ghaemiyeh.com
موسوعة سيرة اهل البیت
الجزء الرابع عشر
الامام حسین بن علی(عَلَيهِ السَّلَامُ)
تأليف: باقرشریف القرشي
تحقيق: مهدي باقر القرشی
موسسة الامام الحسن لإحیاءتراث اهل البیت
الطبعة الثانية : .... 1433ه- / 2012م
عدد النسخ : .... 1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة : 1 - 42 - 275 - 964 - 978
ردمك الجزء ( 39 ) : 0 - 1 - 8270 - 964 - 978
عنوان الناشر : النجف الأشرف - شارع الرسول صلی الله علیه وآله وسلم
مكتبة الإمام الحسن علیه السلام - هاتف 009647805694970
محرر الرقمي: ولي رادمرد
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الامام الحُسَینِ بن علی(عَلَيهِ السَّلَامُ)
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
الجزء الرابع عَشَر
الامام الحُسَینِ بن علی (عَلَيهِ السَّلَامُ)
تأليف: باقرشریف القرشي
تحقیق: مهدي باقر القرشي
موسسةالأمام الحسن
موسوعة سيرة اهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)
تأليف: باقرشریف القرشي
تحقيق: مهدی باقر القرشي
الناشر:... دار المعروف - مؤسسة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)
المطبعة:... ستار
الطبعة الثانية:...1433هـ/2012م
عدد النسخ:...1000 نسخة
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلّف
ردمك الدورة: 1 - 42 - 2758 - 964 - 978
ردمك الجزء (41): 8-56- 2758 - 649 - 978
عنوان الناشر: النجف الأشرف - شارع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)
مكتبة الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ(- هاتف 009647805694970
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيِم
1 لقد صنع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وم الطف الكرامة الإنسانية التي يسمو بها كلّ إنسان، وحسبه أنّه وحده في تاريخ هذه الدنيا قد قدم أنبل التضحيات في سبيل ما يرتأي ضميره من إشاعة الحق والعدل بين الناس.
لقد كانت صور الفداء التي بذلها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إقامة الحياة الكريمة فی الإسلام مذهلة ومدهشة، فقد اهتزّ من هولها الضمير العالمي، وتركت أثراً عميقاً للحزن في دخائل القلوب، وأثرت حتى في نفوس أقلّ الناس إحساساً.
والشيء المهم الذي تميزت به قضية الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو الصمود الرائع أمام الأحداث المفزعة، فقد تسلّح (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصبر لا حدّ لأبعاده، فكان - فيما يقول المؤرخون - يستقبل المحن الشاقة التي تواكبت عليه بالرضا والتسليم لأمر اللّه من دون أن تبدو عليه أية بادرة من بوادر الضعف والأنّهيار، فكان كلّما رزئ بكارثة تعصف بالصبر تنفرج شفتاه بكلمة الإيمان العميق الذي صار من أبرز ذاتياته، قائلاً: «هَوَّنَّ ما نَزَلَ بِي أنّه بِعَينِ اللّهِ...» (1).
لقد كان هذا الإيمان هو سرّ الإعجاز وسرّ الخلود في قضية الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وستبقى بمُثْلِها مدرسة للأجيال تضيء لها الطريق، وتوفّر لها العطاء، وهي ندّية تتفجر بينابيع
1) اللّهوف: 69
الخير والإصلاح حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها.
لقد كان يوم الطف - حقاً - مسرحاً للقيم الكريمة التي تميزت بالوفاء والإخلاص ونكران الذات، وهو ليس ممّا يخص المسلمين أو طائفة منهم؛ وإنّما هو لجميع أمم العالم وشعوب الأرض يمدها بالإلهام والوعي، والتحرر من ربقة العبودية والاستغلال.
لقد انتصرت رسالة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعُدّ مع أصحابه في عرف المجتمع الإنساني الروّاد الأوائل للحق والعدل بين الناس، وليس هناك أسمى من هذا الانتصار ولا أروع منه.
2 ولم ينته يوم الطف بأشجأنّه وأحزأنّه حتى أقبل الناس بلهفة على التعرف على شؤون هذه الحادثة التي سجلت فخراً للإسلام وعزاً للمسلمين، وقد عنى بها العلماء والكتاب من مختلف الطوائف، واحتلت الصدارة في الأحداث العالمية التي غيرت مجرى التاريخ، وقد حفل بها القدامى بصورة موضوعية فدوّنوا جميع شؤونها ودقائقها، وكان من بينهم المؤرّخ الإسلامي الكبير أبو مخنف لوط بن يحيى بن سعيد ابن مِخْنَف بن سليم الأزدي (1)
يقول موسين: «لو أنّ أبا مخنف لم يكتب لخسر التاريخ خسارة كبيرة».
ويقول فلهوزن: «والطبري قد حفظ لنا قطعاً كبيرة جداً من روايات أبي مخنف الراوية المحقق، فحفظ لنا بذلك أقدم وأحسن ما كتبه ناثر عربي نعرفه».
ويقول المستشرق بل في دائرة المعارف الإسلامية البريطانية: 1: 399: «صنف أبو مخنف اثنتين وثلاثين رسالة في التاريخ عن حوادث مختلفة وقعت إبّان القرن الأول للهجرة، وقد حفظ لنا الطبري معظمها». توجد ترجمته مفصلة في معجم الأدباء: 17: 41. تاج العروس: 6: 105. فوات الوفيات: 2: 288. رجال النجاشي: 320. الفهرست/الطوسي: 381. الذريعة: 1: 348. الأعلام: 5: 245
فقد الف كتاباً باسم (مقتل الحسين)، وإليه يستند1) أبو مِخْنَف: راوية عالم بالسير والأخبار، إمامي من أهل الكوفة، وإليه يرجع الفضل في تدوين أكثر الأحداث التي جرت في عصره، وأثنى عليه المستشرقون.
الطبري فيما أثبته في تاريخه من أحداث كربلاء، إلّا أنّ النسخة المطبوعة المنسوبة له لم تتفق مع روايات الطبري التي نقلها عنه، وأكبر الظن أن هذا الكتاب لشخص غيره ممن الف في مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونسب إليه.
وممّن الف في مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) صر بن مزاحم بن سيّار التميمي الكوفي (1)
وقال ابن أبي الحديد فيه: «هو ثبت صحيح النقل غير منسوب إلى هوى» - شرح نهج البلاغة 2: 206 توجد ترجمته في ميزان الاعتدال: 4: 253. لسان الميزان: 6: 157. الذريعة: 1 349 الأعلام: 8 28 روضات الجنّات: 8: 165
، ولا وجود لهذا الكتاب في المكتبات التي راجعناها. والف الواقدي، ومحمّدبن زكريا، وجابر بن يزيد وغيرهم من أعلام تلك العصور ما يربو على ستين مؤلفاً كلها، بعنوان (مقتل الحسين)، إلّا أنا لم نعثر على واحد منها بالرغم من شدّة التتبع والفحص في المكتبات، ولعلّ بعضها توجد في المكتبات في خارج بلادنا الحافلة بكثير من المخطوطات العربية.3 وبهذا الجزء تنتهى دراستنا عن حياة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد عانيت جهداً شاقاً وعسيراً في مراجعة المخطوطات العربية والأفلام المصورة التي جلبت من الخارج، وقد حفلت بها مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومكتبة الإمام الحكيم،
1) نصر بن مزاحم: من مؤرخي الشيعة القدامى من كتبه: (الجمل) و (أخبار المختار الثقفي) و (وق-عة صفين) و (النهروان) وغيرها، وقد اتهمه بعض المترجمين له أنّه من غلاة الشيعة، وقالوا: «أنّه كان زائغاً عن الحقِّ مائلاً»، ذكر ذلك الخطيب البغدادي في تاريخه: 283:13.
ومكتبة الإمام كاشف الغطاء، ويجد القارئ في هامش الكتاب أسماء تلك الكتب التي راجعتها، ومع هذا التتبع المرهق لا أدّعي أنّي ألمَمْتُ بالموضوع أو أحطت به، فإنّي - فيما أعتقد - لم أعط في دراستي عن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلّا أضواء خافتة عن شخصيته الكريمة التي هي أثرى شخصية عرفها التاريخ في معطياتها الفكرية والاجتماعية للناس، فإنّ الإلمام بها - أو ما يقرب من ذلك - يحتاج إلى المزيد من المراجعات في المخطوطات العربية الموجودة في الخارج.
وعلى أيّة حال فإنّ هذا الكتاب ما هو إلّا صفحة من حياة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومثل موجز عن حياته الطيبة التي يعتز بها كل إنسان.
وقبل أن أنّهى هذا التقديم أكرر شكرى الجزيل إلى سيادة المحسن الكبير الحاج رشاد عجينة على ما أبداء من الإحسان لي في تأليف هذا الكتاب والإنفاق على طبعه من مبرّات والده المغفور له الحاج محمّدجواد عجينة، سائلاً من اللّه تعالى أن يثيبه على ذلك أجزل الثواب، كما أنّ من الحقّ عليَّ أن أذكر بالخير ما أسداه عليَّ من ألطاف سماحة الحجّة العلّامة أخي الشيخ هادي القرشي من مراجعة كثير من المصادر التي تخصّ الموضوع، وملاحظاته القيّمة في كثير من البحوث، واللّه هو الذي يتولّى جزاءه
عن ذلك أنّه وليّ التوفيق.
مکتبةالامام الحسن العامّة
النجف الاشرف باقرشریف القریشی
واختار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الهجرة إلى العراق دون غيره من أقاليم العالم الإسلامي، وهو على علم بما مني به أهل العراق من التذبذب والاضطراب في سلوكهم، ولعلّ سبب اختياره له دون غيره يعود لما يلي:
أوّلاً: إنّ العراق في ذلك العصر كان قلب الدولة الإسلامية وموطن المال والرجال، وقد أُنشئت فيه الكوفة حامية الجيوش الإسلامية، وقد لعبت دوراً خطيراً في حركة الفتح الإسلامي، فقد شاركت في فتح رامهرمز، والسوس، وتستر، ونهاوند، وكان عمر بن الخطاب يستنجد بها، فقد كتب إلى واليه سعد بن أبي وقاص: أن ابعث إلى الأهواز بعثاً كثيفاً مع النعمان بن مقرن (1).
وكثيراً ما تمرّ في أخبار الفتوح الإسلامية هذه العبارة: وأمدّهم عمر بأهل الكوفة.
وكان عمر يثني عليهم ويقول: جزى اللّه أهل الكوفة خيراً يكفون حوزتهم، ويمدّون أهل الأمصار(2).
وقال فيهم رجل من أهل الشام: إنّكم كنز أهل الإسلام، إن استمدّكم أهل البصرة أمددتموهم، وإن استمدّكم أهل الشام أمددتموهم (3).
ومضافاً إلى أنّ العراق كان قاعدة حربية، فأنّه قد اشتهر منذ القدم بثرائه، فهو قلب الأرض، وخُزانة المُلك الأعظم، وما قد خصّ اللّه جل وعلا به أهل الكوفة من عمل الوشي والخز، وغير ذلك من حاصلات أنواع الفواكه والتمو» (1).
وكان الأمويون قد اتخذوه مورداً مهماً لبيت المال في دمشق(2)، وقد بلغت جباية معاوية للكوفة وسوادها مائة الف الف درهم (3)، وبلغ خراج البطائح (4)خمسة آلاف الف درهم (5).
لقد كان العراق قلب الدولة الإسلامية النابض، وقد بزّ سائر الأمصار في ميادين السياسة والاقتصاد والاجتماع، وقد تهافت عليه جميع الثائرين ليتخذوه منطلقاً لأهدافهم السياسية (6).
إنّ الكوفة كانت البلد الوحيد في الأقطار الإسلامية التي تفقه قيم الأحداث و مغزى التيارات السياسية، فقد ساد فيها الوعي الاجتماعي إلى حدّ كبير، وقد كان الكوفيون يفرضون آراءهم على حكّامهم، وإذا لم يحققوا رغباتهم سلّوا في وجوههم السيوف وثاروا عليهم.
وعلى أيّة حال فقد اختار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الهجرة إلى الكوفة باعتبارها مركز القوة في العالم الإسلامي.
يقول عبد المتعال الصعيدي: «ولم يخطئ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما أزمع على الهجرة إلى العراق؛ لأنّه المركز الصالح لقيام حكم عام يجمع أمر المسلمين، ولهذا اختاره مَنْ قَبله، وقد حققت الأيام للعراق هذا الحكم فقامت به الدولة العباسية التي حكمت المسلمين نحو خمسمائة سنة» (1).
ثانياً: إنّ الكوفة كانت مهداً للشيعة وموطناً من مواطن العلويين، وقد أعلنت إخلاصها لأهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)(عَلَيهِم السَّلَامُ) في كثير من المواقف، فقد اندفعت جموع الثائرين تحت قيادة مالك الأشتر النخعي أحد أعلام الشيعة إلى يثرب فحاصروا عثمان وأجهزوا عليه، وقاموا بترشيح الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لخلافة، وقد غرست بذرة التشيّع في الكوفة منذ خلافة عمر.
فقد كان من ولاتها عمار بن ياسر وعبد اللّه بن مسعود، فأخذا يشيعان في أوساطها مآثر الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفضائله، وما أثر عن النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) في حقه حتى تغذّوا على حبّه والولاء له، وقد خاض الكوفيون حرب الجمل وصفين معه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكانوا يقولون له: سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت، فنحن حزبك وأنصارك، نعادي من عاداك ونشايع من أناب إليك إلى طاعتك (2).
وكان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثني عليهم ثناء عاطراً فيرى أنّهم أنصاره وأعوأنّه المخلصون له، يقول لهم: «يا أَهْلَ الْكُوفَةِ، أَنْتُم إِخْوَانِي وَأَنْصارِي وَأَعْوانِي عَلَى الْحَقِّ، وَ مُجِيبِي إِلى جِهادِ الْمُحِلِّينَ، بِكُمْ أَضْرِبُ الْمُدبِرَ، وَأَرْجُو إِثْمامَ طَاعَةِ الْمُقْبِل» (3).
ويقول(عَلَيهِ السَّلَامُ): «الْكُوفَةُ كَنْزُ الْإِيْمَانِ، وَجُمْجُمَةُ الْإِسْلَامِ، وَسَيْفُ اللَّهِ وَرُمْحُهُ يَضَعُهُ
حَيْثُ يَشاءُ، وَأَيْمُ اللّهِ، لَيُنْصَرَنَّ اللَّهُ بِأَهْلِهَا فِي مَشارِقِ الْأَرْضِ وَمَغارِبِها، كَمَا انْتَصَرَ بالحجاز» (1).
وقد خاض العراق أعنف المعارك وأشدّها ضراوة من أجل أهل البيت(عَلَيهِم السَّلَامُ). فانتقم من قتلتهم، وأخذ بثأرهم على يد الثائر العظيم المختار بن أبي عبيد الثقفي.
لقد كان اختيار الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الهجرة إلى الكوفة ناشئاً عمّا عُرف به أهل هذه المدينة من الولاء العميق لأهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ).
ثالثاً: إنّ الكوفة كانت المقر الرئيسي لمعارضة الحكم الأموي، فقد كان الكوفيون طوال فترة حكم الأمويين لم يكفّوا عن معارضتهم، ويتمنون زوال دولتهم.
ويعزو (فلهوزن) سبب بغض الكوفيين للأمويين إلى أنّ الخلافة قد انتقلت من الكوفة إلى دمشق، وأنّهم - بعد أن كانوا أصحاب الدولة - أصبحت مدينتهم مجرّد ولاية في الدولة الجديدة، وأن دخلهم من خراج الأرض التي فتحوها قد فقدوه، ولم يعد أمامهم إلا أن يقنعوا بالفتات الذي يتساقط عليهم من موائد سادتهم الأمويين، ولكنّهم - مع الأسف - لم يشعروا بهذه المرارة إلا بعد فوات الأوان، ومن هنا لم يكن من الغريب أن يروا في حكم أهل الشام نيراً ثقيلاً على رقابهم يتربّصون به الفرصة الملائمة ليتخلّصوا منه، ويلقوه بعيداً عنهم.
وممّا زاد في نقمة الكوفيين على الأمويين أن معاوية ولى عليهم شُذّاذ الآفاق كالمغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه، ويُسْر بن أبي أرطاة، فأشاعوا فيهم الظلم والجور، وأخرجوهم من الدعة والاستقرار، وبالغوا في حرمأنّهم الاقتصادي، واتّبعوا فيهم سياسة التجويع والحرمان، وظلّت الكوفة مركزاً للثورات على حكم الأمويين، ولم يثنهم عن ذلك ما عانوه من التعذيب والقتل والبطش على أيدي الولاة.
1) الطبقات الكبرى: 6: 6. معجم البلدان: 4: 492. مختصر البلدان/ابن الفقيه: 163
لقد كانت هجرة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الكوفة واختيارها مقرّاً لحكومته باعتبارها البلد الوحيد المعادي للأمويين، وقد وصل الحماس فيها ضد الأمويين ذروته بعد هلاك معاوية.
رابعاً: إنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنّما اختار الهجرة للعراق للدعوات الملحّة، والإصرار البالغ من الأغلبية الساحقة من أهل الكوفة للقدوم عليهم حتى في زمن معاوية، فقد توافدت عليه كتبهم وهي تحته على المسير إليهم، وتحمله المسؤولية أمام اللّه والأُمّة إن تأخّر عن إجابتهم، لا سيما بعد أن كتب إليه سفيره مسلم بن عقيل يخبره باجتماع الناس على بيعته، وتطلعهم إلى قدومه ويحثّه على السفر إليهم، فلم ير(عَلَيهِ السَّلَامُ) بداً من إجابتهم.
يقول الدكتور محمّدحلمي: «أنّه لم يخرج الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الحجاز في اتجاه الكوفة استجابة للدعوات التي وصلته من أهلها طالبة إليه القدوم عليهم ليتزعم ثورتهم على خلافة يزيد ... لم يخرج الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلّا بعد أن اختبر استعداد الكوفيين للقيام بهذه الثورة، وذلك بإرسال ممثل له؛ ليتعرّف على مدى هذا الاستعداد، وذهب مسلم بن عقيل بن أبي طالب في هذه المهمة، ونجح في فترة قصيرة في قيادة اثني عشر الفاً في ثورة عارمة بايعت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ونزعت بيعة يزيد، وكتب مسلم بهذا إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)الذي قرر الخروج لقيادة الحركة بنفسه، وبهذا لم يكن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) متسرّعاً في خروجه ولا مندفعاً، فقد أتته الكتب وأراد أن يطمئنّ على مدى جدّيتها، فاطمأنّ بخروج هؤلاء الآلاف في الفترة القصيرة التي نشط فيها ممثله » (2).
خامساً: إن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و نزح إلى قطر آخر غير الكوفة فإنّ الجيش الأموي
لا بد أن يلاحقه، ولابد أن يستشهد فيتّجه له اللوم والتقريع، ويقال له: لماذا لم تتجه إلى العراق البلد الذي يضم أنصارك وشيعتك، وقد بعث إليك أهله آلاف الرسائل تحتك على القدوم إليهم؟! فماذا يكون حينئذ جوابه لو سار إلى قطر آخر ولاحقته جيوش الأمويين؟!
هذه بعض الأسباب التي حفزت الإمام إلى اختيار الهجرة إلى الكوفة ليجعلها مقرّاً لثورته.
بقي هنا شيء، وهو أنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ماذا لم يبق بالحجاز ويتّخذه منطلقاً للثورة؟ ولعل السبب في رفضه لذلك يعود إلى ما يلي:
1- إنّ البيئة الحجازية كانت تتصف بقلة الموارد الاقتصادية، فقد أشاع معاوية فيها الفقر والبؤس، ومن الطبيعي أنّ الثورة تحتاج إلى دعم مالي كبير، ومع انعدام المال في الحجاز كيف يفجر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثورته فيه؟!
2- انعدام الوعي السياسي في الحجاز، فقد انصرفت الأكثرية الساحقة فيه عن الشؤون السياسية، في حين أن العراق كان مشعل الوعي السياسي في البلاد العربية.
3- إن الحجاز كان لا يصلح لأن يكون مركزاً للثورة، فقد أصبح مهدداً بالغزو من الجيوش الأموية، فقد بعث يزيد بجيش جرار لقتال ابن الزبير بقيادة أخيه عمرو بن الزبير.
4- إنّ الحجاز لم تكن فيه حامية عسكرية حتى يلجأ إليها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تقوم بالذبّ والدفاع عنه.
5- إنّ الأغلبية الساحقة في الحجاز كانت تحقد على أهل البيت(عَلَيهِم السَّلَامُ)، وكان ميولها لبني أُمية. يقول أبو جعفر الإسكافي: «أمّا أهل مكة فكلهم كانوا يبغضونه
قاطبة، وكانت قريش كلها على خلافه، وكان جمهور الخلق مع بني أُمية عليه»(1). أي علي (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ويقول الإمام علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عِشْرُونَ رَجُلاً يُحِبُّنا» (2).
ومع شيوع الكراهية في الحجاز لأهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) كيف يتخذه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مقراً له؟!
لقد نزح الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الحجاز بمرأى ومسمع من جميع جميع الحجازيين فلم يخفّوا معه، ولم يتبعه أحد منهم سوى أهل بيته، للقيام بنصرته و الذبّ عنه.
وأعرض الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ن مصر، ولم يراسل أحداً منهم؛ وذلك لأنّ أهلها كانوا طيلة عهد الخلفاء وطيلة الحكم الأموي ميالين إلى الدعة والسلام، والبعد عن التيارات السياسية، على أنّه لم ترد منهم أية رسالة للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) دعونه فيها للقدوم إليهم، فكيف يهاجر إليهم؟! ومضافاً إلى ذلك فإنّ في مصر نزعة عثمانية، وقد كان واليها من قبل معاوية عمرو بن العاص، فأشاع فيها البغض والكراهية لأهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)، وغرس فيها الولاء لبني أمية، فكيف يقصدها؟!
وأشار ابن عباس وغيره على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يهاجر إلى اليمن؛ لأن فيها شيعة له ولأبيه، فلم يستجب (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى هذا الرأي، وفيما نحسب أن أسباب إعراضه عنه تعود إلى ما يلي:
الأوّل: أنّه لم تكن في اليمن حامية عسكرية حتى تتمكن من حمايته والذبّ عنه إذا داهمته جيوش بني أمية، فقد كان اليمانيون عزّلاً من السلاح والعتاد، ولا قابلية لهم على الخوض في عمليات الحروب.
الثاني: إن جماهير اليمن لم تقم بحماية بلادهم حينما دهمتهم جيوش معاوية بقيادة الباغي بسر بن أبي أرطاة، فأشاع فيهم القتل، وسبى نساءهم وباعها في الأسواق، فمن كانت أعظم ساقاً بيعت بثمن أكثر (1)، ولم يثأروا للدفاع عن أعراضهم، وإنّما استسلموا للعدوان الأموي الذي أصاب من دمائهم وأموالهم حسبما شاء، ومع هذه الحال كيف يهاجر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها إليها؟!
الثالث: إنّ اليمن قد مُنيت بالفقر والبؤس، فكانت الحياة الاقتصادية فيها مشلولة، ولا قدرة لأهلها على مد الثورة بما تحتاج إليه من المال والسلاح، وقد نزح الكثيرون منها إلى الكوفة طلباً للرزق والرفاهية.
الرابع: إنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و ذهب إلى اليمن لما تركه يزيد وأرسل إليه جيوشه لمناجزته وتسفك بذلك الدماء، ويُتّهم (عَلَيهِ السَّلَامُ) بإثارة الفتنة وشقّ عصا الطاعة، وتضيع بذلك عدالة قضيته حسبما يقول الدكتور أحمد محمود صبحي (2).
وبما ذكرناه من هذا التحقيق يتضح وهن ما ذهب إليه الدكتور علي حسني الخربوطلي من تخطئة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى عدم ذهابه لليمن وتخلّيه عن الحجاز؛ لأنّ بهما أنصاره الحقيقيين وشيعة أبيه المخلصين، وإنّ اليمن كانت تمتاز ببعدها عن مركز الخلافة، ومناعة حصونها وكثرة شعابها (3).
وهذا الرأي لا يحمل أي طابع من التحقيق؛ إذ لو كان في اليمن أنصار للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كاتبوه وطلبوا مجيئه إليهم، ولم يذكر التاريخ أية بادرة من ذلك، مع أنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) م يكن عنده أنصار حقيقيون في الحجاز، ولو كانوا لخفوا معه حينما أعلن الذهاب إلى العراق، وما تركوه وحده فريسة بيد الطاغية ابن مرجانة، وأمّا اليمن فقد ذكرنا أنّها غير صالحة استراتيجياً لأن يتخذها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (عَلَيهِ السَّلَامُ) مقرّاً لثورته.
وأعرض الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ه عن فارس؛ لأنّه لم يكن له فيها أي رصيد، ولم تتبلور فيها الدعوة لأهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)، وإنما كانت مركزاً لدعوة العلويين بعد ردح من الزمن حينما نزحت إليها المجموعة الكبيرة من الشيعة التي نفاها زياد إليها، فقد أخذت تعمل على نشر التشيّع هناك، وقد استغل دعاة بني العباس تلك الثمرة التي أوجدتها دعاة الشيعة في فارس فاتخذوها مقراً لهم، ومنها انطلقت الثورة على بني أُمية فأطاحت بعرشهم وسلطأنّهم.
وأعرض الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ن البصرة؛ لأنّها كانت عثمانية اله-وى، وكان الكثيرون من أبنائها شيعة للزبير وطلحة. يقول أبو جعفر الإسكافي: كان أهل البصرة للهم يبغضون عليا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)، وسبب ذلك حرب الجمل التي حصدت رؤوس الكثيرين من أبنائها فأترعت نفوسهم بالكراهية للإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأبنائه.
نعم، فيها بعض الشيعة، وقد كاتبهم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ندما أراد التوجه إلى
1) شرح نهج البلاغة/ابن أبي الحديد: 4: 94، 103
الكوفة فلم ينفر منهم إلا اثنان حسبما يذكره التاريخ (1).
وعلى أيّة حال فإنّ الكوفة كانت أصلح مركز لإعلان الثورة على الأمويين، فقد تزعمت هذه المدينة الثائرة الحركة المعارضة لبني أمية، كما كانت أهم موقع استراتيجي في العالم الإسلامي، وقد تهيأت تهيؤاً تاماً - بعد هلاك معاوية - لدعوة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، كما كانت الوطن الأم لشيعته، فقد كانت قلوب أهلها تفيض بالحب والولاء له.
لقد كان اختيار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الهجرة إلى الكوفة دون غيرها مبنياً على دراسته الوثيقة لواقع الأقطار الإسلامية، وإحاطته باتجاهات المواطنين فيها سواء في الميادين السياسية أم العقائدية، ومدى قدرتهم الاقتصادية والعسكرية، فقد خَبَر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كل ذلك ووقف عليه، فلم ير هناك قطراً تتوفر فيه الاستراتيجية الكاملة لحماية الثورة وضمان نجاحها سوى الكوفة التي كانت تضم القوى المؤيدة له والمنحرفة عن الحكم الأموي، فكان الاتجاه إليها ضرورة ملحة لا غنى له عنها
1) إبصار العين: 145 و 146. تاريخ الأمم والملوك: 4: 561
ولما أُذيع تصميم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعزمه على مغادرة الحجاز والتوجه إلى
اللّه الكوفة أشفق عليه جماعة من أهل بيته وشيعته، كما أظهر له الإخلاص رياء بعض ذوي الأطماع السياسية - كعبد اللّه بن الزبير، وعمر بن عبد الرحمن المخزومي، وعمرو بن سعيد الأشدق الذي أشفق عليه بالخروج خوفاً على أنّهيار الحكم الأموي- وقد حذروه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وخافوا عليه من انقلاب أهل الكوفة وغدرهم به كما غدروا بأخيه الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قبل، وقد أشاروا عليه بألا يتوجه لهذا القطر ولا يقرب منه، كما ندد بخروجه جماعة من عملاء السلطة وأذنابها خوفاً على تصدّع الحكم الأموي وأنّهياره، وقال بمثل مقالتهم جماعة من المنحرفين عن أهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) في كثير من العصور، وفيما يلي آراء كلا الفريقين.
أمّا المشفقون من شيعة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأهل بيته فكانت قلوبهم تذوب أسئ وحزناً على مغادرته(عَلَيهِ السَّلَامُ) لحجاز، وكانوا يتكلمون بلغة العاطفة، ويفكرون في شيء لم يكن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكر به، فكانوا يشيرون عليه بمهادنة السلطة والبيعة لیزید؛ ليكون بمأمن من شروره واعتدائه، وكان لا يرى دين جده(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) قد صارألعوبة بيد حفيد أبي سفيان فلابد أن يثأر لكرامة هذا الدين، ويضحي بكل شيء لحمايته، فهذا هو مغزاه الذي كان لا يثنيه عنه شيء؛ ولنستمع إلى حديث
المشفقين عليه، والعاذلين له:
وذعر المِسْوَر بن مخرمة (1)حينما سمع بعزم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى مغادرة الحجاز والتوجّه إلى العراق، فكتب إليه هذه الرسالة:
«إيّاك أن تغتر بكتب أهل العراق، ويقول لك ابن الزبير: الحق بهم فأنّهم ناصروك، إيّاك أن تبرح الحرم، فأنّهم - أي أهل العراق - إن كانت لهم بك حاجة فسيضربون آباط الإبل حتى يوافوك، فتخرج إليهم في قوة وعدة» (2).
ولما قرأ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رسالته أثنى على عواطفه، وقال لرسوله: «أَسْتَخِيرُ اللّه في ذلك» (3).
وخاف عبداللّه بن جعفر على ابن عمه حينما علم بعزمه على التوجه إلى العراق، فأحاطت به موجات من الأسى، فبعث إليه بابنيه عون ومحمّد، وكتب معهما هذه الرسالة:
«أما بعد، فإنّي أسألك اللّه لما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا، فإنّي مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك، واستئصال أهل بيتك. إن هلكت اليوم أطفئ
1) المِسْوَر بن مخرمة بن نوفل القرشي الزهري: ولد بعد الهجرة بسنتين، وقد روى عن النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وكان من أهل الفضل والدين، كان مع ابن الزبير فلمّا كان حصار مكة أصابه حجر من حجارة المنجنيق فتوفي سنة (64هـ(- الإصابة:6: 99. تاريخ خليفة بن خياط: 158. تاريخ الإسلام(حوادث 61 - 80): 244 - 249
2) تاريخ مدينة دمشق: 14: 208 و 209 البداية والنهاية: 8: 165
3) تاريخ مدينة دمشق: 14: 209. تهذيب الكمال: 6: 417
نور الأرض، فإنّك علم المهتدين ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالسير فإنّي في أثر كتابي، والسلام» (1).
وأسرع ابن جعفر وهو خائر القوى ذاهل اللب إلى عمرو بن سعيد الأشدق حاكم مكة فأخذ منه كتاباً فيه أمان للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجاء مسرعاً إليه، وكان معه يحيى بن سعيد بن العاص، فعرض عليه الإقامة في مكة وعدم النزوح إلى العراق فلم يستجب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأخذ يتضرّع إليه عبد اللّه ويتوسل في أن ينصرف عن نيته.
فقال الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنِّي رَأَيْتُ رَسولَ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فِي مَنامِي، وَأَسَرَّنِي بِأَمْرِ لَا بُدَّ أَنْ أَنتَهِيَ إِلَيْهِ.
فسأله ابن جعفر عن الرؤيا، فأبى أن يحدثه بها، وقال له: ما حَدَّثْتُ بِها أَحَداً، وَما أَنا بِمُحَدِّثٍ بِها حَتَّى ألقى اللّهَ عَزَّ وَجَلٌ (2).
وانصرف ابن جعفر وهو غارق بالأسى والشجون، وأيقن بنزول الرزء القاصم، وقد أمر ابنيه بمصاحبة خالهما الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وأسرع عبداللّه بن عباس وهو حزين كثيب إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له: إنّ الناس أرجفوا بأنك سائر إلى العراق، فهل عزمت على شيء من ذلك؟
قال(عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنِّى قَدْ أَجْمَعْتُ الْمَسِيرَ فِي أَحَدِ يَوْمَيَّ هَدَيْنِ إِنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى.
وفزع ابن عباس، فقال للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنِّي أُعيذك باللّه اللّه من ذلك، أخبرني
ولم يخف شيء من هذه النقاط الحسّاسة على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد كان على بصيرة من أمره، فقال لابن عباس: فَإِنِّي أَسْتَخِيرُ اللّه، وَأَنْظُرُ مَا يَكونُ؟ (1).
وأحاطت بابن عباس موجات من القلق والاضطراب، فلم يتمكن أن يُهدّئ أعصابه، فراجع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال له: يا بن عمّي، إنِّي أتصبر ولا أصبر إنّي أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال. إن أهل العراق قومٌ غُدر فلا تقربهم، أقم في هذا البلد فإنّك سيد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا - فاكتب إليهم فلينفوا عاملهم وعدوهم، ثمّ أقدم عليهم، فإن أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فإنّ بها حصوناً وشعاباً وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عزلة، فتكتب إلى الناس وترسل وتبثّ دعاتك، فإنّي أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية(2).
وأخبره الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها عن تصميمه على السفر، وأنّه قد بت به.
فقال له ابن عباس: إن كنت سائراً فلا تسر بنسائك وصبيتك، فإنّي لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه.
1) تاريخ الأمم والملوك: 4: 586 و 587. الكامل في التاريخ: 3: 275 وسيلة المآل في. عدّ مناقب الآل: 187 من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ). وكذلك روي في الصراط السوي في مناقب آل النبیّ/السيد محمود الشيخاني القادري: 285، من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)
2) تاريخ الأمم والملوك: 4: 587. الكامل في التاريخ: 3: 276
ثم قال ابن عباس: لقد أقررت عين ابن الزبير بخروجك من الحجاز، وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك.
ولم يتمالك ابن عباس روعه، واندفع بثورة عارمة، فقال - حسبما يروي المؤرخون-: واللّه الذي لا إله إلا هو، لو أعلم أنّي إن أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علينا الناس أطعتني فأقمت لفعلت ذلك.
ولم يخف على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كل ما قاله ابن عباس، فقد كان مصمماً على غايته التي بها انتصار الإسلام.
وخرج ابن عباس وهو يتعثّر في خطاه، قد نخر الحزن قلبه فاتجه نحو ابن الزبير فقال له: لقد قرّت عينك يابن الزبير، ثم أنشد:
يا لَكِ مِنْ قُبَّرَةٍ بِمَعْمَرٍ*** خَلالَكِ الجَرُّ فَبِيضِي وَاصْفِرِي
وَنَقْرِي مَا شِئْتِ أَنْ تُنَفِّرِي
هذا الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خرج إلى العراق ويخليك والحجاز...(1).
إن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هلال لو كان يروم الملك والسلطان لاستجاب لرأي ابن عباس، ولكنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يبغي الإصلاح، وإعادة الحياة الإسلامية إلى واقعها المشرق، وأيقن أن ذلك لا يتحقق إلا بالتضحية الحمراء، فهي وحدها التي تحقق ما يصبو إليه.
وهرع أبو بكر بن عبد الرحمن المخزومي (2)إلى الإمام، فقال له: يابن عمّ إن
1) تاريخ الأمم والملوك: 4: 587 و 588 مروج الذهب: 3: 55. تاريخ مدينة دمشق: 14: 211. الكامل في التاريخ: 3: 276 سير أعلام النبلاء: 3: 297
2) أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي القرشي: أحد الفقهاء السبعة. ولد في خلافة عمر، وكان يقال له راهب قريش لكثرة صلاته، وكان مكفوفاً، وهو من سادات قريش. توفي سنة (95هـ)، جاء ذلك في تهذيب التهذيب: 12: 34
الرحم يظأرني (1)عليك ولا أدري كيف أنا في النصيحة؟
فقال(عَلَيهِ السَّلَامُ): يا أَبا بَكْرٍ، ما أَنْتَ مِمَّنْ يُسْتَغَضُّ وَلَا يُتَّهَمُ، فَقُلْ.
فقال أبو بكر: كان أبوك أقدم سابقة، وأحسن في الإسلام أثراً، وأشدّ بأساً، والناس له أرجى ومنه أسمع وعليه أجمع، فسار إلى معاوية والناس مجتمعون عليه إلا أهل الشام - وهو أعزّ منه - فخذلوه، وتثاقلوا عنه حرصاً على الدنيا وضنّاً بها، فجرعوه الغيظ وخالفوه؛ حتى صار إلى ما صار إليه من كرامة اللّه ورضوأنّه، ثمّ صنعوا بأخيك بعد أبيك ما صنعوا وقد شهدت ذلك كله ورأيته، ثمّ أنت تسير إلى الذين عدوا على أبيك وأخيك تقاتل بهم أهل الشام وأهل العراق، ومن هو أعدّ منك وأقوى، والناس منه أخوف وله أرجى، فلو بلغهم مسيرك إليهم لاستطغوا الناس بالأموال - وهم عبيد الدنيا - فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممّن ينصره، فاذكر اللّه في نفسك. وشكر له الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) صيحته وعواطفه، وعرّفه أنّه مصمم على ما على ما عزم عليه.
ويئس أبو بكر المخزومي فانطلق، وهو يقول: إنّا اللّه، عند اللّه نحتسب أبا عبداللّه.
وأقبل أبو بكر على والي مكة، وهو يقول:
كُمْ نَرى ناصحاً يَقُولُ فَيُعْصَى *** وَطَنِينُ المَغِيبِ يُلْقَى نَصِيحا
فقال له: وما ذاك يا أبا بكر؟
1) يظأرني: أي يدفعني عليك العطف والحنو. ومنه المثل: «الطَّعْنُ يَظأَرُ»، يُضرب لمن يحمل على الصلح خوفاً - مجمع الأمثال الأمثال: 1: 442
فأخبره بما قال للحسين، فقال له: نصحت له ورب الكعبة (1).
وأشفق عبداللّه بن جعدة بن هبيرة على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فألحقه بولده عون وبعث إليه رسالة يسأله فيها الرجوع، ويذكر فيها تخوّفه من مسيره إلى العراق، فلم يعجب الإمام ذلك (2).
وخف جابر بن عبداللّه الأنصاري إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وطلب منه ألا يخرج، فأبى(عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).
والتقى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعبد اللّه بن مطيع، وكان في طريقه إلى العراق، وعرف عبداللّه قصده، فقال له: يابن رسول اللّه، أذكرك اللّه في حرمة الإسلام أن تنتهك، أنشدك اللّه في حرمة قريش وذمة العرب، واللّه لئن طلبت ما في يد بني أمية ليقتلوك، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحداً أبداً، واللّه أنّها لحرمة الإسلام وحرمة قريش وحرمة العرب، فاللّه اللّه لا تفعل، ولا تأتِ الكوفة، ولا تعرّض نفسك لبني أُمية (4)
وفي العقد الفريد: 4 376: «أنّه لقي الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له: يا أبا عبداللّه، لا سقانا اللّه بعدك ماء طيباً، أين تريد؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): العِرَاقَ.
قال: سبحان اللّه ! لِمَ؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): مَاتَ مُعَاوِيَةُ، وَجَاءَنِي أَكْثَرُ مِن حِمْلٍ صُحُفٍ.
فقال عبد اللّه: لا تفعل أبا عبداللّه، فواللّه ما حفظوا أباك وكان خيراً منك فكيف يحفظونك؟ واللّه لئن قتلت لا بقيت حرمة بعدك إلا استحلت» - مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 1: 189
.1) مروج الذهب: 3: 56. الذهب: 3: 56. تاريخ الأمم والملوك: 4: 586. تاريخ مدينة دمشق: 14: 209. البداية والنهاية: 8: 165
2) أنساب الأشراف: 3: 377
3) تاريخ مدينة دمشق: 14: 208. سير أعلام النبلاء: 3: 296
4) وسيلة المآل في عد مناقب الآل: 189 وفي تاريخ مدينة دمشق: 14: 207: «أنّ عبد اللّه بن مطیع قال للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)لّه: فداك أبي وأمي، متعنا بنفسك ولا تسر إلى العراق، فواللّه لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذونا خولاً وعبيداً».
وأرسل عمرو بن سعيد الأشدق رسالة للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعهد فيها له بالأمان وعدم التعرّض له بمكروه، وقد جاء فيها:
«إنّي أسأل اللّه أن يُلهمك رشدك، وأن يصرفك عما يرديك. بلغني أنك قد عزمت على الشخوص إلى العراق، فإنّي أُعيذك باللّه من الشقاق، فإن كنت خائفاً فأقبل إليَّ فلك عندي الأمان والصلة» (1).
وكيف يخضع أبيّ الضيم للأشدق، ويطلب منه الأمان؟! لقد أراد الأشدق أن يكون الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحت قبضته حتى لا يملك من أمره شيئاً، ولم يخف عليه ذلك، فأجابه(عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنْ كُنْتَ أَرَدْتَ بِكِتابِكَ بِرِّي وَصِلَتِي، فَجُزِيتَ خَيراً في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَأنّه لَمْ يُشاقِقْ مَنْ دَعَا إِلَى اللّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَخَيْرُ الأمانِ أَمانُ اللّهِ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِاللّهِ مَنْ لَمْ يَخَفْهُ في الدُّنْيا، فَتَسْأَلُ اللّهَ مَخافَةٌ في الدُّنْيا
1) تاريخ مدينة دمشق: 14: 209 البداية والنهاية: 8: 165
تُوجِبُ لَنا أَمَانَ الْآخِرَةِ عِنْدَهُ (1).
وكان محمّدبن الحنفية في يثرب، فلمّا علم بعزم أخيه على الخروج إلى العراق توجه إلى مكة (2)، وقد وصل إليها في الليلة التي أراد الخروج في صبيحتها إلى العراق، وقصده فور وصوله فبادره قائلاً: يا أخي، إن أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خِفْتُ أن يكون حالك حال من مضى، فإن أردت أن تقيم في الحرم فإنّك أعز من بالحرم وأمنعهم.
وشكر له الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) واطفه ونصيحته، وقال له: خِفْتُ أَنْ يَغْتَالَنِي يَزِيدُ ابنُ مُعاوِيَةَ فِي الْحَرَمِ، فَأَكُونَ الَّذِي يُستَباحُ بِهِ حُرمَةُ هذَا الْبَيْتِ.
فقال محمّد: فإن خفت ذلك فَصِر إلى اليمن، أو بعض نواحي البر، فإنك أمنع الناس به، ولا يقدر عليك أحد.
قال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَنْظُرُ فِيما قُلْتَ (3).
ولمّا كان وقت السحر بلغه شخوصه إلى العراق وكان يتوضأ، فبكى حتى س- وقع دموعه في الطست (4)، وأسرع محمّدإلى أخيه، فأخذ بزمام ناقته، وقال له: يا أخي، ألم تعدني النظر فيما سألتك؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): بَلَى.
1) تاريخ الأمم والملوك: 4: 591 و 592. تاريخ مدينة دمشق: 14: 210. البداية والنهاية: 8: 165 و 166
2) تاريخ مدينة دمشق: 14: 211 تاريخ الإسلام (حوادث 61 - 80): 9
3) اللّهوف: 39 و 40. بحار الأنوار: 44: 364. الدر المسلوك 1: 109، وقريب من هذا الحديث جرى بين الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأخيه حينما كان في يثرب
4) أنساب الأشراف: 3: 377. الصواعق المحرقة: 196
قال: فما حداك على الخروج عاجلاً؟
قال(عَلَيهِ السَّلَامُ): أَتَانِي رَسولُ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بَعْدَ ما فارَقْتُكَ، وَقَالَ لِي: يَا حُسَيْنُ، أَخْرُجْ، فَإِنَّ اللَّهَ شاءَ أَنْ بَراكَ قَتِيلاً.
وذعر محمّد، وسرت الرعدة بأوصاله، ودموعه تتبلور على خديه وهو يقول: فما معنى حمل هؤلاء النساء والأطفال، وأنت خارج على مثل هذا الحال؟!
فأجابه الإمام بعزم وطمأنينة قائلاً: إِنَّ اللَّهَ قَدْ شَاءَ أَنْ يَرَاهُنَّ سَبايا (1).
وفزعت أم المؤمنين السيدة أم سلمة حينما علمت أن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد عزم على الخروج إلى العراق، وكان في ذلك الوقت في يثرب قبل أن يتوجه إلى مكة، فهرعت إليه قائلة بصوت حزين النبرات: يا بني، لا تحزني بخروجك إلى العراق، فإني سمعت جدك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) يقول: «يُقْتَلُ وَلَدِي الحسين بِأَرْضِ الْعِراقِ في: أَرْضِ يُقالُ لَها كَرْبَلاءُ»، وعندي تربتك في قارورة دفعها إلي النبیّ.
فأجابها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعزم ورباطة جأش، قائلاً: يا أُمَاهُ، قَدْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرَانِي مقتولاً مَذْبُوحاً ظُلماً وَعُدْوَاناً، وَقَدْ شَاءَ أَنْ يَرَى حَرَمِي وَرَهْطِي وَنِسَائِي مُشَرِّدِينَ، وَأَطفالِي مَذْبُوحِينَ مَظْلُومِينَ، مَأْسُورِينَ مُقَيَّدِينَ، وَهُم يَسْتَغِيثُونَ فَلَا يَجِدُونَ نَاصِراً وَلَا مُعيناً (2).
فالتاعت أُم سلمة، ورفعت صوتها قائلة: واعجباً، فأين تذهب وأنت مقتول؟
فأجابها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو ساخر من الموت وهازئ من الحياة قائلاً: يا أُمّاهُ، إِنْ لَمْ أَذهَبِ الْيَوْمَ ذَهَبْتُ غَداً، وَإِنْ لَمْ أَذْهَبْ فِي غَدٍ ذَهَبْتُ بَعْدَ غَدٍ، وَما مِنَ الْمَوْتِ بُدّ.
وَإِنِّي لَأَعْرِفُ الْيَوْمَ الَّذِي أَقْتَلُ فِيهِ، وَالسَّاعَةَ الَّتِي أَقْتَلُ فِيهَا، وَالْحُفْرَةَ الَّتِي أُدْفَنُ فِيها كَمَا أَعْرِفُكِ، وَأَنْظُرُ إِلَيْهَا كَمَا أَنْظُرُ إِلَيْكِ» (1).
ولمّا عزم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى مغادرة مكة خف إليه عبد اللّه بن الزبير من باب المجاملة، قال البلاذري: «وإنّما أراد ابن الزبير بذلك لئلا يتهمه، وأن يعذر في القول» (2)، فأظهر له الحنان والولاء قائلاً: أين تذهب؟! إلى قوم قتلوا أباك، وطعنوا أخاك؟
فقال(عَلَيهِ السَّلَامُ): لَئِنْ أَقْتَلُ بِمَكانِ كَذَا وَكَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تُسْتَحَلَّ بِي يعني مكة (3).
وأصر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى فكرته، ولم يصدّه عنها عذل العاذلين، وإشفاق المشفقين عليه، فقد أيقن أنّه لا يمكن بأية حال أن تنتصر القضية الإسلامية، وتعلو كلمة اللّه في الأرض إلا بالتضحية والفداء.
يقول الأستاذ خالد محمّدخالد: «إنّ القضية التي خرج البطل حاملاً لواءها لم تكن قضية شخصية تتعلق بحق له في الخلافة، أو ترجع إلى عداوة شخصية يضمرها ليزيد، كما أنّها لم تكن قضية طموح يستحوذ على صاحبه، ويدفعه إلى المغامرة التي يستوي فيها احتمال الربح والخسران كانت القضية أجلّ وأسمى وأعظم. كانت قضية الإسلام ومصيره والمسلمين ومصيرهم.
1) الهداية الكبرى: 203. بحار الأنوار: 44: 331. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/المقرم: 152، وذكر الخوارزمي أن هذا الحديث كان بين الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبين ابن عمر في مكة، وكان قد دعاه إلى المضي معه إلى المدينة
2) أنساب الأشراف: 3: 375
3) أنساب الأشراف: 3: 375 تاريخ مدينة دمشق: 14: 203. البداية والنهاية: 8: 163
وإذا صمت المسلمون جميعهم تجاه هذا الباطل الذي أنكره البعض بلسأنّه، وأنكره الجميع بقلوبهم فمعنى ذلك أن الإسلام قد كفّ عن إنجاب الرجال.
معناه أنّ المسلمين قد فقدوا أهلية الانتماء لهذا الدين العظيم، ومعناه أيضاً أن مصير الإسلام والمسلمين معاً قد أمسى معلقاً بالقوة الباطشة، فمن غلب ركب، ولم يعد للقرآن ولا للحقيقة سلطان. تلك هي القضية في روع الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبهذا المنطق أصرّ على الخروج» (1).
لقد رغب إليه المشفقون ألا يجيب دعاة الكوفة، ويقبع في بيته مسالماً ليزيد، ولكن أبي الضيم كان يرى ما لا يرونه، كان يرى أن الحياة الإسلامية قد امتحنت بفقر الدم امتحاناً أدّى بها إلى الهلكة والدمار، وأنّه لابد أن يرويها من دمه الزاكي؛ لتعود للمسلمين الحياة نشطة تتدفق بها الحيوية من دمه الذي هو دم جده الرسول.
وندد جماعة بخروج الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وشجبوا إعلأنّه للجهاد؛ لأن فيه تصديعاً للحكم الأموي الذي كانوا ينعمون بخيراته وصلاته، وقد قال بمثل مقالتهم بعض المتأخرين من الكتاب الذين اندلعت أقلامهم تحمل شرراً من نار لنقد الإمام؛ لخروجه على حكومة يزيد التي لا تحمل أي طابع شرعى، وهذه أقوالهم وآراؤهم:
وندد عبد اللّه بن عمر بخروج الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ونعى عليه الدخول في المعترك السياسي، فقال: غلبنا الحسين بن علي بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه
1) أبناء الرسول في كربلاء: 123 و 124
عبرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم، ما كان ينبغي ألا يتحرّك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس فإنّ الجماعة خير (1)
وجاء في تذهيب التهذيب 1: 155: «قال الشعبي: كان ابن عمر قدم المدينة فأخبر أن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد توجّه إلى العراق فلحقه على مسيرة ليلتين ونهاه، وقال: هذه دولتهم، إنّ اللّه خير نبيه بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنّكم بضعة منه، لا يليها أحد منكم أبداً، و ما صرفها منكم إلا للذي هو خير، فارجع، فأبى. فاعتنقه ابن عمر، وقال: استودعك اللّه من قتيل».
وجاء في الدر المسلوك 1: 106: أن عبداللّه بن عمر أشار على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بصلح أهل الضلال، وحذره من القتل والقتال، فقال له الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ):«...يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَما عَلِمْتَ أَنَّ مِنْ هَوانِ الدُّنْيا عَلَى اللَّهِ أَنَّ رَأْسَ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَا أُهْدِيَ إِلَى بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَما عَلِمْتَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كانوا يَقْتُلُونَ مِنْ طُلوعِ الفجْرِ إِلَى طُلوعِ الشَّمْسِ سَبْعِينَ نَبِيَّاً، ثُمَّ يَجْلِسُونَ فى أَسْواقِهِمْ يَبيعونَ وَيَشْتَرُونَ كَأَنَّ لَمْ يَصْنَعُوا شَيْئًا، فَلَمْ يُعَجِّل اللّهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ أَمْهَلَهُمْ وَأَخَذَهُمْ بَعْدَ ذلِكَ أَخْذَ عَزِيزِ مُقْتَدِرٍ، اتَّقِ اللّهَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَلَا تَدَعَنَّ نُصْرَتِي...»:الفتوح: 5: 25. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 1: 192 - 193
.وشجب سعيد بن المسيب خروج الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال: لو أنّ حسيناً لم يخرج لكان خيراً له (2).
وكان أبو واقد الليثي من صنائع بني أمية، فأقبل على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)
وجعل يناشده اللّه ألا يخرج على يزيد، ولم يكن بذلك مدفوعاً بدافع الحبّ للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإنما خوفاً على ملك بني أمية، فلم يعن به وأعرض عنه (1).
ومن الشاجبين لخروج الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى يزيد أبو سلمة بن عبد الرحمن (2)قال: قد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق، ولا يخرج إليهم، ولكن شجّعه على ذلك ابن الزبير(3).
وندد أبو سعيد بخروج الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال: غلبني الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى الخروج، وقد قلت له: اتَّقِ اللّه والزم بيتك، ولا تخرج على إمامك (4).
ولا أدري كيف قال ذلك أبو سعيد؟! وكيف يكون يزيد الخمور إماماً للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟! ولكن الأبصار يغشوها الهوى عن النور الساطع.
وكانت عمرة بنت عبد الرحمن (5)تدين بالولاء لبني أُمية، وتخشى على
1) تاريخ مدينة دمشق: 14: 208 تاريخ الإسلام (حوادث 61 - 80): 9 و 8. البداية والنهاية: 8: 165
2) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني: ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من المدنيين - الطبقات الكبرى: 5: 155 - 157، توفي سنة (104هـ(- تهذيب التهذيب: 12: 127
3) تاريخ مدينة دمشق: 14: 208 البداية والنهاية: 8: 165
4) تاريخ مدينة دمشق: 14: 208. تاريخ الإسلام (حوادث 61 - (80): 8
5) عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصارية المدنية: كانت في حجر عائشة، وروت عنها، وهي أعلم الناس بحديثها. توفيت سنة (103هـ(- تهذيب التهذيب: 12: 466
سلطأنّهم، وقد رفعت إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رسالة استعظمت فيها خروجه على يزيد، وحثّته على الطاعة ولزوم الجماعة، وحذرته من الخروج، وأنّه سوف يساق إلى مصرعه، وذكرت في رسالتها أنّها سمعت عائشة تروي عن النبیّ اللّه أنّه قال: يُقْتَلُ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بِأَرْضِ بابل. ولما قرأ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رسالتها، وما جاء فيها من إخبار النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بقتله، قال: فَلَابُدَّ إِذا مِنْ مَصْرَعِي (1).
هؤلاء بعض المنددين بخروج الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من معاصريه، ولم ينظروا إلى خروجه من زاوية الحكم الشرعي، وإنّما نظروا إليه بعين المنفعة المادية، فقد كان الحكم الأموي يغدق عليهم الأموال، فخافوا عليه من الأنّهيار والدمار.
وندد جماعة من المتأخرين بخروج الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى يزيد، واعتبروه خروجاً على إرادة الأُمة.
وتنكر الشيخ الخضري في بحوثه التاريخية والإسلامية لأهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) الذين أمر اللّه بمودّتهم والإخلاص إليهم، فقال في الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «فَإنّ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخطأ خطاً عظيماً في خروجه هذا الذي جرّ على الأمة وبال الفرقة والاختلاف، وزعزع عماد الفتها إلى يومنا هذا» (2).
إن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أصاب كل الصواب، وأحسن إلى الأمة في خروجه، فله الفضل على كل مسلم، فأنّه لولا تضحيته لما بقي للإسلام اسم ولا رسم، فقد قضى على المخططات الأموية الهادفة إلى محو الإسلام وإزالة جميع أرصدته، وقد فدى الامام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتضحيته دين الإسلام وكلمة التوحيد.
يقول محمّدالنجار: «أما أحقية الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالخلافة فهي فكرة تنطوي عليها قلوب الغالبية من الناس، ولكن ما قيمة هذه القلوب إذا لم تؤيدها السيوف، وهي مع ذلك لا تقتضي الخروج، فإنّ إمامة المفضول مع وجود الأفضل جائزة، وقد كان علي ابن أبي طالب يعتقد أحقيته بالخلافة ولم يخرج على أحد» (1).
ويرى النجار أن خلافة يزيد كانت شرعية، وأنّها من إمامة المفضول التي هي سائغة عندهم. أمّا إمامة المفضول مع وجود الأفضل فقد توفّرت الأدلة العلمية على بطلأنّها، وقد أقام المتكلمون من الشيعة الأدلة الحاسمة على زيفها، وذكروا أنّ الالتزام بذلك خروج على المنطق، وخروج على هدي الإسلام الذي يتبع في تشريعاته سنن الحياة وما تمليه المصلحة العامة، وليس من المنطق في شيء تسويغ تقديم المفضول على الفاضل، فإنّ فيه هدماً للكفاءات وخروجاً على صالح الأمة، وقد أنكر القرآن الكريم المساواة بينهما، قال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (2).
ولو سلّمنا - كما يقول الأصوليون - بهذه القاعدة، فأنّها لا تنطبق على خلافة يزيد، فقد كان بإجماع المسلمين لا فضل فيه، وإنّما كان إنساناً ممسوخاً، قد تمّرس
في الجرائم وهام في المنكرات، فكان الخروج عليه واجباً شرعياً.
وندد الشيخ محمّدالغزالي بنهضة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ووصفها بأنّها مجازفة لا أثر فيها لحسن السياسة (1)، وقد كان المتعين على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ(- حسبما يراه الا الغزالي - أن يبايع ليزيد، ويخضع لقيادة هذا الخليع الماجن الذي لا يملك أيّة كفاءة لقيادة الأمة، وهذا ممّا يأباه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتأباه مثله العليا، وهو المسؤول بالدرجة الأولى عن صيانة الإسلام والحفاظ على مقدساته وقيمه.
وأحمد شلبي من المسعورين في الدفاع عن يزيد، والإنكار على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خروجه عليه، قال: «نجيء إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) النقر - مع الأسف - أنّ تصرفاته كانت في بعض نواحي هذه المشكلة غير مقبولة، فهو أولاً: لم يقبل نصح الناصحين وخاصة عبداللّه بن عباس، واستبد برأيه.
وثانياً: نسي أو تجاهل خُلُق أهل الكوفة وما فعلوه مع أبيه وأخيه.
وهو ثالثاً: يخرج بنسائه وأطفاله كأنّه ذاهب إلى نزهة خلوية أو زيارة قريب: ويعرف في الطريق غدر أهل الكوفة، ومع هذا يواصل السير إليهم وينقاد لرأي بني عقيل، ويذهب بجماعة من الأطفال والنساء وقليل من الرجال؛ ليأخذ بثأر مسلم. ياللّه قد تكون ولاية يزيد العهد عملاً خاطئاً، ولكن هل هذا هو الطريق لمحاربة الخطأ والعودة إلى الصواب؟!» (2).
ولم ينظر شلبي بعمق ودراسة إلى واقع الحياة الإسلامية في عهد يزيد، وإنما نظر إليها حسب ميوله التقليدية والعاطفية، فراح يشذ ويسلك في المنعطفات فيما كتبه.
لقد كان الإسلام مهدداً بالخطر والدمار في عهد يزيد، وإن خروج الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان من أجل إعادة الحياة إلى شرايين الأمة الإسلامية، وقد أعلن(عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه لم يخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً، وإنما خرج ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحطّم معالم الحياة الجاهلية التي تبناها الحكم الأموي، وقد أشرنا في الجزء الثاني إلى أسباب نهضته (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما يوضح القصد وينفي الشبهات.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن المنددين بخروج الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى حكومة یزید.
أُفٍ لهذه الدنيا، ويُعداً لهذه الحياة. مِثْلُ ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وريحانته تضيق عليه الدنيا، وتتقاذفه أمواج من الهموم فلا يدري إلى أين مسراه ومولجه؟ فقد وافته الأنباء أنّ الطاغية يزيد قد عهد إلى شرطته باغتياله ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة.
لقد أيقن سبط رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) أن يزيد لا يتركه وشأنّه، ولا بدّ أن يسفك دمه وينتهك حرمته، وقد أدلى بذلك في كثير من المواطن، وكان منها:
1- ما رواه جعفر بن سليمان الضبعي، أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «وَاللّهِ لَا يَدَعونِي حَتّى يَسْتَخرجوا هذِهِ الْعَلَقَةَ - وأشار إلى قلبه الشريف - مِنْ جَوْفِي، فَإِذا فَعَلُوا ذلِكَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَنْ يُذِلُّهُمْ حَتَّى يَكُونوا أَذَلُّ مِنْ فَرَمِ الْأَمَةِ (1)»(2).
2- قال لأخيه محمّدبن الحنفية: «وَاللّهِ يا أَخِي، لَوْ كُنْتُ فِي جُحْرِ هَامَّةٍ مِنْ هَوامُ الْأَرْضِ لَاسْتَخْرَجُونِي حَتَّى يَقْتُلُونِي» (3)
3- ما رواه معاوية بن قرة قال: «قال الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ا: وَاللَّهِ لَيَعْتَدُنَّ عَلَيَّ كَما اعْتَدَتْ بَنو إسرائيل في السَّبْتِ» (4).
1) فَرَمُ الأَمَةِ: هي خرقة الحيض التي تلقيها النساء - لسان العرب: 10: 251 - فرم
2) تاريخ الأمم والملوك: 4: 596. تاريخ مدينة دمشق: 14: 216. البداية والنهاية: 8: 171
3) بحار الأنوار: 45 99 تاريخ الأمم والملوك: 4: 589. الكامل في التاريخ: 3: 276
4) تاريخ مدينة دمشق: 14: 216. تاريخ الأمم والملوك: 4: 589. الكامل في التاريخ: 3: 276
واستولت الحَيْرَة على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأحاطت به موجات من الأسى والشجون، وتلبد أمامه الجو بالمشاكل الرهيبة والأحداث المفزعة، فهو إن بقي في مكة يخشَ من الاغتيال، وإن ذهب إلى العراق فأنّه غير مطمئن من أهل الكوفة وأنّهم سيغدرون به، وقد أدلى بذلك لبعض من شاهده في الطريق حسبما يرويه عنه يزيد الرشك يقول: «حدثني من شافه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: إني رأيت أبنية مضروبة بفلاة من الأرض، فقلت: لمن هذه؟
قالوا: هذه للحسين.
قال: فأتيته، فإذا شيخ يقرأ القرآن، والدموع تسيل على خديه ولحيته.
قال: قلت له: بأبي وأمي يابن رسول اللّه، ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد؟
فقال: هذِهِ كُتُبُ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَيَّ، وَلَا أَراهُمْ إِلَّا قاتِلِي، فَإِذا فَعَلُوا ذلِكَ لَمْ يَدَعوا اللَّهِ حُرْمَةً إِلَّا انْتَهَكوها، فَيُسِلُّطُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَنْ يُذِلُّهُمْ حَتَّى يَكُونوا أَذَلَّ مِنْ فَرَمِ الْأَمَةِ» (1).
لقد كان متشائماً من أهل الكوفة، فهو يعلم غدرهم وعدم وفائهم، وأنّهم سيكونون إلباً عليه، ويداً لأعدائه.
وعلى أيّة حال فإنّا نعرض لبعض الأحداث التي جرت على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مكة قبل سفره منها، ونتبيّن دوافع هجرته إلى العراق وما جرى له في أثناء سفره.
ولمّا صمم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)اللّه على مغادرة مكة إلى العراق كتب هذه الرسالة
1) تاريخ مدينة دمشق: 14: 216. تاريخ الإسلام) حوادث 61 - 80: 12. تذهیب التهذيب: 1: 156. البداية والنهاية: 8: 171. الدر النظيم: 167
لبني هاشم، وقد جاء فيها، بعد البسملة:
«مِنَ الحسين بن علي إِلى بَنِي هَاشِمٍ أَمَا بَعْدُ، فَأنّه مَنْ لَحِقَ بِي مِنْكُمُ اسْتُشْهِدَ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنِّي لَمْ يُدْرِكِ الفتح، وَالسَّلَامُ» (1).
لقد أخبر (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأسرة النبوية بأنّ مَنْ لحقه منهم سوف يظفر بالشهادة، ومَنْ لم يلحق به فأنّه لا ينال الفتح، فأي فتح هذا الذي عناه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟!
أنّه الفتح الذي لم يحرزه غيره من قادة العالم وأبطال التاريخ، فقد انتصرت مبادئه، وانتصرت قيمه وتألقت الدنيا بتضحيته، وأصبح اسمه رمزاً للحق والعدل، وأصبحت شخصيته العظيمة ليست ملكاً لأمة دون أمة، ولا لطائفة دون أخرى، وإنّما هي ملك للإنسانية الفذة في كل زمان ومكان، فأي فتح أعظم من هذا الفتح، وأي نصر أسمى من هذا النصر.
ولما وردت رسالة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بني هاشم في يثرب بادرت طائفة منهم إلى الالتحاق به؛ ليفوزوا بالفتح والشهادة بين يدي ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وكان فيهم أبناء عمومته وإخوته (2). كما لحق بهم محمّدبن الحنفية ليصدّ الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) ن السفر إلى العراق، إلا أنّه لم يستجب له، وقد ذكرنا حديثه في البحوث السابقة.
وممّن خرج مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مغيرة بن نوفل، فأصابه مرض في الطريق فعزم عليه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يرجع فرجع، فلمّا بلغه قتله قال يرثيه:
أَحْزَنَنِي الدَّهْرُ وَأَبْكَانِي *** وَالدُّهْرُ ذُو صَرْفٍ وَأَلوان
أَفَرَدَنِي مِنْ يَسعَةٍ قُتِلُوا *** بالطُّفُ أَضْحَوارَهْنَ أَكفان
وَسِتَّةٍ لَيْسَ لَهُم مُشْبة *** بَنِي عَقِيلٍ خَيْرٍ فُرسان
وَالمَرْءُ عَونٍ وَأَخِيهِ مَضَى ***كِلَاهُما هَيَّجَ أحزاني
مَنْ كَانَ مَسْرُوراً بِما نالنا *** وَشامِتاً يَوْماً فَما الآن (1)
أما بواعث هجرة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ه من مكة، وخروجه إلى العراق بهذه السرعة فهي - فيما نحسب - تعود إلى ما يلي:
وخاف الإمام على انتهاك بيت اللّه الحرام الذي مَنْ دخله كان آمناً، فإنّ بني أُمية كانوا لا يرون له حرمة، فقد عهد يزيد إلى عمرو بن سعيد الأشدق أن يناجز الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحرب، وإن عجز عن ذلك اغتاله. وقَدِمَ الأشدق في جند مُجنّدة إلى مكة، فلمّا علم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خرج منها ولم يعتصم بالبيت الحرام حفظاً على قداسته (2).
يقول(عَلَيهِ السَّلَامُ): «وَاللَّهِ لَئِنْ أُقْتَلَ خارِجاً مِنْها بِشِبْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ...». ويقول (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابن الزبير: «وَاللَّهِ لَئِنْ أُقْتَلَ بِمَكانِ كَذَا وَكَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُسْتَحَلَّ بِمَكَّةَ» (3).
وقد كشفت الأيام عدم تقديس الأمويين لهذا البيت العظيم، فقد قذفوه بالمنجنيق، وأشعلوا فيه النار عندما حاربوا ابن الزبير، كما استباحوا المدينة قبل
ذلك. لقد تحرّج الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشد ما يكون التحرّج على قداسة بيت اللّه من أن تنتهك حرمته، فنزح عنه لئلا تسفك فيه الدماء.
وخاف الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الاغتيال في مكة أو يقع غنيمة باردة بأيدي الأمويين، فقد دسّ إليه يزيد شرطته لاغتياله. يقول عبداللّه بن عباس في رسالته ليزيد: «... وما أنسى من الأشياء فلست بناس اطرادك الحسين بن علي من حرم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) إلى حرم اللّه ودسّك إليه الرجال تغتاله، فأشخصته من حرم اللّه إلى الكوفة، فخرج منها خائفاً يترقب، وقد كان أعز أهل البطحاء بالبطحاء قديماً، وأعز أهلها بها حديثاً، وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لو تبوأ بها مقاماً واستحل بها قتالاً...» (1)
ومما دعا الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الخروج من مكة رسالة سفيره مسلم بن عقيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي تحثّه على السفر إلى العراق، وقد جاء فيها أنّ جميع أهل الكوفة معه، وأن عدد المبايعين له يربو على اثنى عشر الفاً (2).
هذه بعض الأسباب التي حفّزت الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى الخروج إلى العراق، وإنّ من أوهى الأقوال القول بأن خروجه من مكة كان راجعاً إلى وجود ابن الزبير فيها، فإنّ ابن الزبير لم تكن له أية أهمية حتى يخرج الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) منها، وإنّما الأسباب التي أشرنا إليها هي التي دعته إلى الخروج من مكة، ولأنّها لا تصلح لأن تكون مركزاً للحركات السياسية بعد أن أصبحت مهددة بغزو الجيوش الأموية لها.
ولمّا عزم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى مغادرة الحجاز والتوجه إلى العراق أمر بجمع الناس ليلقي عليهم خطابه التاريخي، وقد اجتمع إليه خلق كثير في المسجد الحرام من الحجّاج وأهالي مكة، فقام فيهم خطيباً، فاستهلّ خطابه بقوله:
«الْحَمْدُ لِلَّهِ، ما شاءَ اللّهُ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، خُطَّ الْمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَ الْقِلَادَةِ عَلَى جِيْدِ الفتاةِ، وَما أَوْلَهَنِي إِلى أَسْلَافِي اشْتِيَاقُ يَعْقُوبَ إِلى يُوسُفَ، وَخُيْرَ لِي مَصْرَعٌ أَنا لاقِيهِ. كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تُقَطِّعُها عُسْلَانُ الفلَواتِ بَيْنَ النَّواوِيسِ وَكَرْبَلَاءَ، فَيَمْلَأُنَ مِنِّي أَكْرَاشاً جَوْفاً، وَأَجْرِبَةٌ سَغْبى، لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَمِ. رِضا اللَّهِ رِضانَا أَهْلَ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ وَيُوَفِّينا أُجُورَ الصَّابِرِينَ، لَنْ تَشُنَّ عَنْ رَسولِ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) لُحْمَتُهُ، بَلْ هِيَ مَجْمُوعَةٌ لَهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ، تَقَرُّ بِهِمْ عَيْتُهُ، وَيُنْجِزُ بِهِمْ وَعْدُهُ، أَلَا وَمَنْ كانَ باذِلاً فِينَا مُهْجَتَهُ، مُوَطِّناً عَلَى لِقاءِ اللّه نَفْ نَفْسَهُ، فَلْيَرْحَلْ مَعَنا فَإِنِّي راحِلٌ مُصْبِحاً إِنْ شاءَ اللّهُ تَعالى» (1).
لا أعرف خطاباً أبلغ ولا أروع من هذا الخطاب، فقد حفل بالدعوة إلى الحق، والاستهانة بالحياة في سبيل اللّه، وقد جاء فيه هذه النقاط:
1- أنّه نعى نفسه، ورحّب بالموت، واعتبره زينة للإنسان كالقلادة التي تتزين بها جيد الفتاة، وهذا التشبيه من أروع وأبدع ما جاء في الكلام العربي، ومن الطبيعي أنّ
1) اللّهوف: 38 کشف الغمّة: 1: 573. بحار الأنوار: 44: 366 و 367 عوالم العلوم 17: 2 216 و 217. الحدائق الوردية: 1: 117
الموت الذي يتحلّى به الإنسان إنّما هو الموت في سبيل اللّه والحق.
2- أنّه أعرب عن شوقه البالغ إلى أسلافه الطيبين الذين استشهدوا في سبيل اللّه، وقد كان شوقه إليهم كاشتياق يعقوب إلى يوسف حسبما يقول.
3- أنّه أخبر أنّ اللّه تعالى قد اختار له الشهادة الكريمة، والميتة المشرّفة دفاعاً عن الحق وذوداً عن الإسلام.
4- أنّه أعلن عن البقعة الطيبة التي يسفك على صعيدها دمه الزاكي، وهي ما بين النواويس وكربلاء، فبها تتقطع أوصاله، وتتناهب الرماح جسمه الشريف.
5- أنّه أخبر أن الذئاب الكاسرة من وحوش بني أُمية وأذنابهم لا يقرّ لهم قرار حتى تمتلئ أكراشهم من لحمه ودمه، وبعدها ودمه، وبعدها يتم تسلّطهم على تسلّطهم على الأمة، فيمعنون في نهب ثرواتها وخيراتها.
6- وأخبر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنما يجري عليه من الخطوب والأهوال أمر لا محيص عنه، فقد خط عليه بالقلم وجرى في علم اللّه، وليس من الممكن بأية حال من الأحوال تبديل أو تغيير ما كتبه اللّه عليه.
7- أعلن أنّ اللّه تعالى قد قرن رضاه برضا أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقرن طاعته بطاعتهم، وحقاً أن يكون ذلك، فهم دعاة دين اللّه والأدلاء على مرضاته، وتحمّلوا من الأهوال التي لاتوصف في سبيله.
8 - أنّه تحدث العالم عن نزعة كريمة من نزعات أهل البيت(عَلَيهِم السَّلَامُ) وهي الخلود إلى الصبر، والتسليم لأمر اللّه على ما يجري عليهم من عظيم المحن والخطوب، وأنّ اللّه تعالى قد أجزل لهم الثواب، ووفاهم بذلك أُجور الصابرين.
9- وأخبر (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن الواقع المشرق لأهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) إنما هو امتداد ذاتي لواقع الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فهم لحمته وفرعه، والفرع لا يختلف عن أصله، وسوف تقرّ عين النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) اللّه في حظيرة القدس بعترته التي سهرت على أداء رسالته، وجاهدت
أعظم ما يكون الجهاد في الذود عن دينه.
10- أنّه دعا المسلمين إلى خوض المعركة معه في ساحات الجهاد، وأن مَنْ ينطلق معه فقد بذل مهجته، ووطن نفسه على لقاء اللّه.
هذه النقاط المشرقة في خطابه دلّت على أنّه آيس من الحياة، وعازم على الموت، ومصمم على التضحية، ولو كان يروم الملك لما عرض لذلك وكان عليه أن يقدّم الوعود المعسولة، والآمال البراقة لمن يسيرمعه.
ولم يستجب لنداء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحد من أهل مكة، ولا أحد من الحجاج الذين سمعوا خطابه سوی نفر يسير من المؤمنين. وهذا مما يكشف عن قلة الوعي الديني، وتخدير المجتمع، وانحرافه عن الحق.
ولمّا عزم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى مغادرة مكة أحرم للعمرة المفردة، فطاف بالبيت وسعى وقصر، وطاف طواف النساء، وأحلّ من عمرته.
وذكر الشيخ المفيد أنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما أراد التوجه إلى العراق طاف بالبيت وسعی بین الصفا والمروة وأحلّ من إحرامه وجعلها عمرة؛ لأنّه لم يتمكن من إتمام الحج مخافة أن يقبض عليه بمكة فينفذ به إلى يزيد (1).
وهذا لا يخلو من تأمّل، فإنّ المصدود عن الحج يكون إحلاله بالهدي - حسبما نص عليه الفقهاء - لا بقلب إحرام الحج إلى عمرة، فإنّ هذا لا يوجب الإحلال من إحرام الحج.
أما ما ذكرناه فتدعمه روايتان ذكرهما الشيخ الحر العاملي في (وسائل الشيعة) في كتاب الحج في باب: أنّه يجوز أن يعتمر في أشهر الحج عمرة مفردة، ويذهب
1) الإرشاد/المفيد: 2: 67. إعلام الورى: 1: 445
حيث شاء.
أما الروايتان فهما:
الأولى: رواها إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي عبد (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أنّه سئل عن رجل خرج في أشهر الحج معتمراً، ثم خرج إلى بلاده، قال: لَا بَأْسَ، وَإِنْ حَجَّ مِنْ عامِهِ ذلِكَ وَأَفْرَدَ الْحَجَّ فَلَيسَ عَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنَّ الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) خَرَجَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِلَى الْعِرَاقِ وَكانَ مُعْتَمِراً» (1).
الثانية: رواها معاوية بن عمار، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): من أين افترق المتمتع والمعتمر؟
فقال(عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ الْمُتَمَتِّعَ مُرْتَبِطُ بِالْحَجِّ، وَالْمُعْتَمِرَ إِذا فَرِغَ مِنْهَا ذَهَبَ حَيْثُ شَاءَ، وَقَدِ اعْتَمَرَ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ راحَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَالنَّاسُ يَرُوحونَ إِلَى مِنَى، وَلَا بَأْسَ بِالْعُمْرَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ لِمَنْ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ» (2). وهذه الرواية نص فيما ذكرناه.
والشيء الذي يدعو إلى التساؤل هو أنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد غادر مكة في اليوم الثامن من ذي الحجّة وهو اليوم الذي يتأهب فيه الحجّاج للخروج إلى عرفة، فلمّاذا لم يتم حجّه؟!
وفيما أحسب أنّ هناك عدة عوامل دعته إلى الخروج من مكة بهذه السرعة، وهي:
الأوّل: إنّ السلطة قد ضايقته مضايقة شديدة حتى اطمئنّ أنّها ستفتح معه باب
الحرب، أو تغتاله وهو مشغول في أداء مناسك الحج، وتستحل بذلك حرمة الحج، كما تضيع أهدافه المقدّسة التي منها تحرير الأمة تحريراً كاملاً من الذل والعبودية.
الثاني: أنّه إذا لم تناجزه السلطة أيام مناسك الحج، فأنّها حتماً ستناجزه الحرب بعدها، فيصبح في مكة إما مقاتلاً أو مقتولاً، وفي كلا الأمرين سفك للدماء في البيت الحرام وفي الشهر الحرام، فغادر مكة حفاظاً على المقدسات الإسلامية.
الثالث: إنّ خروجه في ذلك الوقت الحسّاس كان من أهم الوسائل الإعلامية ضد السلطة في ذلك العصر، فإنّ حجّاج بيت اللّه الحرام قد حملوا إلى أقطارهم نبأ خروج الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا الوقت من مكة وهو غضبان على الحكم الأموي، وأنّه قد أعلن الثورة على يزيد، ولم يبقَ في مكة صيانة للبيت الحرام من أن ينتهك على أيدي الأُمويين، وقد أعلن ذلك أمام الحجيج.
فهذه بعض الأسباب التي حفزت الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها على الخروج قبل إتمام حجّه.
ولما علم ابن الزبير بمغادرة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى العراق خف إليه يسأله عن مسألة لم يهتد إليها، فقال له: يابن رسول اللّه، لعلنا لا نلتقي بعد اليوم، فأخبرني متى يرث المولود ويورث؟ وعن جوائز السلطان هل تحل أم لا؟
فأجابه(عَلَيهِ السَّلَامُ): أَمَا الْمَولُودُ فَإِذا اسْتَهَلَّ صارخاً، وَأَمَا جَوائِرُ السُّلْطَانِ فَحَلَالٌ مَا لَمْ يَغْصِب الأمْوالَ (1).
وقد سأله مرّة أخرى: يا أبا عبد اللّه: ما تقول في فكاك الأسير على من هو؟
قال(عَلَيهِ السَّلَامُ): عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ أَعأنّهمْ. وربّما قال: قاتَلَ مَعَهُمْ.
1) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان: 67، من مخطوطات مكتبة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)
وسأله أيضاً عن الشرب قائماً، فدعا بِلَقْحَةٍ له فحلبت وشرب قائماً وناوله منه. ولم تكن عند ابن الزبير أيّة بضاعة فقهية فراح يستفتي الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مثل هذه الأمور الواضحة، والغريب أنّه مع هذه الحال كيف يتصدى لإمامة المسلمين وخلافتهم؟!
وقبل أن يغادر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مكة انطلق إلى البيت الحرام فأدّى له التحية بطوافه وصلاته، وكان ذلك هو الوداع الأخير له، وأدّى فيه فريضة صلاة الظهر ثم خرج مودعاً له.
لقد انطلق الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مودعاً الكعبة حاملاً روحها بين جنبيه وشعلتها بكلتا يديه،، تواكبه الملائك وتباركه، وتطوف به كأنّها حذرة عليه... فأنّه البقية من إرث السماء على الأرض (1).
لقد نزح عن مكة خائفاً من حفيد أبي سفيان، كما نزح عنها جده الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) خوفاً من المشركين بزعامة أبي سفيان، وقد صحبه اثنان وثمانون رجلاً من أهل بيته وخاصته ومواليه (2)، كما صحب معه السيدات من مخدّرات الرسالة وعقائل النبوة. لقد خرج الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو يحمل معه التحرير الكامل للأمة الإسلامية يريد
1) الحسين بن علي: 557
2) الفتوح: 5: 69 وسيلة المآل في عد مناقب الآل: 188. دائرة المعارف/البستاني: 48:7 وفي تاريخ مدينة دمشق: 14: 212: «فخرج متوجهاً إلى العراق في أهل بيته وستين شيخاً من أهل الكوفة». وفي تاريخ الإسلام(حوادث 61 - 80): 9: «فسار من مكة وخف معه من بني عبد المطلب تسعة عشر رجلاً ونساء وصبيان»
أن يقيم في ربوعها حكم القرآن، وعدالة السماء ويردّ عنها كيد المعتدين.
وكان خروجه - فيما يقوله أكثر المؤرخين - في اليوم الثامن من ذي الحجة سنة ستين من الهجرة (1)، وقد خيّم الأسى على أهل مكة فلم يبق أحد إلا حزن لخروجه (2)، وانفصل الركب عن مكة، فلم ينزل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) منزلاً إلا حدث أهل بيته عن مقتل يحيى بن زكريا (3)متنبئاً بما سيجري عليه من القتل كما جرى على يحيى.
ولم يبعد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثيراً عن مكة حتى لاحقته مفرزة من الشرطة بقيادة يحيى بن سعيد، فقد بعثها والي مكة عمرو بن سعيد لصده عن السفر إلى العراق، وجرت بينهما مناوشات، وقد عجزت الشَّرَطة عن المقاومة (4)
وجاء في سمط النجوم: 3: 57، وجواهر المطالب: 2: 264: «أنّ: عمرو بن سعيد لما
بلغه خروج الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللّه من مكة قال لشرطته: اركبوا كل بعير بين السماء والأرض في طلبه، وكان الناس يتعجبون من قوله، فطلبوه فلم يدركوه» - العقد الفريد: 4: 376 و 377
.وكان ذلك الإجراء فيما نحسب صورياً، فقد خرج الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وضح النهار من دون أية مقاومة تذكر، لقد كان الغرض من إرسال هذه المفرزة العسكرية إبعاده عن مكة، والتحجير عليه في الصحراء حتى يتم القضاء عليه بسهولة.
وأكّد ذلك الدكتور عبد المنعم ماجد بقوله: «ويبدو لنا أن عامل يزيد على الحجاز لم يبذل محاولة جدّية لمنع الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها من الخروج من مكة إلى الكوفة بسبب وجود كثير من شيعته في علمه، بل لعله قدر سهولة القضاء عليه في الصحراء بعيداً عن أنصاره، بحيث إن بني هاشم فيما بعد اتهموا يزيد بأنّه هو الذي دسّ إليه الرجال حتى يخرج...» (1).
وكانت دمشق على اتصال دائم بالكوفة، كما كانت على علم بجميع تحركات الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد اضطربت من فشل المؤامرة التي دبرتها لاغتياله في مكة، ونزوحه إلى العراق ليتولى بنفسه قيادة الثورة التي عهد بشؤونها إلى سفيره مسلم بن عقيل (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد صدرت من يزيد عدة رسائل إلى حاكم الكوفة الطاغية ابن زياد، وهي تضع له المخططات الرهيبة التي يسلكها وتأمره بالحزم أمام الأحداث التي تعترض طريقه، ومن بين هذه الرسائل:
الأولى: كتب يزيد هذه الرسالة إلى ابن زياد بعدما خرج الإمام من مكة، وقد جاء فيها: «عليك بالحسين بن علي لا يفوتن، بادره قبل أن يصل إلى العراق» (2).
ومنطق هذه الرسالة إلزام السلطة في الكوفة المبادرة التامة لقتال الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الصحراء قبل أن يصل إلى العراق، وعدم التماهل في ذلك.
الثانية: وقد جاء فيها: «أنّه قد بلغني أنّ حسيناً قد سار إلى الكوفة، وقد ابتلي به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت به من بين العمّال، وعندها
تعتق أو تعود عبداً كما يعتبد العبيد» (1).
وتحمل هذه الرسالة طابعاً من القسوة والشدّة، فقد أنذر فيها يزيد عامله ابن زياد فيما إذا قصر في مهمته، ولم يخلص في حربه للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)لّه أن يفصم التحاقه ببني أُمية، ويعود إلى جده عُبيد الرومي، فيكون عبداً كسائر العبيد يباع ويعتق. وقد أعلن ابن زياد - فور وصول هذه الرسالة إليه - الأحكام العرفية، وأغلق جميع الحدود العراقية، فأخذ ما بين (واقصة (إلى طريق الشام، وإلى طريق البصرة، فلم يدع أحداً يلج إلى صحراء العراق ولا أحداً يخرج منه (2).
كما شكل قطعات من الجيش تجوب في العراق للتفتيش عن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن بينها الكتيبة العسكرية التي تضم زهاء الف فارس بقيادة الحر بن يزيد الرياحي، وهي التي أرغمت الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى النزول في كربلاء، وصرفته من التوجه إلى بلد آخر.
الثالثة: وعهد يزيد إلى ابن زياد أن يجزل العطاء إلى الزعماء والوجوه وغيرهم حتى يستميل ودّهم، وهذا نص رسالته: «أما بعد، فزد أهل الكوفة أهل السمع والطاعة في أعطياتهم مائة مائة» (3)، وأغدق ابن زياد الأموال على الأعيان والوجوه» فاستمالهم لحرب ابن رسول اللّه.
أما موقف الأمويين إزاء تحرّك الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومغادرته الحجاز إلى العراق
فقد كان مضطرباً، فطائفة منهم كانت تحب العافية، وتخاف عواقب الأمور، وتخشى عليه أن يناله ابن زياد بمكروه فيكون ذلك سبباً لزوال ملكهم، وطائفة كانت تخاف على العرش الأموي، وتحذر من ذهاب الملك منهم، وترى ضرورة البطش بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومقابلته؛ ليسلم لهم الملك والسلطان.
أمّا الطائفة الأُولى فيمثلها الوليد ابن عتبة، وأما الثانية فيمثلها عمرو بن سعيد الأشدق، وقد كتب كل منهما رسالة لابن زياد تمثل رأيه واتجاهه:
وليس في بني أمية مثل الوليد بن عتبة في أصالة رأيه وعمق تفكيره، فقد فزع حينما علم بمغادرة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لحجاز وتوجهه إلى الكوفة، وهو يعلم بغرور يزيد وطيش ابن زیاد، فرفع رسالة إلى ابن زياد يحذره فيها من أن يناله بمكروه، فإن ذلك يعود بالأضرار البالغة على بني أُمية، وهذا نص رسالته: «من الوليد بن عتبة إلى عبيد اللّه بن زياد، أما بعد، فإنّ الحسين بن علي قد توجّه نحو العراق، وهو ابن فاطمة، وفاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فاحذر يابن زیاد من أن تبعث إليه رسولاً فتفتح على نفسك ما لا تختار من الخاص والعام، والسلام» (1).
ولم يعنّ به ابن زياد، وإنما مضى سادراً في غيّه وطيشه مطبقاً لما عهدت إليه حكومة دمشق.
واشتبه ابن كثير فزعم أن مروان كتب لابن زياد ينصحه بعدم التعرّض للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويحذره مغبّة الأمر، ورسالته التي بعثها إليه تضارع رسالة الوليد
1) الفتوح: 5: 70
السابقة مع بعض الزيادة عليها، وهذا نصها: «أما بعد، فإنّ الحسين بن علي قد توجه إليك، وهو الحسين ابن فاطمة، وفاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وتاللّه ما أحد يسلمه اللّه أحب إلينا من الحسين، فإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء، ولا تنساه العامة، ولا تدع ذكره آخر الدهر، والسلام» (1).
إنّ من المقطوع به أنّ هذه الرسالة ليست من مروان، فأنّه لم يفكر بأي خير يعود للأمة، ولم يفعل في حياته أية مصلحة للمسلمين. يضاف إلى ذلك مواقفه العدائية للعترة الطاهرة وبالأخص للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهو الذي أشار على حاكم المدينة بقتله، وحينما بلغه مقتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أظهر الفرح والسرور، فكيف يوصي ابن زیاد برعایته والحفاظ عليه؟!
وأرسل عمرو بن سعيد الأشدق إلى ابن زياد رسالة يأمره فيها بأن يتخذ مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جميع الإجراءات الصارمة، وقد جاء فيها: «أما بعد، فقد توجّه إليك الحسين، وفي مثلها تعتق أو تكون عبداً تسترق كما تسترق العبيد» (2).
ولم يبعد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كثيراً عن مكة حتى اجتازت عليه وهو في (التنعيم) (3)قافلة من العير تحمل ورساً (4)وحللاً كثيرة أرسلها والي اليمن بحير
1) تاريخ مدينة دمشق: 14: 212. البداية والنهاية: 8: 167
2) تاريخ مدينة دمشق: 14: 212. البداية والنهاية: 8: 167
3) التنعيم: موضع بمكة في الحل يقع بين مكة وسرف على فرسخين من مكة. وقيل: أربعة. سمي بذلك لأنّ جبلاً عن يمينه يقال له: نعيم، وآخر عن شماله يقال له: ناعم، والوادي نعمان- معجم البلدان: 2: 58
4) الورس: نبت أصفر يستعمل لصبغ الثياب يكون باليمن - لسان العرب: 15: 270 ورس
ابن ريسان إلى الطاغية يزيد، فأمر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمصادرتها، وقال لأصحاب الإبل: مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَنْصَرِفَ مَعَنا إِلَى الْعِراقِ أَوْفَيْنا كِرَاءَهُ وَأَحْسَنَا صُحْبَتَهُ، وَمَنْ أَحَبَّ الْمُفارَقَةَ أَعْطَيْنَاهُ مِنَ الْكِرَاءِ عَلى ما قَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ.
ففارقه بعضهم بعد أن استوفى كراءه، ومضى في صحبته من أحب منهم (1).
وقد أنقذ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الأموال من أن تنفق على موائد الخمور، وتدعيم الظلم، والإساءة إلى الناس. وقد تقدّم أنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مقام بنفس هذه العملية أيام معاوية.
وقد ذهب آية اللّه المغفور له السيد مهدي بحر العلوم إلى عدم صحة ذلك فإنّ مقام الإمام أسمى وأرفع من الإقدام على مثل هذه الأمور (2).
والذي نراه أنّه لا مانع من ذلك إطلاقاً، فإنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يرى الحكم القائم في أيام معاوية ويزيد غير شرعي، ويرى أن أموال المسلمين تنفق على فساد الأخلاق ونشر العبث والمجون، فكان من الضروري إنقاذها لتنفق على الفقراء والمحتاجين، وأي مانع شرعي أو اجتماعي من ذلك؟
ولما انتهى موكب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها إلى موضع يسمّى بـ: (الصِّفاح) (3)
لَقِيتُ الحسين بِأَرضِ الصِّفَاحِ *** عَلَيهِ البَلَامِقُ وَالدُّرَّقُ
جاء ذلك في معجم البلدان: 3: 467 و.468. تاريخ الأمم والملوك: 4: 589 و 590. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 1: 222. الكامل في التاريخ: 3: 376.
وفي تذكرة الحفاظ/الذهبي: 1: 372: «أنّ ملاقاته اللّه مع الفرزدق كانت بـ (ذات عرق)». وفي الفتوح: 5: 71: «أنّها بـ (الشقوق)». وفي اللّهوف: 45: «أنّه التقاه بعد مسيره من (زُبَالة)». والصحيح أنّها كانت في (الصفاح) لنظم الفرزدق ذلك
التقى1) اللّهوف: 42 و 43. الإرشاد/المفيد: 2 68 تاريخ الأمم والملوك: 4 589. مقتل: الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 1: 220. البداية والنهاية: 8: 168
2) الفوائد الرجالية: 4 48، والذي ذهب السيد بحر العلوم إلى عدم صحته هي الحادثة في زمن معاوية لا في زمن يزيد
3) الصفاح: موضع بين حنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة من مشاش، وقد نظم الفرزدق التقاءه بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) للا في هذا المكان بقوله:
الشاعر الكبير الفرزدق همّام بن غالب بالإمام، فسلم عليه وحياه، وقال له: بأبي أنت وأمي يا بن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ما أعجلك عن الحج؟
فقال(عَلَيهِ السَّلَامُ): لَوْ لَمْ أَعْجَلْ لأُخِذتُ (1).
وبادره الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ يَا أَبَا فِراسِ.
فقال: من الكوفة.
فقلت: على الخبير سقطت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أُمية، والقضاء ينزل من السماء، واللّه يفعل ما يشاء (2).
واستصوب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حديث الفرزدق فقال له: صَدَقْتَ، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ، يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ، وَكُلَّ يَوْمٍ رَبُّنَا فِي شَأْنٍ.
إِنْ نَزَلَ الْقَضاءُ بِمَا نُحِبُّ فَنَحْمَدُ اللّهَ عَلَى نَعْمَأنّه، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ عَلَى أَداءِ الشُّكْرِ، وَإِنْ حالَ الْقَضاءُ دُونَ الرَّجاءِ فَلَمْ يَتَعَدَّ مَنْ كانَ الْحَقُّ نِيَّتَهُ وَالتَّقْوى سَرِيرَتَهُ (3).
1) الإرشاد/المفيد: 2: 67. البداية والنهاية: 8: 169
2) الإرشاد/المفيد: 2: 67. بحار الأنوار: 44: 365. أنساب الأشراف: 3: 376. تاريخ الأمم والملوك: 4: 590. الفتوح: 5: 71 - 73. الكامل في التاريخ: 3: 276 وسيلة المآل: 188
3) تاريخ الأمم والملوك: 4: 590. الكامل في التاريخ: 3: 276. الصواعق المحرقة: 196. البداية والنهاية: 8: 168
وأنشأ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قول:
«لَئِنْ كانَتِ الدُّنْيا تُعَدُّ نَفِيسَةٌ *** فَإِنَّ ثَوابَ اللّهِ أَعْلَى وَأَنْبَلُ
وَإنْ كانَتِ الْأَبْدانُ لِلمَوْتِ أُنشِئَتْ *** فَقَتل امري بِالسَّيْفِ فِي اللَّهِ أَفضَلُ
وإنْ كانَتِ الأَرْزاقُ قِسْماً مُقَدَّراً *** فَقِلَّةُ حِرصِ المَرءِ فِي الرِّزْقِ أَجْمَلُ
وَإِنْ كانَتِ الأموالُ لِلتّركِ جَمْعُها *** فَما بالُ مَترُوكِ بِهِ المَرءُ يَبخَلُ» (1)
وسأله الفرزدق عن بعض المسائل الشرعية فأجابه عنها، ثمّ سلّم عليه وانصرف عنه. ويعطينا هذا الالتقاء صورة عن خنوع الناس، وعدم اندفاعهم لنصرة الحق، فالفرزدق الذي كان يملك وعياً اجتماعياً ووعياً ثقافياً مع علمه بأنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سيقتل لم يندفع إلى نصرته والالتحاق بموكبه ليذب عنه، فإذا كانت هذه حال الفرزدق، فكيف بغيره من سواد الناس وجهّالهم؟!
وعلى أيّة حال فقد واصل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مسيرته بعزم وثبات، ولم يثنه عن نيته قول الفرزدق في تخاذل الناس عنه، وتجاوبهم مع بني أُمية، ولو كان يروم الملك؛ لصدّه قول الفرزدق عن التوجه إلى العراق.
ولما وافى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (الحاجر) (2)من بطن ذي الرمة (3)- وهو أحد منازل
الحج من طريق البادية - كتب كتاباً لشيعته من أهل الكوفة يعلمهم بالقدوم إليهم، وقد جاء فيه بعد البسملة:
«مِنَ الحسين بن علي إِلَى إِخْوَأنّه مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ.
سَلامٌ عَلَيْكُمْ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ.
أَمَا بَعْدُ، فَإِنَّ كِتابَ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ جَاءَنِي يُخْبِرُنِي بِحُسْنِ رَأْيِكُمْ وَاجْتِمَاع مَلَيْكُمْ عَلى نَصْرِنَا، وَالطَّلَبِ بِحَقِّنا، فَنَسْأَلُ اللّهَ أَنْ يُحْسِنَ لَنا الصَّنِيعَ، وَأَنْ يُشِبَكُمْ عَلى ذلِكَ أَعْظَمَ الْأَجْرِ، وَقَدْ شَخَصْتُ إِلَيْكُمْ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ لِثَمَانِ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَإِذا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَسُولِي فَاكْتُمُوا أَمْرَكُمْ، وَجِدَوا فَإِنِّي قادِمٌ عَلَيْكُمْ مِنْ أَيَّامِي هَذِهِ إِنْ شَاءَ اللّهُ. وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ» (1).
ودفع الكتاب بيد البطل الفذ قيس بن مسهر الصيداوي، فأخذ يجد في السير لا يلوي على شيء حتى انتهى إلى القادسية، فاستولت عليه مفرزة من الشرطة أقيمت هناك تفتش كل من يدخل للعراق ويخرج منه تفتيشاً دقيقاً، وأسرع قيس إلى الكتاب فخرقه لئلا تطلع الشرطة على ما فيه، وأرسلته الشرطة مخفوراً ومعه القطع المخرّقة من الكتاب إلى الطاغية ابن زياد، فلمّا مثل عنده قال له: مَن أنت؟
فقال: أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين الحسين بن (عَلَيهِ السَّلَامُ).
قال: فَلِمَ خرقت الكتاب الذي كان معك؟
فقال: خوفاً من أن تعلم ما فيه.
1) الإرشاد/المفيد: 2: 71 البداية والنهاية: 8: 199 - 170. وفي الفتوح: 5: 35 و 36، صورة أخرى للكتاب. وفي أنساب الأشراف: 3: 378، صورة ثالثة لهذا الكتاب
قال: ممّن الكتاب؟ وإلى من؟
فقال: كان من الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم.
وغضب الطاغية وفقد صوابه وصاح به واللّه لا تفارقني أبداً، أو تدلّني على هؤلاء القوم الذين كتب إليهم هذا الكتاب، أو تصعد المنبر فتسب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأباه وأخاه، فتنجو من يدي أو لأقطّعنّك.
فقال له قيس أما هؤلاء القوم فلا أعرفهم، وأما اللعن فأفعل.
وظن ابن زياد أنّه من قبيل أوغاد أهل الكوفة الذين تغريهم المادة ويرهبهم الموت، وما عرف أنّه من أفذاذ الأحرار الذين يصنعون تاريخ الأمم والشعوب، وترتفع بهم كلمة الحق والعدل في الأرض.
وأمر ابن مرجانة بجمع الناس في المسجد الأعظم ليريهم من لعن قيس لأهل البيت - كما توهّم - أمثلة لنكث العهد حتى يحملهم عليها ويجعلها من أخلاقهم وذاتياتهم.
وانبرى البطل العظيم وهو هازئ من الموت وساخر من الحياة ليؤدّي رسالة اللّه بأمانة وإخلاص، فاعتلى منصة المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه، وصلّى على الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وأكثر من الترحم على علي وولده، ثم لعن عبيد اللّه ولعن أباه وعتاة بني أمية عن آخرهم (1).
ثم رفع صوته الهادر الذي هو صوت الحق والإسلام قائلاً: أيّها الناس، إن الحسين بن علي خير خلق اللّه، ابن فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، أنا رسوله إليكم، وقد فارقته بالحاجر فأجيبوه (2).
وأسرعت الجلاوزة إلى ابن زياد فأخبرته بشأنّه فتميّز غيظاً، وأمر أن يُصعد به
إلى أعلى القصر فيرمى منه وهو حي، وأمسكته الشَّرَطة وألقت به من أعلى القصر فتقطعت أوصاله وتهشمت عظامه، ومات ميتة الأبطال في سبيل مبدئه وعقيدته.
ولما بلغ مقتله الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابلغ به الحزن أقصاه، واستعبر باكياً، واندفع يقول: اللّهمَّ اجْعَلْ لَنا وَلِشِيعَتِنا مَنْزِلاً كَرِيماً عِنْدَكَ، وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَإِيَّاهُمْ فِي مُستَقَرٌ رَحْمَتِكَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1).
ولما انتهى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى (ذات عرق) (2)خفّ إليه أبو هرّة فقال له: يابن رسول اللّه، ما الذي أخرجك عن حرم اللّه، وحرم جدك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)؟
وتأثّر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له: وَيْحَكَ يا أبا هِرَّةَ، إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ أَخَذوا مالِي فَصَبَرْتُ، وشَتَمُوا عِرْضِي فَصَبَرْتُ، وَطَلَبُوا دَمِي فَهَرَبْتُ، وَأَيْمُ اللّهِ لَتَقْتُلُنِي الفئَةُ الْباغِيَةُ، وَلَيْلبِسُهُمُ اللّهُ ذلاً شامِلاً، وَسَيْفاً قاطعاً، وَلَيُسَلِّطَنَّ عَلَيْهِمْ مَنْ يُذِلُّهُمْ حَتَّى يَكُونوا أَذَلَّ مِنْ قَوْمٍ سَبَا إِذْ مَلَكَتْهُمُ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ، فَحَكَمَتْ في أَمْوَالِهِمْ وَدِمائِهِمْ حَتَّى أَذَلَّتْهُمْ (3).
وانصرف الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و وهو ملتاع حزين من هؤلاء الناس الذين لا يملكون وعياً لنصرة الحق، قد آثروا العافية وكرهوا الجهاد في سبيل اللّه.
ولما انتهت قافلة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بطن (العقبة) (4)بادر إليه بعض مشايخ
العرب المقيمين هناك فقال له: أنشدك اللّه إلا ما انصرفت، ما تقدم إلا على الأسنّة وحد السيوف، وإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال، ووطّأوا لك الأمور فقدمت على غير حرب كان ذلك رأياً، وأما على هذا الحال الذي ترى فلا أرى لك ذلك (1).
فقال(عَلَيهِ السَّلَامُ): لَا يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ مِمَا ذَكَرْتَ، وَلكِنِّي صابِرٌ ومُحْتَسِبْ إِلَى أَنْ يَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً (2).
وسارت قافلة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى انتهت إلى (الخُزيمية) (3)وهي إحدى منازل الحج، فأقام فيها يوماً وليلة؛ ليستريح من جهد الطريق وعناء السفر، وقد خفت إليه أخته الحوراء عقيلة بني هاشم، وهي تجر أذيالها، وقلبها الزاكي يتقطع من الأسى والحزن، وهي تقول له بنبرات مشفوعة بالبكاء: إني سمعت هاتفاً يقول:
أَلَا يا عَينُ فَاحْتَفِلِي بِجُهْدِ *** فَمَن يَبكِي عَلَى الشُّهَدَاءِ بَعدِي
عَلى قَوْم نَسُوقُهُمُ المَنايا ***بِمِقدار إلى إنجاز وعد
فقال لها أبي الضيم: يا أُخْتاهُ، كُلُّ الَّذِي قُضِيَ فَهُوَ كائِنٌ (4).
لقد أراد من شقيقته أن تخلد إلى الصبر، وأن تقابل الخطوب والرزايا برباطة جأش وعزم حتى تقوى على أداء رسالته.
وانتهت قافلة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها إلى (زَرُود) (1)، فأقام الإمام فيها بعض الوقت، وقد نزل بالقرب منه زهير بن القين البجلي، وكان عثماني الهوى، وقد حج بيت اللّه في تلك السنة، وكان يساير الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها في طريقه، ولا يحب أن ينزل معه مخافة الاجتماع به إلا أنّه اضطر إلى النزول قريباً منه، فبعث إليه رسولاً يدعوه إليه، وكان زهير مع جماعته يتناولون طعاماً صنع لهم، فأبلغه الرسول مقالة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فذعر القوم وطرحوا ما في أيديهم من طعام حتى كأنّ على رؤوسهم الطير.
وقد أنكرت زوجة زهير عليه ذلك، وقالت له: سبحان اللّه ! أيبعث إليك ابن بنت رسول اللّه ثم لا تأتيه؟ لو أتيته فسمعت كلامه! (2).
وانطلق زهير على كره منه إليه، فلم يلبث أن عاد مسرعاً وقد تهلل وجهه وامتلأ غبطة وسروراً، فقد شرح اللّه صدره للإيمان فسارع للالتحاق بموكب النور، فأمر بفسطاطه وما كان عنده من ثقل ومتاع فحوله إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال لزوجته: أنت طالق.
وذكر العلامة المجلسي أنّه قال لها: لا أحب أن يصيبك شيء بسببي، وقد عزمت على صحبة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أفديه وأقيه بنفسي، ثمّ أعطاها مالها وسلّمها بروحي إلى بعض بني عمها ليوصلها إلى أهلها، فقامت إليه وبكت وودعته، وقالت: خار اللّه لك، أسألك أن تذكرني في القيامة عند جد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان اسمها: ديلم بنت عمرو (3).
ماذا أسرَّ إليه ريحانة رسول اللّه حتى جعله يتغيَّر هذا التغيير؟ هل وعده بمال أو مغنم؟! ولو وعده بذلك لما طلّق زوجته، ولا ودّع أصحابه الوداع الأخير، لقد بشَّره بالشهادة والفوز بالجنّة، وذكره بحديث طالت عليه الأيام فنساه، وقد حدث به أصحابه قائلاً: سأحدثكم حديثاً: غزونا (بَلَنْجَر) (1)ففتح اللّه علينا، وأصبنا غنائم ففرحنا، وكان معنا سلمان الفارسي، فقال لنا: أفرحتم بما فتح اللّه عليكم وأصبتم من الغنائم؟
فقلنا: نعم.
فقال: إذا أدركتم سيد شباب آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه ممّا أصبتم اليوم من الغنائم (2).
وروى إبراهيم بن سعيد وكان قد صحب زهيراً حينما مضى إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال له: أنّه يقتل في كربلاء، وأن رأسه الشريف يحمله زَحْر بن قيس إلى يزيد يرجو نواله فلا يعطيه شيئاً (3).
لقد كان زهير يحمل في قلبه إيماناً وثباتاً، ووعياً مشرقاً، فالتحق بموكب العترة الطاهرة، وصار من أصلب المدافعين عنها، ومن ألمع أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ففداه بروحه واستشهد في سبيل قضيته العادلة التي تحمل هدي الإسلام ودوافع الإيمان.
أما النبأ المفجع بمقتل مسلم (رَضِیَ اللهُ عَنهُ)فقد حمله إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بد اللّه بن
سليمان والمنذر بن المُشْمَعِل الأسديان (1)، وكانا - فيما يقول المؤرخون - قد انتهيا من أداء مناسك الحج، وكانت لهما رغبة ملحة في الاتصال بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) والتعرف على شؤونه، فأخذا يجدان في السير حتى التحقابه في (زرود).
وبينما هما معه وإذا برجل قد أقبل من جهة الكوفة، فلمّا رأى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) دل عن الطريق، وقد وقف الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ريد مسألته، فلمّا رآه قد مال عنه سار في طريقه.
ولمّا عرف الأسديان رغبة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها في سؤاله تبعاه حتى أدركاه فسلّما عليه وسألاه عن أسرته، فأخبرهما أنّه أسدي فانتسبا له، ثم سألاء عن خبر الكوفة، فقال لهما: أنّه لم يخرج منها حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة، ورآه-ما يجران بأرجلهما في الأسواق، وودعاه، وأقبلا مسرعين حتى لحقا بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلمّا نزل بـ (الثعلبية) (2)قالا له: رحمك اللّه، إنّ عندنا خبراً إن شئت حدثناك علانية، وإن شئت سرّاً.
وتأمل في أصحابه فقال لا: ما دُونَ هَؤُلَاءِ سِرّ.
فقلنا له: أرأيت الراكب الذي استقبلته عشيّ أمس؟
قال(عَلَيهِ السَّلَامُ): نَعَمْ، وَقَدْ أَرَدْتُ مَسْأَلَتَهُ.
فقلنا: قد واللّه استبرأنا لك خبره، وكفيناك مسألته، وهو امرؤ منا ذو رأي وصدق وعقل، وأنّه حدّثنا أنّه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم وهانئ ورآهما يُجرّان
1) في تاريخ الأمم والملوك: 4: 599، هما: عبد اللّه بن سليم، والمذري بن المشمعل. وقيل: الذي حمل النبأ إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو ابن يزيد التميمي، كما في الصواعق المحرقة: 196. وقيل: بكر بن المعنقة، كما في أنساب الأشراف: 3: 379
2) الثعلبية من منازل طريق مكة من الكوفة بعد الشقوق وقبل الخزيمية، وهي ثلثا الطريق - معجم البلدان: 2: 91
في السوق بأرجلهما (1).
وكان النبأ المؤلم كالصاعقة على العلويين، فانفجروا بالبكاء على فقيدهم العظيم حتى ارتجّ الموضع بالبكاء وسالت الدموع كلّ مسيل (2)، واستبان للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) غدر أهل الكوفة، وأيقن أنّه مع الصفوة من أهل بيته وأصحابه سيلاقون نفس المصير الذي لاقاه مسلم.
و انبرى إليه بعض أصحابه، فقال له: ننشدك اللّه إلا رجعت من مكانك، فأنّه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة، بل نتخوّف أن يكونوا عليك.
والتفت الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى بني عقيل، فقال لهم: ما تَرَوْنَ، فَقَدْ قُتِلَ مُسْلِمٌ؟ ووثبت الفتية وهي تعلن استهانتها بالموت قائلين: لا واللّه، لا نرجع حتى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق مسلم.
وراح الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قول بمقالتهم: لا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَ هَؤُلاءِ (3).
ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) متمثلاً:
سَأَمْضِي وَمَا بِالمَوتِ عَارٌ عَلَى الفتَى ***إذا مَا نَوى حَقّاً وَجاهَدَ مُسْلِما
وَأسى الرجال الصَّالِحينَ بِنَفْسِهِ *** وَفارَقَ مَثبُوراً وَخالف مُجْرِما
فَإِنْ عِشْتُ لَمْ أَنْدَم وإن مُنُّ لَمْ أَلَمْ ***كَفَى بِكَ عَاراً أنْ تُذَلَّ وتُرْغَما (4)
لقد مضى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قدماً وهو مرفوع الجبين، وقد أيقن أنّه يسير إلى
الفتح الذي ليس مثله فتح، لقد مضى ليؤدّي رسالة اللّه بأمانة وإخلاص كما أدّاها جده الرسول اللّه من قبل.
ولما انتهت قافلة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلی (زُبَالة) (1)وافاه النبأ الفظيع بقتل رسوله عبد اللّه بن يقطر، وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أوفده للقيا مسلم بن عقيل(رَضِیَ اللهُ عَنهُ)، فألقت عليه الشَّرَطة القبض في القادسية، وبعثته مخفوراً إلى ابن مرجانة، فلمّا مَثَّل عنده صاح به الخبيث: اصعد المنبر، والعن الكذاب ابن الكذاب، ثم انزل حتى أرى رأيي فيك (2).
وظنّ ابن مرجانة أنّه يفعل ذلك، وما درى أنّه من أفذاذ الأحرار الذين ترتفع كلمة اللّه في الأرض. واعتلى البطل العظيم المنبر، ورفع صوته الهادر قائلاً: أيّها الناس، أنا رسول الحسين بن فاطمة، لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة الدعى بن الدعي لعنه اللّه بهم.
وأخذ يلعن ابن زياد، ويذكر مساوئ بني أمية، ويدعو إلى نصرة ريحانة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فاستشاط ابن زياد غضباً، وأمر أن يُلقى من فوق القصر كما فعل بقيس ابن مسهر الصيداوي، فرمته الشَّرَطة من أعلى القصر فتكسرت عظامه، وبقي به رمق من الحياة، فأسرع إليه الوغد الخبيث عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه؛ ليتقرب به إلى سيده ابن مرجانة، وقد عاب الناس عليه ذلك فاعتذر لهم أنّه أراد أن يريحه (3).
