ghaemiyeh.com
موسوعة سیرة اهل البیت (علیهم السّلام)
الجزء الحادي والعشرون
الأمام جعفر بن محمد الصادق (علیه السّلام)
تأليف باقر شریف القرشي
تحقيق مهدي باقر القرشي
موسسة الأمام الحسن (علیه السّلام)
لإحیاء ترراث أهل البیت (علیهم السّلام)
الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : .... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
موسوعة سيرة اهل البیت (علیهم السّلام)
الأمام جعفر بن محمد الصادق (علیه السّلام)
موسوعة سیرة اهل البیت (علیهم السّلام)
الجزء الحادي والعشرون
الأمام جعفر بن محمد الصادق (علیه السّلام)
جامعة الامام (علیه السّلام)
تأليف باقر شریف القرشي
تحقيق مهدي باقر القرشي
موسوعة سیرة اهل البیت (علیهم السّلام)
تأليف باقر شریف القرشي
تحقيق مهدي باقر القرشي
الناشر : ... دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (علیه السّلام)
المطبعة : ... ستار
الطبعة الثانية : ... 1433هـ / 2012م
عدد النسخ : ... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 8275 - 964 - 978
ردمك الجزء (21) : 6 - 63- 275 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)
مكتبة الإمام الحسن (علیه السّلام) - هاتف 009647805694970
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
من الخدمات الجليلة التي أسداها الإمام الصادق (علیه السّلام) إلى العالم الإسلامي هو تجديده وبعثه لجامعة أهل البيت على نطاق واسع لم يعهد له نظير في تلك العصور ، فقد فتحت هذه المؤسسة العلميّة آفاق الفكر والوعي ، ونشرت ألواناً من العلوم والمعارف لم يعرفها المسلمون ولا غيرهم من قبل .
لقد ساهم الإمام الصادق (علیه السّلام) مساهمة إيجابية وفعّالة في التقدم التكنولوجي ، والتطوّر العلمي في جميع أنحاء العالم ، وذلك بما قدّمته جامعته من نظريات خلّاقة ، وأسس رائعة لعلم الفيزياء والكيمياء والطب وغيرها من العلوم التي يحتاج إليها الناس في أمور حياتهم، وقبل أن نخوض في الحديث عن شؤون جامعة الإمام (علیه السّلام) نعرض إلى بعض الجهات التي ترتبط بالموضوع وتتصل به.
وكان الإمام (علیه السّلام) يشجع على التعليم ويدعو له؛ لأنه من أهم الوسائل الناجحة في نموّ الفكر ، وقد نظر إلى فتى على ثيابه أثر المداد وهو يستره خجلاً من الإمام ، فأنكر (علیه السّلام) ذلك وقال له :
«لا تَجْزَعَنَّ مِنَ المِدادِ فَإِنَّهُ *** عطرُ الرّجالِ وَحِليَةُ الْكُتابِ»(1)
1) العقد الفريد : 4 : 250 .
و نظر (علیه السّلام) إلى فتى على ثيابه أثر المداد وهو يستره لئلا يراه الإمام ، فقال (علیه السّلام) له : «يا هذا ، إِنَّ المِدادَ عَلَى الشَّيابِ مِنَ المُروءَةِ»(1).
وكان الإمام (علیه السّلام) يحثّ على كتابة العلم ؛ لأنّها مفتاح للتأليف ، وسبب لتطوّر الفكر ، وتقدّم للطالب في ميادين العلم ، وقد قال (علیه السّلام) لأصحابه : «اكتبُوا فَإِنَّكُمْ لا تَحفَظُونَ حَتَّى تَكْتُبوا»(2).
وأوصى (علیه السّلام) تلميذه الفقيه عبيد بن زرارة بكتابة العلم ، فقال له : «إِنَّ رَسولَ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قالَ : قَيّدوا الْعِلْمَ ، وفسّر (علیه السّلام) تقييد العلم بكتابته»(3).
وأوصى الإمام (علیه السّلام) أصحابه بالمحافظة على الكتب من التلف والضياع ، قال (علیه السّلام) : «احْتَفِظوا بِكُتُبِكُمْ ، فَإِنَّكُمْ سَوفَ تَحْتاجونَ إِلَيْها»(4).
لقد مرّت أزمة حادة وعسيرة على الكتب الشيعيّة أيّام الحكم العباسي الرهيب الذي استهدف تدمير التراث الشيعي ، وإتلاف جميع ما أثر عن أئمة الهدى (علیهم السّلام) الامل من الثروات الفكرية والعلميّة ، فلذا أوصى الإمام بحفظها .
وكان الإمام (علیه السّلام) يصحح ما يكتبه العلماء والفقهاء من تلاميذه من الكتب العلميّة ،
فقد روى الحلبي أن لعبيد الله كتاباً عرضه على الإمام الصادق (علیه السّلام) وصححه ، وقرّظه عند قراءته «لَيسَ لِهؤُلاءِ في الْفِقهِ مِثْلَه» ، وقال الشيخ الطوسي : «إنّ هذا الكتاب هو أول كتاب صنفته الشيعة»(1).
وفيما ذكره شيخنا المعظم نظر ، فإنّ الشيعة قد صنفت جمهرة من الكتب قبل عبيد الله ، وقد ذكرها ابن النديم في الفهرست ، كما ذكرها هو في فهرسته .
وعهد الإمام (علیه السّلام) لبعض تلاميذه بدراسة بعض الكتب ، خصوصاً ما يتعلّق منها بالفقه ، فقد روى العالم الفقيه زرارة بن أعين أنّ الإمام (علیه السّلام) أمره بدراسة (صحيفة الفرائض)(2)، وهو من الكتب الفقهيّة التي عنت ببيان سهام الفرائض من المواريث ، ويظهر أنّ هذا الكتاب قد ألّفه إمّا أحد الأئمة (علیهم السّلام) أو بعض تلاميذهم ، وكان على منهج الأئمة الطاهرين (علیهم السّلام) .
وبعد هذا التمهيد نعرض إلى شؤون جامعة الإمام الصادق (علیه السّلام)، وفيما يلي ذلك :
أمّا المؤسس الأوّل لهذه الجامعة العلمية الكبرى فهو الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، الرائد الأوّل للعلم والتطوّر في الإسلام ، والباعث الحقيقي لكل حركة فكرية بناءة في دنيا الإسلام ، وقد جهد سلام الله عليه على نشر العلوم ، وبلورة أفكار المسلمين بالوعي وتثقيفهم بما يرفع مستواهم الاجتماعي.
وقد اتخذ هذا الإمام الملهم العظيم جامع الكوفة معهداً (مدرسة له) ، فكان يلقي فيه خطبه الذهبيّة التي هي من ثروات الفكر الإسلامي ، وقد حفلت بعلم الاقتصاد والسياسة والإدارة والفلسفة والحكمة، وقواعد التربية الواعية الهادفة إلى إقامة
حسن الأخلاق ، وتهذيب السلوك .
وقد خص هذا الإمام العظيم (علیه السّلام) بعض أصحابه ، كميثم التمار ورشيد الهجري بأسرار الكون ، وملاحم الأحداث ، كما حظي الكثيرون من تلاميذه بأنواع من العلوم ، كعلم الكلام وعلم الفقه وتفسير القرآن الكريم ، وكان من تلاميذه:
الحبر الجليل ، والعالم المتضلّع ، حبر الأمة ، عبد الله بن عباس ، المرجع الكبير لعلوم القرآن الكريم.
ومنهم أبو الأسود الدؤلي ، الأستاذ الأول في علم النحو.
ومنهم العالم الكبير أبو رافع الذي هو أوّل من صنف علم المغازي والسير في الإسلام(1)، وهو صاحب كتاب السنن والأحكام والقضاء(2)، وكانت الصحابة تكبر هذا الكتاب وتعظمه(3)، إلى كثير من أمثال هؤلاء العلماء الذين أضاؤوا الحياة الفكرية في الإسلام ، وقد تخرّجوا من مدرسة وصيّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) و باب مدينة علمه.
وبعدما فجع العالم الإسلامي بشهادة سيّد العترة الطاهرة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام)، قام ولده الإمام الحسن (علیه السّلام) سيّد شباب أهل الجنّة ، وريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بدور إيجابي في نشر العلوم ، وإشاعة الثقافة الإسلاميّة ، فنمّى تلك المؤسسة العلمية ، وقام برعايتها ، وكان مركزها في يثرب ، وقد اتخذ الإمام (علیه السّلام) الجامع النبوي معهداً لإلقاء محاضراته فيه ، وقد احتف به جمهرة من العلماء ورواة الحديث ينتهلون من نمیر علومه ، وكان من بينهم :
«الحسن المثنّى ، المسيب بن نجبة ، سويد بن غفلة ، العلاء بن عبد الرحمن،
عامر الشعبي ، هبيرة بن يريم، الأصبغ بن نباتة ، جابر أبو خالد ، أبو الحوراء ربيعة بن شيبان ، عمير بن مأموم ، عمير بن سعد النخعي ، يوسف بن مازن ، أبو مريم قيس الثقفي ، طُحْرُب العجلي ، إسحاق بن يسار (والد محمد بن إسحاق) ، عبدالرحمن ابن أبي عوف ، سفيان بن الليل ، عمرو بن قيس الكوفي»(1).
وقد ازدهرت يثرب بهذه الكوكبة من العلماء والفقهاء ، فكانت من أخصب البلاد الإسلامية في ذلك العصر علماً وأدباً وثقافة .
وبعدما استشهد الإمام (علیه السّلام) على يد معاوية بن أبي سفيان الممثل الأوّل للقوى المعادية للإسلام ، قام سيّد الشهداء وأبو الأحرار (علیه السّلام) بدوره في رعاية تلك المؤسسة العلميّة ، وتغذية طلابها بأنواع العلوم ، وقد تخرّج من مدرسته جمع كبير من الفقهاء والعلماء ، ذكرنا أسماءهم في كتابنا (حياة الإمام الحسين (علیه السّلام)) .
وبعد هلاك معاوية وعهده بالخلافة الإسلامية إلى الأثيم المجرم ولده يزيد الذي أعلن الكفر والإلحاد ، نهض السبط الإمام (علیه السّلام) إلى مقاومة حكومته ، وإعلان الثورة عليه ، إنقاذاً للإسلام من أعدائه ، وتحريراً للمسلمين من العبودية والذل ، وإعادة لحقوق الإنسان وكرامته التي استهان بها الحكم الأموي ، وقد ضحى أبو الأحرار في سبيل هذه المثل الكريمة بأبنائه وأهل بيته وأصحابه ونفسه العظيمة ، وقد سجّل بذلك أروع تضحية في سبيل الحق والمبدأ لم يشهد التاريخ الإنساني أسمى ولا أنبل منها .
وبعد شهادة أبي الأحرار تولى القيادة العامة للمسلمين ولده الإمام الأعظم ، سيّد المتقين وزين العابدين (علیه السّلام)، فقام بدور إيجابي وفعّال في إشاعة المعارف الإسلامية، وبلورة أفكار المسلمين بألوان زاهية من الثقافة الإسلامية ، وقد روى عنه جمهرة كبيرة من العلماء والرواة كان من بينهم :
1) تهذيب الكمال : 4 : 373. حياة الإمام الحسن بن علي (علیهما السّلام): 2 : 280 .
أولاده محمد وزيد وعبد الله ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وطاووس بن كيسان ، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، وعاصم بن عبيد الله ، والقعقاع بن حكيم، وزيد بن أسلم ، والحكم بن عتيبة ، وحبيب بن أبي ثابت ، وأبو الأسود محمّد بن عبد الرحمن بن نوفل ، ومسلم البطين، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وهشام بن عروة ، وعلي بن زيد بن جدعان(1).
وقد ذكرنا في كتابنا حياة الإمام زين العابدين (علیه السّلام) وكوكبة من تلاميذه تربو على المائتين، وقد رووا عنه مختلف العلوم كما رووا عنه (الصحيفة السجادية) التي إنجيل آل محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)، وذلك لما حوته من الثروات الفكرية المتميّزة بوضع قواعد الأخلاق ، وأصول الفضائل ، وعلوم التوحيد ، وقد وقفت سداً أمام الغزو الأموي الذي استهدف لفّ لواء الإسلام، والقضاء على كلمة التوحيد ، وإعادة الجاهلية الرعناء إلى العالم العربي .
كما روى عنه العلماء (رسالة الحقوق) التي هي أروع رسالة فكرية وعلمية ألفت في الإسلام ، فقد وضعت الأسس الخلّاقة لحقوق الدولة على الشعب ، وحقوق الشعب على الدولة، وحقوق المسلمين بعضهم على بعض ، كما أضافت البرامج العامة لأصول التربية ، وتهذيب السلوك ، وقواعد التعليم وآدابه ، وحقوق المعلّم على المتعلمين ، إلى غير ذلك من الحقوق الأصيلة والمبتكرة التي لا غنى للناس عنها في حياتهم الفردية والاجتماعية .
ورووا عنه كوكبة مشرقة من الحكم الصائبة ، والآراء القيمة ، والأمثال السائرة التي هي من مناجم الأدب والحكمة ، والتي لا غنى للناس عنها في حياتهم الاجتماعية والفردية ، وبذلك فقد ساهم هذا الإمام العظيم في بناء الحياة العلمية ، وتطوير الحياة الفكرية والحضارية في الأرض .
1) تهذيب الكمال : 13 : 237 و 238 . تهذيب التهذيب : 7: 305.
وثقل هذا الإمام الملهم الذي هو بقيّة الله في الأرض على الأمويين فاغتالوه بالسم ، وبذلك فقد فقد المسلمون علماً من أعلامهم النابهين الذين رفعوا مشاعل النور في الأرض .
وقام من بعده ولده الإمام محمد الباقر (علیه السّلام) برعاية تلك المؤسسة العلمية ، وتزويد علمائها وطلابها بعلوم الإسلام وغيرها من الطب والهندسة والفلسفة ، وقد شملت محاضراته جميع أسرار الكون من الفضاء وسكان الكواكب(1)، وغير ذلك من العلوم.
وقد التف حوله العلماء ينتهلون من نمير علومه التي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وبإجماع المؤرّخين والرواة أنّ الإمام (علیه السّلام) كان المرجع الوحيد للعالم الإسلامي في عصره ، وفيه يقول مالك الجهني :
إِذا طَلَبَ النَّاسُ عِلمَ القُرآنِ *** كانَتْ قُريضٌ عَلَيْهِ عِيالا
وَإِن فاه فيه ابنُ بِنْتِ النَّبِئ *** نلَتْ يَداهُ فُروعاً طوالا
نُجوم تهلل لِلمُدلجين *** فتهدي بأنواره الرجالا(2)
لقد كان العلماء والرواة في يثرب وسائر البعثات العلمية التي خفّت إلى يثرب لطلب العلم كلّها كانت عيالاً على سليل النبوة ، ومفخرة الإسلام ، الإمام أبي جعفر (علیه السّلام)، فهو الذي كان يزوّدها بعلومه ومعارفه .
ومن الجدير بالذكر أن كبار العلماء وعظماء الفقهاء كانوا يتصاغرون أمام هذا العملاق العظيم اعترافاً منهم بسمو منزلته العلمية التي لا يدانيه فيها أحد(3).
وقد روى عنه ثقاة الرواة طاقات كبيرة من فقه أهل البيت (علیهم السّلام)، الذي هو أروع ما قنّن في عالم الفقه والقانون .
فقد روى عنه العالم الكبير ، والفقيه المتضلّع ، محمد بن مسلم ثلاثين ألف حدیث(1).
كما روى عنه الفقيه الجليل زرارة بن أعين طائفة كبيرة من الأخبار ، وقد قال الإمام الصادق (علیه السّلام) فيه : «ولَوْلا زُرارَةً لَظَنَنْتُ أَنَّ أَحاديث أبي سَتَذْهَب»(2).
كما روى عنه أبو بصير كوكبة من الأخبار التي تتعلق بالأحكام الشرعية . وقال الإمام الصادق (علیه السّلام) في حقه وحق إخوانه : «وَلَولا هؤلاء لانْقَطَعَتْ آثَارُ النُّبوَّة وَانْدَرَسَتْ»(3).
كما روى عنه عبدالملك بن أعين ، وقد دعاله الإمام الصادق لا فقال : «اللهُمَّ إِنَّ أبا الضَّريسِ كُنَّا عِنْدَهُ خِيرَتَكَ مِنْ خَلْقِكَ ، فَصَيَّرْهُ في تَقلِ مُحَمَّدٍ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ يَوْمَ القيامة»(4).
وروى عنه عمرو بن دينار، وهو من رجال الصحاح الستة ، والأعرج ، والزهري ، وأبو جهضم موسى بن سالم ، والقاسم بن الفضل ، والأوزاعي ، وابن جريح ، والأعمش ، وعبد الله بن أبي بكر، وعمر بن حزم ، وعبد الله بن عطاء ، ويسام الصيرفي ، وحرب بن سريج ، وحجاج بن أرطاة ، ومحمد بن سوقة ، ومكحول بن راشد ، ومعمر بن بسام(5).
وقد ذكرنا عرضاً مفصلاً لتلاميذه في كتابنا (حياة الإمام الباقر (علیه السّلام)) .
وعلى أي حال، فقد ساهم سليل النبوّة في تكوين الفكر الإسلامي ، وإقامة صروح الفضيلة والعلم في دنيا العرب والإسلام، وتكوّنت ببركته النهضة العلمية التي أمدت العالم الإسلامي بجميع مقومات النهوض والارتقاء.
ومن الجدير بالذكر أنّ الإمام الباقر (علیه السّلام) حينما اغتاله الأمويون بالسم، عهد لولده الإمام الصادق (علیه السّلام) برعاية تلاميذه العلماء ، والقيام بنفقاتهم الاقتصادية وسائر ما يحتاجون إليه حتى يتفرغوا لتدوين علومه وإشاعتها بين المسلمين ، وقد التزم له الإمام الصادق (علیه السّلام) بذلك ، وتعهد بجميع نفقاتهم.
ولما انتقل الإمام محمد الباقر (علیه السّلام) إلى حظيرة القدس ، وتقلد بعده الإمام الصادق (علیه السّلام) زعامة الأمة ومرجعيّتها العامة ، قام (علیه السّلام) بتفجير ينابيع العلم والحكمة في الأرض ، وفتح للناس أبواباً من العلوم لم يعهدوها من قبل ، فملأ الدنيا بعلمه -كما قال الجاحظ(1)- ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان ، وانتشر صيته في جميع البلدان ، حسبما صرّح به ابن حجر(2).
ومن أبرز الفعاليات التي بذلها سليل النبوّة في نشر العلم وإشاعته بين الناس ، تنميته لجامعة أهل البيت ومدّها بعناصر الحياة والبقاء ، ونظراً لدوره الإيجابي والفعّال في اتساعها وانطلاقها من مستوى خاص إلى مستوى عال جداً ، بلغت به القمّة من بين المعاهد والجامعات العلميّة في جميع العصور، ولهذا فقد نسبت إليه ، وأضيفت إليه .
لقد عملت جامعة الإمام الصادق (علیه السّلام) على تنوير الفكر البشري ، وتطوير المجتمع الإنساني ، وإبراز القيم الإسلامية ، وقد أنتجت صفوة العلماء ، وقادة المفكرين والمبدعين والمخترعين ، وقد جهدوا - بإخلاص - على نشر العلم بجميع أنواعه ، وببركتهم نضجت الحياة الفكرية في ذلك العصر ، واستحق أن يمنح وسام العصر الذهبي في الإسلام.
وقد أدلى بعض الباحثين عن مدرسة الإمام الصادق (علیه السّلام) بما يلي : «والحقيقة أنّ مدرسة الإمام جعفر الصادق الفكرية قد أنجبت خيرة المفكرين ، وصفوة الفلاسفة ، وجهابذة العلماء ، وإذا كانت هناك حقيقة يجب أن تقال فهي : إن الحضارة الإسلامية والفكر العربي مدينان لهذه المدرسة الفكرية بالتطوّر والرقي والخلود ، ولعميدها الصادق بالمجد العلمي ، والتراث الثمين».
لقد عملت مدرسة الإمام (علیه السّلام) على انطلاق الفكر ، ونشر الوعي الثقافي والعلمي، وقد جندت جمهرة كبيرة من العلماء للقيام بتثقيف المسلمين، وتطوير حياتهم الاجتماعية .
يقول عارف ثامر : «إنّه أصبح من الواجب العلمي التحدّث عن الإمام الصادق (علیه السّلام) كعميد لأوّل مدرسة فكرية ، ورئيس لأوّل مركز لتعليم الفلسفة الباطنية ، وموجد علم الكيمياء الذي تكلّم عنه جابر بن حيان الصوفي الطرسوسي ، ومخرج العقل الإسلامي من نطاقه المحدود إلى فضاء رحيب تسيطر في أجوائه حرية الفكر العلمي السليم ، القائم على الحقيقة والمنطق والواقع ، وناقل أكبر عدد من المخطوطات إلى اللاتينية ، فقد جاء أنّه أوّل شخصيّة تاريخيّة ظاهرة اشتغلت في الكيمياء لظهور عدد لا يستهان به من المخطوطات اللاتينية في الكيمياء»(1).
1) جعفر الصادق ملهم الكيمياء : 32 .
أما العوامل التي أدّت إلى نمو مدرسة الإمام الصادق (علیه السّلام) وانطلاقها واتساعها ففيما أحسب - هي ما يلي :
1 - إن العالم الإسلامي في عهد الإمام (علیه السّلام) كان يرزح بالفتن والاضطراب ، ويموج بالفتن والأحزاب السياسية التي أدت إلى تفكك المجتمع ، وتفلّل وحدته ، وقد اشتعلت في جميع حواضره وأقاليمه نار الحرب ، الأمر الذي أدّى إلى سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العبّاسيّة ، وقد انتهز الإمام الصادق (علیه السّلام) هذه الفرصة ، فانبرى يعمل مجداً في نشر الثقافة الإسلامية ، وإبراز قيم أئمة أهل البيت (علیهم السّلام)، وقد أتيحت لشباب المسلمين الفرصة للتعرّف على واقع الدين الإسلامي الذي جعل طلب العلم فريضة على عموم المسلمين ، فهبوا لطلبه ، وقد وجدوا في حفيد الرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بغيتهم ، فهو القائد الموجّه لبناء كيانهم الحضاري والعلمي.
2 - إن الإمام الصادق (علیه السّلام) اذا كان بمعزل عن التدخل في أي شأن من شؤون الدولة الأموية والعبّاسيّة لعلمه بفشل المعارضة ، ولذا لم يباشر أي عمل إيجابي يصطدم بأهداف إحدى الدولتين ، أو يمس الوتر الحسّاس من أغراضهم وأهدافهم السياسية ، فقد كان بمعزل عن الجميع ، وقد أحبوه وطلبوا رضاءه ، وقد وجد المجال أمامه فسيحاً لفتح أبواب جامعته وتغذية الناشئة العلمية بسائر ألوان العلوم والمعارف ، وحيث لم تفرض السلطة الرقابة عليه ، فقد سارع كبار العلماء والمحدثين والرواة إلى الالتحاق بمدرسته، والانتهال من نمير علومه ، وقد وجد الإمام (علیه السّلام) بهم خير عون لنشر رسالته الإصلاحية التي بلورت عقلية المجتمع الإسلامي وأنقذته من رواسب الجهل والجمود .
ومن عوامل النمو لهذه الجامعة الكبرى واتساعها بهذا الشكل الذي لم يعهد له نظير ، أن الإمام الصادق (علیه السّلام) هو العميد لهذه المؤسسة ، وقد أجمع المسلمون
على اختلاف طوائفهم ونزعاتهم أنّه من ألمع أئمة المسلمين في علمه وفقهه ومواهبه وتقواه وورعه وتحرّجه في الدين، ومن الطبيعي أن لشخصية العميد الأثر التام في نجاح الجامعة وازدهارها ، وبذلك فقد توفّرت جميع العوامل الحسّاسة لنجاح مدرسة الإمام (علیه السّلام) ونموها .
و اختار الإمام (علیه السّلام) يثرب دار الهجرة ، ومهبط الوحي ، ومركز الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، فجعل فيها معهده الكبير، ومدرسته العظمى ، وبذلك كانت يثرب حاضرة من حواضر العلم في الإسلام ، ومعهداً عاماً من معاهد المعارف والعلوم.
أما محلّ التدريس فكان - بالطبع - الجامع النبوي ، فبه كان الإمام يلقي محاضراته ودروسه التي شملت جميع أنواع العلوم ، وفي بعض الأحيان كان يلقي دروسه في بهو بيته ، وقد ازدهرت يثرب بطلابه ، واستعادت مكانتها الاجتماعية في قيادة المجتمع الإسلامي وتوجيهه .
ولما فتح الإمام (علیه السّلام) أبواب جامعته أسرع إلى الانتماء إليها جميع روّاد الفضيلة والعلم من شتّى أقطار العالم الإسلامي ، وذلك للاستهال من علوم الإمام (علیه السّلام)، وتثقيفهم بالثقافة الإسلامية ، ومضافاً لذلك فإنّ الانتماء لمدرسة أهل البيت (علیهم السّلام) من موجبات الاعتزاز والفخر عند المسلمين .
وتحدّث الأستاذ السيد عبدالعزيز الأهل عن البعثات العلمية التي بادرت إلى الالتحاق بجامعة الإمام (علیه السّلام)، قال : «وأرسلت الكوفة والبصرة وواسط والحجاز إلى جعفر بن محمد أفلاذ أكبادها من كل قبيلة : من بني أسد ، ومن غني ، ومخارق ، وطي ، وسليم ، وغطفان ، وغفار ، والأزد ، وخزاعة ، وخثعم ، ومخزوم ،
ويني ضبة ، ومن قريش ، ولا سيما بني الحارث بن عبدالمطلب ، وبني الحسن بن عليّ .. ورحل جمهور من الأحرار وأبناء الموالي من أعيان هذه من العرب والفرس ، ولا سيما مدينة قم»(1).
لقد اشتركت الأقاليم الإسلامية في إرسال أبنائها ، وأفلاذ أكبادها إلى مدرسة الإمام (علیه السّلام) للانتهال من نمير علومه ، وأخذ أحكام الدين من سليل النبوة ، وبذلك فقد حظي المجتمع الإسلامي بنصر رائع ، وذلك بانتشار الحركة العلمية واتساع نطاقها .
ولما فتحت مدرسة الإمام (علیه السّلام)أبوابها لجميع أبناء المسلمين بادر جمهور غفير من روّاد العلم للالتحاق بها، فكان عددهم فيما يذكر الرواة أربعة آلاف طالب(2)، وهو عدد ضخم لم يعهد له نظير في أي معهد علمي في ذلك العصر ، وكان فيهم من كبار العلماء والمحدثين الذين أصبح بعضهم أئمة ورؤساء لبعض المذاهب الإسلاميّة ، وقد نقلوا من علوم الإمام ومعارفه ما سارت به الركبان ، وانتشر ذكره في جميع البلدان(3).
وقد صنّف الحافظ أبو العباس بن عقدة الهمداني الكوفي كتاباً في أسماء الرجال الذين رووا الحديث عن الإمام الصادق (علیه السّلام)، فذكر أربعة آلاف راو(4).
وقال المحقق في المعتبر : «وفي زمانه - أي : زمان الإمام الصادق (علیه السّلام)- انتشر
عنه من العلوم الجمة ما بهر به العقول ، وروى عنه جماعة ما يقارب أربعة آلاف رجل(1).
وقال الدكتور محمود الخالدي : «وبلغ عدد الرواة الثقاة من أصحابه - أي : أصحاب الإمام الصادق (علیه السّلام)- أربعة آلاف رجل ، ولسنا نستغرب هذا ، بل قد كان ممكناً أن نستغرب عكسه لو وقع ونقل ؛ لأنّ النزاع حول الإمامة والعصمة كان قد بلغ في عصر الصادق أشدّه ، فلم يكن بُدّ للشيعة من تتبع الروايات التي تثبت صحة عقيدتهم في تلك الشؤون ، وأهل البيت فوق ذلك أعلم الناس بكتاب الله وسنة نبيه ، فلا عجب إذا اتجهوا إلى التعليم والمناظرة والتدريس ، ولا سيما بعد أن حاول الخلفاء الأمويون إبعادهم عن الحكم والسياسة»(2).
وهذا الرأي وثيق للغاية دلّ على تتبع الدكتور وإنصافه .
وقال السيّد محمّد صادق نشأت : «كان بيت جعفر الصادق كالجامعة يزدان على الدوام بالعلماء والكبار في الحديث ، والتفسير ، والحكمة ، والكلام ، فكان يحضر مجلس درسه في أغلب الأوقات ألفان ، وبعض الأحيان أربعة آلاف من العلماء المشهورين ، وقد ألف تلاميذه من جميع الأحاديث والدروس التي كانوا يتلقونها في مجلسه مجموعة من الكتب تُعد بمثابة دائرة علمية للمذهب الشيعي أو الجعفري»(3).
ويفضل هذه الكوكبة من طلاب الإمام (علیه السّلام) فقد اتسعت الحركة العلمية في ذلك العصر، وامتدت موجاتها إلى العصور الصاعدة وهي تبثّ النور والهدى والصلاح لجميع المسلمين.
وأغلب من قفل إلى وطنه ممّن تخرّجوا من جامعة الإمام (علیه السّلام) قاموا بدور إيجابي ونشط في بسط الثقافة الإسلامية ، وتأسيس المعاهد العلمية ، والمدارس الدينية ، وقد عملت على تهذيب الناس ورفع مستواهم الفكري والأخلاقي .
وأعظم الفروع التي أسست هو ما أقيم في جامع الكوفة ، فقد ضم كبار المتخرجين من جامعة الإمام ، وكان عددهم فيما يقول الحسن بن علي الوشاء تسعمائة عالم ، يقول : «أدركت في هذا المسجد - يعني : مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ ، كلّ يقول : حدثني جعفر بن محمد»(1).
وقد اتسعت الحركة العلمية أي اتساع في الكوفة التي كانت عاصمة العراق في ذلك العصر، فقد كانت الأكثريّة الساحقة من تلاميذ الإمام (علیه السّلام) من الكوفة ، كما شملت النهضة العلميّة غير الكوفة من مناطق العالم الإسلامي .
يقول السيد مير علي الهندي : «ولا مشاحة أن انتشار العلم في ذلك الحين قد ساعد على فك الفكر من عقاله ، فأصبحت المناقشات الفلسفيّة عامة في كلّ حاضرة من حواضر العالم الإسلامي ، ولا يفوتنا أن نشير إلى أنّ الذي تزعم تلك الحركة ، هو حفيد (علي بن أبي طالب) المسمّى بالإمام جعفر ، والملقب بالصادق ، وهو رجل رحب أفق التفكير ، بعيد أغوار العقل ، ملمّ كلّ الإلمام بعلوم عصره ، ويعتبر في الواقع أوّل من أسس المدارس الفلسفية المشهورة في الإسلام ، ولم يكن يحضر حلقته العلميّة أولئك الذين أصبحوا مؤسسي المذاهب فحسب ، بل كان يحضرها طلاب الفلسفة ، والمتفلسفون من الأنحاء القاصية»(2).
وقد حظيت بعض الأسر العلميه في الكوفة بالتلمذة عنده ، وعرفت بعد ذلك بالفقه والحديث ، كبيت آل حيان التغلبي ، وآل أعين ، ويني عطية ، وبيت بني دراج ، وغيرهم من الأسر العلميّة(1).
وقد احتفت به هذه الأسر الكريمة أثناء إقامته بالكوفة ، التي كانت تزيد على سنتين ، وكان منزله في بني عبد القيس ، وقد ازدحمت عليه الشيعة تستفتيه وتسأله عن أحكام دينها .
ويحدّثنا محمد بن معروف الهلالي عن كثرة زحام الناس وإقبالهم على الإمام . يقول : «مضيت إلى الحيرة إلى جعفر بن محمد ، فما كان لي فيه حيلة من كثرة النّاس ، فلمّا كان اليوم الرابع رآني فأدناني ، وتفرّق النّاس عنه ، ومضى يريد قبر جده الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) فتبعته ، وكنت أسمع كلامه وأنا معه أمشي» .
وعلى أي حال ، فإنّ مدرسة الإمام ، وسائر المنظمات العلمية التي تفرعت منها قد أقامت صروح العلم في العالم الإسلامي ، وعملت على بلورة الفكر، وإشاعة الوعي العلمي بين المسلمين.
وتخصص الكثيرون من طلاب الإمام في جملة من العلوم ، فقد تخصص في الفلسفة وعلم الكلام ومباحث الإمامة : هشام بن الحكم ، وهشام بن سالم ، ومؤمن الطاق ، ومحمّد بن عبد الله الطيّار ، وقيس بن الماصر ، وغيرهم من جهابذة العلماء .
وتخصص في علم الفقه وأصوله وتفسير القرآن الكريم ، وسائر العلوم الدينية : زرارة بن أعين ، ومحمد بن مسلم ، وجميل بن دراج ، ويريد بن معاوية ، وإسحاق بن عمار، وعبيد الله الحلبي ، وأبو بصير ، وأبان بن تغلب ، والفضيل بن يسار ،
1) تاريخ الكوفة : 408 .
وأبو حنيفة ، ومالك بن أنس ، ومحمد بن الحسن الشيباني ، وسفيان بن عيينة ، ويحيى بن سعيد ، وسفيان الثوري ، وأمثالهم من الفقهاء والرواة .
وتخصص في علم الكيمياء : مفخرة الشرق العربي جابر بن حيان الكوفي ، وهو أشهر كيماوي في العالم العربي كما قال فانديك-.
وتخصص في حكمة الوجود وأسرار الخليقة : المفضّل بن عمر ، الذي أملى عليه الإمام الصادق (علیه السّلام) كتابه الشهير المعروف بـ(توحيد المفضّل) ، وبالإضافة إلى ما احتوى عليه هذا الكتاب من الأدلة الحاسمة على وجود الخالق العظيم ، فقد عرض إلى وظائف الأعضاء ، ودوران الدورة الدموية، والجراثيم المسببة للأمراض ، وتشريح الإنسان بشكل لم يعهد له نظير .
إن جامعة الإمام الصادق (علیه السّلام) بكل اعتزاز وفخر قد سبقت المعاهد العلمية في تأسيس الاختصاص بالدراسات العلمية العالمية .
وحثّ الإمام الصادق (علیه السّلام) تلاميذه على تدوين دروسه ومحاضراته التي تناولت جميع العلوم والفنون ، وذلك خوفاً عليها من الضياع والاضطراب ، وقد أكد دعوته الملحة على هذه الجهة في غير موطن ، فقد روى أبو بصير قال : «دخلت على أبي عبد الله ما ، فقال : ما يَمْنَعُكُمْ مِنَ الْكِتابَةِ ؟ إِنَّكُمْ لَنْ تَحْفَظُوا حَتَّى تَكْتُبُوا ، إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدي رَهْطُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ سَأَلُونِي عَنْ أَشْيَاءَ فَكَتَبوها»(1).
وطلب الإمام (علیه السّلام) من تلميذه جابر بن حيان أن يوجد له قرطاساً لا تفنيه النار؛ لأن عنده مؤلّفاً عزيزاً عليه ، فاخترع له جابر قرطاساً لا تبليه النار ، فكتب (علیه السّلام) كتابه
1) مستدرك وسائل الشيعة : 17 : 29 ، الباب ،8 ، الحدیث 21383.
بخط يده ، وألقاه في التنور ، وكان موقداً ، فلم يتأثر بشيء(1).
واستجاب طلابه إلى هذه الدعوة النيرة ، التي تحمل في أعماقها إنارة الفكر الإنساني ، وإشاعة العلم ، وبسطه بين النّاس ، وقد أقبل أصحابه على التأليف وتدوين علومه ، فألف أبان بن تغلب ما يلي :
1 - كتاب معاني القرآن .
2 - كتاب القراءات .
3 - كتاب الفضائل .
4 - الأصول في الرواية .
5 - غريب القرآن(2).
وألف محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريقة الأحول البجلي الشهير بمؤمن الطاق ما يلي :
1 - كتاب الإمامة .
2 - كتاب المعرفة .
3 - كتاب إثبات الوصيّة .
4 - كتاب الردّ على المعتزلة في إمامة المفضول .
5 - كتاب في أمر طلحة والزبير وعائشة .
6 - كتاب افعل ولا تفعل .
7 - المناظرة مع أبي حنيفة(3).
وألف هشام بن الحكم أبو محمد البغدادي في مختلف العلوم ، والفنون ، وذكر له ابن النديم سبعة عشر مؤلّفاً(1).
وألف المفضّل بن عمر كتاب (التوحيد) ، وهو من أجل الكتب الإسلامية ، فقد عرض فيه إلى خلق الإنسان وتكوينه ، وما فى أعضائه من الأسرار العجيبة ، كما عرض فيه إلى كثير من البحوث الطبية(2).
وألف جابر بن حيان كتاباً في علم الكيمياء يقع في ألف ورقة تضمنت : رسائل الإمام التي بلغت خمسمائة رسالة(3). وكانت هذه الرسائل مصدراً خصباً لعلماء الكيمياء ، واستفادوا منها فائدة كبرى ، وقد أثنى على جابر جميع رجال العلم والباحثين من المسلمين والمستشرقين .
وكان من بينهم الأستاذ عبد الرحمن بدوي ، قال : «لن يستطيع الباحث في تاريخ الفكر الإسلامي أن يجد شخصيّة أمعنت في الغموض واكتنفها السر ، حتى كادت أن تكون أسطورة ، وتسامت في التفكير حتى ليقف المرء اليوم ذاهلاً أمام ما تقدمه لنا من نظريات علمية فلسفية كلّها عمق ، وكلّها حياة ، وأمام هذه الروح العامة العامة التي تسودها روح التنوير ، والنزعة الإنسانية التي تصبو إلى اكتناه كل الأسرار ، وتشعر بما يشيع فيها من قوى إلهيّة مبدعة فترتفع بالإنسان إلى مقام الالوهية ، ويحدوها الأمل في التقدّم المستمرّ الوثاب للإنسانية في تطوّرها ، وشخصيّة هذا خطها الروحي ستظل حيّة باستمرار؛ لأنها من النماذج الحيّة أبداً للإنسان السالك سبيله قدماً نحو
1) فهرست ابن النديم : 223 - 224 .
2) علّق على هذا الكتاب وشرحه شرحاً ممتعاً صديقنا المغفور له الشيخ محمد الخليلي ، و قد كشف ما فيه من العلوم ، خصوصاً البحوث الطبية التي تتفق مع العلم الحديث ، وقد سمّاه (أمالي الإمام الصادق (علیه السّلام)) يقع في جزءين.
3) مرآة الجنان : 1 : 304. الأعلام : 1 : 186 . وقد ذكرنا مؤلّفاته التي تبلغ زهاء مائة مؤلّف في ترجمته في أصحاب تلامذة الإمام (علیه السّلام)، كما ذكرنا أسماء المكتبات التي حظيت بمؤلفاته .
تحقيق (الصورة) العليا على الأرض ، ولن يستطيع البحث العلمي والفيزيولوجي والحضاري أن يفرغ منها فراغاً تاماً مهما أنفق من جهد في هذا السبيل ، بل ستمضي في البعد كلّما توغل في الطريق إليها ، وسيزداد مقدارها كلّما تلمس المرء نواحيها ، ونحن اليوم أبعد ما نكون عن إدراكها إجمالاً ، فضلاً عن الإحاطة بخطوطها الرئيسية ، وتياراتها التوجيهية»(1).
وجابر بن حيان أحد شموع مدرسة الإمام (علیه السّلام)، ومن أعلامها النابهين الذين يعدون - بحق من المؤسسين للحركة العلمية في دنيا الإسلام.
وهناك جمع غفير من نوابغ تلامذته ألفوا في مختلف العلوم ، وقد ترجم فقيد الإسلام الشيخ آغا بزرك الطهراني نصر الله مثواه مائتي رجل من مصنّفي تلامذة الإمام الصادق (علیه السّلام)(2).
وكانت تلك المؤلّفات دائرة معارف واسعة ، قد أصبحت مصدراً مهماً للمذهب الشيعي ، ودليلاً على مدى ثروته العلمية والفكرية .
من الجدير بالذكر أنّ هناك بعض الكتب نُسبت للإمام الصادق (علیه السّلام)، وهي :
لَقَدْ عَجبوا لآلِ الْبَيْتِ لَمّا *** أَتاهُمْ عِلْمُهُمْ فِي جِلْدِ جَفْرِ
فَمِرآةُ الْمُنَجِّم وهيَ صُغرى *** تريهِ كُل عامِرَةٍ وَقَفْر(1)
وسوف نذكر علم الجفر ومدى صحة نسبته إلى الإمام (علیه السّلام) في غضون هذا الكتاب .
وهذا الكتاب مطبوع ، ويعرض إلى كلمات الإمام الصادق (علیه السّلام) ، وقد نقلنا منه مجموعة من كلماته.
وهذا الكتاب مطبوع في بيروت - دار الأندلس ، وقد حققه وقدّم له الدكتور مصطفى غالب ، ولا يصح - بأي حال - نسبته للإمام الصادق (علیه السّلام) مفجر الفكر والوعي في الأرض ، ففي هذا الكتاب من الأوهام ما لا يصح نسبته إلى طالب علم ، فضلاً عن الإمام (علیه السّلام) ، مضافاً إلى ركته وانعدام الربط والتنسيق في فصوله.
ويحوي على ألف حديث مسند للامام الصادق (علیه السّلام)(3). وقد أعرض معظم فقهاء الإمامية عن الاستدلال به، لكن بعضهم إذا أعوزته النصوص يجعله مؤيداً له في فتواه .
وينسب مصحف مخطوط بخط كوفي للإمام الصادق (علیه السّلام)(1). ولسنا نعلم أنّه في أية خزانة من مكتبات العالم.
واعتز تلاميذ الإمام (علیه السّلام) بالحضور والتشرّف في مجلس درسه ، وفخروا بذلك كثيراً، وجعلوا الانتماء لمدرسته من المآثر التي تؤهلهم إلى المراكز العليا في المجتمع الإسلامي ، وممن فخر من تلاميذه بذلك أبو حنيفة ، فقد قال : «لولا السنتان لهلك النعمان»(2).
لقد اعتز أبو حنيفة بالسنتين اللتين حضر فيهما درس الإمام ، وجعلهما من أفضل أدوار حياته العلميّة، ومن منجياته من الهلاك .
وتحدّث مالك بن أنس عن أستاذه العظيم ، فقال : «ما رأت عين ، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق ، علماً وعبادة وورعاً»(3).
وتحدّث عنه بإعجاب مرّة أخرى فقال : «ولقد كنت أرى جعفر بن محمد، وكان كثير التبسّم ، فإذا ذكر عنده النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) اصفر لونه ، وما رأيته يحدّث عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إلا على طهارة ، ولقد اختلفت إليه زماناً ، فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال : إما مصلياً ، وإما صائماً ، وإما يقرأ القرآن ، ولا يتكلّم بما لا يعنيه ، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله»(4).
إنّ من الحقِّ ، ومن الاعتراف بالفضل أن يعتز أبو حنيفة ومالك بن أنس بالانتماء
لمدرسة الإمام (علیه السّلام)، وبالحضور في مجلس أبحاثه ، فقد كان هذا الإمام بقيّة النبوّة ، والمنبع الأصيل للعلوم والمعارف الإسلامية التي ورثها من آبائه العظام (علیهم السّلام)، ومن جده الرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي فجر ينابيع العلم والحكمة في الأرض .
أمّا جامعة الإمام الصادق (علیه السّلام) فكان لها طابعها الخاص الذي انفردت به عن بقية المؤسسات والجامعات العلمية ، وهو الاستقلال الذاتي المتميّز بعدم الارتباط بأي جهاز رسمي ، فلم يكتب للسلطة أن تستخدم جامعة الإمام في أي غرض من أغراضها السياسيّة ، ولم يكن لها أي سلطان عليها ، فقد كانت تتمتع بالحرية الواسعة ، سواء في مناهجها التعليميّة أم في مجالاتها الفكرية ، ولم تتلق من السلطة الحاكمة أي دعم اقتصادي، وإنّما كانت منفصلة عنها ، ومبتعدة في سلوكها عن جميع المؤثرات الخارجيّة ، فهي تسير بوحي من الروح الإسلامية المشرقة ، وتسلك في طريق واضح بعيد عن الالتواء والسلوك في المنعطفات ، هدفها خدمة الأمة ، ورائدها الحق ، ولذلك نالت التقديس والإكبار من جميع قطاعات الأمة.
وحاول المنصور جاهداً أن يجلب الإمام الصادق (علیه السّلام) ، ويكسب وده ، وثقة تلاميذه وشيعته ، فكتب إليه :
«لِمَ لا تغشانا كما يغشانا سائر النّاس ؟».
فأجابه الإمام - بوضوح - عن خطته وسلوكه : «لِيْسَ عِنْدَنَا مِنَ الدُّنْيا ما نَخافُكَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ عِنْدَكَ مِنَ الْآخِرَةِ مَا نَرْجُوكَ لَهُ ، فَعَلامَ نَأْتِيكَ ؟» .
إنّه ليس عند الإمام أي شيء من حطام الدنيا حتى يخاف على مصادرته من المنصور ، كما أنّه ليس عند المنصور من متع الآخرة حتّى يرجوه ، فقد أفلس الطاغية من كلّ ما يقربه إلى الله زلفى ، واقترف جميع الآثام، وقد سلك المنصور طريقاً
يجيبه الإمام ، فكتب له : «وإنّك تصحبنا لتنصحنا» .
فأجابه الإمام بصراحة : «مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ فَلَا يَصْحَبُكَ ، وَمَنْ أَرادَ الدُّنْيا فَلَا يَنْصَحُك»(1).
وهو منطق حافل بجميع مقومات الحق ، فإنّ من يريد وجه الله ويسعى لآخرته فلايتصل به وبأمثاله من ذئاب البشرية ، ومن أراد الدنيا ووضع مصالحه فوق رأسه ، فهو لا ينصح المنصور وأمثاله من الحكام والسلاطين إذا اقترفوا جريمة ، وإنّما يضفي عليها لباس الحق والعدل .
وتحدّث الأستاذ المغفور له أسد حيدر عن الطابع النيّر الذي امتازت به مدرسة الإمام (علیه السّلام)بقوله : «كان طابع مدرسة الإمام الصادق الذي طبعت عليه ومنهجها الذي اختصت به من بين المدارس الإسلامية - هو استقلالها الروحي ، وعدم خضوعها لنظام السلطة ، ولم تفسح المجال لولاة الأمر أن يتدخلوا في شؤونها ، أو تكون لهم يد في توجيهها وتطبيق نظامها ، لذلك لم يتسن لذوي السلطة استخدام-ه-ا ف-ي مصالحهم الخاصة ، أو تتعاون معهم في شؤون الدولة ، ومن المستحيل ذلك - وإن بذلوا جهدهم في تحقيقه - فهي لا تزال منذ نشأتها الأولى تحارب الظالمين ، ولا تركن إليهم ، كما لا تربطها وإيّاهم روابط الألفة ، ولم يحصل بينهم وبينها انسجام، وبهذا النهج الذي سارت عليه ، والطابع الذي اختصت به ، أصبحت عرضة للخطر ، فكان النزاع بينها وبين الدولة يشتدّ ، والعداء يتضخم ، فلا الدولة تستطيع التنازل لمنهج المدرسة فتكسب ودها وتسعد بمعاونتها ، ولا المدرسة في إمكانها أن تتنازل لإرادة الدولة فتؤازرها وتسير بخدمتها وتتعاون معها ، وكيف يكون ذلك ؟ وهي منذ نشأتها الأولى ترتبط بالثقلين : كتاب الله ، وعترة رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وهما متلازمان متكاتفان لن يفترقا في أداء واجبهما لإرشاد الأمة وهدايتها ، فالقرآن ينهى
1) كشف الغمّة : 2 : 208 ، نقلاً عن تذكرة ابن حمدون .
عن معاونة الظالمين والركون إليهم وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ(1)»(2).
وسارت على هذا النهج المشرق جميع المؤسسات العلمية التي تخضع في مناهجها وسلوكها لمدرسة الإمام الصادق (علیه السّلام)، كجامعة النجف ، وغيرها ممن تسير على وفق الأهداف الأصيلة التي أعلنها الإمام الصادق (علیه السّلام)، واتخذها شعاراً ومنهجاً لمدرسته من عدم الارتباط بالدولة، وعدم التعاون معها في المجالات السياسية والاجتماعية .
وفزعت السلطات الحاكمة في ذلك العصر من مدرسة الإمام ، وهالها اتّساع نطاقها ، وكثرة المنتمين إليها ، وهم يحملون علوم الإمام، ويتحدثون عن فضائله ومآثره وما وهبه الله من سموّ الأخلاق وسعة العلم ووفور الحلم ، وقد أقض ذلك مضاجع الطاغية المنصور ، وخشي على مصالحه السياسية ، وخاف أن يفتتن الناس به - على حد قوله - فعهد إلى أبي حنيفة أن يسأل الإمام بأعقد المسائل وأكثرها غموضاً ، ولنترك أبا حنيفة يحدثنا عن ذلك ، قال : «ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد ، لما أقدمه المنصور بعث إليَّ ، فقال : يا أبا حنيفة ، إنّ الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمّد ، فهيّئ له من المسائل الشداد .
فهيّأت أربعين مسألة ، ثم بعث إلى جعفر بن محمد وهو بالحيرة فأحضره ، فدخلت عليه وجعفر بن محمد عن يمينه ، فلما بصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور، فسلمت عليه ، وأوماً فجلستُ ، ثم التفت
إلى أبي عبدالله قائلاً: أيا أبا عبد الله ، هذا أبو حنيفة ؟
قال (علیه السّلام): نَعَمْ أَعْرِفُه .
ثم التفت إليَّ المنصور ، وقال : يا أبا حنيفة ، ألقِ على أبي عبدالله مسائلك فجعلت ألق عليه فيجيبني ، فيقول : أَنْتُمْ تَقولونَ كَذَا ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقولونَ كَذا ، وَنَحْنُ نَقولُ كَذا ، فَرُبَّما تابعنا ، وَرُبَّما خالَفْنا ، حتى أتيت على الأربعين مسألة ما أخل منها بمسألة واحدة»(1).
وحكت هذه البادرة مدى حنق المنصور وحقده وحذره من سليل النبوة ، كما دلّت على إكبار أبي حنيفة له ، وأنّه تهيبه أكثر من المنصور الذي كان يستمد قوته وهيبته المزيفة من الحكم والسلطان ، أما الإمام فقد استمد هيبته من الله تعالى فهو خيرة الخلق بعد آبائه الطاهرين. ودلّت هذه البادرة على مدى المقدرة العلمية الهائلة التي كان يتمتع بها الإمام ، فقد كان أعلم الناس بأحكام الشريعة وشؤون الدين.
وعمد الطاغية إلى مكافحة مدرسة الإمام والتقليل من أهمية عميدها وعزله عن الأمّة ، فوجه نظره إلى مالك بن أنس، وأحاطه بكثير من التبجيل والتكريم ليجعله قبال الإمام (علیه السّلام)، فعهد إليه بوضع كتاب في شؤون الشريعة الإسلامية وأحكامها ليحمل الناس بالقسر والإكراه على العمل به، فامتنع مالك من إجابته ، إلا أنه أجبره على ذلك ، وقال له : «ضعه ، فما أحد اليوم أعلم منك»(2)، فوضع مالك الموطّاً .
وأحاطت الدولة العبّاسيّة مالك بكثير من التبجيل والتكريم لصرف المجتمع الإسلامي عن الإمام الصادق (علیه السّلام)، وبلغ من تكريم العبّاسيّين لمالك أنّ الرشيد أمر و عامله على يثرب أن لا يقطع أمراً دون مالك ، وكان الرشيد ينزل من كرسيه ،
ويجلس على الأرض لاستماع حديثه(1).
والتزمت الدولة العباسية مالكاً ، وسخّرت جميع وسائل الإعلام لنشر مذهبه ، وحمل الناس عليه ، كلّ ذلك لصرف الناس عن مذهب أهل البيت (علیهم السّلام) الذي شيده الإمام الصادق (علیه السّلام).
وقد بالغ الرشيد في تعظيم أبي يوسف؛ لأنه تلميذ أبي حنيفة ، فولاه منصب رئاسة القضاء ، ولم يقلّد ببلاد العراق وخراسان والشام ومصر قاضياً إلا بإشارة أبي يوسف وأمره(2).
وقال له الرشيد : «يا أبا يعقوب ، لو جاز لي إدخالك في نسبي ومشاركتك في الخلافة المفضية إلي لكنت حقيقاً به»(3).
وهكذا أخذت السلطة العبّاسيّة تسعى جاهدة ويقوى مجموعة إلى تأسيس بعض المذاهب الإسلامية ، وإضفاء القداسة والنعوت الكريمة عليها ، وإرغام الأمة على الأخذ بآرائها ، والعمل بما تفتي به ، كلّ ذلك لصرف الناس عن مدرسة أهل البيت ومذهبهم ، وقد فتح المنصور الدوانيقي أبواب الظلم والاضطهاد الفكري على أهل البيت وشيعتهم ، وسار على منهجه الظالم ملوك بني العباس ، فاقتفوا أثره في إخماد الوعي الدینيالمستمد من رسالة أهل البيت (علیهم السّلام).
وتناولت محاضرات الإمام الصادق (علیه السّلام) وبحوثه القيمة في جامعته جميع أنواع العلوم العقلية والنقليّة ، ومذهب الكلام، وألوان الآداب ، وضروب الثقافة العالية ،
وقد حظيت العلوم التالية بتدريسه :
1 - علم الفقه .
2 - الحديث .
3 - علوم القرآن .
4 - الطب .
5 - الكيمياء .
6 - الفيزياء .
7 - علم النبات .
إلى غير ذلك من العلوم التي لها الأثر التام في التقدّم الاجتماعي ، والتطوّر الصناعي .. ومن أبرز العلوم التي تناولها الإمام الصادق (علیه السّلام) بالبسط والتحليل الفقه الإسلامي بجميع أبوابه من العبادات والمعاملات ، والعقود والإيقاعات .
ولم يقتصر الإمام العظيم في بحوثه على الناحية العلمية ، فقد توسع في محاضراته في نشر الآداب الاجتماعية ، وقواعد السلوك ، وإقامة الأخلاق ، وغير ذلك ، وقد أفردنا لما أثر عنه في هذه الجهات جزء خاصاً(1).
كان الإمام الصادق (علیه السّلام) يخلص كأعظم ما يكون الإخلاص لأعلام تلاميذه الذين غذاهم بعلومه ، وأفاض عليهم قبساً من روحه ، فكانوا دعاة الإسلام ، والأدلاء على مرضاة الله ، وقد قاموا بدور إيجابي وبناء في نشر فضائل أهل البيت (علیهم السّلام)، وإذاعة
1) نشرنا هذه البحوث في كتاب حياة الإمام موسى بن جعفر (علیهما السّلام): 1: 71-93 ، كما نشرت في مجلة الأضواء النجفية ، وفي دائرة المعارف الشيعية (الطبعة الأولى).
مآثرهم ، وتفنيد أوهام وشبهات خصومهم ، وكان الإمام (علیه السّلام) يكبر جهادهم ، ويفرح بخدماتهم للدين، وقد التقى مع كوكبة منهم ، وسأل بعض المتكلمين منهم عمّا جرى بينهم وبين خصومهم من مناظرات واحتجاجات ، وكان منهم :
أما هشام بن الحكم ، فهو علم من أعلام الإسلام ، وفد من أفذاذ تلاميذ الإمام (علیه السّلام)، وهو لسان الشيعة ، والمتكلم فيهم ، وكان ذا ثروة علمية هائلة ، وقد التقى مع العلماء المخالفين له في عقيدته فحاججهم ، وتغلب عليهم ، وكانت له محاججة رائعة مع عمرو بن عبيد زعيم المعتزلة تغلب هشام عليه ، وأحبّ الإمام الصادق (علیه السّلام) أن يسمع مناظرته معه فقال له : يا هشام .
فأجاب هشام بأدب واحترام : «لبيك يابن رسول الله» .
وانبرى الإمام قائلاً: أَلَا تُخْبِرْنِي كَيْفَ صَنَعْتَ بِعَمْرُو بْنِ عُبَيْد ؟ وَكَيْفَ سَأَلْتَهُ ؟
وتهيب هشام مركز الإمام ، وقال بصوت خافت : جعلت فداك ، يابن رسول الله ، إنِّي أجلك ، وأستحييك ، ولا يعمل لساني بين يديك .
أرأيتم هذه الآداب وهذا التواضع بين يدي سليل النبوة ، ومفجر العلم والحكمة في الأرض ؟ لقد عرف هشام الإمام ، وأنّه حجّة الله على عباده ، فتواضع وذاب أمامه .
والتفت الإمام (علیه السّلام) قائلاً : إِذا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَافْعَلوه .
ولم يجد هشام بُداً من إجابته ، فأخذ يقص عليه ما جرى بينه وبين عمرو بن عبید قائلاً: «بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد ، وجلوسه في مسجد البصرة ، وعظم ذلك علَيَّ ، فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة ، وأتيت مسجد البصرة ، فإذا أنا بحلقة كبيرة ، وإذا بعمرو بن عبيد عليه شملة(1)مؤتزر بها من صوف،
1) الشملة : كساء واسع.
وشملة مرتديها ، والناس يسألونه ، فاستفرجت الناس فأفرجوا لي ، ثمّ قعدت آخر القوم على ركبتي ثمّ قلت : أيها العالم ، أنا رجل غريب أتأذن أن أسألك عن مسألة ؟
سل .
ألك عين ؟
بهر عمرو بن عبيد من هذا السؤال ، وأنكر عليه ذلك قائلاً: يا بني ، أي شيء هذا من السؤال ؟ كيف تسأل عنه ؟
وانبرى هشام قائلاً: هذه مسألتي .
وتنازل عمرو بن عبيد ، فقال له : يا بني ، سل وان كانت مسألتك حمقى.
وكرّر هشام السؤال قائلاً: ألك عين ؟
نعم .
فما تصنع بها ؟
وسخر عمرو منه وأجابه : أرى بها الألوان والأشخاص.
ووجه هشام إليه سؤالاً آخر : ألك أنف ؟
وثارت سخرية الجالسين ، إلا أن عمرو أجابه بقوله : نعم .
وطفق هشام قائلاً: فما تصنع به ؟
واستمر هشام قائلاً: ألك لسان ؟
وعجب الحاضرون من هذه الأسئلة ، فأجابه عمرو : نعم .
فما تصنع به ؟
أتكلم به.
ووجه هشام إليه السؤال التالي : ألك أذن ؟
نعم .
ما تصنع بها ؟
أسمع بها الأصوات.
ووجّه هشام إليه سؤالاً آخر يسأله عن فوائد أعضائه قائلاً: ألك يدان ؟
نعم .
ما تصنع بهما ؟
أبطش بهما ، وأعرف بهما اللين من الخشن .
واستمرّ هشام يسأله عن بقية أعضائه وفوائدها قائلاً: ألك رجلان ؟
نعم .
ما تصنع بهما ؟
أنتقل بهما من مكان إلى مكان .
ألك فم ؟
نعم .
ما تصنع به ؟
أعرف به المطاعم والمشارب على اختلافها .
ألك قلب ؟
نعم .
ما تصنع به ؟
أميز به كل ما ورد على هذه الجوارح.
أليس في هذه الجوارح غنى عن القلب ؟
لا .
وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة ؟
يا بني ، إن الجوارح إذا شكت في شيء شمته أو رأته أو ذاقته ردّته إلى القلب ، فتيقن بها اليقين ، وأبطل الشك.
فإنّما أقام الله عزّ وجلّ القلب لشك الجوارح ؟
نعم.
لا بد من القلب ، وإلا لم يستيقن الجوارح ؟
نعم .
ووجد هشام الحجّة قد قامت على عمرو فقال له : يا أبا مروان ، إنّ الله تبارك وتعالى لم يترك جوارحكم حتى جعل لها إماماً يصحح لها الصحيح ، وينفي ما شكت فيه ، ويترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم وشكهم واختلافهم لا يقيم لهم إماماً يردون إليه شكهم وحيرتهم، ويقيم لك إماماً لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكك وسكت عمرو ولم يطق جواباً ، وبعد فترة رفع رأسه وقال له : أنت هشام ؟
لا.
أجالسته ؟
لا .
فمن أين أنت ؟
من أهل الكوفة .
أنت إذن هو ، ثمّ ضمه إليه ، وأقعده في مجلسه ، وما نطق بشيء .
وأعجب الإمام غاية الإعجاب بهذه الحجّة الدامغة التي ألزم بها رئيس المعتزلة وتركه حائراً لا يتمكن من الدفاع عن مبادئه التي منها إنكار الإمامة وعدم ضرورتها ، وطفق الإمام (علیه السّلام) يثني على هشام قائلا له : يا هشام ، مَنْ عَلَّمَكَ هذا ؟
يابن رسول الله جرى على لساني .
هذا واللهِ مَكْتُوبٌ في صُحُفِ إِبْراهيمَ وَمُوسى(1).
ووفد شامي يتمتع بثروة علمية على الإمام الصادق (علیه السّلام) يريد أن يمتحن أصحابه بحضوره ، وكان الإمام (علیه السّلام) قد مضى إلى بيت الله الحرام، وقد استقر في خيمة في طريق الحرم ، فقال الشامي للإمام: إنّي رجل صاحب كلام وفقه وفرائض ، وقد جئت لمناظرة أصحابك.
ووجه الإمام إليه السؤال الآتي : كَلامُكَ هذا مِنْ كَلامِ رَسولِ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) أَوْ مِنْ عِنْدِكَ ؟
فانبرى الشامي قائلاً : من كلام رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بعضه ، ومن عندي بعضه.
فقال له الإمام : فَأَنْتَ إِذا شَرِيكَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) ؟
لا.
فَتَجِبُ طَاعَتُكَ كَمَا تَجِبُ طَاعَةُ رَسولِ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم).
لا.
وتحيّر الشامي ، فلم يطق جواباً ، فقد سدّ الإمام عليه كل منفذ ، والتفت (علیه السّلام) إلى يونس وهو من خلّص أصحابه قائلاً:
يا يُونُسُ ، هذا خَصَمَ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ .. يا يُونُسُ ، لَوْ كُنْتَ تُحْسِنُ الْكَلامَ كَلَّمْتَهُ.
وأمر (علیه السّلام) يونس بالخروج ليأتى بأصحاب الإمام المتكلمين ليناظروا الشامي ، فوجد حمران بن أعين ، ومحمد بن نعمان الأحول ، وهشام بن سالم ، وقيس بن الماصر ، فأخبرهم بالأمر، فأسرعوا إلى الإمام ، ثم أقبل هشام بن الحكم
1) الاحتجاج : 2 : 125 - 128 .
فدخل عليه ، وناظر حمران الرجل فتفوّق على حمران ، وحاجج أغلب أصحاب الإمام فلم يتمكنوا من رد شبهه ، وانبرى إليه هشام فقال له الشامي :
أناظرك في إمامة هذا - وأشار إلى الإمام الصادق (علیه السّلام) - .
وغضب هشام ، وورم أنفه، وقال له : أخبرني يا هذا أربك أنظر لخلقه أم خلقه لأنفسهم ؟
فقال الشامي : بل ربّي أنظر لخلقه .
وطفق هشام يمهد الدليل القاطع لإسكاته قائلاً : ففعل بنظره لهم في دينهم ماذا ؟
قال الشامي : كلّفهم ، وأقام لهم حجّة ودليلاً على ما كلّفهم به ، وأزاح في ذلك عللهم .
وانبرى هشام قائلاً: فما هذا الدليل الذي نصبه لهم ؟
قال هشام : فبعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من ؟
قال الشامي : الكتاب والسنّة .
وانبرى هشام يسدّد له الحجج من منطقه الفياض قائلاً : فهل نفعنا اليوم الكتاب والسنّة فيما اختلفنا فيه ، حتى رفع عنا الاختلاف ، ومكننا من الاتفاق ؟
وأخذ هشام بزمام الموقف قائلاً : فلِمَ اختلفنا نحن وأنت جئتنا من الشام تخاصمنا ، وتزعم أنّ الرأي طريق الدين ، وأنت مقرّ بأنّ الرأي لا يجمع على القول الواحد المختلفين ؟
وحار الشامي ولم يطق جواباً ، فقد سدّ عليه هشام كلّ نافذة يسلك منها ، وأنكر الإمام الصادق (علیه السّلام) سكوته قائلاً: ما لَكَ لَا تَتَكَلَّم :
وأبدى الشامي حيرته وعجزه عن الجواب قائلاً: إن قلت إنا ما اختلفنا كابرتُ ، وإن قلتُ إنّ الكتاب والسنة يرفعان عنا الاختلاف أبطلت ؛ لأنهما يحتملان الوجوه ، ولكن لي عليه مثل ذلك .
فقال له الإمام (علیه السّلام) : سَلْهُ تَجِدْهُ مَلِيّاً .
وبعدما استجمع الشامي فكره أخذ يحاجج هشاماً قائلاً: من أنظر للخلق ربِّهم أم أنفسهم ؟
وهذا هو عين الحجّة السابقة التي فتح بها هشام حجّته.
فقال هشام : بل رتهم أنظر لهم .
فقال الشامي : أفهل أقام لهم من يجمع كلمتهم ، ويرفع اختلافهم ، ويبين لهم حقهم من باطلهم ؟
قال هشام : نعم .
قال الشامي : من هو ؟
وأدلى هشام بحجته الناصعة قائلاً: أما في ابتداء الشريعة فرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأما بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فعترته (علیهم السّلام).
وفزع الشامي فقال : مَن هو من عترة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) القائم مقامه في حجّته ؟
قال هشام : في وقتنا هذا أم قبله ؟
قال الشامي : بل في وقتنا هذا .
قال هشام : هذا الجالس ، وأشار إلى الإمام أبي عبد الله (علیه السّلام) الذي تشد إليه الرحال .
قال الشامي : وكيف لي بعلم ذلك ؟
قال هشام سله عما بدا لك .
قال الشامي : قطعت عذري فعليّ السؤال.
والتفت إليه الإمام (علیه السّلام) فأخبره عن سفره ، وعن الأحداث التي واجهها في أثنائه ، والشامي يقول : صدقت والله ، وأعلن الشامي إيمانه فقال : أسلمت الله الساعة.
فردّ عليه الإمام قائلاً : بَلْ قُلْ آمَنْتُ بِاللهِ السَّاعَةُ ، إِنَّ الْإِسلامَ قَبْلَ الإِيمانِ ، وَعَلَيْهِ يَتَوارَثونَ وَيَتَنا كَحونَ ، وَالإِيمَانُ عَلَيْهِ يُثابون.
