ghaemiyeh.com
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
تأليف: باقر شريف القرشي
تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي
الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
المطبعة : ستار
الطبعة الثانية : 1433هـ / 2012م
عدد النسخ :1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 8275 - 964 - 978
ردمك الجزء «20»: 8 - 69 - 8275 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هاتف 009647805694970
محرّر الرقمي: محمّد رادمرد
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الجزء السّابع و العشرون
الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)
تأليف: باقر شريف القرشي
تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي
موسسة الأمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
لإحياء تراث أهل البيت
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الجزء السّابع و العشرون
الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ)
عصرُ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)
تأليف: باقر شريف القرشي
تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي
موسسة الأمام الحسن لإحياء تراث أهل البيت
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
تأليف: باقر شريف القرشي
تحقيقُ : مَهْدِى بَاقِر القَرشي
الناشر : دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
المطبعة : ستار
الطبعة الثانية : 1433هـ / 2012م
عدد النسخ :1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 8275 - 964 - 978
ردمك الجزء «27»: 8 - 69 - 8275 – 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) - هاتف 009647805694970
بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أما عصر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقد كان من أبشع العصور الإسلاميّة، ومن أكثرها قلقاً واضطراباً، خصوصاً في أيّام الحكم الأموي، فقد امتحن المسلمون فيه امتحاناً عسيراً، وأرهقوا إرهاقاً شديداً، فلم يبق إقليم في الوطن العربي الكبير منعماً بالأمن والدعة والاستقرار، وإنّما ساد فيها الخوف وعمّ الذعر.
وكان من بين السمات البارزة في ذلك العصر انتشار الثورات الشعبيّة في كلّ قطر وهي تعلن العصيان المسلّح، وتنادي بسقوط الدولة الأمويّة التي استعبدت الناس، وأرغمتهم على ما يكرهون، ومن أهم الثورات والانتفاضات الثورات التي قادها العلويّون وزعماء شيعتهم، وثورات الخوارج، وقد أدّت إلى ضعف الدولة الأمويّة وانهيارها إلى حدّ بعيد.
وكان من بين ما عاناه المسلمون في أواخر الحكم الأموي إشاعة الصراع القبلي على أشدّه بين المسلمين، فقد عمل الحكام الأمويّون بصورة ساخرة إلى ذلك لفرض سيطرتهم ونفوذهم على المسلمين، وصرفهم عمّا يعانونه من الظلم والجور والاستبداد.. وقد أدت هذه السياسة الخرقاء إلى انتشار الأحقاد والضغائن، وهجاء بعض القبائل لبعض بأمر وألذع ما يكون الهجاء، كما هو مدوّن في شعر جرير والفرزدق وغيرهما من شعراء ذلك العصر، وقد أوجب ذلك انهيار الدولة، وانتشار دعاة الدولة العبّاسية في كلّ قطر وإقليم.
وقد انتهز الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الفرصة المليئة بالأحداث الجسام، فأقام جامعته
الكبرى التي رفعت منار العلم، وأشاعت التطور والوعي العلمي والثقافي بين المسلمين، وقد تحدثنا عن ذلك بصورة شاملة في إحدى حلقات هذا الكتاب.
وعلى أي حال، فإنّا نعرض - في هذه الحلقة - للسياسة الأمويّة، وبيان مخططاتها كما نعرض قبل ذلك لدراسة شاملة عن ملوك الأمويّين منذ بداية حكمهم إلى انهيار دولتهم، وقيام الدولة العبّاسيّة التي لم يترقّب المسلمون بأي حال من الأحوال إلى إقامتها، وإنما كانوا يترقّبون إقامة الدولة العلوية التي تحقق ما يصبون إليه من إشاعة العدل والأمن والرخاء، فقد قدم العلويّون من أجل هذه الأهداف أعزّ وأغلى أبنائهم، وتعرّضوا لأعنف الأزمات وأقسى المصاعب، في حين أن العبّاسيّين كانوا قابعين في ديارهم، يتلقون المعونات والصلات المالية من الدولة الأمويّة، ولم يكن لهم أي دور يذكر في خدمة الأمّة، وإنقاذها من ويلات الحكم الأموي.
ومهما يكن الأمر فإنّ الحكم حينما اختلسه العبّاسيون انتهجوا في سياستهم الداخلية بجميع شعبها منهج السياسة الأمويّة، بل كانت أعنف وأقسى منها بكثير، خصوصاً في عهد المنصور الدوانيقي، الذي سلب اقتصاد الأمّة، وملأ خزائنه بالأموال الطائلة التي اختلسها من الشعوب الإسلاميّة، وترك الفقر ينهش في جسوم الفقراء، كما صبّ وابلاً من الظلم لا مثيل له في قسوته على السادة العلويّين دعاة العدل الاجتماعي، ويعرض هذا الكتاب لبيان ذلك
ومن بحوث هذا الكتاب دراسة الأحزاب السياسيّة، والفرق الدينية، والتعرّف على مبادئها، وأنشطتها السياسيّة، كما يعرض إلى الحياة الثقافيّة واللاقتصاديّة، وغير ذلك من شؤون ذلك العصر، فإنّ البحث عن ذلك - فيما أحسب - من متممات البحث عن شخصيّة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) رائد العلم والفكر في دنيا الإسلام.
وقد اعتمدنا في جميع بحوثنا على أوثق المصادر التاريخيّة من دون أن نتحيّز أو نتعصب، رائدنا دراسة التاريخ الإسلامي على واقعه، والتعرف على الذوات الخيّرة التي رفعت منار العلم، وجاهدت في سبيل حقوق الإنسان، ودافعت عن حقوق
المظلومين والمضطهدين، ومنه تعالى نستلهم التوفيق إنّه وليّ من التجأ إليه.
مکتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) العامّة
باقر شريف القرشي
النَّجف الاشرف
ولم يتوقّع أي أحد من الأوساط الشعبيّة في العالم الإسلامي أن يظفر الأمويّون بالحكم، ويؤول إليهم سلطان المسلمين، فلهم ماضيهم الأسود الحافل بالإساءة للإسلام، ومفجر دعوته الرسول العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فهم الذين أعلنوا الحرب عليه، وقادوا أحزاب الشرك لمناهضته، وإخماد نوره، ولكن اللّه تعالى ردّ كيدهم، وهزمهم في جميع المواقف، ونصر رسوله الكريم، وأعزّ دينه العظيم.
وبعدما قهرهم الإسلام، وانهارت قواهم العسكريّة واللاقتصاديّة، وفتحت مكّة التي كانت الحصن المنيع لهم، دخلوا في الإسلام أذلاء صاغرين، مقهورين يخافون أن يتخطفهم المسلمون ويثأروا لدماء أبنائهم وإخوانهم التي أراقها الأمويّون، وقد قابلتهم القيادة الإسلاميّة العليا بالاحتقار والامتهان، كما كان المسلمون ينظرون إلى إسلامهم نظرة تتّسم بالريبة والشكّ، فهم المنافقون الذين أعلنوا كلمة التوحيد بألسنتهم حقناً لدمائهم، وانطوت قلوبهم على الكفر العميق، والحقد الدفين على الإسلام.
ولما انتقل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى حظيرة القدس، ألمّت بالمسلمين أحداث مؤلمة كان من أفجعها وأقساها إبعاد العترة الطاهرة، التي هي وديعة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في أمّته ، عن القيادة العامّة للأمة، وجعلها بمعزل عن المسرح السياسي والاجتماعي، كما صودرت مواردها اللاقتصاديّة التي منها تأميم فدك، ومنعها من الخمس، لئلا يكون لها أي نفوذ في الميادين السياسيّة والاجتماعيّة، وقد أدلى بذلك
الكثيرون من المحقّقين، مستندين فيما ذهبوا إليه إلى الوثائق التاريخيّة.
وعلى أي حال، فإنّ السياسة التي انتهجها الخلفاء قضت بانتشال الأمويّين من مستواهم السحيق، وتعزيز مركزهم، فأسندوا إليهم بعض المناصب المهمة في الدولة، فقد منح أبو بكر ولاية الشام إلى يزيد بن أبي سفيان، وشيعه إلى خارج يثرب، ولم يفعل مثل ذلك مع ولاته. وبعد وفاته أسند عمر ولاية الشام إلى أخيه معاوية بن هند، ومدّ في سلطانه، وأولاه المزيد من العناية والرعاية، تتواتر لديه الأخبار أنه يسرف في أحوال المسلمين، ويستعمل أواني الذهب والفضة، ويلبس الحرير والديباج، وكلّ ذلك ممّا حرمه الإسلام، فيعتذر عنه، ويقول مقالته المشهورة في تسديده : «ذاك كسرى العرب». وليس في الإسلام كسروية ولا قيصريّة، فالناس جميعاً سواسية لا يفضل أحدهم على أحد إلّا بالتقوى.
وعلى أي حال، فهل يباح لكسرى العرب أن يقترف ما حرم اللّه ورسوله، ويشذّ في سلوكه عمّا حرّمه الإسلام ؟
لقد حظي معاوية عند الخليفة الثاني، واحتلّ مكانة متميزة في نفسه، كان في كلّ سنة يحاسب عماله، ويشاطرهم أموالهم سوى معاوية، فقد أعفاه من الحساب.
ولمّا اغتيل انتخب ستّة أشخاص، وألزمهم بانتخاب واحد منهم لرئاسة الدولة، ومن أبى منهم أمر بضرب عنقه، وكان من بين المرشّحين عثمان بن عفّان عميد الأسرة الأمويّة، ومعه أغلب العناصر المؤيدة له، والمنحرفة عن الإمام أمير المؤمنين سيّد العترة الطاهرة.
يقول بعض المحلّلين للأخبار : إنّ الشورى التي صمّمها عمر كانت مؤامرة خطيرة لإقصاء الإمام أمير المؤمنين عن الحكم ومنحه للأمويين، وهذا الرأي وثيق للغاية تدعمه الوثائق التاريخيّة.
ومهما يكن الأمر فإنّ عثمان حينما استولى على السلطة حمل بني أميّة وآل أبي معيط على رقاب المسلمين، ومنحهم الثراء العريض، وحباهم بأهم المناصب في الدولة، فأصبحوا المهيمنين على جهاز حكومته، كما أصبحوا القوة الرأسمالية في البلاد.
وكان مروان من ألصق الناس به، وأقربهم منزلة منه، فهو وزيره ومستشاره، ومدير شؤونه، وكان مروان - حسبما يقول المؤرّخون - : جاهليّاً بما تحمله هذه الكلمة من معنى، لم تهذّبه الأخلاق الإسلاميّة، ولم تصقله تعاليم الدين الحنيف كان شرساً، متجبّراً، طاغياً، منغمساً في الباطل، قد أبغضه المسلمون ونفروا منه، وقد لعب دوراً خطيراً في مجريات الأحداث، فهو الذي جرّ لعثمان المشاكل والمصاعب، وألقاه في شرّ عظيم.
وعانت الأمّة من حكومة عثمان أعنف الأزمات، فقد ساد في جميع قطاعاتها وشرائحها القلق والاضطراب، وعمّ التذمّر والإنكار على عثمان لأنّه ولّى على المسلمين شرار الولاة أمثال الوليد وغيره من أرحامه، كما نقموا عليه تنكيله بخيار الصحابة، كأبي ذرّ وعمّار بن ياسر وعبد اللّه بن مسعود، وغيرهم من الذين طالبوه بتحقيق العدالة الاجتماعيّة، وإقصاء بني أميّة عن جهاز حكومته.
وكان من أعظم ما نقم عليه المسلمون استعماله لبني أميّة حكاماً وولاة على الأقطار الإسلاميّة، وهم لا يفقهون شيئاً من الإسلام، وكانوا يرون أن الحكم وسيلة للظفر بخيرات البلاد، فأسرفوا في البذخ والترف واقتناء الجواري، وقد تكدست عندهم الأموال الطائلة التي نهبوها من بيت مال المسلمين، وقد خالفوا بذلك ما أمر به الإسلام من الاحتياط الشديد في أموال الدولة، وإلزامه بأن تنفق على تطوير حياة المسلمين، وإنقاذهم من ويلات الفقر وكوارث الحرمان.
إنّ السياسة التي انتهجها عثمان لم تكن سديدة ولا رشيدة، فقد جرت له الكثير
من المشاكل والخطوب، وخلقت له جبهة معارضة ضمّت أعلام الصحابة، ورجال الفكر في الإسلام، وساندتهم أقاليم الدولة الإسلاميّة، فهرع منها فريق من القوّات المسلّحة إلى يثرب، وأحاطوا بعثمان يطالبونه بالاستقامة أو الاستقالة، وكان يستجيب لمطالبهم بالاعتدال، إلّا أنّه ينقض ذلك تحت ضغط من مروان، فلم يجدوا بُدّاً من الإجهاز عليه، فقتلوه ولم يسمحوا بمواراته، وتوسط الإمام في دفنه، فسمحوا له بذلك، فدُفن في حشّ كوكب.
وتولّى الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رائد العدالة الاجتماعيّة السلطة بعد أن امتنع من قبولها امتناعاً شديداً، إلّا أنّ الثوّار أجبروه على ذلك، وفور توليته للحكم أعلن المبادئ العليا التي تبناها الإسلام في الميادين السياسيّة من إشاعة العدل والرخاء، والمساواة بين الناس، والتسوية بينهم في العطاء، وطرد العناصر المرترقة والعميلة للأمويين من جهاز الحكم، ومصادرة الأموال التي اختلسها الأمويّون وإرجاعها إلى بيت المال، وهدم الحواجز التي اصطنعها الأمويّون بين المسلمين، فالناس سواسية حسب شريعة اللّه تعالى، فلاسيّد ولا مسود إلا بالتقوى. وورمت أنوف الأمويّين، واحترقت قلوبهم من الغيظ والحقد، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فقد عرفوا عدل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنّه لا تأخذه في الحقّ لومة لائم، وأن الضعيف عنده قوي حتّى يأخذ له الحقّ، والقويّ عنده ضعيف حتّى يأخذ منه الحقّ، وأنّه سيطبق الإسلام بجميع بنوده على حقيقته النازلة من ربّ العالمين، ولا يدع مجالاً للأمويين للتدخل في شؤون المسلمين، والتلاعب في مصيرهم.
لقد أيقن الأمويّون بذلك، ففزعوا كأشدّ ما يكون الفزع، واتجهوا صوب مكّة للالتقاء بالسيدة عائشة بعد أن أعلنت التمرّد على حكومة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأخذت تنعى عثمان وتندبه، وتندّد بقاتليه، وقد كانت في طليعة من أجهزوا عليه، فقد أفتت
بقتله، وقالت : «اقتلوا نعثلاً فقد كفر». وقد حفظ المسلمون فتواها بكفره وقتله، ولم ينسوا أنها كانت تخرج شعر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وهي تقول : «هذا شعر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لم يبل وعثمان قد أبلى سنّته».
وعلى أي حال، فقد التحق الأمويّون بعائشة، وهم يثيرون حفائظها ويدفعونها لإعلان الثورة على حكومة الإمام، كما التحق بها طلحة والزبير بعد أن أقسما باللّه تعالى للإمام أنّهما يريدان العمرة، ولكنهما يريدان الغدرة، ونكث البيعة، والخروج عن إرادة الأمّة، ووجدت عائشة بهما عوناً وحجّةً لتبرير موقفها أمام الغوغاء، وقد زحفت بمن معها من اللصوص والظَّلمة والمارقين عن الحقّ إلى البصرة، واحتلّتها بعد أحداث دامية، ولمّا علم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالأمر زحف بجيشه نحو البصرة، وقضى على هذا الجيب المتمرّد، وقد أثكلت البصرة وشاع في ربوعها الحزن والحداد.
لماذا أراقت عائشة أنهاراً من دماء المسلمين، فهل استأثر الإمام بأموال الدولة ؟ وهل وظف أحداً من أبنائه في الأقاليم الإسلاميّة حتّى تعلن الثورة عليه ؟ إن الحاكم هو اللّه، وإليه مرجع أمر العباد.
وهرب الأمويّون بعد هزيمتهم بالبصرة إلى عميدهم الذئب الجاهلي معاوية بن سفيان، وأخذوا يعملون معه جاهدين للإطاحة بحكومة الإمام، وقد طلبوا بدم عثمان واتّخذوه ورقة رابحة لهم.
يقول حسّان بن ثابت :
يا ليت شعري وليتَ الطيرُ تُخبرني***ما كان شأنُ على وابن عفّانا
لَتَسْمَعُنَّ وشيكاً في ديارهم***اللّه أكبرُ يا ثاراتِ عُثمانا (1)
وأوعز معاوية إلى وسائل الإعلام أن تهوّل أمر عثمان، وأنه قتل مظلوماً، وتلقي
1) مروج الذهب : 347:2.
المسؤولية في إراقة دمه على الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنّ معاوية وبني أميّة هم ولاة دمه.
يقول الأخطل لبشر بن مروان :
وإن يك للحق أسبابٌ يُمدُّ بها***ففي أكفهم الأرسانُ وَالسَّبَبُ
هم سعوا بابن عَفَانَ الإمام وهُمْ بعد الشماس مَرَوْها (1)ثُمَّتَ احتلَبُوا (2)
ويقول الفرزدق لعبد الملك بن مروان :
تُراتُ عُثمان كانوا الأولياء لَهُ***سربال مُلْكِ عَلَيْهِمْ غَيْرُ مَسلُوب (3)
كما أوعزوا لوسائل الإعلام أن تذيع بين الناس أنّ بني أميّة هم ورثة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لا غيرهم، وقد شاع بين أهل الشام أنّ بني أميّة إنّما استحقّوا الخلافة لقرابتهم من الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد دخل على أبي العبّاس مشيخة من أهل الشام، فقالوا له : واللّه ما علمنا أنّ لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لها قرابة يرثونه إلا بني أميّة حتّى وليتم (4).
يقول الفرزدق لمعاوية بن هشام بن عبدالملك :
ورثُوا تُراثَ محمّد كانوا به***أولى وكانَ لهُمْ منَ الأَقسام(5)
ويقول الفرزدق يخاطب بني أميّة :
وَرِثُوا مَشورَتَها لِعُثمانَ التي***كانتْ تُراثَ نَبِيِّنا المُتَخَيَّرِ (6)
وقام عملاء الأمويّين ووعاظ السلاطين بإذاعة ذلك بين الجماهير في خطب الجمعة وفي الأعياد، وفي كلّ مناسبة دينية، وانخدع أهل الشام بذلك، وأصبحوا ينوحون ويبكون أمر البكاء على ابن عفّان، وزج بهم معاوية لحرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرائد الأوّل لحقوق الإنسان وإسعاده.
وانضمّ إلى معاوية أمهر الدبلوماسيين في ذلك العصر أمثال : عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، فجعلوا يضعون له المخططات الرهيبة للتغلب على الأحداث، وقد تمسكوا بجميع ألوان الكذب والخداع لاتهام الإمام بدم عثمان. وساق ابن هند الغوغاء الذين تلوّنهم الدعاية ووسائل الإعلام كيفما شاءت، لمحاربة وصيّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و باب مدينة علمه، وعسكر بصفين، وقد احتلت قواته حوض الفرات ليموت جيش الإمام عطشاً، واعتبر ابن هند ذلك أوّل النصر، وزحف الإمام بجيشه الذي ضمّ أعلام الصحابة، وحماة الإسلام أمثال : الصحابي عمّار بن ياسر، وحجر بن عدي، وذو الشهادتين، وعمرو بن الحمق الخزاعي، ونظرائهم ممّن عرفوا منزلة الإمام، وأنّه إمام المتقين، ورائد الحقّ والعدالة في الأرض.
ووجد جيش الإمام حوض الفرات قد احتلته قوات معاوية، فطلبوا منهم السماح بالشرب والارتواء منه، فأبوا وامتنعوا كأشدّ ما يكون الامتناع، وخاض أصحاب الإمام معهم معركة رهيبة أسفرت عن هزيمة جيش معاوية، واستيلائهم ع-ل-ى الفرات، وطلب أصحاب الإمام منه أن يمنعهم من الماء كما منعوهم منه، فأبى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يقابلهم بالمثل، فليس ذلك من طبيعته التي جبلت على النبل والكرامة والشرف، فالناس سواسية في الماء لا يحقّ لأحد أن يمنعه عن الآخرين.
وعلى أي حال، فقد عرض الإمام على معاوية أن ينصاع لحكم اللّه ولا يسفك دماء المسلمين، فأبى ابن هند أن يستجيب لنداء الحقّ وأصرّ على الغي والعدوان، وفتحت أبواب الحرب بين الفريقين، واستمرّت زهاء سنتين تشتد تارة، وتفتر أخرى. وفي الأيّام الأخيرة مُنيت قوّات معاوية بهزيمة ساحقة، وتفلّلت جميع
فصائل جيشه، وهم معاوية بالفرار، وبان النصر المحتّم لجيش الإمام في لحظات معدودة، إلّا أنّ ابن العاص والأشعث بن قيس قد دبّرا مؤامرة أحكمت أطرافها قبل وقت ليس بالقصير، وهي رفع المصاحف، والدعوة إلى تحكيم القرآن الكريم، ورفع أهل الشام المصاحف، وتعالت أصواتهم إلى الرجوع لحكم القرآن والعمل بما فيه، وخدع القرّاء في جيش الإمام بهذه الدعوة، فاندفعوا بلا وعي ولا إحساس وهم ينادون بإيقاف الحرب، والانصياع إلى هذه الدعوى التي تحمل السم القاتل لهم وللمسلمين، ورفض الإمام الممتحن هذه الدعوى، واعتبرها خديعة من معاوية، فقد أشرفت الحرب على نهايتها، ولم يبق منها إلا حلبة شاة أو عدوة فرس -كما يقول مالك الأشتر القائد العام للقوات المسلّحة في جيش الإمام - حتّى يقتل معاوية أو يؤتى به أسيراً.
يا اللّه لقلب الإمام الممتحن من هذه الكوارث التي تتصدّع من هولها الجبال لقد أحاط به أولئك الزعانف يهدّدونه بالقتل إن لم يستجب لنداء التحكيم.
ولم يجد الإمام بُداً من إجابتهم، فقد جرّوا لهم ولأجيالهم الويل والدمار.. لقد انتصر معاوية وانتصرت معه القوى الجاهليّة التي حاربها الإسلام، لقد انتصر الباطل، واندحرت قوى الحقّ والعدل وأصرّ المتمرّدون ثانياً على انتخاب أبي موسى الأشعري ليكون ممثّلاً لهم في التحكيم، وأبو موسى عدوّ للإمام، غبي في فكره، بليد في بصيرته، قدران الباطل على قلبه فأنساه ذكر اللّه، وتدافع أولئك الحشرات أمواجاً أمواجاً نحو الإمام وهم يهتفون : «لا نرشّح غير أبي موسى».
واستجاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ما أرادوا، فقد أصبح لا يُطاع له أمر، ولا يُستجاب له قول، وتم انتخاب أبي موسى برأيهم لا برأي الإمام، وضربوا وقتاً للتحكيم ولما حان الوقت اجتمع أبو موسى عمدة أولئك الأقزام وممثلهم بثعلب أهل الشام الماكر الخبيث عمرو بن العاص، فأخذ يقدّم له ألواناً من الطعام، ويقابله بمزيد
من الحفاوة والتكريم حتّى أرشاه، واتفقا على أن يخلع كلّ منهما صاحبه، وينتخب المسلمون غيرهما إماماً للمسلمين.
وتقدّم الغبي أبو موسى فخلع الإمام عن الخلافة التي تزينت وتشرفت به، وانبرى ابن العاص فخاس بما عاهد صاحبه، فخلع عليّاً عن الخلافة، ورشّح معاوية لها.
ووقع الخلاف على أشدّه في جيش الإمام، واستبان المعظمهم فساد ما ذهبوا إليه من التحكيم والترشيح، وانعزل فريق أعمى اللّه أبصارهم، فضلوا عن الطريق القويم عن جيش الإمام، وهم القرّاء، وأطلق عليهم في ذلك اليوم اسم (الخوارج)، وقد نقموا على الإمام قبوله لإيقاف الحرب، كما نقموا عليه قبوله لانتخاب أبي موسى الأشعري للتحكيم، وهم الذين أجبروه على ذلك. وأخذ الخوارج يسعون فى الأرض فساداً، فأشاعوا الخوف والارهاب، وأباحوا دماء المسلمين، ونهب ثرواتهم، وقد شكلوا بذلك خطراً على الأمن العامّ، وجهد الإمام في هدايتهم، وإرجاعهم إلى طريق الحقّ، فحاججهم وناظرهم، وأقام الحجج القاطعة على فساد ما ذهبوا إليه، فاستجاب فريق منهم، وانصاعوا إلى الحقّ، وأصرَّ فريق منهم على الغي والعدوان، وأعلنوا الحرب على الإمام، ولم يجد الإمام الممتحن بداً من محاربتهم، فحاربهم وقضى عليهم، وما انتهت هذه الحرب إلّا وجيش الإمام قد ماج بالفتن والاضطراب، فقد أصبح على الإطلاق متمرّداً، معلناً للعصيان، يدعوهم الإمام فلا يستجيبون له، خصوصاً قادة الجيش، فقد كان معظهم مع معاوية لأنّه ضمن لهم العطاء الوفير، والمناصب العليا، وتحقيق ما يصبون إليه.
واستعلى معاوية، وانتصر في الميدان، وأخذ يبعث أعوانه للغارة على جميع المناطق الخاضعة لحكم الإمام لإشاعة الذعر والرعب فيها، وإفهام أهلها بأنّ الإمام لا يتمكن على حمايتهم، كما احتلّ مصر، وقضى على حاكمها، وكان باستطاعته احتلال العراق، والقضاء على الامام بعدما استجاب له معظم قادة جيش الإمام،
ويقي الإمام في أرياض الكوفة يدعو الجماهير بخطبه الحماسية لمناجزة معاوية، ويحذرهم من الخطر الهائل الذي يمنون به لو استولى عليهم معاوية، إلا أنهم أعاروا خطبه آذانا صمّاء.
واستوعب الأسى والحزن قلب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي مزّقته الكوارث، وراح يبتهل إلى اللّه، ويتضرّع إليه أن ينقله إلى جواره، ويريحه من ذلك المجتمع الذي فقد الوعي.. واستجاب اللّه دعاء وليه، فانبرى إلى اغتياله الخبيث المجرم عبد الرحمن بن ملجم فاغتاله في بيت اللّه الحرام، وهو قائم يصلّي لربّه، وصاح الإمام حينما أحسّ بلذع السيف : «فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ».
لقد فزت یا رائد الحقّ والعدل، فقد جهدت على تحرير الإنسان من الظلم والعبودية، ولكنّ أرجاس الأمويّين حالوا بينك وبين تحقيق أهدافك التي بقيت أنشودة الأحرار في كلّ زمان ومكان. لقد فزتَ يا إمام المتّقين لأنك جاهدت في اللّه حق جهاده، فلم توارب، ولم تخادع، ولم تداهن في دينك، مبتغياً في ذلك الأجر عند اللّه تعالى.
وبعد أن توفي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قام سبط رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتجهيز أبيه، فجهّزه ودفنه في مقرّه الأخير في النجف الأشرف، وقد سعدت هذه البقعة به، وأصبحت كعبة للوافدين، ومركزاً للعلم والفكر في الإسلام. وتولى سبط رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وريحانته الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) قيادة الأمّة بعد وفاة أبيه، وقد بايعته الجماهير ولكن بتثاقل وكره على حدّ تعبير بعض المؤرّخين.
وأخذ معاوية يعمل جاهداً لإسقاط حكومة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاتصل بواسطة عملائه بقيادة جيش الإمام، فأرشاهم بالمال، وبالمناصب العالية، وبالزواج بإحدى بناته إن تخلّوا عن الإمام، فاستجابوا له طائعين صاغرین، منفذين لجميع رغباته، وكان في طليعتهم القائد العام للقوات المسلّحة عبيد اللّه بن العبّاس، فقد تسلّم نصف
مليون دينار من معاوية والتحق بمعسكره، كما تعهد فريق آخر من القادة لمعاوية باغتيال الإمام أو تسليمه له أسيراً إن شاء.
واتجه معاوية بجيوشه المتضامنة والمطيعة لحرب سبط رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولما علم الإمام بالأمر ندب جيشه لصدّ العدوان الأموي، فلم يستجب له إلا نفر قليل من القادة، وأخذوا يحرّضون الجيش ويدفعونه دفعاً لمناجزة معاوية. وغادر الإمام عاصمته الكوفة مع فصائل من جيشه مختلفة كأشدّ ما يكون الاختلاف، مختلفة في ميولها واتّجاهها وفي كلّ شيء، فبعض الفرق - وهي الأكثريّة الساحقة في جيشه - ترى رأي الخوارج المعروفين بعدائهم لآل البيت، وبعضهم قد سئموا من الحرب وخلدوا إلى الراحة، والقسم الأوفر كان يميل إلى معاوية طمعاً بأمواله.
وعلى أي حال، فقد استبان للإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه لم يكن عنده جيش يحميه، ولم يكن هناك ركن شديد يأوي إليه، وقد اعتدى عليه بعض أجلاف الخوارج فطعنه في فخذه، وهو يصلي قائلا له : «أشركت يا حسن، كما أشرك أبوك».
ودرس الإمام بدقّة وإمعان الأوضاع الراهنة المحيطة به، فإذا حارب معارية فإنّ النصر المحتم سيكون لمعاوية، فإما أن يمن عليه، أو يقتله، وليس في الإقدام على ذلك أيّة مصلحة تعود على الأمّة، وإنّما تعود عليها بالأضرار البالغة، والمصاعب الهائلة، فاضطر إلى الصلح مع معاوية على ما في الصلح من قذى في العين، وشجا في الحلق، وشرط (عَلَيهِ السَّلَامُ) شروطاً على معاوية إلّا أنّه أعلن نقضها، وعدم وفائه، وجعلها تحت قدميه، قال ذلك أمام الجماهير الحاشدة، ولو لم يكن للصلح من فائدة لكفى، فقد أبرزت حقيقته للناس على امتداد التاريخ، وأنه مجرد من جميع القيم والمبادئ الإسلاميّة (1).
1) ذكرنا عرضاً شاملاً لأسباب الصلح والشروط التي اشترطها الإمام على معاوية في الجزء الثاني من كتابنا حياة الإمام الحسن بن عليّ (عَلَيهِمَا السَّلَامُ).
واستولى معاوية على دست الحكم بالقوة لا برغبة الأمّة وإرادتها، وقد أعلن ذلك بقوله : «واللّه إنّي ما وليتها بمحبّة علمتها فيكم، ولا بمسرّة بولايتي، بل جالدتكم بسيفي هذا مجالدة» (1). وحينما صفا له الملك وجّه جميع أنشطته السياسيّة إلى ما يلى :
أوّلاً: استئصال الشيعة والقضاء عليهم حتّى لا يكون لهم أي وجود يذكر، سواء في الميادين السياسيّة أو الاجتماعيّة، ومن الإجراءات القاسية التي قام بها :
1 - التصفية الجسديّة لأعلام الشيعة، كحجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي ورشيد الهجري وأمثالهم من القادة الذين كانوا من أهم أرصدة التشيّع في ذلك الوقت.
2 - هدم دور الشيعة، فقد قام عماله وولاته بهدم كل دار ينتمي صاحبها لآل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
3 - إسقاط جميع حقوقهم المدنيّة التي منها عدم قبول شهادتهم في مجلس القضاء.
ثانياً : إعلان سب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المحافل الرسميّة والدينيّة، وتغذية المسلمين ببغضه.
ثالثاً : تشكيل لجنة لافتعال الأحاديث ونسبتها إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وتتناول الموضوعات التالية :
1 - مدح الصحابة، وخلق أرصدة دينية وجهادية لهم.
2 - مدح الأمويّين، وافتعال المآثر الكريمة لهم، وأنّهم حماة الإسلام وبناة مجده.
1) العقد الفريد : 4: 81.
2 - ذمّ السادة العلويّين، وأنهم ليسوا آل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وإنّما هم أعداؤه وخصومه.
أمّا أعضاء لجنة الوضع فهم : عمرو بن العاص، سمرة بن جندب، شيخ المضيرة، أبو هريرة الدوسي، وغيرهم، ومن المؤسف حقّاً أنّ أحاديثهم دونت في الصحاح والسنن، واعتبرت من بنود الحديث في الإسلام.
رابعاً : اغتيال الجبهة المعارضة لحكومة معاوية، والتي يحذر أن تفوز بالحكم بعد هلاكه، وكان في طليعتهم الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد دسّ إليه السمّ على يد الآثمة جعيدة بنت الأشعث فاغتالته، وكان معاوية قد عاهد الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن ترجع إليه الخلافة بعد هلاكه، إلّا أنّه خاس بعهده ونقض وعده.
خامساً : أنّه استعمل على الأقاليم الإسلاميّة أشرار الولاة وأقساهم، فأغرقوا البلاد بالجور والظلم، ونهبوا ثرواتها، ولم يبق عند العامّة فضل من المال، وقد خاطب عقيبة الأسدي معاوية بهذه الأبيات:
مُعَاوِيَ إِنَّنا بَشَرٌ فأَسْجِحْ***فَلَسْنَا بِالجِبالِ ولا الحَدِيدِ
أَكَلْتُمْ أَرْضَنَا وَجَرَدتُموها***فَهَلْ مِنْ قائم أَوْ مِنْ حَصِيدِ
ذَرُوا جَوْرَ الخِلافَةِ وَاسْتَقِيمُوا***وَتَأميرَ الأَراذِلِ وَالْعَبِيدِ (1)
لقد نهب معاوية وولاته خيرات البلاد، وتركوا الفقر جاثماً على الفقراء، وكان من أعنف ولاته وأقساهم زياد ابن أبيه أخو معاوية اللّاشرعي، فقد أشاع جواً من الرعب والخوف في العراق لا نظير له، وقد تهدد الفرزدق شاعر الأمويّين بالانتقام منه، ممّا اضطره إلى الهرب والاختفاء، وقد صوّر خوفه بهذه الأبيات :
أَتاني وَعِيدٌ مِنْ زِيادٍ فَلَمْ أَنَمْ***وَسَيْلُ اللوى دُونِي وَهَضْبُ التَّهايم (2)
فَبِتُ كَأَنِّي مُشْعَرٌ خَيبَريَّةٌ (1)***سَرَتْ في عظامي أو لُعابُ الأَراقِم
زياد بن حرب لو أظنُّك تاركي***وذا الضّغْنِ قَدْ حَشَّمْتُهُ غَيْرَ ظَالِم
رأيتُكَ مَنْ تَعْضِبْ عليهِ مِن امْرِى***ولو كانَ ذا رَهْطٍ يَبِثْ غَيْرَ نائِمِ (2)
وصوّرت هذه الأبيات مدى الرعب الذي عاناه الفرزدق من تهديد زياد له، فقد بلغ به الخوف أن طار النوم من رأسه، وكأنّ حيّة سوداء قد لسعته، وسرى سمها في عظامه، ويضيف الفرزدق أن جميع من يتهددهم زياد يطاردهم الرعب والفزع، ولا ينامون من شدّة الخوف، ويصف الفرزدق في بيت له خوفه من زياد يقول :
إِذا ذَكَرَتْ نَفسي زِياداً تَكَمَّشَتْ***مِنَ الْخَوفِ أَحشائي وشابَتْ مَفارِقي (3)
إن مجرد ذكر الفرزدق لزياد تنكمش منه أحشاؤه، وتشيب مفارقه
ويقول الفرزدق في زياد:
فراراً من شَتِيم الوجهِ وَرْد***يُفزُّ الأُسدَ (4)خَوْفاً بِالوَعِيدِ (5)
إنّ الأسود تهرب من زياد خوفاً من بطشه، ورعباً من عقابه، ولاقى الفرزدق أسداً في الصحراء فخاطبه :
فالأنتَ أهوَنُ مِنْ زيادٍ جانباً***فاذهَبْ إِلَيْكَ مُخَرَّمَ السَّنَاد (6)
لقد عهد معاوية بولاية العراق وغيره إلى هذا الوحش الكاسر الذي جهد في ظلم الناس وإرغامهم على ما يكرهون، وقد أخضع المسلمين لحكم ابن هند بقوة السلاح، ولم يترك لهم أي مجال ليتمتّعوا بالحرية والعدالة.
سادساً : عهده بولاية العهد إلى ولده يزيد، فقد أخذ له البيعة بالجبر والإكراه، وولّاه أمور المسلمين، وهو يعلم فسقه وفجوره ومروقه من الدين، وأنّه لا يتمتّع بأية صنعة كريمة تؤهّله للخلافة التي هي ظلّ اللّه في الأرض.
وكان من أعظم ما امتحن به المسلمون حكومة يزيد، فقد أغرق البلاد بالظلم والجور، واقترف كلّ ما حرّمه اللّه من إثم، وكان من بين الموبقات التي اقترفها ما يلي :
قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)
واقترف يزيد أعظم جريمة في الأرض تميد من هولها الجبال، وهي قتل ريحانة رسول اللّه مع الصفوة من أهل بيته وأصحابه، وهذه صورة موجزة عن هذه الحادثة التي هزت الدنيا بمأساتها وهول كارثتها :
1 - إنّ قوّاته المسلّحة بقيادة اللقيط المجرم عبيد اللّه بن زياد أحاطت بابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في كربلاء، وفرضت عليه الحصار، فلم تدع أحداً يصل لنصرته، والدفاع عنه، كما منعته من التوجّه إلى أي بلد من بلاد المسلمين.
2 - إنّ جيوشه العاتية احتلّت نهر الفرات وحرمت عليه الماء الذي هو مباح في جميع الأعراف والشرائع، وقد أشرفت عقائل النبوّة وكرائم الوحي على الموت من شدة الظمأ، وتعالى صراخ الأطفال وهم ينادون العطش.. العطش»، فلم ترق
قلوب أولئك الأنذال الممسوخين لهذا المنظر الرهيب، واستجابوا لأوامر الأمويّين المترعة نفوسهم بالخسة واللؤم، فحرموا الأسرة النبويّة من الماء.
إنّهم عمدوا إلى قتل ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اللّه مع الكوكبة المشرقة من أهل بيته وأصحابه الممجدين الذين هم من خيرة خلق اللّه، ولم يراعوا حرمة للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في أهل بيته الذين جعلهم سفن النجاة وأمن العباد.
4 - إنّهم مثلوا في جسم ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعد قتله أفظع تمثيل، فقد جالت عليه خيولهم مقبلة ومدبرة، وجسم الحسين هو جسم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقد قال : «حُسَيْنُ مِنّي وَأَنَا مِنْ حُسَين».
5- إنّهم أبقوا الجثث الطاهرة على صعيد كربلاء لم يواروها، في حين أنّهم عمدوا إلى جيف قتلاهم فدفنوها، فعلوا ذلك استهانة بالإمام، واستجابة لعواطف الأمويّين ورغباتهم.
6 - إنّهم عمدوا بصورة وحشيّة لا مثيل لها في القسوة والجفاء فأحرقوا خيام آل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فررن حرائر النبوّة وعقائل الوحي ومعهنّ الأطفال في البيداء والنار تلاحقهنّ، فأي جريمة تضارع هذه الجرائم.
7 - إنّهم سلبوا جميع أمتعة الإمام الحسين وثيابه، وتركوا جسده الطاهر العظيم عارياً، كما سلبوا ما على العلويات من الحلي وغيره.
8 - إنّهم حملوا رؤوس أبناء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على الرماح يطوفون بها في الأقطار والأمصار لإظهار التشفّى والانتقام من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في عترته وإخافة الرأي العامّ.
9 - إنّهم حملوا ودائع النبوّة وحرائر الوحي على أقتاب المطايا سبايا، وهنّ في ذلّ الأسر، يطوفون بهنّ في شوارع الكوفة ودمشق، مبتهجين مسرورين لسبيهم بنات النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، واستئصالهم لذرّيته.
هذا موجز لما اقترفه حفيد أبي سفيان في عترة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
من موبقات يزيد وجرائمه العظام واقعة الحرّة التي انتهكت فيها كرامة عاصمة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وذلك لما أعلنت رفضها لبيعة يزيد، فعهد الطاغية إلى مسرف بن عقبة، وهو ممّن تمرّس في الجرائم أن يحتل مدينة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ويبيحها لجنده ثلاثة أيّام يصنعون بأهلها ما يشاءون، وينهبون من أموالهم ما يحبّون.
وزحف مسرف بجنده إلى المدينة فاحتلها، وحسبما أمره يزيد فقد أباحها لجنده ثلاثة أيام، فقتلوا ونهبوا واستباحوا الأعراض، وكلّ ما حرّمه اللّه من إثم، ثمّ أخذ البيعة من أهلها على أنّهم خول وعبيد ليزيد، ومن أبى منهم ضُربت عنقه، وذكر المؤرّخون صوراً مروّعة ومحزنة ممّا حلّ بالمدنيّين من صنوف البلاء والخطوب.
لقد ضارعت هذه الكارثة بآلامها مأساة كربلاء الخالدة في دنيا الأحزان.. هذا موجز لجرائم خليفة معاوية وحفيد أبي سفيان، فقد انتهك في أيّام ملكه - القصيرة الأمد - كلّ ما حرمته الشرائع والأعراف
أمّا هلاك يزيد فتعزوه بعض المصادر إلى أنه شرب يوماً خمراً فأسرف فيه. فأحدث ذلك انفجاراً في دماغه ممّا سبّب هلاكه، وقد انتهت بذلك صفحة سوداء مليئة بالإثم والعار والخزي لا لنفسه، وإنّما لأبيه وأسرته ولمن مكنهم من رقاب المسلمين.
وورث معاوية بن يزيد ملكاً من أبيه وجدّه لم يستحقّاه، وإنّما نهباه من أهله، وهم أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وكان معاوية مؤمناً
بذلك، عالماً بضلالة أبيه وجدّه، وناقماً عليهما، فتنازل رسمياً عن الحكم، وفضح أباه وجدّه في خطابه الرائع الذي أعلن فيه استقالته، وقد جاء فيه :
«إنّ جدّي معاوية نازع الأمر من كان أولى به لقرابته من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقدمه وسابقته، أعظم المهاجرين قدراً، وأولهم إيماناً ابن عمّ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وزوج ابنته، جعله لها بعلاً باختيارها له، فيها بقيّة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خاتم النبيّين، فركب جدي منه ما تعلمون، وركبتم معه ما لا تجهلون، حتّى أتته منيّته، فصار في قبره رهيناً بذنوبه، وأسيراً بجرمه، ثمّ قلّد أبي الأمر، فكان غير أهل لذلك، وركب هواه، وأخلفه الأمل، وقصر عنه الأجل، وصار في قبره رهيناً بذنوبه، وأسيراً بجرمه»، ثمّ أغرق في البكاء، وأضاف قائلاً:
«إنّ من أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه، وبؤس منقلبه، وقد قتل عترة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأباح الحرم، وخرّب الكعبة» (1).
لا أكاد أعرف خطاباً أنبل من هذا الخطاب، فقد كشف عن ضمير نقي متحرّج كأشدّ ما يكون التحرّج في الدين، فقد وضع جدّه وأباه على طاولة التشريح، ونعى عليهما ما اقترفاه من عظيم الإثم باغتصابهما لحق أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
ومن الجدير بالذكر أنّ هذا الفتى النبيّل كان يحتقر نفسه لأنّه ابن يزيد الذي هو أحقر إنسان عرفه التاريخ، وقد أثر عنه من الشعر ما يدل على براءته من أبيه. يقول :
يا ليتَ لي بِيَزِيدٍ حِينَ أَنْتَسِبُ***أباً سِواهُ وإِنْ أَرزَى بى النَّسَبُ
برئتُ مِنْ فعله واللّه يَشْهَدُ لى***أَنِّي بَرِئتُ وذا في اللّه قَدْ يَجِبُ(2)
وعلى أي حال، فإنّ ملك أبي سفيان الذي جهد معاوية على بقائه قد تهدم
على يد حفيده معاوية بن يزيد، وبذلك فقد زال ذلك الملك الذي انطمست فيه معالم الحقّ.
وليس في تاريخ الإنسانية مهزلة أفحش ولا أسوأ من أن تؤول الخلافة الإسلاميّة إلى مروان بن الحكم الوزغ ابن الوزغ، الملعون ابن الملعون - كما في الحديث النبوي (1)- وكان فيما أجمع عليه المؤرّخون من أركان الضلال، ودعائم الباطل، وقد أبدى بعض الشعراء دهشته ولومه لمن أمره، وانتخبه حاكماً على المسلمين. يقول :
لَعَمْرُك ما أدري وإنّى لَسائِلٌ***حليلة مضروبِ الْقَفا كيفَ يَصْنَعُ
لحى اللّه قَوْماً أَمْرُوا خَيْطُ باطِل***على الناسِ يُغطي ما يشاءُ وَيَمْنَعُ (2)
وكان من ألقابه الشهيرة (خيط باطل) لقب بذلك لطوله وانطلاقه في ميادين الباطل، وظلّ هذا اللقب سمة عار لأبنائه، وفي ذلك يقول يحيى بن سعيد في هجائه لعبد الملك الذي قتل عمرو بن سعيد الأشدق :
غَدَرْتُم بِعَمرو يا بَني خَيط باطل***وَمِثْلُكُمْ يَبْني البيوتَ عَلَى الْغَدْرِ (3)
ومن أبرز صفات مروان الغدر، ونكث العهد، فقد بايع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثمّ غدر، ونكث بيعته، وخرج عليه في معركة الجمل، ولما اندحرت قوات عائشة، جاء به الحسنان أسيراً إلى الإمام ليبايعه مرة أخرى، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا حاجة لي في
بَيْعَتِهِ، إِنَّهَا كَفَّ يَهُودِيَّةٌ، لَوْ بِايَعَنِي بِيَدِهِ لَغَدَرَ بِسَبَّابَتِهِ».
ومن نزعاته الحسد. يقول فيه مالك بن هبيرة السكوني مخاطباً لداعيته الحصين ابن مغير : «واللّه لئن استخلف مروان ليحسدك على سوطك، وشراك نعلك، وظلّ شجرة تستظلّ بها» (1).
لقد آلت الخلافة الإسلاميّة التي هي من أسمى المناصب العليا في الإسلام إلى مروان وأشباهه من ملوك الأمويّين والعبّاسيّين، وحرمت منها ذرية النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعترته الذين هم دعاة العدل الاجتماعي وخلفاء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وعدلاء الذكر الحكيم حسبما قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فيهم.
وعلى أي حال، فقد كانت حكومة مروان قصيرة جداً، فقد هلك بعد ستة أشهر من حكومته، وتحقق ما تنبأ به الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذ قال : «إِنَّ خِلافَتَهُ كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ» (2).
وتعز و بعض المصادر وفاته إلى زوجته أم خالد بن يزيد بن معاوية، فهي التي أجهزت عليه ؛ لأنّه عيّر ابنها خالد بها (3)، وبهلاكه فقد انطوت صفحة من صفحات الخيانة والباطل.
من الكوارث التي مُني بها المسلمون حكومة عبد الملك بن مروان، فقد أجمع المؤرّخون أنّه لم تكن فيه أيّة صفة كريمة، أو نزعة شريفة يستحق بها الخلافة،
وإنّما كان طاغية جبّاراً سفاكاً للدماء بغير حقّ.
يقول فيه المنصور الدوانيقي : «كان عبدالملك جباراً لا يبالي ما صنع» (1). ومن جبروته أنّه قال في خطبته بعد قتله لابن الزبير : «لا يأمرني أحد بتقوى اللّه بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه» (2).
وكان من الطبيعي أن ينفر هذا الطاغية من ذكر اللّه تعالى الذي يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الظلم والجور.
وكان هذا الطاغية أوّل من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء (3)، وكان ذلك من مظاهر جبروته وكبريائه على المجتمع، ومن صفاته البخل، فقد كان يُسمّى (رشح الحجارة) لشدّة شحّه وبخله (4). ووصفه الرواة بالقسوة والجفاء، وأنّه قد محيت من نفسه الرأفة والرحمة، وقد بالغ بإراقة الدماء وسفكها بغير حق، وقد اعترف نفسه بذلك حينما قالت له أم الدرداء : «بلغني أنك شربت الطلي بعد العبادة والنسك».
فقال لها - غير متأثم - : «إي واللّه، والدماء شربتها» (5).
وقد نشر الثكل والحزن والحداد في بيوت المسلمين لكثرة من قُتل منهم، خصوصاً بعد قتله لابن الزبير، فقد أعدم كلّ من تعاون معه، أو كان مؤيّداً له، وقد خطب خطاباً قاسياً : «إنّى لا أداوي هذه الأمّة إلا بالسيف حتّى تستقيم لي قناتكم» (6).
إنّ هذا الضمير المتحجّر الذي لا بصيص فيه من النور لا يعي الأهداف النبيّلة التي تنعش الشعوب، وتبسط الأمن، إنّه لا يؤمن إلّا بالقتل وسفك الدماء بغير حقّ.
وكان أفظع عمل قام به عبد الملك أنّه سلّط على المسلمين الحجاج بن يوسف الثقفي، وهو إرهابي ممسوخ، وأقذر مجرم عرفته البشرية على امتداد التاريخ، وقد منحه عبدالملك صلاحيات واسعة، فجعل يتصرف في أرواح المسلمين وأموالهم حسب رغباته وأهوائه، لا يخضع لمنطق، ولا لقانون
لقد خلق الحجّاج جوّاً من الأزمات والارهاب في البلاد الخاضعة لنفوذه، لم يعهد الناس مثلها في قساوتها ومرارتها، ويصوّر الفرزدق في إحدى قصائده مدى الخوف الذي لاحق النّاس من الحجّاج يقول :
إذا ما بدا الحجاج للنَّاسِ أطرقُوا***وَأَسْكَتَ مِنْهُمْ كلّ مَنْ كانَ يَنطِقُ
فَما هُوَ إلا بائِلٌ مِنْ مَخافة***وآخَرُ مِنْهُمْ ظَلَّ بِالرِّيقِ يَشرَقُ
وطارَتْ قلوبُ الناسِ شَرْقاً ومَغْرِباً***فَما الناسُ إِلّا مُهْجِسٌ أَو مُلَقلِقُ (1)
وصوّر الفرزدق بهذه الأبيات ما مُني به الناس من الخوف من حكم الحجّاج، فهم بين بائل، وبين شارق بريقه من شدّة الظلم والجور.
وحكى جرير في بيت له حالة الرعب والذعر التي أصابت الناس من حكم الحجّاج. يقول :
وخافوكَ حتّى القومُ تَنزُو قُلوبُهُمْ***نزاء القطا التَفَّتْ عَلَيْهِ الْحَبائِلُ (2)
وحكى هذا البيت مدى الرعب الذي عاناه الناس في ولاية هذا الوحش الكاسر فقد بلغ بهم الخوف أن قلوبهم تنز و من الخفقان من شدّة الرعب كما تنز و قلوب القطا حينما تلتفّ عليها حبائل الصيّاد.
وصوّر الفرزدق في أبيات له فزعه من سطوة الحجّاج يقول :
كاد الفؤادُ تَطيرُ الطائراتُ بهِ***مِنَ المَخافَةِ إِذْ قالَ ابْنُ أَيّوب
في الدارِ إِنَّكَ إِنْ تُحدِثْ فَقَدْ وَجَبَتْ***فيك العُقوبةُ مِنْ قَطع وَتَعذيبِ
في مَحْبَس يَتَردّى فيهِ ذُو رِيبٍ***يُخْشَى عَلَيْهِ شَدِيدُ الْهَوْلِ مَرْهُوب (1)
وصوّرت هذه الأبيات مدى خوف الفرزدق وغيره من ظلم الحجّاج، فقد بلغ بهم الخوف أنّ قلوبهم تطير فزعاً إذا ذكر اسمه.. وعرض الفرزدق في أبيات له على الوليد ما يعانيه من ظلم الحجاج وجوره قال :
وَقَدْ خِفْتُ حتّى لو أرى الموتَ مُقْبلاً***لِيَأخُذَنى والمَوتُ يُكرَهُ زائرة
لَكَانَ مِنَ الحَجّاج أهونَ رَوْعَةٌ***إِذا هُوَ أَغْضى وهو سامٍ نَواظِرُهُ (2)
إنّ الموت أهون وأخفّ روعة من الحجّاج، فأي ظلم كان ظلمه، وأي جور كان جوره ؟!
وهجاه أحمر بن سالم المرّي بهذه الأبيات :
ثقيفٌ بقايا مِنْ ثَمودٍ وما لَهُمْ***أب ماجدٌ مِنْ قَيس عيلان يُنْسَبُ
هم ولدوكُم غَير شَكُ فَيَمِّموا***بلاد ثمودٍ حَيثُ كانُوا وَعَذَّبوا
وأنتَ دَعِيُّ يابنَ يُوسفَ فِيهِمُ***زنيمٌ إذا ما حصلوا تَتَذَيذَبُ
وبلغت الأبيات الحجّاج فطلبه حتّى ظفر به، فقال له : «ما جزاؤك عندي إلّا أن أُعذّبك بما اختاره اللّه لأعدائه من أليم عقابه»، فأحرقه بالنار (1).
يقول الدميري : «كان الحجّاج لا يصبر عن سفك الدماء، وكان يخبر عن نفسه أنّ أكبر لذاته إراقته للدماء، وارتكاب أمور لا يقدر عليها غيره» (2).
وقد اعترف بما يحمله من حبّ لسفك الدماء يقول : «واللّه ما أعلم اليوم رجلاً على ظهر الأرض هو أجرأ منّي على الدم». (3).
وكان عدد من قتلهم صبراً سوى من قتل في حروبه مائة وعشرون ألفاً (4).
وقيل : مائة وثلاثون ألفاً» (5).
لقد كان الحجاج عنصراً من عناصر الجريمة والفساد في الأرض، فقد أحرق البلاد التي حكمها بظلمه وجوره.
مروقه من الدين
كان الحجّاج ملحداً لا يؤمن باللّه، ولا باليوم الآخر، وقد أعلن إلحاده في أعماله وأقواله، وكان يستهين ويزدري بالرسول العظيم الا اللّه، فقد خاطب اللّه تعالى أمام حشد من الناس : «أرسولك - يعني النبيّ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - أفضل أم خليفتك - يعني عبد الملك -» (6).
إنّ عبدالملك وسائر ملوك بني أميّة لا يساوون حذاء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، المحرر لفكر الإنسان، والرائد لحقوقه.
وبلغ من فكر هذا الإنسان الممسوخ أنّه كان يسخر ويهزأ من الذين يحضون بزيارة قبر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قائلاً: «تبّاً لهم، إنّما يطوفون بأعواد ورمّة بالية، هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك، ألا يعلمون أن خليفة المرء خير من رسوله» (1).
لقد فضّل الحجاج عبدالملك الذي انتهك جميع حرمات اللّه على النبيّ العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي رفع راية التوحيد، وأنقذ الإنسان من ظلمات الجاهليّة وخرافاتها. وعلّق الدينوري على كلام الحجّاج بقوله : «إنّما كفروه - يعني الحجّاج - بهذا لأنّ في هذا الكلام تكذيباً لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فإنّه صحّ عنه أنّ اللّه عزّ وجلّ حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (2).
ومن كفره أنّه حاصر الكعبة المشرّفة في حربه لعبد اللّه بن الزبير، ورماها من جبل أبي قبيس بالمنجنيق، وكان جيشه يرمون الكعبة ويرتجزون :
خَطَارَةٌ مِثل الفنيقِ المُزيد***نرمي بِها عُوَاذَ هذا المَسْجِدِ (3)
ولم يرج هذا الطاغية وقاراً لبيت اللّه الحرام الذي من دخله كان آمناً، فقد انتهك حرمته.
ومن مروقه عن الدين وإلحاده أنه كان يرى أنّ طاعته أولى من طاعة اللّه، فقد روى أبان بن عثمان كلماته في ذلك، قال : «قال الحجاج : واللّه لطاعتي أوجب من طاعة اللّه ؛ لأنّ اللّه تعالى يقول: «فَاتَّقُوا اللّه مَا اسْتَطَعْتُمْ»، فجعلها مثنويّة، وقال :
«وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا» (1)، ولم يجعل فيها مثنوية، ولو قلت لرجل : ادخل من هذا الباب فلم يدخل لحل لى دمه» (2).
وروى ابن عبّاس، قال : «كنا عند عبد الملك إذ أتاه الحجّاج يعظّم فيه أمر الخلافة، ويزعم أن ما قامت السماوات والأرض إلا بها، وأنّ الخليفة عند اللّه أفضل من الملائكة والمقرّبين والأنبياء والمرسلين ؛ وذلك لأنه خلق آدم بيده، وأسجد له الملائكة، وأسكنه جنّته، ثمّ أهبطه إلى الأرض وجعله خليفته، وجعل الملائكة رسلاً له.
فأعجب عبدالملك بذلك وقال : لوددت أن عندي بعض الخوارج فأخاصمه بهذا الكتاب» (3).
وبمقتضى رأي الحجاج فقد حكم بالكفر على كلّ من خرج على عبد الملك، فقد عرض كلّ من انضمّ على ثورة ابن الأشعث الفاشلة إلى السيف، فمن أقرّ أنّه کفر بخروجه عليه أطلق سراحه، ومن امتنع قتله صبراً (4).
وقد ذكر ذلك الفرزدق بعد موت الحجاج في قصيدته التي ألقاها على سليمان بن عبد الملك حينما ولي الخلافة، يقول :
وَإِذْ أَنتُمُ مَنْ لم يَقُل أنا كافر***تَرَدَى نَهاراً عَثْرَةً لا يُقالُها
وفارقَ أُمَّ الرّأسِ مِنهُ بِضَرْبَةٍ***سريع لِبَينِ المَنْكِبَينِ زِيالها
وإنْ كانَ قَدْ صَلَّى ثَمانِينَ حِجَّةٌ***وصامَ وَأَهدَى البُدْنَ بِيضاً خِلالُها (5)
محنة الشيعة
وامتحنت الشيعة امتحاناً عسيراً ومرهقاً في دور هذا الطاغية، فقد أشاع فيهم القتل والتنكيل، وملأ بيوتهم حزناً وثكلاً، وأخذهم بكل شبهة حتّى إن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحبّ إليه من أن يقال له من شيعة علي (1).
وكان أوغاد الناس وسفلتهم يتقربون لهذا المجرم بانتقاص الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذمّه، فقد أقبل إليه وغد رافعاً عقيرته قائلاً: «أيها الأمير، إنّ أهلي عقّوني فسمّوني عليّاً، وإني فقير بائس، وأنا إلى صلة الأمير محتاج».
وبدا السرور على سحنات وجه الحجّاج، وراح يشكره قائلاً: «للطف ما توصلت به، فقد وليتك موضع كذا» (2).
وعلى أي حال، فقد ذهبت الشيعة طعمة للسيوف والسجون في عهد هذا المجرم، فقد قتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وملأ سجونه بهم، ومن المؤكد أنّه لم تشهد الشيعة دوراً قاسياً مثل ما شهدته في أيّام الحجّاج.
محنة الكوفة
وصبّ الطاغية اللئيم جام غضبه على الكوفة لأنّها كانت مركزاً للجبهة المعارضة للحكم الأموي، فقد أخضعها بالجبر والارهاب لحكم الأمويّين. وقد خطب في الكوفة خطاباً ارهابياً لم يحمد اللّه ولم يثن عليه، ولم يصل فيه على النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وكان من جملة خطابه :
«يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق والمراق، ومساوئ الأخلاق، إن أمير
المؤمنين - يعني عبد الملك - نثل كنانته فعجمها عوداً عوداً، فوجدني أمرها عوداً، وأصعبها كسراً، فرماكم بي، وإنّه قلّدني عليكم سوطاً وسيفاً، فسقط السوط ويقي السيف..» (1).
ومن فقرات خطابه : «إنّي واللّه لأرى أبصاراً طامحة، وأعناقاً متطاولة، ورؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإنّي أنا صاحبها، كأني أنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى» (2)، ثمّ أنشد :
أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنايا***متى أَضَع العِمامَةَ تَعْرِفُوني (3)
ومضى جلّادوه فحصدوا رؤوس الأبرياء، ونشروا جواً من الارهاب لم يعهد له نظير في قسوته ومرارته، وقد ها به الناس من شدّة بطشه، وأليم عذابه.
يقول أبو وائل الأسدي مخاطباً للحجاج : «وأيم اللّه، ما أعلم أن أحداً من الناس ها بوا أميراً قط هيبتهم إيّاك» (4).
سجونه
واتّخذ الطاغية سجوناً رهيبة لا تقى من حرَّ ولا من برد، كما كان يعذّب المساجين بأقسى ألوان العذاب، فكان يشدّ على بدن السجين القصب الفارسي بعد شقّه، ويُجرّ عليه حتّى تسيل دماؤه، وقد توفّي في سجونه من شدة التعذيب خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، ستة عشر ألف منهن مجردات، وكان
يحبس الرجال والنساء في موضع واحد (1).
وكان يمرّ على المساجين وهم يستغيثون فيقول لهم : «عتوّاً واستكباراً، اخسأوا فيها ولا تكلمون» (2)شبههم بأهل النار، وشبّه نفسه بالخالق العظيم (3).
هذا موجز من ظلم الحجّاج وجوره، وانتهاكه لحرمات اللّه.
هلاكه
وأهلك اللّه هذا المجرم الخبيث الذي أغرق البلاد في المحن والخطوب، وأحال حياة الناس إلى جحيم لا يطاق، فقد أصابته الآكلة في بطنه، وسلّط اللّه عليه الزمهرير، فكانت الكوانين تجعل حوله مملوءة ناراً، وتدنى منه حتّى تحرق جلده وهو لا يحس بها، وأخذت الآلام منه مأخذاً عظيماً، فشكا ما هو فيه من العذاب إلى الحسن البصري، فقال له : «كنت قد نهيتك أن تتعرّض للصالحين فلججت».
فردّ عليه : «يا حسن، لا أسألك أن تسأل اللّه أن يفرج عنّي، ولكن أسألك أن تسأله أن يعجل قبض روحي ولا يطيل عذابي» (4).
وظلّ هذا الجلّاد يعاني آلام الموت وقسوته، وكان يقول عند الموت : «ربّ اغفر لي، فإنّ الناس يزعمون أنك لا تغفر لي» (5).
وهلك الخبيث في شهر رمضان، وقيل : في شوّال سنة 95هـ، وكان عمره ثلاثاً أو أربعاً وخمسون سنة (6).
لقد مضت روحه الخبيثة إلى جهنّم مقرّنة بالأصفاد، تلاحقها ملائكة العذاب الصفع والتعذيب. ويقول المؤرّخون : «إنّ جيفة هذا المجرم لما دفنت بقيت الأرض التي دفن فيها تهتز ثلاثة أيّام من ظلمه وجوره، ومن المضحك أنه نقل ذلك إلى بعض ملوك الأمويّين فترحّم على الحجّاج وقال : إنّه كان يقرأ القرآن حيّاً وميّتاً»، أي قرآن يقرأه هذا الجلّاد، لعله يقرأ قرآن مسيلمة وسجاح.
وعلى أي حال، فقد انكسر بهلاك هذا الطاغية باب الجور، وانحسرت روح الظلم، فأهوت به هالكاً ومفقوداً، وقد تلقى المسلمون نبأ هلاكه بمزيد من الفرح والسرور، وكانت الشتائم تلاحقه من يوم هلاكه إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها.
قالوا فى الحجاج
ونقم علماء المسلمين وخيارهم على الحجّاج، وقد أدلوا بكلمات تعلن سخطهم عليه، وهذا بعض ما قيل فيه :
1 - الحسن البصري
لمّا بلغ هلاك الحجّاج الحسن البصري قال : «اللّهمّ أنت أمتّه، فأمت سنّته، أتانا أخيفش (1)أعيمش، قصير البنان، واللّه ما عرق له عذار في سبيل اللّه قط، فمن كبره فقال : بايعوني وإلا ضربت أعناقكم» (2).
2 - عمر بن عبدالعزيز
وسخط عمر بن عبدالعزيز على الحجّاج، ونقم عليه، وقال : «لو جاءت كلّ أُمّة بخبيثها وجئنا بالحجّاج لغلبناهم» (3)، ومعنى ذلك أنّه لو جيء بجميع المجرمين
وشذّاذ الآفاق من جميع أمم العالم وشعوب الأرض، ووضعوا في كفّة ميزان، ووضع هذا الارهابي في كفّة أخرى لرجح عليهم، وذلك لعظيم ما اقترفه من الجرائم والموبقات.
3 - عاصم
قال عاصم : «ما بقيت اللّه عزّ وجلّ حرمة إلا ارتكبها الحجّاج» (1).
4 - القاسم
قال القاسم بن مخيمرة : «كان الحجّاج ينقض عرى الإسلام عروة عروة» (2).
5 - زاذان
قال زاذان : «كان الحجّاج مفلساً من دينه» (3).
6 - طاووس
قال طاووس : «عجبت لمن يُسمّي الحجّاج مؤمناً» (4).
إلى غير ذلك من الكلمات التي أدلى بها علماء عصره، وقد أجمعوا على تجريده من الهوية الإسلاميّة، وأنّه صفحة سوداء في تاريخ البشرية ومن المتمرّسين في الجريمة.
ونعود بعد الحديث عن الحجّاج لنستعرض سيرة عبدالملك.
أما ولاة عبدالملك وحاشيته فلا يقلون عن الحجاج في زندقتهم ومروقهم من الدين، ولنستمع إلى تصريحات بعضهم :
1 - خالد القسري
كان خالد بن عبد اللّه القسري والياً على مكّة، وقد أعلن كلمة الكفر على منبر مكّة قال : «إنّ عبدالملك بن مروان أفضل من خليل الرحمن» (1)، يعني به شيخ الأنبياء إبراهيم الخليل (عَلَيهِ السَّلَامُ). أليس هذا هو الكفر والإلحاد ؟
بب2 - ابن شفی
قام ابن شفي في مجلس هشام ورفع عقيرته قائلاً: «أمير المؤمنين خليفة اللّه - يعني عبدالملك - وهو أكرم على اللّه من رسوله - يعني محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - فأنت خليفته ومحمّد رسوله» (2).
3 - يوسف بن عمر
قال يوسف بن عمر عامل هشام في خطبة الجمعة : «إنّ أوّل من فتح باب الفتنة على الناس، وسفك الدماء عليّ وصاحبه الزنجي» (3)، يعني الصحابي العظيم عمّار بن ياسر.
أمّا الأخطل فهو شاعر بني أميّة، ولسانهم الناطق، وكان مسيحيّاً متحلّلاً مجاهراً بالفسق، وكان أثيراً عند عبد الملك، فكان يدخل عليه بغير إذن، وفي عنقه سلسلة من الذهب وصليب، وكان عبدالملك يجلّه ويحترمه، وقد سمّاه أمير المؤمنين، وشاعر بني أميّة، وشاعر العرب(4)، وقد دخل عليه وهو ثمل قد لعبت الخمرة في عقله فأنشده بيتين :
إذا ما نَدِيمي عَلَّني ثمّ عَلَّني***ثَلاثَ زُجاجاتٍ لَهُنَّ هَدِيرُ
خرجتُ أَجُرُّ الدِّيلَ تِيهَا كَأَنَّني***عليك أمير المؤمنين أميرُ (1)
إنّه إذا شرب ثلاث زجاجات من الخمر يخرج ثملاً يجرُّ ذيله، وهو أمير على عبد الملك الذي يُسمّى بأمير المؤمنين، ولم يتخذ عبد الملك معه أي إجراء لتعديه على شخصيّته، ويقول المؤرّخون : إنّه كان يخرج من بلاطه ولحيته تقطر من الخمر (2).
وعرض عليه عبدالملك الإسلام فطلب منه أن يبيح له الخمر، وترك صوم شهر رمضان المبارك، ويدخل في الإسلام، وفي ذلك يقول
وَلَسْتُ بِصائمٍ رَمضانَ عُمْرِي***وَلَسْتُ بِآكِلِ لَحْمَ الأَضاحي
وَلَستُ بِزاجرٍ عَنساً بَكُوراً***إلى بطحاء مكَّة للنجاح
وَلَستُ بِقائِمٍ كالعِيرِ يَدعو***قبيل الصُّبْح حي عَلى الفَلاحِ
ولكني سأشربُها شمولاً***وأَسْجُدُ عندَ مُنبلج الصَّباحِ (3)
وحكى هذا الشعر سخريّة الأخطل من الإسلام، وإصراره على الكفر، ورفضه لجميع ما شرعه الإسلام من الطقوس الدينية، ومن هذا الفكر السافر ظلّ عبدالملك يقربه ويدنيه، ويجزل له المزيد من العطايا والهبات لأنه كان من وسائل إعلامه، وممّا قاله في مدحه :
إلى إمام تغادينا فَواضِلَهُ***أظفَرَهُ اللّه فَلْيَهنأ له الظَّفَرُ
الخائضِ الغَمرِ والميمون طائرُهُ***خَليفَةِ اللّه يُسْتَسْقى بهِ المَطَرُ
والمستَمِرٌ بِهِ أمرُ الجَميعِ فَما***يَغرُّهُ بَعْدَ تَوْكِيدٍ لَهُ غَرَرُ (1)
نَفسي فِداء أمر المُؤمِنينَ إذا***أبدى النَّواجذ يوماً عارمُ ذكر (2)
لقد أشاد الأخطل بعبد الملك، ووقف أدبه على مدحه، وقد حفل ديوانه بالكثير من قصائده في مدحه.
وذكر العيّاشي في تفسيره أنّه ظهر في أيّام عبد الملك مشعوذ من القدريّة أفسد على المسلمين دينهم، وذلك بما أذاعه من البدع والأضاليل، ولم يهتد علماء العصر إلى ردّ شبهه، فرأى عبدالملك أن خير وسيلة للرد عليه أن يحضر الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى دمشق، ويجمع بينه وبين القدري لإفحام القدري، وعرض العامل على الإمام ذلك، واعتذر عن السفر لأنّه لا طاقة له على تحمّل مشقّة السفر، وأناب عنه الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وسافر (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى دمشق، فلما انتهى إليها التقى بعبد الملك، وعرفه عبد الملك بالأمر، وأمر بإحضار القدري فحضر، واكتظ القصر بالناس ليسمعوا محاججته له، والتفت (عَلَيهِ السَّلَامُ)إليه فأمره أن يقرأ سورة الفاتحة، فشرع في قراءتها، فلما انتهى إلى قوله : «إيّاك نَعْبُدُ وَإيّاك نَسْتَعِينُ» (3)قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): مَنْ تَسْتَعينُ ؟ وَما حاجَتُكَ إِلَى الْمَعْرِفَةِ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ إِلَيْكَ ؟ (4).
وبان العجز على القدري ولم يطق جواباً، وواصل الإمام حديثه في إبطال مزاعمه وردّ شبهه.
وفي هذه الرواية نظر لأنّ الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يتجاوز عمره ثلاث سنين، فكيف سافر إلى دمشق وهو في هذا السنّ، وأكبر الظنّ أنّ هذه الحادثة وقعت في أيّام الوليد، فقد ظهر رجل من القدرية في عصره وأشاع البدع والأضاليل.
ومرض عبدالملك مرضه الذي توفّي فيه، وقد استقبل الموت وهو غير آمن ولا مطمئن، وقد أخذت تراوده أعماله المنكرة وما اقترفه من صنوف الظلم والجور في حق المسلمين، فهو الذي مكّن الحجّاج من رقابهم، فولغ في دمائهم، وأشاع الارهاب والخوف في ديارهم.
وعلى أي حال، فقد بلغ الحزن بعبد الملك أقصاه، وجعل يضرب بيده على رأسه، وهو يقول : «وددت أني اكتسبت قوتي يوماً بيوم، واشتغلت بعبادة ربّي عز وجل وطاعته» (1).
وماذا يجديه الندم وقد روع الملايين من المسلمين، وملأ قلوبهم خوفاً ورعباً، وقد ختم حياته بأن عهد بالخلافة إلى ولده الوليد وهو من فساق الأمويّين، وأوصاه بالحجاج خيراً وقد جاء في وصيّته : «وانظر إلى الحجاج فإنّه هو الذي وطّأ لكم المنابر، وهو سيفك يا وليد، ويدك على من ناوأك، فلا تَسْمَعَنَّ فيه قول أحد، وأنت إليه أحوج منه إليك، وادع الناس إذا مت إلى البيعة فمن قال برأسه هكذا، فقل بسيفك هكذا» (2).
لقد أوصاه بالحجّاج خيراً، وهو الذي أغرق البلاد بالشكل والحداد، وأطاح برؤوس الأبرياء، كما أوصاه بالقتل لكل من يمتنع من بيعته، ولم يبق بعد هذه
الوصيّة إلا لحظات حتّى وافته المنية، وكانت وفاته في يوم الأربعاء في النصف من شوّال سنة 86هـ (1)، وقد سئل عنه الحسن البصري فقال : «ما أقول في رجل كان الحجاج سيّئة من سيّئاته» (2).
ومن الجدير بالذكر أنّ الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولد في عهد هذا الطاغية الجبار، وقد قطع شوطاً من طفولته في عهده، وقد وعى الأحداث الرهيبة التي جرت على المسلمين في هذا العهد، ومن المؤكد أنها تركت في نفسه أعمق الأسى والحزن.
وتسلّم الوليد قيادة الأمّة بعد هلاك أبيه، ووصفه المؤرّخون بأنه كان جباراً ظالماً (3)، وكان يغلب عليه اللحن، فقد خطب في المسجد فقال : «يا أهل المدينة – بالضمّ -» مع أنّ القاعدة النحوية تقضي نصبه لأنه منادى مضاف، وخطب يوماً فقال : «يا ليتها كانت القاضية» وضمّ التاء.
فقال عمر بن عبد العزيز : عليك وأراحتنا منك (4).
وعاب عليه أبوه إلحانه، وقال له : إنّه لا يلي العرب إلّا من يحسن كلامهم، فجمع أهل النحو ودخل بيتاً فلم يخرج منه ستة أشهر، ثمّ خرج منه وهو أجهل منه يوم دخل (5).
وطعن عمر بن عبدالعزيز في حكومته، وقال : «إنّه ممّن امتلأت الأرض به جوراً» (6).
ويقول المؤرّخون : إنّه كان كثير النكاح والطلاق، فقد تزوّج ثلاثاً وستّين امرأة غير الإماء (1).
ومن الجدير بالذكر أنّ الوليد هو الذي قام بإنشاء جامع دمشق الكبير المعروف بالجامع الأموي، وقد أنفق عليه ستة ملايين دينار ذهبي من نقود زماننا (2).
كما زاد في جامع النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وزخرفه، ونمّقه، ورصّعه بالفسيفساء، وأدخل فيه حُجر أزواج النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسائر المنازل التي حوله (3).
ورحل الوليد إلى يثرب للاطّلاع على ما أنجزه واليه من تعمير الجامع النبوي، وكانت زيارته رسميّة، قد اقترنت بالأبّهة والمراسيم الملكية، وخرج والي يثرب لاستقباله من مسافة خمسين فرسخاً، وقد أعد أوسع بيت في المدينة لنزول الملك وحاشيته فيه.
ولما انتهى الوليد إلى المدينة أذن للناس إذناً عاماً، وكان عمر بن عبدالعزيز يحثّ الأشراف والتابعين من أبناء الصحابة ليكونوا في مقدّمة الزائرين والمرحّبين بقدومه، وقصد عمر الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وطلب منه زيارة الوليد، فامتنع الإمام من إجابته إلا أنّ عمر استطاع بلباقته أن يقنع الإمام على زيارته، فقد قال له : «إنّ هذه المدينة مدينة جدك، والزائر لها أينما نزل فإنّما ينزل بدارك، وهو ضيف عليك، وهذا الوليد إن لم يكن خليفة فهو مسلم نزل بدارك»، فأجابه الإمام على كره.
وفي اليوم الثاني قصد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) محلّ إقامة الوليد، فلمّا رآه رحّب به، وقابله بمزيد من الحفاوة والتكريم، وسأل الوليد الإمام عمّا يملكه، فأجابه أنّ له مزرعة
تكفيه وأهله، ولا يحتاج إلى شيء، وعرض عليه الوليد إعطاءه مزرعة كبيرة في أي بقعة من بقاع الدولة الإسلاميّة ليعيش مع أهله وأبنائه في يسر وراحة، فامتنع الإمام من إجابته، وقال : «إِنَّ هَذِهِ الْمَزْرَعَةَ تَكْفيني وَأَهْلِي، وَإِنَّ أَوْلادي سَوْفَ يَعْمَلُونَ، وَإِنَّ اللّه تَعالى هُوَ الذي يَرْزُقُهُمْ»، ثمّ قام من مجلسه وودع الوليد.
وفي اليوم الثاني من قدومه دخل الوليد الجامع النبوي فشاهد ما أنجزه الوالي من أعمال التعمير والتوسيع، وكان الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المنبر يلقي محاضرة على طلابه، وكان موضوعها الجغرافيا فاستمع الوليد إلى المحاضرة، وكان ذلك غريباً على مسمعه، وسأل الإمام عن هذا العلم، فقال له :
«إِنَّهُ عِلْمٌ يَتَحَدَّثُ عَنِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَالشَّمْسِ وَالنُّجومِ».
وكان الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) صبياً يافعاً، وكان حاضراً درس أبيه، فسأل الوليد عمر بن عبد العزيز قائلاً: «من يكون هذا الصبي من بين الرجال ؟
فقال عمر : هو جعفر بن محمّد.
وبادر الوليد قائلاً: هل هو قادر على فهم الدرس واستيعابه ؟
فأسرع عمر قائلاً: إنّه أذكى من يحضر درس الإمام، وأكثرهم سؤالاً ونقاشاً.
وطلب الوليد إحضاره، فمثل أمامه، فقال له : ما اسمك ؟
وقدّم له الوليد السؤال التالي : أتعلم من كان صاحب المنطق ؟
وبهر الوليد فقدّم له السؤال التالي : من صاحب المعز ؟
1) هذه المجموعة من النجوم تسمّى في مصطلح علم النجوم الحديث «أوريكا» أو «أريجا».
واستولت الحيرة على الوليد، وعاد يسأله : وهل تعلم من صاحب السواك ؟
فأجابه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) : هُوَ لَقَبُ عَبْدِ اللّه بْن مَسْعُودٍ، صاحِب جَدَى رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وأعجب الوليد بمواهب الإمام وعبقريّاته، والتفت إلى الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له : إنّ ولدك هذا سيكون علّامة عصره».
وصدق تنبّؤ الوليد، وتحقق ما توسم به، فقد أصبح الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أعلم العلماء لا في عصره وإنما في جميع الأعصار (1).
توفّي الوليد بدير مروان سنة (96هـ)، وكانت مدّة حكومته تسع سنين وسبعة أشهر، وعمره خمس وأربعون سنة (2).
وتقلّد سليمان أزمّة الحكم بعد هلاك أخيه، وقد قام في بداية حكمه بعمل إيجابي استوجب شكر الناس له، فقد نكل بآل الحجّاج تنكيلاً فظيعاً، وعهد إلى عبد الملك بن المهلب بتعذيبهم (3).
كما عزل جميع عمّال الحجّاج وولاته، وأطلق في يوم واحد من سجنه واحداً وثمانين ألفاً، وأمرهم أن يلحقوا بأهاليهم، وقد وُجد في ذلك السجن الرهيب ثلاثون ألفاً ممّن لا ذنب لهم، وثلاثون ألف امرأة (4)، وكانت هذه المكرمة من مآثره وأياديه
البيضاء التي يُشكر عليها.
ويقول الناقدون لسياسته : إنّه كان مجحفاً أشدّ الإجحاف في جباية الخراج، فقد كتب إلى عامله على مصر أسامة بن زيد التنوخي يأمره بتشديد الخراج، وكان ممّا جاء في رسالته : «احلب الدرّ حتّى ينقطع، واحلب الدم حتّى ينصرم»، وحكت هذه الرسالة مدى ظلمه وجوره على الرعيّة.
ووفد عليه أسامة عامله على مصر ينقل له ما يعانيه الشعب المصري من الفقر والضيق قائلا له : «إنّى ما جئتك حتّى أنهكت الرعية وجهدت، فإن رأيت أن ترفق بها وترفّه عليها، وتخفف من خراجها ما تقوى به على عمارة بلادها، فافعل، فإنّه يستدرك ذلك في العام المقبل».
وسخر منه سليمان وصاح به : «هبلتك أُمّك، احلب الدرّ، فإذا انقطع فاحلب الدم» (1).
أرأيتم هذا التمادي في الإثم والعدوان على حياة الإنسان، إنه يريد سلب اقتصاد الأمّة، وإشاعة البؤس في ربوعها، وكان يصرف الأموال الطائلة على جواريه، فقد أهدي إليه لؤلؤ، فقال للرسول : «انثره على هذه الملحفة الحمراء»، فنثره وقال الرسول : «ما رأيت شيئاً قط أحسن من بياض اللؤلؤ على الملحفة الحمراء»، وكانت عنده جارية قائمة على رأسه فقالت له : «أعطني يا أمير المؤمنين»، فحثا لها بيده فوضعته ثمّ قالت : «زدني»، فأعطاها أكثر من ثلثيه، ثمّ قالت له : «ما تصنع بهذا الباقي ؟»، فدفعه إليها، وتعجب الرجل وقال في قرارة نفسه : «قد جمع هذا، هذا، وظلم الناس، وأخذته هذه» (2).
ومن الطريف أنه حدثت بينه وبين هشام جفوة، فقال هشام : «واللّه لأشكونَ
سليمان بن عبدالملك يوم القيامة إلى أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان» (1).
ويقول المؤرّخون : إنّ سليمان كان معجباً بنفسه كأشد ما يكون الإعجاب، وقد لبس - يوماً - أفخر ثيابه، وراح يتباهى ويقول : «أنا الملك الشاب المهاب الكريم الوهّاب !».
ونظر إلى جارية من جواريه فقال لها : كيف ترين أمير المؤمنين ؟
قالت : أراه منى النفس، وقرّة العين لولا ما قال الشاعر.
وما قال ؟
قال :
أَنْتَ نِعْمَ المَتاعُ لَو كنتَ تَبقَى***غَيرَ أَنْ لا بقاء للإنسانِ
أنتَ مَنْ لا يَريبُنَا مِنْكَ شَيْءٌ***عَلِمَ اللّه غَيْرَ أَنَّكَ فان
لَيْسَ فِيما بدا لنا مِنْكَ عَيْبٌ***یا سليمانُ غَيْرَ أَنَّكَ فَانِ
وكانت هذه الأبيات كالصاعقة على رأسه، فقد تبدّد جبروته وزال إعجابه بنفسه، ولم يمكث إلا زمناً يسيراً حتّى توفّي (2)، وكانت مدة حكمه سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام. توفّى يوم الجمعة لعشر ليال بقين من صفر سنة (99هـ) (3).
