير بطئ.

ولمّا سمعت الجماهير كلام الإمام أرادت الرجوع إلى أهلها لئلا يصيبهم المطر، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَيْسَتْ هذِهِ السَّحابَةُ التي أَطَلَّتْ عَلَيْكُمْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا هِيَ لِبَلَدٍ وسمّاه لهم.

وهكذا أطّلت على الجماهير عشر سحب متوالية، ويخبر الإمام عن كلّ سحابة أنّها تهطل في بلد وسماه، وأطلّت السحابة الحادية عشر.

فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَيُّها النَّاسُ، هذِهِ سَحابَةٌ بَعَثَها اللّه عَزَّ وَجَلَّ لَكُمْ، فَاشْكُرُوا اللّه عَلى تَفَضُّلِهِ عَلَيْكُمْ، وَقُوموا إِلى مَقارَكُمْ وَمَنازِلِكُمْ، فَإِنَّها مُساقَةٌ لَكُمْ، وَلِرَؤُوسِكُمْ مُمْسِكَةٌ عَنْكُمْ إِلَى أَنْ تَدْخُلُوا إِلى مَقَارُكُمْ، ثُمَّ يَأْتيكُمْ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَليقُ بِكَرَمِ اللّه تَعَالَى وَجَلالِهِ (1).

ثم نزل من على المنبر، وسارعت الجماهير إلى بيوتها، فلما انتهت إليها هطلت السحابة بوابل من المطر لم يسبق له مثيل، فملئت الأودية والحياض والغدران والفلوات. وأيقن الناس بكرامة أهل البيت، وما لهم من المنزلة الوثيقة عند اللّه تعالى، وقالوا : هنيئاً لولد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) كرامات اللّه عزّ وجلّ لهم، وكانت هذه الكرامة من كرامات هذا الإمام العظيم.

خطاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وخطب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حفل كبير حاشد على أثر هذه الكرامة، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :

أَيُّها النّاسُ اتَّقوا اللّه في نِعَمِ اللّه عَلَيْكُمْ، فَلَا تُنْفِرُوها عَنْكُمْ بِمَعاصِيهِ، بَلِ اسْتَديموها بِطاعَتِهِ، وَشُكْرِهِ عَلى نِعَمِهِ وَأَياديهِ، وَاعْلَموا أَنَّكُمْ لَا تَشْكُرُونَ اللّه تَعالى بِشَيْءٍ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللّه، وَبَعْدَ الْإِعْتِرافِ بِحُقوقِ أَوْلِياءِ اللّه مِنْ آلِ محمّد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مُعَاوَنَتِكُمْ لإخْوانِكُمُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى دُنْيَاهُمْ الَّتِي هِيَ مَعْبَرٌ لَهُمْ


1) عيون أخبار الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 179. الخرائج و الجرائح : 2 : 658، الحديث 1.

إِلى جِنانِ رَبِّهِمْ، فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ ذلِكَ كَانَ مِنْ خَاصَّةِ اللّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَقَدْ قَالَ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) في ذلِكَ قَوْلاً مَا يَنْبَغِي لِقَائِلِ أَنْ يَزْهَدَ فِي فَضْلِ اللّه عَلَيْهِ فِيهِ إِنْ تَأَمَّلَهُ وَعَمِلَ عَلَيْهِ ؟

قيل : يا رَسولَ اللّه، هَلَكَ فُلانٌ يَعْمَلُ مِنَ الذُّنوبِ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَقالَ رَسولُ اللّه : بَلْ قَدْ نَجا، وَلَا يَخْتِمُ اللّه عَمَلَهُ إِلَّا بِالْحُسنى، وَسَيَمْحو اللّه عَنْهُ السَّيِّئاتِ وَيُبْدِّلُها حَسناتٍ، إِنَّهُ كَانَ يَمُرُّ مَرَّةٌ في طَريقِ، عَرَضَ لَهُ مُؤْمِنٌ قَدِ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، فَسَتَرَها عَلَيْهِ وَلَمْ يُخْبِرْهُ مَخافَةَ أَنْ يَخْجَلَ، ثُمَّ إِنَّ ذلِكَ الْمُؤْمِنَ عَرَفَهُ فِي مَهْواة (1)، فَقَالَ لَهُ : أَجْزَلَ اللّه لَكَ الثَّوابَ، وَأَكْرَمَ لَكَ الْمَابَ، وَلَا ناقشك في الْحِسابِ، فَاسْتَجَابَ اللّه لَهُ فيهِ، فَهَذَا الْعَبْدُ لَا يَخْتِمُ اللّه لَهُ إِلَّا بِخَيْرِ بِدُعاءِ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِ، فَاتَّصَلَ قَوْلُ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) هَذَا الرَّجُلِ فَتَابَ وَأَنَابَ، وَأَقْبَلَ عَلَى طَاعَةِ اللّه عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمْ تَأْتِ سَبْعَةُ أيّام حتّى أَغِيرَ عَلَى سَرْح (2)الْمَدِينَةِ، فَوَجَّهَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فِي إِثْرِهِمْ جَمَاعَةٌ ذلِكَ الرَّجُلُ أَحَدُهُمْ، فَاسْتُشْهِدَ» (3).

وانتهى خطاب الإمام، وقد حفل بالدعوة إلى تقوى اللّه تعالى، وإلى التعاون والتآلف بين المسلمين، واعتبر ذلك من أفضل الطاعات والقربات إلى اللّه تعالى.

عتاب وتحذير

وتحدثت الأندية والمجالس عن استسقاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهطول الأمطار الغزيرة بدعائه، وقد ورمت أنوف العبّاسيّين وعملائهم، وتميزوا غيظاً وغضباً، فقد ظهر فضل العلويّين، وما لهم من المنزلة العظيمة عند اللّه تعالى، وقد اشتد وغد خبيث


1) المهواة : المطمئنّ من الأرض ما بين جبلين.

2) السرح : المال السالم.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 180 و 181. بحار الأنوار: 49:47، الحديث 16.

كالكلب نحو المأمون، وجعل يعاتبه، ويحذّره من عقده ولاية العهد للإمام، وظهور هذه الكرامة له قائلاً: يا أمير المؤمنين، أعيذك باللّه أن تكون تأريخ الخلفاء (1)في إخراجك هذا الشرف العميم، والفخر العظيم من بيت ولد العبّاس إلى بيت ولد عليّ.

لقد أعنت على نفسك وأهلك، جئت بهذا الساحر ولد السحرة، وقد كان خاملاً فأظهرته، ومتضعاً فرفعته، ومنسيّاً فذكرت به، ومستخفياً فنوهت به، قد ملأ الدنيا مخرقة (2)وتشوّقاً بهذا المطر الوارد عند دعائه، ما أخوفني أن يخرج هذا الرجل هذا الأمر عن ولد العبّاس إلى ولد علي، بل ما أخوفني أن يتوصل بسحره إلى إزالة نعمتك، والتواثب (3)على مملكتك، هل جنى أحد على نفسه وملكه مثل جنايتك؟

وحكى هذا المنطق منطق الجاهلية الرعناء التي حكمت على الرسول الأعظم أنّه ساحر، وذلك لظهور المعاجز والآيات على يده، وكذلك حكموا على حفيده بهذا الحكم.

ولنستمع إلى جواب المأمون : قد كان هذا الرجل - يعني الإمام - مستتراً عنا، يدعو إلى نفسه، فأردنا أن نجعله ولي عهدنا، ليكون دعاؤه لنا، وليعترف بالملك والخلافة لنا، وليعتقد فيه المفتونون به أنه ليس مما ادعى في قليل ولا كثير، وأنّ هذا الأمر لنا من دونه، وقد خشينا إن تركناه على تلك الحالة أن ينفتق علينا منه ما لا نسدّه، ويأتي علينا منه ما لا نطيقه، والآن فإذ قد فعلنا به ما فعلناه، وأخطأنا


1) قوله : «أن تكون تأريخ الخلفاء» كناية عن عظيم الواقعة، وهي عقده بولاية العهد للإمام، وأنها ستكون موضع تاريخ للناس، ويحتمل أن يكون المراد أنت آخر الخلفاء.

2) المخرقة : الشعبذة.

3) وفي نسخة بحار الأنوار: «التريث».

في أمره بما أخطأنا، وأشرفنا من الهلاك بالتنويه على ما أشرفنا، فليس يجوز التهاون في أمره، ولكنّا نحتاج أن نضع منه قليلاً قليلاً، حتّى نصوّره عند الرعايا بصورة من لا يستحقّ لهذا الأمر، ثمّ ندبّر فيه بما يحسم عنا مواد بلاثه (1).

لقد كشف المأمون الغطاء عن الدوافع التي دعته لعقد ولاية العهد للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي :

أولاً : إنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يدعو الناس إلى نفسه سرّاً، وبتقليده لولاية العهد يكون دعاؤه للمأمون، ويعترف بملكه وخلافته.

ثانياً : إنّه أراد أن يُظهر للملأ أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن زاهداً في الحكم، ومبتغياً الدار الآخرة.

وقد اعترف أخيراً بالخطأ في ترشيحه لهذا المنصب، وانتدابه للقيام بالاستسقاء وغيره، التي ظهرت روحانيته، وعظيم مكانته عند اللّه، ولكنه سوف يبغي له الغوائل، ويكيده حتّى يقضي عليه.

خشية المأمون من الإمام

وخشي المأمون من الإمام، وفزع من التفاف الجماهير حوله، وخاف على ملكه من الزوال، فقد استبان للناس فضل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وروحانيّته، وأنه هو القادر على أن يبسط العدل السياسي والاجتماعي في ربوعهم، وأن بني العبّاس لا لائقة لهم الزعامة الأمة والتحكم في سلطان المسلمين.

قرارات هامّة

وأخذ المأمون يطيل التفكير، ويقلب الرأي على وجوهه مع مستشاريه للتخلّص


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2: 199 و 170.

من الإمام، فاتّخذ من القرارات ما يلي :

أولاً : عقد المؤتمرات العلميّة التي تضم كبار علماء الدنيا لامتحان الإمام، لعله يعجز عن الإجابة، فيتخذ من ذلك وسيلة للطعن في شخصية الإمام، وإبطال مذهب التشيّع الذي ينص على أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بد أن يكون أعلم أهل عصره، كما أنه إذا عجز الإمام فإنّه يكون في فسحة من عزله عن ولاية العهد.

وقد فشلت هذه الخطّة فشلاً ذريعاً، فقد حلّق وارتفع صيته، وأقرت جميع الوفود العلميّة التي سألته بأنه يملك طاقات هائلة من العلوم لا تحد، وأنّه فوق العلماء في مواهبه وعبقرياته، الأمر الذي أوجب أن يقر بإمامته طائفة من كبار العلماء الذين امتحنوه.

ثانياً : فرض الرقابة عليه، وإحاطته بقوى مكثفة من الأمن تحصي عليه أنفاسه، وقد أسندت مديرية الرقابة التي تشرف عليه إلى هشام بن إبراهيم الراشدي الهمداني، وكان إبراهيم فيما يقول الرواة عالماً أديباً، وكانت أمور الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل أن يُحمل إلى خراسان تجري من عنده وعلى يده، كما أنّ الأموال التي كانت ترسل إلى الإمام كانت تبعث على يده.

ولمّا حُمل الإمام إلى خراسان اتصل إبراهيم بذي الرئاستين فأغراه بالمنصب والأموال، فتغلب هواه على دينه، فانحرف عن الحق، فصار عيناً على الإمام، فجعل ينقل جميع أخباره وشؤونه إلى الفضل وإلى المأمون، وقد أسند إليه المأمون حجابة الرضا، فكان لا يصل إليه إلا من أحبّ، وضيّق على الإمام غاية التضييق، وكان لا يتكلّم بشيء قل أو كثر إلا أورده على المأمون وعلى وزيره الفضل(1)وبذلك فقد سيطر المأمون على جميع شؤون الإمام، وعرف جميع من يتّصل به.

ثالثاً: طرد الشيعة من الحضور في مجالس الإمام والاستماع إلى حديثه،


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 153.

وقد عهد المأمون للقيام بذلك إلى حاجبه محمّد بن عمرو الطوسي، فطرد الشيعة، وزيرهم من الالتقاء بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد قابل المأمون الإمام بشراسة فغضب (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقام فصلى ركعتين، وقال في قنوته :

اللهم يا ذا الْقُدْرَةِ الْجامِعَةِ، وَالرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، وَالْمِئَنِ المُتَنابِعَةِ، وَالْآلَاءِ الْمُتَوالِيَةِ، وَالْأَيادي الْجَمِيلَةِ، وَالْمَواهِبِ الْجَزِيلَةِ.

يا مَن لَا يوصَفُ بِتَمْشِيلٍ، وَلَا يُمَثَلُ بِنَظير، يا مَنْ خَلَقَ فَرَزَقَ، وَأَلْهَمَ فَأَنْطَقَ، وَابْتَدَعَ فَشَرَعَ، وَعَلا فَارْتَفَعَ، وَقَدَّرَ فَأَحْسَنَ، وَصَوَّرَ فَأَتْقَنَ، وَاحْتَجَّ فَأَبْلَغَ، وَأَنْعَمَ فَأَسْبَغَ، وَأَعْطَى فَأَجْزَلَ، يَا مَنْ سَمَا فِي الْعِزَّ فَفَاتَ خَواطِفَ الْأَبْصارِ، وَدَنَا فِي اللُّطْفِ فَجازَ هَواجِسَ الْأَفْكَارِ.

يا مَنْ تَفَرَّدَ بِالْمُلْكِ فَلَا نِدَّ لَهُ فِي مَلَكُوتِ سُلْطَانِهِ، وَتَوَحَّدَ بِالْكِبْرِياءِ فَلا ضِدَّ لَهُ فِي جَبَرُوتِ شَأْنِهِ.

يا مَنْ حارَتْ فِي كِبْرِياءِ هَيْبَتِهِ دَفَائِقُ لَطَائِفِ الْأَوْهَامِ، وَحَسَرَتْ دونَ إِدْراكِ عَظَمَتِهِ خَطَائِفُ أَبْصَارِ الْأَنامِ.

یا عالِمَ خَطَراتِ قُلوبِ الْعارِفينَ، وَشَاهِدَ لَحَظَاتِ أَبْصَارِ النَّاظِرِينَ، يا مَنْ عَنَتِ الوجوهُ لِهَيْبَتِهِ، وَخَضَعَتِ الرِّقابُ لِجَلالَتِهِ، وَوَجِلَتِ الْقُلوبُ مِنْ خِيفَتِهِ، وَارْتَعَدَتِ الْفَرائِصُ مِنْ فَرَقِهِ، يَا بَدِيءُ يا بَديعُ، يا قَوِيٌّ يا مَنيعُ، يا عَلِيُّ يَا رَفيعُ.

صَلِّ عَلَى مَنْ شَرَّفْتَ الصَّلاةَ بِالصَّلاةَ عَلَيْهِ، وَانْتَقِمْ لِي مِمَّنْ ظَلَمَني،

وَاسْتَخَفَّ بي، وَطَرَدَ الشَّيْعَةَ عَنْ بابي، وَأَذِقْهُ مَرَارَةَ الذُّلُّ وَالْهَوانِ كَما أَذاقَنِيها، وَاجْعَلْهُ طَريدَ الْأَرْجَاسِ، وَشَرِيدَ الْأَنْجَاسِ» (1).

واستجاب اللّه دعاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد ثارت الغوغاء على المأمون حتّى كادت أن تقضي عليه ولاقى من الرعب والهوان ما لا يوصف.

وقام المأمون مرّة أخرى بطرد الشيعة، وحاول النكاية بالإمام، فلمّا علم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك قام فاغتسل وصلى ركعتين ودعا في قنوته بهذا الدعاء :

اللهُمَّ أَنْتَ اللّه الْحَيُّ الْقَيُّومُ، الْخالِقُ، الرّازِقُ، الْمُحْيِي، المُميتُ، الْبَدِيءُ، الْبَديعُ، لَكَ الْكَرَمُ وَلَكَ الْحَمْدُ، وَلَكَ الْمَنُّ وَلَكَ الْأَمْرُ، وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، يا واحِدُ، يا أَحَدُ، يا فَرْدُ یا صَمَدُ، يَا مَنْ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، صَلِّ عَلى محمّد وَآلِ محمّد...».

ثم دعا بصرف ما أهمّه، فكشف عنه كيد المأمون ويغيه (2).

عدم محاباة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للمأمون

ولم يجار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المأمون ولم يصانعه، وإنّما وقف منه موقفاً يتسم بالجد والصراحة، والنقد اللاذع لبعض أعماله، وكان المأمون يتميّز غيظاً ويكتم ذلك، مجاراة للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان من بين مواقفه مع المأمون ما يلي :

1 - إنّ المأمون لما عرض الخلافة على الإمام، وقال له : إني رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك، وأبايعك.


1) عيون أخبار الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2: 172 و 173.

2) هامش المصباح : 293.

وانظروا إلى صراحة الإمام في جوابه.

قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنْ كانَتْ هَذِهِ الْخِلافَةُ لَكَ وَاللّه جَعَلَها لَكَ، فَلَا يَجوزُ أَنْ تَخْلَعَ لِباساً أَلْبَسَكَهُ اللّه وَتَجْعَلَهُ لِغَيْرِكَ، وَإِنْ كَانَتِ الْخِلافَةُ لَيْسَتْ لَكَ فَلَا يَجوزُ أَنْ تَجْعَلَ لِي مَا لَيْسَ لك» (1).

أرأيتم هذا المنطق الفياض، والحجّة الدامغة الحافلة بالحق والصدق، وقد فقد المأمون صوابه، فلم يدر ماذا يقول فالتجأ إلى الصمت والسكوت.

2 - ولمّا امتنع الإمام عليه من قبول الخلافة عرض عليه المأمون ولاية العهد. فأجابه بهذا الجواب الحاسم قائلاً:

«تُريدُ بِذلِكَ - أي بتقليدي لولاية العهد - أَنْ يَقولَ النَّاسُ : إِنَّ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرّضا لَمْ يَزْهَدْ فِي الدُّنْيا بَلْ زَهِدَتِ الدُّنْيا فِيهِ، أَلَا تَرَوْنَ كَيْفَ قَبِلَ وِلايَةَ الْعَهْدِ ؟».

والتاع المأمون، وورم أنفه، وصاح بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً: «إنّك تتلقّاني أبداً بما أكرهه، وقد أمنت سطوتي، فباللّه أقسم لئن قبلت ولاية العهد، وإلا أجبرتك على ذلك، فإن فعلت وإلا ضربت عنقك» (2).

إنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جميع خطواته وأعماله قد آثر رضی اللّه تعالى، فلم يحاب أحداً، ولم يصانع مخلوقاً، ولو صانع المأمون وتقرب إليه وأرضى عواطفه لما قدم المأمون على اغتياله وقتله.

3 - وكان من صراحة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) و عدم محاباته للمأمون أن المأمون قال له : يا أبا الحسن، إنّي فكرت في شيء فنتج لي الفكر الصواب فيه، فكرت في أمرنا وأمركم، ونسبنا ونسبكم، فوجدت الفضيلة فيه واحدة، ورأيت اختلاف شيعتنا في


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 139.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 140.

ذلك محمولاً على الهوى والعصبية.