وانبرى الشامي فقال : صدقت ، فأنا الساعة أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وأنك وصيّ الأنبياء .
ورجع الشامي إلى الحقِّ بعد أن تبين له ، وأقبل الإمام على هشام فقال له :
يا مُشامُ ، لا تَكادُ تَفَعُ تَلْوِي رِجْلَيْكَ إِذْ هَمَمْتَ بِالْأَرْضِ طِرْتَ ، مِثْلُكَ فَلْيُكَلِّمِ النّاسَ ، اتَّقِ الزَّلَّةَ ، وَالشَّفاعَةُ مِنْ وَرائِكَ»(1).
والتقى الإمام (علیه السّلام) ببعض تلامذته الأخيار المقدسين ، فقال (علیه السّلام) له :
أَيَّ شَيْءٍ تَعَلَّمْتَ مِنِّي ؟
یا مولاي ثمان مسائل.
قصها عَلَيَّ لأَعْرِفَها.
الأولى : رأيت كلّ محبوب يفارق عند الموت حبيبه ، فصرفت همي إلى ما لا يفارقني ، بل يؤنسي في وحدتي ، وهو فعل الخير .
الثانية : رأيت قوماً يفخرون بالحسب ، وآخرين يفخرون بالمال والولد وذلك
1) الاحتجاج : 2 : 122 - 125 .
لا فخر ، ورأيت الفخر العظيم في قوله تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ(1)، فاجتهدت أن أكون عنده كريماً.
وأبدى الإمام إعجابه بهذا الكلام قائلاً : أَحْسَنْتَ وَالله .
وواصل الرجل حديثه قائلاً:
الثالثة : رأيت لهو الناس وطربهم ، وسمعت قوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ(2)، فاجتهدت في صرف الهوى عن نفسي حتى استقرت على طاعة الله.
وطفق الإمام قائلاً : أَحْسَنْتَ وَاللهِ.
واستمر الرجل في حديثه قائلاً:
الرابعة : رأيت كلّ من وجد مالاً اجتهد في حفظه ، وسمعت قوله سبحانه : مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ(3)، فأحببت المضاعفة ، ولم أرَ أحفظ ممّا يكون عنده ، فكلما وجدت شيئاً يكرم عندي وجهت به إليه ليكون لي ذخراً إلى وقت حاجتي إليه .
فقال الإمام (علیه السّلام) له : أَحْسَنْتَ وَاللهِ .
وواصل الرجل حديثه قائلاً:
الخامسة : رأيت حسن الناس بعضهم لبعض في الرزق ، وسمعت قوله تعالى : نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ
لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(1)، فما حسدت أحداً ، ولا أسفت على ما فاتني . فقال له الإمام : أَحْسَنت.
ويستمر الرجل في عرض حديثه قائلاً:
السادسة : رأيت عداوة الناس بعضهم لبعض في دار الدنيا ، والحزازات التي في صدورهم ، وسمعت قول الله تعالى : إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّا(2)، فاشتغلت بعداوة الشيطان عن عداوة غيره .
قال له الإمام : أَحْسَنْت .
فقال تلميذه:
السابعة : رأيت كدح الناس واجتهادهم في طلب الرزق ، وسمعت قول الله تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ(3)، فعلمت أن وعده وقوله صدق ، فسكنت إلى وعده، ورضيت بقوله ، واشتغلت بماله علي عمّالي عنده .
فقال الإمام : أَحْسَنْت .
واستمرّ تلميذ الإمام في عرض بقية حديثه قائلاً:
الثامنة : رأيت قوماً يتكلون على صحة أبدانهم ، وقوماً على كثرة أموالهم ، وقوماً على خلق مثلهم ، وسمعت قوله تعالى : وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ(4)، فاتكلت على الله وزال
اتكالي عن غيره .
وقرض الإمام (علیه السّلام) حديثه ، وأثنى عليه قائلاً: «وَاللهِ إنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالْفُرْقَانَ وَسائِرَ الْكُتُبِ - يعني السماوية - تَرْجِعُ إِلى هذِهِ الثَّمَانِ مَسائِل»(1).
ومثل هذا الحديث جانباً مهماً من التربية الروحيّة التي كان يغذي بها الإمام (علیه السّلام) تلاميذه وطلابه ليجعلهم صورة حيّة ومتميّزة للواقع الإسلامي الذي يجهد على رفع مستوى الإنسان فكرياً وخُلقياً.
1) مجموعة ورّام : 1: 303 - 304 .
وليس أحد من عباقرة العالم وعظمائه أعظم عائدة على الإنسانية ، ولا أكثر عطاءً لها من الإمام جعفر الصادق (علیه السّلام)، عدا آبائه (علیهم السّلام)، فقد فتح هذا الإمام الملهم آفاقاً مشرقة من المعارف والعلوم ساهمت مساهمة إيجابية في صنع الحضارة الإنسانية، وتطوير وسائلها في جميع المجالات.
لقد اتسعت علوم الإمام ومعارفه فشملت أسرار الكون ، ومظاهر الوجود ، وتعدت إلى الفضاء الخارجي ، وسكان الكواكب ، وغير ذلك مما يثير الدهشة ، ويدعو إلى الإيمان بأنّ الله تعالى قد خصه بفضله ، ومنحه المزيد من العبقريات والمواهب ، ونعرض لبعض علومه التي ملأت الدنيا - على حدّ تعبير الجاحظ كما نعرض لبعض العلوم التي نسبت إليه :
والشيء المحقق أنّ الإمام الصادق (علیه السّلام) هو الذي أسس واخترع علم الكيمياء(1)، فلم يكن هذا العلم معروفاً في ذلك العصر ، فقد فتق الإمام (علیه السّلام) أبواب هذا العلم الخطر الذي يعتبر المنطلق الأول للحضارة الإنسانية ، والتقدم التكنولوجي في هذا العصر.
وقد تلقى جابر بن حيان مفخرة الشرق هذا العلم الخطير من الإمام الصادق (علیه السّلام) ، وألف فيه كتبه التي كانت الأساس لهذا العلم ، وفي ذلك يقول الشاعر :
حِكْمَةٌ أُورثها جابِرُ *** عَن إمام صادق القولِ وَفِي
لِوَصِيّ طابَ في تربتِهِ *** فَهُوَ كَالمِسكِ تُرابَ النَّجفِ(2)
وأخذ بعض أصحاب الإمام (علیه السّلام) ممن لهم ولع بهذا العلم يسألونه عن مواد بعض الأشياء ، فقد روى يحيى الحلبي عن الثمالي ، قال : «مررت مع أبي عبدالله (علیه السّلام) في سوق النحاسين ، فقلت له : جعلت فداك، هذا النحاس أي شيء أصله ؟
فقال (علیه السّلام): «أَصْلُهُ فِضَّةٌ ، إِلَّا أَنَّ الْأَرْضَ أَفْسَدَتْهُ ، فَمَنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يُخْرِجَ الْفَسَادَ منه»(3).
وأشهر تلامذة الإمام (علیه السّلام) في هذا العلم هشام بن الحكم ، وجابر بن حيان
الطرطوسي، وقد دوّن جابر من تقريرات الإمام (علیه السّلام) خمسمائة رسالة في علم الكيمياء والطبّ ، وقد تمكن من تحقيق طائفة كبيرة من النظريات العلمية ، كان من أهمها تحضير حامض الكبريتيك بتقطيره من الشبه ، وسماه «زيت الزاج» ، كما حضّر حامض النتريك وماء الذهب والصواد الكاوية .
وكان جابر أوّل من لاحظ ترسّب كلورود الفضّة عند إضافة محلول ملح الطعام إلى محلول نترات الفضة .
وينسب إليه تحضير مركبات أخرى ، مثل : كربونات البوتاسيوم ، وكربونات الصوديوم ، وغير ذلك مما له أهمية في صنع المفرقعات والأصباغ والسماد الصناعي والصابون ، وغير ذلك.
ولم تقف عبقرية جابر في الكيمياء عند تحضير هذه المواد فحسب ، بل انبعث منها إلى ابتكار شيء جديد في الكيمياء هو ما سمّاه بعلم (الميزان) ، أي معادلة ما في الأجساد والمعادن من طبائع ، وقد جعل لكل جسد من الأجساد موازين خاصة بطبائعه ، وكان ذلك بداية لعلم المعادلات في طبائع كلّ جسم(1).
وقد امتد نشاط جابر إلى ناحية أخرى من الكيمياء هي التي يسمونها بالصنعة ، أي تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن ثمينة من ذهب وفضة ، ويعد جابر رائداً لمن أتى بعده من العلماء الذين شغفوا بهذه الناحية من الكيمياء ، كالرازي وابن مسكويه والصغرائي والمجريطي والجلدكي .
وكانت نظرية تحويل المعادن إلى ذهب أو فضة نظرية يونانية قديمة ، فتن بها المسلمون من بعدهم ، فوضع جابر فيها رسائل كثيرة ، وشرح قواعدها وأصولها في كتبه المتعدّدة.
يقول ابن النديم : «حدثني بعض الثقات ممن تعاطى الصنعة إنّه - أي جابر -
1) فلاسفة الشيعة : 63 .
كان ينزل في شارع باب الشام في درب يُعرف بدرب الذهب ، وقال لي هذا الرجل : إن جابراً كان أكثر مقامه بالكوفة ، وبها كان يدير الإكسير لصحة هوائها ، ولما أصيب الأزج الذي وجد فيه هاون ذهب ، فيه نحو مائتي رطل ، كان من موضع دار جابر بن حيان ، فإنّه لم يصب في ذلك الأزج غير الهاون فقط»(1).
ويعتقد الدكتور محمد يحيى الهاشمي أنّ الذي يقصده جابر بالأكاسير هو الراديوم نفسه ، أو أحد الأجسام المشعة ، فيقول : «ومما يزيد إعجابنا ادعاء جابر بأنّ هذا السر له دخل في جميع الأعمال ، وأننا إذا أمعنا النظر في الوقت الحاضر ، لوجدنا اكتشاف الأجسام المشعة التي تؤدّي إلى قلب عنصر المادة وتحطيم الذرّة لم يكن من نتائجها القنبلة الذرّيّة فحسب، بل إيجاد منابع قوى جديدة لم تكن تطرق على بال الإنسان»(2).
وصلت نظرية الصنعة ضرباً من ضروب الآمال والأحلام ، بل الأوهام ، وكان من يشتغل بها يرمى بالعته والهوس ، حتّى إنّ الكندي وابن خلدون نبذا هذه الفكرة ، وأكدا عدم إمكان تحويل أي عنصر إلى عنصر آخر .
غير أنّ ما حدث في عام 1919م من تحطيم ذرّات النتروجين ، وتحويلها إلى ذرّات الأوكسجين والهيدروجين ، قد بدل مفهوم هذه الفكرة ، وأثبت إمكان تحقيقها بالفعل .
وقد توالت بعد ذلك تجارب شطر نواة الذرّة، باستخدام قذائف من جسيمات (النا) ، أي نوى الهليوم، ومن جسيمات أخف ، ولكن أكبر أثراً منها وهي البروتونات ، أي نوى الهيدروجين بعد إطلاقها بسرعة فائقة ، وأمكن بذلك شطر نواة الذرّة وتحويل عدد من العناصر إلى عناصر أخرى ، كتحويل الهيدروجين إلى عنصر
الهليوم، وتحويل الصوديوم إلى مغنيسيوم ، والليثيوم والبورون إلى هليوم ، فتحقق فعلاً تحليل العناصر ، وتحويل بعضها إلى بعض .
وقد أفرد الأستاذ محمد يحيى الهاشمي لهذا الموضوع كتاباً سمّاه : (الإمام الصادق (علیه السّلام) ملهم الكيمياء) نحيل إليه القارئ طلباً لمزيد البحث(1).
إن هذا الزخم من العطاء الحضاري والفكري ، والاكتشافات المذهلة التي قدّمها جابر بن حيان إلى الإنسانية ، والتي كانت من أهم الأسباب في تطوّر الصناعة ، والتقدم التكنولوجي قد تلقاه من أستاذه الإمام جعفر الصادق (علیه السّلام) الملهم الأول لعلم الكيمياء.
1) الإمام الصادق (علیه السّلام) كما عرفه علماء الغرب : 54 - 56.
وعنى الإمام الصادق (علیه السّلام) عناية بالغة في علم الطب ، وأقام له مدرسة خاصة ، وهي أوّل مدرسة تؤسس في الإسلام في شبه الجزيرة العربية ، ولم تكن للعرب يوم ذاك عناية بالعلاج أو الوقاية(1)، وكان (علیه السّلام) يلقي دروساً في هذا العلم استفاد منها كثير من الأطباء والباحثين والمرضى في القرنين الثالث والرابع .
وكان من بين محاضراته التي انتفع بها الأطباء بعد وفاته ، نظريته في إمكان تنشيط الدورة الدموية عند حدوث سكتة مفاجئة ، أو توقف مؤقت حتى لو ظهرت على المريض أمارات الموت ، وذلك بقطع وريد بين أصابع يده اليسرى لإسالة الدم منه ، فإنّ ذلك يوجب إعادة الحياة إلى المريض. وقد جرب هذه النظرية الطبيب الهندي ابن بهلة ، فنجحت نجاحاً باهراً ، لقد جربها وطبّقها على إبراهيم بن صالح العباسي ابن عم هارون الرشيد ، فقد أصيب بنوبة ، فطلب هارون من جبريل بن بختيشوع إجراء الفحص عليه ، فمضى وفحصه ، فأيس منه ، وأخبر الرشيد بأنه لا أمل له في حياته، وتركه والطبيب الهندي قد دخل عليه ، وكان ابن بهلة الهندي ينافس ابن بختيشوع من حيث المهارة ، وخف الرشيد مسرعاً ليقف على حال ابن عمّه ، فرأى ابن بهلة ، فابتدره هارون يسأله عن حال ابن عمّه ، فقال ابن بهلة : أنا واثق أنّه سيبرأ من مرضه .
فردّ عليه هارون : أتكذب جبريل بن بختيشوع وهو طبيب أباً عن جد ، وقد يئس منه ؟
1) الإمام الصادق (علیه السّلام) كما عرفه علماء الغرب : 117 .
فقال ابن بهلة : إن مات ابن عمك الليلة فلك كل ما أملك ونفسي ، فسر هارون بذلك ، وأمر بالطعام فأحضر ، فتناول ، ودعا بالشراب ، فأخذ يتناول كأساً بعد أخرى ، وفي هذه الأثناء دخل عليه غلام ناعياً له إبراهيم بن صالح ، ففزع وقام من وقته ، ودخل عليه ، وهو مسجّى على منضدة الغسل وابن بهلة إلى جانبه يفحصه ، وصاح به هارون : كيف تقول إنّه سيبرأ ويعيش ؟!
فقال ابن بهلة : إنّ ابن عمّك لم يمت ميتة كاملة ، ولسوف يعيش ، وطلب نقله من المغتسل ، فنقل ، وبادر ابن بهلة فتناول سكيناً حادة وقطع عرقاً بين أصابع اليد اليسرى للمريض فنزف دمه ، وأخذ يتحرك ببطء ، ولم يلبث أن فتح عينيه ، عينيه ، فرأى هارون واقفاً على رأسه فشكره بصوت خافض ثم انتبه وعادت إليه الحياة(1).
كان طبيب هندي من كبار الأطباء يقرأ على المنصور الدوانيقي كتب الطب . واتفق أنّ الإمام الصادق (علیه السّلام) كان حاضراً فجعل ينصت لقراءته ، فلما فرغ التفت إلى الإمام قائلاً:
يا أبا عبد الله أتريد مما معى شيئاً ؟
وأسرع الطبيب قائلاً : ما هو ؟
1) الإمام الصادق (علیه السّلام) كما عرفه علماء الغرب : 113 - 115 .
وبهر الطبيب ، وراح يقول : وهل الطبّ إلا هذا ؟
وانبرى الإمام (علیه السّلام) قائلاً : أَتَراني مِنْ كُتُبِ الطِّبِّ أَخَذْتُ ؟
نعم .
لَا وَاللَّهِ مَا أَخَذْتُ إِلَّا عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، فَأَخْبِرْنِي أَنَا أَعْلَمُ بِالطَّبُ أَمْ أَنْتَ ؟
بل أنا .
ووجّه الإمام إليه أسئلة حسّاسة تتعلّق في بدن الإنسان الذي هو موضوع علم الطب ، قائلاً : لِمَ كانَ فِي الرَّأْسِ شُؤون ؟
وتحيّر الطبيب ، ولم يهتد إلى الجواب، واعترف بالعجز قائلاً: لا أعلم .
لِمَ جُعِلَ الشَّعَرُ عَلَيْهِ - أي على الرأس - مِنْ فَوْقِ ؟
لا أعلم .
لِمَ خَلَتِ الْجَبْهَةُ مِنَ الشَّعَرِ ؟
لا أعلم.
لِمَ كانَ لَها - أي الجبهة - تخطيط وَأَسارِيرٌ ؟
لا أعلم .
لِمَ كانَ الْحَاجِبانِ فَوْقَ الْعَيْنَيْنِ ؟
لا أعلم .
لِمَ جُعِلَتِ الْعَيْنَانِ كَاللُّوزَتَينِ ؟
لا أعلم .
لِمَ جُعِلَ الْأَنْفُ فيما بَيْنَهُما - أي بين العينين - ؟
لا أعلم.
لِمَ كَانَ ثَقْبُ الْأَنْفِ فِي أَسْفَلِهِ ؟
لا أعلم .
لِمَ جُعِلت الشَّفَةُ وَالشَّارِبُ فَوْقَ الْفَم ؟
لا أعلم .
لِمَ أُحِدَّ السِّنُّ ، وَعَرُضَ الضَّرْسُ ، وَطالَ النَّابُ ؟
لا أعلم .
لِمَ جُعِلَتِ الأَحْيَةُ للرِّجالِ ؟
لا أعلم .
لِمَ خَلَتِ الْكَفَّانِ مِنَ الشَّعَرِ ؟
لا أعلم .
لِمَ خَلَا الظُّفْرُ وَالشَّعَرُ مِنَ الْحَياةِ ؟
لا أعلم .
لِمَ كَانَ الْقَلْبُ كَحَبِّ الصَّنَوبَرِ ؟
لا أعلم .
لِمَ كانَتِ الرِّئَةُ قِطْعَتَينِ ، وَجُعِلَتْ حَرَكَتُهُما فِي مَوْضِعِهما ؟
لا أعلم.
لِمَ كانَتِ الْكَبِدُ حَدْباءَ ؟
لا أعلم .
لِمَ كانَتِ الْكُلْيَةُ كَحَبِّ اللُّوبِيا ؟
لا أعلم.
لِمَ جُعِلَ طَيُّ الرُّكْبَةِ إِلَى خَلْفٍ ؟
لا أعلم .
لِمَ الْخَصَرَتِ الْقَدَمُ ؟
لا أعلم .
وطلب الطبيب الهندي من الإمام (علیه السّلام) الجواب عن هذه الأمور فأجاب (علیه السّلام).
1 - كانَ في الرَّأْسِ شُؤونٌ لأَنَّ الْمُجَوَّفَ إِذا كانَ بِلا فَصْلِ أَسْرَعَ إِلَيْهِ الصّداع ، فَإِذا جُعِلَ ذا فُصول كانَ الصّداعُ مِنْهُ أَبْعَدَ .
2 - جُعِلَ الشَّعَرُ مِنْ فَوْقِهِ لِيُوصِلَ بِسُهولَةِ الأدْهَانَ إِلَى الدَّماغِ ، وَيُخْرِجَ بِأَطْرافِهِ البخار مِنْهُ ، وَيَرُدَّ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ عَنْهُ.
3 - خَلَتِ الْجَبْهَةُ مِنَ الشَّعَرِ لأَنَّهَا مَصَبُّ النّورِ إِلَى الْعَيْنَينِ .
4 - وَجُعِلَ فيهِما التَّخْطيطُ وَالأَساريرُ لِيَحْتَبِسَ الْعَرَقُ الْوَارِدُ مِنَ الرَّأْسِ إِلَى الْعَيْنِ قَدَرَ ما يُحيطُهُ الْإِنْسانُ عَنْ نَفْسِهِ كَالْأَنْهَارِ فِي الْأَرْضِ الَّتِي تَحْبِسُ الْمِياهَ .
5 - وَجُعِل الحاجِبَينِ مِنْ فَوْقِ الْعَيْنَين لِيَرِدًا عَلَيْهِما مِنَ النّورِ قَدَرَ الْكِفايَةِ . أَلاَ تَرى يا هندي - أَنَّ مَنْ غَلَبَهُ النّورُ جَعَلَ يَدَهُ عَلَى عَيْنَيهِ لِبَرِدَ عَلَيْهِما قَدَرَ كِفَايَتِهِمَا مِنْهُ .
6 - وَكانَتِ الْعَيْنُ كَالأَوْزَةِ لِيَجْرِيَ فيها الْمِيْلُ بِالدَّواءِ وَيَخْرُجَ مِنْهَا الدّاءُ ، وَلَوْ كَانَتْ مُرَبَّعَةٌ أَوْ مُدَوَّرَةٌ مَا جَرَى فيها الْمِيْلُ وَلَا وَصَلَ إِلَيْها دَواءٌ ، وَلَا خَرَجَ مِنْها داءً .
7 - وَجُعِلَ الْأَنْفُ بَيْنَهُما لِيُقْسِمَ النَّورَ قِسْمَينِ إِلَى كُلِّ عَيْنٍ سَواءٍ .
8 - وَجُعِلَ ثَقْبُ الْأَنْفِ فِي أَسْفَلِهِ لِتَنْزِلَ مِنْهَا الْأَدْواءُ الْمُنْحَدِرَةُ مِنَ الدَّماغِ ، وَتَصْعَدُ
فيهِ الرَّوائِحُ إِلَى الْمَشامِ ، وَلَوْ كَانَ فِي أَعْلاهُ لَما نَزَلَ مِنْهُ داءٌ ، وَلَا وَجَدَ َرائِحَةٌ .
9 - وَجُعِلَ الشَّارِبُ وَالشَّفَهُ فَوْقَ الْفَمِ ، لِحَبْسِ مَا يَنْزِلُ مِنَ الدَّماغِ مِنَ الْفَمِ، لَئِلًا يَتَعَفَّنَ فَيُنَفِّصَ عَلَى الْإِنْسانِ طَعامَهُ وَشَرابَهُ فَيُمِيْطَهُ عَنْ نَفْسِهِ .
10 - وَجُعِلَ السِّنُّ حاداً لأَنَّ بِهِ يَقَعُ الْعَضُّ ، وَجُعِلَ الصِّرْسُ عَريضاً لأَنَّهُ بِهِ يَقَعُ الطَّحْنُ وَالْمَضْعُ ، وَكانَ النّابُ طَويلاً لِيُسْنِدَ الْأَضْراسَ وَالْأَسْنانَ كَالأُسْطُوانَةِ فِي الْبِناءِ .
11 - وَجُعِلَتِ اللَّحْيَةُ لِلرِّجالِ لِيَسْتَغْنى بِها عَنِ الْكَشْفِ فِي الْمَنْظَرِ ، وَيُعْلَمَ بِها الذَّكَرَ مِنَ الانثى.
12 - وَخَلَا الْكَفَّانِ مِنَ الشَّعَرِ لأَنَّ بِهِما يَقَعُ اللَّمْسُ ، فَلَوْ كَانَ فيهِما شَعَرٌ ما دَرَى الْإِنْسانُ ما يُقابِلُهُ وَيَلْمَسُهُ.
13 - وَخَلَا الشَّعَرُ وَالظُّفْرُ مِنَ الْحَياةِ لأَنَّ طُولَهُما سَمْجُ يَفْبُحُ ، وَقَصُّهُما حَسَنٌ ، فَلَوْ كانَ فِيهِما حَياةٌ لالَمَ الْإِنْسانَ فَصَّهُما .
14 - وَكانَ الْقَلْبُ كَحَبِّ الصنوبَرِ لأَنَّهُ مُنَكَسٌ ، فَجُعِلَ رَأْسُهُ دَقيقاً لِيَدْخُلَ فِي الرِّئَةِ فَيَتَرَوَّحَ عَنْهُ بِبَرْدِهَا ، وَلِئَلَّا يَشِيطَ الدَّماغُ بِحَرِّهِ .
15 - وَجُعِلَتِ الرِّئَةُ قِطْعَتَين لِيَدْخُلَ الْقَلْبَ بَيْنَ مَضاغِطِها فَيَتَرَوحَ بِحَرَكَتِها .
16 - وَكانَتِ الْكَبَدُ حَدْباءَ لِتَنَقَّلَ الْمَعِدَةَ وَتَقَعَ جَميعُها عَلَيْها ، فَتَعْصِرَها لِيَخْرُجَ ما فيها مِنَ الْبُخَارِ .
17 - وَجُعِلَتِ الْكُلْيَةُ كَحَبِّ اللوبيا لأَنَّ عَلَيْها مَصَبَّ الْمَنيِّ نُقْطَةٌ بَعْدَ نُقْطَةٍ ، فَلَوْ كَانَتْ مُرَبَّعَةٌ أَوْ مُدَوَّرَةٌ لَاحْتَبَسَتِ النُّقْطَةُ الأولى إِلَى الثَّانِيَةِ ، فَلا يَلْتَذُ بِخُروجها ، إذ المني
يَنزِلُ مِنْ فَقارِ الظَّهْرِ إِلَى الْكُلْيَةِ ، وَهِي تَنْقَبِضُ وَتَنْبَسِطُ وَتَرميهِ أَوَّلاً فَأَوَّلاً إِلَى الْمَثانَةِ كَالْمُنْدُقَةِ مِنَ الْقَوسِ .
18 - وَجُعِلَتْ طَيُّ الرُّكْبَةِ إِلى خَلْفٍ؛ لأنَّ الْإِنْسانَ يَمْشِي إِلَىٰ مَا بَينَ يَدَيهِ فَتَعْتَدِلَ الْحَرَكاتُ وَلَوْلَا ذلِكَ لَسَقَطَ في المَشي .
19 - وَجُعِلَتِ الْقَدَمُ مُتَخَصِّرَةٌ لأَنَّ الْمَشْيَ إِذا وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ جَمِيعَهُ ثَقُلَ ثِقْلَ حَجَرِ الرَّحى .
وبهر الطبيب بهذه المعلومات التي لا معرفة له بها ، وهي من بحوث علم الطب ، وراح يقول بإعجاب للإمام : من أين لك هذا العلم ؟
قال الإمام (علیه السّلام) أَخَذْتُهُ عَنْ آبائِي (علیهم السّلام)، عَنْ رَسولِ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم)، عَنْ جَبرئيلَ ، عَنْ رَبِّ لا الْعالَمينَ جَلَّ جَلَالُهُ الَّذي خَلَقَ الْأَجْسَادَ وَالْأَرْواحَ .
وطفق الطبيب يقول : صدقت وأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنّ محمداً رسول الله وعبده ، وأنك أعلم أهل زمانك»(1).
روى سالم بن الضرير : «أنّ نصرانياً سأل الإمام الصادق (علیه السّلام) عن أسرار الطب ، ثم سأله عن تفصيل الجسم .
فقال (علیه السّلام): إن الله خلق الإنسان على اثنى عشر وصلاً(2)، وعلى مائتين
وثمانية وأربعين عظماً ، وعلى ثلاثمائة وستين عرقاً ، فالعروق هي التي تسقي الجسد كله ، والعظام تمسكه ، واللحم يمسك العظام ، والعصب تمسك اللحم ، وجعل في يديه اثنين وثمانين عظماً ، في كل يد إحدى وأربعون عظماً ، منها في كفّه خمسة وثلاثون عظماً ، وفي ساعده اثنان ، وفي عضده واحد ، وفي كتفه ثلاثة ، فذلك إحدى وأربعون ، وكذلك في الأخرى . وفي رجله ثلاثة وأربعون عظماً ، منها في قدمه خمسة وثلاثون عظماً ، وفي ساقه اثنان ، وفي ركبته ثلاثة ، وفي فخذه واحد ، وفي وركه اثنان ، وكذلك في الأخرى .
وفي صلبه ثماني عشر فقارة، وفي كلّ واحدٍ من جنبيه تسعة أضلاع ، وفي وقصته(1)ثمانية ، وفي رأسه ستة وثلاثون عظماً ، وفي فيه ثماني وعشرون عظماً أو إثنان وثلاثون عظماً»(2).
يقول المرحوم الشيخ محمد الخليلي : «ولعمري إنّ هذا الحصر والتعداد هو عين ما ذكره المشرحون في هذا العصر لم يزيدوا ولم ينقصوا ، اللهم إلا في التسمية أو جعل الإثنين لاتصالهما واحداً أو بالعكس ، وهذا مما يدلنا على اطلاعه الكامل بالتشريح ، ونظره الثاقب في بيان تفصيل الهيكل العظمي في بدن الإنسان»(3).
واكتشف الإمام الصادق (علیه السّلام) الدورة الدموية في حديثه مع المفضّل بن عم
وقد سبق بذلك ( هارفي ( الطبيب المشهور المعروف لدى الأطباء (بمكتشف الدورة الدموية) . اسمعوا ما يقول الإمام (علیه السّلام):
فكر يا مفضّل في وصول الغذاء إلى البدن وما فيه من التدبير ، فإن الطعام يصير إلى المعدة فتطبخه ، وتبعث بصفوه إلى الكبد في عروق دقاق واشجة(1)بينهما ، قد جعلت كالمصفى للغذاء، لكيلا يصل إلى الكبد منه شيء فينكأها(2)وذلك أن الكبد رقيقة لا تحتمل العنف، ثمّ إنّ الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دماً ، وينفذه إلى البدن كله في مجاري مُهيّئة لذلك بمنزلة المجاري التي تهيّأ للماء حتى ليطرد في الأرض كلّها ، وينفذ ما يخرج منه من الخبث والفضول إلى مغائض(3)قد أعدّت لذلك ، فما كان منه من جنس المرّة(4)الصفراء جرى إلى المرارة ، وما كان من جنس السوداء جرى إلى الطحال ، وما كان من البلة والرطوبة جرى إلى المثانة ، فتأمل حكمة التدبير في تركيب البدن ، ووضع هذه الأعضاء منه مواضعها ، وإعداد هذه الأوعية فيه لتحمل تلك الفضول لئلا تنتشر في البدن فتسقمه وتنهكه .
فتبارك من أحسن التقدير وأحكم التدبير(5)
وعلّق المرحوم الطبيب الشيخ محمد الخليلي على هذا المقطع من كلام الإمام (علیه السّلام) بقوله : «أقول : هكذا ورد عنه (علیه السّلام)، وهو صريح في بيان كيفية الدورة
الدموية حسب ما وصل إليه الطب الحديث بعدما يناهز الإثني عشر قرناً ، مضافاً إلى ما لوّح فيه إلى وظائف الجهاز الهضمي، والجهاز البولي ، وإلى وظيفة المرارة ، والطحال ، والكبد ، والمثانة ، كما أنّه أشار (علیه السّلام) أيضاً بقوله : لَيْلًا يَنْتَشِرَ فِي الْبَدَنِ فَيُسْقِمَهُ وَيُنْهِكَهُ...
إلى ما أثبته طبّ القرن العشرين من التسمّم البولي الحاصل من رجوع البول من المثانة إلى الدم عندما لا يخرج منها ، فينتشر بواسطة الدم في جميع أعضاء البدن فيسممه ويسقمه ، وإلى التسمّم المَعِدي الحاصل من تعفّن الفضلات المعدية غير المندفعة منها ، والتي تحدث برجوعها متعفّنة إلى البدن التهابات توجب تسممه وانتهاكه(1).
وحذر الإمام الصادق (علیه السّلام) من الاختلاط بالمصابين بالأمراض المعدية خوفاً من من العدوى ، وكان من بين ما حذر منه الاختلاط بالمصابين بالجذام ، فإنّ هذا المرض شديد السراية . يقول الا : «لَا يُكَلِّمُ الرَّجُلُ مَجْذُوماً إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُما قَدْرُ ذِراع».
وفي لفظ آخر : قَدْرُ رُمْحٍ»(2).
وأثبتت البحوث الطبية الحديثة ، أنّ ميكروب الجذام ينتشر في الهواء حول المصاب ، أكثر من مسافة متر أو نصف المتر .
وأدلى الإمام الصادق (علیه السّلام) بوصايا صحيّة كان منها ما يلي :
1 - قال : «لَوِ اقْتَصَدَ النَّاسُ فِي الْمَطْعَم لاسْتَقامَتْ أَبْدانُهُمْ»(1).
أمّا استقامة في الطعام وعدم الإسراف فيه ، فإنّه يجنّب الإنسان ويقيه من كثير من الأمراض ، فإنّها - على الأغلب - ناشئة من التخمة ، والنهم في الطعام ، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك . قال تعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا(2).
إن تصلّب الشرايين، والإصابة بداء السكّر ، وأمراض المعدة ، كلّها تنشأ من الإسراف في الأكل ، وقد أيدت ذلك البحوث الطبية الحديثة .
2 - قال (علیه السّلام): «مَنْ ظَهَرَتْ صِحَتُهُ عَلَى سُقْمِهِ فَيُعالَجُ بِشَيْءٍ ، فَمَاتَ ، فَأَنَا إِلَى اللَّهِ مِنْهُ بَرِيءٌ»(3).
إنّ من يستعمل الأدوية وهو صحيح ، فقد أعان على نفسه لأنّ ذلك يسبب له الإصابة بكثير من الأمراض التي تؤدي لهلاكه.
3 - قال (علیه السّلام): «لَيْسَ فيما أَصْلَحَ الْبَدَنَ إِسْرافٌ ، إِنَّمَا الْإسْرافُ فيما أَتْلَفَ المال ، وَأَضَرَّ الْبَدَنَ»(4).
لا إسراف ولا تبذير فيما ينمي البدن ويصلحه ، إنّما الإسراف فيما يضر البدن ، ويتلف المال، وهي حقيقة لا شبهة فيها.
4 - قال (علیه السّلام): «اجْتَنِبِ الدَّواءَ ما احْتَمَلَ بِدَنُكَ الدّاءَ»(5).
إنّ اجتناب الدواء إذا لم يكن هناك ضرورة لاستعماله فإنّه يعود على البدن بالصحة ، فإنّ كثيراً من الأمراض يدفعها الجسم إذا كانت فيه مناعة وقوة .
5 - قال (علیه السّلام): «غَسْلُ الْإِناءِ ، وَكَسْحُ الْفِناءِ مَجْلَبَةٌ لِلرِّزْقِ»(1).
إن غسل الأواني ، وتنظيف الدار ، وإزالة ما فيها من الأوساخ مما يوجب ازدهار الصحة ، فإنّ الكثير من الأمراض المعدية إنما تتولّد من القاذورات والأوساخ ، وعدم النظافة .
6 - قال (علیه السّلام): «أَقْلِلْ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَمُدُّ كُلَّ داءٍ»(2).
إن الإكثار من شرب الماء إذا لم يكن ناشئاً عن العطش فإنّه يسبب إثارة الأمراض ، كما أن الإكثار منه يتولد منه داء السكر.
7 - قال (علیه السّلام): «إِنَّ الْمَشْيَ لِلْمَرِيضِ نَكْسٌ»(3).
إنّ بعض الأمراض تحتاج إلى راحة وسكون ، فإذا مشى المريض أصيب بنكسة مؤذية له.
8 - قال (علیه السّلام) لعنوان البصري : «إِيَّاكَ أَنْ تَأْكُلَ ما لَا تَشْتَهِيهِ ، فَإِنَّهُ يُورثُ الْحَماقَةَ وَالْبَلَهَ ، وَلَا تَأْكُلْ إِلَّا عِنْدَ الْجُوْعِ ، وَإِذا أَكَلْتَ فَكُلْ حَلالاً ، وَسَمِّ بِاللَّهِ ، وَاذْكُرْ حَدِيثَ رَسولِ اللهِ : ما مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وعَاءً شَرّاً مِنْ بَطْنِهِ ، فَإذا كانَ وَلَا بُدَّ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ ، وَثُلُتْ لِشَرابِهِ ، وَثُلُثٌ لِنَفْسِهِ»(4).
9 - قال (علیه السّلام): «كُلُّ داءٍ مِنَ التَّحْمَةِ إِلَّا الْحُمَى فَإِنَّها تَرِدُ وُروداً»(5).
إنّ الحميات تتولّد من أسباب مختلفة ، كالالتهابات وموجات البرد ولا تتولد
من التخمة .
10 - قال (علیه السّلام): «لَا تَدْخُلِ الْحَمَامَ إِلَّا وَفِي جَوْفِكَ شَيْءٌ يُطْفِئُ عَنْكَ وَهَجَ الْمَعِدَةِ ، وَهُوَ أَقْوى لِلْبَدَنِ ، وَلَا تَدْخُلْ وَأَنْتَ مُمْتَلِيٌّ مِنَ الطَّعام»(1).
إنّ دخول الحمام في حالة الجوع وفي حالة امتلاء يسبب انهيار البدن ، ويعرّضه للأمراض .
11 - قال (علیه السّلام: «والنَّوْمُ راحَةُ الْجَسَدِ ، وَالنُّطْقُ راحَةُ الرُّوحِ ، وَالسُّكوتُ راحَةُ الْعَقْلِ»(2).
ما أروع هذه الكلمة الحكيمة ، فقد احتوت على أصول الحكمة والطب ، إن النوم عنصر من عناصر الصحة للإنسان ، ولا يستقيم البدن بدونه ، وأما النطق فإنّه راحة للروح ، فإنّ الله خلق البيان للإنسان، ففيه راحة لروحه ، وقضاء لمهماته ، وأما السكوت في المواضع التي لا حاجة فيها إلى النطق ولا ضرورة تدعو له فهو راحة للفكر .
12 - قال (علیه السّلام): «اغْسِلوا أَيْدِيَكُمْ قَبْلَ الطَّعامِ وَبَعْدَهُ»(3).
إنّ غسل اليدين قبل الطعام تطهير وتعقيم لهما من الجراثيم المحتملة التي تتعلّق بهما ، كما أن غسل اليدين بعد الطعام من النظافة التي هي من الإيمان .
13 - قال (علیه السّلام): «يَنْبَغِي لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ أَلَّا يَنامَ وَجَوْفُهُ مُمْتَلِيٌّ مِنَ الطَّعامِ ، فَإِنَّهُ أَهْدَأُ لِنَوْمِهِ ، وَأَطْيَبُ لِنَكْهَتِه»(4).
14 - قال (علیه السّلام): «لا تَقْرَبُوا النِّسَاءَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيل صَيْفاً أَوْ شتاءً؛ لأنَّ الْمَعِدَةَ تَكونُ لا مُمْتَلِنَةٌ ، وَهُوَ غَيْرُ مَحْمود ، إِذْ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْقُولُنجُ ، أَوِ الْحَصاةُ ، أَوِ الْفَتْقُ ، أَوْ ضَعْفُ الْبَصَرِ ، فَإِنْ أَرَدْتَ ذلِكَ فَلْيَكُنْ فِي آخِرِ اللَّيْلِ ، فَإِنَّهُ أَصَحُ لِلْبَدَنِ ، وَأَذْكَى لِلْعَقْلِ فِي الْوَلَدِ .
وَلَا تُجامِع امْرَأَةٌ حَتَّى تُلاعِبَهَا ، وَتُكْثِرَ دُعابَهَا ، وَتُغْمَزَ ثَدْيَهَا ، فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ غَلَبَتْ شَهْوَتُها ، وَاجْتَمَعَ ماؤُها ، لأنَّ ماءَها يَخْرُجُ مِنْ ثَدْيها ، وَالشَّهْوَةُ تَظْهَرُ فِي وَجْهها وَعَيْنَيها ، وَاشْتَهَتْ مِنْكَ مِثْلَ الَّذِي تَشْتَهِيهِ مِنْهَا .
وَلَا تُجامِعِ امْرَأَةٌ إِلَّا وَهي طاهِرَةٌ ، فَإِذا فَعَلْتَ ذلِكَ فَلَا تَقُمْ قَائِماً ، وَلَا تَجْلِسْ جالِساً ، وَلكِنْ تَميلُ عَلَى يَمِينِكَ ، ثُمَّ انْهَضْ لِلْبَولِ مِنْ سَاعَتِكَ ، فَإِنَّكَ تَأْمَنُ مِنَ الْحَصاة ، ثُمَّ اغْتَسِلْ»(1).
لقد حفل حديث الإمام الا بالمناهج الصحية التي ينبغي أن تراعى في العملية الجنسيّة ، وقد أيّدت البحوث الطبية الحديثة ما أدلى به الإمام الله في هذا الموضوع .
15 - قال (علیه السّلام): «أَقْرَبُ ما يَكونُ الْعَبْدُ مِنَ الله تعالى إِذا خَفَّ بَطْنُهُ»(2).
إنّ عدم الشبع كما يكون له الأثر الفعّال في الصحة العامة كذلك له الأثر العميق في الاتصال بالله تعالى ، فإنّ الممتلئ من الطعام يكون محجوباً عن الله تعالى.
هذه بعض وصاياه الصحيّة التي كان يدلي بها في محاضراته .
تطرّق الإمام الصادق (علیه السّلام) في محاضراته إلى المطعومات من الخبز واللحوم والفواكه ، وعرض ما فيها من الفوائد الصحية ، وقد ذكرتها بصورة شاملة موسوعات الفقه والحديث ، ونذكر بعضها :
ووصف الإمام (علیه السّلام) خبز الأرز للمبطون ، قال : «أَطْعِمُوا الْمَبْطُونَ خُبْزَ الأَرز فَما دَخَلَ جَوْفَ الْمَبْطُونِ شَيْءٌ أَنْفَعُ مِنْهُ ، أَما إِنَّهُ يَدْبَعُ الْمَعِدَةَ ، وَيُسِلُ الدّاءَ سَلَا»(1).
ومرض الإمام (علیه السّلام) فاستعمل الأرز، وبرأ (علیه السّلام) مما كان يعانيه من وجع البطن(2).
وأثرت عن الإمام الصادق (علیه السّلام) في اللحم عدة أحاديث ، كان منها ما يلي :
قال : اللَّحْمُ . أَما تَسْمَعُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ : وَلَحْمِ طَيْرِ مِمَّا يَشْتَهُونَ(3).
روى مسمع أبو سيار ، قال : «إنّ رجلاً قال لأبي عبد الله (علیه السّلام): إن من قبلنا یروون انّ الله عزّ وجلّ يبغض البيت اللحم ، فقال : صَدَقوا ، وَلَيْسَ حَيْثُ ذَهَبوا. إِنَّ اللهَ يَبْغَضُ الْبَيتَ الَّذِي يُؤْكَلُ فِيهِ لحومُ النَّاسِ»(1).
روی محمّد بن عليّ بن الحسين ، قال : «قيل للصادق (علیه السّلام): بلغنا عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنه قال : إن الله تبارك وتعالى ليبغض البيت اللحم ، واللحم السمين .
فقال (علیه السّلام): إِنَّا لَنَأْكُلُ اللَّحْمَ وَنُحِبُّهُ ، وَإِنَّما عَنَى الْبَيْتَ الَّذِي يُؤْكَلُ فِيهِ لُحومُ النَّاسِ بِالْغِيْبَةِ ، وَعَنى بِاللَّحْمِ السَّمينِ الْمُتَبَخْتِرَ وَالْمُخْتالَ فِي مَشْيِهِ»(2).
قال (علیه السّلام): واللَّحْمُ يُنْبِتُ اللَّحْمَ ، وَمَنْ تَرَكَ اللَّحْمَ أَربعينَ صَباحاً ساءَ خُلُقُه»(3).
وكره الإمام الصادق (علیه السّلام) الإدمان على أكل اللحم ، وقال : «كانَ عَلِيٌّ (علیه السّلام) يَكْرَهُ إِدْمانَ اللَّحْم ، وَيَقولُ : إِنَّ لَهُ ضَرَاوَةٌ كَفَراوَةِ الْخَمْر»(4).
وروى إدريس بن عبد الله ، قال : كنت عند أبي عبد الله (علیه السّلام) فذكر اللحم ،فقال : كُلْ يَوْماً بِلَحْمٍ ، وَيَوْماً بِلَبَنِ ، وَيَوْماً بِشَيْءٍ آخَرَ»(5).
روى عمّار الساباطي ، قال : «سألت أبا عبد الله (علیه السّلام) عن شراء اللحم ، فقال : فِي كُلِّ ثَلاثٍ .
قلت : لنا أضياف وقوم ينزلون بنا ، وليس يقع منهم موقع اللحم شيء.
فقال : في كُلِّ ثَلاث.
قلت : لا نجد شيئاً أحضر منه ، ولو ائتدموا بغيره لم يعدّوه شيئاً .
فقال : في كُلِّ ثَلاث»(1).
وأثرت عن الإمام الصادق (علیه السّلام) كوكبة من الأحاديث في أكل السمك ، وهذه بعضها :
قال (علیه السّلام): «كَانَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) إِذا أَكَلَ السَّمَكَ قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ ، وَأَبْدِلْنَا بِهِ خَيْراً مِنْهُ»(2).
روى جناح عن مولى لأبي عبد الله (علیه السّلام)، قال : دعا بتمر فأكله ، ثمّ قال : ما بي شهْوَةٌ ، وَلَكِنِّي أَكَلْتُ سَمَكاً .
ثم قال : مَنْ باتَ وَفِي جَوْفِهِ سَمَكَ لَمْ يُنْبِعْهُ بِتَمْرِ أَوْ عَسَلٍ لَمْ يَزَلْ عِرْقُ الْفَالِجِ يَضْرِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يُصْبحَ»(3).
قال (علیه السّلام): «السَّمَكَ يُذيبُ الْبَدَنَ»(4).
ونقل الرواة مجموعة من الأحاديث التي وردت عن الإمام الصادق (علیه السّلام) في
(البيض) ، كان منها ما يلي :
روی مرازم ، قال : «ذكر أبو عبد الله (علیه السّلام) البيض فقال : أَما إِنَّهُ خَفِيفٌ يُذْهِبُ بِقَوْمٍ الخمِ»(1).
روی عبدالله بن سنان ، عن الإمام أبي عبد الله (علیه السّلام) أنه قال : «شَكا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِياءِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ قِلَّةَ النَّسْلِ ، فَقالَ : كُلِ اللَّحْمَ بِالْبَيْضِ»(2).
روى قيس بن عبدالعزيز عن الإمام أبي عبد الله (علیه السّلام)، قال : «مُخُ الْبَيْضِ خَفِيفٌ ، وَالْبَياضُ ثَقيل»(3).
روى محمد بن إبراهيم الجعفي ، عن الإمام أبي عبد الله (علیه السّلام)، قال : «مَنْ عُدِمَ الْوَلَدُ فَلْيَأْكُلِ الْبَيْضَ ، وَلْيُكْثِرُ مِنْهُ»(4).
ويرى الإمام (علیه السّلام) أن استعمال الجبن وحده من دون انضمامه إلى الجوز مضرّ بالصحة ، وأن الأولى انضمامهما معاً في الأكل.
قال (علیه السّلام): «الْجِبْنُ وَالْجَوْزُ إِذا اجْتَمَعا في كُلِّ واحِدٍ مِنْهُما شِفاءٌ ، وَإِنِ أَفَتَرَقا كانَ فِي كُلّ واحدٍ مِنْهُما داءٌ»(5).
وحت الإمام الصادق (علیه السّلام) على استعمال العسل ، وبيّن فوائده في كوكبة من أحاديثه ، منها ما يلي :
قال (علیه السّلام): «ما اسْتَشْفَى النَّاسُ بِمِثْلِ الْعَسَلِ»(1).
قال (علیه السّلام): «لَعْقُ الْعَسَلِ فِيهِ شِفاءٌ . قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ(2)»(3).
قال (علیه السّلام): «ما اسْتَشْفَى مَرِيضٌ بِمِثْلِ الْعَسَلِ»(4).
إنّ العسل يفيد في تنظيم حركة التنفّس ، وخاصة للمصابين بأمراض الصدر ، كما أنّ له تأثيراً في حالات الجفاف ، وصعوبة البلع ، والسعال ، كما يزيد في إفرازات الفم واللعاب، كذلك يفيد للمصابين بالاضطرابات الهضميّة والعصبية، وهو من أغنى الأغذية ، وذلك لما يحتويه من الحديد والكلس والفوسفور والكبريت(5).
أمّا الفواكه فهي من الأغذية الطبيعية ، وهي من العناصر المهمة في استقامة الجسم وصحته ، وقد حثّ الإمام الصادق (علیه السّلام) في محاضراته على استعمالها ، ونعرض لبعض ما أثر عنه فيها :
وأكد الإمام (علیه السّلام) على غسل الفاكهة قبل أكلهما ، وذلك خوفاً من أن يكون عليها بعض الميكروبات ، فتزول بالغسل ، كما أكد الإمام (علیه السّلام) على أكلها بقشرها ، فإنّه غنى بالفيتامينات .
يقول (علیه السّلام): «إِنَّ لِكُلِّ ثَمَرَةٍ سُمّاً ، فَإِذا أَتَيْتُمْ بها فَأَمِسُّوها الماءَ وَاغْمِسُوها الماء»(1)، يعني اغسلوها.
إن الفواكه لما كان مكشوفة فهي غير مأمونة من الإصابة بالجراثيم الموجودة في الهواء أو على أجسام الحشرات ، كالذباب الذي يقع على الثمرة .
وكان (علیه السّلام) يكره تقشير الثمرة ، كما روى ذلك عنه جعفر بن محمّد الأشعري(2)
وحثّ الإمام الصادق (علیه السّلام) على أكل الأترج ، وذلك لما فيه من الفوائد ، وإليكم بعض ما ورد عنه.
روى إبراهيم بن عمر اليماني ، قال : قلت لأبي عبد الله (علیه السّلام): إنّهم يزعمون أن الأترج على الريق أجود ما يكون .
فقال أبو عبد الله : إِنْ كانَ قَبْلَ الطَّعامِ خَيْراً ، فَبَعْدَ الطَّعامِ خَيْرٌ وَخَيْرٌ»(1).
قلت : يأمروننا به قبل الطعام .
قال : لكِنّي آمُرُكُمْ بِهِ بَعْدَ الطَّعامِ»(2).
الأترج من فضائل الثمار الحمضية ، وهو من الأدوية الشافية من عدد من الأوبئة والأمراض كالكوليرا ، والتيفوئيد ، والروماتيزم ، والنقرس ، وأمراض الكبد ، خصوصاً الإنفلوانزا ، فإنّه يوقف جراثيمها من الانتشار ، وهو غني بالفيتامينات التي منها «A» و «B» و «B2» و «B12» و«PP»، بالإضافة إلى الحديد والكلس والبوتاس والفوسفور والكربوهيدرات والبروتين والدهن(4).
قال (علیه السّلام): «كُلُوا الْبَطْبِخَ فَإِنَّ فِيهِ عَشْرَ خِصَالٍ مُجْتَمِعَةٌ : هُوَ شَحْمَةُ الْأَرْضِ ، لَا داءَ فِيهِ وَلَا عَائِلَةَ ، وَهُوَ طَعامٌ وَشَرابٌ ، وَهُوَ فاكِهَةٌ ، وَهُوَ رَيْحانٌ ، وَهُوَ إِشْنانُ ، وَإِدامَ ، وَيَزِيدُ في الْباءِ ، وَيَغْسِلُ الْمَثانَةَ ، وَيُدِرُّ الْبَوْلَ»(1).
أما البطيخ فهو غني بفيتامين «C» ويحتوي على الكبريت ، والفوسفور ، والكلور ، والسودا (الصودا) ، والبوتاس ، وعصيره يقي من التيفوئيد(2). وقد حذر الإمام (علیه السّلام) من استعماله على الريق ، وأفاد أنه يورث الفالج(3).
وأثرت عن الإمام (علیه السّلام) وكوكبة من الأحاديث في التفاح ، وهذه بعضها :
روى إسماعيل بن جابر ، قال : سمعت أبا عبد الله (علیه السّلام) يقول : «التَّفَاحُ نَضُوحُ(4)الْمَعِدَة»(5).
روى المفضل بن عمر ، قال : «ذكر الحمى عند أبي عبد الله (علیه السّلام) فقال : إِنَّا أَهْلَ بَيْتٍ لَا نَتَداوىٰ إِلَّا بِإِفاضَةِ الْمَاءِ الْبَارِدِ يُصَبُّ عَلَيْنا ، وَأَكْلِ التَّفَاحِ»(6).
قال (علیه السّلام): «أَطْعِمُوا مَحْمُوميكُمُ التَّفَاحَ ، فَما شَيْءٌ أَنْفَعُ مِنَ التَّفَاح»(1).
قال (علیه السّلام): «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما في التفاح ما داووا مَرْضاهُمْ إِلَّا بِهِ»(2).
قال (علیه السّلام): «وُعِكْتُ الْبارِحَةَ فَبَعَثْتُ إِلى هذا يعني التفاح الأخضر - لأَكْلِهِ اسْتَطْفِئُ بِهِ الْحَرارَةَ ، وَيُبَرِّدُ الْجَوْفَ ، وَيُذْهِبُ بِالْحُمّى»(3).
التفاح في مقدّمة الفواكه المغذية والشافية، وقد قيل عنها : إن تفاحة واحدة يتناولها المرء على ريقه لا تدع للطبيب طريقاً إليه ، فهو يساعد الهضم وذلك بكثرة اللعاب الذي يحصل منه ، وهو مخفّف لآلام الحمى ، ومهدئ للسعال ، كما هو مفيد لالتهاب الأعصاب الحاد أو المزمن، والوهن القلبي ، وأمراض الكبد ، وغير ذلك مما ذكره الأطباء(4).
وأثرت عن الإمام الصادق (علیه السّلام) كوكبة من الأحاديث في التمر ، كان منها :
قال (علیه السّلام): «ما قُدِّمَ إِلَى رَسولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) طَعَامٌ فِيهِ تَمْرٌ إِلَّا بَدَأَ بِالتَّمْرِ»(5).
قال (علیه السّلام): «قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إِنِّي لَأُحِبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ تَمْرِيَاً»(6).
قال (علیه السّلام): «خَيْرُ تُمورِكُمْ الْبَرْني ، يُذْهِبُ بِالدّاءِ ، لَا داءَ فِيهِ ، وَيُذْهِبُ بِالْإِعْياءِ ،
وَيُشيعُ ، وَيُذْهِبُ بِالْبَلْغَمِ ، وَمَعَ كُلِّ ثَمَرَةٍ حَسَنَةٌ وَيُمْرِى»(1).
قال (علیه السّلام): «الْعَجْوَةُ هِيَ أُمُّ التَّمْرِ الَّتي أَنزَلَها اللَّهُ لَآدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ»(2).
قال (علیه السّلام): «نِعْمَ التَّمْرُ الْعِرفانُ لا داءَ وَلَا عَائِلَةَ»(3).
قال (علیه السّلام): «مَنْ أَكَلَ سَبْعَ تَمْرَاتٍ عَجْوَةٌ عِنْدَ مَنامِهِ قَتَلتِ الدّيدانَ في بَطْنِهِ»(4).
وهناك كوكبة أخرى من الأخبار التى أثرت عن الإمام الصادق (علیه السّلام)، وهي تذكر الفوائد الصحيّة في التمر والرطب، وتحثّ على تناوله ، وقد ثبت في البحوث الطبية الحديثة أنّ التمر غني بالمواد الغذائيّة الضرورية للإنسان ، فهو يحتوي فيتامين «A» ، وهو موجود بنسبة عالية فيه ، وهو يحافظ على رطوبة العين وبريقها ، ويمنع الخوص ، وجحوظ الكرة العينية ، ويحقق في الطبقة المشيمية الداخلية للعين عملاً طبيعياً ، لأنه يعمل على تكوين الأرجوان الشبكي ، وبذلك يضاد الغشاوة الليلية ، ويجعل البصر نافذاً ثاقباً في الليل فضلاً عن النهار .
ويحتوي التمر على فيتامين «B1» وفيتامين «B2» وفيتامين «PP» ، ومن شأن هذه الفيتامينات تقوية الأعصاب، وتليين الأوعية الدموية ، وترطيب الأمعاء وحفظها من الالتهاب والضعف .
والتمر غني بالفوسفور بنسبة عالية ، فهو من أغنى الفواكه بهذه المادة التي تدخل في تركيب العظام والأسنان ، إلى غير ذلك من الفوائد التي ذكرها الأطباء(5).
وحثّ الإمام الصادق (علیه السّلام) على أكل الرمان ، وقد وردت عنه مجموعة من الأحاديث ، وهذه بعضها :
قال (علیه السّلام): «الْفاكِهَةُ عِشْرُونَ وَمانَةُ لَوْنِ ، سَيدها الرُّمَانُ»(1).
قال (علیه السّلام): «مَنْ أَكَلَ الرُّمَانَ طُرِدَ عَنْهُ شَيْطانُ الْوَسْوَسَةِ»(2)
قال (علیه السّلام): «مَنْ أَكَلَ رُمَانَةٌ نَوَّرَ اللهُ قَلْبَهُ ، وَطَرَدَ عَنْهُ شَيْطَانَ الْوَسْوَسَةِ أَربعينَ صباحاً»(3).
قال (علیه السّلام): «أَطْعِمُوا صِبْيانَكُمُ الرُّمَانَ ، فَإِنَّهُ أَسْرَعُ لِشَبابِهِمْ»(4).
الرمان من ألطف الفواكه ، ومن أكثرها فائدة للجسم ، فهو يساعد على هضم الطعام ، كما أنّ قشوره مما تساعد على طرد الدودة الوحيدة من الأمعاء ، حسبما ذكره الطب الحديث .
وحثّ الإمام الصادق (علیه السّلام) على تناول الزبيب ، وقد أثرت عنه بعض الأحاديث فيه ، كان منها :
الزبيب نوع من العنب المجفف ، ويحتفظ بأكثر خواصه ، وهو غني بالفيتامينات.
وحت الإمام الصادق (علیه السّلام) على أكل السفرجل ، وقد وردت عنه مجموعة من الأحاديث في فوائده كان منها :
قال (علیه السّلام): «مَنْ أَكَلَ سَفَرْجَلَةٌ عَلَى الرِّيقِ طابَ ماؤُهُ ، وَحَسُنَ وَلَدُهُ»(2).
قال (علیه السّلام): «أَكْلُ السَّفَرْجَلِ قُوَّةٌ لِلْقَلْبِ ، وَذَكاءً لِلْفَوَادِ ، وَيُشَجِّعُ الْجَبَانَ»(3)
قال (علیه السّلام): «السَّفَرْجَلُ يُفَرِّجُ الْمَعِدَةَ ، وَيَشُدُّ الْفُوْادَ ، وَمَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَا قَطُّ إِلَّا أَكَلَ السَّفَرْجَلَ»(4).
السفرجل من أهمّ الفواكه ، ومن أغناها بالفيتامين «A» و «B» ، ويوصف في تقوية القلب وإنعاشه ، وللمصابين بالسل ، وللأنزفة المعوية والمعدية ، وغيرها(5).
وكان الإمام الصادق (علیه السّلام) يحث على استعمال العنب ، فقال : «شَكا نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِياءِ إلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الْغَمَّ ، فَأَمَرَهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَكْلِ الْعِنَبِ»(6).
وقال (علیه السّلام): «كانَ عَليُّ بْنُ الْحُسَينِ (علیه السّلام) يُعْجِبُهُ الْعِنَبَ ، فَكانَ يَوْماً صائماً ، فَلَمّا أَفْطَرَ كانَ أَوَّلُ ما جاءَ بِهِ الْعِنَبُ ، أَتَتْهُ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ بِعُنْقودِ عِنَبٍ فَوَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيهِ ، فَجَاءَ سائِلٌ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ ، فَبَعَثَتْ أُمُّ وَلَدِهِ إِلَى السَّائِلِ فَاشْتَرَتْهُ مِنْهُ ، ثُمَّ أَتَتْهُ بِهِ ، فَجاءَ سائِلٌ آخَرُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، فَفَعَلَتْ أُمُّ الْوَلَدِ مِثْلَ ذلِكَ ، ثُمَّ أَتَتْهُ بِهِ فَجَاءَ سَائِلٌ آخَرُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، فَفَعَلَتْ اُمُّ الْوَلَدِ مِثْلَ ذلِكَ ، فَلَمّا كانَ فِي الْمَرَّةِ الرّابِعَةِ أَكَلَهُ»(1).
وكان (علیه السّلام) يتقدم إلى زائريه العنب(2)لأنه من الفواكه الجيّدة .
إن العنب من الفواكه المفيدة ، ومن فوائده العلاجية إنّه يوصف للحصاة الكبدية ، والحصاة البولية ، والنقرس ، والتسمّم المزمن بالزئبق والرصاص ، وبعض الأمراض الجلدية ، وبعض أنواع السلّ ، وازدياد الضغط الدموي ، وبول الدم ، وغير ذلك ، كما أنّ له الأثر في الوقاية من الإصابة بالسرطان .
ومن الجدير بالذكر أنّ الإصابة بالسرطان تكاد تكون معدومة في المناطق التي يكثر فيها إنتاج العنب(3).
وذكر الامام (علیه السّلام) في بحوثه الطبيّة الكمثرى ، وبين ما فيه من الفوائد ، قال (علیه السّلام): «كُلُوا الْكُمثرى فَإِنَّهُ يَجْلُو الْقَلْبَ ، وَيُسَكِّنُ أَوْجَاعَ الْجَوْفِ بِإِذْنِ اللهِ»(4).
وقال (علیه السّلام): «الْكُمثرى يَدْبَعُ الْمِعْدَةَ وَيُفَوَيْها ، وَهُوَ وَالسَّفَرْجَلُ سَواءٌ ، وَهُوَ عَلَى
الشَّبْعِ أَنْفَعُ مِنْهُ عَلَى الرِّيقِ ، وَمَنْ أَصابَهُ الطَّحَاءُ(1)فَلْيَأْكُلْهُ(2)، يعني على الطعام .
تحتوي الكمثرى على مواد معدنيّة وغذائيّة، وتحتوي على مقادير ضئيلة من الفيتامينات «A» و «B» و «C» ، ووصف كغذاء للأطفال والناقهين وضعيفي التغذية ، والمصابين بفقر الدم ، كما تفيد في حالات الإسهال ، وكسل الأمعاء ، وغير ذلك(3).
وعنى الإمام الصادق (علیه السّلام) بالموز ، وكان يقدّمه لزائريه ، فقد روى أبو أسامة ، قال : دخلت على أبي عبد الله (علیه السّلام) فقرب إلى موزاً فأكلته»(4).
الموز سكري الطعم ، وذو رائحة عطرية ، وغني بالفيتامينات التي يحتاج إليها جسم الإنسان ، وهو يمنع تصلب الكلى والشرايين ، وغير ذلك من الفوائد.
وندب الإمام الصادق (علیه السّلام) إلى أكل الخضروات ، وذلك لما فيها من عظيم الفائدة فقد روى حنان ، قال : «كنت مع أبي عبد الله (علیه السّلام) على المائدة فمال على البقل، وامتنعت أنا منه لعلّة كانت بي .
فالتفت إليَّ فقال : يا حَنَّانُ ، أَما عَلِمْتَ أَنَّ أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السّلام) لَمْ يُؤْتَ بِطَبَقٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ بقل ؟
قلت : ولم ؟
قال : لأنَّ قُلوبَ الْمُؤْمِنِينَ خَضِرَةٌ ، فَهِي تَحِنُّ إلى شكلها»(1).
ونعرض إلى بعض الخضروات التي حثّ الإمام (علیه السّلام) على استعمالها ، وهي :
ونقل الرواة عن الإمام الصادق الله كوكبة من الأحاديث في الباذنجان ، منها :
ذكره ابن سینا فقال عنه : «إنّه غذاء واف ، يطيب رائحة العرق ، ويشدّ المعدة ، ويدر البول ، ويقطع الصداع»(1).
وهو من النباتات ، وله بذر أسود ، وقد ندب الإمام (علیه السّلام) إلى استعماله ، قال (علیه السّلام): «كانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لا يُعْجِبُهُ الْبَاذُورِجَ»(2).
وحت الإمام على تناول الباقلا ، فقد قال (علیه السّلام): «أَكْلُ الْباقِلَا يُمَكِّخُ الساقينِ ، وَيَزيدُ في الدماغ ، وَيُولد الدَّمَ الطَّرِيَّ»(4).
وحت الإمام الصادق على أكل البصل ، ونقل الرواة عنه مجموعة من الأحاديث فيه ، وهذه بعضها :
قال (علیه السّلام): «كُلوا الْبَصَلَ فَإِنَّ فِيهِ ثَلاثَ خِصَالٍ : يُطَيِّبُ النَّكْهَةَ ، وَيَشُدُّ اللَّةَ ، وَيَزيدُ في الْمَاءِ وَالْجِماعِ»(1).
قال (علیه السّلام): الْبَصَلُ يُطَيِّبُ الْفَمَ ، وَيَشُدُّ الظُّهَرَ ، وَيُرقُ الْبَشَرَ»(2).
قال (علیه السّلام): «الْبَصَلُ يُطَيِّبُ النَّكْهَةَ ، وَيُذْهِبُ بِالْبَلْغَمِ ، وَيَزيدُ فِي الْجِماعِ»(3).
قال (علیه السّلام): «قالَ رَسولُ الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إِذا دَخَلْتُمْ بِلاداً فَكُلُوا مِنْ بَصَلِها يَطْرُدْ عَنْكُمْ وَباءَها(4).
أما منافع البصل وخواصه فهي كثيرة جداً ، وقد اكتشف الطب الحديث بعض فوائده التي منها قتله لجراثيم التيفوس، وتقويته للأعصاب ، وتغذيته للقدرة الجنسيّة ، وقتله للجراثيم المستوطنة في الفم والأمعاء ، كما يفيد المصابين بآفات القلب الوعائية ، وتحديده لنسبة السكر في الدم، وغير ذلك من الفوائد التي هي ضرورية لجسم الإنسان(5).
سئل الإمام الصادق (علیه السّلام) عن أكل الثوم والبصل والكراث ؟
فقال : «لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ نَيَا وَفِي الْقُدورِ ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُتَدَاوِى بِالنُّومِ ، وَلَكِنْ إِذا أَكَلَ
أَحَدُكُمْ ذلِكَ فَلَا يَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ»(1).
وهو من أعظم الخضروات فائدة للإنسان، ومن أكثرها عطاءً للصحة ، فهو ممّا يقي الأجسام من كثير من الأمراض ، فهو واق فعّال لتصلب الشرايين ، كما أنه نافع جداً لضغط الدم ، كما أنه يقضي على الديدان في الأمعاء ، خصوصاً الدودة الوحيدة ، وفي نفس الوقت هو مقو للأعصاب ، وقد ذكر المعنيون بالبحوث الطبية الكثير من الفوائد له(2).