أما عمر بن عبد العزيز فهو من أفذاذ ملوك الأمويّين، ومن أكثرهم وعياً للأحداث السياسيّة والاجتماعيّة، فقد رأى ملوك أسرته قد نهجوا نهجاً منحرفاً عن العدل
والحقّ، ممّا أوجب كراهية الأوساط الشعبيّة لهم، فأراد تصحيح الأوضاع، وكسب الناس، وبذلك استطاع أن يكون نجماً لامعاً في تاريخ حكام هذا المشرق، وفور تولّيه للسلطة قام بتنفيذ ما يلي :
وأصدر عمر مرسوماً يمنع سبّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المنابر والمآذن، وفي معاهد التربية والتعليم، فقد اتخذ أسلافه سبّ الإمام منهجاً من مناهج سیاستهم، ليحولوا بين المسلمين وبين معرفة هذا الإمام العظيم الذي أقام الدنيا وأقعدها في أيّام حكمه القصيرة الأمد، وذلك بما أظهره من صنوف العدل، ممّا لم يوجد له نظير في تاريخ الإسلام، كما أوجد وعياً أصيلاً في الشعوب الإسلاميّة أدى إلى تمرّدها على الظلم والطغيان، ولم تجد محاربة الأمويّين للإمام شيئاً، فإنّه كالشمس لا يخمد نوره ولا يطفأ ضياؤه.
يقول الشعبي : لقد كنت أسمع خطباء بني أُميّة يسبّون علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ) على منابرهم، وكأنّما يشال بضبعه إلى السماء، وكنت أسمعهم يمدحون أسلافهم على منابرهم، وكأنّهم يكشفون عن جيفة (1).
يقول عبد الملك لبنيه : «إني لم أرَ الدين بني شيئاً فهدمته الدنيا، ورأيت الدنيا قد بنت بنياناً فهدّمه الدين، ما زلت أسمع أصحابنا وأهلنا يسبون عليّاً، ويدفنون فضائله، ويحملون الناس على شنآنه، فلا يزيده ذلك من القلوب إلا قرباً، ويجتهدون في تقربهم من نفوس الخلق فلا يزيدهم ذلك من القلوب إلّا بعداً» (2).
يقول عمر بن عبدالعزيز : «كان أبي إذا خطب فنال من علي تلجّج لسانه، فقلت : يا أبت، إنّك تمضي في خطبتك فإذا أتيت على ذكر علي عرفت منك تقصيراً.
قال : أوفطنت لذلك ؟
قلت : نعم.
فقال : يا بنيّ، إنّ الذين حولنا لو يعلمون من علي ما نعلم تفرقوا عنا إلى أولاده» (1).
لقد أدرك عمر بن عبد العزيز بوعيه وذكائه ضلال آبائه في سبّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأوعز إلى يهودي أن يخطب منه ابنته أمام المجتمع، فخطبها منه فقال له عمر : كيف تخطب إليَّ وأنت يهودي ؟
فردّ عليه اليهودي : كيف زوّج نبيكم ابنته من علي بن أبي طالب ؟
فأجابه عمر : إنّ عليّاً من عظماء الدين وأكابر المسلمين.
فانبرى اليهودي قائلاً : فلِمَ تلعنونه على المنابر ؟ !
فأقبل عمر على الناس فقال : أجيبوه، فلم يستطع أحد أن يجيبه، وعلى الأثر أمر بترك اللعن، وجعل مكانه : «رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ» (2).
وقد أثارت هذه المكرمة إعجاب الناس، وأخذوا يتحدثون عنه بأطيب الذكر وعاطر الثناء، وقد وفد عليه كثير عزة الشاعر الشيعي فمدحه بقصيدة غراء تكريماً له على هذه المكرمة يقول :
وَلِيْتَ فلم تَشتُمْ عَليّاً ولم تُخِفْ***بَرِيَّاً وَلَمْ تَتبع مقالةً مُجرِمِ
وَقُلْتَ فصدَّقتَ الَّذِي قُلتَ بِالَّذِي***فَعَلْتَ فأضحى راضياً كلّ مُسلم
أَلا إِنَّمَا يَكفِي الفَتى بَعْدَ زَيْغِهِ***من الأود الباقي ثِقافُ المُقَوِّم
لَقَدْ لَبِسَتْ لُبس الملوك ثيابها***وَأَبدَتْ لَكَ الدُّنْيا بِكَفِّ وَمِعْصَمِ
وتُومِضُ أحياناً بعين مريضةٍ***وَتَبْسِمُ عَنْ مِثلِ الجُمانِ المُنظَّم
فأعرضْتَ عَنها مُشمَئِزاً كأَنَّما***سَقَتْكَ مَدُوفاً مِنْ سِمامٍ وَعَلْقَمِ
وقَدْ كُنتَ مِن أَجبالها في مُمَنَّعِ***وَمِنْ بحرِها في مُزْبِدِ المَوْجِ مُفْعَم
وما زلتَ سَبّاقاً إلى كلّ غايةٍ***صعدت بها أعلى البِناءِ المُقَدِّمِ
فَلمّا أتاكَ المُلكُ عَفْواً ولَمْ يَكُنْ***لطالبِ دُنْيا بعدَهُ مِنْ تَكَلُّم (1)
والقصيدة عامرة أشادت بعمر بن عبد العزيز، وعرضت لمآثره التي في طليعتها رفعه السبّ عن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الوجه المشرق للإسلام، والمثل الأعلى لكلّ فضيلة خلقها اللّه في الأرض.
وأثنى عليه بعد أحقاب من الزمن زعيم العلويّين وسيدهم في عصره الشريف الرضي. اسمعوا رائعته وهو يقول :
يابنَ عبد العزيزِ لَوْ بَكَتِ العَ***ين فَتى مِنْ أُمَيَّةٍ لَبَكَيتُك
غَيرَ أَنِّي أَقولُ : إِنَّكَ قَدْ طِبْ***تَ وَإِنْ لَمْ يَطِبْ وَلَمْ يَزْكُ بَيتُك
أنتَ نَزَهْتَنا عن السَّبِّ وَالقَذْ***ف فلَوْ أَمْكَنَ الْجَزاءُ جَزَيْتُكَ
وَلَو انِّي رأيتُ قَبرَكَ لأَسْتَحْ***يَيْتُ مِنْ أَنْ أَرى وما حَیّيتك
وَقليلٌ أَنْ لَوْ بَزَلْتُ دِمَاءَ البُ***دنِ صِرْفاً على الذُّرى وَسَقيتُك
دَيرَ سَمْعان فيكَ مَأوى أبي حَفْ***صٍ يؤدي لو أنَّني آويتك
دَيْرَ سَمْعَانَ لا أَغَبِّكَ غَيْثٌ***خَيرُ مَيْتٍ مِنْ آلِ مَرْوانَ مَيتُك (2)
وسجّل الشريف بهذه الأبيات ما يحمله من تقدير وثناء لعمر على قيامه بهذه
المكرمة التي تذكر له بالتقدير والإعجاب على امتداد التاريخ.
ومن بين المآثر التي قام بها عمر بن عبد العزيز صلته للعلويّين، فقد جهد أسلافه
منذ تأسيس دولتهم على حرمان أهل البيت، وإشاعة الفقر في بيوتهم، وقد عانت الأسرة النبويّة الضيق والحرمان، وسُدّت عليها أبواب العيش ونوافذ الحياة، وكان عمر بن عبدالعزيز عالماً بحاجتهم وبؤسهم، فكتب إلى عامله على يثرب أن يقسّم فيهم عشرة آلاف دينار، فكتب إليه العامل أنّ عليّاً قد ولد في عدة قبائل من قريش ففي أي ولده ؟
فأجابه : إذا أتاك كتابي فهذا فاقسم في ولد علي من فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) عشرة آلاف، فطالما تخطّتهم حقوقهم (1).
وكانت هذه أوّل صلة تصلهم أيّام الحكم الأموي.
ومن المكارم التي أسداها عمر على العلويّين أنّه ردّ إليهم فدكاً، وهي التي منحها النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لسيدة النساء فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وقد صادرها الخليفة الأوّل، وأخذت تتعاقب عليها الأيدي، وتتناهبها الذئاب واللصوص، وآل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يعانون الفقر والحرمان (2).
وتنبّأ الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمصير الخلافة إلى عمر بن عبدالعزيز، فقد روى أبو بصير
قال : «كنت مع الإمام أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في المسجد إذ دخل عمر بن عبدالعزيز وعليه ثوبان ممصران، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لِيَلِين هذَا الْغُلامُ الْحُكْمَ فَيُظْهِرُ الْعَدْلَ، إِلَّا أَنَّهُ فَدَحَ في وَلا يَتِهِ لِوُجودِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالْحُكْمِ» (1).
ولما آلت الخلافة إلى عمر طلب من الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يتكرّم عليه بالوفادة إلى دمشق، فاستجاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسافر إلى الشام، واستقبله عمر استقبالاً رائعاً، واحتفى به، وجرت بينهما أحاديث ممتعة، وبقي الإمام في ضيافته أيّاماً، ولما أراد مغادرة دمشق طلب منه أن يزوّده بوصيّة ينتفع بها، فقال له الإمام : «أوصيك بِتَقْوَى اللّه، وَأَنْ تَتَّخِذَ الكَبير أباً، وَالصَّغيرَ وَلَداً، وَالرَّجُلَ أَخاً».
لقد أوصاه بالرفق بالناس، والرحمة بهم، وأن لا يعلو عليهم.
وراح عمر يقول بإعجاب : «جمعت لنا - واللّه - ما إن أخذنا به، وأعاننا اللّه عليه استقام لنا الخير إن شاء اللّه.».
وخرج الإمام من عنده، ولما أراد الرحيل بادره رسول عمر فقال له : إن عمر يريد أن يأتيك فانتظره، وانتظره الإمام فأقبل عمر وجلس بين يدي الإمام مبالغة في تكريمه وتعظيمه ثمّ ودّع الإمام بحفاوة (2).
وتواجه حكومة عمر بن عبدالعزيز بعض الانتقادات والمؤاخذات كان من بينها :
1 - إنّه أقر القطائع التي أقطعها الملوك من أسرته، وهي من دون شك كانت بغير وجه مشروع، فإقراره لها إقرار للظلم والجور، وهذا يتنافى مع العدل الذي اتخذه
منهجاً لسياسته.
2 - إنّه لم يتخذ أي إجراء حاسم ضدّ عمّاله وولاته الذين جهدوا في ظلم الناس، ونهب ثرواتهم.
يقول كعب الأشعري مخاطباً له :
إن كنتَ تَحفظ ما يَليك فإِنَّما***عُمّالُ أرضك بالبلادِ ذئاب
لَنْ يَستجيبُوا لِلَّذِي تَدعُو لَهُ***حتّى تُجَلَّدَ بالسُّيوفِ رِقابُ
بأَكُفُ منصلتين أهلِ بَصائرٍ***في وَقْعِهِنَّ مَزاجِرٌ وعِقابُ (1)
وكان عمر يخطب على المنبر فانبرى إليه رجل فقطع عليه خطابه، وشكا إليه جور عمّاله بهذه الأبيات :
إِنَّ الَّذِينَ بَعَثْتَ في أَقطارِها***نَبذُوا كِتَابَكَ وَاسْتُحِلُّ الْمُحَرَّمَ
طلْسُ الثّيابِ على مَنابِرٍ أَرْضِنا***كلّ يَجورُ وَكُلُّهُمْ يَتَظَلَّمُ
وَأَرِدْتَ أَنْ يَلِيَ الأَمانَةَ مِنْهُمْ***عَدْلٌ وَهيهات الأمينُ المُسلِمُ (2)
ومعنى هذه الأبيات وما قبلها أنّ عمّاله وولاته كانوا مجموعة من اللصوص، قد نهبوا ثروات الناس، وتركوا الفقر جاثماً عليهم.
3 - إنّه أقرّ العطاء الذي فرضه أسلافه للأشراف والوجهاء، فلم يغيّر الأمر الذي يتنافى مع المبادئ الإسلاميّة التي ألزمت بالمساواة بين المسلمين، وألغت التمايز بينهم (3).
4 - إنّه زاد في عطاء أهل الشام عشرة دنانير، ولم يفعل مثل ذلك مع أهل
العراق (1). وهذا التمييز لا يلتقي مع تعاليم الإسلام التي فرضت المساواة بين المسلمين، وحرّمت التفاضل بينهم.
هذه بعض المؤاخذات التي تواجه سياسة عمر بن عبد العزيز، وهي بالنسبة إليه كثيرة ؛ لأنّه أعلن أنه قد تبنّى العدل الخالص والحق المحض في سياسته
وألمّت الأمراض بعمر بن عبدالعزيز، وقد امتنع من مراجعة الأطباء، فلامه الناس على ذلك، فقال : «لو كان دوائي في مسح أذني ما مسحتها، نعم المذهوب إليه ربّي» (2).
ويذهب بعض المؤرّخين إلى أنه لم يمت حتف أنفه، وإنّما سقي السمّ من قبل الأمويّين، فقد علموا أنه إذا امتدت أيّامه فسوف يخرج الملك منهم، ولا يعهد بالخلافة إلا لمن يصلح لها، فعاجلوه بالسم(3).
توفّي سنة (101هـ) في شهر رجب في دير سمعان (4).
تولّى يزيد بن عبدالملك الحكم بعد وفاة عمر بن عبد العزيز، بعهد من أخيه سليمان، وقد أقام أربعين يوماً يسوس الناس بسياسة عمر بن عبد العزيز، فشقّ ذلك على بني أميّة، فأتوه بأربعين شيخاً فشهدوا عنده أنّه ليس على الخلفاء حساب
ولا عقاب (1)، فعدل عن سياسة عمر، وساس الناس بالعنف والجبروت، وعمد إلى عزل جميع ولاة عمر، وكتب مرسوماً إلى جميع عمّاله جاء فيه :
«أما بعد، فإن عمر بن عبدالعزيز كان مغروراً، فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده، وأعيدوا الناس إلى طبقتهم الأولى، أخصبوا أم أجدبوا، أحبّوا أم كرهوا، حيوا أم ماتوا» (2).
وعاد الظلم بجميع صوره وألوانه على الناس، وعمّ الجور والطغيان في جميع أنحاء البلاد.
ومما تجدر الإشارة إليه أنّ يزيد بن عبد الملك كان جاهلاً وحقوداً على أهل العلم، وكان يحتقر العلماء، وكان يسمّي الحسن البصري عالم البصرة بالشيخ الجاهل (3).
كما كان مسرفاً في اللهو والمجون، فقد هام بحبّ جاريته حبّابة، وقد ثمل يوماً فقال : «دعوني أطير»، فسخرت منه حبّابة وسخرت من الأمّة التي يحكمها قائلة له : «على من تدع الأمّة ؟».
فقال لها : «عليك» (4).
وكان لا يستطيع فراقها، وقد خرجت معه إلى الأردن يتنزّهان فرماها بحبّة. عنب، فدخلت في حلقها فشرقت ومرضت وماتت، فتركها ثلاثة أيّام لم يدفنها حتّى أنتنت، وهو يشمها ويقبلها وينظر إليها ويبكي، وكلّمه بعض رجال بلاطه في دفنها، فأذن لهم في مواراتها، وبعد الفراغ من دفنها عاد إلى قصره كئيباً حزيناً (5).
يقول المسعودي : «إنّه أقام على قبرها وهو يقول :
إِنْ تَسلُ عَنكِ النَّفْسُ أَوْ تَدعِ الْهَوَى***فَبِاليَأْسِ تسلو النفسُ لا بِالتَّجَلُّدِ» (1)
وقيل : إنّه نبشها بعد الدفن حتّى شاهدها (2).
وله أخبار كثيرة في الدعارة والمجون، أعرضنا عن ذكرها تنزيهاً للكتاب. هلك سنة 105هـ (3).
وهو من سيئات الدنيا، ودعائم الضلال، ولم يكن - فيما أجمع عليه المؤرّخون - يتمتّع بصفة كريمة، أو نزعة شريفة تؤهّله ليكون زعيماً للعالم الإسلامي، ونتحدّث بإيجاز عن بعض خصائصه، وهي :
كان هشام بخيلاً، شحيحاً، وهو القائل : «ضع الدرهم على الدرهم يكون مالاً» (4). وقد جمع من الأموال ما لم يجمعه خليفة قبل (5). وأعلن عن حرصه بقوله : «ما ندمت على شيء ندامتي على ما أهب، إنّ الخلافة تحتاج إلى الأموال كاحتياج المريض إلى الدواء» (6).
ومن شدّة بخله أنه دخل إلى بستان له فيه فاكهة، فجعل أصحابه يأكلون من ثمرها، فأوعز إلى غلامه بقلع أشجار الفواكه، وزراعة شجر الزيتون مكانها لئلا يأكل منها أحد (1).
ومن مظاهر ذاته الحقد والحسد، فقد كان حقوداً على كلّ أحد يتمتع بموهبة كريمة، وصفة شريفة، خصوصاً ذوي الأحساب العريقة، والأنساب الشريفة، وكان من أحقد الناس على آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين هم في قمة الشرف والمجد، وهو الذي أنكر معرفة الإمام زين العابدين وإمام المتّقين لما احتفّت به الجماهير، وعلت أصواتهم بالتكبير حينما كان يطوف بالبيت الحرام، في حين أن هشاماً لم يحفل به، فبادر عيون أهل الشام يسألونه عن هذا الشخص الذي ملك قلوب المسلمين وعواطفهم حتّى قابلوه بهذه الحفاوة والتكريم، فأنكر معرفته، فقام إليه الفرزدق وتلا رائعته الخالدة في مدح الإمام وتعريفه لأهل الشام، فتقطع قلب هشام من الغيظ والحقد، وأمر بحبس الفرزدق وحرمانه من العطاء.
ومن أبرز صفات هشام القسوة، فقد محيت من نفسه الرأفة والرحمة، فكان قلبه كالحجارة أو أشدّ قسوة، ووصفه اليعقوبي بأنه بخيل، فظّ، شديد القسوة، بعيد الرحمة.
ومن مظاهره أنه كان خبيث اللسان، قذراً في منطقه، لا يقيم لأحد كرامة،
1) البخلاء : 105. مروج الذهب : 3 : 210.
وهو الذي قال للشهيد العظيم زيد بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ما فعل أخوك البقرة».
فردّ عليه زيد بمنطقه الفياض قائلاً : «يسمّيه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) باقر العلم، وأنت تسمّيه البقرة، لأشدّ ما اختلفت أنت وإيّاه».
وقال لزيد : «أنت ابن أمة لا تصلح للخلافة».
فردّ عليه زيد : «إنّ الأمّهات لا يقعدن بالرجال عن الغايات، وقد كانت أم إسماعيل أمة لأمّ إسحاق، فلم يمنعه ذلك أن بعثه اللّه نبياً، وجعله أباً للعرب، وأخرج من صلبه خير الأنبياء محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)».
وتميّز هذا الردّ بالمنطق الأصيل، فإنّ الأم لا تدخل في وصول الرجال إلى أسمى الغايات، والوصول إلى المقاصد العالية.
وولّى هشام ابنه سعيداً على حمص، فبلغه أنّه يفجر بنساء الناس، فقال له : يابن الخبيثة، تزني وأنت ابن أمير المؤمنين، أعجزت أن تفجر فجور قريش، وأخذ مال هذا» (1)
أرأيتم كيف يوصي ولده بالفسق والفجور، ويوصيه بالقتل ونهب الأموال، والإعتداء على الناس.
وعلى أي حال، فإنّ مظاهر شخصيّة هشام وسلوكه لا يؤهلاته لأن يكون موظفاً عادياً، فضلاً عن أن يتبوأ هذا المركز المهم في الإسلام.
أما الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهو من ألمع أبناء الأسرة النبويّة في تقواه وفضله، وهو الرائد
1) النزاع والتخاصم : 9. تقوية الإيمان : 200.
الأول للحركة الثقافية والعلميّة في عصره، وقد تخرّج من مدرسته كبار الفقهاء والعلماء، أمثال الفقيه زرارة بن أعين، ومحمّد بن مسلم، وأبان بن تغلب، وأمثالهم من عيون العلماء في ذلك العصر (1).
وقد أجمع المسلمون على تعظيمه، والإعتراف له بالفضل، فهو البقية الباقية من الأسرة النبويّة التي أعزّ اللّه بها العرب والمسلمين، وكان هشام من أحقد الناس عليه، وذلك لما يسمع من فضله وشيوع مآثره، وتقديمه بالفضل على غيره، فأوعز إلى عامله على يثرب بحمله إلى دمشق، وأبلغ العامل رسالة هشام إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاضطر إلى السفر إلى دمشق، ولما انتهى إليها أوعز هشام إلى حاشيته بتوهين الإمام وتوبيخه عندما يفرغ من حديثه معه.
ودخل الإمام على هشام فسلّم على القوم، ولم يسلّم على هشام بالخلافة، فاستشاط غضباً، وأقبل على الإمام قائلا له :
«یا محمّد بن عليّ، لا يزال الرجل منكم قد شقّ عصا المسلمين، ودعا إلى نفسه، وزعم أنّه الإمام سفها، وقلّة علم...».
لقد استقبل الإمام وهو في مجلسه بمثل هذه الكلمات القاسية، وأخذ أصحابه ينالون من الإمام، ويسخرون منه، فوثب عليه بشجاعة قائلاً:
«أَيُّها النَّاسُ، أَيْنَ تَذْهَبونَ؟ وَأَيْنَ يُرادُ بِكُمْ ؟ بنا هَدى اللّه أَوَّلَكُمْ، وَبِنا يَخْتِمُ آخِرَكُمْ، فَإِنْ يَكُنْ لَكُمْ مُلْكُ مُعَجَّلٌ فَإِنَّ لَنا مُلْكاً مُؤَجَّلاً، وَلَيْسَ بَعْدَ مُلْكِنا مُلْكَ لأَنَا أَهْلُ العاقِبَةِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (2).
وأشاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خطابه القصير بمكانة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) فهم مصدر هداية
الأمّة في جميع مراحل تاريخها، فقد رفع جدّهم سيّد الأنبياء صلوات اللّه عليه مشعل النور والهداية، وأنقذ الإنسان من خرافات الجاهلية وعاداتها، وفي المرحلة الأخيرة من تاريخ هذه الأمّة سوف يبعث اللّه تعالى مهدي آل محمّد، فيقيم اعوجاج الدين، ويعيد للإسلام نضارته، وللمسلمين كرامتهم ومجدهم.
وازدحم أهل الشام على الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهم ينظرون إليه نظرة حقد وعداء، قد ملئت أفكارهم بالدعايات الكاذبة التي لفقتها أجهزة الإعلام التي صوّرت أهل البيت بأنّهم أعداء الإسلام، وأنّ بني أميّة حماة الإسلام وحضنة القرآن، فرأى الإمام أن يهديهم إلى سواء السبيل، ويغسل أدمغتهم من الأفكار المعادية لآل البيت، فقام فيهم خطيباً، فحمد اللّه وأثنى عليه، وصلى على الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ثمّ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
«اجْتَنِبُوا أَهْلَ الشَّقاقِ، وَذُرِّيَّةَ النّفاقِ، وَحَشْوَ النّارِ، وَحَصَبَ جَهَنَّمَ، عَنِ الْبَدْرِ الزَّاهِرِ، وَالْبَحْرِ الزَّاخِرِ، وَالشَّهَابِ الثَّاقِبِ، وَشِهَابِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجوهاً فَنَرُدَّها عَلَى أَدْبَارِها، أَوْ يُلْعَنوا كَما لُعِنَ أَصْحابُ السَّبْتِ».
وبعد كلام له قال :
«أَبْصِنْوِ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يعني الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)- تَسْتَهْزِنُونَ، أَمْ بِيَعْسوب الدِّينِ تَلْمَرُونَ، وَأَيَّ سَبيلِ بَعده تَسْلُكُونَ، وَأَيَّ حُزْنٍ بَعْدَهُ تَدْفَعونَ.
هَيْهاتَ بَرَزَ وَاللّه بِالسَّبْقِ، وَفازَ بِالْفَضْلِ، وَاسْتَوْلى عَلَى الْغَايَةِ، وَأَحْرَزَ عَلَى الْخَتارِ (1)، فَانْحَسَرَتْ عَنْهُ الْأَبْصَارُ، وَخَشَعَتْ دونَهُ الرِّقابُ، وَفَرْعُ الذَّرْوَةِ الْعُلْيا،
1) الختار : الغدر.
فَكَذَبَ مَنْ رامَ مِنْ نَفْسِهِ السَّعْيَ، وَأَعْياهُ الطَّلَبُ، «وَأَنَّىٰ لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ» (1)».
ثم أنشد :
«أَقِلُّوا عَلَيْهِمْ لا أَباً لأَبيكُمُ***مِنَ اللُّوْم أو سُدُّوا المَكانَ الَّذي سَدُّوا
أُولئِكَ قَوْمٌ إِنْ بَنَوا أَحْسَنوا البنا***وَإِنْ عاهَدُوا أَوْفَوا وَإِنْ عَقَدُوا شَدُّوا
فَأَنَّى يُسَدُّ ثُلْمَةُ أَخِي رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إِذْ شَفَعوا وَشَقِيقِهِ إِذْ نَسَبوا، وَنَدَ يَدِهِ إِذْ قَتَلُوا، وَذِي قَرْنِي كَنْزِهَا إِذْ فَتَحوا، وَمُصَلِّي الْقِبْلَتَيْنِ إِذْ تَحَرَّفُوا، وَالْمَشْهُودِ لَهُ بِالْإِيمَانِ إِذْ كَفَرُوا» (2).
وأكبر الظنّ أنّ هذه الفقرات مقتطفات من خطابه، وليست النص الكامل، وهي وإن كانت متقطعة إلا أنّها عنت بنشر فضائل أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
ولما ذاع فضل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين أهل الشام خاف الطاغية منه، وأمر باعتقاله، وقد احتف به السجناء، وأخذوا يتلقون من علومه وأدبه، وخشي مدير السجن من الفتنة، فبادر إلى هشام وأخبره بالأمر، فأمره بإخراجه من السجن وإرجاعه إلى يثرب (3).
وهناك روايات أخرى رواها لوط بن يحيى الأسدي مطوّلة ذكرناها في كتابنا حياة الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وأمر هشام بمغادرة الإمام أبي جعفر وولده الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) دمشق خوفاً من أن يفتتن الناس بهما، وأوعز إلى أسواق المدن والمحلات التجارية الواقعة في الطريق أن تغلق محلاتها بوجه الإمام، ولا تبيع إليه أية بضاعة، وقد أراد بذلك القضاء على الإمام في الطريق، وسارت قافلة الإمام وقد أضناها الجوع والعطش، فاجتازت على بعض المدن فبادر أهلها إلى إغلاق محلاتهم بوجه الإمام، ولما رأى (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك صعد على جبل هناك ورفع صوته قائلاً: «يا أَهْلَ الْمَدينَةِ الظَّالِم أَهْلُها، أَنا بَقِيَّةُ اللّه. يَقولُ اللّه تعالى : «بَقِيَّةُ اللّه خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ» (1)».
ولما أنهى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلامه با در شيخ من شيوخ المدينة فرفع عقيرته قائلاً:
«یا قوم، هذه واللّه دعوة شعيب، واللّه لئن لم تخرجوا إلى هذا الرجل بالأسواق لتؤخذن من فوقكم، ومن تحت أرجلكم، فصدقوني هذه المرة وأطيعوني، وكذبوني فيما تستأنفون، فإنّي ناصح لكم..».
وخاف أهل المدينة وفزعوا، وبادروا إلى حوانيتهم ففتحوها، واشترى الإمام ما يحتاجه من المتاع (2)، وفسدت مكيدة هشام وما دبّره من مكيدة للإمام
أما ثورة زيد فهي من الثورات الخالدة في دنيا الإسلام، فقد استهدفت القضاء على الظلم الاجتماعي، والغبن الاجتماعي، وإنقاذ المسلمين من ويلات الحكم الأموي وكوارثه.
لقد ثار زيد بوحي من روح الإسلام، فقد رأى باطلاً يحيا، وصادقاً يكذّب، وأثرة بغير تقى، رأى جوراً شاملاً، واستبداداً فظيعاً في أمور المسلمين، فلم يسعه السكوت.
وقد روى بعض شیعته، قال : «خرجت معه إلى مكّة، فلمّا كان نصف الليل واستوت الثريا قال لي : أما ترى هذه الثُّريا، أَتَرى أَحَداً يَنالُها ؟
قلت : لا.
قال : وَاللّه لَوَدَدْتُ أَنَّ يَدي مُلْصَفَةٌ بِها فَأَقَعُ إِلَى الْأَرْضِ، أَوْ حَيْثُ أَقَعُ، فَأَتَقَطَّعُ قِطْعَةً قِطْعَةً، وَإِنَّ اللّه يُصْلِحُ بَيْنَ أُمَّةِ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (1).
أرأيتم هذه النزعة الإصلاحية، والتفاني في خدمة المسلمين، وإنقاذهم من الظلم والجور.
وروى عيسى بن عبداللّه عن جدّه محمّد بن عمر بن عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «كنت مع زيد بن عليّ حين بعث بنا هشام إلى يوسف بن عمر، فلما خرجنا من عنده وسرنا حتّى كنا بالقادسية، قال زيد : اعزلوا متاعي عن أمتعتكم.
فقال له ابنه : ما تريد أن تصنع ؟
قال : أريد أن أرجع إلى الكوفة، فواللّه لو علمت أن رضى اللّه عزّ وجلّ عنِّي في أن أقدح ناراً بيدي حتّى إذا اضطرمت رميت نفسي فيها لفعلت، ولكن ما أعلم شيئاً أرضى اللّه عزّ وجلّ عنّي أفضل من جهاد بني أميّة» (2).
إنّ زيداً لم يفجر ثورته الكبرى طمعاً في الملك والسلطان، وإنما كان يبغي بها وجه اللّه والدار الآخرة، وقد قال لجابر بن يزيد الجعفي : «يا جابر، لم يسعن أن
أسكت، وقد خولف كتاب اللّه تعالى، وتحوكم بالجبت والطاغوت، وذلك أنّي شاهدت هشاماً ورجل عنده يسب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقلت للساب : ويلك يا كافر، أما إنِّى لو تمكنت منك لاختطفت روحك، وعجّلتك إلى النار.
فقال لي هشام: مه جليسنا يا زيد، فواللّه لو لم يكن إلا أنا ويحيى ابني لخرجت عليه، وجاهدته حتّى أفنى» (1).
وقد جهد الطاغية هشام على إذلال زيد، والحط من شأنه، وقابله زيد بمنتهى الشجاعة غير حافل بسلطانه، فقد قال له : «السلام عليك يا أحول، فإنّك ترى نفسك أهلاً لهذا الاسم» (2).
ثم خرج وقد صمّم على الثورة، وكان يتمثل بهذه الأبيات :
وَمَنْ يَطْلُبِ المَجدَ المُمَنَّعَ بِالقَنا***يعيش ماجداً أو تَخْتَرِمُهُ المَخارِمُ
مَتى تَجْمَعِ الْقَلبَ الذَّكِيَّ وَصارِماً***وأَنْفاً حَميّاً تَجْتَنِبُكَ المَظالِمُ
وكنتُ إِذا قومٌ غَزَونِي غَزَوتُهُمْ***فَهَلْ أَنا في ذا يا أهل هَمْذان ظالِمٌ (3)
وكان يقول : «ما كره قوم حرّ الجلاد إلا ذلّوا»، واتّجه صوب الكوفة ليتّخذ منها قاعدة لانطلاقه في ميادين الجهاد، وقد عذله قوم من التوجه إلى الكوفة لما عرف من أهلها الغدر والخيانة، فلم يعن بذلك، وجعل يتمثل بقول عنترة العبسي :
بَكَرَتْ تُخَوِّفُني المنونَ كَأَنَّني***أصبحتُ عن عَرَضِ الحياةِ بِمَعْزِلِ
فأجبْتُها إِنَّ المنيّةَ مَنْهَل***لا بد أن أسقَى بِكَأسِ المَنْهَلِ (4)
أما أنت يا بطل الجهاد فتسخر من الحياة، وتهزأ من الموت، وأنّك بكلّ جرأة وإقدام تحتسي كأس المنيّة، ولا تعيش ذليلاً مضاماً، فأنت حفيد الحسين سيد الأحرار والأباة في دنيا الإسلام.
وانتهى فخر هاشم إلى الكوفة فانثالت عليه الجماهير تبايعه، وهي إنّما تبايع اللّه ورسوله، وكانت صيغة البيعة الدعوة إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه، وجهاد الظالمين، والدفاع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء بين أهله، ورد المظالم، ونصرة أهل الحقّ (1).
لقد ثار زيد من أجل هذه المبادئ لينقذ الأمّة من عسف الأمويّين وجورهم، وبلغ عدد المبايعين له أربعين ألفاً، فرأى أن يفجر ثورته ويزحف بجيشه إلى احتلال الكوفة، والإطاحة بالحكم الأموي، وانطلقت جيوشه من جبانة سالم، وهي تهتف بحياة زعيمها العظيم، وتنادي بشعار الشيعة (يا منصور أمت)، ولما رأى زيد الرايات تخفق على رأسه قال : «الحمد للّه الذي أكمل لي ديني، واللّه إني كنت أستحيي من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن أرد الحوض ولم آمر في أُمّته، ولا أنهي عن منكر بمعروف» (2).
واندلعت نار الحرب في ليلة شديدة البرد (3)لسبع بقين من المحرّم، وجرت مناوشات، واصطدام مسلّح بين أتباع زيد وبين الجيوش الأمويّة تحت قيادة والي الكوفة يوسف بن عمر.
ومن المؤسف أن جيش زيد المكوّن من عشرات الآلاف قد غدروا به، وأسلموه
عند الوثبة، وتركوه عدا القلّة من خلّص أصحابه، ولما رأى زيد هزيمتهم راح يقول : «فعلوها حسينية..». لقد غدروا به كما غدروا من قبل بجده أبي الأحرار الإمام الحسين، وخاض زيد بشجاعة فائقة مع أصحابه الحرب في شوارع الكوفة وأزقّتها، وأبلى في المعركة بلاء حسناً، وما رأى الناس قط فارساً أشجع ولا أربط جأشاً منه.
وأبدى زيد من البسالة والبطولة ما يفوق حدّ الوصف، فقد أخذ يلاحق الجيوش الأمويّة، ويلحق بها أفدح الخسائر، ولم تستطع الصمود أمام الضربات المتلاحقة التي يسدّدها لها زيد، وكان يحمل ويتمثل بقول الشاعر :
أذلُّ الحَياة وعزُّ الممات***وكُلاً أراه طعاماً وبيلا
فَإِنْ كانَ لا بُدَّ من واحدٍ***فَسِيري إلى المَوْتِ سَيراً جميلا (1)
لقد سرت أيّها القائد العظيم إلى الموت، ولم تخضع للذلّ والعبوديّة، ومتّ تحت ظلال السيوف والرماح عزيزاً كريماً، قد رفعت راية الإسلام عالية خفّاقة، ولما جنح الليل رُمي زيد بسهم غادر فأصاب جبهته الكريمة ووصل إلى دماغه الشريف، الذي ما فكر إلا في إعلان حقوق الإنسان، وإزالة الجور والظلم عن الضعفاء والمحرومين، وحلّت الكارثة بأصحاب زيد، وهاموا في تيارات من الأسى والحزن، وطلبوا طبيباً فانتزع منه السهم فتوفّي، وقد انطفأت بذلك الشعلة الوهاجة التي كانت تضيء الطريق، وتوضح القصد، وترفع منار الحرية والكرامة لجميع شعوب الأرض وأمم العالم.
1) حياة الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 1 : 77.
لقد استشهد القائد العظيم الذي أراد أن يحقق العدالة الاجتماعيّة في الأرض، ويحقق الفرص المتكافئة للمسلمين، ويوزع خيرات الأرض على الفقراء والمحرومين الذين كفرت السلطة الأمويّة بجميع حقوقهم.
وعلى أي حال، فإنّ أصحاب زيد حاولوا مواراة جثمانه خوفاً عليه من السلطة الأمويّة التي لا تتورع عن التمثيل الآثم به، وبعد المداولة في الأمر صمموا على مواراته في نهر هناك، وعمدوا إلى النهر فقطعوا ماءه، وحفروا فيه قبراً وواروا فيه الجسد الطاهر، ثمّ أجروا عليه الماء، وانصرفوا وهم غارقون بالأسى والشجون على القائد العظيم الذي تبنّى حقوق المظلومين والمضطهدين.
وكان مع أصحاب زيد عين من عيون السلطة يراقب حركاتهم، فبادر مسرعاً إلى حاكم الكوفة وأخبره بموضع الدفن، فأوعز الحاكم إلى شرطته بنبش القبر، وإخراج الجثمان المقدّس منه، فأخرجوه وحمل إلى قصر الإمارة، فأمر بصلبه منكوساً في سوق الكناسة، واحتزّوا رأسه الشريف، وأرسل هدية إلى أحول بني أميّة هشام بن عبد الملك، وأمر الطاغية بوضع الرأس في مجلسه، وأمر جميع من يدخل عليه أن يطأ الرأس بحذائه مبالغة في توهينه وإذلاله، وجعلت الدجاج تنقر دماغه، وفي ذلك يقول الشاعر القرشي :
اطرُدِ الدِّيكَ عن ذُوْابَةِ زَيدٍ***طَالَ ما كان لَا تَطَأَهُ الدَّجاج (1)
ابنُ بِنتِ النبيّ أَكْرَمُ خَلْ***قِ اللّه زَينِ الوفودِ وَالحُجّاج
حَمَلوا رأسَهُ إِلى الشَّامِ رَكْضاً***بالسُّرَى وَالبُكُورِ وَالإِدلاجِ (2)
وأمر هشام بنصب الرأس الشريف على باب دمشق، ثمّ أرسل إلى المدينة
فنصب عند قبر النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يوماً وليلة (1)، ثمّ أرسله إلى مصر، كلّ ذلك لإذاعة الخوف والإرهاب بين الناس، وإعلامهم على قوّة السلطة، وقدرتها على سحق أية معارضة تقوم ضدّها، وكتب طاغية الشام إلى والي الكوفة يوسف بن عمر بأن يبقي زيداً مصلوباً، ولا ينزله عن خشبته قاصداً بذلك إذلال العلويّين والاستهانة بشيعتهم، وقد فاته أنه قد أوقد نار الثورة في نفوس الشيعة، وزادهم عزماً وتصميماً على التضحية في سبيل مبادئهم.
ويقي الجثمان العظيم مرفوعاً على أعواد المشانق، وهو يضيء للناس طريق الحرية والكرامة، ويدفعهم إلى التمرّد على الذل والخنوع، ويبعث في نفوسهم روح الثورة على الجور والظلم، وقد وضعت السلطة عليه الحرس، وكان عددهم أربعمائة، وجعلت الرقابة في كلّ ليلة لمائة رجل، وبنيت للحرس حول الجذع بناية خوفاً من أن تختلس الشيعة الجثمان ويواروه في التراب.
ولما ولي الوليد الحكم كتب إلى حاكم الكوفة يوسف بن عمر كتاباً، وأمره بأن ينزل الجثمان المقدّس ويحرقه بالنار، وقام السفاك بتنفيذ ما عهد إليه، فأحرق الجسد الطاهر الذي ثار ليطهر الأرض من الظالمين، ويعيد للإنسان حريته وكرامته، وبعدما أحرق الجثمان العظيم عمد الباغي اللئيم يوسف بن عمر فذر رماد الجثمان في الفرات، وهو يقول : «يا أهل الكوفة، لأدعنكم تأكلونه في طعامكم، وتشربونه في مائكم» (2).
لقد كان جزاء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الذي حرّر أمته من حياة الذل والعبودية، وجعلها سادة الأمم والشعوب، أن عمد الأمويّون إلى قتل عترته وذريته، والتمثيل بهم تمثيلاً آثماً لا مبرر له سوى أنهم كانوا يطالبون بحقوق الأمّة وإشاعة العدل فيها.
كان الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) يبجّل عمه زيداً، ويحترمه كثيراً، وكان من مظاهر تكريمه له أنّه يمسك له الركاب إذا أراد أن يركب، ويسوّي ثيابه على السرج (1).
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمحمّد بن سالم : «هَلْ شَهِدْتَ عَمّي زَيْداً ؟
إنّ زيداً فذ من أفذاذ الإسلام، وصفحة مشرقة من صفحات الرسالة الإسلاميّة، ليس له ندّ في الأسرة النبويّة التي هي من أجل الأسر في دنيا الإسلام.
ومجّد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثورة عمه زيد، فقد قال لأصحابه : «لَا تَقولوا خَرَجَ زَيْدٌ، فَإِنَّ زَيْداً كانَ عالماً، وَكانَ صَدوقاً، وَلَمْ يَدْعُكُمْ إِلى نَفْسِهِ، إِنَّمَا دَعَاكُمْ إِلَى الرّضا مِنْ آلِ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَلَوْ ظَهَرَ لَوَفي بِما دَعاكُمْ إِلَيْهِ، إِنَّما خَرَجَ إِلى سُلْطَانٍ مُجْتَمِعِ ليقضه» (3).
وكان من إقرار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثورة زيد، وأنها مشروعة أنه أعطى إلى عبدالرحمن بن
سيّابة ألف دينار وأمره أن يقسمها في عيال من أصيب مع زيد (1).
وكان من جهل الأمويّين وسوء تدبيرهم أنهم كانوا يفخرون بإبقاء جثّة زيد مصلوبة، وقد اعتز بذلك وغد من عملائهم، وهو الحكيم بن عياش، يقول :
صَلَبْنا لَكُم زَيداً على جذع النَّخْلَةِ***ولَمْ نَرَ مَهْدِيّاً عَلَى الجِذْعِ يُصْلَبُ
وقِسْتُم بِعُثمانٍ عَليّاً سَفاهة***وعُثمَانُ خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ وَأَطْيَبُ
إنّ زيداً إنّما صلب على جذع نخلة لدفاعه عن حقوق المظلومين والمضطهدين، فقد حوّلت السلطة الأمويّة البلاد الإسلاميّة إلى مزرعة لهم، كما استعبدت المسلمين وأرغمتهم على ما يكرهون.
ولما بلغ هذا الشعر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) تألّم كأشدّ ما يكون التألّم، ورفع يديه بالدعاء قائلاً: «اللّهمّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ كَاذِباً فَسَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ»، واستجاب اللّه دعاء الإمام، فافترسه أسد وهو يدور في سكك الكوفة.
ولما انتهى خبره إلى الإمام سجد للّه شاكراً على استجابة دعائه، وهو يقول : «الْحَمْدُ للّه الَّذِي أَنْجَزَنَا وَعْدَه» (2).
لقد نكب الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسائر أبناء الأسرة النبويّة بقتل زيد الذي كان علماً من أعلام الإسلام، ومن سادات أهل البيت، كما روّع العالم الإسلامي بأسره،
فقد كان قتله وحرق جنّته من الأحداث الجسام التي تصدعت من هولها القلوب. يقول اليعقوبي : «ولما قتل زيد تحرّكت الشيعة بخراسان، وظهر أمرهم، وكثر من يأتيهم، ويميل إليهم، وجعلوا يذكرون للناس أفعال بني أميّة، وما نالوا من آل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) حتّى لم يبق بلد إلا فشا فيه هذا الخبر، وظهرت الدعاة، ورئيت المنامات،
وتدورست كتب الملاحم» (1).
و مرض هشام مرضه الذي هلك فيه، ولما أشرف على الموت جعل أبناؤه يبكون، فقال لهم : «جاد لكم هشام بالدنيا، وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما جمع، وتركتم له ما كسب، ما أسوا منقلب هشام إن لم يغفر اللّه له» (2).
وقد هلك في شهر ربيع الآخر بدمشق سنة 125هـ، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، ومدّة حكمه 19 سنة و 9 أشهر (3).
وولي الحكم من بعد هشام الوليد بن يزيد، بويع له بالخلافة ولم يكن بدمشق، وإنما كان في خارجها، وكان جاهليّاً بما تحمله هذه الكلمة من معنى، فقد أجمع المؤرّخون على استخفافه بالدين، واشتهاره بالفسق، وإدمانه على شرب الخمر.
يقول ابن عساكر : «إنّه كان منهمكاً في شرب الخمر واللذّات، ورفض الآخرة وراء ظهره، وأقبل على القصف واللّهو والتلذّذ مع الندماء والمغنّين، وكان يضرب بالعود ويوقع بالطبل، ويمشي بالدفّ، وقد انتهك محارم اللّه تعالى حتّى قيل له الفاسق».
وأضاف يقول : «إنّه لم يكن في بني أميّة أكثر إدماناً للشراب والسماع، ولا أشدّ مجوناً وتهتكاً واستخفافاً بأمر الأمّة منه، وقد واقع جارية له وهو سكران، وجاءه
المؤذّنون يؤذنونه بالصلاة، فحلف أن لا يصلي بالناس إلا هي، فلبست ثيابه، وصلت بالمسلمين، وهي جنب سكرانة، وقد اصطنع بركة من الخمر، وكان إذا طرب ألقى نفسه فيها ويشرب منها حتّى يبين النقص في أطرافها» (1).
وقد أنكر عليه هشام فقد قال له : «واللّه ما أدري على الإسلام أنت أم لا ؟ فإنك لم تدع شيئاً من المنكرات إلا أتيته غير متحاش ولا متستر».
فكتب إليه الوليد :
يا أَيُّها السَّائِلُ عن ديننا***دِيني على دِينِ أبي شاكِرِ
نَشْرَبُها صِرْفاً ومَمْزوجةً***بالسُّخْنِ أَحْياناً وَبِالفاتِرِ
فغضب هشام على ابنه مسلمة، وكان يُسمّى أبا شاكر، وقال له : تشبّهت بالوليد بن يزيد، وأنا أريد أن أرقّيك إلى الخلافة، فكفّ مسلمة عن الإستهتار بالدعارة والمجون، وأظهر النسك، وبعثه أبوه على الموسم سنة 129هـ، وقسم بمكة والمدينة أموالاً، فقال مولى لأهل المدينة :
يا أَيُّها السَائِلُ عَنْ دِينِنا***نَحْنُ على دِينِ أَبي شَاكِرِ
الواهب الجُرد بأرسانها***ليسَ بِزنديق ولا كافر (2)
وبلغ من كفر الوليد وإلحاده أنه اصطنع قبة على قدر الكعبة وأراد أن ينصبها فوق سطح الكعبة، ويجلس هو وأصحابه هناك، واستصحب معه الخمور وآلات الملاهي، وغير ذلك من المنكرات، فلما وصل إلى مكة هاب أن يفعل ذلك خوفاً من الناس (3).
ودخل يوماً فوجد ابنته جالسة، فبرك عليها وأزال بكارتها، فأنكرت عليه مربيتها، وقالت له : هذا دين المجوس، فقال لها :
مَنْ راقبَ النّاسَ ماتَ غَمّاً***وفاز باللذة الجسور (1)
ويقول المترجمون له : إنّه نكح أمهات أولاد أبيه (2)، ومن مظاهر إلحاده ومروقه من الدين أنّه تفاءل يوماً بالمصحف الكريم، فخرجت الآية : «وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ» (3)، فمزق المصحف وأنشأ يقول :
أَتُوعِدُ كلّ جَبَارٍ عَنيد***فَها أَنا ذاكَ جَبَارٌ عَنيد
إِذا ما جِئْتَ رَبَّكَ يَومَ حَشْرٍ***فَقُلْ يا رَبِّ مَزَّقَنى الوَلِيدُ (4)
ولم يلبث إلّا أيّاماً يسيرة حتّى قتل أشر قتلة، وصلب رأسه على قصره، ثمّ على أعلى سور بلده (5).
ومن الجدير بالذكر أنّ دعاة الدولة العبّاسيّة قد استغلوا فساد الوليد وتحلّله إلى الثورة على الحكم الأموي.
تولى قيادة الحكم بعد قتل ابن عمه الوليد، وهو أول ملك من ملوك بني أميّة أمّه أمّة، يُسمّى بالناقص، وإنّما سمّي بهذا الإسم لأنّه أنقص أعطيات الناس،
وردّهم إلى ما كانوا عليه أيّام هشام (1)، ولم يدم طويلاً، فقد كانت مدة حكمه خمسة أشهر ونصف، ثمّ توفّي، ولم يتعرّض الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهده إلى أي ضغط، وكان يزاول إلقاء محاضراته على طلابه بكل حرية.
بويع له بالملك بعهد من أخيه يزيد بن الوليد، ولم يثبت له الأمر، فكان في جمعة يسلّم عليه بالخلافة، وفي جمعة ثانية يسلّم عليه بالإمارة، وفي جمعة ثالثة لا يسلّم عليه بالخلافة ولا بالإمارة، وكانت أمور الدولة في عهده مضطربة كأشدّ ما يكون الاضطراب، وكانت مدة حكمه شهرين وعشرة أيام، وقتله مروان ابن محمّد (2).
هو آخر ملوك بني أميّة، وكان من أحزمهم وأقواهم عزماً وشكيمة، تقلد الحكم في وقت عمّت فيه الفتن، ونيران الاضطرابات قد اندلعت في أيامه في معظم أقاليم الدولة الإسلاميّة، فلا تخمد نار الحرب في إقليم حتّى تستعر في إقليم آخر، وقد جهدت الحكومة، وضعف كيانها العسكري والاقتصادي، ووصف الشاعر الشهير
الحارث بن عبداللّه الجعدي الحالة الراهنة في عموم البلاد بقوله :
أَبِيتُ أَرعى النجوم مُرتفقاً (3)إذا استقلت تجري أوائلها
من فتنة أصْبَحَتْ مُجَلَّلَةٌ (1)***قَدْ عمَّ أَهلَ الصَّلاةِ شامِلُها
مَنْ بخراسانَ وَالعِراقِ ومَنْ***بالشام كلّ شَجاهُ شاغلها (2)
فالناسُ مِنها في لونِ مَظْلِمَةٍ***دَهماءَ مُلتَجَّةٍ غَياطِلُها
يُمسي السَّفيهُ الَّذِي يُعَذِّفُ بِالجَه***ل سواءٌ فيها وعاقلها
والناسُ في كربةٍ يَكادُ لها***تَنْبِذُ أَولادَها حَوامِلُها
يغدونَ مِنها في كلّ مُبْهَمَةٍ***عمياء تُمنى لَهُمْ غَوائِلُها
لا يَنظُرُ النّاسُ في عواقبها***إِلَّا الَّتي لا يبينُ قائِلُها
كَرَغُوةِ الْبِكرِ أَو كَصيحَةِ حُب***لى طَرَقَتْ حَولَها قَوابِلُها
فَجاءَ فينا أَزْرَى بِوِجْهَتِهِ***فيها خُطوبٌ حُمْرٌ زَلازِلُها (3)
وحكى هذا الشعر ما ألم بالمسلمين من الفتن والخطوب التي لم تقتصر على طائفة خاصة منهم، وإنما شملت جميع أنحاء العالم الإسلامي، أما تلك الفتن فكانت مظلمة سوداء، قد اكتوى بنارها العاقل والسفيه، وبلغ من عظيم بلائها أنّ الحوامل تنبذ أولادها، وأن محنها قد غطت على الناس، وشغلتهم عن النظر في عواقبها.
ووصف شاعر آخر وهو العبّاس بن الوليد الحالة الراهنة في البلاد بقوله :
إنِّي أعيدُ كُم بِاللّه مِنْ فِتَن***مِثْلِ الْجِبالِ تَسامَى ثمّ تَندفِعُ
إِن البَريَّةَ قَدْ مَلَّتْ سِياسَتكُم***فَاسْتَمْسِكُوا بِعَمودِ الدِّينِ وَارْتَدِعُوا
لا تُلحِمُنُ ذئاب النّاسِ أَنْفُسَكُم***إنَّ الذُّئاب إذا ما الحِمَتْ رَتَعُوا
لا تَبْقُرنَّ بِأَيْدِيكُمْ بُطُونَكُمُ***فَثَمَّ لَا حَسرةٌ تُغْنِي وَلَا جَزَعُ (1)
ومعنى هذا الشعر أن الفتن السود قد انصبت على المجتمع، وهي كالجبال في هولها، فأهلكت الناس، وألقتهم في شرّ عظيم، ومن الطبيعي أنها كانت ناجمة من سوء السياسة الأمويّة التي تأسست على الظلم والجور.
ودعا ابن الوليد - في هذه الأبيات - الأمويّين إلى الإستقامة، وإصلاح سياستهم قبل أن يفوت الأوان وتسقط دولتهم. وعلى أي حال، فقد أصبح سقوط الدولة الأمويّة من الأمور الحتمية، وذلك لما منيت به من الضعف والإنحلال، وتوالي الثورات المحلية، ولم يعد للأمويين أي رصيد شعبي.
وأخذ دعاة العلويّين يجوبون بحريّة تامّة مختلف البلاد الإسلاميّة، وهم يدعون الناس إلى الرضا من آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وكان من أساليب دعوتهم أنهم يقولون للناس :
هل فيكم أحد يشك أنّ اللّه تعالى بعث محمّداً واصطفاه ؟
لا.
أفتشكّون أنّ اللّه أنزل عليه كتابه فيه حلاله وحرامه وشرائعه ؟
لا.
أفتظنّونه خلّفه عند غير أهله وعترته ؟
لا.
1) تاريخ الأمم والملوك : 5 : 545. الكامل في التاريخ : 5 : 284.
وغزت هذه الدعوة القلوب، واستجابت الجماهير بكل شوق ورغبة لحكم أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وكان من جملة الدعاة المنصور الدوانيقي، فكان يجوب في الأرياف، وينشد مدائح أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، لقد آمن المسلمون بهذه الدعوة، واعتبروها قاعدة أساسيّة لتطوّرهم وإنقاذهم من ظلم الأمويّين وجورهم.
وعقد الهاشميون مؤتمراً لهم في الأبواء تداولوا فيه شؤون الدعوة، وتعيين المرشّح للخلافة من بينهم، وقد حضره كلّ من إبراهيم الإمام، والسفّاح، والمنصور، وصالح بن عليّ، وعبد اللّه بن الحسن، وإبناه محمّد وإبراهيم، ومحمّد ابن عبد اللّه بن عمرو، وغيرهم، وقام فيهم صالح بن عليّ خطيباً، فقال : «إنّكم القوم الذين تمتدّ أعين الناس إليهم، فقد جمعكم اللّه في هذا الموضع، فاجتمعوا على بيعة أحدكم، وتفرّقوا في الآفاق، وادعوا اللّه لعلّ اللّه أن يفتح عليكم وينصركم».
وانبرى أبو جعفر المنصور فأعلن تأييده لمقالة صالح قائلاً: «لأي شيء تخدعون أنفسكم، واللّه لقد علمتم ما الناس أميل أعناقاً، ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى - وأشار بيده إلى محمّد بن عبد اللّه بن الحسن -.
وأسرعوا قائلين: «صدقت، إنا لنعلم هذا».
وقاموا جميعاً فبايعوا محمّداً، وبايعه إبراهيم الإمام، والمنصور، والسفّاح، وسائر من حضر المؤتمر (2)، ولم يف العبّاسيّون بهذه البيعة، فقد خاسوا بعهدهم، ونقضوا ميثاقهم، وأخذوا يعملون بالخفاء لأنفسهم، وأفهموا دعاتهم بذلك،
وأوصوهم بالكتمان خوفاً من انتفاضة العلويّين عليهم، وعدم استجابة الناس لهم إذ لم تكن لهم أي ركيزة اجتماعية، ولم يكن لهم تاريخ ناصع.
وعلى أية حال، فقد اتخذ العبّاسيون الدعوة إلى العلويّين شعاراً لهم لينالوا ثقة الأمّة، ويكسبوا ودّ العلويّين لهم (1).
وانتخب إبراهيم الإمام عميد الأسرة العبّاسيّة غلامه أبا مسلم الخراساني قائداً عاماً للحركة الإنقلابية، وألزم الدعاة والشيعة بطاعته، وكتب إلى الشيعة في الكوفة وخراسان : «إنّي قد أمرت أبا مسلم بأمري، فاسمعوا له وأطيعوا، وقد أمرته على خراسان وما غلب عليه». (2).
وكان عمر أبي مسلم تسع عشرة سنة، وكان يقظاً، حسّاساً، فاتكاً، غادراً، لا يعرف الرحمة ولا الرأفة، كما كان من أمهر السياسيين في حياكة المؤامرات والدسائس، وقد دهش الجميع لانتخاب أبي مسلم لهذا المنصب الخطير، نظراً لحداثة سنه، وقلة تجاربه، وأبى جمع من الدعاة طاعته، والإنصياع لأوامره، إلا أنّ إبراهيم الإمام ألزمهم بالسمع والطاعة له (3).
ويقول المؤرّخون : إنّ أبا مسلم أعدم جميع من عارض في اختياره.
وأوصى إبراهيم الإمام غلامه أبا مسلم بهذه الوصيّة الجهنمية التي خالفت شريعة
اللّه، وقد جاء فيها : «يا عبد الرحمن، إنك منا أهل البيت، فاحفظ وصيّتي، انظر هذا الحيّ من اليمن فأكرمهم، وحلّ بين ظهرانيهم، فإنّ اللّه لا يتم هذا الأمر إلا بهم، وانظر هذا الحي من ربيعة فاتّهمهم في أمرهم، وانظر هذا الحي من مضر فإنّهم العدو القريب الدار، فاقتل من شككت في أمره، ومن وقع في نفسك منه شيء، وإن استطعت أن لا تدع بخراسان من يتكلّم بالعربيّة فافعل، فأيّما غلام بلغ خمسة أشبار فاقتله» (1).
وتمثّل هذه الوصيّة الشرّ، وعدم التحرّج في إراقة الدماء التي احتاط فيها الإسلام كأشدّ ما يكون الاحتياط.
وأخذ أبو مسلم بوصيّة إمامه، فأسرف في سفك الدماء، وانتهاك الحرمات، فقتل - كما يقول المؤرّخون - ستمائة ألف عربي بالسيف صبراً عدا من قتل في الحرب (2).
وحينما تمّ ترشيح أبي مسلم زعيماً عاماً للقيادة العسكريّة من قبل إبراهيم الإمام، توجّه من فوره إلى خراسان ليقود الجماهير لحرب الأمويّين، وحين وصوله التقى بالدعاة، فخطب فيهم قائلاً: «أشعروا قلوبكم الجرأة، فإنّها من أسباب الظفر، وأكثروا من ذكر الضغائن، فإنّها تبعث على الإقدام، والزموا الطاعة فإنّها حصن المحارب...» (3).
ومثلت هذه الوصيّة خبرته العسكريّة، فقد دعا إلى الإقدام، وذكر الضغائن،
والالتزام بالطاعة، وهذه الأمور من أهم الأسباب للظفر والتغلّب على الأعداء. وأخذ أبو مسلم ينظم الحركة تنظيماً دقيقاً ورائعاً، وكان يصوّر للناس فساد الحكم الأموي وجوره وظلمه، وأنّ الحكم الجديد سوف ينشر العدل والرخاء والرفاهية بين الناس، وقد استجابت له الجماهير، والتفّوا حوله، وبذلك فقد تكوّنت النواة الأولى لجيوش بني العبّاس، وكان من مهارته العسكريّة أنّه استغل العصبية القبلية بين اليمانيين والمصريين، فقد أخذ يغذي هذه الظاهرة العدائية ويوقد نارها، فكلّما أوشك جمعهم أن أن يلتئم على حربه أوغر صدور طائفة على أخرى، وبذلك فقد شغلهم عن مناجزته ومقاومته.
أما نصر بن سيار فهو من أقوى ولاة الأمويّين، ومن أكثرهم تعقلاً للأحداث وقد رأى قوة أبي مسلم وما يتمتع به من القابليات التي يوشك أن تقضي على الإمبراطورية الأمويّة، فكتب إلى عاهل الشام مروان بن محمّد رسالة يستنهضه فيها ليمدّه بقوّة عسكريّة لمقاومة أبي مسلم، وكتب في رسالته هذه الأبيات :
أَرَى بَيْنَ الرَّمادِ وَمِيضَ نار***وَيُوشك أن يكونَ لَهُ ضِرام
فَإِنَّ النار بالعيدان تذكى***وإن الحرب أولُها كَلامُ
فَإِنْ لَمْ يُطْفِها عُقلاءُ قَوْمٍ***يَكونُ وَقُودَها جُثَثٌ وَهامُ
أَقولُ مِنَ التَّعَجُبِ لَيتَ شِعْرِي***أ أيقاظ أُمَيَّةُ أَمْ نِيامُ
فَإِن كَانُوا لِحينهم نياماً***فَقُلْ قوموا فَقَدْ حانَ القِيامُ
وعجز مروان عن إجابته، فكتب إليه يخبره بضعفه وعجزه عن إخماد تلك النار، وجاء في آخر كتابه : «يرى الشاهد ما لا يراه الغائب».
وكتب نصر رسالة أخرى إلى والي العراق يزيد بن عمر بن هبيرة يطلب منه أن
يمدّه بقوّة عسكرية لمقاومة أبي مسلم، وكتب في آخر رسالته هذه الأبيات :
أَبْلِغْ يَزِيدَ وخَيرُ القَولِ أَصْدَقُهُ***وَقَدْ تَبَيَّنْتُ أَن لا خير في الكَذِبِ
بِأنَّ أرضَ خُراسانٍ رَأيتُ بِها***بَيْضاً إِذا أَفْرَخَتْ حُدِّثْتَ بِالعَجَبِ
فراخُ عامين إِلَّا أَنَّها كَبُرَتْ***طرْنَ وَقَدْ سُرْبِلْنَ بِالزَّغَبِ
فَإِن يَطِرْنَ وَلَمْ يُحْتَلْ لَهُنَّ بِها***يُلْهِبْنَ نِيرَانَ حَربٍ أَيَّمَا لَهَبٍ
فقال يزيد لحامل الرسالة : «وقل لصاحبك لا غلبة إلا بكثرة، فليس عندي رجل» (1).
وفكّر نصر في الخروج من هذه الأزمة، فأرسل إلى كلّ من الكرماني وشيبان الخارجي هذه الأبيات :
أَبْلِغْ رَبيعةَ في مَرْوِ وفي يَمَنٍ***أَنِ اغْضَبوا قبلَ أَنْ لَا يَنْفَعَ الغَضَبُ
وَلْيَنْصِبوا الْحَرْبَ إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ نَصَبوا***حَرْباً يُحرَّقُ في حافاتها الحَطَبُ
ما بالكُم تُنْشِبُونَ الْحَرب بَيْنَكُم***كَأَنَّ أَهْلَ الْحِجَى عَنْ رَأْيكُمْ غُيُبُ
وتَشْرِكُونَ عَدُوّاً قَدْ أحَاطَ بِكُمْ***مِمَّنْ تَجَمَّعَ لا دِينُ وَلَا حَسَبُ
لا عُرْبُ مِثْلُكُمْ في النَّاسِ نَعْرِفُهُمْ***ولا صريح مُوال إِن هُمْ نُسِبُوا
قَوْمٌ يَقولونَ قولاً ما سَمِعْتُ بِهِ***عَنِ النبيّ ولا جاءَتْ بِهِ الْكُتُبُ
مَنْ كانَ يَسْأَلُني عَنْ أَصْلِ دِينِهِمْ***فَإِنَّ دِينَهُمُ أن يُقتَلَ العَرَبُ (2)
ولم تجد رسائل نصر ولا شعره الحماسي في التغلب على الأحداث، فقد اتسع
نطاق الثورة، وامتدّت وشملت جميع حواضر خراسان، فقد سقطت بيد أبي مسلم، وعيّن عليها ولاة من قبله، وقد طرب أبو مسلم من النصر الذي أحرزه، وأخذ ينشد هذه الأبيات :
أَدْرَكْتُ بِالحَزْمِ والكتمانِ ما عَجِزَتْ***عنهُ مُلوكُ بَني مروان إِذْ حَشَدُوا
ما زِلْتُ أَسْعَى بِجُهدِي فِي دِمائِهِمْ***والقومُ في غَفْلَةٍ بالشام قَدْ رَقَدوا
حتّى طَرَقْتُهُمْ بِالسِّيفِ فَانتبهوا***مِنْ نَومَةٍ لَمْ يَنْمُها قبلَهُمْ أَحَدُ
وَمَنْ رَعَى غَنَماً في أرضِ مُسْبعَةٍ***ونام عَنْها تَولّى رَعْيّها الأَسَدُ (1)
وانبرت جيوش أبي مسلم تحتلّ المدن والحصون، وتلحق بالأمويّين الخسائر الفادحة في الأرواح والأموال، ولم يستطع نصر الوقوف أمام تلك القوى الهائلة، فانهزم راكباً جواده وسلك المفازة بين الريّ وهمدان، فمات بها كمداً (2)، وبعدما احتل أبو مسلم خراسان وما والاها من المدن والقرى اتّجه بعد ذلك إلى تحرير العراق، وسارت جيوشه كالموج تخفق عليها الرايات السود التي هي شعار بني العبّاس، فقامت باحتلال العراق من دون أن تلاقى أي مقاومة تذكر، وقد برزت بذلك حكومة بني العبّاس على يد أبي مسلم.
وتميّز موقف الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالحياد، وعدم القيام بأيّ نشاط سياسي، فإنّه كان يعلم بإخفاقه، وعدم عائدته على الأمّة بأي مكسب سوى الضرر الشامل الذي يجرّ للمجتمع كثيراً من النكبات والخطوب، وقد أصر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على هذه
الخطّة في موقفه مع العلويّين، ومع دعاة الدولة العبّاسية، وبيان ذلك.
واستشف الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) من وراء الغيب أن الخلافة بعد سقوط الدولة الأمويّة لا بد أن تؤول إلى العبّاسيّين، وليس للسادة العلويّين فيها أي نصيب، وكان يمعن في نصحهم، وتحذيرهم من التصدّي لطلب الحكم، وقد روى المؤرّخون بوادر كثيرة من تحذيره لأبناء عمه من مقاومة العبّاسيّين ومناهضتهم، ومما رواه المؤرّخون أنّ العلويّين والعبّاسيّين أيّام الحكم الأموي اجتمعوا واتفقوا على مبايعة محمّد ذي النفس الزكية، فأرسلوا خلف الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعرضوا عليه ذلك، فنهاهم وقال لهم : «لا تَفْعَلُوا فَإِنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ».
وحسب عبداللّه بن الحسن أنّ ذلك حسداً من الإمام لابنه، فنظر إليه برحمة وشفقة، وكشف له الواقع الذي يجهله عبد اللّه قائلاً: «لَا وَاللّه ما ذاك - يعني الحسد - يَحْمِلُني، وَلكِنَّ هذا - وأشار إلى أبي العبّاس السفّاح - وَإِخْوَتَهُ وَأَبْناءَهُمْ دونَكُمْ».
ونهض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) متأثراً، فتبعه عبدالصمد وأبو جعفر المنصور، فقالا له : يا أبا عبد اللّه، أتقول ذلك ؟
لقد أرادا أن يطلعهم على الأمر، فقد كانا عالمين بما خصّ اللّه به الإمام من علم.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهما : «نَعَمْ وَاللّه أَقولُهُ وَأَعْلَمُه» (1).
لقد كان على يقين لا يخامره الشكّ أنّ الملك يؤول إلى بني العبّاس، وليس للعلويّين فيه أي نصيب، وقد بالغ (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نصيحة عبداللّه بن الحسن في أن يعزب عن الخلافة، ولا يورّط نفسه وابنيه، وكان ممّا قاله له : «إِنَّها - أي الخلافة - وَاللّه
1) مقاتل الطالبيين : 226. حياة الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : 1 : 347.
ما هِيَ إِلَيْكَ، وَلَا إِلى ابْنَيْكَ، وَلَكِنَّها لِهؤلاء - وأشار إلى بني العبّاس - وَإِنَّ ابْنَيْكَ لَمَقْتولان».
إنّ هذا العلم، وهذا الإيحاء مستمد من علم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فهم أوصياؤه، وورثة علمه، وسدنة حكمته، وموطن أسراره. لقد منح الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) السادة أبناء عمّه النصيحة، وأشار عليهم بما فيه نجاتهم، وأعلمهم أنّهم لن ينالوا هذا الأمر، ولو تابعوه لجنّبوا أنفسهم المهالك والمصاعب، وما فجعوا الأمّة برزاياهم، ولكنّهم رضي اللّه عنهم لهم عذرهم، فقد لاقوا المزيد من الذل والهوان من تلك السلطات الظالمة، التي لم تأل جهداً في قهر العلويّين، وإرغامهم على ما يكرهون، فانطلقوا إلى ساحات الجهاد أحراراً، وماتواكراماً تحت ظلال الأسنة، وسنعرض لثورتهم في البحوث الآتية.
ولمّا أشرفت الدولة الأمويّة على السقوط تحت وطأة ضربات الجيوش العبّاسيّة، رأى أبو سلمة الذي كان يلقب بوزير آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أن يحوّل الخلافة إلى العلويّين، وسواء أكان ذلك عن جد وإخلاص أم عن مكيدة وخديعة، فقد كتب إلى ثلاثة من العلويّين يعرض عليهم ما فكر به، وهم : الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعبد اللّه المحض، وعمر الأشرف ابن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وسلّم رسائله إلى مولى من مواليهم الذين يقطنون بالكوفة، وأوصاه بما يلي : «اقصد أوّلاً جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإن أجاب فأبطل الكتابين الآخرين، فإن لم يجب فالق عبداللّه المحض، فإن أجاب فأبطل كتاب عمر الأشرف، وإن لم يجب فالق عمر».
وانطلق الرسول حتّى انتهى إلى يثرب، فبدأ بمقابلة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسلّمه الكتاب، فتناول الكتاب وقرأه، والتفت إلى الرسول فقال له : ما أنا وأبو سَلَمَةَ وَهُوَ شيعةٌ لِغَيْري.
وانبرى الرسول للإمام قائلاً: اقرأ الكتاب، وأجب عليه بما ترى.
فقال الإمام لخادمه : ادْنِ السِّراجَ مِنّي، فأدناه، فوضع الكتاب على النار حتّى احترق.
فقال له الرسول : ألا تجيبه ؟
قَدْ رَأَيْتَ الْجَوابَ.
وتمثل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببيت للكميت :
فيا مُوقِداً ناراً لغيركَ ضَوْؤُها***و یا حاطباً فِي غَيْرِ حَبْلِكَ تَحطِبُ
ونظم أبو هريرة الأبار تلميذ الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لحرق الإمام لكتاب أبي سلمة بقوله :
وَلَمَّا دَعا الداعونَ مَولايَ لَمْ يَكُنْ***لِيُثني عَلَيهِ عَزْمَهُ بصواب
وَلَمّا دَعَوهُ بِالْكتابِ أَجابَهُمْ***بحرْقِ الْكِتابِ دونَ رَدُ جَواب
وما كانَ مَولايَ كَمُشرِي ضَلالَةٍ***وَلَا مُلبِساً منها الرَّدى بِثَوابِ
ولكنَّهُ للّه فى الأَرضِ حُجَّةٌ***دليل إلى خَيرٍ وحُسنِ مآب (1)
فخرج الرسول آيساً من عنده، وأتى عبداللّه بن الحسن، ودفع إليه الكتاب فقرأه وابتهج، فلمّا كان من الغد أتى منزل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقابله الإمام بمزيد من الحفاوة والتكريم، وقال له :
يا أَبا محمّد ما أَتى بِكَ ؟
هو أجل من أن يوصف.
1) مناقب آل أبي طالب : 4 : 230.
ما هُوَ ؟
هذا كتاب أبي سلمة يدعوني إلى الخلافة، وقد قدمت عليه شيعتنا م-ن أه-ل خراسان.
فنظر إليه الإمام بعطف ورفق، وقدّم له النصيحة، وعرفه أنّ هذا لا واقع له قائلاً:
يا أَبا محمّد، وَ مَتى كَانَ أَهْلُ خُراسانَ شِيعَةٌ لَكَ ؟ أَنْتَ بَعَثْتَ أَبَا مُسْلِمٍ إِلَىٰ خُرَاسَانَ، وَأَنْتَ أَمَرْتَهُمْ بِلِبْسِ السَّوادِ، هَلْ تَعْرِفْ أَحَداً مِنْهُمْ بِاسْمِهِ أَوْ بِصُورَتِهِ ؟ فَكَيْفَ يَكُونُونَ شيعَةٌ لَكَ، وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُهُمْ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَكَ.
لقد وضع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحروف على النقاط، وكلّمه بمنطق العقل، إلّا أن عبد اللّه أخذ يحاججه بحجج هي أوهى من بيت العنكبوت، وقطع الإمام حديثه، وقال له :
قَدْ عَلِمَ اللّه أَنِّي أَوْجِبُ النَّصْحَ عَلَى نَفْسِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ، فَكَيْفَ أُؤَخِّرُهُ عَنْكَ، فَلَا تُمَنِّ نَفْسَكَ الأباطيل، فَإِنَّ هَذِهِ الدَّوْلَةَ سَتَتِمُ لِهؤُلاءِ - يعني بني العبّاس - وَقَدْ جَاءَنِي مِثْلُ هذا الْكِتابِ الَّذِي جاءَكَ (1).
وكشف الإمام في حديثه المشرق صفحة من صفحات الغد الذي يجهله عبد اللّه، من مصير الخلافة لبني العبّاس، وعقم المعارضة، ولم تمض الأيّام حتّى تحقق ما تحدّث به الإمام.
وعلى أية حال، فقد كان رفض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لدعوة أبي سلمة يحمل جانباً كبيراً من الأصالة والعمق في مجريات الأحداث، فإنّ دعوة أبي سلمة إن كان جاداً فيها، فلیست هي بداعي الإيمان بحق العلويّين في الخلافة، وإنما كانت ناشئة من دواع أخرى من ضياع مصالحه وأغراضه الشخصيّة، فلماذا لم يراسلهم قبل هذا الوقت
1) مروج الذهب : 3 : 184. الآداب السلطانية : 137.
الذي تمّ فيه الأمر لبنى العبّاس، مضافاً إلى أن الجيوش العبّاسية بقادتها لم تكن شيعة للعلويّين، وإنّما هي شيعة لبني العبّاس، فكيف يستجيب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لدعوة أبي سلمة مع هذه التيارات المحفوفة بالأخطار ؟ على أنّ عبداللّه بن الحسن قد استجاب له، فماذا جنى منه غير الدمار الشامل له ولأسرته، ولم يخف أمر أبي سلمة على العبّاسيّين، فقد أحاطوه بعيونهم التي كانت تسجّل جميع كانت تسجل جميع أعماله، وتراقب جميع تحرّكاته وترفعها إلى العبّاسيّين، فاتفق السفّاح وأخوه المنصور على أن يخرج المنصور لزيارة أبي مسلم، ويحدثه بأمر أبي سلمة، ويطلب منه القيام باغتياله، فخرج المنصور والتقى بأبي مسلم، وعرض عليه أمر أبي سلمة، فقال أبو مسلم : أفعلها أبو سلمة، أنا أكفيكموه.
ثم دعا أحد قواده «مرار بن أنس الضبي»، وقال له : انطلق إلى الكوفة فاقتل أبا سلمة حيث لقيته، فسار إلى الكوفة مع جماعة من جنوده، وكان أبو سلمة يسمر عند السفّاح الذي تظاهر بإعلان العفو والرضا عنه، واختفى مرار مع جماعته في طريق أبي سلمة، فلما خرج أبو سلمة من عند السفّاح في منتصف الليل بادر إلى قتله، وأشاعوا في الصباح أنّ الخوارج هم الذين قتلوه (1)، وانتهى بذلك أمر أبي سلمة في فجر مولد الدعوة العبّاسيّة.
واستبان لأبي مسلم واقع العبّاسيّين، وأنّهم لا نصيب لهم من الوفاء، وأنّهم كالأمويّين قد تنكروا لجميع الصفات الكريمة التي يعتز بها الإنسان. لقد كتب أبو مسلم رسالة إلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما جاء فيها : «إنى قد أظهرت الكلمة، ودعوت
1) تاريخ الأمم والملوك : 6: 102 - 103، أحداث سنة 132هـ - قتل أبو سلمة في خامس عشر من شهر رجب، وذلك بعد هزيمة مروان بشهر واحد.
الناس عن موالاة بني أميّة إلى موالاة أهل البيت، فإن رغبت فلا مزيد عليك».
فأجابه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) برسالة تمثلت فيها الحكمة والإدراك لحقائق الأمور، وجاء فيها : «ما أَنْتَ مِنْ رِجالي، وَلا الزَّمانُ زَمانی» (1).
كيف يكون أبو مسلم الذي أسرف في سفك دماء المسلمين من رجال الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ). إنّ أصحاب الإمام إنّما هم الأخيار المتحرّجون في دينهم، الذين يؤثرون طاعة اللّه تعالى على كلّ شيء. ومهما يكن من أمر فإنّ أبا مسلم المؤسس للدولة العبّاسيّة لم ينج من شرّ المنصور، فقد اغتاله، وجزاه جزاء سنمار، وسوف نتحدّث عن اغتياله في البحوث الآتية.
وشاء اللّه الذي لا مردّ لقضائه سقوط الدولة الأمويّة التي عاثت في الأرض فساداً، فإنّه حينما تولّى أبو العبّاس السفّاح منصب الحكم أرسل قواته المسلّحة بقيادة محمّد بن عبداللّه بن علي لقتال العاهل الأموي مروان الحمار، وسار عبداللّه يطوي البيداء بجيشه الضخم، فالتقى بالجيش بالزاب قرب الموصل، وكانت رايات بني العبّاس تحملها الرجال على الجمال البخت (2)، وقد جعل لها بدل القنا خشب الصفصاف والغرب، فلمّا رآها مروان فزع وذهل، وقال لمن حوله : «أما ترون رماحهم كأنّها النخل غلظاً ! أما ترون أعلامهم فوق هذه الإبل كأنها قطع الغمام السود»
وبينما هو ينظر إليها، وقد طار قلبه فزعاً وخوفاً، إذ نفرت قطع كبيرة من الغربان السود، فنزلت على أوّل عسكر عبداللّه بن عليّ، فاتصل سوادها بسواد ت-لك
الرايات، فصارت كالليل البهيم، فازداد خوف مروان، وانطلق يقول بنبرات الحزن والأسى : «أما ترون إلى السواد قد اتصل بالسواد، حتّى صار الكل كالسحب السود المتكاثفة».
وطار قلب مروان من الرعب، فقال لمن حوله : ألا تعرّفني من صاحب جيشهم ؟
فأجابه : إنّه عبد اللّه بن عليّ بن العبّاس بن عبدالمطّلب.
فارتبك مروان وطفق يقول : ويحك ! أمن ولد العبّاس هو ؟
نعم، وكأنه أيقن بالهلاك، وزوال ملكه.
فقال بذل وهوان : واللّه لوددت أن علي بن أبي طالب مكانه.
لقد تمنّى أن يكون الفاتح والقائد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليقابلهم بالعفو والإحسان، ويصفح عمّا اقترفوه من الجرائم ضدّ أهل البيت، ولم يفهم الرجل الذي معه مقصده بهذا الكلام، فراح يقول له : أتقول هذا لعلي مع شجاعته ؟ !
فردّ عليه مروان، وأوضح له ما قاله سابقاً : ويحك ! إنّ عليّاً مع شجاعته صاحب دين، وإنّ الدين غير الملك، وإنا نروي عن قديمنا أنّه لا شيء لعلي ولا لولده في هذا.
لقد كانت الملاحم التي أخبر بها الأئمة الطاهرون قد انتهت إلى ملوك الأمويّين، وعلموا بانقراض دولتهم، ولكنّ الحكم لا يؤول إلى العلويّين، وإنما لغيرهم. وعلى أي حال، فقد اندلعت نيران الحرب بين الفريقين، وما عتمت جيوش الأمويّين أن تحطّمت شرّ تحطيم، وانهزم مروان وولى منكسراً مع بعض فلول جيشه الذي انهارت معنوياته، فاتجه نحو الموصل، فمنعه أهلها من الدخول لبلدهم خوفاً من نقمة الجيش العبّاسي، وولّى منكسراً نحو حرّان، ولم يستطع البقاء فيها خوفاً من جيوش العبّاسيّين، فاتجه نحو مدينة حمص والجيوش العبّاسيّة تلاحقه، فيمم
وجهه نحو دمشق، فلما انتهى إليها أراد واليها نصرته، إلا أنه لم يستطع لضيق الوقت، فقد زحف الجيش العبّاسي وراءه، فتوجّه نحو الأردن فوجدها قد احتلها العبّاسيّون، فحاد عنها ونزل في فلسطين، وزحفت الجيوش العبّاسية نحو دمشق فاحتلتها، ففزع مروان، وترك مقامه متجهاً نحو مصر، فنزل قرية بوصير، وأقام في كنيسة كانت فيها، فأدركته كتائب الجيش العبّاسي في ليلة مظلمة، ودارت بين الفريقين معركة دامية قُتل فيها مروان، وانبرى إليه شخص من أهل الكوفة، فاحتز رأسه، واستخرج لسانه، فجاءت هرة فاختطفته منه.
وقال شخص كان حاضراً لو لم يكن في الدنيا عجب إلّا هذا لكان كافياً لسان مروان في فم هرّة (1).
وسقطت بذلك دولة الأمويّين التي ملئت نفوس الناس سخطاً وحفيظة عليهم لما أذاقتهم من ضروب الجور، وصنوف الظلم. لقد انتقم اللّه منهم أمر الإنتقام وأشدّه، فجعل ملكهم هباء، وكتب لهم الخزي والعار على امتداد التاريخ. وحمل رأس مروان إلى أبي العبّاس السفّاح، فلما رآه سجد وأطال السجود، ثمّ رفع رأسه وقال : «الحمد للّه الذي لم يبق ثأرنا قبلك، وقبل رهطك، الحمد للّه الذي أظفرنا بك، وأظهرنا عليك، ما أبالي متى طرقني الموت، وقد قتلت بالحسين ألفاً من بني أميّة. وأحرقت شِلْو هشام بابن عمّي زيد، كما أحرقوا شلوه».
ثم تمثّل بقول الشاعر:
لَوْ يَشربونَ دَمي لَمْ يُرْوَ شَارِبُهُمْ***وَلَا دِمَاؤُهُمْ جَمْعاً تُرَوِّيني (2)
وحوّل وجهه إلى القبلة فسجد ثانية، ثمّ رفع رأسه، وتمثل بقول الشاعر :
أَبَى قَوْمُنَا أَنْ يُنصِفُونَا فَأَنصفَتْ***قواطِعُ في أيماننا تقطرُ الدِّما
إذا خالَطَتْ هَامَ الرِّجالِ تَرَكْنَها***كَبَيضِ نَعام في الثرى قَدْ تَحَطّما
والتفت إلى حضار مجلسه فقال لهم والسرور بادٍ على سحنات وجهه : «أمّا مروان فقتلناه بأخي إبراهيم، وقتلنا سائر بني أميّة بحسين، ومن قتل معه، وبعده من بني عمنا أبي طالب» (1).