فقال له الإمام : إِنَّ لَهَذَا الْكَلامِ جواباً، إِنْ شِئْتَ ذَكَرْتُهُ لَكَ، وَإِنْ شِئْتَ أَمْسَكْتُ.

وسارع المأمون قائلاً: إنّي لم أقله إلّا لأعلم ما عندك منه.

وانبرى يقيم له الحجّة على أنّ العلويّين أحق بالنبي، وأقرب إليه من العبّاسيّين قائلاً : انْشُدِك اللّه يا أميرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَنَّ اللّه تَعَالَى بَعَثَ نَبِيَّهُ محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فَخَرَجَ عَلَيْنا مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ مِنْ هذِهِ الأَكامِ يَخْطُبُ إِلَيْكَ ابْنَتَكَ كُنْتَ مُزَوِّجُهُ إِيَّاها ؟

فقال المأمون : يا سبحان اللّه ! وهل أحد يرغب عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

وبادر الإمام الرضا قائلاً: أَفَتَرَاهُ كَانَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَخْطُبَ إِلَيَّ ؟

وأفحم المأمون ولم يجد منفذاً يسلك فيه لتبرير قربهم من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، فقد أقام الإمام حجّة دامغة لا مجال لإنكارها والشك فيها، فهم أبناء بنته البضعة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها، وأبناؤها أبناؤه، وراح المأمون يقول : أنتم واللّه أمس برسول اللّه رحماً (1).

وليس استحقاق أهل البيت للخلافة باعتبار أنهم ألصق الناس برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) وأقربهم إليه، وإنّما لمواهبهم وعبقرياتهم ودراياتهم بما تحتاج إليه الأمة في جميع مجالاتها الإداريّة والاقتصاديّة.

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرفض تعيين الولاة

وعرض المأمون على الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعيين من يشاء ويختار ليكون والياً على بعض الأقاليم الإسلاميّة، ورفض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الاستجابة لهذا الطلب، وقال له : إِنِّي إِنَّما دَخَلْتُ فيما دَخَلْتُ عَلى أَنْ لَا أَمُرَ وَلَا أَنْهى، وَلَا أَعْزِلَ وَلَا أشيرَ، حتّى يُقَدِّ مَني اللّه


1) کنز الفوائد : 166.

قَبْلَكَ، فَوَاللّه إِنَّ الْخِلافَةَ لَشَيْءٌ مَا حَدَّثْتُ بِهِ نَفْسي، وَلَقَدْ كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ أَتَرَدَّدُ في طرْقِها عَلى دابتي، وَأَنَّ أَهْلَها وَغَيْرَهُمْ يَسْأَلونى الحَوائِجَ فَأَقْضيها لَهُمْ، فَيَصيرونَ كَالأَعْمَامِ لي، وَأَنَّ كتبي لَنَافِذَةٌ فِي الْأَبْصارِ، وَما زِدْتَنِي مِنْ نِعْمَةٍ هِيَ عَلَيَّ مِنْ رَبِّي» (1).

لقد رفض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) رفضاً تاماً التدخل في أي شأن من شؤون الدولة، وذلك للتدليل على عدم شرعيّة دولة المأمون، وأنّه إنّما دخل فيها عن كره وإجبار.

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخبر بعدم دخوله بغداد

وقال المأمون للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ندخل بغداد، وعرض عليه ما يفعله فيها، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : تَدْخُلُ أَنْتَ بَغداد، وسمع بعض الشيعة هذا الكلام ففزع لأنه يؤذن بعدم دخول الإمام إلى بغداد، واختلى بالإمام وقال له : إني سمعت شيئاً غمّني، وذكر له ما قاله الإمام.

فقال له : ما أَنا وَبَعْدادُ، لَا أَرى بَعْدادَ وَلَا تَراني» (2).

وكان ذلك من دلائل إمامته، فإنّه لم يفارق خراسان حتّى اغتاله المأمون، ولم ير بغداد.

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) والفضل بن سهل

إشارة:

أمّا الفضل بن سهل (3)

أسلم على يد المأمون سنة (190هـ)، وكان من أخبر الناس بعلم النجوم، وقد طلب المأمون من والدة الفضل أن ترسل إليه بما خلفه ابنها، فأرسلت إليه صندوقاً صغيراً مختوماً ففضه، فإذا فيه درج، وفي الدرج رقعة من حرير مكتوب فيها بخطه بعد البسملة : «هذا ما قضى الفضل بن سهل على نفسه، قضى أنّه يعيش 48 سنة ثم يقتل ما بین ماء ونار»، وقد عاش هذه المدّة، ثمّ قتله غالب خال المأمون بسرخس، ومن بديع ما قاله إبراهيم بن العبّاس الصولي في مدحه :

لِفَضلِ بْنِ سَهْلٍ يَدٌ***تَقاصَرَ عَنْهَا المَثَلُ

فَنائِلُها لِلغنى***وَسَطوَتُها لِلأَجَلْ

وَباطِنُها لِلنَّدى***وظاهِرُها لِلْقُبَلْ

ويقول في مدحه أبو محمّد عبداللّه بن محمّد:

لعمرك ما الأَشراف فى كلّ بَلدَةٍ***وَإِنْ عَظموا لِلفَضْل إلَّا صَنائِعُ

تَرى عُظَمَاءَ النَّاسِ لِلفَضْلِ خُشعاً***إِذا ما بَدا وَالفَضْلُ للّه خَاشِعُ

تواضع لَمّا زادَهُ اللّه رِفْعَةً ***وَكُلُّ جَليلٍ عِندَهُ مُتَواضِعُ و

أصيب الفضل بابن يقال له العبّاس، فجزع عليه جزعاً شديداً، فدخل عليه إبراهيم نجل الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فعزّاه وأنشده :

خَيْرٌ مِنَ العبّاس أَجْرُكَ بَعدَهُ***وَاللّه خَيْرٌ مِنكَ لِلعبّاس

فقال له الفضل : صدقت، جاء ذلك في وفيات الأعيان : 3: 209 - 211.

فهو أقوى شخصيّة في دولة المأمون، ويتمتّع بصلاحيّات

1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 166 و 167.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 224 و 225.

3) الفضل بن سهل السرخسي :

من

واسعة النطاق، فقد سيطر على جميع أجهزة الدولة، فكان دوره في حكومة المأمون كدور البرامكة أيّام هارون الرشيد، وكان ماهراً في الشؤون السياسيّة، ويقول فيه إبراهيم بن العبّاس :

وَإِذا الحُروبُ غَلَتْ بَعَثَتَ لَها***رَأْياً تَفِلُ بِهِ كَتَائْبَها

رَأْياً إِذا نَبَتِ السُّيوفُ مَضى***عَزْمُ بِهِ فَشَفى مضارتها

أَجْرىٰ إِلَى فِئَةٍ بِدَوْلَتِها***وَأَقامَ في أُخْرى نَوادِبَها (1)

وحكى هذا الشعر عن مهارة الفضل في الشؤون السياسيّة، وأنّه برأيه يستطيع أن


1) الأغاني : 9 : 31 و 32.

يقضي على دولة ويقيم أخرى، كما فعل في إسقاط دولة الأمين، وإقامة دولة المأمون.

وعلى أي حال، فقد كان الفضل أحد المفاوضين للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قبوله لولاية العهد، وقد هدّد الإمام وتوعده إن رفض ذلك، ونعرض فيما يلي إلى بعض شؤون الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) معه.

عرض كاذب لاغتيال المأمون

وقام الفضل بن سهل وهشام بن إبراهيم بعملية لخداع الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) والقضاء عليه، فقد طلبا منه أن يخلي مجلسه من كلّ أحد، ليفوّضاه في سرّ، وأخلى الإمام مجلسه، فأخرج الفضل يميناً مكتوبة بالعتق والطلاق، وما لا كفارة له، وقالا له : إنّما جئناك لنقول كلمة الحق والصدق، وقد علمنا أنّ الإمرة إمرتكم، والحق حقكم یابن رسول اللّه، والذي نقوله بألسنتنا عليه ضمائرنا، وإلا ينعتق ما نملك، والنساء طوالق، وعلينا ثلاثون حجّة راجلين على أن نقتل المأمون، ونخلص لك الأمر، حتّى يرجع الحقّ إليك.

ولم يخف على الامام خداعهما، وزيف قولهما، فلو كانا صادقين في القول لقاما بذلك قبل أن يفاوضا الإمام، وهما يعلمان أنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرفض كلّ محاولة لا يقرّها الإسلام، والتي منها عملية الاغتيال، فزجرهما، وقال لهما : كَفَرْتُما النِّعْمَةَ، فَلَا تَكونُ لَكُما السَّلامَةُ، وَلَا لِي إِنْ رَضِيتُ بِمَا قُلْتُما.

وبادرا نحو المأمون فأخبراه بمقالة الإمام، فجزاهما خيراً، وسارع الإمام نحو المأمون، وأعلمه بالأمر، وذلك لتبرير ساحته، وتبين للمأمون أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يضمر له سوءاً (1). وأكبر الظنّ أنّ هذه العملية كانت بتدبير من المأمون للاطلاع على نوايا


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 167.

الإمام تجاهه.

وشايته بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وعرضت البحوث الواعية في دراسة التاريخ الإسلامي إلى أن الفضل بن سهل لم يكن علوي الفكر (1)، فقد قام بخطوات رهيبة معادية للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والتي كان منها وشايته بالإمام إلى المأمون، فقد قال له : إنّك جعلت ولاية العهد لأبي الحسن، وأخرجتها من بني أبيك والعامّة، والعلماء والفقهاء وآل عبّاس لا يرضون بذلك وقلوبهم متنافرة عنك (2).

أرأيتم كيف حرّض الفضل على النكاية بالإمام والوشاية به، فقد ملأ قلب المأمون حقداً وكراهية للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).

معارضته للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وكان الفضل شديد المعارضة للإمام، فإذا ذهب الإمام إلى رأي عاكسه، ودعا المأمون إلى نقضه، وكان ذلك ما نقله الرواة أن المأمون دخل على الإمام وقرأ عليه كتاباً فيه أنّ بعض قواته فتحت بعض قرى کابل.

فقال له الإمام : أو سَرَّكَ فَتْحُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الشِّرْكِ ؟

وسارع المأمون قائلاً: أوليس في ذلك سرور ؟

والتفت إليه فأرشده إلى موضع السرور الذي ينبغي أن يسلكه قائلاً: يا أمير


1) يراجع في ذلك كتاب الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) للسيد جعفر مرتضى، فقد نفى عن الفضل نسبة التشيّع بصورة جازمة خلافاً لما ذهب إليه ابن خلكان في وفيات الأعيان : 3: 209 وغيره من أنّه كان شيعياً.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 160.

الْمُؤْمِنِينَ، اتَّقِ اللّه فِي أُمَّةِ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، وَما وَلَاكَ اللّه مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَخَصَّكَ بِهِ، فَإِنَّكَ قَدْ ضَيَّعْتَ أمورَ الْمُسْلِمِينَ، وَفَوَّضْتَ ذلِك إِلى غَيْرِكَ يَحْكُم فيهِمْ بِغَيْرِ حُكم اللّه، وَقَعَدْتَ فى هذِهِ الْبِلادِ - يعنى خراسان - وَتَرَكْتَ بَيْتَ الهِجْرَةِ، وَمَهْبِطَ الْوَحْى، وَإِنَّ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصارَ يُظْلَمُونَ دونَكَ، وَلَا يَرْقُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَا ذِمَّةٌ، وَيَأْتي عَلَى الْمَظْلُوم دَهْرٌ يُنْعِبُ فِيهِ نَفْسَهُ، وَيَعْجَرُ عَنْ نَفَقَتِهِ، وَلَا يَجِدُ مَنْ يَشْكُو إِلَيْهِ حالَهُ وَلَا يَصِلُ إِلَيْكَ.

فَاتَّقِ اللّه يا أميرَ الْمُؤْمِنِينَ في أمورِ الْمُسْلِمِينَ، وَارْجِعْ إِلى بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وَمَعْدِنِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، أَما عَلِمْتَ أَنَّ واليَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُ الْعَمودث في وَسَطِ الْقِسْطاطِ، مَنْ أَرادَهُ أَخَذَهُ ؟

وحكت هذه الكلمات الصراحة والنصيحة الخالصة، وليس فيها أي محاباة للمأمون ولا مجاراة لعواطفه وميوله، والتفت إلى الإمام فقال له يا سيدي فما ترى ؟

وأشار الإمام عليه بالحق الذي فيه نجاته قائلاً: أَرى أَنْ تَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الْبِلادِ، وَ تَتَحَوَّلَ إِلَى مَوْضِع آبائِكَ وَأَجْدَادِكَ، وَتَنْظُرَ فِي أُمورِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى غَيْرِكَ، فَإِنَّ اللّه تَعالى سائِلُكَ عَمّا وَلاكَ (1).

واستجاب المأمون لرأي الإمام وقال له : نعم ما قلت يا سيدي، هذا هو الرأي.

وأمر أن تقدّم النوائب (2)للخروج إلى يثرب، وبلغ ذلك الفضل فغمّه الأمر، وسارع نحو المأمون فقال له : ما هذا الرأي الذي أمرت به ؟


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 170 و 171، الحديث 24. بحار الأنوار: 49 : 164 و 165، الحديث 5.

2) النوائب : هي الجيوش والعساكر المعدة للنوائب.

و عرض المأمون بما أشار عليه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من اتّخاذ المدينة المنوّرة عاصمة للملك، وانبرى الفضل يفنّد هذه الفكرة، ويشير عليه بعكس ما أشار عليه الإمام قائلاً: يا أمير المؤمنين، ما هذا الصواب، قتلت بالأمس أخاك، وأزلت الخلافة عنه، وينو أبيك معادون لك، وجميع أهل العراق وأهل بيتك والعرب، ثمّ أحدثت هذا الحدث الثاني، إنك وليت ولاية العهد لأبي الحسن، وأخرجتها من بنی أبيك والعامّة والفقهاء والعلماء وآل العبّاس لا يرضون بذلك وقلوبهم متنافرة عنك.

فالرأي أن تقيم بخراسان حتّى تسكن قلوب الناس على هذا، ويتناسون ما كان من أمر محمّد أخيك، وهاهنا مشايخ قد خدموا الرشيد، وعرفوا الأمر فاستشرهم في ذلك، فإن أشاروا بذلك فامضه.

فقال المأمون : من هم ؟

فقال الفضل : مثل عليّ بن أبي عمران، وأبي يونس، والجلودي - وهؤلاء الذين نقموا بيعة أبي الحسن ولم يرضوا بها -.

وأخيراً استجاب المأمون لرأي الفضل، وأعرض عمّا أشار عليه الإمام من اتخاذ يثرب عاصمة للملك (1).


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 160.

إلى جنَّة المأوى

إشارة:

ولم يمض قليل من الوقت على تقلد الإمام الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) لولاية العهد حتّى تنكّر له المأمون كأشدّ ما يكون التنكّر، وأضمر له السوء والغدر، وأخذ يبغي له الغوائل، ويكيده في غلس الليل وفي وضح النهار، ففرض عليه الرقابة الشديدة، وحبسه في بيته، ومنع العلماء والفقهاء من الاتصال به، والانتهال من نمير علومه، كما منع سواد شيعته من التشرّف بمقابلته.

وقد ورم أنف المأمون، وتميّز غضباً وغيظاً بما يتمتع به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المكانة العظمى في نفوس المسلمين، وقد ترسخت وازدادت حينما أسندت إليه ولاية العهد، فقد رأوا ترسله، وعدم تكلّفه، وبعده عن مغريات الحياة، وزهده في الدنيا، و مشاركته للناس في آلامهم، وحنوه على الضعفاء، وعطفه على البؤساء، وسعة علومه، وإحاطته بما تحتاج إليه الأمة في جميع شؤونها، وشدة إنابته إلى اللّه تعالى، وتقواه، إلى غير ذلك من معالي أخلاقه التي يحار الفكر فيها، والتي هي امتداد ذاتي إلى أخلاق جدّه الرسول $ الذي طوّر الحياة، وقضى على جميع التخلّف والانحراف في دنيا العرب والمسلمين.

رأى الناس الأخلاق العلوية الماثلة في الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهاموا بحبّه، وآمنوا بإمامته في حين أن المأمون وسائر ملوك بني العبّاس قد اتصفوا بضد ما اتصف به الإمام، فإنّهم من حين أن تقلدوا الخلافة لم يؤثر عن أي أحد منهم مكرمة أو فضيلة، فقد انسابوا وراء شهواتهم وملاذهم، وأنفقوا الملايين من أموال المسلمين

على لياليهم الحمراء.

ورحم اللّه أبا فراس الحمداني الشاعر الملهم، والثائر على الظلم والجور، فقد قارن في رائعته الخالدة بين الحياة الرفيعة التي عاشها السادة العلويّون، وبين الحياة الوضيعة المليئة بالإثم والمنكرات التي عاشها العبّاسيون. يقول :

تنشى الثَّلاوَةُ فِي أَبِياتِهِمْ سَحَراً***وفي بُيوتِكُمُ الأَوْتارُ وَالنُّغَمُ

منكُمْ عُليّةُ أَمْ مِنْهُمْ وَكانَ لَكُمْ***شَيخُ المُغَنِّينَ إبراهيمُ أَمْ لَهُمْ (1)

إذا تَلُوا سورَةٌ غَنّى إِمَامُكُمْ***قِفْ بِالطُّلولِ الَّتي لَمْ يَعْفِها القِدَمُ

ما في بُيوتِهِمْ لِلخَمرِ مُعتَصَرٌ***وَلَا بُيوتِكُمْ لِلسُّوءِ مُعتَصَمُ

وَلَا تَبيتُ لَهُم خُنْثَىٰ تُنادِمُهُمْ***وَلَا يُرى لَهُمْ قِرْدٌ وَلَا حَشَمُ (2)

الرُّكنُ وَالبَيْتُ وَالأَسْتارُ مَنزِلُهُمْ***وزمزم والصفا والحِجْرُ والحَرَمُ (3)

إن سيرة العلويّين مشرقة كالشمس بنور الإيمان، وسيرة خصومهم العبّاسيّين مظلمة قاتمة لا بصيص فيها بنور الإيمان، وهدي الإسلام.

وعلى أي حال، فقد جهد المأمون أن يظهر للمجتمع الإسلامي عدم زهد الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تقليده لولاية العهد، إلا أنّه باء بالفشل، فقد ظهر الإمام عليه كالمع شخصيّة عرفها العالم الإسلامي في تقواه وورعه، وإقباله على طاعة اللّه وعبادته، وعدم اشتراكه بأي منحى من المناحي السياسيّة.

ومهما يكن الأمر، فإنّ هذا البحث هو الفصل الأخير من هذا الكتاب، ونعرض فيه إلى الشؤون الأخيرة من حياة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفيما يلي ذلك :


1) عُليَّة : بنت المهدي بن المنصور كانت عوّادة، وإبراهيم أخوها كان مغنّياً وعوّاداً.

2) الخنثى : هو عبادة نديم المتوكّل. والقرد كان لزبيدة.

3) أعيان الشيعة : 4 342. الغدير : 3 : 402.