وحذر الإمام (علیه السّلام) من تناول الجرجير ، وهو نبت حاد يلذع اللسان.
قال (علیه السّلام) محذراً من استعماله : «ما تَضَلَّعَ رَجُلٌ مِنَ الْجِرْجِيرِ بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ إِلَّا بات تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَنَفْسُهُ تُنازِعُهُ إِلَى الْجُذام»(3).
وقال (علیه السّلام): «مَنْ أَكَلَ الْجِرْجِيرَ بِاللَّيْلِ ضَرَبَ عَلَيْهِ عِرْقُ الْجُدَامِ مِنْ أَنْفِهِ ، وَباتَ يَنْزِفُ الدَّمَ»(4).
وأكد الطب الحديث نظرية الإمام (علیه السّلام)، وأنه ليس فيه أية فائدة .
وتحدث الإمام الصادق (علیه السّلام) عن فوائد الجزر ، فقال : «الْجِزَرُ أَمانٌ مِنَ الْقُولُنْحِ ، والبواسير ، وَيُعينُ عَلَى الجماع»(1).
يحتوي الجزر على كثير من الفيتامينات التي يحوّلها الكبد إلى مواد نافعة للجسم ، ويحتوي على الكبريت، والفوسفور ، والكلور ، والصوديوم ، والبوتاس والمغنسيوم، والكالسيوم ، والحديد، ويوجد فيه من الفيتامينات : «A» و «B1» «B2» و «C» و «E» و «PP» ، ويستخدم الجزر في جميع حالات الانهيار العصبي ، كما يفيد في حالات مرض السكر ، وله فوائد أخرى كثيرة ذكرها الأطباء(2).
وهو من أنواع النبات ، وقد حنّ الإمام الصادق (علیه السّلام) على استعماله.
قال : «الْحَوْلُ بَقْلَةُ الْأَنْبِياءِ ، أَما إِنَّ فِيهِ ثَمَانِ خِصَالٍ : يُمْرِيُّ ، وَيَفْتَحُ السُّدَدَ ، وَيُطَيِّبُ الْجُسْاءَ ، وَيُطَيِّبُ النَّكْهَةَ ، وَيُشَهي الطَّعامَ ، وَيُسِلُّ الدّاءَ ، وَهُوَ أمانٌ مِنَ الْجُذام، إِذا اسْتَقَرَّ فِي جَوفِ الْإِنْسانِ قَمَعَ الدّاءَ كُلَّهُ»(3)
حت الإمام الصادق (علیه السّلام) على أكل الخس ، فقال : «عَلَيْكُمْ بِالْخَسَّ فَإِنَّهُ يُطْفِي
(يُصَفّي) الدَّمَ»(1).
أما الخسّ فأوراقه غنيّة بفيتامين «A» وفيتامين «B1» و «C» وغيرها ، وهو يقوّي البصر والأعصاب ، وأوصى الأطباء بضرورة غسله قبل تناوله لأنه كثيراً ما يسقى بالمياه غير النظيفة التي تكون محتوية لأكياس الديزانتريا وبيوض الديدان وجراثيم التيفوئيد ، وغير ذلك من الجراثيم(2).
وحنّ الإمام الصادق (علیه السّلام) على أكل الزيتون ، وذلك لما فيه من الفوائد العظيمة ، فقد قال (علیه السّلام): «الزَّيتونُ يَزيدُ فِي الْمَاءِ»(3).
إنّ الزيتون يحتوي على جملة من الفيتامينات الضرورية للإنسان ، فهو يحتوي على فيتامين «D» ، وهو يقي الأطفال شرّ الكساح وتقوّس الساقين ، ومقو للنسل ، ويفيد الشيوخ القوّة الجنسيّة ، وهو من خيرة الأدوية الكبدية وغير ذلك من الفوائد(4).
وحثّ (علیه السّلام) على أكل الشلجم ، وأنّه يقي من الجذام ، وهذا بعض ما جاء عنه :
قال (علیه السّلام): «عَلَيْكُمْ بِالشَّلْجَم فَكُلُوهُ ، وَأَديموا أَكْلَهُ ، وَاكْتُمُوهُ إِلَّا عَنْ أَهْلِهِ ، فَمَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَبِهِ عِرْقٌ مِنَ الْجُذامِ ، فَأَذيبوهُ بِأَكْلِهِ»(1).
قال (علیه السّلام): «ما مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَبِهِ عِرْقٌ مِنَ الْجُذام ، فَكُلُوا الشَّلْجَمَ فِي زَمَانِهِ يُذْهِبْ بِهِ عَنْكُمْ»(2).
إلى غير ذلك من الأخبار التي أثرت عن الإمام (علیه السّلام) ، وهي تحثّ على أكل الشلجم نظراً لهذه الفائدة التي تترتب عليه.
وأعرب الإمام (علیه السّلام) عن فوائد العدس بقوله : «قال أميرُ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السّلام): أَكْلُ الْعَدَس يُرِقُ الْقَلْبَ ، وَيُسِرعُ الدَّمْعَةَ»(3).
وروى (علیه السّلام) أحاديث أخرى عن جده رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) مماثلة لهذا الحديث .
إنّ العدس ثري بالمعادن والفيتامينات، ففيه الحديد والفسفور والكالسيوم ، ويحتوي على فيتامين «B» ، وينفع في معالجة فقر الدم، وزيادة وزن الأطفال ، وغير ذلك من الفوائد المهمة التي ذكرها الطب الحديث(4).
ونقل الرواة عن الإمام الصادق (علیه السّلام) بعض الأحاديث في الفجل ، وهذه بعضها :
قال (علیه السّلام): «الْفِجْلُ أصولُهُ تَقطَعُ البَلْغَمَ ، وَلُبِّهُ يُهَضّمُ ، وَوَرَقَهُ يُحَدِّرُ الْبَوْلَ حَدْراً»(1).
روی حنان ، قال : «كنت مع أبي عبدالله ، على مائدة ، فناولني فجلة فقال : يا حَنّانُ ، كُلِ الْفِجْلَ ، فَإِنَّ فِيهِ ثَلاثَ خِصَالٍ : وَرَقُهُ يَطْرُدُ الرّيحَ ، وَلُبُهُ يُسَهِّلُ البَوْلَ ، وأصولُهُ تَقْطَعُ الْبَلْغَمَ»(2).
أما الفجل - حسب البحوث الطبية الحديثة - فهو غني بالفوائد ، فجذوره تحتوي على فيتامين «A» وفيتامين «C» ، وعلى حامض النيكوتنيك الواقي من مرض البلاغرا، وعلى الكالسيوم والحديد .
ونظراً لاحتوائه على فيتامين «C» فهو مقو للعظام، ومدر للبول ، ويفيد عصيره للمصابين بالحصيات الصفراوية ، ونوب الرمال البولية ، والنوب الكبدية ، وغير ذلك من الفوائد(3).
قال : «كانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) يَأْكُلُ القَتَاءَ بِالْمِلْحِ»(4).
وقال : «وإِذا أَكَلْتُمُ الْقَتَاءَ فَكُلُوهُ مِنْ أَسْفَلِهِ ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِبَرَكَتِهِ»(5).
يحتوى القثاء - وهو الخيار - على كميات من الفيتامينات ، منها : «A»
وفيتامين «C» ، وهو ينفع المصابين بالسمنة(1).
القرع نوع من أنواع اليقطين . قال الإمام الصادق (علیه السّلام) فيه : «الدباء - وهو اليقطين - يَزيدُ في الدماغ»(2).
وقال (علیه السّلام): «كان عيسى (علیه السّلام) يُعْجِبُهُ الدَّبَاءَ ، وَهُوَ الْقَرْعُ»(3).
وهو غني بالفيتامينات، خصوصاً «A» ، ويحتوي على الحديد والكلس، وبذوره تطرد الدودة الوحيدة من الأمعاء(4).
ندب الإمام الصادق (علیه السّلام) إلى أكل الكراث ، وذلك لما فيه من الفوائد الكثيرة ، وقد نقل الرواة عنه من الأخبار ما يلي :
الكراث من أغنى الخضروات في فوائده ، فله التأثير النافع على الأوتار الصوتية ، وجهاز التنفّس ، وتصلب الشرايين والروماتيزم والتهابات الكلى ، والمثانة ، والسمنة ، وغيرها(1).
دعا الإمام الصادق (علیه السّلام) إلى استعمال الكرفس في الطعام وذلك لما فيه من عظيم الفائدة .
قال (علیه السّلام): «قال رسول الله : الْكَرَفْسُ بَقْلَةُ الأنبياء»(2).
ويحتوي الكرفس على كثير من الفيتامينات التي هي ضرورة للبدن وهو دواء نافع لبعض الأمراض .
وأدلى الإمام (علیه السّلام) بالفائدة التي تترتب على أكل اللوبيا ، قال : «اللُّوبْيا تَطْرُدُ الرِّياح الْمُسْتَبْطَنَة»(3).
المُرّيُّ : وهو العفونة الخضراء التي تعلو الخبز وأمثاله إذا طرح في مكان مرطوب ، وقد استخرج منه (البنسلين) الذي هو من أعظم الأدوية وأكثرها فائدة
للإنسان ، وقد قضى على كثير من الأمراض ، كالتيفو والتيفوئيد والتهاب القروح والجروح ، والتهاب الرئة والأمعاء ، وغيرها ، وقد اكتشف الإمام العظيم هذه المادة النافعة ، قال (علیه السّلام): «إِنَّ يُوسُفَ لَمّا كانَ فِي السِّجْنِ شَكا إِلَى رَبِّهِ أَكْلَ الْخُبْزِ وَحْدَهُ ، وَسَأَلَ إداماً يَأْتَدِمُ بِهِ ، وَكانَ قَدْ كَثُرَ عِنْدَهُ قِطَعُ الْخُبْزِ الْيَابِسِ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْخُبْزَ وَيَجْعَلَهُ فِي حَابِيَةٍ ، وَيَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَالْمِلْحَ فَصارَ مُرِّيّاً ، وَجَعَلَ يَأْتَدِمْ بِهِ»(1).
وأثرت عن الإمام الصادق (علیه السّلام) كوكبة من الأحاديث في الحثّ على أكل الهندباء لأنها تعود بالمنافع على جسم الإنسان ، وهذه بعض الأحاديث :
قال (علیه السّلام) لبعض أصحابه : «عَلَيْكَ بِالْهِنْدَبَاءِ ، فَإِنَّهُ يَزيدُ في الماءِ ، وَيُحَسِّنُ الا الْوَلَدَ ، وَهُوَ حارٌ لَيِّنٌ يَزيدُ فِي الْوَلَدِ الذُّكورة»(2).
روى الله عن جده الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أنّه قال : «عَلَيْكُمْ بِالهِنْدَبَاءِ ، فَإِنَّهُ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ»(3).
قال : «الهندباء يُكثرُ الماء وَالْوَلَدَ»(4).
روى وضاح التمار ، قال : سمعت أبا عبد الله (علیه السّلام) يقول : مَنْ أَكْثَرَ أَكْلَ الْهِنْدَبَاءِ أيْسَرُ .
قال : قلت : إنّه يستمد .
قال : لَا تَعْدِلُ بِهِ شَيْئاً»(1).
قال (علیه السّلام): «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْثُرَ مَالُهُ وَوَلَدُهُ الذَّكُورُ فَلْيُكْثِرُ مِنْ أَكْلِ الْهِنْدَباءِ»(2).
قال (علیه السّلام): «مَنْ باتَ وفِي جَوفِهِ سَبْعُ طاقاتٍ (وَرَقَاتٍ) مِنَ الْهِنْدَبَاءِ أَمِنَ مِنَ الْقُولُنج لَيْلَتَهُ تِلْكَ إِنْ شاءَ الله»(3).
قال (علیه السّلام): «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكْثُرَ مالُهُ وَوَلَدُهُ فَلْيُدْ مِنْ أَكْل الهندباء»(4).
قال (علیه السّلام): «الْهِنْدَباءُ يَقْطُرُ فِيهِ مِنْ ماءِ الْجَنَّةِ»(5).
الهندباء من أغنى الخضروات بالفيتامينات، وهو ضروري للبدن ويقيه الكثير من الأمراض.
أما المواد الدهنية فإنّها عامل رئيسي في تغذية الجسم ، وإمداده بأسباب القوّة والنشاط ، كما صرح بذلك جماعة من الأطباء ، وخالفهم جمهور من الأطباء ، فقالوا : إنّ الأغذية الدهنية هي المسؤولة عن أكثر ما يصيب الإنسان من أمراض خطرة ، كنزيف الدماغ وتصلب الشرايين ، وغير ذلك من الأمراض الخطيرة .
وجمع بعض الأطباء بين القولين فقال : إنّ المواد الدهنية إذا أسيئ استهلاكها ، واستعملت بكمية كبيرة فإنّها تعود بالأضرار البالغة على جسم الإنسان ، وإذا استعملت بكميّة قليلة فإنّها تكون نافعة وضرورة لجسم الإنسان(1).
وعلى أي حال، فإنّا نعرض لما أثر عن الإمام الصادق (علیه السّلام) في أنواع الادهان ، وتحذيره من استعمالها لمن زاد سنّه على الخمسين عاماً ، وفيما يلي ذلك :
روى الإمام (علیه السّلام) عن جده الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) أنّه قال: «ادْهِنوا بِالزَّيْتِ، وَانْتَدِموا بِهِ ، فَإِنَّهُ دِهْنَةُ الْأَخْيَارِ ، وَإِدامُ الْمُصْطَفَينَ ، سَبَّحَتْ بِالْقُدْسِ مَرَّتَينِ ، بُورِكَتْ مُقْبِلَةٌ ، وَبُورِكَتْ مُدْبِرَةٌ ، لَا يَضُرُّ مَعَها داءٌ»(2).
إنّ دهن الزيت خالٍ من الأضرار ومفيد للجسم ، ويقي الإنسان الكثير من العلل والأمراض.
قال : قال أميرُ الْمُؤمنين : سُمُونُ الْبَقَرِ شِفاءٌ»(1).
وحذر الإمام (علیه السّلام) من أكل السمن للشيوخ لأنه يعود عليهم بالأضرار البالغة ، وفيما يلي بعض ما أثر عنه :
روى حمّاد بن عثمان ، قال : كنت عند أبي عبد الله (علیه السّلام) فكلمه شيخ من أهل العراق فقال : ما لي أَرى كَلامك مُتَغَيّراً ؟
فقال : سقطت مقاديم فمي فنقص كلامي ، إلى أن قال : عَلَيْكَ بِالنَّرِيدِ ، فَإِنَّهُ صالح ، وَاجْتَنِبِ السَّمْنَ فَإِنَّهُ لا يُلائِمُ الشَّيْخَ»(3).
قال (علیه السّلام): «السَّمْنُ ما أُدْخِلَ جَوفٌ مِثْلَهُ ، وَإِنِّي لَأَكْرَهُهُ لِلشَّيْخِ»(4).
إنّ السمن للشيوخ يعرّضهم للأمراض الخطيرة ، كالذبحة الصدرية ، وارتفاع ضغط الدم ، وتصلّب الشرايين ، وغير ذلك .
وحنّ الإمام (علیه السّلام) على تناول بعض المشروبات النافعة؛ وذلك لما فيها من الفوائد الكثيرة ، وهذه بعضها :
وأثرت عن الإمام (علیه السّلام) مجموعة من الأحاديث في اللبن الذي هو من أعظم المشروبات فائدة للإنسان ، وفيما يلي بعض أحاديثه فيه :
قال (علیه السّلام): «اللَّبَنُ طَعامُ الْمُرْسَلِينَ»(1).
قال (علیه السّلام): «كانَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله و سلم) إِذا شَرِبَ اللَّبَنَ قالَ: اللهم بارك لنا فيهِ وَزِدْ»(2).
قال رجل للإمام : «إنّي أكلت لبنا فضرني ، فقال له أبو عبد الله (علیه السّلام): لا والله ما ضَرَّ قَطُّ ، وَلكِنَّكَ أَكَلْتَهُ مَعَ غَيْرِهِ فَضَرَّكَ الَّذِي أَكَلْتَهُ ، فَظَنَنْتَ أَنَّ ذلِكَ مِنَ اللَّبَنِ»(3).
قال (علیه السّلام) : «قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَغُصُّ بِشُرْبِ اللَّبَنِ لأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ(4)»(5).
روى أبو الحسن الأصفهاني ، قال : «كنت عند قال : «كنت عند أبي عبد الله (علیه السّلام) فقال له رجل وأنا أسمع : إني أجد الضعف في بدني .
فقال : عَلَيْكَ بِاللَّبَنِ ، فَإِنَّهُ يُنْبِتُ اللَّحْمَ ، وَيَشُدُّ الْعَظْمَ»(1).
لقد أولى الإمام اللام المزيد من الاهتمام في اللبن الذي هو من أهم الأغذية ، ومن أكثرها عطاء لجسم الإنسان ، وقد أثبتت البحوث الطبية الحديثة ما قاله الإمام الله ، فقد أعلن العالم الروسي «متشينكوف» أنّ المثابرة على تناول اللبن الرائب تطهر الأمعاء من الجراثيم ، وتحول دون حدوث التخمرات والتفسخات المؤدية إلى التسمم ، كما تؤخر أعراض الشيخوخة المتمثلة في الوهن والتصلب والجفاف ، وقد طبق «متشينكوف» هذه الآراء على نفسه ، فأقبل على تناول اللبن بمقادير كبيرة . وهكذا انتقلت هذه الآراء من حيّز البحث والدراسة إلى حيّز الصناعة التجارية ، فقد ظهرت في الأسواق حبوب من خميرة اللبن يصفها الأطباء للذين يشكون تعفن الأمعاء(3).
إلى غير ذلك من الفوائد المهمة التي ذكرها الأطباء .
وهو من المشروبات الرائجة في عصر الإمام (علیه السّلام)، وهو إما أن يتخذ من العدس ، أو الشعير ، وقد نقل الرواة عن الإمام طائفة من الأخبار في فوائده ، كان منها ما يلي :
قال (علیه السّلام): «اسقوا صبيانَكُمُ السَّويقَ في صِغَرِهِمْ ، فَإِنَّ ذلِكَ يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَيَشُدُّ الْعَظْمَ»(1).
قال (علیه السّلام) : «السويقُ طَعامُ الْمَرسَلينَ ، أو قال : «طَعامُ النَّبيِّينَ»(2).
قال (علیه السّلام): « السويقُ يُجَرِّدُ الْمُرَّةَ وَالْبَلْغَمَ مِنَ الْمَعِدَةِ جَرْداً ، وَيَدْفَعُ سَبْعِينَ نَوعاً مِنْ أَنواع الْبَلاء»(3).
إلى غير ذلك من الأخبار التي نقلت عنه ، وهي تكشف عن عن عظيم الفائدة في شرب السويق ، سواء اتخذ من الشعير أم من العدس ، فإنّ كلاً من هذين النوعين يحتوي على جملة من الفيتامينات ذكرها الأطباء والمحدّثون .
أما المشروبات الضارّة للجسم ، فهي محرمة في الإسلام ، فليس للمسلم أن يستعمل ما يضر صحته ، ومن أبرز المشروبات الضارّة :
وشنّ الإمام الصادق (علیه السّلام) حملة شعواء على الخمر لأنّه مما يوجب انهيار الصح ، ويعرّض الإنسان للأخطار الهائلة ، وقد أدلى (علیه السّلام) بكوكبة من الأحاديث في تحريمها ، كان من بينها ما يلي :
قال (علیه السّلام): «الشَّرابُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٌّ ، وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنِ ، وَإِنَّ الْخَمْرَ رَأْسُ كُلِّ إِثْمٍ ، وَشارِبُها مُكَذِّبٌ بِكِتابِ اللهِ لَوْ صَدَّقَ كِتابَ اللَّهِ حَرَّمَ حَرَامَهُ»(1).
قال (علیه السّلام): «شُرْبُ الْخَمْرِ مِفْتاحُ كُلِّ شَرَّ»(2).
قال المفضّل بن عمر : «قلت لأبي عبد الله (علیه السّلام): لم حرم الله الخمر ؟
قال : حَرَّمَ اللهُ الْخَمْرَ لِفِعْلِها وَفَسادِها؛ لأنَّ مُدْ مِنَ الْخَمْر تُورثُهُ الارْتِعاشَ ، وَتُذْهِبُ بِنُورِهِ ، وَتُهَدِّمُ مُرُوَّتَهُ ، وَتَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يَجْسُرَ عَلَى ارْتِكابِ الْمَحارِمِ ، وَسَفْكِ الدّماءِ ، ورُكوب الزنا ، وَلَا يُؤْمِنَ إِذا سَكَرَ أَنْ يَيْبَ عَلى حُرَمِهِ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ ذلِكَ ، وَلَا يَزيدُ شاربها إلا كُلَّ شَره(3).
قال (علیه السّلام): «مُدْمِنُ الْخَمْرِ يَلْقَى اللَّهَ يَوْمَ يَلْقاهُ كَعَابِدِ وَثَنِ»(1).
قال (علیه السّلام): «ثَلاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ : السَّفَالُ لِلدَّمِ ، وَشارِبُ الْخَمْرِ ، وَمَشَاءٌ بالنَّميمَةِ»(2).
أما الأضرار الصحيّة الناجمة من تناول الخمر فهي فظيعة وهائلة ، ومن بينها ما يلي :
1 - تضخم في الكبد يؤدّي إلى الاستسقاء .
2 - التهاب في الكليتين يؤدّي إلى تسمم عام في الجسم .
3- الصرع .
4 - الفالج .
5 - الخبل والجنون .
6 - اضطراب عصبي عام .
7- ضعف الرئتين يعرّضها لداء السلّ .
8 - عدم استطاعة المدمن لمقاومة الأمراض الفتاكة ، كالتيفو والتيفوئيد ، والالتهاب السحائي ، فإذا أصيب المدمن بمثل هذه الأمراض فإنّ المضادّة الحياتية كالبنسلين وغيرها لا تجد معه شيئاً . إلى غير ذلك من الأمراض والأخطار التي يصاب بها المدمن ، وقد أحصاها بعض أعلام الطب إلى ثمانية عشر مرضاً(3).
وبهذا العرض الموجز ينتهي بنا الحديث عن طبّ الإمام الصادق (علیه السّلام).
وتناول الإمام الصادق (علیه السّلام) في محاضراته وبحوثه الكثير من المسائل الكلامية المعقدة ، خصوصاً في قضايا التوحيد ، فقد احتدم فيها النزاع والجدال في ذلك العصر ، الذي شاعت فيه الشبه التي أثارها الحاقدون على الإسلام ، أمثال : عبد الكريم بن أبي العوجاء ، وغيره من دعاة الإلحاد في العالم العربي والإسلامي .
وقد تصدّى الإمام (علیه السّلام) وتلاميذه المتخصصون بهذه البحوث إلى إبطال شبههم ، وتفنيد أوهامهم بالحجج الدامغة ، والبراهين الساطعة التي لا مجال للريب والشك فيها ، أما الأدلة التي أقامها الإمام (علیه السّلام) في مسائل التوحيد فهي على قسمين ، وهما :
وهي التي تستند إلى المحسوسات في إثبات خالق الكون ، وواهب الحياة ، وقد سلك الإمام بذلك مسلك القرآن الكريم الذي أقام كوكبة من الأدلة الوجدانية على توحيد الله ، كان منها :
1 - قوله تعالى : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْل(1).
2 - قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(2).
3 - قوله تعالى : خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(1).
4 - قوله تعالى : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ(2).
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي قدمت الأدلة الحسية على وجود الله تعالى مدبّر الكون ومبدع الخلق ، وقد اتبع الإمام (علیه السّلام) هذه الطريقة في أدلته التي أقامها على بطلان شُبه ابن أبي العوجاء .
وأقام الإمام الصادق (علیه السّلام) مجموعة من الأدلة العقلية على توحيد الله تعالى ، وبطلان ما يذهب إليه الملاحدة ، فإنّه تترتب على ما يذهبون إليه من اللوازم الفاسدة التي لا مجال للالتزام بها ، وسنعرض لها .
أمّا توحيد المفضّل فقد أملاه الإمام الصادق (علیه السّلام) على تمليذه المفضّل بن عمر الجعفي الكوفي ، حينما عرض عليه عبدالكريم بن أبي العوجاء وجوقة من الملاحدة بالحرم النبوي المقدّس ، فنال ابن أبي العوجاء من شخصية النبي العظيم (صلی الله علیه و آله و سلم)، وتكلم زوراً وبهتاناً ، وزعم أنه لا خالق ولا مدبّر لهذا الكون ، فضاق المفضّل ذرعاً ، وضاقت عليه الأرض إذ لم يكن هناك ركن شديد يأوي إليه ، فيما إذا انتقم منه ، كما أنّه لم تكن عنده بضاعة علمية يستطيع أن يحاجج بها ابن أبي العوجاء ، وخف مسرعاً إلى الإمام الصادق (علیه السّلام)، وطلب منه أن يزوّده بأدلّة علمية يستطيع أن يخاصم بها الملاحدة ويثبت بها عقيدته ، فأجابه الإمام إلى ذلك ، فأملى عليه هذا الكتاب في أيام متعددة ، وهو من أهم الكتب التي ألفت في هذا الموضوع ، كما أنه من أكثرها استيعاباً وشمولاً للأدلة الحسية في قضايا التوحيد .
ومن الجدير بالذكر أنّ هذا الكتاب قد فتح آفاقاً كبيرة لكثير من العلوم ، لم يعرفها الناس من قبل ، ونقدّم عرضاً لبعض فصول هذا الكتاب .
ولا بد لنا من وقفة قصيرة أمام هذا الكنز العلمي الذي هو من ذخائر التراث الإسلامي ، وفيما يلي نماذجاً منه :
أمّا وجود الخالق العظيم فهو من البديهات التي لا يشك فيها إلا من أظلمت نفسه ، وزاغ عليها الباطل ، وتردّى في هوّة سحيقة من الجهل ما لها من قرار ، وقد تحدّث الإمام الصادق (علیه السّلام) عن منشأ الشك في الله تعالى وجحوده .
قال (علیه السّلام)
«إنّ الشُّكَاك جهلوا الأسباب والمعاني في الخلقة ، وقصرت أفهامهم عن تأمل الصواب والحكمة فيما ذرأ(1)الباري ، وبرأ(2)من صنوف خلقه البرّ والبحر ، والسهل والوعر ، فخرجوا بقصر عقولهم إلى الجحود وبضعف بصائرهم إلى التكذيب والعنود ، حتّى أنكروا خلق الأشياء ، وادعوا أن تكوّنها بالإهمال ، ولا صنعة فيها ، ولا تقدير ، ولا حكمة من مدبّر ، ولا صانع ، تعالى الله عما يصفون ، وقاتلهم أنى يؤفكون ، فهم في ضلالهم وغيهم وتجبرهم بمنزلة عميان دخلوا داراً قد بنيت أتقن بناء وأحسنه ، وفرشت بأحسن الفرش وأفخره ، وأعد فيها ضروب الأطعمة والأشربة والملابس والمآرب التي يحتاج إليها ، ولا يستغني عنها ووضع كلّ شيء من ذلك موضعه على صواب من التقدير ، وحكمة من التدبير ، فجعلوا يتردّدون فيها يميناً وشمالاً، ويطوفون بيوتها إدباراً وإقبالاً ، محجوبة أبصارهم عنها ، لا يبصرون بنية الدار ، وما أعد فيها ، وربما عثر بعضهم بالشيء الذي قد وضع موضعه ، وأعد للحاجة إليه ، وهو جاهل للمعنى فيه ، ولما أعدّ ولماذا جعل ذلك ؟ فتذمر وسخط
وذم الدار وبانيها . فهذه حال هذا الصنف في إنكارهم ما أنكروا من أمر الخلقة وثبات الصنعة ، فإنّهم لما غربت(1)أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في الأشياء صاروا يجولون في هذا العالم حيارى فلا يفهمون ما عليه من اتقان خلقته ، وحسن صنعته ، وصواب هيئته».
إنّ السبب في شك الكافرين بالله تعالى ناجم عن الجهل المطبق الذي استوعب آفاق نفوسهم، وتركهم يتخبّطون في مجاهل هذه الحياة ، كالحيوانات السائحة بل هم أضل سبيلاً منها ، فلم يتدبروا خلق أنفسهم ، وما فيها من الأجهزة المذهلة ، ولم يبصروا ما في الكون من عجائب مخلوقات الله تعالى المنتشرة في البر والبحر ، والسهل والوعر .
لقد عميت بصائرهم ، وضلّت عقولهم ، وهاموا في تيارات من الجهل ، فجحدوا خالق هذه العوالم ومدبرها ، ومبدع خالقها ، وقد انتهى الجهل ببعض هؤلاء الملحدين إلى إعلان الكفر وسبّ الله تعالى.
وقد تحدث الإمام (علیه السّلام) عنهم :
قال (علیه السّلام)
«وربما وقف بعضهم على الشيء بجهل سببه ، والإرب(2)فيه ، فيسرع إلى ذمّه ووصفه بالإحالة والخطأ ، كالذي أقدمت عليه المانية الكفرة ، وجاهرت به الملحدة المارقة الفجرة ، وأشباههم من أهل الضلال والمعللين أنفسهم بالمحال»(3).
لقد عرض الإمام (علیه السّلام) في هذا المقطع إلى فريقين من الكفرة الملحدين ، وهما :
وهم أتباع ماني بن فاتك الفارسي ، وقد ظهر في أيام الملك شابور الساساني . ومن مبتدعاته أنّ للعالم أصلين: الظلمة والنور ، وهما أزليّان ، وزعم أن عيسى (علیه السّلام) جاء ليبشِّر بظهور ماني ، وقد دان قسم من الجهال بمذهبه ، وقد أباح كلّ ما حرمته الشرائع السماوية .
وهؤلاء قد جحدوا الله تعالى ، فزعموا أن الدهر هو المدبر للعالم والمؤثر فيه ، وكفروا بما أتت به الأديان من وجود مدبّر ومبدع وخالق لهذه الأكوان ، وقد وصفهم الإمام (علیه السّلام) بالملحدة المارقة الفجرة ، فقد تنكر هؤلاء الوحوش لعقولهم ، وتنكروا للبديهيات والضروريات التي تنادي بوجود الله تعالى ، فكلّ ذرّة في هذا الكون هي من أدلة التوحيد وشواهده .
وأقام الإمام (علیه السّلام) وكوكبة من الأدلة الحسية على وجود الله تعالى ، وزيف ما يذهب إليه الملحدون ، وهذه بعضها :
إنّ من أروع الأدلّة ، وأكثرها أصالة على وجود الخالق العظيم هو نظام الكون الدقيق البالغ منتهى الحكمة ، ففي شمسه وقمره وليله ونهاره ، وجباله وسهله ، آيات بينات تدلّ على وجود الخالق العظيم . انظروا ما يقوله الإمام :
قال (علیه السّلام)
«أوّل العبر والدلالة على الباري جلّ قدسه ، تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ، ونظمها على ما هي عليه ، فإنّك إذا تأملت العالم بفكرك ، وخبرته بعقلك ، وجدته كالبيت المبنى ، المعد فيه جميع ما يحتاج إليه عباده ، فالسماء مرفوعة كالسقف ، والأرض ممدودة كالبساط ، والنجوم مضيئة كالمصابيح ، والجواهر مخزونة كالذخائر ، وكلّ شيء فيه لشأن معد ، والإنسان كالملك لذلك البيت ، والمخول جميع ما فيه ، وضروب النبات مهيئة لمآربه ، وصنوف الحيوان معروفة في مصالحه ومنافعه ، ففى هذا دلالة واضحة على أنّ العالم مخلوق بتقدير وحكمة ، ونظام ومُلائمة ، وأنّ الخالق له واحد ، وهو الذي ألفه ، ونظمه بعضاً إلى بعض جل قدسه ، وتعالى جده ، وكرم وجهه ، ولا إله غيره ، وتعالى عما يقول الجاحدون ، وجلّ وعظم عمّا ينتحله الملحدون».
إن الإنسان إذا تأمل وفكر في هذا العالم المحكم في تركيبه لقاده ذلك إلى الإيمان
المطلق بوجود الخالق العظيم ، فكل ما في الكون من كائنات حية وغير حية تدلل على وجود منشئها ومبدعها ، وإن من المهازل جحود الله ، وعدم الإيمان به ، مع أنه أبرز الحقائق الظاهرة التي لا خفاء ولا التباس فيها .
من الآيات البينات على وجود الخالق الكريم خلقه للإنسان الذي هو من أعظم الكائنات الحيّة ، وذلك بما فيه من الأجهزة المذهلة بالإضافة إلى بدائع صنعه
وتركيبه .
إنّ الإنسان لو تأمل في خلق نفسه لآمن إيماناً مطلقاً بوجود خالقه تعالى فقد جاء في الحديث : «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ» ، وقد تحدّث الإمام (علیه السّلام) بصورة موضوعية وشاملة عن تكوين الإنسان، وما فيه من الأجهزة والأعضاء ، وفيما يلي بعض الجوانب من حديثه :
قال الإمام الصادق (علیه السّلام) في حديثه مع المفضّل:
«نبدأ يا مفضل بذكر خلق الإنسان ، فاعتبر به ، فأول ذلك ما يدبر به الجنين في الرحم ، وهو محجوب في ظلمات ثلاث : ظلمة البطن ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة(1)، حيث لا حيلة عنده ، ولا دفع أذى ، ولا استجلاب منفعة ، فإنّه يصل إليه من دم الحيض ما يغذيه ، كما يغذو الماء النبات ، فلا يزال ذلك غذاؤه».
وحكى هذا المقطع تكوين الجنين في بطن أمه ، وأنه محاط بظلمات ثلاث : وهي : احتواء المشيمة له بما فيها من السائل الأمينوسي ، واحتواء الرحم على المشيمة ، واحتواء البطن على الرحم ، وهي جميعاً تحجب وصول النور إليه .
1) المشيمة : غشاء ولد الإنسان .
إنّ المشيمة هي المصفاة الأمينة والمغذية والمديرة لحياة الجنين ، فهي التي تمتص الدم من رحم الأم ، وتدفعه إلى دوران الجنين .
وأما السائل الأمينوسي فإنّ فائدته أنه يحيط بالجنين من كلّ جهة ويجعله بحالة سابح فيه مما يقيه من الرضوض التي يتلقاها الرحم خاصة ، كما يسهل حركة الجنين ، وله فوائد أخرى ذكرها الطب الحديث بالتفصيل(1).
وأمّا غذاء الجنين في بطن أمه ، فإنّه يتغذى من دم الحيض ، وبه قوام حياته .
قال (علیه السّلام)
«حتّى إذا كمل خلقه - أي خلق الجنين - واستحكم بدنه ، وقوي أديمه(2)على مباشرة الهواء ، وبصره على ملاقاة الضياء ، هاج الطلق بأمه فأزعجه أشد الازعاج وأعنفه وأعنفه...».
إن الجنين إذا استحكم بدنه في تشكيلاته العضوية ، وصار بدنه قادراً على مقاومة الهواء الخارجي ، واشتدّ بصره على مجابهة الضياء ، فيهيج الطلق بأمه ، ويزعجها كأشدّ ما يكون الازعاج وأعنفه ، وتعاني من الآلام المريرة ما لا يوصف ، حتّى تلد ، وما أن ترى المولود إلى جانبها حتى تنسى كلّ ما عانته من الآلام في سبيل هذه الثمرة العزيزة التى هى امتداد لحياتها ، وذكر الطب الحديث أموراً عجيبة في عمليات الولادة ، وهي من صنع الخالق العظيم واهب الحياة .
وعرض الإمام (علیه السّلام) إلى غذاء الطفل بعد ولادته .
قال (علیه السّلام)
«فإذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم أمه إلى ثديها ، وانقلب الطعم واللون إلى ضرب آخر من الغذاء ، وهو أشدّ موافقة للمولود من الدم ، فيوافيه وقت الحاجة إليه ...».
إنّ الجنين إذا ولد وانفصل عن أمّه انتقل دم الحيض الذي كان ينصب في رحم الأم لتغذية الجنين إلى عروق الثديين ، فيدخل في خلاياهما ، ويتحوّل إلى لبن حافل بجميع مقوّمات الغذاء التي يحتاج إليها الطفل ، وهو في نفس الوقت معقم خال من الجراثيم ، ويعطي الطفل مناعة مهمة، وهذا كله من رحمة الله بهذا المخلوق الضعيف .
ولنستمع إلى سيد قطب وهو يتحدّث عن الإعجاز في خلق اللبن عند الآية الكريمة : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُم مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّاريينَ(1).
فهذا اللبن الذي تدرّه ضروع الأنعام ممّ هو ؟ إنه مستخلص من بين فرث ودم ، والفرض ما يبقى في الكرث بعد الهضم ، وامتصاص الأمعاء للعصارة التي تتحوّل إلى دم ، هذا الدم الذي يذهب إلى كلّ خليّة في الجسم ، فإذا صار إلى غدد اللبن في الضرع تحوّل إلى لبن ببديع صنع الله العجيب الذي لا يدري أحد كيف يكون .
1) النحل 16: 66.
وعمليّة تحوّل الخلاصات الغذائية في الجسم إلى دم ، وتغذية كلّ خليّة بالمواد التي تحتاج إليها من مواد هذا الدم، عمليّة عجيبة فائقة العجب ، وهي تتم في الجسم في كلّ ثانية ، كما تتم عملية الاحتراق. وفي كل لحظة تتم في هذا الجهاز الغريب عمليات هدم وبناء مستمرة لا تكف حتى تفارق الروح الجسد . ولا يملك إنسان سوى الشعور أن يقف أمام هذه العمليات العجيبة ، لا تهتف كل ذرّة فيه بتسبيح الخالق المبدع لهذا الجهاز الإنساني الذي لا يقاس إليه أعقد جهاز من صنع البشرية ولا إلى خليّة واحدة من خلاياه التي لا تحصى(1).
قال (علیه السّلام)
فحين يولد ، قد تلمظ(2)وحرّك شفتيه طلباً للرضاع ، فهو يجد ثدي أمه کالادواتین(3)المعلقتين لحاجته ، فلا يزال يغتذي باللبن ما دام رطب البدن رقيق الأمعاء ليّن الأعضاء».
إنّ من ألطاف الله تعالى على الطفل أن هيّأ له آلة الرضاع من دون تعليم أمّه ، فتناوله الثدي ليرضع منه ، ومن العجيب أنه في المرحلة الأولى من ولادته يحوّل الله تعالى اللبن إلى سائل صمغي يعقم أمعاء الطفل ، ويصلح معدته وأمعاءه ، ثمّ يتحوّل تدريجاً إلى اللبن ، ويقوى اللبن ، وتزداد المواد الغذائية فيه كلّما يكبر الطفل .
وعرض الإمام (علیه السّلام) إلى خروج الأسنان :
قال (علیه السّلام)
«حتى إذا تحرّك ، واحتاج إلى غذاء فيه صلابة ، ليشتد ويقوى بدنه طلعت الطواحن(1)من الأسنان ، والأضراس ليمضغ بها الطعام فيلين عليه ، ويسهل له إساغته ، فلا يزال كذلك».
إن الطفل إذا كبر ونما واشتدت أعضاؤه فإنّه يحتاج إلى غذاء أكثر قوامً له ، فإنّ حكمة الخالق العظيم تمنحه الأسنان لتعينه على هضم الطعام الذي يحتاجه مع الحليب ، وبذلك تكمل تغذيته ، ومضافاً لذلك فإنّها حلية للفم والوجه ، وواسطة في تجميل الألفاظ ، واستقامة الكلام ، وهي مخارج أكثر الحروف وعليها مدار حركة اللسان في الفم .
1) الطواحن: الأضراس .
وبين الإمام (علیه السّلام) الحكمة في طلوع الشعر في وجه الرجل دون المرأة .
قال (علیه السّلام)
«فإذا أدرك - يعني الطفل - وكان ذكراً طلع الشعر في وجهه ، فكان ذلك علامة الذكر ، وعزّ الرجل الذي يخرج به من حدّ جده الصبا وشبه النساء . وإن كانت أنثى يبقى وجهها نقيّاً من الشعر لتبقى لها البهجة والنضارة التي تحرّك الرجل ما فيه دوام النسل وبقاؤه» .
إن نبات الشعر في وجه الرجل علامة على بلوغه ، وهو في نفس الوقت يكون علامة لرجولته التي يمتاز بها عن الأنثى ، كما أنه يخرج به عن حدّ الصبا ومشابهة النساء ، أما المرأة فإنّ الحكمة الإلهيّة اقتضت بأن يكون وجهها نقيّاً من الشعر ، صافياً جميلاً ليكون علامة لأنوثتها ، كما تكون نضارتها محرّكة لشهوة الرجل ، وموقظة لغرائزه الجنسيّة ، وفي ذلك بقاء للنوع الإنساني ، ودوام للنسل ، ولولا ذلك لانعدم الإنسان ، وانطوى النسل ، فسبحان الله المصوّر والمبدع لخلق الأشياء .
وتحدّث الإمام (علیه السّلام) عن الحكمة في تركيب الإنسان ، والتي تدل على عظم الخالق الذي صوّر الإنسان بأحسن صورة، وفيما يلي بعض ما ذكره في توحيد المفضّل.
قال (علیه السّلام)
«انظر یا مفضّل ما خص به الإنسان في خلقه تشرّفاً وتفضلاً على البهائم ، فإنّه خلق ينتصب قائماً ، ويستوي جالساً، ليستقبل الأشياء بيديه وجوارحه ، ويمكنه العلاج والعمل بهما ، فلو كان مكبوباً على وجهه كذوات الأربع لما استطاع أن يعمل شيئاً من الأعمال».
لقد خلق الله الإنسان منتصب القامة ، مرتفع الرأس ، ولم يخلقه كسائر البهائم يمشي على أربع أو على بطنه . قال تبارك وتعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقويم(1)
وقال : وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ(2).
ولما كان الإنسان منتصب القامة أمكنه أن يؤدّي أعماله ، ويقوم بأداء واجباته، وما تطلبه حياته ، ولو كان مكبوباً على وجهه لعسر عليه أو تعذر أداء أي عمل من أعماله ، فتبارك الله أحسن الخالقين.
قال (علیه السّلام)
«انظر الآن يا مفضّل إلى هذه الحواس التي خص بها الإنسان في خلقه ، وشرف بها على غيره ، كيف جعلت العينان في الرأس كالمصابيح فوق المنارة ليتمكن من مطالعة الأشياء ، ولم تجعل في الأعضاء التي تحتهنّ ، كاليدين والرجلين ، فتعترضها الآفات ، ويصيبها من مباشرة العمل والحركة ما يعلّلها ويؤثر فيها ، وينقص منها ، ولا في الأعضاء التي في وسط البدن كالبطن والظهر فيعسر تقلبها، واطلاعها نحو الأشياء .
فلما لم يكن لها في شيء من هذه الأعضاء موضع كان الرأس أسنى المواضع للحواس ، وهو بمنزلة الصومعة لها».
وحكى هذا المقطع من كلام الإمام (علیه السّلام) ما أودع الله في جسم الإنسان من بدائع الصنعة التي تدلّ على عظم قدرته ، والتي ميّز بها الإنسان وشرفه على بقيّة المخلوقات ، وهي الحواس التي يدرك بها أنواع المحسوسات ، وفي طليعة تلك الحواس العينان ، وقد جعلهما في موضع خاص تجلّت فيه القدرة على الإبداع .
والعينان قد أحاطهما الله تعالى بالحاجبين ليحمينهما من الأشعة الضيائية الشديدة كما يمنعانهما من انحدار العرق إليهما من الجبهة ، كما أحاطهما بالجفنين، وقد خلق الله فيهما من الشعر الرقيق ليحمياهما من الغبار والأنوار الشديدة .
وقد خلق الله في العينين الغدد الدمعية المرطبة للعينين ، والغاسلة لهما من الغبار والجراثيم الخارجيّة ، وهذا الإفراز الدمعي بعد أداء مهمته للعين يذهب الزائد منه
إلى الخارج عن طريق الأنف ، كما يخزن منه في القناتين الدمعيتين ليخرج منه عند البكاء أو عند بعض الحالات النفسيّة(1).
أما أجزاء العين وتركيبها فهي من أعظم الأدلة على وجود الخالق العظيم المبدع والمصوّر ، فإنّ عدسات العين تلقي صورة على الشبكية فتنظم العضلات بصورة آلية إلى بؤرة محكمة ، وهذه الشبكة تتكوّن في تسع طبقات منفصلة ، وهي في مجموعها ليست أسمك من ورقة رقيقة دقيقة ، والطبقة التي هي أقصى الداخل منها تتكوّن من أعواد ومخروطات .
ويقال : إنّ عدد الأعواد فيها تبلغ ثلاثين مليوناً ، وعدد المخروطات فيها تبلغ الثلاثة ملايين ، وقد نظمت هذه كلّها في تناسب محكم بالنسبة لبعضها ، وبالنسبة للعدسات ، ولكن العجيب أنّها تدير ظهورها للعدسات، وتنظر نحو الداخل لا نحو الخارج، وإذا استطعت أن تنظر في خلال العدسات فإنّك ترى عدوّك - مثلاً مقلوب الوضع ، والجانب الأيمن هو الأيسر ، وهذا أمر يربكك إذا حاولت أن تدافع عن نفسك ، ولذا فإنّ الطبيعة قد عرفت بطريقة ما ماذا سيحدث ، ولذا أجرت ذلك التصميم قبل أن تقدر العين على الإبصار ، ورتبته بنظم كاملة عن طريق ملايين خويطات الأعصاب المؤدية إلى المخ .
ثمّ رفع مدى إدراكنا الحسّي من الحرارة إلى الضوء. وبذا جعلت العين حسّاسة بالنسبة إلى الضوء ، وعدسة العين تختلف في الكثافة ، ولذا تجتمع كل الأشعة في بورة ، ولا يحصل الإنسان على مثل ذلك في أي مادة من جنس واحد ، كالزجاج مثلاً .
وكلّ هذه التنظيمات للعدسات والعيدان والمخروطات والأعصاب وغيرها
1) شرح توحيد المفضّل : 1 : 131 - 133 .
لا بد أنها حدثت في وقت واحد ؛ لأنه قبل أن يكمل كل واحد منها كان الإبصار مستحيلاً، فكيف استطاع كلّ عامل أن يعرف احتياجات العوامل الأخرى ويوائم بين نفسه وبينها(1).
فسبحان الله المصوّر والمبدع والخالق الذي تعجز الأفكار عن تصوّر عظيم قدرته .
1) العلم يدعو للإيمان : 115 - 116 .
قال (علیه السّلام)
فجعل الحواس خمساً لكيلا يفوتها شيء من المحسوسات ، فخلق البصر ليدرك الألوان ، فلو كانت الألوان ولم يكن بصر يدركها لم يكن فيها منفعة ، وخلق السمع ليدرك الأصوات فلو كانت الأصوات ولم يكن سمع يدركها لم يكن فيها إرب ، وكذلك سائر الحواس ، ثمّ يرجع هذا متكافئاً ، فلو كان بصر ولم تكن الألوان لما كان للبصر معنى ، ولو كان سمع ولم تكن الأصوات لم يكن للسمع موضع فانظر كيف قدر بعضها يلقى بعضاً ، فجعل لكلّ حسّاسة محسوساً يعمل فيه ، ولكلّ محسوس حاسة تدركه» .
وحكى هذا المقطع من كلام الإمام (علیه السّلام) أنّ الله تعالى خلق في جسم الإنسان الحواس الخمس لكيلا يفوتها شيء من المحسوسات ، وذكر الإمام (علیه السّلام) بعض تلك الحواس وهي السمع والبصر ، فخلق البصر ليدرك به الألوان وخلق السمع ليدرك به الأصوات ، فلو لم يكن بصر لما كانت في وجود الألوان منفعة ، وكذلك لو كانت أصوات مخلوقة ولم يكن هناك سمع لما كان في وجودها أية فائدة ، فسبحان الخالق العظيم الذي أبدع خلق الأشياء .
أما كيفية رؤية العين للألوان ، وكيفية سماع الأذن للأصوات ، فقد عرضت لها كتب الطب الحديثة(1).
1) يراجع فيها الطب محراب الإيمان ، وشرح توحيد المفضل ، والعلم يدعو للإيمان .
وتحدّث الإمام (علیه السّلام) عن دور الضياء في الرؤية، ودور الهواء في السمع .
قال (علیه السّلام)
«ومع هذا فقد جعلت أشياء متوسطة بين الحواس والمحسوسات لا تتمّ الحواس إلا بها كمثل الضياء والهواء - فإنه لو لم يكن ضياء يظهر اللون للبصر ، لم يكن البصر يدرك اللون ، ولو لم يكن هواء يؤدى الصوت إلى السمع لم يكن السمع يدرك الصوت ، فهل يخفى على من صح نظره ، وأعمل فكره أنّ هذا الذي وصفت من تهيئة الحواس ، والمحسوسات بعضها يلقي بعضاً ، وتهيئة أشياء أخرى بها تتم الحواس لا يكون إلا بعمد وتقدير عن لطيف خبير».
وهذا المقطع من متممات الكلام السابق ، وهو أنّ البصر والسمع لا يؤدّيان وظيفتهما ما لم يتوسط بينهما أشياء أخرى ، فالمرئيات لا ترى ما لم يشع ضوء خارج عنها ، كضوء الشمس أو ضوء القمر أو شعاع المصباح ، وغيرها ، فإنّ هذه الأشعة المنعكسة من أي مرئي كانت تدخل في العين من القرنية الشفافة ، وتمرّ بالحدقة (البؤبؤ) ثمّ تسقط على الشبكية ، وترسم عليها صورة المرئي ، فإذن لا رؤية إلا بواسطة الضياء .
وكذلك بالنسبة إلى السمع ، فإنّ بين منبع الصوت والأذن توجد - على الأكثر - مسافة ، وهذه المسافة مليئة بالتموجات الهوائية ، ولولاها لما أمكن السمع(1).
1) شرح توحيد المفضّل : 1 : 144 .
وتحدث الإمام (علیه السّلام) عن النعمة الكبرى التي أنعم الله بها على الإنسان في سمعه وبصره ، وسوء حال من فقدهما .
قال (علیه السّلام)
فکر یا مفضّل فيمن عدم البصر من الناس ، وما يناله من الخلل في أموره ، فإنّه لا يعرف موضع قدمه ، ولا يبصر ما بين يديه ، فلا يفرّق بين الألوان ، وبين المنظر الحسن والقبيح ، ولا يرى حفرة إن هجم عليها ، ولا عدواً إن أهوى عليه بسيف ، ولا يكون له سبيل إلى أن يعمل شيئاً من هذه الصناعات مثل الكتابة والصياغة والتجارة ، حتى إنه لولا نفاذ ذهنه لكان بمنزلة الحجر الملقى ، وكذلك من عدم السمع يختل في أمور كثيرة ، فإنّه يفقد روح المخاطبة والمحاورة ، ويعدم لذة الأصوات واللحون المشجية والمطربة، وتعظم المؤنة على الناس في محاورته حتى يتبرموا به ، لا يسمع شيئاً من أخبار الناس وأحاديثهم حتى يكون كالغائب وهو شاهد ، أو كالميت وهو حي» .
وبديهي أنّ هذه الحال مما يكدر الحياة ، ويجعلها جحيماً على عدم السمع بحيث لا يطاق تحمّلها البتة .
فيا لها من نعمة عظيمة جليلة ، لا يعرف قيمتها إلا فاقدها ، ولا يدرك ضرورتها إلا من حرمها ، وسبحان واهبها من منعم متفضّل .
إنّ فقدان إحدى هاتين النعمتين موجب لاختلال الإنسان، وفقدان التوازن في حياته ، فإنه يصبح شبحاً مبهماً لا يعرف قيمة الحياة ، ففاقد البصر لا يدرك
ما بين يديه، ولا يفرّق بين الألوان والأشكال ، ولا يرى الحفرة في طريقه ، ولا يستطيع أن يدفع عدواً له ، ولا يمكنه أن يعمل شيئاً من ضروريات حياته ، كالصناعة والكتابة والتجارة ، فهو كالحجر الأصم الملقى على الأرض .
وكذلك فاقد السمع فإنّه يفقد لذة المخاطبة والمحادثة مع الناس ، وكذلك يفقد العلم ، وما يحتاج إليه من الصناعات التي تتوقف على الكلام .. فما أعظم نعم الله على الإنسان في التكرّم عليه بهاتين النعمتين .
وميز الله الإنسان على بقيّة الكائنات الحيّة بالعقل الذي هو من أسمى وأجلّ أعضاء الإنسان ، وقد تحدث الإمام (علیه السّلام) عنه .
قال (علیه السّلام)
من عدم العقل ، فإنّه يلحق بمنزلة البهائم ، بل يجهل كثيراً مما تهتدي إليه البهائم ، أفلا ترى كيف صارت الجوارح والعقل وسائر الخلال(1)التي بها صلاح الإنسان ، والتي لو فقد منها شيئاً لعظم ما يناله في ذلك من الخلل ، يوافي خلقه على التمام حتى لا يفقد شيئاً منها ، فلِمَ كان كذلك ؟ إلا أنه خلق بعلم وتقدير» .
إنّ العقل من خير المواهب ، ومن أعظم النعم التي خص الله تعالى بها الإنسان ، وهو الذي يجلب الخير للإنسان ويبعده عن مجاهل هذه الحياة ، وبه يطاع الله ، ويصل الإنسان إلى قمة الكمال والآداب.
1) الخلال - بالفتح - الصفات والخصال.
وتحدّث الإمام (علیه السّلام) عن الحكمة في خلق الله تعالى لأعضاء الإنسان أفراداً وأزواجاً .
قال (علیه السّلام)
«فكر يا مفضل في الأعضاء التي خلقت أفراداً وأزواجاً ، وما في ذلك من الحكمة والتقدير والصواب في التدبير ، فالرأس مما خلق فرداً ، ولم يكن للإنسان صلاح في أن يكون له أكثر من واحد ، ألا ترى أنه لو أضيف إلى رأس الإنسان رأس آخر لكان ثقلاً عليه من غير حاجة إليه ، لأنّ الحواس التي يحتاج إليها مجتمعة في رأس واحد ثم كان الإنسان ينقسم قسمين : لو كان له رأسان ، فإن تكلّم من أحدهما كان الآخر معطلاً ، لا إرب فيه ، وإن تكلّم منهما جميعاً بكلام واحد ، كان أحدهما فضلاً لا يحتاج إليه ، وإن تكلم بأحدهما بغير الذي تكلّم به الآخر لم يدرِ السامع بأي ذلك يأخذ ، وأشباه هذا من الأخلاط . واليدان مما خلق أزواجاً ، ولم يكن للإنسان خير فى أن يكون له يد واحدة لأن ذلك يخل به فيما يحتاج إلى معالجته من الأشياء ، ألا ترى أن النجار والبناء لو شلت إحدى يديه لا يستطيع أن يعالج صناعته ، وإن تكلّف ذلك لم يحكمه ، ولم يبلغ منه ما يبلغه إذا كانت يداه تتعاونان على العمل».
لقد خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم ، وصوّره بأبدع تصوير ، فخلق أعضاءه على وجه متناسق في غاية الدقة والحكمة ، فخلق له اليدين والرجلين لأن حياته لا تستقيم من دونهما ، وخلق له قلباً واحداً ، وكبداً واحداً ، ورأساً واحداً ، وذلك لاستغنائه عن الإثنين، فتبارك الله أحسن الخالقين .
«أطل الفكر يا مفضّل في الصوت والكلام ، وتهيئة آلاته في الإنسان ، فالحنجرة كالأنبوبة لخروج الصوت، واللسان والشفتان والأسنان لصياغة الحروف و النغم ، ألا ترى أنّ من سقطت أسنانه لم يقم السين ، سقطت شفته لم يصحح الفاء ، ومن ثقل لسانه لم يفصح الراء ، ومن وأشبه بذلك المزمار الأعظم ، فالحنجرة تشبه قصبة المزمار ، والرئة تشبه الزق(1)الذي ينفخ فيه لتدخل الريح ، والعضلات التي تقبض على الرئة ليخرج الصوت كالأصابع التي تقبض على الزق حتى تجري الريح في المزامير ، والشفتان والأسنان التي تصوغ الصوت حروفاً ونغماً كالأصابع التي تختلف في فم المزمار ، فتصوغ صفيره ألحاناً ، غير أنه وإن كان مخرج الصوت يشبه المزمار بالدلالة والتعريف ، فإنّ المزمار في الحقيقة هو المشبه بمخرج الصوت».
إن من نعم الله على هذا الإنسان أن علمه البيان والنطق ، وميّزه بهذه الظاهرة على بقيّة الحيوانات العجم، أما تكوين الصوت والكلام ، فهو أي الصوت يخرج من داخل الرئتين بواسطة التنفّس ، ضارباً وتري الصوت في الحنجرة ، فيتموّج ويحدث الصوت الإنساني ، كما تحدثه أوتار العود إذا تموّجت بالضرب ، ثم يتحوّل هذا الصوت بمساعدة الفم والأسنان والشفتين إلى مقاطع وأنغام ، فألفاظ ، فكلام .
أما أعضاء الصوت فهي الحنجرة والوتران الصوتيان داخل الحنجرة ، وهما حبلان
1) المراد بالزقّ هنا الجلد الذي يستعمل في صناعة المزمار.
من منسوج مرن أصفر ، وبينهما فتحة تدعى (المزمار) تتسع أثناء الشهيق والزفير بواسطة ابتعاد أحد ذينك الحبلين عن الآخر واقترابهما من بعضهما مرة أخرى ، وقد تضيق أحياناً عند التنفس الهادئ، أمّا عند الكلام فيقرب أحد الوترين نحو الآخر كثيراً .
أما كيفية حدوث الصوت فهي : إنّ الهواء الخارج من الرئتين بواسطة التنفس لا بد أن يمرّ من القصبة الهوائية (الحنجرة) بين وتري الصوت في نفخات تجعل هذين الوترين يهتزّان اهتزازاً يتولّد منه الصوت، ثمّ إنّ هذه النفخات الصادرة عن الوترين تتحوّل بواسطة الحنجرة والفم والأسنان والشفتين إلى مقاطع مختلفة تتركب منها الحروف الهجائية ، ثمّ إنّ هذه الحروف تتركب ألفاظاً وكلاماً في اللغة(1). وبهذه العملية امتاز الإنسان على بقية المخلوقات ، قال تعالى : الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ(2). وأضاف (علیه السّلام) فوائد أخرى لأعضاء الصوت :
قال (علیه السّلام)
«قد أنبأتك بما في الأعضاء من الغناء في صنعة الكلام ، وإقامة الحروف ، وفيها مع الذي ذكرت لك مآرب أخرى ، فالحنجرة ليسلك فيها هو النسيم إلى الرئة فتروح على الفؤاد بالنفس الدائم المتتابع الذي لو حُبِسَ شيءٌ يسير منه لهلك الإنسان وباللسان تذاق الطعوم فيميّز بينها ، ويعرف كلّ واحد منها حلوها من مرّها ، وحامضها من مزها(3)، ومالحها من عذبها ، وطيّبها من خبيثها ، وفيه مع ذلك معونة على إساغة الطعام والشراب ، والأسنان لمضغ الطعام حتى يلين ، ولتسهل إساغته
وهو مع ذلك كالسند للشفتين تمسكهما وتدعهما من داخل الفم ، واعتبر ذلك فإنك ترى من سقطت أسنانه مستخرى الشفة ومضطربها وبالشفتين يترشّف(1)الشراب ، حتّى يكون الذي يصل إلى الجوف منه بقصد وقر ، لا يثج ثجاً(2)فيغ به الشارب ، أو ينكا في الجوف ثمّ هما(3)بعد ذلك كالباب المطبق على الفم يفتحهما الإنسان إذا شاء ويطبقهما إذا شاء ، وفيما وصفنا من هذا بيان أنّ كلّ واحد من هذه الأعضاء يتصرّف ، وينقسم إلى وجوه من المنافع كما تتصرف الأداة الواحدة في أعمال شتّى ، وذلك كالفأس تستعمل في النجارة والحفر وغيرهما من الأعمال».
ذكر الإمام (علیه السّلام) الفوائد في تلك الأعضاء ، وما أودع الله تعالى فيها من المنافع التي تعود على الإنسان ، وكلّ واحد منها ينطق بوجود المبدع والخالق والمكوّن ، فسبحانه وتعالى ما أعظمه وأجله .
إنّ أعظم ما خلق الله في بدن الإنسان هو الدماغ القوة المبدعة والخلاقة التي وهبها للإنسان ، وقد تحدّث عنه الإمام (علیه السّلام) بقوله :
قال (علیه السّلام)
«ولو رأيت الدماغ إذا كشف عنه لرأيته قد لف بحجب بعضها فوق بعض ، لتصونه من الأعراض وتمسكه فلا يضطرب ، ولرأيت عليه الجمجمة بمنزلة البيضة ، كيما تقيه هذ الصدمة، والصكة التي ربما وقعت في الرأس ، ثمّ قد جللت الجمجمة بالشعر حتى صارت بمنزلة الفرو للرأس ، يستره من شدة الحر والبرد ، فمن حصن الدماغ هذا التحصين ؟ إلا الذي خلقه ، وجعله ينبوع الحسّ ، والمستحق للحيطة والصيانة بعلوّ منزلته من البدن ، وارتفاع درجته ، وخطير مرتبته» .
إنّ الدماغ آية من آيات الله العظام، ففيه من الأسرار والدقة والحكمة ما لا يوصف، فسبحان المبدع والمصوّر له ، فهو ينبوع الحسّ ، والموجه الأوّل بذبذباته لجميع أعضاء الإنسان ، وقد أحاطه الله تعالى بعدة حجب للحفاظ عليه ، الصدمة ، التي لا تؤثر عليه فحسب ، وإنّما تؤثر على حياة الإنسان ، ووقايته من أما أجهزته وتراكيبه ، فقد عرضت لها كتب الطب الحديث .
قال (علیه السّلام)
«تأمّل يا مفضّل الجفن على العين ، جعل كالغشاء ، والأشفار(1)كالأشراح(2)، وأولجها في هذا الغار ، وأظلّها بالحجاب وما عليه من الشعر».
لقد حكى هذا المقطع الحكمة في خلق الأجفان والأشفار ، فالأجفان تمنع ما يلاقي حدقة العين من الأجسام الصلبة الخارجيّة ، كما تحفظ العين من دخول الأشياء الغريبة فيها ، وكذلك إبعاد ما يصيبها من الغبار، وغير ذلك من الفوائد الجسيمة .
وأمّا الأشفار وهي الأهداب ، فإنّ الحكمة فيها أنّها تصدّ الأشعة الضوئية الشديدة عن العين، وتحفظها من الغبار والهواء العاصف، فهي كالسياج للعين بالإضافة إلى أنها زينة وجمال للعين(3).
«يا مفضّل من غيب الفؤاد في جوف الصدر وكساه المدرعة التي هي غشاؤه ، وحصنه بالجوانح ، وما عليها من اللحم والعصب لئلا يصل إليه ما ينكأه(1)؟»
أمّا الفؤاد ، فالمراد به القلب الذي هو منبع الروح والحياة للإنسان ، وقد أحاطه الله تعالى بغشاء مصلي سميك قوي يُسمّى الشغاف ، يقيه من كلّ صدمة أو رجة مزعجة ، وهو مركز الدورة الدموية ويدفع الدم إلى جميع أنحاء البدن ، وذلك بانقباضه وانبساطه ، وقد عرضت له كتب الطب بالتفصيل ، فذكرت عجائبه وبدائعه المذهلة ، فتبارك الله أحسن الخالقين.
1) نكأه : جرحه وآذاه .
قال (علیه السّلام)
«من جعل في الحلق منفذين : أحدهما لمخرج الصوت وهو الحلقوم المتصل بالرئة ، والآخر منفذ للغذاء وهو الم-رى المتصل بالمعدة ، الموصل للغذاء إليها ، وجعل على الحلقوم طبقاً يمنع الطعام أن يصل إلى الرئة فيقتل».
وعرض الإمام (علیه السّلام) إلى ثلاث أعضاء من بدن الإنسان ، وهي :
1 - الحلق : وهو مجرى الطعام ، ويتصل بالأنف والأذنين ، كما يتصل من الأسفل بالحنجرة والمري .
2 - المري : وهو المنفذ الثاني الذي ينفذ الغذاء إلى المعدة ، وهو عبارة عن قناة طويلة أسطوانية غشائية عضلية أمام القصبة الهوائية ، ووظيفته إيصال الغذاء وغيرها من البلعوم إلى المعدة.
3 - القصبة الهوائية : وهي قناة غضروفية غشائية تبتدئ من أسفل الحنجرة وتنتهي بالقصبتين الداخلتين في جوف الصدر، وتتصل إحدى القصبتين بالرئة اليمنى والأخرى بالرئة اليسرى ، ولها من الفوائد والحكم ما يبهر العقول ، فتبارك الله أحسن الخالقين .
قال (علیه السّلام)
«من جعل الرئة مروحة للفؤاد - أي القلب - لا تفتر ولا تختل ، لكيلا تتحيّر الحرارة في الفؤاد فتؤدي إلى التلف . ومن جعل لمنافذ البول والغائط أشراجاً(1)لتضبطهما لئلا يجريا جرياناً دائماً فيفسدا على الإنسان عيشه ، فكم عسى أن يحصي المحصين من هذا ؟ بل الذي لا يحصى منه ولا يعلمه الناس أكثر» .
وحكى هذا المقطع بعض وظائف الأعضاء في بدن الإنسان ، وهي :
1 - الرئتان : وقد اكتنفا القلب من جميع جهاته ليروما عليه حرارته دون أي فتور أو اختلال في نظام حركتيهما ، وأهم ما فيهما هو الحويصلات الهوائية ، وهي نسيم الأوكسجين من الهواء إلى الدم ، وتخرج الغازات المحترقة من الدم إلى الهواء ، فهي تجذب الأوكسجين وتدفع الكربون ، ولهذا قيل لها (مروحة الفؤاد) ، ولولا الرئتان لتلف القلب من شدّة الحرارة الناشئة من استمرار حركته .
2 - البول والغائط : أما منافذ البول والغائط ، فقد جعل الله لهما أشراجاً ، أي عوائق يضبطانهما عن الجريان المتّصل ، فالبول الذي تدفعه المثانة بعد اجتماعه فيها إلى مجرى البول دفعة واحدة بواسطة تقلّص عضلاتها ، فقد خلق الله تعالى على فم المثانة عضلة قويّة تنفتح وتغلق بالاختيار ، كما خلق على فم الإحليل عضلة أخرى لمسك البول عن الجريان المستمر ، ولولا هاتان العضلتان لسال البول وأفسد
1) الأشراج - جمع شرج : وهو في الأصل الشقاق في القاموس ، وقد استعار الإمام منها معنى لمنافذ البول والغائط.