وقد ثبت بذلك ملك بني العبّاس، وأصبح السفّاح ملكاً على المسلمين في جميع أقطارهم.
ولما سقطت الدولة الأمويّة هام الأمويّون على وجوههم، يطاردهم الرعب والفزع، ومن الهاربين عبد اللّه وعبيد اللّه ابنا مروان، ومعهما لمة من نسائهم وأتباعهم، فاتجهوا نحو بلاد النوبة، فأكرمهم عظيمها، وأرادوا اللجوء إلى بلاده فأبى خوفاً من سلطة العبّاسيّين، فخرجوا خائفين حتّى انتهوا إلى (بجاوة)، فقاتلهم عظيمها.
فانهزموا متّجهين نحو اليمن، فعرض لهم طريقان بينهما جبل، فسلك كلّ واحد منهما في طريق، وهما يعتقدان أنهما سيلتقيان بعد ساعة، فسارا تمام اليوم وراما الرجوع فلم يمكنهما ذلك، فسارا أيّاماً، فلقي عبيد اللّه منسراً من مناسر الحبشة، فقاتلهم وتغلب عليهم، فقتل عبيد اللّه، وأسر أصحابه، ونهب الحبشيون جميع ما عندهم من الأمتعة، وتركوهم حفاة عراة حتّى هلكوا من العطش، فكان الرجل منهم يبول في يده ويشربه، ويبول ويعجن به الرمل ويأكله، حتّى لحقوا عبداللّه بن
1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 7: 131.
مروان، وقد ناله من العناء والشدّة أكثر ممّا نالهم، ومعه عدة من حرمه وهنّ عراة حفاة، قد تقطعت أقدامهنّ من المشي، وشربن البول حتّى تقطعت شفاههنّ، وقد وافوا المندب، فأقاموا به شهراً، وجمع الناس لهم شيئاً، ثمّ خرجوا يريدون مكة، وهم في زي الحمّالين (1).
لقد صبّ اللّه عليهم هذا العذاب الأليم، فجعلهم من أعظم العبر والعظات للظالمين ولأعداء الشعوب.
وعمد العبّاسيون إلى استئصال الأمويّين وإبادتهم إبادة شاملة، فأبادوهم تحت كلّ حجر ومدر، فقد قام سليمان بن عليّ في البصرة بقتل جماعة من الأمويّين، ثمّ أمر بهم فجروا بأرجلهم وألقوا فى الطرق حتّى أكلتهم الكلاب (2).
وأعدم داود بن علي جماعة من الأمويّين بمكة والمدينة، وقد أنشده إبراهيم بن هرمة أبياتاً يحفزه فيها على قتل الأمويّين، يقول :
فَلَاعَفا اللّه عَنْ مَروانَ مَظْلِمَةً***ولا أميَّةَ بِئْسَ المَجْلِسُ الْبادِي
كانُوا كَعَادٍ فَأَمْسَى اللّه أَهْلَكَهُمْ***يمثل ما أَهْلَكَ الغاوينَ مِنْ عادِ
فَلَنْ يُكذِّبَني مِن هاشم***أَحَدٌ فيما أقولُ وَلَوْ أَكثَرْتُ تِعْدادي (3)
لقد أخذ العبّاسيّون يطاردون الأمويّين، فمن ظفروا به أعدموه بلا محاكمة تدعيماً لملكهم، ورعاية لعواطف أكثر المواطنين الذين نكلت بهم السلطة الأمويّة.
أمّا موقف الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) تجاه الأمويّين فكان يمّثل الشرف وسموّ الذات، فقد انتقد القتل الجماعي للأمويين، وطلب من السفّاح الكفّ عن قتلهم بعدما أخذ الملك من أيديهم، ودهش السفّاح وتعجّب من موقف الإمام تجاه ألد أعدائه الذين صبوا عليهم جميع ألوان الظلم، ولم يعلم السفّاح أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو من ثمرات الشجرة النبويّة بعيد كلّ البعد عن التشفّي والإنقياد للعواطف والأهواء، فهو من معدن الرحمة والرأفة والبر والإحسان.
وقبل أن نطوي البحث عن ملوك الأمويّين نقدم عرضاً موجزاً للسياسة العامّة التي انتهجها معظم ملوكهم، والتي أدّت بدورها إلى انهيار ملكهم.
إنّ السياسة الأمويّة العامّة بُنيت على العبث بمقدسات الأمّة، وإشاعة الجهل، والكذب، والنفاق في ربوعها، ومناهضة الإصلاح الاجتماعي، فمن دعا إليه انقضّ عليه سيفهم، فمحا أثره، وأعفى ذكره، وقد صوّر سديف بن ميمون (1)الشاعر الملهم سوء السياسة الأمويّة بدعائه : «اللّهمّ قد صار فيئنا دولة بعد القسمة، وإمارتنا غلبة بعد المشورة، وعهدنا ميراثاً بعد الاختيار للأمة، واشتريت الملاهي والمعازف بسهم اليتيم والأرملة، وحكم في أبشار المسلمين أهل الذمة، وتولى القيام بأمرهم كلّ فاسق محلّة، فلا ذائد يذود عن هلكة، ولا مشفق ينظر إليهم بعين الرحمة، ولا رادع يردع من أوى إليه بمظلمة، ولا ذو شفقة يشبع الكبد الحرّى من السعب،
1) سدیف بن میمون شاعر، مفلق، وأديب بارع، وخطيب مصقع بليغ في رعايته للمناسبات، وإصابته للأهداف. قال النمري: «ماكان في زمان سديف أشعر منه، ولا أطبع، ولا أقدر على ما يريده من الشعر». طبقات الشعراء: 39 و 40.
فهم أهل جزع وضيعة، وحلفاء كآبة وذلّة، قد استحصد زرع الباطل، وبلغ نهايته واستجمع طريده واستوسق، وضرب بجرانه.
اللّهمّ فاتح له يداً من الحقّ حاصدة تجتث سنامه، وتهشم سوقه، وتبدّد شمله، وتفرّق كلمته، ليظهر الحقّ في أحسن صورة، وأتم نوره، وأعظم بركته» (1).
وألم دعاء سديف بوصف كامل للسياسة الأمويّة التي انتهكت حقوق الناس، وكفرت بجميع المبادئ والقيم التي أعلنها الإسلام. لقد ساس الأمويّون الأقاليم الإسلاميّة بسياسة الظلم والجور، وأعلن معظمهم الكفر بالإسلام، والمروق من الدين.
يقول ابن عباس : «إنّ بني أميّة وطأوا على صماخ الدين، وذبحوا كتاب اللّه بشفرة» (2). وفي ما يلي عرض موجز لبعض تلك الأحداث.
من أهم بنود السياسة الأمويّة مناهضة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وحمل المسلمين على عداوتهم وبغضهم، فقد عمد الأمويّون بصورة سافرة إلى إبادة عترة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) واستئصال ذرّيّته، فقد قام معاوية بسم ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وسيد شباب أهل الجنّة، الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفرض على المسلمين سب الإمام أمير المؤمنين، أخي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وباب مدينة علمه، على المنابر والمآذن، وخطب الجمعة والأعياد، وافتعال الأحاديث في ذمّه وانتقاصه.
وقام بعد معاوية ابنه يزيد، فاقترف أفظع الجرائم مع عترة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقتل ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) الإمام الحسين مع الصفوة المكرّمة من أهل بيته وأصحابه
في صعيد كربلاء، وقد هزّت هذه الواقعة بمآسيها الضمير العالمي، واندفع المسلمون إلى الطلب بثأره، فكانت ثورة المدينة المنوّرة وثورة التوابين وثورة المختار نضّر اللّه مثواه من أجل واقعة كربلاء الخالدة في دنيا الأحزان.
وقام الطاغية هشام بن عبد الملك بقتل الشهيد الزكي زيد بن علي بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأبنائه وتركه مصلوباً على جذع النخل، ثمّ حرقه ونسفه في الفرات، بالإضافة إلى ما جرى على يحيى بن زيد رضوان اللّه عليه، ووضعه مصلوباً حتّى جاء أبو مسلم الخراساني فوارى جسده الطاهر.
ويضاف إلى ذلك ما جرى من التصفية الجسدية لأعلام شيعة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، كحجر بن عدي، ورشيد الهجري، وميثم التمّار، وأمثالهم من دعائم الفكر الإسلامي.
لقد أدّت هذه السياسة الخرقاء إلى انفجار الثورة على الحكم الأموي، والانتصار لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، والطلب بثأرهم، والإطاحة بذلك الحكم الأسود.
وكان من مناهج سياسة الأمويّين ازدراء الشعوب واحتقارها، فقد أخذ يزيد بن معاوية من أهل المدينة - بعد واقعة الحرّة - البيعة على أنّهم خول وعبيد له، ويقول ابن العاص - وهو من أعمدة الحكم الأموي -: «إنّما السواد بستان قریش»، ومعنى ذلك أنّ السواد بما فيه من طاقات مالية إنّما هو ملك للأمويين وأذنابهم لا لأهله الذين يكدون ويكدحون، وكان هذا هو منطق الأمويّين في جميع فترات حكمهم، لا يرون كرامة لأحد.
يقول الوليد بن يزيد الأموي :
فَدَعْ عَنْكَ ادْارَكَ آلَ سِعْدَى***فَنَحْنُ الأَكثرُونَ حَصى ومالا
وَنَحنُ المالِكُونَ الناسَ قَسْراً***نَسُومُهُمُ المَذلَّةَ وَالنَّكالا
وَنُورِدُهُمْ حِياضَ الْخَسْفِ ذُلاً***وَما نَأْلُوهُمْ إِلَّا خَبالا (1)
ومعنى هذا الشعر : أنّ الأمويّين قد ملكوا الناس لا باختيارهم ورغبتهم، وإنما بقوّة السيف، وأنهم يسومونهم البطش والجور، ويوردونهم حياض الذل والهوان، وهو تعبير صادق عن السياسة الأمويّة ليس فيه أيّة مبالغة.
إنّ هذه السياسة الخرقاء قد جرت لهم الويل والدمار، وأدت إلى الثورات الشعبيّة، و انطلاق الملايين من المسلمين إلى ساحات الوغى للإجهاز على حكمهم.
وكان البارز في السياسة الأمويّة الاستهانة بالقيم والمبادئ، وأوّل من جاهر بذلك ابن هند معاوية، فهو الذي أعلن بعد الصلح أمام الجماهير الحاشدة بقوله : «إنّي أعطيت الحسن بن علي شروطاً، وها هي تحت قدمي لا أفي بشيء منها».
وقد أظهر بذلك حقيقته الجاهلية التي طبعت على الغدر والخيانة وعدم الوفاء بالعهد والوعد.
ويقول عبد الملك بن مروان : «من أوصاني بتقوى اللّه ضربت عنقه».
إنّ الاستخفاف بالمبادئ، والاستهانة بالقيم، كانا من أبرز صفات الأمويّين بل من ذاتيّاتهم التي طبعوا عليها، وقد جرّ ذلك لهم الويل، وألقاهم في شرّ عظيم.
وتبنّى الأمويّون في جميع مراحل حكمهم العصبية القبلية التي حاربها الإسلام،
1) حياة الإمام موسى بن جعفر (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : 1 : 307.
واعتبرها من أهم العوائق فى تقدم وتطوير حياة الشعوب، وأنّها من ضروب الجهل الذي يقف سدّاً حائلاً أمام النمو الفكري والحضاري.
يقول الدكتور طه حسين : «واستأنفت في أيّام حكم الأمويّين ما كان في العصر الجاهلي من الصراع والغارات» (1).
ونشب من جرّاء ذلك الصراع بين اليمانيّين والقحطانيّين، فقد انفصمت عرى الوحدة بين القبيلتين اللتين تعدّان من أعظم سكان الجزيرة العربيّة نفوذاً وعدداً، وقد تعصّب مروان بن محمّد آخر خلفاء الأمويّين إلى النزارتين ممّا سبّب انحراف اليمانيّين عنه، وانضمامهم إلى الدعوة العبّاسية.
وعلى أيّة حال، فإنّ العصبيّة القبليّة قد أحياها الأمويّون بعد ما أماتها الإسلام، وقد جرّت لهم الكثير من المشاكل، وكانت من الأسباب الفعّالة في انهيار دولتهم.
أمّا السياسة الماليّة التي انتهجها معظم ملوك الأمويّين فقد كانت مبنيّة على اصطفاء أموال الشعوب الإسلاميّة، ونهب ثرواتها، وإشاعة الفقر والبؤس فيها.
لقد خصّ الأمويّون أنفسهم ومن يمتّ إليهم بالأموال الهائلة والثراء العريض، وتركوا شبح الفقر ماثلاً في كلّ بيت من بيوت المسلمين، وقد أعرب النمري في قصيدته التي ألقاها على عبد الملك بن مروان عمّا يعانيه من الفقر والبؤس هو وقومه من جرّاء ما يلاقونه من الجباة من الظلم، فقد سلبوهم لقمة العيش، ولم يتركوا عندهم ما يقتاتون به. يقول النمري :
أخليفة الرّحمنِ إِنَّا معشر***حُنَفَاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وَأَصِيلا
1) تاريخ الأدب العربي : 2 : 10.
إِنَّ السُّعاةَ عَصَوكَ يَوْمَ أَمَرتَهُمْ***وأتوا دَواهِيَ لَوْ عَلِمْتَ وَغُولا
أخَذوا العريف فَقَطعوا حَيزومَهُ***بالأَصْبَحَيَّة قائماً مَغْلُولا (1)
حتّى إِذا لَمْ يَترُكُوا لِعِظامِهِ***لَحْماً وَلَا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا (2)
جاءوا بَصَكِّهِمْ وَأَحْدَبَ أَسأَرَتْ***مِنْهُ السِّياط يراعه إجفيلا(3)
أخذوا حُمُولَتَهُ فَأَصْبَحَ قاعِداً***لَا يَسْتَطيعُ عَنِ الدِّيار حَوِيلا
يدعو أميرَ الْمُؤْمِنينَ ودونَهُ***خَرْقٌ تَجرُّ بِهِ الرياحُ ذُبُولا (4)
كَهداهِدٍ كَسرَ الرُّماةُ جَناحَه***تَدعو بقارعَةِ الطَّرِيقِ هَدِيلا
أَخَليفَةَ الرَّحمن إن عشيرتي***أَمْسَى سَوامُهُمْ عُرِينَ فُلُولا (5)
قَومٌ عَلى الإِسلامِ لَمّا يَتْركُوا***ماعُونَهُم ويُضَيّعوا التهليلا (6)
قَطَعوا اليَمامةَ يَطردونَ كَأَنَّهُمْ***قَومٌ أصابوا ظَالِمينَ قَتِيلا
شَهْرَي رَبِيعِ ما تَذُوقُ لَبُونَهُمْ***إلَّا حُموضاً وَحْمَةٌ وَذَبِيلا (7)
وأَتاهُمُ يَحيى فَشَدَّ عَلَيْهِم***عقداً يَراهُ الْمُسلِمُونَ ثَقِيلا (8)
كتباً تَرَكْنَ غَنِيّهم ذا عَيلَةٍ***بَعْدَ الغِنَى وَفَقيرهُمْ مَهْزُولا
فَتَرَكْتُ قَوْمى يَقْسِمُون أمورَهُمْ***إليكَ أَمْ يَتَرَبَّصُونَ قَلِيلا (9)
1) الأصبحية : جمع أصبح : السياط، كما أنّ الحيزوم وسط الظهر.
2) المعقول : الإدراك.
3) أسأرت : أي بقيت في الإناء بقيّة. الإجفيل : الخائف.
4) الخرق : الصحراء الواسعة.
5) عرين : الجماعات.
6) الماعون : الزكاة.
7) الحموض : المرّ المالح من النبات.
8) يحيى : هو أحد السعاة الظالمين.
9) طبقات فحول الشعراء : 439. جمهرة أشعار العرب : 341.
وصوّر النمري بهذا الشعر الجور الهائل، والمظالم الفظيعة التي صبّها الجباة السود على قومه المسلمين، الذين يسجدون اللّه بكرة وأصيلاً، ويؤدون ما فرض اللّه عليهم من الزكاة، فقد ألهبت سياط الجباة ظهورهم، ونهبوا ما عندهم من قوة، وتركوهم كالطيور التي كسر الرماة أجنحتها، فهى ما بين الموت والحياة، قد نهش الجوع جسومهم، وخوت أجسامهم من البؤس والحرمان، في حين أنّ ثروات الأمّة تنفق بسخاء على المجون والدعارة، وعلى ما يفسد الأخلاق.
وصوّر أبو الأسود الدؤلي (1)، أو أنس بن أبي أناس سرقة الولاة والحكام لأموال الرعيّة، وذلك حينما عيّن زياد أو ولده عبيد اللّه حارثة بن بدر الشاعر التميمي أميراً (2)، فقد قال له بسخرية :
أحارِ بن بَدْرٍ قَدْ وليتَ إمارة***فَكُنْ جُرداً فيها تَخونُ وتَسرِقُ
ولا تَحْقِرَن يا حارِ شَيْئاً تُصيبُهُ***فَحَظُّكَ مِنْ مُلكِ العِراقينِ سُرَّقُ (3)
فإن جميعَ النَّاسِ إِمّا مُكَذِّبٌ***يَقولُ بما يهوى وإما مُصَدِّقُ
يقولون أقوالاً يظن وشُبهة***فإن قِيلَ هاتُوا حَقَّقوا لم يُحقِّقوا
فَلا تَعجَزَن فَالْعَجْرُ أَوْطاً مَرْكَبٍ***فَماكُل مَنْ يُدْعَى إلى الرِّزْقِ يُرْزَقُ
وكاثر تميماً بالغني إنَّ للغني***لساناً بهِ يَسطُو العَييُّ وَيَنطِقُ (4)
وتقبل حارثة النصح وأجابه :
جزاك مَليكُ النَّاسِ خَيرَ جَزَائِهِ***فَقَدْ قُلتَ مَعروفاً وأوصيت كافيا
أَمَرْتَ بِحَزْمٍ لَوْ أَمرتَ بِغَيْرِهِ***لألفيتني فيه لرأيك عاصيا (1)
يقول فان فلوتن : «وبدل أن يتّخذ الخلفاء - أي خلفاء بني أميّة - التدابير لمحاسبة الولاة، ومنعهم من الظلم، نجدهم يقاسمونهم في فوائدهم من الأموال التي جمعوها بتلك الطرق المفضوحة، وهذا معناه رضى الخلفاء بسوء تصرّف العمّال مع أهل البلاد، بالإضافة إلى أنه دليل على أن بعضهم كان يهمه مصالح الخزينة المركزية بالدرجة الأولى» (2).
وعلى أيّة حال، فقد أجحف ملوك الأمويّين في إرهاق الناس، وسلب ثرواتهم، فلم يتركوا عند أحد فضلاً من المال إلا استلبوه منه، وفيما أعتقد أنّ سوء السياسة المالية التي سار على مخطّطاتها الأمويّون كان من أهم الأسباب في إنطلاق الشعوب في ثورات متصلة حتّى أطاحت بحكمهم (3).
وقبل أن نطوي الحديث عن ملوك الأمويّين نودّ أن نبيّن أنّ الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أدرك ثلاث سنين من خلافة عبد الملك بن مروان، وتسع سنين وثمانية أشهر من خلافة الوليد بن عبدالملك، وثلاث سنين وثلاثة أشهر وخمسة أيّام من حكم سليمان، وسنتين وخمسة أشهر من خلافة عمر بن عبد العزيز، وأربع سنوات وشهراً من خلافة الوليد بن يزيد، وستة أشهر من حكم يزيد بن الوليد، وبقية أيّام مروان بن محمّد حتّى زال حكمهم في سنة 132هـ.
وقد شاهد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تلك الفترات الرهيبة صنوفاً من الظلم والجور صبّها الأمويّون على العلويّين وشيعتهم، وكان يطرق سمعه سبّ جدّه الإمام أمير
المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المنابر والمآذن، وفي خطب الجمعة والأعياد، وفي كلّ مناسبة رسمية، وكان يرى بعض ولاة المدينة يجمع العلويّين يوم الجمعة قريباً من المنبر ليسمعهم شتم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وانتقاصه.
وعلى أيّة حال، فإنّ الفترة التي عاشها الإمام في أيّام الحكم الأموي كانت مضطربة كأشدّ ما يكون الاضطراب، فقد أزهقت النفوس، وسفكت الدماء، واختل نظام الأمن، واختلف الناس فيما بينهم كأشدّ ما يكون الاختلاف، وكان ذلك ناجماً عن سوء السياسة الأمويّة، فهي التي ساست الناس بسياسة بعيدة عن الوعي والفكر.
لم يحلم أحد في الأوساط الإسلاميّة أن يؤول الحكم إلى بني العبّاس، كما لم يخطر ببال أي أحد منهم أن يكونوا ملوكاً على المسلمين، إذ لم تكن لهم أية خدمة للقضايا الإسلاميّة، ولم يشتركوا بأي عمل لصالح المسلمين، فقد كانوا بمنأى عن الحركات الإصلاحية، والثورات الشعبيّة المناهضة للحكم الأموي، كما لم تكن لهم أية مكانة أو مركز اجتماعي، فقد كان المسلمون ينظرون إليهم نظرة عادية تتسم بالريبة والحذر منهم، وذلك لما وصم به بعضهم من الخيانة العظمى للإسلام، كعبيداللّه بن عبّاس، الذي خان اللّه ورسوله، وغدر بسبط رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وريحانته الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد كان القائد العام لقوّاته المسلّحة، فأرشاه معاوية بالمال الوفير، فانهزم في غلس الليل البهيم صاحباً معه العار والخزي، والتحق بمعاوية وترك الجيش العراقي يموج بالفتن والاضطراب، وقد مهد بذلك الحكم لمعاوية وسلّطه على رقاب المسلمين.
وفي الأيّام الأخيرة من الحكم الأموي التي ماجت فيها البلاد بالفتن والاضطرابات، وتوقّع الجميع زوال سلطان الأمويّين، لم يجسر أحد من العبّاسيّين على ترشيح نفسه للخلافة، فقد كانت أنظار المسلمين متّجهة إلى العلويّين دعاة العدل الاجتماعي، والعدل السياسي في الإسلام، والذين ضحوا بأنفسهم وأبنائهم في سبيل القضايا المصيرية للأُمّة.
ولم ير السفّاح ولا المنصور أنفسهما أهلاً للخلافة، فقد بايعا السيّد الجليل
محمّداً ذا النفس الزكية، وكانا يجوبان القرى والأرياف وهما ينشران المظالم الهائلة التي صبّها الأمويّون على آل النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و عترته، محاولين بذلك إشاعة التذمر والنقمة على الأمويّين، وقد موّها على الدعاة بأنّ الخلافة للرضا من آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ولما تبيّن زيف هذه الدعوى إلى أبي سلمة القائد الطليعي في الحركة الانقلابية حاول عزل السفّاح عن الحكم، إلا أنّه مُني بالخيبة فتغلب عليه السفّاح وأمر باغتياله.
وعلى أيّة حال، فإنّ الحكم العبّاسى الجديد لم يختلف بروحه ومفهومه عن الحكم الأموي، فسقوط الدولة الأمويّة وتسلّم العبّاسيّين لمقاليد الحكم لم يعد و عن كونه انقلاباً عسكرياً نقل الحكم من بني أميّة إلى بني العبّاس، ونقل العاصمة من الشام إلى العراق، وأدّى ذلك إلى استبدال نفوذ بنفوذ، فلم تختلف النظم الإدارية ولا المالية في كلا العصرين، بل من المؤكد أنّ الحكم العبّاسي كان أقسى وأعنف بكثير من الحكم الأموي، فقد أصبح المسلمون أيّام العبّاسيّين إزاء حكم استبدادي كأشد ما يكون الاستبداد، حكم لا يحسب فيه أي حساب للرعيّة، فهي أدوات مسخّرة للحاكم، وليس لها من الأمر أي شيء، ففي يده كلّ الأمر، وكل السلطان، يولّي الولاة والقضاة والوزراء والقوّاد وأصحاب الشرطة والمحتسبين الذين يراقبون الأسواق، ويعزلهم جميعاً حسب مشيئته وهواه (1).
وقد عانت الشعوب الإسلاميّة الضيق والحرمان طيلة الحكم العبّاسي، فقد أصبحت الخزينة المركزية للدولة تنفق على شهوات ملوك العبّاسيّين ورغباتهم، وقد أسرفوا إلى حد بعيد في الملذّات والبذخ.
يقول شوقي ضيف : «ولا ريب أنّ هذا البذخ إنّما كان يتمتّع به الخلفاء وحواشيهم من البيت العبّاسي، ومن الوزراء والقوّاد وكبار رجال الدولة، ومن اتصل بهم من الفنانين شعراء ومغنّين، ومن العلماء والمثقفين، وكأنما كتب على الشعب
1) العصر العبّاسي الأول : 21.
أن يكدح ليملأحياة هؤلاء جميعاً بأسباب النعيم، أما هو فعليه أن فعليه أن يتجرّع غصص البؤس والشقاء، وأن يتحمّل من أعباء الحياة ما لا يطاق، ومرد ذلك إلى طغيان الخلفاء العبّاسيّين الذين حرموا الشعب حقوقه، وطوّقوه بالاستعباد والاستبداد والعنف. وقد مضوا وبطانتهم يحتكرون لأنفسهم أموال الدولة ومواردها الضخمة، بحيث كانت هناك طبقتان : طبقة تنعم بالحياة إلى غير حدّ، وطبقة قتّر عليها الرزق» (1).
وسنعرض لهذه الجهة عند الحديث عن الحياة اللاقتصاديّة في عصر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونعود إلى البحث عن حكومة السفّاح والمنصور، وفيما يلي ذلك :
وتسلّم السفّاح قيادة الدولة الإسلاميّة بعد أن اختلسها من السادة العلويّين فقد اتجه مع حاشيته إلى الجامع الأعظم في الكوفة، فأدى فريضة الصلاة، ثمّ ارتقى أعواد المنبر، وكان موعوكاً فخطب الناس وكان من جملة خطابه : «يا أهل الكوفة، أنتم محلّ محبّتنا، ومنزل مودّتنا، أنتم الذين لم تتغيّروا عن ذلك، ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور عليكم، حتّى أدركتم زماننا، وأتاكم اللّه بدولتنا، فأنتم أسعد الناس بنا، وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في عطياكم مائة درهم، فأنا السفّاح المبيح، والثائر المنيح.».
وحفل هذا الخطاب بالثناء على أهل الكوفة، وأنهم الركيزة الأولى لمحبتهم ومودتهم، وأنّهم قد عانوا من الأمويّين أقسى ألوان الظلم والجور في سبيلهم، ولكنّ ذلك من المغالطات السياسيّة، فإنّ أهل الكوفة إنّما عرفوا بالولاء والمودّة للعلويّين، وتحمّلوا في سبيلهم المصاعب والكوارث، ولم يكن للعباسيين أي رصيد يذكر
1) العصر العبّاسي الأول : 45.
لا في الكوفة ولا في غيرها من البلاد الإسلاميّة.
وعلى كلّ حال، فقد انبرى للخطابة بعد السفّاح عمّه داود بن عليّ، فخطب الناس خطاباً أثنى فيه على بني العبّاس، وذمّ فيه بني أميّة، وكان ممّا قاله : «أيها الناس، إنّا واللّه ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثر لجيناً (1)، ولا عقياناً (2)، ولا نحفر نهراً، ولا نبني قصراً، وإنّما أخرجتنا الأنفة من ابتزازهم حقّنا، والغضب لبني عمنا، وما كرثنا من أموركم، فقد كانت أموركم ترمضنا (3)ونحن على فرشنا، ويشتد علينا سوء سيرة بني أميّة فيكم، واستنزالهم (4)لكم، واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم، لكم ذمّة اللّه تبارك وتعالى، وذمة رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وذمة العبّاس رحمه اللّه، وعلينا أن نحكم فيكم بكتاب اللّه، ونسير في العامّة والخاصة بسيرة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (5).
أمّا خطاب داود فقد جرّد فيه نفسه وأفراد أسرته من الأطماع الماديّة، وإنّما ثاروا طلباً بثأر العلويّين، ونصرة لأهل الكوفة الذين استأثر الأمويّون بفيئهم ومغانمهم، ويعلم اللّه كذب هذه الأقاويل، فقد ثار العبّاسيّون من أجل الملك والسلطان، لا من أجل العلويّين، ولا من أجل أهل الكوفة، ومتى كان يعرف هؤلاء الذئاب حقوق الأمّة أو ينشدون مصالحها.
وعلى أي حال، فقد أخذ داود أهل الكوفة بالصلة والعطاء، ويقسم لهم بالأيمان أنّ العبّاسيّين سيحققون لهم العدل السياسي والاجتماعي، وسائر ما يحلمون به،
ويصبون إليه، ولكنّها عهود ووعود كاذبة سرعان ما خاسوا بها.
ثمّ نزل أبو العبّاس السفّاح عن المنبر ومعه عمّه داود بن علي حتّى دخل قصر الإمارة، وبقي المنصور يأخذ البيعة لأخيه من الناس حتّى صلّى بهم المغرب والعشاء، وبقي إلى ساعة متأخّرة من الليل (1).
وقد استقبلت الكوفة بيعة السفّاح بكثير من القلق والوجوم والاضطراب، فقد كانت تترقب بفارغ الصبر حكومة العلويّين ليبسطوا فيهم العدل والأمن والرخاء، أما الأوساط الواعية في الكوفة، بل في كافة أنحاء العالم الإسلامي فإنها قد شجبت البيعة للسفّاح، وأفتى الفقهاء في يثرب بعدم شرعيتها.
أمّا الجهاز الإداري في حكومة السفّاح فقد كان غير سليم، فقد استعمل على يثرب ومكة واليمن واليمامة عمه داود بن عليّ، وكان فظاً غليظ القلب، لم يعرف الرحمة والرأفة، فقد خطب أهل المدينة خطاباً قاسياً تهدّدهم وتوعّدهم، وكان ممّا قال في خطابه :
«أيها الناس، أغركم الإمهال حتّى حسبتموه الإهمال، هيهات منكم، وكيف بكم ؟ والسوط كفى، والسيف مشهر
حتى يُبيدَ قَبيلةٌ فَقبيلة***وَیَعَضٌ كلّ مُثقَّفٍ بالهام
ويُقَمْنَ رَبَّاتُ الخُدور حواسِراً***يَمْسَحْنَ عَرْضَ ذَوائِبِ الأَيتام»
وكشف هذا الخطاب عن تمرّسه في الإثم، وأنّه لا حريجة له في الدين، فبدل أن ينشر الأمن والدعة بين المواطنين باعتباره والياً لحكومة جديدة، قابلهم بهذه
1) الكامل في التاريخ : 5 : 415 و 416.
اللهجة التي تحمل شارات الموت والدمار، وداود هو الذي أعدم المعلى بن خنيس الذي كان من أعلام الشيعة، ومن أخلص الناس للإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد دعاه داود وسأله عن شيعة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لينكل بهم، فقال له المعلّى : «ما أعرف أحداً من أصحاب أبي عبد اللّه، وإنّما أنا رجل اختلف في حوائجه، ولا أعرف له صاحباً».
فثار الطاغية وصاح به : «أتكتمني، أما إنك إن كتمتني قتلتك».
ولم يحفل المعلى بتهديده وقال له بشجاعة : «واللّه لو كانوا تحت قدمي ما رفعت قدمي عنهم، وإن أنت قتلتني لتسعدني وأشقيك».
وورم أنف الطاغية، وانتفخت أوداجه، وأمر بإعدامه، فطلب المعلى أن يخرجه إلى السوق، فأخرج إليه، وقد اجتمع الناس حوله، فرفع صوته قائلاً: «أيها الناس، أنا معلى بن خنيس، من عرفني فقد عرفني، اشهدوا أن ما تركت من مال ومن عين أو دين أو عبد أو دار أو قليل أو كثير فهو لجعفر بن محمّد».
وشدّ عليه صاحب الشرطة فقتله، لقد قتل هذا المجاهد صابراً محتسباً في سبيل عقيدته ومبادئه، وصادر داود أموال المعلى، وجزع الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) جزعاً شديداً على المعلّى، فخرج وقد بدا عليه الغضب فدخل على الطاغية فقال له :
فَتَلْتَ مَوْلايَ وَأَخَذْتَ مالي.
فقال داود : ما أنا قتلته، ولا أخذت مالك.
وثار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له : لأَدْعُوَنَّ اللّه عَلَى مَنْ قَتَلَ مَوْلايَ، وَأَخَذَ مالي.
وهزأ الخبيث من الإمام وقال : إنك لتهدّدنى بدعائك.
وخرج الإمام من عنده وتوجّه نحو اللّه، وأخذ يدعو على الباغي اللثيم، وكان ممّا قاله في دعائه :
يا ذَا الْقُوَّةِ الْقَوِيَّةِ، وَيا ذَا الْمِحالِ الشَّديدِ، وَيَا ذَا الْعِزَّةِ الَّتِي كلّ خَلْقِكَ لَهَا ذَليلٌ
اكْفِني هذا الطَّاغِيَةَ».
ولم يزل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتضرّع إلى اللّه في غلس الليل البهيم في هلاك هذا الطاغية، واستجاب اللّه دعاء وليه فانتقم من داود، فقد ارتفعت الأصوات بالصياح عليه في داره، وهلك غير مأسوف عليه، وما ربِّك بغافل عمّا يفعل الظالمون (1).
إنّ الجهاز الإداري في حكومة السفّاح والمنصور كان مثالاً للظلم والجور، ولا يقلّ في مآسيه عمّا كان في أيّام الحكم الأموي.
وتقلّد السفّاح تقاليد الحكم باسم العلويّين الذين حصدت رؤوسهم سيوف البغي والعدوان، وكان من الطبيعي أن يقابلهم بمزيد من التبجيل والتكريم بعد أن اختلس الحكم من أيديهم، وقد انطوت قلوب العلويّين على حزن عميق، وأسى شديد، وذلك لمكيدة العبّاسيّين لهم.
وعلى أي حال، فقد وفد العلويّون على السفّاح يهنّئونه بالخلافة، وكان في الأنبار، وكان في طليعتهم السيد عبد اللّه، ولم يصحب معه ولديه محمّد وإبراهيم، فارتاب السفّاح، وقال لعبد اللّه : «ما منعهما أن يفدا مع من وفد عليَّ من أهل بيتهما ؟».
فاعتذر عبداللّه قائلاً: «ما كان تخلّفهما لشيء يكرهه أمير المؤمنين».
وقبل السفّاح على مضض وكره اعتذار عبد اللّه، ولمّا بنى السفّاح مدينة الأنبار
1) رجال الكشّي : 377، الحديث 708، وغيره، وجاء في الكامل للمبرد : 1 : 81 «أنّ سليمان بن عليّ بن عبداللّه بن عبّاس أخذ غلاماً من الامام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : يا هذا، إنّ الرجل ينام على الثكل، ولا ينام على الحرب، أي سلب المال، فإمّا رددته وإما عرضت اسمك على اللّه في كلّ يوم وليلة خمس مرّات».
التي اتّخذها عاصمة له، دخلها مع أخيه المنصور وعبد اللّه بن الحسن، وهو يسير بينهما ويطلعهما على ما في المدينة من المصانع والقصور، فظهرت من عبد اللّه فلتة فجعل يتمثل بهذين البيتين :
أَلَمْ تَرَ حَوشَباً قَدْ صَارَ يُبنى***قصوراً نَفْعُها لِبَنى نُقيله
يُؤَمِّلُ أَن يُعمَرَ عُمْرَ نُوحٍ***وَأَمْرُ اللّه يَحدُثُ كلّ لَيْلَه
فتغيّر وجه أبي العبّاس، والتفت المنصور الدوانيقي إلى عبداللّه قائلاً بنبرات تقطر غيظاً وغضباً : «أتراهما ابنيك والأمر صائر إليهما لا محالة !».
فردّ عليه عبداللّه معتذراً : «لا واللّه ما ذهبت، ولا أردته، ولا كانت إلّا كلمة جرت على لساني لم ألق لها بالاً».
وأوحشت هذه الكلمات قلب السفّاح، وتغيّر على العلويّين، ولما عزم العلويّون على النزوج إلى يثرب أجزل لهم العطاء، وبعث معهم رجلاً من ثقاته، فقال له : «قم بإنزالهم، ولا تأل، ولا تأل في ألطافهم، وكلّما خلوت معهم فأظهر الميل إليهم، والتحامل علينا وعلى ناحيتنا، وأنّهم أحق بهذا الأمر منا، واحص إليَّ ما يقولون، وما يكون منهم في مسيرهم ومقدمهم».
وحينما وصل عبداللّه إلى يثرب اجتمع به ولده، وسألوه عن كلّ صغيرة وكبيرة، فأخذ يشرح لهم الحال، وما لاقاه من السفّاح، وأخذ في نفس الوقت يحفزهم على الثورة، وكان الرجل الذي بعثه السفّاح عيناً عليهم حاضراً، فحفظ جميع ما دار بينهم من حديث.
فلما عاد إلى السفّاح أخبره بجميع ما شاهده من السادة الحسنيين، فوغر صدره عليهم، واشتدّ غضب المنصور ورام الانتقام منهم، إلّا أنّ السفّاح عزله عن ذلك، وأخذ سعاة السوء يتزلّفون إلى السفّاح ويفتعلون الأكاذيب بأن العلويّين يدعون
الناس إلى خلع بيعته، وضاق السفّاح ذرعاً بذلك، وكتب إلى عبد اللّه بن الحسن كتاباً ختمه بهذا البيت :
أريدُ حياته ويُريدُ قتلي***عَذيرُكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرادِ
فأجابه عبداللّه برسالة فنّد فيها وشاية الأعداء به، وكتب في آخرها هذه الأبيات :
وكيفَ يُريدُ ذاكَ وَأَنْتَ مِنْهُ***بِمَنزَلَةِ النِّياطِ مِنَ الفُؤادِ
وكيفَ يُريدُ ذاكَ وأَنْتَ مِنْهُ***وزَنْدُكَ حينَ يَقْدَحُ مِنْ زِنَادِ
وكيفَ يُريدُ ذاكَ وأنتَ مِنْهُ***وَأَنتَ لِهاشم رَأْسٌ وَهادٍ (1)
واطمأن السفّاح وسكن روعه إلّا أنّ المنصور كان يحثّه ويدفعه إلى الايقاع بالسيدين الكريمين : محمّد وإبراهيم، فزجره السفّاح وقال له : «من شدّد نفر، ومن لان تأسف، والتغافل من سجايا الكرام» (2).
وسلك مع السادة العلويّين مسلك السياسي المحنّك، فلم يقابلهم بأذى أو مكروه، بل كان يتظاهر بالودّ والعطف عليهم.
أما موقف الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهد السفّاح، فقد كان متسماً بالحكمة والسداد، فلم يتعرّض للحكم القائم بأي لون من ألوان المعارضة، فقد اتجه الإمام صوب العلم يذيعه وينشره بين المسلمين، وقد احتف ب-ه طلاب العلوم، وهم ينتهلون من نمير علومه، وقد أوجد الإمام في تلك الفترة وعياً علميّاً أصيلاً، عاد
على الأمّة بخير عميم، كما أن السلطة لم تتخذ معه كما أنّ السلطة لم تتخذ معه أي إجراء قاسٍ إلا أنها ظلت تراقبه، وتحصي عليه أنفاسه ؛ لأنّه سيّد العترة الطاهرة، وعملاق الفكر الإسلامي، فرأته مشغولاً بالعلم يذيعه وينشره بين الناس قد أعرض عن الشؤون السياسيّة.
وانتقل الإمام في عهد السفّاح من يثرب إلى الكوفة، ثمّ أقام في الحيرة (1)التي عرفت بطيب هوائها وازدهارها، وأكبر الظنّ أنّ ذلك لم يكن ناجماً عن ضغط سياسي وفرض إقامة جبرية عليه من قبل السلطة العبّاسيّة، وإنما كان ذلك ناشئاً عن رغبة ملحة لسكنى الكوفة التي كانت المركز المهم لشيعة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ومنها انتشر التشيّع في أنحاء العالم الإسلامي، كما أنّ أفواج الطلبة التي كانت تتهافت بشوق عارم للانتهال من علوم الإمام كان معظمهم من أهالي الكوفة.
وقد ازدهرت مدينة الكوفة بوجود الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأصبحت من المراكز العلميّة المهمّة في الإسلام، فقد كان جامعها الأعظم يضم تسعمائة عالم، وكلّ واحد منهم يرأس حلقة من طلاب العلوم يدرّسها ويغذيها بعلوم الشريعة الإسلاميّة التي أخذوها من الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ومن الجدير بالذكر أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان لا يميل إلى أهالي يثرب ؛ لأنّ معظمهم كانوا من المنحرفين عن أهل البيت، والمعلنين العداء والبغضاء لهم، ولم تضمّ جامعة الإمام التي كانت في يثرب إلا عدداً يسيراً منهم
1) الحيرة - بالكسر ثمّ السكون - مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة، على موضع يقال له النجف، زعموا أن بحر فارس كان يتّصل به، وبالحيرة الخورنق بقرب منها ممّا يلي الشرق على نحو ميل، والسدير في وسط البرية التي بينها وبين الشام.. كانت الحيرة مسكن ملوك العرب في الجاهلية من زمن نصر ثمّ من لخم النعمان وآبائه، والنسبة إليها حاري، على غير قياس، جاء ذلك في معجم البلدان : 2 : 328.
وعلى أي حال، فقد احتفت الجماهير الحاشدة من أهالى الكوفة بالإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي ترى في شخصيّته العظيمة امتداداً ذاتياً ومشرقاً لجده الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وآبائه الذين أضاء وا الحياة الفكرية في دنيا العرب والإسلام.
ويحدثنا محمّد بن معروف الهلالي عن مدى احتفاء الجماهير بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، يقول : «مضيت إلى الحيرة إلى جعفر بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيّام السفّاح، قد تداك الناس عليه ثلاثة أيّام متواليات، فما كان لي حيلة، ولا قدرت عليه من كثرة الناس. وتكاثفهم عليه (1).
وقد فزعت السلطة المحليّة من شدّة ازدحام الناس على الإمام، وهم ما بين سائل ومتعلّم ومتبرّك بالإمام، فرفعت ذلك إلى السفّاح، فأمر بمنع الناس وتفريقهم عنه بالقوة، ومن الطريف أن بعض أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابتلي في مسألة في الطلاق لم يعرف حكمها، وخاف من الدخول على الإمام، فأخذ خياراً، وجعل ينادي عليه لبيعه بالقرب من دار الإمام، فخرج (عَلَيهِ السَّلَامُ) لشرائه، فسأله الرجل عن المسألة فأجابه عنها (2).
ونعرض - بإيجاز - لبعض شؤونه حينما كان مقيماً في الكوفة والحيرة.
واحتف العلماء والفقهاء ورواة الحديث في الكوفة حول الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهم يدونون ما يفتي به، ويرويه عن آبائه العظام، وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشجعهم على تدوين الحديث والفقه، وسائر العلوم الإسلاميّة، وأكبر الظنّ أنّ جملة من الأصول الأربعمائة التي أخذت من الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد دونت حينما كان مقيماً في الكوفة، وقد أغنى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الفقه الإسلامي بفتاواه وآرائه التي تحمل الإبداع والأصالة،
والتي هي المرجع الأعلى لفقهاء الإماميّة فيما يفتون به.
ويقي مرقد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مستوراً لا يعرفه إلّا أبناؤه طيلة الحكم الأموي، وذلك عملاً بوصيّته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، خوفاً عليه من النبش من قبل الأمويّين والخوارج الذين كانوا من ألد أعدائه.
ولما انهار الحكم الأموي قام الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بزيارة المرقد المعظم عدة مرّات، وذلك لقرب الحيرة من النجف الأشرف، وكان في كلّ زيارة يقوم بها يصحب معه بعض أعلام شيعته لإرشادهم إلى موضع المرقد المكرّم، وفيما يلي بعض زياراته :
1 - روى أبان بن تغلب، قال : «كنت مع أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فمر بظهر الكوفة، فنزل فصلى ركعتين، ثمّ قال : هذا مَوْضِعُ قَبْرِ أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فقلت : جعلت فداك، والموضعين اللذين صلّيت فيهما ؟ ف
قال : مَوْضِعُ رَأْسِ الْحُسَيْنِ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَمَوْضِعُ مِنْبَرِ الْقَائِمِ (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (1).
2 - روى مبارك الخبّاز، قال : «قال لي أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): اسْرِجوا الْبَغْلَ وَالْحِمارَ في وقت ما قدم وهو في الحيرة.
فركب وركبت حتّى دخل الجرف، ثمّ نزل فصلّى ركعتين، ثمّ تقدّم قليلاً خطوات آخر فنزل فصلّى ركعتين، ثمّ تقدّم قليلاً خطوات أخر فنزل فصلّى ركعتين، ثمّ ركب ورجع فقلت له : جعلت فداك، ما الأوليين والثانيتين والثالثتين ؟
قال : الرَّكْعَتَيْنِ الأَوْلَيَيْنِ مَوْضِعُ قَبْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَالرَّكْعَتَيْنِ الثَّانِيَتَيْنِ مَوْضِعُ
1) وسائل الشيعة : 10 : 310.
رَأْسِ الْحُسَيْنِ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَالرَّكْعَتَيْنِ الثَّالِئَتَيْنِ مَوْضِعُ مِنْبَرِ الْقائِمِ (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (1).
3 - روی یونس بن ظبيان، قال : «أتيت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين قدم الحيرة، وجرى حديث معه، ثمّ إنّه سار معه إلى زيارة مرقد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
قال يونس : لما انتهى الإمام إلى المكان الذي أراد، قال : يا يُونُسُ، اقْرِنْ دابَّتَكَ فقرنتها، ثمّ رفع يديه، ثمّ دعا ففهمته وعلمته، فقال لي : يا يُونُسُ، أَتَدْري أَيَّ مَكانٍ هذا ؟
فقلت : لا واللّه، ولكنّي أعلم أنّي في الصحراء.
فقال : هذا قَبْرُ أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَلْتَقى هُوَ وَرَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (2).
4 - روی صفوان بن مهران الجمال، قال : «سار الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأنا معه في القادسية حتّى أشرف على النجف، فقال : هذا هُوَ الْجَبَلُ الَّذِي اعْتَصَمَ بِهِ ابْنُ جَدّي نوحٍ، فَقالَ : «سَآوِي إِلَى جَبَلِ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ» (3)، فَأَوْحَى اللّه تعالى :إِلَيْهِ : أَيَعْتَصِمُ بِكَ مِنِّي أَحَدٌ ؟ فَعْارَ فِي الْأَرْضِ، وَتَقَطَّعَ إِلَى الشّامِ.
ثمّ قال : اعْدِلْ بنا، فعدلت به، فلم يزل سائراً حتّى أتى الغري فوقف به، ثمّ أتى القبر، فساق السلام من آدم، على نبي نبي، وأنا أسوق وأنا أسوق معه السلام حتّى وصل السلام إلى النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ثمّ خرّ على القبر فسلّم عليه وعلا نحيبه، ثمّ قام فصلى أربع ركعات (4)وصلّيت معه.
فقلت : يابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ما هذا القبر؟
فقال : هذا قَبْرُ جَدّي عَلِيِّ بْنِ أَبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (1).
هذه بعض زيارات الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لجدّه الإمام أمير المؤمنين سيّد العترة الطاهرة، وباب مدينة علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وتظافرت الأخبار عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الحثّ على زيارة قبر جدّه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهذه بعضها :
1 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لرجل من شيعته : «إِنَّ إِلى جانب كوفانِ قَبْراً ما أَتَاهُ مَكْرُوبٌ قَطُّ فَصَلَّى عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعَ إِلَّا نَفَّسَ اللّه كَرْبَهُ، وَقَضَىٰ حَاجَتَهُ.
قال : قلت : قبر الحسين بن علي ؟
فقال لي برأسه : لا.
فقلت : قبر أمير المؤمنين ؟
فقال برأسه : نَعَمْ» (2).
2 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «مَنْ تَرَكَ زِيارَةَ أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَمْ يَنْظُرِ اللّه إِلَيْهِ، أَلَا تَزورونَ مَنْ تَزورُهُ الْمَلائِكَةُ» (3).
3 - قال ابن مارد للإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ما لمن زار جدّك أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟ قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): یابن مارِدٍ، مَنْ زارَ جَدّي عارِفاً بِحَقِّهِ، كَتَبَ اللّه لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حِجَّةٌ مَقْبُولَةٌ، وَعُمْرَةٌ مَبْرُورَةٌ.
وَاللّه يابْنَ مارِدٍ ما تَطْعَمُ النَّارُ قَدَماً تَغَبَّرَتْ في زِيارَةِ أَميرِ الْمُؤْمِنِينَ، ماشياً كانَ أَوْ راكِباً.
يابْنَ مارِدٍ، اكتب هذا الْحَدِيثَ بِماءِ الذَّهَبِ» (1).
وأثرت عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) جمهرة أخرى من الأخبار، وهى تحث المسلمين على زيارة بطل الإسلام، والمنافح عن كلمة التوحيد في جميع المشاهد والمواقف.
زار الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما كان في الحيرة مرقد جدّه الإمام الحسين، ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وسيّد شباب أهل الجنّة صلوات اللّه عليه الذي ضحّى بنفسه وأبنائه وأهل بيته وأصحابه لإنقاذ المسلمين من ويلات الحكم الأموي وشروره، وإعادة الحياة الإسلاميّة المشرقة التي يسعد بها الإنسان المسلم.
وأدلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بجمهرة كبيرة من الأحاديث في فضل زيارة أبي الأحرار، وسيّد الشهداء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نعرض لبعضها :
1 - روى أبو خديجة، قال : «سألت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن زيارة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : إِنَّهُ أَفْضَلُ ما يَكونُ مِنَ الْأَعْمالِ» (2).
2 - روى أبان عن الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «مِنْ أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللّه زِيارَةُ قَبْرِ الْحُسَيْنِ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَأَفْضَلُ الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللّه إِدْخالُ السُّرورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ»، الحديث (3).
3 - روى حذيفة بن منصور، قال : «قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : مَنْ زَارَ قَبْرَ الْحُسَيْنِ للّه، وَفِي اللّه، أَعْتَقَهُ اللّه مِنَ النَّارِ، وَآمَنَهُ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَلَمْ يَسْأَلِ اللّه حَاجَةٌ مِنْ حَوائِجِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ» (1).
4 - روى أبو أسامة زيد الشحام، قال : «سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : مَنْ أَتى قَبْرَ الْحُسَيْنِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) تَشَوّقاً إِلَيْهِ كَتَبَهُ اللّه مِنَ الْآمِنينَ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَأُعْطِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وَكَانَ تَحْتَ لِواءِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)، حتّى يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ فَيُسْكِنَهُ فِي دَرَجَتِهِ»، الحديث (2).
5 - روى أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكونَ سَكَنُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَمَأْواهُ الْجَنَّةُ، فَلَا يَدَعْ زِيارَة الْمَظْلُومِ.
قلت : ومن هو ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الْحُسَيْنُ، فَمَنْ أَتَاهُ شَوْقاً إِلَيْهِ وَحُبّاً لِرَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَحُبّاً لِفاطِمَةَ (عَلَيهَا السَّلَامُ)، وَحُبّاً لأميرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَقْعَدَهُ اللّه عَلَى مَوائِدِ الْجَنَّةِ يَأْكُلُ مَعَهُمْ، وَالنَّاسُ في الحِساب» (3).
6 - سئل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن زيارة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هل في ذلك وقت هو أفضل من وقت ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «زوروهُ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ فِي كلّ وَقْتٍ، وَفِي كلّ حينٍ، فَإِنَّ زيارَتَهُ خَيْرُ مَوْضوع، فَمَنْ أَكْثَرَ مِنْهَا فَقَدِ اسْتَكْثَرَ مِنَ الْخَيْرِ، وَمَنْ قَلَّلَ قُلّلَ لَهُ، وَتَحَرّوا بزِيارَتِكُمُ الْأَوْقات الشَّرِيفَةَ، فَإِنَّ الأَعْمالَ الصَّالِحَةَ فيها مُضاعَفَةٌ، وَهِيَ أَوْقاتُ مَهْبِطِ
الْمَلائِكَةِ لِزِيارَتِهِ» (1).
وسئل عن زيارته في شهر رمضان المبارك ؟ فقال : «مَنْ جاءَهُ خاشِعاً مُحْتَسِباً مُسْتَقِيلاً مُسْتَغْفِراً فَشَهِدَ قَبْرَهُ في إِحْدَى ثَلاثِ لَيالٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ : أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ، وَلَيْلَةُ النَّصْفِ، وَآخِرُ لَيْلَةٍ مِنْهِ، تَساقَطَتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ وَخَطاياهُ الَّتِي اخْتَرَمَهَا كَما يَتَساقَطُ هَشِيمُ الْوَرَقِ بِالرِّيحِ الْعَاصِفِ، حتّى إِنَّهُ يَكُونُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَهَيْئَةِ يَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَكَانَ لَهُ مَعَ ذلِكَ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ حَجَّ في عامِهِ ذَلِكَ وَاعْتَمَرَ، وَيُنَادِيهِ مَلَكانِ يَقولُ أَحَدُهُما : يا عَبْدَ اللّه، طَهُرْتَ فَاسْتَأْنِفِ الْعَمَلَ، وَيَقولُ الآخَرُ : يا عَبْدَ اللّه، أَحْسَنْتَ فَأَبْشِرْ بِمَغْفِرَةٍ مِنَ اللّه وَفَضْلٍ» (2).
هذه بعض الأخبار التي وردت عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فضل زيارة جدّه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد عرضت موسوعات الفقه والحديث إلى طائفة كبيرة من الأخبار، وهي تحثّ المسلمين على زيارة مرقد أبي الأحرار، الذي ثار من أجل تحقيق العدالة الإسلاميّة، ورفع كلمة اللّه تعالى عالية في الأرض.
ومن الجدير بالذكر أنّ الأخبار التي حثت على زيارة سيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم تكن أخبار آحاد، وإنّما هي متواترة قطعية الصدور عن أئمّة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد وعدت بالأجر العظيم، والثواب الجزيل زوّار المرقد العظيم ؛ لأنّ للحسين منزلة كريمة عند اللّه، وذلك لعظيم ما قدّمه من التضحيات في سبيل اللّه.
من المكاسب المهمة، والفوائد العظيمة التي يظفر بها الزائرون لمرقد سيّد
الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) دعاء الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الدعاء العظيم لهم، استمعوا له :
روى معاوية بن وهب، قال : «استأذنت على أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأذن لي، فدخلت عليه فوجدته في مصلاه، فجلست حتّى قضى صلاته، فسمعته يناجي ربه وهو يقول :
يا مَنْ خَصَّنَا بِالْكَرَامَةِ، وَوَعَدَنا الشَّفاعَةَ، وَحَمَلَنَا الرِّسالَةَ، وَجَعَلَنا مِنْ وَرَثَةِ الْأَنْبِياءِ، وَخَتَمَ بِنا الْأُمَمَ السَّالِفَةَ، وَخَصَّنَا بِالْوَصِيَّةِ، وَأَعْطَانَا عِلْمَ ما مَضَى وَعِلْمَ مَا بَقِيَ، وَجَعَلَ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْنَا. اغْفِرْ لِي، وَلِإِخْوانِي، وَزُوّارِ قَبْرِ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٌّ، الَّذِينَ أَنْفَقُوا أَمْوالَهُمْ، وَأَشْخَصوا أَبْدانَهُمْ رَغْبَةً في بِرِّنا، وَرَجاءً لِما عِنْدَكَ في صِلَتِنا، وَسُروراً أَدْخَلُوهُ عَلَى نَبِيِّكَ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَإِجابَةٌ مِنْهُمْ لأَمْرِنا، وَغَيْظاً أَدْخَلُوهُ عَلَى عَدُوِّنَا، أَرادوا بِذلِكَ رِضْوانَكَ، فَكافِهِمْ عَنَا بِالرَّضْوانِ، وَاكْلَاءَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَأَخْلِفْ عَلى أَهاليهِمْ وَأَوْلادِهِمْ الَّذِينَ خَلَّفوا بِأَحْسَنِ الْخَلَفِ، وَاصْحَبْهُمْ وَاكْفِهِمْ شَرَّ كلّ جَبَّارٍ عَنيدٍ، وَكُلِّ ضَعِيفٍ مِنْ خَلْقِكَ أَوْ شَديدٍ، وَشَرَّ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَأَعْطِهِمْ أَفْضَلَ مَا أَمَّلُوا مِنْكَ فِي غُرْبَتِهِمْ عَنْ أَوْطَائِهِمْ، وَمَا آثَرُونَا عَلَىٰ أَبْنَائِهِمْ وَأَهاليهِمْ وَقَراباتِهِمْ.
اللّهمّ إِنَّ أَعْداءَنا عابوا عَلَيْهِمْ خُروجَهُمْ، فَلَمْ يَنْهَهُمْ ذلِكَ عَنِ النُّهوض وَالشُّخوص إِلَيْنا خِلافاً عَلَيْهِمْ، فَارْحَمْ تِلْكَ الوجوهَ الَّتي غَيَّرَتْها الشَّمْسُ، وَارْحَمْ تِلْكَ الْخُدُودَ الَّتى تَقَلَّبَتْ عَلَى قَبْرِ أَبي عَبْدِ اللّه، وَارْحَمْ تِلْكَ الْأَعْيُنِ الَّتي جَرَتْ دُمُوعُها رَحْمَةً لَنَا، وَارْحَمْ تِلْكَ الْقُلوبَ الَّتى جَزَعَتْ وَاسْتَرَقَّتْ
لَنَا، وَارْحَمْ تِلْكَ الصَّرْخَةَ الَّتى كانَتْ لَنا.
اللّهمّ إِنِّي أَسْتَوْدِعُكَ تِلْكَ الْأَنْفُسَ وَتِلْكَ الْأَبْدَانَ حَتَّىٰ تُرَوِّيهِمْ مِنَ الْحَوْضِ يَوْمَ الْعَطَشِ.
فما زال (عَلَيهِ السَّلَامُ) يدعو بهذا الدعاء وهو ساجد، فلما انصرف قلت له : جعلت فداك، لو أنّ هذا الذي سمعته منك كان لمن لا يعرف اللّه لظننت أنّ النار لا تطعم منه شيئاً أبداً. واللّه لقد تمنيت أني كنت زرته ولم أحج.
فقال لي : ما أَقْرَبَكَ مِنْهُ، فَمَا الَّذِي يَمْنَعُكَ مِنْ زِيارَتِهِ. يَا مُعَاوِيَةُ، لَا تَدَعْ ذلِكَ.
قال : قلت : جعلت فداك، لم أدر أن الأمر يبلغ هذا كلّه.
فقال : يا مُعاوِيَةُ، وَمَنْ يَدْعُو لِزُوَارِهِ فِي السَّمَاءِ أَكْثَرُ ممّن يَدْعو لَهُمْ فِي الْأَرْضِ، لَا تَدَعْهُ لِخَوْفٍ مِنْ أَحَدٍ، فَمَنْ تَرَكَهُ لِخَوْفٍ وَرَأَى مِنَ الْحَسْرَةِ مَا يَتَمَنِّى أَنَّ قَبْرَهُ كَانَ عِنْدَهُ، أَما تُحِبُّ أَنْ يَرَى اللّه شَخْصَكَ وَسَوادَكَ فيمَنْ يَدْعو لَهُ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْأَئِمَّةُ (عَلَيهِم السَّلَامُ) ؟
أما تُحِبُّ أَنْ تَكونَ غَداً ممّن يَنْقَلِبُ بِالْمَغْفِرَةِ لِما مَضى، وَتُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُ سَبْعِينَ سَنَةً؟
أما تُحِبُّ أَنْ تَكونَ غَداً ممّن تُصَافِحُهُ الْمَلائِكَةُ ؟
أما تُحِبُّ أَنْ تَكُونَ غَداً فيمَنْ يَخْرُجُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ فَيُتْبَعَ بِهِ ؟
أما تُحِبُّ أَنْ تَكونَ غَداً ممّن تُصافِحُ رَسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)» (1).
أرأيتم هذا الدعاء الخالص من سليل النبوّة، وإمام المتقين والعارفين لزوّار سيّد
1) وسائل الشيعة : 10 : 320 - 321. أصول الكافي : 1 : 335. ثواب الأعمال : 35. التهذيب : 2 : 16.
الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟ ! ولو لم يظفر الزائر إلا بهذا الدعاء لكان هذا من أهم المكاسب التي حصل عليها.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن شؤون الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما كان في الكوفة والحيرة.
ومرض السفّاح مرضه الذي توفّي فيه، وبقي أيّاماً يعاني شدة المرض وآلامه، فلمّا ثقل حاله أرسل نحو ابن أخيه عيسى بن موسى، وقيل إلى عيسى بن عليّ، فناوله كتاباً مغلّفاً، وكتب على غلافه من عبد اللّه ووليّه إلى آل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والأولياء وجميع المسلمين، وأوصاه بكتمان أمره إذا خرجت نفسه حتّى يقرأ الكتاب على الناس، ولم يدر أحد إلى من أوصى بالخلافة من بعده (1).
وفي ليلة الأحد الموافق 14 ذي الحجة سنة 136هـ توفّي السفّاح (2).
فسجّاه عيسى بن عليّ بثوبه، وكتم على الناس وفاته، فلما أصبح الصبح جمع رجال بني العبّاس، وكبار رجال الدولة، فنعى إليهم السفّاح، وأخرج إليهم كتاب البيعة، ففضّ الكتاب أمامهم، وإذا به قد أوصى بالخلافة إلى أخيه المنصور، وبولاية العهد إلى ابن أخيه عيسى بن موسى، وأخذ البيعة على الحاضرين للدوانيقي، ثمّ قام بعد ذلك فدفن السفّاح في قصره حسب وصيّته (3).
وانتهت بذلك حياة السفّاح الحافلة بسفك الدماء، وهتك الحرمات، وقد ختم حياته بفرض أخيه الدوانيقى خليفة على المسلمين، وهو من أشرّ خلق اللّه، ومن الدّ
الأعداء لآل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). وقد جهد هذا الذئب في نهب أموال المسلمين، حتّى ملأ خزانته بها، كما جهد في إذاعة الذعر والخوف في أنحاء العالم الإسلامي.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهد السفّاح، وقد رأى ما عاناه المسلمون من جور وظلم، وكان لذلك أعمق الأثر في حياة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد استوعب الأسى أعماق نفسه.
وكان من أعظم ما رزئ به المسلمون من المحن والخطوب في ذلك العصر أن آلت الخلافة الإسلاميّة - التي هي ظلّ اللّه في الأرض، والتي هي الملجأ للفقراء والبائسين والمحرومين - إلى ذئب من ذئاب البشرية، لم تعرف الإنسانية له نظيراً في تجرّده من كلّ عاطفة إنسانية، وأكبر الظنّ أنّ بشّاراً قد عنى المنصور بقوله :
لحا اللّه أقواماً رأْسُوكَ عَلَيهِمْ***وَما زِلْتَ مَرؤوساً خَبِيثَ المَطاعِمِ
كما أعلن مدحه للعلويّين بقوله :
مِنَ الفاطِميِّينَ الدُّعاةِ إِلَى الْهُدَى***جهاراً وَمَنْ يَهديكَ مِثلُ ابنِ فاطِمِ
سراج لِعَينِ المُسْتَضيء وَتارةٌ***يكونُ ظَلاماً لِلْعَدوِّ وَالْمُزاحِمِ
ويحدّثنا الرواة أنّ المنصور كان يجوب القرى والأرياف، وينشد فضائل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومناقبه ومآثره، والناس يصلونه بالمال، ولم تكن له أي شخصيّة تذكر حتّى يرشّح للخلافة الإسلاميّة.
وعلى أية حال، فإنّ المنصور حينما تقلد الحكم ساس المسلمين سياسة لم يألفوها من قبل، حتّى تمنوا رجوع الحكم الأموي، وعودة أيامهم على ما فيها من قسوة وعذاب. يقول أحد مخضرمي الدولتين :
يا لَيْتَ جَوْرٌ بَني مَروان دامَ لَنا***وَلَيتَ عَدْلُ بَني العبّاس في النَّارِ
وأدلى الثائر العظيم محمّد ذوالنفس الزكية بحديث له عن جور المنصور وظلمه. يقول : «لقد كنا نقمنا على بني أميّة ما نقمنا، فما بنو العبّاس إلا أقل خوفاً اللّه منهم،
وإنّ الحجّة على بني العبّاس لأوجب منها عليهم، ولقد كانت للقوم مكارم وفواضل ليس لأبي جعفر» (1).
وعلى أيّة حال، فلابدّ لنا من الحديث عن سمات المنصور، وبيان سياسته وأعماله، وما لاقاه الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الظلم والجور منه، وفيما يلي ذلك :
ولم يتمتّع المنصور بأيّة صفة كريمة، ولا بنزعة شريفة، فقد تمرّس في الغدر والظلم والاعتداء على الناس، وفيما يلي عرض لبعض عناصره ومقوماته النفسية :
وأسرف المنصور في البخل، فقد سيطرت عليه هذه الظاهرة، وكانت من أبرز صفاته، كما كان مضرب المثل في شحه وبخله، وقد عرّض الدولة الإسلاميّة للمجاعة الشاملة، فقد اصطفى أموال الناس وملأ بها خزائنه، وكان يرى أن الخير يجب أن يكون محجوراً عليه، وأنّ البؤس يجب أن يعدوه إلى غيره.
قال ابن الأثير : «إنّما سُمّي المنصور بالدوانيقي لبخله، وذلك لما حفر الخندق بالكوفة قسط على كلّ منهم دائقاً، وصرفه على الحفر، والدائق سدس الدرهم».
ثمّ قال : «وفي سنة 155هـ عمل المنصور للكوفة والبصرة سوراً وخندقاً، وأمر لمن عمل بالسور والخندق لكلّ واحد خمسة دراهم، فلما فرغوا أمر بجمعهم، وأخذ من كلّ واحد أربعين درهماً، وفي ذلك يقول الشاعر :
یا لقومي ما ليتنا***مِنْ أمير المُؤمنينا
1) الأغاني : 10 : 106.
قَسمَ الخَمْسَةَ فينا***وَجَبانا الأَرْبَعِينا» (1)
ولمّا فرغ من بناء بغداد حاسب أمراء جيشه، وألزمهم بما بقي عندهم حتّى استوفى من بعضهم ما اقتضاه الحساب خمسة عشر درهماً (2)، وكان يحاسب العمّال ولو كان بقدر الدائق والحبّة (3)، ونقدّم عرضاً وأمثلة من شحّه وبخله، فيما يلي :
شحّه على نفسه
ومن أبشع ألوان البخل، وأشدّها خساسة بخل الإنسان وشحه على نفسه، فإنّ ذلك من ضروب اللؤم وانحطاط النفس، وقد تميّز الدوانيقي بهذه الظاهرة، فقد حرّم على نفسه لذائذ الحياة، فكان يتحاشى النعم، ويلبس ما خشن من الثياب، وربّما رقّع قميصه بيده، وعلق الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ذلك بقوله : «الْحَمْدُ للّه الَّذِي ابْتَلاهُ بِفَقْرِ نَفْسِهِ فِي مُلْكِهِ» (4).
وقال جماعة للإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن أبا جعفر المنصور لا يلبس مذ صارت الخلافة إليه إلّا الخشن، ولا يأكل إلّا الجشب.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يا وَيْحَهُ مَعَ ما مُكِّنَ لَهُ مِنَ السُّلْطَانِ، وَجُبِيَ لَهُ مِنَ الْخَراجِ».
فانبروا قائلين : إنّما يفعل ذلك بخلاً وجمعاً للمال.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْحَمْدُ للّه الَّذى حَرَمَهُ مِنْ دُنْيَاهُ، وَما تَرَكَ لَهُ مِنْ دِينِهِ» (5).
ورأته إحدى جواريه وعليه قميص مرقّع، فسخرت منه، وقالت : أخليفة وثوب مرقّع ؟ !
فضحك وقال لها : ويحك أما سمعت قول الشاعر ابن هَرْمَة :
قد يُدرك الشرف الفتى ورداؤه***خَلِقٌ وَجَيْبُ قَمِيصِهِ مَرقُوعُ (1)
إنّه لم يدرك الشرف، ولم ينل المجد، وإنّما انتهى إلى قرار سحيق من الخسّة واللؤم وضعة النفس.
شحه على المهدى
أمّا المهدي فهو أقرب الناس إلى الدوانيقي، فهو خليفته وولي عهده، وقد شحّ عليه، وقدّم له عتاباً مرّاً على أبسط قضيّة ماديّة، فقد روى واضح مولاه، قال : «إنّي لواقف على رأس أبي جعفر إذ دخل عليه المهدي وعليه قباء أسود جديد، فسلّم وجلس، ثمّ قام منصرفاً، فاتّبعه أبو جعفر ببصره لحبّه له، وإعجابه به، فلمّا توسّط الرواق عثر بسيفه فتخرّق سواده، فقام ومضى لوجهه غير مكترث به، فلما نظر المنصور إلى عدم اكتراثه أوعز إلى شرطته بردّه، فلما مثل أمامه اندفع بشراسة وقد استولى عليه الغيظ، فهاجمه قائلاً: يا أبا عبداللّه، استقلالاً للمواهب، أم بطراً بالنعمة، أم قلّة علم بالمصيبة، كأنك جاهل بما لك وما عليك ؟» (2).
لقد ساق لولده هذا العتاب المرّ من أجل أمر زهيد لا يحفل به أي أحد من الناس.
وروى واضح، قال : «إنّ المنصور قال لي : انظر ما عندك من الثياب الخلقان فاجمعها، فإذا علمت بمجيء المهدي فجئني بها قبل أن يدخل، وليكن معها رقاع،
ففعلت، فدخل المهدي فوجد أباه يقدر الرقاع على خروق الثياب فضحك، وقال له : «يا أمير المؤمنين، من هاهنا يقول الناس : انظروا في الدينار والدرهم ولم يقل الدائق لئلا يثير عواطفه.
فقال له المنصور : إنّه لا جديد لمن لا يصلح خَلفَه، وهذا الشتاء قد حضر، ويحتاج إلى كسوة للعيال والولد.
فقال المهدي : علَىَّ كسوة أمير المؤمنين وعياله وولده.
فتبسّم المنصور وقال : دونك فافعل» (1).
وروت جارية المنصور خالصة، قالت : «دخلت على المنصور فإذا هو يتشكّى وجع ضرسه، فلما سمع حسّي قال : ادخلي، فدخلت، وإذا هو واضع يده على صدغيه، فسكت ساعة، ثمّ قال لي : يا خالصة، كم عندك من المال ؟
ألف درهم.
فخافت منه، وقالت : عندي عشرة آلاف دينار.
فقال : احمليها إليَّ، فدخلت على المهدي والخيزران فأخبرتهما بما حدث فركلها المهدي برجله وقال لها : سأذهب بك إليه، ما به من وجع، ولكنّي سألته بالأمس مالاً فتمارض، احملى إليه ما قلت له.
ولمّا جاء المهدى وجّه إليه عتاباً مرّاً وقال له : يا أبا عبداللّه، تشكو الحاجة وهذا المال عند خالصة» (2).
لقد قابل خليفته ووليّ عهده بهذه الجفوة من أجل المال الذي جهد في جمعه،
فحرم نفسه، وحرم شعبه منه، ومنع من تداوله بين الناس، فقد ملئت خزائنه منه
ومن البوادر التي تدعو إلى التفكّه في بخل المنصور وشحّه ما ارتكبه مع سَلّم حادي إبله، فقد حدا إبله وهو في طريق مكّة بصوت جميل طرب منه المنصور حتّى كاد أن يسقط عن راحلته، فأجازه بنصف درهم، فقال له : يا أمير المؤمنين، لقد حَدَوْتُ بهشام بن عبد الملك فأجازني بعشرة آلاف درهم.
فثار المنصور وصاح به : ما كان له أن يعطيك من بيت المال.
وأمر حاجبه الربيع أن يقبضها منه، فأخذ الرجل يتوسل إليه، ويحلف له أنّه لم يبق من تلك الأموال شيء، وما زال يتضرع إليه حتّى تركه وشرط عليه أن يحدو به ذهاباً وإياباً بغير ثمن» (1).
كان الفقيه أزهر السمان صديقاً للمنصور قبل أن يلي الخلافة، فلما صارت إليه قصده طالباً منه أن يسعفه بشيء من المال، فلما مثل عنده قال له المنصور : ما حاجتك ؟
فأمر له بمبلغ من المال، ونهاه عن المجيء إليه، وقال له : لا تأتنا طالب حاجة بعد هذا.
ومضت أشهر فعاد ابن السمّان، فنظر إليه المنصور بنظرات تقطر غيظاً وغضباً
1) الأغاني : 13 : 110. تاريخ الخلفاء : 267.
وقال له : ما جاء بك ؟
فرمقه المنصور ببصره وقال له : أظنك أتيتنا لما أتيتنا له في المرّة الأولى، لا تأتنا طالب حاجة ولا مسلّماً.
ثم أمر له بصلة، فخرج ابن السمان ولكنّه لم يلبث أن عاد إليه ثالثة، فقال له المنصور : ما جاء بك ؟
فصاح به : لا تأخذه فإنّه غير مستجاب لأني قد دعوت اللّه أن يريحني من خلقتك فلم يفعل، فصرفه ولم يعطه شيئاً» (1).
كان الوضين بن عطاء زميلاً للمنصور أيّام فاقته وبؤسه، وقد استدعاه المنصور لما آل إليه الحكم، فلمّا مثل عنده أخذ يسأله عن حاله وشؤونه قائلاً له : يا أبا عبد اللّه، مالك ؟
الخير الذي يعرفه أمير المؤمنين.
ما عيالك ؟
ثلاث بنات وامرأة وخادم لهنّ.
أربع بنات في بيتك ؟
نعم.
1) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 321، أحداث سنة 158هـ.
وأخذ يردّد السؤال عن كمّية عياله، حتّى اعتقد أنّه سيمنحه الصلة والعطاء، ثمّ إنه رفع رأسه بعد تأمّل طويل قائلاً له : أنت أسير العرب، أربع مغازل يدرن في بيتك» (1).
لقد تسربلت نفسه الوضيعة بالبخل واللؤم، فلا تعرف الأريحيّة والنبل.
كانت الدولة الأمويّة تغدق الأموال الطائلة على الشعراء، واعتبرتهم من أهم أجهزتها الإعلامية، ولمّا انتهى الحكم إلى المنصور الدوانيقي الذي هو أبخل إنسان عرفته الدنيا، بالغ في إذلال الشعراء وحرمانهم من الصلة والعطاء، فقد وفد عليه أبو نُخَيلة الشاعر، فوقف بباب بلاطه مستأذناً، فلم يأذن له، وكان يرى الخراسانيين وغيرهم يدخلون ويخرجون بلا عناية، وهم يهزأون به، ويسخرون منه، فرآه بتلك الحالة من الذل والهوان بعض أصدقائه فقال له : كيف ترى ما أنت فيه من هذه الدولة ؟
فانبرى مرتجلاً بهذه الأبيات التي صوّرت سوء حاله قائلاً:
أَكثرُ خَلْقِ اللّه مَنْ لَا يُدرى***مِنْ أَيِّ خَلْقِ اللّه حِينَ يُلقى
وحُلَّةٌ تُنشَرُ ثمّ تُطوى***وَطَيلسانٌ يُشْتَرى فَيُغْلَى
لِعَبْدِ عَبْدِ أَو لِمَولى مَولى***يا وَيْحَ بَيْتِ المالِ ماذا يَلْقَى (2)
لقد استهان المنصور بالشعراء والأدباء، وبالغ في إذلالهم استجابة لعواطفه المترعة بالشحّ والبخل. وصوّر أبو دلامة الشاعر الفكهي بخل المنصور وشحه حينما
ألزم الرعيّة بلبس القلانس الطوال، قال :
وَكُنَّا نُرَجي مِن إِمَامٍ زِيادَةٌ***فَزادَ الْإِمَامُ الْمُصْطَفَى فِي القَلائِسِ
نراها على هامِ الرَّجالِ كَأَنَّها***دِنانُ يَهودٍ جُللَتْ بِالبَرانِسِ (1)
إنّ الرعية كانت ترجو من المنصور الزيادة في المال، والسعة في العيش، إلّا أنّه لم يفعل ذلك وإنما كانت زيادته في لبس القلانس الطوال.
وجهد المنصور في سلب أموال الناس، ونهب ثرواتهم، حتّى ملأ خزائنه بها، ولم ينفق أي شيء في تطوير الحياة اللاقتصاديّة، ونشر الرخاء والسعة بين الناس، وأصاب الاقتصاد شلل عام، فقد تكدّست الأموال في الخزينة المركزية، وقد عمّت المجاعة، وانتشر البؤس في جميع أنحاء العالم الإسلامي.
يقول المؤرّخون : إنّ المنصور كان يخطب فانبرى إليه شخص فقطع عليه خطابه، وتلا هذه الأبيات :
نَزَلْتُ بأقوام خماص بُطُونُهُمْ***وَأَنْتَ بَطِين وَالرَّعِيَّةُ جُوّعُ
تَقومُ إِذا ما قُمْتَ تُسْمِعُ خُطْبَةً***تُرَجُعُ فيها والمَدامِعُ تَدمَعُ
كَأَنَّكَ صَيّادٌ تَفيضُ دُموعُهُ***مِنَ الصُّرُ وَالصَّيَادُ يَفرِي وَيَقْطَعُ
يَحُزُّ رِقابَ الطَّيرِ مِنْ غَيرِ رَحْمَةٍ***وَعَيناهُ مِنْ بَردِ العَشيّاتِ تَهمَعُ (2)
وصوّرت هذه الأبيات مدى ما يعانيه الناس من الضيق والحرمان، فقد خوت
بطونهم وبطن الدوانيقي مليئة بما نهبه من أموال الرعيّة.
وعلّل الدوانيقي نهمه وحرصه في جمع الأموال، ونشر الجوع بين الناس بأمرين، وهما :
1 - قال : «صدق ابن الأعرابي حيث يقول : أجع كلبك يتبعك.
فانبرى إليه أبو العبّاس الطوسي فردّ عليه قائلاً: يا أمير المؤمنين، أخشى أن يلوّح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك» (1).
لقد جعل الطاغية إخضاع الشعب وطاعته له في جوعه وفاقته، وقد شبّه الرجس الشعب بالكلب، وكشف ذلك عن مدى احتقاره للرعيّة.
2 - علّل الدوانيقي حرصه على جمع المال وتكديسها في خزائنه بقوله : «من قلّ ماله قل رجاله، ومن قلّ رجاله قوي عليه عدوّه، ومن قوي عليه عدوّه اتضع ملكه، ومن اتّضع ملكه استبيح حماه» (2).
إن الأموال الهائلة التي جمعها ليست له ولا لأبيه، وإنما هي أموال المسلمين، يجب أن تنفق على مصالحهم، وإعالة ضعفائهم وبؤسائهم، وليس لرئيس الدولة بأي حال من الأحوال أن يجمعها ولا ينفقها إلا في الوجوه التي حددها الإسلام، ولكنّ المنصور وسائر ملوك بني العبّاس لا يفقهون أي شيء من تعاليم الإسلام وأحكامه، فهم كإخوانهم الأمويّين بعيدين كلّ البعد عمّا شرعه الإسلام من أحكام.
وثمّة ظاهرة أخرى من نزعات المنصور وهي الاستبداد، فقد كان مستبدّاً في جميع أموره، لا يخضع لعرف ولا لقانون، ويحدّثنا التاريخ عن استبداده أنه أحضر ابن أخيه عيسى بن موسى، وأمره بقتال محمّد بن عبداللّه.
فقال له عيسى : يا أمير المؤمنين، شاور عمومتك.
فزجره المنصور، وقال له : أين قول ابن هَرْمَة :
تَرَونَ امْرَءاً لا يمحِضُ القَومَ سِرَّهُ***ولا يَنْتَجي الأذنين فيما يُحاول
إذا ما أَتَى شَيْئاً مَضَى كَالَّذِي أَبِي***وَإِنْ قالَ إِنِّي فَاعِلٌ فَهْوَ فاعِلُ
امضِ أيها الرجل، فواللّه ما يراد غيري وغيرك، وما هو إلا أن تشخص أو أشخص أنا (1).
بمثل هذا الغرور والاعتزاز بالنفس كان يتحكم في رقاب المسلمين، وكان دوماً يتمثّل بقول الهيثم بن عدي :
إنَّ قناتي لنبع لا يُؤيسُها***غَمْرُ الثَّقافِ ولا دُهن ولا نارُ
متى أُجِرْ خائِفاً تَأْمَنْ مَسارِحُهُ***وَإِنْ أُخِفْ آمِناً تَقْلَقُ بهِ الدَارُ
سيروا إِليَّ وَغَضُوا بَعضَ أَعيُنِكُمْ***إِنِّي لِكُلِّ امرى مِنْ جَارِهِ جارُ (2)
وكشف هذا الشعر عن جبروته وطغيانه واستبداده في جميع أموره.
كان المنصور غادراً فاتكاً، يقتل على الظنّة والتهمة، وقد وصفه السيد ميرعلي بقوله : «كان المنصور خداعاً لا يتردّد البتة في سفك الدماء، وتعزى قسوته إلى حقده البالغ حدّ الإفراط، في حين كان خلفه لا يفتك إلا بعد كثير من التروّي والإمعان، وعلى الجملة كان أبو جعفر سادراً في بطشه، مستهتراً في فتكه» (1).
ووصفه ابن هبيرة وهو من معاصريه بقوله : «ما رأيت رجلاً في حرب أو سلم أمكر ولا أنكر ولا أشدّ تيقظاً من المنصور (2).
إنّه لم يلج في أعماق نفسه بصيص من نور الرأفة والرحمة، فكان يطربه عويل اليتامى، ونوح الأيّامى، وأنين الجرحى. وقد عمد إلى اغتيال جماعة من بناة سلطانه ومؤسسي دولته، كان من بينهم :
أما أبو مسلم فهو المؤسّس للدولة العبّاسيّة، والقائد الأول للانقلاب على الدولة الأمويّة ومحطّم عروشها، ولولاه لم يرفع لبني العبّاس علم، ولم يذكر لهم اسم، وقد عزم الدوانيقي على قتل أبي مسلم، فاحتال عليه بأن جرده عن القوة العسكريّة المحتفّة به، فلما دخل عليه قابله بقساوة بالغة، وأخذ يعدّد عليه أعماله، وأبو مسلم يعتذر عن ذلك، ولم يجد معه الاعتذار، وصفق المنصور بيده عالياً، فدخل عليه حرّاس المنصور وبأيديهم السيوف، فقال للمنصور متوسلاً : استبقني لعدوك.