نصيحة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للمأمون

وقدم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) نصيحة خالصة للمأمون، نقيّة من كثير من المشاكل السياسيّة، فقد أشار عليه أن يعفيه من ولاية العهد ويعفي الفضل بن سهل من الوزارة، وبذلك يتخلّص من كيد العبّاسيّين وبغيهم عليه (1)، إلّا أنّ المأمون لم يعفهما، وإنّما قام باغتيالهما كما سنعرض ذلك.

عزم المأمون على الرجوع إلى بغداد

وأخذ المأمون يطيل التفكير، ويقلب الرأي على وجوهه في الرجوع إلى بغداد عاصمة آبائه، وزينة الشرق، ولكن يصدّه عن تحقيق هذه الأمنية الغالية أمران :

الأوّل : وجود الإمام علي بن موسى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولي عهده الذي تحقد عليه الأسرة العبّاسيّة كأشدّ ما يكون الحقد، فقد خلعت بيعة المأمون، وبايعت ابن شكلة شيخ المغنّين انتقاماً منه لتقليده ولاية العهد للإمام.

الثاني : وجود وزيره الفضل بن سهل على المسرح السياسي، فقد نقم عليه العبّاسيون، معتقدين أنه هو الذي حبّذ للمأمون عقد ولاية العهد للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).

ورأى المأمون أن يتخلّص من الإمام والفضل، ويصفّيهما جسدياً ليخلو له الجوّ، وينال بذلك رضى العبّاسيّين، ويزيل عنه سخطهم وانتقامهم، وهذا ما سنعرضه.

حمّام سرخس

ورأى المأمون أن يتخلّص من الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومن الفضل بن سهل دفعة واحدة حتّى تخلص له الأسرة العبّاسيّة، فأوزع إلى عصابة مجرمة من عملائه القيام باغتيال


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 145.

الإمام والفضل في حمّام سرخس، وطلب منهما الدخول في الحمام في وقت واحد، ويكون هو معهما، وذلك لتغطية الأمر، وعدم انكشافه لأي أحد، وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقظاً حسّاساً، فلم تخف عليه هذه المكيدة، فرفض إجابته، فكتب المأمون إليه ثانياً يلتمسه ويترجاه.

فأجابه الإمام : لَسْتُ بِداخِلِ غَداً الْحَمامَ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) فِي الْمَنامِ في هذِهِ اللَّيْلَةِ يَقولُ لي: يا عَلِيُّ، لَا تَدْخُلِ الْحَمَامَ غَداً، فَلَا أَرى لَكَ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا لِلْفَضْلِ أَنْ تَدْخُلَا الْحَمَامَ غَداً.

فأجابه المأمون : صدقت يا سيدي، وصدق رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) لست بداخل الحمام غداً، والفضل فهو أعلم وما يفعله. وتتّضح مكيدة المأمون بالنسبة إلى الفضل فقد خلاه وشأنه ليلاقي مصرعه على أيدي عصابته.

مصرع الفضل

وبادر الفضل إلى الحمام، فحينما دخل فيه تناهبت جسمه سيوف العصابة، فخر على الأرض صريعاً يتخبّط بدمه، وما هي إلا لحظات وإذا به جثة هامدة لا حراك فيها، وبذلك فقد حقق المأمون شطراً من مهمّته.

وحينما قتل الفضل سارع أصحابه نحو المأمون ليأخذوا الثأر منه، فقد علموا أنه هو الذي أوعز بقتله، وبادر حرّاس قصر المأمون إلى غلق أبوابه خوفاً من هجوم الثوار على المأمون، إلا أن الثوار حملوا أقبسة من النار لحرق أبواب القصر، ولما علم المأمون بذلك فزع، والتجأ إلى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاحتمى به، ونجا المأمون ببركة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).

أمّا الذين قتلوا الفضل فكانوا خمسة أشخاص من حاشية المأمون، كان من بينهم


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 164.

غالب خاله، وقد قبضت عليهم الشرطة، وجاءت بهم إلى المأمون، فقالوا له : أنت أمرتنا بقتله.

فقال لهم : أنا أقتلكم بإقراركم، وأما ما ادعيتموه من أنّي أمرتكم بذلك فدعوى ليس لها بيّنة، ثمّ أمر بهم، فضربت أعناقهم، وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل، وأظهر عليه الحزن الكاذب (1).

اغتيال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وقام المأمون باغتيال إمام المسلمين، سبط الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فدس له سمّاً قاتلاً في العنب، أو الرمان، كما سنذكره، وبذلك فقد قضى المأمون على ألمع شخصيّة، كانت مصدر الوعي والفكر في دنيا الإسلام.

أقوال شاذّة

إشارة:

وحاول بعض المؤرّخين تنزيه المأمون من اقتراف هذه الجريمة النكراء، وأنه لم يقدر على اغتيال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهذه بعض أقوالهم :

1 - موته (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتف أنفه

ذهب ابن خلدون إلى أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مات حتف أنفه فجأة على أثر عنب أكله (2)، وكذا ذهب غيره إلى هذا القول (3).


1) تاریخ ابن خلدون : 3: 249. الكامل في التاريخ : 5 : 191، حكيا ذلك قولاً، الآداب السلطانية، والدول الإسلاميّة : 218 بحر الأنساب : 28.

2) تاریخ ابن خلدون : 3: 250.

3) الكامل في التاريخ : 5: 150 تاريخ الأمم والملوك : 11 : 1030. تاريخ أبو الفداء : 2 : 23. وفيات الأعيان : 3 : 77.

2 - اغتيال العبّاسيّين للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

قال ابن الجوزي: «لمّا رأى العبّاسيّون أنّ الخلافة قد خرجت من أيديهم إلى أولاد عليّ بن أبي طالب سمّوا علي بن موسى الرضا، فتوفّي في قرية من قرى طوس يقال لها سناباد... وقد زعم قوم أنّ المأمون سمّه، وليس كما ذكر، فإنّ المأمون حزن عليه حزناً لم يحزنه على أحد، وكتب إلى الآفاق يعزّونه» (1).

3 - استشهاده (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالسمّ

وذكر فريق من المؤرخين أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) توفّي مسموماً (2)، ولم يذكروا غير ذلك هذه بعض الأقوال التي ذكرت وهي شاذة لا نصيب لها من الواقع، فإن من المقطوع به هو أنّ المأمون هو الذي اغتال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأسرة العبّاسية ولا غيرها، ولم يمت الإمام حتف أنفه، لقد قدم المأمون على اقتراف هذ الجريمة للتخلّص من الإمام الذي شاع ذكره في جميع أنحاء العالم الإسلامي، فقد ظهرت للعيان دلائل إمامته، وهام المسلمون بحبّه، وذلك لما يتمتّع به من معالي الأخلاق، وسموّ الآداب، والإقبال على اللّه، والزهد في الدنيا، وغير ذلك من صفاته العظيمة في حين أنّ المأمون وسائر ملوك بني العبّاس كانوا خالين من كلّ نزعة كريمة وصفة رفيعة.

وعلى أي حال، فقد أجمع معظم المؤرّخين والرواة على أن المأمون هو الذي دسّ السم إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) غيره، فقد اغتال بهذه الطريقة كوكبة من أعلام عصره خاف منهم (3).


1) تذكرة الخواص : 364.

2) بحار الأنوار: 49: 311.

3) ذكرنا أسماء الذين اغتالهم المأمون في البحوث السابقة.

إلى جنة المأوى

وامتحن الإمام امتحاناً عسيراً في تقلده لولاية العهد، فقد ضيّق عليه المأمون غاية التضييق، ففرض عليه الرقابة الشديدة، وأحاطه بقوى مكثّفة من الأمن، وقد سئم الإمام من الحياة، وراح يدعو اللّه تعالى أن ينقله من دار الدنيا إلى دار الخلود، قائلاً: اللهمَّ إِنْ كانَ فَرَجي مِمَّا أنا فيهِ بِالْمَوْتِ، فَعَجِّلْ لِي السَّاعَةَ (1).

واستجاب اللّه دعاء وليّه العظيم فنقله من دار الدنيا المحفوفة بالمكاره والآلام إلى دار الحق، ونعرض إلى كيفيّة وفاته، فقد دعا الإمام الالها في غلس الليل البهيم هر ثمة بن أعين، فلما مثل عنده قال له :

«يا هِرْثِمَةً، هذا أوانُ رَحيلي إِلَى اللّه تَعَالَى، وَلُحوقي بِجَدِّي وَآبائي (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وَقَدْ بَلَغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ، وَقَدْ عَزَمَ هذَا الطَّاغي - يعني المأمون - عَلى سَمِّي فِي عِنَبٍ وَرُمَانٍ مَفْروك.

فَأَمَا الْعِنَبُ فَإِنَّهُ يَغْمِسُ السَّلْكَ فِي السُّمِّ وَيَجْذِبُهُ بِالْخَيْطِ بِالْعِنَبِ، وَأَما الرُّمَانُ فَإِنَّهُ يَطْرَحُ السُّمَّ في كَفِّ بَعْضِ غِلْمَانِهِ، وَيَفْرُكُ الرُّمَانَ بِيَدِهِ لِيَتَلَطَّخَ حَبُّهُ فِي ذلِكَ السُّمِّ، وَإِنْه سَيَدْعوني في الْيَوْمِ الْمُقْبِلِ، وَيُقَرِّبُ إِليَّ الرُّمَانَ وَالْعِنَبَ، وَيَسْأَلُني أَكْلَهَا، فَآكُلُها ثُمَّ يَنْفُذُ الْحُكْمُ وَيَحْضَرُ الْقَضاءُ.

فَإِذا أَنَا مِتُّ فَسَيَقولُ : أنا أغَسْلُهُ بِيَدي، فَإِذا قالَ ذلِكَ فَقُلْ لَهُ عَنِّي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، أَنَّهُ قالَ لي : لَا تَتَعَرَّضْ لِغُسْلِي، وَلَا لِتَكْفيني وَلَا لِدَفْنِي، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذلِكَ عَاجَلَكَ مِنَ الْعَذابِ ما أَخْرَ عَنْكَ، وَحَلَّ بِكَ أَلِيمٌ مَا تَحْذَرُ، فَإِنَّهُ سَيَنْتَهي».

وأضاف الإمام قائلاً:


1) بحار الأنوار: 49: 140، الحدیث 13. الأنوار البهيّة : 232.

«فَإِذا خَلَّى بَيْنَكَ وَبَيْنَ غُسْلِي حتّى تَرَى، فَيَجْلِسُ فِي عُلُو مِنْ أَبْنِيَتِهِ مُشْرِفاً عَلَى مَوْضِعِ غُسْلِي لِيَنْظُرَ، فَلَا تَتَعَرَّضُ يا هِرْثِمَةً لِشَيْءٍ مِنْ غُسْلِي حَتَّىٰ تَرَىٰ فِسْطاطاً أَبْيَضَ قَدْ ضُرِبَ في جَانِبِ الدَارِ، فَإِذا رَأَيْتَ ذلِكَ فَاحْمِلْني فِي أَثوابي التي أنا فيها، وَضَعْني مِنْ وَرَاءِ الْفِسْطَاطِ، وَقِفْ وَراءَهُ، وَيَكونُ مَنْ مَعَكَ دونَكَ، وَلَا تَكْشِفْ عَنِّي الْفِسْطَاطَ حَتَّىٰ تَرَانِي فَتَهْلِكَ.

وَإِنَّهُ - أي المأمون - سَيَشْرِفُ عَلَيْكَ، وَيَقولُ لَكَ : يا هِرْثِمَةُ، أَلَيْسَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يُغَسلُهُ إلَّا إمامٌ مِثْلُهُ، فَمَنْ يُغَسِّلُ أبا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُوسَىٰ وَابْنُهُ محمّد بِالْمَدِينَةِ مِنْ بِلادِ الْحِجازِ وَنَحْنُ بِطُوسٍ ؟

فَإِذا قالَ ذلِكَ، فَقُلْ لَهُ : إِنَّا نَقولُ : إِنَّ الإمام لا يَجِبُ أَنْ يُغَسَّلَهُ إِلَّا إِمَامٌ مِثْلُهُ، فَإِنْ تَعَدّى مُتَعَدَّ فَغَسَّلَ الْإِمَامَ لَمْ تَبْطُلْ إِمَامَةُ الْإِمَامِ لِتَعَدّي غاسِلِهِ، وَلَا بَطَلَتْ إِمامَةُ الإِمامِ الَّذي بَعْدَهُ، بِأَنْ غُلِبَ عَلَى غُسْلِ أَبِيهِ، وَلَوْ تُرِكَ أبو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بِالْمَدِينَةِ لَغَسَّلَهُ ابْنُهُ محمّد ظَاهِراً مَكْشوفاً، وَلَا يُغَسِّلُهُ الْآنَ أَيْضاً إِلَّا هُوَ مِنْ حَيثُ يَخْفى، فَإِذا ارْتَفَعَ الْفِسْطَاطُ فَسَوْفَ تَرَانِي مُدْرَجاً في أَكْفاني، فَضَعْني عَلى نَعْشي وَاحْمِلْنِي، فَإِذا أَرادَ أَنْ يَحْفِرَ قَبْرِي، فَإِنَّهُ سَيَجْعَلُ قَبْرَ أَبِيهِ هَارُونَ الرَّشيدِ قِبْلَةٌ لِقَبْرِي، وَلَا يَكونُ ذلِكَ أَبَداً، فَإِذا ضُرِبَتِ الْمَعاوِلُ يَنْبُو عَنِ الْأَرْضِ (1)، وَلَمْ يُحْفَرْ لَهُمْ مِنْها شَيْءٌ، وَلَا مِثْلَ قُلامَةِ ظِفْرٍ، فَإِذا اجْتَهَدوا في ذلِكَ وَصَعُبَ عَلَيْهِمْ، فَقُلْ لَهُمْ عَنِّي : إِنِّي أَمَرْتُكَ أَنْ تَضْرِبَ مِعْوَلاً واحداً في قِبْلَةِ قَبْرِ أَبِيهِ ها رونَ الرَّشِيدِ، فَإِذَا ضَرَبْتَ تَقْذِفُهُ فِي الْأَرْضِ إِلَى قَبْرٍ مَحْفُورٍ، وَضَريح قائِمِ، فَإِذا انْفَرَجَ الْقَبْرُ فَلَا تُنْزِلْنِي حَتَّىٰ يَفوِرَ مِنْ ضَرِيحِهِ الْمَاءُ الْأَبْيَضُ فَيَمْتَلِيُّ مِنْهُ ذلِكَ الْقَبْرُ... فَإِذا غَارَ الْمَاءُ فَأَنْزِلْني فِي ذَلِكَ الْقَبْرِ


1) ينبّ عن الأرض : أي يمتنع ولا يؤثر فيها.

وَأَلْحِدْني في ذلِكَ الضَّريح» (1).

وأمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) هر ثمة بحفظ ما قاله، فأجابه هرثمة إلى ما أراد، وفي اليوم الثاني بعث المأمون خلف الإمام، فلما حضر عنده قام إليه فعانقه، وقبل ما بين عينيه، وأجلسه إلى جانبه، وأقبل عليه يحادثه، وأمر بعض غلمانه أن يأتيه بعنب ورمان. قال هرثمة : فلم أستطع الصبر وأصابتني رعدة.

وناول المأمون الإمام العنقود من العنب، وقال له : يابن رسول اللّه، ما رأيت عنباً أحسن من هذا ؟

فردّ عليه الإمام : رُبَّما كانَ عِنَباً حَسَناً مِنْهُ فِى الجنّة.

وطلب من الإمام أن يتناول منه شيئاً، فامتنع (عَلَيهِ السَّلَامُ) منه.

فصاح المأمون : لعلّك تتهمنا بشيء ؟

وتناول الإمام ثلاث حبات، ثم رمى به وقام، فقال له المأمون : إلى أين ؟

فنظر إليه الإمام وقال له بنبرات خافتة : إِلى حَيْثُ وَجَهْتَني (2).

وسارع الإمام إلى الدار، وقد تفاعل السمّ في جميع أجزاء بدنه، وقد أيقن بنزول الرزء القاصم، وبعث إليه المأمون يطلب منه وصيّته ونصيحته له، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لرسوله : قُلْ لَهُ : يُوصِيكَ أَنْ لَا تُعْطِيَ أَحَداً ما تَنْدَمُ عَلَيْهِ (3).

وسرى السمّ في جميع أجزاء بدن الإمام، وأخذ يعاني من أقسى الآلام، وقد علم أن لقاءه بربّه لقريب، فأخذ يتلو آيات من الذكر الحكيم، ويستغفر اللّه تعالى، ويدعو للمؤمنين، ويقول الرواة : إنّه لمّا ثقل حاله امتنع أهل بيته وأصحابه من الأكل


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 247، وقريب منه في نور الأبصار : 145.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 243.

3) عيون التواريخ : 3 : 227.

والشرب، فالتفت (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ياسر وقال له : هَلْ أَكَلَ النَّاسُ شَيْئاً ؟

فردّ عليه بصوت خافت حزين النبرات قائلاً: من يأكل مع ما أنت فيه.

فانتصب (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثم قال : هاتوا المائدة، ولم يدع أحداً من حشمه إلّا أجلسه على المائدة، وجعل يتفقد واحداً بعد واحد، ولما فرغوا من تناول الطعام أمر بحمله إلى النساء، ولما فرغوا من الأكل أغمي عليه (1).

وفي غلس الليل البهيم كان الإمام يتلو آيات من الذكر الحكيم، وكان آخر آية قرأها قوله تعالى : «قُلْ لَوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ» (2)، «وَكَانَ أَمْرُ اللّه قَدَراً مقدوراً» (3)، ثم فاضت نفسه الزكية إلى بارئها (4)تحقها ملائكة الرحمن، وتستقبلها في رياض الخلد أرواح الأنبياء والأوصياء.

لقد أظلمت الدنيا بفقده، وأشرقت الآخرة بقدومه، وكانت وفاته رزءاً على العلماء والفقهاء ورجال الفكر الذين كانوا ينتهلون من نمير علومه، كما كانت وفاته رزءاً شعبياً، فقد فقدت الأوساط الشعبية من كان يسهر على مصالحهم، ويناضل عن قضاياهم.

لقد انتقل الإمام إلى حظيرة القدس بعد ما أدّى رسالة ربِّه، فلم يشترك بأي عمل إيجابي في جهاز دولة المأمون، ورفض أي تعاون معه، وقد سلب بذلك شرعيّة حكومة المأمون، وأنها لم تكن قائمة على حكم اللّه تعالى، وقد عانى من أجل ذلك جميع ألوان الاضطهاد حتّى قضى عليه المأمون.


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 241.

2) آل عمران 3: 154.

3) الأحزاب 33 : 38.

4) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 241.

رياء المامون

وأظهر المأمون الحزن والجزع الكاذب على وفاة الإمام، فقد خرج حافياً حاسراً، يضرب على رأسه، وقابضاً على لحيته ويبكي، وقد رفع عقيرته ليسمعه الناس :قائلاً: «ما أدري أي المصيبتين أعظم على، فقدي لك، وفراقي إياك، أو تهمة الناس لي أني اغتلتك وقتلتك» (1).

لقد أظهر المأمون الأسى على وفاة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لتبرير ساحته، ودفع التهمة عنه بأنه هو الذي اغتاله، ولكن سرعان ما انكشف رياؤه، واتضح للمجتمع بأنه بأنّه هو المسؤول عن اغتياله.