على الإنسان عيشته وحياته .
وأمّا الغائط ، الذي تدفعه المعدة إلى الأمعاء لتقذفه إلى الخارج عن طريق الشرج ، فقد خلق الله تعالى عضلة قويّة تُسمّى (العضلة العاصرة) تمنع من خروج الغائط بلا إرادة ، كما خلق تعالى في نهاية الأمعاء تجويف واسع يجتمع فيه الثقل قبل أن ينحدر ، وفي طرف هذا التجويف عضلة أخرى عاصرة تمنع تلك المواد المجتمعة فيه من الانحدار حتى تحصل الإرادة بدفعه ، فإذا حصلت الإرادة تنبسط هذه العضلة فيخرج البراز ، ولولا ذلك لفسدت حياة الإنسان .
وقد عرض إلى ذلك كله الإمام الصادق (علیه السّلام) بقوله : «لتضبطهما» .
قال (علیه السّلام)
من جعل المعدة عصبانية شديدة، وقدرها لهضم الطعام الغليظ ؟ و من جعل الكبد رقيقة ناعمة لقبول الصفو(1)اللطيف من وتعمل ما هو ألطف من عمل المعدة ؟
أترى الإهمال يأتي بشيء من ذلك ؟ كلا بل هو تدبير مدبر حكيم قادر عليم بالأشياء قبل خلقه إياها ، لا يعجزه شيء وهو اللطيف الخبير».
وعرض الإمام (علیه السّلام) إلى عضوين رئيسيين في بدن الإنسان ، وهما :
المعدة : أما المعدة فهي العضو الأساسي لهضم الطعام ، وموضعها في أعلى تجويف البطن ، ولها فتحتان : إحداهما من فوق وتتصل بالمري ، والثانية من الأسفل وتتصل بالأمعاء الإثني عشري ، ولكلّ من هاتين الفتحتين باب ، فوظيفة الباب الأول غلق المعدة بعد وصول الطعام إليها ليكون كغطاء لها حفظاً للحرارة الهاضمة ، وأمّا الباب الثاني فوظيفته عدم السماح بعدم خروج شيء من المعدة إلى الأمعاء حتّى يتم هضمه ويكمل طبخه ، وهي - المعدة - مركبة من طبقات ثلاث ، ذكرها الأطباء .
الكبد : أما الكبد فهي الحافظة للحياة ، فهي التي تكوّن الدم ، وتفرز المادة الصفراء المكوّنة من الأملاح المعدنية كالفوسفات، والأملاح العضوية ، وإفراز السكر عند احتياج البدن إليه ، وقد خلقها الله رقيقة ناعمة لكي تقبل الصفو الرقيق من الغذاء(2)الذي تمتصه من المعدة فتحوّله إلى دم ، فسبحان الخالق العظيم المبدع .
قال (علیه السّلام)
«فكَرْ يا مفضّل لِمَ صار المخ رقيقاً محصناً في أنابيب العظام ؟ هل ذلك إلا ليحفظه ويصونه ؟ لِمَ صار الدم محصوراً في العروق بمنزلة الماء في الظروف(1)؟ إلا ليقبضه فلا يفيض ؟ لِمَ صارت الأظفار على أطراف الأصابع إلا وقاية لها ، ومعونة على العمل ؟» .
وتحدّث الإمام المُلْهِمُ (علیه السّلام) عن ثلاثة أجزاء من بدن الإنسان ، وهي :
1 - النخاع الشوكي وهو الجزء المستطيل الممتد من المخ الأصلي في الجمجمة إلى أسفل فقرات الظهر بشكل حبل على طول القناة الشوكية المعروفة (بالعامود الفقري) حتّى ينتهي بحزمة من الأعصاب ، وقد حصن هذا النخاع وسط تلك القناة العظيمة ملفوفاً بنفس أغشية الدماغ الثلاث.
ولهذا النخاع أهمية بالغة ، فإنّه تخرج من جانبيه خيوط عصبية بيضاء كثيرة تتفرّق في جميع أنحاء البدن وجزئيات الجسم تسمّى (الأعصاب الشوكية) وبها تحصل حرکات جميع العضلات في الأعضاء بإيحاء الدماغ ، وهي تنقل كل الإحساسات والتأثيرات من الأعضاء إلى الدماغ ليحكم عليها ، وله فوائد ومهام أخرى ذكرتها كتب الطب .
2 - الدم أمّا الدم فهو من أهم العناصر في حياة الإنسان ، فهو الذي يوصل الأوكسجين من الرئتين إلى القلب ، ويخرج الكربون المحترق منه إليهما ، وهو الحافظ للطاقة الحرارية في الجسم ، والواقي له من الجراثيم المرضيّة ، وهو يتكوّن
1) يقولون : هذا وعاء الشيء وظَرْفُه .
من الكريات الحمراء، والكريات البيضاء ، أما الكريات الحمراء فإنّها تحتوي على مادة زلاليّة ملوّنة حديدية ، ووظيفتها جذب الأوكسجين ، وأما الكريات البيضاء فهي كجند الحرس ، ووظيفتها أن تحرس الجسم ، وتبيد الجراثيم المرضيّة الهاجمة على الدم ، كما تمتص المواد الفاسدة من الأنسجة ، وقد حفظ السائل الدموي في شرايين الإنسان ، وأوردته في العروق الشعرية الدقيقة ، وهنا بحث مهم في هذا الموضوع عرضت له كتب الطب .
3 - الأظفار: وهي التي خلقها الله تعالى على أطراف أصابع اليدين والرجلين ، وتتكوّن من فضلات الدم المدفوعة إلى الخارج ، وهي صلبة مقرونة بلين لتسلم من عوارض الكسر والتفتت وهي تقي الأصابع من تأثير المصادمات والملامسات ، كما تعين الأصابع على مسك الأشياء الدقيقة ، وهي تنمو وتطول ، وقد ندب الشارع إلى إزالة الزائد لأنّها تصبح بشعة المنظر ، كما أنّها خالية من الإحساس(1).
1) شرح توحيد المفضّل : 1 : 193 .
قال (علیه السّلام)
«لِمَ صار داخل الأذن ملتوياً كهيئة اللولب ؟ إلا ليطرد فيه الصوت حتى ينتهي إلى السمع ، وليكسر حمة الريح فلا ينكا في السمع . لِمَ حمل الإنسان على فخذيه وإليتيه هذا اللحم ؟ إلا ليقيه من الأرض فلا يتألم من الجلوس عليها كما يتألم من نحل جسمه ، وقل لحمه إذا لم يكن بينه وبين الأرض حائل يقيه صلابتها».
عرض (علیه السّلام) إلى الحكمة في تكوين الأذن الخارجي ، وذلك لجلب الصوت ودخوله إلى السمع تدريجياً فلا يصل دفعة واحدة وبشدة وعنف، بل يبقى في المنعطفات والتعاريج حتى تكسر سورة الريح كيلا تتصدّع طبلة الأذن في الداخل ، وقد خلقت الأذن الخارجية من نسيج غضروفي لهذه الغاية ، فسبحان المكوّن والمبدع .
أما حمل الإليتين والفخذين للحم الكثير فحكمته واضحة؛ لأنّ اللّحم يقي الجالس على الأرض من تألّم العظام بصلابة الأرض عند ملاقاتها لها ، لذلك اقتضت الحكمة الإلهيّة أن تكسو هذه العظام باللحم الكثير(1).
1) شرح توحيد المفضّل : 1 : 194.
قال (علیه السّلام)
«أصف لك الآن يا مفضّل الفؤاد - ويعني به القلب - اعلم أن فيه ثقباً موجهة نحو الثقب التي في الرئة تروّح عن الفؤاد ، حتى لو اختلفت تلك الثقب ، وتزايل بعضها عن بعض، لما وصل الروح إلى الفؤاد ولهلك الإنسان . أفيستجيز ذو فكرة وروية ، أن يزعم أن مثل هذا يكون بالإهمال ، ولا يجد من نفسه شاهداً يردعه عن هذا القول».
وعنى الإمام بالثقب المذكور في القلب ، وهو البطين الأيمن الذي يدفع الدم إلى ثقب الرئة ، أعنى الوريد الرئوي الذي يأخذ الدم من البطين الأيمن ليدفعه في شعبه ثمّ إلى الرئتين اليمنى واليسرى فهذان الثقبان : أعني البطين الأيمن من القلب والوريد الرئوي من الرئة لم يزالا متقابلين ، أعني أن أحدهما موجه نحو الآخر لا يتزايلان ولا يختلفان ، إذ لو تزايل أحدهما ، وزال عن مقابلة الآخر لاختل عمل الدورة الدموية الصغرى ، وإذا اختل لم يجذب الأوكسجين عن القلب ، وبذلك تشتدّ حرارته ، وتنهتك قواه فيضعف عن العمل، وينتهي الأمر به إلى الوقوف وهلاك الإنسان(1). وهذا الصنع العجيب ، والتركيب البديع كان من صنع الله تعالى خالق الكون وواهب الحياة .
1) شرح توحيد المفضّل : 1: 204.
قال (علیه السّلام)
«اعتبر الآن يا مفضّل بعظم النعمة على الإنسان في مطعمه ومشربه ، و تسهيل خروج الأذى ، أليس من حسن التقدير في بناء الدار أن يكون الخلاء في أستر موضع منها ؟ فكذا جعل الله سبحانه المنفذ المهيّأ للخلاء من الإنسان في في أستر موضع منه ، فلم يجعله بارزاً من خلفه ، ولا ناشراً من بين يديه ، بل هو مغيب في موضع غامض من البدن مستور محجوب يلتقى عليه الفخذان ، وتحجبه الإليتان بما عليهما من اللحم فتواريانه ، فإذا احتاج الإنسان إلى الخلاء ، وجلس تلك الجلسة ، ألفي ذلك المنفذ منه منصباً مهيّأ لانحدار الشفل(1)، فتبارك من تظاهرت آلاؤه ، ولا تحصى نعماؤه».
إن الله تعالى خلق الطعام والشراب مقوّمان لحياة الإنسان ، فإذا حصلت التغذية منهما ، وأخذ البدن صافيهما وما يحتاج إليه ، فالباقي من الفضلات لا بد من إخراجها عن طريق الأمعاء لأنّ بناءها ممّا يؤدّي إلى تعفّنها، وكذلك ما فضل من الشراب لا بدّ من إخراجه من الجهاز البولي وفي ذلك حكمة باهرة دلّت على عظمة الخالق الحكيم .
1) الثفل - بالضم ما يستقر في أسفل الشيء من كدرة .
قال (علیه السّلام)
«تأمل ، واعتبر بحسن التدبير في خلق الشعر والأظفار ، فإنهما لما كانا مما يطول ، ويكثر حتى يحتاج إلى تخفيف أولاً ، وأولاً جعلا عديمي الحسّ لئلا يؤلم الإنسان الأخذ منهما ، ولو كان قص الشعر ، وتقليم الأظفار ممّا يوجد له ألم ، وقع من ذلك بين مكروهين ، إما أن يدع كلّ واحد منهما حتى يطول فيثقل عليه ، وإما أن يخففه بوجع وألم يتألم منه».
وانبرى المفضّل قائلاً: لِمَ لم يجعل ذلك خلقة - أي الشعر والأظفار - لا تزيد فيحتاج الإنسان إلى النقصان منه ؟
وبين الإمام (علیه السّلام) الحكمة والفوائد في ذلك .
قال (علیه السّلام)
«إنّ الله تبارك اسمه ، أنعم في ذلك على العبد نعماً لا يعرفها فيحمده عليها ، اعلم أن آلام البدن وأدواءه(1)تخرج بخروج الشعر في مسامه(2)وبخروج الأظفار من أنامله ، ولذلك أمر الإنسان بالنورة ، وحلق الرأس ، وقص الأظفار في كل اسبوع ليسرع الشعر والأظفار في النبات فتخرج الآلام والأدواء بخروجهما ، أما إذا طالا تحيّرا وقل خروجهما، فاحتبست الآلام والأدواء في البدن فأحدثت عللاً وأوجاعاً».
أما الشعر فإنّه يتكوّن من فضلات الغذاء ، وهي مضرّة في داخل البدن ، واقتضت حكمة الله تعالى إخراجها لسلامة البدن ، ووقايته من الأمراض ، وأنّ الشعر مهما كان دقيقاً فإنّه مجوّف كالأنبوب ليخرج الغازات المتصاعدة من داخل البدن إلى الخارج بواسطة ذلك التجويف ، وبالإضافة إلى هذه الفوائد ، فإنّ الشعر في وجه الرجل يكون هيبة له ، وفي رأسه يكون وقاية للرأس من الطوارئ ، وأما الشعر في رأس المرأة فإنّه زينة لها .
وأما الأظفار فإنّها زينة للأصابع وجمال لها ، وقد عدمت الأظافر والش-ع-ر م-ن الإحساس ، فلو كان فيهما إحساس لما أمكن حلق الشعر ولا تقليم الأظافر ، وذلك لما يصحبهما من الآلام(1).
1) شرح توحيد المفضّل : 1 : 215 .
قال (علیه السّلام)
«ومنع مع ذلك الشعر من المواضع التي تضرّ بالإنسان ، ويحدث عليه الفساد والضرّ ، فلو نبت الشعر في العين ألم يكن سيعمي البصر ؟ ولو نبت في الفم ألم يكن سينغص على الإنسان طعامه وشرابه ؟! ولو نبت في باطن الكفّ ألم يكن سيعوقه عن صحة اللمس ، وبعض الأعمال ؟! ولو نبت في فرج المرأة وعلى ذكر الرجل ألم يكن سيفسد عليهما لذة الجماع ؟ فانظر كيف تنكب(1)الشعر عن هذه المواضع لما في ذلك من المصلحة . ثمّ ليس هذا في الإنسان فقط ، بل تجده في البهائم والسباع ، وسائر المتناسلات ، فإنّك ترى أجسامها مجلّلة بالشعر، وترى هذا المواضع خالية منه لهذا السبب بعينه . فتأمل الخلقة كيف تتحرّز وجوه الخطأ والمضرّة ، وتأتي بالصواب والمنفعة» .
وحكى هذا المقطع حكمة الله وحسن صنيعه في خلق الإنسان ، فقد أخلى المواضع المذكورة من الشعر ، فإنّه لو نبت فيها لأضرّ وأفسد بدن الإنسان ، فالعين لو نبت فيها الشعر لعميت ولم تبصر ، فإنّه يؤثر على طبقاتها الرقيقة ، وأعصابها الدقيقة ، ولو نبت الشعر في فم الإنسان لأفسد عليه لذة الطعام ، وهكذا سائر الأعضاء التي ذكرها الإمام (علیه السّلام)، فإنه لو نبت فيها الشعر لفسدت هذه الأعضاء ، فسبحان الخالق المصوّر الذي أبدع خلق الإنسان وصوّره بأحسن تصوير .
1) تنكب عليه : عدل عنه وتجنّبه .
قال (علیه السّلام)
إنّ المانوية وأشباههم حين جهدوا في عيب الخلقة والعمد عابوا الشعر النابت على الركب والإبطين ، ولم يعلموا أنّ ذلك من رطوبة تنصب إلى هذه المواضع فينبت فيها الشعر ، كما ينبت العشب في مستنقع المياه ، أفلا ترى إلى هذه المواضع فإنّها أستر ، وأهيأ لقبول تلك الفضلة من غيرها ؟ ثمّ إنّ هذه تعد ممّا يحمل الإنسان من مؤونة البدن وتكاليفه لما له في ذلك من المصلحة ، فإن اهتمامه بتنظيف بدنه ، وأخذ ما يعلوه من الشعر مما يكسر به شرته ، ويكف عاديته ، ويشغله عن بعض ما يخرجه إليه الفراغ من الأشر والبطالة» .
وردّ الإمام (علیه السّلام) بهذا المقطع على مزاعم المانوية وأباطيلهم ، حيث زعموا أنّه لا حكمة ولا مصلحة في الشعر النابت على الركبتين والإبطين ، فأوضح الإمام (علیه السّلام) الحكمة في ذلك ، وأنّ هذه المواضع هي مفاصل العظام الغلاظ التي عليها مدار حركة اليدين والرجلين ، وهي تحتاج إلى رطوبة كثيرة تسهيلاً لحركتها ، ولئلا تجف فتقف عن الحركة التي يحصل بها المشي والأعمال اليدوية .
ثمّ انّ هذه الرطوبة إذا كثرت أضرت ، وأرخت المفاصل ، فكان من الضروري رعاية لصحة إنبات الشعر فيها ليمتصّ منها الزائد، ويقذفه إلى الخارج ، فسبحان الله المصوّر والمبدع لخلقه.
قال (علیه السّلام)
«تأمّل الريق ، وما فيه من المنفعة ، فإنّه جعل يجري دائماً إلى الفم ليبل الحلق واللهوات فلا تجف ، فإنّ هذه المواضع لو جعلت كذلك كان فيه هلاك الأسنان ، ثم كان لا يستطيع أن يسيغ طعاماً إذا لم يكن في الفم بلة تنفذه ، تشهد بذلك المشاهدة ، واعلم أنّ الرطوبة مطيّة الغذاء ، وقد يجري من هذه البلة إلى مواضع آخر من المرّة ، فيكون في ذلك صلاح تام للإنسان ولو يبست المرّة لهلك الإنسان» .
أما الريق فهو اللعاب المفرز من الغدد اللعابية في الفم ، وهو من عناصر الصحة لبدن الإنسان ، فإنّه إذا لم يصل إلى الأسنان، ولم تكن مبتلة على الدوام تعرّضت أغلفتها إلى الجفاف ، وحدثت فيها شقوق وفجوات تدخل الجراثيم منها إلى داخل الأسنان مما تسبب فسادها .
وبالإضافة لذلك فإنّه من أقوى العناصر على هضم الطعام ، فإنّ فيه كثيراً من المواد الهاضمة للطعام ، وإذا فسدت بعض هذه المواد فإنّ الإنسان يتعرّض لالتهاب المعدة ، وغيرها من الأجهزة كالإثنى عشري من الأمعاء .
قال (علیه السّلام)
ولقد قال قوم من الجهلة المتكلمين ، وضعفة المتفلسفين بقلة التمييز، وقصور العلم : لو كان بطن الإنسان كهيئة القباء(1)يفتحه الطبيب إذا شاء فيعاين ما فيه ، ويدخل يده فيعالج ما أراد علاجه ، ألم يكن أصلح من أن يكون مصمتاً(2)محجوباً عن البصر واليد ، لا يعرف ما فيه إلا بدلالات غامضة ، كمثل النظر إلى البول وجسّ العرق ، وما أشبه ذلك مما يكثر فيه الغلط والشبه ، حتى ربّما كان ذلك سبباً للموت ؟».
فلو علم هؤلاء الجهلة أن هذا لو كان هكذا ، كان أوّل ما فيه : أنْ كان يسقط عن الإنسان الوجل من الأمراض والموت ، وكان يستشعر البقاء ، ويغتر بالسلامة ، فيخرجه ذلك إلى العتو والأشر ، ثم كانت الرطوبات التي في البطن تترشّح وتتحلب(3)فيفسد على الإنسان مقعده ومرقده وثياب بدلته وزينته ، بل كان يفسد عليه عيشه.
ثمّ إنّ المعدة والكبد والفؤاد إنّما تفعل أفعالها بالحرارة الغريزية التي جعلها الله محتبسة في الجوف ، فلو كان في البطن فرج - أي فتحة - ينفتح حتى يصل البصر إلى رؤيته واليد لعلاجه ، لوصل برد الهواء إلى الجوف فمازج الحرارة الغريزية ، وبطل عمل الأحشاء ، فكان في ذلك هلاك الإنسان ، أفلا ترى أنّ كلّ ما تذهب إليه الأوهام سوى ما جاءت به
الخلقة خطاً وخطل ؟!».
وعرض الإمام (علیه السّلام) إلى زيف ما قاله جهلة المتكلمين وضعفة المتفلسفين من أنّ بطن الإنسان لِمَ لم تخلق مثل القباء ، وهو ثوب يلبس على الثياب ويفتح مقدمه، فكذلك البطن حتّى يتمكن أن يفتح البطن عند حصول المرض فيعاينه الطبيب ويعرف ما فيه ليصف له الدواء ، ولا يحتاج حينئذ إلى فحص البول وجس النبض ، وهذه المقالة لا تلتقي بجميع أبعادها على الصعيد العلمي والفكري ، وكان مما يواجهها من المؤاخذات ما يلي :
1 - إنّ الإنسان إذا أيقن أن الطبيب لا يعسر عليه معالجته ويمكنه فتح بطنه ، والنظر إلى علّته ، وشفائه ، فإنّ ذلك يكون موجباً لإشاعة الغرور والطيش عند الإنسان ، وبذلك تنتشر الفوضى ، ويعم الظلم والطغيان .
2 - إنّ البطن لو كان مفتوحاً لكان دائم السيلان والترشيح ، وهذا مما يفسد الثياب والبدن ، ويذهب براحة الإنسان ونظافته.
3 - إنّ الأعضاء الرئيسية في بدن الإنسان ، كالقلب والمعدة والكبد ، لا يمكن أن تؤدي وظيفتها إلا بطاقة حرارية ، فإذا كانت مفتوحة فإنّ الحرارة الغريزية تختل ، وتبطل أعمال الأعضاء الرئيسيّة ، وذلك ممّا يؤدّي إلى هلاك الإنسان وانعدام حياته .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض ما أدلى به الإمام (علیه السّلام) في توحيد المفضّل من الاستدلال ببدن الإنسان وأجهزته على وجود الخالق العظيم .
من الأدلّة الحسية التي استدل الإمام (علیه السّلام) على توحيد الله وعظمته ، هي عالم الحيوانات ، وبيان فصائلها وأنواعها ، وما فيها من الأجهزة التي تنادي بوجود الله تعالى خالق ما يُرى وما لا يُرى ، وفيما يلي بعض ما ذكره امام الموحدين في (توحيد المفضّل) :
قال (علیه السّلام)
«فكر في أبنية أبدان الحيوان ، وتهيئتها على ما هي عليه» .
إنّ أبنية أبدان الحيوان قد تركبت من عظام وأعصاب وغضاريف وشحم ولحم ودم و دماغ وقلب ورئيتين ومعدة وكبد ،وغيرها، والحيوانات مختلفة الأشكال والألوان ، وقد أعطى الله كل نوع من الحيوانات ما يحتاج إليه من الأجهزة والأجزاء ، وجعل كل عضو في المحل المناسب له ، والمتأمل في خلق الحيوانات ، وما أعدّت له من خدمة الإنسان ، وغذائه ، فإنّه يؤمن إيماناً جازماً بالخالق العظيم .
قال (علیه السّلام)
«فلا هي صلاب كالحجارة ، ولو كانت كذلك لا تنثني ولا تتصرّف في الأعمال ، ولا هي على غاية اللين والرخاء ، فكانت لا تتحامل ولا تستقل بأنفسها ، فجعلت من لحم رخو نثني تتداخله عظام صلاب يمسكه عصب وعروق تشدّه ، وتضم بعضه إلى بعض ، وغلفت فوق ذلك بجلد يشتمل على البدن كله ، وأشباه ذلك هذه التماثيل التي تعمل من العيدان ، وتلفّ بالخرق ، وتشدّ بالخيوط ، وتطلى فوق ذلك بالصمغ ، فتكون العيدان بمنزلة العظام، والخرق بمنزلة اللحم ، والخيوط بمنزلة العصب، والطلاء بمنزلة الجلد ، فإن جاز أن يكون الحيوان المتحرّك حدث بالإهمال من غير صانع جاز أن يكون ذلك في هذه التماثيل الميتة ، وإن كان غير جائز في التماثيل ، فبالحري أن لا يجوز في الحيوان».
عرض الإمام (علیه السّلام) إلى بعض صفات الحيوانات، والتي منها أن الله تعالى خلق بعض الحيوانات كالأنعام من لحم ينثني عند إرادة الحركة والعمل ، ولما كانت أجسامها رخوة ، فقد خلق تعالى فيها عظاماً صلبة تربط بعض الأجزاء ببعض ، وجعل روابطها العروق لتشدّ فواصلها ومفاصلها ، ولما كانت تلك العظام تُحدث ألماً لا يطاق عند اتصال بعضها ببعض خلق الله تعالى غضاريف ، فجعلها وسطاً بين صلابة العظام ورخاوة اللحم لتعتدل حركتها دون ألم ، فسبحان الخالق العظيم المبدع والمصوّر.
قال (علیه السّلام)
«فَكَرْ - يا مفضل - بعد هذا في أجسام الأنعام ، فإنها حين خُلقت على أبدان الإنس من اللحم والعظم والعصب أعطيت أيضاً السمع والبصر ليبلغ الإنسان حاجته ، فإنّها لو كانت عمياً وصمّاً لما انتفع بها الإنسان ولا تصرفت في شيء من مآربه ، ثمّ صنعت الذهن والعقل لتذل للإنسان فلا يمتنع عليه إذا كدها الكد الشديد ، وحملها الحمل الثقيل ، فإن قال قائل : إنه قد يكون للإنسان عبيد من الإنس يذلّون ، ويذعنون بالكدّ الشديد وهم مع ذلك غير عديمي العقل والذهن ، فيقال في جواب ذلك : إنّ هذا الصنف من النّاس قليل ، فأما أكثر الناس فلا يذعنون بما تذعن به الدواب من الحمل والطحن ، وما أشبه ذلك ، ولا يقرون بما يحتاج إليه منه . ثم لو كان الناس يزاولون مثل هذه الأعمال بأبدانهم لشغلوا بذلك عن سائر الأعمال ، لأنه كان يحتاج مكان الجمل الواحد أو البغل الواحد إلى عدة أناسي ، فكان هذا العمل يستفرغ الناس حتى لا يكون فيهم عنه فضل لشيء من الصناعات مع ما يلحقهم من التعب الفادح في أبدانهم والضيق والكد في معاشهم».
الحيوانات فقد خلقها الله مصدراً من مصادر العيش والنفع للإنسان ، وقد جعلها تعالى سهلة الانقياد للإنسان، ولم يجعلها كالحيوانات المفترسة ، ولو جعلها كذلك لصارت مصدر خطر على الإنسان، وانتفت فائدتها بالكلية ، قال تعالى : وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ(1)، وقد منحها تعالى الحواس
1) یس 36: 72.
الخمس فهي ترى وتسمع ، وتشم وتذوق ، ولو فقدت البصر والسمع لأصبحت كالجماد لا ينتفع بها ، ولا تصلح لكل عمل من الأعمال ، وقد سلبها تعالى الفطنة الكاملة التي تدرك بها حقيقة الأشياء ، كالذبح مثلاً ، ولو منحها تعالى ذلك الإدراك لامتنعت بالضرورة عن الإذعان لإرادة الإنسان ، وأعلنت التمرّد عليه .
قال (علیه السّلام)
«فكَرْ - يا مفضّل - في هذه الأصناف الثلاثة من الحيوان ، وخلقها على ما - هي عليه مما فيه صلاح كلّ واحد منها ، فالإنس لما قُدِّر أن يكونوا ذوي ذهن وفطنة وعلاج لمثل هذه الصناعات من البناء والتجارة والصياغة والخياطة ، وغير ذلك ، خلقت لهم أكف كبار ذوات أصابع غلاظ ليتمكنوا من القبض على الأشياء وأوكدها هذه الصناعات.
وأكلات اللحم لما قدر أن تكون معايشها من الصيد خلقت لهم أكف لطاف مدمجة(1)ذوات براثن(2)ومخالب تصلح لأخذ الصيد ، ولا تصلح للصناعات وأكلات النبات لما قُدر أن يكونوا لا ذوات صنعة ، ولا ذوات صيد خلقت لبعضها أظلاف تقيها خشونة الأرض إذا حاولت طلب المرعى ولبعضها حوافر ململمة ذوات قعر كأخمص القدم تنطبق على الأرض عند تهيئتها للركوب والحمولة» .
عرض الامام (علیه السّلام) الأصناف ثلاث من الحيوانات ، وكيف اقتضت الحكمة الإلهيّة تزويدها بما تحتاج إليه ، وما تقتاته من الطعام ، وهذه الأصناف هي :
1 - الإنسان : وقد خلق الله له الأيدي التي احتوت على الأصابع المتناسقة الغلاظ ليتمكن من إنجاز حاجياته التي يتوقف عليها النظام العام من التجارة والصناعة والزراعة والخياطة وغيرها، ولولا تصميم يده بهذا الشكل الرائع لما
تمكن الإنسان من عمل أي شيء في حياته.
2 - الحيوانات الضارية : هي التي تتغذى باللحوم كالسباع ، وغيرها من الحيوانات المفترسة للحيوانات الحيّة ، وقد زوّدها الله تعالى بما تحتاج إليه من أعضاء تمكنها من التغلب على فريستها وإلا ماتت جوعاً، فقد خلق الله لها أكفاً مدمجة ذوات براثن ومخالب تصلح لأخذ الصيد.
3 - الحيوانات المجترة : وهي التي تعيش على النبات ، وكلّها ذوات أظلاف أو حوافر ، وهي كالبقر والغنم والظبي ، والإبل وغيرها ممن تعيش على النباتات وهي تجتر الطعام من غير أن تمضغه جيّداً ، فإذا ازدردته ينزل إلى الكرش فيبقى فيه مدة ثم يخرج من كرشه قليلاً إلى الفم فيمضغه ثم يعود إلى المعدة ، فسبحان الله المصوّر والمبدع في خلقه للأشياء .
قال (علیه السّلام)
«تأمّل التدبّر في خلق آكلات اللحم من الحيوان حين خُلقت لها ذات أسنان حداد(1)، وبراثن شداد ، وأشداق وأفواه واسعة ، فإنّه لما قُدِّر أن يكون طعمها اللحم خلقت خلقة تشاكل ذلك ، وأعينت بسلاح وأدوات تصلح للصيد ، وكذلك تجد سباع الطير ذوات مناقير ومخالب مهيأة لفعلها ، ولو كانت الوحوش ذوات مخالب كانت قد أعطيت ما لا تحتاج إليه لأنها لا تصيد ، ولا تأكل اللحم ، ولو كانت السباع ذوات أظلاف كانت قد منعت ما تحتاج إليه ، أعني السلاح الذي تصيد به وتتعيش ، أفلا ترى كيف أعطى كلّ واحد من الصنفين ما يشاكل صنفه وطبقته بل ما فيه بقاؤه وصلاحه» .
وأعاد الإمام (علیه السّلام) حديثه عن أكلات اللحوم من الحيوانات ، وما خلقه الله لها من الأعضاء التي تساعدها على افتراس الحيوانات الحيّة ، فقد خلق لها أسناناً حادة قوية مدببة .
كما خلق لها براثن - أي أصابع - ذات مخالب - أي أظفار - شداد مقوّسة حادّة ، وتستطيع بواسطة أسنانها ومخالبها أن تمزق فريستها تمزيقاً كاملاً يمكنها أن تزدرد لحومها بسهولة ويسر ، وهذا من حِكَم الله البالغة في خلقه لمثل هذه الحيوانات كالأسد والنمر والذئب ،وغيرها ، فقد زوّدت بما تحتاج إليه في شؤون حياتها ومعاشها ، هذا بالنسبة إليها .
1) حداد: قاطعة .
وأمّا بالنسبة إلى الطيور الجارحة كالنسر والعقاب والباز وغيرها فإنّها قويّة الأجنحة ، ولها مناقير حادة الأطراف، وأقدام قوية ذات مخالب حادة مقوّسة ، حتى تستطيع أن تمسك بها فريستها بمنقارها الحادّ القوي ، ولو اختلت أحد هذه الأجهزة منها لما أمكنها أن تعيش ، فسبحان الخالق العظيم الذي زوّد هذه المخلوقات بما تحتاج إليه.
قال (علیه السّلام)
«انظر الآن إلى ذوات الأربع كيف تراها تتبع أمهاتها مستقلة بأنفسها لا تحتاج إلى الحمل والتربية كما تحتاج أولاد الإنس ، فمن أجل أنه ليس عند أمهاتها ما عند أمهات البشر من الرفق والعلم بالتربية والقوة عليها بالأكف والأصابع المهيأة لذلك أعطيت النهوض والاستقلال بأنفسها» .
وحكى هذا المقطع حكمة الله تعالى البالغة في الحيوانات ذات القوائم الأربع ، فإنّ المتأمل يرى أفراخها لا تحتاج إلى حمل أمهاتها لها ، وأن تسعى بتربيتها كما هو الحال في أطفال الإنسان ، وهي حينما تخرج من بطون أمهاتها تتبع أمها مستقلة من دون مساعدة لها ، وتلتقم ثدي الأمّ في دور الرضاعة فإذا قويت على الأكل مشت وراء أمّها مستقلة . لقد منحها الله تعالى هذا الإلهام الفطري فهي تسير سيراً صحيحاً من دور رضاعها إلى دور فطامها ، وكلّ ذلك بتدبير من الخالق العظيم .
قال (علیه السّلام)
«انظر إلى قوائم الحيوان تأتي أزواجاً لتتهيأ للمشي ، ولو كانت أفراداً لم تصلح لذلك لأنّ الماشي ينقل قوائمه يعتمد على بعض ، فذو القائمتين ينقل واحدة ، ويعتمد على واحدة ، وذو الأربع ينقل اثنين ، ويعتمد على اثنين ، وذلك من خلاف لأنّ ذا الأربع لو كان ينقل قائمتين من أحد جانبيه ، ويعتمد على قائمتين من الجانب الآخر لم يثبت على الأرض كما يثبت السرير وما أشبهه ، فصار ينقل اليمنى من مقاديمه مع اليسرى من مآخيره ، وينقل الأخيريين أيضاً من خلاف فيثبت على الأرض ، ولا يسقط إذا مشى».
إنّ من حكمه البالغة وإتقانه فى الصنع أنّه خلق لكلّ حيوان ماش قوائم يعتمد عليها في مشيه ، فمنهم من يمشي على رجلين ، ومنهم من يمشي على أربع ، فلو كان من يمشي على إثنين خلقت له رجل واحدة لما استطاع المشي ، وكذلك ذو الأرجل الأربع ، فإنّه إذا خلقت له ثلاثة أو إثنان فإنّه يسقط ، ولا يتمكن من المشي ، فسبحان الله المصوّر والمبدع في خلقه.
قال (علیه السّلام)
أما ترى الحمار كيف يذل للطحن والحمولة ؟ وهو يرى الفرس منعماً ، والبعير لا يطيقه عدّة رجال لو استعصى كيف كان ينقاد للصبي ، والثور الشديد كيف كان يذعن لصاحبه حتى يضع النير(1)على عنقه ويحرث به ، والفرس الكريم يركب السيوف الأسنّة(2)بالمواتاة لفارسه والقطيع من الغنم يرعاه واحد ، ولو تفرّقت الغنم فأخذ كل واحد منها في ناحية لم يلحقها ، وكذلك جميع الأصناف المسخّرة للإنسان فبم كانت كذلك إلا بأنها عُدمت العقل والروية ، فإنّها لو كانت تعقل وتتروّى في الأمور كانت خليقة أن تلتوي على الإنسان في كثير من مآربه حتى يمتنع الجمل من قائده ، والثور على صاحبه ، والغنم على راعيها ، وأشباه هذا من الأمور».
وحكى هذا المقطع عن خضوع هذه الحيوانات للإنسان ، فلا تقوى على الدفاع عن نفسها مع أنّه أضعف منها جسماً وطاقة ، لقد سخّرها الله تعالى للإنسان مع قوتها وضعفه ، ولو كانت تعقل وتدرك ما يريد بها الإنسان لامتنعت عليه ، فلا الجمل ينقاد ولا الثور يتذلّل ، ولا الغنم تجتمع بأمر راعيها ، فسبحان من أنعم على الإنسان وأكرمه بتسخير هذه الحيوانات له.
قال (علیه السّلام)
«وكذلك هذه السباع لو كانت ذات عقل ورويّة فتوازرت على الناس ، كانت خليقة أن تجتاحهم ، فمن كان يقوم للأسد والذئاب والنمور والدببة لو تعاونت وتظاهرت على الناس ، أفلا ترى كيف صبر ذلك عليها ، وصار مكان ما كان يخاف من إقدامها ونكايتها تهاب مسكن الناس ، وتحجم عنها ، ثمّ لا تظهر ولا تنتشر لطلب قوّتها إلا بالليل ، فهي مع صولتها كالخائف من الإنس ، بل مقمومعة ممنوعة منهم ، ولو كان ذلك لساورتهم في منازلهم ، وضيقت عليهم».
إنّ من نعم الله تعالى على الإنسان الذي هو من أضعف الحيوانات قوة ومقاومة ، لا سيما مع السباع الضارية ، وقد شاء الله تعالى أن يملأ قلوبها فزعاً ورعباً ، فلم تستطع الهجوم على مساكن الناس حتى صارت لا تخرج من مساكنها ، ولا تنتشر لطلب قوّتها إلا في ظلام الليل لتأمن من فتك الإنسان بها ، ولولا هذا الخوف لهجمت على الناس في مساكنهم ، ولم تبق أحداً إلا افترسته ، فسبحان الله المصوّر المبدع .
قال (علیه السّلام)
«ثمّ جعل في الكلب من بين هذه السباع عطفاً على مالكه ومحاماة عنه ، ومحافظة له ، يتنقل على الحيطان والسطوح في ظلمة الليل لحراسة منزل صاحبه ، وذب الذمار عنه ، ويبلغ من محبّته لصاحبه أن يبذل نفسه للموت دونه ودون ماشيته وماله ، ويألفه غاية الإلف حتى يصبر معه على الجوع والجفوة ، فلِمَ طبع الكلب على هذه الألفة والمحبة إلا ليكون حارساً للإنسان ، وله عين بأنيات ومخاليب ونباح هائل ليذعر منه السارق ، ويتجنب المواضع التي يحميها ويخفرها» .
وعرض الإمام (علیه السّلام) إلى طباع الكلب التي منها حراسة صاحبه ، وحماية حريمه ، وعدم خذلانه ، فهو يصعد على السطوح والتلال في غلس الليل البهيم لحراسة منزل صاحبه ، وحمايته من اللصوص ، ومن طباعه تفانيه في حبّ صاحبه حتّى إنّه يبذل نفسه للموت دونه ودون أمواله وماشيته ، وقد ضرب المثل بوفائه فقيل : «أوفى من كلب» .
وقد أمر الإمام (علیه السّلام) بالتأمل والتفكر في خلق هذا الحيوان السبعي الخلقة الألوف في حين أن السباع من طبيعتها افتراس الناس ، فمن الذي منحها هذه الصفات غير الله تعالى خالق الكون وواهب الحياة .
قال (علیه السّلام)
«يا مفضّل ، تأمل وجه الدابة كيف هو ؟ فإنّك ترى العينين شاخصتين أمامها لتبصر ما بين يديها لئلا تصدم حائطاً أو تتردّى في حفرة ، وترى الفم مشقوقاً شقاً في أسفل الخطم(1)، ولو شق كمكان الفم من الإنسان في مقدّم الذقن لما استطاع أن يتناول به شيئاً من الأرض ، ألا ترى الإنسان لا يتناول الطعام بفيه ولكن بيده تكرمة له على سائر الأكلات ، فلما لم تكن للدابة يد تتناول العلف جعل خرطومها مشقوقاً من أسفله لتقبض على العلف ، ثمّ تقضمه ، وأعينت بالجحفلة(2)لتتناول بها ما قرب وما بعد» .
تعرّض الإمام (علیه السّلام) إلى وجه الدابة ، فقد جعل الله لها عينين في أعلى الوجه شاخصتين لتبصر بهما ما بين يديها، وتمشي مستقيمة حتى لا تصطدم بحائط أو حاجز أو تتردّى فى حفرة ، ثم جعل لها فماً مشقوقاً في أسفل الخطم ممّا يلي الأرض لتتمكن من أن تلتقم به علفها من الأرض وتشرب الماء بسهولة ، كما خلق لها الجحفلة لتجلب العلف ، وتضعه في الفم ، وقد كرّم الله تعالى الإنسان فجعل له يداً يتناول بها غذاءه، ويرفعه إلى فمه ، فسبحان الخالق العظيم الذي أبدع خلق الأشياء ، وأحكم صنعها .
قال (علیه السّلام)
«اعتبر بذنبها - أي ذنب الدابة - والمنفعة لها فيه ، فإنّه بمنزلة الطبق(1)على الدبر والحياء جميعاً يواريهما ويسترهما ، ومن منافعها فيه أنّ ما بين الدبر ومراقي البطن منها وضر(2)يجتمع عليه الذباب والبعوض، فجعل لها الذنب كالمذبة(3)تذبّ بها عن تلك المواضع ، ومنها أنّ الدابة تستريح إلى تحريكه وتصريفه يمنة ويسرة ، فإنّه لمّا كان قيامها على الأربع بأسرها ، وشغلت المقدمتان بحمل البدن عن التصرف والتقلب كان لها في تحريك الذنب راحة.
وفيه منافع أخرى يقصر عنها الوهم ، فيعرف موقعها وقت الحاجة إليها ، فمن ذلك أنّ الدابة ترتطم في الوحل ، ولا يكون شيء أعون على نهوضها من الأخذ بذنبها ، وفي شعر الذنب منافع للناس كثيرة يستعملونه في ماربهم».
عرض الإمام (علیه السّلام) إلى الحكمة الإلهيّة فى خلق ذنب الدابة ، وما عليه من شعر، وكان من جملة المنافع ستره لدبرها وحياءها عن الأنظار، ودفعه لما على الدبر ومراقي البطن من وضر وأوساخ وفضلات من إفرازها مما يوجب اجتماع الذباب والبعوض عليها فيؤذيها ، فتدفعه عنها بذنبها ، كما أنّ الدابة تستريح بتحريكه لأنه
كرجل خامسة لها تساعد الرجلين على حركاتهما .
كما أن في شعر الذنب منافعاً للناس ، فإنّها كانت تستعمل للمناخل قديماً لنخل الطحين، ويعمل منها أشراكاً لصيد الطيور، ويستعمل أوتاراً لبعض آلات العزف ، إلى غير ذلك من المنافع(1).
1) شرح توحيد المفضّل : 2 : 91 .
قال (علیه السّلام)
«تأمّل مشفر(1)الفيل ، وما فيه من لطيف التدبير ، فإنّه يقوم مقام اليد في تناول العلف والماء وازدرادهما إلى جوفه ، ولولا ذلك لما استطاع أن يتناول شيئاً من الأرض لأنه ليست له رقبة يمدّها كسائر الأنعام ، فلمّا عدم العنق أعين مكان ذلك بالخرطوم الطويل ليسدله ، فيتناول به حاجته ، فمن ذا الذي عوّضه مكان العضو الذي عدم ما يقوم مقامه إلا الرؤوف بخلقه ؟ وكيف يكون هذا بالإهمال كما قالت الظلمة ؟».
وأمر الإمام (علیه السّلام) بالتأمل في مشفر الفيل - وهو الخرطوم - وهو عضو عضلي مجوّف مركب من عصب ولحم وغضروف ، وهو كالوعاء يصرف الماء ، ويملأه من الماء ثمّ يولجه في فيه ، ولولاه لما استطاع أن يتناول شيئاً من الأرض لأنّه لا رقبة له كي يمدها إلى الأرض ، فسبحان الذي أتقن صنعه ، وأبدع تركيبه ، وضل الجاهلون الذين أنكروا وجود الله تعالى ، وهو من أبرز الحقائق الظاهرة.
قال (علیه السّلام)
«فإن قال قائل : فما باله - أي الفيل - لم يخلق ذا عنق كسائر الأنعام ؟ قيل
1) المشفر - بكسر فسكون ففتح : الشفة، وتستعمل للبعير إلّا أنّ الإمام الصادق (علیه السّلام) عدل المعنى إلى خرطوم الفيل .
له : إنّ رأس الفيل وأذنيه أمر عظيم ، وثقل ثقيل ، فلو كان ذلك على عنق عظيم لهدها وأوهنها ، فجعل رأسه ملتصقاً بجسمه لكيلا يناله منه ما وصفناه، وخلق له مكان العنق هذا المشفر ليتناول به غذاءه فصار مع عدم العنق مستوفياً ما فيه بلوغ حاجته».
لقد أمر (علیه السّلام) بالتدبّر في عنق الفيل ، وأنه لم لم يخلق له عنق كسائر الأنعام ؟ وقد أجاب (علیه السّلام) عن ذلك بأن رأس الفيل وأذنيه في منتهى الثقل ، وذلك للمناسبة مع عظيم جنّته ، وبديهي أن مثل هذا الرأس الكبير الثقيل لا يستطيع أي عنق أن يحمله مهما غلظ وعظم ، ولو كان له عنق لهذه وأوهنه ، ولهذا الغرض خلق رأس الفيل متصلاً ببدنه قائماً على كتفيه ، ولما كان رأسه بهذه الصورة لم يكن بإمكانه تنزيل رأسه إلى الأرض ليتناول طعامه ، فخلق له الله الخرطوم الذي هو بمنزلة يد الإنسان هو الذي يتناول به طعامه وشرابه .
قال (علیه السّلام)
«انظر الآن كيف جعل حياء الأنثى من الفيلة في أسفل بطنها ، فإذا هاجت للضراب ارتفع وبرز حتّى يتمكن الفحل من ضربها ، فاعتبر كيف جعل حياء الأنثى من الفيلة على خلاف ما عليه في غيرها من الأنعام ، ثم جعلت فيه هذه الخلة ليتهيأ للأمر الذي فيه قوام النسل ودوامه» .
إنّ من عظيم صنع الله تعالى أنثى الفيل ، فقد وضع جهازها التناسلي في أسفل بطنها ، فإذا نزاها الذكر من الفيلة فإنّه يرتفع ويبرز حتى يتمكن الفحل من تلقيحها ، وفي هذا من عظيم الصنع ما يفوق الوصف ، فسبحان الله المصوّر والمبدع لخلقه .
قال (علیه السّلام)
«فكر في خلق الزرافة ، واختلاف أعضائها ، وشبهها بأعضاء أصناف من الحيوان ، فرأسها رأس الفرس ، وعنقها عنق الجمل ، وأظلافها أظلاف البقرة ، وجلدها جلد النمر ، وزعم ناس من الجهال بالله عزّ وجلّ أن نتاجها من فحول شتّى . قالوا سبب ذلك أن أصنافاً من حيوانات البرّ إذا أرادت الماء تنزو على بعض السائمة وينتج مثل هذا الشخص الذي هو كالملتقط من أصناف شتّى.
وهذا جهل من قائله ، وقلّة معرفة بالباري جلّ قدسه ، وليس كل صنف من الحيوان يلقح كلّ صنف ، فلا الفرس يلقح الجمل ، ولا الجمل يلقح البقر ، وإنما يكون التلقيح من بعض الحيوان فيما يشاكله ، ويقرب من خلقه ، كما يلقح الفرس الحمار فيخرج بينهما البغل ، ويلقح الذئب الضبع فيخرج من بينهما السمع(1)، على أنه ليس في الذي يخرج من بينهما عضو واحد منهما ، كما في الزرافة عضو من الفرس ، وعضو من الجمل ، وأظلاف من البقرة ، بل يكون كالمتوسط بينهما الممتزج منهما كالذي نراه في البغل ، فإنك ترى رأسه وأذنيه وكفله(2)وذنبه وحوافره وسطاً بين هذه الأعضاء من الفرس والحمار ، وشحيجه(3)كالممتزج بين صهيل الخيل ونهيق الحمار ، فهذا دليل على أنه ليست الزرافة من
لقاح أصناف شتّى من الحيوان كما زعم الجاهلون ، بل هي خلق عجيب من خلق الله للدلالة على قدرته التي لا يعجزها شيء .
وليعلم أنه خالق أصناف الحيوان كلها يجمع بين ما يشاء من أعضاء في أيها شاء ، ويفرّق ما شاء منها في أيها شاء ، ويزيد في الخلقة ما شاء ، وينقص منها ما شاء ، دلالة على قدرته على الأشياء ، وأنه لا يعجزه شيء أراده جلّ وتعالى .
أما طول عنقها ، والمنفعة لها في ذلك ، فإن منشأها ومرعاها في غياطل(1)ذات أشجار شاهقة ذاهبة طولاً في الهواء ، فهي تحتاج إلى طول عنق تتناول بفيها أطراف تلك الأشجار فتقوت من ثمارها» .
ومن آيات الله البينات خلقه للزرافة التي هي من أجمل الحيوانات ، فهي تشبه الفرس في رأسها ، وتشبه البعير بعنقها ، وتشبه البقر في أظلافها ، وتشبه النمر في جلدها .
وقد فنّد الإمام (علیه السّلام) مزاعم بعض الجهال من أنّها مركبة من فحول شتّى ، فإن اللقاح والتناسل لا يحصل في الحيوان بین صنفين مختلفين كاختلاف الجمل والأسد ، والبقر والفهد ، وأمثال ذلك ، اللهم إلا أن يكون الفرق قليلاً، والصنفان متقاربنان في الأعضاء ، كالحمار والفرس ، فإنّه يحصل بينهما التناسل كما أفاد الإمام (علیه السّلام) ، وقرره علماء الحيوان .
1) الغياطل - جمع غيطل : وهو الشجر الكثير الملتف .
قال (علیه السّلام)
«تأمل في خلقة القرد ، وشبهه بالإنسان في كثير من أعضائه ، أعني الرأس والوجه والمنكبين والصدر ، وكذلك أحشاؤه شبيهة أيضاً بأحشاء الإنسان ، وخص مع ذلك بالذهن والفطنة ، التي بها يفهم عن سائسه ما يومي إليه ، ويحكي كثيراً مما يرى الإنسان يفعله ، حتى إنه يقرب من خلق الإنسان وشمائله بالتدبير في خلقته على ما هي عليه أن يكون عبرة للإنسان في نفسه فيعلم أنه من طينة البهائم وسنخها إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب ، وإنّه لولا فضيلة فضَّله بها في الذهن والعقل والنطق ، كان كبعض البهائم ، على أنّ في جسم القرد فضولاً أخرى تفرّق بينه وبين الانسان ، كالخطم(1)والذنب المسدل والشعر المجلّل للجسم كله ، وهذا لم يكن مانعاً للقرد أن يلحق الإنسان لو أعطى مثل ذهن الإنسان وعقله ونطقه ، والفصل الفاصل بينه وبين الإنسان بالحقيقة هو النقص في العقل والذهن والنطق».
القرد أشبه ما يكون بالإنسان في أعضائه وأحواله من سائر الحيوانات ، فهو يضحك ويطرب ، ويقبل التعليم والتلقين ، ويأنس بالناس ، وهو يصاب بمثل الأمراض التي يصاب بها الإنسان ، مثل : التيفوئيد والتيفوس وغيرها ، والأنثى من القرود تحرص على طفلها فترعاه إذا لعب ، وتسهر عليه في الليل ، وإذا مات تنوح عليه ، وتقطع الطعام والشراب حزناً عليه ، وربما تموت من الجزع عليه.
1) الخطم من الدابة : مقدّم أنفها وفمها .
ولهذا التشابه بين القرد والإنسان اشتبه داروين فقال : «إنّ أصل الإنسان منحدر من القرد ، وقد فنّد العلماء هذا القول وذهبوا إلى تعدّد النوع ، وأن الله تعالى وهب الإنسان العقل والإدراك ما لم يهبه لغيره من الحيوانات ، والمشابهة في الأعضاء لا أثر لها البتة ، فسبحان الله المصوّر والمبدع في خلقه.
قال (علیه السّلام)
«انظر - يا مفضّل - إلى لطف الله جل اسمه بالبهائم كيف كسيت أجسامها هذه الكسوة من الشعر والوبر والصوف لتقيها البرد ، وكثرة الأفات ، وألبست الأظلاف والحوافر ، والأخفاف لتقيها من الحفاء(1)، إذ كانت لا أيدي لها ، ولا أكفّ، ولا أصابع مهيأة للغزل والنسيج ، فكفوا بأن جعل كسوتهم في خلقهم باقية عليهم ما بقوا لا يحتاجون إلى تجديدها ، والاستبدال بها.
أما الإنسان فإنّه ذو حيلة ، وكفّ مهيأة للعمل ، فهو ينسج ويغزل ويتخذ لنفسه الكسوة ، ويستبدل بها حالاً بعد حال ، وله في ذلك صلاح من جهات ، من ذلك أنه يشتغل بصنعة اللباس عن العبث وما تخرجه إليه الكفاية ، ومنها أنه يستريح إلى خلع كسوته إذا شاء ويلبسها إذا شاء ، ومنها أنه يتخذ لنفسه من الكسوة ضروباً لها جمال وروعة ، فيتلذذ بلبسها وتبديلها ، وكذلك يتخذ له بالرفق من الصنعة ضروباً من الخفاف(2)والنعال يقي بها قدميه ، وفي ذلك معايشهم وفيها أقواتهم ، وأقوات عيالهم ، فصار الشعر والوبر والوصف يقوم للبهائم مقام الكسوة ، والأظلاف والحوافر والأخفاف مقام الحذاء».
لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون البهائم كسوتها التي تقيها من البرد وغيره
مخلوقة معها ، فقد خلق الصوف للشاة ، والشعر للمعز ، والوبر للإبل ، كما خلق لوقاية قوائمها الظلف للشاة والبقر والجاموس ، والخفّ للبعير ، والحافر للفرس لتقوم مقام الحذاء للإنسان .
أما الإنسان فلمّا وهبه الله تعالى العقل والإدراك ، وخلق له كفّاً مهيأة للعمل، وأصابع تعينه على الغزل والنسيج ، فهو يتخذ لنفسه كسوة يستر بها بدنه ، وإذا بليت جدّدها ، وبالإضافة إلى هذه الفائدة فإنّ هناك منافعاً اقتصادية للعامل والصانع يكون معاشهم وقوتهم ، وقوت عيالهم بها.
قال (علیه السّلام)
«فكَرْ - يا مفضّل - في خلقة عجيبة جُعِلت في البهائم ، فإنهم يوارون أنفسهم إذا ماتوا ، كما يواري الناس موتاهم ، وإلا فإن جيف هذه الوحوش والسباع وغيرها لا يُرى منها شيء ، وليست قليلة فتخفى لقلتها بل لو قال قائل : إنّها أكثر من الناس لصدق ، فاعتبر ذلك بما تراه في الصحارى ، والجبال من أسراب الطير ، والمها ، وحمير الوحش ، والوعول والأيابل ، وغير ذلك من الوحوش وأصناف السباع من والضباع والذئاب ، والنمور ، وغيرها ، وضروب الهوام والحشرات ودواب الأرض ، وكذلك أسراب الطير، من الغراب والقطا والأوز والكركي والحمام وسباع الطير جميعاً ، وكلها لا يرى منها إذا ماتت إلا الواحد بعد الواحد يصيده قانص أو يفترسه سبع ، فإذا أحسوا بالموت كمنوا في أماكان خفيّة فيموتون بها ، ولولا ذلك لأمتلأت الصحارى منها حتى تفسد رائحة الهواء وتُحدث الأمراض والوباء .
فانظر إلى هذا الذي يخلص إليه الناس ، وعملوه بالتمثيل الأول الذي مثل لهم ، كيف جعل طبعاً وإدراكاً في البهائم وغيرها ليسلم الناس من معرّة ما يحدث لهم من الأمراض والفساد» .
ووهب الله تعالى الحيوان ، خصوصاً إدراكاً عجيباً كان منه أنّها تواري أبدانها حينما تشعر بالموت بالكهوف والشقوق والحفر في الجبال والصحارى .
أما مواراة النّاس لأمواتهم فإنّها بالتعليم لا بالغريزة والفطرة ، كما حكى القرآن الكريم ، قال تعالى :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبَّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطِ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوأَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأَوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ(1). لقد اكتسب الإنسان مواراة الموتى من الغراب ، أما الحيوانات فهي تواري نفسها حتى لا تظهر جيفها ، ولولا ذلك لامتلأت الأرض بجيفها وتعفن وفسد الهواء ، وانتشرت بذلك الأوبئة والأمراض .
1) المائدة 5 : 27 - 31 .
قال (علیه السّلام)
«فكَرْ - يا مفضّل - في الفطن التي جعلت في البهائم لمصلحتها بالطبع والخلقة لطفاً من الله تعالى لهم لكيلا يخلو من نعمه جل وعزّ أحد من خلقه ، لا يعقل ، وروية ، فإنّ الأيل يأكل الحيات فيعطش عطشاً شديداً فيمتنع عن شربه الماء خوفاً من أن يدبّ السم في جسمه فيقتله ، ويقف على الغدير وهو مجهود عطشاً فيعج عجيجاً عالياً ، ولا يشرب منه ، ولو شرب الماء لمات من ساعته ، فانظر إلى ما جعل من طباع هذه البهيمة عن تحمّل الظمأ الشديد الغالب، خوفاً من المضرة في الشرب ، وذلك مما لا يكاد الإنسان العاقل المميز يضبطه من نفسه» .
الأيل : حيوان من ذوات الظلف للذكر منه قرون متشعبة لا تجويف فيها(1)، وقد منحه الله الفطنة والذكاء ، فمن فطنته أنّه مولع بأكل الحيات ، يبتدئ في أكلها من ذنبها إلى رأسها ، ولا يبالي بلسعتها ، فإذا لسعته سالت عيناه بالدموع من شدّة حرارة السمّ إلى نقرتين كبيرتين تحت مجرى عينيه ، وفيهما تجمد هذه الدموع فتكون كالحجر ، ويتخذ منها ترياقاً للسموم ، ولا سيّما سموم الحيات شرباً ولطخاً ، وهو المعروف (الباد زهر الحيواني) .
وإذا أكل الحيّة فإنّه يعطش عطشاً كثيراً ، ويلتهب جسمه من حرارة السم فيطلب الماء ، فإذا رآه وقف ، وجعل ينظر إليه ، ويمتنع من شربه حتى يذهب السمّ من بدنه ، وتهبط حرارته ، فعند ذاك يشرب الماء ، ولو شربه في حال السمّ في جوفه
1) المنجد : 22 .
لمات من ساعته ، وتسمّى هذه الحالة (بالحائمة) وفي ذلك يقول بعض الشعراء مخاطباً محبوبه ، ويعتذر إليه من هجره :
هَجَرْتُكَ لا قِلَى مِنِّي وَلَكِنْ *** رَأَيْتُ بَقاءَ وُدُّكَ بِالصُّدودِ
كَهَجْرِ الحَائِمَاتِ الوِرْدَ لَما *** وَأَتْ أَن المَنِيَّةَ في الورود
تغيظُ نُفوسُها ظَمَاً وَتَخْشى *** حِمَاماً فَهِيَ تَنْظُرُ مِنْ بَعِيدِ
تَصُدُّ بِوَجه ذي الْبَغْضاءِ عَنْهُ *** وَتَرْمُقُهُ بِأَلْحاظِ الوَدودِ(1)
1) شرح توحيد المفضّل : 2 : 124 .
قال (علیه السّلام)
«والثعلب إذا أعوزه الطعم تماوت ، ونفخ بطنه حتّى يحسبه الطير ميّتاً ، فإذا وقعت عليه لتنهشه وثب عليها فأخذها . فمن أعان الثعلب العديم النطق - أى الإدراك - والروية بهذه الحيلة إلا من توكل بتوجيه الرزق له من هذا وشبهه ، فإنّه لمّا كان الثعلب يضعف عن كثير مما تقوى عليه السباع من مساورة الصيد أعين بالدهاء والاحتيال لمعاشه» .
أما الثعلب فقد خصه بقوة السمع والبصر والذكاء ، وقد اشتهر بحيله وشدّة فطنته ، حتى ضرب به المثل ، ومن حيله أنّه يتماوت وينفخ بطنه ويرفع قوائمه فيظنّه الطير أنّه ميت فيقرب منه لينهشه فيثب عليه ويصطاده ، فمن الذي وهبه هذا الإدراك غير الله تعالى ، واهب الحياة وخالق الكون ؟
قال (علیه السّلام)
«الدلفين يلتمس صيد الطير ، فتكون حيلته في ذلك أن يأخذ السمك فيقتله ويشرحه حتّى يطفو على الماء ، ثمّ يكمن تحته ، ويثور الماء حتّى لا يبين شخصه ، فإذا وقع الطير على السمك الطافي وثب عليها، واصطادها ، فانظر إلى هذه الحيلة كيف جعلت طبعاً في هذه البهيمة لبعض المصلحة».
الدلفين حوت بحري يبلغ طوله عشرة أقدام ، وفي الغالب ستة أقدام ، وجمسه كالزق المنفوخ ، ورأسه صغير ، وفكوكه تحتوي على 100 سن من الأعلى والأسفل ، وله رئة يتنفّس منها ، وليس للحيوانات البحريّة رئة مثله ، وهو إذا لبث في أعماق البحر مدة حبس نفسه فيصعد بسرعة السهم طالباً التنفّس ، ويثب إلى أعلى السفينة ، وهو يلد ويرضع أولاده وأنثاه تتبعه حيث ذهب ، ولا تلد إلا في الصيف ، وإذا صيد تثب فصيلته بكل سرعة لإنقاذه، ويعيش في المياه الاستوائية والمعتدلة في جميع المحيطات جماعات جماعات ، ويوجد في نيل مصر ، ومن طبعه أنه لا يؤذي أحداً ، ويأنس بالناس ، ولا سيما الصبيان ، وإذا رأى الغريق فإنّه يسارع لإنقاذه ، فيمكنه من ظهره ليستعين الغريق به على السباحة ، ومن عجيب حالاته أنه إذا اصطيد أحد الزوجين صرخ الآخر حزناً عليه، ولا يبرح حتى يحمله الصيادون ويغيب عن بصره . وقد يأكل الطير إذا ورد ساحل البحر، ويحتال عليه بأن يصطاد السمكة فيقتلها ويشرحها فتطفو على وجه الماء ، ويكمن تحتها ، فإذا وقع الطير على السمكة وثب عليه واصطاده(1)، فسبحان الذي وهبه هذا الذكاء ، وجعل له هذه الغريزة .
1) شرح توحيد المفضّل : 2 : 130.
المفضل : «قلت : قد وصفت لي - يا مولاي أمر البهائم ما فيه معتبر لمن اعتبر ، فصف لي الذرّة والنملة والطير ؟
قال (علیه السّلام)
«يا مفضّل ، تأمّل وجه الذرّة الحقيرة الصغير هل تجد فيها نقصاً عما فيه صلاحها ، فمن أين هذا التقدير والصواب في خلق الذرة ؟ ألا منالتقدير القائم في صغير الخلق وكبيره».
أمّا الذرّ فهو من صغار النمل الأحمر ، ويقال : إنّ مائة منه تزن حبّة من الشعير(1)، وهو كالنمل في العمل والنظام والتدبير ، ومن عجائبها أنّها تسحب ما هو أثقل منها بعشرات المرات ، وقد دعا الإمام (علیه السّلام) إلى التأمل في هذه الذرّة ، وفي إحكام صنعها ، فسبحان الخالق العظيم .
قال (علیه السّلام)
«انظر إلى النمل واحتشاده في جمع القوت وإعداده ، فإنك ترى الجماعة منها إذا نقلت الحبّ إلى زبيّتها(2)، بمنزلة جماعة من الناس ينقلون الطعام أو غيره ، بل للنمل في ذلك من الحدّ والتشمير ما ليس
للناس مثله.
أما تراهم يتعاونون على النقل كما يتعاون الناس على العمل ؟ ثمّ يعمدون إلى الحبّ فيقطعونه لكيلا ينبت فيفسد عليهم ، فإن أصابه أخرجوهم فنشروه حتى يجف ، ثم لا يتخذ النمل الزبية إلا في نشز(1)من الأرض كيلا يفيض السيل فيغرقها ، وكلّ هذا منه بلا عقل، ولا روية ، بل خلقة خلق عليها لمصلحة من الله عزّ وجلّ».
أمّا النمل فإنّه من عجائب المخلوقات، وذلك بما منحه الله من الغرائز والطباع المحيرة للعقول ، ومن عجائبها أنها تدخر في الصيف قوت الشتاء ، فإذا خافت عليه من التعفن أو التسوس أخرجته إلى الشمس ليجف ثمّ تعيده إلى محله ، وإذا خشي على الحبّة المدخرة أن تنبت فى الأرض فلقتها نصفين، وقد يفلق بعض الحبوب كحبّ الكزبرة إلى أربعة أقسام ؛ لأنّ نصف الكزبرة أيضاً ينبت ، وقد ذكر الباحثون عن حياة الحيوان عنه أموراً عجيبة ومذهلة ، فسبحان الخالق العظيم .
1) النَّشَر : المكان العالي المترفع .
قال (علیه السّلام)
انظر إلى هذا الذى يقال له الليث(1)، وتسمّيه العامّة أسد الذباب ، وما أعطى من الحيلة ، والرفق في معاشه ، فإنك تراه حين يحسّ بالذباب قد وقع قريباً منه تركه مليّاً ، حتى كأنه موات لا حراك به ، فإذا رأى الذباب قد اطمأن وغفل عنه ، دبّ دبيباً رقيقاً حتى يكون منه بحيث تناله وثبته ، ثمّ يثب عليه فيأخذه ، فإذا أخذه اشتمل عليه بجسمه كله مخافة أن منه ، فلا يزال قابضاً عليه حتى يحسّ بأنه قد ضعف و استرخى ، ثمّ يقبل عليه فيفترسه ويحيى بذلك منه» .
أسد الذباب نوع من العناكب يصيد الذباب ، ويختطفه بصورة غريبة ، فإذا ما رآه لصق جسمه بالأرض كأنه ميت حتى إذا شعر منه بالاطمئنان يدبّ إليه دبيباً ، فإذا وصل بالقرب منه وثب عليه واختطفه ، فسبحان الذي منحه هذه الفطنة
1) عنكبوت يصيد الذباب.
قال (علیه السّلام)
«أمّا العنكبوت فإنّه ينسج ذلك النسيج فيتّخذه شركاً ومصيدة للذباب ثم يتمكن في جوفه فإذا أنشب فيه الذباب أحال عليه(1)يلذعه ساعة بعد ساعة ، فيعيش بلك منه ، فذلك يحكى صيد الكلاب والفهود ، وهذا يحكي صيد الأشراك والحبائل ، فانظر هذه الدويبة الضعيفة كيف جعل في طبعها ما لا يبلغه الإنسان إلا بالحيلة واستعمال الآلات فيها ، فلا تزدري بالشيء إذا كانت العبرة فيه واضحة كالذرة والنملة ، وما الشبه ذلك فإنّ المعنى النفيس قد يمثل بالشيء الحقير ، فلا يضع ذلك منه كما لا يضع من الدينار وهو من ذهب أن يوزن بمثقال من حديد».