ولما انتهى خبره إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) شقّ عليه ذلك، ويئس من الحياة وأمر بجمع أصحابه والذين اتبعوه طلباً للعافية لا للحق، فأخرج لهم كتاباً فقرأه عليهم:
بِسمِ اللّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
«أَمَّا بَعْدُ، فَأنّه قَدْ أَتَانَا خَبَرٌ فَظِيعٌ قُتِلَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ، وَهانِيُّ بْنُ عُرْوَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَقْطُرِ، وَقَدْ خَذَلَنا شِيعَتُنا، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمُ الْإِنْصِرافَ فَلْيَنْصَرِفْ مِنْ غَيْرِ حَرَجِ عَلِيْهِ وَلَا ذِمام» (1).
وتفرّق عنه ذباب المجتمع من أرباب المطامع الذين تبعوه لأجل الغنيمة، وخلص إليه الصفوة من أصحابه الذين جاءوا معه من مكة (2)، ولو كان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الملك والسلطان لما صارح الذين اتبعوه بالأوضاع الراهنة التي تحيط به، فقد أعلمهم أن من يلتحق به لا ينال منصباً أو مالاً وإنما يقدم إلى ساحات الجهاد فيفوز بالشهادة، ولو كان من عشاق الملك لما أدلى بذلك في تلك الساعات الحرجة التي هو في أمس الحاجة فيها إلى الناصر والصديق الذي يذبّ عنه.
لقد نصح أصحابه وأهل بيته مراراً في التخلّي عنه، وما ذلك إلا ليحاربوا على بصيرة وبينة من أمرهم، وفعلاً فقد تبعه خيرة الرجال وأصلبهم في الدفاع عن الحق، تبعوه ونفوسهم مليئة بالإيمان باللّه، والإخلاص إلى الجهاد في سبيله.
1) الإرشاد/المفيد: 2: 75 تاريخ الأمم والملوك: 4: 601
2) أنساب الأشراف: 3: 380 الكامل في التاريخ: 3: 278 تاريخ أبي الفداء: 1: 264. تاريخ الإسلام (حوادث 61 - 80): 11. وسيلة المآل: 189. وجاء في روضة الأعيان في أخبار مشاهير الزمان: 67: «أن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما أذن للناس بالتفرق عنه تفرقوا عنه، ولم يبقَ معه إلا اثنان وأربعون رجلاً من أهل بيته»
وخفق الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقت الظهيرة، فانتبه وهو يحمد ويسترجع فأقبل عليه ولده البار عليّ الأكبر، فقال له: يا أبةِ، جعلت فداك، مِمَّ حَمِدتَ اللّه واسترجعت؟!
فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا بُنَيَّ، إِنِّي خَفَقْتُ بِرَأْسِي خَفْقَةٌ فَمَنْ لي فَارِسٌ عَلَى فَرَسٍ فَقالَ: الْقَوْمُ يَسِيرُونَ وَالْمَنايا تَسْرِي إِلَيْهِمْ، فَعَلِمْتُ أنّها أَنْفُسُنَا نُعِيَتْ إِلَيْنَا.
قال له: يا أَبَةٍ، لا أراك اللّه سوءاً، ألسنا على الحق؟!
قال(عَلَيهِ السَّلَامُ): بَلَى، وَالَّذِي إِلَيْهِ مَرْجِعُ الْعِبَادِ.
وطفق فخر هاشم يلقي على الأجيال أروع صور الإيمان والتضحية في سبيل اللّه، قائلاً لأبيه: يا أبة، إذاً لا نبالي نموت محقين.
ووجد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ولده خير عون له على أداء رسالته الكبرى، فشكره على ذلك قائلاً: جَزاك اللّه يا بُنَيَّ خَيْرَ مَا جُزِيَ بِهِ وَلَدٌ عَنْ وَالِدِهِ (1).
وانتهى موكب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى (شَرَاف) (2)وفيها عين ماء، فأمر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفتيأنّه أن يستقوا من الماء ويكثروا منه ففعلوا ذلك، ثمّ سارت القافلة تطوي البيداء، وبادر بعض أصحابه فكبّر، فاستغرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقال له: اللّهُ أَكْبَرُ، لِمَ كَبُرْتَ؟!
قال: رأيت النخل.
وأنكر عليه رجل من أصحابه ممّن خبر الطريق وعرفه، فقال له: ليس هاهنا نخل، ولكنّها أسنة الرماح وآذان الخيل.
وتأملها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فطفق يقول: وَأَنَا أَرى ذلِكَ.
فعرف أنّها طلائع جيش العدو جاءت لمناهضته، فقال لأصحابه: أَما لَنا مَلْجَاً نَلْجَأُ إِلَيْهِ فَنَجْعَلُهُ فى ظهورنا، وَنَسْتَقْبِلُ الْقَوْمَ مِنْ وَجْهِ وَاحِدٍ؟
وكان بعض أصحابه ممن يعرف سَنَن الطريق، فقال له: بلى هذا (ذو حُسَم) (1)
لِيَبْكِ عَلَى النُّعْمَانِ شَرْبٌ وَقَينَةٌ *** وَمُخْتَبِطَاتٌ كَالسَّعَالِي أَرامِلُ
بِذِي حُسَمٍ قَدْ عُرْيَتْ وَيَزِينُها *** دِماتُ فُلَيجِ رَهْوُهَا وَالمَحافِلُ
معجم البلدان 2: 258. وفي بعض المصادر: «ذو جشم»، «ذو حُسمَى»
. إلى جنبك تميل إليه عن يسارك فإن سبقت إليه فهو كما تريد (2).ومال موكب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها إليه، فما عادت الصحراء تسمع سوى تنهدات النساء ورغاء الإبل، إلّا أنّه لم يبعد كثيراً حتى أدركه جيش مكثف بقيادة الحر بن يزيد الرياحي كان ابن زياد قد عهد إليه أن يجوب في صحراء الجزيرة للتفتيش عن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإلقاء القبض عليه، وكان عدد الجيش زهاء الف فارس، ووقفوا قباله في وقت الظهيرة، وكان الوقت شديد الحر، فرآهم وقد أشرفوا على الهلاك من شدّة الظمأ فرق عليهم، وغضّ نظره من أنّهم جاءوا لقتاله وسفك دم-ه، فأمر أصحابه أن يسقوهم، ويرشّفوا خيولهم، وقام أصحابه فسقوا الجيش، ثمّ انعطفوا إلى الخيل فجعلوا يملأون القصاع والطساس، فإذا عبّ فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت وسقيت الأخرى حتى سقوا الخيل عن آخرها (3).
لقد كان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى استعداد كامل في سفره، فقد كانت الأواني وحدها تسع لسقاية الف فارس مع خيولهم، فضلاً عن سائر الأثاث والأمتعة الأخرى.
وعلى أية حال، فقد تكرّم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بإنقاذ هذا الجيش الذي جاء لحربه، ويقول المؤرخون: أنّه كان من بين هذا الجيش عليّ بن الطعان المحاربي، وقد تحدّث عن سماحة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعظيم أخلاقه، يقول: «كنت ممن أضرَّ العطش، فأمرني الحسين بأن قال: أنخ الرّاوِيَةَ فلم أفقه كلامه؛ لأنّ الراوية بلغة الحجاز هي الجمل.
ولما عرف أنّي لم أفهم كلامه، قال لي: أَنخ الْجَمَلَ فأنخته، ولمّا أردت أن أشرب جعل الماء يسيل من السقاء، فقال لي أَخْنِثِ السِّقاءَ أي أعطفه، فلم أدرِ ما أصنع؟ فقام أبي الضيم فخنث السقاء حتى ارتويت أنا وفرسي» (1).
ولم تهز هذه الأريحية ولا هذا النبل نفس هذا الجيش، وما تأثر أحد منهم بهذا الخلق الرفيع إلا الحرّ، فقد تأثر ضميره اليقظ الحسّاس بهذا المعروف والإحسان، فاندفع بوحي من ضميره حتى التحق بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) واستشهد بين يديه.
واستقبل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قطعات ذلك الجيش فخطب فيهم خطاباً بليغاً، أوضح لهم فيه أنّه لم يأتهم محارباً، وإنما قدمت عليه رسلهم وكتبهم تحته بالقدوم إليهم، فاستجاب لهم، وقد قال بعد حمد اللّه والثناء عليه:
«أَيُّها النَّاسُ، أنّها مَعْذِرَةٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَيْكُمْ، إِنِّي لَمْ آتِكُمْ حَتَّى
1) الإرشاد/المفيد: 2: 78. بحار الأنوار: 44: 376. تاريخ الأمم والملوك: 4: 603
أَتَثْنِي كُتُبُكُمْ، وَقَدِمَتْ بِها عَلَيَّ رُسُلُكُمْ أَنْ أَقْدِمْ عَلَيْنا فَأنّه لَيْسَ لَنا إِمَامٌ، وَلَعَلَّ اللّهَ أَنْ يَجْمَعَنَا بِكَ عَلَى الْهُدى، فَإِنْ كُنتُمْ عَلى ذلِكَ فَقَدْ جِئْتُكُمْ، فَإِنْ تُعْطُونِى مَا أَطْمَئِنُّ بِهِ مِن عُهُودِكُمْ وَمَواثِيقِكُمْ أَقْدِمُ مِصْرَكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَكُنتُمْ لِمَقْدَمِي كَارِهِينَ انْصَرَفْتُ عَنْكُمْ إِلَى الْمَكانِ الَّذِي أَقْبَلْتُ مِنْهُ إِلَيْكُمْ».
واحجموا عن الجواب؛ لأنّ أكثرهم كانوا ممن كاتبوه بالقدوم إليهم، وبايعوه على ید سفیره مسلم بن عقیل(رَضِیَ اللهُ عَنهُ).
ثم حضر وقت الصلاة فأمر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها مؤذنه الحجاج بن مسروق أن يؤذن ويقيم لصلاة الظهر، وبعد فراغه قال الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لحرّ: أَتُرِيدُ أَنْ تُصَلِّيَ بِأَصْحَابِكَ؟
قال: لا، بل تصلّي ونصلّي بصلاتك. وائتموا بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في صلاة الظهر، وبعد الفراغ منها انصرفوا إلى أخبيتهم، ولما حضر وقت صلاة العصر جاء الحرّ مع جيشه فاقتدوا به في صلاة العصر (1).
وبعد ما فرغ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من صلاة العصر انبرى بعزم وثيق فخطب في ذلك الا الجيش خطاباً رائعاً، فقال بعد حمد اللّه والثناء عليه:
«أَمَا بَعْدُ أَيُّها النَّاسُ، إنّكم إِنْ تَتَّقُوا اللّهَ، وَتَعْرِفُوا الْحَقَّ لِأَهْلِهِ يَكُنْ ا أَرْضَى لِلَّهِ عَنْكُمْ، وَنَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ محمّدوَأَوْلَى بِوِلَايَةِ هَذَا الْأَمْرِ عَلَيْكُمْ
1) الإرشاد/المفيد: 2: 79 تاريخ الأمم والملوك: 4: 603 و 604
مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُدَّعِينَ ما لَيْسَ لَهُمْ، وَالسّائِرِينَ فِيكُمْ بِالْجَوْرِ وَالْعُدْوانِ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا كَرَاهِيَةً لَنَا، وَالْجَهْلَ بِحَقِّنا، فَكانَ رَأيْكُمُ الْآنَ عَلى غَيْرِ ما أَتَتْنِي بِهِ كُتُبْكُمْ، وَقَدِمَتْ بِهِ عَلَيَّ رُسُلُكُمُ انْصَرَفْتُ عَنْكُمْ (1).
ودعاهم بهذا الخطاب إلى طاعة اللّه، والتمسك بدعاة الحق وأئمة الهدى من أهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)، فهم أولى بهذا الأمر من بني أمية الذين أشاعوا فيهم الجور والظلم، وعرض لهم أنّه ينصرف عنهم إذا تبدل رأيهم، ونقضوا بيعتهم.
وانبرى إليه الحرّ وهو لا يعلم بشأن الكتب، فقد كان - فيما يبدو - في تلك الفترة بمعزل عن الحركات السياسية في الكوفة، فقال له: ما هذه الكتب التي تذكرها؟
فأمر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبة بن سمعان بإحضارها، فأخرج خرجين مملوءين الا صُحُفاً نثرها بين يدي الحرّ، فبهر الحرّ، فتأملها وقال: لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك (2).
ووقعت مشادة عنيفة بين الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) والحرّ، فقد قال الحرّ له: قد أُمرت ألا أُفارقك إذا لقيتك حتى أقدمك الكوفة على ابن زياد. ولذعت الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه الكلمات القاسية، فثار في وجه الحرّ، وصاح به: الْمَوْتُ أَدْنَى إِلَيْكَ مِنْ ذلِكَ.
لقد ترفع أبيُّ الضيم من مبايعة يزيد، فكيف يخضع لابن مرجانة الدعي بن الدعي؟! وكيف ينقاد أسيراً إليه؟! فالموت أدنى للحر من الوصول إلى
هذه الغاية الرخيصة.
وأمر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه بالركوب، فلمّا استووا على رواحلهم أمرهم بالتوجه إلى يثرب، فحال بينهم وبين ذلك، فاندفع الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فصاح به: تَكَلَتْكَ أُمُّكَ، ما تُرِيدُ؟
وأطرق الحر برأسه إلى الأرض وتأمّل، ثمّ رفع رأسه فخاطب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأدب، فقال له: أما واللّه، لو غيرك من العرب يقولها لي، ما تركت ذكر أمه بالشكل كائناً من كان، ولكنّي واللّه ما لي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما يُقدر عليه.
وسكن غضب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال له: ما تُرِيدُ مِنا؟
فقال الحر: أريد أن أنطلق بك إلى ابن زياد.
وثار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فصاح به: وَاللَّهِ لَا أَتَّبِعُكَ.
قال: إذا واللّه لا أدعك.
وكاد الوضع أن ينفجر باندلاع نار الحرب، إلّا أنّ الحرّ ثاب إلى الهدوء، فقال له: إني لم أُؤمر بقتالك، وإنما أُمرت ألا أفارقك حتى أُقدمك الكوفة، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يُدخلك الكوفة ولا يردّك إلى المدينة حتى أكتب إلى ابن زياد، وتكتب أنت إلى يزيد أو إلى ابن زياد فلعل اللّه أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلي من أمرك (1).
واتفقا على هذا، فتياسر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ن طريق (العذيب) و (القادسية)، وأخذت قافلته تطوى البيداء، وكان الحرّ يتابعه عن كثب، ويراقبه أشدّ ما تكون المراقبة.
1) الإرشاد/المفيد: 2: 80 أنساب الأشراف: 3: 380 و 381. تاريخ الأمم والملوك: 4: 604. الفتوح: 5: 78 و.79 الكامل في التاريخ: 3: 280 و 281
من الأقوال الشاذة التي لا مدرك لها ما ذكره البستاني، وهذا نصه: «لما قرب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الكوفة لقيه الحرّ بن يزيد الرياحي، ومعه الف فارس من أصحاب ابن زياد، وقال له: أرسلني عبيد اللّه عيناً عليك، وقال لي: إن ظفرت به لا تفارقه أو تجيء به، وأنا كاره أن يبتليني اللّه بشيء من أمرك، فخذ غير هذا الطريق، واذهب إلى حيث شئت، وأنا أقول لابن زياد: إنّك خالفتني في الطريق، وأنشدك اللّه في نفسك، وفيمن معك، فسلك الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) طريقاً غير الجادة، ورجع قاصداً إلى الحجاز، وسار هو وأصحابه ليلتهم، فلمّا أصبحوا لقوا الحرّ.
فقال له الحسين: مَا جَاءَ بِكَ؟
قال: سعي بي إلى ابن زياد أنّي أطلقتك بعد ما ظفرت بك، فكتب إليَّ أن أدركك، ولا أفارقك حتى تأتي الجيوش» (1).
وهذا القول من الأساطير، فإنّ التقاء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالحرّ لم يكن قريباً من الكوفة، وإنما كان في أثناء الطريق فى مرحلة قريبة من (شَرَاف). ومضافاً إلى ذلك فإنّ الحرّلم يعرض على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يسير حيثما شاء، وإنما صدرت إليه الأوامر المشدّدة من ابن زياد أن يلقي عليه القبض، ويأتي به إلى الكوفة حسبما ذكرناه، وهو ممّا أجمع عليه المؤرخون وأرباب المقاتل.
من الأخطاء الفاحشة ما ذكره النسابة ابن عنبة من أنّ الحرّ أراد إرغام الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى الدخول إلى الكوفة فامتنع، وعدل نحو الشام قاصداً إلى يزيد بن معاوية، فلمّا صار إلى كربلاء منعوه عن المسير، وأرسلوا إليه ثلاثين الفاً عليهم
1) دائرة المعارف/البستاني: 7: 48
عمر بن سعد، وأرادوا دخوله إلى الكوفة والنزول على حكم عبيد اللّه بن زياد فامتنع عليهم، واختار المضي نحو يزيد فمنعوه وناجزوه الحرب(1).
ولم يذهب لهذا القول أحد من المؤرخين، فقد أجمعوا على أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقى مصمماً على رفض البيعة ليزيد، ولو أنّه أراد أن يبايع ليزيد لما فتحوا معه باب الحرب، وما شهروا في وجهه السيوف.
ولما انتهى موكبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى (البَيْضَةِ) (2)ألقى خطاباً على الحرّ وأصحابه، وقد أدلى بدوافعه في الثورة على يزيد، ودعا القوم إلى نصرته، وقد قال بعد حمد اللّه والثناء عليه:
«أَيُّها النَّاسُ، إِنَّ رَسولَ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) قالَ: مَنْ رَأَى سُلْطاناً جائراً مُسْتَحِلاً لِحُرَمِ اللّهِ، ناكِثاً لِعَهْدِ اللَّهِ، مُخالفاً لِسُنَّةِ رَسولِ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) يَعْمَلُ فِي عِبادِ اللّهِ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ، فَلَمْ يُغَيِّرُ عَلَيْهِ بِفِعْلِ وَلَا قَوْلٍ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَهُ.
أَلَا وَإِنَّ هَؤُلاءِ قَدْ لَزِمُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ وتَرَكوا طاعَةَ الرَّحْمَنِ، وَأَظْهَرُوا الفسَادَ، وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ، وَاسْتَأْثَرُوا بِالفيْهِ، وَأَحَلُّوا حَرامَ اللّهِ، وحَرَّموا حَلَالَهُ، وَأَنا أَحَقُّ مَنْ غَيَّرَ (3)، وَقَد أَتَتْنِي كُتُبُكُمْ، وَقَدِمَتْ
عَلَيَّ رُسُلُكُمْ بَيْعَتِكُمْ إنّكم لَا تُسْلِمُونِي، وَلَا تَخْذُلُونِي، فَإِنْ أَقَمْتُمْ عَلَى بَيْعَتِكُمْ تُصيبوا رُشْدَكُمْ وَأَنَا الحسين بن علي وَابْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، نَفْسِي مَعَ أَنْفُسِكُمْ وَأَهْلِي مَعَ أَهْلِيكُمْ، فَلَكُمْ فِي أُسْوَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا، وَنَقَضْتُمْ عَهْدَكُمْ، وَخَلَعْتُمْ بَيْعَتِي، فَلَعَمْرِي مَا هِيَ لَكُمْ بِنُكْرٍ، لَقَدْ فَعَلْتُمُوهَا بِأَبِي وَأَخِي وَابْنِ عَمِّي مُسْلِم، فَالْمَغْرُورُ مَنِ اعْتَرَّ بِكُمْ، فَحَظُكُمْ أَخْطَأْتُمْ، وَنَصِيبُكُمْ ضَيَّعْتُمْ، وَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِ وَسَيُغْنِي اللّهُ عَنْكُمْ، وَالسَّلَامُ» (1).
وحفل هذا الخطاب المشرق بكثير من النقاط المهمة، وهي:
الأولى: أنّه إنّما أعلن الثورة على حكومة يزيد استجابة للواجب الديني الذي كان يقضي عليه، فإنّ الإسلام لا يقرّ السلطان الجائر، ويلزم بمناهضته، ومن لم يستجب للجهاد يكون مشاركاً له فيما يقترفه من الجور والظلم.
الثانية: أنّه ندد بالأمويين، وشجب سياستهم القائمة على طاعة الشيطان ومعصية الرحمن، وإظهار الفساد، وتعطيل حدود اللّه، والاستئثار بالفيء، وتحليل الحرام، وتحريم الحلال.
الثالثة: إنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحق وأولى من غيره بالقيام بتغيير الأوضاع الراهنة التي تنذر بالخطر على الإسلام، فأنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) المسؤول الأول عن القيام بأعباء هذه المهمة.
الرابعة: أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) رض لهم أنّه إذا تقلد شؤون الحكم فسيجعل نفسه مع أنفسهم، وأهله مع أهاليهم من دون أن يكون له أي امتياز عليهم
1) تاريخ الأمم والملوك: 4: 605. الكامل في التاريخ: 3: 280
الخامسة: أنّهم إذا نكثوا بيعتهم، ونقضوا عهودهم التي أعطوها له فأنّه ليس بغريب عليهم، فقد غدروا من قبل بأبيه وأخيه وابن عمه، وقد أخطأوا بذلك حظهم، وحرموا نفوسهم السعادة.
لقد وضع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الخطاب النقاط على الحروف، وفتح لهم منافذ النور، ودعاهم إلى الإصلاح الشامل الذي ينعمون في ظلاله.
ولمّا سمع الحرّ خطابه أقبل عليه، فقال له: إني أذكرك اللّه في نفسك، فإنّي أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ.
وانبرى(عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلا له: أَفَبِالْمَوتِ تُخَوِّفُنِي؟! وَهَلْ يَعْدو بِكُمُ الْخَطْبُ أَنْ تَقْتُلُونِي وَسَأَقُولُ كَما قالَ أَخُو الْأَوْسِ لِابْن عَمِّهِ وَهُوَ يُرِيدُ نُصْرَةَ رَسولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فَخَوَّفَهُ ابْنُ عَمِّهِ وَقالَ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ فَإِنَّكَ مَقْتولٌ، فَقالَ:
سَأَمْضِي وَمَا بِالمَوتِ عَارٌ عَلَى الفتَى *** إذَا مَا نَوى حَقّاً وَجَاهَدَ مُسْلِما
وَأسى الرَّجالَ الصَّالِحينَ بِنَفْسِهِ *** وفارَقَ مَثبُوراً وَخالف مُجْرما
فَإِنْ عِشْتُ لَمْ أَنْدَمْ وإِنْ مُتُّ لَمْ أَلَمْ ***كَفَى بِكَ ذُلاً أَنْ تَعِيشَ وَتُرْغَما» (1)
ولمّا سمع الحرّ ذلك تنحى عنه وعرف أنّه مصمّم على الموت، وعازم على التضحية في سبيل غايته الهادفة إلى الإصلاح الشامل.
ولما انتهى الإمام إلى (عذيب الهجانات) (2)وافاه أربعة أشخاص من أهل الكوفة
1) الإرشاد/المفيد: 2: 80 و 81 أنساب الأشراف: 3: 382 و 383 تاريخ الأمم والملوك: 4: 606. الفتوح: 5: 79 الكامل في التاريخ: 3: 280 و 281
2) العُذيبُ: تصغير العذب. وهو ماء بين القادسية والمغيثية. وقيل: هو حد السواد. وقال أبو عبداللّه السكوني: العذيب يخرج من قادسية الكوفة إليه، وكانت مسلحة للفرس، بينها وبين القادسية حائطان متصلان - معجم البلدان: 4: 103 و 104
جاءوا إلى نصرته، وقد أقبلوا على رواحلهم يجنبون فرساً لنافع بن هلال، ولم يخرج أحد لاستقبال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هم من أهل الكوفة سواهم، وهم:
1- نافع بن هلال المرادي.
2- عمرو بن خالد الصيداوي.
3- سعد مولی عمرو بن خالد.
4- مجمع بن عبد اللّه العائذي.
وأراد الحرّ منعهم من الالتحاق بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فصاح به: إِذا أَمْنَعْهُمْ مِمَا أَمْنَعُ مِنْهُ نَفْسي، إِنَّمَا هَؤُلَاءِ أَنْصارِي، وَأَعْوانِي، وَقَدْ جَعَلْتَ لِي أَلَّا تَعْرِضَ لِي حَتَّى يَأْتِيكَ كِتابُ ابْنِ زِياد.
وكف الحرّ عنهم، فالتحقوا بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرحب بهم، وسألهم عن أهل الكوفة فقالوا له: أما الأشراف فقد عظمت رشوتهم، وملئت غرائرهم (1)ليستمال ودهم، وتستنزف نصايحهم، فهم عليك الب واحد، وما كتبوا إليك إلا ليجعلوك سوقاً ومكسباً، وأما سائر الناس فأفئدتهم تهوي إليك، وسيوفهم غداً مشهورة عليك (2).
وكشف هذا الحديث عن نقاط بالغة الأهمية، وهي:
الأولى: إنّ السلطة قد اشترت ضمائر الوجوه والأشراف من أهل الكوفة بالأموال، وأغرتهم بالجاه والنفوذ، فصاروا إلباً (3)واحداً مجمعين ومتفقين على
حرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد مهر الأمويون في هذه السياسة الماكرة، فكانوا يستميلون الوجوه بكل الوسائل الممكنة، وأما الرعاع فيلهبون ظهورهم بالسياط.
الثانية: إنّ أشراف أهل الكوفة إنما كاتبوا الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالقدوم إليهم لا إيماناً منهم بعدالة قضيته وباطل الأمويين، وإنما كتبوا إليه؛ ليكون سوقاً ومكسباً للظفر بأموال بني أمية، فكانوا يعلنون لهم إنّكم إن لم تغدقوا علينا بالأموال فسنكون من أنصار الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكانت كتبهم إليه وسيلة من وسائل الكسب.
الثالثة: إن سواد الناس كانت قلوبهم مع الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولكنهم منقادون لزعمائهم دون أن تكون لهم أيّة إرادة أو اختيار على متابعة ما يؤمنون به، فكانوا جنود السلطة وأداتها الضارية.
هذه بعض النقاط المهمة التي حفل بها كلام هؤلاء القوم، وقد دلّت على دراستهم الوثيقة لشؤون مجتمعهم.
والتحق الطرماح بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أثناء الطريق، وقد صحبه بعض الوقت وقد أقبل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى أصحابه، فقال لهم: هَلْ فِيْكُمْ أَحَدٌ يَخْبُرُ الطَّريقَ عَلَى غَيْرِ الْجادة؟ الْجَادَّةِ؟
فانبرى إليه الطرماح بن عدي الطائي، فقال له: يابن رسول اللّه، أنا أخبر الطريق. فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِذا سِرْ بَيْنَ أَيْدِينَا.
وسار الطرماح يتقدّم موكب العترة الطاهرة، وقد ساورته الهموم فجعل يحدو بالإبل بصوت حزين، وهو يرتجز:
يا ناقَتِي لَا تَجْزَعِي مِنْ زَجْرِي *** وَامْضِ بِنا قَبْلَ طُلُوعِ الفجْرِ
بِخَيرِ فِتْيَانٍ وخَيْرِ سَفْرِ *** آلِ رَسُولِ اللّهِ أَهْلِ الفخْرِ
السّادةِ البِيضِ الوُجُوهِ الزُّهْرِ*** الطَّاعِنِينَ بِالرِّماحِ السُّمْرِ
الضاربِينَ بِالسُّيُوفِ البُشر *** حَتَّى تَحِلّي بكَرِيم النَّجرِ
بماجِدِ الجَدُ رَحِيبِ الصُّدْرِ*** أَتَى بِهِ اللّهُ لخَيْرِ أَمْرِ
عَمَّرَهُ اللّهُ بَقاءَ الدَّهْرِ*** يا مالك النفع معاً وَالضُّرُ
امْدِدْ حُسَيناً سَيِّدِي بِالنَّصْرِ*** عَلَى الطُّعَاةِ مِن بَقايا الكُفْرِ
عَلَى اللعِينَيْنِ سَلِيلَي صَخْرِ *** يَزِيدَ لا زالَ خَلِيفَ الخَمْرِ
وَالعُودِ وَالصَّنْحِ مَعاً وَالزَّمْرِ*** وَابْنِ زِيَادِ العُهْرِ وَابْن العُهْر (1).
وأسرعت الإبل في سيرها على نغمات هذا الشعر الحزين، وقد فاضت عيون أصحابه وأهل بيته من الدموع، وهم يؤمنون على دعاء الطرماح للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالنصر والتأييد.
وحلّل الدكتور يوسف خليف هذا الرجز بقوله: «والرجز هنا - ولعله أوّل شعر كوفي يظهر فيه الحديث عن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ(- يعتمد على البساطة في عرض الفكرة، فهو لا يعدو أن يكون صورة من تحيّة البدو وترحيبهم بضيف عزيز قادم إليهم، وهم خارجون لاستقباله، فالراجز يحثّ ناقته على السير السريع؛ لتحلّ برحاب هذا الضيف الذي يضفي عليه صفات المدح المألوفة عند البدو، ويخلع عليه ما يتمثله البدوي في الرجل من مثل وفضائل، فهو عنده كريم الأصل، ماجد حرّ واسع الصدر؛ لأنّ هذا الضيف ليس شخصاً عادياً، وإنّما هو حفيد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ومبعوث العناية الإلهية إليهم لأمر هو خير الأُمور.
ثمّ يختم هذه التحية البدوية بدعاء فطري ساذج، ولكنه معبر عما يحمله له
1) الفتوح: 5: 79 و 80 أنساب الأشراف: 3: 383. تاريخ الأمم والملوك: 4: 606
في نفسه من محبّة صادقة وإخلاص أكيد فيدعو أن يبقيه اللّه بقاء الدهر» (1).
وقال الطرماح للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): واللّه إنّي لأنظر فما أرى معك كبير أحد، ولو لم يقاتلك غير هؤلاء الذين أراهم ملازمين لك مع الحرّ لكان ذلك بلاء، فكيف وقد رأيت - قبل خروجي من الكوفة بيوم - ظهر الكوفة مملوءاً رجالاً، فسألت عنهم فقيل: عرضوا ليوجّهوا إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أو قال: ليُسرَّ حوا؟ فنشدتك اللّه إن قدرت ألا تقدم إليهم شبراً إلا فعلت (2).
وإلى أي مكان يرجع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟! وأين يذهب والأرض كلها تحت قبضة الأُمويين:؟! فلم يكن له بُدّ من الاستمرار في سفره إلى الكوفة، وعرض له الطرماح أن يسير معه إلى أحد جبلي طيء (أَجَأ) أو (سَلمَى)، وتعهد له بعشرين الف طائي يقاتلون بين يديه، ولم يستجب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا الوعد الذي هو غير مضمون، واستأذن الطرماح من الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يمضي لأهله ليوصل إليهم الميرة ويعود إلى نصرته، فأذن له وانصرف إلى أهله، فمكث أياماً ثمّ قفل راجعاً إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ه، فلمّا وصل إلى (عذيب الهجانات) بلغه مقتله، فأخذ يبكي على ما فاته من شرف الشهادة مع ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) (3).
واجتازت قافلة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى قصر بني مقاتل، فنزل فيه، وكان بالقرب منه بيت مضروب، وأمامه رمح قد غرس في الأرض يدل على بسالة صاحبه وشجاعته، وقباله فرس، فسأل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ن صاحب البيت، فقيل له:
أنّه عبيد اللّه بن الحرّ الجعفي، فأوفد للقياه الحجاج بن مسروق الجعفي فخف إليه، فبادره عبید اللّه قائلاً: ما وراءك؟
فقال الحجاج: واللّه ورائي يابن الحر، واللّه قد أهدى اللّه إليك كرامة إن قبلتها.
قال: وما ذاك؟
فقال: هذا الحسين بن علي يدعوك إلى نصرته، فإن قاتلت بين يديه أجرت وإن مت فإنّك استشهدت.
فقال له عبيد اللّه: واللّه ما خرجت من الكوفة إلا مخافة أن يدخلها الحسين بن علي وأنا فيها فلا أنصره؛ لأنّه ليس له فيها شيعة ولا أنصار إلا وقد مالوا إلى الدنيا إلّا من عصم منهم، فارجع إليه وخبره بذاك (1).
وقفل الحجّاج راجعاً فأدى مقالته إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فرأى (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يقيم عليه الحجّة ويجعله على بينة من أمره، فانطلق إليه مع الصفوة الطيبة من أهل بيته وأصحابه، واستقبله عبيد اللّه استقبالاً كريماً، واحتفى به احتفاء بالغاً، وقد غمرته هيبته، فراح يحدّث عنها بعد ذلك يقول: ما رأيت قط أحسن ولا أملأ للعين من الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولا رققت على أحدٍ قطّ رِقتي عليه حين رأيته يمشي والصبيان من حوله...ثم أعدت النظر إلى لحيته فقلت: أسواد ما أرى أم خضاب؟
قال: يابْنَ الْحُرِّ عَجَّلَ عَلَى الشَّيْبُ، فعرفت أنّه خضاب (2).
وتعاطى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) معه الشؤون السياسية العامة، والأوضاع الراهنة، ثم دعاه إلى نصرته، فقال له: يابْنَ الْحُرِّ، فَإِنَّ مِصْرَكُمْ هَذِهِ كَتَبُوا إِلَيَّ وَخَبَّرُونِي أنّهمْ
مُجْتَمِعُونَ عَلَى نُصْرَنِي، وَأَنْ يَقُوموا دُونِي، ويُقاتِلُوا عَدُوّي، وَأنّهمْ سَأَلُونِي الْقُدُومَ عَلَيْهِمْ فَقَدِمْتُ، وَلَسْتُ أَدْرِى الْقَوْمَ عَلَى مَا زَعَمُوا لأنّهمْ قَدْ أَعَانُوا عَلَىٰ قَتْلِ ابْنِ عَمَّى مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ وَشِيعَتِهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى ابْنِ مَرجَانَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ يُبَايِعَنِي لِيَزِيدَ بْنِ مُعاوِيَةَ، وَأَنْتَ يابْنَ الْحُرِّ، فَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُؤاخِذُكَ بِما كَسَبْتَ وَأَسْلَفْتَ مِنَ الذُّنُوبِ فِي الأَيَّامِ الْخالِيَةِ، وَأَنا أَدْعوكَ في وَقْتِي هذا إِلَى تَوْبَةٍ تَغْسِلُ بِهَا مَا عَلَيْكَ مِنَ الذُّنوبِ، وَأَدْعُوكَ إِلى نُصْرَتِنا أَهْلَ الْبَيْتِ (1).
وألقى ابن الحرّ معاذيره الواهية فحرم نفسه السعادة والفوز بنصرة سبط الرسول، قائلاً: واللّه إنِّي لأعلم أن من شايعك كان السعيد في الآخرة، ولكن ما عسى أن أُغني عنك، ولم أخلف لك بالكوفة ناصراً، فأنشدك اللّه أن تحملني على هذه الخطة؛ فإنّ نفسي لم تسمح بعد بالموت، ولكن فرسي هذه الملحقة (2)واللّه ما طلبت عليها شيئاً إلا لحقته، ولا طلبني وأنا عليها أحد قط إلا سبقته، فخذها فهي لك (3).
وما قيمة فرسه عند الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟! فردّ عليه قائلاً: يابْنَ الْحُرِّ، ما جِئْناكَ لِفَرَسِكَ وَسَيْفِكَ، إِنَّما أَتَيْناكَ لِنَسْأَلُكَ النُّضْرَةَ، فَإِنْ كُنتَ قَدْ بَخِلْتَ عَلَيْنَا بِنَفْسِكَ فَلَا حاجَةَ لَنا فِي شَيْءٍ مِنْ مالِكَ، وَلَمْ أَكُنْ بِالَّذِي اتَّخَذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (4). وَإِنِّي سَأَنْصَحُ لَكَ كَما نَصَحْتَ لِي، إِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا تَسْمَعَ صُراخَنَا وَلَا تَشْهَدَ وَقْعَتَنَا فَافْعَلْ، فَوَاللَّهِ لَا يَسْمَعُ واعِيَتَنا أَحَدٌ وَلَا يَنْصُرُنا إِلَّا أَكَبَّهُ اللّهُ فى نار جَهَنَّمَ (5).
فأطرق ابن الحرّ برأسه إلى الأرض، وقال بصوت خافت حياءً منه: أما هذا
فلا يكون أبداً إن شاء اللّه (1).
وما كان مثل ابن الحرّ وهو الذي اقترف الكثير من الجرائم أن يوفق إلى نصرة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويفوز بالشهادة بين يديه.
وقد ندم ابن الحرّ كأشد ما يكون الندم على ما فرّط في أمر نفسه من ترك نصرة ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وأخذت تعاوده خلجات حادّة من وخز الضمير، ونظم ذوب حشاه بأبيات سنذكرها عند البحث عن النادمين عن نصرة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
والتقى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في (قصر بني مقاتل) بعمرو بن قيس المشرقي، وكان معه ابن عمّ له، فسلّم عليه، وقال له: يا أبا عبد اللّه، هذا الذي أرى خضاب أو شعرك؟
فقال(عَلَيهِ السَّلَامُ): خضابٌ، وَالشَّيْبُ إِلَيْنا بَنِي هَاشِمٍ أَسْرَعُ وَأَعْجَلُ، والتفت (عَلَيهِ السَّلَامُ) هما فقال: جِئْتُمَا لِنُصْرَتِي؟
فقال له: لا، أنا كبير السن كثير العيال، وفي يدي بضائع للناس، ولا أدري ما يكون؟ وأكره أن أضيع أمانتي.
ونصحهما الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال لهما: انْطَلِقا فَلَا تَسْمَعَا لِي وَاعِيَةٌ، وَلَا تَرَيَا لِي سواداً، فَأنّه مَنْ سَمِعَ واعِيَتَنا، أَوْ رَأَى سَوادَنا فَلَمْ يُجِبْنا؛ أَوْ يُغِثْنا كَانَ حَقًّاً عَلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُبَّهُ عَلَى مَنْخَرَيْهِ فِي النَّارِ (2).
وارتحل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قصر بني مقاتل، وأخذت قافلته تقطع الصحاري
الملتهبة، وتجتاز أغوارها في جهد وعناء، وتعاني لفحها الضارب كريح السموم.
وتابعت القافلة سيرها في البيداء، وهي تارة تتيامن وأُخرى تتياسر، وجنود الحُرّ يذودون الركب عن البادية، ويدفعونه تجاه الكوفة والركب يمتنع عليهم، وإذا براكب يجد في سيره ويطوي الرمال، فلبثوا هنيهة ينتظرونه، وإذا هو رسول من ابن زياد إلى الحرّ، فسلّم الخبيث على الحرّ، ولم يسلّم على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وناول الحرّ رسالة من ابن زياد جاء فيها:
أما بعد، فجعجع بالحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين يبلغك كتابي، ويقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري، والسلام» (1).
واستثنى ابن مرجانة ما عهد به إلى الحر من إلقاء القبض على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ). وإرساله مخفوراً إلى الكوفة، ولعلّه خاف من تطوّر الأحداث وانقلاب الأوضاع عليه، فرأى التحجير عليه في الصحراء بعيداً عن المدن لئلا يتجاوب أهلها إلى نصرته؛ ليتم القضاء عليه بسهولة. وتلا الحرّ الكتاب على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأراد أن يستأنف سيره متجهاً صوب قرية أو ماء، فمنعهم الحرّ، وقال: لا أستطيع. فقد كانت نظرات الرقيب الوافد من ابن زياد تتابع الحرّ، وكان يسجل كل بادرة يخالف بها الحرّ أوامر ابن زياد.
وانبرى زهير بن القين، فقال للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنّه لا يكون بعد ما ترون إلا ما هو أشدّ منه. يابن رسول اللّه، وإنّ قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا
1) الإرشاد/المفيد: 2: 82 و 83. مناقب آل أبي طالب: 4: 96. أنساب الأشراف: 3: 385. تاريخ الأمم والملوك: 4: 609. الكامل في التاريخ: 3: 282
من بعدهم، فلعمري ليأتيننا من بعدهم ما لا قبل لنا به.
فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما كُنْتُ لِأَبْدَأَهُمْ بِقِتال.
وتابع زهير حديثه قائلاً: سر بنا إلى هذه القرية حتى ننزلها فأنّها حصينة وهي على شاطئ الفرات، فإن منعونا قاتلناهم، فقتالهم أهون علينا من قتال من يجيء بعدهم. وسأل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ن اسم تلك الأرض، فقالوا له: أنّها تسمى: (العقر)، فتشاءم منها، وراح يقول: اللّهمَّ إِنِّي أَعوذُ بِكَ مِنَ الْعَقْرِ (1).
وأصرّ الحرّ على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن ينزل في ذلك المكان ولا يتجاوزه، ولم يجد (عَلَيهِ السَّلَامُ) بداً من النزول في ذلك المكان، وألقى ببصره عليه والتفت إلى أصحابه فقال لهم: ما اسْمُ هذَا الْمَكانُ؟
قالوا له: كربلاء.
و دمعت عيناه، وراح يقول: اللّهم إنّى أَعوذُ بِكَ مِنَ الْكَرْب وَالْبَلَاءِ (2)
وفي تذكرة الخواص: 225: «أنّه لما قيل للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)ا: هذه أرض كربلاء أخذ ترابها فشتها، وقال: هَذِهِ وَاللَّهِ هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي أَخْبَرَ بِها جَبَرَئيلُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَإِنَّنِي أَقْتَلُ فيها.
وجاء في حياة الحيوان/الدميري: 1: 87: «أنّ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سأل عن اسم المكان فقيل له: كربلاء، فقال: ذاتُ كَرْبٍ وَبَلاءِ، لَقَدْ مَرَّ أَبِي بِهَذَا الْمَكَانِ عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَى صِفِّينَ وَأَنَا مَعَهُ، فَوَقَفَ وَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ بِاسْمِهِ.
فَقالَ: هَاهُنا مَحَطُّ رِحالِهِمْ، وَهاهنا مُهراقُ دِمائِهِمْ.
فَسُئِلَ عَنْ ذلِكَ، فَقالَ: نَفَرٌ مِنْ آلِ محمّديَنْزِلُونَها هُنا، ثم أمر بأثقاله فحطّت في ذلك المكان». وكذلك جاء في مختصر صفوة الصفوة: 262
.وطفق يحدّث أصحابه وقد أيقن بنزول الرزء القاصم، قائلاً: هذا مَوْضِعُ كَرْبٍ
وَبَلاء. انزلوا هاهنا مَناخُ ركابنا، وَمَحَط رحالنا، وَسَفك دمائنا...(1).
وطافت به الذكريات، وقد مثل أمامه ذلك اليوم الذي تحدّث فيه أبوه أمير المؤمنين وهو في هذه البقعة وكان في طريقه إلى صفين، فقال: هاهنا مَحَطَّ رِحالِهِمْ وَمُهْراقُ دِمائِهِمْ، فسئل عن ذلك فقال: نَفَرٌ مِنْ آلِ محمّديَنْزِلُونَ هَا هُنا (2).
وانقطع كل أمل له في الحياة، وأيقن أن أوصاله سوف تتقطع على صعيد هذه الأرض، إلا أنّه خلد إلى الصبر، واستسلم لقضاء اللّه وقدره.
ونهض الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها بقوة وعزم مع أصحابه وأهل بيته إلى توطين مخدرات الرسالة وعقائل الوحي، فنصبوا لهنَّ الخيام وكانت خيم الأصحاب، وخيم أهل البيت، محيطة بها عن اليمين والشمال وأسرع فتيان بني هاشم فأنزلوا السيدات من المحامل، وجاءوا بهنّ إلى خيامهن، وقد استولى عليهن الرعب والذعر، فقد أحسسن بالأخطار الهائلة التي ستجري عليهن في هذه الأرض.
ونصبت خيام أهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) في البقعة الطاهرة التي لا تزال آثارها باقية إلى اليوم (3).
يقول السيد هبة الدين الشهرستاني: وأقام الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بقعة بعيدة عن الماء تحيط بها سلسلة ممدودة، وربوات تبدأ من الشمال الشرقي متصلة بموضع باب السدرة في الشمال، وهكذا إلى موضع الباب الزينبي إلى جهة الغرب، ثمّ تنزل
موضع الباب القبلي من جهة الجنوب، وكانت هذه التلال المتقاربة تشكل للناظرين نصف دائرة، وفي هذه الدائرة الهلالية حوصر ريحانة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) (1).
ونفى صديقنا الأستاذ السيد محمّدحسن الكليدار أن يكون الموضع المعروف بـ (مخيم الحسين) هو الموضع الذي أقام فيه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أثقاله، وإنما يقع المخيم بمكان ناءٍ بالقرب من المستشفى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مستنداً في ذلك إلى أن التخطيط العسكري المتبع في تلك العصور يقضي بالفصل بين القوى المتحاربة بما يقرب من ميلين؛ وذلك لما تحتاجه العمليات الحربية من جولان الخيل وغيرها من مسافة، كما أن نصب الخيام لابد أن يكون بعيداً عن رمي السهام والنبال المتبادلة بين المحاربين، واستند أيضاً إلى بعض الشواهد التاريخية التي تؤيد ما ذهب إليه (2).
وأكبر الظن أنّ المخيم إنّما هو في موضعه الحالي، أو يبعد عنه بقليل؛ وذلك لأنّ الجيش الأموي المكثّف الذي زحف لحرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) م يكن قباله إلا معسكر صغير عبر عنه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالأسرة، فلم تكن القوى العسكرية متكافئة في العدد حتى يفصل بينهما بميلين أو أكثر.
لقد أحاط الجيش الأموي بمعسكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى أنّه لما أطلق ابن سعد السهم الذي أنذر به بداية القتال، وأطلق الرماة من جيشه سهامهم لم يبق أحد من معسكره (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلا أصابه سهم حتى اخترقت السهام بعض أزر النساء، ولو كانت المسافة بعيدة لما أُصيبت نساء أهل البيت بسهامهم. ومما يدعم ما ذكرناه أن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما خطب في الجيش الأموي سمعت نساؤه خطابه فارتفعت أصواتهن بالبكاء، ولو كانت المسافة بعيدة لما انتهى خطابه إليهنّ، وهناك كثير من البوادر التي تدل على أنّ المخيم في وضعه الحالي.
وأقام موكب العترة الطاهرة في كربلاء يوم الخميس لليلتين خلتا من المحرم سنة إحدى وستين (1)، وقد خيَّم الرعب على عيالات أهل البيت، وايقنوا بنزول الرزء القاصم، وعلم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مغبة الأمر، وتجلّت له الخطوب المفزعة، والأحداث الرهيبة التي سيعانيها على صعيد كربلاء.
ويقول المؤرخون: أنّه جمع أهل بيته وأصحابه فألقى عليهم نظرة حنان وعطف وأيقن أنّهم عن قريب سوف تتقطع أوصالهم، فأغرق في البكاء ورفع يديه بالدعاء يناجي ربه، ويشكو إليه ما ألم به من عظيم الرزايا والخطوب، قائلاً: اللّهمَّ إِنَّا عِتْرَةُ نَبِيِّكَ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) قَدْ أُخْرِجْنَا وَ أَزْعِجْنَا وَطُرِدْنَا عَنْ حَرَمٍ جَدْنا، وتَعَدَّتْ بَنُو أُمَيَّةَ عَلَيْنا، عل اللّهُم فَخُذْ لَنا بِحَقِّنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
ثم أقبل على أولئك الأبطال فقال لهم: النَّاسُ عَبِيْدُ الدُّنْيا وَالدِّينُ لَعِقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ يَحُوطُونَهُ ما دَرَّتْ مَعايِشُهُم، فَإذا مُحْصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَانُونَ (2)
وضبط أبو هلال الحسن بن عبد اللّه العسكري في كتابه (الصناعتين) كلام الإمام الحسين بهذه الصورة: «النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيا، وَالدِّينُ لَغْوَ عَلى أَلْسِنَتِهِمْ يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ بِهِ معايتُهُمْ، فَإِذا مُحْصوا بِالْبَلَاءِ فَلْ الدَّيَاتُونَ»
.يا لها من كلمات مشرقة حكت واقع الناس في جميع مراحل التاريخ، فهم عبيد الدنيا في كل زمان ومكان، وأما الدين فلا ظلّ له في أعماق نفوسهم، فإذا دهمتهم عاصفة من البلاء تنكروا له وابتعدوا منه.
نعم، إنّ الدين بجوهره إنّما هو عند الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعند الصفوة من أهل بيته وأصحابه فقد امتزج بمشاعرهم، وتفاعل مع عواطفهم فانبروا إلى ساحات الموت ليرفعوا شأنّه، وقد أعطوا بتضحيتهم دروساً لأجيال الدنيا في الولاء الباهر للدين.
وبعد حمد اللّه والثناء عليه خاطب أصحابه قائلاً:
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ نَزَلَ بِنا مَا قَدْ تَرَوْنَ، وَإِنَّ الدُّنْيا قَدْ تَغَيَّرَتْ، وَتَنَكَّرَتْ وَأَدْبَرَ مَعْرُوفُها، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صَبابَةٌ كَصَبابَةِ الْإِناءِ، وَخَسِيسُ عَيْشٍ كالْمَرْعَى الْوَبيلِ (1)أَلَا تَرَوْنَ إِلَى الْحَقِّ لَا يُعْمَلُ بِهِ، وَإِلَى الْباطِلِ لَا يُتَناهَى عَنْهُ، لِيَرْغَبَ الْمُؤْمِنُ فِي لِقاءِ اللَّهِ، فَإِنِّي لَا أَرَى الْمَوْتَ إِلَّا سَعادَةً وَالْحَياةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً (2).
لقد أدلى بهذا الخطاب عمّا نزل به من المحن والبلوى، وأعلمهم أن الظروف مهما تلبّدت بالمشاكل والخطوب، فأنّه لا ينثني عن عزمه الجبار لإقامة الحق الذي
خلص له. وقد وجه اللّه هذا الخطاب لأصحابه لا ليستدر عواطفهم، ولا ليستجلب، نصرهم، فماذا يغنون عنه بعدما أحاطت به القوى المكّثفة التي ملأت البيداء، وإنما قال ذلك ليشاركوه المسؤولية في إقامة الحق الذي آمن به، واختاره قاعدة صلبة لنهضته الخالدة، وقد جعل الموت في هذا السبيل هو الأمل الباسم في حياته الذي لا يضارعه أيُّ أمل آخر.
ولما أنّهى خطابه هب أصحابه جميعاً، وهم يضربون أروع الأمثلة للتضحية والفداء من أجل العدل والحق، وكان أوّل من تكلّم من أصحابه زهير بن القين أفذاذ الدنيا، فقد قال: قد سمعنا - هداك اللّه يابن رسول اللّه - مقالتك وهو من ولو كانت الدنيا لنا، باقية، وكنا فيها مخلّدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها (1).
ومثّلت هذه الكلمات شرف الإنسان وانطلاقه في سبيل الخير، وبلغ كلام زهير في نفوس الأنصار أقصى الرضا، وحكى ما صمّموا عليه من الولاء له (عَلَيهِ السَّلَامُ) والتفاني في سبيله.
وانبرى بطل آخر من أصحابه وهو برير بن خضير الهمداني الذي أرخص حياته في سبيل اللّه فخاطب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): يابن رسول اللّه، لقد من اللّه بك علينا أن نقاتل بين يديك، وتقطع فيك أعضاؤنا، ثمّ يكون جدك شفيعنا يوم القيامة (2).
لقد أيقن برير أن نصرته للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فضل من اللّه عليه؛ ليفوز بشفاعة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
وقام نافع بن هلال بن نافع الجملي (1)وهو يقرر نفس المصير الذي اختاره الأبطال من إخوأنّه قائلاً: أنت تعلم أن جدك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) لم يقدر أن يشرب الناس محبته، ولا أن يرجعوا إلى أمره ما أحب، وقد كان منهم منافقون يعدونه بالنصر، ويضمرون له الغدر، يلقونه بأحلى من العسل ويخلفونه بأمر من الحنظل، حتّى قبضه اللّه إليه، وإنّ أباك عليّاً قد كان في مثل ذلك، فقوم قد أجمعوا على ن-ص-ره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين حتى أتاه أجله فمضى إلى رحمة اللّه ورضوأنّه، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة، فمن نكث عهده، وخلع بيعته فلن يضر إلا نفسه واللّه مغنٍ عنه، فسر بنا راشداً معافى مشرقاً إن شئت وإن شئت مغرباً، فو اللّه ما أشفقنا من قدر اللّه، ولا كرهنا لقاء ربنا، وإنا على نياتنا وبصائرنا نوالي من والاك ونعادي من عاداك» (2).
وتكلم أكثر أصحابه بمثل هذا الكلام، وقد شكرهم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى هذا الإخلاص والتفاني في سبيل اللّه.
والتحق بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فور قدومه إلى كربلاء رجل من بني أسد أهمل المؤرخون اسمه، وقد حكى قصته العريان بن الهيثم، قال: «كان أبي ينزل قريباً من الموضع الذي كانت فيه واقعة الطف، وكنا لا نجتاز في ذلك المكان إلا وجدنا رجلاً من بني أسد مقيماً هناك، فقال له أبي: إنّي أراك ملازماً هذا المكان؟ فقال له: بلغني أن حسيناً يقتل هاهنا، فأنا أخرج لعلي أصادفه فأقتل معه.
فلمّا قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال أبي: انطلق معي لننظر إلى الأسدي هل قتل؟ فأتينا المعركة وطفنا في القتلى فرأينا الأسدي معهم (1).
لقد فاز بالشهادة بين يدي ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ونال أسمى المراتب، فكان في أعلى عليين مع النبیین والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.
ورفع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رسالة من كربلاء إلى أخيه محمّدبن الحنفية وسائر بني هاشم نعى فيها نفسه، وأعرب عن دنو الأجل المحتوم منه، وهذا نصها:
«أَمَا بَعْدُ، فَكَأَنَّ الدُّنْيا لَمْ تَكُنْ، وَكَأَنَّ الْآخِرَةَ لَمْ تَزَلْ، وَالسَّلَامُ» (2).
وهذه أوجز رسالة تكتب في مثل هذه المحن الشاقة التي تعصف بالصبر
والتحق هرثمة بن سلمى بمعسكر ابن زياد، ولما انتهى إلى كربلاء تذكّر حديثاً مضت عليه حفنة من السنين فنساه، فقد كان مع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في غزوة له، وقد مرَّ على كربلاء فنزل إلى شجرة، وصلى تحت ظلالها، فلمّا فرغ من صلاته أخذ قبضة من تلك الأرض وشمّها وأخذ يقول: واها لَكِ مِنْ تُرْبَةٍ، لَيَقْتَلُنَّ بِكِ قَوْمٌ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
ومضى هرثمة إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ا مسرعاً فحدّثه بما سمعه من أبيه، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) ه: مَعَنا أو عَلَينا؟
قال: لا معك ولا عليك، تركت عيالاً.
وساق له الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) صيحته، فأمره بمغادرة كربلاء لئلا يشهد واعية أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) قائلا له: أَمَّا لَا، فَوَلَّ فِي الْأَرْضِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ حُسَيْنِ بِيَدِهِ لَا يَشْهَدُ قَتْلَنَا الْيَوْمَ رَجُلٌ إِلَّا دَخَلَ جَهَنَّمَ.
فأنّهزم هرثمة من كربلاء حتى وافته الأنباء بمقتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)، وقد حرم من الشهادة بين يدي ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
إنّ الذين أتوا مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان فيهم بدريون قاتلوا وقتلوا بنفس الدافع والهدف اللذين حاربوا من أجلهما مع جده رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، منهم عبداللّه بن عمير الكلبي الذي قال: واللّه، لقد كنت على جهاد أهل الشرك حريصاً، وإني لأرجو أن يكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيك أيسر ثواباً عند اللّه من ثوابه إيايَ في جهاد المشركين.
ومنهم: جنادة بن الحرث، وحبيب بن مظاهر، ومسلم بن عوسجة، والصحابي الجليل أنس بن الحارث، وقد حدّث الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما سمعه من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) أنّه قال: «إِنَّ ابْنِي هذا يعني الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ(- يُقْتَلُ بِأَرْضِ يُقالُ لَهَا: كَرْبَلَاءُ، فَمَنْ شَهِدَهُ مِنْكُمْ فَلْيَنْصُرْهُ، وظل أنس ملازماً له حتى رزق الشهادة بين يديه (2).
ولما علم ابن مرجانة أنّ الحرّ قد حاصر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كربلاء، بعث إليه رسالة دلّت على مدى طيشه وغروره، وهذا نصها: «أما بعد يا حسين، فقد بلغني نزولك
بكربلاء، وقد كتب إليَّ أمير المؤمنين يزيد ابن معاوية ألا أتوسد الوثير (1)ولا أشبع من الخمير، أو ألحقك باللطيف الخبير، أو ترجع على حكمي وحكم يزيد (2).
أنت يابن مرجانة وسيدك يزيد خليقان بألا تشبعا من الخمر، وخليقان بأن تقترفا كل منكر في الإسلام.
ولما قرأ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نا رسالة ابن مرجانة رماها من يده استهانة به واحتقاراً لهذا الإنسان الممسوخ، وراح يقول: لَا أَفْلَحَ قَوْم اشْتَرَوا مَرْضَاةَ الْمَحْلُوقِ بِسَخَطِ الْخالِقِ.
وطالبه الرسول بجواب يرجع به إلى ابن زياد، فقال(عَلَيهِ السَّلَامُ): ما لَهُ عِنْدِي جَوابٌ؛
لأنّه قَدْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذاب (3).
وقفل الرسول راجعاً، فأخبر ابن مرجانة بمقالة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاستشاط غضباً وأخذ يتهيأ للحرب، ويزج بجميع ما لديه من القوى العسكرية لحرب ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
وحينما أُذيع النبأ باستيلاء جيش ابن زياد على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفرض الحصار عليه في كربلاء، سادت موجات رهيبة من الذعر والخوف في جميع أوساط الكوفة، وتخدّرت الجماهير تحت ضغط هائل من قوة السيوف والرماح. فقد أشاع ابن زياد الإرهاب، وأعلن الأحكام العرفية في جميع أنحاء الكوفة، فكان يحكم بالموت والإعدام لمجرّد الظنّة والتهمة، وصار الناس لا يملكون من أمرهم شيئاً.
لقد تمت بوارق ابن مرجانة، وتحققت أحلامه حينما ظفر بابن فاتح مكة ومحطم أوثان قريش؛ ليتقرب بقتله إلى حفيد أبي سفيان زعيم الأحزاب المناوئة للإسلام، ويتخذ من ذلك وسيلة لإقرار نسبه اللصيق ببني أُمية الذي شهد به أبو مريم الخمّار (1).
وأنفق ابن مرجانة جميع وقته لتهيئة الحرب، واتخاذ جميع الوسائل والذرائع للتغلب على مجريات الأحداث، وقد احتفت به الوجوه والأشراف من الذين باعوا
ضمائرهم عليه لوضع المخططات الرهيبة في عمليات الحرب.
وانتخب ابن مرجانة عمر بن سعد قائداً عاماً لقواته المسلحة التي زج بها لحرب ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وقبل أن نعرض أسباب انتخابه نقدم عرضاً لبعض شؤونه.
1) مروج الذهب:3: 6 - 8
اجتاز ابن سعد على النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فلمّا رآه نفر منه، وأخبر (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) عن سوء عاقبته وقال: «يَكُونُ مَعَ قَوْمٍ يَأْكُلُونَ الدُّنْيا بِأَلْسِنَتِهِمْ كَمَا تَلْحَسُ الْأَرْضَ الْبَقَرَةُ بِلِسَأنّها» (1).
وقد أخبر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسوء مصيره، يقول الرواة: أنّه نظر إليه وحدّثه فرأى فيه طيشاً واستهانة بالحق، وجرأة على ارتكاب الباطل، فقال له: «وَيْحَكَ يابْنَ سَعْدٍ، كَيْفَ بك إذا قُمْتَ مَقاماً تُخَيَّرُ فِيْهِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَتَخْتارَ النّارَ؟!» (2).
وعن سالم، قال: «قال عمر بن سعد للحسين(عَلَيهِ السَّلَامُ): إن قوماً من السفهاء يزعمون أنّي أقتلك.
فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَيْسُوا سُفَهاءَ.
ثم قال: وَاللَّهِ لَا تَأْكُلْ بُرَّ الْعِرَاقِ بَعْدِي إِلَّا قَلِيل» (3).
روى ابن عساكر أنّ عبد اللّه بن شريك قال: أدركت أصحاب الأردية المُعلّمة، عبداللّه وأصحاب البرانس من أصحاب السواري إذا مرّ بهم عمر بن سعد، قالوا: هذا قاتل الحسين، ذلك قبل أن يقتله (4).
وكان سعد ناقماً على ولده عمر؛ لما سمعه من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فيه، ويقول الرواة: أنّه عهد إلى ورثته ألا يعطوه أي شيء من مواريثه.
ولعن هارون الرشيد عمر بن سعد وحكم عليه بالإلحاد والمروق من الدين، وذلك في قصة طريفة لا تخلو من متعة نسوقها إلى القراء.
يقول الرواة: أنّه ء بإسحاق بن إبراهيم مخفوراً إلى الرشيد بتهمة أنّه كان جيء من الملحدين، فقال له إسحاق: يا أمير المؤمنين، إنّي مؤمن باللّه ويجميع رسله وأنبيائه، وليس هذا ذنبي، ولكن لي ذنباً آخر.
فبهر الرشيد وقال له: ما هو؟
قال: الولاء لكم أهل البيت، فهل من يدين بحبكم ويراه فرضاً عليه يحكم عليه بالإلحاد؟
وتبسّم الرشيد، وأمر بأن يرفع عنه النطع والسيف، واندفع إسحاق فقال له: يا أمير المؤمنين، ما رأيك في عمر بن سعد قاتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذي يقول:
يَقُولُونَ إِنَّ اللّهَ خَالِقُ جَنَّةٍ *** وَنَارٍ وَتَعْذِيبِ وَغُلٌ يَدَيْنِ؟
فأطرق الرشيد برأسه، وتأمل كثيراً، ثمّ قال: لعن اللّه عمر بن سعد، كان لا يثبت صانعاً، ولا يقول ببعثة ولا نبوة. يا إسحاق، أتدري من أين أخذ قوله هذا؟
قال: نعم يا أمير المؤمنين، أخذه من شعر يزيد بن معاوية.
قال الرشيد: ما قال يزيد؟
قال: أنّه قال:
عُلَيَّةُ هاتِي وَاعْلِنِي وتَرَنَّمِي *** بِدَلكِ إِنِّي لَا أُحبُّ التَّناجِيا
حَدِيثَ أَبِي سُفْيَانَ لَمَا سَجَا بِهِ *** إلى أَحَدٍ حَتَّى أَقامَ البَواكِيا
أَلَا هَاتِ فَاسِقِينِي عَلى ذاكَ قَهْوَةً *** تَخَيْرَهَا العَنْسِيُّ كَرْماً شامِيا
إِذا مَا نَظَرْنا فِي أُمُورٍ قَدِيمَةٍ *** وَجَدْنا حلالاً شِرْبُها مُتَوالِيا
فَرامَ بِهِ عَمْرُو عَلِيّاً فَفَاتَهُ *** وَأَدْرَكَهُ الشَّيخُ اللَّعِينُ مُعَاوِيا
فَإِنْ مِتُّ يَا أُمَّ الأُحَيمِرِ فَانْكِحِي *** وَلَا تَأْمَلي بَعْدَ المَمَاتِ تَلاقِيا
فَإِنَّ الَّذِي حُدِّثْتِ فِي يَومِ بَعثنا *** أَحَادِيثُ زُورٍ تَتْرُكُ القَلْبَ ساهيا
وَلولا فُضُولُ النّاسِ زُرْتُ محمّداً *** بمَشْمُولَةٍ صَفْرَاءَ تُرْوِي عِظاميا
وَلَا خُلْفَ بَيْنَ النَّاسِ أَن محمّداً *** تَبَوَّاً قَبْراً بِالمَدينَةِ ثَاوِيا
فَقَد يَنبُتُ المَرعَى عَلَى دِمَنِ الثّرى *** لَهُ غُصُنُ مِنْ تَحتِهِ السِّرُّ بادِيا
وتفنى ولا تَبقَى عَلَى الأَرضِ دِمْنَةٌ *** وتبقى حَزازاتُ النُّفُوسِ كَما هِيا
وتأثّر الرشيد فاندفع يقول: لعن اللّه يزيد ما كان يثبت صانعاً، ولا يقول ببعثة ولا نبوة، أتدري يا إسحاق من أين أخذه؟
قال: نعم يا أمير المؤمنين، أخذه من شعر أبيه معاوية.
قال الرشيد: ما قال معاوية؟
قال: أنّه قال:
سَائِلُوا الدِّيرَ مِن بصرى صبابات *** فَلَا تَلُمْنِي فَلَا تُغْنِي المَلَامَاتُ
قُمْ نَجْلُو فِي الظُّلماءِ شَمْسَ ضُحى *** نُجُومُها الزُّهْرُ طاساتٌ وكَاسات
لَعَلَّنَا إِنْ يَدْعُ داعِي الفراقِ بِنا *** نَمْضِي وَأَنْفُسُنَا مِنها رَوِيَاتُ
خُذْ مَا تَعَجَّلَ وَاتْرُكْ مَا وُعِدْتَ بِهِ *** فِعْلَ اللَّبِيبِ فَللتأخِيرِ آفاتُ
قَبْلَ ارْتِجَاعِ اللَّيَالِي كُلَّ عَارِيَةٍ *** فَإِنَّما خُلَعُ الدُّنيا استعاراتُ
فلعن الرشيد معاوية، وقال فيه ما قاله في يزيد (1).
1) الثاقب في المناقب/الشيخ المفيد: من مخطوطات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ): تذكرة الخواص: 290
ووثق العجلي عُمَرَ بن سعد، فقال: كان يروي عن أبيه أحاديث، وروى الناس عنه، وهو تابعي ثقة، وهو الذي قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
ولم نعلم كيف كان ابن سعد ثقة مع قتله لريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وإبادته للعترة الطاهرة التي أوجب اللّه مودّتها على عموم المسلمين؟! لقد كان العجلي منحرفاً عن الحق، فكان ميزان التعديل عنده للرواة هو النصب لأهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) وبغضهم، كما أنّ مقياس الجرح عنده هو الولاء والمودّة لهم.
وقد أنكر الأخيار والمتحرّجون في دينهم على من يروي عن ابن سعد. فقد روى عنه العيزار بن حريث فأنكر عليه رجل في مجلسه، وقال له: أما تخافُ اللّه تروي عن عمر بن سعد؟! فبكى العيزار، وقال: لا أعود لذلك (2).
ومن الغريب أن ابن حجر ترجمه في (تهذيب التهذيب) (3)الذي لا يترجم فيه إلا الثقات من الرواة عنده.
ولم يحمل ابن سعد في دخائل نفسه أيّة نزعة شريفة، فليس في ضميره المتحجّر أي بصيص من الكرامة والشرف والنبل، وهذه بعض مظاهر ذاتياته.
وكان الخنوع للسلطة هو الظاهرة البارزة من ذاتيات ابن سعد، فكان - فيما أجمع
عليه المؤرخون - يخنع أمام الولاة، ويفقد توازنه، طمعاً بالحصول على المنصب والإمارة، وقد جهد نفسه وحملها من أمره رهقاً على الظفر بثقة ابن مرجانة به. وقد قال عمر بن سعد لابن مرجانة بعد قتله للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أما واللّه لقد نصحتك في الحسين نصيحة لو نصحتها أبي سعد بن أبي وقاص لكنت قد أدّيت حقّه (1).
أنّه لم تكن له شخصية مستقلة ولا إرادة كريمة، وإنما كان ذنباً للسلطة يسعى لكسب عواطفها بأية وسيلة يملكها.
وظاهرة أُخرى من نزعات ابن سعد هي التهالك على السلطة والسعي وراء المناصب، وكان ابن سعد يطلب من أبيه أن يدعو لنفسه بالخلافة بعد مقتل عثمان فأبى (2).
ويقول المؤرخون: أنّه كان يحثّ أباه على الحضور في التحكيم لعلهم يعدلون عن عليّ ومعاوية ويولونه، إلا أن أباه امتنع من ذلك وقنع بما هو فيه (3)، فهو مولع بذيوع الاسم واستطارة الذكر، وليس يضره أن يأتيه هذا الذيوع وهذه الاستطارة بأية وسيلة ومن أي طريق.
وهو القائل لأبيه بجلافة رعناء: يا أبة، أرضيت أن تكون أعرابياً في غنمك والناس يتنازعون الملك في المدينة؟!
فيقول له سعد: واللّه لا أشهد هذا الأمر أبداً (4).
ولما ولّاه ابن زياد ولاية الري، وهدده بعزله عنها إن لم يخرج لحرب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سمعه أهله يقول:
دَعانِي عُبَيْدُ اللّهِ مِن دُونِ قَومِهِ *** إلَى خُطَّةٍ فِيها خَرَجْتُ لِحَينِي
فَوَاللّهِ مَا أُدرِي وَإِنِّي لَحائِرٌ *** أُفَكِّرُ في أَمْرِي عَلى خَطَرَينِ
أَ أَترُكُ مُلْكَ الرَّيِّ وَالرَّيُّ مُنْيَتِي *** أَمْ أَرْجِعُ مَأْنُوماً بِقَتلِ حُسَينِ
وَفِي قَتلِهِ النَّارُ التي لَيْسَ دَونَها *** حِجابٌ وَمُلْكُ الرَّيِّ قُرَّةُ عَينِي (1).
لقد رأى أنّه إذا حصل على ولاية الريّ فسوف يظفر بالعيش الوفير والثراء الفاحش، فأقدم على أخطر جريمة في الإسلام.
ومن ذاتيات ابن سعد خسّة الطبع، فقد انمحت عن نفسه جميع سجايا الشرف والكرامة، فقد طلب منه مسلم بن عقيل (رَضِیَ اللهُ عَنهُ)حينما وقع أسيراً بيد ابن زياد أن يعهد بوصيته إليه فامتنع من إجابته؛ تقرباً لسيده ابن مرجانة ولم يستجب له حتى له بذلك، ولما عهد إليه مسلم (رَضِیَ اللهُ عَنهُ)بوصيته سرّاً انبرى مسرعاً إلى ابن زياد فأخبره بما أوصى به مسلم (رَضِیَ اللهُ عَنهُ)، فأنكر عليه ابن زياد ذلك وقال: لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن (2).
ومن خسّة طبعه أيضاً أنّه لما قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها عمد إلى سلب درعه فلبسها،
ولو كانت عنده صفة من الشرف والنبل لما قدم على سلب ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد فتح بذلك باب النهب للجفاة من جيشه فعمدوا إلى سلب حرائر النبوة حتى لم يتركوا عليهن ملحفة ولا إزاراً إلا سلبوه.
ولم تكن عند ابن سعد أية مُسْكَة من البسالة والشجاعة، وإنما كان جباناً خائر العزيمة ضعيف النفس، ولما ظهر أمر التوابين داخله خوف شديد فكان لا ينام في داره، وإنّما ينام في قصر الإمارة لتحرسه جنود القصر، وهو وجل القلب ينفق الليل ساهراً من شدة الوجل والرعب.
ولمّا هجمت عليه شَرَطة المختار قام مرعوباً من فراشه، ولكثرة ما داخله من الفزع عثر قبل أن يأخذ لامة حربه، فقتلته الشَّرَطة وهو على فراشه، وقد استجيبت بذلك دعوة الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يه أن يذبحه اللّه على فراشه.
ومن الغريب أنّ خير الدين الزركلي وصفه بأنّه الدين الزركلي وصفه بأنّه من القادة الشجعان (1)، ولو كان شجاعاً - كما يقول الزركلي - لما ترك أهله ولجأ إلى قصر الإمارة يطارده الرعب والفزع.
ولم يكن ابن سعد يؤمن بالبعث والنشور، فقد كان شاكاً فيهما كما جاء في شعره حينما نُدب لحرب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث يقول:
يَقُولُونَ إِنَّ اللّه خالِقُ جَنَّةٍ *** وَنارٍ وَتَعذِيبِ وَغُلٌ يَدَينِ (2)
فهو لا يؤمن بحساب ولا جنة ولا ناركما يقول هارون الرشيد.
هذه بعض نزعات ابن سعد، وهي تكشف عن إنسان ممسوخ متمرّس في الجريمة والإثم.
وإنما انتخبه ابن مرجانة لحرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ليغري بـه سواد الناس وجهالهم، ويزج بهم لحرب ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فأنّه ابن فاتح العراق وأحد المرشّحين الستة من قبل عمر بن الخطاب لزعامة الخلافة الإسلامية، وأنّه قرشي وممّن يمت للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، بصلة، ومضافاً إلى ذلك فأنّه قد وقف على اتجاهاته الفكرية، وعرف نقاط الضعف التي عنده، فرأى أنّه لا يقوم أحد باقتراف هذه الجريمة سواه.
وكان ابن زیاد قد كتب لابن سعد بولاية الريّ (1)
قال الإصطخري: هي مدينة ليس بعد بغداد في المشرق أعمر منها.
وقال الأصمعي: هي عروس الدنيا إليها يتجر الناس - معجم البلدان: 3: 132
وثغر دستبى والديلم (2)، فطلب منه أن يسير الحرب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاستعفى ابن سعد، فهدّده باسترجاع ولاية الريّ منه، وطلب منه ليلته لينظر في الأمر فأمهله، ومضى إلى داره، وقد أنفق ليله ساهراً يطيل التفكير في الأمر هل يقدم على حرب ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وفي قتله العذاب الدائم والخزي الخالد، أو يستقيل من ذلك فتفوته إمارة الري التي تضمن له العيش الوفير؟ وسمعه أهله يقول:أ أَتْرُكُ مُلْكَ الرَّيِّ وَالرَّيُّ مُنْيَتِي *** أَمْ أَرْجِعُ مَأْتُومَا بِقَتْلِ حُسَينِ
وَفِي قَتلِهِ النّارُ التِي لَيْسَ دُونَها *** حجاب ومُلْكُ الرَّيِّ قرة عيني (3)
أأترك مُلْك الرَّيِّ بَلْ هُوَ بُغْيَنِي *** وَإِنْ عُدْتُ مَأْنُوماً بِقَتلِ حُسَينِ
لكان هذا الإنشاد أدلّ على المراد
لقد أتى ابنُ سعد ابن زياد فقال له: إنّك قد وليتني هذا العمل وسمع الناس به، فإن رأيت أن تنفذ لي ذلك وتبعث إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أشراف الكوفة من لست أغنى ولا أجزأ عنك في الحرب منه، وسمّى له أُناساً.
فقال ابن زياد: لا تعلّمني بأشراف الكوفة فلست استأمرك فيمن أُريد أن أبعث، فإن سرت بجندنا وإلّا فابعث إلينا بعهدنا، قال: فإنّي سائر، فأقبل في ذلك الجيش حتى نزل بالحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
ويقول المؤرخون: أنّه بادر إليه جماعة من المشفقين عليه فأشاروا عليه باعتزال الحرب، وكان ممّن أشار عليه ابن أخته حمزة بن المغيرة بن شعبة، فقال له: يا خال، إن سرت إلى الحسين أثمت بربك، وقطعت رحمك، فواللّه لئن تخرج من دنياك ومالك خير لك من أن تلقى اللّه بدم الحسين (2).
ومنحه النصيحة قوم آخرون فقالوا له: اتق اللّه ولا تفعل (3).
وممن لامه كامل، وكان كاسمه ذا رأي وعقل ودين، وكان صديقاً لأبيه سعد، وقد جرى بينهما حديث وفيه أنّب ابن سعد وحذره، ثمّ قال له كامل: إِنِّي أُحدثك بحديث صحيح أرجو لك فيه النجاة إن وفقت لقبوله، اعلم أني سافرت مع أبيك سعد إلى الشام فانقطعت بي مطيّتي عن أصحابي وتهت وعطشت، فلاح لي
دير راهب فملت إليه، ونزلت عن فرسي وأتيت إلى باب الدير لأشرب ماء، فأشرف علي راهب من ذلك الدير وقال: ما تريد؟
فقلت له: إنِّي عطشان.
فقال لي: أنت من أُمّة هذا النبیّ الذين يقتل بعضهم بعضاً على حب الدنيا مكالبة ويتنافسون فيها على حطامها؟
فقلت له: أنا من الأمة المرحومة أُمة محمّد(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
فقال: إنّكم أشرّ أُمة، فالويل لكم يوم القيامة، وقد غدوتم إلى عترة نبيكم تقتلونهم وتسبون نساءه وتنهبون أمواله.
فقلت له يا راهب، نحن نفعل ذلك؟!
قال: نعم، وإنّكم إذا فعلتم ذلك عجّت السماء والأرضون والبحار والجبال والبراري والقفار والوحوش والأطيار باللعنة على قاتله، ثم لا يلبث قاتله في الدنيا إلا قليلاً، ثمّ يظهر رجل يطلب بثأره، فلا يدع أحداً شرك في دمه إلا قتله وعجل بروحه إلى النار.
ثمّ إنّ الراهب قال: إنّي لأرى لك قرابة من قاتل هذا الابن الطيب، واللّه إنّي لو أدركت أيامه لوقيته بنفسي من حرّ السيوف.
فقلت: إنّي أعيذ نفسي أن أكون ممن يقاتل ابن بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
فقال: إن لم تكن أنت فرجل قريب منك قاتله عليه نصف عذاب أهل النار، وإنّ عذابه أشدّ من عذاب فرعون وهامان.
ثمّ ردم الباب في وجهي ودخل يعبد اللّه وأبى أن يسقيني الماء.
قال كامل: فركبت فرسي ولحقت أصحابي، فقال لي أبوك سعد: ما أبطأك عنا يا كامل؟ فحدثته بما سمعته من الراهب.
فقال: صدقت.
ثم إن سعداً أخبرني أنّه نزل بدير هذا الراهب مرّة من قبلي فأخبره أنّه هو الرجل الذي يقتل ابن بنت رسول اللّه، فخاف أبوك سعد من ذلك وخشي أن تكون أنت قاتله فأبعدك عنه وأقصاك، فاحذر يا عمر أن تخرج عليه، يكون عليك نصف عذاب أهل النار. فبلغ الخبر ابن زياد فاستدعى بكامل وقطع لسأنّه، فعاش يوماً أو بعض يوم ومات رحمه اللّه (1).
وعن عمّار بن عبداللّه الجهني، عن أبيه، قال: «دخلت على عمر بن سعد وقد أُمر بالمسير إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال لي: إن الأمير أمرني بالمسير إلى الحسين.
فأبيت ذلك عليه، فقلت له: أصاب اللّه بك، أرشدك اللّه أجل فلا تفعل ولا تسر إليه.
قال: فخرجت منه فأتاني آتٍ، وقال: هذا عمر بن سعد يندب الناس لحرب الحسين، قال: فأتيته فإذا هو جالس، فلمّا رأني أعرض بوجهه، فعرفت أنّه قد عزم على المسير إليه فخرجت من عنده» (2).
وقد حاول أن يجهد نفسه على اعتزال الحرب إلّا أنّه لم يطق صبراً عن ولاية الريّ، فقد سال لها لعابه، وضعفت نفسه عن مقاومة رغباته فلم يسفر الصبح حتى استقر رأيه على حرب ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فأسرع إلى ابن مرجانة يخبره باستجابته، وقد فرح ابن زیاد برضا ابن سعد؛ لأنّه قد وجد فيه حجّة تسند أباطيله إن لامه الناس على حرب ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، ولو استجاب أحد غيره لما كان له مثل هذا السرور والرضا.
وسار ابن سعد ومعه جيشه البالغ أربعة آلاف، وهو يعلم اتجاهه وأنّه خرج ليقاتل ذرية رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) الذين همخيرة من في الأرض، وانتهى إلى كربلاء فانضمّ
إلى الجيش الرابض هناك بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي.
واستعرض ابن مرجانة جميع الكتائب التي بعثها لحرب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ ليرى قدرتها على القتال ومدى استعدادها للخوض في المعركة.
يقول الطرماح: رأيت قبل خروجي من الكوفة إليك بـيوم ظهر الكوفة، وفيه من الناس ما لم تر عيناي في صعيد جمعاً أكثر منه، فسألت عنهم. فقيل: اجتمعوا ليعرضوا، ثم يسرحوا إلى حرب الحسين (1)، وقد زج بجميع وقد زج بجميع ثقله العسكري في الحرب خوفاً من الطوارئ وتقلب الأوضاع.
وأمر الطاغية بجمع الناس في رحاب المسجد الأعظم، فهرعوا كالأغنام خوفاً من الطاغية ورهبة منه ومؤملين الزيادة في أرزاقهم، وقد امتلأ الجامع منهم، فقام فيهم خطيباً فقال: أيها الناس، إنّكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبّون، وهذا أمير المؤمنين يزيد قد عرفتموه حَسَن السيرة محمود الطريقة محسناً إلى الرعية، يعطي العطاء في حقه، وقد أمنت السبل على عهده، وكذلك كان أبوه معاوية في عصره، وهذا ابنه يزيد من بعده يكرم العباد ويغنيهم بالأموال ويكرمهم، وقد زادكم في أرزاقكم مائة مائة، وأمرني أن أوفرها عليكم، وأخرجكم إلى حرب عدوه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاسمعواله وأطيعوا (2)
لقد خاطبهم باللغة التي يخضعون لها، فمنّاهم بالأموال وزجهم لاقتراف أفظع
جريمة في تاريخ الإنسانية.
وأوعز إلى كل من الحصين بن تميم التميمي، وحجّار بن أبجر، وشمر بن ذي الجوشن بالخروج إلى حرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد أن أسند لكل واحد منهم القيادة على بعض الوحدات العسكرية، فزحفوا بمن معهم إلى كربلاء لمساعدة ابن سعد.
ولعب سَمُرَةُ بن جندب الصحابي الكذاب دوراً مهماً في حثّ الناس على حرب ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد كان على شَرَطة عبيد اللّه بن زياد، وأخذ يدفع الناس إلى قتال ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) (1).
وكان المنافق شَبَث بن ربعي كارها للخروج إلى حرب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأظهر المرض تصنّعاً، وهو الشخص الذي عرف بالتحوّل والتقلب. فقد أسلم ثم ارتد، وكان مؤذناً لسَجاح، ثم عاد إلى الإسلام، وكان من الثائرين على عثمان، وكان مع علي اللّه في صفين، ثم شارك الخوارج في حروبهم، وكاتب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثم انضم إلى ابن زياد، ثمّ تحوّل مع المختار، ثم كان مع ابن الزبير في حربه للمختار، فهو يتجه نحو أطماعه (2).
ولم يكن يخفى على ابن زياد ذلك، فأرسل إليه أن رسولي يخبرني بتمارضك، وأخاف أن تكون من الذين إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِم قَالُوا إِنَّا مَعَكُم إِنَّمَا نَحْنُ مُستَهْزِئُونَ (3)، فإن كنت في طاعتنا فأقبل إلينا مسرعاً.
وأقبل إليه شَبَتْ مسرعاً بعد العشاء؛ لئلا ينظر إلى وجهه فلا يجد عليه أثر العلة، وقد أجابه لما أراد، فخرج لحرب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتولى قيادة بعض الفرق (1).
وأصدر ابن زياد أوامره المشدّدة بحمل أهل الكوفة في الحرب، وإرغامهم على الخوض في قتال الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد أصدر مرسوماً - قبل أن يعسكر في النخيلة - جاء فيه: فلا يبقى رجل من العرفاء والمناكب (2)والتجار والسكان إلّا خرج فعسكر معي، فأيما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلفاً عن المعسكر إلا برئت منه الذمة (3).
وأمر بإذاعة ذلك بين الناس، وقد أوعز إلى كل من كثير بن شهاب الحارثي، ومحمّدبن الأشعث بن قيس، والقعقاع بن سويد بن عبد الرحمن المنقري، وأسماء ابن خارجة الفزاري، أن يطوفوا في الناس يحثونهم على الطاعة، ويحذرونهم من المعصية، ويخوّفونهم عواقب الأمور، وقد طافوا بالكوفة وأذاعوا ما أُمروا به، ثم لحقوا به في النخيلة إلا كثير بن شهاب فأنّه ظل مقيماً بالكوفة يخذل الناس عن نصرة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويشيع الإرهاب والخوف على المتخلفين عن الحرب (4).
وقد ألقت الشرطة القبض على رجل من هَمْدان قدم الكوفة يطلب ميراثاً له، به إلى ابن زياد فأمر بقتله، ولما رأى الناس ذلك هرعوا إلى الحرب حتى لم يبقَ في الكوفة محتلم إلا خرج إلى المعسكر في النخيلة (5).
حققت هذه السياسة ما توخاه ابن زياد من حمل الناس على حرب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد سيطر سيطرة تامة على الموقف، فلم يدع لأي أحد حرّية ولا اختيار.
وفرض ابن زياد الرقابة الصارمة على الكوفة مخافة أن يخرج منها أحد لنصرة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد بث الجواسيس والعيون، وفرض نوعاً من الأحكام العرفية التي كانت في منتهى القسوة، فإذا اتُّهم أحد بالعمل ضد سياسة الدولة أُلقي عليه القبض وسِيقَ بلا هوادة ولا رحمة إلى الإعدام أو السجون. وقد كان عبداللّه بن يسار يحفز الناس إلى نصرته وخذلان بني أمية، فتطلبه ابن زياد فأخفى نفسه وتزوج امرأة من مراد، ثم ظفر به عبید اللّه بن الحرّ فأتى به إلى السبخة فقتله (1).
وقد وضع ابن زياد المناظر، ورتب المسالح حول الكوفة، وجعل على الحرس زحر بن قيس الجعفي، ورتب بينه وبين عسكر ابن سعد خيلاً مضمرة مقدحة(2)، فكانت كل بادرة تحدث تأتيه في الوقت (3).
وهربت الأكثرية الساحقة من جيش ابن زياد من وحداتها العسكرية، وقد لاذ الكثيرون منهم بالأنّهزام فراراً من حرب سبط رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
ويقول البلاذري: إنّ القائد يكون على الف مقاتل لا يصل إلى كربلاء إلا ومعه ثلاثمائة، أو أربعمائة، أو أقل من ذلك، فقد كانوا يفرون كراهة منهم لهذا الوجه (4)لقد كانوا على يقين لا يخامره أدنى شك بضلال هذه الحرب وأنّهم إنّما يحاربون اللّه ورسوله، ويقاتلون من أمروا بمودته وطاعته.
ونزح الطاغية إلى النخيلة (1)فعسكر بـها ومعه قطعات كبيرة من الجيش، وقد استخلف على الكوفة عمرو بن حريث، وقد بلغه أنّ الرجل والرجلين والثلاثة يتسللون إلى معسكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الا عن طريق الفرات، فأمر بضبط الجسر وحراسته فلم يترك أحداً يجوزه.
وحاول البطل الشهم عمار بن أبي سلامة الدالاني أن يغتال ابن زياد في النخيلة إلا أنّه لم يتمكن من ذلك نظراً للرقابة الشديدة والحرس المكثف الذي يحرسه، ولما فشل في مهمته عطف حتى لحق بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) واستشهد بين يديه (2).
واختلف المؤرخون في عدد الجيش الذي نزح لحرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ). وفيما يلي بعض ما ذكروه:
1- ثمانون الف فارس (3).
2- خمسون الف فارس (4).
3- خمسة وثلاثون الف فارس (5).
4 - ثلاثون الفاً (1).
5- اثنان وعشرون الفاً (2)
6- عشرون الفاً (3).
7- ستة عشر الف فارس (4).
8 - اثنا عشر الفاً (5).
9- ثمانية آلاف (6).
10- ستة آلاف (7).
11- أربعة آلاف (8).
هذه بعض الأقوال التي ذكرها المؤرخون. وهناك أقوال أخرى لا تخلو من المبالغة.
ولابد لنا من وقفة قصيرة للتحقيق في هذه الأقوال المختلفة التي حددت عدد الجيش الذي تدفّق إلى كربلاء واشترك في عمليات الحرب؛ لنختار منها ما تساعد عليه الأدلة، ونلقي - قبل كل شيء - نظرة خاطفة على عدد الجيش في الكوفة
1) عمدة الطالب: 171
2) الفتوح: 5: 101. مطالب السؤول:2 77 مرآة الجنان 1: 107. شذرات الذهب 67:1
3) اللّهوف: 52 الفصول المهمة/ابن الصباغ: 2: 819. الصواعق المحرقة: 197
4) الدرّ النظيم: 551
5) الدرّ النظيم: 551
6) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان: 92
7) الصراط السويّ في مناقب آل النبیّ: 87
8) الأخبار الطوال: 253. تاريخ اليعقوبي: 2: 156. البداية والنهاية: 8: 171
التي كانت أعظم حامية عسكرية في ذلك الوقت، فقد كان عدد الجيش في أواسط القرن الأول أربعين الفاً يغزو كل عام منهم عشرة آلاف (1).
وقد ازداد هذا العدد منذ اتخذها الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اصمة له، فقد كثرت الهجرة إليها، فقد زحف معه لحرب صفين سبعة وخمسون الفاً، وثمانية آلاف من مواليهم (2).
وهناك بعض التصريحات التي أدلى بها بعض الشخصيات تدل على أن إحصاء الجيش في ذلك العصر بلغ مائة الف، فقد أنكر سليمان بن صُرَد الخزاعي على الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمر الصلح، وقال له: لا ينقضي تعجبي من بيعتك معاوية ومعك مائة الف مقاتل من أهل العراق (3).
وجاء في بعض رسائل أهل الكوفة إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إنا معك ومعنا مائة الف (4).
وفيما أحسب أن هذا العدد لا يخلو من المبالغة، وأنّ العدد أقل من ذلك بكثير، أما سكان الكوفة فإنا لم نقف لهم على إحصاء إلا أنّ من المؤكد أنّهم كانوا أضعاف عدد الجيش، فإنّ هناك الكثيرين من ذوي المهن والحرف والتجار وغيرهم ممن لم ينضموا إلى المنظمة العسكرية.
ونقف - بعد هذا العرض الموجز لعدد جيش الكوفة وسكأنّها - أمام تلك الأقوال
بين أمرين:
الأول: الإذعان والتصديق لكل ما قيل في عدد الجيش من الكثرة؛ لأن ابن زياد
قد أعلن النفير العام في الكوفة فلم يبق فيها محتلم إلا خرج لحرب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومن تخلف كان مصيره الإعدام أو السجن، حتى لم تبق في الكوفة واسطة من وسائط النقل إلا استعملت لنقل الناس للحرب، وإذا قيل: إن عدد الجيش مائة الف أو يزيد فليس في ذلك أية مبالغة
الثاني: التشكيك في تلك الكثرة؛ لأنّ أكثر الجنود قد استعظموا حرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ففروا منهزمين فى البيداء، بالإضافة إلى أنّ طائفة كبيرة من الجيش كانت في معسكر النُخَيْلة مع ابن زياد، وعلى هذا فالجيش الذي تدفق إلى كربلاء لحرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يس بذلك العدد الضخم الذي يذهب إليه بعض المؤرخين.
وأكبر الظن أن الرواية التى أثرت عن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه ازدلف ثلاثون الفاً لحرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)هي أقرب ما قيل في عدد الجيش، فإن هذا العدد وما يزيد عليه قد اشترك في حرب ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، ولعل رواة الكثرة نظروا إلى الجيش الذي قد استعد للقتال وإن لم يحضر المعركة.
أمدّنا المؤرخون بأسماء بعض قادة الجيش الذين اشتركوا في كارثة كربلاء، وهم:
1- الحرّ بن يزيد الرياحي، وكان على الف فارس، وهو الذي حاصر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كربلاء (2).
2- عمر بن سعد، وقد أسند إليه ابن زياد القيادة العامة لجميع قواته المسلّحة، وكان أميراً على أربعة آلاف (3).
3- شَبَث بن ربعي جعله أميراً على الف فارس(1).
4- مضاير بن رهينة المازني أمير على ثلاثة آلاف (2).
5- نصر بن حرشة أمير على الفين (3).
6- كعب بن طلحة أمير على ثلاثة آلاف (4)
7- حجّار بن أبجر أمير على الف (5).
8- الحصين بن تميم على أربعة آلاف (6).
9- شمر بن ذي الجوشن أمير على أربعة آلاف (7).
10- زيد بن ركاب الكلبي على الفين (8).
11- يزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم أمير على الف (9).
هؤلاء بعض قادة الجيش، وقد انضم تحت ألويتهم خمسة وعشرون الف مقاتل. ويقول ابن الجوزي: أنّه كان على ربع الكوفة عبد اللّه بن زهرة بن سليم الأزدي، وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث، وعلى ربع مذحج وأسد عبداللّه بن سبرة الجعفي، وعلى ربع ربيعة وهمدان الحرّ بن يزيد الرياحي (10).
وتسلّح جيش ابن زياد بجميع أدوات الحرب السائدة في تلك العصور، فقد كان استعداده لحرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) استعداداً كبيراً. ويحدثنا المؤرخون عن ضخامة
1) أنساب الأشراف: 3: 387
2) مناقب آل أبي طالب: 4: 98
3) مناقب آل أبي طالب: 4: 98
4) مناقب آل أبي طالب: 4: 98
5) مناقب آل أبي طالب: 4: 98
6) مناقب آل أبي طالب: 4: 98
7) مناقب آل أبي طالب: 4: 98
8) الفتوح: 5: 89
9) الفتوح: 5: 89
10) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان: 92 تاريخ الأمم والملوك: 4: 621 و 622. الكامل في التاريخ: 3: 286
ذلك الاستعداد، فقالوا: إنّ الحدّادين، وصانعي أدوات الحرب في الكوفة كانوا يعملون ليلاً ونهاراً في بري النبال وصقل السيوف في مدة كانت تربو على عشرة أيام. لقد دفع ابن زياد الحرب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بقوة عسكرية مدججة بالسلاح بحيث كانت لها القدرة على فتح قطر من الأقطار.
وكان المستخدم لهذه الأدوات، هم:
وهم الذين كانوا يسدّدون النبال والسهام، وقد لعبوا دوراً خطيراً في الحرب، وهم أوّل من فتح باب الحرب على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فسددوا سهامهم نحو معسكره فلم يبق أحد منهم إلا أصابه سهم، حتى أُصيبت بعض النساء فدهشن وأرعبن، وقد قتل بعض أبناء الأسرة النبوية بتلك السهام الغادرة كعبد اللّه بن مسلم، وعبد اللّه بن الحسن، وعبد اللّه الرضيع، وغيرهم.
وهي كتائب من الجيش كانت ترمي بالحجارة، وسلاحها المقاليع (1).
وهم الذين كانوا يُلبسون الجنود ا(عَلَيهِ السَّلَامُ) ت التي تقيهم في الحرب، كما كانوا يضعون على الخيل ا(عَلَيهِ السَّلَامُ) ت التي تقيها من النبال والرماح.
أما أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكانوا فئة قليلة، وقد اختلف المؤرخون في
1) المقاليع - جمع مقلاع-: آلة ترمى بها الحجارة - المنجد: 651 - قلع
عددهم، وهذه بعض الأقوال:
الأوّل: ما ذهب إليه المسعودي: أنّهم خمسمائة فارس، ونحو من مائة راجل (1). وانفرد المسعودي بهذا القول ولم يذهب إليه أحد غيره.
الثاني: ما رواه عمّار الدهني، عن أبي جعفر: أنّهم كانوا خمسة وأربعين فارساً ومائة راجل (2).
الثالث: ما ذكره ابن شهر آشوب: أنّهم اثنان وثمانون رجلاً، الفرسان منهم وثلاثون (3).
الرابع: ما قاله سعد بن عبيدة: إنّي لأنظر إليهم وهم قريبون من مائة رجل فيهم من صلب علي خمسة أو سبعة وعشرة من بني هاشم، ورجل من كنانة، وآخر من سليم (4). الخامس: ما ذكره ابن كثير، والفاخوري: أنّهم اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً (5).
والذي نراه أنّهم ثمانون رجلاً بما فيهم من أبناء الأسرة النبوية، والذي يدعم ذلك أنّ الرؤوس التي احتزت وبُعث بها إلى ابن مرجانة ويزيد بن معاوية كانت تسعة وسبعين رأساً لا غير.
وعلى أية حال، فإنّ هؤلاء الأبطال على قلتهم كانوا كفؤاً لذلك الجيش، وقد
130
ألحقوا به أفدح الخسائر، وقد مثلوا بمواقفهم البطولية شرف العقيدة وسمو المبدأ.
وكان ابن سعد كارهاً لقتال الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأراد التخلص من ذلك، فدعا عزرة بن قيس أن يلتقي به ويسأله عما جاء به، فامتنع عزرة؛ لأنّه كان ممن كاتب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالقدوم إلى الكوفة، فندب لمقابلته كثير بن عبد اللّه الشعبي وكان فاتكاً جريئاً، فقال: أنا له وإن شئت أن أفتك به لفعلت.
فلم يرضَ ابن سعد بذلك، وإنّما طلب منه أن يمضي إليه ويسأله عما جاء به، وأقبل كثير يشتد نحو الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولما بصر به أبو ثمامة الصائدي ارتاب منه، فقام في وجهه، وطلب منه أن ينزع سيفه حتى يقابله فأبى، فلم يسمح له بالدخول فولّى منصرفاً غضباناً، وأخبر ابن سعد بذلك فطلب من قرّة بن قيس الحنظلي ملاقاة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأجابه.
فلمّا أقبل قال لأصحابه: هَلْ تَعْرِفُونَ هذا؟
فأجابه حبیب بن مظاهر: نعم، أنّه من بني تميم، وقد كنت أعرفه بحسن الرأي، وما ظننت أنّه يشهد هذا المشهد.
وتقدّم قرّة نحو الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسلم عليه، وسأله عمّا جاء به؟
فقال(عَلَيهِ السَّلَامُ): يا هذا، أَعْلِمْ صاحِبَكَ عَنِّي إِنِّي لَمْ أَرِدْ إِلَى هَاهُنَا حَتَّى كَتَبَ إِلَيَّ أَهْلُ اللّه مِصْرِكُمْ أَنْ يُبايِعُوني، وَلَا يَخْذُلُونِي، وَيَنْصُرُونِي، فَإِنْ كَرِهُونِي أَنْصَرِفُ عَنْهُمْ مِنْ حَيْثُ جِئْتُ.
و انبرى إليه حبيب فأسدى له النصيحة قائلاً: ويحك يا قرّة، عهدي بك وأنت حسن الرأي في أهل البيت، فما الذي غيرك حتى أتيتنا بهذه الرسالة؟ فأقم عندنا وانصر هذا الرجل.
فقال قرة الحنظلي: لقد قلت الحق، ولكن أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأنظر في ذلك، وقفل قرّة إلى ابن سعد فعرض عليه كلام الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)، وسُرَّ ابن سعد بذلك ورأى أنّه بالإمكان التوصل لحل سلمي يجنّبه من الخوض في معركة تطوّق عنقه بالآثام والأوزار.
وهنا نتساءل، هل صحيح أنّ ابن سعد لا يعلم لماذا جاء الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولم يعلم بالكتب التي بعثها الكوفيون، ولم يكن هو منهم؟!
وهل كان بمعزل عن المعامع السياسية، ولم يعلم بمجيء مسلم (رَضِیَ اللهُ عَنهُ)ولا بقتله هو وهانئ؟!
ألم يكن ممن كتب إلى يزيد حينما وصل مسلم (رَضِیَ اللهُ عَنهُ)يأخذ البيعة للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟! أم أنّه نكرة لا يحسب له حساب؟! لاها اللّه لا هذا ولا ذاك، وإنّما هي الأطماع في المناصب والجاه، وملك الري قرة عيني !!
وأراد ابن سعد التأكد من ذلك، فطلب من الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جتماع به فأجابه إلى ذلك، ولما مثل عنده قال له: ما جاء بك؟
فقال: أَهْلُ الْكُوفَةِ.
قال: أما عرفت ما فعلوا معكم؟
فقال: مَنْ حَادَعَنَا فِي اللَّهِ انْخَدَعْنَا لَهُ
قال: قد وقعت الآن فما ترى؟
فقال: أَرْجِعُ فَأُقِيمُ بِمَكَّةَ أَوْ بِالْمَدِينَةِ، أَوْ أُقِيْمُ بِبَعْضِ الثُّغُورِ.
وفرح ابن سعد من موقف الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ورأى فيه بادرة لإحلال السلام
1) الفتوح: 5: 86 و 87. أنساب الأشراف: 3: 386. تاريخ الأمم والملوك: 4: 611 و 612
والتجنّب من الحرب (1).
و یا در ابن سعد فكتب رسالة إلى أميره ابن مرجانة جاء فيها:
«أما بعد، فإن اللّه أطفأ الناثرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمر الأمة، هذا حسين أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي أتى منه، أو أن يسير إلى ثغر من الثغور فيكون رجلاً من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده، فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا رضاً، وللأمة صلاح» (2)
وممّا لا شبهة فيه أنّ ابن سعد قد افترى على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تلك الرسالة فإن بعض بنودها مما لم يفه به (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد تحدّث عن افتعالها عقبة بن سمعان الذي صاحب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المدينة إلى مكة، ثم إلى العراق، وظل ملازماً له إلى حين شهادته (3)، فيقول: صحبت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المدينة إلى مكة، ومنها إلى العراق، ولم أفارقه حتى قتل، وقد سمعت جميع كلامه، فما سمعت منه ما يتذاكر فيه الناس من أن يضع يده في يد يزيد، ولا أن يسير إلى ثغر من الثغور لا في المدينة، ولا في مكة، ولا في العراق، ولا في عسكره إلى حين قتل. نعم، سمعته يقول:
«دَعُونِي فَلَأَذْهَبْ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ العَرِيضَةِ حَتَّى نَنظُرَ ما يَصِيرُ أَمْرُ النَّاسِ» (4).
ونفى الشيخ محمّدالخضري صحة هذه الرسالة، فقال: «وليس بصحيح
الإعراض عليهم أن يضع يده في يد يزيد، وإنما عرض عليهم أن يدعوه أن يرجع إلى المكان الذي خرج منه» (1).
لقد افتعل ابن سعد هذه الرسالة؛ ليتخلّص من إثم المعركة، ويكون بمنجى من قتل ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، ولو أنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال ذلك لانفض جيش ابن زياد وانتهى كل شيء. لقد رفض الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) منذ بداية الأمر الخضوع العصابة الإجرام، وصمد في وجه الأعاصير، ودلل في جميع مواقفه الخالدة على إبائه وعزّة نفسه وصلابة إرادته.
ولما وردت رسالة ابن سعد إلى ابن مرجانة استصوب رأيه، ورأى فيه حَلاً للمشكلة وجمعاً للكلمة، وأنّه قد جنّبه الحرب، فطفق يقول بإعجاب: هذا كتاب رجل ناصح لأميره، مشفق على قومه (2).
وكان شَمِر بن ذي الجوشن إلى جانبه. فضاق ذرعاً بالأمر، فقد عُرف الخبيث بوضاعة النسب والحقد على ذوي الأحساب العريقة، وكان قد حسد ابن سعد على إمرته للجيش، فاندفع باضرام نار الحرب، فقال لابن مرجانة: أتقبل هذا منه بعد أن نزل بأرضك وإلى جنبك؟! واللّه لئن رحل من بلادك، ولم يضع يده في يدك؛ ليكونن أولى بالقوة والعزة، ولتكونن أولى بالضعف والوهن (3).
وألهبت هذه الكلمات الموقف، ونسفت كل أمل في الصلح والوئام، فقد تفطّن ابن زياد إلى أمر خطير قد خفي عليه، وهو أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا خلص منه، ولم يبايع ليزيد.
والتحق بقطر من الأقطار، فسوف يتبلور الموقف وتهبُّ الأُمة لحمايته من العصابة المجرمة، وسيكون الطاغية أولى بالوهن والضعف، والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أولى بالمنعة لعل والقوة؛ لأنّه ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وريحانته. وغابت هذه النقاط الحساسة عن ابن مرجانة، فرأى في كلمات الشمر الإخلاص والنصيحة.
ولما رأى الشمر أنّه قد سيطر على الموقف وأفسد مهمة ابن سعد، اندفع ليوهن مكانته عنده لعله أن يتخذ من ذلك وسيلة لإقصائه عن منصبه ويكون بمحله، فقال له: واللّه، لقد بلغني أن حسيناً وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدّثان عامة الليل (1).
ويظهر من هذا أنّ شمراً كان له استخبارات خاصة على ابن سعد يحصي ليتزلّف بها لابن زياد، وإلا كيف عرف أنّهما يجتمعان ويتحدثان بين العسكرين؟! وكان جلّ ما يتوخاه الشمر هو إقصاء ابن سعد ليحل محله ويتولى هو قيادة الجيش.
ورفض ابن مرجانة جميع الحلول السلمية التي كتب بها ابن سعد، وسدّ جميع نوافذ السلم والوئام، وقد كتب إليه: «أما بعد، فإنّى لم أبعثك للحسين لتكف عنه، ولا لتطاوله، ولا لتمنيه السلامة والبقاء، ولا لتكون له عندي شافعاً. انظر فإن نزل حسين وأصحابه على حكمي واستسلموا فابعث بهم إلي سلماً، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم، فأنّهم لذلك مستحقون، وإن قتلت حسيناً فأوطئ الخيل صدره وظهره عاتٍ ظلوم، وليس أرى أنّ هذا يضر بعد الموت شيئاً، ولكن علي قول قد قلته: لو قتلته لفعلت هذا به، فإن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخل بين شمر بن ذي الجوشن
1) تاريخ الأمم والملوك: 4: 615. الكامل في التاريخ: 3: 284. البداية والنهاية: 8: 177
وبين العسكر، فإنا قد أمرناه بأمرنا، والسلام» (1)
وجاء في تذهيب التهذيب:1: 151: «أن ابن زياد كتب لابن سعد: «لا، ولا كرامة حتى يضع يده في يدي. فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَا يَكُونُ ذلِكَ أَبَداً»
.وكانت هذه الرسالة صارمة لا رحمة فيها، ومحتوياتها ما يلي:
1- أنّها قصرت صلاحية ابن سعد على عمليات الحرب والقتال، ولم تمنحه أية صلاحية لإجراء الصلح أو المفاوضة مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
2- وعرضت أنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا استجاب للصلح فعليه أن ينزل صاغراً لحكم ابن مرجانة لينال نصيبه منه، فإن شاء عفا عنه وإن شاء قتله، وقد أراد أن يمثل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نده كأسير أو مذنب ليسترحمه.
3- إنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إذا لم يستجب للنزول على حكمه فعلى ابن سعد أن يسارع إلى قتله والتمثيل به.
4- أنّه هدده بالعزل عن منصبه إذا تردد في تنفيذ ما عهد إليه، وعليه أن يسلم جميع مهام الجيش إلى شمر بن ذي الجوشن ليقوم بتنفيذ ما عهد إليه.
5- أنّه أو عده بالجزاء إن استجاب لأوامره.
ويقول المؤرخون: إنّ ابن زياد جعل يقول:
الآنَ إِذْ عَلِقَتْ مَخالِبُنا بِهِ *** يَرْجُو النَّجاةَ وَلَاتَ حِينَ مَناصِ (2)
وأسرع الشمر وهو جذلان مسرور، فجعل يجد في السير ليصل لابن سعد لعله لا يستجيب لأوامر ابن مرجانة فيكون هو الأمير على الجيش، ووصل الشمر
إلى كربلاء، وكان ابن سعد مُستَنقِعاً في الفرات، فبادر إليه رجل فقال له: قد بعث إليك جويرةً بن بدر التميمي، وأمره إن أنت لم تقاتل أن يضرب عنقك، فوثب ابن سعد على فرسه، ودعا بسلاحه (1)، والتفت إلى شمر بن ذي الجوشن وقد عرف أنّها من مكيدته، فقال له: مالك ويلك، لا قرب اللّه دارك، وقبَّح اللّه ما جئت به عليّ، واللّه إنّي لأظنك أنك نهيته أن يقبل ما كتبت به إليه، وأفسدت علينا أمراً قد كنا، رجونا أن يصلح. لا يستسلم واللّه حسين، فإن نفس أَبِيَّةٌ لبين جنبيه.
فأجابه الشمر: أخبرني ما أنت صانع، أتمضي لأمر أميرك؟ وإلا فخل بيني وبين العسكر.
واستسلم ابن سعد لهواه وأطماعه فرضي أن يبقى قائداً لجيش ظلوم، فقال له: لا واللّه ولا كرامة، ولكن أنا أتولّى ذلك (2).
وظلّ الشمر رقيباً على ابن سعد لعله يقصر في أوامر سيده ابن مرجانة ليتولى هو قيادة الجيش، وبعث ابن سعد بجواب ابن زياد إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَا وَاللَّهِ، مَا وَضَعْتُ يَدِيَ فِي يَدِ ابْنِ مَرْجَانَةَ (3).
وطلب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من ابن سعد الاجتماع به، فأجابه علی کره، فالتقى معه ليلاً، وعقد معه اجتماعاً مغلقاً لم يحضره إلّا العباس وعلي الأكبر من جانب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومع ابن سعد ابنه حفص وغلام لابن سعد، فقال الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)
له: يابْنَ سَعْدٍ، أَما تَتَّقِي اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ مَعَادُكَ، أَتُقَاتِلُنِي وَأَنَا ابْنُ مَنْ عَلِمْتَ؟! فَاتْرُكْ هؤُلَاءِ وَكُنْ مَعِيَ فَإِنِّى أَقْرَبُ إِلَى اللّهِ عزَّ وجَلَّ.
وألقى ابن سعد معاذيره الواهية قائلاً: أبا عبداللّه، أخاف أن تهدم داري.
فقال له الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنا أَبْنِيها لَكَ.
فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي.
فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنا أَخْلِفُ عَلَيْكَ خَيْراً مِنْها مِنْ مالِى بالْحِجاز (1).
فقال: لي عيال وأخاف عليهم.
ولم يجد منه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أي تجاوب، وإنّما رأى منه إصراراً على الغيّ والعدوان، فاندفع يدعو عليه: ما لَكَ ! ذَبَحَكَ اللّهُ عَلَى فِراشِكَ سَرِيعاً عاجِلاً، وَلَا غَفَرَ لَكَ يَوْمَ حَشْرِكَ وَنَشْرِكَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَلَّا تَأْكُلَ مِنْ بُرِّ الْعِرَاقِ إِلَّا يَسِيراً.
وولّى ابن سعد، وهو يقول للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسخرية: في الشعير كفاية عن البّرّ (2).
وكان شمر لما قبض كتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد قام هو وعبد اللّه بن أبي المحل وكانت عمته أُمّ البنين ابنة حزام عند علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) فولدت له اللّه العباس وعبد اللّه وجعفراً وعثمان - فقال عبد اللّه: أصلح اللّه الأمير، إنّ بني أُختنا مع أختنامع الحسين فإن رأيت أن تكتب لهم أماناً فعلت، فقال: نعم، ونَعمةً عين، فأمر كاتبه فكتب لهم أماناً، فلمّا نهض عمر إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جاء شمر حتى وقف على أصحاب
الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهتف منادياً: أين بنو أختنا العباس وإخوته؟
الا فهبت إليه الفتية كالأسود، فقالوا له: ما تريد يابن ذي الجوشن؟
فقال: أنتم يا بني أُختى آمنون.
فصاحوا به وهم يتميزون من الغيظ قائلين: لعنك اللّه ولعن أمانك، أتؤمننا وابن بنت رسول اللّه لا أمان له (1).