فصاح به : وأي عدوّ أعدى لي منك ؟
وأخذته السيوف وهو يصيح : العفو، وأجهزوا عليه فقتلوه، وأخذ المنصور يرتجل :
زَعَمْتَ أَنَّ الدِّينَ لا يُقْتَضَى***فاسْتَوفِ بِالكَيْلِ أَبَا مُجْرِمِ
سُقِيتَ كَأْساً كُنتَ تَسقي بها***أَمَرَّ في الحَلْقِ مِنَ العَلْقَمِ(1)
وأمر أن تلقى جنّته في نهر دجلة، فأُلقيت فيه، وطويت بذلك حياة أبي مسلم غدراً على يد المنصور، وقد خسر أبو مسلم أمر آخرته ودنياه، وذلك هو الخسران المبين، فهو الذي صرف الخلافة إلى العبّاسيّين بعدما كانت للعلويّين.
وغدر المنصور بعمّه عبداللّه بن علي بعد أن أعطاه أماناً أن يصفح عنه، ولكنّه خاس بأمانه، فدعا ولى عهده عيسى بن موسى، وقال له : خذ إليك عبد اللّه بن عليّ ريثما أعود من مكّة، ولا تثقل عليه، فإنّه عمي، وأخو الحاضرين من شيوخ آل بيتك.
قال ذلك للتعتيم على العبّاسيّين، وأنّه لم يأمر فيه بسوء، ثمّ دعا عيسى سرّاً وقال له : يا عسى، إنّ هذا أراد أن يزيل الخلافة عنّي وعنك، وأنت وليّ عهدي، والخلافة صائرة إليك، فخذه واضرب عنقه، وإيّاك أن تخور وتضعف، فتنقض علَيَّ أمري الذي دبّرت، ثمّ مضى إلى الحجّ (2).
وارتاب عيسى من ذلك، فعرض الأمر على كاتبه يونس بن أبي فروة، وكان مفكراً عالماً بنفسيّة المنصور، وما احتوت عليه من الغدر والخيانة، فقال له : إن هذا الرجل قد دفع إليك عمّه علناً أمام ذويه، وأوصاك سراً بقتله، فهو يريد أن يقتله على يدك،
ثمّ يقيّدك به فيقتلك، والرأي أن تستره في منزلك، فلا تطلع على أمره أحد، وترسل إلى المنصور أنك قد قتلته، فإن طالبك به علانية دفعته علانية، وإيّاك أن تأتي به سرّا (1).
وكان يونس على جانب كبير من أصالة الرأي، وعمق التفكير، فقد عرف خفايا المنصور، ودرس أساليب مكره وخداعه، وقد فعل عيسى ما أشار به یونس، فأخفى عبد اللّه وستره، وشاع بين العبّاسيّين أنّه قد قتله.
ولما عاد المنصور من مكة توافد عليه العبّاسيون وكلّموه في شأن عمّه، فقال لهم : إنّي أعطيته أمامكم إلى وليّ عهدي، وأوصيته به، وقد سألته فقال : قد مات، ودعا بعيسى، فلما مثل عنده صاح به : لِمَ قتلت عمّي ؟
أنت أمرتني بقتله.
لم آمرك بقتله.
هذا كتابك إليَّ فيه.
لم أكتبه.
ولمّا رأى الجدّ من المنصور خاف على نفسه، فقال له : هو عندي، فقال : ادفعه إلى أبي الأزهر المهلب بن أبي عيسى، فدفعه إليه، ولم يزل عنده محبوساً، وأوعز إليه المنصور بقتله، فقتله، وكانت معه جارية فقتلها، ووضعها معه على الفراش وأدخلت يدها تحت جنبه، ويده تحت جنبها كالمعتنقين، ثمّ أمر بالبيت فهدم عليهما، وأحضر القاضي مع جماعة للاطّلاع على الأمر، وأخرجت الجثّتان فدفنتا في مقرّهما الأخير (2).
واغتال المنصور محمّد بن أبي العبّاس، وهو من الشخصيات المرموقة في عصره، فقد اغتاله على يد طبيب نصراني كان قد استعان به على قتل من لا يحبّ أن يتجاهر بقتله، وقد اتّخذ سمّاً قاتلاً يضعه في دواء من يريد أن يغتاله، وقد حدثت لمحمّد علّة في بدنه، فراجع ذلك الطبيب، فناوله السمّ فتوفّي فوراً، فرفعت أمّه شكواها إلى المنصور فأمر بضربه ثلاثين سوطاً، وسجنه أيّاماً، ثمّ أطلق سراحه ووهبه ثلاثمائة دينار (1).
هذه بعض اغتيالات المنصور، وهي تنم عن نفس شريرة بعيدة كلّ البعد عن كلّ نزعة شريفة، فقد جُبل على الفتك والغدر والقسوة والجفاء.
قابل المنصور بمزيد من العنف والاضطهاد أهالي يثرب، وسلبهم جميع مقوّماتهم اللاقتصاديّة، فقطع عنهم الميرة في البرّ والبحر (2).
ويعود السبب في ذلك إلى أنهم كانوا لا يرونه أهلاً للخلافة، فقد عرفوه أنه من الأراذل، وأنّه من الأجلاف، وأنّه لا يصلح أن يتولّى أي شأن من شؤون المسلمين، وكانت نفوسهم مترعة بالولاء للسيد الشريف محمّد ذي النفس الزكيّة.
وعلى أية حال، فقد اتّخذ المنصور مع المدنيّين جميع الاجراءات القاسية، فاستعمل عليهم رباح بن عثمان المرّي، وكان مجرماً إرهابياً، فقد نزا على المنبر، وخاطب المدنيّين قائلاً: «يا أهل المدينة، أنا الأفعى ابن الأفعى، ابن عثمان بن
حيّان، وابن عمّ مسلم بن عقبة، المبيد خضراءكم، والمفني رجالكم، واللّه لأدعها بلقعاً لا ينبح فيها كلب».
أرأيتم هذا الطاغية الفاجر، والاستهتار بحياة الناس وكرامتهم، لقد عرّفهم بأنه ابن عم المجرم السفاك مسلم بن عقبة الذي اقترف أفظع الجرائم في مدينة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فأباح المدينة، وقتل الناس صبراً، واستباح الأعراض، وفعل ما لم تفعله اليهود في دير ياسين، ولم ينه هذا الوحش الحقير كلماته حتّى انبرى إليه جمع من الأحرار الذين غامروا بحياتهم، فردّوا عليه بأعنف القول قائلين له : يابن المجلود حدّين، لتكفنّ أو لنكفنّك عن أنفسنا.
ورفع هذا الوعد الشرير رسالة إلى الدوانيقي يخبره فيها عن خروج المدنيّين عن طاعته، وإصرارهم على التمرّد والعصيان، ولما انتهى إليه الكتاب، كتب رسالة إلى أهل المدينة ملأها بالإنذار والتهديد والوعيد لهم، وأمر عامله أن يقرأها عليهم، فلمّا وصلت إليه جمعهم وقرأها عليهم، وكان ممّا جاء فيها : «يا أهل المدينة، إنّ واليكم كتب إليَّ يذكر غشّكم وخلافكم، وسوء رأيكم، واستمالتكم على بيعة أمير المؤمنين، وأمير المؤمنين يقسم باللّه لئن لم تنزعوا ليبدّلنّكم د أمنكم خوفاً، وليقطعنّ البر والبحر عنكم، وليبعثن عليكم رجالاً غلاظ الأكباد، ويعاد الأرحام، بنو (1)قعر بيوتكم، يفعلون ما يؤمرون، والسلام».
وانبرى جمع من الأشراف إلى معارضته فصاحوا به : كذبت يابن المجلود حدّين، ثمّ إنّهم رموه بالحصى من كلّ جانب، فولّى هارباً إلى مقصورته فأغلقها عليه، واعتصم بها، ودخل عليه أيوب بن مسلمة، وهو من الغارقين في الإثم، فدعاه إلى التنكيل بالثائرين قائلا له : «أصلح اللّه الأمير، إنما يصنع هذا رعاع الناس فاقطع أيديهم، واجلد ظهورهم».
1) كذا في الأصل، وفي الهامش : «ينوون»، ولعلّ الصحيح : «يثورون في قعر بيوتكم».
وأشار عليه بعض الأشراف من الهاشميّين بالإعراض عن مقالة هذا اللئيم، ودعاه أن يرسل خلف الوجوه والأشراف، ويقرأ عليهم رسالة المنصور، فاستجاب لذلك، وأرسل خلفهم وقرأ عليهم الكتاب، فانبرى إليه حفص بن عمر الزهري وأبو عبيدة ابن عبد الرحمن الأزهر، فقال له : كذبت واللّه ما أمرتنا فعصيناك، ولا دعوتنا فخالفناك.
ثمّ التفتا إلى ممثل المنصور فقالا له : أتبلغ المنصور عنا ؟
ما جئت إلا لذلك.
قل له : أما قولك : إنّك تبدّل المدينة وأهلها بالأمن خوفاً، فإنّ اللّه عز وجل
وعدنا غير هذا. قال اللّه عزّ وجل : «وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً» (1). (2).
لقد عامل الدوانيقي أهالي مدينة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بهذه القسوة البالغة، فسلّط عليها والياً من شذّاذ الآفاق، وممّن تمرّس في الإثم، ولم يحترم ما لأهل المدينة من الفضل في إقامة هذا الدين الذي لولاه لما كان له ولأسرته وجود يذكر.
وامتحن العلويّون امتحاناً عسيراً وشاقّاً في عهد المنصور الدوانيقي الذي سلبت من أفانين نفسه الرحمة والرأفة، ولم يخضع لأي عرف أو قانون، فكان على غرار إخوانه الأمويّين في ظلم العلويّين والتنكيل بهم، ويعتبر المنصور أوّل حاكم عباسى فَصَم عُرى الوحدة بين العلويّين والعبّاسيّين بعدما كانوا أُسرة واحدة (3).
لقد تعرّضت الأسرة النبويّة إلى جميع صنوف التنكيل في العصور العبّاسيّة، وكان ما عانته أضعاف ما واجهته أيّام الحكم الأموي، حتّى قيل في ذلك :
تاللّه ما فَعَلَتْ أُمَيَّةُ فِيهِمُ***معْشَارَ ما فَعَلَتْ بَنو العبّاس
وقد كشف المأمون النقاب عمّا فعله العبّاسيون بأهل البيت. يقول : «إنّ بني أميّة إنّما قتلوا منهم - أي من العلويّين - من سلّ سيفاً، وإنا معاشر بني العبّاس قتلناهم جملاً، فلتسألن أعظم الهاشميّة بأي ذنب قتلت، ولتسألنّ نفوساً ألقيت في دجلة والفرات، ونفوساً دفنت ببغداد والكوفة» (1).
لقد عانى العلويّون جميع صنوف الارهاب والارهاق، ونكبوا بما لم ينكب به أي إنسان. يقول دعبل الخزاعي :
وَلَيسَ حَيٌّ مِنَ الأحياءِ نَعْلَمُهُ***مِنْ ذِي يَمَانٍ ومِنْ بَكْرٍ ومِنْ مُضَرِ
إِلَّا ُوهُم شُركاءٌ في دِمائِهِمْ***كَما تَشاركَ أَيْسارٌ على جَزَرِ
قَتْلُ وَأَسْرٌ وتَحرِيقٌ ومَنْهَبَةٌ***فعلُ الغُزاةِ بِأَرْضِ الرومِ والخَزَرِ
أرى أميَّةً مَعذورينَ إِنْ قَتَلُوا***وَلا أَرى لِبَني العبّاس مِنْ عُذُر (2)
إنّ العلويّين هم دعاة العدل الاجتماعي والعدل السياسي في دنيا الإسلام، وهم سادة المسلمين، وفخر المجتمع الإنساني على امتداد التاريخ. يقول الجاحظ : «هم أي العلويّين - ملح الأرض، وسنام العالم، وصفوة الأمم، وعزة العرب، ولباب البشر، ومُصاص بني آدم (3)، وزينة الدنيا، وحلية الدهر، والطينة البيضاء،
والمغرس المبارك، والنصاب الوثيق، ومعدن المكارم، وينبوع الفضائل، وأعلام العلم، وإيمان الإيمان» (1).
ففي ذمّة اللّه ما لاقاه السادة العلويّون من ضروب المحن والخطوب في عهد المنصور الدوانيقي، فقد ضيّق عليهم الدنيا، وأذاقهم جميع ألوان الظلم والعذاب ونعرض فيما يلي إلى بعض ما جرى عليهم في عهد هذا الإنسان الممسوخ :
وحينما تسلّم الدوانيقي أزمّة الحكم وجّه جميع جهوده وإمكانياته ضدّ العلويّين ؛ وذلك لأمرين :
الأوّل : أنه على علم أنّ الأمّة متجهة بأنظارها نحو العلويّين، وأنهم أولى بالأمر من غيرهم، وذلك لما اتصفوا به من الصفات الكريمة من الحلم والعلم والرأفة والرحمة ونكران الذات والتمسك بالدين.
الثاني : أنّه بالذات كان لا يرى نفسه أهلاً للخلافة، وذلك لما اتّصف به من الشحّ والبخل والقسوة والغدر والخيانة، وكان أهل المدينة وسائر الأوساط الإسلاميّة تعرف أنه لا يصلح لأن يكون موظّفاً عاديّاً في الدولة الإسلاميّة، وأنه من حثالة البشر في ضعة نفسه، وخساسة طبعه، كلّ ذلك دفعه للقضاء على العلويّين، وتصفيتهم جسديّاً.
وكان أول عمل قام به أنّه بعث عيناً من جواسيسه ليقف على أمورهم وشؤونهم، ويتعرّف على السيّدين الزكيّين : محمّد وأخيه إبراهيم، وقد اختار رجلاً من عيونه وكتب معه كتاباً على ألسنة الشيعة إلى أبي محمّد يعربون فيه عن ولائهم وطاعتهم له
1) آداب النفس : 1 : 27.
ولولديه، وبعث معه مالاً وألطافاً، وقدم الرجل إلى يثرب، فدخل على عبداللّه وسأله عن ابنه محمّد فكتم خبره، وأخذ الرجل يتردّد ويلح عليه في المسألة، فانخدع عبد اللّه، وقال له : إنّه في جبل جهينة، وأمره أن يمر بعلي الذي يُدعى الأغرّ، فهو يرشده بمكانه، وكان للمنصور كاتب يتشيّع، فكتب إلى عبداللّه يخبره بذلك العين.
ولما وصل إليه الكتاب بعث بالوقت أبا هبار إلى محمّد وعلي بن الحسن يحذرهما من الرجل، وأنّه عين للمنصور، وقدم أبو هبار حتّى وافى محمّداً في موضعه، فإذا هو جالس في كهف ومع جماعة من أصحابه، وذلك العين معهم، وكان أعلاهم صوتاً، فلما رأى أبا هبار خافه، وعرف أن أمره قد انكشف، وقال أبو هبار لمحمّد : لي إليك حاجة فقام معه، وأخبره بأمر الرجل، وأنه عين عليه من قبل المنصور، وأشار إليه بقتله إلّا أنّه لم يستجب له، وأشار عليه ثانياً باعتقاله فاستجاب لذلك، ولمّا شعر الرجل بالأمر انهزم وتوارى عنهم ففتشوا عنه، فلم يظفروا به، وانطلق الرجل يطوي البيداء حتّى وافى المنصور وأخبره بالأمر.
واستدعى المنصور عقبة بن سلم الأزدي وقال له : إني أريدك لأمر أنا معني به، لم أزل أرتاد له رجلاً عسى أن تكونه، وإن كفيتنيه رفعتك.
فقال عقبة : أرجو أن أصدق ظنّ أمير المؤمنين في، وأمره المنصور بإخفاء شخصه، وستر أمره، والإلتقاء به في وقت عيّنه له.
ولمّا حان الوقت خفّ إليه مسرعاً، فقال له المنصور: إنّ أبناء عمّنا يعني - العلويّين - قد أبوا إلا كيداً لملكنا، واغتيالاً له، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم، ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم، وألطاف من ألطاف بلادهم، فاخرج بكسي وألطاف وعين حتّى تأتيهم متنكّراً بكتاب تكتبه عن أهل هذه القرية، ثمّ تسير ناحيتهم، فإن علمت ذلك وكنت على حذر فاشخص حتّى تلقى عبد اللّه بن الحسن
متخشّعاً ومتقشّفاً، فإن جبهك - وهو فاعل - فاصبر وعاوده حتّى يأنس بك، ويلين لك ناحيته، فإذا ظهر لك ما قبله فاعجل عليَّ.
وشخص عقبة إلى يثرب فقدم على عبداللّه فناوله الكتاب، فأنكره ونهره، ولم يزل يتردد عليه حتّى قبل كتابه وألطافه، وأنس به، فسأله عقبة الجواب، فقال : أمّا الكتاب فإنّي لا أكتب لأحد، ولكن أنت كتابي إليهم فاقرأهم السلام، وأعلمهم أنّي خارج (1)، وعيّن له وقت الخروج، ورجع عقبة إلى المنصور فأخبره بالأمر (2)فاضطرب وأخذ يمعن التفكير فلم ير وسيلة أنجح من سفره إلى يثرب ليتولى بنفسه قمع الحركة والقضاء على العلويّين (3).
وانتظر الدوانيقي موسم الحجّ، فلمّا حان سافر هو وحاشيته إلى بيت اللّه الحرام، وبعد انتهائه من مراسيم الحجّ قفل راجعاً إلى يثرب، وقد صحب معه عقبة بن سلم الذي كان عيناً له على السادة العلويّين، وقد أوصاه قبل سفره بقوله : إذا لقيني بنو الحسن وفيهم عبداللّه فأنا مكرمه، ورافع محلّته (4)، وداع بالغذاء، فإذا فرغنا من طعامنا فلحظتك، فامتثل بين يديه، فإنّه سيصرف عنك بصره، فاستدر حتّى ترمز ظهره بإبهام رجلك حتّى يملأ عينه منك، ثمّ حسبك وإياه أن يراك ما دام يأكل.
ولمّا انتهى المنصور إلى يثرب استقبله السادة الحسنيّون وفيهم عبد اللّه بن الحسن، فأجلسه المنصور إلى جانبه، ودعا بالغداء فأصابوا منه، فقام عقبة ونفّذ ما
عهد إليه المنصور، وجلس أمامه، ففزع منه عبد اللّه وقال للمنصور : أقلني أقالك اللّه.
فصاح الخبيث الدنس : لا أقالني اللّه إن أقلتك، وأمر أن يكبّل بالحديد، ويزج في السجن، فكبّل مع جماعته من العلويّين وحبس في بيت مروان، وألقيت تحته ثلاث من حقائب الإبل محشوّة بالتبن، ودخل عليه جماعة بعثهم والي المدينة فجعلوا يحذّرونه من بطش المنصور ونقمته، وطلبوا منه أن يخبرهم بمكان ولديه لينجو من السجن، فالتفت إلى الحسن بن زيد فقال له : يابن أخي، واللّه لبليتي أعظم من بليّة إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ). إنّ اللّه عزّ وجل أمر إبراهيم أن يذبح ابنه، وهو اللّه طاعة، فقال إبراهيم : «إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ» (1)، وإنّكم جئتموني في أن آتي بابني هذا الرجل فيقتلهما وهو اللّه عزّ وجلّ معصية، فواللّه يابن أخي لقد كنت على فراشي فما يأتيني النوم، وإنّي على ما ترى أطيب نوماً (2).
حقّاً لقد كانت محنة عبداللّه من أشقّ المحن وأقساها، فقد وقع بين مصيبتين لا منجاة له من أحدهما، فإما أن يبقى في ظلمات السجون يعاني الآلام، وإما أن يخبر بمكان ولديه فيعرّضهما للقتل على يد هذا الجلّاد الحقير، وقد اختار أن يبقى في ظلمات السجون، ولا يخبر بمكان ولديه اللذين أرادا إنقاذ الأمّة من حكم المنصور وأمثاله من أئمّة الظلم والجور.
ومكث السادة الأجلّاء في سجن الطاغية السفّاك الطاغية السفّاك في يثرب ثلاث سنين، وقد عانوا الضيق والتعذيب، وقد أثار سجنهم سخط الأخيار والمتحرّجين في دينهم، وأخذت الأندية تتحدّث بمرارة عن محنة هؤلاء السادة، ونقلت الاستخبارات تذمّر
العامّة ونقدهم للمنصور لسجنه للعلويّين، وقرّر الطاغية أن يمضي إلى الحجّ ويتولّى بنفسه معالجة الموضوع.
وفي سنة (144هـ) سافر إلى الحج، وبعدما قضى مناسكه رجع وجعل طريقه على الربذة، فأقام فيها، واستقبله رباح واليه على يثرب فردّه إليها، وأمره بإشخاص السادة العلويّين إليه، وقفل رباح راجعاً إلى يثرب، فأخرج العلويّين من السجن، وقد وضع في أيديهم الحديد، وجيء بهم إلى مسجد جدّهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وازدحم الناس عليهم، وهم بين باكٍ وواجمٍ، ورباح يوسع السادة شتماً وقذفاً، وطلب من الناس شتمهم، فجعلوا يسبّونه ويسبّون المنصور ويترحمون على العلويّين.
وفجع الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وذابت نفسه أسىً وحسرات على ما حلّ بأبناء عمومته من الأرزاء القاصمة، وبلغ به الحزن أقصاه، لقد أطل الإمام على السادة العلويّين وهم مقيّدون بالحديد، قد اصفرت وجوههم، وارتعدت فرائصهم، فأرسل الإمام ما في عينيه من دموع، والتفت إلى الحسن بن زيد قائلاً: «يا أَبا عَبْدِ اللّه، وَاللّه لَا تُحْفَظُ للّه حُرْمَةٌ بَعْدَ هذا (1)، وَاللّه ما وَفَتِ الأَنْصارَ وَلَا أَبْناءُ الأَنصارِ لِرَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بِما أَعْطُوهُ مِنَ الْبَيْعَةِ عَلَى الْعَقَبَةِ»، وأخذ يشرح له قصة العقبة قائلاً :
«إِنَّ النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قالَ لِعَلِيُّ : خُذْ عَلَيْهِمُ الْبَيْعَةَ بِالْعَقَبَةِ.
فَقالَ : كَيْفَ أَخُذُ عَلَيْهِمْ ؟
فَقالَ : عَلى أَنْ يَمْنَعوا رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَذُرِّيَّتَهُ ممّا يَمْنَعونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ
1) في تاريخ الأمم والملوك : 6 : 174 : «بَعْدَ هؤلاء».
وَذَراريَهُمْ»، ولو وقف الأنصار في يوم السقيفة موقفاً مشرفاً وبايعوا سيّد العترة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما آلت الخلافة الإسلاميّة إلى الدوانيقي وأشباهه من الأمويّين والعبّاسيّين، ولما حلّت بالأمّة الرزايا والخطوب، وإنّ جميع ما عاناه المسلمون في ماضيهم وحاضرهم، وما يعانونه في مستقبلهم من الأزمات والخطوب كلّ ذلك ناشئ عن الأحداث الرهيبة التي حلت بالمسلمين بعد وفاة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مباشرة.
وعلى أيّة حال، فإنّ الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد ذابت نفسه أسىً وحسرات، وأخذ يدعو على الأنصار قائلاً: «اللّهمّ فَاشْدُدْ وَطأتَكَ عَلَى الأَنْصارِ» (1).
وروى عبداللّه بن إبراهيم الجعفري عن السيدة خديجة بنت عمر بن علي : أنّ العلويّين حينما أوقفوا عند باب المسجد الذي يقال له باب جبرئيل، طلع عليهم الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعامة ردائه مطروح على الأرض، ثمّ اطّلع من باب المسجد فقال : «لَعَنَكُمُ اللّه يا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ - ثلاثا - ما عَلى هذا عاهَدْتُمْ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) عَلَى اللّه وَلَا بايَعْتُموهُ، أَما وَاللّه إِنْ كُنْتُ حَريصاً، وَلكِنِّي غُلِبْتُ، وَلَيْسَ لِلْقَضاءِ مَدْفَع، ثمّ قام وأخذ إحدى نعليه فأدخلها رجله والأخرى في يده، وعامة ردائه يجرّ في الأرض، ثمّ دخل بيته فحم عشرين ليلة لم يزل يبكى فيها الليل والنهار (2).
لقد هامت نفس الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تيارات مذهلة من الهواجس والآلام، وعرف ماذا سيواجهونه من النكبات والخطوب، فخلد إلى البكاء ليخفّف عنه لوعة المصاب والحزن.
ودفع الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)النا رسالة إلى ابن عمّه السيّد الجليل عبداللّه بن الحسن
يعزّيه ويواسيه بما حلّ به من الرزايا والنكبات، وقد جاء فيها بعد البسملة :
«إِلَى الْخَلَفِ الصّالِحِ، وَالذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ مِنْ وُلْدِ أَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ
أَمَا بَعْدُ.. فَلَئِنْ كُنْتَ قَدْ تَفَرَّدْتَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ ممّن حُمِلَ مَعَكَ بِما أَصابَكُمْ مَا انْفَرَدْتَ بِالْحُزْنِ وَالْغَيْظِ وَالْكَآبَةِ وَأَليم وَجَعِ الْقَلْبِ دوني، وَلَقَدْ نالَني مِنْ ذلِكَ مِنَ الْجَزَع وَالْقَلَقِ، وَحَرِّ الْمُصيبَةِ مِثْلُ ما نَالَكَ، وَلَكِنْ رَجَعْتُ إِلى مَا أَمَرَ اللّه جَلَّ وَعَزَّ بِهِ الْمُتَّقِينَ مِنَ الصَّبْرِ وَحُسْنِ الْعَزاءِ حِينَ قَالَ لِنَبِيِّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا» (1).
وَحينَ يَقولُ لِنَبِيَّهِ : «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ» (2).
وَحينَ يَقولُ لِنَبِيِّهِ حِينَ مُثْلَ بِحَمْزَةَ : «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ» (3)، فَصَبَرَ رَسُولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وَلَمْ يُعاقِبْ.
وَحينَ يَقولُ : «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى» (4).
وَحينَ يَقولُ: «الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للّه وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» (5).
وَحينَ يَقولُ : «إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ» (1).
وَحينَ يَقولُ لُقْمَانُ لابْنِهِ : «وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَنْ الْأُمُورِ» (2).
وَحينَ يَقولُ عَنْ مُوسَى : «قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّه وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ للّه يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (3).
وَحينَ يَقولُ : «الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بالصَّبْرِ» (4).
وَحينَ يَقولُ : «ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَة» (5).
وَحِينَ يَقولُ : «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ» (6).
وَحينَ يَقولُ : «وَكَأَيْن مِن نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبْيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّه وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللّه يُحِبُّ الصَّابِرِينَ» (7).
وَحينَ يَقولُ : «وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ» (1).
وَحينَ يَقولُ : «وَاصْبِرْ حتّى يَحْكُمَ اللّه وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ» (2).
وَأَمْثَالُ ذلِكَ مِنَ الْقُرْآنِ كَثيرٌ.
وَاعْلَمْ أَيْ عَمِّ وَابْنَ عَمَّ إِنَّ اللّه جَلَّ وَعَزَّ لَمْ يُبالِ بِضُرٍّ الدُّنْيا لِوَليّهِ سَاعَةً قَط، وَلَا شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الضُّرِّ وَالْجُهْدِ وَالْبَلاءِ مَعَ الصَّبْرِ، وَإِنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُبالِ بِنَعِيمِ الدُّنْيا لِعَدُوِّهِ سَاعَةٌ قَطُّ.
وَلَوْلا ذلِكَ ما كانَ أَعْداؤُهُ يَقْتُلُونَ أَوْلِيَاءَهُ وَيُخَوِّفُونَهُمْ وَيَمْنَعُونَهُمْ، وَأَعْداؤُهُ آمِنونَ مُطْمَئِنُونَ، عالونَ ظَاهِرُونَ.
وَلَوْلا ذلِكَ لَما قُتِلَ زَكَرِيَّا وَيَحْيى بْنُ زَكَرِيَّا، ظُلْماً وَعُدْواناً فِي بَغِيٌّ مِنَ البغايا.
وَلَوْلَا ذلِكَ لَمَا قُتِلَ جَدُّكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيهِ السَّلَامُ) لَمَا قَامَ بِأَمْرِ اللّه جَلَّ وَعَزَّ ظُلْماً، وَعَمُّكَ الْحُسَيْنُ بْنُ فَاطِمَةَ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ اضْطِهَاداً وَعُدْواناً.
وَلَوْلا ذلِكَ ما قالَ اللّه جَلَّ وَعَزَّ في كتابه : «وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَن لِبُيُوتِهِمْ سُقْفاً مِن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ» (3).
وَلَوْلا ذلك لما قال في كتابه : «أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ» (1).
وَلَوْلا ذلِكَ لَما جاءَ فِي الْحَدِيثِ : لَوْلا أَنْ يَحْزَنَ الْمُؤْمِنُ لَجَعَلْتُ لِلْكَافِرِ عِصابَةٌ مِنْ حَدِيدٍ فَلا يَصَّدَّعَ رَأْسُهُ أَبَداً.
وَلَوْلا ذلِكَ لَما جاءَ فِي الْحَدِيثِ : إِنَّ الدُّنْيا لَا تُساوِي عِنْدَ اللّه جَلَّ وَعَزَّ جَناحَ بَعوضَةٍ.
وَلَوْلا ذلِكَ ما سَقى كافِراً مِنْها شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ.
وَلَوْلا ذلِكَ ما جاءَ فى الْحَديثِ : لَوْ أَنَّ مُؤْمِناً عَلى قُلَّةِ جَبَل لابْتَعَثَ لَهُ كافِراً أَوْ مُنافِقاً يُؤْذِيهِ.
وَلَوْلا ذلِكَ لَمَاجَاءَ فِي الْحَدِيثِ : إِنَّهُ إِذا أَحَبَّ اللّه قَوْماً أَوْ أَحَبَّ عَبْداً صَبَّ عَلَيْهِ الْبَلاءَ صَبّاً، فَلَا يَخْرُجُ مِنْ غَمَّ إِلَّا وَقَعَ فِي غَمَّ.
وَلَوْلا ذلِكَ لَما جاءَ فِي الْحَدِيثِ : ما مِنْ جُرْعَتَيْنِ أَحَبُّ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُجَرِّعَهُما عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ فِى الدُّنْيا مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَ عَلَيْهَا، وَجُرْعَةِ حُزْنٍ عِنْدَ مُصيبَةٍ صَبَرَ عَلَيْهَا بِحُسْنِ عَزاءٍ وَاحْتِسابِ.
وَلَوْلا ذلِكَ لَما كانَ أَصْحَابُ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَدْعُونَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُمْ بِطُولِ الْعُمُر وَصِحَةِ الْبَدَنِ، وَكَثْرَةِ المَالِ وَالْوَلَدِ.
وَلَوْلا ذلِكَ ما بَلَغَنَا أَنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كَانَ إِذَا خَصَّ رَجُلاً بِالتَرَحُمِ عَلَيْهِ
1) المؤمنون 23 55 - 56.
وَالْإِسْتِغْفَارِ اسْتُشْهِدْ.
فَعَلَيْكُمْ يا عَمِّ وَابْنَ عَمِّ، وَبَني عُمُومَتِي وَإِخْوَتِي بِالصَّبْرِ وَالرّضا وَالتَّسْلِيم وَالتَّقْويضِ إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ، وَالرِّضا بِالصَّبْرِ عَلى قَضائِهِ، وَالتَّمَسُّكِ بِطاعَتِهِ، وَالنزولِ عِنْدَ أَمْرِهِ.
أَفْرَغَ اللّه عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمُ الصَّبْرَ، وَخَتَمَ لَنَا وَلَكُمْ بِالْأَجْرِ وَالسَّعادَةِ، وَأَنْقَذَنا وَإيّاكمْ مِنْ كلّ هَلَكَةٍ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ. إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، وَصَلَّى اللّه عَلَى صَفْوَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ محمّد النبيّ وَأَهْلِهِ» (1).
لقد أمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابن عمه بالخلود إلى الصبر، وشفع ذلك بالآيات الكريمة التي تحثّ على الصبر، لأنه أهم وسيلة لتماسك الإنسان، وعدم انهياره أمام المصائب التي يمنى بها، وقد توجّع الإمام على ما حلّ بأبناء عمومته من الكوارث والمصائب، ولو كانت مناجزتهم للطاغية الدوانيقي غير مشروعة لما توجع عليهم، فإنّ شأن الإمام كشأن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بعيد عن الاندفاع لأية عاطفة تناهض الشرع الإسلامي.
وكان الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتطلع بفارغ الصبر إلى التعرّف على شؤون أبناء عمومته، فقد روى خلاد بن عمير الكندي مولى آل حجر بن عدي، قال : «دخلت على أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : هَلْ لَكَ عِلْمٌ بِالِ الْحَسَنِ ؟
يقول خلّاد : وكان قد اتصل بنا عنهم خبر لم نحبّ أن نبدأه به، فقلت له : نرجو أن يعافيهم اللّه، فتأثّر واندفع يقول : وَأَيْنَ هُمْ مِنَ الْعافِيَةِ ؟ ثمّ بكى حتّى علا صوته، وبكينا معه» (2).
لقد كان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عالماً بما يجري على أبناء عمه من النكبات والخطوب التي تذوب النفوس من هولها، وأن المنصور الدوانيقي لا يألو جهداً في تعذيبهم والتنكيل بهم، وأنّه لم يبق في قاموس الظلم نوعاً إلا صبّه عليهم.
وسارت قافلة العلويّين تطوي البيداء، ولم تبعد عن يثرب بثلاثة أميال حتّى أوقفت، وأنزلوا عن رواحلهم، وجيء لهم بحدّادين فألقوا كلّ علوي منهم في كبل وغل، وقد ضاقت حلقتا القيد الذي كبّل به الزعيم عبد اللّه بن الحسن، فتأوه وتألم، فأقسم عليه أخوه البارّ عليّ بن الحسن أن يحوّلها إليه، فحوّلت له.
وسارت القافلة حتّى انتهت إلى الربذة حيث كان الداونيقي مقيماً فيها، فأنزلوا عن رواحلهم وهم مكبّلون بالحديد تصهرهم الشمس، وأمر المنصور بإدخال محمّد بن عبداللّه عليه، فلما مثل أمامه قابله المنصور بالسب والشتم، واتهمه بالفحشاء، والمنصور هو وأسرته التي لا تعرف الشرف ولا المعروف خليقون بكلّ فاحشة وإثم، فليس في قاموس الأشرار من هو أخبث وأشرّ منهم، وأمر الخبيث الدنس بتجريد العلوي من ثيابه، فجرد منها حتّى بدت عورته، وأمر جلاديه بضربه، وهو ينظر إليه، وقد ألهبت السياط جسمه، والمنصور مسرور، فقد شفی نفسه الخبيثة بتعذيبه لذرّيّة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و عترته، وأصاب إحدى السياط وجهه، فقال للجلاد : واكفف عن وجهي، فإنّ له حرمة من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وانبرى المنصور إلى الجلّاد فقال له : الرأس.. الرأس.
فضرب ثلاثين سوطاً على رأسه، ثمّ دعا بساجور (1)من خشب شبيه به في طوله فشده في عنقه، وشدّت به بداه، وأخرج ملتباً فدخل على إخوانه كأنه زنجي
1) الساجور : خشبة تعلّق بعنق الكلب.
قد غيّرت السياط لونه، وأسالت دمه، وأصاب سوط منها إحدى عينيه فسالت، ووثب مولى لأبي جعفر فقال له : ألا ألوثك بردائي ؟
فقال له : بلى جزيت خيراً، فواللّه لشفوف إزاري أشدّ عليَّ من الضرب الذي نالني.
فألقى المولى عليه الثوب (1)، واستدعى محمّد وهو بتلك الحالة ماءً فلم يسقه أحد سوى رجل من أهالي خراسان فسقاه الماء، ولم يلبثوا قليلاً حتّى اجتاز الوغد الأثيم الدوانيقى، فانبرى إليه عبد اللّه بن الحسن يذكّره بما أسداه جدّه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من الفضل والإحسان على جدّه العبّاس حينما جيء به أسيراً قائلاً له : وما هكذا فعلنا بأسراكم يوم بدر.
لقد تنكّرت الأسرة العبّاسية لكل معروف أسداه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على جدّهم العبّاس، فقابلوا أبناءه بهذا اللون من الظلم والتنكيل، وأشاح المنصور بوجهه القبيح عن عبداللّه وقد لذعه قوله وأمر بحمل العلويّين إلى العراق (2).
وأخذت قافلة العلويّين تطوي البيداء لا تلوي على شيء، وهي تسرع بهم إلى القبور وزنزانات السجون، حتّى انتهت إلى (الهاشميّة)، فأمر المنصور بزجهم في سجن لا يعرف فيه الليل من النهار، فوضعوا فيه، وكانوا لا يعرفون وقت الصلاة لظلمته، فجزّأوا القرآن الكريم خمسة أجزاء، فكانوا يصلون الصلاة الواجبة على فراغ كلّ واحد لحزبه (3).
وأمر المنصور بإحضار محمّد بن إبراهيم، وكان آية في جماله وبهاء وجهه، وكان الناس يذهبون إلى النظر إليه لحسنه، ولما حضر عند الدوانيقي قال له بسخرية : أنت المسمّى بالديباج الأصفر ؟
أما واللّه لأقتلنّك قتلة ما قتلتها أحداً من أهل بيتك.
وأمر الطاغية الخبيث باسطوانة مبنيّة ففرّغت، وأدخل فيها ثمّ بنيت عليه وهو حيّ (1).
لقد تفجّرت سياسة هذا الباغي اللئيم تجاه أبناء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بجميع ألوان المنكرات والموبقات، فلم يرع حرمة الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اللّه في أبنائه، وعمد إلى تصفيتهم جسديّاً بشكل رهيب لم يعهد له نظير في تاريخ المجازر البشرية.
وبلغ من جرائم جلاوزة المنصور أنّ السيّد الزكيّ عبداللّه بن الحسن زعيم السادة العلويّين وكبيرهم دعا بماء فلم يسقوه، واستأذنوا المنصور في ذلك فأذن له، وبينما هو يشرب إذ وثب إليه الوغد اللئيم أبو الأزهر فضرب الإناء برجله ويشدّة، فألقى عبد اللّه ثناياه في الإناء (2).
ويقي السادة الأزكياء في سجن هذا الوغد العبّاسي، وهم يعانون أهوال الخطوب، وأقسى ألوان المحن، فكانوا يتوضأون في مواضعهم، حتّى اشتدت عليهم الرائحة، واحتال بعض مواليهم فأدخل إليهم شيئاً من الغالية، فكانوا يدفعون بشمّها الروائح الكريهة، ولكنّها لم تكن تجدي شيئاً، فقد ورمت أقدامهم وسرى الورم إلى قلوبهم، فمات أكثرهم، وأمر الطاغية بهدم السجن على من بقي منهم،
فمات أكثرهم، وفيهم عبد اللّه بن الحسن (1).
ففي ذمّة اللّه ما عاناه هؤلاء السادة من صنوف التعذيب والتنكيل من هذا الرجس الخبيث، الذي لم تعرف البشريّة له نظيراً في لؤمه وخساسة طبعه، وتجرّده من جميع الأعراف والقيم الإنسانيّة.
لقد تركت مأساة هؤلاء السادة موجات من السخط على بني العبّاس، وقد اندفع أبو فراس الحمداني بعد أحقاب من السنين يهجو العبّاسيّين على هذه الجريمة النكراء التي اقترفها جدّهم المنصور. يقول :
بئس الجزاءً جَزَيْتُمْ فِي بَنِي حَسَنٍ***أباهُمُ العَلَمَ الهادِي وَأُمَّهُمْ
لا بيعة ردَعَتْكُمْ عَنْ دِمَائِهِمْ***ولا يمين ولا قُرْبى ولا ذِمَمُ
هلَا صَفَحْتُمْ عَنِ الأَسْرَى بِلا سَبَبٍ***للصافحينَ بِبَدْرٍ عن أَسِيرِكُمْ
هَلَّا كَفَفْتُمْ عَنِ الدِّيباج سوطَكُمْ***وعَنْ بَناتِ رَسُولِ اللّه شَتمَكُمُ
ما نُزُهَتْ لِرسولِ اللّه مُهْجَتُهُ***عن السياطِ فَهلَا نُزِّة الحَرَمُ
ما نالَ مِنْهُمْ بَنو حَرْبٍ وإِنْ عَظُمَتْ***تلك الجَرائِرُ إِلّا دونَ نَيْلِكُمُ
كم غَدْرةٍ لَكُمْ فِي الدِّينِ واضِحَةٍ***وكَمْ دَمِ لِرَسولِ اللّه عِنْدَكُمُ
أَنْتُمْ لَهُ شِيعَةٌ فِيمَا تَرَوْنَ وفي***أظفارِكُم مِنْ بَنيهِ الطَّاهِرِينَ دَمُ
هيهات لا قُرْبَتْ قُربى ولا رَحِمٌ***يَوماً إذا أَقْصَتِ الأخلاقُ والشَّيَمُ
كانَتْ مَوَدَّةً سَلْمَانٍ لَهُ رَحِماً***ولَمْ يَكُنْ بينَ نُوحٍ وَابْنِهِ رَحِمْ (2)
لقد قطع العبّاسيون أواصر الرحم والقربي، وتنكروا للمعروف الذي أسداه
رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على جدهم العبّاس، فقد أراقوا دماء أبناء النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنزلوا بهم أقسى العقوبات، وبذلك فقد انفصمت عرى القربي بين العلويّين والعبّاسيّين وأصبحت الأسرة العبّاسية كالأسرة الأمويّة في عدائها لأهل البيت، بل إن الأسرة الأمويّة أشرف وأجلّ من الأسرة العبّاسيّة التي طلّقت المعروف، وابتعدت عن جميع القيم والمبادئ والأخلاق.
وحينما اعتقل الدوانيقي العلويّين وأودعهم في زنزانات السجون، عهد إلى عامله في يثرب بمصادرة جميع أموالهم ورقيقهم (1)، كما صادر جميع أموال الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولما هلك المنصور أرجعها المهدي إلى الإمام موسى الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).
أمّا محمّد بن عبد اللّه بن الحسن فكان من أجلاء السادة، ومن مفاخر العلويّين، وكان يتمتّع بجميع صفات الشرف والفضل من العلم والفقه والشجاعة والسخاء، فقد جمع في برديه كلّ فضل موروث ومكسوب، وقد لقب بذي النفس الزكية، وصريح قريش، لأنه لم يجيء من أم ولد في جميع آبائه وأمهاته، بل جاء خالصاً نقيّاً من الأسرة العريقة في الشرف والمجد، وقد سماه الناس بالمهدي الذي بشر به الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (3)، وفي ذلك يقول الشاعر :
إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ يكونَ محمّد***إماماً بهِ يَحْيا الكِتابُ المُنَزَّلُ
بِهِ يَصْلُحُ الإسلامُ بَعْدَ فَسادِهِ***وَيَحْيا يَتِيم بائِسٌ وَمُعَوَّلُ
ويملأُ عَدْلاً أَرْضَنَا بَعدَ مَلْئها ***َلالاً ويَأْتِينا الذي كُنتُ آمل (1)
ويقول الرواة : إنّه كان يشبه جدّه الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في خلقه وأخلاقه، واعتقد أهل المدينة أنّه لو جاز أن يبعث اللّه نبيّاً بعد محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لكان هو (2)، وكشف ذلك عمّا يتمتّع به هذا السيد العظيم من المبادئ الكريمة والمثل العليا وسموّ الذات.
وقد رشّح هذا السيّد الزكي بإجماع الهاشميّين، وكان المنصور الدوانيقي يسير بخدمته، ويسوّي عليه ثيابه، ويمسك له دابته تقرباً إليه، كما بايعه مع أخيه السفّاح مرتين، وبعد اختلاس العبّاسيّين للحكم، واستبدادهم بالأمر تألم محمّد كأشد ما يكون التألّم، وأخذ يدعو الناس إلى نفسه، فاستجابت لدعوته الجماهير، وظلّ مختفياً مع أخيه إبراهيم، ودعاتهم تجوب الأقطار الإسلاميّة وهي تدعو المسلمين إلى بيعة محمّد، ورفض حكومة المنصور، فاستجابت له الأقطار بعدما عرف الناس خبث المنصور ولؤمه وبخله وخساسة طبعه.
وكان عبداللّه بن الحسن يمجّد ولديه، ويدعوهما إلى النضال ضدّ حكومة المنصور قائلاً: إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين، فلا يمنعكما أن تموتا کریمین» (3).
ولما انتهت الأنباء المحزنة بشهادة عبد اللّه وسائر السادة الممجدين، وما حلّ بهم من صنوف التعذيب صمّم محمّد مع أخيه إبراهيم على إعلان الثورة في يوم
مخصوص، فأعلن محمّد الأمر في يثرب في الوقت المقرّر له، وانبرى الناس على اختلاف طبقاتهم إلى مبايعته خصوصاً الفقهاء، وقد استبشروا ببيعته، وقام جيشه باحتلال الدوائر الرسميّة، والاستيلاء على بيت المال، وحينما انتشر الأمر سارعت أهالي اليمن ومكة إلى بيعته، وقد عمّت الأفراح والمسرات، وانطلقت الجموع الحاشدة في يثرب تعرب له عن طاعتها وولائها له، وقد قام فيهم خطيباً فقال بعد البسملة والصلاة على النبيّ وآله :
«أمّا بعد - أيها الناس - فإنّه كان من أمر هذا الطاغية عدو اللّه أبي جعفر ما لم يخف عليكم من بنائه القبة الخضراء التي بناها معانداً اللّه في ملكه، تصغيراً للكعبة الحرام، وإنّما أخذ اللّه فرعون حين قال : أنا ربكم الأعلى، وأن أحق الناس بالقيام بهذا الدين أبناء المهاجرين والأنصار المواسين.
اللّهمّ إنّهم قد أحلوا حرامك، وحرموا حلالك، وآمنوا من أخفت، وأخافوا من آمنت، اللّهمّ فأحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.
أيها الناس، إنّي واللّه ما خرجت من بين أظهركم وأنتم عندي لا أهل قوّة ولا شدّة، ولكن اخترتكم لنفسي، واللّه ما جئت هذه وفي الأرض الأرض مصر يعبد اللّه فيه إلّا وقد أخذ لى البيعة فيه (1).
وحكى هذا الخطاب عمّا اقترفه المنصور الدوانيقي من الجرائم والموبقات، التي كان منها ما يلي :
1 - بناؤه للقبة الخضراء استهانة منه بالكعبة المشرفة، وقد عدّها المؤرّخون من جرائمه والحاده.
2 - إن المنصور قد حلل جميع ما حرم اللّه، وحرّم ما حلله اللّه، وقد آمن
1) تاريخ الأمم والملوك : 6: 291.
من أخافه اللّه من اللصوص والمجرمين، كما أخاف من آمنه اللّه من الأخيار والمتحرّجين في دينهم.
3 - إنّ البيعة للسيد الجليل ذي النفس الزكيّة كانت عامة وشاملة، فقد أخذت له من جميع الأقاليم الإسلاميّة.
وعلى أيّة حال، فإنّ المنصور حينما وافته الأنباء بثورة محمّد، وجه جيشاً لقتاله يقدّر بأربعة آلاف فارس، وجعل قيادته العامّة إلى ولي عهده عیسی بن موسی، وسارت الجيوش لمحاربة الثائر العظيم الذي أراد أن ينقذ العالم الإسلامي من ويلات الحكم الجائر، ويعيد بين المسلمين سياسة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وحكم القرآن.
ولمّا انتهت جيوش المنصور إلى يثرب بثّ محمّد جيوشه في الأزقّة والشوارع، وقبل أن تندلع نار الحرب قام خطيباً في جيشه وأصحابه فقال :
«إنا قد جمعناكم للقتال، وأخذنا عليكم المناقب، وإنّ هذا العدوّ منكم قريب، وهو في عدد كثير، والنصر من اللّه، والأمر بيده، وإنّه قد بدا لي أن أذن لكم، وأفرج عنكم المناقب، فمن أحب أن يقيم أقام، ومن أحب أن يضعن ضعن».
وكان هذا الخطاب خطاب مخذول لا وثوق له، ولا أمل له بالنصر، ولم يحثّ أصحابه على الخوض في الحرب، ولم يستعمل معهم أي من ألوان الخداع والتضليل، وإنّما أذن لهم في التفرّق عنه نظراً لضخامة جيش العدو، وه-ذا من المواقف النبيّلة التي لا يقفها إلا العلويّون دعاة الفضيلة والشرف في الأرض.
ولمّا سمع خطابه الانتهازيون وذوو الأطماع تفرّقوا، ويقي في الصفوة من أصحابه (1).
وخفّ إليه عبداللّه بن جعفر المعروف بالأفطح، فقال له : بأبي أنت وأُمّى،
1) حياة الإمام موسى بن جعفر على (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : 402:1.
إنه واللّه ما لك بما رأيت طاقة، وما معك أحد يصدق القتال، فاخرج الساعة حتّى تلحق بالحسن بن معاوية بمكة، فإنّ معه جلة أصحابك».
فأجابه محمّد بما انطوت عليه نفسه الكبيرة من الشرف والنبل قائلاً: يا أبا جعفر واللّه لو خرجت لقتل أهل المدينة واللّه لا أرجع حتّى أقتل أو أقتل، وأنت منّي في سعة، فاذهب حيث شئت (1).
إنّ السيّد المعظّم لو ترك يثرب لاحتلها جيش المنصور، ومن المؤكّد أنّه سيقابل المدنيّين بمنتهى القسوة، ويفعل كما فعل نظيره مسلم بن عقبة في المدنيّين، فإنّه من المؤكد أن المنصور أخس من مسلم والأم منه. لقد رأى هذا العلوي أن يقيم في يثرب ويضحي بنفسه في سبيل أمن الناس وسلامتهم.
واندلعت نار الحرب بين الفريقين، وبعد صراع رهيب بين قوى الحقّ والبغي أصيب القائد العظيم بجراح خطيرة فهوى إلى الأرض، وبرك على ركبتيه، فبادر إليه الوغد الأثيم حميد بن قحطبة لعنه اللّه وهو يصيح بالجند لا تقتلوه، فكفّوا عنه، صل اللّه فقام الوغد بنفسه ليبوء بالإثم والجريمة، فاحتزّ رأس ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) (2)ليقدمه هديّة لسيّده الدوانيقي.
وانتهت بذلك صفحة مشرقة من صفحات الجهاد الإسلامي، وانطوت أعظم حركة إصلاحيّة في العالم العربي والإسلامي كانت تهدف إلى نشر العدل وسيادة الأمن والرخاء بين الناس، وقد تحطّمت آمال الأحرار، فقد فقدوا قائدهم العظيم الذي كان مناراً لهم في طريق النضال والجهاد.
أما الزعيم إبراهيم بن عبد اللّه فهو من أعلام الثائرين في الإسلام، وكان يتمتّع بسموّ الأدب، وحسن الأخلاق، وقد أترعت نفسه بالإيمان بحق الأمّة، فانطلق إلى ميادين الجهاد لينقذها من العبودية والذلّ، ويحقق في رحابها عدل الإسلام وحكم القرآن.
ومن أبرز صفاته أنه كان حديدي الإرادة، لا يلين ولا يخضع لعوامل الارهاب والخوف، كما كان يقظاً حسّاساً، طلبه المنصور أشدّ الطلب، وبثّ عليه العيون والجواسيس، وقد استطاع أن يجلس على موائد المنصور من دون أن يشعر به، وقد أعلن ذلك بقوله : «اضطرني الطلب بالموصل حتّى جلست على موائد المنصور، وقد قدم إليها يطلبني، فلفظتني الأرض، فجعلت لا أجد مساغاً، ووضع الطلب والمراصد، ودعا الناس إلى غذائه، فدخلت فيمن دخل، وأكلت فيمن أكل، ثمّ خرجت وقد كفّ الطلب».
وفي هذا الإقدام دليل على شجاعته، وقوّة بأسه، فلم يفكر بالهزيمة، ولم يستسلم للأحداث، ومن قوّة بأسه أنّ الأنباء المحزنة بمقتل أخيه قد وافته وهو يخطب على المنبر، فجعل يتمثل بهذه الأبيات :
أبا الفوارس يا خير الفوارسِ مَنْ***يُفْجَعْ بِمِثْلِكَ في الدُّنْيا فَقَدْ فَجِعا
اللّه يعلمُ أَنِّي لو خَشِيتُهُم***وَأَوْجسَ القلبُ مِنْ خَوفٍ لَهُم فَزَعا
لم يقتلُوهُ ولم أُسْلِمْ أخى لَهُمْ (1)***حتّى نَموتَ جَميعاً أو نَعيش معاً
وتبلورت دموعه على سحنات وجهه، وأخذ يؤبن الفقيد العظيم، ويصوغ من
1) في رواية : «ولم يسلم أخي».
حزنه كلمات قائلاً: «اللّهمّ إنّك تعلم أنّ محمّداً إنّما خرج غضباً لك، ونفياً لهذه المُسَوَّدة، وإيثاراً لحقك، فارحمه، واغفر له، واجعل الآخرة خير مردّ له، ومنقلب من الدنيا» (1)
ورثى أخاه بهذه الأبيات:
سَأَبكِيكَ بِالبِيضِ الرِّقاقِ وَبِالقَنا***فَإِنَّ بِها ما يُدرِكُ الطَّالِبُ الوِتْرا
وَإِنَّا أناس لا تفيضُ دُموعُنا***على هالِك مِنا ولَوْ قَصَمَ الظُّهْرا
وَلَسْتُ كَمَنْ يَبْكى أخاهُ بِعَبرة***يُعَصِّرُها مِنْ ماءِ مُقْلَتِهِ عَصْرا
ولكِنْ أُرَوّي النَّفْسَ مِنّي بغارة***تَلَهُبُ في قطري كِتابَتِها جَمْرًا (2)
لقد تمثّلت البطولة بما لها من معنى مشرق بهذه الأبيات التي حكت تصميمه على الكفاح والنضال، وأن مقتل أخيه لم يوهن عزمه، وإنّما زاده إيماناً وتصميماً على مواصلة الجهاد ضد الظالمين.
وأعلن إبراهيم في البصرة ثورته الكبرى على المنصور فاستجاب له المسلمون، وانضموا إلى دعوته، وكان والي البصرة سفيان بن معاوية من المؤيدين له، وكان على اتصال دائم معه، يطلع إبراهيم على كلّ ما جد للمنصور من رأي، وساعده في كثير من شؤون الثورة.
فاحتلّ إبراهيم البصرة، ووجّه دعاته إلى الأهواز وفارس وواسط والمدائن، فاستجابت هذه الأقطار وبايعته، وخفق علم الدولة العلوية عليها، وتوالت أنباء الثورة العارمة على المنصور، ففزع الجبان وجزع جزعاً شديداً، ودخل عليه الحجاج بن قتيبة فجعل ينكث الأرض بمخصرته وينشد :
وَنَصَبْتُ نَفْسِي لِلرماحِ دَريئَةً***إِنَّ الرَّئيسَ لِمِثل ذاكَ فَعُولُ (1)
فقال له الحجّاج : أدام اللّه عزّك، ونصرك على عدوّك، أنت كما قال الأعشى
وإِن حَربُهُمْ أُوقِدَتْ بَينَهُم***فَحَرَّتْ لَهُمْ بَعْدَ إِبْرَادِها
وجدتُ صَبوراً على حَرَّها***وكرّ الحروب وتردادها
فقال المنصور : يا حجّاج، إن إبراهيم قد عرف وعورة جانبي، وصعوبة ناحيتي، وخشونة قرني، وإنّما جرأه على المسير إليَّ من البصرة اجتماع هذه الكور المطلّة على عسكر أمير المؤمنين، وأهل السواد معه على الخلاف والمعصية، وقد رميت كلّ كورة بحجرها، وكلّ ناحية بسهمها، ووجهت إليهم الشهم النجد الميمون المظفّر عيسى بن موسى في كثيراً من العدد والعدّة، واستعنت باللّه عليه، واستكفيته إياه، فإنّه لا حول ولا قوّة لأمير المؤمنين إلّا باللّه (2).
ويلمس في هذا الكلام مدى خوفه وفزعه من إبراهيم، فقد اعترف بأنّ أهل السواد معه، وهم الأكثرية الساحقة في ذلك المجتمع.
ولمّا توفّرت لإبراهيم الجيوش المزوّدة بالعدد والعدّة عزم على المسير الحرب المنصور، وأشار عليه أهل الرأي من أصحابه أن يقيم في البصرة، ويرسل الجنود، فإذا منوا بالهزيمة أمدّهم بغيرهم، وكان هذا الرأي وثيقاً للغاية، ولو استجاب له لتغلب على الأحداث، وتم له النصر، ولكنّ اللّه غالب على أمره، فقد استجاب لقوم من أصحابه فقالوا له : إنّ بالكوفة أقواماً لو رأوك ماتوا دونك، وإن لم يروك قعدت بهم أسباب شتّى، وتوجّه مع جيشه لحرب المنصور.
ووجّه المنصور لحرب إبراهيم جيشاً بلغ عدده خمسة عشر ألفاً، وجعل قيادته
العامّة إلى ولي عهده عيسى بن موسى، وأسند عیسی مقدّمة جيشه إلى المجرم الأثيم حميد بن قحطبة، وسار إبراهيم بجيشه يطوي البيداء لا يلوي على شيء، وسمع وهو ينشد:
أمورٌ لَوْ يُدَبِّرُها حَلِيمٌ***إذا النهى وَهَيَّبَ ما اسْتَطاعا
ومعصية الشفيق عَليكَ ممّا***يزيدُكَ مَرَةٌ مِنْهُ اسْتماعا
وخيرُ الأمرِ ما استقبَلْتَ مِنهُ***وَلَيسَ بأَن تَتبعه اتِّباعا
ولكن الأديم إذا تَفَرَّى***بَلَى وَتَعَيُّباً غَلَبَ الصَّناعا (1)
وكشف هذا الشعر عن ندمه على مسيره، قد استبان له أنه لو بقي بالبصرة لكان خيراً له، وتوجه إلى باخمري، ولم يتجه إلى الكوفة مخافة أن تستباح فيها الأعراض.
واندلعت نار الحرب بين الفريقين، فانهزم جيش المنصور شر هزيمة حتّى انتهت طلائع الهزيمة إلى الكوفة، ووجل المنصور ورام الجبان الهزيمة، وجعل يقول للربيع : أين قول صادقهم ؟ وكيف لم ينلها أبناؤها، فأين إمارة الصبيان ؟
لقد عرض بذلك إلى ما أخبر به الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) من فوز العبّاسيّين بالحكم، وحوصر المنصور، وأمر بجعل الإبل والدواب على جميع أبواب الكوفة ليهرب عليها، ومن المصادفات الغريبة أنّ جيوش المنصور كرّت راجعة بعد هزيمتها بسبب نهر لقيها، فلم تقدر على اجتيازه، وكان جيش إبراهيم قد مخروا في الماء ليكون قتالهم من وجه واحد، فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار، وثبت إبراهيم في نفر من أصحابه فقاتلهم حميد بن قحطبة، وجعل يرسل بالرؤوس إلى عيسى، وأصاب سهم غادر إبراهيم فوقع في حلقه، فتنحّى عن موقعه، وقال لأصحابه : انزلوني،
1) تاريخ الأمم والملوك : 6 : 258. الكامل في التاريخ : 5 : 567.
فأنزلوه عن مركبه وهو يقول : وكان أمر اللّه قدراً مقدوراً، أردنا أمراً وأراد اللّه غيره.
واجتمع عليه أصحابه يحمونه ويقاتلون دونه، فقال حميد بن قحطبة : شدّوا على تلك الجماعة حتّى تزيلوهم عن موضعهم، وتعلموا ما اجتمعوا عليه، فشدّوا عليهم يقاتلونهم حتّى أفرجوهم عن القائد العظيم إبراهيم، وعمدوا فاحتزوا رأسه الشريف، فجاءوا به يركضون إلى عيسى، فلما رآه سجد اللّه شكراً، وبعث به هديّة إلى سيّده المنصور (1).
وبذلك فقد انطوت أعظم ثورة إصلاحية كانت تهدف إلى إشاعة العدل والمساواة والحق بين الناس، والقضاء على الجور والبغي في الأرض.
ولمّا انتهى مقتل الشهيد العظيم إلى المنصور الخبيث اللئيم كاد أن يطير فرحاً، فقد صفا له الملك، وتحققت آماله وأمانيه، وكان بين يديه طعام قد استطابه فقال لمن حوله : أراد إبراهيم أن يحرمني هذا وأشباهه (2).
إنّ ثورة إبراهيم القائد الملهم لم تكن بأي حال من الأحوال من أجل متع الحياة ورغباتها، وإنّما استهدفت إبادة الظلم، والقضاء على الجور المتمثّل في حكومة المنصور التي أماتت العدل، وأحيت الباطل، والتي كانت امتداداً للحكم الأموي الجائر.
إنّ ثورة البطل الشهم إبراهيم كانت من أجل توزيع خيرات اللّه على البؤساء والمحرومين، وتطبيق أحكام القرآن العظيم على واقع الحياة العامّة بين الناس. والتفت المنصور الدوانيقى وهو جذلان مسرور بإبادته لأبناء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال لحضار مجلسه : «تاللّه ما رأيت أنصح من الحجّاج لبني مروان».
فانبرى إليه المسيّب بن زهرة الضبي يظهر له أنّهم أطاعوه وأخلصوا له أكثر
من إطاعة الحجّاج وإخلاصه لأسياده الأمويّين قائلاً: يا أمير المؤمنين، ما سبقنا الحجّاج لأمر فتخلّفنا عنه، واللّه ما خلق اللّه على جديد الأرض أعزّ علينا من نبيّنا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد أمرتنا بقتل أولاده فأطعناك وفعلنا، فهل نصحناك ؟
فلذع قوله المنصور، وكان كالصاعقة عليه، فصاح به : اجلس لا جلست (1).
واستتبّت الأمور للمنصور، وصفا له الملك بعد إبادته وقضائه على ثورة العلويّين، وأخذ الطاغية يجد في التنكيل بمن بقي منهم، ويعمل على تصفيتهم جسديّاً.
ونعرض إلى بعض ما لاقوه من صنوف التعذيب والارهاق :
ولمّا خمدت ثورة السادة الأزكياء جعل المنصور يطلب من بقي منهم طلباً حثيثاً، فمن يظفر به جعله في الاسطوانات المجوّفة المبنية من الجصّ والآجر، ويبني عليه وهو حيّ، وقد ظفر بغلام من ولد الحسن، وكان حسن الوجه، فسلّمه إلى البنّاء وأمر أن يجعله في جوف الاسطوانة ويبني عليه، ووكل به شخصاً من ثقاته يرعى ذلك، فجعله في البناء، وقد رقّ عليه فترك له في الاسطوانة منفذاً يدخل منه الهواء، وقال للغلام : لا بأس عليك، فاصبر، فإنّي سأخرجك من جوف هذه الاسطوانة إذا جنّ الليل.
ولمّا جنّ الليل جاء البنّاء فأخرج العلوي، وقال له : اتق اللّه في دمي، ودم العمالة الذين معي، وغيب شخصك، فإنّي إنّما أخرجتك في ظلمة هذه الليله لأني خفت أن يكون جدك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يوم القيامة خصمي بين يدي اللّه، وأكد عليه أن يواري نفسه، فطلب منه الغلام أن يعرف أمه بذلك لتطيب نفسها، ويقل جزعها، وهرب
1) مروج الذهب : 3 : 224.
الغلام، ولا يعلم في أي أرض أقام، وانتهى البنّاء إلى الدار التي عيّنها العلوي له، فسمع دويّاً كدويّ النحل من كثرة البكاء، فعرف أنها أُمه، فأسرّها بخبر ولدها، وانصرف عنها (1).
أما حديث الخزانة فهو مليء بالأسى والشجون، فقد ملأها برؤوس السادة العلويّين، شيوخاً وكهولاً وشباباً وأطفالاً، وأوصى ربطة زوج المهدي أن لا يفتحها المهدي إلا بعد هلاكه، وقد دوّنها الطبري، فقال :
«لما عزم المنصور على الحج دعا ريطة بنت أبي العبّاس امرأة المهدي، وكان المهدي بالريّ قبل شخوص أبي جعفر، فأوصاها بما أراد، وعهد إليها، ودفع إليها مفاتيح الخزائن، وتقدّم إليها وأحلفها ووكد الأيمان أن لا تفتح بعض تلك الخزائن، ولا تُطلع عليها أحداً إلا المهدي، وليس معهما أحد حتّى يفتحا الخزانة.
فلمّا قدم المهدي من الريّ إلى مدينة السلام دفعت إليه المفاتيح وأخبرته عن المنصور أنه تقدّم إليها فيه ألا يفتحه ولا يُطلع عليها أحداً حتّى يصح عندها موته.
فلمّا انتهى إلى المهدي موت المنصور وولي الخلافة فتح الباب ومعه ريطة، فإذا أزج كبير فيه جماعة من قتلى الطالبيين، وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم، وإذا فيهم أطفال ورجال شباب ومشايخ عدة كثيرة.
فلمّا رأى ذلك المهدي ارتاع لما رأى، وأمر فحفرت لهم حفيرة فدفنوا فيها، وعمل فوقها دكّاناً» (2).
ومما لا شبهة فيه أنه لا يقترف مثل هذه الجرائم إلا من خلع عن نفسه الإيمان
باللّه واليوم الآخر، وأنّ جميع ما ارتكبه المنصور من الموبقات تدلّ على كفره وإلحاده ومروقه من الدين.
وعلى أيّ حال، لقد احتفظ المنصور بتلك الخزانة التي ملأها برؤوس السادة من أبناء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد ادخرها ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون يوم يعضّ الظالم على يديه.
وأخذ السادة أبناء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يسترحمون هذا الطاغية ليعفو عنهم، ويصفح عن قتلهم وسجنهم، ولكنّ ذلك الضمير المتحجّر الذي ران عليه الباطل لم يتحرّك، ولم يصفح عنهم.
فقد روى المؤرّخون أنّه توجّه إلى بيت اللّه الحرام، وبينما هو يسير في موكبه وإذا بالسيدة الزكية ابنة عبداللّه بن الحسن، فأوقفت موكبه، وتلت هذه الأبيات الرقيقة :
ارحم صغار بنى يَزيدٍ إِنَّهُمْ***يُتِموا لِفَقَدِكَ لا لِفقدِ يَزِيدِ
وارحَمْ كَبِيراً سِنُّهُ مُتَهَدِّماً***في السِّجنِ بَينَ سَلاسِلَ وَقُيودِ
ولَئِنْ أخَذْتَ بِجُرمِنا وجَزَيتَنا***لَنُقَتَلَنَّ بِهِ بِكُلِّ صَعِيدِ
إِنْ جُدْتَ بِالرَّحِمِ القريبَةِ بينَنا***ما جَدُّكُم مِنْ جَدِّنا ببعيد (1)
ولم يتحرّك ضميره العفن بهذا الاستعطاف، فأجابها : «اذکر تنیه یا بنت عبد اللّه».
1) جاء في تذكرة الخواصّ : 230 : «أن قول فاطمة بنت عبد اللّه : وارحم صغار بني يزيد، إنما وقع من فلتات لسانها، إذ لم يكن لعبد اللّه بن الحسن ابن اسمه يزيد، ولا يعرف في آل أبي طالب من اسمه يزيد، إلّا يزيد بن معاوية بن عبداللّه بن جعفر، وقد أنكر عليه بنو هاشم وهجروه لأجل ما سمّي به».
ثم أمر به فأهدر في المطبق، فلفظ أنفاسه الأخيرة فيه (1).
وقد أمر الطاغية بإلقاء القبض على العلوي العبّاس بن الحسن، وكان واقفاً على الباب، وأمه تراقبه وقلبها كجناح الطير من شدة الخوف عليه، فأخذته الشرطة، وسرت السيدة أمّه خلفه وطلبت منهم أن تشم ولدها وتودعه، فجابهتها شرطة المنصور بكلّ شدّة وغلظة (2)، وساقته إلى زنزانات السجون، ثمّ إلى القبور.
ففي ذمّة اللّه ما عاناه السادة العلويّين الممجدون من صنوف البلاء والخطوب من هذا الإنسان الممسوخ، الذي محيت من نفسه جميع صفات الفضيلة والشرف، والذي جهد على إبادة عترة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وتصفيتهم جسدياً لتخلو الأرض من نسل آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ليصفو له الملك ومن بعده لأبنائه البغاة اللثام الذين نهجوا نهجه في ظلم العلويّين والتنكيل بهم.
ولمّا قتل الطاغية السفاك الدوانيقي السيدين الزكيّين محمّداً وإبراهيم، وجه أحد عملائه وهو شيبة إلى الموسم لينال من رائد العدالة الاجتماعيّة، وإمام المتقين، أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبنائه السادة العظام، كما فعل أسياده الأمويّون من قبل، وصعد الباغي شيبة على المنبر، وكان الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) حاضراً، فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال : «إنّ عليّ بن أبي طالب شقّ عصا المسلمين، وخالف أمير المؤمنين، وأراد هذا الأمر - أي الخلافة - لنفسه، فأخر اللّه أمنيته، وأماته بغيظه، ثمّ هؤلاء - يعني السادة من أبناء الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) - يقتلون، وبالدماء يحصون».
ولم يزد على هذه الكلمات حتّى انبرى إليه الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال : «الْحَمْدُ للّه
رَبِّ العالَمينَ، وَنُصَلِّي عَلَى محمّد وَأَنْبِيانِهِ الْمُرْسَلِينَ، أَما ما قُلْتَ مِنْ خَيْرٍ فَنَحْنُ أَهْلُهُ، وَأَمَا مَا قُلْتَ مِنْ شَرَّ فَأَنْتَ بِهِ أَوْلى، وَصاحِبُكَ - يعني المنصور - بِهِ أَخْرى، يا مَنْ رَكِبَ غَيْرَ راحِلَتِهِ، وَأَكَلَ غَيْرَ زادِهِ، ارْجِعْ مَأْرُوراً».
ثم التفت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الناس فقال لهم : «أخْبِرُكُمْ بِأَبْخَسِ مِنْ ذلِكَ ميراثاً، وَأَبْيَنِ : مِنْهُ خُسْراناً : مَنْ باعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيا غَيْرِهِ، وَهُوَ هذا - وأشار إلى شيبة -»، وتساءل الناس عن هذا الذي ردّ على شيبة فقيل لهم : إنّه الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
ومن الطبيعي أنّ الاستخبارات قد نقلت حديث الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى المنصور، الأمر الذي أوغر صدره عليه، فأخذ يتحين الفرص للانتقام منه
أما موقف الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الطاغية السفّاك الدوانيقي، فقد تميز بالكراهية والبغض له، وعدم الاعتراف بشرعيّة حكومته، وذلك لما اقترفه من عظيم الجرائم والموبقات في حق العلويّين وغيرهم، وقد حاول المنصور أن يكسب وده، ويجعله من جملة بطانته وحاشيته، فكتب إليه : «لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس ؟».
فأجابه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمنتهى الصراحة غير حافل بسلطانه : «لَيْسَ لَنا ما نَخافُكَ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَا عِنْدَكَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ ما نَرْجُوكَ لَهُ، وَلَا أَنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَتُهَنِّيكَ عَلَيْها، وَلَا تَراها نِقْمَةً فَنُعَزِّيكَ، فَمَا نَصْنَعُ عِنْدَكَ ؟».
لقد أجابه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالرفض الكامل لمزاملته، والمجيء إليه، وكان جوابه في منتهى الروعة والدقة، فإنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يكن برجوازياً - كما في لغة العصر - حتّى يخاف على عماراته وأمواله من المصادرة اذا لم يأتِ لزيارته، كما أن المنصور لم يكن من
1) تيسير المطالب : 113.
روّاد الآخرة ولا من الذين يعملون الصالحات حتّى يزوره الإمام تقرّباً إلى اللّه تعالى.
وحاول المنصور أن يخدع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكتب إليه ثانياً : «إنّك تصحبنا لتنصحنا».
ورفض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) طلبه، وأجابه : «مَنْ أَرادَ الدُّنْيا فَلَا يَنْصَحُكَ، وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ فَلَا يَصْحَبُكَ».
وحفل جواب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالحجّة القاطعة التي لا مجال للتشكيك فيها، فإنّ من يريد الدنيا وزخرفها، ويتصل بالسلطة، فإنّه لا ينكر عليها ما تقترفه من ظلم وجور، وإنما يكون مسدّداً لها حفاظاً على مصالحه وأغراضه الخاصة، وأما من يريد الآخرة فإنّه يهرب من الاتصال بالسلطة خوفاً على دينه.
وبهر المنصور من جواب الإمام وراح يقول : «واللّه لقد ميّز عندي من يريد الدنيا ممّن يريد الآخرة، وأنه ممّن يريد الآخرة لا الدنيا» (1).
لقد رفض الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) التقرب إلى المنصور، وابتعد عنه كأشدّ ما يكون الابتعاد، وكيف يلتقي سليل النبوّة بالمنصور الذي هو من أئمّة الظلم والجور في الأرض.
يقول المؤرّخون : إن المنصور سأل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الذباب وقد وقع على وجهه، فقال له : «يا أبا عبد اللّه، لمَ خلق اللّه الذباب ؟
فأجابه الإمام غير حافل بسلطانه قائلاً: لِيُذِلُّ بِهِ الْجَبَابِرَةَ» (2).
وفزع المنصور من قول الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي أخرجه من قافلة ولاة العدل، وألحقه بالجبابرة الطغاة.
لقد تميّز موقف الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالشجب الكامل لحكومة المنصور، وقد حرّم على شيعته الاشتراك بأي عمل إيجابي في جهاز حكومته، بل في حكومة كلّ
ظالم، استمعوا ما يقوله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ):
1 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إيّاكمْ أَنْ يُخاصِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إِلَى أَهْلِ الْجَوْرِ» (1).
2 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَيُّمَا مُؤْمِنٍ قَدَّمَ مُؤْمِناً في خُصومَةٍ إِلَى قَاضِ أَوْ سُلْطَانٍ جَائِرٍ فَقَضى عَلَيْهِ بِغَيْرِ حُكْمِ اللّه فَقَدْ شَرِكَهُ فِي الْإِثْمِ» (2).
3- قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحْ لَهُ مُمَارَاةٌ فِي حَقٌّ فَدَعَاهُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ إِخْوانِكُمْ لِيَحْكُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَأَبِي إِلَّا أَنْ يَرْفَعَهُ إِلى هؤلاءِ كانَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِينَ قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ : «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ» (3)» (4).
4 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «العامِلُ بِالظُّلم، وَالْمُعينُ لَهُ، وَالرّاضِينَ بِهِ شُرَكَاءُ ثَلَاثَتُهُمْ» (5).
5 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعذافر : «بَلَغَني أَنَّكَ تُعامِلُ أبا أيُّوبَ وَالرَّبيعَ، فَما حالُكَ إِذا نُودِيَ بِكَ فى أعوان الظُّلَمَةِ» (6).
6 - سأله رجل عن البناء للسلطة وكراية النهر لهم، فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ما أُحِبُّ أَنْ أَعْقِدَ لَهُمْ عُقْدَةٌ، أَوْ وَكَيْتُ لَهُ وِكَاءٌ، وَلَا مَدَّةٌ بِقَلَم. إِنَّ أَعْوانَ الظُّلَمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي سُرَادِقٍ مِنْ. نارٍ حتّى يَحْكُمَ اللّه بَيْنَ الْعِبادِ» (7).
1) دعائم الإسلام : 2 : 530، الحديث 1885. مستدرك الوسائل : 17 : 240.
2) فروع الكافي : 7 : 411، الحديث 1. من لا يحضره الفقيه : 3 : 4، الحديث 3219.
3) النساء 4: 60.
4) فروع الكافي : 7 : 411، الحديث 2. من لا يحضره الفقيه : 3 : 4، الحديث 3220.
5) أصول الكافي : 2: 333، الحديث 16. وسائل الشيعة : 16: 55.
6) فروع الكافي : 5: 105، الحديث.1 وسائل الشيعة : 17 : 178.
7) فروع الكافي: 5: 107، الحديث.7 تهذيب الأحكام : 6: 331، الحديث 919. وسائل الشيعة : 17 179.
7- ونهى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) صاحبه وتلميذه يونس بن يعقوب عن معاونة السلطة العبّاسيّة حتّى على بناء المساجد.
8 - جاءه مولى من موالي جدّه الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له : جعلت فداك، لو كلّمت داود بن عليّ أو بعض هؤلاء فأدخل في بعض هذه الولايات ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ما كُنْتُ لأَفْعَلَ، وانصرف الرجل إلى منزله وهو يطيل التأمّل والتفكير في سبب عدم توسط الإمام في شأنه، فقال : ما أحسبه يمنعني إلا مخافة أن أظلم أو أجور، واللّه لآتينّه ولأعطينّه الطلاق والعتاق والأيمان المغلّظة أن لا أظلم أحداً ولأعدلن.
قال : فأتيته فقلت : جعلت فداك، إنّي فكرت في إبانك علَيَّ، فظننت أنك إنّما كرهت ذلك أن أجور أو أظلم، وأنّ كلّ امرأة لي طالق، وكلّ مملوك لي حرّ، وعلي وعلَيَّ.. إن ظلمت أحداً أو جرت عليه ولم أعدل.
فالتفت (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال له : كَيْفَ قُلْتَ ؟
فأعدت عليه الأيمان، فرفع رأسه إلى السماء وقال : تَناولُ السَّمَاءِ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مِنْ ذلِكَ» (1).
وكذا هذا الموقف المتشدّد من الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) تجاه حكومة المنصور وغيرها من حكومات الظلم والجور مستوحى من روح الإسلام وجوهره الذي حرّم التعاون مع الظالمين، والاشتراك معهم بأي عمل من الأعمال. قال تعالى : «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ» (2).
وعلّق المرحوم توفيق الفكيكي أحد أعلام القانون على موقف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرافض
للتعاون مع حكومة المنصور وغيرها من الحكومات الجائرة، قال : «إنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد سن قاعدة مشروعة للسياسة السلبية، وهي ما يسمونها اليوم باللغة السياسيّة بالعصيان المدني، أو سياسة عدم التعاون مع حكومة أو دولة لا تحترم الحقوق، أو تسيء التصرّف، فتعبث بحرمة قانونية المعاهدات والمواثيق، أو تتحدّى قدسيّة الدساتير وحقوق الأمّة المشروعة، إلى غير ذلك من وسائل الظلم، وذرائع الباطل التي تتوسل بها الحكومات الغاشمة، والدول القويّة المستعمرة، وحكام الاستبداد والفساد في سبيل الغايات الخبيثة الدنيئة.
فالإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أوجب على الأفراد عدم التعاون مع ولاتهم الجائرين على اختلاف درجاتهم ومناصبهم من أعلاهم إلى أدناهم، وحرّم عليهم العمل والكسب معهم، وحذر وأوعد الفاعل لذلك بالعذاب لارتكابه معصية كبيرة من الكبائر، لأنّ في بذل المعونة للوالي الجائر إماتة الحقّ كلّه، وإحياء الباطل كلّه، وفي تقويته إظهار الظلم والجور والفساد، وسحق السنن، وطمس الشرائع - والعياذ باللّه - ولا نريد أن نكثر القول في شرف هذه القاعدة للسياسة السلبيّة، وفى فوائد حكمتها.
وهذه القاعدة الوحيدة الناجحة لعلل السياسة الفاسدة وأوبائها المهلكة، وليس للأحرار المصلحين في كلّ أمة قاعدة أخرى يلجأون إليها في إكرام المستبدّين المستعبدين والمستهزئين بحقوق الأمّة للخضوع إلى إجابة رغبات الشعب وتحقيقها، وتطبيق القوانين، وخدمة العدل، واحترام الحقّ إلّا من اتباع هذه القاعدة المثالية في السياسة السلبيّة.
ولا يقوى على انتهاج هذه الخطّة القويمة إلا أصحاب القلوب العامرة بقوّة الإيمان، وأرباب النفوس الملتهبة بحرارة العقيدة الصحيحة الصلبة، وأهل الصبر على تقديم القرابين الغالية أرواحهم الطاهرة في سبيل حريات الرعية، وصيانة حقوقهم من جور الجائرين واعتسافهم.
فهل بعد هذا العلاج الشافي من علاج يستعمله الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمداواة السياسة الأمويّة والعبّاسية المريضة في روحها ودماغها ؟ اللّهمّ لا».
وعلى أيّ حال، فقد اتّسم موقف الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع حكومة المنصور وغيرها من حكومات الظلم والجور بالشدّة والصرامة، وعدم التعاون معها بوجه من الوجوه، فإن التعاون معها من أفظع المحرمات في الإسلام.
وأترعت نفس المنصور الدوانيقي بالبغض والكراهية والعداء للإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالرغم من عدم اشتراك الإمام بالثورة الكبرى التي قادها السادة العلويّين ضدّ المنصور، وعدم تشجيعه لها، وكان المنصور على علم بذلك، بل كان هناك ما هو أبعد من هذا، وهو أنّ الإمام قد بشره بالخلافة، وتسلّمه لقيادة الحكم، وعدم تمامية الأمر إلى ذي النفس الزكية الذي بايعه المنصور، وكان هذا كافياً لعدم تعرّضه للإمام بمكروه، إلّا أنّه لم يعن بذلك، فقد قابل الإمام بجميع صنوف الظلم والاضطهاد، ولعل ذلك - فيما أحسب - يعود إلى ما يلي :
إن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان في عصره أعظم شخصية في مواهبه وعبقريّاته : وهو الرائد الأوّل للحركة العلمية، وكان معظم المسلمين يدينون له بالولاء والمودة، كما ذهب الكثيرون إلى إمامته، ولزوم طاعته، فهو البقية الباقية من سلالة النبوّة التي هي مصدر الإشراق والنور في الأرض.
ومن الطبيعي أنّه ليس شيء أبغض ولا أشقّ على النفوس المريضة المنمّطة من أن تبصر ما هو فوقها تدين له الجماهير بالولاء والتعظيم.
لقد كان المنصور الدوانيقي يشعر بانحطاط نفسه التي خلت من كلّ نزعة شريفة، وصفة فاضلة، تؤهله لهذا المنصب الخطير في الإسلام، بالإضافة إلى أنه من أسرة
ليست لها مكانة مرموقة في الأوساط الإسلاميّة، فهي ليست كالأسرة العلوية الممجدة التي جاهدت في سبيل اللّه كأعظم ما يكون الجهاد، ونافحت عن حقوق المظلومين والمضطهدين في الأرض، ولهذا أعلن حربه على العلويّين، وصفى الكثيرين منهم.