إخفاء موت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وأخفى المأمون موت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوماً وليلة (2)، وفيما أحسب أنه استعدّ لحالة الطوارئ، والخوف من الانتفاضة الشعبيّة عليه، فقد أوعز إلى رجال من أمنه وقواته المسلّحة بالاستعداد لكل حادث يحدث.

تشييع جثمان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وشيّع جثمان الإمام تشييعاً حافلاً لم تشاهد مثله خراسان في جميع أدوار تاريخها، فقد أغلقت الدوائر الرسميّة، والمحلات التجارية، وهرع الناس بجميع طبقاتهم إلى تشييع الجثمان المقدّس، وهم ما بين بالك وواجم، ورفعت الأعلام السود، وسالت الدموع كلّ مسيل، وتعالى الصراخ من كلّ جانب على الفقيد العظيم الذي كان ملاذاً لهم، ويتقدّم النعش المأمون وهو حاسر، حافي القدمين، وخلفه


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 241.

2) مقاتل الطالبيّين : 567. الإرشاد : 2 : 271.

الوزراء وكبار رجال الدولة، وقادة الجيش، وهم يذكرون فضائل الإمام، وما منيت به الأمّة من الخسارة العظمى بفقده.

في مقرّه الأخير

وجيء بالجثمان المقدّس تحت هالة من التكبير والتعظيم إلى مقره الأخير، فحفر له قبر بالقرب من قبر هارون قاتل أبي الإمام، فواراه المأمون فيه، وقد وارى معه كلّ ما تسمو به الإنسانية من الصفات الرفيعة والنزعات الكريمة.

وأقبلت الجماهير تعزّي المأمون، وسائر العلويّين والعبّاسيّين على مصابهم الأليم، وقد نخر الأسى والحزن قلوب الجميع، فقد فقدوا إمام المسلمين، وسيّد المتقين والمنيبين.

ومن الجدير بالذكر أن المأمون سئل عن السبب في دفن الإمام إلى جانب قبر أبيه، فأجاب : ليغفر اللّه لهارون بجواره للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد فنّد ذلك الشاعر الملهم دعبل الخزاعي بقوله :

أربع بِطُوسٍ عَلَى قَبرِ الزَّكِي بِها***إِنْ كُنتَ تَرِبَعُ مِنْ دِينٍ عَلَىٰ وَطَرِ(1)

ما يَنفَعُ الرَّجسَ مِنْ قَبرِ الزَّكِي ولا***عَلَى الزَّكِي بِقُرْبِ الرَّحِسِ مِنْ ضَرَرِ

هيهاتَ كلّ امْرِى رَهن بِما كَسَبَتْ***لَهُ يَداهُ، فَخُذ ما شِئْتَ أوْ فَذَر

قَبْرانِ في طوسِ : خَيرُ النّاسِ كُلِّهِمْ***وَقَبرُ شَرِّهِم هذا مِنَ العِبَرِ

إقامة المأمون على قبر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وأقام المأمون عند القبر الشريف ثلاثة أيّام صائماً نهاره، قارئاً للقرآن الكريم، مترحماً على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذلك لتنزيهه من اقتراف هذه الجريمة، وإظهار إخلاصه


1) أي قف وانتظر.

وحبّه للإمام، إلا أن ثوب الرياء يشف عما تحته، فقد ظهر للجميع زيف ذلك، وأنّه لا واقع لحزنه المزعوم.

المامون مع هرثمة

ودعا المأمون هر ثمة بن أعين، وطلب منه أن يحدثه بما سمع من الإمام ومقاله له في سمّه بالعنب والرمان، وجعل هرثمة يحدثه بذلك والمأمون يصفر وجهه مرّة، ويحمر أخرى، وهو يقول بنبرات تقطر أسى وحسرات على ما اقترفه في حق الإمام :قائلاً: ويل للمأمون من اللّه، ويل له من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)، ويل له من علي بن أبي طالب، ويل للمأمون من فاطمة الزهراء، ويل للمأمون من الحسن والحسين، ويل للمأمون من علي بن الحسين، ويل للمأمون من محمّد بن علي، ويل للمأمون من جعفر بن محمّد، ويل له من موسى بن جعفر، ويل للمأمون من علي بن موسى الرضا... هذا واللّه الخسران المبين !».

وأمر المأمون هر ثمة بكتمان قول الإمام معه، وعدم إذاعته، وتلا قول اللّه تعالى : «يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّه وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّه بمَا يَعْمَلُونَ مُحيطاً» (1)» (2).

والويل للمأمون على ما اقترفه من عظيم الذنب، فقد اغتال سيّد المسلمين وإمام المتقين، وفلذة من كبد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏).

عمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

أمّا عمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحافل بالمكرمات والفضائل فقد اختلف المؤرخون في مدته، وهذه بعض الأقوال :


1) النساء 4: 108.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 249.

1 - 47 سنة (1).

2 - 48 سنة (2).

3 - 49 سنة (3).

4 - 50 سنة (4).

5 - 51 سنة (5).

6 - 55 سنة (6).

7 - 57 و 49 يوماً أو 79 يوماً (7).

ومنشأ هذا الاختلاف هو الاختلاف في تاريخ ولادته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويرى السيّد الأمين أن منشأ هذا التضارب هو التسامح بعد السنة الناقصة سنة كاملة (8).

رثاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

إشارة:

كان نبأ وفاة الإمام كالصاعقة على رؤوس المسلمين، فقد تلقوا النبأ المؤلم بأسى وحزن عميق، فقد فقدوا بموته ما كانوا يأملونه ويحلمون به من رجوع الخلافة الإسلاميّة إلى معدنها الأصيل، ويتخلصون من ذئاب البشرية، وأئمة الظلم والجور، ويقام في ربوعهم العدل السياسي والاجتماعي، لقد خابت الآمال بموت الإمام العظيم، وقد نخر الحزن القلوب، وسالت الدموع كلّ مسيل، وقد انبرت كوكبة من الشعراء فرثوا الإمام بذوب روحهم، وكان من بينهم ما يلي :


1) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 78.

2) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 78.

3) عيون التواريخ : 3 ورقة 226. كشف الغمة : 3: 56.

4) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 78.

5) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 78.

6) أصول الكافي : 1 : 486. كفاية الطالب : 458. نور الأبصار : 144. بحر الأنساب : 28.

7) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 78.

8) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 78.

أشجع من عمرو السلمي

ورثى أشجع بن عمرو السلمي الإمام بقصيدة عصماء حكت حزنه العميق على فقد إمام المسلمين، وصوّرت مدى الخسارة الكبرى التي مني بها العالم الإسلامي، وهذا نصها :

يا صاحِبَ العِيسِ يَحْدي في أَزِمَّتِها***إِسْمَعْ وَأَسْمِعْ غَداً يا صاحِبَ العِيسِ

إِقْرَ السَّلامَ عَلَى قَبْرٍ بِطُوسِ وَلَا***تَقْرَ السَّلامَ، وَلَا النُّعْمى على طوس

فقضد أصاب قلوب المسلمين بها***روع وأفرح فيها روعُ إبليس

وَأَخْلَسَتْ واحِدَ الدُّنْيا وَسَيْدَها***فَأَيُّ مُخْتَلَس منا ومخلوس

وَلَوْ بَدا المَوتُ حتّى يَستَديرَ بِهِ***لاقی وجوهَ رِجالٍ دونَهُ شُوسِ

بؤساً لطوسٍ فَما كانَتْ مَنازِلُهُ***ممّا نُخَوِّفُهُ الأيّام بالبوس

مُعَرَّسٌ حَيثُ لا تَعريسَ مُلتَبِس***یا طول ذلِكَ مِنْ نَأي وَتَعريس

إِنَّ الْمَنايا أَنَالَتْهُ مَخالِبَها***وَدونَهُ عَسْكَرٌ جَمُ الكَرادِيسِ

أَوْفَى عَلَيْهِ الرَّدى في خيسِ أَشْبُلِهِ***وَالمَوتُ يَلقَىٰ أَبَا الأَشْبَالِ فِي الحَيسِ

ما زالَ مُقْتَباً من نور والده***إلى النبيّ ضِياءٌ غَيرَ مَقبوس

في منبتٍ نَهَضَتْ فيهِ فُروعُهُمُ***بِباسقٍ في بِطاحِ المُلكِ مَغروس

وَالفَرْعُ لَا يَرتَقي إِلَّا عَلَى ثِقَةٍ***مِنَ القَواعِدِ وَالدُّنْيا بتأسيس

لا يَومَ أَوْلى بتخريقِ الجُيوب ولا***لطم الخدودِ وَلَا جَدْع المعاطيس

مِنْ يَومِ طوسِ الذي نادَتْ بِرَوعَتِهِ***لَنا النُّعاةُ وَأَفواه القراطيس

حقّاً بِأَنَّ الرَّضا أودى الزمانُ بِهِ***ما يَطلُبُ المَوتُ إِلا كلّ مَنْفوس

ذا اللحظَتَينِ وَذَا اليَومَينِ، مُفتَرِش***رَمْساً كَأَخَرَ في يَومَينِ مَرْموس

بِمَطْلَع الشَّمْسِ وافَتهُ مَنِيَّتُهُ***ما كانَ يَومَ الرَّدَى عَنهُ بِمَحبوس

یا نازِلاً جَدَثاً في غَيرِ مَنزِلِهِ***ويا فَريسَةً يَومٍ غَيرَ مَفروس

صَلَّى عَلَيكَ الَّذي قَدْ كُنتَ تَعبُدُهُ***تحت الهواجر في تلك الأماليس

لولا مناقضَةُ الدُّنْيا مَحاسِنَها***لما تَقايسها أهل المقاييس

فأحلَّكَ اللّه داراً غَيرَ زائِلَةٍ***في مَنزِلٍ بِرَسولِ اللّه مَأْنوس (1)

أرأيتم هذه الأحزان الموجعة التي حلت بالعالم الإسلامي على فقد واحد الدنيا وسيّدها الإمام العظيم ؟ !

لقد صوّر أشجع السلمي برائعته مدى الخسارة العظمى التي مني بها المسلمون، والتي هي جديرة بشق الجيوب ولطم الخدود، فقد أودى الزمان بقائد الأمة وسيدها وإمامها.

وقد ذاعت هذه القصيدة، وحفظها الناس، فخاف أشجع فغيّر ألفاظها وجعلها في الرشيد (2).

دعبل الخزاعي

وبكى دعبل الخزاعي شاعر أهل البيت الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمرّ البكاء، ورثاه بذوب روحه، وكان ممّا قاله في رثائه له هذه القصيدة :

هُوَ النَّفْسُ إِلَّا أَنَّ آلَ محمّد***لَهُمْ دونَ نَفْسى فى الفُؤادِ كَمينُ

أَضَرَّ بِهِمْ إِرثُ النبيّ فَأَصْبَحوا***يُساهم فيهِ مَينَةٌ وَمَنون

دَعَتهُمْ ذِئابٌ مِنْ أُمَيَّةَ وَانتَحَتْ***عَلَيهِمْ دِراكاً أَزمَةٌ وَسِنونُ


1) مقاتل الطالبيّين : 568 - 570.

2) مقاتل الطالبيّين : 568.

وعاثَتْ بَنو العبّاس في الدِّينِ عَيثَةٌ***تَحَكُم فيهِ ظَالِمٌ وَظَنينُ

وَسَمّوا رَشيداً ليسَ فِيهِمْ لِرُشدِهِ***وها ذاكَ مَأْمونٌ وَذاكَ أمين

فَما قَبِلَتْ بِالرُّشْدِ مِنْهُمْ رِعايةٌ***وَلا لولي بالإمامة دين

رشيدُهُمْ عَاوِ وَطِفلاهُ بَعدَهُ***لهذا رزايا دونَ ذاكَ مُجونُ

أَلا أَيُّها القَبرُ الغَريبُ مَحِلُّهُ***بطوس عَلَيكَ السّارِياتُ هَتون

شَكَكتُ فَما أَدري أَمُسْقَى بِشُرْبَةٍ***فَأَبْكِيكَ أَمْ رَيبُ الرَّدَى فَيَهون

وَأَيُّهما ما قُلتُ: إِنْ قُلتُ شُربَةٍ***وإن قُلتُ مَوتُ إِنَّهُ لَقَمينُ

أَتَعجَبُ لِلأَخِلافِ أَن يَتَخَيَّفوا***مَعالِمَ دينِ اللّه وَهوَ مُبينُ

لَقَدْ سَبَقَتْ فِيهِمْ بِفَضْلِكَ آيَةٌ***لدَيَّ وَلكِنْ ما هُناكَ يَقينُ (1)

وقال في رثاء الإمام :

أَلا مَا لِعَيني بالدموع اسْتَهَلَّتِ***وَلَوْ فَقَدَتْ ماءَ السُّؤونِ لَقَرْتِ

عَلَى مَنْ بَكَتهُ الْأَرْضُ وَاسْتَرجَعَتْ لَهُ***رؤوس الجبال الشامِحَاتِ وَذَلَّتِ

وَقَدْ أَعْوَلَتْ تَبكي السَّماءُ لِفَقدِهِ***وَأَنْجُمُها ناحَتْ عَلَيْهِ وَكَلَّتِ

رزينا رضي اللّه سبط نبينا***فَأَخْلَفَتِ الدُّنْيا لَهُ وَتَوَلَّتِ

فَنَحنُ عَلَيهِ اليَومَ أَجدَرُ بالبكا***لِمُرزِئَةٍ عَزَّتْ عَلَينا وَجَلَّتِ

وَما خَيرُ دُنْيا بَعدَ آلِ محمّد***أَلا لا تباليها إذا ما اضْمَحَلَّتِ

تَجَلَّتْ مُصيبات الزمانِ وَلا أَرى***مصيبتنا بِالمُصْطَفِينَ تَجَلْتِ (2)

ومما قاله في رثاء الإمام:


1) مقاتل الطالبيّين : 571.

2) دیوان دعبل : 99.

يا حَسْرَةً تَتَرَدُدْ***وَعَبرَةٌ لَيسَ تَنْقَدْ

عَلى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى***بنِ جَعْفَرِ بْنِ محمّد

قضى غريباً بطوس***مثل الحُسام المُجَرَّدُ

يا طوسُ طُوباكِ قَدْ***صِرتِ لابْنِ أَحْمَدَ مَشْهَدْ

وَيا جُفوني اسْتَهِلّي***وَيا فُؤادي تَوَقَدْ (1)

ومن رثائه للإمام هذه المقطوعة :

لَقَدْ رَحَلَ ابْنُ مُوسَى بِالْمَعالي***وَسارَ بِسَيْرِهِ العِلْمُ الشَّريف

وتابعه والدين طُراً***كَما يَتَتَبَّعُ الْألْفَ الأَليف

فَيا وَفدَ النَّدى عودوا خِفافَ ال***حقائب لا تَليدُ وَلَا طَريفٌ

وَقَدْ كُنَّا نُؤَمِّلُ أَن سَيَبْقَى***إمامُ هُدى لَهُ رَأْي حصيف

ترى سَكَناتِهِ فَتَقولُ : غِرٌ***وتحتَ سُكونِهِ الفَضْلُ المُنيف

لَهُ سَمْحاءُ تَغْدوكُلَّ يَوْمٍ***بنائلة وسارية تطوف

فَأَهْدى ريحُهُ قَدَرَ الْمَنايا***مَزارٌ دونَهُ نَأْي قذوفُ

فَقُلْ لِلشَّامتين بهِ رُوَيْداً***فَمَا تُبْقي امْرَاً يَمْشي الحُتوفُ

سُرِرْتُمْ بِافْتِقادِ فَتى بكاهُ***رَسولُ اللّه وَالدِّينُ الحَنيفُ (2)

وقال في رثائه :

يا نَكْبَةً جَاءَتْ مِنَ الشَّرقِ***لَمْ تَتْرُكَنْ مِنِّي وَلَمْ تُبْقِ

مَوتُ عَلِيٍّ بن مُوسَى الرّضا***مِنْ سَخَطِ اللّه عَلى الخَلْقِ


1) دیوان دعبل : 101.

2) دیوان دعبل : 108.

وَأَصْبَحَ الإِسْلامُ مُسْتَعْبِراً***لثَلْمَة بابنة الرتق

سَقى الغَريبَ المُبْتَنى قَبرُهُ***بِأَرضِ طوسٍ مُسبَلُ الوَدْقِ

أَصبَحَ عَيْني مانعاً للكرى***وَأُولَعَ الأَحْشَاءَ بِالخَفْقِ (1)

وحكى هذا الرثاء لوعة دعبل وحزنه العميق على وفاة إمام المسلمين وسيد المتقين الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي ترك فقده ثلمة في الإسلام.

ابن المشيع المدني

وممن اكتوى بنار الحزن على فقد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابن المشيع المدني. قال في رثائه :

يا بُقْعَةٌ بِها سَيدي***ما مثلهُ في النَّاسِ مِنْ سَيّدِ

مات الهُدَى مِنْ بَعدِهِ وَالنَّدى***وَشَمَّرَ المَوتُ بِهِ يَقْتَدي (2)

لا زالَ غَيتُ اللّه يا قَبرَهُ***عَلَيكَ مِنهُ رائِحاً مُعْتَدي

كان لَها غَيْثاً بِهِ نَرْتَوي***و کان كَالنجم بِهِ نَهْتَدِي

إِنَّ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرّضا***قَدْ حَلَّ وَالسُّؤْدَدَ في مَلْحَدِ

يا عَينُ فَابْكِي بِدَمٍ بَعدَهُ***عَلى القِراضِ المَجْدِ وَالسُّودَد (3)

الخوافي

ومن الشعراء الذين رثوا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) علي بن أبي عبداللّه الخوافي، قال :

يا أَرْضَ طُوسٍ سَعَاكِ اللّه رَحْمَتَهُ***ماذا حَوَيْتِ مَن الخَيْراتِ يا طوسُ


1) دیوان دعبل : 108 و 109.

2) قال المجلسي في بحار الأنوار : «وشمّر الموت، لعل المعنى أن الموت شمّر ذيله وتهيّاً لإماتة سائر الأخلاق الحسنة أو الخلائق».

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 250.