وولى الأثيم خائباً، وقد ظن أن إخوة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من طراز أصحابه الممسوخين، ولم يعلم أنّهم من أفذاذ الدنيا الذين صاغوا الكرامة الإنسانية، وصنعوا الفخر والمجد للإنسان.
وقد أظهروا بموقفهم تماسك جيش الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقوة معنوياتهم، وأنّهم كالجبل في صمودهم لاتخدعهم المغريات ولا يثنيهم عن عزمهم الجبار تدافع قوى الشرك والضلال التي هي كالسيل لحربهم.
وفرض ابن سعد الحصار على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأحاط بجميع الطرق مخافة أن يصل إليه أيُّ إمداد من الخارج، وقد أحكم هذه الجهة حتى صار من غير الممكن أن يلتحق أي أحد بمعسكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو يصلهم بأيّ إمداد.
وأخطر عملية قام بها ابن سعد احتلاله لنهر الفرات، فقد صدرت إليه الأوامر المشددة من ابن مرجانة بمنع الماء عن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأهل بيته وأصحابه،
1) الإرشاد/المفيد: 2: 89 أنساب الأشراف: 3: 391 تاريخ الأمم والملوك: 4: 615 و 616
فلا يذوقوا منه قطرة واحدة، كما صنع بعثمان بن عفان، حسبما جاء في رسالة ابن مرجانة إلى ابن سعد، وأرسل قوة عسكرية تتالف من خمسمائة فارس وقيل: أربعة آلاف فارس، بقيادة عمرو بن الحجاج، فاحتلوا جميع الشرائع والأنّهر المتفرعة من نهر الفرات، وأوصدوا على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصحابه باب الورود إلى الماء.
وفيما أحسب أنّه إنما اتخذ هذا الإجراء القاسي الرهيب لما يلي:
أولاً: الإضرار بمعسكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها حتى لا تكون عندهم أية قدرة أو مقاومة على الحرب، فلا تصاب قواته بالخسائر.
ثانياً: سدّ الطريق أمام من يحاول الالتحاق بالحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ن طريق الماء.
ثالثاً: المبالغة في التشفّي والانتقام من الأسرة النبوية لما فعله المسلمون بعثمان يوم الدار حينما حوصر ومنعوا عنه الماء، ولكن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ(- فيما أجمع عليه المؤرخون - قد حمل الماء إليه حينما حوصر (1)، وقد تنكّر الأمويون لهذه اليد التي أسداها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هم.
رابعاً: إنّ ابن زياد كان يأمل بهذا الإجراء أن يستسلم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويخضع لأوامره.
خامساً: إن ابن زياد يرى أن منع الماء له أثره في قصر زمان المعركة، ولهذا شدد أوامره في منعهم من الماء.
ومنع فهذه بعض الأسباب التي دعت ابن مرجانة لإصدار أوامره باحتلال الفرات الماء عن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصحابه.
ويقول المؤرخون: أنّه حيل بين الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبين الماء قبل قتله بثلاثة
1) شرح نهج البلاغة/ابن أبي الحديد: 3: 25
أيام (1)، وكان أعظم ما عاناه (عَلَيهِ السَّلَامُ) من المحن الشاقة مشاهدة أطفاله وحرائر الرسالة، يهم يعجون من ألم الظمأ القاتل، فقد كان الأطفال ينادون: الماء، الماء.
ولم يستطع الأطفال مقاومة العطش، وكانوا ينظرون إلى الفرات وهو فياض بمائه، فازداد صراخهم، وذاب قلب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رحمة وحناناً لذلك المشهد الرهيب، فقد ذبلت شفاه أطفاله، وذوى عودهم، وجف لبن المراضع، بينما ينعم أولئك الجفاة بالماء، يقول أنور الجندي:
وذئاب الشُّرُورِ تَنْعَمُ بِالمَاءِ *** وأَهْلُ النبیّ مِنْ غَيْرِ ماء
يا لَظُلْمِ الأَقْدارِ يَظْمَأُ قَلْبُ اللَّيْثِ *** وَاللَّيْتُ مُوثَقُ الأَعْضاء
وصغارُ الحسين بكُونَ في الصَّحْرَاءِ *** يا رَبِّ أَيْنَ غَوْتُ القَضاءِ
إنّ جميع الشرائع والمذاهب لا تبيح منع الماء عن الأطفال والنساء، وخصوصاً الشريعة الإسلامية، فقد جعلت الناس جميعاً شركاء في الماء والكلأ، وسوّغت الشرب من الأنّهار المملوكة حتى لو لم يأذن أربابها، وكرهت أشدّ الكراهة ذبح الحيوان الأعجم عطشاناً، لكن الجيش الأموي لم يحفل بذلك، واستباح جميع ما حرمته الشرائع والأديان.
لقد تنكّر أولئك الجفاة لليد البيضاء التي أسداها لهم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى مقدمة جيوشهم التي كانت تتالف من الف فارس بقيادة الحرّ لإلقاء القبض عليه وحصاره في البيداء، وكان قد بلغ بهم العطش كل مبلغ حتى أشرفوا على الهلاك، وكان باستطاعته أن يبيدهم عطشاً، فأبت مروءته ورحمته أن يعاملهم بالقسوة، فأمر فتيأنّه وهو معهم فسقاهم عن آخرهم كما أمر بسقي خيولهم وترشيفها، على أنّه كان في حاجة إلى الماء؛ لأنّه في وسط الصحراء اللاهبة، ولم يقدّر أولئك
1) الإرشاد/المفيد: 2: 86 و 87 أنساب الأشراف: 3: 389 تاريخ الأمم والملوك: 4: 613. الكامل في التاريخ: 3: 283. مرآة الزمان في تواريخ الأعيان: 89
الأجلاف هذه النجدة، فحرموه من الماء، وحرموا من كان في كنفه من سيدات أهل البيت وأحفاد النبیّ(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
وأخذ أُولئك الممسوخون يتباهون ويتفاخرون باستيلائهم على ماء الفرات وحرمان ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) منه، ومن بينهم:
وانبرى المهاجر بن أوس التميمي صوب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رافعاً صوته: يا حسين، ألا ترى إلى الماء يلوح كأنّه بطون الحيّات، واللّه لا تذوقه أو تموت. فرد عليه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إني لأرْجُو أَنْ يُورِدَنِيهِ اللّهُ وَيُحَلِّنَكُمْ عَنْهُ (1).
وأقبل عمرو بن الحجّاج - وكان ممن كاتب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالقدوم إلى الكوفة - حتى قرب من معسكر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرفع صوته: يا حسين، إن هذا الفرات تلغ فيه الكلاب، وتشرب فيه الحمير والخنازير، واللّه لا تذوق منه جرعة حتى تذوق الحميم في نار جهنم (2).
وأقبل عبد اللّه بن أبي الحصين الأزدي يشتد كأنّه الكلب نحو الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فنادی یا حسين، ألا تنظر إلى الماء كأنّه كبد السماء، واللّه لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشاً.
فرفع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ديه بالدعاء عليه، وقال: اللّهمَّ اقْتُلْهُ عَطَشاً، وَلَا تَغْفِرْ لَهُ أبداً (1).
لقد فخر أُولئك الأجلاف باحتلالهم لماء الفرات، تقرباً لسيدهم ابن مرجانة وإرضاءً لعواطفه لينالوا جوائزه وهباته.
وأنكر جماعة من أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وغيرهم على ابن سعد منعه الماء عن ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد كان ذلك أحط أسلوب في الانتقام، فقد أشرف أطفال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى الهلاك وهم يرون الماء أمامهم، وليس هناك من سبب يدعو إلى هذا الانتقام إلا الخسة والوحشية المتأصلة في نفوس ذلك الجيش، ومن بين المنكرين عليه.
وخرج نافع بن هلال فقال لابن سعد: هذا الفرات تشرب منه الكلاب، وهذا الحسين ابن بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وأهل بيته عطاشى، وأنت تزعم أنك تعرف اللّه ورسوله؟! وأطرق ابن سعد بوجهه الخبيث إلى الأرض، ولم يتكلم بشيء (2).
وانطلق برير بن خضير الهَمْداني نحو ابن سعد فرفع صوته قائلاً: يا عمر بن سعد، أتترك بيت النبوة يموتون عطشاً، وحلت بينهم وبين الفرات أن يشربوا منه،
وتزعم أنك تعرف اللّه ورسوله.
فأجابه ابن سعد: إنّي واللّه أعلم يا برير علماً يقيناً أن كل من قاتلهم وغصبهم على حقوقهم في النار لا محالة، ولكن ويحك يا برير، أتشير عليّ أن أترك ولاية الري فتصير لغيري، ما أجد نفسي تجيبني إلى ذلك أبداً (1)
وقد وقع في بعض المصادر التاريخية تصحيف في اسمه واسم أبيه، فمرة «يزيد بن حصين، وأخرى «برير بن حضير» - إبصار العين: 93- 97 مطالب السؤول: 2: 78 أخبار الدول وآثار الأول: 1: 321
.وحينما التحق الحرّ بمعسكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتابع على يده خرج إلى جيش ابن سعد فرفع صوته قائلاً: يا أهل الكوفة، لأمكم الهبل والعبر إذ دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه، وزعمتم إنّكم قاتلو أنفسكم دونه، ثم عدوتم عليه لتقتلوه، أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكظمه، وأحطتم به من كل جانب فمنعتموه التوجه إلى بلاد اللّه العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته، وأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وحلّاتموه ونساءه وصبيته وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الذي تشربه اليهود والنصارى والمجوس، وتمرّغ فيه خنازير السواد وكلابه، قد سرعهم العطش، بئسما خلفتم محمّد اً في ذريته، لاسقاكم اللّه يوم وهاهم الظمأ...(2).
ولم يجد معهم هذا الإنكار، وأصروا على بغيهم وعنادهم فحرموا أبناء النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) الماء حتى صرعهم العطش.
وأضرّ العطش بأهل البيت فتصارخ الأطفال والعيال، وقام الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأخذ فأساً وحفر حول خيمة النساء فنبعت عين ماء عذب فشربوا منها، إلّا أنّها لم تلبث إلا قليلاً حتى غارت، ونقلت الاستخبارات لابن زياد ذلك فتميّز غيظاً فأرسل إلى ابن سعد رسالة جاء فيها:
«بلغني أنّ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حفر الآبار، ويصيب الماء فيشرب هو وأصحابه، فانظر إذا ورد عليك كتابي فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت، وضيق عليهم، ولا تدعهم أن يذوقوا من الماء قطرة...».
وفرض ابن سعد الرقابة الشديدة على حفر الآبار، كما أحاط نهر الفرات بمزيد من الحرس والجنود مخافة أن يأتي أحد منهم فيشرب من الا الماء (1).
والتاع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشدّ ما تكون اللوعة ألماً ومحنة حينما رأى أطفاله وأهل بيته وهم يستغيثون من الظمأ القاتل، فندب أخاه وابن والده أبا الفضل العباس لتحصيل الماء، فانبرى البطل العظيم، وصحب معه ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً، وحملوا معهم عشرين قربة، واقتحموا بأجمعهم نهر الفرات، وقد تقدمهم نافع بن هلال الجملي، فاستقبله عمرو بن الحجّاج الزبيدي، وكان المسؤول عن حراسة الفرات، فقال له: ما جاء بك؟
قال: جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلّاتمونا عنه.
قال: فاشرب هنيئاً.
قال: أفأشرب والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) طشان ومن ترى من أصحابه؟!
1) الفتوح: 5: 91. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 1: 244
فقال: لا سبيل إلى سقي هؤلاء، إنّما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء الماء (1).
ولم يحفل به أصحاب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاقتحموا الفرات ليملأوا قربهم، فثار عليهم عمرو بن الحجّاج مع مفرزة من جنوده، والتحم معهم العباس ونافع بن هلال، ودارت بينهم معركة إلا أنّه لم يقتل فيها أحد، وعاد أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد أن ملأوا قربهم من الماء.
وقيل: إنّهم لم يعودوا إلا بشيء يسير منه (2). وأروى العباس عطاشى أهل البيت وأنقذهم من الظمأ، ولقب من ذلك اليوم بـ (السقاء)، وهو من أشهر ألقابه ذيوعاً، ومن أحبها عنده.
وكان حبيب بن مظاهر من أفذاذ الأصحاب، ومن أكثرهم إخلاصاً وولاء له، -نه أن
ولما رأى وحدة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتظافر القوى الغادرة على حربه طلب منه يأذن له ليستنجد بأسرته من بني أسد ليحضون بالجهاد بين يديه، قائلاً: إن هاهنا حياً من بني أسد أعراباً ينزلون النهرين، وليس بيننا وبينهم إلا رواحة، أفتأذن لي في إتيأنّهم ودعائهم، لعل اللّه أن يجرُّ بهم إليك نفعاً أو يدفع عنك مكروهاً.
فأذن له الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فانطلق مسرعاً إليهم، ولما مثل عندهم قال: إنّي أدعوكم إلى شرف الآخرة وفضائلها وجسيم ثوابها، أنا أدعوكم إلى نصرة ابن بنت رسول نبيكم رسول اللّه نبيكم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد أصبح مظلوماً، دعاه أهل الكوفة لينصروه فلمّا أتاهم خذلوه وعدوا عليه ليقتلو.
فاستجاب له سبعون شخصاً، وكان من بينهم عبداللّه بن بشر بن بشر الأسدي، فقال: أنا أول من يجيب هذه الدعوة، ثمّ جعل يرتجز.
قد عَلِمَ القومُ إِذا تَواكَلُوا *** وَأَحجَمَ الفرسانُ أَوْ تَناصَلُوا
إِنِّي شُجاعٌ بَطَلٌ مُقاتِلُ ***كَأَنَّني لَيثُ عَرِينٍ باسِلُ
وخفّوا إلى نصرة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، إلا أنّه كان في المجلس عين لابن سعد وهو جبلة بن عمرو فأسرع إليه وأخبره بذلك، فجهز مفرزة من جيشه بقيادة أزرق ابن الحارث الصيداوي فحالوا بينهم وبين الالتحاق بالحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فرجع حبيب حزيناً فأخبره بذلك، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): الْحَمْدُ للهِ كَثِيراً.
وظل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع أصحابه وهم يعانون أشد الضيق من الحصار الذي فرض عليهم، وينتظرون الأحداث الرهيبة التي يلاقونها على صعيد كربلاء (1).
1) أنساب الأشراف: 3 388 الفتوح: 5: 90 و 91، وفيه: «الأزرق بن حرب». مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 1: 243، وفيه: «الأزرق بن الحرث الصدائي»
وعلى الصعيد الطيب من أرض كربلاء التحمت القوى الغادرة مع جنود اللّه وخلايا التوحيد الذين شرح اللّه صدورهم للإيمان، فناضلوا وهم على يقين بعدالة قضيتهم، على العكس من خصومهم الذين كانت تملكهم الحيرة والقلق النفسي، فكانوا يقاتلون وهم على علم بضلالة قصدهم وانحرافهم عن الطريق القويم، ولا بد لنا من وقفة قصيرة للتحدّث عن كلا المعسكرين.
أما المعسكر الحسينی فأنّه كان يمثل شرف الإنسان، ويمثل القيم الكريمة، والاتجاهات العظيمة التي يسمو بها كل إنسان نبيل، وحسبه أنّه وحده في تاريخ هذه الدنيا قد كتب له الخلود والبقاء، فليس في أسرة شهداء العالم مثل شهداء كربلاء شرفاً ومجداً واندفاعاً في نصرة الحق، وتفانياً في سبيل العدل، ونشير إلى بعض المظاهر من أهدافهم وذاتياتهم:
أما الأهداف العظيمة التي رفعوا شعارها، وناضلوا ببسالة وإيمان من أجلها فهي:
وهب أنصار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكل إخلاص وإيمان للدفاع عن الإسلام وصيانة
مبادئه التي استهترت بها السلطة الأموية، وقد أخلصوا في دفاعهم أعظم وأروع ما يكون الإخلاص، وأدلة ذلك متوفّرة في جميع مواقفهم المشرفة، فالعباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي كان من أمس الناس رحماً بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وألصقهم به لم يندفع بتضحيته الفذة بدافع الأخوّة وغيرها من الاعتبارات الخاصة، وإنما اندفع بحماس لحماية الإسلام، وحماية إمام من أئمة المسلمين فرض اللّه مودته وطاعته على الناس أجمعين، وقد أدلى بذلك في ميدان القتال بعد أن برى القوم يمينه، فقال مرتجزاً:
وَاللّهِ إِنْ قَطَعَتُمُ يَمِينِي *** إِنِّي أُحامي أَبَداً عَنْ دِينِي
وَعَنْ إِمَامٍ صادِقِ اليَقِينِ *** نَجْلِ النبیّ الطَّاهِرِ الأَمِينِ (1)
ومعنى هذا الرجز - بوضوح - أنّه لم يندفع بجهاده بدافع الأخوّة، وإنّما اندفع لحماية الدين، وحماية إمام صادق على سبيل اليقين. وأعلن غير العبـاس من أصحابه هذه الحقيقة.
لقد غذاهم أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بروحه وهديه، وغمرهم بأخلاقه، فابتعدت أرواحهم عن الدنيا وتجرّدوا من مادية الجسد، وتحرّرت قلوبهم وعواطفهم من شواغل الحياة، فأيّ معلَّم كان الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟! وأيّة مدرسة ملهمة كانت مدرسته؟! وهل تستطيع أجيال الدنيا أن توجد مثل هذا الطراز إيماناً باللّه، وإخلاصاً للحق؟!
وهناك ظاهرة خاصة أُخرى من أهداف أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي حمايته من أولئك الوحوش الذين تظافروا على قتله، وقد تفانى أصحابه في الولاء والإخلاص له، وضربوا بذلك أروع الأمثلة للوفاء، فهذا مسلم بن عوسجة - وهو من أفذاذ أنصاره - لما برز إلى القتال، ووقع صريعاً على الأرض قد تناهبت السيوف
1) مناقب آل ابي طالب:4: 108. ينابيع المودة: 3: 68
والرماح جسمه، مشى إليه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع حبيب بن مظاهر، وكان البطل يعاني آلام الاحتضار، فطلب منه حبيب أن يوصي إليه بما أهمّه، فقال له بصوت خافت حزين النبرات: أوصيك بهذا - وأشار إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ(- أن تموت دونه (1).
أيّ وفاء هو معرض للزهو والفخار مثل هذا الوفاء؟! لقد أعطى لأجيال الدنيا الدروس في الولاء الباهر للحق، فهو في لحظاته الأخيرة، وحشرجة الموت في صدره لم يفكر إلا بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأعرض عن كل شيء في حياته.
وهذا البطل العظيم سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي الذي هو من أنبل الشهداء وأصدقهم في التضحية، هوى جريحاً في المعركة فتركه الأعداء ولم يجهزوا عليه؛ لظنّهم أنّه قدمات، فلمّا تنادوا بمصرعه (عَلَيهِ السَّلَامُ) م يستطع أن يسكن لينجو، فقام والتمس سيفه فإذا هم قد سلبوه، ونظر إلى شيء يجاهد به فوقعت يده على مِدْيَةٍ، فأخذ يوسع القوم طعناً فذعروا منه، وحسبوا أن الموتى أعيدت لهم حياتهم ليستأنفوا الجهاد ثانياً مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلمّا تبيَّن لهم أنّ الأمر ليس كذلك، انعطفوا عليه فقتلوه (2)، فكان - حقّاً - هذا هو الوفاء في أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى الرمق الأخير من حياتهم.
ولم يقتصر هذا الوفاء على الرجال، وإنّما سرى إلى النساء اللاتي كُنَّ في المعركة، فكانت المرأة تسارع إلى ابنها تتضرع إليه ليستشهد بين يديه، والزوجة تسارع إلى زوجها ليدافع عن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولم يحفل بما يصيبهن من الشكل والحداد.
وممّا يثير الدهشة أن الأطفال من الأسرة النبوية قد اندفعوا نحو الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهم يقبّلون يديه؛ ليمنحهم الإذن في الشهادة بين يديه، ومن بينهم عبد اللّه بن الحسن وكان له من العمر إحدى عشرة سنة، لما رأى الأعداء قد اجتمعوا على قتل عمه لم يستطع صبراً، فأسرع نحو عمه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاندفعت عمته زينب لتمسكه فامتنع عليها، وأخذ يركض حتى انتهى إلى عمه، وقد أهوى بحر بن كعب بسيفه ليضرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فصاح به الغلام: يابن الخبيثة أتضرب عمّي؟! فانعطف عليه الخبيث الدنس فضربه بالسيف على يده فأطنّها إلى الجلد فإذا هي معلّقة (1)، ورمى الغلام بنفسه في حِجْر عمه، فسدد له حرملة سهماً غادراً فذبحه وهو في حجر عمه، لقد استلذ الموت في سبيل عمّه.
وكثير من أمثال هذه الصور الرائعة التي لم يمرّ على شاشة الدهر مثلها، فقد ظهرت من أصحابه وأهل بيته(عَلَيهِم السَّلَامُ).
وكان من أهداف معسكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تحرير الأمة من طغيان الأمويين وجورهم، فقد أذاعوا الظلم وأشاعوا الفساد في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وقد هب أصحابه للإطاحة بذلك الحكم، وإعادة حكم الإسلام، وقد أشرنا إلى ذلك بصورة موضوعية وشاملة عند البحث عن أسباب ثورته.
وتمتّع أصحاب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكل نزعة كريمة، وقد امتازوا بها على غيرهم من
1) الإرشاد/المفيد: 2: 110. تاريخ الأمم والملوك: 4: 646
سائر الناس، ومن بينها:
ومن ذاتيات أولئك الأحرار الإباء وعزّة النفس، فقد استطابوا الموت في سبيل كرامتهم، يقول سيد الأباة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): فَإِنِّي لَا أَرَى الْمَوْتَ إِلا سَعادَةً وَالْحَياةَ الا
مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً (1).
ويقول ولده البار على الأكبر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في معجزه يوم الطف:
أَنَا عَلِيُّ بنُ الحسين بن عليّ *** نَحْنُ وَرَبِّ البَيْتِ أَولَى بِالنبیّ
وَاللّهِ لَا يَحْكُمُ فِينا ابنُ الدَّعِي (2)
لقد أفرغ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى أصحابه وأهل بيته قبساً من روحه فاستقبلوا الموت بسرور من أجل العزة والكرامة والإباء.
وظاهرة أُخرى من نزعات معسكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هي البسالة، فقد كانوا من أندر أبطال العالم، فهم على قلتهم قد صمدوا في وجه ذلك الجيش الجرار فحطّموا معنوياته، وأنزلوا به أفدح الخسائر.
يقول المؤرخ الإنجليزي پرس سايكس: «إنّ الإمام الحسين وعصبته المؤمنة القليلة عزموا على الكفاح حتى الموت، وقاتلوا ببطولة وبسالة ظلت تتحدّى إعجابنا وإكبارنا عبر القرون حتى يومنا هذا» (3).
لقد غمرهم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمعنوياته وروحه الوثّابة، ومن الطبيعي أن لشخصية القائد أثراً مهمّاً في بثّ الروح المعنوية في نفوس الجيش، فإن جهاز القيادة إنّما هو رمز السلطة التي تدفع بالجنود إلى القتال.
وقد اندفع أصحابه بعزم ثابت لا يعترف بالعقبات ولا بالحواجز نحو الجيش الأموي حتى ضاقت عليه الأرض، ولاذ أكثرهم بالهزيمة. يقول بعض جنود ابن زياد لشخص عاب عليه اشتراكه في حرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): عضضت بالجندل، إنك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا، ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالأُسود الضارية تحطّم الفرسان يميناً وشمالاً، وتلقي أنفسها على الموت لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية أو الاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها، فما كنا فاعلين لا أُمَّ لك؟! (1).
وكان كعب بن جابر الأزدي من جنود ابن زياد، وقتل سيد القراء في الكوفة برير بن خضير، وأعان على قتل سيد الشهداء، وقد نظم مقطوعة أشاد فيها بشجاعة أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد أن عذلته أخته في قتل بـرير وإعانته على قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، حيث يقول:
سَلِي تُخْبَري عَنِّي وأَنتِ ذَمِيمَةٌ *** غَداةَ حُسَينِ وَالرِّماحُ شَوارعُ
أَلَم آتِ أَقْصَى مَا كَرِهْتِ وَلَم يَخَلْ *** عَلَيَّ غَداةَ الرَّوْع ما أنا صانِعُ (2)
مَعِي يَزَنِىّ لَمْ تَخُنُهُ كُعُوبُهُ *** وَأَبيضُ مَخشُوبُ الغِرارَينِ قاطِعُ (3)
فَجَرَّدتُهُ فِي عُصْبَةٍ لَيْسَ دِينُهُمْ *** بديني وَإِنِّي بِابْنِ حَرْبٍ لَقَانِعُ
وَلَمْ تَرَ عَينِي مِثْلَهُم فِي زَمَأنّهم *** وَلَا قَبْلَهُم فِي النَّاسِ إِذْ أَنا يافع
أَشَدَّ قِرَاعاً بِالسُّيُوفِ لَدَى الوَغى *** أَلا كُلُّ مَنْ يَحمِي الذُّمار مُقارِعُ
وَقَدْ صَبَرُوا لِلطَّعْن وَالضَّرْبِ حُسْراً *** وَقَدْ نازَلُوا لَوْ أَنَّ ذلِكَ نافع
فَأَبْـلِغْ عُـبيد اللّهِ إِمّـا لَـقِيتَهُ *** بِأَنِّي مُطِيعٌ لِلخَلِيفَةِ سامِعُ
قَتَلْتُ بُريراً تُم حَمَلتُ نِعمَةٌ *** أَبا مُنقِذٍ لَمَا دَعَا مَنْ يُماصِعُ (1)
إبصار العين: 97. تاريخ الأمم والملوك: 4: 631. أنساب الأشراف: 3: 421. الفتوح: 5: 102 و 103. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 12
وقد أبدى كعب إعجابه البالغ ببسالة أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلا هو ولا غيره شاهد مثلهم في شجاعتهم وصمودهم، فقد صبروا على الضرب والطعن وملاقاة الحتوف، وكان من شجاعتهم النادرة - فيما يقول بعض المؤرخين - أنّه ما أنّهزم واحد منهم، ولا قتل إلا وهو مُقبل غير مدبر، وقد بذلوا قصارى ما يمكن من البطولة والشجاعة والثبات وصدق النية ومضاء العزيمة لحمايته والدفاع عنه، وقد نهى عمر و ابن الحجاج الزبيدي عن مبارزتهم، يقول لأهل الكوفة: أتدرون من تقاتلون؟ تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر، وقوماً مستميتين لا يبرز إليهم أحد منكم إلا قتلوه على قلتهم (2).
وقد حفل كلامه بالصفات الماثلة فيهم، ومن بينها:
الأولى: أنّهم فرسان أهل الكوفة، بل هم فرسان العرب على الإطلاق.
الثانية: أنّهم من ذوي البصائر الحية، والنفوس اليقظة، وقد خفّوا لنصرة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى بصيرة من أمرهم لا طمعاً في المال ولا الجاه.
الثالثة: أنّهم يقاتلون قتال المستميت الذي لا أمل له في الحياة، وهم بذلك أقدر على إنزال الهزيمة بأعدائهم الذین تطعّموا بالخيانة والغدر.
ويقول العقاد في بسالتهم: «وكان مع الحسين نخبة من فرسان العرب كلهم لهم شهرة بالشجاعة والبأس، وسداد الرمي بالسهم، ومضاء الضرب بالسيف، ولن تكون صحبة الحسين غير ذلك بداهة وتقديراً، لا يتوقفان على الشهرة الذائعة والوصف المتواتر؛ لأنّ مزاملة الحسين في تلك الرحلة هي وحدها آية على الشجاعة في ملاقاة الموت...» (1).
إنّه من المؤكد أنّه ليس هناك أحد من أصحابه من يطمع في عرض من أعراض الدنيا، ولا يلتمس أجراً غير ثواب اللّه والدار الآخرة، وكان كل واحد منهم يتمتع بقوة العزم والأمل.
وامتاز معسكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالانضباط العسكري، وقد تجلّى ذلك في أمرين:
1- الدقة في امتثال الأوامر من القيادة العامة وعدم مخالفتها، فقد طلب العباس - من أخيه الإذن فلم يسمح له، فلم يخالفه. وبعد مصرع أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) طلب منه الرخصه، فأذن له.
2- أنّه لم يلج أحد ميدان الحرب إلا بعد أن يحصل على الإذن الصريح من الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
1) أبو الشهداء: 150
ويتالف جيش الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من عنصرين، وهما:
أما الموالي فكانوا على علاقة وثيقة بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ظراً للسياسة العادلة الّتي تبنّاها الإمام أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ) فيهم، ولو كانت الظروف مهيّأة لهم لالتحق القسم الكبير منهم بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد ضم جيشه من يلي منهم:
1- سليمان بن رزين مولى للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
2- قارب الدولي مولى للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
3- الحرث بن نبهان مولى لحمزة بن عبد المطلب.
4- منجح بن سهم مولى للحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ).
5- سالم مولى لعامر بن مسلم العبدي.
6- جابر بن الحجّاج مولى لعامر بن نهشل.
7- سعد مولى لعمرو بن خالد الأسدي الصيداوي.
8-رافع بن عبد اللّه مولى لمسلم بن كثير الأزدي.
9- شوذب مولى لشاكر بن عبد اللّه الهمداني الشاكري.
10- أسلم التركي مولى للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
11- جون مولى أبي ذر الغفاري.
12- زاهر مولى لعمرو بن الحمق الخزاعي (1).
1) مناقب آل أبي طالب: 4: 113. اللّهوف: 64 و 65. أعيان الشيعة: 3: 303. بحار الأنوار:45 22. إبصار العين: 70 - 73، 90، 100، 103، 112، 135، 143، 148. تاريخ الأمم والملوك: 4: 640
وهؤلاء الموالي الذين فاقوا الأحرار في شرفهم واندفاعهم لنصرة الحق قد فازوا بنصرة سيد شباب أهل الجنة ونعموا بالشهادة بين يديه.
وبقية أنصار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الممجدين كانوا من العرب وأكثرهم من سكان الكوفة، ومن الطريق التحق به وهب، وأما من البصرة فأنّه لم يستشهد معه إلا عدد قليل، كما التحق بـه من الحجاز الصحابي الكبير أنس بن الحارث الكاهلي، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن معسكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
أما المعسكر الأموي فقد كانوا مجموعة من الخونة وباعة الضمير، وليس فيهم أي إنسان شريف، كما كانوا على يقين لا يخامره أدنى شك في ضلالة قصدهم، وانحرافهم عن الطريق القويم، وهذه بعض مظاهر ما اتصفوا به:
والظاهرة البارزة في ذلك الجيش فقدأنّه لإرادته واختياره، فقد كان أكثرهم - فيما يقول المؤرخون - قلوبهم معه، وسيوفهم مشهورة عليه. لقد خفّوا إلى حرب من يعتقدون بعدالة قضيته، وأنّه وحده الذي يحقق أهدافهم وما يصبون إليه، ولو كان عندهم ذرة من الشعور والإحساس لفدوه بأرواحهم ونفوسهم، وما خانوه بعد ما عاهدوا اللّه في نصرته والذبّ عنه.
واستوعبت الحيرة وخيانة النفس نفوس الكثيرين من المعسكر الأموي، فقد كانوا على يقين أنّهم على مزلقة الباطل، وأنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصحابه على جادة
الحق، وقد أدلى شَبَث بن ربعي، وهو أحد زعماء ذلك الجيش ومن أركأنّه القياديين بهذه الظاهرة، يقول: قاتلنا مع علي بن أبي طالب، ومع ابنه الحسن من بعده آل أبي سفيان خمس سنين، ثمّ عدونا على ولده وهو خير أهل الأرض نقاتله آل معاوية وابن سمية الزانية، ضلال يالك من ضلال ! واللّه لا يعطي اللّه أهل هذا المصر خيراً أبداً، ولا يسددهم لرشد (1).
وكشفت هذه الكلمات عن مدى القلق النفسي الذي كان يساور شَبَث بن ربعي ولا شك أن هناك المئات من أمثاله ممن كانوا يجدون في قرارة نفوسهم تأنيباً حاداً على حربهم لريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، كما أن الكثيرين منهم كانوا يحجمون عن الدخول في عمليات الحرب، وقد لمس ذلك فيهم عمرو بن الحجاج، فاندفع يقول لهم: لا ترتابوا في قتال مَن مَرق من الدين (2).
ومن مظاهر تلك الحيرة أنّه لم يؤثر عن أحد أنّه أنشد رجزاً (3)أشاد فيه بالغاية التي كان ينشدها ويقاتل من أجلها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد كُمّت الأفواه وأخرست الألسن، وإنّما كان الرجز من أصحاب الإمام الحسين وأهل بيته، فقد مثل أهدافهم ومبادئهم التي استشهدوا من أجلها، لقد كان الرجز هو النشيد العسكري السائد في تلك العصور فيه يتغنّى المقاتلون في أثناء الحرب، ويفتخرون بشجاعتهم وبطولاتهم، ويتوعدون أعداءهم بالقتل والهزيمة، لقد أصبح الرجز في تلك المعارك كسلاح من أسلحة القتال يعتمد عليه المقاتلون كما يعتمدون على آلات الحروب من السيوف والسهام والرماح، ففي واقعة الجمل كان أصحاب عائشة
ينشدون الرجز الذي يمثل اندفاعهم نحو أمهم، وأصحاب الإمام أمير المؤمنين ال كانوا يذكرون في رجزهم دفاعهم عنه؛ فأنّه فرض ديني عليهم، وكذلك في معركة صفين.
أما في واقعة كربلاء فلم يؤثر بيت من الشعر نظمه أو تمثل به أحد من المعسكر الأموي، وهو آية على شيوع الحيرة والتردد في نفوسهم، فقد عرفوا جميعاً عرفاناً لا تسعه المغالطة ولا الإنكار إثم ما اقترفوه وأنّهم قد ارتطموا في الباطل وماجوا في الضلال.
وطائفة كبيرة كانت في الجيش الأموي قد عرفت بالفسق والتحلل، فقد كانوا من المدمنين على الخمر. ويقول المؤرخون: إنّ الذين حملوا رؤوس الشهداء إلى دمشق كانوا يشربون الخمر في أثناء الطريق (1)، وقد ذكرنا في البحوث السابقة بعض ما اتصفوا به من الكذب وعدم الحريجة في الدين.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض صفات ذلك الجيش.
ويتالف الجيش الأموي من عدة عناصر، ومن بينها:
وهم الذين يخدمون السلطة للرغبة والرهبة، ويسعون وراء مصالحهم ولا يؤثرون الحق في سلوكهم وتصرفاتهم سوى السعي وراء مصالحهم الخاصة، وقد شاعت
1) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 93، 102
هذه الفئة في معسكر ابن زياد، وأسندت لها المناصب الحسّاسة في الجيش وهم: عمر بن سعد، وحجار بن أبجر، وشَبَث بن ربعي، وشَمِر بن ذي الجوشن، وقيس بن الأشعث، ويزيد بن الحارث، وغيرهم من الذين طلّقوا المعروف ثلاثاً، ولم تصدر منهم في جميع فترات حياتهم أية بادرة من بوادر الخير سوى ما يضر الناس، وهم من جملة شهداء الزور الذين شهدوا على حُجْر وأصحابه تزلفاً لزياد بن أبيه لما أمرهم بذلك لأجل أن يقرّ معاوية نسبه اللصيق. ومعاوية عليم بهذه الشهادة المزوّرة، ولكن شهوة الوقيعة في كل ترابي حبّذت له قبول الشهادة المزوّرة.
وهناك طائفة كبيرة من الجيش قد اندفعوا لحرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تسوقهم الأطماع الرخيصة، والأمل على حصول مغنم في الحرب، وقد هرعوا بخسة - بعد قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ(- إلى السلب والنهب، فمالوا على ثقل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومتاعه فنهبوه، وعمدوا إلى سلب حرائر النبوة وعقائل الوحي فلم يتركوا ما عليهن من حلي وحلل، وعمدوا إلى سلب ما على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ا وسائر الشهداء من الملابس ولامات الحرب.
ويقول المؤرخون: أنّهم سلبوا جميع ملابس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى تركوه عرياناً ليس عليه ما يواري جسده الشريف (1)، وسنعرض لذلك عند التحدّث عن مقتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ومن بين العناصر التي ضمها المعسكر الأموي الممسوخون، وهم الذين امتلأت
1) أنساب الأشراف: 3: 409
صدورهم بالحقد والكراهية لجميع الناس، وأهم رغباتهم النفسية المذابح الطائشة، والاندفاع نحو الجريمة تلبية لنداء الجريمة المتأصلة في نفوسهم.
وقد بالغت تلك الطغمة من الممسوخين في اقتراف الجرائم، فتسابقوا إلى قتل الأطفال من آل النبیّ وترويع النساء، وهم يفخرون بما يقترفونه من الخزي والعار، ومن بين هؤلاء الوحوش الكواسر السفّاح شمر بن ذي الجوشن، وحرملة بن كاهل وحكيم بن الطفيل السنبسي الطائي، وسنان بن أنس، وعمرو بن الحجاج، وأمثالهم من كلاب الطراد كما سمّاهم بذلك بعض المؤرخين، وقد صدرت منهم في كربلاء من القساوة ما تترفع عنه الوحوش والكلاب.
وهناك طائفة من الجيش قد أرغمت على حرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد حملتهم السلطة على الخوض في هذه المعركة، وكانت عواطفهم ومشاعرهم مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، إلا أن الجبن وخور النفس، قد منعهم من نصرته، وهؤلاء لم يشتركوا فی الحرب، وإنما كانوا يتضرّعون إلى اللّه في أن ينزل نصره على ابن بنت نبيه، وقد أنكر عليهم واحد منهم فقال لهم: هلا تهبّوا إلى نصرته والدفاع عنه بدل الدعاء (1).
ومما لا شبهة فيه أنّهم قد اقترفوا إثماً عظيماً، وشاركوا المحاربين في جريمتهم؛ لأنّهم لم يقوموا بإنقاذ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحمايته من المعتدين.
ومن بين العناصر التي اشتركت في حرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خوارج، وهم من أحقد الناس على آل النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، ولأن الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد وترهم في واقعة
1) أنساب الأشراف: 3: 424. تاريخ الأمم والملوك: 4: 595
النهروان، فتسابقوا إلى قتل العترة الطاهرة للتشفّي منها (1).
هذه بعض العناصر التي ضمها جيش ابن زياد، وقد جاء وصفهم في إحدى زيارات الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما نصه: «وَقَد تَوازَرَ عَلَيْهِ - أي على حربه - مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيا، وَباعَ حَقَّهُ بالأَرذَلِ الْأَدْنى، وَشَرَى آخِرَتَهُ بالثَّمَن الأَوْكَسِ، وَتَعْطَرَسَ وتَرَدَّى فِي هَوَاهُ، (2).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن معسكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و و معسكر ابن زياد؛ لنقف على فصول في دنيا الأحزان.
ولم تشاهد أُمّة من الأمم محنة أوجع ولا أفجع من كارثة كربلاء، فلم تبق رزية من رزايا الدهر، ولا فاجعة من فواجع الدنيا إلا جرت على سبط رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وريحانته، وقد ألهبت رزاياه العواطف حزناً وأسى، وأثارت اللوعة حتى عند أقل الناس إحساساً وأقساهم قلباً، وقد أثرت على الباغي اللئيم عمر بن سعد فراح يبكي من أهوال ما جرى على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من فوادح الخطوب.
لقد انتهكت في كارثة كربلاء حرمة الرسول اللّه في عترته وذريته. يقول الإمام الرضا(عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ يَوْمَ الحسين أَفْرَحَ جُفُونَنا، وَأَسْبَلَ دُمُوعَنا، وَأَذَلُّ عَزيزنا...» (1).
ونعرض إلى فصول تلك في دنيا الأحزان، وما رافقها من الأحداث الموجعة.
وتدافعت القوى الغادرة التي ملئت نفوسها الشريرة بالأحقاد والأضغان على العترة الطاهرة التي تبنّت حقوق المظلومين والمضطهدين، وجاهدت من أجل إحقاق الحق.
لقد زحفت طلائع جيش ابن سعد نحو الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عصر الخميس
1) الأمالي/الصدوق: 190. روضة الواعظين: 169. مناقب آل أبي طالب: 4: 86
لتسع خلون من المحرم، فقد صدرت إلى القيادة العامة الأوامر المشددة من ابن زياد بتعجيل القتال خوفاً من أن يتبلور رأي الجيش ويحدث انقسام في صفوفه.
ولمّا زحف ذلك الجيش كان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جالساً أمام بيته محتبياً بسيفه؛ إذ خفق برأسه، فسمعت أخته عقيلة بني هاشم زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) أصوات الرجال وتدافعهم نحو أخيها، فانبرت إليه وهي فزعة مرعوبة لا لتردّ عنه القضاء، ولا لتنبهه إلى خطورة الموقف، ولا لتثير حميته إلى قتال كان راغباً عنه حقناً للدم الإسلامي، ولكن لتقول له في همس حنون: يا أخي أما تسمع أن الأصوات تقترب؟! فرفع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) رأسه فرأى أخته، فقال لها بعزم وثبات: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) في الْمَنامِ، فَقالَ: إِنَّكَ تَرُوحُ إِلَيْنا.
وذابت نفس العقيلة، وأنّهارت قواها، فلطمت وجهها، وقالت بنبرات حزينة: يا ويلتاه.
والتفت أبو الفضل العباس إلى أخيه فقال له: يا أخي أتاك القوم، فطلب منه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يتعرّف على خبرهم قائلا له: إرْكَبْ بِنَفْسِي أَنْتَ يا أَخِي حَتَّى تَلْقَاهُمْ، وَتَقُولَ لَهُمْ: ما لَكُمْ وَما بَدا لَكُمْ، وَتَسْأَلَهُمْ عَمّا جاءَ بِهِمْ؟ (1).
وأسرع أبو الفضل نحوهم، ومعه عشرون فارساً من أصحابه، وفيهم زهير بـن القين وحبيب بن مظاهر، وسألهم العباس عن زحفهم، فقالوا له: جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم النزول على حكمه أو نناجزكم (2).
وقفل العباس إلى أخيه يعرض عليه الأمر، وأقبل حبيب بن مظاهر على القوم
فجعل يعظهم، ويذكرهم الدار الآخرة قائلاً: أما واللّه لبئس القوم يقدمون غداً على اللّه عزّ وجلّ، وعلى رسوله محمّداللّه، وقد قتلوا ذريته وأهل بيته المجتهدين بالأسحار، الذاكرين اللّه كثيراً بالليل والنهار، وشيعته الأتقياء الأبرار.
فردّ عليه عَزرَة بن قيس قائلاً: يابن مظاهر، إنّك لتزكي نفسك!
وانبرى إليه زهير بن القين قائلاً: اتق اللّه يابن قيس، ولا تكن من الذين يعينون على الضلال، ويقتلون النفس الزكية الطاهرة عترة خيرة الأنبياء (1).
فقال له عزرة: كنت عندنا عثمانياً فما بالك؟
فقال زهير: واللّه ما كتبت إلى الحسين، ولا أرسلت إليه رسولاً، ولكن الطريق جمعني وإياه، فلمّا رأيته ذکرت به رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وعرفت ما تقدمون من غدركم ونكثكم، وميلكم إلى الدنيا فرأيت أن أنصره، وأكون في حزبه حفظاً لما ضيعتم من حق رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) (2).
وعرض أبو الفضل مقالة القوم على أخيه، فقال له: «اِرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُؤَخِّرَهُمْ إِلَى الْغَدْوَةِ وَتَدْفَعَهُمْ عَنَا الْعَشِيَّةَ لَعَلَّنا نُصَلِّيَ لِرَبِّنَا هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَنَدْعُوهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ فَهُوَ يَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ، وَتِلَاوَةَ كِتَابِهِ وَكَفْرَةَ الدُّعاءِ وَالْإِسْتِغْفَارِ» (3).
ورجع إليهم أبو الفضل العباس، فأخبرهم بكلام أخيه، وعرض ابن سعد الأمر على شمر بن ذي الجوشن خوفاً من وشايته إذا استجاب لطلب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأخّر القتال، فقد كان المنافس الوحيد له على إمارة الجيش كما كان عيناً عليه، أو أنّه أراد أن يكون شريكاً له في المسؤولية فيما إذا عاتبه ابن زياد على تأخير الحرب.
وعلى أية حال فإنّ شمر بن ذي الجوشن لم يُبدِ رأيه في الموضوع، وإنّما أحاله لابن سعد، وانبرى عمرو بن الحجّاج الزبيدي فأنكر عليهم إحجامهم عن إجابة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قائلاً: سبحان اللّه ! واللّه لو كان من الديلم ثم سألكم هذه المسألة لكان ينبغي أن تجيبوه (1)
ولم يزد ابن الحجّاج على ذلك، فلم يقل: أنّه ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، خوفاً من أن تنقل الاستخبارات العسكرية حديثه إلى ابن مرجانة فينال العقاب أو العتاب والحرمان منه.
وأيَّد ابن الأشعث مقالة ابن الحجاج، فقال لابن سعد: أجبهم إلى ما سألوا، فلعمري ليصبحنك بالقتال غداً.
وإنما قال ابن الأشعث ذلك؛ لأنّه حسب أنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تنازل لابن زياد، فلذا رغب في تأخير القتال، إلَّا أنّه لمّا استبان له أن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مصمم على الحرب، ندم على كلامه، وراح ابن سعد يقول: واللّه، لو أعلم أنّهم يفعلون ما أخّرتهم (2).
لقد اتّخذ ابن الأشعث من خلقه وأخلاق أهل الكوفة مقياساً يقيس به قيم الرجال فظنّ أنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سوف يستجيب للذل والهوان ويتنازل عن أداء رسالته الكبرى، ولم يعلم أنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ستمد واقعه واتجاهاته من جده العظيم.
واستجاب ابن سعد إلى تأجيل الحرب بعد أن رضيت به أكثرية القادة من جيشه،
وأوعز ابن سعد إلى رجل من أصحابه أن يعلن ذلك، فدنا من معسكر الحسين وصاح: يا شيعة الحسين بن علي، قد أجلناكم يومكم هذا إلى غدٍ، فإن استسلمتم ونزلتم على حكم الأمير وجهنا بكم إليه، وإن أبيتم ناجزناكم (1). وأُرجئ القتال إلى اليوم العاشر من المحرّم وظل أصحاب ابن سعد ينتظرون الغد، هل يجيبهم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو يرفض ما دعوه إليه؟
وجمع (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه وأهل بيته ليلة العاشر من المحرّم، وطلب منهم أن ينطلقوا في رحاب الأرض ويتركوه وحده ليلقى مصيره المحتوم، وقد أراد أن يكونوا على هدئ وبيّنة من أمرهم، فقال لهم: «أُثْنِي عَلَى اللّهِ أَحْسَنَ الثَّناءِ، وَأَحْمَدُهُ عَلَى السَّرَاءِ وَالضَّرَاءِ، اللّهُمَّ إِنِّي أَحْمَدُكَ عَلَى أَنْ أَكْرَمْتَنا بِالنُّبُوَّةِ وَعَلَّمْتَنا الْقُرْآنَ، وَفهَّمْتَنا فِي الدِّينِ، وَجَعَلْتَ لَنا أَسْماعاً وأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً، وَلَمْ تَجْعَلْنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَصْحاباً أوفى وَلَا خَيْراً مِنْ أَصْحَابِي، وَلَا أَهْلَ بَيْتِ أَبَر وَلَا أَوْصَلَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَجَرَاكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً عَنِّي خَيْراً، أَلَا وَإِنِّي لَأَظُنُّ يَوْمَنَا مِنْ هؤُلَاءِ الْأَعْداءِ غَداً، وَإِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ جَمِيعاً، فَانْطَلِقُوا فِي حِلْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنّي ذمام، وهذَا اللَّيْلُ قَدْ غَشِيَكُمْ فَاتَّخِذُوهُ جَمَلاً، وَلْيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِيَدِ رَجُلٍ مِنْ أهْلِ بَيْنِي، فَجَزاكُمُ اللّهُ جَميعاً خَيْراً، ثُمَّ تَفَرَّقُوا فِى سَوادِكُمْ وَمَدَائِنِكُمْ حَتَّى يُفَرِّجَ اللّهُ، فَإِنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا يَطْلُبُونَنَي، وَلَوْ أَصَابُونِي لَهَوا عَنْ طَلَبِ غَيْرِي» (2)
وروي كلامه بصورة أخرى، فقد جاء في تفسير العسكري (عَلَيهِ السَّلَامُ): 178 و 179: أنّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: أَنْتُمْ فِي حِلَّ مِنْ بَيْعَتِي، فَالْحَقُوا بِعَشَائِرِكُمْ وَمَوَالِيكُمْ وقال لأهل بيته: قَدْ جَعَلْتُكُمْ فِي حِلَّ مِنْ مُفارَقَتِي، فَإنّكم لَا تُطِيقُوهُمْ، لتَضَاعُفِ أَعْدادِهِمْ وَقُواهُمْ وَمَا الْمَقْصُودُ غَيْرِي، فَدَعُونِي وَالْقَوْمَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعِينُنِي وَلَا يُخَلِّينِي مِنْ حُسْنِ نَظَرِهِ كَعَادَتِهِ مَعَ أَسْلَافِنا الطَّيِّبِينَ، ففارقه جماعة من معسكره.
فقال له أهله: لا نفارقك ويحزننا ما يحزنك، ويصيبنا ما يصيبك، وإنا أقرب ما نكون إلى اللّه إذا كنّا معك.
فقال لهم: إِنْ كُنْتُمْ وَطَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ عَلَى مَا وَطَنْتُ نَفْسِي عَلَيْهِ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا يَهَبُ الْمَنازِلَ الشَّرِيفَةَ لِعِبادِهِ؛ لِاحْتِمَالِ الْمَكَارِهِ، وَأَنَّ اللّهَ كَانَ خَصَّنِي مَعَ مَنْ مَضى مِنْ أَهْلِيَ الَّذِينَ أَنَا آخِرُهُمْ بَقَاءً في الدُّنْيا مِنَ الْكَرَامَاتِ بِمَا يُسَهِّلُ عَلَيَّ مَعَهَا احْتِمَالَ الْمَكْرُوهاتِ، فَإِنَّ لَكُمْ شَطْراً مِنْ كَرامَاتِ اللّهِ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ الدُّنْيا حُلْوَهَا وَمُرَّها حُلُمَ، وَالْإِنْتِباهُ فِي الْآخِرَةِ، وَالفائِزُ مَنْ فازَ فيها. والشقى مَنْ شَقِي فِيها
.وتمثلت روعة الإيمان بهذا الخطاب العظيم الذي كشف جانباً كبيراً عن نفسية رائد الكرامة الإنسانية، فقد تجنّب في هذا الموقف الدقيق جميع ألوان المنعطفات، ا فجعل أصحابه وأهل بيته أمام الأمر الواقع، وحدّد لهم النتيجة التي لا مفر منها وهي القتل والتضحية وليس هناك شيء آخر غيرها، وقد رغب أن يخلّوا عنه، وينصرفوا تحت جنح الظلام، فيتّخذون منه ستاراً دون كل عين فلعلهم يخجلون أن يبتعدوا عنه فى ضوء النهار، أو أنّهم يخشونه فجعلهم في حلّ من التزاماتهم تجاهه، وعرفهم أنّه بالذات هو الهدف لتلك الوحوش الكاسرة، فإذا ظفروا به فلا أرب لهم في طلب غيره. ومن المؤكد أن عمر بن سعد، أو ابن زياد لو أذنا لمن معهم من الجيوش وسمحوا لهم بالتفرّق لما بقي أكثرهم في ساحة الحرب؛ وذلك لعدم إيمأنّهم بهذه الحرب.
ولم يكد يفرغ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللي من كلماته حتى هبت الصفوة الطيبة من أهل
بيته، وهم يعلنون اختيار الطريق الذي يسلكه، ويتبعونه في مسيرته ولا يختارون غير منهجه، فانبروا جميعاً وعيونهم تفيض دموعاً قائلين: لم نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا اللّه ذلك أبداً. بدأهم بهذا القول أخوه أبو الفضل العباس، وتابعته الفتية الطيبة من أبناء الأسرة النبوية، والتفت الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبناء عمه من بني عقيل، فقال لهم: حَسْبُكُمْ مِنَ الْقَتْلِ بِمُسْلِم، اذْهَبُوا فَقَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ.
وهبّ فتية آل عقيل تتعالى أصواتهم قائلين بلسان واحد: إذاً ما يقول الناس؟ وما نقول؟ إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن برمح، ولم نضرب بسيف ولا ندري ما صنعوا؟ لا واللّه لا نفعل، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا نقاتل معك، حتى نرد موردك، فقبح اللّه العيش بعدك (1).
وأترعت قلوب أصحابه إيماناً، فقد صهرهم أبو عبد اللّه اللّه بمثلِهِ التي لا تُحدّ، فقد رأوا فضائله ومزاياه، واندفاعه نحو الحق، وأنّه لم يكن يسعى بأية حال لجاه أو مال أو سيادة، وأنّه قد رفض كل مساومة على حساب أُمته ودينه، مما أثر في أعماق قلوبهم فاستهانوا بالحياة وسخروا من الموت، وقد اندفعوا يعلنون له الفداء والتضحية، وهذه كلمات بعضهم:
و انبرى مسلم بن عوسجة ودموعه تتبلور على وجهه فخاطب الإمام قائلاً:
1) الإرشاد/المفيد: 2: 91 و 92 تاريخ الأمم والملوك: 4: 619. الكامل في التاريخ: 3: 285
أنحن تُخلّي عنك؟! وبماذا تعذر إلى اللّه سبحأنّه في أداء حقّك.
أما واللّه حتى أطعن في صدورهم برمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم لقذفتهم بالحجارة، واللّه لا نخليك حتى يعلم اللّه أن قد حفظنا غيبة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) (1).
وعبّرت هذه الكلمات عن عميق إيمأنّه، فهو يرى أنّه مسؤول أمام اللّه عن أداء حق ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنّه سيبذل جميع طاقاته في الدفاع عنه.
وتكلّم سعيد بن عبد اللّه الحنفي فأعلن ولاءه الصادق للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً: واللّه لا نخليك حتى يعلم اللّه أنا قد حفظنا غيبة رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فيك.
واللّه لو علمتُ أنّي أُقتل ثمّ أُحيا ثمّ أُحرق ثم أُذر، يفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً؟! (2).
وليس في قاموس الوفاء أنبل ولا أصدق من هذا الوفاء، أنّه يتمنّى أن تجرى عليه عملية القتل سبعين مرّة ليفدي الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويحفظ غيبة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وكيف لا يستطيب الموت في سبيله؟! وإنّما هو مرّة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها.
وانطلق زهير فأعلن نفس الاتجاه الذي أعلنه إخوأنّه قائلاً: واللّه، لوددت أني قتلت ثم نشرت، ثمّ قتلت حتى أقتل هكذا الف مرة، وأن اللّه عزّ وجلّ يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك (1).
لقد ارتفع هؤلاء الأبطال إلى مستوى من النبل لم يبلغه أي إنسان، فأعطوا الدروس المشرقة للفداء في سبيل الحق.
وانبرى بقية أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأعلنوا الترحيب بالموت في سبيله والتفاني في الفداء من أجله، فجزاهم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اخيراً (2)، وأكد لهم جميعاً أنّهم سيلاقون حتفهم، فهتفوا جميعاً: الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك، وشرّفنا بالقتل معك، أو لا نرضى أن نكون معك في درجتك يابن رسول اللّه (3).
لقد اختبرهم الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فوجدهم من خيرة الرجال صدقاً ووفاء، قد أشرقت نفوسهم بنور الإيمان، وتحرروا من جميع شواغل الحياة، وآمنوا أنّهم صائرون إلى الفردوس الأعلى، وكانوا - فيما يقول المؤرخون - في ظمأ إلى الشهادة ليفوزوا بنعيم الآخرة.
وكشف الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه مكيدة أهل الكوفة له في رسائلهم التي بعثوها إليه بالقدوم المصرهم قائلاً: وَما كانَتْ كُتُبُ مَنْ كَتَبَ إِلَيَّ - فيما أَظُنُّ-
إِلَّا مَكِيْدَةً لِي، وَ تَقَرُّباً إِلَى ابْنِ مُعاوِيَةَ (1).
إنّ الرسائل التي كتبها أكثر أهل الكوفة إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إنما كانت بإيعاز من يزيد؛ لأجل أن يقدم إليهم فيقتلوه، ولم يكن استدعاؤهم إياه وإلحاحهم عليه ليلحق بهم كي يستخلصوا له الخلافة من البيت الأموي غير خديعة للإيقاع به والقضاء عليه حتى لا يكون هناك معارض أو مطالب بحق في خلافة المسلمين.
ومن بين أصحاب الإمام الذين بلغوا أعلى المستويات في الإيمان محمّدبن بشير الحضرمي، وقد بلغه أنّ ابنه قد أسِرَ بثغر الري، فقال: ما أحب أن يؤسر وأنا أبقى بعده حيّاً. واستشعر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من هذه الكلمات رغبته في إنقاذ ابنه من الأسر، فَأذِنَ له في التخلّي عنه قائلاً: «أَنْتَ فِي حِلُّ فاعْمَلْ فِي فَكاكِ وَلَدِكَ»، فاندفع البطل العظيم يعلن تصميمه الصادق على ملازمة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والفداء في سبيله قائلاً: أكلتني السِّباعُ حيّاً إن فارقتك (2).
أليس هذا أصدق مثل للإيمان العميق، والفداء الرائع في سبيل الإمام؟! لقد أحبّوه وأخلصوا له، واستهانوا بالموت من أجله.
وكانت لفراس بن جعدة بن هبيرة المخزومي رحم ماسّة مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنّ أُمّه أُمّ هانئ بنت أبي طالب، وكان ممن كاتب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالثورة على الأمويين أيام معاوية، وقد التحق به في مكة، وسايره في هذه المدة حتى انتهى إلى
العراق، إلا أنّه لما رأى صعوبة الأمر وتظافر الجيوش على حربـه هاله الأمر، وجبن عن الحرب، واستولى عليه الرعب والخوف. وقد أدرك الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اضطرابه فأذن له في الانصراف، فأنّهزم في جنح الليل البهيم ولم يحض بالشهادة (1). كما أن قوماً آخرين قد أنّهزموا ولم يفوزوا بنصرته (2).
وروى الطبراني: أن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ه أمر منادياً ينادي في أصحابه: لَا يُقْتَلُ مَعَنا رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ.
فقام إليه رجل من أصحابه فقال له: إنّ عليَّ دَيناً وقد ضمنته زوجتي.
فقال(عَلَيهِ السَّلَامُ): وَما ضَمَانُ امْرَأَةٍ؟! (3)
لقد أراد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يكون المستشهد بين يديه متحرجاً في دِينه، خالي الذمة من حقوق الناس وأموالهم.
إلّا أنّ هنا إشكالاً، فقد أنكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ضمان المرأة لما في ذمة زوجها من دين، والحال أن القواعد الفقهية مجمعة على صحة ضمان المرأة للأموال
1) أنساب الأشراف: 3: 388
2) روت السيدة سكينة قالت: سمعت أبي يقول لمن كان معه: أَنْتُمْ جِئْتُمْ مَعِيَ لِعِلْمِكُمْ أَنِّي آتِي إِلَى جَمَاعَةٍ بَايَعُونِي قَلْباً وَلِسَاناً، وَالآنَ تَجِدُونَهُم قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، وَنَسُوا ذِكْرَ اللَّهِ، فَلَيْسَ لَهُمْ قَصْدٌ إِلَّا قَتْلِي، وَقَتْلَ مَنْ يُجاهِدُ مَعِي، وَأَخَافُ أَلَّا تَعْلَمُوا ذلِكَ، أَوْ تَعْلَمُوا وَلَا تَتَفَرَّقُوا حَيَاءٌ مِنِّي، وَيَحْرُمُ الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ عِنْدَنا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَكُلُّ مَنْ يَكْرَهُ نُصْرَتَنَا فَليَذْهَبِ اللَّيْلَةَ السَّائِرَةَ. قالت سكينة: فتفرق القوم من نحو عشرة وعشرين حتى لم يبقَ معه إلا ما ينقص عن الثمانين» - الدمعة الساكبة: 4: 271 و 272
3) المعجم الكبير: 3: 123، الرقم 2872
وغيرها، ومساواتها للرجل في هذه الجهة. وفيما نحسب أن الجملة الأخيرة من الموضوعات.
وأقبل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى خيمته فجعل يعالج سيفه ويصلحه، وهو يقول:
يا دَهْرُ أُفٍّ لَكَ مِنْ خَلِيلِ ***كَمْ لَكَ بِالإِسْرَاقِ وَالأَصِيلِ
مِن صاحِبٍ وَطالِبٍ قَتِيلِ *** وَالدَّهْرُ لَا يَقْنَعُ بِالبَدِيلِ
وَإِنَّمَا الأَمْرُ إِلَى الجَلِيلِ *** وَكُل حَى سالِكَ سَبِيلِ حَيٌّ (1)
وقد نعى نفسه الشريفة بهذه الأبيات، وكان في الخيمة الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) والعقيلة زينب (عَلَیهَا السَّلام)، أمّا الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلمّا سمع كلام أبيه عرف ما أراد اللّه اللّه فخنقته العبرة ولزم السكوت، وعلم أنّ البلاء قد نزل حسبما يقول.
وأمّا عقيلة بني هاشم فأنّها لما سمعت هذه الأبيات أحست أن شقيقها وبقية أهلها عازمون على الموت ومصممون على الشهادة، فأمسكت قلبها في ذعر، ووثبت وهي تجر أذيالها، وقد فاضت عيناها بالدموع، فقالت لأخيها بنبرات لفظت فيها شظايا قلبها واثكلاه واحزناه ليت الموت أعدمني الحياة، يا حسيناه، ! يا سيّداه، يا بقية أهل بيتاه، استسلمت ويئست من الحياة.
اليوم مات جدي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وأمي فاطمة الزهراء، وأبي عليّ، وأخي الحسن، يا بقية الماضين وثمال(2)الباقين.
فقال لها بحنان: يا أُخَيَّةُ، لَا يَذْهَبَنَّ بِحِلْمِكِ الشَّيْطَانُ.
وانبرت العقيلة إلى أخيها وهي شاحبة اللون قد مزق الأسى قلبها الرقيق المعذب
فقالت له بأسى والتياع: أتغتصب نفسك اغتصاباً؟! فذاك أطول لحزني وأشجى لقلبي (1).
ولم تملك صبرها بعدما أيقنت أن شقيقها مقتول، فعمدت إلى جيبها فشقّته، ولطمت وجهها، وخرّت على الأرض فاقدة لوعيها، وشاركتها النسوة في المحنة القاسية. وصاحت السيدة أم كلثوم: وامحمّد اه، واعليّاه، واأُماه، واحسيناه، واضيعتنا بعدك.
وأثر المنظر الرهيب في نفس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فذاب قلبه الزاكي أسئ وحسرات، وتقدّم إلى السيدات من بنات الوحي فجعل يأمرهن بالخلود إلى الصبر والتحمل لأعباء هذه المحنة الكبرى قائلاً: يا أُخْتاهُ، يَا أُمَّ كُلْثُومٍ، وَأَنْتِ يَا زَيْنَبُ، وَأَنْتِ يا فاطِمَةُ، وَأَنْتِ يا رَبابُ، انظُرْنَ إِذا قُتِلْتُ فَلَا تَشْقُقْنَ عَلَى جَيْباً، وَلَا تَخْمُشْنَ وَجْهاً، وَلَا تَقُلْنَ هَجْراً (2).
لقد عانى الإمام العظيم ألواناً قاسية ومذهلة من المحن والخطوب كانت بقدر إيمأنّه باللّه، فلم يكد يفرغ من محنة حتى يواجهه سيل من المحن الكبرى التي لا يطيقها أي إنسان.
ووضع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ا أرقى المخططات العسكرية وأدقها في ذلك العصر، فنظم جبهته تنظيماً رائعاً، فقد عقد (عَلَيهِ السَّلَامُ) واءه ودفعه إلى أخيه العباس الأكبر، فحمله بين يديه إلى حين التحام تلك الحرب، وعقد (عَلَيهِ السَّلَامُ) رايتين دفع إحداهما لقائد الجبهة
اليمنى زهير بن القين البجلي، والأخرى لقائد الجبهة اليسرى حبيب بن مظاهر الأسدي، وأحاط معسكره بكثير من الحماية، فقد خرج في غلس الليل البهيم، وكان معه نافع بن هلال، فجعل يتفقد التلاع والروابي وينظر إليها بدقة مخافة أن تكون مكمناً لهجوم الأعداء حين الحرب (1)، وقد أمر أصحابه بصنع ما يلي:
أوّلاً: مقاربة البيوت بعضها من بعض، بما في ذلك بيوت الهاشميين والأصحاب. وفيما نحسب أنّها كانت عدة صفوف من كل جهة لا صفاً واحداً، وإنّما صنع ذلك لئلا يكون هناك مجال لتسرّب العدو وتخلله من بينها (2).
ثانياً: حَفر خندق من الخلف محيط بخيم أهله وعياله وأصحابه، ومَلؤُه بالحطب، لإشعال النار فيه وقت الحرب (3)، وكان الخندق على شكل هلال، وكان محيطاً بجيشه ومخيمه من الجنبات الثلاث اليمين واليسار والوراء، وإنما أمر بذلك لما يلي:
1- أن تكون عوائلهم في مأمن من العدو أثناء العمليات الحربية، فأنّه لا يتمكن من اقتحام النار والهجوم عليها.
2- استقبال العدو من جهة واحدة، وعدم تعدد الجهات القتالية نظراً لقلة أصحابه؛ ولولا هذا التدبير لأحاط بهم العدو من الجهات الأربع وقضي عليهم في فترة وجيزة، وما طالت الحرب يوماً كاملاً.
هذه بعض المخططات التي اتخذها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهي تدل على مدى إحاطته التامة بالتنظيمات العسكرية ووقوفه على دقائقها.
وأقبل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع أهل بيته وأصحابه على العبادة، فاتجهوا إلى اللّه بقلوبهم ومشاعرهم، فكانوا - فيما يقول المؤرخون - لهم دويّ كدوي النحل وهم ما بين راكع وساجد وقارئ للقرآن، ولم يذق أحد منهم طعم الرقاد (1). فقد أقبلوا على مناجاة اللّه والتضرع إليه، وهم يسألونه العفو والغفران.
لقد روى جابر عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: «قالَ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَصْحَابِهِ قَبْلَ أَن يُقْتَلَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) قَالَ لِي: يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ سَتُساقُ إِلَى الْعِراقِ، وَهِيَ أَرْضٌ قَدِ الْتَقَى بِها النبیّونَ وَأَوْصِياءُ النبیّينَ، وَهِيَ أَرْضٌ تُدْعَى عَمُورا، وَإِنَّكَ تُسْتَشْهَدُ بِها وَيُسْتَشْهَدُ مَعَكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِكَ لَا يَجِدُونَ أَلَمَ مَسَّ الْحَدِيدِ، وَتَلا قَوْلَهُ تَعَالَى: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ (2)تَكُونُ الْحَرْبُ بَرْداً وَسَلَامًا عَلَيْكَ وَعَلَيْهِمْ فَأَبْشِرُوا، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلُونَا فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى نَبِيِّنا...» (3)
واستبشر أصحاب الإمام بالشهادة بين يدي ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد حدث المؤرخون عنهم بما يبهر العقول، فهذا حبيب بن مظاهر خرج إلى أصحابه وهو يضحك قد غمرته الأفراح، فأنكر عليه برير بن خضير الهمداني قائلاً: ليس هذه بساعة ضحك؟!
فأجابه حبيب عن إيمأنّه العميق قائلاً: أي موضع أحق من هذا بالسرور؟!
واللّه ما هو إلا أن تميل علينا هذه الطغاة بسيوفهم فنعانق الحور العين(1).
وداعب بريرٌ عبدالرحمن الأنصاري، فاستغرب منه وقال له: ما هذه ساعة باطل؟!
فأجابه برير: لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً، ولكنّي مستبشر بما نحن لاقون، واللّه ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم، ولوددت أنّهم مالوا علينا بأسيافهم (2).
وليس في أُسرة شهداء العالم مثل هذا الإيمان الذي تفجر عن براكين هائلة من اليقين والمعرفة وصدق النية، وعظيم الإخلاص، لقد استبشروا بالفوز في جنان الخلد مع النبیّين والصديقين، وأيقنوا أنّهم يموتون أهنأ موتة وأعظمها في تاريخ البشرية في جميع الأجيال والآباد.
وكان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) یصلي، وقد أشرف عليه جماعة من أصحاب الخبيث الدنس شمر بن ذي الجوشن فسمعه يقرأ في صلاته قوله تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُم خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِم إِنَّمَا نُمْلِي لَهُم لِيَزدَادُوا إِثماً وَلَهُم عَذَابٌ مُهِينٌ * مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِيْنَ عَلَى مَا أَنْتُم عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (3).
فجعل رجل من أصحاب الشمر يهزأ بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واندفع رافعاً صوته:
نحن وربّ الكعبة الطيبون، ميّزنا اللّه منكم (1).
و خفق الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خفقة بعدما أعيته المرهقة، فاستيقظ والتفت إلى أصحابه وأهل بيته فقال لهم: أَتَعْلَمُونَ مَا رَأَيْتُ فِي مَنامِي؟
قالوا: وما الذي رأيت يابن بنت رسول اللّه؟
فقال(عَلَيهِ السَّلَامُ): رَأَيْتُ كَأَنَّ كِلَاباً قَدْ شَدَّتْ عَلَيَّ تُناشِبُنِي (2)، وَفِيهَا كَلْبٌ أَبْقَعْ أَشَدُّها عَلَيَّ، وَأَظُنَّ الَّذِي يَتَوَلَّى قَتْلِي رَجُلٌ أَبْقَعٌ وَأَبْرَضٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، ثُمَّ إِنِّي رَأَيْتُ جَدِّي رَسولَ اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ يَقولُ لِي: يَا بُنَيَّ، أَنْتَ شَهِيدُ آلِ محمّد، وَقَدِ اسْتَبْشَرَتْ بِكَ أَهْلُ السَّماواتِ وَأَهْلُ الصَّفْح الأعْلى، فَلْيَكُنْ إِفْطَارُكَ عِنْدِي اللَّيْلَةَ، عَجِّلْ وَلَا تُؤَخِّرْ، فَهذا أَثَرُكَ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ لِيَأْخُذَ دَمَكَ في قارُورَةٍ خَضْراءَ، وَهَذا ما رَأَيْتُ، وَقَدْ أَزِفَ الْأَمْرُ وَاقْتَرَبَ الرَّحِيلُ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيا لَا شَكٍّ فِي ذلِكَ (3).
وخيم على أهل بيته وأصحابه حزن عميق، وأيقنوا بنزول الرزء القاصم واقتراب الرحيل عن هذه الحياة.
وفزعت عقائل الوحي أشدّ ما يكون الفزع، فلم يهدأن في تلك الليلة الخالدة
1) الإرشاد/المفيد: 2: 95 تاريخ الأمم والملوك: 4: 621. الفتوح: 5: 99. البـداية والنهاية: 8: 180. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 1: 251
2) تناشبني: مأخوذ من نشب في الشيء إذا وقع فيما لا مخلص منه. القاموس المحيط: 176 نَشَبَ. وفي رواية: «تَنْهَشُنِي»
3) الفتوح: 5: 99 و 100. كامل الزيارات: 156 و 157، الحديث 194. تاريخ مدينة دمشق:23: 190 و: 16:55. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 1: 251 و 252
في دنيا الأحزان، وقد طافت بهنَّ تيارات من الهواجس والأفكار، وتمثل أمامهنَّ المستقبل الملبد بالكوارث والخطوب، فماذا سيجري عليهن بعد مفارقة الحماة من أبناء الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وهنّ في دار غربة قد أحاط بهنّ الأعداء الجفاة، وخلدن إلى البكاء والعويل والابتهال إلى اللّه؛ لينقذهن من هذه المحنة التي تقصم الأصلاب؟!
وأما أعداء أهل البيت فقد باتوا وهم في شوق إلى إراقة تلك الدماء الزكية ليتقربوا بها إلى ابن مرجانة، وكانت الخيل تدور وراء معسكر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعليها عزرة بن قيس الأحمسي خوفاً من أن يفوت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من قبضتهم، أو يلتحق بمعسكره أحد من الناس.
واستعدّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو وأصحابه إلى لقاء اللّه، ووطنوا أنفسهم على الموت، وقد أمر بفسطاط فضرب له، وأتي بجفنة فيها مسك، كما أُتي بالحنوط، ودخل الفسطاط فتطيب وتحنّط، ثم دخل من بعده برير فتطيب وتحنط، وهكذا فعل جميع أصحابه استعداداً للموت والشهادة في سبيل اللّه (1).
وما طلع فجر في سماء الدنيا كفجر اليوم العاشر من المحرم في مآسيه وأحزأنّه، ولا أشرقت شمس كتلك الشمس في كآبتها وآلامها، فليس هناك حادث في التاريخ يفوق في كوارثه وآلامه. تلك المشاهد الحزينة التي تم تمثيلها يوم عاشوراء (2)على صعيد كربلاء، فلم تبق محنة من محن الدنيا ولا غصة من غصص الدهر إلا جرت
على ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
يقول الإمام زين العابدين(عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما مِنْ يَوْمٍ أَشَدُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) مِنْ يَوْمِ أَحْدٍ، قُتِلَ فِيْهِ عَمُّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَسَدُ اللّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ، وَبَعْدَهُ يَوْمُ مُؤْتَةَ قُتِلَ فِيْهِ ابْنُ عَمِّهِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ».
ثم قال(عَلَيهِ السَّلَامُ): وَلَا يَوْمٍ كَيَوْمِ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ازْدَلَفَ إِلَيْهِ ثَلَاثُونَ الف رَجُلٍ يَزْعُمُونَ أنّهم مِنْ هذِهِ الْأُمَّةِ كُلٌّ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِدَمِهِ، وَهُوَ بِاللَّهِ يُذَكِّرُهُمْ فَلَا يَتَّعِظُونَ حَتَّى قَتَلُوهُ بَغْياً وَظُلماً وعدواناً» (1).
وبدأ الإمام العظيم في فجر اليوم العاشر بالصلاة، وكان فيما يقول المؤرخون: قد تيمم هو وأصحابه للصلاة نظراً لعدم وجود الماء عندهم، وقد ائتم به أهله وصحبه (2)، وقبل أن يتموا تعقيبهم دقت طبول الحرب من معسكر ابن زياد، واتجهت فرق من الجيش وهي مدججة بالسلاح تنادي بالحرب أو النزول على حكم ابن مرجانة.
وخرج أبي الضيم فرأى البيداء قد مُلئت خيلاً ورجالاً، وقد شهرت السيوف والرماح، وهم يتعطشون إلى إراقة دمه ودماء البررة من أهل بيته وأصحابه؛ لينالوا الأجر الزهيد من ابن مرجانة، فدعا (عَلَيهِ السَّلَامُ) بمصحف فنشره على رأسه، وأقبل على اللّه يتضرع إليه قائلاً: اللّهمَّ أَنْتَ ثِقَتِي فِي كُلِّ كَرْبٍ، وَرَجانِي فِي كُلِّ شِدَّةٍ، وَأَنْتَ لِي فِي كُلِّ
أَمْرٍ نَزَلَ بِي ثِقَةٌ وَعُدَّةٌ، كَمْ مِنْ هَمَّ يَضْعُفُ فِيهِ الفؤادُ، وَتَقِلُ فِيهِ الْحِيلَةُ، وَيَخْذُلُ فِيهِ الصَّدِيقُ، وَيَشْمَتُ فِيهِ الْعَدُوُّ، أَنْزَلْتُهُ بِكَ وَشَكَوْتُهُ إِلَيْكَ رَغْبَةً مِنِّي إِلَيْكَ عَمَّنْ سِواك فَفَرَّجْتَهُ وَ كَشَفْتَهُ، فَأَنْتَ وَليُّ كُلِّ نِعْمَةٍ، وَصَاحِبُ كُلِّ حَسَنَةٍ، وَ مُنْتَهى كُلِّ رَغْبَةٍ» (1).
ويلمس في هذا الدعاء مدى إيمأنّه العميق، فقد أناب إلى اللّه وأخلص له ه في جميع مهامه، فهو وليه والملجأ الذي يلجأ إليه في كل نازلة نزلت به.
وأمر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أول الصبح بإشعال النار في الخندق الذي كان محيطاً بخيم النساء؛ ليحميها من هجوم الخيل، حتى لا تتعدد عليهم جبهات القتال وتنحصر في جهة واحدة.
ولما اشتعلت النار في الخندق اشتدّ بعض الممسوخين من معسكر ابن سعد نحو الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كأنّهم الكلاب، وقد رفعوا أصواتهم بهرير منكر، ومن بينهم:
وأقبل الخبيث الدنس شمر بن ذي الجوشن على معسكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) صوته: یا حسین، تعجّلت بالنار قبل يوم القيامة؟!
فردّ عليه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): من هذا؟! كَأنّه شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ.
فقالوا له: نعم.
1) الإرشاد/المفيد: 2: 96. تاريخ الأمم والملوك: 4: 622. تاريخ مدينة دمشق: 14: 217. الكامل في التاريخ: 286 و 287 البداية والنهاية: 8: 171
فقال(عَلَيهِ السَّلَامُ): يابْنَ َراعِيَةِ الْمِعْزى؟ أنتَ أولى بها صِلِيّا (1).
فرام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم إلا أنّ الإمام الحسين نهاه، وقال: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَهُمْ بِقِتَالٍ (2).
واشتدّ الوضر الخبيث محمّدبن الأشعث نحو الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو ينادي: يا حسين، أنت الساعة ترد جهنماً.
فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ): لَعَنَكَ اللّهُ وَلَعَنَ أَبَاكَ وَقَوْمَكَ يابْنَ الْمُرْتَدُ الفاجِرِ عَدُهُ اللّهِ وَرَسُولِهِ والْمُسْلِمِينَ.
وروى المجلسي، أن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) دعا: «اللّهم إنا أَهْلُ بِيْتِ نَبِيِّكَ وَذُرِّيَّتُهُ وَقَرابَتُهُ فَاقْصِمْ مَنْ ظَلَمَنا وَغَصَبَنا حَقَّنَا إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ.
فقال محمّدبن الأشعث: وأيّة قرابة بينك وبين محمّد؟!
فقرأ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحَا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ * ذُرِّيَةٌ بَعضُهَا مِنْ بَعْضٍ (3).
ثم قال(عَلَيهِ السَّلَامُ): اللّهمَّ أَرِنِي فِيْهِ الْيَوْمَ ذُلّاً عاجلاً.
فبرز ابن الأشعث للحاجة فلسعته عقرب على ذكره، فسقط وهو يستغيث ويتقلّب.
1) ولعل الوارد: «يا بن راعي المعزى»؛ لما ذكره هشام الكلبي: «أن امرأة ذي الجوشن خرجت من جبانة السبيع إلى جبانة كندة، فعطشت في الطريق ولاقت راعياً يرعى الغنم، فطلبت منه الماء فأبى أن يعطيها إلا بالإصابة منها فمكنته، فواقعها الراعي فحملت بشمر» - سفينة البحار 4: 492
2) الإرشاد/المفيد: 2: 96. أنساب الأشراف: 3: 396. تاريخ الأمم والملوك: 4: 322.
3) آل عمران:3: 33- 34
على حدثه (1).
واندفع الوغد عبداللّه بن حوزة إلى معسكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وصاح: أبشر يا حسين بالنار.
فردّ عليه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلامه: إِنِّي أَقْدِمُ عَلَى رَبِّ رَحِيمٍ، وَشَفِيعٍ مُطَاعٍ.
وسأل عنه فقيل له: أنّه ابن حوزة، فرفع يديه بالدعاء وقال: اللَّهُمَّ حُزْهُ إِلَى النَّارِ، فاضطرب به فرسه في جدول فتعلقت رجله بالركاب وسقط إلى الأرض، وقد نفر به الفرس فجعل يضرب رأسه بالأحجار وأُصول الأشجار حتى هلك (2).
وقيل: ألقته فرسه في النار المشتعلة بالخندق فاحترق بها، ولمّا رأى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سرعة استجابة دعائه رفع صوته قائلاً: اللَّهُمَّ إِنَّا أَهْلُ بَيْتِ نَبِيَّكَ وَذُرِّيَّتُهُ، فَاقْصِمْ مَنْ ظَلَمَنا وَغَصَبَنا حَقًّنا، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيْبٌ (3).
ولمّا رأى ذلك مسروق بن وائل الحضرمي وكان يحدث نفسه بقتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ لينال الجائزة من ابن مرجانة ندم على ما فكّر به، وعلم أنّ لأهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) حرمة ومكانة عند اللّه، فترك المعركة وأنّهزم مخافة غضب اللّه (4).
وقام كلا المعسكرين بتعبئة عامة، فعبّأ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصحابه وكانوا اثنين
وثمانين فارساً وراجلاً، وجعل زهير بن القين في الميمنة، وحبيب بن مظاهر في الميسرة، وثبت هو وأهل بيته في القلب، وأعطى رايته إلى أخيه وعضده أبي الفضل العباس.
وعبأ ابن سعد جيشه فجعل على ربع أهل المدينة عبداللّه بن زهير الأزدي، وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث، وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي، وعلى ربع بني تميم وهَمْدان الحر بن يزيد الرياحي، وجعل على ميمنة جيشه عمرو بن الحجّاج الزبيدي، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن، وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجالة شَبَث بن ربعي من بني عمرو بن تميم - وكان مؤذن سجاح المتنبئة في الردة - وأعطى الراية دريداً مولاه، وبذلك فقد استعد كلا المعسكرين للحرب والقتال (1).
ورأى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هلال مع أعلام أصحابه أن يقيموا الحجة على أهل الكوفة؛ ليكونوا على بينة من أمرهم وبصيرة على ما قدموا عليه من إثم تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُ الأَرْضُ وتَخِرُ الجِبَالُ هَدَا (2)، وقد أعذروا في الدعاء ومنحوا النصيحة لإنقاذ أولئك الممسوخين من خطر الجريمة التي تؤدي بهم إلى النار.
ودعا الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) براحلته فركبها، واتجه نحو معسكر ابن سعد، وهو بتلك
الهيبة التي تحكي هيبة جده الرسول (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فخطب فيهم خطابه التاريخي الذي. من أبلغ وأروع ما أثر في الكلام العربي، وقد نادى بصوت عال يسمعه جلهم:
«أَيُّها النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي وَلَا تَعْجَلُوا حَتّى أَعِظَكُمْ بِما يَحِقُ لَكُمْ لَيَّ، وَحَتَّى أَعْتَذِرَ إِلَيْكُمْ مِنْ مَقْدَمِي عَلَيْكُمْ، فَإِنْ قَبِلْتُمْ عُذْرِي، وَصَدَّقْتُمْ قَوْلِي، وَأَعْطَيْتُمُونِيَ النَّصَفَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ كُنتُمْ بِذَلِكَ أَسْعَدَ، وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ عَلَيَّ سَبِيلٌ، وَإِنْ لَمْ تَقْبَلُوا مِنّيَ الْعُذْرَ وَلَمْ تُعْطُوا النَّصَفَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُم وَشُرَكَاءَ كُم ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُم عَلَيْكُم غُمَّةٌ ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (1)، إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ (2)».
ونقل الأثير كلماته إلى السيدات من عقائل النبوة وحرائر الوحي، فتصارخن بالبكاء، وارتفعت أصواتهنّ، فبعث إليهنّ أخاه العباس وابنه عليّاً، وقال لهما: سَكَّتاهُنَّ فَلَعَمْرِي لَيَكْثُرُ بُكاؤُهُنَّ (3).
ولما سكتن استرسل في خطابه فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على النبى وعلى الملائكة والأنبياء، وقال في ذلك ما لا يحصى ذكره ولم يسمع لا قبله ولا بعده أبلغ م منه في منطقه، وقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيا فَجَعَلَها دارَ فَناءِ وَزَوالٍ، مُتَصَرِّفَةٌ بِأَهْلِها حالا بَعْدَ حالٍ، فَالْمَعْرُورُ مَنْ غَرَّتْهُ، وَالشَّقِيُّ مَنْ فَتَنَتْهُ، فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ
الدُّنْيا فَأنّها تَقْطَعُ رَجَاءَ مَنْ رَكَنَ إِلَيْهَا، وَتُخَيِّبُ طَمَعَ مَنْ طَمِعَ فِيْها، وَأَراكُمْ قَدِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى أَمْرٍ قَدْ أَسْخَطْتُمُ اللّهَ فِيْهِ عَلَيْكُمْ، وَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ عَنْكُمْ، وَأَحَلَّ بِكُمْ نِقْمَتَهُ، فَنِعْمَ الرَّبُّ رَبُّنا، وَبِئْسَ الْعَبِيدُ أَنْتُمْ، أَقْرَرْتُمْ بِالطَّاعَةِ، وَآمَنْتُمْ بِالرَّسُولِ محمّد(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ثُمَّ إنّكم زَحَفْتُمْ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ وَعِتْرَتِهِ تُرِيدُونَ قَتْلَهُم. لَقَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْكُمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاكُمْ ذِكْرَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، فَتَبَا لَكُمْ وَلِمَا تُرِيدُونَ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَفَرُوا بَعْدَ إِيْمَأنّهمْ فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (1).
لقد وعظهم بهذه الكلمات التي تمثل هدي النبوة، ومحنة الأنبياء في أممهم، فحذرهم من فتنة الدنيا وغرورها، ودلل على عواقبها الخاسرة، وأهاب بـهم من الإقدام على قتل عترة نبيهم، فأنّهم بذلك يخرجون من الإسلام إلى الكفر، ويستوجبون عذاب اللّه الخالد، وسخطه الدائم، ثمّ استرسل (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خطابه فقال:
أَمَّا بَعْدُ، فَانْسِبُونِي فَانْظُرُوا مَنْ أَنا؟ ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَى أَنْفُسِكُمْ وَعاتِبوها، فَانْظُرُوا هَلْ يَحِلُّ لَكُمْ قَتْلِي وَانْتِهالُ حُرْمَتِي؟!
أَلَسْتُ ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ، وَابْنَ وَصِيِّهِ، وَابْنِ عَمِّهِ، وَأَوَّلِ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَالْمُصَدِّقِ لِرَسُولِهِ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ؟ أَوَلَيْسَ حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَداءِ عَمَّ أبي؟! أَوَلَيْسَ جَعْفَرُ الطَّبَارُ عَمِّي؟! أَوَلَمْ يَبْلُغْكُمْ قَوْلُ رَسولِ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) لي وَلَأخِي: هدَانِ سَيِّدا شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ صَدَّقْتُمُونِي بِمَا أَقُولُ وَهُوَ
1) مناقب آل أبي طالب: 4: 100. بحار الأنوار: 45: 5 و 6. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/المقرم: 278 و 279. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 1: 252 و 253
الْحَقُّ، وَاللّهِ مَا تَعَمَّدْتُ الْكَذِبَ مُنْذُ عَلِمْتُ أَنَّ اللّهَ يَمْقُتُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ، وَيَضُرُّ بِهِ مَنِ اخْتَلَفَهُ، وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي فَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ إِنْ سَأَلْتُمُوهُ أَخْبَرَكُمْ، سَلُوا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، وسَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السّاعِدِيَّ، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يُخبِرُوكُمْ أنّهمْ سَمِعُوا هَذِهِ الْمَقالَةَ مِن رَسُولِ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) لِي وَلِأَخِي، أَما فِي هَذَا حَاجِرٌ لَكُمْ عَنْ سَفْكِ دَمِي؟ (1).
لا أعرف خطاباً أرقّ ولا أبلغ من هذا الخطاب، فأيُّ خطيب مهما كان يتمتّع ببراعة البيان؛ فأنّه ليعجز عن الكلام في مثل هذا الموقف الرهيب الذي تخرس فيه الأسود، وتُحْجِم فيه الأبطال؟! وكان خليقاً بهذا الخطاب أن يرجع إليهم حوازب؟! أحلامهم، ويحدث انقلاباً فكرياً وعملياً في صفوفهم، لقد دعاهم لأن يرجعوا إلى نفوسهم وعقولهم لو كانوا يملكونها ليمعنوا النظر في شأنّه، فهو حفيد نبيهم وابن وصيه، وألصق الناس وأمسهم رحماً به، وهو سيد شباب أهل الجنة، وفي ذلك حصانة له من سفك دمه وانتهاك حرمته، إلا أن ذلك الجيش لم يع هذا المنطق الفياض، فقد خلد إلى الجريمة، واستولى على قلوبهم زيغ قاتم من الضلال فأناهم ذكر اللّه.
وانبرى إليه الرجس الخبيث شمر بن ذي الجوشن وهو ممّن غرق في الإثم، فقال: هو يعبد اللّه على حرف إن كان يدري ما يقول؟!
وما كان مثل ذلك الضمير المتحجّر الذي ران عليه الباطل أن يعي منطق الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أو يفهم مقالته.
1) الإرشاد/المفيد: 2: 97 و 98 تاريخ الأمم والملوك: 4: 623. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي:: 1: 253. الكامل في التاريخ: 3: 287. ينابيع المودة: 3: 65
وتصدّى لجوابه حبيب بن مظاهر، فقال له: واللّه إنّي أراك تعبد اللّه على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول، قد طبع اللّه على قلبك.
واستمر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خطابه، فقال:
فَإِنْ كُنتُمْ فى شَكٍّ مِنْ هذَا الْقَوْلِ، أَفَتَشُكُونَ أَنَّى ابْنُ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ؟! فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ابْنُ بِنْتِ نَبِيَّ غَيْرِي فِيكُمْ وَلَا فِي غَيْرِكُمْ، وَيْحَكُمْ أَتَطْلُبُونَنِي بِقَتِيلٍ مِنْكُمْ قَتَلْتُهُ، أَوْ مَالٍ لَكُمُ اسْتَهْلَكْتُهُ أَوْ بِقَصَاصِ جراحة.
وزلزلت الأرض تحت أقدامهم، وغدوا حيارى لا يملكون جواباً لردّه، فهم لا يشكون أنّه ابن بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وريحانته، وأنّهم لا يطلبونه بقتيل قتله، ولا بمال استهلكه منهم.
ثم نادى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقادة الجيش الذين دعوه بـرسائلهم للقدوم إلى الكوفة، فقال:
يا شَبَثَ بْنَ رِبْعِيُّ، وَيا حَجَارَ بْنَ أَبْجُرَ، وَيا قَيْسَ بْنَ الْأَشْعَثِ، وَيا يَزِيدَ بْنَ الْحَارِثِ، أَلَمْ تَكْتُبُوا إِلَى: أَنْ قَدْ أَيْنَعَتْ النّمارُ وَاخْضَرَّ الْجَنابُ وَطُمَّتْ الْجِمامُ، وَإِنَّما تَقْدِمُ عَلَى جُنْدِ لَكَ مُجَنَّدَةٍ، فَأَقْبِلْ؟!
ولم تخجل تلك النفوس من خيانة العهد، وحنث الأيمان، فأجابوه مجمعين على الكذب: لم نفعل.
واستغرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) منهم ذلك، فقال لهم:
سُبْحانَ اللَّهِ ! بَلَى وَاللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتُمْ.
وأعرض عنهم ووجّه خطابه إلى جميع قطعات الجيش، فقال لهم:
أَيُّهَا النَّاسُ، إِذَا كَرِهْتُمُونِي فَدَعُونِي أَنْصَرِفُ عَنْكُمْ إِلَى مَأْمَنِي مِنَ الْأَرْضِ.
فانبرى إليه قيس بن الأشعث - وهو ممّن عُرف بالغدر والنفاق، وقد خلع ك-ل شرف وحياء، وحَسْبُه أنّه من أسرة لم تنجب شريفاً قط - فقال له: أولا تنزل على - حكم بني عمّك؟ فأنّهم لن يروك إلا ما تحب، ولن يصل إليك منهم مكروه.
فأجابه(عَلَيهِ السَّلَامُ): أَنتَ أَخُو أَخِيكَ، أَتُرِيدُ أَنْ يَطْلُبَكَ بَنُو هَاشِمٍ بِأَكْثَرَ مِنْ دَمِ مُسْلِمِ بْنِ الا عَقِيلٍ؟! لَا وَاللَّهِ لَا أُعْطِيهِمْ بِيَدِي إِعْطاءَ الدَّلِيلِ وَلَا أَفِرُّ فِرارَ الْعَبِيدِ، عِبَادَ اللَّهِ، إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ، أَعُوذُ بِرَبِّي وَرَبَّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (1).
تزول الممالك وتدول الدول، وهذه الكلمات أحق بالبقاء وأجدر بالخلود من كل شيء، فقد مثلت عزّة الحق، ومنعة الأحرار وشرف الأباة.
ومن المؤسف أنّه لم تنفذ هذه الكلمات النيرة إلى قلوبهم، فقد أقفل الجهل جميع أبواب الفهم في نفوسهم خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِم وَعَلَى سَمْعِهِم وَعَلَى أَبْصَارِهِم غِشَاوَةٌ (2)، أم تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُم يَسْمَعُونَ أو يَعْقِلُونَ إِنْ هُم إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُم أَضَلُّ سَبِيلاً (3).
لقد أعرضوا تماماً عن دعوة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلم يحفلوا بها، وصدق اللّه تعالى إذ يقول: فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوتَى وَلَا تُسمعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلُّوا مُدبِرِينَ (4).
وانبرى زهير بن القين، فألقى عليهم خطابه الحافل بالنصيحة والإرشاد لهم قائلاً: يا أهل الكوفة، نذار لكم من عذاب اللّه، إنّ حقاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتى الآن إخوة وعلى دين واحد ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، وأنتم للنصيحة منا أهل، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنّا أُمّة. وأنتم أُمّة.
إن اللّه قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية ابن الطاغية عبيد اللّه بن زياد، فإنّكم لا تدركون منهما إلا سوء عمر سلطأنّهما؛ لَيَسمَلانِ (1)أعينكم، ويقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثلان بكم، ويرفعإنّكم على جذوع النخل، ويقتلان أماثلكم وقراءكم أمثال حُجر بن عدي وأصحابه وهانئ بن عروة وأشباهه» (2).
وحفل هذا الخطاب بأبلغ وأروع ما تكون الحجّة، ففيه الدعوة إلى الحق بجميع رحابه ومفاهيمه، والتحذير من عذاب اللّه وسخطه، لقد عرفهم بأنّه إنّما ينصحهم امتثالاً للواجب الديني الذي يقضي بنصيحة المسلم لأخيه المسلم إذا رآه قد انحرف عن الحق، وعرفهم قبل أن تندلع نار الحرب أن الأخوة الإسلامية تجمعهم، فإذا وقعت الحرب انفصمت عُرى تلك الأخوّة، وكان كلّ منهما أُمة مستقلة لا تجمعهما روابط الدين والإسلام. وقد عرض لهم أنّ اللّه قد ابتلى المسلمين بعترة نبيه فأوجب مودتهم في كتابه العزيز قُلْ لَا أَسْأَلُكُم عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا المَوَدَّةَ فِي القُربَى (3)لينظر إلى الأمة ما هي صانعة فيهم؟!
وذكرهم بجور الأمويين وبطشهم، وما صنعوه في صلحائهم أمثال حُجر بـن عدي، وميثم التمار وغيرهما من الذين ناهضوا الجور وقاوموا الاستبداد، فقد صبّت عليهم السلطة الأموية وابلاً من العذاب الأليم، فسملت عيونهم وقطعت أيديهم وأرجلهم وصلبتهم على جذوع النخل.
وما إن أنّهى زهير خطابه حتى انبرى جماعة من جيش ابن سعد فسبوه وتوعدوه مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يه بالقتل قائلين: لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه معه، أو نبعث به وبأصحابه إلى عبيد اللّه بن زياد سلماً.
واندفع زهير فخاطبهم بمنطق الحق قائلاً: عباد اللّه، إنّ ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية، فإن لم تنصروهم فأعيذكم باللّه أن تقتلوهم، فخلوا بين الرجل وبين يزيد فلعمري أنّه ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
ووجم الكثيرون، واستولت عليهم الحيرة والذهول، ولما رأى ذلك شمر بن ذي الجوشن خاف أن يثوب الجيش إلى الرشاد، فسدّد سهماً إلى زهير، وهو يقول: اسكت أسكت اللّه نأمتك (2)، أبرمتنا بكثرة كلامك.
واحتقره زهير، فنظر إليه كأقذر مخلوق قائلاً له: يابن البوّال على عقبيه، ما إيّاك أخاطب إنّما أنت بهيمة، واللّه ما أظنّك تُحْكم من كتاب اللّه آيتين، فابشر بالخزي يوم القيامة، والعذاب الأليم.
والتاع الوغد الخبيث من كلام زهير فصاح به إنّ اللّه قاتلك وصاحبك عن ساعة.
قال: أبالموت تخوفني؟ فواللّه للموت معه أحب إلي من الخلد معكم.
والتفت زهير إلى الجيش قائلاً: عباد اللّه، لا يغرنكم عن دينكم هذا الجلف
الجافي وأشباهه، فواللّه لا تنال شفاعة محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) قوماً هرقوا دماء ذريته وأهل بيته، وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم. ورأى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نا أن نصائح زهير لا تجدي مع هؤلاء الممسوخين، فأوعز إلى بعض أصحابه يأمره بالكف عن الكلام، وانطلق إليه فناداه: إنّ أبا عبد اللّه يقول لك: أَقْبِلْ، فَلَعَمْرِي لَئِنْ كانَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ نَصَحَ قَوْمَهُ وَأَبْلَغَ فِي الدُّعاءِ فَلَقَدْ نَصَحْتَ هؤُلاءِ وَأَبْلَغْتَ لَوْ نَفَعَ النُّصْحُ وَالإِبلاغ (1).
واندفع الشيخ الجليل برير بن خضير لنصيحة ذلك الجيش قائلاً يا معشر الناس، إنّ اللّه بعث محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى اللّه بإذنه وسراجاً منيراً، وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابها، وقد حيل بينه وبين ابنه.
وقد خلعوا الشرف والحياء، فقالوا له: يا برير، قد أكثرت الكلام فاكفف عنا، فواللّه ليعطش الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كما عطش مَن كان قبله (2).
ووجّه إليهم النصيحة والإرشاد قائلاً: يا قوم، إن ثقل محمّداللّه قد أصبح بين أظهركم، وهؤلاء ذريته وعترته وبناته وحرمه، فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أن تصنعوه بهم؟ فأجابوه: نريد أن نمكّن منهم الأمير عبيد اللّه بن زياد فيرى رأيه.
وأخذ برير يذكرهم بعهودهم وكتبهم التي بعثوها إليه قائلاً: أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاءوا منه؟! ويلكم يا أهل الكوفة، أنسيتم كتبكم
وعهودكم التي أعطيتموها، وأشهدتم اللّه عليها يا ويلكم، أدعوتم أهل بيت نبيكم وزعمتم إنّكم تقتلون أنفسكم دونهم حتى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد وحلّأتموهم عن ماء الفرات؟! بئسما خلفتم نبيكم في ذريته، مالكم ! لاسقاكم اللّه يوم القيامة، فبئس القوم أنتم.
وانبرى جماعة ممّن زاغت ضمائرهم فأنكر واكتبهم وعهودهم للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلين له: ما ندري ما تقول؟!
واستبان لبرير تماديهم في الإثم وإجماعهم على اقتراف المنكر، فقال: «الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة. اللّهم إنّي أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم، اللّهم ألقِ بأسهم بينهم حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان» (1).
فجعلوا يضحكون منه، وعمدوا إليه فرشقوه بسهامهم فانصرف عنهم (2).
وأبت رحمة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشفقته على أعدائه إلا أن يقوم بإسداء النصيحة لهم ثانياً، حتى يستبين لهم الحق، ولا يدعي أحد منهم أنّه على غير بينة من أمره، فانطلق نحوهم، وقد نشر كتاب اللّه العظيم، ولعلّه إنّما برز بهذه الهيئة والكتاب على رأسه قد أشار إلى قول النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ): «إِنِّي خَلَّفتُ فِيكُمُ الثَّقْلَيْنِ: كِتابَ اللّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْنِي» (3)فهو (عَلَيهِ السَّلَامُ) قسيم القرآن فكيف يستباح دمه؟! واعتم بعمامة جدّه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ولبس لامته، وكان على هيبة تعنو لها الجباه، وتغضّ عنها الأبصار، فقال لهم:
«تَبَاً لَكُمْ أَيَّتُهَا الْجَمَاعَةُ وَتَرَحاً، أَحِينَ اسْتَصْرَخْتُمونا والِهِينَ فَأَصْرَخْناكُمْ مُوجِفِينَ (1)، سَلَلْتُمْ عَلَيْنا سَيْفاً فِي أَيْمَإنّكم، وَحَشَشْتُمْ (2)عَلَيْنا ناراً اقْتَدَحْناها عَلَى عَدُوّنا وَعَدُوَّكُمْ فَأَصَبَحْتُمْ إِلْباً (3)لأَعْدائِكُمْ عَلَى أَوْلِيَائِكُمْ بِغَيْرِ عَدْلٍ أَفْشَوْهُ فِيكُمْ، وَلَا أَمَلِ أَصْبَحَ لَكُمْ فِيهِمْ؟!
فَهَلًا لَكُمُ الْوَيْلَاتُ تَرَكْتُمونا وَالسَّيْفُ مَشِيمٌ (4)، وَالْجَاشُ طَامِنٌ، وَالرَّأْيُ لَمَا يُسْتَحْصَفُ، وَلَكِنَّكُمْ أَسْرَعْتُمْ إِلَيْهَا كَطَيْرَةِ الدَّبا (5)وَتَداعَيْتُمْ عَلَيْها كَتَهافُتِ الفرَاشِ (6)
يقول الغزالي: ولعلّك تظن أنّ هذا لنقصان فهمها وجهلها. إن جهل الإنسان أعظم من جهلها لانكبابه على الشهوات والمعاصي إلى أن يغمس في النار ويهلك هلاكاً مؤبداً
ثُمَّ نَقَضْتُمُوها سَفَها وَضِلَّةٌ، فَبُعْداً وَسُحْقاً لَكُمْ با عَبِيْدَ الْأُمَّةِ، وَشُدّادَ الْأَحْزَابِ، وَنَبَذَةَ الْكِتابِ، وَمُحَرِّفِي الْكَلِمِ، وَعُصْبَةَ الْأَثَامِ، وَنَفْتَةَ الشَّيْطَانِ، وَمُطْفِنِي السُّنَنِ. وَيْحَكُمْ أَهْؤُلَاءِ تَعْضِدُونَ، وَعَنَا تَتَحَاذَلُونَ؟!أَجَلْ وَاللَّهِ لَغَدْرُ فِيكُم قَدِيمٌ وَشَجَتْ عَلَيْهِ أُصُولُكُمْ، وَتَأَزَّرَتْ عَلَيْهِ
1) موجفين: أي مسرعين في السير إليكم - لسان العرب: 15: 223- وجف
2) حششتم: جمعتم الحطب للنار - لسان العرب: 3: 188 - حشش
3) إلباً: أي مجتمعين - لسان العرب: 1: 177 - ألب
4) السيف مشيم: مغمد - لسان العرب: 7: 262 - شيم
5) الدّبا - بفتح الدال وتخفيف الباء - الجراد قبل أن يطير. لسان العرب: 4: 288 - دبا
6) الفراش - بالفتح وتخفيف الراء -: جمع فراشة، وهي صغار البقّ تتهافت في النار؛ لضعف بصرها - لسان العرب: 10: 237 - فرش.
فُرُوعُكُمْ (1)، فَكُنْتُمْ أَخْبَثَ ثَمَرٍ؛ شَجَنٌ (2)لِلنَّاظِرِ وَأَكْلَةٌ لِلْعَاصِبٍ.
أَلَا وَإِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِي قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ بَيْنَ السَّلَّةِ (3)وَالذُّلَّةِ وَهَيْهاتَ مِنّا الذَّلَّةُ، يَأْبَى اللّهُ لَنَا ذلِكَ وَرَسولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَحُجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ، وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ، وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ مِنْ أَنْ نُؤْثِرَ طَاعَةَ اللنامِ عَلَى مَصارع الكِرامِ. أَلَا وَإِنِّي رَاحِفٌ بِهذِهِ الْأَسْرَةِ مَعَ قِلَّةِ الْعَدَدِ وَخُذْلَانِ النَّاصِرِ».
ثم أنشد أبيات فروة بن مسيك المرادي:
«فَإِنْ نَهْزِمْ فَهَزَامُونَ قِدْماً *** وَإِنْ نُهْزَمْ فَغَيْرُ مُهَزَّمِينا
وَما إِنْ طِبُّنا جُبْنٌ وَلكِنْ *** منايانا وَدَوْلَة آخرينا
فَأَفْنى ذالِكُمْ سَرَواتَ قَومِي *** كَما أَفنَى القُرُونَ الأَوَّلِينا
فَلَوْ خَلَدَ المُلُوك إذا خَلُدْنا *** وَلَوْ بَقِيَ الْكِرَامُ إِذا بَقِينا
فَقُلْ لِلشَّامِنِينَ بنا أفيقوا *** سَيَلقَى الشَّامِنُونَ كَما لقينا
إِذَا مَا المَوْتُ رَفْعَ عَنْ أُناسٍ *** كَلَاكِلَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينا
ثُمَّ أَيْمُ اللَّهِ لَا تَلْبَثُونَ بَعْدَهَا إِلَّا كَرَيْنَمَا يُرْكَبُ الفرس حَتَّى تَدُورَبِكُم دَوْرَ الرَّحَى، وَتَقْلَقَ بِكُمْ فَلَقَ الْمِحْوَرِ، عَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيَّ أَبِي عَنْ جَدِّي
فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُم وَشُرَكَاءَ كُم ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُم عَلَيْكُم غُمَّةٌ ثُمَّ اقْضُوا إليَّ وَلا تُنْظِرُونِ (1)، مَا مِن دَابَةٍ إِلَّا هُوَ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُ- آخِذٌ بِنَاصِيتَهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ (2)» (3). ورفع يديه بالدعاء عليهم قائلاً:
«اللَّهُمَّ احْبِسْ عَنْهُم قَطْرَ السَّماءِ، وَابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيٌّ يُوسُفَ وسَلَّطْ عَلَيْهِمْ غُلَامٍ ثَقِيفٍ يَسْقِيهِم كَأْساً مُصَبَّرَةً فَأنّهمْ كَذَّبُونَا وَخَذَلُونا، وَأَنْتَ رَبُّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» (4).
لقد انفجر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الخطاب كما ينفجر البركان، وقد أبدى من صلابة العزم وقوة الإرادة ما لم يشاهد مثله، وقد حفل خطابه بالنقاط التالية:
الأولى: أنّه أوغل في تأنيبهم بشدّة؛ لما أبـدوه من التناقض في سلوكهم، فقد هبوا إليه يستنجدون ويستغيثون به لينقذهم من ظلم الأمويين وجورهم، فلمّا خف لإنقاذهم انقلبوا عليه، وسلّوا عليه سيوفهم التي كان من الواجب أن تسلّ على أعدائهم الذين بالغوا في إذلالهم وإرغامهم على ما يكرهون.
الثانية: أنّه أبدى أسفه البالغ على دعمهم للحكم الأموي في حين أنّه لم يبسط فيهم عدلاً أو يشيع فيهم حقاً، أو يكون لهم أيُّ أمل أو رجاء فيه.
1) يونس (عَلَيهِ السَّلَامُ) 10: 71
2) هود (عَلَيهِ السَّلَامُ) 56:11
3) تحف العقول: 240 - 242. الاحتجاج: 2: 97 - 100 مناقب آل أبي طالب: 4: 110. اللّهوف: 58 - 60. بحار الأنوار: 45: 8 - 10، 83. تاريخ مدينة دمشق: 14: 218 1، و 219. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 6 - 8
4) اللّهوف: 60. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 7 و 8
الثالثة: أنّه شجب الصفات الماثلة فيهم والتي كانوا بها من أحطّ شعوب الأرض، الأمة وشذاذ الأحزاب ونبذة الكتاب وعصبة الآثام، إلى غير ذلك من فهم عبيد نزعاتهم الشريرة.
الرابعة: أنّه أعلن رفضه الكامل لدعوة الطاغية ابن مرجانة من الاستسلام له، فقد أراد له الذل وهيهات أن يرضخ لذلك، فقد خلق ليمثل الكرامة الإنسانية والمُثل العليا فكيف يذعن للدعي ابن الدعي؟!
الخامسة: أنّه أعلن تصميمه على الحرب، وأن يخوض المعركة بأسرته التي مثلت البطولات ومضاء العزيمة والاستهانة بالموت.
السادسة: أنّه أخبرهم عن مصيرهم بعد قتلهم له، فإنّ اللّه سيسلط عليهم من يسقيهم كأساً، مصبرة، ويُنزل بهم العذاب الأليم، ولم يمض قليل من الوقت حتى ثار عليهم المختار، فملأ قلوبهم فزعاً ورعباً ونكل بهم تنكيلاً فظيعاً.
هذه بعض النقاط الحسّاسة التي حفل بها كلامه الشريف الذي تدفّق بقوة البيان، وروعة القصد، التي وجم منها جيش ابن سعد.
وثابت نفس الحرّ إلى الرشاد، واستيقظ ضميره بعد ما سمع خطاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجعل يتأمل ويفكر في تلك اللحظات الحاسمة من حياته، فقد استولت عليه موجات رهيبة من الصراع النفسي، فهل يلتحق بالحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيضحي بحياته ومنصبه بعد ما كان القائد المقرّب من السلطة، وقد وثقت بـه وجعلته أميراً على مقدمة جيشها، أو أنّه يبقى محارباً للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفي ذلك العذاب الدائم؟ فاختار الحرّ نداء ضميره الحي، وتغلب على هواه النفسي، فصمم على الالتحاق بالحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وقبل أن يتوجه إليه أسرع نحو ابن سعد فقال له: أمقاتل أنت هذا الرجل؟
وسارع ابن سعد قائلاً بلا تردد؛ ليظهر أمام قادة الفرق إخلاصه لسيده ابـن مرجانة: إي واللّه، قتالاً أيسره أن تسقط فيه الرؤوس وتطيح الأيدي.
فقال له الحرّ: أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرضها عليكم رضاً؟
واندفع ابن سعد قائلاً: لو كان الأمر لى لفعلت، ولكن أميرك أبى ذلك.
ولما أيقن أن القوم مصممون على حربه مضى يشق الصفوف، وقد سرت الرعدة بأوصاله، فأنكر ذلك المهاجر بن أوس - وهو من أصحاب ابن زياد - فقال بنبرة المستريب منه: واللّه، إنّ أمرك لمريب، واللّه ما رأيت منك في موقف قط مثل ما أراه الآن، ولو قيل لي: من أشجع أهل الكوفة؟ لما عدوتك.
وكشف له عن حقيقة حاله وأطلعه على ما صمم عليه، قائلاً: إني واللّه أُخير نفسي بين الجنة والنار، ولا أختار على الجنة شيئاً ولو قطعت وأحرقت.