لقد دفع المنصور شحّه وحرصه على الملك إلى مقابلة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأعنف وأقسى ألوان الارهاق والتنكيل، والتي كان منها ما يلي :
وأوعز الطاغية السفّاك إلى عامله على يثرب بحرق دار الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي هي دار الحكمة ودار العلم والوعي في الإسلام، وأشعل الوالي النار في دار الإمام، فأسرع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى إطفائها، وهو يقول: «أنا ابْنُ أَعْراقِ الثّرى، أنا ابْنُ إِبْراهيمَ خَليل اللّه».
لقد كنت أيها الإمام العظيم ابن سيّد الأنبياء محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وابن شيخ الأنبياء إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الذي جعل اللّه له النار برداً وسلاماً، وبقي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد إطفاء الحريق متألماً حزيناً، وسئل عن عميق حزنه فأجاب إنّه تذكر بلوعة عائلته لوعة عيال جدّه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما عمد الطغاة المجرمون في كربلاء إلى حرق خيامهم.
وأصدر المنصور أوامره إلى شرطته بحجب الإمام عن أهل العلم وغيرهم لئلا يذاع فضله، وينتهل العلماء من نمير علمه، وأحاطت الشرطة بدار الإمام، ومنعت الناس من الدخول عليه، وشقّ ذلك على الناس، خصوصاً الأخيار والمتحرّجون في
دينهم، فقد امتحنوا امتحاناً عسيراً، فقد بلغ الحال أنّ من يبتلي منهم في مسألة من نكاح أو طلاق فيمسك نفسه عن أهله لعدم علمه بما قنّن لها في الشرع الإسلامي.
وشقّ ذلك على شيعة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتّى ألقى اللّه تعالى في روع المنصور أن يسأل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليتحفه بشيء من عنده لا يكون لأحد مثله، فبعث الإمام إليه بمخصرة كانت للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) طولها ذراع، ففرح بها فرحاً شديداً، وأمر أن تشقّ أربعة أرباع، وقسمها في أربعة مواضع، ثمّ قال للإمام : ما جزاؤك عندي إلا أن أطلق سراحك لتفشى علمك لشيعتك، لا أتعرّض لك ولا لهم، فاقعد غير محتشم وافتِ النّاس ولا تكون في بلد أنا فيه.
وأخذ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد ذلك ينشر علمه بین المسلمين (1).
وبعدما فشلت ثورة الشهيد الخالد محمّد ذي النفس الزكية، وثورة أخيه البطل الفذ إبراهيم، صبّ الطاغية الدوانيقي جام غضبه على عموم العلويّين، وأوعز إلى عامله على يثرب بإلقاء القبض على الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعموم العلويّين حتّى من لم يبلغ الحلم منهم، وحملهم إلى الكوفة، فحملوا إليها، فأقاموا فيها شهراً لم يؤذن لهم بالدخول عليه، ثمّ خرج إليهم حاجبه الربيع فقال : أين هؤلاء العلوية ليدخل على أمير المؤمنين رجلين منكم من ذوي الحجى ؟
فدخل عليه الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الحسن بن زيد، ونظر المنصور بغضب إلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال له : أنت الذي تعلم الغيب ؟
فردّ عليه الإمام : لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللّه.
1) سفينة البحار 2 20 و 21.
وانبرى المنصور وهو يتميّز من الغيظ فقال له : أنت الذي يجبى إليك الخراج ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له برفق : إِلَيْكَ يُجْبِى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
والتفت إلى الإمام بعنف قائلاً: أتدرون لم دعوتكم ؟
لا.
أردت أن أهدم رباعكم، وأغور قليبكم، وأعقر نخلكم، وأنزلكم بالشراة، حتى لا يقربكم أحد من أهل الحجاز وأهل العراق، فإنّهم لكم مفسدة.
والتفت الإمام برفق إليه قائلاً: يا أميرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ سُلَيْمَانَ أُعْطِيَ فَشَكَرَ، وَإِنَّ أَيُّوبَ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، وَإِنَّ يُوسُفَ ظُلِمَ فَغَفَرَ، وَأَنْتَ مِنْ ذلِكَ النَّسْلِ.
فهدأ غضب المنصور وقال للإمام : أعد عليَّ ما قلته
فأعاد الإمام عليه مقالته، فقال المنصور : مثلك فليكن زعيم القوم قد عفوت عنكم، ووهبت لكم جرم أهل البصرة (1).
وعزم الطاغية على قتل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما وشى به بعض العملاء، فقالوا له : إنّه لا يرى الصلاة خلفك، وينتقصك ولا يرى التسليم - أي التسليم عليه بإمرة المؤمنين - وفزع الطاغية وقال لهم : كيف أقف على صدق ما تقولون ؟
فأجابوه : تمضى ثلاث ليال فلا يصير إليك مسلّماً، إن في ذلك لدليلاً، ومضى اليوم الرابع فلم يأتِ الإمام إليه مسلّماً، فالتاع المنصور وقال للربيع : يا ربيع، ائتني بجعفر بن محمّد، قتلني اللّه إن لم أقتله.
وتماهل الربيع في إحضار الإمام، وكان ممّن يدين له بالولاء، وظنّ أنّه سيغفل
1) سفينة البحار 2: 22.
عنه، ولكنّ المنصور قد تميّز من الغيظ، وعرف ما أضمره الربيع، فقال له بنبرات تقطر غضباً : ائتني به، قتلني اللّه إن لم أقتله، وقتلني اللّه إن لم أبدأ بك، إن أنت لم تأتني به.
وفزع الربيع وخاف من المنصور، فأسرع إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فوافاه يصلي إلى جنب اسطوانة التوبة في الجامع النبوي المعظم، فقال له : يا أبا عبداللّه، أجب أمير المؤمنين للتي لا شوى (1)لها.
وتشهد الإمام وسلّم من صلاته، ومضى مع الربيع، وجعل يهمس في دعاء له، وفهم الربيع بعضه، ولم يفهم البعض الآخر، ودخل على المنصور فسلّم عليه بالخلافة، فلم يرد عليه السلام، وصاح الطاغية به، وقال - ويا لهول ما قال -: يا مرائي، يا مارق، منّتك نفسك مكاني، فوريت عليَّ، ولم ترَ الصلاة خلفي والتسليم عليّ ؟
والتفت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكلّمه بكلمات ناعمة رقيقة ليسلم من شرّه قائلاً «يا أميرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ داودَ النبيّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَعْطِيَ فَشَكَرَ، وَإِنَّ أَيُّوبَ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، وَإِنَّ يُوسُفَ ظُلِمَ فَغَفَرَ، وَهؤُلاءِ صَلَواتُ اللّه عَلَيْهِمْ أَنْبِياؤُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النبوّة، وَإِلَيْهِمْ يَؤُولُ نَسَبُهُ، وَأَحَقُّ مَنْ أَخَذَ بِآدابِ الْأَنْبِياءِ، مَنْ جَعَلَ اللّه لَهُ مِثْلَ حَظَّكَ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ يَقولُ اللّه جَلَّ تَناؤُهُ : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» (2)، فَتَثَبَّتْ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَصِحُ لَكَ الْيَقينُ».
وزال الغضب عن المنصور، والتفت إلى الإمام قائلاً: أشهد أنك صادق.
وأخذ بيد الإمام فرفعه، وقال له : أنت أخي وابن عمي، سلني حاجتك صغيرها وكبيرها.
فأجابه الإمام : «أَذْهَلَني ما كانَ مِنْ لِقائِكَ وَكَلامِكَ عَنْ حاجاتي، وَلِكنّي أُفَكِّرُ وَأَجْمَعُ لَكَ حَوائِجِي إِنْ شَاءَ اللّه».
ثم خرج من عنده، وبهر الربيع فقال للإمام : يا أبا عبداللّه، سمعتك همست بكلام أُحبّ أن أعرفه.
وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد تحجب بدعاء وقاه اللّه به من شرّ المنصور، فقال للربيع : «إِنَّ جَدِّي عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عَلَيهِ السَّلَامُ) يَقولُ : مَنْ خَافَ مِنْ سُلْطَانٍ ظُلامَةٌ، أَوْ تَغَطْرُساً فَلْيَقُلْ : اللّهمّ احْرُسْني بِعَيْنِكَ الَّتي لَا تَنامُ، وَاكْتُفْني بِرُكْنِكَ الَّذِي لَا يُرامُ، وَاغْفِرْ بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ (1)فَلا أَهْلَكَنَّ وَأَنْتَ رَجَائِي، فَكَمْ مِنْ نِعْمَةٍ قَدْ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ قَلَّ عِنْدَها شُكْرِي، وَكَمْ مِنْ بَلِيَّةٍ ابْتَلَيْتَنِي قَلَّ لَكَ عِنْدَهَا صَبْرِي.
فَيا مَنْ قَلْ عِنْدَ نِعْمَتِهِ شُكْرِي فَلَمْ يَحْرِمْني، وَيا مَنْ قَلْ عِنْدَ نِقْمَتِهِ صَبْرِي فَلَمْ يَخْذُلْني، وَيَا مَنْ رَآني عَلَى الْخَطايا فَلَمْ يَفْضَحْني، وَيا ذَا النَّعْمَاءِ الَّتِي لا تُحْصى، وَيا ذَا الأيادي التي لا تنقضي، بِك أَسْتَدْفِعُ مَكْرُوهَ ما أَنَا فِيهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ يا أَرْحَمَ الرّاحِمينَ».
قال الربيع : فكتبت الدعاء، ولم يلتق الإمام مع المنصور ولا سأله حاجة (2).
إنّ من هو ان الدنيا على اللّه تعالى أن يقابل المنصور الذي هو أخسّ إنسان حجّة اللّه وعملاق الفكر الإنساني الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمثل هذه الكلمات الجافة ويبالغ
في إيذائه وتوهينه.
دعا المنصور الدوانيقي الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الحضور عنده حينما زار مدينة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فامتنع الإمام من إجابته، وقد روى الربيع ما جرى للإمام معه، قال :
«لمّا حجّ المنصور وصار بالمدينة سهر ليلة ودعاني، فقال : يا ربيع، انطلق في وقتك هذا على أخفض الجناح، وألين مسير، وإن استطعت أن تكون وحدك فافعل، حتّى تأتى أبا عبداللّه جعفر بن محمّد، فقل له : هذا ابن عمّك يقرأ عليك السلام ويقول لك : إنّ الدار وإن نأت، والحال وإن اختلفت، فإنا نرجع إلى رحم أمس من اليمين إلى الشمال، وهو يسألك المصير في وقتك هذا، فإن سمح بالمسير فأوطئه خدّك، وإن امتنع بعذر أو غيره فاردد الأمر إليه في ذلك، فإن أمرك بالمصير ثانياً فيسر ولا تعسّر، واقبل العفو ولا تعنّف في قول ولا فعل.
وسار الربيع إلى الإمام فدخل عليه، فوجده قد استقبل القبلة، وهو ساجد قد أثر التراب في وجهه وخدّيه، فأكبره الربيع واستعظمه، ولما فرغ الإمام من صلاته ودعائه سلّم عليه الربيع، فقال له الإمام : ما جاءَ بِكَ ؟
وردّ الإمام السلام عليه، والتفت الربيع إلى الإمام فعرّفه برغبة المنصور في الإلتقاء به.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : يا ربيعُ، «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللّه وَمَا نَزَلَ مِنَ الحقّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ» (1).
1) الحديد 57 : 16.
يا رَبيعُ، «أَوْ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللّه فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّه إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ» (1).
وأمره بأن يقرأ على المنصور السلام، ثمّ أقبل على صلاته، وقبل أن يشرع في الصلاة قال للربيع : «أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى * أَعِندَهُ عِلْمٌ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى * أَمْ لَمْ يُنَبِّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى» (2)قُلْ لَهُ: إِنَّا وَاللّه قَدْ خِفْناكَ، وَخافَتْ لِخَوْفِنا النُّسْوَةُ اللّاتي أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِنَّ، فَإِنْ كَفَفْتَ وَإِلَّا أَجْرَيْنَا اسْمَكَ عَلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِي كلّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَاتٍ، وَأَنْتَ حَدَّثْتَنا عَنْ أَبيك، عَنْ جَدكَ أَنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قالَ : أَرْبَعُ دَعَواتِ لَا يُحْجَبْنَ عَنِ اللّه تَعَالَى : دُعاءُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَالْأَخِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ لأَخِيهِ، وَالْمَظْلُومِ، وَالْمُخْلِصِ.
قال الربيع : فما استتمّ كلام الإمام حتّى أتت رسل المنصور تقفوا أثري، وتعلم خبري، فرجعت وأخبرته بما كان، فبكى، وقال : إرْجِعْ إِلَيْهِ، وَقُلْ لَهُ : الْأَمْرُ فِي لِقَائِكَ إِلَيْكَ، وَأَمَا النِّسْوَةُ اللاتي ذَكَرْتَهُنَّ فَعَلَيْهِنَّ السَّلامُ، فَقَدْ آمَنَ اللّه رَوْعَهُنَّ، وَجَلا هَمَّهُنَّ.
ورجع الربيع إلى الإمام فأخبره بمقالة المنصور، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): قُلْ لَهُ : وصلت رحماً، ثمّ بكى (عَلَيهِ السَّلَامُ) - وسقطت بعض دموعه في حجره، والتفت إلى الربيع فقال له : يا ربيع، إِنَّ هَذِهِ الدُّنْيا وَإِنْ أَمْتَعَتْ بِبَهْجَتِهَا، وَغَرَّتْ بِزِبْرِجِها، فَإِنَّ آخِرَها لا يَعْدو أَنْ يَكُونَ كَآخِرِ الرَّبيع الَّذي يَروقُ بِخُضْرَتِهِ، ثمّ يَهِيجُ - أي يتغيّر - عِنْدَ انْتِهَاءِ مُدَّتِهِ، وَعَلَى مَنْ نَصَحَ لِنَفْسِهِ وَعَرَفَ حَقٌّ ما عَلَيْهِ وَما لَهُ، أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْها - أي إلى الدنيا - نَظَرَ مَنْ عَقَلَ عَنْ رَبِّهِ
جَلَّ وَعَلَا، وَحُذْرَ سوءَ مُنْقَلَبِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الدُّنْيا قَدْ خَدَعَتْ قَوْماً فارَقوها أَسَرَّ ما كانوا إِلَيْها، وَأَكْثَرَ ما كانوا اغْتِباطاً بها، طَرَقَتْهُمْ أَجَالُهُمْ بَياتاً وَهُمْ نَائِمُونَ، أَعْقَبَتْهُمُ الْأَلَمَ، وَأَوْرَثَتْهُمُ النَّدَمَ، وَجَرَّعَتْهُمْ مُرَّ الْمَذاقِ، وَغَصَصَتْهُمْ بِكَأْسِ الْفِراقِ، فَيا وَيْحَ مَنْ رَضِيَ عَنْهَا، وَأَفَرَّ عَيْناً بِهَا، أَما رَأى مَصْرَعَ آبَائِهِ، وَمَنْ سَلَفَ مِنْ أَعْدَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ.
يا رَبيعُ، أَطْوِلْ بِها حَسْرَةً، وَأَقْبِحْ بِها كَثرَةٌ، وَأَخِسَّ بِها صَفْقَةٌ، وَأَكْبِرْ بِها نَزْحَةٌ إِذا عايَنَ الْمَغْرُورُ بِها أَجَلَهُ، وَقَطَعَ بِالأَمانِي أَمَلَهُ، وَلْيَعْلَمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ أَطْوَلَ الْأَعْمَارِ وَأَمَدَّها، وَبَلَغَ فيها جَميعَ الأَمالِ هَلْ قِصارُهُ إِلَّا الْهَرَمُ. نَسْأَلُ اللّه لَنا وَلَكَ عَمَلاً صَالِحاً بِطَاعَتِهِ، وَمَآباً إِلى رَحْمَتِهِ، وَنُزوعاً عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَبَصِيرَةٌ فِي حَقِّهِ، فَإِنَّ ذلِكَ لَهُ وَبِهِ».
فالتفت الربيع إلى الإمام بخضوع فقال له : يا أبا عبد اللّه، أسألك بكل حقّ بينك وبین اللّه جل وعلا إلّا عرّفتني ما ابتهلت به إلى ربِّك تعالى، وجعلته حاجزاً بينك وبين حذرك وخوفك، لعل اللّه أن يجبر بدوائك كسيراً، ويغني به فقيراً، واللّه ما أعني غير نفسي.
ورفع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يده، وأقبل على مسجده، وعلّمه الدعاء المشهور (1)، وقد ذكرناه في الصحيفة الصادقية التي هي إحدى حلقات هذا الكتاب.
وضاق الطاغية ذرعاً من الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي انتشر فضله، وتحدّث الناس عن طاقاته العلميّة، ومواهبه التي لا تحدّ، وعزم الطاغية على قتله.
يقول الربيع : قال لي المنصور : إذا نزلت المدينة فاذكر لي جعفر بن محمّد، فواللّه العظيم لا يقتله أحد غيري، احذر أن تدع أن تذكرني به.
1) مهج الدعوات: 220 - 222.
قال : فلمّا صرنا إلى المدينة أنسانى اللّه عزّ وجلّ ذكره، فلما صرنا إلى مكّة قال لي : يا ربيع، ألم أمرك أن تذكرني بجعفر بن محمّد إذا دخلنا المدينة ؟
فقلت : نسيت ذلك يا مولاي.
فقال : إذا رجعت من مكة إلى المدينة فأذكرني به فلابد من قتله، فإن لم تفعل لأضربنّ عنقك.
فقلت : نعم، وأوصيت غلماني وأصحابي أن يذكروني به إذا انتهينا إلى المدينة.
فلما قدمنا المدينة قلت للمنصور : أحضر لك جعفر بن محمّد ؟
قال : نعم، ولا تأتيني به إلا مسحوباً، فمضيت وأنا في حال عظيم من الارتباك، فأتيت الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان جالساً في وسط داره فقلت له : جعلت فداك، إنّ أمير المؤمنين يدعوك إليه.
فقال : السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، ثمّ نهض وهو يمشي معي.
فقلت : يابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، إنه أمرني أن آتيه بك مسحوباً.
فقال : امْتَثِلْ ما أَمَرَكَ بِهِ، فأخذت بطرف كمه أسوقه إليه، فلما أدخلته عليه رأيته وهو جالس على سريره، وفي يده عمود من حديد يريد أن يقتله، ونظرت إلى الإمام جعفر وهو يحرّك شفتيه، فوقفت أنظر إليهما، فلما قرب الإمام من المنصور قام إليه ورحّب به، وقال له : ادن منّي يابن عمّي حتّى أجلسه على سريره، ثمّ أمر غلامه أن يأتيه بالغالية وعطّره بها، ولم يستقر به المجلس حتّى أمره بالانصراف، ولما خرج نهضت بين يديه، حتّى وصل إلى منزله، فقلت له : بأبي أنت وأمّي يابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، إني لم أشك فيه ساعة تدخل عليه أن يقتلك، ورأيتك تحرّك شفتيك في وقت دخولك عليه، فما قلت ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نعم يا ربيعُ، قُلْتُ : حَسْبِيَ الرَّبُّ مِنَ الْمَرْبوبينَ، حَسْبِيَ الْخَالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقينَ، حَسْبِيَ مَنْ لَمْ يَزَلْ حَسْبِي، حَسْبِيَ اللّه الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظيمِ، حَسْبِيَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ حَسْبِي، حَسْبِيَ حَسْبِيَ اللّه وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، اللّهمّ احْرُسْني بِعَيْنِكَ الَّتي لَا تَنامُ، وَاكْتُفْني بِرُكْنِك الذي لا يُرامُ، وَاحْفَظْنى بِعِزَّكَ، وَاكْفِنِي شَرَّهُ بِقُدْرَتِكَ، وَمُنَّ عَلَيَّ بِنَصْرِكَ، وَإِلَّا هَلَكْتُ وَأَنْتَ رَبِّي.
اللّهمّ إِنَّكَ أَجَلُ ممّا أَخافُ وَأَحْذَرُ، اللّهمّ إِنِّي أَدْرَاكَ فِي نَحْرِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ، وَاسْتَكْفيكَ إِيَّاهُ، يا كافِيَ مُوسَى مِنْ فِرْعَوْنَ، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مِنَ الْأَحْزَابِ «الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّه وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّه وَفَضْلِ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللّه وَاللّه ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ» (1). «أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّه عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وأُولئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ» (2). «وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَداً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَداً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ» (3).
لقد التجأ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى اللّه تعالى، وأناب إليه أن ينجيه من شر هذا الطاغية ويكفيه ممّا دبر له من سوء ومكروه، وروى السيد الجليل ابن طاووس أن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد تحصّن وتسلّح بهذا الدعاء حينما دخل على المنصور وهو :
«بِاللّه اسْتَفْتِحُ، وَبِاللّه اسْتَنْجِحُ، وَبِرسولِهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَتَوَسَّلُ، وَبِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلواتُ اللّه عَلَيْهِ أَتَشَفَّعُ، وَبِالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ صَلَّى اللّه عَلَيْهِما أَتَقَرَّبُ.
اللّهمّ لَيِّنْ صُعوبَتَهُ، وَسَهَّلْ لي حُزونَتَهُ، وَوَجَهُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَجَمِيعَ جَوارِحِهِ إِلَيَّ بِالرَأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَاذْهِبْ عَنِّي غَيْظَهُ وَبَأْسَهُ وَمَكْرَهُ وَجُنودَهُ وَأَحْزَابَهُ، وَانْصُرْنِي عَلَيْهِ
يحَقِّ كلّ سائح في رِياضِ قُدْسِكَ، وَفَضاءِ نُورِكَ، وَشَرِبَ مِنْ حَيَوانِ مائِكَ، وَانْقِذْني بِنَصْرِكَ الْعامَ الْمُحِيطِ، جَبْرَئِيلُ عَنْ يَميني، وميكانيلُ عَنْ يَسَارِي، وَمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أمامي، وَاللّه وَلِيِّي وَحافِظي وناصِري وإمامي، فَإِنَّ حِزْبَ اللّه هُمُ الْغالِبُونَ، اسْتَتَرْتُ وَاحْتَجَبْتُ وَامْتَنَعْتُ وَتَعَزَّزْتُ بِكَلِمَةِ اللّه الْوَحْدَانِيَّةِ الأَزَلِيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ، الَّتي مَنِ امْتَنَعَ بِها كانَ مَحْفوظاً، إِنَّ وَلِيِّى اللّه الَّذى نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالحينَ».
وحفظ الربيع هذا الدعاء، وعلّق عليه بقوله : «كتبته على رقّ، وجعلته في حمائل سیفی، فواللّه ما هبت المنصور بعدها» (1).
كان الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الربذة، فاجتاز عليها المنصور، ولما علم بإقامة الإمام فيها التفت إلى إبراهيم بن جبلة فقال له : يابن جبلة، قم إليه فضع في عنقه ثيابه، ثمّ ائتني به سحباً.
قال إبراهيم : فخرجت حتّى أتيت منزله، فلم أجده فيه، فطلبته في مسجد أبي ذرّ، فوجدته في باب المسجد، فاستحييت أن أفعل به ما أمرني به المنصور، فأخذت بكمّه وقلت له : أجب أمير المؤمنين.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إِنَّا للّه وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعونَ، دَعْنِي أَصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثمّ بكى بكاء شديداً وقال : اللّهمّ أَنْتَ ثِقَتي في كلّ كَرْبٍ، وَرَجاني في كلّ شِدَّةٍ، وَأَنْتَ لِي فِي كلّ أَمْرٍ نَزَلَ بي ثِقَةٌ وَعُدَّةٌ، كَمْ مِنْ كَرْبٍ يَضْعُفُ عَنْهُ الْفُؤادُ، وَتَقِلُ فيهِ الْحَيلَةُ، وَيَخْذُلُ فيهِ الْقَريبُ، وَيَشْمُتُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتُعْيِينِي فِيهِ الْأمورُ، أَنْزَلْتُهُ بِكَ، وَشَكَوْتُهُ إِلَيْكَ رَاغِباً فِيهِ إِلَيْكَ عَمَّنْ سواكَ، فَفَرَّجْتَهُ وَ كَشَفْتَهُ وَ كَفَيْتَنِيهِ، فَأَنْتَ وَلِيُّ كلّ نِعْمَةٍ، وَصَاحِبُ كلّ حَسَنَةٍ، وَمُنْتَهى
1) مهج الدعوات : 229 - 232.
كُلِّ حاجَةٍ، فَلَكَ الْحَمْدُ كَثيراً، وَلَكَ الْمَنُ فَاضِلاً.
ودخل الإمام على الطاغية فاستوى جالساً، وواجه الإمام بعنف وقسوة قائلاً له : قدمت رجلاً وأخرت أخرى، أما واللّه لأقتلنك، والإمام يعتذر منه ويقول : ارْفَق فَوَاللّه لَقَلَّ ما أَصْحَبُكَ.
وقد نعى الإمام إليه نفسه، وتوهم المنصور أنّه قد عناه، فقال لعيسى بن علي : سله أبي أم به ؟
وبادر عيسى فسأل الإمام من هو الذي سيفارق الحياة هل هو أو المنصور ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنّه هو الذي سيفارق ويستريح من المنصور.
وجلس الإمام في الطريق ينتظر إبراهيم ليشكره على ما أسداه عليه من معروف، وبادر إبراهيم فلحق الإمام فوجده جالساً وهو يحمد اللّه ويقول : الْحَمْدُ للّه الَّذِي أَدْعُوهُ فَيُجيبُني وَإِنْ كُنْتُ بَطيئاً حينَ يَدْعوني، وَالْحَمْدُ للّه الَّذِي أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي وَإِنْ كُنْتُ بخيلاً حينَ يَسْتَقْرِضُني، وَالْحَمْدُ للّه الَّذِي اسْتَوْجَبَ الشُّكْرَ عَلَيَّ بِفَضْلِهِ وَإِنْ كَانَ قَليلاً شُكْري.
وَالْحَمْدُ للّه الَّذي وَكَلَني إِلَيْهِ فَأَكْرَمَني وَلَمْ يَكِلْني إِلَى النَّاسِ فَيُهينوني، فَرَضِيتُ بلُطْفِكَ يا رَبِّ لُطْفاً، وَبِكِفايَتِكَ خَلَفاً.
اللّهمَّ يا رَبِّ ما أَعْطَيْتَني ممّا أُحِبُّ، فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لي فيما تُحِبُّ، اللّهمّ وَما زَوَيْتَ عَنِّي ممّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ خَيْراً لي، وَاصْرِفْ عَنِّي مَا أَكْرَهُ، وَاجْعَلْهُ خَيْراً لي.
اللّهمّ ما غَيَّبْتَ عَنّي مِنَ الأمورِ فَلَا تُغَيِّبْني عَنْ حِفْظِكَ، وَمَا فَقَدْتُ فَلَا أَفْقِدُ عَوْنَكَ، وَما نَسِيتُ فَلا أَنْسى ذِكْرَكَ، وَما مَلَلْتُ فَلَا أَمَلُّ شُكْرَكَ، عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ حَسْبِيَ اللّه وَنِعْمَ الْوَكيلُ (1).
1) مهج الدعوات: 232 - 234.
وأمر الطاغية السفاك المنصور الدوانيقي إبراهيم بن جبلة بحمل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) من يثرب إلى الكوفة، ومضى إبراهيم يجد في السير حتّى انتهى إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأخبره برسالة المنصور، فتوجّه الإمام بمشاعره وعواطفه نحو اللّه تعالى، وجعل يدعو بهذا الدعاء :
اللّهمّ أَنْتَ ثِقَتي في كلّ كَرْبٍ، وَرَجائي في كلّ شِدَّةٍ، وَإِنَّكَ لي فِي كلّ أَمْرٍ نَزَلَ بِي ثِقَةٌ وَعُدَّةٌ، كَمْ مِنْ كَرْبٍ تَضْعُفُ فِيهِ الْقُوى، وَتَقِلُّ فِيهِ الْحِيلَةُ، وَتُعْيِيني فيهِ الأمورُ، وَيَخْذُلُ فيهِ الْقَريبُ، وَيَشْمُتُ فيهِ الْعَدُوُّ، أَنْزَلْتُهُ بِكَ وَشَكَوْتُهُ إِلَيْكَ، رَغْبَةٌ فِيهِ إِلَيْكَ عَمَّنْ سِواك فَفَرَّجْتَهُ وَ كَشَفْتَهُ فَأَنْتَ وَلِيُّ كلّ نِعْمَةٍ، وَمُنْتَهى كلّ حَاجَةٍ، لَكَ الْحَمْدُ كَثِيراً، وَلَكَ الْمَنُّ فاضلاً».
ولما قدّمت إليه راحلته ليركب عليها توجّه إلى اللّه تعالى وأخذ يدعو بهذا الدعاء :
اللّهمّ بِكَ اسْتَفْتِحُ، وَبِكَ أَسْتَنْجِحُ، وَبِمحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَتَوَجَّهُ، اللّهمّ أَذْلِلْ حُزونَتَهُ وَكُلَّ حُرُونَةٍ، وَسَهِّلْ لي صُعوبَتَهُ وَكُلَّ صُعوبَةٍ، وَارْزُقْني مِنَ الْخَيْرِ فَوْقَ مَا أَرْجُو، وَاصْرِفْ عَنِّي مِنَ الشَّرِّ فَوْقَ مَا أَحْذَرُ، فَإِنَّكَ تَمْحو ما تَشاءُ وَتُنْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتابِ
ولما انتهى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الكوفة نزل عن راحلته، وصلى ركعتين، ورفع يده إلى السماء، وأخذ يناجي اللّه ويدعوه ليصرف عنه سوء المنصور وكيده قائلاً:
اللّهمّ رَبِّ السَّماواتِ وَمَا أَظَلَّتْ، وَرَبِّ الْأَرَضِينَ السَّبْع وَمَا أَقَلَّتْ، وَالرِّياح وما ذَرَتْ، وَالشَّياطينِ وَمَا أَضَلَّتْ، وَالْمَلائِكَةِ وَما عَمِلَتْ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد، وَأَنْ تَرْزُقَنى خَيْرَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ وَخَيْرَ ما فيها وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَخَيْرَ ما تَقَدَّمْتُ لَهُ، وَأَنْ تَصْرِفَ عَنِّي شَرَّها وَشَرَّ مَا فِيهَا وَشَرٌ أَهْلِهَا وَشَرَّ ما قَدِمْتُ لَهُ.
وأخبر المنصور بقدوم الإمام، فدعا المسيب بن زهير الضبي وقال له : إذا دخل جعفر بن محمّد فخاطبته، وأومأت إليك، فاضرب عنقه ولا تتأخّر، وأسرع الربيع نحو الإمام فقال له : يابن رسول اللّه، إنّ هذا الجبّار قد أمر فيك بأمر أكره ان ألقاك به، فإذا كان في نفسك شيء تقوله أتوصيني به ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لا يَروعُكَ ذلِكَ، وعرّفه أنه سوف يسلم من شرّه، ولما أراد الدخول على المنصور قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا إلهَ جَبْرَئِيلَ وَميكائِيلَ وَإِسْرافِيلَ، وَإِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَمحمّد صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَعَلَيْهِمْ، تَوَلَّني في هذِهِ الْغَدَاةِ، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ بِشَيْءٍ لَا طَاقَةَ لِي بِهِ.
ودخل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على المنصور، فلما رآه أخذته هيبة الإمام، وسكن غضبه، فأخذ بيده ورفعه على سريره، وأخذ يعتذر منه قائلاً: يا أبا عبد اللّه، يعزّ عَلَيَّ تعبك، وإنّما أحضرتك لأشكو إليك أهلك، قطعوا رحمي، وطعنوا في ديني، وألبوا الناس علَيَّ، ولو ولي هذا الأمر غيري ممّن هو أبعد رحماً منّي السمعوا له وأطاعوا.
وأخذ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يسكن غضبه قائلاً: يا أميرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْنَ يُعْدَلُ بِكَ عَنْ سَلَفِكَ الصالح ؟ إِنَّ أَيُّوبَ (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، وَإِنْ يُوسُفَ ظُلِمَ فَغَفَرَ، وَإِنَّ سُلَيْمانَ أُعْطِيَ فَشَكَرْ.
وطفق المنصور يقول : صبرت، وغفرت، وشكرت.
وراح المنصور يسأل الإمام قائلاً: حدثنا حديثاً كنت سمعته منك في صلة الأرحام.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): حَدَّثني أبي، عَنْ جَدّي : أَنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ : الْبِرُّ وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ عِمَارَةُ الدُّنْيا، وَزِيادَةُ الْأَعْمارِ.
قال المنصور : ليس هو هذا.
قال : نَعَمْ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدّي، قال : قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْسَأَ
في أَجَلِهِ، وَيُعَافِي فِي بَدَنِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَه.
قال المنصور : ليس هذا هو.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نَعَمْ، حَدَّثني أبي، عَنْ جَدّي : أَنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قالَ : رَأَيْتُ رَحِماً مُتَعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَشْكُو إِلَى اللّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قاطعها.
فَقُلْتُ : يَا جَبْرَئِيلُ، كَمْ بَيْنَهُمْ ؟
قالَ : سَبْعَةُ آباء.
فقال المنصور : ليس هذا هو.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): نَعَمْ، حَدَّثني أبي، عَنْ جَدّي، قالَ: قالَ رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): احْتَضَرَ رَجُلٌ بارٌّ في جوارِهِ رَجُلٌ عَاقٌ. قالَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ لِمَلِكِ الْمَوْتِ : يا مَلَكِ الْمَوْتِ، كَمْ باقٍ مِنْ أَجَلِ العاقِّ ؟
قالَ : ثَلاثُونَ سَنَة.
قالَ : حَوِّلها إلى هذا الْبَار.
فقال المنصور : يا غلام، ائتني بالغالية، فأتاه بها، فجعل يغلّفه بيده، ثمّ دفع إليه أربعة آلاف دينار، ودعا بدابته فجعلها قرب سريره، فركب عليها، وغادر مجلسه.
قال الربيع : فسمعته يقول : الْحَمْدُ للّه الَّذي أَدْعُوهُ فَيُجيبُني وَإِنْ كُنْتُ بَطيئاً حِينَ يَدعوني.
وَالْحَمْدُ للّه الَّذِي أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي وَإِنْ كُنْتُ بَحْيلاً حِينَ يَسْأَلُني.
وَالْحَمْدُ للّه الَّذِي اسْتَوْجَبَ الشُّكْرَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلاً شُكْرِي.
وَالْحَمْدُ للّه الَّذِي وَكَلَني إِلَيْهِ فَأَكْرَمَني وَلَمْ يَكِلْني إِلَى النَّاسِ فَيُهينوني.
يا رَبِّ كَفَى بِلُطْفِكَ لُطْفاً، وبكفايَتِكَ خَلَفاً.
فقال الربيع : يابن رسول اللّه، إنّ هذا الجبار دعا المسيب بن زهير فدفع إليه سيفاً، وأمره أن يضرب عنقك، وإنّي رأيتك تحرّك شفتيك حين دخلت بشيء لم أفهمه عنك.
فقال له الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَيْسَ هذا مَوْضِعُهُ، ولما صار وقت العشاء ذهب الربيع إلى الإمام يطلب منه أن يعلّمه الدعاء الذي أنجاه اللّه ببركته من شرّ المنصور وكيده.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدّي : أَنَّ رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لَمَا أَلَبَتْ عَلَيْهِ الْيَهُودُ وَفَزارَةً وَغَطفانُ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: «إِذْ جَاءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللّه الظُّنُونَا» (1)، وَكانَ ذلِكَ الْيَوْمُ أَغْلَظَ يَوْمٍ عَلى رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فَجَعَلَ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَقولُ : ضيقي تَتَّسِعي، ثمّ خَرَجَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ فَرَأَى شَخصاً فَقَالَ لِحُذَيْفَةَ : انْظُرْ مَنْ هَذا ؟
فَقالَ : يا رَسولَ اللّه، هَذا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب.
فَقالَ لَهُ رَسولُ اللّه : يا أبا الْحَسَنِ، أَما خَشَيْتَ أَنْ تَفَعَ عَلَيْكَ عَيْنٌ ؟
قالَ (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي للّه وَلِرَسُولِهِ وَخَرَجْتُ حارِساً لِلْمُسْلِمِينَ في هذِهِ اللَّيْلَةِ، فَمَا انْقَضىٰ كَلَامُهُ حتّى نَزَلَ جَبْرَئِيلُ (عَلَيهِ السَّلَامُ) فَقالَ : يا محمّد، إِنَّ اللّه تَعالى يُقْرِئُكَ السَّلامَ وَيَقولُ لَكَ : قَدْ رَأَيْتُ مَوْقِفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مُنْذُ اللَّيْلَةِ، وَأَهْدَيْتُ لَهُ مِنْ مَكْنُونِ عِلْمِي كَلِمَاتٍ لَا يَتَعَوَّذُ بِها عِنْدَ شَيْطانِ مارِدٍ، وَلَا سُلْطَانٍ جَائِرٍ، وَلَا غَرَقِ، وَلَا هَدْمِ، وَلَا رَدْمٍ، وَلَا سَبْع ضَارٌّ، وَلَا لُصَّ قاطع، إِلَّا آمَنَهُ اللّه مِنْ ذلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَقول : اللّهمّ احْرُسُنَا بِعَيْنِكَ الَّتى لَا تَنامُ، وَاكْتُفْنَا بِرَكْنِكَ الَّذي لَا يُرَامُ، وَأَعِزَّنَا بِسُلْطَائِكَ الَّذي لَا يُضامُ، وَارْحَمْنَا بِقُدْرَتِكَ عَلَيْنَا، وَلَا تُهْلِكْنَا وَأَنْتَ الرَّجَاءُ، رَبِّ كَمْ مِنْ نِعْمَةٍ أَنْعَمْتَ
1) الأحزاب 10:33.
بِها عَلَيَّ، قَلَّ لَكَ عِنْدَها شُكْرِي، وَكَمْ مِنْ بَلِيَّةٍ ابْتَلَيْتَنِي بِهَا قَلَّ لَكَ عِنْدَهَا صَبْرِي، فَيا مَنْ قَلَّ عِنْدَ نِعَمِهِ شُكْرِي فَلَمْ يَحْرِمْني، وَيا مَنْ قَلَّ عِنْدَ يَلِيَّتِهِ صَبْرِي فَلَمْ يَخْذُلْني، يا ذا الْمَعْرُوفِ الدَائِمِ الَّذِي لَا يَنْقَضي أَبَداً، وَيا ذَا النَّعْمَاءِ الَّتِي لَا تُحْصَىٰ عَدَداً.
أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى محمّد وَآلِ محمّد الطَّاهِرِينَ، وَادْرَأُ بِكَ فِي نُحورِ الْأَعْداءِ وَالْجَبَّارِينَ.
اللّهمّ أَعِنِّي عَلى ديني بِدُنْياي، وَعَلَى آخِرَتي بِتَقْواي، وَاحْفَظْني فِيمَا غِبْتُ عَنْهُ، وَلَا تَكِلْني إِلى نَفْسى فيما حَضَرْتُهُ، يا مَنْ لَا تَنْقُصُهُ الْمَغْفِرَةُ، وَلَا تَضُرُّهُ الْمَعْصِيَةُ، أَسْأَلُكَ فَرَجاً عاجلاً، وَصَبْراً جميلاً، وَرِزْقاً واسعاً، وَالْعَافِيَةَ مِنْ جَميعِ الْبَلاءِ، وَالشَّكْرَ عَلَى الْعَافِيَةِ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ.
قال الربيع : لقد دعاني المنصور ثلاث مرات يريد قتلي فأنقذني اللّه ببركة هذا الدعاء (1).
وأوعز المنصور إلى عامله على يثرب بحمل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بغداد لاغتياله، ونفّذ العامل ذلك، ولما انتهى الإمام إلى بغداد أبقاه في موضع يسمّى بالحمر طيلة النهار، وفي الهزيع الأخير من الليل دعا الربيع فقال له : يا ربيع، إنك تعرف موضعك مني، وإنّي أعرفك أمراً لا تظهر عليه حتّى أمهات الأولاد، فشكره الربيع على ثقته به، وأظهر الطاعة الكاملة لأوامره، فقال له المنصور : صر إلى جعفر بن محمّد فأتني به الساعة على الحال الذي تجده فيه لا تغير شيئاً ممّا عليه.
وصعب ذلك على الربيع، فقد كان من القائلين بإمامة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجعل يقول
1) مهج الدعوات : 234 - 239.
بعد الاسترجاع : هذا واللّه العطب إن أتيت به على ما أراه من غضبه قتله، وذهبت منّى الآخرة، وإن لم آتِ به قتلني وقتل نسلي وأخذ أموالي، فميزت بين الدنيا والآخرة، فمالت نفسي إلى الدنيا.
وأمر الربيع ولده محمّداً، وكان شرساً فظاً بأن يأتي بالإمام على الحالة التي يجده فيها، ومضى إليه محمّد فتسلّق عليه الدار، فوجد الإمام قائماً يصلي وعليه قميص ومنديل قد ائتزر به، فلمّا سلّم من صلاته قابله الفتى بعنف وقال له : أجب أمير المؤمنين، فطلب الإمام منه أن يدعو ويلبس ثيابه، فلم يسمح له بذلك، وطلب منه أن يدخل المغتسل ويتطهر، فأبى وامتنع من إجابته، وقال له : لا أدعك تغير شيئاً، وأخرج الإمام حافياً حاسراً في قميصه ومنديله، وكان قد جاوز الستين من عمره، ولما مضى بعض الطريق ضعف الإمام عن المشي، فسمح له بالركوب، وانتهى بالإمام إلى الربيع.
فلما رآه بتلك الحالة أغرق بالبكاء، فقال الإمام له : دعني أصلي ركعتين وأدعو، فسمح له بذلك، ولما فرغ من صلاته ودعائه أخذ الربيع بذراعيه وأدخله على المنصور، وكان الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يواصل دعاءه، ولما رآه المنصور قابله بمزيد من الهوان، وصاح الرجس به : يا جعفر، ما تدع حسدك ويغيك وفسادك على أهل هذا البيت من بني العبّاس، وما يزيدك اللّه بذلك إلا شدة حسد ونكد. والإمام واقف أمام هذا الرجس، وهو يعتذر منه قائلاً : ما فَعَلْتُ شَيْئاً مِنْ هذا، وَلَقَدْ كُنْتُ في ولايَةِ بني أميّة وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُمْ أَعْدَى الْخَلْقِ لَنا وَلَكُمْ، وَأَنَّهُمْ لَا حَقٌّ لَهُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَوَاللّه ما بَغَيْتُ عَلَيْهِمْ، وَلَا بَلَغَهُمْ عَنّي سوءٌ مَعَ جَفاعِهِمُ الَّذي كانَ لي، وَكَيْفَ يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَصْنَعُ الآنَ هذا، وَأَنْتَ ابْنُ عَمّي وَأَمَسُّ الْخَلْقِ بى رَحِماً، وَأَكْثَرُهُمْ عَطَاءٌ وَبِرًا، فَكَيْفَ أَفْعَل ؟
وأطرق الطاغية برأسه إلى الأرض، وهو يتميّز غيظاً وغضباً على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والتفت إليه بشراسة وعنف قائلاً: بطلت وأثمت.
ثمّ ثنى الوسادة، وأخرج منها إضبارة كتب، فرمى بها إلى الإمام، وقال : هذه كتبك إلى أهل خراسان تدعوهم إلى نقض بيعتي، وأن يبايعوك دوني.
فأنكر الإمام أشدّ الانكار أن تكون هذه الكتب له، وإنّما هي مزوّرة عليه قائلاً: وَاللّه ما فَعَلْتُ، وَلَا أَسْتَحِلُّ ذلِكَ، وَلَا هُو مِنْ مَذْهَبى، وَإِنِّي لَمَنْ يَعْتَقِدُ طَاعَتَكَ عَلَى كلّ حالٍ، وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ السِّنِّ ما قَدْ أَضْعَفَنِي عَنْ ذلِكَ لَوْ أَرَدْتُهُ، فَصَيِّرْنِي إِلَى بَعْضٍ حبوسِكَ حَتَّىٰ يَأْتِينِي الْمَوْتُ فَهُوَ مِنِّي قَرِيبٌ.
فصاح الطاغية به : لا، ولا كرامة.
وأطرق الطاغية برأسه إلى الأرض، ثمّ ضرب يده إلى سيفه فسل منه شبراً، وفزع الربيع، وقال : إنا للّه، ذهب الرجل.
ثمّ إنّه ردّ السيف وخاطب الإمام بهذه الكلمات الجافة التي تنم عن خبثه قائلاً : يا جعفر، أما تستحي مع هذه الشيبة، ومع هذا النسب أن تنطق بالباطل، وتشقّ عصا المسلمين، تريد أن تريق الدماء، وتطرح الفتنة بين الرعية والأولياء ؟
فردّ (عَلَيهِ السَّلَامُ): لا واللّه ما فَعَلْتُ، وَلَا هَذِهِ كُتُبى وَلَا خَطَى وَلَا خاتمي.
ولم يجد اعتذار الإمام معه شيئاً، فانتضى من السيف ذراعاً، والتاع الربيع فقال : إنا للّه، مضى الرجل.
ودار في نفسي إنّه إن أمرني بقتل الإمام أن آخذ السيف من يده وأضرب به المنصور، وإنّ سبب ذلك هلاكي وهلاك ولدي، وأقبل المنصور على الإمام يعاتبه، والإمام يعتذر منه، ثمّ انتضى السيف كلّه، ثمّ أغمده، وأطرق ساعة برأسه إلى الأرض، ثمّ رفع رأسه، وقال : أظنك يا جعفر صادقاً.
ثم أقبل على الربيع فقال له : هات العيبة - وهي مستودع - وأمره أن يغمس فيها يديه، ويضعها على لحية الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكانت بيضاء فاسودّت وقال له : احمله على فاره من دوابي التي أركبها، وأعطه عشرة آلاف درهم، وشيعه إلى منزله مكرّماً،
وخيّره بين المقام عندنا أو الانصراف إلى مدينة جدّه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وخرج الربيع وملء إهابه الفرح والسرور بسلامة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من هذا الرجس، والتفت إلى الإمام قائلاً: يابن رسول اللّه، إنّي لأعجب ممّا عمد هذا إليك وما أنقذك اللّه منه، ولا عجب من أمر اللّه، وقد سمعتك تدعو عقيب الركعتين بدعاء لم أدر ما هو ؟ ورأيتك تحرّك شفتيك في صحن القصر، لم أدر ما هو ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أَمَا الْأَوَّلُ فَدُعاءُ الْكَرْبِ وَالشَّدائِدِ، لَمْ أَدْعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَ الْيَوْمِ جَعَلْتُهُ عِوَضاً عَنْ أَدْعِيَتي الَّتي كُنْتُ أَدْعو بها إِذا قَضَيْتُ صَلاتِي، وَأَمَّا الَّذِي حَرَّكْتُ بِهِ شَفَتي فَهُوَ دُعاءُ جَدِّي رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يَوْمَ الْأَحْزَابِ حينَما أَحاطَتْ بِهِ جُيوشُ الْمُشْرِكِينَ، فَكانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا قَالَ اللّه تَعَالَى : «إِذْ جَاءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللّه الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً» (1)، فَدَعَا رَسولُ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بهذا الدُّعاءِ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَواتُ اللّه عَلَيْهِ يَدْعو بِهِ إِذا أَحْزَنَهُ أَمْرٌ، وَهُوَ : اللّهمّ احْرُسْني بِعَيْنِكَ الَّتي لَا تَنامُ، وَاكْتُفْني بِرُكْنِكَ الَّذِي لَا يُضامُ، وَاغْفِرْ لِي بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ.
رَبِّ لَا أَهْلَكَ وَأَنْتَ الرَّجاءُ. اللّهمّ أَنْتَ أَعَزُّ وَأَكْبَرُ ممّا أَخافُ وَأَحْذَرُ، بِاللّه اسْتَفْتِحُ، وَبِاللّه اسْتَنْجِحْ، وَبِمحمّد رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أَتَوَجَّهُ، يا كَافِي إِبْرَاهِيمَ مِنْ نَمْرُودَ، وَمُوسَىٰ مِنْ فِرْعَونَ، اكْفِنِي ما أَنا فيهِ، اللّه اللّه رَبِّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، حَسْبِيَ الرَّبُّ مِنَ الْمَرْبوبينَ، حَسْبِيَ الْخَالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقينَ، حَسْبِيَ الْمَانِعُ مِنَ الْمَمْنوعِينَ، حَسْبِيَ مَنْ لَمْ يَزَلْ حَسْبِي، حَسْبِيَ اللّه لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.
وقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للربيع : كُنْتَ قَدْ طَلَبْتَ مِنّي أَرْضِي بِالْمَدِينَةِ، وَأَعْطَيْتَني بِها عَشْرَةَ
1) الأحزاب 33 : 10 و 11.
آلاف دينارٍ، فَلَمْ أَبِعْهَا عَلَيْكَ، وَإِنِّي قَدْ وَهَبْتُها لَكَ.
فقال الربيع : إنّما رغبتي في الدعاء الأوّل والثاني، وإذا فعلت هذا فهو البرّ، ولا حاجة لي في الأرض.
فقال : إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا تَرْجِعُ في مَعْروفِنا، نَحْنُ نَنْسَخُكَ الدُّعاءَ (1)، وَنُسَلِّمُ لَك الْأَرْضَ، ثمّ إنّه علّمه الدعاء، وذكرناه في الصحيفة الصادقية، كما كتب له ورقة في هبته للأرض.
وقال الربيع للإمام : أما خفت أبا جعفر المنصور وقد أعد لك ما أعد ؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): خيفتى مِنَ اللّه دونَ خِيفَتِهِ، وَكانَ اللّه عَزَّ وَجَلَّ فِي صَدْري أَعْظَمَ مِنْهُ
وانصرف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) راجعاً إلى يثرب.
قال الربيع : وجدت من المنصور خلوة وطيب نفس فقلت له : يا أمير المؤمنين، رأيت غضبك على جعفر غضباً لم أرك غضبته على أحد قط، ولا على عبداللّه بن الحسن، ولا على غيره حتّى بلغ بك الأمر أنّك أردت قتله، فقد أخرجت من سيفك شبراً ثمّ غمدته، ثمّ عاتبته، ثمّ أخرجت منه ذراعاً ثمّ عاتبته، وأعمدته، ثمّ أخرجته كله، فلم أشك في قتلك له، ثمّ انحلّ ذلك كله فعاد رضى حتّى أمرتني فسوّدت لحيته بالغالية التي لا يتغلّف منها أحد إلّا أنت، وحملته، وأمرتني بتشييعه مكرّماً !
فقال المنصور : ويحك يا ربيع ! ليس هو كما ينبغي أن تحدّث به، وستره أولى، ولا أحبّ أن يبلغ ولد فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) فيفخرون بذلك علينا، حسبنا ما نحن فيه، ولكن لا أكتمك شيئاً، انظر من في الدار فنحّهم.
قال الربيع : فنحيت كلّ من في الدار، قال المنصور : ارجع ولا تبق أحداً، ففعلت ذلك، ثمّ قال لي : ليس أنا وأنت، لئن سمعت ما ألقيته إليك من أحد لأقتلنك وولدك
1) أي نعلمك الدعاء.
وأهلك أجمعين، ولآخذن مالك، وتعهد الربيع له بعدم إذاعته.
فقال المنصور : يا ربيع، كنت مصراً على قتل جعفر، ولا أسمع له قولاً، ولا أقبل له عذراً، وإن كان ممّن لا يخرج بسيف أغلظ عندي، وأهم عليَّ من أمر عبد اللّه بن الحسن، وقد كنت أعلم هذا منه ومن آبائه على عهد بني أميّة.
وأخذ المنصور يحدثه عن السبب في إحجامه عن قتل الإمام قائلاً: لما هممت به في المرّة الأولى تمثل لي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فإذا هو حائل بيني وبينه، باسط كفّيه، حاسر عن ذراعيه، قد عبس وقطب في وجهي، فصرفت وجهي عنه.
ثمّ هممت به في المرة الثانية، وانتضيت من السيف أكثر ممّا انتضيت منه في المرّة الأولى، فإذا أنا برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد قرب و دنا شديداً، وهمّ بي أن لو فعلت لفعل، فأمسكت.
ثم تجاسرت فانتضيت السيف في الثالثة، فتمثّل لي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) باسطاً ذراعيه، قد شمّر واحمر وعبس وقطب حتّى كاد أن يضع يده عليَّ فخفت، واللّه لو فعلت لفعل، وكان منّي ما رأيت. وهؤلاء من بني فاطمة صلوات اللّه عليها لا يجهل حقهم إلا جاهل لا حظ له في الشريعة، فإيّاك أن يسمع هذا منك أحداً.
قال محمّد بن الربيع : فما حدثت بهذا أبي حتّى مات المنصور، وما حدثت أنا به حتى مات المهدي وموسى وهارون (1).
وهكذا كانت تتوالى على الطاغية براهين اللّه تعالى في شأن وليه سليل النبوّة، و امام الصادقين والمتّقين، إلّا أنّه كان يضرب عنه صفحاً، فكان بين فترة وأخرى يستدعيه فيزعجه ويرهقه حرصاً على سلطانه وملكه، مع علمه بأنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يقم بأي عمل يدعو إلى تقويض دولته، إلا أنّ الذي كان يقلقه ويضطرب فيه هو
1) مهج الدعوات : 239 – 245.
أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يملك رصيداً شعبياً هائلاً، وكانت الأوساط الإسلاميّة بما فيهم بعض حاشية المنصور ينظرون إلى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بإكبار وتعظيم، وكان ذلك يشقّ على المنصور ويزعجه، ويروم أن يكون الإكبار والتعظيم له وحده لا يشاركه أحد فيه.
هذا بعض ما عاناه الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المحن والخطوب من المنصور، فقد كان من ألد أعدائه والحاقدين عليه.
وتتابعت المحن والأزمات على سليل النبوّة، وعملاق الفكر الإسلامي، الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهد المنصور الدوانيقي، فقد رأى ما قاساه العلويّون وشيعتهم من ضروب المحن والبلاء، وما كابده هو بالذات من صنوف الارهاق والتنكيل، فقد كان الطاغية يستدعيه بين فترة وأخرى، ويقابله بالشتم والتهديد والوعيد، لم يحترم مركزه العلمي، وشيخوخته، وانصرافه عن الدنيا إلى العبادة وإشاعة العلم، ولم يحفل الطاغية بذلك كلّه، فقد كان الإمام شبحاً مخيفاً له، ونعرض - بإيجاز - للشؤون الأخيرة من حياة الإمام ووفاته.
وأعلن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) للناس بدنو الأجل المحتوم منه، وأنّ لقاءه بربّه لقريب، وكان من بين من أخبرهم بذلك ما يلي :
1 - روی شهاب بن عبد ربه، قال : «قال لي أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : كَيْفَ بِكَ إِذا نَعاني إِلَيْكَ محمّد بْنُ سُلَيْمَانَ ؟
قال : فلا واللّه ما عرفت محمّد بن سليمان من هو، فكنت يوماً بالبصرة عند محمّد بن سليمان، وهو والي البصرة إذ ألقى إليَّ كتاباً، وقال لي : يا شهاب، عظم اللّه أجرك وأجرنا في إمامك جعفر بن محمّد.
قال : فذكرت الكلام، فخنقتني العبرة» (1).
أخبر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) المنصور بدنو أجله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لما أراد الطاغية أن يقتله فقد قال له : «ارْفَقْ بي فَوَاللّه لَقَلَّ ما أَصْحَبُكَ، ثمّ انصرف عنه.
فقال المنصور لعيسى بن عليّ : قم اسأله أبي أم به - يعني الوفاة - فلحقه عيسى، وأخبره بمقالة المنصور، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لَا بَلْ بی (2)، وتحقق ما تنبّأ به الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلم تمض فترة يسيرة من الزمن حتّى وافته المنيّة.
كان الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) شجا يعترض في حلق الطاغية الدوانيقي، فقد ضاق ذرعاً منه، وقد حكى لصديقه وصاحب سرّه محمّد بن عبد اللّه الاسكندري. يقول محمّد : «دخلت على المنصور فرأيته معتماً، فقلت له : ما هذه الفكرة ؟
يا محمّد، لقد هلك من أولاد فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) مقدار مائة ويزيدون - وهؤلاء قد قتلتهم - ويقي سيّدهم وإمامهم.
من ذاك؟
جعفر بن محمّد الصادق.
وحاول محمّد أن يصرفه عنه، فقال له : إنّه رجل أنحلته العبادة، واشتغل باللّه عن طلب الملك والخلافة.
ولم يرتض المنصور مقالته فردّ عليه : يا محمّد، قد علمت أنك تقول به، وبإمامته، ولكنّ الملك عقيم» (3).
وأخذ الطاغية يضيّق على الإمام، وأحاط داره بالعيون وهم يسجّلون كلّ بادرة تصدر من الإمام، ويرفعونها له، وقد حكى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما كان يعانيه من الضيق.
يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): عَزَّتِ السَّلامَةُ، حتّى لَقَدْ خَفِيَ مَطْلَبها، فَإِنْ تَكُنْ فِي شَيْءٍ فَيُوشِكُ أَنْ تَكونَ فِى الْخُمولِ، فَإِنْ طُلِبَتْ فِى الْجُمولِ فَلَمْ توجَدْ فَيُوشِكُ أَنْ تَكونَ في الصَّمْتِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خَلْوَةٌ يَشْتَغِلُ بِها» (1).
ولم تجد جميع المحاولات التي سلكها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) للتخلّص من شرّ الطاغية، فقد صمّم على اغتياله - على ما قيل (2)- غير حافل بالعار والنار، فدسّ إليه سمّاً فاتكاً على يد عامله على يثرب فسقاه به، ولما تناوله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تقطّعت أمعاؤه وأخذ يعاني الآلام القاسية، والأوجاع المؤلمة، وأيقن بأن النهاية الأخيرة من حياته قد دنت منه.
ولما شعر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بدنو الأجل المحتوم منه أوصى بعدة وصايا كان من بينها ما يلي :
1 - أنّه أوصى للحسن بن عليّ المعروف بالأفطس بسبعين ديناراً، فقال له شخص : أتعطي رجلاً حمل عليك بالشفرة ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : وَيْحَكَ، ما تَقْرَأُ الْقُرْآنَ : «وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّه بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ» (3).
لقد أخلص الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كأعظم ما يكون الاخلاص للدين العظيم، وآمن بجميع قيمه وأهدافه، وابتعد عن العواطف والأهواء، قد أوصى بالبر لهذا الرجل الذي رام قتله، لأنّ في الإحسان إليه صلة للرحم التي أوصى اللّه بها.
2 - أنّه أوصى بوصاياه الخاصة، وعهد بأمره أمام الناس إلى خمسة أشخاص : وهم المنصور الدوانيقي، ومحمّد بن سليمان، وعبد اللّه، وولده الإمام موسى وحميدة زوجته، وإنّما أوصى بذلك خوفاً على ولده الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) من السلطة الجائرة، وقد تبين ذلك بوضوح بعد وفاته، فقد كتب المنصور إلى عامله على يثرب بقتل وصيّ الإمام، فكتب إليه أنه أوصى إلى خمسة، وهو أحدهم، فأجابه المنصور ليس إلى قتل هؤلاء من سبيل (1).
3 - أنه أوصى بجميع وصاياه إلى ولده الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأوصاه بتجهيزه وغسله وتكفينه والصلاة عليه، كما نصبه إماماً من بعده، ودلّ خواص شیعته عليه، وأمرهم بلزوم طاعته.
4 - أنه دعا السيّدة حميدة زوجته، وأمرها بإحضار جماعة من جيرانه ومواليه، فلمّا حضروا عنده قال لهم : «إِنَّ شَفاعَتَنا لَا تَنالُ مُسْتَخِفَاً بِالصَّلاةِ» (2).
إنّ الصلاة العمود الفقري للإسلام، فمن حافظ عليها، وأتى بها كان من المسلمين، ومن أنكرها واستخف بها فقد خرج من ربقة الإسلام، وفي بعض الأخبار أنّه يموت تاركها إن شاء يهودياً أو نصرانياً.
وأخذ الموت يدنو سريعاً من سليل النبوّة، ورائد النهضة الفكرية والعلمية في
الإسلام، وعنوان مجد هذه الأمّة وفخرها، وفي اللحظات الأخيرة من حياته أخذ يوصي أهل بيته بمكارم الأخلاق ومحاسن الصفات، ويحذرهم من مخالفة أوامر اللّه وأحكامه، كما أخذ يقرأ سوراً وآيات من القرآن الكريم، ثمّ ألقى النظرة الأخيرة من حياته على ولده الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفاضت روحه الزكيّة إلى بارئها، تلك الروح التي لم يخلق لها مثيل فيما مضى من سالف الزمن - عدا آبائه - وما هو آت حتّى يرث اللّه الأرض ومن عليها.
لقد مات عميد الإسلام الذي بذل جميع طاقاته في نشر العلم، وإشاعة المعرفة والفضيلة بين الناس.
لقد توفّى الرائد للنهضة العلميّة لا في عصره، وإنما في جميع العصور التي تلت عصره، فقد ترك تراثاً خالداً من العلم، ويضيء للناس حياتهم، ويوضح لهم معالم الحقّ، ويهديهم إلى سواء السبيل.
لقد كان موت الإمام من الأحداث الخطيرة التي مُني بها العالم الإسلامي في ذلك العصر، فقد اهتزت لهوله جميع أرجائه، وارتفعت الصيحة من بيوت الهاشميّين، وعلا الصراخ والعويل من بيوت يثرب، وهرعت الناس نحو مثوى الإمام، وهم ما بين واجم ونائح على فقد الراحل العظيم الذي كان ملاذاً ومفزعاً لجميع المسلمين.
تجهيزه (عَلَيهِ السَّلَامُ)
وقام الإمام موسى الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو خائر القوى، مكلوم القلب، فأخذ في تجهيز جثمان أبيه، وهو يذرف الدموع مهما ساعدته الجفون، فغسل الجسد الطاهر، وكفنه بثوبين شطويّين (1)كان يحرم فيهما، وفي قميص وعمامة كانت لجده الإمام زين العابدين وسيد المتّقين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولفه ببرد اشتراه الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأربعين ديناراً،
1) شطویین : مفرده شطا، إحدى قرى مصر.
وبعد الفراغ من تجهيزه صلّى عليه الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد ائتمّ به مئات المسلمين، وحمل الجثمان المقدّس على أطراف الأنامل تحت هالة من التكبير، وقد غرق الناس بالبكاء وهم يذكرون فضل الإمام وعائدته على هذه الأمّة بما بنّه من الطاقات العلميّة التي شملت جميع أنواع العلوم وجيء بالجثمان العظيم إلى البقيع المقدّس، فدفن في مقرّه الأخير بجوار جدّه الإمام زين العابدين، وأبيه الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد واروا معه العلم والحلم، وكلّ ما يسمو به هذا الكائن الحيّ من بني الإنسان.
وأبن الإمام جميع رجال الأدب والسياسة في ذلك العصر، منهم ما يلي
وأبن الشاعر الشهير أبو هريرة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الأبيات :
أقولُ وقَدْ راحُوا بِهِ يَحْمِلُونَهُ***على كاهل مِنْ حامليه وعاتِقِ
أتدرون ماذا تَحمِلُونَ إِلَى الثّرى***ثبيراً ثوى مِنْ رَأْسِ عَلياءَ شاهق (1)
غداةَ حَثا الحاثونَ فَوقَ ضَريحِهِ***تُراباً وَقَبْلاً كان فَوْقَ المَغارِقِ (2)
لقد ثوى ذلك الجبل الشامخ، وانطفأت تلك الشعلة الوهاجة التي أنارت عقول الناس بما أوجدته من صنوف العلم.
وأبّنه الشاعر مالك بن أعين الجهني بقوله :
وَغُيِّيْتُ عَنْكَ فَيا لَيْتَنى***شَهِدْتُ الَّذِي كُنتُ لَمْ أَشْهَدِ
فأسْبَيْتُ في سُبّةٍ جعفراً***وشاهَدتُ في لُطف العُوَّدِ
فإِنْ قِيلَ نَفْسُكَ قُلْتُ الفِداء***وكَفُ المَنيَّةِ بِالْمَرْصَدِ
عَشِيَّةَ يُدفَنُ فيكَ الْهُدى***وغُرَّتُهُ مِنْ بَنِي أَحَمدِ (1)
ورثاه الشاعر الكبير العوني بقوله :
عُج بالمَطِيُّ على بقيعِ الغَرْقَدِ***وَاقْرَ التّحِيَّةِ جعفر بن محمّد
وَقُلِ ابنُ بنتِ محمّد وَوصيه***يا نُورَ كلّ هدايَةٍ لَمْ تُجحَدِ
يا صادِقاً شَهِدَ الإلهُ بِصِدقه***فكفى مهابةً ذى الجلال الأَمْجَدِ
يابنَ الْهُدَى وَأَبَا الْهُدَى أَنْتَ الْهُدَى***يا نُورَ حاضِرِ سِرْكُل مُوَحِّدِ
يابنَ النبيّ محمّد أَنتَ الَّذي***أَوْضحْتَ قَصْدَ وَلاءِ آلِ محمّد
یا سادس الأنوار يا عَلَمَ الهُدَى***ضَلَّ امْرقُ بِوَلائِكم لَمْ يَهْتَدِ (2)
وأبنه شاعر مجهول ببيت من الشعر :
يا عَينُ بَكَّي جَعفَرَ بنَ محمّد***زَيْنَ المَشاعرِ كُلِّها والمَسجِدِ
وأبنه المنصور الدوانيقي. قال إسماعيل بن علي بن عبد اللّه بن العبّاس : «دخلت
على المنصور يوماً فرأيته وقد اخضلت لحيته بالدموع، فقال لي : ما علمت ما نزل بأهلك ؟
ما ذاك يا أمير المؤمنين ؟
إن سيدهم وعالمهم وبقية الأخيار منهم توفّي
من هو يا أمير المؤمنين ؟
جعفر بن محمّد.
عظّم اللّه أجر أمير المؤمنين، وأطال لنا بقاءه.
وطفق المنصور يؤبن الإمام قائلاً: إن جعفر بن محمّد كان ممّن قال اللّه فيه : «ثمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا» (1)، وكان ممّن اصطفى اللّه، وكان من السابقين بالخيرات (2).
لقد كان المنصور من ألد أعداء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلّا أنّه اعترف بالخسارة الكبرى التي مني بها المسلمون بوفاته.
ويقول المؤرّخون : «إنّه لما توفي الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) التقى مؤمن الطاق بأبي حنيفة، فبادر أبو حنيفة قائلاً : إنّ إمامك - يعني الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)- قد مات.
وشعر مؤمن الطاق بالشماتة في كلام أبي حنيفة، فردّ عليه بمنطقه الفياض قائلاً: أما إمامك - يعني إبليس - فمن المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم» (3).
ووجم أبو حنيفة، ولم يستطع الردّ عليه، وانصرف مؤمن الطاق وترك أبا حنيفة يتميّز من الغضب والغيظ.
وأمر الإمام موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يسرج ضياء في البيت الذي توفي فيه أبوه، جرياً على السنّة، وبقي الضياء يوقد كلّ يوم حتّى اعتقل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في العراق (1).
واختلف المؤرّخون في السنة التي توفي فيها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهذه بعض الأقوال :
1 - توفي سنة 148هـ، وهذا هو المشهور (2).
2 - توفي سنة 146هـ (3).
1) المعتبر 1 : 261. مستند الشيعة : 3: 76.
2) الإرشاد : 304 مرآة الزمان في تواريخ الأعيان : (مخطوط). خلاصة تهذيب الكمال : 54. مرآة الجنان : 1: 34. تذكرة الحفاظ : 1 : 157 تاريخ ابن الوردي : 1 : 266. الإتحاف بحبّ الأشراف : 54. دائرة المعارف / البستاني : 6: 478. أصول الكافي : 1 : 472. كشف الغمة : 2 : 373. مناقب آل أبي طالب : 4 : 280. تهذيب التهذيب : 1 : 386. إعلام الورى : 271. الأنساب / السمعاني : 3 : 508.
3) المعارف : 256.
4) الإرشاد : 304.
5) إعلام الورى : 271.
6) دائرة المعارف / البستاني : 6 : 478. دلائل الإمامة : 111 ضياء العالمين: الجزء الثاني (مخطوط). الإرشاد : 304.
2 - عمره 68 سنة (1).
لقد قضى الإمام عمره الشريف في نشر العلم، وإشاعة المعرفة، وقد فتح للناس أبواباً لم يعرفوها من قبل، فما أعظم عائدته على الناس.
1) خلاصة تهذيب الكمال : 54.
ومن بين السمات البارزة في عصر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) انتشار الفرق الدينية، واتساع بحوثها الجدلية والكلامية، فكل فرقة تبنّت لها حوزة علمية تبشر بمبادئها، وتنشر أفكارها، وتحاول أن تكسب لها قاعدة شعبيّة تجعلها الأكثر أهمية على الصعيد الفكري والاجتماعي.
وكانت المناقشات بين علماء الفرق تعقد في كثير من الأحيان في أندية الوزراء وكبار رجال الدولة، فقد كان البرامكة يعقدون في أروقة قصورهم الاجتماعات الحافلة بزعماء الفرق الدينية للمناظرة فيما بينهم، وكانت معظم البحوث تحوم حول الإمامة التي هي موضع الجدل بين جميع الفرق الإسلاميّة، فقد اختلفوا كأشدّ ما يكون الاختلاف في إمامة المفضول مع وجود من هو أفضل منه، فالمعتزلة كانت تصحح ذلك لتثبت شرعيّة حكومة الخلفاء الذين تقلدوا الحكم قبل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو أفضل الخلفاء - بإجماع المسلمين - وذلك بما يملكه من طاقات علمية وقضائيّة لم يتوفّر بعضها عند غيره.
وكانت الشيعة تنكر أشدّ الانكار إمامة المفضول، وتتمسك في الرد على المعتزلة بما أعلنه القرآن الكريم بصراحة من الاستنكار للتساوي بين المفضول والفاضل. قال تعالى : «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» (1)، بالإضافة إلى أن في
1) الزمر 39: 9.
تقديم المفضول على الفاضل سحقاً للمواهب والكفاءات، وتدميراً للمقاييس، وهذا ممّا يتنافى مع حكومة العقل وشريعة اللّه.
وكان البرامكة يدعون للمناظرة زعيم الشيعة الإماميّة في هذا المضمار المتكلّم العالم هشام بن الحكم، وكان في كلّ مناظرة يخرج ظافراً ومنتصراً، وخصومه قد بان عليهم الهوان والاذلال، وقد فزع الرشيد كأشدّ ما يكون الفزع من هشام، وقال كلمته المشهورة : «إنّ لسان هشام أضرّ على الحكومة العبّاسيّة من مائة ألف سيف تشهر ضدّها».
وأكبر الظنّ أنّ هذه الحلقات التي يعقدها الوزراء لم تكن بدافع العلم أو التسلية كما يقول البعض - وإنّما كانت لأغراض سياسيّة للتعرّف على أكثر الفرق مناوءة للسلطة في أهدافها ومبادئها. وكما كانت المناظرات يعقدها الوزراء، كذلك كان يعقدها الملوك، فقد عقد المنصور الدوانيقي في بهو قصره مناظرة بين الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبين أبي حنيفة، وكان قد أوعز لأبي حنيفة أن يسأل الإمام بأغمض المسائل وأكثرها تعقيداً، لعل الإمام يعجز عن الإجابة، فيتخذ ذلك وسيلة للطعن بالإمام والتشهير بعقائد الإماميّة التي تصرّ على أنّ الإمام لا بد أن يكون أعلم أهل زمانه.
وأعد أبو حنيفة أربعين مسألة كانت من أغمض المسائل - حسبما يقول أبو حنيفة - وقبل أن تفتح المناظرة التفت المنصور إلى الإمام قائلا له :
«هذا أبو حنيفة» محاولاً بذلك إرهاب الإمام واضطرابه حتّى يرتبك في جوابه، ولكنّ الإمام لم يعن بذلك، وعرض أبو حنيفة مسألة على الإمام فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ):«أَنْتُمْ تقولونَ كَذا، وَهُمْ - أي أهل الحجاز - يَقولونَ كَذا، وَنَحْنُ نَقولُ كَذا».
يقول أبو حنيفة : «ربّما تابعنا في الجواب، وربّما خالفنا حتّى أتيت على الأربعين مسألة ما أخل منها بمسألة واحدة، وأعرب أبو حنيفة عن إعجابه بمواهب الإمام
قائلاً: «أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس» (1).
وفات على المنصور ما كان يأمله من إفحام الإمام وتعجيزه.
وعلى أي حال، فإنّ المناظرات التي عقدها الملوك والوزراء وتأييدهم السافر لبعض الفرق الإسلاميّة لم يكن المقصود منه - فيما أحسب - إلا وقف المدّ للمذهب الإمامي الشيعي الذي يساير الفطرة، ويواكب الوعي فيما تبنّاه من الأهداف والمبادئ الهادفة إلى تطوير المجتمع اقتصادياً وفكرياً.
ومن المؤسف حقّاً أنّ أغلب المؤلّفين عن الفرق الإسلاميّة لم تكن بحوثهم خاضعة للواقع، ولا مجرّدة عن العواطف والأهواء التقليدية، ومن ثمّ كانت مشوّهة وبعيدة كلّ البعد عن المناهج العلمية. وعسى أن أكون قد أخلصت للحق فيما كتبته من بحوث عن بعض الفرق الإسلاميّة التي كانت معاصرة للإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).
أُريد أن ألتزم جانب الحياد فيما أكتبه عن الشيعة، فأبرز - بأمانة - ما تلتزم به هذه الطائفة من مبادئ في إطارها العقائدي، فقد اتهمت في غير إنصاف - باتهامات رخيصة تبرأ منها، وتعلن التزامها بما قنّنه الإسلام في الميادين السياسيّة والتشريعية، وفيما يلى عرضاً لبعض أفكارها :
الشيعة - في اللغة - هم الأتباع والأنصار، وغلب هذا الإسم على كلّ من يدين بالولاء للإمام أمير المؤمنين وأهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ)
1) جامع أسانيد أبي حنيفة : 1: 252. مناقب أبي حنيفة : 1 : 173. تذكرة الحفاظ : 1 : 157.
يقول ابن منظور : «أصل الشيعة الفرقة من الناس، ويقع على الواحد والإثنين، والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، ومعنى واحد، وقد غلب وصار اسماً أعلى من يتولّى عليّاً وأهل بيته رضوان اللّه عليهم أجمعين، حتّى صار اسماً خاصاً، فإذا قيل : فلان من الشيعة عُرف أنه منهم».
قال الشيخ المفيد : «التشيّع في اللغة هو الاتّباع على وجه التديّن، والولاء للمتبوع على الإخلاص. قال اللّه عزّ وجلّ : «فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِن عَدُوِّه» (1)، ففرّق بينهما في الولاية والعداوة، وجعل موجب التشيّع لأحدهما هو الولاء بصريح الذكر له في الكلام. فأما إذا أدخل فيه علامة التعريف بأن يقال : الشيعة فهو على التخصيص لا محالة لأتباع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلا فصل، ونفي الإمامة عمّن تقدّمه في مقام الخلافة، وجعله في الاعتقاد متبو وعاً له غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء» (2).
لقد ألقى الشيخ المفيد (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) الأضواء على مدلول التشيّع، وبين حقيقته ومفاده، فهو اسم لكل من قال بالنصّ على إمامة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنه الخليفة من بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مباشرة.
يقول الكميت :
وَما لِيَ إِلَّا آلُ أحمدَ شِيعة***وما لِيَ إِلَّا مَذهَبُ الحقّ مَذهَبُ
والشيء المحقّق هو أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هو الذي أطلق هذا الإسم ومنحه لأتباع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، اسمعوا ما قاله :
1 - «يا عَلِيُّ، أَنتَ وَشِيعَتُكَ تَرِدونَ عَلَى الْحَوْضَ» (1).
2 - «يا عَلِيُّ، إِنَّكَ سَتَقْدِمُ عَلَى اللّه وَشِيعَتُكَ راضونَ مَرْضِيّونَ، وَيَقْدِمُ أَعْداؤُكَ غِضاباً مُقْمَحينَ» (2).
3 -«عَلِيٌّ وَشِيعَتُهُ هُمُ الْفائِزونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (3).
4 - «يا عَلِيُّ، أَنْتَ وَشِيعَتُكَ فِي الْجَنَّةِ» (4).
5 - «يا أبا الْحَسَنِ، أَنْتَ وَشِيعَتُكَ فِي الْجَنَّةِ» (5).
6 - «يا عَلِيُّ، أَنْتَ وَشِيعَتُكَ تَرِدونَ عَلَيَّ الْحَوْضِ» (6).
7 - لما نزلت الآية الكريمة : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوْا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» (7)قال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «يا عَلِيُّ، هُوَ أَنْتَ وَشِيعَتُكَ تَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ راضينَ مَرْضِيِّينَ» (8).
إلى غير ذلك من الأحاديث التي أثرت عن الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد صرحت أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هو الذي أطلق هذا الإسم على أتباع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
يقول الإمام محمّد الحسين آل كاشف الغطاء (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : «إنّ أوّل من وضع بذرة التشيّع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة الإسلاميّة، يعني أن بذرة التشيّع وضعت مع بذرة الإسلام جنباً إلى جنب، وسواء بسواء» (9).
1) مجمع الزوائد: الزوائد : 9 : 131. كنوز الحقائق : 188. الاستيعاب : 2 : 457.
2) الصواعق المحرقة : 93.
3) كنوز الحقائق : 188.
4) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : 1: 257.
5) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : 1: 257.
6) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : 1: 257.
7) البقرة 2: 277 يونس 10 9 هود 11: 23. الكهف 18: 30 و 107. مريم 19 : 96. لقمان 31: 8. فصّلت 41: 8. البروج 85: 11 البيّنة 98: 7.
8) تاریخ بغداد : 12 : 358.
9) أصل الشيعة وأصولها : 184.
ويقول العلامة الحجّة الشيخ محمّد الحسين المظفّر : «إنّ الدعوة إلى التشيّع ابتدأت من اليوم الذي هتف فيه المنقذ الأعظم محمّد صلوات اللّه عليه صارخاً بكلمة لا إله إلا اللّه، فإنَّه لما نزل عليه قوله : «وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (1)جمع بني هاشم وأنذرهم قائلاً: أَيُّكُمْ يُوَازِرُني لِيَكُونَ أَخي وَوارثي وَوَصِيّي وَخَليفَتِي فِيكُمْ بَعْدي ؟
فلمّا لم يجبه إلى ما أراد غير المرتضى، قال لهم الرسول : هذا أخي، وَوارِثي، وَوَزيري، وَوَصِيّي، وَخَليفَتِي فِيكُمْ بَعْدِي، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطيعوا.
فكانت الدعوة إلى التشيّع لأبي الحسن من صاحب الرسالة تمشي معه جنباً لجنب مع الدعوة للشهادتين، ومن ثمّ كان أبو ذرّ الغفاري من شيعة عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ)».
وينقل الشيخ المظفري عن محمّد كرد علي مؤلّف (خطط الشام) قوله : «عرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة علي في عصر رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، مثل :
سلمان الفارسي القائل : بايعنا رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) على النصح للمسلمين، والائتمام بعلي بن أبي طالب، والموالاة له.
ومثل أبي سعيد الخدري القائل : أمر الناس بخمس، فعلوا أربعاً وتركوا واحدة، ولمّا سئل عن الأربع قال : الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان والحج.
قيل : فما الواحدة التي تركوها ؟
قال : ولاية عليّ بن أبي طالب.
لقد نشأت الشيعة في عهد الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فهو الذي وضع قواعدها، وأرسى أصولها، وأعلنها صريحة واضحة لا لبس فيها ولا غموض في أخذه البيعة للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في غدير خم، وقوله : «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللّهمّ
1) الشعراء 26: 214.
والِ مَنْ والاهُ، وَعادِ مَنْ عاداهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ»، وقد بايعه ما يزيد على مائة ألف من المسلمين، كما بايعته السيدات من أمهات المؤمنين، وبذلك فقد نصبّه قائداً عاماً لأمته، وقلّده الخلافة والنيابة العامّة عنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
أريد أن أبحث عن التشيّع بلغة العلم التي هي من أنجح الوسائل وأقومها في جمع الكلمة وتوحيد الصف، وأبتعد كلّ البعد عن الأساليب الجافة التي تثير العواطف، وتفرّق الصفوف، ولا يتذوقها إلّا من مات ضميره.
أما الإمامة فنعني بها القيادة العامّة للأمة في مجالاتها الإداريّة والقضائيّة والعسكريّة واللاقتصاديّة، وغيرها من شؤون الحياة العامّة، وهي ضرورة اجتماعية تمسّ حياة الناس جميعاً لا غنى لهم عنها بحال من الأحوال.
وقد اتفق المسلمون بجميع فرقهم وطوائفهم على ضرورتها، كما اتفق غيرهم من ذوي المذاهب الاجتماعيّة والأديان السماوية على أنّها عنصر من عناصر الحياة، ومقوم من مقوماتها ؛ إذ من المستحيل أن تكون أمة من الأمم تتمتع بالسيادة والاستقلال من دون أن تكون لها دولة لها رئيس يرعاها، ويدير شؤونها، فإنّها إن أهملت ذلك سادت فيها الفوضى، وعمّت فيها المخاوف والمخاطر، وانهارت جميع أسس حياتها.
وقد أقام الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) دولته في يثرب، وتزعم قيادتها، لأنه لا يمكن أن يحقق أي هدف من أهدافه ومبادئه من دونها.
ويجب أن تتوفّر في الإمام جميع عناصر الخير، وصفات الشرف والفضيلة، ومن أهم تلك الصفات مايلي :
1 - العلم
يجب أن يكون الإمام عالماً بشؤون الشريعة وأحكام الدين، وأن يكون خبيراً بما تحتاج إليه الأمّة في شؤونها اللاقتصاديّة والسياسيّة والعسكريّة، وأن يحتاط في أمورها كأشدّ ما يكون الاحتياط، وأن يتصدّى بحزم وعلم إلى تطوير حياتها فكرياً واجتماعياً.
ومن الطبيعي أنّ الجاهل لا يمكنه أن يحقق أي هدف من أهدافها، وتظل قابعة في زوايا الجهل والخمول.
2 - العدالة
ولا بد أن يكون الإمام عادلاً ورعاً تقيّاً يؤثر مصالح الأُمّة على مصالحه، ويؤثر رضاء اللّه تعالى على كلّ شيء، ليجنّب الأمّة من المظالم، ويسير فيها بسيرة قوامها العدل الخالص، والحق المحض.
3 - الشجاعة
ولا بد أن يكون الإمام شجاعاً قوي القلب، حديدي الإرادة، لا ينهار أمام الأحداث والأزمات.