طابت بقاعك في الدُّنْيا وَطَيبَها***شَخْصٌ ثَوى بِسَنا آبادَ مَرموسُ (1)

شَخْصُ عَزيزٌ عَلَى الإِسْلامِ مَصْرَعُهُ***في رَحْمَةِ اللّه مَعْمُورٌ وَمَغْمُوسُ

یا قَبْرَهُ أَنْتَ قَبْرٌ قَدْ تَضَمَّنَهُ***حلمٌ وَعِلمَ وَتَطهيرٌ وَتَقديسُ

فَخْراً فَإِنَّكَ مَغْبُوطٌ بِجُثَّتِهِ***وَبِالْمَلائِكَةِ الأَبْرارِ مَحروس (2)

الضبّى

ومن جيّد ما رثي به الإمام هذه القصيدة للشاعر الضبيّ. قال الشيخ الصدوق : «وجدتها في كتاب لمحمّد بن حبيب الضبي، وأكبر الظنّ أنّها له، كما أعلن ذلك في آخر القصيدة» :

قَبْرٌ بِطوسٍ بِهِ أَقامَ إمامُ***ختم إِلَيهِ زِيارَةٌ وَلمَامُ

قَبْرٌ أَقامَ بِهِ السَّلامُ وَإِنْ غَدا***تُهْدي إِلَيهِ تَحِيَّةٌ وَسَلامُ

قَبْرٌ سَنا أَنْوَارِهِ تَجْلُو الْعَمَى***وَيتُرْبِهِ قَدْ تُدْفَعُ الْأَسْقامُ

قَبْرٌ يُمَثَلُ لِلْعُيونِ محمّد***وَوَصِيهُ وَالمُؤْمِنونَ قِيامُ

خُشْعُ العُيونِ لِذا وَذاكَ مَهابَةً***في كُنْهها تَتَحَيَّرُ الأَفْهامُ

قَبْرٌ إذا حَلَّ الوُفودُ بِرَبْعِهِ***رحلوا وَحُطَّتْ عَنْهُمُ الآثامُ

وَتَزَوَّدوا أَمْنَ الْعِقاب وأومِنوا***مِنْ أَنْ يَحِلَّ عَليهِمُ الإِعْدامُ

اللّه عَنهُ بِهِ لَهُمْ مُتَقَبَّلٌ***وبذاكَ عَنهُمْ جَفَّتِ الأَقْلامُ

إن يغن عَنْ سَفْيِ الغَمَامِ فَإِنَّهُ***لَوْلاهُ لَمْ تُسْقِ البِلادَ غَمام

قَبْرٌ عَلِيُّ بْنُ مُوسى حَلَّهُ***بثَراهُ يَزهو الحِلُّ والإخرامُ


1) المرموس : المدفون.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 251.

فَرْضٌ إِلَيهِ السَّعي كَالبَيْتِ الذي***من دونِهِ حَقٌّ لَهُ الإعظامُ

من زاره في اللّه عارِفُ حَقه***فَالمَسُّ مِنْهُ عَلى الجَحِيمِ حَرامُ

ومُقامُهُ لا شَكٍّ يُحْمَدُ في غَدٍ***وَلَهُ بِجَنَاتِ الخُلودِ مُقامُ

وَلَهُ بذاك اللّه أَوْفى ضامِنٍ***قَسَماً إِلَيهِ تَنْتَهي الأَقْسَامُ

صلى الإِلهُ عَلَى النبيّ محمّد***وَعَلى عَلِيٌّ نُصرَةٌ وَسَلامُ

وكذا على الزهراءِ صَلَّى سَرمَداً***رَبِّ بواجِبِ حَقَّها عَلامُ

وَعَلَيهِ صَلَّى ثُمَّ بِالحَسَنِ ابْتَدَى***وعلى الحُسَينِ لِوَجهِهِ الإِكْرَامُ

وَعَلى عَلى ذي التقى وَمحمّد***صَلَّى وَكُلّ سَيدٌ وَهُمام

وَعَلى المُهَذَّبِ وَالمُطَهَّرِ جَعْفَرٍ***أَزْكى الصَّلاةِ وَإن أبى الأقزام

الصادِقِ المَأثور عَنهُ عِلْمُ ما***فيكُمْ بِهِ تَتَمَسَّكُ الأَقْوامُ

وَكَذا عَلى مُوسى أبيكَ وَبَعدَهُ***صَلَّى عَلَيْكَ وَلِلصَّلاةِ دَوامُ

وعلى محمّد الزَّكِي فَضوعِفَتْ***وَعَلى عَلِيٌّ ما اسْتَمَرَّ كَلامُ

وَعَلَى الرَّضا ابْنِ الرَّضا الحَسَنِ الَّذِي***عَمَّ البِلادَ لِفَقدِهِ الإظلام

وَعَلى خَليفَتِهِ الذي لَكُمْ بِهِ***تَمَّ النّظامُ فَكانَ فيهِ تَمامُ

فَهُوَ المُؤْمَلُ أَن يَعودَ بِهِ الهُدى***غَضَاً وَأَن تَسْتَوِيقَ الأَحْكامُ

لَوْلا الأئمّة واحِدٌ عَنْ واحِدٍ***درسٌ بِهِ وَاسْتَسْلَمَ الإِسْلام

كلّ يَقومُ مَقامَ صاحبه إلى***أن تنتهي بالقائم الأيّام

يابْنَ النبيّ وَحُجَّةِ اللّه التي***هي لِلصَّلاة وللصيام قيام

ما من إمام غابَ عَنكُمْ لَمْ يَقُمْ***خَلَفٌ لَهُ تَشفى بهِ الأَرغامُ

إِنَّ الْأَيْمَةَ تَسْتَوِي في فَضْلِها***وَالْعِلْمِ كَهْلْ مِنْكُمْ وَغُلامُ

أَنْتُمْ إِلى اللّه الوَسيلَةُ وَالأولى***علموا الهُدى فَهُمْ لَهُ أَعْلامُ

أَنتُمْ وَلاهُ الدِّينِ وَالدُّنْيا وَمَنْ***للّه فيهِ حُرمَةٌ وَذِمام

و ما النَّاسُ إِلَّا مَنْ أَقَرَّ بِفَضلِكُمْ***والجاحدونَ بَهائِمٌ وَسَوامُ

بلْ هُمْ أَضَلُّ عَنِ السَّبِيلِ بِكُفْرِهِمْ***وَالمُقْتَدي مِنْهُمْ بِهِمْ أَزْلامُ

يُدعَونَ في دُنْيَاكُمْ وَكَأَنَّهُمْ***في جَحْدِهِمْ إِنْعَامَكُمْ أَنْعَامُ

يا نِعْمَةَ اللّه الَّتي يَحْبوبِها***مَنْ يَصْطَفِي مِنْ خَلقِهِ المِنعَامُ

إِنْ غَابَ مِنكَ الجِسمُ عَنا إِنَّهُ***للرّوحِ مِنكَ إقامَةٌ وَنِظامٌ

أَرْواحُكُمْ مَوجودَةٌ أَعْيانُها***إِنْ عَنْ عُيونِ غُيِّبَتْ أَجْسامُ

الفرقُ بَينَكَ وَالنبيّ نُبُوَّةٌ***إِذْ بَعدَ ذلِكَ تَسْتَوِي الأقدامُ

قَبْرانِ في طوسِ الهُدى في واحِدٍ***وَالغَيُّ في لَحْدٍ يَراهُ ضِرامُ

قَبْرانِ مُقْتَرِنانِ هذا تِرعَةٌ***جَنَوِيَّةٌ فيها يُزارُ إِمامُ (1)

وكذاكَ ذلِكَ مِنْ جَهَنَّمَ حُفْرَةٌ***فيها يُجَدِّدُ لِلغَوِي هِيام

قُربُ الغَوِيُّ مِنَ الزَّكِي مُضَاعِفٌ***لعَذَابِهِ وَلَأَنْفِهِ الْإِرْغَامُ

إِنْ يَدْنُ مِنهُ فَإِنَّهُ لَمُباعَدٌ***وَعَلَيْهِ مِنْ خِلَعِ العَذابِ رُكامُ

وَكَذاكَ لَيسَ يَضُرُّكَ الرِّجْسُ الذى***يدنيهِ مِنْكَ جَنادِلٌ وَرُخَامُ

لا بَلْ يُرِيكَ عَلَيْكَ أَعْظَمَ حَسْرَةً***إِذْ أَنْتَ تُكْرَمُ واللعينُ يُسامُ

سوء العَذابِ مُضاعَفٌ تَجْري بهِ***الساعاتُ وَالأيّام وَالأَعْوامُ

يا لَيتَ شِعْرِي هَلْ بِقائِمِكُمْ غَداً***يغدو وَيَكْفِي لِلقِراعِ حُسامُ

تُطْفِي يَدايَ بِهِ عَليلاً فيكُمُ***بَينَ الحَشا لَمْ تَرْوِ مِنْهُ أَوامُ


1) الترعة : الروضة، وفي الحديث: «إِنَّ مِنْبَري هذا عَلَى تِرْعَةٍ مِنْ تِرَعِ الجنّة».

وَلَقَدْ يُهيجنى قبورُكُمْ إذا***هاجَتْ سِوايَ مَعالِمٌ وَخِيامُ

مَنْ كانَ يُعْرَمُ بِامْتِداحِ ذَوي الغِنى***فَبِمَدْحِكُمْ لي صَبْوَةٌ وَغَرام

وإلى أبي الحَسَنِ الرّضا أَهْدَيْتُها***مرْضِيَّةً تَلْتَدُّها الأَفْهامُ

خُذْها عَن الضَّبِّي عَبْدِكُمُ الذي***هانَتْ عَلَيهِ فيكُمُ الأَلْوامُ

إِنْ أَقْضِ حَقٌّ اللّه فيك فَإِنَّ لي***حق القرى لِلضَّيْفِ إِذْ يَعْتامُ

فَاجْعَلْهُ مِنْكَ قَبولَ قَصْدِيَ إِنَّهُ***غُنْمٌ عَلَيهِ حَدانِيَ اسْتِغْنامُ

مَنْ كانَ بِالتعليمِ أَدْرَكَ حُبِّكُمْ***فَمَحَبَّتِي إِيَّاكُمُ إِلْهامُ (1)

لم أقرأ شعراً ألذ ولا أعذب من هذا الشعر، فقد حفل بروح الولاء والمودّة الخالصة لأهل البيت، دعاة اللّه، والأدلاء على مرضاته، مضافاً إلى ما فيه من جزالة الألفاظ وجمال الأسلوب، فليس في هذه القصيدة كلمة غريبة يمجها السمع، وينفر منها الطبع، وإنّما كانت جميع مفرداتها متناسقة عذبة خفيفة على الطبع، كما حفلت بحشد من القيم العليا التي تؤمن بها الشيعة في محبتهم لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض ما قاله الشعراء في تأبين الإمام، وهو يكشف عن مدى الرزيّة الشاملة والرزء القاصم الذي مني به المسلمون في فقدهم للإمام العظيم.

فضل زيارة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وأصبح مرقد الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خراسان من أعز المراقد في الإسلام، فقد حظي بهالة من الإكبار والتقديس ما لم يحظ به مرقد من مراقد أولياء اللّه تعالى، فقد تهافتت على زيارته ملايين المسلمين متقربين بذلك إلى اللّه تعالى.


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 252 - 254.

يقول محمّد بن المؤمل : «خرجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خزيمة، وعديله أبي عليّ الثقفي مع جماعة من مشايخنا، وهم إذ ذاك متوافدون إلى زيارة قبر علي بن موسى الرضا بطوس، فرأيت من تعظيم ابن خزيمة لتلك البقعة، وتواضعه لها، وتضرّعه عندها ما حيرنا» (1).

إنّ اللّه تعالى خصّ قبر وليّه الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بفضيلة، فقد جعله ملاذاً للمنكوبين، وملجأ لذوي الحاجات، وقد شاعت هذه المكرمة عند جميع الأوساط، وقد كُتب على بعض جوانب القبر الشريف بيتين من الشعر :

مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَرَى قَبْراً برُؤْيَتِهِ***يُفَرِّجُ اللّه عَمَّنْ زارَهُ كُرَبَهُ

فَلْيَأْتِ ذا القَبرَ إِنَّ اللّه أَسْكَنَهُ***سُلالَةٌ مِنْ رَسولِ اللّه مُنْتَجَبَهْ (2)

وقد تواترت الأخبار بفضل زيارة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهذه بعضها :

1 - روى جابر بن يزيد الجعفي، قال : «سمعت وصيّ الأوصياء، ووارث الأنبياء، أبا جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِم السَّلَامُ) يقول : حدّثني سَيِّدُ الْعابِدِينَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ سَيِّدِ الشُّهَداءِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ سَيِّدِ الأَوْصِياءِ أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بن أبي طالب، قال : قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏): سَتُدْفَنُ بَضْعَةٌ مِنّي بِأَرْضِ خُراسانَ، ما زارَها مَكْرُوبٌ إِلَّا نَفْسَ اللّه كُرْبَتَهُ، وَلَا مُذْنِبٌ إِلَّا غَفَرض اللّه ذُنُوبَه»، (3).

2 - روى محمّد بن عمارة، عن أبيه، عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، عن آبائه، عن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏) : سَتُدْفَنُ بَضْعَةٌ مِنِّي بِأَرْضِ


1) تهذيب التهذيب : 7: 388.

2) الدرّ النظيم : 688.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 258.

خُراسانَ، لَا يَزورُها مُؤْمِنٌ إِلَّا أَوْجَبَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُ الجنّة، وَحَرَّمَ جَسَدَهُ عَلَى النَّارِ» (1).

3 - روى الحسن بن علي الوشاء، قال : «قال أبو الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إِنِّي سَاُقْتَلُ بِالسَّمَّ مَظْلُوماً، فَمَنْ زَارَني عَارِفاً بِحَقِّي غَفَرَ اللّه لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» (2).

4 - روى سليمان بن حفص المروزي، قال : سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : إِنَّ ابْني عَلِيّاً مَقْتول بِالسُّمَّ ظُلْماً، وَمَدْفون إِلى جَنْبِ هَارُونَ بِطوسٍ، مَنْ زارَهُ كَمَنْ زارَ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)» (3).

5 - روى الصقر بن أبي دلف (4)، قال : سمعت سيدي علي بن محمّد بن عليّ الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : مَنْ كانَتْ لَهُ إِلَى اللّه حاجَةٌ فَلْيَزُرْ قَبْرَ جَدِّي الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بِطوسٍ، وَهُوَ عَلَىٰ غُسْلٍ، وَلْيُصَلِّ عِنْدَ رَأْسِهِ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَسْأَلِ اللّه حَاجَتَهُ فِي قُنوتِهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَجِيبُ لَهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ فِي إِثْمِ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحْمٍ، وَإِنَّ مَوْضِعَ قَبْرِهِ لِبُقْعَةٌ مِنْ بِقاعِ الجنّة لَا يَزورُها مُؤْمِنْ إِلَّا أَعْتَقَهُ اللّه مِنَ النَّارِ، وَأَحَلَّهُ إِلَى دَارِ الْقَرارِ» (5).

إلى غير ذلك من الأخبار التي أثرت عن أئمة الهدی (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهي تحثّ على زيارة مرقد الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتذكر المزيد من الأجر لمن حظي بزيارته.

ولمرقد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أهمية بالغة عند ملوك المسلمين، فقد قام الملك الشاه عبّاس بتذهيب القبة الشريفة التي هي على القبر، وقد بذل لها من خالص ماله، وقد


1) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2: 255.

2) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 261.

3) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 260.

4) في رواية : «المصقر بن خلف».

5) عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 262.

استغرقت مدة بنائها ست سنين، ولما تم بناؤها في سنة (1016هـ) مضى شاه عبّاس ماشياً من إصفهان إلى خراسان لزيارة المرقد الطاهر (1).

وقد حظي المرقد العظيم بعناية بالغة من قبل الملوك الإيرانيّين ووزرائهم، وسائر المحسنين من ذوي الثراء العريض، فأوقفوا له العمارات، والأراضي الواسعة، وأرصدوا له مصارف خاصة تدرّ بملايين الأموال، وقد تولّى فريق من الجيش الإيراني حراسة المرقد والقيام بخدمته، كما أقيمت من المرقد مكتبة نفيسة، تعدّ في طليعة مكتبات الشرق الأوسط، فقد حفلت بما يزيد على أربعين ألف مخطوط، أما الكتب المطبوعة فتعد بمئات الآلاف، وقد حوت جميع أنواع العلوم القديمة والحديثة، وبالقرب من المرقد الشريف أقيم مضيف الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتولّى إطعام الزائرين، وينفق على جميع ذلك من المصارف التي هي وقف للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ).

وبهذا تنطوي الصفحة الأخيرة من هذا الكتاب، وأكرر ما أعلنته في مقدّمة الكتاب من أن فضائل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وما أثر عنه من روائع الحكم والآداب لم يلمّ بها هذا الكتاب، وإنّما احتوى على دراسة موجزة ويسيرة عنه، سائلاً من اللّه أن يتقبل ذلك

إنّه تعالى ولي التوفيق

الحمد للّه رب العالمين وصلى اللّه على سيّدنا محمّد وعلى آله الطّاهرين


1) أعيان الشيعة - القسم الثاني : 4 : 214.

المَصَادِرُ

القرآن الکريم

1 - الآداب السلطانية والدول الإسلاميّة : ابن طباطبا، محمّد بن علي (660 - 709هـ) : دار صادر - بيروت / 1990م.

2 - الأئمّة الاثنا عشر ابن طولون، شمس الدین محمّد : منشورات الرضي، قم المقدّسة.

3 - أخبار أبي نواس : ابن منظور المصري، محمّد بن مكرم الأفريقي الأنصاري (- 711): مطبعة الاعتماد - القاهرة، 1924م.

4 - الإتحاف بحُبِّ الأشراف: الشبراوي الشافعي، عبد اللّه بن محمّد بن عامر (- 1172هـ) : تحقيق : سامي الغريري، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1423هـ / 2002م.

5 - الاحتجاج على أهل اللجاج : الطبرسي، أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب (- 560هـ) : تحقيق : إبراهيم البهادري و محمّد هادي به، الناشر : دار أسوة - ايران، الطبعة السادسة / 1425هـ.

6 - أخبار الدول وآثار الأوّل : القرماني، أحمد بن يوسف (939 - 1019هـ) : الحلبي - القاهرة / 1982م.

7 - الأخبار الموفقيات : الزبير بن بكار بن عبداللّه القرشي الأسدي (172 - 256هـ) : تحقيق : د. سامي مكي العاني، انتشارات الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1416هـ.

8 - الاختصاص : الشيخ المفيد : أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ) : المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1413هـ.

9 - الإدارة الإسلاميّة فى عزّ العرب كرد علي، محمّد : مطبعة مصر - القاهرة / 1981م.

10 - الأدب في ظل التشيع : نعمة، عبد اللّه.

11 - الإرشاد في معرفة حجج اللّه على العباد : الشيخ المفيد : أبو عبداللّه محمّد بن محمّد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ) : طبع وتحقيق : مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) - قم المقدّسة / 1416هـ.

12 - أسد الغابة في معرفة الصحابة : ابن الأثير الجزري = عز الدين علي بن محمّد بن محمّد (555 - 630هـ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2006 م.

13 - الإسلام والطب الحديث : إسماعيل، عبدالعزيز : مطبعة مصر - القاهرة / 1959م.

14 - أسماء المغتالين : ابن حبيب البغدادي، أحمد.

15 - الأعلام : الزركلي، خير الدين بن محمود بن محمّد (- 1410هـ) : دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة التاسعة / 1990م.

16 - إعلام الورى بأعلام الهدى : الطبرسي، الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن (من أعلام : القرن السادس) : مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإحياء التراث - قم المقدّسة / 1417هـ.

17 - أعيان الشيعة : الأمين العاملي، محسن (1865 - 1952م) : دار التعارف للمطبوعات - بيروت / 2000 م.

18 - الأمالي : الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - (381هـ) : تحقيق ونشر قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسسة البعثة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1417هـ.

19 - الأمالي : شيخ الطائفة الطوسي، أبو جعفر محمّد بن الحسن (385 - 460هـ) : تحقيق : قسم الدراسات الإسلاميّة في مؤسسة البعثة، دار الثقافة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1414هـ.

20 - أمالي المرتضى = غرر الفوائد ودرر القلائد السيّد المرتضى، علي بن الحسين الموسوي (436هـ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 1387هـ.