وألوى بعنان فرسه صوب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو مطرق برأسه إلى الأرض حياءً وندماً، فلمّا دنا منه رفع صوته قائلاً: اللّهم إليك أنيب فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك، يا أبا عبد اللّه إنّى تائب فهل لي من توبة؟
ونزل عن فرسه فوقف قبال الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و دموعه تسيل على خديه، وجعل يخاطبه ويتوسل إليه: جعلني اللّه فداك يابن رسول اللّه، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وجَعْجَعْتُ بك في هذا المكان، وواللّه الذي لا إله إلا هو ما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضت عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة أبداً، فقلت في نفسي: لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم، ولا يرون أنّي خرجت من طاعتهم، وأما هم فيقبلون بعض ما تدعوهم إليه، وواللّه لو ظننت أنّهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك، وأنّي قد جئتك تائباً مما كان مني إلى ربّي مواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك أفترى لي توبة؟
واستبشر به ومنحه الرضا والعفو، وقال له اللّه: نَعَمْ، يَتُوبُ اللّهُ عَلَيكَ وَيَغْفِرُ لَكَ.
وأقبل الحرّ يحدّثه ويقص عليه رؤيا كان قد رآها قائلاً: سيدي، رأيت أبي في المنام البارحة فقال لي: ما تصنع في هذه الأيام؟ وأين كنت؟
فقلت له: كنت في الطريق على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فقال لي: واويلاه عليك، مالك والحسين ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
وأُريد منك أن تأذن لي بالمحاربة لأكون أوّل قتيل بين يديك، كما كنت أوّل خارج عليك (1).
واستأذن الحرّ من الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يعظ أهل الكوفة وينصحهم لعل بعضهم أن يرجع عن غيّه ويثوب إلى الحق، فأذن له الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فانبرى إليهم رافعاً صوته: «يا أهل الكوفة، لأمّكم الهبل (2)والعبر(3)، أدعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم إنّكم قاتلو أنفسكم دونه، ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه؟ أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل جانب، فمنعتموه من التوجّه في بلاد اللّه العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته، فأصبح كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً، ولا يدفع عنها ضراً، وَحَلَاتموه ونساءه وأصحابه عن ماء الفرات الجاري يشربه اليهودي والنصراني والمجوسي، ويتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، وها هم أولاء قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمّد اً في ذريته، لاسقاكم اللّه يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عمّا أنتم عليه» (4).
1) الإرشاد/المفيد: 2: 99 و 100. تاريخ الأمم والملوك: 4: 626 و 627. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 9 و 10. الكامل في التاريخ: 3: 288
2) الهبل: الثكل والفقد - لسان العرب: 15: 20 - هبل
3) العبر البكاء وجريان الدمع - لسان العرب: 9: 18 - عبر
4) تاريخ الأمم والملوك: 4: 627. الإرشاد/المفيد: 2: 100 و 101. أنساب الأشراف: 3: 398 الكامل في التاريخ: 3: 289
وزلزلت الأرض تحت أقدامهم، فقد كان هنا مئات أمثال الحرّ ممّن هاموا في تيارات من الصراع النفسي وكانوا على يقين بباطل قصدهم، إلا أنّهم استجابوا لرغباتهم النفسية في حبّ البقاء.
وانبرى بعض أُولئك الممسوخين فرموا الحرّ بالنبل، وهو كل ما يملكون من حجّة في الميدان.
والتحق بمعسكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثلاثون فارساً من جيش ابن سعد، وجعلوا يقولون لأهل الكوفة: يعرض عليكم ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ثلاث خصال فلا تقبلون منها شيئاً؟! وجعلوا يقاتلون ببسالة معه حتى استشهدوا بين يديه (1).
التي اتخذها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ لصيانة السلم وعدم سفك الدماء، وقد خاف ابن سعد من إطالة الوقت لئلا يحدث انقسام في صفوف جيشه، فقد أربكه التحاق الحرّ بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع ثلاثين فارساً من جيشه، وزحف الباغي إلى مقربة من معسكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأخذ سهماً فأطلقه صوبه، وهو يصيح: اشهدوا لي عند رمى (2).
واتخذ ابن سعد من السهم الذي فتح به الحرب وسيلة يتقرب بها إلى سيده ابن مرجانة، ويطلب، ويطلب من الجيش أن يشهدوا له عنده؛ ليكون على ثقة من إخلاصه ووفائه، وأن ينفي عنه الشبهات من أنّه غير جاد في قتاله للحسين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولا يبقي
للمتردد في الحرب عذراً. كيف وقد بدأ الحرب ابن سعد - ابن فاتح العراق ومن الذين رشّحهم عمر للخلافة - الذي حاز الأولوية في التعدي على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصحابه، واستشهد على ذلك هؤلاء الأوغاد ليثبت ولاءه وإخلاصه؟!
وتتابعت السهام من معسكر ابن سعد على أصحاب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كأنّها المطر حتى لم يبق أحد منهم إلا أصابه سهم منها، وبطلت بذلك حجة السلم التي حرص الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يها، وكان على انتظار من أعدائه للقيام بهذا العدوان الغادر، فلمّا بدأوه من جانبهم وجب عليه الدفاع عن النفس وجوباً لا شبهة فيه، والتفت الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلی أصحابه فأذن لهم في الحرب قائلاً: قُومُوا يا كرامُ، فَهَذِهِ رُسُلُ الْقَوْمِ إِلَيْكُمْ (1).
وتقدّمت طلائع الحق من أصحابه إلى ساحة الحرب، وبدأت بذلك المعركة الرهيبة واحتدم القتال أشدّ وأعنف ما يكون، ومن المؤكد أنّه لم تكن مثل تلك المعركة في جميع الحروب التي جرت في الأرض، فقد تقابل اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً مع عشرات الألوف وكانت تلك القلة كفُواً لتلك الكثرة التي تملك العدّة والعدد، وأبدت تلك القلة من صنوف البسالة والشجاعة ما يبهر العقول ويحيّر الألباب.
لقد خاض أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ي غمار تلك الحرب عن إيمان وإخلاص فقد كانوا على ثقة بأنّهم إنما يقاتلون في سبيل الدين الذي أخلصوا له ووهبوا في سبيله حياتهم، وقد سجّلوا بجهادهم المُشرق شرفاً لهذه الأمة لا يساويه شرف، وأعطوا للإنسانية أفضل ما قدّم لها من عطاء على امتداد التاريخ.
1) مناقب آل أبي طالب: 4: 100. اللّهوف: 60
وتدافعت جيوش الباطل والضلال وهي مدجّجة بالسلاح في صفوف كأنّها السيل ومن ورائهم الدولة والسلطان - نحو أولئك الصفوة الأحرار ومن ورائهم الصبية والنساء، فلم يشغلهم شاغل عن نصرة الحق وإزهاق الباطل، فقد صمدوا بصبر وإخلاص أمام تلك الوحوش الكاسرة فلم ترهبهم كثرتها، وما تتمتع به من آلات الحرب والقتال، وقد أبدوا من البسالة والشجاعة ما يدعو إلى الزهو والافتخار.
وسئل الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) نهم، فقال: «كُشِفَ لَهُمُ الْغِطَاءُ حَتَّى رَأَوا مَنازِلَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ» (1)، والمراد بالكشف هنا نور الإيمان وقوة الإيقان، ونعرض إلى مجريات القتال وما رافقها من شهادة أُولئك الأبرار.
وشنّت قوات ابن سعد هجوماً عاماً واسع النطاق على أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وخاضوا معهم معركة رهيبة، وهذه هي الحملة الأولى التي خاضها اللّه أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي حملة جماعية ضاربة اشترك فيها معسكر الكوفة بكامل قطعاته، وقد خاض أصحاب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تلك المعركة بعزم يستمد من العقيدة، ويشتق من نفس مفطورة على الإخلاص والتضحية دفاعاً عن الإسلام
1) علل الشرائع: 1: 268
وجهاداً في سبيل اللّه، وقد برزت معنوياتهم العسكرية للعيان فكانوا يهزمون الجمع ويخترقون الجيش، وقد اخترقوا جيش ابن سعد عدّة مرّات بقلوب أقوى من الصخر، وقد استشهد نصفهم في هذه الحملة (1).
أما عدد الشهداء من أصحابه في الحملة الأولى فكانوا أربعين شهيداً - حسبما نصّ عليه ابن شهر آشوب - وهم: نعيم بن عجلان الأنصاري، عمران بن كعب بن حارث الأشجعي، حنظلة بن أسعد الشبامي الهمداني، قاسط بن زهير التغلبي، كنانة بن عتيق التغلبي، عمرو بن مشيعة، ضرغامة بن مالك التغلبي، عامر بن مسلم العبدي، سيف بن مالك العبدي، عبد الرحمن بن عبد اللّه الهمداني الأرحبي، مجمع ابن عبد اللّه العائذي، الحباب بن عامر التيمي، الحلاس بن عمرو الراسبي، سوار بن منعم بن حابس بن أبي عمير النهمي، عمار بن سلامة الدالان النعمان بن عمرو الراسبي، زاهر مولى عمرو بن الحمق، جبلة بن علي الشيباني، مسعود بن الحجاج التيمي، عبداللّه بن عروة الغفاري، زهير بن سليم، عمار بـن حسان، عبد اللّه بن عمير الكلبي، زهير بن بشر الخثعمي، مسلم بن كثير، عبداللّه وعبيد اللّه ابنا يزيد العبدي البصري، وعشرة من موالي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وموليان للإمام علي(عَلَيهِ السَّلَامُ) (2):
وبدأت المبارزة بين المعسكرين بعد الحملة الأولى، فقد برز يسار مولى زياد، وسالم مولى عبيد اللّه بن زیاد، وطلبا من أصحاب الإمام الخروج لمبارزتهما، فوتب
إليهما حبيب بن مظاهر وبرير، فلم يأذن لهما الإمام، وانبرى إليهما البطل الشهم عبد اللّه بن عمير الكلبي (1)وكان شجاعاً شديد المراس، فقال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَحْسَبُهُ للأقران قتالاً، ولما مثل أمامهما سألاه عن نسبه فأخبرهما به، فزهدا فيه وقالا له: لا نعرفك ليخرج إلينا زهير أو حبيب أو برير.
فثار البطل وصاح بيسار: يابن الزانية، أويك رغبة عن مبارزة أحد من الناس؟! لا يخرج أحد إلا وهو خير منك.
وما أروع قوله: «لا يخرج أحد إلا وهو خير منك» إن أي أحد من أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو خير منه ومن ذلك الجيش؛ لأنّه إنّما يقاتل على بصيرة من أمره، وهم يقاتلون - على يقين - بضلالة قصدهم وانحرافهم عن الطريق القويم.
وحمل الكلبي على يسار فأرداه صريعاً يتخبط بدمه، وحمل عليه سالم فلم يعباً به فضر به سالم فاتقاها الكلبي بيده فأطارت أصابع كفه اليسرى، ثمّ مال عليه الكلبي فقتله، وذعر العسكر من هذه البطولة النادرة، وبينما هو يقاتل؛ إذ خفت إليه السيدة زوجته أم وهب (2)وقد أخذت بيدها عموداً وهي تشجعه على الحرب قائلة له: فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين ذرية محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)
لقد اشتد أنصار الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رعايته وحمايته من دون فرق بين الرجل والمرأة والصغير والكبير.
لقد استبسلوا للقتال بعواطفهم الملتهبة وهاموا بحبه والإخلاص له.
ولما رأى الكلبي زوجته تهرول خلفه أمرها بالرجوع إلى خيم النساء فأبت عليه، وبصر بها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأسرع إليها قائلاً: جُزِيتُم مِن أَهْلِ بَيْتٍ خَيْراً، ارْجِعِي رَحِمَكِ اللّهُ لَيْسَ الجِهادُ عَلَى النِّساءِ.
ورجعت أُمّ وهب إلى خيمة النساء، وجعل الكلبي يرتجز:
إن تُنكِرُونِي فَأنا ابنُ كَلب *** حَسْبِيَ بِبَيْنِي فِي عُلَيمِ حَسْبي
إِنِّي امرُو ذُو مِرَّةٍ وَعَضْبِ *** وَلَسْتُ بالخَوَارِ عِنْدَ النَّكْبِ (1)
إني زَعِيمٌ لَكِ أُمَ وَهْبٍ *** بِالطَّعْنِ فِيهِمْ مُقْدِماً وَالضَّربِ (2)
وعرّف نفسه بهذا الرجز، فهو من بني كلب إحدى قبائل قضاعة (3)، كما دلل على بسالته الفائقة وشجاعته النادرة، وحصافة رأيه، وصلابة منطقه، فهو ليس بخوار ولا بضعيف عندما تعصف الفتن، وإنّما يقف منها موقف الحازم اليقظ وبذلك فقد حدد أبعاد شخصيته الكريمة التي هي في القمة من الأحرار.
وشنت قوات ابن سعد هجوماً شاملاً على مخيم أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فتصد والها على قلتهم وجئوالها على الرُّكَب وشرعوا لها الرماح، فلم تتمكن الخيل على اقتحامهم وولّت منهزمة، فرشقهم أصحاب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالنبل فصر عوا رجالاً، وجرحوا آخرين، ومنيت قوات ابن سعد بخسائر فادحة ولم تحقق أيّ نصر لها (4).
1) المرّة: القوة في العقل والدين - لسان العرب: 13: 74 - مَرَر. العضب: قوة المنطق وصلابته - لسان العرب: 9: 252. - عضب
2) الإرشاد/المفيد: 2: 101. إبصار العين: 139 و 141. أنساب الأشراف: 3: 398. تاريخ الأمم والملوك: 4: 627 و 628. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 12 و 13، وفيه: وهب بن عبد اللّه بن جناب الكلبي» الكامل في التاريخ: 3: 289. الفتوح: 5: 104، وفيه: «وهب بن عبداللّه بن عمير الكلبي»
3) قضاعة: من قبائل اليمن التي نزحت إلى الكوفة
4) الإرشاد/المفيد: 2: 102. أنساب الأشراف: 3: 398 و 399. تاريخ الأمم والملوك: 4: 628 و 629. الكامل في التاريخ: 3: 289
واشدّ يزيد بن معقل حليف بني عبد القيس نحو معسكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى إذا دنا منه، رفع صوته ينادي برير بن خضير الهمداني: يا برير، كيف ترى صنع اللّه بك؟
فأجابه برير بكل ثقة وإيمان: واللّه، لقد صنع بي خيراً، وصنع بك شرّاً.
أجل، لقد صنع اللّه ببرير الخير حيث هداه إلى الحق وجعله من أنصار ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وأما خصمه الباغي اللئيم فأضله وجعله من قتلة أولاد النبیّين. وردّ هذا الجلف على برير قائلاً: كذبت وقبل اليوم ما كنت كذاباً، وأنا أشهد أنك من الضالين.
لقد اعترف هذا الدعي بصدق برير قبل هذا اليوم الذي انتصر فيه للحق، وفيه - حسبما يزعم كان كذاباً.
ودعاه برير إلى المباهلة قائلاً: هل لك أن أباهلك أن يلعن اللّه الكاذب منا ويقتل المبطل.
فاستجاب له يزيد، وتباهلا أمام المعسكرين، ثمّ برز كل منهما للآخر فضرب يزيد بريراً ضربة لم تعمل فيه شيئاً.
وانعطف عليه برير فضربه ضربة منكرة قدت المغفر وبلغت الدماغ، فسقط الرجس الخبيث صريعاً يتخبط بدمه والسيف في رأسه (1)، ولم يلبث إلا قليلاً حتى هلك.
وحمل برير على معسكر ابن سعد وهو مثلوج القلب باستجابة دعائه، وقد تطلع
1) تاريخ الأمم والملوك: 4: 629 - 631. الفتوح: 5: 102 و 103. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 11 و 12. الكامل في التاريخ: 3: 289
العسكر بجميع فصائله إلى هذه البطولة النادرة، فجعل برير يرتجز:
أَنَا بُرَيْرٌ وَفَتى خُضَيْرِ *** لَيْسَ يَرُوعُ الأَسْدَ عِنْدَ الرِّيرِ
يَعْرِفُ فِينَا الخَيْرَ أَهْلُ الخَيْرِ ***أَضْرِبُكُمْ وَلَا أَرَى مِن ضَيْرِ
كذاكَ فِعْلُ الخَيْرِ مِنْ بُرَيْرِ (1)
لقد عرف نفسه إلى معسكر ابن سعد كما عرفهم بشجاعته الفذة، وأنّه كالأسد يروعه الزأر وإنّما يشتد بها بأسه، وأنّه إذ ينزل بهم الضربات القاسية فأنّه لا يرى في ذلك بأساً ولا إثماً.
وأخذ برير يقاتل قتال الأبطال المستميتين، قد امتلأت نفسه إيماناً وعزماً وتصميماً على الدفاع عن ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وهو يهتف بمعسكر ابن سعد قائلاً: اقتربوا مني يا قتلة المؤمنين، اقتربوا مني يا قتلة ابن بنت رسول رب العالمين.
وحمل عليه الرجس رضي بن منقذ العبدي فاعتنقه واعترك معه ساعة فتمكن منه برير فجلس على صدره، وبينما هو مشغول في الإجهاز عليه إذ حمل عليه الوغد الخبيث كعب بن جابر الأزدي من الخلف؛ لأنّه لم يستطع مواجهته، فطعنه في ظهره، ولما أحس بالألم هوى على العبدي فعض أنفه وقطع طرفه، وشدّ عليه كعب بن جابر بن عمر و الأزدي فقتله، وانتهت بذلك حياة هذا المؤمن العظيم الذي
كان من خيار الكوفة وسيد القراء فيها. وقد عيب على القاتل واحتقره الناس حتى نفرت منه زوجته وحرمت على نفسها الكلام معه وقالت له: أعنت على ابن فاطمة وقتلت بريراً سيد القرّاء، واللّه لا أكلمك أبداً.
1) مناقب آل أبي طالب: 4: 100 و 101. الفتوح: 5: 102. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 11:2
ونقم عليه ابن عمه عبيد اللّه بن جابر، فقال له: ويلك، قتلت بريراً فبأي وجه تلقى اللّه (1).
وقد ندم الخبيث أشدّ ما يكون الندم، وقد نظم أبياتاً ذكر فيها أسفه وحزنه على اقترافه لهذه الجريمة، وقد ذكرناها في البحوث السابقة.
وانبرى إلى ساحات الجهاد والشرف عمرو بن قرظة الأنصاري وهو من أفذاذ الأنصار وأحرارهم، وقد خاض باستبسال معركة الفداء والإيمان، فجعل يحصد الرؤوس ويُنزل الدمار والموت بالأعداء، وهو يرتجز:
قَدْ عَلِمَتْ كَتِيبَةُ الْأَنْصَارِ*** إِنِّي سَأَحْمِي حَوزَةَ الذُّمارِ
ضَرْبَ غُلَامٍ غَيْرَ نَكْسٍ شَارِي *** دُونَ حُسَينِ مُهجَتِي وَدارِي
ودلل بهذا الرجز على أنّه من حماة الذمار وأصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كلهم موصوفون بهذه الظاهرة، فهم نخبة المسلمين في حماية الذمار والحفاظ على العهد، وأعلن لهم أنّه سينزل بهم الضربات القاسية ويحاربهم ببسالة وشجاعة؛ ليذب عن سيده الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويفديه بنفسه ومهجته، وجعل يقاتل بنية صادقة وعزم ثابت حتى استشهد وسمت روحه إلى الرفيق الأعلى.
وكان له أخ من الضالين مع ابن سعد، فلمّا رأى أخاه قتيلاً دنا من معسكر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واندفع يصيح: يا حسين، يا كذّاب ابن الكذّاب، أضللت أخي
1) مناقب آل أبي طالب: 4: 100 و 101. اللّهوف: 62 و 63. أنساب الأشراف: 3: 399. تاريخ الأمم والملوك: 4: 629 - 631. الفتوح: 5: 102 و 103. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 11 و 12 الكامل في التاريخ: 3: 299. وفي بعضها: «أن قاتله بجير بن أوس الضبي»
216
وغررته حتى قتلته.
وردّ عليه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّ اللّهَ لَمْ يُضِلَّ أَخَاكَ، وَلَكِنَّهُ هَداهُ وأَضَلَّكَ (1).
لقد هدى اللّه عمراً وعمّر قلبه بالإيمان فجاهد حتى استشهد عن أقدس قضية في الإسلام، وأما أخوه فقد أضله اللّه وأزاغ قلبه فاشترك في أخطر جريمة يقترفها الأشقياء.
وضاق المعسكر الأموي ذرعاً من المبارزة، فقد رسم أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) صوراً رائعة للبطولات، وقد ضجّ الجيش من الخسائر الفادحة التي مُني بها، وقد رأى عمرو بن الحجّاج الزبيدي - وهو من الأعضاء البارزين في قيادة جيش ابن سعد - أنّ الاستمرار في المبارزة سيؤدّي إلى هلاك جيشه؛ وذلك لشدة بأس أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقوة يقينهم واستهانتهم بالموت، فهتف بجيشه ينهاهم عن المبارزة قائلاً: يا حمقى ! أتدرون من تقاتلون؟ تقاتلون فرسان أهل المصر وقوماً مستميتين مستقتلين، فلا يبرزنّ لهم منكم أحد فأنّهم قليل وقلّما يبقون، واللّه لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم (2).
ووضعت هذه الكلمات اليد على السمات البارزة من صفات أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) واتجاهاتهم، وهي:
الأولى: أنّهم فرسان أهل المصر بما يملكون من البطولات النادرة، وقوة الإرادة
التي لم تتوفر في جيش ابن سعد.
الثانية: إنّهم أهل البصائر الذين وعوا الحق، وفهموا القيم النبیّلة التي رفع شعارها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وناضل من أجلها، فهم يقاتلون على بصيرة وبيّنة من أمرهم، وليسوا كخصومهم الذين تردّوا في الغواية، وماجوا في الباطل والضلالة.
الثالثة: أنّهم مستميتون في دفاعهم عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولا أمل لهم في الحياة.
لقد توفّرت فيهم جميع فضائل الإنسان من العقل الراجح، والشجاعة الفائقة، والشرف الرفيع، والإيمان العميق.
يقول المؤرخون: إنّ ابن سعد قد استصوب رأي ابن الحجاج فأصدر أوامره إلى جميع قواته بترك المبارزة مع أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
وشنّ عمرو بن الحجّاج هجوماً عاماً على أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والتحموا معهم التحاماً رهيباً، واشتد القتال أشد ما يكون عنفاً، وقد تكبد كلا الفريقين خسائر كبيرة في الأرواح.
وسقط في المعركة صريعاً علم من أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد لامع من أنصاره وهو مسلم بن عوسجة (رَضِیَ اللهُ عَنهُ)، فمشى المصرعه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان مسلم يعالج سكرات الموت فدنا منه وقال له: رَحِمَكَ اللّه يا مُسْلِمُ، فَمِنْهُم مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (2).
واقترب منه زميله وأخوه في الجهاد حبيب بن مظاهر، فقال له: عزّ عليّ مصرعك يا مسلم، أبشر بالجنة.
فقال مسلم بصوت خافت: بشرك اللّه بخير.
وانبرى حبيب فقال له: لولا أنّي أعلم أني في أثرك لاحببت أن توصي إليّ بما أهمك.
وعهد إليه مسلم بأعز وأخلص ما عنده قائلاً: أوصيك بهذا - وأشار إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ(- أن تموت دونه (1).
وكانت هذه الكلمات آخر ما تلفظ به (2)
لكن الصحيح كما تشير أغلب المصادر التاريخية أنّهما هما اللذان قتلا مسلم بن عوسجة - أنساب الأشراف: 3: 400. تاريخ الأمم والملوك: 4: 633 و 634
.لقد كانت هذه هي العظمة حقاً بما تحمل من معاني السمو والشرف لدى أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لقد كان كل واحد منهم يمثّل شرف الإنسانية في جميع عصورها ومواطنها.
إنّه الوفاء الذي ينبض بالإيمان الذي لا حد له، فلم يفكر في تلك اللحظة من حياته بأهله، أو بأي شأن من شؤون الدنيا، وإنّما استوعب فكره الحسين فقد أخلص في حبه حتى النفس الأخير من حياته.
1) الإرشاد/المفيد: 2: 103 و 104. اللّهوف: 64. تاريخ الأمم والملوك: 4: 633. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 15 و 16. الكامل في التاريخ: 3: 290. البداية والنهاية:8: 184
2) وقد ذكر ابن الأثير في تاريخه: «أنّ مسلماً قتل مسلم بن عبد اللّه الضبابي، وعبد الرحمن بن خشكارة البجلي» - الكامل في التاريخ: 3: 290.
وتنفس معسكر ابن سعد بمقتل البطل العظيم مسلم بن عوسجة فجعلوا يتباشرون وهم ينادون في شماتة ظاهرة: قتلنا مسلماً.
وثقل ذلك على شَبَث بن ربعي، فقد كان يعرف مسلماً ويقدّر فضله، فخاطب من حوله بتأثر: ثكلتكم أُمهاتكم، إنّما تقتلون أنفسكم بأيديكم، وتذلون أنفسكم لغيركم، أتفرحون بقتل مثل مسلم؟!
أما والذي أسلمت له لَرُبَّ موقف له قد رأيته في المسلمين، فقد رأيته يوم (سلق) آذربيجان قتل ستة من المشركين قبل تتامّ خيول المسلمين، أفيقتل مثله وتفرحون؟! (1). إنّ أُولئك الممسوخين الذين قتلوا هذا البطل العظيم، إنّما قتلوا نفوسهم؛ لأنّه إنما قتل دفاعاً عن مصالحهم وحقوقهم التي استهترت بها السلطة الأموية.
وهجم الأبرص الخبيث شمر بن ذي الجوشن مع مفرزة من جيشه على ميسرة أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذين كانوا اثنين وثلاثين فارساً، وقد صدّوهم ببسالة وصبر، وأنزلوا بأعدائهم أفدح الخسائر، فلم يحملوا على جانب من خيل أهل الكوفة إلا كشفوه (2).
وجاهد عبد اللّه بن عمير الكلبي جهاد الأبطال، فكان يضرب بسيفه ذات اليمين واليسار، وقد قتل - فيما يقول المؤرخون - تسعة عشر فارساً، واثني عشر راجلاً (1)، وقد أصابته جراحات كثيرة، فشدّ عليه هانئ بن ثبيت الحضرمي وبكير ابن حي التميمي التميمي فقتلاه (2)، وانتهت بذلك حياة هذا البطل الذي وهب حياته اللّه وتفانى في الولاء والإخلاص لريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد انطلقت زوجته السيدة أُمّ وهب تبحث عنه بين جثث القتلى، فلمّا عثرت عليه جلست إلى جانبه وهي تبارك له شهادته بإيمان واخلاص قائلة: هنيئاً لك الجنة، أسأل اللّه الذي رزقك الجنة أن يصحبني معك.
وأخذت تتضرّع إلى اللّه أن يحشرها معه في الفردوس الأعلى، وبصر بها الخبيث الدنس شمر بن ذي الجوشن الذي يحمل رجس أهل الأرض، فأوعز إلى غلامه رستم بقتلها، فغافلها العبد من الخلف وهشم رأسها بعمود، فماتت شهيدة في المعركة (3).
ويقول المؤرخون: أنّها أوّل امرأة قتلت من أصحاب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومعنى ذلك أنّ هناك نساء أخر من نساء أصحابه قد استشهدن في المعركة، وقد انتهكت بذلك سنن القتال التي كانت سائدة في الجاهلية والإسلام من تحريم قتل النساء والأطفال.
1) مناقب آل أبي طالب: 4: 102. وفي مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 13: أنّه قتل في المبارزة أربعة وعشرين راجلاً، واثني عشر فارساً. وفيهما أنّه وهب بن عبداللّه الكلبي، وقد أخذ أسيراً ثم قتل
2) إبصار العين: 141. تاريخ الأمم والملوك: 4 634. الكامل في التاريخ: 3: 290
3) أنساب الأشراف: 3: 401. تاريخ الأمم والملوك: 4: 635. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 13. الكامل في التاريخ: 3: 291
إِن عَزْرَة بن قيس من القادة البارزين في معسكر ابن سعد، وكان ممن يديرون عمليات الحرب، وقد ذهل من بسالة أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وما أنزلوه بالجيش من الأضرار البالغة، فاستنجد بابن سعد ليمده بالرماة والرجال قائلاً: ألا ترى ما تلقى خيلي هذا اليوم من هذه العدّة اليسيرة؟! ابعث إليهم الرجال والرماة.
وطلب ابن سعد من شَبَث بن ربعي القيام بنجدته فأبى، وقال: سبحان اللّه، شيخ مضر وأهل المصر عامة تبعثه في الرماة، لم تجد لهذا غيري؟!
وكان شَبَث بن ربعي يشعر بوخز في ضميره من الخوض في هذه المعركة، وقد صرّح بذلك غير مرّة قائلاً: لا يعطي اللّه أهل هذا المصر خيراً أبداً، ولا يسددهم لرشد، ألا تعجبون أنا قاتلنا مع علي بن أبي طالب ومع ابنه من بعده آل أبي سفيان لخمس سنين، ثمّ عدونا على ابنه وهو خير أهل الأرض نقاتله مع آل معاوية وابن سمية الزانية، ضلال يالك من ضلال (1).
ولمّا سمع ذلك منه ابن سعد دعا الحصين بن تميم فبعث معه المجففة وخمسمائة من الرماة فأمرهم برشق أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالسهام، فسددوا إليهم سهامهم فأصابوا خيولهم فعقروها فصاروا كلهم رجّالة، ولكن لم تزدهم هذه الخسارة الجسيمة إلا استبسالاً في القتال واستهانة بالموت، فثبتوا كالجبال الشامخات ولم يتراجعوا خطوة واحدة، وقد قاتل معهم الحرّ بن يزيد الرياحي راجلاً، واستمر القتال أعنف وأشدّ ما يكون بسالة، ووصفه المؤرخون بأنّه أشدّ قتال عرفته الأمة، وقد استمر حتى انتصف النهار (2).
ورأى ابن سعد أن وحدة الجبهة في القتال ستكبّد جيشه أفدح الخسائر، وتقضي بطول الوقت وامتداد الحرب، فرأى أن يفتح جبهة ثانية حتى يسهل القضاء على البقية الباقية من أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأوعز بتقويض مضاربه وبيوته التي كانت محيطة بأصحابه يميناً وشمالاً حتى يشتغلوا بالدفاع عنها، وتضعف بذلك جبهتهم، وهجمت جنوده فجعلوا يقوّضونها، فكَمِنَ لهم بعض أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فجعلوا يقتلونهم ويعقرون خيولهم، وباءت هذه الخطة بالفشل الذريع، ولم تحقق أي نصر لها. وأمر ابن سعد ثانياً بحرق الخيام حتى تهجم خيله عليهم، وحاول الأصحاب منعهم عن ذلك، فنهاهم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال: دَعُوهُمْ لِيُحْرِقُوها فَإِذا أَحْرَقُوها فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَجُوزُوا إِلَيْكُمْ فكان الأمر كما قال، فقد حالت النار بـينهم وبين أصحابه، وبقيت جبهة القتال واحدة (1).
وحمل الرجس الخبيث شمر بن ذي الجوشن على فسطاط الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي يضم السيدات من عقائل النبوة وحرائر الوحي، ونادى الوغد رافعاً عقيرته: عليّ بالنار لأحرقه على أهله (2).
لقد تردّى هذا الإنسان الممسوخ في متاهات سحيقة من الخبث واللؤم،
ومن المؤكّد أنّه ليس في مجرمي الحروب وشذّاذ الآفاق مثل هذا المجرم في خبث الطويّة ولؤم العنصر وخساسة الطبع.
واختطف الرعب قلوب بنات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وسرت الرعدة بأوصالهن، فخرجن من الخيام مذعورات، وارتفعت أصواتهن بالبكاء، وخلفهن الصبية والأطفال وهم يعجون بالبكاء، فكان هول منظرهم مما تذوب له النفوس أسى وحسرات، والتاع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فصاح بالخبيث الدنس: أَنتَ تُحْرِقُ بَيْنِي عَلى أَهْلِي؟! أَحْرَقَكَ اللّهُ بِالنّارِ (1).
ولم ينثن الرجس عن عزمه، وظلّ يهتف بجنوده ليوافوه بقبس من النار ليحرق خيام أهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وأنكر على الشمر حميد بن مسلم، فقد خف إليه بعدما رأى الذعر والخوف قد استولى على بنات رسول اللّه، فقال له: إن هذا لا يصلح لك، أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين، تعذب بعذاب اللّه، وتقتل الولدان والنساء، واللّه إن في قتل الرجال لما يرضى به أميرك.
فصاح به الشمر: مَن أنت؟
وخشي حميد بن مسلم أن يعرفه بنفسه فيوشي به عند ابن زياد، فقال له: لا أخبرك من أنا (2).
وظل الباغي اللثيم مصرّاً على غيّه ليضيف إلى موبقاته جرائم أُخرى.
وأسرع إليه شَبَث بن ربعي فوبخه، ونهاه فاستجاب له الأثيم على كره وولّى ليرجع، فحمل عليه زهير بن القين مع عشرة من أصحابه فأرغموه على الرجوع، وقد التحموا مع جنده فقتلوا أبا عزة الضبابي، وهو من أُسرة الشَّمِر.
وتكاثرت الجيوش على أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فكان إذا قتل أحد منهم بان ذلك فيهم لقلتهم، إلا أنّه إذا قتل أحد من أصحاب ابن سعد لا يبين ذلك فيهم لكثرة عددهم (1).
وانتصف النهار وجاء ميقات صلاة الظهر، فوقف المؤمن المجاهد أبو ثمامة الصائدي فجعل يقلب وجهه في السماء كأنّه ينتظر أعزّ شيء ء عنده ه وهي الصلاة، فلمّا رأى الشمس قد زالت التفت إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً: نفسي لنفسك الفداء، أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، واللّه لا تقتل حتى أُقتل دونك وأحب أن ألقى ربـي وقد صليت هذه الصلاة التي قد دنا وقتها.
لقد كان الموت منه قاب قوسين أو أدنى وهو لم يغفل عن ذكر ربه، ولا عن أداء فريضة دينية، وجميع أصحابه كانوا على هذا الطراز إيماناً باللّه وتفانياً في أداء فرائضه.
ورفع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لرأسه إلى السماء فجعل يتأمل في الوقت، فرأى أنّه قد حان أداء الفريضة، فقال لأبي ثمامة: ذَكَرْتَ الصَّلَاةَ، جَعَلَكَ اللّهُ مِنَ الْمُصَلِّينَ
1) أنساب الأشراف: 3: 402. تاريخ الأمم والملوك: 4: 636. الكامل في التاريخ: 3: 291
الذاكِرِينَّ. نَعَمْ هذا أَوَّلُ وَقْتِها.
وأمر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها أصحابه أن يطلبوا من معسكر ابن زياد أن يكفوا عنهم القتال ليصلّوا لربّهم، فسألوهم ذلك، فانبرى الرجس الخبيث الحصين بـن تميم قائلاً: أنّها لا تقبل.
فقال له حبيب بن مظاهر بسخرية: زعمت أنّها لا تقبل الصلاة من آل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وتقبل منك يا حمار.
وحمل عليه الحصين، فسارع إليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشبت به الفرس فسقط عنها، وبادر إليه أصحابه فاستنقذوه (1)، واستمر القتال، وقبل أن يؤدي الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الصلاة قتل جماعة من حماة أصحابه، ثمّ بعد ذلك أدّى الفريضة كما سنذكره.
حبيب بن مظاهر من ألمع أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأشدّهم اندفاعاً في الذود عنه، فكان عضده وساعده، وكان حبيب ممّن زكّى نفسه وغذاها بالحكمة والصواب، وهو من أصحاب الإمام أمير المؤمنين ومن شرطة الخميس، وكان نافذ البصيرة صلب الإيمان (2).
ويقول المؤرخون: أنّه كان يوم الطف من أشدّ أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سروراً وغبطة بما يصير إليه من الشهادة بين يدي ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد برز فجعل يقاتل قتال المشتاقين إلى مصرعه وهو يرتجز:
أَنا حَبيبٌ وَأَبِي مُظَهُرُ*** فارِسُ هَيجاءٍ وَحَربٍ تَسْعَرُ
وَأَنْتُمُ مِنَّا لَعَمْرِي أَكْثَرُ*** وَنَحنُ أَوفى مِنْكُمْ وَأَصْبَرُ
وَنَحْنُ أَعْلَى حُجَّةٌ وَأَظْهَرُ*** حَقَّاً وَأَبقى مِنْكُمْ وَأَعْدَرُ (1)
لقد عرفهم بنفسه الكريمة وبما يتمتع به من الصفات الرفيعة، فهو بطل الحرب، والفارس المعلم الذي لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب، وأعلن أنّه بالرغم من كثافة عدد جيش ابن سعد إلا أن أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى قلتهم يمتازون عليهم بالوفاء والصبر وعلوّ الحجّة وظهور الحق فيهم، فهم بهذه الصفات أحق بالخلود وأجدر بالبقاء.
وقاتل حبيب قتالاً أهونه الشديد، فقد قتل منهم على شيخوخته - فيما يقول بعض المؤرخين - اثنين وستين رجلا (2)، وحمل عليه الرجس الخبيث بـديل بـن صریم فضربه بسيفه، وطعنه وعد آخر من تميم برمحه، فهوى إلى الأرض، ورام أن يقوم ليستأنف الجهاد فبادر إليه الحصين بن تميم فَعَلا رأسه الشريف بالسيف، فسقط إلى الأرض ونزل التميمي فاحتز رأسه، وصعدت تلك الروح الطاهرة إلى ربّها راضية مرضية.
وقد هدَّ مقتله الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فوقف على الجثمان العظيم وهو يصعد آهاته وأحزأنّه ويقول: عِنْدَ اللّهِ أَحْتَسِبُ نَفْسِي وَحَماةَ أَصْحَابِي (3).
وبرز البطل العظيم الحرّ بن يزيد الرياحي الذي استجاب لنداء الحق، وآثر الآخرة على الدنيا، فاستقبل الموت بثغر باسم وسرور بالغ لنصرة ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) (1)، وجعل يقاتل أعنف القتال وأشدّه وهو يرتجز:
إنِّي أنا الحُرُ وَمَأْوَى الضَّيْفِ *** أَضْرِبُ فِي أَعْناقِكُمْ بِالسَّيْفِ
عَنْ خَيْرٍ مَنْ حَلْ بِلادَ الخَيْفِ *** أَضْرِبُكُمْ وَلَا أَرى مِنْ حَيْفِ
لقد دلل بهذا الرجز على كرمه وسخائه وأنّ بيته كان مأوى للضيوف وموطناً للقاصدين، كما أعلن أنّه إنّما يضرب في أعناقهم بسيفه حماية عن الإمام العظيم الذي هو خير من استوطن بلاد الخيف، وهو بـذلك لا يرى بأساً أو حيفاً في قتاله لهم.
وكان الحرّ يقاتل ومعه زهير بن القين، وكان إذا شدّ أحدهما واستلحم شدّ الآخر واستنقذه، وداما على ذلك ساعة، وأُصيب فرس الحرّ بجراحات فلم ينزل عنه وإنّما ظل يقاتل عليه، وكان يتمثل بقول عنترة:
مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ بِشَغْرَةِ نَحْرِهِ *** وَلَبأنّه حَتَّى نَسَرْبَلَ بِالدَّمِ (2)
وكانت بين الحرّ وبين يزيد بن سفيان عداوة قديمة ومتأصلة، فاستغلها الحصين ابن تميم فقال له: هذا الحرّ الذي كنت تتمنى قتله، وحمل عليه يزيد فشدّ عليه الحرّ فقتله، وسدد أيوب بن مشرح سهماً لفرس الحرّ فعقره وشب به الفرس فوتب عنه كأنّه الليث ولم يصب بضرر، وجعل يقاتل ببسالة وهو راجل حتى قتل - فيما
يقول بعض المؤرخين - نيفاً وأربعين رجلاً (1)، وحملت عليه الرجالة بسيوفها ورماحها فأردته إلى الأرض صريعاً يتخبط بدمه الزاكي.
وبادر أصحابه فحملوه ووضعوه أمام الفسطاط الذي كانوا يقاتلون دونه، ووقف عليه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فجعل يتأمل وجهه بنظرات ملؤها نور اللّه، ووقف أصحابه في خشوع، وانبرى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فجعل يمسح الدم عن وجهه وهو يؤبنه بهذه الكلمات: أَنْتَ الْحُرُّكَما سَمَّتْكَ أُمُّكَ، وَأَنْتَ الْحُرُّ في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.
لقد كان الحرّ حرّاً حينما تغلّب عقله على هواه واختار الشهادة على الحياة فنصر سيد شباب أهل الجنة، ومات ميتة كريمة في سبيل الحق، وانبرى بعض أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرثاه بخشوع:
لَنِعْمَ الحُرُّ حُرُّ بَنِي رِياحِ *** صَبُورٌ عِنْدَ مُشتَبَكِ الرّماح
وَنِعْمَ الحُرُّ إِذْ فادى حُسَيْناً *** وَجادَ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الصَّباحِ (2)
وبالرغم ممّا كان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) انيه من الخطوب الفادحة التي تتصدّع من هولها الجبال، فإنّ فكره كان مشغولاً بأداء فريضة الصلاة التي هي من أهم العبادات في الإسلام، وطلب من أعدائه أن يمهلوه ليصلى لربه فاستجابوا له، وأقبل على اللّه بقلب منيب فصلى بمن بقي من أصحابه صلاة الخوف، وكانت صلاته في تلك اللحظات الرهيبة من أصدق مظاهر الإخلاص والطاعة اللّه، وهل كانت هذه
الحرب إلا من أجل إقامة الصلاة؟!
وانبرى أمام الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سعيد بن عبد اللّه الحنفي يقيه بنفسه السهام والرماح التي تواجهه من معسكر الأعداء الذين خاسوا بما عاهدوا الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يه من إيقاف عمليات الحرب حتى يؤدّي فريضة اللّه، فقد اغتنموا الفرصة فراحوا يرشقون الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصحابه بسهامهم، وكان سعيد الحنفي - فيما يقول المؤرخون - يبادر نحو السهام فيتقيها بصدره ونحره، ووقف ثابتاً كأنّه الجبل لم تزحزحه السهام التي اتخذته هدفاً لها، ولم يكد يفرغ من صلاته حتى أثخن الحنفي بالجراح فهوى إلى الأرض يتخبّط بدمه، وهو يقول بنبرات خافتة: اللّهم العنهم لعن عاد وثمود، وأبلغ نبيك مني السلام، وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح فإنّي أردت بذلك ثوابك ونصرة ذرية نبيك.
والتفت إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) دليل يا هل أدّى حقه ووفى له بعهده قائلاً أوفيت يابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)؟
فأجابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) شاكراً له: نَعَمْ، أَنْتَ أَمامِي فِي الْجَنَّةِ.
وأترعت نفسه بالرضا والمسرات حينما سمع قوله، ثم فاضت نفسه الزكية إلى بارئها، وقد تخرّق جسده من السهام والرماح، فقد أُصيب بثلاثة عشر سهماً عدا الضرب والطعن (1)
وفي تاريخ الأمم والملوك: 4: 638. ومقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) امام/الخوارزمي: 2: 17: أنّه أبو ثمامة الصائدي
. لقد كان هذا حقاً هو الوفاء الذي لا يبلغه وصف ولا إطراء.1) اللّهوف: 66. إبصار العين: 165 - 167. أنساب الأشراف: 3: 403.
ومن أنصار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ان الذين صهر نفوسهم الإيمان باللّه زهير بن القين، فقد كان يتعجّل الرواح إلى الجنّة لمصافحة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد اتجه صوب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو جذلان مسرور بما يقوم به من التضحية في سبيله، ووضع يده على منكب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو يخاطبه بهذا الرجز:
أَقْدِمْ حُسَيناً هادِياً مَهْدِيّاً *** فَالْيَومَ ألقى جَدِّكَ النبیّا
وَحَسَناً وَالمُرتَضى عَلِيّاً *** وَذَا الْجَنَاحَينِ الفتَی الْكَمِيّا
وَأَسَدَ اللّهِ الشَّهِيدَ الحَيّا (1)
وكشف هذا الرجز عن إيمأنّه الراسخ، فأنّه على يقين لا يخامره شك أنّه سيحظى بملاقاة النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)و وصيه الإمام أمير المؤمنين والحسن وجعفر وحمزة(عَلَيهِم السَّلَامُ)، وكان ذلك من أروع ما يصبو إليه.
وأجابه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): وَأَنا أَلْقَاهُمْ عَلَى أَثَرِكَ (2).
وحمل البطل على معسكر ابن زياد وهو يرتجز:
أَنا زُهَيْرٌ وَأَنا ابنُ القَينِ ***أَذُودُكُم بِالسَّيفِ عَن حُسَينِ
إِنَّ حُسَيناً أَحَدُ السِّبطَينِ *** من عِترَةِ البَّرِّ التَّقِيِّ الزَّينِ
ذاكَ رَسُولُ اللّهِ غَيْرُ مَينِ *** أَضْرِبُكُمْ وَلَا أَرى مِنْ شَينٍ
1) الإرشاد/المفيد: 2: 105. أنساب الأشراف: 3: 403. تاريخ الأمم والملوك: 4: 638. البداية والنهاية: 8: 185 و 186. وفي مناقب آل أبي طالب: 4: 103. الفتوح: 5: 109 مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 20، أن الرجز للحجاج بن مسروق الجعفي
2) كلمات الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): 447، نقلاً عن أسرار الشهادة: 295
يَا لَيْتَ نَفْسِي قُسِمَتْ قِسْمينِ (1)
لقد عرّفهم بنفسه، وأعلن لهم أنّه إنما يناجزهم الحرب دفاعاً عن سيده الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقاتل أعنف وأشدّ ما يكون القتال، وقد قتل - فيما يقول المؤرخون - مائة وعشرين رجلاً (2).
وأبلى في المعركة بلاءً يتعاظم عنه الوصف، وشدّ عليه المهاجر بن أوس التميمي، وكثير بن عبد اللّه الشعبي فقتلاه.
ومشى المصرعه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو مثقل بالهموم والأحزان فألقى عليه نظرة الوداع الأخير، وراح يؤبّنه قائلاً: لَا يُبْعِدَنَّكَ اللّهُ با زُهَيْرُ، وَلَعَنَ قاتِلِيكَ لَعْنَ الذِيْنَ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنازير(3).
لقد كان زهير من الأبرار الأصفياء الذين صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه.
مصرع نافع بن هلال (رَضِیَ اللهُ عَنهُ)
وممّن وهب حياته للّه نافع بن هلال الجملي، فقد انبرى بإيمان وصدق فجعل يرمي أعداء اللّه بسهام مسمومة كان قد كتب عليها اسمه، وهو يقول:
أرمِي بها مُعْلَمَةً أَفواقُها مَسْمُومَةً تَجْرِي بِهَا أَخْفَاقُها
لسيمْلَأَنْ أَرْضَها رُشَاقُها وَالنَّفْسُ لَا يَنْفَعُها إشفاقها (4)
1) الأمالي/الصدوق: 224، الحديث 239 الدمعة الساكبة: 4: 306 الفتوح: 5: 109
2) مناقب آل أبي طالب: 4: 104. الدمعة الساكبة: 4: 306. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/المقرم: 306
3) الدمعة الساكبة: 4: 306 إبصار العين: 131
4) الأمالي/الصدوق: 225، الحديث 239 الدمعة الساكبة: 4: 307. أنساب الأشراف: 3: 404. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 21
ولم يزل يرميهم بسهامه حتى نفدت، ثمّ عمد إلى سيفه فسله وحمل عليهم
وهو يرتجز:
أَنَا الغُلَامُ اليَمَنيُّ الجَمَلي ديني عَلَى دِينِ حُسَيْنِ بنِ عَلي
إِنْ أُقْتَلَ اليَوْمَ فَهذا أَمَلِي وَذاكَ رَأْيِي وَأُلاقِي عَمَلِي (1)
لقد عرفهم بنفسه، وعرفهم بعقيدته، فهو على دين الحسين ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وهو إنّما يقاتل دفاعاً عن عقيدته ومبدئه.
وجعل يقاتل بعزم شامخ قد استمد من وحدة سيده الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وغربته النشاط والحماس، وقد قتل منهم اثني عشر رجلاً سوى المجروحين (2)، وأحاط به أعداء اللّه فجعلوا يرشقونه بالسهام ويقذفونه بالحجارة حتى كسروا عضديه، فلم يتمكن أن يحمل سيفه فبادروا إليه وأخذوه أسيراً إلى ابن سعد فقال له: ما حملك على ما صنعت بنفسك؟
فأجابه جواب المؤمن بربه قائلاً: إن ربي يعلم ما أردت!
والتفت إليه بعض أصحاب ابن سعد وقد رأى الدماء تسيل على وجهه ولحيته فقال له: أما ترى ما بك؟
فقال مستهزئاً ومثيراً لغضبهم: واللّه لقد قتلت منكم اثني عشر رجلاً سوى من جرحت، وما ألوم نفسي على الجهد، ولو بقيت لي عضد ما أسرتموني.
وثار الأبرص الخبيث شمر بن ذي الجوشن فعمد إلى سيفه فسلّه، فصاح بـه نافع: واللّه يا شمر لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى اللّه بدمائنا، فالحمد اللّه الذي جعل منايانا على أيدي شرار خلقه (1).
أجل واللّه لو كان عند الشمر مسكة من الدين لما اقترف تلك الجرائم التي لا يقترفها إلا من لا علاقة له باللّه تعالى. واندفع الوغد إلى نافع فضرب عنقه، وبذلك انتهت حياة هذا البطل العظيم الذي أخلص لدينه، وأخلص في الدفاع عن ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وهو من أعظم رجال الإسلام صلابة في الحق وصدقاً في الدفاع عنه.
1) الدمعة الساكبة: 4: 307. إبصار العين: 114 - 117. أنساب الأشراف: 3: 404. تاريخ الأمم والملوك: 4: 638. البداية والنهاية: 8: 186
ولما رأى البطل الملهم عابس بن أبي شبيب الشاكري وحدة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، واجتماع أهل الكوفة على قتله، أقبل على رفيقه في الجهاد شوذب مولى شاكر (1)، فقال له: يا شوذب ما في نفسك أن تصنع؟
فانبرى شوذب يعلن ما صمم عليه من الفداء والتضحية قائلاً: أقاتل حتّى أقتل.
فشكره عابس وحفّزه على القتال، قائلاً: تقدم بين يدي أبي عبداللّه حتى يحتسبك كما احتسب غيرك، فإنّ هذا يوم نطلب فيه الأجر بكل ما نقدر عليه.
فأيّ إيمان مثل هذا الإيمان؟ أنّه كان يسعى جاهداً بجميع طاقاته ليظفر بما يقربه إلى اللّه زلفى، وتقدّم شوذب فأدى التحية إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحمل على معسكر ابن سعد فقاتل قتال الأبطال حتى استشهد بين يدي أبي عبد اللّه (2).
عابس بن أبي شبيب الشاكري كان من أسرة عريقة في الشرف والنبل، عرفت بالشجاعة والإخلاص للحق، وفيهم يقول الإمام علي: لَو تَمَّتْ عِدَّتُهُمْ الفاً لَعُبِدَ اللّه حَقَّ عِبادَتِهِ (3)، وكانوا يلقّبون: (فتيان الصباح) (4)، وكان عابس في طليعة أسرته، ومن أفذاذهم وهو الذي حمل رسالة مسلم (رَضِیَ اللهُ عَنهُ)إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي يطلب فيها قدومه إلى العراق، وظل ملازماً للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من مكة إلى كربلاء، وكان من ألمع أصحابه في الولاء والإخلاص له، وقد تقدم إليه يطلب منه الإذن
فی القتال، وخاطب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأعرب له بما يحمله في نفسه من الولاء العميق قائلاً: ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد أعزّ علي منك، ولو قدرت أن أدفع الضيم عنك بشيء أعز عليّ من نفسي لفعلت، السلام عليك أشهد أنّي على هداك وهدى أبيك (1).
ثمّ هجم على معسكر ابن سعد، وطلب منهم المبارزة فلم يجبه أحد، فقد جبنوا جميعاً عن مقابلته؛ لأنّهم كانوا يعرفونه من أشجع الناس، فجعلوا يتصايحون وقد ملأ الذعر قلوبهم، واختطف الخوف ألوأنّهم قائلين: هذا أسد الأسود، هذا ابن أبي شبيب، لا يخرجن إليه أحد منكم.
وصاح ابن سعد بجيشه: ارضخوه بالحجارة.
فعمدوا إلى الحجارة فجعلوا يرضخونه بها من كل جانب، ولما رأى البطل جبنهم وإحجامهم عن مقابلته ألقى درعه ومغفره وشدّ عليهم كالليث، فكان يطرد ما بين يديه أكثر من مائتين من الناس، ثمّ انعطفوا عليه من كل جانب فأردوه صريعاً، واحتزّوا رأسه الشريف، وجعلوا يتخاصمون فيما بينهم كل واحد منهم يدّعي أنّه قتله ليحظى بالجائزة، وأنكر ابن سعد أن يكون قد قتله واحد منهم وإنّما اشترك في قتله جماعة منهم (2)، وقد انتهت بذلك حياة هذا البطل العظيم الذي أبلى في الدفاع عن الإسلام بلاء حسناً، وجاهد جهاد النبیّين.
كان الضحاك بن عبداللّه المشرقي من أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، إلا أنّه لمّا
رأى كثرة القتلى من أصحابه (عَلَيهِ السَّلَامُ) صمم على الهزيمة والفرار، وجاء إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له: لقد كنت رافقتك على أن أقاتل معك ما وجدت مقاتلاً، فَأْذَن في الانصراف فإنّي لا أقدر على الدفاع عنك، ولا عن نفسي.
وأذِنَ له الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الانصراف فولّى منهزماً، وعرض له قوم من أصحاب ابن سعد إلّا أنّهم خلوا سبيله فمضى هارباً، فلم يرزق الشهادة بين يدي ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) (1).
جون (2)من أفذاذ الإسلام، وهو مولى لأبي ذر الغفاري، وكان شيخاً كبيراً قد أترعت نفسه الشريفة بالتقوى والإيمان، ولم يمنعه سواد بشرته وتواضع حسبه أن يتبوأ المكان الرفيع، ويكون من أعلام المسلمين فينال من الإكبار والتعظيم ما لم ينله أحد من أبطال التاريخ.
ويقول المؤرخون: إنّه تقدم ضارعاً إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ ليمنحه الإذن فيستشهد بين يديه.
فقال له الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): يا جون، إِنَّما تَبِعْتَنا طَلَبَاً لِلْعَافِيَةِ، فَأَنْتَ فِي إِذْنِ مِنّي. وهوى جون على قدميه يوسعهما تقبيلاً ودموعه تتبلور على خديه وهو يقول: أنا في الرخاء الْحَسُ قصاعكم وفي الشدّة أخذلكم، إن ريحي لنتن وحسبي للثيم ولوني لأسود، فتنفس عليَّ بالجنة ليطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيضّ لوني،
لا واللّه لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم (1).
أيّة عظمة عبّرت عنها هذه الكلمات المشرقة؟! وأيّ شرف انطوت عليه نفسه؟! إنّ لونه الأسود لأشرق وأنضر من ألوان أولئك العبيد، وهو الحرّ بما يحمل من سمو النفس، وشرف الذات، وإن ريحه لأطيب من ريحهم، وإن حسبه هو الحسب الوضاء، وإنّ أهل الكوفة هم المغمورون في أحسابهم، فقد تنكروا لإنسانيتهم، وصاروا وصمة عار وخزي على البشرية بأسرها.
لقد حفل كلام جون بمنطق الأحرار، فأنّه ليس من الإنسانية في شيء أن ينعم ظلال الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ام الرخاء، ويخذله أمام هذه المحنة القاسية، لقد كان الوفاء من العناصر المميزة لكل فرد من أصحاب الإمام أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى بقية شهداء العالم.
وأذن له، فبرز مزهواً وهو يرتجز:
كَيْفَ تَرَى الفجَارُ ضَرْبَ الأَسْوَدِ *** بِالمَشْرِفِي القاطع المُهَنَّدِ
بِالسَّيفِ صُلنَا عَن بَنِي محمّد*** أُذُبٌ عَنهُم بِاللَّسَانِ وَاليَدِ
أرجُو بذاكَ الفوزَ يَوْمَ المَورِدِ *** مِنَ الإله الواحِدِ المُوَحَدِ
إِذْ لَا شَفَيعَ عِنْدَهُ كَأَحْمَدِ (2).
ودلل بهذا الرجز على بسالته وشجاعته، وهو إنما يدافع عن أبناء النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ويذب عنهم بلسأنّه ويده لا يبتغي في ذلك أي شأن من شؤون الدنيا، وإنّما يرجو الفوز في الدار الآخرة والشفاعة من النبیّ العظيم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
وقاتل جون قتال الأبطال، فقتل - فيما يقول المؤرخون - خمسة وعشرين رجلاً، وحمل عليه أعداء اللّه فأردوه قتيلاً. وخف إليه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فجعل ينظر إلى جثمأنّه المخضب بالدماء وأخذ يدعو له قائلاً: اللّهُم بَيْضٌ وَجْهَهُ، وَطَيِّبٌ رِيحَهُ، وَاحْشُرْهُ مَعَ محمّد، وَعَرِّفْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آلِ محمّد.
واستجاب اللّه دعاء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكان من يمر بالمعركة يشم منه رائحة طيبة أذكى من المسك (1).
شهادة حنظلة الشبامي(رَضِیَ اللهُ عَنهُ)
حنظلة بن أسعد الشبامي (2)ممّن صاغ حياته على الإيمان باللّه حتى بلغ أعلى مستويات القيم الإنسانية، فتقدّم إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بلهفة وشوق؛ ليأخذ مكأنّه العالي مع الشهداء من أصحابه، وطلب منه الإذن فسمح له، وتقدّم إلى ساحة القتال فجعل يَعِظُ القوم ويذكرهم الدار الآخرة مقتبساً من القرآن ما ذكر به الصالحون أقوامهم: يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِثْلَ يَومِ الأَحْزَابِ مِثْلَ دَابِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ * وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعدِهِم وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلماً للعِبَادِ * يَا قَومِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُم يَوَمَ التَّنَادِ * يَومَ تُوَلُّونَ مُدبِرِينَ مَالَكُم مِنَ اللّهِ مِن عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِن هَادٍ (3). يا قوم، لا تقتلوا حسيناً فَيُسْحِتَكُم اللّه بعذاب وَقَدْ خَابَ مَن افْتَرَى (4).
ولم يع أولئك الأوغاد كلامه وإنّما راحوا سادرين في طيشهم وضلالهم، قد ختم اللّه على قلوبهم وأسماعهم فهم لا يبصرون، وشكر له الإمام مقالته، وقال له (عَلَيهِ السَّلَامُ): رَحِمَكَ اللّهُ، أنّهمْ قَدِ اسْتَوْجَبُوا الْعَذابَ حِينَ رَدُّوا عَلَيْكَ ما دَعَونَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ، وَنَهَضُوا إِلَيْكَ لِيَسْتَبيحُوكَ وَأَصْحابَكَ، فَكَيْفَ بِهِمُ الآنَ وَقَدْ قَتَلُوا إِخْوَانَكَ الصَّالِحِينَ؟! فقال: صدقت جعلت فداك، أنت أفقه منّي وأحق بذلك، أفلا نروح إلى الآخرة ونلحق بإخواننا؟
فقال(عَلَيهِ السَّلَامُ): رُحْ إِلى خَيْرِ مِنَ الدُّنْيا وما فيها، وإلى مُلْكِ لَا يَبْلى.
فقال: السلام عليك أبا عبداللّه، صلى اللّه عليك وعلى أهل بيتك، وعرّف بيننا وبينك في جنته.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): آمِينَ آمِينَ.
وأذن له (عَلَيهِ السَّلَامُ) فانطلق إلى ساحة المعركة بشوق ليفوز بالشهادة، وقاتل قتال الأبطال حتى استشهد، وقد وفى بما عاهد عليه اللّه من نصرة الحق والفداء في سبيل الإسلام (1).
ومن بين صفحات الفداء الباهرة التي تحمل العظمة الإنسانية الحجاج بن مسروق الجعفي(رَضِیَ اللهُ عَنهُ)(2)، فقد كان حبّه للموت في سبيل اللّه منتهى طموحه وأمانيه، فبرز إلى ساحة الحرب، وجعل يقاتل أعنف القتال وأشدّه حتى خُضّب بدمائه الزكية، فقفل
راجعاً إلى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو جذلان مسرور بما قدمه من الفداء والتضحية في سبيله، وأخذ يخاطب الإمام بهذا الرجز:
أَقدم هُدِيتَ هادِياً مَهْدِيّاً *** اليَومَ أَلقَى جَدَّكَ النبیّا
ثُمَّ أَباكَ ذَا النَّدَى عَلِيّاً *** ذاكَ الَّذِي نَعْرِفُهُ وَصِيّا (1)
إنّه ليقدم على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وهو مرفوع الرأس بما قدم من التضحية في سبيل ریحانته.
وقد أجابه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): وَأَنا الفاهُما عَلى أَثَرِكَ.
ورجع إلى ساحة الحرب فجعل يقاتل ببسالة وصمود حتى استشهد دفاعاً عن الحق، فلذكره المجد والخلود (2).
وبرز الفتى النبیّل عمرو بن جنادة الأنصاري وهو أصغر جندي في معسكر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الأصحاب والأنصار، ولكنّه كان يفوق في عقله ودينه من في معسكر ابن سعد.
ويقول المؤرخون: إنّه كان يبلغ من العمر إحدى عشرة سنة، وقد استشهد أبوه في المعركة، فلمّا طلب الإذن منه لم يسمح له بذلك، وقال لها: هذا غُلَامٌ قُتِلَ أَبُوهُ الْحَمْلَةِ الأولى، وَلَعَلَّ أُمَّهُ تَكْرَهُ ذلِك.
واندفع الفتى يلح على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويقول له: إن أُمِّي أمرتني.
فأذن له(عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومضى الفتى متحمّساً إلى الحرب فلم يلبث إلا قليلاً حتى استشهد، واحتزّ رأسه الشريف أوغاد أهل الكوفة ورموا به صوب مخيم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فبادرت إليه
السيّدة أُمّه فأخذته وجعلت توسعه تقبيلاً، ثم مسحت عنه الدم، ورمت به رجلاً قريباً منها فصرعته وسارعت إلى المخيم فأخذت عموداً وحملت على أعداء اللّه وهي ترتجز:
أنَا عَجُوزٌ فِي النِّسا ضَعِيفَة *** خاوِيَةٌ بالِيَةٌ نَحِيفة
أَضْرِبُكُم بِضَرَبَةٍ عَنِيفَة *** دُونَ بَنِي فَاطِمَةَ الشَّرِيفَة
وأصابت رَجُلين - فكانت كاللبوة الهائجة - فبادر إليها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وردّها إلى المخيم (1).
لقد أثّرت غربة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ووحدته على عواطف هذه السيدة الكريمة، فقدمت فلذة كبدها فداءً له، ثم انعطفت هي في ميدان القتال لتفديه بنفسها، فكان هذا حقاً منتهى الإيمان والاخلاص.
وأنس بن الحارث الكاهلي من صحابة النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وكان شخصية مستقيمة وقوية وناصعة، قد انفتح قلبه للإيمان، وأشرقت روحه بواقع الإسلام، وقد سمع النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) يقول: إِنَّ ابْنِي هذا - يعني الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ(- يُقْتَلُ بِأَرْضِ كَرَبَلَاءَ، فَمَنْ شَهِدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَنْصُرْهُ (2).
وقد لازم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصحبه من مكة، وكان شيخاً كبيراً طاعناً في السن، وقد استأذن منه أن يجاهد بين يديه فأذن له، وقد شدّ وسطه بعمامته نظراً لتقوس ظهره كما رفع حاجبيه بالعصابة، فلمّا نظر إليه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أرخى عينيه
بالبكاء، وقال له: شَكَرَ اللّهُ لَكَ يا شَيْخُ.
وقاتل - على كبر سنه - قتال الأبطال، فروي أنّه قتل ثمانية عشر رجلاً ثمّ استشهد.(1)
وسمت روحه الطاهرة إلى الرفيق الأعلى مع النبیّين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.
وأبو الشعثاء هو يزيد بن زياد بن المهاصر الكندي، وكان من أبطال العرب وفرسأنّهم، وكان ممّن خرج مع ابن سعد لحرب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولما عرض الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى ابن سعد الشروط التي اشترطها وأبـي ابـن سعد مال إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجعل يرشق القوم بسهامه.
ويقول المؤرخون: إنّه رماهم بمائة سهم فما سقط منها غير خمسة أسهم، وكلما رمى يقول له: اللّهم سَدَّدْ رَمْيَتَهُ، وَاجْعَلْ ثَوابَهُ الْجَنَّةَ.
ولما نفدت سهامه جرّد سيفه وحمل عليهم وهو يرتجز:
أَنا يَزِيدٌ وأَبي مُهاصِرْ *** أَشْجَعُ مِن لَيْثٍ بِغِيلٍ خادِرٌ
يَا رَبِّ إِنِّي لِلحُسَينِ ناصِرْ*** ولابْنِ سَعْدِ رافض وَهاجِرْ
وقاتل قتال الأبطال حتى قتل (2)، وانتهت بذلك حياته مدافعاً عن دين اللّه
1) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/المقرّم: 313. واختلف في اسمه، فذكر بعنوان: «أنس بن الحارث الكاهلي» كما هو المشهور، و «مالك بن أنس المالكي»، و «مالك بن أنس الباهلي»، و «مالك بن أنس الكاهلي» - الدمعة الساكبة: 4: 306. أعيان الشيعة: 3: 499 و 500. إبصار العين: 74. الفتوح: 5: 107. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 18
2) مناقب آل أبي طالب: 4: 103. إبصار العين: 134 و 135. أنساب الأشراف: 3: 405. تاريخ الأمم والملوك: 4: 641 و 642. الفتوح: 5: 108. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 19. الكامل في التاريخ: 3: 293
ومناصراً الريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
ومن ألمع أنصار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الجابريان، وهما سيف بن الحارث بن سريع الجابري ومالك بن عبد اللّه بن سريع الجابري، وكانا أخوين من أمّ وابني عمّ، بين يدي أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعيناهما تفيضان دموعاً، فقال لهما الإمام وقد تقدّما الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «ما يُبْكِيكُما؟ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَا بَعْدَ ساعَةٍ قَرِيْرَى الْعَيْنِ».
فأسرعا قائلين: جعلنا اللّه فداك، ما على أنفسنا نبكي، ولكن نبكي عليك، نراك قد أحيط بك، ولا نقدر أن ننفعك.
لقد امتلأت قلوب أصحابه بالولاء الباهر والإخلاص العميق له، فكانوا لا يفكرون إلا به، ويتحرّقون ألماً وحزناً عليه.
وقاتل الجابريان قتال الأبطال، وقد تناهبت جسميهما السيوف والرماح في وحشية قاسية، واستشهدا بالقرب من الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
ويرز إلى ساحة الجهاد الأخوان عبد اللّه وعبد الرحمن ابنا عروة الغفاري، فجعلا يقاتلان باستبسال نادر حتى استشهدا بين يدي الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).
ولمّا استغاث الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجعل يطلب الناصر والمعين لحماية عقائل النبوة ومخدّرات الوحي أثر ذلك في نفوس الأنصاريين، وهما: سعد وأخوه أبـو الحتوف ابنا الحارث الأنصاري العجلاني، وكانا مع ابن سعد فمالا بسيفيهما على معسكر ابن سعد وقاتلا حتى قتلا (1).
وانبرى إلى ساحات الجهاد بين يدي أبي عبد اللّه أنيس بن معقل الأصبحي الا وهو يرتجز:
أَنا أُنيس وأنا ابنُ مَعْقِل *** وفي يَمينِي نَصْلُ سَيْفِ مُصْقَل
أَضْرِبْ بِهِ فِي الحَرْبِ حَتَّى يَنجَلِي *** أَعْلُو بِهِ الهاماتِ وَسْطَ القَسْطَل
عَنِ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مَاجِدِ المُفضّل *** ابْنِ رَسُولِ اللّهِ خَيْرِ مُرْسَلِ
وقد مثّل هذا الرجز الحماس الديني الذي سيطر عليه، فقد عرّفهم بنفسه وأعلن أنّه إنّما يقاتلهم دفاعاً عن ابن رسول اللّه، وهو لا يبغي بذلك أي مطمع سوى رضا اللّه، وقاتل البطل قتالاً عنيفاً حتى استشهد (2).
ومن أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذين استشهدوا للحق قرة بن أبي قرة الغفاري، فقد برز وهو يرتجز:
قَدْ عَلِمَتْ حَقّاً بَنُو غِفارِ *** وَخِنْدِي بَعْدَ بَنِي نِزارِ
بأنني الليْتُ لَدَى الغُبارِ *** لأَضْرِبَنَّ مَعْشَرَ الفجَارِ
بِكُلِّ عَضْبٍ ذَكَرٍ بَتّارِ *** ضَرْباً وَحَتْفاً عَن بَنِي المُختارِ
رَهْطِ النبیّ السَّادَةِ الأبرار (1).
وهذا الرجز يتدفّق بالحيوية والحماس للدفاع عن عترة النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد دلل على بطولته بأنّ بني غفار وخِنْدِف وبني نزار كلهم يشهدون ببسالته وشجاعته، وهو إنّما يجاهد دفاعاً عن السادة الأبرار أبناء رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وقاتل الغفاري قتالاً، شديداً حتى هوى هذا البطل الشريف إلى الأرض تحت ضرب السيوف وطعن الرماح، وسمت روحه إلى الرفيق الأعلى.
ويرز إلى حومة الحرب يحيى بن سليم المازني، وهو يرتجز:
لَأَضْرِبَنَّ القَوْمَ ضَرْباً فَيصَلَا *** ضَرْباً شَدِيداً في الغَدَاةِ مُعْجِلَا
لاعاجزاً فِيْها وَلَا مُوَلُولا *** وَلَا أَخافُ الْيَوْمَ مَوْتَاً مُقْبِلَا
لَكِنَّنِي كَاللَّيْثِ أَحْمِي أَشْبُلَا
وأعلن بهذا الرجز عن شجاعته فهو سينزل بالأعداء الضربات القاسية وأنّه سيحاربهم ببسالة وصمود لا عاجزاً ولا مولولاً، ولا خائفاً من الموت، وإنّما هو كالليث يصول فيهم ليحمي عترة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وشدّ عليهم كأنّه الليث، وقاتلهم أعنف القتال وأشده حتى استشهد بين يدي أبي عبداللّه (2).
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يبعث في نفوس أصحابه روح العزم والصمود، ويوصيهم بالصبر على ملاقاة الأهوال قائلاً لهم: صَبْراً بَنِي الْكِرام، فَما الْمَوْتُ إِلا قَنْطَرَةٌ تَعْبُرُ بِكُمْ عَنِ الْبُؤْسِ وَالضَّرَاءِ إِلَى الْجِنانِ الْواسِعَةِ وَالنَّعِيمِ الدَائِمَةِ، فَأَيُّكُمْ يَكْرَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ سجن إلى قصر...
إِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي عَنْ رَسولِ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ): إِنَّ الدُّنْيا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ، وَالْمُوتُ جِسْرُ هؤلاء إلى جِنأنّهمْ، وَجِسْرُ هَؤُلاءِ إِلى جَحِيمِهِمْ؛ ما كَذَبْتُ، وَلَا كُذَّبْتُ (1).
وقد ألهبت هذه الكلمات عواطفهم فخاضوا الموت في استبسال عاصف ليصلوا إلى مراتبهم في الفردوس الاعلى.
وخرج إلى ميدان القتال عبد الرحمن بن عبد اللّه اليزني فقاتل ببسالة نادرة، وهو يرتجز:
أنا ابْنُ عَبْدُ اللّهِ مِنْ آلِ يَزَن *** ديني عَلَى دِينِ حُسَيْنٍ وَحَسَنْ
أَضْرِبُكُمْ ضَرْبَ فَتَى مِنَ اليَمَنْ *** أَرجُو بذاكَ الفوزَ عِنْدَ المُؤْتَمَنْ
لقد عرفهم بنفسه وأسرته وبلده، وعرفهم أنّه على دين سيده الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؛ وهو إذ يضحي بنفسه في سبيله فإنّما يرجو بذلك الفوز عند اللّه، وقاتل كما قاتل إخوأنّه الذين استشهدوا ببسالة وعزم ثم استشهد (2).
وكان الإمام العظيم يقف على الشهداء الممجدين من أصحابه وهو يتأمل بوجهه الوديع فيهم فيراهم مضمخين بدم الشهادة، ومعطرين بنفحات من روح اللّه، فانطلق يؤبنهم بإعجاب قائلاً: قتلانا قَتْلَى النبیّينَ وَآلِ النبیّينَ (1).
وكان آخر من استشهد من أصحاب الإمام البطل الشجاع سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي، فقد سقط في المعركة جريحاً وظنّه القوم أنّه قد قتل فلم يجهزوا عليه، وكان قد غابت نفسه من ألم الجروح ونزيف الدماء، فلمّا سمع ينادون قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، انتفض كما ينتفض الأسد الجريح غير حافل بـما هو فيه القوم من ألم الجروح، فانبرى يفتش عن سيفه فلم يجده، وظفر بمدية فحمل عليهم يطعن فيهم ففروا مذعورين، وقد ظنّوا أنّ الموتى من أصحاب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد عادت إليهم أرواحهم ليستأنفوا الجهاد ثانياً، ولما أيقنوا خطأهم انعطفوا عليه فقتلوه، وقد قتله عروة بن بطان التغلبي، وزيد بن رقاد الجنبي (2).
ولم يعرف التاريخ الإنساني أصدق ولا أنبل من هذا الوفاء، فكان هذا حقاً المجد في معسكر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد ظلّوا على الوفاء لإمامهم حتى الرمق الأخير هو من حياتهم.
هؤلاء بعض أصحابه، وقد أبلوا في المعركة بلاءً يقصر عنه كل وصف وإطراء، فقد جاهد وا جهاداً لم يعرف له التاريخ نظيراً في جميع عمليات الحروب التي جرت
في الأرض، فقد قابلوا على قلة عددهم وما بهم من الظمأ القاتل تلك الجيوش المكثّفة، وأنزلوا بها أفدح الخسائر.
إن تلك الكوكبة من أبطال الإيمان قد صارعوا الأهوال، وخاضوا تلك المعركة الرهيبة، وقد وقفوا وقفة الرجل الواحد، وقادوا حركة الإيمان، ولم تضعف لأيّ رجل منهم عزيمة، ولم تلن لهم قناة، وقد خضبوا جميعاً بالدماء وهم يشعرون بالغبطة ويشعرون بالفخار، وقد دللوا بتضحياتهم الهائلة النبیّلة على عظمة الإسلام الذي منحهم تلك الروح الوثابة التي استطاعوا بها أن يقاوموا بصبر وثبات تلك الوحوش الكاسرة التي ساقتها الأطماع إلى اقتراف أفظع جريمة في تاريخ البشرية كلها.
لقد سمت أرواحهم الطاهرة إلى الرفيق الأعلى وهي أنضر ما تكون تفانياً في مرضاة اللّه، وأشدّ ما تكون إيماناً بعدالة قضيتهم التي هي من أنبل القضايا في العالم، وإن أعطر تحية توجّه لذكراهم كلمات الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حقهم التي علمها لصاحبه صفوان: بِأَبِي أَنْتُمْ وَأُمِّي، طِبْتُمْ وَطابَتِ الْأَرْضُ الَّتِي فِيها دُفِتْتُمْ وَفُزْتُمْ وَاللّهِ فَوْزاً عَظِيماً(1):
1) بحار الأنوار: 101: 201. المزار/ابن المشهدي: 465
وبعد ما استشهدت الصفوة العظيمة من أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هب أبناء اللّهب الأسرة النبوية شباباً وأطفالاً للتضحية والفداء، وهم بالرغم من صغر أسنأنّهم كانوا كالليوث لم يرهبهم الموت ولم تفزعهم الأهوال، وتسابقوا بشوق إلى ميادين الجهاد، وقد ضنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى بعضهم بالموت فلم يسمح لهم بالجهاد إلا أنّهم أخذوا يتضرّعون إليه، ويقبلون يديه ليأذن لهم في الدفاع عنه.
والمنظر الرهيب الذي يذيب القلوب، ويذهل كل كائن حي هو أن تلك الفتية جعل يودع بعضهم بعضاً الوداع الأخير، فكان كل واحد منهم يوسع أخاه وابن عمه تقبيلاً وهم غارقون بالدموع حزناً وأسى على ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) حيث يرونه وحيداً غريباً قد أحاطت به جيوش الأعداء، ويرون عقائل النبوة ومخدّرات الوحي وقد تعالت أصواتهن بالبكاء والعويل، وساعد اللّه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى تحمّل هذه الكوارث التي تقصم الأصلاب، وتذهل الألباب، ولا يطيقها أي إنسان إلا من امتحن اللّه قلبه للإيمان.
أما الذين استشهدوا من أبناء الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فهم:
وأجمع المؤرخون أنّ علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كبر (1)كان يضارع جده الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)
1) ذكر الطبرسي في إعلام الورى: 1: 478: «أن علياً الأصغر قتل مع أبيه، أُمه ليلى بنت أبي مرة ابن عروة بن مسعود الثقفية، والناس يغلطون ويقولون: أنّه على الأكبر»
في خَلْقِه وأخلاقه التي امتاز بها على سائر النبیّين، وأعظم بهذه الثروة التي ملكها سليل هاشم، فقد ملك جميع الطاقات الإنسانية والمُثْل الكريمة التي يسمو بها العظماء والمصلحون.
وكان البارز من معاني أخلاقه الإباء والشمم وعزّة النفس والاندفاع الهائل في ميادين الكرامة الإنسانية (1)
قالوا: أنت.
قال: لا، أولى الناس بهذا الأمر علي بن الحسين بن علي، جده رسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وفيه شجاعة بني هاشم وسخاء بني أمية وزهو ثقيف». بحار الأنوار: 45: 45
.فقد آثر الموت واستهان بالحياة في سبيل كرامته، ولا يخضع لحكم الدعي ابن الدعي، وقد بعث عمر بن سعد رجلاً من أصحابه فناداه: إن لك قرابة بأمير المؤمنين - يعني يزيد - ونريد أن نرعى هذا الرحم، فإن شئت آمناك؟!
فسخر منه علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وصاح به: لقرابة رسول اللّه أحق أن تُرعى (2).
وكان من أبرّ أبناء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأكثرهم مواساة وحرصاً عليه، وهو أول من اندفع بحماس بالغ من الهاشميين إلى الحرب، وكان عمره - فيما يقول المؤرخون - ثماني عشرة سنة (3)، فلمّا رآه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخذ يطيل النظر إليه، وقد ذابت نفسه حزناً.
1) فقد ذكر المجلسي عن أبي الفرج: «أنّ عليّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذا هو الأكبر ولا عقب له، ويكنّى أبا الحسن وأمه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي، وهو أوّل من قتل في المعركة، وإياه عنى معاوية، فقد قال معاوية لمن حضره: مَن أحق بهذا الأمر؟
2) شرح الأخبار: 3: 152 و 153. نسب قريش: 57
3) الفتوح: 5: 114. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 30. وقيل: كان عمره سبعاً وعشرين سنة، حسبما ذكره المقرم في مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): 318. ويقال: ابن خمس وعشرين سنة. مناقب آل أبي طالب: 4: 109
وأشرف على الاحتضار؛ لأنّه رأى ولده الذي لا ند له قد ساق نفسه إلى الموت، فرفع شيبته الكريمة نحو السماء وراح يقول بحرارة وألم ممضّين: اللّهمَّ اشْهَدْ عَلى هؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَقَدْ بَرَزَ إِلَيْهِمْ غُلَامٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِرَسولِكَ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) خَلْقاً وخُلْقاً وَ مَنطِقَاً، وَكُنَا إِذَا اشْتَقْنا إِلَى رُؤْيَةِ نَبِيِّكِ نَظَرْنَا إِلَيْهِ اللَّهُمَّ امْنَعْهُمْ بَرَكاتِ الْأَرْضِ، وَفَرِّقْهُمْ تَفْريقاً، وَمَزِّقْهُمْ تَمْزِيقاً، وَاجْعَلْهُمْ طَرائِقَ قِدَداً، وَلَا تُرْضِي الْوُلَاةَ عَنْهُمْ أَبَداً، فَأنّهمْ دَعَوْنا لِيَنصُرُونَا ثُمَّ عَدَوا عَلَيْنَا يُقَاتِلُونَنا.
ويلمس في هذه الكلمات الحزينة مدى أساه على ولده الذي استوعب نفسه حبّاً له، وقد دعا اللّه بحرارة أن ينزل على تلك العصابة المجرمة عذابه الأليم في هذه الدنيا.
وتقطّع قلب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حزناً على ولده، فصاح بالمجرم الأثيم عمر بن سعد: ما لَكَ؟! قَطَعَ اللّهُ رَحِمَكَ، وَلَا بارَكَ لَكَ في أَمْرِكَ، وَسَلَّطَ عَلَيْكَ مَنْ يَذْبَحُكَ بَعْدِي عَلَى فِرَاشِكَ، كَمَا قَطَعْتَ رَحِمِي وَلَمْ تَحْفَظْ قَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
ثمّ تلا قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحَا وَآلَ إِبْرَاهِيْمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ * ذَرِّيةٌ بَعضُهَا مِنْ بَعضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)» (2).
وشيّع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولده بدموع مشفوعة بالحزن والزفرات، وخلفه نساء أهل البيت وقد علا منهن الصراخ والعويل على شبيه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) الذي ستتناهب شلوه السيوف والرماح.
وانطلق الفتى إلى حومة الحرب مزهواً لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب، وكان في نضرة شبابه وحسن طلعته حاملاً هيبة الرسول(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وشجاعة أمير المؤمنين،
وبأس حمزة، وإباء الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتوسط حراب الأعداء وسيوفهم وهو يرتجز بعزة وتصميم محامياً عن دين اللّه:
أنا عَلِيُّ بْنُ الحسين بن علي *** نَحْنُ وَرَبِّ البَيْتِ أَولَى بِالنبیّ
نا اللّهِ لَا يَحْكُمُ فِينَا ابْنُ الدَّعِي (1)
أجل واللّه يا فخر هاشم، أنت وأبوك أولى بالنبیّ وأحق بمقامه، فأنتم أقرب الناس إليه وألصقهم به، ولكن الأطماع السياسية التي تغلبت على القوم هي التي دفعتكم عن مقامكم، وسلطت عليكم هذه الطغمة الجائرة، فعمدت إلى تقطيع أوصالكم واستئصال شأفتكم؛ ليخلو لها الجو في التآمر على المسلمين بغير الحق.
وأعلن عليّ الأكبر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رجزه عن روعة بأسه وشدّة إبائه، وأنّه يُؤْثِر الموت على الخنوع للدعي ابن الدعيّ، والتحم مع أعداء اللّه، وقد ملأ قلوبهم رعباً وفزعاً، وأبدى من البسالة ما يقصر عنه الوصف، فقد ذكرهم ببطولات جده أمير المؤمنين، وقد قتل - فيما يقول بعض المورخين - مائة وعشرين رجلاً سوى المجروحين، وألح عليه العطش فقفل راجعاً إلى أبيه يشكو إليه ظمأه القاتل ويودعه الوداع الأخير، واستقبله أبوه بحرارة، فبادره علي قائلاً: يا أبةِ، العطش قد قتلني، وثقل الحديد قد أجهدني، فهل إلى شربة ماء من سبيل أتقوى بها على الأعداء (2)؟
والتاع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشدّ ما تكون اللوعة ألماً ومحنة، فقال له بصوت خافت وعيناه تفيضان دموعاً: «وَا غَوْثاهُ، ما أَسْرَعَ الْمُلْتَقَى بِجَدِّكَ، فَيَسقِيكَ بِكَأْسِهِ شَرْبَةٌ
لَا تَظْمَأُ بَعْدَها أَبَداً (1).
وأخذ لسأنّه فمصه ليريه ظمأه فكان كشقة مبرد من شدة العطش، ودفع إليه خاتمه ليضعه في فيه (2).
لقد كان هذا المنظر الرهيب من أفجع ما رزى به الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لقد رأى فلذة كبده وهو في غضارة العمر وريعان الشباب، وقد استوعبت الجراحات جسمه الشريف، وقد أشرف على الهلاك من شدة العطش وهو لم يستطع أن يسعفه بجرعة ماء ليروي ظمأه.
وفي بعض المقاتل: لما خرج الغلام ها به القوم فتأخروا، فقال ابن سعد لطارق ابن كثير: اخرج إلى هذا الغلام فأتني برأسه.
فقال له طارق متهكماً: أنت تأخذ ملك الري وأنا أخرج إليه؟! فإن تضمن لي إلى الأمير إمارة الموصل أخرج إليه.
فقال له ابن سعد: قد ضمنت لك إمارة الموصل، ثم نزع خاتمه فأعطاه إياه ليكون ضماناً له.
فأخذه طارق ثم خرج للغلام، ولقي طارق علياً ليأخذ إمارة الموصل فيه، وتبارزا فما هي إلا هزّة حسام حتى كان طارق جثة معفّرة، وقد تعفر معه في الأرض ميثاقه، لم يحتمل من علي غير ضربة جدلته تجديلاً، ثمّ خرج إليه الرجل بعد الرجل وهو يجدلهم ويصرعهم (3).
يقول الحجّة الشيخ عبد الحسين آل صادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رائعته:
يَشْكُو لِخَيْرِ أَبِ ظَمَاهُ وَمَا اشْتَكَى *** ظَمَأُ الحَشَا إِلَّا إِلَى الظَّامِي الصِّدِي
كُلِّ حُشاشَتُهُ كَصالِيةِ الغَضا *** وَلِسأنّه ظَمِنٌ كَشِفَةِ مِبْرَدِ (1)
فَانْصاعَ يُؤْثِرُهُ عَلَيْهِ بِرِيقِهِ *** لو كَانَ ثَمَّةَ رِيقُهُ لَمْ يَجْمُدِ (2)
وقفل علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) راجعاً إلى حومة الحرب قد فتكت الجروح بجسمه، وفتت العطش كبده، وهو لم يحفل بما هو فيه، وإنّما استوعبت فكره وحدة أبيه وتظافر أعداء اللّه على قتله، وجعل يرتجز:
الحَرْبُ قَدْ بانَتْ لَها حَقائق *** وَظَهَرَتْ مِن بَعْدِها مَصادِقٌ
وَاللّهِ رَبِّ العَرشِ لا تُفارِقْ *** جُمُوعَكُم أو تُعْمَدُ البَوارِقُ (3)
لقد أعرب فخر هاشم بهذا الرجز بأنّ الحقائق قد ظهرت في هذه الحرب، وتجلت للجميع الأهداف النبیّلة التي ينشدها أهل البيت، وأنّهم سيبقون يناضلون عنها حتى تغمد البوارق.
وجعل عليّ الأكبر يقاتل أشدّ القتال وأعنفه حتى قتل تمام المائتين (4)، وقد ضجّ العسكر - فيما يقول المؤرخون - من شدّة الخسائر التي مُني بها، فقال الوضر الخبيث مرّة بن منقذ العبدي(5): عليَّ آثام العرب إن لم أشكل أباه (6)، وأسرع الخبيث إلى
1) الحشاشة: رُوح القلب ورمق الحياة - لسان العرب: 3: 188 - حشش
2) رياض المدح والرثاء: 122. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/المقرم: 323
3) الفتوح: 5: 115
4) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمی: 2: 31
5) مرّة: كان أبوه منقذ من قادة جيش الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في معركة الجمل، واستشهد في تلك الواقعة وحمل ابنه مرّة اللواء من بعده وخاض المعركة، وشهد مع علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) صفين والنهروان، ثمّ ارتّد على عقبه وانحرف عن الإسلام، فانضم إلى معسكر ابن سعد واقترف في هذه الحرب أفظع الجرائم التي منها قتله لشبيه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) علي الأكبر (عَلَيهِ السَّلَامُ)
6) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ي/المقرم: 323. مقاتل الطالبيين: 115
شبیه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فطعنه بالرمح في ظهره، وضربه ضربة غادرة بالسيف على رأسه ففلق هامته، واعتنق عليّ فرسه يظن أنّه يرجعه إلى أبيه ليتزود بالنظر إليه، إلا أنّ الفرس حمله إلى معسكر الأعداء، فأحاطوا به من كل جانب ولم يكتفوا بقتله وإنما راحوا يقطعونه بسيوفهم إربا إرباً تشفياً منه لما ألحقه بهم من الخسائر الفادحة.
ونادى عليّ رافعاً صوته: عليك مني السلام أبا عبداللّه، هذا جدّي رسول اللّه قد سقاني بكأسه شربة لا أظمأ بعدها، وهو يقول: إن لك كأساً مذخورة (1).
وحمل الأثير هذه الكلمات إلى أبيه الثاكل الحزين فقطعت قلبه ومزقت أحشاءه، ففزع إليه وهو خائر القوى منهد الركن، فانكب عليه ووضع خدّه على خده وهو جنّة هامدة قد قطعت شلوه السيوف في وحشية قاسية، فأخذ يذرف أحرّ دموعه وهو يقول بصوت خافت قد لفظ شظايا قلبه فيه: قَتَلَ اللّهُ قَوْماً قَتَلُوكَ يا بُنَي، ما أَجْرَاهُمْ عَلَى اللّهِ، وَعَلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الرَّسُولِ، عَلَى الدُّنْيا بَعْدَكَ الْعَفا (2).
وهرعت إليه الفتية من عمومته وأبناء عمومته فألقوا بأنفسهم عليه وهم يوسعونه تقبيلاً ويلثمون جراحاته، ويقسمون على أن يمضوا على ما مضى عليه، وأمرهم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يحملوه إلى المخيم.
وهرعت ابنة الطاهرة البتول حفيدة النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) فانكبّت على جثمان ابن أخيها تضمّخه بدموعها، وتندبه بأشجى ما تكون الندبة، وقد أنّهارت أمام ابن أخيها الذي كان قبل ساعة يملأ العين بهاؤه، وأثّر منظرها الحزين في نفس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فجعل يعزيها بمصابها الأليم، وهو يردد: عَلَى الدُّنيا بَعْدَكَ العَفا.
لقد كان علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الرائد والزعيم لكل أبي شريف مات عَصِيَّاً على الضيم في دنيا الاباء والشرف.
وداعاً يا بطل الإسلام، وداعاً يا فخر هاشم، وداعاً يا فجر كل ليل. ونحن نودعك بالأسى والحزن ونردد مع أبيك كلماته الحزينة: على الدنيا بعدك العفا
واندفعت الفتية الطيبة من آل عقيل إلى الجهاد وهي مستهينة بالموت، وقد نظر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسالتهم واندفاعهم إلى نصرته، فكان يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): اللّهمَّ اقْتُلْ قاتِلَ آلِ عَقِيلٍ.
وكان يقول: صَبراً آلَ عَقِيلٍ إِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ (1).
وكان عليّ بن الحسين زين العابدين(عَلَيهِما السَّلَامُ) يميل أشدّ الميل لآل عقيل ويقدّمهم على غيرهم من آل جعفر، فقيل له في ذلك فقال: إِنِّي لَأَذْكُرُ يَوْمَهُمْ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللّهِ فَأَرِقُ لَهُمْ (2).
وقد استشهد منهم سبعة في المعركة دفاعاً عن ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وفيهم يقول الشاعر:
عينُ جُودِي بِعَبَرَةٍ وَعَوِيل *** وَانْدُبِي إِنْ نَدَبْتِ آلَ الرَّسُولِ
نِسْعَةٌ كُلُّهُمْ لِصُلْبِ عَليَّ *** قَد أُصيبُوا وَسَبْعَةً لِعَقِيلِ (3)
وَاندُبِي تِسْعَةً لِصُلْبِ عَلِيٍّ *** قَدْ أُصِيبُوا وَخَمْسَةٌ لِعَقِيلٍ
وهو الموافق لما ذكره الطبري. تاريخ الأمم والملوك: 4: 662.
وفي أنساب الأشراف: 3: 422، هكذا:
خَمْسَةٌ مِنْهُمْ لِصُلْبٍ عَلى *** قَدْ أُصِيبُوا وَسَبعَةً لِعَقِيلٍ
وفي النزاع والتخاصم: 29، هكذا:
تِسْعَةً مِنْهُمْ لِصُلْبِ عَلِيٌّ *** قَدْ أُصِيبُوا وَتِسْعَةً لِعَقِيلٍ
وفي المعارف: 204، هكذا:
سَبْعَةٌ كُلُّهُمْ لِصُلبِ عَلِيٌّ *** قَدْ أُصِيبُوا وَتِسْعَةً لِعَقِيلٍ
وقد علوا بإرادتهم وعزمهم الجبار على ذلك الجيش، وأنزلوا بـه أفدح الخسائر، وهم:
وانبری فتی هاشم عبداللّه بن مسلم (1)إلى ساحة الجهاد فخاض غمرات الحرب وأهوالها في شوق إلى الشهادة، وقد بهر الأبصار بجماله وبسالته وهو يرتجز:
اليَوْمَ أَلقى مُسلِماً وَهُوَ أَبِي *** وَفِتيَةٌ مَاتُوا عَلَى دِيْنِ النبیّ
ليسُوا كَقَوْمٍ عُرِفُوا بِالكَذِبِ *** لَكِنْ خِيارٌ وَكِرامُ النَّسَبِ
منْ هَاشِمِ السَاداتِ أَهْلِ الحَسَبِ (2)
لقد عرّف نفسه بأنّه نجل الشهيد الخالد مسلم بن عقيل(عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأنّه سيلقى أباه في يومه، ويلتقي بالفتية من أبناء عمومته الذين استشهدوا في سبيل الإسلام وماتوا على دين النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنّهم ليسوا كأهل الكوفة الذين عرفوا بالغدر والخيانة والكذب، وإنّما ينميهم هاشم سيد العرب، وبهم تلتقي كل فضيلة وشرف في
الإسلام.
وقاتل الفتى قتالاً عنيفاً فقتل جماعة في ثلاث حملات، وسدد له الوضر الأثيم
عمرو بن صبيح الصدائي سهماً غادراً فاتقاه الفتى بيده فسمرها إلى جبهته، فما أن يزيل السهم، وقد أخذ منه الألم القاسي مأخذاً عظيماً فراح يدعو على السفاكين المجرمين قائلاً: اللّهم أنّهم استقلونا واستذلّونا فاقتلهم كما قتلونا (1).
وشدّ عليه وغد فطعنه بالرمح في قلبه، فوقع الفتى شهيداً مدافعاً عن أقدس الحرمات في الإسلام.
وبرز إلى ساحات الجهاد جعفر بن عقيل (2)، فتوسّط في ميدان الحرب وهو يرتجز:
أنا الغُلَامُ الأَبْطَحِيُّ الطَّالِبِي *** مِنْ مَعْشَرٍ فِي هاشم وَغالِبٍ
وَنَحْنُ حَقاً سادَةُ الذوائب *** هذا حُسَينٌ سَيْدُ الأَطائِبِ (3)
لقد عرّفهم نفسه بأنّه من الأسرة النبوية التي هي أشرف الأسر العربية وأعلاها مجداً، وأنّه إنّما يدافع عن سيده الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ذي هو سيد الأطائب وفخر هذه الدنيا.
وقاتل الفتى قتالاً عنيفاً، فرماه عروة بن عبداللّه الخثعمي فقتله (4).
1) الإرشاد/المفيد: 2: 107. مناقب آل أبي طالب: 4: 105. إبصار العين: 66 و 67. أنساب الأشراف: 3: 406. تاريخ الأمم والملوك: 4: 643
2) جعفر بن عقيل: أمه الخوصاء بنت عمرو - المعروف بـ «الثغر» - ابن عامر العامري من بني كلاب - مقاتل الطالبيين: 97
3) مناقب آل أبي طالب: 4: 105. الفتوح: 5: 111. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 26
4) مقاتل الطالبيين: 97. وفي قاتله اختلاف مناقب آل أبي طالب: 4: 105. إبصار العين: 68. أنساب الأشراف: 3: 406. تاريخ الأمم والملوك: 4: 643
عبد الرحمن بن عقيل (رَحِمَهُمُ الله)
وانطلق عبد الرحمن بن عقيل (1)إلى حومة الحرب، وأخذ يصول ويجول وهو يرتجز:
أَبِي عَقِيلٌ فَاعْرِفُوا مَكَانِي *** من هاشم وهاشم إخواني
كُهُولُ صِدْقٍ سَادَةُ القُرْآنِ *** هذا حُسَينٌ شامخ البنيان (2)
لقد أدلى بنسبه الوضاح فهو نجل عقيل ابن عم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنّه من السادة الأماجد الذين هم من أروع أمثلة الوفاء والنبل والشرف في الأرض، كما أشاد بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنّه شامخ البنيان بمثله ومواهبه وقرابته من النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وقاتل قتال الأبطال، فشدّ عليه عثمان بن خالد الجهني وبشير بن حوط القابضي فقتلاه (3).
وبرز عبد اللّه الأكبر (4)فقاتل، وشدّ عليه عثمان بن خالد بن أسير الجهني ورجل من هَمْدان فقتلاه (5).
وكان محمّدبن أبي سعيد بن عقيل متكلّماً سريع الجواب، وقد برز إلى حومة
1) عبد الرحمن بن عقيل: أُمه أمّ ولد، مقاتل الطالبين: 96
2) الفتوح: 5: 111. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 26
3) مناقب آل أبي طالب: 4: 106. إبصار العين: 68. أنساب الأشراف: 3: 406. تاريخ الأمم والملوك: 4: 643 مقاتل الطالبيين: 96
4) عبداللّه الأكبر: أُمّه أمّ ولد، مقاتل الطالبيين: 97
5) الإرشاد/المفيد: 2: 125. مناقب آل أبي طالب: 4: 106. مقاتل الطالبيين: 97
الحرب واستشهد بين يدي الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1).
وبرز محمّدبن مسلم (2)إلى الحرب، فشدّ عليه أبو مَرْهم الأزدي ولقيط بن إياس الجهني فقتلاه (3).
وبرز علي بن عقيل فقاتل قتالاً شديداً، واستشهد بين يدي أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) (4).
لقد أبدى شباب آل عقيل من البطولة والبسالة ما لا يوصف، وتنافسوا على الشهادة بين يدي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفدوه بأرواحهم.
وتقدّمت الفتية من أبناء الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) الا وهم في غضارة العمر وريعان الشباب فجعلوا يتسابقون إلى الموت ليفدوا عمهم بأرواحهم، وهم:
ويكنّى أبا بكر، وأُمّه أمّ ولد يقال لها: رملة، وقد برز إلى الحرب فتناهبت جسمه السيوف والرماح وخر صريعاً إلى الأرض يتخبّط بدمه الزاكي (5).
1) الإرشاد/المفيد: 2: 126. مناقب آل أبي طالب: 4: 106، مقاتل الطالبيين: 98
2) أُمّه أم ولد. مقاتل الطالبيين: 97
3) مناقب آل أبي طالب: 4: 106. إبصار العين: 67. مقاتل الطالبيين: 97
4) مقاتل الطالبيين: 97
5) الإرشاد/المفيد: 2: 125 مناقب آل أبي طالب: 4: 106. الدر النظيم: 170. أنساب الأشراف: 3: 406. تاريخ الأمم والملوك: 4: 662
وفي طليعة أبناء الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها القاسم، وكان - فيما وصفه المؤرخون كالقمر في بهائه وجماله، وكرونق الزهور في زهوه ونضارته، وقد أنعم اللّه عليه وهو في سنّه المبكر بإشراق العقل وفطنة النفس وعزّة الإيمان، وقد غذاه عمه بمواهبه، وأفرغ عليه أشعة من روحه حتى صار مثالاً للكمال وقدوة للإيمان، لقد نشأ القاسم في كنف عمه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وكان القاسم يرنو إلى عمّه ويتطلع إلى محنته، ويود أن يردّ عنه عوادي الأعداء بدمه، وكان يقول: لا يقتل عمّي وأنا أحمل السيف (1).
ولمّا رأى وحدة عمّه أحاطت به الآلام الهائلة، واندفع يطلب منه الإذن ليجاهد بين يديه فاعتنقه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعيناه تفيضان دموعاً، وأذن له بالجهاد بـعد إلحاحه، وانطلق الفتى ببطولة رائعة وهو لا يعرف الخوف ويهزأ من الحياة، ولم يضف على جسده لامة حرب، وإنّما صحب معه سيفه، والتحم مع الأعداء يضرب الأعناق، ويحصد الرؤوس كأنّ المنايا كانت طوع أمره يقذف بها من يشاء، وبينما هو يقاتل إذ انقطع شسع نعله، فأنف سليل النبوة أن تكون إحدى رجليه بلا نعل فوقف يشدّه متحدّياً تلك الوحوش الكاسرة وغير حافل بها، وكأنّه يقول:
أشُدُّ قِبال نَعْلِى أَن يَراني *** عَدُوِّي للحَوادِثِ مُستَكينا (2)
واغتنم هذه الفرصة الوغد الخبيث عمرو بن سعد الأزدي، فقال: واللّه لأشدّنَّ
عليه، فأنكر عليه ذلك حميد بن مسلم وراح يقول له: سبحان اللّه ! وما تريد بذلك؟ يكفيك هؤلاء القوم الذين ما يبقون على أحد منهم.
فلم يعنَ به، وشدّ عليه فضربه بالسيف على رأسه الشريف، وهوى إلى الأرض صريعاً كما تهوي النجوم، ونادى رافعاً صوته: يا عماه.
وتقطّع قلب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهرع نحو ابن أخيه الذي ورث عن أبيه الإمام الحسن اللّه قيم الإسلام، فعمد إلى قاتله فضربه بالسيف فاتقاها بساعده فقطعها من المرفق وطرحه أرضاً، فحملت خيل أهل الكوفة لاستنقاذه إلّا أنّ هذا الأثيم هلك تحت حوافرها، وانعطف الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حو ابن أخيه فجعل يقبله والفتى يفحص بيديه ورجليه، وجعل يخاطبه بذوب روحه قائلاً: بُعْداً لِقَوْمٍ قَتَلُوكَ، وَمَنْ خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيْكَ جَدُّكَ. عَزَّ وَاللّهِ عَلى عَمِّكَ أَنْ تَدْعُوَهُ فَلَا يُجِيبُكَ، أَوْ يُجيبُكَ فَلَا يَنفَعُكَ، صَوْتٌ وَاللّهِ كَثُرَ واتِرُهُ، وَقَلَّ ناصِرُهُ (1).
وحمل الفتى بين ذراعيه وهو يفحص برجليه كالطير المذبوح (2)وجاء به فألقاه بجوار ولده عليّ الأكبر وسائر القتلى من أهل البيت، وأخذ يطيل النظر إلى تلك الكواكب المشرقة من أهل بيته، فجعل يدعو على المجرمين من أعدائه، ويدعو البقية الباقية من أهل بيته بالخلود إلى الصبر قائلاً: اللَّهُمَّ أَحْصِهِم عَدَداً، وَلَا تُغادِرْ مِنْهُم أَحَداً، وَلَا تَغْفِرْ لَهُمْ أَبَداً، صَبْراً يا بَنِي عُمُومَتِي، صَبْراً يَا أَهْلَ بَيْتِي، لَا رَأَيْتُمْ هَوَاناً بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ أَبَداً» (3).
لك اللّه يا أبا عبداللّه على هذه الرزايا والكوارث التي تميد من هولها الجبال،
وتعصف بحلم أي إنسان كان، وصعدت روحه إلى اللّه جل وعلا ليلتقي بجده رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
وقاتل الحسن بن الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) القتال الأبطال حتى هوى إلى الأرض جريحاً، ولما عمد أنذال أهل الكوفة إلى حزّ رؤوس الشهداء وجدوا به رمقاً، فاستشفع به أسماء بن خارجة الفزاري وكان من أخواله (1)، فشفّعوه فيه فحمله معه إلى الكوفة وعالجه حتى برى من جرحه، ثم لحق بيثرب.
كان غلاماً له من العمر إحدى عشرة سنة، وقد رأى عمه قد أحاطت به الأعداء فهرول إليه، فعمدت إليه عمته زينب لتمنعه فامتنع عليها، وجاء يركض إلى عمه فأهوى بحر بن كعب بالسيف ليضرب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فصاح به الطفل في براءة الأطفال: يابن الخبيثة، أتقتل عمي؟!
وعمد ابن الخبيثة إلى الطفل فعلاه بالسيف، فتلقاه بيده فأطنّها إلى الجلد فإذا هي معلّقة، فصاح الطفل مستغيثاً بعمه قائلاً: يا عماه، ووقع في حجر عمّه، فاعتنقه وجعل يواسيه، ويصبره على ما نزل به قائلاً: يَابْنَ أَخِي، اصْبِرْ عَلَى مَا نَزَلَ بِكَ، وَاحْتَسِبْ فِي ذلِكَ الْخَيْرَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُلْحِقُكَ بِآبَائِكَ الصَّالِحِينَ.
وأخذ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) یدعو على الظالمين السفّاكين المجرمين: اللّهمَّ إِنْ
1) أم الحسن المثنى خولة بنت منظور بن يسار بن عقيل بن هلال بن سمي بن غالب بن فزارة، ومن هنا كانت القرابة والخؤولة؛ لأنّ خولة فزارية، ولهذا قال عمر بن سعد عندما شفع أسماء ابن خارجة للحسن(عَلَيهِ السَّلَامُ): دعوا لأبي حسان ابن أخته. وتزوج الحسن المثنى فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِما السَّلَامُ) عليا وولدت منه ثلاثة أولاد - الإرشاد/المفيد: 2: 25
مَتَعتَهُمْ إِلى حِينٍ فَفَرَّقْهُمْ تَفرِيقاً، وَاجْعَلْهُمْ طَرائِقَ قِدَداً، وَلَا تُرضِ الْوِلَاةَ عَنْهُمْ أَبَداً، فَأنّهمْ دَعَوْنَا لِيَنصُرونا ثُمَّ عَدَوا عَلَيْنَا يُقاتِلُونَنا».
وبينما هو في حجر عمّه؛ إذ سدد له الباغي اللئيم حرملة بن كاهل سهماً غادراً فذبحه، وحمله (عَلَيهِ السَّلَامُ) فوضعه بين القتلى من أهل بيته(عَلَيهِم السَّلَامُ) (1).
لقد تجرّد أولئك الممسوخون من كل نزعة إنسانية فاستباحوا قتل الأطفال الأبرياء الذي كان محرّماً حتى في العرف الجاهلي.
وتسابقت الفتية من أبناء عبد اللّه بن جعفر إلى الجهاد بين يدي ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وهم:
وأُمه العقيلة زينب بنت الإمام أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد برز إلى ساحة الجهاد، فجعل يقاتل قتال الأبطال وهو يرتجز:
إِن تُنكِرُونِي فَأَنَا ابْنُ جَعْفَر *** شَهِيدِ صِدْقٍ فِي الجِنانِ أَزْهَرْ
يَطِيرُ فيها بجناح أَخْضَرْ ***كَفَى بِهَذا شَرَفاً مِنْ مَعشَر (2)
وقد عرّف نفسه بأنّه ابن جعفر الشهيد الخالد في الإسلام الذي قطعت يداه في سبيل الدعوة الإسلامية، فأبدله اللّه بهما جناحين يطير بهما في الفردوس الأعلى -
حسبما يقول الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ(- ويكفي عون شرفاً ومجداً أنّه حفيد هذا الرجل العظيم.
وجعل يقاتل، فحمل عليه عبداللّه بن قطبة الطائي فقتله، وقد رثاه سليمان بن قتة بقوله:
وَانْدُبِي والدبى إِن يَكَيتِ عوناً أَخاهُ *** لَيسَ فِيمَا يَنوبُهُمْ بِخَذولِ
فَلَعَمْرِي لَقَدْ أَصَبْتِ ذَوِي القُر *** بي فَبَكِّي عَلَى الْمُصابِ الطَّوِيلِ (1)
محمّدبن عبد اللّه بن جعفر (رَحِمَهُمُ الله)
وبرز إلى حومة الحرب محمّدبن عبد اللّه بن جعفر، وأمه الخوصاء من بني بكر ابن وائل، وجعل يقاتل وهو يرتجز:
نَشْكُو إِلَى اللّهِ مِنَ العُدوانِ قَتالَ قَومٍ فِي الرَّدى عُمْيانِ
قَدْ بَدَّلُوا مَعالِمَ الفرقانِ وَمُحكَمَ التَّنزِيلِ وَالتِّبْيانِ
وَأَظْهَرُوا الكُفْرَ مَعَ الطُّغيان (2)
لقد شكا إلى اللّه بهذا الرجز ما يعانيه أهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) من الظلم والاعتداء من تلك العصابة الباغية التي عميت عن الحق وتردّت في الضلال وبدلت أحكام القرآن، وأظهرت الكفر والطغيان.
وقاتل الفتى أعنف القتال، فحمل عليه عامر بن نهشل التيمي (3)فضربه بالسيف فهوى جسمه الخضيب على رمضاء كربلاء، ولم يلبث أن لفظ أنفاسه الأخيرة، وقد رثاه سليمان بن قتة بقوله:
وَسَمِيُّ النبیّ غُودِرَ فِيهِم *** قَد عَلَوهُ بِصَارِمٍ مَصْقُولِ
فَإِذَا مَا بَكِيْتِ عَيْنِي فَجُودِي *** بِدُمُوعِ تَسِيلُ كُلَّ مَسِيلٍ (1)
وعبيد اللّه أُمّه الخوصاء بنت حفصة، وقد برز إلى الجهاد فقتل (2).
وبعد ما استشهدت الصفوة الطيبة من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) ولم يبق مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سوى إخوته من أبيه هبوا للجهاد، ووطنوا أنفسهم على الموت؛ ليفتد وا ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بنفوسهم ومهجهم.
ولمّا رأى بطل هاشم وفخر عدنان العباس بن الإمام أمير المؤمنين كثرة القتلى من أهل بيته التفت إلى إخوته من أبيه وأمه فقال لهم: تقدموا يا بني أُمّي حتى أراكم نصحتم اللّه ولرسوله فأنّه لا ولد لكم (3).
وكشفت هذه الكلمات عن مدى إيمأنّه العميق، فهو يطلب من إخوته أن يكونوا قرابين اللّه، ويراهم في جهادهم قد نصحوا للّه ورسوله، ولم يلحظ في جهادهم أيّ اعتبار آخر من النسب وغيره. والتفت أبو الفضل إلى أخيه عبد اللّه، وكان أكبر إخوأنّه سناً فقال له: تقدّم يا أخي حتى أراك قتيلاً وأحتسبك (4).
واستجابت الفتية إلى نداء الحق، فتقدّموا إلى الجهاد بعزم وإخلاص
وإنّ من أرخص الأقوال وأهزلها ما ذكر من أنّ العباس اللّه قال لإخوته: تقدّموا حتى أرتكم فأنّه لا ولد لكم (1)، لقد قالوا بذلك؛ ليقللوا من أهمية هذا العملاق العظيم الذي هو في طليعة رجال الإسلام بذلاً وتضحية في سبيل اللّه، وهل من الممكن أن يفكّر العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الناحية المادية في تلك الساعة الرهيبة التي كان الموت المحتّم منه كقاب قوسين أو أدنى، مضافاً إلى المحن الشاقة التي أحاطت به؟! فهو يرى الكواكب من إخوته وأبناء عمومته صرعى على الأرض، ويسمع ضجيج حرائر النبوة وكرائم الوحي، ويسمع صراخ الأطفال وهم ينادون: العطش العطش، ويرى أخاه قد أحيط به وهو يستغيث فلا يغاث.