العنكبوت حشرة ضعيفة ترى في أكثر البيوت تنسج بيوتها في الزوايا وخلف الأبواب ، وهي تصطاد الذباب وغيره من الحشرات الصغيرة ، ويتركب جسمها من قسمين : أمامي ، وفيه الرأس والصدر ، وخلفي وفيه البطن ، وفي مقدمة رأسها قرنان ينتهي كلّ منهما بمخلب للقبض على الفريسة ، وفي تجويفه سم قاتل للحشرات التي تعتاش عليها ، وخلف القرنين زوج ثاني من الملاحق أصغر من الزوج الأوّل ، ووظيفته الحس ثمّ في صدرها أربعة أزواج أخر ، هي بمقام الأرجل للمشي ، ثمّ إنّ هذه الأرجل المركبة من سبع عقد تنتهي بمخالب ثلاثة مسنة ، يكثر فيها الشعر ليتمكن بذلك من المشي على السقوف والجدران .
أمّا فم العنكبوت فهو فتحة صغيرة تقع بين قاعدتي الزوج الثاني، وهو يقوم
1) أحال عليه : أقبل ووثب .
بامتصاص السوائل من الحشرات وغيرها؛ لأن العناكب لا تأكل لحماً صلباً ، وهي تستخدم أرجلها في غزل الخيوط وتوجيهها إلى الاتجاه الذي تريده ليكون النسيج على الشكل الملائم لحياتها .
ثمّ إنّ لأغلب أنواع العناكب ثمان عيون في رأسها فهي لذلك ترى الأشياء في جميع الاتجاهات ، وفي أسفل بطن العنكبوت أربع بقع تسمّى بـ(قطع الغزل) يخرج منها سائل لزج ، وهذه البقع كلّها مثقبة تخترقها مئات من الأنابيب المجهرية ، ومن هذه الأنابيب يخرج السائل اللزج الذي تفرزه الغدد الحريرية في البقع الأربع المذكورة ، وما أن يخرج ذلك السائل حتى يجمد ويتصلب ويشكل خيطاً دقيقاً تغزله العناكب بأرجلها لبناء بيت لها(1)، فسبحان الخالق العظيم المبدع ، والمصوّر الذي خلق الأكوان ووهب الحياة .
1) شرح توحيد المفضّل : 2 : 145 .
قال (علیه السّلام)
«تأمل - يا مفضّل - جسم الطائر وخلقته ، فإنّه حين قدر أن يكون طائراً في الجو خفف جسمه ، وأدمج خلقه(1)، واقتصر من القوائم الأربع على اثنين ، ومن الأصابع الخمس على أربعة ، ومن منفذين المزبل والبول على واحد يجمعهما ، ثمّ خلق ذا جوجو(2)محدّد ليسهل عليه أن يخرق الهواء كيف ما أخذ فيه ، كما جعلت السفينة بهذه الهيئة لتشق الماء وتنفذ فيه ، وجعل في جناحيه وذنبه ريشات طوال متان لينهض بها للطيران وكسا كلّه الريش ليتداخله الهواء فيقله(3)».
خلق الله تعالى الطير خفيف الجسم ليحمله الهواء ، ويستطيع أن يرتفع في الجوّ دون تكلّف ، ولأجل ذلك خلقت عظامه مجوّفة، مليئة بالفجوات الهوائيّة الكثيرة التي يأتيها الهواء من الرئتين ، مما يساعد على الطيران .
أما عظام عنقه فهي طويلة ومتحركة تلتوي بسهولة ليتمكن من التقاط الغذاء ، وأما عظام الجذع وفقرات الظهر فهي مندمجة مع بعضها ، وتؤلّف محوراً هيكليّاً صلداً يستند عليه جسم الطائر عند الطيران، وتوجد له أربع أو خمس فقرات ذنبية في مؤخره ، تنتهي بعظم مكوّن من اندماج خمس أو ست فقرات ترتكز عليها ريشات الذنب الطوال ، وأما باقي فقرات الذنب الطليقة فهي التي تسمح للذنب أن يتحرّك
إلى الجوانب ، وأن يكون كالسكان له ينهض ويطير به كالسفينة التي يستقيم سيرها على الماء بواسطة سكانها وله أضلاع صدريّة ، وعظم القص ، وله جؤجؤ في وسط صدره محدّد من الأمام لكي يسهل عليه خرق الهواء في طيرانه كيفما أراد كجؤجؤ السفينة في الماء ، وعلى هذا الجؤجؤ ترتكز الأضلاع المحركة للأجنحة نشراً عند الارتقاع وطيّاً عند الهبوط ، والوقوف على الأرض(1).
هذه مكوّنات الطير وصفاته ، فسبحان الله المبدع والمصوّر لخلقه.
1) شرح توحيد المفضّل : 2 : 149 .
قال (علیه السّلام)
ولما قدر أن يكون طعمه أي الطير - الحبّ واللحم يبلعه بلعاً بلا مضغ ، نقص عن خلقه الإنسان ، وخلق له منقار صلب جاسی یتناول به طعمه ، فلا ينسحج(1)من لقط الحبّ ، ولا يتقصف(2)من نهش اللحم ، ولما عدم الأسنان ، وصار يزدرد الحبّ صحيحاً ، واللحم غريضاً(3)أعِينَ بفضل حرارة في الجوف تطحن له الطعام طحناً يستغني به عن المضغ ، واعتبر ذلك بأن عجم العنب(4)وغيره يخرج من أجواف الإنس صحيحاً ، ويطحن في أجواف الطير ، ولا يُرى له أثر».
إنّ الطير لما لم تكن له أسنان تعينه على هضم الطعام ، فقد خلق الله تعالى له طاقة حرارية في جوفه تعينه على الهضم، وبلغت درجة الحرارة في جوفه أنها تذيب الحبوب الصلبة كعجم العنب الذي لا يذيبه جوف الإنسان ، كما خلق الله له منقاراً صلباً جاسياً لا ينسحج - أي لا يتقشر بالتقاط الطعام - ولا يتقصف - أي لا يتكسر - ويتركب من نسيج عضلي تعلوه طبقة رقيقة من الأدمة المزوّدة بالأوعية الدموعيّة والأعصاب ، وتحافظها طبقة أخرى فوقها من البشرة المتقرّنة ، وفي قاعدة المنقار جلد منتفخ يسمى اللحمة(5)، فسبحان الصانع المبدع الخالق لما يُرى وما لا يُرى .
قال (علیه السّلام)
«ثمّ جعل ممّا يبيض بيضاً ، ولا يلد ولادة لكيلا يثقل عن الطيران ، فإنّه لو كانت الفراخ في جوفه تمكث حتى تستحكم لأثقلته وعاقته عن النهوض والطيران ، فجعل كل شيء من خلقه مشاكلاً للأمر الذي قدر أن يكون عليه .
ثم صار الطائر السائح في هذا الجو يقعد على بيضه ، فيحتضنه أسبوعاً ، وبعضها اسبوعين ، وبعضها ثلاثة أسابيع حتى يخرج الفرخ من البيضة .
ثمّ يقبل عليه فيزقه الريح لتتسع حوصلته للغذاء .
ثم يريبه ويغذيه بما يعيش به ، فمن كلّفه أن يلقط الطعم والحبّ ، فيستخرجه بعد أن يستقر في حوصلته ، ويغذو به فراخه ؟
ولأي معنى يحتمل هذه المشقة ، وليس بذي روية ولا تفكر ، ولا يأمل في فراخه ما يأمل الإنسان من العز والرفاه ، وبقاء الذكر ، فهذا من فعله يشهد أنه معطوف على فراخه لعلة لا يعرفها ، ولا يفكر فيها وهو دوام النسل وبقاؤه لطفاً من الله تعالى ذكره» .
وأعرب إمام المتقين والموحدين (علیه السّلام) عن الحكمة في أنّ الطير يبيض ولا يولد أنّه لو كان يولد لأثقله ذلك عن الطيران، وعجز عنه ، أما البيضة فلخفتها فإنّها لا تعيقه عن الطيران ، وهو مما يتناسب مع خلقة الطير الذي خلق ليطير ، ولم تحمل الأنثى في مبيض واحد وهو الأيسر فقط ، فلو كانت تحمل بيضتين لأثقلها ذلك عن الطيران .
ثمّ إنّها تحتضن البيضة لمدة اسبوع أو اسبوعين أو ثلاثة أسابيع باختلاف الطيور والفصول ، فإذا خرج الفرخ أقبلت الأنثى تزقه الريح قبل أن تطعمه لتتسع حوصلته لأنها عند خروجه تكون ملتصقة بالجدران ، فإذا زقته أمه الريح اتسعت حوصلته ، وأمكن حينئذ أن تزقّه ، فسبحان الذي ألهمها هذا الشعور، وسبحان الذي وهبها هذا العطف على فراخها لإدامة النسل وبقائه .
قال (علیه السّلام)
«انظر إلى الدجاجة كيف تهيج لحضن البيض والتفريخ ، وليس لها بيض مجتمع ، ولا وكر موطى ، بل تنبعث وتنتفخ وتقوى ، وتمتنع من الطعام حتى يجمع لها البيض فتحضنه ، وتفرّخ ، فلم كان ذلك منها ؟! إلا لإقامة النسل ، ومن أخذها بإقامة النسل ولا روية لها ولا تفكير، ولولا أنها مجبولة على ذلك».
وحكى هذا المقطع الغريزة التي وهبها الله تعالى للدجاج ، وهو هياج الأنثى منه لاحتضان البيض ، فإذا وفّر لها يسكن هياجها ، وتقوم باحتضانه ، وليس لذلك سبب إلا لإقامة النسل ، ودوام نوعها لينتفع به الإنسان ، فسبحان الله العظيم الذي وهبها هذه الغريزة .
قال (علیه السّلام)
«اعتبر بخلق البيضة ، وما فيها من المخ(1)الأصفر ، والماء الأبيض الرقيق ، فبعضه ينشأ منه الفرخ ، وبعضه يتغذى به إلى أن تنقاب عنه البيضة ، وما في ذلك من التدبير ، فإنه لو كان نشوء الفرخ في تلك القشرة المستحفظة(2)التي لا مساغ لشيء إليها ، جعل معه في جوفها من الغذاء ما يكتفي به إلى وقت خروجه منها ، كمن يحبس في حبس حصين لا يوصل إلى من فيه ، فيجعل معه من القوت ما يكتفي به إلى وقت خروجه منه».
وأعرب الإمام الا عما حوته البيضة من عجيب الخلقة ، وبديع الاتقان، فإنّها تتكوّن من المح الأصفر الذي يتغذى منه الفرخ داخل البيضة ، وهو يحتوي على مواد غذائية له ، ويحيط به غشاء رقيق ، وأما البياض فمنه يتكوّن الفرخ وتوجد في الجهة الواسعة من البيضة ردهة هوائية يسحب منها الجنين الهواء للتنفّس ، ومنه يكون خروج الفرخ. هذه بعض ما في البيضة من العجائب التي تدل على عظمة الخالق العظيم .
قال (علیه السّلام)
فكَرْ - يا مفضّل - في حوصلة الطائر ، وما قدر له ، فإن مسلك الطعم إلى القانصة(1)ضيّق لا ينفذ فيه الطعام إلا قليلاً قليلاً، فلو كان الطائر يلتقط حبّة ثانية حتى تصل الأولى إلى القانصة لطال عليه ، ومتى كان يستوفي طعمه ؟ فإنّما يختلسه اختلاساً لشدة الحذر ، فجعلت له الحوصلة كالمخلاة(2)المعلّقة أمامه ليوعى فيها ما أدرك من الطعم بسرعة ، ثمّ تنفذه إلى القانصة على مهل ، وفى الحوصلة أيضاً خلّة أخرى ، فإنّ من الطائر ما يحتاج إلى أن يزق فراخه فيكون رده للطعم من قرب أسهل عليه».
عرض الإمام قال (علیه السّلام) إلى حوصلة الطائر التي يبقى فيها الطعام بعد التقاطه مدة ليرطب ويلين بالماء واللعاب والسوائل المفرزة من غدد الحوصلة فإذا لان واستعدّ للهضم نفذ إلى القانصة تدريجاً ، وبواسطة الحرارة الثابتة في القانصة يتم هضمه . ويستحيل دماً يسري في العروق إلى الأعضاء بالدورة الدموية في الطير.
أما القانصة فإنّ جزءاً منها عضلى الجدار متكيف صلب ، وذلك لهضم الطعام الصلب ، وقد خلق الله مسلكاً بين الحوصلة والقانصة ضيّقاً لأن الطائر لمّا كان يلقط طعامه اختلاساً وبحذر صار ما يجمع في الحوصلة التي هي كالمخلاة المعلّقة أمامه ، فإذا اجتمع وقرطب نفذ إلى القانصة تدريجاً ، ولو كان الطائر يصبر عن التقاط الحبّة
الثانية حتّى تنزل الأولى لطال عليه الوقت مع شدّة حذره ، فلا يستوفي على هذا طعامه ، فمن أجل ذلك صار يجمعه بهذه السرعة في الحوصلة ثمّ ينفذه تدريجاً إلى القانصة ، وبالإضافة لذلك فإنّه لمّا كان يزقّ فراخه غذاءها بمنقاره ممّا جمع في الحوصلة كان إخراجه من الجوف إلى الفم أقرب وأسهل(1)، فسبحان الله المكوّن والمصوّر والمبدع لخلقه.
1) شرح توحيد المفضّل : 2 : 162 .
قال (علیه السّلام)
قال المفضّل : يا مولاي، إنّ قوماً من المعطلة يزعمون أن اختلاف الألوان والأشكال في الطير إنّما يكون من قبل امتزاج الأخلاط واختلاف مقاديرها بالمزج والإهمال .
قال (علیه السّلام)
«يا مفضّل ، هذا الوشي الذي تراه في الطواويس والدرّاج على استواء ومقابلة كنحو ما يخط بالأقلام كيف يأتي به الامتزاج المهمل على شكل واحد لا يختلف ، ولو كان بالإهمال لعدم الاستواء ولكان مختلفاً».
وفنّد الإمام (علیه السّلام) مزاعم المعطّلة الذين أنكروا حكمة الخالق وقدرته وسائر صفاته ، فذهبوا إلى أنّ الألوان المختلفة ، والأشكال المتفاوتة في الطيور ناشئة من الأخلاط التي في جسمها إذا اختلفت مقاديرها وامتزجت فصارت هذه الألوان ، ولم تنشأ من صنع الخالق العظيم ، فردّ عليه الإمام (علیه السّلام) بأنّ النقوش الرائعة ، والألوان الزاهية الجميلة التي في الطاووس والدرّاج وغيرهما من بدايع الطيور كأنها قد خطت بالقلم مع العناية البالغة من قبل الرسّام الماهر المبدع ، من دون اختلاط أو شطط ، فهل يعقل أنّ ذلك حدث بالمزج المهمل الذي هو خالٍ من التدبر والحكمة ، وهل يعقل في الأنواع المتعدّدة والمختلفة من الطيور التي جاء كل نوع منها على نمط واحد ، وشكل واحد أن يكون ذلك ناشئاً من المصادفة أو المزج ، إنّه من صنع الله تعالى الحكيم العظيم.
قال (علیه السّلام)
تأمل ريش الطير كيف هو ؟ فإنك تراه منسوجاً كنسيج الثوب من سلوك(1)رقاق ، قد ألّف بعضه إلى بعض كتأليف الخيط إلى الخيط ، والشعرة إلى الشعرة ، ثمّ ترى ذلك النسيج إذا مددته ينفتح قليلاً، ولا ينشق ليداخله الريح ، فيقل الطائر إذا طار ، وترى في وسط الريشة عموداً غليظاً متيناً قد نسج عليه الذي هو مثل الشعر ليمسكه بصلابته وهو القصبة التي في وسط الريشة ، وهو مع ذلك أجوف ليخف على الطائر، ولا يعوقه عن الطيران».
تحدّث الإمام (علیه السّلام) عن تركيب ريش الطير كأنه نسيج ثوب قد نسج من أسلاك قوية رقيقة متماسكة ، ومع هذا التأليف إذا مددته وجدته ينفتح قليلاً من دون أن تنفصل خيوطه عن بعضها ، وقد خلقه الله تعالى بهذه الصورة ليتداخل الهواء فيه فيعين الطائر على طيرانه .
وبالإضافة لهذه الفوائد في ريش الطير ، فإنّه لا يوصل الحرارة الخارجية إلى جسمه ، وهو في الغالب غير قابل للابتلال في الماء ، وذلك لوجود غدد في الجهة الظهريّة من الذنب تفرز سائلاً زيتيّاً على الريش يمنع من وصول الماء إلى جسمه ، فسبحان المصوّر الذي أوجد هذا الإبداع في خلقه.
1) السلوك - جمع سلك - : وهو الخيط ينظم فيه الخرز ونحوه .
قال (علیه السّلام)
هل رأيت يا مفضّل هذا الطائر الطويل الساقين ، وعرفت ما له من المنفعة في طول ساقيه ، فإنّه أكثر ذلك في ضحضاح من الماء(1)، فتراه بساقين طويلتين كأنه ربيئة(2)فوق مرقب(3)، وهو يتأمل ما يدبّ في الماء ، فإذا رأى شيئاً مما يتقوّت به خطا خطوات رقيقاً حتى يتناوله ، ولو كان قصير الساقين ، وكان يخطو نحو الصيد ليأخذه يصيب بطنه الماء فيثور ويذعر منه فيتفرّق عنه ، فخلق له ذانك العمودان ليدرك بهما حاجته ، ولا يفسد عليه طلبه ، تأمل ضروب التدبير في خلق الطائر فإنّك تجد كلّ طويل الساقين طويل العنق ذلك ليتمكن من تناول طعمه من الأرض ، ولو كان طويل الساقين قصير العنق لما استطاع أن يتناول شيئاً من الأرض ، وربما اعين مع طول العنق بطول المناقير ليزداد الأمر عليه سهولة وإمكاناً ، أفلا ترى أنك لا تفتش شيئاً من الخلقة ، إلا وجدته على غاية الصواب والحكمة» .
عرض الإمام (علیه السّلام) إلى الطائر طويل الساقين ، الذي يعيش غالباً في ضحضاح من الماء ، ويقتات في الغالب على الحيوانات الصغيرة التي توجد في الماء ، فكانت الحكمة الإلهيّة أن تطول ساقاه ليتمكن من اصطياد فريسته؛ إذ لو كانت ساقاه
قصيرتين فإنّه يوجب اضطراب الماء ، ونفور الصيد منه ، وحرمانه من القوت ، كما أنّ من الحكمة طول عنقه ، إذ لو كان قصيراً لأحوج عند إدارة الصيد أن يثني ساقيه حتى يحصل على فريسته ، وبهذه العملية تهرب الفريسة منه ، كما أعانه الله تعالى بطول المنقار ليزداد عليه الأمر سهولة ، فسبحان المبدع والمصوّر.
قال (علیه السّلام)
«انظر إلى العصافير كيف تطلب أكلها بالنهار، فهي لا تفقده ولا تجده مجموعاً معداً ، بل تناله بالحركة والطلب ، وكذلك الخلق كله ، فسبحان من قدر الرزق كيف فرّقه ، فلم يجعله مما لا يقدر عليه ، إذ جعل بالخلق حاجة إليه ، ولم يجعله مبذولاً ينال بالهويني(1)، إذ كان لا صلاح في ذلك ، فإنه لو كان يوجد مجموعاً معداً كانت البهائم تنقلب عليه ، ولا تنقلع عنه حتى تبشم(2)فتهلك ، وكان الناس أيضاً يصيرون بالفراغ إلى غاية الأشر(3)حتى يكثر الفساد وتظهر الفواحش» .
وحكى هذا المقطع ما أبدعه الله تعالى في خلق العصفور ، فإنّه يطلب أكله بالنهار، فيسعى مجداً لالتقاط الحبّ أو صيد بعض الحشرات ، ولم يجد ذلك مجموعاً في مكان واحد ، بل في أمكنة متفرقة ، ولولا سعيه بهذه الصورة لما أمكنه العيش ، لقد اقتضت حكمة الخالق العظيم أن تكون الأرزاق منتشرة في أنحاء الأرض ، ولم يجعل تعالى منالها عسيراً ، بل إنّما ينال بالحركة والسعي ، قال تعالى : فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِها وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ(4)، ولولا الحركة والسعي لعمت البطالة ، وساد الفساد في الأرض .
قال (علیه السّلام)
«أعلمت ما طعم هذه الأصناف من الطير التي لا تخرج إلا بالليل كمثل البوم والهام(1)والخفاش ؟! »
قلت : لا يا سيدي .
قال (علیه السّلام)
«إنّ معاشها من ضروب منتشرة في الجوّ من البعوض والفراش وأشباه الجراد واليعاسيب(2)، وذلك أنّ هذه الضروب منتشرة في الجوّ لا يخلو منها موضع ، واعتبر ذلك بأنك إذا وضعت سراجاً بالليل في سطح أو عرصه دار اجتمع عليه من هذه الضروب شيء كثير ، فمن أين يأتي ذلك كلّه إلّا من القرب ، فإن قال قائل : إنه يأتي من الصحارى والبراري ، قيل له : كيف يوافي تلك الساعة من موضع بعيد! وكيف يبصر من ذلك البعد سراجاً في دار محفوفة بالدور فيقصد إليه! مع أن هذه عياناً تتهافت على السراج من قرب ، فيدل ذلك على أنها منتشرة في كلّ موضع من الجوّ . فهذه الأصناف من الطير تلتمسها إذا خرجت فتتقوّت بها ، فانظر كيف وجه الرزق لهذه الطيور التي لا تخرج إلا بالليل من هذه الضروب المنتشرة في الجو ، واعرف ذلك المعنى في خلق هذه الضروب
المنتشرة التي عسى أن يظنّ الظانّ إنّها فضل لا معنى له».
وقضت حكمة الخالق العظيم على عدم خروج بعض مخلوقاته في النهار لطلب القوت ، وخروجها ليلاً الذي جعله الله تعالى سباتاً لأكثر مخلوقاته ، ومن هذا الصنف الذي يخرج ليلا البوم والهام والخفاش ، أما البوم فإنّه لو خرج في النهار لأتى على بقيّة الطيور فأكل بيضها وفراخها وذلك لما له من القوة والسلطة التي لا يقوى عليها الطير، وقد شاءت حكمة الله أن تضعف في النهار، فتخاف إن خرجت أن تهجم عليها الطيور ، فلذا تخرج ليلاً وعلل بتعليل آخر(1).
وأما الهوام ، فإنّها حشرات الأرض ، وهي لا تخرج في النهار ، ولو خرجت لعاقت الناس عن أعمالهم فاقتضت حكمة الخالق العظيم خروجها ليلاً، وقد جعلها تعالى قوتاً للطيور التي تخرج ليلاً، وهذه الحشرات منتشرة في الجوّ لا يخلو منها موضع، وآية ذلك أنك لو وضعت سراجاً ليلاً في مكان ، فإنك ترى ضروباً مختلفة من الحشرات مجتمعة عليه ، فسبحان الخالق العظيم الذي جعلها قوتاً للحيوانات التي لا تخرج في النهار .
1) ذكر الجاحظ أنّ البوم لا تخرج لأنّها تتصوّر نفسها أجمل الحيوانات ، فهي تخشى أن تصاب بالعين ، وعهدة هذا القول على الجاحظ فإنّه من الأساطير.
قال (علیه السّلام)
«خُلق الخفّاش خلقة عجيبة بين خلقة الطير وذوات الأربع ، وهو لذوات الأربع أقرب ، وذلك أنه ذو أذنين ناشزتين(1)، ولسان ، ووبر ، وهو يلد ولاداً ، ويرضع ، ويبول ، ويمشى إذا مشى على أربع ، وكل هذا خلاف صفة الطير ، ثمّ هو أيضاً يخرج بالليل ، ويتقوت بما يسري في الجو من الفراش ، وما أشبه ، وقد قال قائلون: إنه لا طعم للخفّاش ، وأن غذاءه من النسيم وحده ، وذلك يبطل ويفسد من جهتين : أحدهما خروج الثفل والبول منه ، فإن هذا لا يكون من غير طعم ، والأخرى أنه ذو أسنان ، ولو كان لا يطعم شيئاً لم يكن للأسنان فيه معنى ، وليس في الخلقة شيء لا معنى له .
وأمّا المآرب فيه فمعروفة ، حتى إن زبله يدخل في بعض الأعمال ومن أعظم الإرب فيه خلقته العجيبة الدالة على قدرة الخالق جل ثناؤه ، وتصرّفه فيما شاء ، كيف شاء لضرب من المصلحة».
وحكى هذا المقطع خلق الله تعالى للخفّاش ، فهو من اللبائن الوحيدة التي تستطيع الطيران وهو ضعيف البصر لا يبصر في نور الشمس ولا في ضوء القمر، ولكنّه قوي في حاسة سمعه ، وإذا طار في ظلمة فإنّه لا يصطدم بشيء ، ويقتات على البعوض والذباب والفراش والحشرات.
وقد شابه الحيوانات ذوات الأربع ، فله أذنان ناشزتان ، وأسنان ، وخصيتين ،
1) الناشز : ما كان ناتئاً مرتفعاً عن مكانه.
ولا ريش له ، وقد وصفه أمير البيان أمير المؤمنين (علیه السّلام) بقوله :
«وَمِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ ، وَعَجَائِبِ خِلْقَتِهِ ، مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ الْحِكْمَةِ فِي هَذِهِ الْخَفَافِيشِ الَّتِي يَقْبِضُهَا الضَّيَاءُ الْبَاسِطُ لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَيَبْسُطُهَا الظَّلَامُ الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيَّ ؛ وَكَيْفَ عَشِيَتْ أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ نُوراً تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا ، وَتَتَّصِلُ بِعَلَانِيَةِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفِهَا . وَرَدَعَهَا بِتَلَالُوْ ضِيَائِهَا عَنِ الْمُضِيَّ فِي سُبُحَاتِ إِشْرَاقِهَا ، وَأَكَنَّهَا فِي مَكَامِنِهَا عَنِ الذَّهَابِ فِي بُلَجِ انْتِلَاقِهَا .
فَهِيَ مُسْدَلَةُ الْجُفُونِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَحِدَاقِهَا ، وَجَاعِلَةُ اللَّيْلِ سِرَاجاً تَسْتَدِلُّ بِهِ فِي الْتمَاسِ أَرْزَاقِهَا ؛ فَلَا يَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ ظُلْمَتِهِ ، وَلَا تَمْتَنِعُ مِنَ الْمُضِيَّ فِيهِ لِغَسَقِ دُجُنَّتِهِ.
فَإِذَا أَلْقَتِ الشَّمْسُ قِنَاعَهَا ، وَبَدَتْ أَوْضَاحُ نَهَارِهَا ، وَدَخَلَ مِنْ إِشْرَاقِ نُورِهَا عَلَى الشِّبَابِ فِي وِجَارِهَا ، أَطْبَقَتِ الْأَجْفَانَ عَلَى مَافِيهَا ، وَتَبَلَّغَتْ بِمَا اكْتَسَبَتْهُ مِنَ الْمَعَاشِ فِي ظُلَمِ لياليها .
فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اللَّيْلَ لَهَا نَهَاراً وَمَعَاشاً ، وَالنَّهَارَ سَكَناً وَقَراراً ! وَجَعَلَ لَهَا أَجْنِحَةً مِنْ لَحْمِهَا تَعْرُجُ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّبَرَانِ ، كَأَنَّهَا شَطَايَا الْآذَانِ غَيْرَ ذَوَاتِ رِيش وَلَا قَصَبٍ ، إِلَّا أَنَّكَ تَرَى مَوَاضِعَ الْعُرُوقِ بَيْنَةٌ أَعْلَاماً.
لَهَا جَنَاحَانِ لَمَّا يَرِقًا فَيْنْشَفًا، وَلَمْ يَغْلُظَا فَيْثْقُلَا تَطِيرُ وَوَلَدُهَا لَاصِقٌ بِهَا لَاجِيءٌ إِلَيْهَا ، يَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ ، وَيَرْتَفِعُ إِذَا ارْتَفَعَتْ ، لَا يُفَارِقُهَا حَتَّى تَشْتَدَّ أَرْكَانُهُ ، وَيَحْمِلَهُ لِلنُّهوض جَنَاحُهُ ، وَيَعْرِفَ مَذَاهِبَ عَيْشِهِ ، وَمَصَالِحَ نَفْسِهِ»(1).
1) نهج البلاغة : 2 : 46 .
وقد فنّد الإمام (علیه السّلام) أقوال بعض المغفلين الذين ذهبوا إلى أن الخفافيش تتغذى الالها بالنسيم ، فإنّ ذلك باطل من وجهين : الأول : خروج الثفل والبول منها ، والثاني : أنّها لها أسناناً ولا معنى لوجودها في حيوان لا يأكل .
إن خلق الخفاش من أوضح الأدلة على وجود الخالق العظيم الذي أبدع صنع كلّ شيء .
قال (علیه السّلام)
فأما الطائر الصغير الذي يقال له (أبو تمرة) فقد عشش في بعض الأوقات في بعض الشجر ، فنظر إلى حيّة عظيمة قد أقبلت نحو عشه ، فاغرة فاهها تبتغيه لتبتلعه ، فبينما هو يتقلب ويضطرب في طلب حيلة منها إذ وجد حسكة فحملها وألقاها في فم الحية ، فلم تزل الحية تتلوى وتتقلب حتى ماتت .
أفرأيت لو لم أخبرك بذلك كان يخطر ببالك أو ببال غيرك أنه يكون من الحسكة هذه المنفعة ؟ أو يكون من طائر صغير أو كبير مثل هذه الحيلة ، فاعتبر بهذا ، وكثير من الأشياء يكون فيها منافع لا تعرف إلا بحادث يحدث أو خبر يسمع به» .
أبو تمرة : من الطيور الجميلة ، ويعرف بـ(أبي الزهور) و(عصافير الذباب) وهو يقتات على الحشرات التي تأتي لامتصاص رحيق الأزهار ، ولهذا الطائر من الذكاء ما يحفظ به نفسه من فتك عدوّه، وكان من ذكائه القصّة التي حكاها الإمام (علیه السّلام) وهي تدلّ على عظيم فطنته ، فسبحانه الله المبدع والمكوّن لكلّ شيء .
قال (علیه السّلام)
«انظر إلى النحل واحتشاده في صنعة العسل ، وتهيئة البيوت المسدّسة وما ترى في ذلك من دقائق الفطنة ، فإنّك إذا تأملت العمل رأيته عجيباً لطيفاً ، وإذا رأيت المعمول وجدته عظيماً شريفاً موقعه من الناس ، وإذا رجعت إلى الفاعل ألفيته غيبيّاً جاهلاً بنفسه فضلاً عما سوى ذلك ، ففي هذا أوضح الدلالة على أنّ الصواب والحكمة في هذه الصنعة ليس للنحل بل هي للذي طبعه عليها ، وسخّره فيها لمصلحة الناس» .
النحل : من الحشرات التي تعيش على النبات، وعلى الأغلب أنّها تتغذى من رحيق الأزهار والطلع ، وهي من عجائب المخلوقات ، وذلك بما تقوم به من أعمال في غاية النظام والدقة ، فهي تبني البيوت الهندسية، وتصنع العسل الذي جعله تعالى شفاء للنّاس ، ولذة للشاربين ، وتتألف من العمّال الذين يقومون بدور مهم في تكوين الخلايا ، فإنّ بعضهم يقوم بجمع الطعام ، وبعضهم يربّي الأطفال ، وبعضهم يصنع الأقراص لبناء القفير ، ولهم ملكة تقوم بصنع البيض في القفير وهو بيت النحل ، ولهم نظام عجیب دلّ على عظمة الخالق الحكيم الذي أبدع الخلق .
قال (علیه السّلام)
«انظر إلى هذا الجراد ، وما أضعفه وأقواه ، فإنّك إذا تأملت خلقه رأيته كأضعف الأشياء ، وإن دلفت(1)عساكره نحو بلد من البلدان لم يستطع أحد أن يحميه منه ، ألا ترى أنّ ملكاً من ملوك الأرض لو جمع خيل ورجله(2)ليحمي بلاده من الجراد لم يقدر على ذلك ، أفليس من الدلائل على قدرة الخالق تعالى أن يبعث أضعف خلقه إلى أقوى خلقه فلا يستطيع دفعه .
انظر كيف ينساب على وجه الأرض مثل السيل فيغشى السهل والجبل ، والبدو والحضر، حتّى يستر نور الشمس بكثرته ، فلو كان هذا مما يصنع بالأيدي متى كان تجتمع منه هذه الكثرة ، وفي كم سنة كان يرتفع . فاستدل بذلك على القدرة التي لا يؤديها شيء ولا يكثر عليها».
من آيات الله البينات خلقه للجراد الذي يجرد الأرض جرداً ، ولا يبقي من نبتها وثمارها شيئاً ، ولهذه الجهة سمّي بالجراد ، وهي تجتمع في أسراب هائلة قد تستر نور الشمس، وتطير طالبة لرزقها ولها رئيس خاص تجتمع حوله كالجند حول قائده ، فإذا طار طارت معه ، وإذا نزل نزلت معه ، والكارثة الكبرى تحل بالمزرعة التي يغزوها الجراد ، فإنّه لا يبقى فيها أي شيء من النبت والزروع ، ولا تقابله قوة ملك أو جند سلطان مهما جمع عدته وعديده ، وقد لعبت المبيدات الحديثة دوراً مهماً
في إبادته ، إلّا أنّها لم تتمكن من القضاء عليه ، فسبحان الخالق العظيم الذي خلق هذه الجيوش الجزارة من أضعف مخلوقاته فجعلها تهدّد أقوى الدول في اقتصادها ، وتبيد ثروتها الزراعية ، وتعالت حكمة الله المبدع العظيم .
قال (علیه السّلام)
«تأمّل خلق السمك ، ومشاكلته للأمر الذي قدر أن يكون عليه ، فإنّه خلق غير ذي قوائم لأنه لا يحتاج إلى المشي إذ كان مسكنه الماء ، وخلق غير ذي رئة لأنه لا يستطيع أن يتنفس وهو منغمس في اللجة ، وجعلت له مكان القوائم أجنحة شداد يضرب بها في جانبيه كما يضرب الملاح بالمجاديف من جانبي السفينة ، وكسي جسمه قشوراً متاناً متداخلة كتداخل الدروع والجواشن(1)لتقيه من الآفات ، فأعين بفضل حسّ في الشمّ لأنّ بصره ضعيف ، والماء يحجبه ، فصار يشم الطعم من البعد البعيد فينتجعه(2)، فيتبعه ، وإلا فكيف يعلم به وبموضعه . واعلم أن من فيه إلى صماخه(3)منافذ ، هو يعبّ الماء بفيه ، ويرسله من صماخيه فيتروح إلى ذلك ، كما يتروّح غيره من الحيوان إلى تنسم هذا النسيم» .
السمك حيوان يعيش في الماء طيلة حياته ، وله أنواع متعددة كثيرة ، وقد خلقه الله تعالى وليس له أرجل لأنه لا يحتاج إلى المشي لأنّ مسكنه الماء ، وقد خلق له زوجان من الزعانف : زوج أمامي وزوج خلفي ، كما له زعنفة وسطية واحدة في الظهر ، كما تكون له زعنفة في البطن ، وكلّ هذه الزعانف عدا ذنبه تساعد السمكة على الحركة داخل الماء ، أما الزعانف الزوجيّة فتساعدها على الصعود والهبوط في الماء ، كما تساعدها على حفظ التوازن والوقوف في قعر الماء ، وقد سمّاها
الإمام (علیه السّلام) بالأجنحة الشداد ، وأشار إلى عملها بالضرب إلى الجانبين لتحريك الجسم هبوطاً وصعوداً وجرياً في الأطراف، إذ شبهها بالمجاذيف بيد الملاح من جانبي السفينة ، وأعرب الإمام (علیه السّلام) عن القشور التي كسي بها جسم السمك؛ لأنها تقي جسمها من الصدمات الخارجية ، فهي كالدرع لها ، وذكر الإمام لا تنفسها ، وأنها تتنفّس من الغلاصم ، وهي عبارة عن صفائح رقيقة تنتشر فيها أوعية شعرية دموية ، يتعرّض أكبر سطح منها للماء المذاب فيه الهواء فيحصل تبادل بين محتويات هذه الأوعية من الدم الغازي، وبين الهواء المذاب في الماء ، ثمّ يعود الدم من الغلاصم إلى سائر أنحاء البدن بعد تزويده بالأوكسجين فيدور دورته في جسم السمكة ثمّ يعود إلى الغلاصم ، وهكذا تتكوّن لديها دورة دموية .
ثمّ إنّ لها في مقدّمة المريء كيس هوائي مماثل للرئة ، وليس برئة وفائدته أنها إذا أرادت النزول في الماء عملت على تصغير حجمه بامتصاص شيء من محتوياته الغازية فتغوص في عمق الماء ، وإذا أرادت الصعود أضافت شيئاً من الهواء إلى محتوياته ، وهذا يكون معيناً لها على التنفّس.
ولما كانت أعضاء الحس في السمك ضعيفة ، خصوصاً العينين اللتين يحجبهما الماء عن الرؤية ، وأمّا الأذنان فلما لم تكن لهما طبلة تنقل إليهما الأمواج الصوتية ، فلما كانت هذه الحواس ضعيفة جعل الله تعالى لها خلايا حسية تقع تحت الخطين في الجانبين ، وبواسطتهما تشعر السمكة بأضعف التموّجات داخل الماء حتّى أنّها لتشعر بسببهما العمق الذي هي فيه . أما الشمّ الذي هو أقوى ما لديها من الحواس فهو بواسطة الكيسين الشمّيّين اللذين لم يوجد لهما اتصال مع تجويف الفم ، ولا الخياشيم ، وبواسطتهما تشم السمكة الطعم من بعد فتنجعه فتتوجه نحوه لتأكله ، وهذا كله من تدبير الله تعالى ، وبالغ حكمته وبديع صنعه(1).
1) شرح توحيد المفضّل : 198 و 199 .
قال (علیه السّلام)
«فكَّرْ الآن في كثرة نسله ، وما خُص به من ذلك ، فإنك ترى في جوف السمكة الواحدة من البيض ما لا يحصى كثرة ، والعلة في ذلك أن يتسع لما يغتذى به من أصناف الحيوان ، فإنّ أكثرها يأكل السمك ، حتى إنّ السباع أيضاً في حافات الآجام(1)عاكفة على الماء أيضاً كي ترصد السمك ، فإذا مر بها خطفته ، فلما كانت السباع تأكل السمك ، والطير يأكل السمك ، والناس يأكلون السمك ، والسمك يأكل السمك ، كان من التدبير فيه أن يكون على ما هو عليه من الكثرة ، فإذا أردت أن تعرف سعة حكمة الخالق ، وقصر علم المخلوقين فانظر إلى ما في البحار من ضروب السمك ، ودواب الماء ، والأصداف والأصناف التي لا تحصى ، ولا تعرف منافعها إلا الشيء بعد الشيء يدركه الناس بأسباب تحدث مثل القرمز(2)، فإنّه لما عرف الناس صبغه ، بأن كلبة تجول على شاطئالبحر ، فوجدت شيئاً من الصنف الذي يُسمّى (الحلزون)(3)فأكلته فاختضب خطمها بدمه ، فنظر الناس إلى حسنه فاتخذوه صبغاً ، وأشباه هذا ممّا يقف الناس عليه حالاً بعد حال ، وزماناً بعد زمان» .
وحكى هذا المقطع كثرة تناسل السمك ، فهي أكثر الحيوانات نسلاً ، أما الحكمة ذلك فهي كثرة المتغذين به ، فإنّ الكبير من السمك يأكل الصغار منه، كما أنّ
السباع المفترسة تقتات منه كالدب ، وسبع البحر ، وكذلك بعض الطيور كالبرهان و واللقلق والدواس فإنّ أغلب قوتها من السمك ، ونظراً لكثرة المتغذين به فقد اقتضت الحكمة الإلهية تكثير نسله.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الأدلة الحسيّيّة في دنيا الحيوانات التي أقامها إمام المتقين والموحدين الإمام الصادق (علیه السّلام) على توحيد الله تعالى خالق الكون وواهب الحياة ، ولننظر إلى بعض الأدلة الحسية التي ذكرها الإمام (علیه السّلام) في توحيد المفضل .
قال (علیه السّلام)
«فكّر - يا مفضّل - في النجوم ، واختلاف مسيرها ، فبعضها لا تفارق مراكزها من الفلك ، ولا تسير إلا مجتمعة ، وبعضها مطلقة تنتقل في البروج ، وتفترق في مسيرها ، فكل واحد منها يسير سيرين مختلفين : الفلك نحو المغرب ، والآخر خاص لنفسه نحو المشرق ، أحدهما مع كالنملة التي تدور على الرحى ، فالرحى تدور ذات اليمين ، والنملة تدور ذات الشمال ، والنملة في ذلك تتحرّك حركتين مختلفتين : إحداهما بنفسها فتتوجه أمامها ، والأخرى مستكرهة مع الرحى تجذبها إلى خلفها ، فسأل الزاعمين أنّ النجوم صارت على ما هي عليه بالإهمال من غير عمد ، ولا صانع لها ، ما منعها أن تكون كلّها راتبة ، أو تكون كلها منتقلة ، فإنّ الإهمال معنى واحد ، فكيف صار يأتي بحركتين مختلفتين على وزن و تقدير ، ففي هذا بيان أنّ مسير الفريقين على ما يسيران عليه بعمد وتدبير ، وحكمة وتقدير ، وليس بإهمال كما يزعم المعطلة».
أما عوالم النجوم فهي من الأمور المذهلة والمحيرة للأفكار ، وهي تدلّ بوضوح - على وجود الخالق الحكيم ، وعظيم قدرته التي لا حد لها ، فهناك الملايين من المجرات التي لا تحصى ، وكلّ مجرّة تحتوي على آلاف الكواكب ، وهي تسبح في الفضاء ، ومن الأمور المفروغ عنه ، أن كثيراً من هذه الكواكب أكبر بكثير من هذه الأرض التي نعيش عليها ، فقد اكتشفت حديثاً كوكب مساحته من
الجنوب إلى الشمال عشر ملايين سنة ضوئية ، وأنّ نسبة الأرض كنسبة الجوزة إلى هذه الأرض ، وله مائة قمر يدور حوله ، وأن الإنسان منذ خلقه الله إلى آخر الدهر لو كتب له البقاء لما شغلوا من مساحته واحداً من مليون ، وكثير من أمثال هذا الكوكب قد خلقه الله تعالى.
وعرض الإمام (علیه السّلام) إلى أنّ بعض هذه الكواكب لا تفارق مراكزها من الفلك ، وبعضها مطلقة تسير في البروج ، وكلّ منهما يسير وفق نظام خاص لا يتعداه ، وقد انتظمت جميعاً بنظام متقن وبديع ، ومن الطبيعي أنه لا يعقل ولا يتصوّر أنّ نظامها قد نشأ بالمصادفة ومن دون قصد ، وبلا تدبير من خالق عظيم لا توصف قدرته ، أو لا تحدّ قوته ، فسبحانه تعالى ما أعظمه .
وهنا بحوث جليلة ذكرها المعنيون بهذه البحوث ، وهي تدلل على وجود الخالق تعالى ، وتفنّد مزاعم الملاحدة والجاحدين الله تعالى الذي بات وجوده حسب البحوث الفضائية الحديثة من الأمور البديهية التي لا تقبل الجدل والشك.
قال (علیه السّلام)
«فإن قال قائل : ولِمَ صار بعض النجوم راتباً ، وبعضها منتقلاً ؟
قلنا : إنّها لو كانت كلها راتبة لبطلت الدلالات التي يستدلّ بها من تنقل المنتقلة ومسيرها في كل برج من البروج ، كما يستدل بها على أشياء مما يحدث في العالم بتنقل الشمس والنجوم في منازلها .
ولو كانت كلها متنقلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف ، ولا رسم يوقف عليه ، لأنه إنما يوقف عليه بمسير المنتقلة منها بتنقلها في البروج الثابتة الراتبة ، كما يستدلّ على سير السائر على الأرض بالمنازل التي
يجتازها .
ولو كان تنقلها بحال واحدة لاختلط نظامها ، وبطلت المآرب فيها ، ولساغ لقائل أن يقول إن كينونتها على حال واحدة توجب عليها الإهمال من الجهة التي وصفنا ، ففي اختلاف سيرها وتصرفها ، وما في ذلك من المارب والمصلحة أبين دليل على العمل والتدبير فيها».
أما الحكمة في خلقه تعالى للنجوم الثابتة والسيّارة فهي كثيرة لا يستطيع العقل البشري أن يحيط بها ، والتي كان منها أنها لو كانت جميعاً ثابتة لبطلت الدلالة التي كان الناس يستدلون بها على ما يحدث في العالم من تغييرات وحوادث بواسطة تنقل الكواكب السيارة من برج إلى برج .
ولو كانت الكواكب كلّها سيّارة لما كان لها منازل ثابتة معيّنة يعين بها السير، ولا برج نقف عنده ليعرف جريانها؛ لأنّ البروج إذا كانت أيضاً سيارة لم تثبت في موضع معين، وبذلك تخفي الدلالات ولا تميّز الآثار ، ولا تعرف أي النجوم التي تؤثر في تغييرات العالم بواسطة تنقل الشمس ، فاقتضت الحكمة أن يجعل بعض الكواكب سيارة وبعضها ثابتة لمصالح كثيرة أدلى الإمام العظيم (علیه السّلام) ببعضها .
قال (علیه السّلام)
«فكر في هذا الفلك بشمسه وقمره ونجومه وبروجه تدور على العالم هذا الدوران الدائم بهذا التقدير والوزن ، لما في اختلاف الليل والنهار وهذه الأزمنة الأربعة المتوالية من التنبيه على الأرض ، وما عليها من أصناف الحيوان والنبات من ضروب المصلحة كالذي بينت وشخصت لك آنفاً ،
وهل يخفى على ذي لب أنّ هذا تقدير مقدر ، وصواب وحكمة من مقدر حكيم ، فإن قال قائل : إنّ هذا شيء اتفق أن يكون هكذا ، فما منعه أن يقول مثل هذا في دولاب(1)يراه يدور ، ويسقي حديقة فيها شجر ونبات ، فيرى كل شيء من آلاته مقدراً بعضه يلقي بعضاً على ما فيه صلاح تلك الحديقة وما فيها ، وبم كان يثبت هذا القول لو قاله ؟ وما ترى الناس كانوا قائلين له لو سمعوه منه ؟ أفينكر أن يقول في دولاب خشب مصنوع بحيلة قصيرة لمصلحة قطعة من الأرض أنه كان بلا صانع ومقدر ؟ ويقدر أن يقول : في الدولاب العظيم الأعظم لمخلوق بحكمة تقصر عنها أذهان البشر لصلاح جميع الأرض وما عليها ، إنه شيء اتفق أن يكون بلا صنعة ولا تقدير ، لو اعتل هذا الفلك كما تعتل الآلات التي تتخذ للصناعات وغيرها أي شيء كان عند الناس من الحيلة في إصلاح ؟».
من آيات الله البينات دوران الفلك بشمسه وقمره ونجومه فهي تسبح في الفضاء وتدور بنظام في منتهى الدقة ، فالأرض بدورانها حول الشمس أوجدت الفصول الأربعة ، التي لها الأثر الفعّال على الحيوانات والنباتات ، ومما لا شك فيه أن هذه العوالم تدلّل على وجود خالقها العظيم ، فإنّه من المستحيل أنها وجدت وحدها ، وأنّ حركاتها مستندة لذاتها من دون أن يكون لها قائد يدفعها . إن الأثر يدلّ على المؤثر ، والمعلول يدلّ على وجود علته كما يقول علماء المنطق ..
1) الدولاب - بالفتح - : كل آلة تدور على محور ، والجمع : دواليب ، والكلمة من الدخيل .
قال (علیه السّلام)
«فكر في هذه النجوم التي تظهر في بعض السنة ، وتحتجب في بعضها ، كمثل الثريا(1)والجوزاء ، والشعريين(2)وسهيل(3)، فإنّها لو كانت بأسرها تظهر في وقت واحد لم يكن لواحد فيها على حياله دلالات يعرفها الناس ويهتدون بها لبعض أمورهم ، كمعرفتهم الآن بما يكون من طلوع الثور والجوزاء إذا طلعت ، واحتجابها إذ اجتجبت فصار ظهور واحد واحتجابه في وقت غير الوقت الآخر لينتفع الناس بما يدلّ عليه كلّ واحد منها على حدته ، وما جعلت الثريا وأشباهها تظهر حيناً وتحتجب حيناً إلا لضرب من المصلحة ، وكذلك جعلت بنات النعش(4)ظاهرة لا تغيب لضرب آخر من المصلحة ، فإنها بمنزلة الأعلام التي يهتدي بها الناس في البر والبحر للطرق المجهولة ، وكذلك إنّها لا تغيب ولا تتوارى ، فهم ينظرون إليها متى أرادوا أن يهتدوا بها إلى حيث شاؤوا ، وصار الأمران جميعاً على اختلافهما موجهين نحو الإرب والمصلحة ، وفيهما مآرب أخرى علامات ودلالات على أوقات كثيرة
1) الثريا: مجموع كواكب في عنق الثور.
2) الشعريان : تثنية الشعرى - بالكسر - وهو الكوكب الذي يطلع في الجوزاء ، وطلوعه من شدّة الحرّ.
3) سهيل - بالتصغير - : نم بهي طلوعه على بلاد العرب في أواخر القيظ .
4) بنات نعش الكبرى : سبعة كواكب تشاهدها جهة القطب الشمالي ، وبقربها سبعة أخرى تسمى بنات نعش الصغرى ، والنجمة التي رسمت كبيرة هي النجمة التي يستدلّ بها على نقطة القطب الشمالي .
من الأعمال ، كالزراعة والغراس ، والسفر في البر والبحر ، وأشياء مما يحدث في الأزمنة من الأمطار والرياح ، والحر والبرد ، وبها يهتدي السائرون في ظلمة الليل لقطع القفار الموحشة ، واللجج(1)الهائلة مع ما في تردّدها في كبد السماء مقبلة ومدبرة ، ومشرقة ومغربة من العبر فإنّها تسير أسرع السير وأحله».
عرض الإمام (علیه السّلام) بعض المصالح والحكم في ظهور بعض النجوم وغيابها في بعض فصول السنة ، وأنّ في ذلك علامات ودلالات يهتدي بها الناس إلى مآربهم ، ويرشدون إلى مصالحهم ، كحرث الأرض والزرع والسير في الأسفار وغيرها من الأعمال والأفعال ، فطلوع الثور - مثلاً في كبد السماء يكون وقتاً صالحاً للحرث والأشجار ، كما أن في طلوعه يكون السفر في البحر صالحاً وذلك لسكون الأمواج ، وهكذا الحال في بقية الكواكب الثابتة التي تظهر حيناً ، وتغيب حيناً آخر ، فإنّ فيها عبرة لمن اعتبر ، فسبحان الخالق العظيم الذي أتقن صنع كلّ شيء .
قال (علیه السّلام)
«أرأيت لو كانت الشمس والقمر والنجوم بالقرب منا حتى يتبين لنا سرعة سيرها بكنه ما هي عليه ، ألم تكن تخطف الأبصار بوهجها وشعاعها كالذي يحدث أحياناً من البروق إذا توالت ، واضطرمت ف--ي الجوّ ، وكذلك أيضاً لو أنّ أناساً كانوا في قبة مكللة بمصابيح تدور حولهم دوراناً حثيثاً لحارت أبصارهم حتى يخرّوا لوجوههم ، فانظر كيف قدر أن يكون مسيرها في البعد البعيد لكيلا يضر في الأبصار ، وتنكأ فيها ،
1) اللجج - جمع لجة - : معظم الماء .
وبأسرع السرعة لكيلا تتخلّف عن مقدار الحاجة في مسيرها ، وجعل فيها جزء يسيراً من الوضء ليسدّ مسدّ الأضواء إذا لم يكن قمر فيمكن فيه الحركة إذا حدثت ضرورة ، كما قد يحدث الحادث على المرء فيحتاج إلى التجافي(1)في جوف الليل ، فإن لم يكن شيء من الضوء يهتدي به لم يستطع ان يبرح مكانه ، فتأمّل اللطف والحكمة في هذا التقدير حين جعل للظلمة دولة ومدة لحاجة إليها ، وجعل خلالها شيء من الضوء للمآرب التي وصفنا».
من روائع الأدلة المحسوسة على وجود الخالق العظيم هو أن الكواكب ، كالشمس والقمر وغيرهما ، لو لم تكن في مواقعها الخاصة واقتربت من الأرض لاستحالت فيها الحياة ، فالشمس - مثلاً - التي هي كوكب من نار ، وتبلغ درجة حرارتها حوالي عشرين مليون درجة ، فإذا اقتربت من الأرض لاحترقت بلا شك ، وكذلك سائر الكواكب الأخرى التي هي أعظم من شمسنا بآلاف المرات لو أنها اقتربت من الأرض لجعلت الحياة لكل جسم نام مستحيلاً(2).
وقد أشار الإمام (علیه السّلام) إلى أنّ الكواكب لو اقتربت من الأرض بحيث يتبيّن سرعة سيرها لكان شدة حرارتها ووهجها يخطف الأبصار ، وهو أقل ما يتصوّر من ضررها ، ومن أبسط حوادثها وضرب بذلك مثلاً لإفهام العامة من الناس الذين لا يعون أكثر من ذلك ، وقد ألمع (علیه السّلام) إلى بعد الكواكب عن الأرض بقوله : «فانظر كيف قدر أن يكون مسيرها في البعد البعيد»، فسبحان الخالق الحكيم المبدع في خلقه لهذه العوالم التي يحار في تصوّرها الفكر .
قال (علیه السّلام)
فكر الآن في تنقل الشمس في بروج الإثنى عشر(1)لإقامة دور السنة ، وما في ذلك من التدبير ، فهو الدور التي تصبح به الأزمنة الأربعة من السنة : الشتاء والربيع والصيف والخريف ، وتستوفيها على التمام ، وفي المقدار من دوران الشمس تدرك الغلات والثمار ، وتنتهي إلى غاياتها ، ثم تعود فتستأنف النشوء والنمو» .
وألمح الإمام (علیه السّلام) إلى تنقل الشمس في بروجها الإثنى عشر ، وأنّ الحكمة في ذلك إقامة دور السنة التي تحتوي على الفصول الأربعة : الشتاء والربيع والصيف والخريف ، وتحدّث في هذه الفصول درك الغلات ، واستيفاء نضجها ، ثمّ تستأنف الشمس دورانها من جديد ، وهكذا دواليك ، فسبحان الخالق العظيم.
قال (علیه السّلام)
«ألا ترى أنّ السنة مقياس مقدار سير الشمس من الحمل إلى الحمل ، فبالسنة يكال الزمان من لدون خلق الله تعالى العالم إلى كل وقت وعصر من غابر الأيام .
وبها يحسب الناس الأعمار والأوقات الموقتة للديون والإجارات
1) بروج السماء الاثني عشر هي : الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت.
والمعاملات ، وغير ذلك من أمورهم ، وبمسير الشمس تكمل السنة ، ويقوم حساب الزمان على الصحة».
وحكى هذا المقطع مقدار السنة ، وأنّها تبتدئ من مسير الشمس من الحمل وتنتهي إلى الحمل ، وبهذا المقدار تحقق السنة التي هي المقياس في تحديد الزمان ، حيث يقسم إلى سنين وقرون وأحقاب .
وأعرب (علیه السّلام) عن المنافع والمصالح في تحديد السنة وكمالها ، والتي منها تنظيم من المعاملات الإجارات والبيوع وغيرهما ، ومنها ضبط المواليد والوفيات ، وغير ذلك من المنافع التي تترتب على ذلك.
قال (علیه السّلام)
«ثمّ فكر بعد هذا في ارتفاع الشمس وانحطاطها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة ، وما في ذلك من التدبير والمصلحة ، ففي الشتاء تعود الحرارة في الشجرة والنبات ، فيتولد فيها الثمار، ويتكثف(1)الهواء فينشأ منه السحاب والمطر ، وتشتد أبدان الحيوان ، وتقوى وفي الربيع تتحرك ، وتظهر المواد المتولدة في الشتاء ، فيطلع النبات ، وتنوّر الأشجار(2)، ويهيج الحيوان للسفاد .
وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار ، وتتحلّل فضول الأبدان ، ويجف وجه الأرض ، فتتهيأ للبناء والأعمال .
وفي الخريف يصفو الهواء ، وترتفع الأرض ، وتصح الأبدان ، ويتمدّ
الليل ، فيمكن فيه بعض الأعمال لطوله ، ويطيب الهواء إلى مصالح أخرى لو تقصيت ذكرها لطال فيها الكلام» .
وأدلى الإمام العظيم (علیه السّلام) بالفوائد والحكم التي خلقها الله تعالى في فصول السنة ، ففي الشتاء تغور الحرارة في جوف الشجر لتولّد مواد الثمار فيها ، وينشأ السحاب والمطر اللذين هما من الضروريات للنبات والأشجار ، كما تقوى الأبدان فيه ، وتشتد الأعضاء .
وأما في الربيع ففيه تظهر المواد التي كانت متولّدة في الشجر في فصل الشتاء ، فينبت النبات ويزدهر ويأخذ بالنموّ ، وتنوّر الأشجار ، وتخرج فيه الثمار ، كما تهيج فيه الحيوان للسفاد لبقاء نسلها ، وفيه يستوي الليل والنهار ، ويعتدل الهواء ، وتذوب ثلوج الشتاء ، وتسيل الأودية، وتنبع العيون، وترتفع الرطوبة إلى أعلى فروع الشجر ، وينبت العشب ، إلى غير ذلك من المنافع التي لا تحصى .
وأما الصيف ففيه ترتفع درجة الحرارة بسبب انبعاث أشعة الشمس العامودية على الأرض ، وفيه تنضج الثمار ، وتتحلّل فضول الأبدان ، ويجف وجه الأرض .
أمّا الخريف ففيه تجنى الثمار ، وتتغيّر فيه الأشجار ، وتموت فيه الهوام ، وتطير فيه الطيور نحو الأمكنة الدافئة ، كما يصفو فيه الهواء ، ويكثر النسيم ، وتصلح فيه الأبدان ، إلى غير ذلك من المنافع ، فسبحان الخالق العظيم المدبّر لخلقه.
قال (علیه السّلام)
«انظر إلى شروقها - أي الشمس - على العالم كيف دبّر أن يكون ، فإنّها لو كانت تبزغ في موضع من السماء ، فتقف لا تعدوه لما وصل شعاعها ومنفعتها إلى كثير من الجهات؛ لأنّ الجبال والجدران كانت تحجبها ،
فجعلت تطلع في أوّل النهار من المشرق فتشرق على ما قابلها من وجه المغرب ، ثم لا تزال تدور ، وتغشى جهة بعد جهة ، حتى تنتهي إلى المغرب ، فتشرق على ما استتر عنها في أول النهار ، فلا يبقى موضع من المواضع إلا أخذ بقسطه من المنفعة والإرب التي قدرت له ، ولو تخلّفت مقدار عام أو بعض عام ، كيف كان يكون حالهم ، بل كيف يكون لهم مع ذلك بقاء ، أفلا ترى كيف يكون للناس هذه الأمور الجليلة التي لم يكن عندهم فيها حيلة ، فصارت تجري على مجاريها لا تفتر(1)، ولا تخلف عن مواقيتها لصلاح العالم ، وما فيه بقاؤه» .
وحكى هذا المقطع صورة من النظام الشمس الذي خلقه الله تعالى لإقامة الحياة على الأرض ، فقد جعل الأرض تدور حول نفسها، وتجري في مدارها حول الشمس ، ولم يجعل الشمس تبزغ من موضع خاص ، فلو كانت كذلك لما استوعب نورها جميع جهات الأرض ، وقد اقتضت الحكمة أن يعم نورها جميع المعمورة؛ لأنه لو تخلّف عن موضع خاص فإنّه لا يصلح لبقاء الإنسان وغيره فيه ، كما أن الشمس لو حجبت عن الأرض عاماً أو أقل منذ لك فإنّ جميع المخلوقات تمنى بالهلاك والدمار ، فسبحان الخالق العظيم الذي أبدع خلق كلّ شيء وأتقنه .
قال (علیه السّلام)
«فكَرْ - يا مفضّل - في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي النهار والليل ، فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله ، فلم يكن الناس يسعون في معايشهم ، وينصرفون في أمورهم ، والدنيا مظلمة ، ولم يكونوا يتهنون بالعيش مع
1) لا تفتر : أي لا تنصرف ولا تزول.
فقد لذة النور وروحه ، والإرب في طلوعها ظاهر ، مستغن بظهوره عن الإطناب في ذكره ، والزيادة في شرحه».
وحكى هذا المقطع ما في طلوع الشمس التي هي من آيات الله العظام من المنافع التي لا تحصى ، فلولا طاقتها الحرارية لما أمكنت الحياة على هذا الكواكب الذي نعيش عليه ، وهو المراد من قوله : «فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله».
إن الشمس هي منبع الحياة لكلّ كائن حي ، فإن طاقتها الحرارية هي التي توجد ما يعيش عليه الإنسان وغيره ، فلولا أشعتها لاستحالت الزراعة ، وانعدمت المياه ، كما أنّ نور الشمس هو الذي يدفع الناس إلى العمل والحركة ، ولو كان الظلام مخيماً على هذا الكوكب لما أمكن العمل ، فهي مصدر الدفء والنور والحركة لا للإنسان وإنّما الجميع الحيوانات .
قال (علیه السّلام)
«بل تأمل المنفعة في غروبها ، فلولا غروبها لم يكن للناس هدوء ولا قرار مع عظيم حاجتهم إلى الهدوء والراحة لسكون أبدانهم وجموم(1)راحتهم ، وانبعاث القوّة الهاضمة لهضم الطعام وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء.
ثمّ لمّا كان الحرص يستحملهم من مداومة العمل ، ومطاولته على ما تعظم نكايته في أبدانهم ، فإنّ كثيراً من الناس لولا جثوم هذا الليل بظلمته عليهم لم يكن لهم هدوء ولا قرار حرصاً على الكسب ،
1) الجموم - مصدر جم - : تقول جم القوم : استراحوا وكثروا .
والجمع والادخار .
ثمّ لما كانت الأرض تستحمي بدوام الشمس بضيائها ، وتحمي كل ما عليها من حيوان ونبات ، فقدرها الله بحكمته وتدبيره تطلع وقتاً، وتغرب وقتاً بمنزلة سراج يرفع لأهل البيت تارة ليقضوا حوائجهم ، ثمّ يغيب عنهم ، مثل ذلك ليهدأوا أو يقرّوا ، فصار النور والظلمة مع تضادهما مناقدين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه».
وحكى هذا المقطع المنافع الهائلة في غروب الشمس ، والتي منها أنّ الشمس لو استمرّت في طلوعها لاستمر الإنسان في عمله ، وذلك لما جبل عليه من الحرص على الكسب وجمع المال وادّخاره ، ومن الطبيعي أن استمراره في العمل وعدم لجوئه إلى الراحة مما يوجب هلاكه ، وانهيار جميع أجهزة بدنه ، فخلق الله الليل ليكتسب الدعة والراحة ، وتعود بدنه الحيوية والنشاط .
ومن تلك المنافع أنّ الشمس لو استمرت في طلوعها لما كانت الأرض قابلة للسكن بواسطة الحرارة فخلق الله الليل لتبرد نصف الأرض التي أشرقت عليها الشمس طيلة النهار ، فقد قدّر الله بحكمته وتدبيره أن تطلع الشمس وقتاً وتغيب وقتاً آخر لهذه الحكمة وغيرها .
قال (علیه السّلام)
«فكر - يا مفضّل - في مقادير الليل والنهار ، وكيف وقعت على ما فيه صلاح هذا الخلق ؟ فصار منتهى كلّ منهما إذا طال خمس عشرة ساعة ، لا يتجاوز ذلك ، أفرأيت لو كان النهار يكون مقداره مائة أو مائتي ساعة ، ألم يكن في ذلك بوارُ كل ما في الأرض من حيوان ونبات ؟
أما الحيوان فكان لا يهدأ ، ولا يقر طول هذه المدة ، ولا البهائم كانت تمسك عن الرعى لو دام لها ضوء النهار ، ولا الإنسان كان يفتر عن العمل والحركة ، وكلّ ذلك ينهكها أجمع ، ويؤديها إلى التلف.
وأمّا النبات فكان يطول عليه حرّ النهار ووهج الشمس حتى يجف ويحترق ، وكذلك الليل لو امتد مقدار هذه المدة كان يعوق أصناف الحيوان عن الحركة والتصرف في طلب المعاش حتى تموت جوعاً ، وتخمد الحرارة الطبيعية عن النبات حتى يعفن ويفسد كالذي نراه يحدث على النبات إذا كان في موضع لا تطلع فيه الشمس».
وحكى هذا المقطع الحكمة الباهرة للخالق العظيم في نظام الليل والنهار ، فلو طالت مدة كلّ منهما لهلك كلّ من على الأرض من حيوان ونبات ، فلو كان طول النهار - مثلاً - ألف ساعة بدلاً من وقته المحدّد الذي لا يتجاوز الخمسة عشر ساعة التي هي غاية الطول الطبيعي ، فإنّ سطح الأرض تعتريه حرارة شديدة لا تطاق تدمر كلّ جسم نام على وجه الأرض . ولو استمرّ الليل في مثل تلك المدة لذهب نور الشمس ، وتعرّضت الأرض إلى برد قارس ، وهو ممّا يقضي على النبات والحيوان . أما النبات فيفقد الحرارة الطبيعية التي يحتاج إليها ، فيؤول إلى التلف . وأما الحيوان فإنّه يتوقف في ظلام الليل البهيم عن الحركة والعمل ، وهذا ممّا يؤدّي إلى تلفه و دماره .. فسبحان الخالق العظيم الذي أتقن صنع كلّ شيء.
قال (علیه السّلام)
«اعتبر بهذا الحرّ والبرد كيف يتعاوران(1)العالم ويتصرّفان هذا التصرّف
1) يتعاوران : يتداولان .
في الزيادة والنقصان ، والاعتدال لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة ، وما فيهما من المصالح ، ثمّ هما بعد دباغ الأبدان التي عليهما بقاؤه ، وفيهما صلاحه ، فإنّه لولا الحرّ والبر وتداولهما الأبدان لفسدت وأخوت(1)وانتكثت(2)».