21 - الإمام عليّ الرضا وليّ عهد المأمون : عبد القادر أحمد، يوسف : المعارف - بغداد.

22 - الإمامة والسياسة : ابن قتيبة الدينوري = أبو محمّد عبد اللّه بن مسلم (213 - 276هـ) : المكتبة الحيدرية - قم المقدّسة / المقدّسة / 2007م.

23 - أمراء الشعر في العصر العبّاسي : مقدسي، أنيس : بيروت / 1936م.

24 - الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإلهيّة : القمي، الشيخ عبّاس (1254 - 1319هـ)، تحقيق : فارس حسون،کریم، انتشارات فدك - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1433هـ / 2012م.

25 - أنوار النعمانية : الجزائري، نعمة اللّه (- 1112هـ) : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الرابعة / 1404هـ (4 مجلدات).

26 - البداية والنهاية في التاريخ = تاریخ ابن كثير : ابن كثير الدمشقي، أبو الفداء إسماعيل بن كثير (700 - 774هـ) : تحقيق : مكتب تحقيق التراث، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1993م.

27 - البدء والتاريخ : ابن قيسراني، محمّد بن طاهر (448 - 5507) : دار صادر - بيروت / 1994م.

28 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار : العلامة المجلسي = محمّدباقر بن محمّد تقي (1037 - 1111هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م.

29 - بحر الأنساب : الحسيني النجفي، عميد الدين محمّد بن أحمد : دار المجتبى للنشر والتوزيع - المدينة المنورة / 1419هـ.

3 - البرهان في تفسير القرآن (تفسير) : البحراني، السيّد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسيني التوبلي (- 1107هـ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1419هـ / 1999م.

31 - بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمّد الصفار، الثقة الجليل أبو جعفر محمّد بن الحسن بن فروخ (- 290هـ) : تعليق : التبريزي، منشورات مكتبة المرعشي النجفي، قم المقدّسة / 1404هـ.

32 - بشار بن برد... حياته وشعره : نجيب عطوي، عليّ : دار الكتب العلميّة - بيروت / 1990هـ.

33 - تاج المواليد : الطبرسي = أمين الإسلام، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي (468 - 548هـ) : ضمن كتاب (المجموعة) مكتبة آية اللّه العظمى السيّد المرعشي النجفي اللّه - قم المقدّسة / 1406هـ.

34 -تاج العروس من جواهر القاموس : الزبيدي الحنفي = محب الدين أبي فيض السيّد محمّد مرتضى الحسيني الواسطي (1145 - 1205هـ) : دراسة وتحقيق : علي شيري، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1414هـ / 1994م (20 مجدّداً).

35 - تاریخ ابن خلدون = العبر: ابن خلدون = أبو زيد ولي الدين عبدالرحمن بن محمّد الحضرمي الإشبيلي : (732 - 808هـ) : المكتبة العصرية - بيروت / 2008 م. 36 - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام : شمس الدين الذهبي = محمّد بن أحمد بن عثمان (673 - 748هـ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2004م.

37 - تاريخ حكماء الإسلام : البيهقي، ظهير الدين نشر المجمع العلمي العربي - دمشق / : 1365هـ.

38 - تاريخ بغداد : الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن عليّ (392 - 463هـ) : تحقيق : مصطفی عبد القادر عطا، دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م.

39 - تاريخ التمدن الإسلامي : زيدان، جرجي : دار مكتبة الحياة - بيروت / 1964م. تاريخ الخلفاء : جلال الدين السيوطي، عبدالرحمن بن أبي بكر الشافعي (849 - 911هـ) : السعادة - القاهرة، الطبعة الأولى / 1952م.

41 - تاريخ العرب : حتي، فيليب.

42 - تاريخ الفلسفة في الإسلام : دي بور، تجنيز (1866 - 1942م) : القاهرة / 1938م.

43 - تاريخ مدينة دمشق : ابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة اللّه الشافعي الدمشقي (499 - 571هـ) : دار الفكر - دمشق / 1419هـ.

44 - تاريخ اليعقوبي : اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح (- 278هـ) : دار صادر - بيروت / 1984م.

45 - التبيان في تفسير القرآن : شيخ الطائفة، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : تحقيق : أحمد حبيب قصير العاملي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى / 1409هـ.

46 - تحف العقول عن آل الرسول : ابن شعبة الحرّاني، أبو محمّد الحسن بن علي بن الحسين (من أعلام القرن الرابع الهجري) : دار الشريف الرضي - قم المقدّسة / 1421هـ.

47 - التحف والهدايا : السمعاني : السمعاني = عبدالكريم بن أبي بكر محمّد بن المنصور بن محمّد بن عبد الجبار (506 - 562هـ) : دار المعارف - القاهرة / 1956م.

48 - تحفة العالم : فة العالم : آل بحر العلوم، جعفر الغري - النجف الأشرف / 1254هـ.

49 - التدوين : الرافعي.

50 - تذكرة خواص الأمة : سبط ابن الجوزي، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبداللّه البغدادي (581 - 654هـ) : منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1418هـ / 1997م.

51 - تزيين الأسواق : الأنطاكي، داود : مطبعة الأزهرية المصرية - القاهرة / 1319هـ.

52 - التصوف في الشعر العربي :

53 - تفسير الأصفى : الفيض الكاشاني، الملا محسن بن مرتضی محمّد محسن (1007 - 1091هـ) : اللوح المحفوظ - طهران / 1423هـ.

54 - تفسير الصافي : الفيض الكاشاني، الملا محسن بن مرتضی محمّد محسن (07 1007 - 1091هـ) : تحقيق : الشيخ حسين الأعلمي، مكتبة الصدر - طهران، الطبعة الثانية / 1416هـ.

55 - تفسير العياشي : العياشي، أبو النضر محمّد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي (- 320هـ) : تحقيق : قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسسة البعثة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1421هـ (3 مجلدات).

56 - تفسير القمّى : القمي، أبو الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم (-329هـ) : تحقيق : السيّد طيب الجزائري الموسوي، الناشر دار السرور - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ. / 1991م (مجلدان).

57 - التمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّة : عبدالرزاق، مصطفى : لجنة التأليف - القاهرة، الطبعة الثالثة / 1966م.

58 - تنقيح المقال في علم الرجال : المامقاني، الشيخ عبد اللّه (- 1351هـ) : المطبعة المرتضوية - النجف الأشرف / 1352هـ.

التوحيد : الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) نشر وتحقيق : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المقدّسة، الطبعة الثامنة / 1423هـ.

60 - تهذيب الأحكام : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : مكتبة الصدوق - طهران / 1417هـ.

61 - تهذيب التهذيب : ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي بن محمّد (773 - 852هـ) : دار الفكر - بيروت / 1995م.

62 - الثاقب في المناقب : ابن حمزة، عماد الدين أبو جعفر محمّد بن عليّ الطوس (- 560هـ) : مؤسسة أنصاريان - قم المقدّسة، الطبعة الثانية / 1412هـ.

63 - جامع كرامات الأولياء : النبهاني، يوسف بن إسماعيل : تحقيق : إبراهيم عطوة عوض، دار الفكر - بيروت 1412هـ / 1992م.

64 - جسمك هذا العجيب الغريب : فولبث، روبرت.

65 - جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام القراغولي البغدادي، محمود : الآداب - بغداد / 1329هـ.

66 - الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة البحراني، الشيخ يوسف بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد الدرازي (1107 - 1186هـ) : نشر: الشيخ علي الآخوندي، طبع : جماعة المدرّسين - قم المقدّسة / 1409هـ.

67 - حضارة الإسلام في دار السلام : نخلة، جميل : الأميرية - القاهرة / 1937م.

68 - الحضارة العربية : للمستشرق الفرنسي س. ريسلر، جاك : تعريب : الدكتور خليل أحمد خليل : منشورات عويدات - بيروت، الطبعة الأولى / 1993م.

69 - الحلقات الذهبية : القبيسي العاملي.

70 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء : أبو نعيم الاصفهاني، الحافظ أحمد بن عبداللّه بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران (336 - 430هـ) : دار الكتاب العربي - بيروت / الطبعة الخامسة / 1987م.

71 - حياة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : فضل اللّه، محمّد جواد.

72 - حياة الإمام محمّد الباقر ال الان : القرشي، باقر شريف (1926 - م) : تحقيق : مهدي باقر القرشي (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت اللّه) : دار المعروف، الطبعة الأولى 1430هـ.

2009 م. 73 - حياة الإمام محمّد الجواد اللّه : القرشيّ، باقر شريف (1926م)، تحقيق : مهدي باقر القرشي (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت) دار المعروف، الطبعة الأولى 1430هـ / 2009م.

74 - حياة الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليا : القرشي، باقر شریف (1926 - م) : تحقيق : مهدي باقر القرشي (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)) : دار المعروف، الطبعة الأولى 1430هـ / 2009م.

75 - حياة السياسيّة للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : مرتضى العاملي، جعفر : جماعة المدرّسين - قم المقدّسة، الطبعة الثانية / 1403هـ.

76 - حياة الحيوان الكبرى : الدميري، كمال الدين محمّد بن موسى (742 - 808ھ) : ناصر خسرو - طهران (اوفسيت عن طبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة 1390هـ / 1970م).

77 - خاتمة مستدرك الوسائل : الميرزا النوري الطبرسي، حسين (- 1320هـ) : تحقیق ونشر : مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإحياء التراث - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1416هـ.

78 - الخرائج والجرائح : الراوندي، قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة اللّه (573هـ) : مؤسسة النور للمطبوعات - بيروت، الثانية / 1411هـ.

79 - الخراج : أبو يوسف القاضي، يعقوب بن إبراهيم (113 - 182 هـ) : دار المعرفة - بيروت / 1399هـ.

80 - خلاصة تهذيب الكمال : الخزرجي الأنصاري، أحمد.

81 - خلاصة الذهب المسبوك : بدر الدين الإربلي، أبو محمّد : مكتبة المثنى - بغداد.

82 - دائرة معارف القرن العشرين : وجدي، محمّد فريد.

83 - الدرّ المسلوك (م) : الحر العاملي، محمّد بن الحسن (1033 - 1104هـ).

84 - الدر المنثور في التفسير بالمأثور (تفسير) : السيوطي، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر (849 - 911هـ) : تصحيح وتخريج الأحاديث : الشيخ نجدت نجيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1421هـ / 2001م (8 مجلّدات).

85 - الدرّ النظيم في مناقب الأئمّة : الشامي العاملي، يوسف بن حاتم (من أعلام القرن السابع الهجري) : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة / 1409هـ.

86 - دلائل الإمامة : ابن رستم الطبري، أبو جعفر محمّد بن جرير (- 310هـ) : مؤسسة البعثة - قم المقدّسة / 1412هـ.

87 - الديارات : الشابشتي : دار الرائد العربية - بيروت، الطبعة الثالثة / 1986م.

88 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة : آقا بزرك الطهراني، محمّد محسن (1255 - 1389هـ) : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثالثة / 1403هـ.

89 - ذكر المعتزلة : ابن يحيى، أحمد.

90 - ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة : الشهيد الأول، شمس الدین محمّد بن جمال الدین مكي العاملي الجزيني (734 - 786هـ) : نشر وتحقيق : مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1419هـ.

91 - رجال ابن الغضائري : ابن الغضائري : انتشارات سرور - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1422هـ.

92 - رجال ابن داود ابن داود الحلّي، الحسن بن عليّ (- 707هـ) : المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف 1392هـ / 1972م.

93 - رجال البرقي : البرقي، أحمد بن محمّد بن خالد (- 274 أو 280هـ): جواد القيومي الاصفهاني، مؤسسة القيومي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1419هـ.

94 - رجال الطوسي : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : تحقيق : جواد القيومي الاصفهاني، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة الثانية / 1420هـ.

95 - رجال الكشّي = اختيار معرفة الرجال : شيخ الطائفة، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : تحقيق : محمّد تقي فاضل الميبدي والسيد أبو الفضل الموسويان، وزارة الثقافة والإرشاد - طهران، الطبعة الأولى / 1382هـ. ش.

96 - رجال النجاشي : أبو العبّاس الأسدي الكوفي، أحمد بن علي (372 - 450هـ) : جماعة المدرّسين - قم المقدّسة / 1407هـ.

97 - رحلة ابن جبير : ابن جبير : دار ومكتة الهلال - بيروت / 1981م.

98 - رسائل الخوارزمي : الطبرخزي، محمّد بن عبّاس الخوارزمي (- 383هـ).

99 - روح الدين الإسلامي : طبارة، عفيف عبد الفتاح : دار صادر - بيروت / 1982م.

100 - روضة الأعيان في أخبار مشاهير الزمان : الموصلي الرفاعي روضة الواعظين وبصيرة المتعلمين : الفتال النيشابوري، محمّد بن أحمد (- 508هـ) : دار الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1386 ش.

102 - السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي : ابن إدريس الحلّي، أبو جعفر محمّد بن منصور بن أحمد (قيل 543 - 598هـ) : تحقيق ونشر : مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة الرابعة / 1417هـ.

103 - سرّ السلسلة العلوية : البخاري، أبو نصر سهل بن عبد اللّه بن داود (341هـ) الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1413هـ.

104 - سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون : ابن نباتة المصري، محمّد بن محمّد (686 - 768هـ) بيروت - دار الفكر / 1980م.

105 - السلوك لمعرفة دول الملوك : تقي الدين المقريزي، أحمد بن علي بن عبدالقادر (766 – 845 هـ):

106 - السنن الكبرى : الدارمي السمرقندي، أبو محمّد عبداللّه بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام التميمي (-225هـ) : تحقیق : محمّد عبد العزيز الخالدي، دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأولى / 1417هـ / 1996م (مجلدان).

107 - سير أعلام النبلاء شمس الدين الذهبي = محمّد بن أحمد بن عثمان (673 - 748هـ) : مؤسسة الرسالة - بيروت / 1419هـ.

108 - سيرة الأئمّة الاثني عشر : معروف الحسني، هاشم : دار القلم - بيروت / 1978م.

109 - شرح خطبة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) في التوحيد : الطهراني، عبدالحسين.

10 - صبح الأعشى في صناعة الإنشا : القلقشنديّ = أحمد بن علي بن أحمد (825 هـ) : دار الكتب العلميّة - بيروت / 1987م.

111 - الصحاح = تاج اللغة وصحاح العربيّة : الجوهري، إسماعيل بن حماد (قيل : 332 - 392هـ) : تحقيق : أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الرابعة / 1990م.

112 - صحيح الترمذي : الترمذي، محمّد بن عیسی (209 - 279هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1985م.

113 - صحيفة الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ابن بابویه، منتخب الدين: مدرسة ومؤسّسة الإمام (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَي فَرَجَهُ الشَریف) - قم المقدّسة / 1408هـ.

114 - الصراط السوي في مناقب آل النبيّ (م) : الشيخاني القادري، محمود.

115 - الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم : العاملي، علي بن يونس : الحيدرية - طهران، الطبعة الأولى / 1382هـ. ش.

116 - الصواعق المحرقة على أهل الرّفض والضلال والزندقة : ابن حجر الهيتمي، أبو العبّاس شهاب الدين أحمد بن محمّد بن علي (909 - 974هـ) : تحقيق : عبدالرحمان التركي وكامل محمّد الخراط، مؤسسة الرسالة -بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م (مجلّدان).

117 - طب الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : عبداللّه شبر، السيّد عبداللّه بن محمّد رضا بن محمّد بن أحمد بن عليّ (1188 - 1242هـ) :

118 - الطب محراب الإيمان : كنجر، د. خالص جلبي : كلية الطب - جامعة دمشق / 1971م.

119 - طبقات الصوفية : النيسابوري، محمّد : المدني - القاهرة / 1986م.

120 - الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف : السيّد ابن طاووس - رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - (644هـ) : تحقيق : السيّد عليّ عاشور، الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى / 1420هـ - 1999م.

121 - العروة الوثقى : اليزدي، سيد محمّد كاظم (- 1337هـ) : مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة الثانية / 1424هـ.

122 - عصر المأمون : الرفاعي، أحمد فريد : مطبعة جامعة البصرة / 1980م.

123 - العقد الفريد : ابن عبدربه الأندلسي، أبو عمر أحمد بن محمّد (246 - 328هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م.

124 - علل الشرائع : الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : دار الحُجّة للثقافة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1416هـ (جزءان في مجلد).

125 - عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب الأبرار: ابن البطريق = يحيى بن الحسن الأسدي الحلي (- 600هـ) : نشر جماعة المدرّسين - قم المقدّسة / 1407هـ.

126 - عيون أخبار الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : تحقيق : الشيخ حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى / 1404هـ.

127 - عيون التواريخ : ابن شاكر الكتبي = محمّد بن شاكر (681 - 764هـ) : دار الحرية - بغداد / 1977م.

128 - غاية الاختصار في البيوتات العلويّة المحفوظة من الغبار : الحسيني الحلبي، ابن زهرة، المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف / 1382هـ.

129 - الغذاء لا دواء : د. القباني، صبري : دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة العاشرة / 1977م.

130 - الغدير في الكتاب والسنة والأدب : العلامة الأميني، عبدالحسين (1281 - 1349هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1990م.

131 - الغَيبة : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (- 460هـ) : تحقيق : الشيخ عبداللّه الطهراني والشيخ عليّ أحمد صالح، مؤسسة المعارف الإسلاميّة - قم المقدّسة، الثالثة / 1425هـ.

132 - فرج المهموم : السيّد ابن طاووس = رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - 644هـ) : منشورات الرضي، قم المقدّسة / 1363هـ. ش.

133 - الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمّة : ابن الصباغ = علي بن محمّد بن أحمد المالكي (-855هـ) : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1409هـ / 1988م.

134 - فقه السنّة : سيد سابق : دار الكتاب العربي – بيروت.

135 - فقه على المذاهب الأربعة : مغنية، محمّد جواد (1904 - 1979م) :

136 - قوات الوفيات : ابن شاكر الكتبي = محمّد بن شاكر (681 - 764هـ) : تحقيق : علي محمّد بن يعوض اللّه و عادل أحمد عبدالموجود، دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأولى / 2000 م.

137 - الفهرست : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : تحقيق ونشر الفقاهة - قم المقدّسة / 1417هـ.

138 - القاموس المحيط : الفيروزآبادي، أبو طاهر مجدالدين محمّد بن يعقوب بن محمّد بن إبراهيم (729 - 8817) : تقديم وتعليق : الشيخ أبو الوفا نصر الهوريني المصري الشافعي، دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأولى 1425هـ / 2004م.

139 - قرب الإسناد : الحميري، أبو العبّاس عبداللّه بن جعفر (- 310هـ) : مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإحياء التراث - بيروت، الطبعة الأولى 1413هـ / 1993م.

140 - الكافي : ثقة الإسلام الكليني، أبو جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الرازي (328 - 329هـ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1426هـ / 2005م.

141 - كامل الزيارات : ابن قولويه، الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمّد القمي (368هـ) :دار السرور - بيروت، الطبعة الأولى / 1418هـ - 1997م.

142 - الكامل في التاريخ : ابن الأثير، عزّ الدين أبي الحسن علي بن محمّد بن أبي الكرم الشيباني (555 - 630هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1408هـ / 1989م.