فقد استوعبت هذه الرزايا التي تذهل الألباب جميع مشاعره وعواطفه، ولم يكن يفكر إلا بسرعة الرحيل عن هذه الدنيا، ومضافاً لذلك كله فإنّ أُمَّ البنين أُمَّ العباس كانت حية، فهي التي تحوز ميراث أبنائها؛ لأنّها من الطبقة الأولى، ولعل الوارد:
حتى أثأركم، أي أطلب بثأركم، فحرّف ذلك.
ويرز عبداللّه بن أمير المؤمنين، وأمه أم البنين إلى ساحة الجهاد، والتحم مع الأعداء وهو يرتجز:
شيخي عَلِيٌّ ذُو الفخارِ الأَطول *** من هاشم الخَيْرِ الكَرِيمِ المُفْضِلِ
1) الكامل في التاريخ: 3: 294. وفي تاريخ الأمم والملوك: 4: 644: قد ذكره بقوله: «وزعموا»
هذَا حُسَينُ ابْنُ النبیّ المُرْسَلِ *** عَنْهُ نُحَامِي بِالحُسَامِ المُصْقَلِ
تَهْدِيهِ نَفْسِي مِن أَخِ مُبَجِّلِ يَا رَبِّ فَامْنَحنِي ثَوابَ المَنزِلِ (1)
لقد اعتزّ - بهذا الرجز - بأبيه الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) باب مدينة علم النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ووصيه، كما اعتزّ بأخيه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وإنّه إنما ينافح عنه لا بدافع الأخوة والرحم، وإنما يبغي بذلك وجه اللّه والدار الآخرة.
ولم يزل الفتى يقاتل أعنف القتال حتى شدّ عليه الباغي الأثيم هانئ بن ثبيت الحضرمي فقتله (2)
وفي الفتوح: 5: 112: «إنّ الذي قتله زحر بن بدر النخعي».
وفي مناقب آل أبي طالب: 4: 107: «بعد شهادة جعفر برز أخوه عبداللّه قائلاً:
أَنَا ابْنُ ذِي النَّجْدَةِ وَالإِفْصَالِ *** ذَاكَ عَلِيُّ الخَيْرِ ذُو الفعَالِ
سَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ذِي النِّكَالِ *** ظَاهِرِ الأَهوالِ في كل يَوْم
فقتله هانئ بن شبيب الحضرمي لعنه اللّه» - بحار الأنوار: 45: 38. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 29
.وبرز جعفر بن أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأُمّه أم البنين، وكان له من العمر تسع عشرة سنة، فجعل يقاتل قتال الأبطال، فشدّ عليه هانئ بن ثبيت فقتله (3)
وذكر ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب: 4: 107: «ثم برز أخوه جعفر منشاً يقول:
إِنِّي أَنا جَعْفَرُ ذُو المَعالي *** ابنُ عَلي الخَيْرِ ذِي النُّوالِ
ذاكَ الوَصِيُّ ذُو السَّنا والوالِي *** حَسْبِي بِعَمِّي شَرَفاً وَالخالِ
فرماه خولي الأصبحي فأصاب شقيقته أو عينيه.
وفي زيارة الناحية المقدسة: «السَّلَامُ عَلَى جَعْفَرِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، الصَّابِرِ بِنَفْسِهِ مُحْتَسِباً، وَالنَّائِي عَنِ الْأَوْطَانِ مُفْتَرِباً، الْمُسْتَسْلِم لِلْقَتْلِ الْمُسْتَقْدِمِ لِلنّزالِ، الْمَكْتُورِ بالرّجالِ لَعَنَ اللّه فَائِلَهُ هَانى بْنَ ثَبِيتِ الْحَضْرَمِي»
.وبرز عثمان بن أمير المؤمنين وأمه أمّ البنين، وهو ابن إحدى وعشرين سنة، فرماه خَوْلي بن يزيد الأصبحي بسهم فأضعفه، وشدّ عليه رجل من بني دارم وأخذ رأسه ليتقرب به إلى سيّده ابن مرجانة (1).
وليس في تاريخ الإنسانية قديماً ولا حديثاً أخوّة أصدق ولا أنبل ولا أوفى من أخوة أبي الفضل لأخيه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد حفلت بجميع القيم الإنسانية والمثل الكريمة.
وكان البارز من مثل تلك الأخوّة النادرة الإيثار والمواساة والفداء، فقد آثر أبو الفضل أخاه وفداه بروحه، وواساه في أقسى المحن والخطوب، وقد أشاد الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه المواساة النادرة من عمه، حيث يقول (عَلَيهِ السَّلَامُ): «رَحِمَ اللّهُ الْعَبّاسَ، فَلَقَدْ آثَرَ وَأَبْلى، وَفَدَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ حَتَّى قُطِعَتْ يَداهُ، فَأَبْدَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِمَا جِناحَيْنِ يَطِيرُ بِهِما مَعَ الْمَلَائِكَةِ فى الْجَنَّةِ كَمَا جَعَلَ لِجَعفَرِ بْن أبي طالب... وَإِنَّ ِللْعَباسِ عِنْدَ اللّه تَعالى مَنْزِلَةٌ يَغْبِطُهُ بِها جَمِيعُ الشُّهَداءِ يَوْمَ الْقِيامَةِ (2).
وقد أثارت هذه الأخوّة الصادقة الإكبار والإعجاب عند جميع الناس، وصارت مضرب المثل في جميع الأحقاب والآباد، فهذا يزيد وهو عدو آل علي(عَلَيهِم السَّلَامُ) لمّا عرضت عليه الألوية ورأى لواء أبي الفضل وقد تغيّر إلا مقبض كفّه سأل عنه، فقيل: لأبي الفضل العباس، قام وجلس وقال: أبيت اللعن يا عباس، وهي أمدح كلمة تقولها العرب. وقد اعتز بها حفيده الفضل بن محمّد(1)حيث يقول:
أحقُّ النَّاسِ أَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ *** فتى أَبْكَى الحسين بِكَرْبَلاءِ
أخُوهُ وَابْنُ والدِهِ عَلِي *** أَبُو الفضْل المُضَرْجُ بِالدّماءِ
وَمَنْ واساهُ لَا يَثْنِيهِ شَيْءٌ *** وَجادَ لَهُ عَلَى عَطَشِ بِماءِ (2)
ويقول الكميت:
قَتَلَ الأدْعِيَاهُ إذْ قَتَلُوهُ *** أكْرَمَ الشَّارِبِينَ صَوْبَ الغَمَامِ
وَسَمِيُّ النبیّ بِالشَّعْبِ ذِي الخَيـ ***ـف طَرِيدُ المُحِلِّ بِالإِحْرامِ
وَأَبُو الفضْلِ إِنَّ ذِكْرَهُمُ الحُلـ *** ـوَ بِفِي الشَّفاءُ لِلأَسقام (3)
لقد كان أبو الفضل يملك طاقات هائلة من التقوى والدين، وكانت أسارير النور بادية على وجهه الكريم حتى لقب بقمر بني هاشم، كما كان من الأبطال البارزين في الإسلام، وكان إذا ركب الفرس المطهم (4)رجلاه تخطان في الأرض (5)وقد ورث صفات أبيه من الشجاعة والنضال.
1) الفضل بن محمّدبن الفضل بن الحسن بن عبيد اللّه بن العباس - شرح الأخبار: 3: 193 عيون الأخبار وفنون الآثار: 101. معجم الشعراء/المرزباني: 164
2) اللّهوف: 70 مقاتل الطالبيين: 89
3) القصائد الهاشميات: 21 مقاتل الطالبيين: 90
4) المطهّم: السمين الفاحش السمن - لسان العرب: 8: 213- طهم
5) مقاتل الطالبيين: 90
وأسند إليه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وم الطف قيادة جيشه ودفع إليه رايته فرفعها عالية خفاقة، وقد قاتل أعنف القتال وأشدّه، ولما رأى وحدة أخيه وقتل أصحابه وأهل بيته الذين باعوا نفوسهم اللّه انبرى إليه يطلب منه الرخصة ليلاقي مصيره المشرق، فلم يسمح له الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقال له بصوت خافت حزين النبرات: أَنْتَ صاحِبُ لوائي.
لقد كان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) شعر بالقوة والمنعة ما دام أبو الفضل حياً، فهو كجيش إلى جانبه يحميه ويذب عنه.
وألحّ عليه أبو الفضل قائلاً: لقد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين، وأُريد أن آخذ ثأري منهم (1).
لقد ضاق صدره وسئم من الحياة حينما رأى الكواكب المشرقة من إخوته وأبناء إخوته وعمومته صرعى مجزرين على رمال كربلاء، فتحرّق شوقاً للالتحاق بـه-م والأخذ بثأرهم، وطلب منه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يسعى لتحصيل الماء إلى الأطفال الذين صرعهم العطش، فاندفع الشهم النبیّل نحو أولئك الممسوخين فجعل يعظهم ويحذرهم غضب اللّه ونقمته، وخاطب ابن سعد قائلاً: يابن سعد، هذا الحسين ابن بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) قد قتلتم أصحابه وأهل بيته، وهؤلاء عياله وأولاده عطاشى فاسقوهم من الماء، قد أحرق الظمأ قلوبهم.
وزلزلت الأرض تحت أقدامهم وودوا أن تسيخ بهم، ويكى بعضهم، وساد عليهم صمت رهيب، فانبرى إليه الرجس الخبيث شمر بن ذي الجوشن فردّ عليه قائلاً: يا بن أبي تراب، لو كان وجه الأرض كله ماءً وهو تحت أيدينا لما سقيناكم منه قطرة إلا أن تدخلوا في بيعة يزيد.
وقفل أبو الفضل راجعاً إلى أخيه فأخبره بعتو القوم وطغيأنّهم، وسمع الأبيّ
1) بحار الأنوار: 45: 41
الشهم صراخ الأطفال وهم وهم يستغيثون وينادون: العطش العطش، الماء الماء (1).
فرآهم أبو الفضل العباس - ويا لهول ما رأى - قد ذبلت شفاههم وتغيّرت ألوانّهم وأشرفوا على الهلاك من شدّة الظمأ، فالتاع أشدّ ما يكون الالتياع، وسرى الألم العاصف في مُحيّاه، واندفع ببسالة لإغاثتهم، فركب جواده وأخذ معه القربة، فاقتحم الفرات وقد استطاع بقوة بأسه أن يفك الحصار الذي فرض على ال-م-اء، وقد أنّهزم الجيش من بين يديه، فقد ذكرهم ببطولات أبيه فاتح خيبر ومحطم فلول الشرك، وقد انتهى إلى الماء وكان قلبه الشريف قد تفتت من العطش، واغترف من الماء غرفة ليشرب منه إلا أنّه تذكر عطش أخيه ومن معه من النساء والأطفال، فرمى الماء من يده وامتنع أن يروي غليله، وهو يقول:
يَا نَفْسُ مِن بَعْدِ الحسين هُونِي *** وَبَعْدَهُ لَا كُنْتِ أَنْ تَكُونِي
هذَا الحسين وارِدُ المَنُونِ *** وَتَشْرَبينَ بارِدَ المَعِينِ
تَاللّهِ مَا هذا فِعالُ دِينِي *** وَلَا فِعال صادِقِ اليَقِينِ (2)
إن الإنسانية بكل إجلال وإكبار لتحيي هذه الروح العظيمة التي تألقت في دنيا الفضيلة والإسلام، وهي تلقي على الأجيال أروع الدروس عن الكرامة الإنسانية والمثل العليا.
لقد كان هذا الإيثار الذي تجاوز حدود الزمان والمكان من أبرز الذاتيات في خلق أبي الفضل، فلم تمكنه عواطفه المترعة بالولاء والحنان لأخيه أن يشرب من الماء قبله، فأي إيثار أنبل أو أصدق من هذا الإيثار؟!
لقد امتزجت نفسه بنفس أخيه، وتفاعلت روحه مع روحه، فلم يعد هناك أي
تعدد في الوجود بينهما، واتّجه فخر هاشم مزهواً نحو المخيم بعدما ملأ القربة وهي عنده أغلى وأثمن من الحياة، والتحم مع الأعداء التحاماً رهيباً، فقد أحاطوا به ليمنعوه من إيصال الماء إلى عطاشى أهل البيت، وأشاع فيهم البطل القتل، فأخذ يحصد الرؤوس ويجدل الأبطال وهو يرتجز:
لا أَرْهَبُ المَوْتَ إِذا المَوتُ زَقا *** حتَّى أُوارى في الْمَصالِيتِ لِقا
نَفْسِي لِنَفْسِ المُصطَفَى الطهر وقا *** إِنِّي أَنَا العَبّاسُ أغْدُو بِالسِّقا
وَلا أَخافُ الشَّرَيَومَ المُلْتَقَى (1)
لقد أعلن لهم عن شجاعته النادرة وبطولاته العظيمة، فهو لا يرهب الموت، وإنّما يستقبله بثغر باسم دفاعاً عن الحق، ودفاعاً عن أخيه رائد العدالة الاجتماعية في الأرض، وأنّه لفخور إذ يغد و بالسقاء مملوءاً من الماء ليروي به عطاشى أهل البيت.
وأنّهزمت جيوش الباطل يطاردها الرعب والفزع، فقد أبدى أبو الفضل من البطولات ما يفوق حد الوصف، وقد أيقنوا أنّهم عاجزون عن مقاومته، إلا أنّ الوضر الجبان زيد بن الرقاد الجهني قد كمن له من وراء نخلة، ولم يستقبله بوجهه، فضربه على يمينه فبراها.
لقد قطع تلك اليد التي كانت تفيض سماحاً وبراً على الناس ودفاعاً عن حقوق المظلومين والمضطهدين.
ولم يعنّ أبو الفضل بيمينه، وإنما راح يرتجز:
وَاللّهِ إِنْ قَطَعْتُمُ يَمِينِي *** إِنِّي أُحامِي أَبَداً عَنْ دِينِي
وَعَنْ إمام صادِقِ اليَقِينِ *** نَجْلِ النبیّ الطَّاهِرِ الأَمِينِ (2)
ودلل بهذا الرجز على الأهداف العظيمة التي يناضل من أجلها، فهو إنّما يناضل دفاعاً عن الدين، ودفاعاً عن إمام المسلمين.
ولم يبعد العباس قليلاً حتى كمن له من وراء نخلة رجس من أرجاس البشرية وهو الحكيم بن الطفيل الطائى فضربه على يساره فبراها، وتنص بعض المقاتل أنّه حمل القربة بأسنأنّه وجعل يركض ليوصل الماء إلى عطاشى أهل البيت، غير حافل بما كان يعانيه من نزف الدماء وألم الجروح وشدّة الظمأ (1)، لقد كان ذلك منتهى ما وصلت إليه الإنسانية في جميع أدوارها من الوفاء والرحمة والحنان.
وبينما هو يركض وهو بتلك الحالة؛ إذ أصاب القربة سهم غادر فأُريق ماؤها، ووقف البطل الشهم حزيناً، فقد كانت إراقة الماء عنده أشدّ عليه من ضرب السيوف وطعن الرماح. وشدّ عليه رجس فعلاه بعمود من حديد على رأسه الشريف ففلق هامته، وهوى إلى الأرض وهو يؤدي تحيته ووداعه الأخير إلى أخيه قائلاً: عليك مني السلام أبا عبد اللّه (2).
وحمل الأثير كلماته إلى أخيه فخرقت قلبه ومزقت أحشاءه، وانطلق وهو خائر القوى منهد الركن فاقتحم بجواده جيوش الأعداء، ووقف على الجثمان المقدّس هو يعاني آلام الاحتضار، وألقى بنفسه عليه فجعل يشمّه ويضمّخه بدموع عينيه وهو يلفظ شظايا قلبه الذي مزقته الكوارث قائلاً: الآنَ انْكَسَرَ ظَهْرِي، وَقَلَّتْ حِيلَتِي، وَشَمِتَ بي عَدُوّي (3).
وجعل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) طيل النظر إلى جثمان أخيه وهو يذكر أُخوته الصادقة، ووفاءه النادر، وشهامته الفذة، وتبددت جميع آماله، وكان مما يهون عليه أهوال
هذه الكارثة سرعة اللحاق به، وعدم بقائه بعده إلا لحظات، ولكنها كانت عنده كالسنين، فقد ودّ أنّ المنيّة قد وافته قبله.
وقام الثاكل الحزين وقد أنّهارت قواه، وهو لا يتمكن أن يقل قدميه، وقد بان عليه الانكسار والحزن، واتّجه صوب المخيّم وهو يكفكف دموعه، فاستقبلته سكينة قائلة: أين عمي؟ فأخبرها بشهادته وهو غارق بالبكاء والشجون (1).
وذعرت حفيدة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) زينب واستولى عليها الفزع حينما سمعت بمقتل أخيها، ووضعت يدها على قلبها المذاب وهي تصيح: وا أخاه، وا عباساه، واضيعتنا بعدك.
وشارك الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها شقيقته في النياحة على أخيه البـار، واندفع رافعاً عقيرته وهو الصبور: «وَاضَيْعَتَنا بَعْدَكَ يَا أَبا الفضْل» (2).
لقد شعر بالوحدة والضيعة بعد فقده لأخيه الذي لم يترك لوناً من ألوان البِرَّ والمواساة إلا قدمها لأخيه.
فسلام على سيرتك وذكراك يا أبا الفضل، فلقد مضيت إلى مصيرك العظيم وأنت من أعظم الشهداء إشراقاً وتضحية. وداعاً يا قمر بني هاشم. وداعاً يا بطل كربلاء. وسلام عليك يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حياً.
وممن استشهد من إخوة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بيه محمّدالأصغر، وأُمَه أُمّ ولد (3)،
وقد قاتل قتالاً عنيفاً فشدّ عليه رجل من تميم فقتله (1).
وهو أخو الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إبيه، وأمّه ليلى بنت مسعود، لم يعرف اسمه (2)، ويقول الخوارزمي: إن اسمه عبداللّه، وقد برز للحرب فقتله رجل من هَمدان. وقيل: لا يدرى من قتله. ويذهب الطبري إلى أنّه مشكوك في قتله (3).
وهو أخو الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبيه، وأمه لبابة بنت عبيد اللّه بن العباس، استشهد يوم الطف (4).
ويقول القاسم بن أصبغ المجاشعي لما أُتي بالرؤوس إلى الكوفة رأيت فارساً علق في ساق فرسه رأس غلام أمرد كأنّه القمر ليلة البدر، فإذا طأطأ الفرس رأسه لحق رأس الغلام بالأرض، فسألت عن الفارس فقيل: هو حرملة بن كاهل، وسألت عن الرأس فقيل: هو رأس العباس بن عليّ (5)، وهذا مما يؤكد وجود العباس الأصغر
1) مقاتل الطالبيين: 91
2) مقاتل الطالبيين: 91. تاريخ خليفة بن خياط: 145
3) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الان/الخوارزمي: 2: 28 مقاتل الطالبيين: 91. تاريخ الأمم والملوك:.661:2
4) تاريخ خليفة بن خياط: 145. وذهب جمع من المؤرخين إلى أنّ لبابة بنت عبيد اللّه بن العباس هي زوجة العباس بن علي بن أبي طالب الشهيد بكربلاء - كتاب المحبر: 441. سر السلسلة العلوية: 89. الجوهرة في نسب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وآله: 57
5) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان: 95. الحدائق الوردية: 1: 132. الصراط السوي في مناقب آل النبیّ: 92
لأنّ العباس الأكبر كان عمره يوم قتل اثنين وثلاثين سنة وليس غلاماً أمرد.
فقد ذكر سبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواص) موافقة لما في (المقاتل)، قال: عن القاسم بن الأصبغ المجاشعي قال: «لما أُتي بالرؤوس إلى الكوفة إذا بفارس أحسن الناس وجهاً قد علق في لبب فرسه رأس غلام أمرد كأنّه القمر ليلة تمامه والفرس يمرح، فإذا طأطأ رأسه لحق الرأس بالأرض، فقلت له: رأس مَن هذا؟
فقال: رأس العباس بن علیّ(عَلَيهِ السَّلَامُ).
فقلت: ومَن أنت؟
قال: حرملة بن كاهل الأسدي.
قال: فلبثت أياماً وإذا بحرملة ووجهه أشدّ سواداً من القار، فقلت له: رأيتك يوم حملت الرأس وما في العرب أنضر وجهاً منك، وما أرى اليوم لا أقبح ولا أسود وجهاً منك، فبكى وقال: واللّه منذ حملت الرأس إلى اليوم ما تمر بي ليلة إلا واثنان يأخذان بضبعي، ثم ينتهيان بي إلى نار تؤجج فيدفعاني فيها وأنا أنكص فتسفعني كما ترى، ثم مات على أقبح حال» (1).
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن شهداء أهل البيت(عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقد انتهكت بقتلهم حرمة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فلم يرع الجيش الأموي قرابتهم من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) التي هي أولى بالرعاية والعطف من كل شيء.
1) تذكرة الخواص: 253 مقاتل الطالبيين: 117 و 118
وتتابعت الرزايا والخطوب يتبع بعضها بعضاً على ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فهو لم يكد ينتهي من كارثة قاصمة حتى تتواكب عليه أشدّ الكوارث هولاً وأعظمها محنة. لقد عانى الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها في تلك اللحظات الرهيبة من المحن الشاقة ما لم يعأنّه أي مصلح كان، ومن بينها:
أولاً: أنّه كان ينظر إلى مخدّرات الرسالة وعقائل الوحي وهنّ بحالة من الذعر لا يعلمها إلا اللّه، ففي كل لحظة يستقبلن عزيزاً من نجوم العترة الطاهرة مضمخاً بدمائه الزكية لا يلبث أن يلفظ نفسه الأخير أمامهن. ومما زاد في وجلهن أنّ الجفاة الأعداء الذين محيت الرحمة من نفوسهم قد أحاطوا بهنّ، ولا يعلمن ماذا سيجري عليهن من المحن بعد فقد الأهل والحماة؟ وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) ينظر إلى ما ألم بهنّ من الخوف فيذوب قلبه أسى وحسرات، فكان يأمرهن بالتجلّد والخلود إلى الصبر، وألا يبدين من الجزع ما ينقص قدرهن، وأعلمهن أن اللّه يحفظهن وينجيهنّ من شر الأعداء.
ثانياً: إن الأطفال قد تعالى صراخهم من ألم الظمأ القاتل، وهو لا يجد مجالاً لإغاثتهم، وقد ذاب قلبه الكبير حناناً ورحمة على أطفاله وعياله الذين يعانون ما لا طاقة لهم به.
ثالثاً: تعدي المجرمين بعد قتل أصحابه وأهل بيته إلى قتل الأطفال الأبرياء من أبناء إخوته وعمومته.
رابعاً: مقاساته العطش الأليم، فقد ورد عن شدة ظمأه أنّه كان لا يبصر السماء إلا كالدخان، وأنّ كبده الشريف قد تفتت من شدة العطش.
يقول الشيخ التستري: «إنّ عطشه قد أثر في أربعة أعضاء، فالشفة ذابلة من حرّ الظمأ، والكبد مفتت لعدم الماء كما قال هو (عَلَيهِ السَّلَامُ(- حين كان واقفاً وقد ينس من حياته بحيث علم أنّهم يعلمون أنّه لا يعيش بعد ذلك، فأظهر عطشه وقال: الآنَ اسْقُونِي قَطْرَةً مِنَ المَاءِ فَقَدْ تَفَتَّتَ كَبِدِي، واللسان مجروح من شدة اللوك -كما في الحديث - والعين مظلمة من العطش (1).
خامساً: فقده للأحبة من أهل بيته وأصحابه، فكان ينظر إلى خيمهم فيراها خالية، فجعل يصعد آهاته وأحزأنّه، ويندبهم بأشجى ندبة.
إن النفس لتذوب حسرات من هذه الخطوب التي ألمت بابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
ونظر الممتحن اللّها نظرة مشفوعة بالأسى والحسرات إلى أهل بيته وأصحابه فرآهم مجزرين كالأضاحي على رمال كربلاء تصهرهم الشمس، وسمع عياله وقد ارتفعت أصواتهن بالبكاء فأخذ يستغيث ويطلب الناصر والمعين ليحامي عن حرم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) قائلاً: هَلْ مِنْ ذَابٍ يَذُبُ عَنْ حُرَمِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)؟ هُلْ مِنْ مُوَحَدٍ يَخافُ اللّه فينا؟ هَلْ مِنْ مُغِيثٍ يَرْجُو اللَّهَ فِي إِعَاثَتِنا؟ (2)
ولم تنفذ هذه الاستغاثة إلى تلك القلوب التي ران عليها الباطل وغرقت في الآثام، ولما سمع زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) استغاثة أبيه وثب من فراشه، وجعل يتوكأ على عصا لشدة مرضه، فبصر به الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فصاح بأخته السيدة أُمّ كلثوم: احْبِسِيهِ لِئَلَّا
تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ نَسْلِ آلِ محمّد، وبادرت إليه فأرجعته إلى فراشه(1).
أي صبر كان صبر أبي عبد اللّه؟! كيف استطاع أن يتحمّل هذه الكوارث؟! أنّه صبر تعجز عنه الكائنات، وتميد من هوله الجبال، وكان من أفجع وأقسى ما نكب به رزیته بولده عبداللّه الرضيع (2)، فقد كان كالبدر في بهائه، فأخذه وجعل يوسعه تقبيلاً ويودعه الوداع الأخير، وقد رآه مغمى عليه، وقد غارت عيناه وذبلت شفتاه شدّة الظمأ، فحمله إلى القوم ليستدرّ عواطفهم لعلهم يسقوه جرعة من الماء، وعرضه عليهم وهو يظلل له بردائه من حرارة الشمس، وطلب منهم أن يسعفوه بقليل من الماء، فلم ترق قلوب أولئك الممسوخين.
و انبرى الباغي اللئيم حرملة بن كاهل فسدد له سهماً، وجعل يضحك ضحكة الدنيء وهو يقول مفتخراً أمام اللثام من أصحابه: خذ هذا فاسقه.
واخترق السهم - ياللّه - رقبة الطفل، ولما أحس بحرارة السهم أخرج يديه من القماط، وجعل يرفرف على صدر أبيه كالطير المذبوح، وانحنى الطفل رافعاً رأسه إلى السماء فمات على ذراع أبيه.
أنّه منظر تتصدّع من هوله القلوب، وتلجم الألسن، ورفع يديه وكانتا مملوءتين من ذلك الدم الطاهر فرمی به نحو السماء فلم تسقط منه قطرة واحدة إلى الأرض حسبما يقول الإمام الباقر(عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأخذ يناجي ربِّه قائلاً: هَوَّنَ مَا نَزَلَ بِي أنّه بِعَيْنِ اللَّهِ تَعالَى، اللّهُمَّ لَا يَكُنْ أَهْوَنَ عَلَيْكَ مِنْ فَصِيلِ ناقَةِ صالح. إِلهِي إِنْ كُنْتَ حَبَسْتَ عَنَا النَّصْرَ
فَاجْعَلْهُ لِما هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَانْتَقِمْ لَنَا مِنَ الظَّالِمِينَ، وَاجْعَلْ ما حَلَّ بِنا فِي الْعَاجِلِ ذَخِيْرَةٌ في الآجِلِ، اللّهُمَّ أَنْتَ الشَّاهِدُ عَلَى قَوْمٍ قَتَلُوا أَشْبَهَ النَّاسِ بِرَسُولِكَ محمّد(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)(1).
ونزل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ن جواده وحفر لطفله بجفن سيفه حفرة ودفنه مرمّلاً بدمائه الزكية. وقيل: أنّه ألقاه مع القتلى من أهل بيته. لك اللّه يا أبا عبداللّه على هذه الكوارث التي لم يمتحن ببعضها أي نبي من أنبياء اللّه، ولم تجر على أي مصلح في الأرض.
وحدّث المنهال بن عمرو، قال: دخلت علی زین العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أودعه وأنا أُريد الانصراف من مكة، فقال: يا مِنْهالُ ما فَعَلَ حَرْمَلَةُ بْنُ كَاهِلٍ؟ وكان معي بشير بن غالب الاسدي.
فقال: ذلك من بني الجرش أحد بني موقد النار وهو حي بالكوفة.
فرفع الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يديه وقال: اللّهم أذِقْهُ حَرَّ النَّارِ، اللّهم أذقهُ حَرَّ أَذِفَهُ الْحَدِيدِ.
قال المنهال: وقدمت الكوفة والمختار بها فركبت إليه فلقيته خارجاً من داره، فقال: يا منهال، لم تشركنا في ولايتنا هذه، فعرفته أنّي كنت في مكة، فمشى حتى أتى الكناس ووقف كأنّه ينتظر شيئاً، فلم يلبث أن جاء قوم قالوا: أبشر أيها الأمير فقد حرملة فجيء ء به، فقال: لعنك اللّه، الحمد لله الذي أمكنني منك، الجزار الجزار، فأُتي بجزار، فأمره بقطع يديه ورجليه، ثم قال: النار النار، فأُتي بنار وقصب أخذ فأُحرق.
فقلت: سبحان اللّه سبحان اللّه، فقال: إنّ التسبيح لحسن، لِمَ سبحت؟! فأخبرته ؟! بدعاء زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فنزل عن دابته وصلى ركعتين وأطال السجود وركب وسار،
1) مثير الأحزان/ابن نما: 36 اللّهوف: 69. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/المقرم: 343 و 344. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي:2: 32
فحاذی داري، فعزمت عليه بالنزول والتحرّم بطعامي فقال: إن علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ي الامل دعا بدعوات فأجابها اللّه على يدي ثمّ تدعوني إلى الطعام؟! هذا يوم صوم شكراً اللّه تعالى، فقلت: أحسن اللّه توفيقك (1).
ووقف الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحيداً في الميدان أمام أعدائه، وقد زادته الفجائع المذهلة إيماناً ويقيناً في بشر وطلاقة وثقة بما يصير إليه من منازل الفردوس الأعلى. لقد وقف ثابت الجنان لم يوهن عزيمته مصارع أولاده وأهل بيته وأصحابه ولا ما كان يعانيه من ألم العطش ونزيف الدماء، أنّه صمود الأنبياء وأولي العزم الذين ميّزهم اللّه على بقية عباده.
وقد روى ولده علي بن الحسين زين العابدين(عَلَيهِما السَّلَامُ) الصور المذهلة عن صبر أبيه وصموده هو وأصحابه، قال(عَلَيهِ السَّلَامُ):... وَكانَ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَبَعْضُ مَنْ مَعَهُ مِنْ خَصَائِصِهِ تَشْرُقُ أَلْوَأنّهمْ، وَتَهْدَأُ جَوارِحَهُمْ، وَتَسْكُنُ نُفُوسُهُمْ، فَقالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا كَيْفَ لَا يُبالِى بِالْمَوْتِ؟!(2).
ويقول عبد اللّه بن عمار بن عبد يغوث البارقي: رأيت الحسين حين اجتمعوا عليه يحمل على من على يمينه حتى الذعروا عنه، فواللّه ما رأيت مكثوراً قط قد قتل أولاده وأصحابه أربط جاشاً منه، ولا أمضى جناناً منه، وواللّه ما رأيت قبله ولا بعده مثله (3).
وكان يتمثّل بقول ضرار بن الخطاب الفهري:
مَهْلاً بَنِي عَمَّنا ظُلَامَتَنا *** إِنَّ بِنا سَورَةٌ مِنَ الغَلَقِ
لِمِثْلِكُمْ نَحْمِلُ السُّيُوفَ وَلَا *** تعْمَرُ أَحْسابُنَا مِنَ الرَّفَقِ
إِنِّي لَأُنْمَى إِذَا انْتَمَيتُ *** إلى عِزَّ عَزِيزِ وَمَعْشَرٍ صُدُقٍ
بيض سباطٍ كَان أَعْيُنَهُمْ *** تُكْحَلُ يَوْمَ الهِياج بِالعَلَقِ» (1)
وحمل على أعداء اللّه فجعل يقاتلهم أشدّ قتال رآه الناس، وقد حمل على الميمنة وهو يرتجز:
«المَوتُ أَوْلى مِنْ رُكُوبِ الْعارِ*** وَالْعارُ أَولى مِنْ دُخُولِ النّارِ»
وحمل على الميسرة وهو يرتجز:
أنا الحسين بن عليّ *** أليتُ ألا أنثَنِي
أَلَّا أحمي عیالات أبـي *** أَمضِي عَلى دِينِ النبیّ» (2)
أجل، أنت الحسين، وأنت ملء فم الدنيا شرفاً ومجداً، وأنت الوحيد في هذه الدنيا لم تنثن عن عزيمتك وإرادتك، فلم تضرع ولم تهن، ومضيت في طريق الكفاح تدك حصون الظالمين والماردين.
لقد مضيت على دين جدّك الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فأنت الباعث المجدد وجدّك الرسول المؤسس لهذا الدين، ولولاك لكان شبحاً مبهماً لا ظلّ له على واقع الحياة.
وروى ابن حجر أنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان يقاتل وينشد هذه الأبيات:
1) الأغاني: 19: 146 و 147. مقاتل الطالبيين: 373. شرح نهج البلاغة/ابن أبي الحديد:3: 309 ريحانة الرسول: 64، وجاء فيه: «أنّ من الغريب أن كل من تمثل بهذه الأبيات قتل، فقد تمثل بها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) یوم الطف، وزيد بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم السبخة، ويحيى بن زيد (رَضِیَ اللهُ عَنهُ)يوم الجوزجان، ولمّا تمثل بها إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن في خروجه على المنصور تطير له أصحابه، ولم يلبث أن أتاه سهم غادر فقتله»
2) مناقب آل أبي طالب: 4: 110
«أَنَا ابْنُ عَلِيَّ الخَيْرِ مِن آلِ هَاشِمٍ ***كفاني بهذا مَفْخَراً حِينَ أَفخَرُ
وَجَدِّي رَسُولُ اللّهِ أَكْرَمُ مَنْ مَشى ***وَنَحنُ سِراج اللّه فى النَّاسِ نَزْهَرُ
وفاطِمَ أُمِّي مِنْ سُلَالَةِ أحْمَد ***وَعَمَّيَ يُدْعَى ذُو الجَناحَينِ جَعْفَرُ
وفينا كتابُ اللّهِ أُنْزِلَ صادِقاً ***وفينا الهُدى وَالوَحى وَالخَيْرُ يُذكَرُ» (1)
وانبرى بعض الأوغاد من المكرهين في جيش ابن سعد فأخذوا بالدعاء للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالنصر والغلبة على أعدائه. يقول سعد بن عبيدة: إن أشياخنا من أهل الكوفة كانوا واقفين على تل وهم يبكون ويقولون: اللّهم أنزل عليه - أي على الإمام - نصرك، فأنكر عليهم ابن سعد وقال: يا أعداء اللّه، ألا تنزلون فتنصرونه (2).
لقد اكتفوا بعواطفهم عن نصرته والذبّ عنه، ولو انبروا إلى ساحات الشرف والجهاد لفازوا برضوان اللّه وغفرأنّه، وغيّروا الموقف العسكري لصالح الإسلام.
وذعر ابن سعد من كثرة الخسائر التي مني بها جيشه، فراح الخبيث الدنس يثير النعرات، ويؤلب الجيش على حرب ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) قائلا: هذا ابـن الأنزع البطين، هذا ابن قتال العرب، احملوا عليه من كل جانب.
لقد أثار ابن سعد الأحقاد الجاهلية على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فذكرهم بقتل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعرب، وعليهم أن يثأروا لدمائهم، وهو منطق من لا علاقة له
بالإسلام، فإنّ الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) م يقتل العرب، وإنّما قتل القوى الباغية على الإسلام والمنحرفة عن الدين.
ووجه ابن سعد الرماة نحو الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فكان - فيما يقول المؤرخون - قد سددت نحوه أربعة آلاف نبلة فصار جسده الشريف هدفاً لنبال أُولئك البغاة (1)، التحاماً رهيباً، وقد أبدى من البسالة ما لم يشاهد له نظير في جميع والتحم معهم فترات التاريخ.
وألح العطش عليه وأضرّ به إلى حد بعيد، فحمل على الفرات، وكان الموكلون بحراسته - فيما يقول بعض المؤرخين - أربعة آلاف فأنّهزموا من بين يديه، واستولى: أتلتذ بالماء على الماء فغرف منه غرفة ليروي ظمأه القاتل، فناداه خبيث من القوم: وقد هتكت حرمك؟!
ورمى أبيّ الضيم الماء من يده، وآثر كرامة عائلته على عطشه، وأسرع إلى الخيمة فإذا بها سالمة، فعلم أنّها مكيدة (2).
يقول ابن حجر: ولولا ما كادوه به من أنّهم حالوا بينه وبين الماء لم يقدروا عليه؛ إذ هو الشجاع القرم الذي لا يزول ولا يتحوّل (3).
وتوسط أبي الضيم معسكر الأعداء وجعل يقاتلهم أشدّ القتال وأعنفه وقد هجموا على خيمه ليسلبوا الحريم والأطفال، فصاح بهم: يا شِيعَةَ آلِ أَبِي سُفْيانَ،
إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُم دِينُ، وَكُنْتُمْ لَا تَخافُونَ المَعادَ، فَكُونُوا أَحْرَاراً فِي دُنْيَاكُم وَارْجِعُوا إِلَى أَحْسَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ عُرُباً كَما تَزْعُمُونَ (1).
لقد جرّدهم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذه الكلمات من الإطار الإسلامي، وأضافهم إلى آل أبي سفيان العدو الأول للإسلام، وتزعم من بعده أبناؤه القوى الباغية عليه، وما كارثة كربلاء إلا امتداد لأحقادهم وأضغأنّهم على نبي الإسلام.
وقد دعاهم(عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى الاحتفاظ بالتقاليد العربية التي كانت سائدة في أيام الجاهلية اللّه لها من عدم التعرّض للنساء والأطفال بأي أذى أو مكروه.
وانبرى الوغد الخبيث شمر بن ذي الجوشن فقال له: ما تقول يابن فاطمة؟
وحسب الرجس أنّه قد انتقص منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنسبته إلى أُمّه سيدة النساء، ولم يعلم أنّه نسبه إلى معدن الطَّهر والنبوة، وحسب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فخراً ومجداً أن تكون أُمّه سيدة نساء العالمين حسبما يقول الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)(2)
قالت: إِنِّي وَجِعَةٌ، وَإِنِّي لَيَزيدُنِي أَلَماً مَالِي طَعام أكله.
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ): يَا بُنَيَّةِ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيْدَةَ نِساءِ الْعَالَمِينَ؟!
قالت: فَأَيْنَ مَرْيَمُ؟
قال: تِلْكَ سَيِّدَةُ نِساءِ عالَمِها، وَأَنْتِ سَيْدَةَ نِساءِ عالَمِكِ»
.فقال له الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنا الَّذِي أُقاتِلُكُمْ، وَالنِّساءُ لَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ، فَامْنَعُوا عناتَكُمْ مِنَ التَّعَرُّضِ لِحُرَمِي ما دُمْتُ حَيّاً» (3).
1) اللّهوف: 71. أنساب الأشراف: 3: 407. الكامل في التاريخ: 3: 294
2) حلية الأولياء: 2: 42 الثغور الباسمة في مناقب السيدة فاطمة/الحافظ السيوطي: 83، من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجاء فيه: روى عمران بن حصين: أن النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) عاد فاطمة وهي مريضة فقال لها: كَيْفَ أَنْتِ؟
3) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 33
فأجابه الشمر إلى ذلك، وأحاط به القتلة المجرمون وهم يوسعونه ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح، فجعلت جراحاته تتفجر دماً.
ووجه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو بتلك الحالة خطاباً لأعدائه حذرهم فيه من غرور الدنيا وفتنتها، ويقول المؤرخون: أنّه لم يلبث بعده إلا قليلاً حتى استشهد، وهذا نصه:
«عِبادَ اللَّهِ اتَّقُوا اللّهَ، وَكُونُوا مِنَ الدُّنْيا عَلَى حَذِرٍ، فَإِنَّ الدُّنْيا لو بَقِيَتْ لِأَحَدٍ وَبَقِيَ عَلَيْهَا أَحَدٌ لَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ أَحَقَّ بِالْبَقاءِ، وَأَوْلَى بِالرِّضا وَأَرْضى بِالْقَضاءِ، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الدُّنْيا لِلبَلَاءِ وَخَلَقَ أَهْلَهَا لِلْفَناءِ، فَجَدِيدُها بالٍ، وَنَعِيمُها مُضْمَحِلٌ، وَسُرُورُها مُكْفَهِرٌ، وَالْمَنْزِلُ بُلغَةٌ، وَالدَّارُ قَلْعَةٌ، فَتَزوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى، وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (1).
وطلب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) م من أهل بيته أن يأتوه بثوب خلق لا يرغب فيه أحد؛ ليجعله تحت ثيابه لئلا يسلب منه، فأتوه بتبان (2)فلم يرغب فيه، وقال: ذَلِكَ لِباسُ مَن ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الذِّلَّةُ، وأخذ ثوباً فخرقه، وجعله تحت ثيابه فلمّا قتل جرّدوه منه (3).
وقفل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) راجعاً إلى عياله ليودعهم الوداع الأخير، وجراحاته تتفجر دماً، وقد أوصى حرم الرسالة وعقائل الوحى بلبس الأزر والاستعداد للبلاء، وأمرهن بالخلود إلى الصبر، والتسليم لقضاء اللّه قائلاً: اسْتَعِدُّوا لِلْبَلاءِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ تعالى حامِيكُمْ وَحافِظُكُمْ، وَسَيُنْجِيْكُمْ مِنْ شَرِّ الْأَعْدَاءِ، وَيَجْعَلُ عَاقِبَةَ أَمْرِكُمْ إِلَى خَيْرٍ، وَيُعَذِّبُ عَدُوَّكُمْ بِأَنواعِ الْعَذابِ، وَيُعَوِّضُكُم عَنْ هَذِهِ الْبَلِيَّةِ بِأَنْوَاعِ النِّعَمِ وَالْكَرامَةِ، فَلَا تَشْكُوا وَلَا تَقُولُوا بِأَلْسِنَتِكُمْ ما يُنْقِصُ قَدْرَكُمْ (1).
تزول الدول، وتذهب الممالك، وتفنى الحضارات، وهذا الإيمان الذي لا حدّ له أحق بالبقاء وأجدر بالخلود من كل كائن في هذه الحياة، فأية نفس تطيق مثل هذه الكوارث، وتستقبلها برباطة جأش ورضا وتسليم لأمر اللّه، أنّه ليس هناك غير الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمل الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وريحانته والصورة الكاملة التي تحكيه.
وذابت أسى أرواح بنات الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)حينما رأينه بتلك الحالة فتعلقن به يودعته، وقد وجلت منهن القلوب، واختطف الرعب ألوأنّهن، والتاع (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما نظر إليهن وقد سرت الرعدة بأوصالهن.
يقول الإمام كاشف الغطاء: «من ذا الذي يقتدر أن يصوّر لك الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد تلاطمت أمواج البلاء حوله، وصبت عليه المصائب من كل جانب، وفي تلك الحال عزم على توديع العيال ومن بقي من الأطفال، فاقترب من السرادق المضروب على حرائر النبوة وبنات علي والزهراء (عَلَيهِما السَّلَامُ)، فخرجت المخدرات كسرب القطا المذعورة فأحطن به وهو سابح بدمائه، فهل تستطيع أن تتصوّر حالهن وحال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذلك الموقف الرهيب ولا يتفطّر قلبك، ولا يطيش لبّك، ولا تجري
1) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/المقرم: 348
دمعتك؟!» (1).
لقد كانت محنة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في توديعه لعياله من أقسى وأشق ما عاناه من المحن والخطوب، فقد لطمن بنات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وجوههن، وارتفعت أصواتهن بالبكاء والعويل، وهنّ يندبن جدهن الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وألقين بأنفسهن عليه لوداعه، عليواله وقد أثر ذلك المنظر المريع في نفس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما لا يعلم بمداه إلا اللّه.
ونادى الرجس الخبيث عمر بن سعد بقواته المسلّحة يحرّضها على الهجوم على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائلاً: اهجموا عليه ما دام مشغولاً بنفسه وحرمه، فواللّه إن فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم (2).
وحمل عليه الخبثاء فجعلوا يرمونه بالسهام، وتخالفت السهام بين أطناب المخيّم، وأصاب بعضها أزر بعض النساء فذعرن ودخلن الخيمة، وخرج بقية اللّه الأرض كالليث الغضبان على أولئك الممسوخين فجعل يحصد رؤوسهم الخبيثة بسيفه، وكانت السهام تأخذه يميناً وشمالاً، وهو يتقيها بصدره ونحره، ومن بين تلك السهام التي فتكت به:
1- سهم أصاب فمه الطاهر، فتفجر دمه الشريف، فوضع يده تحت الجرح فلمّا امتلأت دماً رفعه إلى السماء وجعل يخاطب اللّه تعالى قائلاً: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا فِيكَ قَلِيلٌ (3).
2- سهم أصاب جبهته الشريفة المشرقة بنور النبوة والإمامة، رماه به أبو الحتوف الجعفي (4)فانتزعه، وقد تفجّر دمه الشريف، فرفع يديه بالدعاء على السفاكين
1) جنة المأوى: 115
2) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/المقرم: 350
3) الدرّ النظيم: 168
4) وهو: عبدالرحمن بن زياد بن زهير الجعفي من بني ناجية، شهد قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأخذ جملاً من جماله يستقي عليه الماء فسماه حسيناً - اللباب/ابن الأثير: 2: 382. تاريخ الأمم والملوك: 4: 646. الفتوح: 5: 117. أنساب الأشراف: 3: 409
المجرمين قائلاً: اللّهمَّ إِنَّكَ تَرَى ما أَنَا فِيهِ مِنْ عِبادِكَ هَؤُلَاءِ الْعُصاةِ. اللّهم أَحْصِهِمْ عَدَداً، وَاقْتُلْهُمْ بَدَداً، وَلَا تَذَرْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْهُمْ أَحَداً، وَلَا تَغْفِرْ لَهُمْ أَبَداً.
وصاح بالجيش: يا أُمَّةَ السُّوءِ، بِئْسَما خَلَفْتُمْ محمّد اً فِي عِتْرَتِهِ، أَما إنّكم لَا تَقْتُلُونَ رَجُلاً بَعْدِي فَتَهابُونَ فَتْلَهُ، بَل يَهُونُ عَلَيْكُمْ ذلِكَ عِنْدَ قَتْلِكُمْ إِيَّايَ، وَأَيْمُ اللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُكْرِ مَنِي اللّهُ بِالشَّهَادَةِ، ثُمَّ يَنْتَقِمُ لِى مِنْكُمْ مِنْ حَيْثُ لَا تَشْعُرُونَ (1).
لقد كان جزاء الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) الذي أنقذهم من حياة البؤس والشقاء أن عدوا على ذريته فسفكوا دماءهم، واقترفوا منهم ما تقشعر منه الجلود وتندى له الوجوه، وقد استجاب اللّه دعاء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها فانتقم له من أعدائه المجرمين، فلم يلبثوا قليلاً حتى اجتاحتهم الفتن والعواصف، فقد هب الثائر العظيم المختار طالباً بدم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأخذ يطاردهم ويلاحقهم، وقد هربوا في البيداء، وشَرَطة المختار تطاردهم حتى أباد الكثيرين منهم. يقول الزهري: لم يبق من قتلة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أحد إلا عوقب إما بالقتل أو العمى أو سواد الوجه، أو زوال الملك في مدة يسيرة (2).
3- السهم المثلث، وهو من أعظم السهام التي فتكت بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
يقول المؤرخون: إنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقف ليستريح بعدما أعياه نزيف الدماء، فرماه وغد بحجر أصاب جبهته الشريفة، فسالت الدماء على وجهه، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن عينيه، فرماه رجس بسهم محدد له ثلاث شعب فوقع على قلبه الشريف الذي يحمل العطف والحنان لجميع الناس، فعند ذلك أيقن بدنو الأجل
المحتوم منه، فشخص ببصره نحو السماء وهو يقول: بِسْمِ اللّهِ وَبِاللّهِ، وَعَلَى مِلَةِ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، إِلهِي إِنَّكَ تَعْلَمُ أنّهمْ يَقْتُلُونَ رَجُلاً لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ابْنُ بِنْتِ نَبِيٍّ غَيْرُهُ.
وأخرج السهم من قفاه فانبعث الدم كالميزاب فأخذ يتلقاه بيديه، فلمّا امتلأتا رمى به نحو السماء وهو يقول: هَوَّنَ ما نَزَلَ بِي أنّه بِعَيْنِ اللّهِ.
وأخذ (عَلَيهِ السَّلَامُ) من دمه الشريف فلطخ به وجهه ولحيته، وهو بتلك الهيبة التي تحكي هيبة الأنبياء، واندفع يقول: هكذا أكُونُ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ وَجَدِّى رَسولَ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَأَنا مُخَفَّبٌ بِدَمِي (1).
4- رماه الحصين بن تميم بسهم أصاب فمه الشريف فتفجر دماً، فجعل يتلقى الدم بيده ويرمي به نحو السماء، وهو يدعو على الجناة المجرمين قائلاً: اللّهم أَحْصِهِمْ عَدَداً، وَاقْتُلُهُمْ بَدَداً، وَلا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْهُمْ أَحَداً (2).
5- كان رجل من بني أبان بن دارم يقال له: (زرعة (شهد قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فرمی الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسهم فأصاب حنكه، فجعل يتلقى الدم فيقول به هكذا إلى السماء فيرمي به؛ وذلك أن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) دعا بماء ليشرب، فلمّا رماه حال بينه وبين الماء، فقال: اللّهم أَطْمِنْهُ، اللّهم أَظْمِئهُ.
قال: فحدثني من شهده وهو يموت، وهو يصيح من الحر في بطنه والبرد في ظهره، وبين يديه المراوح والثلج، وخلفه الكافور، وهو يقول: إسقوني أهلكني العطش، فيؤتى بالعُس العظيم فيه السويق والماء أو اللبن لو شربه خمسة لكفاهم، قال: فيشربه ثم يعود فيقول: إسقوني أهلكني العطش، قال: فانقد بطنه كانقداد البعير (3).
وتكاثرت على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) السهام حتى صار جسده الشريف قطعة منها، وقد أجهده نزيف الدماء وأعياه العطش، فجلس على الأرض، وهو ينوء برقبته من شدّة ا(عَلَيهِ السَّلَامُ)، فحمل عليه وهو بتلك الحالة الرجس الخبيث مالك بن النسر فشتمه وعلاه بالسيف، وكان عليه برنس (1)فامتلأ دماً، فرمقه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بطرفه، ودعا عليه قائلاً: لَا أَكَلْتَ بِيَمِينِكَ وَلَا شَرِبْتَ، وَحَشَرَكَ اللّهُ مَعَ الظَّالِمِينَ.
وألقى البرنس واعتم على القلنسوة، فأسرع الباغي إلى البرنس فأخذه وقد شلّت يداه.
وقد ذكر أنّه عندما قدم على زوجته بعد الواقعة فجعل يغسل الدم عنه، فقالت له امرأتُه: أتدخل بيتي بسلب ابن بنت رسول اللّه، اخرج عني، حشا اللّه قبرك ناراً، فلم يزل بعد ذلك فقيراً بأسوء حال ويبست يداه، وكانتا في الشتاء تنضحان دماً وفي الصيف تصيران يابستين كأنّهما عودان (2).
وكان مسلم بن رباح هو آخر من بقي من أصحابه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان معه وقد أصاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سهم في وجهه الشريف فجلس على الأرض وانتزعه وقد تفجر دمه، ولم تكن به طاقة فقال لابن رباح: يا مُسْلِمُ، اذنِ يَدَيْكَ مِنْ هَذَا الدَّمِ.
فوضع ابن رباح يديه تحت الجرح، فلمّا امتلأتا دماً قال له: اسْكُبْهُ فِي يَدَيَّ.
فسكبه في يديه، فرفعهما نحو السماء وجعل يخاطب اللّه تعالى قائلاً: اللّهُمَّ اطْلُبْ بِدَمِ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّكَ.
ورمي بدمه الشريف نحو السماء فلم تقع منه قطرة واحدة إلى الأرض فيما يقول ابن رباح (1).
واتجه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في تلك اللحظات الأخيرة إلى اللّه فأخذ يناجيه ويتضرّع إليه بقلب منيب، ويشكو إليه ما ألم به من الكوارث والخطوب قائلاً: صَبْراً عَل-ى قَضائِكَ لَا إِلهَ سِواكَ يا غِياثَ الْمُسْتَغِيثِينَ، ما لِي رَبِّ سِواكَ وَلَا مَعْبُودٌ غَيْرُكَ. صَبْراً عَلَى حُكْمِكَ؛ يا غِياثَ مَنْ لَا غَيَاثَ لَهُ، يا دائِماً لَا نَفَادَ لَهُ، يَا مُحْيِيَ الْمَوْتَى، يَا قَائِماً عَلَى كُلِّ نَفْسٍ، احْكُمْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (2).
أنّه الإيمان الذي تفاعل مع جميع ذاتياته فكان من أهم عناصره، لقد تعلّق باللّه وصبر على قضائه وفوّض إليه جميع ما نزل به وعاناه من الكوارث والخطوب، وقد أنساه هذا الإيمان العميق جميع ما حلّ به.
يقول الدكتور الشيخ أحمد الوائليه في رائعته:
يا أبا الطُّفُ وَازدَهى بالضّحايا *** مِنْ أَدِيمِ الطُّفُوفِ رَوضٌ خَضِيلُ
نُخْبَةٌ مِنْ صَحَابَةٍ وَشَقِيقٌ *** وَرَضِيعٌ مُطَوَّقٌ وَشُبُولُ
والشَّبابُ الفينانُ جَفٌ فَفَاضَتْ *** طَلْعَةٌ حُلْوَةٌ وَوَجهُ جَمِيلٌ
وَتَوَغَلَتَ تَسْتَبِينُ الضحايا *** وَزَواكِي الدَّمَاءِ مِنْها تَسِيلُ
وَمَشَتْ في شِفَاهِكَ الغُرْ نَجْوى ن*** َمْ عَنْها التحميد والتهليل
لكَ عُتبى يَا رَبِّ إِنْ كَانَ يُر *** ضِيكَ فَهذا إِلَى رِضاكَ قَلِيلٌ (3)
وهجمت على ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) تلك العصابة المجرمة التي تحمل رجس الأرض وخبث اللئام، فحملوا عليه - ياللّه - من كل جانب وهم يوسعونه ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح، فضربه زرعة بن شريك التميمي على كفه اليسرى، وضربه وغد آخر على عاتقه، وكان من أحقد أعدائه عليه الخبيث سنان بن أنس، فقد أخذ يضربه تارةً بالسيف وأخرى يطعنه بالرمح، وكان يفخر بذلك، وقد حكى للحجاج ما صنعه به باعتزاز قائلاً: دَسَرته بالرمح دَسْراً، وهبرته بالسيف هبراً (1).
فالتاع الحجّاج على قسوته وصاح به: أما إنّكما لن تجتمعا في دار (2).
وأحاط به أعداء اللّه من كل جانب، وسيوفهم تقطر من دمه الزكي.
يقول بعض المؤرخين: أنّه لم يُضرب أحد في الإسلام كما ضُرب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد وُجِدَ به ثلاثمائة وبضعة وعشرون جراحة ما بين ضربة سيف وطعنة رمح ورمية سهم (3).
ومكث الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مدّة من الوقت على وجه الأرض، وقد هابه الجميع ونكصوا من الإجهاز عليه (4). يقول السيد حيدر:
1) الدَّسْرُ: الطعن والدفع - القاموس المحيط: 501 - دسر. هبرته: قطعته - لسان العرب: 15: 15 - هبر
2) أنساب الأشراف: 3: 418. مجمع الزوائد: 9: 194. وذكر الطبري في ذيل المذيل:9 489: «قال:الحجّاج: من كان له بلاء فليقم، فقام قوم فذكروا، وقام سنان بن أنس فقال: أنا قاتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال: بلاء حسن، ورجع إلى منزله فاعتقل لسأنّه وذهب عقله، فكان يأكل ويحدث مكأنّه»
3) مناقب آل أبي طالب: 4: 110 و 111
4) الأخبار الطوال: 258 تاريخ الأمم والملوك: 4: 648. البداية والنهاية: 8: 190
فَما أَجْلَتِ الحَرْبُ عَنْ مِثْلِهِ *** صَرَيعاً يُجَبْنُ شُبْعأنّها
وكانت هيبته تأخذ بمجامع القلوب حتى قال بعض أعدائه: «لقد شغلنا جمال وجهه ونور بهجته عن الفكرة في قتله» (1)، وما انتهى إليه رجل إلا انصرف كراهية أن يتولى قتله (2)، ومكث (عَلَيهِ السَّلَامُ) ملقى على رمضاء كربلاء لا يكاد يهم به رجل حتى يضعف ويرعد.
وخرجت حفيدة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) زينب من خبائها وهي فزعة تندب شقيقها وبقية أهلها، وتقول بذوب روحها: ليت السماء أطبقت على الأرض، وليت الجبال تدكدكت على السهل(3).
وأقبل ابن سعد فصاحت به: يا عمر أرضيت أن يقتل أبو عبداللّه وأنت تنظر إليه؟! فأشاح الخبيث بوجهه عنها ودموعه تسيل على لحيته المشومة (4)، ولم تعد العقيلة تقوى على النظر إلى أخيها وهو بتلك الحالة التي تميد بالصبر، فانصرفت إلى خبائها لترعى المذاعير من النساء والأطفال.
ومكث الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) طويلاً من النهار، وقد أجهدته الجروح وأعياه نزيف الدماء، فصاح بالقتلة المجرمين: أَعَلى قَتْلِي تَحاثُونَ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَا تَقْتُلُونَ بَعْدِي عَبْداً مِنْ عِبادِ اللَّهِ اللَّهُ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ لِقَتْلِهِ مِنِّي، وَأَيْمُ اللّهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُكْرِ مَنِي اللَّهُ بِهَوإنّكم،
ثُمَّ يَنْتَقِمُ لِي مِنْكُمْ مِنْ حَيْثُ لَا تَشْعُرُونَ (1).
وكان الشقي الأثيم سنان بن أنس قد شهر سيفه فلم يدع أحداً يدنو من الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ا مخافة أن يغلبه على أخذ رأسه فيخسر الجائزة من سيده ابن مرجانة، والتفت الخبيث عمر بن سعد إلى شَبَث بن ربعي فقال له: انزل فجئني برأسه.
فأنكر عليه شبث، وقال له: أنا بايعته ثم غدرت به، ثم أنزل فأحتز رأسه، لا واللّه لا أفعل ذلك.
والتاع ابن سعد فراح يهدده: إذا أكتب إلى ابن زياد.
فقال له: اكتب له (2).
وصاح شمر بالأوغاد المجرمين من أصحابه: ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل؟ اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم، فاندفع خولي بن يزيد إلى الإجهاز عليه إلا أنّه ضعف وأرعد، فقد أخذته هيبة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأنكر عليه الرجس سنان بن أنس وصاح به: فتّ اللّه في عضدك وأبان يدك.
واشتدّ كالكلب عليه الا فاحتز رأسه الشريف فيما يقول بعض المؤرخين (3): وسنذكر الأقوال في ذلك.
واحتز رأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكانت على شفتيه ابتسامة الرضا والاطمئنان والنصر الذي أحرزه إلى الأبد.
لقد قدّم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) روحه ثمناً للقرآن الكريم، وثمناً لكل ما تسمو بـه الإنسانية من شرف وعز وإباء، وقد كان الثمن الذي بذله غالياً وعظيماً، فقد قتل مظلوماً مهضوماً غريباً بعد أن رزئ بأبنائه وأهل بيته وأصحابه، وذبح وهو عطشان
أمام عائلته، فأي ثمن أغلى من هذا الثمن الذي قدّمه الإمام قرباناً خالصاً لوجه اللّه؟!
لقد تاجر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع اللّه بما قدمه من عظيم التضحية والفداء، فكانت تجارته هي التجارة الرابحة، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعالى: إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذلِكَ هُوَ الفوْزُ الْعَظِيمُ (1).
والشيء المحقق أنّ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد ربح بتجارته وفاز بالفخر الذي لم يفز به أحد غيره، فليس في أسرة شهداء الحق من نال الشرف والمجد والخلود مثل ما ناله (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فها هي الدنيا تعج بذكراه، وها هو حرمه المقدس أصبح أعزّ حرم وأمنعه الا في الأرض.
لقد رفع الإمام العظيم راية الإسلام عالية خفاقة وهي ملطخة بدمه الزاكي ودماء الشهداء من أهل بيته وأصحابه، وهي تضيء في رحاب هذا الكون وتفتح الآفاق الكريمة لشعوب العالم وأمم الأرض لحريتهم وكرامتهم.
لقد استشهد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أجل أن يقيم في ربوع هذا الكون دولة الحق، وينقذ المجتمع من حكم الأمويين الذين كفروا بحقوق الإنسان، وحوّلوا البلاد إلى مزرعة لهم يصيبون منها حيث ما شاء وا.
واختلف المؤرخون في المجرم الأثيم الذي أجهز على ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وهذه بعض الأقوال:
1) التوبة.9: 111
وذهب الكثيرون من المؤرخين إلى أنّ الشقى الأثيم سنان بن أنس هو الذي احتز رأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (1)، وفيه يقول الشاعر:
وَأَيُّ رَزِيَّةٍ عَدَلَتْ حُسَيناً *** غَداةَ تَبِيرُهُ كَفَا سِنانِ (2)
وصرّحت بعض المصادر أنّ الأبرص شمر بن ذي الجوشن هو الذي قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3)، فقد كان هذا الخبيث من أحقد الناس عليه.
يقول المستشرق (رينهارت دوزي:): «ولم يتردد الشمر لحظة بقتل حفيد الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) حين أحجم غيره عن هذا الجرم الشنيع، وإن كانوا مثله في الكفر».
وذكر المقريزي وغيره أن عمر بن سعد هو الذي قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد أن أحجم غيره من السفاكين المجرمين عن قتله (4).
وتعز و بعض المصادر أن خولي بن يزيد الأصبحي الأصبحي هو الذي قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و احتز رأسه (5).
1) أنساب الأشراف: 3: 409 مقاتل الطالبيين: 118 الكامل في التاريخ: 3: 295. البداية والنهاية: 8: 190
2) عمدة الطالب: 171 و 172. الاستيعاب: 1: 395
3) الإرشاد/المفيد: 2: 112. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/المقرّم: 359. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 36
4) الخطط المقريزية: 1: 428. مناقب آل أبي طالب: 4: 111
5) درر الأبكار في وصف الصفوة الأخيار: 38، وجاء فيه: «أن عمر بن سعد قال لأصحابه: انزلوا فحزّوا رأسه، فنزل إليه نصر بن خرشبة الضبابي فجعل يضرب بسيفه في مذبح الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فغضب ابن سعد، وقال لرجل عن يمينه: ويحك انزل إلى الحسين فأرحه، فنزل إليه خولى فاحتزّ رأسه» - الفتوح: 5: 119
ونص بعض المؤرخين على أن خولي بن يزيد الأصبحي نزل عن فرسه ليحتز رأس الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) فارتعدت يداه فنزل إليه أخوه شبل فاحتز رأسه ودفعه إليه (1).
نص على ذلك بعض المؤرخين (2).
ذكر ذلك ابن حجر (3)، وانفرد هو بنقله.
ذكر ذلك سبط ابن الجوزي (4)، ولم يذكره غيره.
هذه بعض الأقوال، والذي نراه أن شمر بن ذي الجوشن ممن تولى قتل الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) واشترك معه سنان بن أنس في حزّ رأسه، كما ذهب لذلك بعض المؤرخين. وعلى أيّة حال، فالويل لذلك الشقيّ الذي أقدم على اقتراف هذه الجريمة التي أبشع ما اقترفت من يوم خلق اللّه هذه الأرض حتى يرثها، وقد أثر عن النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) عمّا يلاقيه قاتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الدار الآخرة من العذاب الأليم قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ): إِنَّ قاتِلَ الحسين في تابُوتٍ مِنْ نارٍ، عَلَيْهِ نِصْفُ عَذابِ أَهْلِ النَّارِ، وَقَدْ شُدَّتْ يَداهُ وَرِجْلَاهُ
بِسَلَاسِلَ مِنْ نارٍ، مُنَكَسٌ فِي النَّارِ حَتَّى يَقَعَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَهُ رِيحٌ يَتَعَوَّذُ أَهْلُ النَّارِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ شِدَّةِ رِيحٍ نَتَنِهِ، وَهُوَ فِيهَا خَالِدٌ دَائِقُ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلناهُم جُلُوداً غَيرَها حَتَّى يَذُوقُوا الْعَذابَ الْأَلِيمَ، لَا يُفَتِّرُ عَنْهُمْ سَاعَةً، وَسُقُوا مِنْ حَمِيمٍ جَهَنَّمَ، وَيْلٌ لَهُمْ مِن عَذَابِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ» (1).
بأي وجه يلقى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وقد أشكله بريحانته وسبطه، يقول منصور النمري:
وَيَلَكَ يا قاتِلَ الحسين لَقَدْ *** نُؤْتَ بِحِمْلٍ يَنُوءُ بِالحامل
أَيُّ حَباءٍ حَبَوْنَ أَحْمَدَ فِي *** حُفْرَتِهِ مِن حَرارَةِ الثَّاكِلِ
بِأَيِّ وَجْهِ تَلْقَى النبیّ وَقَدْ *** دَخَلْتَ فى قَتلِهِ مَعَ القَاتِلِ (2)
أمّا عمره الشريف حين شهادته الا، فقد اختلف فيه المؤرخون، وهذه بعض الأقوال: الأوّل: ثمان و خمسون سنة، وإليه ذهب معظم المؤرخين (3).
الثانی: ست وخمسون سنة، وإليه ذهب اليعقوبي وقال: لأنّه ولد سنة أربع من الهجرة (4).
الثالث: سبع وخمسون سنة (5).
1) مناقب علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)/ابن المغازلي: 106 و 107، الحديث 95
2) بحار الأنوار: 45: 290. الاستيعاب: 1: 395. أسد الغابة: 2: 22 زهر الآداب: 3: 669
3) الإرشاد/المفيد: 2: 133. المعجم الكبير: 3: 105، الرقم 2810. الاستيعاب: 1: 397. تهذيب التهذيب: 2: 307. البداية والنهاية: 8 200. مجمع الزوائد: 9: 198
4) تاريخ اليعقوبي: 2: 159
5) الكافي: 1: 530. روضة الواعظين: 195. ذخائر العقبى: 146. الاستيعاب: 1: 397
الرابع: خمس وستون سنة (1).
أما السنة التي استشهد فيها فهي سنة (61هـ) حسبما ذكره أغلب المؤرخين (2)، وهي تصادف سنة (680 ميلادية، في 10 تشرين الأول) (3)، وما ذكره الحجّة الشيخ محمّدرضا آل كاشف الغطاء (رَحمهُ اللّه) أنّه في (10 تموز( (4)فأنّه لا واقع له.
وعلى أية حال فقد ذكر المؤرخون أنّه كانت بين وفاة النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) واليوم الذي قتل فيه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خمسون سنة (5)ولم يرع المسلمون أنّه ريحانة نبيهم وسبطه الذي خلفه في أُمته.
ومادت الأرض واسودت آفاق الكون (6)، وامتدت حمرة رهيبة في السماء (7)كانت نذيراً من اللّه لأولئك السفاكين المجرمين الذين انتهكوا جميع حرمات اللّه، وفي هذا الأفق الملتهب بالحمرة والنار يقول أبو العلاء المعري:
وَعَلَى الأُفقِ مِن دِمَاءِ الشَّهِيدَ *** يْنِ عَلِيٌّ وَنَجْلِهِ شَاهِدانِ
فَـهُما فـي أواخـرِ اللَّيْلِ فَجْرا *** نِ وَفِـي أَوْلَـياتِهِ شَـفَانِ
1) مرآة الجنان: 1: 106. البداية والنهاية: 8: 200
2) تاريخ اليعقوبي: 2: 158. الاستيعاب: 1: 393. أسد الغابة: 1: 498. مجمع الزوائد:9 194. الإصابة: 2: 17
3) تاريخ الدول العربية: 144 الجدول الملحق بفجر الإسلام: 305. الجدول الملحق بتاريخ الدول لابن العبري، وهو يتفق مع ما ذكره اليعقوبي في تحديد الشهر
4) مجلة الغري: عدد 23 و 24/السنة الأولى
5) تاريخ الخميس: 2: 299
6) مرآة الجنان: 1: 134. الخطط المقريزية: 1: 430. تهذيب التهذيب: 2: 305
7) مجمع الزوائد: 9: 197. الاتحاف بحب الأشراف: 24
ثبتا في قَمِيصِهِ لِيَجِيءَ الحَشْرَ *** مُسْتَعْدِياً إِلَى الرَّحْمَنِ(1)
وقد انكسفت الشمس، وكانت قد مالت إلى الغروب، وقد شاركت العالم البائس أحزأنّه وأشجأنّه
وصبغ فرس الحسين اصيته بدم الإمام الشهيد (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأقبل يركض وهو مذعور نحو خيمة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يُعلم العيال بقتله، ولما نظرت إليه النساء علمن بمقتله (2).
وفي زيارة الناحية: «فلمّا رَأَيْنَ النِّساءُ جَوادَكَ مَخْزيًا، وَنَظَرْنَ سَرْجَكَ عَلَيْهِ مَلْويَاً، بَرَزْنَ مِنَ الْخُدُورِ ناشِراتِ الشُّعُورِ، عَلَى الْخُدُودِ لَا لِماتٍ، وَلِلْوجُوهِ سافِراتٍ، وَبِالْعَويلِ داعِياتٍ، وَبَعْدَ العِزَّ مُذَلَّلَاتٍ، وَإِلى مَصْرَعِك مُبادِراتٍ» (3).
ونادت عقيلة الوحي: وا محمّد اهُ، وا أَبَتاهُ، وا عَلِيَّاهُ، وا جَعْفَراهُ، وا حَمْزَنَاهُ، هذا حُسَيْنُ بِالْعَرَاءِ، صَرِيعٌ بِكَرْبَلاءَ...لَيْتَ السَّماءَ أَطْبَقَتْ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَبْتَ الجبال تَدَكَدَكَتْ عَلَى السِّهْلِ (4).
وذهل الجيش، وود أن تسيخ به الأرض، وجرت دموع أُولئك الجفاة من هول مصيبة بنات الرسالة.
وعمد الخبثاء اللثام إلى حرق خيامه (عَلَيهِ السَّلَامُ) غير حافلين بما تضم من بنات الرسالة
وعقائل الوحي، وقد حملوا أقبسة من النار (1)ومناديهم ينادي: أحرقوا بيوت الظالمين.
ياللّه ! لقد كان بيت الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ(- حسبما يزعمون - بـيت الظلم، وبـيت ابن مرجانة بيت العدل، وقد أغرق هو وأبوه الناس في الظلم والجور.
وحينما التهبت النار في الخيم فررن بنات الرسالة وعقائل الوحي من خباء الى خباء والنار تلاحقهن، أمّا اليتامى فقد علا صراخهم فبين من تعلّق بأذيال عمّته الحوراء لتحميه من النار، وتصدّ عنه اعتداء الجفاة، وبين من هام على وجهه في البيداء، وبين من يستغيث بأولئك الممسوخين الذين خلت قلوبهم من الرحمة والعطف، لقد كان ذلك المنظر مما تتصدع له الجبال، ولم يغب عن ذهن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) طيلة المدة التي عاشها بعد أبيه، فكان دوماً يذكره مشفوعاً بالأسى والعبرات وهو يقول: «وَاللّهِ، ما نَظَرْتُ إِلَى عَمّاتِي وَأَخَوَاتِي إِلَّا وَخَنَقَتْنِي الْعَبْرَةُ، وَتَذَكَّرْتُ فِرارَهُنَّ يَوْمَ الطَّفِّ مِنْ خَيْمَةٍ إِلَى خَيْمَةٍ، وَمِنْ خِباء إِلَى خِبَاءٍ، وَمُنادِي الْقَوْمِ يُنَادِي: أَحْرِقُوا بُيُوتَ الظَّالِمِينَ» (2).
واقترف جيش ابن سعد أسوأ المآثم وأفظع الجرائم، فقد هرعوا بجشع نحو جنّة الإمام العظيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) فجعلوا ينهبون ما عليها من لامة حرب أو ثياب، فأخذ رجل من بني نهشل سيفه (3)وهو سيف النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) المسمى بذي الفقار (4).
1) اللّهوف: 78. تاريخ المظفري: 228
2) اللّهوف: 122. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/المقدم: 489. وقريب منه في حلية الأولياء: 3: 138
3) الإرشاد/المفيد: 2: 112. أنساب الأشراف: 3: 409. تاريخ الأمم والملوك: 4: 648
4) التاريخ السياسي للدولة العربية: 2: 75، وجاء في هامشه: «أن هذا السيف غنمه النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) يوم بدر حلية الفرسان وشعار الشجعان/ابن هذيل: 15. «وسمي بذي الفقار؛ لأنّه كان يشبه في شكله فقرات الظهر» - كنوز الفاطميين: 54. وقد «انتقل هذا السيف إلى حيازة العباسيين، ومن بعدهم إلى الفاطميين». المجالس «مخطوط»
وأخذ قيس بن الأشعث - أحد قادة ذلك الجيش - قطيفته (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكانت من خز فعيب عليه وسمي بـ (قيس قطيفة) (1).
وسلب قميصه إسحاق بن حيوة الحضرمي (2).
وأخذ الأخنس بن مَرْثَد عمامته (3).
وأخذ بحر بن كعب سراويله فلبسها فصار زَمِناً مُقْعَداً (4).
وأخذ درعه البتراء عمر بن سعد، فلمّا قتل عمر بن سعد وهبها المختار لأبي عمرة قاتله (5)، ولم يتركوا على جثمأنّه الطاهر إلا السراويل التي عمد الإمام
1) مناقب آل أبي طالب: 4: 111. اللّهوف.76 أنساب الأشراف: 3: 409. تاريخ الأمم والملوك: 4: 648
2) الإرشاد/المفيد: 2: 112. أنساب الأشراف: 3: 410. وفي مناقب آل أبي طالب.4: 111، جعونة بن حيوة الحضرمي. وفي الفتوح: 5: 119: «جعفر بن الوبر الحضرمي»
3) الإرشاد/المفيد: 2: 112. اللّهوف: 76. وفي الفتوح: 5: 119، ومقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 37: «أنّه جابر بن يزيد الأزدي»
4) اللّهوف: 76. تاريخ الأمم والملوك: 4: 648. وفي الإرشاد/المفيد: 2: 112. ومناقب آل أبي طالب: 4: 111: «أنّه أبحر بن كعب». وفي الفتوح: 5: 119: «أنّه يحيى بن عمرو الحرمي»
5) اللّهوف: 76 و 77
الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى تمزيقها حتى يتركوها على جسده (1).
وجاء أحط البشرية وأقذرها بجدل بن سليم الكلبي ففتش عن مغنم يجده على جسم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلم يجد شيئاً، وفتش ملياً فرأى خاتمه في يده وقد بنت اللّه عليه الدماء، فعمد إلى قطع إصبعه وأخذه (2)، وترك البغاة جثمان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ارياً تصهره الشمس.
وعمد أرذال أهل الكوفة وعَبِيدُ ابن مرجانة إلى سلب حرائر النبوة وعقائل الرسالة، فسلبوا ما عليهن من حلي وحلل، ومال وغد من أوغادهم بخسة ووحشية إلى السيدة أم كلثوم فسلب قرطيها (3)، وأسرع وضر خبيث نحو السيدة فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فانتزع خلخالها، وهو يجهش بالبكاء، وبهرت منه ابنة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقالت له: لم تبكي؟!
فقال: كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)؟!
ولما رأت تعاطفه، قالت له: دعه لي.
وراح الدنيء يبدي جشعه قائلاً: أخاف أن يأخذه غيري (4).
وعمدوا إلى نهب ما في الخيام من ثقل ومتاع، وهجم الشمر على ثقل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نهبه فوجد ذهباً فأخذه ودفع بعضه إلى ابنته لتصوغه حلياً لها، فجاءت
1) وفي أنساب الأشراف: 3: 409، قال: «وَسُلِبَ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما كان عليه...»
2) اللّهوف: 76. الإرشاد/المفيد: 2: 112. أنساب الأشراف: 3: 410. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخوارزمي: 2: 38
3) أنساب الأشراف: 3: 409 و 410. تاريخ الأمم والملوك: 4: 647 و 648. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 38. تاريخ المظفري: 230
4) سير أعلام النبلاء: 3: 303
به إلى الصائغ فلمّا أدخله النار صار هباءً (1).
وعن أبي حميد الطحان قال: كنت في خزاعة فجاءوا بشيء من تركة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقيل لهم: ننحر أو نبيع فنقسم، قال: انحروا، قال: فجلس على جفنة، فلمّا وضعت فارت ناراً.
وفي رواية الجعفي عن أبيه، قال: «لما قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) انتهب جَزُور من عسكره فلمّا طبخت إذا هي دم» (2).
وروى سنان بن حكيم عن أبيه، قال: «انتهب الناس ورساً في عسكر الحسين بن علي يوم قتل، فما تطيبت منه امرأة إلا برصت» (3).
وبصرت امرأة من آل بكر بن وائل ما جرى على بنات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) من النهب والسلب والترويع، فاندفعت وهي مذهولة فجعلت تحفّز أسرتها على إنقاذ ودائع النبوة من أيدي أُولئك الجفاة قائلة: يا آل بكر بن وائل، أتسلب بنات رسول اللّه؟! لا حكم إلا اللّه، يالثارات رسول اللّه، فبادر إليها زوجها وردّها إلى رحله (4).
وتجرّد ذلك الجيش من كل نزعة إنسانية، وخلا من كل رأفة ورحمة، فقد جعلوا يوسعون بنات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)ا ضرباً بكعوب رماحهم وهنّ يلذن من الرعب بعضهن ببعض، وقد سقطت فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مغشياً عليها من شدة الضرب، فلمّا أفاقت رأت عمتها السيدة أم كلثوم تبكي عند رأسها (5). إن مأساة عائلة الرسالة تبكي الجماد وتستثير عطف الصخور.
وهجم الفجرة الجفاة على زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وكان مريضاً قد أنّهكته العلة، ومزّق الأسى قلبه، فأراد الخبيث الأبرص شمر بن ذي الجوشن أن يقتله فنهره حميد بن مسلم قائلاً له: سبحان اللّه ! أتقتل الصبيان؟ إنّما هو مريض.
فلم يعن به الوغد، وبادرت إليه العقيلة عمّته زينب فتعلقت به، وقالت: لَا يُقْتَلُ حَتَّى أُقْتَلَ دُونَه (1)، فكف اللثيم عنه، وقد نجا منهم بأعجوبة، واجتاز على النساء الرجس عمر بن سعد فصحن في وجهه وبكين، فمنع الخبيث العسكر من التعرّض لهن بسوء (2).
وأخذ شر أولئك الجفاة يستشري فلم يدعوا حرمة اللّه إلا انتهكوها ولا إثماً إلا اقترفوه، فقد انبرى ابن سعد لينفذ أوامر سيده ابن مرجانة فنادى: من ينتدب للحسين فيوطئ الخيل صدره وظهره (3).
قال الواقدي: وبادر الشمر فوطأ الجثمان المقدّس بفرسه (4)، وتبعه عشرة من أولاد البغايا وهم: إسحاق بن يحيى الحضرمي، وهانئ بن ثبيت الحضرمي، وأدلم ابن ناعم، وأسيد بن مالك، وحكيم بن الطفيل الطائي، والأخنس بن مرثد، وعمرو
1) تاريخ الأمم والملوك: 4: 649. أخبار الدول وآثار الأول: 1: 323. وفي المنتظم: 5: 341: (أن ابن سعد هو الذي أمر بقتل زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فوقعت «علیه زينب وقالت: لا يقتل حتى أقتل، فرق لها وكف عنه»
2) تاريخ الأمم والملوك: 4: 649. البداية والنهاية: 8: 190
3) الإرشاد/المفيد: 2: 113. أنساب الأشراف: 3: 410. تاريخ الأمم والملوك: 4: 649. 41
4) أنساب الأشراف: 3: 419
ابن صبيح المذحجي، ورجاء بن منقذ العبدي، وصالح بن وهب اليزني، وسالم بن خيثمة الجعفي (1)، فداسوا ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بخيولهم مقبلين ومدبرين حتى الصقوا الجثمان العظيم بالأرض (2)، وذلك بعد أن خطفوا ما كان عليه من كساء مزقتة الطعون.
وكان المجرم الخبيث أسيد بن مالك يفتخر أمام ابن سعد ويقول:
نَحنُ رَضَضْنَا الصَّدْرَ بَعْدَ الظَّهْرِ *** بِكُلِّ يَعْبُوبٍ شَدِيدِ الأَسْرِ (3)
وجرى هذا التمثيل المنكر أمام ابن سعد وسائر قوات ذلك الجيش، ولم تجرِ هذه العملية - فيما أحسب - على أحد من أهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأصحابه، ويؤيد ذلك أنّ اللّه الأوامر التي صدرت من ابن زياد إلى ابن سعد قد اقتصرت على التمثيل بجسد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) دون غيره.
وعلى أيّة حال، فقد أعلنوا بهذا العمل الفظيع، وهذه الوحشية البشعة عن حقدهم البالغ عليه، وتجرّدهم من جميع العواطف الإنسانية، ولقد داسوا جسده الذي تربى في كنف الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ونبت لحمه من لحم علي وفاطمة (عَلَيهِما السَّلَامُ)، والذي قال فيه الرسول(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ): «حُسَينٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْناً...» (4).
ولمّا جاء هؤلاء العشرة قال لهم ابن زياد: من أنتم؟ فقالوا نحن الذين وطأنا بخيولنا ظهر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى طحنا جناجن صدره، فأمر لهم بجائزة يسيرة. قال أبو عمر الزاهد: فنظرنا في هؤلاء فوجدناهم أولاد زنا، وهؤلاء أخذهم المختار فشد
أيديهم وأرجلهم بسكك الحديد وأوطأ الخيل ظهورهم حتى هلكوا (1).
ووقفت حفيدة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وابنة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) العقيلة زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) على جثمان أخيها العظيم الذي مزقته السيوف، وجعلت تطيل النظر إليه، ورفعت بصرها نحو السماء وهي تدعو بحرارة، قائلة: اللّهم تقبل منا هذا القربان (2).
إنّ الإنسانية لتنحني إجلالاً وخضوعاً أمام هذا الإيمان الذي هو السر في خلود تضحية الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
لقد تحمّلت بطلة كربلاء أعباء تلك المحن الشاقة، وتجرعت غصص تلك الأهوال محتسبة الأجر عند اللّه، وهي تتضرع بخشوع إلى اللّه أن يتقبل ذلك القربان، فأي صبر يماثل هذا الصبر؟!
لقد تجلّت قوة الشخصية في حفيدة الرسول، وبرزت معاني الوراثة النبوية في مواقفها الخالدة التي صانت بها أهداف الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأظهرت الواقع في تضحيته، وأنارت السبيل في بيان أسرار شهادته.
واحتف أولئك الجفاة حول القاتل الأثيم سنان بن، وجعلوا يمنونه الاماني ويقولون له: قتلت الحسين بن علي وابن فاطمة، قتلت أعظم العرب خطراً الذي أراد أن يزيل ملك هؤلاء، فأتِ أُمراءك فاطلب ثوابك منهم، فأنّهم لو أعطوك بيوت أموالهم في قتله لكان قليلاً.
وتحرّكت مطامعه، فأقبل حتى وقف على فسطاط ابن سعد رافعاً صوته:
أَوْقِرْ رِكَابِي فِضَةً أَوْ ذَهَبًا *** إِنِّي قَتَلْتُ السَّيِّدَ المُحَجَّبا
فَتَلتُ خَيْرَ النّاسِ أُمّاً وأبا *** پجچوَخَيْرَهُم إِذْ يُنسَبُونَ النَّسَبا
ولما سمعه ابن سعد نهره ورماه بالسوط، وقال له: ويحك ! إنّك لمجنون. لو سمعك ابن زياد تقول هذا لضرب عنقك (1).
وقد حدد الباغي اللثيم أهدافه في هذا الرجز، فهو إنّما ينشد الذهب والفضة في قتله لخير الناس أماً وأباً، ولم يؤثر أنّ هناك رجزاً قيل في المعركة أو بعدها سوى هذا الرجز، وهو يمثل أهداف الأكثرية الساحقة في ذلك الجيش السحيق.
وحلل الدكتور يوسف خليف هذا الرجز بقوله: «والعاطفة التي تشيع في الرجز - مع الأسف - عاطفة الفرح والزهو، فراح القاتل بهذه الهدية الغالية التي يحملها إلى الأمير، وزهوه بهذا العمل الضخم الذي قام به من أجل الدولة، وهو لهذا يشعر بأنّ أقل ما يمكن أن يكافئه الأمير به أن يوقر ركابه فضة وذهباً، وهو - لهذا أيضاً يضفي على قتيله خير ما يمكن أن يضفيه إنسان على إنسان، وقد جعله هذا يشعر بشيء من الدالة على الأمير، يبيح أن يجعل حديثه عن هذه الجائزة حديث الأمر الذي لا يقبل ردّاً ولا رفضاً، وهو - من أجل هذا - يبدأ رجزه لا بالحديث عن الحادثة التي تعني الأمير وإنما بالحديث عن الجائزة التي تعنيه هو، كأنما لا يعنيه من الأمر إلا ما سوف يناله من ذهب وفضة» (2).
وبادرت القبائل إلى حز رؤوس أولئك الأحرار الذين استشهدوا من أجل العدالة الاجتماعية، ومن أجل تحرير الإنسان من الظلم والطغيان.
ولم يقر الإسلام في جميع حروبه التمثيل، إلا أن الجيش الأموي قد استباح ذلك، فإنّ معاوية قد سنّه وأباحه، فقد أمر برأس الشهيد العظيم عمرو بن الحمق الخزاعي أن يطاف به، وقد اقتدى به ابن مرجانة فبعث برأس مسلم وهانئ إلى يزيد، ثمّ عهد إلى ابن سعد أن يحز رؤوس الشهداء في واقعة كربلاء ليبعثها هدية إلى يزيد.
وقد تهافتت تلك العصابة المجرمة إلى اقتسام الرؤوس ليقدموها هدية لابن مرجانة، وقد اقتسمت القبائل التالية ما يلي من الرؤوس:
1-كندة: جاءت بثلاثة عشر رأساً، وصاحبهم قيس بن الأشعث.
2- هوازن: حصلت على عشرين رأساً، وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن.
3- مذحج: جاءت بسبعة رؤوس.
4 - بنو قيس: جاء وا بتسعة رؤوس.
5- بنو تميم: جاء وا بسبعة عشر رأساً.
6- بنو أسد: جاء وابستة عشر رأساً (1).
7- سائر الجيش: جاءوا بسبعة رؤوس (2).
وبقيت على صعيد كربلاء جنّة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجثث الشهداء من أهل بيته وأصحابه قد فصلت عنها الرؤوس ووضعت فوق الحراب؛ لتكون مناراً لجميع
شعوب الأرض على طريق الحق والشرف والإيمان.
وكان الطاغية ابن زياد معشكراً بالنخيلة يتلقى الأحداث في كل لحظة، فقد كان على اتصال دائم بابن سعد، فلمّا جاءه البشير بقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ارتحل مسرعاً إلى الكوفة ليحكم أمرها، ويتخذ التدابير للمحافظة عليها، فأصدر أمره إلى حرّاس البلد وكان عددهم عشرة آلاف فارس بمنع حمل السلاح على كل أحد ونادى مناديه بالكوفة بذلك، كما أرسل الوفود إلى جميع أنحاء البلاد لإعلان النصر وإشاعة الخوف بين الناس (1).
وقل ما شئت في تصوير المحنة الكبرى التي دهمت عقائل النبوة في ليلة الحادي عشر من المحرّم، فإنّك لا تستطيع تصويرها، ولا استيعاب مأساتها، فلم تبق رزية من رزايا الدنيا، ولا غصة من غصص الدهر إلا جرت عليهن، فالأعداء الجفاة الذين لا يملكون أي شرف أو نبل قد استولوا عليهن، والحماة الأباة من آل الرسول له قد تناثرت أشلاؤهم الزكية أمامهنّ من دون أن ينبري أحد إلى مواراتهم، والخيام قد أحرقت ونهب ما فيها من ثقل ومتاع، وسلب ما على الأرامل والثواكل من بنات النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) من حلي وحلل، وقد وصف ذلك المنظر الحزين الدكتور الشيخ أحمد الوائلي اللّه في رائعته التي يقول فيها:
وَسَجا اللَّيْلُ وَالرِّجالُ ضَحايا *** وَالنِّساء المُخَدّرات ذهول
واليـتامى تَشَرُّدٌ وَضَياع *** وَالتَّعَالى مَدامِعٌ وَعَوِيلٌ
1) مع الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نهضته: 285
وَبَقايا مُخَيَّمِ مِنْ رَمادٍ *** وَقُیُودٌ يَـئِنُ مِـنْها عَـلِيلُ
وَزُنُودٌ قَسَتْ عَلَيْها سِياط *** وَجُسُومٌ يَضْرَى بِها التَّنْكِيلُ (1)
أما حفيدة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وشقيقة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هلال العقيلة زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ)فأنّها ما وهنت ولا استكانت أمام تلك الأهوال القاصمة، فقد أسرعت تلتقط الأطفال الذين هاموا على وجوههم في البيداء، وتجمع العيال في تلك البيداء الموحشة، وهي تسليهم وتصبّرهم على تلك الرزايا، وقد أنفقت تلك الليلة ساهرة على حراستهم، وقد هامت في تيارات من الأسى لا يعلم بمداها إلا اللّه، وقد استولى الضعف عليها حتى أنّها أدت وردها من صلاة الليل جالسة.
واختلف المؤرخون في عدد الضحايا من أهل البيت ا ا، وهذه بعض الأقوال:
1- سبعة عشر، وقد أعلن ذلك الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث له جرى مع شيخ عن قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) ه: «يا شَيْخُ، ذاكَ دَمٌ يَطْلُبُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ما أَصِيبَ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ، وَلَا يُصابُونَ بِمِثلِ الحسين، وَلَقَدْ قُتِلَ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ نَصَحُوا لِلَّهِ، وَصَبَرُوا فِي جَنْبِ اللَّهِ، فَجَزاهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ جَزاءِ الصّابِرِينَ...» (2).
ويقول محمّدبن الحنفية: «لقد قتل معه - أي مع الحسين - سبعة عشر ممّن ارتكضوا في رحم فاطمة» (3)، وهي فاطمة بنت أسد أُمّ الإمام أمير المؤمنين (4).
2- ستة عشر رجلاً، يقول الحسن البصري: «قتل مع الحسين بن علي ستة عشر رجلاً ما على وجه الأرض لهم من شبيه» (1).
ويقول سراقة البارقي:
عَينُ جُودِي بِعَبْرَةٍ وَعَوِيلِ *** وَانْدُبِي إِنْ نَدَبَتِ آلَ الرَّسُولِ
نِسعَةٌ مِنْهُمْ لِصُلْبِ عَلِيٍّ *** قَدْ أُبِيدُوا وَسَبعَةً لِعَقِيلٍ (2)
عَينُ جُودِي بِعَبرَةٍ وَعَوِيلِ *** وَاندُبِي إِنْ نَدَبَتِ آلَ الرَّسُولِ
وَاندُبِي تِسْعَةٌ لِصُلْبِ عَلِيٍّ *** قَد أُصِيبُوا وَخَمْسَةٌ لِعَقِيلٍ
وَابنَ عَمَّ النبیّ عوناً أَخاهُمْ *** لَيْسَ فِيمَا يَنُوبُ بِالمَخْذُولِ
وسمي النبیّ غُودِرَ فِيهِم *** قَدْ عَلُوهُ بِصَارِمٍ مَصقُولِ
واندبِي كَهْلَهُمْ فَلَيسَ إِذا مَا *** عُدُ فِي الخَيرِ كَهْلُهُمْ كَالكُهُولِ
لَعَنَ اللّهُ حَيثُ كَانَ زِياداً *** وَابنَه والعَجُوزَ ذاتَ البُعُولِ وَسَميَّ
3- خمسة عشر، وقد أعلن ذلك المغيرة بن نوفل في مقطوعته التي رثاهم بها، يقول:
أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ وَأَبْكَانِي *** وَالدَّهْرُ ذُو صَرْفٍ وَالْوانِ
يَالَهفَ نَفْسِي وَإِنَّ النَّفْـ *** ـسَ لَا تَنْفَكُ مِن هَمَّ وَأَحزانِ
عَلى أُناسٍ قُتلوا تِسْعَةً *** بِالطَّفُ أَمْسَوا رَهْنَ أَكْفَانِ
وَسِنَّةٌ مَا أَن أَرى مِثْلَهُمْ *** بَنِي عَقِيلٍ خَيْرَ فُرسانِ (1)
أَحْزَنَنِي الدُّهْرُ وَأَبكاني *** والدهرُ ذُو صَرْفِ وَأَلْوانِ
أَفْرَدَنِي مِنْ تِسْعَةٍ قُتُلُوا *** بِالطَّفُ أَضْحَوا رَهْنَ أَكْفَانِ
وَسِنَّةٍ لَيْسَ لَهُم مُشبِةٌ *** بَنِي عَقِيل خَيْرٍ فُرْسانِ
وَالمَرْهُ عَوْنُ أَخِيهِ مَضَى *** كِلاهُما هَيَّجَ أَحْرَانِي
مَنْ كَانَ مَسْرُوراً بما نالنا *** وَشامِتاً يَوماً فَما الآن
وفي كفاية الأثر: 248 و 249، ومناقب آل أبي طالب: 4: 116: «أنّها للكميت بن زيد الأسدي»، وفيهما هكذا:
لِتِسْعَةٍ بِالطَّفِّ قَدْ غُودِرُوا *** صَارُوا جَميعاً رَهْنَ أَكْفَانِ
وَسِئَةٍ لَا يُتَجَارَى بِهِمْ *** بَنُو عَقِيلٍ خَيرُ فُرْسانِ
ثمَّ عَلِيُّ الخَيرِ مَوْلاهُمُ *** ذِكْرُهُمْ هَيْجَ أَحْرَانِي
مَنْ كَانَ مَسْرُوراً بِما مَسَّكُمْ *** أو شامِتاً يوماً مِنَ الآنِ
فَقَدْ ذَلَلْتُمْ بَعْدَ عِزَّفَما *** أَدْفَعُ ضَيماً حِينَ يَغْشَانِي
مَتَى يَقُومُ الحَقُّ فِيكُمْ مَتى *** يَقُومُ مَهْدِيكُّمُ الثَّانِي
4- تسعة عشر رجلاً من أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) (2).
5- عشرون؛ من أبناء عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) سبعة، ومن أبناء الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) اثنان، ومن أبناء عبداللّه بن جعفر اثنان، ومن أبناء الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثلاثة، ومن أبناء عقيل ستة غير مسلم (3).
6- اثنان وعشرون، صرّح بذلك أبو الفرج الأصفهاني، حيث قال: «فجميع من قتل يوم الطف من ولد أبي طالب سوى من يختلف في أمره اثنان وعشرون
رجلاً» (1).
7- ثلاثة وعشرون رجلاً من ولد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإخوته وأهل بيته (2).
8- سبعة وعشرون شهيداً من ولد فاطمة (3)يعني بنت أسد.
9- ثمانية وسبعون، صرّح بذلك النسّابة السيد أبو محمّدالحسن الحسينی، وهو اشتباه، ولعله أراد من قتل مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أصحابه.
10- ثلاثون، نسب ذلك إلى الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) في حديث له مع عبد اللّه بن سنان، فقد أمره بالصوم في يوم عاشوراء، وأمره بالإفطار بعد صلاة العصر، وقال له: «فَأنّه فى ذلِكَ الْوَقْتِ مِنْ ذلِكَ الْيَوْم تَجَلَّتِ الْهَيْجاءُ عَنْ آلِ رَسُولِ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَانْكَشَفَتِ الْمَلحَمَةُ عَنْهُمْ، وَفِي الْأَرْضِ مِنْهُمْ ثَلَاثُونَ صَرِيعاً في مَوَالِيهِمْ يَعُزُّ عَلَى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) مَصْرَعُهُمْ، وَلَوْ كَانَ فِي الدُّنْيا يَوْمَئِذٍ حَيّاً لَكَانَ هُوَ الْمُعَزّى بِهِم» (4)
586:1
.11- أربعة عشر رجلاً، انفرد بذلك المسعودي (5)ولم يذكره غيره.
هذه بعض الأقوال التي ذكرت، واحتوت الزيارة المنسوبة إلى الناحية على ذكر سبعة عشر شهيداً، وذكر ذلك الشيخ المفيد (6)، ولعله هو الأقرب إلى الواقع، واللّه العالم.
وسقط في المعركة بعض الجرحى من أصحابه، ولم يجهز عليهم جيش ابـن سعد، وهم:
1- سوار بن حمير الجابري، حمل من المعركة ومات متأثراً بجراحه بعد ستة أشهر (1)
2- عمرو بن عبد اللّه الجندعي، سقط في المعركة جريحاً وحمل، ومات متأثراً بجراحه بعد سنة (2).
3- الحسن بن الحسن بن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وقاتل مع عمه حتى سقط على الأرض جريحاً، ولما أقبل أجلاف أهل الكوفة على حز رؤوس الشهداء وجدوا به رمقاً، فجاء أسماء بن خارجة الفزاري وكان من أخواله فشفّع به فشفعوه، فحمله معه إلى الكوفة وعالجه حتى برى ثم لحق بيثرب (3).
ونجا من القتل من أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأهل بيته، ما يلي:
1- الإمام زين العابدين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان مريضاً قد أنّهكته العلة، ونجا بأعجوبة من أيدي أُولئك الطغاة، وحمل أسيراً إلى ابن مرجانة وسيده يزيد بن معاوية (4).
2- الحسن بن الحسن بن علي(عَلَيهِمَ السَّلَامُ)، وقد ذكرنا أنّه سقط في المعركة جريحاً، وبرى من جراحاته (5).
3- عمر بن الحسن (عَلَيهِمَا السَّلَامُ) نجا من القتل ولم نعلم أنّه اشترك في الحرب أم أنّه
كان صغيراً؟ (1).
4- القاسم بن عبد اللّه بن جعفر، كان مع الحسين بن علي(عَلَيهِما السَّلَامُ) حين قتل، وكان صغيراً فلم يقتل (2).
5- زيد بن الحسن بن علي(عَلَيهِم السَّلَامُ) (3).
6- عقبة بن سمعان، وكان مولى للرباب بنت امرئ القيس زوجة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، جيء به أسيراً إلى ابن سعد، فقال له: من أنت؟
قال: مملوك، فخلى سبيله ولم يتعرّض له بمكروه (4).
7- الموقع بن ثمامة الأسدي الصيداوي، كان من أنصار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأسر، فجاءت قبيلته فطلبت له الأمان، وجيء به مخفوراً إلى ابن مرجانة، وأخبره ابـن سعد بشأنّه، فنفاه إلى الزارة من أرض البحرين وبقي فيه (5).
مسلم بن رباح، وكان مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) یمرّضه، ولمّا قتل انفلت ونجا سالماً، وقد روى بعض فصول واقعة كربلاء (6).
وهؤلاء هم الذين نجوا من القتل، وأفلتوا من أيدي أولئك الظالمين المجرمين الذين كانوا يتعطشون إلى إراقة دماء أهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ).
1) اللّهوف: 86. وفي شرح الأخبار: 3: 197: «أنّه عمرو بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)»
2) تاريخ مدينة دمشق: 49: 89
3) مقاتل الطالبيين: 119
4) أنساب الأشراف: 3: 410
5) تنقيح المقال:3: 260. إبصار العين: 90. وسيلة الدارين: 195. وفي أنساب الأشراف: 3: 411: «المرقع بن قمامة». وفي تاريخ الأمم والملوك: 4: 649: (المرقع بن ثمامة»
6) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/المقرم: 377 مقاتل الطالبيين: 119. تاريخ مدينة دمشق: 14: 223
أمّا حجم الخسائر في جيش ابن سعد فكانت جسيمة للغاية، فقد دمّر أصحاب عن الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى قلتهم جميع كتائب ذلك الجيش، وأنزلوا به أفدح الخسائر، فأشاعوا في أرياض الكوفة الشكل والحداد. ويقول بعض المؤرخين: أنّهم لم يتركوا بيتاً في الكوفة إلا وفيه نائحة.
أما ما يدعم ذلك فهي التصريحات التي أدلى بها بعض قادة الفرق الدالة فزعهم وذعرهم بما منوا به من الخسائر، وقد أشرنا إليها في البحوث السابقة.
وذكر ابن الأثير أنّ القتلى كانوا ثمانية وثمانين سوى الجرحى (1)، وهذا القول لا نصيب له من الصحة والغاية منه التقليل من أهمية معسكر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإن من المقطوع به أنّهم أنزلوا بجيش ابن سعد الهزائم وألحقوا به أفدح الخسائر، حتى ضجّ العسكر من كثرة من قتل منهم، ومن الطبيعي أن ذلك لا يتفق مع هذا العدد القليل.
وحينما نزح الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الحجاز إلى العراق كان ابن عباس قلقاً تساوره الهموم والأحزان خوفاً على ابن عمه من غدر أهل الكوفة، وقد نام في اليوم العاشر من المحرّم فاستيقظ فزعاً مرعوباً، وقد رفع صوته: قتل الحسين واللّه.
فأنكر عليه أصحابه قائلين له: كلا يابن عباس.
فأجابهم ودموعه تتبلور على خديه: رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ومعه زجاجة، فقال لي: ألا تعلم ما صنعت أُمتي بعدي؟ قتلوا ابني الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهذا دمه ودم أصحابه أرفعه إلى اللّه عزّ وجلّ.
1) الكامل في التاريخ: 3: 296. شرح الأخبار: 3: 155 مناقب آل أبي طالب: 4: 112. بحار الأنوار: 45: 74. تاريخ الأمم والملوك: 4: 650
وسجّل أصحابه اليوم والساعة التي حدثت فيها الرؤيا، ووافتهم الأنباء بمقتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في نفس الوقت التي حدثت فيه الرؤيا (1).
وكانت أُمّ المؤمنين السيدة أم سلمة وجلة مضطربة من حين خروج الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى العراق، فقد عهد إليها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بمقتل ولده الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أرض كربلاء، وأعطاها قارورة فيها تربته، وأعلمها أنّها إذا فاضت دماً فإنّ سبطه قد قتل، وكانت تنظر كل يوم إلى القارورة وتقول: إن يوماً تتحولين دماً ليوم عظيم (2)، ورقدت في اليوم العاشر من المحرّم فرأت في منامها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وعلى رأسه ولحيته التراب، فقالت له: مالك يا رسول اللّه؟!
قال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ): شهدت قتل الحسين آنفاً.
وانتبهت أم سلمة فزعة مذعورة، وهي صارخة منادية: قد فعلوها ! ملأ اللّه بيوتهم - أو قبورهم - عليهم ناراً ووقعت مغشياً عليها (3).
وسمع ابن عباس الصراخ قد علا من بيت أُمّ سلمة فخف إليها، وقد ازدحم بيتها بالرجال والنساء، فقال لها: يا أُمّ المؤمنين، ما بالك تصرخين وتغوثين، فلم تجبه، وأقبلت على النساء الهاشميات فقالت لهن يا بنات عبد المطلب، أسعدنني وابكين، فقد واللّه قتل سيدكن، وسيد شباب أهل الجنّة، قد واللّه قُتل سبط رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وريحانته الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
1) تاريخ مدينة دمشق: 14: 237. المنتظم: 5: 346. تاريخ الإسلام) حوادث (61 – 80): 17 تذهيب التهذيب: 1: 155 مرآة الجنان: 1: 108. الخطط المقريزية: 1: 428ر
2) المعجم الكبير: 3: 108، الرقم 2817. تاریخ المظفري: 30، وجاء فيه: «أن أول صارخة على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالمدينة هي أُمّ سلمة». تاريخ الإسلام (حوادث 61 - 80): 17
3) سنن الترمذي: 5: 615، الحدیث 3771 تاريخ مدينة دمشق: 14: 238
فقلن لها: من أين علمت ذلك؟ فأخبرت برؤياها للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) (1). وتصارخت النسوة حتى ضجّت المدينة وما سمع بواعية مثل ذلك اليوم (2). وأقامت أُمّ سلمة من وقتها مجلس العزاء على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فجعل المسلمون يفدون عليها ويعزّونها بمصابها الأليم، وممن وفد عليها معزياً شهر بن حوشب، فأخذت تحدّثه عما سمعته من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) في فضل أهل البيت قائلة: دخل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) على منامة (3)لنا فجاءته فاطمة بشيء فوضعته، فقال (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) لها: إدْعِي لِي حَسَناً وَحُسَيْناً وَابْنَ عَمِّكِ عَلِيّاً، فلمّا اجتمعوا عنده قال: اللّهم هؤُلَاءِ خاصتِي، وَأَهْلُ بَيْنِي، فأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهُرْهُمْ تَطْهِيراً (4).
وأخذت أُمّ سلمة تلعن أهل الكوفة وتقول: قتلوه قتلهم اللّه عزّ وجلّ، غروه وأذلوه لعنهم اللّه (5)، وكان يغشى عليها من شدة الحزن، ولم تلبث إلا يسيراً حتى توفيت كمداً وحزناً على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (6).
ولم يعن ابن سعد بالتمثيل بجسم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي حرمه الإسلام بعد أن صدرت له الأوامر من ابن مرجانة بذلك، وقد عمد فور استشهاده (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى إرسال رأسه مع خولي بن يزيد الأصبحي، وحميد بن مسلم الأزدي، فحملا رأس ابن بنت النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) هدية لابن مرجانة كما حمل رأس يحيى بن زكريا إلى بـغي من بـغايا
بني إسرائيل، وقد أقبلا يجدان السير لا يلويان على شيء حتى انتهيا إلى الكوفة في الهزيع الأخير من الليل، فوجدا باب القصر مغلقاً، فأخذ خولي رأسه الشريف وولى مسرعاً إلى بيته ليبشر به زوجته وطرق باب داره طرقاً عنيفاً وهو يلهث من شدة التعب وعظيم الفرح، فخرجت إليه زوجته النوار بنت مالك الحضرمي، وكانت علوية الرأي، فأسرعت إليه قائلة: ما الخبر؟
قال: جئت بغنى الدهر، هذا رأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) معك في الدار.
وراحت امرأته تصیح به: ويلك، جاء الناس بالفضة والذهب، وجئت برأس ابن بنت رسول اللّه، واللّه لا يجمع رأسي ورأسك شيء أبداً(1).
وأصبح زوجها من أبغض الناس إليها (2)، وفي الصباح الباكر حمل خولي رأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى ابن زياد فأظهر الفرح والسرور، وقد تمت - فيما يحسب - بوارق آماله وأحلامه.
والتفت ابن زياد إلى الجلادين من شرطته الذين حضروا المعركة، فقال لهم:
1) أنساب الأشراف: 3: 411. تاريخ الأمم والملوك: 4: 650. وفي العقد الفريد: 2: 242: «أنّها قالت له: واللّه لا يجمعني وإياك فراش أبداً». وفي البداية والنهاية: 8: 191 - 192: «أنّها قامت من فراشه، واستدعى له بامرأة أخرى من بني أسد فنامت عنده، فلمّا نظرت إلى الأجانة رأت النور ساطعاً من تلك الأجانة إلى السماء ورأت طيوراً بيضاً ترفرف حولها»
2) في تاريخ الأمم والملوك: 5: 176: «أن أبا عمرة صاحب حرس المختار لما أحاط بدار خولي بن يزيد الأصبحي وهو صاحب رأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ه الذي جاء به فاختبى في مخر فخرجت امرأته إليهم، فقالوا لها: أين زوجك؟ فقالت: لا أدري أين هو، وأشارت بيدها إلى المخرج، فدخلوا فوجدوه وقد وضع على رأسه قوصرة فأخرجوه»
أيكم قاتله؟
فوتب إليه رجل وهو فرح لعله أن ينال الجائزة منه، فقال له: أنا قتلته.
فقال: ما قال لك؟
قال: لمّا أخذت السلاح قلت له: أبشر بالنار، قال: أَبْشِرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِرحمَتِهِ
وَشَفاعَةِ نَبِيِّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) (1).
وأطرق ابن مرجانة برأسه إلى الأرض وهو يشعر بالوخز وخيبة المصير وسوء المنقلب.
ولما وضع رأس ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بين يدي الدعي ابن الدعي أخذ يعبث بثناياه ساعة من الزمن، وهو يجد في ذلك لذة لا تعدلها لذة، وبدا على وجهه آثار الحقد الدفين والتشفّي الآثم، فأخذ يضرب بعوده ثنايا الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشفتيه التي طالما كان رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) يوسعهما تقبيلاً. يقول القاسم بن محمّد: ما رأيت منظراً قط أفظع من إلقاء رأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين يدي ابن مرجانة وهو ينكته (2).
وكان في مجلسه الصحابي زيد بن أرقم، فلمّا رأى صنعه أنّهارت قواه وصاح به: أعلُ بهذا القضيب عن هاتين الشفتين، فوالذي لا إله إلا هو لقد رأيت شفتي رسول (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى هاتين الشفتين يقبلهما.
وانفجر زيد باكياً وراح ابن زياد يهزأ من الصحابي قائلاً: أبكى اللّه عينيك، لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك.
فاندفع الصحابي قائلاً: ألا أحدثك حديثاً هو أغلظ من هذا؟! رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) أقعد حسناً على فخذه اليمني، وحسيناً على فخذه اليسرى، ووضع يديه على يافوخيهما، وقال: اللّهم إني أستَودِعُكَ إِيَّاهُما وَصالِحَ الْمُؤْمِنِينَ، فكيف كانت وديعة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) عندك يابن زياد؟!
وخرج زيد غير حافل ببطش ابن مرجانة، وهو يخاطب أهل الكوفة قائلاً: أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم، ويستعبد شراركم، فبعداً لمن رضي بالذل والعار (1).
وقال هشام بن محمّد: لما وضع الرأس بين يدي ابن زياد قال له كاهنه الكافر: قم فضع قدمك على فم عدوك، فقام فوضع قدمه على فيه.
ثم قال لزيد بن أرقم: كيف ترى؟ فقال: واللّه لقد رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) واضعاً فاه حيث وضعت قدمك (2).
لقد فعل ابن زياد بآل البيت ما لم يفعله أي كافر على وجه الأرض، فقد استهان بجميع القيم والمقدسات، واستباح كل ما حرمه اللّه.
ومكثت القوات المسلحة في كربلاء يوم الحادي عشر من المحرم فوارت جيف قتلاها بین مظاهر الإجلال والتعظيم، وقد فتحت لها كوة من قيح جهنم يؤجج ضرامها ولا يخبو نارها تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون.
أمّا جثة الإمام العظيم والجثث الزواكي من أهل بيته وأصحابه، فقد عمدوا إلى تركها على صعيد كربلاء تسفي عليها الرياح لا مغسلة ولا مكفنة.