4 - السخاء
من الشروط اللازمة في الإمام أن يكون ندي الكفّ، مبسوط اليدين، بعيداً عن الشحّ والبخل، فإذا لم يتصف بذلك تتعرّض الأمّة للمجاعة العامّة، والبؤس الشامل، وقد عانت الأمّة الضيق والحرمان أيّام حكم المنصور الدوانيقي، الذي
جهد في نهب أموال الرعيّة، فملأ خزائنه بالأموال الطائلة من دون أن ينفق منها شيئاً في تطوير الحياة اللاقتصاديّة في البلاد.
5 - العصمة
أمّا العصمة فهي عبارة عن الامتناع عن اقتراف الذنب، عمداً كان أو خطأ، وتجمع الشيعة منذ فجر تاريخهم على اعتبارها في الإمام، وأنها من عناصره ومقوماته، وقد أنكرها أشدّ الانكار المناوئون للشيعة، وادعوا أنها من ضروب المستحيل، ولكنّهم لو راجعوا سيرة الأئمة الأطهار، وأمعنوا النظر في أحوالهم لآمنوا بعصمتهم.
ألم يقل سيد العترة الطاهرة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَاللّه لَوْ أعْطيتُ الأقاليم السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلاكِهَا عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللّه فِي جِلْبِ شَعِيرَةٍ أَسْلِبهَا مِنْ فَمِ جَرَادَةٍ مَا فَعَلْتُ»، أليست هذه العصمة ؟
ومن أمثلة عصمته : أن عبدالرحمن بن عوف بعد وفاة عمر ألح عليه أن يتقلّد الخلافة ولكن بشرط أن يسير بسيرة الشيخين، فأبى وامتنع، ولو كان من عشّاق الملك لأجابه إلى ذلك ثمّ يخالفه ويعمل برأيه، أليست هذه هي العصمة ؟
وقد اقتدى بهذه السيرة المشرقة الأئمة المعصومون من أبنائه الذين فرض اللّه مودتهم على عباده، والذين قرنهم الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بمحكم التنزيل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، ولو كانوا غير معصومين لما صحت المقارنة بحال من الأحوال.
وليس استحقاق الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) للخلافة من بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مبنياً على قربه من الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) لكونه ابن عمّه، وزوج ابنته، وغير ذلك من الاعتبارات
العاطفية، وإنّما كان مبنيّاً على القابليات الفذة التي يتمتّع بها الإمام، وبالإضافة لذلك فإنّ هناك بعض الأدلة التي تدل على أن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) اقامه خليفة من بعده، وفيما يلي ذلك :
1 - إنّ ما تتطلبه القيادة العامّة للأمّة من النزعات الخيّرة، والصفات الفاضلة كلّها توفّرت على الوجه الأكمل في الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهو من أزهد الناس وأتقاهم، فقد زهد عن جميع رغبات الحياة وملاذها، وطلق دنياه ثلاثاً - كما يقول - وبإجماع المؤرّخين، لم يضع لبنة على لبنة، ولم يتّخذ من غنائمها وفراً، ولما تقلّد الخلافة أدهش الناس بعدله، وظلوا يتحدّثون عن روائع عدله، فقد كان القريب والبعيد عنده سواء، والعزيز عنده ذليل حتّى يأخذ منه الحقّ، والذليل عنده عزيز حتّى يأخذ حقه، وقضايا عدله ممّا يعتز بها الإسلام، ويفخر بها المسلمون، فلم يؤثر عن حاكم مثله على امتداد التاريخ أنّه قد سار بين الناس بسياسة قوامها العدل الخالص والحقّ المحض.
ومن صفاته الفاضلة أنه كان أعلم الناس بشؤون الشريعة وأحكامها، وأدرى بفلسفة الإسلام من غيره، فهو باب مدينة علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأقضى أُمّته - حسبما يقول الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - وكان المرجع الأعلى للأحكام الشرعيّة في أيّام الخلفاء، وقد اشتهرت كلمة عمر : «لا أبقاني اللّه لمعضلة ليس لها أبو الحسن»، وقال : «لولا عليّ لهلك عمر»، ومع توفّر الصفات الكاملة في الإمام، وعدم توفر بعضها في غيره كيف لا ينتخبه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قائداً أعلى لأمته يهديها إلى سواء السبيل، ويرشدها إلى معالم الحياة الرفيعة.
2 - إن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صاحب رسالة عالميّة، ودعوة عامة لجميع أبناء البشر فقد جاء محرّراً ومبشراً ومنقذاً للعالم بأسره، وقد جاهد كأعظم ما يكون الجهاد، فخاض الأهوال والحروب، وعانى من الاضطهاد ما لم يعانه أي مصلح اجتماعي في الأرض.
ومن أهمّ ما كان يفكر به النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مصير أمته من بعده، ففيها الطامعون، وفيها المنافقون، وفيها المرتدون على أعقابهم، وكانت هذه الجهات أمام النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ومن الطبيعي أن صاحب الدعوة والرسالة أهم ما عنده استمرار رسالته وديمومتها من بعده، وكان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو أصلح أهل بيته وأصحابه لتحمّل الرسالة الإسلاميّة، فقد ربّاه النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) صغيراً، ووعى رسالة اللّه، وجاهد في سبيلها كأعظم ما يكون الجهاد، فاختاره (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، علماً لأمته، ومرجعاً عامّاً لها، وذلك حرصاً عليها من الاختلاف، وضماناً لمصالحها، وحفظاً على استمرار رسالته في أداء فعّاليّاتها المشرقة إلى الناس.
3 - إنّه قد أثرت عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كوكبة مشرقة من الأحاديث في حق الإمام أمير المؤمنين، أجمع على روايتها، والاعتراف بصحتها، كحديث الطائر المشوي، وحديث المنزلة، وحديث الغدير، وحديث الثقلين، وحديث السفينة، وغيرها من مئات الأحاديث، وهي تشيد بفضل أبي الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتبرز قيمه، وسموّ منزلته عند اللّه وعند الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، والمتأمل فيها يطلّ على الغاية المنشودة للرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) من تعيينه للإمام خليفة من بعده، وقائداً لمسيرة أمته، ولو كان المقصود التدليل على فضله لكان يكفيه حديث أو أكثر، كما ورد ذلك في فضل بعض، كعمار بن ياسر، وأبي ذر، وغيرهما من أعلام الصحابة.
4 - إنّ بضعة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وسيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها، التي يرضى اللّه لرضاها، ويغضب لغضبها - حسبما أعلن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ذلك في كثير من أحاديثه - قد نقمت على أبي بكر وشجبت بيعته لاحتلاله مركز الإمام أمير المؤمنين، وقد خطبت خطبتها الشهيرة في جامع أبيها، دعت فيها إلى الثورة على حكومة أبي بكر، وهي سلام اللّه عليها وديعة النبيّ في أمته، وأتقى امرأة خلقها اللّه، فلو لم تعلم أنّ أباها قد عقد الخلافة للإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما قامت بمناهضة أبي بكر، كما أوصت الإمام أمير المؤمنين أن يدفنها في غلس الليل البهيم، ولا يحضر
أبو بكر وعمر جنازتها، وأن يعفّي موضع قبرها، وفي هذا دليل ساطع على أنّ التشيّع قد نشأ في عهد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأن بضعته هي التي رعت التشيّع، وسقت غرسه.
5 0 إمتناع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن بيعة أبي بكر، وتخلّف خيار الصحابة وأعلامهم عن بيعته كأبي ذرّ، وسلمان الفارسي، وعمّار بن ياسر، وخالد بن سعيد، وغيرهم من بناة الإسلام، واحتجاجهم على أبي بكر بأن الإمام أمير المؤمنين أولى منه بمقام رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
يقول خالد بن سعيد للإمام : (هلم أبايعك، فواللّه ما في الناس أحد أولى بمقام محمّد منك» (1).
هذه بعض الأدلة على أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) أولى وأحق بالخلافة من غيره.
أمّا نظرة الشيعة لأئمّة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) فإنها تتسم بالاعتدال، فليس فيها إفرا ط في الحب ولا غلوّ، فقد ذهبوا إلى أنهم سلام اللّه عليهم عباد اللّه المكرمون، الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، وأنّهم أهل الذكر، وأولو الأمر، وبقيّة اللّه في أرضه، وخيرته في عباده، وعيبة علمه، قد عصمهم اللّه من الفتن، وطهرهم من الدنس، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، ووصفهم سيدهم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله :
«هُمْ عَيْشُ الْعِلْم، وَمَوْتُ الْجَهْلِ. يُخْبِرُكُمْ حِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ، وَصَمْتُهُمْ عَنْ حِكَم مَنْطِقِهِمْ.
1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 105.
لَا يُخَالِفُونَ الحقّ وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. وَهُمْ دَعَائِمُ الْإِسْلَامِ، وَوَلَائِجُ الْاِعْتِصَامِ. بِهِمْ عَادَ الحقّ إِلَى نِصَابِهِ، وَانْزَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ مُقَامِهِ، وَانْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ مَنْبِتِهِ.
عَقَلُوا الدِّينَ عَقْلَ وِعَايَةٍ وَرِعَايَةٍ، لَا عَقْلَ سَمَاعٍ وَرِوَايَةٍ، فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ» (1).
ووصفهم الشاعر المجاهد الكبير الكميت بقوله :
القَرِيبينَ مِنْ نَدَى وَالْبَعيدي***نَ مِنَ الْجَوْرِ في عُرَى الْأَحْكامِ (2)
وَالْمُصيبين باب ما أَخْطَأَ النَّا***سُ وَمُرْسي قَواعِدَ الإِسْلامِ
وَالْحُماةِ الْكُفاةِ فِي الحَرْبِ إِنْ لَفَّ***ضرام وقودَهُ بِضِرَامِ (3)
وَالْغُيُوثِ الذينَ إِنْ أَمْحَلَ النّا***سُ فَمَأوى حَواضِنِ الْأَيْتامِ (4)
راجحي الْوَزْنِ كَامِلي الْعَدْلِ في ال***سيرَةِ طَبيِّينَ بِالأُمورِ الْعِظامِ (5)
ساسَةٌ لا كَمَنْ يَرْعى النّا***سَ سواءَ وَرِعْيَةَ الأَغْنام (6)
هذه نظرة الشيعة للأئمة الطاهرين عبّر عنها شاعرهم ولسانهم الكميت، وليس فيها غلوّ، ولا انحراف عن الدين، وإنّما كانت متسمة بالإكبار والتعظيم لهم.
1) تاريخ اليعقوبي : 2 : 105.
2) الندى : الكريم.
3) الضرام : الوقود.
4) الغيث : المطر والخصب. أمحل الناس : أجدبوا، والمحل الجدب والقحط والممحل المجدب. حواضن الأيتام: يريد بهنّ أمهات الأيتام.
5) الطب : الحاذق من الرجال الماهر بعلمه.
6) يقول: إنهم يتعهدون الناس بحسن السياسة لا يدعونهم هملاً كالأنعام، وقوله: «لا كمن يرعى الناس يعني بهم بنو أمية. الروضة المختارة : 8 – 14.
وامتلأت قلوب الشيعة بالولاء والمودة لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وقد قادتهم إلى ذلك النصوص الإسلاميّة من الكتاب والسنة، كآية المودة، وحديثي السفينة والثقلين، وغيرها من النصوص المتواترة، وهي تلزم المسلمين بوجوب مودتهم، وقد آمنت الشيعة بذلك منذ فجر تاريخهم، فهذا أبو الأسود الدؤلي - وهو من أعلام الشيعة - قد ردّ على من لامه في حبّه لأهل البيت بهذين البيتين :
أَفَعِندي في حُبِّ آلِ محمّد***حَجَرٌ بِفِيكَ فَدَعْ مَلامَكَ أَوْ نَردُ
مَنْ لَمْ يَكُنْ بِحِبَالِهِمْ مُتَمَسِّكاً***فَلْيَعْتَرِفْ بِوَلاءِ مَنْ لَا يَرْشُدُ (1)
وعاب قوم على أبي الأسود تشيعه وولاءه لأهل البيت، فردّ عليهم بهذه المقطوعة الرائعة :
أُحِبُّ محمّداً حُبّاً شديداً***وعباساً وحمزة وَالْوَصِيّا
وجَعفَرَ إِنَّ جَعْفَرَ خَيْرُ سِبْطٍ***شَهيد في الجِنانِ مُهاجِرِيَا
أحسبُهُمُ لِحُبُ اللّه حتّى ***جيء إذا بُعِثْتُ عَلى هَوِيا
هَوَى أُعْطِيتُهُ مُنذُ استَدارَتْ***رحى الإِسلامِ لَمْ يَعدِلْ سَوِيًا
يَقولُ الأَرذلون بنو قشير***طوال الدَّهرِ لا تَنْسى عَلِيّا
فَقُلتُ لَهُمْ وَكَيفَ يَكونُ تَرْكي***مِنَ الْأَعْمالِ ما يُقضى عَلِيّا
بنو عَمَّ النبيّ وَأَقرَبوهُ***أَحَبُّ النَّاسِ كُلِّهِمْ إِلَيّا
فَإِنْ يَكُ حُبُّهُم رُشداً أُصِبْهُ***وَلَسْتُ بِمُخْطِيُّ إِن كَانَ غَيّا
1) ديوان أبي الأسود : 253.
هُمْ أَهْلُ النَّصيحَةِ مِنْ لَدُنْ***وَأَهلُ مَوَدَّتي ما دُمْتُ حَيَا
رَأَيْتُ اللّه خالِقَ كلّ شَيْءٍ***هَداهُمْ وَاجْتَبَى مِنْهُمْ نَبِيًا
هم أسوا رَسولَ اللّه حتّى***تَربَّعَ أَمْرُهُ أَمْراً قَويًا (1)
وهذا عبد اللّه بن كثير السهمي يردّ على من يرى أن ولاءه لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ذنب بهذه الأبيات:
إِنَّ امْرَعاً أَمْسَتْ مَعايبُهُ***حُبَّ النبيّ لَغَيرُ ذِي ذَنْبٍ
وَبَني أَبي حَسَنٍ وَوالِدِهِمْ***مَنْ طَابَ في الْأَرْحَامِ وَالصُّلْبِ
أَيُعَدُّ ذَنْباً أن أحبَّهُمُ***بَلْ حُبُّهُمْ كَفَارَةُ الذُّنْبِ (2)
وهذا حرب بن المنذر بن الجارود قد قنع من دنياه باليسير من الطعام زاهداً في الدنيا، وهو يعلن أنه قد ظفر بما هو خير من الدنيا، وهو الولاء لأهل البيت. يقول :
فَحَسبي مِنَ الدُّنْيا كَفَافٌ يُقيمُني***وَأَثواب كتانٍ أَزورُ بِها قَبرِي
وَحُبِّي ذَوِي قُربَى النَّبئ محمّد***فَما سالنا إِلَّا الْمَوَدَّةَ مِنْ أَجْرِ (3)
ويقول السيد الحميري :
إِنِّي امْرُةٌ حِمْيَرِيٌّ غيرُ مُؤْتَشِبٍ***جَدِّي رُعَينٌ وَأَخوالي ذَوُو يَزَنِ
ثمّ الوَلاءُ أَرْجو النَّجاةَ بهِ***يَومَ الْقِيامَةِ لِلْهادِي أَبِي الْحَسَنِ (4)
ويقول بعض شعراء الشيعة :
أدينُ بِدِيْنِ المُصطفى ووصيَّه***وَالطَّاهِرينَ وسَيّدِ الْعُبَادِ
وَمحمّد وَبِجَعْفَرِ بْنِ محمّد***وَسَمِي مَبْعُوثُ بِشَط الوادي
وَعَلِي الرِّضا ثمّ الْجَوادِ محمّد***وَعَلِي المَعْصومِ ثمّ الهادي
حَسَنٍ وَأَكْرِمْ بَعْدَهُ بإِمامنا***بِالْقائِمِ الْمَسْتور للميعاد (1)
ويعلن الفرزدق أنّ حبّه لآل البيت دين، وأنّ بغضهم كفر ومروق من الإسلام. يقول :
مِنْ مَعْشَرٍ حُبُّهُمْ دِيْنٌ وَيُغْضُهُم***كُفْرٌ وَقُرْبُهُمْ مَنْجى وَمُعْتَصَمُ
إِنْ عُدَّ أَهْلُ التَّقَى كانوا أَئِمَّتِهُمْ***أَوْ قِيلَ مَنْ خَيْرٌ أَهْلِ الْأَرْضِ قِيلَ هُمُ
ويقول شاعر أهل البيت الكميت :
إِلَيكُمْ ذَوِي آلِ النَّبئ تَطَلَّعَتْ***نوازعُ مِنْ قَلْبي ظماء وَأَلبُبُ
فَطَائِفَةٌ قَدْ كَفَّرتْني بِحُبِّكُمْ***وَطائِفَةٌ قالوا مُسيءٌ وَمُذْنِبُ
فَما سائني تَكْفيرُ هاتِيكَ مِنهُمُ***وَلَا عَيبُ هاتِيكَ الَّتِي هِيَ أَعْيَبُ
يَعيبونَني مِنْ خَبِّهِمْ وَضَلالِهِمْ***على حُبِّكُمْ بَلْ يَسْخَرُونَ وَأَعْجَبُ (2)
وقالوا تُرابِيُّ هَواهُ وَرَأْيه***بِذلِكَ أُدْعَى فيهِمْ وَألَقَّبُ (3)
وهذا الشعر الذي حكيناه عن شعراء الشيعة يمثل خالص الود، وعميق الحبّ
لأئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وليس فيه غلوّ ولا انحراف عن الدين كما يتهمهم بذلك خصومهم.
أمّا مظاهر ولاء الشيعة للأئمة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ) فهي :
أولاً : إن الشيعة تأخذ معالم الدين أصولاً وفروعاً عن أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وتُجمع على لزوم العمل بأقوالهم وأفعالهم، وأنها من السنة التي يجب العمل بها.
لقد بنت الشيعة إطارها العقائدي على ما أثر عن أئمة أهل البيت، ولا يتعدّون في المجالات التشريعية إلى غيرهم من بقيّة المذاهب الإسلاميّة، ولم يكن ذلك عن تعصب، وإنما النصوص القطعية التي أثرت عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قادتهم إلى ذلك، ودفعتهم إليه.
ولنستمع إلى الإمام شرف الدين الذي يمثل قمة الفكر الشيعي. يقول (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : «إن تعبدنا في الأصول بغير المذهب الأشعري، وفي الفروع بغير المذاهب الأربعة لم يكن لتحزب أو تعصّب، ولا لريب في اجتهاد أئمة تلك المذاهب، ولا لع-دم عدالتهم وأمانتهم ونزاهتهم وجلالتهم علماً وعملاً، لكن الأدلة الشرعيّة أخذت بأعناقنا إلى الأخذ بمذاهب الأئمة من أهل بيت النبوّة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي والتنزيل، فانقطعنا إليهم في فروع الدين وعقائده، وأصول الفقه وقواعده، ومعارف السنه والكتاب، وعلوم الأخلاق والسلوك والآداب نزولاً على حكم الأدلة والبراهين، وتعبداً بسنة سيّد النبيّين والمرسلين صلى اللّه عليه وآله أجمعين.
ولو سمحت لنا الأدلّة بمخالفة الأئمة من آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أو تمكنا من تحصيل نيّة القربة اللّه سبحانه في مقام العمل على مذهب غيرهم لتعقبنا أثر الجمهور، وقفونا
أثرهم تأكيداً لعقد الولاء، وتوثيقاً لعرى الإخاء، لكنّها الأدلة تقطع على المؤمن وجهته، وتحول بينه وبين ما يروم» (1).
وأضاف الإمام شرف الدين قائلاً: «وما أظنّ أحداً يجرؤ على القول بتفضيلهم - أي أئمّة المذاهب - في علم أو عمل على أئمتنا، وهم أئمة العترة الطاهرة، وسفن نجاة الأمّة، وباب حطّتها، وأمانها من الاختلاف في الدين، وأعلام هدايتها، وثقل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد قال : فَلَا تَتَقَدَّمُوهُمْ فَتَهْلَكُوا، وَلَا تَقْصروا عَنْهُمْ فَتَهْلَكُوا، وَلَا تُعَلَّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ، لكنها السياسة، وما أدراك ما اقتضت في صدر الإسلام».
وأيّد شيخ الإسلام الشيخ سليم عميد الأزهر هذا الجانب المشرق من حديث الإمام شرف الدين، قال : «بل قد يقال : إنّ أئمتكم الإثنى عشر أولى بالاتباع من الأئمة الأربعة، لأنّ الإثنى عشر كلّهم على مذهب واحد قد محّصوه، وقرّروه بإجماعهم بخلاف الأربعة، فإنّ الاختلاف بينهم شائع في أبواب الفقه، فلا تحاط موارده ولا تضبط، ومن المعلوم أن ما يمحصه الشخص الواحد لا يكافئ في الضبط ما يمحصه إثنا عشر إماماً.
هذا كله ممّا لم تبق فيه وقفة لمنصف، ولا جهة لمتعسّف» (2).
إنّ تمسك الشيعة بما أثر عن أئمة الهدى سلام اللّه عليهم في أحكام دينهم لم يكن عن عاطفة، وإنّما الأدلة الحاسمة هي التي دعتهم إلى ذلك، وليس في هذه الجهة - والحمد للّه - غلوّ ولا إفراط في الحبّ.
ثانياً : إنّ من مظاهر الولاء الذي تكنه الشيعة لأئمتهم، أنهم يقومون بإحياء ذكراهم ومآثرهم، وينشرون مكارم أخلاقهم، ومحاسن سيرتهم، ويقيمون الحفلات التأبينية على ما أصابهم من عظيم الخطب، وفادح الرزء من أئمة الظلم والجور،
كما يقومون بزيارة مراقدهم الطاهرة للتبرك والتقرب بها إلى اللّه تعالى، فإنّ ذلك من أعظم الود الذي فرضه اللّه تعالى في محكم كتابه المجيد لهم.
هذه بعض مظاهر الولاء الذي تكنه الشيعة للأئمة الطاهرين، وليس فيه غلوّ، ولا خروج عن موازين الاعتدال، وعلى هذا الأساس المعتدل أقامت الشيعة إطارها العقائدي في الولاء لأئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) (1).
أما الفكر السياسي الشيعي فإنّه يهدف لتحقيق العدل الاجتماعي، وتحقيق الفرص المتكافئة بين الناس، وهو أرقى ما عرفته البشرية في جميع مراحل تاريخها، فقد حفل بكلّ ما يسمو ويسعد به الإنسان، ومن بين ما حفل به :
وآمنت الشيعة بضرورة توفير الرخاء الاقتصادي لجميع الناس، واعتبرت الفقر كارثة اجتماعيّة مدمرة للمواهب والكفاءات يجب القضاء عليها بجميع الوسائل، فإنه ليس من الإسلام في شيء أن يكون في المجتمع الإسلامي ظل للفقر والحرمان، ومن أجل ذلك ثار الزعيم الشيعي الجليل أبو ذر على الحكم الأموي، الذي استأثر بخيرات الأرض، وقد قال أبو ذرّ كلمته الرائعة : «عجبت لمن لا يجد القوت أن لا يخرج شاهراً سيفه».
وقد ضاقت الحكومة الأمويّة منه ذرعاً، ففرضت عليه الإقامة الجبرية في الشام، فأخذ يوقظ المشاعر، ويلهب العواطف، ويدفع الناس إلى الثورة والتمرد ع-ل-ى الحكم الأموي، وخاف الأمويّون منه، فأوعز عثمان إلى معاوية بنقله إلى يثرب،
1) حياة الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 111 - 113.
ثمّ نقله منها إلى الربذة، وهي أفقر بقعة في الحجاز، وظلّ أبو ذر فيها يعاني الجوع حتّى توفّي مضطهداً جائعاً، في حين أنّ ذهب الأرض بيد بني أميّة وآل أبي معيط يتنعمون فيه، وينفقونه على شهواتهم وملاذّهم.
ومن بين الأهداف الأصيلة التي ثار من أجلها الإمام الحسين أبو الأحرار (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسط الرخاء وإشاعته بين المسلمين، لقد ثار الإمام من أجل أن ينقذ أموال المسلمين التي تلاعبت بها الطغمة الحاكمة من الأمويّين.
وعلى أي حال، فإنّ ازدهار الاقتصاد العام وتطويره وتنميته جزء من الفكر السياسي الذي آمنت به الشيعة.
ومن برامج الفكر السياسي الذي جاهدت من أجله الشيعة بسط العدل وإشاعته بين الناس، وقد تبنّى العدل الخالص بعد النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وصيه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد رأى الناس في عهده من صنوف العدل ما لم يشاهدوه في جميع مراحل التاريخ، وظلّ أنشودة الأحرار في كلّ زمان ومكان.
ومن بين الأهداف الأصيلة التي تبنّاها الفكر الشيعي إلغاء التمايز العنصري. يقول الإمام رائد العدالة الاجتماعيّة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهده السياسي للزعيم مالك الأشتر : «فَإِنَّهُمْ - الناس - صِنْفَانِ : إِمَّا أَخٌ لَكَ في الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ»، وطبق الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لان ذلك تطبيقاً كاملاً حينما آل إليه الأمر، فساوى في عطائه وصلاته بين العرب والموالي، فلم يميّز قوماً على آخرين، وهذا هو السبب الذي دعا القوى الرأسمالية المعادية للحقِّ إلى محاربته، كما أنّه هو السبب الذي دعا الموالي إلى اعتناق التشيّع، والتفاني في الولاء والمحبة له.
ومن أهمّ المبادئ الأساسية في الفكر السياسي الشيعي الثورة على الظلم، ومناجزة الظالمين، فقد انطلق في هذا الميدان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرفع راية الثورة على الظلم والطغيان، وانبرى تلميذه الوفي أبو ذر الغفاري صاحب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى مقاومة الاستبداد الأموي، والطغيان الفاجر، ونادى بالعدالة الاجتماعيّة، وتهيئة الفرص لجميع المواطنين.
وانطلق حجر بن عدي، وهو من تلاميذ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مع إخوانه الأحرار إلى مقارعة معاوية الذئب الجاهلي الذي حوّل البلاد الإسلاميّة إلى مزرعة له ولعملائه، فأخذ هذا العملاق العظيم يدعو إلى الثورة، ويشجب تصرّفات معاوية، ويندّد بسياسته الجائرة، وألقت السلطة المحلّية في الكوفة القبض عليه وعلى إخوانه، وسيرتهم إلى الشام، فأعدموا في مرج عذراء، وقد استشهدوا من أجل أن تسود العدالة والمساواة بين المسلمين، ولا يبقى حكم للظلم والجور في البلاد.
ولم تمض الأيّام حتّى رفع علم الثورة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سبط رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وریحانته وسيّد شباب أهل الجنّة، فقد نقم على الظلم السائد في عصره من جرّاء حكم حفيد أبي سفيان العدوّ الأول للإسلام.
وقد استشهد هذا الإمام العظيم على صعيد كربلاء، وعانى صنوفاً من التنكيل والارهاق لم يشاهدها أي مصلح اجتماعي ثار على الظلم والظالمين، وقد غيّر أبو الأحرار في ثورته الخالدة وجه التاريخ العربي والإسلامي، فقد أخرج المسلمين من حياة العبودية والذل إلى حياة الكرامة والعزّ، فقد فتح لهم أبواب النضال والكفاح، وانطلقت من بعده الثورات المتلاحقة من شيعته وأحفاده، وأحفاد أخيه الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي تنادي بالعدل، وتنادي بالتحرّر من ربقة العبودية والذل والتخلّص من الحكم الجائر.
يقول الوردي : «الشيعة أوّل من حمل الثورة الفكرية في الإسلام ضدّ الطغيان، وفي نظرياتهم تكمن روح الثورة، وإن عقيدة الإمامة التي آمن بها الشيعة حملتهم على انتقاد الطبقة الحاكمة، ومعارضتها في جميع مراحل تاريخهم، وجعلتهم يرون كلّ حكومة غاصبة ظالمة مهما كان نوعها، إلا إذا تولى أمرها إمام معصوم، لذلك كانوا في ثورة مستمرة لا يهدأون ولا يفترون» (1).
إنّ الثورات التي فجرتها الشيعة أيّام الحكم الأموي والعبّاسي كانت صدى لفكرتهم التي آمنوا بها، وهي تحقيق العدالة الاجتماعيّة، والقضاء على جميع ألوان الظلم وضروب الفساد، وإزالة الغبن الاجتماعي.
لقد كان الشيعة من أعظم الفرق الدينية، والمذاهب الاجتماعيّة انطلاقاً من ميادين الجهاد دفاعاً عن المحرومين والمضطهدين، وتحريراً لإرادة الإنسان وكرامته.
وامتحنت الشيعة امتحاناً عسيراً وشاقّاً في تلك العصور، فقد أمعنت السلطات الحاكمة في اضطهادهم، وعاملتهم بجميع ألوان القسوة والعذاب، خصوصاً في أيّام معاوية.
يقول الإمام أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وَقُتِلَتْ شيعتنا بِكُلِّ بَلْدَةٍ، وَقُطِعَتِ الأَيْدي وَالْأَرْجُلُ عَلَى الظُّنَّةِ، وَكانَ مَنْ يُذْكَرُ بِحُبِّنَا وَالانْقِطاع إِلَيْنَا سُجِنَ، أَوْ نُهِبَ مَالُهُ، أَوْ هُدِمَتْ دارُهُ» (2).
قال الحجّاج لأبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي : «أما واللّه لو أدركت أباك لقتلته
لأنّه كان شيعياً» (1).
وسئل الإمام أبو جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقيل له : «كيف أصبحت ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَصْبَحْتُ بِرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) خائِفاً، وَأَصْبَحَ النَّاسُ كُلُّهُمْ بِرَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) آمنین» (2).
ولما ولي زياد بن أبيه الكوفة أشاع في أهلها القتل والاعدام، فقتل كلّ من يتولّى عليّاً، كما قطع أيديهم وأرجلهم، وسمل عيونهم، وصلبهم على جذوع النخل (3).
ومن بين الاجراءات القاسية التي قام بها الحكّام الأمويّون والعبّاسيون ضدّ الشيعة ما يلي :
وأوعزت السلطات إلى دور القضاء عدم قبول شهادة الشيعة في أي دعوى ترفع إلى القضاء، ونعرض لبعض الأعلام من الشيعة الذين ردّت شهادتهم :
ورفض القاضي ابن أبي ليلى شهادة الفقيه العالم محمّد بن مسلم الواسطي، ونقل ذلك إلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فتأثر و تألم، وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبي كهمش - وهو من خلّص أصحابه - : «شَهِدَ محمّد بْنُ مُسْلِمٍ عِنْدَ أَبِي لَيْلَى فَرَدَّ شَهَادَتَهُ ؟
نعم.
إذا صِرْتَ إِلَى الْكُوفَةِ فَأْتِ ابْنَ أَبِي لَيْلى وَقُلْ لَهُ: أَسْأَلُكَ عَنْ ثَلاثِ مَسائِلٍ
لا تَفْتِني فيها بِالْقِياسِ، وَلَا تَقُلْ : قالَ أَصْحابُنا، ثمّ سَلْهُ عَنِ الرَّجُلِ يَشْكُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأولَيَتَيْنِ مِنَ الْفَريضَةِ، وَعَنِ الرَّجُلِ يَرْمَى بِسَبْع حَصَياتٍ فَتَسْقُطُ مِنْها وَاحِدَةً كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ وَعَنِ الرَّجُلِ يُصيبُ جَسَدَهُ أَوْ ثِيَابَهُ الْبَوْلُ كَيْفَ يَغْسِلُهُ ؟
فَإِذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فيها شَيْءٌ فَقُلْ لَهُ : يَقولُ لَكَ جَعْفَرُ بْنُ محمّد : مَا حَمَلَكَ عَلَىٰ أَنْ رَدَدْتَ شَهادَةَ رَجُلٍ أَعْرَفُ بِأَحْكامِ اللّه، وَأَعْلَمُ بِسُنَّةِ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مِنْكَ ؟
قال أبو كهمش : لما قدمت الكوفة أتيت إلى ابن أبي ليلى قبل أن أصير إلى منزلي، فقلت : أسألك عن ثلاث مسائل لا تفتي فيها بالقياس، ولا تقل : قال أصحابنا.
هات ما عندك.
ما تقول في رجل يشك في الركعتين الأوليتين من الفريضة ؟
فأطرق ابن أبي ليلى برأسه في الأرض ثمّ رفعه وقال : «قال أصحابنا....
فقطع عليه أبو كهمش كلامه، وقال له : إنّ شرطي عليك أن لا تقول : قال أصحابنا.
فقال ابن أبي ليلى : ما عندي فيها شيء.
وقال أبو كهمش : ما تقول فى الرجل يصيب جسده أو ثيابه البول كيف يغسله ؟
وأطرق ابن أبي ليلى برأسه إلى الأرض ثمّ رفع رأسه وقال : قال أصحابنا، فردّ عليه أبو كهمش : إنّ شرطى عليك أن لا تقول : قال أصحابنا.
ما تقول في رجل رمي الجمار بسبع حصيات فسقطت منها حصاة كيف يصنع ؟
فأطرق ابن أبي ليلى برأسه إلى الأرض، وقال : قال أصحابنا، فقطع عليه أبو کهمش كلامه وقال له : أصلحك اللّه إن هذا شرطي عليك.
فقال ابن أبي ليلى : ليس عندي فيها شيء.
و انبرى أبو كهمش فقال له : يقول لك جعفر بن محمّد : ما حَمَلَكَ عَلى أَنْ رَدَدْتَ شَهادَةَ رَجُلٍ أَعْرَفُ بِأَحْكامِ اللّه، وَسُنَّةِ رَسولِ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مِنْكَ ؟
وذعر ابن أبي ليلى وقال : من هو ؟
محمّد بن مسلم الواسطي القصير.
باللّه عليك قال لك هذا جعفر بن محمّد ؟
نعم.
وأرسل ابن أبي ليلى بالوقت خلف محمّد بن مسلم فشهد عنده بما أدلى به من شهادته الأولى فقبل شهادته» (1).
وشهد أبو كريبة الأزدي ومحمّد بن مسلم الثقفي عند القاضي شريك، فنظر في وجهيهما مليّاً ثمّ قال لهما : جعفريان، فاطميان ؟
فبكيا، وبهر شريك من بكائهما، وطفق يقول : ما يبكيكما ؟
وتبسّم شريك، وقال لهما : إذا كانت الرجال فلتكن أمثالكم.
والتفت إلى كاتب القضاء فقال له : أجزهما هذه المرّة ولا يعودا ثانية.
وحج محمّد بن مسلم مع أبي كريبة، فالتقيا بالإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ونقلا له ما جرى بينهما
1) الاختصاص : 198.
وبين القاضي، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ما لِشَرِيكَ شَرَكَهُ اللّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشِرَاكَيْنِ مِنْ نَارٍ» ؟ (1).
أما الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فله دور متميز ومشرق في تكوين الشيعة، وبناء صرحها العقائدي، فهو الذي أسس لهم معظم ما يحتاجون إليه من الفقه، ولم يجعلهم عالة على بقيّة المذاهب الإسلاميّة، يستمدّون منها ما يحتاجون إليه من الأحكام الشرعيّة، كما أغناهم بجميع ألوان المعارف والآداب التي منها قواعد السلوك والأخلاق، ونظراً لدوره الايجابي الفعّال في بناء صرح التشيّع، فقد نسبت إليه الطائفة الإماميّة، وتحمّل بشرف واعتزاز لقب الطائفة الجعفريّة.
يقول الدكتور أحمد صبحي : «وينسب المذهب الإثني عشري إليه - أي إلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) - ويحمل فقه الطائفة اسمه، فهو أكثر أئمة المذاهب آراء في كلّ لون من ألوان المعرفة المعروفة آنذاك» (2).
وببركة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) كانت الشيعة من أبرز الفرق الإسلاميّة، وأغناها آثاراً وتفكيراً، وأكثرها جهاداً في سبيل اللّه وخير الإنسانية.
يقول الدكتور عبد الرحمن البدوي : «للشيعة أكبر الفضل في إغناء المضمون الروحي للإسلام، وإشاعة الحياة الخصبة القوية العنيفة التي وهبت هذا الدين البقاء قوياً عنيداً، قادراً على إشباع النوازع الروحيّة للنفوس حتّى أشدّها تمرّداً وقلقاً، ولولاها لتحجّر في قوالب جامدة» (3).
كان الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) يكن في نفسه خالص المودّة وعميق الحبّ لشيعته، وقد أبدى تعاطفه وولاءه مع بعض أعلام شيعته، وهم :
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لبشير الكناسي : «وَصَلْتُمْ وَقَطَعَ النَّاسُ، وَأَحْبَبْتُمْ وَأَبْغَضَ النَّاسِ، وَعَرَفْتُمْ وَأَنْكَرَ النّاسُ، وَهُوَ الحقّ» (1).
لقد أشاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما بذلته الشيعة من أجل أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، فقد قاموا بصلتهم، والولاء لهم، في حين أنّ القوى المعادية لهم من السلطات الجائرة قامت بعكس ذلك
قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبى كهمش: «عَرَفْتُمونا وَأَنْكَرَنَا النَّاسُ، وَأَحْبَبْتُمونا وَأَبْغَضَنا النَّاسُ، وَوَصَلْتُمونا وَقَطَعَنا النَّاسُ، رَزَقَكُمُ اللّه مُرافَقَةً محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وَسَقاكُمْ مِنْ حَوْضِهِ» (2).
وأعرب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن عميق شكره لشيعته التي والت أهل البيت وانقطعت إليهم.
قال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعليّ بن عبد العزيز: «وَاللّه إِنّى لأحِبُّ ريحَكُمْ وَأَزْواحَكُمْ، وَرُؤيَتَكُمْ وَزِيارَتَكُمْ، وَإِنِّي لَعَلى دينِ اللّه، وَدِينِ مَلائِكَتِهِ، فَأَعينوني عَلى ذلِكَ بِوَرَعِ، أَنا في الْمَدِينَةِ بِمَنْزِلَةِ الشَّعْرَةِ أَتَقَلْقَلُ حتّى أَرَى الرَّجُلَ فِيكُمْ فَأَسْتَرِيحَ إِلَيْهِ» (3).
وأعلن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن حبّه وولائه للشيعة، وطلب منهم الورع عن محارم اللّه تعالى ليكونوا قدوة حسنة للمسلمين، كما شكى ما يعانيه من الوحدة والغربة في المدينة المنوّرة، إذ لم يكن فيها من شيعته والموالين له، فقد كانت الأكثرية الساحقة من المدنيّين لا يميلون لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
روی عبداللّه بن الوليد، قال : سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول ونحن جماعة : إِنِّي لأحِبُّ رُؤْيَتَكُمْ، وَأَشْتاقُ إِلى حَديثِكُمْ» (1).
أشاد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بجماعة من العلماء والفقهاء من أعلام شيعته الذين حافظوا على الثروات العلمية لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
ولنستمع لبعض ما أثر عنه في ذلك :
1 - أثنى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) على جماعة من علماء شيعته، قال : «ما أَجِدُ أَحَداً أَخيا ذِكْرَنَا وَأَحاديث أبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) إِلَّا زُرارَةُ، وَأَبو بَصيرِ الْمُرادِيُّ، وَمحمّد بْنُ مُسْلِمٍ، وَبُرَيْدُ بْنُ مُعاوِيَةَ، وَلَوْلَا هؤُلاءِ ما كانَ أَحَدٌ يَسْتَنْبِطُ هذا - أي الأحكام الشرعيّة - هؤلاءِ حُفَاظُ الدِّينِ، وَأَمَناءُ أَبي عَلَى حَلالِ اللّه وَحَرَامِهِ، وَهُمُ السَّابِقُونَ إِلَيْنا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» (2).
أرأيتم هذا الثناء العاطر على هؤلاء الأعلام الذي بذلوا جميع طاقاتهم لحفظ تراث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
2 - أشاد الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالجهود الجبارة التي بذلها العالم الفقيه زرارة. قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
«رَحِمَ اللّه زُرارَةَ بْنَ أَعْيُنِ، لَوْلا زُرارَةُ لانْدَرَسَتْ آثَارُ النبوّة وَأحاديث أبي» (1).
3 - وبيّن الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) سموّ منزلة العالم الجليل، والفقيه الورع حمران بن أعين، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «نِعْمَ الشَّفيعُ أَنا وَأَبِي لِحَمْرانَ بْنَ أَعْيَنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَأْخُذُ بِيَدِهِ وَلَا نُزايلُهُ حتّى نَدْخُلَ الْجَنَّةَ» (2).
هؤلاء بعض الأعلام الذين أشاد بهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تقديراً لخدماتهم الجليلة التي أسدوها على العالم الإسلامي بحفظهم لتراث أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذي يمثّل روح الإسلام وجوهره، خصوصاً في تلك الأيّام السود التي فرضت فيها الرقابة الشديدة على أهل البيت وعلى شيعتهم.
وأكد الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) على لزوم الورع، والكفّ عن محارم اللّه تعالى في كثير من وصاياه ونصائحه لشيعته، فقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لهم : «إِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذا وَرَعَ في دينِهِ، وَصَدَقَ الْحَدِيثَ، وَأَدّى الأمانَةَ، وَحَسُنَ خُلْقَهُ مَعَ النَّاسِ، قيل هذا جَعْفَرِيٌّ، وَيَسُرُّني ذلِكَ، وَيَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْهُ السُّرُورُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذلِكَ دَخَلَ عَلَيَّ بَلاؤُهُ وَعَارُهُ، وَقِيلَ هذا أَدَبُ جَعْفَر» (3).
لقد أوصاهم بما يسمو به الإنسان من الورع والصدق، وأداء الأمانة وحسن الخلق مع الناس، ليكونوا بذلك موضع اعتزاز وفخر للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ودعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) العلماء ورجال الفضل إلى تعليم أبناء الشيعة وتهذيب أخلاقهم، وأنّهم إذا لم يقوموا بذلك فإنّهم يتحملون المسؤولية أمام اللّه تعالى.
يقول الحارث بن المغيرة : «لقيني أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في طريق المدينة، فبادر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً : مَنْ ذا، الْحارِث ؟
نعم.
أما لَأَحْمِلَنْ ذُنوبَ سُفَهائِكُمْ عَلى عُلَمائِكُمْ، ثمّ مضى (عَلَيهِ السَّلَامُ).
قال الحارث : فأتيته وقلت له : لقد قلت : لأَحْمِلَنَّ ذُنُوبَ سُفَهائِكُمْ عَلَى عُلَمائِكُمْ فداخلني أمر عظيم
فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ): نَعَمْ، ما يَمْنَعُكُمْ إِذا بَلَغَكُمُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ ما تَكْرَهُونَ، وَما يَدْخُلُ بِهِ
الا عَلَيْنا الأذى أَنْ تَأْتُوهُ وَتَعْذِلُوهُ، وَتَقُولُوا لَهُ قَوْلاً بليغاً.
فقال الحارث : جعلت فداك، لا يطيعوننا ولا يقبلوا منا.
فأمره (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهجرهم واجتنابهم» (1).
وحثّ الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) شيعته على طلب العلم لأنّه من أهمّ الوسائل في رقيهم وتطوير حياتهم، إذ من المستحيل أن تتقدّم أيّة أمّة من الأمم أو تحتل لها مكانة مرموقة، وهي ترزح في قيود الجهل
لقد كان الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) يرى العلم ضرورة من ضرورات الحياة لا غنى لها عنه، وقد قال لشيعته بما حاصله : لو بيدي لضربت رؤوس الشيعة بالسياط حتّى يتعلّموا.
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) مخاطباً شيعته : «لَسْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَى الشَّابَ مِنْكُمْ إِلَّا غادياً في حالَيْنِ :
1) مجموعة ورّام : 2 : 147.
إمّا عالِماً أَوْ مُتَعَلَّماً، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَرَّطَ، وَإِنْ فَرَّطَ ضَيَّعَ، وَإِنْ أَيْمَ سَكَنَ النَّارَ» (1).
وقد ذكرنا في بعض حلقات هذا الكتاب عرضاً مفصلاً لما أثر عنه من الأخبار في الحثّ على طلب العلم، وأنه شأن من شؤون الحياة الرفيعة.
ونظر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعمق وشمول إلى تطوير حياة شيعته في جميع المجالات، والتي منها تطوير حياتهم اللاقتصاديّة، فإنّه لا يمكن لهم النهوض، ولا الارتقاء في حال البؤس والفقر.
لقد دعا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) الشيعة إلى الثراء والسعة، وكسب المال من الطرق المشروعة، وقد بلغه أن شخصاً من أعلام شيعته كان تاجراً وترك التجارة متجهاً صوب الجامع يعبد اللّه تعالى، فدعاه، فلما تشرف بخدمته قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : لِمَ تَرَكْتَ التِّجَارَةَ ؟
فزجره الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال له : يَسْقُطُ رَأَيْكَ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْإِسْلامِ فِي شَيْءٍ أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسانُ الْمُسْلِمُ عَمَلَهُ وَكَسْبَهُ وَيَتَّجِهُ صَوْبَ الْعِبادَةِ، فَإِنَّهُ لَا رَهْبانِيَّةَ في الإِسْلامِ، فَإِنَّهَا مِنْ شُؤونِ الدِّيانَةِ الْمَسِيحِيَّةِ الَّتِي لَا يُقِرُّها الْإِسْلامُ».
والتقى شخص من أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) به، فقال له : جعلت فداك، إنّي كففت يدي عن التجارة.
فبهر الإمام منه فقال له : لِمَ ذلِكَ ؟
واستعظم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذلك منه، وقال له : عَجَبٌ مِنْكُمْ ! تَذْهَبُ أَمْوالُكُمْ،
1) أمالي الطوسي : 303، الحديث 604.
وَلَا تَكْفُفْ عَنِ النّجارَةِ، وَالتَمِسُ مِنْ فَضْلِ اللّه، افْتَحْ بابَكَ، وَابْسُطْ بِسَاطَكَ، وَاسْتَرْزِقُ رَبَّكَ» (1).
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنفسه يبعث بعض أصحابه للتجارة، وكان يكره الربح الفاحش ويمقته، فقد دعا مولاه مصادف فأعطاه ألف دينار، وقال له : تَجَهَّزْ حتّى تَخْرُجَ إِلَى مِصْرَ، فَإِنّ عيالي قَدْ كَثُر.
وتجهز مصادف، وحمل معه متاعاً، وخرج مع متاعاً، وخرج مع التجار إلى مصر، فلما دنوا منه استقبلتهم قافلة خارجة من مصر فسألوهم عن المتاع الذي معهم، فقالوا له فقالوا لهم : إنّه ليس في مصر منه شيء، فتعاقدوا على أن يربحوا منه بكل دينار ديناراً، ولما انتهوا إلى مصر باعوا بضاعتهم بما تعاقدوا عليه، وقفلوا راجعين إلى يثرب، فلما وصلوا إليها دخل مصادف على الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومعه كيسان في كلّ واحد ألف دينار، وناولهما إلى الإمام وقال له : جعلت فداك، هذا رأس المال، والآخر ربح.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) له : هذا رِبْحٌ كَثِيرٌ، ما صَنَعْتُمْ فِي الْمَتاعِ ؟
وحدّثه مصادف بما جرى بين التجّار، فتألّم منه، وقال : سُبْحانَ اللّه ! تَحالَفُونَ عَلَى قَوْمٍ أَلا تبيعوهُمْ إِلَّا بِرِبْحِ الدِّينارِ بِدِينَارٍ !!
ثم أخذ أحد الكيسين، وقال :
هذا رَأْسُ الْمالِ، وَلَا حَاجَةَ لَنا في الرِّبْح.. يا مُصادِفُ، مُجالَدَةُ السُّيوفِ أَهْوَنُ مِنْ طلب الْحَلالِ» (2).
وتحكي هذه البادرة مدى ما يحمله الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الرحمة والرأفة بالناس، فقد كره الربح الفاحش الذي يضر بحال المواطنين.
ودعا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) حملة العلم ورجال الفضل من شيعته إلى التبشير بمبادئ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) التي تمثّل جوهر الإسلام وروحه.
ومن الجدير بالذكر أنه كان يرى تعليم الأحداث أولى من غيرهم نظراً لتقبلهم المبادئ العليا التي تبناها أهل البيت، والتي تلتقي مع الفطرة، ولا تشذ عن سنن الحياة.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) للأحول - هو من كبار الشيعة، ومن المبشّرين والداعين له - : «أَتَيْتَ الْبَصْرَة.
نعم.
كيف مسارعة الناس في هذا الأمر، ودخولهم فيه ؟
واللّه إنّهم لقليل.
فأرشده (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الطريقة الناجحة : عَلَيْكَ بِالْأَحْداثِ، فَإِنَّهُمْ أَسْرَعُ إِلى كلّ خَيْرٍ» (1).
وأكّدت هذه النظرية البحوث الحديثة التي ترى أن الأحداث أسرع لقبول التبشير من غيرهم.
وعمدت السلطات الأمويّة والعبّاسيّة بصورة سافرة إلى محو ذكر أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، واستئصال أرصدتهم من الأوساط الإسلاميّة، فقد دعا داود بن عليّ العبّاسي المعلى بن خنيس إلى تعريفه بالشيعة ليقوم بتصفيتهم جسديّاً، ولما
1) قرب الإسناد : 80.
لم يعرّفه بهم قتله أمام الناس.
يقول الشيخ الطوسي : «لم تلق فرقة، ولا بُلي مذهب بما بليت به الشيعة من التتبع والقصد وظهور كلمة أهل الخلاف، حتّى أنا لا نكاد نعرف زماناً - تقدم - سلمت فيه الشيعة من الخوف ولزوم التقيّة، ولا حالاً عريت فيه من قصد السلطان وعصبته وميله وانحرافه» (1).
ونظراً لإمعان السلطة في قتل الشيعة، فقد قام الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بدور إيجابي حافظ فيه على دماء الشيعة، وقد اتخذ من الاجراءات ما يلي :
أما التقيّة، فهي كتمان الحقّ، وستر الاعتقاد، ومكاتمة المخالفين، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً من الدين أو الدنيا (2).
وقد أثرت كوكبة من الأحاديث من الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في لزومها، كان منها ما يلي :
1 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لسليمان بن خالد : «إِنَّكُمْ عَلى دين مَنْ كَتَمَهُ أَعَزَّهُ اللّه، وَمَنْ أَذاعَهُ أَذَلَّهُ اللّه» (3).
2 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبي بصير : «لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ، وَلَا إيمانَ لِمَنْ لَا نَقِيَّةَ لَهُ» (4).
3 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعبد اللّه بن أبي يعفور : «اتَّقوا اللّه عَلَى دِينِكُمْ، وَاحْتَجِبوا بِالتَّقِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ، إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ كَالنَّحْلِ فِي الطَّيْرِ، فَلَوْ أَنَّ الطَّيْرَ تَعْلَمُ
ما في جَوْفِ النَّحْلِ ما بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا أَكَلَتْهُ، وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ عَلِموا ما فِي جَوْفِكُمْ أَنَّكُمْ تُحِبُونَنا أَهْلَ الْبَيْتِ لأَكَلُوكُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلَتَحلوكُمْ فى السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ، رَحِمَ اللّه عَبْداً مِنْكُمْ كَانَ عَلَى وَلايتِنا» (1)
4 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لابن مسكان : «إِنِّي لَأَحْسَبُكَ إِذا شُتِمَ عَلِيٌّ بَيْنَ يَدَيْكَ لَوْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَأْكُلَ أَنْفَ شَاتِمِهِ لَفَعَلْتَ.
فقال ابن مسكان : إي واللّه جعلت فداك إنّي لهكذا وأهل بيتي.
فنهاه الإمام وقال له : لَا تَفْعَلْ فَوَاللّه لَرُبَّما سَمِعْتُ مَنْ يَشْتِمُ عَلِيّاً وَما بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا اسْطِوانَةٌ فَأَسْتَتِرُ بِها، فَإِذا فَرَغْتُ مِنْ صَلاتِي فَأَمْرُ بِهِ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَأَصافِحُهُ» (2).
5 - قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمعلّى بن خنيس : «يا مُعَلَّى، اكْتُمْ أَمْرَنَا وَلَا تُذِعْهُ، فَإِنَّهُ مَنْ كَتَمَ أَمْرَنا وَلَمْ يُذِعْهُ أَعَزَّهُ اللّه في الدُّنْيا، وَجَعَلَ لَهُ نُوراً بَيْنَ عَيْنَيْهِ فِي الْآخِرَةِ يَقودُهُ إِلَى الْجَنَّةِ.
يا مُعَلَّى، مَنْ أَذاعَ حَدِيثَنا وَأَمْرنَا وَلَمْ يَكْتُمُهُما أَذَلَّهُ اللّه فِي الدُّنْيا، وَنَزَعَ النُّورَ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، وَجَعَلَ لَهُ ظُلمَةً تَقودُهُ إِلَى النّار.
يا مُعَلَى، إِنَّ التَّقِيَّةَ ديني ودينُ آبَائِي، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ.
يا مُعَلَىٰ، إِنَّ اللّه يُحِبُّ أَنْ يُعْبَدَ في السِّرِّ كما يُحِبُّ أَنْ يُعْبَدَ فِي الْعَلانِيَةِ.
يا مُعَلَى إِنَّ الْمُذيعَ لأَمْرِنا كَالْجاحِدِ بِهِ» (3).
6 - روی داود الرقى ومفضّل وفضيل، قالوا : «كنا جماعة عند أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في منزله يحدّثنا في أشياء، فلما انصرفنا وقف على باب منزله قبل أن يدخل،
ثم أقبل علينا فقال : رَحِمَكُمُ اللّه لا تُذيعوا أَمْرَنا، وَلَا تُحَدِّثوا بِهِ إِلَّا أَهْلَهُ، فَإِنَّ الْمُذِيعَ عَلَيْنا سِرَّنا أَشَدُّ عَلَيْنا مَؤونَةٌ مِنْ عَدُوِّنَا، فَانْصَرِفُوا رَحمَكُمُ اللّه، وَلَا تُذيعوا سِرَّنا» (1).
إلى غير ذلك من الأحاديث التي أثرت عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعن الأئمة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهي تلزم بالتقيّة، وتعلن ضرورتها في وسط ذلك الجو الملتهب بالضغائن والأحقاد على أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وعلى شيعتهم، ولولا هذا الاجراء البالغ في الدقة والحكمة لما بقي ذكر لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ولا لشيعتهم.
وكان من الاجراءات السديدة التي اتخذها الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لحماية الأعلام من شيعته، أنّه ألقى الخلاف والنزاع فيما بينهم في المسائل الشرعية، وقد سئل عن سبب ذلك فأجاب : «حَتّى يُقالَ : إِنَّ أَصْحابَهُ مُخْتَلِفونَ».
ومن الطبيعي أنّ الاختلاف وعدم الاتفاق يبعد عنهم مطاردة المسؤولين وملاحقتهم لهم.
ومن الجدير بالذكر أنّ السلطات الحاكمة في عصر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أوعزت إلى مباحثها وعملائها بتقديم بعض المسائل الشرعيّة للإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعله يفتي بخلاف ما أفتى به علماء العامّة ليتّخذوا من ذلك وسيلة للتنكيل به، وقد عرف الإمام ذلك فصدرت عنه بعض الأخبار التي تتفق مع فتاوى العامّة، وتخالف مذهب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد بنى علماء الإماميّة على عدم حجّيتها لأنها لم تصدر لبيان الواقع، وإنما صدرت تقيّة.
1) المحاسن : 255.
وبالرغم من محافظة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبيه الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) على وحدة الشيعة فكرياً وعقائديّاً، وعدم حدوث أية فجوة في صفوفهم، فقد حدثت بعض الانقسامات والفرق بينهم، وهي :
أمّا الكيسانيّة فقد ظهرت أيّام الإمام زين العابدين، وسيد الساجدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد ذهب معتنق هذه الفكرة إلى إمامة محمّد بن الحنفية، وزعموا أنه الإمام المنتظر الذي بشر به الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في ذلك. يقول كثير :
أَلَا إِنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيش***ولاةُ الحقّ أَرْبَعَةٌ سَواءٌ
عَلِيٌّ والثلاثَةُ مِنْ بَنِيهِ***هُمُ الْأَسْبَاطُ لَيسَ بِهِم خفاء
فَسِبْطُ سِبْطُ إيمان ويرّ***وسيط غَيْبَتْهُ كَرْبَلاءُ
وَسِبطُ لَا تَراهُ العَينُ حتّى***يقودَ الْخَيْلَ يَقْدِمُها اللِّواء
تَغَيَّب لا يُرى عَنْهُمْ زَماناً***بِرَضُوى عِنْدَهُ عَسَل وماءُ (1)
لقد زعم كثير أنّ إمامه ابن الحنفية مقيم في جبل رضوى يطعم العسل، ويشرب الماء، وأنه هو الذي يقود الخيل، ويقضي على الحكم الأموي.
وذهب السيد الحميري إلى إمامة محمّد بن الحنفية، وزعم أنه وصي أبيه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنه لم يمت، وإنّما تغيب فترة من الزمن ثمّ يعود، وفي ذلك
1) ديوان كثير 2: 184. الملل والنحل : 1 : 241.
يقول :
أَلَا قُلْ لِلوَصِيَّ فَدَتْكَ نَفْسِي***أَطَلْت بذلك الجَبَلِ المُقاما
أَلَا حي المُقيمَ بِشِعْبِ رَضْوى***وأهدِ لَهُ بِمَنْزِلِهِ السَّلَاما
أَضرَّ بِمَعْشر والوْكَ مِنّا***وَسَمُوك الخليفة والإماما
وعادوا فيك أَهْلَ الْأَرْضِ طُرّاً***مُقامك عَنْهُمْ سَبْعِينَ عاما
وما ذاق ابنُ خَولَةً طَعْمَ مَوْتٍ***ولا وارَتْ لَهُ أَرْضُ عِظاما
لَقَدْ أَمْسى المجاورُ شِعبٍ رَضُوى***تُراجِعُهُ المَلائِكَةُ الكَلاما
وَأَنَّ لَهُ بِهِ لَمَقيلُ صِدقٍ***وَأَنْديَةٌ تُحدثه كراما
هدانا اللّه إِذْ جِرتُمْ لأَمْرٍ***بِهِ وَعَليهِ نَلْتَمِسُ التّماما
تَمامَ مَودَّةِ الْمَهدِيٌّ حتّى***تَرَوا راياتِنا تَتْرى نظاما (1)
وقد صوّر الحميري عقيدة الكيسانية في إمامهم ابن الحنفية، وأنه حي لم يمت، قد أقام بشعب رضوى تراجعه الملائكة، وتوحي إليه، وأن اللّه تعالى قد هداهم به، وأنه لا بد أن يقود الكتائب والجيوش ليحرّر العالم الإسلامي من ظلم الأمويّين وجورهم.
والتقى السيد الحميري بالإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فرأى هيبته التي تعنو لها الوجوه، وملك الإمام قلب الحميري ومشاعره، فرجع عن عقيدته، ودان بإمامة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ونظم في ذلك مقطوعة من الشعر ذكرناها في بعض حلقات هذا الكتاب ومهما يكن الأمر، فإنّ هذه الطائفة قد انقرضت، ولم يعد لها أي وجود في العالم الإسلامي.
1) ديوان السيد الحميري : 142.
هم أتباع الإمام زيد بن عليّ بن الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وكان زيد قد ثار في وجه الطغيان الأموي، ورفع راية العدل لينقذ المظلومين والبؤساء، ويعيد للأمة حكم القرآن العظيم، وقد استشهد سلام اللّه عليه، وصلب عرياناً ثمّ أحرق وذرّ رماده في الفرات، وقد دان بإمامته جمهور كبير من الشيعة، ويرجعون في أصولهم العقائدية إلى المعتزلة، وفي الفروع إلى مذهب أبي حنيفة إلا في مسائل قليلة (1). وقد تشعبت الزيديّة إلى عدة فرق، وهي :
سمّيت بهذا الإسم نسبة إلى زعيمها أبي الجارود زياد الأعمى (2). وهو كوفي تابعي (3). وهو من كبار علماء الزيدية، وعدّه الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وممّن روى عنه (4).
وقد فضّل أبو الجارود الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على جميع الصحابة، وقال بكفر من خالفه (5)، وقال : «إنّ كلّ من دعا لنفسه من ولد عليّ فهو الإمام المفترض الطاعة» (6).
وتذهب الجارودية إلى أنّ من ادعى الإمامة وهو قاعد في بيته مرخى عليه ستره،
فهو كافر مشرك (1).
ولهم قواعد وأصول أعرضنا عن ذكرها.
نسبة إلى صاحبها ومؤسّسها سليمان بن جرير الرقي (2).
وقد ذهبوا إلى أنّ الإمام أمير المؤمنين كان هو الإمام والخليفة بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنّ بيعة أبي بكر وعمر كانت خطأ لا يستحق عليها اسم الفسق، فقد تأوّل الشيخان وأخطئا (3).
وقالوا : إنّ الإمامة شورى، وإنّها تنعقد بعقد رجلين من خيار المسلمين (4)، وجوّزوا إمامة المفضول مع وجود الفاضل (5).
وقد ذهبوا إلى كفر الخليفة الثالث عثمان بن عفّان (6)، كما ذهبوا إلى أن جميع من حارب عليّاً فهو كافر (7).
أنّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو أفضل المسلمين بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأولاهم بالإمامة، وأن بيعة أبي بكر ليست بخطأ (1).
وترى البتريّة إمامة من خرج من ولد علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).
والتقى زعيم البترية بالإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسأله عن تفسير الآية الكريمة : «أَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (3)من هم أولي الأمر الذين أمر اللّه بطاعتهم ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْعُلَماءُ»، فخرج الحسن مع جماعته ثمّ قال لهم : ما صنعنا شيئاً هلّا سألناه من هؤلاء ؟
فرجعوا إليه فسألوه، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «الأئمة مِنَا أَهْلَ الْبَيْت» (4).
هذه معظم فرق الزيدية، وقد بحثنا عن أصولهم العقائدية في كتابنا (عقائد الزيدية) المطبوع في ضمن أجوبة المسائل الدينية التي تصدر في كربلاء.
وذهبت الإسماعيليّة إلى إمامة إسماعيل نجل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذلك لما يتمتّع به من الصفات الكريمة، والنزعات الشريفة، كسموّ الآداب، ومعالي الأخلاق، وسعة العلم، والحريجة في الدين، فخاف من انشقاق صفوفهم، وتصدّع كلمتهم ، فأخذ يدلّل على إمامة ولده الإمام الأعظم موسى الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويرشد الشيعة إلى إمامته.
ولمّا توفّي إسماعيل وجُهز وحمل إلى مقره الأخير، أمر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بوضع الجثمان الطاهر على الأرض ثلاث مرّات، وكشف وجهه للناس حتّى يرونه قد فارق الحياة، حتّى لا تبقى عند أحد شبهة في وفاته.
ولكن الإسماعيليّة أنكروا وفاته، وزعموا أنّه غاب عن الأبصار، وللإسماعيليّة مذاهب دينيّة مختلفة، وآراء سياسيّة واجتماعيّة متعدّدة، ومبادئ فلسفيّة وعلمية متنوّعة.
أما عرض فرقهم وأفكارهم فإنه يستدعى الإطالة والتشعّب في أمور تحتاج إلى مزيد من الدقّة والتحقيق، وليس عندنا من الوقت ما يسع ذلك، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الشيعة وفرقها.
من الفرق التي ظهرت على الصعيد الإسلامي هي المرجئة، فقد لعبت دوراً خطيراً في مسرح الأحداث السياسيّة في تلك العصور، فوقفت إلى جانب الحكم الأموي تدعمه وتبرّر جميع إجراءاته ومظالمه.
لقد نشأت المرجئة بإيعاز ودعم من الحكم الأموي، فقد حكمت المرجئة بمشروعية حكم الأمويّين، وتركت الحكم فيما اقترفوه من الأحداث الجسام إلى اللّه تعالى، فهو الذي يحكم بين عباده بالحق يوم القيامة، وليس لأحد أن يلج أو يخوض في أعمالهم أو يحكم عليهم بشيء من عنده (1).
يقول المأمون: «إنّ الإرجاء دين الملوك» (2).
يقول شوقي ضيف : «إنّ أفكار المرجئة تخدم البيت الأموي، الذي كان في رأي
الشيعة وكثير من الأتقياء منحرفاً عن الجادة الدينية، وينبغي أن يغيره المسلمون، ويضعوا مكانه البيت العلوي، والمرجئة لم يكونوا يوافقونهم على هذا الرأي، لأنّهم لا يريدون المفاضلة بين المسلمين، ولا الحكم على أحد بتقوى وغير تقوى، فالمسلم يكفي أن يكون مسلماً، وليس من شأن أحد أن يحكم على عمله (1).
لقد كانت المرجئة من أدوات السلطة الحاكمة في تلك العصور، وأحد أجهزتها وقد جهدت على تبرير سياسة الحاكمين، وعدم نقدها إذا كانت مخالفة لشريعة اللّه تعالى
وكان من الطبيعي أن تحدث المنازعات، ويحتدم الجدال بين الشيعة والمرجئة، فكانت الشيعة تنقد السياسة الأمويّة، وتذيع مظالمهم، وكانت المرجئة تسدّد وتؤيد وتبرّر مظالمهم، وكانت الشيعة تمجد الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتذكر عدله وجهاده في سبيل الإسلام، وكان ذلك يغيظ المرجئة، وفي ذلك يقول أحد شعراء الشيعة :
إذا الْمُرجِيُّ سَرَّكَ أن تراه***يموتُ بِدائِهِ مِنْ قَبْلِ مَوْتِهِ
فَجَدِّدْ عِنْدَهُ ذِكرى عَلِيٌّ***وَصَلِّ عَلَى النبيّ وَآلِ بَيْتِهِ (2)
وعابت الشيعة وسخرت من المرجئة لتقديمهم الخلفاء على الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو رائد العدالة الاجتماعيّة في الأرض، وردّ على الشيعة محارب بن دثار الذهلي أحد أعلام المرجئة بقوله :
يعيبُ عَلَى أقوامٌ سَفاهاً***بِأَنْ أُرجي أَبا حَسَنٍ عَلِيّا
وإرجائي أبا حَسَنٍ صَوابٌ***عَنِ العُمَرينِ بَراً أَوْ شَقِيًا
فإن قدَّمتُ قَوماً قالَ قَومٌ***أسأتَ وَكُنتَ كَذَاباً رَدِيًا
إذا أيقنتُ أَنَّ اللّه رَبِّي***وأرسلَ أَحْمَداً حَقًّا نَبِيًا
وأَنَّ الرُّسُلَ قد بُعِثوا بِحَقِّ***وَأَنَّ اللّه كانَ لَهُمْ وَلِيّا
فَلَيسَ عَلَيَّ فِي الإِرجاءِ بَأْسٌ***ولا لَبْسُ ولَستُ أَخافُ شَيّا
ورد منصور النمري لسان الشيعة وشاعرهم على محارب بأبيات عاب فيها عليه لأنّه يرجى الإمام عليّاً، وأنّه إنّما يرجئ نبيّاً من أنبياء اللّه تعالى. يقول النمري :
يَوَدُّ مُحاربٌ لَوْ قَدْ رأها***وَأَبْصَرَهُمْ حَوالَيها حثيًا
وَأَنَّ لِسانَهُ مِنْ نابٍ أَفْعى***وَمَا أَرْجَى أَبا حَسَنٍ عَلِيّا
وَأَنَّ عجوزَهُ مُصِعَتْ بِكَلبٍ***وَكانَ دِماءُ ساقيها جَرِيَّا
مَتى تُرْجِئْ أَبا حَسَنٍ عَلِيّاً***فَقَدْ أَرْجَيْتَ يا لُكَعْ نَبِيَا (1)
وتعرّضت المرجئة لنقد لاذع من الشيعة، وسخروا من حكمهم بإرجاء الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) باب مدينة علم النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، ومن كان بمنزلة هارون من موسى، لقد هزئت الشيعة من المرجئة حيث ساوت بين الإمام أمير المؤمنين وبين عثمان بن عفان عميد الأسرة الأمويّة، وبين معاوية والخوارج. يقول الشاعر الملهم السيد الحميري :
خليلئ لا ترجيا (2)واعلما***بأنّ الهدى غيرُ ما تزعمان
وأنّ عَمَى الشك بعد اليقين***وضعف البصيرة بعد العيانِ
ضلال فلا تَلجَجًا فيهما***فبئست لعَمرُكما الخصلتان
أيُرجى على إمام الهدى***وعثمانُ ما أَعنَدَ المرجيانِ
ويُرجى ابن حرب وأشياعه***وهُوجُ الخوارج بالنهروان
يكون إمامهم في المعاد***خبيث الهوى مؤمنَ الشيصبان (1)
إنّ أفكار المرجئة جملة وتفصيلاً بعيدة عن المنطق، وشاذة عن سنن الحياة. ولا صلة لها بالإسلام.
وننهي بهذا الحديث عن المرجئة، وقد بحثنا عنها بصورة أوسع وأشمل في كتابنا (حياة الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)).
من أقدم الفرق الإسلاميّة المعتزلة، وقد لعبت دوراً خطيراً في تاريخ الحركات الفكرية والاجتماعيّة في الإسلام، وكان من بين ما قامت به تأسيس القواعد الفكرية التي قام عليها - فيما بعد - علم الكلام السنّي (2)، ويرى (كولد زيهر) أنّ رجال المعتزلة هم أوّل من أدخلوا النزعة العقلية في الإسلام وصانوها (3)، ونتحدث - بإيجاز - عن بعض شؤونها ومعالمها :
وذهب زهدي جار اللّه إلى أن الاعتزال تأسس في بداية القرن الثاني للهجرة، وقد
تأسّس في مدينة البصرة التي كانت مركزاً للعلم والأدب في الدولة الإسلاميّة (1). والحقيقة أن الاعتزال كفكرة سياسية قد تأسس حينما بويع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالخلافة، فكره قوم خلافته منهم سعد بن أبي وقاص، وعبداللّه بن عمر، وأسامة بن زيد، ومحمّد بن مسلمة الأنصاري، فأطلق عليهم اسم المعتزلة، كما أنّهم لم ينصروا الإمام أمير المؤمنين في معركة الجمل وصفين، كما اعتزل الحرب الأحنف بن قيس، وقال لقومه : اعتزلوا الفتنة (2).
فالاعتزال كفكرة سياسيّة ظهرت في ذلك الوقت، أما أنها كمدرسة كلامية فقد ظهرت في أواخر القرن الأول الهجري (3).
والشيء المحقق أنّ الاعتزال بما يحمل من مناهج علمية وكلاميّة كان مسانداً للحكم القائم في تلك العصور، فقد كان زعماؤه وأقطابه أداة بيد الحكام، وكانوا من أجهزته.
أما ما يدعم ذلك فإقرارهم لإمامة المفضول، وجواز تقديمه على الفاضل، وقد اتخذوا ذلك للقول بمشروعيّة خلافة الأمويّين، وغيرهم ممّن تسلّموا قيادة الحكم مع وجود من هو أعلم منهم بشؤون الدين وأحكام الشريعة، وقد نالوا بذلك التأييد المطلق، والدعم الشامل من الأمويّين، وبعد انقلاب الحكم الأموي انضموا إلى الحكم العبّاسي، فكانوا من أجهزته، وقد كان المنصور الدوانيقي على ما فيه من جفوة وقسوة ومعاداة للعلم والعلماء يكبر عمرو بن عبيد الزعيم الروحي للمعتزلة،
كما أنّ أحمد بن أبي دؤاد الزعيم الثاني للمعتزلة قد حظي باحترام ملوك العبّاسيّين وتبجيلهم، فقد قال فيه المعتصم : «هذا واللّه الذي يتزيّن بمثله، ويبتهج بقربه، ويعدل ألوفا من جنسه» (1).
ومرض أحمد فعاده المعتصم، وكان لا يعود أحداً من إخوته وأجلاء أهله، ولما قيل له في ذلك أجاب : «كيف لا أعود رجلاً ما وقعت عليه عيني قطّ إلّا ساق لي أجراً، وأوجب إليَّ شكراً، وأفادني فائدة تنفعني في ديني ودنياي» (2).
ويميل كلّ من المستشرق الايطالي (نلينو)، والمستشرق (نيسبوج) إلى أنّ منشأ الاعتزال كان من أصل سياسي (3).
أمّا أحمد أمين فيقول : «إنّ جرأة المعتزلة في نقد الرجال هو بمثابة تأييد قويّ للأمويين، لأنّ نقد الخصوم ووضعهم موضع التحليل، وتحكّم العقل في الحكم عليهم أو لهم، يزيل - على الأقل - فكرة تقديس على الا التي كانت شائعة عند جماهير الناس» (4).
ومهما يكن الأمر فإنّ الاعتزال قد حظي بدعم شامل، وحفاوة بالغة من قبل الحكم الأموي والعبّاسي، ولو كان بمعزل عن السياسة القائمة في تلك العصور لما ظفر قادته بالتكريم والتأييد من قبل السلطات الحاكمة.
أما الأصول الاعتقادية التي آمن بها المعتزلة، فهي خمسة، فمن اعتنقها كان
معتزلاً، ومن أنكر واحداً منها أو زاد عليها فقد فارق الاعتزال (1)، هي :
1 - التوحيد
أما التوحيد فهو أقوى المبادئ الخمسة التي تجمع عليها المعتزلة، وقد فسروه بتنزيه اللّه تعالى عن مشابهة المخلوقين، فهو ليس جسماً، ولا عرضاً، ولا جوهراً، ولا يحويه زمان ولا مكان، وردّوا كلّ ما يتعارض مع وحدانية اللّه تعالى وأزليّته، فأنكروا أن يكون اللّه صفات غير ذاته (2).
وقالوا : إنّ وجود صفات قديمة خارجة عن الذات يؤدّي إلى أن يكون هناك شيء قديم أزلي غير ذاته، وهذا يقتضي التعدّد، وهو مستحيل بالنسبة إليه تعالى (3).
وأوّلوا الآيات التي تدل بظاهرها على التجسيم مثل قوله تعالى : «يَدُ اللّه فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» (4)، فقالوا : إن المراد بها القدرة، وقد بسطوا القول في هذه الجهة، واستدلوا عليها بأروع الأدلّة وأوثقها (5).
2 - العدل
وهو الأصل الثاني من الأصول الأساسية لمذهبهم، فقد قالوا - كما هو الحقّ - إن اللّه تعالى ليس بظلام للعبيد، ولا بجائر عليهم، وقد تشعبت بحوثهم في عدل اللّه تعالى إلى عدة بحوث كلامية، منها نفي القدر، وإثبات حرية الإنسان وإرادته واختياره، وإنّ الإنسان هو الذي يوجد أفعاله بمقتضى حريته واختياره، وذلك نتيجة لعدل اللّه تعالى وتنزّهه عن الظلم، فإنّ اللّه تعالى لا يعاقب إنساناً على عمل أجبره
عليه، ووجّه إليه ؛ لأنّ من أعان فاعلاً على فعله ثمّ عاقبه عليه كان جائراً وظالماً له، والظلم منفي عنه تعالى : «وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» (1)، وقوله تعالى : «فَمَا كَانَ اللّه لِيَظْلِمَهُمْ» (2).
فالثواب والعقاب تابعان للعمل، وليسا خاضعين إلى شيء آخر، كما بحثوا في قضيّة عدل اللّه تعالى عن الحسن و القبح العقليّين، فإنّهم لما آمنوا بعدالة اللّه تعالى وأنه تعالى لا يفعل إلا ما فيه الخير العام لعباده، فقد دعاهم ذلك إلى النظر في الأعمال فهل هي حسنة لذاتها، أم أنّها تكتسب الحسن أو القبح بتوجيه من الشارع المقدس ؟
وذهبوا بعد ذلك إلى أنّ الحسن والقبح ذاتيان، وأنّ الشارع لا يحسن الشيء بأمره، وإنّما يأمر به لأنه حسن في ذاته، كما أنّه لا يقبح الشيء بنهيه، وإنما ينهى عنه لقبحه، وقد مجّد وا بذلك العقل، وفتحوا الطريق أمام نضجه وارتقائه، كما يقول بعض الباحثين (3).
3 - الوعد والوعيد
هذا هو الأصل الثالث من أصولهم العقائدية، ويراد به أنّ اللّه تعالى صادق في وعده ووعيده في يوم القيامة لا مبدل لكلماته، وأنّ أهل الجنة يزفّون إلى الجنّة بأعمالهم، وأهل النار يساقون إلى النار بأعمالهم، ورتبوا على ذلك إنكار الشفاعة لأي أحد يوم القيامة (4).
وتجاهلوا بذلك الآيات والأخبار المتواترة عن النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في ثبوت الشفاعة للنبي
العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والسائر الأولياء والمؤمنين.
3 - المنزلة بين المنزلتين
یراد بهذا الأصل عندهم أن مرتكب الكبائر من الذنوب لا مؤمن، ولا كافر، بل هو فاسق، فجعلوا الفسق مرتبة ثالثة مستقلة عن الإيمان والكفر، واعتبروه وسطاً بينهما، وقد أدلى بذلك واصل - وهو من كبار زعمائهم - قال : «إن الإيمان عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سُمِّي المرء مؤمناً، وهو اسم مدح، والفاسق لم يستجمع خصال الخير، ولا استحق اسم المدح، فلا يسمى مؤمناً وليس هو بكافر مطلقاً لأنّ الشهادة وسائر الأعمال الخيّرة موجودة فيه، ولا وجه لإنكارها، لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة، فهو من أهل النار خالداً فيها (1).
وتابع عمرو بن عبيد واصلاً في ذلك، كما أنّ الحسن البصري تابعهما في هذا الرأي، بعدما كان مصرّاً على أن مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق (2).
4 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وهذا هو الأصل الخامس من الأصول الاعتقادية التي يدين بها المعتزلة، وقد ذهبوا إلى أنه يجب على كلّ مسلم ومسلمة العمل على إقامة المعروف وإزالة المنكر، فإن استطاعوا فبالسيف، ويُسمّى جهاداً، وإن لم يستطيعوا بالسيف فما دونه، ولا فرق في ذلك بين مقاومة الكافر ومقاومة الفاسق (3).
ولم تعمل المعتزلة بهذا البند من أصولهم الاعتقادية، فقد أغرق الأمويّون البلاد بالظلم والجور، وأرغموا المسلمين على ما يكرهون، ولم ينبر أحد من أعلامهم إلى
مقاومة المنكر والأمر بالمعروف.
هذه هي الأصول العامّة للمعتزلة، ويتفرّع عنها فروع كثيرة ذات أهمية بالغة ذكرت في الكتب الكلامية (1).
ويرى بعض المستشرقين أنّ الشيعة اقتبست الكثير من بحوثها الكلامية من المعتزلة، وأنهما معاً يشكلان وحدة في الفكر والعقيدة، وقد ذهب إلى ذلك (كولد زيهر) يقول : «استقرّ الاعتزال في مؤلّفات الشيعة حتّى في يومنا هذا، ولذا فإنّ من الخطأ الجسيم، سواء من ناحية التاريخ الديني أو التاريخ الأدبي، أن نزعم بأنه لم يبق للاعتزال أثر محسوس بعد الفوز الحاسم الذي نالته العقائد الأشعرية، وعند الشيعة مؤلّفات اعتقادية كثيرة يرجعون إليها، وينسجون على منوالها، وهي حجّة قائمة تدحض هذا الزعم وتفنّده، ويمكن أن تعتبر كتب العقائد الشيعية كأنها مؤلّفات المعتزلة» (2).
ومال إلى هذا الرأي (آدم) متز). يقول : «إنّ الشيعة في القرن الرابع الهجري لم يكن لهم مذهب كلامي خاص بهم، فاقتبسوا من المعتزلة أصول الكلام وأساليبه، حتّى أنّ ابن بابويه القمي أكبر علماء الشيعة في القرن الرابع الهجري اتبع في كتابه (علل الشرائع) طريقة المعتزلة الذين كانوا يبحثون عن علل كلّ شيء.. إن الشيعة من حيث العقيدة والمذهب هم ورثة المعتزلة» (3).
وليس لهذا الرأي أي مسند علمي، فإنّ الشيعة لم تكن بأي حال من الأحوال عالة
على أيّة فرقة إسلاميّة، فقد أمدهم أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بطاقات ثرية من البحوث الكلامية وغيرها، فهم أوّل من فتق باب علم الكلام، كما أنهم الروّاد الأوائل للخوض في بحوث التوحيد التي هي من فروع علم الكلام، وكان أوّل من أدلى بذلك رائد الفكر الإسلامي الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد حفل نهج البلاغة بالخطب الرائعة، التي أشاد فيها الإمام بعظمة الخالق، ونزّهه عن صفات المخلوقين، وفي الصحيفة السجّاديّة لإمام المتقين، وسيد الساجدين عليّ بن الحسين (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) أدعية حافلة بالبحوث الكلامية، كما أن ما أثر عن أئمة الهدى (عَلَيهِم السَّلَامُ) من الاحتجاجات في الرد على الدهريين وغيرهم من الملاحدة ما يثبت - بوضوح - سبق الشيعة، وأنهم الروّاد الأوائل في علم الكلام، فكيف يكونون عالة على المعتزلة.
يقول الشيخ المفيد : «لسنا نعرف للشيعة فقيهاً متكلّماً على ما حكيت عنه من أخذ الكلام من المعتزلة، وتلقينه الاحتجاج» (1).
ويقول الدكتور عرفان عبد الحميد : «أما علماء الشيعة، قديماً وحديثاً، فقد أنكروا دعوى الاقتباس والتقليد، وردوا على القائلين به، وذلك في نظرنا أمر طبيعي منطقي لا بد منه ممّن يعتنق مذهب الإماميّة القاضي بأن الهيكل العام للتعاليم الشيعيّة إنّما قام على ما روي من أحاديث وأخبار عن الإمام المعصوم. فمنطوق المذهب يقضي بطرد كلّ احتمال للتأثير الخارجي، لا بل وإنكاره باعتبار أنّ المذهب الشيعي وحدة فكرية قائمة بذاتها مستمدّة من تعاليم الإمام» (2).
واتفقت الشيعة مع المعتزلة في بعض المسائل من الأصول الاعتقادية، كالعدل
الإلهي، يقول الإمام كاشف الغطاء (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : «والذي يجمعها - أي المعتزلة - مع الشيعة قولهم : بأنّ من صفاته تعالى العدل الذي ينكره الأشاعرة، وعلى هذا تبتني مسألةالحسن والقبح العقليين التي تقول بها الإماميّة والمعتزلة، وتنكرها الأشاعرة أيضاً، وبهذا الملاك يطلق على الفريقين - أي الشيعة والمعتزلة - اسم العدلية» (1).