إنّ الحرّ والبرد يتداولان هذا الكوكب الذي نعيش عليه، ويتصرّفان فيه ، زيادة ونقصاناً ، وذلك للمصالح الهائلة التي تترتب عليهما ، فلو دام الحرّ وحده لفسدت الأبدان ، وكذلك لو دام البرد ، ففي كلا الحالتين لو لم يتعاقبا فساداً للنبات والحيوان ، فاقتضت الحكمة بالتعاقب للإصلاح الشامل الذي يترتب على ذلك .
قال (علیه السّلام)
«فكر في دخول أحدهما على الآخر بهذا التدريج والترسل ، فإنك ترى أحدهما ينقص شيئاً بعد شيء ، والآخر يزيد مثل ذلك ، حتى ينتهي كلّ واحد منهما منتاه في الزيادة والنقصان ، ولو كان دخول أحدهما على الآخر مفاجأة لأضر ذلك بالأبدان وأسقمها ، كما أنّ أحدكم لو خرج من حمام حار إلى موضع البرودة لضره ذلك وأسقم بدنه.
فلِمَ جعل الله عزّ وجلّ هذا الترسل فى الحرّ والبرد إلا للسلامة من ضرر المفاجأة ، ولِمَ جرى الأمر على ما فيه السلامة من ضرر المفاجأة لولا التدبير في ذلك ؟
فإن زعم زاعم أن هذا الترسل في دخول الحرّ والبرد إنما يكون لإبطاء
مسير الشمس في ارتفاعها وانحطاطها ، سأل عن العلة في إبطاء مسير الشمس في ارتفاعها وانخفاضها ، فإن اعتل في الإبطاء ببعد ما بين المشرقين(1)سأل سأل عن العلة في ذلك ، فلا تزال هذه المسألة ترقى معه إلى حيث رقى من هذا القول حتى استقر على العمل والتدبير».
من آيات الله تعالى تدرّج الحرارة والبرودة ، فقد جعل دخول أحدهما على الآخر تدريجاً، دون مفاجأة وهجوم ، وذلك في ضمن الفصول الأربعة من السنة فتزول الحرارة ، وتنقص تدريجياً ثم تدخل البرودة تدريجاً ، ولو جاءت دفعة واحدة لأضرت بالأبدان.
وقد شبه الإمام (علیه السّلام) ذلك بمن يخرج من الحمام وقد سخن جسمه فيدخل في موضع شديد البرودة ، فإنّه يصاب بمرض مفاجئ كالزكام والأنفلوانزا وغيرهما ، وهكذا شاءت حكمة المبدع تعالى في توارد الحر والبرد أن يكونان تدريجاً لوقاية الأبدان والحفاظ على الصحة العامة.
قال (علیه السّلام)
«لولا الحرّ لما كانت الثمار الجاسية(2)تنضج ، فتلين وتعذب ، حتى يتفكه بها رطبة ويابسة ، ولولا البرد لما كان الزرع يفرخ(3)، هكذا ويريع الريع(4)الكثير الذي يتسع للقوت ، وما يرد في الأرض للبذر ،
أفلا ترى ما في الحر والبرد من عظيم الغناء والمنفعة ، وكلاهما مع غنائه والمنفعة فيه يؤلم الأبدان ويمضها(1)، وفي ذلك عبرة لمن فكر ودلالة على أنه من تدبير الحكيم في مصلحة العالم وما فيه».
حكى هذا المقطع منافع الحرّ والبرد ، أما منافع الحرّ فإنّها تعود على الحيوان والنباتات بجملة من الفوائد ، وقد عرض الإمام (علیه السّلام) فيما سبق إلى بعض الفوائد التي تخص الحيوان ، وأما ما يخص النبات ، فإنّ فصيلة كبيرة منه لا ينضج إلا بالحرّ ، كما في التمر فإنّه لا ينضج ولا يلين إلا في الصيف ، وكالعنب والخيار والبطيخ وأمثالها ، فإنّها جافة مرّة لا تنضج إلا بالحرّ .
وأما منافع البرد بالنسبة إلى الزرع ، فإنّ أكثر الحبوب ، كالحنطة والشعير والباقلاء ، إنّما تنمو داخل التربة ، وتخرج إذا جاء الشتاء ومسها البرد ، ولولاه لما نمت ، فسبحان الله العظيم الذي خلق الحرّ والبرد ، وأحاطهما بالمصالح والمنافع التي فيها قوام البشر .
قال (علیه السّلام)
«استدلّ بالقمر ففيه دلالة جليلة تستعملها العامة في معرفة الشهور ، ولا يقوم عليه حساب السنة؛ لأنّ دوره لا يستوفى الأزمنة الأربعة ، ونشوء الثمار وتصرّمها ، ولذلك صارت سنو القمر وشهوره تتخلف عن شهور الشمس وسنيّها ، وصار الشهر من شهور القمر ينتقل فيكون مرة بالشتاء ومرّة بالصيف».
1) يمضها : يوجعها ويؤلمها
أما القمر فهو من الأدلة الظاهرة المحسوسة على وجود الخالق العظيم ، ففي بزوغه وغيابه آيات على إبداع الخالق وعظيم خلقته ، وقد ذكر الإمام (علیه السّلام) بعض فوائده والتي منها : إنّ العامة جعلته علامة لمعرفة الشهور ، ومعرفة الفصول الأربعة ، وما ينشأ فيها من الثمار ، ولكن العامة لما رأت أيام السنة لا تتم بمجموع الأشهر القمرية ، وذلك لما يبقى من السنة من أيام وغيرها عدلوا عن السنة القمرية إلى السنة الشمسية فقسموها إلى إثنى عشر قسماً ، كل قسم ثلاثون يوماً ، وقد قاربوا بذلك الهدف ، وهنا بحوث جليلة ذكرها المعنيون بهذه البحوث .
قال (علیه السّلام)
«فكر في إنارته في ظلمة الليل والإرب في ذلك ، فإنه مع الحاجة إلى الظلمة لهدوء الحيوان ، وردّ الهواء على النبات لم يكن صلاح في أن يكون الليلة ظلماء داجية لا ضياء فيها ، فلا يمكن فيه شيء من العمل؛ لأنه ربما احتاج الناس إلى العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في بعض الأعمال في النهار ، ولشدّة الحر وإفراطه ، فيعمل في ضوء القمر أعمالاً شتی ، كحرث الأرض ، وضرب اللبن وقطع الخشب ، وما أشبه ذلك ، فجعل ضوء القمر معونة للناس على معايشهم إذا احتاجوا إلى ذلك ، وأنساً للسائرين ، وجعل طلوعه في بعض الليل دون بعض ، ونقص مع ذلك عن نور الشمس وضيائها لكيلا ينبسط الناس في العمل انبساطهم بالنهار ، ويمتنعوا من الهدوء والقرار فيهلكهم ذلك.
وفي تصرّف القمر خاصة في مهله(1)ومحاقه ، وزيادته ونقصانه ،
1) مهله : أي ظهوره.
وخسوفه من التنبيه على قدرة الله تعالى خالقه ، المصرف له هذا التصريف لصلاح العالم ما يعتبر به المعتبرون».
وأدلى الإمام (علیه السّلام) ببعض الحكم في إنارة القمر في ظلمة الليل البهيم ، وهي تبديل ظلمة الليل في بعض ليالي الشهر وذلك لعدم إمكان العمل لبعض الناس في النهار، إما للحرّ المفرط بصورة يتعذر عليهم العمل كحرث الأرض أو سقيها ، وضرب اللبن ، وقطع الخشب ، فيقومون بمزاولة هذه الأعمال في أثناء الليل ، وذلك لبرودة الليل، فاقتضت الحكمة أن يبزغ القمر ليلاً ليساعد الناس على مزاولة أعمالهم .
وجعل الله تعالى طلوع القمر متدرّجاً في بعض الليل دون بعض ، كما جعله ناقص النور حتى يخلد الناس فيه إلى الدعة والراحة ، فلو كان كالشمس لامتنع الناس من الراحة .
هذه بعض المنافع والمصالح في إنارة القمر ، وفي زيادته ونقصانه ، وقد ذكرت له منافع كثيرة ، كالمد والجزر ، وغيرهما ، فسبحان الله الخالق الكريم .
قال (علیه السّلام)
«ثمّ فكّر في خلق هذه الأرض على ما هي عليه حين خلقت راتبة راكنة ، فتكون موطناً مستقراً للأشياء فيتمكن الناس من السعى عليها في مآربهم ، والجلوس عليها لراحتهم ، والنوم لهدوئهم ، والاتقان لأعمالهم ، فلو كانت رجراجة متكفّئة لم يكونوا يستطيعون أن يتقنوا البناء والتجارة والصناعة وما أشبه ذلك ، بل كانوا لا يهنأون بالعيش والأرض ترتج من تحتهم».
وحكى هذا المقطع آية من آيات الله تعالى، وهي أن الأرض بالرغم من حركتها
حول نفسها إلا أنّ تلك الحركة غير محسوسة ، ففي نظر الناس أنها ساكنة غير متحركة ، وكان السبب في ذلك أن تكون موطناً ثابتاً ومستقراً للإنسان وغيره و لتعم الراحة فيها للبشر ويتمكنون من نيل أهدافهم ، وإنجاز مآربهم كما يتمكنون من الجلوس عليها والمشي ، والنوم على سطحها ، وإذا كانت رجراجة غير مستقرة فلا يثبت عليها بناء ، ولا يمكن العمل فيها ، ويؤدّي ذلك إلى الدمار الشامل للإنسان وغيره من الكائنات الحيّة .
قال (علیه السّلام)
«فكّر - يا مفضّل - فيما خلق الله عزّ وجلّ عليه هذه الجواهر الأربعة(1)ليتسع ما يحتاج إليه منها ، فمن ذلك سعة الأرض وامتدادها ، فلولا ذلك كيف كانت تتسع لمساكن الناس ومزارعهم ومراعيهم ومنابت أخشابهم ، وأحطابهم والعقاقير العظيمة ، والمعادن الجسيم غناؤها ، ولعلّ من ينكر هذه الفلوات(2)الخاوية ، والقفار الموحشة ، فيقول : ما المنفعة فيها ؟ فهي مأوى هذه الوحوش ومحالها ومراعيها، ثمّ فيها بعد تنفس ومضطرب للناس إذا احتاجوا إلى الاستبدال بأوطانهم ، فكم بيداء ؟ وكم فدفد(3)حالت قصوراً وجناناً بانتقال الناس إليها ، وحلولهم فيها ، ولولا سعة الأرض وفسحتها لكان الناس كمن هو في حصار ضيق لا يجد مندوحة عن وطنه إذا أحزنه أمر يضطر إلى الانتقال عنه».
إنّ الله تعالى منح سطح هذا الكوكب الذي نعيش سعة هائلة وعظيمة ، ومدده ليسع المخلوقات من الإنسان والحيوان والنباتات بأنواعها المختلفة من المزارع التي يعيش عليها الإنسان، والمراعي التي يعيش عليها الحيوان ومنابت الأخشاب ، والعقاقير التي يتداوى بها الإنسان، والمعادن الثمينة كمعادن الذهب والفضة ، والحديد وعيون البترول ، ولولا هذه السعة ، وهذه الخيرات التي منحها الله تعالى للإنسان لما أمكن الإنسان أن يعيش على هذه الأرض ، فسبحان الله المدبر والخالق العظيم .
قال (علیه السّلام)
«واعتبر ذلك بما يصيب الناس حين الزلازل على قلة مكثه حتّى يصيروا إلى ترك منازلهم، والهرب عنها . فإن قال قائل : فلِمَ صارت هذه الأرض تزلزل ؟ قيل له : إنّ الزلزلة وما أشبهها موعظة وترهيب يرهب به الناس ليرعوا ، وينزعوا عن المعاصي ، وكذلك ما ينزل بهم من البلاء يجري في التدبير على ما فيه صلاحهم واستقامتهم ، ويدخر لهم إن صلحوا من الثواب والعوض في الآخرة ما لا يعدله في شيء من أمور الدنيا ، وربما عجل في الدنيا إذا كان ذلك في الدنيا صلاحاً للعامة والخاصة».
من آيات الله البينات الزلازل، فإنّه - في بعض الحالات - يحدث من الدمار الهائل ما لا تحدثه القنابل الذرّيّة ، فهو في بضع ثوان يقلب المنطقة التي تمنى به رأساً على عقب ، فلا أثر لما فيها من المباني والحيوانات والإنسان وقد أوجده الله تعالى ليكون عظة وعبرة لعباده لينزعوا عن الآثار والمعاصي، وحاله كحال بقية الكوارث والمصائب التي يُبتلى بها الإنسان ، فإنّها فيها ردعاً لهم عن اقتراف ما حرم الله تعالى
من المعاصي التي هي سبب هلاكهم.
قال (علیه السّلام)
«ثمّ إنّ الأرض في طباعها التي طبعها الله عليها باردة يابسة ، وكذلك الحجارة ، وإنّما الفرق بينها وبين الحجارة فضل يبس في الحجارة ، أفرأيت لو أنّ اليبس أفرط على الأرض قليلاً حتى تكون حجراً صلداً ، أكانت تنبت هذا النبات الذي به حياة الحيوان ؟ وكان يمكن بها حرث أو بناء ؟ أفلا ترى كيف نقصت من يبس الحجارة ، وجعلت على ما هي ماهي عليه من اللين والرخاء للتتهيأ للاعتماد».
إنّ هذا الكون بجميع ما فيه يدلّل على وجود الخالق العظيم ، فالأرض - مثلاً قد خلقها الله تعالى يابسة باردة ليعيش عليها الحيوان بجميع أصنافه ، فلو كانت صلدة لامتنع عليها الزرع ، ومات الحيوان ، وهذا مما ينافي حكمة الخالق المبدع ، فجعل الأرض رخوة ليّنة لتكون قابلة للحرث والزرع.
قال (علیه السّلام)
انظر - يا مفضّل - إلى هذه الجبال المركومة من الطين والحجارة التي يحسبها الغافلون فضلاً لا حاجة إليها ، والمنافع فيها كثيرة ، فمن ذلك أن تسقط عليها الثلوج فتبقى في قلالها(1)لمن يحتاج إليها ، ويذوب
1) القلال - بالكسر : جمع قلة - بضم فتشديد - : أعلى الرأس والجبل وكل شيء.
ما ذاب منه ، فتجري منه العيون الغزيرة التي تجتمع منها الأنهار العظام وينبت فيها ضروب من النبات والعقاقير التي لا ينبت مثلها في السهل ، ويكون فيها كهوف ومعاقل الوحوش من السباع العادية(1)ويتخذ منها الحصون والقلاع المنيعة للتحرز من الأعداء ، وينحت منها الحجارة للبناء والإرحاء(2)، ويوجد فيها معادن لضروب من الجواهر ، وفیها خلال آخر لا يعرفها إلا المقدّر لها في سابق علمه» .
خلق الله تعالى الجبال فجعلها أوتاداً للأرض لئلا تميد بأهلها قال تعالى : ألَم نَجْعَل الأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً(3).
وقال تعالى : وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ(4)، وقد حكى الإمام (علیه السّلام) بعض المصالح والفوائد منها ما يلي :
1 - إن الثلوج التي على قمم الجبال ومرتفعاتها تبقى وتذوب في أوقات مخصوصة ، فتجري منها العيون التي تتكوّن منها الأنهار ، وينبت فيها أنواع من العقاقير ، ولولا الجبال لما كانت هذه العيون التي بها قوام مجموعة كبيرة من الإنسان والحيوان .
2 - إنه ينحت من الجبال الحجر الصلد للبناء ، كما نتخذ منه الدرحيّة التي تطحن الحبوب .
3 - إن الوحوش من الحيوانات البرية التي تتخذ من الكهوف مقراً وملجأ لها عن الوحوش الضارية التي تخشى أن تفترسها ، أو أنها تختفي حتى لا تهرب منها
الحيوانات الضعاف ، فتقوم بافتراسها.
4 - ومن منافع الجبال أنّها تكون محلاً للمعادن بأنواعها .
هذه بعض منافع الجبال وفوائدها .
قال (علیه السّلام)
«وهكذا الهواء لولا كثرته وسعته لاختنق هذا الأنام من الدخان والبخار يتحيّر فيه ، ويعجز عمّا يحول إلى السحاب والضباب أوّلاً أوّلاً ، فقد تقدّم من صفته ما فيه كفاية» .
أمّا الهواء فهو من العناصر الأساسيّة المقوّمة للحياة ، وقد اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون كثيراً ومتسعاً لا يخلو منه مكان ولولا تلك الكثرة لاختنق الناس ، وذلك لكثرة الدخان والبخار المتصاعد من الأرض ، فسبحان الخالق العظيم الذي أتقن صنع كلّ شيء .
قال (علیه السّلام)
«و انبهك - يا مفضل - على الريح وما فيها ، ألست ترى ركودها إذا ركدت ؟ كيف يحدث الكرب الذي يكاد أن يأتي على النفوس ويمرض الأصحاء ، وينهك المرضى ، ويفسد الثمار ، ويعفن البقول ، ويعقب الوباء في الأبدان ، والآفة في الغلات ، هذا بيان ، أن هبوب الريح من تدبير الحكيم في صلاح الخلق».
أما الهواء فهو من العناصر الأساسية في حياة كلّ كائن حي وبدونه الموت
المحتم ، وإذا ركد الهواء فلا سحاب ولا مطر ، ولا برق ولا رعد ، ولا أشجار تسقى ولا حيوان يتنفّس ، ولا سفينة في البحر تجري ، ويصاب الإنسان بكرب ، وضيق نفس ، وهذا مما يقضي على المرضى ، خصوصاً المصابين بالربو ، وكذلك يعرّض الأصحاء للخطر ، أما النبات بجميع أنواعه فإنّها لا تنمو إلا بحرارة الشمس ، وجريان الهواء إذ يبخّران ما فيها من المياه الزائدة التي إن بقيت فيها منعت وصول الأملاح والمواد الأرضيّة المتصاعدة من الجذور إلى السيقان والأوراق لتكون غذاءها الموجب لنموّها وازدهارها ، لذلك كان بقاء المياه الزائدة فيها ممّا يعفّنها ويفسدها كل هذا إذا ركدت الريح ولم تتحرّك ، أما إذا تحرّكت الرياح بعد ركودها فإن ذلك سوف يعقبه الوباء في الأبدان ، والآفة للغلات ، فسبحان الخالق العظيم الذي أبدع خلق الأشياء وأقام ما يصلحها .
قال (علیه السّلام)
«وأنبئك عن الهواء بخلة أخرى ، فإنّ للصوت أثراً يؤثره اصطكاك الأجسام في الهواء ، والهواء يؤدّيه إلى المسامح والناس يتكلمون في حوائجهم ومعاملاتهم طول نهارهم وبعض ليلهم ، فلو كان أثر هذا الكلام يبقى في الهواء ، كما يبقى الكتاب في القرطاس لامتلأ العالم منه ، فكان يكربهم ويفدحهم ، وكانوا يحتاجون في تجديده والاستبدال به إلى أكثر مما يحتاج إليه في تجديد القراطيس لأنّ ما يلفظ من الكلام أكثر مما يكتب فجعل الخالق الحكيم جل قدسه هذا الهواء قرطاساً خفيّاً يحمل الكلام ريثما يبلغ العالم حاجتهم ثمّ يمحى فيعود جديداً نقياً ، ويحمل ما حمل أبداً ، وبلا انقطاع» .
أما الهواء ، فهو جسم شفاف خفيف يتأثر ويتحرّك لرقته بأقل محرّك ، وأرق جسم
يصطدم به ، فإذا حصل هذا الاصطدام تموج الهواء المجاور كتموّج الماء إذا ألقى عليه حجر ، حتى يصل إلى مسامع الإنسان ، وكان من حكمة المبدع العظيم أنّ الناس لما كانوا يتكلمون في حوائجهم ومعاملاتهم في أثناء النهار وآناء الليل ، كان لا بد أن تكثر تلك التموّجات ، فلو كانت هذه كلها تبقى في الهواء ، وتتراكم كما تبقى الكتابة في القرطاس لامتلأ العالم كله منها ، وهو ممّا يؤدّي إلى ضيق مجاري التنفس وهلاك الإنسان فاقتضت الحكمة الإلهيّة أن جعل الهواء قرطاساً خفيفاً يحمل صوت الإنسان لقضاء مآربه ، ثمّ يمحى في الهواء فيعود الهواء بعد ذلك نقياً يحمل الأصوات بلا انقطاع.
قال (علیه السّلام)
«وحسبك بهذا النسيم المسمّى هواء ، وما فيه من المصالح ، فإنه حياة هذه الأبدان ، والممسك لها من داخل بما يستنشق منه من خارج بما يباشر من روحه ، وفيه هذه الأصوات ، فيؤدي البعد البعيد ، وهو الحامل لهذه الأرواح ينقلها من موضع إلى موضع . ألا ترى كيف تأتيك الرائحة من حيث تهب الريح ، فكذلك الصوت وهو القابل لهذا الحر والبرد اللذين يتعاقبان على العالم لصلاحه ومنه هذه الريح الهابة ، فالروح تروح الأجسام ، وتزجي السحاب من موضع إلى موضع ، فيعم نفعه حتى يستكشف فيمطر وتفضّه حتى يستخف ، فيتفشى وتلقح الشجر ، وتسير السفن ، وترخى الأطعمة ، وتبرد الماء ، وتشب النار، وتجفف الأشياء الندية ، وبالجملة إنّها تحيي كلّ ما في الأرض ، فلولا الريح لذوى النبات ولمات الحيوان وحمت الأشياء وفسدت».
وحكى هذا المقطع الفوائد والمصالح في الهواء الذي هو من ضروريات الحياة ، والتي منها ما يلي :
1 - إنّ في الهواء حياة الأبدان ، وذلك بما يستنشقه الإنسان من النسيم الذي يصل إلى داخل الرئة ثم يصل إلى الدم ، ودفع ما احترق من الأجزاء المختلطة مع الدم إلى الخارج (الكربون) بواسطة الزفير ، فالنسيم المستنشق يمسك الأعضاء الداخليّة وينقيها من المواد المحترقة فيكون النقاء والتصفية بواسطة التنفّس.
2 - حمله للأصوات، والكلام الذي يدور به التفاهم والتخاطب .
3 - إنّه يحمل الحرارة من الشمس ويتأثر بها ، ويؤثر بها كافة المجودات كما ينقل البرد كذلك .
4 - إنّه يروح الأجسام ، وينعش النفوس ، ويبهج الأرواح .
5 - إنه يحمل السحاب ، وينقله من موضع إلى موضع آخر ، حيث تعمّ منافعه جميع أنحاء العالم .
6 - إنّها تساعد على تلقيح الأشجار. يقول السيد الخوئي (قدس سره): «ومن الأسرار الغريبة التي أشار إليها الوحي الإلهي انتاج قسم من الأشجار والنبات إلى لقاح الرايح ، قال سبحانه : وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ(1).
إنّ النظرة الصحيحة في معنى الآية بعد ملاحظة ما اكتشفه علماء النبات تفيدنا سراً دقيقاً لم تدركه أفكار السابقين، وهو الإشارة إلى حاجة نتاج الشجر والنبات إلى اللقاح ، وأن اللقاح قد يكون بسبب الرياح ، وهذا كما في المشمش والصنوبر والرمان والبرتقال والقطن ونبات الحيوان وغيرها ، فإذا نضجت حبوب الطلع انفتحت الأكياس ، وانتثرت خارجها محمولة على أجنحة الرياح فتسقط على مياسم
1) الحجر 15: 22 .
الأزهار الأخرى عفواً ، وقد أشار سبحانه وتعالى بقوله : وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ(1).
وقوله تعالى : سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ(2)إلى سنة الزواج وأنّها لا تختص بالحيوان بل تعم النبات بجميع أقسامه..»(3).
7 - ومن فوائد الهواء تسيير السفن الشراعية في البحار والأنهار ، قال تعالى : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ(4).
إلى غير ذلك من الفوائد التي تترتب على الهواء الذي هو من ضروريات الحياة(5).
قال (علیه السّلام)
«فإن شككت في منفعة هذا الماء الكثير في البحار، وقلت : ما الإرب منه ؟ فاعلم أنه مكتنف ومضطرب ما لا يحصى من أصناف السمك ودوابّ البحر ، ومعدن اللؤلؤ والعنبر(6)، وأصناف شتّى تستخرج من
البحر، وفي سواحله منابت العود اليلنجوج ، وضروب من الطيب والعقاقير ، ثمّ بعد هذا هو مركب للناس ، ومحمل لهذه التجارات التي تجلب من البلدان البعيدة ، كمثل ما يجلب من الصين إلى العراق ، ومن العراق إلى الصين ، فإنّ هذه التجارات لو لم يكن لها محلّ إلّا الظهر لبارت وبقيت في بلدنها وأيدي أهلها لأنّ أجر حملها يجاوز أثمانها ، فلا يتعرّض أحد لحملها ، وكان يجتمع في ذلك أمران :
أحدهما فقد أشياء كثيرة تعظم الحاجة إليها.
والآخر انقطاع معاش من يحملها ويتعيش بفضلها».
عرض الإمام (علیه السّلام) إلى المنافع الهائلة في مياه البحر، والتي منها أنّها المكتنف الوحيد للثروة السمكية ، ولسائر دواب البحر ، كما أنها معدن للأحجار الكريمة كاللؤلؤ الذي لا يقدر بعضه بثمن ، وذلك لنفاسته كالدرّة اليتيمة ، ومن تلك المنافع العنبر الذي هو من أرقى أنواع الطيب ، والعقاقير وغيرها مما ينفع الناس ، بالإضافة إلى أنّ البحر من أقوى الأسباب إلى نقل البضائع من قطر إلى آخر ، بواسطة البواخر ، والسفن وهو يشكل مورداً اقتصادياً مهماً ، تعيش عليه أمة من النّاس ، فسبحان الذي خلق البحار ليستخدمها الإنسان في مصالحه .
قال (علیه السّلام)
«ومن تدبير الحكيم جلّ وعلا في خلقه الأرض أنّ مهب الشمال أرفع من مهب الجنوب . فلِمَ جعل الله عزّ وجلّ كذلك ؟ إلا لتنحدر المياه على وجه الأرض فتسقيها وترويها ، ثمّ تفضي آخر ذلك إلى البحر ، فكما يرفع أحد جانبي السطح ويخفض الآخر لينحدر الماء منه ولا يقوم
عليه . كذلك جعل مهبّ الشمال أرفع من مهب الجنوب لهذه العلة بعينها ، ولولا ذلك لبقى الماء متحيراً على وجه الأرض ، فكان يمتنع الناس من أعمالها ، وتقطع الطرق والمسالك ، ثم الماء لولا كثرته وتدفقه في العيون والأنهار والأودية لضاق عمّا يحتاج إليه الناس لشربهم ، وشرب أنعامهم ومواشيهم ، وسقي زروعهم وأشجارهم ، وأصناف غلاتهم ، وشرب ما يرده من الوحوش والطير والسباع ، وتتقلب فيه الحيتان ودواب الماء».
وحكى هذا المقطع الحكمة البالغة في جعل مهب الريح من الشمال أرفع من الجنوب ولذلك لتنحدر المياه على سطح الأرض فتروي الأشجار وتسقي الزرع ، ولولا الارتفاع في الشمال والانخفاض في الجنوب لبقي الماء واقفاً في موضع واحد
لا يسري ولا ينحدر ، وهو ممّا يؤدّي إلى وقف الأعمال وهلاك الحيوان .
كما قضت حكمة الله تعالى أن يتوفّر الماء في كل مكان ، وأن تناله الأيدي في كل زمان ومكان ، لأنّه مصدر الحياة ، ولولاه لما كان وجود للحيوان وغيره من الكائنات الحية . قال تعالى : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيَّ(1)، وهنا بحوث جليلة ذكرها المعنيون بهذه البحوث .
قال (علیه السّلام)
«وفيه - أي الماء - منافع أخرى أنت بها عارف وعن عظيم موقعها غافل ، فإنه سوى الأمر الجليل المعروف من عظيم غنائه في إحياء جميع ما
1) الأنبياء 21 : 30.
على الأرض من الحيوان والنبات يمزج بالأشربة فتلذ وتطيب لشاربها تنظف الأبدان والأمتعة من الدرن الذى يغشاها ، وبه يبل(1)التراب فيصلح الأعمال ، وبه يكفّ عادية النار إذا اضطرمت وأشرف الناس على المكروه ، وبه يستحم المتعب الكال(2)فيجد الراحة من أوصابه إلى أشباه هذا من المآرب التي تعرف عظم موقعها في وقت الحاجة إليها».
وعرض هذا المقطع إلى المنافع الهائلة التي تترتب على الماء الذي هو مصدر الحياة ، وهي من الأمور الواضحة التي لا تحتاج إلى الشرح .
قال (علیه السّلام)
«فكّر - يا مفضّل - في الصحو والمطر كيف يتعاقبان على هذا العالم لما فيه صلاحه ولو دام واحد منهما عليه كان في ذلك فساده . ألا ترى أنّ الأمطار إذا توالت عفّنت البقول والخضر، واسترخت أبدان الحيوان ، وحصر الهواء ، فأحدث ضروباً من الأمراض وفسدت الطرق والمسالك ، وأنّ الصحو إذا دام جنّت الأرض ، واحترق النبات ، وغيض ماء العيون والأودية ، فأضرّ ذلك بالناس ، وغلب اليبس على الهواء ، فأحدث ضروباً أخرى من الأمراض ، فإذا تعاقبا على العالم هذا التعاقب اعتدل الهواء ، ودفع كلّ واحد منهما عادية الآخر ، فصلحت الأشياء واستقامت. فإن قال قائل : ولِمَ لا يكون في شيء من ذلك مضرة البتّة ؟
قيل له : ليمض ذلك الإنسان ، ويؤلمه بعض الألم فيرعوي عن المعاصي ،
فكما أنّ الإنسان إذا سقم بدنه احتاج إلى الأدوية البشعة ليقوم طباعه ، ويصلح ما فسد منه ، كذلك إذا طغى واشتد احتاج إلى ما يمضه ويؤلمه ليرعوي ويقصر عن مساوئه ويثبته على ما فيه حظه ورشده ، ولو أن ملكاً من الملوك قسم في أهل مملكته قناطيراً(1)من ذهب وفضة ألم يكن سيعظم عندهم ويذهب له به الصوت ؟ فأين هذا من مطر رواء يعم بها البلاد وتزيد في الغلات أكثر من قناطير الذهب والفضة في أقاليم الأرض كلّها ؟ أفلا ترى المطرة الواحدة ما أكبر قدرها ، وأعظم النعمة على الناس فيها وهم ساهون ، وربما عاقت عن أحدهم حاجة لا قدر لها فيتذمر بسخط وإيثار للخسيس قدره على العظيم نفعه ، جميلاً محمود العاقبة وقلة معرفة لعظيم الغناء والمنفعة فيها» .
من آيات الله تعالى ونعمه على الإنسان تعاقب المطر والصحو ، فلو دام المطر لدمّر ، فإنّ الرطوبة والبرودة تغلب على البقول والخضر، وعلى كافة أنواع النبات ويقل شعاع الشمس ، وبذلك تتعفّن البقول وتفسد الأمر الذي يؤدّي إلى فساد غذاء الإنسان والحيوان ، كما أن بدن الإنسان وغيره من الحيوانات يكون رخواً غير متماسك وذلك لذهاب حرارة الشمس التي هي السبب في نشاط الإنسان وحركته ، ويمنى بضروب من الأمراض ، كالشلل واسترخاء الأعضاء والروماتيزم ، وغيرها من الأمراض.
وأما لو استمر الصحو ودام لسبب غيض العيون والأودية ، ويبس الهواء ، ويصاب الإنسان بأمراض لا تقل عن الأمراض التي يحدثها استمرار المطر ، فاقتضت حكمة الله تعالى بتعاقبهما من أجل صالح الإنسان ، فسبحان الخالق العظيم المدبّر لخلقه.
1) القناطير - جمع قنطار : وهو المال الكثير أو وزن اختلف مقدار موزونه مع الأيام.
قال (علیه السّلام)
«تأمل نزوله - أي نزول المطر - على الأرض ، والتدبير في ذلك فإنه جعل ينحدر عليها من علوّ ليغشى ما غلظ وارتفع منها فيرويه ، ولو كان إنّما يأتيها من بعض نواحيها لما علا المواضع المشرفة منها فيقل ما يزرع في الأرض . ألا ترى أن الذي يسفى سيحاً(1)أقل من ذلك ، فالأمطار هي التي تطبق الأرض ، وربما تزرع هذه البراري الواسعة وسفوح الجبال وذراها ، فتغلّ الغلة الكثيرة ، وبها يسقط عن الناس في كثير من البلدان مؤونة سياق الماء من موضع إلى موضع ، وما يجري في ذلك بينهم في التشاجر والتظالم حتى يستأثر بالماء ذو العزة والقوة ، ويحرمه الضعفاء ، ثمّ إنّه حين قدر أن ينحدر على الأرض انحداراً جعل ذلك قطراً شبيهاً بالرش ليغور في قعر الأرض فيرويها ، ولو كان يسكبه انسكاباً كان يغزل على وجه الأرض ، فلا يغور فيها ، ثم كان يحطّم الزروع القائمة إذا اندفق عليها فصار ينزل نزولاً رقيقاً فينب الحب المزروع ، ويحيي الأرض والزرع القائم وفي نزوله أيضاً مصالح أخرى ، فإنه يلين الأبدان ويجلو كدر الهواء ، فيرتفع الوباء الحادث من ذلك ، ويغسل ما يسقط على الشجر والزرع من الداء المسمّى باليرقان(2)، إلى أشباه هذا من المنافع . فإن قال قائل : أوليس قد يكون منه في بعض السنين الضرر العظيم الكثير لشدّة ما يقع منه أو من برد(3)يكون فيه تحطم الغلات ،
وبخورة يحدثها في الهواء ، فتولّد كثيراً من الأمراض في الأبدان ، والآفات في الغلات ؟
قيل له : بلى قد يكون ذلك لفرط ما فيه من صلاح الإنسان وكفّه عن ركوب المعاصي والتمادي فيها فتكون المنفعة فيما يصلح له من دينه أرجح ممّا عسى أن يرزأ في ماله».
وحكى هذا المقطع الحكمة الإلهية الخلّاقة في إنزال المطر من السماء ، وذلك لطبق الأرض بالماء فيعم الزرع ، وتنتشر الغلة، سواء في ذلك البراري الواسعة ، وسفوح الجبال وقممها ، وغيرها من مناطق الأرض، أما لو كان المطر يأتي من الأرض سيحاً لما كان يعلو الأماكن المرتفعة وهي كثيرة ، وبذلك ثقل المزروعات ، التي هي غذاء للإنسان وغيره من سائر الحيوانات .
ومن الفوائد المهمة في نزول المطر أنّه يرفع التشاجر ، ويزيل ظلم الأقوياء على الضعفاء ، فإنّه لو كان المطر كالسيح لاستأثروا به وسقوا أراضيهم وحرموا الضعفاء منه .
ومن الحكم الإلهية في نزول المطر قطراً ناعماً كالرش ليشمل جميع النواحي فيرويها حتى تصلح للزراعة ، أما لو كان نزوله انسكاباً وبقوة لحطّم الزرع ، وأضرّ بمصالح الناس ، وكان من الأبدان ، بسبب تأثر مصالح نزول المطر ناعماً أنّه يزیل الهواء به ، ومن الطبيعي أنّ للهواء أثراً فعالاً في صحة الأبدان ، ومن منافعه أنه يزيل الغبار الذي يحمله الهواء ، والغبار الذي يتصاعد من الأرض في الهواء - على الأكثر - يحمل أنواعاً من المكروبات المضرة بصحة الإنسان .
ومن منافعه أنه يغسل الأشجار والزرع من الأوساخ ، كما يزيل ما تعلّق بها من الميكروبات التي تحدث الأمراض التي منها اليرقان وهو بسبب صفرة الوجه والعينين وغيرهما من أنحاء البدن .
هذه بعض الحكم الإلهيّة في نزول المطر بهذه الكيفيّة ، فسبحان الخالق العظيم .
قال (علیه السّلام)
«والنار كذلك فإنها لو كانت مبثوثة كالنسيم والماء كانت تحرق العالم وما فيه ، ولما لم يكن بد من ظهورها في الأحايين لغنائها في كثير من المصالح جعلت كالمخزونة في الأجسام فتلتمس عند الحاجة إليها ، وتُمْسَك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها لئلا تخبو، فلاهي تُمْسَك بالمادة والحطب ، فتعظم المؤونة في ذلك ، ولا هي تظهر مبثوثة فتحرق كلّ ما هي فيه ، بل هي على تهيئة وتقدير اجتمع فيها الاستمتاع بمنافعها ، والسلامة من ضررها ، ثمّ فيها خلة أخرى وهي أنها مما خصّ بها الإنسان دون الحيوان لما له فيها من المصلحة ، فإنه لو فقد النار لعظم ما يدخل عليه من الضرر في معاشه ، فأما البهائم فلا تستعمل النار ، ولا تستمتع بها ، ولما قدر الله عزّ وجلّ أن يكون هذا هكذا خلق للإنسان كفاً وأصابع مهيأة لقدح النار واستعمالها ، ولم يعط البهائم مثل ذلك ، لكنّها أعينت بالصبر على الجفاء ، والخلل في المعاش لكيلا ينالها فقد النار ما ينال الإنسان عند فقدها».
من آيات الله تعالى النار التي هي من ضروريات الحياة التي لا يستغني عنها الإنسان بحال من الأحوال ، فجميع شؤونه الحيويّة تتوقف عليها فيها يكون غذاؤه وطعامه وتدفئته ووقايته من البرد ، وبها تتحرّك الآلات الزراعية والصناعية إلى غير ذلك من مصالحه ، وهي ، وهي كالماء والهواء متوفّرة للإنسان ، ولو كانت منتشرة كالنسيم لاحترقت الأرض ومن عليها ، ولكنّ الله تعالى جعل وقودها بيد الإنسان فهو الذي
يسخّرها متى شاء لشؤونه ، ولا يحتاج الحيوان الأعجم إليها ، وذلك لعدم احتياجه لها ، فسبحان الله اللطيف الخبير بشؤون خلقه.
قال (علیه السّلام)
«أنبئك من منافع النار على خلّة صغيرة، عظيم موقعها، وهي هذا المصباح الذي يتّخذه الناس فيقضون به حوائجهم ما شاؤوا في ليلهم ، ولولا هذه الخلّة لكان الناس تصرّف أعمارهم بمنزلة من في القبور فمن كان يستطيع أن يكتب أو يحفظ ، أو ينسخ في ظلمة الليل ، وكيف كان حال من عرض له وجع في وقت من أوقات الليل فاحتاج إلى أن يعالج ضماداً أو سفوفاً(1)، أو شيئاً يستشفى به ، فأما منافعها في نضج الأطعمة ، ودواء الأبدان ، أو تجفيف أشياء ، وأشباه ذلك فأكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى».
وعرض الإمام (علیه السّلام) إلى منافع أخرى للنار ، والتي منها المصباح المنير الذي يوقد من الزيت فيضيء ، وقد اتخذه الناس دليلاً لقضاء حوائجهم في غلس الليل البهيم ، فإنّهم لولاه لكانوا في ظلام دامس لا يستطيعون قضاء حوائجهم ، ولا يتمكنون.
من إسعاف مرضاهم الذين يحتاجون إلى العلاج الفوري ، فإنّه إذا لم يكن مصباح يبصرون به الطريق ، فلا يتمكنون على عمل أي شيء ، ومن منافعه مطالعة طلاب العلوم ، والنسّاخ والمؤلّفين، فإنّ جميع أعمالهم في الليل تتوقف على الضياء ، فهو ثمرات النار، فسبحان الخالق العظيم .
1) السفوف - بالفتح -: ما تسفه من دواء ونحوه .
قال (علیه السّلام)
«فكّر - يا مفضّل - في هذه المعادن ، وما يخرج منها من الجواهر المختلفة ، مثل : الجص والكلس والجبسين والزرانيخ والمرتك والتوتيا والزئبق والنحاس والرصاص والفضة والذهب والزبرجد والياقوت والزمرد وضروب الحجارة، وكذلك ما يخرج من القار والموميا والكبريت والنفط ، وغير ذلك مما يستعمله الناس في مآربهم ، فهل يخفى على ذي عقل أنّ هذه كلها ذخائر ذخرت للإنسان في هذه الأرض ليستخرجها فيستعملها عند الحاجة إليها ، ثمّ قصرت حيلة الناس عمّا حاولوا من صنعتها على حرصهم واجتهادهم في ذلك ، فإنّهم لو ظفروا بما حاولوا من هذا العلم ، كان لا محالة سيظهر ويستفيض في العالم حتى تكثر الفضّة والذهب ، ويسقطا عند الناس فلا تكون لهما قيمة ، ويبطل الانتفاع بهما في الشراء والبيع والمعاملات ، ولا كان السلطان الأموال ، ولا يدخرهما أحد للأعقاب».
من آيات الله تعالى ، وعظيم نعمه على الإنسان المعادن التي خلقها والتي تعود بما عظم الفوائد على البشر ، وقد عدّ الإمام (علیه السّلام) جملة منها ، وهي :
1 - الجص : وهو عبارة عن قطع من الأحجار النقية توضع بعضها فوق بعض ويوقد في وسطها النار حتى تبيض ، فتكون حينئذ جدّاً، ومن المعلوم أنّ الجصّ منذ القديم وحتى الآن هو من العناصر المهمة في بناء المنازل والمحلات وغيرها.
2 - الكلس : وهو حجر معروف ، يطبخ بالنار حتى يكون أبيض ، ويستخدم في الأبنية والأصباغ.
3 - الجبسين : وهو حجر يؤخذ من الجبل رخو ، سريع التفتت، وله بريق ، ويستعمل في الأبنية .
4 - الزرنيخ : وهو من المواد المعدنية ، ومن أقوى السمومات المعدنية ، ولا يستعمل منفرداً إلا ممزوجاً بغيره .
5 - المرتك : وهو حجر مصنوع من خلط بعض المعادن كالحديد والرصاص وغيره .
6 - التوتيا : وهو معدن صلب أبيض ، لامع يميل إلى الزرقة ، وإذا وضع في النار يلين ، ويستخرج منه مستحضرات طبية كثيرة ، كما يستخرج منه مادّة تستعمل في التصوير الشمسي .
7 - الزئبق : وهو من أكثف الفلزات ، ويوجد سائلاً ، وله فوائد ومنافع كثيرة .
8 - النحاس : وهو من المعادن المفيدة ، وقد اكتشفه الهنود منذ القديم في سواحل بحيرة (سوبر بور) وقد استعملوه لرؤوس السهام في الحرب ثم استعملوه لأواني الطبخ ، وله منافع كثيرة لا غنى للإنسان عنها .
9 - الرصاص : وهو من المعادن المعروفة ، تعمل منه حروف الطباعة ، ويستخدمه الإنسان في كثير من مصالحه .
10 - الفضّة : وهو من المعادن المشهورة ، يستخرج من الجبال ممزوجاً بالتراب ، ويستعمل في صنع المكوكات والمصوغات وغيرها .
11 - الذهب: وهو من أثمن المعادن وأجملها ، يستخرج من الجبال مخلوطاً مع الرمل والحصى ، ويستعمل كثيراً في حليّ النساء .
12 - الزبرجد : وهو جوهر زجاجي ، يميل بعضه إلى الخضرة ، وهو من الأحجار الكريمة .
13 - الياقوت : وهو من الأحجار الشريفة ، وهو أحمر وأصفر ، وقد يكون أخضر أو فستقي أو أبيض.
14 - الحجارة : وهي ما تقطع من الجبال لتستعمل في البناء ، كحجر الكلس وأمثاله .
15 - القار : وهو سائل صلب أسود يخرج من عيون الماء في الجبال ، وهو مركب من الزفت والكبريت ، يفيد لتبليط الشوارع ، وطلي السفن ، وغيرها .
16 - الموميا : وهو من المواد السائلة أسود يقطر من بعض الشقوق في الجبال ، وهو قليل الوجود ، وله فوائد مهمة ، منها أنّه يلحم الجروح الغائرة ، ويجبر الكسور ، ويزيل أوجاع المفاصل وغيرها .
17 - الكبريت : وهو جسم حجري رخو ، يتولد من بخار يابس ، وبخار لطيف رطب دهني تطبخهما الشمس الحارّة ، وهو ما يشتعل بسرعة ، ويضيء في معدنه كالنار ويوجود في بعض العيون المسماة بالعيون الكبريتية .
18 - النفط : وهو الذهب الأسود ، وهو سائل كثيف، مركب من مواد كيمياوية ثمينة ، وهو من أهم المعادن التي أودعها الله تعالى في الأرض ، وعليه يدور اقتصاد كثير من الدول الأوروبية وغيرها ، التي تحوّله إلى مواد بالغة الأهمية ، كالبنزين والدهن وغيره ، التي أصبحت من ضروريات الحياة وكمالاتها الاقتصادية . فسبحان المدبر الحكيم الذي أوجد هذه المعادن لتكون من ذخائر الحياة الاقتصادية للإنسان .
1) الشبه - بكسر ففتح - : هو النحاس الأصفر .
الرمل والفضّة من الرصاص والذهب من الفضة وأشباه ذلك مما لا مضرّة فيه ، فانظر كيف أعطوا أرادتهم فيما لا ضرر فيه ، ومنعوا ذلك فيما كان ضاراً لهم لو نالوه ، ومن أوغل في المعادن انتهى إلى وادٍ عظيم يجري منصلتاً بماء غزير لا يدرك غوره ، ولا حيلة في عبوره ، ومن ورائه أمثال الجبال من الفضة.
تفكر الآن في هذا من تدبير الخالق الحكيم ، فإنه أراد جل ثناؤه أن يري العباد قدرته وسعة خزائنه ليعلموا أنه لو شاء أن يمنحهم كالجبال من الفضّة لفعل ، لكن لا صلاح لهم في ذلك؛ لأنه لو كان فيكون فيها كما ذكرنا سقوط هذا الجوهر عند الناس ، وقلة انتفاعهم به ، واعتبر ذلك بأنه قد يظهر الشيء الظريف مما يحدثه الناس من الأواني والأمتعة ، فما دام عزيزاً قليلاً فهو نفيس جليل ، فإذا فشا وكثر في أيدي الناس سقط عندهم ، وخست قيمته ، ونفاسة الأشياء من عزّتها» .
وحكى هذا المقطع حكمة الله تعالى البالغة في قلّة معادن الذهب والفضة ، وأنّهما لو كانا مبذولين ومنتشرين كبقية المعادن لنقصت قيمتها لدى الناس ، وبذلك تختل المعاملات بين الناس لأنّه يصاغ منها النقود ، والسكة التي عليها التعامل بين الناس ، خصوصاً في تلك العصور ، ومن الطبيعي أنّها إذا انتشرت معادن الذهب والفضّة ، وتناولتها الأيدى فإنّها تسقط عن الأعين، ولا يبقى لها أية قيمة ، وقد قيل: «نفاسة الأشياء من عزّتها» .
هذا بعض ما حكاه هذا المقطع من كلام الإمام (علیه السّلام).
قال (علیه السّلام)
«فكّر - يا مفضّل - في هذا النبات ، وما فيه من ضروب المآرب ، فالثمار للغذاء ، والإتبان للعلف ، والحطب للوقود ، والخشب لكلّ شيء من أنواع التجارة وغيرها ، واللحاء(1)والورق والأصول والعروق والصموغ لضروب من المنافع .
أرأيت لو كنا نجد الثمار التي نتغذى بها مجموعة على وجه الأرض ، ولم تكن تنبت على هذه الأغصان الحاملة لها ، كم كان يدخل علينا من الخلل في معاشنا وإن كان الغذاء موجوداً ، فإنّ المنافع بالخشب والحطب والأتبان ، وسائر ما عددناه كثيرة، عظيم قدرها، جليل موقعها ، هذا مع ما في النبات من التلذذ بحسن منظره ونضارته التي لا يعدلها شيء من مناظر العالم وملاهيه».
عرض الإمام (علیه السّلام) إلى دليل حسّي على وجود الخالق العظيم ، وهو النبات الذي به قوام الكائنات الحيّة من بني الإنسان وغيره ، فما ينتجه النبات من الثمار ويكون غذاء للإنسان ، وما يطرح من سنابل الزرع ، المسمّى بالأتبان يكون علفاً للحيوان ، وما يجف من السيقان والجذوع والأصول فإنّه يكون حطباً يوقده الإنسان لطعامه وتدفئته وغير ذلك من مصالحه.
1) اللحاء : قشر العود أو الشجر.
أما اللحاء ، وهي قشور الأشجار ، فإنّ فيها المنافع الكثيرة ، والفوائد المهمة التي تستعمل للأدوية ، فقشور الرمان - مثلاً - ينفع لإمساك المعدة وتجفيف رطوبتها، وقشور شجر الصفصاف ينفع الملاريا، وكذلك ورق الأشجار فإن فيه كثيراً من المنافع والفوائد ، لقد خلقها الله تعالى لمنافع الإنسان واستقامة حياته .. وبالإضافة لذلك فإنّه يحصل بها التلذذ بحسن مناظرها وبديع تركيبها ، فسبحان الخالق العظيم .
قال (علیه السّلام)
«فكر - يا مفضّل - في هذا الريع الذي جعل في الزرع ، فصارت الحبة الواحدة تخلف مائة حبّة وأكثر ، وكان يجوز للحبة أن تأتي بمثلها ، فلِمَ صارت تريع هذا الريع ؟ إلا ليكون في الغلة(1)متسع لما يريد في الأرض من البذور وما يتقوّت الزارع إلى إدراك زرعها المستقبل ، ألا ترى الملك لو أراد عمارة بلد من البلدان كان السبيل في ذلك أن يعطي أهله ما يبذرونه في أرضهم ، وما يقوتهم إلى إدراك زرعهم ، فانظر كيف تجد هذا المثال قد تقدّم في تدبير الحكيم ، فصار الزرع يريع هذا الريع ليفي بما يحتاج إليه للقوت والزراعة ، وكذلك الشجر والنبت والنخل يريع الريع الكثير ، فإنّك ترى الأصل الواحد حوله أفراخه أمراً عظيماً ، فلم يكن كذلك إلا ليكون فيه ما يقطعه الناس ، ويستعملونه لمآربهم ، وما يرد ويغرس في الأرض ، ولو كان الأصل منه يبقى منفرداً لا يفرّخ ، ولا يريع لما أمكن أن يقطع منه شيء لعمل ، ولا لغرس ، ثم كان إن أصابته آفة انقطع أصله ، فلم يكن منه خلف».
1) الغلة - بالفتح - : الدخل من كراء دار وفائدة أرض ونحو ذلك ، والجمع : غلات وغلال .
من آيات الله البينات كثرة الانتاج والإخصاب في الزرع ، فقد جعل الله تعالى فيه البركة ، فالحبّة الواحدة المزروعة تخلّف مائة حبّة أو أكثر .
قال تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(1).
لقد أودع الله تعالى في الزرع هذه البركة ليعيش فيه الإنسان وغيره من سائر الحيوانات ، وكذلك بقيّة الفواكه ، فإنّها تعطى النماء الكثير لتسدّ حاجات الإنسان ، وتدفع العمال إلى العمل في الحقول ، ولولا هذا العطاء الكثير منها لهلك الناس من الجوع ، فسبحان المدبّر والخالق والمكوّن لكل شيء .
قال (علیه السّلام)
«تأمّل نبات الحبوب من العدس والماش والباقلا ، وما أشبه ذلك ، فإنّها تخرج في أوعية مثل الخرائط لتصونها وتحجبها من الآفات إلى أن تشتدّ وتستحكم ، كما قد تكون المشيمة على الجنين لهذا المعنى بعينه .
أمّا البُرّ(2)وما أشبهه فإنّه يخرج مدرّجاً في القشور الصلاب على رؤوسها أمثال الأسنّة من السنبل ليمنع الطير منه ليتوفّر على الزارع ، فإن قال قائل : أوليس قد ينال الطير من البر والحبوب ؟ قيل له : بلى على هذا قدر الأمر فيها؛ لأنّ الطير خلق من خلق الله تعالى وتبارك له فيما يخرج
الأرض خطاً ، ولكن حصنت الحبوب بهذه الحجب لئلا يتمكن الطير منها كلّ التمكّن فيعبث بها ، ويفسد الفساد الفاحش ، فإن الطير لو صادف الحبّ بارزاً ليس عليه شيء يحول دونه لأكب عليه حتى ينسفه أصلاً ، فكان يعرض من ذلك أن يبشم الطير(1)فيموت ويخرج الزارع من زرعه صفراً ، فجعلت عليه هذه الوقايات لتصونه فينال الطير منه شيئاً يسيراً يتقوت به ، ويبقى أكثره للإنسان ، فإنه أولى به إذ كان هو الذي كدح فيه وشقي به ، وكان الذي يحتاج إليه أكثر مما يحتاج إليه الطير».
من آيات الله البينات إحاطة الحبوب كالماش والعدس والحنطة وغيرها بأغلفة لتكون مصونة محجوبة عن الطوارى الخارجيّة ، والآفات الأرضيّة ، فإنّها لو كانت غير مصونة لتسلط عليها الطير فنسفها ، ولا يبقى منها شيئاً ، وذلك ممّا يسبّب له التخمة التي فيها هلاكه ، بالإضافة إلى أنّ الزارع يخسر أتعابه وقوته ، نقضت الحكمة الإلهية أن يصون الحبوب بالحواجب ليربح الزارع ، ويتمكن الطير من التقاط ما يسقط من الحبوب عند حصادها .
قال (علیه السّلام)
«تأمّل الحكمة في خلق الشجر ، وأصناف النبات ، فإنّها لما كانت تحتاج إلى الغذاء الدائم كحاجة الحيوان ، ولم يكن لها أفواه كأفواه الحيوان ، ولا حركة تنبعث بها لتناول الغذاء جعلت أصولها مركوزة في الأرض لتنتزع منها الغذاء ، فتؤدّيه إلى الأغصان ، وما عليها من الورق
1) بشم الطير : أي أتخم من كثرة الأكل.
والثمر ، فصارت الأرض كالأم المربية لها ، وصارت أصولها التي هي كالأفواه ملتقمة للأرض لتنزع منها الغذاء ، كما ما ترضع أصناف الحيوان أمهاتها ، ألم تر إلى عمد الفساطيط(1)والخيم كيف تمد بالأطناب(2)من كل جانب لتثبت منتصبة فلا تسقط ، ولا تميل ، فهكذا تجد النبات كله له عروق منتشرة في الأرض ، ممتدّة إلى كل جانب لتمسكه وتقيمه ولولا ذلك كيف كان يثبت هذا النخل الطوال ، والدوح العظام في الريح العاصف ، فانظر إلى حكمة الخلقة ، كيف سبقت حكمة الصناعة ، فصارت الحيلة التي يستعملها الصنّاع في ثبات الفساطيط والخيم متقدمة في خلق الشجر؛ لأنّ الشجر خُلق قبل صنعة الفساطيط والخيم ، ترى عمدها وعيدانها من الشجر ، فالصناعة مأخوذة من الخلقة».
عرض الإمام (علیه السّلام) إلى الحكمة الإلهية ، إلى الشجر التي جعلت أصولها مركوزة في الأرض لتجتذب منها غذاءها ، وتنتزع منها قوتها ، ثم توصله إلى الأغصان والفروع والثمر ، وبهذا صارت كالأم المربية للأشجار ، بل ولكل نبات ينبت عليها ، وصارت جذور الأشجار كالأفواه ملتقمة ثدي الأرض كالحيوانات التي ترضع أمهاتها .
إن الله تعالى زوّد الأرض بالعناصر الكيمياوية من الصوديوم والحديد والكلور والكبريت والفلسفور والكالسيوم وغيرها، وهذه المواد الضرورية للنبات لا يمكن تحصيلها إلا بواسطة الماء الذي يحلّلها ليستطيع النبات امتصاصها ، فسبحان الخالق العظيم المكوّن لكلّ شيء.
أما وقوف النخيل والأشجار على وجه الأرض دون أن تسقط عند هبوب الرياح العاصفة والزوابع القاسية ، فإنّه يستند إلى عروقها المنتشرة تحت الأرض ، والممتدة
إلى كل جانب ، فهي التي تمسكها ، فسبحان المصور والمبدع لخلقه.
قال (علیه السّلام)
«تأمّل - يا مفضّل - خلق الورق فإنّك ترى فى الورقة شبه العروق مبثوثة فيها أجمع ، فمنها غلاط ممتدة في طولها وعرضها ، ومنها رقاق تتخلل تلك الغلاظ ، منسوجة نسجاً دقيقاً معجماً ، لو كان مما يصنع بالأيدي كصنعة البشر لما فرغ من ورق شجرة واحدة في عام كامل ، ولاحتيج إلى آلات وحركة وعلاج وكلام ، فصار يأتي في أيام قلائل من الربيع ما يملأ الجبال والسهل وبقاع الأرض كلها بلا حركة ولا كلام إلا بالإرادة النافذة في كلّ شيء ، والأمر المطاع ، واعرف مع ذلك العلة في تلك العروق الدقاق ، فإنّها جعلت تتخلّل الورقة بأسرها لتسقيها ، وتوصل الماء إليها بمنزلة العروق المبثوثة في البدن لتوصل الغذاء إلى كلّ جزء منه ، وفي الغلاظ منها معنى آخر فإنّها تمسك الورقة بصلابتها ومتانتها لئلا نتهتك وتتمزّق ، فترى الورقة شبيهة بورقة معمولة بالصنعة من خرق قد جعلت فيها عيدان ممدودة في طولها وعرضها لتتماسك فلا تضطرب ، فالصناعة تحكى الخلقة ، وإن كانت لا تدركها على الحقيقة».
حكى هذا المقطع الحكمة البالغة في صنع أوراق الشجر ، فقد أضفت على الشجر حلّة خضراء زاهية بديعة ، وتتخلّلها عروق تكون كالأوعية تنتقل الماء والغذاء من الجذور إلى سائر أنحاء الشجرة بواسطة السيقان ، فإنّ الشجرة تستمدّ غذاءها من التربة والهواء ، وتحتاج إلى قليل من الكربون الموجود في الهواء ليكمل نموّها .
إن أوكسيد الكربون من الهواء يدخل إلى الورقة بواسطة فتحات صغيرة ويلتقي بالماء الصاعد من الجذور ، فإذا كانت الشمس مشرقة ، كان (الكلوروفيل) وهو المادة الخضراء الموجودة في الأجسام الخضراء من الشجر وسائر النباتات ، فتحوّلها أشعة الشمس إلى مواد سكرية ونشوية في الثمرة ، وتسمى بالتركيب الضوئي .
إن التفكر في صنع ورق الأشجار يكشف عن عظمة الخالق العظيم ، فإنّ أحذق الفنّانين لو أراد أن يصنع مثل هذه الأوراق كما هي مخلوقة ، لكان من المحال أن يأتي بمثلها حاملة لهذه الحيوية، والله تعالى في أيام قليلة جداً، في أيّام الربيع يملأ الجبال والسهول بالأوراق المنتظمة البديعة والورود الرائعة من دون حركة أو آلة أو عمّال ، فإنّها تتكوّن بمجرّد المشيئة الإلهيّة ، فسبحان الخالق الحكيم .
قال (علیه السّلام)
«فكّر في هذا العجم والنوى والعلة فيها ، فإنه جعل في جوف الثمرة ليقوم مقام الغرس إن عاق دون الغرس عائق ، كما يحرّر الشيء النفيس الذي تعظم الحاجة إليه في مواضع أخر ، فإن حدث على الذي هو في بعض المواضع منه حادث وجد في موضع آخر، ثم هو بعد يمسك لصلابته رخاوة الثمرة ورقتها ، ولولا ذلك لتشدّخت(1)وتفسخت ، وأسرع إليها الفساد ، وبعضه يؤكل ويستخرج دهنه فيستعمل منه ضروب من المصالح ، وقد تبين لك موضع الإرب في العجم والنوى».
فكر الآن في هذا الذي تجده فوق النواة من الرطبة ، وفوق العجم من العنبة ، فما العلة فيه ؟ ولماذا يخرج في هذه الهيئة وقد كان يمكن أن
1) تشدّخت : تكسرت .
يكون مكان ذلك ما ليس فيه مأكل كمثل ما يكون في السدر(1)والدلب(2). وما أشبه ذلك ، فلِمَ صار يخرج فوقه هذه المطاعم اللذيذة إلا ليستمتع بها الإنسان ؟
حكى هذا المقطع بعض المنافع والمصالح التي خلقها الله تعالى في النواة التي تكون في جوف التمر وغيره من سائر الفواكه ، وكان منها ما يلي :
1 - إن تلك النواة تكون امتداداً لأصل الشجرة ، فإذا أصابتها آفة أو أتلفها حادث ، فالنواة تغرس مكانها فتخرج مثلها .
2 - إنّ النواة تمسّك رخاوة الثمار وتحافظ على لطافتها ، ولولاها لتشدّخت الثمرة ، وتفسخت وأسرع إليها الفساد.
3 - إنّ بعض تلك النواة يؤكل كما في نواة التمر ، فإنه يكون أحياناً علفاً لبعض الحيوانات .
4 - إنّه يؤخذ من نواة بعض الأشجار الدهن كنواة القطن وغيره .
5 - إنّه قد يستعمل بعض النواة كدواء لبعض الأمراض مثل بزر السفرجل فإنّه مفيد للسعال، وكبزر الحصرم فإنّه مفيد للإمساك المعدي إلى غير ذلك من الفوائد، فسبحان الله الخالق والمبدع والمكوّن لكلّ شيء .
قال (علیه السّلام)
«فكر في ضروب من التدبير في الشجر ، فإنك تراه يموت في كلّ سنة
موتة فتحتبس الحرارة الغريزية في عوده ، وتتولد فيه مواد الثمار ، ثم يحيى ، وينتشر فيأتيك بهذه الفواكه نوعاً بعد نوع كما تقدم إليك أنواع الأطبخة التي تعالج بالأيدي واحداً بعد واحد ، فترى الأغصان في الشجر تتلقاك بثمارها حتى كأنها تناولكها عن يد ، وترى الرياحين تتلقاك في أفنانها(1)تجئك بأنفسها فلمن هذا التقدير ؟ إلا لمقدّر حكيم وما العلة فيه إلا تفكيه الإنسان بهذه الثمار والأنوار ، والعجب من أناس جعلوا مكان الشكر على النعمة جحوداً لمنعم بها».
إن كثيراً من الشجر وأنواع النبات يموت في فصل خاص من السنة فتجف أوراقها ، وتذبل أغصانها ، وتيبس عودها حتى يظنّ الناس أن لا حياة فيها ، ولكن الله تعالى قد أودع فيها الحياة ، فلا تلبث أن تفرع وتعود الحياة فيها كأبهى وأنضر مما كانت ، فسبحان الله المصوّر والمبدع في خلقه .
قال (علیه السّلام)
«واعتبر بخلق الرمانة ، وما ترى فيها من أثر العمد والتدبير ، فإنك ترى فيها كأمثال التلال من شحم مركوم في نواحيها ، وحبّ مرصوف صفاً ، كنحو ما ينضد بالأيدي ، وترى الحبّ مقسوماً أقساماً ، وكل قسم منها ملفوف بلفائف من حجب منسوجة أعجب النسيج وألطفه ، وقشرة تضمّ ذلك كله ، فمن التدبير في هذه الصفة أنه لم يكن يجوز أن يكون حشو الرمانة من الحب وحده ، وذلك أنّ الحبّ لا يمدّ بعضه بعضاً فجعل ذلك الشحم خلال الحبّ ليمده بالغذاء ، ألا ترى أن أصول الحبّ مركوزة
1) الأفنان - جمع فنن - : وهو الغصن المستقيم .
في ذلك الشحم ثمّ لفّ بتلك اللفائف لتضمه وتمسكه ، فلا يضطرب ، وغشي فوق ذلك بالقشرة المستحصنة لتصونه ، وتحصنه من الآفات ، فهذا قليل من كثير من وصف الرمانة ، وفيه أكثر من هذا لمن أراد الإطناب(1)، والتذرّع في الكلام(2)، ولكن فيما ذكرت لك كفاية في الدلالة والاعتبار».
من آيات توحيد الله تعالى صنع الرمانة ، وما فيها من النظام البديع ، ففي داخلها الشحم ، وفي نواحيها الحبّ مركوماً بعضه فوق بعض الياقوتية اللون ، قد رصفت صفوفاً منظمة دون أي خلل أو تشويش فيها ، وقد قسمت إلى أقسام متعدّدة قد لف كل قسم منها بلفائف قويّة كالأغشية ، وقد لف جميعاً بقشر قوي صلب يجمعها ويحفظها من الطوارئ الخارجيّة .
أما الشحم الذي هو في داخل الرمانة فهو الذي يوصل غذاء الحبوب ويحدّها بما ينمّيها .. فسبحان الخالق العظيم المصوّر والمكوّن لها .
قال (علیه السّلام)
«فکر - يا مفضّل - في حمل اليقطين الضعيف مثل هذه الثمار الثقيلة من الدباء والقنّاء(3)والبطيخ ، وما في ذلك من التدبير والحكمة فإنّه لما قدر أن يحمل مثل هذه الثمار جعل نباته منبسطاً في الأرض ولو كان ينتصب قائماً كما ينتصب الزرع والشجر لما استطاع أن يحمل مثل هذه
الثمار الثقيلة ، ولتقصف قبل إدراكها ، وانتهائها إلى غاياتها ، فانظر كيف صار يمتد على وجه الأرض ليلقى عليها ثماره فتحملها عنه، فترى الأصل من القرع(1)والبطيخ مفترشاً للأرض وثماره مبثوثة عليها ، وحواليه كأنه هرة ممتدة ، وقد اكتنفتها جراؤها(2)لترضع منها .
وانظر كيف صارت الأصناف توافي الوقت المشاكل لها من حرارة الصيف ووقدة الحرّ ، فتلقاها النفوس بانشراح ، وتشوق إليها ، ولو كانت توافي في الشتاء لوافقت من الناس كراهة لها ، واقشعرار منها مع ما يكون فيها من المضرة للأبدان ، ألا ترى أنه ربما أدرك شيء من الخيار في الشتاء فيمتنع الناس من أكله إلا الشره الذي لا يمتنع عن أكل ما يضره ، ويسقم معدته ؟» .
من بدائع صنع الله تعالى ، وعظيم حكمته حمل اليقطين ، وما شابهه كالبطيخ والدباء والقثّاء ، فإنّ هذه الثمار ثقيلة لا تطيقها لو كانت سيقانها قائمة مع العلم أنّها كثيرة النتاج ، فاقتضت الحكمة أن تكون نباتها منبسطة على وجه الأرض ليكون ثقل الثمار عليها .