وأمر ابن سعد حميد بن بكر الأحمري، فنادى بالناس الرحيل إلى الكوفة (1)، وسارت قوات ابن سعد بعد الزوال من كربلاء، وأعلامها رؤوس العترة الطاهرة التي ثارت من أجل إحقاق الحق، وتوطيد أركان العدل، وقد حملوا معهم نساء الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأخواته ونساء الأصحاب فكن عشرين امرأة (2)ما عدا الصبية، وقد سيّروهنّ في موكب كان أبشع موكب شهده التاريخ، فقد حملت حرائر النبوّة على أقتاب الجمال بغير وطاء، وساقوهن كما يساق الترك والديلم، واجتازوا سبي بالركب على ساحة المعركة حيث الأشلاء مبعثرة ومضمخة بدمائها الزكية، وإنّما فعلوا ذلك مبالغة منهم في ايذاء مرور النساء، وكان العرب في جاهليتهم الأولى يتجنبون النساء على قتلاهنّ، إلا أن جيش ابن سعد لم يلتزم بأي خلق، ولم تكن عنده أية عاطفة إنسانية أو مسكة من شرف أو نبل.
ولمّا نظرت عقائل النبوة إلى جثث القتلى من أهل البيت رفعن أصواتهن بالبكاء، وصاحت حفيدة النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) بصوت يذيب القلوب: يَا محمّداهُ، هذا حُسَيْنُ بِالْعَراء، مُرَمَّلٌ بِالدِّماءِ، مُقَطَّعُ الأَعْضاءِ، وَبَناتُكَ سَبايا، وَذُرِّيَّتُكَ مُقَتَلَةٌ (3).
ووجم القوم مبهوتين، وفاضت عيونهم دموعاً، وبكى العدو والصديق (4).
وحزن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشد ما يكون الحزن حينما رأى جثمان أبيه وجثث أهل بيته وأصحابه منبوذة بالعراء لم ينبر أحد إلى مواراتها، وبصرت به عمته زينب فبادرت إليه مسلية قائلة: ما لي أراكَ تَجُودُ بِنَفْسِكَ يا بَقِيَّةَ جَدِّي وَأَبِي وَإِخْوَتِي؟!... فَوَاللَّهِ إِنَّ ذلِكَ لَعَهْدٌ مِنْ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) إِلى جَدِّكَ وَأَبِيكَ وَعَمَّكَ، وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ أُناسٍ مِنْ هذِهِ الْأُمَّةِ لَا تَعْرِفُهُمْ فَرَاعِنَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهُمْ مَعْرُوفُونَ في أَهْلِ السَّماواتِ، أنّهمْ يَجْمَعُونَ هذة الأعضاء المُتَفَرَّقَةَ، وَهذِهِ الْجُسُومَ الْمُضَرَّجَةَ فَيُوارُونَها، وَيَنْصِبُونَ بِهذَا الطَّفْ عَلَماً لِقَبْرِ أَبِيكَ سَيْدِ الشُّهَدَاءِ لَا يَدْرُسُ أَثَرُهُ، وَلَا يَعْفُو رَسْمُهُ عَلَى كُرُورِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ؛ وَلَيَجْتَهِدَنَّ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَأَشْياعُ الضَّلَالِ فِي مَحْوِهِ وَطَمْسِهِ فَلَا يَزْدادُ أَثَرُهُ إِلَّا ظُهُوراً، وَأَمْرُهُ إِلَّا عُلُوّاً (1).
وأزالت حفيدة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ما ألم بالإمام زين العابدين(عَلَيهِ السَّلَامُ) من الحزن العميق على عدم مواراة أبيه، فقد أخبرته بما سمعته من أبيها وأخيها من قيام جماعة من المؤمنين بمواراة تلك الجثث الطاهرة، وسينصب لها علم لا يمحى أثره ويبقى خالداً حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها، وقد جدّ ملوك الأمويين والعباسيين على محوها وإزالة آثارها، وأجهدوا نفوسهم وسخروا جميع إمكانياتهم إلا أنّهم لم يفلحوا، ومضى مرقده الشريف شامخاً على الدهر، ومضت ذكراه تملأ رحاب الأرض نوراً وفخراً وشرفاً كأسمى صورة تعتز بها الإنسانية في جميع أدوارها.
وبقيت جنّة الإمام العظيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجثث الشهداء الممجدين من أهل بيته وأصحابه ملقاة على صعيد كربلاء تصهرها الشمس، وتسفي عليها الرياح، وقد انبرى جماعة
1) كامل الزيارات: 445، حاشية 674. بحار الأنوار: 45: 179
من المؤمنين الذين لم يتلوّثوا في الاشتراك بحرب ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) إلى مواراتها، وقد اختلف المؤرخون في اليوم الذي دفنت فيه، وفيما يلي ذلك:
1- يوم الحادي عشر (1).
2- يوم الثاني عشر (2).
3- یوم الثالث عشر (3).
أما الذين حظوا بمواراتها فهم قوم من بني أسد كانوا ينزلون بالقرب من مكان المعركة، فخفّوا إليها بعد أن نزحت جيوش ابن سعد، فرأوا الجثث الزواكي ملقاة بالعراء فأيقنوا أنّها جثث أهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) وجثث أصحابهم، فعجوا بالبكاء والعويل وصرخت نساؤهم وقاموا في هدأة الليل حيث أمنوا الرقباء، فحفروا قبراً لسيد الشهداء، وقبراً آخر لبقية الشهداء، وقد حفروها على ضوء القمر حيث كان على وشك التمام، ولم يطلع القمر على مثلها شرفاً في جميع الأحقاب والآباد.
يقول الشيخ المفيد: «ولمّا رحل ابن سعد خرج قوم من بني أسد كانوا نزولاً بالغاضرية إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصحابه - رحمة اللّه عليهم - فصلّوا عليهم، ودفنوا الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث قبره الآن، ودفنوا ابنه علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) صغر عند رجليه، وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه - الذين صرّعوا حوله - مما يلي رجلي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجمعوهم فدفنوهم جميعاً معاً، ودفنوا العباس بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في موضعه الذي قتل فيه على طريق الغاضرية حيث قبره الآن» (4).
1) مناقب آل أبي طالب: 4: 112. أنساب الأشراف: 3: 411 مروج الذهب: 3: 63 مرآة الزمان في تواريخ الأعيان: 97. البداية والنهاية: 8: 191
2) اللّهوف: 85. بحار الأنوار: 45: 107
3) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/المقرّم: 414. وسيلة الدارين: 345 - 546
4) الإرشاد/المفيد: 2: 114 وقد ذكر المظفّر في بطل العلقمي:3 358: «أنّ مدفن الحر في النواويس»
وتنص بعض المصادر الشيعية على أنّ بني أسد كانوا متحيّرين في شأن تلك الجثث الزواكي ولم يهتد والمعرفتها؛ لأنّ الرؤوس قد فصلت عنها، وبينما هم كذلك إذ أطلّ عليهم الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأوقفهم على شهداء أهل البيت وغيرهم من الأصحاب، وبادر إلى حمل جثمان أبيه فواراه في مثواه الأخير وهو يذرف أحر الدموع قائلاً: طُوبى لأرْضِ تَضَمَّنَتْ جَسَدَكَ الطَّاهِرَ، فَإِنَّ الدُّنْيا بَعْدَكَ مُظْلِمَةٌ، وَالْآخِرَةَ بِنُورِكَ مُشْرِقَةٌ، أَمَا اللَّيْلُ فَمُسَهَّدٌ، وَالْحُزْنُ سَرْمَدٌ، أَوْ يَحْتارُ اللَّهُ لِأَهْلِ بَيْتِكَ دَارَكَ الَّتِي أَنتَ بها مُقِيمٌ، وَعَلَيْكَ مِنِّى السَّلَامُ ابْنَ رَسُولِ اللّهِ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ.
ورسم على القبر الشريف هذه الكلمات: هذا قَبْرُ الحسين بن علي بْنِ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي قَتَلُوهُ عَطْشاناً غَرِيباً.
ودفن عند رجلي الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولده علي الأكبر، ودفن بقية الشهداء الممجدين من الهاشميين وغيرهم في حفرة واحدة، وانطلق الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع الأسديين إلى نهر العلقمي فواروا قمر بني هاشم العباس بن أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجعل الإمام يبكي أحر البكاء قائلاً: عَلَى الدُّنْيا بَعدَكَ الْعَفَا يَا قَمَرَ بَنِي هَاشِمٍ، وَعَلَيْكَ مِنِّي السَّلَامُ مِنْ شَهِيدٍ مُحْتَسِبٍ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ (1). وأصبحت تلك القبور الطاهرة رمزاً للكرامة الإنسانية، ورمزاً لكل تضحية تقوم على العدل.
يقول العقّاد: «فهي اليوم مزار يطوف به المسلمون متفقين ومختلفين، ومن حقّه أن يطوف به كل إنسان؛ لأنّه عنوان قائم لأقدس ما يشرف به هذا الحي الآدمي من بين سائر الأحياء.
1) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/المقرم: 415 و 416
فما أظلّت قبة السماء مكاناً لشهيد قط هو أشرف من تلك القباب بما حوته من معنى الشهادة وذكرى الشهداء (1).
ويقول يوسف رجيب: «وليس قبر من قبور أولياء اللّه الصالحين البررة غير قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو قبلة الدنيا وكعبة بني الأرض؛ لأنّ اللّه شرفه بجهاد أعدائه الذين اعتزموا طمس الدين الحنيف، وانتهاك الشريعة، واتخاذ الخلافة إمرة زمنية استباحوا بها كل محرّم يتلذذون بما حرم اللّه وحرمته كتبه» (2).
لقد ضمّت تلك البقعة المباركة خلاصة الإباء والشرف والدين، وقد أصبحت أقدس مراكز العبادة وأفضلها في الإسلام، ففي كل وقت يطوف بها المسلمون متبركين ومتقربين إلى اللّه، كما أصبحت مطافاً لملائكة اللّه المقربين.
فقد روى الفضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنّه سُئل عن أفضل قبور الشهداء فقال(عَلَيهِ السَّلَامُ): «أَوَلَيْسَ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ الحسين بن علي؟ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ حَوْلَ قَبْرِهِ لا أَرْبَعِينَ الف مَلَكٍ شُعْتَاً غُبْراً يَبْكُونَ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (3).
ويقول الإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ حَوْلَ قَبْرِ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سَبْعِينَ الف مَلَكٍ شُعْناً غُبْراً يَبْكُونَ عَلَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيامَةِ» (4).
وقد حظي مرقده العظيم باستجابة الدعاء عنده، فما قصده مكروب أو ملهوف إلا فرج اللّه عنه ممّا ألم به، يقول الجواهري:
تَعالَيْتَ مِنْ مُفْزِعِ لِلحُتُوفِ *** وَيُورِكَ قَبْرُكَ مِنْ مَفْزَعِ
تَلُوذُ الدُّهُورُ فَمِنْ سُجَّدٍ *** عَلَى جَانِبَيْهِ وَمِنْ رُكَّعِ (1)
ويقول المؤرخون: إنّ الإمام الهادي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ألمّ به مرض فأمر أبا هاشم الجعفري أن يبعث له رجلاً إلى الحائر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليدعو له بالشفاء، وقد سئل (عَلَيهِ السَّلَامُ) ن ذلك فقال: «...إِنَّمَا هِيَ مَواطِنُ يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يُذكَرَ فِيها، فَأَنا أُحِبُّ أَنْ يُدْعَى لِي حَيْثُ يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يُدعى فيها، وَالْحائِرُ مِن تِلْكَ الْمَواضِع» (2).
لقد احتل أبو الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) المكانة العظمى عند اللّه تعالى كما احتل قلوب المسلمين وحظى بأصدق محبتهم، فهم يشدّون الرحال إلى مثواه من كل فج عميق وفاء بحقه، واعترافاً بفضله، والتماساً لعظيم الأجر الذي كتبه اللّه لزائريه.
ويقول (نيكلسون): «وخلال بضع سنوات عن مصرع الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أصبح ضريحه في كربلاء محجّاً تشد إليه الرحال».
وتواترت الأخبار عن أئمة أهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) وغيرهم بفضل زيارة سيد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد ذهب بعض الفقهاء إلى وجوبها. وقد الف محمّدبن علي العلوي كتاباً يقع في جزأين أسماه (فضل زيارة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ) ونشير إلى بعض تلك الأخبار:
الأول: روى أبو حمزة الثمالي، قال: «سألت علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ن زيارة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: زُرْهُ كُلَّ يَوْمٍ، فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ فَكُلُّ جُمُعَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ فَكُلُّ شَهْرٍ، فَمَنْ لَمْ يَزُرْهُ فَقَدِ اسْتَخَفْ بِحَقِّ رَسُولِ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) (3).
الثاني: روى أبو الجارود، قال: «قال لي أبو جعفر(عَلَيهِ السَّلَامُ): كَمْ قَبْرُ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مِنْكُمْ؟
قال: قلت له: يوم للراكب ويوم وليلة للراجل.
قال: لَوْ كانَ مِنَا كَما هُوَ مِنْكُمْ لَاتَّخَذْناهُ هِجْرَةً (1).
الثالث: روى محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: «مُرُوا شِيعَتَنا بِزِيارَةِ قَبْرِ الحسين فَإِنَّ إِثْيَأنّه يَزيدُ فِى الرِّزْقِ، وَيَمُدُّ فِي الْعُمْرِ، وَيَدْفَعُ مَدافِعَ السُّوْءِ، وَإِنْيأنّه مُفْتَرَضٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ يَقِرُّ لَهُ بِالْإِمَامَةِ مِنَ اللَّهِ» (2).
الرابع: وروى حنان بن سدير، عن الصادق(عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: «زُوْرُوهُ وَلَا تَجْفُوهُ؛ فَأنّه سَيِّدُ شَبابِ الشُّهَداءِ، وسَيْدُ شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَشَبِيهُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، وَعَلَيْهِما بَكَتِ السَّماءُ وَالْأَرْضُ» (3).
والأخبار بذلك كثيرة عن أئمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
وأمّا كتب السنة، فقد روى المحب الطبري: «أَنَّ مَنْ زارَ قَبْرَ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ارِفاً بِحَقِّهِ كَتَبَ اللّهُ لَهُ في عِلِّيِّيْنَ» (4).
ودعا الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بهذا الدعاء الشريف لزوار قبر جده الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد رواه الثقة معاوية بن وهب، وهذا نصه:
قال: «استأذنت على أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو في مصلاه، فجلست حتى قضى صلاته، فسمعته وهو يناجي ربه وهو يقول: يا مَنْ خَصَّنا بِالْكَرامَةِ، وَحَمَلَنا الرِّسالَةَ، وَجَعَلَنا وَرَثَةَ الأَنْبِياءِ، وَخَتَمَ بِنا الأُمَمَ السَّالفةَ، وَخَصَّنَا بِالْوَصِيَّةِ، وَوَعَدنا بِالشَّفاعَةِ، وَأَعْطانا عِلْمَ ما مَضى وَمَا بَقِيَ، وَجَعَلَ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْنَا. اغْفِرْ لِي وَلِإِخْوانِي، وَلِزُوّارِ قَبْرِ أَبِي الحسين بن علي - صَلَواتُ اللّهِ عَلَيْهِمْ - الَّذِينَ أَنْفَقُوا أَمْوَالَهُمْ، وَأَشْخَصُوا أَبْدَأنّهمْ رَغْبَةً فى برنا، وَرَجاءَ لِمَا عِنْدَكَ فى صِلَتِنَا، وَسُرُوراً أَدْخَلُوهُ عَلَى نَبِيِّكَ محمّدصَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَإِجابَةٌ مِنْهُمْ لِأمْرِنَا، وَغَيْظاً أَدْخَلُوهُ عَلى عَدُوّنا، أَرَادُوا بِذلِكَ رِضاكَ، فَكَافِهِمْ عَنَا بِالرَّضْوانِ وَاكْلَاهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَخْلِفْ عَلَى أَهالِيهِمْ وَأَوْلَادِهِمُ الَّذِينَ خَلَفُوا بِأَحْسَنِ الْخَلَفِ، وَأَصْحِبْهُمْ وَاكْفِهِمْ شَرَّكُلِّ جَبَارٍ عَنِيدٍ، وَكُلٌّ ضَعِيفٍ مِنْ خَلقِكَ أَوْ شَدِيدٍ، وَشَرَّ شَياطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَأَعْطِهِمْ أَفْضَلَ ما أَمَّلُوا مِنْكَ فِي غُرْبَتِهِمْ عَنْ أَوْطَائِهِمْ، وَمَا أَثَرُونَا بِهِ عَلَى أَبْنَائِهِمْ وَأَهالِيهِمْ وَأَقْرِبائِهِمْ.
اللّهُمَّ إِنَّ أَعْداءَنا عابُوا عَلَيْهِمْ خُرُوجَهُمْ فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ ذلِكَ عَنِ الشُّخُوص إِلَيْنا، وَخِلَافاً مِنْهُمْ عَلَى مَنْ خَالفنا، فَارْحَمْ تِلْكَ الْوُجُوهَ الَّتِي قَدْ غَيَّرَتْها الشَّمْسُ، وَارْحَمْ تِلْكَ الْخُدُودَ الَّتِي تَقَلَّبَتْ عَلى قَبْرِ أَبِي عَبْدِ اللّهِ(عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَارْحَمْ تِلْكَ الْأَعْيُنَ الَّتِي جَرَتْ دُمُوعُها رَحْمَةً لَنا، وَارْحَمْ تِلْكَ الْقُلُوبَ الَّتِي جَزَعَتْ وَاحْتَرَقَتْ لَنا، وَارْحَمْ تِلْكَ الصَّرْحَةَ الَّتِي كَانَتْ لَنا.
اللّهُمَّ إِنِّي اسْتَودِعُكَ تِلْكَ الْأَنْفُسَ وَتِلْكَ الْأَبْدَانَ حَتَّى تُوافِيهِمْ عَلَى الْحَوْضِ يَوْمَ الْعَطَشِ.
فما زال وهو ساجد يدعو اللّه بهذا الدعاء، فلمّا انصرف قلت له: جعلت فداك، لو أنّ هذا الذي سمعته منك كان لمن لا يعرف اللّه لظننت أن النار لا تطعم منه شيئاً أبداً، واللّه لقد تمنيت أن كنتُ زرته ولم أحج.
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) ي: ما أَقْرَبَكَ مِنْهُ، فَما الَّذِي يَمْنَعُكَ مِنْ زِيارَتِهِ يَا مُعَاوِيَةُ؟ وَلِمَ تَدَعُ ذلِكَ؟
قلت: لَمْ أدر أن الأمر يبلغ هذا كله.
فقال: يا مُعاوِيَةُ، مَنْ يَدْعُو لِزُوَارِهِ فِي السَّمَاءِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْعُو لَهُمْ فِي الْأَرْضِ. يا مُعاوِيَةُ، لَا تَدَعْهُ فَمَنْ تَرَكَهُ رَأَى مِنَ الْحَسْرَةِ ما يَتَمَنَّى أَنَّ قَبْرَهُ كَانَ عِنْدَهُ. أَمَا تُحِبُّ أَنْ يَرَى اللَّهُ شَخْصَكَ وَسَوادَكَ فِيمَنْ يَدْعُو لَهُ رَسُولُ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْأَئِمَّةُ؟! أَما تُحِبُّ أَنْ تَكُونَ غَداً مِمَّنْ تُصَافِحُهُ الْمَلَائِكَةُ؟! أما تُحِبُّ أَنْ تَكُونَ غَداً فِيمَنْ يَخْرُجُ وَلَيْسَ لَهُ ذَنْبٌ فَيُتْبَعَ بِهِ؟! أما تُحِبُّ أَنْ تَكُونَ غَداً مِمَّنْ يُصافِحُ رَسُولَ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)؟!» (1).
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن مصرع الإمام العظيم (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ لنستقبل سبايا أهل
البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) في الكوفة.
1) الكافي 4: 569 و 570، الحدیث 11. ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: 120 و 121، الحديث.44 وسائل الشيعة: 14: 412 و 413، الباب 37 من أبواب المزار وما يناسبه، الحديث
واستقبلت الكوفة سبايا آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) بمزيد من الفزع والاضطراب، وخيم عليها الذل والهوان، فقد كُمّت الأفواه، وأُخرست الألسن، ولم يستطع أحد أن يظهر ما في دخائل نفسه من الأسى الشديد خوفاً من السلطة العاتية التي استهانت بأرواح الناس وكراماتهم.
وعزفت أبواق الجيش وخفقت راياتهم، وقد رفعوا على الحراب رؤوس العترة الطاهرة، ومعهم الأسرى من عقائل النبوة وحرائر الوحي وقد ربطوا بالحبال، وقد وصف ذلك المنظر الرهيب مسلم الجصاص، يقول: دعاني ابن زياد لإصلاح دار الإمارة بالكوفة، فبينما أنا أجصص الأبواب وإذا بالزعقات قد ارتفعت من جميع الكوفة، فأقبلت على أحد خدّام القصر فقلت له: ما لي أرى الكوفة تضج؟
قال: الساعة يأتوا برأس خارجي خرج على يزيد.
فقلت: من هذا الخارجي؟
قال: الحسين بن علي.
يقول: فتركت الخادم حتى خرج وأخذت ألطم على وجهي حتى خشيت على عيني أن تذهبا، وغسلت يدي من الجص، وخرجت من القصر حتى أتيت إلى الكناس، فبينما أنا واقف والناس يتوقعون وصول السبايا والرؤوس؛ إذ أقبل أربعون جملاً تحمل النساء والأطفال، وإذا بعلي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى بـعير بـغير وطاء
وأوداجه تشخب دماً، وهو يبكي ويقول:
يَا أُمَّةَ السُّوءِ لَا سُفْياً لِرَبْعِكُمْ *** يَا أُمَةٌ لَمْ تُراع جَدْنَا فِيْنَا
لو أَنَّنا وَرَسُولُ اللّهِ يَجْمَعُنا *** يَوْمَ القِيامَةِ مَا كُنتُم تَقُولُونا
تُسَيِّرُونا عَلَى الأَقْتَابِ عارِيَةٌ ***كَأَنَّنا لم تُشَيِّدُ فِيْكُم دينا (1)
ويقول حذلم بن بشير قدمت الكوفة سنة (61هـ) عند مجيء علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من كربلاء إلى الكوفة ومعه النسوة، وقد أحاطت بهم الجنود، وقد خرج الناس للنظر إليهم، وكانوا على جمال بغير وطاء، فجعلت نساء أهل الكوفة يبكين ويندبن، ورأيت علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أنّهكته العلة، وفي عنقه الجامعة ويده مغلولة إلى عنقه، وهو يقول بصوت ضعيف: «إِنَّ هَؤُلَاءِ يَبْكُونَ وَيَتَوَجَعُونَ مِنْ أَجْلِنا فَمَنْ قَتَلَنا؟! (2).
وانبرت إحدى سيدات الكوفة فسألت إحدى السبايا وقالت لها: من أي الأسارى أنتن؟
فقالت: نحن أسارى أهل البيت.
ولما سمعت بذلك المرأة صرخت، وصرخت النسوة التي معها، ودوّى صراخهنّ في أرجاء الكوفة، وبادرت المرأة فجمعت ما في بيتها من أزر ومقانع فجعلت تناولها إلى العلويات ليتسترن بها عن أعين الناس، كما بادرت سيدة أُخرى فجاءت بطعام وتمر وأخذت تلقيه على الصبية التي أضناها الجوع، فنادت بها السيدة أُمّ كلثوم من خلف الركب: إن الصدقة حرام علينا أهل البيت.
ولما سمعت الصبية مقالتها رمى كل واحد منهم ما في يده أو فمه من الطعام
وراح يقول لصاحبه: إنّ عمتي تقول: إن الصدقة حرام علينا أهل البيت (1).
وحينما رأت السيدة زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ) حفيدة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وشقيقة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحشود الزاخرة التي ملأت شوارع الكوفة وأزقتها وهم يبكون الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) والشهداء وهم ضحاياهم، ويرثون للأسيرات من بنات الرسول وما انتهك حرمتهن سواهم، اندفعت إلى الخطابة لبلورة الموقف، وإظهار المصيبة الكبرى التي جرت على أهل البيت وتحميل الكوفيين مسؤولية هذه الجريمة النكراء، فهم الذين نقضوا العهد، وخاسوا بالذمة، فقتلوا ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ثم عادوا بعد قتله ينوحون ويبكون كأنّهم لم يقترفوا هذا الإثم العظيم، وهذا نص خطابها: «الْحَمْدُ لِلَّهِ وَصَلَواتُهُ عَلَى أَبِي محمّدرَسُولِ اللَّهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ الْأَخْيَارِ. أَمَّا بَعْدُ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، يَا أَهْلَ الْخَتْلِ وَالْغَدْر، وَالْخَذْلِ وَالْمَكْر، أَتَبْكُونَ؟! فَلَا رَقَأَتِ الْعَبْرَةُ، وَلَا هَدَأَتِ الرَّنْةُ، إِنَّما مَثَلُكُمْ كَمَثَل الَّتِي نَقَضَتْ غَزلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاناً، تَتَّخِذُونَ أَيْمإنّكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ، أَلا بِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ سَخِطَ اللّه عَلَيْكُمْ وَفِي الْعَذابِ أَنْتُمْ خالِدُونَ (2).
أَتَبْكُونَ وَتَنْتَحِبُونَ؟! إي واللّهِ فَابْكُوا كَثِيراً، وَاضْحَكُوا قَلِيلاً، كُلُّ ذلِكَ بِانْتِهَا كِكُمْ حُرْمَةَ ابْنِ خَاتَمِ الْأَنْبِياءِ، وَسَيّدِ شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَلَاذِ حَضْرَتِكُمْ، وَمَفْزَع نازِلَتِكُمْ، وَمَنارِ حُجَّتِكُمْ، وَمِدْرَةِ (3)سِنَتِكُمْ، أَلَا سَاءَ مَا تَزِرُونَ، وَبُعْداً لَكُمْ وَسُحْقاً،
1) بحار الأنوار: 45 114. عوالم العلوم: 17: 377
2) وفي الأمالي/المفيد: 322 والاحتجاج: 2: 110: «أَلَا وَهَلْ فيكُمْ إِلَّا الصِّلِفُ النَّطِفُ، وَالصِّدْرُ الشَّيْفُ؟! خَوَارونَ في اللقاء، عاجزونَ عَنِ الْأَعْداءِ، ناكِثُونَ لِلْبَيْعَةِ، مُضَيِّعونَ لِلذَّمَّةِ، فَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ سَخِطَ اللّهُ عَلَيْكُمْ، وَفِي الْعَذَابِ أَنْتُمْ خَالِدُونَ»
3) مِدْرَة: المقدّم في اللسان واليد عند الخصومة والقتال. وقيل: هو رأس القوم والدافع عنهم - لسان العرب: 4: 340 - دَرَه
فَلَقَدْ خَابَ السَّعْيُ، وَثَبَتِ الْأَيْدِي، وَخَسِرَتِ الصَّفْقَةُ، وَتَوَلَّيْتُمْ بِغَضَبِ اللّهِ، وَضُرِبَتْ عَلَيْكُمُ الذلّهُ وَالْمَسْكَنَةُ.
أَتَدْرُونَ - وَيْلَكُمْ يَا أَهْلَ الْكُوفِة - أَيَّ كَبِدِ لِرَسُولِ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فَرَيْتُمْ، وَأَيَّ دَم لَهُ سَفَكْتُمْ، وَأَيَّ حُرْمَةٍ لَهُ انْتَهَكْتُمْ؟ لَقَدْ جِئْتُم شَيئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّماوَاتُ يَتَفطَّرنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُ الأَرْضُ وتَخِرُ الجِبَالُ هَدّاً (1).
لَقَدْ جِئْتُمْ بِهَا خَرْقاءَ شَوهاءَ كَطِلَاعِ الْأَرْضِ، وَمِلءِ السَّمَاءِ، أَفَعَجِبْتُمْ أَنْ مَطَرَتِ السَّماءُ دَماً؛ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أُخْرَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ؟! فَلَا يَسْتَخِفَنَّكُمُ الْمَهَلُ فَأنّه لَا يَحْفِرُهُ الْبِدارُ، وَلَا يَخافُ فَوْتَ النَّارِ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَبِالْمِرْصَادِ» (2).
لقد قرعتهم بطلة كربلاء بمنطق الصدق وصوت الحق، ودلّتهم على نفوسهم الخبيثة، فلم تنخدع بدموعهم الكاذبة، ولم ينطل عليها زورهم وبهتأنّهم، ونعت عليهم جريمتهم النكراء التي هي أبشع جريمة وقعت في الأرض، وقد وصفتهم بأخس الصفات التي توصف بها أحطّ الشعوب، فقد وصفتهم بالختل والغدر، وهما مصدران لانحطاط الإنسان وشقائه.
وعلّقت - سلام اللّه عليها - على بكائهم، فقالت: إنّ من حقهم أن يبكوا كثيراً ويضحكوا قليلاً على عظيم ما اقترفوه من الإثم، فقد قتلوا سيد شباب أهل الجنة وسليل خاتم النبوة، والمنقذ والمحرّر لهم، ففَروا كبد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وانتهكوا حرمته، وسبوا عياله، فأيّة جريمة أبشع أو أفظع من هذه الجريمة؟!
واضطرب الناس من خطاب سليلة النبوة وأيقنوا بالهلاك، وقد وصف خزيمة الأسدي (1)مدى الأثر البالغ الذي أحدثه خطاب العقيلة، يقول: لم أرَ واللّهِ خَفِرة أنطق منها، كأنّما تُفرغ عن لسان الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ورأيت الناس بعد خطابها حيارى واضعي أيديهم على أفواههم، ورأيت شيخاً قد دنا منها يبكي حتى اخضلّت لحيته وهو يقول: بأبى أنتم وأمى، كهولكم خير الكهول، وشبابكم خیر الشباب، ونسلكم لا يبور ولا يخزى أبداً (2).
إلا أن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قطع على عمته خطابها قائلاً: اسْكُتِي يَا عَمَّةُ، فَأَنْتِ بِحَمْدِ اللّهِ عَالِمَةٌ غَيْرُ مُعَلَّمَةٍ، وَفَهِمَةٌ غَيْرُ مُفَهُمَةٍ...(3)، فأمسكت عن الكلام، وتركت المجتمع يمور بالأسى والحزن.
وانبرت إلى الخطابة فاطمة بنت الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فخطبت أبلغ خطاب وأروعه، فبهر الناس ببلاغتها وفصاحتها، وقد أخذت بمجامع القلوب وتركت الناس حیاری قد بلغ بهم الحزن إلى قرار سحيق، فقالت: «الحمد لله عدد الرمل والحصا، وزِنَة العرش إلى الثرى، أحمده وأومن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأن محمّد اً عبده ورسوله، وأن أولاده ذُبحوا بشط الفرات،
من غير ذحل ولا ترات.
اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أفتري عليك بالكذب، أو أن أقول عليك خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصيه علي بن أبي طالب المسلوب حقه، المقتول من غير ذنب - كما قتل ولده بالأمس - في بيت من بيوت اللّه تعالى، فيه معشر مسلمة بألسنتهم، تعساً لرؤوسهم، ما دفعت عنه ضيماً في حياته ولا عند مماته، حتى قبضته إليك محمود النقيبة، طيّب العريكة، معروف المناقب، مشهور المذاهب، لم تأخذه فيك لومة لائم، ولا عذل عاذل، هديته - اللّهم - للإسلام صغيراً، وحمدت مناقبه كبيراً، ولم يزل ناصحاً لك ولرسولک (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، حتى قبضته زاهداً في الدنيا، غير حريص عليها، راغباً في الآخرة، مجاهداً لك في سبيلك، رضيته فاخترته وهديته إلى صراط مستقيم.
أمّا بعد، يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخيلاء، فإنا أهل بيت ابتلانا اللّه بكم، وابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسناً، وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا، فنحن عيبة علمه، ووعاء فهمه وحكمته، وحجته على الأرض في بلاده لعباده، أكرمنا اللّه بكرامته، وفضلنا بنبيه محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) على كثير ممّن خَلَقَ تفضيلاً بيّناً، فكذبتمونا وكفرتمونا، ورأيتم قتالنا حلالاً وأموالنا نهباً، كأننا أولاد ترك أو كابل، كما قتلتم جدنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت؛ لحقد متقدّم، قرّت لذلك عيونكم وفرحت قلوبكم افتراء على اللّه، ومكراً مكرتم واللّه خير الماكرين.
فلا تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا، ونالت أيديكم من أموالنا، فإنّ ما أصابنا من المصائب الجليلة والرزايا العظيمة في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على اللّه يسير، لِكَيْلَا تَأْسَوا عَلَى مَا فَاتَكُم وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُم وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُختَالٍ فَخُور (1).
1) الحديد 57: 23
تباً لكم، فانتظروا اللعنة والعذاب، فكأنّها قد حَلّت بكم، وتواترت من السماء نقمات، فيسحتكم بما كسبتم، ويذيق بعضكم بأس بعض، ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتونا، ألا لعنة اللّه على الظالمين.
ويلكم، أتدرون أية يد طاعنتنا منكم، وأية نفس نزعت إلى قتالنا؟! أم بأيّة رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا؟! قست قلوبكم، وغلظت أكبادكم، وطبع اللّه على أفئدتكم، وختم على سمعكم وبصركم، وسوّل لكم الشيطان وأملى لكم، وجعل على بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون.
تباً لكم يا أهل الكوفة، كم، تراتٍ لرسول اللّه قبلكم، وذحول له لديكم بما غدرتم بأخيه علي بن أبي طالب جدّي وبنيه عترته الطيبين الأخيار، وافتخر بذلك مفتخر، فقال:
قَدْ قَتَلْنَا عَلِيَّكُم وَبَنِيهِ *** بسيوفٍ هِنْديَّةٍ وَرِماح
وَسَبَينا نِساءَهُم سَبْيَ تُرك ***وَنَطَحناهُمْ فَأَيُّ نِطاح
بفيك أيها القائل الكثكث والأثلب (1)، افتخرت بقتل قوم زكّاهم اللّه وطهرهم وأذهب عنهم الرجس، فاكظم وأقع كما أقعى أبوك فإنّما لكل امرئ ما اكتسب وما قدمت يداه.
حسدتمونا - ويلاً لكم - على ما فضلنا اللّه تعالى.
فَما ذَنَبُنا إن جاشَ دَهْرُ بُحُورِنا *** وَيَحرُكَ ساجِ لَا يُوارِي الدَّعامِصا (2)
أَتُوعِدُنِي إِنْ جَاشَ بَحْرُ ابْنِ عَمْكُمْ
الدعامص - جمع دعموص - دويبة صغيرة تكون في الغدران إذا قل ماؤها - لسان العرب: 4: 359 - دعم
.ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم، ومن لم يجعل اللّه له نوراً فماله من نور» (1).
وتحدثت سليلة النبوة والإمامة في خطابها العظيم عن أمور بالغة الأهمية، وهي:
الأوّل: أنّها عرضت لمحنة جدّها الإمام أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ) رائد الحق والعدالة في الأرض، وما عاناه من المحن والمصاعب حتى استشهد في بيت من بيوت اللّه، ولم يدفع عنه المجتمع الكوفي ولم يقف إلى جانبه، وإنّما تركوه وحده يصارع الأهوال حتى قبضه اللّه إليه وهو جم المناقب، محمود النقيبة طيب العريكة، قد اصطفاه اللّه، وخصه بالفضائل والمواهب.
الثاني: وتحدثت عن محنة أهل البيت بذلك المجتمع، فأنّهم - سلام اللّه عليهم بحكم قيادتهم الروحية للأمة، فأنّهم مسؤولون عن حمايتها، ولكن الأمة قد جانبت الحق، فسفكت دماءهم وانتهكت حرمتهم فما أجل رزيتهم وأعظم بلاءهم.
الثالث: شجبت الاعتداء الصارخ على أهل البيت، ووصفت المعتدين القساة بأبشع الصفات، ودعت اللّه أن ينزل عليهم نقمته وعذابه الأليم.
وأثر الخطاب تأثيراً بالغاً في نفوس المجتمع، فقد وجلت منه القلوب وفاضت العيون، واندفع الناس ببكاء قائلين: حسبك يابنة الطاهرين، فقد أحرقت قلوبنا، وأنضجت نحورنا، وأضرمتِ أجوافنا (2).
وأمسكت عن الكلام وتركت الجماهير في محنتها وشقائها تصعد الآهات،
وتبدي الحسرات، وتندب حظها التعيس على عظيم ما اقترفت من الإثم.
وانبرت حفيدة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) السيدة أم كلثوم إلى الخطابة فأومأت إلى الناس بالسكوت، فلمّا سكنت الأنفاس بدأت بحمد اللّه والثناء عليه، ثم قالت: «يا أهل الكوفة، سوأة لكم، ما لكم خذلتم حسيناً وقتلتموه، وانتهبتم أمواله، وسبيتم نساءه ونكبتموه؟! فتباً لكم وسحقاً.
ويلكم، أتدرون أي دواه دهتكم، وأي وزر على ظهوركم حملتم، وأي دماء سفكتم، وأي كريمة أصبتموها، وأي صبية أسلمتموها، وأي أموال انتهبتموها؟! قتلتم خير الرجالات بعد النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ونزعت الرحمة من قلوبكم، ألا إنّ حزب اللّه هم المفلحون وحزب الشيطان هم الخاسرون».
واضطرب المجتمع من خطابها فنشرت النساء شعورهن ولطمن الخدود ولم يُرَ أكثر باك ولا باكية مثل ذلك اليوم (1).
وانبرى إلى الخطابة الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)اللّه، فقال بعد حمد اللّه والثناء عليه:
«أَيُّها النَّاسُ، مَنْ عَرَفَنِي فَقَد عَرَفَنِي، وَمَنْ لَم يَعْرِفْنِي فَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الحسين بن علي بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَا ابْنُ مَنِ انْتُهِكَتْ حُرْمَتُهُ، وَسُلِبَتْ نِعْمَتُهُ، وَانْتُهِبَ مَالُهُ، وَسُبِيَ عِيالُه، أنا ابْنُ الْمَذْبُوح بِشَطُ الفراتِ مِنْ غَيْرِ ذَحْلٍ وَلَا تِراتٍ، أَنَا ابْنُ مَنْ قُتِلَ صَبْراً، وَكَفَى بِذلِكَ فَخْراً.
1) مثير الأحزان/ابن نما: 69 اللّهوف: 91 و 92 بحار الأنوار: 45: 112. ويذهب السيد المقرم وغيره إلى أن السيدة أم كلثوم هي العقيلة زينب(عَلَيهَا السَّلَامُ)
أَيُّها النَّاسُ، ناشَدْتُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ إنّكم كَتَبْتُمْ إِلَى أَبِي وَخَدَعْتُمُوهُ، وَأَعْطَيْتُمُوهُ مِنْ أَنْفُسِكُمُ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ وَالْبَيْعَةَ وَقاتَلْتُمُوهُ؟! فَتَبَاً لَكُمْ لِما قَدَّمْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَسَوْأَةَ لِرَأْيكُمْ بِأَيَّةِ عَيْنٍ تَنْظُرُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ؟! إِذْ يَقُولُ لَكُمْ: قَتَلْتُمْ عِتْرَتِي، وَانْتَهَكْتُمْ حُرْمَتِي فَلَسْتُمْ مِنْ أُمَّتِي».
وعلت الأصوات بالبكاء، ونادى منادٍ منهم: هلكتم وما تعلمون.
واستمر الإمام في خطابه فقال:
رَحِمَ اللَّهُ امْرَعاً قَبِلَ نَصِيحَتِي، وَحَفِظَ وَصِيَّتِي فِي اللَّهِ وَفِي رَسولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَإِنَّ لَنا فِي رَسولِ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
فهتفوا جميعاً قائلين بلسان واحد: نحن يابن رسول اللّه سامعون مطيعون حافظون لذمامك، غير زاهدين فيك ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك اللّه، فإنا حرب لحربك، وسلم لسلمك نبرأ ممن ظلمك وظلمنا.
وردّ الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يهم هذا الولاء الكاذب قائلاً:
هَيْهاتَ هَيْهاتَ، أَيَّتُهَا الْغَدَرَةُ الْمَكَرَةُ، حِيلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ شَهَوَاتِ، أَنْفُسِكُمْ، أَتُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ كَمَا أَتَيْتُمْ إِلى أَبِي مِنْ قَبْلُ، كَلَّا وَرَبِّ الرّاقِصاتِ إِلَى مِنَى، فَإِنَّ الْجُرْحَ لَمَا يَنْدَمِلُ، قُتِلَ أَبِي بِالْأَمْسِ وأَهْلُ بَيْتِهِ وَلَمْ يُنسَ شَكْلُ رَسُولِ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَشَكْلُ أَبِى وَبَنِي أَبِي، إِنَّ وَجْدَهُ وَاللَّهِ لَبَيْنَ لَهاتِي، وَمَرَارَتَهُ بَيْنَ حَناجِرِي وَحَلْقِي، وَغُصَصَهُ تَجْرِي فِي فَراشِ صَدْرِي...» (1)
1) مثير الأحزان/ابن نما: 69 و 70. اللّهوف: 92 و 93. الاحتجاج: 2: 117 - 119
وأمسك الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الكلام معرضاً عن أولئك الغدرة الفجرة الذين سوّدوا وجه التاريخ بتناقضهم في سلوكهم فقد قتلوا الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثم راحوا يبكون عليه.
وأدخلت بنات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وهن في أسر الذل على ابن مرجانة سليل الأرجاس والخيانة وهو في قصر الإمارة، وقد امتلأ القصر بالسفاكين المجرمين من جنوده وهم يهنئونه بالظفر، ويحدّثونه ببطولاتهم المفتعلة في يوم الطف، وهو جذلان مسرور يهز أعطافه فرحاً، وبين يديه رأس ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فجعل الخبيث يعبث به وينكته بمخصرته، وهو يقول متشمّتاً: ما رأيت مثل حُسن هذا الوجه قط.
ولم ينه كلامه حتى سدد له الصحابي أنس بن مالك سهماً من منطقه، فقال له: أنّه كان يشبه النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) (1).
والتاع الخبيث من كلامه، وكان في المجلس رجل من بكر بن وائل يقال له: جابر، فانتفض وهو يقول: اللّه عليّ ألا أصيب عشرة من المسلمين خرجوا عليك إلّا خرجت معهم (2).
ولما روى ابن مرجانة أحقاده من رأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) التفت إلى عائلة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرأى امرأة منحازة في ناحية من مجلسه، وقد حقت بها المهابة والجلال، ممّا حمل ابن زياد على السؤال عنها، فقال: مَن هذه التي انحازت ناحية
ومعها نساؤها؟
فأعرضت عنه، وكرر السؤال مرتين فلم تجبه استهانة به واحتقاراً لشأنّه، فانبرت إحدى السيدات، فقالت له: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ). فالتاع الخبيث الدنِسُ من احتقارها له، واندفع يظهر شماتته بلسأنّه الألكن، قائلاً: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم، وأبطل أحد وتتكم.
فثارت حفيدة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بشجاعة محتقرة ذلك الوضر الخبيث، وصاحت به: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه، وطهرنا من الرجس تطهيراً، إنما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو غيرنا يابن مرجانة (1).
لقد قالت هذا القول الصارم وهي والخفرات من آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) في قيد الأسر، وقد نصبت فوق رؤوسهن حراب الظالمين، وشهرت عليهنَّ سيوف الشامتين، وقد أنزلت الطاغية من عرشه إلى قبره، وأطاحت بغلوائه، وعرفته أمام خدمه وأتباعه أنّه المفتضح والمنهزم.
فقال ابن مرجانة متشفياً بأحط وأخس ما يكون التشفي: كيف رأيت فعل اللّه بأخيك؟!
وانطلقت عقيلة بني هاشم ببسالة وصمود فأجابته بكلمات الظفر والنصر لها ولأسرتها قائلة: ما رأيت إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتب اللّه عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع اللّه بينك وبينهم فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ ! ثكلتك أُمّك يابن مرجانة.
وفقد الحقير صوابه من هذا التبكيت الموجع، والتعريض المقذع، وتميّز غيظاً وغضباً، وهم أن ينزل بها عقوبته، فنهاه عمرو بن حريث، وقال له: أنّها امرأة،
1) الإرشاد/المفيد: 2: 115 تاريخ الأمم والملوك: 4: 651
ولا تؤاخذ بشيء من منطقها، فالتفت إليها قائلاً: لقد شفى اللّه قلبي من طاغيتك، والعصاة المردة من أهل بيتك.
وغلب على العقيلة الحزن والأسى من هذا التشفي، والجرأة عليها، وقد تذكرت الصفوة الأبطال من أهل بيتها الذين سقطوا في ميادين الجهاد فأدركتها لوعة الأسى فقالت: لعمري لقد قتلت كهلي، وأبدت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت.
وتهافت ابن مرجانة وسكن غيظه، وراح يقول: هذه سجاعة، لعمري لقد كان أبوها سجاعاً شاعراً.
فردت عليه زينب: إن لي عن السجاعة لشغلاً، ما للمرأة والسجاعة (1)؟!
ما ألأم هذه الحياة وما أخسها التي جعلت ربيبة الوحي أسيرة عند ابن مرجانة وهو يبالغ في احتقارها وتوهينها.
إنْ كَانَ عِندَكَ يَا زَمانُ بَقِيَّةٌ *** مِمّا يُضامُ بِهِ الكِرامُ فَهاتِها
وأدار الطاغية بصره في بقية آل البيت لا فرأى الإمام زين العابدين(عَلَيهِ السَّلَامُ) وقد أنّهكته العلة، فسأله: من أنت؟ فقيل: علي بن الحسين.
قال: أولم يقتل اللّه علي بن الحسين؟
فأجابه الإمام زين العابدين(عَلَيهِ السَّلَامُ) بأناة: كانَ لِي أَخٌ يُسَمّى عَلِيّاً قَتَلَهُ النَّاسُ.
فثار ابن زياد في وقاحة وصلف، وصاح بالإمام زين العابدين(عَلَيهِ السَّلَامُ): بل اللّه قتله. فأجابه بكل شجاعة وثبات: «اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي
1) الإرشاد/المفيد: 2: 116. مثير الأحزان/ابن نما: 70 و 71. اللّهوف: 94 تاريخ الأمم والملوك: 4: 651 و 652. الفتوح: 5: 122 و 123
لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا (1)، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذنِ اللّهِ (2). ودارت الأرض بابن زياد، وأخذته عزّة الإثم، فقد غاظه أن يتكلم هذا الغلام الأسير بهذه الطلاقة وقوة الحجّة، والاستشهاد بالقرآن، فصاح به: ويك جرأة على ردّ جوابي؟! وصاح الرجس الخبيث بأحد جلاديه: خذ هذا الغلام، واضرب عنقه.
وطاشت أحلام السيدة زينب(عَلَيها السَّلَامُ)، وانبرت بشجاعة لا يرهبها سلطان فأخذت الإمام زين العابدين(عَلَيهِ السَّلَامُ) فاعتنقته، وقالت لابن مرجانة: حسبك يابن زياد من دمائنا ما سفكت، وهل أبقيت أحداً غير هذا، فإن أردت قتله فاقتلني معه.
وانخذل الطاغية، وقال متعجباً: دعوه لها، يا للرحم ودّت أنّها تقتل معه (3).
ولولا موقف العقيلة لذهبت البقية من نسل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تي هي مصدر الخير والفضيلة في الأرض.
وروى الجاحظ أن ابن مرجانة قال لأصحابه في علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): دعوني أقتله فأنّه بقية هذا النسل - يعني نسل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ(- فأحسم به هذا القرن، وأميت بـه هذا الداء، وأقطع به هذه المادة (4)، لقد خشي أن يكون الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع الأيام القادمة شوكة رهيبة في حلق الأمويين.
إلّا أنّهم أشاروا عليه بعدم التعرّض له، معتقدين أنّ ما ألم به من الأمراض سوف تقضي عليه، وقد أنجاه اللّه منهم بأعجوبة.
وتخدّرت جماهير الكوفة تحت ضغط هائل من الإرهاب والعنف، حتى تغيرت الأوضاع العامة تغيّراً كلياً، فلم تعد الكوفة - كما كانت - مسرحاً للتيارات السياسية، ومركزاً للجبهة المعارضة، فقد قبعت بالذل والهوان، وسرت في أوردتها أوبئة الخوف.
فمن يستطيع أن يتكلم والجو ملبد بالمخاوف، فرأس زعيم الأمة وقائدها الأعلى على الحِرَاب، وعقائل الرسالة سبايا في المصر، فلم يعد في مقدور أي أحد أن يتلفظ بحرف واحد، فَكُمت الأفواه، وأخرست الألسن وملئت السجون بالرؤوس والضروس.
واستسلم الجميع لحكم ابن مرجانة، وقد جاء الطاغية مزهواً إلى الجامع الأعظم حيث عقد فيه اجتماعاً عاماً حضرته القوات المسلحة وسائر أبناء الشعب، فاعتلى المنبر مظهراً فرحته الكبرى بهذا النصر الكاذب، فقال - ويالهول ما قال -: الحمد اللّه الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه، وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي وشيعته.
لقد قال هذه الكلمات في مجتمع عرف عدل عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصدقه، وخَبر سيرة ولده الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فرآها مشرقة بالحق والصدق، ولو قال ذلك في الشام أو في إقليم آخر لعل له وجهاً، إلّا أنّه قال ذلك في الكوفة التي هي عاصمة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
ولم يتمّ الخبيث كلماته حتى انبرى إليه البطل الثائر عبداللّه بن عفيف الأزدي الغامدي، وكان ضريراً ذهبت إحدى عينيه يوم الجمل والأخرى بصفين مع الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان لا يفارق المسجد يتعبد فيه، فصاح فيه: يابن مرجانة، إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك، والذي ولاك وأبوه.
يابن مرجانة، أتقتلون أولاد النبیّين وتتكلمون بكلام الصديقين؟! (1).
وطاش لبّ الطاغية، فقد كانت هذه الكلمات كالصاعقة على رأسه، فصاح بأعلى صوته كالكلب المسعور: من هذا المتكلم؟
فقال: أنا المتكلم يا عدو اللّه، أتقتل الذرية الطاهرة التي أذهب اللّه عنهم الرجس، وتزعم أنك على دين الإسلام؟! واغوثاه، أين أولاد المهاجرين والأنصار لينتقموا من طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسان محمّدرسول رب العالمين.
وتبدد جبروت الطاغية، وذهبت نشوة أفراحه، وعلا الضجيج، وتطلع الناس من جميع جنبات المسجد لتنظر إلى القائل الذي ترجم ما في عواطفهم، فقد كانت هذه الصيحة أول ردّ علني على السلطة في قتلها لريحانة الرسول.
وصاح ابن زياد بعنف، وقد امتلأ غضباً: علي به.
فبادرت إليه الجلاوزة لتختطفه، فنادى ابن عفيف بشعار أسرته: يا مبرور. وكان في المجلس من الأزد سبعمائة، فوثبوا إليه وأنقذوه من أيدي الجلاوزة وجاءوا به إلى منزله (2)، وقال له عبد الرحمن بن مخنف الأزدي مندداً به: ويح غيرك، لقد أهلكت نفسك وعشيرتك (3).
والتاع ابن زياد واضطرب، فقد فتح عليه عبد اللّه باب المعارضة وأطاح بهيبة الحُكْم، ثمّ نزل من المنبر مغضباً ودخل القصر وتسابق الأشراف والعرفاء إليه، فقال: أما رأيتم ما صنع هولاء؟!
فقالوا: بلى.
وأصدر أوامره إلى أهل اليمن، وإلى من كان معه بإلقاء القبض على ابن عفيف، وأشار عليه عمرو بن الحجاج بحبس كل من كان في في المسجد من الأزد فحبسوا، ثم التحم أهل اليمن مع الأزد التحاماً شديداً، وجرت بينهم أعنف المعارك، فقال ابن زیاد لبعض شرطه انطلق، وانظر ما بينهم، فخف إليهم فرأى الحرب قائمة، فقالوا له: قل للأمير: إنّك لم تبعثنا إلى نبط الجزيرة، ولا جرامقة الموصل، إنّما بعثتنا إلى الأزد أسود الأجم ليسوا بيضة تُحسى، ولا حرملة (1)توطأ.
وقتل من الأزد عبيد اللّه بن حوزة الوالبي، ومحمّدبن حبيب، وكثرت القتلى من الجانبين، إلا أن اليمانية قد قويت على الأزد فصاروا إلى خص في ظهر دار ابن عفيف فكسروه واقتحموه وهجموا عليه فبقي وحده، فناولته ابنته سيفاً فجعل يذب به عن نفسه، وهو يرتجز ويقول:
أَنا ابنُ ذِي الفضْلِ عَفْيفِ الطَّاهِرِ *** عَفِيفُ شَيخِي وَابْنُ أمْ عَامِرٍ
كُمْ دارعٍ مِن جَمْعِكُمْ وَحاسِرِ *** وَتَطَلٍ جَدَلْتُهُ مُغاوِر (2)
وكانت ابنته تخاطبه بذوب روحها قائلة: ليتني كنت رجلاً أذب بين يديك هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البررة.
وأخذت ابنته تدلّه على المحاربين له، فتقول له: يا أبت أتاك القوم من جهة كذا، وتكاثروا عليه، وأحاطوا به من كل جانب، فألقوا القبض عليه، وانطلقوا به إلى ابن زياد، وهو يقول في طريقه:
أُقسِمُ لَو يُفسَحُ لِي عَن بَصَرِي *** شَقُ عَلَيْكُم مَورِدِي وَمَصَدَرِي (3)
ولما مثل بين يدي الطاغية أسرع الخبيث إليه قائلاً: الحمد لله الذي أخزاك.
فأجابه ابن عفيف ساخراً منه ومحتقراً له: يا عدو اللّه وبماذا أخزاني؟
وأراد ابن مرجانة أن يستحل دمه فسأله عن عثمان لعله أن ينتقصه فيتّخذ من ذلك وسيلة إلى إباحة دمه، فقال له: ما تقول في عثمان؟
وسدد له البطل العظيم سهاماً من منطقه الفياض، فقال له: ما أنت وعثمان أساء أم أحسن، أصلح أم أفسد؟! إنّ اللّه تعالى ولي خلقه يقضي بينهم وبين عثمان بالعدل والحق، ولكن سلني عن أبيك وعنك، وعن يزيد وأبيه.
ورأى الطاغية أنّه أمام بطل صعب المراس، فقال له: لا سألتك عن شيء أو تذوق الموت غصّة بعد غصّة.
وانبرى إليه ابن عفيف قائلاً: الحمد اللّه رب العالمين، أما إني كنت أسأل ربي أن يرزقني الشهادة من قبل أن تلدك أُمّك، وسألت اللّه أن يجعلها على يدي العن خلقه، وأبغضهم إليه، ولما كف بصري يئست من الشهادة، أما الآن والحمد لله الذي رزقنيها بعد اليأس، وعرّفني الإجابة في قديم دعائي.
والتاع الخبيث فأمر جلاديه بضرب عنقه وصلبه بالسبخة، ففعلوا ذلك (1).
وانتهت حياة هذا البطل العظيم الذي وهب حياته اللّه، فقاوم المنكر وناهض الجور، وقال كلمة الحق في أحلك الظروف وأقساها.
كان سفيان بن يزيد بن المغفل من به المشتركين في ثورة ابن عفيف، فجيء مخفوراً إلى ابن زياد فأصدر أمراً بالعفو عنه، وقال له: قد تركناك لابن عمك
1) الإرشاد/المفيد: 2: 117. اللّهوف: 97 و 98 أنساب الأشراف: 3: 414. تاريخ الأمم 4. والملوك: 4: 653. الفتوح: 5: 125 و 126
سفیان بن عوف فأنّه خير منك (1).
وأمر الطاغية بالقاء القبض على جندب بن عبد اللّه الأزدي، وهو من أُسرة عبد اللّه ابن عفيف، وكان من خيار الشيعة ومن أصحاب الإمام أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، فجاءت به الشرطة مخفوراً، فلمّا مثل عنده صاح به: ألست صاحب أبي تراب في يوم صفين؟
فلم يحفل به البطل العظيم، وقال له: بلى، وإنّي لأحبّه، وأفتخر به، وأمقتك وأباك، لا سيما الآن، وقد قتلت سبط رسول اللّه وصحبه وأهله، ولم تخف من العزيز الجبار المنتقم. وثار ابن مرجانة، وقال له: وإنّي ما أراني إلا متقرباً إلى اللّه بدمك.
فقال: إذاً لا يقربك اللّه.
وخاف الطاغية من أسرته فخلّى عنه، وقال: أنّه شيخ ذهب عقله وخرف(2).
وحضر قيس بن عباد في مجلس الطاغية، فقال له أمام جلاوزته: ما تقول في وفي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟
فقال: أعفني عفاك اللّه !
فقال: لتقولن.
قال: يجيء أبوه يوم القيامة فيشفع له، ويجيء أبوك فيشفع لك.
واستشاط ابن زياد غضباً فصاح به: قد علمت غشك وخبثك، لئن فارقتني يوماً
الأضعن بالأرض أكثرك شعراً (1)
وجاء في وفيات الأعيان 6: 353: «أن عبيد اللّه بن زياد قال لحارثة بن بدر العدواني: ما تقول في وفي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وم القيامة؟
قال: يشفع له أبوه وجده، ويشفع لك أبوك وجدك، فاعرف من هنا ما تريد» - تذكرة الخواص: 231
.وفرض عليه الرقابة والإقامة الجبرية في الكوفة.
وأمر سليل الخيانة والغدر ابن مرجانة بتقوير رأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فتحاماه الناس، ولم يجسر أحد إلى الإقدام عليه سوى طارق بن المبارك (2)، ولطارق هذا حفيد يكنى أبا يعلى كان كاتباً لابن خاقان، هجاه العدوي فعرض له بذلك، وقال:
نِعْمَةُ اللّهِ لَاتُعَابُ وَرُبَّـ *** ـما استقبِحَتْ عَلَى أَقوام
لا يَلِيقُ الغِنى يوجهِ أَبِي *** يَعلَى وَلَا نُورُ بهجة الإسلام
وَسَخُ التَّوبِ وَالعِمامَةِ وَالبِرذَونِ *** وَالوَجهِ وَالقَفا وَالغُلَامِ
لا تَمسُّوا دَواتَهُ فَتُصِيبُوا *** مِن دَمَاءِ الحسين في الأَقلام(3)
فأخذ الرأس الشريف ومثل به وقطع منه بعض الأجزاء فقام عمرو بن حريث فقال لابن زیاد: قد بلغت حاجتك من هذا الرأس، فهب لي ما ألقيت منه.
قال: وما تصنع به؟
فقال: أواريه.
فسمح له بذلك، فأخذ القِطَع من رأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولفها في خرقة ودفنها في داره التي تعرف بدار عمرو بن حریث (1).
وأمر ابن مرجانة أن يطاف برأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جميع شوارع الكوفة وأزقتها (2)وكان المنادي ينادي: قتل الكذاب ابن الكذاب (3)، وقد أراد بذلك إعلان النصر وإذلال شيعته، ولم يدر في خلده أنّه قد أوسع المجال بذلك لنشر دعوة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإتمام رسالته، فقد كان رأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) یوحي للمسلمين كيف يجب أن تعلو كلمة الحق؟! وكيف تصان رسالة الإسلام؟!
وعلى أية حال، فقد طيف برأس ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) أمام أولئك الذين يدعون الإسلام ولم يهبوا للأخذ بثأره، يقول دعبل الخزاعي:
رأسُ ابن بِنتِ محمّدوَوَصِيَّهِ *** يا للرِّجَالِ عَلَى قَناةٍ يُرْفَعُ
وَالمُسلِمُونَ بِمَنظرٍ وَبِمَسْمَع *** لا جازعٌ مِن ذَا وَلَا مُتَخَشُعُ (4)
لقد تخدّر المسلمون بشكل رهيب ففقدوا ذاتياتهم، وأصبحوا أعصاباً رخوة خالية من الشعور والإحساس.
وأمر الطاغية ابن مرجانة بحبس عقائل الوحي ومخدّرات الرسالة، ولما جيء
بهنّ إلى السجن كانت الشوارع مكتظة بالرجال والنساء، وهن يضربن الوجوه ويبكين أمر البكاء - حسبما يقول الإمام زين العابدين(عَلَيهِ السَّلَامُ(- وأدخلت بنات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) إلى السجن، وقد ضيق عليهنَّ أشدّ التضييق، وقد رفضت حفيدة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) أن تقابلها أية امرأة حرّة، وقالت: لا تدخل علينا إلا أُمّ ولد أو مملوكة، فأنّهنَّ سبين وقد سبينا (1).
وألقى على بنات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) حجر قد ربط فيه كتاب جاء فيه: «إن البريد قد سار بأمركم إلى يزيد، فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالهلاك، وإن لم تسمعوا بالتكبير فهو الأمان».
وحددوا لمجيء الكتاب وقتاً، وذعرت النساء أشدّ ما يكون الذعر، وقبل قدوم البريد بيومين أُلقي عليهم حجر آخر فيه كتاب جاء فيه: «أوصوا وأعهد وا فقد قارب وصول البريد»، وبعد انتهاء المدة جاء أمر يزيد بحمل الأسرى إلى دمشق (2).
وتنصّ بعض المصادر أن يزيد كان عازماً على استئصال جميع نسل الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلا أنّه بعد ذلك عدل عن نيته وعفا عنهم (3).
واختطف بعض الكوفيين الإمام زين العابدين(عَلَيهِ السَّلَامُ) و أخفاه في داره، وجعل يكرمه ويحسن إليه، وكان كلما دخل عليه يجهش بالبكاء، فظن الإمام به خيراً، إلا أنّه لم تمض إلا فترة يسيرة من الزمن حتى نادى منادي ابن زياد: من وجد علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأتى به فله ثلاثمائة درهم، فلمّا سمعه الكوفي أسرع إلى الإمام زين
العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فجعل في عنقه حبلاً وربط يديه بالحبل وسلّمه إليهم وأخذ الدراهم (1).
وهذه البادرة الغريبة تعطينا صورة عن مدى تهالك ذلك المجتمع على المادة وتفانيه في الحصول عليها بأي طريق كان.
وندم الخبيث الدنس عمر بن سعد أشدّ ما يكون الندم على اقترافه لتلك الجريمة النكراء، وقد سأله بعض خواصه عند رجوعه من كربلاء عن حاله، فقال: ما رجع أحد إلى أهله بشرّ ممّا رجعت به، أطعت الفاجر الظالم ابن زياد، وعصيت الحكم العدل، وقطعت القرابة الشريفة، وارتكبت الأمر العظيم (2).
وماذا يفيده الندم بعدما سفك دماء العترة الطاهرة، وقطع أواصر القربـي التي أمر اللّه بمودّتها؟!
وتعرّض ابن زياد لحملة انتقادية واسعة النطاق من جميع الأوساط، وقد رام أن يجعل تبعة ذلك على ابن سعد فهو المسؤول عن اقتراف هذه الجريمة دونه، فبعث خلفه وقال له: عليّ بالكتاب.
قال: مضيت لأمرك وضاع الكتاب.
قال: واللّه لتجيئني به.
فقال: بعثته واللّه ليقرأ على عجائز قريش اعتذاراً إليهن بالمدينة، أما واللّه لقد نصحتك في الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) صيحة لو نصحتها أبي سعد بن أبي وقاص لكنت قد أديت حقه. وكان في المجلس عثمان بن زياد فقال لأخيه عبيد اللّه: صدق واللّه، لوددت أنّه ليس من بني زياد رجل إلا وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة وأنّ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) م يقتل.
فسكت الطاغية ولم يجبه بشيء (1).
أما الكتاب الذي بعثه ابن سعد إلى يثرب ليتقي به اللعنات التي تنصب عليه، ويحمل الذنب على أميره وسيده ابن مرجانة فهذا نصه:
«من عبيد اللّه بن زياد إلى عمر بن سعد.
أمّا بعد، فإنّى لم أبعثك إلى حسين لتكفّ عنه، ولا لتطاوله ولا لتمنيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعاً، انظر فإن نزل حسين وأصحابه على حكمي واستسلموا فابعث بهم إليّ سلماً، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم، فأنّهم لذلك مستحقون، فإن قتلت حسيناً فأوطئ الخيل صدره وظهره فأنّه عاق شاق قاطع ظلوم، فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أنت أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخلّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر فإنا قد أمرناه بأمرنا» (2).
وندد بالطاغية لقتله ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) القريب والبعيد، وفيما يلي بعضهم:
وسخطت مرجانة على ولدها الباغي الأثيم على اقترافه لهذه الجريمة النكراء
فقالت له: يا خبيث، قتلت ابن رسول اللّه، واللّه لا رأيت وجه اللّه أبداً (1).
وأنكر على الطاغية أخوه عثمان بن زياد، وقال له: واللّه لوددت أنّه ليس من بني زياد رجل إلا وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة وأن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) م يقتل (2).
وممن نقم على ابن مرجانة معقل بن يسار، فقد انتقده انتقاداً لاذعاً، وندد به وهجره.
لقد كان قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هم من الأحداث الجسام التي اهتزّ من هولها العالم الإسلامي، وقد استعظمه المسلمون أشدّ ما يكون الاستعظام، فقد انتهكت فيه حرمة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) التي هي. بالرعاية والعطف من كل شيء، وقد استشعر المجرم بالإثم؛ وذلك حينما أمره يزيد بغزو الحجاز، فقد ذكر الطبري، قال: كتب يزيد إلى ابن مرجانة أن اغز ابن الزبير، فقال: لا أجمعهما للفاسق أبداً، أقتل ابن بنت رسول اللّه وأغزو البيت» (3).
وأنكر الناس على ابن سعد جريمته النكراء، فبغضوه ونبذوه، وكان كلّما مرّ على ملأ من الناس لعنوه، وإذا دخل الجامع خرجوا منه (4).
وأحدث قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) استياء شاملاً في جميع الأوساط. يقول الحصين ابن عبد الرحمن السلمي: لما جاءنا قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مكثنا ثلاثة أيام كأن وجوهنا قد طليت رماداً(1).
ويقول هبيرة بن خزيمة أخبرت الربيع بن خثيم بقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فتغير وقرأ قوله تعالى: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ عَالِمَ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (2).
ثم قال: لقد قتلوا فتية لو رآهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) الأحبّهم وأطعمهم بيده وأجلسهم على فخذه (3).
وأخبر الحسن البصري بقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فبكى حتى اختلج جنباه، وقال: واذلاه لأمة قتل ابن دعيها - يعني ابن مرجانة - ابن نبيها، واللّه لينتقمن له جده وأبوه من ابن مرجانة (4).
وقال عمرو بن بعجة: أول ذلّ دخل على العرب قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وادعاء زياد (5).
لقد التاع المسلمون أشدّ ما يكون الالتياع حزناً وألماً على قتل ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، ويكوا أمر البكاء، فكان الإمام الشافعي يبكي أشدّ البكاء ويتلو هذه الأبيات:
تَأَوَّهَ قَلْبِي وَالفؤادُ كَثِيبُ *** وَأَرُّقَ نَومِي فَالسُّهادُ عَجِيبُ
فَمَنْ مُبلغ عَنِّي الحسين رِسالة *** وَإِن كَرِهَتِها أَنفُسٌ وَقُلُوبُ
ذَبِيحٌ بِلَا جُرْمٍ كَأَنَّ قَمِيصَهُ *** صَبِيعٌ بِماءِ الأُرْجُوانِ خَضِيبُ
وَمِمَّا نَفى نُومِي وَشَيْب أُمَّتِي *** تصاريف أَيَّامٍ لَهُنَّ خُطُوبُ
تَزَلزلت الدنيا لآلِ محمّد *** وَكَادَتْ لَهُم صُمٌّ الجِبالِ تَذُوبُ
يُصَلَّى عَلَى المَبْعُوثِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ *** وَيُغرَى بَنُوهُ إِن ذَا لَعَجِيبُ
لَئِنْ كَانَ ذَنبِي حُبُّ آلِ محمّد *** فَذَلِكَ ذَنبٌ لَسْتُ عَنهُ أَتُوبُ
هُمْ شُفَعانِي يَومَ حَشْرِي وَمَوقِفِي *** إِذَا مَا بَدَتْ لِلنَّاظِرِينَ خُطُوبُ (1)
وقد اجتاز الشاعر ابن الهبارية بكربلاء فجعل يبكي على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأهله(عَلَيهِم السَّلَامُ)، ونظم هذه الأبيات:
أَحْسَينُ وَالمَبْعُوثُ جَدُّكَ بِالهُدى *** قسماً يَكُونُ الحَقُّ عَنهُ مُسائِلِي
لَو كُنتُ شَاهِدَ كَرْبَلا لَبَذَلتُ فِي *** تَنفِیسِ كَرِيكَ جُهِدَ بَذْلِ الباذِلِ
وَسَقَيتُ حَدَّ السَّيفِ مِنْ أَعدائِكُمْ *** عَلَلاً وَحَدَّ السَّمهَرِي الذَّابِلِ
لَكِنَّني أُخْرَتُ عَنكَ لِشَقْوَتِي *** فَبَلابِلِي بَينَ الغَرِي وَبابِل
هَبَنِي حُرِمتُ النَّصَرَ مِنْ أَعْدَائِكُمْ *** فَأَقَلُّ مِن حُزنٍ وَدَمع سائل
يقول المؤرخون: أنّه نام في مكأنّه فرأى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) في منامه، وقال له: جزاك اللّه عنّي خيراً، فأبشر فإنّ اللّه قد كتبك ممّن جاهد بين يدي الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (2).
وكان أول شعر رثي به الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قول عقبة بن عمرو السهمي من بني سهم ابن عوف بن غالب:
إِذَا العَينُ قَرَّتْ فِي الْحَياةِ وَأَنتُمْ *** تَخافُونَ في الدُّنْيا فَأَظْلَمَ نُورُها
مَرَرتُ عَلى قَبرِ الحسين بِكَربَلا *** فَفَاضَ عَلَيْهِ مِن دُمُوعِي غَزِيرُها
فَمَا زِلتُ أَرثِيهِ وَأَبْكِي لِشَجوِهِ *** وَيُسعِدُ عَينِي دَمعُها وَزَفِيرُها
وَبَكِيتُ مِن بَعْدِ الحسين عَصائِباً *** أَطَافَتْ بِهِ مِن جانِبَيها قُبُورُها
سَلَامٌ عَلى أَهْلِ القُبُورِ بِكَربَلا *** وَقُلْ لَهَا مِنِّى سَلَامٌ يَزُورُها
سَلَامٌ بِآصَالِ العَشِيِّ وَبِالضُّحَى *** تُؤَدِّيهِ نَكباءُ الرِّياحِ وَمُورُها
وَلَا بَرَحَ الوُفَادُ زُوّارُ قَبرِهِ *** يَفُوحُ عَلَيهِم مِسْكُها وَعَبِيرُها (1)
وندم أهل الكوفة أشدّ ما يكون الندم ألماً وحزناً على ما اقترفوه من عظيم الإثم، فهم الذين ألحوا على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بوفودهم ورسائلهم بالقدوم إليهم، فلمّا وافاهم خذلوه وقتلوه، بل حتى الذين لم يشتركوا في قتاله، فقد قال إبراهيم: لو كنت فيمن قتل الحسين بن علي ثمّ غفر لي ثمّ أُدخلت الجنة استحييت أن أمر على النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فينظر في وجهي (2).
وممّن أظهر الندم منهم:
وندم على تركه لنصرة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) البراء بن عازب، فقد قال له الإمام أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ): «يا بَراءُ، أَيُقْتَلُ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَأَنْتَ حِيٌّ فَلَا تَنْصُرُهُ؟».
فقال البراء: لا كان ذلك يا أميرالمؤمنين.
ولمّا قُتِل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان البراء يذكر قول الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو يتحسر ويقول: أعظم بها حسرة إذ لم أشهده وأقتل دونه (1).
وكان المسيّب بن نجبة من أشد الناس حسرة على عدم شهادته بين يدي ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد أعلن ندمه في خطابه الذي ألقاه على جموع التوابـين، فقد جاء فيه:
أمّا بعد، فإنّا قد ابتلينا بطول العمر، والتعرّض لأنواع الفتن، فنرغب إلى ربنا ألا يجعلنا ممن يقول له غداً: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيْهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ (2)، فإنّ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «الْعَمْرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ إِلَى ابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً»، وليس فينا رجل إلا وقد بلغه، وقد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا، وتقريظ شيعتنا فَوَجَدَنا اللّه كاذبين في كل موطن من مواطن ابن بنت نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد بلغنا قبل ذلك كتبه ورسله، وأعذر إلينا، فسألنا نصره عوداً وبَدْءاً وعلانية، فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتل إلى جانبنا؛ لا نحن نصرناه بأيدينا ولا جادلنا عنه بألسنتنا، ولا قويناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا، فما عذرنا عند ربنا، وعند لقاء نبينا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد قتل فينا ولد حبيبه ونسله؟!
لا واللّه لا عذر دون أن تقتلوا قاتله والمؤلّبين عليه أو تقتلوا في طلب ذلك فعسى ربنا أن يرضى عنا عند ذلك ولا أنا بعد لقائه العقوبته بآمن...» (3).
وقد صوّرت هذه الكلمات مدى الأسى والحزن في نفس المسيّب على ما فاته
من شرف التضحية مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وممن استاء لقتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) شريك بن جدير، فقد كان مع الإمام علي(عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلمّا انقضت حرب على (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحق ببيت المقدس فکان به، فلمّا جاءه خبر قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: أعاهد اللّه إن قدرت على كذا وكذا، يطلب بدم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ(- لأقتلنّ ابن مرجانة، أو لأموتن دونه (1).
وممن حزن أعمق الحزن على تركه لنصرة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سليمان بن صرد، فقد أخذ الألم يحز في نفسه، وقد خطب في أصحابه من التوابين، وقال في جملة خطابه: «إنا كنا نمد أعناقنا إلى قدوم آل بيت نبينا محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) نمنيهم النصر ونحتهم على القدوم، فلمّا قدموا ونينا وعجزنا وأدهنا وتربّصنا حتى قتل فينا ولد نبينا وسلالته وعصارته، وبضعة من لحمه ودمه؛ إذ جعل يستصرخ ويسأل النصف فلا يعطى، اتخذه الفاسقون غرضاً للنبل ودريئة للرماح حتى أقصدوه وَعَدَوا عليه فسلبوه...» (2).
ومن أشدّ النادمين حسرة وأعظمهم أسى عبيد اللّه بن الحرّ الجعفي الذي قصده الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وطلب منه النصرة فبخل بنفسه، وقد أخذته خلجات حادة
من تأنيب الضمير على تركه لنصرته، وقد نظم أساه وحزنه بهذه الأبيات:
يالك حَسرَةً مَا دُمْتُ حَيّاً *** تَرَدَّدُ بَيْنَ صَدرِي وَالتَّراقِي
غَداةَ يَقُولُ لِي بِالقَصرِ قَوْلاً *** أتترُكُنا وَتَزمَعُ بِالفراقِ؟!
حُسَينٌ حِينَ يَطلبُ بَدَلَ نَصْرِي *** عَلَى أَهل العَداوَةِ وَالشَّقاقِ
فَلَو فَلَقَ التَّلَهُفُ قَلْبَ حَى *** لَهُمُ القَلْبُ مِنِّى بانفلاق
وَلَو واسَيتَهُ يَوماً بِنَفْسِي *** لَيْلتُ كَرامَةٌ يَومَ التلاقي
مع ابنِ محمّدتَهْدِيهِ نَفسِي *** فَوَدَعَ ثُمَّ أَسرَعَ بانطِلَاقِ
لَقَدْ َفازَ الأُولى نَصَرُوا حُسَيناً *** وَخابَ الآخَرُونَ ذَوُو النِّفاقِ (1)
وقد صور ابن الحر في شعره ما تفيض به نفسه من الألم العميق، فهو ما دام حيّاً تحز في نفسه الحسرات على ما فاته من شرف الشهادة بين يدي ابن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وأنّه لو نصره لفاز بالجنان، كما عرض لغبطته لأصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذين فدوه بنفوسهم، فقد ظفروا بالأجر الجزيل والمقام العظيم عند اللّه.
هؤلاء بعض النادمين على تركهم لنصرة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعدم فوزهم بالشهادة بين يديه، وحينما أُتيحت الفرصة ثاروا مع التوابين في الكوفة.
وكره سكنى الكوفة بعض الأخيار من المتحرجين في دينهم بعدما عمد أهلها إلى قتل ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وكان من بينهم عبد الرحمن القضاعي النهدي، فقد هجر الكوفة وسكن البصرة، وقال: لا أسكن بلداً قتل فيه ابن بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) (2).
علي يوم لقد أثارت مذبحة كربلاء موجة عاتية من الهلع والجزع في جميع أوساط الكوفة،
واستبان لأهلها عظم الجريمة التي اقترفوها.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن دخول سبايا أهل البيت إلى الكوفة وما رافق ذلك من الأحداث
وعانت عقائل الوحي ومخدرات الرسالة جميع ضروب المحن والبلاء في تلك الأيام السود التي مرّت عليهن في الكوفة، فقد عانين مرارة الاعتقال في السجن، وشماتة الأعداء، وذلّ الأسر في بلد كان موطناً لشيعتهم ومركزاً لدعوتهم، وكن فی حالة مشجية تذوب من هولها النفوس، ونعرض إلى سير الأحداث الأليمة التي جرت عليهن حينما أُرسلن إلى دمشق.
وأمر ابن مرجانة بتسيير رؤوس العترة الطاهرة إلى دمشق بعدما جاءه الأمر من يزيد على أن يحمل رأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ورؤوس من قتل معه وحمل أثقاله وعياله؛ التعرض على أهل الشام كما عرضت على أهل الكوفة، لتمتلئ قلوب الناس فزعاً وخوفاً بني أمية؛ وليكونوا عبرة لكل من تحدّثه نفسه بالخروج عليهم، وقد سيّرت مع زخر بن قيس الجعفي وأبي بردة بن عوف الأزدي وطارق بن ظبيان الأزدي.
وشرحت عائلة آل النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) مع مجفر بن ثعلبة العائذي من عائدة قريش، وشمر بن ذي الجوشن، وقد أُوثقت بالحبال، وأركبت على أقتاب الجمال وهن بحالة تقشعر منها الأبدان.
يقول عبد الباسط الفاخوري: «ثمّ إنّ عبيد اللّه جهز الرأس الشريف وعلي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومن معه من حرمه بحالة تقشعر منها ومن ذكرها الأبدان، وترتعد منها مفاصل الإنسان، بل فرائص الحيوان» (1).
وخرجت الكوفة بجميع طبقاتها لتوديع ركب أهل البيت، وهم ما بين باك ونائح، وقد غصت طرق الكوفة بالناس وهم يبكون عامة الليل، فلم تتمكن القافلة أن تسير من كثرة الزحام، فاستغرب الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) منهم، وراح يقول: «هَؤُلَاءِ قَتَلُونا وَيَبْكُونَ عَلَينا!» (2).
وعجّت نساء هَمْدان بالبكاء والنياحة (3)وعلا منهنّ الصراخ والعويل، وأمر شمر بن ذي الجوشن أن يُغلّ الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)بغل في عنقه فغل (4).
وانطلقوا بالأسرى حتى التحقوا بالقافلة التي معها الرؤوس، ولم يتكلم الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع الجفاة بكلمة واحدة، ولا طلب منهم أي شيء طيلة الطريق (5)، وسارت القافلة لا تلوي على شيء حتى انتهت إلى القرب من دمشق فأُقيمت هناك حتى تتزين البلد بمظهر الزهو والأفراح.
وأمرت حكومة دمشق الدوائر الرسمية وشبه الرسمية والأماكن العامة والخاصة
بإظهار الزينة والفرح للنصر الذي أحرزته في قتل ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وسبي ذريته. ويصف بعض المؤرخين تلك الزينة بقوله: «ولما بلغوا - أي أُسارى أهل البيت - ما دون دمشق بأربعة فراسخ، استقبلهم أهل الشام وهم ينثرون النثار فرحاً وسروراً حتى بلغوا بهم قريب البلد، فوقفوهم عن الدخول ثلاثة أيام، وحبسوهم هناك حتى تتوفر زينة الشام، وتزويقها بالحلي والحلل، والحرير والديباج، والفضة والذهب، وأنواع الجواهر على صفة لم يرَ الراؤون مثلها لا قبل ذلك اليوم ولا بعده، ثم خرجت الرجال والنساء والأصاغر والأكابر والوزراء والأمراء واليهود والمجوس والنصارى وسائر الملل إلى التفرّج ومعهم الطبول والدفوف والبوقات والمزامير، وسائر آلات اللّهو والطرب، وقد كحلوا العيون وخضبوا الأيدي ولبسوا أفخر الملابس وتزينوا أحسن الزينة، ولم ير الراؤون أشدّ احتفالاً ولا أكثر اجتماعاً منه، حتى كأن الناس كلهم قد حشروا جميعاً في صعيد دمشق (1).
لقد أظهر ذلك المجتمع الذي تربّى على بغض أهل البيت جميع ألوان السرور والفرح بما أصابهم من القتل والسبي، وجيء بالرأس العظيم وسط هالة من التهليل والتكبير على هذا النصر الذي أحرزه حفيد أبي سفيان، وكان خالد بن صفوان في دمشق حينما أتي برأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأظهر الجزع والبكاء واختفى عن الناس لئلا تقبض عليه عيون بني أمية، وهو يقول:
جَاءُوا بِرَأْسِكَ يَابنَ بِنتِ محمّد *** مُتَزَ مُلاً بدِمائِهِ تَزميلا
وكأنما بِكَ يَابنَ بِنتِ محمّد *** قَتَلُوا جِهاراً عامِدِينَ رَسُولاً
قَتَلُوكَ عَطشاناً وَلَم يَتَرَقَّبُوا *** فِي قَتلِكَ التَّأْوِيلَ وَالتَّنزِيلَا
وَيُكَبِّرُونَ بِأَنْ قُتِلتَ وَإِنَّمَا *** قتَلُوا بِك التكبير والتهليلا (2)
1) بحار الأنوار: 45: 136 و 137، 155 و 156. 137
2) مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 125 و 126. تاريخ مدينة دمشق: 16: 181. تهذيب الكمال: 6: 448. البداية والنهاية: 8 200 مرآة الزمان في تواريخ الأعيان: 101. وقد اختلف في قائلها، فقد نسبت إلى ديك الجن الشاعر، وإلى بن معدان بن وإلى خالد أبي كريب الكلاعي، وكذلك نسبت إلى الجن، وإلى هاتف من السماء
يقول سهل بن سعد الساعدي: «خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام، فإذا أنا بمدينة مطردة الأنّهار كثيرة الأشجار قد علقت عليها الحجب والديباج، والناس فرحون مستبشرون وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول، فقلت في نفسي: إنّ لأهل الشام عيداً لا نعرفه نحن؟! فرأيت قوماً يتحدثون فقلت لهم: ألكم بالشام عيد لا نعرفه؟
قالوا: نراك - يا شيخ - غريباً.
فقلت: أنا سهل بن سعد قد رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
فقالوا: يا سهل ما أعجبك إن السماء لا تمطر دماً، والأرض لا تنخسف بأهلها!
قلت: وما ذاك؟
فقالوا: هذا رأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هدى من أرض العراق!
قلت: واعجباه يُهدى رأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) والناس يفرحون؟! فمن أي باب يدخل؟ فأشاروا إلى باب الساعات، فأسرع سهل إليها، وبينما هو واقف وإذا بالرايات يتبع بعضها بعضاً، وإذا بفارس بيده لواء منزوع السنان، وعليه رأس من أشبه الناس وجهاً برسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وهو رأس ريحانته الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللّه، وخلفه السبايا محمولة على جمال بغير وطاء.
وبادر سهل إلى إحدى النسوة فسألها: مَن أنتِ؟
فقالت: أنا سكينة بنت الحسين.
فقلت لها: ألكِ حاجة؟ فأنا سهل صاحب جدك رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ). قالت: يا سهل، قل لصاحب هذا الرأس أن يقدمه أمامنا حتى يشتغل حتى يشتغل الناس
بالنظر إليه، ولا ينظرون إلى حرم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
وأسرع سهل إلى حامل الرأس فأعطاه أربعمائة درهم فباعد الرأس عن النساء (1).
وانبرى شيخ قد ضللته الدعايات الكاذبة فأخذ يشق الصفوف الحاشدة حتى انتهى إلى الإمام زين العابدين(عَلَيهِ السَّلَامُ) فرفع عقيرته قائلاً: الحمد لله الذي أهلككم وأمكن الأمير منكم.
وبصر به الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)فرآه مخدوعاً قد خفي عليه الحق، فقال له: يا شَيخُ، هَلْ قَرَأْتَ الْقُرْآنَ؟
قال: نعم.
قال(عَلَيهِ السَّلَامُ): أَقَرَأْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا المَودَّةَ فِي القُرْبَى (2)، وَقَولَهُ تَعَالَى: وآتِ ذَا القُربَى حَقَّهُ (3)، وَقَولَهُ تَعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُربَى (4)؟
وتهافت الشيخ فقال بصوت خافت: نعم قرأت ذلك.
قال له الإمام زين العابدين(عَلَيهِ السَّلَامُ): نَحْنُ وَاللّهِ الْقُرْبى يا شَيْخُ أَقَرَأْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى:
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطْهِيراً (5)؟ قال الشيخ: قد قرأت ذلك.
فقال علیّ(عَلَيهِ السَّلَامُ): نَحْنُ أَهْلُ الْبَيْتِ الَّذِينَ خَصَّهُمُ اللّهُ بِالتَّطْهِيرِ.
وسرت الرعدة في أوصال الشيخ وجمد دمه، وقال للإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنبرات مرتعشة: باللّه عليكم أأنتم هم؟!
فقال الإمام زين العابدين(عَلَيهِ السَّلَامُ): وَحَقٌّ جَدْنا رَسُولِ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) إِنَّا لَنَحْنُ هُمْ مِنْ غَيْر شَكٍّ.
وود الشيخ أنّ الأرض قد وارته، ولم يقل تلك الكلمات القاسية، وألقى بنفسه على الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو يوسع يديه تقبيلاً، ودموعه تجري على سحنات وجهه، قائلاً: أنا أبرأ إلى اللّه ممّن قتلكم.
وطلب الشيخ منه أن يمنحه العفو والرضا فعفا عنه» (1).
فكانت الأكثرية الساحقة من أهل الشام على غرار هذا الشيخ قد ضلّلتهم الدعاية الأموية، وحجبتهم عن معرفة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
وغمرت الأفراح والمسرات يزيد حينما وافاه النبأ بمقتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان في بستأنّه الخضراء (2)فكبر تكبيرة عظيمة، ولما جيء بالسبايا كان مطلاً على منظر في جيرون، فلمّا نظر إلى السبايا والرؤوس قد وضعت على الحراب امتلاً سروراً وراح يقول:
لَمّا بَدَتْ تِلْكَ الحُمُولُ وَأَشْرَقَتْ *** تِلْكَ الرُّؤُوسُ عَلَى رُبى جَيرُونِ
نَعِبَ الغُرَابُ فَقُلتُ صِحْ أَوْ لَا تَصِحْ *** فَلَقَدْ قَضَيتُ مِنَ الرَّسُولِ دُيُونِي (3)
لقد روّى حفيد أبي سفيان أحقاده واستوفى ثأره من ابن فاتح مكة ومحطم أوثان
قريش، فقد قتل العترة الطاهرة وسبى ذراريها تشفياً وانتقاماً من النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)
ولما فرغ القوم من التطواف بالكوفة، ردّ عبيد اللّه رأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى باب القصر، فدفعه إلى زحر بن قيس هو ورؤوس أصحابه، وأنفذ معه أبا بردة بن عوف الأزدي، وطارق بن أبي ظبيان الأزدي، وحملوا رأس ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) هدية إلى الفاجر يزيد بن معاوية، وكان مع رحل الحسين وثقله مجفر بـن ثعلبة العائذي وشمر بن ذي الجوشن فانطلقا بهم، ولما انتهوا إلى البلاط الأموي رفع مجفر عقيرته ليسمعه يزيد قائلاً: هذا مجفر بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللثام الفجرة.
فأنكر عليه يزيد ورد عليه: ما ولدت أم مجفر الأم وأحمق، ولكنّه قاطع ظلوم (1).
وأذن يزيد للناس إذناً عاماً ليظهر لهم أنّه قهر آل النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وازدحم أهل الشام على القصر وهم يعلنون فرحتهم الكبرى، ويهنونه بهذا النصر الكاذب، ووضع رأس ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بين يدي سليل الخيانة والإجرام فجعل ينكت بمخصرته ثغره الذي طالما كان النبیّ يترشفه، وجعل يقول متشفياً وشامتاً: قد لقيت بغيك یا حسین (2).
1) أنساب الأشراف: 3: 415 و 416. تاريخ الأمم والملوك: 4: 653 و 654. الكامل في التاريخ: 3: 298. البداية والنهاية: 8: 196. وفيها اختلاف في اسم «مجفر» فذكر بعنوان: «محقر» و «مجفّر» و «محفز»، وفي الإرشاد/المفيد: 2: 118 و 119: «أنّ الذي ردّ عليه هو الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)»
2) الكواكب الدرّية/المناوي: 1: 56. وجاء في تذهيب التهذيب: 1: 157 عن ابن حمزة، قال: «رأيت امرأة من أعقل الناس وأجملهن يقال لها: (ربا (حاضنة يزيد بن معاوية، وقد بلغت من العمر مائة سنة، قالت: دخل رجل على يزيد فقال له: أبشر فقد أمكنك اللّه من الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد قتل وجيء برأسه إليك، ووضع في طست فأمر غلامه فكشفه فحين رآه أحمر وجهه، فقلت لربا: أقرع ثناياه بالقضيب؟ قالت: إي واللّه». سير أعلام النبلاء: 3: 319
ثم التفت إلى من كان معه فقال لهم: ما كنت أظن أبا عبد اللّه قد بلغ هذا السن وإذا لحيته ورأسه قد نصلا من الخضاب الأسود (1)، وتأمل في وجه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فغمرته هيبته، فطفق يقول: ما رأيت مثل هذا الوجه حسناً قط !(2).
وراح يوسع ثغره الشريف بالضرب بقضيب كان في يده، وهو يقول: إن هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحمام المرّي:
أَبي قَومُنَا أَنْ يَنصِفُونَا فَأَنصَفَتْ *** قواضِبُ فِي أَيماننا تقطرُ الدِّما
يُغلقنَ هاماً من رجال أعِزُّة *** مِنْ عَلَينا وَهُمْ كَانُوا أَعَقَّ وَأَظْلَما
ولم يتم كلامه حتى أنكر عليه أبو برزة الأسلمي، فقال له: أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين؟! أما لقد أخذ قضيبك في ثغره مأخذاً لربما رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) يرشفه، أما إنّك يا يزيد تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك، ويجيء هذا ومحمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) شفيعه، ثمّ قام منصرفاً (3).
وكان هذا النقد اللاذع من الصحابي أول نقد يجابه به يزيد وهو في بلاطه المكتظ بالشاميين وغيرهم، وقد تحطمت نشوة ظفره ولم يجد جواباً يتذرع به، ثم توالى عليه الإنكار فاندفع يحيى بن الحكم متأثراً، وهو يقول:
لَهامٌ بِجَنبِ الطَّفِ أدنى قَرابَةٌ *** من ابن زيادِ العَبدِ ذِي الحَسَبِ الوَغْلِ
أُمَيَّةُ أَمسى نَسْلُهَا عَدَدَ الحَصا *** وَبِنتُ رَسُولِ اللّهِ لَيسَ لَها نَسْل
فالتاع الطاغية منه وضربه في صدره، وقال له: اسكت لا أُمّ لك (1). لقد تأثر كل من يملك ضميراً حياً من المصائب الأليمة التي صبّها الطاغية على آل البيت(عَلَيهِم السَّلَامُ).
وبعد ما قضى الأثيم وطره من العبث برأس سيد شباب أهل الجنة نصبه في جامع دمشق في المكان الذي نصب فيه رأس يحيى بن زكريا (2)، وقد عُلّق ثلاثة أيام (3).
وبعث الطاغية برأس ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) إلى نسائه؛ ليظهر مقدرته وزهوه أمامهن، فأخذته ابنته عاتكة وطيبته، فأنكر يزيد ذلك وقال: ما هذا؟
فقالت له: بعثت إلينا برأس ابن عمّي شعثاً فلممته وطيبته (4).
وسُرَّ الطاغية سروراً بالغاً بسبايا أهل البيت فأوقفهم موقف السبي بباب المسجد مبالغة في إهانتهم وإذلالهم (5)، وعمدت جلاوزته إلى بنات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وسائر الصبية فربقوهم بالحبال كما تربق الأغنام، فكان الحبل في عنق الإمام زين
1) الإرشاد/المفيد: 2: 120. المعجم الكبير: 3: 116، الرقم 2848. تاريخ الأمم والملوك:4: 352 البداية والنهاية: 8 192. وفي البيتين اختلاف في اسم القائل، وفي البيت الثاني في أكثر المصادر فيه إقواء
2) صبح الأعشى: 4: 100
3) تذهيب التهذيب: 1: 157
4) أنساب الأشراف: 3: 416
5) مختصر تاريخ الدول: 110 و 111. الكواكب الدرّيّة: 1: 56
العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى عنق عمته زينب وباقي بنات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وكانوا - فيما يقول المؤرخون - كلّما قصروا عن المشي أوسعوهم ضرباً بالسياط، وجاءوا بهم على مثل هذه الحالة التي تتصدّع من هولها الجبال، وهم يكبرون ويهللون فأوقفوهم بين يدي يزيد، فالتفت الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له: ما ظَنُّكَ بِجَدْنا رَسولِ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) لَوْ يَرانا عَلَى مِثْل هَذِهِ الْحَالَةِ؟!
فتأثر يزيد ولم يبق أحد في مجلسه إلا بكى (1).
وقد تألم الطاغية مما رأى، فراح يقول: قبح اللّه ابن مرجانة، لو كان بينكم وبينه قرابة لما فعل بكم هذا (2)، ثم أمر بالحبال فقطعت عنهم والتفت إلى علي بـن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال له: أيه يا علي بن الحسين، أبوك الذي قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني سلطاني، فصنع اللّه به ما رأيت.
فأجابه شبل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكل هدوء وطمأنينة بقوله تعالى: مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِي الأرضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُم إِلا فِي كِتَابٍ مِن قَبْلِ أَن نَبَرَأهَا إِنَّ ذَلَكَ عَلَى اللَّهِ يسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأَسَوا عَلَى مَا فَاتَكُم وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُم وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُختَالٍ فَخُور (3).
وتميز الطاغية غضباً وذهبت نشوة أفراحه، وتلا قوله تعالى: مَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُم (4).
فقال له (عَلَيهِ السَّلَامُ): هذا في حَقٌّ مَنْ ظَلَمَ لَا في حَقٌّ مَنْ ظُلِمَ.
وزوى الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بوجهه عنه ولم يكلمه (1)وذلك احتقاراً له واستهانة بشأنّه.
وأظهر الطاغية فرحه بإبادته للعترة الطاهرة، فقد حسب أنّه قد صفا له واستوسقت له الأمور، فأخذ يهز أعطافه جذلان مسروراً، وتمنى حضور القتلى من أهل بيته ببدر؛ ليريهم كيف أخذ بثأرهم وانتقم من النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) في ذريته وعترته، وراح يترنّم بأبيات ابن الزبعرى وهو مزهو:
لَيتَ أَشْياخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا *** جَزَعَ الخزرج م وَقعِ الأَسَلْ
لأَهَلُوا وَاستَهَلُوا فَرَحاً *** ثُمَّ قَالُوا يَا يَزيدُ لَا تُشَلْ
قَدْ قَتَلنا القَرمَ مِن ساداتِهِمْ *** وَعَدَلناهُ بِبَدْرٍ فَاعتَدَلْ
لَعِبتْ هَاشِمُ بِالمُلكِ فَلَا *** خَبَرٌ جَاءَ وَلَا وَحَيَّ نَزَلْ
لَستُ مِن خِندِفَ إِنْ لَمْ أَنتَقِمْ *** مِن بَنِي أَحْمَدَ مَا كانَ فَعَلْ (2)
ولمّا سمعت بطلة كربلاء هذه الأبيات التي نمت عن كفره وسروره بقتل عترة النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) انتقاماً منهم لقتلى بدر، وثبت تزجره وتطعن كبرياءه غير حافلة بجبروته وطغيأنّه، فلم يدركها الهول والفزع، وإنّما كانت مثال الشجاعة فكأنّها هي الحاكمة والمنتصرة، والطاغية هو المخذول والمغلوب على أمره، قالت(عَلَيهَا السَّلَامُ): «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللّهُ عَلى رَسُولِهِ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ، صَدَقَ اللّهُ سُبْحأنّه حَيْثُ يَقُولُ:
ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَستَهرُءُونَ (1)، أَظَنَنْتَ يَا يَزِيدُ حَيْثُ أَخَذْتَ عَلَيْنا أَقْطَارَ الْأَرْضِ وَآفَاقَ السَّماءِ، فَأَصْبَحْنا نُساقُ كَما تُساقُ الأسارى أَنَّ بنا عَلَى اللّهِ هَوَاناً، وَبِكَ عَلَيْهِ كَرامَةٌ، وَأَنَّ ذلِكَ لِعِظَمِ خَطَرِكَ عِنْدَهُ؟ فَشَمَخْتَ بِأَنْفِكَ، وَنَظَرْتَ فِي عِطْفِكَ، جَذْلَانَ مَسْرُوراً حِينَ رَأَيْتَ الدُّنْيا لَكَ مُسْتَوْسِقَةٌ، وَالْأُمُورَ مُتَّسِقَةٌ، وَحِينَ صَفَا لَكَ مُلْكُنا وَسُلْطَانُنا، فَمَهْلاً مَهْلاً لَا تَطِشْ جَهْلاً، أَنَسِيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِ لَهُم خَيْرٌ لِأَنفُسِهِم إِنَّمَا نُمْلِي لَهُم لِيَزْدَادُوا إثماً وَلَهُم عَذَابٌ مُهِينٌ (2). أَمِنَ الْعَدْلِ يَابْنَ الطَّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرائِرَكَ وَإِمَاءَكَ وَسَوْقُكَ بَناتِ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) سبايا قَدْ هُتِكَتْ سُتُورُهُنَّ، وَأُبْدِيَتْ وُجُوهُهُنَّ، تَحْدُو بِهِنَّ الْأَعْداءُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَيَسْتَشْرِفُهُنَّ أَهْلُ الْمَناهِلِ وَالْمَعاقِلِ (3)، وَيَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُنَّ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، لَيْسَ مَعَهُنَّ مِنْ حُمَاتِهِنَّ حَمِيٌّ، وَلَا مِنْ رِجالِهِنَّ وَلِيٍّ؟! وَكَيْفَ تُرْتَجِي مُراقَبَةُ مَنْ لَفَظَ فُوهُ أَكْبادَ الأَزْكِياءِ، وَنَبَتَ لَحْمُهُ مِنْ دِمَاءِ الشُّهَدَاءِ؟! وَكَيْفَ يُسْتَبْطَأُ فِي بُغْضِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ مَنْ نَظَرَ إِلَيْنَا بِالشَّنَفِ (4)وَالشَّنَانِ، وَالْإِحَنِ وَالْأَضْعَانِ؟! ثُمَّ تَقُولُ غَيْرُ مُتَأَثْمٍ وَلَا مُسْتَعْظِم:
لأَهلُّوا وَاستَهَلُوا فَرَحاً *** ثُمَّ قَالُوا يَا يَزِيدُ لَا تُشَلْ
مُنْحَنِياً عَلَى ثَنَايَا أَبِي عَبْدِ اللّهِ سَيِّدِ شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَنْكُتُهَا بِمِخْصَرَتِكَ، وَكَيْفَ
لا تَقُولُ ذلِكَ؟! وَقَدْ نَكَأْتَ الْقَرْحَةَ، وَاسْتَأْصَلْتَ الشَّأْفَةِ بِإِراقَتِكَ دِمَاءَ ذُرِّيَّةِ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)وَ نُجُومِ الْأَرْضِ مِنْ آلِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَتَهْتِفُ بِأَشْيَاتِكَ زَعَمْتَ أَنَّكَ تُنادِيهِمْ فَلَتَرِدَةٌ وَشِيكاً مَوْرِدَهُمْ، وَلَتَوَدُهُ أَنَّكَ شَلِلْتَ وَبَكمْتَ، وَلَمْ تَكُنْ قُلْتَ ما قُلْتَ وَفَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ.
اللّهمَّ خُذْ لَنَا بِحَقِّنَا، وَانْتَقِمْ مِمَّنْ ظَلَمَنا، وَأَحْلِلْ غَضَبَكَ بِمَنْ سَفَكَ دِمَاءَنَا، وَقَتَلَ حماتنا.
فَوَاللّهِ مَا فَرِيتَ إِلَّا جِلْدَكَ، وَلَا حَزَزْتَ إِلَّا لَحْمَكَ، وَلَتَرِدَنَّ عَلَى رَسُولِ اللّهِ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بِما تَحَمَّلْتَ مِنْ سَفْكِ دِمَاءِ ذُرِّيَّتِهِ، وَانْتَهَكْتَ مِنْ حُرْمَتِهِ فِي عِتْرَتِهِ وَلُحْمَتِهِ، حَيْثُ يَجْمَعُ اللّه شَمْلَهُمْ، وَتِكُمْ شَعْتَهُمْ، وَيَأْخُذُ بِحَقِّهِمْ: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ (1).
وَحَسْبُكَ بِاللّهِ حاكِماً، وَبِمحمّدخَصِيماً، وَبِجَبْرَئِيلَ ظَهِيراً، وَسَيَعْلَمُ مِنْ سَوَّلَ لَكَ وَمَكَّنَكَ مِنْ رِقابِ المُسْلِمِينَ. بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً، وَأَيُّكُمْ شَرِّ مَكَاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً. وَلَئِنْ جَرَّتْ عَلَيَّ الدَّواهِي مُخاطَبَتَكَ إِنِّي لَأَسْتَصْغِرُ قَدْرَكَ، وَاسْتَعْظِمْ تَفْرِيعَكَ، وَاسْتَكْثِرُ تَوْبِيخَكَ، لَكِنِ الْعُيُونُ عَبْرَى، وَالصُّدُورُ حَرّى.
فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لِقَتْلِ حِزْبِ اللّهِ النُّجَباءِ بِحِرْبِ الشَّيْطَانِ الطَّلَقَاءِ، فَهَذِهِ الْأَيْدِي تَنْطِفُ (2)مِنْ دِمَائِنا، وَالْأَفْواهُ تَتَحَلَّبُ مِنْ لُحُومِنا، وَتِلْكَ الْجُنَتُ الطُّواهِرُ الزَّواكِي تَتَناهَبُها الْعَواسِلُ (3)، وَتُعَفِّرُها أُمَّهَاتِ الفراعِل (4)، وَلَيْنِ اتَّخَذْتَنا مُغْنَماً، لَتَجِدَنًا وَشِيكاً مَغْرَماً، حِينَ لَا تَجِدُ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ يَداكَ، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ،
وَإِلَى اللّهِ الْمُشْتَكَى وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ.
فَكِدْ كَيْدَكَ، واسعَ سَعْتِكَ، وَناصِبْ جُهْدَكَ، فَوَاللّهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَلَا تُمِيتُ وَحْيَنا، وَلَا يَرْحَضُ عَنْكَ، عارُها، وَهَلْ رَأيْكَ إِلَّا فَنَدٌ، وَأَيَّامُكَ إِلَّا عَدَدٌ، وَجَمْعُكَ إِلَّا بَدَدٌ؟! يَوْمَ يُنادِي الْمُنادِي أَلَا لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ.
وَالْحَمْدُ اللّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَتَمَ لِأَوَّلِنَا بِالسَّعادَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَلِآخِرِنا بِالشَّهَادَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَنَسْأَلُ اللّه أَن يُكْمِلَ لَهُمُ الثَّوابَ، وَيُوجِبَ لَهُمُ الْمَزِيدَ، وَيُحْسِنَ عَلَيْنا الْخِلَافَةَ، أنّه رَحِيمٌ وَدُودٌ، وَحَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» (1).
وهذا الخطاب أروع خطاب أثر في الإسلام، وهو من متممات النهضة الحسينیة الخالدة، فقد دمّرت فيه حفيدة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) جبروت الطاغية، وألحقت به الهزيمة والعار، وعرفته أنّ دعاة الحق لا تنحني جباههم أمام الطغاة والظالمين.
يقول الإمام كاشف الغطاء (رحمةالله): «أتستطيع ريشة أعظم مصوّر وأبدع ممثل أن يمثل لك حال يزيد وشموخه بأنفه وزهوه بعطفه وسروره وجذله باتساق الأمور، وانتظام الملك ولذة الفتح والظفر والتشفّي والانتقام بأحسن من ذلك التصوير والتمثيل، وهل في القدرة والإمكان لأحد أن يدفع خصمه بالحجّة والبيان والتقريع والتأنيب، ويبلغ ما بلغته - سلام اللّه عليها - بتلك الكلمات وهي على الحال الذي عرفت؟! ثمّ لم تقتنع منه بذلك حتى أرادت أن تمثل له وللحاضرين عنده ذلّة الباطل وعزة الحق وعدم الاكتراث والمبالاة بالقوة والسلطة، والهيبة والرهبة، أرادت أن تعرفه خسة قدره، وضعة مقداره وشناعة فعله، ولؤم فرعه وأصله» (2).
ويقول المرحوم توفيق الفكيكي: «تأمل معي في هذه الخطبة النارية كيف
جمعت بين فنون البلاغة، وأساليب الفصاحة، وبراعة البيان، وبين معاني الحماسة وقوة الاحتجاج وحجّة المعارضة والدفاع في سبيل الحرية والحق والعقيدة؟! بصراحة هي أنفذ من السيوف إلى أعماق القلوب، وأحد من وقع الأسنة في الحشا والمهج في مواطن القتال ومجالات النزال، وكان الوثوب على أنياب الأفاعي وركوب أطراف الرماح أهون على يزيد من سماع هذا الاحتجاج الصارخ الذي صرخت به ربيبة المجد والشرف في وجوه طواغيت بني أُمية وفراعنتهم في منازل عزهم ومجالس دولتهم الهرقلية الأرستقراطية الكريهة.
ثمّ إنّ هذه الخطبة التاريخية القاصعة لا تزال تنطق ببطولات الحوراء الخالدة وجرأتها النادرة، وقد احتوت النفس القوية الحساسة الشاعرة بالمثالية الأخلاقية الرفيعة السامية، وسيبقى هذا الأدب الحي صارخاً في وجوه الطغاة الظالمين على مدى الدهر وتعاقب الأجيال وفي كل ذكرى لواقعة الطف الدامية المفجعة» (1).
وكان هذا الخطاب العظيم امتداداً لثورة كربلاء وتجسيداً رائعاً لقيمها الكريمة وأهدافها السامية، وقد حفل بما يلي:
أوّلاً: أنّها دللت على غرور الطاغية وطيشه، فقد حسب أنّه هو المنتصر بما يملك من القوى العسكرية التي ملأت البيداء وسدت آفاق السماء، إلا أنّه انتصار مؤقت، ومن طيشه أنّه حسب أنّما أحرزه من الانتصار كان لكرامة له عند اللّه وهوان لأهل البيت، ولم يعلم أنّ اللّه إنّما يملي للكافرين في هذه الدنيا من النعم ليزدادوا إثماً ولهم في الآخرة عذاب أليمّ.
ثانياً: أنّها نعت عليه سبيه عقائل الوحي، فلم يرع قرابة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فيهم،
1) مجلة الغري - السنة السابعة: العدد 6
وهو الذي مَنْ على آبائه يوم فتح مكة فكان أبوه وجده من الطلقاء، فلم يشكر للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) هذه اليد وكافأه بأسوء ما تكون المكافأة.
ثالثاً: إن الطاغية في ما اقترفه من سفكه لدماء العترة الطاهرة فأنّه مدفوع بحكم نشأته ومواريثه، فجدّته (هند) هي التي لاكت كبد سيد الشهداء حمزة (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وجده لا أبو سفيان العدو الأول للإسلام، وأبوه معاوية الذي أراق دماء المسلمين وانتهك جميع ما حرّمه اللّه، فاقتراف الجرائم من عناصره وطباعه التي فطر عليها.
رابعاً: أنّها أنكرت عليه ما تمثل به من الشعر الذي تمنى فيه حضور أشياخه الأمويين ليرواكيف أخذ بثأرهم من النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بإبادة أبنائه، إلا أنّه سوف يرد موردهم من الخلود في نار جهنم.
خامساً: إنّ الطاغية بسفكه لدماء العترة الطاهرة لم يسفك إلا دمه ولم يفرِ إلا جلده، فإنّ تلك النفوس الزكية حيّة وخالدة وقد تلفّعت بالكرامة وبلغت قمة الشرف، وأنّه هو الذي باء بالخزي والخسران.
سادساً: أنّها عرضت إلى من مكن الطاغية من رقاب المسلمين فهو المسؤول عما اقترفه من الجرائم، وقد قصدت(عَلَيهَا السَّلَامُ) مغزى بعيداً يفهمه كل من تأمل فيه.
سابعاً: أنّها أظهرت سمو مكانتها؛ فكلّمت الطاغية كلام الأمير والحاكم، استهانت به، واستصغرت، قدره، وتعالت عن حواره، وترفعت عن مخاطبته، ولم تحفل بسلطأنّه، لقد كانت العقيلة على ضعفها وما ألم بها من المصائب أعظم قوة وأشدّ بأساً منه.
ثامناً: أنّها عرضت إلى أن يزيد مهما بذل من جهد المحو ذكر أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) فأنّه لا يستطيع إلى ذلك سبيلاً؛ لأنّهم قائمون في قلوب المسلمين وعواطفهم، و هم مع الحق والحق لابد أن ينتصر، وفعلاً قد انتصر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتحوّلت مأساته إلى مجد لا يبلغه أي إنسان كان، فأي نصر أحق بالبقاء وأجدر بالخلود
من النصر الذي أحرزه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟!
هذا قليل من كثير مما جاء في هذه الخطبة التي هي آية من آيات البلاغة والفصاحة، ومعجزة من معجزات البيان، وهي إحدى الضربات القاضية على ملك بني أُمية.
وكان خطاب العقيلة كالصاعقة على رأس يزيد، فقد أنّهار غروره وتحطم كبرياؤه، وحار في الجواب، فلم يستطع أن يقول شيئاً إلا أنّه تمثل بقول الشاعر:
يَا صَيحَةً تُحمَدُ مِن صَوائِحْ *** مَا أَهْونَ النَّوحِ عَلَى النَّوائِحُ (1).
ولم تكن أيّة مناسبة بين ذلك الخطاب العظيم الذي أبرزت فيه عقيلة الوحی واقع يزيد، وجرّدته من جميع القيم الإنسانية، وبين ما تمثل به من الشعر الذي أعلن فيه أنّ الصيحة تحمد من الصوائح، وأنّ النوح يهون على النائحات، فأي ربط موضوعي بين الأمرين.
وأحدث خطاب العقيلة موجة عاصفة في مجلس يزيد وأشاعت في نفوس الجالسين مشاعر الحزن والأسى والتذمر، فقد أزاحت عنهم حجب الشبهات ونسفت كل الوسائل التي صنعها معاوية لإقامة دولته وسلطأنّه، فراح يزيد يلتمس المعاذير ليبرر جريمته، فقال لأهل الشام: أتدرون من أين أتي ابن فاطمة؟ وما الحامل له على ما فعل؟ وما الذي أوقعه فيما وقع؟
قالوا: لا.