هذه بعض المسائل التي اتفق عليها الشيعة والمعتزلة (2).
واختلفت الشيعة والمعتزلة في كثير من المسائل الكلامية، كان من بينها ما يلي :
1 - إمامة المفضول
وذهبت المعتزلة إلى جواز إمامة المفضول وتقديمه على الفاضل، وقد أنكرت الشيعة ذلك أشدّ الإنكار، واعتبرته خروجاً عن المنطق، وإماتة للمواهب والكفاءات، وانحرافاً عن القرآن الكريم الذي أعلن إنكاره للتساوي بينهما. قال تعالى : «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» (3)، وتذهب الشيعة - بإصرار - إلى أن جميع الأزمات التي عانتها الأمّة الإسلاميّة في جميع مراحل تاريخها إنما كانت من جراء تقديم المفضول على الفاضل، فإنّ النبيّ الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد رشح للخلافة من بعده أفضل أهل بيته وسيّد عترته وأصحابه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأخذ له البيعة في غدير خم، ودلّل في كثير من المواقف والمشاهد على سموّ منزلته ومكانته عند اللّه وعند رسوله، ولكنّ الأطماع السياسيّة قد حدت بالقوم إلى إقصائه عن الخلافة، وترشيح غيره لها، فكان لذلك الكثير من
المضاعفات السيئة التي عانتها الأمّة، فقد نزا على منبر الخلافة اللصوص والجلّادون أمثال معاوية، وولده يزيد، ومروان بن الحكم، وأمثالهم من أئمّة الظلم والجور.
وعلى أي حال، فإنّ هذه النقطة الحسّاسة من جملة الفوارق الجوهرية بين الشيعة والمعتزلة.
2 - الشفاعة
وأنكرت المعتزلة الشفاعة يوم القيامة لأي أحد من أنبياء اللّه وأوليائه، وأنّ الإنسان إنّما يجازى بأعماله، ويحاسب عليها، إن خيراً خيراً، وإن شراً فشراً، ولا تنفعه شفاعة أي أحد، وخالفت الشيعة في ذلك، وذهبت إلى أن أولياء اللّه العظام، كالأنبياء والأئمة الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ) لهم الشفاعة يوم القيامة، وذلك لإظهار فضلهم، وعظيم منزلتهم عند اللّه تعالى، وإذا لم تكن لهم الشفاعة فما هي الميزة لهم على غيرهم من الناس في ذلك اليوم ؟ هذه بعض الفوارق بين الشيعة والمعتزلة، وذكرت الكتب الكلامية فوارق أخرى كان من أهمها ما ذكرناه.
وافترقت المعتزلة إلى فرق وطوائف كثيرة، كان منها ما يلي :
1 - الواصليّة : وهم أصحاب واصل بن عطاء.
2 - الهذيليّة : وهم أتباع أبي الهذيل العلاف.
3 - النظاميّة : وهم أتباع النظام إبراهيم بن سيّار.
4 - الحائطيّة : وهم أتباع أحمد بن حائط.
5 - البشريّة : وهم أتباع بشر بن المعتمر.
6 - المعمريّة : وهم أتباع معمّر بن عباد السلمي.
المزداريّة : وهم أتباع عيسى المكنى بأبي موسى.
8 - الثماميّة : وهم أتباع ثمامة بن أشرف النمري.
9 - الهشاميّة : وهم أتباع هشام بن عمر الفوطي.
10 - الجاحظيّة : وهم أتباع عمرو بن بحر الجاحظ.
11 - الخياطيّة : وهم أتباع أبي الحسين الخياط.
12 - الجبائيّة : وهم أتباع أبي علي محمّد بن عبدالوهاب الجبائي.
هذه بعض فرق المعتزلة، وقد نسبت لهم أقوال شاذة وآراء فاسدة، وقد ألف الأشعري كتاباً في تكفير النظام (1).
وجرت مناظرات بين الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبين المعتزلة، فنّد فيها شبههم وما ذهبوا إليه في كثير من المسائل الكلاميّة، وقد ذكرنا احتجاجاته عليهم في بعض حلقات هذا الكتاب، كما أنّ المتكلمين من أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) كهشام بن الحكم، قد خاض مع بعض أعلامهم في بعض البحوث العقائدية، وقد أفلج حججهم، وردّ شبههم، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن المعتزلة.
وأجمعت الشيعة على تكفير الغلاة والحادهم، ومروقهم من الدين، وأن من مهازل الآراء وأبعدها عن الحقّ إلحاق الغلاة بالشيعة، وإضافة هذه الفرقة الضالة
1) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : 2 : 119.
إلى أتباع أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الذين دانوا اللّه بالوحدانية، وتبرأوا من كلّ من لا يؤمن باللّه، ولا باليوم الآخر، وأعلنوا حرمة مخالطة الغلاة، وأفتى الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ) بنجاستهم، وأعلنوا عدم جواز غسل موتاهم، ودفنهم في مقابر المسلمين، ولم يجوزوا للمغالي أن يتزوّج بالمرأة المسلمة، ولا المسلم أن يتزوّج بالمغالية، وأنهم لا يرثون المسلمين، وقد أجروا عليهم حكم الكفّار، وبعد هذه الاجراءات القاسية عليهم كيف يحكم بأنهم من فرق الشيعة ؟
وعلى أي حال، فقد ظهر الغلاة أيّام الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد ذهبت عصابة من الغوغاء إلى الوهيته، وذلك حينما رأوا فضله ومآثره، من العدل والزهد والكمال، ويقول فيه بعض الغلاة :
وَمَنْ أهلك عاداً وثَموداً بدواهيه***وَمَنْ كلَّمَ موسى فَوقَ طُورٍ إِذْ يُنادِيهِ
وَمَنْ قالَ عَلَى المِنبرِ يَوماً وهو راقِيهِ***سَلُوني أيُّها النَّاس فَحاروا في مَعانِيهِ (1)
وزعم بعض الغلاة أنّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابن اللّه، ويردّ عليهم السيد الحميري بقوله :
قومٌ غَلَوا في عَلِيَّ لا أَبا لَهُمْ***وَأَجْشَموا أَنْفُساً في حُبِّهِ تَعَبا
قالوا هُوَ ابْنُ الإِنهِ جَلَّ خالِقُنا***مِنْ أنْ يكونَ لَهُ ابْنُ أَوْ يَكونَ أَبا (2)
هذا الغلوّ مروق من الدين، وإرتداد عن الإسلام، ولا علاقة له بالشيعة، ولا بغيرها من فرق المسلمين.
يقول الإمام الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء : «أما الشيعة فيبرأون من تلك الفرق براءة التحريم، على أنّ تلك الفرق لا تقول بمقالة النصارى، بل خلاصة مقالتهم، بل ضلالتهم، أنّ الإمام هو اللّه سبحانه ظهوراً واتحاداً أو نحو ذلك ممّا يقول به كثير من متصوّفة الإسلام ومشاهير الطرق، وقد ينقل عن الحلّاج والكيلاني والرفاعي والبدوي وأمثالهم من الكلمات، وإن شئت سمها كما يقولون - شطحات - ما يدلّ بظاهره على أنّ لهم منزلة فوق الربوبيّة، وأنّ لهم مقاماً زائداً على الألوهيّة - لو كان ثمة موضع لمزيد - وقريب من ذلك ما يقول به أرباب وحدة الوجود أو الموجود.
أمّا الشيعة الإماميّة، وأعني بهم جمهرة العراق وإيران وملايين المسلمين الهند، ومئات الألوف في سوريا والأفغان، فإنّ جميع تلك المقالات يعدّونها من أبشع الكفر والضلالات، وليس دينهم التوحيد المحض، وتنزيه الخالق عن كلّ مشابهة للمخلوق، أو ملابسة لهم في صفة من صفات النقص والإمكان، والتغيير والحدوث، وما ينافي وجوب الوجود والقدم والأزلية، إلى غير ذلك من التنزيه والتقديس المشحونة به مؤلّفاتهم في الحكمة والكلام من مختصرة أو مطوّلة» (1).
ولنعد بعد هذا إلى بعض شؤون الغلاة مع الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وغالى جماعة من المرتدّين على أعقابهم في الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فزعم بعضهم أنه اللّه تعالى، وزعم آخرون أنه نبي مرسل، وفيما يلي بعضهم :
1) أصل الشيعة وأصولها : 173 - 177.
هو محمّد بن مقلاص الأسدي الكوفي، وهو من دعائم الكفر والضلال، كان فى بداية أمره من أصحاب الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثمّ ارتد على عقبه فزعم أن الإمام الصادق هو اللّه تعالى، وقد استحلّ، وقد استحل جميع ما حرم اللّه، ورخّص فيها، وكان أصحابه كلّما ثقل عليهم أداء فريضة من فرائض اللّه تعالى قالوا له : يا أبا الخطّاب، خفف علينا، فيأمرهم بتركها حتّى تركوا جميع الفرائض، واستحلوا جميع المحارم، وأباح لهم أن يشهد بعضهم لبعض بالزور، وقال : «من عرف الإمام فقد حلّ له كلّ شيء حُرم عليه» (1).
ولما انتهت مقالة هذا الضال إلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعنه وتبرأ منه، وجمع أصحابه فعرّفهم ذلك، وكتب إلى البلدان بالبراءة منه ولعنه (2).
وروى المفضّل بن عمر، قال : «دخلت على أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرأيته منقبضاً مستعبراً، فقلت له : ما لك جعلت فداك ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : سُبْحانَ اللّه، وَتَعَالَى اللّه عمّا يَقولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبيراً.
يا مُفَضَّلُ، زَعَمَ هذَا الْعَذَابُ الْكافِرُ أَني أنا اللّه، فَسُبْحانَ اللّه، وَلَا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبِّي وَرَبُّ آبائي، هُوَ الَّذِي خَلَقَنا وَأَعْطانا وَخَوَّلَنا، فَنَحْنُ أَعْلَامُ الْهُدَى، وَالْحُجَّةُ الْعُظمى.
يا مُفَضَّلُ، اخْرُجْ إِلى هؤلاء - يعني أصحاب أبي الخطّاب - فَقُلْ لَهُمْ: إِنَّا مَخْلُوقونَ، وَعِبَادٌ مَرْبوبونَ، وَلكِنْ لَنا مِنْ رَبِّنا مَنْزِلَةٌ لَمْ يَنْزِلُها أَحَدٌ غَيْرُنا، وَلَا تَصْلُحُ إِلّا لَنا،
وَنَحْنُ نُورٌ مِنْ نُورِ اللّه، وَشِيعَتُنا مِنَا، وَسائِرُ مَنْ خَالَفَنا مِنَ الْخَلْقِ فَهُوَ فِي النَّارِ، نَحْنُ جيرانُ اللّه غَداً، فَمَنْ قَبِلَ مِنَا وَأَطَاعَنا فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ أطاعَ الْكافِرَ الْكَذَابَ - يعني أبا الخطاب - فَهُوَ فِي النَّارِ» (1).
واجتاز الإمام على جماعة من أتباع أبي الخطاب، فانبروا قائلين : لبيك جعفر، لبيك جعفر، وكان مع الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مصادف، فأخبره بمقالتهم، فلما سمع ذلك خرّ اللّه ساجداً وأخذ يبكي وهو يقول : «بَلْ عَبْدٌ للّه، فن داخِرٌ»، ثمّ رفع رأسه ودموعه على كريمته الشريفة، فقال له مصادف : ما عليك من هذا ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «يا مُصادِفٌ، إن عيسى لَوْ سَكَتَ عمّا قالَتِ النَّصارى فيهِ لَكَانَ حَقّاً عَلَى اللّه أَنْ يَصُمَّ سَمْعَهُ، وَيَعْمِي بَصَرَهُ، وَلَوْ سَكَتُ عمّا قَالَ فِيَّ أَبُو الْخَطَابِ لَكَانَ حَقًّا عَلَى اللّه أَنْ يَصُمَّ سَمْعى وَيَعْمِي بَصَري» (2).
وحدّث حمدويه، قال : كنت جالساً عند أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وميسر وميسرة عنده - وهو من أصحابه - فقال ميسرة : جُعلت فداك، عجبت لقوم يأتون إلى هذا الموضع فانقطعت أخبارهم وآثارهم وفنيت آجالهم.
فالتفت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إليه قائلاً : مَنْ هُمْ ؟
واستوى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) جالساً، وقال متأثراً : عَلى أبي الْخَطَابِ لَعْنَةُ اللّه وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. أَشْهَدُ بِاللّه أَنَّهُ كَافِرٌ فَاسِقٌ مُشْرِكٌ، وَأَنَّهُ يُحْشَرُ مَعَ فِرْعَونَ فِي أَشَدَّ الْعَذابِ» (3).
ونهى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الاتّصال بأصحاب أبي الخطاب، وقال : «لَا تُقاعِدوهُمْ، وَلَا تُواكِلوهُمْ، وَلَا تُشاربوهُمْ، وَلَا تُصافحوهُمْ، وَلَا تُوارثوهُمْ» (1).
وأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعض أصحابه فقال له : «قُلْ لِلْغالِيَةِ : توبوا إِلَى اللّه فَإِنَّكُمْ فَسَاقٌ مشركونَ» (2).
وأثرت عنه كثير من الأخبار أعلنت كفر الخطابية وإلحادهم، وأنهم مارقون عن الإسلام.
وافترقت الخطابية إلى أربع فرق، وهي كما يلي :
1 - زعمت أن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو اللّه تعالى، وأن أبا الخطاب نبي مرسل أرسله الإمام إلى الناس وأمره بطاعته.
2 - وذهب آخرون إلى أن بزيع - وهو حائك من حاكة الكوفة - نبيّ مرسل، مثل أبي الخطاب وشريكه، أرسله الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجعله شريك أبي الخطاب في النبوّة والرسالة.
3 - وذهبت الفرقة الثالثة إلى أن السري الأقصم نبي أرسله الإمام إلى العباد، وزعموا أنّ الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الإسلام، والإسلام هو السلم، والسلم هو اللّه، وصلّوا وصاموا وحجوا الجعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ).
4 - وذهبت هذه الفرقة الخطّابيّة إلى أن جعفر بن محمّد (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو اللّه، وإنما هو نور يدخل في أبدان الأوصياء فيحلّ فيها مكان ذلك النور في جعفر، ثمّ خرج
منه فدخل في أبي الخطاب، وصار جعفر من الملائكة (1).
هلاك أبي الخطّاب
وشاعت أضاليل أبي الخطاب ومنكراته، وعلمت به السلطة الحاكمة في الكوفة، فألقت عليه القبض، ونفّذت فيه حكم الإعدام مع سبعين شخصاً من جماعته الذين زاغت ضمائرهم، وكان والي الكوفة في ذلك الوقت عيسى بن موسى (2).
أمّا بشّار الشعيري فقد كان زنديقاً ممعناً في الزندقة، زعم أن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو اللّه تعالى، وكان يدعو البسطاء والسذج لفكرته الضالة، دخل هذا الرجس الخبيث على الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلمّا أبصر به طرده وصاح به : «اخْرُجْ عَنِّي لَعَنَكَ اللّه»، فولّى الشعيري منهزماً، فالتفت الإمام إلى أصحابه معرباً لهم عن سخطه البالغ على هذا الإنسان الممسوخ قائلاً: «وَيْلَهُ أَلا قالَ بِما قالَتْ بِهِ الْيَهُودُ ؟ أَلَا قَالَ بِما قَالَتْ بِهِ النَّصارى ؟ أَلَا قالَ بِما قَالَتْ بِهِ الْمَجُوسُ ؟ وَاللّه ما صَغَرَ اللّه تَصْغِيرَ هَذَا الْفاجِرِ أَحَدٌ».
ثمّ وصفه الإمام لأصحابه قائلاً: «إِنَّهُ شَيْطَانٌ، وَإِنَّهُ خَرَجَ لِيُغْوِي الشَّيعَةَ».
وأضاف الإمام قائلاً: «إِنِّي عَبْدُ اللّه، ابْنُ عَبْدِ اللّه، ضَمَّتْني الأَصْلابُ وَالأرْحَامُ، وَإِنِّي لَمَيْتُ، وَإِنّى لَمَبْعُوثُ» (3).
لقد تألم الإمام كأشدّ ما يكون الألم وأقساه من هذا الرجس الخبيث الذي كفر باللّه
العلي العظيم، واتبع هواه، وصد عن سواء السبيل.
أمّا المغيرة فهو من أرجاس البشرية، ومن شرار الخلق، وكان ملحداً، صاحب بدع ومنكرات، ومن بدعه الغلوّ، وقد تبرأ منه الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولعنه.
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لَعَنَ اللّه الْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ، لَعَنَ اللّه يَهُودِيَّةٌ كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهَا، يَتَعَلَّمُ مِنْها السِّحْرَ وَالشَّعْبَذَةَ وَالْمَخارِيقَ
إِنَّ الْمُغِيرَةَ كَذَبَ عَلَى أَبِي فَسَلَبَهُ اللّه الْإِيمَانَ، وَإِنَّ قَوْما كَذَبُوا عَلَيَّ، ما لَهُمْ أَذاقَهُمُ اللّه حَرَّ الْحَدِيدِ، فَوَاللّه مَا نَحْنُ إِلَّا عَبِيدٌ خَلَقَنا اللّه وَاصْطَفانا، ما نَقْدِرُ عَلَىٰ ضُرَّ وَلَا نَفْعِ إِلَّا بِقُدْرَتِهِ، إِنْ رَحِمَنَا فَبِرَحْمَتِهِ، وَإِنْ عَذَّبَنا فَبِذُنوبنا، لَعَنَ اللّه مَنْ قالَ فينا ما لا نَقولُ في أَنْفُسِنا، وَلَعَنَ اللّه مَنْ أَزَالَنا عَنِ الْعُبُودِيَّةِ للّه الَّذي خَلَقَنا وَإِلَيْهِ مَابَنَا وَمَعَادُنَا، وَبِيَدِهِ نواصينا» (1).
لقد أبدى الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) تذمّره الشديد من المغيرة الذي يقول عليه بالباطل، وكذّب عليه وعلى أبيه من قبل، ومن المؤكّد أنّه من العناصر المندسة ليقوم بعملية الهدم والتخريب للمبدأ الشيعي القائم على الحقّ.
لقد كان المغيرة مجرماً خطيراً، حاول تشويه الشيعة، وتحريف مبادئهم وقيمهم، وقد احتفت به عصابة من المجرمين فكانوا يستعيرون له كتب الحديث والأخبار التي أملاها الإمام الباقر وولده الإمام الصادق (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) على تلاميذهم، فكان يدس فيها أخبار الغلوّ، وقد التفت الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى هذه الجهة فأمر (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما يلي :
1) رجال الكشّي : 223، الحديث 400 و : 225، الحديث 403.
1 - روى هشام بن الحكم عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال : «كانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَعِيدٍ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ عَلى أبي، وَيَأْخُذُ كُتُبَ أَصْحَابِهِ، وَكانَ أَصْحابُهُ الْمُتَسَترُونَ بِأَصْحاب أَبي يَأَخْذونَ الْكُتُبَ فَيَدْفَعُونَها إِلَى الْمُغِيرَةَ، فَكانَ يَدُسُ فيها الْكُفْرَ وَالزَّنْدَقَةَ وَيَسْنِدُها إِلى أَبي، ثمّ يَدْفَعُها إِلى أَصْحَابِهِ فَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَبثُوها في الشَّيْعَةِ، فَكُلَّ ما كانَ فِي كُتُبِ أبي مِنَ الْغُلُو فَذاكَ ممّا دَسَّهُ الْمُغيرَةُ بْنُ سَعِيدٍ فِي كُتُبِهِمْ» (1).
2 – قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأصحابه : «لَا تَقْبَلُوا عَلَيْنا حَديثاً إِلَّا ما وَافَقَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، وَتَجِدونَ مَعَهُ شاهِداً مِنْ أحاديثنا الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ دَسَّ فِي كُتُبِ أَصْحَابِ أَبي أَحادِيثَ لَمْ يُحَدِّثْ بِها، فاتَّقُوا اللّه، وَلَا تَقْبَلُوا عَلَيْنا ما خالَفَ قَوْلَ رَبِّنا وَسُنَّةَ نَبِيِّنا» (2).
وقد فوّت الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعرض الأخبار على الكتاب والسنة، والتثبت فيها ما كان يرومه المغيرة من إفساد عقيدة الشيعة، وأكبر الظنّ أنّ السلطة هي التي دفعت المغيرة إلى القيام بهذا العمل الخطير للنكاية بالشيعة، وإفساد معتقداتهم، وتشويههم أمام الرأي العام.
وعلى أي حال، فقد ضاقت الشيعة ذرعاً من المغيرة، وقد خف أبو هريرة العجلي إلى الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشكو إليه ما ألم بهم من بدع المغيرة ومفتعلاته قائلاً:
أَبا جَعْفَرٍ أَنْتَ الْوَليُّ أُحِبُّهُ***وَأَرضى بِما تَرْضى بِهِ وَأُتابعُ
أتانا رِجالٌ يَحملونَ عَلَيكُمُ***أحاديث قَدْ ضَاقَتْ بِهِنَّ الأَضَالِعُ
أحاديث أنشاها المغيرة فيهم***وشَرُّ الأمورِ المُحْدَثاتُ الْبَدائِعُ (3)
ومعنى هذه الأبيات أنّ المغيرة أفشى بدعه ومفتعلاته فحفظها أصحابه، وأخذوا يذيعونها بين الناس، وينسبونها إلى الأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ).
هلاك المغيرة
وثار المغيرة في الكوفة، وبلغ حاكمها خالد بن عبداللّه القسري، وكان يخطب على المنبر، فخاف الجبان وارتبك وأخذ يقول : أطعموني ماء، فعيّره يحيى بن نوفل وقال :
وكُنتَ لَدى المُغيرَةِ عَبْدَ سُوءٍ***تَبُولُ مِنَ المَخافَةِ للزئير
وَقُلتَ لِما أَصابَكَ أَطْعِموني***شَراباً ثمّ بُلْتَ عَلَى السرير
لأَعْلاجِ ثَمَانِيةٌ وَشَيْخ***كَبيرِ السِّنَّ لَيسَ بِذِي نَصِيرٍ (1)
وأرسل خالد كتيبة عسكرية فألقت القبض عليه وعلى جماعته، وجيء بهم مخفورين إلى جامع الكوفة، فأمر بحرقهم، فأحرقوا (2).
وانتهت بذلك حياة هذا الخائن الذي خان اللّه ورسوله، وسعى في الأرض فساداً.
هؤلاء بعض دعاة الغلاة في أيّام الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد كان موقفه معهم متسماًبالشدّة والكراهية والبغضاء، فقد قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) :
«إِنَّ أَدْنى ما يَخْرُجُ بِهِ الرَّجُلُ مِنَ الْإِيمَانِ أَنْ يَجْلِسَ إِلى غالٍ فَيَسْتَمَعَ حَدِيثَهُ، وَيُصَدِّقَهُ عَلَى قَوْلِهِ. إِنَّ أَبي حَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ : صِنْفَانِ
مِنْ أُمَّتِي لَا نَصِيبَ لَهُما فِي الْإِسْلامِ : الْغُلاةُ وَالْقَدْرِيَّةُ» (1).
وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأحد أصحابه : «قُلْ لِلْغالِيَةِ : توبوا إِلَى اللّه، فَإِنَّكُمْ فَسَاقٌ مُشْرِكُونَ» (2).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بنا الحديث عن الغلاة، وأن من أسخف الأقوال وأكثرها بُعداً عن الحقّ عدّ هذه الطائفة المجرمة التى كفرت باللّه من فرق الشيعة أو من فرق المسلمين.
الخوارج من أقدم الفرق الثورية، وأشدّها عنفاً وشرّاً، وقد ظهرت على مسرح الحياة السياسيّة في الإسلام حينما تفلّلت قوى الباغي ابن الباغية معاوية بن أبي سفيان في صفّين، وبان عليه الانكسار، وهم بالهزيمة، فالتجأ إلى خديعة الجيش العراقي، فرفع المصاحف مطالباً تحكيم القرآن، وانخدعت هذه الزمرة التي فقدت جميع عناصر الوعي والفكر، فخفوا مسرعين صوب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يلحّون عليه أن يستجيب لحكم الكتاب العظيم، وعرفهم إمام الهدى أنها خديعة حربية، وأن القوم لا صلة لهم بالقرآن، ولا معرفة لهم باللّه، وأنّهم إنّما قاتلوه من أجل الملك والسلطان، إلّا أنّ أولئك الأقزام لم يعوا مقالته، ولم يتدبروا نصيحته، فركبوا رؤوسهم وراحوا يصرون على الخطأ والضلال، وتدمير الأمّة، وصدّها عن تقرير مصيرها، وأجمعوا على خلع الإمام أو إيقافه للعمليات الحربية، وشهروا سيوفهم في وجهه، في حين أن طلائع جيشه بقيادة الزعيم الكبير مالك الأشتر القائد العام لقواته المسلحة قد أشرف على الفتح، ولم يبق لإلقاء القبض على الذئب الجاهلي معاوية بن أبي سفيان سوى حلبة شاة أو أقل من ذلك، حسبما يقول مالك الأشتر.
وكادت الفتنة الكبرى أن تقع في جيش الإمام، أو يمنى بانقلاب عسكري مدمر، فاستجاب (عَلَيهِ السَّلَامُ) لإيقاف الحرب والألم الممض يحز في نفسه، فقد أيقن أن دولة الإسلام قد انهارت ودولة الكفر والضلال قد انتصرت
وكتب القوم وثيقة التحكيم، وجردوا فيها الإمام من لقب أمير المؤمنين، ومعنى ذلك أنّهم عزلوه عن القيادة العامّة للأمة.
وجرى التحكيم في الوقت المقرّر له، وقد أسفر عن عزل الإمام أمير المؤمنين عن الحكم من قبل رئيس التحكيم العراقي أبي موسى الأشعري، وتثبيت معاوية في الحكم من قبل عمر و بن العاص المنتخب للتحكيم من قبل أهل الشام.
وفور إعلان هذه النتيجة وقعت الفتنة في الجيش العراقي، واستبان لمعظمهم خديعة معاوية، فزحفوا نحو الإمام يطالبونه بإعلان التوبة، ورفض هذه الدعوى الرخيصة، لأنّه لم يقترف ذنباً حتّى يتوب إلى اللّه منه، وإنما هم الذين اقترفوه، ولو كان من عشاق الملك والسلطان لأجابهم إلى ذلك.
وأخذ شرّ أولئك الوحوش يستشري، فأخذوا يضايقون الإمام، ويشاغبون عليه، وهم يهتفون بشعارهم (لا حكم إلا للّه)، وأصبحت هذ الكلمة شعارهم الرسمي، وعلّق عليها الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوله : «إِنَّهَا كَلِمَةُ حَقٌّ أريد بها باطل»، لقد كان الحكم عندهم للسيف لا اللّه، فأشاعوا القتل والدمار بين المسلمين.
وروى الإمام الصادق الدعاء جدّه الإمام أمير المؤمنين لا على الخوارج، قال :
«اللّهمّ رَبَّ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعَ، وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ، وَالْكِتَابِ الْمَسْطُورِ، أَسْأَلُكَ الظَّفَرَ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَبَذُوا كِتَابَكَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَفَارَقُوا أُمَّةَ
أَحْمَدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عُتُوا عَلَيْكَ» (1).
ويلمس في هذا الدعاء مدى ما يعانيه إمام المتقين المحن من هؤلاء العتاة الذين حاربوا الإسلام ونبذوا كتاب اللّه.
وقام الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببعث الرسل لمحاججتهم، وإبطال شبههم، كما حاججهم بنفسه، فأقام سيلاً من الأدلة على فساد ما ذهبوا إليه، فلم يجد ذلك معهم، وأصروا على الغي والعدوان، فاضطر إلى مناجزتهم، فكانت حرب النهروان، وقد أبيد فيها معظمهم، فقد سفكت دماؤهم وهم في ضلال مبين،
وقد نقم عليهم المسلمون وهجاهم الشعراء. يقول الكميت :
إِنِّي أُدينُ بِما دانَ الوَصِيُّ بهِ***يَومَ النُّخَيلةِ مِنْ قَتْلِ الْمُحِلّينا
وبِالَّذِي دانَ يَومَ النَّهْرَوانِ بهِ***و شاركَتْ كَفَّهُ كَفَّى بِصِفَينا
تِلكَ الدِّماءُ مَعاً يا رب في عُنُقي***ومثلُها فاسقني آمين آمينا (2)
لقد أريقت دماء هؤلاء الأغبياء في محاربة الحقّ، ومناهضة الإسلام. يقول فيهم السيّد الحميري :
خوارجُ فارَقُوهُ بِنَهروان***على تحكيمِهِ الحَسَنِ الجَميلِ
على تحكيمِهِ فَعَموا وَصَمُّوا***کتابِ اللّه في فَم جبرئيل
فَمالوا جانباً وبَغَوا عَلَيهِ***فما مالوا هناك إلى مميل
فتاه القومُ في ظُلَم خيارى***عُماةٌ يَعْمَهُونَ بِلا دليل
فَضَلُّوا كالسَّوائِمِ يَوْمَ عِيدٍ***تُنَحْرُ بِالْغَدَاةِ وَبِالأصيل (1)
كأَن الطَّير حَولَهُم نَصَارَى***عُكوفاً حَولَ صُلْبانِ الأَبيل (2)
لقد اجتثّ الإمام أصول هؤلاء الخونة، وقضى على أعلامهم، إلّا أنّه فرّ جماعة منهم، فأخذوا ينشرون مبادئهم التي تدعو إلى العصيان المسلّح على الحكم القائم، وقد عانت منهم البلاد الإسلاميّة الكثير من الفتن والخطوب، فقد قاموا بثورات متعدّدة أزهقت فيها الأنفس، وسفكت فيها الدماء بغير حقّ، وقد ذكرها المؤرّخون بالتفصيل.
وانفردت الخوارج عن بقية المسلمين بكثير من الآراء شدّت عن كتاب اللّه وسنّة نبيّه، كان منها ما يلي :
أولاً : الحكم بالكفر على الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي هو نفس رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وباب مدينة علمه، كما حكموا بالكفر على معاوية وعمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري، وعلى أصحاب الجمل من عائشة وطلحة والزبير.
ثانياً : الحكم بالكفر على مرتكب الذنوب الكبيرة، والحكم بتخليده في النار.
ثالثاً : إنّهم جوزوا أن تكون الخلافة في غير قريش، وخالفوا بذلك جمهور أهل السنّة الذين أجمعوا على أنّ الخلافة لا بد أن يتقلّدها أحد من قريش.
كما خالفوا جمهور الشيعة الذين أجمعوا على أنّ الخلافة لا بد أن تكون بالنص كما ذهبوا إلى عدم ضرورة الإمامة، وإذا احتيج إليها فيجوز أن يكون الإمام عبداً
أو حرّاً أو قبطياً أو غيرهم (1).
وقد استطاب هذه الدعوى غير العرب، فانضم إليهم أفواج من الناس من الذين ذاقوا ظلم الأمويّين وجورهم، وللخوارج آراء أخر ذكرتها كتب الفرق.
وانقسم الخوارج إلى عدة فرق قاربت العشرين، وكان أشهرهم ما يلي :
1 - الأزارقة
وهم جماعة نافع بن الأزرق، وهو من كبار فقهائهم، وقد ذهب إلى تكفير جميع المسلمين، وأفتى بحرمة أكل ذبائح المسلمين، وحرمة الزواج منهم، وقاسهم على عبدة الأوثان، وأباح قتل أطفالهم ونسائهم، إلى غير ذلك من تشريعاته المنافية لأحكام الإسلام.
2 - الصفريّة
وهم جماعة زياد بن الأصفر، وقد أفتى بمثل ما أفتى به نافع بن الأزرق من تكفير المسلمين، إلّا أنّه لم يبح قتل الأطفال والنساء من مخالفيهم.
ومن زعماء الصفرية عمران بن حطان، وقد انتخبوه إماماً لهم، وهو القائل في مدح عبد الرحمن بن ملجم :
يا ضَرْبةٌ مِنْ مُنِيبٍ ما أَرادَ بِها***إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوانا
إنّي لأذكرُهُ يَوماً فَأَحْسَبُهُ***أَوْفي البَرِيَّةِ عِنْدَ اللّه ميزانا
وقد ردّه عبد القاهر البغدادي بقوله :
1) الملل والنحل : 1 : 158.
يا ضَرْبَةٌ من كَفُورٍ ما اسْتَفادَ بِها***إلا الجزاء بما يُصليه نيرانا
إِنِّي لأَلعَنهُ دُنيا وأَلْعَنُ مَنْ***يرجو لَهُ أَبَداً عَفْواً وَغُفْرانا
ذاكَ الشَّقِيُّ لأَشقَى النَّاسِ***كُلِّهِمْ أَخَفُهُمْ عِنْدَ رَبِّ النَّاسِ ميزانا (1)
ومن الجدير بالذكر أنّ البخاري يروي عن عمران بن حطان الشقيّ المجرم، ولا يروي عن سليل العترة الطاهرة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ).
3- الأباضية
وهم جماعة عبد اللّه بن أباض التميمي، وهو الذي ثار على مروان الحمار ومن آرائه الحكم بتكفير جميع المسلمين لا تكفير شرك ولكن تكفير نعمة، وعلى هذا بنوا على حرمة دماء مخالفيهم، ولكن في السرّ دون العلانية، ووطنهم الأصلي عمان، ولعلّهم هم البقية الباقية من فرق الخوارج، فإنّ معظمها قد انقرض سواهم.
4 - النجدات
وهم أتباع نجدة بن عامر الحنفي، وقد ذهب إلى أن المخطئ بعد أن يجتهد معذور، وأنّ الدين أمران : معرفة اللّه، ومعرفة رسوله، وما عدا ذلك فالناس معذورون بجهله إلى أن تقوم عليهم الحجّة، وأنّ من اجتهد فأدى اجتهاده إلى تحليل الحرام، وحرمة الحلال فهو معذور، ومن آرائهم أنّ من كذب كذبة صغيرة أو كبيرة، أو نظر نظرة وأصرّ عليها فهو مشرك، ومن شرب الخمر أو زنا أو سرق غير مصرّ على ذلك فهو مسلم.
5 - العجاردة
وهم جماعة عبد الكريم بن عجرد، وقد افترقت إلى عشرة فرق، وهم
1) الفرق بين الفرق : 93.
لا يستحلون أموال مخالفيهم (1).
هذه بعض فرق الخوارج، ومع شذوذهم وانحرافهم عن تعاليم الإسلام لم يتعرّضوا للنقد كما تعرّضت له شيعة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، الذين فرض اللّه مودّتهم على جميع المسلمين.
وكان من مظاهر الحياة العامّة في عصر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) انتشار الأحزاب السياسيّة، وقد استخدم معظمها جميع الطرق الدبلوماسية للوصول إلى الحكم من دون أن تعنى بصالح الأمّة، وكان الصراع فيما بينها كأشد ما يكون الصراع عنفاً وقسوة، وكان لكلّ حزب فريق من الشعراء يشيدون به، ويضفون على قادته أسمى النعوت والألقاب، وفيما يلي بعض تلك الأحزاب :
وهو الحزب الحاكم في ذلك العصر، وقد تذرّع بشتّى ألوان الخداع والتضليل والكذب للوصول إلى الحكم، وقد اتخذ دم عثمان ورقة رابحة للظفر بالملك والسلطان، في حين أنّهم هم الذين خذلوه حينما أحاط به الثوار مطالبين بتحقيق العدالة الاجتماعيّة، وإبعاد الأمويّين عن جهاز الدولة، وبقي عثمان محاصراً يستغيث بعاهل الشام، ويستنجد به، فلم يهب إلى نجدته.
وكان من بين الوسائل التي اعتمد عليها هذا الحزب للسيطرة على البلاد الإسلاميّة ما يلي :
1) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : 3 : 132 - 135.
1 - إنّهم خدعوا أهل الشام بأنّهم أقرب الناس إلى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والصقهم به، وقد اعتقد الشاميون بذلك، ولم يستبن لهم إلا بعد انقلاب الحكم الأموي ومجيء العبّاسيّين للحكم، وفي ذلك يقول الشاعر :
أَيُّها الناسُ اسْمَعوا أخبِرُكُمْ***عَجَباً زادَ عَلَى كلّ العَجَبْ
عَجَباً مِنْ عَبدِ شَمْسٍ أَنَّهُمْ***فتحوا للنَّاسِ أَبواب الكذب
ورثوا أَحْمَدَ فيما زَعَموا***دونَ عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَلبْ
كَذبوا وَاللّه ما نَعْلَمُهُ***يُحرِزُ الْميراثَ إِلَّا مَنْ قَرُب (1)
2 - إنّهم اشتروا الضمائر بما بذلوه من الأموال الطائلة للمرتزقة من الوضاعين، فأخذوا يفتعلون الأحاديث وينسبونها للرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في فضل الأمويّين، وهي تشيد بفضلهم، وأنّهم دعاة الحقّ والخير في الأرض.
3 - إنّهم استخدموا الشعراء الذين كانوا من أهم وسائل الإعلام في ذلك العصر، فمنحوهم الثراء العريض، واستخدموا مواهبهم الأدبية في الثناء على الأمويّين ومدحهم، فقد وهب مروان بن محمّد شاعره أبا العبّاس الأعمى من الأموال ما أغنته أن يسأل أحداً من بعده، وكان ممّا قاله فيه :
ليت شِعري أَفاحَ رائحةُ المس***كِ وما اخالُ بالخَيفِ أُنْسِى
حين غابَتْ بَنو أُمَيَّةَ عَنْهُ***والبَهاليلُ مِنْ بَنِي عَبدِ شَمْسِ
خُطَبَاءٌ عَلى المَنابِرِ فُرْسا***ن عَلَيها وقالةٌ غَيرُ خُرْسِ
لا يُعابون صامتينَ وَإِن قا***لوا أَصابوا ولَمْ يَقولوا بِلَبْسِ
بحُلوم إذا الحُلومُ تَقَضَّتْ***وَوُجوه مِثلِ الدَّنانير مُلس (2)
واستخدم الأمويّون أعشى ربيعة الشيباني، فوهبوه الأموال الطائلة، فسال لها لعابه، وقد مدح عبدالملك بن مروان، وأخلص في مدحه، وممّا قال فيه :
وَما أَنا فى أمري ولا في خُصومتِي***بمُهتَضَمِ حَقي ولا قارع سِنِّي
وفَضَّلَني في الشَّعرِ وَاللُّبٌ أَنَّني***أَقولُ عَلى عِلْمٍ وأَعرِفُ مَا أَعْني
أَصْبَحتُ إِذْ فَضَّلْتُ مَروان وابنه***على النَّاسِ قَدْ فَضَّلْتُ خِيرَ أَبِ وَابْنِ (1)
لقد اشترى الأمويّون ضمير هذا الشاعر بمال، فأخذ يكيل لهم المدح والثناء.
وكان من شعراء الأمويّين عدي بن الرقاع، فقد وهبوا له الثراء والمال، فسخّر فكره في مدحهم، وقد مدح الوليد بن عبد الملك فقال :
هُوَ الَّذي جَمعَ الرَّحْمَنُ أُمَّتَهُ***عَلى يَدَيهِ وَكانوا قَبْلَهُ شِيَعا
إِنَّ الْوَلِيدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ***مُلكٌ عَلَيْهِ أَعانَ اللّه فَارْتَفَعا
وَلَقَدْ أَرادَ اللّه إِذْ وَلاكَها***مِنْ أُمَّةٍ إصلاحها ورشادَها
أَعْمَرْتَ أَرضَ الْمُسْلِمِينَ فَأَقْبَلَتْ***وكَفَفَتَ عَنْها مَنْ يَرومُ فَسادها
وَأَصْبَحَتْ في أَرضِ العَدُوِّ مُصِيبَةٌ***عَمَّتْ أَقاصى غَيْرِها وَنَجَادِها
ظَفَراً وَنَصْراً ما تَناولَ مِثلَهُ***أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ كانَ أَرادَها (2)
ويصوّر الفرزدق في الأبيات التالية بني مروان أنّهم حصن الإسلام ودرعه يقول :
وَجَدْنا بني مروان أوتاد ديننا***كَما الأَرضُ أَوتادٌ عَلَيها جِبالُها
وأَنتُمْ لهذا الدِّينِ كالقِبلَةِ التي***بِها إِنْ يَضِلَّ النَّاسُ يَهْدِي ضَلالُها (3)
ويقول الفرزدق في عبد الملك :
إذا لاقى بنو مَروان سلُّوا***لدين اللّه أسيافاً غضابا
صَوارِمَ تَمْنَعُ الإِسْلامَ مِنْهُمْ***يُوَكَّلُ وَقْعُهُنَّ بِمَنْ أَرابا (1)
وقد أضفى الفرزدق على بني أميّة جميع النعوت الحسنة التي منها أنهم حماة الإسلام وحصنه، وأنّ من حاربهم فهو خارج عن الدين، وقد وصم أتباع ابن الزبير بالإلحاد بقوله :
بِهِنَّ لَقُوا بِمَكَّةَ مُلْحِديها***وَمَسكِنَ يُحْسِنُونَ بِها الضّرابا
فَلَمْ يَتْرُكْنَ مِنْ أَحَدٍ يُصَلِّي***وَراءَ مُكَذِّبٍ إِلَّا أَنابا (2)
ويطلق الفرزدق على ابن الزبير صفة مسيلمة الكذاب. يقول :
بَعدَ الفَسَادِ الَّذِي قَدْ كَانَ قامَ بِهِ***كَذَابُ مَكَّةَ مِنْ مَكْرٍ وَتَخْرِيبٍ (3)
ويقول جرير في ابن الزبير في قصيدته التي مدح بها عبد الملك بن مروان :
دَعَوْتَ الْمُلحِدينَ أَبا حُبَيب***جماحاً هَلْ شُفيتَ مِنَ الْجُماحِ (4)
ويصوّر الفرزدق المجرم الجلّاد الحجّاج بأنّه من المجاهدين في سبيل اللّه :
أَرْضٌ رَمَيْتَ إِلَيْها وَهيَ فاسِدةٌ***بصارِمٍ مِنْ سُيوفِ اللّه مَشْبُوبِ
لا يَغْمِدُ السَّيفَ إِلَّا ما يُجرَّدُهُ***عَلَى قَفا مُحْرِمِ بِالسُّوقِ مَصْلُوبِ
مُجاهِدٍ لِعُداةِ اللّه مُحْتَسِبٍ***جهادَهُمْ بِضِرابٍ غَيْرِ تَذبيبٍ (5)
كما أضفى عليه صفة التقوى والإيمان بقوله :
وَلَمْ أَرَ كَالحَجاجِ عَوْناً عَلَى التُّقى***ولا طالباً يوماً طَريدَةً تابل(1)
وبلغ الاسفاف من الفرزدق أن جعل الحجّاج ممّن يمدهم اللّه بعونه. يقول :
تَهُونُ عَلَيْكَ نَفْسُكَ وَهُوَ أَدنى***لِنفسِكَ عِندَ خالِقِها ثوابا
فَمَنْ يَمْنُنْ عَليكَ النَّصَر يَكذِب***سوى اللّه الَّذِي رَفَعَ السَّحابا
تَفَرَّدَ بِالبَلاءِ عَليكَ رَبِّ***إذا ناداهُ مُختَشِعٌ أَجابا (2)
ويقارن جرير بين وقعة بدر التي أمد اللّه بها ملائكته للمسلمين وبين وقائع الحجّاج بأعدائه :
وَلَوْ لَمْ يَرضَ ربُّكَ لَمْ يُنَزِّلْ***مَعَ النَّصرِ الْمَلائكة الغضابا (3)
ووضعه جرير في مصاف الأنبياء بقوله :
دَعَا الحَجَاجُ مِثْلَ دُعاءِ نُوحٍ***فَأَسْمَعْ ذَا المَعارِجِ فَاسْتَجابا (4)
واستخدم يزيد بن معاوية الأحوص فمنحه الأموال الطائلة، فأخذ يشيد به يقول :
مَلِكٌ تَدينُ لَهُ المُلوكُ مُبارك***كادَتْ لِهَيْبَتِهِ الجِبالُ تَزول
تُجْبَى لَهُ بَلْخُ وَرِجْلَهُ كُلُّها***ولَهُ الفُراتُ وما سَقَى والنِّيلُ (5)
لقد صوّر الأحوص يزيد بأنّ الجبال تعنو لهيبته، ولا أعلم هذه الهيبة من أين جاءته أمن جدّه أبي سفيان، أم من أبيه معاوية، أم من إدمانه على الخمور ومزاملته للقرود، وإبادته لعترة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وإباحته المدينة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
وعلى أي حال، فإنّ الأمويّين استخدموا الشعراء لدعم سياستهم، وفرض حكمهم على الناس، وقد أضفى عليهم المرتزقة من الشعراء جميع الصفات الكريمة والنعوت الشريفة التي لا صلة لهم بها.
ومن الأحزاب التي تشكلت في ذلك العصر حزب آل الزبير، وكان يدعو لهذه الأسرة، ويرى أنّها أحقّ بالحكم من غيرها، وذلك لقربها من النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، لأنّ الزبير أمه صفيّة عمّة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، كما أنّه أحد المرشحين للخلافة حسب برنامج الشورى الذي وضعه عمر بن الخطّاب.
ومن أهمّ دعاة هذا الحزب وأنصاره الشاعر ابن قيس الرقيات، وهو الذي قال في مصعب بن الزبير :
إِنَّما مُصعَبٌ شِهَابٌ مِنَ اللّه***تَجَلَّتْ عَنْ وَجهِهِ الظَّلْماءُ
مُلكُهُ مُلْكُ قُوَّةٍ لَيسَ فِيهِ***جبروتٌ مِنْهُ وَلَا كِبْرِياءُ
يتَّقي اللّه في الأمورِ وَقَدْ أَف***لَحَ مَنْ كانَ هَمُّهُ الإِتّقاءُ (1)
وهذا من أجود المدح، ومن روائع الشعر العربي، وكان هذا الشاعر يدعو إلى الثورة على بني أميّة. يقول :
كَيْفَ نَومي عَلى الفِراشِ وَلَمّا***يَشْمَل الشَّامَ غارة شعواء
1) دیوان ابن قيس الرقيات : 176.
تُذهل الشيخ عَنْ بَيْهِ وَتُبدِي***عَنْ بُراها العَفيلَةُ العَذراء (1)
أَنا عَنْكُمْ بَنى أُمَيَّةَ مُزْوَرٌ***وَأَنتُمْ في نَفْسِيَ الأَعْداءُ
إِنَّ قَتلَى بِالطَّفِّ قَدْ أَوْجَعَتْني***كانَ مِنْكُمْ - لَئِنْ قُتِلْتُمْ - شِفاءُ (2)
ومن الشعراء الذين استخدمهم آل الزبير النابغة الجعدي، حيث قال بابن الزبير :
حَكَيتَ لنا الصِّدِّيقَ لَمّا وَلَيتَنا***وَعُثمانَ والفاروقَ فَارتاحَ مُعْدَمُ
وسَّويت بينَ النَّاسِ في العدل فاستووا***فَعادَ صَباحاً حالِك اللَّون مُظْلِمُ
أَتاكَ أَبو لَيْلى يَشُقُّ بِهِ الدُّجى***دُجى الليلِ جَوَابُ الفَلاةِ عَثَمْثَم (3)
لِتَرفَعَ مِنهُ جانباً ذُعْذِعَتْ بِهِ (4)***صُروفُ اللَّيالي وَالزَّمانُ المُصَمَّم (5)
لقد أشاد النابغة بابن الزبير، وشبّهه بأبي بكر وعمر وعثمان، فهو جدير بالخلافة، وأحق بها من غيره. ولم يدم هذا الحزب طويلاً فقد أقبر حينما قضى الحجاج على ابن الزبير، فتلاشي وذهب أدراج الرياح.
أمّا حزب الخوارج فهو من الأحزاب السياسيّة، وقد تحدّثنا عن مبادئهم وفرقهم، وكانوا يؤمنون بضرورة الثورة على كلّ حكم قائم في البلاد الإسلاميّة إذا لم يحمل مبادئهم وأفكارهم، ومن دعاتهم الطرمّاح، فقد أثنى عليهم ومجدهم.
وممّا قاله فيهم :
لله درُّ الشَّراةِ إِنَّهُمْ***إذا الكَرى مالَ بِالطُّلا أَرقُوا
يُرجعون الحنين آونة***وإِنْ عَلا ساعَةٌ بِهِم شَهِقوا
خوفاً تبيتُ القلوب واجفة***تَكادُ عَنْها الصُّدورُ تَنفَلِقُ
كيف أُرَبِّي الحَياةَ بَعدَهُم***وقَدْ قَضى مُؤْنِسي فَانْطَلَقوا
قومٌ شِحاح على اعتقادِهِمْ***بالفوز ممّا يُخافُ قَدْ وَثقوا (1)
وكان معاذ بن جوين معتقلاً في السجن، وهو من شعرائهم اللامعين، فبعث إلى قومه الخوارج بهذه الأبيات يستحثّهم على مغادرة الديار الإسلاميّة التي سمّاها بالديار الجاهليّة. يقول :
أَلَا أَيُّها الشارون قد حان لأمري***شرى نَفْسَهُ للّه أَنْ يَتَرحّلا
أَقَمْتُمْ بِدارِ الْخاطِئِينَ جَهالة***وَكُلُّ امْرِي مِنكُمْ يُصادُ لِيُقْتَلا
فَشُدُّوا عَلى القَومِ العُداةِ فَإِنَّما***إقامَتُكُمْ لِلذَّبح رأياً مُضَلَّلا
أَلَا فاقصدُوا يا قومِ لِلغاية التي***إذا ذُكِرَتْ كانَتْ أَبَرٌ وَأَعْدَلا
فَيا لَيتَني فِيكُمْ عَلى ظَهْرِ سابحٍ***شَديدِ القُصَيرى دارِعاً لَيْسَ أَعْزَلا
وَيا لَيتَني فِيكُمْ أُعادي عَدُوَّكُمْ***فَيَسقيني كَأْسَ المَنيَّةِ أَوَّلا
يَعِزُّ عَلَى أَن تُخافوا وتُطردوا***وَلَمّا أُجَرَّدْ في المُحِلِّينَ مُنْصَلا
وَلَمَّا يُفَرِّقُ جَمعَهُمْ كلّ ماجدٍ***إذا قُلتُ قَدْ وَلي وَأَدْبَرَ أَقْبَلا
وَلَّى مُشِيحاً بِنَصْلِ السَّيْفِ فِي حَمَسِ الوَغَى***يَرَى الصَّبْرَ فِي بَعْضِ الْمَواطِنِ أَمْثَلا
وَعَزَّ عَلَيَّ أَنْ تُضاموا وَتُنْقَصوا***وَأَصْبحَ ذا بَثٍّ أسيراً مُكَبَّلا
1) ديوان الطرماح : 157.
وَلَوْ أَنَّني فيكُمْ وقَدْ فَصَدُوا لَكُم***أَثَرْتُ إِذا بَينَ الفريقينِ قَسْطَلا
فَيا رُبَّ جَمْع قَد فَلَلْتُ وَغارَةٍ***شَهِدْتُ وَقِرْنٍ قَدْ تَرَكْتُ مُجَدِّلا (1)
ولهذا الحزب شعراء قد مجدوا مبادئهم ودعوا إخوانهم إلى الثورة، ومناهضة السلطة القائمة في البلاد.
أما الحزب العلوي فهو من أقدم الأحزاب في الإسلام، وكان من أوليات أهدافه أحقية أهل البيت بالخلافة، وأنّهم أولى بها من غيرهم، وذلك صيانة لأهداف الأمّة، وتحقيقاً لمتطلباتها في الرخاء والأمن والاستقرار.
وقد اعتنق فكرة التشيّع أعلام الأدب العربي، أمثال : الكميت الأسدي، ودعبل الخزاعي، والسيد الحميري، وقد سخروا مواهبهم في إبراز قيم أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد نظّموا فيهم روائع الأدب ممّا يُعدّ من مناجم الثقافة العربيّة والإسلاميّة.
ومن الجدير بالذكر أنّ هؤلاء الشعراء اندفعوا بوحي من عقيدتهم إلى الإشادة بأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لا طمعاً بالمادة ولا بغيرها من وسائل الإغراء، وقد تعرّضوا لنقمة السلطات الحاكمة، وقوبلوا بمزيد من الاضطهاد والحرمان.
ويُعدّ الكميت في طليعة الشعراء العلويّين، وقد وفد على الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومعه إحدى هاشمياته الخالدة ليتلوها على الإمام، فقال له : جعلت فداك، ألا أنشدك ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إِنَّهَا أيّام عِظَامٌ» (2).
هات.
فأنشد قصيدته الغراء التي يقول في أولها :
أَلا هَلْ عَم في رأْيهِ مُتَأَمِّلُ***وَهَلْ مُدِيرٌ بَعدَ الإِساءةِ مُقبِلُ
وهَلْ أُمَّةٌ مُسْتَيقِظون لدينهم***فَيَكشِفُ عَنهُ النَّعْسَةَ المُتَزمَلُ
فقد طال هذا النُّومُ واستَخْرَج الكَرَى***مَساوِيَهمُ لَوْ أَنَّ ذا المَيلُ يُعْدَلُ
وعُطَّلَتِ الأحكام حتّى كأنَّنا***على مِلَّةٍ غَيرِ الَّتي نَتنحل
كَلامُ النبيّينَ الهُداةِ كَلامنا***وأفعالُ أَهْل الجاهلية نَفْعَلُ
رضينا بدنياً لا نُريد فراقها***عَلى أَنَّنا فيها نَموتُ ونُقْتَلُ
وَنَحنُ بِها مُسْتَمْسِكُونَ كَأَنَّها***لنا جُنَّةٌ ممّا نَخافُ وَمَعْقِلُ
وحكى هذا المقطع الحياة العامّة التي يعيشها المسلمون في ذلك العصر، فقد ابتعدت بجميع صورها وألوانها عن تعاليم الإسلام وأحكامه، فقد عطلت فيها الحدود، وألغيت الأحكام، ونبذت شريعة اللّه، وألقى اللوم والتبعة بذلك ع-ل-ى الحكام الأمويّين الذين كانوا كغيرهم يتكلمون بكلام المصلحين والهداة، ولكن أعمالهم كانت تخالف أقوالهم، وقد أعلن ذلك بصراحة بقوله :
فيا ساسَةٌ هَاتُوا لَنا مِنْ حَديثِكُمْ***فَفِيكُمْ لَعَمْرِي ذو أفانينَ مُقْولُ
أَأَهْلُ كِتابٍ نَحْنُ فيهِ وَأَنتُمُ***على الحقّ نَقضِي بِالكِتابِ وَنَعْدِلُ
فكيفَ ومَن أَنَّى وَإِذْ نَحْنُ خِلفَةٌ***فريقانِ شَتّى تَسمَنونَ وَنَهزِلُ
إلى أن يقول :
فَتِلكَ مُلوكُ السُّوءِ قَدْ طالَ مُلكُهُمْ***فَحَتّامَ حَتّامَ العَناءُ المُطَوَّلُ
رَضُوا بِفِعَالِ السُّوءِ مِنْ أَمْرِ دينِهِمْ***فَقَدْ أَيتَمُوا طوراً عداءٌ وَأَثْكَلُوا
وَما ضَرب الأمثال في الجور قَبْلَنا***لأَجْوَرٌ مِنْ حُكامِنَا المُتَمَثِّلُ
والقصيدة سياسيّة معظمها على هذا الغرار من النقد اللاذع والهجاء الموجع لبني أميّة الذين ساسوا الأمّة سياسة لم يألفوها، فقد بنيت على الظلم والجور، وإرغام الناس على ما يكرهون.
وعرض الكميت في قصيدته إلى رثاء ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وأبي الأحرار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول :
كَأَنَّ حُسَيناً والتهاليل حَولَهُ***لأسيافهِمْ ما يَخْتَلى المُتَبَتِّلُ
وَغَابَ نَبيُّ اللّه عَنْهُمْ وفَقْدُهُ***عَلَى النَّاسِ رِزُءٌ ما هُناكَ مُجلل
فَلَمْ أَرَ مَخذولاً لأجل مُصيبَةٍ***وَأَوْجَبَ مِنْهُ نُصرةً حينَ يُحْذَلُ
وأخذت هذه الأبيات مأخذاً عظيماً من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فرفع يديه بالدعاء إلى الكميت قائلاً: «اللّهمّ اغْفِرْ لِلْكُمَيْتِ ما قَدَّمَ وَ ما أَخَرَ، وَمَا أَسَرَّ وَمَا أَعْلَنَ، وَأَعْطِهِ حَتَّىٰ يَرْضى».
وقدّم له ألف دينار وكسوة، وأبى الكميت أن يأخذها، فإنّه كان يرجو الثواب من اللّه تعالى، وقال : «واللّه ما أحببتكم للدنيا، ولو أردتها لأتيتها من هي في يده - يعني بني أميّة - ولكنني أحببتكم للآخرة، فأما الثياب التي أصابت أجسادكم فأقبلها لبركتها، وأمّا المال فلا أقبله» (1).
لقد كان الكميت لسان الشيعة، والناطق باسمهم، فقد نافح عنهم، واحتج لهم، وكان احتجاجه معتمداً على القرآن الكريم. يقول :
1) خزانة الأدب : 1 : 145 - 146.
وَجَدْنا لَكُمْ في آل حاميمَ آيَةً***تَأَوّلَها مِنَا تَقِي وَمُعرب
وفي غيرها آياً وأياً تتابعث***لَكُمْ نُصُبٌ فيها الَّذِي الشَّكُ مَنصِبُ
واستند في ولائه ومودته لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) إلى الآية الكريمة في سورة حم، وهي : «قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» (1)، كما استند إلى آيات أخرى في غير سورة حم، وهي قوله تعالى : «إِنَّمَا يُرِيدُ اللّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (2)، وقوله تعالى : «وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ» (3).
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي ألزمت المسلمين بحب أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وجعلتهم ذخائر هذه الأمّة، وقادتها إلى الخير والتقوى. وقد وجه نقده لبني أميّة،
ولمن شايعهم وتابعهم. يقول :
فَقُلْ لِبني أميّة حَيثُ حَلُّوا***وَإِن خِفْتَ المُهنَّد والقطيعا
أَجاعَ اللّه مَنْ أَشْبَعْتُموهُ***وأَشْبَعَ مَنْ بِجَورِكُمْ أُجِيعا
بِمَرضي السياسة هاشمي***يَكونُ حَياً لأُمَّتِهِ رَبيعا (4)
لقد وهب الكميت حياته ومواهبه الأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ويمثّل شعره في مدحهم وذمّ أعدائهم أرقى ما وصل إليه الأدب العربي من التجدّد والتطوّر في ذلك العصر. فقد أبدع في الاستدلال والاحتجاج على أصالة مذهبه في أحقية بني هاشم للخلافة الإسلاميّة، وبذلك كان الكميت أوّل شاعر عربي يتحوّل بالشعر العربي عن مجالات العاطفة إلى مجالات العقل.
وعلى أي حال، فلسنا بصدد دراسة شعر الكميت، وإنّما بصدد ما قاله في أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) من روائع الشعر، الذي لا يقتصر على إبراز الناحية السياسيّة للحزب العلوي، الذي كان من أهم قادته، وإنّما كان ملماً بأوصاف السادة العلويّين التي تعنو لها الجباه، اسمعوا ما يقوله فيهم :
وَالْحُماةِ الْكُفاةِ فِي الحَرْبِ إِنْ لَفَّ***ضرام وقوده بضِرام
وَالْغُيُوثِ الَّذينَ إِنْ أَمْحَلَ النّا***سُ فَمَأوى حَواضِنِ الأيتام
غالِبِيِّينَ هَاشِمِيِّينَ في العِل***مِ رَبِّوا مِنْ عَطِيَّةِ العَلام
وَهُمُ الْآخِذونَ مِنْ ثِقَةِ الأمْ***رِ بِتَقْواهُمُ عُرَى لَا انْفِصَامِ (1)
أرأيتم هذه الأوصاف الكريمة التي تحلّى بها أهل البيت فهي التي دفعت الكميت إلى ولائهم وحبّهم، ويستمر الكميت في وصف أهل البيت، ووصف خصومهم، فيقول :
لِلْقَرِيبينَ مِنْ نَدَى وَالْبَعِيدِي***نَ مِنَ الْجَوْرِ فِي عُرَى الْأَحْكامِ (2)
وَالْمُصيبين باب ما أَخْطَاً النّا***سُ وَمُرْسي قَواعِدَ الإِسْلامِ
وَالْحُماةِ الْكَفاة في الحَرْبِ إِن لفَّ***ضرام وقودَهُ بِضِرَامِ (3)
وَالْغُيُوث الذين إن أَمْحَلَ النّا سُ***فَمَأوى حَواضِنِ الْأَيْتامِ (4)
راجحي الْوَزْنِ كَامِلى الْعَدْلِ في ال***سيرَةِ طَيِّينَ بِالأُمورِ الْعِظامِ (5)
ساسَةٌ لا كَمَنْ يَرْعى النا***سَ سواءٌ وَرِعْبَةَ الْأَنْعَامِ (1)
لا كَعَبْدِ الْمَلِيكِ أَوْ كَوَلِيد***أَوْ كَسُلَيْمَانَ بَعْدُ أَوْ كَهِشام
رَأْيُهُ فِيهِمْ كَرَأْي ذَوي الثُّلَّ***ة في الثّائِجاتِ جُنّح الظُّلام (2)
جَزُّ ذي الصُّوفِ وَانْتِقاءُ (3)لذي المُخ***ةِ نَعْقاً وَدَعْدَعاً بالبهام
وَهُمُ الْأَوْفُونَ بِالنَّاسِ في الرأ***فَةِ وَالْأَحْلَمونَ في الأَحْلامِ
أخذوا القَصْدَ فَاسْتَقاموا عَليهِ***حينَ مَالَتْ زَوامِلُ الْآثَامِ (4)
وهذه النزعات الشريفة الماثلة في أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) هي التي دفعت الكميت وغيره من ذوي النفوس الكريمة إلى الولاء والإخلاص لأهل البيت
ومن الجدير بالذكر أنّ الكميت قد شاهد فضائل السادة العظام من أهل البيت، وعاين مآثرهم، ورأى مناقبهم، فتأثر بها، فهام في ولائهم ومودتهم.
ومن أعلام الحزب العلوي الشاعر الكبير أيمن بن خريم، وقد هام بحبّ أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهو القائل فيهم :
نَهارُكُمْ مُكابَدةٌ وصَومٌ***وَلَيلُكُمْ صَلاةٌ وَاقتِراءُ
وَلِيتُمْ بِالقُرآنِ وَبِالتَّزَكِّي***فَأَسْرَعَ فيكُمُ ذاكَ البَلاءُ
1) يقول: إنّهم يتعهدون الناس بحسن السياسة لا يدعونهم هملاً كالأنعام، وقوله: «لا كمن يرعى الناس» يعني بهم بنو أمية. الروضة المختارة : 8 – 14.
2) رأيه: أي رأي الواحد من هؤلاء الخلفاء كرأي أصحاب القطع الكثيرة من الغنم. الثائجات: الضأن، أي الصائحات الثلة : الكثير من الضأن.
3) الانتقاء : الاختيار. ذي المخة : أراد السمينة من الغنم نعقاً : أي ينعق نعقاً يصيبح في الغنم. الدعدعة : زجر البهائم.
4) القصد : الاعتدال والتوسط في الأمور الزوامل : الإبل التي تحمل عليها الحمولة، فشبّه الآثام بالزوامل. الروضة المختارة : 20.
أَ أَجعَلُكُمْ وَأَقواماً سَواءٌ***وَبَينَكُمْ وبَينَهُمُ الهَواءُ
وَهُمْ أَرضٌ لأَرْجُلِكُمْ وَأَنتُمْ***لأَرْوسِهِمْ وَأَعْيُنِهِمْ سَماءُ (1)
إنه لا يقاس بال النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فإنهم سلام اللّه عليهم الرؤوس والأعلام، وغيرهم أرض لأرجلهم، فهم عصمة الدين، الذين كانوا يقضون نهارهم في الصوم، وليلهم في الصلاة وقراءة القرآن الكريم.
ومن شعراء الحزب العلوي كثير بن كثير السهمي، وقد سمع خالد القسري يشتم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبناءه على المنابر، فقال كثير في الردّ عليه :
لَعَنَ اللّه مَنْ يَسُبُّ عَلِيّاً***وحُسَيناً مِنْ سُوقَةٍ وَإِمام
أَیُسَبُّ المُطَيِّبون جُدوداً***وَالكرام الأخوال والأعمام
يَأْمَنُ الظَّبْي وَالحَمامُ وَلَا يَأْ***مَنْ آلُ الرَّسولِ عِندَ المَقامِ
طبْتَ بَيتاً وَطابَ أَهلُكَ أَهلاً***أَهْلُ بَيتِ النبيّ وَالإِسلام
رَحْمَةُ اللّه وَالسّلامُ عَلَيهِمْ***كُلَّما قامَ قائِمٌ بِسلامِ (2)
ومن الشعراء السياسيّين للحزب العلوي عبداللّه بن همام السلوي، فقد حمل حملة شعواء على بني أميّة في ترشيح أبنائهم للخلافة من بعدهم. يقول :
فَإِنْ تَأْتُوا بِرَمْلَةَ أَوْ بِهِنْدِ***نُبايعها أميرةً مُؤْمِنينا
إذا ما ماتَ كِسْرى قامَ كِسْرَى***نَعُدُّ ثَلَاثَةٌ مُتَناسِقينا
فَيا لَهْفاً لَو أَنَّ لَنا أُلوفاً***ولكنْ لا نَعودُ كَما عُنينا
إِذا لَضْرِبْتُمْ حتّى تَعودوا***بِمَكَّةَ تَلعَقُونَ بِها السَّخِينا
خَشِينا الغَيظَ حتّى لَوْ شَرِبْنا***دماءً بني أميّة ما روينا
لقَدْ ضَاعَتْ رَعِيَّتُكُمْ وَأَنْتُمْ***تصيدون الأرانب غافلينا (1)
لقد كان الشعر السياسي للحزب العلوي له طابعه الخاص، وهو الولاء الخالص لعترة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، الذين هم سفن النجاة، وأمن العباد، وأنهم أحق بالنبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وأجدر بالخلافة من غيرهم، وكان الشيعة الأوائل لا يظنون أن الخلافة تكون لغير الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذلك لسبقه إلى الإسلام وفقهه وتقواه. يقول بعض ولد أبي لهب :
ما كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الْأَمْرَ مُنصرِفْ***عَنْ هَاشِمٍ ثُمّ مِنْهَا عَنْ أَبِي الحَسَنِ
أَلَيسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبلَتِكُمْ***وَأَعْلَمَ النَّاسِ بِالْقُرآنِ وَالسُّنَنِ (2)
ومن الجدير بالذكر أنّ الشعر السياسي لشعراء الشيعة تغلب عليه العاطفة الحزينة، وكان ذلك ناشئاً ممّا كابدوه طوال حياتهم من المآسي الموجعة، فحفل شعرهم بالبكاء والندب لشهدائهم، ومن فقدوا من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
يقول الدكتور مجاهد مصطفى : «ويصح أن نطلق على هذا النمط من الرثاء الرثاء السياسي والمذهبي، لأنه يمثل وجهة نظر الشيعة، ويتصل بعقيدتهم، ويوافق اتجاهاتهم» (3).
وعلى أي حال، فإنّ الشعراء الذين ناصروا أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) قد آمنوا بالقيم والمبادئ التي كانوا يدعون إليها، ولم ينحازوا إليهم مدفوعين بنزعتهم القبلية أو رغبة في المكاسب، وغير ذلك من شؤون الحياة الماديّة.
وجهد أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) على نشر العلوم وإشاعة المعارف بين المسلمين، لأن ذلك جزء أصيل من رسالة الإسلام الخالدة الهادفة إلى بلورة الوعي، وتنمية الفكر، وتطوير الحياة، وقد جعل الإسلام طلب العلم فريضة على كلّ مسلم، وفي أيّام الحكم الأموي لم تعن الأوساط الحاكمة بالشؤون العلمية، وقضت سياستها على نشر الجهل، ومحاربة الوعي من أجل إقامة حكمها اللاشرعي، وبالرغم من هذه السياسة القائمة فقد أقيمت في يثرب مدرستان كان لهما الأثر البالغ في إشاعة العلم، وهما :
1 - مدرسة أهل البيت
وهي أول مدرسة علميّة أُنشئت في الإسلام، ولم تقتصر العلوم التي تلقى فيها على التشريع الإسلامي، وإنّما شملت جميع العلوم والمعارف من الفلسفة والحكمة والطب والكيمياء وعلم الكلام والسياسة والاقتصاد، فقد كان الإمام أبو جعفر محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) يتناول في محاضراته أسرار الكون، ويبحث عن الكواكب والفضاء، وغير ذلك، وقد بهر من ذلك الوليد بن يزيد، وسأل حاكم يثرب عمرو بن عبدالعزيز، فأجابه أنّ الإمام في بحوثه يتناول جميع أسرار الكون.
وعلى أي حال، فإن هذه المؤسسة قامت بدور مهم في تدوين العلوم بعد أن منع الخليفة الأوّل والثاني تدوين الحديث، ذاهبين إلى أنّ ذلك قد يؤثر على كتاب اللّه، فينصرف المسلمون عن قراءته وهو اعتذار مهلهل ليس له أي سند من الفكر والعلم.
ويذكر السيد حسن الصدر أنّ الشيعة هم أوّل من عنوا بالفقه الإسلامي، وتدوين بعض مسائله، وذكر منهم علي بن أبي رافع، وهو من أعلام الشيعة وخيارهم في عصر الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما كان كاتباً له، وقد ألف كتاباً في فنون الفقه :
كالوضوء والصلاة وسائر الأبواب، كما كان من المؤلّفين سليم بن قيس الهلالي الكوفي، وهو من أصحاب الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعاش إلى زمن الحجاج، وقد أراد الحجاج قتله، فلجأ سليم إلى أبان بن أبي عياش فآواه، وحينما حضرته الوفاة أعطاه كتابه المشهور باسمه، وهو أول كتاب ظهر للشيعة رواه أبان بن أبي عيّاش (1).
وعلى أي حال، فإنّ مدرسة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) قد فتحت آفاق الفكر، وأشاعت العلوم بين الناس، وكان أوّل من أسسها سيد العترة الطاهرة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقام السادة الأئمّة من بعده برعايتها، وقد ازدهرت في أيّام الإمام أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد التفّ حوله العلماء والرواة، وهم ينتهلون من نمير علومه، وقد رووا عنه مجموعة كبيرة من العلوم، وآداب السلوك، وقواعد الأخلاق.
وقام من بعده الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) عملاق الفكر الإسلامي، فقد أينعت هذه المؤسسة في عهده وازدهرت، وكانت من الأحداث المهمة لا في عصره ه وإنّما في العصور التي تلت من بعده، وقد تحدثنا عنها بالتفصيل في الحلقة الأولى من هذا الكتاب.
2 - مدرسة التابعين
أمّا المدرسة الثانية التي تأسّست في عصر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فهي مدرسة التابعين، حيث عنيت بعلوم الشريعة الإسلاميّة ولم تتجاوزها.
أمّا أعضاؤها فهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمّد بن أبي بكر، وأبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وعبيد اللّه بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد، ونظم بعض الشعراء أسماءهم بقوله :
إذا قيلَ مَنْ في العِلمِ سَبعَةُ أَبْحُرٍ***رِوايَتُهُمْ لَيْسَتْ عن العِلمِ خارِجَة
1) حياة الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 2 : 140.
فَقُلْ هُم عُبيدُ اللّه عُروهُ قاسِمٌ***سعيد أبو بكر سليمان خارجة
وقال فيهم شاعر آخر :
أَلَا كلّ مَنْ لا يَقْتَدي بِأَئِمَّةٍ***فَقِسْمَتُهُ ضِيرَى عَنِ العِلْمِ خَارِجَة
فَخُذْهُمْ عُبَيدُ اللّه عُروهُ قاسِمٌ***سعيدٌ سُليمان أبو بكر خارجة (1)
وقد ذكرنا تراجم هؤلاء الأعلام في كتاب (حياة الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ))، فلا حاجة للإعادة.
ومن الجدير بالذكر أنّ معظم هؤلاء السادة الأعلام قد تتلمذوا عند الإمام أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) وولده الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)
وكانت الحياة اللاقتصاديّة في عصر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) مشلولة ومضطربة، فقد انحصرت ثروة البلاد عند الفئة الحاكمة، وعند عملائها، وهم ينفقونها بسخاء على شهواتهم وملاذهم، في حين أن عامة الشعب كانت في حالة شديدة من البؤس والضيق والحرمان، فالأسعار قد أرهقت كواهل الناس، وكلّفتهم من أمرهم شططاً، وقد خلت أكثر البيوت من الحاجات الضرورية. يقول جرير للحجاج شاكياً بؤس قومه :وفاقتهم :
أَلَا نَشكو إِلَيْكَ زَمانَ مَحْلٍ***وشُرب الماء في زَمَنِ الجَلِيدِ
وَمَعتَبةَ العِيالِ وهُمْ سِعَابٌ***عَلى دُرّ المُجالَحَةِ الرفودِ
زَماناً يَترُكُ الفتياتِ سُوداً***وَقَدْ كانَ المحاجِرُ غَيْرَ سُودِ(2)
أرأيتم ما صارت إليه حياة الناس من الضيق والحرمان، في حين أن ذهب الأرض كان بأيدى الحكّام يتصرفون فيه حيث ما شاءوا من دون محاسب أو رقيب، وصوّر جرير حالة اليتامى في قصيدته التي ألقاها على سليمان. يقول :
أَلا هَلْ لِلخَليفَةِ في نزار***فَقَدْ أَمْسَوا وَأَكْثَرُهُمْ كَلولُ (1)
وتَدعوكَ الأرامل واليتامى***وَمَنْ أَمْسى وليسَ بهِ حَويل
وتَشْكو الماشِياتُ إِليكَ جَهْداً***وَلا صَعْبُ لَهُنَّ وَلَا ذَلُولُ (2)
وَأَكْثَرُ زادِهِنَّ وَهُنَّ سَفْعٌ***خطامُ الجِلْدِ والعَصَبُ المَليلُ (3)
ويَدعوكَ المُكَلَّفُ بَعدَ جَهدٍ***وعانٍ قَدْ أَضَرَّ بِهِ الكُبُولُ (4)
إنّ الضيق والحرمان قد شمل حتّى الحيوانات، فليس عندنا ما تسد به رمقها، وكان ذلك ناجماً من ظلم الأمويّين وجورهم ونهبهم لأموال الرعيّة.
ويعرض الفرزدق على الوليد بن عبد الملك ما تعانيه قبائل مضر من مآسي البؤس والفقر. يقول :
رأَوْني فَنادوني أَسوقُ مَطِيَّتي***بِأَصْواتِ هَلَاكِ سِغَابٍ حَرائِرُهُ
فَقالوا أَغِثنا إِنْ بَلَغْتَ بِدَعْوَةٍ***لَنا عِندَ خَيرِ النَّاسِ إِنَّكَ زائرة
فَقُلْتُ لَهُمْ إِن يُبلغ اللّه ناقتي***وَإِيَّاي أُنْبِي بِالَّذي أَنا خابرة
بِحَيثُ رأيتُ الذُّنب كلّ عَشيّة***يَروحُ عَلى مهزولِكُمْ ويُباكِرة
لِيَجْتَرَّ مِنْكُمْ إِنْ رَأَى بارزاً لَهُ مِنَ***من الجيف اللاتي عَلَيْكُمْ حَظَائِرُة
أَغِثْ مُضَراً إِنَّ السنينَ تَابَعَتْ***عليها بِحَرُّ يَكسِرُ العَظمَ جازِرُهُ
فَكُلُّ مَعَدُّ غَيْرُهُم حَولَ ساعِدٍ***مِنَ الرِّيفِ لَمْ تَخْطُرْ عَلَيهِمْ قَناطِرة
وهُمْ حَيْثُ حَلَّ الجُوعُ بَينَ تِهامة***وَخَيْبَرَ وَالوادي الَّذِي الجُوعُ حاضِرة
یواد په ماء الكلاب وبَطنُهُ***بِهِ العَلَمُ الباكي مِنَ الجوع ساجِرُهُ
وحَلَّتْ بِدَهْناها تميم وَأَلْجَأَتْ***إلى رِيفِ بَرْنِي كَثِيرٍ تَمائِرُهُ
كَأَنَّهُمْ لِلمُبْتَغِي الزادِ عِنْدَهُمْ***بخاري جَمَالٍ ضَمورٍ فَياسِرُهُ
وَلَوْ لَمْ تَكُنْ عَبْسٌ تُقاتِلُ مَسَّها***مِنَ الجُوعِ لا يُغَمِّضُ سَاهِرُهُ
وَلكِنَّهُمْ يَستكرهونَ عَدُوهُمْ***إِذا هَزَّ خِرْصَانَ الرِّماحِ مَساعِرُهُ
أَغِثْني بِكُنْهي في نِزارٍ ومُقْبَلي***فَإِنِّي كَريمُ المَشرِقين وشاعِرُه (1)
إنّ هذا البؤس الشامل، والفقر المدقع الذي نهش جسوم الناس، وتركهم أشباحاً كأنها مجردة من الحياة، إن ذلك كان من فساد السلطة التي أمعنت في نهب أموال الناس من دون أن تقوم بأي عمل في إنعاش المواطنين ورخائهم، ويسترحم جرير عمر بن عبد العزيز أن ينقذ قومه من المجاعة الشاملة. يقول :
أَأَذْكُرُ الجُهِدَ وَالْبَلْوى التي نَزَلَتْ***أَمْ تَكْتَفِي بِالَّذِي بَلَغَتُ مِنْ خَبَرِي
ما زِلتُ بَعْدَكَ في دارٍ تَعَرَّقُني***قد طال بعدك إصعادي ومُنحَدَري
لا يَنفَعُ الحاضِرُ المَجْهودُ بادِينا***وَلَا يَجودُ لَنا بادٍ عَلَى حَضَرِ
كمْ بِالمَواسِم مِنْ شَعثَاءَ أَرمَلة***وَمِنْ يَتيم ضَعيفِ الصَّوتِ وَالْبَصَرِ
يَدعوكَ دَعْوَةَ مَلْهُوفٍ كَأَنَّ بِهِ***خَبْلاً مِنَ الجِنَّ أَوْ مَسَاً منَ النَّشَر (2)
ممّن يَعُدُكَ تَكْفى فَقْد والدِهِ***كالفَرخِ فِي الْعُشْ لَمْ يَدْرُجْ وَلَمْ يَطِرِ
يَرْجُوكَ مِثْلَ رجاءِ الغَيثِ تجبُرُهُمْ***بُورِكتَ جابِرَ عَظْم هِيضَ مُنكَسِرِ
فَإِن تَدَعْهُمْ فَمَنْ يَرجونَ بَعدَكُمُ***أَوْ تُنج مِنْها فَقَدْ أَنجيتَ مِنْ ضَرَرٍ (1)
صوّرت هذه الأبيات المآسي الفظيعة التي حلت بالناس من جراء تدهور الاقتصاد الذي عمد الأمويّون إلى شلّه، فلم يقوموا بتحسين الزراعة، ولا بإيجاد الطرق السليمة التي تعمر بها البلاد، وإنما كان جلّ همّهم جلب الخراج، ونهب ما عند الناس من لقمة العيش.
ويقول الفرزدق مخاطباً عمر بن عبد العزيز :
وساقنا مِنْ قَسَاً يُزْجِي رَكائبنا***إليك مُنتَجعُ الحاجاتِ والقَدَرُ
وَجائِحاتٌ ثَلاثٌ ما تَرَكْنَ لَنا***مالاً بِهِ بَعدَهُنَّ الغَيثُ يُنتَظَرُ
ثِنْتانِ لَمْ تَترُكا لَحْماً وحاطمَةً***بِالعَظم حَمراءُ حتّى اجْتِيحَتِ الغُرَرُ
فقُلتُ كَيْفَ بِأَهْلي حينَ عَضٌ بِهِمْ***عامٌ لَهُ كلّ مالٍ مُعْنِقٌ جَزَرٌ
عام أتى قَبْلَهُ عامان ما تَرَكا***مالاً ولا بَلْ عُوداً فيهما مَطَرُ (2)
صوّرت هذه الأبيات كوارث الطبيعة، وما حلّ بقوم الفرزدق من الجهد والضيق، وهو يسأل من الخليفة أن ينقذهم، ويقوم بإسعافهم من هذه المحنة.
ولو كانت تلك الحكومات شرعيّة لما بلغ الضيق بالناس إلى هذا الحال الذي يرثى له.
وصوّر الشاعر الأسدي سوء حياته اللاقتصاديّة بقصيدة يمدح بها بعض نبلاء الكوفة، ويطلب منه أن يسعفه بمعروفه. يقول :
يا أَبا طَلْحَةَ الجَوادَ أَغِثْنى***بسجالٍ مِنْ سَيبِكَ المَقْسُومِ (1)
أحيي نَفسي - فَدَتْكَ نَفْسي – فَإِنِّي***مُفلِسٌ - قَدْ عَلِمتَ ذاكَ - عَدِيم (2)
أَوْ تَطَوَّعْ لَنا بِسَلْفِ دقيق***أَجرُهُ - إِنْ فَعَلْتَ ذاكَ - عَظِيمٌ (3)
قَدْ عَلِمْتُمْ - فَلَا تَعامَسْ عَنِّي -***ما قَضَى اللّه في طَعامِ اليَتِيمِ (4)
لَيْسَ لي غَيرُ جَرَّةٍ وَأَصيص***وَكِتابٍ مُنَمْنَم كَالوُشومِ (5)
وكساء أبيعه برغيف***قَدْ رَقَعْنا خُروقَهُ بِأَديمِ (6)
وإكافٍ أعارنيه نَشِيط***هو لِحافٌ لِكُلِّ ضَيفٍ كَريم (7)
الإكاف - بالكسر والضمّ -: البرذعة. نشيط : علم من أعلام الناس.
وأنت ترى أنّ هذا الشاعر البائس قد استعطف هذا الكريم، وطلب منه أن يسعفه بالطعام ليحيي نفسه التي أماتها الجوع، وقد ذكر ما يملكه من أثاث بسيط كان به في منتهى الفقر والبؤس والضيق.
وكان عامة الناس على هذا الغرار يعيشون حياة بائسة لا ظلّ فيها للرخاء، قد نهشهم الجوع، فقد تحوّل اقتصاد الأمّة إلى جيوب الأمويّين، ومن سار في ركابهم من دون أن ينفق منها أي شيء على تطوّر الحياة العامّة وازدهارها، ولهذه الجهة فقد ثار العلويّون دعاة العدل الاجتماعي مطالبين بإنعاش الناس ورخائهم، ودفع غائلة
الجوع والبؤس عنهم.