فلو كانت السيقان على رقّتها قائمة لما استطاعت حمل تلك الثمار ، فصارت بحكمة المدبّر الخالق مبثوثة على وجه الأرض أشبه ما تكون بهرة قد افترشت الأرض ، وقد أحاطت بها أبناؤها ترضعها ، وتمتص غذاءها منها .
وأوجد الله تعالى خلق تلك الأنواع في الوقت المناسب لأمزجة الناس ، فقد جعلها في الصيف ، ووقدة الحرّ لتساعد على إطفاء الحرارة ولذلك تتلقاها النفوس بشوق ورغبة ، ولو كان مجيئها في أيام الشتاء لما وجدت لها تلك الرغبة ، فسبحان
الله وتعالت حكمته .
قال (علیه السّلام)
«فكر - يا مفضّل - في النخل فإنّه لما صار فيه إناث تحتاج إلى التلقيح جعلت فيه ذكورة للقاح من غير غرس ، فصار الذكر من النخل بمنزلة الذكر من الحيوان الذي يلفّح الإناث لتحمل وهو لا يحمل .
تأمّل خلقة الجذع كيف هو ، فإنك تراه كالمنسوج نسجاً من خيوط ممدودة كالسدى وأخرى معه معترضة كاللحمة(1)كنحو ما ينسج بالأيدى وذلك ليشتد ويصلب ، ولا يتقصف من حمل القنوات(2)
والقنوات - جمع قناة -: وهي العصا الغليظة ، وقد أراد بها الإمام (علیه السّلام) هنا هي سعف النخل الغليظة .
الثقيلة وهزّ الرياح العواصف ، إذا صار نخلة ، وليهيّأ للسقوف والجسور وغير ذلك مما يتخذ منه إذا صار جذعاً».النخلة أقدم شجرة عرفت على وجه الأرض ، وقد ورد أنها ولدت مع آدم أبي البشر ، وهي كالإنسان فيها الذكر والأنثى ، ولا تحمل الأنثى ما لم تلقح.
أمّا جذع النخلة فقد خلقه الله تعالى كأنه منسوج نسجاً من خيوط ممدودة ومعترضة ، حتى يستطيع حمل الثمرة ، ومقاومة الرياح العواصف ، بالإضافة إلى ما ينتفع به حينما يكون جذعاً في سقوط بيوت الناس .
قال (علیه السّلام)
«وكذلك ترى الخشب مثل النسيج ، فإنّك ترى بعضه مداخلاً بعضه بعضاً طولاً وعرضاً كتداخل أجزاء اللحم ، وفيه مع ذلك متانة يصلح لما يتخذ منه من الآلات ، فإنّه لو كان مستحصفاً(1)كالحجارة ، لم يمكن أن يستعمل في السقوف وغير ذلك مما فيه الخشبة ، كالأبواب والأسرة والتوابيت وما أشبه ذلك ، ومن عظيم المصالح في الخشب أنه يطفو على الماء ، فكل الناس تعرف هذا منه ، وليس كلهم يعرف جلالة الأمر فيه ، فلولا هذه الخلّة لما كانت هذه السفن ، والأطراف تحمل أمثال الجبال من الحمولة ، وأنى كان ينال الناس هذا الرفق وخنة المؤونة في حمل التجارات من بلد إلى بلدٍ ، وكانت تعظم المؤونة عليهم في حملها حتى يلقى كثير ما يحتاج إليه في بعض البلدان مفقوداً أصلاً أو عسر وجوده» .
من بدائع صنع الله تعالى هذه الأخشاب التي تتخذ من الأشجار العظيمة ، فإنّها متداخلة بعضها في بعض كتداخل أجزاء اللحم في الحيوان ، إلا أنها متينة وصلبة لا رخاوة فيها.
وللخشب أهميته البالغة فهو يستعمل في سقوف البيوت ، وفي الأسرة والأبواب والصناديق وغيرها مما يحتاج إليه الناس ، وبالإضافة إلى ذلك فإنّه يصنع منه السفن التي تنقل الأحمال والأثقال من بلد إلى بلد ، ومن إقليم لآخر ، وتعتبر من أهم وسائل النقل على امتداد التاريخ ، وقد شاء الله تعالى بحكمته البالغة أن يطفو
1) أراد بالمستحصف : الشديد المحكم كأنه الحجارة .
الخشب على الماء ، ولولا ذلك أمكن أن يتخذ منه السفن ، فسبحان الخالق العظيم .
قال (علیه السّلام)
«فكر في هذه العقاقير ، وما خص بها كل واحد منها من العمل في بعض الأدواء ، فهذا يغور في المفاصل فيستخرج الفضول الغليظة مثل الشيطرج(1)، وهذا ينزف المرّة السوداء(2)مثل الأفيتمون(3)، وهذا ينفي الرياح مثل السكبينج(4)، وهذا يحلّل الأورام ، وأشباه هذا من أفعالها ، فمن جعل هذه القوى فيها إلا من خلقها للمنفعة ؟ ومن فطن الناس إلّا من جعل هذا فيها ، ومتى كان يوقف على هذا بالعرض والاتفاق ، كما قال القائلون : وهب أنّ الإنسان فطن لهذه الأشياء بذهنه ، ولطف رویته و تجاربه ، فالبهائم كيف فطنت لها حتى صار بعض السباع يتداوى من جراحه إن أصابته ببعض العقاقير ، فيبرأ وبعض الطير يحتقن من الحصر نصيبه بماء البحر فيسلم وأشباه هذا كثير.
1) جاء في تذكرة الأنطاكي : «شيطرج هندي هو الخامشة ، وهو نبت يوجد بالقبور الخراب ، له ورق عريض ودقيق ينتثر أعلاه إذا برد الجوّ ، وزهره أحمر إلى بياض ، يخلف بزر أسود أصغر من الخردل ورائحته ثقيلة حادّة ، وطمعه إلى مرارة .
2) المرّة السوداء : خلط من أخلاط البدن ، والجمع : مرارة .
3) أفتيمون : لفظ يوناني ، معناه دواء الجنون، وهو نبات له أصل ، كالجزر شديد الحمرة ، وفروع كالخيوط الليفية تحف بأوراق دقاق خضر وزهرة إلى حمرة وبزر دون الخردل أحمر إلى صفرة يلتف بما يليه .
4) سكبينج أو سكنبيج : هو شجرة بفارس، ويورد الأطباء الأقدمون أوصافاً طبية كثيرة من السكنبيج ، ويذكرون أنه يذهب عدة أمراض .
ولعلّك تشكك في هذا النبات النابت في الصحارى والبراري ، حيث لا أنس ، ولا أنيس ، فتظن أنه فضل لا حاجة إليه ، وليس كذلك بل هو طعم لهذه الوحوش ، وحبة علف للطير ، وعوده وأفنانه حطب يستعمله الناس ، وفيه بعد أشياء تعالج بها الأبدان ، وأخرى تدبغ الجلود ، وأخرى تصبغ الأمتعة ، وأشباه هذا من المصالح» .
ما من داء إلا خلق الله له دواءً ، وقد جعل تعالى في العقاقير الأدوية الحاسمة وقد عد الإمام (علیه السّلام) جملة منها ، من بينها ما يلي :
1 - ما يغوص في مفاصل البدن عن طريق مساحات الجلد ، ويستخرج الفضول الغليظة المؤلمة من داخلها، والعقار الذي يستعمل لذلك (الشيطرج) المسمّى (سواك الراعي) وهو نبات ينبت في الأماكن المهجورة ، والجدران القديمة ، له ورق عريض دقيق ، وزهرته حمراء مشوبة بالبياض ، ومن فوائده الطبية أنه يفيد مرض المفاصل ، ويزيل الآثار الجلدية ، وينبت الشعر الساقط.
2 - منها ما يخرج المرّة السوداء من البدن ، والعقار المستعمل لذلك (الأفيتمون) وهو نبات أحمر ينبت في الربيع، ويبقى إلى الصيف ذو عروق دقاق ، وأوراق صغار ، طعمه مرّ ، ومن فوائده أنّه نافع للأمراض الدماغيّة والعصبية .
3 - ومن العقاقير ما يحلّل الغازات ، وهو (السكبيج) وهو صمغ ، يستخرج من بعض الأشجار ، ومن منافعه تصريفه للأورام ، ويفيد الربو ، وضيق الصدر ، والمفاصل وغير ذلك .
4 - من العقاقير بذور الكتان والخطمي ، وهما يحللان الأورام ، وغير ذلك من المنافع .
وهذه بعض العقاقير التي ألمح إليها الإمام (علیه السّلام)، وقد ألهم الله تعالى بعض
الحيوانات الفطنة فجعلها تتداوى ببعض العقاقير ، فقد شوهد بعض السباع أصابته جراحة فأسرع إلى بعض العقاقير فتداوى بها كما أن الأسد إذا حم فإنّه يسرع إلى كسر أغصان شجرة الكنين فيتناولها ويبرأ من المرض .. فسبحان الخالق العظيم الذي ألهم هذه الحيوانات الإدراك وجعلها تسرع إلى بعض العقاقير لتتداوى بها إن أصابها مرض.
قال (علیه السّلام)
ألست تعلم أن من أخس النبات وأحقرها هذا البردي ؟ وما أشبهه ، ففيه مع هذا من ضروب المنافع ، فقد يتخذ من البردي القراطيس التي يحتاج إليها الملوك والسوقة والحصر التي يستعملها كل صنف من الناس ، ويعمل منه الغلف التي توقى بها الأواني ، ويجعل حشواً بین الظروف في الإسقاط لكيلا تصاب وتنكسر ، وأشباه هذا من المنافع ، فاعتبر بما ترى من ضروب المآرب في صغير الخلق وكبيره ، وبما له قيمة ، وما لا قيمة له» .
وضرب (علیه السّلام) مثلاً فيما لا أهميّة له من النباتات وهو البردي ، فذكر (علیه السّلام) أنّ الله تعالى خلقه نظراً للفوائد والمنافع التي تترتب عليه ، وكان من أهم تلك الفوائد أنّه يصنع منه القراطيس التي تحتاجها الملوك والسوقة ، وما أعظم هذه الفائدة وما أثمنها ، كما أنه يتخذ منه الحصر فرشاً ، ولا يستغني عنها الناس ، كما يتخذ منه حبالاً لجلب المياه من الآبار وغير ذلك ، كما يستعمل منه غلفاً لحفظ الأواني .
ومضافاً لهذه المنافع فإنّ رماده يجلو الأسنان، ويلحم الجراح ، ويقطع نزيف الدم .. فسبحان الذي أودع هذه المنافع والفوائد في أحقر نبات من مخلوقاته .
قال (علیه السّلام)
«وأخس من هذا وأحقره الزبل والعذرة التي اجتمعت فيها الخساسة والنجاسة معاً ، وموقعها من الزرع والبقول والخضر أجمع ، الموقع الذي لا يعدله شيء ، حتى إن كل شيء من الخضر لا يصلح ولا يزكو إلا بالزبل والسماد الذي يستقذره الناس ، ويكرهون الدنو منه».
وضرب الإمام (علیه السّلام) مثلاً آخر لما هو أخس من البردي وأحقر منه ، وهو الزبل والعذرة ، فإن فيهما الكثير من المنافع والمصالح ، والتي منها أنهما من أهم الأسباب لخصب الأرض ، ونموّ نباتها ، وجودة ثمارها ، وكثرة انتاجها ، فإنّها حينما تسمد بهما تقوى الأرض ويحسن زرعها .. هذه هي بعض فوائد الشيء الحقير الذي تنفر منه الطباع ، وتأباه النفوس ، وبذلك تتجلى حكمة الله تعالى في كلّ شيء من مخلوقاته . هذه بعض الأدلّة الحسيّة الحاسمة التي أقامها الإمام العظيم (علیه السّلام) على وجود الخالق الحكيم ، وقد فنّد فيها شبه وأبطل مزاعمهم ، وأقام صروح التوحيد على أسس وجدانية لا مجال للريب والشك فيها ، فقد نظر بعمق وشمول إلى جميع الكائنات والموجودات من البحار والماء والهواء والشجر والنبات والمعادن والجبال والحيوان والإنسان ، وغير ذلك ، وقد دلّل على تكاملها ، وعظيم صنعتها ، وبدائع تركيبها ، واستحالة وجودها من غير خالق ، ومكوّن لها ، فالأثر يدلّ على المؤثر، والمعلول يدلّ على علّته ، وهو أمر ضروري ، ولا يمكن بأي حال إنكاره والشك فيه .
لقد كانت الأدلة التي أقامها سليل النبوّة على وجود الخالق العظيم وجدانيّة وحسيّة يؤمن بها كلّ إنسان يملك عقله وفكره ، ولا يرتاب فيها إلا المتخلفون في عقولهم الذين لا ينظرون إلا إلى الوراء .
عرض الإمام الصادق (علیه السّلام) في محاضراته إلى كثير من البحوث الكلامية التي تتعلق بقضايا التوحيد وغيره ، كان منها ما يلي:
وفند الإمام الصادق (علیه السّلام) شبهة الزنديق القائل بتعدد الآلهة ، فقال (علیه السّلام) له :
لا يَخْلُو قَوْلُكَ إِنَّهُما اثْنَانِ مِنْ أنْ يَكونا قَديمَيْنِ قَوِيَّيْنِ ، أَوْ يَكونا ضَعِيفَيْنِ ، : أَوْ يَكونُ أَحَدُهُما قَوِيَا وَالْآخَرُ ضَعِيفاً ، فَإِنْ كَانَا قَوِيَّيْنِ فَلِمَ لا يَدْفَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما صاحِبَهُ وَيَتَفَرَّدُ بِالتَّدْبِيرِ ؟ وَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّ أَحَدَهُما قَوِيٌّ وَالْآخَرَ ضَعِيفٌ ثَبَتَ أَنَّهُ واحدٌ ، كَما نَقولُ : لِلْعَجْزِ الظَّاهِرِ في الثاني .
فَإِنْ قُلْتَ : إِنَّهُما اثْنَانِ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكونا مُتَّفِقَيْنِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ، أَوْ مُتَفَرِّقَيْنِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ، فَلَمّا رَأَيْنَا الْخَلْقَ مُنتَظِماً ، والْفَلَك جارياً ، والتدبير واحِداً ، وَالليْلَ وَالنَّهارَ ، وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ ، دَلَّ صِحَّةُ الأَمْرِ وَالتَّدْبِيرِ ، وَاخْتِلافُ الْأَمْرِ عَلَى أَنَّ الْمُدَبِّرَ واحِدٌ ، ثُمَّ يَلْزَمُكَ إِنِ ادَّعَيْتَ اثْنَيْنِ فُرْجَةَ مَا بَيْنَهُما حَتَّى يكونا اثْنَيْنِ ، فَصارَتِ الْفُرْجَةُ ثالثاً بَيْنَهُما قَديمٌ مَعَهُما ، فَيَلْزَمُكَ ثَلاثَةٌ.
فَإِنِ ادَّعَيتَ ثَلاثَةٌ لَزِمَكَ ما قُلْتَ في الإِثْنَيْنِ ، حَتَّى تَكونَ بَيْنَهُما فُرْجَةٌ فَيَكونوا خَمْسَةٌ ، ثُمَّ يُتَناهى فِي الْعَدَدِ إِلى ما لا نِهَايَةَ لَهُ فِي الْكَثْرَةِ .
وانبرى الزنديق طالباً من الإمام الدليل على وجود الخالق العظيم ، فأجابه (علیه السّلام) :
وُجودُ الأَفاعيلِ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ صانعاً صَنَعَها ، أَلا تَرى أَنَّكَ إِذا نَظَرْتَ إِلَى بِناءٍ مُشَيَّدٍ مَبْنِيَّ عَلِمْتَ أَنَّ لَهُ بانِياً ، وَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَرَ الْبَانِي وَلَمْ تُشَاهِدْهُ .
وطلب الزنديق من الإمام (علیه السّلام) أن يعرفه الخالق الحكيم ، فقال (علیه السّلام):
شَيْءٌ بِخِلافِ الأَشياء .. وَأَنَّهُ شَيْءٌ بِحَقيقَةِ الشَّيْئِيَّةِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لا جِسْمٌ وَلا صورَةٌ ، وَلا يُحَسُّ وَلا يُجَسُّ ، وَلا يُدْرِكُ بِالْحَواسِ الْخَمْسِ ، لا تُدْرِكُهُ الأَوْهامُ وَلا تَنْقُصُهُ الدُّهُورَ ولا تُغَيَّرُهُ الْأَزْمانُ(1).
لقد أدلى الإمام (علیه السّلام) بالحجج الدامغة على وحدة الخالق العظيم ، وبطلان تعدّد الآلهة الذي يترتب عليه من اللوازم الفاسدة التي لا يمكن الالتزام بها ، والتي تنتهي إلى التسلسل ، وهو ما لا نهاية له ، وقد أقام الفلاسفة والمنطقيون الأدلة على استحالته وعدم إمكانه.
كما قدم الإمام (علیه السّلام) دليلاً وجدانياً على وجود الله تعالى ، وهو وجود مخلوقاته التي يستحيل أن تتكوّن وحدها ، وتوجد نفسها بنفسها بل لا بد لها من خالق حكيم أوجدها على ساحة الكون .
ونفى الإمام الله أن يكون الله تعالى شيئاً كمثل الأشياء الممكنة التي لها جسم ، وصورة وحسّ ، وغير ذلك التي هي مستحيلة على واجب الوجود المبدع والخالق العظيم الذي لا يشبهه شيء .
ويستحيل على الإنسان أن يحيط علماً بمعرفة حقيقة الله تعالى ، بعدما كان الإنسان محدوداً في حواسه وملكاته وقدراته
يقول الإمام (علیه السّلام): «يابْنَ آدَمَ ، لَوْ أَكَلَ قَلْبَكَ طَائِرٌ لَمْ يُشْبِعُهُ ، وَبَصَرُكَ لَوْ وُضِعَ عَلَيْهِ
1) أصول الكافي : 1 : 80 - 81 .
خَرْقُ إِبْرَةٍ لَغَطَاهُ ، تُريدُ أَنْ تَعْرِفَ بِهِما مَلَكوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، إِنْ كُنْتَ صادِقاً فَهَذِهِ الشَّمْسُ خَلْقَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ ، فَإِنْ قَدَرْتَ أَنْ تَمَلاً عَيْنَيْكَ مِنْهَا فَهُوَ كَما تَقول»(1).
إنّ الإنسان غير قادر أن يحدق ببصره اتجاه قرص الشمس بضع ثوان فكيف يقدر أن يعرف الله تعالى خالق النور وواهب الحياة .
ويستحيل على الإنسان هذا المخلوق الضعيف أن يرى ربّه خالق السماوات والأرض ، وقد سأل محمد الحلبي الإمام الصادق (علیه السّلام)، قال له : هل رأى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)؟ فأجابه (علیه السّلام): نَعَمْ ، رَآهُ بِقَلْبِهِ ، فَأَمَا رَبُّنا جَلَّ جَلالُهُ ، فَلَا تُدْرِكُهُ أَبْصَارُ النّاظِرينَ ، وَلَا تُحيطُ بِهِ أَسْماعُ السَّامعينَ»(2).
إن الله تعالى أجل وأعظم من أن تراه العيون والأبصار ، وإنما تراه القلوب بحقائق الإيمان .
ويستحيل أن يقدر العباد على الإحاطة بصفات الله ، ومعرفة كنه حقيقته ، كما يستحيل أن يوصف بالكيف والأين اللذين هما من صفات الممكن .
قال الإمام (علیه السّلام): «إِنَّ اللهَ عَظِيمٌ رَفِيعٌ ، لَا يَقْدِرُ الْعِبادُ عَلَى صِفَتِهِ ، وَلَا يَبْلُغُونَ كُنْهَ عَظَمَتِهِ ، لَا تُدِرْكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ، وَلَا يُوصَفُ بِكَيْفٍ وَلَا أَيْنِ وَلَا حَيْثٍ ، وَكَيْفَ أَصِفُهُ بِالْكَيْفِ ؟ وَهُوَ الَّذي كَيْفَ الْكَيْفَ حَتَّى صَارَ كَيْفاً ،
فَعُرِفَتِ الْكَيْفُ بِما كَيْفَ ، لَنا مِنَ الْكَيْفِ ، أَمْ كَيْفَ أَصِفُهُ بِأَيْنِ ؟ وَهُوَ الذي أَيْنَ الْأَيْنَ حَتَّى صَارَ أَيْناً ، فَعُرِفَتِ الْأَيْنُ بِما أَيْنَ لَنا مِنَ الْأَيْنِ ، أَمْ كَيْفَ أَصِفُهُ بِحَيْثٍ ؟ وَهُوَ الَّذي حَبَّثَ الْحَيْتَ حَتَّى صَارَ حَيْنَا ، فَعُرِفَتِ الْحَيْثُ بِما حَيْتَ لَنَا مِنَ الْحَيْثِ ، فَاللَّهُ داخِل في كُلِّ مَكانٍ وَخارِج مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ، لا إلهَ إِلَّا هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ، وَهُوَ اللَّطيفُ الْخَبِيرُ»(1).
إن الله تعالى موجد الكيف ومكوّنه ومحقق حقيقته حتى صار كيفاً ، وجعله حالاً للإنسان ، والله تعالى أجل وأسمى من أن يوصف بالكيف اتحاداً أو حلولاً ، وكذا الكلام في الأين ، والمراد به كون الشيء في المكان ، وهو مما أوجده الله تعالى ، وجعله حالاً من أحوال الناس ، وهو تعالى أجلّ من أن يوصف به ، وكذا الكلام في حيث وهو إسم لمكان الشيء ، والله تعالى أجل وأعظم من أن يتصف به.
إن الله تعالى منزّه عن الجسم والصورة، فإنّهما من صفات الممكن الذي يحتاج وجوده إلى علّة ، وقد أعلن الإمام (علیه السّلام) نزاهة الله عن ذلك ، فقد روى عليّ بن أبي حمزة ، قال : قلت لأبي عبدالله (علیه السّلام): سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم إن الله تعالى جسم، صمدي، نوري ، معرفته ضرورة يمن بها على من يشاء من خلقه ، فأنكر (علیه السّلام) ذلك وقال : «سُبْحانَ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ كَيْفَ هُوَ إِلَّا هُوَ ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ، لَا يُحَدُّ وَلَا يُحَسُّ ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَلَا الْحَواس ، وَلَا يُحيط بِهِ شَيْءٌ وَلَا جِسمٌ وَلَا صُورةٌ ، وَلَا تَخطيط ولا تحديد»(2).
من المستحيل أن يتصف الخالق الحكيم بالجسم والصورة ، أو التخطيط والتحديد ، فإنّها من صفات الممكن الذي يؤول أمره إلى الزوال ، والله الدائم الحيّ الذي يهب الحياة لعباده ، فكيف يوصيف بتلك الصفات.
وروی یونس بن ظبيان ، قال : «دخلت على أبي عبد الله (علیه السّلام) فقلت له : إنّ هشام بن الحكم يقول قولاً عظيماً ، ألا إنّي اختصر لك منه أحرفاً ، فزعم أنّ الله جسم لأن الأشياء شيئان : جسم وفعل الجسم فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل ، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل.
فقال (علیه السّلام): وَيْحَهُ - أي هشام - أما عَلِمَ أَنَّ الْجِسْمَ مَحْدودٌ مُتَناهِ ، وَالصَّورَةُ مَحْدودَةً مُتناهيةٌ ، فَإِذا احْتَمَلَ الْحَدَّ احْتَمَلَ الزِّيادةَ وَالنُّقصانَ ، وَإِذا احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ وَالنُّقصانَ كانَ مَخْلُوقاً.
وانبري يونس قائلاً: فما أقول ؟
فقال (علیه السّلام) : لَا جِسْم وَلَا صُورَةٌ ، وَهُوَ مُجَسِّمُ الْأَجْسامِ ، وَمُصَوِّرِ الصُّورِ لَمْ يَتَجَزَا ، وَلَمْ يَتَناءَ وَلَمْ يَتَزايَدٌ ، وَلَمْ يَتَناقَصْ ، لَوْ كانَ كَما يَقولونَ : لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْخالِقِ وَالْمَخْلُوقِ فَرْقٌ ، وَلَا بَينَ الْمُنْشِئُ وَالْمُنْشَأ ، لَكِنْ هُوَ الْمُنشِيُّ ، فَرَّقَ بَيْنَ مَنْ جَسَّمَهُ وَصَوَّرَهُ ، وَأَنْشَأَهُ إِذْ كَانَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ ، وَلَا يُشْبِهُ هُوَ شَيْئًا»(1).
روى حماد بن عمرو النصيبي ، قال : «سألت جعفر بن محمد (علیه السّلام) عن التوحيد ، فقال : «واحِدٌ ، صَمَدٌ ، أَزَلِيُّ ، صَمَدِيٌّ ، لَا ظِلُّ لَهُ يُمْسِكُهُ ، وَهُوَ يُمْسِكُ الأَشْيَاءَ بِأَظلَّتِها ،
1) أصول الكافي : 1: 106.
عارِفٌ بِالْمَجْهولِ ، مَعْرُوفٌ عِنْدَ كُلِّ جاهِلٍ ، فَرْدانِيُّ ، لَا خَلْقَهُ فِيهِ ، وَلَا هُوَ فِي خَلْقِهِ ، غَيْرُ مَحْسوس ، وَلَا مَجْسوس ، لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارَ ، عَلَا فَقَرُبَ ، وَدَنَا فَبَعُدَ ، وَعُصِيَ فَغَفَرَ ، وَأطيعَ فَشَكَرَ ، لَا تَحْويهِ أَرْضُهُ ، وَلَا تُقِلُّهُ سَماواتُهُ ، وَإِنَّهُ حامِلُ الْأَشْياءِ بِقُدْرَتِهِ ، دَيْمُومِيُّ ، أَزَلِيٌّ ، لَا يَنْسى ، وَلَا يَلْهو ، وَلَا يَغْلَطُ وَلَا يَلْعَبُ ، وَلَا لإرادتِهِ فَصْلٌ ، وَفَضْلَهُ جَزاءٌ ، وَأَمْرُهُ واقِعٌ ، لَمْ يَلِدْ فَيورَثَ ، وَلَمْ يُولَدْ فَيُشارَكَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ(1).
قال (علیه السّلام): «إِنَّ اللهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وِسْعَهَا ، وَلَا يُكَلِّفُها فَوقَ طاقتِها ، وَأَفْعَالُ الْعِبادِ مَخْلُوقَةٌ خَلْقُ تَقْدِيرِ ، لَا خَلْقَ تكوين، والله خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَلَا نَقولُ بِالْجَبْرِ وَلَا بِالتَّفويض ، وَلَا يَأْخُذُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْبَريءَ بِالسَّقيم ، وَلَا يُعَذِّبُ اللَّهُ الْأَطفَالَ بِذُنوبِ الآباءِ ، فَإِنَّهُ قالَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ : وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى(2).
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى(3).
وَلِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَعْفُو وَيَتَفَضَّلَ ، وَلَيْسَ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَظْلِمَ وَلَا يَفْرِضُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِبادِهِ طاعَةَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُغْويهِمْ وَيُضِلُّهم ، وَلَا يَحْتارُ لِرِسالَتِهِ وَلَا يَصْطَفِي مِ-نْ عِبادِهِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِهِ ، ويعبدُ الشَّيطانَ دُونَهُ ، وَلَا يَتَّخِذُ عَلى خَلْقِهِ حُجَّةٌ إلَّا معصوماً»(4).
سأل ابن أبي يعفور الإمام الصادق (علیه السّلام) عن قول الله عزّ وجلّ: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ(1)أما الأوّل فقد عرفناه ، وأما الآخر فبيّن لنا تفسيره .
فقال (علیه السّلام): إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلَّا يَبِيدُ أَوْ يَتَغَيَّرُ ، أَوْ يَدْخُلُهُ التَّغَيُّرُ وَالزَّوالُ ، أَوْ يَنتَقِلُ مِنْ لَون إِلى لَوْنٍ ، وَمِنْ صِفَةٍ إِلى صِفَةٍ ، وَمَنْ زِيادَةٍ إِلى نُقصانٍ ، وَمَنْ نُقْصَانٍ إِلى زيادةٍ ، أَمَا رَبُّ الْعالَمينَ فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزالُ بِحالَةٍ وَاحِدَةٍ ، هُوَ الأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَهُوَ الآخِرُ عَلى ما لَمْ يَزَلْ ، وَلَا تَخْتَلِفَ عَلَيْهِ الصِّفاتُ وَالْأَسْمَاءُ كَما تَخْتَلِفُ عَلى غَيْرِهِ، مِثْلُ الْإِنْسانِ الَّذي يَكونُ تُراباً مَرَّةً ، وَمَرَّةً لَحْماً وَدَماً ، وَمَرَّةً رُفاتاً وَرَمِيماً ، وَكَالْبُسْرِ الَّذِي يَكونُ مَرَّةً بَلَحاً وَمَرَّةٌ بُسْراً ، وَمَرَّةً رُطَبَاً ، وَمَرَّةً ثَمَراً ، فَتَتَبدَّلُ عَلَيْهِ الْأَسْمَاءُ وَالصَّفاتُ ، وَاللهُ جَلَّ وَعَزَّ بِخِلافِ ذلِكَ»(2).
وأكد الإمام (علیه السّلام) هذا المعنى في حديث آخر له ، قال (علیه السّلام): «الْأَوَّلُ لَا عَنْ أَوَّل قَبْلَهُ ، وَلَا عَنْ بَدْءٍ سَبَقُهُ ، وَالآخِرُ لَا عَن نِهاية كَمَا يُعْقَلُ مِنْ صِفَةِ الْمُخْلُوقينَ ، وَلكِنْ قَديمٌ ، أَوَّل ، آخِرٌ ، لَمْ يَزَلْ ، وَلَا يَزولُ بِلَا بَدْءٍ وَلَا نِهايةٍ ، لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْحُدوثُ ، وَلَا يَحولُ مِنْ حال إلى حالٍ ، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ»(3).
وقال (علیه السّلام) في حديث آخر له مؤكداً هذا المعنى ، قال : «إِنَّ اللهَ تَبارَكَ اسْمُهُ ، وَتَعالى ذِكْرُهُ ، وَجَلَّ ثَناؤُهُ ، سُبْحانَهُ وَتَقَدَّسَ وَتَفَرَّدَ وَتَوَحدَ وَلَمْ يَزَلْ وَلَا يَزالُ ،
وَهُوَ الْأَوَّلُ وَالآخِرُ ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ، فَلَا أَوَّلَ لأَوَّلِيَّتِهِ ، رفيعاً فى أَعْلى عُلُوهِ ، شامخ الْأَرْكانِ ، رَفيعُ الْبنيانِ ، عَظيمُ السُّلْطانِ ، مُنيفُ الآلاءِ ، سَنِيُّ الْعَلْياءِ ، الذي عَجِزَ الْواصِفُونَ عَنْ كُنْهِ صِفَتِهِ ، وَلَا يُطيقونَ حَمْلَ مَعْرفَةِ الهِيَّتِهِ ، وَلَا يَحُدُّونَ حُدودَهُ ، لأَنَّهُ بِالْكَيْفِيَّةِ لَا يُتَناهى إِلَيْهِ»(1).
إنّ الله تعالى هو الحقيقة المبدعة لهذه الأكوان ، وهو الأوّل والآخر ، وليس له شبيه يشابهه ، فهو مصدر الفيض والعطاء .
من البحوث الكلامية التي احتدم فيها النزاع على أشدّه هو البداء ، فقد أجمعت الشيعة على صحته ، والالتزام به ، وأنكره أهل السنة والجماعة ، وتصدّى جمهرة من المؤلّفين إلى نقد الشيعة والطعن عليهم لالتزامهم به ، وأكبر الظنّ أنّه لم يتضح لهم معنى البداء الذي تقول به الشيعة ، فلذا وقفوا معهم موقفاً بالتشهير والتجريح .. ولا بد من وقفة قصيرة للبحث عنه ، ليتضح الحال .
البداء - في اللغة - اسم ممدود مشتق من البدو، وهو الظهور ، وهم إسم لرأي حادث متجدّد ، يستصوبه صاحبه ، ويقدمه على رأيه الأول(2).
ومنه قوله تعالى : وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا(3)، أي ظهر لهم في الآخرة جزاء ما كانوا يعملون في الدنيا بعدما كان مخفيّاً عندهم .
فالبداء : ظهور رأي للإنسان في شيء بعد أن لم يكن له ذلك الرأي سابقاً .
والبداء بهذا المعنى مستحيل على الله تعالى ، ولا يمكن الالتزام به بأي حال وذلك لاستلزامه حدوث علم الله تعالى بشيء بعد جهله به ، وهو محال على الله الذي يعلم بالأشياء كلها منذ الأزل ، قال تعالى : لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّة(1).
وقال تعالى : وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(2).
وقال تعالى : وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً(3).
فالله تعالى عالم بجميع الأشياء ومحيط بها إحاطة واقعية ، جزئيّة كانت أو كلّيّة .
والتزمت الشيعة بالبداء ، وأعلن الإمام الصادق (علیه السّلام): «أَنَّهُ ما عُبِدَ اللهُ بِشَيْءٍ مِثْلِ الْبَداءِ ، وَلكِنْ لَا عَلى إِطْلاقِهِ» ، وقد تصدّى سماحة الإمام الخوئي إلى البحث عن البداء بصورة موضوعيّة وشاملة ، قال : «إنّ البداء الذي تقول به الشيعة الإمامية إنما يقع في القضاء غير المحتوم، أما المحتوم منه فلا يتخلّف ، ولا بد من أن تتعلق المشيئة بما تعلّق به القضاء .
وتوضيح ذلك أن القضاء على ثلاثة أقسام :
الأوّل : قضاء الله الذي لم يطلع عليه أحد من خلقه ، والعلم المخزون الذي
استأثر به نفسه، ولا ريب في أنّ البداء لا يقع في هذا القسم ، بل ربما ورد في روايات كثيرة عن أهل البيت (علیهم السّلام) أن البداء إنّما ينشأ من هذا العلم .
روى الصدوق في (العيون) بإسناده عن الحسن بن محمد النوفلي أنّ الرضا (علیه السّلام) قال لسليمان المروزي : رويت عن أبي عبد الله (علیه السّلام)، قال : إِنَّ لِلَّهِ عِلْمَينِ : عِلْمٌ مَكْنُونٌ مَخْرُونَ ، لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ مِنْ ذلِكَ يَكونُ الْبَداءُ ، وَعِلْمٌ عَلَّمَهُ مَلائِكَتَهُ وَرُسلَهُ وَأَنْبِيَاءَهُ ، وَنَحْنُ نَعْلَمُهُ»(1).
الثاني : قضاء الله الذي أخبر نبيه وملائكته بأنه سيقع حتماً ، ولا ريب في أنّ هذا القسم أيضاً لا يقع فيه البداء ، وإن افترق عن القسم الأول بأنّ البداء لا ينشأ منه.
قال الرضا (علیه السّلام) لسليمان المروزي في الرواية المتقدّمة عن الصدوق : «أَنّ عليّاً كانَ يقول : الْعِلْمُ عِلْمانِ: فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللهُ مَلائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ ، فَما عَلَّمَهُ مَلائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ فَإِنَّهُ يكونُ ، وَلَا يُكَذِّبُ نَفْسَهُ وَلَا مَلائِكَتَهُ ، وَلَا رُسُلَهُ . وَعِلْمٌ عِنْدَهُ مَخْرُونَ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ يُقَدِّمُ مِنْهُ ما يَشاءُ ، وَيُؤَخِّرُ ما يَشاءُ ، وَيَمْحو وَيثْبِتُ ما يَشاءُ»(2).
وروى العياشي عن الفضيل ، قال : «سمعت أبا جعفر (علیه السّلام) يقول : مِنَ الأُمورِ أُمورٌ مَحْتومَةٌ جائِيةٌ لَا مَحالَةَ ، وَمِنَ الأمور أمورٌ مَوْقوفَةٌ عِنْدَ اللهِ يُقَدِّمُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ ، وَيَمْحو ما يَشاءُ ، وَيُثْبِتُ مِنها ما يَشاءُ ، لَمْ يُطْلِعْ عَلى ذلِكَ - يعنى الموقوفة - أحَداً ، فأما ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فَهِيَ كائِنَةٌ لَا يُكَذِّبُ نَفْسَهُ ، وَلَا نَبِيَّهُ ، وَلَا مَلائِكَتَهُ»(3).
الثالث : قضاء الله الذي أخبر نبيه وملائكته بوقوعه في الخارج ، إلا أنه موقوف
على أن لا تتعلّق مشيئة الله بخلافه ، وهذا القسم هو الذي يقع فيه البداء : يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ(1)لله الأمر من قبل ومن بعد».
واستدل سماحته - على أنّ البداء الذي تقول به الشيعة : هو من القسم الثالث من القضاء - بكوكبة من الأخبار والروايات عن أئمة أهل البيت (علیهم السّلام)، وأفاد بعد ذلك إيضاحاً وافياً لحقيقة البداء بقوله :
«والبداء إنّما يكون في القضاء الموقوف ، المعبّر عنه بلوح المحو والإثبات ، والالتزام بجواز البداء لا يستلزم نسبة الجهل إلى الله سبحانه ، وليس في هذا الالتزام ما ينافي عظمته وجلاله.
فالقول بالبداء هو الاعتراف الصريح بأنّ العالم تحت سلطان الله وقدرته في حدوثه وبقائه ، وأنّ إرادة الله تعالى نافذة في الأشياء أزلاً وأبداً ، بل وفي القول بالبداء يتّضح الفارق بين العلم الإلهي وبين علم المخلوقين، فعلم المخلوقين وإن كانوا أنبياء وأوصياء لا يحيط بما أحاط به علمه تعالى ، فإنّ بعضاً منهم وإن كان عالماً بتعليم الله إياه بجميع عوالم الممكنات لا يحيط بما أحاط به علم الله المخزون الذي استأثر به لنفسه ، فإنّه لا يعلم بمشيئة الله تعالى لوجود شيء - أو عدم مشيئته إلا حيث يخبره الله تعالى به على نحو الحتم.
والقول بالبداء يوجب انقطاع العبد إلى الله ، وطلبه إجابة دعائه منه ، وكفاية مهماته ، وتوفيقه للطاعة ، وإبعاده عن المعصية ، فإنّ إنكار البداء والالتزام بأن ما جری به قلم التقدير كائن لا محالة ، دون استثناء، يلزمه يأس المعتقد بهذه العقيدة عن إجابة دعائه ، فإنّ ما يطلبه العبد من ربّه ، وإن كان قد جرى قلم التقدير بإنفاذه فهو كائن لا محالة ، ولا حاجة إلى الدعاء والتوسل ، وإن كان قد جرى القلم بخلافه لم يقع أبداً ، ولم ينفعه الدعاء ولا التضرع ، وإذا يئس العبد من إجابة دعائه ترك
1) الرعد 13: 39.
التضرّع لخالقه ، حيث لا فائدة في ذلك ، وكذلك الحال في سائر العبادات والصدقات التي ورد عن المعصومين (علیهم السّلام) أنها تزيد في العمر أو في الرزق أو غير ذلك ممّا يطلبه العبد»(1).
ودعم السيّد قوله بعد ذلك بالآيات والأخبار الواردة من الفريقين على ضرورة البداء ، ولزوم القول به ، وإنّ ما تشنه الأقلام الضالة على الشيعة وتجريحهم لا مبرر له .
وأثرت عن الإمام الصادق (علیه السّلام) كوكبة من الأحاديث في البداء ، وهذه بعضها :
1 - «ما عُظْمِ اللَّهُ بِمِثْلِ الْبَداءِ»(2).
2 - قال لا في تفسير هذه الآية : يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ(3): «هَلْ يُمْحى إِلَّا ما كانَ ثابِتاً ، وَهَلْ يُثْبِّتُ إِلَّا ما لَمْ يَكُنْ ؟»(4).
3 - «ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّاً حَتَّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ ثَلاثَ خِصال: الْإِقْرارَ لَهُ بِالْعُبودِيَّةِ ، وَخَلْعَ الأَنْدادِ ، وَأَنَّ اللهَ يُقَدِّمُ مَنْ يَشَاءُ ، وَيُؤَخِّرُ مَنْ يَشَاء»(5).
4 - «إِنَّ لِلَّهِ عِلْمَينِ : عِلْمٌ مَكْنُونٌ مَخْرُونَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ مِنْ ذلِكَ يَكونُ الْبَداءُ ، وَعِلْمٌ عَلَّمَهُ مَلائِكَتَهُ وَأَنبياءَهُ ، فَنَحْنُ نَعْلَمُهُ»(6).
5 - «ما بَدا للهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا كَانَ فِي عِلْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْدو لَهُ»(7).
6 - «إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْدُ لَهُ مِنْ جَهْلِ»(1).
7 - «لَوْ عَلِمَ النَّاسُ مَا فِي الْقَوْلِ بِالْبَداءِ مِنَ الْأَجْرِ مَا فَتَرُوا عَنِ الْكَلامِ فِيهِ»(2).
8 - روی منصور بن حازم ، قال : «سألت أبا عبد الله (علیه السّلام) : هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله بالأمس ؟ قال (علیه السّلام): لَا ، مَنْ قَالَ هَذا فَأَخْرَاهُ اللَّهُ.
قلت : أرأيت ما كان ، وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس في علم ؟
قال (علیه السّلام): بلى قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ»(3).
9 - «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبر مُحَمَّداً (صلی الله علیه و آله و سلم) بِما كانَ مُنْذُ كانَتِ الدُّنْيا ، وَبِما يَكونُ إلى انقضاءِ الدُّنْيا ، وَأَخْبَرَهُ بِالْمَحْتُومِ مِنْ ذلِكَ ، وَاسْتَثْنى عَلَيْهِ فيما سواه»(4).
إلى غير ذلك من الأخبار ، والتي أثرت عن الإمام الصادق (علیه السّلام) وعن أئمة الهدى من أهل البيت (علیهم السّلام)، وهي تعلن ضرورة البداء ، ولكن بالمعنى الذي ذكرناه لا بالمعنى الذي ذكره خصوم الشيعة .
وافترى على الشيعة جماعة فزعموا أنهم يقولون بالبداء الذي يستلزم نسبة الجهل إلى الخالق العظيم ، وفيما ، عرضا لبعض أقوالهم :
1 - سليمان بن جرير نقل الشهرستاني عن سليمان بن جرير أنّه قال : «إنّ أئمة الرافضة وضعوا مقالتين لشيعتهم : الأولى : القول بالبداء ، فإذا قالوا إنه سيكون لهم أمر وشوكة ، ثمّ لا يكون على ما أخبروه قالوا : بداء الله تعالى فيه ، وقد قال فيه زرارة بن أعين شعراً :
وتلك أماراتٌ تَجيءُ لِوَقْتِها *** وَما لَكَ عَمّا قَدَّرَ اللهُ مَذْهَبُ
ولولا البَدا سَمِّيتُهُ غَيرَ فانت *** ونعتُ الْبَدا نَعتُ لِمَنْ يَتَقَلب
وَلَولا الْبَدا ما كانَ ثُمَّ تَصَرُّف *** وَكانَ كَنارٍ دَهْرُها تَتَلَهُبُ
الثانية : التقيّة ، فكلما أرادوا شيئاً تكلموا به ، فإذا قيل لهم هذا خطأ قالوا : إنما قلناه تقيّة».
أرأيتم هذه الأكاذيب على أئمة أهل البيت (علیهم السّلام) الذين طهرهم الله من الزيغ ، وأذهب عنهم الرجس ، أما التزام الأئمة (علیهم السّلام) بالبداء فقد كان على وفق القواعد الاعلام العلميّة ، ولا يشذ بأي حال عن الأصول الإسلامية .
وأمّا الالتزامهم بالتقيّة ، فقد كان سببه ظلم الطغاة الجائرين الذين يدين لهم سليمان بن جرير بالولاء والطاعة ، وكان ضغطهم الهائل على الأئمة وشيعتهم ، ممّا أوجب التزامهم بالتقية لحفظ دمائهم ، وقد عرضنا إلى ذلك بصورة مفصلة في بحوث هذا الكتاب .
2 - الفخر الرازي : قال عند تفسير الآية المباركة : يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُنْبِتُ(1): «قالت الرافضة : البداء جائز على الله تعالى ، وهو أن يعتقد شيئاً، : ثمّ يظهر له إنّ الأمر بخلاف ما اعتقده»(2). إنّ الشيعة لا تقول بذلك وتتبرأ منه .
3 - أحمد أمين: «رأينا بعض الشيعة يرى البداء الذي أنكره اليهود ، وأقدم من قال به المختار بن أبي عبيدة ، الذي كان يدعو لمحمد بن الحنفية»(3).
ويقول الشهرستاني : «إنما صار المختار إلى البداء لأنه كان يدعي علم ما يحدث
من الأحوال ، إما بوحي يوحى إليه ، وإما برسالة من قبل الإمام ، فكان إذا وعد أصحابه بكون شيء وحدوث حادثة ، فإن وافق ما أخبر به جعله دليلاً على صدق دعواه ، وإن لم يوافق قال : قد بدا لربّكم ، وكان لا يفرّق بين النسخ والبداء ، فإذا جاز النسخ في الأحكام جاز البداء في الأخبار».
وقد اعتنق كثير من الشيعة مذهب البداء ، وطبقوه في كثير من مسائلهم التاريخيّة ، وقال أحد أئمتهم : لا يعبد الله بأحسن من القول بالبداء؛ لأنه يفتح باب التوبة في طلب العفو من الله ، وكان اليهود أقوى المعارضين في البداء»(1).
وهؤلاء الناقدون للشيعة في قولهم البداء لم يكن رأيهم قريباً من الواقع وذلك لعدم فهمهم بما تذهب إليه الشيعة من القول بالبداء ، فإنّه يفتح أبواباً كثيرة للبرّ والإحسان ، فقد تظافرت الأخبار أنّ الإنسان يكتب عمره في اللوح المحفوظ مقداراً معيّناً من السنين ، إلا أنه إذا وصل رحمه ، أو أسعف فقيراً ، أو رفع ظلامة إنسان ، فإنّ عمره يتضاعف ، وهذا من ثمرات القول بالبداء ، وهذا واقعه الذي تلتزم به الشيعة .
قال (علیه السّلام): «إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ فِيهِ قَبْضٌ أَوْ بَسْطٌ مِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ إِلَّا وَفِيهِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ابْتِلاءٌ وَقَضاءُ»(2).
علّق السيّد الطباطبائي على هذا الحديث بقوله : «لما تحقق أن كل تكليف متعلق بقبض أو بسط ففيه إرادة تكوينية وإرادة تشريعية ، والتشريع إنما يتحقق بالمصلحة في الفعل أو الترك الاختياري ، فلا يخلو التشريع عن ابتلاء وامتحان ليظهر بذلك ما في كمون العبد من الصلاح والفساد بالإطاعة والمعصية، والإرادة التكوينية
لا يخلو من قضاء ، فما من تكليف إلا وفيه ابتلاء وقضاء»(1).
عرض الإمام الصادق (علیه السّلام) إلى المشيئة والإرادة بالنسبة الله تعالى في كوكبة من أحاديثه ، والتي منها :
روى أبو بصير ، قال : «قلت لأبي عبد الله (علیه السّلام): شاء ، وأراد ، وقدّر ، وقضى - أي الله - ؟
قال : نَعَمْ.
قلت : وأحب ؟
قال : لا .
قلت : وكيف شاء ، وأراد ، وقضى ، ولم يحبّ ؟
قال : هكذا خَرَجَ إِلَيْنا»(2).
علق السيد الطباطبائي على هذا الحديث بقوله : «الحبّ حبّان : حبّ تكوين يتعلّق بوجود الشيء من حيث هو وجوده ، وحب تشريعي يتعلق بالشيء من حيث هو حسن جميل ، ولا يتعلّق بالقبيح أبداً ، وكأنّ عدم استعداد ذهن السائل عن إدراك الفرق بينهما استدعى إضرابه (علیه السّلام) عن جواب سؤاله».
أَمَرَ إِبْلِيسَ أَنْ يَسْجُدَ لَآدَمَ ، وَشَاءَ أَنْ لَا يَسْجُدَ وَلَوْ شَاءَ لَسَجَدَ ، وَنَهَى آدَمَ عَنْ أَكْلِ
الشَّجَرَةِ ، وَشَاءَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ، وَلَوْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَأْكُلْ يَأْكُلْ»(1).
روى أبو بصير ، قال : «كنت بين يدي أبي عبد الله (علیه السّلام) جالساً وقد سأله سائل فقال له : جعلت فداك يابن رسول الله ، من أين لحق الشقاء أهل المعصية حتّى حكم الله لهم في العذاب على عملهم ؟
فقال أبو عبد الله (علیه السّلام): أَيُّها السّائِلُ ، حُكْمُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَقومُ لَهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ بِحَقِّهِ ، فَلَمّا حَكَمَ بِذلِكَ وَهَبَ لأَهْلِ مَحَبَّتِهِ القُوَّةَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ ، وَوَضَعَ عَنْهُمْ ثِقْلَ الْعَمَلِ بِحَقيقَةِ ما هُمْ أَهْلُهُ ، وَوَهَبَ لِأَهْلِ الْمَعْصِيَةِ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ لِسَبْقِ عِلْمِهِ فِيهِمْ ، وَمَنَعَهُمْ إطاقَةَ الْقَبولِ فَوافقوا ما سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ ، وَلَمْ يَقْدِرُوا أَن يَأْتُوا حالاً تُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِهِ لأَنَّ عِلْمَهُ أَوْلى بحَقيقَةِ التصديقِ ، وَهُوَ مَعْنى شاءَ ما شاءَ»(3).
وحكى هذا المقطع بحوثاً فلسفية نفيسة ذكرها صدر المتألهين الفيلسوف الكبير ملا صدرا في شرحه لأصول الكافي من أراد الوقوف عليها فليراجع.
وبهذا ينتهي بنا الحديث - والحمد لله - عن بعض ما أثر عن الإمام الصادق (علیه السّلام) من البحوث الكلامية المهمة ، وقد ألمحنا في بعض أجزاء هذه الموسوعة إلى كوكبة من أحاديثه (علیه السّلام) في الإمامة وغيرها من متعلقات علم الكلام.
الجفر(1)هو علم الحروف التي تعرف به الحوادث إلى انقراض العالم ، وهو من العلوم الشريفة التي منحها الله تعالى لأهل البيت (علیهم السّلام)، وفيه يقول أبو العلاء المعري :
لَقَدْ عَجِبوا لآلِ البَيتِ لَمّا *** أَتَاهُمْ عِلْمُهُمْ فِي جِلدِ جَفْرِ
فَمِرْأَةُ المُنَجِّم وَهيَ صُغرى *** تُرِيهِ كُل عامِرَةٍ وقَفْر(2)
قال الإمام الصادق (علیه السّلام) لأصحابه : «نَظَرْتُ في صَبِيحَةِ هَذَا الْيَوْمِ فِي كِتابِ الْجَفْرِ الَّذِي خَصَّ اللهُ بِهِ مُحَمَّداً وَالْأَئِمَّةَ مِنْ بَعْدِهِ ، وَتَأَمَّلْتُ فِيهِ مَولِدَ غائِبِنا وَغَيْبَتَهُ - وَهُوَ الْمُصْلِحُ الأَعْظَمُ الإمامُ الْمُنْتَظَرُ (علیه السّلام)- وَإِبْطَاءَهُ ، وَطُولَ عُمْرِهِ ، وَبَلْوَى الْمُؤْمِنينَ في ذلِكَ الزَّمانِ ، وَتَوَلَّدَ الشُّكوك في قُلُوبِهِمْ ، وَارْتِدادَ أَكْثَرِهِمْ عَنْ دينِهِمْ ، وَخَلْمِهِمْ رِبْقَةَ الْإِسْلامِ مِنْ أَعْنَاقِهِمْ ، التي قالَ تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ : وَكُلَّ إِنسَانِ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ(3)يعني الولاية .
فقال له أصحابه : كرّمنا وشرّفنا ببعض ما أنت تعرفه من علم ذلك .
فقال (علیه السّلام) : إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِي الْقَائِمِ مِنَا سُنَناً مِنْ سُنَنِ أَنْبِيائِهِ : سُنَّةٌ مِنْ نُوحٍ طُولَ الْعُمُرِ ، وَسُنَّةٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ خَفاءَ الأَوْلادِ وَاعْتِزالَ النَّاسِ ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُوسَى الْخَوْفَ وَالْغَيْبَةَ ، وَسُنَّةٌ مِنْ عِيسَى اخْتِلافَ النَّاسِ فيهِ ، وَسُنَّةٌ مِنْ أيُوبَ الْفَرَجَ بَعْدَ الشِّدَّةِ ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُحَمد (صلی الله علیه و آله و سلم)
الْخُروج بالسَّيفِ يَهْتَدى بهداهُ وَيَسير بسيرتِه»(1).
قال الجرجاني : «لجفر والجامعة كتابان لعلي ، وقد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف والحوادث إلى انقراض العالم ، وكان الأئمة المعروفون من أولاده يعرفونهما ويحكمون بهما»(2).
ومن الجدير بالذكر ما أفاده الشيخ الفتوني بقوله : «إنّ بعض الرسائل الدائرة عند «إنّ بعض الناس ما يسمونه الجفر، واستخراج جمع من الأشياء ، حتى الغائبات وما يكون فيما بعد نسبوها إلى محيي الدين العربي ، والسيد نعمة الله الكرماني ، وغيرهما ، وأكثرها من تلك الرسائل التي اكتسبها ذلك الرجل - يعني جابر بن حيان - من الصادق (علیه السّلام)، ولكن من جهة عدم إحاطة الناس بحقيقة معناها ، وحصول بعض التحريفات في نقلها ، بل وقوع بعض النقص والزيادة يحصل منها أحياناً بعض الأغلاط والتوهمات»(3).
قال ابن قتيبة : «كتاب الجفر كتبه الإمام جعفر الصادق ابن محمد الباقر (علیهما السّلام) فيه كلّ ما يحتاجون إلى علمه إلى يوم القيامة»(4).
وأنكر هارون بن سعد العجلي الجفر ، وقد قال في قصيدة له :
وَمِنْ عَجَبٍ لَمْ أَقْضِهِ جِلْدَ جَفْرِهِمْ *** بَرِئْتُ إِلى الرَّحْمنِ مِمَّنْ تَجَفرا(5)
أما علم الفقه فهو من أبرز العلوم الإسلامية وأجلّها ، ومن أكثرها عائدة على المسلمين ، فهو ممّا يمسّ حياتهم، ويتفاعل معها بصورة إيجابية وشاملة ، فعباداتهم ومعاملاتهم وسائر طقوسهم الدينية ترتبط به ، وتتوقف عليه.
إنّ التشريع الإسلامي لا يقتصر على جانب خاص من جوانب الحياة ، وإنّما هو شامل لجميع جوانبها ، وقضاياها المصيرية ، فهو الذي يخطط له مسيرتها ، ويحفظ لها ، أصالتها ، ويحقق لها ما تصبو إليه من العزة والكرامة .
لقد اهتم المسلمون منذ فجر تاريخهم بعلم الفقه ، ففي زمان الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) كان الرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هو المرجع الأعلى الذي يرجع إليه المسلمون في شؤونهم الدينية ، ويفتيهم بما أنزل الله تعالى عليه من أحكام .. وبعد أن التحق (صلی الله علیه و آله و سلم) بالرفيق الأعلى عقدت في الجامع النبوي عدّة حلقات لتدارس الفقه ، وكان الصحابة يفتون المسلمين على ضوء ما سمعوه من الأحاديث عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ويعلمون أبناء المسلمين أحكام دينهم .
واتفق الرواة والمؤرّخون على أنّ الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) كان أعلم المسلمين بأحكام الشريعة وشؤون الدين، وكان الخلفاء يرجعون إليه في الفتيا إذا سئلوا عن مسألة لا يعرفون حكمها ، وقد اشتهرت كلمة عمر : «لولا على لهلك عمر» ، وقد دوّن الرواة مئات المسائل التي أفتى بها الإمام وأخذ بها الخلفاء ، فهو المرجع الأعلى للفتيا لأنه باب مدينة علم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وأدرى من غيره بشؤون الشريعة ، فقد صحب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ولم يفارقه ، واستوعب فكره جميع ما أفتى به ابن عمه (صلی الله علیه و آله و سلم).
وبعد وفاة الإمام أمير المؤمنين (علیه السّلام) احتف العلماء والفقهاء بسيدي شباب
أهل الجنّة الحسن والحسين علي (علیهما السّلام)، فكانا المصدر الوحيد للفتيا بين المسلمين ، وقد جهدا على إشاعة الفقه ، ونشره بين أبناء الصحابة ، وقد تتلمذ عليهما عشرات الفقهاء ، ورواة الحديث، وقد ذكرنا ذلك بصورة مفصلة في كتابنا (حياة الإمام الحسن (علیه السّلام)) و (حياة الإمام الحسين (علیه السّلام)) .
وبعد أن رزنت الأمة بشهادة سبطي الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) قام الإمام زين العابدين (علیه السّلام) بنشر الفقه الإسلامي ، وإشاعته بين المسلمين، وقد احتف به العلماء والفقهاء ، فكانوا يسجلون كلّ ما يفتي به ، وكان إذا أراد السفر إلى بيت الله الحرام صحبوه للاستفادة من نمير علومه ، وقد ذكرنا من تخرّج عليه من الفقهاء في كتابنا (حياة الإمام علي بن الحسين (علیهما السّلام)) .
ولما انتقل الإمام زين العابدين إلى حظيرة القدس قام ولده الإمام محمد الباقر (علیه السّلام)، وحفيده الإمام الصادق (علیه السّلام) بنشر علم الفقه ، وتبيانه بصورة إيجابية ، في وقت كان المجتمع الإسلامي غارقاً في الأحداث السياسية ، ولم تعد الشعوب الإسلامية تفقه شيئاً من أمورها الدينية .
يقول الدكتور علي حسن : «وقد أدّى تتبعنا للنصوص التاريخية إلى أمثلة كثيرة تدلّ على هذه الظاهرة - أي إهمال الشؤون الدينية - التي كانت تسود القرن الأوّل ، سواء لدى الحكّام أو العلماء أو الشعب ، ونعني بها عدم المعرفة بشؤون الدين ، والتأرجح ، وعدم الجزم والقطع فيها حتى في العبادات.
فمن ذلك ما روي أنّ ابن عبّاس خطب في آخر رمضان على منبر البصرة فقال : «اخرجوا صدقة صومكم» ، فكان الناس لا يعلمون ، فقال : من هاهنا من أهل المدينة ؟ فقوموا إلى إخوانكم فعلموهم ، فإنّهم لا يعلمون من زكاة الفطرة شيئاً(1)، مما يدل على أنّ أهل البلاد الإسلامية لم يكونوا يعرفون شؤون دينهم معرفة
1) الإحكام في أصول الأحكام / ابن حزم : 2 : 131 .
مفصلة ، وقد كان يوجد في بلاد الشام من لا يعرف عدد الصلوات المفروضة ، فراحوا يسألون الصحابة عن ذلك(1).
هذه مسألة أوقات الصلاة لم تكن معروفة عند عمر بن عبدالعزيز(2)، وبعض أهل العلم، فكان العلماء يرون سنّة مخصوصة في ذلك ، وكانت الحكومة ترى رأياً مخالفاً ، وعلى هذا جاء الحديث : «سيأتي آخر الزمان أمراء يميتون الصلاة ، فأدوا الصلاة في وقتها ، والمؤرخون المتقدمون إذا لم يعرفوا كيف يشرحون لنا هذه الحالة ، فإنّهم لم يجدوا أمامهم إلا سبباً مفروضاً ، وهو أن الأمويين قد غيّروا أوقات الصلاة برأيهم .
ولكن الحقيقة هو أنّه في أنّه في أثناء عصر بني أمية الذين كانوا لا يهتمون كثيراً بأمور الدين كان الشعب في الواقع قليل الفهم والمعرفة للفقه ومسائل الدين، ولم يكن يعرف من هذه الشؤون إلا أهل المدينة وحدهم(3).
لقد قام الإمام أبو جعفر وولده الإمام الصادق (علیه السّلام) بدور مشرق في نشر الفقه الإسلامي ، ويقول المؤرخون : إن أحكام الحج لم يكن يعرفها المسلمون حتى عرفهم بها الإمام الباقر وولده (علیهما السّلام).
وعلى أي حال ، فإنّه لم يكن فى العالم الإسلامي - فى تلك العصور - من هو أدرى بشؤون الشريعة وأحكام الإسلام ، وقواعد الفقه العامة سوى الإمامين (علیهما السّلام) ، وقد أسرع إلى الأخذ من علومهما أبناء الصحابة والتابعون ، ورؤساء المذاهب الإسلامية ، كأبي حنيفة ومالك وغيرهما من أعلام الفقه ، وقد تخرج على يدهما
جمهرة كبيرة من الفقهاء ، أمثال : زرارة بن أعين ومحمّد بن مسلم وأبان بن تغلب وغيرهم ، وإلى هؤلاء الأعلام يرجع الفضل في تدوين أحاديث الإمامين (علیهما السّلام).
ومن الجدير بالذكر أنّ الشيعة هم أوّل من سبق إلى تدوين الفقه الإسلامي .
يقول مصطفى عبد الرزاق : ( ومن المعقول أن يكون النزوع إلى تدوين الفقه كان أسرع إلى الشيعة لأنّ اعتقادهم العصمة في أئمتهم أو ما يشبه العصمة كان حرياً إلى تدوين أقضيتهم وفتاواهم(1)، وبذلك فقد ساهمت الشيعة مساهمة إيجابية في بناء الفقه الإسلامي الذي هو من ذخائر الإسلام ومن أعلى مناجم ثرواته .
أمّا فقه أئمّة أهل البيت (علیهم السّلام) فيمتاز بمميزات رائعة جعلته في قمة الفقه الإسلامي ، وهذه بعض مميزاته :
والشيء البارز في فقه أهل البيت (علیهم السّلام) أنه يتصل اتصالاً مباشراً بالرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) ، فطريقه إليه أئمة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، وجعلهم الرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) سفن النجاة ، وأمن العباد ، وعدلاء الذكر الحكيم حسبما تواترت الأخبار بذلك .
ومما لا شبهة فيه أنّهم سلام الله عليهم ألصق الناس برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وأدرى بشؤون شريعته وأحكامه ، فروايتهم عنه إن صح طريق سندها إليهم ، فإنّها من أصح الروايات، وأقربها إلى الواقعية ، والعمل بها مبرئ للذمة، وهذا مما دعا فقهاء الإمامية إلى الاقتصار على روايات الأئمة الطاهرين في استنباطهم للأحكام
1) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية : 202.
الشرعيّة، وإفتائهم على ضوئها ، وإلزام مقلّديهم على العمل بها ، وقد عرض الإمام الصادق (علیه السّلام) في كثير من أحاديثه التي ذكرناها - في هذه الموسوعة - إلى أن رواياتهم وأحاديثهم في أحكام الدين وفروعه وآدابه لم تكن منهم ، وإنّما أخذوها عن جدّهم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ، وهل يجد المسلم الذي يبتغي وجه الله تعالى والدار الآخرة عملاً أقرب إلى الواقع وأوصل إلى الحق من العمل بما أثر وصح عن أئمة أهل البيت سلام الله عليهم .
والشيء البارز في فقه أهل البيت (علیهم السّلام) المرونة ومسايرة الحياة ، ومواكبة الوعي والتطوّر ، فليس فيه - والحمد لله - حرج ولا ضيق ، ولا ضرر ولا إضرار، وإنما فيه المرونة ورعاية المصالح الاجتماعية، والتوازن في جميع بنود تشريعاته ، وقد نال إعجاب وتقدير جميع رجال القانون في العالم ، واعترفوا بأنّه من أثرى وأبدع وأحكم ما قنن فى عالم التشريع .
إن فقه أهل البيت (علیهم السّلام) يضيء للفقهاء الطريق لأخذ أوثق الأحكام ، وأكثرها عمقاً وأصالة ورعاية لصالح الناس ، وهو آية للعدل المطلق ، والحق المحض لأنه نابع من روح الإسلام وجوهره ، وقد استعرض خلايا جسم الأمة وشرائحها ، فوضع الحلول الحاسمة لجميع متطلباتها.
وتميز فقه أهل البيت (علیهم السّلام) عن بقية الفقه الإسلامي بفتح باب الاجتهاد ، فليس الاجتهاد مقتصراً على فئة دون فئة ، ولا على قوم دون آخرين، فالفقه علم كبقية العلوم ، يتخصص فيه ويجتهد فيه كل طالب عرف قواعده واجتهد في أصوله ، وعرف قواعد النحو ، ووقف على أنواع الحديث ، وميز بين الحديث الصحيح
والموثق والحسن والضعيف من الأخبار ، إلى غير ذلك من المقدمات التي يتوقف عليها الاجتهاد .
إن فقه أهل البيت (علیهم السّلام) لا يتفاعل مع الحياة على امتدادها ، ولا يقف مكتوفاً أمام الأحداث المستجدّة التي يبتلي بها الناس ، خصوصاً في هذا العصر الذي استجدت فيه كثير من الأحداث التي لم تكن موجودة في العصور السابقة كالتلقيح الصناعي ، وغرس الأعضاء ، وغير ذلك من الأمور التي لا حلّ لها على غير فائدة فقه أهل البيت (علیهم السّلام)، وقد أدرك السادة من كبار علماء الأزهر مدى الحاجة الملحة إلى فتح باب الاجتهاد ، ومتابعة الشيعة في هذه الظاهرة .
يقول أحمد أمين : «وقد أصيب المسلمون بحكمهم على أنفسهم بالعجز ، وقولهم بإقفال باب الاجتهاد لأن معناه لم يبق في الناس من تتوفر فيه شروط المجتهد ، ولا يرجى أن يكون ذلك في المستقبل ، وإنما قال هذا القول بعض المقلدين لضعف ثقتهم بأنفسهم ، وسوء ظنهم بالناس» .
ويقول السيد رشيد رضا : «ولا نعرف في ترك الاجتهاد منفعة ما ، وأما مضارّه فكثيرة ، وكلّها ترجع إلى إهمال العقل ، وقطع طريق العلم ، والحرمان من استقلال الفكر ، وقد أهمل المسلمون كلّ علم بترك الاجتهاد ، فصاروا إلى ما نرى» .