1) اللّهوف: 108. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 66
قال: يزعم أن أباه خير من أبي، وأُمه فاطمة بنت رسول اللّه خير من أُمّي، وجده رسول اللّه خير من جدي، وأنّه خير منّى، وأحق بهذا الأمر.
فأما قوله: أبوه خير من أبي، فقد حاج أبي أباه إلى اللّه عزّ وجلّ، وعلم الناس أيهما حكم له.
وأما قوله أُمّه خير من أُمّي فلعمري أن فاطمة بنت رسول اللّه خير من أمّي.
وأمّا قوله: جده خير من جدّي فلعمري ما أحد يؤمن باللّه واليوم الآخر وهو يرى أن لرسول اللّه فينا عدلاً ولا نداً، ولكنه إنّما أُتي من قلة فقهه ولم يقرأ: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ... (1).
وقوله تعالى: وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ (2)(3).
لقد حسب الطاغية أنَّ منطق الفضل عند اللّه إنّما هو الظفر بالملك فراح يبني تفوقه على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بذلك، ولم يعلم أنّه لا قيمة للملك عند اللّه فأنّه يهبه للبر والفاجر.
وكان مجلس الطاغية حاشداً بجماهير الناس، وقد أوعز يزيد إلى الخطيب أن يعتلي أعواد المنبر؛ ليمجد الأمويين وينال من الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاعتلى الخطيب المنبر فبالغ في الثناء على يزيد ونال من الإمام أمير المؤمنين وولده الحسين (عَلَيهِما السَّلَامُ)؛ لينال هبات يزيد وعطاياه، فانتفض الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصاح به: وَيْلَكَ أَيُّها
الْخاطِبُ، اشْتَرَيْتَ رِضا الْمَخْلُوقِ بِسَخَطِ الْخالِقِ، فَتَبَوَّأْ مَقْعَدَكَ مِنَ النَّارِ.
والتفت إلى يزيد فقال له: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَصعَدَ هَذِهِ الأعوادَ فَأَتَكَلَّمُ بِكَلِماتٍ فِيهِنَّ اللّه: رِضاً، وَلِهَؤلَاءِ الْجالِسِينَ أَجْرٌ وَثَوابٌ؟
وبهت الحاضرون وبهروا من هذا الفتى العليل الذي ردّ على الخطيب والأمير، وقد رفض يزيد إجابته، فألح عليه الجالسون بالسماح له، ويعتبر ذلك بداية وعي عند أهل الشام. فقال يزيد لهم: إن صعد المنبر لم ينزل إلا بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان.
فقالوا له: وما مقدار ما يحسن هذا العليل؟!
أنّهم لا يعرفونه، وحسبوا أنّه لا يحسن شيئاً، ولكن الطاغية يعرفه حقاً، فقال لهم: أنّه من أهل بيت قد زقوا العلم زقاً.
وأخذوا يلحون عليه، فانصاع لقولهم وسمح للإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاعتلى أعواد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم أنّه خطب خطبة عظيمة أبكى منها العيون، وأوجل منها القلوب، وكان من جملة ما قاله:
«أَيُّها النَّاسُ، أَعطِينَا سِتّاً، وَفُضِّلْنا بِسَبع، أُعْطِينَا الْعِلْمَ، وَالْحِلْمَ، وَالسَّماحَةَ، وَالفصاحَةَ، وَالشَّجَاعَةَ، وَالْمَحَبَّةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَفُضِّلْنا بِأَنَّ مِنَا النبیّ الْمُخْتارَ محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وَمِنَا الصِّدِّيقَ، وَمِنَا الطَّيَارَ، وَمِنَا أَسَدَ اللّهِ وَأَسَدَ الرَّسُولِ، وَمِنَا سَيِّدَةَ نِساءِ الْعالَمِينَ فاطِمَةَ البَتُولَ، وَمِنَا [سِبْطَيْ] هذِهِ الْأُمَّةِ [وَسَيَّدَي] شَبابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
فَمَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي أَنْبَاتُهُ بِحَسَبِي وَنَسَبِي، أَنَا ابْنُ مَكَّةَ وَمِنَى، أَنَا ابْنُ زَمْزَمَ وَالصَّفا، أَنَا ابْنُ مَنْ حَمَلَ الرُّكْنَ بِأَطْرَافِ الرِّداءِ، أَنَا ابْنُ خَيْرِ مَنْ انْتَزَرَ وَارْتَدى، أَنَا ابْنُ خَيْرِ مَنِ انْتَعَلَ وَاحْتَفَى،
أَنَا ابْنُ خَيْرِ مَنْ طَافَ وَسَعَى، أَنَا ابْنُ خَيْرِ مَنْ حَجَّ وَلَبَى، أَنَا ابْنُ مَنْ حُمِلَ عَلَى الْبَراقِ فِي الْهَواءِ، أَنَا ابْنُ مَنْ أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأقصى فَسُبْحانَ مَنْ أَسْرى، أَنَا ابْنُ مَنْ بَلَغَ بِهِ جَبْرَئِيلُ إِلى سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، أَنَا ابْنُ مَنْ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، أَنَا ابْنُ مَنْ صَلَّى بِمَلَائِكَةِ السَّمَاءِ، أَنَا ابْنُ مَنْ أَوْحَى إِلَيْهِ الْجَلِيلُ ما أَوْحَى، أَنَا ابْنُ محمّدالْمُصْطَفَى، أَنَا ابْنُ عَلِيٍّ الْمُرْتَضى، أَنَا ابْنُ مَنْ ضَرَبَ خَراطِيمَ الْخَلْقِ حَتَّى قالُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه.
أَنَا ابْنُ مَنْ ضَرَبَ بَينَ يَدَي رَسُولِ اللّهِ بِسَيفَينِ، وَطَعَنَ بِرُمحَينِ، وَهَاجَرَ الهِجْرَتَينِ، وَبَايَعَ البَيعَتَيْنِ، وَصَلَّى القِبْلَتَينِ، وَقاتَلَ بِبَدْرٍ وَحُنَينِ، وَلَم يَكْفُرْ بِاللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ.
أَنَا ابْنُ َصالِحٍ الْمُؤْمِنِينَ، وَوارِثِ النبیّينَ، وَقاطع المُلْحِدِينَ، وَيَعْسُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَنُورِ الْمُجَاهِدِينَ، وَزَيْنِ الْعَابِدِينَ، وَتاج الْبَكَائِينَ، وَأَصْبَرِ الصَّابِرِينَ، وَأَفْضَلِ الْقَائِمِينَ مِنْ آلِ يَاسِينَ رَسُولِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
أَنَا ابْنُ الْمَؤَيَّدِ بِجَبْرَئِيلَ الْمَنْصُورِ بِمِيكَائِيلَ، أَنَا ابْنُ الْمُحامِي عَنْ حُرَمِ الْمُسْلِمِينَ، وَقاتِلِ النَّاكِثِينَ وَالْقاسِطِينَ وَالْمارِقِينَ، وَالْمُجَاهِدِ أَعْداءَ النَّاصِبِينَ، وَأَفْخَرِ مَنْ مَشى مِنْ قُرَيْشٍ أَجْمَعِينَ، وَأَوَّلِ مَنْ أَجابَ وَاسْتَجَابَ لِلَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَقْدَمِ السَّابِقِينَ، وَقاصِمِ الْمُعْتَدِينَ، وَمُبِيرِ الْمُشْرِكِينَ، وَسَهُم مِنْ مَرامِي اللَّهِ عَلَى الْمُنافِقِينَ، وَلِسانِ حِكْمَةِ
الْعَابِدِينَ. نَاصِرِ دِينِ اللَّهِ، وَوَلَيِّ أَمْرِ اللَّهِ، وَبُسْتانِ حِكمَةِ اللَّهِ، وَعَيْبَةِ عِلْمٍ اللّه.
سَمِحٌ سَخِيٌّ، بُهْلُولٌ زَكِيٌّ أَبْطَحِيٌّ، رَضِيٌّ مَرْضِيٌّ، مِقْدَامٌ هُمام، صابِرٌ صَوَامٌ، مُهَذَّبٌ قَوَامٌ، شُجاعٌ قَمْقام، قاطِعُ الْأَصْلَابِ، وَمُفَرِّقُ الْأَحْزَابِ، أَرْبَطُهُمْ جَنانَا، وَأَطْلَقُهُمْ عِنانَا، وَأَجْرَاهُمْ لِساناً، وَأَمْضَاهُمْ عَزِيمَةٌ، وَأَشَدُّهُمْ شَكِيمَةٌ، أَسَدٌ باسِلٌ، وَغَيْلٌ هَاطِلٌ، يَطْحَنُهُمْ في الْحُرُوبِ وَيَذْرُوهُمْ ذَرْوَ الرِّيحِ الْهَشِيمَ، لَيْتُ الْحِجَازِ، وَصَاحِبُ الْإِعْجازِ، وَكَبْشُ الْعِراقِ، الْإِمَامُ بِالنَّصَّ وَالْإِسْتِحْقَاقِ، مَكِّيُّ مَدَنِيُّ، أَبْطَحَيٌّ تُهَا مِيٌّ، خَيْفِيٌّ عَفَبِيٌّ، بَدْرِيٌّ أُحْدِيٌّ، وَشَجَرِيٌّ مُهاجِرِيٌّ. مِنَ الْعَرَبِ سَيِّدُها، وَمِنَ الْوَغَى لَيْتُها. وارِثُ الْمَشْعَرَيْنَ، وَأَبُو السَّبْطَيْن الْحَسَنِ وَالحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، مُظْهِرُ الْعَجائِبِ، وَمُفَرِّقُ الْكَتائِبِ، وَالشَّهاب الناقِبِ، وَالنُّورُ الْعَاقِبِ، أَسَدُ اللّهِ الْغالِبُ، مَطْلُوبُ كُلِّ طَالِبٍ، غَالِبُ كُلِّ غالب، ذاكَ جَدِّي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
أَنَا ابْنُ فَاطِمَةَ الزَّهْراءِ، أَنَا ابْنُ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ، أَنَا ابْنُ الطُّهْرِ الْبَتُولِ، أَنَا ابْنُ صلى اللّه بَضْعَة الرَّسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
أَنَا ابْنُ الْمُرَمَّلِ بِالدِّمَاءِ، أَنَا ابْنُ ذَبِيحَ كَرْبَلَاءَ، أَنَا ابْنُ مَنْ بَكَى عَلَيْهِ الْجِنُّ الظُّلْماءِ، وَنَاحَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ في الهَواءِ (1).
1) بحار الأنوار 45: 137 - 139. نفس المهموم: 410 و 411. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 69 - 71
ولم يزل (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: أنا، حتى ضجّ الناس بالبكاء والنحيب، وخشي الطاغية من الفتنة وحدوث ما لا تحمد عقباه، فقد أوجد خطاب الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) انقلاباً فكرياً في مجلس الطاغية، وقد بادر بالإيعاز إلى المؤذن أن يؤذن ليقطع على وقوع الإمام السجاد(عَلَيهِ السَّلَامُ) كلامه، فصاح المؤذن: «اللّه أكبر».
فقال: كَبَّرْتَ كَبِيراً لَا يُقاسُ، وَلَا يُدْرَكُ بِالْحَواس، لَا شَيْءَ أَكْبَرُ مِنَ اللّهِ.
فلمّا قال المؤذّن: أشهد أن لا إله إلا اللّه
قال الإمام علي بن الحسين (عَلَيهِما السَّلَامُ): شَهِدَ بِهَا شَعْرِي وَبَشَرِي، وَلَحْمِي وَدَمِي، وَمُخْي وَعَظْمِي.
ولمّا قال المؤذّن: أشهد أن محمّد اً رسول اللّه.
التفت على بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى يزيد، فقال له:
يا يَزِيدُ، محمّدهذا جَدِّي أَمْ جَدُّكَ؟ فَإِنْ زَعَمْتَ أنّه جَدُّكَ فَقَدْ كَذِبْتَ وَإِنْ قُلتَ: أنّه جَدِّي فَلِمَ قَتَلْتَ عِتْرَتَهُ؟ (1).
ووجم يزيد ولم يطق جواباً، واستبان لأهل الشام أنّهم غارقون في الجهالة والضلالة، وأنّ الحكم الأموي قد جهد على غوايتهم وشقائهم.
وقد اقتصر الإمام السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خطابه على التعريف بأسرته ونفسه، ولم يعرض لشيء آخر، وقد كان ذلك من أروع صور الالتفاتات وأدقها وأعمقها، فقد كان المجتمع الشامي لا يعرف شيئاً عن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)فقد أخفت السلطة كل شيء عنهم، وغذتهم بالولاء لبني أمية والحقد على أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
1) الفتوح: 5: 133. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)/الخوارزمي: 2: 69 - 71
وأثر خطاب الإمام تأثيراً بالغاً في أوساط أهل الشام، فقد جعل بعضهم ينظر إلى بعض ويسر بعضهم إلى بعض بما آلوا إليه من الخيبة والخسران، حتى تغيّرت أحوالهم مع يزيد (1)، وأخذوا ينظرون إليه نظرة احتقار وازدراء.
ونظر بعض أهل الشام إلى السيدة فاطمة بنت الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِما السَّلَامُ) (2)- أو بنت الإمام الحسين (عَلَيهِما السَّلَامُ) (3)- فقال ليزيد: هب لي هذه الجارية لتكون خادمة عندي.
وسرت الرعدة بجسمها، فاحتمت بعمّتها العقيلة زينب مستجيرة بها، وانبرت حفيدة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فصاحت بالرجل: كذبت ولؤمت، ما ذلك لك، ولا لأميرك.
واستشاط يزيد غضباً لعدم مبالاة العقيلة به واستهانتها بشأنّه.
فقال لها: كذبتِ، إنّ ذلك لي، ولو شئت لفعلت.
فنهرته العقيلة متحدّية له قائلة: كلا واللّه، ما جعل لك ذلك، إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغير ديننا.
وتميّز الطاغية غيظاً حيث تحدّته العقيلة أمام أشراف أهل الشام فصاح بها: إياي تستقبلين بهذا؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك.
وانبرت العقيلة غير حافلة بسلطأنّه ولا بقدرته على البطش والانتقام، فردت عليه بثقة قائلة: بدين اللّه ودين أبي وجدي وأخي اهتديت أنت وأبوك إن كنت مسلماً.
وأزالت العقيلة بهذا الكلام الستار الذي تستر به يزيد بقتله للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأهل بيته من أنّهم خوارج خرجوا على إمام زمأنّهم.
ولم يجد الرجس جواباً فقال وهو مغيظ محنق: كذبتِ يا عدوة اللّه.
ولم تجد شقيقة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) جواباً تحسم به مهاترات يزيد غير أنّها قالت: أنت أمير مسلّط، تشتم ظلماً، وتقهر بسلطانك.
وتهافت غضب الطاغية وأطرق برأسه إلى الأرض، وأعاد الشامي كلامه إلى يزيد وكرر الشامي هذه المحاورة وفاطمة شديدة اللصوق بعمتها، فصاح به یزید: وهب اللّه لك حتفاً قاضياً (1).
لقد احتفظت عقيلة الوحي بقواها الذاتية في تلك المحن الشاقة، وقابلت أعداء الإسلام بإرادتها الصلبة الواعية التي ورثتها من جدها الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
يقول بعض الكتاب: وقد حققت زينب وهي في ضعفها واستكانتها أول نصر حاسم على الطغاة، وهم في سلطأنّهم وقوتهم، فقد أفحمته المرّة بعد المرّة، وقد أظهرت للملأ جهله، كما كشفت عن قلة فقهه في شؤون الدين فإن نساء المسلمين لا يصح مطلقاً اعتبارهن سبايا ومعاملتهن معاملة السبي في الحروب.
وأكبر الظنّ أنّ هذا الخطاب من الشامي كان فاتحة انتقاد ليزيد، وبداية لتسرب الوعى عند الشاميين، وآية ذلك أنّه كان يكفيه ردّ الحوراء على يزيد بذلك الردّ الذي أخرجته عن ربقة الإسلام إن استجاب لطلب الشامي، ووقوع الشجار العنيف بين الحوراء ويزيد، ممّا يشعر منه أن طلب الشامي كان مقصوداً لأجل بلورة الرأي العام وفضح يزيد، لا سيما أن هذا الطلب كان بعد خطاب السيدة زينب وخطاب الإمام زين العابدين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد أحدثا وعياً عاماً وموجة عاتية من السخط في مجلس يزيد.
1) الإرشاد/المفيد: 2: 121. بحار الأنوار: 45: 136. تاريخ الأمم والملوك: 4: 656. تاريخ مدينة دمشق: 69: 177. الكامل في التاريخ: 3: 299
والتقى الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)لها بالمنهال بن عمرو فبادر إليه قائلاً: كيف أمسيت يابن رسول اللّه؟
قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أَمْسَيْنا كَبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي آلِ فِرْعَوْنَ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَهُمْ. يا مِنْهالُ، أَمْسَتِ الْعَرَبُ تَفْتَخِرُ عَلَى الْعَجَمِ بِأَنَّ محمّد اً مِنْهُمْ، وَأَمْسَتْ قُرَيْضٌ تَفتَخِرُ عَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ بَأَنَّ محمّد اً مِنها وَأَمْسَيْنا أَهْلُ بَيْتِ محمّدوَنَحْنُ مَنْصُوبُونَ مَظْلُومُونَ، مَقْهُورُون مُقَتَّلُونَ، مَثْبُورُونَ مَطْرُودُونَ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (1).
لقد كان الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) المصدر الأصيل لشرف الأمة العربية الذي تفتخر به فهو الذي خطط للعرب حياة سادوا فيها جميع شعوب الأرض، وينى لهم دولة كانت من أعزّ دول العالم وأمنعها، فكان جزاؤه منهم أن عمدت قريش التي تفاخر العرب بأنّ محمّد اً منها إلى قتل ذريته واستئصال شأفتهم وسبي نسائهم، فهل هذا هو جزاء المنقذ والمحرر لهم؟!
وطلبت بنات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) من الطاغية أن يفرد لهنّ بيتاً ليقمن فيه مأتماً على سيد الشهداء، فقد نخر الحزن قلوبهن، ولم يكن بالمستطاع أن يبدين بما ألمّ بهنَّ من عظيم الأسى والشجون خوفاً من الجلاوزة الجفاة الذين جهدوا على منعهن من البكاء والنياحة على أبي عبد اللّه. وقد أثر عن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)أنّه قال: «كُلَّما دَمِعَتْ عَيْنُ واحِدٍ مِنَا قَرَعُوا رَأْسَهُ بِالرُّمْحِ».
واستجاب يزيد لذلك فأفرد لهن بيتاً، فلم تبق هاشمية ولا قرشية إلا لبست
1) الفتوح: 5: 133. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الخوارزمي: 2: 72. تاريخ مدينة دمشق: 41: 396
السواد حزناً على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وخلدن بنات الرسالة إلى النياحة سبعة أيام، وهنّ يندبن سيد الشهداء بأشجى ندبة (1)، وينحن على الكواكب من نجوم آل عبد المطلب، وقد ذابت الأرض من حرارة دموعهن.
وشكر الطاغية يزيد لابن مرجانة قتله ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وبالغ في تقديره وتكريمه (2)، فاستدعاه للحضور عنده في دمشق ليجازيه على ذلك، وكتب إليه ما يلي: أمّا: «أما بعد، فإنّك قد ارتفعت إلى غاية أنت فيها، كما قال الأوّل:
رفعت فَجاوَزتْ السِّحابَ وَفَوقَهُ *** فَمَا لَكَ إِلَّا مُرتَقَى الشَّمْسِ مَقعَدُ
فإذا وقفت على كتابي فأقدم عليّ لأجازيك على ما فعلت» (3).
وسافر الوضيع ابن زياد مع أعضاء حكومته إلى دمشق، ولما انتهى إليها خرج لاستقباله جميع بني أمية، ولما دخل على يزيد قام إليه واعتنقه وقبل ما بين عينيه وأجلسه على سرير ملكه، وقال للمغني عن وللساقي اسي: ثم قال:
إسقِنِي شُرِبَةٌ تُرَوِّي فُؤادِي *** ثُمَّ مِلْ وَاسقٍ مِثْلَهَا ابْنَ زِيادٍ
صاحِبَ السِّرِّ وَالأَمانَةِ عِنْدِي *** وَلتَسدِيدِ مَعْنَمِي وَجِهادِي
قاتِلَ الخارِجِي أَعْنِي حُسَيناً *** وَمُبِيدَ الأَعداءِ وَالحُسَادِ (4)
وأقام ابن مرجانة شهراً فأوصله بالف الف درهم (5)، ومثلها لعمر بن سعد،
وأطلق له خراج العراق سنة (1)، وقد بالغ في مودته فأدخله على نسائه وعياله (2)، ولما وفد أخوه مسلم بن زياد على يزيد بجّله وكرمه تقديراً لأخيه عبيد اللّه، وقال له: لقد وجبت محبتكم على آل أبي سفيان. ونادمه يومه بأسره، وولاه بلاد خراسان (3).
لقد شكر لآل زياد إبادتهم آل رسول اللّه، وقد حسب أنّهم قد مهدوا له الملك والسلطان، ولم يعلم أنّهم هدموا ملكه ونسفوا سلطأنّه وأخلدوا له الخزي والعار.
وبعد أن نقم المسلمون على الطاغية بقتله لريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ندم على ذلك وحاول أن يلصق تبعة تلك الجريمة بابن مرجانة، وراح يقول: ما كان عليّ لو احتملت الأذى وأنزلته - يعني الحسين - معي في داري، وحكمته فيما يريد، وإن كان عليّ في ذلك وكف ووهن في سلطاني حفظاً لرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ورعاية لحقه وقرابته؟! لعن اللّه ابن مرجانة فقد بغضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة، فبغضني البَرُّ والفاجر بما استعظم الناس في قتلي حسيناً، مالي ولابـن مرجانة لعنه اللّه وغضب عليه (4).
وأكبر الظن أنّه إنّما قال ذلك ليبرئ نفسه من المسؤولية أمام المسلمين، ولو كان نادماً في قرارة نفسه لانتقم منه وعزله، ولما شكره وأجزل له العطاء وقربه، فقد روى البلاذري أنّ يزيد كتب إلى ابن زياد:
أما بعد، فزد أهل الكوفة أهل السمع والطاعة في أعطياتهم مائة مائة» (5)
وذلك مما يدل على رضاه وعدم ندمه فيما اقترفه.
قال الدكتور طه حسين في (الفتنة الكبرى:): «والرواة يزعمون أن يزيد تبراً من قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وألقى عبء هذا الإثم على ابن مرجانة عبيد اللّه بن زياد، ولكنّا
لا نراه لام ابن زياد ولا عاقبه ولا عزله عن عمله كلّه أو بعضه، ومن قبله قتل معاوية حجر بن عدي وأصحابه ثمّ ألقى عبء قتلهم على زياد، وقال: حملني ابن سمية فاحتملت» (1).
وسخط المسلمون وغيرهم أشدّ ما يكون السخط على يزيد على قتله لريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وقد أنكر عليه جمع من الأحرار، وفيما يلي بعضهم:
وكان في مجلس يزيد ممثل ملك الروم، فلمّا رأى رأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين يديه بهر من ذلك وراح يقول له: رأس من هذا؟
رأس الحسين.
من الحسين؟
ابن فاطمة.
من فاطمة؟
بنت رسول اللّه.
نبيكم؟!
نعم.
1) الفتنة الكبرى، علي وبنوه (ضمن المجموعة الكاملة): 4: 670
وفزع من ذلك وصاح به: تباً لكم ولدينكم، وحق المسيح إنّكم على باطل، إنّ عندنا في بعض الجزائر ديراً فيه حافر حمار ركبه المسيح فنحن نحج إليه في كل عام من مسيرة شهور وسنين، ونحمل إليه النذور والأموال، ونعظمه أكثر مما تعظمون كعبتكم، أي لكم» (1).
ثمّ قام من عنده وهو غضبان قد أفزعه ذلك المنظر الرهيب.
وكان حبر يهودي في مجلس الطاغية، فلمّا خطب الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خطبته البليغة التي أثارت الحماس وأيقظت المجتمع، التفت الحبر إلى يزيد قائلاً: من هذا الغلام؟
علي بن الحسين.
من الحسين؟
ابن علي بن أبي طالب.
مَن أُمِّه؟
بنت محمّد.
يا سبحان اللّه ! هذا ابن بنت نبيكم قتلتموه، بئسما خلفتموه في ذريته، فواللّه لو ترك نبينا موسى بن عمران فينا سبطاً لظننت أنا كنا نعبده من دون ربنا، وأنتم فارقكم نبيكم بالأمس فوثبتم على ابنه وقتلتموه، سوءة لكم من أُمّة.
وغضب الطاغية وأمر به فوجئ (2)في حلقه، فقام الحبر وقد رفع عقيرته قائلاً:
إن شئتم فاقتلوني، إنّي وجدت في التوراة من قتل ذرية نبي فلا يزال ملعوناً أبداً ما بقي، فإذا مات أصلاه اللّه نار جهنم (1).
وتوالت صيحات الإنكار على يزيد، وكان ممن أنكر عليه قيصر ملك الروم، فقد كتب إليه: قتلتم نبياً أو ابن نبي (2).
ومن الناقمين على يزيد رأس الجالوت، فقد قال لمحمّدبن عبد الرحمن إن بيني وبين داود سبعين أباً، وإن اليهود تعظمني وتحترمني، وأنتم قتلتم ابن بنت نبيكم (3).
ولما جيء برأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الشام كان الصحابي وائلة بن الأسقع هناك فتميّز غيظاً، فالتقى به رجل من أهل الشام، فاندفع يقول: لا أزال أُحبّ علياً والحسن والحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفاطمة أبداً بعدما سمعت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) يقول فيهم ما قال.
قال: ما قال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فيهم؟
فقال: جئت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وهو في منزل أُم سلمة، فجاء الحسن فأجلسه على فخذه اليمنى وقبله ثم جاء الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأجلسه على فخذه اليسرى وقبّله،
ثم جاءت فاطمة فأجلسها بين يديه، ثم دعا بعلي فجاء، وجعل عليهم كساء خيبرياً كأني أنظر إليه، ثمّ قال: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِرَكُم تَطهيراً (1)» (2).
ومن أشدّ الناقمين على يزيد عبداللّه بن عباس، فقد كتب إليه يزيد يستميل وده ويطلب منه مؤازرته على ابن الزبير، فكتب إليه ابن عباس هذه الرسالة:
«أما بعد، فقد جاءني كتابك، فأما تركي بيعة ابن الزبير فواللّه ما أرجو بـذلك برك ولا حمدك؛ لكنّ اللّه بالذي أنوي، عليم، وزعمت أنك لست بناس برّي، فاحبس أيها الإنسان برك عنّي فإنّي حابس عنك برّي، وسألت أن أحبب الناس إليك، وأبغضهم وأُخذَلهم لابن الزبير فلا ولا سرور ولا كرامة، كيف وقد قتلت حسيناً وفتيان عبد المطلب مصابيح الهدى ونجوم الأعلام؟! غادرتهم خيولك بأمرك في صعيد واحد مرمّلين بالدماء، مسلوبين بالعراء، مقتولين بالظماء، لا مكفّنين ولا موسدين، تسفي عليهم الرياح، وينشئ بهم عرج البطاح، حتى اللّه لهم بقوم لم يشركوا في دمائهم كفنوهم وأجنّوهم (3)، ويي واللّه ويهم عززت وجلست مجلسك الذي جلست.
فما أنسى من الأشياء فلست بناس اطّرادك حسيناً من حرم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) إلى حرم اللّه، وتسييرك الخيول إليه، فما زلت بذلك حتى أشخصته إلى العراق فخرج
خائفاً يترقب، فنزلت به خيلك عداوة منك لله ولرسوله ولأهل بيته الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فطلب إليكم الموادعة وسألكم الرجعة فاغتنمتم قلة أنصاره واستئصال أهل بيته، وتعاونتم عليه كإنّكم قتلتم أهل بيت من الترك والكفر، ء أعجب عندي من طلبتك ودّي وقد قتلت ولد أبي، وسيفك يقطر من دمي، وأنت أحد ثاري، ولا يعجبك أن ظفرت بنا الي-وم فلنظفرن بك يوماً، والسلام» (1).
فلا شيء وحفلت هذه الرسالة باتهام يزيد بأنّه الذي أشخص الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى العراق ليقتله، وأنّه لم يخرج إلا لمطاردة جيوش يزيد في المدينة وفي مكة، ولم يكن خروجه إلى العراق استجابة منه لأهل الكوفة، وإنّما أرغمته جيوش يزيد على ذلك.
وهناك رسالة من يزيد إلى ابن الحنفية واجتماعه به وما دار بينهما ذكرها الخوارزمي (في مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)) (2).
ومن المنكرين على الأمويين عبد اللّه بن الزبير بقتلهم للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد خطب في مكة فقال: «إن أهل العراق غدر فجر، وإن أهل الكوفة شرار أهل العراق، وأنّهم دعوا حسيناً لينصروه ويولّوه عليهم، فلمّا قدم عليهم ثاروا عليه فقتلوه، وقالوا له: أما أن تضع يدك في أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد بن سمية فيمضي فيك حكمه، وأما أن تحارب؛ فرأى واللّه أنّه هو وأصحابه قليل في كثير، وإن كان اللّه عزّ وجلّ لم يطلع على الغيب أحداً أنّه مقتول، ولكنّه اختار الميتة الكريمة على
الحياة الذميمة، فرحم اللّه حسيناً وأخزى قاتله...» (1).
وإنّما أبدى ابن الزبير الأسى على قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تصنعاً وتقرباً لعامة المسلمين، فقد كان في قرارة نفسه مسروراً؛ لأنّه تخلّص من أعظم مناوئيه، ولو كان مؤمناً بما قاله لما أوى قتلة الحسين، فقد ركن إليه والتحق به كل من سلم من قبضة المختار كشبث بن ربعي وغيره، وقد رحب بهم وزج بهم لقتال المختار.
ومن الناقمين على يزيد في قتله الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بد اللّه بن عمر قال الشيخ المجلسي: قال العلامة (رحمة الله): روى البلاذري قال: لما قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كتب عبد اللّه ابن عمر إلى يزيد بن معاوية: أما بعد، فقد عظمت الرزيّة، وجلّت المصيبة، وحدث في الإسلام حدث عظيم، ولا يوم كيوم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فكتب إليه يزيد: أما بعد، يا أحمق، فإنّنا جئنا إلى بيوت منجدة وفرش ممهدة ووسائد منضّدة فقاتلنا عنها، فإن يكن الحق لنا فعن حقنا قاتلنا، وإن يكن الحق لغيرنا فأبوك أوّل مَن سنّ هذا وابتز واستأثر بالحق على أهله (2).
نقل البلاذري عن ابن أبي نعيم قال: سأل رجل ابن عمر عن دم البعوض يصيب المحرم، فقال له: من أين أنت؟ قال: أنا من أهل العراق، قال: واعجباً من قوم يسألون عن دم البعوض وقد سفكوا دم ابن بنت نبيّهم (3).
ومن المنكرين على يزيد الصحابي أبو برزة الأسلمي حينما رآه ينكت بمخصرته
رأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد أشرنا إلى حديثه في البحوث السابقة.
ومن الناقمين على الحكم الأموي الحسن البصري فأنّه حينما بـلغه مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكى وانتحب، وقال: واحسرتاه ماذا لقيت هذه الأمة؟! قَتَلَ ابن دعيها ابن نبيّها، اللّهم كن له بالمرصاد وَسَيَعلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (1).
وذكر أن الربيع مكث عشرين سنة لا يتكلم إلى أن قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسمعت منه كلمة واحدة. قال لما بلغه ذلك: أوقد فعلوها؟! ثم قال: قُل اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّماوَاتِ وَالأَرضِ عَالِمَ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَينَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَختَلِفُونَ (2)، ثمّ عاد إلى السكوت حتى مات (3).
وتفاقم الأمر على يزيد، وتوالت عليه صيحات المنكرين، فقد نقمت عليه أسرته، ومن بينها:
وكان من أشدّ المنكرين عليه يحيى بن الحكم، فقد نقده في مجلسه، وقد دفع يزيد في صدره وأوعز إلى شرطته بإخراجه، وقد ذكرنا نص كلامه فيما تقدّم.
وأنكرت عليه عاتكة ابنته حينما أرسل الرأس إلى حرمه ونسائه فأخذته عاتكة فطيبته، وقالت: رأس ابن عمي، وقد أشرنا إلى كلامها في البحوث السابقة.
وكانت هند بنت عبداللّه بن عامر في بيت أمير المؤمنين علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حين قتل أبوها عبد اللّه في حروب المسلمين وربّاها علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى كبرت، ثم صارت بعد قتله في بيت ابنه الحسن(عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثمّ زوّجها معاوية لابنه يزيد (1)، وقد نقمت هند هذه على زوجها يزيد فقد فزعت إلى مجلسه وهي مذعورة وقد رفعت صوتها: رأس ابن بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) على باب دارنا!
فأسرع إليها الطاغية، وأسدل عليها حجابها، وقال لها: فاعولي عليه يا هند وابكي على ابن بنت رسول اللّه وصريحة قريش عجل عليه ابن زياد (2).
وذكر السيد هاشم معروف في كتابه (سيرة الأئمة): أن معاوية بن يزيد بكى بكاءً شديداً ولما سئل عن سبب بكائه وحزنه، قال: لا أبكي على ما فات وإنّما أبكي كمداً على ما سيأتي على بني أُميّة (3).
ونقم معاوية على أبيه يزيد كما نقم على جده معاوية، وقد رفض الخلافة وزهد في الحكم، وقد خطب في أهل الشام فندد في جده وأبيه، وقال: ألا إنّ جدّي
معاوية نازع الأمر من كان أولى به منه لقرابته من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وقديمه وسابقته، أعظم المهاجرين قدراً، وأولهم إيماناً، ابن عم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وزوج ابنته، جعله لها بعلاً باختياره لها، وجعلها له زوجة باختيارها له، فهما بقية رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) خاتم النبیّين، فركب جدّي منه ما تعلمون، وركبتم معه ما لا تجهلون، حتى أتته منيته فصار في قبره رهيناً بذنوبه وأسيراً بجرمه، ثمّ قلّد أبي الأمر فكان غير أهل لذلك، وركب هواه وأخلفه الأمل، وقصر عنه الأجل، وصار في قبره رهيناً بذنوبه وأسيراً بجرمه.
ثم بكى وقال: إن من أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه، ويئس منقلبه، وقد قتل عترة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) و أباح الحرم وخرب الكعبة (1).
وتهدّم ملك آل أبي سفيان على يد معاوية بن يزيد، وما كان ينشده جده من استقرار الملك ودوامه في بيته، فقد نسف قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لجميع ما أسسه معاوية وبناه يزيد، فقد أحلّ ملكهم دار البوار.
ويقول المؤرخون: إنّ بني أمية قد قامت قيامتهم على أثر خطاب معاوية الذي فضح فيه جده وأباه، فعمدوا إلى مؤدبه عمر المقصوص فقالوا له: أنت علمته هذا، ولقنته إياه وصددته عن الخلافة وزينت له حبّ عليّ وأولاده، وحملته على ما وسمنا به من الظلم، وحسّنت له البدع حتى نطق بما نطق، وقال بما قال.
فأنكر عمر ذلك، وقال: واللّه ما فعلته ولكنّه مجبول ومطبوع على حبّ عليّ، فلم يقبلوا ذلك منه وأخذوه فدفنوه حيّاً (2).
وقال عمر بن عبدالعزيز: لو كنت ممن قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقيل لي: ادخل الجنة لما دخلتها خشية أن يراني رسول اللّه(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
وحاول بعض المتعصبين لبني أمية قديماً وحديثاً تنزيه يزيد وتبريره من قتله لريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) والقاء التبعة والمسؤولية على ابن مرجانة، وقد دعاهم لذلك الجهل والعصبية العمياء التي حرفتهم عن الحق وألقتهم في شرّ عظيم، ومن بين هؤلاء:
وعظم حظ يزيد عند ابن تيمية، فكان من أصلب المدافعين عنه، فأنكر أن يكون قد أمر بقتل الحسين وبالغ بحرارة في الدفاع عنه، وقال: «فيزيد لم يأمر بقتل الحسين، ولا حمل رأسه بين يديه، ولا نكت بالقضيب على ثناياه، بل الذي جرى هذا منه هو عبيد اللّه بن زياد، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري، ولا طيف برأسه فى الدنيا، ولا سبي أحد من أهل الحسين» (1).
وهذا القول ممّا يدعو إلى السخرية والاستهزاء به، فقد تنكر للضرورات التي لا يشك فيها كل من يملك وعيه واختياره، فقد أعرض عن جميع ما ذكره المؤرخون من اقتراف يزيد لهذه الجريمة النكراء التي لا يقره عليها من يحمل وعياً دينياً أو روحاً إسلامية.
وقد عرف ابن تيمية بالتعصب المقيت حتى أعرض عن آرائه كل باحث حرّ
1) سؤال في يزيد بن معاوية/ابن تيمية: 16
وكاتب في التاريخ والبحوث الإسلامية.
ومن المؤسف أن الغزالى قد هام حباً بيزيد، وغالى في الإخلاص له والدفاع عنه، فقال: «ما صح قتله - يعني يزيد للحسين - ولا أمره به - يعني لم يأمر يزيد بن مرجانة بقتله - ولا رضاه بذلك، ومتى لم يصح) عنده لم يجز أن يظن ذلك به، فإنّ إساءة الظن بالمسلم حرام، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ) تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ (1)» (2).
وسفّ الغزالي في كلامه على غير هدى، فقد تنكّر للبديهيات كما تنكر لها زميله ابن تيمية، فهؤلاء المؤرخون أجمعوا على أنّ يزيد هو الذي أوعز لابن مرجانة بقتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وشدد عليه في ذلك، وهدده بنفيه من آل أبي سفيان والحاقه بجدّه عبيد الرومي إن لم يخلص في حربه للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والواقع الذي لا مراء فيه أن يزيد أمر بالقتل وابن زياد سمع وأطاع فجمع وجند وابن سعد قاد وباشر.
وعرف ابن العربي بالبغض والكراهية لأهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)، وقد ذهب إلى أن يزيد إمام زمأنّه وخليفة اللّه في أرضه، وخروج الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يه كان غير مشروع، وأنّ الحسين قتل بشريعة جده (3).
إن خروج الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى يزيد غير مشروع في نظر ابن العربي، فماذا يقول في خروج معاوية على الخليفة الشرعي عليّ بن أبي طالب؟! وقد بايعه الذين
بايعوا الخلفاء الثلاثة من المهاجرين والأنصار، ولا أدري كيف تمت البيعة ليزيد؟! فقد استعمل معاوية في سبيلها الوعد والوعيد والإرهاب والترغيب بكل ما أُوتي من الدهاء والأعوان.
حفنة من التراب عليه وعلى كل منحرف عن الحق وضال عن الطريق. بأي منطق كان يزيد القرود والفهود إمام المسلمين وخليفة اللّه في الأرض، أبقتله لسيد شباب أهل الجنة، أم بإباحته لمدينة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وحرقه للكعبة كان إماماً للمسلمين؟! وقد سمع عمر بن عبد العزيز شخصاً وصف يزيد بأمير المؤمنين فأمر بضربه عشرين سوطاً (1).
إن الدفاع عن يزيد وإضفاء الشرعية على حكومته، وتبريره من الإثم في قتله الريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) إنما هو دفاع عن المنكر، ودفاع عن الباطل، فيزيد وأمثاله من حكام الأمويين والعباسيين هم الذين عملوا على تأخير المسلمين وجروا لهم الفتن والخطوب وألقوهم في شرّ عظيم.
وانكر ابن حجر الهيتمي رضا يزيد أو أمره بقتل الحسين (2)، وقد ساقته العصبية العمياء إلى هذا القول الذي يتنافى مع البديهيات من أنّ ابن مرجانة كان مجرد آلة من دون أن يكون له أي رأي أو إرادة في قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد قال لمسافر ابن شريح اليشكري: أما قتلي الحسين فأنّه أشار عليّ يزيد بقتله أو قتلي فاخترت قتله (3)، فلم يقدم ابن زياد على قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها إلا بعد أن هدده يزيد بالقتل
إن لم يستجب له.
ودافع أنيس زكريا النصولي بحرارة عن يزيد، فقال: «لا شك أن يزيد لم يفكر البتة بقتل الحسين، ولم يأمل أن تتطور المسألة العلوية فتلعب هذا الدور المهيب، ويقدم ابن زياد للفتك به» (1).
وممن نزّه يزيد الدكتور محمّدالنجار فقال: «ولا يتحمّل يزيد بن معاوية شيئاً من هذه التبعة - يعني تبعة قتل الحسين - لأنّه على الرغم من أن تأريخه ملطخ بالسواد إلّا أنّه - فيما يبدو - بريء من تهمة التحريض على قتل الحسين» (2).
إنّ دفاع هؤلاء عن سيدهم يزيد كان مبعثه الروح الدموية المترعة بها نفوسهم، والحقد العارم لذرية رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
ومن أصلب المدافعين عن يزيد في هذا العصر محمّدعزّة دروزة، فقد أشاد بيزيد ونزهه من هذه الجريمة، كما نفى المسؤولية عن ابن زياد وسائر القوات المسلحة التي قتلت الحسين، وألقى باللائمة على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: «وليس اللّه هناك ما يبرر نسبة قتل الحسين زيد، فهو لم يأمر بقتاله فضلاً عن قتله، وكل ما أمر به أن يحاط به ولا يقاتل إلا إذا قاتل، ومثل هذا القول يصح بالنسبة لعبيد اللّه ابن زياد، فكل ما أمر به أن يحاط به ولا يقاتل إلا إذا قاتل، وأن يؤتى به ليضع يده
في يده أو يبايع ليزيد صاحب البيعة الشرعية، بل إنّ هذا يصح قوله بالنسبة لأمراء القوات المسلحة التي جرى بينها وبين الحسين وجماعته قتال، فأنّهم ظلوا ملتزمين بما أمروا به، بل وكانوا يرغبون أشدّ الرغبة في أن يعافيهم اللّه من الابتلاء بقتاله فضلاً عن قتله، ويبذلون جهدهم في إقناعه بالنزول على حكم ابن زياد ومبايعة يزيد، فإذا كان الحسين أبى أن يستسلم ليدخل فيما دخل فيه المسلمون وقاوم بالقوة فمقابلته وقتاله من الوجهة الشرعية والوجهة السياسية سائغاً» (1).
ويرى دروزة أن قتل ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وسيد شباب أهل الجنة كان سائغاً من الوجهة الشرعية والوجهة السياسية.
لا أكاد أعتقد أن السفاكين الجلادين من قتلة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أكثر حقداً وعداء هذا الإنسان الذي ران الباطل على ضميره فماج في تيارات سحيقة من عليه من المنكر والإثم.
ويرى طه حسين أن يزيد مسؤول عن إراقة دماء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وليس من الصحيح القول بأنّ تبعة هذه الجريمة ملقاة على ابن مرجانة، قال: «والرواة يزعمون أن يزيد تبراً من قتل الحسين هذا النحو فألقى عبء هذا الإثم على ابن مرجانة عبيد اللّه بن زياد، ولكنا لا نراه لام ابن زياد ولا عاقبه، ولا عزله عن عمله كله أو بعضه، ومن قبله معاوية قتل حجر بن عدي وأصحابه، ثم ألقى عبء قتلهم على زياد وقال: حملني ابن سمية فاحتملت» (2).
إنّ ابن زياد لم يفعل ما فعل إلا بأمر قاطع من يزيد، ولو كان لم يرض بذلك لحاسبه على جريمته وما جلس وإياه في مجلس الشراب، ولما أجزل له في العطاء فإنّ ذلك يدلّ على رضاه بقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و عدم ندمه على مرارة المذبحة وهول الجناية.
وقال طه حسين في كتاب (الأدب والنقد): «أمّا يزيد فقد كان صورة لجده أبي سفيان، كان رجل عصبية وقوة وفتك وسخط على الإسلام، وما سنه للناس من السنن» (1).
قال التفتازاني: «اتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين أو أمر به أو أجازه أو رضي به... والحق أنّ رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) مما تواتر معناه، وإن كان تفصيله أحاداً، فنحن لا نتوقف في شأنّه بل في كفره لعنة اللّه عليه وعلى أنصاره وأعوأنّه» (2).
ويقول العلامة اليافعي: «وأما حكم من قتل الحسين أو أمر بقتله ممن استحل ذلك فهو كافر» (3).
وأفتى أحمد بن حنبل بالإمساك عن لعن يزيد، يقول أبو طالب: سألت أحمد
عمّن نال من يزيد بن معاوية فقال: لا تتكلم في هذا، قال النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ): لعن المؤمن كقتله (1). ومن الغريب هذه الفتيا فقد جعل مدركها الحديث النبوي وهو لا ينطبق على يزيد، فأنّه لا نصيب له من الإيمان والإسلام بعد اقترافه للجرائم الفظيعة كإبادة العترة الطاهرة، وإباحة مدينة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وحرق الكعبة المقدّسة، فإنّ كل واحدة من هذه الموبقات تخرجه من حضيرة الإسلام.
وقد أنكر على أحمد ولده صالح فقد قال له: إن قوماً ينسبونا إلى تولي يزيد؟
فقال له: وهل يتولى يزيد أحد يؤمن باللّه؟
فقال له ولده: ولم لا تلعنه؟
قال: ومتى رأيتني لعنت أحداً؟
فقال: يا أبةٍ، ولمَ لا يُلعن من لعنه اللّه في كتابه؟
قال: وأين لعن اللّه يزيد؟
فقال: في قوله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُم إِنْ تَوَلَّيْتُم أَن تُفْسِدُوا فِى الأَرْضِ وتُقَطِّعُوا أَرحَامَكم * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ (2)، فهل يكون فساد أعظم من القتل؟! وأمسك أحمد عن الجواب (3).
وأصدر المعتضد العباسي كتاباً نشر فيه مخازي بني أمية، وأشاد فيه بـآل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وأمر بإذاعته ونشره في النوادي الحكومية والشعبية والمجتمعات العامة أيام الجمعات والأعياد، وقد جاء فيه مما يخص يزيد:
ولمّا تكن الخلافة إلى يزيد طلب متحفزاً يطلب بثأر المشركين من المسلمين، فأوقع بأهل المدينة وقعة الحرّة، الوقعة التي لم تمرّ على البشرية مثلها، ولا على المسلمين أفضع وأبشع منها، فشفا عند نفسه غليله، وظنّ أنّه انتقم لأشياخه من أولياء اللّه، وبلغ الثأر لأعداء اللّه والرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
وأضاف يقول: ثمّ إنّ أغلظ ما انتهك وأعظم ما اجترم سفكه لدم الحسين بن علي علمه بموقعه من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وسماعه منه أنّه قال: «الْحَسَنُ والحسين رَبْحانَتايَ مِنَ الدُّنْيا»، «الحَسَنُ والحسين سَيْدا شَبابِ أَهلِ الجَنَّةِ»، اجتراء منه على ورسوله وعداوة منه لهما، فما خاف من عمله ذلك نقمة ولا راقبه في معصية (1).
لقد كان قتل ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) من أعظم الأحداث الجسام التي روّع بها المسلمون وامتحنوا بها امتحاناً شاقاً وعسيراً، كما أنّها من أفجع الأحداث العالمية، فقد كانت القسوة التي قوبلت بها عترة النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) من أفظع ما جرى في تاريخ العالم.
فقد مارس أُولئك الجفاة الممسوخون من جيش يزيد جميع ضروب الخسّة وألوان اللؤم، وتنكّروا لجميع القيم الإنسانية والأعراف السائدة، وما قننه الناس من معاني الفضيلة والأخلاق، فقتلوا الرجال والأطفال والنساء بعد أن حرموهم من الماء، ومثّلوا بتلك الجثث الزواكي، وحملوا الرؤوس الطاهرة على الحراب، وسبوا ودائع الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) على أقتاب الجمال يطاف بهنّ في الأقطار والأمصار؛ ليظهر الطاغية قهره لآل النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وتغلّبه عليهم، وكل هذه الأحداث جرت بأمره والحاحه، فهو المسؤول عنها.
أمّا ابن زياد فلم يكن سوى آلة وأداة بيده، ومنفذ لرغباته كما دللنا على ذلك في البحوث السابقة.
إن تنزيه يزيد، وإلقاء المسؤولية على ابن مرجانة ما هو إلّا لون من ألوان
1) شرح نهج البلاغة/ابن أبي الحديد: 15: 178
الانحراف عن الحق، والانقياد للعصبية العمياء التي لا يخضع لها من يملك وعيه واختياره.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عما قيل في تبرير يزيد من المخاريق والأباطيل، وما أُثر من الأعلام في تجريم يزيد وتحميله المسؤولية في إراقة دم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
ولم يطل مكث أهل البيت في دمشق، فقد خشي يزيد من وقوع الفتنة، واضطراب الرأي العام، ووقوع ما لا تحمد عقباه، فقد أحدث خطاب العقيلة زینب (عَلَيها السَّلَامُ) و خطاب الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) انقلاباً فكرياً في جميع لا الأوساط، فقد أثارت تلك الخطب المشرقة العقول، وأثارت العواطف وأصبحت حديث الأندية والمجالس فكانت تغلي كالحمم على تلك الدولة الغاشمة وهي تنذر بانفجار شعبي يكتسح دولة يزيد، فقد عرفت أهل الشام لؤم يزيد، وخبث عنصره، وقلبت الرأي العام عليه، فَجُوبِه بالنقد حتى في مجلسه، وسقط اجتماعياً وذهبت مكانته من النفوس.
ودعا الطاغية الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأبدى له معاذيره، وألقى المسؤولية في هذه الجريمة على ابن مرجانة قائلاً: لعن اللّه ابن مرجانة، أما واللّه لو أنّي صاحبه ما سألني خصلة أبداً إلا أعطيته إياها، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن قضى اللّه ما رأيت. يا بني، كاتبني بكل حاجة تكون لك، وأنّه سيكون في قومك أُمور فلا تدخل معهم (1).
1) إعلام الوری: 1: 475 و 476. تاريخ الأمم والملوك: 4: 656. الكامل في التاريخ: 3: 300 البداية والنهاية: 8: 197 سير أعلام النبلاء: 3: 320. تذهیب التهذيب:1: 157
وأعرض عنه الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلم يجبه بشيء، فقد عرف واقع اعتذاره، وأنّه كان تهرّباً مما لحقه من العار والخزي.
وأمر الطاغية بأنطاع من الإبريسم ففرشت في مجلسه، وصبّ عليها أموالاً كثيرة، وقدمها لآل البيت لتكون دية لقتلاهم، وعوضاً لأموالهم التي نهبت في كربلاء، فقال: خذوا هذا المال عوض ما أصابكم.
إلا أنّ الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبي وأصر على يزيد بأن يعاد إليهم ما سلب منهم، وكان عجيباً منه أن يهتم بما سلب منهم بعد الذي جرى عليهم، ورفض عوضها، وقال: «وَإِنَّما طَلَبْتُ مِنْكَ ما أُخِذَ مِنَا؛ لِأَنَّ فِيْهِ مِغْزَلَ فَاطِمَةَ بِنْتِ محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَمِقْنَعَتَها وِقِلَادَتَها وَقَمِيصَها»، فعند ذلك أدرك يزيد إصرار الإمام السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) على هذا الطلب، فأمر برد ذلك (1).
والتاعت شقيقة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) السيدة أم كلثوم وتميزت غيظاً فصاحت. به، وقالت: ما أقلّ حياءك، وأصلف وجهك، تقتل أخي وأهل بيتي وتعطيني عوضهم (2). وقالت سكينة: واللّه ما رأيت أقسى قلباً من يزيد، ولا رأيت كافراً ولا مشركاً شرّاً منه، ولا أجفى منه (3).
وباء يزيد بالفشل، فقد حسب أن أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) تغريهم المادة، ولم يعلم أنّهم الهلال من صنائع اللّه قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
وعرض الطاغية على الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن يعرض عليه حاجته فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): أُرِيدُ مِنْكَ أَنْ تُرِينِي وَجْهَ أَبِي، وَأَن تُعِيدَ عَلَى النِّساءِ مَا أُخِذَ مِنْهُنَّ فَفِيها مَوَارِيثُ الْآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ، وَإِذا كُنتَ تُرِيدُ قَتْلِي فَأَرْسِلْ مَعَ الْعِيالِ مَنْ يُؤَدِّي بِهِنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ (1).
وأكبر الظن أن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما أراد من رؤية رأس أبيه أن يعطيه الرأس الشريف ليواريه، ولكن الطاغية لم يجبه إلى ذلك، فقد أمر أن يطاف به في جميع أنحاء البلاد لإشاعة الذعر والفزع بين الناس، وحتى يكون عبرة لكل من يخرج عليه، وأما طلبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأن يعيده على النساء ما أخذ منهن فلم يرد بذلك الحلي والحلل وغيرها من الأموال التي نهبت منهن في يوم كربلاء، وإنّما أراد أن يردّ عليهم المواريث النفيسة التي ورثوها من جدهم رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) عمامته ودرعه وسيفه، وغير ذلك مما هو أثمن من المال.
وأطرق الطاغية برأسه إلى الأرض يفكر في طلب الإمام زين العابدين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثمّ رفع رأسه وقال له: أمّا وجه أبيك فلن تراه، وأمّا ما أخذ منكم فيرد إليكم، وأمّا النسوة فلا يردّهنّ غيرك، وقد عفوت عن قتلك (2).
وعهد الطاغية إلى النعمان بن بشير أن يقوم برعاية ودائع رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)،
وانتهت أنباء الكارثة الكبرى إلى يثرب قبل وصول السبايا إليها، وقد حمل النبأ عبد الملك بن الحارث السلمي بأمر من ابن زياد، وقد أخذ يجد في السير حتى انتهى إليها، وقد أعياه السفر فأسرع إلى حاكم المدينة عمرو بن سعيد الأشدق، وقد لقيه رجل فرابه ما هو فيه من الارتباك فأسرع إليه قائلاً: ما الخبر؟
قال: الخبر عند الأمير.
وفطن الرجل لهول الأمر فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قتل واللّه الحسين. صدقت أُم سلمة بما نبأت به.
ووافی رسول ابن زیاد حاكم المدينة فأخبره بمقتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاهتز فرحاً وسروراً وراح يقول: واعية بواعية عثمان.
وأمر الأشدق بإذاعة ذلك بين الناس فهرعوا وقد علاهم البكاء نحو الجامع النبوي ليتعرفوا على تفصيل الحادث الأليم (3).
واعتلى الطاغية عمرو بن سعيد الأشدق أعواد المنبر وهو يهزّ أعطافه مسروراً بقتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد أظهر أحقاده وأضغأنّه، فقال: أيُّها الناس، أنّها لدمة
بلدمة، وصدمة بصدمة، كم خطبة بعد خطبة حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَمَا تُغْنِي النُّذُرُ (1)، واللّه لوددت أن رأسه في بدنه، وروحه في جسده. أحياناً كان يسبنا ونمدحه، ويقطعنا ونصله؛ كعادتنا وعادته ولم يكن من أمره ما كان، ولكن كيف نصنع بمن سلّ سيفه علينا يريد قتلنا إلا أن ندفعه عن أنفسنا؟!
وقطع عليه عبداللّه بن السائب خطابه الذي أظهر فيه الشماتة بقتل ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فقال له: لو كانت فاطمة حيّة ورأت رأس الحسين بكت عليه.
وكان هذا الاستنكار بداية نقد يجابه به والي المدينة وهو يخطب، وقد لذعه نقده فصاح به: نحن أحق بفاطمة منك؛ أبوها عمنا، وزوجها أخونا، وأُمها ابنتنا، ولو كانت فاطمة حيّة لبكت عينها، وما لامت من قتله (2).
وقد شدّ الأشدق في قوله عن جميع الأعراف الاجتماعية، فقد زعم أنّ فاطمة لو كانت حية لما لامت قاتل ولدها، بل من المؤكد عنده أنّها تبارك القاتل الأثيم؛ لأن بذلك دعماً للحكم الأموي وبسطاً لسلطأنّهم الذي يحمل جميع الاتجاهات الجاهلية.
إنّ فاطمة لو كانت حيّة وشاهدت فلذة كبدها على صعيد كربلاء وهو يعاني من الخطوب والكوارث التي لم تجر على أي إنسان لذابت نفسها حسرات.
وقد روى عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) أنّه قال: «تُحْشَرُ ابْنَتِى فاطِمَةُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمَعَها ثِيابٌ مَصْبُوغَةٌ بِدَمٍ فَتَتَعَلَّقُ بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِ الْعَرْشِ، فَتَقُولُ: يَا عَدْلُ أَحْكُمْ بَيْنِي وَبَيْنَ قاتِلِ وَلَدِي، فَيَحْكُمُ لِابْنَتِي وَرَبِّ الْجَنَّةِ» (3).
ووقع النبأ المؤلم بقتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كالصاعقة على رؤوس الهاشميين، فقد علا الصراخ والعويل من بيوتهم، وخرجت السيدة زينب بنت عقيل(1)ناشرة شعرها، وهي تصيح: وامحمّد اه، واحسيناه، وا إخوتاه وا أهيلاه.
وجعلت تنظم ذوب روحها بأبيات تخاطب بها المسلمين قائلة:
ماذا تَقُولُونَ إِن قالَ النبیّ لَكُمْ *** ماذا فَعَلْتُمْ وأَنْتُمْ آخِرُ الأُمَم
بِأَهلِ بَيْتِي وَأَنْصارِي أَمَا لَكُمْ *** عَهْدٌ كَرِيمٌ أَمَا تُوفُونَ بِالذِّمَمِ
ذُرِّيَتِي وَتَنُو عَمِّي بِمَضيعَةٍ *** مِنهُم أُسارى وَقَتلى ضُرَّجُوا بِدَمِ
مَا كَانَ هذَا جَزائِي إِذْ نَصَحْتُ لَكُمْ *** أَنْ تَخلُفُونِي بِسُوءٍ فِي ذَوِي رَحِمِي (2)
فأجابها أبو الأسود وهو غارق في البكاء والشجون، نقول: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ (3).
وعلاه الجزع وراح يقول:
أَقُولُ وَزادَنِي حَنَقاً وَغَيظاً *** أَزَالَ اللّهُ مُلْكَ بَنِي زِيادٍ
وَأَبَعَدَهُمْ كَما غَدَرُوا وَحَانُوا ***كَما بَعدَتْ ثَمُودُ وَقَومُ عادٍ
1) زينب بنت عقيل تزوّجت بعلي بن ركانة من بني عبد المطلب أولدت منه ولداً، ومن بناتها عبدة، وهي أُمّ أبي البختري القاضي المشهور - أنساب الأشراف: 3: 421
2) أنساب الأشراف: 3: 420. تاريخ مدينة دمشق: 19: 178 و 179. تذكرة الخواص: 240. وقد ورد الشعر في الإرشاد/المفيد: 2: 124، وروضة الواعظين: 163، أنّه لأم لقمان بنت عقيل. وفي بعض المصادر: نسبه لامرأة من بني عبدالمطلب ولم يسمه
3) الأعراف 7: 23
وَلَا رَجَعَتْ رَكَائِبُهُمْ إِلَيهِمْ *** إِذا قَفَّتْ إِلَى يَوْمِ التَّنادِ (1)
وساد البكاء، وعمّت اللوعة، وانتشر الحزن في جميع أنحاء يثرب، فلم ير أكثر باك ولا باكية من ذلك اليوم.
وأقام عبد اللّه بن جعفر(رَضِیَ اللهُ عَنهُ) المأتماً للعزاء على ابن عمه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فجعل الناس يفدون عليه يعزّونه بمصابه الأليم. ويقول المؤرخون: أنّه كان له مولى يسمى: أبا اللّسلاس فقال له: هذا ما لقينا من الحسين.
وقد حسب الغبي أنّه يتقرب إليه بذلك؛ لأنّه لولا الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما استشهد ولداه، ولما سمع ابن جعفر مقالته حذفه بنعله، قائلاً: يابن اللخناء أللحسين تقول هذا؟! واللّه لو شهدته لأحببت ألا أفارقه حتى أقتل معه، واللّه أنّه لممّا يسخّي نفسي عنهما، ويهون علي المصاب بهما أنّهما أصيبا مع أخي وابن عمّي مواسيين له صابرين معه.
وأقبل على حضار مجلسه فقال لهم: الحمد اللّه، لقد عزّ علي مصرع الحسين ألا أكن آسيت حسيناً بيدي فلقد آساه ولديّ (2).
وكان سبب تأخره عن حضور الطف ذهاب بصره.
ورزئ ابن عباس أشدّ ما تكون الرزية محنة وألماً حينما سمع بقتل الإمام
الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان في البيت الحرام فقد أسرّ إليه شخص، وعرفه بالحادث المؤلم، فذعر واسترجع فقيل له: ما حدث يا أبا العباس؟
فقال: مصيبة عظيمة نحتسبها عند اللّه.
ثم أجهش بالبكاء، وانصرف إلى منزله حزيناً كثيباً، وأقام مأتماً في بيته فأقبل عليه الناس يعزّونه بمصابه العظيم ويشاركونه الأسى واللوعة (1).
ولما جاء ناعي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مكة التقى المِسْوَر بابن الزبير، فقال المسور قد جاء ماكنت تتمنى من موت الحسين بن علي.
فراوغ ابن الزبير، وقال: يا أبا عبد الرحمن تقول لي هذا؟! فواللّه ليته ما بقي بـ (الجَمَاء) (2)حجر، واللّه ما تمنيت ذلك له.
وردّ عليه المشور: أنت اشرت عليه بالخروج إلى غير وجه.
قال: نعم، أشرت عليه ولم أدر أنّه يقتل، ولم يكن بيدي أجله، ولقد جئ ابن عباس فعزيته، فعرفت أن ذلك يثقل عليه منّي، ولو أنّي تركت تعزيته قال: مثلي يترك لا يعزيني بحسين، فما أصنع؟ أخوالي وَغِرَت صدورهم علي، وما أدري على أي شيء؟! فأسدى له المسور النصيحة، وقال له: ما حاجتك إلى ذكر ما مضى وينه؟! دع الأمور تمضي، وبرّ أخوالك فأبوك أحمد عندهم منك (3).
وذهب بعض المؤرخين إلى أن الطاغية بعث برأس ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) إلى يثرب لإشاعة الرعب والخوف، والقضاء على كل حركة ضده، وجيء بالرأس الشريف إلى حاكم المدينة عمرو بن سعيد الأشدق فأنكر ذلك وقال: وددت واللّه أنّ أمير المؤمنين لم يبعث إلينا برأسه.
وكان في مجلسه الوزغ ابن الوزغ مروان بن الحكم فصاح به بئس ما قلت هاته. وأخذ الوزغ الرأس الشريف وجعل يهز أعطافه بشراً وسروراً، وهو يقول بشماتة:
يَا حَبَّذَا بُردُكَ فِي اليَدَينِ *** وَلَونُكَ الأَحْمَرُ فِي الخدين
وجيء بالرأس العظيم فنصب في جامع الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وصرخت نساء آل أبـي طالب وهر عن إلى القبر الشريف ببكاء وعويل، فقال مروان:
عَجَّتْ نِسَاءُ بَنِي زِيَادٍ عَجَّةٌ ***كَعَجِيجِ نِسوَيْنَا غَدَاةَ الأَرنَبِ (1)
وراح مروان يبدي أفراحه حينما سمع عويل الهاشميات قائلاً: واللّه، لكأني أنظر إلى أيام عثمان (2).
والتفت إلى قبر النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) فقال له: يا محمّد، يوم بيوم بدر (3)
1) غداة الأرنب: هي وقعة كانت لبني زبيد على بني زياد من بني الحارث بن كعب، وهو بيت من قصيدة لعمرو بن معد يكرب. وأراد الأشدق أن يمثل نساء أهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) أنّهن عججن بالبكاء كعجيج نساء مشركي قريش بمصاب من قتل في بدر - تاريخ الأمم والملوك:4: 659
2) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان: 5: 101
3) شرح نهج البلاغة/ابن أبي الحديد: 4 72 وممن ذكر وصول الرأس إلى يثرب البلاذري في أنساب الأشراف: 3: 417 - 419. والقاضي النعمان المصري في شرح الأخبار:. 16 - 162:3
لقد ظهرت الأحقاد الأموية، وظهر أنّها لا تؤمن بالإسلام وأنّها محتفظة بجاهليتها الأولى، وقد استوفت ثأرها من النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بإبادتها لعترته.
وصرّحت بعض المصادر أن سبايا آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) طلبوا من الوفد الموكل بحراستهم أن يعرج بهم إلى كربلاء ليجددوا عهداً بقبر سيد الشهداء، فلبّوا طلبهم فانعطفوا إلى كربلاء، ولما انتهوا إليها استقبلت العلويات مرقد أبـي عبداللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالصراخ والعويل، وسالت الدموع كل مسيل، وقضين ثلاثة أيام بلياليها كن من أثقل الليالي وأوجعها على أهل البيت، فلم تهدأ لهم عبرة حتى بحت الأصوات وفتتت القلوب.
وتصرّح بعض المصادر أن الصحابي الجليل جابر بن عبد اللّه الأنصاري قد وفد إلى التشرف بزيارة قبر أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فالتقى به الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأخذ يحدثه عمّا جرى عليهم من صنوف الرزايا والنكبات، ثمّ غادروا كربلاء متوجهين إلى يثرب (1).
واتجه موكب أسارى أهل البيت إلى يثرب فأخذ يجد في السير لا يلوي على شيء، وقد جللته الأحزان وا(عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد غامت عيون بنات رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بالدموع وهنّ ينحن على فقد الأحبة ويذكرن بمزيد اللوعة ما جرى عليهن في الأسر من الذل والهوان.
وكانت يثرب قبل قدوم السبايا إليها ترفل في ثياب الحزن على أمّ المؤمنين
1) اللّهوف: 114. عوالم العلوم: 17: 446. مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ي/المقرم: 467. تيسير المطالب في أمالي أبي طالب: 93. الحدائق الوردية: 1: 133
السيدة أُمّ سلمة زوج النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد ماتت بعد مقتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بشهر حزناً وكمداً عليه (1)، وهي التي أنبأت الناس عن مقتله.
ولما وصل الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالقرب من يثرب نزل فضرب فسطاطه وأنزل عماته وأخواته، والتفت إلى بشر بن حذلم فقال له: يا بِشْرُ، رَحِمَ اللّهُ أَبَاكَ لَقَدْ كانَ شاعراً، فَهَلْ تَقدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ؟
قال: بلى يابن رسول اللّه إنّي لشاعر.
فقال(عَلَيهِ السَّلَامُ): ادْخُلِ الْمَدِينَةَ وَانْعَ أَبا عَبْدِ اللَّهِ.
وانطلق بشر إلى المدينة، فلمّا انتهى إلى الجامع النبوي رفع صوته مشفوعاً بالبكاء، وهو يقول:
يَا أَهْلَ يَشرِبَ لَا مُقامَ لَكُم بِها *** قُتِلَ الحسين فَأَدمُعِي مِدْرَارُ
اسْمُ مِنْهُ بِكَرْبَلاءَ مُضَرَّجٌ *** وَالرَّأْسُ مِنهُ عَلَى القَناةِ يُدارُ
وهرعت الجماهير نحو الجامع النبوي وهي ما بين نائح وصائح تنتظر من بشر المزيد من الأنباء، فالتفت إليهم وهو غارق بالبكاء قائلاً: هذا عليّ بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع عماته وأخواته قد حلّوا بساحتكم، وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكأنّه.
وعجّ الناس بالبكاء وانطلقوا مسرعين يستقبلون آل الرسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) الذي برّ بدينهم ودنياهم، وانتشر الحزن وعمّت الكآبة جميع الأوساط، فكان ذلك اليوم كما وصفه لله (المؤرخون كاليوم الذي مات فيه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) (2).
وازدحم الناس على الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهم يعزّونه بمصابه الأليم،
ويشاركونه الأسى واللوعة.
ورأى الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)اللّه أن يحدث الناس بما جرى عليهم من عظيم الرزايا والنكبات، وما عانوه من ذل الأسر والهوان، ولم يكن باستطاعته أن يقوم خطيباً فقد ألمت به الأمراض، وأنّهكته الآلام، فجيء له بكرسي فجلس عليه، فقال(عَلَيهِ السَّلَامُ):
«الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، بَارِيْ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ، الَّذِي بَعْدَ فَارْتَفَعَ فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى، وَقَرُبَ فَشَهِدَ النجوى، نَحْمُدُهُ عَلَى عَظَائِم الْأُمُورِ، وَفَجائع الدُّهُورِ، وَأَلم الفجائع وَمَضاضَةِ اللُّواذِعِ، وَجَلِيلِ الرُّزْهِ، وَعَظِيمِ الْمَصائِبِ، الفاظِعَةِ الْكاظِةِ، الفادحة الجائحة.
أَيُّهَا الْقَوْمُ إِنَّ اللّهَ تَعَالَى ابْتَلَانَا بِمَصائِبَ جَلِيلَةٍ، وَثَلْمَةٍ فِي الْإِسلَامِ عَظِيمَةٍ، قُتِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وَعِتَرَتُهُ، وَسُبِيَتْ نِساؤُهُ وَصِبْيَتُهُ، وَدارُوا بِرَأْسِهِ فِي الْبُلْدَانِ مِنْ فَوْقِ عامِلِ السِّنانِ، وَهَذهِ الرَّزِيَّةُ الَّتِي لَا مِثْلَها رَزِيَّةٌ.
أَيُّها النَّاسُ، فَأَيُّ رِجَالَاتٍ مِنْكُمْ يُسَرُّونَ بَعْدَ قَتْلِهِ؟! أَمْ أَيُّ فَؤَادٍ لَا يَحْزَنُ؟! مِنْ أَجْلِهِ؟! أَمْ أَيَّةٌ عَيْنِ مِنْكُمْ تَحْبِسُ دَمْعَهَا، وَتَضِنُّ عَنِ أنّهمالِها؟! فَلَقَدْ بَكَتِ السَّبْعُ الشَّدادُ لِقَتْلِهِ، وَبَكَتِ الْبِحَارُ بِأَمواجِهَا، وَالسَّمَاوَاتُ بِأَرْكَأنّها، وَالْأَرْضُ بِأَرْجَائِهَا، وَالْأَشْجارُ بِأَغْصَأنّها، وَالْحِيتَانُ في لُجَحِ الْبِحارِ، وَالْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ، وَأَهْلُ السَّماواتِ أَجْمَعُونَ.
أَيُّها النَّاسُ، أَيُّ قَلْبٍ لَا يَنْصَدِعُ لِقَتْلِهِ، أَمْ أَيُّ فُؤَادٍ لَا يَحِنَّ إِلَيْهِ، أَم أَيُّ
سَمْعِ يَسْمَعُ بِهَذِهِ الظُّلْمَةِ الَّتِي تُلِمَتْ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا يَصَمُّ.
أَيُّها النّاسُ، أَصْبَحْنَا مُشَرَّدِينَ مَطْرُودِينَ مَدَودِينَ شَاسِعِينَ عَنِ الْأَمْصَارِ كَأَنَّنا أَوْلَادُ تُرْكِ وَكَابُلَ مِنْ غَيْرِ جُرْمِ اجْتَرَمْنَاهُ، وَلَا مَكْرُوهِ ارْتَكَبْناهُ، وَلَا ثَلْمَةٍ فِي الْإِسْلَامِ ثَلَمْناها، ما سَمِعْنا بِهذا في آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ إِنَّ هذا إِلَّا اخْتِلَاقُ (1).
وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ النبیّ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فِي قِتالِنَا كَمَا تَقَدَّمَ إِلَيهِمْ فِي الْوَصِيَّةِ بِنا لَما زادُوا عَلَى مَا فَعَلُوا بِنا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ مِنْ مُصِيبَةٍ مَا أَعْظَمَها وَأَفْجَعَهَا، وَأَكَفِّها وَأَفْطَعَهَا، وَأَمَرَّها وَأَفْدَحَهَا فَعِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُ مَا أَصَابَنا وَما بَلَغَ فَأنّه عَزِيزٌ ذُو انْتِقام» (2).
وعرض الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خطابه إلى الخطوب السود التي عانتها الأسرة النبوية، وما جرى عليها من الظلم الهائل، وانبرى إليه صوحان بن صعصعة فألقى إليه معاذيره؛ لأنّه كان زَمِناً، فقبل الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عذره وترحم على أبيه.
ثم دخل الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع عماته وأخواته إلى يثرب وقد احتفت بـه الجماهير وقد علا منها البكاء والصراخ، ولما انتهوا إلى الجامع النبوي أخذت عقيلة آل أبي طالب بعضادتي باب المسجد، وجعلت تخاطب جدها الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) قائلة: يا جداه إني ناعية إليك أخي الحسين (3).
وخلدت بنات رسول اللّه إلى الحزن فأقمن المآتم على سيد الشهداء ولبسن
السواد وأخذن يندبنه بأقسى وأشجى ما تكون الندبة.
وشكرت العلويات رئيس الحرس الذي قام برعايتهن من دمشق إلى يثرب، فقد قام لهن بخدمات جليلة تقتضي مكافأته، فقالت فاطمة بنت الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أختها زينب: لقد أحسن هذا الرجل إلينا، فهل لك أن نصله بشيء؟
فقالت: واللّه ما معنا شيء نصله به إلا حليّنا.
فقالت لها: نعم، هو ما تقولين.
وأخرجتا سوارين ودملجين لهما وبعثتا بهما إليه، واعتذرتا في أدب، وتأثر الرجل من هذا الكرم الغامر وهو يعلم ما هنّ فيه من ضيق شديد، فردّه إليهما وقال باحترام: لو كان الذي صنعت للدنيا لكان في هذا ما يرضيني، ولكن واللّه ما فعلته إلا اللّه ولقرابتكم من رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) (1).
وخلد الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى البكاء على أبيه ليلاً ونهاراً، يقول الإمام الصادق(عَلَيهِ السَّلَامُ): «بَكَى عَلِيُّ بْنُ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أَبِيهِ الحسين بن علي عِشْرِينَ سَنَةٌ وَما وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَعَامُ إِلَّا بَكَى» (2).
وعذله بعض مواليه فقال له: إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين.
فقال له الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) برفق: يا هذا، إِنَّمَا أَشْكُو بَنّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (3).
إِنَّ يَعْقُوبَ كانَ نَبِيّاً فَغَيَّبَ اللّهُ عَنْهُ واحِداً مِنْ أَوْلَادِهِ - وَعِنْدَهُ اثْنا عَشَرَ وَلَداً - وَهُوَ يَعْلَمُ أنّه حَيٌّ فَبَكَى عَلَيْهِ حَتَّى ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ، وَإِنِّي نَظَرْتُ إِلى أَبِي وَإِخْوَتِي وَعُمُومَتِي وَصَحْبِي مَقْتُولِينَ حَوْلِي، فَكَيْفَ يَنْقَضِي حُزْنِي؟! وَإِنِّي لَأَذْكُرُ مَصْرَعَ بَنِي فاطِمَةَ إِلَّا خَنَقَتْنِي الْعَبْرَةُ، وَإِذا نَظَرْتُ إِلى عَمَانِي وَأَخَواتِي ذَكَرْتُ فِرارَهُنَّ مِنْ خَيْمَةٍ إِلى خَيْمَةٍ» (1).
وكان (عَلَيهِ السَّلَامُ) يشحذ النفوس بالحقد على الظالمين والكراهية ليزيد ويهيئها للثورة عندما يجيء وقتها، وقد ساهمت عمته زينب الكبرى (عَلَيهَا السَّلَامُ) في هذا النوع من التحرّك السياسي المغلّف بهذا اللون من الحزن المثير لعواطف الجماهير وغضبها ونقمتها على يزيد وحكومته، وخيّم على المدينة جو من القلق ينذر بتفجير الموقف بين حين وآخر، مما دعا عمرو بن سعيد الأشدق بصفته المسؤول الأول في المدينة ليزيد بن معاوية - أن يكتب إليه كتاباً يكشف له فيه ما ينجم عن مواقف العقيلة زينب بنت علي من أخطار تحيط به وبعرشه، ومما جاء فيه:
إنّ وجودها بين أهل المدينة يهيج الخواطر وهي فصيحة عاقلة لبيبة، وقد عزمت هي ومن معها على الثورة لتأخذ بثأر أخيها الحسين.
فكتب إليه في جوابه يأمره أن يضع حداً لنشاطها ويفرّق بينها وبين الناس(2).
وأخذ الشعراء ينظمون بقلوب ملؤها الحزن والألم، ويصفون تلك الديار المطهرة التي خلت من أقمارها، يقول سليمان بن قتة:
مَرَرْتُ عَلى أَبِياتِ آلِ محمّد *** فَلَمْ أَرَها أَمْثَالَها يَومَ حَلَّتِ
فَلا يُبعد اللّه الدِّيارَ وَأَهْلَها *** وَإِن أَصبَحتُ مِن أَهْلِها قَدْ تخلتِ (1)
وَإِنَّ قَتِيلَ الطَّفِ مِن آل هاشم *** أَذَلَّ رِقابَ المُسلِمِينَ فَذَلَّتِ
وَكَانُوا رَجَاءٌ ثُمَّ صارُوا رَزِيَّةً *** فَقَدْ عَظُمَتْ تِلْكَ الرّزايا وَجَلتِ (2)
وفيها يقول دعبل الخزاعي:
مدارس آياتٍ خَلَتْ مِن تِلاوَة *** وَمَنزِلُ وَحي مُقْفِرُ العَرَصات (3)
ومن الجدير بالذكر أنّ الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)قام بتسديد عدات أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد ورد عن أبي جعفر(عَلَيهِ السَّلَامُ): «إِنَّ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قُتِلَ، وَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بَاعَ ضَيْعَةً لَهُ بِثَلَاثِمَائِةِ الف دِرْهَمٍ؛ لِيَقْضِيَ بَعْضَ الشَّؤُونِ وَعِداتٍ كَانَتْ عَلَيْهِ» (4).
وحزن الهاشميون على سيد الشهداء أشدّ ما يكون الحزن واللوعة، فاستمروا في النياحة عليه ثلاث سنين، وكان المِسْوَر بن مخرمة وأبو هريرة والمشيخة من أصحاب رسول اللّه يأتون متسترين فيستمعون ندبتهم، ويبكون بكاء مراً (5).
وروي أنّه «لما قتل الحسين بـن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ) لبست نساء بـني هاشم السواد
1) أسد الغابة: 1: 499
2) اللّهوف: 120. مناقب آل أبي طالب: 4: 117. مثير الأحزان: 88. الكامل في اللغة والأدب: 1: 189. تاريخ مدينة دمشق: 14: 259 و 260 مروج الذهب: 3: 64. تهذيب الكمال: 6 447 مقاتل الطالبيين: 120
3) دیوان دعبل بن علي الخزاعي: 131. الأغاني: 20: 115
4) وسائل الشيعة: 18: 322 و 323، الباب 3 من أبواب الدين والقرض، الحديث 12
5) دعائم الإسلام: 1: 230
والمسوح، وكنّ لايشتكين من حرّ ولا برد، وكان عليّ بن الحسين (عَلَيهِما السَّلَامُ) مل لهنَّ الطعام للمأتم» (1).
وخلدت عقيلة آل أبي طالب إلى البكاء والنياحة على انقراض أهلها (2)، وكانت لا تجف لها عبرة، ولا تفتر عن البكاء، وكلما نظرت إلى ابن أخيها زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) یزداد وجيبها وحزنها (3)، وقد نخبت المصائب قلبها حتى صارت كأنّها جثّة هامدة، ولم تبقّ بعد الكارثة إلا سنتين حتى سمت روحها إلى الرفيق الأعلى.
ووَجَدَتْ عليه زوجته الرباب وجداً شديداً، وحزنت عليه حزناً عميقاً، وقد أبدت من الوفاء مالم يُرَ مثله، وقد خطبها الأشراف من قريش فأبت وقالت: ما كنت لأتخذ حمواً بعد رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، ويقيت بعده سنة لم يظلّها سقف حتى ماتت كمداً (4).
ويقول المؤرخون: أنّها رثته رثاء حزيناً، فقالت فيه:
إنَّ الَّذِي كَانَ نُوراً يُستَضاءُ بِهِ *** بِكَربَلاءَ قَتِيلٌ غَيْرُ مَدفُونِ
سبطَ النبیّ جَزاك اللّه صالِحَةٌ *** عَنا وَجُنُبتَ خُسرانَ المَوازِينِ
قد كُنْتَ لِي جَبَلاً صَعْباً الُوذُ بِهِ *** وَكُنْتَ تَصحَبُنَا بِالرَّحِمِ وَالدِّينِ
مَن لِليَتامى وَمَنْ لِلسّائِلِينَ وَمَنْ *** يُعْنِي وَيَأْوِي إِلَيْهِ كُلُّ مِسْكِينٍ
وَاللّهِ لَا أَبْتَغِي صِهَراً بِصِهرِكُمْ *** حَتَّى أُغيِّبُ بَينَ الرَّملِ وَالطِّينِ(1)
ويقول بعض المؤرخين: أنّها أقامت على قبره الشريف سنة، ثم انصرفت وهي تقول:
إلى الحَولِ ثُمَّ اسمُ السَّلَامِ عَلَيكُما *** وَمَن يَبكِ حَولاً كَامِلاً فَقَدِ اعْتَذَرْ (2)
وهذا القول بعيد، فإنَّ العائلة الحسينیة بعد اليوم العاشر كلّها رحلت من كربلاء، ولم يتخلف أحد منها حسبما أجمع عليه المؤرخون.
وبلغ من وفاء أزواجه أن زوجته السيدة عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل كانت تنوح عليه، وقد رثته بذوب روحها قائلة:
وَاحُسَيناً فَلا نَسِيتُ حُسَيناً *** أقْصَدَتْهُ أَسنَةُ الأعداء
غادَرُوهُ بِكَربَلاءَ صَرِيعاً *** لا سَقَى الغَيتُ جانبي كَرَبَلاءِ (3)
وخلدت أُمّ البنين إلى البكاء والنياحة على أبنائها البررة الذين استشهدوا مع أخيهم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد نخب الحزن قلبها، وراحت تبكيهم بذوب روحها.
ويقول بعض المؤرخين: أنّها كانت تخرج إلى البقيع فتندبهم بأشجى وأوجع
1) الأغاني: 16: 105
2) تاريخ مدينة دمشق: 69: 119 و 120. البداية والنهاية: 8: 212، وهو بيت من قصيدة للبيد العامري، وقد تمثلت به الرباب. وقيل: تمثلت به فاطمة بنت الحسين (عَلَيهِما السَّلَامُ) عند وفاة زوجها الحسن بن الحسن (عَلَيهِما السَّلَامُ)
3) معجم البلدان: 4: 505 - كربلاء. وفي تذكرة الخواص: 233 و 234. ولواعج الأشجان: 220 - 223، أنّ البيتين للرباب بنت امرئ القيس
ما تكون الندبة، وكان الناس يجتمعون حولها فيسمعون رثاءها الحزين لأبنائها فيبكون، وكان ممن يجيء لذلك مروان بن الحكم فيتأثر على قساوة قلبه وشدّة عداوته لأهل البيت.
وانطوت السنون والأجيال والناس يتساءلون بلهفة أين دفن رأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟ بعدما أصبح جسده الطاهر مزاراً في كربلاء يطوف به الناس متفقين ومختلفين، وقد كثرت أقوال المؤرخين في المكان الذي حظي به. وقد ذكر العلامة الشيخ عبد الواحد المظفّر أنّ الأقوال تبلغ ستة عشر قولاً (1)، وهذه بعضها:
والمشهور عند الشيعة الإمامية أن الرأس العظيم أعيد إلى كربلاء، ودفن الجسد الطاهر، وقد ذكر السيد رضي الدين علي بن طاووس أن عمل الطائفة على ذلك (2).
وممن نص على ذلك المجلسى (3)، وابن نما (4).
كما اشتهر ذلك عند فريق كبير من علماء السنة (5).
ومما لا شبهة فيه أنّ علماء الشيعة الإمامية معنيون بالاهتمام والبحث عن هذه
الجهة أكثر من غيرهم، فهم أدرى بواقع الحال، وأكثر وقوفاً عليه من أي باحث آخر. أما كيفية نقل الرؤوس الشريفة إلى كربلاء ودفنها مع الأجساد الطاهرة ففيما نحسب أنّه يحتمل أحد أمرين:
1- إنّ الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) التمس من يزيد أن يسمح له بذلك فأجابه إليه، وقد أخذ يزيد يتطلب مرضاة الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد أن نقم عليه المسلمون وكرهوا خلافته، وعلى هذا فيطرح ما روي أنّ الإمام السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما طلب منه أن يريه وجه أبيه لم يجبه إلى ذلك، ويحتمل أنّه أجابه إليه بعد رفضه.
2- إنّ الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من حاكم المدينة حينما حملت إليه الرؤوس أن يواريها مع الأجساد فأجابه إلى ذلك، فأخذها ورجع إلى كربلاء وواراها مع الأجساد الطاهرة.
وذهب فريق من المؤرخين إلى أنّ الرأس الشريف دفنه حاكم المدينة في البقيع إلى جانب أُمّه (عَلَيها السَّلَامُ) (1).
وأُثرت مجموعة من الأخبار عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) تنص على أن الرأس الشريف دفن في الغري، وهذه بعضها:
1- روى يزيد بن عمرو بن طلحة قال: «قال لى أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو بالحيرة: أما تُريدُ ما وَعَدْتُكَ؟
1) المنتظم: 5: 344. مرآة الجنان: 1: 109. البداية والنهاية: 8: 206. وسيلة المآل: 194. شذرات الذهب: 1: 67
قلت: بلى - يعني الذهاب إلى قبر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ(- قال: فركب وركب إسماعيل وركبت معهما حتى إذا جاز الثوية (1)، وكان بين الحيرة والنجف عند ذکوات بيض نزل، ونزل إسماعيل، ونزلت معهما فصلّى وصلّى إسماعيل وصليت، فقال لإسماعيل: قُمْ فَسَلَّمْ عَلى جَدِّكَ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
فقلت: جعلت فداك أليس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكربلاء؟!
فقال: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَمّا حُمِلَ رَأْسُهُ سَرَقَهُ مَولى لَنا فَدَفَنَهُ بِجَنْبِ أَمِير الْمُؤْمِنينَ» (2).
2- روى أبان بن تغلب قال: كنت مع أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فمرّ بظهر الكوفة فصلّى ركعتين، ثمّ تقدّم قليلاً فصلى ركعتين، ثم سار قليلاً فنزل فصلى ركعتين. ثم قال: هذا مَوْضِعُ قَبْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
قلت: جعلت فداك، والموضعين اللذين صليت فيهما، قال: مَوْضِعُ رَأْسِ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وَمَوْضِعُ مَنْزِلِ الْقائِم» (3).
3- روى عليّ بن أسباط بسنده قال: «قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِنَّكَ إِذا أَتَيْتَ الْغَرِيَّ رَأَيْتَ قَبْرَينِ: قَبْراً كَبِيراً وَقَبْراً صَغِيراً، أَمَا الْكَبِيرُ فَقَبْرُ أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأَما الصَّغِيرُ فَرَأْسُ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (4).
هذه بعض الأخبار التي تصرّح بأنّ الرأس الشريف قد دفن في الغري، ولكن التعبير في بعضها بأنّه موضع الرأس لا يدل على أنّه قد دفن فيه.
1) الثوية: وتعرف بكميل الآن، وفيها قبر كميل النخعي صاحب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكانت سجناً للنعمان، ثمّ صارت مقبرة لأهل الكوفة - معجم البلدان: 2: 101 و 102
2) الكافي: 4: 559، الحديث.. وسائل الشيعة: 14: 400، الباب 32 من أبواب المزار وما يناسبه، الحديث 3
3) الكافي: 4: 559، الحديث 2
4) وسائل الشيعة: 14: 402، الباب 34 من أبواب المزار وما يناسبه، الحديث 7
وذهب جمهور من المؤرخين إلى أن الرأس الشريف قد دفن في دمشق، قال في (الإتحاف بحبّ الأشراف): حكي عن سليمان بن عبد الملك أنّه رأى النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وكان يكرمه، فسأل الحسن البصري عن ذلك، فقال: لعلّك فعلت إلى أهل بيته معروفاً، فقال: إنّي وجدت رأس السيد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ(- رضي اللّه عنه - في خزانة يزيد بن معاوية فكسوته خمسة أثواب من الديباج وصليت عليه في جماعة من أصحابي فقبرته، فقال الحسن البصري: إن النبیّ رضي عنك سبب ذلك (1).
وقد اختلفوا في المكان الذي حظي به، وهذه بعض الأقوال:
1- دفن في حائط بدمشق.
2- في دار الإمارة.
3- في المقبرة (2).
4 - في داخل باب الفراديس، ويعرف بمسجد الرأس (3).
5 - في جامع دمشق (4).
وهناك أقوال أُخر غير هذه.
ذكر ذلك أحمد عطية (5)وهو قول شاذ لم يذكره أحد من المؤرخين.
وذهب بعض المؤرخين إلى أنّ الرأس الشريف قد حظيت به القاهرة (1)، أما كيفية نقله لها، ففيها قولان:
1- ما ذكره الشعراني أن العقيلة زينب (عَلَيها السَّلَامُ) نقلته إلى مصر ودفنته فيه (2). وهذا القول شاذ لا يعوّل عليه.
2- ما أفاده المقريزي: أنّه نقل من عسقلان إلى مصر سنة (548هـ) في اليوم الثامن من شهر جمادى الآخرة، وقد نقله سيف المملكة مع القاضي المؤتمن ابن مسكين، وجرى له استقبال ضخم (3).
هذه بعض الأقوال التي ذكرت في مواراة الرأس العظيم، وقد شيد في أغلبها مزار يطوف به المسلمون، وهو من مواضع الاعتزاز والفخر لكل بلد حظي بهذه النسبة.
وعلى أية حال، فالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قائم في عواطف الناس وقلوبهم، ففي أعماق النفوس قبره وذكره، فهو أسمى صورة قدّسها الناس في جميع الأحقاب والآباد. وقد سئل أبو بكر الآلوسي عن موضع رأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال:
لَا تَطْلُبُوا المَولَى الحسين *** بِشَرقِ أَرض أَو بِغَربِ
وَدَعُوا الجَمِيعَ وَعَرْجُوا *** نَحوِي فَمَشْهَدُهُ بِقَلبِي (4)
وقال الحاج مهدي الفلوجي:
لا تَطلُبُوا رَأْسَ الحسين فَأنّه *** لا في حمى ثاوِ وَلا في وادٍ
لكِنَّما صَفقَ الوَلَاءِ يَدلُّكُمْ *** فِي أنّه الْمَقْبُورُ وَسطَ فُؤادِي (1)
لقد احتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مشاعر الناس وثوى في أفئدتهم فهاموا في حبّه وتقديسه، وقد فجعوا بما جرى عليه من عظيم الرزايا والخطوب، وظلت رزيته تنخر في القلوب، وتذوب النفوس من هولها أسى وحزناً، وهم يحجون لكل مرقد يحمل شرف الانتساب بأنّه مرقد رأسه، وقد ازدحم المرقد العظيم بالقاهرة بالزائرين وهم يتبركون به، ويعدّون زيارته من أفضل الطاعات والقربات إلى اللّه تعالى.
1) البابليات: 4: 128. شعراء الحلة: 5: 371
وليس في تاريخ هذه الدنيا ثورة هزت العالم، ومجدت الحق، وسجّلت فخراً للإنسان مثل ثورة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فجميع فصولها نور، وكل آفاقها شرف ومجد، وقد حفلت بالدروس الخالدة عن العقيدة التي لا تضعف، والإيمان الذي لا يقهر والإباء الذي لا يذل. وقد فتحت لأمم العالم وشعوب الأرض عصراً جديداً اتسم بروح الثورة والتمرّد على الظلم والطغيان، ومقاومة الاضطهاد ومناهضة الفساد.
وَلَرُبَّ نَصرٍ عادَ شَرَّ هَزِيمَةٍ *** تَرَكَتْ بُيُوتَ الظَّالِمِينَ طُلُولا
لقد كانت ثورة أبي الأحرار هي الثورة الأولى في التاريخ البشري، وذلك بما حققته من المكاسب على الصعيد الفكري والاجتماعي والسياسي، والتي كان من بينها:
وأحرز الإمام العظيم بشهادته النصر الهائل الذي لم يحرزه أيّ ثائر في الأرض، فقد انتصرت أهدافه ومبادؤه التى ناضل من أجلها، وكان من أهمها انتصار القضية الإسلامية في صراعها السافر مع الأموية التي عبثت بمقدرات الإسلام، وراحت تستأصل جميع جذوره حتى لم يعد له أي ظل على واقع الحياة، وقد أخذ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عاتقه مصير الدين الإسلامي فاستشهد في سبيله، وقد أعاد - سلام اللّه عليه - للإسلام نضارته، وأزال عنه الخطر الجاثم عليه.
يقول الفيلسوف الألماني (ماريين): «لا يشك صاحب الوجدان - إذا دقق النظر في أوضاع ذلك العصر، وكيفية نجاح بني أمية في مقاصدهم، واستيلائهم على جميع طبقات الناس - وتزلزل المسلمين.
إنّ الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد أحيا بقتله دين جده وقوانين الإسلام، ولو لم تقع تلك الواقعة، ولم تظهر تلك الحسّيات الصادقة بين المسلمين... ولولا قتل الحسين لم يكن الإسلام على ما هو عليه قطعاً، بل كان من الممكن ضياع رسومه وقوانينه حيث كان يومئذ حديث العهد».
ويكفي الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ربحاً في شهادته أنّه أحيا الإسلام وفداه بدمه، وقد أشار إلى ذلك الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حينما سأله إبراهيم بن طلحة بن عبيد اللّه، فقال له: من الغالب؟
فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): إِذا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَأَذَّنْ وَأَقِمْ تَعْرِفُ الْغَالِبَ» (1).
لقد كان الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هو المنتصر والغالب؛ لأنّه أعاد للإسلام حياته ونضارته، فكان هو المجدد، ولعل الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) عنى هذه الجهة بقوله: «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ» (2).
أنّه لولا تضحية الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الضاعت جميع جهود الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وما جاء به من خير وبركة ورحمة للناس، فإنّ بني أُمية حملوا معول الهدم على جميع المبادئ التي جاء بها هذا الدين فأعلنوا الكفر والإلحاد، وساسوا الناس بسياسة لا ظل فيها لحكم القرآن.
وكان من أوليات ما أحرزه الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من الانتصارات الرائعة هزيمته للأمويين، فقد نسفت تضحيته جميع الأسس والقواعد التي أقامها معاوية لتوطيد الملك في آل أبي سفيان.
يقول بعض الكتاب: «إنّ ما بناه معاوية لابنه يزيد في أعوام هدمه الحسين في أيام، ونظر الناس إلى الخليفة نظرة الأفن والاستهتار فنفر المسلمون من سياسته، ولصوق هذا بدولتهم، ووسمه الواسمون بسمات الخديعة والمكر والظلم والجور، وذلك كله بفضل هدي الحسين، وحسن سمته، وما رسمه من سياسة حكيمة في الوقوف أمام ظلمهم، وما اختطه من خطة قويمة في دفع عنتهم ويغيهم، وما أبداه في حركاته من حزم وإيثار» (1)
لقد أطاح الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بنهضته المباركة بتلك الرؤوس التي نفخها الكبر وأثقلها الغرور، وأعماها الطيش.
يقول السيد مير علي الهندي: إنّ مذبحة كربلاء قد هزت العالم الإسلامي هزاً عنيفاً مما ساعد على تقويض دعائم الدولة الأموية (2).
أمّا مظاهر الهزيمة الأموية بعد استشهاد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فهي:
لقد عملت مجزرة كربلاء الرهيبة على تجريد الأمويين من الإطار الإسلامي، وأثبتت أنّهم على وثنيتهم وجاهليتهم، فإنّ ما جرى على آل الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) من الإبادة الشاملة بعد أن حرمت عليهم القيادة العسكرية الماء، وما جرى على ريحانة
رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) من التمثيل بعد القتل، وسبي حرائر النبوة وعقائل الوحي يطاف بهن من بلد إلى بلد، وهنّ بحالة تقشعر منها الأبدان ليظهروا قهر آل النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وإبداء التشفّي منهم أمام الرأي العام، وما تمثل به يزيد من الشعر الذي أنكر فيه نبوة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وأنّه إنما أباد عترته طلباً بثأر من قتل من الأمويين في واقعة بدر كل ذلك قد جرّد الأمويين من كل نزعة إسلامية، ودلل على مروقهم من الدين.
وكان من مظاهر الهزيمة الساحقة التي مُني بها الأمويون الأوساط عليهم في جميع عائلته وأسرته، من شيوع النقمة والإنكار، فقد تعالت موجات عارمة من الإنكار على يزيد حتى ته، وقد فزع من ذلك أشدّ ما يكون الفزع، وندم على ما اقترفه، وأُسرته وساءت العلاقة بينه وبين ابن مرجانة فيما يقول المؤرخون.
وهزمت ثورة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الحكم الأموي، ونسفت جميع معالمه، وجعلته يعيش في ثورات متلاحقة قامت بها الشيعة وغيرهم؛ حتى أنّهار صرح ذلك الحكم الأسود بقيام الدولة العباسية، وسنذكر عرضاً لذلك.
ودللت ثورة أبي الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الواقع المشرق لأهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)، وكشفت للعالم الإسلامي الطاقات الهائلة التي يملكونها من الثبات على الحق، والصمود أمام الأحداث، وتبني القضايا المصيرية للأمة، مما جعلت جمهرة المسلمين يكنون لهم أعظم الود وخالص الحبّ والولاء.
لقد أظهرت كارثة كربلاء للعيان أنّ أهل البيت هم المثل الأعلى للقيادة الروحية والزمنية لهذه الأمة، وأنّهم الرواد للحق والعدل في الأرض
ومن معطيات الثورة الحسينیة أنّها ركّزت التشيع في إطاره العقائدي وأصبح عقيدة راسخة في نفوس الشيعة. يقول فيليب حتّى: «إنّ الحركة الشيعية ولدت في العاشر من المحرم، ومنذ ذلك اليوم أصبح عقد الإمامة لذرية على سنة لها في عقائد الشيعة، ما لنبوة محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) من قدر الإسلام» (1).
ويقول بعض المستشرقين: «لولا مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما كانت هناك شيعة في الإسلام» (2).
ويقول (سترثمان): «لقد كانت دماء الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تي سالت على سيوف القوات الحكومية هي النواة التي أنبتت العقيدة الشيعية أكثر من دماء عليّ الذي اغتالته يد متأمر خارجي»..
ويقول الشيخ التستري: «أنّه لو لم يتحمّل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) هذه المصائب لم يظهر دين للشيعة؛ وذلك لأنّ بني أمية لما استولوا على البلاد وأظهروا الفساد، وسعوا في إخفاء الحق، حتى شبهوا الأمر على الناس، فجعلوا سبّ عليّ (عَلَيهِ السَّلَامُ) من أجزاء الصلاة، وأدخلوا في أذهان الناس أن بني أمية أئمة الإسلام، ورسخ ذلك في عقائد الناس من زمن طفولتهم حيث أنّهم ألقوا ذلك إلى المعلمين ليفيدوا الأطفال في مكاتبهم ومدارسهم، فاعتقد الناس حقيقة أنّ هؤلاء أئمة الدين، وأنّ مخالفهم على ضلال... ولمّا قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بتلك الكيفية وسبيت عياله تنبه الناس إلى أنّ هؤلاء لو كانوا أئمة حق ما فعلوا ذلك، وأن فعلهم لا يطابق ديناً ولا مذهباً ولا عدلاً ولا يطابق جور الجائرين» (3).
لقد أذكت تلك الدماء الزاكية روح الولاء والإخلاص لأهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) عند جمهور المسلمين، وقد انضمّ تحت لوائهم في ذلك العصر الكثيرون ممن كانوا يقفون موقف الحياد بين الأحزاب المتطاحنة على الحصول على الحكم (1).
إن ما جرى على ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) من المصائب المذهلة قد حيّر العقول، وطاش بالألباب، وأذهل كل كائن حي.
وعملت كارثة كربلاء على توحيد صفوف الشيعة، وخلق روح التضامن فيما بينهم بعد أن كان ينقصهم الحماس وبذل النفس في الدفاع عمّا يؤمنون به من أنّ الخلافة حق شرعي خاص لأهل البيت، وقد تبدّل ذلك الشعور فكانوا أقوى قوة فعالة تصدّت للإطاحة بحكم الأمويين، فقد هبّوا جميعاً وشعارهم: «يا لثارات الحسين» (2).
يقول بعض الكتاب: «لقد كان هذا الحادث البشع المنكر مذكياً للتشيع إلى أقصى حد، وكان عاملاً على وحدة الشيعة وحماسهم لنصرة مذهبهم، وسبباً في ثوراتهم الجارفة ليثأروا من قتلة الحسين» (3).
وأكّد ذلك (بروكلمان) بقوله: «لقد أذكت تلك الدماء التي روّت أرض كربلاء روح التشيع في نفوس الشيعة، وجعلتهم يشعرون بوجوب توحيد صفوفهم».
لقد أثارت مذبحة كربلاء العواطف والأحزان في نفوس الشيعة، وجعلتهم يؤمنون قبل كل شيء بضرورة اتحادهم للأخذ بثأر الإمام العظيم الذي ثار من أجل
العدل وإعادة حقوق المظلومين والمضطهدين.
وعملت نهضة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ى تكوين روح الحس الاجتماعي " الثورة في النفوس، وقد تغيرت الأمة تغييراً كاملاً فتسلّحت بعد خمودها بقوة الإيمان وقوة العزم والتصميم، وتحررت من جميع السلبيات التي كانت ملمة بها، فقد أخذت تنادي بحقوقها، وتعمل جاهدة على إسقاط الحكم الأموي، وهي تقدّم بسخاء القرابين في ثورات متلاحقة تمثل سخطها العارم وكراهيتها الشاملة لبني أُمية، ولم يعد هناك أي ظلّ للخوف والفزع فيهم، حتى اكتسحت مشاعر الزهو الأموي، وأطاحت بجبروت الأمويين وطغيأنّهم.
لقد قلبت ثورة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ها مفاهيم الخوف والخنوع التي كانت سائدة في الأمة إلى مبادئ الثورة والنضال والتحرّر من ربقة الذل والعبودية، فقد أعطتهم ثورة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قوة دافعة، وأمدتهم بروح وثابة لمقارعة الظلم والطغيان.
ومن معطيات الثورة الحسينیة أنّها فجرت المواهب والعبقريات، فبرزت طاقات هائلة من الأدب الرفيع في طليعة الأدب العالمي رقة وروعة وجمالاً.
لقد حفل أدب الثورة الحسينیة بأروع ما حفل به الأدب السياسي في الإسلام ففيه مناجم أخاذة تعد من أوفر المناجم الفكرية عطاء وأغزرها فناً، ومن بين ما حفل به:
أولاً: الإشادة بالعدالة الاجتماعية والقيم الإنسانية التي ناضل من أجلها الإمام العظيم.
ثانياً: شجب الظلم ومقارعة الطغيان، ومناهضة الغرور والطيش.
ثالثاً: بعث المجتمع نحو العزة والإباء اقتداء بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سيد الأباة ورائد الكرامة الإنسانية.
رابعاً: عرض الاتجاهات الفكرية والعقائدية التي يحملها الإمام العظيم.
خامساً: تمجيد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بما لم يمجد به أحد من شهداء الإصلاح الاجتماعي، فقد تفاعلت مبادؤه مع عواطف شعراء الشيعة، وأدركوا المدّ الإنساني في نهضته الخالدة فراحوا يقدسونه بأروع ما يقدّس به أي مصلح اجتماعي في الأرض. سادساً: الحط من الأمويين والتشهير بجرائمهم المعادية للإسلام.
سابعاً: عرض ما جرى على أهل البيت من المحن والخطوب.
يقول السيد محمّد سيد الكيلاني: «جاء الأدب الشيعي صورة صادقة لما وقع على العلويين من اضطهاد».
ويقول: «كانت مجزرة كربلاء التي قتل فيها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وما حل بالعلويين بعدها دافعاً قوياً للشعراء أنطقهم بكثير من القصائد التي تسيل العبرات، وتذيب القلوب، وتفتت الأكباد، ولا غرابة في ذلك؛ فهي صدى لتلك الدماء التي سفكت بغير حساب، والأشلاء التي تناثرت وتركت على الأرض طعاماً للطير... وقد كثر الشعر في رثاء آل البيت كثرة هائلة، وكله صادر من أعماق النفوس، منبعث من قرارة الأفئدة، فكان للأدب العربي من ذلك ثروة لا تقدر» (1).
ثامناً: جمال الروعة في أدب الثورة الحسينیة وحرارة العاطفة.
يقول بعض الكتاب: «والشعر الذي رثي فيه الحسين حار ملتهب؛ لأنه تعبير عن عواطف قوية، وتنفيس عن نفوس متأججة ثائرة؛ فهم غضاب ساخطون؛
1) أثر التشيع في الأدب العربي: 23
لأنّ بني أمية سلبوهم حقهم وغصبوهم مكأنّهم، فصوّروا غضبهم في شعر حانق على الأمويين» (1).
إنّ الشعر الحسينی يمثّل الصدق في وصف العاطفة الملتهبة، وإن أصحابه لم يكونوا متكلفين ولا منتحلين، وإنّما كانوا متألمين أشدّ ما يكون التألم، فيصفون الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وصفاً صادقاً، لقد كان ذلك الأدب الحي من أثرى ألوان الأدب العالمي، ومن أبرز القيم الثقافية في الإسلام.
ومما تجدر الإشارة إليه إلى أنّ الأدب الحسينی لم يصطبغ بهذه الصبغة ويتبوء مكأنّه الأعلى في الأدب الإسلامي إلا بعد حقبة طويلة من الزمن، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى ما ذكره أبو الفرج من أنّ الشعراء كانوا لا يقدمون على رثاء الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مخافة من بني أُمية (2).
ومن أروع النتائج التي حققتها ثورة أبي الأحرار هي المنابر الحسينیة التي أصبحت منطلقاً لتوجيه الأمة وإرشادها؛ وذلك بما يبثه السادة الخطباء من الوعظ والإرشاد وعرض مأساة أبي الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) التي هي من أروع الدروس وأثمنها للتضحية في سبيل الحق والعدل، وقد وصف الكاتب الألماني (مارتن) هذه المنابر بأنّها من أهم الأسباب لتقدّم المسلمين إن هم أحسنوا تنظيمها والاستفادة منها.
إن مأساة أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) جزء لا يتجزأ من رسالة الإسلام، وهي تمثل كفاحه ونضاله ضد الطغاة ووقوفه إلى جانب المظلومين والمضطهدين.
ويقول (جون إشرا): «إنّ مأساة الحسين تنطوي على أسمى معاني الاستشهاد
في سبيل العدل الاجتماعي».
إن المنابر الحسينیة من أهم المكاسب ومن أروع المعطيات في ثورة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد عملت على غرس النزعات الخيّرة في النفوس وإبعادها عن عوامل الشذوذ والانحراف، وتوجيهها الوجهة الصالحة التي تتسم بالاستقامة وحسن السلوك، كما أنّها من المدارس السيّارة لنشر الإيمان باللّه وإذاعة القيم الإسلامية بين الناس.
لقد أثارت كارثة كربلاء موجة رهيبة من القلق النفسي والانفعالات العميقة سيطرت على نفوس المسلمين، ودفعتهم إلى العمل السياسي والتكتل الاجتماعي للإطاحة بالحكم الأموي، والانتقام من السفاكين المجرمين.
لقد كانت الأرض تستعر حرباً منذ قتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد هبت الشعوب الإسلامية كالمارد الجبّار وهي تعلن سخطها العارم على الحكم الأموي وتعمل على إسقاطه (1)، ومن بين هذه الثورات:
وهي أول ثورة في الكوفة بعد قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مباشرة، قام بـها البـطل العظيم عبد اللّه بن عفيف الأزدي، فكان أول من أطلق شرارة الثورة، وأحال النصر الذي أحرزه ابن مرجانة إلى هزيمة، وقد تحدثنا عن الأزديين وشرطة الكاذب ابن مرجانة، وذكرنا ذلك في البحوث السابقة.
ثم تحصن عبداللّه بن الزبير في البيت الحرام، وقد مال الناس إليه بعد مقتل
1) الذهب المسبوك/المقريزي: 27
الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان أمير مكة من قبل يزيد عمرو بن سعيد الأشدق فعزله يزيد وولّى اللّه عليها الوليد بن عتبة؛ لأنّ الأخبار كانت تأتي يزيد بأن الأشدق كان يناصح لابن الزبير، وبعد عزله ذهب إلى الشام وأخبر يزيد بأنّه غير متمكن من قتال ابن الزبير؛ لأنّ أهل مكة كانوا يناصحونه ويهابونه، وقد مال معه أصحاب نجدة بن عامر الحنفي وهم الخوارج، فلذلك لم يستطع الأشدق المحاربة (1).
والشيء المحقق أن الثورة في يشرب كانت امتداداً لثورة أبي الشهداء(عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد كانت النفوس تغلي كالمرجل غيظاً وحنقاً على يزيد لانتهاكه حرمة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) في قتله لعترته وسبيه لذراريه.
وقد أفعمت القلوب حزناً وألماً حينما رجعت سبايا أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) إلى المدينة وجعلت تقص على أهلها ما جرى على ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) من عظيم الرزايا وفوادح الخطوب، وما عانته عقائل النبوة ومخدّرات الوحي من الأسر والسبي.
لقد كانت شقيقة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحفيدة الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) زينب تلهب العواطف للطلب بثأر أخيها.
وقد رأى أهل المدينة أنّ الخروج على يزيد واجب شرعي فخلعوا بيعته رسمياً وأعلنوا الثورة على حكومته، وقد عهد يزيد إلى المجرم الأثيم مسلم بن عقبة المري - وسمي بـ (مسرف) لإيغاله بدماء المسلمين - باحتلال يثرب، وضم إليه جيشاً مكثفاً قوامه اثنا عشر الفاً من أهل الشام، وقد أمره أن يبيحها لجنده ثلاثة أيام يصنعون بأهلها ما يشاءون وينهبون من أموالهم ما يحبّون.
وزحف الأثيم مسرف بجنوده إلى المدينة فاحتلها، وقد أباحها لجنده ثلاثة أيام
1) تاريخ الأمم والملوك: 670 - 673. الكامل في التاريخ: 3: 306 - 308
وقد أطلق العنان لوحشيته فراح يعمل السيف في أهالي يثرب وكأنّهم الأغنام، وقد استباحوا قتل الأطفال أمام أعين الأمّهات بصورة مفجعة، ونهبوا الأموال لم يردعهم حشمة ولا إجلال لقبر النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد قتلوا ونهبوا واستباحوا كل ما حرمه اللّه، ثم أخذ البيعة من أهلها على أنّهم خَوَل ليزيد ومن أبي ضُربت عنقه (1). وقد حدثت من الرزايا في تلك الواقعة ما تذوب منه النفوس، وقد ذكر المؤرخون صوراً مروّعة ومحزنة مما حل بالمدنيين، فكانت هذه الكارثة كفاجعة كربلاء، وقد دفعت الشعوب الإسلامية إلى التكتل السياسي للعمل ضدّ الحكم الأموي والإطاحة به.