انظر إلى ما يقوله الفرزدق أمام سليمان بن عبدالملك :
كَمْ فِيكَ إِنْ مَلَكَتْ يَداكَ لَنا***يوماً نواصينا من النذر
مِنْ حَج حافيَةٍ وَصائِمَةٍ***سَنَتَينِ أُمُّ أُفَيْرِحَ زُعْرِ(1)
لَمْ يَبقَ مِنْهُم غَيرُ السِنَةٍ***وَأُعَيْظم وخواصلٍ حُمْرِ
وَيُجَمِّرُونَ بِغَيرِ أَعْطِيَةٍ***في الْبَرِّ مَنْ بَعَثُوا وفي البَحرِ (2)
وَيُكَلِّفُونَ أَباعِراً ذَهَبَتْ***جيفاً بِلِينَ تَقادُمَ العَصْرِ
حتّى غَبَطْنا كلّ مُحْتَمَل***يُمْشِي بِأَعْظُمِهِ إِلَى الْقَبْرِ
وَتَمنّتِ الأحياءُ أَنَّهُمْ***تَحتَ التُّرابِ وَجِيءَ بِالْحَشْرِ
وَالرَّاقِصاتِ بِكُلّ مُبْتَهِل***مِنْ فَجْ كلّ عَمايِقٍ غُبْرِ
ما قلتُ إِلَّا الحقّ تَعرِفُهُ***في القَولِ مُرتَجِلاً وفي الشِّعْرِ
ما أَصْبَحَتْ أَرْضُ العِراقِ بها***وَرَقٌ لِمُخْتَبِط وَلَا قِشْرِ
إِنْ نَحْنُ لَمْ نُمَنَعْ بِطاعَتِنا***وَالحُبِّ لِلمَهدِيٌّ وَالشُّكر
فَغَدَتْ عَلينا في منازلنا***رُسُلُ العَذابِ بِرَغْوَةِ البِكْرِ (3)
رغوة البكر : أي بكر ناقة صالح إذا رغا على قوم ثمود فأهلكوا.
وقد ذكرنا في البحوث السابقة جور العمال وظلمهم للرعيّة، وجبايتهم للأموال بلا رحمة ولا رأفة، فلم يتركوا عند أحد فضلاً من المال إلا صادروه، وقد تمنّى الناس الموت ليتخلّصوا من إرهاقهم وجورهم.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الحياة اللاقتصاديّة في عصر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وانغمس ملوك الأمويّين بالترف واللهو، وتهالكوا على اللّذة والمجون، وتابعهم على ذلك عملاؤهم، وذو الثراء من الناس، فلم يتركوا لوناً من ألوان الترف إلا استعملوه، وقد شذّوا بذلك عمّا كان سائداً في حياة المسلمين أيّام عصر الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد كانت الحياة العامّة يسودها التقشف والزهد، وقد سألت عائشة عن ثيابها أيّام الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقالت : أما واللّه ما كان خزاً ولا قزاً ولا ديباجاً ولا قطناً ولا كتاناً، إنما كان سداه من شعر، ولحمته من أوبار الإبل (1).
وتغيرت هذه الحياة في العصر الأموي، فكان شباب بني أميّة يرفلون في الوشي كأنهم الدنانير الهرقلية (2).
وكان مروان بن أبان بن عثمان يلبس سبعة أقمص كأنها درج بعضها أقصر من بعض، وفوقها رداء عدني بألفي درهم (3).
وكان عمر بن عبد العزيز أيّام ولايته على المدينة يلبس الثوب بأربعمائة، ويقول : ما أخشنه (4).
ويروي هارون بن صالح عن أبيه أنه قال : «كنا نعطي الغسّال الدراهم الكثيرة حتّى يغسل ثيابنا في أثر ثياب عمر بن عبدالعزيز من كثرة الطيب الذي فيها» (5)
كما تغيّرت ثياب النساء في يثرب، فكنّ يلبسن الديباج والحرير (1)، كما أن الرجال أخذوا يلبسون المضرّجات (2)، والممصرات والملوّنات (3).
وكان من لهو ملوك الأمويّين ومجونهم أنّه وُجد عند الوليد بن يزيد بن عبدالملك بعد مقتله في سنة 126هـ أربعين جفنة بلور كأعظم ما يكون من الجفان، كان يملأها شراباً (4)، وشرب ليلة وكانت الجفان بين يديه، وطلع القمر وهو يشرب، وندماؤه معه، فقال : أين القمر الليلة ؟ فذكر له بعض الأبراج.
فقال بعض جلسائه : هو في الجفنة
فقال : واللّه ما عدوت ما في نفسي، وطرب طرباً شديداً (5).
ومن مظاهر الترف والبذخ عند الملوك وعملائهم في ذلك العصر المغالاة في المهور. فقد تزوّجت السيدة عائشة بعد وفاة زوجها عبد اللّه بن عبدالرحمن بن بكر بمصعب بن الزبير، فأمهرها بألف ألف درهم (6).
ويقول المؤرّخون عن ترفها وبذخها : إنّها إذا حجّت ذهبت معها ستون بغلة عليها
الهوادج والرحائل فتعرض لها عروة بن الزبير فقال لها :
عائِش يا ذاتَ البِغَالِ السِّتِّين***أَكُلُّ عامٍ هكذا تَحُجِّين (7)
ويقول أنس بن أبي أناس مخاطباً عبداللّه بن الزبير في زواج أخيه مصعب بعائشة ويعاتبه على ما بذل من مهر :
أَبْلِغْ أَميرَ المُؤْمِنِينَ رِسالةٌ***مِنْ ناصِحِ ما أَنْ يُرِيدَ مَتاعا
بِضْعُ الفَتاةِ بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَم***وتبيتُ قاداةُ الجُيوشِ جياعا
فَلَو أُخبر الفاروق بالذي***شاهَدْتُهُ ورَأَيْتُهُ لَارْتاعا (1)
لقد تسلّط هؤلاء الذئاب على أموال الأمّة، فاتخذوها دولاً ينفقونها على شهواتهم وملاذهم من دون أن تنعم الأمّة بشيء من اقتصادها.
وكان من الطبيعي بعد حصول الثراء العريض عند الفئة الحاكمة وعملائها، أن يسود الترف عند نسائهم، فقد روى المؤرّخون أمثلة كثيرة من ترف نسائهم كان منها : أنّ عاتكة بنت يزيد بن معاوية استأذنت عبد الملك في الحج، فقال لها : ارفعي حوائجك واستظهري، فإنّ عائشة بنت طلحة تحجّ، ففعلت وجاءت بهيئة جهدت فيها، فلما كانت بين مكة والمدينة إذ أقبل موكب فضغطها وفرّق جماعتها، فقالت أي هذه عائشة بنت طلحة فسألت عنها، فقالوا : هذه خازنتها.
ثمّ جاء موكب آخر أعظم من ذلك فضغطها، فسألت عنه فقالوا : هذه ماشطة عائشة، وأقبلت مواكب أخرى على هذه الهيئة، وهي تحمل حاشية عائشة.
ثمّ أقبلت كوكبة فيها ثلاثمائة راحلة عليها القباب والهوادج، وفيها عائشة، فبهرت عاتكة وقالت : ما عند اللّه خير وأبقى (2).
ونقل الرواة صوراً كثيرة من ترف نساء الملوك والأمراء، كان من بينها أن مصعب أهدى إلى عائشة ثماني حبّات من اللؤلؤ قيمتها عشرون ألف دينار، فلما دخل عليها وجدها نائمة فأيقظها، فلما رأت الهدية لم تعن بها، وقالت : كان النوم أحبّ إليَّ (1).
لقد اقتصر البذخ والترف على نساء الأمراء والملوك، في حين أن السيدات من نساء المسلمين كن يعانين الجهد والضيق والحرمان.
وكان من مظاهر حياة الملوك ومن سار في ركابهم في ذلك العصر انتشار الغناء والمجون، فقد عاشوا حياة لاهية ليس فيها أي طابع من القيم الدينية والأعراف الاجتماعيّة. وقد انتشر الغناء بصورة خاصة في يثرب، فقد عمد الأمويّون إلى جعل يثرب مركزاً من مراكز الغناء، وذلك لإسقاط هيبتها من نفوس المسلمين.
يقول أبو الفرج : «إنّ الغناء في المدينة لا ينكره عالمهم، ولا يدفعه عابدهم» (2).
وكان فقيه المدينة مالك بن أنس له معرفة تامة بالغناء، فقد روى حسين بن حماد الأشقر، قال : «كنت بالمدينة فخلالي الطريق وسط النهار، فجعلت أغنّي :
ما سال أَهلِكِ يا رباب***خُرُراً كَأَنَّهُمْ غَضَابٌ
قال : فإذا خوخة قد فتحت، وإذا وجه قد بدا تتبعه لحية حمراء، فقال : يا فاسق أسألت التأدية، ومنعت القائلة، وأذعت الفاحشة، ثمّ اندفع يغني فظننت أنّ طويساً - وهو من أشهر المغنين - قد نشر بعينه
فقلت له : أصلحك اللّه، من أين لك هذا الغناء ؟
فقال : نشأت وأنا غلام حيث أتبع المغنّين وآخذ عنهم، فقالت لي أُمّي : يا بني، إنّ المغني إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه، فدع الغناء واطلب الفقه، فإنّه لا يضر معه قبح الوجه، فتركت المغنّين واتبعت الفقهاء.
فقلت له : فأعد جعلت فداك.
فقال : لا ولا كرامة، أتريد أن تقول : أخذته من مالك بن أنس، وإذا هو مالك بن أنس» (1).
ومن طريف ما ينقل أن دحمان المغني شهد عند القاضي لرجل من أهل المدينة على عراقي فأجازه القاضي، فقال له العراقي : إنه دحمان.
فقال القاضي : أعرفه ولو لم أعرفه لسألت عنه.
فقال العراقي : إنه يغني ويعلم الجواري الغناء !
قال القاضي : غفر اللّه لنا ولك، وأينا لا يغنّي ؟ (2).
وهكذا انتشر الغناء بصورة واسعة في يثرب التي هي عاصمة الإسلام، والتي ينبغي أن تكون مثالاً للقداسة والطهر، ومما لا شك فيه أنّ ذلك كان بوحي من الحكومة الأمويّة وتشجيع منها لإسقاط هيبة عاصمة النبيّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
لقد شجّعت الحكومة الأمويّة الغناء، ووهبت الأموال الطائلة للمغنّين.
يقول المؤرّخون : إنه وفد على يزيد بن عبدالملك كلّ من معبد ومالك بن أبي السمح، وابن عائشة، فأمر لكل واحد منهم ألف دينار (3).
وأعطى الوليد بن يزيد معبد المغني إثني عشر ألف دينار، كما استقدم مغنّي الحجاز وأجازهم جوائز كثيرة (1).
وقد راج الغناء، وأقبل الناس على تعلّمه حينما رأوا ملوك بني أميّة قد قرّبوا المغنّين، ووهبوهم الثراء العريض.
ومن طريف ما نقل أنّ الوليد بن يزيد لما ولي الخلافة استدعى عطرد بن يثرب، وكان جميل الوجه، حسن الغناء، طيّب الصوت، فغنّاه، فشق الوليد حلة وشي كانت عليه، ورمى بنفسه في بركة خمر، فما زال حتّى أخرج كالميت من السكر، فلما أفاق قال له : كأنّي بك الآن قد أتيت المدينة فقمت في مجالسها ومحافلها وقلت : دعاني أمير المؤمنين، فدخلت عليه فاقترح عليَّ فغنّيته، وأطربته فشقّ ثيابه وقال : واللّه لئن تحرّكت شفتاك بشيء ممّا جرى فبلغني لأضربن عنقك، ثمّ أعطاه ألف دينار، فأخذها وانصرف إلى المدينة (2).
وكثير من أمثال هذه الصور الخلاعية قد رواها المؤرّخون، وهي تدلل على خلاعة بني أميّة واستهتارهم، وأنهم قد انحرفوا عمّا أمر به الإسلام من ترك حياة العبث واللهو والمجون (3).
وكان من أشهر المغنّين في ذلك العصر حمّاد عجرد، وقد أسرف في المجون والتهتك فلامه أبو حنيفة، فردّ عليه حمّاد بهذه الأبيات :
إِنْ كانَ نُسكُكَ لا يَت***مُّ بِغَيرِ شَتْمي وانتقاصي
فاقْعُدُ وقُمْ بي حيثُ شِئ***تَ مَعَ الأَدانِي وَالأَقاصي
فلطالما زَكيتني***وَأَنَا المُقيمُ عَلى المعاصي
أيام تأخُذُها ونُع***طي في أَباريق الرصاص(1)
وقد انتشرت الخمرة بشكل فظيع، فكان الكثيرون لا يطيقون صبراً عنها. يقول آدم بن عبد العزيز وهو من مخضرمي الدولتين :
اسْقِني واسي خليلي***في مَدَى الليل الطويل
قَهْوَةً صَهْباءَ صِرْفاً***سُبِيَتْ مِنْ نَهرِ بِيلِ
لَونُها أَصفَرُ صافٍ***وَهيَ كَالِمْسِكِ الفَتيل
في لِسانِ الْمَرْءِ مِنْها***مِثْلُ طَعْمِ الزُّنْجَبيل
رِيحُها يَنْفَحُ مِنْها ساطعاً***مِنْ رأسِ مِيلِ
مَنْ يَنَلْ مِنْها ثَلاثاً***يَنْسَ مِنهاج السبيل
فَمَتى ما نالَ خَمْساً***تَرَكَتْهُ كَالقَتيل
لَيسَ يَدري حينَ ذاكُمْ***ما دَبِيرٌ مِنْ قَبيلِ
إِنَّ سَمْعِي عَنْ كَلامِ ال***لائمي فيها الثقيل
لشديدُ الوَقْر إنِّي***غيرُ مِطواع ذَليل (2)
وكانوا يصرّون على شرب الخمر لا يدعونه حتّى ينتزعهم الموت، وينتزع منهم الكأس. يقول التيمي :
وَلَنْ أَنْتَهِيَ عَنْ طَيِّبِ الراحِ أَو يَرَى***بوادي عظامي في ضَريحي لاحِدُ
أَضَعْتُ شَبابي في الشَّرابِ تَلذُّذاً***وكُنتُ امرءاً غِرَّ الشَّبابِ أكابدُ (3)
والشيء المؤكد أنّ الخمرة هي الدافع الأكبر لجميع ألوان اللهو والمجون، وقد تحدث مطيع بن إياس، وهو من مخضرمي الدولتين عن مجالسهم وما يجري فيها من شراب وغناء وعبث ومجون. يقول :
وَيَوْمِ بِبَعْدادٍ نَعِمْنا صَباحَهُ***على وَجْهِ حَوْراءِ المَدامِعِ تُطرِبُ
بِبَيتٍ تَرَى فيهِ الزُّجاجَ كَأَنَّهُ***نُجومُ الدُّجى بَينَ النَّدامى تَقَلَّبُ
يَصرفُ ساقينا ويَقْطِبُ تارَةً***فيا طِيبَها مَقطوبَةً حينَ يُقَطِّبُ (1)
عَلَينا سَحيقُ الزّعفرانِ وَفَوْقَنا***أكاليل فيها الياسَمِينُ الْمُذَهَبُ
فَمَا زِلْتُ أَسْقى بينَ صَنْجِ وَمِزْهَرَ***مِنَ الرَّاحِ حتّى كَادَتِ الشَّمسُ تَعْرُبُ (2)
وهكذا قد سادت حياة اللهو والمجون في كثير من الأوساط، وقد خالفوا بذلك ما أمر به الإسلام من الجدّ وترك العبث، والتوازن في السلوك، والابتعاد عن اللهو، وعن كلّ ما يخل بشرف الإنسان.
ومن بين المظاهر التي سادت في عصر الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) انتشار الزندقة، فقد جهر بها بعض الشعراء، وقد وجد في بيت أبي نؤاس هذان البيتان بعد موته :
باحَ لِساني بِمُضْمَرِ السِّرُّ***وذاك إنّي أقولُ بالدهر
وليسَ بَعدَ الْمَماتِ حادثة***وَإِنَّما المَوتُ بيضةُ العُقر (3)
وأخذت الزندقة تهاجم الدين، وتهاجم الأخلاق مهاجمة صريحة لا لبس فيها
ولا غموض، وأظهروا الخروج على ما كان يخضع له المسلمون من القيم والتقاليد وكان ذلك في سلوكهم وفي آرائهم.
وعلى رأس الملحدين كان عبد الكريم، فكان يظهر الدعايات ضد الإسلام، وضدّ الأديان السماوية الأخرى، وكان له أتباع ومبشرون كبشار الذي كان يفضّل النار على الطين، ويدعو إلى عبادتها، وقد شاعت المزدكية التي تبيح الاشتراك بالنساء، كما شاعت المانوية التي كانت تقول بأزليّة النور والظلمة. ولم يقدر على ردّ شبه الملحدين - في ذلك العصر - سوى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) والمتكلمون من تلاميذه، أمثال هشام بن الحكم، فقد تصدوا بحزم إلى إبطال شبههم، وتفنيد أوهامهم.
يقول الدكتور مجاهد مصطفى : «وقد أسهم الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في دحض آراء الزنادقة، وتفنيد حججهم في كتابه (توحيد المفضّل)، وكان الزنادقة يحذرونه لقوّة حجته، يقول ابن المقفع محذّراً ابن أبي العوجاء : لا تفعل فإنّي أخاف أن يفسد عليك ما في يدك» (1).
ويقول الدكتور عبداللّه سلوم السامرائي : «يعتبر الإمام الصادق من أشهر المفكرين العرب الذين دافعوا عن الإسلام، وردوا على خصومه، إلا أنه لم يستعمل لفظة الزنديق في كتابه (توحيد المفضّل) الذي ردّ فيه على المانوية، واكتفى بالقول فيها كالذي قدمت عليه المانية الكفرة، وجاهرت به الملحدة المارقة الفجرة» (2).
فإنّه على الرغم من شهرة ماني بالزندقة، وادّعائه علم الأسرار، وطعنه في ذات اللّه تعالى، فإنّ الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) اكتفى بوصفه بالمخذول.
ويذكر الشيخ الكليني أن الإمام الصادق استعمل لفظ زنديق بصدد أبي شاكر الديصاني، الذي ادعى أن في القرآن آية - تدلّ على تعدّد الآلهة - وهي «وَهُوَ الَّذِي
فِي السَّمَاءِ إِلهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلهُ» (1)، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «هذا كَلامُ زِنْديقٍ خَبِيثٍ،»(2). فإذا صح هذا القول عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) فتكون الزندقة قد أطلقت في مراحل على من أنكر التوحيد، وقال بوجود إلهين كما يرى ذلك واضحاً في قول الديصاني (3).
وعلى أي حال، فقد شاع الإلحاد والارتداد عن الدين في ذلك العصر، وكان من المرتدين في ذلك عبد اللّه بن ميمون القداح، وهو القائل :
هاتِ اسْقِني الخَمْرَةَ يا سَنبر (4)***فَلَيسَ عِندي أنني أنشَرُ
أَما تَرَى الشَّيعَةَ في فتنة***يَغرُّها من دينِها جَعفَرٌ
وقال في أبيات يهجو بها الإمام، كان منها :
فلو كان أمرُكُمْ صادِقاً***لما ظَلَّ مَقتولُكُمْ يُسحَبُ (5)
ولا غَفا مِنكُمْ عَتِيقٌ (6)وَلَا***سما عُمَرٌ فَوْقَكُمْ يَخْطِبُ (7).
وعلى أي حال، فإنّ الشبهات التي أثيرت حول الإسلام قد تصدّى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لردّها بالأسلوب الفلسفي تارة، وبالأمور الوجدانية أخرى، وهي التي أقام الإسلام عقيدته العظمى عليها.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن عصر الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ).
الحمد للّه رب العالمين وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد وعلى آله الطاهِرينَ
القرآن الکريم
1 - الأئمة الاثنا عشر ابن طولون، شمس الدین محمّد : منشورات الرضي، قم المقدّسة.
2 - الأئمة الأربعة : د. الشرباصي، أحمد.
3 - أبجد العلوم : وزارة الثقافة والإرشاد - دمشق، الطبعة الثانية / 1978م.
4 - الإتحاف بحُبِّ الأشراف: الشبراوي الشافعي، عبد اللّه بن محمّد بن عامر (- 1172هـ) : تحقيق : سامي الغريري، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1423هـ / 2002 م.
5 - اثنا عشر رسالة (م) : المير داماد : محمّد بن محمّد باقر الاسترابادي الداماد (- 1041) : عني بطبعه ونشره ونفقته : السيد جمال الدين الميردامادي، بخطّ : أحمد النجفي الزنجاني.
6 - الاثنى عشريّة في المواعظ العددية : العينائي = محمّد بن محمّد بن حسن الحسيني العاملي (كان حيّاً 1078هـ).
7 - أجوبة المسائل الصاغانيّة : الشيخ المفيد : أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ) : المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد - قم المقدّسة / 1413هـ.
8 - الاحتجاج على أهل اللجاج : الطبرسي، أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب (- 560هـ) : تحقيق : إبراهيم البهادري و محمّد هادي به، الناشر : دار أسوة - ايران، الطبعة السادسة / 1425هـ.
9 - الإحكام في أصول الأحكام : ابن حزم الأندلسي أبو محمّد علي بن أحمد بن سعيد الظاهري (384 - 456هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت / 1405 (8 أجزاء في مجلدين).
10 - أخبار الخلفاء : أبو الحاتم محمّد بن حبّان.
11 - أخبار الدول وآثار الأول : القرماني، أحمد بن يوسف (939 - 1019هـ) : الحلبي - القاهرة / 1982م.
12 - أخبار القرامطة : الشطرنجي، أبو بكر.
13 - الاختصاص : الشيخ المفيد : أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ) : المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1413هـ.
14 - الآداب السلطانية والدول الإسلاميّة : ابن طباطبا، محمّد بن علي (660 - 709هـ) : دار صادر - بيروت / 1990م.
15 - أدب النفس : العينائي = محمّد بن محمّد بن حسن الحسيني العاملي (كان حيّاً 1078هـ) : المكتبة المرتضوية - طهران / 1380هـ. ش.
16 - أدب الصحبة والمعاشرة : العزالي، أبو حامد : العاني - بغداد / 1984م.
17 - الإرشاد في معرفة حجج اللّه على العباد : الشيخ المفيد : أبو عبداللّه محمّد بن محمّد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ) : طبع وتحقيق : مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) - قم المقدّسة / 1416هـ.
18 - إرشاد القلوب : الديلمي، أبو محمّد الحسن بن محمّد الواعظ (- 841ه) : كمال الملك - قم المقدّسة / 1426هـ.
19 - الاستبصار فيما اختلف من الأخبار: شيخ الطائفة، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : تحقيق : الشيخ محمّد جواد الفقيه، دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1413هـ / 1992م.
20 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب : ابن عبدالبر = أبو عمر يوسف بن عبداللّه بن محمّد النمري القرطبي الأندلسي (368 - 463هـ) : دار الإسلام - عمّان / 2002م.
21 - أسد الغابة في معرفة الصحابة : ابن الأثير الجزري = عز الدين علي بن محمّد بن محمّد (555 - 630هـ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2006 م.
22 - إسعاف الراغبين في سيرة المصطفى وآل بيته الطاهرين : الصبان، محمّد بن عليّ (- 1206هـ)، نشر دار الفكر - بيروت.
23 - أشعة من بلاغة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : الواعظي، عبدالرسول : دار الهداية - طهران / 1404هـ.
24 - أصل الشيعة وأصولها : آل كاشف الغطاء، محمّد حسين (1877 - 1974م) : تحقيق : علاء آل جعفر، مؤسّسة الإمام علىّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1415هـ.
25 - الأصول الفكرية للثقافة الإسلاميّة : د. الخالدي، محمود : دار الفكر للنشر - عمان، الطبعة الأولى / 1984.
26 - الأعلام : الزركلي، خير الدين بن محمود بن محمّد (- 1410هـ) : دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة التاسعة / 1990م.
27 - إعلام الورى بأعلام الهدى : الطبرسي، الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن (من أعلام القرن السادس : مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإحياء التراث - قم المقدّسة / 1417هـ.
28 - أعيان الشيعة : الأمين العاملي، محسن (1865 - 1952م) : دار التعارف للمطبوعات - بيروت / 2000م.
29 - الأغاني : أبو الفرج الاصفهاني، علي بن حسين (284 - 5356) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1994م.
30 - إقبال الأعمال : السيد ابن طاووس = رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - 644هـ) : تقديم وتعليق : الشيخ حسين حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ / 1996م.
31 - أقرب الموارد في فصح العربيّة والشوارد : الخوري، سعيد الشرتوني اللبناني : مكتبة المرعشي النجفي (قدّس سِرُّه)- قم المقدّسة / 1403هـ.
32 - الأمالي : الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) تحقيق ونشر قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسسة البعثة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1417هـ.
33 - الأمالي : شيخ الطائفة الطوسي، أبو جعفر محمّد بن الحسن (385 - 460ھ)، تحقيق : قسم الدراسات الإسلاميّة في مؤسسة البعثة، الناشر: نشر دار الثقافة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1414هـ.
34 - أمالي المجلسي : العلامة المجلسي.
35 - أمالي المرتضى = غرر الفوائد ودرر القلائد : السيد المرتضى، علي بن الحسين الموسوي (436هـ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 1387هـ.
36 - الأمالي: الشيخ المفيد : أبو عبداللّه محمّد بن محمّد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ) : تحقيق : علي أكبر غفاري، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة، الطبعة الخامسة / 1425هـ.
37 - الأمالي والنوادر : القالي البغدادي = إسماعيل بن القاسم (288 - 356هـ) :
38 - الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : مغنية، أحمد : مكتبة الأندلس - بيروت، الطبعة الأولى / 1956م.
39 - الإمام الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : فضل اللّه السيّد محمّد جواد.
40 - الإمام الصادق خصائصه ومميزاته : فضل اللّه، السيّد محمّد جواد.
41 - الإمام الصادق علم وعقيدة : لاوند، رمضان : دار مكتبة الحياة - بيروت
42 - الإمام الصادق كما عرفه علماء الغرب : ترجمة : آل عليّ، نور الدين : مجمع الذخائر - قم المقدّسة / 1425هـ.
43 - الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : أسد حيدر (1911 - 1980م) : دار التعارف - بیروت / 1380ش.
44 - الامتاع والمؤانسة : أبو حيان التوحيدي = علي بن محمّد : مكتبة الهلال - بيروت / 2002م.
45 - مآثر الإنافة في معالم الخلافة : القلقشندي = أحمد بن علي (756 - 821هـ) : دار الثقافة - القاهرة / 1985م.
40 - الأنساب : السمعاني التميمي = أبو سعد عبدالكريم بن محمّد بن منصور (506 - 562هـ) : تحقيق : عبداللّه عمر البارودي ودار الجنان، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1408هـ / 1988م.
47 - أوائل المقالات : الشيخ المفيد : أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ) : سلسلة مؤلّفات الشيخ المفيد، دار المفيد - بيروت، الثانية / 1414هـ.
48 - الإيضاح : ابن شاذان، أبو محمّد الفضل بن شاذان الأزدي (- 260) : تحقيق جلال الدين الحسيني اللأرموي، جامعة طهران، الطبعة الأولى / 1351 هـ ش.
49 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار : العلامة المجلسي = محمّدباقر بن محمّد تقي (1037 - 1111هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989 م.
البخلاء : الجاحظ عمرو بن بحر (150 - 255هـ) : دار مكتبة الهلال - بيروت، الطبعة الثانية / 1985م.
51 - البداية والنهاية في التاريخ = تاريخ ابن كثير : ابن كثير الدمشقي، أبو الفداء إسماعيل بن كثير (700 - 774هـ) : تحقيق : مكتب تحقيق التراث، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1993م.
52 - البدء والتاريخ : ابن قيسراني، محمّد بن طاهر (448 - 507هـ) : دار صادر - بيروت / 1994م.
53 - البرهان البرهان في تفسير القرآن (تفسير) : البحراني، السيد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسيني التوبلي (- 1107هـ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1419هـ / 1999م.
54 - بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمّد : الصفار، الثقة الجليل أبو جعفر محمّد بن الحسن بن فروخ (- 290هـ) : تعليق : التبريزي، منشورات مكتبة المرعشي النجفي، قم المقدّسة / 1404هـ.
55 - البلد الأمين : الكفعمي، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمّد العاملي الحارثي (840 - 905هـ) : مؤسسة قائم آل محمّد (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَي فَرَجَهُ الشَریف) - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1413هـ / 1993م.
56 - بهجة المجالس وأنس المجالس : ابن عبدالبر = يوسف بن عبداللّه النمري القرطبي : الدار المصرية - القاهرة / 1900م.
57 - البيان في البيان في تفسير القرآن (تفسير) : السيد الخوئي 1، أبو القاسم الموسوي (1278 - 1371هـ): دار الثقلين - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1401هـ / 1981م، مجلّد.
58 - البيان والتبيين : الجاحظ، عمرو بن بحر (150 - 255هـ) : مكتبة الخانجي - القاهرة / 1968م.
59 - تاج العروس من جواهر القاموس : الزبيدي الحنفي = محب الدين أبي فيض السيد محمّد مرتضى الحسيني الواسطي (1145 - 1205هـ) : دراسة وتحقيق : علي شيري، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1414هـ / 1994م (20 مجلداً).
60 - تاريخ آل زرارة : أبو غالب الزراري (- 368هـ) : المطبعة رباني - قم المقدّسة.
61 - تاريخ ابن الورديّ : ابن الوردي، زين الدين عمر بن مظفّر (- 749هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ / 1996م.
62 - تاريخ أبي الفداء = المختصر في أخبار البشر : أبو الفداء، عماد الدين إسماعيل بن علي بن محمود بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب (672 - 732هـ) : تعليق: محمود دیوب، منشورات دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م.
63 - تاريخ الأدب العربي : بروكلمان، كارل : نقله إلى العربيّة : عبدالحليم النجار، دار الكتاب الإسلامي - قم المقدّسة / 1414هـ.
64 - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير الأعلام : شمس الدين الذهبي = محمّد بن أحمد بن عثمان (673 - 748هـ) : دار الكتاب العربي - بيروت / 2004م.
65 - تاريخ أسماء الثقات : عمر بن شاهين، أبو حفص (- 385هـ) : تحقيق : أمين قلعجي دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1406هـ / 1986م.
66 -التاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين : د. فاروق عمر : مكتبة النهضة - بغداد، الطبعة الثانية / 1985م.
67 - تاريخ بغداد : الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن عليّ (392 - 463هـ) : تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م.
68 - تاريخ تاريخ الخلفاء : جلال الدين السيوطي، عبدالرحمن بن أبي بكر الشافعي (849 - 911هـ) : السعادة - القاهرة، الطبعة الأولى / 1952م.
69 - تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس : الدياربكري = حسين بن محمّد بن حسن (- 966هـ) : مؤسسة شعبان - بيروت / 1990م.
70 - تاريخ الدعوة الإسلاميّة : الألوري، آدم عبد اللّه.
71 - تاريخ الطبري - تاريخ الأمم والملوك : الطبري، أبو جعفر محمّد بن جرير بن يزيد بن خالد (224 - 310هـ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الخامسة 1409 هـ / 1989م.
72 - تاريخ العرب : حتي، فيليب.
73 - تاريخ الفكر العربي : مظهر، إسماعيل.
74 - تاريخ القضاعي (م) : القضاعي محمّد بن سلامة (- 454هـ) :
75 - تاريخ الكوفة : البراقي، السيد حسين النجفي (- 1332هـ) : المكتبة الحيدرية / 1424هـ.
76 - تاريخ مدينة دمشق : ابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة اللّه الشافعي الدمشقي (499 - 571هـ) : دار الفكر - دمشق / 1419هـ.
77 - تاريخ اليعقوبي : اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح (-278هـ) : دار صادر - بيروت / 1984م.
78 - تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : الصدر، السيد حسن (1354هـ) : شركة النشر - بغداد / 1951م.
79 - تحسين التقبيح وتقبيح الحسن : أبو منصور الثعالبي النيسابوري = عبد الملك بن محمّد (- 429هـ) :
80 - تحف العقول عن آل الرسول : ابن شعبة الحرّاني، أبو محمّد الحسن بن علي بن الحسين (من أعلام القرن الرابع الهجري) : دار الشريف الرضي - قم المقدّسة / 1421هـ.
81 - التحفة الاثنى عشرية : الدهلوي، عبدالعزيز.
82 - التذكرة الحمدونية : ابن حمدون، أبو المعالي محمّد البغدادي : دار صادر - بيروت، الطبعة الأولى / 1996م.
83 - تذكرة الحُفّاظ : الذهبي، شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان (- 748هـ) : وضع حواشيه : زكريا عميرات، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى / 1419هـ / 1998م (4 أجزاء في مجلّدين).
84 - التشريع الإسلامي : المدرّسي، السيد محمّدتقي : انتشارات المدرسي - طهران، الطبعة الثانية / 1412هـ.
85 - التطور والتجديد في الشعر الأموي : ضيف، شوقي : دار المعارف - القاهرة، الطبعة الخامسة / 1972م.
86 - تفسير الأصفى : الفيض الكاشاني، الملا محسن بن مرتضی محمّد محسن (1007 - 1091هـ) : اللوح المحفوظ - طهران / 1423هـ.
87 - تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن : الطبري، أبو جعفر محمّد بن جرير (- 310هـ ) : تحقيق : الدكتور عبداللّه بن عبدالمحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربيّة والإسلاميّة بدار هجر - القاهرة، الطبعة الأولى 1422هـ / 2001 م، (24 مجلداً + مجلدا الفهارس).
88 - تفسير العياشي : العياشي، أبو النضر محمّد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي (- 320هـ) : تحقيق : قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسسة البعثة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1421هـ (3 مجلدات).
89 - تفسير فُرات الكوفي : فرات بن إبراهيم بن فرات (- 352هـ) : تحقيق : محمّد الكاظم، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي - طهران، الطبعة الأولى / 1410هـ.
90 - تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن الأنصاري، أبو عبداللّه محمّد بن أحمد (- 671هـ) : التحقيق هشام سمير البخاري، دار عالم الكتب - الرياض 1423هـ / 2003 م.
91 - تفسير القمي : القمي، أبو الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم (- 329هـ) : تحقيق : السيد طيب الجزائري الموسوي، الناشر دار السرور - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ. / 1991م (مجلّدان).
92 - تفسير الكبير = مفاتيح الغيب : الفخر الرازي = خطيب الري، فخر الدين أبي عبداللّه محمّد بن ضياء الدين عمر بن الحسن بن الحسين (544 - 606هـ) : تقديم : الشيخ خليل محيي دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت، الطبعة الأولى 1415هـ / 1995م (32 جزءاً في 16 مجلداً + مجلد الفهرس).
93 - تقوية الإيمان في الردّ على ابن أبي سفيان : العلوي، محمّد بن عقيل بن عمر (1863 - 1931هـ) : دار البيان العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1414هـ / 1993م.
94 - تلخيص الشافي : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : تحقيق : السيد حسين بحر العلوم، مؤسسة انتشارات المحبّين، الطبعة الأولى / 1382هـ. ش.
95 - التمثيل والمحاضرة : أبو منصور الثعالبي النيسابوري = عبد الملك بن محمّد (- 429هـ) : دار إحياء الكتب العربيّة - القاهرة / 1961م.
96 - التمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّة : عبد الرزاق، مصطفى : لجنة التأليف - القاهرة، الطبعة الثالثة / 1966م.
97 - تنقيح تنقيح المقال في علم الرجال : المامقاني، الشيخ عبد اللّه (- 1351هـ) : المطبعة المرتضوية - النجف الأشرف / 1352هـ.
98 - التوحيد : الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : نشر وتحقيق : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المقدّسة الطبعة الثامنة / 1423هـ.
99 - توحيد المفضّل : الجعفي، المفضل بن عمر : الحيدرية - النجف الأشرف / 1949م.
100 - تهذيب الأحكام : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : مكتبة الصدوق - طهران / 1417هـ.
101 - تهذيب الأسماء واللغات : النووي = أبو زكريا محيي الدين بن شرف (- 676هـ) : طبعة دار الكتب العلمية - بيروت.
102 - تهذيب تاریخ دمشق : بدران، عبد القادر، (- 1346هـ) : تحقیق : رياض عبدالحميد مراد، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1404هـ / 1984م.
103 - تهذيب التهذيب : ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي بن محمّد (773 - 852هـ) : دار الفكر - بيروت / 1995م.
104 - تهذيب الكمال في أسماء الرجال : الحافظ المزي، جمال الدين أبي الحجاج يوسف (654 - 742هـ) : مراجعة : سهيل زكار، تحقيق : أحمد علي عبيد، وحسن أحمد آقا، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1414 هـ / 1994م (22 مجلداً + مجلدا الفهارس).
105 - التيار الإسلامي في شعر العصر العبّاسي الأول : بهجت، مجاهد مصطفى.
106 - تيسير المطالب : ابن هارون، يحيى بن الحسين : مؤسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت / 1395هـ.
107 - ثمار القلوب : أبو منصور الثعالبي النيسابوري = عبد الملك بن محمّد (- 429هـ) : المدني - القاهرة / 1965م.
108 - جابر بن حيان : حدّاد، خالد
109 - جابر بن حيّان وخلفاؤه : فيّاض، محمّد محمّد.
110 - جامع الأحاديث : القمي، أبو محمّد جعفر بن أحمد بن علي : مجمع البحوث الإسلاميّة - مشهد المقدّسة / 1413هـ.
111 - جامع الأخبار = معارج اليقين في أصول الدين : السبزواري، محمّد بن محمّد : (من أعلام القرن السابع الهجري) : مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإحياء التراث - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1414هـ.
112 - جامع أسانيد أبي حنيفة : الأنصاري، أبو يوسف يعقوب.
113 - جامع السعادات : النراقي، مهدي بن أبي ذر (1128 - 1209هـ) : تعليق : مؤسسة السيدة المعصومة لا - قم المقدّسة / 2005 م.
114 - الجدول في تواريخ المعصومين : الكفعمي، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمّد العاملي الحارثي (840 - 905هـ) :
115 - الجرح والتعديل : ابن أبي حاتم الرازي، أبو محمّد عبدالرحمن بن محمّد بن إدريس بن المنذر التميمي (- 327هـ) : تحقیق : مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1422هـ / 2002م (9 مجلدات + مجلد الفهرس).
116 - جعفر بن محمّد : سيّد الأهل، عبدالعزيز : دار الشرق الجديد - بيروت، الطبعة الأولى / 1945م.
117 - جعفر الصادق ملهم الكيمياء : تامر، عارف.
118 - الجعفريات (المنسوب إلى الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)) : الحميري، عبداللّه بن جعفر (- 310هـ) : مؤسسة الثقافة - قم المقدّسة / 1417هـ.
119 - جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع : السيد ابن طاووس = رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - 644هـ) : دار الذخائر - قم المقدّسة / 1411هـ.
120 - جمهرة أشعار العرب : ابن شبة، أبو زيد عمر النميري البصري، الطبعة الأميرية / 1308هـ.
121 - جمهرة أشعار العرب : ابن أبي الخطاب، محمّد القرشي : دار صادر - بيروت / 1963. 122 - جمهرة الأولياء : أبو الفيض، محمود.
123 - جنّة المأوى : كاشف الغطاء، الشيخ محمّد حسين (1877 - 1954هـ) : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانة / 1988م.
124 - جوامع الجامع (تفسير) : الطبرسي = الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن (468 - 548هـ) : تحقيق ونشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1418هـ.
125 - جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام : الشيخ النجفي، محمّد حسن ابن الشيخ باقر ابن الشيخ عبدالرحيم (1200 - 1266) : حققه وعلّق عليه وأشرف على طبعه : الشيخ عباس القوچاني، دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1400هـ.
126 - جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام : القراغولي البغدادي، السيد محمود : الآداب - بغداد / 1329هـ.
127 - الحقائق في محاسن الأخلاق الفيض الكاشاني، الملا محسن بن مرتضى محمّد محسن (1007 - 1091هـ):
128 - حلية الأبرار محمّد وآله الأئمة الأطهار : تحقيق : الشيخ غلام رضا مولانا البروجردي، مؤسسة المعارف الإسلاميّة - قم المقدّسة / 1415هـ.
129 - حلية الأبرار البحراني، السيد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسيني التوبلي (-1107هـ) : مؤسسة المعارف الإسلاميّة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1411هـ.
130 - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء : أبو نعيم الاصفهاني، الحافظ أحمد بن عبداللّه بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران (336 - 430هـ) : دار الكتاب العربي - بيروت / الطبعة الخامسة / 1987م.
131 - الحور العين : الحميري، أبو سعيد بن نشوان.
132 - حياة الحيوان الكبرى : الدميري، كمال الدین محمّد بن موسى (742 - 808هـ) : ناصر خسرو - طهران (اوفسيت عن طبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة 1390هـ / 1970م).
133 - حياة الإمام الحسن بن عليّ 8 : القرشي، باقر شريف (1926 - م) : تحقيق : مهدي باقر القرشيّ (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)) : دار المعروف، الطبعة الأولى 1430هـ/ 2009 م.
134 - حياة الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : القرشي، باقر شريف (1926 - م) : تحقيق : مهدي باقر القرشي (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)) : دار المعروف، الطبعة الأولى 1430هـ/ 2009 م.
135 - حياة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) : القرشي، باقر شريف (1926 - م) : تحقيق : مهدي باقر القرشي (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)) : دار المعروف، الطبعة الأولى 1430هـ / 2009م.
136 - الخرائج والجرائح : الراوندي، الشيخ قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة اللّه (- 573هـ) : مؤسسة النور للمطبوعات - بيروت، الثانية / 1411هـ.
137 - خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب : البغدادي، عبدالقادر بن عمر (1030 - 1093هـ) : مكتبة الخانجي - القاهرة / 1983م.
138 - الخصال : الشيخ الصدوق = أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : نشر وتحقيق : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين / 1424هـ.
139 - خطط الشام = المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار : المقريزي، أحمد بن عليّ (766 - 845هـ) : مشهد المقدّسة / 1379هـ. ش.
140 - خلاصة الأقوال في معرفة الرجال = رجال العلامة الحلّيّ : العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (- 725هـ) تحقيق الشيخ جواد القيومي، مؤسسة نشر الفقاهة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1417هـ.
141 - خلاصة تهذيب الكمال : الخزرجي الأنصاري، أحمد.
142 - دائرة المعارف : البستاني، بطرس (1819 - 1883 م) : دار الجيل - بيروت / 1979م.
143 - دائرة المعارف الإسلاميّة : المستشرق فنسك.
144 - دائرة المعارف الحديثة : عطيّة اللّه، أحمد.
145 - دراسات في الفرق والعقائد الإسلاميّة : د. عبدالحميد، عرفان.
146 - الدر المنثور في التفسير بالمأثور (تفسير) : السيوطي، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي (849 - 911هـ) : تصحيح وتخريج الأحاديث : الشيخ نجدت نجیب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1421هـ / 2001م (8 مجلدات).
147 - الدر النظيم في مناقب الأئمة : الشامي العاملي، يوسف بن حاتم (من أعلام القرن السابع الهجري) : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة / 1409هـ.
148 - دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام القاضي التميمي المغربي، أبو حنيفة النعمان بن محمّد بن منصور (- 363هـ) : اسماعيليان - قم المقدّسة / 1372هـ. ش.
149 - دلائل الإمامة : ابن رستم الطبري، أبو جعفر محمّد بن جرير (- 310هـ) : مؤسسة البعثة قم المقدّسة / 1412هـ.
150 - ديوان ابن قيس الرقيّات : قيس الرقيات، عبيد اللّه القرشي (- 75هـ) :
151 - ديوان أبي الأسود الدؤلي، أبو الأسود ظالم بن سفيان (- 69هـ) : المعارف - بغداد، الطبعة الثانية / 1964م.
152 - ديوان الأخطل : الأخطل، غياث بن غوث (- 95هـ) : دار المشرق - بيروت، الطبعة الثانية / 1986م.
153 - ديوان جرير : الخطفي، جرير بن عطيّة) - 111هـ) : دار بيروت - بيروت / 1406هـ.
154 - ديوان الحميري : الحميري، إسماعيل بن محمّد (105 - 173هـ) : دار صادر - بيروت / 2005 م.
155 - ديوان دعبل بن علي الخزاعي : دعبل الخزاعي (148 - 246هـ) : الشريف الرضي - قم : المقدّسة / 1417هـ.
156 - ديوان الطرماح : الطرماح، ابن حکیم (- 125هـ) :
157 - ديوان الفرزدق : الفرزدق، همام بن غالب بن صعصعة (- 110 هـ) : دار صادر - بيروت
158 - ديوان كثير : الخزاعي، عزّة بن عبد الرحمن (- 105هـ) : دار الثقافة - بيروت / 1971م.
159 - دیوان مؤيد فى الدين الشيرازي، هبة اللّه : دار الكتب المصرية - بيروت، الطبعة الأولى / 1949م.
160 - الذخائر والتحف : ابن الرشيد، الرشيد بن الزبير : مطبعة حكومة الكويت - الكويت / 1959م.
161 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة : آقا بزرك الطهراني، محمّد محسن (1255 - 1389هـ) : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثالثة / 1403هـ.
162 - ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة : الشهيد الأول، شمس الدین محمّد بن جمال الدین مكي العاملي الجزيني (734 - 786هـ) : نشر وتحقيق : مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1419هـ.
163 - ربيع الأبرار ونصوص الأخبار : جار اللّه الزمخشري = أبو القاسم محمود بن عمر (467 - 538هـ)، دار الذخائر - قم المقدّسة / 1410هـ.
164 - رجال ابن داود ابن داود الحلّيّ، الحسن بن عليّ (- 707هـ) : المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف 1392هـ / 1972م.
165 - رجال البرقي : البرقي، أحمد بن محمّد بن خالد (- 274 أو 280هـ) : جواد القيومي الاصفهاني، مؤسّسة القيومي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1419هـ.
166 - رجال الطوسي : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : تحقيق : جواد القيومي الاصفهاني، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة الثانية / 1420هـ.
167 - رجال الكشي = اختيار معرفة الرجال : شيخ الطائفة، أبو جعفر محمّد بن الحسن - الطوسي (385 - 460هـ) : تحقيق : محمّد تقي فاضل الميبدي والسيد أبوالفضل الموسويان، وزارة الثقافة والإرشاد - طهران، الطبعة الأولى / 1382هـ. ش.
168 - رجال النجاشي : أبو العبّاس الأسدي الكوفي، أحمد بن علي (372 - 450هـ) : جماعة المدرّسين - قم المقدّسة / 1407هـ.
169 - رسائل الجاحظ : الجاحظ، عمرو بن بحر (150 - 255هـ) : اعتناء : السندوبي : دار مكتبة الهلال - بيروت / 1995م.
170 - الرسالة الرمضانية : جمع وتحقيق : سيف الدين.
171 - الرسالة العددية (المطبوعة بعنوان : جوابات أهل الموصل في العدد والرؤية ضمن مصنفات الشيخ المفيد - المجلد التاسع) : الشيخ المفيد : أبو عبداللّه محمّد بن محمّد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ) : تحقيق : الشيخ مهدي نجف، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1413هـ.
172 - رسالة الغفران : المعرّي، أبو العلاء أحمد بن عبد اللّه (- 449هـ).
رسالة الصداقة والصديق : أبو حيان التوحيدي : دار الفكر - دمشق / 1964م.
174 - رسم المصحف : قدوري، غانم : المطبوعات العربيّة – بيروت.
175 - الروض النضير فيما يتعلق بآل بيت البشير النذير : السجاعي المصري، شهاب الدين أحمد بن أحمد بن محمّد الشافعي (- 1197هـ)، القاهرة.
176 - روضة المحبين ونزهة المشتاقين : ابن قيم الجوزية = شمس الدين أبي عبداللّه محمّد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي (691 - 751هـ).
177 - الروضة المختارة - شرح القصائد الهاشميات والعلويات للكميت بن زياد (60 - 126هـ) : ابن أبي الحديد المعتزلي (- 656هـ) - : مؤسسة النعمان - بيروت، الطبعة الأولى / 1979م.
178 - روضة الواعظين وبصيرة المتعلمين : الفعّال النيشابوري، محمّد بن أحمد (- 508هـ) : دار الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1386 ش.
179 - رياض السالكين : المدني الشيرازي، السيد علي خان الحسيني (- 1120هـ) : تحقيق : السيد محسن الحسيني الأميني، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة الرابعة / 1415هـ.
180 - زهر الآداب وثمر الألباب : القيرواني، أبو إسحاق إبراهيم بن علي الحصري : دار الجيل - بيروت / 1973م.
181 - زهرة المقول في نسب فرعى الرسول : الدمشقي الحمزي المدني، زين الدين : الحيدرية - النجف الأشرف، الطبعة الأولى / 1962م.
182 - الزينة في الكلمات الإسلاميّة والعربيّة : أبو حاتم الرازي، أحمد بن حمدان (322هـ) : الحلبي - القاهرة / 1412م.
183 - سبائك الذهب في معرفة أنساب العرب: السويدي، محمّد أمين : منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الثانية.
184 - السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي : ابن إدريس الحلّي، أبو جعفر محمّد بن منصور بن أحمد (قيل 543 - 598هـ) : تحقيق ونشر : مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة الرابعة / 1417هـ.
185 - سراج الملوك : الطرطوشي، أبو بكر محمّد بن وليد (520 - 451هـ) : رياض الريس - لندن / 1990م.
186 - سرّ السلسلة العلوية : البخاري، أبو نصر سهل بن عبد اللّه بن داود (- 341هـ) : الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1413هـ.
187 - سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار الشيخ القمي، عباس بن محمّد رضا (1254 - 1359هـ) : دار أسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة، الطبعة الرابعة / 1427هـ.
188 - سفينة النجاة : السرابي التنكابني (- 1124هـ)، تحقيق : السيد مهدي الرجائي، أمير - قم المقدّسة، الطبعة الأولى 1419هـ / 1377هـ. ش.
189 - سنن أبي داود : الحافظ أبو داود السجستاني، سليمان بن الأشعث الأزدي (202 - 275هـ) : تحقيق : سعيد محمّد اللحام، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1410هـ / 1990م.
190 - السيادة العربيّة : فلوتن، خراوف فان (1866 - 1903م) : القاهرة / 1934م.
191 - سير أعلام النبلاء : شمس الدين الذهبي = محمّد بن أحمد بن عثمان (673 - 748هـ) : مؤسسة الرسالة - بيروت / 1419هـ.
192 - السيرة الحلبية : الحلبي = علي بن برهان الدين (975 - 1044هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت / 2006م.
193 - الشجرة العذراء : الفكيكي، توفيق.
194 - شذرات الذهب في أخبار من ذهب : ابن عماد، عبدالحي بن أحمد (1032 - 1089ه) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1967م.
195 - شرح الشفا : الخفاجي الحنفي، علي بن سلطان محمّد القاري : الأزهرية المصرية - دار الكتاب العربي - بيروت / 1327هـ.
196 - شرح توحيد المفضّل : الخليلي، محمّد (1900 - 1968م) : مطبعة النعمان - النجف الأشرف / 1957م.
197 - شرح عقائد الصدوق : الشيخ المفيد : أبو عبداللّه محمّد بن محمّد النعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ) :
198 - شرح لامية العجم : صلاح الدين الصفدي = خليل بن أيبك بن عبداللّه (696 - 764هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى / 1975م.
199 - شرح المواقف : الجرجاني، علي بن محمّد (- 482هـ) : مطبعة السعادة - القاهرة، الطبعة الأولى 1325هـ / 1907م.
20 - شرح الموطأ : الزرقاني، محمّد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان المصري الأزهري المالكي (- 1122هـ).
201 - شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد، عز الدين أبي حامد عبدالحميد بن هبة اللّه بن محمّد بن محمّد بن الحسين المدائني المعتزلي (586 - 655هـ)، قدّم له وعلّق عليه : الشيخ حسين الأعلميّ، الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى / 1415هـ - 1995م.
202 - الشيعة في التاريخ : الزين، محمّد حسين.
203 - صبح الأعشى في صناعة الإنشا : القلقشندي = أحمد بن علي بن أحمد (- 821) : دار الكتب العلمية - بيروت / 1987م.
204 - صحاح الأخبار : الرفاعي، مصطفى : البهية المصرية / 1306هـ.
205 - الصحيفة السجادية (أدعية الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)) : تحقيق ونشر : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَي فَرَجَهُ الشَریف)- قم المقدّسة - الطبعة الخامسة / 1423هـ.
206 - صفة الصفوة : ابن الجوزي، أبو الفرج جمال الدین عبدالرحمن بن علي بن محمّد (508 - 597هـ) : دار المعرفة - بيروت / 1979م.
207 - الصناعتين في الكتابة والشعر : أبو الهلال العسكري، الحسن بن عبد اللّه (- 395هـ) : تحقيق : محمّد علي البجاوي و محمّد أبو الفضل إبراهيم.
208 - الصواعق المحرقة على أهل الرّفض والضلال والزندقة : ابن حجر الهيتمي، أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن عليّ (909 - 974هـ) : تحقيق : عبدالرحمان التركي وكامل محمّد الخرّاط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م (مجلدان).
209 - طبّ الأئمة (برواية عبداللّه والحسين ابني بسطام بن سابور الزيات النيسابوريين - القرن الرابع الهجري) : المكتبة الحيدرية - قم المقدّسة / 1416هـ.
210 - طب الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : الخليلي، محمّد (1900 - 1968م) : الحيدرية - النجف الأشرف، الطبعة الرابعة / 1966م.
211 - الطبقات الكبرى : ابن سعد، أبو عبد اللّه محمّد بن سعد بن منيع البصري الواقدي الزهري (168 - 230هـ) : تحقيق : محمّد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1410هـ / 1990م (8 مجلدات + مجلد الفهارس).
212 - طبقات الشعراء: ابن المعتز (- 296هـ) : تحقيق : عبدالستار أحمد فراج، دار المعارف - القاهرة / 1968م.
213 - طبقات فحول الشعراء: ابن سلام، محمّد الجمحي (-232هـ) : شرح : محمود محمّد شاكر، مطبعة المدني، المؤسسة السعودية بمصر / 1973م.
214 - الطب محراب الإيمان : كنجر، د. خالص جلبي : كلّيّة الطب - جامعة دمشق / 1971م.
215 - العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل : العلوي، محمّد بن عقيل بن عمر (1863 - 1931هـ) : دار الأضواء - بيروت.
216 - العصر العبّاسي الأول : الدوري، عبد العزيز : مركز دراسات الوحدة العربيّة - بيروت، الطبعة الأولى / 2006م.
217 - عصر المأمون : الرفاعي، أحمد فريد : مطبعة جامعة البصرة / 1980م.
218 - العقد الفريد : ابن عبدربه الأندلسي، أبو عمر أحمد بن محمّد (246 - 328هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1989م.
219 - العقيدة الإسلاميّة وأسسها : حنبكة، عبدالرحمن حسن.
220 - العقيدة والشريعة في الإسلام : جولد زيهر، أجناس : ترجمة : محمّد يوسف، دار النهضة - بيروت / 1990م.
221 - علل الشرائع : الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : دار الحُجّة للثقافة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1416هـ (جزءان في مجلد).
222 - العلل ومعرفة الرجال : ابن حنبل، أحمد بن محمّد (- 241هـ) : تحقيق : د. وصي اللّه بن محمود عباس، دار الخاني - الرياض، الطبعة الأولى / 1408هـ.
223 - العلم يدعو للإيمان : موريسون، كرس : مكتبة النهضة المصرية - القاهرة، الطبعة الخامسة / 1965م.
224 - عيون الأخبار : ابن قتيبة الدينوري، عبداللّه بن مسلم (213 - 276هـ) : دار الكتب المصرية - القاهرة / 1996م.
225 - عيون أخبار الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ) : الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : تحقيق : الشيخ حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى / 1404هـ.
226 - الغايات : ابن الرازي، جعفر بن أحمد (القرن الرابع الهجري)، آستانه قدس رضوي - مشهد المقدّسة / 1413هـ.
227 - غاية الاختصار في البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار : الحسيني الحلبي، ابن زهرة، المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف / 1382هـ.
228 - غاية النهاية في طبقات القرّاء : الجزري، شمس الدين محمّد.
229 - الغدير في الكتاب والسنة والأدب : العلامة الأميني، عبدالحسين (1281 - 1349هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1990م.
230 - الغذاء لا دواء : د. القبّاني، صبري : دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة العاشرة / 1977م.
231 - الغَيبة : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (- 460هـ) : تحقيق : الشيخ عبداللّه الطهراني والشيخ علي أحمد صالح، مؤسسة المعارف الإسلاميّة - قم المقدّسة، الثالثة / 1425هـ.
232 - الفخري في أنساب الطالبيين : المروزي، إسماعيل بن الحسين المروزي الأزورقاني : مكتبة آية اللّه العظمى المرعشي النجفي، قم المقدّسة / 1409هـ.
233 - فرق الشيعة : النوبختي، الحسن بن موسی (- 310هـ) : تعليق : السيد محمّد صادق آل بحر العلوم، المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف 1355هـ / 1936م.
234 - الفرق بين الفرق : البغدادي، عبد القاهر بن طاهر بن محمّد البغدادي الاسفرائيني التميمي (429هـ) : تحقيق : محمّد محي الدين عبد الحميد، مكتبة دار التراث - القاهرة.
235 - الفصل في الملل والأهواء والنحل : ابن حزم الأندلسي، أبو محمّد علي بن أحمد بن سعيد الظاهري (384 - 456هـ) : بولاق - القاهرة / 1401هـ.
236 - الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة : ابن الصباغ = علي بن محمّد بن أحمد المالكي (-855هـ) : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1409هـ / 1988م.
237 - فلاح السائل ونجاح المسائل في عمل اليوم والليلة : السيد ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - 644هـ) : تحقيق: غلام حسين المجيدي، نشر مكتب الإعلام الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1419هـ.
238 - فلاسفة الشيعة : ابن نعمة، عبد اللّه : دار الفكر اللبناني - بيروت / 1987م.
239 - الفلسفة الإسلاميّة : الأبهري، إبراهيم : دار الهادي - بيروت، الطبعة الأولى / 2007م.
240 - الفهرست : شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : تحقيق ونشر الفقاهة - قم المقدّسة / 1417هـ.
241 - فهرست ابن الندیم ابن ندیم، محمّد بن إسحاق (- 385هـ) : تعليق : الشيخ إبراهيم رمضان، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية 1417هـ / 1997م.
242 - في ظلال القرآن (تفسير) : سيد قطب (1906 - 1966م) : دار الشروق - القاهرة، الطبعة الرابعة والعشرون 1415هـ / 1995م (6 مجلدات).
243 - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة : ابن تيمية الحراني، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الدمشقي (661 - 782هـ) : المنار - القاهرة، الأولى / 1327هـ.
244 - القراءات القرآنية : د. الفضلي، عبدالهادي : دار القلم - بيروت، الطبعة الثانية.
245 - قرب الإسناد : الحميري، أبو العبّاس عبد اللّه بن جعفر (- 310هـ) : مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الإحياء التراث - بيروت، الطبعة الأولى 1413هـ / 1993م.
246 - الكافى : ثقة الإسلام الكليني، أبو جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الرازي (328 - 329هـ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1426هـ / 2005م.
247 - كامل الزيارات : ابن قولويه، الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمّد القمي (- 368هـ) : دار السرور - بيروت، الطبعة الأولى / 1418ه- - 1997م.
248 - الكامل في التاريخ : ابن الأثير، عز الدين أبي الحسن علي بن محمّد بن أبي الكرم الشيباني (555 - 630هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1408هـ / 1989م.
249 - الكامل في اللغة والأدب : المبرد، أبو العبّاس محمّد بن يزيد (210 - 286هـ) : دار الفكر العربي - القاهرة / 1997م.
250 - الكامل في ضعفاء الرجال : الجرجاني، أبو أحمد عبداللّه بن عدي بن عبداللّه بن محمّد : بن المبارك (- 365هـ) : تحقيق : عادل أحمد وعلي معوّض، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1418هـ / 1997م (9 مجلدات).
251 - كشف الريبة عن أحكام الغيبة : الشهيد الثاني، الشيخ زين الدين بن علي بن أحمد بن جمال الدين العاملي (911 - 965هـ) : الناشر مكتبة بصيرتي - قم المقدّسة.
252 - كشف الغمة في معرفة الأئمة : الإربلي، أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح (467 - 538هـ) : دار الأضواء - بيروت / 1985م.
253 - كشف المحجّة : السيد ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - 644هـ) :
254 - كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين : العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف بن المطهر (- 726هـ) : مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة - قم المقدّسة / 1413هـ.
255 - كمال الدين وتمام النعمة : الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : صححه وعلّق عليه : علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة / 1422هـ.
256 - كنز الفوائد الكراجكي، أبو الفتح محمّد بن علي بن عثمان الطرابلسي (- 449هـ) : : مكتبة المصطفوي - قم المقدّسة، الطبعة الثانية / 1410هـ.
257 - كنوز الحقائق : المناوي، محمّد عبدالرؤوف بن تاج العارفين (952 - 1031هـ) : المكتبة الإسلاميّة - القاهرة / 1986م.
258 - الكنى والألقاب : الشيخ القمي، عبّاس (1254 - 1319هـ) : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المشرّفة، الطبعة الأولى / 1425هـ.
259 - لباب في تهذيب الأنساب : ابن أثير الجرزي، أبو الحسن علي بن أبي الكرم المعروف بابن الأثير الجوزي (- 630هـ)، الطبعة الثالثة.
260 - لسان البيان : الأشبيلي، الحافظ أبو محمّد.
261 - لسان العرب : ابن منظور، جمال الدين أبو الفضل محمّد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الأفريقى المصري (630 - 711هـ) : تنسيق وتعليق : علي شيري، دار صادر - بيروت / 1995م.
262 - لسان الميزان : ابن حجر العسقلاني، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن عليّ (773 - 853) : تحقيق : عادل أحمد وعلي معوّض، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1416 / 1996م (7 مجلدات).
263 - اللمعة الدمشقية في فقه الإماميّة : الشهيد الأول : محمّد بن مكي العاملي الجزيني (734 - 786هـ) : تحقيق : محمّد تقي وعلي أصغر مرواريد، نشر دار التراث - بيروت، الطبعة الأولى 1410هـ / 1990م.
264 - مثير الأحزان : ابن نما الحلّي (645هـ) : تحقيق ونشر : مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي عمال الراية - قم المقدّسة / 1406هـ.
265 - المجدي في أنساب الطالبيين : العلوي العمري، نجم الدين أبو الحسن علي بن محمّد : مكتبة آية اللّه العظمى المرعشي 1 - قم المقدّسة / 1409هـ.
266 - المجالس المؤيدية : الشيرازي، المؤيّد في الدين دار الثقافة - القاهرة / 1975م.
267 - مجلة الأضواء.
268 - مجلة دراسات إسلامية : أحمد فؤاد، نعمات.
269 - مجلة العربي : العدد 134.
270 - مجمع البحرين ومطلع النيّرين : فخر الدين الطريحي - محمّد بن علي (979 - 1085هـ) : تحقيق : قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسسة البعثة - طهران، الطبعة الأولى / 1414هـ (3 مجلدات).
271 - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد : الهيثمي، الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر المصري الشافعي (735 - 807هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت 1408هـ / 1988م.
272 - مجموعة ورّام = تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: المالكي الأشتري، الأمير أبو الحسين ورّام بن أبي فراس (-605هـ) : دار الكتب الإسلاميّة - طهران، الطبعة الثانية / 1368هـ.
273 - المحاسن : البرقي، أبو جعفر أحمد بن محمّد بن خالد (- 274هـ) : المجمع العالمي لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) - قم المقدّسة / 1416هـ.
274 -مختصر أخبار الخلفاء ابن الساعي البغدادي = تاج الدين علي بن أنجب (593 - 674هـ) : مصر.
275 - المخلاة : الشيخ البهائي = بهاء الدين محمّد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي (- 1030هـ) :
276 - المراجعات : الإمام شرف الدين، عبدالحسين الموسوي العاملي (1873 - 1958م) : دار الأنصار - قم المقدّسة / 1386هـ.
277 - مرآة الجنان وعبرة اليقظان: اليافعي، أبو محمّد عبد اللّه بن أسعد بن علي بن سليمان (- 768هـ) : وضع حواشيه خليل المنصور، نشر دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ / 1997م.
278 - مرآة الزمان في تاريخ الأعيان : سبط ابن الجوزي، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبد اللّه البغدادي (581 - 654هـ) : مؤسسة آل البيت اللام، قم المقدّسة / 1366هـ.
279 - المرشد إلى الأدب الإسماعيلي: الباحث أبو أنف.
280 - مروج الذهب ومعادن الجوهر : المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن عليّ (- 654هـ) : تحقيق : عبد الأمير المهنا، نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ / 1991م.
281 - مستدرك سفينة البحار الشيخ النمازي.
282 - المستدرك على الصحيحين : الحاكم النيسابوري، محمّد (- 405هـ) : تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا، نشر دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ / 1990م.
مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل : المحدّث النوري، الحاج الميرزا حسين بن محمّد تقي بن تقي الطبرسي (1254 - 1320هـ) : مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإحياء التراث - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1408هـ.
284 - مستند الشيعة في أحكام الشريعة : النراقي، المولى أحمد بن محمّد مهدي (1185 أو 1186 - 1245هـ) : تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإحياء التراث - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1415هـ.
285 - مسند زيد بن عليّ : زيد بن علي (رضیَ اللّهُ عنهُ) (79 - 122هـ) : مكتبة اليمن الكبرى - صنعاء / 1987م.
286 - المصباح في الأدعية والصلوات والزيارات : الكفعمي، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمّد العاملي الحارثي (840 - 905هـ) : مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الثانية / 1424هـ- 2003 م.
287 - مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة (المنسوب إلى الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)) : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى / 1400هـ.
288 - مصباح المتهجد : شيخ الطائفة، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (385 - 460هـ) : مؤسسة فقه الشيعة - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ / 1991م.
289 - مطالب السؤول في مناقب آل الرسول : القرشي، كمال الدين محمّد بن طلحة بن محمّد بن الحسن الشافعي (583 - 652 هـ) : مؤسسة أم القرى - قم المقدّسة / 1420هـ.
290 - مطالع البدور : البهائي، علي.
291 - المعارف : ابن قتيبة الدينوري، أبو محمّد عبد اللّه بن مسلم (213 - 276هـ) : دار الكتب العلميّة، بيروت / 1407هـ.
292 - معالم العلماء: ابن شهر آشوب، محمّد بن عليّ (- 588هـ) : المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف / 1380هـ.
293 - معاني الأخبار : الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (311 - 381هـ) : قدم له : الشيخ حسين الأعلمي، تعليق : علي أكبر الغفاري، نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت، الأولى 1410هـ / 1990م.
294 - المعتبر في شرح المختصر : المحقّق الحلي، أبو القاسم نجم الدین جعفر بن الحسن الهُذَلي (602 - 676هـ) : مؤسسة سيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) - قم المقدّسة / 1364هـ.
295 - المعتزلة : أحمد بن يحيى
296 - معجم البلدان : ياقوت الحموي، شهاب الدين أبو عبد اللّه الرومي البغدادي (626هـ) : دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1399هـ.
297 - معجم رجال الحديث : السيد الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي (- 1413هـ) : الثقافة الإسلاميّة - قم المقدّسة الطبعة الخامسة 1413هـ / 1992م.
298 - معجم الشعراء : المرزباني، محمّد بن عمران (297 - 384هـ) : المكتبة الإسلاميّة - القاهرة / 1354هـ.
299 - معجم المؤلفين تراجم مصنّفي الكتب العربيّة : د. كحالة، عمر رضا، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى / 1414هـ.
300 - مفاهيم إنسانيّة في كلمات جعفر الصادق : مغنية، محمّد جواد (1904 - 1979م) : دار مكتبة الهلال - بيروت / 1992م.
301 - مفتاح السعادة : أحمد بن مصطفى، عصام الدين.
302 - مقاتل الطالبيين : أبو الفرج الأصفهاني، عليّ بن الحسين بن محمّد بن أحمد (- 356هـ) : مكتبة الشريف الرضي - قم المقدّسة / 1416هـ.
303 - المقالات والفرق : الأشعري القمي، سعد بن عبد اللّه (- 299 أو 301) 304 - مكارم الأخلاق : أمين الإسلام، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي الطبرسي (468 - 548هـ) : دار الفقه - قم المقدّسة / 1425هـ.
المكاسب المحرمة : الشيخ الأعظم - مرتضى بن محمّد أمين الدزفولي الأنصاري (1214 - 1281هـ) : دار الحكمة - قم المقدّسة / 1416هـ.
306 - المكافأة : ابن الداية.
307 - الملل والنحل : الشهرستاني، أبو الفتح محمّد بن عبد الكريم (479 - 548هـ) : مؤسسة الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) - طهران / 1387هـ.
308 - مناقب أبي حنيفة : أخطب خوارزم = الموفق بن أحمد بن محمّد البكري الحنفي المكي الخوارزمي (484 - 568هـ) : مكتبة الخانجي - القاهرة / 1988م.
309 - مناقب آل أبي طالب : ابن شهرآشوب، أبو جعفر رشيد الدين محمّد بن علي السروي المازندراني (488 - 588هـ) : دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1412هـ / 1991م.
310 - من الكفر إلى الإيمان : محمود، مصطفى.
311 - من تاريخ الأدب العربي : طه حسين (1889 - 1973م) : دار العلم للملايين - بيروت / 1991م.
312 - من تاريخ الإلحاد في الإسلام : د. البدوي، عبد الرحمن : بيروت / 1405هـ.
313 - المنتظم في تاريخ الأمم والملوك : ابن الجوزي، أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن عليّ بن محمّد (508 - 597هـ) : تحقيق وتقديم : سهيل زكار، الطبعة الأولى / 1415هـ 1995م.
314 - المنجد في اللغة : لويس معلوف، الناشر دار المشرق - بيروت، الطبعة الخامسة والثلاثون / 1996م.
315 - من لا يحضره الفقيه : الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الأولى 1426هـ / 2005م.
316 - منهاج التوسل : البسطامي، عبدالرحمن.
317 - مواهب الرحمن في تفسير القرآن (تفسير) : السبزواري، السيد عبد الأعلى الموسوي (1288 - 1372هـ) : مؤسسة المنار - قم المقدّسة، الطبعة الثانية / 1414هـ (10 مجلدات، غير كامل).
318 - المؤتلف والمختلف : الدارقطني، عليّ بن عمر : دار الغرب الإسلامي - بيروت / 1406هـ.
319 - الموضوعات : ابن الجوزي، أبو الفرج جمال الدین عبدالرحمن بن علي بن محمّد (508 - 597هـ) : أضواء السلف - الرياض / 1997م.
320 - مهج الدعوات في منهج العبادات : السيد ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - 644هـ) : دار الكتب الإسلاميّة - طهران، الطبعة الأولى / 1416هـ.
321 - ميزان الاعتدال في نقد الرجال : الذهبي = شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان (673 - 748هـ) : دار الفكر - بيروت / 1420هـ.
322 - الميزان في تفسير القرآن (تفسير) : الطباطبائي، محمّد حسين (1281 - 1360هـ) : تحقيق : الشيخ حسين الأعلمي، الناشر مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى المحققة 1417هـ / 1997م.
323 - نثر الدرر منصور بن الحسين، أبو سعد (- 421هـ) : الدار التونسية - تونس، الطبعة الأولى / 1983م.
324 - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: الأتابكي، أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي (813 - 784هـ) : وزارة الثقافة والإرشاد القومي - القاهرة / 1972م.
325 - النزاع والتخاصم فيما بين بني أميّة وبني هاشم : تقي الدين المقريزي، أحمد بن عليّ (766 - 845هـ) : قم المقدّسة / 1419هـ.
326 - نزهة المجالس ومنتخب النفائس : الصفوري الشافعي، عبدالرحمان بن عبدالسلام (- 5894) : المعارف - الاسكندرية /2001م.
327 - نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي : علي حسن، عبدالقادر.
328 - نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية : صبحي، أحمد محمود، المعارف - مصر.
329 - نقد النثر : البغدادي، أبو الفرج قدامة بن جعفر بن قدامة (- 337هـ) : دار الكتب العلمية - بيروت / 1982م.
330 - نكت الهميان في نكت العميان : صلاح الدين الصفدي = خليل بن أيبك بن عبداللّه (696 - 764هـ) : الجمالية - القاهرة / 1911 م.
331 - نوادر المخطوطات هارون، عبدالسلام: مجموعة من المؤلّفين - لجنة التأليف - القاهرة، الطبعة الأولى / 1951م.
332 - نور الأبصار في مناقب آل بيت النبيّ المختار : الشبلنجي، مؤمن بن حسن بن مؤمن : تحقيق : عبد الوارث محمّد عليّ، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1418هـ / 1997م.
333 - نور البراهين : الجزائري، نعمة اللّه بن عبداللّه (1050 - 1112هـ) : ذوي القربى - قم المقدّسة / 1422هـ.
334 - نور الثقلين (تفسير) : الحويزي، الشيخ عبد عليّ بن جمعة العروسي (- 1112هـ) : مؤسسة إسماعيليان - قم المقدّسة، الرابعة / 1415هـ.
335 - النهاية النهاية في غريب الحديث والأثر : ابن الأثير الجزري، مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمّد (544 - 606هـ) : دار الفكر - بيروت / 1990م.
336 - نهاية الإرب في فنون الأدب : النويري، أحمد بن عبدالوهاب (- 733هـ) : طبعة وزارة الثقافة والإرشاد القومي، المؤسسة المصرية، مطبعة دار الكتب المصرية.
337 - نهج البلاغة (مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)) : دار التعارف للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى / 1410هـ - 1990م.
338 - الوافي : الفيض الكاشاني، الملا محسن بن مرتضى محمّد محسن (- 1091هـ): تحقيق : ضياء الدين حسين الأصفهاني، مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) - اصفهان، الطبعة الأولى / 1406هـ.
339 - وجود اللّه : القرضاوي، يوسف
340 - الوزراء والكتاب : الجهشياري، محمّد بن عبدوس : مصطفى البابي الحلبي - القاهرة، الطبعة الأولى / 1938م.
341 - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة : الحر العاملي، محمّد بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن الحسين (1033 - 1104هـ) : مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) - قم المقدّسة، الطبعة الثانية / 1416هـ.
342 - وسيلة المآل في عد مناقب الآل :(م) : الحضرمي الشافعي، شهاب الدين أحمد بن الفضل (1047هـ).
343 - وعاظ السلاطين : الوردي، علي.
344 - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : ابن خلكان، أبو العبّاس شمس الدين أحمد بن محمّد بن أبي بكر (- 681هـ) : تحقيق : د. إحسان عباس، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الثانية / 1406هـ.
345 - هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين : البغدادي، إسماعيل باشا (- 1339هـ) : دار الفكر - بيروت / 1402هـ.
346 - ينابيع المودة لذوي القربي : القندوزي، سليمان بن إبراهيم الحنفي (- 1294هـ) : تحقيق : السيد علي جمال أشرف الحسيني، الناشر : دار الأسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة، الطبعة الأولى / 1416هـ.
347 - : يوم الإسلام : أمين، أحمد : دار الكتاب العربي – بيروت.
تقديم...7
ملوك الأمويّين
11 - 107
حكومة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...24
حكومة معاوية....27
حكومة يزيد...27
قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...29
واقعة الحرّة...29
هلاك الطاغية...29
معاوية بن يزيد...29
حكومة مروان...31
عبدالملك بن مروان...32
ولايته للحجاج...34
ولاته وحاشيته...43
عبدالملك مع الأخطل...44
الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في دمشق...46
هلاك عبد الملك...47
الوليد بن عبدالملك...48
الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع الوليد...49
وفاة الوليد...51
سليمان بن عبدالملك...51
عمر بن عبدالعزيز...53
رفعه السبّ عن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)...54
صلته للعلويّين...57
رده فدك للعلويّين...57
مع الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)...57
مؤاخذات...58
وفاته...60
یزید بن عبدالملك...660
هشام بن عبدالملك...62
1 - البخل...62
2 - الحقد...63
3 - القسوة...63
4 - خبث المنطق...63
مع ابنه سعيد...64
مع الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)...64
خطاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) في دمشق...66
اعتقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...67
إغلاق الحوانيت بوجه الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...68
ثورة الشهيد زيد (رضیَ اللّهُ عنهُ)...68
خيانة الكوفيين...71
في ذمة الخلود...72
حرق الجثمان...74
الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) وزيد (رضیَ اللّهُ عنهُ)...75
وفاة هشام...77
الوليد بن يزيد...77
يزيد بن الوليد...79
إبراهيم بن الوليد...80
مروان بن محمّد...80
دعاة العلويّين...82
مؤتمر الأبواء...83
انتخاب أبي مسلم...84
وصيّة إبراهيم لأبي مسلم...84
في خراسان...84
مع نصر بن سيّار...86
موقف الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)...88
الإمام مع العلويّين...89
مع أبي سلمة...90
ندم أبي مسلم...93
نهاية الدولة الأمويّة...94
هرب الأمويّين...97
إبادتهم...98
موقف الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)...99
السياسة العامّة للأمويين...99
1 - مناهضة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)...100
2 - احتقار الشعوب...100
3 - الاستهانة بالقيم والمبادئ...102
4 - العصبية القبلية...102
5 - السياسة المالية...102
في عهد السفّاح والمنصور
21 - 139
حكومة السفّاح...113
الجزء السابع والعشرون...115
جهازه الإداري...117
السفّاح والعلويّين...119
موقف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من السفّاح...120
انتقاله إلى الحيرة...120
احتفاء العلماء به...121
زياراته لمرقد جدّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...122
حته على زيارة جدّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...124
زياراته لمرقد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...125
فضل زيارة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...125
دعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) الزوّار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...127
وفاة السفّاح...130
حكومة المنصور...132
عناصره النفسية...133
البخل...133
مع حادي إبله...137
مع ابن السمان...137
مع الوضين بن عطاء...138
مع الشعراء...139
تدهور الاقتصاد...140
أسباب بخله...141
استبداده...142
الغدر والفتك...143
أبو مسلم...143
عبداللّه بن عليّ...144
محمّد بن أبي العبّاس...146
ترويعه للمدنيين...146
التنكيل بالعلويّين...148
التجسّس على العلويّين...150
القبض على العلويّين...152
حملهم إلى العراق...153
فجيعة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)...154
رسالة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عبد اللّه...155
فى الربذة...161
في الهاشميّة...162
مصادرة أموال العلويّين...165
ثورة الزكي محمّد...165
إعلان الثورة...166
ثورة الزكي إبراهيم...170
وضع العلويّين في الاسطوانات...175
خزانة رؤوس العلويّين...176
استرحام العلويّين...177
النيل من الإمام على (عَلَيهِ السَّلَامُ)...178
موقف الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المنصور...179
موقف المنصور من الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...184
الاجراءات القاسية...185
1 - حرق دار الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...185
2 - حجبه عن الناس...185
3 - اعتقال الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...185
4 - عزمه على قتل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)....187
امتناعه من إجابة المنصور...190
نجاة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) من شرّه...192
المنصور مع الإمام في الربذة...195
استدعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الكوفة...197
استدعاؤه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بغداد...201
الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذمة الخلود...207
الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينعى نفسه...207
اغتياله (عَلَيهِ السَّلَامُ)...208
وصاياه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...209
إلى جنة المأوى...210
تجهيزه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...211
تأبين الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...212
1 - أبو هريرة...212
2 - مالك بن أعين...212
3 - العوني...213
4 - شاعر مجهول...213
5 - المنصور الدوانيقي...213
إسراج الضياء في بيت الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...215
سنة شهادته (عَلَيهِ السَّلَامُ)...25
عمره الشريف...215
الفرقُ الدينية
217 - 323
الشيعة...221
معنى الشيعة.....221
نشأة التشيّع...222
أضواء على التشيّع...225
ضرورة الإمامة...225
شروط الإمامة...226
عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) والخلافة...227
نظرة الشيعة للأئمة...230
حبّ الشيعة للأئمّة...232
مظاهر الولاء للأئمة (عَلَيهِم السَّلَامُ)...235
الفكر السياسي الشيعي...237
1 - الرخاء الاقتصادي...237
2 - بسط العدل..238
3 - إلغاء التمايز العنصري...238
4 - الثورة على الظلم...239
الاضطهاد القاسي...240
عدم قبول شهادتهم...241
رفض شهادة محمّد بن مسلم...241
رد شهادة أبو كريبة...243
الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) والشيعة...244
مودته للشيعة... 245
1 - مع بشير الكناسي...245
2 - مع أبي كهمش...245
4 - مع جماعة من شيعته...246
إشادته بأعلام شيعته...246
وصيّته لشيعته بالورع...247
حثّه على طلب العلم...248
حثّه على التطور الاقتصادي...249
التبشير بمبادئ الشيعة...251
محافظته على الشيعة...251
1 - إلزامهم بالتقيّة...252
2- إلقاء الخلاف بين أصحابه...254
فرق الشيعة...255
الكيسانية...255
الزيدية...257
1 - الجارودية...257
2 - الجريرية...258
3 - البترية...258
الإسماعيلية...259
المرجئة...260
الشيعة والمرجئة...261
المعتزلة...263
تأسيس الاعتزال...263
الاعتزال والسياسة...264
أصولهم الاعتقادية...265
الشيعة والمعتزلة....269
المسائل المتفق عليها بين الشيعة والمعتزلة...270
المسائل الخلافية...271
فرق المعتزلة...272
الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع المعتزلة....273
الغلو..273
تكفير الشيعة للغلاة...273
الغلوّ في الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)...275
1 - أبو الخطاب...276
براءة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) منه...276
فرق الخطابية...278
2 - بشار الشعيري...279
3 - المغيرة بن سعيد...280
الخوارج...283
دعاء الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) عليهم...284
إبادتهم...285
آراؤهم ومبادئهم...286
فرق الخوارج الأحزاب السياسيّة...289
1 - الحزب الأموي...289
2 - الحزب الزبيري...294
3 - حزب الخوارج...295
4 - الحزب العلوي...297
الحياة العلمية...305
الحياة اللاقتصاديّة...307
ترف الملوك ولهوهم...313
المغالاة في المهور...314
ترف النساء...315
الغناء والمجون...316
انتشار الزندقة...320
مصادر الكتاب...323
محتويات الكتاب...359