143 - كشف الحجب والأستار : حسين الكنتوري، إعجاز : مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي (قدّس سِرُّه)- قم المقدّسة / 1409هـ.

144 - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون : حاجي خليفة، مصطفى بن عبداللّه (- 1067هـ) : دار الفكر - بيروت، 1402هـ / 1982م.

145 - كشف الغمة في معرفة الأئمّة : الإربلي، أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح (467 - 538هـ) : دار الأضواء - بيروت / 1985م.

146 - كفاية الأثر في النصّ على الأئمّة الأثني عشر : الخزار، أبو القاسم علي بن محمّد بن عليّ الرازي القمّي (- 400هـ) : تحقيق : عبد اللطيف الحسيني : انتشارات بيدار - قم المقدّسة / 1401هـ.

147 - كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب : الحافظ الكنجي الشافعي، أبو عبداللّه محمّد بن يوسف القرشي، (- 658هـ) : تحقيق : محمّد هادي الأميني، دار إحياء تراث أهل البيت الاعلام - طهران، الطبعة الثانية / 1404هـ.

148 - كمال الدين وتمام النعمة : الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : صححه وعلّق عليه : علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة / 1422هـ.

149 - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال المتقي الهندي = علاء الدين علي بن حسام الدين (888 - 975هـ) : مؤسسة الرسالة - بيروت / 2004 م.

150 - كنز الفوائد : أبو الفتح الكراجكي، محمّد بن علي بن عثمان الطرابلسي (- 449 هـ) : مكتبة المصطفوي - قم المقدّسة، الطبعة الثانية / 1410هـ.

151 - كنز اللغة : علي عبداللّه، محمّد.

152 - لسان العرب : ابن منظور، جمال الدين أبو الفضل محمّد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الأفريقي المصري (630 - 711هـ) : تنسيق وتعليق : علي شيري، دار صادر - بيروت / 1995م.

153 - لسان الميزان : ابن حجر العسقلاني، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي (773 - 853) : تحقيق : عادل أحمد وعلي معوّض، دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأولى 1416هـ / 1996م (7 مجلدات).

154 - مآثر الإنافة في معالم الخلافة : القلقشندي = أحمد بن علي (756 - 821ه) : دار الثقافة - القاهرة / 1985م.

155 - المجدّدون في الإسلام : الخولي، أمين.

156 - مجمع البحرين ومطلع النيّرين : فخر الدين الطريحي = محمّد بن علي (979 - 1085هـ) : تحقيق : قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسسة البعثة - طهران، الطبعة الأولى / 1414هـ (3 مجلدات).

157 - مجمع البيان (تفسير) : الطبرسي - أمين الإسلام، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي (468 - 548هـ) : تحقيق : السيّد هاشم الموسوي المحلاتي والسيد فضل اللّه اليزدي الطباطبائي : دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية / 1408هـ - 1998م.

158 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : الهيثمي، الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر المصري الشافعي (735 - 80) : دار الكتب العلميّة - بيروت 1408هـ / 1988م.

159 - المحاسن : البرقي، أبو جعفر أحمد بن محمّد بن خالد (- 274هـ) : المجمع العالمي لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) - قم المقدّسة / 1416هـ.

160 - محاسن بغداد دار السلام : الهاشمي، ياسين : دار البصري - بغداد / 1968م.

161 - المحاسن والمساوئ : البيهقي = إبراهيم بن محمّد (من أعلام القرن الرابع) : دار بيروت - بيروت 1404هـ / 1984م.

162 - مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي : علي، أمير : دار الآفاق - القاهرة / 2001 م.

163 - مدينة معاجز الأئمّة الاثنى عشر ودلائل الحجج على البشر : البحراني، السيّد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسيني التوبلي (- 1107هـ) : تحقيق : لجنة بإشراف فارس كريم، مؤسسة المعارف الإسلاميّة - قم المقدّسة / 1416هـ.

164 - مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع : صفي الدين البغدادي، عبد المؤمن بن عبدالحق : دار المعرفة - بيروت / 1374 هـ.

165 - مرآة الجنان وعبرة اليقظان: اليافعي، أبو محمّد عبد اللّه بن أسعد بن علي بن سليمان (- 768هـ) : وضع حواشيه خليل المنصور، نشر دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م.

166 - مرآة الزمان في تاريخ الأعيان : سبط ابن الجوزي، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبد اللّه البغدادي (581 - 654 هـ) : مؤسسة آل البيت اللّه، قم المقدّسة / 1366هـ.

167 - مروج الذهب ومعادن الجوهر المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن عليّ (- 346هـ) : تحقيق : عبد الأمير المهنا، نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ / 1991م.

168 - مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل : المحدّث النوري، الحاج الميرزا حسين بن محمّد تقي بن تقي الطبرسي (1254 - 1320هـ) : مؤسسة آل البيت لإحياء التراث - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1408هـ.

169 - مسند الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : جمع : عزيز اللّه العطاردي الخبوشاني، منشورات المؤتمر العالمي للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) - مشهد المقدّسة / 1406هـ.

170 - مسند الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) : ابن سليمان الغازي، داود.

171 - مصباح الفقاهة : السيّد الخوئي، السيّد أبو القاسم الموسوي (- 1413هـ) :

172 - المصباح في الأدعية والصلوات والزيارات الكفعمي، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمّد العاملي الحارثي (840 - 905هـ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الثانية / 1424هـ - 2003م.

173 - مصباح المتهجد : شيخ الطائفة، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (385 - 460ه) : مؤسسة فقه الشيعة - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ / 1991م.

174 - معاني الأخبار : الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : قدّم له : الشيخ حسين الأعلمي، تعليق : علي أكبر الغفاري، نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت، الأولى 1410هـ / 1990م.

175 - معجم الأدباء : ياقوت الحموي، شهاب الدين أبو عبداللّه ياقوت بن عبداللّه الرومي البغدادي (574 - 626هـ) : دار المأمون - القاهرة / 2001م.

176 - معجم البلدان : ياقوت الحموي، شهاب الدين أبو عبد اللّه الرومي البغدادي (626هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1399هـ.

177 -معجم رجال الحديث : السيّد الخوئي، السيّد أبو القاسم الموسوي (- 1413هـ) : الثقافة الإسلاميّة - قم المقدّسة الطبعة الخامسة 1413هـ / 1992م.

178 - معجم المؤلفين تراجم مصنفى الكتب العربية : د. كحالة، عمر رضا، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى / 1414هـ.

179 - مقاتل الطالبيّين : أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين بن محمّد بن أحمد (- 356هـ) : مكتبة الشريف الرضي - قم المقدّسة / 1416هـ.

180 - مقدّمة ابن خلدون : عبد الرحمن بن محمّد بن خلدون (732 - 808) : دار إحياء التراث - بيروت / 1995م.

181 - مقدمة ديوان دعبل : الدجيلي، عبدالصاحب.

182 - المقنع : الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : تحقيق ونشر مؤسسة الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1415هـ.

183 - المقنعة : الشيخ المفيد : أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ) : تحقيق ونشر : مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة الرابعة / 1417هـ.

184 - مناقب آل أبي طالب : ابن شهرآشوب، أبو جعفر رشيد الدين محمّد بن علي السروي المازندراني (488 - 588هـ) : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1412هـ / 1991م.

185 - المنتظم في تاريخ الأمم والملوك : ابن الجوزي، أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن عليّ بن محمّد (- 597هـ) : تحقيق وتقديم : سهيل زكار، الطبعة الأولى / 1415هـ - 1995م.

186 - من لا يحضره الفقيه : الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (311 - 381هـ) : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الأولى 1426هـ / 2005م.

187 - منهاج الصالحين : السيّد الحكيم، محسن (1267 - 1348هـ) : النجف - النجف الأشرف / 1387هـ.

188 - مواهب الرحمن في تفسير القرآن (تفسير) : السبزواري، السيّد عبد الأعلى الموسوي (1288 - 1372هـ) : مؤسسة المنار - قم المقدّسة، الطبعة الثانية / 1414هـ (10 مجلدات، غير كامل).

189 - مهج الدعوات في منهج العبادات : السيّد ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم علي بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - 644هـ) : دار الكتب الإسلاميّة طهران، الطبعة الأولى / 1416هـ.

190 - الميزان في تفسير القرآن (تفسير) : الطباطبائي، محمّد حسين (1281 - 1360هـ) : تحقيق : الشيخ حسين الأعلمي، الناشر مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى المحققة 1417هـ / 1997م.

191 - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: الأتابكي، أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي (13 - 784هـ) : وزارة الثقافة والإرشاد القومي - القاهرة / 1972م.

192 - النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم : تقي الدين المقريزي، أحمد بن عليّ (766 - 845هـ) : قم المقدّسة / 1419هـ.

193 - نزهة المجالس و منتخب النفائس : الصفوري الشافعي، عبدالرحمان بن عبدالسلام (- 894هـ) : المعارف - الاسكندرية / 2001م.

194 - نساء الخلفاء: ابن الساعي : دار المعارف - القاهرة.

195 - نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية : صبحي، أحمد محمود، المعارف – مصر.

196 - نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين : الزرندي الحنفي، جمال الدین محمّد بن يوسف بن الحسن بن محمّد المدني (693 - 750ھـ): المجمع العالمي للتقريب - طهران / 2009م.

197 - نور الأبصار في مناقب آل بيت النبيّ المختار : الشبلنجي، مؤمن بن حسن بن مؤمن : تحقيق : عبد الوارث محمّد علي، دار الكتب العلميّة - بيروت، الطبعة الأولى 1418هـ / 1997م.

198 - نهاية الإرب في فنون الأدب : النويري، أحمد بن عبدالوهاب (- 733هـ) : طبعة وزارة الثقافة والإرشاد القومي، المؤسسة المصرية، مطبعة دار الكتب المصرية.

199 - الوافي بالوفيات : صلاح الدين الصفدي = خليل بن أيبك بن عبداللّه (696 - 764هـ) : أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث - بيروت 1420هـ / 2000م.

200 - الوزراء والكتاب : الجهشياري، محمّد بن عبدوس : مصطفى البابي الحلبي - القاهرة، الطبعة الأولى / 1938م.

201 - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة : الحر العاملي، محمّد بن الحسن بن علي بن محمّد بن الحسين (1033 - 1104هـ) : مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) - قم المقدّسة، الطبعة الثانية / 1416هـ.

202 - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : ابن خلّكان، أبو العبّاس شمس الدين أحمد بن محمّد بن أبي بكر - 681هـ) : تحقيق : د. إحسان عبّاس، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الثانية / 1406هـ.

203 - الولاة والقضاة: الكندي = أبو عمر محمّد بن يوسف، مكتبة الخانجي - القاهرة /1988م.

204 - ينابيع المودّة لذوي القربي : القندوزي، سليمان بن إبراهيم الحنفي (- 1294هـ) : تحقيق : السيّد علي جمال أشرف الحسيني، الناشر : دار الأسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1416هـ.

محتويات

تقديم...7

علل الأحکام و غیرها

11 - 90

المسائل الكلاميّة...15

1 - الحكمة في أمر الخلق بالإقرار باللّه...15

2 - الإقرار اللّه بالوحدانيّة...17

3 - اللّه ليس كمثله شيء...18

4 - العلة في تكليف العباد... 19

5 - العلة في معرفة الرسل...19

6 - الحكمة في إطاعة أولي الأمر...20

7 - الإمامة من نسل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...21

علل الأحكام الشرعيّة أحكام الطهارة...23

1 - غسل الجنابة...23

2 - غسل العيدين والجمعة...24

3 - غسل الميّت...24

4 - غسل مسّ الميّت...25

5 - عدم وجوب الغسل للبول والغائط...26

6 - الوضوء...26

أفعال الوضوء...28

أحكام الصلاة...29

1 - أذان الصلاة...30

فصول الأذان...31

1 - البدء بالتكبير...31

2 - التكبير أربعاً... 32

3 - فصول الأذان مثنى...32

4 - الشهادتان...32

5 - الدعاء للصلاة...33

6 - التهليل في آخر الأذان...34

7 - التهليل دون التسبيح...34

2 - فصول الصلاة...34

1 - رفع اليدين في التكبير...35

2 - التكبيرات السبع...35

3- قراءة القرآن...36

4 - قراءة الفاتحة...36

5 - الجهر والإخفات...37

6 - الركوع والسجدتان...38

7 - التسبيح في الركوع والسجود...38

8 - الدعاء في القنوت...39

9 - تحليل الصلاة بالتسليم...39

3- أوقات الصلاة...40

صلاة العصر...41

4 - صلاة الجماعة...42

5 - صلاة السنّة...43

صلاة السنة في أوقات مختلفة...43

6 - صلاة الجمعة...44

صلاة الجمعة ركعتين...44

حكمة الخطبة في صلاة الجمعة...44

خطبتان في صلاة الجمعة...45

خطبة الجمعة قبل الصلاة...45

تجب صلاة الجمعة على مَن كان على فرسخين...46

نافلة الجمعة...47

7 - صلاة المسافر...47

المسافة الموجبة للقصر...47

سقوط نوافل النهار...48

8 - الصلاة على الميّت...50

التكبيرات الخمس على الميّت...50

الصلاة على الميّت بغير وضوء...50

الصلاة على الميّت في كلّ وقت...51

9 - صلاة الآيات...51

صلاة الكسوف...52

10 - صلاة العيد...52

أحكام الصوم...53

1 - شهر رمضان...54

اقتصار الصوم على شهر رمضان...54

ترك الحائض للصوم والصلاة...55

قضاء الحائض للصوم...55

2 - قضاء شهر رمضان...56

3 - الصوم بدل تحرير الرقبة...57

4 - صيام شهرين متتابعين...58

التتابع في صيام شهرين...58

5 - عيد الفطر...58

أحكام الحجّ...59

وجوب الحجّ...59

الحجّ مرّة واحدة...60

الإحرام...61

الطواف بالبيت...61

استلام الحجر...62

الحج في ذي الحجة...63

كلمة فيليب حتّي في الحجّ...64

أحكام الزكاة...64

أحكام الميّت...65

1 - تكفين الأموات...65

2 - دفن الأموات...65

علل بعض المحرّمات...66

1 - قتل النفس...66

2 - عقوق الوالدين...66

3- الزنا...67

عقوبة الزاني...67

الشهادة المثبتة للزنا...68

4 - اللواط والمساحقة...68

5 - النظر إلى شعور النساء...69

6 - الربا...69

7 - أكل مال اليتيم...71

8 - السرقة...72

قطع يد السارق اليمني...72

9 - الخمر...73

10 - الميتة...74

11 - الدم...74

12 - الطحال...74

13 - الخنزير والقرد...75

14 - الأرنب...76

15 - سباع الطير والوحش...76

16 - ما أهل به لغير اللّه...77

17 - كراهة أكل لحوم البغال...77

18 - زواج الرجل بأربعة نسوة...787

19 - الطلاق ثلاثاً...78

20 - المطلّقة...78

21 - ميراث المرأة...79

علل بعض الشؤون الإسلاميّة...80

القرآن غض...81

علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) قسيم الجنّة والنار...81

عدم إرجاع فدك...82

صحابة النبى (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ‏)...83

انحراف الناس عن على (عَلَيهِ السَّلَامُ)... 84

سكوت الإمام عن أخذ حقّه...85

أحوال الأنبياء والأمم السالفة...86

غرق الدنيا أيّام نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ)... 87

معجزة موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)... 87

أولوا العزم (عَلَيهِم السَّلَامُ)...88

الحواريون...89

إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) خليل اللّه...89

إسماعيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) صادق الوعد...90

علوم ومعارفه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

91 - 117

جوامع الكلم...93

فضل العقل...93

التفكّر في أمر اللّه...94

محاسبة النفس...95

الحلم...95

الصمت...95

التواضع...96

الخصال الكريمة في المؤمن...96

أحسن الناس، وأسوأ الناس...97

الإيمان والإسلام...98

العجب المفسد للعمل...98

الذنوب...98

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...99

من أحبّ عاصياً...99

خيار الناس...99

شرف العمل...100

تمامية العقل...100

حقيقة التوكل على اللّه...101

أركان الإيمان...101

خصال كريمة...102

شكر النعم...102

صلة الأرحام...202

من حكم بعض الأنبياء...204

مناجاة موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)...204

في صحف إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ)...104

عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع الحواريين...104

وعظ وإرشاد...105

وصاياه ونصائحه...108

1 - وصيته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأحمد...108

2 - وصيته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لإبراهيم...108

3 - وصيته (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأحمد والحسين...109