وندم أهل الكوفة أشدّ الندم على خذلأنّهم للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجعلوا يتلاومون على ما اقترفوه من عظيم الإثم، وقد أجمعوا على إقرارهم بالذنب في خذلأنّه ولزوم التكفير عنه بالمطالبة بثأره، وقد خاطب أحدهم ابنته فقال لها: يا بنية، إنّ أباك يفرّ من ذنبه إلى ربِّه (2).
وقد عقدوا مؤتمراً في منزل سليمان بن صُرَد الخزاعي وهو شيخ الشيعة، وصاحب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وذوو السابقة والقدم في الإسلام، فقد تداولوا الحديث فيما بينهم ورأوا أنّه لا يغسل عنهم العار والإثم إلا بقتل من قتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
وقد أُلقيت في المؤتمر عدة خطب حماسية وهي تدعو إلى التلاحم ووحدة الصف للأخذ بثأر الإمام العظيم، وكان انعقاد المؤتمر - فيما يقول المؤرخون - في سنة (61هـ) وهي السنة التي قتل فيها الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (3).
واتخذ المؤتمر بالإجماع عدة قرارات، ومن بينها:
1- انتخاب سلیمان بن صُرَد قائداً عاماً للثورة ليتولى وضع المخططات السياسية والعسكرية (1).
2- مراسلة المناطق التي تضم الشيعة في العراق وخارجه وإعلامها بما أجمعوا عليه من الأخذ بثأر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و المطالبة بالانضمام إليهم (2).
3- تأجيل الثورة إلى مدة أربع سنين على أن تكون السنوات الأربع فترة تأهب واستعداد للقتال (3).
4- أن تكون النخيلة هي المركز الرئيسي الذي تعلن فيه الثورة (4).
5- إحاطة الثورة بالسرّ والكتمان (5).
وتفرق أعضاء المؤتمر وكان عددهم - فيما يقول المؤرخون - مائة شخص، وقد أخذوا يواصلون العمل فيجمعون التبرعات لشراء الأسلحة، ويدعون الناس إلى الالتفاف حولهم والانضمام إليهم.
وفي سنة (65هـ) أعلن التوابون ثورتهم العارمة على الحكم الأموي وكان عددهم -فيما يقول المؤرخون - أربعة آلاف، وقد أرسل زعيم الثورة سليمان بن صُرَد إلى الكوفة الحكيم بن منقذ الكندي والوليد بن عصير الكناني وأمرهما أن يجوبا
مدينة الكوفة ويناديا بشعار الثورة: «يا لثارات الحسين» (1).
وحينما انتهيا إليها ناديا بذلك، ولأوّل مرّة دوّى هذا النداء المؤثر في سماء الكوفة فكان كالصاعقة على رؤوس السفاكين المجرمين، كما كان بلسماً لقلوب المؤمنين والمسلمين، وقد التحق قسم كبير من الناس بالنخيلة، فخطب فيهم سليمان ابن صُرَد خطاباً مؤثراً، وأعرب لهم أنّه لا ينشد مغنماً أو مكسباً، وإنما يلتمس وجه اللّه والدار الآخرة، ويرجو أن يكفّر اللّه عنه وعن إخوأنّه ما اقترفوه من عظيم الذنب في خذلأنّهم لريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ).
وصمم التوابون على المضي إلى كربلاء لزيارة قبر أبي الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليعلنوا التوبة إلى اللّه عند مرقده (2).
وسارت كتائب التوابين إلى كربلاء، فلمّا وصلوا إليها صاحوا صيحة واحدة یا حسين»، وأغرورقت عيونهم بالبكاء والنحيب، وأخذوا يتضرعون إلى اللّه ليتوب عليهم ويغفر لهم، وقد قالوا عند ضريح الإمام: اللّهم ارحم حسيناً الشهيد ابن الشهيد، المهدي ابن المهدي، الصديق ابن الصديق.
اللّهم إنا نشهدك أنا على دينهم وسبيلهم، وأعداء قاتليهم، وأولياء محبيهم.
اللّهم إنا خذلنا ابن بنت نبينا فاغفر لنا ما مضى منا وتب علينا، فارحم حسيناً وأصحابه الشهداء الصدّيقين، وإنّا نُشهدك إنا على دينهم وعلى ما قتلوا عليه، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (3).
وازدحموا على القبر الشريف أكثر من الازدحام على الحجر الأسود وهم يبكون ويتضرعون إلى اللّه ليغفر ذنوبهم ويمنحهم التوبة، ثم رحلوا إلى الأنبار.
وسارت كتائب التوابين حتى انتهت إلى عين الوردة (1)فأقامت فيها، وزحفت إليهم جنود أهل الشام والتحمت معهم التحاماً رهيباً، وجرت بينهما أعنف المعارك وأشدّها ضراوة، ومني الجيشان بخسائر كبيرة في الأرواح، واستشهد قادة التوابين كسليمان بن صُرَد، والمسيب بن نَجَبة، وعبد اللّه بن سعد، وغيرهم.
ولمّا رأى التوابون أنّهم لا قدرة لهم على مقابلة أهل الشام، تركوا ساحة القتال، ورجعوا في غلس الليل إلى الكوفة، ولم تتعقبهم جيوش أهل الشام، وقد مضى كل إلى بلده، وانتهت بذلك معركة التوابين، وقد أدخلت الفزع على الأمويين، وكبدتهم أفدح الخسائر.
وقد رثى شهداء التوابين أعشى همدان في قصيدة طويلة، منها:
فَجاءَهُمُ جَمْعٌ مِنَ الشَّامِ بَعْدَهُ *** جُمُوعٌ كَمَوْجِ البَحْرِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ
فَمَا بَرِحُوا حَتَّى أُبِيدَتْ سُراتُهُمْ *** فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ ثُمَّ غَيْرُ عَصَانِبٍ
وَغُودِرَ أَهْلُ الصَّبْرِ صَرْعى فَأَصْبَحُوا *** تُعاوِرَهُمْ رِيحُ الصَّبا وَالجَنائِبِ (2)
والمختار من أشهر الشخصيات العربية التي عرفها التاريخ الإسلامي، وقد لعب
دوراً خطيراً في الأحداث السياسية والاجتماعية في ذلك العصر، كما كان من ألمع السياسيين في رسم المخططات ووضع المناهج والسيطرة على الموقف، وقد أثبتت كفاءته أنّه رجل الفكر والعمل.
يقول بعض الكتاب عنه: «أنّه كان على جانب كبير من الدراية بعلم النفس والإلمام بوسائل الدعاية والإعلام، فقد كان يخاطب عواطف الناس كما كان يخاطب عقولهم، وكان لا يكتفي بوسائل الدعاية المعروفة حينئذ كالخطابة والشعر، بل لجأ إلى وسائل كثيرة للدعاية منها التمثيل والمظاهرات والإشاعات، كما لجأ إلى ما نسميه الآن بالانقلاب العسكري حينما انتزع الكوفة من ابن الزبير» (1).
وكان علماً من أعلام الشيعة، وسيفاً من سيوف آل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، وكان يتحرق أشدّ ما يكون التحرّق ألماً وجزعاً على العترة الطاهرة التي أبادتها سيوف الباطل، وقد سعى جاهداً للاستيلاء على الحكم لا لرغبة فيه، وإنّما ليأخذ ثأر آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وينتقم من قتلتهم. وكان شعار الثورة «يالثارات الحسين»، وكان معه الصحابي أبو الطفيل شاعر كنانة وحامل راية علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعض حروبه، وقد خرج مع المختار مطالباً بدم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ولعبد العزيز بن يحيى الجلودي كتاب (أخبار أبي الطفيل) في سيرته (2).
وقد اتهم هذا العملاق العظيم باتهامات رخيصة كاتهامه بادعاء النبوة وغيرها من النسب الباطلة التي هي بعيدة عنه وهو بريء منها، وإنما اتهموه بذلك؛ لأنّه طلب بثأر الإمام العظيم، وزعزع كيان الدولة الأموية، وأسقط هيبة حكمها وساوى بين العرب والموالي، فلم يميّز أحداً على أحد، وقد رام السير في أيام حكمه على ضوء منهاج سياسة الإمام أمير المؤمنين(عَلَيهِ السَّلَامُ)، والاقتداء بسلوكه في سياسته
الاقتصادية والاجتماعية.
وكان على جانب كبير من التقوى والحريجة في الدين. ويقول المؤرخون: أنّه كان في أيام حكومته القصيرة الأمد يكثر من الصوم شكراً لله تعالى على توفيقه للأخذ بثأر العترة الطاهرة، وإبادته للأرجاس من السفاكين المجرمين.
لقد ألصقوا بهذا العملاق العظيم التهم الزائفة للحط من شأنّه والتقليل من أهميته، وإنا بعد دراستنا لشؤونه رأيناه من أفذاذ التاريخ ومن أعلام الأمة الإسلامية بما يملك من طاقات هائلة من الفضل والتقوى، وأصالة الفكر وعمق الرأي وحسن التدبير قل أن يتصف بمثلها عظماء الرجال وعباقرة الدهر.
وكان بودّي أن أطيل الوقوف للتحدّث عن معالم شخصيته الكريمة، والتحدّث عن ثورته وكيفية استيلائه على الحكم، إلا أن ذلك يستدعي وضع کتاب خاص به، عسى أن أُوفق إلى ذلك إن شاء اللّه، وقبل أن أقفل الحديث عنه أُشير على سبيل الإيجاز إلى بعض الجهات التي تمت إلى الموضوع.
وساد الرعب واستولى الخوف على نفوس السفاكين المجرمين من قتلة ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد كانوا على يقين أن ثورة المختار إنّما قامت للانتقام منهم، فهام بعضهم من خوفه في البيداء ولم يعلم له خبر، وفر آخرون إلى عبد الملك ليحميهم من سطوة المختار وغضبه، وقد خاطبه عبدالملك بن الحجاج التغلبي - وقد جاء إليه لاجئاً - قائلاً:
أدنُو لِتَرْحَمَنِي وَتَرْتُقَ خَلَّتِي *** وَأَراكَ تَدفَعَنِى فَأَينَ المَدْفَعُ
وجاء إليه يوماً فقال له: إنّي هربت إليك من العراق.
فصاح به عبد الملك بن مروان: كذبت، ليس لنا هربت، ولكن هربت من دم
الحسين، وخفت على دمك فلجأت إلينا (1).
كما هرب بعضهم إلى ابن الزبير وانضم إلى جيشه وقاتل معه لا إيماناً بقضيته ولكن خوفاً من المختار، وقد عمد المختار إلى هدم دورهم والاستيلاء على جميع ممتلكاتهم، وقد هدم دار محمّدبن الأشعث، وأخذ أنقاضها وبنى بها دار الشهيد العظيم حجر بن عدي، وكان قد هدمها زياد ابن أبيه (2).
وأمّا الخبيث الدنس عمر بن سعد فقد قبع في بيته فزعاً مرعوباً، وهو يزج بالشخصيات للتوسط لدى المختار في أخذ الأمان له والعفو عنه، وكتب له المختار الأمان بشرط ألا يحدث حدثاً، ولكنّه وارى في ذلك وأراد ألا يدخل الكنيف.
لقد أرعب المختار قلوب المجرمين من قتلة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى زلزلت الأرض تحت أقدامهم واجتاحتهم موجات عاتية من الخوف والإرهاب، فلم يهنأ أحد منهم بعيش فقد خيم عليهم شبح الموت.
وأسرع المختار إلى تنفيذ حكم الإعدام بكل من اشترك في قتل ريحانة رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فقد جهد على الانتقام منهم وتطهير الأرض من أولئك الأرجاس، وقد قتل منهم - فيما يقول الطبري - في يوم واحد مائتين وثمانين رجلاً، ولم يفلت أحد من قادتهم وزعمائهم، فقتل المجرم الخبيث عبيد اللّه بن زياد، وعمر بن سعد مع ولده حفص، وقتل الأبرص شمر بن ذي الجوشن، ورميت جيفته إلى الكلاب، وقتل قيس بن الأشعث والحصين بن تميم، وشبث بن ربعي وغيرهم (3).
وقد استجاب اللّه دعوة الإمام العظيم في أولئك السفاكين المجرمين فقتلهم قتلة بقتلة، وسقاهم كأساً مصبّرة، وانتقم منهم كأشد ما يكون الانتقام، وصدق اللّه تعالى إذ يقول: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (1).
ويقول الزهري: «لم يبقَ ممّن قتله - يعني الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ(- أحد إلا من عوقب في
الدنيا، إما بقتل، أو عمى، أو سواد الوجه، أو زوال الملك في مدة يسيرة» (2).
لقد حقّت عليهم كلمة العذاب في الدنيا، وهم في نار جهنم خالدون، لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن ثورة المختار التي هي من أنبل الثورات وأكثرها أصالة في الإسلام، فقد استهدفت الأخذ بثأر العترة الطاهرة التي هي عدل القرآن الكريم - حسبما يقول الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)- كما استهدفت نشر المساواة والعدالة الاجتماعية بين الناس.
فتحيات من اللّه ورضوان على المختار يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.
ولم يؤدِ القضاء على ثورة المختار من قبل ابن الزبير إلى ضعف الروح الثورية عند الشيعة، فقد كانت هناك ثورات أخرى فجّرها أحفاد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأحفاد أخيه الإمام الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقد هبّ لمقارعة الظلم والجور الثائر العظيم زيد بن علي، وأشعل نار الثورة من بعده ولده يحيى وهما يناديان بمبادئ الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويطالبان بثأره، واستمرت الثورات حتى تدفقت الرايات السوداء مع طلائع الجيوش
الإسلامية بقيادة أبي مسلم الخراساني فأطاحت بالعرش الأموي، وقضت على معالم زهوه وجبروته.
وبهذا ينتهي بنا البحث - بإيجاز - عن معطيات الثورة التي تحققت على الصعيد الفكري والاجتماعي، وبها تطوى الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب، وأكرر ما أعلنته غير مرّة من أنّ هذا المجهود بما فيه من سعة وشمول واستيعاب فأنّه لا يمثل إلا صفحة من حياة هذا الإمام العظيم الذي احتل مشاعر الناس وعواطفهم، وقام في قلوبهم وأفكارهم. وإنّي على ثقة أنّ جميع ما الف فيه وما سيؤلّف لا يستوعب جميع نواحي شخصيته، أو يلم بواقع حياته التي هي امتداد لحياة جده الرسول (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وما ينشده من الخير والتوجيه لصالح الإنسان.
الحمد لله رب العالمين وصلى اللّه على سيدنا محمّدوعلى اله الطاهرين الطاهِرِينَ
1- الآثار الباقية: أبو ريحان البيروني، محمّدبن أحمد: برلين/1923م.
2- آثار البلاد وأخبار العباد القزويني، زكريا بن محمّدبن محمود: دار صادر - بيروت/1960م.
3- الآداب الشرعية والمنح المرعيّة: شمس الدين الحنبلي = محمّدبن مفلح بن مفرج المقدسي الراميني الدمشقي (710 – 763هـ).
4 - إبصار العين في أنصار الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): السماوي، الشيخ محمّدابن الشيخ طاهر بـن - حبیب بن حسين بن محسن بن تركي الفضلي (1876 - 1950م): المكتبة الحيدرية، الطبعة الأولى/1423هـ.
5- أبناء الرسول في كربلاء: خالد، خالد محمّد.
6- ابن رشد وفلسفته: أنطون، فرج.
7- أبو الشهداء الحسين بن علي: العقاد، عباس محمود (1889 - 1964هـ): الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى/1413هـ.
8- اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني: هدّارة، محمّدمصطفى: دار النهضة - بيروت/1994م.
9 - الإتحاف بحُبِّ الأشراف الشبراوي الشافعي، عبد اللّه بـن محمد بـن عامر (- 1172ھ): تحقيق: سامي الغريري، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي - قم المقدسة، الطبعة الأولى 1423هـ/2002م.
10- أثر الأسرة والمجتمع في الأحداث: منظمة اليونسكو.
11- أثر التشيع في الأدب العربي: محمّدسيد الكيلاني: دار الكتاب العربي - القاهرة/1947م.
12- الاحتجاج على أهل اللجاج: الطبرسي، أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب (- 560هـ): تحقيق: إبراهيم البهادري و محمّدهادي به، الناشر: دار أسوة - ايران، الطبعة السادسة/1425هـ.
13- الأحكام السلطانية والولايات الدينية: الماوردي = أبو الحسن علي بن محمّدبـن حبيب البصري الشافعي (364 - 450هـ): دار إحياء التراث العربي - بيروت/1992م. 14- أخبار الدول وآثار الأول: القرماني، أحمد بن يوسف (939 - 1019هـ): الحلبي - القاهرة/1982م.
15- الأخبار الطوال: ابن قتيبة الدينوري، أبو محمّدعبد اللّه بن مسلم (213- 276هـ): منشورات الشريف الرضي، قم المقدّسة/1409هـ.
16- أخبار المدينة النبوية: ابن شبة النميري = أبو زيد عمر البصري: مركز الرسول - بيروت/1998هـ.
17- الأخبار الموفقيات: الزبير بن بكار بن عبداللّه القرشي الأسدي (172 - 256هـ): تحقيق: د. سامي مكي العاني، انتشارات الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى/1416هـ..
18- الاختصاص: الشيخ المفيد: أبو عبد اللّه محمّدبن محمّدالنعمان العكبري البغدادي (336 - 13 4هـ): المؤتمر العالمي لالفية الشيخ المفيد - قم المقدسة، الطبعة الأولى/1413هـ.
19- الإدارة الإسلامية في عزّ العرب: كرد علي، محمّد: مطبعة مصر - القاهرة/1981م.
20- أدباء العرب في العصر الجاهلي: البستاني، بطرس: دار الجيل - بيروت/1989م.
21- أدب السياسة في العصر الأموي: محمّدالحوفي، أحمد.
22- أدب الطف: شبّر، جواد نشر دار المرتضى - بيروت/1409هـ. 23- الأدب
23- والنقد: د. حسين، طه.
24- الأربعين: الشيخ البهائي = بهاء الدين محمّدبن الحسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي (- 1030هـ): مطبعة صابري - إيران/1357هـ. ش.
25- الإرشاد في معرفة حجج اللّه على العباد: الشيخ المفيد: أبو عبداللّه محمّدبن محمّدالنعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ): طبع وتحقيق: مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ(- قم المقدسة/1416هـ.
26- إرشاد القلوب: الديلميّ، أبو محمّدالحسن بن محمّدالواعظ (- 841هـ): كمال الملك - قم المقدسة/1426هـ.
27 - أسباب النزول: الواحدي النيسابوري، علي بن أحمد (- 468هـ): نی - طهران/1383هـ.. ش.
28- الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ابن عبدالبر = أبو عمر يوسف بن عبداللّه بن محمّدالنمري القرطبي الأندلسي (368 - 463هـ): دار الإسلام - عمان/2002م.
29- أسرار آل محمّد: ابن قيس الهلالي - أبو صادق العامري الكوفي (- 76هـ): تحقيق: محمّدباقر الأنصاري الزنجاني، نشر الهادي - قم المقدسة، الطبعة الأولى/1415هـ.
30- أسرار الحكماء: المستعصمي، جمال الدين ياقوت.
31- أسد الغابة في معرفة الصحابة: ابن الأثير الجزري = عزّ الدين علي بن محمّدبن محمّد(555 - 630هـ): دار الكتاب العربي - بيروت/2006 م.
32- الإسلام والحضارة العربية: كرد علي، محمّد: لجنة التأليف - القاهرة/1968م.
33- الإصابة في تمييز الصحابة: ابن حجر العسقلاني = شهاب الدين أحمد بن عليّ الشافعي (733- 852هـ): دار الفكر - بيروت/2001 م.
34- الأصول العامة للفقه المقارن: الحكيم، محمّدتقي (1305هـ): دار الأندلس - بيروت/1990م.
35- الإعجاز والإيجاز أبو منصور الثعالبي النيسابوري = عبد الملك بن محمّد: ( - 429هـ): دار الثقافة - القاهرة/2006 م.
36- الأعلام: الزركلي، خير الدين بن محمود بن محمّد(- 1410هـ): دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة التاسعة/1990م.
37- أعلام الدين في صفات المؤمنين: الديلمي، أبو محمّدالحسن بن محمّدالواعظ
(-141هـ): تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الاحياء التراث، الطبعة الأولى/1408هـ.
38- أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام: كحالة، عمر رضا: مؤسسة الرسالة - بيروت/1984م.
39- إعلام الورى بأعلام الهدى: الطبرسيّ، الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن (من أعلام القرن السادس): مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) الاحياء التراث - قم المقدسة 1417هـ.
40- أعيان الشيعة: الأمين العاملي، محسن (1865 - 1952م): دار التعارف للمطبوعات - بيروت/2000م.
41- الأغاني: أبو الفرج الاصفهانيّ، عليّ بن حسين (284 - 356هـ): دار إحياء التراث العربي - بيروت/1994م.
42 - الف باء: أبو الحجاج البلوي = يوسف بن محمّد: عالم الكتب - بيروت/1287هـ.
43- الإفادة في تاريخ الأئمة السادة (م): العلوي الهاروني، يحيى بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ).
44- إقبال الأعمال: السيد ابن طاووس = رضي الدين أبي القاسم علي بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - 644هـ): تقديم وتعليق: الشيخ حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ/1996م.
45- أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد: الخوري، سعيد الشرتوني اللبناني: مكتبة المرعشي النجفين - قم المقدسة/1403هـ.
46- الأمالي: الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّدبن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ): تحقيق ونشر قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة - قم المقدسة، الطبعة الأولى/1417هـ.
47- أمالي المرتضى = غرر الفوائد ودرر القلائد: السيد المرتضى، علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الموسوي (436هـ): دار الكتاب العربي - بيروت/1387هـ.
48 - الأمالي: الشيخ المفيد: أبو عبداللّه محمّدبن محمّدالنعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ): تحقيق: علي أكبر غفاري، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة، الطبعة الخامسة/1425هـ.
49- الأمالي وذيله: القالي البغدادي = إسماعيل بن القاسم (288 - 356هـ): ملتقى مصري - الاسكندرية/1999م.
50- الإمامة والسياسة: ابن قتيبة الدينوري = أبو محمّدعبداللّه بن مسلم (213- 276هـ): المكتبة الحيدرية - قم المقدسة/2007م.
51- الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ): فهمي، أحمد.
52- إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأموال والحفدة والمتاع: تقي الدين المقريزي = أحمد بن علي بن عبد القادر (766 - 845هـ): تحقيق وتعليق: محمّدعبدالحميد النميسي، منشورات محمّد علي بيضون - دار الكتب العلمية - بيروت 1420هـ/1999م.
53- الأنساب: السمعاني التميمي = أبو سعد عبدالكريم بن محمّدبن منصور (506 - 562هـ): تحقيق: عبداللّه عمر البارودي ودار الجنان، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة
الأولى 1408هـ/1988م.
54- أنساب الأشراف: البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (- 279هـ): تحقيق: د. سهیل زکار و د. رياض زكلي، دار الفكر - بيروت/1417هـ.
55- أوائل المقالات: الشيخ المفيد: أبو عبد اللّه محمّدبن محمّدالنعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ): سلسلة مؤلّفات الشيخ المفيد، دار المفيد - بيروت، الثانية/1414هـ
56- الإيضاح: ابن شاذان = أبو محمّدالفضل بن شاذان الأزدي (- 260): تحقيق جلال الدين الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللأرموي، جامعة طهران، الطبعة الأولى/1351 هـ ش.
57- البابليات: اليعقوبي، محمّد علي.
58 - بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار: العلامة المجلسي = محمّد باقر بن محمّدتقي (1037 - 1111هـ): دار إحياء التراث العربي - بيروت/1989م.
59- بحر الأنساب: الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) النجفي، عميد الدين محمّدبن أحمد: دار المجتبى للنشر والتوزيع - المدينة المنورة/1419هـ.
60- البحر المحيط في التفسير (تفسير): أبو حيان الأندلسي الغرناطي، محمّدبن يوسف (- 754هـ): دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1412هـ/1992م (10 مجلدات + مجلد الفهارس).
61- البرهان في تفسير القرآن (تفسير): البحراني، السيد هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسينی التوبلي (- 1107هـ): مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1419هـ/1999م.
62- البداية والنهاية في التاريخ = تاريخ ابن كثير: ابن كثير الدمشقي، أبو الفداء إسماعيل بن كثير (700 - 774هـ): تحقيق: مكتب تحقيق التراث، نشر دار إحياء التراث العربي - بيروت/1993م.
63- البستان الجامع لجميع تواريخ أهل الزمان (م): الأصفهاني، عماد الدين.
64- بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمّد: الصفار، الثقة الجليل أبو جعفر محمّدبن الحسن بن فروخ (- 290هـ): تعليق: التبريزي، منشورات مكتبة المرعشي النجفي، قم المقدّسة/1404هـ.
65- بطل العلقمي: المظفّر، الشيخ عبد الواحد: العلمية - النجف الأشرف/1384هـ.
66- بطلة كربلاء: بنت الشاطئ، عائشة عبد الرحمن: دار الأندلس - بيروت.
67- بغية النبلاء: الكليدار، عبد الحسين بن علي: الإرشاد - بغداد/1966م.
68- بلاغات النساء: ابن طيفور، أحمد بن أبي طاهر (204 - 280هـ): تحقیق: د. يوسف البقاعي، الناشر: دار الأضواء - بيروت، الطبعة الأولى 1420هـ/1999م.
69- البلد الأمين: الكفعمي، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمّدالعاملي الحارثي (840 - 905هـ): مؤسسة قائم آل محمّدعلال الليلية - قم المقدسة، الطبعة الأولى 1413هـ/1993م.
70- البيان والتبيين: الجاحظ، عمرو بن بحر (150 - 255هـ): مكتبة الخانجي - القاهرة/1968م.
71 - التاج الجامع للأصول: علي ناصيف، منصور: اوفسيت منير - بغداد، الطبعة الرابعة/1986م.
72- تاج العروس من جواهر القاموس: الزبيدي الحنفي - محبّ الدين أبي فيض السيد محمّدمرتضى الحسينی الواسطي (1145 - 1205هـ): دراسة وتحقيق: علي شيري، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1414هـ/1994م (20 مجلداً).
73- التاج في أخلاق الملوك: الجاحظ، عمرو بن بحر (150 - 255هـ): دار الفكر - بيروت/1955م.
74- تاريخ آداب اللغة العربية: زيدان، جرجي: منشورات دار مكتبة الحياة - بيروت/1992م.
75- تاریخ ابن خلدون = العبر: ابن خلدون = أبو زيد ولي الدين عبدالرحمن بن محمّد الحضرمي الإشبيلي: (732 - 808هـ): المكتبة العصرية - بيروت/2008م.
76- تاريخ ابن الورديّ: ابن الوردي، زين الدين عمر بن مظفّر(-749هـ): دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ/1996م.
77- تاريخ أبي الفداء = المختصر في أخبار البشر: أبو الفداء، عماد الدين إسماعيل بن علي بن محمود بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب) 672 - 732هـ): تعليق: محمود دیوب،
منشورات دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ/1997م.
78- تاريخ الأدب العربي: بلاشر، ريجيس: وزارة الثقافة - دمشق/1972م. - 1972م 79- تاريخ الإسلام السياسي: إبراهيم حسن، حسن: دار الكتاب - بيروت/1401هـ. 80- التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية: شلبي، أحمد.
81- تاريخ إيران: السير سايكس، پرسي.
82- تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي (392 - 463هـ): تحقيق مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ/1997م.
83- تاريخ التمدن الإسلامي: زيدان، جرجي: دار مكتبة الحياة - بيروت/1964م.
84 - تاريخ الثقات: أبو الحسن العجلي، أحمد بن عبد اللّه بن صالح(- 261هـ): تحقيق: عبدالمعطي قلعچي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1405هـ/1984م.
85- تاريخ الجنس العربي: دَرْوَزَة النابلسي، محمّدعزّة (1305 -). 86 - تاريخ تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي، عبدالرحمن بن أبي بكر الشافعي (849 - 911هـ): السعادة - القاهرة، الطبعة الأولى/1952م.
87- تاريخ الخلفاء: المؤلف مجهول
88- تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس: الدياربكري = حسين بن محمّدبن حسن (- 966هـ): مؤسسة شعبان - بيروت/1990م.
89- تاريخ خليفة بن خياط: العُصْفُري البصري، أبو عمرو خليفة بن خياط (- 240هـ): تحقیق: د. سهیل زگار، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت
90- تاريخ الدول الإسلامية: زيني دحلان، أحمد.
91- تاريخ الدولة العربية: فلهوزن، يوليوس.
92- التاريخ السياسي للدولة العربية: ماجد، عبد المنعم.
93- تاريخ الشعوب الإسلامية: بروكلمان، كارل: ترجمة: نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي: دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الحادية عشرة/1988م.
94- تاريخ العراق في ظل الحكم الأموي: حسن الخربوطلي، عثمان غالب بن محمّد(1261 - 1338هـ).
95- تاريخ العرب: حتي، فيليب.
96- تاريخ العرب السياسي: بيضون، إبراهيم و زكار، سهيل.
97- تاريخ الصحابة (م): أبو حيان التميمي، أحمد.
98- تاريخ الطبري - تاريخ الأمم والملوك: الطبري، أبو جعفر محمّدبن جرير بن يزيد بن خالد (224 - 310هـ): مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الخامسة 1409 هـ/1989م.
99- تاريخ الفلسفة في الإسلام: دي بور، تجنيز (1866 - 1942م): القاهرة/1938م. 100- تاريخ القضاعي (م): القضاعي محمّدبن سلامة (- 454هـ).
101- تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة اللّه الشافعي الدمشقي (499 - 571هـ): دار الفكر - دمشق/1419هـ.
102- التاريخ الكبير: البخاري، أبو عبد اللّه محمّدبن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي (- 256هـ): دار الكتب العلمية - بيروت (8 مجلدات + مجلد الفهارس).
103- تاريخ المظفري (م): عبداللّه الحموي، إبراهيم.
104- تاريخ اليعقوبي: اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح (- (278هـ): دار صادر - بيروت/1984م.
105- التبيان في تفسير القرآن: شيخ الطائفة، أبو جعفر محمّدبن الحسن الطوسي (385 - 460هـ): تحقيق: أحمد حبيب قصير العاملي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى/1409هـ.
106- تجارب الأمم: ابن مسكويه، أبو علي أحمد بن محمّد: مكتبة المثنى - بغداد. 107- تحفة الأنام في مختصر تاريخ الإسلام الفاخوري، الشيخ عبد الباسط بن عليّ. 108- تحف العقول عن آل الرسول: ابن شعبة الحراني، أبو محمّدالحسن بن علي بن الحسين (من أعلام القرن الرابع الهجري): دار الشريف الرضي - قم المقدسة/1421هـ. 109- تحفة الأزهار وزلال الأنّهار (م): ابن شدقم الحسينی المدني، ضامن.
110- تخطيط مدينة الكوفة: د. الجنابي، كاظم.
111- تذكرة الحفاظ: الذهبي، شمس الدين محمّدبن أحمد بن عثمان(- 748هـ): وضع حواشیه: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى/1419هـ/1998م (4 أجزاء في مجلدين).
112- التذكرة الحمدونية: ابن حمدون، أبو المعالي محمّدالبغدادي: دار صادر -بيروت، الطبعة الأولى/1996م.
113- تذكرة خواص الأمة: سبط ابن الجوزي، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبداللّه البغدادي (581 - 654هـ): منشورات الشريف الرضي - قم المقدسة، الطبعة الأولى 1418هـ/1997م.
114- تذهيب التهذيب:(م): الذهبي، شمس الدين محمّدبن أحمد بن عثمان (673- 748هـ).
115- التطور والتجديد في الشعر الأموي: ضيف، شوقي: دار المعارف - القاهرة، الطبعة الخامسة/1973م.
116- تطهير الجنان واللسان: ابن حجر العسقلاني، شهاب الدين أحمد: الميمنية - القاهرة/1324هـ.
117- تفسير البغوي = معالم التنزيل: البغوي = أبو محمّدالحسين بن مسعود بن محمّدالفراء (438 - 516هـ): دار الكتاب العلميّة - بيروت/1324هـ.
118- تفسير البيضاوي = أنوار التنزيل و أسرار التأويل: ناصر الدين أبي سعيد عبداللّه بن عمر بن محمّدالبيضاوي الشيرازي (- (791هـ): دار الفكر - بيروت/2005م.
119- تفسير الجلالين: جلال الدين السيوطي = عبدالرحمن بن الكمال (849 - 911هـ): مكتبة لبنان - بيروت/2000 م.
120- تفسير روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: الآلوسي البغدادي، أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود (1217 - 1270هـ): دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ/1997م (30 جزءاً في 16 مجلداً).
121- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري) 260هـ): تحقيق ونشر: مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي عبد الهلالية - قم المقدّسة، الطبعة الأولى/1409هـ.
122- تفسير العياشي: العياشي، أبو النضر محمّدبن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي (- 320هـ): تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة - قم المقدسة، الطبعة الأولى/1421هـ (3 مجلدات).
123- تفسير القرآن العظيم: ابن كثير الدمشقي، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي(-774هـ): تحقيق: سامي بن محمّدسلامة، دار طيبة، الطبعة الثانية 1420هـ/1999م.
124- تفسير القمّى: القمي، أبو الحسن عليّ بن إبراهيم بن هاشم(- 329هـ): تحقيق: السيد طيب الجزائري الموسوي، الناشر دار السرور - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ./1991م - 1991م ( مجلدان).
125- تفسير الكبير = مفاتيح الغيب: الفخر الرازي = خطيب الريّ، فخر الدين أبي عبداللّه بن محمّدضياء الدين عمر بن الحسن بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (544 - 606هـ): تقديم: الشيخ خليل محيي دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت، الطبعة الأولى 1415هـ/1995م (32 جزءاً في 16 مجلداً + مجلد الفهرس).
126 - تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق التنزيل: جار اللّه الزمخشري = أبو القاسم محمود بن عمر (467 - 538هـ): مؤسسة التاريخ العربي - بيروت/2000م.
127- تفسير الطبرسي = الجامع الكبير = جمع الجوامع: أمين الإسلام = أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي (468 - 548هـ): تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة، الطبعة الأولى/1418هـ.
128- تفسير الماوردي = النكت والعيون: الماوردي، أبو الحسن علي بن محمّد بن حبيب البصري الشافعي (364 - 450هـ): دار الكتب العلمية - بيروت/1412هـ.
129- تفسير المنار – تفسير القرآن العظيم: محمّدرشيد بن علي رضا بن محمّد (1282 - 1354هـ) عن دروس أستاذه الشيخ محمّدبن عبدة بن حسن خير اللّه من آل التركماني (1266 - 1323هـ): تعليق وتصحيح: سمير مصطفى رباب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1423هـ/2002م (12 مجلداً).
130- تفسير النهر المادّ (تلخيص البحر المحيط): أبو حيان الأندلسي الغرناطي، أثير الدين محمّد بن يوسف بن علي بن يوسف (654 - (745هـ): دار الجيل - بيروت/1416هـ.
131-: التكيف النفسي فهمي، مصطفى.
132- تمام المتون في شرح رسالة ابن زيدون: صلاح الدين الصفدي = خليل بن أيبك بن عبداللّه (696 - 764هـ): المكتبة العصرية - بيروت/1419هـ.
133- تنقيح المقال في علم الرجال: المامقاني، الشيخ عبداللّه (- 1351هـ): المطبعة المرتضوية - النجف الأشرف/1352هـ.
134- تهذيب الأسماء واللغات: النووي = أبو زكريا محيي الدين بن شرف (- 676هـ): طبعة دار الكتب العلمية - بيروت.
135- تهذيب التهذيب: ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي بن محمّد(773- 852): دار الفكر - بيروت/1995م.
136- تهذيب الأحكام: شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّدبن الحسن الطوسي (385 - 460هـ): مكتبة الصدوق - طهران/1417هـ.
137- تهذيب الكمال في أسماء الرجال: الحافظ المزي، جمال الدين أبي الحجاج يوسف (654 - 742هـ:): مراجعة سهيل زكار، تحقيق: أحمد علي عبيد، وحسن أحمد آقا، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1414 هـ/1994م (22 مجلداً + مجلدا الفهارس).
138- التوحيد: الصدوق، أبو جعفر محمّدبن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ) نشر وتحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين - قم المقدسة، الطبعة الثامنة/1423هـ.
139- تلخيص المستدرك: الذهبي، شمس الدين أبو عبداللّه محمّدبن أحمد بن عثمان
(- 748هـ(- المطبوع في ذيل المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري دراسة وتحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ/1990م.
140- توضيح الغامض في أسرار السنن والفرائض: المظفّر، عبد الواحد: مؤسسةالأعلمي بيروت، الطبعة الأولى/2008 م.
141- تيسير الوصول إلى جامع الأصول: الزبيدي، ابن الديبع عبدالرحمن الشيباني: مصطفى البابي الحلبي - القاهرة/1924م.
142- الثائر الأول في الإسلام: سرور، محمّدعبد الباقي: اليوسفية - القاهرة.
143- الثاقب في المناقب: ابن حمزة، عماد الدين أبو جعفر محمّدبن علي الطوسي (- 560هـ): مؤسسة أنصاريان - قم المقدسة، الطبعة الثانية/1412هـ.
144 - الثغور الباسمة في مناقب السيدة فاطمة (م): السيوطي، جلال الدین عبدالرحمن بن أبي بكر الشافعي (849 - 911هـ).
145- ثمار القلوب: أبو منصور الثعالبي النيسابوري = عبد الملك بن محمّد (- 429هـ): المدني - القاهرة/1965م.
146- ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: الصدوق، أبو جعفر محمّدبن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ): تعليق: الشيخ حسين الأعلمي، الشريف الرضي/1418هـ.
147- جامع الأخبار = معارج اليقين في أصول الدين: السبزواري، محمّدبن محمّد: (من أعلام القرن السابع الهجري): مؤسسة آل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ) ا لإحياء التراث - قم المقدسة، الطبعة الأولى/1414هـ.
148- جامع البيان عن تأويل آي القرآن = تفسير الطبري: الطبري، أبو جعفر محمّدبن
جرير (-310هـ): تحقيق: الدكتور عبداللّه بن عبدالمحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر - القاهرة، الطبعة الأولى 1422هـ/2001 م، (24 مجلداً + مجلدا الفهارس).
149- جامع السعادات: النراقي، مهدي بن أبي ذر (1128- 1209هـ): تعليق: مؤسسة السيدة المعصومة (عَلَيها السَّلَامُ(- قم المقدسة/2005م.
150- الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير: السيوطي، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر (849 - 911هـ): دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى/1401هـ.
151- الجامع في الأدب العربي الفاخوري، حنّا: دار الجيل - بيروت، الطبعة الثانية/1995م.
152- الجامع لأحكام القرآن =تفسير القرطبي: الأنصاري، أبو عبداللّه محمّدبن أحمد
(- 671هـ): التحقيق: هشام سمير البخاري، دار عالم الكتب - الرياض 1423هـ/2003.
153- الجرح والتعديل: ابن أبي حاتم الرازي، أبو محمّدعبد الرحمن بن محمّدبن إدريس بن المنذر التميمي(- 327هـ): تحقیق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1422هـ/2002م (9 مجلدات + مجلد الفهرس).
154- الجمل: الشيخ المفيد = أبو عبد اللّه محمّدبن محمّدالنعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ): دار الأنصار - قم المقدسة/1430هـ.
155- جمهرة اللغة: ابن دريد = أبي بكر محمّدبن الحسن الأزدي (223- 321هـ): دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الأولى/1987م.
156- جمهرة خطب العرب: صفوت، أحمد زكي: مصطفى البابي الحلبي - القاهرة، الطبعة الأولى/1933م. 157 - جنة المأوى: كاشف الغطاء، الشيخ محمّدحسين (1877 - 1954هـ): دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانة/1988م.
158- جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: الشيخ النجفي، محمّدحسن ابن الشيخ باقر ابن الشيخ عبدالرحيم (1200 - 1266): حققه وعلّق عليه وأشرف على طبعه: الشيخ عباس القوچاني، دار إحياء التراث العربي - بيروت/1400هـ.
159- جواهر المطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب: الباعوني، شمس الدين محمّدبن أحمد الدمشقي الشافعي (780 - 871: مجمع إحياء الثقافة الإسلامية - قم المقدّسة/1415هـ..
160- الجوهرة في نسب الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وآله: أبو بكر الأنصاري التلمساني، محمّد: مكتبة - النوري، دمشق/1402هـ.
161- جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام القراغولي البغدادي، محمود: الآداب - بغداد/1329هـ.
162- حجة السعادة في حجة الشهادة (م): اعتماد السلطنة: حسن بن عليّ. 163- الحدائق الوردية في مناقب الزيدية: الشهيد المحلى = حسام الدين حميد بن أحمد (- 652هـ): جامع النهرين - صنعاء/1402هـ.
164- الحركات الفكرية في الإسلام: جوزة، بندلي: مطبعة بيت المقدس - القدس/1938م.
165- الحسين بن علي: الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، علي جلال.
166- الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): العلائل، عبد اللّه (1914 - 1997 م):: دار مكتبة التربية - بيروت/عبداللّه 1914 - 1972م.
167- الحسين بن على أبو النصر، عمر.
168- الحضارة الإسلامية: متز، آدم: لجنة التأليف - القاهرة/1957م.
169- الحضارة الإسلام: خدا بخش الهندي، صلاح الدين ترجمة: د. علي حسن الخربوطلي: دار الثقافة - بيروت
170- حقائق الأخبار عن دول البحار: سرهنك، إسماعيل.
171- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم الاصفهاني، الحافظ أحمد بن عبداللّه بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران (336 - 430هـ): دار الكتاب العربي - بيروت/الطبعة الخامسة/1987م.
172- حماة الإسلام: نجيب، مصطفى بن محمّد(1861 - 1901م): مصر 1901م. 173- حياة الإمام الحسن بن عليّ:: القرشي، باقر شريف (1926 - م): تحقيق: مهدي باقر القرشي) ضمن موسوعة سيرة أهل البيت اللّه): دار المعروف، الطبعة الأولى 1430هـ/2009 م.
174- حياة الإمام موسى بن جعفر الكاظم: القرشي، باقر شريف (1926 - م): تحقيق: مهدي باقر القرشي (ضمن موسوعة سيرة أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)): دار المعروف، الطبعة الأولى 1430هـ/2009م.
175- الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة: الزبيدي، محمّدحسين: المطبعة العالمية - القاهرة/1971م.
176 - حياة الحيوان الكبرى: الدميري كمال الدين محمّدبن موسی (742-808هـ): ناصرخسرو – طهران (اوفسيت عن طبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة 1390هـ/1970م)
177- حياة الشعر في الكوفة: خليف، يوسف: دار الكتاب العربي - القاهرة/1968م.
178- الخرائج والجرائح: الراوندي، قطب الدين أبي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سعيد بن هبة اللّه (- 573هـ): مؤسسة النور للمطبوعات - بيروت، الثانية/1411هـ.
179- الخراج: ابن آدم القرشي، يحيى: الحلبي - القاهرة/1954م.
180- الخراج وصنعة الكتابة: الكاتب، قدامة بن جعفر.
181- خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب: البغدادي، عبدالقادر بن عمر (1030 - 1093هـ: مكتبة الخانجي - القاهرة/1983م.
182- الخصائص الحسينیة: التستري، جعفر: دار السرور - بيروت/1414هـ.
183- الخصائص الكبرى: السيوطي، جلال الدین عبدالرحمن بن الكمال (849 - 911هـ): دار الكتب العلمية - بيروت/1405هـ.
184- الخصال: الشيخ الصدوق = أبو جعفر محمّدبن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ): نشر وتحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين/1424هـ.
185- الخطابة في صدر الإسلام: درويش، محمّدطاهر.
186- خطط الشام = المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: تقي الدين المقريزي، أحمد بن عليّ (766 - 845هـ): مشهد المقدّسة/1379هـ. ش
187- خطط الكوفة: ماسينيون، لويس: ترجمة: تقي المصعبي، صيدا/1939م.
188- الخلافة الإسلامية: آرنولد، توماس.
189- خلاصة الأقوال في معرفة الرجال = رجال العلّامة الحلّيّ: العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (- 725هـ): تحقيق: الشيخ جواد القيومي، مؤسسة نشر الفقاهة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى/1417هـ.
190 - الخلافة والدولة في العصر الأموي: حلمي، محمّد.
191- الخوارج والشيعة: فلهوزن، يوليوس: ترجمة: عبدالرحمان البدوي، دار الجيل للكتب والكتب - القاهرة، الطبعة الخامسة/1998م.
192- دائرة المعارف: البستاني، بطرس (1819 - 1883م): دار الجيل - بيروت/1979م. 193- دائرة المعارف الحديثة: عطية، أحمد.
194- دائرة معارف القرن العشرين: وجدي، محمّدفريد. دائرة المعارف الإسلامية البريطانية: فنسنك، وآخرون
195- درّة الناصحين في الوعظ والإرشاد: الخويري، عثمان بن حسن شاكر (القرن 13): مكتبة الثقافة - بيروت/1985م.
196- الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة: المدني، صدر الدين علي خان بن أحمد الشيرازي الحسينی (1052 - 1120هـ): مكتبة بصيرتي - قم المقدسة، الطبعة الثانية/1397هـ.
197- درر الأبكار في وصف الصفوة الأخيار (م): ابن صدقة، أبو الفتح.
198- الدر المسلوك (م:) الحرّ العاملي، محمّدبن الحسن (1033- 1104هـ).
199- الدر المنثور في التفسير بالمأثور (تفسير): السيوطي، جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر (849 - 911هـ): تصحيح وتخريج الأحاديث الشيخ نجدت نجيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1421هـ/2001م (8 مجلدات).
200- الدر النضيد في مراثي السبط الشهيد: الهروي، أحمد بن يحيى: جمع: السيد محسن العاملي، منشورات مكتبة الداوري - قم المقدّسة.
201- الدر النظيم في مناقب الأئمة: الشامي العاملي، يوسف بن حاتم (من أعلام القرن السابع الهجري): مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدسة/1409هـ.
202 - الدروس الشرعية في فقه الإمامية: الشهيد الأول، شمس الدین محمّدبن جمال الدین مكي العاملي الجزيني (734 - 786هـ): تحقيق ونشر: مجمع البحوث الإسلامية -مشهد/1996م.
203- دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام: القاضي التميمي المغربي، أبو حنيفة النعمان بن محمّدبن منصور (- 363هـ): اسماعيليان - قم المقدّسة/1372هـ. ش.
204- الدعوات: الراوندي، أبو الحسين سعيد بن هبة اللّه (- 573ه): دليل ما - قم المقدسة/1385هـ. ش.
205- دلائل الإمامة: ابن رستم الطبري، أبو جعفر محمّدبن جرير (- 310هـ): مؤسسة البعثة -قم المقدسة/1412هـ.
206- الدمعة الساكية: البهبهاني، محمّدباقر.
207- الدولة الأموية في الشام: زكريا النصولي، أنيس.
208- الدولة الأموية في الشرق: النجار، محمّد.
209- دیوان ابن نباتة: ابن نباتة السعدي، أبو نصر عبد العزيز: مطبعة التمدن - القاهرة/1905م.
210- ديوان ابن الهبارية: ابن الهبارية، محمّدبن محمّدبن صالح.
211- ديوان أبي الأسود: أبو الأسود الدؤلي، ظالم بن سفيان (- 569): المعارف - بغداد، الطبعة الثانية/1964م.
212 - ديوان أبي تمام: أبو تمام الطائي، حبيب بن أوس: شرح الخطيب التبريزي، تحقيق: عبدة عزّام، دار المعارف (بدون تاريخ).
213- ديوان الأخطل: الأخطل، غياث بن غوث (-95هـ): دار المشرق - بيروت، الطبعة الثانية/1986م.
214- ديوان الأعشى: الأعشى، ميمون بن قيس: المطبعة النموذجية - القاهرة/1950م. 215- ديوان الجواهري: مهدي الجواهري، محمّد(1903- 1998هـ): دار المعرفة بيروت/2005 م.
216- ديوان الحطيئة: أوس العبسي، جرول.
217- ديوان دعبل بن علي الخزاعي: ابن عليّ الخزاعي، دعبل (148 - 246هـ): الشريف الرضي - قم المقدسة/1417هـ.
218- ديوان السيد حيدر: ابن سليمان الحلّي، حيدر.
219- ديوان الشافعي: ابن إدريس الشافعي، محمّد: دار الكتب العلمية - بيروت/2007م.
220- ديوان الفرزدق: ابن غالب بن صعصعة الفرزدق، همام(- 110هـ): دار صادر -بیروت.
221- ديوان النعمان بن بشير: ابن بشير الأنصاري، النعمان.
222- ديوان الهذليين: جمع: محمّدمحمود بن التلاميد الشنقيطي: الدار القومية - القاهرة/1965م.
223- ديوان الوائلي: د. الوائلي، أحمد: دار الخلود - بيروت/1981م.
224- ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: الطبري، محبّ الدين أبو العباس أحمد بن عبداللّه بن محمّدالمكي الشافعي (615 - 694هـ): تحقيق وتعليق: أكرم البوشي، مكتبة الصحابة - جدة، الطبعة الأولى 1415هـ/1995م.
225 - ذخيرة الدارين: الحائري، مجيد.
226- الذرّيّة الطاهرة النبوية: الرازي الدولابي، أبو بشر محمّدبن أحمد (224 - 310هـ): مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدّسة/1407هـ.
227- الذريعة إلى تصانيف الشيعة: آقا بزرك الطهراني، محمّدمحسن (1255 - 1389هـ): دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثالثة/1403هـ.
228- ذكرى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): العاملي، حبيب.
229- الذهب المسبوك: تقي الدين المقريزي، أحمد بن علاء: (766 - 845هـ).
230- ذوب النضار في شرح الثار: ابن نما الحلي، جعفر بن محمّدبن هبة اللّه (- 645هـ): تحقيق فارس حسون كريم، جماعة المدرّسين - قم المقدّسة، الطبعة الأولى/1416هـ.
231- ربيع الأبرار ونصوص الأخبار: جار اللّه الزمخشري = أبو القاسم محمود بن عمر (467 - 538هـ)، دار الذخائر - قم المقدّسة/1410هـ.
232- رجال الكشي = اختيار معرفة الرجال: شيخ الطائفة، أبو جعفر محمّدبن الحسن الطوسي (385 - 460هـ): تحقيق: محمّدتقي فاضل الميبدي والسيد أبـو الفضل الموسويان، وزارة الثقافة والإرشاد - طهران، الطبعة الأولى/1382هـ. ش.
233- رجال النجاشي: أبو العباس الأسدي الكوفي، أحمد بن عليّ (372 - 450هـ): جماعة المدرّسين - قم المقدسة/1407هـ.
234- رحلة إلى العراق بكنغهام، جيم
235- رحلة بنيامين: ترجمة: عزار حداد.
236- رسائل الجاحظ: الجاحظ، عمرو بن بحر (150 - 255هـ): اعتناء: السندوبي: دار مكتبة الهلال - بيروت/1995م.
237- الرسائل العشر: شيخ الطائفة، أبو جعفر محمّدبن الحسن الطوسي (385 - 460هـ): مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدسة/1363هـ. ش.
238 - رسائل المرتضى: السيد المرتضى، علي بن الحسين موسوي (436هـ).
239- رسالة الغفران: أبو العلاء المعري، أحمد بن عبد اللّه (- 5449): دار المعارف - القاهرة، الطبعة الثالث/1962م.
240- روح الإسلام: أمير علي (1849 - 1928م): دار إحياء التراث - بيروت/1961م.
241- روح البيان (تفسير): حقي البروسوي، إسماعيل بن مصطفى (1063- 1127هـ): استانبول - دار الأرقام/1417ش.
242- روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات: الخوانساري، الميرزا محمّدباقر الموسوي (-1313هـ)، مكتبة إسماعيليان - قم المقدسة/1390هـ.
243- روضة الأعيان في أخبار مشاهير الزمان: الموصلي الرفاعي، محمّد.
244- روضة الواعظين وبصيرة المتعلمين: الفتال النيشابوري، محمّدبن أحمد (508هـ): دار الشريف الرضي - قم المقدسة، الطبعة الأولى/1386 ش.
245- رياض الأحزان: ابن نما الحلي، جعفر بن محمّدبن هبة اللّه (- 645هـ).
246- رياض النضرة في مناقب العشرة: محب الدين الطبري، أبي جعفر أحمد بن عبداللّه الشافعي (615 - 694هـ): تحقيق عبدالمجيد الحلبي، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأولى 1418هـ/1997م (4 أجزاء في مجلد).
247- ريحانة الرسول: فهمي، أحمد.
248- زاد المعاد: العلامة المجلسي، محمّدباقر بن محمّدتقي (1037 - 1111هـ): تعريب وتعليق: علاء الدين الأعلمي، مكتبة فدك - قم المقدّسة، الطبعة الأولى/1423هـ.
249 - زهر الآداب وثمر الألباب: أبو إسحاق القيرواني، إبراهيم بن علي الحصري: دار الجيل - بيروت/1973م.
250- زينب بنت عليّ: سيد الأهل، عبد العزيز.
251- زينب الكبرى: محمّد النقدي، جعفر (1885 - 1951م): منشورات الرضي - قم المقدسة/1362هـ.
252- سبل الهدى والرشاد الصالحي الشافعي، شمس الشامي محمّدبن يوسف (- 942هـ): تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمّدمعرض، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1414هـ/1993م.
253- سبط الرسول: أبو السعود، عبد الحفيظ.
254- السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي: ابن إدريس الحلّي، أبو جعفر محمّدبن منصور بن أحمد (قيل 543- 598هـ): تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدسة، الطبعة الرابعة/1417هـ.
255- سرّ السلسلة العلوية: البخاري، أبو نصر سهل بن عبد اللّه بن داود (- 341هـ): الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الأولى/1413هـ.
256- سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار الشيخ القمي، عباس بن محمّدرضا (1254 - 1359هـ): دار أسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة، الطبعة الرابعة/1427هـ.
257- سمط النجوم العوالي: العصامي، عبدالملك: السلفية - القاهرة/1380هـ.
258- سنن ابن ماجة: ابن ماجة القزويني، أبو عبداللّه محمّدبن یزید (- 273ھ): تحقیق: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية 1418هـ/1997م (4 مجلدات + مجلد الفهرس).
259- سنن أبي داود: الحافظ أبو داود السجستاني، سليمان بن الأشعث الأزدي (202 - 275هـ): تحقيق: سعيد محمّداللحام، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1410هـ/1990م.
260- سنن الترمذي: أبو عيسى محمّدبن عيسى بن سورة الترمذي (209 - 279هـ): الجمعية الإسلامية/1421هـ.
261- سنن البيهقي = السنن الكبرى: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (384 - 458هـ): مكتبة دار الفكر - بيروت 1416هـ/1996م.
262- السنن الكبرى: الدارمي السمرقندي، أبو محمّدعبد اللّه بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام التميمي(- 225هـ): تحقيق: محمّدعبد العزيز الخالدي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى/1417هـ/1996م (مجلّدان).
263- سؤال في يزيد بن معاوية: ابن تيمية الحراني، تقي الدين أحمد بن عبدالحليم الدمشقي (661 - 782هـ).
264- السيادة العربيّة والشيعة والإسرائيليات: فلوتن، خراوف فان (1866 - 1903م): القاهرة/1934م.
265- السياسة الحسينیة: الإمام كاشف الغطاء، محمّدحسين (1877 - 1974م).
266- السياسة عند العرب: أبو النصر، عمر.
267- سير أعلام النبلاء: شمس الدين الذهبي = محمّدبن أحمد بن عثمان (673- 748هـ): مؤسسة الرسالة - بيروت/1419هـ.
268- سيرة الأئمة الاثني عشر: معروف الحسني، هاشم: دار القلم - بيروت/1978م.
269- السيرة الحلبية: الحلبي = علي بن برهان الدین (975 - (1044هـ): دار الكتب العلمية - بيروت/2006 م.
270- السيرة النبوية: ابن هشام = أبو محمّدعبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري (- 218هـ): دار إحياء التراث العربي - بيروت/2000م.
271- سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي: محمّديوسف، حسين: الشعب - القاهرة/1973م.
272- السيدة زينب وأخبار الزينبيات: العبيدلي، جمال الدين أبو الفضل أحمد بن مهنا: دار المعرفة - بيروت/1982م.
273- الشافي في الإمامة: السيد المرتضى، علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) موسوي (355 - 436هـ): مؤسسة الصادق للطباعة والنشر - طهران/1426هـ.
274- شذرات الذهب في أخبار من ذهب: ابن عماد الحنبلي، أبو الفلاح عبدالحي بن أحمد (1032 - 1089هـ): دار إحياء التراث العربي - بيروت/1967م.
275- شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار: القاضي المغربي، أبو حنيفة النعمان بن محمّدالتميمي المصري(- 363هـ): تحقيق: السيد محمّدالحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الجلالي، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة/1409هـ.
276- شرح شافية أبي فراس (م): الحسسيني، محمّدبن أمير الحاج: دار الطباعة - طهران/1296هـ. ش.
277- شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، عز الدين أبي حامد عبدالحميد بن هبة اللّه بن محمّدبن محمّدبن الحسين مدائني المعتزليّ (586 - 655هـ)، قدّم له وعلّق عليه: الشيخ حسين الأعلمي، الناشر: مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى/1415هـ - 1995م.
278- شعراء الحلّة: الخاقاني، عليّ (- 1334هـ): دار الأندلس - بيروت/1964م. 279- شعراء الغري: الخاقاني، عليّ (- 1334هـ): الحيدرية - النجف الأشرف/1954م.
280- شعراء النصرانية بعد الإسلام شيخو اليسوعي، لويس (الآباء اليسوعيين): دار المشرق - بيروت/1967م.
281- الشهيد مسلم بن عقيل: المقرّم، عبد الرزاق الموسوي: الحيدرية - النجف الأشرف/1950م.
282- شواهد التنزيل لقواعد التفضيل: الحاكم النيسابوري، عبيداللّه بن عبداللّه بن أحمد بن الحسكاني (- 490هـ): محمّدإحياء الثقافة الإسلامية - بيروت/1427م.
283- شيخ المضيرة أبو هريرة: أبو رية، محمود (- (1385هـ): دار المعارف - القاهرة/1969م.
284- الشيعة في الميزان: مغنية، محمّد جواد (1904 - 1979م): دار الشروق - بيروت.
285 - صبح الأعشى في صناعة الإنشا: القلقشندي = أحمد بن علي بن أحمد (- 821): دار الكتب العلميّة - بيروت/1987م.
286- الصحاح = تاج اللغة وصحاح العربيّة: الجوهري، إسماعيل بن حماد (قيل: 332 - 392هـ): تحقيق: أحمد عبد الغفور عطّار، دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الرابعة/1990م.
287- صحيح البخاري: البخاري، أبو عبداللّه محمّدبن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي (194 - 256هـ): ضبطه ورقمه: الدكتور مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير ودار اليمامة - دمشق. الطبعة الخامسة 1414هـ/1993م (6 مجلدات + مجلد الفهارس).
288- صحيح مسلم = الجامع الصحيح: القشيري النيسابوري، أبو الحسين مسلم بن حجّاج (206 - 261هـ): دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى 1416هـ/1995م.
289- الصراع بين الموالي والعرب: شريف، بديع: دار الكتاب العربي - القاهرة/1954م. 290 - الصراع بين الموالي ومبادئ الإسلام: حعفر. نوري.
291- الصراط السوي في مناقب آل النبیّ (م): الشيخاني القادري، محمود.
292- الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم: العاملي، علي بن يونس: الحيدرية - طهران، الطبعة الأولى/1382هـ. ش.
293- صفة الصفوة: ابن الجوزي، أبو الفرج جمال الدین عبدالرحمن بن علي بن محمّد(508 - 597هـ): دار المعرفة - بيروت/1979م.
294- صلح الإمام الحسن: آل ياسين، راضي.
295- الصناعتين في الكتابة والشعر: أبو الهلال العسكري، الحسن بن عبد اللّه (- 395هـ): تحقيق: محمّد علي البجاوي و محمّدأبو الفضل إبراهيم.
296- الصواعق المحرقة على أهل الرّفض والضلال والزندقة: ابن حجر الهيتمي، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمّدبن عليّ (909 - 974هـ): تحقیق: عبدالرحمان التركي وكامل محمّدالخراط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ/1997م (مجلدان).
297- الطبقات الكبرى: ابن سعد، أبو عبد اللّه محمّدبن سعد بن منيع البصري الواقدي الزهري (168 - 230هـ): تحقیق: محمّدعبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1410هـ/1990م (8 مجلدات + مجلد الفهارس).
298- الطبقات الكبرى = لواقع الأنوار: الشعراني، أبو المواهب عبدالوهاب بن أحمد المصري: صحح بمعرفة لجنة من العلماء بالقاهرة/1374هـ/1954م.
299- الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف: السيد ابن طاووس = رضي الدين أبي القاسم عليّ بن بن سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - (644هـ): تحقيق: السيد عليّ عاشور، الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، الطبعة الأولى/1420هـ - 1999م.
300- عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات: القزويني = زكريا بن محمّدبن محمود (602 - 682هـ): ایران 1310هـ. ش. و مصر 1305هـ بهامش حياة الحيوان.
301- العدد القوية لدفع المخاوف اليومية: ابن المطهر الحلّي، رضي الدين علي بن يوسف (- 726هـ): مكتبة السيد المرعشي النجفي 1- قم المقدّسة، الطبعة الأولى/1408هـ.
302- العصبية القبلية وأثرها في الشعر الأموي: د. النص، إحسان: دار اليقظة العربية - بيروت/1964م.
303- عقد الآل في مناقب الآل: البحراني، أحمد بن سليمان.
304 - العقد الفريد: ابن عبدربه الأندلسي، أبو عمر أحمد بن محمّد(246 - 328هـ): دار إحياء التراث العربي - بيروت/1989م.
305- العقيدة والشريعة في الإسلام جولد زيهر، أجناس: ترجمة: محمّديوسف، دار النهضة - بيروت/1990م.
306- علل الشرائع: الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّدبن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ): دار الحُجّة للثقافة - قم المقدّسة، الطبعة الأولى/1416هـ (جزءان في مجلد).
307- علم الاجتماع: لطفي، عبدالحميد.
308- علم النفس العسكري: الحسني، عبّاس: جامعة بغداد - كلية الآداب، الطبعة الأولى/1986م.
309 - علي وبنوه: د. حسين، طه (1889 - 1973م): دار المعارف - القاهرة/1989م.
310- عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب الأبرار: ابن البطريق = يحيى بن الحسن الأسدي الحلي (- 600هـ): نشر جماعة المدرّسين - قم المقدسة/1407هـ.
311- عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: ابن عنبة = جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين حسيني (741 - 828هـ): المكتبة الثقافية - قم المقدسة/2004م.
312- العواصم من القواصم: ابن العربي = أبو بكر محمّدبن عبد اللّه(- 543ه): دار الجيل - بيروت.
313- عوالم العلوم والمعارف والأحوال: البحراني الأصفهاني، الشيخ عبد اللّه(- 1130هـ): مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَي فَرَجَهُ الشَریف(- قم المقدسة، الطبعة الأولى/1407هـ.
314- غوالي اللآلئ العزيزية في الأحاديث الدينية: ابن أبي جمهور الأحسائي، محمّدبن عليّ بن إبراهيم (-880هـ): دار سيّد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ(- قم المقدسة، الطبعة الأولى/1405هـ.
315- العين = ترتيب العين: الفراهيدي، أبو عبدالرحمن الخليل بن أحمد (- 175هـ): تصحيح: الأستاذ أسعد الطيب، نشرة الأسوة - قم المقدّسة/1414هـ.
316- عيون الأخبار: ابن قتيبة الدينوري، عبداللّه بن مسلم (213- 276هـ): دار الكتب المصرية - القاهرة/1996م.
317- عيون أخبار الرضاء (عَلَيهِ السَّلَامُ): الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّدبن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (311 - 381هـ): تحقيق: الشيخ حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى/1404هـ.
318- عيون الأخبار وفنون الآثار القرشي، عماد الدين: دار التراث الفاطمي - بيروت/1972م.
319- عيون الأخبار وفنون الآثار: إدريس بن حسن (794 - 872هـ): معهد الدراسات الإسماعيلية - لندن/1990م.
320- الغارات: ابن هلال الثقفي، إبراهيم بن محمّدالكوفي (- 283هـ): دار الكتاب الإسلامي - قم المقدسة/1411هـ.
321- الغدير في الكتاب والسنّة والأدب: العلامة الأميني، عبدالحسين (1281 - 1349هـ): دار إحياء التراث العربي - بيروت/1990م.
322- الغلو والفرق الغالية في الحضارة الإسلاميّة: سلوم السامرائي، عبد اللّه: دار الحرّية، - بغداد/1985م.
323- الفائق في غريب الحديث: جار اللّه الزمخشري = أبو القاسم محمود بن عمر (467 - 538هـ): دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى/1417هـ.
324- الفتاوى الحديثة: ابن العربي، أبو بكر محمّدبن عبد اللّه(- 543). 325 - فتح الباري في شرح صحيح البخاري: ابن حجر العسقلاني، شهاب الدين أحمد بن علي الشافعي) 733- 852: تحقیق: عبدالعزيز بن عبداللّه بن باز، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى 1414هـ/1993م (15 مجلداً + مجلدا المقدّمة والخاتمة).
326- الفتنة الكبرى: د. حسین، طه: دار المعارف - القاهرة، الطبعة السادسة/1966م. 327- الفتوح: ابن أعثم الكوفي، أحمد بن محمّدبن علي (- 314هـ): دار الكتاب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1406هـ/1986م.
328- الفتوحات الإسلامية: زيني دحلان، أحمد: المدني - القاهرة/1968م.
329- فتوح البلدان البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (- 279هـ): المطبعة: المصرية - القاهرة، الطبعة الأولى/1932م.
330- الفخري في الآداب السلطانية: ابن الطقطقي، محمّدبن علي: الرحمانية - القاهرة/1927م.
331- الفرق بين الفرق: البغدادي، عبد القاهر بن طاهر بن محمّدالبغدادي الاسفرائيني التميمي (429هـ): تحقيق: محمّدمحي الدين عبد الحميد، مكتبة دار التراث - القاهرة.
332- الفصول المختارة: الشريف المرتضى = علم الهدى عليّ بن الحسين بن موسى الموسوي (355 - 436هـ): تحقيق: السيد نور الدين جعفريان الأصبهاني والشيخ يعقوب الجعفري والشيخ محسن الأحمدي، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت، الطبعة الثانية 1414هـ/1993م.
333- الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة: ابن الصباغ = علي بن محمّدبن أحمد المالكي ( - 855): دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1409هـ/1988م.
334- فضائل الإمام أمير المؤمنين: ابن حنبل، عبداللّه بن أحمد: المجمع العالمي لأهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ(- قم المقدسة/1425هـ.
335- فضائل الخمسة من الصحاح الستة: الحسينیّ الفيروزآبادي، مرتضى (1289 - 1368هـ)، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الرابعة 1402هـ/1982م.
336- فضائل الصحابة: ابن حنبل الشيباني، أحمد (164 - 241هـ): دار الثقافة -الرياض/1990م.
337- فضل زيارة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (م): الشجري الكوفي، محمّدبن عليّ.
338- فقه الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) (المنسوب للإمام علي بن موسى الرضا (عَلَيهِما السَّلَامُ)): ابن بابويه القمي، علي بن الحسين(- 329هـ): تحقيق: مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإحياء التراث، المؤتمر العالمي للإمام الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ(- مشهد المقدّسة، الطبعة الأولى/1406هـ.
339- الفوائد الرجالية: بحر العلوم، محمّدمهدي: الآداب - النجف الأشرف، الطبعة الأولى/1965م.
340- فوات الوفيات: ابن شاكر الكتبي = محمّدبن شاكر (681 - 764هـ): تحقيق: علي محمّدبن يعوض اللّه و عادل أحمد عبدالموجود، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى/2000 م.
341 - الفهرست: شيخ الطائفة = أبو جعفر محمّدبن الحسن الطوسي (385 - 460هـ): تحقيق ونشر الفقاهة - قم المقدسة/1417هـ.
342- فهرست ابن الندیم: ابن ندیم، محمّدبن إسحاق (- 385هـ): تعليق: الشيخ إبراهيم رمضان، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية 1417هـ/1997م.
343- فيض القدير شرح الجامع الصغير: عبدالرؤوف المناوي، محمّدالشافعي (952 - 1031هـ).
344- قاموس الرجال: التستري، محمّدتقي بن كاظم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة الجماعة المدرّسين - قم المقدّسة، الطبعة الأولى/1419هـ (4 مجلدات).
345- القاموس المحيط: الفيروزآبادي، أبو طاهر مجدالدين محمّدبن يعقوب بن محمّدبن إبراهيم (729 - 817): تقديم وتعليق: الشيخ أبو الوفا نصر الهوريني المصري الشافعي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1425هـ/2004م.
346- قرب الإسناد: الحميري، أبو العباس عبد اللّه بن جعفر (- 310هـ): مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإحياء التراث - بيروت، الطبعة الأولى 1413هـ/1993م.
القصائد الهاشميات والقصائد العلويات الكميت بن زيد، ابن أبي الحديد
347- قصص العرب: جاد المولى، محمّد، وغيره.
348- قمر بني هاشم: المقرّم، عبد الرزاق الموسوي: الحيدرية - النجف الأشرف/1950م.
349 - الكافي: ثقة الإسلام الكليني، أبو جعفر محمّدبن يعقوب بن إسحاق الرازي (328 - 329هـ): مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1426هـ/2005م.
350- كامل الزيارات: ابن قولويه، الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمّدالقمي(- 368هـ): دار السرور - بيروت، الطبعة الأولى/1418هـ - 1997م.
351- الكامل في التاريخ: ابن الأثير، عز الدين أبي الحسن علي بن محمّدبن أبي الكرم الشيباني (555 - 630هـ): دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1408هـ/1989م.
352- الكامل في اللغة والأدب: المبرد، أبو العباس محمّدبن يزيد (210 - 286هـ): دار الفكر العربي - القاهرة/1997م.
353- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: حاجي خليفة، مصطفى بـن عبداللّه (- 1067هـ): دار الفكر - بيروت، 1402هـ/1982م.
354- كشف الغمة في معرفة الأئمة: الإريلي، أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح (467 - 538هـ): دار الأضواء - بيروت/1985م.
355- كفاية الأثر في النص على الأئمة الأثني عشر: الخزار، أبو القاسم علي بن محمّدبن عليّ الرازي القمي(- 400هـ): تحقيق: عبد اللطيف الحسينی: انتشارات بيدار - قم المقدّسة/1401هـ.
356- كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب: الحافظ الكنجي الشافعيّ، أبو عبداللّه محمّدبن يوسف القرشي، (- 658هـ): تحقيق: محمّدهادي الأميني، دار إحياء تراث أهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) - طهران، الطبعة الثانية/1404هـ.
357- الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء: الإمام شرف الدين، عبدالحسين موسوي العاملي (1873- 1958م): الدراسات الإسلامية/1996م.
358- كمال الدين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّدبن علي بن الحسين بن بابويه القمّي (311 - 381هـ): صححه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المقدسة/1422هـ.
359- كنز الدقائق وبحر الغرائب (تفسير): ابن المشهدي - الميرزا محمّد بن محمّدرضا بن إسماعيل بن جمال الدين القمّي (القرن 12 الهجري): دار الغدير - قم المقدسة/1423هـ.
360- كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: المتقي الهندي = علاء الدين علي بن حسام الدين (888 - (975هـ: مؤسسة الرسالة - بيروت/2004 م.
361 - كنز الفوائد: أبو الفتح الكراجكي، محمّدبن علي بن عثمان الطرابلسي (- 449هـ): مكتبة المصطفوي - قم المقدّسة، الطبعة الثانية/1410هـ.
362- الكنى والأسماء: الرازي الدولابي، أبو بشر محمّدبن أحمد (224 - 310هـ). 363- الكنى والألقاب: الشيخ القمي، عبّاس (1254 - 1319هـ): مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين - قم المشرّفة، الطبعة الأولى/1425هـ.
364- الكواكب الدرية في مناقب الصوفية: عبدالرؤوف المناوي، محمّدالشافعي (952- 1031هـ).
365- لسان العرب: ابن منظور، جمال الدين أبو الفضل محمّدبن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري الأفريقي المصري (630 - 711هـ): تنسيق وتعليق: علي شيري، دار صادر - بيروت/1995م.
366- لسان الميزان: ابن حجر العسقلاني، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي (773- 853 هـ): تحقيق: عادل أحمد وعلي معوّض، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1416هـ/1996م (7 مجلدات).
367- اللّهوف في قتلى الطفوف: السيد ابن طاووس، رضي الدين أبي القاسم علي بن بن - سعد الدين إبراهيم بن موسى بن جعفر (589 - 644هـ): أنوار الهدى - قم المقدسة، الطبعة الأولى/1417هـ.
368 - لواعج الأشجان: الأمين العاملي، محسن (1865 - 1952م): مطبعة كرم -دمشق/1954م.
369- ما نزل في القرآن في أهل البيت (م): الحسين بن الحكم: دار السيرة - بيروت/1997م.
370- مثير الأحزان: ابن نما الحلي، جعفر بن محمّدبن هبة اللّه (- 645هـ): تحقيق ونشر: مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) ية - قم المقدسة/1406هـ.
371- المجازات النبوية الشريف الرضي، محمّدبن حسين (359 - 5406): دار الحديث - قم المقدسة/1422هـ.
372- المجتنى: ابن دريد - أبي بكر محمّدبن الحسن الأزدي (223- 321هـ): حیدر آباد.
373- المجتمعات الإسلامية في القرن الأول: فيصل، شكري: دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الرابعة/1985م.
374- مجلة البلاغ: آل ياسين، محمّدحسن.
375- مجلة الغرّى: آل كاشف الغطاء شيخ العراقين، عبدالرضا: عدد خاص بـسيد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ).
376 - مجمع الأمثال: أبو الفضل الميداني، أحمد بن محمّدالنيسابوري (- 518هـ): عيسى البابي - القاهرة/1982م.
377- مجمع البحرين ومطلع النيّرين: فخر الدين الطريحي = محمّدبن علي (979 - 1085هـ): تحقیق: قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسسة البعثة - طهران، الطبعة الأولى/1414هـ (3مجلدات).
378- مجمع البيان (تفسير): الطبرسي = أمين الإسلام، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطوسي (468 - 548هـ): تحقيق: السيد هاشم الموسوي المحلّاتي والسيد فضل اللّه اليزدي الطباطبائي: دار المعرفة - بيروت، الطبعة الثانية/1408هـ - 1998م.
379- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: الهيثمي، الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر المصري الشافعي (735 - 80هـ): دار الكتب العلمية - بيروت 1408هـ/1988م.
380- مجموعة ورّام = تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: المالكي الأشتري، الأمير أبو الحسين ورام بن أبي فراس (- 605هـ): دار الكتب الإسلامية - طهران، الطبعة الثانية/1368هـ.
381- المحاسن: البرقي، أبو جعفر أحمد بن محمّدبن خالد (- 274هـ): المجمع العالمي لأهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ) - قم المقدسة/1416هـ.
382- المحاسن والمساوئ: البيهقي = إبراهيم بن محمّد(من أعلام القرن الرابع): دار بيروت - بيروت 1404هـ/1984م.
383- محاضرات الأوائل والأواخر: درة الحنفي، عليّ.
384- محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية: الخضري، محمّدبك: المكتبة التجارية - القاهرة، الطبعة الثامنة/1382هـ.
385- المحبّر: ابن حبيب الهاشمي البغدادي، محمّد: دار الغد العربي - القاهرة/2000م.
386- المحيط في اللغة: إسماعيل بن عباد، الصاحب (- 385هـ): عالم الكتب - بيروت/1414هـ.
387- مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي: علي، أمير: دار الآفاق - القاهرة/2001م.
388- مختصر كتاب البلدان: ابن الفقيه، أحمد بن محمّدالهمداني.
389- مدينة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): الكليدار، محمّدحسين.
390- المراجعات: الإمام شرف الدين، عبدالحسين موسوي العاملي (1873- 1958م): دار الأنصار - قم المقدسة/1386هـ.
391- مرآة الجنان وعبرة اليقظان: اليافعي، أبو محمّدعبد اللّه بن أسعد بن علي بن سليمان (- (768هـ): وضع حواشيه خليل المنصور، نشر دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ/1997م.
392- مرآة الزمان في تاريخ الأعيان: سبط ابن الجوزي، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن فرغلي بن عبد اللّه البغدادي (581 - 654هـ:): مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، قم المقدسة/1366هـ.
393- مروج الذهب ومعادن الجوهر المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي (- 346هـ): تحقيق: عبد الأمير المهنا، نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ/1991م.
394- المزار الكبير: ابن المشهدي، الشيخ أبو عبد اللّه محمّدبن جعفر بن علي الحائري (- 610هـ): تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني، نشر دار القيوم، الطبعة الأولى/1419هـ.
395- مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل: المحدّث النوري، الحاج الميرزا حسين بن محمّدتقي بن تقي الطبرسي (1254 - 1320هـ): مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) لإحياء التراث - قم المقدّسة، الطبعة الأولى/1408هـ.
396- المستدرك على الصحيحين الحاكم النيسابوري، محمّد (- 405هـ): تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، نشر دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ/1990م.
397 - مسند أحمد بن حنبل: ابن حنبل، أحمد(- 241هـ): مؤسسة الرسالة - بيروت،
الطبعة الثانية 1420هـ/1999م.
398-مسند زيد بن عليّ: زيد بن علي (رضی الله عنه) (79 - 122هـ): مكتبة اليمن الكبرى - صنعاء/1987م.
399- مسند الفردوس (م): ابن شيرويه الديلمي، شهردار.
400 - مسند أبي يعلى: أبو يعلى التميمي الموصلي، أحمد بن علي بن المثنى (451 - 526هـ): تحقيق حسين سليم، دار الثقافة العربية - دمشق، الطبعة الثالثة 1412هـ/1992م (13مجلداً + مجلدا الفهارس).
401 - المشترك وضعاً والمفترق صقعاً: ياقوت الحموي، شهاب الدين أبو عبداللّه ياقوت بن عبداللّه الرومي البغدادي (574 - 626هـ)
402- مشكل الآثار الطحاوي، أحمد بن محمّدبن سلامة بن سلمة (239 - 321هـ): مؤسسة الرسالة - بيروت 1408هـ/1987م.
403- مصابيح السنة: البغوي، أبو محمّدالحسين بن مسعود بن محمّدالفراء (438 - 516هـ): تحقيق: د. يوسف عبدالرحمن المرعشلي ومحمّدإبراهيم سمارة وجمال حمدي الذهبي، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأولى 1407هـ/1987م.
404- مصباح المتهجّد: شيخ الطائفة، أبو جعفر محمّدبن الحسن الطوسي (385 - 5460): مؤسسة فقه الشيعة - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ/1991م.
405- مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: القرشي، كمال الدين محمّدبن طلحة بن
محمّدبن الحسن الشافعي (583- 652هـ:): مؤسسة أم القرى - قم المقدسة/1420هـ. 406- معادن الحكمة في مكاتيب الأئمة: الفيض الكاشاني، الملا محسن بن مرتضى محمّد: محسن (1007 - 1091هـ).
407- المعارف: ابن قتيبة الدينوري، أبو محمّدعبد اللّه بن مسلم (213- 276هـ): دار الكتب العلميّة، بيروت/1407هـ.
408- مع الحسين في نهضته: حيدر، أسد (1911 - 1980م).
409- مع الركب الحسينی: المولائي، عزّة اللّه الطبسي، محمّدجعفر: مركز الدراسات
الإسلامية، الطبعة الأولى/1424هـ.
410- معالى السبطين: الحائري، محمّدمهدي: أمير - قم المقدسة/1409هـ.
411- معاني الأخبار: الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمّدبن علي بن الحسين بن بابويه القمي (311 - 381هـ): قدّم له: الشيخ حسين الأعلمي، تعليق: علي أكبر الغفاري، نشر مؤسسة الأعلمي - بيروت، الأولى 1410هـ/1990م.
412- معاوية في الميزان: العقاد، عباس محمود (1889 - 1964هـ): دار الهلال - القاهرة.
413- معجم ابن الأعرابي: ابن الأعرابي، أحمد بن محمّدبن زياد.
414- معج معجم الأدباء: ياقوت الحموي، شهاب الدين أبو عبداللّه ياقوت بن عبداللّه الروميّ البغدادي (574 - 626هـ): دار المأمون - القاهرة/2001م.
415- المعجم الأوسط: الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي (260 - 360هـ): دار الفكر - عمان/1999م.
416- معجم البلدان: ياقوت الحموي، شهاب الدين أبو عبد اللّه الرومي البغدادي (626هـ): دار إحياء التراث العربي - بيروت/1399هـ.
417- معجم رجال الحديث: السيد الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي(- 1413هـ): الثقافة الإسلامية - قم المقدّسة الطبعة الخامسة 1413هـ/1992م.
418- معجم الشعراء: المرزباني، محمّدبن عمران (297 - 384هـ): المكتبة الإسلامية - القاهرة/1354هـ.
419- المعجم الكبير: الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي (260 - 360هـ): دار إحياء التراث العربي - بيروت/1996م.
420- معجم قبائل العرب: د. رضاكحالة، عمر: دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الثانية/1968م.
421- معجم ما استعجم: البكري الأندلسي، عبداللّه بن عبدالعزيز (432 - 487هـ): مكتبة الخانجي - القاهرة/1996م.
422- المعيار والموازنة: الإسكافي، أبو جعفر محمّدبن عبداللّه المعتزلي(- 360): الدار العربية للطباعة - بغداد.
423- مفاتيح الجنان: الشيخ القمي، عبّاس بن محمّدرضا (1254 - 1359هـ): مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت -/1992م.
424- مفتاح الأفكار: أبو محمّدعبدالعزيز بن عبدالرحمن السلمان.؟؟؟ المؤلّف
425- مقاتل الطالبيين: أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين بن محمّدبن أحمد (- 356هـ): مكتبة الشريف الرضي - قم المقدسة/1416هـ.
426 - مقامات الحريري: الحريري، القاسم بن علي(-516هـ).
427- مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): الخوارزمي = أخطب خوارزم، موفق بن أحمد بن محمّدالبكري الحنفي المكي (484 - 568هـ): تحقيق: محمّدالسماوي، أنوار الهدى - قم المقدسة/1418هـ.
428- مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) = حدیث كربلاء المقرّم، عبد الرزاق الموسوي: قدّم له محمّد حسين المقرّم، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الرابعة/1414هـ.
429- مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أبو مخنف الأزدي، لوط بن يحيى(- 157هـ): الزهراء - النجف الأشرف/1948م.
430 - المقنعة: الشيخ المفيد: أبو عبد اللّه محمّدبن محمّدالنعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ): تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة الرابعة/1417هـ.
431- ملحمة الغدير: سلامة، بولس: مطبعة النشر - بيروت/1949م.
432- الملل والنحل: الشهرستاني، أبو الفتح محمّدبن عبد الكريم) 479 - 548هـ): مؤسسة الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) - طهران/1387هـ.
433- المناقب: الخوارزمي = أخطب خوارزم، الموفق بن أحمد بن محمّدالبكري الحنفي المكي (484 - 568هـ): تحقيق: مالك المحمودي، مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة الثالثة/1417هـ.
434- مناقب آل أبي طالب: ابن شهرآشوب، أبو جعفر رشيد الدين محمّدبن علي السروي المازندراني (488 - 588هـ): دار الأضواء - بيروت، الطبعة الثانية 1412هـ/1991م.
435- مناقب علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ): ابن المغازلي، أبي الحسن علي بن محمّدالشافعي: الواسطي(- 483هـ): إعداد: المكتب العالمي للبحوث، دار مكتبة الحياة - بيروت (مجلد).
436- المناقب والمثالب: القاضي المغربي، أبو حنيفة النعمان بن محمّدالتميمي المصري (363هـ ).
437- المنتخب: فخر الدين الطريحي = محمّدبن عليّ (979 - 1085هـ): الحيدرية - النجف الأشرف/1981هـ.
438- المنتظم في تاريخ الأمم والملوك: ابن الجوزي، أبو الفرج جمال الدين عبدالرحمن بن عليّ بن محمّد(508 - 597هـ): تحقيق وتقديم: سهيل زكار، الطبعة الأولى/1415هـ - 1995م.
439- منتهى الآمال: الشيخ القمي، عبّاس بن محمّدرضا (1254 - 1359هـ): مؤسسة النشر الإسلامي - قم المقدّسة، الطبعة الخامسة/1422هـ.
440- المنجد في اللغة والأعلام: معلوف، لويس: دار المشرق - بيروت، الطبعة الخامسة والثلاثون/1996م.
441- من معالم الحق: الغزالي، أبو حامد محمّدبن محمّد(450 - 505هـ).
442- المنمّق في أخبار قريش: الهاشمي البغدادي، محمّدبن حبيب (- 245هـ): تصحيح وتعليق: خورشيد أحمد فاروق، عالم الكتب - بيروت، الطبعة الأولى/1405هـ - 1985م.
443- منهاج السنة النبوية: ابن تيمية الحراني، تقي الدين أحمد بن عبدالحليم الدمشقي (661 - 782 هـ): إدارة الثقافة - مكة المكرمة/1412هـ.
444- مواهب الجليل: الحطاب الرعيني، محمّدالمغربي: تحقيق: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى/1416هـ.
445- المواهب اللدنية بالمنح المحمّد ية: القسطلاني المصري، أبو العباس شهاب الدين: أحمد بن محمّد(851 - 923هـ): الدار العلمية - بيروت/1996م.
446- المورد: البعلبكي، منير: تحقيق: عبد الأمير مهنا، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الطبعة الأولى 1411هـ/1991م.
447- الموطأ: الإمام مالك بن أنس(- 176هـ): تحقيق: محمّدفؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي - بيروت/1992م.
448- ميزان الاعتدال في نقد الرجال: الذهبي = شمس الدين محمّدبن أحمد بن عثمان (673- 748هـ): دار الفكر - بيروت/1420هـ.
449- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: الأتابكي، أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي (813- (784هـ): وزارة الثقافة والإرشاد القومي - القاهرة/1972م.
450- النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم: تقي الدين المقريزي، أحمد بن عليّ (766 - 845هـ): قم المقدّسة/1419هـ.
451- نزهة المجالس ومنتخب النفائس: الصفوري الشافعي، عبدالرحمان بن عبدالسلام (- 894هـ): المعارف - الاسكندرية/2001م.
452- نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق: رزق اللّه غنيمة، يوسف: دار الوراق - لندن، الطبعة الثانية/1997م.
453- نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: الحلواني، أبو عبداللّه الحسين بن محمّد(القرن الخامس الهجري): مدرسة ومؤسسة الإمام المهدي (عَجَّلَ اللّهُ تَعَالَي فَرَجَهُ الشَریف) - قم المقدسة، الطبعة الأولى/1408هـ.
454- نساء لهنّ في التاريخ الإسلامي نصيب: إبراهيم حسن، عليّ.
455- نسب قريش: الزبيري، مصعب بن عبداللّه: دار التعارف - القاهرة.
456- النصائح النصائح الكافية لمن يتولى معاوية: العلوي، محمّدبن عقيل بن عبداللّه بن عمر (1863- 1931م): مؤسسة الفجر - بيروت/1991م.
457- النصّ والاجتهاد: الإمام شرف الدين، عبدالحسين موسوي العاملي (1873-
1958م: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الحادية عشر 1426هـ/2005م.
458- نظام الأسرة في الإسلام: القرشي، باقر شريف (1926 - م): تحقيق: مهدي باقر القرشي، مهر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الطبعة الأولى/1427هـ.
459- النظام التربوي في الإسلام: القرشي، باقر شريف (1926 - م): تحقيق: مهدي باقر القرشي، مهر أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، الطبعة الأولى/1427هـ.
460 - نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثني عشرية: محمود صبحي، أحمد: دار النهضة العربية - بيروت 1411هـ/1991م.
461 - النظم الإسلامية: موريس گود فروا، دیمومین (1863- 1957م): دار المعارف - القاهرة/1982م.
462- نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين: الزرندي الحنفي، جمال الدين محمّدبن يوسف بن الحسن بن محمّدالمدني (693- 750هـ): المجمع العالمي للتقريب - طهران/2009 م.
463- نفس المهموم: الشيخ القمي، عبّاس بن محمّدرضا (1254 - 1359هـ).
464- النقود الإسلامية: المقريزي، أحمد بن علي (766 - 8845).
465- النكت الاعتقادية: الشيخ المفيد: أبو عبد اللّه محمّدبن محمّدالنعمان العكبري البغدادي (336 - 413هـ): تحقيق: رضا المختاري، دار المفيد - بيروت، الطبعة الثانية 1414هـ/1993م.
466- نور الأبصار في مناقب آل بيت النبیّ المختار: الشبلنجي، مؤمن بن حسن بن مؤمن: تحقيق: عبد الوارث محمّد علي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى 1418هـ/1997م.
467- نهاية الإرب في فنون الأدب: النويري، أحمد بن عبدالوهاب (- 733هـ): طبعة وزارة الثقافة والإرشاد القومي، المؤسسة المصرية، مطبعة دار الكتب المصرية.
468- النهاية في غريب الحديث والأثر: ابن الأثير الجزري، مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمّد(544 - 606هـ): دار الفكر - بيروت/1990م.
469- نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: المحمودي، محمّدباقر: وزارة الثقافة والإرشاد - طهران/1418هـ.
470- نهضة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): الشهرستاني، هبة الدين: منشورات الرضي - قم المقدّسة/1363هـ. ش.
471- الهفوات النادرة: ابن هلال الصابي، أبو الحسن محمّد.
472- الهداية الكبرى الحضيني الجنبلائي، أبو عبداللّه الحسين بن حمدان (- 334هـ): بيروت/1417هـ.
473- الوافي في المسألة الشرقية: إبراهيم شميل، أمين.
474- الوزراء والكتاب: الجهشياري، محمّدبن عبدوس: مصطفى البابي الحلبي - القاهرة، الطبعة الأولى/1938م.
475- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: الحرّ العاملي، محمّدبن الحسن بن عليّ بن محمّدبن الحسين (1033- 1104هـ): مؤسسة آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) - قم المقدسة، الطبعة الثانية/1416هـ.
476- وسيلة الدارين: الزنجاني، إبراهيم.
477 - وسيلة المآل في عد مناقب الآل (م): الحضرمي الشافعي، شهاب الدين أحمد بن الفضل (1047هـ).
478- الوصية الكبرى: ابن تيمية الحراني، تقي الدين أحمد بن عبدالحليم الدمشقي (661 - 782هـ).
479- وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى: السمهودي، نور الدين علي بن القاضي عفيف الدين عبداللّه بن أحمد الحسينی الشافعي (843- 911هـ): دار الفكر - بيروت/1980م.
480- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمّدبن أبي بكر(- 681هـ): تحقيق: د. إحسان عباس، منشورات الشريف الرضي - قم المقدّسة، الطبعة الثانية/1406هـ.
481- وقعة الجمل: زكريا، محمّد.
482- وقعة الطف: أبو مخنف، لوط بن يحيى الأزدي(- 157هـ): مؤسسة النشر الإسلامي - جماعة المدرّسين - قم المقدسة/1367هـ. ش.
483- وقعة صفين: المنقري، نصر بن مزاحم (212هـ): طبع مكتبة المرعشي النجفي - قم المقدّسة/1404هـ) بالأنسيت عن الطبعة الثانية للمؤسسة العربية الحديثة - القاهرة/1382هـ).
484- الولاة والقضاة: الكندي = أبو عمر محمّدبن يوسف، مكتبة الخانجي - القاهرة/1988م.
485- ينابيع المودة لذوي القربي: القندوزي، سليمان بن إبراهيم الحنفي (- 1294هـ): تحقيق: السيد علي جمال أشرف الحسينی، الناشر: دار الأسوة للطباعة والنشر - قم المقدّسة، الطبعة الأولى/1416هـ.
تقديم...7
اِختِیارُ الهِجرَة اِلِی العِرَاقِ
22 - 11
الإعراض عن الحجاز...18
الإعراض عن مصر...19
الإعراض عن اليمن...19
الإعراض عن فارس...21
الإعراض عن البصرة...21
مُشْفِقُونَ ومُندَدُونَ
23- 42
المشفقون...25
1- المِسْوَر بن مخرمة...26
2- عبداللّه بن جعفر...26
3- عبداللّه بن عباس...27
4- أبو بكر المخزومي...29
5- عبد اللّه بن جعدة...31
6- جابر بن عبداللّه...31
7- عبداللّه بن مطيع...31
8- عمرو بن سعيد...32
9- محمّدبن الحنفية...33
10- السيدة أُم سلمة...34
11- عبد اللّه بن الزبير...35
المندّدون...36
أولاً: المتقدمون...36
1- عبد اللّه بن عمر...36
2- سعيد بن المُسَيِّب...37
3- أبو واقد الليثي...37
4- أبو سلمة...38
5- أبو سعيد الخدري...38
6- عمرة بنت عبد الرحمن...38
ثانياً: المستحدثون...39
1- الشيخ محمّدالخضري...39
2- محمّدالنجار...40
3- محمّدالغزالي...41
4- أحمد شلبي...41
الرحلة إلى العراق
43 - 94
رسالته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) لبني هاشم...46
التحاق بني هاشم به (عَلَيهِ السَّلَامُ)...47
أسباب الهجرة من مكة...48
الأوّل: الحفاظ على الحرم...48
الثاني: الخوف من الاغتيال...49
الثالث: رسالة مسلم بن عقيل (عَلَيهِ السَّلَامُ)...49
خطابه الا في مكة...50
إتمام العمرة52…
الخروج قبل الحج...53
مع ابن الزبير...54
السفر إلى العراق...55
ملاحقة السلطة له...56
اتصال دمشق بالكوفة...57
موقف الأمويين...58
رسالة الوليد بن عتبة...59
اشتباه ابن عساکر وابن كثیر...59
رسالة الأشدق...60
مصادرة أموال ليزيد...60
مع الفرزدق...61
كتاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أهل الكوفة...63
مع أبي هرّة...66
مع بعض مشايخ العرب...66
فزع السيدة زينب(عَلَيها السَّلَامُ)...67
مع زهير بن القين (رضی الله عنه)...68
النبأ المفجع بمقتل مسلم(رضی الله عنه)...69
وصول النبأ بمصرع عبد اللّه بن يقطر(رضی الله عنه)...72
رؤيا الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...74
الالتقاء بالحرّ...74
خطاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...76
خطبة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...77
المشادة بين الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) له والحرّ...78
قول شاذّ...80
خطأ ابن عنبة...80
خطبة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...81
استقبال جماعة من الكوفيين للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...83
مع الطرماح...85
مع عبيد اللّه بن الحر الجعفى...87
مع عمرو بن قيس...90
رسالة ابن زياد للحر...91
موضع الخيام...93
في كربلاء
95 - 103
انتظار الأسدي للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...100
رسالة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ابن الحنفية...101
مع هرثمة بن سلمى...101
التحاق جماعة من صحابة النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...102
رسالة ابن زياد للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...102
زحف الکوفة للحرب
105 - 146
انتخاب ابن سعد قائداً عاماً...107
إخبار النبیّ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بسوء عاقبته...108
كراهية سعد له...108
لعن الرشيد له...109
توثيق العجلي لابن سعد...111
نزعات ابن سعد...111
1 - الخنوع للسلطة...111
2 - التهالك على السلطة...112
3- خسة الطبع...113
4 - الجبن...114
5 - الشك في البعث والنشور...114
دوافع انتخابه...115
حيرة ابن سعد...115
العاذلون له...116
الاستعراض العسكري...119
خطبة ابن مرجانة...119
تحريض سَمُرَة لحرب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...120
تمارض شَبَث بن ربعي...120
النفير العام...121
الرقابة الدقيقة على الكوفة...122
هرب الجنود...122
الطاغية في النخيلة...123
محاولة لاغتيال ابن زياد...123
عدد الجيش الأموى...123
التحقيق في الموضوع...124
القادة العسكريون...126
أدوات الحرب...127
أولاً: الرماة...128
ثانياً: الجوّالة...128
ثالثاً: المجففة...128
عدد أصحاب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...128
رسول ابن سعد مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...129
ابن سعد مع الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...131
رسالة ابن سعد لابن زياد...132
افتراء ابن سعد… 132
إفساد الشمر لمهمة السلام...133
رفض ابن زياد الحلول السلمية...134
الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع ابن سعد...136
أمان الشمر لإخوة العباس...137
منع الإمدادات...138
احتلال الفرات...138
الطباع اللئيمة...141
1- المهاجر بن أوس...141
2- عمرو بن الحجاج...141
3- عبداللّه بن أبي الحصين...141
الإنكار على ابن سعد...142
1- نافع بن هلال الجملي...142
2- برير بن خضير...142
3- الحرّ بن يزيد...143
العثور على عين ماء...144
القتال على الماء...144
استنجاد حبيب بأسرته...145
مع المعسکرین
147 - 163
المعسكر الحسينی...149
الأهداف العظيمة...149
1 - الدفاع عن الإسلام...149
2- حماية الإمام اللّه والدفاع عنه....150
3- تحرير الأمة من الجور...152
4- النزعات الفذّة...152
أولاً: الإباء والعزّة...153
ثانياً: البسالة والصمود...153
ثالثاً: الانضباط العسكري...156
عناصر جيش الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...157
الأول: الموالي...157
الثاني: العرب...158
المعسكر الأموي...158
1- فقدان الإرادة...158
2- القلق والحيرة...158
3- الفسق...160
عناصر الجيش...160
الأول: الانتهازيون...160
الثاني: المرتزقة...161
الثالث: الممسوخون...161
الرابع: المُكْرَهون...162
الخامس: الخوارج...162
المَاسَاةُ الخَالِدَةُ
زحف الجيش...167
تأجيل الحرب إلى الصبح...170
الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأذن لأصحابه بالتفرق...171
جواب أهل بيته(عَلَيهِم السَّلَامُ)...172
جواب الأصحاب (عَلَيهِم السَّلَامُ)...173
1- مسلم بن عوسجة (رضی الله عنه)...173
2- سعيد بن عبداللّه(رضی الله عنه)...174
3- زهير بن القين(رضی الله عنه)...175
الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يكشف مكيدة أهل الكوفة...175
مع محمّدبن بشير(رضی الله عنه)...176
أنّهزام فراس المخزومي...176
الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يأذن للمقاتل إذا كان عليه دين...177
الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نفسه...178
التخطيط العسكرى...179
إحياء الليل بالعبادة...181
استبشار أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...181
سخرية أصحاب الشمر بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...182
رؤيا الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...183
فزع عقائل الوحي...183
تطيب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحنوطه...184
يوم عاشوراء...184
دعاء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...185
إشعال النار في الخندق...186
هرير الممسوخين...186
1- شمر بن ذي الجوشن...186
2- محمّدبن الأشعث...187
3- عبداللّه بن حوزة...188
التعبئة العامة في المعسكرين...188
الاحتجاجات الصارمة...189
خطبة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...189
خطاب زهـیر(رضی الله عنه)...195
خطاب برير(رضی الله عنه)...197
خطاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...198
استجابة الحر(رضی الله عنه)...202
خطاب الحر(رضی الله عنه) للجيش...204
التحاق ثلاثين فارساً بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...205
الحرب...205
مَصَارِعُ الاَصحَابِ
207 - 247
الهجوم العام...209
عدد الشهداء من أصحاب الإمام (عَلَيهِ السَّلَامُ)...210
المبارزة بين المعسكرين...210
هجوم فاشل...212
مباهلة برير ليزيد...213
مصرع برير(رضی الله عنه)...214
شهادة عمرو بن قرظة الأنصاري (رضی الله عنه)...215
رفض الجيش الأموى للمبارزة...216
هجوم عمرو بن الحجاج...217
مصرع مسلم بن عوسجة (رضی الله عنه)...217
هجوم الشمر...219
مصرع عبداللّه الكلبي (رضی الله عنه)...219
استنجاد عزرة...220
فتح جبهة ثانية...212
محاولة الشمر لإحراق حرائر الوحي...222
إنكار حميد بن مسلم...223
توبيخ شَبَث بن ربعي...223
انتصاف النهار...224
مصرع حبیب (رضی الله عنه)...225
مصرع الحر(رضی الله عنه)...226
أداء فريضة الصلاة...228
مصرع سعيد الحنفي (رضی الله عنه)...228
مصرع زهير (رضی الله عنه)...229
مصرع نافع بن هلال (رضی الله عنه)...231
مصرع شوذب بن عبد اللّه الهَمْداني الشاكري (رضی الله عنه)...233
مصرع عابس الشاكري (رضی الله عنه)...233
هزيمة الضحاك...234
شهادة جون (رضی الله عنه)...235
شهادة حنظلة الشبامي (رضی الله عنه)...237
مصرع الحجاج بن مسروق الجعفي (رضی الله عنه)...238
مصرع عمرو بن جنادة (رضی الله عنه)...239
مصرع أنس الكاهلي (رضی الله عنه)...240
مصرع أبي الشعثاء يزيد بن زياد (رضی الله عنه)...241
مصرع الجَابِرِيَّين (رضی الله عنه)...242
مصرع الغفاريين اللّه مصرع الأنصاريين (رضی الله عنه)...242
شهادة أنيس بن معقل الأصبحي (رضی الله عنه)...243
مصرع قرّة الغفاري (رضی الله عنه)...243
مصرع يحيى المازني (رضی الله عنه)...243
الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع أصحابه...244
شهادة عبدالرحمن اليزني (رضی الله عنه)...245
الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع الشهداء (رحمة الله)...246
مصرع سويد الخثعمي (رضی الله عنه)...246
مصارع العترة الطاهرة
249 - 279
على الأكبر (عَلَيهِ السَّلَامُ)...251
مصارع آل عقیل (رحمة الله)...258
عبداللّه بن مسلم بن عقیل (رحمة الله)...259
جعفر بن عقيل (رحمة الله)...260
عبد الرحمن بن عقيل (رحمة الله)...261
عبد اللّه الأكبر بن عقيل بن أبي طالب (رحمة الله)...261
محمّدبن أبي سعيد بن عقيل (رحمة الله)...261
محمّدبن مسلم بن عقیل (رحمة الله)...262
عليّ بن عقيل (رحمة الله)...262
أبناء الإمام الحسن (عَلَيهِما السَّلَامُ)...262
عبد اللّه بن الحسن (عَلَيهِما السَّلَامُ)...262
القاسم بن الحسن (عَلَيهِما السَّلَامُ)...263
الحسن بن الإمام الحسن (عَلَيهِما السَّلَامُ)...265
عبداللّه بن الإمام الحسن (رحمة الله)...265
أبناء عبداللّه بن جعفر (رحمة الله)...266
عون بن عبد اللّه بن جعفر (رحمة الله)...266
محمّد بن عبد اللّه بن جعفر (رحمة الله)...267
عبیداللّه بن عبداللّه بن جعفر (رحمة الله)...268
إخوة الإمام الحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ)...268
العباس مع إخوته (عَلَيهِم السَّلَامُ)...268
قول رخيص...269
مصرع عبد اللّه ابن أمير المؤمنين (عَلَيهِما السَّلَامُ)...269
مصرع جعفر بن على (عَلَيهِما السَّلَامُ)...270
مصرع عثمان بن بن على (عَلَيهِما السَّلَامُ)...271
مصرع العباس ابن أمير المؤمنين(عَلَيهِما السَّلَامُ)...271
مصرع محمّد الأصغر (عَلَيهِ السَّلَامُ)...277
مصرع أبي بكر(عَلَيهِ السَّلَامُ)...278
مصرع العباس الأصغر (عَلَيهِ السَّلَامُ)...278
مَصرَعُ الأِمامِ العَظيمِ
281 - 338
استغاثة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...284
مصرع الرضيع (عَلَيهِ السَّلَامُ)...285
صمود الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...287
موقف المكرهين...289
فزع ابن سعد...289
استيلاء الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) على الماء...290
الهجوم على خيم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...290
خطاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الأخير...292
الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) طلب ثوباً خَلِقاً...292
وداعه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لعياله...293
الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع ابن رباح...297
مناجاته (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع اللّه تعالى...298
الهجوم عليه...299
خروج العقيلة (عَلَيها السَّلَامُ)...300
الفاجعة الكبرى...300
القاتل الأثيم...302
الأول: سنان بن أنس...303
الثاني: شمر بن ذي الجوشن...303
الثالث: عمر بن سعد...303
الرابع: خولي بن يزيد الأصبحي...303
الخامس: شبل بن يزيد الأصبحي...304
السادس: الحصين بن نمير...304
السابع: رجل من مذحج...304
الثامن: المهاجر بن أوس التميمي...304
عُمْر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وسنة شهادته...305
امتداد الحمرة في السماء...306
فرس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...307
حرق الخيام...307
سلب جثة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...308
سلب حرائر النبوة (عَلَيهِم السَّلَامُ)...310
الهجوم على الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...312
الخيل تدوس الجثمان الطاهر...312
العقيلة أمام الجثمان العظيم...314
سنان يطلب الجائزة...314
القبائل تقتسم الرؤوس...316
عودة الطاغية إلى الكوفة...317
ليلة الحادي عشر...317
عدد الضحايا من أهل البيت (عَلَيهِمَ السَّلَامُ)...318
الجرحى من أصحاب الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...322
الناجون من القتل...322
خسائر ابن سعد...324
رؤيا ابن عباس رؤيا أم سلمة...324
خولي يحمل رأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...326
الطاغية مع قاتل الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...327
تشفى ابن زياد برأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...328
رجوع القوات المسلحة...329
حزن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...331
مواراة الجثث الطاهرة...331
فضل زيارة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...335
دعاء الإمام الصادق (عَلَيهِم السَّلَامُ) للزوار الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...336
سبایا اهل البیت فی الکوفه
339 - 372
خطاب السيدة زينب (عَلَيهَا السَّلَامُ)...343
صدى الخطاب...345
خطاب السيدة فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)...345
صدى الخطاب...348
خطاب السيدة أم كلثوم (عَلَيهَا السَّلَامُ)...349
خطاب الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...349
في مجلس ابن زياد...351
الطاغية مع عقيلة الوحي(عَلَيهَا السَّلَامُ)...351
الطاغية مع زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...353
ثورة ابن عفيف الأزدي (رضی الله عنه)...355
العفو عن ابن المغفل...358
إلقاء القبض على جندب...359
الطاغية مع قيس...359
تقوير الرأس الشريف...360
الطواف بالرأس العظيم...361
حبس عقائل الوحي...361
اختطاف علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...362
ندم ابن سعد...363
ابن زياد يطالب ابن سعد بالكتاب...363
التنديد بابن زياد...364
1 - مرجانة...364
2- عثمان بن زياد...365
3- معقل بن يسار...365
الإنكار على ابن سعد...365
الاستياء الشامل...366
ندم أهل الكوفة...368
1 - البراء بن عازب...368
2 - المسيب بن نَجَبة...369
3- شريك بن جدير التغلبي...370
4 - سليمان بن صُرَد الخزاعي...370
5- عبيد اللّه بن الحرّ الجعفي...370
الهجرة من الكوفة الكوفة...371
سَبَایَا آلِ الرَّسُولِ فِی دِمَشقٍ
373 -419
تسيير الرؤوس...375
تسريح العائلة النبوية...375
تشييع أهل الكوفة للأسرى...376
تزيين الشام...376
الشامي مع الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...379
سرور یزید...380
رأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بين يدي يزيد...381
نصب الرأس في جامع دمشق...383
رأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند نساء يزيد...383
السبايا في مجلس يزيد...383
خطاب السيدة زينب...385
محتويات الخطاب...389
جواب یزید...391
صدى الخطاب...391
خطاب الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...392
صدى الخطاب...397
الشامي مع يزيد...397
الإمام السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ) مع المنهال...399
النياحة على الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...399
مكافأة ابن مرجانة...400
ندم الطاغية...401
المنكرون والناقمون...402
1- ممثل ملك الروم...402
2- حبر يهودي...403
3- قيصر ملك الروم...404
4- رأس الجالوت...404
5- واثلة بن الأسقع...404
6 - ابن عباس...405
7- ابن الزبير...406
8- عبد اللّه بن عمر...407.
9 - أبو برزة...407
10- الحسن البصري...408
11- الربيع بن خُثَيم...408
12- الأسرة الأموية...408
1- يحيى بن الحكم...408
2- عاتكة بنت يزيد...409
3- هند بنت عبداللّه...409
4- معاوية بن يزيد...409
5- عمر بن عبدالعزيز...411
مخاريق وأباطيل...411
1- ابن تيمية...411
2- محمّدالغزالي...412
3- ابن العربي...412
4- ابن حجر...413
5- أنيس زكريا...414
6- الدكتور النجار...414
7- محمّدعزّة دروزة...414
آراء صائبة...415
1- رأي الدكتور طه حسين...415
2- رأي التفتازاني...416
3- رأي اليافعي...416
4 - رأي أحمد بن حنبل...416
5- رأي المعتضد العباسي...417
الرحیل الی یثرب
421 - 446
اعتذار الطاغية من زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...423
عرض الأموال لآل البيت(عَلَيهِم السَّلَامُ)...424
ردّ السيدة أُمّ كلثوم...424
طلبة الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...425
السفر إلى يثرب...425
وصول النبأ إلى يثرب...426
خطاب الأشدق...426
فجيعة الهاشميين...428
مأتم عبداللّه بن جعفر...429
رزية ابن عبّاس...429
المِسْوَر مع ابن الزبير...430
رأس الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في يثرب...431
عودة السبايا إلى كربلاء...432
إلى يثرب...432
نعي بشر للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...433
خطاب الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...434
مكافأة الحرس...436
حزن الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)...436
رثاء الشعراء...437
الإمام زين العابدين (عَلَيهِ السَّلَامُ)يسدد عدات أبيه (عَلَيهِ السَّلَامُ)...438
لوعة الهاشميين...438
حزن العقيلة...439
لوعة الرباب...439
أحزان أُمّ البنين...440
مصير الرأس العظيم...441
أوّلاً: في كربلاء...441
ثانياً: في البقيع...442
ثالثاً: في النجف.. 442
رابعاً: في دمشق...444
خامساً: في فارس...444
سادساً: في مصر...445
معطيات الثورة
447 - 468
انتصار القضية الإسلامية...449
هزيمة الأمويين...451
أوّلاً: تجريدهم من الواقع الإسلامي...451
ثانياً: شيوع النقمة والإنكار عليهم...452
ثالثاً: تحوّل الخلافة عن بني أمية...452
التدليل على واقع أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)...452
تركيز التشيع...453
توحيد صفوف الشيعة...454
تكوين الحس الاجتماعي...455.
تفجير المواهب...455
منابر الوعظ والتوجيه...457
امتداد الثورة...458
الأولى: ثورة عبداللّه بن عفيف...458
الثانية: ثورة ابن الزبير...458
الثالثة: ثورة المدينة...459
الرابعة: ثورة التوابين...460
قرارات المؤتمر...461
إعلان الثورة...461
الثورة في كربلاء...462
المسير إلى عين الوردة...463
الخامسة: ثورة المختار...463
فزع السفاكين المجرمين...465
الإبادة الشاملة...466
استمرار الثورة...467
مصادر الكتاب...469
محتويات الكتاب...515