إنّ الإسلام - والحمد لله - قد نص على الفكر الجمود ، ودعاه إلى الانطلاق في ميادين الفكر والعلم ، وليس من الحكمة في شيء إقفال باب الاجتهاد وفرض التقليد على العلماء والفقهاء ، إذ ليس في الاجتهاد استحالة ، ويصل إليه كل من بذل وسعه ، وجد في تحصيله ، وأما إقفال بابه وسد الوصول إليه فإنّه كان - في وقت خاص- في سنته الحكومات القائمة في تلك العصور ، لأنّ فتحه يجر لها الكثير من المصاعب والمشاكل ، حسبما أدلى بذلك بعض المحققين.
أما المدارك التي يرجع إليها الفقهاء ويستنبطون منها الأحكام الشرعية فهي:
1 - الكتاب العزيز .
2 - السنّة ، وتشمل السنّة عند الشيعة :
3 - الإجماع .
4 - دليل العقل .
وانفردت فقهاء الإمامية عن بقيّة المذاهب الإسلاميّة بأن جعلت العقل إحدى المدارك التي يستنبط منها الحكم الشرعي ، وقد أضفت عليه الشيعة أسمى ألوان التقديس ، فاعتبرته رسول الله الباطني ، وأنّه مما يعبد به الرحمن ، ويكتسب به الجنان .
أما الرجوع إلى حكم العقل ، وجعله دليلاً فهو في المسائل التي لا نص عليها ، أما مع وجود النص ، فإنّه حاكم عليه.
ومن الجدير بالذكر أن للعقل مسرحاً كبيراً في علم الأصول الذي يتوقف عليه الاجتهاد ، فإنّ الكثير من مسائل الفقه يستند فيها الفقهاء إلى ما تقتضيه القواعد الأصولية ، والتي منها أفهم الحكم بوجوب مقدّمة الواجب ، وأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه ، كما حكموا بحجّيّة الظنّ المطلق بناء على الحكومة لا على الكشف ، وارجعوا الخبرين المتعارضين إلى حكم العقل ، فإن أيد أحدهما أخذ به - حسبما دلت عليه الأخبار -.
إلى غير ذلك من المسائل التي يرتبط موضوعها بحكم العقل ، وهذا مما يدعو
إلى الاعتزاز بحيوية الفقه الإمامي وأصالته(1).
5 - النهي عن القياس .
أمّا القياس فهو ليس من مدارك الفقه الإمامي ، ولكن لا على الإطلاق ، بل إذا كان غير منصوص العلة ، أمّا منصوص العلّة فإنّه حجّة ، وقد شجب الإمام الصادق (علیه السّلام) العمل بالقياس ، وأثر عنه أو عن أبيه (علیه السّلام) أن السنة إذا قيست محق الدين ، وقد وردت كوكبة من الأخبار عنه في النهي عن القياس ، والتي منها ما يلي :
1 - قال (علیه السّلام): «قالَ أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السّلام): لَا رَأْيَ في الدِّينِ»(2).
إنّ شؤون الدين وأحكامه أمور توقيفية يجب التعبد فيها بالنص ، ولا مجال بأي حال للرأي والاستحسان والقياس .
2 - قال (علیه السّلام): «إِنَّ أَصْحابَ الْمَقاييسِ طَلَبوا الْعِلْمَ بِالْمَقاييسِ فَلَمْ تَزِدْهُمُ الْمَقايِيسُ مِنَ الْحَقَّ إِلَّا بُعْداً ، وَإِنَّ دِينَ اللَّهِ لَا يُصابُ بِالْمَقاييس»(3).
3 - قال (علیه السّلام): «إِنَّ إِبْلِيسَ قاسَ نَفْسَهُ بِآدَمَ ، فَقالَ : خَلَقْتَني مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ، فَلَوْ قاسَ مِنَ الْجَوْهَرِ الَّذِي خَلَقَ اللهُ مِنْهُ آدَمَ بِالنَّارِكانَ ذلِكَ أَكْثَرَ نُوراً وَضِياءً مِنَ النَّار»(4).
4 - قال محمد بن حكيم : «قلت لأبي عبد الله (علیه السّلام): إن قوماً من أصحابنا قد تفقهوا ، وأصابوا علماً ، ورووا أحاديث ، فيرد عليهم الشيء فيقولون فيه برأيهم ، فقال : لَا ، وَهَلْ هَلَكَ مَنْ مَضى إِلَّا بِهذا وَأَشْبَاهِهِ»(5).
5 - روى أبو الربيع الشامي ، قال : «قلت لأبي عبد الله (علیه السّلام): ما أدنى ما يخرج العبد
من الإيمان ؟ فقال : الرّأي يَراهُ مُخالِفاً لِلْحَقِّ فَيُقيمُ عَلَيْهِ»(1).
6 - قال (علیه السّلام) لأبي حنيفة : «وَيْحَكَ ! إِنَّ أَوَّلَ مَنْ قاسَ إِبْلِيسُ لَمّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِالسُّجودِ لآدَمَ قال : خَلَقْتَنِي مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ(2)»(3).
إلى غير ذلك من الأحاديث التي أثرت عن الإمام الصادق (علیه السّلام) وعن أئمة الهدى سلام الله عليهم ، وقد شدّدت في النهي عن العمل بالقياس ، وأنه لا يصيب الواقع ، يصيد ولا يجوز بأي حال أن يستنبط منه الحكم الشرعي ، لأنّه لا يفيد إلّا الظَّنِّ ، وأن الظنّ لا يغني عن الحق شيئاً .
6 - شموليته لأفعال المكلفين
ويمتاز الفقه الإمامي بشموليته العامة لجميع أفعال المكلفين ، فقد تناول بسعة العبادات والمعاملات ، وسائر التوصيات التي لا تحتاج إلى نية القربة ، كطهارة الثوب والأواني .
ومن الجدير بالذكر أنّ جميع أبواب الفقه قد أثر معظمها عن الإمام الصادق (علیه السّلام)، فقد حفلت موسوعات الحدیث کوسائل الشيعة ، وموسوعات الفقه كجواهر الكلام ومهذب الأحكام والحدائق الناضرة وغيرها، بأقوال الإمام الصادق (علیه السّلام) التي هي من مصادر التشريع لأنها من السنة.
أمّا عرض ما أثر عنه من الفقه في هذه الموسوعة ، فإنه يوجب الإطالة وإضافة موسوعة أخرى إلى هذه الموسوعة ، فقد آثرنا عدم الخوض في ذلك وإن كنا قد أشرنا في مقدّمة الكتاب إلى أنا سنذكر ما أثر عنه من الفقه إلا أنا أعرضنا عن ذلك .
وأدلى الإمام (علیه السّلام) بكوكبة من الأحاديث أعرب فيها عن علل الأحكام الشرعيّة ، وعن الحكمة التي أدت لتشريعها ، وفيما يلي بعض ما أثر عنه :
روى مسعدة بن صدقة ، قال : سمعت أبا عبد الله (علیه السّلام)، وقد سئل : ما بال الزاني لا تسميه كافراً ، وتارك الصلاة تسميه كافراً ، وما الحجّة في ذلك ؟
قال (علیه السّلام): لأَنَّ الزَّانِيَ وَما أَشْبَهَهُ إِنَّما يَعْمَلُ ذلِكَ لِمَكانِ الشَّهْوَةِ؛ لأَنَّهَا تَغْلِبُهُ ، وَتارك الصَّلاةِ لَا يَتْرُكُها إِلَّا اسْتِخْفافاً بِها؛ وَذلِكَ لأَنَّكَ لَا تَجِدُ الزَّانِي الَّذِي يَأْتي الْمَرْأَةَ إِلَّا وَهُوَ مُسْتَلِذٌ لإِنْيانِهِ إِيَّاها قاصِداً إِلَيْهَا ، وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ قاصِداً لِتَرْكِهَا فَلَيْسَ يَكونُ قَصْدُهُ لِتَرْكِها اللَّذَّةَ ، فَإِذا انْتَفَتِ اللَّذَّهُ وَقَعَ الاسْتِخْفافُ ، وَإِذا وَقَعَ الاسْتِخْفافُ وَقَعَ الْكُفْرُ».
و انبرى إليه شخص فقال له : ما الفرق بين الكفر إلى من أتى امرأة فزنى بها ، وبين من ترك الصلاة ، حتى لا يكون الزاني وشارب الخمر مستخفاً كما استخف تارك الصلاة ، وما الحجّة في ذلك ؟ وما العلة التي تفرّق بينهما ؟
فقال (علیه السّلام): الْحُجَّةُ أَنَّ كُلَّ ما أَدخَلْتَ أنْتَ نَفْسَكَ فيهِ ، وَلَمْ يَدْعُكَ إِلَيْهِ داعٍ ، وَلَمْ يَغْلِبْكَ عَلَيْهِ غَالِبُ شَهْوَةٍ ، مِثْلُ : الزّنا وَشُرْبُ الْخَمْرِ ، وَأَنْتَ دَعَوتَ نَفْسَكَ إِلى تَرْكِ الصَّلاةِ وَلَيْسَ ثَمَّةَ شَهْوَةٌ فَهُوَ الاسْتِخفافُ بعَينِهِ ، فَهذا فَرْقٌ بَيْنَهُما»(1).
إن تارك الصلاة إذا كان مستخفاً بها، وجاحداً لشرعيتها فهو كافر قد أنكر ضرورة
1) علل الشرائع : 339.
من ضروريات الإسلام ، لأنّ تركه لها لم يكن عن شهوة ولذة كالزنا وشرب الخمر ، وإنّما كان استخفافاً وجحوداً ، فلذا جرى عليه حكم الكفّار .
قال (علیه السّلام) للحلبي : «إِذا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ إِنْ شاءَ اللهُ فَأْتِها سَعْياً ، وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ السَّكِينَةَ وَالْوَقارَ ، فَما أَدْرَكْتَ فَصَلِّ ، وَما سُبِقْتَ بِهِ فَأَتِمَّهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ(1)وَمَعْنى قَوْلِهِ فَاسْعَوْا هُوَ الأنْكِفاءُ»(2).
إن السعي والمسارعة إلى الصلاة إنّما هو مسارعة لرضوان الله ، وطلب لمغفرته ، وقد ندب الإسلام بصورة عامة إلى المسابقة في عمل الخير والصلاة من أهم أعمال الخير وفي طليعتها.
ولم يجز الإسلام الصلاة في ثوب نسج من شعر أو وير ما لا يؤكل لحمه ، وقد علل الإمام (علیه السّلام) و ذلك بقوله : «لأنَّ أَكْثَرَها مُسُوخٌ»(3).
روی عبدالرحمن بن الحجاج ، قال : «سأل رجل أبا عبد الله (علیه السّلام) وأنا عنده عن جلود الخزّ - أي الصلاة فيها -.
قالَ (علیه السّلام): لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ .
فقال له الرجل : جعلت فداك ، إنّها علاجي ، وإنّما هي كلاب تخرج من الماء.
فقال : إِذا خَرَجَتَ تَعيشُ خارجاً مِنَ الْمَاءِ ؟
قال الرجل : لا .
فقال (علیه السّلام): لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ»(1)
روى محمد بن حمزة ، قال : «قلت لأبي عبد الله (علیه السّلام): لأيّ علة يُجهر في صلاة الفجر ، وصلاة المغرب وصلاة العشاء الآخرة ، وسائر الصلوات مثل الظهر والعصر يجهر فيها ؟
ولأي علّة صار التسبيح في الركعتين الأخيرتين أفضل من القراءة ؟
قال (علیه السّلام): «لأَنَّ النَّبِيَّ (صلی الله علیه و آله و سلم) لَمَا أُسْرِيَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ كَانَ أَوَّلُ صَلَاةِ فَرَضَها اللَّهُ عَلَيْهِ صَلاةَ الظُّهْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَأَضَافَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي خَلْفَهُ ، وَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ أَنْ يَجْهَرَ بِالْقُراءَةِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَضْلَهُ ، ثُمَّ فَرَضَ عَلَيْهِ الْعَصْرَ وَلِمَ يُضِفْ إِلَيْهِ أَحَداً مِنَ الْمَلائِكَةِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُخْفِيَ الْقِراءةَ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَرَاءَهُ أَحَدٌ .
ثُمَّ افْتَرَضَ عَلَيْهِ الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَضَافَ إِلَيْهِ الْمَلائِكَةَ فَأَمَرَهُ بِالْإِجهارِ، وَكَذَلِكَ الْعِشَاءُ الآخِرَةُ .
فَلَمّا كانَ قُرْبَ الْفَجْر افْتَرَضَ الله تعالى عَلَيْهِ الْفَجْرَ - أي صلاة الفجر - فَأَمَرَهُ بِالْإِجْهارِ ، وَلِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ فَضْلَهُ كَما بَيَّنَ لِلْمَلائِكَةِ ، فَلِهِذِهِ الْعِلَّةِ يُجْهَرُ فيها .
1) علل الشرائع : 357 .
فقلت : لأي شيء صار التسبيح في الأخيرتين - أي الركعتين الأخيرتين من الصلاة الرباعية - أفضل من القراءة ؟
قال (علیه السّلام) لأَنَّهُ لَمَا كانَ في الأخيرتَينِ ذَكَرَ - أي النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) - ما يَظْهَرُ مِنْ عَظَمَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَدُهِشَ ، وَقالَ : سُبْحانَ اللهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ، فَلِذلِكَ صارَ التَّسْبيحُ أَفْضَلَ مِنَ الْقِراءة(1).
وتحدّث الإمام (علیه السّلام) عن الحكمة في الجمع بين الصلاتين المفروضتين ، كالظهرين والعشاءين ، في كوكبة من أحاديثه ، وهذه بعضها :
قالَ : لَا ، وَلكِنْ أَرَدْتُ أنْ أوسعَ عَلى أُمني»(2)
قال : «صَلَّى رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) بِالنَّاسِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ في جَمَاعَةٍ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ ، وَصَلَى بِهِمْ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ بَعْدَ سُقوطِ الشَّفَقِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ ، في جَمَاعَةٍ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذلِكَ رَسولُ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) لِيَتَّسِعَ الْوَقْتُ عَلَى أُمَّتِهِ»(3).
روى عبدالملك القمي ، قال : «قلت لأبي عبد الله (علیه السّلام) : أجمع بين الصلاتين من غير علة ؟
قال : قَدْ فَعَلَ ذلِكَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وأَرادَ التَّخْفِيفَ عَلَى أُمَّتِهِ»(4).
فمن أجل التخفيف والسعة على المسلمين، وعدم الضيق والحرج عليهم ، جاز الجمع بين الصلاتين، والشيعة إذ تقول بذلك تستند إلى هذه الأخبار وأمثالها التي وردت من الشيعة والسنة التي تدلّ على الجواز.
قال (علیه السّلام) لبعض أصحابه : «وَقْتُ الْمَغْرِبِ - أي صلاة المغرب - إِذا ذَهَبَتِ الْحُمْرَةُ مِنَ الْمَشْرِقِ ، وَتَدْرِي كَيْفَ ذَاكَ ؟
قال (علیه السّلام): لأَنَّ الْمَشْرِقَ مُطِلٌ عَلَى الْمَغْرِب ، هكذا ، ورفع يمينه فوق يساره ، فَإذا غابَتْ هاهُنا ذَهَبَتِ الْحُمْرَةُ مِنْ هاهنا»(1).
من أجل هذه العلة فلا يكتفي بسقوط القرص، أي الشمس ، وإنّما لا بدّ من ذهاب الحمرة المشرقية فيكون ذلك إيذاناً بدخول الليل الذي يترتب عليه جواز الإفطار وصلاة المغرب والعشاء .
روی محمد بن مسلم ، قال : قلت لأبي عبد الله (علیه السّلام) : لأي علة تصلّى المغرب في السفر والحضر ثلاث ركعات ، وسائر الصلاة ركعتين ، وهي الصلاة الرباعية التي تقصر في السفر ؟
قال (علیه السّلام): لأَنَّ رَسولَ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فُرِضَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ مَثْنى مَثْنَى ، وَأَضَافَ إِلَيْهَا رَسولُ لها الله لا رَكْعَتَينِ ، ثُمَّ نَقَصَ مِنَ الْمَغْرِبِ رَكْعَةً، ثُمَّ وَضَعَ رَسولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ ، وَتَرَكَ الْمَغْرِبَ ، وَقالَ : إِنِّي أَسْتَحْيِي أَنْ أَنْقِصَ مِنْهَا مَرَّتَيْنِ ، فَلذلِكَ تُصلَّي ثَلاثَ
1) علل الشرائع : 349 .
ركعاتٍ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ»(1).
روى إسحاق بن عمار ، قال : قلت لأبي عبد الله (علیه السّلام) : أخبرني عن أفضل المواقيت في صلاة الفجر ؟
قال (علیه السّلام): مَعَ طُلوعِ الْفَجْرِ، إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقولُ : إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً(2)، يَعْني صَلاةَ الْفَجْرِ تَشْهَدُها مَلائِكَةُ اللَّيلِ وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ ، فَإِذَا صَلَّى الْعَبْدُ صَلاةَ الصُّبْحِ مَعَ طُلوعِ الْفَجْرِ أُثْبِتَتْ لَهُ مَرَّتينِ : أَثْبَتَها مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ، وَمَلائِكَةُ النَّهارِ»(3).
إن أفضل الأوقات في أداء صلاة الصبح هي حين انبثاق الفجر ، وقد علل الإمام (علیه السّلام) ذلك بأنّ أداءها في هذا الوقت يكون بمرأى من ملائكة الليل وملائكة النهار ، وهما يثبتانها للمصلّي .
قال (علیه السّلام): «إِنَّما جُعِلَ الْجَمَاعَةُ وَالاجْتِمَاعُ إِلَى الصَّلاةِ لكي يُعْرَفَ مَنْ يُصَلِّي مِمَّنْ لَا يُصَلِّي ، وَمَنْ يَحْفَظُ مَواقيت الصَّلاةِ مِمَّنْ يُضَيعُ ، وَلَوْلا ذلِكَ لَمْ يُمكنْ أَحَدٌ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى أَحَدٍ بِصَلاحِ لأَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلُّ فِي جَمَاعَةٍ فَلَا صَلاةَ لَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لأَنَّ رَسولَ الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قالَ : لَا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْمُسْلِمينَ إِلَّا مِنْ عِلَّةٍ»(4).
إنّ صلاة الجماعة من أوثق الأسباب لترابط المسلمين وتألفهم واجتماعهم على صعيد المحبّة والألفة ، وقد أولى الإسلام المزيد من اهتمامه بها ، فندب إليها ، وحثّ عليها لتكسب المسلمين قوّة ومنعة ، وفي نفس الوقت يتميّز بها الصالح من الطالح ، والمطيع من المعاصي .
روی عبدالله بن سنان ، قال : «قلت لأبي عبد الله (علیه السّلام) : لأيّ علة أوجب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) صلاة الزوال ثمان قبل الظهر ، وثمان قبل العصر ؟
ولأيّ علّة رغب في وضوء المغرب كلّ الرغبة ؟
ولأيّ علّة أوجب أربع ركعات من بعد المغرب ؟
ولأيّ علة كان يصلي صلاة الليل في آخر الليل ولا يصلّي في أوّل الليل ؟
فأجابه (علیه السّلام) عن الحكمة في ذلك قائلاً : لِتَأْكيدِ الْفَرائِضِ ؛ لأَنَّ النَّاسَ لَوْ لَمْ تَكُنْ صَلاتُهُمْ إِلَّا أَرْبَعَ رَكعاتِ الظُّهْرِ لَكانوا مُسْتَخفِّينَ بها ، حَتَّى كَادَ يَفوتُهُمُ الْوَقْتُ ، فَلَمَّا كَانَ شَيْئاً غَيْرَ الْفَرِيضَةِ أَسْرَعوا إلى ذلِكَ لِكَثْرَتِهِ ، وَكَذلِكَ الَّتِي مِنْ قَبْلِ الْعَصْرِ ليُسرعوا إلى ذلِكَ لِكَثْرَتِهِ ، وَذلِكَ لأَنَّهُمْ يَقولونَ : إِنَّ سَوَّفْنا وَنُرِيدُ أَنْ نُصَلِّيَ الزَّوالَ يَفوتُنا الْوَقْتُ ، وَكَذلِكَ الوضوءُ فِي الْمَغْرِبِ يَقولونَ : حَتَّى نَتَوَضَّأَ يَفُوتُنَا الْوَقْتُ فَيُسِرِعوا إِلَى الْقِيامِ ، وَكَذلِكَ الْأَرْبَعُ رَكَعَاتِ الَّتِي مِنْ بَعْدِ الْمَغْرِب ، وَكَذلِكَ صَلاةُ اللَّيْلِ فِي آخرِ اللَّيْلِ ليُسرعوا القيامَ عَلى صَلاةِ الْفَجْرِ فَلِتَلْكَ الْعِلَّةٍ وَجَبَ هذا هكذا»(1).
لقد أدلى الإمام (علیه السّلام) بالحكم التي أدت إلى جعل النوافل بهذه الكيفيّة .
1) علل الشرائع : 328.
أما نافلة العشاء فهي ركعتان من جلوس ، وهي تعادل ركعة واحدة من قيام ، وقد علل ذلك في الأخبار أنّ الله تعالى فرض سبع عشرة ركعة على العباد ، فأضاف إليها رسول الله مثليها فصارت إحدى وخمسين ركعة ، وذلك لا يتم إلا بجعل الركعتين من جلوس ركعة واحدة، قال الإمام الصادق (علیه السّلام) للمفضّل حينما سأله عن نافلة العشاء فقال (علیه السّلام): «أَما إِنَّها واحِدَةً وَلَوْ مِتُّ مِتُّ عَلَى وِتْرِ»(1).
وأدلى الإمام (علیه السّلام) بكوكبة من الأحاديث في الحثّ على صلاة الليل ، وذكر الفوائد التي تترتب عليها ، وهذه بعضها :
قال : «صَلاةُ اللَّيلِ تُبَيِّضُ الْوَجْهَ ، وَصَلاةُ اللَّيلِ تُطَيِّبُ الرِّيحَ ، وَصَلاةُ اللَّيلِ، تَجْلِبُ الرِّزْقَ»(3).
أوصى (علیه السّلام) سليمان الديلمي ، فقال له : «يا سُلَيمانُ ، لَا تَدَعْ قيام الليل ، فَإِنَّ الْمَغْبُونَ مَنْ حُرِمَ قِيامُ اللَّيلِ»(4).
صَلاةُ الْمُؤْمِنِ بِاللَّيلِ تُذْهِبُ بِما عَمِلَ مِنْ ذَنْبِ النَّهارِ»(1).
لقد أدلى الإمام (علیه السّلام) بالحكم والعلل التي من أجلها شرعت صلاة الليل ، والتي تعود منافعها وثمراتها على من توفّق لأداء هذه الصلاة .
روی هشام بن الحكم ، قال : «قلت لأبي عبد الله (علیه السّلام) : أخبرني عما يجوز السجود عليه ، وعمّا لا يجوز ؟
فقال(علیه السّلام) : السجودُ لَا يَجوزُ إِلَّا عَلَى الْأَرْضِ أَوْ مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ إِلَّا ما أُكِلَ أَوْ لُبِسَ .
و انبری هشام قائلاً: ما العلة في ذلك ؟
قال (علیه السّلام): «لأنَّ السُّجودَ هُوَ الْخُضوعُ لِلهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَىٰ مَا يُوْكَلُ وَيُلْبَسُ ، لأَنَّ أَبْناءَ الدُّنيا عَبيدُ ما يَأْكُلُونَ وَيَلْبِسونَ ، وَالسَّاجِدُ فِي سُجُودِهِ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَضَعَ جَبْهَتَهُ فِي سُجُودِهِ عَلَى مَعْبودِ أَبْناءِ الدُّنيا ، الَّذينَ اغْتَرُّوا بِغُرورِها ، وَالسُّجودُ عَلَى الْأَرْضِ أَفْضَلُ لأَنَّهُ أَبْلَغَ في التَّواضُعِ وَالْخُضوعِ لِلهِ عَزَّ وَجَلَّ»(4).
ما أروع هذه العلة وما أبدعها ، لقد أمرنا بالسجود في الصلاة الله تعالى ، وهو دليل على عبودية الإنسان لخالقه العظيم ، فاللازم أن يكون على الأرض ، الذي هو أبلغ
في التواضع والخضوع الله ، ولا يجوز أن يكون على المأكول والملبوس اللذين عبدهما الناس في دار الدنيا من دون الله تعالى .
ويجب على المصلّي أن يضع يديه على الأرض في حال سجوده للصلاة ، وقد علل الإمام (علیه السّلام) ذلك بقوله : «لَعَلَّ اللهَ يَصْرِفُ عَنْهُ الْغِلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(1).
ويستحبّ للمصلّي بعد أداء فريضة الصلاة أن يرفع يديه ، ويكبر ثلاثاً ، وقد سئل الإمام الصادق (علیه السّلام) عن العلة في ذلك ؟
فأجاب : إِنَّ النَّبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ صَلَى بِأَصْحَابِهِ الظَّهْرَ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ، فَلَمّا سَلَّمَ رَفَعَ يَدَيهِ وَكَبَّرَ ثَلاثاً ، وَقالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ وَحْدَهُ ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ ، وَأَعَزُّ جُنْدَهُ ، وَغَلَبَ الأحزاب وَحْدَهُ ، فَلَهُ الْمُلْكُ ، وَلَهُ الْحَمْدُ ، يَحْيِي وَيُمِيتُ ، وَيُمِيتُ وَيُحْيِي ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ .
ثُمَّ أَقْبَلَ (صلی الله علیه و آله و سلم) عَلَى أَصْحَابِهِ ، فَقالَ : لَا تَدَعوا هذَا التَّكْبِيرَ ، وَهذَا الْقَوْلَ فِي دُبُرِ كُلَّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ ، فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ ذلِكَ بَعْدَ التسليم وَقالَ هَذَا الْقَوْلَ كَانَ قَدْ أَدَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ شُكْرِ اللهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى تَقْوِيَةِ الْإِسْلامِ وَحْدَهُ»(2).
وأعرب (علیه السّلام) عن الحكمة في تشريع الغسل يوم الجمعة بقوله : «كانت الأنصار
تعمل في نواضحها وأموالها ، فإذا كان يوم الجمعة جاؤوا فتأذى المصلون بروائح آباطهم وأجسادهم ، فأمرهم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بالغسل يوم الجمعة فجرت بذلك السنّة»(1).
إنّ النظافة عنصر من عناصر الإيمان ، فإنّها تقي الإنسان الكثير من الأمراض التي تتولد من القذارة ، وقد شرّع الإسلام غسل الجمعة كما شرّع الوضوء والغسل من الجنابة ، والغسل من الحيض والاستحاضة والنفاس للمرأة ، كل ذلك لوقاية الإنسان من الأوساخ التي تسبب الأمراض والآفات.
روی هشام بن الحكم ، قال : «سألت أبا عبد الله (علیه السّلام) عن علّة الصيام ؟
فقال (علیه السّلام): الْعِلَّةُ في الصِّيامِ لِيَسْتَوِيَ بِهِ الْفَقِيرُ وَالْغَنِيُّ ، وَذلِكَ لأَنَّ الْغَنِيَّ لَمْ يَكُنْ لها لِيَجِدَ مَسَّ الْجُوعِ فَيَرْحَمَ الْفَقِيرَ؛ لأنَّ الْغَنِي كُلَّما أَرادَ شَيْئاً قَدَرَ عَلَيْهِ ، فَأَرادَ اللَّهُ أَنْ يُسَوّي بَيْنَ خَلْقِهِ ، وَأَنْ يُذِيقَ الْغَنيَّ مَسَّ الْجُوعِ وَالْأَلمِ لِبَرِنَّ عَلَى الضَّعِيفِ ، وَيَرْحَمَ الْجائِعَ»(2).
لقد شرع الله ،الصوم ، وأوجبه على المسلمين في شهر رمضان المبارك لأنه يعود عليهم بأعظم المنافع والمكاسب ، والتي منها أنه ينمّي الإرادة ، ويعوّد الإنسان على الصبر ، ويدفع عنه غائلة كثير من الأمراض ، ومن منافعه أنّ الغني في حال صومه يشعر بالجوع وآلامه ، فيدفعه ذلك إلى البر والإحسان إلى الفقراء والضعفاء .
سأل أبو بصير الإمام الصادق عن العلة في قضاء الحائض للصوم دون الصلاة ؟
فأجابه الإمام (علیه السّلام): ولأنَّ الصَّومَ إِنَّما هُوَ فِي السَّنَةِ شَهْرٌ ، وَالصَّلاةَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، فَأَوْجَبَ اللهُ عَلَيْها قَضاءَ الصَّوم ، وَلَمْ يُوجبْ عَلَيْها فَضاءَ الصَّلاةِ لِذلك»(1).
إن الحكمة التي دعت الحائض إلى قضاء الصوم في شهر رمضان دون الصلاة هي أنّ الصوم في السنة إنّما هو شهر واحد ، وأيام حيضها في الشهر أكثره عشرة أيام ، وأقله ثلاثة أيام ، وهذه المدّة يسيرة جداً ، ولا كلفة فيها على المرأة المسلمة بقضاء صومها بخلاف قضاء الصلاة ، فإنّها مما يوجب العسر والحرج عليها ، فلذا رفعه الإسلام عنها .
الزكاة فريضة إسلاميّة شرّعت لمكافحة الفقر ، والقضاء على البؤس في دنيا الإسلام ، وقد تحدث الإمام (علیه السّلام) عن الحكمة في تشريعها بقوله :
«إِنَّ الله تعالى فَرَضَ الزَّكاةَ كَما فَرَضَ الصَّلاةَ ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلاً حَمَلَ الزَّكاةَ فَأَعْطاها عَلانِيَةً لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذلِكَ عَتَبٌ ، وَذلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ لِلْفُقَراءِ فِي أَمْوالِ الْأَغْنياءِ بِمَا يَكْتفونَ بِهِ ، وَلَوْ عَلِمَ اللهُ أَنَّ الَّذِي فَرَضَ لَهُمْ لَمْ يَكْفِهِمْ لَزَادَهُمْ ، فَإِنَّما يُؤْتَى الْفَقَراءُ فيما أوتوا مِنْ مَنْع مَنْ مَنَعَهُمْ حُقوقَهُمْ لَا مِنَ الْفَرِيضَةِ»(2).
قال (علیه السّلام): «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَشْرَكَ بَيْنَ الْأَغْنِياءِ وَالْفُقَرَاءِ فِي الْأَمْوالِ ، فَلَيْسَ لَهُمْ أنْ يَصْرِفُوها إِلى غَيْرِ شُرَكَائِهِمْ»(3).
إن الله تعالى قد شرّع هذه الضريبة المالية لمكافحة الفقر الذي هو آفة مدمّرة ، وليس من الإسلام في شيء دفع الزكاة إلى غير البؤساء والمحوجين.
ومنع الإسلام من إعطاء الزكاة لمن تجب نفقتهم على المعطي ؛ لأنّهم أغنياء ، وقد أدلى بذلك الإمام (علیه السّلام) بقوله : «خَمْسَةٌ لَا يُعْطُونَ مِنَ الزَّكَاةِ : الْوَلَدُ ، وَالْوالِدانِ ، وَالْمَرأَةُ ، وَالْمَعْلُولُ لأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ».
وفصل الإمام (علیه السّلام) في إعطاء الزكاة ، فزكاة الأنعام تدفع للمتجمّلين من الفقراء ، وغير الأنعام تدفع لغير المتجمّلين من الفقراء .
روی عبدالله بن سنان ، قال : «قال أبو عبد الله (علیه السّلام): إِنَّ صَدَقَةَ الظُّلْفِ وَالْخُفِّ تُدْفَعُ إِلَى الْمُتَجَلِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَمَا صَدَقَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَا كِيلَ بِالْقَفِيرِ فَمَا أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ ، فَإِلَى الْفُقَرَاءِ الْمُدْقِعِينَ.
وانبری ابن سنان قائلاً : كيف صار هذا هكذا ؟
فأجابه الإمام (علیه السّلام) بالحكمة في ذلك : لأنَّ هؤلاءِ مُتَجَمِّلُونَ يَسْتَحَونَ مِنَ النَّاسِ فَيُدْفَعُ إِلَيْهِمْ أَجْمَلُ الأمرين عِنْدَ النَّاسِ ، وَكُلُّ صَدَقَةٍ»(1).
وهذا التفصيل الذي تفضل به الإمام (علیه السّلام) ليس حكماً إلزامياً وإنما هو إرشادي ، ال فلو عكس المكلف ذلك فأعطى المتجمّلين ممّا يجب عليه من الغلات ، وأعطى الفقير مما يجب عليه من الأنعام ، لكان ذلك مجزياً ومبرئاً للذمة .
1) علل الشرائع : 2 : 371.
روی هشام بن الحكم ، قال : «سألت أبا عبد الله (علیه السّلام) عن العلة التي من أجلها كلّف الله العباد الحج والطواف بالبيت ؟
فقال (علیه السّلام): إِنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الْخَلْقَ لَا لِعِلَّةٍ ، إِلَّا أَنَّهُ شَاءَ فَفَعَلَ ، فَخَلَقَهُمْ إِلَى وَقْتٍ مُؤَجَّلٍ ، وَأَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ ما يَكونُ مِنْ أَمْرِ الطَّاعَةِ فِي الدِّينِ وَمَصْلَحَتِهِمْ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُمْ ، فَجَعَلَ فِيهِ - أي في الحج - الاجْتِمَاعَ مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لِيَتعارَفوا ، وَلْيَتَرَبَّحَ كُلُّ قَوْمٍ مِنَ النّجاراتِ مِنْ بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ، وَليَنْتَفِعَ بذلِكَ الْمُکارى وَالْجَمَالِ ، وَلِتُعْرَفَ آثارُ رَسولِ الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وَتُعْرَفَ أَخْبَارُهُ ، وَيُذْكَرَ وَلَا يُنْسى وَلَوْ كَانَ كُلُّ قَوْمٍ إِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ عَلَىٰ بِلادِهِمْ ، وَما فيها هَلَكوا ، وَخَرُبَتِ الْبِلادُ وَالْأَرْباحُ ، وَعُمِّيَتِ الْأَخْبَارُ ، وَلَمْ يَقِفُوا عَلَىٰ ذَلِكَ فَذَلِكَ عِلَّةُ الْحَجِّ»(1).
وألمح الإمام (علیه السّلام) إلى بعض المصالح التي تترتب على وجوب الحج ، والتي تعود بالخير العميم على المسلمين، وكان منها أنهم يتعارفون فيما بينهم ، ويطلع أهالي كلّ إقليم وبلد على المشاكل والمصاعب السياسية والاجتماعية التي يمنى بها البلد الإسلامي الآخر، يتعاونون على حلّها بالإضافة إلى ما يوجده التعارف من شيوع المودة والمحبة بين المسلمين .
ومن منافع الحج وثمراته إنعاش الحياة الاقتصادية ، ونقل التجار بضائعهم إلى مكة المكرّمة لبيعها على الحجّاج ، وفي ذلك ازدهار للاقتصاد كما فيه تشغيل للعمّال ، كالمكاري والسائق وغيرهما .
كما أنّ من فوائد الحج التعرّف على أخبار الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله و سلم) مفجر النور
1) علل الشرائع : 405 .
والحكمة في الأرض ، وفي أخباره وسننه إحياء للإسلام ، وإحياء لشريعته السمحاء .
قال (علیه السّلام): «لَوْ عَطَّلَ النَّاسُ الْحَجَّ لَوَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُجْبَرَهُمْ عَلَى الْحَجِّ إِنْ شَاوُوا وَإِنْ أبوا؛ لأَنَّ هَذَا الْبَيْتَ إِنَّمَا وُضِعَ للحَجِّ»(1).
إنّ الحج رمز للتوحيد وعنوان للإيمان بالله تعالى ، فيجب إقامته ، فاحذا تركه الناس عمداً لوجب على إمام المسلمين أن يجبرهم على المضي إليه إن شاؤوا وإن أبوا .
روى عبيد الله بن علي الحلبي ، قال : «سألت أبا عبد الله (علیه السّلام) : لِمَ جُعلت التلبية ؟ فقال : إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلى إِبْرَاهِيمَ : وَأَذَن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ اللا رِجَالاً(2)فنادى ، فَأجِيبَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ»(3).
قال (علیه السّلام): «صارَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لأَنَّ إِبْرَاهِيمَ (علیه السّلام) عَرَضَ لَهُ إِبْلِيسَ ، فَأَمَرَهُ جَبْرَئِيلُ (علیه السّلام) فَشَدَّ عَلَيْهِ فَهَرَبَ مِنْهُ ، فَجَرَتْ السُّنَّةُ»(4)، يعني الهرولة .
وتحدّث الإمام الصادق (علیه السّلام) عن الحكمة في السعي بين الصفا والمروة . قال (علیه السّلام) : «إِنَّ إِبْراهيمَ لَمَا خَلَّفَ إِسْمَاعِيلَ بِمَكَّةَ عَطِشَ الصَّبِيُّ ، وَكَانَ فِيمَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ شَجَرٌ فَخَرَجَتْ أُمُّهُ حَتَّى قامَتْ عَلَى الصَّفا ، فَقَالَتْ : هَلْ بِالوادي مِنْ أَنيس ؟ فَلَمْ يُجِبْها أَحَدٌ ، فَمَضَتْ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى الْمَرْوَةِ فَقالَتْ : هَلْ بِالْوادِي مِنْ أَنيس ؟ فَلَمْ يُجِبْهَا أَحَدٌ ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى الصَّفا فَقالَتْ كَذلِكَ ، حَتَّى صَنَعَتْ ذلِكَ سَبْعاً ، فَأَجْرَى الله ذلِكَ سُنَّةٌ ، فَأَتاها جَبْريلُ (علیه السّلام) فَقَالَ لَهَا : مَنْ أَنْتِ ؟
فَقالَتْ : أَنا أُمُّ وَلَدِ إِبْراهيمَ .
فَقالَ : إِلَى مَنْ وَكَلَكُمْ ؟
فَقالَتْ : أَما إذا قُلتَ ذلِكَ فَقَدْ قُلْتُ لَهُ حَيْثُ أَرادَ الذَّهَابَ يَا إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَنْ تَكِلْنا ؟
فَقالَ : إِلَى اللهِ تَعالى .
فَقالَ جَبْرَئِيلُ : لَقَدْ وَكَلَكُمْ إلى كافٍ ، وَكانَ النَّاسُ يَتَجَنَّبونَ الْمَمَرَّ بِمَكَّةَ لِمَكانِ الْمَاءِ أي لعدم وجوده - فَفَحَصَ الصَّبِيُّ برجْلِهِ فَتَبَعَتْ زَمْزَمُ ، وَرَجَعَتْ مِنَ الْمَرْوَةِ إِلَى الصَّبِيِّ ، وَقَدْ نَبَعَ الْمَاءُ ، فَأَقْبَلَتْ تَجْمَعُ التُّرابَ حَوْلَهُ ، مَخافَةَ أَنْ يَسيحَ الْمَاءُ ، وَلَوْ تَرَكَتْهُ لكانَ سَيْحاً ، فَلَمّا رَأتِ الطَّيْرُ الْمَاءَ حَلَقَتْ عَلَيْهِ ، فَمَرَّ رَكْبٌ مِنَ الْيَمَنِ ، فَلَمّا رَأوا الطَّيرَ حَلَقَتْ عَلَيْهِ قالوا : ما حَلَّقَتْ إِلَّا عَلى ماءٍ ، فَأَتَوْهُمْ لِيَسْتَقونَهُمْ فَسَقُوهُمْ مِنَ الماءِ ، وَأَطْعَمُوا الرَّكْبَ مِنَ الطَّعَامِ ، وَأَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ بِذلِكَ رِزْقاً ، فَكَانَتِ الرَّكْبُ تَمُرُّ بِمَكَّةَ فَيُطْعِمُونَهُمْ مِنَ الطَّعامِ ، وَيَسْقونَهُمْ مِنَ الْماءِ»(1).
1) علل الشرائع : 432 .
لقد أدلى الإمام (علیه السّلام) بالعلة التي ألزمت الحجاج بالسعي بين الصفا والمروة.
من التروك الواجبة على المحرم عدم النظر في المرآة ، وقد علل الإمام (علیه السّلام) ذلك بقوله : «لَا تَنْظُرْ فِي الْمِرآةِ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ لأَنَّهُ مِنَ الزِّينَةِ»(1).
وكره الإمام (علیه السّلام) للمرأة المحرمة الكحل ، فقد سأله الحلبي عن ذلك ، فقال (علیه السّلام): «ولَا تَكْتَحِلْ».
وانبرى الحلبي قائلاً: إنّه سواد ليس فيه طيب ، فكرهه الإمام من أجل أنه زينة(2).
قال (علیه السّلام): «الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْخَلْقِ بِمَنْزِلَةِ الْحَجِّ مَنِ اسْتَطَاعَ؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقولُ : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ(3)، وَإِنَّما نَزَلَتْ - يعني الآية - بِالْعُمْرَةِ بِالْمَدينةِ ، وَأَفْضَلُ الْعُمْرَةِ عُمْرَةُ رَجَبٍ»(4).
العمرة : عبادة مستقلة ومتميّزة عن الحج ، وهي تجب على من استطاع إليها ، ونعني بها العمرة المفردة ، أما عمرة التمتع فإنّها مرتبطة بالحج .
وأدلى الإمام (علیه السّلام) بالعلل التي أدت إلى أسماء بعض مناطق الحج ، وهي وإن كانت خارجة موضوعاً عن علل الأحكام إلا أن ذكرها لا يخلو من فائدة ، وهي :
قال (علیه السّلام): «إِنَّما سُمِّيَتْ مَكَةُ بَكَّةَ؛ لأنَّ النَّاسَ يَتباكون فيها»(1).
وروی عبدالله بن سنان ، قال : «سألت أبا عبد الله (علیه السّلام) : لم سُمّيت الكعبة بكة ، فقال : لِبُكاءِ النّاسِ حَوْلَها»(2).
سأل أبو حنان الإمام (علیه السّلام) : لِمَ سُمّي بيت الله الحرام ، فقال : لأَنَّهُ حُرِّمَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَدْخُلُوهُ»(3).
قال (علیه السّلام): «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَغْرَقَ الْأَرْضَ كُلَّها (يَوْمَ نُوحٍ) إِلَّا الْبَيْتَ فَيَوْمَئِذٍ سُمي الْعَتيق ، لأَنَّهُ أُعْتِقَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْغَرَقِ .
فقيل له : اصَعِدَ إلى السماء ؟
فقال : لَا ، لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ الْمَاءُ ، وَرُفِعَ عَنْهُ»(4).
قال (علیه السّلام): «إِنَّما سُمِّي الخطيمَ لأَنَّ النَّاسَ يَحْطِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً(1).
روى معاوية بن عمار عن الإمام أبي عبد الله (علیه السّلام) أنه قال : «إِنَّ جَبْرَئِيلَ أَتى إِبْراهيمَ فَقالَ : تَمَنّ يا إِبْراهِيمُ ، فَكانَتْ تُسَمّى مِنَى فَسَمّاها النَّاسُ مِنَى»(2).
روى عبيد الله بن علي الحلبي ، قال : سألت أبا عبد الله (علیه السّلام): لِمَ سُمّي يوم التروية ؟
فقال (علیه السّلام): لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِعَرَفَاتٍ ماءً وَكانوا يَسْتَقُونَ مِنْ مَكَّةَ مِنَ الْمَاءِ لِرَبِّهِمْ ، وَكانَ يَقولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : تَرَوَّيْتُمْ ، تَرَوَّيْتُمْ ، فَسُمِّيَ يَوْمَ التّروِيَةِ لِذلِكَ»(3).
روى معاوية بن عمار ، قال : «سألت أبا عبد الله (علیه السّلام): لم سُمّى الخيف خيفاً ؟
قال : إِنَّما سُمِّيَ الْخَيفُ خَيْفاً لأنَّهُ مُرْتَفِعٌ عَنِ الوادي ، وَكُلُّ ما ارْتَفَعَ عَنِ الوادي سُمِّي خَيفاً»(4).
قال (علیه السّلام): «سُمِّيَتِ الْمُزْدَلِفَةُ جَمْعاً؛ لأنَّ آدَمَ جَمَعَ فيها بَيْنَ الصَّلاتَينِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ»(1).
روى معاوية بن عمار ، قال : «سألت أبا عبد الله (علیه السّلام) عن عرفات لم سُمّيت عرفات ؟
فقال : إِنَّ جَبْرَئِيلَ (علیه السّلام) خَرَجَ بِإِبْرَاهِيمَ صَلواتُ اللهِ عَلَيْهِ يَوْمَ عَرَفَةٍ ، فَلَمّا زالَتِ الشَّمْسُ لا قالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ : يا إِبْراهِيمُ اعْتَرِفْ بِذَنْبِكَ ، وَاعْرِفْ مَناسِكَكَ ، فَسُمِّيتْ عَرَفَاتُ لِقَوْلِ جَبْرَئِيلَ : اعْتَرِفْ فَاعْتَرَفَ»(2).
وندب الإسلام إلى الوضوء قبل تناول الطعام وبعده ، وأعرب الإمام (علیه السّلام) عن الحكمة في هذا التشريع بقوله : «الوضوءُ قَبْلَ الطَّعامِ وَبَعْدَهُ يُذْهِبانِ الْفَقْرَ»(3).
من أجل هذه الحكمة فقد حثّ الشرع على الوضوء في هاتين الحالتين.
ونهى الشرع المقدّس عن البول في الماء ، وقد أدلى الإمام (علیه السّلام) بالحكمة في هذا
التشريع بقوله : «لَا تَشْرَبْ وَأَنْتَ قَائِمٌ ، وَلَا تُطِفْ بِقَبْرٍ، وَلَا تَبْلْ فِي مَاءٍ نَقِيعٍ ، فَإِنَّهُ مَنْ فَعَلَ ذلِكَ فَأَصابَهُ شَيْءٌ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ، وَمَنْ فَعَلَ شَيْئاً مِنْ ذلِكَ لَمْ يَكُنْ يُفارِقُهُ إلا ما شاءَ اللهُ».
إنّ البول في الماء ينقل إليه الجراثيم كالبهارزيا وغيرها ، وهو ممّا يضر بالصحة العامة ، فلذا نهى الإسلام عنه .
سأل شخص الإمام الصادق (علیه السّلام) عن العلة في تحريم الخمر والميتة ولحم الخنزير ؟ فأجابه (علیه السّلام) عن العلة في هذا التحريم ، بقوله :
«إِنَّ اللهَ تَبارَكَ وَتَعالى لَمْ يُحَرِّمُ ذلِكَ عَلى عِبادِهِ ، وَأَحَلَّ لَهُمْ ما سِواهُ مِنْ رَغْبَةٍ فيما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ، وَلَا رَهْبَةٍ فيما أَحَلَّ لَهُمْ ، وَلكِنَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ وَعَلِمَ مَا تَقومُ بِهِ أَبْدَانُهُمْ ، وَما يُصْلِحُهُمْ فَأَحَلَّهُ لَهُمْ ، وَأَباحَهُ لَهُمْ تَفَضُّلاً مِنْهُ عَلَيْهِمْ لِمَصْلَحَتِهِمْ ، وَعَلِمَ مَا يَضُرُّهُمْ فَنَهَاهُمْ عَنْهُ ، وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ أَباحَهُ لِلْمُضْطَرٌ ، وَأَحَلَّهُ لَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذي لَا يَقومُ بَدَنُهُ إِلَّا بِهِ ، فَأَمَرَ أَنْ يَنالَ مِنْهُ بِقَدَرِ الْبُلْغَةِ لَا غَيْرُ .
أَمَا الْمِيتَةُ : فَإِنَّهُ لَا يَدْنو مِنْها أَحَدٌ ، وَلَا يَأْكُلُ ، إِلَّا ضَعُفَ بَدَنُهُ ، وَنَحْلَ جِسْمُهُ ، وَذَهَبَتْ قُوَّتُهُ ، وَانْقَطَعَ نَسْلُهُ ، وَلَا يَموتُ إِلَّا فَجْأَةً .
وَأَمّا الدَّمُ : فَإِنَّهُ يُورثُ الْمَاءَ الْأَصْفَرَ ، وَيُبْخِرُ الْفَمَ ، وَيُنْتِنُ الرِّيحَ ، وَيُسِيءُ الْخُلُقَ ، وَيُورِثُ الْكَلَبَ ، وَالْقَسْوَةَ لِلْقَلْبِ ، وَقِلَّةِ الرَأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ ، حَتَّى لَا يُؤْمَنَ أَنْ يَقْتُلَ وَلَدَهُ وَوالِدَيهِ ، وَلَا يُؤْمَنَ عَلى حَمِيمِهِ ، وَعَلى مَنْ صَحِبَهُ .
وَأَمَّا لَحْمُ الْخِنْزيرِ ، فَإِنَّ اللَّهَ مَسَخَ قَوْماً فِي صُورةِ شَيْءٍ شِبْهِ الْخِنْزِيرِ لِكَي لَا يُنْتَفَعَ بها ، وَلَا يُسْتَخَفَّ بِعُقوبَتِهِ .
وَأَمَّا الْخَمْرُ فَإِنَّهُ حَرَّمَهَا لِفِعْلِها وَفَسادِها وَقَالَ : إِنَّ مُدْ مِنَ الْخَمْرِ كَعَابِدِ الْوَثَنِ ، وَيُورِثُهُ الارْتِعاشَ ، وَيُذْهِبُ بِقُوَّتِهِ ، وَيَهْدِمُ مُروءَتَهُ ، وَيَحْمِلُهُ عَلَىٰ أَنْ يَجْسُرَ عَلَى الْمَحَارِمِ مِنْ سَفْكِ الدّماءِ وَرُكوبِ الزَّنَا ، وَلَا يُؤْمَنُ إِذا سَكَرَ أَنْ يَيْبَ عَلى حُرَمِهِ»(1).
وأدلى الإمام (علیه السّلام) بالأضرار الفظيعة التي تترتب على تناول هذه المحرمات ، وأنّها تضر بالصحة ، كما توجب مسخ الإنسان، وانهيار جميع مقوماته الإنسانية .. وقد عرضنا بصورة مفصلة وشاملة إلى أضرارها البالغة في كتابنا (النظام السياسي في الإسلام).
قال (علیه السّلام): «كانَ الْبَراءُ بْنُ مَعْرُورِ الْأَنْصارِيُّ بِالْمَدِينِةِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) بِمَكَّةَ ، وَالْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ إِلى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَأَوْصَى الْبَرَاءُ إِذا دُفِنَ أَنْ يُجْعَلَ وَجْهَهُ إِلَى رَسولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) فَجَرَتْ فيهِ السُّنَّةُ ، وَنَزَلَ بِهِ الْكِتابُ»(2).
روى أبو بصير ، قال : «قلت لأبي عبد الله (علیه السّلام) : لأي علة يُكبر على الميت خمس تكبيرات ، ويكبر مخالفونا بأربع تكبيرات ؟
قال (علیه السّلام): «لأَنَّ الدَّعَائِمَ الَّتي بُنِيَ عَلَيْهَا الْإِسْلامُ خَمْسٌ : الصَّلاةُ ، وَالزَّكاةُ ، وَالصَّوْمُ ، : وَالْحَجَّ ، وَالْوِلايَةُ لَنا أَهْلَ الْبَيْتِ ، فَجَعَلَ اللهُ لِلْمَيِّتِ مِنْ كُلِّ دَعامَةٍ تَكْبيرةً ، وَإِنَّكُمْ أَقْرَرْتُمْ بِالْخَمْسِ كُلِّهَا ، وَأَقَرَّ مُخالِفُوكُمْ بِأَرْبعٍ ، وَأَنْكَروا واحِدَةٌ ، فَمِنْ ذلِكَ يُكَبِّرُونَ عَلَىٰ مَوْتَاهُمْ
أربع تكبيرات ، وَتُكَبِّرُونَ خَمْساً»(1).
إنّ كل تكبيرة على الميت ترمز إلى إحدى الدعائم التي بني عليها الإسلام ، والتي يدين بها المسلم ، ومن هذه الدعائم الولاية لأئمة أهل البيت (علیهم السّلام)، والتكبيرة الخامسة رمز لها ، وحيث إنّ الجمهور جحدوا الولاية فصارت الدعائم عندهم أربعاً .
روى أبو بصير ، قال : «سألت أبا عبد الله (علیه السّلام) عن العلة في تعظيم المساجد ؟ فقال : «إِنَّما أُمِرَ بِتَعْظِيمِ الْمَسَاجِدِ لِأَنَّهَا بُيوتُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ»(2).
إن المساجد من مراكز العبادة والطاعة لله تعالى، فالواجب تعظيمها وتقديسها .
قال (علیه السّلام): «قَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْكَبَائِرِ لأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقولُ : لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(3)»(4).
إن قذف المحصنة من كبائر الذنوب والموبقات؛ لأنّه يسقط كرامة المرأة ، ويعرّضها لخطر ، ويلقيها في شرّ عظيم .
روى هشام بن الحكم ، قال : «سألت أبا عبد الله (علیه السّلام) عن علة تحريم الربا ؟
قال : إِنَّهُ لَوْ كانَ الرِّبا حَلالاً لَتَرَكَ النَّاسُ التّجاراتِ وَما يَحْتاجونَ إِلَيْهِ ، فَحَرَّمَ اللهُ الربا لِتَنْفُرَ النَّاسُ عَنِ الْحَرامِ إِلَى التَّجَارَاتِ وَإِلَى الْبَيْعِ وَالشَّراءِ ، فَيَفْضُلُ ذلِكَ بَيْنَهُمْ فِي الْقَرْضِ»(1).
إنّ الربا من أعظم الموبقات والجرائم ، لأنه يعرض الاقتصاد العام إلى الشلل ويوجب انتشار الفقر وإشاعة الحاجة في البلاد، وتكدّس المال عند المرابين الذين محيت من نفوسهم الرأفة والرحمة ، وقد شدّد الإسلام في أمر الربا ، واعتبره آفة اجتماعيّة يجب القضاء عليه القضاء عليه بجميع الطرق والوسائل.
قال (علیه السّلام): «لا تُباعُ الدّارُ وَلَا الْجَارِيَةُ في الدِّينِ ، وَذلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ مِنْ ظِلَّ يَسْكُنُهُ ، وَخادِمٍ يَخْدِمُهُ»(2).
إنّ من رحمة الإسلام ورأفته بالمدين أنه استثنى جملة مما يملكه لا يباع لوفاء دينه ، وقد ذكر الإمام الصادق (علیه السّلام) منها الدار والخادم، وعلل ذلك بأنه لا بد للإنسان المسلم من ظلّ يظلّه ، ومن جارية تخدمه .
وكره الإمام (علیه السّلام) مجموعة من الصناعات ، فقد قال (علیه السّلام) في حديث له مع إسحاق ابن عمّار أشار عليه أن يعزل ولده عن هذه الصناعات :
«لَا تُسَلِّمْهُ إِلَى صَيْرَفيُّ ، فَإِنَّ الصَّيْرَفِيَّ لَا يَسْلَمُ مِنَ الرِّبا ، وَلَا إِلَى بَيَاعِ الْأَكْفَانِ
فَإِنَّ صاحِبَ الْأَكْفانِ يَسُرُّهُ الْوَبَاءُ ، وَلَا إِلَى صَاحِبِ طَعَامِ فَإِنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنَ الْإِحْتِكارِ ، وَلَا إِلَى جَزَارٍ فَإِنَّ الْجَزَارَ تُسْلَبُ مِنْهُ الرَّحْمَةُ وَلَا تُسَلِّمْهُ إِلَى نَخَاسِ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) قالَ : شَرُّ النّاسِ مَنْ باعَ النَّاسَ»(1).
لقد كره الإمام (علیه السّلام) هذه الحِرَف ، وعلّل كراهيتها بتعليل وثيق للغاية لأنها تعود بالأضرار على من يحترفها .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن علل بعض الأحكام التي أدلى بها الإمام (علیه السّلام)، وبها ينتهي بنا المطاف عن بعض علوم الإمام (علیه السّلام) التي ساهمت في تنمية الفكر، وإقامة صروح العلم في دنيا العرب والإسلام.
الحمدلله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله الطاهرين
1) علل الشرائع : 530
جَامِعَةُ الأَمَامِ الصَّادِقِ العِلمِيَة
7- 47
تشجيعه (علیه السّلام) للتعليم ... 9
حنّه (علیه السّلام) على كتابة العلم ... 10
وصيّته (علیه السّلام) بالمحافظة على الكتب ... 10
تصحيحه (علیه السّلام) لمؤلّفات تلاميذه ... 10
المؤسسون لجامعة أهل البيت (علیهم السّلام) ... 11
في عهد الإمام الصادق (علیه السّلام) ... 17
عوامل النمو والازدهار ... 19
المركز العام ... 20
البعثات العلميّة ... 20
عدد طلابها ... 21
فروعها ... 23
الاختصاصيون من طلابه ... 24
تدوين العلوم ... 25
كتب نُسبت للإمام الصادق (علیه السّلام) ... 28
الجفر الأحمر ... 28
مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة ... 29
بحار الأنوار ... 29
الهفت الشريف ... 29
الجعفريات ... 29
مصحف بخطه ... 30
اعتزاز و افتخار ... 30
طابعها الخاص ... 31
فزع السلطة ... 33
المناهج التعليمية ... 35
الإمام (علیه السّلام) مع تلاميذه ... 36
هشام بن الحكم ... 37
شامي مع تلاميذ الإمام (علیه السّلام) ... 41
الإمام اللا مع بعض تلامذته ... 44
مرعوبة الأمام (علیه السّلام)
49 - 320
علم الكيمياء ... 52
علم الطب ... 56
الإمام (علیه السّلام) مع طبيب هندي ... 57
عدد عظام الإنسان ... 62
الدورة الدموية ... 64
التحذير من الأمراض المعدية ... 65
وصايا صحيّة ... 65
الأطعمة ... 70
خبز الأرز ... 70
اللحم ... 70
السمك ... 72
البيض ... 72
الجبن والجوز ... 73
العسل ... 74
الفواكه ... 75
غسل الفاكهة ... 75
الأترج ... 76
البطيخ ... 77
التفاح ... 77
التمر ... 78
الرمان ... 80
الزبيب ... 80
السفرجل ... 81
العنب ... 81
الكمثرى ... 82
الموز ... 83
الخضروات ... 84
الباذنجان ... 84
الباذورج ... 85
الباقلا ... 85
البصل ... 85
الثوم ... 86
الجرجير ... 87
الجزر ... 88
الحوك ... 88
الخش ... 88
الزيتون ... 89
الشلجم ... 89
العدس ... 90
الفجل ... 90
القثاء ... 91
القرع ... 92
الكراث ... 92
الكرفس ... 93
اللوبيا ... 93
المُرّيّ ... 93
الهندباء ... 94
المواد الدهنية ... 96
دهن الزيت ... 96
سمن البقر ... 97
مضار السمن ... 97
المشروبات النافعة ... 98
اللبن ... 98
السويق ... 99
المشروبات الضارة ... 101
الخمر ... 101
علم الكلام ... 103
الأدلة الوجدانية ... 103
الأدلة العقلية ... 104
مع توحيد المفضّل ... 105
منشأ الشك في الله تعالى ... 106
المانوية ... 108
الملاحدة ... 108
الأدلّة الحسيّة على وجود الله تعالى ... 109
النظام الدقيق للكون ... 109
خلق الإنسان ... 111
تكوين الجنين ... 111
ولادة الجنين ... 112
غذاء الطفل ... 113
كيفيّة غذاء الطفل ... 114
خروج الأسنان للطفل ... 115
طلوع الشعر في وجه الرجل ... 116
تركيب بدن الإنسان ... 117
انتصاب بدن الإنسان ... 117
العينان والحواس ... 118
البصر والسمع ... 121
الضياء والهواء ... 122
نعمة السمع والبصر ... 123
نعمة العقل ... 125
الأعضاء أفراداً وأزواجاً ... 126
الصوت والكلام ... 127
عظمة الدماغ ... 130
الجفن والأشفار ... 131
الفؤاد ... 132
الحلق والمري والقصبة ... 133
الرئة ومنافذ البول والغائط ... 134
المعدة والكبد ... 136
النخاع والدم والأوردة وغيرها ... 137
تكوين الأذن والفخذين ... 139
الفؤاد وثقبه ... 140
منفذ الغائط ... 141
فوائد الشعر والأظفار ... 142
عدم نبات الشعر في بعض أجزاء البدن ... 144
الشعر على الركبتين والإبطين ... 145
منافع الريق ... 146
عدم الفتحة في بطن الإنسان ... 147
الحيوانات ... 149
أبدان الحيوانات ... 149
صفات الحيوانات ... 150
أجساد الأنعام ... 151
الحيوانات الضارية وغيرها ... 153
آكلات اللحم من الحيوانات ... 155
الحيوانات التي تمشي على أربع ... 157
قوائم الحيوان ... 158
تسخير الحيوانات للإنسان ... 159
مع السباع ... 160
الكلب ... 161
وجه الدابة ... 162
ذنب الدابة ... 163
مشفر الفيل ... 165
عنق الفيل ... 165
أنثى الفيل ... 166
الزرافة ... 167
القرود ... 169
كسوة البهائم ... 171
البهائم تواري نفسها حين إحساسها بالموت ... 173
فطنة الأيل ... 175
الثعلب ... 177
الدلفين ... 178
الذرّة ... 179
النمل ... 179
أسد الذباب ... 181
العنكبوت ... 182
جسم الطائر ... 184
حرارة جوف الطائر ومنقاره ... 186
الطير يبيض ... 187
الدجاجة ... 189
البيضة ... 190
حوصلة الطائر ... 191
اختلاف الألوان في الطيور ... 193
ريش الطائر ... 194
الطائر الطويل الساقين ... 195
العصفور ... 197
الطيور الليلية ... 198
الخفاش ... 200
أبو تمرة ... 203
النحل ... 204
الجراد ... 205
السمك ... 207
تناسل السمك ... 209
النجوم الثوابت والسيّارة ... 211
الحكمة في النجوم الثابتة والسيارة ... 212
دوران الفلك ... 213
آثار الكواكب الثابتة على الأرض ... 215
اقتراب الأجرام السماوية من الأرض ... 216
تنقل الشمس في البروج ... 218
السنة مقياس الزمن ... 218
الفصول الأربعة ..... 219
نظام شروق الشمس ... 220
طلوع الشمس ... 221
غروب الشمس ... 222
مقدار الليل والنهار ... 223
الحرّ والبرد ... 224
تدرّج ورود الحر والبرد ... 225
منافع الحر والبرد ... 226
الاستدلال بالقمر ... 227
إنارة القمر ... 228
الأرض راكنة غير رجراجة ... 229
سعة الأرض وامتدادها ... 230
الزلازل والعبرة فيها ... 231
الأرض باردة يابسة ... 232
الجبال ... 232
الهواء ... 234
ركود الريح ... 234
أثر الصوت في الهواء ... 235
فوائد أخرى للهواء ... 236
مياه البحار ... 238
توزيع المياه على سطح الأرض ... 239
منافع أخرى للماء ... 240
تعاقب الصحو والمطر ... 241
ترتيب نزول المطر ... 243
النار ... 245
المصباح المضيء ... 246
المعادن ... 247
نفاسة المعادن ... 249
النباتات ... 251
النبات ومنافعه ... 251
ريع الزرع ... 252
حبوب الماش والعدس ... 253
الحكمة في أصول الشجر ... 254
الأوراق ... 256
العجم والنوى ... 257
موت الشجر وحياته ... 258
الرمانة ... 259
اليقطين ... 260
النخلة ... 262
الخشب ... 263
العقاقير ... 264
البردي ... 266
الزبل والعذرة ... 267
بحوث كلاميّة ... 268
1 - وحده واجب الوجود ... 268
2 - استحالة معرفة الله تعالى ... 269
3 - استحالة رؤية الله تعالى ... 270
4 - عدم وصفه بالكيف والأين ... 270
5 - تنزيهه عن الجسم والصورة ... 271
6 - حقيقة التوحيد ... 272
7 - لاجبر ولا تفويض ... 273
8 - الله هو الأول والآخر ... 274
9 - البداء ... 275
المعنى اللغوي ... 275
استحالته على الله تعالى ... 276
البداء عند الشيعة ... 276
أحاديث الإمام (علیه السّلام) في البداء ... 279
افتراء وأكاذيب ... 280
10 - الابتلاء والاختبار ... 282
11 - المشيئة والإرادة ... 283
12 - السعادة والشقاء ... 284
13 - الجفر ... 285
علم الفقه الفقه ... 287
مميّزات فقه أهل البيت (علیهم السّلام) ... 290
على الله 1 - اتصاله بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ... 290
2 - مرونته ... 291
3 - فتح باب الاجتهاد ... 291
مدارك الاجتهاد ... 293
علل الأحكام ... 296
تارك الصلاة كافر ... 296
السعي للصلاة ... 297
عدم صحة الصلاة في شعر ما لايؤكل لحمه ... 297
الصلاة في لباس الخزَّ ... 297
الجهر بالقراءة في بعض الصلوات ... 298
الجمع بين الصلاتين ... 299
وقت صلاة المغرب ... 300
عدم القصر في صلاة المغرب ... 300
صلاة الصبح مع الفجر ... 301
صلاة الجماعة ... 301
النوافل ... 302
نافلة العشاء ... 303
صلاة الليل ... 303
السجود على الأرض ... 304
وضع الكفّين على الأرض ... 305
التكبير ثلاثاً بعد الصلاة ... 305
غسل الجمعة ... 305
الصوم ... 306
قضاء الحائض للصوم ... 306
الزكاة ... 307
الزكاة للفقراء ... 307
عدم إعطائها لواجبي النفقة ... 308
مصرف الزكاة ... 308
وجوب الحج ... 309
إجبار الناس على الحج ... 310
التلبية ... 310
الهرولة بين الصفا والمروة ... 310
السعي بين الصفا والمروة ... 311
عدم النظر في المرآة ... 312
كراهة الكحل للمحرمة ... 312
وجوب العمرة ... 312
تسميته بعض مناطق الحج ... 313
تسمية مكة ... 313
تسمية البيت الحرام ... 313
تسمية العتيق ... 313
تسمية الحطيم ... 314
تسمية منى ... 314
يوم التروية ... 314
تسمية الخيف ... 314
تسمية المزدلفة جمع ... 315
تسمية عرفات ... 315
الوضوء قبل الطعام وبعده ... 315
النهي عن البول في الماء ... 315
تحريم الخمر والميتة والدم ... 316
استقبال القبلة في الدفن ... 317
التكبير على الميت خمس ... 317
تعظيم المساجد ... 318
قذف المحصنات ... 318
تحريم الربا ... 318
المستثنيات في بيع الدين ... 319
صناعات مكروهة ... 319
محتويات الكتاب ... 319