4 - المساواة بين الغني والفقير...110

5 - التبسم في وجه المؤمن...110

6 - وصيّة عامة...111

كلماته القصار...112

أصْحَابُهُ وَرُواة حَديثه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

119 - 241

حرف الألف... 122

1 - إبراهيم بن أبي البلاد...122

2 - إبراهيم بن أبي محمود...122

3 - إبراهيم بن إسحاق...123

4 - إبراهيم بن إسماعيل...123

5 - إبراهيم بن بشر...124

6 - إبراهيم بن سلامة... 124

7 - إبراهيم بن شعيب...124

8 - إبراهيم بن شعيب...125

9 - إبراهيم بن صالح...125

10 - إبراهيم بن العبّاس...126

وفادته على الإمام...126

نماذج من شعره...127

حرقه لديوان شعره...128

نموذج من كتابته...129

وفاته...129

11 - إبراهيم بن عبد الحميد...129

12 - إبراهيم بن عليّ...129

13 - إبراهيم بن محمّد...130

14 - إبراهيم بن محمّد... 130

15 - إبراهيم بن محمّد... 130

16 - إبراهيم بن محمّد... 130

17 - إبراهيم بن موسى... 130

18 - إبراهيم بن هاشم...131

19 - إبراهيم بن هاشم...131

20 - أحمد بن أبي نصر...131

20 - أحمد بن أشيم...131

22 - أحمد بن الفيض...131

23 - أحمد بن عامر...132

24 - أحمد بن عمر...132

25 - أحمد بن محمّد... 132

26 - أحمد بن محمّد...133

27 - أحمد بن محمّد...134

28 - أحمد بن يوسف...134

29 - إدريس بن زيد...134

30 - إدريس بن عبداللّه...134

31 - إدريس بن عيسى...134

32 - إدريس بن يقطين...135

33 - إسحاق (ابن الإمام موسى)...135

34 - إسحاق بن آدم...135

35 - إسحاق بن إبراهيم...135

36 - إسحاق بن إبراهيم...136

37 - إسماعيل بن سعد...136

38 - إسماعيل بن عبّاد...136

39 - إسماعيل بن عيسى...136

40 - إسماعيل بن قتيبة...136

41 - إسماعيل بن مهران...136

42 - إسماعيل بن همام...137

42 - أصرم بن مطر...137

44 - أفلح بن يزيد...137

45 - أفلح بن يزيد...138

46 - أيوب بن نوح...138

47 - الياس بن عمرو...138

حرف الباء...138

48 - بائس...138

49 - بكر بن صالح...138

حرف الثاء.... 139

50 - ثلج بن أبي الثلج...139

حرف الجيم...139

51 - جعفر بن إبراهيم... 139

52 - جعفر بن إبراهيم...139

53 - جعفر بن بشير...139

54 - جعفر بن عيسى...140

55 - جعفر بن مثنى...140

56 - جعفر بن محمّد...141

حرف الحاء...141

57 - الحسن بن إبراهيم...141

58 - الحسن بن أسباط...141

59 - الحسن بن أسد...141

60 - الحسن بن بشار...141

61 - الحسن بن بشير...141

62 - الحسن بن الجهم...142

63 - الحسن بن الجهم...142

64 - الحسن بن الحسين... 142

65 - الحسن بن الحسين...142

66 - الحسن بن الحسين العلوي...142

67 - الحسن بن راشد...142

68 - الحسن بن زياد...143

69 - الحسن بن سعيد...143

70 - الحسن بن شاذان...143

71 - الحسن بن شعيب...143

72 - الحسن بن عبّاد...143

73 - الحسن بن العبّاس...144

74 - الحسن بن عليّ....144

75 - الحسن بن عليّ...146

76 - الحسن بن عليّ...147

77 - الحسن بن عليّ...147

78 - الحسن بن عليّ...147

79 - الحسن بن عليّ...147

80 - الحسن بن عمر...147

81 - الحسن بن فضال...148

82 - الحسن بن قارن...148

83 - الحسن بن القاسم...148

84 - الحسن بن محبوب...149

85 - الحسن بن محمّد...149

86 - الحسن بن محمّد...149

87 - الحسن بن محمّد...149

88 - الحسن بن محمّد...150

89 - الحسن بن النضر... 150

90 - الحسن بن يزيد...150

91 - الحسن بن يونس...150

92 - الحسن التفليسي...150

93 - الحسين بن عمر...150

94 - الحسين بن إبراهيم...150

95 - الحسين بن أبي سعيد...151

96 - الحسين بن بشار...151

97 - الحسين بن بشر...152

98 - الحسين بن الجهم...152

99 - الحسين بن خالد...153

100 - الحسين بن زياد...153

101 - الحسين بن سعيد...153

102 - الحسين بن شعيب...154

103 - الحسين بن صالح...154

104 - الحسين بن عبدربه...154

105 - الحسين بن علي...154

106 - الحسين بن علي...154

107 - الحسين بن قياما...155

108 - الحسين بن موسى...155

109 - الحسين بن مياح...155

110 - الحسين بن يسار...156

111 - حماد بن بكر... 156

112 - حمّاد بن عثمان...156

113 - حمّاد بن عثمان...156

114 - حمّاد بن عيسى...156

115 - حمدان بن إبراهيم...157

116 - حمزة بن بزيع...158

117 - حيدر بن أيوب...158

حرف الخاء....158

118 - خلف بن سلمة...158

119 - خيران (مولى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ))...158

حرف الدال...159

120 - دارم بن قَبِيْصة...159

121 - داود بن سليمان...159

122 - داود بن عليّ...159

123 - داود بن عليّ...159

124 - داود بن القاسم...159

125 - داود بن مافنة...160

126 - داود بن النعمان... 160

127 - دعبل بن عليّ...161

مكانته العلميّة...161

مؤلّفاته...163

شعره...164

مدحه للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...164

رثاؤه للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...166

هجاؤه...169

جاؤه للرشيد....169

هجاؤه لإبراهيم...169

هجاؤه للمعتصم...171

هجاؤه للواثق...1727

إلى جنة المأوى...173

حرف الراء...174

128 - رحيم عبدوس...174

129 - ريّان بن شبيب...174

130 - الريان بن الصلت...175

حرف الزاي...175

131 - زكريا (أبو يحيى)...175

132 - زكريا بن آدم...176

133 - زكريا بن إدريس...177

134 - زكريا بن عبدالصمد...178

135 - زكريا بن محمّد...178

136 - زكريا بن يحيى...178

حرف السين..178

137 - سعد (خادم أبي دلف)...178

138 - سعد بن سعد...178

139 - سعيد بن جناح...179

140 - سعيد بن حماد...179

141 - سعيد بن سعيد...179

142 - سليمان بن جعفر...179

143 - سليمان بن الجعفري...179

144 - سليمان بن حفص...179

145 - سليمان بن حفص...180

146 - سليمان بن داود...180

147 - سليمان بن رشيد...180

148 - السندي بن الربيع...180

149 - سوادة القطان...180

150 - سهل بن اليسع...180

151 - سهل الأشعري...181

حرف الشين...181

152 - شعيب بن حماد...181

حرف الصاد...181

153 - صالح بن عبداللّه...181

154 - صالح بن عليّ...181

155 - صالح الخباز...182

156 - صباح بن نصر...182

157 - صدقة الخراساني...182

158 - صفوان بن يحيى...182

حرف الطاء... 184

159 - طاهر بن حاتم...184

حرف العين...184

160 - عباد بن محمّد...184

161 - العبّاس (مولى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ))...184

162 - العبّاس بن جعفر...184

163 - العبّاس بن محمّد...185

164 - العبّاس بن معروف...185

165 - العبّاس بن موسى...185

166 - العبّاس بن هشام......185

167 - العبّاس بن هلال...185

168 - العبّاس النجاشي...185

169 - عبدالجبار بن المبارك...186

170 - عبد الحميد بن سعيد...186

171 - عبدالرحمن بن أبي نجران...186

172 - عبد السلام بن صالح...186

173 - عبد العزيز بن مسلم...187

174 - عبد العزيز بن المهتدي...187

175 - عبداللّه بن أبان...188

176 - عبد اللّه بن إبراهيم...188

177 - عبداللّه بن أيوب... 188

178 - عبداللّه بن جندب...188

179 - عبد اللّه بن الحارث...189

180 - عبد اللّه بن الصلت...189

181 - عبد اللّه بن طاووس... 190

182 - عبداللّه بن علي...190

183 - عبد اللّه بن المبارك...190

184 - عبد اللّه بن محمّد...191

185 - عبد اللّه بن محمّد... 191

186 - عبد اللّه بن محمّد...191

187 - عبد اللّه بن المغيرة...191

188 - عبدالوهاب...192

189 - عبیداللّه...193

190 - عبيد اللّه بن إسحاق...193

191 - عبيد اللّه بن عبداللّه...193

192 - عبيد اللّه بن علي...193

193 - عبيد النصري...193

194 - عبيس بن هشام...193

195 - عثمان بن رشيد...193

196 - عثمان بن عيسى...194

197 - عطيّة بن رستم...194

198 - عقبة بن رستم...194

199 - علي بن أبي ثور...195

200 - علي بن أحمد...195

201 - عليّ بن إدريس...195

202 - علي بن أسباط... 195

203 - علي بن جعفر...195

204 - علي بن حديد...198

205 - علي بن الحسن... 199

206 - علي بن الحسين...199

207 - علي بن سعيد...199

208 - علي بن سويد...199

209 - علي بن سيف...200

210 - علي بن صاعد...200

211 - علي بن عبداللّه...200

212 - عليّ بن عبيداللّه...201

213 - علي بن عثمان...202

214 - عليّ بن عليّ...202

215 - علي بن الفضل...203

21 - علي بن مهدي...203

217 - علي بن مهزیار...203

رسائل الإمام الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليه...204

مؤلّفاته...205

218 - علي بن يحيى...207

219 - علي بن يونس...207

220 - عمّار بن يزيد...207

221 - عمر بن زهير...207

222 - عمر بن فرات...207

223 - عمرو بن سعيد...207

224 - عيسى بن عثمان...208

225 - عيسى بن عيسى...208

حرف الفاء...208

226 - فضالة بن أيوب...208

227 - فضل بن سنان...208

228 - فضل بن سهل...208

حرف القاف...209

229 - القاسم بن أسباط...209

230 - القاسم بن الفضيل...209

231 - القاسم بن يحيى...209

حرف الميم...210

232 - محسن بن أحمد...210

233 - محسن بن أحمد...210

234 - محمّد (مولى الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ))...210

235 - محمّد بن أبي جرير...210

236 - محمّد بن أبي عبادة...210

237 - محمّد بن أبي عمير...210

238 - محمّد بن أحمد...212

239 - محمّد بن إسحاق...212

240 - محمّد بن إسحاق...213

241 - محمّد بن أسلم...214

242 - محمّد بن إسماعيل...214

243 - محمّد بن أورمة...215

244 - محمّد بن جذاعة...215

245 - محمّد بن جعفر...215

246 - محمّد بن جعفر...216

247 - محمّد بن جعفر...216

248 - محمّد بن جمهور...216

249 - محمّد بن الحسن...216

250 - محمّد بن الحسين...216

251 - محمّد بن حمزة...217

252 - محمّد بن خالد...217

253 - محمّد بن الخصيب...217

254 - محمّد بن راشد...217

255 - محمّد بن زيد...217

256 - محمّد بن زید...217

257 - محمّد بن سالم...218

258 - محمّد بن سليمان...218

259 - محمّد بن سماعة....218

260 - محمّد بن سنان...218

261 - محمّد بن سهل...219

262 - محمّد بن سهل...219

263 - محمّد بن سهل...210

264 - محمّد بن صدقة...219

265 - محمّد بن الصيقل...219

266 - محمّد بن عبداللّه...220

267 - محمّد بن عبداللّه...220

268 - محمّد بن عبداللّه... 220

269 - محمّد بن عبداللّه... 220

270 - محمّد بن عبداللّه... 220

271 - محمّد بن عبداللّه... 220

272 - محمّد بن عبداللّه... 220

273 - محمّد بن عبداللّه...221

274- محمّد بن عبداللّه...221

275 - محمّد بن عبيد...221

276 - محمّد بن عبيد...221

277 - محمّد بن عبیداللّه...221

278 - محمّد بن عبيدة...221

279 - محمّد بن عرفة...221

280 - محمّد بن عليّ...22

281 - محمّد بن عليّ...222

282 - محمّد بن عليّ...222

283 - محمّد بن عمّار...222

284 - محمّد بن عمارة...222

285 - محمّد بن عمر...222

286 - محمّد بن عمر...222

287 - محمّد بن عمر...223

288 - محمّد بن عمرو...223

289 - محمّد بن عمرو...223

290 - محمّد بن عيسى...223

291 - محمّد بن عيسى...224

292 - محمّد بن فرات...224

293 - محمّد بن الفرج...225

294 - محمّد بن الفضل...225

295 - محمّد بن الفضل...225

296 - محمّد بن الفضيل...225

297 - محمّد بن الفيض...225

298 - محمّد بن القاسم...225

299 - محمّد بن القاسم...225

300 - محمّد بن القاسم...226

301 - محمّد بن كعب القرطي...226

302 - محمّد بن مالك...226

303 - محمّد بن منصور...226

304 - محمّد بن منصور...227

305 - محمّد بن منصور...227

306 - محمّد بن منصور...227

307 - محمّد بن يحيى...227

308 - محمّد بن يحيى...227

309 - محمّد بن يزيد.... 227

310 - محمّد بن يونس...227

311 - محمّد بن يحيى...228

312 - مرزبان...228

313 - مرزبان بن عمران...228

314- مروان بن يحيى...228

315 - مروك بن عبيد...228

316 - مسافر...228

317 - معاوية بن حكيم...228

318 - معاوية بن سعد...229

319 - معاوية بن سعيد...229

320 - معاوية بن يحيى...229

321 - معاوية الجعفري...229

322 - معروف الكرخي...229

323 - معمر بن خلاد...230

324 - معن بن خالد...230

325 - مقاتل بن مقاتل...230

326 - موسى بن أبي الحسن...232

327 - موسی بن جند...232

328 - موسى بن رنجویه...232

329 - موسى بن سلمة...232

330 - موسى بن عيسى...232

331 - موسى بن القاسم... 233

332 - موسى بن معمر...233

333 - موسى بن مهران...233

334 - موفق بن هارون... 233

335 - موفق (خادم الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ))...233

حرف النون....234

336 - نصر بن قابوس...234

337 - نصر بن مفلس...234

حرف الواو...234

338 - الوليد بن أبان...234

339 - الوليد بن أبان...234

حرف الهاء...234

340 - هارون بن عمر...234

341 - هاشم بن إبراهيم...234

342 - هرثمة بن أعين...235

343 - هشام بن إبراهيم...235

344 - هشام بن إبراهيم...235

345 - الهيثم بن عبداللّه...236

346 - الهيثم بن عبداللّه...236

حرف الياء...237

347 - ياسر...237

348 - يحيى بن إبراهيم...237

349 - يحيى بن أحمد...237

350 - يحيى بن بشار...237

351 - يحيى بن جندب...237

352 - يحيى بن سليمان...237

353 - يحيى بن العبّاس...238

354 - يحيى بن عمرو...238

355 - يحيى بن المبارك...238

356 - يحيى بن محمّد...238

357 - يحيى بن موسى...238

358 - يحيى بن يحيى...238

359 - يحيى بن يزيد...238

360 - يحيى الصنعاني...239

361 - يزيد بن عمر...239

362 - اليسع بن حمزة...239

363 - يعقوب بن سعيد...239

364 - يعقوب بن عبداللّه...239

365 - يعقوب بن يقطين...239

366 - يونس بن عبدالرحمن...239

367 - يونس بن يعقوب...241

عصر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)

243 - 297

الحياة العلميّة...246

قمر ابن المقنّع...246

المعاهد والمكتبات...247

بيت الحكمة...247

ترجمة الكتب...248

الخرائط والمراصد...249

العلوم السائدة...249

1 - التفسير...249

2 - الحديث...250

3 - الفقه...251

4 - الأصول...252

5 - النحو...252

6 - الكلام...252

7 - الطب...253

8 - الكيمياء...253

9 - الهندسة المعمارية والمدنية...253

10- الفلك...253

المراكز العلميّة...254

1 - بغداد...254

2 - يثرب...254

3 - الكوفة...254

4 - البصرة...255

الحياة الاقتصاديّة....257

واردات الدولة...258

إسراف وتبذير...258

زواج المأمون ببوران...259

بؤس العامّة وشقاؤها...261

الضرائب الثقيلة على المواريث...263

القسوة في أخذ الخراج...264

تركة ملوك العبّاسيّين...267

1 - تركة المنصور...267

2 - تركة المهدي...267

3 - تركة الرشيد...267

كراهة المسلمين للحكم العبّاسي...268

الفتن والثورات الشعبية...270

ثورة أبي السرايا...271

التنكيل بالعلويّين...279

رسالة الخوارزمي...282

مع الواقفية...287

1 - الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع ابن مهران...290

2 - الحسين بن عمر...293

3 - الوشّاء...294

مشكلة خلق القرآن...294

الكذب على الأئمّة...296

في عهد الرشيد والأمين والمأمون

299 - 370

هارون الرشيد...301

القسوة....301

الحقد...302

التحلّل...302

مع الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)...304

وشاية عيسى بن جعفر...306

وشاية يحيى...306

دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على البرامكة... 306

كبس دار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...307

رسالة سفيان لهارون...309

حكومة الأمين...311

1 - انهماكه في اللذات...311

2 - كراهته للعلم...311

3- ضعف الرأي...312

4 - احتجابه عن الرعيّة...312

خلعه للمأمون...314

تقصير الرشيد...315

الحروب الطاحنة...316

محاصرة بغداد...317

قتل الأمين...319

حكومة المأمون...322

أمّه...322

صفات المأمون...323

الغدر...324

القسوة...325

الدهاء... 326

الميل إلى اللهو...327

التحف الثمينة التي أهديت للمأمون...328

تظاهره بالتشيع...329

من علّمه التشيع...329

رد فدك للعلويّين...335

إشادته بالإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...335

انتقاصه معاوية...338

استدلاله على إمامة الإمام عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)...338

مع علماء الكلام...355

وجوم العلماء...360

أسئلة المأمون للعلماء...360

عقده ولاية العهد للإمام...363

زيف تشیّعه...363

أسباب تظاهره بالتشيع...369

منهج حكمه...370

الأمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) با وولاية العهد

371 - 428

دوافع المأمون...374

رسالة الفضل إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...374

موقف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...376

رسل المأمون إلى الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)...377

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يودع قبر النبيّ...379

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأمر أهله بالبكاء عليه...379

إقامة ولده الجواد مقامه...380

إلى بيت اللّه الحرام...380

إلى خراسان...380

في نيسابور...381

الحديث الذهبي...382

إلى طوس...383

استقبال المأمون للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)... 385

عرض الخلافة على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...385

المبرّرات المزعومة للمأمون...386

زيف مبرّراته...387

عرض ولاية العهد على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...388

شروط الإمام...389

نصّ وثيقة ولاية العهد...390

محتويات الوثيقة...397

ما تضمنه كتاب الإمام...398

محتوى كتابة الفضل...399

البيعة للإمام...400

كيفية البيعة...400

الإمام يخبر بعدم تمامية هذا الأمر...401

خطبة المأمون...401

خطبة الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)...402

خطبة العبّاس...402

الممتنعون من البيعة...402

تنفيذ حكم الإعدام فيهم...403

قرارات هامّة...404

زواج الإمام بابنة المأمون...406

البيعة للإمام في جميع الأقطار...407

1 - يثرب...407

2 - مصر...407

3 - مكّة...408

4 - الكوفة...408

ناقدون للإمام...410

1 - محمّد بن عرفة...410

2 - رجل... 410

3 - الريان بن الصلت...411

4 - خارجي...412

الناقمون على المأمون...412

خلع المأمون...413

البيعة لإبراهيم بن شكلة...413

رسالة المأمون للعبّاسيين...415

شؤون الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خراسان

429 - 486

وفادة الشعراء على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...431

جائزة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لدعيل...433

جائزة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إبراهيم...434

القصيدة الخالدة لدعبل...434

نص القصيدة...435

إنفاق جميع ما عنده (عَلَيهِ السَّلَامُ)...447

خطبة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في التوحيد...447

خطبة كتبها (عَلَيهِ السَّلَامُ) للمأمون...454

المأمون يطلب منه الا محاسن الشعر...456

رسالة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ولده الجواد (عَلَيهِ السَّلَامُ)...457

کتاب الحباء والشرط...459

توقيع المأمون...464

توقيع الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)...465

مع أخيه زيد...466

مع أخته فاطمة...468

صلاة العيد...469

استسقاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...470

دعاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...471

خطاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...472

عتاب وتحذير...473

خشية المأمون من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...475

قرارات هامة.... 475

عدم محاباة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للمأمون...478

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرفض تعيين الولاة...480

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يخبر بعدم دخوله بغداد...481

الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) والفضل بن سهل...481

عرض كاذب لاغتيال المأمون...4883

وشايته بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)... 484

معارضته للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...484

إلى جنّة المأوى

487 - 514

نصيحة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للمأمون...491

عزم المأمون على الرجوع إلى بغداد...491

حمّام سرخس...491

مصرع الفضل...492

اغتيال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...493

أقوال شاذة...493

1 - موته الا حتف أنفه...493

2 - اغتيال العبّاسيّين للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...494

3 - استشهاده (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالسم...494

إلى جنّة المأوى...495

رياء المأمون...499

إخفاء موت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...499

تشييع جثمان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...499

في مقرّه الأخير...500

إقامة المأمون على قبر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...501

المأمون مع هرثمة...501

عمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...501

رثاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...502

أشجع من عمرو السلمي...503

دعبل الخزاعي...504

ابن المشيع المدني...507

الخوافي...507

الضبي...508

فضل زيارة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...511

مصادر الكتاب...515

محتويات الكتاب...535